######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0021512 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 728 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر منهاج السنة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب ابن تيمية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0021512 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-21512 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/21512 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1426 هـ - 2005 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الصديق للنشر والتوزيع، صنعاء - الجمهورية اليمنية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # مختصر منهاج السنة # لأبي العباس شيخ الإسلام أحمد بن تيمية # رحمه الله # اختصره # الشيخ عبد الله الغنيمان # المدرس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية # بالمدينة المنورة # الجزء الأول 1410ه # PageV00P000 ### | المقدمة # الحمد لله مظهر الحق ومعليه، وقاطع الباطل وذويه، قال الله تعالى: {بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} ، {وقل ~~جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل ~~وما يعيد} . أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. # أما بعد: (فإن منهاج السنة النبوية في نقض دعاوي الرافضة والقدرية) من ~~أعظم كتب الإمام المجاهد الصابر المصابر شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن ~~عبد السلام بن تيمية، قد ناضل فيه عن الحق وأهله، ودحض الباطل وفضحه. وشباب ~~الاسلام اليوم بأمس الحاجة إلى قراءة هذا الكتاب، # ومعرفة محتواه حيث أطل الرفض على كل بلد من بلاد الاسلام، وغيرها بوجهه ~~الكريه، وكشر عن أنيابه الكالحة، وألقى حبائله أمام من لا يعرف حقيقته، ~~مظهرا غير مبطن ديدن كل منافق مفسد ختال، فاغتر به من يجهل حقيقته، ومن لم ~~يقرأ مثل هذا الكتاب. # والغالب على مذاهب أهل البدع والأهواء، أنها تتراجع عن الشطح وعظيم ~~الضلال ما عدا مذهب الرفض فإنه يزداد بمرور الأيام تطرفا وانحدارا، وتماديا ~~في محاربة أولياء الله وأنصار دينه، وقد ملئت كتب الرافضة بالسباب والشتائم ~~واللعنات لخير خلق الله بعد الأنبياء، أعني، أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ورضي الله عنهم، وهم لا يتورعون عن تكفير الصحابة، ولا سيما ~~كبارهم وسادتهم، مثل أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ~~وإخوانهم _ رضوان الله عليهم _ الذين اطفؤوا نار المجوس، وهدموا معبوداتهم، ~~وإكفار الصحابة ومن يتولاهم في كتبهم المعتمدة عندهم لا يحصره نقل، فهم ~~يتعبدون # PageV01P007 # بلعن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعتقدون أن ms001 الشيعة ~~بأئمتهم هم الناس، وما عداهم همج للنار وإلى النار، والله لا يقبل من مسلم ~~حسنة مهما بالغ في الإحسان ما لم يكن شيعيا كما في كتابهم (الوافي، الباب ~~السابع والثامن بعد المائة) ، وفي (الكافي) أحد الكتب الموثوق بها - عندهم ~~- ما يبين عن حقدهم الدفين على الاسلام ومن جاء به، ومن حمله واعتنقه، وهم ~~يرون أن القرآن نزل لشيئين أحدهما: الثناء والمدح على علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - وإعلاء شأنه وذريته، والثاني: ثلب أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وذكر معايبهم، ولهذا قالوا: إنه ضاع من القرأن ثلثاه أو ~~ثلاثة أرباعه، وهم يعتمدون في دينهم على الكذب الذي يلصقونه بأئمتهم، ~~والادعاءات الكاذبة فصاروا من أكذب الناس، وأكثرهم تصديقا للكذب، وتصديقا ~~بالباطل، ومع ذلك يرمون الصحابة بالنفاق، ونبتهل إلى الله تعالى أن يزيدهم ~~غيظا وأن يكبتهم بكمدهم وكل من غاظه الاسلام. # ولما كان كتاب منهاج السنة مشتملا على مباحث مطولة. وغير مطولة في الرد ~~على القدرية والمتكلمين وغيرهم من سائر الطوائف أحببت أن أجرد ما يخص ~~الرافضة من الرد عليهم فيما يتعلق بالخلافة والصحابة وأمهات المؤمنين وغير ~~ذلك. ولم أضف إليه شيئا من عندي، لا في أصله، # ولا تعليقا، لأن كلام الإمام ابن تيمية فيه من القوة والرصانة والمتانة ~~ما يغني عن كل تعليق، وعليه من نور الحق ووضوح البيان وقوة الحجة ما لا ~~يحتاج إلى غيره. فالله يجزيه على جهاده ومنافحته عن الاسلام وأهله خير ~~الجزاء، ونسأله تعالى أن يشركنا معه في جهاده وجزائه إنه خير مسؤول، وأكرم ~~مأمول، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وأصحابه. # PageV01P008 # قال شيخ الإسلام: # الحمد لله الذي {بعث النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ~~ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من ~~الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} (1) . # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ms002 لا شريك له، كما شهد هو سبحانه وتعالى أنه ~~لا إله إلا هو، والملائكة، وأولو العلم، قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم. # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ختم به أنبياءه، وهدى به أولياءه، ونعته ~~بقوله في القرآن الكريم: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص ~~عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم} (2) . صلى الله عليه أفضل صلاة وأكمل تسليم. # (أما بعد) : فإنه أحضر إلي طائفة من أهل السنة والجماعة كتابا صنفه بعض ~~شيوخ الرافضة، في عصرنا منفقا لهذه البضاعة، يدعو به إلى # مذهب الرافضة الإمامية، من أمكنه دعوته من ولاة الأمور وغيرهم، أهل ~~الجاهلية، ممن قلت معرفتهم بالعلم والدين، ولم يعرفوا أصل دين المسلمين. # وأعانه على ذلك من عادتهم إعانة الرافضة، من المتظاهرين بالإسلام، من ~~أصناف الباطنية الملحدين، الذي هم في الباطن من الصابئة الفلاسفة الخارجين ~~عن حقيقة متابعة المرسلين، الذين لا يوجبون اتباع دين الإسلام، ولا يحرمون ~~اتباع ما سواه من الأديان، بل يجعلون الملل بمنزلة المذاهب السياسية التي ~~يسوغ أتباعها، وأن النبوة من السياسة العادلة التي وضعت لمصلحة العامة في ~~الدنيا. PageV01P009 # فإن هذا الصنف يكثرون ويظهرون إذا كثرت الجاهلية وأهلها، ولم يكن هناك من ~~أهل العلم بالنبوة والمتابعة لها من يظهر أنوارها الماحية لظلمة الضلال، ~~ويكشف ما في خلافها من الإفك والشرك والمحال. # وهؤلاء لا يكذبون بالنبوة تكذيبا مطلقا، بل هم يؤمنون ببعض أحوالها ~~ويكفرون ببعض الأحوال، وهم متفاوتون فيما يؤمنون به ويكفرون من تلك الخلال، ~~فلهذا يلتبس أمرهم بسبب تعظيمهم للنبوات على كثير من أهل الجهالات. # والرافضة والجهمية هم الباب لهؤلاء الملحدين، ومنهم يدخلون إلى أصناف ~~الإلحاد في أسماء الله وفي آيات كتابه المبين، كما قرر ذلك رؤوس الملحدة من ~~القرامطة الباطنية، وغيرهم من المنافقين. # وذكر من أحضر هذا الكتاب أنه من أعظم الأسباب في تقرير مذاهبهم عند من ~~مال إليهم، من الملوك وغيرهم، وقد صنفه للملك المعروف الذي سماه: ms003 خدابنده، ~~وطلبوا مني بيان ما في هذا الكتاب من الضلال وباطل الخطاب، لما في ذلك من ~~نصر عباد الله المؤمنين، وبيان بطلان أقوال المفترين الملحدين، فأخبرتهم أن ~~هذا الكتاب وإن كان من أعلى ما يقولونه في باب الحجة والدليل، فالقوم من ~~أضل الناس عن سواء السبيل. فإن الأدلة إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من ~~أضل الناس في المنقول والمعقول، في # المذهب التقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله تعالى فيهم: {وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (1) . # وهم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من ~~المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من ~~الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلا بعد جيل. # ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأخبار بين المعروف الكذب، أو الغلط، أو ~~الجهل، بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم، والآثار، ~~وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد، وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات. فتارة ~~يتبعون المعتزلة والقدرية، وتارة يتبعون المجسمة والجبرية. PageV01P010 # وهم من أجهل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم ~~والدين، من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين، ومنهم من أدخل على الدين من ~~الفساد، ما لا يحصيه إلا رب العباد فملاحدة الاسماعيلية، والنصيرية، وغيرهم ~~من الباطنية المنافقين، من بابهم دخلوا. # وأعداءالاسلام من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا بهم على ~~بلاد الإسلام، وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام، وجرى على ~~الأمة بمعاونتهم من فساد الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا رب العالمين. # إذا كان أصل المذهب من إحداث الزنادقة المنافقين، الذين عاقبهم في حياته ~~علي أمير المؤمنين - رضي الله عنه - فحرق منهم طائفة بالنار، وطلب قتل ~~بعضهم ففروا من سيفه البتار، وتوعد بالجلد طائفة مفترية فيما عرف عنه من ~~الأخبار، إذ قد تواتر عنه من الوجوه الكثيرة أنه قال. على منبر الكوفة، وقد ~~أسمع من حضر: ((خير هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر ثم عمر)) (1) # وبذلك أجاب ابنه محمد بن الحنفية، ms004 فيما رواه البخاري، في صحيحه وغيره من ~~علماء الملة الحنيفية. # ولهذا كانت الشيعة المتقدمون الذين صحبوا عليا، أو كانوا في ذلك الزمان، ~~لم يتنازعوا في تفضيل أبي بكر وعمر، وإنما كان نزاعهم في تفضيل علي وعثمان، ~~وهذا مما يعترف به علماء الشيعة الأكابر من الأوائل والأواخر حتى ذكر مثل ~~ذلك أبو القاسم البلخي. # قال: سأل سائل شريك بن عبد الله، فقال له أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ ~~فقال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له نعم. من لم ~~يقل هذا فليس شيعيا، والله لقد رقى هذه الأعواد علي، فقال: ألا إن خير هذه ~~الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر فكيف نرد قوله؟ وكيف نكذبه؟ والله ما كان ~~كذابا. نقل هذا عبد الجبار الهمداني في كتاب تثبيت النبوة (2) . # قال ذكره أبو القاسم البلخي في النقض على ابن الراوندي على اعتراضه على ~~الجاحظ. PageV01P011 ### | ### | (فصل) # # فلما ألحوا في طلب الرد لهذا الضلال المبين، ذاكرين أن في الإعراض عن ذلك ~~خذلانا للمؤمنين، وظن أهل الطغيان نوعا من العجز عن رد البهتان، فكتبت ما ~~يسره الله تعالى من البيان، وفاء بما أخذه الله من الميثاق على أهل العلم ~~والإيمان، وقياما بالقسط وشهادة لله، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن ~~يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تولوا ~~أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا} (1) ... . # واللي هو تغيير الشهادة، والإعراض هو كتمانها. # والله تعالى قد أمر بالصدق والبيان، ونهى عن الكذب والكتمان، فيما يحتاج ~~إلى معرفته وإظهاره، كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث المتفق ~~عليه: ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، ~~وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما)) (2) . # لا سيما الكتمان إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، كما في الأثر (إذا لعن آخر ~~هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليظهره، ms005 فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما ~~أنزل الله على محمد) (3) . # وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين، تصديقا وعلما وعملا، ~~وتبليغا، فالطعن فيهم طعن في الدين، موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين. # وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع، فإنما كان قصده الصد عن سبيل ~~الله، وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله تعالى، ولهذا كانوا # يظهرون ذلك بحسب ضعف الملة، فظهر في الملاحدة حقيقة هذه البدعة المضلة. # لكن راج كثير منها على من ليس من المنافقين الملحدين، لنوع من الشبهة ~~والجهالة المخلوطة بهوى، فقبل معه الضلالة وهذا أصل كل باطل، قال تعالى: ~~{والنجم إذا PageV01P012 # هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} فنزه ~~الله رسوله عن الضلال والغي، والضلال عدم العلم، والغي اتباع الهوى كما قال ~~تعالى {وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} (1) فالظلوم غاو، والجهول ضال، ~~إلا من تاب الله عليه. # وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة، فإنهم إن يتبعون إلا الظن ~~وما تهوى الأنفس، ففيهم جهل وظلم، لا سيما الرافضة، فإنهم أعظم ذوي الأهواء ~~جهلا وظلما، يعادون خيار أولياء الله تعالى - من بعد النبيين، من السابقين ~~الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله عنه - م ~~ورضوا عنه، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين وأصناف ~~الملحدين، كالنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الضالين، فتجدهم أو كثيرا منهم ~~إذا اختصم خصمان في ربهم من المؤمنين والكفار، واختلف الناس فيما جاءت به ~~الأنبياء فمنهم من آمن ومنهم من كفر، سواء كان الاختلاف بقول أو عمل، ~~كالحروب التي بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين. # تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن، كما قد ~~جربه الناس منهم غير مرة، في مثل إعانتهم للمشركين من الترك وغيرهم على أهل ~~الإسلام، بخراسان والعراق والجزيرة والشام، وغير ذلك. # وإعانتهم للنصارى على المسلمين بالشام، ومصر وغير ذلك في وقائع متعددة. # من أعظم الحوادث التي كانت في الإسلام، في المائة الرابعة والسابعة، فإنه ms006 ~~لما قدم كفار الترك إلى بلاد الإسلام، وقتل من المسلمين ما لا يحصي # عدده إلا رب الأنام، كانوا من أعظم الناس عداوة للمسلمين ومعاونة ~~للكافرين، وهكذا معاونتهم لليهود أمر شهير، حتى جعلهم الناس لهم كالحمير. ### | (فصل) # مشابهة الرافضة لليهود والنصارى من وجوه كثيرة # وهذا المصنف سمى كتابه: منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، وهو خليق بأن ~~يسمى: منهاج الندامة، كما أن من ادعى الطهارة، وهو من الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم، بل من PageV01P013 # أهل الجبت والطاغوت والنفاق، كان وصفه بالنجاسة والتكدير، أولى من وصفه ~~بالتطهير. # ومن أعظم خبث القلوب أن يكون في قلب العبد غل لخيار المؤمنين، وسادات ~~أولياء الله بعد النبيين، ولهذا لم يجعل الله تعالى في الفيء نصيبا لمن ~~بعدهم، إلا الذين يقولون: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ~~ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} . # ولهذا كان بينهم وبين اليهود من المشابهة واتباع الهوى وغير ذلك من أخلاق ~~اليهود. # وبينهم وبين النصارى من المشابهة في الغلو والجهل، واتباع الهوى وغير ذلك ~~من أخلاق النصارى، ما أشبهوا به هؤلاء من وجه وهؤلاء من وجه، وما زال الناس ~~يصفونهم بذلك. # ومن أخبر الناس بهم الشعبي، وأمثاله من علماء الكوفة. # وقد ثبت عن الشعبي أنه قال: ما رأيت أحمق من الخشبية، لو كانوا من الطير ~~لكانوا رخما، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرا، والله لو طلبت منهم أن ~~يملؤا هذا البيت ذهبا على أن أكذب على علي لأعطوني، والله ما أكذب عليه ~~أبدا، وقد روي هذا الكلام عنه مبسوطا لكن، الأظهر أن المبسوط من كلام غيره. # كما روى أبو حفص بن شاهين (1) في كتاب اللطف في السنة: حدثنا محمد بن أبي ~~القاسم بن هارون، حدثنا أحمد بن الوليد الواسطي، حدثني جعفر بن نصير الطوسي ~~الواسطي، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه، قال. قال الشعبي: أحذركم ~~أهل هذه الأهواء المضلة، وشرها الرافضة، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا ~~رهبة، ولكن مقتا لأهل ms007 الاسلام وبغيا عليهم، وقد حرقهم علي - رضي الله عنه - ~~ونفاهم إلى البلدان. # ومنهم عبد الله بن سبأ من يهود صنعاء، نفاه إلى سباباط، وعبد الله بن ~~يسار نفاه إلى خاذر، وآية ذلك أن محنة الرافضة، محنة اليهود. قالت اليهود: ~~لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة لا تصلح الإمامة إلا في ولد ~~علي، وقالت اليهود: لا جهاد في PageV01P014 # سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال، وينزل سيف من السماء، وقالت الرافضة: ~~لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي، وينادي مناد من السماء. # واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب ~~إلى اشتباك النجوم، والحديث عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ~~((لا تزال أمتي على الفطرة مالم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم)) (1) . # واليهود تزول عن القبلة شيئا، وكذلك الرافضة، واليهود تنود في الصلاة، ~~وكذلك الرافضة، واليهود تسدل أثوابها في الصلاة، وكذلك الرافضة. # واليهود لا يرون على النساء عدة، وكذلك الرافضة، واليهود حرفوا التوراة، ~~وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. واليهود قالوا: افترض الله علينا خمسين صلاة، ~~وكذلك الرافضة. # واليهود لا يخلصون السلام على المؤمنين إنما يقولون: السام عليكم _ ~~والسام الموت _ وكذلك الرافضة، واليهود لا يأكلون الجري (2) والمرماهى. ~~والذناب، وكذلك الرافضة. # واليهود لا يرون المسح على الخفين، وكذلك الرافضة. # واليهود يستحلون أموال الناس كلهم، وكذلك الرافضة. وقد أخبرنا الله عنهم ~~في القرآن أنهم: {قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} (3) وكذلك الرافضة. # واليهود تسجد على قرونها في الصلاة، وكذلك الرافضة، واليهود لا تسجد حتى ~~تخفق برؤوسها مرارا شبه الركوع، وكذلك الرافضة. # واليهود تبغض جبريل، ويقولون هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة، ~~يقولون غلط جبريل بالوحي على محمد. PageV01P015 # وكذلك الرافضة وافقوا النصارى في خصلة: النصارى ليس لنسائهم صداق إنما ~~يتمتعون بهن تمتعا، وكذلك الرافضة يتزوجون بالمتعة، ويستحلون المتعة، وفضلت ~~اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين، سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ ~~قالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى. ~~وسئلت الرافضة من شر أهل ms008 ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد. # أمروا بالاستغفار لهم، فسبوهم والسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا ~~تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم ولا تجتمع لهم كلمة، ولا تجاب لهم دعوة، ~~دعوتهم مدحوضة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم متفرق، كلما أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله. # (قلت) : هذا الكلام بعضه ثابت عن الشعبي كقوله: لو كانت الشيعة من ~~البهائم لكانوا حمرا، ولو كانت من الطير لكانوا رخما، فإن هذا ثابت عنه. # قال ابن شاهين: حدثنا محمد بن العباس النحوي، حدثنا إبراهيم الحربي، ~~حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا مالك بن مغول، ~~فذكره وأما السياق المذكور، فهو معروف عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن ~~أبيه، عن الشعبي. # وروى أبو عاصم خشيش بن أصرم (1) في كتابه ورواه من طرقه أبو عمرو ~~الطلمنكي، في كتابه في الأصول، قال. حدثنا ابن جعفر الرقي، عن عبد الرحمن ~~بن مالك بن مغول، عن أبيه، قال قلت لعامر الشعبي: ما ردك عن هؤلاء القوم، ~~وقد كنت فيهم رأسا، قال رأيتهم يأخذون بأعجاز لا صدور لها. # ثم قال لي: يا مالك لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدا، أو يملؤا لي بيتي ~~ذهبا، أو يحجوا إلى بيتي هذا، على أن أكذب على علي - رضي الله عنه - ~~لفعلوا، ولا. والله أكذب عليه أبدا، يا مالك إني قد درست أهل الأهواء فلم ~~أر فيهم أحمق من الخشبية، فلو كانوا من الطير لكانوا رخما، ولو كانوا من ~~الدواب لكانوا حمرا، يا مالك لم يدخلوا في الإسلام رغبة فيه لله ولا رهبة ~~من الله، ولكن مقتا من الله عليهم، وبغيا منهم على أهل الإسلام. # يريدون أن يغمصوا دين الإسلام، كما غمص بولص بن يوشع ملك اليهود دين ~~PageV01P016 # النصرانية، ولا تتجاوز صلاتهم آذانهم. # قد حرقهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالنار، ونفاهم من البلاد. # منهم عبد الله بن سبأ، يهودي من يهود صنعاء، نفاه إلى ساباط وأبو بكر ~~الكروس، نفاه إلى الجابية، وحرق منهم قوما، أتوه فقالوا: أنت هو. فقال: من ms009 ~~أنا. فقالوا: أنت ربنا. فأمر بنار فأججت، فألقوا فيها، وفيهم قال علي - رضي ~~الله عنه -: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # يا مالك إن محنتهم محنة اليهود، قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل ~~داود، وكذلك قالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي. # وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال وينزل سيف من ~~السماء، وكذلك الرافضة قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل ~~محمد وينادي مناد من السماء اتبعوه. # وقالت اليهود: فرض الله علينا خمسين صلاة في كل يوم وليلة، وكذلك قالت ~~الرافضة. # واليهود لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم، وقد جاء عن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: ((لا تزال أمتي على الإسلام مالم تؤخر المغرب إلى اشتباك ~~النجوم)) (1) مضاهاة لليهود، وكذلك الرافضة، واليهود إذا صلوا زالوا عن ~~القبلة شيئا، وكذلك الرافضة. # واليهود تنود في صلاتها، وكذلك الرافضة. واليهود يسدلون أثوابهم في ~~الصلاة، وقد بلغني أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مر برجل سادل ثوبه ~~فعطفه عليه، وكذلك الرافضة. # واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. واليهود يسجدون في ~~صلاة الفجر الكندرة، وكذلك الرافضة. واليهود لا يخلصون بالسلام إنما ~~يقولون: سام عليكم. وهو الموت _ وكذلك الرافضة، PageV01P017 # واليهود عادوا جبريل فقالوا: هو عدونا. وكذلك الرافضة قالوا: أخطأ جبريل ~~بالوحي. واليهود يستحلون أموال الناس، وقد نبأنا الله عنهم أنهم قالوا ~~{قالوا ليس علينا في الأميين سبيل} ، وكذلك الرافضة يستحلون مال كل مسلم. # واليهود ليس لنسائهم صداق وإنما يتمتعون متعة، وكذلك الرافضة يستحلون ~~المتعة، واليهود يستحلون دم كل مسلم، وكذلك الرافضة. # واليهود يرون غش الناس، وكذلك الرافضة. واليهود لا يعدون الطلاق شيئا إلا ~~عند كل حيضة، وكذلك الرافضة. # واليهود لا يرون العزل عن السراري، وكذلك الرافضة. واليهود يحرمون الجري ~~والمرماهى، وكذلك الرافضة. # واليهود حرموا الأرنب والطحال، وكذلك الرافضة. واليهود لا يرون المسح على ~~الخفين، وكذلك الرافضة. واليهود لا يلحدون، وكذلك الرافضة. وقد ألحد لنبينا ~~صلى الله ms010 تعالى عليه وسلم. واليهود يدخلون مع موتاهم في الكفن سعفة رطبة، ~~وكذلك الرافضة. # ثم قال يا مالك: وفضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ~~ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري ~~عيسى، وقيل للرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا: حواري محمد _ يعنون بذلك طلحة ~~والزبير _ أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، والسيف مسلول عليهم إلى يوم ~~القيامة، ودعوتهم مدحوضة، ورايتهم مهزومة، وأمرهم متشتت، كلما أوقدوا نارا ~~للحرب أطفأها الله، ويسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب المفسدين. # وقد روى أبو القاسم الطبري (1) في شرح أصول السنة نحو هذا الكلام من حديث ~~وهب بن بقية الواسطي، عن محمد بن حجر الباهلي، عن عبد الرحمن بن مالك بن ~~مغول من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا، وبعضها يزيد على بعض، لكن عبد الرحمن ~~بن مالك بن مغول ضعيف، وذم الشعبي لهم ثابت من طرق أخرى، لكن لفظ الرافضة ~~إنما ظهر لما PageV01P018 # رفضوا زيد بن علي بن الحسين، في خلافة هشام، وقصة زيد بن علي بن الحسين، ~~كانت بعد العشرين ومائة سنة إحدى وعشرين، أو اثنتين وعشرين ومائة في آخر ~~خلافة هشام. قال أبو حاتم البستي: قتل زيد بن علي بن الحسين بالكوفة سنة ~~اثنتين وعشرين، فصلب على خشبة، وكان من أفاضل أهل البيت وعلمائهم، وكانت ~~الشيعة تنتحله. ### | متى سموا رافضة وكذا الزيدية # (قلت) : ومن زمن خروج زيد افترقت الشيعة إلى رافضة وزيدية، فإنه لما سئل ~~عن أبي بكر وعمر. فترحم عليهما، رفضه قوم فقال لهم: رفضتموني، فسموا رافضة، ~~لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيديا، لانتسابهم إليه، ولما صلب ~~كانت العباد تأتي إلى خشبته بالليل، فيتعبدون عندها. # والشعبي توفي في أوائل خلافة هشام، أواخر خلافة يزيد بن عبد الملك أخيه، ~~سنة خمس ومائة، أو قريبا من ذلك. فلم يكن لفظ الرافضة معروفا إذ ذاك. # وبهذا وغيره يعرف كذب لفظ الأحاديث المرفوعة التي فيها لفظ الرافضة، ولكن ~~كانوا يسمون بغير ذلك الاسم، كما يسمون بالخشبية ms011 لقولهم إنا لا نقاتل ~~بالسيف إلا مع إمام معصوم، فقاتلوا بالخشب. # ولهذا جاء في بعض الروايات عن الشعبي: ما رأيت أحمق من الخشبية، فيكون ~~المعبر عنهم بلفظ الرافضة ذكره بالمعنى، مع ضعف عبد الرحمن، ومع أن الظاهر ~~أن هذا الكلام، إنما هو نظم عبد الرحمن بن مالك بن مغول وتأليفه، وقد سمع ~~منه طرفا عن الشعبي، وسواء كان هو ألفه ونظمه لما رآه من أمور الشيعة في ~~زمانه، ولما سمع عنهم، أو لما سمع من أقوال أهل العلم فيهم، أو بعضه أو ~~مجموع الأمرين، أو بعضه لهذا وبعضه لهذا، فهذا الكلام معروف بالدليل الذي ~~لا يحتاج فيه إلى نقل وإسناد، وقول القائل: إن الرافضة تفعل كذا، المراد به ~~بعض الرافضة، كقوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله} (1) {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم} (2) . ~~PageV01P019 # لم يقل ذلك كل يهودي، بل فيهم من قال ذلك. وما ذكره موجود في الرافضة. # وفيهم أضعاف ما ذكره، مثل تحريم بعضهم للحم الإوز، والجمل، مشابهة ~~لليهود. # ومثل جمعهم بين الصلاتين دائما، فلا يصلون إلا في ثلاثة أوقات، مشابهة ~~لليهود. # ومثل قولهم إنه لا يقع الطلاق إلا بالإشهاد على الزوج مشابهة لليهود، ~~ومثل تنجيسهم لأبدان غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب وتحريمهم لذبائحهم، ~~وتنجيسهم ما يصيب ذلك من المياه والمائعات، وغسل الآنية التي يأكل منها ~~غيرهم، مشابهة للسامرة الذين هم شر اليهود، ولهذا تجعلهم الناس في المسلمين ~~كالسامرة في اليهود. # ومثل استعمالهم التقية، وإظهار خلاف ما يبطنون من العداوة، مشابهة لليهود ~~ونظائر ذلك كثير. ### | ذكر بعض حماقات الرافضة # وأما سائر حماقاتهم فكثيرة جدا، مثل كون بعضهم لا يشرب من نهر حفره يزيد، ~~مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - والذين كانوا معه كانوا يشربون من آبار ~~وأنهار حفرها الكفار. # وبعضهم لا يأكل من التوت الشامي، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ومن معه كانوا يأكلون مما يجلب من بلاد الكفار، من الجبن، ويلبسون ما تنسجه ~~الكفار، بل غالب ثيلبهم كانت من ms012 نسيج الكفار. # ومثل كونهم يكرهون التكلم بلفظ العشرة، أو فعل أي شيء يكون عشرة، حتى في ~~البناء لا يبنون على عشرة أعمدة، ولا بعشرة جذوع ونحو ذلك، لكونهم يبغضون ~~خيار الصحابة _ وهم العشرة _ المشهود لهم بالجنة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ~~وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن ~~بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضوان الله عليهم أجمعين، يبغضون هؤلاء إلا ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ويبغضون السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار، الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تحت الشجرة، ~~وكانوا ألفا وأربعمائة. # وقد أخبر الله أنه قد رضي عنهم. وثبت في صحيح مسلم وغيره، عن جابر أيضا. ~~أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: # PageV01P020 # يا رسول الله والله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: ((كذبت، إنه شهد بدرا والحديبية)) (1) . # وهم يتبرؤون من جمهور هؤلاء. بل يتبرؤون من سائر أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، إلا نفرا قليلا نحو بضعة عشر، ومعلوم أنه لو فرض في ~~العالم عشرة من أكفر الناس، لم يجب هجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه ~~وتعالى لما قال: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون} ~~(2) . # لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع، ~~كقوله تعالى في متعة الحج: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة} (3) . # وقال تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة} (4) . # وقال تعالى: {والفجر وليال عشر} . # وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتكف العشر ~~الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله تعالى (5) . # وقال في ليلة القدر التمسوها في العشر الأواخر (6) . # وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من أيام ~~العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) (7) نظائر ذلك ~~متعددة. # ومن ms013 العجيب أنهم يوالون لفظ التسعة، وهم يبغضون التسعة من العشرة فإنهم ~~يبغضونهم إلا عليا، وكذلك هجرهم لاسم أبي بكر وعمر وعثمان ولمن يتسمى بذلك، ~~حتى يكرهون معاملته، ومعلوم أن هؤلاء لو كانوا من أكفر الناس، لم يشرع أن ~~لا يتسمى الرجل بمثل أسمائهم، فقد كان في الصحابة من اسمه الوليد. ~~PageV01P021 # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنت في الصلاة، ويقول اللهم أنج ~~الوليد بن الوليد بن المغيرة (1) وأبوه وكان من أعظم الناس كفرا، وهو ~~الوحيد المذكور في قوله تعالى: {ذرني ومن خلقت وحيدا} (2) وفي الصحابة من ~~اسمه عمرو، وفي المشركين من اسمه عمرو بن عبدود، وأبو جهل اسمه عمرو بن ~~هشام. # وفي الصحابة خالد بن سعيد بن العاص من السابقين الأولين، وفي المشركين ~~خالد بن سفيان الهذلي. # وفي الصحابة من اسمه هشام مثل هشام بن حكيم، وأبو جهل كان اسم أبيه ~~هشاما. وفي الصحابة من اسمه عقبة مثل أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري، وعقبة ~~بن عامر الجهني، وكان في المشركين عقبة بن أبي معيط. # وفي الصحابة علي وعثمان، وكان في المشركين من اسمه علي مثل علي بن أمية ~~بن خلف، قتل يوم بدر كافرا، ومثل عثمان بن طلحة قتل قبل أن يسلم، ومثل هذا ~~كثير. # فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون يكرهون اسما من الأسماء ~~لكونه قد تسمى به كافر من الكفار، فلو قدر أن المسلمين بهذه الأسماء كفار، ~~لم يوجب ذلك كراهة هذه الأسماء مع العلم لكل أحد بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يدعوهم بها، ويقر الناس على دعائهم بها. # وكثير منهم يزعم أنهم كانوا منافقين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يعلم أنهم منافقون، وهو مع هذا يدعوهم بها، وعلي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - قد سمى بها أولاده فعلم أن جواز الدعاء بهذه الأسماء سواء كان ذلك ~~المسمى بها مسلما أو كافرا أمر معلوم من دين الإسلام، فمن كره أن يدعو أحدا ~~بها كان من أظهر الناس مخالفة لدين الإسلام، ثم ms014 مع هذا إذا تسمى الرجل ~~عندهم باسم علي، أو جعفر أو حسن أو حسين أو نحو ذلك، عاملوه وأكرموه، ولا ~~دليل لهم في ذلك على أنه منهم. # ومن حماقاتهم أيضا أنهم يجعلون للمنتظر عدة مشاهد ينتظرونه فيها، ~~كالسرداب الذي بسامرا الذي يزعمون أنه غائب فيه. # ومشاهد أخرى وقد يقيمون هناك دابة إما بغلة وإما فرسا، وإما غير ذلك ~~ليركبها إذا خرج، ويقيمون هناك إما في طرفي النهار وإما في PageV01P022 # أوقات أخرى من ينادي عليه بالخروج يا مولانا اخرج، ويشهرون السلاح ولا ~~أحد هناك يقاتلهم، وفيهم من يقوم في أوقات دائما لا يصلي، خشية أن يخرج وهو ~~في الصلاة فيشتغل بها عن خروجه، وخدمته، وهم في أماكن بعيدة عن مشهده ~~كمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - إما في العشر الأواخر من شهر رمضان. # وإما في غير ذلك يتوجهون إلى المشرق، وينادون بأصوات عالية يطلبون خروجه، ~~ومن المعلوم أنه لو كان موجودا وقد أمره الله بالخروج فإنه يخرج، سواء ~~نادوه أو لم ينادوه، وإن لم يؤذن له فهو لا يقبل منهم، وأنه إذا خرج فإن ~~الله يؤيده ويأتيه بما يركبه، وبمن يعينه وينصره، لا يحتاج أن # يوقف له دائما من الآدميين من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا، والله سبحانه وتعالى قد عاب في كتابه من يدعو من لا يستجيب ~~دعاءه فقال تعالى: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ~~ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} (1) هذا مع أن الأصنام ~~موجودة، وكان يكون بها أحيانا شياطين تتراءى لهم وتخاطبهم. # ومن خاطب معدوما كانت حالته أسوأ من حال من خاطب موجودا، وإن كان جمادا، ~~فمن دعا المنتظر الذي لم يخلقه الله، كان ضلاله أعظم من ضلال هؤلاء، وإذا ~~قال أنا أعتقد وجوده كان بمنزلة قول أولئك نحن نعتقد أن هذه الأصنام لها ~~شفاعة عند الله فيعبدون من دون الله ما لاينفعهم ms015 ولا يضرهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله. # والمقصود أن كليهما يدعو من لا ينفع دعاؤه، وإن كان أولئك اتخذوهم شفعاء ~~آلهة، وهؤلاء يقولون هو إمام معصوم فهم يوالون عليه. ويعادون عليه كموالاة ~~المشركين على آلهتهم، ويجعلونه ركنا في الإيمان لا يتم الدين إلا به، كما ~~يجعل بعض المشركين آلهتهم كذلك وقال تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن ~~كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون. ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} (2) . ~~PageV01P023 # فإذا كان من يتخذ الملائكة والنبيين أربابا بهذه الحال، فكيف بمن يتخذ ~~إماما معدوما لا وجود له؟ وقد قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا ~~هو سبحانه عما يشركون} (1) وقد ثبت في الترمذي وغيره من حديث عدي بن حاتم ~~أنه قال: ((يا رسول الله ما عبدوهم. فقال: إنهم أحلوا لهم # الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، فكانت تلك عبادتهم إياهم)) (2) ~~فهؤلاء اتخذوا أناسا موجودين، أربابا. # وهؤلاء يجعلون الحرام والحلال معلقا بالإمام المعدوم، الذي لا حقيقة له، ~~ثم يعملون بكل ما يقول المثبتون إنه يحلله ويحرمه، وإن خالف الكتاب والسنة ~~وإجماع سلف الأمة، حتى إن طائفتهم إذا اختلفت على قولين فالقول الذي لا ~~يعرفه قائله هو الحق، لأنه قول هذا الإمام المعصوم، فيجعلون الحلال ما حلله ~~والحرام ما حرمه هذا الذي لا يوجد. وعند من يقول إنه موجود لا يعرفه أحد، ~~ولا يمكن أحدا أن ينقل عنه كلمة واحدة. # ومن حماقاتهم تمثيلهم لمن يبغضونه مثل اتخاذهم نعجة وقد تكون نعجة حمراء، ~~لكون عائشة تسمى الحميرا يجعلونها عائشة ويعذبونها بنتف شعرها، وغير ذلك، ~~ويرون أن ذلك عقوبة لعائشة ومثل اتخاذهم حلسا مملوءا سمنا يشقون بطنه فيخرج ~~السمن فيشربونه، ويقولون هذا مثل ضرب عمر وشرب دمه. # ومثل تسمية بعضهم لحمارين من حمر الرحا أحدهما بأبي بكر، والآخر ms016 بعمر ثم ~~عقوبة الحمارين جعلا منهم تلك العقوبة عقوبة لأبي بكر وعمر، وتارة يكتبون ~~أسماءهم على أسفل أرجلهم حتى أن بعض الولاة جعل يضرب رجلي من فعل ذلك ويقول ~~إنما ضربت أبا بكر وعمر، ولا أزال أضربهما حتى أعدمهما. # ومنهم من يسمي كلابه باسم أبي بكر وعمر، ويلعنهما ومنهم من إذا سمى كلبه ~~فقيل له بكير يضارب من يفعل ذلك، ويقول تسمى كلبي باسم أصحاب النار. # ومنهم من يعظم أبا لؤلؤة المجوسي الكافر الذي كان غلاما للمغيرة بن شعبة، ~~لما قتل PageV01P024 # عمر، ويقولون: واثارات أبي لؤلؤة فيعظمون كافرا مجوسيا باتفاق المسلمين ~~لكونه قتل عمر - رضي الله عنه -. # ومن حماقاتهم إظهارهم لما يجعلونه مشهدا، فكم كذبوا الناس، وادعوا أن في ~~هذا المكان ميتا من أهل البيت، وربما جعلوه مقتولا، فيبنون ذلك مشهدا، وقد ~~يكون ذلك كافرا أو قبر بعض الناس، ويظهر ذلك بعلامات كثيرة. # ومعلوم أن عقوبة الدواب المسماة بذلك ونحو هذا الفعل لا يكون إلا من فعل ~~أحمق الناس وأجهلهم، فإنه من المعلوم أنا لو أردنا أن نعاقب فرعون وأبا لهب ~~وأبا جهل وغيرهم ممن ثبت بإجماع المسلمين أنهم من أكفر الناس مثل هذه ~~العقوبة لكان هذا من أعظم الجهل، لأن ذلك لا فائدة فيه بل إذا قتل كافر، ~~يجوز قتله أو مات حتف أنفه، لم يجز بعد قتله أو موته أن يمثل به فلا يشق ~~بطنه أو يجدع أنفه وأذنه ولا تقطع يده إلا أن يكون ذلك على سبيل المقابلة. # فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره، عن بريدة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أنه كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ~~وأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا وقال: ((اغزو في سبيل الله، قاتلوا من كفر ~~بالله، لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا، وليدا)) (1) وفي ~~السنن أنه كان في خطبته يأمر بالصدقة، وينهى عن المثلة (2) . # مع أن التمثيل بالكافر بعد موته فيه نكاية بالعدو، ولكن نهى عنه لأنه ~~زيادة إيذاء ms017 بلا حاجة، فإن المقصود كف شره بقتله، وقد حصل. فهؤلاء الذين ~~بيغضونهم لو كانوا كفارا وقد ماتوا لم يكن لهم بعد موتهم أن يمثلوا ~~بأبدانهم، لا يضربونهم، ولا يشقون بطونهم ولا ينتفون شعورهم، مع أن في ذلك ~~نكاية فيهم. أما إذا فعلوا ذلك بغيرهم ظنا أن ذلك يصل إليهم كان غاية ~~الجهل، فكيف إذا كان بمحرم كالشاة التي يحرم إيذاؤها بغير حق، فيفعلون ما ~~لا يحصل لهم به منفعة أصلا بل ضرر في الدين والدنيا، والآخرة، مع تضمنه ~~غاية الحمق والجهل. PageV01P025 # ومن حماقتهم إقامة المأتم والنياحة على من قتل من سنين عديدة، ومن ~~المعلوم أن المقتول وغيره من الموتى إذا فعل مثل ذلك بهم عقب موتهم كان ذلك ~~مما حرمه الله ورسوله، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: ... ((ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)) ~~(1) . وثبت في الصحيح عنه أنه برئ من الحالقة والصالقة والشاقة (2) . ~~فالحالقة لتي تحلق شعرها عند المصيبة، والصالقة التي ترفع صوتها عند ~~المصيبة بالمصيبة والشاقة التي تشق ثيابها. # وفي الصحيح عنه أنه قال: ((من نيح عليه فإنه يعذب، بما نيح عليه)) (3) . ~~وفي الصحيح عنه أنه قال: ((إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم ~~القيامة درعا من جرب، وسربالا من قطران)) (4) . # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهؤلاء يأتون من لطم الخدود، وشق الجيوب، ~~ودعوى الجاهلية، وغير ذلك من المنكرات بعد الموت بسنين كثيرة ما لو فعلوه ~~عقب موته لكان ذلك من أعظم المنكرات التي حرمها الله ورسوله، فكيف بعد هذه ~~المدة الطويلة؟ . # ومن المعلوم أنه قد قتل من الأنبياء وغير الأنبياء ظلما وعدوانا من هو ~~أفضل من الحسين، قتل أبوه ظلما، وهو أفضل منه، وقتل عثمان بن عفان، وكان ~~قتله أول الفتن العظيمة التي وقعت بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وترتب عليه من الشر والفساد أضعاف ما ترتب على قتل الحسين. # وقتل غير هؤلاء ومات، وما فعل أحد من المسلمين ولا غيرهم مأتما ms018 ولا نياحة ~~على ميت، ولا قتيل بعد مدة طويلة من قتله، إلا هؤلاء الحمقى # الذين لو كانوا من الطير لكانوا PageV01P026 # رخما، ولو كانوا من البهائم لكانوا حمرا (1) . # ومن ذلك أن بعضهم لا يوقد خشب الطرفاء، لأنه أبلغه أن دم الحسين وقع على ~~شجرة من الطرفاء. ومعلوم أن تلك الشجرة بعينها لا يكره وقودها ولو كان ~~عليها من أي دم كان، فكيف بسائر الشجر الذي لم يصبه الدم؟ # ومن حماقاتهم ما يطول وصفها ولا يحتاج أن تنقل بإسناد، ولكن ينبغي أن ~~يعلم مع هذا أن المقصود أنه من ذلك الزمان القديم يصفهم الناس بمثل هذا، من ~~عهد التابعين وتابعيهم كما ثبت بعض ذلك، إما عن الشعبي، وإما أن يكون من ~~كلام عبد الرحمن، وعلى التقديرين فإن المقصود حاصل، فإن عبد الرحمن كان في ~~زمن تابعي التابعين. # وإنما ذكرنا هذا لأن عبد الرحمن كثير من الناس لا يحتج بروايته المفردة، ~~إما لسوء حظه، وإما لتهمته في تحسين الحديث، وإن كان له علم ومعرفة بأنواع ~~من العلوم، ولكن لا يصلح للاعتضاد، والمتابعة، كمقاتل بن سليمان، ومحمد بن ~~عمر الواقدي، وأمثالهما، فإن كثرة الشهادات والأخبار قد توجب العلم، وإن لم ~~يكن كل من المخبرين ثقة حافظا حتى يحصل العلم بمخبر الأخبار المتواترة، وإن ~~كان المخبرون من أهل الفسوق، إذا لم يحصل بينهم تشاغر وتواطؤ. # والقول الحق الذي يقوم عليه الدليل يقبل من كل من قاله، وإن لم يقبل ~~بمجرد إخبار المخبر به. # فلهذا ذكرنا ما ذكره عبد الرحمن بن مالك بن مغول، فإن غاية ما فيه أنه ~~قاله ذاكرا الأثر وعبد الرحمن هذا يروي عن أبيه، وعن الأعمش، وعن عبيد الله ~~بن عمر، ولا يحتج بمفرداته، فإنه ضعيف. ومما ينبغي أن يعرف أن ما يوجد في ~~جنس الشيعة من الأقوال والأفعال المذمومة، وإن كان أضعاف ما ذكرناه لكن قد ~~لا يكون هذا كله في الإمامية الاثني عشرية، ولا في الزيدية ولكن يكون كثير ~~منه في الغالية، وفي كثير من عوامهم مثل ما يذكر عنهم ms019 من تحريم لحم ~~PageV01P027 # الجمل، وأن الطلاق يشترط فيه رضا المرأة، ونحو ذلك مما يقوله من يقوله من ~~عوامهم وإن كان علماؤهم لا يقولون ذلك، ولكن لما كان أصل مذهبهم مستند إلى ~~جهل، كانوا أكثر الطوائف كذبا وجهل. # PageV01P028 ### | (فصل) # الرافضة أكذب الناس، وذلك فيهم قديم وليسوا أهل علم # ونحن نبين إن شاء الله تعالى طريق الاستقامة في معرفة هذا الكتاب، منهاج ~~الندامة بحول الله وقوته، وهذا الرجل سلك مسلك سلفه، شيوخ الرافضة كابن ~~النعمان المفيد، ومتبعيه كالكراجكي، وأبي القاسم الموسوي، والطوسي، ~~وأمثالهم. # فإن الرافضة في الأصل ليسوا أهل علم، وخبرة بطريق النظر والمناظرة، ~~ومعرفة الأدلة، وما يدخل فيها من المنع والمعارضة، كما أنهم أجهل الناس ~~بمعرفة المنقولات، والأحاديث والآثار، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، وإنما ~~عمدتهم في المنقولات على تواريخ منقطعة الإسناد، وكثير منها من وضع ~~المعروفين بالكذب وبالإلحاد. # وعلماؤهم يعتمدون على نقل مثل أبي مخنف لوط بن علي، وهشام بن محمد بن ~~السائب، وأمثالهما من المعروفين بالكذب عند أهل العلم، مع أن أمثال هؤلاء ~~هم أجل من يعتمدون عليه، في النقل إذ كانوا يعتمدون على من هو في غاية ~~الجهل والافتراء، ممن لا يذكر في الكتب، ولا يعرفه أهل العلم بالرجال. # وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة أكذب ~~الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة ~~الكذب. # قال أبو حاتم الرازي سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول قال أشهب بن عبد ~~العزيز: سئل مالك عن الرافضة فقال: لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون. # وقال أبو حاتم حدثنا حرملة قال سمعت الشافعي يقول: لم أر أحدا أشهد ~~بالزور من الرافضة. # وقال مؤمل بن أهاب: سمعت يزيد بن هارون يقول: نكتب عن كل صاحب بدعة إذا ~~لم يكن داعية إلا الرافضة، فإنهم يكذبون. وقال محمد بن سعيد الأصفهاني سمعت ~~شريكا يقول أحمل العلم عن كل من لقيت إلا الرافضة، فإنهم يضعون الحديث، ~~ويتخذونه دينا. # وشريك هو شريك بن عبد الله القاضي، قاضي الكوفة من أقران ms020 الثوري وأبي # PageV01P029 # حنيفة، وهو من الشيعة، الذي يقول بلسانه أنا من الشيعة. وهذه شهادته ~~فيهم. وقال أبو معاوية سمعت الأعمش يقول: أدركت الناس وما يسمونهم إلا ~~الكذابين، يعني أصحاب المغيرة بن سعيد. # وقال الأعمش ولا عليكم أن تذكروا هذا فإني لا آمنهم أن يقولوا إنا أصبنا ~~الأعمش مع امرأة، وهذه آثار ثابتة قد رواها ابوعبد الله بن بطة في الإبانة ~~الكبرى، هو وغيره. # وروى أبو القاسم الطبري: كان الشافعي يقول: ما رأيت في أهل الأهواء قوما ~~أشهد بالزور من الرافضة، وهذا المعنى إن كان صحيحا فاللفظ الأول هو الثابت ~~عن الشافعي. # والمقصود هنا أن العلماء كلهم متفقون على أن الكذب في الرافضة أظهر منه ~~في سائر طوائف أهل القبلة. # والرافضة أصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد، وتعمد الكذب فيهم كثير، وهم يقرون ~~بذلك، حيث يقولون ديننا التقية، وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه، ~~وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل ~~الملة. # ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق، فهم في ذلك كما قيل: (رمتني ~~بدائها وانسلت) ، إذ ليس في المظهرين للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم، ~~ولا يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم، # واعتبر ذلك بالغالية من النصيرية وغيرهم، وبالملاحدة والاسماعيلية ~~وأمثالهم. # وعمدتهم في الشرعيات ما ينقل لهم عن بعض أهل البيت، وذلك النقل منه ما هو ~~صدق، ومنه ما هو كذب عمدا، أو خطأ وليسوا أهل معرفة بصحيح المنقول وضعيفه، ~~كأهل المعرفة بالحديث، ثم إذا صح النقل عن هؤلاء فإنهم بنوا وجوب قبول قول ~~الواحد من هؤلاء على ثلاثة أصول على أن الواحد من هؤلاء معصوم مثل عصمة ~~الرسول. # وعلى أن ما يقول أحدهم فإنما يقوله نقلا عن الرسول، ويدعون العصمة في هذا ~~النقل. # PageV01P030 # والثالث أن إجماع العترة حجة، ثم يدعون أن العترة هم الاثنا عشر، ويدعون ~~أن ما نقل عن أحدهم فقد أجمعوا كلهم عليه، فهذه أصول الشرعيات عندهم، وهي ~~أصول فاسدة، كما سنبين ذلك في موضعه، لا ms021 يعتمدون على القرآن، ولا على ~~الحديث، ولا على الإجماع، إلا لكون المعصوم منهم. # ولا على القياس، وإن كان جليا واضحا. وأما أعمدتهم في النظر والعقليات: ~~فقد اعتمد متأخروهم على كتب المعتزلة في الجملة. # والمعتزلة أعقل وأصدق، وليس في المعتزلة من يطعن في خلافة أبي بكر وعمر ~~وعثمان رضوان الله عليهم أجمعين، بل هم متفقون على تثبيت خلافة الثلاثة، ~~وأما التفضيل فأئمتهم وجمهورهم كانوا يفضلون أبا بكر وعمر - رضي الله عنه - ~~ما، وفي متأخريهم من توقف في التفضيل وبعضهم فضل عليا، فصار بينهم وبيم ~~الزيدية نسب راجح من جهة المشاركة، في التوحيد والعدل والإمامة والتفضيل. # الفصل الأول # زعم الرافضة أن الإمامة من أهم أصول الدين # قال المصنف الرافضي أما بعد: فهذه رسالة شريفة، ومقالة لطيفة اشتملت على ~~أهم المطالب في أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين وهي مسألة الإمامة، التي ~~يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة، وهي أحد أركان الإيمان، المستحق بسببه ~~الخلود في الجنان، والتخلص من غضب الرحمن، فلقد قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ((من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)) . خدمت بها ~~خزانة السلطان الأعظم مالك رقاب الأمم، ملك ملوك طوائف العرب والعجم، مولى ~~النعم ومسدي الخير والكرم، شاهنشاه المكرم غياث الملة والحق والدين ~~(أولجايو خدابنده) ، قد لخصت فيه خلاصة الدلائل، وأشرت إلى رؤوس المسائل، ~~وسميتها منهاج الكرامة، في معرفة الإمامة، وقد رتبتها على فصول. الفصل ~~الأول في نقل المذاهب في هذه المسألة، ثم ذكر الفصل الثاني في أن مذهب ~~الإمامية واجب الاتباع، ثم ذكر الفصل الثالث في الأدلة على إمامة علي - رضي ~~الله عنه - بعد رسول # PageV01P031 # الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ذكر الفصل الرابع في الاثني عشر ثم ذكر ~~الفصل الخامس في إبطال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فيقال الكلام على هذا من ~~وجوه: # (أحدها) : أن يقال أولا أن القائل: إن مسألة الإمامة أهم المطالب في ~~أحكام الدين، وأشرف مسائل المسلمين، كذب بإجماع المسلمين، سنيهم وشيعيهم، ~~بل هو كفر، فإن الإيمان بالله ورسوله أهم ms022 من مسألة الإمامة. # وهذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، فالكافر لا يصير مؤمنا حتى يشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا هو الذي قاتل عليه الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - الكفار كما استفاض عنه في الصحاح وغيرها أنه قال: ((أمرت ~~أن # أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا ~~الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا ~~بحقها)) (1) # وقد قال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروه واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم} (2) . وكذلك قال لعلي لما بعثه إلى خيبر وكذلك كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. يسير في الكفار فيحقن دماءهم بالتوبة من الكفر لا ~~يذكر لهم الإمامة بحال وقد قال تعالى بعد هذا: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} (3) . # فجعلهم إخوانا في الدين بالتوبة، فإن الكفار على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كانوا إذا أسلموا أجرى عليهم أحكام الاسلام، ولم يذكر لهم ~~الإمامة بحال، ولا نقل هذا عن الرسول أحد من أهل العلم، لا نقلا خاصا ولا ~~عاما، بل نحن نعلم بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه لم يكن يذكر للناس إذا ~~أرادوا الدخول في دينه الإمامة لا مطلقا ولا معنيا. # فكيف تكون أهم المطالب في أحكام الدين؟ ومما يبين ذلك أن الإمامة بتقدير ~~الاحتياج إلى معرفتها لا يحتاج إليها من مات على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فكيف يكون أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدين لا يحتاج ~~PageV01P032 # إليه أحد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # أوليس الذين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته واتبعوه باطنا ~~وظاهرا ولم يرتدوا ولم يبدلوا هم أفضل الخلق باتفاق المسلمين أهل السنة ~~والشيعة، فكيف يكون أفضل المسلمين لا يحتاج إلى أهم المطالب في الدين؟ ~~وأشرف مسائل المسلمين؟ . # فإن قيل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو الإمام في ms023 حياته، وإنما ~~يحتاج إلى الإمام بعد مماته فلم تكن هذه المسألة أهم مسائل الدين في حياته ~~وإنما صارت أهم مسائل الدين بعد موته قيل: الجواب عن هذا من وجوه: # (أحدها) : أنه بتقدير صحة ذلك لا يجوز أن يقال إنها أهم مسائل الدين ~~مطلقا، بل في وقت دون وقت، وهي في خير الأوقات ليست أهم الطالب في أحكام ~~الدين ولا أشرف مسائل المسلمين. # (الثاني) : أن يقال الإيمان بالله ورسوله في كل زمان ومكان أعظم من مسألة ~~الإمامة، فلم تكن في وقت من الأوقات لا الأهم ولا الأشرف. # (الثالث) : أن يقال فقد كان يجب بيانها من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأمته الباقين من بعده، كما بين لهم أمور الصلاة والزكاة والصيام والحج، ~~وعين أمر الإيمان بالله وتوحيده واليوم الآخر. # ومن المعلوم أنه ليس بيان مسألة الإمامة في الكتاب والسنة ببيان هذه ~~الأصول، فإن قيل بل الإمامة في كل زمان هي الأهم والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان نبيا إماما وهذا كان معلوما لمن آمن به أنه كان إمام ذلك الزمان ~~قيل الاعتذار بهذا باطل من وجوه: # (أحدها) : أن قول القائل الإمامة أهم المطالب في أحكام الدين إما أن يريد ~~به إمامة الاثني عشر أو إمامة إمام كل زمان بعينه في زمانه بحيث يكون الأهم ~~في زماننا الإيمان بإمامة محمدالمنتظر، والأهم في زمان الخلفاء الأربعة ~~الإيمان بإمامة علي عندهم، والأهم في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الإيمان بإمامته. # وإما أن يريد به الإيمان بأحكام الإمامة مطلقا غير معين. وإما أن يريد به ~~معنى رابعا، أما الأول فقد علم بالاضطرار أن هذا لم يكن معلوما شائعا بين ~~الصحابة ولا # PageV01P033 # التابعين بل الشيعة تقول إن كل واحد إنما يعين بنص من قبله، فبطل أن يكون ~~هذا أهم أمور الدين. # وأما الثاني فعلى هذا التقدير يكون أهم المطالب في كل زمان الإيمان بإمام ~~ذلك الزمان، ويكون الإيمان من سنة ستين ومائتين إلى هذا التاريخ إنما هو ~~الإيمان بإمامة محمد بن الحسن، ويكون هذا أعظم ms024 من الإيمان بأنه لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، ومن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث ~~بعد الموت، ومن الإيمان بالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الواجبات، ~~وهذا مع أنه معلوم فساده بالاضطرار من دين الاسلام، فليس هو قول الإمامية، ~~فإن اهتمامهم بعلي وإمامته أعظم من اهتمامهم بإمامة المنتظر كما ذكره هذا ~~المصنف، وأمثاله من شيوخ الشيعة. # وأيضا فإن كان هذا هو أهم المطالب في الدين فالإمامية آخر الناس في صفقة ~~هذا الدين، لأنهم جعلوا الإمام المعصوم، هو الإمام المعدوم الذي لم ينفعهم ~~في الدين والدنيا، فلم يستفيدوا م أهم الأمور الدينية شيئا من منافع الدين ~~ولا الدنيا. # وإن قالوا: إن المراد أن الإيمان بحكم الإمامة مطلقا هو أهم أمور الدين، ~~كان هذا أيضا باطلا للعلم الضروري أن غيرها من أمور الدين أهم منها، وإن ~~أريد معنى رابع فلا بد من بيانه لنتكلم عليه. # (الوجه الثاني) أن يقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تجب طاعته ~~على الناس لكونه إماما، بل لكونه رسول الله إلى الناس، وهذا المعنى ثابت له ~~حيا وميتا، فوجوب طاعته على من بعده كوجوب طاعته على أهل زمانه، وأهل زمانه ~~فيهم الشاهد الذي يسمع أمره ونهيه، وفيهم الغائب الذي بلغه الشاهد أمره ~~ونهيه. # فكما يجب على الغائب عنه في حياته طاعة أمره ونهيه، يجب ذلك على من يكون ~~بعد موته، وهو - صلى الله عليه وسلم - أمره شامل عام لكل مؤمن شهده أو غاب ~~عنه، في حياته وبعد موته، وهذا ليس لأحد من اهل الأئمة ولا يستفاد هذا ~~بالإمامة. # حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر ناسا معينين بأمور وحكم في أعيان ~~معينة بأحكام لم يكن حكمه وأمره مختصا بتلك المعينات، بل كان ثابتا في ~~نظائرها وأمثالها # إلى يوم القيامة، فقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن # PageV01P034 # شهده: ((لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود)) (1) هو حكم ثابت لكل مأموم ~~بإمام أن لا يسبقه بالركوع ولا بالسجود، وقوله لمن قال: ((لم أشعر فحلقت ~~قبل أن أرمي. قال: ms025 ارم ولا حرج. ولمن قال نحرت قبل أن أحلق. قال: احلق ولا ~~حرج)) (2) . أمر لمن كان مثله. # وكذلك قوله لعائشة - رضي الله عنه - الما حاضت وهي معتمرة: ((اصنعي ما ~~يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)) (3) ، وأمثاله هذا كثير، بخلاف الإمام ~~إذا أطيع. # وخلفاؤه بعده في تنفيذ أمره ونهيه كخلفائه في حياته، فكل آمر بأمر يجب ~~طاعته فيه، إنما هو منفذ لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن الله ~~أرسله إلى الناس وفرض عليهم طاعته، لا لأجل كونه إماما له شوكة وأعوان، أو ~~لأجل أن غيره عهد له بالإمامة، أو غير ذلك، فطاعته لا تقف على ما تقف عليه ~~طاعة الأئمة من عهد من قبله، أو موافقته ذوي الشوكة أو غير ذلك بل تجب ~~طاعته - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يكن معه أحد، وإن كذبه جميع الناس. # وكانت طاعته واجبة بمكة قبل أن يصير له أعوان، وأنصار يقاتلون معه، فهو ~~كما قال سبحانه فيه: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين} (4) بين سبحانه وتعالى أنه ليس بموته ولا قتل ينتقض حكم ~~رسالته، كما ينتقض حكم الإمامة بموت الأئمة وقتلهم، وأنه ليس من شرطه أن ~~يكون خالدا لا يموت، فإنه ليس هو ربا وإنما هو رسول قد خلت من قبله الرسل. # وقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ~~الله حتى أتاه اليقين من ربه، فطاعته واجبة بعد مماته وجوبها في حياته، ~~وأوكد لأن الدين كمل واستقر بموته فلم يبق فيه نسخ، ولهذا جمع القرآن بعد ~~موته لكماله واستقراره بموته، فإذا قال القائل إنه كان إماما في حياته، ~~وبعده صار الإمام غيره إن أراد بذلك أنه صار بعده من هو نظيره يطاع كما ~~يطاع الرسول فهو باطل، وإن أراد أنه قام من يخلفه في تنفيذ أمره ونهيه فهذا ~~كان حاصلا في حياته، فإنه إذا ms026 غاب كان PageV01P035 # هناك من يخلفه. وإن قيل إنه بعد موته لا يباشر معينا بالأمر بخلاف حياته ~~قيل مباشرته بالأمر ليست شرطا في وجوب طاعته، بل تجب طاعته على من بلغه ~~أمره ونهيه كما تجب طاعته على من سمع كلامه. # وقد كان يقول: ((ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع)) (1) وإن ~~قيل إنه في حياته كان يقضي في قضايا معينة، مثل إعطاء شخص بعينه، وإقامة ~~الحد على شخص بعينه، وتنفيذ جيش بعينه. قيل نعم وطاعته واجبة في نظير ذلك ~~إلى يوم القيامة، بخلاف الأئمة. لكن قد يخفى الاستدلال على نظير ذلك كما ~~يخفى العلم على من غاب عنه، فالشاهد أعلم بما قال وأفهم له من الغائب، وإن ~~كان فيمن غاب وبلغ أمره من هو أوعى له من بعض السامعين، لكن هذا لتفاضل ~~الناس في معرفة أمره ونهيه، لا لتفاضلهم في وجوب طاعته عليهم. # فما تجب طاعة ولي أمر بعده إلا كما تجب طاعة ولاة الأمور في حياته فطاعته ~~شاملة لجميع العباد شمولا واحدا، وإن تنوعت خدمتهم في البلاغ والسماع ~~والفهم، فهؤلاء يبلغهم من أمره ما لم يبلغ هؤلاء، وهؤلاء يسمعون من أمره ما ~~لم يسمعه هؤلاء، وهؤلاء يفهمون من أمره ما لا يفهمه هؤلاء، وكل من أمر بما ~~أمر به الرسول وجبت طاعته، طاعة لله ورسوله لا له. # وإذا كان للناس ولي أمر قادر ذو شوكة، فيأمر بما يأمر ويحكم بما يحكم، ~~انتظم الأمر بذلك، ولم يجز أن يولى غيره، ولا يمكن بعده أن يكون # شخص واحد مثله، وإنما يوجد من هو أقرب إليه من غيره، فأحق الناس بخلافة ~~نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به، والنهي عما نهى عنه، ولا يطاع أمره ~~طاعة ظاهرة غالبة إلا بقدرة وسلطان يوجب الطاعة، كما لم يطع أمره في حياته ~~طاعة ظاهرة غالبة حتى صار معه من يقاتل على طاعة أمره، فالدين كله طاعة لله ~~ورسوله وطاعة الله ورسوله هي الدين كله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله. # ودين المسلمين بعد موته طاعة ms027 الله ورسوله، وطاعتهم لولي الأمر فيما أمروا ~~بطاعته فيه PageV01P036 # هو طاعة لله ورسوله، وأمر ولي الأمر الذي أمره الله أن يأمرهم به، وقسمه ~~وحكمه هو طاعة لله ورسوله، فأعمال الأئمة والأمة في حياته ومماته التي ~~يحبها الله ويرضاها، كلها طاعة لله ورسوله. # ولهذا كان أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول ~~الله، فإذا قيل هو كان إماما وأريد بذلك إمامة خارجة عن الرسالة، أو إمامة ~~يشترط فيها ما لا يشترط في الرسالة، أو إمامة يعتبر فيها طاعته بدون طاعة ~~الرسول، فهذا كله باطل فإن كل ما يطاع به داخل في رسالته، وهو في كل ما ~~يطاع فيه يطاع بأنه رسول الله ولو قدر أنه كان إماما مجردا لم يطع حتى تكون ~~طاعته داخلة في طاعة رسول آخر. # فالطاعة إنما تجب لله ورسوله، ولمن أمرت الرسل بطاعتهم. # فإن قيل أطيع بإمامته طاعة داخلة في رسالته كان هذا عديم التأثير، فإن ~~مجرد رسالته كافية في وجوب طاعته، بخلاف الإمام فإنه إنما يصير إماما ~~بأعوان ينفذون أمره، وإلا كان كآحاد أهل العلم والدين، فإن قيل إنه - صلى ~~الله عليه وسلم - لما صار له شوكة بالمدينة صار له مع الرسالة إمامة ~~بالعدل، قيل بل صار رسولا له أعوان وأنصار ينفذون أمره، ويجاهدون من خالفه ~~وهو ما دام في الأرض من بل صار رسولا له أعوان وأنصار ينفذون أمره، ~~ويجاهدون من خالفه وهو ما دام في الأرض من يؤمن بالله ورسوله له أنصار ~~وأعوان ينفذون أمره ويجاهدون من خالفه فلم يستفد بالأعوان ما يحتاج أن يضمه ~~إلى الرسالة مثل كونه إماما أو حاكما أو ولي أمر إذا كان هذا كله داخل في ~~رسالته، ولكن بالأعوان حصل له كمال قدره أوجبت عليه من الأمر والجهاد # ما لم يكن واجبا بدون القدرة، والأحكام تختلف باختلاف حال القدرة والعجز ~~والعلم وعدمه كما تختلف باختلاف الغنى والفقر والصحة والمرض، والمؤمن مطيع ~~لله في ذلك كله، وهو مطيع لرسول الله في ذلك كله، ومحمد رسول ms028 الله فيما أمر ~~به ونهى عنه مطيع لله في ذلك كله. # وإن قالت الإمامية: الإمامة واجبة بالعقل بخلاف الرسالة فهي أهم من هذا ~~الوجه، قيل: الوجوب العقلي فيه نزاع كما سيأتي، وعلى القول بالوجوب العقلي ~~فما يجب من الإمامة جزء من أجزاء الواجبات العقلية، وغير الإمامة أوجب من ~~ذلك كالتوحيد، # PageV01P037 # والصدق والعدل، وغير ذلك من الواجبات العقلية. # وأيضا فلا ريب أن الرسالة يحصل بها هذا الواجب، فمقصودها جزء من أجزاء ~~الرسالة، فالإيمان بالرسول يحصل به مقصود الإمامة، في حياته وبعد مماته ~~بخلاف الإمامة، وأيضا فمن ثبت عنده أن محمدا رسول الله وأن طاعته واجبة ~~عليه واجتهد في طاعته بحسب الإمكان إن قيل إنه يدخل الجنة فقد استغنى عن ~~مسألة الإمامة. # وإن قيل لا يدخل الجنة كان هذا خلاف نصوص القرآن، فإنه سبحانه أوجب الجنة ~~لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع كقوله تعالى: {من يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} (1) . # {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك ~~الفوز العظيم} (2) . # وأيضا فصاحب الزمان الذي يدعون إليه، لا سبيل للناس إلى معرفته ولا معرفة ~~ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه، وما يخبرهم به، فإن كان أحد لا يصير سعيدا ~~إلا بطاعة هذا الذي لا يعرف أمرهولا نهيه لزم أن لا يتمكن أحد من طريق ~~النجاة والسعادة وطاعة الله، وهذا من أعظم تكليف ما لا يطاق وهم من أعظم ~~الناس إحالة له. # وإن قيل بل هو يأمر بما عليه الإمامية، قيل فلا حاجة إلى وجوده، ولا ~~شهوده، فإن هذا معروف سواء كان هو حيا أو ميتا، وسواء كان شاهدا أو غائبا، ~~وإذا كان معرفة ما أمر الله به الخلق ممكنا بدون هذا الإمام المنتظر، علم ~~أنه لا حاجة إليه ولا يتوقف عليه طاعة الله ولا نجاة أحد ولا سعادته، ~~وحينئذ فيمتنع القول بجواز إمامة مثل هذا، فضلا عن القول بوجوب إمامة مثل ~~هذا، وهذا أمر بين ms029 لمن تدبره. # لكن الرافضة من أجهل الناس، وذلك أن فعل الواجبات العقلية والشرعية إما ~~أن يكون موقوفا على معرفة ما يأمر به، وينهى عنه هذا المنتظر وإما أن لا ~~يكون موقوفا، فإن كان موقوفا لزم تكليف ما لا يطاق، وأن يكون فعل الواجبات ~~وترك المحرمات موقوفا على PageV01P038 # شرط لا يقدر عليه عامة الناس، بل ولا أحد منهم فإنه ليس في الأرض من يدعي ~~دعوة صادقة أنه رأى هذا المنتظر، أو سمع كلامه. # وإن لم يكن موقوفا على ذلك أمكن فعل الواجبات العقلية والشرعية وترك ~~القبائح العقلية والشرعية بدون هذا المنتظر، فلا يحتاج إليه ولا يجب وجوده ~~ولا شهوده. # وهؤلاء الرافضة علقوا نجاة الخلق وسعادتهم وطاعتهم لله ورسوله بشرط ممتنع ~~لا يقدر عليه الناس، ولا يقدر عليه أحد منهم، وقالوا للناس لا يكون أحد ~~ناجيا من عذاب الله إلا بذلك، ولا يكون سعيدا إلا بذلك، ولا يكون أحد مؤمنا ~~إلا بذلك. # فلزمهم أحد أمرين، إما بطلان قولهم وإما أن يكون الله قد آيس عباده من ~~رحمته وأوجب عذابه لجميع الخلق، المسلمين وغيرهم وعلى هذا التقدير فهم أول ~~الأشقياء، المعذبين فإنه ليس لأحد منهم طريق إلى معرفة أمر هذا الإمام، ~~الذي يعتقدون أنه موجود غائب، ولا نهيه ولا خبره، بل عندهم من الأقوال ~~المنقولة عن شيوخ الرافضة ما يذكرون أنه منقول عن الأئمة المتقدمين على هذا ~~المنتظر، وهم لا ينقلون شيئا عن المنتظر وإن قدر أن بعضهم نقل عنه شيئا علم ~~أنه كاذب، وحينئذ فتلك الأقوال إن كانت كافية فلا # حاجة إلى المنتظر، وإن لم تكن كافية فقد أقروا بشقائهم وعذابهم، حيث كانت ~~سعادتهم موقوفة على آمر لا يعلمون بماذا أمر. # وقد رأيت طائف من شيوخ الرافضة كابن العود الحلي يقول: إذا اختلفت ~~الإمامية على قولين أحدهما يعرف قائله والآخر لا يعرف قائله، كان القول ~~الذي لا يعرف قائله هو القول الحق الذي يجب اتباعه لأن المنتظر المعصوم في ~~تلك الطائفة. # وهذا غاية الجهل والضلال، فإنه بتقدير وجود المنتظر المعصوم لا يعلم ms030 أنه ~~قال ذلك القول إذ لم ينقله عنه أحد، ولا عن من نقله عنه، فمن أين يجزم بأنه ~~قوله، ولم لا يجوز أن يكون القول الآخر هو قوله وهو لغيبته وخوفه من ~~الظالمين لا يمكنه إظهار قوله، كما يدعون ذلك فيه. # وكان أصل دين هؤلاء الرافضة مبنيا على مجهول، ومعدوم، لا على موجود ولا ~~معلوم، يظنون أن إمامهم موجود معصوم، وهو مفقود معدوم، ولو كان موجودا ~~معصوما فهم # PageV01P039 # معترفون بأنهم لا يقدرون أن يعرفوا أمره ونهيه، كما كانوا يعرفون أمر ~~آبائه ونهيهم، والمقصود بالإمام إنما هو طاعة أمره، فإذا كان العلم بأمره ~~ممتنعا كانت طاعته ممتنعة، فكان المقصود به ممتنعا، وإذا كان المقصود به ~~ممتنعا لم يكن في إثبات الوسيلة فائدة أصلا، بل كان إثبات الوسيلة التي لا ~~يحصل بها مقصودها من باب السفه والعبث والعذاب القبيح باتفاق أهل الشرع، ~~وباتفاق العقلاء القائلين بتحسين العقول وتقبيحها، بل باتفاق العقلاء ~~مطلقا، فإنهم إذا فسروا القبيح بما يضر كانوا متفقين على أن معرفة الضار ~~يعلم بالعقل. # والإيمان بهذا الإمام الذي ليس فيه منفعة بل مضرة في العقل والنفس والبدن ~~والمال وغير ذلك قبيح شرعا وعقلا، ولهذا كان المتبعون له من أبعد الناس عن ~~مصلحة الدين والدنيا، لا تنتظم لهم مصلحة دينهم ولا دنياهم، إن لم يدخلوا ~~في طاعة غيرهم. كاليهود الذين لا تنتظم لهم مصلحة إلا بالدخول في طاعة من ~~هو خارج عن دينهم. # فهم يوجبون وجود الإمام المنتظر المعصوم، لأن مصلحة الدين والدنيا لا ~~تحصل إلا به عندهم، وهم لم يحصل لهم بهذا المنتظر مصلحة في الدين ولا في ~~الدنيا، والذين كذبوا به لم تفتهم مصلحة في الدين ولا في الدنيا، بل كانوا ~~أقوم بمصالح الدين والدنيا من أتباعه. # فعلم بذلك أن قولهم في الإمامة لا ينال به إلا ما يورث الخزي والندامة، ~~وأنه ليس فيه شيء من الكرامة، وأن ذلك إذا كان أعظم مطالب الدين فهم أبعد ~~الناس عن الحق والهدى، في أعظم مطالب الدين، وإن لم يكن أعظم مطالب ms031 الدين ~~ظهر بطلان ما ادعوه من ذلك. فثبت بطلان قولهم على التقديرين، وهو المطلوب. # فإن قال هؤلاء الرافضة: إيماننا بهذا المنتظر المعصوم مثل إيمان كثير من ~~شيوخ الزهد والدين بالياس والخضر والغوث والقطب، ورجال الغيب، ونحو ذلك من ~~الأشخاص الذين لا يعرفون وجودهم، ولا بماذا يأمرون، ولا عن ماذا ينهون، ~~فكيف يسوغ لمن يوافق هؤلاء أن ينكر علينا ما ندعيه؟ قيل الجواب من وجوه: # (أحدها) : أن الإيمان بوجود هؤلاء ليس واجبا عند أحد من علماء المسلمين ~~وطوائفهم المعروفين، وإن كان بعض الغلاة يوجب على أصحابه الإيمان بوجود ~~هؤلاء، ويقول إنه لا # PageV01P040 # يكون مؤمنا وليا لله إلا من يؤمن بوجود هؤلاء في هذه الأزمان، كان قوله ~~مردودا، كقول الرافضة # (الوجه الثاني) : أن يقال من الناس من يظن أن التصديق بهؤلاء يزداد الرجل ~~به إيمانا وخيرا، وموالاة لله وأن المصدق بوجود هؤلاء أكمل وأشرف وأفضل عند ~~الله ممن لم يصدق بوجود هؤلاء، وهذا القول ليس مثل قول الرافضة من كل وجه، ~~بل هو مشابه له من بعض الوجوه، لكونهم جعلوا كمال الدين موقوفا على ذلك. # وحينئذ، فيقال هذا القول أيضا باطل باتفاق علماء المسلمين وأئمتهم، فإن ~~العلم بالواجبات والمستحبات وفعل الواجبات والمستحبات كلها ليس موقوفا على ~~التصديق بوجود هؤلاء، ومن ظن من أهل النسك والزهد والعامة أن # شيئا من الدين واجبا أو مستحبا موقوف على التصديق بوجود هؤلاء فهذا جاهل ~~ضال، باتفاق أهل العلم والإيمان العالمين بالكتاب والسنة، إذ قد علم ~~بالأضرار من دين الإسلام أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يشرع لأمته ~~التصديق بوجود هؤلاء، ولا أصحابه كانوا يجعلون ذلك من الدين، ولا أئمة ~~المسلمين وأيضا. # فجميع هذه الألفاظ لفظ الغوث والقطب والأوتاد والنجباء وغيرها لم ينقل ~~أحد عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بإسناد معروف أنه تكلم بشيء منها، ~~ولا أصحابه، ولكن لفظ الأبدال تكلم به بعض السلف ويروى فيه عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم حديث ضعيف (1) وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا ms032 ~~الموضع. ### | شرك بعض الصوفية حتى في الربوبية # (الوجه الثالث) : أن يقال القائلون بهذه الأمور، منهم من ينسب إلى أحد ~~هؤلاء ما لا تجوز نسبته إلى أحد من البشر، مثل دعوى بعضهم أن الغوث أو ~~القطب هو الذي يمد أهل الأرض في هداهم ونصرهم ورزقهم، وأن هذا لا يصل إلى ~~أحد إلا بواسطة نزوله على ذلك الشخص وهذا باطل بإجماع المسلمين، وهو من جنس ~~قول النصارى في الباب وكذلك ما يدعيه بعضهم من أن الواحد من هؤلاء يعلم كل ~~ولى له كان أو يكون، اسمه واسم أبيه PageV01P041 # ومنزلته من الله ونحو ذلك من المقالات الباطلة، التي تتضمن أن الواحد من ~~البشر يشارك الله في بعض خصائصه. # مثل أنه بكل شيء عليم، أو على كل شيء قدير، ونحو ذلك كما يقول بعضهم في ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفي شيوخه: إن علم أحدهم ينطبق على علم ~~الله وقدرته منطبقة على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله ويقدر ويقدر على ما ~~يقدر الله عليه، فهذه المقالات، وما يشبهها من جنس قول النصارى، والغالية ~~في علي، وهي باطلة بإجماع المسلمين. # ومنهم من ينسب إلى الواحد من هؤلاء ما تجوز نسبته إلى الأنبياء وصالحي ~~المؤمنين، من الكرامات، كدعوة مجابة ومكاشفات من مكاشفات الصالحين، ونحو ~~ذلك فهذا القدر يقع كثيرا من الأشخاص الموجودين المعاينين، ومن نسب ذلك إلى ~~من لا يعرف وجوده، فهؤلاء وإن كانوا مخطئين في نسبة ذلك إلى شخص معدوم ~~فخطؤهم كخطأ من اعتقد أن في البلد الفلاني رجالا من أولياء الله تعالى وليس ~~فيه أحد، أو اعتقد في ناس معينين أنهم أولياء الله ولم يكونوا كذلك، ولا ~~ريب أن هذا خطأ وجهل وضلال يقع فيه كثير من الناس، لكن خطأ الإمامية ~~وضلالهم أقبح وأعظم. ### | لا وجود لإلياس والخضر # (الوجه الرابع) : أن يقال الصواب الذي عليه محققو العلماء أن إلياس ~~والخضر ماتا، وأنه ليس أحد من البشر واسطة بين الله عز سلطانه وبين خلقه في ~~خلقه ورزقه وهداه ونصره، وإنما الرسل وسائط في ms033 تبليغ رسالاته، لا سبيل لأحد ~~إلى السعادة إلا بطاعة الرسل. # وأما خلقه وهداه ونصره ورزقه فلا يقدر عليه إلا الله تعالى. فهذا لا ~~يتوقف على حياة الرسل وبقائهم، بل ولا يتوقف نصر الخلق ورزقهم على وجود ~~الرسل أصلا، بل قد يخلق ذلك بما شاء من الأسباب بواسطة الملائكة أو غيرهم، ~~وقد يكون لبعض البشر في ذلك من الأسباب ما هو معروف في البشر. # وأما كون ذلك لا يكون إلا بواسطة من البشر، أو أن أحدا من البشر يتولى ~~ذلك كله ونحو ذلك، فهذا كله باطل، وحينئذ فيقال للرافضة إذا احتجوا بضلال ~~الضلال {ولن # PageV01P042 # ينفعكم اليوم إذا ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} (1) . # وأيضا فمن المعلوم أن أشرف مسائل المسلمين وأهم المطالب في الدنيا ينبغي ~~أن يكون ذكرها في كتاب الله تعالى أعظم من غيرها وبيان الرسول لها أولى من ~~بيان غيرها، والقرآن مملوء بذكر توحيد الله تعالى وذكر أسمائه وصفاته، ~~وآياته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقصص، والأمر والنهي، ~~والحدود، والفرائض، بخلاف الإمامة فكيف يكون القرآن مملوء بغير الأهم ~~الأشرف؟ وأيضا فإن الله تعالى قد علق السعادة بما لا ذكر فيه للإمامة، ~~فقال: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} (2) وقال: # {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات} إلى قوله: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} (3) . # فقد بين الله في القرآن أن من أطاع الله ورسوله كان سعيدا، في الآخرة ومن ~~عصى الله ورسوله وتعدى حدوده كان معذبا، وهذا هو الفرق بين السعداء ~~والأشقياء، ولم يذكر الإمامة. # فإن قال قائل: إن الإمامة داخلة في طاعة الله ورسوله. قيل نهايتها أن ~~تكون كبعض الواجبات، كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، مما يدخل في ~~طاعة الله ورسوله، فكيف تكون هي وحدها أشرف مسائل المسلمين وأهم مطالب ~~الدين؟ فإن قيل لا يمكننا طاعة الرسول إلا بطاعة الإمام، فإنه هو الذي يعرف ~~الشرع. قيل هذا هو دعوى المذهب، ms034 ولا حجة فيه، ومعلوم أن القرآن لم يدل على ~~هذا كما دل على سائر أصول الدين، وقد تقدم أن هذا الإمام الذي يدعونه لم ~~ينتفع به أحد في ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن ما جاء به الرسول لا ~~يحتاج في معرفته إلى أحد من الأئمة. PageV01P043 ### | أصول الدين عند الإمامية # (الوجه الثاني) (1) أن يقال: أصول الدين عند الإمامية أربعة، التوحيد ~~والعدل والنبوة، والإمامة، هي آخر المراتب، والتوحيد والعدل والنبوة قبل ~~ذلك، وهم يدخلون في التوحيد نفي الصفات، والقول بأن القرآن مخلوق، وأن الله ~~لا يرى في الآخرة، ويدخلون في العدل التكذيب بالقدر، وأن الله لا يقدر أن ~~يهدي من يشاء، ولا يقدر أن يضل من يشاء، وأنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما ~~لا يشاء، وغير ذلك، فلا يقولون أنه خالق كل شيء، ولا إنه على كل شيء قدير، ~~ولا أنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لكن التوحيد والعدل والنبوة ~~مقدمة على الإمامة، فكيف تكون الإمامة أشرف وأهم؟ وأيضا فالإمامة إنما ~~أوجبوها لكونها لطفا في الواجبات، فهي واجبة وجوب الوسائل، فكيف تكون ~~الوسيلة أشرف وأهم من المقصود. ### | تناقض الرافضة في الإمامة بين القول والتطبيق # (الوجه الثالث) : أن يقال إن كانت الإمامة أهم مطالب الدين، وأشرف مسائل ~~المسلمين، فأبعد الناس عن هذا الأهم الأشرف هم الرافضة، فإنهم قد قالوا في ~~الإمامة أسخف قول وأفسده في العقل والدين، كما سنبينه إن شاء الله تعالى ~~إذا تكلمنا عن حججهم. # ويكفيك أن مطلوبهم بالإمامة أن يكون لهم رئيس معصوم، يكون لطفا في مصالح ~~دينهم ودنياهم، وليس في الطوائف أبعد عن مصلحة اللطف والإمامة منهم، فإنهم ~~يحتالون على مجهول ومعدوم، لا يرى له عين ولا أثر، ولا يسمح له حس ولا خبر، ~~فلم يحصل لهم من الأمر المقصود بإمامته شيء وأي من فرض إماما نافعا في بعض ~~مصالح الدين والدنيا كان خيرا ممن لا ينتفع به في شيء من مصالح الإمامة. # ولهذا تجدهم لما فاتهم مصلحة الإمامة يدخلون في ms035 طاعة كافر أو ظالم ~~لينالوا به بعض مقاصدهم، فبينا هم يدعون الناس إلى طاعة إمام معصوم، أصبحوا ~~يرجعون إلى طاعة PageV01P044 # كفور ظلوم، فهل يكن أبعد عن مقصود الإمامة وعن الخير والكرامة، ممن سلك ~~منهاج الندامة، وفي الجملة فالله تعالى قد علق بولاة الأمور مصالح في الدين ~~والدنيا، سواء كانت الإمامة أهم الأمور أو لم تكن، والرافضة أبعد الناس عن ~~حصول هذه المصلحة لهم، فقد فاتهم على قولهم الخير المطلوب من أهم مطالب ~~الدين وأشرف مسائل المسلمين. # ولقد طلب مني بعض أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي وأتكلم معه في ذلك ~~فخلوت به وقررت له ما يقولونه في هذا الباب كقولهم إن الله أمر العباد ~~ونهاهم، فيجب أن يفعل بهم اللطف الذي يكونون عنده أقرب إلى فعل الواجب، ~~وترك القبيح، لأن من دعا شخصا ليأكل طعاما فإذا كان مراده الأكل فعل ما ~~يعين على ذلك من الأسباب، كتلقيه بالبشر وإجلاسه في مجالس مناسبة وأمثال ~~ذلك. # وإن لم يكن مراده أن يأكل عبس في وجهه وأغلق الباب، ونحو ذلك وهذا أخذوه ~~من المعتزلة، ليس هو من أصول شيوخهم القدماء. # ثم قالوا والإمام لطف، لأن الناس إذا كان لهم إمام يأمرهم بالواجب ~~وينهاهم عن القبيح كانوا أقرب إلى فعل المأمور، وترك المحظور، فيجب أن يكون ~~لهم إمام، ولا بد أن يكون معصوما، لأنه إذا لم يكن معصوما لم يحصل به ~~المقصود، ولم تدع العصمة لأحد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا لعلي ~~فتعين أن يكون هو إياه، للإجماع على انتقاء ما سواه وبسطت له العبارة في ~~هذه المعاني. # ثم قالوا: وعلي نص على الحسن، والحسن على الحسين إلى أن انتهت النوبة إلى ~~المنتظر محمد بن الحسن صاحب السرداب الغائب، فاعترف أن هذا تقرير مذهبهم ~~على غاية الكمال، قلت له: فأنا وأنت طالبان للعلم والحق والهدى وهم يقولون ~~من لم يؤمن بالمنتظر فهو كافر، فهذا المنتظر هل رأيته، أو رأيت من رآه، أو ~~سمعت بخبره، أو تعرف شيئا من كلامه، # الذي قاله ms036 هو، أو ما أمر به أو نهى عنه مأخوذا عنه كما يؤخذ من الأئمة؟ ~~قال: لا. قلت: فأي فائدة في إيماننا هذا؟ وأي لطف يحصل لنا بهذا؟. # ثم كيف يجوز أن يكلفنا الله تعالى بطاعة شخص ونحن لا نعلم ما يأمرنا به ~~ولا ما ينهانا عنه، ولا طريق لنا إلى معرفة ذلك بوجه من الوجوه، وهم من أشد ~~الناس إنكارا لتكليف # PageV01P045 # ما لا يطاق، فهل يكون في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟ # فقال: إثبات هذا مبني على تلك المقدمات. قلت: لكن المقصود لنا من تلك ~~المقدمات هو ما يتعلق بنا نحن، وإلا فما علينا مما مضى إذا لم يتعلق الأمر ~~بنا منه أمر ولا نهي. # وإذا كان كلامنا في تلك المقدمات لا يحصل لنا فائدة ولا لطفا ولا يفيدنا ~~إلا تكليف ما لا يقدر عليه، علم أن الإيمان بهذا المنتظر من باب الجهل ~~والضلال، لا من باب اللطف والمصلحة. # والذي عند الإمامية من النقل عن الأئمة الموتى إن كان حقا يحصل به ~~سعادتهم فلا حاجة بهم إلى المنتظر، وإن كان باطلا فهم أيضا لم ينتفعوا ~~بالمنتظر في رد هذا الباطل، فلم ينتفعوا بالمنتظر لا في إثبات حق ولا في ~~نفي باطل، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، ولم يحصل به لواحد منهم شيء من ~~المصلحة واللطف والمنفعة المطلوبة من الإمامة. # والجهال الذين يعلقون أمورهم بالمجهولات كرجال الغيب والقطب والغوث ~~والخضر ونحو ذلك مع جهلهم وضلالهم وكونهم يثبتون ما لم يحصل لهم به مصلحة ~~ولا لطف ولا منفعة لا في الدين ولا في الدنيا، أقل ضلالا من الرافضة، فإن ~~الخضر ينتفع برؤيته وبموعظته، وإن كان غالطا في اعتقاده أنه الخضر فقد يرى ~~أحدهم بعض الجن فيظن أنه الخضر، ولا يخاطبه الجني إلا بما يرى أنه يقبله ~~منه ليربطه على ذلك، فيكون الرجل أتى من نفسه لا من ذلك المخاطب له ومنهم ~~من يقول لكل زمان خضر، ومنهم من يقول لكل ولي خضر. # وللكفار كاليهود مواضع يقولون إنهم يرون ms037 الخضر فيها، وقد يرى الخضر على ~~صور مختلفة، وعلى صورة هائلة، وأمثال ذلك، وذلك لأن هذا الذي يقول إنه ~~الخضر هو جني، بل هو شيطان، يظهر لمن يرى أنه يضله، وفي ذلك حكايات كثيرة ~~يضيق هذا الموضع عن ذكرها، وعلى كل تقدير فأصناف الشيعة أكثر ضلالا من ~~هؤلاء، فإن المنتظر ليس عندهم نقل ثابت عنه، ولا يعتقدون فيمن يرونه أنه ~~المنتظر، ولما دخل السرداب كان عندهم صغيرا لم # PageV01P046 # يبلغ سن التمييز، وهم يقبلون من الأكاذيب أضعاف ما يقبله هؤلاء، ويعرضون ~~عن الاقتداء بالكتاب والسنة أكثر من إعراض هؤلاء، ويقدحون في خيار المسلمين ~~قدحا يعاديهم عليه هؤلاء، فهم أضل عن مصالح الإمامة من جميع طوائف الأمة، ~~فقد فاتهم على قولهم أهم الدين وأشرفه. ### | لا يحصل بمعرفة الإمام خير إن لم يعمل صالحا # (الوجه الرابع) : أن يقال قوله التي يحصل بسبب إدراكها نيل درجة الكرامة، ~~كلام باطل فإن مجرد معرفة إمام وقته وإدراكه بعينه لا يستحق به الكرامة، إن ~~لم يوافق أمره وإلا فليست معرفة إمام الوقت بأعظم من معرفة الرسول صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، ومن عرف أن محمدا رسول الله فلم يؤمن به ولم يطع أمره لم ~~يحصل له شيء من الكرامة. # ولو آمن بالنبي وعصاه، وضيع الفرائض وتعد الحدود كان مستحقا للوعيد عند ~~الإمامية وسائر طوائف المسلمين، فكيف بمن عرف الإمام وهو مضيع للفرائض متعد ~~للحدود؟ وكثير من هؤلاء يقول حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وإن كانت ~~السيئات لا تضر مع حب علي فلا حاجة إلى الإمام المعصوم، الذي هو لطف في ~~التكليف، فإنه إذا لم يوجد إنما توجد سيئات ومعاص، فإن كان حب علي كافيا ~~فسواء وجد الإمام أو لم يوجد.. ### | ليست الإمامة من واجبات الدين # (الوجه الخامس) : قوله وهي أحد أركان الإيمان، المستحق بسببه الخلود في ~~الجنان، فيقال له: من جعل هذا من الإيمان إلا أهل الجهل والبهتان؟ وسنتكلم ~~إن شاء الله تعالى على ما ذكره من ذلك. # والله تعالى وصف المؤمنين وأحوالهم، والنبي صلى ms038 الله تعالى عليه وسلم قد ~~فسر الإيمان، وذكر شعبه، ولم يذكر الله ولا رسوله الإمامة، في أركان ~~الإيمان ففي الحديث الصحيح حديث جبريل لما أتى النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم في صورة أعرابي، وسأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، قال له ~~((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، قال والإيمان: أن تؤمن بالله # وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره ~~وشره)) (1) ولم يذكر الإمامة. PageV01P047 # قال والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهذا ~~الحديث متفق على صحته، متلقى بالقبول، أجمع أهل العلم بالنقل على صحته، وقد ~~أخرجه أصحاب الصحيح من غير وجه، فهو من المتفق عليه من حديث أبي هريرة وفي ~~أفراد مسلم من حديث عمر، وهم وإن كانوا لا يقرون بصحة هذه الأحاديث، ~~فالمصنف قد احتج بأحاديث موضوعة كذب باتفاق أهل المعرفة. # فإما أن يحتج بما يقوم الدليل على صحته نحن وهم، أو لا يحتج بشيء من ذلك ~~نحن ولا هم، فإن تركوا الرواية رأسا أمكن أن نترك الراوية. # أما إذا رووا هم فلا بد من معارضة الراوية بالرواية، والاعتماد على ما ~~تقوم به الحجة، ونحن نبين الدلائل الدالة على كذب ما يعرضون به أهل السنة ~~من الروايات الباطلة، والدلائل الدالة على صحة ما نقله أهل العلم بالحديث ~~وصححوه. # وهب أنا لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى: {إ نما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ~~لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} (1) . فشهد لهؤلاء بالإيمان من غير ~~ذكر للإمامة وقال تعالى: {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم ~~يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} (2) . ~~فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر للإمامة. # وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار من دين محمد بن عبد ms039 الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم أن الناس كانوا إذا أسلموا لم يجعل إيمانهم موقوفا على معرفة الإمامة، ~~ولم يذكر لهم شيئا من ذلك. # وما كان أحد أركان الإيمان لا بد أن يبينه الرسول لأهل الإيمان ليحصل لهم ~~به الإيمان، فإذا علم بالاضطرار أن هذا مما لم يكن الرسول يشترطه في ~~الإيمان، علم أن اشتراطه في الإيمان من أقوال البهتان. # فإن قيل هنا قد دخلت في عموم النص، أو هي من باب لا يتم الواجب إلا به، ~~أو دل عليه نص آخر. PageV01P048 # قيل هذا كله لو صح لكان غايته أن تكون من بعض فروع الدين، لا تكون من ~~أركان الإيمان، فإن ركن الإيمان ما لا يحصل الإيمان إلا به كالشهادتين، فلا ~~يكون الرجل مؤمنا حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلو ~~كانت الإمامة ركنا في الإيمان لا يتم إيمان أحد إلا به، لوجب أن يبينه ~~الرسول بيانا عاما قاطعا للعذر كما بين الشهادتين، والإيمان بالملائكة ~~والكتب والرسل واليوم الآخر، فكيف ونحن نعلم بالاضطرار من دينه أن الذين ~~دخلوا في دينه أفواجا لم يشترط على أحد منهم في الإيمان بالإمامة، مطلقا ~~ولا معينا. # (الوجه السادس) : قوله قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من مات ~~ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. # فيقال له أولا من روى هذا الحديث بهذا اللفظ، وأين إسناده؟ وكيف يجوز أن ~~يحتج بنقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير بيان الطريق الذي به ~~يثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاله، هذا لو كان مجهول الحال عند ~~أهل العلم بالحديث، فكيف وهذا الحديث بهذا اللفظ لا يعرف، إنما الحديث ~~المعروف مثل روى مسلم في صحيحه عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد ~~الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال اطرحوا ~~لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثا سمعت ~~رسول الله ms040 صلى الله تعالى عليه وسلم يقوله سمعته يقول ((من # خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه ~~بيعة مات ميتة جاهلية)) (1) . # وهذا حديث حدث به عبد الله بن عمر لعبد الله بن مطيع بن الأسود لما خلعوا ~~طاعة أمير وقتهم يزيد، مع أنه كان فيه من الظلم ما كان، ثم إنه اقتتل هو ~~وهم وفعل بأهل الحرة أمورا منكرة، فعلم أن هذا الحديث دل على ما دل عليه ~~سائر الأحاديث الآتية، من أنه لا يخرج على ولاة أمور المسلمين بالسيف، فإن ~~لم يكن مطيعا لولاة الأمور مات ميتة جاهلية. # وهذا ضد قول الرافضة، فإنهم أعظم الناس مخالفة لولاة الأمور وأبعد الناس ~~عن طاعتهم إلا كرها، ونحن نطالبهم أولا بصحة النقل ثم بتقدير أن يكون ناقله ~~واحد، PageV01P049 # فكيف يجوز أن يثبت أصل الإيمان بخبر مثل هذا الذي لا يعرف له ناقل، وإن ~~عرف له ناقل أمكن خطؤه وكذبه، وهل يثبت أصل الإيمان إلا بطريق علمي. # (الوجه السابع) : أن يقال إن كان هذا الحديث من كلام النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم فليس فيه حجة لهذا القائل، فإن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم قد قال مات ميتة جاهلية. # وهذا الحديث يتناول من قاتل في العصبية، والرافضة رؤوس هؤلاء، ولكن لا ~~يكفر المسلم بالاقتتال في العصبية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، فكيف ~~يكفر بما دون ذلك. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال. قال رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم: ((من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة ~~جاهلية)) (1) . وهذا حال الرافضة، فإنهم يخرجون عن الطاعة ويفارقون ~~الجماعة. # وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله - رضي الله عنه - ما عن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم قال: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإن ~~من خرج من السلطان شبرا، مات ميتة جاهلية)) (2) . # وهذه النصوص مع كونها صريحة في حال الرافضة فهي وأمثالها المعروفة عند ~~أهل ms041 العلم لا بذلك اللفظ الذي نقله. # (الوجه الثامن) : أن هذا الحديث الذي ذكره حجة على الرافضة، لأنهم لا ~~يعرفون إمام زمانهم، فإنهم يدعون أنه الغائب المنتظر محمد بن الحسن، الذي ~~دخل سرداب سامرا، سنة ستين ومائتين أو نحوهما ولم يعد، بل كان عمره إما ~~سنتين، وإما ثلاثا، وإما خمسا أو نحو ذلك وله الآن على قولهم أكثر من ~~أربعمائة سنة ولم ير له عين ولا أثر، ولا سمع له حس ولا خبر. # فليس فيهم أحد يعرفه لا بعينه، ولا صفته، لكن يقولون إن هذا الشخص الذي ~~لم يره أحد، ولم يسمع له خبر هو إمام زمانهم، ومعلوم أن هذا ليس هو معرفة ~~بالإمام، ونظير هذا أن يكون لرجل قريب من بني عمه في الدنيا ولا يعرف شيئا ~~من أحواله، فهذا لا يعرف ابن عمه وكذلك المال الملتقط إذا عرف أن له مالكا ~~ولم يعرف عينه لم يكن عارفا لصاحب PageV01P050 # اللقطة، بل هذا أعرف لأن هذا يمكن ترتيب بعض أحكام الملك والنسب عليه. # وأما في المنتظر فلا يعرف له حال ينتفع به في الإمامة، فإن معرفة الإمام ~~التي تخرج الإنسان من الجاهلية، هي المعرفة التي يحصل بها طاعة وجماعة، ~~خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم لم يكن لهم إمام يجمعهم، ولا جماعة ~~تعصمهم، والله تعالى بعث محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، وهداهم به إلى ~~الطاعة والجماعة، وهذا المنتظر لا يحصل بمعرفته طاعة ولا جماعة، فلم يعرف ~~معرفة تخرج الإنسان من الجاهلية، بل المنتسبون إليه أعظم الطوائف جاهلية، ~~وأشبههم بالجاهلية، إن لم يدخلوا في طاعة غيرهم # إما طاعة كافر أو طاعة مسلم، هو عندهم من الكفار أو النواصب لم ينتظم لهم ~~مصلحة لكثرة اختلافهم، وافتراقهم وخروجهم عن الطاعة وهذا يبينه. # (الوجه التاسع) : وهو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بطاعة ~~الأئمة الموجودين، المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس، ~~لا بطاعة معدوم ولا مجهول، ولا من ليس له سلطان ولا قدرة على شيء أصلا، كما ~~أمر ms042 النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالاجتماع والائتلاف، ونهى عن الفرقة ~~والاختلاف، ولم يأمر بطاعة الأئمة مطلقا، بل أمر بطاعتهم في طاعة الله دون ~~معصيته، وهذا يبين أن الأئمة الذين أمر بطاعتهم في طاعة الله ليسوا ~~معصومين. # فإن قال أنا أردت بقولي إنها أهم المطالب في الدين وأشرف مسائل المسلمين ~~التي تنازعت الأمة فيها بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذه هي مسألة ~~الإمامة. قيل له فلا لفظ فصيح، ولا معنى صحيح فإن ما ذكرته لا يدل على هذا ~~المعنى، بل مفهوم اللفظ ومقتضاه أنها أهم المطالب في الدين مطلقا، وأشرف ~~مسائل المسلمين مطلقا. # وبتقدير أن يكون هذا مرادك، فهو معنى باطل، فإن المسلمين تنازعوا بعد ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في مسائل أشرف من هذه. # وبتقدير أن تكون هي الأشرف، فالذي ذكرته فيها أبطل المذاهب، وأفسد ~~الطالب، وذلك أن النزاع في الإمامة لم يظهر إلا في خلافة علي. # وأما على عهد الخلفاء الثلاثة فلم يظهر نزاع، إلا ما جرى يوم السقيفة، ~~وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعا، ولو قدر أن النزاع فيها ~~كان عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم # PageV01P051 # فليس كل ما تنوزع فيه عقب موته صلى الله تعالى عليه وسلم يكون أشرف مما ~~تنوزع فيه بعد موته بدهر طويل. # وإذا كان كذلك فمعلوم أن مسائل التوحيد والصفات، والإثبات والتنزيه، ~~والقدر، والتعديل، والتجويز والتحسين والتقبيح، أهم وأشرف من # مسائل الإمامة، ومسائل الأسماء والأحكام والوعد والوعيد، والشفاعة ~~والتخليد، أهم من مسائل الإمامة. # فإن كانت أهم مسائل الدين وهم لم ينتفعوا بالمقصود منها، فقد فاتهم من ~~الدين أهمه وأشرفه، وحينئذ فلا ينتفعون بما حصل لهم من التوحيد، والعدل ~~لأنه يكون ناقصا بالنسبة إلى مقصود الإمامة، فيستحقون العذاب. # كيف وهم يسلمون أن مقصود الإمامة في الفروع الشرعية، وأما الأصول العقلية ~~فلا يحتاج فيها إلى الإمام، وتلك هي أهم وأشرف، ثم بعد هذا كله فقولكم في ~~الإمامة من أبعد الأقوال عن الصواب، ولو لم يكن فيه ms043 إلا أنكم أوجبتم ~~الإمامة، لما فيها من مصلحة الخلق، في دينهم ودنياهم، وإمامكم صاحب الوقت، ~~لم يحصل لكم من جهته مصلحة، لا في الدين ولا في الدنيا. # فأي سعي أضل من سعي من يتعب التعب الطويل، ويكثر القال والقيل، ويفارق ~~جماعة المسلمين، ويلعن السابقين والتابعين، ويعاون الكفار والمنافقين، ~~ويحتال بأنواع الحيل، ويسلك ما أمكنه من السبل ويعتض بشهود الزور، ويدلي ~~أتباعه بحبل الغرور، ويفعل ما يطول وصفه، ومقصوده بذلك أن يكون له إمام ~~يدله على أمر الله ونهيه، ويعرفه ما يقربه إلى الله تعالى، ثم إنه لما علم ~~اسم ذلك الإمام ونسبه لم يظفر بشيء من مطلوبه، ولا وصل إليه شيء من تعليمه ~~وإرشاده، ولا أمره ولا نهيه، ولا حصل له من جهته منفعة، ولا مصلحة أصلا، ~~إلا إذهاب نفسه وماله، وقطع الأسفار وطول الانتظار بالليل والنهار، ومعاداة ~~الجمهور، لداخل في سرداب، ليس له عمل ولا خطاب. # ولو كان موجودا بيقين لما حصل به منفعة لهؤلاء المساكين، فكيف وعقلاء ~~الناس يعلمون أن ليس معهم إلا الإفلاس، وأن الحسن بن علي العسكري لم ينسل ~~ولم يعقب، كما ذكر ذلك محمد بن جرير الطبري، وعبد الباقي بن قانع، وغيرهما ~~من أهل العلم بالنسب. # وهم يقولون أنه دخل في السرداب بعد موت أبيه، وعمره إما سنتان وإما ثلاث ~~وإما # PageV01P052 # خمس، وإما نحو ذلك، ومثل هذا بنص القرآن يتيم، يجب أن يحفظ له ماله حتى ~~يؤنس منه الرشد، ويحضنه من يستحق حضانته من قرابته، فإذا صار له سبع سنين ~~أمر بالطهارة والصلاة. # فمن لا توضأ ولا صلى، وهو تحت حجر وليه في نفسه وماله بنص القرآن لو كان ~~موجودا يشهده العيان، فما جاز أن يكون هو إمام أهل الإيمان، فكيف إذا كان ~~معدوما أو مفقودا مع طول هذه الغيبة. # والمرأة إذا غاب وليها زوجها الحاكم أو الولي الحاضر، لئلا تفوت مصلحة ~~الإمامة مع طول هذه المدة، مع هذا الإمام المفقود. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: لما بعث الله محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم قام ms044 بثقل ~~الرسالة، ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم من بعده ~~على ولده الحسن الزكي، ثم على ولده الحسين الشهيد، ثم على علي بن الحسين ~~زين العابدين، ثم على محمد بن علي الباقر، ثم على جعفر بن محمد الصادق، ثم ~~على موسى بن جعفر الكاظم، ثم على علي بن موسى الرضا، ثم على محمد بن علي ~~الجواد، ثم على علي بن محمد الهادي، ثم على الحسن بن علي العسكري، ثم على ~~الخلف الحجة محمد بن الحسن المهدي، عليهم الصلاة والسلام وأن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم لم يمت إلا عن وصية بالإمامة، وقال: وأهل السنة ذهبوا ~~إلى خلاف ذلك كله. # (فصل) # وأما قوله عن أهل السنة إنهم يقولون أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~لم ينص على إمامة أحد، وإنه مات عن غير وصية. # فالجواب أن يقال ليس هذا قول جميعهم، بل قد ذهبت طوائف من أهل السنة إلى ~~أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره، من ~~الأئمة. # وقد ذكر القاضي أبو يعلى وغيره في ذلك روايتين عن الإمام أحمد # PageV01P053 # إحداهما أنها ثبتت بالأخبار قال وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة ~~والأشعرية وهذا اختيار القاضي أبي يعلى وغيره. # والثانية أنها ثبتت بالنص الخفي، والإشارة قال وبهذا قال الحسن البصري، ~~وجماعة من أهل الحديث، وبكر ابن أخت عبد الواحد، والبيهسية من الخوارج. # قال شيخه أبو عبد الله بن حامد: فأما الدليل على استحقاق أبي بكر الخلافة ~~دون غيره من أهل البيت، والصحابة فمن كتاب الله وسنة نبيه، قال وقد اختلف ~~أصحابنا في الخلافة هل أخذت من حيث النص أو الاستدلال، فذهب طائفة من ~~أصحابنا إلى أن ذلك بالنص، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر ذلك نصا، ~~وقطع البيان على عينه حتما، ومن أصحابنا من قال إن ذلك بالاستدلال الجلي. # قال ابن حامد والدليل على إثبات ذلك بالنص، أخبار من ذلك ما أسنده ~~البخاري، عن جير ms045 بن مطعم قال: ((أتت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت أرأيت إن جئت فلم أجدك، كأنها تريد الموت، ~~قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر)) (1) وذكر له سياقا آخر وأحاديث أخر. قال ~~وذلك نص على إمامته. # قال وحديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة ابن اليمان، ~~قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ((اقتدوا بالذين من بعدي أبي ~~بكر وعمر)) (2) . # وأسند البخاري، عن أبي هريرة، قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم. قال: ((بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء ~~الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف ~~ولله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها عمر بن الخطاب فلم أر عبقريا من ~~الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن)) (3) قال: وذلك نص في الإمامة. # قال: ويدل عليه ما أخبرنا أبو بكر بن مالك، وروى عن مسند أحمد، عن حماد ~~بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، ~~قال: قال رسول PageV01P054 # الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما: ((أيكم رأى رؤيا فقلت: أنا رأيت يا ~~رسول الله كأن ميزانا دلي من السماء، فوزنت # بأبي بكر فرجحت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر بعمر فرجح، أبو بكر بعمر ثم وزن ~~عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان، فقال النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم ((خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك لمن يشاء)) (1) . # قال وأسند أبو داود عن جابر الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم: ((رأى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر ~~بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر)) ، قال جابر فلما قمنا من عند رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم. قلنا أما الصالح فرسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم، وأما نوط بعضهم ببعض، فهم ولاة هذا ms046 الأمر الذي بعث الله به نبيه. # قال: ومن ذلك حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة -رضي ~~الله عنها -، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. اليوم ~~الذي بدئ فيه، فقال ((ادعي لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي لكر كتابا، ثم قال ~~يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر، وفي لفظ فلا يطمع في هذا الأمر طامع)) ~~(2) . # وهذا الحديث في الصحيحين ورواه من طريق أبي داود الطيالسي، عن ابن أبي ~~مليكة، عن عائشة، قالت: لما ثقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ~~((ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر لأكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف عليه ثم ~~قال معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر)) ، وذكر أحاديث تقديمه في ~~الصلاة، وأحاديث أخر لم أذكرها لكونها ليست مما يثبته أهل الحديث. # وقال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل والنحل: اختلف الناس في الإمامة بعد ~~رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالت طائفة: إن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم لم يستخلف أحدا، ثم اختلفوا فقال بعضهم: لكن لما استخلف أبا بكر ~~على الصلاة كان ذلك دليلا على أنه أولاهم بالإمامة والخلافة على الأمر، ~~وقال بعضهم: لا ولكن كان أثبتهم فضلا، فقدموه # لذلك، وقالت طائفة: بل نص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ~~استخلاف أبي بكر بعده، على أمور الناس نصا جليا. # قال أبو محمد وبهذا نقول: لبراهين أحدها إطباق الناس كلهم، وهم الذين قال ~~الله PageV01P055 # فيهم: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله و رضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم # الصادقون} (1) . # فقد اتفق هؤلاء الذين شهد الله لهم بالصدق، وجميع إخوانهم من الأنصار - ~~رضي الله عنه - م، على أن سموه خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. # ومعنى الخليفة في اللغة هو الذي يستخلفه المرء، لا الذي يخلفه دون أن ~~يستخلفه هو، لا يجوز غير هذا البتة في اللغة بلا خلاف، يقال: استخلف فلان ms047 ~~فلانا يستخلفه فهو خليفته ومستخلفه، فإن قام مكانه دون أن يستخلفه لم يقل ~~إلا خلف فلان فلانا يخلفه فهو خالف. # قال: ومحال أن يعنوا بذلك الاستخلاف على الصلاة، لوجهين ضروريين. # (أحدهما) : أنه لم يستحق أبو بكر قط هذا الاسم على الإطلاق في حياة النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو حينئذ خليفته على الصلاة فصح يقينا أن ~~خلافته المسمى بها هي غير خلافته على الصلاة. # (والثاني) : أن كل من استخلفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ~~حياته، كعلي في غزوة تبوك، وابن أم مكتوم في غزوة الخندق، وعثمان بن عفان ~~في غزوة ذات الرقاع، وسائر من استخلفه على البلاد باليمن، والبحرين، ~~والطائف، وغيرها، لم يستحق أحد منهم بلا خلاف بين أحد من الأئمة أن يسمى ~~خليفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم -، فصح يقينا بالضرورة التي لا ~~محيد عنها أنها الخلافة بعده، على أمته. # ومن المحال أن يجمعوا على ذلك، وهو لم يستخلفه نصا، ولو لم يكن هاهنا إلا ~~استخلافه في الصلاة، لم يكن أبو بكر أولى بهذا الاسم من سائر من ذكرناه، ~~قال: وأيضا فإن الرواية قد صحت. أن امرأة قالت: يا # رسول الله: أرأيت إن رجعت فلم أجدك، كأنها تعني الموت؟ قال: ((فأتى أبا ~~بكر)) (2) قال: وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر. # قال: وأيضا فإن الخبر قد جاء من الطرق الثابتة أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال لعائشة في مرضه الذي توفي فيه: ((لقد هممت أن أبعث إلى ~~أبيك وأخيك وأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا PageV01P056 # يقول قائل: أنا أحق أو يتمنى متمنى، ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا أبا ~~بكر)) (1) . # وروى أيضا - ويأبى الله والنبيون إلا أبا بكر - قال: فهذا نص جلي على ~~استخلافه صلى الله تعالى عليه وسلم - أبا بكر على ولاية الأمة بعده. # قال: واحتج من قال لم يستخلف بالخبر المأثور عن عبد الله بن عمر، عن عمر، ~~أنه قال إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني يعني أبا ms048 بكر، وإلا أستخلف فلم ~~يستخلف من هو خير مني، يعني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (2) . وبما ~~روي عن عائشة - رضي الله عنه - ا، أنها سئلت: من كان رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم مستخلفا لو استخلف؟ (3) # قال: ومن المحال أن يعارض إجماع الصحابة الذي ذكرنا عنهم، والأثران ~~الصحيحان المسندان إلى رسول الله صلى تعالى الله عليه وسلم، من لفظه بمثل ~~هذين الأثرين الموقوفين على عمر وعائشة، مما لا تقوم به حجة ظاهرة. مع أن ~~هذا الأثر خفي على عمر، كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم، كالاستئذان وغيره، وأنه أراد استخلافا بعهد مكتوب، ونحن نقر أن ~~استخلافه لم يكن بعهد مكتوب، وأما الخبر في ذلك عن عائشة - رضي الله عنه - ~~افكذلك أيضا، وقد يخرج كلاهما عن سؤال سائل. وإنما الحجة في روايتهما لا في ~~قولهما. # (قلت) : الكلام في تثبيت خلافة أبي بكر وغيره مبسوط في غير هذا الموضع، ~~وإنما المقصود هنا البيان لكلام الناس في خلافته، هل حصل عليها نص خفى أو ~~جلى، وهل تثبت بذلك أو بالاختيار، من أهل الحل والعقد فقد تبين # أن كثيرا من السلف والخلف قالوا فيها بالنص الجلي، أو الخفي، وحينئذ فقد ~~بطل قدح الرافضي في أهل السنة بقوله: إنهم يقولون إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم ينص إلى إمامة أحد، وإنه مات عن غير وصية. # وكذلك أن هذا القول لم يقله جميعهم، فإن كان حقا فقد قاله بعضهم، وإن كان ~~الحق هو نقيضه فقد قال بعضهم ذلك، فعلى التقديرين لم يخرج الحق عن أهل ~~السنة، أيضا فلو قدر أن القول بالنص هو الحق لم يكن في ذلك حجة للشيعة فإن ~~الرواندية تقول بالنص على العباس كما قالوا هم بالنص على علي. PageV01P057 # قال القاضي أبو يعلى وغيره،: واختلفت الرواندية فذهب جماعة منهم إلى أن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نص على العباس بعينه واسمه وأعلن ذلك وكشف ~~وصرح به، وأن الأمة جحدت هذا النص ms049 وارتدت. وخالفت أمر الرسول صلى الله ~~تعالى عليه وسلم عنادا، ومنهم من قال: إن النص على العباس وولده من بعده ~~إلى أن تقوم الساعة، يعني هو نص خفي. فهذان قولان للرواندية، كالقولين ~~للشيعة، فإن الإمامية تقول: إنه نص علي بن أبي طالب من طريق التصريح ~~والتسمية، بأن هذا هو الإمام من بعدي. فاسمعوا له وأطيعوا، والزيدية ~~تخالفهم في هذا. # ثم من الزيدية من يقول: إنما نص عليه بقوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، ~~وأنت مني بمنزلة هارون من موسى، وأمثال ذلك من النص الخفي الذي يحتاج إلى ~~تأمل لمعناه، وحكي عن الجارودية من الزيدية: أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم نص على علي بصفة لم توجد إلا فيه، لا من جهة التسمية، فدعوى الرواندية ~~في النص من جنس دعوى الرافضة، وقد ذكر في الإمامية أقوال أخرى. # والمقصود هنا أن أقوال الرافضة معارضة بنظيرها، فإن دعواهم النص على علي ~~كدعوى أولئك النص على العباس، وكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار، ولم ~~يقل أحد من أهل العلم شيئا من هذين القولين، وإنما ابتدعهما أهل الكذب كما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه، ولهذا لم يكن أهل الدين من ولد العباس وعلي ~~يدعون هذا، ولا هذا بخلاف النص على أبي بكر فإن القائلين به طائفة من أهل ~~العلم. # والمقصود هنا أن كثيرا من أهل السنة يقولون: أن خلافته تثبت بالنص، وهم ~~يسندون ذلك إلى أحاديث معروفة صحيحة، ولا ريب أن قول هؤلاء أوجه من قول من ~~يقول إن خلافة علي أو العباس ثبتت بالنص. # فإن هؤلاء ليس معهم إلا مجرد الكذب والبهتان الذي يعلم بطلانه بالضرورة ~~كل من كان عارفا بأحوال الإسلام، أو استدلال بألفاظ لا تدل على ذلك، كحديث ~~استخلافه في غزوة تبوك، ونحوه مما سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. # فيقال لهذا: إن وجب أن يكون الخليفة منصوصا عليه، كان القول بهذا النص ~~أولى من # PageV01P058 # القول بذلك، وإن لم يجب هذا بطل ذاك. والتحقيق أن النبي صلى الله تعالى ~~عليه ms050 وسلم دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه، بأمور متعددة من ~~أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته أخبار راض بذلك حامدا له وعزم على أن يكتب ~~بذلك عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك. # ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك هل ذلك القول ~~من جهة المرض، أو هو قول يجب اتباعه، فترك الكتابة اكتفاء بما علم أن الله ~~يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -، فلو كان التعيين مما ~~يشتبه على الأمة لبينه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بيانا قاطعا ~~للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك ~~حصل المقصود. # ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار: ((وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)) رواه البخاري ~~ومسلم (1) وفي الصحيحين أيضا عنه أنه قال يوم السقيفة بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار: ((أنت خيرنا وسيدنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم)) (2) - ولم ينكر ذلك منهم منكر، ولا قال # أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع ~~أحد في خلافته، إلا بعض الأنصار طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن ~~المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عنه النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم بطلانه. # ثم الأنصار جميعهم بايعوا أبا بكر إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي كان ~~يطلب الولاية، ولم يقل قط أحد من الصحابة إن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم نص على غير أبي بكر لا على العباس ولا على علي، ولا غيرهما، ولا ادعى ~~العباس ولا علي -ولا أحد ممن يحبهما -الخلافة لواحد منهما، ولا أنه منصوص ~~عليه، بل ولا قال أحد من الصحابة إن في قريش من هو أحق بها من أبي بكر، لا ~~من بني هاشم ولا من غير بني هاشم، وهذا كله مما يعلمه العلماء العالمون ~~بالآثار والسنن ms051 والحديث، وهو معلوم عندهم بالاضطرار. PageV01P059 # فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها، وثبوتها ورضا الله ~~ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له، ~~واختيارهم إياه، اختيارا أسندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، ~~وأنه أحقهم بهذا الأمر عند الله ورسوله. # فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعا لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها ~~وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها وأن المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من ~~مجرد العهد بها لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد. # وأما إذا كان المسلمون قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم ~~فيما فعلوه، ورضا الله ورسوله بذلك، كان ذلك دليلا على أن الصديق كان فيه ~~من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمون به أنه أحقهم بالخلافة، ~~فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم. لما أراد أن يكتب لأبي بكر فقال لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى ~~أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمنى، ويقول قائل أنا أولى، ويأبى ~~الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) (1) أخرجاه في الصحيحين # وفي البخاري: ((لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه، وأعهد أن يقول ~~القائلون، أو يتمنى المتمنون، ويدفع الله ويأبى المؤمنون)) (2) فبين صلى ~~الله تعالى عليه وسلم أنه يريد أن يكتب كتابا خوفا ثم علم أن الأمر واضح ~~ظاهر، ليس مما يقبل النزاع فيه، والأمة حديثة عهد بنبيها، وهم خير أمة ~~أخرجت للناس، وأفضل قرون هذه الأمة فلا يتنازعون في هذا الأمر الواضح ~~الجلي. # فإن النزاع إنما يكون لخفاء العلم، أو لسوء القصد وكلا الأمرين منتف، فإن ~~العلم بفضيلة أبي بكر جلي، وسوء القصد لا يقع من جمهور الأمة الذين هم أفضل ~~القرون، ولهذا قال يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، فترك ذلك لعلمه بأن ~~ظهور فضيلة أبى بكر الصديق واستخلافه لهذا الأمر يغني عن العهد، فلا يحتاج ~~إليه، فتركه لعدم ms052 الحاجة وظهور فضيلة الصديق، واستحقاقه وهذا أبلغ من ~~العهد. PageV01P060 ### | ### | (فصل) # # وأما قول الرافضي: إنهم يقولون الإمام بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم -أبو بكر بمبايعة عمر، برضا أربعة، فيقال له ليس هذا قول أئمة السنة، ~~وإن كان بعض أهل الكلام يقول إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: ~~تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليس هذه أقوال أئمة ~~السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل ~~إماما حتى يوافقه، أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن ~~المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها ~~القدرة والسلطان، صار إماما، ولهذا قال أئمة السنة من صار له قدرة وسلطان، ~~يفعل بهما مقصود الولاية فهو من أولي الأمر، الذين أمر الله بطاعتهم، ما لم ~~يأمروا بمعصبة الله، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكا بموافقة ~~واحد ولا اثنين، ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة غيرهم بحيث يصير ملكا بذلك، ~~وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه، لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم ~~التعاون عليه، ولهذا لما بويع علي - رضي الله عنه - وصار معه شوكة صار ~~إماما. # وأما قوله: ثم عثمان بن عفان بنص عمر على ستة هو أحدهم فاختاره بعضهم، ~~فيقال أيضا عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع ~~المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد. # قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي: ما كان في القوم اوكد من بيعة ~~عثمان كانت بإجماعهم. # فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماما، وإلا لو قدر أن عبد الرحمن ~~بايعه ولم يبايعه غيره علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماما. # ولكن عمر لما جعلها شورى في ستة: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد ~~الرحمن بن عوف ثم إنه خرج طلحة والزبير وسعد باختيارهم وبقي عثمان وعلي ~~وعبد الرحمن بن عوف، واتفق الثلاثة باختيارهم على أن عبد الرحمن بن عوف ms053 لا ~~يتولى ويولي أحد الرجلين. # PageV01P061 # وأقام عبد الرحمن ثلاثا حلف أنه لم يغتمض فيها بكبير نوم، يشاور السابقين ~~الأولين والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمراء الأمصار وكانوا قد حجوا مع عمر ~~ذلك العام، فأشار عليه المسلمون بولاية عثمان. # وذكرهم أنهم كلهم قدموا عثمان فبايعوه، لا عن رغبة أعطاهم إياها ولا عن ~~رهبة أخافهم بها، ولهذا قال غير واحد من السلف والأئمة كأيوب السختياني ~~وأحمد بن حنبل والدارقطني وغيرهم: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى ~~بالمهاجرين والأنصار، وهذا من الأدلة الدالة على أن عثمان أفضل لأنهم قدموه ~~باختيارهم، واشتوارهم. # وأما قوله: ثم علي بمبايعة الخلق له فتخصيصه عليا بمبايعة الخلق دون أبي ~~بكر وعمر وعثمان كلام ظاهر البطلان، وذلك أنه من المعلوم لكل من عرف سيرة ~~القوم، أن اتفاق الخلق ومبايعتهم لأبي بكر وعمر وعثمان أعظم من اتفاقهم على ~~بيعة علي - رضي الله عنه - وعنهم أجمعين وكل أحد يعلم أنهم اتفقوا على بيعة ~~عثمان أعظم من اتفاقهم على بيعة علي والذين بايعوا عثمان في أول الأمر أفضل ~~من الذين بايعوا عليا، فإنه بايعه علي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير بن ~~العوام وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب وأبي بن كعب وأمثالهم مع ~~سكينة وطمأنينة، وبعد مشاورة المسلمين ثلاثة أيام، وأما علي - رضي الله عنه ~~- فإنه بويع عقب قتل عثمان - رضي الله عنه -، والقلوب مضطربة، مختلفة ~~وأكابر الصحابة متفرقون وأحضر طلحة إحضارا حتى قال من قال إنهم جاءوا به ~~مكرها، وأنه قال بايعت واللج على قفي وكان لأهل الفتنة بالمدينة شوكة لما ~~قتلوا عثمان، وماج الناس لقتله موجا عظيما، وكثير من الصحابة لم يبايع عليا ~~كعبد الله بن عمر وأمثاله، وكان الناس معه ثلاثة أصناف، صنف قاتلوا معه، ~~وصنف قاتلوه، وصنف لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكيف # يجوز أن يقال في علي بمبايعة الخلق له، ولا يقال مثل ذلك في مبايعة ~~الثلاثة ولم يختلف عليهم أحد لما بايعهم الناس، كلهم لا سيما عثمان. # وأما أبو بكر - رضي الله عنه ms054 - فتخلف عن بيعته سعد لأنهم كانوا قد عينوه ~~للإمارة، فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، ولكن هو مع هذا - رضي الله ~~عنه - لم يعارض، ولم يدفع حقا، ولا أعان # PageV01P062 # على باطل. # بل قد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسند الصديق عن عثمان، عن ~~أبي معاوية عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري ~~فذكر حديث السقيفة وفيه: أن الصديق قال: ((ولقد علمت يا سعد أن رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم قال وأنت قاعد قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع ~~لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم، قال، فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم ~~الأمراء)) (1) . # فهذا مرسل حسن ولعل حميدا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا بذلك، وفيه ~~فائدة جليلة جدا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول، في دعوى الإمارة، ~~وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين. # فإن قال: أردت أن أهل السنة يقولون إن خلافته انعقدت بمبايعة الخلق له، ~~لا بالنص فلا ريب أن أهل السنة وإن كانوا يقولون: إن النص على أن عليا من ~~الخلفاء الراشدين لقوله خلافة النبوة ثلاثون سنة، فهم يروون النصوص ~~الكثيرة، في صحة خلافة غيره وهذا أمر معلوم عند أهل الحديث يروون، في صحة ~~خلافة الثلاثة نصوصا كثيرة بخلاف خلافة علي، فإن نصوصها قليلة. # فإن الثلاثة اجتمعت الأمة عليهم، فحصل بهم مقصود الإمامة، وقوتل بهم ~~الكفار وفتحت بهم الأمصار، وخلافة علي لم يقاتل فيها كافر. ولا فتح مصر ~~وإنما كان السيف بين أهل القبلة. # وأما النص الذي تدعيه الرافضة فهو كالنص الذي تدعيه الرواندية، على ~~العباس وكلاهما معلوم الفساد بالضرورة عند أهل العلم، ولو لم يكن في إثبات ~~خلافة علي إلا هذا لم تثبت له إمامة قط، كما لم تثبت للعباس إمامة بنظيره. # وأما قوله: ثم اختلفوا فقال بعضهم: إن الإمام بعده الحسن، وبعضهم قال إنه ~~معاوية، PageV01P063 # فيقال أهل السنة لم يتنازعوا في هذا بل هم يعلمون أن الحسن بايعه أهل ms055 ~~العراق مكان أبيه، وأهل الشام كانوا مع معاوية قبل ذلك. # وقوله: ثم ساقوا الإمامة في بني أمية ثم في بني العباس. فيقال: أهل السنة ~~لا يقولون إن الواحد من هؤلاء كان هو الذي يجب أن يولى دون من سواه، ولا ~~يقولون إنه تجب طاعته في كل ما يأمر. # بل أهل السنة يخبرون بالواقع، ويأمرون بالواجب، فيشهدون بما وقع، ويأمرون ~~بما أمر الله ورسوله، فيقولون هؤلاء هم الذين تولوا، وكان لهم سلطان ~~وقدرة،، يقدرون بها على مقاصد الولاية، من إقامة الحدود، وقسم الأموال، ~~وتولية الولاية، وجهاد العدو، وإقامة الحج والأعياد، والجمع وغير ذلك من ~~مقاصد الولاية. # ويقولون: إن الواحد من هؤلاء ونوابهم وغيرهم لا يجوز أن يطاع في معصية ~~الله تعالى - بل يشارك فيما يفعله من طاعة الله، فيغزى معه الكفار، ويصلى ~~معه الجمعة، والعيدان ويحج معه، ويعاون في إقامة الحدود، والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وأمثال ذلك. # فيعاونون على البر والتقوى ولا يعاونون على الإثم والعدوان. # ويقولون: إنه قد تولى غير هؤلاء بالمغرب من بني أمية، ومن بني علي. # ومن المعلوم أن الناس لا يصلحون إلا بولاة، وأنه لو تولى من هو دون هؤلاء ~~من الملوك الظلمة لكان ذلك خيرا من عدمهم. # كما يقال ستون سنة مع إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام، ويروى عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((لا بد للناس من إمارة، برة كانت أو فاجرة، ~~قيل له هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ قال: يؤمن بها السبيل، ويقام ~~بها الحدود، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء)) ذكره علي بن معبد في كتاب ~~الطاعة والمعصية. # وكل من تولى كان خيرا من المعدوم المنتظر، الذي تقول الرافضة إنه الخلف ~~الحجة، فإن هذا لم يحصل بإمامته شيء من المصلحة، لا في الدنيا ولا في الدين ~~أصلا، ولا فائدة في إمامته، إلا الاعتقادات الفاسدة، والأماني الكاذبة، ~~والفتن بين الأمة وانتظار من لا يجيء فتطوى الأعمار ولم يحصل من فائدة هذه ~~الإمامة شيء. # والناس لا يمكنهم بقاء ms056 أيام قليلة بلا ولاة أمور، بل كانت أمورهم تفسد، ~~فكيف # PageV01P064 # تصلح أمورهم إذا لم يكن لهم إمام إلا من لا يعرف، ولا يدري ما يقول، ولا ~~يقدر على شيء من أمور الإمامة، بل هو معدوم. # وأما آباؤه فلم يكن لهم قدرة وسلطان الإمامة، بل كان لأهل العلم والدين ~~منهم إمامة أمثالهم من جنس الحديث، والفتيا ونحو ذلك، لم يكن لهم سلطان ~~لشوكة، فكانوا عاجزين عن الإمامة، سواء كانوا أولى بالولاية أو لم يكونوا ~~أولى. # فبكل حال ما مكنوا ولا ولوا، ولا كان يحصل بهم المطلوب، من الولاية لعدم ~~القدرة والسلطان، ولو أطاعهم المؤمن لم يحصل له بطاعتهم المصالح التي تحصل ~~بطاعة الأئمة من جهاد الأعداء، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، أو بعضهم ~~وإقامة الحدود. # فإن قال القائل: إن الواحد من هؤلاء أو من غيرهم إمام أي ذو سلطان وقدرة، ~~يحصل بهما مقاصد الإمامة، كان هذا مكابر للحس. # ولو كان ذلك كذلك لم يكن هناك متول يزاحمهم، ولا يستبد الأمر دونهم، وهذا ~~لا يقوله أحد. وإن قال أنهم أئمة بمعنى أنهم هم الذين يجب أن يولوا، وأن ~~الناس عصوا بترك توليتهم. # فهذا بمنزلة أن يقال فلان كان يستحق أن يولى القضاء، ولكن لم يول ظلما ~~وعدوانا. # ومن المعلوم أن أهل السنة لا ينازعون في أنه كان بعض أهل الشوكة بعد ~~الخلفاء الأربعة، يولون شخصا وغيره أولى بالولاية منه، وقد كان عمر بن عبد ~~العزيز يختار أن يولي القاسم بن محمد بعده لكنه لم يطق ذلك، لأن أهل الشوكة ~~لم يكونوا موافقين على ذلك. وحينئذ فأهل الشوكة الذين قدموا المرجوح وتركوا ~~الراجح، والذي تولى بقوته وقوة أتباعه ظلما وبغيا، فيكون إثم هذه الولاية ~~على من ترك الواجب مع قدرته على فعله، أو أعان على الظلم. # وأما من لم يظلم ولا أعان ظالما وإنما أعان على البر والتقوى فليس عليه ~~من هذا شيء. ومعلوم أن صالحي المؤمنين لا يعاونون الولاة إلا على البر ~~والتقوى، لا يعاونونهم على الإثم والعدوان. # PageV01P065 # وأهل السنة يقولون ينبغي أن ms057 يولى الأصلح للولاية، إذا أمكن إما وجوبا عند ~~أكثرهم، وإما استحبابا عند بعضهم، وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ~~ظالم، ومن كان عاجزا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور. # ويقولون: من تولى فإنه يستعان به على طاعة الله بحسب الإمكان، ولا يعان ~~إلا على طاعة الله، ولا يستعان به على معصية الله، ولا يعان على معصية الله ~~تعالى. # أفليس قول أهل السنة في الإمامة خيرا من قول من يأمر بطاعة معدوم، أو ~~عاجز لا يمكنه الإعانة المطلوبة من الأئمة، ولهذا كانت الرافضة لما عدلت عن ~~مذهب أهل السنة في معونة أئمة المسلمين والاستعانة بهم، دخلوا في معاونة ~~الكفار والاستعانة بهم. # فهم يدعون إلى الإمام المعصوم، ولا يعرف لهم إمام موجود، يأتمون به، إلا ~~كفور أو ظلوم، فهم كالذي يحيل بعض العامة على أولياء الله رجال الغيب، ولا ~~رجال للغيب عنده إلا أهل الكذب والمكر، الذين يأكلون # أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله، أو الجن أو الشياطين الذين ~~يحصل بهم لبعض الناس أحوال شيطانية. # فلو قدر أن ما تدعيه الرافضة من النص هو حق موجود، وأن الناس لم يولوا ~~المنصوص عليه لكانوا قد تركوا من يجب توليته، ولولوا غيره وحينئذ فالإمام ~~الذي قام بمقصود الإمامة هو هذا المولى، دون الممنوع المقهور. # نعم ذاك يستحق أن يولى، لكن ما ولي، فالإثم على من ضيع حقه، وعدل عنه لا ~~على من لم يضع حقه ولم يتعد. وهم يقولون: أن الإمام وجب نصبه، لأن لطف ~~ومصلحة للعباد، فإذا كان الله ورسوله يعلم أن الناس لا يولون هذا المعين ~~إذا أمروا بولايته كان أمرهم بولاية من يولونه وينتفعون بولايته أولى، من ~~أمرهم بولاية من لا يولونه، ولا ينتفعون بولايته. # كما قيل في إمامة الصلاة والقضاء، وغير ذلك، فكيف إذا كان ما يدعونه من ~~النص من أعظم الكذب والافتراء؟ والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد أخبر ~~أمته بما سيكون، وما يقع بعده، من التفرق فإذا نص لأمته على إمامة ms058 شخص يعلم ~~أنهم لا يولونه، بل يعدلون عنه ويولون غيره -يحصل لهم بولايته # PageV01P066 # مقصود الولاة - وأنه إذا أفضت النوبة إلى المنصوص حصل من سفك دماء الأمة ~~ما لم يحصل بغير المنصوص، ولم يحصل من مقاصد الولاية ما حصل بغير المنصوص، ~~كان الواجب العدول عن المنصوص. # مثال ذلك أن ولي الأمر إذا كان عنده شخصان، ويعلم أنه إن ولى أحدهما أطيع ~~وفتح البلاد، وأقام الجهاد، وقهر الأعداء، وأنه إذا ولى الآخر لم يطع، ولم ~~يفتح شيئا من البلاد، بل يقع في الرعية الفتنة والفساد، كان من المعلوم لكل ~~عاقل أنه ينبغي أن يولي من يعلم أنه إذا ولاه حصل به الخير والمنفعة، لا من ~~إذا ولاه لم يطع وحصل بينه وبين الرعية الحرب والفتنة. فكيف مع علم الله ~~ورسوله بحال ولاية الثلاثة؟ وما حصل فيها من مصالح الأمة، في دينها ~~ودنياها، لا ينص عليها وينص على ولاية من لا يطاع بل يحارب ويقاتل، حتى لا ~~يمكنه قهر الأعداء ولا إصلاح الأولياء. # وهل يكون من ينص على ولاية هذا دون ذاك إلا جاهلا إن لم يعلم الحال أو ~~ظالما مفسدا. إن علم. والله ورسوله بريء من الجهل والظلم. # وهم يضيفون إلى الله ورسوله العدول عما فيه مصلحة العباد، إلى ما ليس فيه ~~إلا الفساد. # واذا قيل إن الفساد حصل من معصيتهم لا من تقصيره. قيل أفليس ولاية من ~~يطيعونه فتحصل المصلحة أولى من ولاية من يعصونه، فلا تحصل المصلحة بل ~~المفسدة؟ # ولو كان للرجل ولد وهناك مؤدبان إذا أسلمه إلى أحدهما تعلم وتأدب، وإذا ~~أسلمه إلى الآخر فر وهرب، أفليس إسلامه إلى ذاك أولى؟ ولو قدر أن ذاك أفضل، ~~فأي منفعة في فضيلته إذا لم يحصل للولد به منفعة لنفوره عنه. # ولو خطب المرأة رجلان أحدهما أفضل من الآخر لكن المرأة تكرهه، وإن تزوجت ~~به لم تطعه، بل تخاصمه وتؤذيه، فلا تنتفع به ولا ينتفع هو بها، والآخر تحبه ~~ويحصل به مقاصد النكاح، أفليس تزويجها بهذا المفضول أولى باتفاق العقلاء؟ ~~ونص من ms059 ينص على تزويجها بهذا أولى من النص على تزويجها بهذا. # PageV01P067 # فكيف يضاف إلى الله ورسوله ما لا يرضاه إلا ظالم، أو جاهل، وهذا ونحوه ~~مما يعلم به بطلان النص بتقدير أن يكون علي هو الأفضل الأحق، بالإمارة، لكن ~~لا يحصل بولايته إلا ما حصل، وغيره ظالم يحصل به ما حصل من المصالح، فكيف ~~إذا لم يكن الأمر كذلك، لا في هذا ولا في هذا. # فقول أهل السنة خبر صادق وقول حكيم، وقول الرافضة خبر كاذب وقول سفه، ~~فأهل السنة يقولون الأمير والإمام والخليفة ذو السلطان الموجود، الذي له ~~القدرة على عمل مقصود الولاية، كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلي بالناس، ~~وهم يأتمون به ليس إمام الصلاة من يستحق أن يكون إماما وهو لا يصلي بأحد، ~~لكن هذا ينبغي أن يكون إماما، والفرق بين الإمام وبين من ينبغي أن يكون هو ~~الإمام لا يخفى على الطغام. # ويقولون إنه يعاون على البر والتقوى، دون الإثم والعدوان، ويطاع في طاعة ~~الله دون معصيته، ولا يخرج عليه بالسيف، وأحاديث النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم إنما تدل على هذا. # كما في الصحيحين، عن ابن عباس -رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم قال: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من ~~الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية)) (1) فجعل ~~المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على ما يكره من ~~الأمير لم يخص بذلك سلطانا معينا ولا أميرا معينا ولا جماعة معينة. # (قال الرافضي الفصل الثاني في أن مذهب الإمامية واجب الاتباع) # ومضمون ما ذكره أن الناس اختلفوا بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~فيجب النظر في الحق واعتماد الإنصاف، ومذهب الإمامية واجب الاتباع لأربعة ~~وجوه، لأنه أحقها، وأصدقها، ولأنهم باينوا جميع الفرق في أصول العقائد، ~~ولأنهم جازمون بالنجاة لأنفسهم، ولأنهم أخذوا دينهم عن الأئمة المعصومين، ~~وهذا حكاية لفظه. # قال الرافضي: إنه لما عمت البلية بموت النبي صلى الله ms060 تعالى عليه وسلم ~~-واختلف الناس بعده، وتعددت PageV01P068 # آراؤهم، بحسب تعدد أهوائهم، فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه أكثر ~~الناس للدنيا، كما اختار عمرو بن سعد ملك الري أياما يسيرة، لما خير بينه ~~وبين قتل الحسين مع علمه، بأن من قتله في النار، واختياره ذلك في شعره حيث ~~يقول: # فوالله ما أدري وإني لصادق ... أفكرفي أمرعلى خطرين # أأترك ملك الري والري منيتي ... أم أصبح مأثوما بقتل حسين # وفي قتله النار التي ليس دونها ... حجاب وملك الري قرة عيني # وبعضهم اشتبه الأمر عليه، ورأى لطالب الدنيا مبايعا، فقلده وبايعه وقصر ~~في نظره، فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى بإعطاء الحق لغير ~~مستحقه بسبب إهمال النظر، وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير ~~فتابعهم، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى: {وقليل ما ~~هم} (1) {وقليل من عبادي الشكور} (2) وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق له وبايعه ~~الأقلون الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، ولم يأخذهم في الله لومة لائم بل ~~أخلصوا لله واتبعوا ما أمروا به من طاعة من يستحق التقديم. # وحيث حصل للمسلمين هذه البلية، وجب على كل أحد النظر في الحق واعتماد ~~الإنصاف، وأن يقر الحق مستقره، ولا يظلم مستحقه، فقد قال تعالى: {ألا لعنة ~~الله على الظالمين} (3) وإنما كان مذهب الإمامية واجب الاتباع لوجوه هذا ~~لفظه. # فيقال: إنه قد جعل المسلمين بعد نبيهم أربعة أصناف،، وهذا من أعظم الكذب ~~فإنه لم يكن من في الصحابة المعروفين أحد من هذه الأصناف الأربعة، فضلا عن ~~أن لا يكون فيهم أحد إلا من هذه الأصناف. # إما طالب للأمر بغير حق كأبي بكر في زعمه. وإما طالب للأمر بحق كعلي في ~~زعمه. # وهذا كذب على علي - رضي الله عنه -، وعلى أبي بكر - رضي الله عنه -، فلا ~~علي طلب الأمر لنفسه قبل قتل عثمان، ولا أبو بكر طلب الأمر لنفسه فضلا عن ~~أن يكون طلبه بغير حق. # وجعل القسمين الآخرين إما مقلدا لأجل الدنيا، وإما مقلدا لقصوره في ~~النظر، وذلك أن الإنسان ms061 يجب عليه أن يعرف الحق وأن يتبعه، وهو الصراط ~~المستقيم صراط PageV01P069 # الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين، والشهداء # والصالحين، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين. وهذا هو الصراط الذي أمرنا ~~أن نسأله هدايتنا إياه، في كل صلاة بل في كل ركعة. # وهذه الأمة خير الأمم، وخيرها القرن الأول، كان القرن الأول أكمل الناس ~~في العلم النافع، والعمل الصالح. # وهؤلاء المفترون وصفوهم بنقيض ذلك، بأنهم لم يكونوا يعلمون الحق ~~ويتبعونه، بل كان أكثرهم عندهم يعلمون الحق ويخالفونه، كما يزعمون في ~~الخلفاء الثلاثة، وجمهور الصحابة، والأمة، وكثير منهم عندهم لا يعلم الحق، ~~بل اتبع الظالمين تقليدا لعدم نظرهم المفضي إلى العلم، والذي لم ينظر قد ~~يكون تركه النظر لأجل الهوى وطلب الدنيا، وقد يكون لقصوره ونقص إدراكه. # وادعى أن منهم من طلب الأمر لنفسه بحق يعني عليا، وهذا مما علمنا ~~بالاضطرار أنه لم يكن، فلزم من ذلك على قول هؤلاء أن تكون الأمة كلها كانت ~~ضالة، بعد نبيها ليس فيها مهتد. # فتكون اليهود ولنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا منهم، لأنهم كما قال ~~تعالى: {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وهم يعدلون} (1) . وقد أخبر النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم أن اليهود والنصارى افترقت على أكثرمن سبعين ~~فرقة، فيها واحدة ناجية، وهذه الأمة على موجب ما ذكروه لم يكن فيهم بعد موت ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمة تقوم بالحق ولا تعدل به، وإذا لم يكن ~~ذلك في خيار قرونهم ففيما بعد ذلك أولى. # فيلزم من ذلك أن يكون اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خيرا من خير ~~أمة أخرجت للناس، فهذا لازم لما يقوله هؤلاء المفترون، فإذا كان هذا في ~~حكايته لما جرى عقب موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من اختلاف الأمة، ~~فكيف سائر ما ينقله ويستدل به، ونحن نبين ما في هذه الحكاية من الأكاذيب من ~~وجوه كثيرة، فنقول: # ما ذكره هذا المفتري من قوله: إنه لما عمت البلية على كافة المسلمين بموت ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. ms062 واختلف الناس بعده، وتعددت آراؤهم بحسب ~~تعدد أهوائهم، فبعضهم طلب الأمر PageV01P070 # لنفسه، وتابعه أكثر الناس طلبا للدنيا، كما اختار عمر بن سعد، ملك الري ~~أياما يسيرة لما خير بينه وين قتل الحسين، مع علمه بأن في قتله النار ~~واختياره ذلك في شعره. # فيقال في هذا الكلام من الكذب، والباطل وذم خيار الأمة، بغير حق ما لا ~~يخفى من وجوه. (أحدهما) : قوله تعددت آراؤهم بحسب تعدد أهوائهم، فيكون كلهم ~~متبعين أهوائهم، ليس فيهم طالب حق، ولا مريد لوجه الله تعالى والدار ~~الآخرة، ولا من كان قوله عن اجتهاد واستدلال. # وعموم لفظه يشمل عليا وغيره، وهؤلاء الذين وصفهم بهذا، هم الذين أثنى ~~الله عليهم هو ورسوله، ورضي الله عنهم ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان - رضي الله ~~عنه - م ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} (1) . وقال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج ~~شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار، وعد ~~الله الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} (2) . # وقال تعالى: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض -إلى قوله -أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا ~~معكم فأولئك منكم} (3) . # وقال تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة ~~من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} (4) . PageV01P071 # وقال تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوؤا ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ms063 خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم} ~~(1) . # وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين، والأنصار، وعلى الذين جاءوا من ~~بعدهم، يستغفرون لهم ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن ~~هؤلاء الأصناف هم المستحقون للفيء. # ولا ريب أن هؤلاء الرافضة خارجون من الأصناف الثلاثة فإنهم لم يستغفروا ~~للسابقين، وفي قلوبهم غل عليهم، ففي الآيات الثناء على الصحابة، وعلى أهل ~~السنة الذين يتولونهم، وإخراج الرافضة من ذلك، وقد روى ابن بطة وغيره من ~~حديث أبي بدر، قال: حدثنا عبد الله بن زيد، عن طلحة بن مصرف، عن مصعب بن ~~سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: ((الناس على ثلاث منازل فمضت منزلتان وبقيت ~~واحدة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون، أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت. # ثم قرأ {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا، هؤلاء المهاجرون، وهذه منزلة قد مضت، ثم قرأ والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا. ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} . # ثم قال هؤلاء الأنصار وهذه منزلة قد مضت. # ثم قرأ {والذين جاءوا من بعدهم، يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~PageV01P072 # سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف ~~رحيم} (1) ، فقد مضت هاتان وبقيت هذه المنزلة، فأحسن ما أنتم عليه كائنون ~~أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت أن تستغفروا لهم)) (2) . # وروى أيضا بإسناده عن مالك بن أنس أنه قال: ((من سب السلف فليس له في ~~الفيء نصيب)) لأن الله تعالى يقول: {والذين جاءوا من بعدهم} (3) # -الآية - وهذا معروف عن مالك، وغير مالك من أهل العلم كأبي عبيد القاسم ~~بن سلام (4) . # وكذلك ذكره أبو حكيم النهرواني، من أصحاب أحمد وغيره من الفقهاء، وروى ~~أيضا عن الحسن بن عمارة، عن الحكيم عن مقسم ms064 عن ابن عباس - رضي الله عنه - ~~ما. قال: ((أمر الله بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ~~وهو يعلم أنهم يقتتلون)) (5) . # وقال عروة قالت لي عائشة - رضي الله عنه - ا: ((يا ابن أختي أمروا ~~بالاستغفار لأصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. فسبوهم)) (6) . # وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال. قال رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدهم أنفق مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (7) . # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق ~~مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)) (8) . # وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله قال: قيل لعائشة: ((إن ناسا ~~يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى أبا بكر وعمر، ~~فقالت وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم ~~الأجر)) (9) . PageV01P073 # وروى ابن بطة بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي. حدثنا ~~معاوية. حدثنا رجاء عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((لا تسبوا ~~أصحاب محمد فإن الله تعالى قد أمرنا بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم ~~سيقتلون)) (1) . # ومن طريق أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، وطريق غيره عن وكيع، وأبي نعيم ~~ثلاثتهم، عن الثوري، عن نسير بن ذعلوق، سمعت عبد الله بن عمر يقول: ((لا ~~تسبوا أصحاب محمد، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم خير من عمل أحدكم أربعين سنة)) . # وفي رواية وكيع (خير من عبادة أحدكم عمره) . # وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما ~~في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها ~~وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف ~~أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما ms065 وأخرى لم ~~تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا} (2) # وقد أخبر الله أنه سبحانه وتعالى رضي عنهم، وأنه علم ما في قلوبهم، وأنه ~~أثابهم فتحا قريبا. # وهؤلاء هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان، بعد موت النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، لم يكن في المسلمين من يتقدم عليهم، بل كان المسلمون كلهم ~~يعرفون فضلهم عليهم، لأن الله تعالى بين فضلهم في القرآن # بقوله: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} (3) . # ففضل المنفقين المقاتلين قبل الفتح، والمراد بالفتح هنا صلح الحديبية، ~~ولهذا سئل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ((أو فتح هو؟ فقال: نعم)) (4) . # وأهل العلم يعلمون أن فيه أنزل الله تعالى: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا ~~مستقيما PageV01P074 # وينصرك الله نصرا عزيزا} . فقال بعض المسلمين: يا رسول الله هذا لك، فما ~~لنا؟ يا رسول الله. فأنزل الله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} . # وهذه الآية نص في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده، ~~ولهذا ذهب جمهورالعلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: {والسابقون الأولون ~~من المهاجرين والأنصار} (1) هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح قاتلوا، ~~وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقد ذهب بعضهم ~~إلى أن السابقين الأولين، هم من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف، فإن الصلاة ~~إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم، الذي ~~يفضلون به، ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي، كما ~~دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد، والمبايعة تحت الشجرة. # وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وبايع النبي بيده عن عثمان، لأنه كان غائبا ~~قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته، ms066 وبسببه بايع النبي الناس، لما بلغه ~~أنهم قتلوه: وقد ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - ~~أنه قال: ((لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)) (2) ، وقال تعالى: {لقد ~~تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة # العسرة من بعد ما كان يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف ~~رحيم} (3) . فجمع بينهم وبين رسول الله في التوبة. وقال تعالى: {إن الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووا ونصروا ~~أولئك بعضهم أولياء بعض، والذين آمنوا ولم يهاجروا -إلى قوله تعالى -والذين ~~آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} (4) فأثبت الموالاة بينهم ~~وقال للمؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~PageV01P075 # الظالمين -إلى قوله - إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن ~~حزب الله هم الغالبون} (1) . وقال تعالى: {والمؤمنون و المؤمنات بعضهم ~~أولياء بعض} (2) . # فأثبت الموالاة بينهم، وأمرهم بموالاتهم، والرافضة تتبرأ منهم ولا ~~تتولاهم، وأصل الموالاة المحبة، وأصل المعاداة البغض، وهم يبغضونهم ولا ~~يحبونهم. # وقد وضع بعض الكذابين حديثا مفترى، أن هذه الآية نزلت في علي لما تصدق ~~بخاتمه في الصلاة، وهذا كذب بإجماع أهل العلم بالنقل، وكذبه بين من وجوه ~~كثيرة. # منها أن قوله الذين صيغة جمع. وعلي واحد. # ومنها أن الواو ليست واو الحال إذ لو كان كذلك لكان لا يسوغ أن يتولى إلا ~~من أعطى الزكاة في حال الركوع. فلا يتولى سائر الصحابة والقرابة. # ومنها أن المدح إنما يكون بعمل واجب أو مستحب، وإيتاء الزكاة في نفس ~~الصلاة ليس واجب ولا مستحب، باتفاق علماء الملة، فإن الصلاة شغلا. # ومنها أنه لو كان إيتاؤها في الصلاة حسنا لم يكن فرق بين حال الركوع وغير ~~الركوع، بل إيتاؤها في القيام والقعود أمكن. # ومنها أن عليا لم يكن عليه زكاة على ms067 عهد النبي صلى الله عليه وسلم. # ومنها أن إيتاء غير الخاتم في الزكاة خير من إيتاء الخاتم، فإن أكثر ~~الفقهاء يقولون لا يجزئ إخراج الخاتم في الزكاة. # ومنها أن هذا الحديث فيه أنه أعطاه السائل، والمدح في الزكاة أن يخرجها ~~ابتداء ويخرجها على الفور، لا ينتظر أن يسأله سائل. # ومنها أن الكلام في سياق النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة ~~المؤمنين، كما يدل عليه سياق الكلام، وسيجيء إن شاء الله تعالى تمام الكلام ~~على هذه الآية، فإن الرافضة لا يكادون يحتجون بحجة إلا كانت حجة عليهم لا ~~لهم، كاحتجاجهم بهذه الآية على الولاية التي هي الإمارة، PageV01P076 # وإنما هي في الولاية التي هي ضد العداوة. # والرافضة مخالفون لها، والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم يوالون الكفار، من ~~اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، ويعادون المؤمنين من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبوعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا أمر مشهور. # يعادون خيار عباد الله المؤمنين ويوالون اليهود والنصارى والمشركين من ~~الترك وغيرهم، وقال تعالى: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين} (1) . أي الله كافيك ومن اتبعك من المؤمنين، والصحابة أفضل من ~~اتبعه من المؤمنين، وأولهم وقال تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . # والذين رآهم النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلون في دين الله أفواجا هم ~~الذين كانوا على عصره، وقال تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف ~~بين قلوبهم} (2) . وإنما أيده في حياته بالصحابة، وقال تعالى: # {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك ~~جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي ~~كانوا يعملون} (3) . # وهذا الصنف الذي يقول الصدق، ويصدق به خلاف الصنف الذي يفتري الكذب أو ~~يكذب بالحق، لما جاءه كما سنبسط القول فيهما إن شاء الله تعالى. # والصحابة الذين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~وأن القرآن حق، هم أفضل من جاء بالصدق وصدق به، بعد ms068 الأنبياء وليس في ~~الطوائف المنتسبة إلى القبلة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بالحق من ~~المنتسبين إلى التشيع. ولهذا لا يوجد الغلو في طائفة أكثر مما يوجد فيهم. # ومنهم من ادعى إلهية البشر، وادعى النبوة في غير النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم، وادعى العصمة في الأئمة، ونحو ذلك مما هو أعظم مما يوجد في سائر ~~الطوائف، واتفق أهل العلم أن PageV01P077 # الكذب ليس في طائفة من المنتسبين إلى القبلة أكثر منه فيهم، وقال تعالى: ~~{ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} . قال طائفة من السلف هم ~~أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا ريب أنهم أفضل المصطفين من هذه ~~الأمة، التي قال الله فيها: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها ~~حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا ~~دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب} (1) . # فأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمتين ~~قبلهم اليهود والنصارى. # وقد أخبر الله تعالى أنهم الذين اصطفى. # وتواتر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((خير القرون القرن ~~الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) ، ومحمد صلى الله تعالى ~~عليه وسلم وأصحابه هم المصطفون، من المصطفين من عباد الله وقال تعالى: ~~{محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} (2) إلى آخر ~~السورة. وقال تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون} (3) . فقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~بالاستخلاف، كما وعدهم في تلك الآية مغفرة وأجرا عظيما، والله لا يخلف ~~الميعاد. # فدل ذلك ms069 أن الذين استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم ومكن لهم دين ~~الإسلام، وهو الدين الذي ارتضاه لهم، كما قال تعالى: {ورضيت لكم الإسلام ~~دينا} (4) وبدلهم بعد خوفهم أمنا لهم (5) المغفرة والأجر العظيم. ~~PageV01P078 # وهذا يستدل به على وجهين: على أن المستخلفين مؤمنون عملوا الصالحات، لأن ~~الوعد لهم لا لغيرهم، ويستدل به على ان هؤلاء مغفور لهم، ولهم أجر عظيم، ~~لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات، فتناولتهم الآيتان - آية النور وآية الفتح. # من المعلوم أن هذه النعوت منطبقة على الصحابة على زمن أبي بكر وعمر ~~وعثمان، فإنه إذ ذاك حصل الاستخلاف، وتمكن الدين والأمن، بعد الخوف لما ~~قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق، ومصر وخراسان، وإفريقية. # ولما قتل عثمان وحصلت الفتنة لم يفتحوا شيئا من بلاد الكفار، بل طمع فيهم ~~الكفار بالشام وخراسان، وكان بعضهم يخاف بعضا. # وحينئذ قد دل القرآن على إيمان أبي بكر وعمر وعثمان، ومن كان معهم في زمن ~~الاستخلاف والتمكين والأمن، والذين كانوا في زمن # الاستخلاف والتمكين والأمن أدركوا زمن الفتنة كعلي وطلحة وأبي موسى ~~الأشعري، ومعاوية وعمرو بن العاص، دخلوا في الآية لأنهم استخلفوا ومكنوا، ~~وأمنوا. # وأما من حدث في زمن الفتنة كالرافضة الذين حدثوا في الإسلام، في زمن ~~الفتنة والافتراق، وكالخوارج المارقين، فهؤلاء لم يتناولهم النص، فلم ~~يدخلوا فيمن وصف بالإيمان والعمل الصالح، المذكورين في هذه الآية، لأنهم ~~أولا ليسوا من الصحابة المخاطبين بهذا. # ولم يحصل لهم من الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف ما حصل للصحابة، بل ~~لا يزالون خائفين مقلقلين غير ممكنين. # فإن قيل لما قال وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم ولم يقل ~~وعدهم كلهم. قيل كما قال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ولم ~~يقل وعدكم. # و"من" تكون لبيان الجنس فلا يقتضي أن يكون قد بقي من المجرور بها شيء ~~خارج، عن ذلك الجنس كما في قوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} (1) ~~فإنه لا PageV01P079 # يقتضي أن يكون من الأوثان ما ليس برجس، وإذا قلت ثوبا من حرير، فهو كقولك ~~ثوب حرير، وكذلك قولك ms070 باب من حديد فهو، كقولك باب حديد، وذلك لا يقتضي أن ~~يكون هناك حرير وحديد غير المضاف إليه، وإن كان الذي يتصوره كليا، فإن ~~الجنس الكلي، هو ما لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وإن لم يكن مشتركا ~~فيه في الوجود. # فإذا كانت من بيان الجنس، كان التقدير وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من هذا الجنس، وإن كان الجنس كلهم مؤمنين صالحين، وكذلك إذا قال ~~وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذا الجنس والصنف مغفرة وأجرا ~~عظيما، لم يمنع ذلك أن يكون جميع هذا الجنس مؤمنين صالحين. # ولما قال لأزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: {ومن يقنت منكن لله ~~ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما} (1) لم يمنع ~~أن يكون كل منهن تقنت لله ورسوله، وتعمل صالحا، ولما قال تعالى: # {وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم} ~~(2) لم يمنع أن يكون كل منهم متصفا بهذه الصفة، ولا يجوز أن يقال إنهم لو ~~عملوا سوءا بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا لم يغفر إلا لبعضهم. # ولهذا تدخل من هذه في النفي لتحقيق نفي الجنس كما في قوله تعالى: # {وما التناهم من عملهم من شيء} (3) وقوله تعالى: {وما من إله إلا الله} ~~(4) {فما منكم من أحد عنه حاجزين} (5) . # ولهذا إذا دخلت في النفي تحقيقا أو تقديرا أفادت نفي الجنس قطعا، ~~(فالتحقيق ما ذكر والتقدير كقوله تعالى: {لا إله إلا الله} وقوله: {لاريب ~~فيه} ونحو ذلك بخلاف ما إذا لم تكن "من"موجودة كقولك ((ما رأيت رجلا)) ~~فإنها ظاهرة لنفي الجنس، ولكن قد يجوز أن ينفى بها الواحد من الجنس، كما ~~قال سيبويه: يجوز أن يقال ما PageV01P080 # رأيت رجلا، بل رجلين. # فتبين أنه يجوز إرادة الواحد، وإن كان الظاهر نفي الجنس، بخلاف ما إذا ~~دخلت (من) فإنه ينفي الجنس قطعا، ولهذا لو قال لعبيده من أعطاني ms071 منكم ألفا ~~فهو حر فأعطاه كل واحد ألفا عتقوا كلهم. # وكذلك لو قال واحد لنسائه من أبرأتني منكن من صداقها فهي طالق فأبرأنه ~~كلهن، طلقن كلهن. # فإن المقصود بقوله منكن بيان جنس المعطى والمبرئ لا إثبات هذا الحكم لبعض ~~العبيد والأزواج. # فإن قيل فهذا كما لا يمنع أن يكون كل المذكور متصفا بهذه الصفة فلا يوجب ~~ذلك أيضا، فليس في قوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ما ~~يقتضي أن يكونوا كلهم كذلك. # قيل: نعم ونحن لا ندعي أن مجرد هذا اللفظ دل على أن جميعهم موصوفون ~~بالإيمان والعمل الصالح، ولكن مقصودنا أن (من) لا ينافي # شمول هذا الوصف لهم فلا يقول قائل إن الخطاب دل على أن المدح شملهم وعمهم ~~بقوله محمد رسول الله والذين معه إلى آخر الكلام، ولا ريب أن هذا مدح لهم ~~بما ذكر، من الصفات، وهو الشدة على الكفار، والرحمة بينهم والركوع والسجود ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا، والسيما في وجوههم من أثر السجود، وأنهم ~~يبتدئون من ضعف إلى كمال القوة والاعتدال، كالزرع والوعد بالمغفرة والأجر ~~العظيم، ليس على مجرد هذه الصفات بل على الإيمان والعمل الصالح. # فذكر ما به يستحقون الوعد، وإن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك ~~لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم ولم يكن فيه ~~بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح. # فإن الحكم إذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم. # فإن قيل فالمنافقون كانوا في الظاهر مسلمين، # PageV01P081 # قيل المنافقون لم كونوا متصفين بهذه الصفات، ولم يكونوا مع الرسول ~~والمؤمنين ولم يكونوا منهم، كما قال الله تعالى: {فعسى الله أن يأتي بالفتح ~~أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين، ويقول الذين آمنوا ~~أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فاصبحوا ~~خاسرين} (1) وقوله تعالى: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذوى في ~~الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ms072 ربك ليقولن إنا معكم أو ~~ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين آمنوا منكم ~~وليعلمن المنافقين} (2) . # فأخبرأن المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من أهل الكتاب. # هؤلاء لا يجدون في طائفة من المتظاهرين بالإسلام، أكثر منهم في الرافضة، ~~ومن انطوى إليهم. فدل هذا على أن المنافقين لم يكونوا من الذين آمنوا معه، ~~والذين كانوا منافقين منهم من تاب عن نفاقه وانتهى عنه، وهم الغالب بدليل ~~قوله تعالى: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا} (3) . # فلما لم يغره الله بهم، ولم يقتلهم تقتيلا، بل كانوا يجاورونه بالمدينة ~~فدل ذلك على أنهم انتهوا، والذين كانوا معه بالحديبية كلهم بايعوه تحت ~~الشجرة، إلا الجد بن قيس فإنه اختبأ خلف جمل أحمر. # وكذا حاء في الحديث كلهم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر، وبالجملة فلا ~~ريب أن المنافقين كانوا مغمورين مقهورين، أذلاء، لا سيما في آخر أيام ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وفي غزوة تبوك لأن الله تعالى قال: {يقولون ~~لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة لرسوله ~~وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون} (4) . # فأخبر أن العزة للمؤمنين، لا للمنافقين، فعلم أن العزة والقوة كانت في ~~المؤمنين، وأن المنافقين كانوا أذلاء بينهم. # فيمتنع أن تكون الصحابة الذين كانوا أعز المسلمين من المنافقين، بل ذلك ~~يقتضى أن PageV01P082 # من كان أعز كان أعظم إيمانا. # ومن المعلوم أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الخلفاء ~~الراشدين وغيرهم كانوا أعز الناس، وهذا كله مما يبين أن المنافقين كانوا ~~ذليلين في المؤمنين. # فلا يجوز أن يكون الأعزاء من الصحابة منهم، ولكن هذا الوصف مطابق ~~للمتصفين به من الرافضة وغيرهم، والنفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في ~~سائر الطوائف. # بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق، فإن أساس النفاق الذي بني عليه، الكذب، ~~وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه، كما أخبر الله تعالى عن المنافقين ~~أنهم ms073 يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. # والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية وتحكي هذا عن أئمة أهل ~~البيت الذين برأهم الله عن ذلك، حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال ~~التقية ديني ودين آبائي وقد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك. # بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان، وكان دينهم التقوى لا ~~التقية، وقول الله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون # المؤمنين ومن يفعل ذلك فليسمن الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاه} (1) . ~~إنما هو الأمر بالاتقاء من الكافرين، لا الأمر بالنفاق والكذب. # والله تعالى قد أباح لمن أكره على كلمة الكفر أن يتكلم بها، إذا كان قلبه ~~مطمئنا بالإيمان، لكن لم يكره أحدا من أهل البيت على شيء من ذلك، حتى أن ~~أبا بكر - رضي الله عنه - لم يكره أحدا لا منهم، ولا من غيرهم على متابعته، ~~فضلا على أن يكرههم على مدحه، والثناء عليه. # بل كان علي وغيره من أهل البيت يظهرون ذكر فضائل الصحابة والثناء عليهم ~~والترحم عليهم والدعاء لهم ولم يكن أحد يكرههم على شيء منه باتفاق الناس. # وقد كان زمن بني أمية وبني العباس خلق عظيم دون علي وغيره في الإيمان ~~والتقوى يكرهون منهم أشياء ولا يمدحونهم ولا يثنون عليهم، ولا يقربونهم، ~~ومع هذا لم يكن هؤلاء يخافونهم، ولم يكن أولئك يكرهونهم مع أن الخلفاء ~~الراشدين كانوا باتفاق الخلق أبعد عن قهر الناس وعقوبتهم على طاعتهم، من ~~هؤلاء. PageV01P083 # فإذا كان لم يكن الناس مع هؤلاء مكرهين على أن يقولوا بألسنتهم خلاف ما ~~في قلوبهم، فكيف يكونون مكرهين مع الخلفاء على ذلك، بل على الكذب وشهادة ~~الزور وإظهار الكفر، كما تقوله الرافضة من غير أن يكرههم أحد على ذلك. # فعلم أن ما تتظاهر به الرافضة هو من باب الكذب والنفاق، وأنهم يقولوا ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لا من باب ما يكره المؤمن عليه، من التكلم ~~بالكفر وهؤلاء أسرى المسلمين، في بلاد الكفار غالبهم يظهرون دينهم، ms074 ~~والخوارج مع تظاهرهم بتكفير الجمهور، وتكفير عثمان وعلي ومن ولاهما ~~يتظاهرون بدينهم. # وإذا سكنوا بين الجماعة، سكنوا على الموافقة والمخالفة، والذي يسكن في ~~مدائن الرافضة فلا يظهر الرفض وغايته إذا ضعف أن يسكت عن ذكر مذهبه لا ~~يحتاج أن يتظاهر بسب الخلفاء والصحابة، إلا أن يكونوا قليلا. # فكيف يظن بعلي - رضي الله عنه - وغيره من أهل البيت أنهم كانوا اضعف دينا ~~من الأسرى في بلاد الكفر، ومن عوام أهل السنة، ومن النواصب، مع أنا قد ~~علمنا بالتواتر أن أحدا لم يكره عليا ولا أولاده على ذكر فضائل الخلفاء، ~~والترحم عليهم، بل كانوا يقولون ذلك من غير إكراه، ويقوله أحدهم لخاصته كما ~~ثبت ذلك بالنقل المتواتر. # وأيضا فقد يقال في قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات} إن ذلك وصف الجملة بصفة تتضمن حالهم عند الاجتماع كقوله تعالى: ~~{ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب ~~الزراع ليغيظ بهم الكفار} والمغفرة والأجر في الآخرة يحصل لكل واحد واحد، ~~فلا بد أن يتصف بسبب ذلك، وهو الإيمان والعمل الصالح، إذ قد يكون في الجملة ~~منافقا. # وفي الجملة ما في القرآن من خطاب المؤمنين والمتقين والمحسنين، ومدحهم ~~والثناء عليهم، فهم أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك ~~من هذه الأمة كما استفاض عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من غير وجه أنه ~~قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين ~~يلونهم)) (1) . PageV01P084 # (الوجه الثاني) : في بيان كذبه وتحريفه فيما نقله عن حال الصحابة بعد موت ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. # (قوله: فبعضهم طلب الأمر لنفسه بغير حق، وبايعه أكثر الناس طلبا للدنيا) ~~. # وهذا إشارة إلى أبي بكر فإنه هو الذي بايعه أكثر الناس، ومن المعلوم أن ~~أبا بكر لم يطلب الأمر لنفسه، لا بحق ولا بغير حق، بل قال: قد رضيت لكم أحد ~~هذين الرجلين، إما عمر بن الخطاب وإما أبا عبيدة. # قال عمر: فوالله لأن ms075 أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من ~~أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، وهذا اللفظ في الصحيحين (1) . # وقد روى عنه أنه قال: أقيلوني، أقيلوني، فالمسلمون اختاروه وبايعوه، ~~لعلمهم بأنه خيرهم، كما قال له عمر يوم السقيفة بمحضر المهاجرين والأنصار ~~أنت سيدنا وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينكر ~~ذلك أحد، وهذا أيضا في الصحيحين (2) . # والمسلمون اختاروه كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا، لا يختلف ~~عليه الناس من بعدي، ثم قال يأبى الله والمؤمنون أن يتولى غير أبي بكر)) ~~(3) فالله هو ولاه قدرا، وشرعا، وأمر المؤمنين، بولايته، وهداهم إلى أن ~~ولوه من غير أن يكون طلب، ذلك لنفسه. # (الوجه الثالث) : أن يقال فهب أنه طلبها وبايعه أكثر الناس فقولكم: إن ~~ذلك طلب للدنيا كذب ظاهر. # فإن أبا بكر لم يعطهم دنيا، وكان قد أنفق ماله في حياة النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، ولما رغب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الصدقة جاء ~~بماله كله، فقال له: ((ما تركت لأهلك. قال: تركت لهم الله، ورسوله)) (4) # والذين بايعوه هم أزهد الناس في الدنيا، وهم الذين أثنى الله عليهم. # وقد علم الخاص والعام زهد عمر، وأبي عبيدة، وأمثالهما، وإنفاق الأنصار ~~أموالهم كأسيد بن حضير، وأبي طلحة، وأبي أيوب وأمثالهم. PageV01P085 # ولم يكن عند موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بيت مال يعطيهم ما ~~فيه، ولا كان هناك ديوان للعطاء يفرض لهم فيه، والأنصار كانوا في أملاكهم، ~~وكذلك المهاجرون من كان له شيء من مغنم أو غيره فقد كان له. # وكانت سيرة أبي بكر في قسم الأموال التسوية، وكذلك سيرة علي - رضي الله ~~عنه -، فلو بايعوا عليا أعطاهم ما أعطاهم أبو بكر، مع كون قبيلته أشرف ~~القبائل، # وكون بني عبد مناف وهم أشراف قريش الذين هم أقرب العرب من بني أمية ~~وغيرهم إذ ذلك كأبي سفيان بن ms076 حرب وغيره، وبني هاشم كالعباس وغيره، كانوا ~~معه. # فقد أراد أبو سفيان وغيره أن تكون الإمارة في بني عبد مناف، على عادة ~~الجاهلية فلم يجبه إلى ذلك علي ولا عثمان، ولا غيرهما لعلمهم، أو دينهم فأي ~~رياسة، وأي مال كان لجمهور المسلمين بمبايعة أبي بكر، لا سيما وهو يسوي بين ~~السابقين والأولين، وبين آحاد المسلمين في العطاء، ويقول: إنما أسلموا لله ~~وأجورهم على الله، وإنما هذا المتاع بلاغ. # وقال لعمر لما أشارعليه بالتفضيل في العطاء: أفأشتري منهم إيمانهم؟ # فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم أولا، كعمر وأبي ~~عبيدة وأسيد بن حضير وغيرهم، سوى بينهم وبين الطلقاء الذين أسلموا عام ~~الفتح، وبين من أسلم بعد موت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فهل حصل ~~لهؤلاء من الدنيا بولايته شيء. # (الوجه الرابع) : أن يقال: أهل السنة مع الرافضة كالمسلمين مع النصارى، ~~فإن المسلمين يؤمنون بأن المسيح عبد الله ورسوله، ولا يغلون فيه غلو ~~النصارى، ولا يجفون جفاء اليهود. # والنصارى تدعي فيه الإلهية وتريد أن تفضله على محمد وإبراهيم وموسى، بل ~~تفضل الحواريين على هؤلاء الرسل. # كما تريد الروافض أن تفضل من قاتل مع علي كمحمد بن أبي بكر والأشتر ~~النخعي على أبي بكر وعمر وعثمان وجمهور المهاجرين والأنصار، فالمسلم إذا ~~ناظر النصراني لا يمكنه أن يقول في عيسى إلا الحق، لكن إذا أردت أن # PageV01P086 # تعرف جهل النصراني وأنه لا حجة له فقدر المناظرة بينه وبين اليهود. # فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي (1) إلا بما يجيب به ~~المسلم، فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي، فإنه إذا ~~أمر بالإيمان بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم. # فإن قدح في نبوته بشيء من الأشياء، لم يمكنه أن يقول شيئا إلا قال ~~اليهودي في المسيح ما هو أعظم من ذلك، فإن البينات لمحمد أعظم من البينات ~~للمسيح. # وبعد أمره عن الشبهة، أعظم من بعد المسيح عن الشبهة، فإن جاز القدح فيما ~~دليله أعظم وشبهته أبعد عن الحق، فالقدح ms077 فيما دونه أولى. # وإن كان القدح في المسيح باطلا فالقدح في محمد أولى بالبطلان، فإنه إذا ~~بطلت الشبهة القوية فالضعيفة أولى بالبطلان، وإذا ثبتت الحجة التي غيرها ~~أقوى منها فالقوية أولى بالإثبات. # ولهذا كان مناظرة كثير من المسلمين للنصارى من هذا الباب كالحكاية ~~المعروفة عن القاضي أبي بكر بن الطيب، لما أرسله المسلمون إلى ملك النصارى ~~بالقسطنطينية، فإنهم عظموه، وعرف النصارى قدره، فخافوا أن لا يسجد للملك ~~إذا دخل، فأدخلوه من باب صغير ليدخل منحنيا، ففطن لمكرهم، فدخل مستدبرا ~~متلقيا لهم بعجزه. # ففعل نقيض ما قصدوه، ولما جلس وكلموه، أراد بعضهم القدح في المسلمين، ~~فقال له ما قيل في عائشة امرأة نبيكم، يريد إظهار قول الإفك الذي يقوله من ~~يقول من الرافضة، أيضا. # فقال القاضي ثنتان قدح فيهما ورميتا بالزنا إفكا وكذبا، مريم وعائشة فأما ~~مريم فجاءت بالولد تحمله من غير زوج، وأما عائشة فلم تأت بولد مع أنه كان ~~لها زوج، فأبهت النصارى. # وكان مضمون كلامه أن ظهور براءة عائشة أعظم من ظهور براءة مريم، وأن ~~الشبهة إلى مريم أقرب منها إلى عائشة، فإذا كان مع هذا قد ثبت كذب القادحين ~~في مريم، فثبوت قدح الكاذبين في عائشة أولى. PageV01P087 # ومثل هذه المناظرة أن يقع التفضيل بين طائفتين، ومحاسن إحداهما أكثر ~~وأعظم ومساويها أقل وأصغر، فإذا ذكر ما فيها من ذلك عورض بأن مساوئ تلك ~~أعظم، كقوله تعالى: {يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} ~~ثم قال: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ~~عند الله والفتنة أكبر من القتل} (1) فإن الكفار عيروا سرية من سرايا ~~المسلمين بأنهم قتلوا ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فقال تعالى هذا كبير ~~وما عليه المشركون من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن المسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله، فإن هذا صد عما لا تحصل النجاة والسعادة إلا به، ~~وفيه من انتهاك المسجد الحرام ما هو أعظم من انتهاك الشهر الحرام. # لكن في هذا النوع ms078 قد اشتملت كل من الطائفتين على ما يذم، وأما النوع ~~الأول فيكون كل من الطائفتين لا يستحق الذم، بل هناك شبه في الموضعين، ~~وأدلة في الموضعين وأدلة أحد الصنفين أقوى وأظهر، وشبهته أضعف وأخفى، فيكون ~~أولى بثبوت الحق مما تكون أدلته أضعف، وشبهته أقوى. # هذا حال النصارى واليهود مع المسلمين، وهو حال أهل البدع مع أهل السنة ~~لاسيما الرافضة، وهكذا أمر أهل السنة مع الرافضة في أبي بكر وعلي، فإن ~~الرافضي لا يمكنه أن يثبت إيمان علي وعدالته وأنه من أهل الجنة فضلا عن ~~إمامته إن لم يثبت ذلك لأبي بكر وعمر وعثمان. # وإلا فمتى أراد إثبات ذلك لعلي وحده لم تساعده الأدلة، كما أن النصراني ~~إذا أراد إثبات نبوة المسيح دون محمد لم تساعده الأدلة. # فإذا قالت له الخوارج الذين يكفرون عليا، أو النواصب الذين يفسقونه إنه ~~كان ظالما طالبا للدنيا، وإنه طلب الخلافة لنفسه، وقاتل عليها بالسيف وقتل ~~على ذلك ألوفا من المسلمين، حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه ~~وظهروا عليه فقتلوه، فهذا الكلام إن كان فاسد ففساد كلام الرافضي في أبي ~~بكر وعمر أعظم، وإن كان ما قاله في أبي بكر وعمر متوجها مقبولا، فهذا أولى ~~بالتوجيه والقبول. PageV01P088 # لأنه من المعلوم للخاصة والعامة أن من ولاه الناس باختيارهم ورضاهم من ~~غير أن يضرب أحدا بالسيف ولا عصى ولا أعطى أحدا ممن ولاه من مال واجتمعوا ~~عليه فلم يول أحد من أقاربه، وعترته، ولا خلف لورثته مالا من مال المسلمين، ~~وكان له مال قد أنفقه في سبيل الله، فلم يأخذ بدله، وأوصى أن يرد إلى بيت ~~مالهم ما كان عنده لهم، وهو جرد قطيفة، وبكر وأمة سوداء، ونحو ذلك. # حتى قال عبد الرحمن بن عوف لعمر: أتسلب هذا آل أبي بكر، قال كلا والله لا ~~يتحنث فيها أبو بكر وأتحملها أنا، وقال يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت ~~الأمراء بعدك. # ثم مع هذا لم يقتل مسلما على ولايته، ولا قاتل مسلما بمسلم، بل قاتل بهم ms079 ~~المرتدين عن دينهم، والكفار حتى شرع بهم في فتح الأمصار واستخلف القوي ~~الأمين العبقري، الذي فتح الأمصار ونصب الديوان، وعم بالعدل والإحسان. # فإن جاز للرافضي أن يقول إن هذا كان طالبا للمال والرياسة، أمكن الناصبي ~~أن يقول: كان علي ظالما طالبا للمال والرياسة، قاتل على الولاية حتى قتل ~~المسلمون بعضهم بعضا، ولم يقاتل كافرا ولم يحصل للمسلمين في مدة ولايته إلا ~~شر وفتنة في دينهم ودنياهم. # فإن جاز أن يقال: علي كان مريدا لوجه الله، والتقصير من غيره من الصحابة، ~~أو يقال كان مجتهدا مصيبا، وغيره مخطئ مع هذه الحالة فإنه يقال كان أبو بكر ~~وعمر مريدين وجه الله مصيبين والرافضة مقصرون في معرفة حقهم مخطئون في ذمهم ~~بطريق الأولى والأحرى. # فإن أبا بكر وعمر كان بعدهما عن شبة طلب المال والرياسة أشد من بعد علي ~~عن ذلك، وشبهة الخوارج الذين ذموا عليا وعثمان وكفروهما أقرب # من شبهة الرافضة الذين ذموا أبا بكر وعمر وكفروهما، فكيف بحال الصحابة ~~والتابعين الذين تخلفوا عن بيعته أو قاتلوه فشبهتهم أقوى من شبهة من قدح في ~~أبي بكر وعمر وعثمان، فإن أولئك قالوا ما يمكننا أن نبايع إلا من يعدل ~~علينا، ويمنعنا ممن ظلمنا، ويأخذ حقنا ممن ظلمنا، فإذا لم يفعل هذا كان ~~عاجزا أو ظالما، وليس علينا أن نبايع عاجزا أو ظالما. # وهذا الكلام إذا كان باطلا، فبطلان قول من يقول إن أبا بكر وعمر كانا ~~ظالمين # PageV01P089 # طالبين للرياسة والمال أبطل وأبطل، وهذا الأمر لا يستريب فيه من له بصر ~~ومعرفة، وأين شبهة مثل أبي موسى الأشعري الذي وافق عمرو على عزل علي ~~ومعاوية، وأن يجعل الأمر شورى في المسلمين، من شبهة عبد الله بن سبأ ~~وأمثاله الذين يدعون أنه إمام معصوم، وأنه إله أو نبي. # بل أين شبهة الذين رأوا أن يولوا معاوية من شبهة الذين يدعون أنه إله أو ~~نبي، فإن هؤلاء كفار باتفاق المسلمين بخلاف أولئك، ومما يبين هذا أن ~~الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته، مع كونهم على ms080 مذهب الرافضة، ولا ~~يمكنهم ذلك إلا إذا صاروا من أهل السنة، فإذا قالت لهم الخوارج وغيرهم ممن ~~تكفره، أو تفسقه، لا نسلم أنه كان مؤمنا، بل كان كافرا أو ظالما، كما ~~يقولون هم في أبي بكر وعمر لم يكن لهم دليل على إيمانه وعدله، إلا وذاك ~~الدليل على أبي بكر وعمر وعثمان أدل. # فإن احتجوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده فقد تواتر ذلك عن هؤلاء، ~~بل تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وبني العباس وصلاتهم وصيامهم، ~~وجهادهم للكفار فإن ادعوا في واحد من هؤلاء النفاق، أمكن الخارجي أن يدعى ~~النفاق فيه (1) . # وإذا ذكروا شبهة، ذكر ما هو أعظم منها، وإذا قالوا ما تقوله أهل الفرية، ~~من أن أبا بكر وعمر كانا منافقين في الباطن، عدوين للنبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم. أفسدا دينه، بحسب الإمكان أمكن الخارجي أن يقول ذلك في علي ~~ويوجه ذلك بأن يقول: كان يحسد ابن عمه وأنه كان يريد إفساد دينه فلم يتمكن ~~من ذلك في حياته وحياة الخلفاء الثلاثة حتى سعى في قتل # الخليفة الثالث، وأوقد الفتنة، حتى غلى في قتل أصحاب محمد، وأمته بغضا له ~~وعداوة، وأنه كان مباطنا للمنافقين الذين ادعوا فيه الإلهية والنبوة، وكان ~~يظهر خلاف ما يبطن، لأن دينه التقية، فلما أحرقهم بالنار، أظهر إنكار ذلك، ~~وإلا فكان في الباطن معهم. # ولهذا كانت الباطنية من أتباعه، وعندهم سره، وهم ينقلون عنه الباطن الذي ~~ينتحلونه، ويقول الخارجي مثل هذا الكلام الذي يروج على كثير من الناس أعظم، ~~مما يروج كلام الرافضة في الخلفاء الثلاثة، لأن شبهة الرافضة أظهر فسادا من ~~شبهة الخوارج، وهم أصح PageV01P090 # منهم عقلا، ومقصدا. # والرافضة أكذب وأفسد دينا، وإن أرادوا إثبات إيمانه وعدالته بنص القرآن ~~عليه، قيل القرآن عام وتناوله له ليس بأعظم من تناوله لغيره، وما من آية ~~يدعون اختصاصها به إلا أمكن أن يدعى اختصاصها أو اختصاص مثلها أو أعظم منها ~~بأبي بكر وعمر. # فباب الدعوى بلا حجة ممكنة، والدعوى في فضل الشيخين أمكن منها ms081 في فضل ~~غيرهما، وإن قالوا ثبت ذلك بالنقل والرواية، فالنقل والرواية في أولئك أكثر ~~وأشهد، فإن ادعوا تواترا، فالتواتر هناك أصح، وإن اعتمدوا على نقل الصحابة ~~فنقلهم لفضائل أبي بكر وعمر أكثر، ثم هم يقولون: إن الصحابة ارتدوا إلا ~~نفرا قليلا فكيف تقبل رواية هؤلاء في فضيلة أحد، ولم يكن في الصحابة رافضة ~~كثيرون، يتواتر نقلهم، فطريق النقل مقطوعا عليهم، إن لم يسلكوا طريق أهل ~~السنة، كما هو مقطوع على النصارى في إثبات نبوة المسيح إن لم يسلكوا طريق ~~المسلمين. # وهذا كمن أراد أن يثبت فقه ابن عباس دون علي، أو فقه علقمة والأسود دون ~~ابن مسعود، ونحو ذلك من الأمور التي يثبت فيها للشيء حكم دون ما هو أولى ~~بذلك الحكم منه، فإن هذا تناقض ممتنع عند من سلك طريق العلم والعدل. # ولهذا كانت الرافضة من أجهل الناس وأضلهم، كما أن النصارى من أجهل الناس، ~~والرافضة من أخبث الناس، كما أن اليهود من أخبث الناس، ففيهم نوع من ضلال ~~النصارى، ونوع من خبث اليهود. # (الوجه الخامس) : أن يقال: تمثيل هذا بقصة عمر بن سعد طالبا للرياسة ~~والمال مقدما على المحرم لأحل ذلك فيلزم أن يكون السابقون الأولون # بهذه الحال، وهذا أبوه سعد بن أبي وقاص، كان من أزهد الناس في الإمارة ~~والولاية، ولما وقعت الفتنة اعتزل الناس في قصره بالعقيق، وجاءه عمر ابنه ~~هذا فلامه على ذلك، وقال له الناس في المدينة يتنازعون الملك وأنت ههنا؟ ~~فقال: ((اذهب فإني سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول إن الله يحب ~~العبد التقي # PageV01P091 # الغني الخفي)) (1) . # هذا ولم يكن قد بقي أحد من أهل الشورى غيره وغير علي رضي الله عنهما، وهو ~~الذي فتح العراق، وأذل جنود كسرى وهو آخر العشرة موتا. # فإذا لم يحسن أن يشبه بابنه عمر أيشبه به أبو بكر وعمر وعثمان، هذا وهم ~~لا يجعلون محمد بن أبي بكر بمنزلة أبيه، بل يفضلون محمدا ويعظمونه، ~~ويتولونه لكونه آذى عثمان وكان من خواص أصحاب علي لأنه كان ربيبه، ms082 ويسبون ~~أباه أبا بكر ويلعنونه، فلو أن النواصب فعلوا بعمر بن سعد مثل ذلك فمدحوه ~~على قتل الحسين، لكونه كان من شيعة عثمان، ومن المنتصرين له، وسبوا أباه ~~سعد لكونه تخلف عن القتال مع معاوية والانتصار لعثمان، هل كانت النواصب لو ~~فعلت ذلك إلا من جنس الرافضة. # بل الرافضة شر منهم، فإن أبا بكر أفضل من سعد، وعثمان كان أبعد عن ~~استحقاق القتل من الحسين، وكلاهما مظلوم وشهيد رضي الله تعالى عنهما، ولهذا ~~كان الفساد الذي حصل في الأمة بقتل عثمان أعظم من الفساد الذي حصل في الأمة ~~بقتل الحسين. # وعثمان من السابقين الأولين وهو خليفة مظلوم طلب منه أن ينعزل بغير حق ~~فلم ينعزل ولم يقاتل عن نفسه حتى قتل، والحسين - رضي الله عنه - لم يكن ~~متوليا وإنما كان طالبا للولاية، حتى رأى أنها متعذرة وطلب منه ليستأسر ~~ليحمل إلى يزيد مأسورا، فلم يجب إلى ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما، شهيدا، فظلم ~~عثمان كان أعظم وصبره وحلمه كان أكمل، وكلاهما مظلوم شهيد، ولو مثل ممثل ~~طلب علي والحسين للأمر بطلب الإسماعيلية كالحاكم وأمثاله وقال إن علي ~~والحسين كانا ظالمين طالبين للرياسة من غير حق، بمنزلة الحاكم # وأمثاله من ملوك بني عبيد، أما كان يكون كاذبا مفتريا في ذلك لصحة إيمان ~~الحسن والحسين، ودينهما وفضلهما، ولنفاق هؤلاء وإلحادهم. # وكذلك من شبه عليا والحسين ببعض من قام من الطالبيين أو غيرهم بالحجاز، ~~أو الشرق أو الغرب يطلب الولاية بغير حق، ويظلم الناس في أموالهم وأنفسهم، ~~أما كان يكون ظالما كاذبا؟ فالمشبه بأبي بكر وعمر بعمر بن سعد أولى بالكذب ~~والظلم، ثم غاية PageV01P092 # عمر بن سعد وأمثاله، أن يعترف بأنه طلب الدنيا بمعصية يعترف أنها معصية، ~~وهذا ذنب كثير وقوعه من المسلمين. # وأما الشيعة فكثيرمنهم يعترفون بأنهم إنما قصدوا بالملك إفساد دين ~~الإسلام، ومعاداة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما يعرف ذلك من خطاب ~~الباطنية وأمثالهم، من الداخلين في الشيعة، فإنهم يعترفون بأنهم في الحقيقة ~~لا يعتقدون دين الإسلام، وإنما يتظاهرون ms083 بالتشيع لقلة عقل الشيعة وجهلهم ~~ليتوصلوا بهم إلى أغراضهم. # وأول هؤلاء، بل خيارهم هو المختار بن أبي عبيد الكذاب، فإنه كان أمير ~~الشيعة، وقتل عبيد الله بن زياد، وأظهر الانتصار للحسين، حتى قتل قاتله ~~وتقرب بذلك إلى محمد بن الحنفية وأهل البيت، ثم ادعى النبوة وأن جبريل ~~يأتيه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ~~((سيكون في ثقيف كذاب ومبير)) (1) . # فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد، وكان المبير هو الحجاج بن يوسف ~~الثقفي، ومن المعلوم أن عمر بن سعد أمير السرية التي قتلت الحسين، مع ظلمه ~~وتقديمه الدنيا على الدين، لم يصل في المعصية إلى فعل المختار بن أبي عبيد، ~~الذي أظهر الانتصار للحسين، وقتل قاتله بل كان هذا أكذب وأعظم ذنبا من عمر ~~بن سعد. # فهذا الشيعي شر من ذلك الناصبي، بل والحجاج بن يوسف خير من المختار بن ~~أبي عبيد، فإن الحجاج كان مبيرا كما سماه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~-يسفك الدماء بغير حق، والمختار كان كذابا يدعى الوحي وإتيان # جبريل إليه، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس، فإن هذا كفر وإن لم يتب منه ~~كان مرتدا، والفتنة أعظم من القتل. # وهذا باب مطرد لا تجد أحدا ممن تذمه الشيعة بحق أو باطل إلا وفيهم من هو ~~شر منه، ولا تجد أحدا ممن تمدحه الشيعة إلا وفيمن تمدحه الخوارج من هو خير ~~منه، فإن الروافض شر من النواصب، والذين تكفرهم أو تفسقهم الروافض، هم أفضل ~~من الذين تكفرهم أو تفسقهم النواصب. # وأما أهل السنة فيتولون جمع لمؤمنين، ويتكلمون بعلم وعدل ليسوا من أهل ~~الجهل، PageV01P093 # ولا من أهل الأهواء، ويتبرءون من طريقة الروافض والنواصب جميعا، ويتولون ~~السابقين الأولين كلهم، ويعرفون قدر الصحابة، وفضلهم، ومناقبهم، ويرعون ~~حقوق أهل البيت التي شرعها الله لهم، ولا يرضون بما فعله المختار ونحو من ~~الكذابين، ولا ما فعل الحجاج ونحوه من الظالمين. # ويعلمون مع هذا مراتب السابقين الأولين، فيعلمون أن لأبي بكر وعمر من ms084 ~~التقدم والفضائل ما لم يشاركهما فيهما أحد، من الصحابة لا عثمان ولا علي ~~ولا غيرهما، وهذا كان متفقا عليه في الصدر الأول، إلا أن يكون خلاف شاذ لا ~~يعبأ به. # حتى أن الشيعة الأولى أصحاب علي لم يكونوا يرتابون في تقديم أبي بكر وعمر ~~عليه، فكيف وقد ثبت عنه من وجوه متواترة أنه كان يقول: خير هذه الأمة بعد ~~نبيها أبو بكر وعمر، ولكن كان طائفة من شيعة علي، تقدمه على عثمان، وهذه ~~المسألة أخفى من تلك، ولهذا كان أئمة أهل السنة متفقين على تقديم أبي بكر ~~وعمر كما في مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، والثوري، ~~والأوزاعي، والليث بن سعد، وسائر أئمة المسلمين، من أهل الفقه والحديث ~~والزهد والتفسير من المتقدمين والمتأخرين. # وأما عثمان وعلي فكان طائفة من أهل المدينة يتوقفون فيهما، وهي إحدى ~~الروايتين عن سفيان الثوري، ثم قيل إنه رجع عن ذلك لما اجتمع به أيوب ~~السختياني، وقال من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، ~~وسائر أئمة السنة على تقديم عثمان وهو مذهب جماهير أهل الحديث وعليه يدل ~~النص، والإجماع والاعتبار. # وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من تقديم جعفر أو تقديم طلحة أو نحو ذلك ~~فذلك في أمور مخصوصة لا تقديما عاما، وكذلك ما ينقل عن بعضهم في علي. # وأما قوله: فبعضهم اشتبه الأمرعليه ورأى لطالب الدنيا مبايعا فقلده، # وبايعه وقصر في نظره فخفي عليه الحق فاستحق المؤاخذة من الله تعالى، ~~بإعطاء الحق لغير مستحقه، قال: وبعضهم قلد لقصور فطنته، ورأى الجم الغفير ~~فتابعهم، وتوهم أن الكثرة تستلزم الصواب، وغفل عن قوله تعالى: # {وقليل ما هم} (1) ، {وقليل من عبادي الشكور} (2) . PageV01P094 # فيقال لهذا المفتري: الذي جعل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر ثلاثة أصناف ~~أكثرهم طلبوا الدنيا وصنف قصروا في النظر، وصنف عجزوا عنه، لأن الشر إما أن ~~يكون لفساد القصد. وإما أن يكون للجهل، والجهل إما أن يكون لتفريط في ~~النظر، وإما أن يكون لعجز عنه. # وذكر أنه كان في الصحابة وغيرهم من ms085 قصر في النظر حين بايع أبا بكر، ولو ~~نظر لعرف الحق، وهذا يؤاخذ على تفريطه، بترك النظر الواجب، وفيهم من عجز عن ~~النظر، فقلد الجم الغفير، يشير بذلك إلى سبب مبايعة أبي بكر. # فيقال له هذا من الكذب الذي لا يعجز عنه أحد، والرافضة قوم بهت فلو طلب ~~من هذا المفتري دليل على ذلك لم يكن له على ذلك دليل، والله تعال قد حرم ~~القول بغير علم، فكيف إذا كان المعروف ضد ما قاله فلو لم نكن نحن عالمين ~~بأحوال الصحابة لم يجز أن نشهد عليهم بما لا نعلم من فساد القصد، والجهل ~~بالمستحق. قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسئولا} (1) وقال تعالى: {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} (2) فكيف إذا كنا نعلم أنهم كانوا ~~أكمل هذه الأمة عقلا، وعلما، ودينا، كما قال # فيهم عبد الله بن مسعود: ((من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن ~~الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، ~~وأبرها قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ~~وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم، في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم ~~من أخلاقهم، ودينهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم)) (3) . رواه غير واحد ~~منهم ابن بطة، عن قتادة. # وروى هو وغيره بالأسانيد المعروفة إلى زر بنت حبيش، قال: قال عبد الله بن ~~مسعود: ((إن الله تبارك وتعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله ~~تعالى عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر ~~في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فوجد قلوب ~~PageV01P095 # أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه ~~المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء)) ~~(1) . # وفي رواية قال أبو بكر بن عياش الراوي لهذا الأثر، عن عاصم بن ms086 أبي ~~النجود، عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وقد رأى ~~أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جميعا أن يستخلفوا أبا بكر. # فقول عبد الله بن مسعود كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها ~~تكلفا، كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم، ببر القلوب وبين فيه كمال ~~المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول ~~بلا علم، بقلة التكلف وهذا خلاف ما قاله هذا المفتري الذي وصف أكثرهم بطلب ~~الدنيا، وبعضهم بالجهل، إما عجزا وإما تفريطا والذي قاله عبد الله حق فإنهم ~~خير هذه الأمة، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم حيث قال: ((خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم ~~الذين يلونهم)) (2) . وهم أفضل الأمة الوسط الشهداء على # الناس، الذين هداهم الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم، فليسوا من المغضوب عليهم الذين يتبعون أهواءهم، ولا ~~من الضالين الجاهلين، كما قسمهم هؤلاء المفترون، إلى ضلال وغواة، بل لهم ~~كمال العلم، وكمال القصد. # إذ لو لم يكن كذلك للزم أن لا تكون هذه الأمة خير الأمم، وأن لا يكونوا ~~خير الأمة وكلاهما خلاف الكتاب والسنة، وأيضا فالاعتبار العقلي يدل على ~~ذلك، فإن من تأمل أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وتأمل أحوال اليهود ~~والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، تبين له من فضيلة هذه الأمة على ~~سائر الأمم في العلم النافع، والعمل الصالح، ما يضيق هذا الموضع عن بسطه. # والصحابة أكمل الأمة في ذلك بدلالة الكتاب والستة والإجماع، والاعتبار ~~ولهذا لا تجد أحدا من أعيان الأمة إلا وهو معترف بفضل الصحابة عليه، وعلى ~~أمثاله، وتجد من PageV01P096 # ينازع في ذلك كالرافضة من أجهل الناس، ولهذا لا يوجد في أئمة الفقه الذين ~~يرجع إليهم رافضي، ولا في أئمة الحديث ولا في أئمة الزهد والعبادة، ولا في ~~أئمة الجيوش المؤيدة المنصورة رافضي، ولا في الملوك الذين نصروا الإسلام ms087 ~~وأقاموه وجاهدوا عدوه من هو رافضي، ولا في الوزراء الذين لهم سيرة محمودة ~~من هو رافضي. # وأكثر ما تجد الرافضة إما في الزنادقة المنافقين الملحدين، وإما في جهال ~~ليس لهم علم بالمنقولات ولا بالمعقولات، قد نشأ بالبوادي والجبال، وتجبروا ~~على المسلمين، فلم يجالسوا أهل العلم والدين، وإما في ذوي الأهواء ممن قد ~~حصل له بذلك رياسة ومال، أوله نسب يتعصب به كفعل أهل الجاهلية، وأما من هو ~~عند المسلمين من أهل العلم والدين، فليس في هؤلاء رافضي، لظهور الجهل ~~والظلم في قولهم، وتجد ظهور الرفض في شر الطوائف كالنصيرية والاسماعيلية، ~~والملاحدة الطرقية، وفيهم من الكذب والخيانة وإخلاف الوعد ما يدل على ~~نفاقهم، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((آية ~~المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، # وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان)) (1) - زاد مسلم - ((وإن صام وصلى وزعم ~~أنه مسلم)) وأكثر ما توجد هذه الثلاث في طوائف أهل القبلة في الرافضة. # وأيضا فيقال لهذا المفتري: هب أن الذين بايعوا الصديق كانوا كما ذكرت إما ~~طالب دنيا وإما جاهل، فقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة، من يعرف كل أحد ~~زكاءهم، وذكاءهم. # مثل سعيد بن المسيب، الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، ~~وعلقمة، والأسود، وعبيدة السلماني، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي ~~الشعثاء جابر بن زيد، وعلي بن زيد، وعلي بن الحسين، وعبيد الله بن عبد الله ~~بن عتبة، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبي بكر بن عبد ~~الرحمن بن الحرث بن هشام، ومطرف بن الشخير، ومحمد بن واسع، وحبيب العجمي، ~~ومالك بن دينار، ومكحول، والحكم بن عتبة، ويزيد بن أبي حبيب، ومن لا يحصي ~~عددهم إلا الله. # ثم بعدهم أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وجعفر بن ~~محمد، PageV01P097 # والزهري، وعمرو بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، وأبو الزناد، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، ومنصور بن المعتمر، ~~والأعمش، وحماد بن أبي سليمان، وهشام ms088 الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة. # ومن بعد هؤلاء مثل، مالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والليث بن ~~سعد، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن أبي ذئب، وابن ~~الماجشون. # ومن بعدهم، مثل يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن ~~الجراح، وعبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، وأبي يوسف، ومحمد بن ~~الحسن، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، ~~ومن لا يحصى عدده إلا الله تعالى، ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا ~~لأجل رياسة، ولا مال. # وممن هم أعظم الناس نظرا في العلم وكشفا لحقائقه، وهم كلهم متفقون على ~~تفضيل أبي بكر وعمر. # بل الشيعة الأولى الذين كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر، ~~قال أبي القاسم سألت مالكا عن أبي بكر وعمر، فقال: مارأيت أحدا ممن أقتدي ~~به يشك في تقديمهما. يعني على علي وعثمان فحكى إجماع أهل المدينة على ~~تقديمهما. # وأهل المدينة لم يكونوا مائلين إلى بني أمية كما كان أهل الشام، بل قد ~~خلعوا بيعة يزيد، وحاربهم عام الحرة وجرى بالمدينة ما جرى. # ولم يكن أيضا قتل علي منهم أحدا كما قتل من أهل البصرة ومن أهل الشام، بل ~~كانوا يعدونه من علماء المدينة، إلى أن خرج منها، وهم متفقون على تقديم أبي ~~بكر وعمر. # وروى البيهقي بإسناده عن الشافعي. قال: لم يختلف الصحابة والتابعون في ~~تقديم أبي بكر وعمر، وقال شريك بن أبي نمر: وقال له قائل أيما أفضل أبو بكر ~~أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: ~~نعم إنما الشيعي من يقول هذا، والله لقد رقى علي هذه الأعواد، فقال: ألا إن ~~خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر أفكنا نرد قوله، أفكنا نكذبه، والله ~~ما كان كذابا (1) . PageV01P098 # وذكر هذا القاضي عبد الجبار في كتاب تثبت النبوة له، وعزاه إلى كتاب أبي ~~القاسم البلخي، الذي صنفه في النقض على ms089 ابن الرواندي اعتراضه على الجاحظ ~~(1) . # فكيف يقال مع هذا إن الذين بايعوه كانوا طلاب الدنيا، أو جهالا، ولكن هذا ~~وصف الطاعن فيهم، فإنك لا تجد في طوائف القبلة أعظم جهلا من الرافضة، ولا ~~أكثر حرصا على الدنيا، وقد تدبرتهم فوجدتهم لا يضيفون إلى الصحابة عيبا إلا ~~وهم أعظم الناس اتصافا به، والصحابة ابعد عنه، فهم أكذب الناس بلا ريب ~~كمسيلمة الكذاب، إذ قال: أنا نبي صادق، ولهذايصفون # أنفسهم بالإيمان، ويصفون الصحابة بالنفاق، وهم أعظم الطوائف نفاقا، ~~والصحابة أعظم الخلق إيمانا. # وأما قوله: وبعضهم طلب الأمر لنفسه بحق وبايعه الأقلون الذين أعرضوا عن ~~الدنيا وزينتها، ولم تأخذهم بالله لومة لائم، بل أخلصوا لله واتبعوا ما ~~أمروا به من طاعة من يستحق التقديم، وحيث حصل للمسلمين هذه البلية، وجب على ~~كل أحد النظر في الحق واعتماد الإنصاف، وأن يقر الحق مقره، ولا يظلم ~~مستحقه، فقد قال تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} (2) . # فيقال له أولا: قد كان الواجب أن يقال لما ذهب طائفة إلى كذا، وطائفة إلى ~~كذا، وجب أن ينظر أي القولين أصح، فأما إذا رضيت إحدى الطائفتين باتباع ~~الحق، والأخرى باتباع الباطل، فإن كان هذا قد تبين فلا حاجة إلى النظر، وإن ~~لم يتبين بعد لم يذكر حتى يتبين. # ويقال له ثانيا: قولك: إنه طلب الأمر لنفسه بحق، وبايعه الأقلون كذب على ~~علي - رضي الله عنه -، فإنه لم يطلب الأمر لنفسه في خلافة أبي بكر، وعمر ~~وعثمان، وإنما طلبه لما قتل عثمان وبويع وحينئذ فأكثر الناس كانوا معه، لم ~~يكن معه الأقلون وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليا لم يدع إلى ~~مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا بايعه على ذلك أحد. # ولكن الرافضة تدعي أنه كان يريد ذلك، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة، ~~دون PageV01P099 # غيره، لكن كان عاجزا عنه وهذا لو كان حقا لم يفدهم، فإنه لم يطلب الأمر ~~لنفسه، ولا تابعه أحد على ذلك، فكيف إذا كان باطلا. # وكذلك قوله بايعه الأقلون، كذب على الصحابة ms090 فإنه لم يبايع منهم أحد لعلي ~~على عهد الخلفاء الثلاثة، ولا يمكن أحد أن يدعي هذا، ولكن غاية ما يقول ~~القائل إنه كان فيهم من يختار مبايعته، ونحن نعلم أن عليا لما تولى كان ~~كثير من الناس يختار ولاية معاوية، وولاية غيرهما، ولما بويع عثمان كان في ~~نفوس بعض الناس ميل إلى غيره، فمثل هذا لا يخلو من الوجود. # وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وبها وما حولها ~~منافقون، كما قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن # أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} (1) وقد قال تعالى ~~عن المشركين: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} (2) # فأحبوا أن ينزل القرآن على من يعظمونه من أهل مكة والطائف، قال تعالى: ~~{أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض درجات} (3) . # وأما ما وصفه لهؤلاء بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا وزينتها، وأنهم لا ~~تأخذهم في الله لومة لائم، فهذا من أبين الكذب، فإنه لم ير الزهد والجهاد ~~في طائفة أقل منه في الشيعة، والخوارج المارقون كانوا أزهد منهم وأعظم ~~قتالا، حتى يقال في المثل حملة خارجية وحروبهم مع جيوش بني أمية وبني ~~العباس وغيرهما بالعراق والجزيرة وخراسان والمغرب وغيرهما معروفة، وكانت ~~لهم ديار يتحيزون فيها لا يقدر عليهم أحد. # وأما الشيعة فهم دائما مغلوبون، مقهورون منهزمون، وحبهم للدنيا وحرصهم ~~عليها ظاهر، ولهذا كاتبوا الحسين - رضي الله عنه -، فلما أرسل إليهم ابن ~~عمه، ثم قدم بنفسه غدروا به، وباعوا الآخرة بالدنيا، وأسلموه إلى عدوه، ~~وقاتلوه مع عدوه، فأي زهد عند هؤلاء، وأي جهاد عندهم. # وقد ذاق منهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - من الكاسات المرة ما لا ~~يعلمه إلا الله، حتى PageV01P100 # دعا عليهم، فقال: اللهم إني سئمتهم وسئموني فأبدلني بهم خيرا منهم، ~~وأبدلهم بي شرا مني، وقد كانوا يغشونه ويكاتبون من يحاربه، ويخونونه في ~~الولايات، والأموال، هذا ولم يكونوا بعد صاروا رافضة، إنما سمعوا شيعة ms091 علي ~~لما افترق الناس فرقتين، فرقة شايعت أولياء عثمان، وفرقة شايعت أولياء عليا ~~رضي الله عنهما، فأولئك خيار الشيعة، وهم من شر الناس معاملة لعلي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -، وابنيه سبطي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~وريحانته في الدنيا الحسن والحسين، وهم أعظم الناس قبولا للوم اللائم في ~~الحق، وأسرع الناس إلى الفتنة، وأعجزهم عنها، يغرون من يظهرون نصره من أهل ~~البيت، حتى إذا اطمأن إليهم ولامهم عليه اللائم، خذلوه وأسلموه وآثروا عليه ~~الدنيا، ولهذا أشار عقلاء المسلمين ونصحاؤهم # على الحسين أن لا يذهب إليهم، مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، ~~وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام وغيرهم، لعلمهم بأنهم يخذلونه، ~~ولا ينصرونه، ولا يوفون له بما كتبوا به إليه، وكان الأمر كما رأى هؤلاء، ~~ونفذ فيهم دعاء عمر بن الخطاب، ثم دعاء علي بن أبي طالب. # حتى سلط الله عليهم الحجاج بن يوسف، كان لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز ~~عن مسيئهم، ودب شرهم إلى من لم يكن منهم، حتى عم الشر، وهذه كتب المسلمين ~~التي ذكر فيها زهاد الأمة ليس فيهم رافضي. # كيف والرافضي من جنس المنافقين، مذهبه التقية فهل هذا حال من لا تأخذه ~~بالله لومة لائم، إنما هذه حال من نعته الله في كتابه بقوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة ~~على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ~~ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (1) . # وهذه حال من قاتل المرتدين، وأولهم الصديق، ومن اتبعه إلى يوم القيامة، ~~فهم الذين جاهدوا المرتدين، كأصحاب مسيلمة الكذاب، ومانعي الزكاة، وغيرهما ~~وهم الذين فتحوا الأمصار، وغلبوا فارس والروم، وكانوا أزهد الناس، كما قال ~~عبد الله بن مسعود PageV01P101 # لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد، وهم كانوا خيرا منكم، ~~قالوا: لما يا أبا عبد الرحمن، قال: لأنهم كانوا، أزهد في الدنيا، وأرغب ms092 في ~~الآخرة، فهؤلاء هم الذين لاتأخذهم في الله لومة لائم. # بخلاف الرافضة، فإنهم أشد الناس خوفا من لوم اللائم، ومن عدوهم، وهم كما ~~قال تعالى: {يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون} (1) . ولا يعيشون في أهل القبلة إلا من جنس اليهود في أهل الملل. ~~ثم يقال: من هؤلاء الذين زهدوا في الدنيا، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ~~ممن لم يبايع أبا بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنه - م، وبايع عليا، فإنه من ~~المعلوم أن في زمن الثلاثة لم يكن أحد منحازا عن الثلاثة مظهرا لمخالفتهم # ومبايعة علي، بل كل الناس كانوا مبايعين لهم فغاية ما يقال إنهم كانوا ~~يكتمون تقديم علي وليست هذه حال من لا تأخذه في الله لومة لائم. # وأما في حال ولاية علي فقد كان - رضي الله عنه - من أكثر الناس لوما لمن ~~معه على قلة جهادهم، ونكولهم عن القتال، فأين هؤلاء الذين لا تأخذهم في ~~الله لومة لائم، من هؤلاء الشيعة، وإن كذبوا على أبي ذر من الصحابة وسلمان ~~وعمار وغيرهم، فمن المتواتر أن هؤلاء كانوا من أعظم الناس تعظيما لأبي بكر ~~وعمر، واتباعا لهما، وإنما ينقل عن بعضهم التعنت على عثمان، لا على أبي بكر ~~وعمر، وسيأتي الكلام على ما جرى لعثمان - رضي الله عنه -. # ففي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، لم يكن أحد يسمى من الشيعة، ولا تضاف ~~الشيعة إلى أحد لا عثمان ولا علي ولا غيرهما، فلما قتل عثمان تفرق ~~المسلمون، فمال قوم إلى عثمان، ومال قوم إلى علي واقتتلت الطائفتان، وقتل ~~حينئذ شيعة عثمان شيعة علي، وفي صحيح مسلم عن سعد بن هشام أنه أراد أن يغزو ~~في سبيل الله وقدم المدينة فأراد أن يبيع عقارا له فيها فيجعله في السلاح ~~والكراع، ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل ~~المدينة، فنهوه عن ذلك وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم نهاهم نبي الله صلى الله تعالى ms093 عليه وسلم. وقال: ~~((أليس لكم بي أسوة؟)) ، فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها وأشهد ~~على رجعتها. فأتى ابن عباس وسأله عن وتر رسول الله صلى لله تعالى عليه ~~وسلم. فقال ابن PageV01P102 # عباس: ألا أدلك علىأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم؟ فقال من؟ قال: عائشة رضي الله عنها، فأتها فاسألها ثم ائتني فأخبرني، ~~بردها عليك، قال فانطلقت إليها فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها ~~فقال: ما أنا بقاربها لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئا فأبت ~~فيهما لا مضيا. # قال: فأقسمت عليه فجاء فانطلقنا إلى عائشة رضى الله عنها وذكرا # الحديث (1) ، وقال معاوية لابن عباس أنت على ملة علي، فقال لا على ملة ~~علي، ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. # وكانت الشيعة أصحاب علي يقدمون عليه أبا بكر وعمر، وإنما كان النزاع في ~~تقديمه على عثمان، ولم يكن حينئذ يسمى أحد لا إماميا ولا رافضيا وإنما سموا ~~رافضة، وصاروا رافضة، لما خرج زيد بن علي بن الحسين بالكوفة، في خلافة ~~هشام، فسألته الشيعة عن أبي بكر وعمر، فترحم عليهما فرفضه قوم، فقال ~~رفضتموني رفضتموني. فسموا رافضة، وتولاه قوم فسموا زيدية، لانتسابهم إليه. # ومن حينئذ انقسمت الشيعة، إلى رافضة إمامية وزيدية، وكلما زادوا في ~~البدعة زادوا في الشر، فالزيدية خير من الرافضة، أعلم وأصدق وأزهد، وأشجع. # ثم بعد أبي بكر، عمر بن الخطاب هو الذي لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، ~~وكان أزهد الناس باتفاق الخلق كما قيل فيه رحم الله عمر لقد تركه الحق ما ~~له من صديق. # ونحن لا ندعي العصمة لكل صنف من أهل السنة، وإنما ندعي أنهم لا يتفقون ~~على ضلالة، وأن كل مسألة اختلف فيها أهل السنة والجماعة والرافضة، فالصواب ~~فيها مع أهل السنة. # وحيث تصيب الرافضة، فلا بد أن يوافقهم على الصواب بعض أهل السنة، ~~وللروافض خطأ لا يوافقهم أحد عليه من أهل السنة، وليس للرافضة مسألة واحدة ms094 ~~لا يوافقهم فيها أحد فانفردوا بها عن جميع أهل السنة والجماعة إلا وهم ~~مخطئون فيها كإمامة الإثني عشر، وعصمتهم. PageV01P103 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وذهب جميع من عدا الإمامية والإسماعيلية إلى أن الأنبياء ~~والأئمة غير معصومين، فجوزوا بعثة من يجوز عليه الكذب والسهو والخطأ ~~والسرقة، فأي وثوق يبقى للعامة في أقوالهم، وكيف يحصل الانقياد إليهم، وكيف ~~يجب اتباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون به خطأ؟ ولم يجعلوا الأئمة محصورين ~~في عدد معين، بل كان من بايع قرشيا انعقدت # إمامته عندهم، ووجب طاعته على جميع الخلق إذا كان مستور الحال، وإن كان ~~على غاية من الكفر والفسوق والنفاق)) . # فيقال: الكلام على هذا من وجوه: # أحدها: أن يقال: ما ذكرته عن الجمهور من نفي العصمة عن الأنبياء وتجويز ~~الكذب والسرقة والأمر بالخطأ عليهم، فهذا كذب على الجمهور، فإنهم متفقون ~~على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من ~~الشريعة خطأ باتفاق المسلمين، وكل ما يبلغونه عن الله عز وجل من الأمر ~~والنهي يجب طاعتهم فيه باتفاق المسلمين، وما أخبروا به وجب تصديقهم فيه ~~بإجماع المسلمين، وما أمروهم به ونهوهم عنه وجبت طاعتهم فيه عند جميع فرق ~~الأمة، إلا عند طائفة من الخوارج يقولون: أن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم معصوم فيما يبلغه عن الله، لا فيما يأمر هو به وينهى عنه. وهؤلاء ضلال ~~باتفاق أهل السنة والجماعة. # وقد ذكرنا غير مرة أنه إذا كان في بعض المسلمين من قال قولا خطأ لم يكن ~~ذلك قدحا في المسلمين، ولو كان كذلك لكان خطأ الرافضة عيبا في دين ~~المسلمين، فلا يعرف في الطوائف أكثر خطأ وكذبا منهم، وذلك لا يضر المسلمين ~~شيئا، فكذلك لا يضرهم وجود مخطئ آخر غير الرافضة. # وأكثر الناس - أو كثير منهم - لا يجوزون عليهم الكبائر، والجمهور # الذين يجوزون الصغائر - هم ومن يجوز الكبائر - يقولون: إنهم لا يقرون ~~عليها، بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنزلة أعظم مما كان قبل ذلك، كما ~~تقدم التنبيه عليه. ms095 # وبالجملة فليس في المسلمين من يقول: إنه يجب طاعة الرسول مع جواز أن يكون ~~أمره # PageV01P104 # خطأ، بل هم متفقون على أن الأمر الذي يجب طاعته لا يكون إلا صوابا. ~~فقوله: ((كيف يجب اتباعهم مع تجويز أن يكون ما يأمرون به خطأ؟ قول لا يلزم ~~أحدا من الأمة. # وللناس في تجويز الخطأ عليهم في الاجتهاد قولان معروفان، وهم متفقون على ~~أنهم لا يقرون عليه، وإنما يطاعون فيما أقروا عليه، لا فيما غيره الله ونهى ~~عنه، ولم يأمر بالطاعة فيه. # وأما عصمة الأئمة فلم يقل بها - إلا كما قال - الإمامية والإسماعيلية. ~~وناهيك بقول لم يوافقهم عليه إلا الملاحدة المنافقون، الذين شيوخهم الكبار # أكفر من اليهود والنصارى والمشركين!. وهذا دأب الرافضة دائما يتجاوزون عن ~~جماعة المسلمين إلى اليهود والنصارى والمشركين في الأقوال والموالاة ~~والمعاونة والقتال وغير ذلك. # فهل يوجد أضل من قوم يعادون السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ~~ويوالون الكفار والمنافقين؟ وقد قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا ~~قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون. ~~أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون، اتخذوا أيمانهم جنة ~~فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين. لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يوم يبعثهم الله جميعا ~~فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون. ~~استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون. إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب ~~الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز، لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم ~~أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها - رضي الله عنه - م ورضوا عنه أولئك حزب الله ~~ألا إن حزب الله هم المفلحون} (1) . # فهذه الآيات نزلت ms096 في المنافقين، وليس المنافقون في طائفة أكثر منهم في ~~الرافضة، حتى أنه ليس في الروافض إلا من فيه شعبة من شعب النفاق. ~~PageV01P105 # كما فال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ((أربع من كن فيه كان منافقا ~~خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من خصل النفاق حتى يدعها: إذا ~~حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) أخرجاه في ~~الصحيحين (1) . # قال تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم ~~أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ~~وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} (2) # وقال تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون، ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا} (3) . # وهم غالبا لا يتناهون عن منكر فعلوه، بل ديارهم أكثر البلاد منكرا من ~~الظلم والفواحش وغير ذلك، وهم يتولون الكفار الذين غضب الله عليهم، فليسوا ~~مع المؤمنين ولا مع الكفار، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين تولوا قوما ~~غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم} (4) . # ولهذا هم عند جماهير المسلمين نوع آخر، حتى أن المسلمين لما قاتلوهم ~~بالجبل الذي كانوا عاصين فيه بساحل الشام، يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون ~~أموالهم، ويقطعون الطريق، استحلالا لذلك وتدينا به، فقاتلهم صنف من ~~التركمان، فصاروا يقولون: نحن مسلمون، فيقولون: لا، أنتم جنس آخر خارجون عن ~~المسلمين لامتيازهم عنهم. # وقد قال الله تعالى: {ويحلفون على الكذب وهم يعلمون} (5) . # وهذا حال الرافضة، وكذلك: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} إلى ~~قوله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~... } الآية (6) وكثير منهم يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من موادته ~~للمسلمين. ولهذا لما خرج الترك الكفار من جهة المشرق فقاتلوا المسلمين ~~وسفكوا دماءهم، ببلاد PageV01P106 # خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها، كانت الرافضة معاونة لهم على ms097 ~~قتال المسلمين، ووزير بغداد المعروف بالعلقمي هو وأمثاله كانوا من أعظم ~~الناس معاونة لهم على المسلمين، وكذلك الذين كانوا بالشام بحلب وغيرها من ~~الرافضة كانوا من أشد الناس معاونة لهم على قتال المسلمين. وكذلك النصارى ~~الذين قاتلهم المسلمون بالشام كانت الرافضة من أعظم أعوانهم، وكذلك إذا صار ~~لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم، فهم دائما يوالون ~~الفار من المشركين واليهود والنصارى، ويعاونونهم على قتال المسلمين ~~ومعاداتهم. # ثم إن هذا ادعى عصمة الأئمة دعوى لم يقم عليها حجة، إلا ما تقدم من أن ~~الله لم يخل العالم من أئمة معصومين لما في ذلك من المصلحة واللطف، ومن ~~المعلوم المتيقن أن هذا المنتظر الغائب المفقود لم يحصل به شيء من المصلحة ~~واللطف، سواء كان ميتا، كما يقوله الجمهور، أو كان حيا، كما تظنه الإمامية. ~~وكذلك أجداده المتقدمون لم يحصل بهم شيء من المصلحة واللطف الحاصلة من إمام ~~معصوم ذي سلطان، كما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة بعد ~~الهجرة، فإنه كان إمام المؤمنين الذي يجب عليهم طاعته، ويحصل بذلك سعادتهم، ~~ولم يحصل بعده أحد له سلطان تدعى له العصمة إلا علي - رضي الله عنه - زمن ~~خلافته. # ومن المعلوم بالضرورة أن حال اللطف والمصلحة التي كان المؤمنون فيها زمن ~~الخلفاء الثلاثة، أعظم من اللطف والمصلحة الذي كان في خلافة علي زمن القتال ~~والفتنة والافتراق، فإذا لم يوجد من يدعي الإمامية فيه أنه معصوم وحصل له ~~السلطان بمبايعة ذي الشوكة إلا علي وحده، وكان مصلحة المكلفين واللطف الذي ~~حصل لهم في دينهم ودنياهم في ذلك الزمان أقل منه في زمن الخلفاء الثلاثة، ~~علم بالضرورة أن ما يدعونه من اللطف والمصلحة الحاصلة بالأئمة المعصومين ~~باطل قطعا. # وهو من جنس الهدى والإيمان الذي يدعى في رجال الغيب بجبل لبنان وغيره من ~~الجبال مثل جبل قاسيون بدمشق، ومغارة الدم، وجبل الفتح بمصر، ونحو ذلك من ~~الجبال والغيران، فإن هذه المواضع يسكنها الجن، ويكون بها شياطين، ويتراءون ~~أحيانا لبعض الناس، ويغيبون عن الأبصار ms098 في أكثر الأوقات، فيظن الجهال أنهم ~~رجال من الإنس، # PageV01P107 # وإنما هم رجال من الجن. # كما قال تعالى: {وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم ~~رهقا} (1) . # وهؤلاء يؤمن بهم وبمن ينتحلهم من المشايخ طوائف ضالون، لكن المشايخ الذين ~~ينتحلون رجال الغيب لا يحصل بهم من الفساد ما يحصل بالذين يدعون الإمام ~~المعصوم، بل المفسدة والشر الحاصل في هؤلاء أكثر، فإنهم # يدعون الدعوة إلى إمام معصوم، ولا يوجد لهم أئمة ذووا سيف يستعينون بهم، ~~إلا كافر أو فاسق أو منافق أو جاهل، لا تخرج رؤوسهم عن هذه الأقسام. # والإسماعيلية شر منهم، فإنهم يدعون إلى الإمام المعصوم، ومنتهى دعوتهم ~~إلى رجال ملاحدة منافقين فساق، ومنهم من هو شر في الباطن من اليهود ~~والنصارى. # فالداعون إلى المعصوم لا يدعون إلى سلطان معصوم، بل إلى سلطان كفور أو ~~ظلوم، وهذا أمر مشهور يعرفه كل من له خبرة بأحوالهم. # وقد قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (2) ، فأمر الله المؤمنين عند ~~التنازع بالرد إلى الله والرسول، ولو كان للناس معصوم غير الرسول صلى الله ~~تعالى عليه وسلم لأمرهم بالرد إليه، فدل القرآن على أنه لا معصوم إلا ~~الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. ### | ### | (فصل) # # وأما قوله: ((ولم يجعلوا الأئمة محصورين في عدد معين)) فهذا حق. وذلك أن ~~الله تعالى قال: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم} ، ولم يوقتهم بعدد معين. # وكذلك قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الأحاديث الثابتة عنه ~~المستفيضة لم يوقت ولاة الأمور في PageV01P108 # عدد معين. ففي الصحيحين عن أبي ذر قال: ((إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع ~~وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف)) (1) . ### | ### | (فصل) # # وأما قوله عنهم ((كل من بايع قرشيا انعقدت إمامته ووجبت طاعته على جميع ~~الخلق إذا كان مستور الحال، وإن كان على غاية من ms099 الفسق والكفر والنفاق)) . # فجوابه من وجوه: # أحدها: أن هذا ليس من قول أهل السنة والجماعة، وليس مذهبهم أنه بمجرد ~~مبايعة واحد قرشي تنعقد بيعته، ويجب على جميع الناس طاعته، وهذا وإن كان قد ~~قاله بعض أهل الكلام، فليس هو قول أهل السنة والجماعة، بل قد قال عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -: ((من بايع رجلا بغير مشورة المسلمين، فلا يبايع ~~هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا)) . الحديث رواه البخاري، وسيأتي بكماله ~~إن شاء الله تعالى. # الوجه الثاني: أنهم لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به، بل لا ~~يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة، فلا يجوزون طاعته في ~~معصية الله وإن كان إماما عادلا، وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه: مثل أن ~~يأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصدق والعدل والحج والجهاد في سبيل ~~الله، فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله، والكافر والفاسق إذا أمر بما هو ~~طاعة لله لم تحرم طاعة الله ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها، كما ~~أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله ~~فاسق، فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا، إنما يطيعونهم في ضمن طاعة ~~الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. # كما قال تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (2) # فأمر بطاعة الله مطلقا، وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله ~~{من يطع الرسول فقد أطاع الله} (3) وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك، ~~فقال: (وأولي الأمر منكم) ولم يذكر لهم طاعة ثالثة، لأن ولي الأمر لا يطاع ~~طاعة مطلقة، إنما يطاع في المعروف. PageV01P109 # كما قال النبي صلى الله تعالىعليه وسلم: ((إنما الطاعة في المعروف)) (1) ~~وقال: ((لا طاعة في معصية الله)) (2) و ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) ~~(3) وقال: ((من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه)) (4) . # وقال هؤلاء الرافضة المنسوبين إلى شيعة علي - رضي الله عنه - أنه تجب ~~طاعة غير الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم مطلقا في كل ما ms100 أمر به، أفسد من ~~قول من كان منسوبا إلى شيعة عثمان - رضي الله عنه - من أهل الشام من أنه ~~يجب طاعة ولي الأمر مطلقا، فإن أولئك كانوا يطيعون ذا السلطان وهو موجود، ~~وهؤلاء يوجبون طاعة معصوم مفقود. # وأيضا فأولئك لم يكونوا يدعون في أئمتهم العصمة التي تدعيها الرافضة، بل ~~كانوا يجعلونهم كالخلفاء الراشدين وأئمة العدل الذين يقلدون فيما لا تعرف ~~حقيقة أمره، أو يقولون: إن الله يقبل منهم الحسنات ويتجاوز عن السيئات. ~~وهذا أهون ممن يقول: إنهم معصومون ولا يخطئون. # فتبين أن هؤلاء المنسوبين إلى النصب من شيعة عثمان، وإن كان فيهم خروج عن ~~بعض الحق والعدل، فخروج الإمامية عن الحق والعدل أكثر وأشد، فكيف بقول أئمة ~~السنة الموافق للكتاب والسنة، وهو الأمر بطاعة ولي الأمر فيما يأمر به من ~~طاعة الله، دون ما يأمر به من معصية الله. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وذهب الجميع منهم إلى القول بالقياس، والأخذ بالرأي، ~~فأدخلوا في دين الله ما ليس منه، وحرفوا أحكام الشريعة، وأحدثوا مذاهب ~~أربعة لم تكن في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا زمن صحابته، ~~وأهملوا أقاويل الصحابة، مع أنهم نصوا على ترك القياس، وقالوا: أول من قاس ~~إبليس)) . PageV01P110 # فيقال الجواب عن هذا من وجوه: # أحدها: أن دعواه على جميع أهل السنة المثبتين لإمامة الخلفاء الثلاثة ~~أنهم يقولون بالقياس دعوى باطلة، قد عرف فيهم طوائف لا يقولون بالقياس، ~~كالمعتزلة البغداديين، وكالظاهرية كداود وابن حزم وغيرهما، وطائفة من أهل ~~الحديث والصوفية. # وأيضا ففي الشيعة من يقول بالقياس كالزيدية. فصار النزاع فيه بين الشيعية ~~كما هو بين أهل السنة والجماعة. # الثاني: أن يقال: القياس ولو قيل: إنه ضعيف هو خير من تقليد من لم يبلغ ~~في العلم مبلغ المجتهدين، فإن كل من له علم وإنصاف يعلم أن مثل مالك والليث ~~بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى، ومثل الشافعي وأحمد ~~إسحاق وأبي عبيد وأبي ثور أعلم وأفقه من العسكريين أمثالهما. # وأيضا فهؤلاء خير من المنتظر الذي لا يعلم ms101 ما يقول، فإن الواحد من هؤلاء ~~إن كان عنده نص منقول عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلا ريب أن النص ~~الثابت عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مقدم على القياس بلا ريب، وإن لم ~~يكن عنده نص ولم يقل بالقياس كان جاهلا، فالقياس الذي يفيد الظن خير من ~~الجهل الذي لا علم معه ولا ظن، فإن قال هؤلاء كل ما يقولونه هو ثابت عن ~~النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان هذا أضعف من قول من قال كل ما يقوله ~~المجتهد فإنه قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإن هذا يقوله طائفة من ~~أهل الرأي، وقولهم أقرب من قول الرافضة، فإن قول أولئك كذب صريح. # وأيضا فهذا كقول من يقول: عمل أهل المدينة متلقى عن الصحابة وقول الصحابة ~~متلقى عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقول من يقول: ما قاله الصحابة ~~في غير مجاري القياس فإنه لا يقوله إلا توقيفا عن النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم، وقوله من يقول: قول المجتهد أو الشيخ العارف هو إلهام من الله ~~ووحي يجب اتباعه. # فإن قال: هؤلاء تنازعوا. # قيل وأولئك تنازعوا، فلا يمكن أن تدعي دعوى باطلة إلا أمكن معارضتهم ~~بمثلها أو بخير منها ولا يقولون حقا إلا كان في أهل السنة والجماعة من يقول # مثل ذلك الحق أو # PageV01P111 # ما هو خير منه، فإن البدعة مع السنة كالكفر مع الإيمان. وقد قال تعالى: ~~{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} (1) . # الثالث: أن يقال الذين أدخلوا في دين الله ما ليس منه وحرفوا أحكام ~~الشريعة، ليسوا في طائفة أكثر منهم في الرافضة، فإنهم أدخلوا في دين الله ~~من الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما لم يكذبه غيرهم، وردوا ~~من الصدق ما لم يرده غيرهم، وحرفوا القرآن تحريفا لم يحرفه أحد غيرهم مثل ~~قولهم: إن قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (2) نزلت في علي لما ms102 تصدق بخاتمه في ~~الصلاة. # وقوله تعالى: {مرج البحرين} (3) : علي وفاطمة، {يخرج منهما اللؤلؤ ~~والمرجان} (4) : الحسن والحسين، {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (5) # علي بن أبي طالب {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران} (6) # هم آل أبي طالب واسم أبي طالب عمران، {فقاتلوا أئمة الكفر} (7) : طلحة ~~والزبير، {والشجرة الملعونة في القرآن} (8) هم بنو أمية، {إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة} (9) : عائشة و {لئن أشركت ليحبطن عملك} (10) : لئن أشركت ~~بين أبي بكر وعلي في الولاية. # وكل هذا وأمثاله وجدته في كتبهم. ثم من هذا دخلت الإسماعيلية والنصيرية ~~في تأويل الواجبات والمحرمات، فهم أئمة التأويل، الذي هو تحريف الكلم عن ~~مواضعه، ومن تدبر ما عندهم وجد فيه من الكذب في # المنقولات، والتكذيب بالحق منها والتحريف لمعانيها، مالا يوجد في صنف من ~~المسلمين، فهم قطعا أدخلوا في دين الله ما ليس منه أكثر من كل أحد، وحرفوا ~~كتابه تحريفا لم يصل غيرهم إلى قريب منه. # الوجه الرابع: قوله: ((وأحدثوا مذاهب أربعة لم تكن في زمن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم ولا زمن صحابته، وأهملوا أقاويل الصحابة)) . # فيقال له: متى كان مخالفة الصحابة والعدول عن أقاويلهم منكرا عند ~~الإمامية؟ PageV01P112 # وهؤلاء متفقون على محبة الصحابة وموالاتهم وتفضيلهم على سائر القرون وعلى ~~أن إجماعهم حجة، وعلى أنه ليس لهم الخروج عن إجماعهم، بل عامة الأئمة ~~المجتهدين يصرحون بأنه ليس لنا أن نخرج عن أقاويل الصحابة، فكيف يطعن عليهم ~~بمخالفة الصحابة من يقول: إن إجماع الصحابة ليس بحجة، وينسبهم إلى الكفر ~~والظلم؟ # فإن كان إجماع الصحابة حجة فهو حجة على الطائفتين، وإن لم يكن حجة فلا ~~يحتج به عليهم. # وإن قال: أهل السنة يجعلونه حجة، وقد خالفوه. # قيل: أما أهل السنة فلا يتصور أن يتفقوا على مخالفة إجماع الصحابة، وأما ~~الإمامية فلا ريب أنهم متفقون على مخالفة إجماع العترة النبوية، مع مخالفة ~~إجماع الصحابة، فإن لم يكن في العترة النبوية -بنو هاشم - على عهد النبي ~~صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ms103 رصى الله عنهم من يقول ~~بإمامة الاثني عشر ولا بعصمة أحد بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا ~~بكفر الخلفاء الثلاثة، بل ولا من يطعن في إمامتهم، بل ولا من ينكر الصفات، ~~ولا من يكذب بالقدر. # فالإمامية بلا ريب متفقون على مخالفة إجماع العترة النبوية، مع مخالفتهم ~~لإجماع الصحابة، فكيف ينكرون على من لم يخالف لا إجماع الصحابة ولا إجماع ~~العترة؟ . # الوجه الخامس: أن قوله: ((أحدثوا مذاهب أربعة لم تكن على عهد رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم)) . إن أراد بذلك أنهم اتفقوا على أن يحدثوا هذه ~~المذاهب مع مخالفة الصحابة فهذا كذب عليهم، فإن هؤلاء الأئمة لم يكونوا في ~~عصر واحد، بل أبو حنيفة توفي سنة خمسين ومائة ومالك سنة تسع وسبعين ومائة، ~~والشافعي سنة أربع ومائتين، وأحمد بن حنبل سنة # إحدى وأربعين ومائتين، وليس في هؤلاء من يقلد الآخر، ولا من يأمر باتباع ~~الناس له، بل كل منهم يدعو إلى متابعة الكتاب والسنة، وإذا قال غيره قولا ~~يخالف الكتاب والسنة عنده رده، ولا يوجب على الناس تقليده. # وإن قلت ان هذه المذاهب اتبعهم الناس، فهذا لم يحصل بموطأة، بل اتفق أن ~~قوما اتبعوا هذا، وقوما اتبعوا هذا، كالحجاج الذين طلبوا من يدلهم على ~~الطريق، فرأى قوم هذا الدليل خبيرا فاتبعوه، وكذلك الآخرون. # PageV01P113 # وإذا كان كذلك لم يكن في ذلك اتفاق أهل السنة على باطل، بل كل قوم منهم ~~ينكرون ما عند غيرهم من الخطأ، فلم يتفقوا على أن الشخص المعين عليه أن ~~يقبل من كل من هؤلاء ما قاله، بل جمهورهم لا يأمرون العامي بتقليد شخص معين ~~غير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كل ما يقوله. # والله تعالى قد ضمن العصمة للأمة، فمن تمام العصمة أن يجعل عددا من ~~العلماء إن أخطأ الواحد منهم في شيء كان الآخر قد أصاب فيه حتى لا يضيع ~~الحق، ولهذا لما كان في قول بعضهم من الخطأ مسائل، كبعض المسائل التي ~~أوردها، كان الصواب في قول الآخر، فلم ms104 يتفق أهل السنة على ضلالة أصلا، وأما ~~خطأ بعضهم في بعض الدين، فقد قدمنا في غير مرة أن هذا لا يضر، كخطأ بعض ~~المسلمين. وأما الشيعة فكل ما خالفوا فيه أهل السنة كلهم فهم مخطئون فيه، ~~كما أخطأ اليهود والنصارى في كل ما خالفوا فيه المسلمين. # الوجه السادس: أن يقال: قوله: ((إن هذه المذاهب لم تكن في زمن النبي صلى ~~الله تعالى عليه وسلم ولا الصحابة)) إن أراد أن الأقوال التي # لهم لم تنقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا عن الصحابة، بل تركوا ~~قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والصحابة وابتدعوا خلاف ذلك، فهذا كذب ~~عليهم، فإنهم لم يتفقوا على مخالفة الصحابة، بل هم - وسائر أهل السنة - ~~متبعون للصحابة في أقوالهم، وإن قدر أن بعض أهل السنة خالف الصحابة لعدم ~~علمه بأقاويلهم، فالباقون يوافقون ويثبتون خطأ من يخالفهم، وإن أراد أن نفس ~~أصحابها لم يكونوا في ذلك الزمان، فهذا لا محذور فيه. فمن المعلوم أن كل ~~قرن يأتي يكون بعد القرن الأول. # الوجه السابع: قوله: ((وأهملوا أقاويل الصحابة)) كذب منه، بل كتب أرباب ~~المذاهب مشحونة بنقل أقاويل الصحابة والاستدلال بها، وإن كان عند كل طائفة ~~منها ما ليس عند الأخرى. وإن قال: أردت بذلك أنهم لا يقولون: مذهب أبي بكر ~~وعمر ونحو ذلك، فسبب ذلك أن الواحد من هؤلاء جمع الآثار وما استنبطه منها، ~~فأضيف ذلك إليه، كما تضاف كتب الحديث إلى من جمعها، كالبخاري ومسلم وأبي ~~داود،، وكما تضاف القراءات إلى من اختارها، كنافع وابن كثير. # وغالب ما يقوله هؤلاء منقول عمن قبلهم، وفي قول بعضهم ما ليس منقولا عمن # PageV01P114 # قبله، لكنه استنبطه من تلك الأصول. ثم قد جاء بعده من تعقب أقواله فبين ~~منها ما كان خطأ عنده، كل ذلك حفظا لهذا الدين، حتى يكون أهله كما وصفهم ~~الله به {يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} (1) فمتى وقع من أحدهم منكر ~~خطأ أو عمدا أنكره عليه غيره. # وليس العلماء بأعظم من الأنبياء، وقد قال تعالى: ms105 {وداود وسليمان إذ ~~يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها ~~سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} (2) . # وثبت في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنه - ما أن النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم قال لأصحابه عام الخندق: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني ~~قريظة، فأدركتهم صلاة العصر في الطريق، فقال بعضهم: لم يرد منا تفويت ~~الصلاة، فصلوا في الطريق. وقال بعضهم: لا نصلي إلا في بني قريظة، فصلوا ~~العصر بعد ماغربت الشمس، فما عنف واحدة من الطائفتين)) (3) فهذا دليل على ~~أن المجتهدين يتنازعون في فهم كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ~~وليس كل واحد منهم آثما. # الوجه الثامن: أن أهل السنة لم يقل أحد منهم إن إجماع الأئمة الأربعة حجة ~~معصومة، ولا قال: إن الحق منحصر فيها، وإن ما خرج # عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة، كسفيان الثوري والأوزاعي ~~والليث بن سعد ومن قبلهم ومن بعدهم من المجتهدين قولا يخالف قول الأئمة ~~الأربعة، رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القول الراجح هو القول ~~الذي قام عليه الدليل. # الوجه التاسع: قوله: ((الصحابة نصوا على ترك القياس)) . يقال [له] : ~~الجمهور الذين يثبتون القياس قالوا: قد ثبت عن الصحابة أنهم قالوا بالرأي ~~واجتهاد الرأي وقاسوا، كما ثبت عنهم ذم ما ذموه من القياس. قالوا: وكلا ~~القولين صحيح، فالمذموم القياس المعارض للنص، كقياس الذين قالوا: إنما ~~البيع مثل الربا، وقياس إبليس الذي عارض به أمر الله له بالسجود لآدم، ~~وقياس المشركين الذين قالوا: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ ~~قال الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم PageV01P115 # ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم المشركون} (1) . # وكذلك القياس الذي لا يكون الفرع فيه مشاركا للأصل في مناط الحكم، ~~فالقياس يذم إما لفوات شرطه، وهو عدم المساواة في مناط الحكم، وإما لوجود ~~مانعه، وهو النص الذي يجب تقديمه عليه، وإن كانا متلازمين في نفس الأمر، ~~فلا يفوت الشرط إلا والمانع موجود، ولا يوجد المانع ms106 إلا والشرط مفقود. # فأما القياس الذي يستوي فيه الأصل والفرع في مناط الحكم ولم يعارضه ماهو ~~أرجح منه، فهذا هو القياس الذي يتبع. # ولا ريب أن القياس فيه فاسد، وكثير من الفقهاء قاسوا أقيسة فاسدة، بعضها ~~باطل بالنص، وبعضها مما اتفق على بطلانه، لكن بطلان كثير من القياس لا ~~يقتضي بطلان جميعه، كما أن وجود الكذب في كثير من الحديث لا يوجب كذب ~~جميعه. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الوجه الثاني: في الدلالة على وجوب اتباع مذهب الإمامية: ~~ما قاله شيخنا الإمام الأعظم خواجه نصير الملة والحق والدين محمد بن الحسن ~~الطوسي، قدس الله روحه، وقد سألته عن المذاهب # فقال: بحثنا عنها وعن قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ستفترق ~~أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية، والباقي في النار)) (2) ، وقد ~~عين الفرقة الناجية والهالكة في حديث آخر صحيح متفق عليه، وهو قوله: ((مثل ~~أهل بيتي كمثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)) ، فوجدنا ~~الفرقة الناجية هي فرقة الإمامية، لأنهم باينوا جميع المذاهب، وجميع ~~المذاهب # قد اشتركت في أصول العقائد)) . # فيقال: الجواب من وجوه: # أحدها: أن هذا الإمامي قد كفر من قال: إن الله موجب بالذات، كما تقدم من ~~قوله: يلزم أن يكون الله موجبا بذاته لا مختارا فيلزم الكفر. # وهذا الذي جعله شيخه الأعظم واحتج بقوله، هو ممن يقول بأن الله موجب ~~بالذات، PageV01P116 # ويقول بقدم العالم، كما ذكرذلك في كتاب ((شرح الإشارات)) له. فيلزم على ~~قوله أن يكون شيخه هذا الذي احتج به كافرا، والكافر لا يقبل قوله في دين ~~المسلمين. # الثاني: أن هذا الرجل قد اشتهر عند الخاص والعام أنه كان وزير الملاحدة ~~الباطنية الإسماعيلية بالألموت (1) ، ثم لما قدم الترك المشركون إلى بلاد ~~المسلمين، وجاءوا إلى بغداد، دار الخلافة، كان هذا منجما مشيرا لملك الترك ~~المشركين هولاكو أشار عليه بقتل الخليفة، وقتل أهل العلم والدين، واستبقاء ~~أهل الصناعات والتجارات الذين ينفعونه في الدنيا، وأنه استولى على الوقف ~~الذي للمسلمين، وكان يعطي منه ما شاء ms107 الله لعلماء المشركين وشيوخهم من ~~البخشية السحرة وأمثالهم وأنه لما بنى الرصد الذي بمراغة على طريق الصابئة ~~المشركين، كان أبخس الناس نصيبا منه من كان إلى أهل الملل أقرب، وأوفرهم ~~نصيبا من كان أبعدهم عن الملل، مثل الصابئة المشركين ومثل المعطلة وسائر ~~المشركون، وإن ارتزقوا بالنجوم والطب ونحو ذلك. # ومن المشهور عنه وعن أتباعه الاستهتار بواجبات الإسلام ومحرماته، لا ~~يحافظون على الفرائض كالصلوات، ولا ينزعون من محارم الله من الفواحش والخمر ~~وغير ذلك من المنكرات، حتى أنهم في شهر رمضان يذكر عنهم من إضاعة الصلوات، ~~وارتكاب الفواحش، وشرب الخمر -ما يعرفه أهل الخبرة بهم، ولم يكن لهم قوة ~~وظهور إلا مع المشركين، الذين دينهم شر من دين اليهود والنصارى. # ولهذا كان كلما قوي الإسلام في المغل وغيرهم من ترك، ضعف أمر هؤلاء لفرط ~~معاداتهم للإسلام وأهله. ولهذا كانوا من أنقص الناس منزلة عند الأمير نوروز ~~المجاهد في سبيل الله الشهيد، الذي دعا ملك المغل غازان إلى الإسلام، ~~والتزم له أن ينصره إذا أسلم، وقتل المشركين الذين لم يسلموا من البخشية ~~السحرة وغيرهم، وهدم البذخانات، وكسر الأصنام ومزق سدنتها كل ممزق، وألزم ~~اليهود والنصارى بالجزية والصغار، وبسببه ظهر الإسلام في المغل وأتباعهم. # وبالجملة فأمر هذا الطوسي وأتباعه عند المسلمين أشهر وأعرف من أن يعرف ~~PageV01P117 # ويوصف. ومع هذا فقد قيل: إنه كان آخر عمره يحافظ على الصلوات الخمس ~~ويشتغل بتفسير البغوى والفقه ونحو ذلك. فإن كان قد تاب من الإلحاد فالله ~~يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات. والله تعالى يقول: {يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا} (1) . # لكن ما ذكره عن هذا، إن كان قبل التوبة لم يقبل قوله، وإن كان بعد التوبة ~~لم يكن قد تاب من الرفض، بل من الإلحاد وحده. وعلى التقديرين فلا يقبل ~~قوله. والأظهر أنه إنما كان يجتمع به وبأمثاله لما كان منجما للمغل ~~المشركين، والإلحاد معروف من حاله إذ ذلك. # فمن يقدح في مثل أبي بكر ms108 وعمر وعثمان، وغيرهم من السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار، ويطعن على مثل مالك والشافعي وأي حنيفة وأحمد بن حنبل ~~وأتباعهم، ويعيرهم بغلطات بعضهم في مثل إباحة # الشطرنج والغناء، كيف يليق به أن يحتج لمذهبه بقول مثل هؤلاء الذين لا ~~يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون ~~دين الحق، ويستحلون المحرمات المجمع على تحريمها، كالفواحش والخمر، في مثل ~~شهر رمضان، الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وخرقوا سياج الشرائع، ~~واستخفوا بحرمات الدين، وسلكوا غير طريق المؤمنين، فهم كما قيل فيهم: # الدين يشكو بلية ... من فرقة فلسفية # لا يشهدون صلاة ... إلا لأجل التقية # ولا ترى الشرع إلا ... سياسة مدنية # ويؤثرون عليه ... مناهجافلسفية # ولكن هذا حال الرافضة: دائما يعادون أولياء الله المتقين من السابقين ~~الأولين، من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوا بإحسان، ويوالون الكفار ~~والمنافقين. فإن أعظم الناس نفاقا في المنتسبين إلى الإسلام هم الملاحدة ~~الباطنية الإسماعيلية، فمن احتج بأقوالهم في نصرة قوله، مع ما تقدم من طعنه ~~على أقوال أئمة المسلمين - كان من أعظم الناس موالاة لأهل النفاق، ومعاداة ~~لأهل الإيمان. # ومن العجب أن هذا المصنف الرافضي الخبيث الكذاب المفتري، يذكر أبا بكر ~~وعمر PageV01P118 # وعثمان، وسائر السابقين والأولين والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، من أهل ~~العلم والدين بالعظائم التي يفتريها عليهم هو وإخوانه، ويجيء إلى من قد ~~اشتهر عند المسلمين بمحادته لله ورسوله، فيقول: ((قال شيخنا الأعظم)) ، ~~ويقول ((قدس الله روحه)) مع شهادته بالكفر عليه وعلى أمثاله، ومع لعنة ~~طائفته لخيار المؤمنين من الأولين والآخرين. # وهؤلاء داخلون في معنى قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد # له نصيرا} (1) . # فإن هؤلاء الإمامية أوتوا نصيبا من الكتاب، إذ كانوا مقرين ببعض ما في ~~الكتاب المنزل، وفيهم شعبة من الإيمان بالجبت وهو السحر، والطاغوت وهو كل ~~ما يعبد من دون الله، فإنهم يعظمون الفلسفة المتضمنة لذلك، ويرون الدعاء ms109 ~~والعبادة للموتى، واتخاذ المساجد على القبور، ويجعلون السفر إليها حجا له ~~مناسك، ويقولون: ((مناسك حج المشاهد)) . # وحدثني الثقات أن فيهم من يرون الحج إليها أعظم من الحج إلى البيت ~~العتيق، فيرون الإشراك بالله أعظم من عبادة الله، وهذا من أعظم الإيمان ~~بالطاغوت. # وهم يقولون لمن يقرون بكفره من القائلين بقدم العالم ودعوة الكواكب، ~~والمسوغين للشرك: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، فإنهم فضلوا هؤلاء ~~الملاحدة المشركين على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان. وليس هذا ببدع من الرافضة، فقد عرف من موالاتهم لليهود ~~والنصارى والمشركين، ومعاونتهم على قتال المسلمين، ما يعرفه الخاص والعام، ~~حتى قيل: إنه ما اقتتل يهودي ومسلم، ولا مشرك ومسلم - إلا كان الرافضي مع ~~اليهودي والنصراني والمشرك. # الوجه الثالث: أنه قد عرف كل أحد أن الإسماعيلية والنصيرية هم من الطوائف ~~الذين يظهرون التشيع، وإن كانوا في الباطن كفارا منسلخين عن كل ملة، ~~والنصيرية هم من غلاة الرافضة الذين يدعون إلهية علي وهؤلاء أكفر من اليهود ~~والنصارى باتفاق المسلمين. # والإسماعيلية الباطنية أكفر منهم، فإن حقيقة قولهم التعطيل. أما أصحاب ~~الناموس PageV01P119 # الأكبر والبلاغ الأعظم، الذي هو آخر المراتب عندهم، فهم من الدهرية ~~القائلين بأن العالم لا فاعل له: لا علة ولا خالق. ويقولون: ليس بيننا وبين ~~الفلاسفة خلاف إلا في واجب الوجود،، فإنهم يثبتونه، وهو شيء لا حقيقة له، ~~ويستهزئون بأسماء الله عز وجل، ولا سيما هذا الاسم الذي هو الله، فإن منهم ~~من يكتبه على أسفل قدميه ويطؤه. # وأما من هو دون هؤلاء فيقول بالسابق وبالتالي، الذين عبروا بهما عن العقل ~~والنفس عند الفلاسفة، وعن النور والظلمة عند المجوس، وركبوا لهم مذهبا من ~~مذاهب الصابئة والمجوس ظاهره التشيع. # ولا ريب أن المجوس والصابئة شر من اليهود والنصارى، ولكن تظاهروا ~~بالتشيع. # قالوا: لأن الشيعة أسرع الطوائف استجابة لنا، لما فيهم من الخروج عن ~~الشريعة، ولما فيهم من الجهل وتصديق المجهولات. # ولهذا كان أئمتهم في الباطن فلاسفة، كالنصير الطوسي هذا، وكسنان البصري ~~الذي كان بحصونهم بالشام، وكان يقول: ms110 قد رفعت عنهم الصوم والصلاة والحج ~~والزكاة. # فإذا كانت الإسماعيلية إنما يتظاهرون في الإسلام بالتشيع، ومنه دخلوا وبه ~~ظهروا، وأهله هم المهاجرين إليهم، لا إلى الله ورسوله، وهم أنصارهم لا ~~أنصار الله ورسوله - علم أن شهادة الإسماعيلية للشيعة بأنهم على حق شهادة ~~مردودة باتفاق العقلاء. # فإن هذا الشاهد: إن كان يعرف أن ما هو عليه مخالف لدين الإسلام في ~~الباطن، وإنما أظهر التشيع لينفق به عند المسلمين، فهو محتاج إلى تعظيم ~~التشيع، وشهادته له شهادة المرء نفسه، فهو كشهادة الآدمي لنفسه، لكنه في ~~هذه الشهادة يعلم أنه يكذب، وإنما كذب فيها كما كذب في سائر أحواله، وإن ~~كان يعتقد دين الإسلام في الباطن، ويظن أن هؤلاء على دين الإسلام، كان أيضا ~~شاهدا لنفسه، لكن مع جهله وضلاله. # وعلى التقديرين فشهادة المرء لنفسه لا تقبل، سواء علم كذب نفسه أو اعتقد ~~صدق نفسه. كما في السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ((لا ~~تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي غمر على أخيه)) (1) . وهؤلاء خصمان أظناء ~~متهمون ذو غمر على أهل السنة والجماعة، فشهادتهم PageV01P120 # مردودة بكل طريق. # الوجه الرابع: أن يقال: أولا أنتم قوم لا تحتجون بمثل هذه الأحاديث، فإن ~~هذا الحديث إنما يرويه أهل السنة بأسانيد أهل السنة، # والحديث نفسه ليس في الصحيحين، بل قد طعن فيه بعض أهل الحديث كابن حزم ~~وغيره، ولكن قد رواه أهل السنن، كأبي داود والترمذي وابن ماجه، ورواه أهل ~~المسانيد، كالإمام أحمد وغيره (1) . # فمن أين لكم على أصولكم ثبوته حتى تحتجوا به؟ وبتقدير ثبوته فهو من أخبار ~~الآحاد، فكيف يجوز أن تحتجوا في أصل من أصول الدين وإضلال جميع المسلمين - ~~إلا فرقة واحدة - بأخبار الآحاد التي لا يحتجون هم بها في الفروع ~~العملية؟!. # وهل هذا إلا من أعظم التناقض والجهل؟! # الوجه الخامس: أن الحديث روي تفسيره فيه من وجهين: أحدهما: أنه صلى الله ~~تعالى عليه وسلم سأل عن الفرقة الناجية، فقال: ((من كان على مثل ما أنا ~~عليه اليوم وأصحابي)) وفي ms111 الرواية الأخرى قال: ((هم الجماعة)) . وكل من ~~التفسيرين يناقض قول الإمامية، ويقتضي أنهم خارجون عن الفرقة الناجية، ~~فإنهم خارجون عن جماعة المسلمين: يكفرون أو يفسقون أئمة الجماعة، كأبي بكر ~~وعمر وعثمان، دع معاوية وملوك بني أمية وبني العباس، وكذلك يكفرون أو ~~يفسقون علماء الجماعة وعبادهم، كمالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبي ~~حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وإبراهيم بن أدهم والفضيل بن عياض ~~وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي وأمثال هؤلاء، وهم أبعد الناس عن معرفة ~~سير الصحابة والاقتداء بهم، لا في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا ~~بعده، فإن هذا إنما يعرفه أهل العلم بالحديث والمنقولات، والمعرفة بالرجال ~~الضعفاء والثقات، وهم من أعظم الناس جهلا بالحديث وبغضا له، ومعاداة لأهله، ~~فإذا كان وصف الفرقة الناجية: أتباع الصحابة على عهد رسول الله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم، وذلك شعار السنة والجماعة - كانت الفرقة الناجية هم أهل ~~السنة والجماعة، فالسنة ما كان صلى الله تعالى عليه وسلم هو وأصحابه عليه ~~في عهده، مما أمرهم به وأقرهم عليه أو فعله هو، والجماعة هم المجتمعون ~~PageV01P121 # الذين ما فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فالذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~خارجون # عن الجماعة قد برأ الله نبيه منهم، فعلم بذلك أن هذا وصف أهل السنة ~~والجماعة، لا وصف الرافضة، وأن هذا الحديث وصف الفرقة الناجية باتباع سنته ~~التي كان عليها هو وأصحابه، وبلزوم جماعة المسلمين. # فإن قيل: فقد قال في الحديث: ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم ~~وأصحابي)) ، فمن خرج عن تلك الطريقة بعده لم يكن على طريقة الفرقة الناجية، ~~وقد ارتد ناس بعده فليسوا من الفرقة الناجية. # قلنا: نعم وأشهر الناس بالردة خصوم أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~وأتباعه كمسيلمة الكذاب وأتباعه وغيرهم. وهؤلاء تتولاهم الرافضة كما ذكر ~~ذلك غير واحد من شيوخهم، مثل هذا الإمامي وغيره، ويقولون: إنهم كانوا على ~~حق، وأن الصديق قاتلهم بغير حق. ثم من أظهر الناس ردة الغالية الذين حرقهم ~~علي - رضي الله عنه - بالنار لما ms112 ادعوا فيه الإلهية وهم السبائية أتباع عبد ~~الله بن سبأ الذين أظهروا سب أبي بكر وعمر. # وأول من ظهر عنه دعوى النبوة من المنتسبين إلى الإسلام المختار بن أبي ~~عبيد وكان من الشيعة، فعلم أن أعظم الناس ردة هم في الشيعة أكثر منهم في ~~سائر الطوائف، ولهذا لا يعرف ردة أسوأ حالا من ردة الغالية كالنصيرية، ومن ~~ردة الإسماعيلية الباطنية ونحوهم، وأشهر الناس بقتال المرتدين هو أبو بكر ~~الصديق - رضي الله عنه -، فلا يكون المرتدون في طائفة أكثر منها في خصوم ~~أبي بكر الصديق، فدل ذلك على أن المرتدين الذين لم يزالوا مرتدين على ~~أعقابهم، هم بالرافضة أولى منهم بأهل السنة والجماعة. # وهذا بين يعرفه كل عاقل يعرف الإسلام وأهله، ولا يستريب أحد أن جنس ~~المرتدين في المنتسبين إلى التشيع أعظم وأفحش كفرا من جنس المرتدين ~~المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، إن كان فيهم مرتد. # الوجه السادس: أن يقال: هذه الحجة التي احتج بها الطوسي على أن الإمامية ~~هم الفرقة الناجية كذب في وصفها، كما هي باطلة في دلالتها. وذلك أن قوله: ~~((باينوا جميع المذاهب، وجميع المذاهب قد اشتركت في أصول العقائد)) # PageV01P122 # إن أراد بذلك أنهم باينو جميع المذاهب فيما اختصوا به، فهذا شأن جميع ~~المذاهب، فإن الخوارج أيضا باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير ~~بالذنوب، ومن تكفير علي - رضي الله عنه -، ومن إسقاط طاعة الرسول فيما لم ~~يخبر به عن الله، وتجويز الظلم عليه في قسمه والجور في # حكمه، وإسقاط اتباع السنة المتواترة التي تخالف ما يظن أنه ظاهر القرآن، ~~كقطع السارق من المنكب وأمثال ذلك. # الوجه السابع: أن يقال: مباينتهم لجميع المذاهب هو على فساد قولهم أدل ~~منه على صحة قولهم؛ فإن مجرد انفراد طائفة عن جميع الطوائف لا يدل على أنه ~~هو الصواب، واشتراك أولئك في قول لا يدل على أنه باطل. # فإن قيل: إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جعل أمته ثلاثا وسبعين فرقة ~~كلها في النار إلا واحدة، فدل على أنها لا ms113 بد أن تفارق هذه الواحدة سائر ~~الاثنتين وسبعين فرقة. # قلنا: نعم. وكذلك يدل الحديث على مفارقة الثنتين وسبعين بعضها بعضا، كما ~~فارقت هذه الواحدة. فليس في الحديث ما يدل على اشتراك الثنتين والسبعين في ~~أصول العقائد، بل # PageV01P123 # ليس في ظاهر الحديث إلا مباينة الثلاث والسبعين كل طائفة للأخرى. وحينئذ ~~فمعلوم أن جهة الافتراق جهة ذم لا جهة مدح، فإن الله تعالى أمر بالجماعة ~~والائتلاف، وذم التفريق والاختلاف، فقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا} (1) وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم} (2) . # قال ابن عباس وغيره: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. ~~وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (3) وقال: ~~{وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} (4) ~~وقال: {وما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} (5) . # وإذا كان كذلك فأعظم الطوائف مفارقة للجماعة وافتراقا في نفسها أولى ~~الطوائف الذم، وأقلها افتراقا ومفارقة للجماعة أقربها إلى الحق. وإذا # كانت الإمامية أولى بمفارقة سائر طوائف الأمة فهم أبعد عن الحق، لا سيما ~~وهم في أنفسهم أكثر اختلافا من جميع فرق الأمة، حتى يقال: إنهم ثنتان ~~وسبعون فرقة. وهذا القدر فيما نقله عن هذا الطوسي بعض أصحابه، وقال: كان ~~يقول: الشيعة تبلغ فرقهم ثنتين وسبعين فرقة، أو كما قال. وقد صنف الحسن بن ~~موسى النوبختي وغيره في تعديد فرق الشيعة. # وأما أهل الجماعة فهم أقل اختلافا في أصول دينهم من سائر الطوائف، وهم ~~أقرب إلى كل طائفة من كل طائفة إلى ضدها، فهم الوسط في أهل الإسلام كما أن ~~أهل الإسلام هم الوسط في أهل الملل: هم وسط في باب صفات الله بين أهل ~~التعطيل وأهل التمثيل. # وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: ((خير الأمور أوسطها)) وحينئذ أهل السنة ~~والجماعة خير الفرق. # وفي باب القدر بين أهل التكذيب به ms114 وأهل الاحتجاج به، وفي باب الأسماء ~~والأحكام بين الوعيدية والمرجئة، وفي باب الصحابة بين الغلاة والجفاة، فلا ~~يغلون في علي غلو الرافضة، ولا يكفرونه تكفير الخوارج، ولا يكفرون أبا بكر ~~وعثمان كما تكفرهم الروافض، ولا يكفرون عثمان وعليا كما يكفرهما الخوارج. ~~PageV01P124 # الوجه الثامن: أن يقال: إن الشيعة ليس لهم قول واحد اتفقوا عليه، فإن ~~القول الذي ذكره هذا قول من أقوال الإمامية، ومن الإمامية طوائف تخالف ~~هؤلاء في التوحيد والعدل، كما تقدم حكايته. وجمهور الشيعة تخالف الإمامية ~~في الاثنى عشر، فالزيدية والإسماعيلية وغيرهم متفقون على إنكار إمامة ~~الاثنى عشر. # وهؤلاء الإمامية الاثنا عشرية يقولون: إن أصول الدين أربعة: التوحيد، ~~والعدل، والنبوة، والإمامة. وهم مختلفون في التوحيد والعدل والإمامة. وأما ~~النبوة فغايتهم أن يكونوا مقرين بها كإقرار سائر الأمة. واختلافهم في ~~الإمامة أعظم من اختلاف سائر الأمة، فإن قالت الاثنا عشرية: نحن أكثر من ~~هذه الطوائف، فيكون الحق معنا دونهم. قيل لهم: وأهل السنة أكثر منكم، فيكون ~~الحق معهم دونكم، فغايتكم أن تكون سائر فرق الإمامية معكم بمنزلتكم مع سائر ~~المسلمين، والإسلام هو دين الله الذي يجمع أهل الحق. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الوجه الثالث: أن الإمامية جازمون بحصول النجاة لهم ~~ولأئمتهم، قاطعون بذلك، وبحصول ضدها لغيرهم. وأهل السنة لا يجيزون ولا ~~يجزمون بذلك لا لهم ولا لغيرهم. فيكون اتباع أولئك أولى، لأنا لو فرضنا ~~مثلا خروج شخصين من بغداد يريدان الكوفة، فوجدا طريقين سلك كل منهما طريقا، ~~فخرج ثالث يطلب الكوفة: فسأل أحدهما: إلى أين تذهب؟ فقال إلى الكوفة. فقال ~~له: هل طريقك توصلك إليها؟ وهل طريقك آمن أم مخوف؟ وهل طريق صاحبك تؤديه ~~إلى الكوفة؟ وهل هو آمن أم مخوف؟ فقال: لا أعلم شيئا من ذلك. ثم سأل صاحبه ~~فقال أعلم أن طريقي يوصلني إلى الكوفة، وأنه آمن، وأعلم أن طريق صاحبي لا ~~يؤديه إلى الكوفة، وأنه ليس بآمن، فإن الثالث إن تابع الأول عده العقلاء ~~سفيها، وإن تابع الثاني نسب إلى الأخذ بالحزم)) . # هكذا ذكره في كتابه، والصواب ms115 أن يقال: وسأل الثاني فقال له الثاني: لا ~~أعلم أن طريقي تؤديني إلى الكوفة ولا أعلم أنه آمن أم مخوف. # PageV01P125 # والجواب على هذا من وجوه: # أحدها: أن يقال: إن كان اتباع الأئمة الذين تدعى لهم الطاعة المطلقة، وأن ~~ذلك يوجب لهم النجاة واجبا، كان اتباع خلفاء بني أمية الذين كانوا يوجبون ~~طاعة أئمتهم طاعة مطلقة ويقولون: إن ذلك يوجب النجاة مصيبين على الحق، ~~وكانوا في سبهم عليا وغيره وقتالهم لمن قاتلوه من شيعة علي مصيبين، لأنهم ~~كانوا يعتقدون أن طاعة الأئمة واجبة في كل شيء، وأن الإمام لا يؤاخذه الله ~~بذنب، وأنه لا ذنب لهم فيما أطاعوا فيه الإمام، بل أولئك أولى بالحجة من ~~الشيعة، لأنهم كانوا مطيعين أئمة أقامهم الله ونصيهم # وأيدهم وملكهم، فإذا كان مذهب القدرية أن الله لا يفعل إلا ما هو الأصلح ~~لعباده، كان تولية أولئك الأئمة مصلحة لعباده. # ومعلوم أن اللطف والمصلحة التي حصلت بهم أعظم من اللطف والمصلحة التي ~~حصلت بإمام معدوم أو عاجز. ولهذا حصل لأتباع خلفاء بني أمية من المصلحة في ~~دينهم ودنياهم، أعظم مما حصل لأتباع المنتظر؛ فإن هؤلاء لم يحصل لهم إمام ~~يأمرهم بشيء من المعروف، ولا ينهاهم عن شيء من المنكر، ولا يعينهم على شيء ~~من مصلحة دينهم ولا دنياهم، بخلاف أولئك؛ فإنهم انتفعوا بأئمتهم منافع ~~كثيرة في دينهم ودنياهم، أعظم مما انتفع هؤلاء بأئمتهم. # فتبين أنه إن كانت حجة هؤلاء المنتسبين إلى مشايعة علي - رضي الله عنه - ~~صحيحة، فحجة أولئك المنتسبين إلى مشايعة عثمان - رضي الله عنه - أولى ~~بالصحة، وإن كانت باطلة فهذه أبطل منها. فإذا كان هؤلاء الشيعة متفقين مع ~~سائر أهل السنة على أن جزم أولئك بنجاتهم إذا أطاعوا أولئك الأئمة طاعة ~~مطلقة خطأ وضلال، فخطأ هؤلاء وضلالهم إذا جزموا بنجاتهم لطاعتهم لمن يدعي ~~أنه نائب المعصوم - والمعصوم لا عين له ولا أثر - أعظم وأعظم؛ فإن الشيعة ~~ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب، إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل، ~~ويصدونهم عن سبيل الله. # الوجه الثاني: أن هذا ms116 المثل إنما كان يكون مطابقا لو ثبت مقدمتان: ~~إحداهما: أن لنا إماما معصوما. والثانية: أنه أمر بكذا وكذا. وكلتا ~~المقدمتين غير معلومة، بل باطلة. دع # PageV01P126 # المقدمة الأولى، بل الثانية، فإن الأئمة الذين يدعى فيهم العصمة قد ماتوا ~~منذ سنين كثيرة، والمنتظر له غائب أكثر من أربعمائة وخمسين سنة، وعند آخرين ~~هو معدوم لم يوجد. والذين يطاعون شيوخ من شيوخ الرافضة، أو كتب صنفها بعض ~~شيوخ الرافضة، وذكروا أن ما فيها منقول عن أولئك المعصومين. وهؤلاء الشيوخ ~~المصنفون ليسوا معصومين بالاتفاق، ولا مقطوعا لهم بالنجاة. # فإذا الرافضة لا يتبعون إلا أئمة لا يقطعون بنجاتهم ولا سعادتهم، فلم ~~يكونوا قاطعين لا بنجاتهم، ولا بنجاة أئمتهم الذين يباشرونهم بالأمر ~~والنهي، وهم أئمتهم، وإنما هم في انتسابهم إلى أولئك الأئمة، بمنزلة كثير ~~من أتباع شيوخهم الذين ينتسبون إلى شيخ قد مات من مدة، ولا يدرون بماذا # أمر، ولا عماذا نهى، بل له أتباع يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل ~~الله، يأمرونهم بالغلو في ذلك الشيخ وفي خلفائه، وأن يتخذوهم أربابا، وكما ~~تأمر شيوخ الشيعة أتباعهم، وكما تأمر شيوخ النصارى أتباعهم، فهم يأمرونهم ~~بالإشراك بالله وعبادة غير الله، ويصدونهم عن سبيل الله، فيخرجون عن حقيقة ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن التوحيد أن نعبد الله ~~وحده، فلا يدعى إلا هو، ولا يخشى إلا هو، ولا يتقى إلا هو، ولا يتوكل إلا ~~عليه، ولا يكون الدين إلا له، لا لأحد من الخلق، وأن لا نتخذ الملائكة ~~والنبيين أربابا، فكيف بالأئمة والشيوخ والعلماء والملوك وغيرهم!؟ # والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم هو المبلغ عن الله أمره ونهيه، فلا ~~يطاع مخلوق طاعة مطلقة إلا هو، فإذا جعل الغمام والشيخ كأنه إله يدعى مع ~~مغيبة وبعد موته، ويستغاث به، ويطلب منه الحوائج، والطاعة إنما هي لشخص ~~حاضر يأمر بما يريد، وينهى عما يريد كان الميت مشبها بالله تعالى، والحي ~~مشبها برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيخرجون عن حقيقة الإسلام الذي ~~أصله شهادة ms117 أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. # ثم إن كثيرا منهم يتعلقون بحكايات تنقل عن ذلك الشيخ، وكثير منها كذب ~~عليه، وبعضها خطأ منه، فيعدلون عن النقل الصدق عن القائل المعصوم إلى نقل ~~غير مصدق عن قائل غير معصوم. فإذا كان هؤلاء مخطئين في هذا، فالشيعة أكثر ~~وأعظم خطأ، لأنهم أعظم كذبا فيما ينقلونه عن الأئمة، وأعظم غلوا في دعوى ~~عصمة الأئمة. # PageV01P127 # الوجه الثالث: منع الحكم في هذا المثال الذي ضربه وجعله أصلا قاس عليه، ~~فإن الرجل إذا قال له أحد الرجلين: طريقي آمن يوصلني، وقال له الآخر: لا ~~علم لي بأن طريقي آمن يوصلني، أو قال ذلك الأول، لم يحسن في العقل تصديق ~~الأول بمجرد قوله، بل يجوز عند العقلاء أن يكون هذا محتالا عليه، يكذب حتى ~~يصحبه في الطريق فيقتله ويأخذ ماله، ويجوز أن يكون جاهلا لا يعرف ما في ~~الطريق من الخوف، وأما ذاك الرجل فلم يضمن للسائل شيئا، بل رده إلى نظره، ~~فالحزم في مثل هذا أن ينظر الرجل أي الطريقين أولى بالسلوك: أحد ذينك ~~الطريقين أو غيرهما. # فتبين أن مجرد الإقدام على الحزم لا يدل على علم صاحبه ولا على صدقه، وأن ~~التوقف والإمساك حتى يتبين الدليل هو عادة العقلاء. # الوجه الرابع: أن يقال: قوله: ((إنهم جازمون بحصول النجاة لهم دون أهل ~~السنة)) كذب، فإنه إن أراد بذلك أن كل واحد ممن اعتقد اعتقادهم يدخل الجنة، ~~وإن ترك الواجبات وفعل المحرمات، فليس هذا قول الإمامية، ولا يقوله عاقل. # وإن كان حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، فلا يضره ترك الصلوات، ولا الفجور ~~بالعلويات، ولا نيل أغراضه بسفك دماء بني هاشم إذا كان يحب عليا. # فإن قالوا: المحبة الصادقة تستلزم الموافقة، عاد الأمر إلى أنه لا بد من ~~أداء الواجبات وترك المحرمات. وإن أراد بذلك أنهم يعتقدون أن كل من اعتقد ~~الاعتقاد الصحيح، وأدى الواجبات، وترك المحرمات يدخل الجنة - فهذا اعتقاد ~~أهل السنة؛ فإنهم يجزمون بالنجاة لكل من اتقى الله، كما نطق ms118 به القرآن. # وإنما يتوقفون في الشخص المعين لعدم العلم بدخوله في المتيقن، فإنه إذا ~~علم أنه مات على التقوى علم أنه من أهل الجنة. ولهذا يشهدون بالجنة لمن شهد ~~له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، ولهم فيمن استفاض في الناس حسن الثناء ~~عليه قولان. # فتبين أنه ليس في الإمامية جزم محمود اختصوا به عن أهل السنة والجماعة. ~~وإن قالوا: إنا نجزم لكل شخص رأيناه ملتزما للواجبات عندنا تاركا للمحرمات، # PageV01P128 # بأنه من أهل الجنة، من غير أن يخبرنا بباطنه معصوم. قيل: هذه المسألة لا ~~تتعلق بالإمامية، بل إن كان إلى هذا طريق صحيح فهو لأهل السنة، وهم بسلوكه ~~أحذق، وإن لم يكن هنا طريق صحيح إلى ذلك، كان ذلك قولا بلا علم، فلا فضيلة ~~فيه، بل في عدمه. # ففي الجملة لا يدعون علما صحيحا إلا وأهل السنة أحق به، وما ادعوه من ~~الجهل فهو نقص وأهل السنة أبعد عنه. # الوجه الخامس: أن أهل السنة يجزمون بحصول النجاة لأئمتهم أعظم من جزم ~~الرافضة. وذلك أن أئمتهم بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هم السابقون ~~الأولون من المهاجرين والأنصار، وهم جازمون بحصول النجاة # لهؤلاء، فإنهم يشهدون أن العشرة في الجنة، ويشهدون أن الله قال لأهل بدر: ~~((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) ، بل يقولون: إنه ((لا يدخل النار أحد ~~بايع تحت الشجرة)) كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله تعالى عليه ~~وسلم (1) . فهؤلاء أكثر من ألف وأربعمائة إمام لأهل السنة، يشهدون أنه لا ~~يدخل النار منهم أحد، وهي شهادة بعلم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. # الوجه السادس: أن يقال: أهل السنة يشهدون بالنجاة: إما مطلقا، وإما ~~معينا، شهادة مستندة إلى علم. وأما الرافضة فإنهم إن شهدوا شهدوا بما لا ~~يعلمون، أو شهدوا بالزور الذي يعلمون أنه كذب، فهم كما قال الشافعي رحمه ~~الله: ما رأيت قوما أشهد بالزور من الرافضة. # الوجه السابع: أن الإمام الذي شهد له بالنجاة: إما أن يكون هو المطاع في ~~كل شيء وإن نازعه ms119 غيره من المؤمنين، أو هو مطاع فيما يأمر به من طاعة الله ~~ورسوله، وفيما يقوله باجتهاده إذا لم يعلم أن غيره أولى منه، ونحو ذلك. فإن ~~كان الإمام هو الأول، فلا إمام لأهل السنة بهذا الاعتبار إلا رسول الله صلى ~~الله تعالى عليه وسلم، وهم يقولون كما قال مجاهد والحاكم ومالك وغيرهم: كل ~~أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله عليه السلام. وهم يشهدون لإمامهم أنه ~~خير الخلائق، ويشهدون ان كل من ائتم به، ففعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، ~~دخل الجنة. PageV01P129 # وهذه الشهادة بهذا وهذا هم فيها أتم من الرافضة من شهادتهم للعسكريين ~~وأمثالهما بأنه من أطاعهم دخل الجنة. # فثبت أن إمام أهل السنة أكمل، وشهادتهم له ولهم إذا أطاعوه أكمل، ولا ~~سواء. # ولكن قال الله تعالى: {ءآلله خير أما يشركون} (1) ، فعند المقابلة يذكر ~~الخير المحض على الشر المحض، وإن كان الشر المحض لا خير فيه. # وإن أرادوا بالإمام الإمام المقيد، فذاك لا يوجب أهل السنة طاعته، إن لم ~~يكن ما أمر به موافقا لأمر الإمام المطلق رسول الله صلى الله تعالى # عليه وسلم، وهم إذا أطاعوه فيما أمر الله بطاعته فيه، فإنما هم مطيعون ~~لله ورسوله، فلا يضرهم توقفهم في الإمام المقيد: هل هو في الجنة أم لا؟ . # الوجه الثامن: أن يقال: إن الله قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله، ~~وتوعد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك، فمناط السعادة طاعة الله ورسوله. كما قال ~~تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} (2) وأمثال ذلك. # وإذا كان كذلك والله تعالى يقول: {فاتقوا الله ما استطعتم} (3) فمن اجتهد ~~في طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته كان من أهل الجنة. # فقول الرافضة: لن يدخل الجنة إلا من كان إماميا، كقول اليهود والنصارى: ~~{لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين، بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره ms120 عند ربه ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون} (4) . # ومن المعلوم أن المنتظر الذي يدعيه الرافضي لا يجب على أحد طاعته، فإنه ~~لا يعلم له قول منقول عنه، فإذا من أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ~~دخل الجنة وإن لم يؤمن بهذا الإمام، ومن آمن بهذا الإمام لم يدخل الجنة إلا ~~إذا أطاع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، فطاعة الرسول صلى الله تعالى ~~عليه وسلم هي مدار السعادة وجودا وعدما، وهي الفارقة بين أهل الجنة والنار، ~~ومحمد صلى لله تعالى عليه وسلم فرق بين الناس، والله سبحانه وتعالى قد دل ~~الخلق على طاعته بما بينه لهم، فتبين أن أهل السنة جازمون بالسعادة والنجاة ~~لمن كان من أهل السنة. PageV01P130 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: الوجه الرابع: أن الإمامية أخذوا مذهبهم عن الأئمة ~~المعصومين المشهورين بالفضل والعلم ولزهد والورع، والاشتغال في كل # وقت بالعبادة والدعاء وتلاوة القرآن، والمداومة على ذلك من زمن الطفولة ~~إلى آخر العمر، ومنهم من يعلم الناس العلوم، ونزل في حقهم: {هل أتى} وآية ~~الطهارة، وإيجاب المودة لهم، وآية الابتهال وغير ذلك. وكان علي - رضي الله ~~عنه - يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، ويتلو القرآن مع شدة ابتلائه بالحروب ~~والجهاد. # فأولهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كان أفضل الخلق بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وجعله الله نفس رسول الله حيث قال: {وأنفسنا وأنفسكم} ~~(1) وواخاه رسول الله وزوجه ابنته، وفضله لا يخفى وظهرت منه معجزات كثيرة، ~~حتى ادعى قوم فيه الربوبية وقتلهم، وصار إلى مقالتهم آخرون إلى هذه الغاية ~~كالغلاة والنصيرية. وكان ولداه سبطا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدا ~~شباب أهل الجنة، إمامين بنص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وكانا أزهد ~~الناس وأعلمهم في زمانهما، وجاهدا في الله حق جهاده حتى قتلا، ولبس الحسن ~~الصوف تحت ثيابه الفاخرة من غير أن يشعر أحد بذلك، وأخذ النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم يوما الحسين على فخذه الأيمن، وإبراهيم على فخذه الأيسر، ~~فنزل جبرائيل ms121 عليه السلام وقال: إن الله تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما، ~~فاختر من شئت منهما، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مات الحسين ~~بكيت أنا وعلي وفاطمة، وإذا مات إبراهيم بكيت أنا عليه، فاختار موت إبراهيم ~~فمات بعد ثلاثة أيام، وكان إذا جاء الحسين بعد ذلك يقبله ويقول: أهلا ~~ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم. # وكان علي بن الحسين زين العابدين يصوم نهاره ويصوم ليله، ويتلو الكتاب ~~العزيز، ويصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، ويدعو كل ركعتين بالأدعية المنقولة ~~عنه وعن آبائه ثم يرمي الصحيفة كالمتضجر، ويقول: أنى لي بعبادة علي، وكان ~~يبكي كثيرا حتى أخذت الدموع من لحم خديه، وسجد حتى سمي ذا الثفنات، وسماه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد العابدين. PageV01P131 # وكان قد حج هشام بن عبد الملك فاجتهد أن يستلم الحجر فلم يمكنه من ~~الزحام، فجاء زين العابدين فوقف الناس له وتنحوا عن الحجر حتى استلمه، # ولم يبق عند الحجر سواه، فقال هشام بن عبد الملك: من هذا فقال الفرزدق ~~وذكر أبيات الشعر المشهورة فبعث إليه الإمام زين العابدين بألف دينار، ~~فردها، وقال: إنما قلت هذا غضبا لله ولرسوله، فما آخذ عليه أجرا، فقال عي ~~بن الحسين: نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منا فقبلها الفرزدق. # وكان بالمدينة قوم يأتيهم رزقهم ليلا ولا يعرفون ممن هو، فلما مات زين ~~العابدين، انقطع ذلك عنهم وعرفوا أنه كان منه. # وكان ابنه محمد الباقر أعظم الناس زهدا وعبادة، بقر السجود جبهته، وكان ~~أعلم أهل وقته، سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الباقر، وجاء جابر ~~بن عبد الله الأنصاري إليه وهو صغير في الكتاب، فقال له: جدك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسلم عليك. فقال: وعلى جدي السلام. فقيل لجابر كيف ~~هو؟ قال كنت جالسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحسين في حجره ~~وهو يلاعبه، فقال: يا جابر يولد له ولد اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى ~~مناد: ليقم سيد العابدين، فيقوم ms122 ولده، ثم يولد له مولود اسمه محمد الباقر، ~~يبقر العلم بقرا، فإذا رأيته فأقرئه مني السلام. وروى عنه أبي حنيفة وغيره. # وكان ابنه الصادق عليه السلام أفضل أهل زمانه وأعبدهم، قال علماء السيرة: ~~إنه اشتغل بالعبادة عن طلب الرياسة، وقال عمر بن أبي المقدام: كنت إذا نظرت ~~إلى جعفر بن محمد الصادق علمت أنه من سلالة النبيين، وهو الذي نشر فقه ~~الإمامية، والمعارف الحقيقية، والعقائد اليقينية، وكان لا يخبر بأمر إلا ~~وقع، وبه سموه الصادق الأمين. # وكان عبد الله بن الحسن جمع أكابر العلويين للبيعة لولديه، فقال الصادق: ~~هذا الأمر لا يتم، فاغتاظ من ذلك، فقال: إنه لصاحب القباء الأصفر، وأشار ~~بذلك إلى المنصور، فلما سمع المنصور بذلك فرح لعلمه بوقوع ما يخبر به، وعلم ~~أن الأمر يصل إليه، ولما هرب كان يقول: أين قول صادقهم؟ وبعد ذلك انتهى ~~الأمر إليه. # وكان ابنه موسى الكاظم يدعى بالعبد الصالح، وكان أعبد أهل زمانه، يقوم ~~الليل # PageV01P132 # ويصوم النهار، وسمي الكاظم لأنه كان إذ بلغه عن أحد شيء بعث إليه بمال. ~~ونقل فضله الموافق والمخالف. قال ابن الجوزي من الحنابلة: روى عن شقيق ~~البلخي قال: خرجت حاجا سنة تسع وأربعين ومائة، فنزلت القادسية فإذا شاب حسن ~~الوجه شديد السمرة، عليه ثياب صوف مشتمل # بشملة، في رجليه نعلان، وقد جلس منفردا عن الناس، فقلت في نفسي: هذا ~~الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس، والله لأمضين إليه أوبخه، ~~فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال: يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن ~~إثم. # فقلت في نفسي: هذا عبد صالح قد نطق على ما في خاطري، لألحقنه ولأسألنه أن ~~يحاللني، فغاب على عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي، وأعضاؤه تضطرب، ~~ودموعه تتحادر، فقلت: أمضي إليه وأعتذر، فأوجز في صلاته، ثم قال: يا شقيق: ~~{وإني غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} (1) فقلت: هذا من الأبدال، ~~قد تكلم على سري مرتين. فلما نزلنا زبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة ms123 ~~يريد أن يسقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر فرفع طرفه إلى السماء وقال: # أنت ربي إذا ظمئت إلى الما ... ء وقوتي إذا أردت الطعاما # يا سيدي مالي سواها قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فاخذ ~~الركوة وملأها وتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل هناك، فجعل يقبض ~~بيده ويطرحه في الركوة ويشرب فقلت: أطعمني من فضل ما رزقك الله أو ما أنعم ~~الله عليك، فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك ~~بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق وسكر، ما شربت والله ألذ ~~منه ولا أطيب منه ريحا فشبعت ورويت. وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا، ~~ثم لم أره حتى دخلت مكة، فرأيته ليلة إلى جانب قبة الميزاب نصف الليل يصلي ~~بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما طلع الفجر جلس في ~~مصلاه يسبح، ثم قام إلى صلاة الفجر، وطاف بالبيت أسبوعا، وخرج فتبعته، فإذا ~~له حاشية وأموال وغلمان، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس ~~يسلمون عليه ويتبركون به، فقلت لهم: من هذا؟ قالوا موسى بن PageV01P133 # جعفر، فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد. هذا رواه ~~الحنبلي. # وعلى يده تاب بشر الحافي لأنه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد، فسمع ~~الملاهي وأصوات الغناء والقصب يخرج من تلك الدار، فخرجت # جارية وبيدها قمامة البقل، فرمت بها في الدرب، فقال لها: يا جارية، صاحب ~~هذا الدار حر أم عبد؟ فقالت: بل حر، فقال: صدقت لو كان عبدا لخاف من مولاه. ~~فلما دخلت الجارية قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك علينا؟ قالت: ~~حدثني رجل بكذا وكذا، فخرج حافيا حتى لقي مولانا موسى بن جعفر فتاب على ~~يده. # والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن يقال: لا نسلم أن الإمامية أخذوا مذهبهم ~~عن أهل البيت: لا الاثنا عشرية ولا غيرهم، بل هم مخالفون لعلي - رضي الله ~~عنه ms124 - وأئمة أهل البيت في جميع أصولهم التي فارقوا فيها أهل السنة ~~والجماعة: توحيدهم، وعدلهم، وإمامتهم، فإن الثابت عن علي - رضي الله عنه - ~~وأئمة أهل البيت من إثبات الصفات لله، وإثبات القدر، وإثبات خلافة الخلفاء ~~الثلاثة، وإثبات فضيلة أبي بكر وعمر - رضي الله عنه - ما، وغير ذلك من ~~المسائل كله يناقض مذهب الرافضة. # والنقل بذلك ثابت مستفيض في كتب أهل العلم، بحيث إن معرفة المنقول في هذا ~~الباب عن أئمة أهل البيت يوجب علما ضروريا بأن الرافضة مخالفون لهم لا ~~موافقون لهم. # الثاني: أن يقال: قد علم أن الشيعة مختلفون اختلافا كثيرا في مسائل ~~الإمامة والصفات والقدر، وغير ذلك من مسائل أصول دينهم. فأي قول لهم ~~والمأخوذ عن الأئمة المعصومين، حتى مسائل الإمامة، قد عرف اضطرابهم فيها. # وقد تقدم بعض اختلافهم في النص وفي المنتظر فهم في الباقي المنتظر على ~~أقوال: منهم من يقول ببقاء جعفر بن محمد، ومنهم من يقول ببقاء ابنه موسى بن ~~جعفر، ومنهم من يقول ببقاء محمد بن عبد الله بن حسن، ومنهم من يقول ببقاء ~~محمد بن الحنفية، وهؤلاء يقولون: نص علي على الحسن والحسين، وهؤلاء يقولون ~~على محمد بن الحنفية، وهؤلاء يقولون: أوصى علي بن الحسين إلى ابنه أبي ~~جعفر، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه عبد الله، وهؤلاء يقولون: أوصى إلى محمد بن ~~عبد الله بن الحسن بن الحسين، وهؤلاء يقولون: إن جعفر # PageV01P134 # أوصى إلى ابنه إسماعيل، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه محمد بن إسماعيل، وهؤلاء ~~يقولون: إلى ابنه محمد، وهؤلاء يقولون: إلى ابنه عبد الله، وهؤلاء يقولون: ~~إلى ابنه موسى، وهؤلاء يسوقون النص # إلى محمد بن الحسن، وهؤلاء يسوقون النص إلى بني عبيد الله بن ميمون ~~القداح الحاكم وشيعته، وهؤلاء يسوقون النص من بني هاشم إلى بني العباس، ~~ويمتنع أن تكون هذه الأقوال المتناقضة مأخوذة عن معصوم، فبطل قولهم: أن ~~أقوالهم مأخوذة عن معصوم. # الوجه الثالث: أن يقال: هب أن عليا كان معصوما، فإذا كان الاختلاف بين ~~الشيعة هذا الاختلاف، وهم متنازعون هذا التنازع، فمن أين ms125 يعلم صحة بعض هذه ~~الأقوال عن علي دون الآخر، وكل منهم يدعي أن ما يقوله إنما أخذه عن ~~المعصومين؟ وليس للشيعة أسانيد أهل السنة حتى ينظر في الإسناد وعدالة ~~الرجال. بل إنما هي منقولات منقطعة عن طائفة عرف فيها كثرة الكذب وكثرة ~~التناقض في النقل فهل يثق عاقل بذلك؟ # وإن ادعوا تواتر نص هذا على هذا، ونص هذا على هذا كان هذا معارضا بدعوى ~~غيرهم مثل هذا التواتر، فإن سائر القائلين بالنص إذا ادعوا مثل هذه الدعوى ~~لم يكن بين الدعويين فرق. # فهذه الوجوه وغيرها تبين أن بتقدير ثبوت عصمة علي - رضي الله عنه - ~~فمذهبهم ليس مأخوذا عنه، فنفس دعواهم العصمة في علي مثل دعوى النصارى ~~الإلهية في المسيح. مع أن ما هم عليه ليس مأخوذا عن المسيح. # الوجه الرابع: أنهم في مذهبهم محتاجون إلى مقدمتين: إحداهما: عصمة من ~~يضيفون المذهب إليه من الأئمة، والثانية ثبوت ذلك النقل عن الإمام. وكلتا ~~المقدمتين باطلة، فإن المسيح ليس بإله، بل هو رسول كريم، وبتقدير أن يكون ~~إلها أو رسولا كريما فقوله حق، لكن ما تقوله النصارى ليس من قوله، ولهذا ~~كان في علي - رضي الله عنه - شبه من المسيح: قوم غلوا فيه فوق قدره، وقوم ~~نقصوه دون قدره فهم كاليهود، هؤلاء يقولون عن المسيح: إنه إله. وهؤلاء ~~يقولون: كافر ولد بغية. وكذلك علي: هؤلاء يقولون: إنه إله، وهؤلاء يقولون: ~~إنه كافر ظالم. # PageV01P135 # الوجه الخامس: أن يقال: قد ثبت لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ~~والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، وابنه محمد، وجعفر بن محمد من المناقب ~~والفضائل ما لم يذكره هذا المصنف الرافضي. وذكر أشياء من الكذب تدل على جهل ~~ناقلها، مثل قوله: نزل في حقهم: {هل أتى} فإن سورة {هل أتى} مكية باتفاق ~~العلماء، وعلي إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، ولم يدخل # بها إلا بعد غزوة بدر، وولد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، ~~والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول: {هل أتى} بسنين كثيرة. # فقول القائل: ms126 إنها نزلت فيهم، من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول ~~القرآن وعلم بأحوال هؤلاء السادة الأخيار. # وأما آية الطهارة فليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم، ~~وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم. فإن قوله {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (1) كقوله تعالى: ~~{ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} (2) وقوله: {يريد ~~الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. ~~والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا} (3) . # فالإرادة هنا متضمنة للأمر والمحبة والرضا، وليست هي المشيئة المستلزمة ~~لوقوع المراد؛ فإنه لو كان كذلك لكان قد طهر كل من أراد الله طهارته. وهذا ~~على قول هؤلاء القدرية الشيعة أوجه، فإن عندهم أن الله يريد ما لا يكون، ~~ويكون ما لا يريد. # فقوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجز أهل البيت ويطهركم تطهيرا} إذا ~~كان هذا بفعل المأمور وترك المحظور، كان ذلك متعلقا بإرادتهم وأفعالهم، فإن ~~فعلوا ما أمروا به طهروا وإلا فلا. # وهم يقولون: إن الله لا يخلق أفعالهم، ولا يقدر على تطهيرهم وإذهاب الرجز ~~عنهم. PageV01P136 # وأما المثبتون للقدر فيقولون: إن الله قادر على ذلك، فإذا ألهمهم فعل ما ~~أمر وترك ما حظر حصلت الطهارة وذهاب الرجس. # ومما يبين أن هذا مما أمروا به لا مما أخبروا بوقوعه، ما ثبت في الصحيح ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدار الكساء على علي وفاطمة وحسن وحسين، ~~ثم قال: # ((اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الجس وطهرهم تطهيرا)) . وهذا الحديث ~~رواه مسلم في صحيحه عن عائشة، ورواه أهل السنن عن أم سلمة (1) . # وهو يدل على ضد قول الرافضة من وجهين: أحدهما: أنه دعا لهم بذلك، وهذا ~~دليل على أن الآية لم تخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان قد وقع لكان يثنى على ~~الله بوقوعه ويشطره على ذلك، لا يقتصر ms127 على مجرد الدعاء به. # الثاني: أن هذا يدل على أن الله قادر على إذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، ~~وذلك يدل على أنه خالق أفعال العباد. ومما يبين أن الآية متضمنة للأمر ~~والنهي قوله في سياق الكلام: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا. ومن يقنت منكن لله ورسوله ~~وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما. يا نساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن ~~قولا معروفا. وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة ~~وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله ~~كان لطيفا خبيرا} (2) . # وهذا السياق يدل على أن ذلك أمر ونهي، ويدل على أن أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من أهل بيته، فإن السياق إنما هو في مخاطبتهن، ويدل على ~~أن قوله: # {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} عم غير أزواجه، كعلي وفاطمة وحسن وحسين رضى ~~الله عنهم لانه ذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء خصوا ~~بكونهم من أهل البيت بالأولى من PageV01P137 # أزواجه، فلهذا خصهم بالدعاء لما أدخلهم في الكساء، كما أن مسجد قباء أسس ~~على التقوى، ومسجده - صلى الله عليه وسلم - أيضا أسس على التقوى وهو أكمل ~~في ذلك، فلما نزل قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن ~~تقوم فيه رجال يحبون أن # يتطهروا والله يحب المطهرين} (1) بسبب مسجد قباء، تناول اللفظ لمسجد قباء ~~ولمسجده - صلى الله عليه وسلم - بطريق الأولى. # وكذلك قوله في إيجاب المودة لهم غلط. فقد ثبت في الصحيح عن سعيد بن جبير ~~أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى} (2) قال: فقلت: إلا أن تودوا ذوي قربى محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. فقال ابن عباس: عجلت، ms128 إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - منهم قرابة. فقال: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~أن تودوني في القرابة التي بيني وبينكم. # فابن عباس كان من كبار أهل البيت وأعلمهم بتفسير القرآن، وهذا تفسيره ~~الثابت عنه. ويدل على ذلك أنه لم يقل: إلا المودة لذوي القربى. ولكن قال: ~~إلا المودة في القربى. ألا ترى أنه لما أراد ذوي قرباه قال: # {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} (3) ، ولا ~~يقال: المودة في ذوي القربى. وإنما يقال: المودة لذوي القربى. فكيف وقد قال ~~قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى؟! # ويبين ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل أجرا أصلا إنما أجره ~~على الله، وعلى المسلمين موالاة أهل البيت لكن بأدلة أخرى غير هذه الآية، ~~وليست موالاتنا أهل البيت من أجر النبي - صلى الله عليه وسلم - في شيء. # وأيضا فإن هذه الآية مكية، ولم يكن علي قد تزوج بفاطمة ولا ولد له أولاد. # وأما آية الابتهال ففي الصحيح أنها لما نزلت أخذ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بيد علي وفاطمة وحسن وحسين ليباهل بهم (4) ، لكن خصهم بذلك لأنهم ~~كانوا أقرب إليه من غيرهم، فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذاك يمشي معه. ولكن ~~كان يقول عن الحسن: ((إن ابني هذا سيد)) فهما ابناه ونساؤه إذ لم يكن قد ~~بقي له بنت إلا فاطمة - رضي الله عنه - ا، فإن المباهلة كانت لما قدم وفد ~~نجران، PageV01P138 # وهم نصارى، وذلك كان بعد فتح مكة، بل كان سنة تسع، فهذه الآية تدل على ~~كمال اتصالهم # برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما دل على ذلك حديث الكساء، ولكن ~~هذا لا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر المؤمنين ولا أعلم منهم، ~~لأن الفضيلة بكمال الإيمان والتقوى لا بقرب النسب. # كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (1) وقد ثبت أن الصديق كان ~~أتقى الأمة بالكتاب والسنة، وتواترعن النبي - صلى ms129 الله عليه وسلم - أنه ~~قال: ((لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) (2) ، وهذا ~~بسوط في موضعه. # وأما ما نقله عن علي أنه كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فهذا يدل على ~~جهله بالفضيلة وجهله بالواقع. أما أولا فلأن هذا ليس بفضيلة، فإنه قد ثبت ~~في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان لا يزيد في الليل على ~~ثلاث عشرة ركعة (3) . وثبت عنه في الصحيح أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~((أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه)) ~~(4) . # وأيضا فقوله: إن علي بن أي طالب كان أفضل الخلق بعد رسول الله ... - صلى ~~الله عليه وسلم - دعوى مجردة، ينازعه فيها جمهور المسلمين من الأولين ~~والآخرين. # وقوله: جعله الله نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: ~~{وأنفسنا وأنفسكم} وواخاه. # فيقال: أما حديث المؤاخاة فباطل موضوع، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يؤاخ أحدا، ولا آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض، ولا بين الأنصار بعضهم ~~مع بعض، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار، كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد ~~الرحمن بن عوف، وآخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، كما ثبت ذلك في ~~الصحيح. PageV01P139 # وأما قوله: {وأنفسنا وأنفسكم} فهذا مثل قوله: { لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} (1) # نزلت في قصة عائشة - رضي الله عنه - افي الإفك، فإن الواحد من المؤمنين ~~من أنفس المؤمنين والمؤمنات. # وأما تزويجه فاطمة ففضيلة لعلي، كما أن تزويجه عثمان بابنتيه فضيلة ~~لعثمان أيضا، ولذلك سمي ذو النورين. وكذلك تزوجه بنت أبي بكر وبنت عمر ~~فضيلة لهما، فالخلفاء الأربعة أصهاره - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله ~~عنهم. # وأما قوله: ((وظهرت منه معجزات كثيرة)) فكأنه يسمى كرامات الأولياء ~~معجزات، وهذا إصلاح لكثير من الناس. فيقال: علي أفضل من كثير ممن له ~~كرامات، والكرامات متواترة عن كثير من عوام أهل السنة الذين يفضلون أبا بكر ~~وعمر على علي، فكيف لا تكون الكرامات ثابتة لعلي - رضي الله عنه ms130 -؟ وليس في ~~مجرد الكرامات ما يدل على أنه أفضل من غيره. # وأما قوله: ((حتى ادعى قوم فيه الربوبية وقتلهم)) . # فهذه مقالة جاهل في غاية الجهل لوجوه: أحدها: أن معجزات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعظم بكثير وما ادعى فيه أحد من الصحابة الإلهية. # الثاني: أن معجزات الخليل وموسى أعظم بكثير وما ادعى أحد فيهما الإلهية. # الثالث: أن معجزات نبينا ومعجزات موسى أعظم من معجزات المسيح، وما ادعيت ~~فيهما الإلهية كما ادعيت في المسيح. # الرابع: أن المسيح ادعيت فيه الإلهية أعظم مما ادعيت في محمد وإبراهيم ~~وموسى، ولم يدل ذلك لا على أنه أفضل منهم ولا على أن معجزاته أبهر. # الخامس: أن دعوى الإلهية فيهما دعوى باطلة تقابلها دعوى باطلة، وهي دعوى ~~اليهود في المسيح، ودعوى الخوارج في علي؛ فإن الخوارج كفروا عليا، فإن جاز ~~أن يقال: إنما ادعيت فيه الإلهية لقوة الشبهة. وجاز أن يقال، إنما ادعي فيه ~~الكفر لقوة الشبهة، وجاز أن يقال، صدرت منه ذنوب اقتضت أن يكفره بها ~~الخوارج. # والخوارج أكثر وأعقل وأدين من الذين ادعوا فيه الإلهية، فإن جاز الاحتجاج ~~بمثل هذا، وجعلت هذه الدعوى منقبة، كان دعوى المبغضين له ودعوى الخوارج ~~مثلبة أقوى PageV01P140 # وأقوى، وأين الخوارج من الرافضة الغالية؟! # فالخوارج من أعظم الناس صلاة وصياما وقراءة للقران، ولهم جيوش وعساكر، ~~وهم متدينون بدين الإسلام باطنا وظاهرا. والغالية المدعون للإلهية إما أن ~~يكونوا من أجهل الناس، وإما أن يكونوا من أكفر # الناس، والغالية كفار بإجماع العلماء، وأما الخوارج فلا يكفرهم إلا من ~~يكفر الإمامية، وعلي - رضى الله عنه - لم يكن يكفرهم، ولا أمر بقتل الواحد ~~المقدور عليه منهم، كما أمر بتحريق الغالية، بل لم يقاتلهم حتى قتلوا عبد ~~الله بن خباب وأغاروا على سرح الناس. # فثبت بالإجماع من علي ومن سائر الصحابة والعلماء أن الخوارج خير من ~~الغالية، فإن جاز لشيعته أن تجعل دعوى الغالية الإلهية فيه حجة على فضيلته ~~كان لشيعة عثمان أن يجعلوا دعوى الخوارج لكفره حجة على نقيضه بطريق الأولى، ~~فعلم أن هذه ms131 الحجة إنما يحتج بها جاهل، ثم إنها تعود عليه لا له، ولهذا كان ~~الناس يعلمون أن الرافضة أجهل وأكذب من الناصبة. # وأما قوله: ((وكان ولده سبطا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدا شباب ~~أهل الجنة إمامين بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -)) . # فيقال: الذي ثبت بلا شك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه ~~قال عن الحسن: ((إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من ~~المسلمين)) (1) . وثبت عنه في الصحيح أنه كان يقعده وأسامة بن زيد على فخذه ~~ويقول: ((اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما)) (2) # وهذا يدل على أن ما فعله الحسن من ترك القتال على الإمامة، وقصد الإصلاح ~~بين المسلمين كان محبوبا يحبه الله ورسوله ولم يكن ذلك معصية، بل كان ذلك ~~أحب إلى الله ورسوله من اقتتال المسلمين، ولهذا أحبه وأحب أسامة بن زيد ~~ودعا لهما، فإن كلاهما كان يكره القتال في الفتنة، فأما أسامة فلم يقاتل لا ~~مع علي ولا مع معاوية، والحسن كان دائما PageV01P141 # يشير على علي بترك القتال، وهذا نقيض ما عليه الرافضة من أن ذلك الصلح ~~كان مصيبة وكان ذلا، ولو كان هناك إمام معصوم يجب على كل أحد طاعته، ومن ~~تولى غيره كانت ولايته باطلة لا يجوز أن يجاهد معه ولا يصلى خلفه، لكان ذلك ~~الصلح من أعظم المصائب على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفيه فساد ~~دينها، فأي فضيلة كانت تكون للحسن بذلك حتى يثنى عليه به؟ وإنما غايته أن ~~يعذر لضعفه عن القتال الواجب والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الحسن في ~~الصلح سيدا محمودا، # ولم يجعله عاجزا معذورا، ولم يكن الحسن أعجز عن القتال من الحسين بل كان ~~أقدر على القتال من الحسين، والحسين قاتل حتى قتل، فإن كان ما فعله الحسين ~~هو الأفضل الواجب، كان ما فعله الحسن تركا للواجب أو عجزا عنه، وإن كان ما ~~فعله الحسن هو الأفضل الأصلح، دل على أن ترك القتال هو الأفضل الأصلح، وأن ms132 ~~الذي فعله الحسن أحب إلى الله ورسوله مما فعله غيره، والله يرفع درجات ~~المؤمنين المتقين بعضهم على بعض، وكلهم في الجنة، رضي الله عنهم أجمعين. # ثم إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - جعلهما إمامين لم يكونا قد ~~استفادا الإمامة بنص علي، ولاستفادها الحسين بنص الحسن عليه، ولا ريب أن ~~الحسن والحسين ريحانتا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا. وقد ثبت ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أدخلهما مع أبويهما تحت الكساء، وقال: ((اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) وأنه دعالهما في ~~المباهلة، وفضائلهما كثيرة، وهما من أجلاء سادات المؤمنين. وأما كونهما ~~أزهد الناس وأعلمهم في زمانهم فهذا قول بلا دليل. # وأما قوله: ((وجاهدا في الله حق جهاده حتى قتلا)) . # فهذا كذب عليهما، فإن الحسن تخلى عن الأمر وسلمه إلى معاوية ومعه جيوش ~~العراق، وما كان يختار قتال المسلمين قط، وهذا متواتر من سيرته. # وأما موته، فقد قيل: إنه مات مسموما، وهذه شهادة له وكرامة في حقه، لكن ~~لم يمت مقاتلا. # والحسين - رضي الله عنه - ما خرج يريد القتال، ولكن ظن أن الناس يطيعونه، ~~فلما رأى انصرافهم عنه، طلب الرجوع إلى وطنه أو الذهاب إلى الثغر، أو إتيان ~~يزيد، فلم يمكنه أولئك الظلمة لا من هذا ولا من هذا، وطلبوا أن يأخذوه ~~أسيرا إلى يزيد، # PageV01P142 # فامتنع من ذلك وقاتل حتى قتل مظلوما شهيدا، لم يكن قصده ابتداء أن يقاتل. # وأما قوله عن الحسن: إنه لبس الصوف تحت ثيابه الفاخرة. # فهذا من جنس قوله في علي: إنه كان يصلي ألف ركعة، فإن هذا لا فضيلة فيه، ~~وهو كذب. وذلك أن لبس الصوف تحت ثياب القطن وغيره لو كان فاضلا لكان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - شرعه لأمته، إما بقوله أو بفعله، أو كان يفعله ~~أصحابه على عهده، فلما لم يفعله هو ولا أحد من أصحابه على عهده، ولا # رغب فيه، دل على أنه لا فضيلة فيه، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لبس في السفر جبة صوف فوق ms133 ثيابه. # وأما الحديث الذي رواه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوما الحسين ~~على فخذه الأيمن وولده إبراهيم على فخذه الأيسر، فنزل جبريل وقال: إن الله ~~تعالى لم يكن ليجمع لك بينهما فاختر من شئت منهما. فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: ((إذا مات الحسن بكيت أنا وعلي وفاطمة، وإذا مات إبراهيم بكيت ~~أنا عليه)) فاختار موت إبراهيم، فمات بعد ثلاثة أيام. وكان إذا جاء الحسين ~~بعد ذلك يقبله ويقول: أهلا ومرحبا بمن فديته بابني إبراهيم)) . # فيقال: هذا الحديث لم يروه أحد من أهل العلم، ولا يعرف له إسنادا ولا ~~يعرف في شيء من كتب الحديث. وهذا الناقل لم يذكر له إسنادا، ولا عزاه إلى ~~كتاب حديث، ولكن ذكره على عادته في روايته أحاديث مسيبة بلا زمام ولا خطام. # ومن المعلوم أن المنقولات لا يميز بين صدقها وكذبها إلا بالطرق الدالة ~~على ذلك، وإلا فدعوى النقل المجرد بمنزلة سائر الدعاوى. # ثم يقال: هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وهو من ~~أحاديث الجهال، فإن الله تعالى ليس في جمعه بين إبراهيم والحسين أعظم مما ~~في جمعه بين الحسن والحسين على مقتضى الحديث، فإن موت الحسن أو الحسين إذا ~~كان أعظم من موت إبراهيم، فبقاء الحسن أعظم من بقاء إبراهيم، وقد بقي الحسن ~~مع الحسين. ### | ### | (فصل) # # أما علي بن الحسين فمن كبار التابعين وساداتهم علما ودينا. # PageV01P143 # قال يحيى بن سعيد: ((هو أفضل هاشمي رأيته في المدينة)) . وقال محمد بن ~~سعد في ((الطبقات)) ((كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا)) . وروى عن ~~حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ((سمعت علي بن الحسين، وكان ~~أفضل هاشمي أدركته، يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا ~~حبكم حتى صار عارا علينا)) . # وأما ما ذكره من قيام ألف ركعة، فقد تقدم أن هذا لا يمكن إلا على وجه ~~يكره في الشريعة، أو لا يمكن بحال، فلا يصلح ذكر مثل هذا في # المناقب. وكذلك ما ذكره من تسمية ms134 رسول الله صلى لله عليه وسلم له سيد ~~العابدين هو شيء لا أصل له، ولم يروه أحد من أهل العلم والدين. # وكذلك أبو جعفر محمد بن علي من خيار أهل العلم والدين. وقيل إنما سمي ~~الباقر لأنه بقر العلم، لا لأجل بقر السجود جبهته. وأما كونه أعلم أهل ~~زمانه فهذا يحتاج إلى دليل، والزهري من أقرانه، وهو عند الناس أعلم منه، ~~ونقل تسميته بالباقر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أصل له عند أهل ~~العلم، بل هو من الأحاديث الموضوعة. وكذلك حديث تبليغ جابر له السلام هو من ~~الموضوعات عند أهل العلم بالحديث. # وجعفر الصادق - رضي الله عنه - من خيار أهل العلم والدين. وقال عمرو بن ~~أبي المقدام: ((كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمد علمت أنه من سلالة النبيين)) ~~. # وأما قوله ((اشتغل بالعبادة عن الرياسة)) . # وهذا تناقض من الإمامية، لأن الإمامة عندهم واجب عليه أن يقوم بها ~~وبأعبائها، فإنه لا إمام في وقته إلا هو، فالقيام بهذا الأمر العظيم لو كان ~~واجبا لكان أولى من الاشتغال بنوافل العبادات. # وأما قوله: إنه: ((هو الذي نشر فقه الإمامية، والمعارف الحقيقية، ~~والعقائد اليقينية)) . # فهذا الكلام يستلزم أحد أمرين: إما أنه ابتدع في العلم ما لم يكن يعلمه ~~من قبله. وإما أن يكون الذين قبله قصروا فيما يجب عليهم من نشر العلم. وهل ~~يشك عاقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لأمته المعارف الحقيقية ~~والعقائد اليقينية أكمل بيان؟ وأن أصحابه تلقوا ذلك عنه وبلغوه إلى ~~المسلمين؟ # PageV01P144 # وهذا يقتضي القدح: إما فيه، وإما فيهم. بل كذب على جعفر الصادق أكثر مما ~~كذب على من قبله، فالآفة وقعت من الكذابين عليه لا منه. ولهذا نسب إليه ~~أنواع من الأكاذيب، مثل كتاب ((البطاقة)) و ((الجفر)) و ((الهفت)) والكلام ~~في النجوم. ### | (فصل) # وأما من بعد جعفر فموسى بن جعفر، قال فيه أبو حاتم الرازي: # ((ثقة صدوق إمام من أئمة المسلمين)) . قلت: موسى ولد بالمدينة سنة بضع ~~وعشرين ومائة، وأقدمه المهدي إلى بغداد ثم رده إلى ms135 المدينة، وأقام بها # إلى أيام الرشيد، فقدم هارون منصرفا من عمرة، فحمل موسى معه إلى بغداد، ~~وحبسه بها إلى أن توفي في محبسه. # وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم من العلم ما يذكر به أخبارهم في كتب ~~المشهورين بالعلم وتواريخهم، ولا هم في التفسير وغيره أقوال معروفة، ولكن ~~لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل، - رضي الله عنه - م أجمعين، وموسى ~~بن جعفر مشهور بالعبادة والنسك. # وأما الحكاية المذكورة عن شقسق البلخي فكذب، فإن هذه الحكاية تخالف ~~المعروف من حال موسى بن جعفر. # أما قوله: ((تاب على يديه بشر الحافي)) فمن أكاذيب من لا يعرف حاله ولا ~~حال بشر، فإن موسى بن جعفر لما قدم به الرشيد إلى العراق حبسه، فلم يكن ممن ~~يجتاز على دار بشر وأمثاله من العامة. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وكان ولده علي الرضا أزهد أهل زمانه وكان أعلمهم وأخذ عنه ~~فقهاء الجمهور كثيرا، وولاه المأمون لعلمه بما هو عليه من الكمال والفضل. ~~ووعظ يوما أخاه زيدا، فقال: يا زيد ما أنت قائل لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا سفكت الدماء، وأخذت الأموال من غير حلها وأخفت السبل، وغرك حمقى ~~أهل الكوفة؟ وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن فاطمة أحصنت ~~فرجها، فحرم الله ذريتها على النار وفي رواية: إن عليا قال: يا رسول الله ~~لم سميت فاطمة؟ قال: لأن الله فطمها وذريتها من النار، فلا يكون الإحصان ~~سببا لتحريم # PageV01P145 # ذريتها على النار وأنت تظلم. والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة لله، فإن أردت ~~أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته، إنك إذا لأكرم على الله منهم. # وضرب المأمون اسمه على الدراهم والدنانير، وكتب إلى أهل الآفاق ببيعته، ~~وطرح السواد ولبس الخضرة)) . # فيقال: من المصائب التي ابتلي بها ولد الحسين انتساب الرافضة إليهم ~~وتعظيمهم ومدحهم لهم، فإنهم يمدحون بما ليس بمدح، ويدعون لهم دعاوى لا حجة ~~لها، ويذكرون من الكلام ما لو لم يعرف فضلهم من غير كلام الرافضة، لكان ما ~~تذكره ms136 الرافضة بالقدح أشبه منه في المدح، فإن علي بن موسى له من المحاسن ~~والمكارم المعروفة، والممادح المناسبة لحاله اللائقة # به، ما يعرفه بها أهل المعرفة. وأما هذا الرافضي فلم يذكر له فضيلة واحدة ~~بحجة. # وأما قوله: ((إن كان أزهد الناس وأعلمهم)) فدعوى مجردة بلا دليل، فكل من ~~غلا في شخص أمكنه أن يدعي له هذه الدعوى. كيف والناس يعلمون أنه كان في ~~زمانه من هو أعلم منه، ومن هو أزهد منه، كالشافعي وإسحاق بن راهويه وأحمد ~~بن حنبل وأشهب بن عبد العزيز، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وأمثال ~~هؤلاء. # وأما قوله: ((إنه أخذ عن فقهاء الجمهور كثيرا)) فهذا من أظهر الكذب. ~~هؤلاء فقهاء الجمهور المشهورين لم يأخذوا عنه ما هو معروف، وإن أخذ عنه بعض ~~من لا يعرف من فقهاء الجمهور فهذا لا ينكر، فإن طلبة الفقهاء قد يأخذون من ~~المتوسطين في العلم، ومن هم دون المتوسطين. # وما ذكره بعض الناس من أن معروفا الكرخي كان خادماله، وأنه أسلم على ~~يديه، أو # PageV01P146 # أن الخرقة متصلة منه إليه، فكله كذب باتفاق من يعرف هذا الشأن. # والحديث الذي ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فاطمة هو كذب ~~باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ويظهر كذبه لغير أهل الحديث أيضا؛ فإن قوله: ~~((إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار)) يقتضي أن إحصان فرجها ~~هو السبب لتحريم ذريتها على النار وهذا باطل قطعا، فإن سارة أحصنت فرجها، ~~ولم يحرم الله جميع ذريتها على النار. # وأيضا فتسمية جبريل رسول الله إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - خادما له ~~عبارة من لا يعرف قدر الملائكة، وقدر إرسال الله لهم إلى الأنبياء. ولكن ~~الرافضة غالب حججهم أشعار تليق بجهلهم وظلمهم، وحكايات مكذوبة تليق بجهلهم ~~وكذبهم، وما يثبت أصول الدين بمثل هذه الأشعار، إلا ليس معدودا من أولي ~~الأبصار. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وكان ولده محمد بن علي الجواد على منهاج أبيه في العلم ~~والتقى والجود، ولما مات أبوه الرضا شغف بحبه المأمون لكثرة # علمه ودينه ms137 ووفور عقله مع صغر سنه، وأراد أن يزوجه ابنته أم الفضل، وكان ~~قد زوج أباه الرضا عليه السلام بابنته أم حبيب، فغلظ ذلك على العباسيين ~~واستنكروه وخافوا أن يخرج الأمر منهم، وأن يبايعه كما بايع أباه، فاجتمع ~~الأدنون منهم وسألوه ترك ذلك، وقالوا: إنه صغير السن لا علم عنده، فقال: ~~أنا أعرف منكم به، فإن شئتم فامتحنوه، فرضوا بذلك، وجعلوا للقاضي يحيى بن ~~أكثم مالا كثيرا على امتحانه في مسألة يعجزه فيها، فتواعدوا إلى يوم، ~~وأحضره المأمون وحضر القاضي وجماعة العباسيين، فقال القاضي: أسألك عن شيء؟ ~~فقال عليه السلام سل فقال: ما تقول في محرم قتل صيدا؟ فقال له عليه السلام ~~قتله في حل أو حرم، عالما كان أو جاهلا، مبتدئا بقتله أو عائذا، من صغار ~~الصيد كان أم من كبارها، عبدا كان المحرم أو حرا، صغيرا كان أو كبيرا، من ~~ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ فتحير يحيى بن أكثم، وبان العجز في ~~وجهه، حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون لأهل بيته: عرفتم الآن ~~ما كنتم تنكرونه، ثم أقبل الإمام فقال: أتخطب؟ قال: نعم فقال: اخطب لنفسك ~~خطبة النكاح، # PageV01P147 # فخطب وعقد على خمسمائة درهم جيادا كمهر جدته فاطمة عليها السلام، ثم تزوج ~~بها. # والجواب أن يقال: إن محمد بن علي الجواد كان من أعيان بني هاشم، وهو ~~معروف بالسخاء والسؤدد. ولهذا سمي الجواد، ومات وهو شاب ابن خمس وعشرين ~~سنة، ولد سنة خمس وتسعين ومات سنة عشرين أو سنة تسع عشرة، وكان المأمون ~~زوجه بابنته، وكان يرسل إليه في السنة ألف ألف درهم، واستقدمه المعتصم إلى ~~بغداد، ومات بها. # وأما ما ذكره فإنه من نمط ما قبله، فإن الرافضة ليس لهم عقل صريح ولا نقل ~~صحيح، ولا يقيمون حقا، ولا يهدمون باطلا، لا بحجة وبيان، ولا بيد وسنان، ~~فإنه ليس فيما ذكره ما يثبت فضيلة محمد بن علي، فضلا عن ثبوت إمامته، فإن ~~هذه الحكاية التي حكاها عن يحيى بن أكثم من الأكاذيب التي لا يفرح ms138 بها إلا ~~الجهال، ويحيى بن أكثم كان أفقه وأعلم وأفضل من أن يطلب تعجيز شخص بأن ~~يسأله عن محرم قتل صيدا، فإن صغار الفقهاء يعلمون حكم هذه المسألة، فليست ~~من دقائق العلم ولا غرائبه، ولا مما يختص به المبرزون في العلم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وكان ولده علي الهادي، ويقال له: العسكري، لأن المتوكل ~~أشخصه من المدينة إلى بغداد، ثم منها إلى سر من رأى، فأقام بموضع عندها ~~يقال له العسكر، ثم انتقل إلى سر من رأى فأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر، ~~وإنما أشخصه المتوكل لأنه كان يبغض عليا - رضي الله عنه -، فبلغه مقام علي ~~بالمدينة، وميل الناس إليه، فخاف منه، فدعا يحيى بن هبيرة وأمره بإحضاره، ~~فضج أهل المدينة لذلك خوفا عليه، لأنه كان محسنا إليهم، ملازما للعبادة في ~~المسجد، فحلف يحيى أنه لا مكروه عليه، ثم فتش منزله فلم يجد فيه سوى مصاحف ~~وأدعية وكتب العلم، فعظم في عينه، وتولى خدمته بنفسه، فلما قدم بغداد بدأ ~~بإسحاق بن إبراهيم الطائي والي بغداد. فقال له: يا يحيى هذا الرجل قد ولده ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمتوكل من تعلم، فإن حرضته عليه قتله، ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصمك يوم القيامة، فقال له يحيى: ~~والله ما وقعت منه إلا على خير. قال: فلما دخلت على المتوكل أخبرته بحسن ~~سيرته وورعه # PageV01P148 # وزهده فأكرمه المتوكل، ثم مرض المتوكل فنذر إن عوفي تصدق بدراهم كثيرة، ~~فسأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا فبعث إلى علي الهادي، فسأله فقال: ~~تصدق بثلاثة وثمانين درهما، فسأله # المتوكل عن السبب، فقال: لقوله تعالى: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} ~~(1) وكانت لمواطن هذه الجملة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - غزا سبعا ~~وعشرين غزاة، وبعث ستا وخمسين سرية. قال المسعودي: نمى إلى المتوكل بعلي بن ~~محمد أن في منزله سلاحا من شيعته من أهل قم وأنه عازم على الملك، فبعث إليه ~~جماعة من الأتراك، فهجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا، ووجدوه ms139 في بيت ~~مغلق عليه وهو يقرأ وعليه مدرعة من صوف، وهو جالس على الرمل والحصى متوجها ~~إلى الله تعالى يتلو القرآن، فحمل على حالته تلك إلى المتوكل، وأدخل عليه ~~وهو في مجلس الشراب، والكأس في يد المتوكل، فعظمه وأجلسه إلى جانبه، وناوله ~~الكأس، فقال: والله ما خامر لحمي ودمي قط فأعفني، فأعفاه وقال له: أسمعني ~~صوتا، فقال: {كم تركوا من جنات وعيون} . # الآيات (2) فقال: أنشدني شعرا، فقال: إني قليل الرواية للشعر، فقال لا بد ~~من ذلك، فأنشده: # باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فما أغنتهم القلل # واستنزلوا بعد عزمن معاقلهم ... وأسكنوا حفرا يا بئس ما نزلوا # ناداهم صارخ من بعد دفنهم ... أين الأسرة والتيجان والحلل # أين الوجوه التي كانت منعمة ... من دونها تضرب الأستار والكلل # فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل # قد طال ما أكلوا دهرا وما شربوا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا # فبكى المتوكل حتى بلت دموعه لحيته)) . # فيقال: هذا الكلام من جنس ما قبله، لم يذكر منقبة بحجة صحيحة، بل ذكر ما ~~يعلم العلماء أنه من الباطل، فإنه ذكر في الحكاية أن والي بغداد كان إسحاق ~~بن إبراهيم الطائي، وهذا من جهله، فإن إسحاق بن إبراهيم هذا خزاعي معروف هو ~~وأهل بيته، كانوا من خزاعة، فإنه إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب،، ~~وابن عمه عبد الله بن طاهر بن PageV01P149 # الحسين بن مصعب أمير خراسان المشهورالمعلومة سيرته، وابن هذا محمد بن عبد ~~الله بن طاهر كان نائبا على بغداد في خلافة المتوكل وغيره، وهو الذي صلى ~~على أحمد بن حنبل لما مات، وإسحاق بن إبراهيم هذا كان نائبا لهم في إمارة ~~المعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل، وهؤلاء كلهم من خزاعة ليسوا من طيئ وهم ~~أهل بيت مشهورون. # وأما الفتيا التي ذكرها من أن المتوكل نذر إن عوفي يتصدق بدراهم كثيرة، ~~وأنه سأل الفقهاء عن ذلك فلم يجد عندهم جوابا، وأن علي بن محمد أمره أن ~~يتصدق بثلاثة وثمانين درهما، لقوله تعالى: {لقد ms140 نصركم الله في مواطن كثيرة} ~~(1) ، وأن المواطن كانت هذه الجملة، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~غزا سبعا وعشرين غزاة، وبعث ستا وخمسين سرية، # فهذه الحكاية أيضا تحكى عن علي بن موسى مع المأمون، وهي دائرة بين أمرين: ~~إما أن تكون كذبا، وإما أن تكون جهلا ممن أفتى بذلك. # فإن قول القائل: له علي دراهم كثيرة، أو والله لأعطين فلانا دراهم كثيرة، ~~أو لأتصدقن بدراهم كثيرة، لا يحمل على ثلاث وثمانين عند أحد من علماء ~~المسلمين. # والحجة المذكورة باطلة لوجوه: # أحدها: أن قول القائل: إن المواطن كانت سبعا وعشرين غزاة وستا وخمسين ~~سرية، ليس بصحيح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يغز سبعا وعشرين ~~غزاة باتفاق أهل العلم بالسير، بل أقل من ذلك. # الثاني: أن هذه الآية نزلت يوم حنين، والله قد أخبر بما كان قبل ذلك، ~~فيجب أن يكون ما تقدم قبل ذلك مواطن كثيرة، وكان بعد يوم حنين غزوة الطائف ~~وغزوة تبوك، وكثير من السرايا كانت بعد يوم حنين كالسرايا التي كانت بعد ~~فتح مكة مثل إرسال جرير بن عبد الله إلى ذي الخلصة وأمثال ذلك. # وجرير إنما أسلم قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو سنة، وإذا ~~كان كثير من الغزوات والسرايا كانت بعد نزول هذه الآية، امتنع أن تكون هذه ~~الآية المخبرة عن الماضي إخبارا بجميع المغازي والسرايا. # الثالث: أن الله لم ينصرهم في جميع المغازي، بل يوم أحد تولوا، وكان يوم ~~بلاء PageV01P150 # وتمحيص. وكذلك يوم مؤتة وغيرها من السرايا لم يكونوا منصورين فيها، فلو ~~كان مجموع المغازي والسرايا ثلاثا وثمانين فإنهم لم ينصروا فيها كلها، حتى ~~يكون مجموع ما نصروا فيه ثلاثا وثمانين. # الرابع: أنه بتقدير أن يكون المراد بالكثير في الآية ثلاثا وثمانين، فهذا ~~لا يقتضي اختصاص هذا القدر بذلك؛ فإن لفظ ((الكثير)) لفظ عام يتناول الألف ~~والألفين والآلاف، وإذا عم أنواعا من المقادير، فتخصيص بعض المقادير دون ~~بعض تحكم. # الخامس: أن الله تعالى قال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا ms141 حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة} (1) ، والله يضاعف الحسنة إلى سبعمائة ضعف # بنص القرآن، وقد ورد أنه يضاعفها ألفي ألف حسنة، فقد سمى هذه الأضعاف ~~كثيرة، وهذه المواطن كثيرة. # وقد قال تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع ~~الصابرين} (2) والكثرة ههنا تتناول أنواعا من المقادير، لأن الفئات ~~المعلومة مع الكثرة لا تحصر في عدد معين، وقد تكون الفئة القليلة ألفا ~~والفئة الكثيرة ثلاثة آلاف، فهي قليلة بالنسبة إلى كثرة عدد الأخرى. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وولده مولانا المهدي محمد عليه السلام. روى ابن الجوزي ~~بإسناده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ((يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض ~~عدلا، كما ملئت جورا، فذلك هو المهدي)) . # فيقال: قد ذكر محمد بن جرير الطبري وعبد الباقي بن قانع وغيرهما من أهل ~~العلم بالأنساب والتواريخ: أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب. ~~والإمامية الذين يزعمون أنه كان له ولد يدعون أنه دخل السرداب بسامرا وهو ~~صغير، منهم من قال: عمره سنتان، ومنهم من قال: عمره ثلاث، ومنهم من قال: ~~خمس سنين وهذا لو كان موجودا معلوما، لكن الواجب في حكم الله الثابت بنص ~~القرآن والسنة والإجماع أن يكون محضونا PageV01P151 # عند من يحضنه في بدنه، كأمه، وأم أمه، ونحوهما من أهل الحضانة، وأن يكون ~~ماله عند من يحفظه: إما وصي أبيه إن كان له وصي، وإما غير الوصي: إما قريب، ~~وإما نائب لدى السلطان، فإنه يتيم لموت أبيه. # والله تعالى يقول: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} (1) . ~~فهذا لا يجوز تسليم ماله إليه حتى يبلغ النكاح ويؤنس منه الرشد، كما ذكر ~~الله # تعالى ذلك في كتابه، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إماما ~~لجميع المسلمين معصوما، لا يكون أحدا مؤمنا إلا بالإيمان به؟! # ثم إن هذا باتفاق منهم: سواء ms142 قدر وجوده أو عدمه، لا ينتفعون به لا في دين ~~ولا في دنيا، ولا علم أحدا شيئا، ولا يعرف له صفة من صفات الخير ولا الشر، ~~فلم يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ولا مصالحها، لا الخاصة ولا العامة، بل ~~إن قدر وجوده فهو ضرر على أهل الأرض بلا نفع أصلا، فإن المؤمنين به لم ~~ينتفعوا به، ولا حصل لهم به لطف ولا مصلحة، والمكذبون به يعذبون عندهم على ~~تكذيبهم به، فهو شر محض لا خير فيه، وخلق مثل هذا ليس من فعل الحكيم ~~العادل. # وإذا قالوا: إن الناس بسبب ظلمهم احتجب عنهم. # قيل: أولا: كان الظلم موجودا في زمن آبائه ولم يحتجبوا. # وقيل: ثانيا: فالمؤمنون به طبقوا الأرض فهلا اجتمع بهم في بعض الأوقات أو ~~أرسل إليهم رسولا يعلمهم شيئا من العلم والدين؟! # وقيل: ثالثا: قد كان يمكنه أن يأوي إلى كثير من المواضع التي فيها شيعته، ~~كجبال الشام التي كان فيها الرافضة عاصية، وغير ذلك من المواضع العاصية. # وقيل: رابعا: فإذا كان هو لا يمكنه أن يذكر شيئا من العلم والدين لأحد، ~~لأجل هذا الخوف، لم يكن في وجوده لطف ولا مصلحة، فكان هذا مناقضا لما ~~أثبتوه. بخلاف من أرسل من الأنبياء وكذب، فإنه بلغ الرسالة، وحصل لمن آمن ~~به من اللطف والمصلحة ما هو من نعم الله عليه. وهذا المنتظر لم يحصل به ~~لطائفته إلا الانتظار لمن لا يأتي، ودوام الحسرة PageV01P152 # والألم، ومعاداة العالم، والدعاء الذي لا يستجيبه الله، لأنهم يدعون له ~~بالخروج والظهور من مدة أكثر من أربعمائة وخمسين سنة لم يحصل شيء من هذا. ~~ثم إن عمر واحد من المسلمين هذه المدة أمر يعرف كذبه بالعادة المطردة في ~~أمة محمد، فلا يعرف أحد ولد في دين الإسلام وعاش مائة وعشرين سنة، فضلا عن ~~هذا العمر. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في ~~آخر # عمره: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه ~~الأرض ممن ms143 هو اليوم عليها أحد)) (1) . # فمن كان في ذلك الوقت له سنة ونحوها لم يعش؟ أكثر من مائة سنة قطعا. وإذا ~~كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحد، فما بعده من الأعصار أولى ~~بذلك في العادة الغالبة العامة، فإن أعمار بني آدم في الغالب كلما تأخر ~~الزمان قصرت ولم تطل، فإن نوحا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، وآدم عليه السلام عاش ألف سنة، كما ثبت ذلك في حديث صحيح رواه ~~الترمذي وصححه (2) ، فكان العمر في ذلك الزمان طويلا، ثم أعمار هذه الأمة ~~ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، كما ثبت ذلك في الحديث ~~الصحيح (3) . # واحتجاجهم بحياة الخضر احتجاج باطل، فمن الذي يسلم لهم بقاء الخضر. والذي ~~عليه سائر العلماء المحققون أنه مات، وبتقدير بقائه فليس هو من هذه الأمة. # ولهذا يوجد كثير من الكذابين من الجن والإنس ممن يدعي أنه الخضر ويظن من ~~رآه أنه الخضر، وفي ذلك من الحكايات الصحيحة التي نعرفها ما يطول وصفها ~~هنا. # وكذلك المنتظر محمد بن الحسن، فإن عددا كثيرا من الناس يدعي كل واحد منهم ~~أنه محمد بن الحسن، منهم من يظهر ذلك لطائفة من الناس، ومنهم من يكتم ذلك ~~ولا يظهره إلا للواحد أو الاثنين، وما من هؤلاء إلا من يظهر كذبه كما يظهر ~~كذب من يدعي أنه الخضر. PageV01P153 ### | ### | (فصل) # # وقوله: روى ابن الجوزي بإسناده إلى ابن عمر: قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ((يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته ~~كنيتي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، فذلك هو المهدي)) # فيقال: الجواب من وجوه: # أحدها: أنكم لا تحتجون بأحاديث أهل السنة، فمثل هذا الحديث لا يفيدكم ~~فائدة. وإن قلتم: هو حجة على أهل السنة، فنذكر كلامهم فيه. # الثاني: إن هذا من أخبار الآحاد، فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح ~~الإيمان إلا به؟ # الثالث: أن لفظ الحديث حجة عليكم لا لكم، فإن لفظه: ((يواطئ اسمه اسمي ms144 ~~واسم أبيه اسم أبي)) فالمهدي الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اسمه محمد بن عبد الله لا محمد بن الحسن. وقد روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه قال: هو من ولد الحسن بن علي، لا من ولد الحسين بن علي. # وأحاديث المهدي معروفة، رواها الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم، ~~كحديث عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لو لم ~~يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي ~~يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما ~~وجورا)) (1) . # الرابع: أن الحديث الذي ذكره، وقوله: ((اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي)) ولم ~~يقل: ((يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي)) فلم يروه أحد من أهل العلم ~~بالحديث في كتب الحديث المعروفة، بهذا اللفظ. فهذا الرافضي لم يذكر الحديث ~~بلفظه المعروف في كتب الحديث، مثل مسند أحمد، وسنن أبي داود والترمذي، وغير ~~ذلك من الكتب. وإنما ذكره بلفظ مكذوب لم يروه أحد منهم. # وقوله: إن ابن الجوزي رواه بإسناده: إن أراد العالم المشهور صاحب ~~المصنفات الكثيرة PageV01P154 # أبا الفرج، فهو كذب عليه. وإن أراد سبطه يوسف بن قز أوغلى صاحب التاريخ ~~المسمى ((بمرآة الزمان)) وصاحب الكتاب المصنف في ((الاثنى عشر)) الذي سماه ~~((إعلام الخواص)) فهذا الرجل يذكر في مصنفاته أنواعا من الغث والسمين، ~~ويحتج في أغراضه بأحاديث كثيرة ضعيفة وموضوعة، وكان يصنف بحسب مقاصد الناس: ~~يصنف للشيعة ما يناسبهم ليعوضوه بذلك، ويصنف على مذهب أبي حنيفة لبعض # الملوك لينال بذلك أغراضه، فكانت طريقته طريقة الواعظ الذي قيل له: ما ~~مذهبك؟ قال: في أي مدينة؟ # ولهذا يوجد في بعض كتبه ثلب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة رضوان ~~الله عليهم لأجل مداهنة من قصد بذلك من الشيعة، ويوجد في بعضها تعظيم ~~الخلفاء الراشدين وغيرهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((فهؤلاء الأئمة الفضلاء المعصومون، الذين بلغوا الغاية في ~~الكمال، ولم يتخذوا ما اتخذ غيرهم من الأئمة المشتغلين بالملك ms145 وأنواع ~~المعاصي والملاهي، وشرب الخمور والفجور، حتى فعلوا بأقاربهم على ما هو ~~المتواتر بين الناس. قالت الإمامية: فالله يحكم بيننا وبين هؤلاء، وهو خير ~~الحاكمين)) . # قال: ((وما أحسن قول الشاعر: # إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا ... وتعلم أن الناس في نقل أخبار # فدع عنك قول الشافعي ومالك ... وأحمد والمروي عن كعب أحبار # ووال أناسا قولهم وحديثهم ... روى جدنا عن جبرئيل عن الباري)) # والجواب من وجوه: # أحدها: أن يقال: أما دعوى العصمة في هؤلاء فلم تذكر عليها حجة إلا ما ~~ادعيته من أنه يجب على الله أن يجعل للناس إماما معصوما، ليكون لطفا ومصلحة ~~في التكليف، وقد تبين فساد هذه الحجة من وجوه: أدناها أن هذا مفقود لا ~~موجود، فإنه لم يوجد إمام معصوم حصل به لطف ولا مصلحة، ولو لم يكن في ~~الدليل على انتفاء ذلك إلا المنتظر الذي قد علم # PageV01P155 # بصريح العقل أنه لم ينتفع به أحد، لا في دين ولا في دنيا، ولا حصل لأحد ~~من المكلفين به مصلحة ولا لطف، لكان هذا دليلا على بطلان قولهم، فكيف مع ~~كثرة الدلائل على ذلك؟ # الوجه الثاني: أن قوله: ((كل واحد من هؤلاء قد بلغ الغاية في الكمال)) هو ~~قول مجرد عن الدليل، والقول بلا علم يمكن كل أحد أن يقابله بمثله. وإذا ~~ادعى المدعي هذا الكمال فيمن هو أشهر في العلم والدين من # العسكريين وأمثالهما من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة المسلمين، لكان ~~ذلك أولى بالقبول. ومن طالع أخبار الناس علم أن الفضائل العلمية والدينية ~~المتواترة عن غير واحد من الأئمة أكثر مما ينقل عن العسكريين وأمثالهما من ~~الكذب، دع الصدق. # الثالث: أن قوله: ((هؤلاء الأئمة)) إن أراد بذلك أنهم كانوا ذوي سلطان ~~وقدرة معهم السيف، فهذا كذب ظاهر، وهم لا يدعون ذلك، بل يقولون: إنهم ~~عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين، لم يتمكن أحد منهم من الإمامة، إلا ~~علي بن أبي طالب، مع أن الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة - أو أقل أو أكثر ~~- لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم، ms146 وكثير منهم لم يقاتلوه ولم ~~يقاتلوا معه، وفي هؤلاء من هو أفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه، وكان فيهم ~~من فضلاء المسلمين من لم يكن مع علي مثلهم، بل الذين تخلفوا عن القتال معه ~~وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه. # وإن أراد أنه كان لهم علم ودين يستحقون به أو كانوا أئمة، فهذه الدعوى ~~إذا صحت لا توجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم، كما أن استحقاق الرجل أن ~~يكون إمام مسجد لا يجعله إماما، واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيره قاضيا، ~~واستحقاقه أن يكون أمير الحرب لا يجعله أمير الحرب. والصلاة لا تصح إلا خلف ~~من يكون إماما. وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذو سلطان وقدرة لا من ~~يستحق أن يولى القضاء، وكذلك الجند إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم ~~يؤمر وإن كان يستحق أن يؤمر. # الوجه الرابع: أن يقال ما تعنون بالاستحقاق؟ أتعنون أن الواحد من هؤلاء ~~كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش؟ أم تريدون أن الواحد منهم من جملة ~~من يصلح # PageV01P156 # للخلافة؟ فإن أردتم الأول فهو ممنوع مردود، وإن أردتم الثاني فذلك قدر ~~مشترك بينهم وبين خلق كثير من قريش. # الوجه الخامس: أن يقال الإمام هو الذي يؤتم به وذلك على وجهين: أحدها: أن ~~يرجع إليه في العلم والدين بحيث يطاع باختيار المطيع، لكونه عالما بأمر ~~الله عزوجل آمرا به، فيطيعه المطيع لذلك، وإن كان عاجزا عن إلزامه الطاعة. # والثاني: أن يكون صاحب يد وسيف، بحيث يطاع طوعا وكرها لكونه قادرا على ~~إلزام المطيع بالطاعة. # الوجه السادس: أن يقال: قوله: ((لم يتخذوا ما اتخذه غيرهم من الأئمة ~~المشتغلين بالملك والمعاصي)) كلام باطل. وذلك أنه إن أراد أهل السنة ~~يقولون: إنه يؤتم بهؤلاء الملوك فيما يفعلونه من معصية الله، فهذا كذب ~~عليهم. فإن علماء أهل السنة المعروفين بالعلم عند أهل السنة متفقون على أنه ~~لا يقتدى بأحد في معصية الله، ولا يتخذ إماما في ذلك. # وإن أراد أن أهل السنة يستعينون ms147 بهؤلاء الملوك فيما يحتاج إليهم فيه من ~~طاعة الله، ويعاونونهم على ما يفعلونه من طاعة الله، فيقال لهم: إن كان ~~اتخاذهم أئمة بهذا الاعتبار محذورا، فالرافضة أدخل منهم في ذلك، فإنهم ~~دائما يستعينون بالكفار والفجار على مطالبهم، ويعاونون الكفار والفجار على ~~كثير من مآربهم، وهذا أمر مشهود في كل زمان ومكان، ولو لم يكن إلا صاحب هذا ~~الكتاب ((منهاج الندامة)) وإخوانه، فإنهم يتخذون المغل والكفار أو الفساق ~~أو الجهال أئمة بهذا الاعتبار. # الوجه السابع: أن يقال الأئمة الذين هم مثل هؤلاء الذين ذكرهم في كتابه ~~وادعى عصمتهم، ليس لهم سلطان تحصل به مقاصد الإمامة، ولا يكفي الائتمام بهم ~~في طاعة الله، ولا في تحصيل ما لا بد منه مما يعين على طاعة الله، فإن لم ~~يكن لهم ملك ولا سلطان لم يمكن أن تصلى خلفهم جمعة ولا جماعة، ولا يكونون ~~أئمة في الجهاد ولا في الحج، ولا تقام بهم الحدود، ولا تفصل بهم الخصومات، ~~ولا يستوفي الرجل بهم حقوقه التي عند الناس والتي في بيت المال، ولا يؤمن ~~بهم السبل، فإن هذه الأمور كلها تحتاج إلى قادر يقوم بها، ولا يكون قادرا ~~إلا من له أعوان على ذلك، بل القادر على ذلك كان غيرهم، فمن طلب هذه الأمور # PageV01P157 # من إمام عاجز عنها كان جاهلا ظالما، ومن استعان عليها بمن هو قادر عليها ~~كان عالما مهتديا مسددا، فهذا يحصل مصلحة دينه ودنياه، والأول تفوته مصلحة ~~دينه ودنياه. # الوجه الثامن: أن يقال: دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من ~~الخمور والفجور كذب عليهم، والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هو كذب، وقد ~~علم أن فيهم العدل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدي بالله، وأكثرهم لم ~~يكن مظهرا لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس، وإن كان أحدهم قد ~~يبتلى ببعض الذنوب، وقد يكون تاب منها، وقد يكون له حسنات كثيرة تمحو تلك ~~السيئات، وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه خطاياه. ففي # الجملة الملوك حسناتهم كبار وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء ms148 وإن كان له ~~ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد ~~المسلمين: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد ~~العدو، وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها، ومنع كثير من الظلم، وإقامة ~~كثير من العدل. # ونحن لا نقول: إنهم كانوا سالمين من المظالم والذنوب، كما لا نقول: إن ~~أكثر المسلمين كانوا سالمين من ذلك، لكن نقول: وجود الظلم والمعاصي من بعض ~~المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله. # وإن قال: مرادي بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر. قيل له: ما رواه علي بن الحسين ~~وأبو جعفر وأمثالهما من حديث جدهم، فمقبول منهم كما يرويه أمثاله. ولولا أن ~~الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، ~~وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء. وإلا فأي غرض ~~لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس، وكلاهما من ~~بلد واحد، في عصر واحد؟ # فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا ~~يكتمونه، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه؟ فعلم لا يقال به ككنز لا ينفق ~~منه، وكيف يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم، كالإمام المعدوم، ~~وكلاهما لا ينتفع به، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة. وإن قالوا: بل كانوا ~~يبينون ذلك لخواصهم دون هؤلاء الأئمة. قيل: أولا: هذا كذب عليهم، فإن جعفر ~~بن محمد لم يجيء بعده مثله. وقد أخذ العلم عنه هؤلاء الأئمة، كمالك، وابن ~~عيينة، والثوري، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وأمثالهم من العلماء المشاهير ~~الأعيان. # ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم ويخصون به قوما مجهولين ليس ~~لهم في الأمة لسان صدق، فقد أساء الظن بهم؛ فإن في هؤلاء من المحبة لله # PageV01P158 # ولرسوله، والطاعة له، والرغبة في حفظ دينه وتبليغه، وموالاة من والاه، ~~ومعاداة من عاداه، وصيانته عن الزيادة والنقصان، ما لا يوجد قريب منه لأحد ms149 ~~من شيوخ الشيعة. وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء. واعتبر هذا ~~مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة # وشيوخ الرافضة، كمصنف هذا الكتاب، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل ~~يقول بعض الناس: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا. ومع هذا ~~فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأقواله وأعماله، فيروي الكذب الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة، فإن كان ~~عالما بأنه كذب، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من حدث عني ~~بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) وإن كان جاهلا بذلك دل على أنه ~~من أجهل الناس بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قيل: # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وما أظن أحدا من المحصلين وقف على هذه المذاهب واختار غير ~~مذهب الإمامية باطنا، وإن كان في الظاهر يصير إلى غيره طلبا لدنيا، حيث ~~وضعت لهم المدارس والربط والأوقاف حتى تستمر لبني العباس الدعوة ويشيدوا ~~للعامة اعتقاد إمامتهم)) . # فيقال: هذا الكلام لا يقوله إلا من هو من أجهل الناس بأحوال أهل السنة، ~~أو من هو من أعظم الناس كذبا وعنادا، وبطلانه ظاهر من وجوه كثيرة؛ فإنه من ~~المعلوم أن السنة كانت قبل أن تبنى المدارس أقوى وأظهر، فإن المدارس إنما ~~بنيت في بغداد في أثناء المائة الخامسة: بنيت النظامية في حدود الستين ~~والأربعمائة، وبنيتا على مذهب واحد من الأئمة الأربعة. والمذاهب الأربعة ~~طبقت المشرق والمغرب، وليس لأحد منهم مدرسة، والمالكية في المغرب لا يذكر ~~عندهم ولد العباس. # ثم السنة كانت قبل دولة بني العباس أظهر منها وأقوى في دولة بني العباس، ~~فإن بني العباس دخل في دولتهم كثير من الشيعة وغيرهم من أهل أبدع. ثم إن ~~أهل السنة متفقون # PageV01P159 # على أن الخلافة لا تختص ببني العباس، وإنه لو تولاهما بعض العلويين أو ~~الأموييين أو غيرهم من بطون قريش جاز، ms150 ثم من المعلوم أن علماء السنة، كمالك ~~وأحمد وغيرهما، من أبعد الناس عن مداهنة الملوك أو مقاربتهم، ثم إن أهل ~~السنة إنما يعظمون الخلفاء الراشدين، وليس فيهم أحد من بني العباس. # ثم من المعلوم لكل عاقل أنه ليس في علماء المسلمين المشهورين أحد رافضي، ~~بل كلهم متفقون على تجهيل الرافضة وتضليلهم، وكتبهم كلها شاهدة بذلك، وهذه ~~كتب الطوائف كلها تنطق بذلك، مع أنه لا أحد يلجئهم إلى ذكر الرافضة، وذكر ~~جهلهم وضلالهم. # وهم دائما يذكون من جهل الرافضة وضلالهم ما يعلم معه بالاضطرار أنهم ~~يعتقدون أن الرافضة من أجهل الناس وأضلهم، وأبعد طوائف الأمة عن الهدى. كيف ~~ومذهب هؤلاء الإمامية قد جمع عظائم البدع المنكرة، فإنهم جهمية قدرية ~~رافضة، وكلام السلف والعلماء في ذم كل صنف من هذه الأصناف لا يحصيه إلا ~~الله، والكتب مشحونة بذلك، ككتب الحديث والآثار والفقه والتفسير والأصول ~~والفروع وغير ذلك، وهؤلاء الثلاثة شر من غيرهم من أهل البدع كالمرجئة ~~والحرورية. # والله يعلم أني مع كثرة بحثي وتطلعي إلى معرفة أقوال الناس ومذاهبهم ما ~~علمت رجلا له في الأمة لسان صدق يتهم بمذهب الإمامية، فضلا عن أن يقال: إنه ~~يعتقده في الباطن. # وقد اتهم بمذهب الزيدية الحسن بن الصالح بن حي، وكان فقيها صالحا زاهدا، ~~وقيل: إن ذلك كذب عليه، ولم ينقل أحد عنه: إنه طعن في أبي بكر وعمر، فضلا ~~عن أن يشك في إمامتهما، واتهم طائفة من الشيعة الأولى بتفضيل علي على ~~عثمان، ولم يتهم أحد من الشيعة الأولى بتفضيل علي على أبي بكر وعمر، بل ~~كانت عامة الشيعة الأولى الذين يحبون عليا يفضلون عليه أبا بكر وعمر، لكن ~~كان فيهم طائفة ترجحه على عثمان، وكان الناس في الفتنة صاروا شيعتين: شيعة ~~عثمانية، وشيعة علوية. وليس كل من قاتل مع علي كان يفضله على عثمان، بل كان ~~كثير منهم يفضل عثمان على علي، كما هو قول سائر أهل السنة. # PageV01P160 ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وكثيرا ما رأينا من يتدين في الباطن بمذهب الإمامية، ~~ويمنعه عن إظهار ms151 حب الدنيا وطلب الرياسة، وقد رأيت بعض أئمة الحنابلة يقول: ~~إني على مذهب الإمامية فقلت: لم تدرس على مذهب الحنابلة؟ فقال: ليس في ~~مذهبكم البغلات والمشاهرات. وكان أكبر مدرسي # الشافعية في زماننا حيث توفي أوصى أن يتولى أمره في غسله وتجهيزه بعض ~~المؤمنين، وأن يدفن في مشهد مولانا الكاظم، وأشهد عليه أنه كان على مذهب ~~الإمامية)) . # والجواب: أن قوله: ((وكثيرا ما رأينا)) هذا كذب، بل قد يوجد في بعض ~~المنتسبين إلى مذهب الأئمة الأربعة من هو في الباطن رافضي، كما يوجد في ~~المظهرين للإسلام من هو في الباطن منافق، فإن الرافضة لما كانوا من جنس ~~المنافقين يخفون أمرهم احتاجوا أن يتظاهروا بغير ذلك، كما احتاج المنافقون ~~أن يتظاهروا بغير الكفر، ولا يوجد هذا إلا فيمن هو جاهل بأحوال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأمور المسلمين كيف كانت في أول الإسلام. وأما من عرف ~~الإسلام كيف كان، وهو مقر بأن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا، فإنه يمتنع أن ~~يكون في الباطن رافضيا، ولا يتصور أن يكون في الباطن رافضيا إلا زنديق ~~منافق، أو جاهل بالإسلام كيف كان مفرط في الجهل. # والحكاية التي ذكرها عن بعض الأئمة المدرسين ذكر لي بعض البغداديين أنها ~~كذب مفترى، فإن كان صادقا فيما نقله عن بعض المدرسين من هؤلاء وهؤلاء، فلا ~~ينكر أن يكون في المنتسبين إلى الأئمة الأربعة من هو زنديق ملحد مارق من ~~الإسلام، فضلا عن أن يكون رافضيا. ومن استدل بزندقة بعض الناس في الباطن ~~على أن علماء المسلمين كلهم زنادقة، كان من أجهل الناس، كذلك من استدل برفض ~~بعض الناس في الباطن. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((الوجه الخامس: في بيان وجوب اتباع مذهب الإمامية أنهم لم ~~يذهبوا إلى # PageV01P161 # التعصب في غير الحق، بخلاف غيرهم، فقد ذكر الغزالي والماوردي، وهما ~~إمامان للشافعية، أن تسطيح القبور هي المشروع، لكن لما جعلته الرافضة شعارا ~~لهم عدلنا عنه إلى التسنيم، وذكر الزمخشري، وكان من أئمة الحنفية، في تفسير ~~قوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} (1) أنه يجوز ms152 بمقتضى هذه الآية ~~أن يصلى على آحاد المسلمين، # لكن لما اتخذت الرافضة ذلك في أئمتهم منعناه. وقال مصنف ((الهداية)) من ~~الحنفية: إن المشروع التختم في اليمين، ولكن لما اتخذته الرافضة جعلنا ~~التختم في اليسار، وأمثال ذلك كثير فانظر إلى من يغير الشريعة ويبدل ~~الأحكام التي ورد بها النص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويذهب إلى ضد ~~الصواب معاندة لقوم معينين، فهل يجوز اتباعه والمصير إلى أقواله؟)) # والجواب من طريقتين: أحدهما: أن هذا الذي ذكره هو بالرافضة ألصق. # والثاني: أن أئمة السنة برآء من هذا. # أما الطريق الأول فيقال: لا نعلم طائفة أعظم تعصبا في الباطل من الرافضة، ~~حتى أنهم دون سائر الطوائف عرف منهم شهادة الزور لموافقهم على مخالفهم، ~~وليس في التعصب أعظم من الكذب، وحتى أنهم في التعصب جعلوا للبنت جميع ~~الميراث، ليقولوا: إن فاطمة رضي الله عنها ورثت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - دون عمه العباس - رضي الله عنه -، وحتى أن فيهم من حرم لحم الجمل ~~لأن عائشة قاتلت على جمل، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - وإجماع الصحابة والقرابة لأمر لا يناسب ذلك، فإن ذلك الجمل الذي ~~ركبته عائشة رضي الله عنها مات، ولو فرض أنه حي فركوب الكفار على الجمال لا ~~يوجب تحريمها، وما زال الكفار يركبون جمالا ويغنمها المسلمون منهم، ولحمها ~~حلال لهم، فأي شيء في ركوب عائشة للجمل مما يوجب تحريم لحمه؟ وغاية ما ~~يفرضون أن بعض من يجعلونه كافرا ركب جملا، مع أنهم كاذبون مفترون فيما ~~يرمون به أم المؤمنين رضي الله عنها. # ومن تعصبهم أنهم لا يذكرون اسم ((العشرة)) بل يقولون تسعة وواحد، وإذا ~~بنوا أعمدة أو غيرها لا يجعلونها عشرة، وهم يتحرون ذلك في كثير من أمورهم. # ومن تعصبهم أنهم إذا وجدوا مسمى بعلي أو جعفر أو الحسن أو الحسين بادروا ~~إلى إكرامه، مع أنه قد يكون فاسقا، وقد يكون في الباطن سنيا، فإن أهل السنة ~~يسمون بهذه PageV01P162 # الأسماء. كل هذا من التعصب والجهل، ومن تعصبهم ms153 وجهلهم أنهم يبغضون بني ~~أمية كلهم لكون بعضهم كان ممن يبغض عليا. # وقد كان في بني أمية قوم صالحون ماتوا قبل الفتنة، وكان بنو أمية أكثر ~~القبائل عمالا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه لما فتح مكة استعمل ~~عليها عتاب ابن أسيد بن أبي العاصي بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص ~~بن أمية، وأخويه أبان بن سعيد وسعيد بن سعيد على أعمال أخر، واستعمل أبا ~~سفيان بن حرب بن أمية على نجران أو ابنه يزيد، ومات وهو عليها، وصاهر نبي ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ببناته الثلاث لبني أمية،، فزوج أكبر بناته ~~زينب بأبي العاص بن الربيع بن أمية بن عبد شمس، وحمد صهره لما أراد علي أن ~~يتزوج ببنت أبي جهل، فذكر صهرا له من بني أمية بن عبد شمس فأثنى عليه في ~~مصاهرته، وقال: ((حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي)) . وزوج ابنتيه لعثمان بن ~~عفان، واحدة بعد واحدة، وقال: ((لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان)) . # وكذلك من جهلهم وتعصبهم أنهم يبغضون أهل الشام، لكونهم كان فيهم أولا من ~~يبغض عليا. ومعلوم أن مكة كان فيها كفار ومؤمنون، وكذلك المدينة كان فيها ~~مؤمنون ومنافقون، والشام في هذه الأعصار لم يبق فيه من يتظاهر ببغض علي، ~~ولكن لفرط جهلهم يسحبون ذيل البغض. وكذلك من جهلهم أنهم يذمون من ينتفع ~~بشيء من آثار بني أمية، كالشرب من نهر يزيد، ويزيد لم يحفره ولكن وسعه، ~~وكالصلاة في جامع بناه بنو أمية. ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يصلي إلى الكعبة التي بناها المشركون، وكان يسكن في المساكن ~~التي بنوها، وكان يشرب من ماء الآبار التي حفروها، ويلبس من الثياب التي ~~نسجوها، ويعامل بالدراهم التي ضربوها. فإذا كان ينتفع بمساكنهم وملابسهم، ~~والمياه التي أنبطوها، والمساجد التي بنوها، فكيف بأهل القبلة؟ ! # فلو فرض أن يزيد كان حافرا وحفر نهرا، لم يكره الشرب منه بإجماع ~~المسلمين، ولكن لفرط تعصبهم كرهوا ما يضاف إلى من يبغضونه. # ولقد حدثني ثقة أنه كان لرجل ms154 منهم كلب فدعاه آخر منهم: بكير، فقال صاحب ~~الكلب: أتسمي كلبي بأسماء أصحاب النار؟ فاقتتلا على ذلك حتى جرى بينهما دم. ~~فهل # PageV01P163 # يكون أجهل من هؤلاء؟! # وأما الطريق الثاني في الجواب فنقول: الذي عليه أئمة الإسلام إن كان ~~مشروعا لم يترك لمجرد فعل أهل البدع: لا الرافضة ولا غيرهم. وأصول الأئمة ~~كلهم توافق هذا، منها مسألة التسطيح الذي ذكرها، فإن # مذهب أبي حنيفة وأحمد أن تسنيم القبور أفضل، كما ثبت في الصحيح أن قبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مسنما، ولأن ذلك أبعد عن مشابهة أبنية ~~الدنيا، وأمنع عن القعود على القبور. والشافعي يستحب التسطيح لما روى من ~~الأمر بتسوية القبور، فرأى أن التسوية هي التسطيح. ثم إن بعض أصحابه قال: ~~إن هذا شعار الرافضة فيكره ذلك، فخالفه جمهور الأصحاب وقالوا: بل هو ~~المستحب وإن فعلته الرافضة. # وكذلك الجهر بالبسملة هو مذهب الرافضة، وبعض الناس تكلم في الشافعي ~~بسببها، وبسبب القنوت، ونسبه إلى قول الرافضة والقدرية، لأن المعروف في ~~العراق إن الجهر كان من شعار الرافضة، وأن القنوت في الفجر كان من شعار ~~القدرية الرافضة، حتى أن سفيان الثوري وغيره من الأئمة يذكرون في عقائدهم ~~ترك الجهر بالبسملة، لأنه كان عندهم من شعار الرافضة، كما يذكرون المسح على ~~الخفين لأن تركه كان من شعار الرافضة، ومع هذا فالشافعي لما رأى أن هذا هو ~~السنة كان ذلك مذهبه وإن وافق قول الرافضة. # وكذلك إحرام أهل العراق من العقيق يستحب عنده، وإن كان ذلك مذهب الرافضة، ~~ونظائر هذا كثيرة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((مع أنهم ابتدعوا أشياء، واعترفوا بأنها بدعة، وأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فإن مصيرها النار)) ~~. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد)) ، ~~ولو ردوا عنها كرهته نفوسهم ونفرت قلوبهم، كذكر الخلفاء في خطبهم، مع أنه ~~بالإجماع لم يكن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في زمن أحد من ~~الصحابة والتابعين، ولا في ms155 زمن بني أمية، ولا في صدور ولاية العباسيين، بل ~~شيء أحدثه المنصور لما وقع بينه وبين العلوية خلاف، فقال: والله لأرغمن ~~أنفي وأنوفهم وأرفع عليهم بني تيم وعدي، وذكر الصحابة # PageV01P164 # في خطبته، واستمرت هذه البدعة إلى هذا الزمان)) . # فيقال: الجواب من وجوه: أحدها: أن ذكر الخلفاء على المنبر كان على عهد ~~عمر بن عبد العزيز، بل قد روى أنه كان على عهد عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه -. # الوجه الثاني: أنه قيل: إن عمر بن عبد العزيز ذكر الخلفاء الأربعة لما ~~كان بعض بني أمية يسبون عليا، فعوض عن ذلك بذكر الخلفاء والترضي عنهم، ~~ليمحو تلك السنة الفاسدة. # الوجه الثالث: أن ما ذكره من إحداث المنصور وقصده بذلك باطل، فإن أبا بكر ~~وعمر - رضي الله عنه - ما توليا الخلافة قبل المنصور وقبل بني أمية، فلم ~~يكن في ذكر المنصور لهما إرغام لأنفه ولا لأنوف بني علي، إلا لو كان بعض ~~بني تيم أو بعض بني عدي ينازعهم الخلافة، ولم يكن أحد من هؤلاء ينازعهم ~~فيها. # الوجه الرابع: أن أهل السنة لا يقولون: إن ذكر الخلفاء الأربعة في الخطبة ~~فرض، بل يقولون: إن الاقتصار على علي وحده، أو ذكر الاثنى عشر هو البدعة ~~المنكرة التي لم يفعلها أحد، لا من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بني ~~أمية، ولا من بني العباس. كما يقولون: إن سب علي أو غيره من السلف بدعة ~~منكرة، فإن كان ذكر الخلفاء الأربعة بدعة، مع أن كثيرا من الخلفاء فعلوا ~~ذلك، فالاقتصار على علي، مع أنه لم يسبق إليه أحد من الأمة أولى أن يكون ~~بدعة، وإن كان ذكر علي لكونه أمير المؤمنين مستحبا، فذكر الأربعة الذين هم ~~الخلفاء الراشدون أولى بالاستحباب، لكن الرافضة من المطففين: يرى أحدهم ~~القذاة في عيون أهل السنة، ولا يرى الجذع المعترض في عينه. # ومن المعلوم أن الخلفاء الثلاثة اتفق عليهم المسلمون، وكان السيف في ~~زمانهم مسلولا على الكفار، مكفوفا عن أهل الإسلام. وأما علي فلم يتفق ~~المسلمون على مبايعته، بل ms156 وقعت الفتنة تلك المدة، وكان السيف في تلك المدة ~~مكفوفا عن الكفار مسلولا على أهل الإسلام، فاقتصار المقتصر على ذكر علي ~~وحده دون من سبقه، هو ترك لذكر الأئمة وقت اجتماع المسلمين وانتصارهم على ~~عدوهم، واقتصار على ذكر الإمام الذي كان إماما وقت افتراق المسلمين وطلب ~~عدوهم لبلادهم. # PageV01P165 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وكمسح الرجلين الذي نص الله تعالى عليه في كتابه العزيز ~~فقال: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا # برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (1) ، وقال ابن عباس: ((عضوان مغسولان، ~~وعضوان ممسوحان، فغيروه وأوجبوا الغسل)) . # فيقال: الذين نقلوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوضوء قولا وفعلا، ~~والذين تعلموا الوضوء منه وتوضؤوا على عهده، وهو يراهم ويقرهم عليه ونقلوه ~~إلى من بعدهم، أكثر عددا من الذين نقلوا لفظ هذه الآية، فإن جميع المسلمين ~~كانوا يتوضؤون على عهده، ولم يتعلموا الوضوء إلا منه - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ فإن هذا العمل لم يكن معهودا عندهم في الجاهلية، وهم قد رأوه يتوضأ ما ~~لا يحصي عدده إلا الله تعالى، ونقلوا عنه ذكر غسل الرجلين فيما شاء الله من ~~الحديث، حتى نقلوا عنه من غير وجه في الصحاح وغيرها أنه قال: ((ويل للأعقاب ~~وبطون الأقدام من النار)) ، مع أن الفرض إذا كان مسح ظهر القدم، كان غسل ~~الجميع كلفة لا تدعو إليها الطباع، كما تدعو الطباع إلى طلب الرئاسة والمال ~~فإن جاز أن يقال: إنهم كذبوا وأخطؤوا فيما نقلوه عنه من ذلك، كان الكذب ~~والخطأ فيما نقل من لفظ الآية أقرب إلى الجواز. # وإن قيل بل لفظت الآية بالتواتر الذي لا يمكن الخطأ فيه، فثبوت التواتر ~~في نقل الوضوء عنه أولى وأكمل، ولفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، فإن ~~المسح جنس تحته نوعان: الإسالة، وغير الإسالة، كما تقول العرب: تمسحت ~~للصلاة، فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خص أحد النوعين باسم الغسل فقد ~~يخص النوع الآخر باسم المسح، فالمسح يقال على المسح العام الذي يندرج فيه ~~الغسل، ويقال على الخاص الذي لا يندرج فيه ms157 الغسل. # وفي القرآن ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الذي هو قسيم ~~الغسل، بل المسح الذي الغسل قسم منه؛ فإنه قال: {إلى الكعبين} ولم يقل: إلى ~~الكعاب، كما قال: {إلى المرافق} ، فدل على أنه ليس في كل رجل كعب واحد، كما ~~في كل يد مرفق واحد، بل في كل PageV01P166 # رجل كعبان، فيكون تعالى قد أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو ~~الغسل، فإن من يمسح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين، وفي ذكره الغسل ~~في # العضوين الأولين والمسح في الآخرين، التنبيه على أن هذين العضوين يجب ~~فيهما المسح العام، فتارة يجزئ المسح الخاص، كما في مسح الرأس والعمامة ~~والمسح على الخفين، وتارة لا بد من المسح الكامل الذي هو غسل، كما في ~~الرجلين المكشوفتين. # وقد تواترت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسح على الخفين ~~وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة، كما تخالف الخوارج نحو ~~ذلك، مما يتوهمون أنه مخالف لظاهر القرآن، بل تواتر غسل الرجلين والمسح على ~~الخفين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم من تواتر قطع اليد في ربع ~~دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عشرة دراهم، أو نحو ذلك. # وفي الجملة فالقرآن ليس فيه نفي إيجاب الغسل، بل فيه إيجاب المسح، فلو ~~قدر أن السنة أوجبت قدرا زائدا على ما أوجبه القرآن لم يكن في هذا رفعا ~~لموجب القرآن، فكيف إذا فسرته وبينت معناه؟ وهذا مبسوط في موضعه. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وكالمتعتين اللتين ورد بهما القرآن، فقال في متعة الحج: ~~{فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} (1) وتأسف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على فواتها لما حج قارنا، وقال لو ((استقبلت من أمري ما ~~استدبرت لما سقت الهدي)) وقال في متعة النساء: {فما استمتعتم به منهن ~~فأتوهن أجورهن فريضة} (2) واستمرت فعلهما مدة زمان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ومدة خلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر، إلى أن صعد المنبر، وقال: ~~((متعتان كانتا محللتين على عهد رسول الله - صلى الله ms158 عليه وسلم - وأنا ~~أنهى عنهما وأعاقب عليهما)) . # والجواب أن يقال: أما متعة الحج فمتفق على جوازها بين أئمة المسلمين، ~~ودعواه أن أهل السنة ابتدعوا تحريمها كذب عليهم، بل أكثر علماء السنة ~~يستحبون المتعة ويرجحونها أو يوجبونها. والمتعة اسم جامع لمن اعتمر في أشهر ~~الحج وجمع بينها وبين الحج في سفر واحد، سواء حل من إحرامه بالعمرة ثم أحرم ~~بالحج، أو أحرم بالحج قبل طوافه بالبيت PageV01P167 # وصار # قارنا، أو بعد طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة قبل التحلل من إحرامه ~~لكونه ساق الهدي، أو مطلقا. وقد يراد بالمتعة مجرد العمرة في أشهر الحج. # وأكثر العلماء، كأحمد وغيره من فقهاء الحديث، وأبي حنيفة وغيره من فقهاء ~~العراق، والشافعي في أحد قوليه، وغيره من فقهاء مكة: يستحبون المتعة. # وأما متعة النساء المتنازع فيها فليس في الآية نص صريح بحلها، فإنه تعالى ~~قال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما. ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات} (1) الآية. فقوله: {فما استمتعتم به منهن} يتناول كل من ~~دخل بها من النساء، فإنه أمر بأن يعطي جميع الصداق، بخلاف المطلقة قبل ~~الدخول التي لم يستمتع بها فإنها لا تستحق إلا نصفه. # وهذا كقوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ~~ميثاقا غليظا} (2) . فجعل الإفضاء مع العقد موجبا لاستقرار الصداق، يبين ~~ذلك أنه ليس لتخصيص النكاح المؤقت بإعطاء الأجر فيه دون النكاح المؤبد ~~معنى، بل إعطاء الصداق كاملا في المؤبد أولى، فلا بد أن تدل الآية على ~~المؤبد: إما بطريق التخصيص، وإما بطريق العموم. # يدل على ذلك أنه ذكر بعد هذا نكاح الإماء، فعلم أن ما ذكر كان في نكاح ~~الحرائر مطلقا. فإن قيل: ففي قراءة طائفة من السلف: {فما استمتعتم به منهن ~~إلى أجل مسمى} قيل: أولا: ليست هذه القراءة متواترة، وغايتها أن تكون ~~كأخبار الآحاد. ونحن ms159 لا ننكر أن المتعة أحلت في أول الإسلام، لكن الكلام في ~~دلالة القرآن على ذلك. # الثاني: أن يقال: هذا الحرف إن كان نزل، فلا ريب أنه ليس ثابتا من ~~القراءة المشهورة، فيكون منسوخا، ويكون نزوله لما كانت المتعة مباحة، فلما ~~حرمت نسخ هذا الحرف، ويكون PageV01P168 # الأمر بالإيتاء في الوقت تنبيها على # الإيتاء في النكاح المطلق. وغاية ما يقال إنهما قراءتان، وكلاهما حق. ~~والأمر بالإيتاء في الاستمتاع إلى أجل مسمى واجب إذا كان ذلك حلالا، وإنما ~~يكون ذلك إذا كان الاستمتاع إلى أجل مسمى حلالا، وهذا كان في أول الإسلام، ~~فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع بها إلى أجل مسمى حلال، فإنه لم ~~يقل: وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى، بل قال: {فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن} فهذا يتناول ما وقع من الاستمتاع: سواء كان حلالا، أو ~~كان في وطء شبهة. # ولهذا يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق. والمتمتع إذا اعتقد ~~حل المتعة وفعلها فعليه المهر، وأما الاستمتاع المحرم فلم تتناوله الآية؛ ~~فإنه لو استمتع بالمرأة من غير عقد مع مطاوعتها، لكان زنا، ولا مهر فيه. ~~وإن كانت مستكرهة، ففيه نزاع مشهور. # وأما ما ذكره من نهي عمر عن متعة النساء، فقد ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه حرم متعة النساء بعد الإحلال. هكذا رواه الثقات في ~~الصحيحين وغيرهما عن الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن ~~أبيهما محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، أنه قال ~~لابن عباس - رضي الله عنه - لما أباح المتعة: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر (1) ، ~~رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة وأحفظهم لها، أئمة الإسلام في زمنهم، ~~مثل مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما، ممن اتفق المسلمون على علمهم ~~وعدلهم وحفظهم، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح متلقى ~~بالقبول، ليس في أهل العلم ms160 من طعن فيه. # وكذلك ثبت في الصحيح أنه حرمها في غزاة الفتح إلى يوم القيامة (2) . وقد ~~تنازع رواة حديث علي - رضي الله عنه -: هل قوله: ((عام خيبر)) توقيت لتحريم ~~الحمر فقط أو له ولتحريم المتعة؟ فالأول قول ابن عيينة وغيره، قالوا: إنما ~~حرمت عام الفتح. ومن قال بالآخر قال: إنها حرمت ثم أحلت ثم حرمت. وادعت ~~طائفة ثالثة أنها أحلت بعد ذلك، ثم حرمت في حجة الوداع. # فالروايات المستفيضة المتواترة متواطئة على أنه حرم المتعة بعد إحلالها. ~~والصواب أنها PageV01P169 # بعد أن حرمت لم تحل، وأنها إنما حرمت عام فتح مكة ولم تحل بعد ذلك، ولم ~~تحرم عام خيبر، بل عام خيبر حرمت لحوم الحمر الأهلية. وكان ابن عباس يبيح ~~المتعة ولحوم الحمر فأنكر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك عليه، وقال ~~له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرم متعة النساء وحرم لحوم الحمر ~~يوم خيبر، فقرن علي - رضي الله عنه - بينهما في الذكر لما روى ذلك لابن ~~عباس رضى الله عنهمما، لأن ابن عباس كان يبيحهما. وقد روى عن ابن عباس - ~~رضي الله عنه - أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي عنهما. # فأهل السنة اتبعوا عليا وغيره من الخلفاء الراشدين فيما رووه عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # والشيعة خالفوا عليا فيما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واتبعوا ~~قول من خالفه. # وأيضا فإن الله تعالى إنما أباح في كتابه الزوجة وملك اليمين، والمتمتع ~~بها ليست واحدة منهما، فإنها لو كانت زوجة لتوارثا، ولوجبت عليها عدة ~~الوفاة، ولحقها الطلاق الثلاث؛ فإن هذه أحكام الزوجة في كتاب الله تعالى، ~~فلما انتفى عنها لوازم النكاح دل على انتفاء النكاح فإن انتفاء اللازم ~~يقتضي انتفاء الملزوم. والله تعالى إنما أباح في كتابه الأزواج وملك ~~اليمين، وحرم ما زاد على ذلك بقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون. إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون} (1) . # والمستمتع بها بعد التحريم ms161 ليست زوجة ولا ملك يمين، فتكون حراما بنص ~~القرآن. أما كونها ليست مملوكة فظاهر، وأما كونها ليست زوجة فلانتفاء لوازم ~~النكاح فيها، فإن من لوازم النكاح كونه سببا للتوارث وثبوت عدة الوفاة فيه، ~~والطلاق الثلاث، وتنصيف المهر بالطلاق قبل الدخول، وغير ذلك من اللوازم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ومنع أبو بكر فاطمة إرثها فقالت يا ابن أبي قحافة أترث ~~أباك ولا أرث أبي؟ والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها - وكان هو الغريم ~~لها، لأن الصدقة تحل له - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)) على أن ما رووه عنه PageV01P170 # فالقرآن يخالف ذلك، لأن الله تعالى قال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين} (1) . ولم يجعل الله ذلك خاصا بالأمة دونه - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكذب روايتهم فقال تعالى: {وورث سليمان داود} (2) ، وقال ~~تعالى عن زكريا: {وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب} (3) . # والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: أن ما ذكر من قول فاطمة رضي الله عنها: ~~أترث أباك ولا أرث أبي؟ لا يعلم صحته عنها، وإن صح فليس فيه حجة، لأن أباها ~~صلوات الله وسلامه عليه لا يقاس بأحد من البشر، وليس أبو بكر أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم كأبيها، ولا هو ممن حرم الله عليه صدقة الفرض والتطوع ~~كأبيها، ولا هو أيضا ممن جعل الله محبته مقدمة على محبة الأهل والمال، كما ~~جعل أباها كذلك. # والفرق بين الأنبياء وغيرهم أن الله تعالى صان الأنبياء على أن يورثوا ~~دنيا، لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وخلفوا ~~لورثتهم. وأما أبو بكر الصديق وأمثاله فلا نبوة لهم يقدح فيها بمثل ذلك، ~~كما صان الله تعالى نبينا عن الخط والشعر صيانة لنبوته عن الشبهة، وإن كان ~~غيره لم يحتج إلى هذه الصيانة. # الثاني: أن قوله: ((والتجأ في ذلك إلى رواية انفرد بها)) كذب؛ فإن قول ~~النبي - صلى ms162 الله عليه وسلم -: ((لا نورث ما تركنا فهو صدقة)) رواه عنه أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والعباس بن ~~عبد المطلب وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو هريرة، والرواية عن ~~هؤلاء ثابتة في الصحاح # والمسانيد، مشهورة يعلمها أهل العلم بالحديث (4) فقول القائل: إن أبا بكر ~~انفرد بالرواية، يدل على فرط جهله أو تعمده الكذب. # الثالث: قوله: ((وكان هو الغريم لها)) كذب، فإن أبا بكر - رضي الله عنه - ~~لم يدع هذا المال لنفسه ولا لأهل بيته، وإنما هو صدقة لمستحقيها كما أن ~~المسجد حق للمسلمين. # الرابع: أن الصديق - رضي الله عنه - لم يكن من أهل هذه الصدقة، بل كان ~~مستغنيا عنها، ولا انتفع هو ولا أحد من أهله بهذه الصدقة؛ فهو كما لو شهد ~~قوم من الأغنياء على رجل أنه PageV01P171 # وصى بصدقة للفقراء؛ فإن هذه شهادة مقبولة بالاتفاق. # الخامس: أن هذا لو كان فيه ما يعود نفعه على الراوي له من الصحابة لقبلت ~~روايته لأنه من باب الرواية لا من باب الشهادة، والمحدث إذا حدث بحديث في ~~حكومة بينه وبين خصمه قبلت روايته للحديث، لأن الرواية تتضمن حكما عاما ~~يدخل فيه الراوي وغيره. وهذا من باب الخير، كالشهادة برؤية الهلال؛ فإن ما ~~أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - يتناول الراوي وغيره، وكذلك ما نهى ~~عنه، وكذلك ما أباحه. # وهذا الحديث تضمن رواية بحكم شرعي، ولهذا تضمن تحريم الميراث على ابنة ~~أبي بكر عائشة - رضي الله عنه - ا، وتضمن تحريم شرائه لهذا الميراث من ~~الورثة واتهابه لذلك منهم، وتضمن وجوب صرف هذا المال في مصارف الصدقة. # السادس: أن قوله: ((على ما رووه فالقرآن يخالف ذلك، لأن الله تعالى قال: ~~{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (1) ولم يجعل الله ذلك ~~خاصا بالأمة دونه - صلى الله عليه وسلم -. # فيقال: أولا: ليس في عموم لفظ الآية ما يقتضي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يورث، فإن الله تعالى قال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ms163 حظ ~~الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها ~~النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ~~ولد وورثه # أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس} (2) وفي الآية الأخرى: ~~{ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن} -إلى قوله- {من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار} (3) . # وهذا الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب وليس فيه ما يوجب أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مخاطب بها. # الوجه التاسع: أن يقال: كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يورث ثبت ~~بالسنة المقطوع بها وبإجماع الصحابة وكل منهما دليل قطعي، فلا يعارض ذلك ~~بما يظن أنه العموم، وإن كان عموما فهو مخصوص، لأن ذلك لو كان دليلا لما ~~كان إلا ظنيا، فلا يعارض القطعي؛ إذ الظنى لا PageV01P172 # يعارض القطعي. # وذلك أن هذا الخبر رواه غير واحد من الصحابة في أوقات ومجالس، وليس فيهم ~~من ينكره، بل كلهم تلقاه بالقبول والتصديق. ولهذا لم يصر أحد من أزواجه على ~~طلب الميراث، ولا أصر العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئا فأخبر ~~بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع عن طلبه. واستمر الأمر على ذلك على ~~عهد الخلفاء الراشدين إلى علي، فلم يغير شيئا من ذلك ولا قسم له تركة. # الوجه العاشر: أن يقال: إن أبا بكر وعمر قد أعطيا عليا وأولاده من المال ~~أضعاف أضعاف ما خلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - من المال. والمال الذي ~~خلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينتفع واحد منهما منه بشيء، بل سلمه ~~عمر إلى العباس - رضي الله عنه - م يليانه ويفعلان فيه ما كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يفعله. وهذا مما يوجب انتفاء التهمة عنهما في ذلك. # الوجه الحادىعشر: أن قوله تعالى {وورث سليمان داود} (1) . وقوله # تعالىعن زكريا: { فهب لي من لدنك وليا. يرثني ويرث من آل يعقوب} ms164 (2) # . لا يدل على محل النزاع. لأن الإرث اسم جنس تحته أنواع، والدال على ما ~~به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز. فإذا قيل: هذا حيوان، لا يدل على ~~أنه إنسان أو فرس أو بعير. # وذلك أن لفظ ((الإرث)) يستعمل في إرث العلم والنبوة والملك وغير ذلك من ~~أنواع الانتقال. قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} ~~(3) . # وقال تعالى: {أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} ~~(4) . وغيرها كثير في القرآن. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) رواه أبو داود وغيره ~~(5) . # الوجه الثالث عشر: أن يقال: المراد بهذا الإرث إرث العلم والنبوة ونحو ~~ذلك لا إرث المال. وذلك لأنه قال: {وورث سليمان داود} ، ومعلوم أن داود كان ~~له أولاد كثيرون غير سليمان، فلا يختص سليمان بماله. PageV01P173 # وأيضا فليس في كونه ورث ماله صفة مدح، لا لداود ولا لسليمان، فإن اليهودي ~~والنصراني يرث ابنه ماله، والآية سيقت في بيان المدح لسليمان، وما خصه الله ~~به من النعمة. # وأيضا فإرث المال هو من الأمور العادية المشتركة بين الناس، كالأكل، ~~والشرب، ودفن الميت. ومثل هذا لا يقص عن الأنبياء إذ لا فائدة فيه، وإنما ~~يقص ما فيه عبرة وفائدة تستفاد، وإلا فقول القائل: ((مات فلان وورث ابنه ~~ماله)) مثل قوله: ((ودفنوه)) ومثل قوله: ((أكلوا وشربوا وناموا)) ونحو ذلك ~~مما لا يحسن أن يجعل من قصص القرآن. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ولما ذكرت فاطمة أن أباها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهبها فدك قال لها: هات أسودا وأحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأم أيمن، فشهدت # لها بذلك، فقال: امرأة لا يقبل قولها. وقد رووا جميعا أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: أم أيمن امرأة من أهل الجنة، فجاء أمير المؤمنين ~~فشهد لها بذلك، فقال: هذا بعلك يجره إلى نفسه ولا نحكم بشهادته لك، وقد ~~رووا جميعا أن رسول الله ... - صلى الله عليه وسلم ms165 - قال: علي مع الحق، ~~والحق معه يدور معه حيث دار لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فغضبت فاطمة ~~عليها السلام عند ذلك وانصرفت، وحلفت أن لا تكلمه ولا صاحبه حتى تلقى أباها ~~وتشكو إليه، فلما حضرتها الوفاة أوصت عليا أن يدفنها ليلا ولا يدع أحدا ~~منهم يصلي عليها، وقد رووا جميعا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا ~~فاطمة إن الله تعالى يغضب لغضبك ويرضى لرضاك، ورووا جميعا أنه قال فاطمة ~~بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله. ولو كان هذا الخبر ~~صحيحا حقا لما جاز له ترك البغلة التي خلفها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وسيفه وعمامته عند أمير المؤمنين علي، ولما حكم له بها لما ادعاها العباس، ~~ولكان أهل البيت الذين طهرهم الله في كتابه من الرجس مرتكبين ما لا يجوز، ~~لأن الصدقة عليهم محرمة. وبعد ذلك جاء إليه مال البحرين وعنده جابر بن عبد ~~الله الأنصاري، فقال له: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لي: إذا أتى ~~مال البحرين حثوث لك، ثم حثوت لك، ثلاثا، فقال له: تقدم فخذ بعددها، فأخذ ~~من بيت مال المسلمين من غير بينة بل بمجرد قوله)) . # PageV01P174 # والجواب: أن في هذا الكلام من الكذب والبهتان والكلام الفاسد ما لا يكاد ~~يحصى إلا بكلفة، ولكن سنذكر من ذلك وجوها إن شاء الله تعالى. # أحدها: أن ما ذكر من ادعاء فاطمة رضي الله عنها فداك فإن هذا يناقض كونها ~~ميراثا لها، فإن كان طلبها بطريق الإرث امتنع أن يكون بطريق الهبة، وإن كان ~~بطريق الهبة امتنع أن يكون بطريق الإرث، ثم إن كانت هذه هبة في مرض الموت، ~~فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزه، إن كان يورث كما يورث غيره، أن ~~يوصى لوارث أو يخصه في مرض موته بأكثر من حقه، وإن كان في صحته فلا بد أن ~~تكون هذه هبة مقبوضة، وإلا إذا وهب الواهب بكلامه ولم يقبض الموهوب شيئا ~~حتى مات الواهب كان ذلك باطلا عند ms166 جماهير العلماء، فكيف يهب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فدك لفاطمة ولا يكون هذا أمرا معروفا عند أهل بيته ~~والمسلمين، حتى تختص بمعرفته أم أيمن أو علي رضي الله عنهما؟ # الوجه الثاني: أن ادعاء فاطمة ذلك كذب على فاطمة، وقد قال الإمام أبو ~~العباس بن سريج في الكتاب الذي صنفه في الرد على عيسى بن أبان لما تكلم معه ~~في باب اليمين والشاهد، واحتج بما احتج، وأجاب عما عارض به عيسى بن أبان، ~~قال: وأما حديث البحتري بن حسان عن زيد بن علي أن فاطمة ذكرت لأبي بكر أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطاها فدك، وأنها جاءت برجل وامرأة، ~~فقال: رجل مع رجل، وامرأة مع امرأة، فسبحان الله ما أعجب هذا! قد سألت ~~فاطمة أبا بكر ميراثها وأخبرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: لا نورث، وما حكي في شيء من الأحاديث أن فاطمة ادعتها بغير الميراث، ~~ولا أن أحدا شهد بذلك. # ولقد روى جرير عن مغيرة عن عمر بن عبد العزيز أنه قال في فدك: ((إن فاطمة ~~سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلها لها فأبى، وأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان ينفق منها ويعود على ضعفة بني هاشم ويزوج منه أيمهم، ~~وكانت كذلك حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر صدقة وقبلت فاطمة الحق، ~~وإني أشهدكم أني رددتها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # ولم يسمع أن فاطمة رضي الله عنها ادعت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطاها إياها في حديث ثابت متصل، ولا أن شاهدا شهد لها. ولو كان ذلك لحكي، ~~لأنها خصومة وأمر ظاهر تنازعت فيه الأمة # PageV01P175 # وتحادثت فيه، فلم يقل أحد من المسلمين: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أعطاها فاطمة ولا سمعت فاطمة تدعيها حتى جاء البحتري بن حسان يحكي عن زيد ~~شيئا لا ندري ما أصله، ولا من جاء به، وليس من أحاديث أهل العلم: فضل بن ~~مرزوق عن ms167 البحتري عن زيد، وقد كان ينبغي لصاحب الكتاب أن يكف عن بعض هذا ~~الذي لا معنى له، وكان الحديث قد حسن بقول زيد: لو كنت أنا لقضيت بما قضى ~~أبو بكر. وهذا مما لا يثبت على أبي بكر ولا فاطمة لو لم يخالفه أحد، ولو لم ~~تجر فيه المناظرة ويأتي فيها الرواية، فكيف وقد جاءت؟ وأصل المذهب أن ~~الحديث إذا ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال أبو بكر ~~بخلافه، إن هذا من أبي بكر رحمه الله كنحو ما كان منه في الجدة، وأنه متى ~~بلغه الخبر رجع إليه. # ولو ثبت هذا الحديث لم يكن فيه حجة، لأن فاطمة لم تقل: إني أحلف مع شاهدي ~~فمنعت. ولم يقل أبو بكر: إني لا أرى اليمين مع الشاهد. # قالوا: وهذا الحديث غلط؛ لأن أسامة بن زيد يروي عن الزهري عن مالك بن أوس ~~بن الحدثان قال: كانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث صفايا: بنو ~~النضير، وخيبر وفدك. فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه. وأما فدك فكانت ~~حبسا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاثة أجزاء: جزئين بين المسلمين، وجزءا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله ~~جعله بين فقراء المهاجرين جزئين. # وروى الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها أخبرته أن فاطمة ~~بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ~~ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما أفاء الله عليه بالمدينة ~~وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: لا نورث ما تركنا صدقة، وإنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني ~~والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حالها ~~التي كانت عليها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأعملن فيها ~~بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أبو بكر أن ms168 يدفع إلى فاطمة ~~منها شيئا (1) . # وقد روي عن أنس أن أبا بكر قال لفاطمة وقد قرأت عليه إني أقرأ مثل ما ~~قرأت ولا يبلغن علمي أن يكون قاله كله. قالت فاطمة: هو لك ولقرابتك؟ قال: ~~لا وأنت عندي PageV01P176 # مصدقة أمينة، فإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إليك في هذا، ~~أو وعدك فيه موعدا أو أوجبه لكم حقا صدقتك. فقالت: لاغيرأن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال حين أنزل عليه: ((أبشروا يا آل محمد وقد جاءكم الله ~~عز وجل بالغنى)) . قال أبو بكر: صدق الله ورسوله وصدقت، فلكم الفيء، ولم ~~يبلغ علمي بتأويل هذه أن أستلم هذا السهم كله كاملا إليكم، ولكن الفيء الذي ~~يسعكم. وهذا يبين أن أبا بكر كان يقبل قولها، فكيف يرده ومعه شاهد وامرأة؟ ~~ولكنه يتعلق بشيء يجده. # الوجه الثالث: أن يقال: إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يورث فالخصم ~~فيذلك أزواجه وعمه، ولا تقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ولا رجل واحد بكتاب ~~الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - واتفاق المسلمين، وإن كان لا يورث ~~فالخصم في ذلك المسلمون، فكذلك لا يقبل عليهم شهادة امرأة واحدة ولا رجل ~~واحد باتفاق # المسلمين، ولا رجل وامرأة. نعم يحكم في مثل ذلك بشهادة ويمين الطالب عند ~~فقهاء الحجاز وفقهاء أصحاب الحديث. وشهادة الزوج لزوجته فيها قولان مشهوران ~~للعلماء، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا تقبل، وهي مذهب أبي حنيفة ومالك ~~والليث بن سعد والأوزاعي وإسحاق وغيرهم. # والثانية: تقبل، وهي مذهب الإمام الشافعي وأبي ثور وابن المنذر وغيرهم. ~~فعلى هذا لو قدر صحة هذه القصة لم يجز للإمام أن يحكم بشهادة رجل واحد ~~وامرأة واحدة باتفاق المسلمين، لا سيما وأكثرهم لا يجيزون شهادة الزوج، ومن ~~هؤلاء من لا يحكم بشاهد ويمين، ومن يحكم بشاهد ويمين لم يحكم للطالب حتى ~~يحلفه. # الوجه الرابع: قوله: ((فجاءت بأم أيمن فشهدت لها بذلك، فقال: امرأة لا ~~يقبل قولها. وقد رووا جميعا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ms169 ((أم ~~أيمن امرأة من أهل الجنة)) . # الجواب: أن هذا احتاج جاهل مفرط في الجهل يريد أن يحتج لنفسه فيحتج ~~عليها، فإن هذا القول لو قاله الحجاج بن يوسف والمختار بن أبي عبيد ~~وأمثالهما لكان قد قال حقا، فإن امرأة واحدة لا يقبل قولها في الحكم بالمال ~~لمدع يريد أن يأخذ ما هو في الظاهر لغيره، فكيف إذا حكى مثل هذا عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه -؟! # PageV01P177 # وأما الحديث الذي ذكره وزعم أنهم رووه جميعا، فهذا الخبر لا يعرف في شيء ~~من دواوين الإسلام ولا يعرف عالم من علماء الحديث رواه. وأم أيمن هي أم ~~أسامة بن زيد، وهي حاضنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي من المهاجرات، ~~ولها حق وحرمة، لكن الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تكون ~~بالكذب عليه وعلى أهل العلم. وقول القائل: ((رووا جميعا)) لا يكون إلا في ~~خبر متواتر، فمن ينكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يورث، وقد ~~رواه أكابر الصحابة، ويقول: إنهم جميعا رووا هذا الحديث، إنما يكون من أجهل ~~الناس وأعظمهم جحدا للحق. # الوجه الخامس: قوله: ((إن عليا شهد لها فرد شهادته لكونه زوجها)) فهذا مع ~~أنه كذب لو صح ليس يقدح، إذ كانت شهادة الزوج مردودة عند أكثر العلماء، ومن ~~قبلها منهم لم يقبلها حتى يتم النصاب إما برجل آخر وإما بامرأة مع امرأة، ~~وأما الحكم بشهادة رجل وامرأة مع عدم يمين المدعي فهذا لا يسوغ. # الوجه السادس: قوله: إنهم رووا جميعا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: ((علي مع الحق، والحق معه يدور حيث دار، ولن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض)) من أعظم الكلام كذبا وجهلا، فإن هذا الحديث لم يروه أحد عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. فكيف يقال: إنهم جميعا ~~رووا هذا الحديث؟ وهل يكون أكذب ممن يروى عن الصحابة والعلماء أنهم رووا ~~حديثا، والحديث لا يعرف عن واحد منهم أصلا؟ بل هذا من أظهر الكذب. ولو ms170 قيل ~~رواه بعضهم، وكان يمكن صحته لكان ممكنا، فكيف وهو كذب قطعا على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؟! # بخلاف إخباره أن أم أيمن في الجنة، فهذا يمكن أنه قاله، فإن أم أيمن ~~امرأة صالحة من المهاجرات، فإخباره أنها في الجنة لا ينكر، بخلاف قوله عن ~~رجل من أصحابه أنه مع الحق وأن الحق يدور معه حيثما دار ولن يفترقا حتى ~~يردا علي الحوض؛ فإنه كلام ينزه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # إما أولا: فلأن الحوض إنما يرده عليه أشخاص، كما قال للأنصار: ((اصبروا ~~حتى تلقوني على الحوض)) (1) ، وقال: ((إن حوضي لأبعد من بين أيلة إلى عدن، ~~وإن أول الناس PageV01P178 # ورودا فقراء المهاجرين الشعث رؤوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون ~~المتنعمات ولا تفتح لهم أبواب السدد، يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يجد لها ~~قضاء)) رواه مسلم وغيره (1) . # وأما الحق فليس من الأشخاص الذين يردون الحوض. وقد روي أنه قال: ((إني ~~تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض)) . فهو من هذا النمط، وفيه كلام يذكر في موضعه إن شاء الله. # الوجه السابع: أن ما ذكره عن فاطمة أمر لا يليق بها، ولا يحتج بذلك إلا ~~رجل جاهل يحسب أنه يمدحها وهو يجرحها؛ فإنه ليس فيما ذكره ما يوجب الغضب ~~عليه، إذ لم يحكم -لو كان ذلك صحيحا - إلا بالحق الذي لا يحل لمسلم أن يحكم ~~بخلافه. ومن طلب أن يحكم له بغير حكم الله ورسوله فغضب وحلف أن لا يكلم ~~الحاكم ولا صاحب الحاكم، لم يكن هذا مما يحمد # عليه ولا مما يذم به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحا أقرب منه إلى أن ~~يكون مدحا. ونحن نعلم أن ما يحكى عن فاطمة وغيرها من الصحابة من القوادح ~~كثير منها كذب وبعضها كانوا فيه متأولين. وإذا كان بعضها ذنبا فليس القوم ~~معصومين، بل هم مع كونهم أولياء الله ومن أهل الجنة لهم ذنوب يغفرها الله ~~لهم. # وكذلك ما ذكره من إيصائها ms171 أن تدفن ليلا ولا يصلى عليها أحد منهم، لا ~~يحكيه عن فاطمة ويحتج به إلا رجل جاهل يطرق على فاطمة ما لا يليق بها، وهذا ~~لو صح لكان بالذنب المغفور أولى منه بالسعي المشكور، فإن صلاة المسلم على ~~غيره زيادة خير تصل إليه، ولا يضر أفضل الخلق أن يصلي عليه شر الخلق، وهذا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عليه ويسلم عليه الأبرار والفجار بل ~~والمنافقون، وهذا إن لم ينفعه لم يضره، وهو يعلم أن في أمته منافقين ولم ~~ينه أحد من أمته عن الصلاة عليه. # وأما قوله: ((ورووا جميعا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا فاطمة ~~إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك)) فهذا كذب منه، ما رووا هذا عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولا يعرف هذا في شيء من كتب PageV01P179 # الحديث المعروفة، ولا له إسناد معروف عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~لا صحيح ولا حسن. ونحن إذا شهدنا لفاطمة بالجنة، وبأن الله يرضى عنها، فنحن ~~لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعيد وعبد الرحمن بن عوف بذلك ~~نشهد، ونشهد بأن الله تعالى أخبر برضاه عنهم في غير موضع، كقوله تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - رضي ~~الله عنه - م ورضوا عنه} (1) ، وقوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة} (2) . وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي ~~وهو عنهم راض، ومن رضي الله عنه ورسوله لا يضره غضب أحد من الخلق عليه ~~كائنا من كان. # وأما قوله: ((رووا جميعا أن فاطمة بضعة مني من آذاها آذاني، ومن آذاني ~~آذى الله)) فإن هذا الحديث لم يرو بهذا اللفظ، بل روي بغيره، كما روي في ~~سياق حديث خطبة علي لابنة أبي جهل، لما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خطيبا # فقال: ((إن ابني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي ~~طالب، وإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إنما فاطمة بضعة مني يريبني ms172 ما ~~رابها، ويؤذيني ما آذاها، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ~~ابنتهم)) . # الوجه الثامن: أن قوله: ((لو كان هذا الخبر صحيحا حقا لما جاز له ترك ~~البغلة والسيف والعمامة عند علي والحكم له بها لما ادعاها العباس)) . # فيقال: ومن نقل أن أبا بكر وعمر حكما بذلك لأحد، أو تركا ذلك عند أحد على ~~أن ذلك ملك له، فهذا من أبين الكذب عليهما، بل غاية ما في هذا أن يترك عند ~~من يترك عنده، كما ترك صدقته عند علي والعباس ليصرفاها في مصارفها الشرعية. # وأما قوله: ((ولكان أهل البيت الذين طهرهم الله في كتابه مرتكبين ما لا ~~يجوز)) . # فيقال له: أولا: إن الله تعالى لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب ~~عنهم الرجس، فإن هذا كذب على الله. كيف ونحن نعلم أن في بني هاشم من ليس ~~بمطهر من الذنوب، ولا أذهب عنهم الرجس، لا سيما عند الرافضة، فإن عندهم كل ~~من كان من بني هاشم يحب أبا بكر عمر - رضي الله عنه - ما فليس بمطهر، ~~والآية إنما قال فيها: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} (3) PageV01P180 # وقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم} ~~(1) ، ونحو ذلك مما فيه بيان أن الله يحب ذلك لكم، ويرضاه لكم، ويأمركم به ~~فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب المرضي، ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك # وأما قوله: ((لأن الصدقة محرمة عليهم)) . # فيقال له: أولا المحرم عليهم صدقة الفرض، وأما صدقات التطوع فقد كانوا ~~يشربون من المياه المسبلة بين مكة والمدينة، ويقولون: إنما حرم علينا ~~الفرض، ولم يحرم علينا التطوع. وإذا جاز أن ينتفعوا بصدقات الأجانب التي هي ~~تطوع، فانتفاعهم بصدقة النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى وأحرى؛ فإن هذه ~~الأموال لم # تكن زكاة مفروضة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أوساخ الناس التي ~~حرمت عليهم، وإنما هي من الفيء الذي أفاءه الله على رسوله، ms173 والفيء حلال ~~لهم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ما جعله الله له من الفيء صدقة، إذ ~~غايته أن يكون ملكا للنبي - صلى الله عليه وسلم - تصدق به على المسلمين، ~~وأهل بيته أحق بصدقته؛ فإن الصدقة على المسلمين صدقة، والصدقة على القرابة ~~صدقة وصلة. # الوجه التاسع: في معارضته بحديث جابر - رضي الله عنه - فيقال: جابر لم ~~يدع حقا لغيره ينتزع من ذلك الغير ويجعل له، وإنما طلب شيئا من بيت المال ~~يجوز للإمام أن يعطيه إياه، ولو لم يعده به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فإذا وعده به كان أولى بالجواز، فلهذا لم يفتقر إلى بينة. # أما قصة فاطمة رضي الله عنها فما ذكروه من دعواها الهبة والشهادة ~~المذكورة ونحو ذلك، لو كان صحيحا لكان بالقدح فيمن يحتجون له أشبه منه ~~بالمدح. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقد روي عن الجماعة كلهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في حق أبي ذر: ((ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق ~~من أبي ذر)) ، ولم يسموه صديقا، وسموا أبا بكر بذلك مع أنه لم يرد مثل ذلك ~~في حقه)) . PageV01P181 # فيقال: هذا الحديث لم يروه الجماعة كلهم، ولا هو في الصحيحين، ولا هو في ~~السنن، بل هو مروي في الجملة وبتقدير صحته وثبوته، فمن المعلوم أن هذا ~~الحديث لم يرد به أن أبا ذر أصدق من جميع الخلق، فإن هذا يلزم منه أن يكون ~~أصدق من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن سائر النبيين، ومن علي بن أبي ~~طالب وهذا خلاف إجماع المسلمين كلهم من السنة والشيعة، فعلم أن هذه الكلمة ~~معناها أن أبا ذر صادق، ليس غيره أكثر تحريا للصدق منه. ولا يلزم إذا كان ~~بمنزلة غيره في تحري الصدق، أن يكون بمنزلته في كثرة الصدق والتصديق بالحق، ~~وفي عظم الحق الذي صدق فيه وصدق به. وذلك أنه يقال: فلان صادق اللهجة إذا ~~تحرى الصدق، وإن كان قليل العلم بما جاءت به الأنبياء، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم ms174 يقل: ما أقلت الغبراء أعظم تصديقا من أبي ذر. بل قال: أصدق ~~لهجة، والمدح للصديق الذي صدق الأنبياء ليس بمجرد كونه صادقا، بل في كونه ~~مصدقا للأنبياء. وتصديقه للنبي - صلى الله عليه وسلم - هو صدق # خاص، فالمدح بهذا التصديق -الذي هو صدق خاص -نوع، والمدح بنفس كونه صادقا ~~من نوع آخر. فكل صديق صادق، وليس كل صادق صديقا. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وسموه خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم ~~يستخلفه في حياته ولا بعد وفاته عندهم، ولم يسموا أمير المؤمنين خليفة رسول ~~الله مع أنه استخلف في عدة مواطن، منها: أنه استخلفه على المدينة المنورة ~~في غزوة تبوك، وقال له: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك، أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. # وأمر أسامة بن زيد على الجيش الذين فيهم أبو بكر وعمر، ومات ولم يعزله، ~~ولم يسموه خليفة، ولما تولى أبو بكر غضب أسامة، وقال: إن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمرني عليك، فمن استخلفك علي؟ فمشى إليه هو وعمر حتى ~~استرضياه، وكانا يسميانه مدة حياته أميرا)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن الخليفة إما أن يكون معناه: الذي يخلف غيره ~~وإن كان # PageV01P182 # لم يستخلفه، كما هو المعروف في اللغة، وهو قول الجمهور. وإما أن يكون ~~معناه: من استخلفه غيره، كما قاله طائفة من أهل الظاهر والشيعة ونحوهم. فإن ~~كان هو الأول؛ فأبو بكر خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه خلفه ~~بعد موته، ولم يخلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد بعد موته إلا أبو ~~بكر ن فكان هو الخليفة دون غيره ضرورة، فإن الشيعة وغيرهم لا ينازعون في ~~أنه هو الذي صار ولي الأمر بعده، وصار خليفة له يصلي بالمسلمين، ويقيم فيهم ~~الحدود، ويقسم بينهم الفيء، ويغزو بهم العدو، ويولي عليهم العمال والأمراء، ~~وغير ذلك من الأمور التي يفعلها ولاة الأمور. # فهذه باتفاق الناس إنما باشرها بعد موته أبو بكر، فكان هو الخليفة ms175 للرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - فيها قطعا. لكن أهل السنة يقولون: خلفه وكان هو أحق ~~بخلافته والشيعة يقولون: علي كان هو الأحق لكن تصح خلافة أبي بكر، ويقولون: ~~ما كان يحل له أن يصير هو الخليفة، لكن لا ينازعون في أنه صار خليفة # بالفعل، وهو مستحق لهذا الاسم، إذ كان الخليفة من خلف غيره على كل تقدير. # وأما إن قيل: إن الخليفة من استخلفه غيره، كما قاله بعض أهل السنة وبعض ~~الشيعة، فمن قال هذا من أهل السنة فإنه يقول: إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استخلف أبا بكر إما بالنص الجلي، كما قال بعضهم، وإما بالنص الخفي. ~~كما أن الشيعة القائلين بالنص على علي منهم من يقول بالنص الجلي، كما تقوله ~~الإمامية، ومنهم من يقول بالنص الخفي، كما تقوله الجارودية من الزيدية. ~~ودعوى أولئك للنص الجلي أو الخفي على أبي بكر أقوى وأظهر بكثير من دعوى ~~هؤلاء للنص على علي، لكثرة النصوص الدالة على ثبوت خلافة أبي بكر، وأن عليا ~~لم يدل على خلافته إلا ما يعلم أنه كذب، أو يعلم أنه لا دلالة فيه. # وعلى هذا التقدير فلم يستخلف بعد موته أحدا إلا أبا بكر، فلهذا كان هو ~~الخليفة، فإن الخليفة المطلق هو من خلفه بعد موته، أو استخلفه بعد موته. ~~وهذان الوصفان لم يثبتا إلا لأبي بكر؛ فلهذا كان هو الخليفة. # وأما استخلافه لعلي على المدينة، فذلك ليس من خصائصه، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا خرج في غزاة استخلف على المدينة رجلا من أصحابه، ~~كما استخلف ابن أم مكتوم تارة، # PageV01P183 # وعثمان ابن عفان تارة. # وإذا كان قد استخلف غير علي على أكثر وأفضل مما استخلف عليه عليا، وكان ~~ذلك استخلافا مقيدا على طائفة معينة في مغيبه، ليس هو استخلافا مطلقا بعد ~~موته على أمته، لم يطلق على أحد من هؤلاء أنه خليفة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا مع التقييد. وإذا سمي علي بذلك فغيره من الصحابة ~~المستخلفين أولى بهذا الاسم، فلم يكن ms176 هذا من خصائصه. # وأيضا فالذي يخلف المطاع بعد موته لا يكون إلا أفضل الناس. وأما الذي ~~يخلفه في حال غزوه لعدوه، فلا يجب أن يكون أفضل الناس، بل العادة جارية ~~بأنه يستصحب في خروجه لحاجته إليه في المغازي من يكون عنده أفضل ممن ~~يستخلفه على عياله، لأن الذي ينفع في الجهاد هو شريكه فيما يفعله، فهو أعظم ~~ممن يخلفه على العيال، فإن نفع ذاك ليس كنفع المشارك له في الجهاد. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما شبه عليا بهارون في أصل الاستخلاف لا ~~في كماله، ولعلي شركاء في هذا الاستخلاف. يبين ذلك أن موسى لما ذهب إلى ~~ميقات ربه لم يكن معه أحد يشاركه في ذلك، فاستخلف هارون على جميع قومه. ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذهب إلى غزوة تبوك أخذ معه جميع ~~المسلمين إلا المعذور، ولم يستخلف عليا إلا على العيال وقليل من الرجال، ~~فلم يكن استخلافه كاستخلاف موسى لهارون، بل ائتمنه في حال مغيبه، كما ائتمن ~~موسى هارون في حال مغيبه، فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - إن ~~الاستخلاف ليس لنقص مرتبة المستخلف، بل قد يكون لأمانته كما استخلف موسى ~~هارون على قومه، وكان علي خرج إليه يبكي وقال: أتذرني مع الصبيان والنساء؟ ~~كأنه كره أن يتخلف عنه. # وأما قوله: ((أنه قال له: إن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك)) فهذا كذب ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعرف في كتب العلم المعتمدة. ومما ~~يبين كذبه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة غير مرة ومعه ~~علي. وليس بالمدينة لا هو ولا علي. فكيف يقول: إن المدينة لا تصلح إلا بي ~~أو بك؟ # والرافضة من فرط جهلهم يكذبون الكذب الذي لا يخفى على من له بالسيرة أدنى ~~علم. # وأما قوله: ((إنه أمر أسامة - رضي الله عنه - على الجيش الذين فيهم أبو ~~بكر وعمر)) . # PageV01P184 # فمن الكذب الذي يعرفه من له أدنى معرفة بالحديث؛ فإن أبا بكر لم يكن في ~~ذلك الجيش، بل كان ms177 النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلفه في الصلاة من حين ~~مرض إلى أن مات، وأسامة قد روي أنه قد عقد له الراية قبل مرضه، ثم لما مرض ~~أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فصلى بهم إلى أن مات النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فلو قدر أنه أمر بالخروج مع أسامة قبل المرض لكن أمره له بالصلاة ~~تلك المدة، مع إذنه لأسامة أن يسافر في مرضه، موجبا لنسخ إمرة أسامة عنه، ~~فكيف إذا لم يؤمر عليه أسامة بحال؟ # وقوله: ((ومات ولم يعزله)) . # فأبو بكر أنفذ جيش أسامة - رضي الله عنه - بعد أن أشار الناس عليه برده ~~خوفا من العدو. وقال: والله لا أحل راية عقدها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، مع أنه كان يملك عزله # ، كما كان يملك ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه قام مقامه، ~~فيعمل ما هو أصلح للمسلمين. # وأما ما ذكره من غضب أسامة لما تولى أبو بكر، فمن الأكاذيب السمجة، فإن ~~محبة أسامة - رضي الله عنه - لأبي بكر وطاعته له أشهر وأعرف من أن تنكر، ~~وأسامة من أبعد الناس عن الفرقة والاختلاف، فإنه لم يقاتل لا مع علي ولا مع ~~معاوية واعتزل الفتنة. وأسامة لم يكن من قريش، ولا ممن يصلح للخلافة، ولا ~~يخطر بقلبه أن يتولاها، فأي فائدة له في أن يقول مثل هذا القول لأي من تولى ~~الأمر، مع علمه أنه لا يتولى الأمر أحد إلا كان خليفة عليه، ولو قدر أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره على أبي بكر ثم مات، فبموته صار الأمر ~~إلى الخليفة من بعده، وإليه الأمر في إنفاذ الجيش أو حبسه، وفي تأمير أسامة ~~أو عزله. وإذا قال: أمرني عليك فمن استخلفك علي؟ قال: من استخلفني على جميع ~~المسلمين، وعلى من هو أفضل منك. وإذا قال: أنا أمرني عليك. قال: أمرك علي ~~قبل أن أستخلف، فبعد أن صرت خليفة صرت أنا الأمير عليك. # ومثل هذا لا ينكره إلا جاهل. وأسامة أعقل وأتقى وأعلم من أن يتكلم ms178 بمثل ~~هذا الهذيان لمثل أبي بكر. # وأعجب من هذا قول هؤلاء المفترين: إنه مشى هو وعمر إليه حتى استرضياه، مع ~~قولهم: إنهما قهرا عليا وبني هاشم وبني عبد مناف، ولم يسترضياهم، وهم أعز ~~وأقوى # PageV01P185 # وأكثر وأشرف من أسامة - رضي الله عنه -، فأي حاجة بمن قهروا بني هاشم ~~وبني أمية وسائر بني عبد مناف، وبطون قريش والأنصار والعرب، إلى أن يسترضوا ~~أسامة بن زيد، وهو من أضعف رعيتهم، ليس له قبيلة ولا عشيرة، ولا معه مال ~~ولا رجال، ولولا حب النبي - صلى الله عليه وسلم - إياه وتقديمه له لم يكن ~~إلا كأمثاله من الضعفاء؟. # فإن قلتم: إنهما استرضياه لحب النبي - صلى الله عليه وسلم - له. فأنتم ~~تقولون: إنهم بدلوا عهده، وظلموا وصيه وغصبوه، فمن عصى الأمر الصحيح، وبدل ~~العهد البين، وظلم واعتدى وقهر، ولم يلتفت إلى طاعة الله ورسوله، ولم يرقب ~~في آل محمد إلا ولا ذمة، يراعي مثل أسامة بن زيد ويسترضيه؟ وهو قد رد شهادة ~~أم أيمن ولم يسترضيها، وأغضب فاطمة وآذاها، وهي أحق بالاسترضاء. فمن يفعل ~~هذا أي حاجة به إلى استرضاء أسامة بن زيد؟ # وإنما يسترضى الشخص للدين أو للدنيا، فإذا لم يكن عندهم دين يحملهم على ~~استرضاء من يجب استرضاؤه، ولا هم محتاجون في الدنيا إليه، فأي داع يدعوهم ~~إلى استرضائه؟! والرافضة من جهلهم وكذبهم يتناقضون تناقضا كثيرا بينا إذ هم ~~في قول مختلف، يوفك عنه من أفك. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وسموا عمر الفاروق، ولم يسموا عليا عليه السلام بذلك، مع ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: هذا فاروق أمتي يفرق بين أهل ~~الحق والباطل. وقال ابن عمر: ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا ببغضهم عليا عليه السلام)) . # فيقال: أولا: أما هذان الحديثان فلا يستريب أهل المعرفة بالحديث أنهما ~~حديثان موضوعان مكذوبان على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرو واحد ~~منهما في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا لواحد منهما إسناد معروف. # ويقال: ثانيا: من ms179 احتج في مسألة فرعية بحديث فلا بد أن يسنده، فكيف في ~~مسائل أصول الدين؟ وإلا فمجرد قول القائل: ((قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -)) ليس حجة باتفاق أهل العلم. ولو كان حجة لكان كل حديث قال فيه واحد ~~من أهل السنة: ((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) حجة، ونحن نقنع في ~~هذا الباب بأن يروى الحديث بإسناد معروفون بالصدق من # PageV01P186 # أي طائفة كانوا. # لكن إذا لم يكن الحديث له إسناد، فهذا الناقل له، وإن كان لم يكذبه بل ~~نقله من كتاب غيره، فذلك الناقل لم يعرف عمن نقله. ومن المعروف كثرة الكذب ~~في هذا الباب وغيره، فكيف يجوز لأحد أن يشهد على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بما لم يعرف إسناده؟ # ويقال: ثالثا: من المعلوم لكل من له خبرة أن أهل الحديث أعظم الناس بحثا ~~عن أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وطلبا لعلمها، وأرغب الناس في ~~اتباعها، وأبعد الناس عن اتباع هوى يخالفها، فلو ثبت عندهم أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لعلي هذا، لم يكن أحد من الناس أولى منهم باتباع ~~قوله، فإنهم يتبعون قوله إيمانا به، ومحبة لمتابعته، ولا لغرض لهم في الشخص ~~الممدوح. # فلو ثبت عندهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي: هذا فاروق ~~أمتي، لقبلوا ذلك، ونقلوه، كما نقلوا قوله لأبي عبيدة: ((هذا أمين هذه ~~الأمة)) (1) وقوله للزبير: ((إن لكل نبي حوارى وحواري الزبير)) (2) وكما ~~قبلوا ونقلوا قوله لعلي ((لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه ~~الله ورسوله)) (3) وحديث الكساء لما قال لعلي وفاطمة وحسن وحسين: ((اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) (4) وأمثال ذلك. # ويقال: رابعا: كل من الحديثين يعلم بالدليل أنه كذب، لا يجوز نسبته إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإنه يقال: ما المعنى بكون علي أو غيره ~~فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل؟ إن عنى بذلك أنه يميز بين أهل الحق ~~والباطل، فيميز بين المؤمنين والمنافقين، فهذا أمر لا يقدر عليه ms180 أحد من ~~البشر: لا نبي ولا غيره. وقد قال تعالى: {من حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} (5) كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يعلم عين كل منافق في مدينته وفيما حولها، فكيف يعلم ~~ذلك غيره؟ # ومحبة الرافضة لعلي باطلة، فإنهم يحبون ما لم يوجد، وهو الإمام المعصوم ~~المنصوص على إمامته، الذي لا إمام بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ~~هو، الذي كان يعتقد أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما PageV01P187 # ظالمان معتديان أو كافران، فإذا تبين لهم يوم القيامة أن عليا لم يكن ~~أفضل من واحد من هؤلاء، وإنما غايته أن يكون قريبا من أحدهم، وإنه كان مقرا ~~بإمامتهم وفضلهم، ولم يكن معصوما لا هو ولا هم ولا كان منصوصا على إمامته، ~~تبين لهم أنهم لم يكونوا يحبون عليا، بل هم من أعظم الناس بغضا لعلي - رضي ~~الله عنه - في الحقيقة، فإنهم يبغضون من اتصف بالصفات التي كانت في علي ~~أكمل منها في غيره: من إثبات إمامة الثلاثة وتفضيلهم، فإن عليا - رضي الله ~~عنه - كان يفضلهم ويقر بإمامتهم. فتبين أنهم مبغضون لعلي قطعا. # وبهذا يتبين الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن علي - رضي الله عنه - أنه ~~قال: إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه ((لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني ~~إلامنافق)) (1) إن كان هذا محفوظا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ~~الرافضة لا تحبه على ما هو عليه، بل محبتهم من جنس محبة اليهود لموسى ~~والنصارى لعيسى، بل الرافضة تبغض نعوت علي وصفاته، كما تبغض اليهود ~~والنصارى نعوت موسى وعيسى، فإنهم يبغضون من أقر نبوة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، وكانا مقرين بها صلى الله عليهم أجمعين. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأعظموا أمر عائشة على باقي نسوانه، مع أنه عليه السلام ~~كان يكثر من ذكر خديجة بنت خويلد، وقالت له عائشة: إنك تكثر من ذكرها، وقد ~~أبدلك الله خيرا منها. فقال: والله ما بدلت بها ما هو خير ms181 منها؛ صدقتني إذ ~~كذبني الناس، وآوتني إذ طردني الناس، وأسعدتني بمالها، ورزقني الله الولد ~~منها، ولم أرزق من غيرها)) . # والجواب أولا: أن يقال: إن أهل السنة ليسوا مجمعين على أن عائشة أفضل ~~نسائه، بل قد ذهب إلى ذلك كثير من أهل السنة، واحتجوا بما في الصحيحين عن ~~أبي موسى وعن أنس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)) (2) . # والثريد هو أفضل الأطعمة لأنه خبز ولحم، كما قال الشعر: # إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد PageV01P188 # وذلك أن البر أفضل الأقوات، واللحم أفضل الإدام، كما في الحديث الذي رواه ~~ابن قتيبة وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((سيد إدام أهل ~~الدنيا والآخرة اللحم)) (1) . فإذا كان اللحم سيد الآدام، والبر سيد ~~الأقوات، ومجموعها الثريد، لكان الثريد أفضل الطعام. وقد صح من غير وجه عن ~~الصادق المصدوق أنه قال: ((فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر ~~الطعام)) . # وفي الصحيح عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: أي ~~الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة)) . قلت: من الرجال؟ قال: ((أبوها)) . قلت: ~~ثم من؟ قال: ((عمر)) وسمى رجالا (2) . # وهؤلاء يقولون: قوله لخديجة: ((ما أبدلني الله بخير منها)) : إن صح ~~معناه: ما أبدلني بخير لي منها؛ لأن خديجة نفعته في أول الإسلام نفعا لم ~~يقم غيرها فيه مقامها، فكانت خيرا له من هذا الوجه، لكونها نفعته وقت ~~الحاجة، لكن عائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين، فحصل لها من العلم ~~والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول زمن النبوة، فكانت أفضل بهذه ~~الزيادة، فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت من العلم ~~والسنة ما لم يبلغه غيرها، فخديجة كان خيرها مقصورا على نفس النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، لم تبلغ عنه شيئا، ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعوا ~~بعائشة، ولا كان الدين قد كمل حتى تعلمه ويحصل لها من كمال الإيمان ms182 به ما ~~حصل لمن علمه وآمن به بعد كماله. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأذاعت سر رسول الله صلى لله عليه وسلم، وقال لها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: إنك تقاتلين عليا وأنت ظالمة له، ثم إنها خالفت أمر ~~الله في قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} ، وخرجت في ملأ من الناس لتقاتل عليا ~~على غير ذنب، لأن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان، وكانت هي في كل وقت تأمر ~~بقتله، وتقول اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا، ولما بلغها قتله فرحت بذلك، ثم ~~سألت: من تولى الخلافة؟ فقالوا علي. فخرجت لقتاله على دم PageV01P189 # عثمان، فأي ذنب كان لعلي على ذلك؟ وكيف استجاز طلحة والزبير وغيرهما ~~مطاوعتها على ذلك؟ وبأي وجه يلقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ مع أن ~~الواحد منا لو تحدث مع امرأة غيره وأخرجها من منزلها وسافر بها كان أشد ~~الناس عداوة له، وكيف أطاعها على ذلك عشرات ألوف من المسلمين، وساعدوها على # حرب أمير المؤمنين، ولم ينصر أحد منهم بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما طلبت حقها من أبي بكر، ولا شخص واحد كلمه بكلمة واحدة)) . # والجواب: أن يقال: أما أهل السنة فإنهم في هذا الباب وغيره قائمون بالقسط ~~شهداء لله، وقولهم حق وعدل لا يتناقض. وأما الرافضة وغيرهم من أهل البدع ~~ففي أقوالهم من الباطل والتناقض ما ننبه إن شاء الله تعالى على بعضه، وذلك ~~أن أهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين: عائشة ~~وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد ~~الأنبياء، وأهل السنة يقولون: إن أهل الجنة ليس من شرطهم سلا متهم عن ~~الخطأ، بل ولا عن الذنب، بل يجوز أن يذنب الرجل منهم ذنبا صغيرا أو كبيرا ~~ويتوب منه. وهذا متفق عليه بين المسلمين، ولو لم يتب منه فالصغائر مغفورة ~~باجتناب الكبائر عند جماهيرهم، بل وعند الأكثرين منهم أن الكبائر قد تمحى ~~بالحسنات التي هي أعظم منها، وبالمصائب المكفرة وغير ذلك. # وإذا كان ms183 هذا أصلهم فيقولون: ما يذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه ~~كذب، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه، ولكن لم يعرف كثير من الناس وجه ~~اجتهادهم، وما قدر أنه كان فيه ذنب من الذنوب لهم فهو مغفور لهم: إما ~~بتوبة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك؛ فإنه قد قام ~~الدليل الذي يجب القول بموجبه: إنهم من أهل الجنة فامتنع أن يفعلوا ما يوجب ~~النار لا محالة، وإذا لم يمت أحد منهم، على موجب النار لم يقدح ما سوى ذلك ~~في استحقاقهم للجنة. ونحن قد علمنا أنهم من أهل الجنة، ولو لم يعلم أن ~~أولئك المعينين في الجنة لم يجز لنا أن نقدح في استحقاقهم للجنة بأمور لا ~~نعلم أنها توجب النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين الذين لم يعلم ~~أنهم يدخلون الجنة، ليس لنا أن نشهد لأحد منهم بالنار لأمور محتملة لا تدل ~~على ذلك، فكيف يجوز مثل ذلك في خيار المؤمنين، والعلم بتفاصيل # PageV01P190 # أحوال كل واحد واحد منهم باطنا وظاهرا، وحسناته وسيئاته واجتهاداته، أمر ~~يتعذر علينا معرفته؟! فكان كلامنا في ذلك كلاما فيما لا نعلمه، والكلام بلا ~~علم حرام، فلهذا كان الإمساك عما شجر بين الصحابة خيرا من الخوض في ذلك ~~بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كان كثير من الخوض في ذلك - أو أكثره - كلاما ~~بلا علم، وهذا حرام لو لم يكن فيه # هوى ومعارضة الحق المعلوم، فكيف إذا كان كلاما بهوى يطلب فيه دفع الحق ~~المعلوم؟ # وأما قوله: ((وأذاعت سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) فلا ريب أن ~~الله تعالى يقول: {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره ~~الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال ~~نبأني العليم الخبير} (1) . # وقد ثبت في الصحيح عن عمر أنها عائشة وحفصة (2) . # فيقال: أولا: هؤلاء يعمدون إلى نصوص القرآن التي فيها ذكر ذنوب ومعاص ~~بينة لمن نصت عنه من المتقدمين يتأولون النصوص بأنواع التأويلات، وأهل ~~السنة ms184 يقولون: بل أصحاب الذنوب تابوا منها ورفع الله درجاتهم بالتوبة. # وهذه الآية ليست أولى في دلالتها على الذنوب من تلك الآيات، فإن كان ~~تأويل تلك سائغا كان تأويل هذه كذلك، وإن كان تأويل هذه باطلا فتأويل تلك ~~أبطل. # ويقال: ثانيا: بتقدير أن يكون هناك ذنب لعائشة وحفصة، فيكونان قد تابتا ~~منه. وهذا ظاهر لقوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} ، ~~فدعاهما الله تعالى إلى التوبة، فلا يظن بهما أنهما لم يتوبا، مع ما ثبت من ~~علو درجتهما، وأنهما زوجتا نبينا في الجنة، وأن الله خيرهن بين الحياة ~~الدنيا وزينتها وبين الله ورسوله والدار الآخرة، فاخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة، ولذلك حرم الله عليه أن يتبدل بهن غيرهن، وحرم عليه أن يتزوج ~~عليهن، واختلف في إباحة ذلك له بعد ذلك، ومات عنهن وهن أمهات المؤمنين بنص ~~القرآن. ثم قد تقدم أن الذنب يغفر ويعفى عنه بالتوبة وبالحسنات الماحية ~~وبالمصائب المكفرة. # ويقال: ثالثا: المذكور عن أزواجه كالمذكور عمن شهد له بالجنة من أهل بيته ~~وغيرهم PageV01P191 # من الصحابة، فإن عليا لما خطب ابنة أبي جهل على فاطمة، وقام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خطيبا فقال: ((إن بني المغيرة استأذنوني أن ينكحوا # عليا ابنتهم، وإني لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب ~~أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم، إنما فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ~~ما آذاها)) فلا يظن بعلي - رضي الله عنه - أنه ترك الخطبة في الظاهر فقط، ~~بل تركها بقلبه وتاب بقلبه عما كان طلبه وسعى فيه. # وأما الحديث الذي رواه وهو قوله لها: ((تقاتلين عليا وأنت ظالمة له)) ~~فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو ~~بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعا، فإن ~~عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، ~~وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان ~~أولى، فكانت ms185 إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها. # وأما قوله: ((وخالفت أمر الله في قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى} (1) . فهي - رضي الله عنه - لم تتبرج تبرج الجاهلية ~~الأولى. والأمر بالاستقرار في البيوت لا ينافي الخروج لمصلحة مأمور بها، ~~كما لو خرجت للحج وللعمرة أو خرجت مع زوجها في سفرة، فإن هذه الآية قد نزلت ~~في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سافر بهن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد ذلك كما سافر في حجة الوداع بعائشة رضي الله عنها وغيرها، ~~وأرسلها مع عبد الرحمن أخيها فأردفها خلفه، وأعمرها من التنعيم. # وأما قوله: ((إنها خرجت في ملأ من الناس تقاتل عليا من غير ذنب)) . # فهذا أولا: كذب عليها. فإنها لم تخرج لقصد القتال، ولا كان أيضا طلحة ~~والزبير قصدهما قتال علي، ولو قدر أنهم قصدوا القتال، فهذا هو القتال ~~المذكور في قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ~~فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ~~فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون ~~إخوة فأصلحوا بين أخويكم} (2) فجعلهم مؤمنين إخوة مع الاقتتال. وإذا كان ~~هذا ثابتا لمن هو دون أولئك المؤمنين فهم به PageV01P192 # أولى وأحرى. # وأما قوله: ((إن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان)) . # فجوابه من وجوه: أحدها: أن يقال: أولا: هذا من أظهر الكذب وأبينه؛ فإن ~~جماهير المسلمين لم يأمروا بقتله، ولا شاركوا في قتله، ولا رضوا بقتله. # أما أولا: فلأن أكثر المسلمين لم يكونوا بالمدينة، بل كانوا بمكة واليمن ~~والشام والكوفة والبصرة ومصر وخراسان، وأهل المدينة بعض المسلمين. # وأما ثانيا: فلأن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان لا قتل ~~ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل ~~وأهل الفتن، وكان علي - رضي الله عنه - يحلف دائما: ((إني ما قتلت عثمان ~~ولا مالأت على قتله)) ويقول: ((اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر ~~والسهل والجبل)) ms186 . وغاية ما يقال: إنهم لن ينصروه حق النصرة، وأنه حصل نوع ~~من الفتور والخذلان، حتى تمكن أولئك المفسدون. ولهم في ذلك تأويلات، وما ~~كانوا يظنون أن الأمر يبلغ إلى ما بلغ، ولو علموا ذلك لسدوا الذريعة وحسموا ~~مادة الفتنة. # الثاني: أن هؤلاء الرافضة في غاية التناقض والكذب؛ فإنه من المعلوم أن ~~الناس أجمعوا على بيعة عثمان ما لم يجمعوا على قتله؛ فإنهم كلهم بايعوه في ~~جميع الأرض. فإن جاز الاحتجاج بالإجماع الظاهر، فيجب أن تكون بيعته حقا ~~لحصول الإجماع عليها. وإن لم يجز الاحتجاج به، بطلت حجتهم بالإجماع على ~~قتله. لا سيما ومن المعلوم أنه لم يباشر قتله إلا طائفة قليلة. ثم إنهم ~~ينكرون الإجماع على بيعته، ويقولون: إنما بايع أهل الحق منهم خوفا وكرها. ~~ومعلوم أنهم لو اتفقوا كلهم على قتله، وقال قائل: كان أهل الحق كارهين ~~لقتله لكن سكتوا خوفا وتقية على أنفسهم، لكان هذا أقرب إلى الحق، لأن ~~العادة قد جرت بأن من يريد قتل الأئمة يخيف من ينازعه، بخلاف من يريد ~~مبايعة الأئمة، فإنه لا يخيف المخالف، كما يخيف من يريد قتله، فإن المريدين ~~للقتل أسرع إلى الشر وسفك الدماء وإخافة الناس من المريدين للمبايعة. # قدر أن جميع الناس ظهر منهم الأمر بقتله، فكيف وجمهورهم أنكروا قتله، # PageV01P193 # ودافع عنه من دافع في بيته، كالحسن بن علي وعبد الله بن الزبير وغيرهما؟ # ثم دعوى المدعي الإجماع على قتل عثمان مع ظهور الإنكار من جماهير الأمة ~~له وقيامهم في الانتصار له والانتقام ممن قتله، أظهر كذبا من دعوى المدعي ~~إجماع الأمة على قتل الحسين - رضي الله عنه -. # فلو قال قائل: إن الحسين قتل بإجماع الناس، لأن الذين قاتلوه وقتلوه لم ~~يدفعهم أحد عن ذلك، لم يكن كذبه بأظهر من كذب المدعي للإجماع على قتل ~~عثمان؛ فإن الحسين - رضي الله عنه - لم يعظم إنكار الأمة لقتله، كما عظم ~~إنكارهم لقتل عثمان، ولا انتصر له جيوش كالجيوش الذين انتصرت لعثمان، ولا ~~انتقم أعوانه من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان من ms187 أعدائه، ولا حصل بقتله من ~~الفتنة والشر والفساد ما حصل بقتل عثمان، ولا كان قتله أعظم إنكارا عند ~~الله وعند رسوله وعند المؤمنين من قتل عثمان؛ فإن عثمان من أعيان السابقين ~~الأولين من المهاجرين من طبقة علي وطلحة والزبير، وهو خليفة للمسلمين ~~أجمعوا على بيعته، بل لم يشهر في الأمة سيفا ولا قتل على ولايته أحدا، وكان ~~يغزو بالمسلمين الكفار بالسيف، وكان السيف في خلافته كما كان في خلافة أبي ~~بكر وعمر مسلولا على الكفار، مكفوفا عن أهل القبلة. # وأما قوله: ((إن عائشة كانت في كل وقت تأمر بقتل عثمان، وتقول في كل وقت: ~~اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا، ولما بلغها قتله فرحت بذلك)) . # فيقال له: أولا: أين النقل الثابت عن عائشة بذلك؟ # ويقال: ثانيا: المنقول الثابت عنها يكذب ذلك، ويبين أنها أنكرت قتله، ~~وذمت من قتله، ودعت على أخيها محمد وغيره لمشاركتهم في ذلك. # ويقال: ثالثا: هب أن واحدا من الصحابة: عائشة أو غيرها قال في ذلك على ~~وجه الغضب، لإنكاره بعض ما ينكر، فليس قوله حجة، ولا يقدح ذلك لا في إيمان ~~القائل ولا المقول له، بل قد يكون كلاهما وليا لله تعالى من أهل الجنة، ~~ويظن أحدهما جواز قتل الآخر، بل يظن كفره، وهو مخطئ في هذا الظن. # والكلام في الناس يجب أن يكون في علم وعدل، لا بجهل وظلم، كحال أهل ~~البدع؛ # PageV01P194 # فإن الرافضة تعمد إلى أقوام متقاربين في الفضيلة، تريد أن تجعل أحدهما ~~معصوما من الذنوب والخطايا، والآخر مأثوما فاسقا أو كافرا، فيظهر جهلهم ~~وتناقضهم، كاليهودي والنصراني إذا أراد أن يثبت نبوة موسى أو عيسى، مع قدحه ~~في نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يظهر عجزه وجهله وتناقضه. # وأما قوله: ((إنها سألت من تولى الخلافة؟ فقالوا: علي فخرجت لقتاله على ~~دم عثمان فأي ذنب كان لعلي في ذلك؟)) . # فيقال له: أولا: قول القائل إن عائشة وطلحة والزبير اتهموا عليا بأنه قتل ~~عثمان وقاتلوه على ذلك -كذب بين، بل إنما طلبوا القتلة الذين كانوا تحيزوا ms188 ~~إلى علي، وهم يعلمون أن براءة علي من دم عثمان كبراءتهم وأعظم، لكن القتلة ~~كانوا قد أووا إليه، فطلبوا قتل القتلة، ولكن كانوا عاجزين عن ذلك هم وعلي، ~~لأن القوم كانت لهم قبائل يذبون عنهم. # والفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر رضي ~~الله عنهم عاجزين عن إطفاء الفتنة وكف أهلها. وهذا شأن الفتن كما قال ~~تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} (1) . وإذا وقعت ~~الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله. # وأيضا قوله: ((أي ذنب كان لعلي في قتله؟)) . # تناقض منه، فإنه يزعم أن عليا كان ممن يستحل قتله وقتاله، وممن ألب عليه ~~وقام في ذلك، فإن عليا - رضي الله عنه - نسبه إلى قتل عثمان كثير من شيعته ~~ومن شيعة عثمان، هؤلاء لبغضهم لعثمان وهؤلاء لبغضهم لعلي، وأما جماهير ~~المسلمين فيعلمون كذب الطائفتين على علي. # والرافضة تقول: إن عليا كان ممن يستحل قتل عثمان، بل وقتل أبي بكر وعمر، ~~وترى أن الإعانة على قتله من الطاعات والقربات. فكيف يقول من هذا اعتقاده: ~~أي ذنب كان لعلي على ذلك؟ وإنما يليق هذا التنزيه لعلي بأقوال أهل السنة، ~~لكن الرافضة من أعظم الناس تناقضا. # وأما قوله: ((وكيف استجاز طلحة والزبير وغيرهما مطاوعته على ذلك؟ وبأي ~~وجه يلقون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ مع أن الواحد منا لو تحدث مع ~~امرأة غيره وأخرجها من منزلها PageV01P195 # وسافر بها كان أشد الناس عداوة له)) . # فيقال: هذا من تناقض الرافضة وجهلهم؛ فإنهم يرمون عائشة بالعظائم، ثم ~~منهم من يرميها بالفاحشة التي برأها الله منها، وأنزل القرآن في ذلك. # ثم إنهم لفرط جهلهم يدعون ذلك في غيرها من نساء الأنبياء، فيزعمون أن ~~امرأة نوح كانت بغيا، وأن الابن الذي دعاه نوح لم يكن منه وإنما كان منها، ~~وأن معنى قوله: {إنه عمل غير صالح} (1) . أن هذا الولد من عمل غير صالح. ~~ومنهم من يقرأ: {ونادى نوح ابنه} (2) . يريدون: ابنها، ويحتجون بقوله: {إنه ~~ليس من أهلك} . ويتأولون ms189 قوله تعالى: # {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما} (3) على أن امرأة نوح خانته في فراشه، وأنها كانت ~~قحبة. # وضاهوا في ذلك المنافقين والفاسقين أهل الإفك الذين رموا عائشة بالإفك ~~والفاحشة ولم يتوبوا، وفيهم خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا ~~أيها الناس # من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ~~ولقد ذكروا رجلا، والله ما علمت عليه إلا خيرا)) (4) . # ومن المعلوم أنه من أعظم أنواع الأذى للإنسان أن يكذب على امرأته رجل ~~ويقول إنها بغي ويجعل الزوج زوج قحبة، فإن هذا من أعظم ما يشتم به الناس ~~بعضهم بعضا، حتى إنهم يقولون في المبالغة: شتمه بالزاي والقاف مبالغة في ~~شتمه. # والرمي بالفاحشة - دون سائر المعاصي - جعل الله فيه حد القذف، لأن الأذى ~~الذي يحصل به للمرمي لا يحصل مثله بغيره، فإنه لو رمي بالكفر أمكنه تكذيب ~~الرامي بما يظهره من الإسلام، بخلاف الرمي بالفاحشة؛ فإنه لا يمكنه تكذيب ~~المفتري بما يضاد ذلك، فإن الفاحشة تخفى وتكتم مع تظاهر الإنسان بخلاف ذلك، ~~وأما أهل السنة فعندهم أنه ما بغت امرأة نبي قط، وأن ابن نوح كان ابنه. كما ~~قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {ونادى نوح ابنه} ، وكما قال نوح: {يا ~~بني اركب معنا} ، وقال: {إن ابني من أهلي} . # فالله ورسوله يقولان: إنه ابنه، وهؤلاء الكاذبون المفترون المؤذون ~~للأنبياء يقولون: إنه ليس ابنه. والله تعالى لم يقل: إنه ليس ابنك، ولكن ~~قال: {إنه ليس من أهلك} . # ثم من جهل الرافضة أنهم يعظمون أنساب الأنبياء: آباءهم وأبناءهم ويقدحون ~~في أزواجهم؛ كل ذلك عصبية واتباع هوى حتى يعظمون فاطمة والحسن والحسين، ~~PageV01P196 # ويقدحون في عائشة أم المؤمنين، فيقولون - أو من يقول منهم -: إن آزر أبا ~~إبراهيم كان مؤمنا، وإن أبوي النبي - صلى الله عليه وسلم - كانا مؤمنين، ~~حتى لا يقولون: إن النبي يكون أبوه كافرا، فإذا كان أبوه كافرا أمكن أن ~~يكون ابنه كافرا، فلا يكون ms190 في مجرد النسب فضيلة. # وأما قوله: ((كيف أطاعها على ذلك عشرات ألوف من المسلمين وساعدوها على ~~حرب أمير المؤمنين، ولم ينصر أحد منهم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لما طلبت حقها من أبي بكر - رضي الله عنه -، ولا شخص واحد كلمه بكلمة ~~واحدة)) . # فيقال: أولا: هذا من أعظم الحجج عليك؛ فإنه لا يشك عاقل أن القوم كانوا ~~يحبون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعظمونه ويعظمون قبيلته وبنته ~~أعظم مما يعظمون أبا بكر وعمر، ولو لم يكن هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فكيف إذا كان هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أحب إليهم ~~من أنفسهم وأهليهم؟ ولا يستريب عاقل أن العرب-قريشا وغير قريش-كانت تدين ~~لبني عبد مناف وتعظمهم أعظم مما يعظمون بني تيم وعدي، ولهذا لما مات رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وتولى أبو بكر، قيل لأبي قحافة: مات رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. فقال: حدث عظيم، فمن ولي بعده؟ قالوا أبو بكر. ~~قال: أو رضيت بنو عبد مناف وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم. قال: ذلك فضل الله ~~يؤتيه من يشاء، أو كما قال. # ولهذا جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أرضيتم أن يكون هذا الأمر في بني تيم؟ ~~فقال: يا أبا سفيان إن أمر الإسلام ليس كأمر الجاهلية، أو كما قال. # فإذا كان المسلمون كلهم ليس فيهم من قال: إن فاطمة رضي الله عنها مظلومة، ~~ولا أن لها حقا # PageV01P197 # عند أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولا أنهما ظلماها، ولا تكلم أحد في هذا ~~بكلمة واحدة-دل ذلك على أن القوم كانوا يعلمون أنها ليست مظلومة، إذ لو ~~علموا أنها مظلومة لكان تركهم لنصرتها: إما عجزا عن نصرتها، وإما إهمالا ~~وإضاعة لحقها، وإما بغضا فيها، إذ الفعل الذي يقدر عليه الإنسان إذا أراده ~~إرادة جازمة فعله لا محالة، فإذا لم يرده - مع قيام المقتضى لإرادته -فإما ~~أن يكون جاهلا به، أو له معارض يمنعه من إرادته، فلو كانت مظلومة مع شرفها ~~وشرف ms191 قبيلتها وأقاربها، وأن أباها أفضل الخلق وأحبهم إلى أمته، وهم يعلمون ~~أنها مظلومة -لكانوا إما عاجزين عن نصرتها، وإما أن يكون لهم معارض عارض ~~إرادة النصر مع بغضها، وكلا الأمرين باطل؛ فإن القوم ما كانوا كلهم عاجزين ~~أن يتكلم واحد منهم بكلمة حق، وهم كانوا أقدر على تغيير ما هو أعظم من هذا. # وهذا وغيره مما يبين أن الأمر على نقيض ما تقوله الرافضة من أكاذيبهم، ~~وأن القوم كانوا يعلمون أن فاطمة لم تكن مظلومة أصلا، فكيف ينتصر القوم ~~لعثمان حتى سفكوا دماءهم،، ولا ينتصرون لمن هو أحب إليهم من عثمان، وهو ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وسموها أم المؤمنين ولم يسموا غيرها بذلك، ولم يسموا ~~أخاها محمد بن أبي بكر- مع عظم شأنه وقربه من منزلة أبيه وأخته عائشة أم ~~المؤمنين - فلم يسموه خال المؤمنين، وسموا معوية بن أبي سفيان خال ~~المؤمنين، لأن أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان إحدى زوجات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأخت محمد بن أبي بكر وأبوه أعظم من أخت معاوية ومن أبيها)) . # والجواب أن يقال: أما قوله ((إنهم سموا عائشةرضى الله عنها أم المؤمنين ~~ولم يسموا غيرها بذلك)) . # فهذا من البهتان الواضح الظاهر لكل أحد، وما أدري هل هذا الرجل وأمثاله ~~يتعمدون الكذب، أم أعمى الله أبصارهم لفرط هواهم، حتى خفي عليهم أن هذا ~~كذب؟ وهم ينكرون على بعض النواصب أن الحسن لما قال لهم أما تعلمون أني ابن ~~فاطمة بنت # PageV01P198 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: والله ما نعلم ذلك. وهذا لا ~~يقوله ولا يجحد نسب الحسين إلا متعمدا للكذب والافتراء، ومن أعمى الله ~~بصيرته باتباع هواه حتى يخفى عليه مثل هذا؟ فإن عين الهوى عمياء. والرافضة ~~أعظم جحدا للحق تعمدا، وأعمى من هؤلاء؛ فإن منهم - من المنتسبين إليهم - ~~كالنصيرية وغيرهم من يقول: إن الحسن والحسين ما كانا أولاد علي، بل أولاد ~~سلمان الفارسي. ومنهم من يقول: إن عليا لم يمت، وكذلك يقولون عن غيره. ms192 # ومنهم من يقول: إن أبا بكر وعمر ليسا مدفونين عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ومنهم من يقول: إن رقية وأم كلثوم زوجتي عثمان ليستا بنتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ولكن هما بنتا خديجة من غيره. ولهم في المكابرات وجحد ~~العلومات بالضرورة أعظم مما لأولئك النواصب الذين قتلوا الحسين. وهذا مما ~~يبين أنهم أكذب وأظلم وأجهل من قتلة الحسين. # وذلك أنه من المعلوم أن كل واحدة من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقال لها ((أم المؤمنين)) عائشة، وحفصة، وزينب بنت جحش، وأم سلمة، وسودة ~~بنت زمعة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ~~وصفية بنت حي بن أخطب الهارونية، رضي الله عنهن. وقد قال الله تعالى: ~~{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} (1) . وهذا أمر معلوم ~~للأمة علما # عاما، وقد أجمع المسلمون على تحريم نكاح هؤلاء بعد موته على غيره، وعلى ~~وجوب احترامهن؛ فهن أمهات المؤمنين في الحرمة والتحريم، ولسن أمهات ~~المؤمنين في المحرمية، فلا يجوز لغير أقاربهن الخلوة بهن، ولا السفر بهن، ~~كما يخلو الرجل ويسافر بذوات محارمه. PageV01P199 # وأما قوله: ((وعظم شأنه)) . # فإن أراد عظم نسبه، فالنسب لاحرمة له عندهم، لقدحهم في أبيه وأخته. وأما ~~أهل السنة فإنما يعظمون بالتقوى، لا بمجرد النسب. قال تعالى: {إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم} (1) . وإن أراد عظم شأنه لسابقته وهجرته ونصرته وجهاده، ~~فهو ليس من الصحابة: لا من المهاجرين ولا من الأنصار. وإن أراد بعظم شأنه ~~أنه كان من أعلم الناس وأدينهم، فليس الأمر كذلك. # وأما قوله: ((وأخت محمد وأبوه أعظم من أخت معاوية وأبيها)) . # فيقال: هذه الحجة باطلة على الأصلين. وذلك أن أهل السنة لا يفضلون الرجل ~~إلا بنفسه، فلا ينفع محمدا قربه من أبي بكر وعائشة، ولا يضر معاوية أن يكون ~~ذلك أفضل نسبا منه، وهذا أصل معروف لأهل السنة، كما لم يضر السابقين ~~الأولين من المهاجرين PageV01P200 # والأنصار الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، كبلال وصهيب وخباب ~~وأمثالهم، أن يكون من تأخر عنهم من الطلقاء وغيرهم، كأبي سفيان ms193 بن حرب ~~وابنيه معاوية ويزيد وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ~~ونحوهم، أعظم نسبا منهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن معاوية ~~الطليق بن الطليق اللعين بن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري ~~فاقتلوه. وكان من المؤلفة قلوبهم، وقاتل عليا وهو عندهم رابع الخلفاء، إمام ~~حق، وكل من حارب إمام حق فهو باغ ظالم)) . # قال: ((وسبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعلي عليه السلام، ومفارقته لأبيه، ~~وبغض معاوية لعلي ومحاربته له. وسموه كاتب الوحي ولم # يكتب له كلمة واحدة من الوحي، بل كان يكتب له رسائل. وقد كان بين يدي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة عشر نفسا يكتبون الوحي، أولهم وأخصهم ~~وأقربهم إليه علي بن أبي طالب عليه السلام، مع أن معاوية لم يزل مشركا ~~بالله تعالى في مدة كون النبي - صلى الله عليه وسلم - مبعوثا يكذب بالوحي ~~ويهزأ بالشرع)) . # والجواب: أن يقال ((أما ما ذكره من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن ~~معاوية وأمر بقتله إذا رؤي على المنبر، فهذا الحديث ليس في شيء من كتب ~~الإسلام التي يرجع إليها في علم النقل، وهو عند أهل المعرفة بالحديث كذب ~~موضوع مختلق على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرافضي الراوي له لم يذكر ~~له إسنادا حتى ينظر فيه، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات. # ومما يبين كذبه أن منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قد صعد عليه بعد ~~معاوية من كان معاوية خيرا منه باتفاق المسلمين. فإن كان يجب قتل من صعد ~~عليه لمجرد الصعود على المنبر، وجب قتل هؤلاء كلهم. ثم هذا خلاف المعلوم ~~بالاضطرار من دين الإسلام، فإن مجرد صعود المنبر لا يبيح قتل مسلم. وإن أمر ~~بقتله لكونه تولى الأمر وهو لا يصلح، فيجب قتل كل من تولى الأمر بعد معاوية ~~ممن معاوية أفضل منه. وهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من ms194 نهيه عن قتل ولاة الأمور وقتالهم، كما تقدم بيانه. # ثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولى أمرها ولا استحلت ~~ذلك. # PageV01P201 # ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء يكون فعله أعظم فسادا من تركه؟ ! # وأما قوله: ((إنه الطليق ابن الطليق)) . # فهذا ليس نعت ذم، فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح، الذين أسلموا عام فتح مكة، ~~وأطلقهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانوا نحوا من ألفى رجل، وفيهم من ~~صار من خيار المسلمين، كالحارث بن هشام، وسهل بن عمرو، وصفوان بن أمية، ~~وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يهجوه ~~ثم حسن إسلامه، وعتاب بن أسيد الذي ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة ~~لما فتحها، وغير هؤلاء ممن حسن إسلامه. # ومعاوية ممن حسن إسلامه باتفاق أهل العلم. ولهذا ولاه عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام، # وكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو ~~بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، ~~مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، فلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولى ~~عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن ~~يحابي في الولاية، ولا كان ممن يحب أبا سفيان أباه، بل كان من أعظم الناس ~~عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، حتى إنه لما جاء به العباس يوم فتح مكة ~~كان عمر حريصا على قتله، حتى جرى بينه وبين العباس نوع من المخاشنة بسبب ~~بغض عمر لأبي سفيان. فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا ~~استحقاقه للإمارة لما أمره. # وأما قوله: ((كان معاوية من المؤلفة قلوبهم)) . # نعم ms195 وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه ~~عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، وهؤلاء ~~من خيار المسلمين. والمؤلفة قلوبهم غالبهم حسن إسلامه، وكان الرجل منهم ~~يسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب ~~إليه مما طلعت عليه الشمس. # PageV01P202 # وأما قوله: ((وقاتل عليا وهو عندهم رابع لخلفاء إمام حق، وكل من قاتل ~~إمام حق فهو باغ ظالم)) . # فيقال له: أولا: الباغي قد يكون متأولا معتقدا أنه على حق، وقد يكون ~~متعمدا يعلم أنه باغ، وقد يكون بغيه مركبا من شبهة وشهوة، وهو الغالب. وعلى ~~كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من ~~هو أفضل منه من الذنوب، فضلا عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: ~~إن الذنوب لها أسباب تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، ~~والمصائب المكفرة، وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم. # ويقال لهم: ثانيا: أما أهل السنة فأصلهم مستقيم مطرد في هذا الباب. وأما ~~أنتم فمتناقضون. وذلك أن النواصب - من الخوارج وغيرهم - الذين يكفرون عليا ~~أو يفسقونه أو يشكون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم، لو قالوا ~~لكم: ما الدليل على إيمان علي وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة؛ فإنكم إن ~~احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا # متواتر عن الصحابة، والتابعين والخلفاء الثلاثة، وخلفاء بني أمية كمعاوية ~~ويزيد وعبد الملك وغيرهم، وأنتم تقدحون في إيمانهم، فليس قدحنا في إيمان ~~علي وغيره إلا وقدحكم في إيمان هؤلاء أعظم، والذين تقدحون أنتم فيهم أعظم ~~من الذين نقدح نحن فيهم. وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح. ~~قالوا: آيات القرآن عامة تتناول أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم مثل ما تتناول ~~عليا وأعظم من ذلك. وأنتم قد أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء فإخراجنا عليا ~~أيسر. وإن قلتم بما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضائله: قالوا: ~~هذه الفضائل روتها الصحابة ms196 الذين رووا فضائل أولئك، فإن كانوا عدولا ~~فاقبلوا الجميع، وإن كانوا فساقا فإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا، وليس لأحد ~~أن يقول في الشهود: إنهم إن شهدوا لي كانوا عدولا، وإن شهدوا علي كانوا ~~فساقا، أو: إن شهدوا بمدح من أحببته كانوا عدولا، وإن شهدوا بمدح من أبغضته ~~كانوا فساقا. # PageV01P203 # وأما قوله ((إن سبب ذلك محبة محمد بن أبي بكر لعلي، ومفارقته لأبيه)) . # فكذب بين. وذلك أن محمد بن أبي بكر في حياة أبيه لم يكن إلا طفلا له أقل ~~من ثلاث سنين، وبعد موت أبيه كان من أشد الناس تعظيما لأبيه، وبه كان ~~يتشرف، وكانت له بذلك حرمة عند الناس. # وأما قوله: ((إن سبب قولهم لمعاوية: إنه خال المؤمنين دون محمد، أن محمدا ~~هذا كان يحب عليا، ومعاوية كان يبغضه)) . # فيقال: هذا كذب أيضا؛ فإن عبد الله بن عمر كان أحق بهذا المعنى من هذا ~~وهذا، وهو لم يقاتل لا مع هذا ولا مع هذا، وكان معظما لعلي، محبا له، يذكر ~~فضائله ومناقبه، وكان مبايعا لمعاوية لما اجتمع عليه الناس غير خارج عليه، ~~وأخته أفضل من أخت معاوية، وأبوه أفضل من أبي معاوية، والناس أكثر محبة ~~وتعظيما له من معاوية ومحمد، ومع هذا فلم يشتهر عنه أنه خال المؤمنين. فعلم ~~أنه ليس سبب ذلك ما ذكره. ### | ### | (فصل) # # وأما قول الرافضي: ((وسموه كاتب الوحي ولم يكتب له كلمة واحدة من الوحي)) ~~. # فهذا قول بلا حجة ولا علم، فما الدليل على أنه لم يكتب كلمة واحدة من ~~الوحي، وإنما كان يكتب له رسائل؟ # وقوله: ((إن كتاب الوحي كانوا بضعة عشر أخصهم وأقربهم إليه علي)) . # فلا ريب أن عليا كان ممن يكتب له أيضا، كما كتب الصلح بينه وبين المشركين ~~عام الحديبية. ولكن كان يكتب له أبو بكر وعمر أيضا، ويكتب له زيد بن ثابت ~~بلا ريب. # ففي الصحيحين أن زيد بن ثابت لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من # المؤمنين} (1) . كتبها له (2) . وكتب له أبو بكر وعمر، وعثمان، وعلي، ~~وعامر بن فهيرة، ms197 وعبد الله بن الأرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن ~~سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، وزيد بن ثابت ومعاوية، وشرحبيل بن ~~حسنة رضي الله عنهم. # وأما قوله: ((إن معاوية لم يزل مشركا مدة كون النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مبعوثا)) . # فيقال: لا ريب أن معاوية وأباه وأخاه وغيرهم أسلموا عام فتح مكة، قبل موت ~~النبي PageV01P204 # - صلى الله عليه وسلم - بنحو من ثلاث سنين، فكيف يكون مشركا مدة المبعث، ~~ومعاوية - رضي الله عنه - كان حين بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - صغيرا، ~~كانت هند ترقصه. ومعاوية - رضي الله عنه - أسلم مع مسلمة الفتح، مثل أخيه ~~يزيد، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن ~~حرب وهؤلاء كانوا قبل إسلامهم أعظم كفرا ومحاربة للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من معاوية. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وكان باليمن يوم الفتح يطعن على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره بإسلامه، ويقول: أصبوت إلى ~~دين محمد؟ . # PageV01P205 # والجواب: أما قوله: ((كان باليمن يطعن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وكتب إلى أبيه صخر بن حرب يعيره بإسلامه)) . # فهذا من الكذب المعلوم؛ فإن معاوية إنما كان بمكة، لم يكن باليمن، وأبوه ~~أسلم قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة بمر الظهران ليلة نزل بها، ~~وقال له العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~((من دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو ~~آمن)) (1) . # وأما قوله: ((إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - المدينة)) فهذا صحيح. # وأما قوله: ((إن معاوية كان مقيما على شركه هاربا من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، لأنه كان قدر أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى ~~صار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مضطرا، فأظهر الإسلام، وكان إسلامه ~~قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بخمسة أشهر)) ms198 . # فهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدم ~~قوله: ((إنه من المؤلفة قلوبهم)) والمؤلفة قلوبهم أعطاهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عام حنين من غنائم هوازن، وكان معاوية ممن أعطاه منها، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يتألف السادة المطاعين في عشائرهم، فإن كان ~~معاوية هاربا لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بخمسة أشهر لم يعط شيئا من غنائم حنين. # ومن كانت غايته أن يؤمن لم يحتج إلى تأليف. # ومما يبين كذب ما ذكره هذا الرافضي أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى ~~هذه الغاية، وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية ممن أهدر ~~دمه عام الفتح. # وأما قوله: ((إنه استحق أن يوصف بذلك دون غيره)) . PageV01P206 # ففرية على أهل السنة؛ فإنه ليس فيهم من يقول: إن هذا من خصائص معاوية، بل ~~هو واحد من كتاب الوحي. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فارتد عن الإسلام، ~~وافترى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنه عاد إلى الإسلام. # وأما قوله: ((إنه نزل فيه: {ولكن من شرح بالكفر صدرا} (1) الآية. # فهو باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكره عمار وبلال على الكفر. وردة ~~هذا كانت بالمدينة بعد الهجرة، ولو قدر أنه نزلت فيه هذه الآية؛ فالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل إسلامه وبايعه. # وأما قوله: ((وقد روى عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فسمعته يقول: ((يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي)) فطلع معاوية. ~~وقام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ~~ولم يسمع الخطبة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لعن الله القائد ~~والمقود، أي يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة)) . # فالجواب أن يقال أولا: نحن نطالب بصحة الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا ~~يجوز إلا بعد ثبوته. ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعا ~~أنه كذب. ms199 # ويقال ثانيا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ~~ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له ~~إسناد معروف. # وهذا المحتج به لم يذكر له إسناد. ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد ~~الله بن عمر، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى ~~الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية معروف ثابت عنه، حيث يقول: ما رأيت ~~بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسود من معاوية. قيل له: ولا أبو بكر ~~وعمر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر خيرا منه، وما رأيت بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أسود من معاوية. # قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم يعني معاوية، وكان معاوية كريما حليما. # ثم إن خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن واحدة، بل كان يخطب في ~~الجمع والأعياد والحج وغير ذلك. ومعاوية وأبوه يشهدان الخطب، كما يشهدها ~~المسلمون كلهم. أفتراهما في كل خطبة كانا يقومان ويمكنان من ذلك؟ هذا قدح ~~في النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي سائر المسلمين، إذ يمكنون اثنين ~~PageV01P207 # دائما يقومان ولا يحضران الخطبة ولا الجمعة. وإن كانا يشهدان كل خطبة، ~~فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟. # وأما قوله: ((إنه بالغ في محاربة علي)) . # فلا ريب أنه اقتتل العسكران: عسكر علي ومعاوية بصفين، ولم يكن معاوية ممن ~~يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصا على أن لا يكون قتال، وكان ~~غيره أحرص على القتال منه. ### | ### | (فصل) # # إذا تبين هذا فيقال: قول الرافضة من أفسد الأقوال وأشدها تناقضا؛ فإنهم ~~يعظمون الأمر على من قاتل عليا، ويمدحون من قتل عثمان، مع أن الذم والإثم ~~لمن قتل عثمان أعظم من الذم والإثم لمن قتل عليا، فإن عثمان كان خليفة ~~اجتمع الناس عليه، ولم يقتل مسلما، وقد قتلوه لينخلع من الأمر، فكان عذره ~~في أن يستمر على ولايته أعظم من عذر علي في طلبه لطاعتهم ms200 له، وصبر عثمان ~~حتى قتل مظلوما شهيدا من غير أن يدفع عن نفسه، وعلي بدأ بالقتال أصحاب ~~معاوية، ولم يكونوا يقاتلونه، ولكن امتنع من بيعته. # وإن قيل: إن عثمان فعل أشياء أنكروها. # قيل: تلك الأشياء لم تبح خلعه ولا قتله، وإن أباحت خلعه وقتله كان ما ~~نقموه على علي أولى أن يبيح ترك مبايعته. # وأما قوله: ((الخلافة ثلاثون سنة)) ونحو ذلك. فهذه الأحاديث لم تكن ~~مشهورة شهرة # PageV01P208 # يعلمها مثل أولئك؛ إنما هي من نقل الخاصة لا سيما وليست من أحاديث ~~الصحيحين وغيرهما. وإذا كان عبد الملك بن مروان خفي عليه قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: ((لولا أن قومك حديثوعهد # بالجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين)) (1) ونحو ~~ذلك حتى هدم ما فعله ابن الزبير، ثم لما بلغه ذلك قال: وددت أني وليته من ~~ذلك ما تولاه. مع أن حديث عائشة رضي الله عنها ثابت صحيح متفق على صحته عند ~~أهل العلم، فلأن يخفى على معاوية وأصحابه قوله: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة ~~ثم تصير ملكا)) بطريق الأولى، مع أن هذا في أول خلافة علي - رضي الله عنه - ~~لا يدل على علي عينا، وإنما علمت دلالته على ذلك لما مات - رضي الله عنه -، ~~مع أنه ليس نصا في إثبات خليفة معين. وهم يقولون: # إذا كان لا ينصفنا إما تأويلا منه وإما عجزا منه عن نصرتنا، فليس علينا ~~أن نبايع من نظلم بولايته. # وأما قوله: ((إن معاوية قتل جمعا كثيرا من خيار الصحابة)) . # فيقال: الذين قتلوا قتلوا من الطائفتين؛ قتل هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من ~~هؤلاء. وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا ~~عليا ولا معاوية، وكان علي ومعاوية رضي الله عنهمما أطلب لكف الدماء من ~~أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع. والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء ~~نارها، وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد ~~الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على ms201 ~~القتال: قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون ~~لعلي وقوم ينفرون عنه. # وأما ما ذكره من لعن علي، فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت ~~المحاربة، وكان هؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم، وهؤلاء يلعنون رؤوس ~~هؤلاء في دعائهم. وقيل: إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى. والقتال باليد ~~أعظم من التلاعن باللسان. # ثم من العجب أن الرافضة تنكر سب علي، وهم يسبون أبا بكر وعمر وعثمان ~~ويكفرونهم ومن والاهم. ومعاوية - رضي الله عنه - وأصحابه ما كانوا يكفرون ~~عليا، وإنما يكفره PageV01P209 # الخوارج المارقون، والرافضة شر منهم. # ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا علي ولا عثمان ولا غيرهما، ~~ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثما ممن سب عليا، وإن كان متأولا ~~فتأويله أفسد من تأويل من سب عليا. # وأما قوله: ((إن معاوية سم الحسن)) . # فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا ~~بنقل يجزم به. وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم. # وأما قوله: ((وقتل ابنه يزيد مولانا الحسين ونهب نساءه)) . # فيقال: إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن ~~زياد أن يمنعه عن ولاية العراق. والحسين - رضي الله عنه - كان يظن أن أهل ~~العراق ينصرونه ويفون له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن ~~عقيل، فلما قتلوا مسلما وغدروا به وبايعوا ابن زياد، أراد الرجوع فأدركته ~~السرية الظالمة، فطلب أن يذهب إلى يزيد، أو يذهب إلى الثغر، أو يرجع إلى ~~بلده، فلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قتل ~~مظلوما - رضي الله عنه -، ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك، وظهر ~~البكاء في داره، ولم يسب له حريما أصلا، بل أكرم أهل بيته، وأجازهم حتى ~~ردهم إلى بلدهم. # وأما قوله: ((وكسر أبوه ثنية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأكلت أمه ~~كبد حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم ms202 -)) . # فلا ريب أن أبا سفيان بن حرب كان قائد المشركين يوم أحد، وكسرت ذلك اليوم ~~ثنية النبي - صلى الله عليه وسلم -، كسرها بعض المشركين. لكن لم يقل أحد: ~~إن أبا سفيان باشر ذلك، وإنما كسرها عتبة بن أبي وقاص، وأخذت هند كبد حمزة ~~فلاكتها، فلم تستطع أن تبلعها فلفظتها. # وكان هذا قبل إسلامهم، ثم بعد ذلك أسلموا وحسن إسلامهم وإسلام هند، وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يكرمها، والإسلام يجب ما قبله، وقد قال الله ~~تعالى: # {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} (1) . PageV01P210 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وسموا خالد بن الوليد سيف الله عنادا لأمير المؤمنين، ~~الذي هو أحق بهذا الاسم، حيث قتل بسيفه الكفار)) . # فيقال: أما تسمية خالد بن الوليد بسيف الله فليس هو مختصا به، بل هو ~~((سيف من سيوف الله سله الله على المشركين)) (1) هكذا جاء في الحديث عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. والنبي - صلى الله عليه وسلم - هو أول من ~~سماه بهذا الاسم، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث أيوب السختياني، عن حميد ~~بن هلال، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم، فقال: ((أخذ الراية ~~زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب وعيناه تذرفان، ~~حتى أخذها سيف من سيوف الله خالد حتى فتح الله عليهم)) (2) . # وأما قوله: ((علي أحق بهذا الاسم)) . # فيقال: أولا: من الذي نازع في ذلك؟ ومن قال: إن عليا لم يكن سيفا من سيوف ~~الله وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ثبت في الصحيح يدل على أن لله ~~سيوفا متعددة، ولا ريب أن عليا من أعظمها. وما في المسلمين من يفضل خالدا ~~على علي، حتى يقال: إنهم جعلوا هذا مختصا بخالد. والتسمية بذلك وقعت من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح، فهو - صلى الله عليه وسلم ~~- الذي قال: إن خالدا سيف من سيوف الله. # ثم ms203 يقال: ثانيا: علي أجل قدرا من خالد، وأجل من أن تجعل فضيلته أنه سيف ~~من سيوف الله؛ فإن عليا له من العلم والبيان والدين والإيمان والسابقة ما ~~هو به أعظم من أن تجعل فضيلته أنه سيف من سيوف الله؛ فإن السيف خاصته ~~القتال، وعلي كان القتال أحد فضائله؛ بخلاف خالد فإنه كان هو فضيلته التي ~~تميز بها على غيره، لم يتقدم بسابقة ولا كثرة علم ولا عظيم زهد، وإنما تقدم ~~بالقتال؛ فلهذا عبر عن خالد بأنه سيف من PageV01P211 # سيوف الله. # وقوله: ((إن عليا قتل بسيفه الكفار)) . # فلا ريب أنه لم يقتل إلا بعض الكفار. وكذلك سائر المشهورين بالقتال من ~~الصحابة كعمر والزبير وحمزة والمقداد وأبي طلحة والبراء بن مالك وغيرهم رضي ~~الله عنهم، ما منهم من أحد إلا قتل بسيفه طائفة من الكفار. والبراء بن مالك ~~قتل مائة رجل مبارزة، غير من شرك في دمه. # وأما قوله: ((وقال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: علي سيف الله ~~وسهم الله)) . # فهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث، ولا له إسناد معروف، ومعناه ~~باطل؛ فإن عليا ليس هو وحده سيف الله وسهمه. وهذه العبارة يقتضي ظاهرها ~~الحصر. # وكذلك ما نقل عن علي - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: ((أنا سيف ~~الله على أعدائه ورحمته لأوليائه)) . # فهذا لا إسناد له، ولا يعرف له صحة. لكن إن كان قاله فمعناه صحيح، وهو ~~قدر مشترك بينه وبين أمثاله. # وأما قوله: ((وخالد لم يزل عدوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكذبا ~~له)) . # فهذا كان قبل إسلامه، كما كان الصحابة كلهم مكذبين له قبل الإسلام، من ~~بني هاشم وغير بني هاشم، مثل أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأخيه ~~ربيعة، وحمزة عمه، وعقيل، وغيره. # وقوله: ((وبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بني جذيمة ليأخذ منهم ~~الصدقات، فخانه وخالفه على أمره وقتل المسلمين، فقام النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خطيبا بالإنكار عليه رافعا يديه إلى السماء حتى شوهد بياض إبطيه، ~~وهو ms204 يقول: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) ثم أنفذ إليه بأمير ~~المؤمنين لتلافي فارطه، وأمره أن يسترضي القوم من فعله)) . # فيقال: هذا النقل فيه من الجهل والتحريف ما لا يخفى على من يعلم السيرة؛ ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسله إليهم بعد فتح مكة ليسلموا، فلم ~~يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يقبل ذلك منهم، وقال: ~~إن هذا ليس بإسلام، فقتلهم، فأنكر ذلك عليه من معه # PageV01P212 # من أعيان الصحابة، كسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ~~ولما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه إلى السماء وقال: ~~((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد)) . لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى ~~عليهم من العدوان. وقد قال تعالى: {فإن عصوك فقل # إني بريء مما تعملون} (1) ، ثم أرسل عليا، وأرسل معه مالا، فأعطاهم نصف ~~الديات، وضمن لهم ما تلف حتى ميلغة الكلب، ودفع إليهم ما بقي احتياطا لئلا ~~يكون بقي شيء لم يعلم به. # ومع هذا فالنبي صلى الله لم يعزل خالدا عن الإمارة، بل ما زال يؤمره ~~ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أمر بالرجوع عن ذلك، وأقر على ~~ولايته، ولم يكن خالدا معاندا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل كان مطيعا ~~له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية. # ويقال: إنه كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، وكان ذلك مما حركه على ~~قتلهم. وعلي كان رسولا في ذلك. # وأما قوله: ((إنه أمره أن يسترضي القوم من فعله)) . # فكلام جاهل؛ فإنما أرسله لإنصافهم وضمان ما تلف لهم، لا لمجرد الاسترضاء. # وكذلك قوله عن خالد: ((إنه خانه وخالف أمره وقتل المسلمين)) . # كذب على خالد؛ فإن خالدا لم يتعمد خيانة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ~~مخالفة أمره، ولا قتل من هو مسلم معصوم عنده، ولكنه أخطأ كما أخطأ أسامة بن ~~زيد في الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، وقتل السرية لصاحب الغنيمة ms205 ~~الذي قال: أنا مسلم، فقتلوه وأخذوا غنمه. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ولما قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنفذه أبو بكر ~~لقتال أهل اليمامة قتل منهم ألفا ومائتي نفر مع تظاهرهم بالإسلام، وقتل ~~مالك بن نويرة صبرا وهو مسلم، وعرس بامرأته، وسموا بني حنيفة أهل الردة ~~لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر لأنهم لم يعتقدوا إمامته، واستحل ~~دماءهم وأموالهم ونساءهم حتى أنكر عمر عليه، فسموا مانع الزكاة PageV01P213 # مرتدا، ولم يسموا من استحل دماء المسلمين ومحاربة أمير المؤمنين مرتدا، ~~مع أنهم سمعوا قول # النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا علي حربك حربي وسلمك سلمي، ومحارب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كافر بالإجماع)) . # والجواب بعد أن يقال: الله أكبر على هؤلاء المرتدين المفترين، أتباع ~~المرتدين الذين برزوا بمعاداة الله ورسوله وكتابه ودينه، ومرقوا من الإسلام ~~ونبذوه وراء ظهورهم، وشاقوا الله ورسوله وعباده المؤمنين، وتولوا أهل الردة ~~والشقاق، فإن هذا الفصل وأمثاله من كلامهم يحقق أن هؤلاء القوم المتعصبين ~~على الصديق - رضي الله عنه - وحزبه، من جنس المرتدين الكفار، كالمرتدين ~~الذين قاتلهم الصديق - رضي الله عنه -. # وذلك أن أهل اليمامة هم بنوا حنيفة الذين كانوا قد آمنوا بمسيلمة الكذاب، ~~الذي ادعى النبوة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد قدم ~~المدينة وأظهر الإسلام، وقال: إن جعل محمد لي الأمر من بعده آمنت به. ثم ~~لما صار إلى اليمامة ادعى أنه شريك النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~النبوة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقه على ذلك، وشهد له الرجال بن ~~عنفوة. وكان قد صنف قرآنا يقول فيه: ((والطاحنات طحنا، فالعاجنات عجنا، ~~فالخابزات خبزا، إهالة وسمنا، إن الأرض بيننا وبين قريش نصفين ولكن قريش ~~قوم لا يعدلون)) . ومنه قوله لعنه الله: ((يا ضفدع بنت ضفدعين، نقى كم ~~تنقين، لا الماء تكدرين. ولا الشارب تمنعين. رأسك في الماء وذنبك في ~~الطين)) . ومنه قوله لعنه الله: ((الفيل وما أدراك ما الفيل، له زلوم طويل، ~~إن ذلك من خلق ربنا الجليل)) ونحو ms206 ذلك من الهذيان السمج الذي قال فيه ~~الصديق رضي الله عنه لقومه لما قرؤوه عليه: ((ويلكم أين يذهب بعقولكم، إن ~~هذا كلام لم يخرج من إله)) . # وكان هذا الكذاب قد كتب للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من مسيلمة رسول ~~الله إلى محمد رسول الله. أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك)) . فكتب ~~إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من محمد رسول الله إلى مسيلمة ~~الكذاب)) . فلما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث إليه أبو بكر ~~خالد بن الوليد فقاتله بمن معه من المسلمين، بعد أن قاتل خالد بن الوليد ~~طليحة الأسدي، الذي كان أيضا قد ادعى النبوة، واتبعه طوائف من أهل نجد، ~~فلما نصر الله المؤمنين على هؤلاء وهزموهم، وقتل ذلك اليوم عكاشة بن محصن ~~الأسدي، وأسلم بعد ذلك طليحة الأسدي هذا، ذهبوا بعد # PageV01P214 # ذلك إلى مسيلمة الكذاب باليمامة، ولقي المؤمنون في حربه # شدة عظيمة، وقتل في حربه طائفة من خيار الصحابة مثل زيد بن الخطاب، وثابت ~~بن قيس بن الشماس، وأسيد بن حضير وغيرهم. # وفي الجملة فأمر مسيلمة الكذاب وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له ~~باليمامة، وقتال الصديق لهم على ذلك، أمر متواتر مشهور، قد علمه الخاص ~~والعام، كتواتر أمثاله. وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة، بل علم ~~الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال الجمل وصفين، فقد ذكر عن بعض أهل الكلام ~~أنه أنكر الجمل وصفين، وهذا الإنكار - وإن كان باطلا - فلم نعلم أحدا أنكر ~~قتال أهل اليمامة، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك. # لكن هؤلاء الرافضة من جحدهم لهذا وجهلهم به بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر ~~وعمر دفنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنكارهم لموالاة أبي بكر ~~وعمر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعواهم أنه نص على علي بالخلافة. بل ~~منهم من ينكر أن تكون زينب ورقية وأم كلثوم من بنات النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويقولون: إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافرا قبل النبي - صلى ~~الله ms207 عليه وسلم -. # ومنهم من يقول: إن عمر غصب بنت علي حتى زوجه بها، وأنه تزوج غصبا في ~~الإسلام. ومنهم من يقول: إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت، وهدموا سقف بيتها ~~على من فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها ~~كذب، فهم دائما يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها، وإلى ~~الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها. فلهم أوفر نصيب من قوله ~~تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق} (1) ، فهم يفترون ~~الكذب ويكذبون بالحق، وهذا حال المرتدين. # وهم يدعون أن أبا بكر وعمر ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام. وقد علم الخاص ~~والعام أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين، فإذا كانوا يدعون أن أهل اليمامة ~~مظلومون قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك متأولين لهم، كان هذا ~~مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لهؤلاء السلف، وأن الصديق وأتباعه يقاتلون ~~المرتدين في كل زمان. # وقوله: ((إنهم سموا بني حنيفة مرتدين، لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي ~~بكر)) . PageV01P215 # فهذا من أظهر الكذب وأبينه؛ فإنه إنما قاتل بني حنيفة لكونهم آمنوا ~~بمسيلمة الكذاب، واعتقدوا نبوته. وأما مانعوا الزكاة فكانوا قوما آخرين غير ~~بني حنيفة. وهؤلاء كان قد وقع لبعض الصحابة شبهة في جواز قتالهم. وأما بنو ~~حنيفة فلم يتوقف أحد في وجوب قتالهم. وأما مانعوا الزكاة فإن عمر بن الخطاب ~~- رضي الله عنه - قال: يا خليفة رسول الله كيف تقاتل الناس وقد قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها وحسابهم على الله)) . فقال أبو بكر: ألم يقل: ((إلا بحقها)) فإن ~~الزكاة من حقها. والله لو منعوني عناقا أو عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلهم عليه)) (1) . # وهؤلاء لم يقاتلوهم لكونهم لم يؤدوها إلى الصديق؛ فإنهم لو أعطوها ~~بأنفسهم لمستحقيها ولم يؤدوها إليه لم يقاتلهم. هذا قول جمهور العلماء، ms208 ~~كأبي حنيفة وأحمد وغيرهما. وقالوا: إذا قالوا: نحن نؤديها بأنفسنا ولا ~~ندفعها إلى الإمام، لم يكن له قتالهم. فإن الصديق - رضي الله عنه - لم ~~يقاتل أحدا على طاعته، ولا ألزم أحدا بمبايعته. ولهذا لما تخلف عن بيعته ~~سعد لم يكرهه على ذلك. # فقول القائل: ((سموا بني حنيفة أهل الردة لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي ~~بكر، لأنهم لم يعتقدوا إمامته)) من أظهر الكذب والفرية. وكذلك قوله: ((إن ~~عمر أنكر قتال بني حنيفة)) . # وأما قوله: ((ولم يسموا من استحل دماء المسلمين، ومحاربة أمير المؤمنين، ~~مرتدا، مع أنهم سمعوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا علي حربك ~~حربي وسلمك سلمي ومحارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كافر بالإجماع)) ~~. # فيقال في الجواب: أولا: دعواهم أنهم سمعوا هذا الحديث من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أو عنه كذب عليهم، فمن الذي نقل عنهم أنهم سمعوا ذلك؟ ~~وهذا الحديث ليس في شيء من كتب علماء الحديث المعروفة، ولا روي بإسناد ~~معروف. ولو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله لم يجب أن يكونوا قد ~~سمعوه، فإنه لم يسمع كل منهم كل ما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~فكيف إذا لم يعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، ولا روي بإسناد # معروف؟ PageV01P216 # بل كيف إذا علم أنه كذب موضوع على النبي - صلى الله عليه وسلم - باتفاق ~~أهل العلم بالحديث؟. # وعلي - رضي الله عنه - لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وإنما كان رأيا رآه. # وقال أبو داود في سننه: ((حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الهذلي، حدثنا ابن ~~علية، عن يونس، عن الحسن، عن قيس بن عباد قال: قلت لعلي - رضي الله عنه -: ~~أخبرنا عن مسيرك هذا: أعهد عهده إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم ~~رأي رأيته؟ قال: ما عهد إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، ولكنه ~~رأي رأيته)) (1) . # ولو كان محارب علي محاربا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتدا، لكان ~~علي يسير ms209 فيهم السيرة في المرتدين. وقد تواتر عن علي يوم الجمل لما قاتلهم ~~أنه لم يتبع مدبرهم، ولم يجهز على جريحهم، ولم يغنم لهم مالا، ولا سبى لهم ~~ذرية، وأمر مناديه ينادي في عسكره: أن لا يتبع لهم مدبر ولا يجهز على ~~جريحهم، ولا تغنم أموالهم. ولو كانوا عنده مرتدين لأجهز على جريحهم واتبع ~~مدبرهم. وكانت عائشة فيهم، فإن قلتم: إنها ليست أمنا كفرتم بكتاب الله، وإن ~~قلتم: هي أمنا واستحللتم وطأها كفرتم بكتاب الله. # وإن كان أولئك مرتدين، وقد نزل الحسن عن أمر المسلمين، وسلمه إلى كافر ~~مرتد، كان المعصوم عندهم قد سلم أمر المسلمين إلى المرتدين. وليس هذا من ~~فعل المؤمنين، فضلا عن المعصومين. # وأيضا فإن كان أولئك مرتدون، والمؤمنون أصحاب علي، لكان الكفار المرتدون ~~منتصرين على المؤمنين دائما. # والله تعالى يقول في كتابه: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (2) ، وأيضا فإن الله تعالى يقول في كتابه: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} (3) ، فقد جعلهم مؤمنين إخوة ~~مع الاقتتال والبغي. # وأيضا فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~((تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)) . ~~وقال: ((إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين PageV01P217 # فئتين عظيمتين من المسلمين)) . وقال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) لم ~~يقل: الكافرة (1) . # وهذه الأحاديث صحيحة عند أهل العلم بالحديث، وهي مروية بأسانيد متنوعة، ~~لم يأخذ بعضهم عن بعض. وهذا مما يوجب العلم بمضمونها. وقد أخبر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن الطائفتين المفترقتين مسلمتان، ومدح من أصلح الله به ~~بينهما. وقد أخبر أنه تمرق مارقة وأنه تقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق. # ثم يقال لهؤلاء الرافضة: لو قالت لكم النواصب: علي قد استحل دماء ~~المسلمين، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رياسته. وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (2) . وقال: ((لا ~~ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (3) فيكون علي كافرا لذلك - لم ~~تكن حجتكم أقوى ms210 من حجتهم؛ لأن الأحاديث التي احتجوا بها صحيحة. # وأيضا فيقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدا ~~للعلو في الأرض والفساد. وهذا حال فرعون والله تعالى يقول: # {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا ~~والعاقبة للمتقين} (4) ؛ فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل ~~السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ولمانعي الزكاة؛ فإن ~~الصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله، لا على طاعته. فإن الزكاة فرض ~~عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها، وعلى أدائها، بخلاف من قاتل ليطاع هو. # قال الرافضي: ((وقد أحسن بعض الفضلاء في قوله: شر من إبليس من لم يسبقه ~~في سالف طاعته , وجرى معه في ميدان معصيته. ولا شك بين العلماء أن إبليس ~~كان أعبد من الملائكة , وكان يحمل العرش وحده ستة آلاف # سنة, ولما خلق الله آدم وجعله خليفة في الأرض , وأمره بالسجود فاستكبر ~~فاستحق اللعنة والطرد , ومعاوية لم يزل في الإشراك وعبادة الأصنام إلى أن ~~أسلم بعد ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدة طويلة, ثم استكبر عن طاعة ~~الله في PageV01P218 # نصب امير المؤمنين عليه اماما, وبايعه الكل بعد قتل عثمان وجلس مكانه , ~~فكان شرا من إبليس)) . # فيقال: هذا الكلام فيه من الجهل والضلال والخروج عن دين الإسلام وكل دين ~~بل وعن العقل الذي يكون لكثير من الكفار , ما لا يخفي على من تدبره. # أما أولا: فلأن إبليس أكفر من كل كافر , وكل من دخل النار فمن أتباعه. ~~كما قال تعالى: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} (1) . وهو الآمر ~~لهم بكل قبيح المزين لهم فكيف يكون أحد شرا منه؟ لا سيما من المسلمين , لا ~~سيما من الصحابة؟ # وقول هذا القائل: ((شر من إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة , وجرى معه في ~~ميدان المعصية)) يقتضي أن كل من عصى الله فهو شر من إبليس , لأنه لم يسبقه ~~في سالف طاعة, وجرى معه في ميدان المعصية. وحينئذ فيكون آدم وذريته شرا من ~~إبليس ms211 , فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كل بني آدم خطاء , وخير ~~الخطائين التوابون)) (2) . # ثم هل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: إن من أذنب ذنبا من المسلمين ~~يكون شرا من إبليس؟ أوليس هذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام؟ ~~وقائل هذا كافر كفرا معلوما بالضرورة من الدين. وعلى هذا فالشيعة دائما ~~يذنبون , فيكون كل منهم شرا من إبليس. ثم إذا قالت الخوارج: إن عليا أذنب ~~فيكون شرا من إبليس -لم يكن للروافض حجة إلا دعوى عصمته. وهم لا يقدرون أن ~~يقيموا حجة على الخوارج بإيمانه وإمامته وعدالته , فكيف # يقيمون حجة عليهم بعصمته؟ ولكن أهل السنة تقدر أن تقيم الحجة بإيمانه ~~وإمامته, لأن ما تحتج به الرافضة منقوض ومعارض بمثله , فيبطل الاحتجاج به. # ثم إذا قام الدليل على قول الجمهور الذي دل عليه القرآن كقوله تعالى: # {وعصى آدم ربه فغوى} (3) , لزم أن يكون آدم شرا من إبليس. # وفي الجملة فلوازم هذا القول وما فيه من الفساد يفوق الحصر والتعداد. # وأما ثانيا: فهذا الكلام كلام بلا حجة , بل هو باطل في نفسه. فلم قلت: إن ~~شرا من PageV01P219 # إبليس من لم يسبقه في سالف طاعة وجرى معه ميدان معصية؟ وذلك أن أحدا لا ~~يجري مع إبليس في ميدان معصيته كلها, فلا يتصور أن يكون في الآدميين من ~~يساوي إبليس في معصيته , بحيث يضل الناس كلهم ويغويهم. # وأما طاعة إبليس المتقدمة فهي حابطة بكفره بعد ذلك , فإن الردة تحبط ~~العمل, فما تقدم من طاعته: إن كان طاعة فهي حابطة بكفره وردته , وما يفعله ~~من المعاصي لا يماثله أحد فيه ,فامتنع أن يكون أحد شرا منه, وصار نظير هذا ~~المرتد الذي يقتل النفوس ويزني ويفعل عامة القبائح بعد سابق طاعاته, فمن ~~جاء بعده ولم يسبقه إلى تلك الطاعات الحابطة , وشاركه في قليل من معاصيه , ~~لا يكون شرا منه , فكيف يكون أحدا شرا من إبليس؟؟ # وهذا ينقض أصول الشيعة: حقها وباطلها , وأقل ما يلزمهم أن يكون أصحاب علي ~~الذين قاتلوا معه, وكانوا أحيانا يعصونه ms212 , شرا من الذين امتنعوا عن مبايعته ~~من الصحابة , لأن هؤلاء عبدوا الله قبلهم , وأولئك جروا معهم في ميدان ~~المعصية. # ويقال ثالثا: ما الدليل على أن إبليس كان أعبد الملائكة؟ وأنه كان يحمل ~~العرش وحده ستة آلاف سنة؟ أو أنه كان من حملة العرش في الجملة؟ أو أنه # كان طاووس الملائكة؟ أو أنه ما ترك في السماء رقعة ولا في الأرض بقعة إلا ~~وله فيها سجدة وركعة؟ ونحو ذلك مما يقوله بعض الناس؟ فإن هذا أمر إنما يعلم ~~بالنقل الصادق , وليس في القرآن شيء من ذلك ولا في ذلك خبر صحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. وهل يحتج بمثل هذا في أصول الدين إلا من هو من أعظم ~~الجاهلين؟!! # وأعجب من ذلك قوله: ((ولا شك بين العلماء أن إبليس كان أعبد الملائكة)) . # فيقال: من الذي قال هذا من علماء الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء ~~المسلمين؟ فضلا عن أن يكون هذا متفقا عليه بين العلماء؟ وهذا شيء لم يقله ~~قط عالم يقبل قوله من علماء المسلمين , وهو أمر لا يعرف إلا بالنقل , ولم ~~ينقل هذا أحد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف. ~~فإن كان قاله بعض الوعاظ أو المصنفين في الرقائق , أو بعض من ينقل في ~~التفسير من الإسرائيليات مالا إسناد له, فمثل هذا لا يحتج به في جرزة بقل , ~~فكيف يحتج به في جعل إبليس خيرا من كل من عصى الله من بني آدم ويجعل ~~الصحابة من هؤلاء الذين # PageV01P220 # إبليس خير منهم؟ # وما وصف الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - إبليس بخير قط ولا بعبادة ~~متقدمة ولا غيرها , مع أنه لو كان له عبادة لكانت قد حبطت بكفره وردته. # وأعجب من ذلك قوله: ((لا شك بين العلماء أنه كان يحمل العرش وحده ستة ~~آلاف سنة)) فياسبحان الله! هل قال ذلك أحد من علماء المسلمين المقبولين عند ~~المسلمين؟ وهل يتكلم بذلك إلا مفرط في الجهل؟ فإن هذا لا يعرف - لو كان ~~حقا- إلا بنقل الأنبياء , وليس ms213 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ~~شيء. # ويقال: قد ثبت إسلام معاوية - رضي الله عنه -، والإسلام يجب ما قبله. فمن ~~ادعى أنه ارتد بعد ذلك كان مدعيا دعوى بلا دليل لولم يعلم كذب دعواه، فكيف ~~إذا علم كذب دعواه، وأنه ما زال على الإسلام إلى أن مات، كما علم بقاء غيره ~~على الإسلام؟ فالطريق الذي يعلم به بقاء إسلام أكثر الناس من الصحابة ~~وغيرهم، يعلم به بقاء إسلام معاوية - رضي الله عنه -. والمدعي لارتداد ~~معاوية وعثمان وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم، ليس هو أظهر حجة من المدعي ~~لارتداد # علي. فإن المدعي كان لارتداد علي كاذبا، فالمدعي لارتداد هؤلاء أظهر ~~كذبا، لأن الحجة على بقاء إيمان هؤلاء أظهر، وشبهة الخوارج أظهر من شبهة ~~الروافض. # ويقال: هذه الدعوى إن كانت صحيحة، ففيها من القدح والغضاضة بعلي والحسن ~~وغيرهما ما لا يخفى. وذلك أنه كان مغلوبا مع المرتدين، وكان الحسن قد سلم ~~أمر المسلمين إلى المرتدين، فيكون نصر الله لخالد على الكفار أعظم من نصره ~~لعلي. والله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم واحدا منهما، فيكون ما استحقه خالدا ~~أعظم مما استحقه علي، فيكون أفضل عند الله منه. # ويقال: قوله: ((وبايعه الكل بعد عثمان)) . # إن لم يكن هذا حجة فلا فائدة فيه، وإن كان حجة فمبايعتهم لعثمان كان ~~اجتماعهم عليها أعظم. وأنتم لا ترون الممتنع عن طاعة عثمان كافرا، بل مؤمنا ~~تقيا. # ويقال: اجتماع الناس على مبايعة أبي بكر كانت على قولكم أكمل، وأنتم ~~وغيركم تقولون: إن عليا تخلف عنها مدة. فيلزم على قولكم أن يكون علي ~~مستكبرا عن طاعة الله في # PageV01P221 # نصب أبي بكر عليه إماما، فيلزم حينئذ كفر علي بمقتضى حجتكم، أو بطلانها ~~في نفسها. وكفر علي باطل، فلزم بطلانها. # ويقال: قولكم: ((بايعه الكل بعد عثمان)) . # من أظهر الكذب، فإن كثيرا من المسلمين: إما النصف، وإما أقل أو أكثر لم ~~يبايعوه، ولم يبايعه سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر ولا غيرهما. # ويقال: قولكم: ((إنه جلس مكانه)) . # كذب؛ فإن ms214 معاوية لم يطلب الأمر لنفسه ابتداء، ولا ذهب إلى علي لينزعه عن ~~إمارته، ولكن امتنع هو وأصحابه عن مبايعته، وبقي على ما كان عليه واليا على ~~من كان واليا عليه في زمن عمر وعثمان. ولما جرى حكم الحكمين إنما كان ~~متوليا على رعيته فقط. فإن أريد بجلوسه في مكانه أنه استبد بالأمر دونه في ~~تلك البلاد، فهذا صحيح، لكن معاوية - رضي الله عنه - يقول: إني لم أنازعه ~~شيئا هو في يده، ولم يثبت عندي ما يوجب علي دخولي في طاعته. وهذا الكلام ~~سواء كان حقا أو باطلا لا يوجب كون صاحبه شرا من إبليس، ومن جعل أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - شرا من إبليس، فما أبقى غاية في الافتراء # على الله ورسوله والمؤمنين، والعدوان على خير القرون في مثل هذا المقام، ~~والله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، والهوى ~~إذا بلغ بصاحبه إلى هذا الحد فقد أخرج صاحبه عن ربقة العقل، فضلا عن العلم ~~والدين، فنسأل الله العافية من كل بلية، وإن حقا على الله أن يذل أصحاب مثل ~~هذا الكلام، وينتصر لعباده المؤمنين - من أصحاب نبيه وغيرهم - من هؤلاء ~~المفترين الظالمين. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وتمادى بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد بن معاوية ~~مع ما صدر عنه من الأفعال القبيحة من قتل الإمام الحسين ونهب أمواله وسبي ~~نسائه ودورانهم في البلاد على الجمال بغير قتب، ومولانا زين العابدين مغلول ~~اليدين، ولم يقنعوا بقتله حتى رضوا أضلاعه وصدره بالخيول، وحملوا رؤوسهم ~~على القنا مع أن مشايخهم # PageV01P222 # رووا أن يوم قتل الحسين مطرت السماء دما. وقد ذكر ذلك الرافعي في ((شرح ~~الوجيز)) وذكر ابن سعد في ((الطبقات)) أن الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل ~~الحسين ولم تر قبل ذلك. وقال أيضا: ما رفع حجرا في الدنيا إلا وتحته دم ~~عبيط، ولقد مطرت السماء مطرا بقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعت. قال ~~الزهري: ما بقي أحد من قاتلي الحسين إلا وعوقب في الدنيا: ms215 إما بالقتل وإما ~~بالعمى أو سواد الوجه أو زوال الملك في مدة يسيرة. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر الوصية للمسلمين في ولديه ~~الحسن والحسين ويقول لهم: هؤلاءوديعتي عندكم. وأنزل الله تعالى: {قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} (1) . # والجواب: أما قوله: ((وتمادى بعضهم في التعصب حتى اعتقد إمامة يزيد بن ~~معاوية)) . # إن أراد بذلك أنه اعتقد أنه من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، كأبي ~~بكر وعمر وعثمان وعلي، فهذا لم يعتقده أحد من علماء المسلمين. وإن اعتقد ~~مثل هذا بعض الجهال، كما يحكى عن بعض الجهال من الأكراد # ونحوهم أنه يعتقد أن يزيد من الصحابة، وعن بعضهم أنه من الأنبياء، وبعضهم ~~يعتقد أنه من الخلفاء الراشدين المهديين، فهؤلاء ليسوا من أهل العلم الذين ~~يحكى قولهم. وهم مع هذا الجهل خير من جهال الشيعة وملا حدتهم الذين يعتقدون ~~إلاهية علي، أو نبوته، أو يعتقدون أن باطن الشريعة يناقض ظاهرها، كما تقول ~~الإسماعيلية والنصيرية وغيرهم من أنه يسقط عن خواصهم الصوم والصلاة والحج ~~والزكاة، وينكرون المعاد. # وأما علماء أهل السنة الذين لهم قول يحكى فليس فيهم من يعتقد أن يزيد ~~وأمثاله من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~رضي الله عنهم، بل أهل السنة يقولون بالحديث الذي في السنن: ((خلافة النبوة ~~ثلاثون سنة ثم تصير ملكا)) (2) . # وإن أراد باعتقادهم إمامة يزيد، أنهم يعتقدون أنه كان ملك جمهور المسلمين ~~وخليفتهم في زمانه صاحب السيف، كما كان أمثاله من خلفاء بني أمية وبني ~~العباس، فهذا أمر معلوم لكل أحد، ومن نازع في هذا كان مكابرا؛ فإن يزيد ~~بويع بعد موت أبيه معاوية، PageV01P223 # وصار متوليا على أهل الشام ومصر والعراق وخراسان وغير ذلك من بلاد ~~المسلمين. # وهذا معنى كونه إماما وخليفة وسلطانا، كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلي ~~بالناس. فإذا رأينا رجلا يصلي بالناس كان القول بأنه إمام أمرا مشهودا ~~محسوسا لا يمكن المكابرة فيه. وأما كونه برا أو فاجرا، أو مطيعا أو عاصيا، ~~فذاك أمر آخر. ms216 # فأهل السنة إذا اعتقدوا إمامة الواحد من هؤلاء: يزيد، أو عبد الملك، أو ~~المنصور، أو غيرهم - كان بهذا الاعتبار. ومن نازع في هذا فهو شبيه بمن نازع ~~في ولاية أبي بكر وعمر وعثمان، وفي ملك كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم من ~~الملوك. # وأما كون الواحد من هؤلاء معصوما، فليس هذا اعتقاد أحد من علماء ~~المسلمين، وكذلك كونه عادلا في كل أموره، مطيعا لله في جميع أفعاله، ليس ~~هذا اعتقاد أحد من أئمة المسلمين. # وأما مقتل الحسين - رضي الله عنه - فلا ريب أنه قتل مظلوما شهيدا، كما ~~قتل أشباهه من المظلومين الشهداء. وقتل الحسين معصية لله ورسوله ممن قتله ~~أو أعان على قتله أو رضي بذلك، وهو مصيبة أصيب بها المسلمون من أهله وغير ~~أهله، وهو في حقه شهادة له، ورفع درجة، وعلو منزلة؛ فإنه وأخاه سبقت لهما ~~من الله السعادة، التي لا تنال إلا بنوع من البلاء، ولم يكن لهما من ~~السوابق ما لأهل بيتهما، فإنهما تربيا في حجر الإسلام، في عز وأمان، فمات ~~هذا مسموما وهذا مقتولا، لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء. # وليس ما وقع من ذلك بأعظم من قتل الأنبياء؛ فإن الله تعالى قد أخبر أن ~~بني إسرائيل كانوا يقتلون النبيين بغير حق. وقتل النبي أعظم ذنبا ومصيبة، ~~وكذلك قتل علي - رضي الله عنه - أعظم ذنبا ومصيبة، وكذلك قتل عثمان - رضي ~~الله عنه - أعظم ذنبا ومصيبة. إذا كان كذلك فالواجب عند المصائب الصبر ~~والاسترجاع، كما يحبه الله ورسوله. ### | ### | (فصل) # # وصار الشيطان بسبب قتل الحسين - رضي الله عنه - يحدث للناس بدعتين: بدعة ~~الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد ~~المراثي، وما يفضى إليه ذلك من سب السلف ولعنتهم، وإدخال من لا ذنب له مع ~~ذوي الذنوب، حتى يسب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها ~~كذب. وكان قصد من سن ذلك فتح باب # PageV01P224 # الفتنة والفرقة بين الأمة؛ فإن هذا ليس واجبا ولا مستحبا باتفاق ~~المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما ms217 حرمه الله ~~ورسوله. وكذلك بدعة السرور والفرح. # وأما ما ذكره من سبي نسائه والذراري، والدوران بهم في البلاد، وحملهم على ~~الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل: ما سبى المسلمون - ولله الحمد - هاشمية ~~قط، ولا استحلت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - سبي بني هاشم قط، # ولكن أهل الهوى والجهل يكذبون كثيرا، كما تقول طائفة منهم: إن الحجاج قتل ~~الأشراف، يعنون بني هاشم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وتوقف جماعة ممن لا يقول بإمامته في لعنه مع أنه عندهم ~~ظالم بقتل # PageV01P225 # الحسين ونهب حريمه. وقد قال الله تعالى: {ألا لعنة الله على الظالمين} ~~(1) . وقال أبو الفرج ابن الجوزي من شيوخ الحنابلة عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم: إني قتلت بيحيى ~~بن زكريا سبعين ألفا، وإني قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا. وحكى ~~السدي وكان من فضلائهم قال: نزلت بكربلاء ومعي طعام للتجارة، فنزلنا على ~~رجل فتعشينا عنده، وتذاكرنا قتل الحسين وقلنا: ما شرك أحد في قتل الحسين ~~إلا ومات أقبح موتة. فقال الرجل: ما أكذبكم، أنا شركت في دمه وكنت ممن قتله ~~فما أصابني شيء. قال: فلما كان من آخر الليل إذا أنا بصائح. قلنا مالخبر؟ ~~قالوا قام الرجل يصلح المصباح فاحترقت إصبعه، ثم دب الحريق في جسده فاحترق. ~~قال السدي: فأنا والله رأيته وهو حممة سوداء. وقد سأل مهنا بن يحيى أحمد بن ~~حنبل عن يزيد، فقال: هو الذي فعل ما فعل. قلت: وما فعل؟ قال: نهب المدينة. ~~وقال له صالح ولده يوما: إن قومنا ينسبوننا إلى تولي يزيد. فقال: يا بني ~~وهل يتولى يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر؟ فقال: لم لا تلعنه. فقال: ~~وكيف لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟ فقلت: وأين لعن يزيد؟ فقال: في قوله ~~تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم} (2) ، فهل يكون فساد أعظم من القتل ~~ونهب المدينة ثلاثة أيام وسبي أهلها؟ ms218 وقتل جمعا من وجوه الناس فيها من قريش ~~والأنصار والمهاجرين من يبلغ عددهم سبعمائة، وقتل من لم يعرف من عبد أو حر ~~أو امرأة عشرة آلاف، وخاض الناس في الدماء حتى # وصلت الدماء إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وامتلأت الروضة ~~والمسجد، ثم ضرب الكعبة بالمنجنيق وهدمها وأحرقها. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أن قاتل الحسين في تابوت من ~~نار عليه نصف عذاب أهل النار وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار ينكس في ~~النار حتى يقع في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتن ~~ريحه، وهو فيها خالد وذائق العذاب الأليم، كلما PageV01P226 # نضجت جلودهم بدل الله لهم الجلود حتى يذوقوا العذاب، لا يفتر عنهم ساعة، ~~ويسقى من حميم جهنم، الويل لهم من عذاب الله عز وجل. وقال عليه الصلاة ~~والسلام: اشتد غضب الله وغضبي على من أراق دم أهلي وآذاني في عترتي)) . # والجواب: أن القول في لعنة يزيد كالقول في لعنة أمثاله من الملوك الخلفاء ~~وغيرهم، ويزيد خير من غيره: خير من المختار بن أبي عبيد الثقفي أمير ~~العراق، الذي أظهر الانتقام من قتلة الحسين؛ فإن هذا ادعى أن جبريل يأتيه. ~~وخير من الحجاج بن يوسف؛ فإنه أظلم من يزيد باتفاق الناس. # ومع هذا فيقال: غاية يزيد وأمثاله من الملوك أن يكونوا فساقا، فلعنة ~~الفاسق المعين ليست مأمورا بها، إنما جاءت السنة بلعنة الأنواع، كقول ~~النبي: ((لعن الله السارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده)) (1) . وقوله: ((لعن ~~الله من أحدث حدثا أو آوى محدثا)) (2) . وقوله ((لعن الله آكل الربا وموكله ~~وكاتبه وشاهديه)) (3) وقوله: ((لعن الله المحلل والمحلل له)) (4) ، ((لعن ~~الله الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، ~~وآكل ثمنها)) (5) . # وأما ما فعله بأهل الحرة، فإنهم لما خلعوه وأخرجوا نوابه وعشيرته، أرسل ~~إليهم مرة بعد مرة يطلب الطاعة، فامتنعوا، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري، ~~وأمره إذا ظهر عليهم أن يبيح المدينة ثلاثة أيام. وهذا هو الذي # عظم إنكار الناس له من ms219 فعل يزيد. ولهذا قيل لأحمد: أتكتب الحديث عن يزيد؟ ~~قال: لا ولا كرامة. أو ليس هو الذي فعل بأهل المدينة ما فعل؟ # لكن لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت ~~الدماء إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا إلى الروضة، ولا كان ~~القتل في المسجد. PageV01P227 # وأما الكعبة فإن الله شرفها وعظمها وجعلها محرمة، فلم يمكن الله أحدا من ~~إهانتها لا قبل الإسلام ولا بعده، بل لما قصدها أهل الفيل عاقبهم الله ~~العقوبة المشهورة. # وأما الحديث الذي رواه وقوله: ((إن قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف ~~عذاب أهل النار، وقد شدت يداه ورجلاه بسلاسل من نار، ينكس في النار حتى يقع ~~في قعر جهنم، وله ريح يتعوذ أهل النار إلى ربهم من شدة نتن ريحه، وفيها ~~خالد)) إلى آخره. # فهذا من أحاديث الكذابين الذين لا يستحيون من المجازفة في الكذب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فهل يكون على واحد نصف عذاب أهل النار؟ أو ~~يقدر نصف عذاب أهل النار؟ وأين عذاب آل فرعون وآل المائدة والمنافقين وسائر ~~الكفار؟ وأين قتلة الأنبياء، وقتلة السابقين الأولين؟. # وقاتل عثمان أعظم إثما من قاتل الحسين. فهذا الغلو الزائد يقابل بغلو ~~الناصبة، اللذين يزعمون أن الحسين كان خارجيا، وأنه كان يجوز قتله، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن ~~يفرق جماعتكم، فاضربوا عنقه بالسيف كائنا من كان)) . رواه مسلم (1) . # وأهل السنة والجماعة يردون غلو هؤلاء وهؤلاء، ويقولون: إن الحسين قتل ~~مظلوما شهيدا، وإن الذين قتلوه كانوا ظالمين معتدين. وأحاديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - التي يأمر فيها بقتال PageV01P228 # المفارق للجماعة لم تتناوله؛ فإنه - رضي الله عنه - لم يفرق الجماعة، ولم ~~يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى يزيد، داخلا في ~~الجماعة، معرضا عن تفريق الأمة. ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته ~~إلى ذلك، فكيف لا تجب إجابة الحسين إلى ذلك؟ # ولو كان ms220 الطالب لهذه الأمور من هو دون الحسين لم يجز حبسه ولا إمساكه، ~~فضلا عن أسره وقتله. # وكذلك قوله: اشتد غضب الله على من أراق دم أهلي وآذاني في عترتي. # كلام لا ينقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ينسبه إليه إلا جاهل. ~~فإن العاصم لدم الحسن والحسين وغيرهما من الإيمان والتقوى أعظم من مجرد ~~القرابة، ولو كان الرجل من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأتى بما ~~يبيح قتله أو قطعه، كان ذلك جائزا بإجماع المسلمين. # كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا ~~سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله ~~لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) (1) . فقد أخبر أن أعز الناس عليه ~~من أهله لو أتى بما يوجب الحد لأقامه عليه، فلو زنى الهاشمي وهو محصن رجم ~~حتى يموت باتفاق علماء المسلمين، ولو قتل نفسا عمدا عدوانا محضا لجاز قتله ~~به، وإن كان المقتول من الحبشة أو الروم أو الترك أو الديلم. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم)) (2) ~~فدماء الهاشميين وغير الهاشميين سواء إذا كانوا أحرارا مسلمين باتفاق ~~الأمة، فلا فرق بين إراقة دم الهاشمي وغير الهاشمي إذا كان بحق، فكيف يخص ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أهله بأن يشتد غضب الله على من أراق دماءهم. # فإن الله حرم قتل النفس إلا بحق، فالمقتول بحق لم يشتد غضب الله على من ~~قتله، سواء كان المقتول هاشميا أو غير هاشمي؟ . # وإن قتل بغير حق، فمن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب ~~الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما. فالعاصم للدماء والمبيح لها يشترك ~~فيها بنو هاشم وغيرهم، فلا يضيف مثل هذا الكلام PageV01P229 # إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا منافق يقدح في نبوته، أو جاهل ~~لا يعلم العدل الذي بعث به - صلى الله عليه وسلم -. # وكذلك قوله: ((من آذاني في عترتي)) فإن إيذاء رسول الله - صلى ms221 الله عليه ~~وسلم - حرام في عترته وأمته وسنته وغير ذلك. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((فلينظر العاقل أي الفريقين أحق بالأمن: الذي نزه الله ~~وملائكته وأنبياءه وأئمته؛ ونزه الشرع عن المسائل الردية، ومن يبطل الصلاة ~~بإهمال الصلاة على أئمتهم، ويذكر أئمة غيرهم، أم الذي فعل ضد ذلك واعتقد ~~خلافه؟)) . # والجواب أن يقال: ما ذكرتموه من التنزيه إنما هو تعطيل وتنقيض لله ~~ولأنبيائه. بيان ذلك أن قول الجهمية نفاة الصفات يتضمن وصف الله تعالى بسلب ~~صفات الكمال التي يشابه فيها الجمادات والمعدومات، فإذا قالوا: إنه لا تقوم ~~به حياة ولا علم ولا قدرة، ولا كلام ولا مشيئة، ولا حب ولا بغض، ولا رضا ~~ولا سخط، ولا يرى ولا يفعل بنفسه فعلا، ولا يقدر أن يتصرف بنفسه، كانوا قد ~~شبهوه بالجمادات المنقوصات، وسلبوه صفات الكمال، فكان هذا تنقيصا وتعطيلا ~~لا تنزيها، وإنما التنزيه أن ينزه عن النقائص المنافية لصفات الكمال، فينزه ~~عن الموت والسنة والنوم، والعجز والجهل والحاجة، كما نزه نفسه في كتابه، ~~فيجمع له بين إثبات صفات الكمال، ونفي النقائص المنافية للكمال، وينزه عن ~~مماثلة شيء من المخلوقات له في شيء من صفاته، وينزه عن النقائص مطلقا، ~~وينزه في صفات الكمال أن يكون له فيها مثل من الأمثال. # وأما الأنبياء فإنكم سلبتموهم ما أعطاهم الله من الكمال وعلو الدرجات، ~~بحقيقة التوبة والاستغفار، والانتقال من كمال إلى ما هو أكمل منه، وكذبتم ~~ما أخبر الله به من ذلك وحرفتم الكلم عن مواضعه، وظننتم أن انتقال الآدمي ~~من الجهل إلى العلم، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، تنقصا، ~~ولم تعلموا أن هذا من أعظم نعم الله وأعظم قدرته، حيث ينقل العباد من النقص ~~إلى الكمال، وأنه قد يكون الذي يذوق الشر والخير ويعرفهما، يكون حبه للخير ~~وبغضه للشر أعظم ممن لا يعرف إلا الخير. كما قال عمر بن # PageV01P230 # الخطاب - رضي الله عنه -: ((إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في ~~الإسلام من لا يعرف الجاهلية)) . # وأما تنزيه الأئمة فمن الفضائح التي ms222 يستحيا من ذكرها، لا سيما الإمام ~~المعدوم الذي لا ينتفع به لا في دين ولا دنيا. # وأما تنزيه الشرع عن المسائل الردية، فقد تقدم أن أهل السنة لم يتفقوا ~~على مسألة ردية، بخلاف الرافضة؛ فإن لهم من المسائل الردية ما لا يوجد ~~لغيرهم. # وأما قوله: ((ومن يبطل الصلاة بإهمال الصلاة على أئمتهم، ويذكر أئمة ~~غيرهم)) . # فإما أن يكون المراد بذلك أن تجب الصلاة على الأئمة الاثني عشر، أو على ~~واحد معين غير النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم أو من غيرهم. # وأما أن يكون المراد وجوب الصلاة على آل النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~فإن أراد الأول فهذا من أعظم ضلالهم وخروجهم عن شريعة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فإنا نحن وهم نعلم بالاضطرار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يأمر المسلمين أن يصلوا على الاثني عشر: لا في الصلاة، ولا في غير الصلاة، ~~ولا كان أحد من المسلمين يفعل شيئا من ذلك على عهده، ولا نقل هذا أحد عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا كان يجب على ~~أحد في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ أحدا من الاثني عشر ~~إماما، فضلا عن أن تجب الصلاة عليه في الصلاة. # وكانت صلاة المسلمين صحيحة في عهده بالضرورة والإجماع. فمن أوجب الصلاة ~~على هؤلاء في الصلاة، وأبطل الصلاة بإهمال الصلاة عليهم، فقد غير دين النبي ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وبدله، كما بدلت اليهود والنصارى دين ~~الأنبياء. # وإن قيل: المراد أن يصلى على آل محمد، وهم منهم. # قيل: آل محمد يدخل فيهم بنو هاشم وأزواجه، وكذلك بنو المطلب على أحد ~~القولين. وأكثر هؤلاء تذمهم الإمامية؛ فإنهم يذمون ولد العباس، لاسيما ~~خلفاؤهم، وهم من آل محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويذمون من يتولى أبا بكر ~~وعمر. وجمهور بني هاشم يتولون أبا بكر وعمر، ولا يتبرأ منهم صحيح النسب من ~~بني هاشم إلا نفر قليل بالنسبة إلى كثرة بني هاشم. وأهل العلم والدين منهم ms223 ~~يتولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. # PageV01P231 # ومن العجب من هؤلاء الرافضة أنهم يدعون تعظيم آل محمد عليه أفضل الصلاة ~~والسلام، وهم سعوا في مجيء التتر الكفار إلى بغداد دار الخلافة، حتى قتلت ~~الكفار من المسلمين ما لا يحصيه إلا الله تعالى من بني # هاشم وغيرهم وقتلوا بجهات بغداد ألف ألف وثمانمئة ألف ونيفا وسبعين ألفا ~~وقتلوا الخليفة العباسي، وسبوا النساء الهاشميات وصبيان الهاشميين. # فهذا هو البغض لآل محمد - صلى الله عليه وسلم - بلا ريب. وكان ذلك من فعل ~~الكفار بمعاونة الرافضة، وهم الذي سعوا في سبي الهاشميات ونحوهم إلى يزيد ~~وأمثاله، فما يعيبون على غيرهم بعيب إلا وهو فيهم أعظم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((السادس: إن الإمامية لما رأوا فضائل أمير المؤمنين ~~وكمالاته لا تحصى قد رواها المخالف والموافق، ورأوا الجمهور قد نقلوا عن ~~غيره من الصحابة مطاعن كثيرة، ولم ينقلوا في علي طعنا ألبتة، اتبعوا قوله ~~وجعلوه إماما لهم حيث نزهه المخالف والموافق، وتركوا غيره، حيث روى فيه من ~~يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته. ونحن نذكر هنا شيئا يسيرا مما ~~هو صحيح عندهم ونقلوه في المعتمد من قولهم وكتبهم، ليكون حجة عليهم يوم ~~القيامة. # فمن ذلك ما رواه أبو الحسن الأندلسي في ((الجمع بين الصحاح الستة)) موطأ ~~مالك وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود وصحيح الترمذي وصحيح النسائي عن ~~أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قوله تعالى: {إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (1) . أنزلت في بيتها وأنا ~~جالسة عند الباب، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال ((إنك على ~~خير إنك من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -. قالت: وفي البيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وعلي وفاطمة والحسن والحسين فجللهم بكساء، وقال: ~~اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) . # والجواب أن يقال: إن الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر ~~أكثر PageV01P232 # وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي، والأحاديث التي ذكرها هذا وذكر ms224 أنها في ~~الصحيح عند الجمهور، وأنهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم، وهو من أبين ~~الكذب على علماء الجمهور؛ فإن هذه الأحادي التي # ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، والصحيح الذي فيها ~~ليس فيه ما يدل على إمامة علي ولا فضيلته على أبي بكر وعمر، بل وليست من ~~خصائصه، بل هي من فضائل شاركه فيها غيره، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر ~~وعمر؛ فإن كثيرا منها خصائص لهما، لا سيما فضائل أبي بكر، فإن عامتها خصائص ~~لم يشركه فيها غيره. # وأما ما ذكره من المطاعن، فلا يمكن أن يوجه على الخلفاء الثلاثة من مطعن ~~إلا وجه على علي ما هو مثله وأعظم منه. # فتبين أن ما ذكره في هذا الوجه من أعظم الباطل، ونحن نبين ذلك تفصيلا. # وأما قوله: ((إنهم جعلوه إماما لهم حيث نزهه المخالف والموافق، وتركوا ~~غيره حيث روى فيه من يعتقد إمامته من المطاعن ما يطعن في إمامته)) . # فيقال: هذا كذب بين؛ فإن عليا - رضي الله عنه - لم ينزهه المخالفون، بل ~~القادحون في علي طوائف متعددة، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر ~~وعثمان، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه، فإن الخوارج متفقون على كفره، ~~وهم عند المسلمين كلهم خير من الغلاة الذين يعتقدون إلاهيته أو نبوته، بل ~~هم - والذين قاتلوه من الصحابة والتابعين -خير عند جماهير المسلمين من ~~الرافضة الاثني عشرية، الذين اعتقدوه إماما معصوما. # وأبو بكر وعمر وعثمان ليس في الأمة من يقدح فيهم إلا الرافضة، والخوارج ~~المكفرون لعلي يوالون أبا بكر وعمر ويترضون عنهما، والمروانية الذين ينسبون ~~عليا إلى الظلم، ويقولون: إنه لم يكن خليفة يوالون أبا بكر وعمر مع أنهما ~~ليسا من أقاربهم، فكيف يقال مع هذا: إن عليا نزهه المؤالف والمخالف بخلاف ~~الخلفاء الثلاثة؟ # ومن المعلوم أن المنزهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل، وأن القادحين في علي ~~-حتى بالكفر والفسوق والعصيان - طوائف معروفة، وهم أعلم من الرافضة وأدين، ~~والرافضة عاجزون معهم علما ويدا، فلا يمكن الرافضة أن تقيم ms225 عليهم حجة ~~تقطعهم بها، ولا كانوا # PageV01P233 # معهم في القتال منصورين عليهم. # والذين قدحوا في علي - رضي الله عنه - وجعلوه كافرا وظالما ليس فيهم ~~طائفة معروفة بالردة عن الإسلام، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة، # كالغالية الذين يدعون إلاهيته من النصيرية وغيرهم، وكالإسماعيلية ~~الملاحدة الذين هم شر من النصيرية، وكالغالية الذين يدعون نبوته؛ فإن هؤلاء ~~كفار مرتدون، كفرهم بالله ورسوله ظاهر لا يخفى على عالم بدين الإسلام، فمن ~~اعتقد في بشر الإلهية، أو اعتقد بعد محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا، أو ~~أنه لم يكن نبيا بل كان علي هو النبي دونه وإنما غلط جبريل؛ فهذه المقالات ~~ونحوها مما يظهر كفر أهلها لمن يعرف الإسلام أدنى معرفة. # بخلاف من يكفر عليا ويلعنه من الخوارج، وممن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية ~~وبني مروان وغيرهم؛ فإن هؤلاء مقرين بالإسلام وشرائعه: يقيمون الصلاة، ~~ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجون البيت العتيق، ويحرمون ما حرم الله ~~ورسوله، وليس فيهم كفر ظاهر، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم معظمة ~~عندهم، وهذا أمر يعرفه كل من عرف أحوال الإسلام، فكيف يدعى مع هذا أن جميع ~~المخالفين نزهوه دون الثلاثة؟ ### | ### | (فصل) # # وأما حديث الكساء فهو صحيح رواه أحمد والترمذي من حديث أم سلمة، ورواه ~~مسلم في صحيحه من حديث عائشة. قالت: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ~~غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين ~~فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (1) . # وهذا الحديث قد شركه فيه فاطمة وحسن وحسين رضى الله عنهم، فليس هو من ~~خصائصه. ومعلوم أن المرأة لا تصلح للإمامة، فعلم أن هذه الفضيلة لا تختص ~~بالأئمة، بل يشركهم PageV01P234 # فيها غيرهم. ثم إن مضمون هذا لحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ~~لهم بأن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا. وغاية ذلك أن يكون دعا لهم بأن ~~يكونوا من المتقين الذين أذهب ms226 الله عنهم الرجس وطهرهم، واجتناب الرجس واجب ~~على المؤمنين، والطهارة مأمور بها كل مؤمن. # قال الله تعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم} (1) . # وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (2) . # وقال تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (3) . # فغاية هذا أن يكون هذا دعاء لهم بفعل المأمور وترك المحظور. # والصديق - رضي الله عنه - قد أخبر الله عنه بأنه: {الأتقى. الذي يؤتي ~~ماله يتزكى. وما لأحد عنده من نعمة تجزى. إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ولسوف ~~يرضى} (4) . # وأيضا فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه: {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم} (5) . لا بد أن يكونوا قد فعلوا المأمور وتركوا ~~المحظور، فإن هذا الرضوان وهذا الجزاء إنما ينال بذلك. وحينئذ فيكون ذهاب ~~الرجس عنهم وتطهيرهم من الذنوب بعض صفاتهم. فما دعا به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأهل الكساء هو بعض ما وصف الله به السابقين الأولين. والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دعا لغير أهل الكساء بأن يصلي الله عليهم، ودعا ~~لأقوام كثيرين بالجنة والمغفرة وغير ذلك، مما هو أعظم من الدعاء بذلك، ولم ~~يلزم أن يكون من دعا له بذلك أفضل من السابقين الأولين. # ولكن أهل الكساء لما كان قد أوجب عليهم اجتناب الرجس وفعل التطهير، دعا ~~لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يعينهم على فعل ما أمرهم به لئلا ~~يكونوا مستحقين للذم والعقاب، ولينالوا المدح والثواب. PageV01P235 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} (1) . قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه -: لم يعمل بهذه الآية غيري، وبي خفف الله عن هذه الأمة أمر ~~هذه الآية)) . # والجواب أن يقال: الأمر بالصدقة لم يكن واجبا على المسلمين حتى يكونوا ~~عصاة بتركه، وإنما أمر به من أراد النجوى إذ ذاك إلا علي - رضي الله عنه -، ~~فتصدق لأجل ms227 المناجاة. # وهذا كأمره بالهدى لمن تمتع بالعمرة إلى الحج، وأمره بالهدي لمن أحصر. # (فصل) # قال الرافضي: ((وعن محمد بن كعب القرظي قال: افتخر طلحة بن شيبة من بني ~~عبد الدار وعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب. فقال طلحة بن شيبة: معي ~~مفاتيح البيت، ولو أشاء بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم ~~عليها، ولو أشاء بت في المسجد. وقال علي: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى ~~القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد. فأنزل الله تعالى: {أجعلتم ~~سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وباليوم الآخر وجاهد في ~~سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} (2) . # والجواب أن يقال: هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، بل ~~دلالات الكذب عليه ظاهرة. منها: أن طلحة بن شيبة لا وجود له، وإنما خادم ~~الكعبة هو شيبة بن عثمان بن طلحة. وهذا مما يبين لك أن الحديث لم يصح. ثم ~~فيه قول العباس: ((لو أشاء بت في المسجد)) فأي كبير أمره في مبيته في ~~المسجد حتى يتبجح به؟. # ثم فيه قول علي: ((صليت ستة أشهر قبل الناس)) فهذا مما يعلم بطلانه ~~بالضرورة، فإن PageV01P236 # بين إسلامه وإسلام زيد وأبي بكر وخديجة يوما أو نحوه، فكيف يصلي قبل ~~الناس بستة أشهر؟! # وأيضا فلا يقول: أنا صاحب الجهاد، وقد شاركه فيه عدد كثير جدا. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ومنها ما رواه أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك، قال: قلنا ~~لسلمان: سل النبي - صلى الله عليه وسلم - من وصيه، فقال له سلمان: يا رسول ~~الله من وصيك؟ فقال: يا سلمان من كان وصي موسى؟ فقال: يوشع بن نون. قال: ~~فإن وصيي ووارثي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب)) . # والجواب: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ليس هو في ~~مسند الإمام أحمد بن حنبل. وأحمد قد صنف كتابا في ((فضائل الصحابة)) ذكر ~~فيه فضل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجماعة ms228 من الصحابة، وذكر فيه ما روي في ~~ذلك من صحيح وضعيف للتعريف بذلك، وليس كل ما رواه يكون صحيحا. ثم إن في هذا ~~الكتاب زيادات من رواية القطيعي عن شيوخه. وهذه الزيادات التي زادها ~~القطيعي غالبها كذب، كما سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله، وشيوخ القطيعي يروون ~~عن من في طبقة أحمد. وهؤلاء الرافضة جهال إذا رأوا فيه حديثا ظنوا أن ~~القائل لذلك أحمد بن حنبل، ويكونه القائل لذلك هو القطيعي، وذاك الرجل من ~~شيوخ القطيعى الذين يروون عن من في طبقة أحمد. ووكذلك في المسند زيادات ~~زادها ابنه عبد الله، لاسيما في مسند علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ~~فإنه زاد زيادات كثيرة. # (فصل) # قال الرافضي: ((وعن يزيد بن أبي مريم عن علي - رضي الله عنه -: قال: ~~انطلقت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتينا الكعبة، فقال لي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجلس، فصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، ~~فرأى مني ضعفا، فنزل وجلس بي # نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اصعد على منكبي، فصعدت على منكبه. ~~قال: فنهض بي. قال: فإنه تخيل لي أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على ~~البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ~~ومن # PageV01P237 # خلفه، حتى استمكنت منه قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اقذف به ~~فقذفت به فتكسر كما تنكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نستبق حتى توارينا في البيوت خشية أن يلقانا أحد من ~~الناس)) . # والجواب: أن هذا الحديث إن صح فليس فيه شيء من خصائص الأئمة ولا خصائص ~~علي؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي ~~العاص بن الربيع على منكبه، إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها. وكان إذا سجد ~~جاء الحسن فارتحله، ويقول: ((إن ابني ارتحلني)) (1) وكان يقبل زبيبة الحسن. ~~فإذا كان يحمل الطفلة والطفل لم يكن في حمله لعلي ما ms229 يوجب أن يكون ذلك من ~~خصائصه، بل قد أشركه فيه غيره وإنما حمله لعجز علي عن حمله، فهذا يدخل في ~~مناقب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفضيلة من يحمل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعظم من فضيلة من يحمله النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما ~~حمله يوم أحد من حمله من الصحابة، مثل طلحة بن عبيد الله، فإن هذا نفع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذاك نفعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ومعلوم أن نفعه بالنفس والمال أعظم من انتفاع الإنسان بنفس النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وماله. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وعن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: الصديقون ثلاثة: حبيب النجارمؤمن آل ياسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، # وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم)) . # والجواب: أن هذا كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد ثبت ~~عنه في الصحيح أنه وصف أبا بكر - رضي الله عنه - بأنه صديق. وفي الصحيح عن ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - # عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((عليكم بالصدق، فإن الصدق ~~يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق ~~حتى يكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن ~~الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب هند ~~الله كذابا)) (2) . فهذا يبين أن الصديقون كثيرون. # وأيضا فقد قال تعالى عن مريم ابنة عمران إنها صديقة، وهي امرأة. وقال ~~النب PageV01P238 # ي - صلى الله عليه وسلم -: ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ~~أربع)) (1) . فالصديقون من الرجال كثيرون. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعلي: ~~((أنت مني وأنا منك)) . # والجواب: أن هذا حديث صحيح أخرجاه في الصحيحين من حديث البراء بن عازب، ~~لما تنازع علي وجعفر وزيد في ابنة حمزة، فقضى بها لخالتها، وكانت تحت جعفر، ~~وقال لعلي: ((أنت مني وأنا منك)) . وقال لجعفر: ms230 ((أشبهت خلقي وخلقي)) . ~~وقال ليزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) (2) . # لكن هذا اللفظ قد قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - لطائفة من أصحابه، ~~كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلت نفقة عيالهم في المدينة جمعوا ~~ما كان معهم في ثوب واحد، ثم قسموه بينهم بالسوية. هم مني وأنا منهم)) (3) ~~. # وكذلك قال عن جليبيب: ((هو مني وأنا منه)) فروى مسلم في صحيحه عن أبي ~~برزة قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مغزى له. فأفاء الله ~~عليه، فقال لأصحابه: ((هل تفقدون من أحد؟)) . قالوا: نعم، فلانا وفلانا. ثم ~~قال: ((هل تفقدون من أحد؟)) قالوا: نعم، فلانا وفلانا وفلانا. ثم قال: ((هل ~~تفقدون من أحد؟)) قالوا: لا. قال: ((لكني أفقد جليبيبا، فاطلبوه)) فطلبوه ~~في # القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه فأتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فوقف عليه فقال ((قتل سبعة ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه، هذا ~~مني وأنا منه)) قال: فوضعه على ساعديه، ليس له إلا ساعدا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. قال: فحفر له فوضع في قبره، ولم يذكر غسلا)) (4) . # فتبين أن قوله لعلي: ((أنت مني وأنا منك)) ليس من خصائصه، بل قال ذلك ~~PageV01P239 # للأشعريين، وقاله لجليبيب. وإذا لم يكن من خصائصه، بل قد شاركه في ذلك ~~غيره من دون الخلفاء الثلاثة في الفضيلة، لم يكن دالا على الأفضلية ولا على ~~الإمامة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وعن عمرو بن ميمون قال: لعلي بن أبي طالب عشر فضائل ليست ~~لغيره. قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لأبعثن رجلا لا يخزيه الله ~~أبدا، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فاستشرف إليها من استشرف. قال: ~~أين علي بن أبي طالب؟ . قالوا: هو أرمد في الرحى يطحن. قال: وما كان أحدهم ~~يطحن. قال: فجاء وهو أرمد لا يكد أن يبصر. قال: فنفثت في عينيه ثم هز ~~الراية ثلاثا وأعطاها إياه، فجاء بصفية بنت حيي. ms231 قال: ثم بعث أبا بكر بسورة ~~التوبة، فبعث عليا خلفه فأخذها منه وقال: لا يذهب بها إلا رجل هو مني وأنا ~~منه)) . # وقال لبني عمه: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ قال: وعلي معهم جالس ~~فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة. قال: فتركه، ثم أقبل على ~~رجل رجل منهم، فقال: أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ فأبوا، فقال علي: أنا ~~أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: أنت وليي في الدنيا والآخرة. # قال: وكان علي أول من أسلم من الناس بعد خديجة. قال: وأخذ رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثوبه فوضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: ~~{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (1) . # قال: وشرى علي نفسه ولبس ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم نام ~~مكانه، وكان المشركون يرمونه بالحجارة. # وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بالناس في غزاة تبوك، فقال له علي: ~~أخرج معك؟ قال: لا فبكى علي، فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون ~~من موسى؟ إلا أنك لست بنبي، لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. # وقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنت وليي في كل مؤمن بعدي. ~~PageV01P240 # قال: وسد أبواب المسجد إلا باب علي. قال: وكان يدخل المسجد جنبا، وهو ~~طريقه ليس له طريق غيره. # وقال له: من كنت مولاه فعلي مولاه. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرفوعا أنه بعث أبا بكر في براءة إلى ~~مكة، فسار بها ثلاثا ثم قال لعلي: ((الحقه فرده وبلغها أنت، ففعل. فلما قدم ~~أبو بكر على النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى وقال: يا رسول الله حدث في ~~شيء؟ قال: لا، ولكن أمرت أن لا يبلغها إلا أنا أو رجل مني)) . # والجواب: أن هذا ليس مسندا بل هو مرسل لو ثبت عن عمرو بن ميمون، وفيه ~~ألفاظ هي كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كقوله: أما ترضى أن ~~تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنك لست بنبي، ms232 لا ينبغي أن أذهب إلا ~~وأنت خليفتي. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب غير مرة وخليفته على ~~المدينة غير علي، كما اعتمر عمرة الحديبية وعلي معه وخليفته غيره، وغزا بعد ~~ذلك خيبر ومعه علي وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة الفتح وعلي معه ~~وخليفته في المدينة غيره، وغزا حنينا والطائف وعلي معه وخليفته بالمدينة ~~غيره، وحج حجة الوداع وعلي معه وخليفته بالمدينة غيره، وغزا غزوة بدر ومعه ~~علي وخليفته بالمدينة غيره. # وكل هذا معلوم بالأسانيد الصحيحة وباتفاق أهل العلم بالحديث، وكان علي ~~معه في غالب الغزوات وإن لم يكن فيها قتال. # فإن قيل: استخلافه يدل على أنه لا يستخلف إلا الأفضل، لزم أن يكون علي ~~مفضولا في عامة الغزوات، وفي عمرته وحجته، لا سيما وكل مرة كان يكون ~~الاستخلاف على رجال مؤمنين، وعام تبوك ما كان الاستخلاف إلا على النساء ~~والصبيان ومن عذر الله، وعلى الثلاثة الذين # خلفوا أو متهم بالنفاق، وكانت المدينة آمنة لا يخاف على أهلها، ولا يحتاج ~~المستخلف إلى جهاد، كما يحتاج في أكثر الاستخلافات. # وكذلك قوله: ((وسد الأبواب كلها إلا باب علي)) فإن هذا مما وضعته الشيعة ~~على طريق المقابلة، فإن الذي في الصحيح عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال في مرضه الذي مات فيه ((إن أمن الناس علي في ماله ~~وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن ~~أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت # PageV01P241 # إلا خوخة أبي بكر)) (1) . رواه ابن عباس أيضا في الصحيحين. ومثل قوله: ~~((أنت وليي في كل مؤمن بعدي)) فإن هذا موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ~~والذي فيه من الصحيح ليس هو من خصائص الأئمة، بل ولا من خصائص علي، بل قد ~~شاركه فيه غيره، مثل كونه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ومثل ~~استخلافه وكونه منه بمنزلة هارون من موسى، ومثل كون علي مولى من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مولاه فإن كل مؤمن موال لله ms233 ورسوله، ومثل كون ~~((براءة)) لا يبلغها إلا رجل من بني هاشم؛ فإن هذا يشترك فيه جميع ~~الهاشميين، لما روى أن العادة كانت جارية بأن لا ينقض العهود ولا يحلها إلا ~~رجل من قبيلة المطاع. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ومنها ما رواه أخطب خوارزم عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: يا علي لو أن عبدا عبد الله عز وجل مثل ما قام نوح في قومه، ~~وكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله، ومد في عمره حتى حج ألف عام على ~~قدميه، ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما، ثم لم يوالك يا علي، لم يشم رائحة ~~الجنة ولم يدخلها. # وقال رجل لسلمان: ما أشد حبك لعلي. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني. وعن # أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((خلق الله من نور وجه ~~علي سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبيه إلى يوم القيامة)) . # وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أحب عليا قبل ~~الله عنه صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه. ألا ومن أحب عليا أعطاه الله ~~بكل عرق من بدنه مدينة في الجنة: ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب ~~والميزان والصراط. ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله في الجنة مع ~~الأنبياء ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: ((آيس من ~~رحمة الله)) . PageV01P242 # وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~من زعم أنه آمن بي وبما جئت به وهو يبغض عليا فهو كاذب ليس بمؤمن. # وعن أبي برزة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن جلوس ذات ~~يوم: والذي نفسي بيده لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأله الله تبارك ~~وتعالى عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله مم ~~اكتسبه وفيم أنفقه، وعن ms234 حبنا أهل البيت. فقال له عمر: فما آية حبكم من ~~بعدكم؟ فوضع يده على رأس علي بن أبي طالب وهو إلى جانبه فقال: إن حبي من ~~بعدي حب هذا. # وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل: ~~بأي لغة خاطبك ربك ليلة المعراج؟ فقال: خاطبني بلغة علي، فألهمني أن قلت: ~~يا رب خاطبتني أم علي؟ فقال: يا محمد أنا شيء لست كالأشياء، لا أقاس بالناس ~~ولا أوصف بالأشياء، خلقتك من نوري وخلقت عليا من نورك فاطلعت على سرائر ~~قلبك، فلم أجد إلى قلبك أحب من علي، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئن قلبك. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو أن الرياض ~~أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والإنس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي ~~طالب. # وبالإسناد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله تعالى جعل ~~الأجر على فضائل علي لا يحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرا بها غفر ~~الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل ~~الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن استمع فضيلة من فضائله ~~غفر الله # له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومن نظر إلى كتاب من فضائله غفر الله ~~له الذنوب التي اكتسبها بالنظر، ثم قال: النظر إلى وجه أمير المؤمنين علي ~~عبادة، وذكره عبادة، لا يقبل الله إيمان عبد إلا بولايته والبراءة من ~~أعدائه. # وعن حكيم بن حزام عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: لمبارزة علي لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من عمل أمتي إلى يوم ~~القيامة. # وعن سعد بن أبي وقاص قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا بالسب فأبى، ~~فقال: ما منعك أن تسب علي بن أبي طالب؟ قال: ثلاث قالهن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلن أسبه، لأن يكون لي # PageV01P243 # واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: سمعت رسول ms235 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول لعلي وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال له علي: تخلفني مع النساء ~~والصبيان؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما ترضى أن تكون مني ~~بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي. وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين ~~الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فتطاولنا فقال: ادعوا ~~لي عليا، فأتاه وبه رمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ~~وأنزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم} (1) . دعا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال: ((هؤلاء أهلي)) . # والجواب: أن أخطب خوارزم هذا له مصنف في هذا الباب فيه من الأحاديث ~~المكذوبة ما لا يخفى كذبه على من له أدنى معرفة بالحديث، فضلا عن علماء ~~الحديث، وليس هو من علماء الحديث ولا ممن يرجع إليه في هذا الشأن البتة. ~~وهذه الأحاديث مما يعلم أهل المعرفة بالحديث أنها من المكذوبات. وهذا الرجل ~~قد ذكر أنه يذكر ما هو صحيح عندهم، ونقلوه في المعتمد من قولهم وكتبهم، ~~فكيف يذكر ما أجمعوا على أنه كذب موضوع، ولم يرو في شيء من كتب الحديث ~~المعتمدة، ولا صححه أحد من أئمة الحديث. # فالعشرة الأول كلها كذب إلى آخر حديث: قتله لعمرو بن عبد ود. وأما حديث ~~سعد لما أمره معاوية بالسب فأبى، فقال: ما منعك أن تسب علي # بن أبي طالب؟ فقال: ثلاث قالهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلن ~~أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم.. الحديث. فهذا صحيح ~~رواه مسلم في صحيحه (2) وفيه ثلاث فضائل لعلي لكن ليست من خصائص الأئمة ولا ~~من خصائص علي، فإن قوله وقد خلفه في بعض مغازيه فقال له علي: يا رسول الله ~~تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما ~~ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي، ليس من ~~خصائصه؛ فإنه استخلف على المدينة غير ms236 واحد، ولم يكن هذا الاستخلاف أكمل من ~~غيره. ولهذا قال له علي: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان في كل غزاة يترك بالمدينة رجالا من المهاجرين والأنصار، ~~إلا في غزوة تبوك فإنه أمر المسلمين جميعهم بالنفير، فلم PageV01P244 # يتخلف بالمدينة إلا عاص أو معذور غير النساء والصبيان. ولهذا كره علي ~~الاستخلاف، وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ يقول تتركني مخلفا لا ~~تستصحبني معك؟ فبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الاستخلاف ليس نقصا ~~ولا غضاضة؛ فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده، وكذلك أنت ~~استخلفتك لأمانتك عندي، لكن موسى استخلف نبيا وأنا لا نبي بعدي. وهذا تشبيه ~~في أصل الاستخلاف، فإن موسى استخلف هارون على جميع بني إسرائيل، والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - استخلف عليا على قليل من المسلمين، وجمهورهم استصحبهم ~~في الغزاة. وتشبيه بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر وعمر: هذا بإبراهيم ~~وعيسى، وهذا بنوح وموسى؛ فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر ~~وعمر شبه باثنين لا بواحد؛ فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن ~~استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وعن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي عليه السلام يوم ~~الشورى يقول لهم: لأحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك، ~~ثم قال: أنشدكم بالله أيها النفر جميعا، أفيكم أحد وحد # الله تعالى قبلي؟ قالوا اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له أخ ~~مثل أخي جعفر الطيار في الجنة مع الملائكة غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: ~~فأنشدكم بالله: هل فيكم أحد له عم مثل عمي حمزة أسد الله وأسد رسوله سيد ~~الشهداء غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له زوجة ~~مثل زوجتي فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: ~~فأنشدكم بالله هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطي الحسن والحسين سيدا # PageV01P245 # شباب أهل الجنة غيري؟ قالوا: اللهم ms237 لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد ~~ناجى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر مرات قدم بين يدي نجواه صدقة ~~غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ~~من عاداه، ليبلغ الشاهد الغائب غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله ~~هل فيكم أحد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اللهم ائتني بأحب ~~خلقك إليك وإلي يأكل معي من هذا الطير، فأتاه فأكل معه غيري؟ قالوا: اللهم ~~لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لا يرجع حتى ~~يفتح الله على يديه إذ رجع غيري منهزما غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: ~~فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبني ~~وكيعة: لتنتهن أو لأبعثن إليكم رجلا نفسه كنفسي وطاعته كطاعتي، ومعصيته ~~كمعصيتي يفصلكم بالسيف غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم ~~أحد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذب من زعم أنه يحبني ويبغض ~~هذا غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد سلم عليه في ~~ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل حيث جئت ~~بالماء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القليب غيري؟ قالوا: اللهم ~~لا. قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد نودي به من السماء: لا سيف إلا ذو ~~الفقار، ولا فتى إلا علي غيري؟ قالوا: اللهم لا. قال: قال: فأنشدكم بالله ~~هل فيكم أحد قال له جبريل هذه هي المواساة، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أنه مني وأنا منه. فقال جبريل: وأنا منكما غيري؟ قالوا: اللهم ~~لا. قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~تقاتل الناكثين والقاسطين # PageV01P246 # والمارقين، على لسان النبي - صلى الله عليه ms238 وسلم - غيري؟ قالوا: اللهم ~~لا. قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: إني قاتلت على تنزيل القرآن وأنت تقاتل على تأويله غيري؟ قالوا: اللهم ~~لا. قال: فأنشدكم # بالله هل فيكم أحد ردت عليه الشمس حتى صلى العصر في وقتها غيري؟ قالوا: ~~اللهم لا. قال فأنشدكم بالله هل فيكم أحد أمره رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يأخذ ((براءة)) من أبي بكر، فقال له أبو بكر: يا رسول الله أنزل ~~في شيء؟ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه لا يؤدي عني إلا ~~علي غيري؟ قالوا: اللهم لا. # قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق كافر غيري؟ قالوا: اللهم لا. # قال: فأنشدكم بالله هل تعلمون أنه أمر بسد أبوابكم وفتح بابي فقلتم في ~~ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت ~~بابه، بل الله سد أبوابكم وفتح بابه غيري؟ قالوا: اللهم لا. # قال: فأنشدكم بالله أتعلمون أنه ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال ذلك، ~~فقلتم: ناجاه دوننا، فقال: ما أنا انتجيته بل الله انتجاه غيري؟ قالوا: ~~اللهم نعم. # قال: فأنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~الحق مع علي وعلي مع الحق يزول الحق مع علي كيفما زال؟ قالوا: اللهم نعم. # قال: فأنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن تضلوا ما استمسكتم ~~بهما، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض؟ قالوا: اللهم نعم. # قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد وقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بنفسه من المشركين واضطجع في مضجعه غيري؟ قالوا: اللهم لا. # قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد بارز عمر بن عبد ود العامري حيث دعاكم ~~إلى البراز غيري؟ قالوا: اللهم لا. # PageV01P247 # قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد نزل ms239 فيه آية التطهير حيث يقول {إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (1) غيري؟ قالوا: اللهم ~~لا. # قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنت سيد المؤمنين غيري؟ قالوا: اللهم لا. # قال: فأنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ~~سألت الله شيئا إلا وسألت لك مثله غيري؟ قالوا: اللهم لا. # ومنها ما رواه أبو عمرو الزاهد عن ابن عباس قال: لعلي أربع خصال ليست ~~لأحد من الناس غيره، هو أول عربي وعجمي صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهو الذي كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم حنين، وهو الذي ~~غسله وأدخله قبره. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مررت ليلة المعراج بقوم تشرشر ~~أشداقهم، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: قوم يقطعون الناس بالغيبة. قال: ~~ومررت بقوم وقد ضوضؤا، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الكفار. قال: ~~ثم عدلنا عن الطريق فلما انتهينا إلى السماء الرابعة رأيت عليا يصلي، فقلت: ~~يا جبريل هذا علي قد سبقنا. قال: لا ليس هذا عليا. قلت: فمن هو؟ قال: إن ~~الملائكة المقربين والملائكة الكروبيين لما سمعت فضائل علي وخاصته وسمعت ~~قولك فيه: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، اشتاقت إلى ~~علي، فخلق الله تعالى ملكا على صورة علي، فإذا اشتاقت إلى علي جاءت إلى ذلك ~~المكان، فكأنها قد رأت عليا. # وعن ابن عباس قال: إن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قال: ذات يوم وهو ~~نشيط: أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى. قال: فقوله: أنا الفتى، يعني هو فتى ~~العرب، وقوله ابن الفتى، يعني إبراهيم من قوله تعالى: {سمعنا فتى يذكرهم ~~يقال له إبراهيم} (2) ، وقوله أخو الفتى، يعني عليا، وهو معنى قول جبريل في ~~يوم بدر وقد عرج إلى السماء وهو فرح وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار ولافتى ~~إلا علي. # وعن ابن عباس قال: ms240 رأيت أبا ذر وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يقول من ~~عرفني PageV01P248 # فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر، لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار، ~~وصليتم حتى تكونوا كالحنايا، ما نفعكم ذلك حتى تحبوا عليا)) . # والجواب: أما قوله عن عامر بن واثلة وما ذكره يوم الشورى، فهذا كذب ~~باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يقل علي - رضي الله عنه - يوم الشورى شيئا ~~من # هذا ولا ما يشابهه، بل قال له عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: لئن ~~أمرتك لتعدلن؟ قال: نعم. قال: وإن بايعت عثمان لتسمعن وتطيعن؟ قال: نعم. ~~وكذلك قال لعثمان. ومكث عبد الرحمن ثلاثة أيام يشاور المسلمين. # ففي الصحيحين 0 وهذا لفظ البخاري (1) - عن عمرو بن ميمون في مقتل عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه -: ((فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد ~~الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. قال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي. ~~وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد ~~الرحمن. فقال عبد الرحمن: أيكم تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه ~~والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان. فقال عبد الرحمن: أتجعلونه ~~إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم. قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك ~~قرابة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقدم في الإسلام ما قد علمت، ~~فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر ~~فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان)) . # وفي هذا الحديث الذي ذكره الرافضي أنواع من الأكاذيب التي نزه الله عليا ~~عنها، مثل احتجاجه بأخيه وعمه وزوجته، وعلي - رضي الله عنه - أفضل من ~~هؤلاء، وهو يعلم أن أكرم الخلق عند الله أتقاهم. ولو قال العباس: هل فيكم ~~مثل أخي حمزة ومثل أولاد إخوتي محمد وعلي وجعفر؟! لكانت هذه الحجة من جنس ~~تلك، بل احتجاج الإنسان ببني إخوته أعظم من احتجاجه بعمه. ولو قال عثمان: ~~هل فيكم من تزوج ms241 بنتى نبي لكان من جنس قول القائل: هل فيكم من زوجته ~~كزوجتي؟ وكانت فاطمة قد ماتت قبل الشورى كما ماتت زوجتا عثمان، فإنها ماتت ~~بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - # بنحو ستة أشهر. PageV01P249 # وكذلك قوله: ((هل فيكم من له ولد كولدي؟)) . # وفيه أكاذيب متعددة، مثل قوله ((ما سألت الله شيئا إلا وسألت لك مثله)) . ~~وكذلك قوله: ((لا يؤدي عني إلا علي)) من الكذب. # وقال الخطابي في كتاب ((شعار الدين)) : ((وقوله: لا يؤدي عني إلا رجل من ~~أهل بيتي)) هو شيء جاء به أهل الكوفة عن زيد بن يثيع، وهو متهم في الرواية ~~منسوب إلى الرفض. وعامة من بلغ عنه غير أهل بيته، فقد بعث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أسعد بن زرارة إلى المدينة يدعوا الناس إلى الإسلام، ~~ويعلم الأنصار القرآن، ويفقههم في الدين. وبعث العلاء بن الحضرمي إلى ~~البحرين في مثل ذلك، وبعث معاذا وأبا موسى إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد ~~إلى مكة. فأين قول من زعم أنه لا يبلغ عنه إلا رجل من أهل بيته؟! # وأما حديث ابن عباس ففيه أكاذيب: منها قوله: كان لواؤه معه في كل زحف، ~~فإن هذا من الكذب المعلوم، إذ لواء النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوم ~~أحد مع مصعب بن عمير باتفاق الناس، ولواؤه يوم الفتح كان مع الزبير بن ~~العوام، وأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يركز رايته بالحجون، ~~فقال العباس للزبير بن العوام: أهاهنا أمرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن تركز الراية؟ أخرجه البخاري في صحيحه (1) . # وكذلك قوله: ((وهو الذي صبر معه يوم حنين)) . # وقد علم أنه لم يكن أقرب إليه من العباس بن عبد المطلب، وأبي سفيان بن ~~الحارث بن عبد المطلب، والعباس آخذ بلجام بغلته، وأبو سفيان بن الحارث آخذ ~~بركابه، وقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ناد أصحاب السمرة)) قال: ~~فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ فوالله كأن عطفتهم علي حين سمعوا صوتي ~~عطفة البقر على أولادها، فقالوا: ms242 يالبيك يالبيك. والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: ((أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)) ونزل عن بغلته وأخذ ~~كفا من حصى فرمى بها القوم وقال: ((انهزموا ورب الكعبة)) قال العباس: ~~((فوالله ما هو إلا أن رماهم فمازلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا، حتى ~~هزمهم الله)) أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ البخاري قال: ((وأبو سفيان آخذ ~~بلجام بغلته)) وفيه: ((قال العباس: PageV01P250 # لزمت أنا وأبو سفيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فلم ~~نفارقه)) (1) . # وأما غسله - صلى الله عليه وسلم - وإدخاله قبره، فاشترك فيه أهل بيته، ~~كالعباس وأولاده، ومولاه شقران، وبعض الأنصار، لكن علي كان يباشر الغسل، ~~والعباس حاضر لجلالة العباس، وأن عليا أولاهم بمباشرة ذلك. # وكذلك قوله: ((هو أول عربي وعجمي صلى)) يناقض ما هو المعروف عن ابن عباس. ### | ### | (فصل) # # وأما حديث المعراج وقوله فيه: إن الملائكة المقربين والملائكة الكروبيين ~~لما سمعت فضائل علي وخاصته وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما ترضى أن ~~تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)) اشتاقت إلى علي فخلق الله لها ملكا على ~~صورة علي)) . # فالجواب: أن هذا من كذب الجهال الذين لا يحسنون أن يكذبوا، فإن المعراج ~~كان بمكة قبل الهجرة بإجماع الناس، كما قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا ~~إنه هو السميع البصير} (2) . وكان الإسراء من المسجد الحرام. # وقال: {والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو ~~إلا وحي يوحى} (3) إلى قوله: { أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى. ~~عند سدرة المنتهى} (4) إلى قوله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى} (5) . وهذا ~~كله نزل بمكة بإجماع الناس. # وقوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)) قاله في غزوة ~~تبوك، وهي آخر الغزوات عام تسع من الهجرة. فكيف يقال: إن الملائكة ليلة ~~المعراج سمعوا قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)) ~~PageV01P251 ### | ### | (فصل) # # وكذلك الحديث المذكور عن ابن ms243 عباس: إن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ~~قال ذات يوم وهو نشيط: ((أنا الفتى ابن الفتى أخو الفتى)) قال: فقوله: أنا ~~الفتى: يعني فتى العرب، وقوله: ابن الفتى، يعني إبراهيم الخليل صلوات الله ~~عليه، من قوله: { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} (1) ، وقوله أخو ~~الفتى: يعني عليا، وهو معنى قول جبريل في يوم بدر وقد عرج إلى السماء وهو ~~فرح وهو يقول: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي)) . # فإن هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة الموضوعة باتفاق أهل المعرفة ~~بالحديث، وكذبه معروف من غير جهة الإسناد من وجوه. # منها: أن لفظ ((الفتى)) في الكتاب والسنة ولغة العرب ليس هو من أسماء ~~المدح، كما ليس هو من أسماء الذم، ولكنه بمنزلة اسم الشاب والكهل والشيخ ~~ونحو ذلك، والذين قالوا عن إبراهيم: سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، هم ~~الكفار، ولم يقصدوا مدحه بذلك، وإنما الفتى كالشاب الحدث. # ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجل من أن يفتخر بجده، وابن عمه. # ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخ عليا ولا غيره، وحديث ~~المؤاخاة لعلي، ومؤاخاة أبي بكر لعمر من الأكاذيب. وإنما آخى بين المهاجرين ~~والأنصار، ولم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري. # ومنها: أن هذه المناداة يوم بدر كذب. # ومنها: أن ذا الفقار لم يكن لعلي، وإنما كان سيفا من سيوف أبي جهل غنمه ~~المسلمون منه يوم بدر، فلم يكن يوم بدر ذو الفقار من سيوف المسلمين، بل من ~~سيوف الكفار، كما روى ذلك أهل السنن. فروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ~~عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر ~~(2) . # ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد النبوة كهلا قد تعدى سن ~~الفتيان. PageV01P252 ### | (فصل) # وأما حديث أبي ذر الذي رواه الرافضي فهو موقوف عليه ليس مرفوعا، فلا يحتج ~~به، مع أن نقله عن أبي ذر فيه نظر، ومع هذا فحب علي واجب، وليس ذلك من ~~خصائصه، بل علينا أن نحبه، ms244 كما علينا أن نحب عثمان وعمر وأبا بكر، وأن نحب ~~الأنصار. # ففي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((آية الإيمان حب ~~الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)) (1) وفي صحيح مسلم عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: ((إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا ~~يبغضني إلا منافق)) (2) . ### | (فصل) # قال الرافضي: ((ومنها ما نقله صاحب ((الفردوس)) في كتابه عن معاذ بن جبل ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((حب علي حسنة لا تضر معها سيئة ~~وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة)) . # والجواب: أن كتاب ((الفردوس)) فيه من الأحاديث الموضوعات ما شاء الله، ~~ومصنفه شيرويه بن شهردار الديلمي وإن كان من طلبة الحديث ورواته، فإن هذه ~~الأحاديث التي جمعها وحذف أسانيدها، نقلها من غير اعتبار لصحيحها وضعيفها ~~وموضوعها؛ فلهذا كان فيه من الموضوعات أحاديث كثيرة جدا. # وهذا الحديث مما يشهد المسلم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقوله؛ ~~فإن حب الله ورسوله أعظم من حب علي، والسيئات تضر مع ذلك. وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يضرب عبد الله بن حمار في الخمر، وقال: ((إنه يحب ~~الله ورسوله)) . وكل مؤمن فلابد أن يحب الله ورسوله، والسيئات تضره. وقد ~~أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الشرك يضر صاحبه ولا يغفره ~~الله لصاحبه، ولو أحب علي بن أبي طالب؛ فإن أباه أبا طالب كان يحبه وقد ضره ~~الشرك حتى دخل النار، والغالية يقولون إنهم يحبونه وهم كفار من أهل النار. ~~PageV01P253 # وبالجملة فهذا القول كفر ظاهر يستتاب صاحبه، ولا يجوز أن يقول هذا من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر. # وكذلك قوله: ((وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة)) فإن من أبغضه إن كان كافرا ~~فكفره هو الذي أشقاه، وإن كان مؤمنا نفعه إيمانه وإن أبغضه. # وكذلك الحديث الذي ذكره عن ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: ((حب آل محمد يوما خير من عبادة سنة، ومن مات عليه دخل الجنة. وقوله ~~عن علي: ms245 أنا وهذا حجة الله على خلقه -هما حديثان موضوعان عند أهل العلم ~~بالحديث. وعبادة سنة فيها الإيمان والصلوات الخمس كل يوم وصوم شهر رمضان، ~~وقد أجمع المسلمون على أن هذا لا يقوم مقامه حب آل محمد شهرا، فضلا عن حبهم ~~يوما. # وكذلك حجة الله على عباده قامت بالرسل فقط. كما قال تعالى: {لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل} (1) . ولم يقل: بعد الرسل والأئمة أو ~~الأوصياء أو غير ذلك. # وكذلك قوله: ((لو اجتمع الناس على حب علي لم يخلق الله النار)) من أبين ~~الكذب باتفاق أهل العلم والإيمان، ولو اجتمعوا على حب علي لم ينفعهم ذلك ~~حتى يؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويعملوا صالحا، وإذا ~~فعلوا ذلك دخلوا الجنة، وإن لم يعرفوا عليا بالكلية، ولم يخطر بقلوبهم لا ~~حبه ولا بغضه. ### | ### | (فصل) # # وكذلك الحديث الذي ذكره في العهد الذي عهده الله في علي، وأنه راية الهدى ~~وإمام الأولياء، وهو الكلمة التي ألزمها للمتقين ... الخ. # فإن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث والعلم. ومجرد رواية صاحب ~~((الحلية)) ونحوه لا تفيد ولا تدل على الصحة؛ فإن صاحب ((الحلية)) قد روى ~~في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والأولياء وغيرهم أحاديث ضعيفة بل ~~موضوعة باتفاق العلماء، وهو وأمثاله من الحفاظ # الثقات أهل الحديث ثقات فيما يروونه عن شيوخهم، لكن الآفة PageV01P254 # ممن هو فوقهم. ... وكذلك حديث عمار وابن عباس كلاهما من الموضوعات. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأما المطاعن في الجماعة فقد نقل الجمهور منها أشياء ~~كثيرة: حتى صنف الكلبي كتابا ((في مثالب الصحابة)) ولم يذكر فيه منقصة ~~واحدة لأهل البيت)) . # والجواب أن يقال: قبل الأجوبة المفصلة عن ما يذكر من المطاعن أن ما ينقل ~~عن الصحابة من المثالب فهو نوعان: أحدهما: ما هو كذب: إما كذب كله، وإما ~~محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطعن. وأكثر المنقول ~~من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب، مثل ~~أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل ms246 هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأمثالهما من ~~الكذابين. ولهذا استشهد هذا الرافضي بما صنفه هشام الكلبي في ذلك، وهو من ~~أكذب الناس، وهو شيعي يروي عن أبيه وعن أبي مخنف، وكلاهما متروك كذاب. # النوع الثاني: ما هو صدق. وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن ~~تكون ذنوبا، وتجعلها من موارد الاجتهاد، التي إن أصاب المجتهد فيها فله ~~أجران وإن أخطأ فله أجر. وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا ~~الباب، وما قدر من هذه الأمور ذنبا محققا فإن ذلك لا يقدح فيما علم من ~~فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في ~~الآخرة بأسباب متعددة. # منها: التوبة الماحية. وقد ثبت عن أئمة الإمامية أنهم تابوا من الذنوب ~~المعروفة عنهم. # ومنها: الحسنات الماحية للذنوب؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال ~~تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} (1) . # ومنها: المصائب المكفرة. # ومنها: دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وشفاعة نبيهم، فما من سبب يسقط به الذم ~~والعقاب عن أحد من الأمة إلا والصحابة أحق بذلك، فهم أحق بكل مدح، ونفي كل ~~ذم ممن بعدهم من الأمة. PageV01P255 # قال الرافضي: ((وقد ذكر غيره منها أشياء كثيرة، ونحن نذكر منها شيئا ~~يسيرا. منها ما رووه عن أبي بكر أنه قال على المنبر: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يعتصم بالوحي، وإن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت ~~فأعينوني، فإن زغت فقوموني، وكيف يجوز إمامة من يستعين بالرعية على تقويمه، ~~مع أن الرعية تحتاج إليه؟)) . # والجواب أن يقال: هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق - رضي الله عنه - ~~وأدلها على أنه لم يكن يريد علوا في الأرض ولا فسادا، فلم يكن طالب رياسة، ~~ولا كان ظالما، وإنه إنما كان يأمر الناس بطاعة الله ورسوله فقال لهم: إن ~~استقمت على طاعة الله فأعينوني عليها، وإن زغت عنها فقوموني. كما قال أيضا: ~~أيها الناس ... أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. # والشيطان الذي يعتريه يعتري جميع ms247 بني آدم؛ فإنه ما من أحد إلا وقد وكل ~~الله به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن. # ومقصود الصديق بذلك: إني لست معصوما كالرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~حق. وقول القائل: كيف تجوز إمامة من يستعين على تقويمه بالرعية؟ كلام جاهل ~~بحقيقة الإمامة. فإن الإمام ليس هو ربا لرعيته حتى يستغني عنهم، ولا هو ~~رسول الله إليهم حتى يكون هو الواسطة بينهم وبين الله. وإنما هو والرعية ~~شركاء يتعاونون هم وهو على مصلحة الدين والدنيا؛ فلا بد له من إعانتهم، ولا ~~بد لهم من إعانته، كأمير القافلة الذي يسير بهم في الطريق: إن سلك بهم ~~الطريق اتبعوه، وإن أخطأ عن الطريق نبهوه وأرشدوه، وإن خرج عليهم صائل يصول ~~عليهم تعاون هو وهم على دفعه. لكن إذا كان أكملهم علما وقدرة ورحمة كان ذلك ~~أصلح لأحوالهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقال: أقيلوني فلست بخيركم، وعلي فيكم. فإن كانت إمامته ~~حقا كانت استقالته منها معصية، وإن كانت باطلة لزم الطعن)) . # والجواب: أن هذا كذب، ليس فيه شيء من كتب الحديث، ولا له إسناد معلوم. # PageV01P256 # فإنه لم يقل ((وعلي فيكم)) بل الذي ثبت عنه في الصحيح أنه قال يوم ~~السقيفة: بايعوا أحد هذين الرجلين: عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح. ~~فقال له عمر: بل أنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. قال عمر: كنت والله لأن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك إلى إثم، ~~أحب إلي من تأمري على قوم فيهم أبو بكر (1) . # ثم لو قال: ((وعلي فيكم)) لاستخلفه مكان عمر؛ فإن أمره كان مطاعا. # وأما قوله: ((إن كانت إمامته حقا كانت استقالته منها معصية)) . # فيقال: إن ثبت أنه قال ذلك، فإن كونها حقا إما بمعنى كونها جائزة، ~~والجائز يجوز تركه. وإما بمعنى كونها واجبة إذا لم يولوا غيره ولم يقيلوه. ~~وأما إذا أقالوه وولوا غيره لم تكن واجبة عليه. # والإنسان قد يعقد بيعا أو إجارة، ويكون العقد حقا، ثم يطلب الإقالة، وهو ~~لتواضعه وثقل الحمل عليه ms248 قد يطلب الإقالة، وإن لم يكن هناك من هو أحق بها ~~منه. وتواضع الإنسان لا يسقط حقه. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين ~~شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. ولو كانت إمامته صحيحة لم # يستحق فاعلها القتل، فيلزم تطرق الطعن إلى عمر. وإن كانت باطلة، لزم ~~الطعن عليهما معا)) . # والجواب: أن لفظ الحديث سيأتي. قال فيه: ((فلا يغترن امرؤ أن يقول: ~~((إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة فتمت. ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن وقى ~~الله شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)) . ومعناه أن بيعة ~~أبي بكر بودر إليها من غير تريث ولا انتظار، لكونه كان متعينا لهذا الأمر. ~~كما قال عمر: ((ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)) . # وكان ظهور فضيلة أبي بكر على من سواه، وتقديم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - له على سائر PageV01P257 # الصحابة أمرا ظاهرا معلوما. فكانت دلالة النصوص على تعيينه تغنى عن ~~مشاورة وانتظار وتريث، بخلاف غيره؛ فإنه لا تجوز مبايعته إلا بعد المشاورة ~~والانتظار والتريث. فمن بايع غير أبي بكر عن غير انتظار وتشاور لم يكن له ~~ذلك. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وقال أبو بكر عند موته: ليتني كنت سألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هل للأنصار في هذا الأمر حق؛ وهذا يدل على أنه في شك من ~~إمامته ولم تقع صوابا)) . # والجواب: أن هذا كذب على أبي بكر - رضي الله عنه -، وهو لم يذكر له ~~إسنادا. ومعلوم أن من احتج في أي مسألة كانت بشيء من النقل، فلابد أن يذكر ~~إسنادا تقوم به الحجة. فكيف بمن يطعن في السابقين الأولين بمجرد حكاية لا ~~إسناد لها؟ # ثم يقال: هذا يقدح فيما تدعونه من النص على علي؛ فإنه لو كان قد نص على ~~علي لم يكن للأنصار فيه حق، ولم يكن في ذلك شك. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وقال عند احتضاره: ليت أمي لم تلدني! يا ليتني كنت تبنة ~~في لبنة. ms249 مع أنهم قد نقلوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ما من ~~محتضر يحتضر إلا ويرى مقعده من الجنة والنار)) . # والجواب: أن تكلمه بهذا عند الموت غير معروف، بل هو باطل بلا ريب. بل ~~الثابت عنه أنه لما احتضر، وتمثلت عنده عائشة بقول الشاعر: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بهاالصدر # فكشف عن وجهه، وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ~~ما كنت منه تحيد} (1) . # ولكن نقل عنه أنه قال في صحته: ليت أمي لم تلدني! ونحو هذا قاله خوفا - ~~إن صح النقل عنه. ومثل هذا الكلام منقول عن جماعة أنهم قالوه خوفا وهيبة من ~~أهوال يوم القيامة، حتى قال بعضهم: لو خيرت بين أن أحاسب وأدخل الجنة، وبين ~~أن أصير ترابا، PageV01P258 # لاخترت أن أصير ترابا. وروى الإمام أحمد عن أبي ذر أنه قال: والله لوددت ~~أني شجرة تعضد. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وقال أبو بكر: ليتني في ظلة بني ساعدة ضربت بيدي على يد ~~أحد الرجلين، فكان هو الأمير وكنت الوزير)) . قال: ((وهو يدل على أنه لم ~~يكن صالحا يرتضي لنفسه الإمامة)) . # والجواب: أن هذا إن كان قاله فهو أدل دليل على أن عليا لم يكن هو الإمام؛ ~~وذلك أن قائل هذا إنما يقوله خوفا من الله أن يضيع حق الولاية، وأنه إذا ~~ولى غيره، وكان وزيرا له، كان أبرأ لذمته. فلو كان علي هو الإمام، لكانت ~~توليته لأحد الرجلين إضاعة للإمامة أيضا، وكان يكون وزيرا لظالم غيره، وكان ~~قد باع آخرته بدنيا غيره. وهذا لا يفعله من يخاف الله، ويطلب براءة ذمته. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرض موته، مرة ~~بعد أخرى، مكررا لذلك: أنفذوا جيش أسامة، لعن الله المتخلف عن جيش أسامة. ~~وكان الثلاثة معه، ومنع عمر أبو بكر من ذلك)) . # والجواب: أن هذا من الكذب المتفق على أنه كذب عند كل من يعرف السيرة، ولم ~~ينقل أحد من أهل العلم أن النبي ms250 - صلى الله عليه وسلم - أرسل أبو بكر أو ~~عثمان في جيش أسامة. وإنما روى ذلك في عمر. وكيف يرسل أبا بكر في جيش ~~أسامة، وقد استخلفه يصلي بالمسلمين مدة مرضه. وكان ابتداء مرضه من يوم ~~الخميس إلى الخميس إلى يوم الاثنين، اثني عشر يوما، ولم يقدم في الصلاة ~~بالمسلمين إلا أبا بكر بالنقل المتواتر، ولم تكن الصلاة التي صلاها أبو بكر ~~بالمسلمين في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة ولا صلاتين، ولا صلاة ~~يوم ولا يومين، حتى يظن ما تدعيه الرافضة من التلبيس، وأن عائشة قدمته بغير ~~أمره، بل كان يصلي بهم مدة مرضه؛ # PageV01P259 # فإن الناس متفقون على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل بهم في مرض ~~موته ولم يصل بهم إلا أبو بكر، وعلى أنه صلى بهم عدة أيام. وأقل ما قيل: ~~إنه صلى بهم سبع عشرة صلاة؛ صلى بهم صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة، وخطب ~~بهم يوم الجمعة. هذا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة، ولم يزل يصلي بهم إلى ~~فجر يوم الاثنين. صلى بهم صلاة الفجر، وكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الستارة، فرآهم يصلون خلف أبي بكر، فلما رأوه كادوا يفتنون في صلاتهم، ثم ~~أرخى الستارة. وكان ذلك آخر عهدهم به، وتوفي يوم الاثنين حين اشتد الضحى ~~قريبا من الزوال. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأيضا لم يول النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ألبتة ~~عملا في وقته، بل ولى عليه عمرو بن العاص تارة وأسامة أخرى. ولما أنفذه ~~بسورة ((براءة)) رده بعد ثلاثة أيام بوحي من الله، وكيف يرتضي العاقل إمامة ~~من لا يرتضيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بوحي من الله لأداء عشر آيات من ~~((براءة)) ؟!)) . # والجواب: أن هذا من أبين الكذب؛ فإنه من المعلوم المتواتر عند أهل ~~التفسير والمغازي والسير والحديث والفقه وغيرهم: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استعمل أبا بكر على الحج عام تسع، وهو أول حج كان في الإسلام من ~~مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم ms251 يكن قبله حج في الإسلام، إلا ~~الحجة التي أقامها عتاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية من مكة؛ فإن مكة فتحت ~~سنة ثمان، وأقام الحج ذلك العام عتاب بن أسيد، الذي استعمله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على أهل مكة ثم أمر أبا بكر سنة تسع للحج، بعد رجوع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك، وفيها أمر أبا بكر بالمناداة في ~~الموسم: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ولم يؤمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - غير أبي بكر على مثل هذه الولاية؛ فولاية أبي بكر ~~كانت من خصائصه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمر على الحج أحدا ~~كتأمير أبي بكر، ولم يستخلف على الصلاة أحدا كاستخلاف أبي بكر، وكان علي من ~~رعيته في هذه الحجة؛ فإنه لحقه فقال: أمير أو مأمور؟ فقال علي: بل مأمور. ~~وكان علي يصلي خلف أبي بكر مع سائر المسلمين في هذه الولاية، ويأتمر لأمره ~~كما يأتمر له سائر من معه، ونادى علي مع الناس في هذه الحجة بأمر أبي بكر. # PageV01P260 # وأما ولاية غير أبي بكر فكان يشاركه فيها غيره، كولاية علي وغيره؛ فلم ~~يكن لعلي ولاية إلا ولغيره مثلها، بخلاف ولاية أبي بكر، فإنها من خصائصه، ~~ولم يول النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر لا أسامة بن زيد ولا ~~عمرو بن العاص. # فأما تأمير أسامة عليه فمن الكذب المتفق على كذبه. # وأما قصة عمرو بن العاص، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أرسل عمرا ~~في سرية، وهي غزوة ذات السلاسل، وكانت إلى بني عذرة، وهم أخوال عمرو، فأمر ~~عمرا ليكون ذلك سببا لإسلامهم، للقرابة التي له منهم. ثم أردفه بأبي عبيدة، ~~ومعه أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين. وقال: # ((تطاوعا ولا تختلفا)) فلما لحق عمرا قال: أصلي بأصحابي وتصلي بأصحابك. ~~قال: بل أنا أصلي بكم؛ فإنما أنت مدد لي. فقال له أبو عبيدة: إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أطاوعك، ms252 فإن عصيتني أطعتك. قال: فإنى ~~أعصيك. فأراد عمرو أن ينازعه في ذلك، فأشار عليه أبو بكر أن لا يفعل. # ورأى أبو بكر أن ذلك أصلح للأمر، فكانوا يصلون خلف عمرو، مع علم كل أحد ~~أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أفضل من عمرو. # وأما قول الرافضي: إنه لما أنفذه ببراءة رده بعد ثلاثة أيام؛ فهذا من ~~الكذب المعلوم؟ أنه كذب. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أبا بكر ~~على الحج، ذهب كما أمره، وأقام الحج في ذلك العام، عام تسع، للناس، ولم ~~يرجع إلى المدينة حتى قضى الحج، وأنفذ فيه ما أمره به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإن المشركين كانوا يحجون البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، ~~وكان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين عهود مطلقة، فبعث أبا ~~بكر وأمره أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ~~فنادى بذلك من أمره أبو بكر بالنداء ذلك العام، وكان علي بن أبي طالب من ~~جملة من نادى بذلك في الموسم بأمر أبي بكر، ولكن لما خرج أبو بكر أردفه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي بن أبي طالب لينبذ إلى المشركين العهود. # قالوا: وكان من عادة العرب أن لا يعقد العهود ولا يفسخها إلا المطاع، أو ~~رجل من أهل بيته. فبعث عليا لأجل فسخ العهود التي كانت مع المشركين خاصة، ~~لم يبعثه لشيء آخر. ولهذا كان علي يصلي خلف أبي بكر، ويدفع بدفعه في الحج، ~~كسائر رعية أبي بكر الذين كانوا معه في الموسم. # PageV01P261 ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وقطع يسار سارق، ولم يعلم أن القطع لليد اليمنى)) . # والجواب: أن قول القائل: إن أبا بكر يجهل هذا، من أظهر الكذب. ولوقدر أن ~~أبا بكركان يجيز ذلك، لكان ذلك قولا سائغا؛ لأن القرآن ليس في ظاهره ما ~~يعين اليمين، لكن تعيين اليمين في قراءة ابن مسعود: {فاقطعوا أيمانهما} ~~وبذلك مضت السنة. ولكن أين النقل بذلك عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قطع ~~اليسرى؟ وأين الإسناد ms253 الثابت بذلك؟ وهذه كتب أهل العلم بالآثار موجودة ليس ~~فيها ذلك، ولا نقل أهل العلم بالاختلاف ذلك قولا، مع تعظيمهم لأبي بكر - ~~رضي الله عنه -. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وأحرق الفجاءة السلمي بالنار، وقد نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الإحراق بالنار)) . # الجواب: أن الإحراق بالنار عن علي أشهر وأظهر منه عن أبي بكر. وأنه قد ~~ثبت في الصحيح أن عليا أتي بقوم زنادقة من غلاة الشيعة، فحرقهم بالنار، ~~فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم بالنار، لنهي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يعذب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ((من بدل دينه فاقتلوه)) . فبلغ ذلك عليا فقال: ويح ابن ~~أم الفضل ما أسقطه على الهنات (1) . # فعلي حرق جماعة بالنار. فإن كان ما فعله أبو بكر منكرا، ففعل علي أنكر ~~منه، وإن كان فعل علي مما لا ينكر مثله على الأئمة، فأبو بكر أولى أن لا ~~ينكر عليه. # (فصل) # قال الرافضي: ((وخفي عليه أكثر أحكام الشريعة، فلم يعرف حكم الكلالة، ~~وقال: أقول فيها برأيي، فإن يك صوابا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن ~~الشيطان. وقضى بالجد PageV01P262 # بسبعين قضية. وهو يدل على قصوره في العلم)) . # والجواب: أن هذا من أعظم البهتان. كيف يخفى عليه أكثر أحكام الشريعة، ولم ~~يكن بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من يقضي ويفتى إلا هو؟! ولم يكن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر مشاورة لأحد من الصحابة منه له ولعمر. ~~ولم يكن أحد أعظم اختصاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - منه ثم عمر. # وقد ذكر غير واحد، مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني وغيره، إجماع أهل ~~العلم على أن الصديق أعلم الأمة. وهذا بين، فإن الأمة لم تختلف في ولايته ~~في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم، وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة. ~~كما بين لهم موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتثبيتهم على الإيمان، ~~وقراءته عليهم الآية، ثم بين لهم موضع دفنه، وبين لهم قتال ms254 مانعي الزكاة ~~لما # استراب فيه عمر، وبين لهم أن الخلافة في قريش في سقيفة بني ساعدة، لما ظن ~~من ظن أنها تكون في غير قريش. # وقد استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - على أول حجة حجت من مدينة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعلم المناسك أدق ما في العبادات، لولا سعة ~~علمه بها لم يستعمله. وكذلك الصلاة استخلفه فيها، ولولا علمه بها لم ~~يستخلفه. ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة. # وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذه أنس من ~~أبي بكر. وهو أصح ما روى فيها، وعليه اعتمد الفقهاء. # وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة من الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره ~~مسائل كثيرة، كما بسط في موضعه. # وأما قول الرافضي: ((لم يعرف حكم الكلالة حتى قال فيها برأيه)) . # فالجواب: أن هذا من أعظم علمه. فإن هذا الرأي الذي رآه في الكلالة قد ~~اتفق عليه جماهير العلماء بعده؛ فإنهم أخذوا في الكلالة بقول أبي بكر، وهو ~~من لا ولد له ولا والد، والقول بالرأي هو معروف عن سائر الصحابة، كأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، لكن الرأي الموافق ~~للحق هو الذي يكون لصاحبه أجران، كرأي الصديق، فإن هذا خير من الرأي الذي ~~غاية صاحبه أن يكون له أجر واحد. # وقد قال قيس بن عباد لعلي: أرأيت مسيرك هذا: ألعهد عهده إليك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أم # PageV01P263 # رأي رأيته؟ فقال: بل رأي رأيته. رواه أبو داود وغيره (1) . # فإن كان مثل هذا الرأي الذي حصل به من سفك الدماء ما حصل، لا يمنع صاحبه ~~أن يكون إماما، فكيف بذلك الرأي الذي اتفق جماهير العلماء على حسنه. # وأما ما ذكره من قضائه في الجد بسبعين قضية، فهذا كذب. وليس هو قول أبي ~~بكر، ولا نقل هذا عن أبي بكر بل نقل هذا عن أبى بكر يدل على غاية جهل هؤلاء ~~الروافض وكذبهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ms255 فأي نسبة له بمن قال: ((سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق ~~السماء فإني أعرف بها من طرق الأرض)) . # قال أبو البحتري: رأيت عليا صعد المنبر بالكوفة، وعليه مدرعة كانت لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - متقلدا لسيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~متعمما بعمامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي أصبعه خاتم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقعد على المنبر، وكشف عن بطنه، فقال: سلوني من قبل ~~أن تفقدوني، فإنما بين الجوانح مني علم جم، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، هذا ما زقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- زقا من غير وحي إلي، فوالله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل ~~التوراة بتوراتهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم، حتى ينطق الله التوراة والإنجيل ~~فتقول: صدق علي، قد أفتاكم بما أنزل الله في، وأنتم تتلون الكتاب، أفلا ~~تعقلون)) . # والجواب: أما قول علي: ((سلوني)) فإنما كان يخاطب بهذا أهل الكوفة ~~ليعلمهم العلم والدين؛ فإن غالبهم كانوا جهالا لم يدركوا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وأما أبو بكر فكان الذين حول منبره هم أكابر أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، الذين تعلموا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~العلم والدين، فكانت رعية أبي بكر أعلم الأمة وأدينها. وأما الذين كان علي ~~يخاطبهم فهم من جملة عوام الناس التابعين، وكان كثير منهم من شرار ~~التابعين. ولهذا كان علي - رضي الله عنه - يذمهم ويدعو عليهم، وكان ~~التابعون بمكة والمدينة والشام والبصرة خيرا منهم. PageV01P264 # وقد جمع الناس الأقضية والفتاوى المنقولة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ~~فوجدوا أصوبها وأدلها على علم صاحبها أمور أبي بكر ثم عمر. ولهذا كان ما ~~يوجد من الأمور التي وجد نص يخالفها عن عمر أقل مما وجد عن علي، وأما أبو ~~بكر فلا يكاد يوجد نص يخالفه، وكان هو الذي يفصل الأمور المشتبهة عليهم، ~~ولم يكن يعرف منهم اختلاف على عهده. وعامة ما تنازعوا فيه من الأحكام كان ~~بعد أبي ms256 بكر. # والحديث المذكور عن علي كذب ظاهر لا تجوز نسبة مثله إلى علي؛ فإن عليا ~~أعلم بالله وبدين الله من أن يحكم بالتوراة والإنجيل، إذ كان المسلمون ~~متفقين على أنه لا يجوز لمسلم أن يحكم بين أحد إلا بما أنزل الله في ~~القرآن. وإذا تحاكم اليهود والنصارى إلى المسلمين لم يجز لهم أن يحكموا ~~بينهم إلا بما أنزل الله في القرآن. # وإذا كان من المعلوم بالكتاب والسنة والإجماع، أن الحاكم بين اليهود ~~والنصارى لا يجوز أن يحكم بينهم إلا بما أنزل الله على محمد، سواء وافق ما ~~بأيديهم من التوراة والإنجيل أو لم يوافقه، كان من نسب عليا إلى أنه يحكم ~~بالتوراة والإنجيل بين اليهود والنصارى، أو يفتيهم بذلك، ويمدحه بذلك: إما ~~أن يكون من أجهل الناس بالدين، وبما يمدح به صاحبه، وإما أن يكون زنديقا ~~ملحدا أراد القدح في علي بمثل هذا الكلام الذي يستحق صاحبه الذم والعقاب، ~~دون المدح والثواب. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وروى البيهقي بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى ~~إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي ~~بن أبي طالب، فأثبت له ما تفرق فيهم)) . # والجواب أن يقال أولا: أين إسناد هذا الحديث؟ والبيهقي يروي في الفضائل ~~أحاديث كثيرة ضعيفة، بل موضوعة، كما جرت عادة أمثاله من أهل العلم. # ويقال ثانيا: هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بلا ريب عند أهل العلم بالحديث، ولهذا لا يذكره أهل العلم بالحديث، وإن ~~كانوا حراصا على جمع فضائل علي، # PageV01P265 # كالنسائي؛ فإنه قصد أن يجمع فضائل علي في كتاب سماه ((الخصائص)) ، ~~والترمذي قد ذكر أحاديث متعددة في فضائله، وفيها ما هو ضعيف بل موضوع، ومع ~~هذا لم يذكروا هذا ونحوه. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((قال أبو عمر الزاهد: قال أبو العباس: لا نعلم أحدا قال ~~بعد نبيه: ((سلوني)) من شيث إلى محمد ms257 إلا علي، فسأله الأكابر: أبو بكر وعمر ~~وأشباههما، حتى انقطع السؤال. ثم قال بعد هذا: يا كميل بن زياد، إن ههنا ~~لعلما جما لو أصبت له حملة)) . # والجواب: أن هذا النقل إن صح عن ثعلب؛ فثعلب لم يذكر له إسنادا حتى يحتج ~~به. وليس ثعلب من أئمة الحديث الذين يعرفون صحيحه من # سقيمه، حتى يقال: قد صح عنده. كما إذا قال ذلك أحمد أو يحيى بن معين أو ~~البخاري ونحوهم. بل من هو أعلم من ثعلب من الفقهاء يذكرون أحاديث كثيرة لا ~~أصل لها، فكيف ثعلب؟! وهو قد سمع هذا من بعض الناس الذين لا يذكرون ما ~~يقولون عن أحد. # وعلي - رضي الله عنه - لم يكن يقول هذا بالمدينة، لا في خلافة أبي بكر ~~ولا عمر ولا عثمان، وإنما كان يقول هذا في خلافته في الكوفة، ليعلم أولئك ~~الذين لم يكونوا يعلمون ما ينبغي لهم علمه. وكان هذا لتقصيرهم في طلب ~~العلم، وكان علي - رضي الله عنه - يأمرهم بطلب العلم والسؤال. # وحديث كميل بن زياد يدل على هذا؛ فإن كميلا من التابعين لم يصحبه إلا ~~بالكوفة، فدل على أنه كان يرى تقصيرا من أولئك عن كونهم حملة للعلم، ولم ~~يكن يقول هذا في المهاجرين والأنصار، بل كان عظيم الثناء عليهم. # وأما أبو بكر فلم يسأل عليا قط عن شيء. وأما عمر فكان يشاور الصحابة: ~~عثمان وعليا وعبد الرحمن وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم. فكان علي من أهل ~~الشورى. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وأهمل حدود الله فلم يقتص من خالد بن الوليد ولا حده حيث ~~قتل # PageV01P266 # مالك بن نويرة، وكان مسلما، وتزوج امرأته في ليلة قتله وضاجعها. وأشار ~~عليه عمر بقتله فلم يفعل)) . # والجواب أن يقال أولا: إن كان ترك قتل قاتل المعصوم مما ينكر على الأئمة، ~~كان هذا من أعظم حجة شيعة عثمان على علي؛ فإن عثمان خير من ملء الأرض من ~~مثل مالك بن نويرة، وهو خليفة المسلمين، وقد قتل مظلوما شهيدا بلا تأويل ~~مسوغ لقتله. وعلي لم يقتل ms258 قتلته، وكان هذا من أعظم ما امتنعت به شيعة عثمان ~~عن مبايعة علي، فإن كان علي له عذر شرعي في ترك قتل قتلة عثمان، فعذر أبي ~~بكر في ترك قتل قاتل مالك بن نويرة أقوى، وإن لم يكن لأبي بكر عذر في ذلك ~~فعلي أولى أن لا يكون له عذر في ترك قتل قتلة عثمان. # وأما ما تفعله الرافضة من الإنكار على أبي بكر في هذه القضية الصغيرة، ~~وترك إنكار ما هو أعظم منها على علي، فهذا من فرط جهلهم وتناقضهم. # وكذلك إنكارهم على عثمان كونه لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان، هو من ~~هذا الباب. # وإذا قال القائل: علي كان معذورا في ترك قتل قتلة عثمان، لأن شروط ~~الاستيفاء لم توجد: إما لعدم العلم بأعيان القتلة، وإما لعجزه عن القوم ~~لكونهم ذوي شوكة، ونحو ذلك. # قيل: فشروط الاستيفاء لم توجد في قتل قاتل مالك بن نويرة، وقتل قاتل ~~الهرمزان، لوجود الشبهة في ذلك. والحدود تدرأ بالشبهات. # وإذا قالوا: عمر أشار على أبي بكر بقتل خالد بن الوليد، وعلي أشار على ~~عثمان بقتل عبيد الله بن عمر. # قيل: وطلحة والزبير وغيرهما أشاروا على علي بقتل قتلة عثمان، مع أن الذين ~~أشاروا على أبي بكر بالقود، أقام عليهم حجة سلموا لها: إما لظهور الحق معه، ~~وإما لكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد. # وعلي لما يوافق الذين أشاروا عليه بالقود، جرى بينه وبينهم من الحروب ما ~~قد علم. وقتل قتلة عثمان أهون مما جرى بالجمل وصفين فإذا كان في هذا اجتهاد ~~سائغ، ففي ذلك أولى. # PageV01P267 # وإن قالوا: عثمان كان مباح الدم. # قيل لهم: فلا يشك أحد في أن إباحة دم مالك بن نويرة أظهر من إباحة دم ~~عثمان، بل مالك بن نويرة لا يعرف أنه كان معصوم الدم، ولم يثبت ذلك عندنا. ~~وأما عثمان فقد ثبت بالتواتر ونصوص الكتاب والسنة أنه كان معصوم الدم. وبين ~~عثمان ومالك بن نويرة من الفرق ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى. # ومن قال: إن ms259 عثمان كان مباح الدم، لم يمكنه أن يجعل عليا معصوم الدم، ولا ~~الحسين؛ فإن عصمة دم عثمان أظهر من عصمة دم علي والحسين. وعثمان أبعد عن ~~موجبات القتل من علي والحسين. وشبهة قتلة عثمان أضعف بكثير من شبهة قتلة ~~علي والحسين؛ فإن عثمان لم يقتل مسلما، ولا قاتل أحدا على ولايته ولم يطلب ~~قتال أحد على ولايته أصلا؛ فإن وجب # أن يقال: من قتل خلقا من المسلمين على ولايته إنه معصوم الدم، وإنه مجتهد ~~فيما فعله، فلأن يقال: عثمان معصوم الدم، وإنه مجتهد فيما فعله من الأموال ~~والولايات بطريق الأولى والأحرى. # ثم يقال: غاية ما يقال في قصة مالك بن نويرة: إنه كان معصوم الدم وإن ~~خالدا قتله بتأويل، وهذا لا يبيح قتل خالد، كما أن أسامة بن زيد لما قتل ~~الرجل الذي قال: لا إله إلا الله. وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا ~~أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا ~~إله إلا الله؟ يا أسامة أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟)) (1) فأنكر ~~عليه قتله، ولم يوجب عليه قودا ولا دية ولا كفارة. # وأما ما ذكره من تزوجه بامرأته ليلة قتله , فهذا مما لم يعرف ثبوته. ولو ~~ثبت لكان هناك تأويل يمنع الرجم. والفقهاء مختلفون في عدة الوفاة: هل تجب ~~للكافر؟ على قولين. وكذلك تنازعوا هل يجب على الذمية عدة الوفاة؟ على قولين ~~مشهورين للمسلمين. بخلاف عدة الطلاق , فإن تلك سببها الوطء, فلا بد من ~~براءة الرحم. وأما عدة الوفاة فتجب بمجرد العقد , فإذا مات قبل الدخول بها ~~فهل تعتد من الكافر أم لا؟ فيه نزاع. وكذلك إن دخل بها , وقد حاضت بعد ~~الدخول حيضة. PageV01P268 # هذا إذا كان الكافر أصليا. وأما المرتد إذا قتل , أو مات على ردته. ففي ~~مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد ليس عليها عدة وفاة بل عدة فرقة بائنة ~~, لأن النكاح بطل بردة الزوج. وهذه الفرقة ليست طلاقا عند الشافعي وأحمد , ~~وهي طلاق ms260 عند مالك وأبي حنيفة , ولهذا لم يوجبوا عليها عدة وفاة , بل عدة ~~فرقة بائنة , فإن كان لم يدخل بها فلا عدة عليها, كما ليس عليها عدة من ~~طلاق. # ومعلوم أن خالدا قتل مالك بن نويرة لأنه رآه مرتدا , فإذا كان لم يدخل ~~بامرأته فلا عدة عليها عند عامة العلماء , وإن كان قد دخل بها فإنه يجب ~~عليه # استبراء بحيضة لا بعدة كاملة في أحد قوليهم , وفي الآخر بثلاث حيض. وإن ~~كان كافرا أصليا فليس على امرأته عدة وفاة في أحد قوليهم. وإذا كان الواجب ~~استبراء بحيضة فقد تكون حاضت. ومن الفقهاء من يجعل بعض الحيضة استبراء , ~~فإذا كانت في آخر الحيض جعل ذلك استبراء لدلالته على براءة الرحم. # وبالجملة فنحن لم نعلم أن القضية وقعت على وجه لا يسوغ فيها الاجتهاد ~~والطعن بمثل ذلك من قول من يتكلم بلا علم , وهذا مما حرمه الله ورسوله. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وخالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في توريث بنت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنعها فدكا , وتسمى بخليفة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من غير أن يستخلفه)) . # الجواب: أما الميراث فجميع المسلمين مع أبي بكر في ذلك , ما خلا بعض ~~الشيعة , وقد تقدم الكلام في ذلك , وبينا أن هذا من العلم الثابت عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - , وأن قول الرافضة باطل قطعا. # وكذلك ما ذكر من فدك , والخلفاء بعد أبي بكر على هذا القول. وأبو بكر ~~وعمر لم يتعلقا من فدك ولا غيرها من العقار بشيء ولا أعطيا أهلهما من ذلك ~~شيئا. وقد أعطيا بني هاشم أضعاف أضعاف ذلك. # ثم لو احتج محتج بأن عليا كان يمنع المال ابن عباس وغيره من بني هاشم , ~~حتى أخذ ابن عباس بعض مال البصرة وذهب به. لم يكن الجواب عن علي إلا بأنه ~~إمام عادل. # PageV01P269 # وهذا الجواب هو في حق أبي بكر بطريق الأولى والأحرى. وأبو بكر أعظم محبة ~~لفاطمة ومرعاة لها من علي لابن عباس. وابن عباس بعلي أشبه من ms261 فاطمة بأبي ~~بكر , فإن فضل أبي بكر على فاطمة أعظم من فضل علي على ابن عباس. ### | (فصل) # وأما تسميته بخليفة رسول الله؛ فإن المسلمين سموه بذلك. فإن كان الخليفة ~~هو المستخلف، كما ادعاه هذا، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ~~استخلفه، كما يقول ذلك من يقوله من أهل السنة. وإن كان الخليفة هو الذي خلف ~~غيره - وإن كان لم يستخلفه ذلك الغير كما يقوله الجمهور - لم يحتج في هذا ~~الاسم إلى الاستخلاف. # والاستعمال الموجود في الكتاب والسنة يدل على أن هذا الاسم يتناول كل من ~~خلف غيره: سواء استخلفه أو لم يستخلفه، كقوله تعالى: {ثم جعلناكم خلائف في ~~الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون} (1) . ### | (فصل) # قال الرافضي: ((ومنها ما رووه عن عمر. روى أبو نعيم الحافظ في كتابه ~~((حلية الأولياء)) أنه قال لما احتضر قال: يا ليتني كنت كبشا لقومي فسمنوني ~~ما بدا لهم، ثم جاءهم أحب قومهم إليهم فذبحوني، فجعلوا نصفي شواء ونصفي ~~قديدا، فأكلوني، فأكون عذرة ولا أكون بشرا. وهل هذا إلا مساو لقول الكافر: ~~{يا ليتني كنت ترابا} (2) . # قال: ((وقال لابن عباس عند احتضاره: لو أن لي ملء الأرض ذهباومثله معه ~~لافتديت به نفسي من هول المطلع. وهذا مثل قوله: {ولو أن للذين ظلموا ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب} (3) . فلينظر المنصف ~~العاقل قول الرجلين عند احتضارهما، وقول علي: # متى ألقى الأحبة..؟ محمدا وحزبه ... متى ألقاها..؟ متى يبعث أشقاها # وقوله حين قتله ابن ملجم: فزت ورب الكعبة)) . PageV01P270 # والجواب: أن في هذا الكلام من الجهالة ما يدل على فرط جهل قائله؛ وذلك أن ~~ما ذكره عن علي قد نقل مثله عمن هو دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بل نقل ~~مثله عمن يكفر علي بن أبي طالب من الخوارج. كقول بلال # عتيق أبي بكر عند الاحتضار، وامرأته تقول: واحرباه، وهو يقول: واطرباه ~~غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه. # وكان عمر قد دعا لما عارضوه في قسمة الأرض فقال: ((اللهم اكفني بلالا ~~وذويه)) ms262 فما حال الحول وفيهم عين تطرف. # وروى أبو نعيم في ((الحلية)) : ((حدثنا القطيعي، حدثنا الحسن بن عبد ~~الله، حدثنا عامر بن سيار، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ~~عبد الرحمن بن غنم، عن الحارث بن عمير، قال: طعن معاذ وأبو عبيدة وشرحبيل ~~بن حسنة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد. فقال معاذ: إنه رحمة ربكم، ودعوة ~~نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم. اللهم آت آل معاذ النصيب الأوفر من هذه ~~الرحمة. فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن بكره الذي كان يكنى به، وأحب ~~الخلق إليه. فرجع من المسجد فوجده مكروبا. فقال: يا عبد الرحمن كيف أنت؟ ~~قال: يا أبت الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. قال: وأنا إن شاء الله ~~ستجدني من الصابرين. فأمسكه ليله ثم دفنه من الغد. وطعن معاذ، فقال حين ~~اشتد به النزع، نزع الموت، فنزع نزعا لم ينزعه أحد، وكان كلما أفاق فتح ~~طرفه، وقال: رب اخنقني خنقك، فوعزتك إنك لتعلم أن قلبي يحبك)) (1) . # وكذلك قوله: فزت ورب الكعبة. قد قالها من هو دون علي، قالها عامر بن ~~فهيرة مولى أبي بكر الصديق لما قتل يوم بئر معونة. وكان قد بعثه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مع سرية قبل نجد. قال العلماء بالسير: طعنه جبار بن ~~سلمى فأنفذه. فقال عامر: فزت والله. فقال جبار: ما قوله فزت والله؟ قال ~~عروة بن الزبير: يرون أن الملائكة دفنته (2) . # وشبيب الخارجي لما طعن دخل في الطعنة، وجعل يقول: وعجلت إليك رب لترضى. # وأعرف شخصا من أصحابنا لما حضرته الوفاة جعل يقول: حبيبي هاقد جئتك، حتى ~~PageV01P271 # خرجت نفسه. ومثل هذا كثير. # وأما خوف عمر وخشيته من الله لكمال علمه؛ فإن الله تعالى يقول: {إنما ~~يخشى الله من عباده العلماء} (1) . # وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من ~~البكاء (2) . # وأما قول الرافضي: ((وهل هذا إلا مساو لقول الكافر: {يا ليتني كنت ترابا} ~~(3) . # فهذا جهل منه؛ فإن الكافر يقول ذلك يوم القيامة، حين ms263 لا تقبل توبة، ولا ~~تنفع حسنة. وأما من يقول ذلك في الدنيا، فهذا يقوله في دار العمل على وجه ~~الخشية لله، فيثاب على خوفه من الله. # وقد قالت مريم: {ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا} (4) . ولم يكن هذا ~~كتمني الموت يوم القيامة. # ولا يجعل هذا كقول أهل النار، كما أخبر الله عنهم بقوله: {ونادوا يا مالك ~~ليقض علينا ربك} (5) . وكذلك قوله: {ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم ~~يكونوا يحتسبون} (6) ؛ فهذا إخبار عن حالهم يوم القيامة حين لا ينفع توبة ~~ولا خشية. # وأما في الدنيا، فالعبد إذا خاف ربه كان خوفه مما يثيبه الله عليه، فمن ~~خاف الله في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن جعل خوف المؤمن من ربه في الدنيا ~~كخوف الكافر في الآخرة، فهو كمن جعل الظلمات كالنور، والظل كالحرور، ~~والأحياء كالأموات. PageV01P272 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وروى أصحاب الصحاح الستة من مسند ابن عباس أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال في مرض موته: ائتوني بدواة وبياض، أكتب لكم كتابا # لا تضلون به من بعدي. فقال عمر: إن الرجل ليهجر، حسبنا كتاب الله. فكثر ~~اللغط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرجوا عني، لا ينبغي التنازع ~~لدي. فقال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وقال عمر لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ما مات محمد ولا يموت حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم. فلما نهاه أبو بكر وتلا ~~عليه: {إنك ميت وإنهم ميتون} (1) ، وقوله: {أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم} (2) قال: كأني ما سمعت هذه الآية)) . # والجواب: أن يقال: أما عمر فقد ثبت من علمه وفضله ما لم يثبت لأحد غير ~~أبي يكر. ففي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ~~يقول: ((قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي ms264 أحد فعمر)) . قال ~~ابن وهب: تفسير ((محدثون)) : ملهمون (3) . # وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # ((إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه ~~منهم فإنه عمر بن الخطاب)) وفي لفظ للبخاري: ((لقد كان فيمن كان قبلكم من ~~بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد ~~فعمر)) (4) . # وفي الصحيح عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((بينا أنا ~~نائم إذ رأيت قدحا أتيت به فيه لبن، فشربت منه حتى أني لأرى الري يخرج من ~~أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب)) . قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ ~~قال: ((العلم)) (5) . # وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((بينا أنا نائم رأيت الناس PageV01P273 # يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما # يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)) . قالوا: ما أولت ذلك ~~يا رسول الله؟ قال: ((الدين)) (1) . # وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن ~~يكتبه، فقد جاء مبينا، كما في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنه - اقالت: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى ~~أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله ~~والمؤمنون إلا أبا بكر)) (2) . # وفي صحيح البخاري عن القاسم بن محمد، قال: قالت عائشة: ((وارأساه. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك)) ~~. قالت عائشة: ((واثكلاه، والله إني لأظنك تحب موتي، فلو كان ذلك لظللت آخر ~~يومك معرسا ببعض أزواجك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بل أنا ~~وارأساه. لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد: أن يقول القائلون أو ~~يتمنى المتمنون، ويدفع الله ويأبى المؤمنون)) (3) . # وأما عمر فاشتبه عليه هل كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - من شدة ms265 ~~المرض، أو كان من أقواله المعروفة. والمرض جائز على الأنبياء. ولهذا قال: ~~((ماله؟ أهجر؟)) فشك في ذلك ولم يجزم بأنه هجر. والشك جائز على عمر، فإنه ~~لا معصوم إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -. لا سيما وقد شك بشبهة؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مريضا، فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض، ~~كما يعرض للمريض، أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله. وكذلك ظن أنه لم ~~يمت حتى تبين أنه قد مات. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره ~~لعائشة، فلما رأى أن الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه ~~فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه، كما قال: ((ويأبى الله ~~والمؤمنون إلا أبا بكر)) . # وقول ابن عباس: ((إن الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وبين أن يكتب الكتاب)) يقتضي أن هذا الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك # في خلافة الصديق، أو اشتبه عليه الأمر؛ فإنه لو كان هناك كتاب لزال هذا ~~الشك. فأما من علم أن خلافته حق PageV01P274 # فلا رزية في حقه، ولله الحمد. # ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس من ~~علماء السنة والشيعة. أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه. ~~وأما الشيعة القائلون بأن عليا كان هو المستحق للإمامة، فيقولون: إنه قد نص ~~على إمامته قبل ذلك نصا جليا ظاهرا معروفا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب. # وإن قيل: إن الأمة جحدت النص المعلوم المشهور، فلأن تكتم كتابا حضره ~~طائفة قليلة أولى وأحرى. # وأيضا فلم يكن يجوز عندهم تأخير البيان إلى مرض موته، ولا يجوز له ترك ~~الكتاب لشك من شك، فلو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته، لكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يبينه ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحد، فإنه ~~أطوع الخلق له، فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب ms266 واجبا، ولا كان فيه ~~من الدين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب لفعله، ولو أن عمر - رضي الله عنه ~~- اشتبه عليه أمر، ثم تبين له أوشك في بعض الأمور، فليس هو أعظم ممن يفتي ~~ويقضي بأمور ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم بخلافها، مجتهدا في ~~ذلك، ولا يكون قد علم حكم النبي صل الله عليه وسلم؛ فإن الشك في الحق أخف ~~من الجزم بنقيضه. # وكل هذا إذا كان باجتهاد سائغ كان غايته أن يكون من الخطأ الذي رفع الله ~~المؤاخذة به. كما قضى علي في الحامل المتوفى عنها زوجها أنها تعتد أبعد ~~الأجلين، مع ما ثبت في الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما قيل ~~له: إن أبا السنابل بن بعكك أفتى بذلك لسبيعة الأسلمية. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ((كذب أبو السنابل، بل حللت فانكحي من شئت)) (1) . فقد كذب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الذي أفتى بهذا. وأبو السنابل لم يكن من ~~أهل الاجتهاد، وما كان له أن يفتي بهذا مع حضور النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وأما علي وابن عباس رضي الله عنهما وإن كانا أفتيا بذلك، لكن كان ذلك عن ~~اجتهاد، وكان ذلك بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن بلغهما ~~قصة سبيعة. PageV01P275 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ولما وعظت فاطمة أبا بكر في فدك، كتب لها كتابا بها، ~~وردها عليها، فخرجت من عنده، فلقيها عمر بن الخطاب فحرق الكتاب، فدعت عليه ~~بما فعله أبو لؤلؤة به وعطل حدود الله فلم يحد المغيرة بن شعبة، وكان يعطي ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيت المال أكثر مما ينبغي، وكان ~~يعطي عائشة وحفصة في كل سنة عشرة آلاف درهم. وغير حكم الله في المنفيين، ~~وكان قليل المعرفة في الأحكام)) . # والجواب: أن هذا من الكذب الذي لا يستريب فيه عالم، ولم يذكر هذا أحد من ~~أهل العلم بالحديث، ولا يعرف له إسناد. وأبو بكر لم يكتب فدكا قط لأحد: ms267 لا ~~لفاطمة ولا غيرها، ولا دعت فاطمة على عمر. # وما فعله أبو لؤلؤة كرامة في حق عمر - رضي الله عنه -، وهو أعظم مما فعله ~~ابن ملجم بعلي - رضي الله عنه -، وما فعله قتلة الحسين - رضي الله عنه - ~~به. فإن أبا لؤلؤة كافر قتل عمر كما يقتل الكافر المؤمن. وهذه الشهادة أعظم ~~من شهادة من يقتله مسلم؛ فإن قتيل الكافر أعظم درجة من قتيل المسلمين، وقتل ~~أبي لؤلؤة لعمر كان بعد موت فاطمة، بمدة خلافة أبي بكر وعمر إلا ستة أشهر، ~~فمن أين يعرف أن قتله كان بسبب دعاء حصل في تلك المدة. # والداعي إذا دعا على مسلم بأن يقتله كافر، كان ذلك دعاء له لا عليه، كما ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو لأصحابه بنحو ذلك، كقوله: ((يغفر ~~الله لفلان)) فيقولون: لو أمتعتنا به! وكان إذا دعا لأحد بذلك استشهد (1) . # ولو قال قائل إن عليا ظلم أهل صفين والخوارج حتى دعوا عليه بما فعله ابن ~~ملجم، لم يكن هذا أبعد عن المعقول من هذا. وكذلك لو قال إن آل سفيان بن حرب ~~دعوا على الحسين بما فعل به. # وأما قول الرافضي: ((وعطل حدود الله فلم يحد المغيرة بن شعبة)) . # فالجواب: أن جماهير العلماء على ما فعله عمر في قصة المغيرة. وأن البينة ~~إذا لم تكمل حد PageV01P276 # الشهود. ومن قال بالقول الآخر لم ينازع في أن هذه مسألة اجتهاد. وقد تقدم ~~أن ما يرد على علي بتعطيل إقامة القصاص والحدود على قتلة عثمان أعظم. فإذا ~~كان القادح في علي مبطلا، فالقادح في عمر أولى بالبطلان. # وقوله: ((وكان يعطي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيت المال ~~أكثر مما ينبغي. وكان يعطي عائشة وحفصة من المال في كل سنة عشرة آلاف ~~درهم)) . # فالجواب: أما حفصة فكان ينقصها من العطاء لكونها ابنته، كما نقص عبد الله ~~بن عمر. وهذا من كمال احتياطه في العدل، وخوفه مقام ربه، ونهيه نفسه عن ~~الهوى. وهو كان يرى التفضيل في العطاء بالفضل، فيعطي أزواج النبي ms268 - صلى ~~الله عليه وسلم - أعظم مما يعطي غيرهن من النساء، كما كان يعطي بني هاشم من ~~آل أبي طالب وآل العباس أكثر مما يعطي من عداهم من سائر القبائل. فإذا فضل ~~شخصا كان لأجل اتصاله برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لسابقته ~~واستحقاقه. وكان يقول: ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، وإنما هو الرجل ~~وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وسابقته، والرجل وحاجته. فما كان يعطي من ~~يتهم على إعطائه بمحاباة في صداقة أو قرابة، بل كان ينقص ابنه وابنته ~~ونحوهما عن نظرائهم في العطاء، وإنما كان يفضل بالأسباب الدينية المحضة، ~~ويفضل أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على جميع البيوتات ويقدمهم. # وهذه السيرة لم يسرها بعده مثله لا عثمان ولا علي ولا غيرهما. فإن قدح ~~فيه بتفضيل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليقدح فيه بتفضيل رجال ~~أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل وتقديمهم على غيرهم. ### | ### | (فصل) # # وأما قوله: ((وغير حكم الله في المنفيين)) . # فالجواب: أن التغيير لحكم الله بما يناقض حكم الله، مثل إسقاط ما أوجبه ~~الله، وتحريم ما أحله الله. والنفي في الخمر كان من باب التعزير الذي يسوغ ~~فيه الاجتهاد. وذلك أن الخمر لم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حدها: ~~لا قدره ولا صفته، بل جوز فيها الضرب بالجريد والنعال، وأطراف الثياب ~~وعثكول النخل. والضرب في حد القذف والزنا إنما يكون بالسوط. # PageV01P277 # وأما العدد في الخمر فقد ضرب الصحابة أربعين، وضربوا ثمانين. وقد ثبت في ~~الصحيح عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((وكل سنة)) (1) . ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وكان قليل المعرفة بالأحكام: أمر برجم حامل. فقال له علي: ~~إن كان لك عليها سبيل، فلا سبيل لك على ما في بطنها. فأمسك. وقال: لولا علي ~~لهلك عمر)) . # والجواب: أن هذه القصة إن كانت صحيحة، فلا تخلو من أن يكون عمر لم يعلم ~~أنها حامل، فأخبره علي بحملها. ولا ريب أن الأصل عدم العلم، والإمام إذا لم ~~يعلم أن المستحقة للقتل ms269 أو الرجم حامل، فعرفه بعض الناس بحالها، كان هذا من ~~جملة إخباره بأحوال الناس المغيبات، ومن جنس ما يشهد به عنده الشهود. وهذا ~~أمر لا بد منه مع كل أحد من الأنبياء والأئمة وغيرهم، وليس هذا من الأحكام ~~الكلية الشرعية. # وإما أن يكون عمر قد غاب عنه كون الحامل لا ترجم، فلما ذكره علي ذكر ذلك، ~~ولهذا أمسك. ولو كان رأيه أن الحامل ترجم لرجمها، ولم يرجع إلى رأي غيره. ~~وقد مضت سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغامدية، لما قالت: # ((إني حبلى من الزنا فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ((اذهبي حتى ~~تضعيه)) (2) . ولو قدر أنه خفي عليه علم هذه المسألة حتى عرفه، لم يقدح ذلك ~~فيه، لأن عمر ساس المسلمين وأهل الذمة، يعطي الحقوق، ويقيم الحدود، ويحكم ~~بين الناس كلهم. وفي زمنه انتشر الإسلام، وظهر ظهورا لم يكن قبله مثله، وهو ~~دائما # يقضي ويفتى، ولولا كثرة علمه لم يطق ذلك. فإذا خفيت عليه قضية من مائة ~~ألف قضية ثم عرفها، أو كان نسيها فذكرها، فأي عيب في ذلك؟! # وعلي - رضي الله عنه - قد خفي عليه من سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أضعاف ذلك، ومنها ما مات ولم يعرفه. PageV01P278 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأمر برجم مجنونة، فقال له علي - رضي الله عنه -: إن ~~القلم رفع عن المجنون حتى يفيق، فأمسك. وقال: لولا علي لهلك عمر)) . # والجواب: أن هذه الزيادة ليست معروفة في هذا الحديث. ورجم المجنونة لا ~~يخلو: إما أن يكون لم يعلم بجنونها فلا يقدح ذلك في علمه بالأحكام، أو كان ~~ذاهلا عن ذلك فذكر بذلك، أو يظن الظان أن العقوبات لدفع الضرر في الدنيا. ~~والمجنون قد يعاقب لدفع عدوانه على غيره من العقلاء والمجانين. والزنا هو ~~من العدوان، فيعاقب على ذلك حتى يتبين له أن هذا من باب حدود الله تعالى ~~التي لا تقام إلا على المكلف. # والشريعة قد جاءت بعقوبة الصبيان على ترك الصلاة، كما قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: ((مروهم بالصلاة ms270 لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في ~~المضاجع)) (1) . # والمجنون إذا صال ولم يندفع صياله إلا بقتله قتل، بل البهيمة إذا صالت ~~ولم يندفع صيالها إلا بقتلها قتلت، وإن كانت مملوكة لم يكن على قاتلها ضمان ~~للمالك عند جمهور العلماء، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم. # وبالجملة فما ذكره من المطاعن في عمر وغيره يرجع إلى شيئين: إما نقص ~~العلم، وإما نقص الدين. ونحن الآن في ذكره. فما ذكره من منع فاطمة ومحاباته ~~في القسم ودرء الحد ونحو ذلك يرجع إلى أنه لم يكن عادلا بل كان ظالما. ومن ~~المعلوم للخاص والعام أن عدل عمر - رضي الله عنه - ملأ الآفاق، وصار يضرب ~~به المثل، كما قيل: سيرة العمرين، وأحدهما عمر بن الخطاب، والآخر قيل: إنه ~~عمر بن عبد العزيز، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره من أهل العلم والحديث وقيل: ~~هو أبو بكر وعمر، وهو قول أبي عبيدة وطائفة من أهل اللغة والنحو. ~~PageV01P279 # مختصر منهاج السنة # لأبي العباس شيخ الإسلام أحمد بن تيمية # اختصره # الشيخ عبد الله الغنيمان # المدرس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية # بالمدينة المنورة # الجزء الثاني 1410هثهه ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقال في خطبة له: من غالى في مهر امرأة جعلته في بيت ~~المال. فقالت له امرأة: كيف تمنعنا ما أعطانا الله في كتابه حين قال: ~~{وآتيتم إحداهن قنطارا} (1) ... فقال: كل أحد أفقه من عمر حتى المخدرات)) . # والجواب: أن هذه القصة دليل على كمال فضل عمر ودينه وتقواه، ورجوعه إلى ~~الحق إذا تبين له، وأنه يقبل الحق حتى من امرأة، ويتواضع له، وأنه معترف ~~بفضل الواحد عليه، ولو في أدنى مسألة. وليس من شرط # الأفضل أن لا ينبهه المفضول لأمر من الأمور، فقد قال الهدهد لسليمان: ~~{أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين} (2) وقد قال موسى للخضر: {هل ~~أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} (3) . والفرق بين موسى والخضر أعظم من ~~الفرق بين عمر وبين أشباهه من الصحابة، ولم يكن هذا بالذي أوجب أن يكون ~~الخضر قريبا من ms271 موسى، فضلا عن أن يكون مثله، بل الأنبياء المتبعون لموسى، ~~كهارون ويوشع وداود وسليمان وغيرهم، أفضل من الخضر. # فالصحابة أعلم الأمة وأفقهها وأدينها. ولهذا أحسن الشافعي رحمه الله في ~~قوله: ((هم فوقنا في كل علم وفقه ودين وهدى، وفي كل سبب ينال به علم وهدى، ~~ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا)) أو كلاما هذا معناه. # وقال أحمد بن حنبل: ((أصول السنة عندنا التمسك بما عليه أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ?)) . # وما أحسن قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال: ((أيها الناس من ~~كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك ~~أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها ~~تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، ~~واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا ~~على الهدى المستقيم)) . # وقال حذيفة رضي الله عنه: ((يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان ~~قبلكم، فوالله لئن استقمتم قد سبقتم سبقا بعيدا، وإن أخذتم يمينا وشمالا ~~لقد ضللتم ضلالا بعيدا)) . PageV01P280 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((ولم يحد قدامة في الخمر، لأنه تلا عليه: {ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا} (1) # الآية. فقال له علي: ليس قدامة من أهل هذه الآية، فلم يدر كم يحده. فقال ~~له أمير المؤمنين: حده ثمانين. إن شارب الخمر إذا شربها سكر، وإذا سكر هذى، ~~وإذا هذى افترى)) . # والجواب: أن هذا من الكذب البين الظاهر على عمر رضي الله عنه؛ فإن علم ~~ابن الخطاب بالحكم في مثل هذه القضية أبين من أن يحتاج إلى دليل، فإنه قد ~~جلد في الخمر غير مرة هو وأبو بكر قبله، وكانوا يضربون فيها تارة أربعين ~~وتارة ثمانين، وكان عمر أحيانا يعزز فيها بحلق الرأس والنفي، وكانوا يضربون ~~فيها تارة بالجريد، وتارة بالنعال والأيدي وأطراف الثياب. # وأما قصة قدامة، فقد روى أبو إسحاق الجوزجاني وغيره عن ابن عباس أن قدامة ms272 ~~بن مظعون شرب الخمر، فقال له عمر ما يحملك على ذلك؟ فقال: إن الله يقول: ~~{ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ~~وعملوا الصالحات} (2) وإني من المهاجرين الأولين من أهل بدر وأحد. فقال ~~عمر: أجيبوا الرجل. فسكتوا عنه. فقال لابن عباس: أجبه. فقال: إنما أنزلها ~~الله عذرا للماضين لمن شربها قبل أن تحرم، وأنزل: {إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (3) حجة على الناس. ثم سأل ~~عمر عن الحد فيها، فقال علي بن أبي طالب: إذا شرب هذى، وإذا هذى افترى، ~~فاجلده ثمانين جلدة، فجلد عمر ثمانين)) ففيه أن عليا أشار بثمانين، وفيه ~~نظر. # فإن الذي ثبت في الصحيح أن عليا جلد أربعين عند عثمان بن عفان، لما جلد ~~الوليد بن عقبة، وأنه أضاف الثمانين إلى عمر. وثبت في الصحيح أن عبد الرحمن ~~بن عوف أشار بالثمانين، فلم يكن جلد الثمانين مما استفاد عمر من علي. وعلي ~~قد نقل عنه أنه جلد في خلافته ثمانين، فدل على أنه كان يجلد تارة أربعين ~~وتارة ثمانين. وروى عن علي أنه قال: ما PageV01P281 # كنت لأقيم حدا على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات ~~لوديته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسنه لنا. # وهذا لم يقل به أحد من الصحابة، والفقهاء في الأربعين فما دونها، ولا ~~ينبغي أن يحمل كلام علي على ما يخالف الإجماع. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وأرسل إلى حامل يستدعيها فأسقطت خوفا. فقال له الصحابة: ~~نراك مؤدبا ولا شيء عليك. ثم سأل أمير المؤمنين فأوجب الدية على عاقلته)) . # والجواب: أن هذه مسألة اجتهاد تنازع فيها العلماء، وكان عمر بن الخطاب ~~يشاور الصحابة رضي الله عنهم في الحوادث، يشاور عثمان وعليا وعبد الرحمن بن ~~عوف وابن مسعود وزيد بن ثابت وغيرهم، حتى يشاور ابن عباس. وهذا كان من كمال ~~فضله وعقله ودينه، ولهذا كان من أسد الناس رأيا، وكان يرجع تارة إلى رأي ~~هذا وتارة إلى رأي هذا. ms273 وقد أوتى بامرأة قد أقرت بالزنا، فاتفقوا على ~~رجمها، وعثمان ساكت. فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: أراها تستهل به استهلال من ~~لا يعلم أن الزنا محرم، فرجع فاسقط الحد عنها لما ذكره له عثمان. ومعنى ~~كلامه أنها تجهر وتبوح به، كما يجهر الإنسان ويبوح بالشيء الذي لا يراه ~~قبيحا، مثل الأكل والشرب والتزوج والتسرى. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وتنازعت امرأتان في طفل، ولم يعلم الحكم، وفزع فيه إلى ~~أمير المؤمنين علي، فاستدعى أمير المؤمنين المرأتين ووعظهما فلم ترجعا. ~~فقال: ائتوني بمنشار، فقالت المرأتان ما تصنع به؟ فقال: أقده بينكما نصفين ~~فتأخذ كل واحدة نصفا. فرضيت واحدة. وقالت الأخرى: الله الله يا أبا الحسن، ~~إن كان ولا بد من ذلك فقد سمحت لها به. فقال علي: الله أكبر هو ابنك دونها، ~~ولو كان ابنها لرقت عليه. فاعترفت الأخرى أن الحق مع صاحبتها، ففرح عمر، ~~ودعا لأمير المؤمنين)) . # PageV01P282 # والجواب: أن هذه القصة لم يذكر لها إسنادا ولا يعرف صحتها، ولا أعلم أحدا ~~من أهل العلم ذكرها، ولو كان لها حقيقة لذكروها، ولا تعرف عن عمر وعلي، ~~ولكن هي معروفة عن سليمان بن داود عليهما السلام. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وأمر برجم امرأة ولدت لستة شهور، فقال له علي: إن خاصمتك ~~بكتاب الله تعالى خصمتك، إن الله يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} (1) ، ~~وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة} (2) . # والجواب: أن عمر كان يستشير الصحابة، فتارة يشير عليه عثمان بما يراه ~~صوابا، وتارة يشير عليه علي، وتارة يشير عليه عبد الرحمن بن عوف، وتارة ~~يشير عليه غيرهم. وبهذا مدح الله المؤمنين بقوله تعالى: {وأمرهم شورى ~~بينهم} (3) . والناس متنازعون في المرأة إذا ظهر بها حمل ولم يكن لها زوج ~~ولا سيد ولا ادعت شبهة: هل ترجم؟ فمذهب مالك وغيره من أهل المدينة والسلف: ~~أنها ترجم. وهو قول أحمد في إحدى الروايتين. ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا ~~ترجم، وهي الرواية الثانية عن أحمد. قالوا: لأنها قد تكون مستكرهة على ~~الوطء، أو موطوءة ms274 بشبهة، أو حملت بغير وطء. # والقول الأول هو الثابت عن الخلفاء الراشدين. وقد ثبت في الصحيحين أن عمر ~~بن الخطاب خطب الناس في آخر عمره، وقال: الرجم في كتاب الله حق على من زنى ~~من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف (4) . فجعل ~~الحبل دليلا على ثبوت الزنا كالشهود. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وكان يفضل في الغنيمة والعطاء، وأوجب الله تعالى ~~التسوية)) . # والجواب: أما الغنيمة لم يكن يقسمها هو بنفسه، وإنما يقسمها الجيش ~~الغانمون بعد PageV01P283 # الخمس يرسل إليه، كما يرسل إلى غيره، فيقسمه بين أهله. ولم # يقل عمر ولا غيره: إن الغنيمة يجب فيها التفضيل. ولكن تنازع العلماء: هل ~~للإمام أن يفضل بعض الغانمين على بعض، إذا تبين له زيادة نفع؟ # وفي الجملة فهذه مسألة اجتهاد. فإذا كان عمر يسوغ التفضيل للمصلحة، فهو ~~الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه. # وأما التفضيل في العطاء فلا ريب أن عمر كان يفضل فيه ويجعل الناس فيه على ~~مراتب. وروى عنه أنه قال: لئن عشت إلى قابل لأجعلن الناس بابا واحدا، أي ~~نوعا واحدا. # وأما قول القائل: ((إن الله أوجب التسوية فيه)) . # فهو لم يذكر على ذلك دليلا. ولو ذكر دليلا لتكلمنا عليه، كما نتكلم في ~~مسائل الاجتهاد. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقال بالرأي والحدس والظن)) . # والجواب: أن القول بالرأي لم يختص به عمر رضي الله عنه، بل علي كان من ~~أقولهم بالرأي، وكذلك أبو بكر وعثمان وزيد وابن مسعود وغيرهم من الصحابة ~~رضي الله عنهم كانوا يقولون بالرأي. وكان رأي علي في دماء أهل القبلة ونحوه ~~من الأمور العظائم. كما في سنن أبي داود وغيره عن الحسن، عن قيس بن عباد ~~قال: قلت لعلي: أخبرنا عن مسيرك هذا، أعهد عهده إليك رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أم رأي رأيته؟ قال: ما عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي ~~شيئا ولكنه رأي رأيته)) (1) . وهذا أمر ثابت، ولهذا لم يرو عن علي رضي الله ~~عنه في قتال الجمل وصفين شيئا. كما ms275 رواه في قتال الخوارج.)) # وما يتمارى في كمال سيرة عمر وعلمه وعدله وفضله من له أدنى مسكة من عقل ~~وإنصاف، ولا يطعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أحد رجلين: ~~PageV01P284 # إما رجل منافق زنديق ملحد عدو للإسلام، يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في ~~الرسول ودين الإسلام، وهذا حال المعلم الأول للرافضة، أول # من ابتدع الرفض، وحال أئمة الباطنية. وإما جاهل مفرط في الجهل والهوى، ~~وهو الغالب على عامة الشيعة، إذا كانوا مسلمين في الباطن. # وإذا قال الرافضي: علي كان معصوما لا يقول برأيه، بل كل ما قاله فهو مثل ~~نص الرسول، وهو الإمام المعصوم المنصوص على إمامته من جهة الرسول. قيل له: ~~نظيرك في البدعة الخوارج، كلهم يكفرون عليا، مع أنهم أعلم وأصدق وأدين من ~~الرافضة. لا يستريب في هذا كل من عرف حال هؤلاء وهؤلاء. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وجعل الأمر شورى بعده، وخالف فيه من تقدمه؛ فإنه لم يفوض ~~الأمر فيه إلى اختيار الناس، ولا نص على إمام بعده، بل تأسف على سالم مولى ~~أبي حذيفة، وقال: لو كان حيا لم يختلجني فيه شك، وأمير المؤمنين علي حاضر. # وجمع فيمن يختار بين الفاضل والمفضول، ومن حق الفاضل التقدم على المفضول. ~~ثم طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى، وأظهر أنه يكره أن يتقلد أمر ~~المسلمين ميتا كما تقلده حيا. ثم تقلده ميتا بأن جعل الإمامة في ستة، ثم ~~ناقص فجعلها في أربعة، ثم في ثلاثة، ثم في واحد، فجعل إلى عبد الرحمن بن ~~عوف الاختيار، بعد أن وصفه بالضعف والقصور. ثم قال: إن اجتمع أمير المؤمنين ~~وعثمان، فالقول ما قالاه. وإن صاروا ثلاثة فالقول قول الذي صار فيهم عبد ~~الرحمن بن عوف، لعلمه أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر واحد، وأن عبد ~~الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وهو عثمان وابن عمه، ثم أمر بضرب أعناقهم إن ~~تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام، مع أنهم عندهم من العشرة المبشرة بالجنة، ~~وأمر بقتل من خالف الأربعة منهم، ms276 وأمر بقتل من خالف الثلاثة الذين بينهم ~~عبد الرحمن، وكل ذلك مخالف للدين. # وقال لعلي: وإن وليتها - وليسوا فاعلين - لتركبنهم على المحجة البيضاء. ~~وفيه إشارة # PageV01P285 # إلى أنهم لا يولونه إياها. قال لعثمان: إن وليتها لتركبن آل أبي معيط على ~~رقاب الناس، وإن فعلت لتقتلن. وفيه إشارة إلى الأمر بقتله)) . # والجواب: أن هذا الكلام كله لا يخرج عن قسمين: إما كذب في النقل، وإما ~~قدح في الحق، فإن منه ما هو كذب معلوم الكذب أو غير معلوم الصدق، وما علم ~~أنه صدق فليس فيه ما يوجب الطعن على عمر رضي الله عنه، بل ذلك معدود من ~~فضائله ومحاسنه التي ختم الله بها عمله. # ولكن هؤلاء القوم لفرط جهلهم وهواهم يقلبون الحقائق في المنقول والمعقول، ~~فيأتون إلى الأمور التي وقعت وعلم أنها وقعت، فيقولون: ما وقعت، وإلى أمور ~~ما كانت ويعلم أنها ما كانت، فيقولون: كانت، ويأتون إلى الأمور التي هي خير ~~وصلاح، فيقولون: هي فساد، وإلى الأمور التي هي فساد، فيقولون: هي خير ~~وصلاح؛ فليس لهم لا عقل ولا نقل، بل لهم نصيب من قوله: {وقالوا لو كنا نسمع ~~أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} (1) . # وأما قول الرافضي: ((وجعل الأمر شورى بعده وخالف فيه من تقدمه)) . # فالجواب: أن الخلاف نوعان: خلاف تضاد، وخلاف تنوع. فالأول: مثل أن يوجب ~~هذا شيئا ويحرمه الآخر. والنوع الثاني: مثل القراءات التي يجوز كل منها، ~~وإن كان هذا يختار قراءة، وهذا يختار قراءة. كما ثبت في الصحاح، بل استفاض ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وروى ابن بطة بالإسناد الثابت من حديث الزنجي بن خالد عن إسماعيل بن أمية ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر: ((لولا أنكما ~~تختلفان علي ما خالفتكما)) (2) . وكان السلف متفقين على تقديمهما حتى شيعة ~~علي رضي الله عنهما. # وروى ابن بطة عن شيخه المعروف بأبي العباس بن مسروق، حدثنا محمد بن حميد، ~~حدثنا جرير، عن سفيان، عن عبد الله بن زياد بن حدير، قال: ((قدم أبو ms277 إسحاق ~~السبيعي الكوفة، قال لنا شمر بن عطية: قوموا إليه، فجلسنا إليه، فتحدثوا، ~~فقال أبو إسحاق: خرجت من الكوفة وليس أحد يشك في فضل أبي بكر وعمر ~~وتقديمهما، وقدمت الآن وهم PageV01P286 # يقولون ويقولون، ولا والله ما أدري ما يقولون. # وقال: حدثنا النيسابوري، حدثنا أبو أسامة الحلبي، حدثنا أبي ضمرة، عن ~~سعيد بن حسن، قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما ~~يفضلون على أبي بكر وعمر أحدا. # وقال أحمد بن حنبل: ((حدثنا ابن عيينة، عن خالد بن سلمة، عن الشعبي، عن ~~مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة. ومسروق من أجل تابعي ~~الكوفة، وكذلك قال طاووس: ((حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة)) . ~~وقد روى ذلك عن ابن مسعود. # وكيف لا تقدم الشيعة الأولى أبا بكر وعمر، وقد تواتر عن أمير المؤمنين ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ((خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ~~ثم عمر)) (1) وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة، قيل: إنها تبلغ ثمانين طريقا. # وقد رواه البخاري عنه في صحيحه من حديث الهمدانيين الذين هم أخص الناس ~~بعلي حتى كان يقول: # ولو كنت بوابا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام # وقد رواه البخاري من حديث سفيان الثوري، وهو همداني عن منذر وهو همداني ~~عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: يا بني أو ما تعرف؟ فقلت: لا. قال: أبو بكر. ~~فقلت: ثم من؟ قال: عمر)) وهذا يقوله لابنه بينه وبينه، ليس هو مما يجوز أن ~~يقوله تقية ويرويه عن أبيه خاصة، وقاله على المنبر. وعنه أنه كان يقول: ~~((لا أوتى بأحد يفضلنى على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري)) . # وفي السنن عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((اقتدوا باللذين من بعدي ~~أبي بكر وعمر)) (2) . # وعمر رضي الله عنه إمام، وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين، فاجتهد في ذلك ~~ورأى أن ms278 PageV01P287 # هؤلاء الستة أحق من غيرهم، وهو كما رأى؛ فإنه لم يقل أحد أن غيرهم أحق ~~منهم. وجعل التعيين إليهم خوفا أن يعين واحدا # منهم ويكون غيره أصلح لهم، فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين، ~~وقال: الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحدا منهم. # وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له رضي الله عنه. # وأيضا فقد قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} (1) ، وقال: {وشاورهم في ~~الأمر} (2) . فكان ما فعله من الشورى مصلحة، وكان ما فعله أبو بكر رضي الله ~~عنه من تعيين عمر هو المصلحة أيضا؛ فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله ~~واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر هذا الرأي المبارك ~~الميمون على المسلمين. فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليا أو طلحة أو ~~الزبير أو سعدا أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في ~~الاستحقاق كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له. # ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب ~~مدين حيث قالت: {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} (3) ، ~~وامرأة العزيز حيث قالت: {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا} (4) وأبو بكر حيث ~~استخلف عمر)) . # وأما عمر رضي الله عنه فرأى الأمر في الستة متقاربا، فإنهم وإن كان ~~لبعضهم من الفضيلة ما ليس لبعض، فلذلك المفضول مزية أخرى ليست للآخر، ورأى ~~أنه إذا عين واحدا فقد يحصل بولايته نوع من الخلل، فيكون منسوبا إليه، فترك ~~التعيين خوفا من الله تعالى وعلم أنه ليس واحد أحق بهذا الأمر منهم فجمع ~~بين المصلحتين بين تعيينهم إذ لا أحق منهم، وترك تعيين واحد منهم لما تخوفه ~~من التقصير. # ولا ريب أن الستة الذين توفى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم ~~راض، الذين عينهم عمر، لا يوجد أفضل منهم، وإن كان في كل منهم ما كرهه، فإن ~~غيرهم يكون فيه من المكروه أعظم. ولهذا لم يتول بعد ms279 عثمان خير منه ولا أحسن # سيرة، ولا تولى بعد علي خير منه، ولا تولى ملك من ملوك المسلمين أحسن ~~سيرة من معاوية رضي الله عنه، كما ذكر الناس سيرته PageV01P288 # وفضائله. # وإذا كان الواحد من هؤلاء له ذنوب، فغيرهم أعظم ذنوبا، وأقل حسنات. فهذا ~~من الأمور التي ينبغي أن تعرف، فإن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا ~~على العقير ولا يقع على الصحيح. والعاقل يزن الأمور جميعا: هذا وهذا. # وهؤلاء الرافضة من أجهل الناس، يعيبون على من يذمونه ما يعاب أعظم منه ~~على من يمدحونه، فإذا سلك معهم ميزان العدل تبين أن الذي ذموه أولى ~~بالتفضيل ممن مدحوه. # وأما ما يروى من ذكره لسالم مولى أبي حذيفة؛ فقد علم أن عمر وغيره من ~~الصحابة كانوا يعلمون أن الإمامة في قريش، كما استفاضت بذلك السنن عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس ~~اثنان)) وفي لفظ: ((ما بقي منهم اثنان)) (1) . # وأما قول الرافضي: ((وجمع بين الفاضل والمفضول، ومن حق الفاضل التقدم على ~~المفضول)) . # فيقال له: أولا: هؤلاء كانوا متقاربين في الفضيلة، ولم يكن تقدم بعضهم ~~على بعض ظاهرا، كتقدم أبي بكر وعمر على الباقين. ولهذا كان في الشورى تارة ~~يؤخذ برأي عثمان، وتارة يؤخذ برأي علي، وتارة يؤخذ برأي عبد الرحمن. وكل ~~منهم له فضائل لم يشركه فيها الآخر. # ثم يقال له: ثانيا: وإذا كان فيهم فاضل ومفضول، فلم قلت: إن عليا هو ~~الفاضل، وعثمان وغيره هم المفضولون؟ وهذا قول خلاف ما أجمع عليه المهاجرون ~~والأنصار، كما قال غير واحد من الأئمة، منهم أيوب السختياني وغيره: من قدم ~~عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. # وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: ((كنا نفاضل على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان)) . وفي لفظ: ((ثم ~~ندع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا PageV01P289 # نفاضل بينهم)) (1) . # فهذا إخبار عما كان عليه الصحابة على عهد النبي ms280 - صلى الله عليه وسلم - ~~من تفضيل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان. وقد روى أن ذلك كان يبلغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فلا ينكره. # وحينئذ فيكون هذا التفضيل ثابتا بالنص. وإلا فيكون ثابتا بما ظهر بين ~~المهاجرين والأنصار على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير نكير، ~~وبما ظهر لما توفى عمر؛ فإنهم كلهم بايعوا عثمان بن عفان من غير رغبة ولا ~~رهبة، ولم ينكر هذه الولاية منكر منهم. # قال الإمام أحمد: ((ولم يجتمعوا على بيعة أحد ما اجتمعوا على بيعة ~~عثمان)) وسئل عن خلافة النبوة فقال: ((كل بيعة كانت بالمدينة)) . وهو كما ~~قال؛ فإنهم كانوا في آخر ولاية عمر أعز ما كانوا وأظهر ما كانوا قبل ذلك. # وكلهم بايع عثمان بلا رغبة بذلها ولا رهبة؛ فإنه لم يعط أحدا على ولايته ~~لا مالا ولا ولاية. وعبد الرحمن الذي بايعه لم يوله ولم يعطه مالا. وكان ~~عبد الرحمن من أبعد الناس عن الأغراض، مع أن عبد الرحمن شاور جميع الناس، ~~ولم يكن لبني أمية شوكة، ولا كان في الشورى منهم أحد غير عثمان. # مع أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا كما وصفهم الله عز وجل: {يحبهم ~~ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم} (2) . وقد بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن ~~يقولوا الحق حيثما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، ولم ينكر أحد منهم ~~ولاية عثمان، بل كان في الذين بايعوه عمار بن ياسر وصهيب وأبو ذر وخباب ~~والمقداد بن الأسود وابن مسعود. وقال ابن مسعود: ولينا أعلانا ذا فوق ولم ~~نأل. # وفيهم العباس بن عبد المطلب، وفيهم من النقباء مثل عبادة بن الصامت ~~وأمثاله، وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري وأمثاله. # فلولا علم القوم أن عثمان أحقهم بالولاية لما ولوه. وهذا أمر كلما تدبره ~~الخبير ازداد به خبرة وعلما، ولا يشك فيه إلا من لم يتدبره من أهل العلم ~~بالاستدلال، أو من هو جاهل بالواقع أو بطريق النظر ms281 والاستدلال. PageV01P290 # وأما قول الرافضي: ((إنه طعن في كل واحد ممن اختاره للشورى، وأظهر أنه ~~يكره أن يتقلد أمر المسلمين ميتا كما تقلده حيا، ثم تقلده بأن جعل الإمامة ~~في ستة)) . # فالجواب: أن عمر لم يطعن فيهم طعن من يجعل غيرهم أحق بالإمامة منهم، بل ~~لم يكن عنده أحق بالإمامة منهم، كما نص على ذلك. لكن بين عذره المانع له من ~~تعيين واحد منهم، وكره أن يتقلد ولاية معين، ولم يكره أن يتقلد تعيين ~~الستة، لأنه قد علم أنه لا أحدا أحق بالأمر منهم، فالذي علمه وعلم أن الله ~~يثيبه عليه ولا تبعة عليه فيه إن تقلده هو اختيار الستة، والذي خاف أن يكون ~~عليه فيه تبعة، وهو تعيين واحد منهم، تركه. # وهذا من كمال عقله ودينه رضي الله عنه. ليس كراهته لتقلده ميتا كما تقلده ~~حيا لطعنه في تقلده حيا؛ فإنه إنما تقلد الأمر حيا باختياره، وبأن تقلده ~~كان خيرا له وللأمة، وإن كان خائفا من تبعة الحساب. # وأما قوله: ((ثم ناقض فجعلها في أربعة، ثم في ثلاثة، ثم في واحد، فجعل ~~إلى عبد الرحمن بن عوف الاختيار، بعد أن وصف بالضعف والقصور)) . # فالجواب: أولا: أنه ينبغي لمن احتج بالمنقول أن يثبته أولا. وإذا قال ~~القائل: هذا غير معلوم الصحة، لم يكن عليه حجة. والنقل الثابت في صحيح ~~البخاري وغيره ليس فيه شيء من هذا، بل هو يدل على نقيض هذا، وأن الستة هم ~~الذين جعلوا الأمر في ثلاثة، ثم الثلاثة جعلوا الاختيار إلى عبد الرحمن بن ~~عوف واحد منهم، ليس لعمر في ذلك أمر. # وفي الحديث الثابت عن عمرو بن ميمون أن عمر بن الخطاب لما طعن قال: ((إن ~~الناس يقولون: استخلف، وإن الأمر إلى هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راض: علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن ~~بن عوف وسعد بن مالك، ويشهدهم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، فإن ~~أصابت الخلافة سعدا، وإلا فليستعن به من ولى، فإني ms282 لم أعزله عن # عجز ولا خيانة)) . ثم قال: ((أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله تعالى، ~~وأوصيه بالمهاجرين الأولين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم: أن يعرف لهم ~~حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان من ~~قبلهم: أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، ~~فإنهم ردء الإسلام، وغيظ # PageV01P291 # العدو، وجباة الأموال، لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضا منهم، وأوصيه ~~بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام: أن يؤخذ منهم من حواشي ~~أموالهم فترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله ورسوله أن يوفى لهم بعهدهم، ~~ويقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم)) (1) . # وأما قوله: ثم قال: إن اجتمع علي وعثمان فالقول ما قالاه، وإن صاروا ~~ثلاثة، فالقول قول الذين صار فيهم عبد الرحمن، لعلمه أن عليا وعثمان ~~لايجتمعان على أمر، وأن عبد الرحمن لا يعدل بالأمر عن أخيه عثمان وابن ~~عمه)) . # فيقال له: من الذي قال إن عمر قال ذلك؟ وإن كان قد قال ذلك فلا يجوز أن ~~يظن به أنه كان غرضه ولاية عثمان محاباة له، ومنع علي معاداة له، فإنه لو ~~كان قصده هذا لولى عثمان ابتداء، ولم ينتطح فيها عنزان. كيف والذين عاشوا ~~بعده قدموا عثمان بدون تعيين عمر له؟ فلو كان عمر عينه، لكانوا أعظم متابعة ~~له وطاعة، سواء كانوا كما يقوله المؤمنون: أهل دين وخير وعدل، أو كانوا كما ~~يقوله المنافقون الطاعنون فيهم: إن مقصودهم الظلم والشر. لا سيما وعمر كان ~~في حال الحياة لا يخاف أحدا، والرافضة تسميه: فرعون هذه الأمة. فإذا كان في ~~حياته لم يخف من تقديم أبي بكر، والأمر في أوله، والنفوس لم تتوطن على طاعة ~~أحد معين بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا صار لعمر أمر، فكيف يخاف ~~من تقديم عثمان عند موته والناس كلهم مطيعوه، وقد تمرنوا على طاعته؟ # فعلم أنه لو كان له غرض في تقديم عثمان لقدمه، ولم يحتج إلى هذه الدورة ~~البعيدة. ثم أي غرض يكون لعمر رضي الله عنه في ms283 عثمان دون علي؟ # وليس بينه وبين عثمان من أسباب الصلة أكثر مما بينه وبين علي، لا من جهة ~~القبيلة، ولا من غير جهة القبيلة. # وكذلك قول القائل: إنه علم أن عليا وعثمان لا يجتمعان على أمر، كذب على ~~عمر رضي الله عنه. ولم يكن بين عثمان وعلي نزاع في حياة عمر أصلا، بل كان ~~أحدهما أقرب إلى صاحبه من سائر الأربعة إليهما، كلاهما من بني عبد مناف. ~~وما زال بنو عبد مناف يدا واحدة. PageV01P292 # وقوله: ((إن عمر علم أن عبد الرحمن لا يعدل الأمر عن أخيه وان عمه)) . ~~فهذا كذب بين على عمر وعلى أنسابهم؛ فإن عبد الرحمن ليس أخا لعثمان ولا ابن ~~عمه ولا من قبيلته أصلا، بل هذا من بني زهرة وهذا من بني أمية. وبنو زهرة ~~إلى بني هاشم أكثر ميلا منهم إلى بني أمية، فإن بني زهرة أخوال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ومنهم عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الذي قال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((هذا خالي، فليرني امرؤ خاله)) (1) . # ولم يكن أيضا بين عثمان وعبد الرحمن مؤاخاة ولا مخالطة؛ فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يؤاخ بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أنصاري وأنصاري، ~~وإنما آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن ~~الربيع الأنصاري، وحديثه مشهور ثابت في الصحاح وغيرها، يعرفه أهل العلم ~~بذلك، ولم يؤاخ بين عثمان وعبد الرحمن. # وأما قوله: ((ثم أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ثلاثة أيام)) . # فيقال: أولا: من قال إن هذا صحيح؟ وأين النقل الثابت بهذا؟ وإنما المعروف ~~أنه أمر الأنصار أن لا يفارقوهم حتى يبايعوا واحدا منهم. # ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب على عمر، ولم ينقل هذا أحد من أهل العلم ~~بإسناد يعرف، ولا أمر عمر قط بقتل الستة الذين يعلم أنهم خيار الأمة. وكيف ~~يأمر بقتلهم، وإذا قتلوا كان الأمر بعد قتلهم أشد فسادا؟ ثم لو أمر بقتلهم ~~لقال ولوا بعد قتلهم فلانا وفلانا، ms284 فكيف يأمر بقتل المستحقين للأمر، ولا ~~يولي بعدهم أحدا؟ # فهذا من اختلاق مفتر لا يدري ما يكتب لا شرعا ولا عادة. # ثم من العجب أن الرافضة يزعمون أن الذين أمر عمر بقتلهم، بتقدير صحة هذا ~~النقل، يستحقون القتل إلا عليا. فإن عمر أمر بقتلهم، فلماذا ينكرون عليه ~~ذلك، ثم يقولون: إنه كان يحابيهم في الولاية ويأمر بقتلهم؟ فهذا جمع بين ~~الضدين. # وإن قلتم: كان مقصوده قتل علي. # قيل: لو بايعوا إلا عليا لم يكن ذلك يضر الولاية، فإنما يقتل من يخاف. ~~وقد تخلف سعد بن عبادة عن بيعة أبي بكر، ولم يضربوه ولم يحبسوه، فضلا عن ~~القتل. PageV01P293 # وكذلك من يقول: إن عليا وبني هاشم تخلفوا عن بيعة أبي بكر ستة أشهر، ~~يقول: إنهم لم يضربوا أحدا منهم، ولا أكرهوه على البيعة. فإذا لم يكره أحد ~~على مبايعة أبي بكر، التي هي عنده متعينة، فكيف يأمر بقتل الناس على مبايعة ~~عثمان، وهي عنده غير متعينة؟ وأبو بكر وعمر مدة خلافتهما ما زالا مكرمين ~~غاية الإكرام لعلي وسائر بني هاشم يقدمونهم على سائر الناس، ويقول أبو بكر: ~~أيها الناس ارقبوا محمدا في أهل بيته. وأبو بكر يذهب وحده إلى بيت علي، ~~وعنده بنو هاشم، فيذكر لهم فضلهم، ويذكرون له فضله، ويعترفون له باستحقاقه ~~الخلافة، ويعتذرون من التأخر، ويبايعونه وهو عندهم وحده. # والآثار المتواترة بما كان بين القوم من المحبة والائتلاف توجب كذب من ~~نقل ما يخالف ذلك. ولو أراد أبو بكر وعمر في ولايتهما إيذاء علي بطريق من ~~الطرق، لكانا أقدر على ذلك من صرف الأمر عنه بعد موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # فهؤلاء المفترون يزعمون أنهم ظلموه في حال كان فيها أقدر على دفع الظلم ~~عن نفسه، ومنعهما من ظلمه، وكانا أعجز عن ظلمه لو أراد ذلك، فهلا ظلماه بعد ~~قوتهما ومطاوعة الناس لهما إن كانا مريدين لظلمه؟ # وكذلك قوله: ((أمر بقتل من خالف الأربعة وأمر بقتل من خالف الثلاثة، منهم ~~عبد الرحمن)) . # فيقال: هذا من الكذب المفترى. ولو قدر ms285 أنه فعل ذلك لم يكن عمر قد خالف ~~الدين، بل يكون قد أمر بقتل من يقصد الفتنة. كما قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: ((من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم، فاضربوا ~~عنقه بالسيف كائنا من كان)) (1) . # والمعروف عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقتل من أراد أن ينفرد عن المسلمين ~~ببيعة بلا مشاورة لأجل هذا الحديث. # وأما قتل الواحد المتخلف عن البيعة إذا لم تقم فتنة، فلم يأمر عمر بقتل ~~مثل هذا، ولا يجوز قتل مثل هذا. # وكذلك ما ذكره من الإشارة إلى قتل عثمان، ومن الإشارة إلى ترك ولاية علي، ~~كذب PageV01P294 # بين على عمر. فإن قوله: ((لئن فعلت ليقتلنك الناس)) إخبار عما يفعله ~~الناس، ليس فيه أمر لهم بذلك. # وكذلك قوله: ((لا يولونه إياها)) . # إخبار عما سيقع، ليس فيه نهي لهم عن الولاية. مع أن هذا اللفظ بهذا ~~السياق ليس بثابت عن عمر. بل هو كذب عليه. والله تعالى أعلم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأما عثمان فإنه ولى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، ~~حتى ظهر من بعضهم الفسوق، ومن بعضهم الخيانة، وقسم الولايات بين أقاربه، ~~وعوتب على ذلك مرارا فلم يرجع، واستعمل الوليد بن عقبة، حتى ظهر منه شرب ~~الخمر، وصلى بالناس وهو سكران، واستعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ~~ما أدى إلى أن أخرجه أهل الكوفة منها. وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر ~~حتى تظلم منه أهلها، وكاتبه أن يستمر على ولايته سرا، خلاف ما كتب إليه ~~جهرا، وأمر بقتل محمد بن أبي بكر. وولى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما ~~أحدث. وولى عبد الله بن عامر # البصرة ففعل من المناكير ما فعل. وولى مروان أمره، وألقى إليه مقاليد ~~أموره، ودفع إليه خاتمه، فحدث من ذلك قتل عثمان، وحدث من الفتنة بين الأمة ~~ما حدث. وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع إلى ~~أربعة نفر من قريش - زوجهم بناته - أربعمائة ألف دينار، ودفع ms286 إلى مروان ألف ~~ألف دينار. وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفره، ولما حكم ضربه حتى مات. وضرب ~~عمارا حتى صار به فتق. وقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: عمار ~~جلدة بين عيني تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. ~~وكان عمار يطعن عليه. وطرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم بن أبي ~~العاص عم عثمان عن المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو -وابنه- طريدا في ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر. فلما ولي عثمان آواه ورده ~~إلى المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره. مع أن الله تعالى قال: {لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله # PageV01P295 # ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم} (1) ونفى أبا ذر إلى الربذة، وضربه ~~ضربا وجيعا، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حقه: ما أقلت ~~الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى ~~إلي أنه يحب أربعة من أصحابي وأمرني بحبهم. فقيل من هم يا رسول الله؟ قال ~~سيدهم علي وسلمان والمقداد وأبو ذر. وضيع حدود الله فلم يقتل عبيد الله بن ~~عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين ~~يطلب عبيد الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حد الشرب ~~في الوليد بن عقبة حتى حده أمير المؤمنين، وقال: لا يبطل حد الله وأنا ~~حاضر. وزاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، وصار سنة إلى الآن. وخالفه ~~المسلمون كلهم حتى قتل، وعابوا أفعاله، وقالوا له: غبت عن بدر، وهربت يوم ~~أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى)) . # والجواب: أن يقال: نواب علي خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له ~~وعصوه. وقد صنف الناس كتبا فيمن ولاه علي فأخذ المال وخانه، وفيمن تركه ~~وذهب إلى معاوية. وقد ولى علي رضي الله عنه زياد بن أبي # سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين، ms287 وولى الأشتر النخعي، وولى محمد ~~بن أبي بكر وأمثال هؤلاء. # ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان خيرا من هؤلاء ~~كلهم. ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن عليا كان أبلغ فيه ~~من عثمان. فيقولون: إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية. ومعلوم أن عليا ولى ~~أقاربه من قبل أبيه وأمه، كعبد الله وعبيد الله ابني العباس. فولى عبيد ~~الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس. وأما المدينة ~~فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف. وقيل: ثمامة بن العباس. وأما البصرة فولى ~~عليها عبد الله بن عباس. وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في ~~حجره. # ثم إن الإمامة تدعى أن عليا نص على أولاده في الخلافة، أو على ولده، وولد ~~على ولده الآخر، وهلم جرا. PageV01P296 # ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأقربين منكرا، فتولية الخلافة العظمى ~~أعظم من إمارة بعض الأعمال، وتولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني ~~العم. ولهذا كان الوكيل والولي الذي لا يشتري لنفسه لا يشتري لابنه أيضا في ~~أحد قولى العلماء، والذي دفع إليه المال ليعطيه لمن يشاء لا يأخذه لنفسه ~~ولا يعطيه لولده في أحد قوليهم. # وكذلك تنازعوا في الخلافة: هل للخليفة أن يوصي بها لولده؟ على قولين. ~~والشهادة لابنه مردودة عند أكثر العلماء. ولا ترد الشهادة لبني عمه. وهكذا ~~غير ذلك من الأحكام. # وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أنت ومالك لأبيك)) (1) . ~~وقال: ((ليس لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهبه لولده)) (2) . # فإن قالوا: إن عليا رضي الله عنه فعل ذلك بالنص. # قيل: أولا: نحن نعتقد أن عليا خليفة راشد، وكذلك عثمان. لكن قبل أن نعلم ~~حجة كل منهما فيما فعل، فلا ريب أن تطرق الظنون والتهم إلى ما فعله علي ~~أعظم من تطرق التهم والظنون إلى ما فعله عثمان. # وإذا قال لقائل: لعلي حجة فيما فعله. # قيل له: وحجة عثمان فيما ms288 فعله أعظم. وإذا ادعي لعلي العصمة ونحوها مما ~~يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان ما يدعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة ~~الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. # فإن الرافضي يجيء إلى أشخاص ظهر بصريح المعقول وصحيح المنقول بأن بعضهم ~~أكمل سيرة من بعض، فيجعل الفاضل مذموما مستحقا للقدح، ويجعل المفضول معصوما ~~مستحقا للمدح، كما فعلت النصارى: يجيئون إلى الأنبياء صلوات الله عليهم، ~~وقد فضل الله بعضهم على بعض، فيجعلون المفضول إلها والفاضل منقوصا دون ~~الحواريين الذين صحبوا المسيح، فيكون ذلك قلبا للحقائق. وأعجب من ذلك أنهم ~~يجعلون الحواريين الذين ليسوا أنبياء معصومين عن الخطأ، ويقدحون في بعض ~~الأنبياء كسليمان وغيره. PageV01P297 # ومعلوم أن إبراهيم ومحمدا أفضل من نفس المسيح صلوات الله وسلامه عليهم ~~بالدلائل الكثيرة، بل وكذلك موسى. فكيف يجعل الذين صحبوا المسيح أفضل من ~~إبراهيم ومحمد؟ # وهذا من الجهل والغلو الذي نهاهم الله عنه. قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} (1) # وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة، فإن فيهم من ادعى الإلهية في ~~علي. وهؤلاء شر من النصارى، وفيهم من ادعى النبوة فيه. ومن أثبت نبيا بعد ~~محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين، إلا # أن عليا رضي الله عنه بريء من هذه الدعوة، بخلاف من ادعى النبوة لنفسه ~~كمسيلمة وأمثاله. # وهؤلاء الإمامية يدعون ثبوت إمامته بالنص، وأنه كان معصوما هو وكثير من ~~ذريته، وأن القوم ظلموه وغصبوه. # ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة. فإن المعصوم يجب اتباعه في كل ما ~~يقول، لا يجوز أن يخالف في شيء. وهذه خاصة الأنبياء. ولهذا أمرنا أن نؤمن ~~بما أنزل إليهم فقال تعالى: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} (2) ، فأمرنا أن ~~نقول: آمنا بما أوتي النبيون. ms289 # فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به. وهذا مما اتفق ~~عليه المسلمون: أنه يجب الإيمان بكل نبي، ومن كفر بنبي واحد فهو كافر، ومن ~~سبه وجب قتله باتفاق العلماء. # وليس كذلك من سوى الأنبياء، سواء سموا أولياء أو أئمة أو حكماء أو علماء ~~أو غير ذلك. فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه ~~معنى النبوة، وإن لم يعطه لفظها. # ويقال لهذا: ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا ~~مأمورين باتباع PageV01P298 # شريعة التوراة؟ # ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام: للكتاب والسنة وإجماع سلف ~~الأمة وأئمتها. فإن الله تعالى يقول: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (1) ، فلم يأمرنا ~~بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول، فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول، ~~أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه، لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول. وهذا ~~خلاف القرآن. # وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد، ومخالفه يستحق الوعيد. ~~والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة. قال تعالى: {ومن يطع الله ~~والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين وحسن أولئك رفيقا} (2) . وقال: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم خالدين فيها أبدا} (3) فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول ~~كان من أهل السعادة، ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر. # ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد، وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم، ~~فالرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل ~~النار، وبين الأبرار والفجار، وبين الحق والباطل، وبين الغي والرشاد، ~~والهدى والضلال، وجعله القسيم الذي قسم الله به عباده إلى شقي وسعيد، فمن ~~اتبعه فهو السعيد، ومن خالفه فهو الشقي. وليست هذه المرتبة لغيره. # ولهذا اتفق أهل العلم - أهل الكتاب والسنة - على أن كل شخص سوى الرسول ~~فإنه يؤخذ من قوله ms290 ويترك، إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه يجب ~~تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن ~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وهو الذي يسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال ~~تعالى: {فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين} (4) . # وهو الذي يمتحن به الناس في قبورهم، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن ~~نبيك؟ ويقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبت الله الذين آمنوا ~~بالقول PageV01P299 # الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به ~~واتبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين ~~والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يمتحن في قبره بشخص غير الرسول. # والمقصود هنا أن ما يعتذر به عن علي فيما أنكر عليه يعتذر بأقوى منه عن ~~عثمان، فإن عليا قاتل على الولاية، وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم، ولم # يحصل في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في ~~زيادة خير، وقد ولى من أقاربه من ولاه، فولاية الأقارب مشتركة، ونواب عثمان ~~كانوا أطوع من نواب علي وأبعد عن الشر. # وأما الأموال التي تأول فيها عثمان، فكما تأول علي في الدماء. وأمر ~~الدماء أخطر وأعظم. # ويقال: ثانيا: هذا النص الذي تدعونه، أنتم فيه مختلفون اختلافا يوجب ~~العلم الضروري بأنه ليس عندكم ما يعتمد عليه فيه، بل كل قوم منكم يفترون ما ~~شاءوا. # وأيضا فجماهير المسلمين يقولون: إنا نعلم علما يقينا، بل ضروريا، كذب هذا ~~النص، بطرق كثيرة مبسوطة في مواضعها. # ويقال: ثالثا: إذا كان كذلك ظهرت حجة عثمان؛ فإن عثمان يقول: إن بني أمية ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده ~~من لا يتهم بقرابة: فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وعمر رضي الله عنه، ~~ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل ~~النبي ms291 - صلى الله عليه وسلم - في عزة الإسلام على أفضل الأرض مكة عتاب بن ~~أثسيد بن أبي العيص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، ~~واستعمل أيضا خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء اليمن، ~~فلم يزل عليها حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واستعمل عثمان بن ~~سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عرينة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص ~~على بعض السرايا، ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء بن ~~الحضرمي حتى توفى النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستعمل الوليد بن عقبة بن ~~أبي معيط حتى أنزل الله فيه: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة} (1) . PageV01P300 # فيقول عثمان: أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منهم ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولى أبو بكر ~~يزيد بن # أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقره عمر، ثم ولى عمر بعد أخاه معاوية. # وهذا النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في استعمال هؤلاء ثابت مشهور ~~عنه، بل متواتر عند أهل العلم. ومنه متواتر عند علماء الحديث، ومنه ما ~~يعرفه العلماء منهم، ولا ينكره أحد منهم. ### | ### | (فصل) # # والقاعدة الكلية في هذا أن لا نعتقد أن أحدا معصوم بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، بل الخلفاء وغير الخلفاء يجوز عليهم الخطأ، والذنوب التي تقع ~~منهم قد يتوبون منها، وقد تكفر عنهم بحسناتهم الكثيرة، وقد يبتلون أيضا ~~بمصائب يكفر الله عنهم بها، وقد يكفر عنهم بغير ذلك. # فكل ما ينقل عن عثمان غايته أن يكون ذنبا أو خطأ. وعثمان رضي الله عنه قد ~~حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة، منها سابقته وإيمانه وجهاده وغير ذلك ~~من طاعاته. # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد له، بل بشره بالجنة على ~~بلوى تصيبه. # ومنها أنه تاب من عامة ما أنكره عليه، وأنه ابتلى ببلاء عظيم، فكفر الله ~~به ms292 خطاياه، وصبر حتى قتل شهيدا مظلوما. وهذا من أعظم ما يكفر الله به ~~الخطايا. # وكذلك علي رضي الله عنه: ما تنكره الخوارج وغيرهم علي غايته أن يكون ذنبا ~~أو خطأ، وكان قد حصلت له أسباب المغفرة من وجوه كثيرة. منها سابقته وإيمانه ~~وجهاده، وغير ذلك من طاعته، وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - له ~~بالجنة. ومنها أنه تاب من أمور كثيرة أنكرت عليه وندم عليها، ومنها أنه قتل ~~مظلوما شهيدا. # فهذه القاعدة تغنينا أن نجعل كل ما فعل واحد منهم هو الواجب أو المستحب ~~من غير حاجة بنا إلى ذلك. # وحينئذ فقول الرافضي: إن عثمان ولى من لا يصلح للولاية. إما أن يكون هذا ~~باطلا، ولم يول إلا من يصلح. وإما أن يكون ولى من لا يصلح في # نفس الأمر، لكنه كان مجتهدا في # PageV01P301 # ذلك، فظن أنه كان يصلح وأخطأ ظنه، وهذا لا يقدح فيه. # وهذا الوليد بن عقبة الذي أنكر عليه ولايته قد اشتهر في التفسير والحديث ~~والسير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاه على صدقات ناس من العرب فلما ~~قرب منهم خرجوا إليه، فظن أنهم يحاربونه، فأرسل إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يذكر محاربتهم له، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرسل ~~إليهم جيشا، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (1) . # فإذا كان حال هذا خفي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكيف لا يخفى ~~على عثمان؟! # وإذا قيل: إن عثمان ولاه بعد ذلك. # فيقال: باب التوبة مفتوح. وقد كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح ارتد عن ~~الإسلام، ثم جاء تائبا، وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - إسلامه وتوبته ~~بعد أن كان أهدر دمه. # وعلي رضي الله عنه تبين له من عماله ما لم يكن يظنه فيهم. فهذا لا يقدح ~~في عثمان ولا غيره. وغاية ما يقال: إن عثمان ولى من يعلم أن غيره أصلح منه، ~~وهذا من موارد ms293 الاجتهاد. # أو يقال: إن محبته لأقاربه ميلته إليهم، حتى صار يظنهم أحق من غيرهم، أو ~~أن ما فعله كان ذنبا، وقد تقدم أن ذنبه لا يعاقب عليه في الآخرة. # وقوله: حتى ظهر من بعضهم الفسق، ومن بعضهم الخيانة. # فيقال: ظهور ذلك بعد الولاية لا يدل على كونه كان ثابتا حين الولاية، ولا ~~على أن المولي علم ذلك. وعثمان رضي الله عنه لما علم أن الوليد بن عقبة شرب ~~الخمر طلبه وأقام عليه الحد. وكان يعزل من يراه مستحقا للعزل، ويقيم الحد ~~على من يراه مستحقا لإقامة الحد عليه. # وأما قوله: وقسم المال بين أقاربه. # فهذا غايته أن يكون ذنبا لا يعاقب عليه في الآخرة، فكيف إذا كان من موارد ~~الاجتهاد؟ # وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه: إما بولاية، ~~وإما بمال. وعلي ولى أقاربه أيضا. PageV01P302 # وأما قوله: استعمل الوليد بن عقبة حتى ظهر منه شرب الخمر، وصلى بالناس ~~وهو سكران. # فيقال: لا جرم طلبه وأقام عليه الحد بمشهد من علي بن أبي طالب، وقال ~~لعلي: قم فاضربه. فأمر علي الحسن بضربه، فامتنع. وقال لعبد الله بن جعفر: ~~قم فاضربه، فضربه أربعين. ثم قال: أمسك، ضرب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. رواه ~~مسلم وغيره (1) . # فإذا أقام الحد برأي علي وأمره، فقد فعل الواجب. # وكذلك قوله: إنه استعمل سعيد بن العاص على الكوفة، وظهر منه ما أدى إلى ~~أن أخرجه أهل الكوفة منها. # فيقال: مجرد إخراج أهل الكوفة لا يدل على ذنب يوجب ذاك، فإن القوم كانوا ~~يقومون عل كل وال. قد أقاموا على سعد بن أبي وقاص، وهو الذي فتح البلاد، ~~وكسر جنود كسرى، وهو أحد أهل الشورى، ولم يتول عليهم نائب مثله. وقد شكوا ~~غيره مثل عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. ودعا ~~عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فلبس ~~عليهم. # وإذا ms294 قدر أنه أذنب ذنبا، فمجرد ذلك لا يوجب أن يكون عثمان راضيا بذنبه، ~~ونواب علي قد أذنبوا ذنوبا كثيرة. بل كان غير واحد من نواب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يذنبون ذنوبا كثيرة، وإنما يكون الإمام مذنبا إذا ترك ما ~~يجب عليه من إقامة حد، أو استيفاء حق، أو اعتداء ونحو ذلك. # وإذا قدر أن هناك ذنبا، فقد علم الكلام فيه. # وأما قوله: وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر حتى تظلم منه أهلها، ~~وكاتبه أن يستمر على ولايته سرا، خلاف ما كتب إليه جهرا. # والجواب: أن هذا كذب على عثمان وقد حلف عثمان أنه لم يكتب شيئا من ذلك، ~~وهو الصادق البار بلا يمين، وغاية ما قيل: إن مروان كتب بغير علمه، وأنهم ~~طلبوا أن يسلم PageV01P303 # إليهم مروان ليقتلوه، فامتنع. فإن كان قتل مروان لا يجوز، فقد فعل ~~الواجب، وإن كان يجوز ولا يجب، فقد فعل الجائز، وإن كان قتله واجبا، فذاك ~~من موارد الاجتهاد؛ فإنه لم يثبت لمروان ذنب يوجب قتله شرعا، فإن مجرد ~~التزوير لا يوجب القتل. وبتقدير أن يكون ترك الواجب فقد قدمنا الجواب ~~العام. # وأما قوله: أمر بقتل محمد بن أبي بكر. # فهذا من الكذب المعلوم على عثمان. وكل ذي علم بحال عثمان وإنصاف له، يعلم ~~أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه ~~قتل أحدا من هذا الضرب، وقد سعوا في قتله، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا ~~يأمر بقتالهم دفعا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم؟ # وإن ثبت أن عثمان أمر بقتل محمد بن أبي بكر، لم يطعن على عثمان. بل عثمان ~~إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان، لأن ~~عثمان إمام هدى، وخليفة راشد، يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يدفع شره ~~إلا بالقتل. وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس ~~لهم قتل أحد، ولا إقامة حد. ms295 وغايتهم أن يكونوا ظلموا في بعض الأمور، وليس ~~لكل مظلوم أن يقتل بيده كل من ظلمه، بل ولا يقيم الحد. # وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد بن أبي بكر، ولا هو أشهر بالعلم ~~والدين منه. بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل ~~الفتيا، واختلف في صحبته. # وأما قوله: ((ولى معاوية الشام، فأحدث من الفتن ما أحدثه)) . # فالجواب: أن معاوية إنما ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لما مات أخوه ~~يزيد بن أبي سفيان ولاه عمر مكان أخيه. واستمر في ولاية عثمان، وزاده عثمان ~~في الولاية. وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سير الولاة، وكانت رعيته ~~يحبونه. # وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((خيار ~~أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم ~~الذين تبغضونهم ويبغضونكم، # PageV01P304 # وتلعنونهم ويلعنونكم)) (1) . # وإنما ظهر الإحداث من معاوية في الفتنة لما قتل عثمان، ولما قتل عثمان ~~كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب ~~للسلامة من كثير منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم. # ومعاوية كان خيرا من الأشتر النخعي، ومن محمد بن أبي بكر، ومن عبيد الله ~~بن عمر بن الخطاب، ومن أبي الأعور السلمي، ومن هاشم بن هاشم بن هاشم ~~المرقال، ومن الأشعث بن قيس الكندي، ومن بسر بن أبي أرطاة، وغير هؤلاء من ~~الذين كانوا معه ومع علي بن أبي طالب رضي الله عنهما. # وأما قوله: ((وولى عبد الله بن عامر البصرة، ففعل من المناكير ما فعل)) . # فالجواب: أن قتل عثمان والفتنة لم يكن سببها مروان وحده، بل اجتمعت أمور ~~متعددة، من جملتها أمور تنكر من مروان. وعثمان رضي الله عنه كان قد كبر، ~~وكانوا يفعلون أشياء لا يعلمونه بها، فلم يكن آمرا لهم بالأمور التي ~~أنكرتموها عليه، بل كان يأمر بإبعادهم وعزلهم، فتارة يفعل ذلك، وتارة لا ~~يفعل ذلك. وقد تقدم الجواب العام. # ولما قدم المفسدون الذين أرادوا قتل عثمان، وشكوا أمورا، ms296 أزالها كلها ~~عثمان، حتى أنه أجابهم إلى عزل من يريدون عزله، وإلى أن مفاتيح بيت المال ~~تعطى لمن يرتضونه، وأنه لا يعطي أحدا من المال إلا بمشورة الصحابة # ورضاهم، ولم يبق لهم طلب. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: ((مصصتموه كما ~~يمص الثوب، ثم عمدتم إليه فقتلتموه)) . # وقد قيل: إنه زور عليه كتاب بقتلهم، وأنهم أخذوه في الطريق، فأنكر عثمان ~~الكتاب، وهو الصادق. وأنهم اتهموا به مروان، وطلبوا تسليمه إليهم، فلم ~~يسلمه. PageV01P305 # وهذا بتقدير أن يكون صحيحا، لا يبيح شيئا مما فعلوه بعثمان. وغايته أن ~~يكون مروان قد أذنب في إرادته قتلهم، ولكن لم يتم غرضه. ومن سعى في قتل ~~إنسان ولم يقتله، لم يجب قتله. فما كان يجب قتل مروان بمثل هذا. نعم ينبغي ~~الاحتراز ممن يفعل مثل هذا، وتأخيره وتأديبه. ونحو ذلك. أما الدم فأمر ~~عظيم. # وأما قوله: ((وكان يؤثر أهله بالأموال الكثيرة من بيت المال، حتى أنه دفع ~~إلى أربعة نفر من قريش، زوجهم بناته، أربعمائة ألف دينار، ودفع إلى مروان ~~ألف ألف دينار)) . # فالجواب: أولا أن يقال: أين النقل الثابت بهذا؟ نعم كان يعطي أقاربه عطاء ~~كثيرا، ويعطي غير أقاربه أيضا، وكان محسنا إلى جميع المسلمين. وأما هذا ~~القدر الكثير فيحتاج إلى نقل ثابت. # ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب البين، فإنه لا عثمان ولا غيره من الخلفاء ~~الراشدين أعطوا أحدا ما يقارب هذا المبلغ. ومن المعلوم أن معاوية كان يعطي ~~من يتألفه أكثر من عثمان. ومع هذا فغاية ما أعطى الحسن بن علي مائة ألف أو ~~ثلاثمائة ألف درهم. وذكروا أنه لم يعط أحدا قدر هذا قط. # نعم كان عثمان يعطي بعض أقاربه ما يعطيهم من العطاء الذي أنكر عليه، وقد ~~تقدم تأويله في ذلك، والجواب العام يأتي على ذلك. # وبالجملة، فلا بد لكل ذوي أمر من أقوام يأتمنهم على نفسه، ويدفعون عنه من ~~يريد ضرره. فإن لم يكن الناس مع إمامهم كما كانوا مع أبي بكر وعمر، احتاج ~~الأمر إلى بطانة يطمئن إليهم، وهم ms297 لا بد لهم من كفاية. فهذا أحد التأويلين. # والتأويل الثاني: أنه كان يعمل في المال. وقد قال الله تعالى: {والعاملين ~~عليها} (1) . والعامل على الصدقة الغني له أن يأخذ بعمالته باتفاق ~~المسلمين. # وأما قوله: ((وكان ابن مسعود يطعن عليه ويكفره)) . # فالجواب: أن هذا من الكذب البين على ابن مسعود، فإن علماء أهل النقل ~~يعلمون أن ابن مسعود ما كان يكفر عثمان، بل لما ولي عثمان وذهب ابن مسعود ~~إلى الكوفة قال: ((ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل)) . PageV01P306 # وكان عثمان في السنين الأول من ولايته لا ينقمون منه شيئا ولما كانت ~~السنين الآخرة نقموا منه أشياء، بعضها هم معذورون فيه، وكثير منها كان ~~عثمان هو المعذور فيه. # من جملة ذلك أمر ابن مسعود؛ فإن ابن مسعود بقي في نفسه من أمر المصحف، ~~لما فوض كتابته إلى زيد دونه، وأمر الصحابة أن يغسلوا مصاحفهم. وجمهور ~~الصحابة كانوا على ابن مسعود مع عثمان. # وعثمان أفضل من كل من تكلم فيه. هو أفضل من ابن مسعود وعمار وأبي ذر ومن ~~غيرهم من وجوه كثيرة، كما ثبت ذلك بالدلائل الكثيرة. # فليس جعل كلام المفضول قادحا في الفاضل بأولى من العكس، بل إن أمكن ~~الكلام بينهما بعلم وعدل، وإلا تكلم بما يعلم من فضلهما ودينهما، وكان ما ~~شجر بينهما وتنازعا فيه أمره إلى الله. # ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم، لأنا لا نسأل عن ذلك. # كما قال عمر بن عبد العزيز: ((تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أحب أن ~~أخضب بها لساني)) . وقال آخر: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ~~ولا تسألون عما كانوا يعملون} (1) . # لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلا بد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل ~~حجته بعلم وعدل. # وكذلك ما نقل من تكلم عمار في عثمان، وقول الحسن فيه، ونقل عنه أنه قال: ~~((لقد كفر عثمان كفرة صلعاء)) وأن الحسن بن علي أنكر ذلك عليه، وكذلك علي، ~~وقال له: ((يا عمار أتكفر برب آمن به عثمان؟)) . # وأما ms298 قوله: ((إنه لما حكم ضرب ابن مسعود حتى مات)) . # فهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإنه لما ولي أقر ابن مسعود على ما كان عليه ~~من الكوفة، إلى أن جرى من ابن مسعود ما جرى. وما مات ابن مسعود من ضرب ~~عثمان أصلا. # وفي الجملة فإذا قيل إن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمارا، فهذا لا يقدح في ~~أحد منهم؛ فإنه نشهد أن الثلاثة في الجنة، وأنهم من أكابر أولياء الله ~~المتقين. وقد قدمنا أن ولي الله PageV01P307 # قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية، فكيف بالتعزير؟. # وأما قوله: ((وقال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عمار جلدة بين ~~عيني، تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة)) . # فيقال: الذي في الصحيح: ((تقتل عمار الفئة الباغية)) (1) 2) وطائفة من ~~العلماء ضعفوا هذا الحديث، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، ونقل ذلك عن أحمد ~~أيضا. # وأما قوله: ((لا أنالهم الله شفاعتي)) فكذب مزيد في الحديث، لم يروه أحد ~~من أهل العلم بإسناد معروف. # وكذلك قوله: ((عمار جلدة بين عيني)) لا يعرف له إسناد. # ولو قيل مثل ذلك، فقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: ((إنما فاطمة بضعة مني ~~يريبني ما يريبها)) (2) . وفي الصحيح عنه أنه قال: ((لو أن فاطمة بنت محمد ~~سرقت لقطعت يدها)) (3) . وثبت عنه في الصحيح أنه كان يحب أسامة، ثم يقول: ~~((اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه)) (4) . ومع هذا # لما قتل ذلك الرجل أنكر عليه إنكار شديدا وقال: ((يا أسامة أقتلته بعد أن ~~قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله)) قال: فما زال ~~يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ)) (5) . # كذلك عثمان فيمن أقام عليه حدا أو تعزيرا هو أولى بالعلم والعدل منهم. ~~وإذا وجب الذب عن علي لمن يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك، فالذب عن عثمان لمن ~~يريد أن يتكلم فيه بمثل ذلك أولى. # وقوله: ((وطرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحكم بن أبي العاص عم ~~عثمان عن ms299 المدينة، ومعه ابنه مروان، فلم يزل هو وابنه طريدين في زمن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر، فلما ولي عثمان آواه ورده إلى ~~المدينة، وجعل مروان كاتبه وصاحب تدبيره. مع أن الله قال: {لا تجد قوما ~~PageV01P308 # يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} (1) . # والجواب: أن الحكم بن أبي العاص كان من مسلمة الفتح، وكانوا ألفى رجل، ~~ومروان ابنه كان صغيرا إذ ذاك، فإنه من أقران ابن الزبير والمسور بن مخرمة، ~~عمره حين الفتح سن التمييز: إما سبع سنين، أو أكثر بقليل، أو أقل بقليل، ~~فلم يكن لمروان ذنب يطرد عليه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ~~تكن الطلقاء تسكن بالمدينة في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن كان ~~قد طرده، فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله ~~إلى مكة. وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه، وقالوا: هو ذهب باختياره. # وأما استكتابه مروان، فمروان لم يكن له في ذلك ذنب، لأنه كان صغيرا لم ~~يجر عليه القلم، ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ومروان لم يبلغ الحلم ~~باتفاق أهل العلم، بل غايته أن يكون عشر سنين أو قريب منها، وكان مسلما ~~باطنا وظاهرا، يقرأ القرآن ويتفقه في الدين، ولم يكن قبل الفتنة معروفا ~~بشيء يعاب به، فلا ذنب لعثمان في استكتابه. # وأما الفتنة فأصابت من هو أفضل من مروان، ولم يكن مروان ممن يحاد الله ~~ورسوله. وأما أبوه الحكم فهو من الطلقاء، والطلقاء حسن إسلام # أكثرهم، وبعضهم فيه نظر. ومجرد ذنب يعزر عليه لا يوجب أن يكون منافقا في ~~الباطن. # وأما قوله: ((إنه نفى أبا ذر إلىالربذة وضربه ضربا وجيعا، مع أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال في حقه: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي ~~لهجة أصدق من أبي ذر. وقال: إن الله أوحى إلي أنه يحب أربعة من أصحابي ~~وأمرني بحبهم. فقيل له: من هم يا رسول الله؟ قال: علي سيدهم، وسلمان، ms300 ~~والمقداد، وأبو ذر)) . # فالجواب: أن أبا ذر سكن الربذة ومات بها لسبب ما كان يقع بينه وبين ~~الناس، فإن أبا ذر رضي الله عنه كان رجلا صالحا زاهدا، وكان من مذهبه أن ~~الزهد واجب، وأن ما أمسكه الإنسان فاضلا عن حاجته فهو كنز يكوى به في ~~النار، ولما توفي عبد الرحمن بن عوف وخلف مالا، جعل أبو ذر ذلك من الكنز ~~الذي يعاقب عليه، وعثمان يناظره في ذلك، حتى دخل كعب ووافق عثمان، فضربه ~~أبو ذر، وكان قد وقع بينه وبين معاوية بالشام بهذا السبب. PageV01P309 # وأما الخلفاء الراشدون وجماهير الصحابة والتابعين فعلى خلاف هذا القول. # فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ليس ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس ~~أواق صدقة)) (1) . فنفى الوجوب فيما دون المائتين، ولم يشترط كون صاحبها ~~محتاجا إليها أم لا. # وقال جمهور الصحابة: الكنز هو المال الذي لم تؤد حقوقه. # وكان أبو ذر يريد أن يوجب على الناس ما لم يوجب الله عليهم، ويذمهم على ~~ما لم يذمهم الله عليه، مع أنه مجتهد في ذلك، مثاب على طاعته رضي الله عنه، ~~كسائر المجتهدين من أمثاله. # فكان اعتزاز أبي در لهذا السبب، ولم يكن لعثمان مع أبي ذر غرض من ~~الأغراض. # وأما كون أبي ذر من أصدق الناس، فذاك لا يوجب أنه أفضل من غيره، بل كان ~~أبو ذر مؤمنا ضعيفا. كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال له: ((يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا ~~تأمرن على اثنين. ولا تولين مال يتيم)) (2) . # وقد ثبت في الصحيح أنه قال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن ~~الضعيف، وفي كل خير)) (3) . # وأهل الشورى مؤمنون أقوياء، وأبو ذر وأمثاله مؤمنون ضعفاء. فالمؤمنون ~~الصالحون لخلافة النبوة، كعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف، أفضل من أبي ذر ~~وأمثاله. # والحديث المذكور بهذا اللفظ الذي ذكره ms301 الرافضي ضعيف، بل موضوع، وليس له ~~إسناد يقوم به. # وأما قوله: ((إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل ~~الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه، وكان أمير المؤمنين يطلب عبيد ~~الله لإقامة القصاص عليه، فلحق بمعاوية. وأراد أن يعطل حد الشرب في الوليد ~~بن عقبة، حتى حده أمير المؤمنين. وقال: لا تبطل حدود الله وأنا حاضر)) . ~~PageV01P310 # فالجواب: أما قوله: ((إن الهرمزان كان مولى علي)) . # فمن الكذب الواضح، فإن الهرمزان كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على ~~قتال المسلمين، فأسره المسلمون وقدموا به على عمر، فأظهر الإسلام، فمن عليه ~~عمر وأعتقه، ولما قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان الذي قتله أبو لؤلؤة ~~الكافر المجوسي مولى المغيرة بن شعبة، وكان بينه # وبين الهرمزان مجانسة، وذكر لعبيد الله بن عمر أنه رؤي عند الهرمزان حين ~~قتل عمر، فكان ممن اتهم بالمعاونة على قتل عمر. # وقد قال عبد الله بن عباس لما قتل عمر، وقال له عمر: قد كنت أنت وأبوك ~~تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة. فقال: إن شئت أن نقتلهم. فقال: ((كذبت، أما ~~بعد إذ تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم)) (1) . # فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر في ~~قتل علوج الفرس مطلقا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد اعتقد ~~جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان؟ فلما استشار ~~عثمان الناس في قتله، فأشار عليه طائفة من الصحابة أن لا تقتله، فإن أباه ~~قتل بالأمس ويقتل هو اليوم، فيكون في هذا فساد في الإسلام، وكأنهم وقعت لهم ~~شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو ~~من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟ # وإذا كان قتل عمر وعثمان وعلي ونحوهم من باب المحاربة، فالمحاربة يشترك ~~فيها الردء والمباشر عند الجمهور، فعلى هذا من أعان على قتل عمر، ولو ~~بكلام، وجب قتله، وكان الهرمزان ممن ذكر عنه أنه أعان على قتل عمر بن ~~الخطاب. ms302 # وإذا كان الأمر كذلك كان قتله واجبا، ولكن كان قتله إلى الأئمة، فافتات ~~عبيد الله بقتله، وللإمام أن يعفو عمن افتات عليه. # وأما قوله: إن عليا كان يريد قتل عبيد الله بن عمر. فهذا لو صح كان قدحا ~~في علي. والرافضة لا عقول لهم، يمدحون بما هو إلى الذم أقرب. # ثم يقال: يا ليت شعري متى عزم علي على قتل عبيد الله؟ ومتى تمكن علي من ~~قتل عبيد PageV01P311 # الله؟ أو متى تفرغ له حتى يظهر في أمره؟ # وعبيد الله كان معه ألوف مؤلفة من المسلمين مع معاوية، وفيهم خير من عبيد ~~الله بكثير. وعلي لم يمكنه عزل معاوية، وهو عزل مجرد. أفكان يمكنه قتل عبيد ~~الله؟! # ومن العجب أن دم الهرمزان المتهم بالنفاق، والمحاربة لله ورسوله، والسعي ~~في الأرض بالفساد، تقام فيه القيامة، ودم عثمان يجعل لا حرمة له، وهو إمام ~~المسلمين المشهود له بالجنة، الذي هو - وإخوانه - أفضل الخلق بعد النبيين. ~~ومن المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء، وأصبر الناس ~~على من نال من عرضه، وعلى من سعى في دمه فحاصروه وسعوا في قتله، وقد عرف ~~إرادتهم لقتله، وقد جاء المسلمون من كل ناحية ينصرونه ويشيرون عليه ~~بقتالهم، وهو يأمر الناس بالكف عن القتال، ويأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم. ~~وروى أنه قال لمماليكه: من كف يده فهو حر. وقيل له: تذهب إلى مكة؟ فقال: لا ~~أكون ممن ألحد في الحرم. فقيل له: تذهب إلى الشام؟ فقال: لا أفارق دار ~~هجرتي. فقيل له: فقاتلهم. فقال: لا أكون أول من خلف محمدا في أمته بالسيف. # فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله على المسلمين. فمن قدح في عثمان ~~بأنه كان يستحل إراقة دماء المسلمين بتعطيل الحدود، وكان قد طرق من القدح ~~في علي ما هو أعظم من هذا، وسوغ لمن أبغض عليا وعاداه وقاتله أن يقول: إن ~~عليا عطل الحدود الواجبة على قتلة عثمان. وتعطيل تلك الحدود إن كانت واجبة ~~أعظم فسادا من تعطيل حد ms303 وجب بقتل الهرمزان. # وإذا كان من الواجب الدفع عن علي بأنه كان معذورا باجتهاد أو عجز، فلأن ~~يدفع عن عثمان بأنه كان معذورا بطريق الأولى. # وأما قوله: ((أراد عثمان تعطيل حد الشرب في الوليد بن عقبة، حتى حده أمير ~~المؤمنين)) . # فهذا كذب عليهما، بل عثمان هو الذي أمر عليا بإقامة الحد عليه، كما ثبت ~~ذلك في # PageV01P312 # الصحيح (1) ، وعلي خفف عنه وجلده أربعين، ولو جلده ثمانين لم ينكر عليه ~~عثمان. # وقول الرافضي: ((إن عليا قال: لا يبطل حد الله وأنا حاضر)) . # فهو كذب. وإن كان صدقا فهو من أعظم المدح لعثمان؛ فإن عثمان قبل قول علي ~~ولم يمنعه من إقامة الحد، مع قدرة عثمان على منعه لو أراد، فإن عثمان كان ~~إذا أراد شيئا فعله، ولم يقدر علي على منعه. وإلا فلو كان علي قادرا على ~~منعه مما فعله من الأمور التي أنكرت عليه ولم يمنعه مما هو عنده منكر مع ~~قدرته، كان هذا قدحا في علي. فإذا كان عثمان أطاع عليا فيما أمره به من ~~إقامة الحد دل ذلك على دين عثمان وعدله. # وعثمان ولى الوليد بن عقبة هذا على الكوفة، وعندهم أن هذا لم يكن يجوز. ~~فإن كان حراما وعلي قادر على منعه، وجب على علي منعه، فإذا لم يمنعه دل على ~~جوازه عند علي، أو على عجز علي. وإذا عجز عن منعه عن الإمارة، فكيف لا يعجز ~~عن ضربه الحد؟ فعلم أن عليا كان عاجزا عن حد الوليد، لولا عثمان أراد ذلك، ~~فإذا أراده عثمان دل على دينه. # والرافضة تتكلم بالكلام المتناقض الذي ينقض بعضه بعضا. # وأما قوله: ((إنه زاد الأذان الثاني يوم الجمعة، وهو بدعة، فصار سنة إلى ~~الآن)) . # فالجواب: أن عليا رضي الله عنه كان ممن يوافق على ذلك في حياة عثمان وبعد ~~مقتله. ولهذا لما صار خليفة لم يأمر بإزالة الأذان، كما أمر بما أنكره من ~~ولاية طائفة من عمال عثمان، بل أمر بعزل معاوية وغيره. ومعلوم أن إبطال هذه ~~البدعة كان أهون عليه من ms304 عزل أولئك ومقاتلتهم التي عجز عنها، فكان على ~~إزالة هذه البدعة، من الكوفة ونحوها من أعماله، أقدر منه على إزالة أولئك، ~~ولو أزال ذلك لعلمه الناس ونقلوه. # فإن قيل: كان الناس لا يوافقونه على إزالتها. # قيل: فهذا دليل على أن الناس وافقوا عثمان على استحبابها واستحسانها، حتى ~~الذين قاتلوا مع علي، كعمار وسهل بن حنيف وغيرهما من السابقين الأولين. ثم ~~من العجب أن الرافضة تنكر شيئا فعله عثمان بمشهد من الأنصار والمهاجرين، ~~ولم ينكروه عليه، واتبعه المسلمون كلهم عليه في أذان الجمعة، وهم قد زادوا ~~في الأذان شعارا لم PageV01P313 # يكن يعرف على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولا نقل أحد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك في الأذان، وهو ~~قولهم: ((حي على خير العمل)) . # ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان، الذي كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في ~~مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد ~~القرظ في قباء، لم يكن فيه هذا الشعار الرافضي. ولو كان فيه لنقله المسلمون ~~ولم يهملوه، كما نقلوا ما هو أيسر منه. فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان ~~من ذكر هذه الزيادة، علم أنها بدعة باطلة. # وأما قوله: ((وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل. وعابوا أفعاله، وقالوا له: ~~غبت عن بدر، وهربت يوم أحد، ولم تشهد بيعة الرضوان. والأخبار في ذلك أكثر ~~من أن تحصى)) . # فالجواب: أما قوله: ((وخالفه المسلمون كلهم حتى قتل)) . # فإن أراد أنهم خالفوه خلافا يبيح قتله، أو أنهم كلهم أمروا بقتله، ورضوا ~~بقتله، وأعانوا على قتله. فهذا مما يعلم كل أحد أنه من أظهر الكذب، فإنه لم ~~يقتله إلا طائفة قليلة باغية ظالمة. # قال ابن الزبير: ((لعنت قتلة عثمان، خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، ~~فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب)) يعني هربوا ~~ليلا، وأكثر المسلمين كانوا غائبين، وكان أهل المدينة الحاضرين لم يكونوا ~~يعلمون أنهم يريدون قتله حتى قتلوه. # وإن أراد أن كل المسلمين خالفوه في كل ما ms305 فعله، أو في كل ما أنكر عليه. ~~فهذا أيضا كذب. فما من شيء أنكر عليه إلا وقد وافقه عليه كثير من المسلمين، ~~بل من علمائهم الذين لا يتهمون بمداهنة، والذين وافقوا عثمان على ما أنكر ~~عليه أكثر وأفضل عند المسلمين من الذين وافقوا عليا على ما أنكر عليه: إما ~~في كل الأمور، وإما في غالبها. # وأما الساعون في قتله فكلهم مخطئون، بل ظالمون باغون معتدون. وإن قدر أن ~~فيهم من قد يغفر الله له، فهذا لا يمنع كون عثمان قتل مظلوما. # والذي قال له: غبت عن بدر وبيعة الرضوان، وهربت يوم أحد، قليل جدا من ~~المسلمين. ولم يعين منهم إلا اثنان أو ثلاثة أو نحو ذلك. وقد أجابهم عثمان ~~وابن عمر وغيرهما عن هذا السؤال، وقالوا: يوم بدر غاب بأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليخلفه عن ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، # PageV01P314 # فضرب له النبي - صلى الله عليه وسلم - بسهمه وأجره. # ويوم الحديبية بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عثمان بيده. ويد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير له من يده لنفسه، وكانت البيعة ~~بسببه، فإنه لما أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - رسولا إلى أهل مكة ~~بلغه أنهم قاتلوه، فبايع أصحابه على أن لا يفروا، أو على الموت، فكان عثمان ~~شريكا في البيعة، مختصا بإرسال النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما التولي يوم أحد، فقد قال الله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن ~~الله غفور حليم} (1) فقد عفا الله عن جميع المتولين يوم أحد، فدخل في العفو ~~من هو دون عثمان، فكيف لا يدخل هو فيه مع فضله وكثرة حسناته؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقد ذكر الشهرستاني وهو من أشد المتعصبين على الإمامية، ~~أن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في مرض النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. فأول تنازع وقع في مرضه ما رواه البخاري بإسناده إلى ابن عباس ~~قال: ((لما اشتد ms306 بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مرضه الذي توفي فيه فقال: ~~ائتوني بدواة وقرطاس، أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر: إن الرجل ~~ليهجر، حسبنا كتاب الله. وكثر اللغط. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع)) . # الجواب: أن يقال: ما ينقله الشهرستاني وأمثاله من المصنفين في الملل ~~والنحل، عامته مما ينقله بعضهم عن بعض، وكثير من ذلك لم يحرر فيه أقوال ~~المنقول عنهم، ولم يذكر الإسناد في عامة ما ينقله، بل هو ينقل من كتب من ~~صنف المقالات قبله، مثل أبي عيسى الوراق وهو من المصنفين للرافضة، المتهمين ~~في كثير مما ينقلونه، ومثل أبي يحيى وغيرهما من الشيعة. وينقل أيضا من كتب ~~بعض الزيدية والمعتزلة الطاعنين في كثير من الصحابة. # وصاحب الهوى يقبل ما وافق هواه بلا حجة توجب صدقه، ويرد ما خالف هواه بلا ~~حجة توجب رده. # وليس في الطوائف أكثر تكذيبا بالصدق وتصديقا بالكذب من الرافضة، فإن رؤوس ~~PageV01P315 # مذهبهم وأئمته الذين ابتدعوه وأسسوه كانوا منافقين زنادقة، كما ذكر ذلك ~~عن غير واحد من أهل العلم. وهذا ظاهر لمن تأمله. # وإذا كان كذلك فنقول: ما علم بالكتاب والسنة والنقل المتواتر، من محاسن ~~الصحابة وفضائلهم، لا يجوز أن يدفع بنقول بعضها منقطع، وبعضها محرف، وبعضها ~~لا يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن قد تيقنا ما دل عليه ~~الكتاب والسنة وإجماع السلف قبلنا، وما يصدق ذلك من المنقولات المتواترة من ~~أدلة العقل، من أن الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، فلا ~~يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها؟! # وأما قوله: ((إن الشهرستاني من أشد المتعصبين على الإمامية)) . # فليس كذلك، بل يميل كثيرا إلى أشياء من أمورهم، بل يذكر أحيانا أشياء من ~~كلام الإسماعيلية الباطنية منهم ويوجهه. ولهذا اتهمه بعض الناس بأنه من ~~الإسماعيلية، وإن لم يكن الأمر كذلك. وقد ذكر من اتهمه شواهد من كلامه ~~وسيرته. وقد يقال: هو مع الشيعة بوجه، ومع أصحاب الأشعري بوجه. # وأما قول ms307 القائل: ((إن مثار الفساد بعد شبهة إبليس الاختلاف الواقع في ~~مرض النبي - صلى الله عليه وسلم -)) . # فهذا من أظهر الكذب الباطل، فإنه إن كان قصده أن هذا أول ذنب أذنب، فهذا ~~باطل ظاهر البطلان. # وإن كان قصده أن هذا أول اختلاف وقع بعد تلك الشبهة، فهو باطل من وجوه: # أحدها: أن شبهة إبليس لم توقع خلافا بين الملائكة، ولا سمعها الآدميون ~~منه حتى يوقع بينهم خلافا. # والثاني: أن الخلاف ما زال بين بني آدم من زمن نوح، واختلاف الناس قبل ~~المسلمين أعظم بكثير من اختلاف المسلمين. # الوجه الثالث: أن الذي وقع في مرضه كان أهون الأشياء وأبينها. وقد ثبت في ~~الصحيح أنه قال لعائشة في مرضه: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر ~~كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي)) ثم قال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا ~~أبا بكر)) فلما كان يوم # PageV01P316 # الخميس هم أن يكتب كتابا، فقال عمر: ((ماله أهجر؟)) (1) فشك عمر هل هذا ~~القول من هجر الحمى، أو هو مما يقول على عادته. فخاف عمر أن يكون من هجر ~~الحمى، فكان هذا مما خفي على عمر، كما خفي عليه موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، بل أنكره. ثم قال بعضهم: هاتوا كتابا. وقال بعضهم: لا تأتوا بكتاب. ~~فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه ~~فائدة، لأنهم يشكون: هل أملاه مع تغيره بالمرض؟ أم مع سلامته من ذلك؟ فلا ~~يرفع النزاع. فتركه. # ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك ~~الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك - صلى الله عليه وسلم - ما أمره الله به، ~~لكن ذلك مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر. # ومن جهل الرافضة أنهم يزعمون أن ذلك الكتاب كان كتابه بخلافة علي، وهذا ~~ليس في القصة ما يدل عليه بوجه من الوجوه. ولا في شيء من الحديث المعروف ~~عند أهل النقل أنه جعل عليا خليفة. كما في الأحاديث الصحيحة ما ms308 يدل على ~~خلافة أبي بكر. ثم يدعون مع هذا أنه كان قد نص على خلافة علي نصا جليا ~~قاطعا للعذر، فإن كان قد فعل ذلك فقد أغنى عن الكتاب، وإن كان الذين سمعوا ~~ذلك لا يطيعونه فهم أيضا لا يطيعون الكتاب. فأي فائدة لهم في الكتاب لو كان ~~كما زعموا؟ # وأما قوله: ((الخلاف الثاني: الواقع في مرضه: أنه قال: جهزوا جيش أسامة، ~~لعن الله من تخلف عنه. فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز، ~~وقال قوم: قد اشتد مرضه، ولا يسع قلوبنا المفارقة)) . # فالجواب: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالنقل، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يقل: ((لعن الله من تخلف عنه)) ولا نقل هذا بإسناد ~~ثبت، بل ليس له إسناد في كتب أهل الحديث أصلا، ولا امتنع أحد من أصحاب ~~أسامة من # الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج، لما خاف أن ~~يموت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك ~~الركبان؟ فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - في المقام. ولو عزم على ~~أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلف عنه أحد ممن كان معه، وقد ~~ذهبوا جميعهم معه بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتخلف عنه أحد ~~بغير إذنه. PageV01P317 # وأبو بكر رضي الله عنه لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روي أن ~~عمر كان فيهم، وكان عمر خارجا مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في ~~المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~مات كان أحرص الناس على تجهيز أسامة هوأبو بكر. وجمهور الصحابة أشاروا عليه ~~بأن لا يجهزه خوفا عليهم من العدو، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لا ~~أحل راية عقدها النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولكن أهل الفرية يزعمون أن الجيش كان فيه أبو بكر وعمر، وأن مقصود الرسول ~~كان إخراجهما لئلا ms309 ينازعا عليا. وهذا إنما يكذبه ويفتريه من هو من أجهل ~~الناس بأحوال الرسول والصحابة، وأعظم الناس تعمدا للكذب، وإلا فالرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - طول مرضه يأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، والناس كلهم ~~حاضرون، ولو ولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس من ولاه ~~لأطاعوه، وكان المهاجرون والأنصار يحاربون من نازع أمر الله ورسوله، وهم ~~الذين نصروا دينه أولا وآخرا. # ولو أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستخلف عليا في الصلاة: هل كان ~~... يمكن أحدا أن يرده؟ ولو أراد تأميره على الحج على أبي بكر ومن معه هل ~~كان ينازعه أحد؟ ولو قال لأصحابه: هذا هو الأمير عليكم والإمام بعدي، هل ~~كان يقدر أحد أن يمنعه ذلك؟ # ومعه جماهير المسلمين من المهاجرين والأنصار كلهم مطيعون لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ليس فيهم من يبغض عليا، ولا من قتل علي أحدا من ~~أقاربه. # ولو أراد إخراجهما في جيش أسامة خوفا منهما، لقال للناس: لا تبايعوهما؟ ~~فيا ليت شعري ممن كان يخاف الرسول؟ فقد نصره الله وأعزه، وحوله المهاجرون ~~والأنصار الذين لو أمرهم بقتل آبائهم وأبنائهم لفعلوا. # وقد أنزل الله سورة براءة، وكشف فيها حال المنافقين، وعرفهم المسلمين، ~~وكانوا مدحوضين مذمومين عند الرسول وأمته. # وأبو بكر وعمر كانا أقرب الناس عنده، وأكرم الناس عليه، وأحبهم إليه، ~~وأخصهم به، وأكثر الناس له صحبة ليلا ونهارا، وأعظمهم موافقة له ومحبة له، ~~وأحرص الناس على امتثال أمره وإعلاء دينه. فكيف يجوز عاقل أن يكون هؤلاء ~~عند الرسول من جنس # PageV01P318 # المنافقين، الذين كان أصحابه قد عرفوا إعراضه عنهم، وإهانته لهم، ولم يكن ~~يقرب أحدا منهم بعد سورة براءة. # هذا وأبو بكر عنده أعز الناس وأكرمهم وأحبهم إليه. # وأما قوله: ((الخلاف الثالث في موته)) . # فالجواب: لا ريب أن عمر خفي عليه موته أولا، ثم أقر به من الغد، واعترف ~~بأنه كان مخطئا في إنكار موته، فارتفع الخلاف. وليس لفظ الحديث كما ذكره ~~الشهرستاني. ولكن في الصحيحين عن ابن عباس أن أبا بكر ms310 خرج وعمر يكلم الناس، ~~فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو ~~بكر: ((أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد ~~الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه} (1) ~~. قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها ~~أبو بكر، فتلقاها الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. # فأخبرني ابن المسيب أن عمر قال: ((والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها ~~فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات)) (2) . # وأما قوله: ((الخلاف الرابع: في الإمامة. وأعظم خلاف بين الأمة خلاف ~~الإمامة إذا ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة ~~في كل زمان)) . # فالجواب: أن هذا من أعظم الغلط، فإنه - ولله الحمد - لم يسل سيف على ~~خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في ~~الإمامة، فضلا عن السيف، ولا كان بينهم سيف مسلول على شيء من الدين. ~~والأنصار تكلم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأسيد بن حضير وعباد بن ~~بشر وغيرهما ممن هو أفضل من سعد بن عبادة نفسا وبيتا. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه ~~قال: ((خير دور الأنصار دار PageV01P319 # بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث بن الخزرج، ثم دار ~~بني ساعدة. وفي كل دور الأنصار خير)) (1) . # فأهل الدور الثلاثة المفضلة: دار بني النجار، وبني عبد الأشهل، وبني ~~الحارث بن الخزرج لم يعرف منهم من نازع في الإمامة، بل رجال بني النجار، ~~كأبي أيوب الأنصاري وأبي طلحة وأبي بن كعب وغيرهم، كلهم لم يختاروا إلا أبا ~~بكر. ms311 # وأسيد بن حضير هو الذي كان مقدم الأنصار يوم فتح مكة، عن يسار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر عن يمينه، وهو كان من بني عبد الأشهل، وهو ~~كان يأمر ببيعة أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك غيره من رجال الأنصار. # وإنما نازع سعد بن عبادة والحباب بن المنذر وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء ~~وبايعوا الصديق، ولم يعرف أنه تخلف منهم إلا سعد بن عبادة. # وسعد، وإن كان رجلا صالحا، فليس هو معصوما، بل له ذنوب يغفرها الله، وقد ~~عرف المسلمون بعضها، وهو من أهل الجنة السابقين الأولين من الأنصار، رضي ~~الله عنهم وأرضاهم. # فما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديمهم سعد بن عبادة هو ~~باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك. وهو ~~وأمثاله، وإن لم يتعمدوا الكذب، لكن ينقلون من كتب من ينقل عمن يتعمد ~~الكذب. # وكذلك قول القائل: إن عليا كان مشغولا بما أمره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من دفنه وتجهيزه وملازمة قبره، فكذب ظاهر، وهو مناقض لما يدعونه، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدفن إلا بالليل، لم يدفن بالنهار. ~~وقيل: إنه إنما دفن من الليلة المقبلة، ولم يأمر أحدا بملازمة قبره، ولا ~~لازم علي قبره، بل قبر في بيت عائشة، وعلي أجنبي منها. # ثم كيف يأمر بملازمة قبره، وقد أمر- بزعمهم - أن يكون إماما بعده؟ # ولم يشتغل بتجهيزه علي وحده، بل علي، والعباس، وبنو العباس، ومولاه ~~شقران، وبعض الأنصار، وأبو بكر وعمر، وغيرهما على باب البيت، حاضرين غسله ~~وتجهيزه، لم PageV01P320 # يكونوا حينئذ في بني ساعدة. # لكن السنة أن يتولى الميت أهله، فتولى أهله غسله، وأخروا دفنه ليصلي ~~المسلمون عليه، فإنه صلوا عليه أفرادا، واحد بعد واحد، رجالهم ونساؤهم: خلق ~~كثير، فلم يتسع يوم الاثنين لذلك مع تغسيله وتكفينه، بل صلوا عليه يوم ~~الثلاثاء، ودفن يوم الأربعاء. # وأيضا فالقتال الذي كان في زمن علي لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل ~~وصفين والنهروان لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي، ولا ms312 كان معاوية يقول: ~~أنا الإمام دون علي، ولا قال ذلك طلحة والزبير. # فلم يكن أحد ممن قاتل عليا قبل الحكمين نصب إماما يقاتل على طاعته، فلم ~~يكن شيء من هذا القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن ~~أحد من المقاتلين يقاتل طعنا في خلافة الثلاثة، ولا ادعاء للنص على غيرهم، ~~ولا طعنا في جواز خلافة علي. # فالأمر الذي تنازع فيه الناس من أمر الإمامة، كنزاع الرافضة والخوارج ~~المعتزلة وغيرهم، ولم يقاتل عليه أحد من الصحابة أصلا، ولا قال أحد منهم: ~~إن الإمام المنصوص عليه هو علي، ولا قال: إن الثلاثة كانت إمامتهم باطلة، ~~ولا قال أحد منهم: إن عثمان وعليا وكل من والاهما كافر. # فدعوى المدعي أن أول سيف سل بين أهل القبلة كان مسلولا على قواعد الإمامة ~~التي تنازع فيها الناس، دعوى كاذبة ظاهرة الكذب، يعرف كذبها بأدنى تأمل، مع ~~العلم بما وقع. # وإنما كان القتال قتال فتنة عند كثير من العلماء، وعند كثير منهم هو من ~~باب قتال أهل العدل والبغي، وهو القتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا ~~على قاعدة دينية. # ولو أن عثمان نازعه منازعون في الإمامة وقاتلهم، لكان قتالهم من جنس قتال ~~علي، وإن كان ليس بينه وبين أولئك نزاع في القواعد الدينية. # ولكن أول سيف سل على الخلاف في القواعد الدينية سيف الخوارج، وقتالهم من ~~أعظم القتال، وهم الذين ابتدعوا أقوالا خالفوا فيها الصحابة وقاتلوا عليها، ~~وهم الذين تواترت النصوص بذكرهم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((تمرق ~~مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم # PageV01P321 # أولى الطائفتين بالحق)) (1) . # وعلي رضي الله عنه لم يقاتل أحدا على إمامة من قاتله، ولا قاتله أحد على ~~إمامته نفسه، ولا ادعى أحد قط في زمن خلافته أنه أحق بالإمامة منه: لا ~~عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كل ~~الأمة كانوا معترفين بفضل علي وسابقته بعد قتل عثمان، وأنه لم يبق في ~~الصحابة من يماثله في زمن خلافته، كما كان عثمان كذلك: ms313 لم ينازع قط أحد من ~~المسلمين في إمامته وخلافته، ولا تخاصم اثنان في أن غيره أحق بالإمامة منه، ~~فضلا عن القتال على ذلك. وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. # وبالجملة فكل من له خبرة بأحوال القوم يعلم علما ضروريا أنه لم يكن بين ~~المسلمين مخاصمة بين طائفتين في إمامة الثلاثة، فضلا عن قتال. # وكذلك علي: لم يتخاصم طائفتان في أن غيره أحق بالإمامة منه. وإن كان بعض ~~الناس كارها لولاية أحد من الأربعة، فهذا لا بد منه. فإن من الناس من كان ~~كارها لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فكيف من لا يكون فيهم من يكره ~~إمامة بعض الخلفاء؟ # ثم قد تبين أن الصحابة لم يقتتلوا على خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والنزاع ~~بينهم. فتبين أن خلافتهم كانت بلا سيف مسلول أصلا، وإنما كان السيف مسلولا ~~في خلافة علي. فإن كان هذا قدحا، فالقدح يختص بمن كان السيف في زمانه بين ~~الأمة. # وهذه حجة للخوارج. وحجتهم أقوى من حجة الشيعة، كما أن سيوفهم أقوى من ~~سيوف الشيعة، ودينهم أصح، وهم صادقون لا يكذبون. ومع هذا فقد ثبت بالسنة ~~المستفيضة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واتفاق أصحابه أنهم مبتدعون ~~مخطئون ضلال، فكيف بالرافضة، الذين هم أبعد منهم عن العقل والعلم والدين ~~والصدق والشجاعة والورع وعامة خصال الخير؟! # ولم يعرف في الطوائف أعظم من سيف الخوارج، ومع هذا فلم يقاتل القوم على ~~خلافة أبي بكر وعمر، بل هم متفقون على إمامتهما وموالاتهما. # وقوله: ((الخلاف الخامس: في فدك والتوارث. رووا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: ((نحن معاشر PageV01P322 # الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)) . # فيقال: هذا أيضا اختلاف في مسألة شرعية، وقد زال الخلاف فيها والخلاف في ~~هذه دون الخلاف في ميراث الإخوة مع الجد، وميراث الجدة مع ابنها، وحجب الأم ~~بالأخوين، وجعل الجد مع الأم كالأب، وأمثال ذلك من مسائل الفرائض التي ~~تنازعوا فيها. # وقد تولى علي بعد ذلك، وصار فدك وغيرها تحت حكمه، ولم يعطها لأولاد ~~فاطمة، ولا أخذ ms314 من زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ولد العباس ~~شيئا من ميراثه. # فلو كان ذلك ظلما وقدر على إزالته، لكان هذا أهون عليه من قتال معاوية ~~وجيوشه. أفتراه يقاتل معاوية، مع ما جرى في ذلك من الشر العظيم، ولا يعطي ~~هؤلاء قليلا من المال، وأمره أهون بكثير؟ # وأما قوله: ((الخلاف السادس: في قتال مانعي الزكاة، قاتلهم أبو بكر، ~~واجتهد عمر في أيام خلافته، فرد السبايا والأموال إليهم، وأطلق المحبوسين)) ~~. # فهذا من الكذب الذي لا يخفى على من عرف أحوال المسلمين؛ فإن مانعي الزكاة ~~اتفق أبو بكر وعمر على قتالهم، بعد أن راجعه عمر في ذلك. # كما في الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، ~~كيف تقاتل الناس، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)) ؟ # فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها وحسابهم على الله؟ فإن الزكاة من حقها. ~~والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر ~~أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (1) . # فعمر وافق أبا بكر على قتال أهل الردة مانعي الزكاة، وكذلك سائر الصحابة. ~~وأقر أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها، ولم تسب لهم ذرية، ولا حبس منهم ~~أحد، ولا كان بالمدينة حبس لا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولا على عهد أبي بكر. فكيف يموت وهم في حبسه؟. PageV01P323 # وقوله: ((الخلاف السابع: في تنصيص أبي بكر على عمر في الخلافة. فمن الناس ~~من قال: وليت علينا فظا غليظا)) . # والجواب: أن يقال: من جعل مثل هذا خلافا؟ فقد كان مثل هذا على عهد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: قد طعن بعض الصحابة في إمارة زيد بن حارثة، وبعضهم ~~في إمارة أسامة ابنه. وقد كان غير ms315 واحد يطعن فيمن يوليه أبو بكر وعمر. ثم ~~إن القائل لها: كان طلحة، وقد رجع عن ذلك، وهو من أشد الناس تعظيما لعمر، ~~كما أن الذين طعنوا في إمارة زيد وأسامة رجعوا عن طعنهم طاعة لله ورسوله. # وقوله: ((الخلاف الثامن: في إمرة الشورى، واتفقوا بعد الاختلاف على إمامة ~~عثمان)) . # والجواب: أن هذا من الكذب الذي اتفق أهل النقل على أنه كذب؛ فإنه لم ~~يختلف أحد في خلافة عثمان، ولكن بقي عبد الرحمن يشاور الناس ثلاثة أيام، ~~وأخبر أن الناس لا يعدلون بعثمان، وأنه شاور حتى العذارى في # خدورهن. وإن كان في نفس أحد كراهة، لم ينقل - أو قال - أحد شيئا ولم ينقل ~~إلينا. # فمثل هذا قد يجري في مثل هذه الأمور. والأمر الذي يتشاور فيه الناس لا بد ~~فيه من كلام، لكن لا يمكن الجزم بذلك بمجرد الحزر. # وأما قوله: ووقعت اختلافات كثيرة منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة ~~بعد أن طرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يسمى طريد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، بعد أن كان يشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما، ~~فما أجاباه إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا)) . # فيقال: مثل هذا إن جعله اختلافا جعل كلما حكم خليفة بحكم ونازعه فيه قوم ~~اختلافا. وقد كان ذكرك لما اختلفوا فيه من المواريث والطلاق وغير ذلك أصح ~~وأنفع، فإن الخلاف في ذلك ثابت منقول عند أهل العلم، ينتفع الناس بذكره ~~والمناظرة فيه. وهو خلاف في أمر كلي يصلح أن تقع فيه المناظرة. # وأما هذه الأمور فغايتها جزئية، ولا تجعل مسائل خلاف يتناظر فيها الناس. # هذا مع أن فيما ذكره كذبا كثيرا، منه ما ذكره من أمر الحكم، وأنه طرده ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يسمى طريد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأنه استشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجاباه # PageV01P324 # إلى ذلك، وأن عمر نفاه من مقامه باليمن أربعين فرسخا. فمن الذي نقل ذلك؟ ~~وأين إسناده؟ ومتى ms316 ذهب هذا إلى اليمن؟ وما الموجب لنفيه إلى اليمن وقد أقره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يدعونه بالطائف، وهي أقرب إلى مكة ~~والمدينة من اليمن؟ فإذا كان رسول الله أقره قريبا منه، فما الموجب لنفيه ~~بعد ثبوته إلى اليمن؟ # وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن نفي الحكم باطل، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم ينفه إلى الطائف، بل هو ذهب بنفسه. وذكر بعض الناس أنه ~~نفاه، ولم يذكروا إسنادا صحيحا بكيفية القصة وسببها. # وقوله: ((ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة، وتزويجه ابنته مروان بن الحكم، ~~وتسليمه خمس غنائم إفريقية، وقد بلغت مائتي ألف دينار)) . # فيقال: أما قصة أبي ذر فقد تقدم ذكرها، وأما تزويجه مروان ابنته فأي شيء ~~في هذا مما يجعل اختلافا؟ وأما إعطاؤه خمس غنائم أفريقية. فمن الذي نقل ~~هذا، وتقدم قوله: أعطاه ألف ألف دينار والمعروف أن خمس أفريقية لم يبلغ ~~ذلك. # وقوله: ومنها إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أهدر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - دمه، وتوليته مصر. # فالجواب: إن كان المراد أنه لم يزل مهدر الدم حتى ولاه عثمان، كما يفهم ~~من الكلام. فهذا لا يقوله إلا مفرط في الجهل بأحوال الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وسيرته؛ فإن الناس كلهم متفقون على أنه في عام فتح مكة، بعد إن كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدر دم جماعة منهم عبد الله بن سعد، أتى ~~عثمان به النبي - صلى الله عليه وسلم - وبايعه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعد مراجعة عثمان له في ذلك، وحقن دمه، وصار من المسلمين المعصومين، له ~~ما لهم، وعليه ما عليهم. # وأما قوله: ((كان عامل جنوده معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وعامل ~~الكوفة سعيد بن العاص، وبعده عبد الله بن عامر، والوليد بن عقبة عامل ~~البصرة)) . # فيقال: أما معاوية فولاه عمر بن الخطاب لما مات أخوه يزيد بن أبي سفيان ~~مكانه، ثم ولاه عثمان رضي الله عنه الشام كله، وكانت سيرته ms317 في أهل الشام من ~~أحسن السير، وكانت رعيته من أعظم الناس محبة له. # PageV01P325 # وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((خيار أئمتكم ~~الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم)) (1) . # وكان معاوية تحبه رعيته وتدعو له، وهو يحبها ويدعو لها. # وأما توليته لسعيد بن العاص فأهل الكوفة كانوا دائما يشكون من ولاتهم. ~~ولي عليهم سعد بن أبي وقاص، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر والمغيرة بن ~~شعبة، وهم يشكون منهم، وسيرتهم في هذا مشهورة. ولا شك أنهم كانوا يشكون في ~~زمن عثمان أكثر. وقد علم أن عثمان وعليا رضي # الله عنهما كل منهما ولى أقاربه، وحصل له بسبب ذلك من كلام الناس وغير ~~ذلك ما حصل. # وأما قوله: ((الخلاف التاسع: في زمن أمير المؤمنين عليه السلام بعد ~~الاتفاق عليه وعقد البيعة له، فأولا خروج طلحة والزبير إلى مكة، ثم حمل ~~عائشة إلى البصرة، ثم نصب القتال معه، ويعرف ذلك بحرب الجمل، والخلاف بينه ~~وبين معاوية وحرب صفين، ومغادرة عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، وكذا ~~الخلاف بينه وبين الشرارة المارقين بالنهروان. وبالجملة كان علي مع الحق ~~والحق معه، وظهر في زمانه الخوارج عليه، مثل الأشعث بن قيس، ومسعر بن فدكى ~~التميمي، وزيد بن حصين الطائي وغيرهم، وظهر في زمنه الغلاة كعبد الله بن ~~سبأ. ومن الفرقتين ابتدأت الضلالة والبدع، وصدق فيه قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: يهلك فيك اثنان: محب غال، ومبغض قال. # فانظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل، هل خرج موجب الفتنة عن المشايخ ~~أو تعداهم؟)) . # والجواب: أن يقال هذا الكلام مما يبين تحامل الشهرستاني في هذا الكتاب مع ~~الشيعة كما تقدم، وإلا فقد ذكر أبا بكر وعثمان، ولم يذكر من أحوالهم أن ~~الحق معهم دون من خالفهم، ولما ذكر عليا قال: ((وبالجملة كان الحق مع علي ~~وعلي مع الحق)) والناقل الذي لا غرض له: إما أن يحكي الأمور بالأمانة، وإما ~~أن يعطي كل ذي حق حقه. فأما دعوى PageV01P326 # المدعي أن الحق كان مع علي ms318 وعلي مع الحق، وتخصيصه بهذا دون أبي بكر وعمر ~~وعثمان، فهذا لا يقوله أحد من المسلمين غير الشيعة. # ومما يبين فساد هذا الكلام قوله: ((إن الاختلاف وقع في زمن علي بعد ~~الاتفاق عليه وعقد البيعة له)) . ومن المعلوم أن كثيرا من المسلمين لم ~~يكونوا بايعوه، حتى كثير من أهل المدينة ومكة الذين رأوه لم يكونوا بايعوه، ~~دع الذين كانوا بعيدين، كأهل الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان. # وكيف يقال مثل هذا في بيعة علي، ولا يقال في بيعة عثمان التي اجتمع عليها ~~المسلمون كلهم ولم يتنازع فيها اثنان؟ # وكذلك ما ذكره من التعريض بالطعن على طلحة والزبير وعائشة من غير أن يذكر ~~لهم عذرا ولا رجوعا. وأهل العلم يعلمون أن طلحة والزبير لم يكونا قاصدين ~~قتال علي ابتداء. وكذلك أهل الشام لم يكن قصدهم قتاله، وكذلك علي لم يكن ~~قصده قتال هؤلاء ولا هؤلاء. # ولكن حرب الجمل جرى بغير اختياره ولا اختيرهم فإنهم كانوا قد اتفقوا على ~~المصالحة وإقامة الحدود على قتلة عثمان، فتواطأت القتلة على إقامة الفتنة ~~آخرا كما أقاموها أولا، فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما، فحملوا دفعا ~~عنهم، وأشعروا عليا أنهما حملا عليه، فحمل علي دفعا عن نفسه، وكان كل منهما ~~قصده دفع الصيال لا ابتداء القتال. هكذا ذكر غير واحد من أهل العلم بالسير. # فإن كان الأمر قد جرى على وجه لا ملام فيه فلا كلام، وإن كان قد وقع خطأ ~~أو ذنب من أحدهما أو كليهما فقد عرف أن هذا لا يمنع ما دل عليه الكتاب ~~والسنة من أنهم من خيار أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده ~~الصالحين، وأنهم من أهل الجنة. # وقول هذا الرافضي: ((انظر بعين الإنصاف إلى كلام هذا الرجل هل خرج موجب ~~الفتنة عن المشايخ أو تعداهم؟)) . # PageV01P327 # فالجواب: أن يقال: أما الفتنة فإنما ظهرت في الإسلام من الشيعة، فإنهم ~~أساس كل فتنة وشر، وهم قطب رحى الفتن، فإن أول فتنة كانت في الإسلام قتل ~~عثمان. # وقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن النبي - صلى ms319 الله عليه وسلم - أنه قال: ~~((ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي، وقتل خليفة مضطهد بغير حق، والدجال)) . ~~(1) # ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قط طائفة أعظم ~~اتفاقا على الهدى والرشد، وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك، إذ ~~يقول: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله} (2) . # وأبعد الناس عن الطائفة المهدية المنصورة هم الرافضة، لأنهم أجهل وأظلم ~~طوائف أهل الأهواء المنتسبين إلى القبلة، وخيار هذه الأمة هم الصحابة، فلم ~~يكن في الأمة أعظم اجتماعا على الهدى ودين الحق ولا أبعد عن التفرق ~~والاختلاف منهم، وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في ~~غيرهم من الأمة كان قليلا من كثير. # وأما ما يقترحه كل أحد في نفسه مما لم يخلق، فهذا لا اعتبار به. فهذا ~~يقترح معصوما من الأئمة، وهذا يقترح ما هو كالمعصوم وإن لم يسمه معصوما، ~~فيقترح في العالم والشيخ والأمير والملك ونحو ذلك، مع كثرة علمه ودينه ~~ومحاسنه، وكثرة ما فعل الله على يديه من الخير، يقترح مع ذلك أن لا يكون قد ~~خفي عليه شيء ولا يخطئ في مسألة، وأن يخرج عن حد البشرية فلا يغضب، بل كثير ~~من هؤلاء فيهم مالا يقترح في الأنبياء. # وقد أمر الله تعالى نوحا ومحمدا أن يقولا: {لا أقول لكم عندي خزائن الله ~~ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} (3) فيريد الجهال من المتبوع أن يكون ~~عالما بكل ما يسأل عنه، قادرا على كل ما يطلب منه، غنيا عن الحاجات البشرية ~~كالملائكة. وهذا الاقتراح من ولاة الأمر كاقتراح الخوارج في عموم الأمة، أن ~~لا يكون لأحدهم ذنب، ومن كان له ذنب كان عندهم كافرا مخلدا في النار. # وكل هذا باطل خلاف ما خلقه الله، وخلاف ما شرعه الله. PageV01P328 # فليس الضلال والغي في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في ms320 الرافضة، كما أن ~~الهدى والرشاد والرحمة ليس في طائفة من طوائف الأمة أكثر منه في أهل الحديث ~~والسنة المحضة، الذين لا ينتصرون إلا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فإنهم خاصته، وهو إمامهم المطلق الذي لا يتبعون قول غيره إلا إذا اتبع ~~قوله، ومقصودهم نصر الله ورسوله. # وقد تبين أن هذا الكلام الذي ذكره هذا الرجل فيه من الباطل ما لا يخفى ~~على عاقل، ولا يحتج به إلا من هو جاهل، وأن هذا الرجل كان له بالشيعة إلمام ~~واتصال، وأنه دخل في هواهم بما ذكره في هذا الكتاب، مع أنه ليس من # علماء النقل والآثار، وإنما هو من جنس نقلة التواريخ التي لا يعتمد عليها ~~أولو الأبصار. # ومن نظر في كتب الحديث والتفسير والفقه والسير علم أن الصحابة رضي الله ~~عنهم كانوا أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وأن أصل كل فتنة وبلية هم الشيعة ~~ومن انضو إليهم، وكثير من السيوف التي سلت في الإسلام إنما كانت من جهتهم، ~~وعلم أن أصلهم ومادتهم منافقون، اختلقوا أكاذيب، وابتدعوا آراء فاسدة، ~~ليفسدوا بها دين الإسلام، ويستزلوا بها من ليس من أولى الأحلام، فسعوا في ~~قتل عثمان، وهو أول الفتن، ثم انزووا إلى علي، لا حبا فيه ولا في أهل ~~البيت، لكن ليقيموا سوق الفتنة بين المسلمين. # ولهذا تجد الشيعة ينتصرون لأعداء الإسلام المرتدين، كبني حنيفة أتباع ~~مسيلمة الكذاب، ويقولون: إنهم كانوا مظلومين، كما ذكر صاحب هذا الكتاب، ~~وينتصرون لأبي لؤلؤة الكافر المجوسي. # وقد روي أنه طلب من عمر أن يكلم مولاه في خراجه، فتوقف عمر، وكان من نيته ~~أن يكلمه، فقتل عمر بغضا في الإسلام وأهله، وحبا للمجوس، وانتقاما للكفار، ~~لما فعل بهم عمر حين فتح بلادهم، وقتل رؤساءهم، وقسم أموالهم. # فهل ينتصر لأبي لؤلؤة مع هذا إلا من هو أعظم الناس كفرا بالله ورسوله، ~~وبغضا في الإسلام، أومفرط في الجهل لا يعرف حال أبي لؤلؤة؟ # PageV01P329 # ودع ما يسمع وينقل عمن خلا، فلينظر كل عاقل فيما يحدث في زمانه، وما يقرب ~~من زمانه من ms321 الفتن والشرور والفساد في الإسلام، فإنه يجد معظم ذلك من قبل ~~الرافضة، وتجدهم أعظم الناس فتنا وشرا، وأنهم لا يقعدون عما يمكنهم من ~~الفتن والشر وإيقاع الفساد بين الأمة. # ونحن نعرف بالعيان والتواتر العام وما كان في زماننا، من حين خرج جنكزخان ~~ملك الترك الكفار، وما جرى في الإسلام من الشر. فلا يشك عاقل أن استيلاء ~~الكفار المشركين، على بلاد الإسلام، وعلى أقارب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من بني هاشم، كذرية العباس وغيرهم، بالقتل وسفك الدماء، وسبي النساء ~~واستحلال فروجهن، وسبي الصبيان واستعبادهم وإخراجهم عن دين الله إلى # الكفر، وقتل أهل العلم والدين من أهل القرآن والصلاة، وتعظيم بيوت ~~الأصنام - التي يسمونها البذخانات والبيع والكنائس - على المساجد، ورفع ~~المشركين وأهل الكتاب من النصارى وغيرهم على المسلمين، بحيث يكون المشركون ~~وأهل الكتاب أعظم عزا، وأنفذ كلمة، وأكثر حرمة من المسلمين، إلى أمثال ذلك ~~مما لا يشك عاقل أن هذا أضر على المسلمين من قتال بعضهم بعضا، وأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى ما جرى على أمته من هذا، كان كراهته ~~له، وغضبه منه، أعظم من كراهته لاثنين مسلمين تقاتلا على الملك، ولم يسب ~~أحدهما حريم الآخر، ولا نفع كافرا، ولا أبطل شيئا من شرائع الإسلام ~~المواترة، وشعائره الظاهرة. # ثم مع هذا الرافضة يعاونون أولئك الكفار، وينصرونهم على المسلمين، كما قد ~~شاهده الناس، لما دخل هولاكو ملك الكفار الترك الشام سنة ثمان وخمسين ~~وستمائة، فإن الرافضة الذين كانوا بالشام، بالمدائن والعواصم، من أهل حلب ~~وما حولها، ومن أهل دمشق وما حولها، وغيرهم، كانوا من أعظم الناس أنصارا ~~وأعوانا على إقامة ملكه، وتنفيذ أمره في زوال ملك المسلمين. # وهكذا يعرف الناس - عامة وخاصة - ما كان بالعراق لما قدم هولاكو إلى ~~العراق، وقتل الخليفة، وسفك فيها من الدماء ما لا يحصيه إلا الله، فكان ~~وزير الخليفة ابن العلقمي، والرافضة هم بطانته، الذين أعانوه على ذلك ~~بأنواع كثيرة، باطنة وظاهرة، يطول وصفها. # PageV01P330 # وهكذا ذكر أنهم كانوا مع جنكزخان، وقد رآهم ms322 المسلمون بسواحل الشام ~~وغيرها، إذا اقتتل المسلمون والنصارى هواهم مع النصارى، ينصرونهم بحسب ~~الإمكان، ويكرهون فتح مدائنهم، كما كرهوا فتح عكا وغيرها، ويختارون إدالتهم ~~على المسلمين، حتى أنهم لما انكسر عسكر المسلمين سنة غازان، سنة تسع وتسعين ~~وخمسمائة، وخلت الشام من جيش المسلمين، عاثوا في البلاد، وسعوا في أنواع من ~~الفساد، من القتل وأخذ الأموال، وحمل راية الصليب، وتفضيل النصارى على ~~المسلمين، وحمل السبي والأموال والسلاح من المسلمين إلى النصارى، أهل الحرب ~~بقبرص وغيرها. # فهذا - وأمثاله - قد عاينه الناس، وتواتر عند من لم يعاينه. ولو ذكرت أنا ~~ما سمعته ورأيته من آثار ذلك لطال الكتاب ,وعند غيري من أخبار ذلك وتفاصيله ~~ما لا أعلمه. # فهذا أمر مشهود من معاونتهم للكفار على المسلمين، ومن اختيارهم لظهور ~~الكفر وأهله على الإسلام وأهله. ولو قدر أن المسلمين ظلمة فسقة، ومظهرون ~~لأنواع من البدع التي هي أعظم من سب علي وعثمان، لكان العاقل ينظر في خير ~~الخيرين وشر الشرين. # ألا ترى أن أهل السنة وإن كانوا يقولون في الخوارج والروافض وغيرهما من ~~أهل البدع ما يقولون، لكن لا يعاونون الكفار على دينهم، ولا يختارون ظهور ~~الكفر وأهله على ظهور بدعة دون ذلك؟ # والرافضة إذ تمكنوا لا يتقون. وانظر ما حصل لهم في دولة السلطان خدابندا، ~~الذي صنف له هذا الكتاب، كيف ظهر فيهم من الشر، الذي لو دام وقوي أبطلوا به ~~عامة شرائع الإسلام! لكن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # وأما الخلفاء والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة - من ~~الإيمان والإسلام، والقرآن والعلم، والمعارف والعبادات، ودخول الجنة، ~~والنجاة من النار، وانتصارهم على الكفار، وعلو كلمة الله - فإنما ببركة ما ~~فعله الصحابة، الذين بلغوا الدين، وجاهدوا في سبيل الله. # PageV01P331 # وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة رضي الله عنهم عليه فضل إلى يوم القيامة، ~~وكل خير فيه الشيعة وغيرهم فهو ببركة الصحابة. وخير الصحابة تبع لخير ~~الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدين ms323 والدنيا من سائر ~~الصحابة، فكيف يكون هؤلاء منبع الشر، ويكون أولئك الرافضة منبع الخير؟! # ومعلوم أن الرافضي يوالي أولئك الرافضة ويعادي الصحابة، فهل هذا إلا من ~~شر من أعمى الله بصيرته؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الفصل الثالث: في الأدلة الدالة على إمامة أمير المؤمنين، ~~علي بن أبي طالب بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الأدلة في ذلك ~~كثيرة لا تحصى، لكن نذكر المهم منها، وننظم أربعة مناهج: المنهج الأول: في ~~الأدلة العقلية، وهي خمسة: # الأول: أن الإمام يجب أن يكون معصوما، ومتى كان ذلك كان الإمام هو عليا ~~عليه السلام. # أما المقدمة الأولى: فلأن الإنسان مدني بالطبع، لا يمكن أن يعيش منفردا، ~~لافتقاره في بقائه إلى ما يأكل ويشرب ويلبس ويسكن، ولا يمكن أن يفعلها ~~بنفسه، بل يفتقر إلى مساعدة غيره، بحيث يفزع كل واحد منهم إلى ما يحتاج ~~إليه صاحبه، حتى يتم قيام النوع. ولما كان الاجتماع في مظنة التغالب ~~والتغابن، بأن كل واحد من الأشخاص قد يحتاج إلى ما في يد غيره، فتدعوه قوته ~~الشهوانية إلى أخذه وقهره عليه وظلمه فيه، فيؤدي ذلك إلى وقوع الهرج والمرج ~~وإثارة الفتن، فلا بد من نصب إمام معصوم يصدهم عن الظلم والتعدي، ويمنعهم ~~عن التغالب والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصل الحق إلى مستحقه، لا ~~يجوز عليه الخطأ ولا السهو ولا المعصية، وإلا افتقر إلى إمام آخر، لأن ~~العلة المحوجة إلى نصب الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه ~~لاحتاج إلى إمام آخر، فإن كان معصوما كان هو الإمام، وإلا لزم التسلسل. # أما المقدمة الثانية فظاهرة، لأن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا معصومين ~~اتفاقا، وعلي # PageV01P332 # معصوم، فيكون هو الإمام)) . # والجواب عن ذلك: أن نقول: كلتا المقدمتين باطلة. أما الأولى: فقوله: ~~((ولا بد من نصب إمام معصوم يصدهم عن الظلم والتعدي، ويمنعهم عن التغالب ~~والقهر، وينصف المظلوم من الظالم، ويوصل الحق إلى مستحقه، لا يجوز عليه ~~الخطأ ms324 ولا السهو ولا المعصية)) . # فيقال له: نحن نقول بموجب هذا الدليل إن كان صحيحا، فإن الرسول هو ~~المعصوم وطاعته واجبة في كل زمان على كل أحد. وعلم الأمة بأمره ونهيه أتم ~~من علم آحاد الرعية بأمر الإمام الغالب، كالمنتظر ونحوه، بأمره # ونهيه. فهذا رسول - صلى الله عليه وسلم - إمام معصوم، والأمة تعرف أمره ~~ونهيه، ومعصومهم ينتهي إلى الغائب المنتظر، الذي لو كان معصوما لم يعرف أحد ~~لا أمره ولا نهيه، بل ولا كانت رعية علي تعرف أمره ونهيه، كما تعرف الأمة ~~أمر نبيها ونهيه، بل عند أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من علم أمره ~~ونهيه ما أغناهم عن كل إمام سواه، بحيث أنهم لا يحتاجون قط إلى المتولي ~~عليهم في شيء من معرفة دينهم، ولا يحتاجون في العمل إلى ما يحتاجون فيه إلى ~~التعاون. وهم يعلمون أمره ونهيه أعظم من معرفة آحاد رعية المعصوم، ولو قدر ~~وجوده بأمره. فإنه لم يتول على الناس ظاهرا من ادعيت له العصمة إلا علي. # ونحن نعلم قطعا أنه كان في رعيته باليمن وخراسان وغيرهما من لا يدري ~~بماذا أمر ولا عماذا نهى، بل نوابه كانوا يتصرفون بما لا يعرفه هو. # وأما الورثة الذين ورثوا علم محمد - صلى الله عليه وسلم - فهم يعرفون ~~أمره ونهيه، ويصدقون في الإخبار عنه، أعظم من علم نواب علي بأمره ونهيه، ~~ومن صدقهم في الإخبار عنه. وهم إنما يريدون أنه لا بد من إمام معصوم حي. # فنقول: هذا الكلام باطل من وجوه: # أحدها: أن هذا الإمام الموصوف لم يوجد بهذه الصفة. أما في زماننا فلا ~~يعرف إمام معروف يدعى فيه هذا، ولا يدعي لنفسه، بل مفقود غائب عند متبعيه، ~~ومعدوم لا حقيقة له عند العقلاء. ومثل هذا لا يحصل به شيء من مقاصد الإمامة ~~أصلا، بل من ولي على الناس، ولو كان فيه بعض الجهل وبعض الظلم، كان أنفع ~~لهم ممن لا ينفعهم بوجه من الوجوه. # PageV01P333 # وهؤلاء المنتسبون إلى الإمام المعصوم لا يوجدون مستعينين في أمورهم إلا ~~بغيره، بل ms325 هم ينتسبون إلى المعصوم، وإنما يستعينون بكفور أو ظلوم. فإذا كان ~~المصدقون لهذا المعصوم المنتظر لم ينتفع به أحد منهم لا في دينه ولا في ~~دنياه، لم يحصل لأحد به شيء من مقاصد الإمامة. # وإذا كان المقصود لا يحصل منه شيء، لم يكن بنا حاجة إلى إثبات الوسيلة ~~لأن الوسائل لا تراد إلا لمقاصدها. فإذا جزمنا بانتفاء المقاصد كان الكلام ~~في الوسيلة من السعي الفاسد، وكان هذا بمنزلة من يقول: الناس يحتاجون إلى ~~من يطعمهم ويسقيهم، وينبغي أن يكون الطعام صفته كذا، # والشراب صفته كذا، وهذا عند الطائفة الفلانية، وتلك الطائفة قد علم أنها ~~من أفقر الناس، وأنهم معروفون بالإفلاس. # وأي فائدة في طلب ما يعلم عدمه، واتباع ما لا ينتفع به أصلا؟ والإمام ~~يحتاج إليه في شيئين. إما في العلم لتبليغه وتعليمه، وإما في العمل به ~~ليعين الناس عل ذلك بقوته وسلطانه. # وهذا المنتظر لا ينتفع لا بهذا ولا بهذا. بل ما عندهم من العلم فهو من ~~كلام من قبله، ومن العمل، إن كان مما يوافقهم عليه المسلمون استعانوا بهم، ~~وإلا استعانوا بالكفار والملاحدة ونحوهم، فهم أعجز الناس في العمل، وأجهل ~~الناس في العلم، مع دعوهم ائتمامهم بالمعصوم، الذي مقصوده العلم والقدرة، ~~ولم يحصل لهم لا علم ولا قدرة، فعلم انتفاء هذا مما يدعونه. # وأيضا فالأئمة الاثنا عشر لم يحصل لأحد من الأمة بأحد منهم جميع مقاصد ~~الإمامة. # أما من دون علي فإنما كان يحصل للناس من علمه ودينه مثل ما يحصل من ~~نظرائه. وكان علي بن الحسين، وابنه جعفر بن محمد يعلمون الناس ما علمهم ~~الله، كما علمه علماء زمانهم، وكان في زمنهم من هو أعلم منهم وأنفع للأمة. # وهذا معروف عند أهل العلم. ولو قدر أنهم كانوا أعلم وأدين، فلم يحصل من ~~أهل العلم والدين ما يحصل من ذوي الولاية والقوة والسلطان، وإلزام الناس ~~بالحق، ومنعهم باليد عن الباطل. # PageV01P334 # وأما بعد الثلاثة كالعسكريين، فهؤلاء لم يظهر عليهم علم تستفيده الأمة، ~~ولا كان لهم يد تستعين بها الأمة، ms326 بل كانوا كأمثالهم من الهاشميين لهم حرمة ~~ومكانة، وفيهم من معرفة ما يحتاجون إليه في الإسلام والدين ما في أمثالهم، ~~وهو ما يعرفه كثير من عوام المسلمين. # وأما ما يختص به أهل العلم، فهذا لم يعرف عنهم. ولهذا لم يأخذ عنهم أهل ~~العلم، كما أخذوا عن أولئك الثلاثة. ولو وجدوا ما يستفاد لأخذوا، ولكن طالب ~~العلم يعرف مقصوده. # وإذا كان للإنسان نسب شريف، كان ذلك مما يعينه على قبول الناس منه. ألا ~~ترى أن ابن عباس لما كان كثير العلم عرفت الأمة له ذلك، واستفادت منه، وشاع ~~ذكره بذلك في الخاصة والعامة. # وكذلك الشافعي لما كان عنده من العلم والفقه ما يستفاد منه، عرف المسلمون ~~له ذلك، واستفادوا ذلك منه، وظهر ذكره بالعلم والفقه. # ولكن إذا لم يجد الإنسان مقصوده في محل لم يطلبه منه. ألا ترى أنه لو قيل ~~عن أحد: إنه طبيب أو نحوي، وعظم حتى جاء إليه الأطباء أو النحاة، فوجدوه لا ~~يعرف من الطب والنحو ما يطلبون، أعرضوا عنه، ولم ينفعه دعوى الجهال ~~وتعظيمهم؟ # وهؤلاء الإمامية أخذوا عن المعتزلة أن الله يجب عليه الإقدار والتمكين ~~واللطف، بما يكون المكلف عنده أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، مع تمكنه ~~في الحالين. # ثم قالوا: والإمامة واجبة، وهي أوجب عندهم من النبوة، لأن بها لطفا في ~~التكاليف. قالوا: إنا نعلم يقينا بالعادات واستمرار الأوقات أن الجماعة متى ~~كان لهم رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، ~~وأبعد عن الفساد، وإذا لم يكن لهم رئيس وقع الهرج والمرج بينهم، وكانوا عن ~~الصلاح أبعد، ومن الفساد أقرب. وهذه الحال مشعرة بقضية العقل معلومة لا ~~ينكرها إلا من جهل العادات، ولم يعلم استمرار القاعدة المستمرة في العقل. ~~قالوا: وإذا كان هذا لطفا في التكليف لزم وجوبه. ثم ذكروا صفاته من العصمة ~~وغيرها. # ثم أورد طائفة منهم على أنفسهم سؤالا، فقالوا: إذا قلتم: إن الإمام لطف، ~~وهو غائب # PageV01P335 # عنكم، فأين اللطف الحاصل مع غيبته؟ وإذا لم يكن لطفه حاصلا ms327 مع الغيبة، ~~وجاز التكليف، بطل أن يكون الإمام لطفا في الدين. وحينئذ يفسد القول بإمامة ~~المعصوم. # وقالوا في الجواب عن هذا السؤال: إنا نقول: إن لطف الإمام حاصل في حالة ~~الغيبة للعارفين به في حال الظهور. وإنما فات اللطف لمن لم يقل بإمامته. ~~كما أن لطف المعرفة لم يحصل لمن لم يعرف الله تعالى، وحصل # لمن كان عارفا به. قالوا: وهذا يسقط هذا السؤال، ويوجب القول بإمامة ~~المعصومين. # فقيل لهم: لو كان اللطف حاصلا في حال الغيبة كحال الظهور، لوجب أن ~~يستغنوا عن ظهوره، ويتبعوه إلى أن يموتوا. وهذا خلاف ما يذهبون إليه. # فأجابوا بأنا نقول: إن اللطف في غيبته عند العارف به من باب التنفير ~~والتبعيد عن القبائح مثل حال الظهور، ولكن نوجب ظهوره لشيء غير ذلك، وهو ~~رفع أيدي المتغلبين عن المؤمنين، وأخذ الأموال ووضعها في مواضعها من أيدي ~~الجبابرة، ورفع ممالك الظلم التي لا يمكننا رفعها إلا بطريقه، وجهاد الكفار ~~الذي لا يمكن إلا مع ظهوره. # فيقال لهم: هذا كلام ظاهر البطلان. وذلك أن الإمام الذي جعلتموه لطفا، هو ~~ما شهدت به العقول والعادات، وهو ما ذكرتموه. قلتم: إن الجماعة متى كان لهم ~~رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد، كانوا بوجوده أقرب إلى الصلاح، وأبد عن ~~الفساد، واشترطتم فيه العصمة. قلتم: لأن مقصود الانزجار لا يحصل إلا بها. ~~ومن المعلوم أن الموجودين الذين كانوا قبل المنتظر، لم يكن أحد منهم بهذه ~~الصفة: لم يكن أحد منهم منبسط اليد ولا متصرفا. # وعلي رضي الله عنه تولى الخلافة، ولم يكن تصرفه وانبساطه تصرف من قبله ~~وانبساطهم. وأما الباقون فلم تكن أيديهم منبسطة ولا متصرفون، بل كان يحصل ~~بأحدهم ما يحصل بنظرائه. # وأما الغائب فلم يحصل به شيء، فإن المعترف بوجوده إذا عرف أنه غاب من ~~أكثر من أربعمائة سنة وستين سنة، وأنه خائف لا يمكنه الظهور، فضلا عن إقامة ~~الحدود، ولا يمكنه أن يأمر أحدا ولا ينهاه - لم يزل الهرج والفساد بهذا. # ولهذا يوجد طوائف الرافضة أكثر الطوائف هرجا ms328 وفسادا، واختلافا بالألسن # PageV01P336 # والأيدي، ويوجد من الاقتتال والاختلاف وظلم بعضهم لبعض، ما لا يوجد فيمن ~~لهم متول كافر، فضلا عن متول مسلم، فأي لطف حصل لمتبعيه به؟ # وأما قولهم إن اللطف به يحصل للعارفين به، كما يحصل في حال الظهور، فهذه ~~مكابرة ظاهرة؛ فإنه إذا ظهر حصل به من إقامة الحدود والوعظ وغير ذلك، ما ~~يوجب أن يكون في ذلك لطف لا يحصل مع عدم الظهور. # وتشبيههم معرفته بمعرفة الله في باب اللطف، وأن اللطف به يحصل للعارف دون ~~غيره، قياس فاسد. فإن المعرفة بأن الله موجود حي قادر، يأمر بالطاعة ويثيب ~~عليا، وينهى عن المعصية ويعاقب عليها، من أعظم الأسباب في الرغبة والرهبة ~~منه، فتكون هذه المعرفة داعية إلى الرغبة في ثوابه، بفعل المأمور وترك ~~المحظور، والرهبة من عقابه إذا عصى، لعلم العبد بأنه عالم قادر، وأنه قد ~~جرت سنته بإثابة المطيعين وعقوبة العاصين. # وأما شخص يعرف الناس أنه مفقود من أكثر من أربعمائة سنة، وأنه لم يعاقب ~~أحدا، وأنه لم يثب أحدا، بل هو خائف على نفسه إذا ظهر، فضلا عن أن يأمر ~~وينهى، فكيف تكون المعرفة به داعية إلى فعل ما أمر وترك ما حظر، بل المعرفة ~~بعجزه وخوفه توجب الإقدام على فعل القبائح، لا سيما مع طول الزمان وتوالي ~~الأوقات وقتا بعد وقت، وهو لم يعاقب أحدا ولم يثب أحدا. # بل لو قدر أنه يظهر في كل مائة سنة مرة فيعاقب، لم يكن ما يحصل به من ~~اللطف مثل ما يحصل بآحاد ولاة الأمر، بل لو قيل: إنه يظهر في كل عشر سنين، ~~بل ولو ظهر في السنة مرة، فإنه لا تكون منفعته كمنفعة ولاة الأمور الظاهرين ~~للناس في كل وقت، بل هؤلاء - مع ذنوبهم وظلمهم في بعض الأمور - شرع الله ~~بهم، وما يفعلونه من العقوبات، وما يبذلونه من الرغبات في الطاعات، أضعاف ~~ما يقام بمن يظهر بعد كل مدة، فضلا عمن هو مفقود، يعلم جمهور العقلاء أنه ~~لا وجود له، والمقرون به يعلمون أنه عاجز ms329 خائف لم يفعل قط ما يفعله آحاد ~~الناس، فضلا عن ولاة أمرهم. # وأي هيبة لهذا؟ وأي طاعة، وأي تصرف، وأي يد منبسطة؟ حتى إذا كان للناس ~~رئيس مهيب مطاع متصرف منبسط اليد، كانوا أقرب إلى الصلاح بوجوده. # PageV01P337 # ومن تدبر هذا علم أن هؤلاء القوم في غاية الجهل والمكابرة والسفسطة، حيث ~~جعلوا اللطف به في حال عجزه وغيبته، مثل اللطف به في حال ظهوره، وأن ~~المعرفة به مع عجزه وخوفه وفقده لطف، كما لو كان ظاهرا قادرا آمنا، وأن ~~مجرد هذه المعرفة لطف، كما أن معرفة الله لطف. # الوجه الثاني: أن يقال: قولكم: لا بد من نصب إمام معصوم يفعل هذه الأمور. ~~أتريدون أنه لا بد أن يخلق الله ويقيم من يكون متصفا بهذه الصفات؟ أم يجب ~~على الناس أن يبايعوا من يكون كذلك؟ # فإن أردتم الأول، فالله لم يخلق أحدا متصفا بهذه الصفات؛ فإن غاية ما ~~عندكم أن تقولوا: إن عليا كان معصوما لكن الله لم يمكنه ولو يؤيده، لا ~~بنفسه، ولا بجند خلقهم له حتى يفعل ما ذكرتموه. # بل أنتم تقولون: إنه كان عاجزا مقهورا مظلوما في زمن الثلاثة، ولما صار ~~له جند، قام له جند آخرون قاتلوه، حتى لم يتمكن أن يفعل ما فعل الذين كانوا ~~قبله، الذين هم عندكم ظلمة. # فيكون الله قد أيد أولئك الذين كانوا قبله، حتى تمكنوا من فعل ما فعلوه ~~من المصالح، ولم يؤيده حتى يفعل ذلك. # وحينئذ فما خلق الله هذا المعصوم المؤيد الذي اقترحتموه على الله. # وإن قلتم: إن الناس يجب عليهم أن يبايعوه ويعاونوه. # قلنا: أيضا فالناس لم يفعلوا ذلك، سواء كانوا مطيعين أو عصاة. وعلى كل ~~تقدير فما حصل لأحد من المعصومين عندكم تأييد، لا من الله ولا من الناس. ~~وهذه المصالح التي ذكرتموها لا تحصل إلا بتأييد، فإذا لم يحصل ذلك لم يحصل ~~ما به تحصل المصالح، بل حصل أسباب ذلك، وذلك لا يفيد المقصود. # الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان لم يحصل مجموع ما به تحصل هذه ms330 المطالب، ~~بل فات كثير من شروطها، فلم لا يجوز أن يكون الفائت هو العصمة؟ وإذا كان ~~المقصود فائتا: إما بعدم العصمة، وإما بعجز المعصوم، # فلا فرق بين عدمها بهذا أو بهذا، فمن أين يعلم بدليل # PageV01P338 # العقل أنه يجب على الله أن يخلق إماما معصوما؟ # وهو إنما يخلقه ليحصل به مصالح عباده، وقد خلقه عاجزا لا يقدر على تلك ~~المصالح، بل حصل به من الفساد ما لم يحصل إلا بوجوده. # وهذا يتبين بالوجه الرابع: وهو أنه لو لم يخلق هذا المعصوم، لم يكن يجري ~~في الدنيا من الشر أكثر مما جرى، إذا كان وجوده لم يدفع شيئا من الشر، حتى ~~يقال: وجوده دفع كذا. بل وجوده أوجب أن كذب به الجمهور، وعادوا شيعته، ~~وظلموه وظلموا أصحابه، وحصل من الشرور التي لا يعلمها إلا الله، بتقدير أن ~~يكون معصوما. # فإنه بتقدير أن لا يكون علي رضي الله عنه معصوما، ولا بقية الاثني عشر ~~ونحوهم، لا يكون ما وقع من تولية الثلاثة، وبني أمية، وبني العباس، فيه من ~~الظلم والشر ما فيه، بتقدير كونهم أئمة معصومين. وبتقدير كونهم معصومين فما ~~أزالوا من الشر إلا ما يزيله من ليس بمعصوم، فصار كونهم معصومين إنما حصل ~~به الشر لا الخير. # فكيف يجوز على الحكيم أن يخلق شيئا ليحصل به الخير، وهو لم يحصل به إلا ~~الشر لا الخير؟ # وإذا قيل: هذا الشر حصل من ظلم الناس له. # قيل: فالحكيم الذي خلقه إذا كان خلقه لدفع ظلمهم، وهو يعلم أنه إذا خلقه ~~زاد ظلمهم، لم يكن خلقه حكمة بل سفها، وصار هذا كتسليم إنسان ولده إلى من ~~يأمره بإصلاحه، وهو يعلم أنه لا يطيعه بل يفسده. فهل يفعل هذا حكيم؟ # الوجه الخامس: إذا كان الإنسان مدينا بالطبع، وإنما وجب نصب المعصوم ~~ليزيل الظلم والشر عن أهل المدينة، فهل تقولون: إنه لم يزل في كل مدينة ~~خلقها الله تعالى معصوم يدفع ظلم الناس أم لا؟ # فإن قلتم بالأول، كان هذا مكابرة ظاهرة. فهل في بلاد الكفار من ms331 المشركين ~~وأهل الكتاب معصوم؟ وهل كان في الشام عند معاوية معصوم؟ # وإن قلتم: بل نقول: هو في كل مدينة واحد، وله نواب في سائر المدائن. # قيل: فكل معصوم له نواب في جميع مدائن الأرض أم في بعضها؟ # PageV01P339 # فإن قلتم: في الجميع، كان هذا مكابرة. وإن قلتم: في البعض دون البعض. # قيل: فما الفرق إذا كان ما ذكرتموه واجبا على الله، وجميع المدائن حاجتهم ~~إلى المعصوم واحدة؟ # الوجه السادس: أن يقال: هذا المعصوم يكون وحده معصوما؟ أو كل من نوابه ~~معصوما؟ وهم لا يقولون بالثاني، والقول به مكابرة. فإن نواب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يكونوا معصومين، ولا نواب علي، بل كان في بعضهم من ~~الشر والمعصية ما لم يكن مثله في نواب معاوية لأميرهم، فأين العصمة؟ # وإن قلت: يشترط فيه وحده. # قيل: فالبلاد الغائبة عن الإمام، لا سيما إذا لم يكن المعصوم قادرا على ~~قهر نوابه بل هو عاجز، ماذا ينتفعون بعصمة الإمام، وهم يصلون خلف غير ~~معصوم، ويحكم بينهم غير معصوم، ويطيعون غير معصوم، ويأخذ أموالهم غير ~~معصوم؟ # فإن قيل: الأمور ترجع إلى المعصومين. # قيل: لو كان المعصوم قادرا ذا سلطان، كما كان عمر وعثمان ومعاوية وغيرهم، ~~لم يتمكن أن يوصل إلى كل من رعيته العدل الواجب الذي يعلمه هو. وغاية ما ~~يقدر عليه أن يولي أفضل من يقدر عليه، لكن إذا لم يجد إلا عاجزا أو ظالما، ~~فكيف يمكنه تولية قادر عادل؟ # فإن قالوا: إذا لم يخلق الله إلا هذا سقط عنه التكليف. # قيل: فإذا لم يجب على الله أن يخلق قادرا عادلا مطلقا، بل أوجب على ~~الإمام أن يفعل ما يقدر عليه، فكذلك الناس عليهم أن يولوا أصلح من خلقه ~~الله تعالى، وإن كان فيه نقص: إما من قدرته، وإما من عدله. # وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: ((اللهم إليك أشكو جلد الفاجر وعجز ~~الثقة)) ، وما ساس العالم أحد مثل عمر، فكيف الظن بغيره؟ # هذا إذا كان المتولي نفسه قادرا عادلا، فكيف إذا كان المعصوم ms332 عاجزا؟ ومن ~~الذي يلزمها بطاعته حتى تطيعه؟ وإذا أظهر بعض نوابه طاعته حتى يوليه، ثم ~~أخذ ما شاء من الأموال، # PageV01P340 # وسكن في مدائن الملوك، فأي حيلة للمعصوم فيه؟ # فعلم أن المعصوم الواحد لا يحصل به المقصود، إذا كان ذا سلطان، فكيف إذا ~~كان عاجزا مقهورا؟ فكيف إذا كان مفقودا غائبا لا يمكنه مخاطبة أحد؟ فكيف ~~إذا كان معدوما لا حقيقة له؟ # الوجه السابع: أن يقال: صد غيره عن الظلم، وإنصاف المظلوم منه، وإيصال حق ~~غيره إليه فرع على منع ظلمه، واستيفاء حقه. فإذا كان عاجزا مقهورا لا يمكنه ~~دفع الظلم عن نفسه، ولا استيفاء حقه من ولاية ومال، ولا حق امرأته من ~~ميراثها، فأي ظلم يدفع؟ وأي حق يوصل؟ فكيف إذا كان معدوما أو خائفا لا ~~يمكنه أن يظهر في قرية أو مدينة خوفا من الظالمين أن يقتلوه، وهو دائما على ~~هذا الحال أكثر من أربعمائة وستين سنة، والأرض مملوءة من الظلم والفساد، ~~وهو لا يقدر أن يعرف بنفسه، فكيف يدفع الظلم عن الخلق، أو يوصل الحق إلى ~~المستحق؟ وما أخلق هؤلاء بقوله تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ~~إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} (1) ! # الوجه الثامن: أن يقال: حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة ~~المدينة إلى رئيسها. وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومة، فكيف ~~يجب عليه أن يخلق رئيسا معصوما؟ # مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة ~~من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، ~~فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟ # الوجه التاسع: أن يقال: هل المطلوب من الأئمة أن يكون الصلاح بهم أكثر من ~~الفساد، وأن يكون الإنسان معهم أقرب إلى المصلحة وأبعد عن المفسدة، مما لو ~~عدموا ولم يقم مقامهم؟ أم المقصود بهم وجود صلاح لا فساد معه؟ أم مقدار ~~معين من الصلاح؟ # فإذا كان الأول، فهذا المقصود حاصل لغالب ولاة الأمور. وقد حصل هذا ~~المقصود على ms333 عهد أبي بكر وعمر وعثمان، أعظم مما حصل على عهد علي. وهو حاصل ~~بخلفاء بني أمية وبني العباس، أعظم مما هو حاصل بالاثنى عشر. وهذا حاصل ~~بملوك الروم والترك PageV01P341 # والهند، أكثر مما هو حاصل بالمنتظر الملقب صاحب الزمان، فإنه ما من أمير ~~يتولى ثم يقدر عدمه بلا نظير، إلا كان الفساد في عدمه أعظم من الفساد في ~~وجوده، لكن قد يكون الصلاح في غيره أكثر منه، كما قد قيل: ((ستون سنة مع ~~إمام جائر خير من ليلة واحدة بلا إمام)) . # وإن قيل: بل المطلوب وجود صلاح لا فساد معه. # قيل: فهذا لم يقع، ولم يخلق الله ذلك، ولا خلق أسبابا توجب ذلك لا محالة. ~~فمن أوجب ذلك، وأوجب ملزوماته على الله، كان إما مكابرا لعقله، وإما ذاما ~~لربه. وخلق ما يمكن معه وجود ذلك، لا يحصل به ذلك، إن لم يخلق ما يكون به ~~ذلك. # ومثل هذا يقال في أفعال العباد، لكن القول في المعصوم أشد، لأن مصلحته ~~تتوقف على أسباب خارجة عن قدرته، بل عن قدرة الله عند هؤلاء. الذين هم ~~معتزلة رافضة، فإيجاب ذلك على الله أفسد من إيجاب خلق مصلحة كل عبد له. # الوجه العاشر: أن يقال: قوله: ((لو لم يكن الإمام معصوما لافتقر إلى إمام ~~آخر، لأن العلة المحوجة إلى إمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ ~~عليه لاحتاج إلى إمام آخر)) . # فيقال له: لم لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على ~~الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، ~~نبهه الإمام أو نائبه أو غيره، وإن أخطأ الإمام أو نائبه نبهه آخر كذلك، # وتكون العصمة ثابتة للمجموع، لا لكل واحد من الأفراد، كما يقوله أهل ~~الجماعة؟ # وهذا كما أن كل واحد من أهل خبر التواتر يجوز عليه الخطأ، وربما جاز عليه ~~تعمد الكذب، لكن المجموع لا يجوز عليهم ذلك في العادة. وكذلك الناظرون إلى ~~الهلال أو غيره من الأشياء الدقيقة، قد يجوز ms334 الغلط على الواحد منهم، ولا ~~يجوز على العدد الكثير. # وكذلك الناظرون في الحساب والهندسة، ويجوز على الواحد منهم الغلط في ~~مسألة أو مسألتين، فأما إذا كثر أهل المعرفة بذلك، امتنع في العادة غلطهم. # ومن المعلوم أن ثبوت العصمة لقوم اتفقت كلمتهم، أقرب إلى العقل والوجود ~~من # PageV01P342 # ثبوتها لواحد. فإن كانت العصمة لا تمكن للعدد الكثير، في حال اجتماعهم ~~على الشيء المعين، فأن لا تمكن للواحد أولى. وإن أمكنت للواحد مفردا، فلأن ~~تمكن له ولأمثاله مجتمعين بطريق الأولى والأحرى. # فعلم أن إثبات العصمة للمجموع أولى من إثباتها للواحد، وبهذه العصمة يحصل ~~المقصود المطلوب من عصمة الإمام، فلا تتعين عصمة الإمام. # ومن جهل الرافضة إنهم يوجبون عصمة واحد من المسلمين، ويجوزون على مجموع ~~المسلمين الخطأ إذا لم يكن فيهم واحد معصوم. والمعقول الصريح يشهد أن ~~العلماء الكثيرين، مع اختلاف اجتهاداتهم، إذا اتفقوا على قول كان أولى ~~بالصواب من واحد، وأنه إذا أمكن حصول العلم بخبر واحد، فحصوله بالأخبار ~~المتواترة أولى. # ومما يبين ذلك أن الإمام شريك الناس في المصالح العامة، إذ كان هو وحده ~~لا يقدر أن يفعلها، إلا أن يشترك هو وهم فيها، فلا يمكنه أن يقيم الحدود، ~~ويستوفي الحقوق، ولا يوفيها، ولا يجاهد عدوا إلا أن يعينوه، بل لا يمكنه أن ~~يصلي بهم جمعة ولا جماعة إن لم يصلوا معه، ولا يمكن أن يفعلوا ما يأمرهم به ~~إلا بقواهم وإرادتهم. فإذا كانوا مشاركين له في الفعل والقدرة، لا ينفرد ~~عنهم بذلك، فكذلك العلم والرأي لا يجب أن ينفرد به بل يشاركهم فيه، ~~فيعاونهم ويعاونونه، وكما أن قدرته تعجز إلا بمعاونتهم، فكذلك علمه يعجز ~~إلا بمعاونتهم. # الوجه الحادي عشر: أن يقال: العلم الديني الذي يحتاج إليه الأئمة والأمة ~~نوعان: علم كلي، كإيجاب الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والزكاة، والحج، ~~وتحريم الزنا والسرقة والخمر ونحو ذلك. وعلم جزئي، كوجوب الزكاة على هذا، ~~ووجوب إقامة الحد على هذا، ونحو ذلك. # فأما الأول، فالشريعة مستقلة به، لا تحتاج فيه إلى الإمام. فإن النبي إما ms335 ~~أن يكون قد نص على كليات الشريعة التي لا بد منها، أو ترك منها ما يحتاج ~~إلى القياس. فإن كان الأول ثبت المقصود. وإن كان الثاني، فذلك القدر يحصل ~~بالقياس. # وإن قيل: بل ترك فيها ما لا يعلم بنصه ولا بالقياس، بل بمجرد قول ~~المعصوم، كان # PageV01P343 # هذا المعصوم شريكا في النبوة لم يكن نائبا؛ فإنه إذا كان يوجب ويحرم من ~~غير إسناد إلى نصوص النبي، كان مستقلا، لم يكن متبعا له، وهذا لا يكون إلا ~~نبيا، فأما من لا يكون إلا خليفة لنبي، فلا يستقل دونه. # وأيضا فالقياس إن كان حجة جاز إحالة الناس عليه، وإن لم يكن حجة وجب أن ~~ينص النبي على الكليات. # وأيضا فقد قال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الإسلام دينا} (1) . # وهذا نص في أن الدين كامل لا يحتاج معه إلى غيره. # وأما الجزئيات فهذه لا يمكن النص على أعيانها، بل لا بد فيها من الاجتهاد ~~المسمى بتحقيق المناط، كما أن الشارع لا يمكن أن ينص لكل مصل على جهة ~~القبلة في حقه، ولكل حاكم على عدالة كل شاهد، وأمثال ذلك. # وإذا كان كذلك، فإن ادعوا عصمة الإمام في الجزئيات، فهذه مكابرة، ولا ~~يدعيها أحد، فإن عليا رضي الله عنه كان يولي من تبين له خيانته وعجزه وغير ~~ذلك، وقد قطع رجلا بشهادة شاهدين، ثم قالا: أخطأنا. فقال: لو أعلم أنكما ~~تعمدتما لقطعت أيديكما. # وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين عنه أنه قال: ~~((إنكم تختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي ~~بنحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة ~~من النار)) (2) 2) . # الوجه الثاني عشر: أن يقال: العصمة الثابتة للإمام: أهي فعل للطاعات ~~باختياره وتركه للمعاصي باختياره، مع أن الله تعالى عندكم لا يخلق اختياره؟ ~~أم هي خلق الإرادة له؟ أم سلبه القدرة على المعصية؟ # فإن قلتم بالأول، وعندكم أن الله لا يخلق اختيار الفاعلين، لزمكم ms336 أن الله ~~لا يقدر على خلق معصوم. # وإن قلتم بالثاني بطل أصلكم الذي ذهبتم إليه في القدرة. PageV01P344 # وإن قلتم: سلب القدرة على المعصية، كان المعصوم عندكم هو العاجز عن ~~الذنب. كما يعجز الأعمى عن نقط المصاحف، والمقعد عن المشي. # والعاجز عن الشيء لا ينهى عنه ولا يؤمر به، وإذا لم يؤمر وينه لم يستحق ~~ثوابا على الطاعة، فيكون المعصوم عندكم لا ثواب له على ترك معصية، بل ولا ~~على فعل طاعة. وهذا غاية النقص. # وحينئذ فأي مسلم فرض كان خيرا من هذا المعصوم، إذا أذنب ثم تاب، لأنه ~~بالتوبة محيت سيئاته، بل بدل بكل سيئة حسنة مع حسناته المتقدمة، فكان ثواب ~~المكلفين خيرا من المعصوم عند هؤلاء، وهذا يناقض قولهم غاية المناقضة. # وأما المقدمة الثانية: فلو قدر أنه لابد من معصوم، فقولهم ليس بمعصوم غير ~~علي اتفاقا ممنوع، بل كثير من الناس من عبادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم ~~يعتقدون في كثير من شيوخهم من العصمة، من جنس ما تعتقده الرافضة في الاثني ~~عشر، وربما عبروا عن ذلك بقولهم: ((الشيخ محفوظ)) . # وإذا كانوا يعتقدون هذا في شيوخهم، مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم، ~~فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أولى. # وكثير من الناس فيهم من الغلو في شيوخهم من جنس ما في الشيعة من الغلو في ~~الأئمة. # وأيضا فالإسماعيلية يعتقدون عصمة أئمتهم، وهم غير الاثني عشر. # وأيضا فكثير من أتباع بني أمية - أو كثرهم - كانوا يعتقدون أن الإمام لا ~~حساب عليه ولا عذاب، وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام، بل تجب ~~عليهم طاعة الإمام في كل شيء، والله أمرهم بذلك. وكلامهم في ذلك معروف ~~كثير. # وقد أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزير، فجاء إليه ~~جماعة من شيوخهم، فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو، أنه إذا ولى الله ~~على الناس إماما تقبل الله منه الحسنات وتجاوز عنه السيئات. # ولهذا تجد في كلام كثير من كبارهم الأمر بطاعة ولي الأمر مطلقا، وأن من ms337 ~~أطاعه فقد # PageV01P345 # أطاع الله. ولهذا كان يضرب بهم المثل، يقال: ((طاعة شامية)) . # وحينئذ فهؤلاء يقولون: إن إمامهم لا يأمرهم إلا بما أمرهم الله به، وليس ~~فيهم شيعة، بل كثير منهم يبغض عليا ويسبه. # ومن كان اعتقاده أن كل ما يأمر به فإنما مما أمر الله به، وأنه تجب ~~طاعته، وأن الله يثيبه على ذلك، ويعاقبه على تركه - لم يحتج مع ذلك إلى ~~معصوم غير إمامه. # وحينئذ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال: كل من هذه الطوائف إذا قيل ~~لها: إنه لا بد لها من إمام معصوم. تقول: يكفيني عصمة الإمام الذي ائتممت ~~به، لا أحتاج إلى عصمة الاثني عشر: لا علي ولا غيره. ويقول هذا: شيخي ~~وقدوتي. وهذا يقول: إمامي الأموي والإسماعيلي. بل كثير من الناس # يعتقدون أن من يطيع الملوك لا ذنب له في ذلك، كائنا من كان، ويتأولون ~~قوله: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (1) . # فإن قيل: هؤلاء لا يعتد بخلافهم. # قيل: هؤلاء خير من الرافضة والإسماعيلية. # وأيضا فإن أئمة هؤلاء وشيوخهم خير من معدوم لا ينتفع به بحال. فهم بكل ~~حال خير من الرافضة. # وأيضا فبطلت حجة الرافضة بقولهم: لم تدع العصمة إلا في علي وأهل بيته. # فإن قيل: لم يكن في الصحابة من يدعي العصمة لأبي بكر وعمر وعثمان. # قيل: إن لم يكن فيهم من يدعي العصمة لعلي بطل قولكم. وإن كان فيهم من ~~يدعي العصمة لعلي، لم يمتنع أن يكون فيهم من يدعي العصمة للثلاثة، بل دعوى ~~العصمة لهؤلاء أولى، فإنا نعلم يقينا أن جمهور الصحابة كانوا يفضلون أبا ~~بكر وعمر، بل على نفسه كان يفضلهما عليه، كما تواتر عنه. وحينئذ فدعواهم ~~عصمة هذين أولى من دعوى عصمة علي. # فإن قيل: فهذا لم ينقل عنهم. # قيل لهم: ولا نقل عن واحد منهم القول بعصمة علي. ونحن لا نثبت عصمة لا ~~هذا ولا هذا، لكن نقول: ما يمكن أحدا أن ينفي نقل قول أحد منهم بعصمة أحد ~~الثلاثة، مع دعواهم أنهم كانوا يقولون بعصمة علي. ms338 فهذا الفرق لا يمكن أحدا ~~أن يدعيه، ولا ينقله عن PageV01P346 # واحد منهم. وحينئذ فلا يعلم زمان ادعى فيه العصمة لعلي أو لأحد من الاثني ~~عشر، ولم يكن من ذلك الزمان من يدعي عصمة غيرهم، فبطل أن يحتج بانتفاء عصمة ~~الثلاثة ووقوع النزاع في عصمة علي. # الوجه الرابع عشر: أن يقال: إما أن يجب وجود المعصوم في كل زمان، وإما أن ~~لا يجب. فإن لم يجب بطل قولهم. وإن وجب لم نسلم على هذا # التقدير أن عليا كان هو المعصوم دون الثلاثة. بل إذا كان هذا القول حقا، ~~لزم أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان معصومين، فإن أهل السنة متفقون على تفضيل ~~أبي بكر وعمر، وأنهما أحق بالعصمة من علي، فإن كانت العصمة ممكنة، فهي ~~إليهما أقرب، وإن كانت ممتنعة، فهي عنه أبعد. # وليس أحد من أهل السنة يقول بجواز عصمة علي دون أبي بكر وعمر، وهم لا ~~يسلمون انتفاء العصمة عن الثلاثة، إلا مع انتفائها عن علي. فأما انتفاؤها ~~عن الثلاثة دون علي، فهذا ليس قول أحد من أهل السنة. # وإذا قال: أنتم تعتقدون انتفاء العصمة عن الثلاثة. # قلنا: نعتقد انتفاء العصمة عن علي، ونعتقد أن انتفاءها عنه أولى من ~~انتفائها عن غيره، وأنهم أحق بها منه إن كانت ممكنة، فلا يمكن مع هذا أن ~~يحتج علينا بقولنا. # وأيضا فنحن إنما نسلم انتفاء العصمة عن الثلاثة، لاعتقادنا أن الله لم ~~يخلق إماما معصوما. فإن قدر أن الله خلق إماما معصوما فلا يشك أنهم أحق ~~بالعصمة من كل من جاء بعدهم، ونفينا لعصمتهم لاعتقادنا هذا التقدير. # وهنا جواب ثالث عن أصل الحجة، وهو أن يقال: من أين علمتم أن عليا معصوم، ~~ومن سواه ليس بمعصوم. فإن قالوا بالإجماع على ثبوت عصمة علي وانتفاء عصمة ~~غيره كما ذكروه من حجتهم. # قيل لهم: إن لم يكن الإجماع حجة بطلت هذه الحجة، وإن كان حجة في إثبات ~~عصمة علي - التي هي الأصل - أمكن أن يكون حجة في المقصود بعصمة من حفظ ~~الشرع ونقله. وكن ms339 هؤلاء يحتجون بالإجماع، ويردون كون الإجماع حجة، فمن أين ~~علموا أن عليا هو المعصوم دون من سواه؟ # PageV01P347 # فإن ادعوا التواتر عندهم عن النبي في عصمته، كان القول في ذلك كالقول في ~~تواتر النص على إمامته، وحينئذ فلا يكون لهم مستند آخر. # الجواب الرابع: أن يقال: الإجماع عندهم ليس بحجة، إلا أن يكون قول ~~المعصوم فيه، فإن لم يعرفوا ثبوت المعصوم إلا به لزم الدور، فإنه لا # يعرف أنه معصوم إلا بقوله، ولا يعرف أن قوله حجة إلا إذا عرف أنه معصوم، ~~فلا يثبت واحد منهما. # فعلم بطلان حجتهم على إثبات المعصوم. وهذا يبين أن القوم ليس لهم مستند ~~علمي أصلا فيما يقولون. # فإذا قيل لهم: بم عرفتم أنه معصوم، وأن من سواه ليسوا معصومين؟ # قالوا: بأنه قال: أنا معصوم، ومن سواي ليس بمعصوم. وهذا مما يمكن كل أحد ~~أن يقوله، فلا يكون حجة. # فإذا قدر أن الحاجة إلى المعصوم ثابتة، فالكلام في تعينه. فإذا طولب ~~الإسماعيلي بتعيين معصومه، وما الدليل على أن هذا هو المعصوم دون غيره، لم ~~يأت بحجة أصلا، وتناقضت أقواله. # وكذلك الرافضي أخذ من القدرية كلامهم في وجوب رعاية الأصلح، وبنى عليه ~~أنه لا بد من معصوم. وهي أقوال فاسدة، ولكن إذا طولب بتعيينه، لم يكن له ~~حجة أصلا، إلا مجرد قول من لم تثبت بعد عصمته: إني معصوم. # فإن قيل: إذا ثبت بالعقل أنه لا بد من معصوم، فإذا قال علي: إني معصوم، ~~لزم أن يكون هو المعصوم، لأنه لم يدع هذا غيره. # قيل لهم: لو قدر ثبوت معصوم في الوجود، لم يكن مجرد قول شخص: أنا معصوم، ~~مقبولا لإمكان كون غيره هو المعصوم، وإن لم نعلم نحن دعواه، وإن لم يظهر ~~دعواه، بل يجوز أن يسكت عن دعوى العصمة وإظهارها على أصلهم، كما جاز ~~للمنتظر أن يخفي نفسه خوفا من الظلمة. # ومع هذا كله بتقدير دعوى علي العصمة، فإنما يقبل هذا لو كان علي قال ذلك، ~~وحاشاه من ذلك. # PageV01P348 # وهذا جواب خامس وهو أنه إذا ms340 لم تكن الحجة على العصمة إلا قول المعصوم: ~~إني معصوم، فنحن راضون بقول علي في هذه المسألة، فلا يمكن أحد أن ينقل عنه ~~بإسناد ثابت أنه قال ذلك، بل النقول المتواترة عنه تنفي اعتقاده في نفسه ~~العصمة. # وهذا جواب سادس، فإن إقراره لقضاته على أن يحكموا بخلاف رأيه، دليل على ~~أنه لم يعد نفسه معصوما. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الوجه الثاني: أن الغمام يجب أن يكون منصوصا عليه، لما ~~بينا من بطلان الاختيار، وأنه ليس بعض المختارين لبعض الأمة أولى من البعض ~~المختار الآخر، ولأدائه إلى التنازع والتشاجر، فيؤدي نصب الإمام إلى أعظم ~~أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبنا نصبه. وغير علي من أئمتهم ~~لم يكن منصوصا عليه بالإجماع فتعين أن يكون هو الإمام)) . # والجواب: عن هذا بمنع المقدمتين أيضا، لكن النزاع هنا في الثانية أظهر ~~وأبين، فإنه قد ذهب طوائف كثيرة من السلف والخلف، من أهل الحديث والفقه ~~والكلام، إلى النص على أبي بكر. وذهبت طائفة من الرافضة إلى النص على ~~العباس. # وحينئذ فقوله: ((غير علي من أئمتهم لم يكن منصوصا عليه بالإجماع)) كذب ~~متيقن فإنه لا إجماع على نفي النص عن غير علي. وهذا الرافضي المصنف، وإن ~~كان من أفضل بني جنسه، ومن المبرزين على طائفته، فلا ريب أن الطائفة كلها ~~جهال. وإلا فمن له معرفة # PageV01P349 # بمقالات الناس كيف يدعى مثل هذا الإجماع؟! # ونجيب هنا بجواب ثالث مركب، وهو أن نقول: لا يخلو إما أن يعتبر النص في ~~الإمامة وإما أن لا يعتبر. فإن اعتبر منعنا المقدمة الثانية، إن قلنا: إن ~~النص ثابت لأبي بكر. وإن لم يعتبر بطلت المقدمة الأولى. # وهنا جواب رابع: وهو أن نقول: الإجماع عندكم ليس بحجة، وإنما الحجة قول ~~المعصوم، فيعود الأمر إلى إثبات النص بقول الذي يدعى له العصمة. ولم يثبت ~~بعد لا نص ولا عصمة، بل يكون قول القائل: ((لم يعرف صحة قوله: أنا المعصوم، ~~وأنا المنصوص على إمامتي)) حجة، وهذا من أبلغ الجهل. وهذه الحجة من جنس ~~التي ms341 قبلها. # وجواب خامس: وهو أن يقال: ما تعني بقولك: ((يجب أن يكون منصوصا عليه)) ؟. ~~لأنه لا بد أن يقول: هذا هو الخليفة من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فيكون ~~الخليفة بمجرد هذا النص؟ أم لا يصير هذا إماما حتى تعقد له الإمامة مع ذلك؟ # فإن قلت بالأول. قيل: لا نسلم وجوب النص بهذا الاعتبار. والزيدية مع ~~الجماعة تنكر هذا النص، وهم من الشيعة الذين لا يتهمون على علي. # أما قوله: ((إنه إذا لم يكن كذلك أدى إلى التنازع والتشاجر)) . # فيقال: النصوص التي تدل على استحقاقه الإمامة وتعلم دلالتها بالنظر ~~والاستدلال، يحصل بها المقصود في الأحكام، فليست كل الأحكام منصوصة نصا ~~جليا يستوي في فهمه العام والخاص. فإذا كانت الأمور الكلية التي تجب ~~معرفتها في كل زمان يكتفى فيها بهذا النص، فلأن يكتفى بذلك في القضية ~~الجزئية، وهو تولية إمام معين، بطريق الأولى والأحرى. فإنا قد بينا أن ~~الكليات يمكن نص الأنبياء عليها، بخلاف الجزئيات. # وأيضا فيه إذا كانت الأدلة ظاهرة في أن بعض الجماعة أحق بها من غيره ~~استغنى بذلك عن استخلافه. # والدلائل الدالة على أن أبا بكر كان أحقهم بالإمامة ظاهرة بينة، لم ينازع ~~فيها أحد من الصحابة، ومن نازع من الأنصار لم ينازع في أن أبا بكر أفضل ~~المهاجرين، وإنما طلب أن يولى واحد من الأنصار مع واحد من المهاجرين. # PageV01P350 # فإن قيل: إن كان لهم هوى منعوا ذلك بدلالة النصوص. # قيل: وإذا كان لهم هوى عصوا تلك النصوص وأعرضوا عنها، كما ادعيتم أنتم ~~عليهم. فمع قصدهم الحق يحصل المقصود بهذا وبهذا، ومع العناد لا ينفع هذا لا ~~هذا. # وجواب سادس: أن يقال: النص على الأحكام على وجهين: نص كلي عام يتناول ~~أعيانها، ونص على الجزئيات. # فإن قلتم: لا بد من النص على الإمام. إن أردتم النص على العام الكلي: على ~~ما يشترك للإمام، وما يجب عليه، وما يجب له، كالنص على الحكام والمفتين ~~والشهود وأئمة الصلاة والمؤذنين وأمراء الجهاد، وغير هؤلاء ممن يتقلد شيئا ~~من أمور المسلمين - فهذه النصوص ms342 ثابتة - ولله الحمد - كثيرة، كما هي ثابتة ~~على سائر الأحكام. # وجواب سابع: وهو أن يقال: أنتم أوجبتم النص، لئلا يفضي إلى التشاجر، ~~المفضي إلى أعظم أنواع الفساد التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه. # فيقال: الأمر بالعكس، فإن أبا بكر رضي الله عنه تولى بدون هذا الفساد. ~~وعمر وعثمان توليا بدون هذا الفساد. فإنما عظم هذا الفساد في الإمام الذي ~~ادعيتم أنه منصوص عليه دون غيره، فوقع في ولايته من أنواع التشاجر والفساد ~~التي لأجل إعدام الأقل منها أوجبتم نصبه، فكان ما جعلتموه وسيلة إنما حصل ~~معه نقيض المقصود، وحصل المقصود بدون وسيلتكم، فبطل كون ما ذكرتموه وسيلة ~~إلى المقصود. # وهذا لأنهم أوجبوا على الله ما لا يجب عليه، وأخبروا بما لم يكن، فلزم من ~~كذبهم وجهلهم هذا التناقض. # وجواب ثامن: وهو أن يقال: النص الذي يزيل هذا الفساد يكون على وجوه: # أحدها: أن يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بولاية الشخص ويثني عليه في ~~ولايته، فحينئذ تعلم الأمة أن هذا إن تولى كان محمودا مرضيا، فيرتفع ~~النزاع، وإن لم يقل: ولوه. # وهذا النص وقع لأبي بكر وعمر. # الثاني: أن يخبر بأمور تستلزم صلاح الولاة، وهذه النصوص وقعت في خلافة ~~أبي بكر وعمر. # PageV01P351 # الثالث: أن يأمر من يأتي بعد موته شخصا يقوم مقامه، فيدل على أنه خليفة ~~من بعده. وهذا وقع لأبي بكر. # الرابع: أن يريد كتابة كتاب، ثم يقول: إن الله والمؤمنون لا يولون إلا ~~فلانا، وهذا وقع لأبي بكر. # الخامس: أن يأمر بالاقتداء بعده بشخص، فيكون هو الخليفة بعده. # السادس: أن يأمر باتباع سنة خلفائه الراشدين المهديين، ويجعل خلافتهم إلى ~~مدة معينة، فيدل على أن المتولين في تلك المدة هم الخلفاء الراشدون. # السابع: أن يخص بعض الأشخاص بأمر يقضى أنه هو المقدم عنده في الاستخلاف، ~~وهذا موجود لأبي بكر. # كما في الصحيحين أنه قال لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر ~~كتابا لا يختلف عليه الناس من بعدي)) ثم قال: ((يأبى الله والمؤمنون إلا ~~أبا بكر)) ms343 (1) . # فعلم أن الله لا يولي إلا أبا بكر والمؤمنون لا يبايعون إلا أبا بكر. ~~وكذلك سائر الأحاديث الصحيحة تدل على أنه علم ذلك، وإنما كان ترك الأمر مع ~~علمه أفضل، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن الأمة إذا ولته طوعا ~~منها بغير إلزام - وكان هو الذي يرضاه الله ورسوله - كان أفضل للأمة، ودل ~~على علمها ودينها. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثالث: أن الإمام يجب أن يكون حافظا للشرع، لانقطاع ~~الوحي بموت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقصور الكتاب والسنة على تفاصيل ~~الأحكام الجزئية الواقعة إلى يوم القيامة، فلا بد من إمام منصوب من الله ~~تعالى، معصوم من الزلل والخطأ، لئلا يترك بعض الأحكام، أو يزيد فيها عمدا ~~أو سهوا. وغير علي لم يكن كذلك بالإجماع)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم أنه يجب أن يكون حافظا للشرع، بل ~~يجب أن تكون الأمة حافظة للشرع. وحفظ الشرع يحصل بمجموع الأمة كما يحصل ~~بالواحد ن بل PageV01P352 # الشرع إذا نقله أهل التواتر كان خيرا من أن # ينقله واحد منهم. وإذا كان كل طائفة تقوم بهم الحجة تنقل بعضه، حصل ~~المقصود. وعصمة أهل التواتر حصل في نقلهم أعظم عند بني آدم كلهم من عصمة من ~~ليس بنبي، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - ولو قيل إنهم معصومون - فما ~~نقله المهاجرون والأنصار أبلغ مما نقله هؤلاء. # وأيضا فإن كان أكثر الناس يطعنون في عصمة الناقل لم يحصل المقصود، فكيف ~~إذا كان كثير من الأمة يكفره؟ # والتواتر يحصل بأخبار المخبرين الكثيرين وإن لم تعلم عدالتهم. # الوجه الثاني: أن يقال: أتريد به من يكون حافظا للشرع وإن لم يكن معصوما؟ ~~أو من يكون معصوما؟ فإن اشترطت العصمة فهذا من الوجه الأول، وقد كررته، ~~وتقدم الجواب عليه. وإن اشترطت مجرد الحفظ، فلا نسلم أن عليا كان أحفظ ~~للكتاب والسنة، وأعلم بهما من أبي بكر وعمر، بل هما كانا أعلم بالكتاب ~~والسنة منه، فبطل ما ادعاه من الإجماع. # الوجه الثالث: أن يقال: أتعني بكونه حافظا للشرع ms344 معصوما أنه لا يعلم صحة ~~شيء من الشرع إلا بنقله؟ أم يمكن أن يعلم صحة شيء من الشرع بدون نقله؟ # إن قلت بالثاني لم يحتج لا إلى حفظه ولا إلى عصمته، فإنه إذا أمكن حفظ ~~شيء من الشرع بدونه، أمكن حفظ الآخر، حتى يحفظ الشرع كله من غير حاجة إليه. # وإن قلت: بل معناه أنه لا يمكن معرفة شيء من الشرع إلا بحفظه. # فيقال: حينئذ لا تقوم حجة على أهل الأرض إلا بنقله، ولا يعلم صحة نقله ~~حتى يعلم أنه معصوم، ولا يعلم أنه معصوم إلا بالإجماع على نفي عصمة من ~~سواه، فإن كان الإجماع معصوما أمكن حفظ الشرع به، وإن لم يكن معصوما لم ~~تعلم عصمته. # الوجه الرابع: أن يقال: لماذا لا يجوز أن تكون العصمة في الحفظ والبلاغ ~~ثابتة لكل طائفة بحسب ما حملته من الشرع. فالقراء معصومون في # حفظ القرآن وتبليغه، والفقهاء معصومون في فهم الكلام والاستدلال على ~~الأحكام. # PageV01P353 # وهذا هو الواقع المعلوم الذي أغنى الله به عن واحد معدوم. # الوجه الخامس: أنه إذا كان لا يحفظ الشرع ويبلغه إلا واحد بعد واحد، ~~معصوم عن معصوم، وهذا المنتظر له أكثر من أربعمائة وستين سنة لم يأخذ عنه ~~أحد شيئا من الشرع، فمن أين علمتم القرآن من أكثر من أربعمائة سنة؟ ولم لا ~~يجوز أن يكون هذا القرآن الذي تقرؤونه ليس فيه شيء من كلام الله؟ # وكذلك من أين لكم العلم بشيء من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأحكامه، وأنتم لم تسمعوا شيئا من ذلك من معصوم، لأن المعصوم إما مفقود ~~وإما معدوم؟ # فإن قالوا: تواتر ذلك عند أصحابنا بنقلهم عن الأئمة المعصومين. # قيل: فإذا كان تواتر أصحابكم عن الأئمة يوجب حفظ الشرع ونقله، فلماذا لا ~~يجوز أن يكون تواتر الأمة كلها عن نبيها أولى بحفظ الشرع ونقله، من غير ~~احتياج إلى نقل واحد عن واحد؟ # الوجه السادس: أن يقال: قولك: ((لانقطاع الوحي وقصور النصوص عن تفاصيل ~~الأحكام)) أتريد به قصورها عن بيان جزئي جزئي بعينه؟ أو ms345 قصورها عن البيان ~~الكلي المتناول للجزئيات؟ # فإن ادعيت الأول، قيل لك: وكلام الإمام وكل أحد بهذه المنزلة، فإن الأمير ~~إذا خاطب الناس فلا بد أن يخاطبهم بكلام عام يعم الأعيان والأفعال وغير ~~ذلك، فإنه من الممتنع أن يعين بخطابه كل فعل من كل فاعل في كل وقت، فإن هذا ~~غير ممكن، فإذا لا يمكنه إلا الخطاب العام الكلي، والخطاب العام الكلي ممكن ~~من الرسول. # وإن ادعيت أن نفس نصوص الرسول ليست عامة كلية. # قيل لك: هذاممنوع، وبتقدير أن يمنع هذا في نصوص الرسول الذي هو أكمل من ~~الإمام، فمنع ذلك من نصوص الإمام أولى وأحرى، فأنت مضطر في خطاب الإمام إلى ~~أحد أمرين: إما ثبوت عموم الألفاظ، وإما # ثبوت عموم المعاني بالاعتبار. وأيهما كان أمكن إثباته في خطاب الرسول، ~~فلا يحتاج في بيانه الأحكام إلى الإمام. # الوجه السابع: أن يقال: وقد قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه # PageV01P354 # ليبين لهم} (1) ، وقال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ~~(2) ، وقال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} (3) . وأمثال ذلك. # فيقال: وهل قامت الحجة على الخلق ببيان الرسول أم لا؟ # فإن لم تقم بطلت هذه الآيات وما كان في معناها، وإن قامت الحجة ببيان ~~الرسول علم أنه لا يحتاج إلى معين آخر يفتقر الناس إلى بيانه، فضلا عن حفظ ~~تبليغه، وأن ما جعل الله في الإنسان من القوة الناقلة لكلام الرسول وبيانه ~~كافية من ذلك. لا سيما وقد ضمن الله حفظ ما أنزله من الذكر، فصار ذلك ~~مأمونا أن يبدل أو يغير. # وبالجملة دعوى هؤلاء المخذولين أن دين الإسلام لا يحفظ ولا يفهم إلا ~~بواحد معين، من أعظم الإفساد لأصول الدين. وهذا لا يقوله - وهو يعلم لوازمه ~~- إلا زنديق ملحد، قاصد لإبطال الدين، ولا يروج هذا إلا على مفرط في الجهل ~~والضلال. # الوجه الثامن: أن يقال قد علم بالاضطرار أن أكثر المسلمين بلغهم القرآن ~~والسنة بدون نقل علي، فإن عمر رضي الله عنه لما فتح الأمصار بعث إلى ms346 الشام ~~والعراق من علماء الصحابة من علمهم وفقههم، واتصل العلم من أولئك إلى سائر ~~المسلمين، ولم يكن ما بلغه علي للمسلمين أعظم مما بلغه ابن مسعود ومعاذ بن ~~جبل وأمثالهما. # وهذا أمر معلوم. ولو لم يحفظ الدين إلا بالنقل عن علي لبطل عامة الدين؛ ~~فإنه لا يمكن أن ينقل عن علي إلا أمر قليل لا يحصل به المقصود # والنقل عنه ليس متواترا، وليس في زماننا معصوم يمكن الرجوع إليه، فلا حول ~~ولا قوة إلا بالله، وما أسخف عقول الرافضة! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الرابع: أن الله تعالى قادر على نصب إمام معصوم، وحاجة ~~العالم داعية إليه، ولا مفسدة فيه، فيجب نصبه. وغير علي لم يكن كذلك ~~إجماعا، فتعين أن يكون الإمام هو علي. أما القدرة فظاهرة، وأما الحاجة ~~فظاهرة أيضا لما بينا من وقوع التنازع بين العالم. PageV01P355 # وأما انتفاء المفسدة فظاهر، لأن المفسدة لازمة لعدمه. وأما وجوب نصبه، ~~فلأن ثبوت القدرة والداعي وانتفاء الصارف يجب الفعل)) . # والجواب: أن هذا هو الوجه الأول بعينه ولكن قرره. وقد تقدمت الأجوبة عنه ~~بمنع المقدمة الأولى وبيان فساد هذا الاستدلال، فإن مبناه على الاحتجاج ~~بالإجماع، فإن كان الإجماع معصوما أغنى عن عصمة علي، وإن لم يكن معصوما ~~بطلت دلالته على عصمة علي، فبطل الدليل على التقديرين. # ومن العجب أن الرافضة تثبت أصولها على ما تدعيه من النص والإجماع، وهم ~~أبعد الأمة عن معرفة النصوص والإجماعات، والاستدلال بها، بخلاف السنة ~~والجماعة؛ فإن السنة تتضمن النص، والجماعة تتضمن الإجماع. فأهل السنة ~~والجماعة هم المتبعون للنص والإجماع. # ونحن نتكلم على هذا التقدير ببيان فساده، وذلك من وجوه: # أحدها: أن يقال: لا نسلم أن الحاجة داعية إلى نصب إمام معصوم، وذلك لأن ~~عصمة الأمة مغنية عن عصمته، وهذا مما ذكره العلماء في حكمة عصمة الأمة. # الثاني: إن أريد بالحاجة أن حالهم مع وجوده أكمل، فلا ريب أن حالهم مع ~~عصمة نواب الإمام أكمل، وحالهم مع عصمة أنفسهم أكمل. وليس كل ما تقدره ~~الناس أكمل لكل منهم يفعله الله، ms347 ولا يجب عليه فعله. # وأيضا فجعل غير النبي مماثلا للنبي في ذلك، قد يكون من أعظم الشبه والقدح ~~في خاصة النبي، فإنه إذا وجب أن يؤمن بجميع ما يقوله هذا، كما # يجب الإيمان بجميع ما يقوله النبي، لم تظهر خاصة النبوة، فإن الله أمرنا ~~أن نؤمن بجميع ما أتى به النبيون، فلو كان لنا من يساومهم في العصمة، لوجب ~~الإيمان بجميع ما يقوله، فيبطل الفرق. # الوجه الثاني: أن يقال: المعصوم الذي تدعو الحاجة إليه: أهو القادر على ~~تحصيل المصالح وإزالة المفاسد؟ أم هوعاجز عن ذلك؟ الثاني ممنوع؛ فإن العاجز ~~لا يحصل به وجود المصلحة ولا دفع المفسدة، بل القدرة شرط في ذلك، فإن ~~العصمة تفيد وجود داعية إلى الصلاح، لكن حصول الداعي بدون القدرة لا يوجب ~~حصول المطلوب. # PageV01P356 # وإن قيل: بل المعصوم القادر. # قيل: فهذا لم يوجد. وإن كان هؤلاء الاثنا عشر قادرين على ذلك ولم يفعلوه، ~~لزم أن يكونوا عصاة لا معصومين، وإن لم يقدروا لزم أن يكونوا عاجزين. فأحد ~~الأمرين لازم قطعا أو كلاهما: العجز وانتفاء العصمة. وإذا كان كذلك، فنحن ~~نعلم بالضرورة انتفاء ما استدل به على وجوده. والضروريات لا تعارض ~~بالاستدلال. # ففي الجملة لا مصلحة في وجود معصوم بعد الرسول إلا وهي حاصلة بدونه وفيه ~~من الفساد ما لا يزول إلا بعدمه. فقولهم: ((الحاجة داعية إليه)) ممنوع. ~~وقولهم: ((المفسدة فيه معدومة)) ممنوع. # بل الأمر بالعكس؛ فالمفسدة معه موجودة، والمصلحة معه منتفية. وإذا كان ~~اعتقاد وجوده قد أوجب من الفساد ما أوجب، فما الظن بتحقيق وجوده؟ ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الخامس: أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته. وعلي أفضل ~~أهل زمانه على ما يأتي، فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الفاضل ~~عقلا ونقلا. قال تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا ~~أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} (1) . # والجواب من وجوه: أحدها: منع المقدمة الثانية الكبرى، فإنا لا نسلم أن ~~عليا أفضل أهل زمانه. بل خير هذه الأمة بعد نبيها ms348 أبو بكر ثم عثمان، كما ~~ثبت ذلك عن علي وغيره. وسيأتي الجواب عما ذكروه، وتقرير ما ذكرناه. # الثاني: أن الجمهور من أصحابنا وغيرهم، وإن كانوا يقولون: يجب تولية ~~الأفضل مع الإمكان، لكن هذا الرافضي لم يذكر حجة على هذه المقدمة. وقد ~~نازعه فيها كثير من العلماء. وأما الآية المذكورة فلا حجة فيها له، لأن ~~المذكور في الآية: من يهدي إلى الحق، ومن لا يهدي إلا أن يهدى. والمفضول لا ~~يجب أن يهدى إلا أن يهديه الفاضل، بل قد يحصل له هدى كثير بدون تعلم من ~~الفاضل، وقد يكون الرجل أعلم ممن هو أفضل منه، وإن كان ذلك PageV01P357 # الأفضل قد مات، وهذا الحي الذي هو أفضل منه لم يتعلم منه شيئا. # وأيضا فالذي يهدي إلى الحق مطلقا هو الله، والذي لا يهدي إلا أن يهدى صفة ~~كل مخلوق لا يهدى إلا أن يهديه الله تعالى. وهذا هو المقصود بالآية وهي أن ~~عبادة الله أولى من عبادة خلقه. # كما قال في سياقها: {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي ~~للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى} (1) . # فافتتح الآيات بقوله: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع ~~والأبصار ومن يخرج الحي من الميت} (2) . إلى قوله: {قل هل من شركائكم من ~~يهدي إلى الحق} (3) . # وأيضا فكثير من الناس يقول: ولاية الأفضل واجبة، إذا لم تكن في ولاية ~~المفضول مصلحة راجحة، ولم يكن في ولاية الأفضل مفسدة. # وهذه البحوث يبحثها من يرى عليا أفضل من أبي بكر وعمر، كالزيدية وبعض ~~المعتزلة، أو من يتوقف في ذلك، كطائفة من المعتزلة. # وأما أهل السنة فلا يحتاجون إلى منع هذه المقدمة، بل الصديق عندهم أفضل ~~الأمة. لكن المقصود أن نبين أن الرافضة، وإن قالوا حقا، فلا يقدرون أن ~~يدلوا عليه بدليل صحيح، لأنهم سدوا على أنفسهم كثيرا من طرق العلم، فصاروا ~~عاجزين عن بيان الحق، حتى أنهم لا يمكنهم تقرير إيمان علي على الخوارج، ولا ms349 ~~تقرير إمامته على المروانية، ومن قاتله فإن ما يستدل به على ذلك فقد أطلق ~~جنسه على أنفسهم، لأنهم لا يدرون ما يلزم أقوالهم الباطلة من التناقض ~~والفساد، لقوة جهلهم، واتباعهم الهوى بغير علم. # قال الرافضي: ((المنهج الثاني: في الأدلة المأخوذة من القرآن، والبراهين ~~الدالة على إمامة علي من الكتاب العزيز كثيرة. PageV01P358 # الأول: قوله تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (1) وقد أجمعوا أنها نزلت في علي. قال ~~الثعلبي في إسناده إلى أبي ذر: قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بهاتين وإلا صمتا، ورأيته بهاتين وإلا عميتا يقول: ((علي قائد البررة، ~~وقاتل الكفرة، فمنصور من نصره، ومخذول من خذله)) أما إني صليت مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه ~~أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: اللهم إنك تشهد أني سألت في ~~مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعطني أحد شيئا، وكان علي ~~راكعا، فأومأ بخنصره اليمنى، وكان متختما فيها، فأقبل السائل حتى أخذ ~~الخاتم، وذلك بعين النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلما فرغ من صلاته رفع ~~رأسه إلى السماء وقال: ((اللهم إن موسى سألك وقال: {رب اشرح لي صدري* ويسر ~~لي أمري*واحلل عقدة من لساني* يفقهوا قولي* واجعل لي وزيرا من أهلي* هارون ~~أخي* اشدد به أزري* وأشركه في أمري} (2) # فأنزلت عليه قرآنا ناطقا: {سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون ~~إليكما بآياتنا} (3) . اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح لي صدري، ~~ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا اشدد به ظهري)) قال أبو ذر: ~~فما استتم كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل عليه جبريل من ~~عند الله فقال: يا محمد اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ: {إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (4) . # ونقل الفقيه ابن المغازلي الواسطي الشافعي أن هذه نزلت في علي، والولي هو ms350 ~~المتصرف، وقد أثبت له الولاية في الآية، كما أثبتها الله تعالى لنفسه ~~ولرسوله)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: ليس فيما ذكره ما يصلح أن يقبل ظنا، بل ~~كل ما ذكره كذب وباطل، من جنس السفسطة. وهو لو أفاد ظنونا كان تسميته ~~براهين تسمية منكرة؛ فإن البرهان في القرآن وغيره يطلق على ما يفيد العلم ~~واليقين، كقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن PageV01P359 # كنتم صادقين} (1) . # وقال تعالى: {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله ~~مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (2) . # فالصادق لا بد له من برهان على صدقه، والصدق المجزوم بأنه صدق هو ~~المعلوم. # وهذا الرجل جميع ما ذكره من الحجج فيها كذب، فلا يمكن أن يذكر حجة واحدة ~~جميع مقدماتها صادقة، فإن المقدمات الصادقة يمتنع أن تقوم على باطل. وسنين ~~إن شاء الله تعالى عند كل واحدة منها ما يبين كذبها، فتسمية هذه براهين من ~~أقبح الكذب. # ثم إنه يعتمد في تفسير القرآن على قول يحكى عن بعض الناس، مع أنه قد يكون ~~كذبا عليه، وإن كان صدقا فقد خالفه أكثر الناس. فإن كان قول الواحد الذي لم ~~يعلم صدقه، وقد خالفه الأكثرون برهانا، فإنه يقيم براهين كثيرة من هذا ~~الجنس على نقيض ما يقوله، فتتعارض البراهين فتتناقض، والبراهين لا تتناقض. # بل سنبين إن شاء الله تعالى قيام البراهين الصادقة التي لا تتناقض على ~~كذب ما يدعيه من البراهين، وأن الكذب في عامتها كذب ظاهر، لا يخفى إلا على ~~من أعمى الله قلبه، وأن البراهين الدالة على نبوة الرسول حق، وأن القرآن ~~حق، وأن دين الإسلام حق - تناقض ما ذكره من البراهين، فإن غاية ما يدعيه من ~~البراهين إذا تأمله اللبيب، وتأمل لوازمه وجده يقدح في الإيمان والقرآن ~~والرسول. # ثم نقول: ثانيا: الجواب عن هذه الآية حق من وجوه: الأول: أنا نطالبه بصحة ~~هذا النقل، أولا يذكر هذا الحديث على وجه تقوم ms351 به الحجة؛ فإن مجرد عزوه إلى ~~تفسير الثعلبي، أو نقل الإجماع على ذلك من غير العالمين بالمنقولات، ~~الصادقين في نقلها، ليس بحجة باتفاق أهل العلم، إن لم نعرف ثبوت إسناده. ~~وكذلك إذا روى فضيلة لأبي بكر وعمر، لم يجز اعتقاد ثبوت ذلك بمجرد ثبوت ~~روايته باتفاق أهل العلم. # الثاني: قوله: ((قد أجمعوا أنها نزلت في علي)) من أعظم الدعاوى الكاذبة ~~بل أجمع أهل العلم بالنقل، على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليا لم ~~يتصدق بخاتمه في الصلاة، PageV01P360 # وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع. # وأما ما نقله من تفسير الثعلبي، فقد أجمع أهل العلم بالحديث أن الثعلبي ~~يروي طائفة من الأحاديث الموضوعات، كالحديث الذي يرويه في أول كل سورة عن ~~أبي أمامة في فضل تلك السورة، وكأمثال ذلك. ولهذا يقولون: ... ((هو كحاطب ~~ليل)) . # وهكذا الواحدي تلميذه، وامثالهما من المفسرين: ينقلون الصحيح والضعيف. # وإنما المقصود هنا بيان افتراء هذا المصنف أو كثرة جهله، حيث قال: ((وقد ~~أجمعوا أنها نزلت في علي)) فياليت شعري من نقل هذا الإجماع من أهل العلم ~~العالمين بالإجماع في مثل هذه الأمور؟ فإن نقل الإجماع في مثل هذا لا يقبل ~~من غير أهل العلم بالمنقولات، وما فيها من إجماع واختلاف. # فالمتكلم والمفسر والمؤرخ ونحوهم، لو ادعى أحدهم نقلا مجردا بلا إسناد ~~ثابت لم يعتمد عليه، فكيف إذا ادعى إجماعا؟!. # الوجه الثالث: أن يقال: هؤلاء المفسرون الذين نقل من كتبهم، هم - ومن هم ~~أعلم منهم - قد نقلوا ما يناقض هذا الإجماع المدعى، والثعلبي قد نقل في ~~تفسيره أن ابن عباس يقول: نزلت في أبي بكر. ونقل عن عبد الملك: قال: سألت ~~أبا جعفر، قال: هم المؤمنون. قلت: فإن ناسا يقولون: هو علي. قال: فعلي من ~~الذين آمنوا. وعن الضحاك مثله. # الوجه الرابع: أنا نعفيه من الإجماع، ونطالبه أن ينقل ذلك بإسناد واحد ~~صحيح. وهذا الإسناد الذي ذكره الثعلبي إسناده ضعيف، فيه رجال متهمون. وأما ~~نقل ابن المغازلي الواسطى فأضعف وأضعف، ms352 فإن هذا قد اجتمع في كتابه من ~~الأحاديث الموضوعات ما لا يخفى أنه كذب على من له أدنى معرفة بالحديث، ~~والمطالبة بإسناد يتناول هذا وهذا. # الوجه الخامس: أن يقال: لو كان المراد بالآية أن يؤتي الزكاة حال ركوعه، ~~كما يزعمون أن عليا تصدق بخاتمه في الصلاة، لوجب أن يكون ذلك شرطا في ~~الموالاة، وأن لا يتولى المسلمون إلا عليا وحده، فلا يتولى الحسن ولا ~~الحسين ولا سائر بني هاشم. وهذا خلاف إجماع المسلمين. # الوجه السادس: أن قوله: ((الذين)) صيغة الجمع، فلا يصدق على علي وحده. # PageV01P361 # الوجه السابع: أن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما هو محمود عنده: ~~إما واجب، وإما مستحب. والصدقة والعتق والهدية والهبة والإجارة والنكاح ~~والطلاق، وغير ذلك من العقود في الصلاة، ليست واجبة ولا مستحبة باتفاق ~~المسلمين، بل كثير منهم يقول: إن ذلك يبطل الصلاة وإن لم يتكلم، بل تبطل ~~بالإشارة المفهمة. وآخرون يقولون: لا يحصل الملك بها لعدم الإيجاب # الشرعي. ولو كان هذا مستحبا، لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله ~~ويحض عليه أصحابه، ولكان علي يفعله في غير هذه الواقعة. # فلما لم يكن شيء من ذلك، علم أن التصدق في الصلاة ليس من الأعمال ~~الصالحة، وإعطاء السائل لا يفوت، فيمكن المتصدق إذا سلم أن يعطيه، وإن في ~~الصلاة لشغلا. # الوجه الثامن: أنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة، لم يختص بالركوع، بل ~~يكون في القيام والقعود أولى منه في الركوع، فكيف يقال: لا ولي لكم إلا ~~الذين يتصدقون في حال الركوع، فلو تصدق المتصدق في حال القيام والقعود: أما ~~كان يستحق هذه الموالاة؟ # الوجه التاسع: أن يقال: قوله: {ويؤتون الزكاة وهم راكعون} (1) على قولهم ~~يقتضي أن يكون أتى الزكاة في حال ركوعه. وعلي رضي الله عنه لم يكن ممن تجب ~~عليه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه كان فقيرا، وزكاة الفضة ~~إنما تجب على من ملك النصاب حولا، وعلي لم يكن من هؤلاء. # الوجه العاشر: أن إعطاء الخاتم في الزكاة ms353 لا يجزئ عند كثير من الفقهاء، ~~إلا إذا قيل بوجوب الزكاة في الحلي. وقيل: إنه يخرج من جنس الحلي. ومن جوز ~~ذلك بالقيمة، فالتقويم في الصلاة متعذر، والقيم تختلف باختلاف الأحوال. # الوجه الحادي عشر: أن هذه الآية بمنزلة قوله {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة واركعوا مع الراكعين} (2) ، هذا أمر بالركوع. # وكذلك قوله: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} (3) ، وهذا ~~أمر بالركوع. # الوجه الثاني عشر: أنه من المعلوم المستفيض عند أهل التفسير، خلفا عن ~~سلف، أن هذه الآية نزلت في النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة ~~المؤمنين، لما كان بعض المنافقين، PageV01P362 # كعبد الله بن أبي، يوالي اليهود، ويقول: # إني أخاف الدوائر. فقال بعض المؤمنين، وهو عبادة بن الصامت: إني يا رسول ~~الله أتولى الله ورسوله، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار ~~وولايتهم. # الوجه الثالث عشر: أن سياق الكلام يدل على ذلك لمن تدبر القرآن، فإنه قال ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (1) ~~. فهذا نهي عن موالاة اليهود والنصارى. # ثم قال: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده} إلى قوله: {فأصبحوا ~~خاسرين} (2) . فهذا وصف الذين في قلوبهم مرض، الذين يوالون الكفار ~~كالمنافقين. # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} (3) ~~فذكر فعل المرتدين وأنهم لن يضروا الله شيئا، وذكر من يأتي به بدلهم. # ثم قال: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون} (4) . # فتضمن هذا الكلام ذكر أحوال من دخل في الإسلام من المنافقين، وممن يرتد ~~عنه، وحال المؤمنين ms354 الثابتين عليه ظاهرا وباطنا. # فهذا السياق، مع إثباته بصيغة الجمع، مما يوجب لمن تدبر ذلك علما يقينا ~~لا يمكنه دفعه عن نفسه: أن الآية عامة في كل المؤمنين المتصفين بهذه # الصفات، لا تختص بواحد بعينه: لا أبي بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ~~ولا غيرهم. لكن هؤلاء أحق الأمة بالدخول فيها. PageV01P363 # الوجه الرابع عشر: أن الألفاظ المذكورة في الحديث مما يعلم أنها كذب على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن عليا ليس قائدا لكل البررة، بل القائد ~~لهذه الأمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا هو أيضا قاتلا لكل ~~الكفرة، بل قتل بعضهم، كما قتل غيره بعضهم. وما أحد من المجاهدين القاتلين ~~لبعض الكفار، إلا وهو قاتل لبعض الكفرة. # وكذلك قوله: ((منصور من نصره، مخذول من خذله)) هو خلاف الواقع. والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لا يقول إلا حقا، لا سيما على قول الشيعة، فإنهم ~~يدعون أن الأمة كلها خذلته إلى قتل عثمان. # PageV01P364 # فمن زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الله أن يشد أزره بشخص من ~~الناس، كما سأل موسى أن يشد أزره بهارون، فقد افترى على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وبخسه حقه. ولا ريب أن الرفض مشتق من الشرك والإلحاد ~~والنفاق، لكن تارة يظهر لهم ذلك فيه وتارة يخفى. # الوجه الخامس عشر: أن يقال: غاية ما في الآية أن المؤمنين عليهم موالاة ~~الله ورسوله والمؤمنين، فيوالون عليا. ولا ريب أن موالاة علي واجبة على كل ~~مؤمن، كما يجب على كل مؤمن موالاة أمثاله من المؤمنين. # قال تعالى: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين (} ~~(1) . فبين الله أن كل صالح من المؤمنين فهو مولى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، والله مولاه، وجبريل مولاه، وليس في شيء من هذه النصوص أن من ~~كان وليا للآخر كان أميرا عليه دون غيره، وأنه يتصرف فيه دون سائر الناس. # الوجه السادس عشر: أنه لو أراد الولاية التي هي الإمارة لقال: ((إنما ~~يتولى عليكم الله ms355 ورسوله والذين آمنوا)) ، ولم يقل: ومن يتولى الله ورسوله، ~~فإنه لا يقال لمن ولي عليهم وال: إنهم تولوه. بل يقال: تولى عليهم. # الوجه السابع عشر: أن الله سبحانه لا يوصف بأنه متول على عباده، وأنه ~~أمير عليهم، جل جلاله، وتقدست أسماؤه، فإنه خالقهم ورازقهم، وربهم ومليكهم، ~~له الخلق والأمر، ولا يقال: إن الله أمير المؤمنين، كما يسمى المتولي، مثل ~~علي وغيره: أمير المؤمنين، بل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضا لا يقال ~~إنه متول على الناس، وإنه أمير عليهم، فإن قدره أجل من هذا. بل PageV01P365 # أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يكونوا يسمونه إلا خليفة رسول الله. وأول ~~من سمي من الخلفاء ((أمير المؤمنين)) هو عمر رضي الله عنه. # الوجه الثامن عشر: أنه ليس كل من تولى عليه إمام عادل يكون من حزب الله، ~~ويكون غالبا؛ فإن أئمة العدل يتولون على المنافقين والكفار، كما كان في ~~مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت حكمه ذميون ومنافقون. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثاني: قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل ~~إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} (1) ، اتفقوا على نزولها في علي. ~~وروى أبو نعيم الحافظ - من الجمهور - بإسناده عن عطية قال: نزلت هذه الآية ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في علي بن أبي طالب. ومن تفسير ~~الثعلبي قال: معناه: بلغ ما أنزل إليك من ربك في فضل علي، فلما نزلت هذه ~~الآيه أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيد علي، فقال: من كنت مولاه ~~فعلي مولاه. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - مولى أبي بكر وعمر وباقي الصحابة ~~بالإجماع، فيكون علي مولاهم، فيكون هو الإمام. # ومن تفسير الثعلبي: لما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغدير خم ~~نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي، وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) ~~فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته، حتى أتى الأبطح، فنزل ms356 عن ناقته ~~وأناخها فعقلها، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ملأ من ~~الصحابة، فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله، فقبلنا منك. وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك. وأمرتنا أن نزكي ~~أموالنا فقبلناه منك. وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلناه منك. # وأمرتنا أن نحج البيت فقبلناه منك. ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعى ابن ~~عمك وفضلته علينا، وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. وهذا منك أم من الله؟ ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والله الذي لا إله إلا هو هو من أمر ~~الله، فولى الحارث يريد راحلته، وهو يقول: اللهم إن PageV01P366 # كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب ~~أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره ~~فقتله، وأنزل الله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع* للكافرين ليس له دافع * من ~~الله} (1) . وقد روى هذه الرواية النقاش من علماء الجمهور في تفسيره)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا أعظم كذبا وفرية من الأول، كما سنبينه إن ~~شاء الله تعالى. وقوله: ((اتفقوا على نزولها في علي)) أعظم كذبا مما قاله ~~في تلك الآيه. فلم يقل لا هذا ولا ذاك أحد من العلماء، الذين يدرون ما ~~يقولون. # وأما ما يرويه أبو نعيم في ((الحلية)) أو في ((فضائل الخلفاء)) والنقاش ~~والثعلبي والواحدي ونحوهم في التفسير، فقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن ~~فيما يروونه كثيرا من الكذب الموضوع، واتفقوا على أن هذا الحديث المذكور ~~الذي رواه الثعلبي في تفسيره هو من الموضوع، وسنبين أدلة يعرف بها أنه ~~موضوع، وليس الثعلبي من أهل العلم بالحديث. # ولكن المقصود هنا أنا نذكر قاعدة فنقول: المنقولات فيها كثير من الصدق ~~وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث، كما ~~نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب، ونرجع إلى علماء ~~اللغة فيما هو من اللغة ms357 وما ليس من اللغة، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ~~ذلك، فلكل علم رجال يعرفون به، والعلماء بالحديث أجل هؤلاء قدرا، وأعظمهم ~~صدقا، وأعلاهم منزلة، وأكثرهم دينا. # الوجه الثاني: أن نقول: في نفس هذا الحديث ما يدل على أنه كذب من وجوه ~~كثيرة، فإن فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كان بغدير إلى ~~آخره. # فيقال: أجمع الناس كلهم على أن ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بغدير خم كان مرجعه من حجة الوداع، والشيعة تسلم بهذا وتجعل ذاك اليوم عيدا ~~وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة والنبي - صلى الله عليه وسلم -. لم يرجع ~~إلى مكة بعد ذلك، بل رجع من حجة الوداع إلى المدينة، وعاش تمام ذي الحجة، ~~والمحرم وصفر وتوفي في أول ربيع الأول. # وفي هذا الحديث يذكر أنه بعد أن قال هذا بغدير خم وشاع في البلاد، جاءه ~~الحارث وهو بالأبطح، والأبطح بمكة، فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصة ~~غدير خم. PageV01P367 # وأيضا فإن هذه السورة - سورة سأل سائل - مكية باتفاق أهل العلم، نزلت ~~بمكة قبل الهجرة، فهذه نزلت قبل غدير خم بعشر سنين أو أكثر من ذلك، فكيف ~~تكون نزلت بعده؟ # وأيضا قوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك} (1) ، في سورة ~~الأنفال، وقد نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل غدير خم بسنين كثيرة، وأهل ~~التفسير متفقون على أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبل الهجرة، كأبي جهل وأمثاله، وأن الله ذكر نبيه بما كانوا يقولون ~~بقوله: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من ~~السماء} . أي اذكر قولهم. # وأيضا فقد ذكر في هذا الحديث أن هذا القائل أمر بمباني الإسلام الخمس، ~~وعلى هذا فقد كان مسلما فإنه قال: فقبلناه منك. ومن المعلوم بالضرورة أن ~~أحدا من المسلمين على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصبه هذا. # وأيضا فهذا الرجل لا يعرف في الصحابة، بل هو من جنس ms358 الأسماء التي يذكرها ~~الطرقية، من جنس الأحاديث التي في سيرة عنتر ودلهمة. # الوجه الثالث: أن يقال: أنتم ادعيتم أنكم أثبتم إمامته بالقرآن، والقرآن ~~ليس في ظاهره ما يدل على ذلك أصلا؛ فإنه قال: {بلغ ما أنزل إليك من # ربك} (2) . وهذا اللفظ عام في جميع ما أنزل إليه من ربه، لا يدل على شيء ~~معين. # فدعوى المدعى أن إمامة علي هي ما بلغها، أو مما أمر بتبليغها، لا تثبت ~~بمجرد القرآن؛ فإن القرآن ليس فيه دلالة على شيء معين، فإن ثبت ذلك بالنقل ~~كان ذلك إثباتا بالخبر لا بالقرآن. فمن ادعى أن القرآن يدل على أن إمامة ~~علي مما أمر بتبليغه، فقد افترى على القرآن، فالقرآن لا يدل على ذلك عموما ~~ولا خصوصا. # الوجه الرابع: أن يقال: هذه الآية، مع ما علم من أحوال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، تدل على نقيض ما ذكروه، وهو أن الله لم ينزلها عليه، ولم ~~يأمره بها، فإنها لو كانت مما أمره الله بتبليغه، لبلغه، فإنه لا يعصى الله ~~في ذلك. # ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: ((من زعم أن محمدا كتم شيئا من الوحي ~~فقد كذب، والله PageV01P368 # تعالى يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته} (1) . # لكن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبلغ ~~شيئا من إمامة علي، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم. # منها: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنقل، ~~كما نقل أمثاله من حديثه، لا سيما مع كثرة ما ينقل في فضائل علي، من الكذب ~~الذي لا أصل له، فكيف لا ينقل الحق الصدق الذي قد بلغ للناس؟! # ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا ~~يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه. # ومنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات، وطلب بعض الأنصار أن ~~يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، فأنكر ذلك ms359 عليه، وقالوا: الإمارة لا ~~تكون إلا في قريش، وروى الصحابة في مواطن متفرقة الأحاديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في أن: ((الإمامة في قريش)) . # ولم يرو واحد منهم: لا في المجلس ولا في غيره، ما يدل على إمامة علي. # وبايع المسلمون أبا بكر، وكان أكثر بني عبد مناف - من بني أمية وبني هاشم ~~وغيرهم - لهم ميل قوي إلى علي بن أبي طالب يختارون ولايته، ولم يذكر أحد ~~منهم هذا النص. وهكذا أجرى الأمر في عهد عمر وعثمان، وفي عهده أيضا لما ~~صارت له ولاية، ولم يذكر هو ولا أحد من أهل بيته ولا من الصحابة المعروفين ~~هذا النص، وإنما ظهر هذا النص بعد ذلك. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثالث: قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (2) . فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الرب ~~برسالتي، وبالولاية لعلي من بعدي. ثم قال: من كنت PageV01P369 # مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، ~~واخذل من خذله)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن المستدل عليه بيان صحة الحديث. ومجرد عزوه ~~إلى رواية أبي نعيم لا تفيد الصحة باتفاق الناس: علماء السنة والشيعة؛ فإن ~~أبا نعيم روى كثيرا من الأحاديث التي هي ضعيفة، بل موضوعة، باتفاق علماء ~~أهل الحديث: السنة والشيعة، وهو وإن كان حافظا، كثير الحديث، واسع الرواية، ~~لكن روى، كما هي عادة المحدثين أمثاله يروون جميع ما في الباب، لأجل ~~المعرفة بذلك. # الوجه الثاني: أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة ~~بالموضوعات. وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث، والمرجع إليهم في ذلك. ولذلك لا ~~يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها. # الوجه الثالث: أنه قد ثبت في الصحاح والمسانيد والتفسير أن هذه الآية ~~نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بعرفة، وقال رجل من اليهود ~~لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها، لو ms360 علينا معشر ~~اليهود # نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال له عمر: أي آية هي؟ قال: قوله: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} (1) . فقال ~~عمر: إني لأعلم أي يوم نزلت، وفي أي مكان نزلت. نزلت يوم عرفة بعرفة، ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واقف بعرفة (2) . وهذا مستفيض من وجوه أخر، ~~وهو منقول في كتب المسلمين: الصحاح والمسانيد والجوامع والسير والتفسير ~~وغير ذلك. # وهذا اليوم كان قبل يوم غدير خم بتسعة أيام؛ فإنه كان يوم الجمعة تاسع ذي ~~الحجة، فكيف يقال: إنها نزلت يوم الغدير؟! # الوجه الرابع: أن هذه الآية ليس فيها دلالة على علي ولا إمامته بوجه من ~~الوجوه، بل فيها إخبار الله بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين، ورضا ~~الإسلام دينا. فدعوى المدعى أن القرآن يدل على إمامته من هذا الوجه كذب ~~ظاهر. # الوجه الخامس: أن هذا اللفظ، وهو قوله: ((اللهم وال من والاه، وعاد من ~~عاداه، PageV01P370 # وانصر من نصره، واخذل من خذله)) كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. # وأما قو له: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فلهم فيه قولان: وسنذكره إن شاء ~~الله تعالى في موضعه. # الوجه السادس: أن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مجاب، وهذا الداء ~~ليس بمجاب. فعلم أنه ليس من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه من ~~المعلوم لما تولى كان الصحابة وسائر المسلمين ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه، ~~وصنف قاتلوه، وصنف قعدوا عن هذا وهذا. وأكثر السابقين الأولين كانوا من ~~القعود. # ثم إن هؤلاء الذين قاتلوه لم يخذلوا، بل ما زالوا منصورين يفتحون البلاد، ~~ويقتلون الكفار. # وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا تزال طائفة من ~~أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى يأتي أمر ~~الله)) قال معاذ بن جبل: ((وهم بالشام)) (1) . # والعسكر الذين قاتلوا مع معاوية ما خذلوا قط، بل ولا في قتال علي. فكيف ~~يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اللهم اخذل من خذله وانصر من ms361 ~~نصره)) والذين قاتلوا معه لم ينصروا على هؤلاء، بل الشيعة الذين تزعمون ~~أنهم مختصون بعلي ما زالوا مخذولين مقهورين لا ينصرون إلا مع غيرهم: إما ~~مسلمين، وإما كفار، وهم يدعون أنهم أنصاره، فأين نصر الله لمن نصره؟! وهذا ~~وغيره مما يبين كذب هذا الحديث. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الرابع: قوله تعالى: {والنجم إذا هوى* ما ضل ~~صاحبكم وما غوى} (2) ، روى الفقيه علي بن المغازلي الشافعي بإسناده عن ابن ~~عباس، قال: كنت جالسا مع فتية من بني هاشم عند النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إذ انقض كوكب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من انقض هذا ~~الكوكب في منزله، فهو الوصي من بعدي)) فقام فتية من بني هاشم، PageV01P371 # فنظروا، فإذا الكوكب قد انقض في منزل علي ، قالوا: يا رسول الله قد غويت ~~في حب علي، فأنزل الله تعالى: ? ... {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما ~~غوى} (1) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحته، كما تقدم. وذلك أن القول بلا ~~علم حرام بالنص والإجماع. # قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم} (2) . # وقال: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا ~~تعلمون} (3) . # فما جاءت به الرسل عن الله فهو سلطان، فالقرآن سلطان، والسنة سلطان، لكن ~~لا يعرف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء به إلا بالنقل الصادق عن ~~الله، فكل من احتج بشيء منقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعليه أن ~~يعلم صحته، قبل أن يعتقد موجبه ويستدل به. وإذا احتج به على غيره، فعليه ~~بيان صحته، وإلا كان قائلا بلا علم، مستدلا بلا علم. # فكيف يحتج في مسائل الأصول، التي يقدح فيها في خيار القرون وجماهير ~~المسلمين وسادات أولياء الله المقربين، بحيث لا يعلم المحتج به صدقه؟ # وهو لو قيل له: أتعلم أن هذا وقع؟ فإن قال: أعلم ذلك، فقد كذب. فمن أين ~~يعلم وقوعه؟ ويقال له: من ms362 أين علمت صدق ذلك، وذلك مما لا يعرف إلا بالإسناد ~~ومعرفة أحوال الرواة؟ وأنت لا تعرفه، ولو أنك عرفته لعرفت أن هذا كذب. # وإن قال: لا أعلم ذلك. فكيف يسوغ لك الاحتجاج بما لا تعلم صحته؟ # الثاني: أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث. وهذا المغازلي ليس من أهل ~~الحديث، كأبي نعيم وأمثاله، ولا هو أيضا من جامعي العلوم الذين يذكرون ما ~~غالبه حق وبعضه باطل، كالثعلبي وأمثاله، بل هذا لم يكن الحديث من صنعته، ~~فعمد إلى ما وجده من كتب الناس من فضائل علي فجمعها، كما فعل أخطب خوارزم، ~~وكلاهما لا يعرف الحديث، وكل منهما يروي فيما جمعه من الأكاذيب الموضوعة، ~~ما لا يخفى أنه كذب على أقل علماء النقل والحديث. # الوجه الثالث: أنه مما يبين أنه كذب أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم ~~حين PageV01P372 # انقض الكوكب في منزل علي، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، ~~وابن عباس حين مات النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مراهقا للبلوغ لم ~~يحتلم بعد، هكذا ثبت عنه في الصحيحين. فعند نزول هذه الآية: إما أن ابن ~~عباس لم يكن ولد بعد، وإما أنه كان طفلا لا يميز، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما هاجر كان لابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن ولد ~~عند نزول سورة النجم، فإنها من أوائل ما نزل من القرآن. # الوجه الرابع: أنه لم ينقض قط كوكب إلى الأرض بمكة ولا بالمدينة، ولا ~~غيرهما. ولما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كثر الرمي بالشهب، ومع هذا ~~فلم ينزل كوكب إلى الأرض. وهذا ليس من الخوارق التي تعرف في العالم، بل هو ~~من الخوارق التي لا يعرف مثلها في العالم، ولا يروى مثل هذا إلا من هو أوقح ~~الناس، وأجرئهم على الكذب، وأقلهم حياء ودينا، ولا يروج إلا على من هو من ~~أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم معرفة وعلما. # الوجه الخامس: أن نزول سورة النجم كان في أول الإسلام، وعلي إذ ذاك ms363 كان ~~صغيرا، والأظهر أنه لم يكن احتلم ولا تزوج بفاطمة، ولا شرع بعد فرائض ~~الصلاة أربعا وثلاثا واثنين، ولا فرائض الزكاة، ولا حج البيت، ولا صوم ~~رمضان، ولا عامة قواعد الإسلام. # وأمر الوصية بالإمامة لو كان حقا إنما يكون في آخر الأمر كما ادعوه يوم ~~غدير خم، فكيف يكون قد نزل في ذلك الوقت؟ # الوجه السادس: أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم ~~المقسم به: إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك. ولم يقل أحد: إنه ~~كوكب نزل في دار أحد بمكة. # الوجه السابع: أن من قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((غويت)) ~~فهو كافر، والكفار لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم بالفروع قبل ~~الشهادتين والدخول في الإسلام. # الوجه الثامن: أن هذا النجم إن كان صاعقة، فليس نزول الصاعقة في بيت شخص ~~كرامة له، وإن كان من نجوم السماء فهذه لا تفارق الفلك، وإن كان من الشهب ~~فهذه يرمى بها رجوما للشياطين، وهي لا تنزل إلى الأرض. ولو قدر أن الشيطان ~~الذي رمي بها وصل إلى بيت علي حتى احترق بها، فليس هذا كرامة له، مع أن هذا ~~لم يقع قط. # PageV01P373 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الخامس: قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (1) . فروى أحمد بن حنبل # في مسنده عن واثلة بن الأسقع قال: طلبت عليا في منزله، فقالت فاطمة رضي ~~الله عنها: ذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: فجاءا جميعا ~~فدخلا ودخلت معهما، فأجلس عليا عن يساره، وفاطمة عن يمينه، والحسن والحسين ~~بين يديه، ثم التفع عليهم بثوبه، وقال: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا} (2) اللهم إن هؤلاء أهلي حقا. # وعن أم سلمة قالت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في بيتها، فأتته ~~فاطمة رضي الله عنها ببرمة. فيها حريرة، فدخلت عليه، فقال: ادعي زوجك ~~وابنيك. قالت: فجاء علي والحسن والحسين فدخلوا وجلسوا يأكلون من تلك ~~الحريرة، وهو ms364 وهم على منام له علي، وكان تحته كساء خيبري. قالت: وأنا في ~~الحجرة أصلي، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} قالت: فأخذ فضل الكساء وكساهم به، ثم أخرج ~~يده فألوى بها إلى السماء، وقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا. وكرر ذلك. قالت: فأدخلت رأسي وقلت: وأنا معهم يا رسول الله قال: ~~إنك إلى خير. # وفي هذه الآية دلالة على العصمة، مع التأكيد بلفظه: ((إنما)) وإدخال ~~اللام في الخبر، والاختصاص في الخطاب بقوله: ((أهل البيت)) والتكرير بقوله: ~~((ويطهركم)) والتأكيد بقوله ((تطهيرا)) وغيرهم ليس بمعصوم، فتكون الإمامة ~~في علي، ولأنه ادعاها في عدة من أقواله: والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، ~~وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى. وقد ثبت نفي الرجس عنه، فيكون ~~صادقا، فيكون هو الإمام)) . # والجواب: أن هذا الحديث صحيح في الجملة؛ فإنه قد ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال لعلي PageV01P374 # وفاطمة وحسن وحسين: ((اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم ~~تطهيرا)) . # وروى ذلك مسلم عن عائشة قالت: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة ~~وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين ~~فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ((إنما # يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)) (1) . وهو مشهور ~~من رواية أم سلمة من رواية أحمد والترمذي، لكن ليس في هذا دلالة على عصمتهم ~~ولا إمامتهم. # وتحقيق ذلك في مقامين أحدهما: أن قوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ، كقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} (2) ~~، وكقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (3) ، وكقوله: {يريد ~~الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * ~~والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا ~~عظيما} (4) . # فإن إرادة الله في هذه الآيات ms365 متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، ~~وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه ~~قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة. # والدليل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية ~~قال: ((اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا)) فطلب من ~~الله لهم إذهاب الرجس والتطهير. فلو كانت الآية تتضمن إخبار الله بأنه قد ~~أذهب عنهم الرجس وطهرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء. # فإن قيل: فهب أن القرآن لا يدل على وقوع ما أريد من التطهير وإذهاب ~~الرجس، لكن دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بذلك يدل على وقوعه، فإن ~~دعاءه مستجاب. # قيل: المقصود أن القرآن لا يدل على ما ادعاه من ثبوت الطهارة وإذهاب ~~الرجس PageV01P375 # فضلا عن أن يدل على العصمة والإمامة. # وأما الاستدلال بالحديث فذاك مقام آخر. # ثم نقول في المقام الثاني: هب أن القرآن دل على طهارتهم وإذهاب الرجس ~~عنهم، كما أن الدعاء المستجاب لا بد أن يتحقق معه طهارة المدعو لهم وإذهاب ~~الرجس عنهم، لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ. # والدليل عليه أن الله لم يرد به أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~لا يصدر من واحدة منهن خطأ، فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن. وسياق الآية ~~يقتضي أنه يريد ليذهب عنهم الرجس - الذي هو الخبث كالفواحش - ويطهرهم ~~تطهيرا من الفواحش وغيرها من الذنوب. # ولفظ ((الرجس)) عام يقتضي أن الله يريد أن يذهب جميع الرجس، فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دعا بذلك. # وبالجملة فالتطهير الذي أراده الله، والذي دعا به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليس هو العصمة بالاتفاق، فإن أهل السنة عندهم لا معصوم إلا النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. والشيعة يقولون: لا معصوم غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والإمام. فقد وقع الاتفاق على انتفاء العصمة المختصة بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - والإمام عن أزواجه وبناته وغيرهن من النساء. # وإذا كان كذلك امتنع أن يكون التطهير ms366 المدعو به للأربعة متضمنا للعصمة ~~التي يختص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - والإمام عندهم، فلا يكون من ~~دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بهذه العصمة: لا لعلي ولا لغيره، ~~فإنه دعا له بالطهارة لأربعة مشتركين لم يختص بعضهم بدعوة. # أما قوله: ((إن عليا ادعاها وقد ثبت نفي الرجس عنه فيكون صادقا)) . # فجوابه من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن عليا ادعاها، بل نحن نعلم ~~بالضرورة علما متيقنا أن عليا ما ادعاها قط حتى قتل عثمان، وإن كان قد يميل ~~بقلبه إلى أن يولى، لكن ما قال: إني أنا الإمام، ولا إنى معصوم، ولا: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلني الإمام بعده، ولا أنه أوجب على ~~الناس متابعتي، ولا نحو هذه الألفاظ. # بل نحن نعلم بالاضطرار أن من نقل هذا ونحوه فهو كاذب عليه. ونحن نعلم أن ~~عليا كان أتقى لله من أن يدعي الكذب الظاهر، الذي تعلم الصحابة كلهم أنه ~~كذب. # PageV01P376 # وأما نقل الناقل عنه أنه قال: ((لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وهو يعلم أن ~~محلي منها محل القطب من الرحى)) . # فنقول: أولا: أين إسناد هذا النقل، بحيث ينقله ثقة عن ثقة متصلا إليه؟ ~~وهذا لا يوجد قط، وإنما يوجد هذا في كتاب ((نهج البلاغة)) وأمثاله، وأهل ~~العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفتراة على علي، ولهذا لا يوجد غالبها ~~في كتاب متقدم، ولا لها إسناد معروف. فهذا الذي نقلها من أين نقلها؟ # ونحن في هذا المقام ليس علينا أن نبين أن هذا كذب، بل يكفينا المطالبة ~~بصحة النقل، فإن الله لم يوجب على الخلق أن يصدقوا بما لم يقم دليل على ~~صدقه، بل هذا ممتنع بالاتفاق، لا سيما على القول بامتناع تكليف ما لا يطاق؛ ~~فإن هذا من أعظم تكليف ما لا يطاق، فكيف يمكن الإنسان أن يثبت ادعاء علي ~~للخلافة بمثل حكاية ذكرت عنه في أثناء المائة الرابعة، لما كثر الكذابون ~~عليه، وصار لهم دولة تقبل منهم ما يقولون، سواء كان صدقا أو ms367 كذبا، وليس ~~عندهم من يطالبهم بصحة النقل. وهذا الجواب عمدتنا في نفس الأمر، وفيما ~~بيننا وبين الله تعالى. # وأيضا فنحن نعلم أن عليا كان أتقى لله من أن يتعمد الكذب، كما أن أبا بكر ~~وعمر وعثمان وغيرهم كانوا أتقى لله من أن يتعمدوا الكذب. لكن لو قيل لهذا ~~المحتج بالآية: أنت لم تذكر دليلا على أن الكذب من الرجس، وإذا لم تذكر على ~~ذلك دليلا لم يلزم من إذهاب الرجس إذهاب الكذبة الواحدة، إذا قدر أن الرجس ~~ذاهب، فهو فيمن يحتج بالقرآن، وليس في القرآن ما يدل على إذهاب الرجس، ولا ~~ما يدل على أن الكذب والخطأ من الرجس، ولا أن عليا قال ذلك. ولكن هذا كله ~~لو صح شيء منه، لم يصح إلا بمقدمات ليست في القرآن، فأين البراهين التي في ~~القرآن على الإمامة؟ وهل يدعي هذا إلا من هو من أهل الخزي والندامة؟ ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان السادس: في قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر # PageV01P377 # فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال} إلى # قوله: {يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} (1) قال الثعلبي بإسناده ~~عن أنس وبريدة قالا: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية، فقام ~~رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله؟ فقال: ((بيوت الأنبياء)) . فقام إليه ~~أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها؟ يعني بيت علي وفاطمة. قال: نعم ~~من أفضلها، وصف فيها الرجال بما يدل على أفضليتهم، فيكون علي هو الإمام، ~~وإلا لزم تقديم المفضول على الفاضل)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا النقل. ومجرد عزو ذلك إلى ~~الثعلبي ليس بحجة باتفاق أهل السنة والشيعة، وليس كل خبر رواه أحد من ~~الجمهور يكون حجة عند الجمهور، بل علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه ~~الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به، لا في فضيلة أبي بكر وعمر، ولا في إثبات حكم ~~من الأحكام، إلا أن يعلم ثبوته بطريق، فليس له أن يقول: إنا نحتج عليكم ~~بالأحاديث التي ms368 يرويها واحد من الجمهور، فإن هذا بمنزلة من يقول: أنا أحكم ~~عليكم بمن يشهد عليكم من الجمهور، فهل يقول أحد من علماء الجمهور: إن كل من ~~شهد منهم فهو عدل، أو قال أحد من علمائهم: إن كل من روى منهم حديثا كان ~~صحيحا. # ثم علماء الجمهور متفقون على أن الثعلبي وأمثاله يروون الصحيح والضعيف، ~~ومتفقون على أن مجرد روايته لا توجب اتباع ذلك. ولهذا يقولون في الثعلبي ~~وأمثاله: إنه حاطب ليل يروي ما وجد، سواء كان صحيحا أو سقيما. فتفسيره وإن ~~كان غالب الأحاديث التي فيه صحيحة، ففيه ما هو كذب موضوع باتفاق أهل العلم. # الثاني: أن هذا الحديث موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، ولهذا لم يذكره ~~علماء الحديث في كتبهم التي يعتمد في الحديث عليها، كالصحاح والسنن ~~والمسانيد، مع أن في بعض هذه ما هو ضعيف، بل ما يعلم أنه كذب، لكن هذا قليل ~~جدا. وأما هذا الحديث وأمثاله فهو أظهر كذبا من أن يذكروه في مثل ذلك. # الثالث: أن يقال: الآية باتفاق الناس هي في المساجد، كما قال: {في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} (2) . وبيت ~~علي PageV01P378 # وغيره ليس موصوفا بهذه الصفة. # الرابع: أن يقال: بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من بيت علي ~~باتفاق المسلمين، ومع هذا لم يدخل في هذه الآية، لأنه ليس في بيته رجال، ~~وإنما فيه هو والواحدة من نسائه، ولما أراد بيت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: {لا تدخلوا بيوت النبي} (1) وقال: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن} (2) . # الوجه الخامس: أن قوله: ((هي بيوت الأنبياء)) كذب، فإنه لو كان كذلك لم ~~يكن لسائر المؤمنين فيها نصيب. وقوله: {يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} (3) متناول لكل من كان بهذه الصفة. # الوجه السادس: أن قوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع} نكرة موصوفة ليس فيها ~~تعيين. وقوله: {أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} : إن أراد بذلك مالا ~~يختص ms369 به المساجد من الذكر في البيوت والصلاة فيها، دخل في ذلك بيوت أكثر ~~المؤمنين المتصفين بهذه الصفة، فلا تختص بيوت الأنبياء بها. # وإن أراد بذلك ما يختص به المساجد من وجود الذكر في الصلوات الخمس ونحو ~~ذلك، كانت مختصة بالمساجد. وأما بيوت الأنبياء فليس فيها خصوصية المساجد، ~~وإن كان لها فضل بسكنى الأنبياء فيها. # الوجه السابع: أن يقال: إن أريد بيوت الأنبياء ما سكنه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فليس في المدينة من بيوت الأنبياء إلا بيوت أزواج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلا يدخل فيها بيت علي. وإن أريد ما دخله الأنبياء، ~~فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد دخل بيوت كثير من الصحابة. # وأي تقدير قدر في الحديث لا يمكن تخصيص بيت علي بأنه من بيوت الأنبياء، ~~دون بيت أبي بكر وعمر وعثمان ونحوهم. وإذا لم يكن له اختصاص، فالرجال ~~مشتركون بينه وبين غيره. PageV01P379 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان السابع: قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى} (1) . روى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس قال: لما ~~نزلت: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} قالوا: يا رسول الله ~~من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال: ((علي وفاطمة وابناهما. وكذا في ~~تفسير الثعلبي، ونحوه في الصحيحين. وغير علي من الصحابة والثلاثة لا تجب ~~مودته، فيكون علي أفضل، فيكون هو الإمام، ولأن مخالفته تنافي المودة، ~~وبامتثال أوامره تكون مودته، فيكون واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا الحديث. وقوله: ((إن أحمد روى ~~هذا في مسنده)) كذب بين، فإن هذا مسند أحمد موجود، به من النسخ ما شاء ~~الله، وليس فيه هذا الحديث. وأظهر من ذلك كذبا قوله: إن هذا في الصحيحين، ~~وليس هو في الصحيحين، بل فيهما وفي المسند ما يناقض ذلك. # ولا ريب أن هذا الرجل وأمثاله جهال بكتب أهل العلم، لا يطالعونها ولا ~~يعلمون ما فيها. # الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة ms370 بالحديث، وهم ~~المرجوع إليهم في هذا. وهذا لا يوجد في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها. # الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكية باتفاق أهل السنة، ~~بل جميع آل حم مكيات، وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليا إنما تزوج فاطمة ~~بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، # والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قد نزلت قبل وجود الحسن ~~والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الآية بوجوب ~~مودة قرابة لا تعرف ولم تخلق بعد؟! PageV01P380 # الوجه الرابع: أن تفسير الآية الذي في الصحيحين عن ابن عباس يناقض ذلك. ~~ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى {قل لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} (1) ، فقلت: أن لا تؤذوا محمدا في ~~قرابته. فقال ابن عباس: عجلت، إنه لم يكن بطن من قريش إلا لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيهم قرابة، فقال: لا أسألكم عليه أجرا، لكن أسألكم أن ~~تصلوا القرابة التي بيني وبينكم. # فهذا ابن عباس ترجمان القرآن، وأعلم أهل البيت بعد علي، يقول: ليس معناها ~~مودة ذوي القربى، لكن معناها: لا أسألكم يا معشر العرب ويا معشر قريش عليه ~~أجرا، لكن أسألكم أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم، فهو سأل الناس الذين ~~أرسل إليهم أولا أن يصلوا رحمه، فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه. # الوجه الخامس: أنه قال: لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى، لم ~~يقل: إلا المودة للقربى، ولا المودة لذوي القربى. فلو أراد المودة لذوي ~~القربى لقال: المودة لذوى القربى. # الوجه السادس: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسأل على ~~تبليغ رسالة ربه أجرا ألبتة، بل أجره على الله، كما قال {قل ما أسألكم عليه ~~من أجر وما أنا من المتكلفين} (2) . وقوله: {أم تسألهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون} (3) ، وقوله: {قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم إن أجري إلا على ~~الله} ms371 (4) . # ولكن الاستثناء هنا منقطع، كما قال: {قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من ~~شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا} (5) . # ولا ريب أن محبة أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة، لكن لم ~~يثبت وجوبها بهذه الآية، ولا محبتهم أجر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل ~~هو مما أمرنا الله به، كما أمرنا بسائر العبادات. # فمن جعل محبة أهل بيته أجرا له يوفيه إياه فقد أخطأ خطأ عظيما، ولو كان ~~أجرا له لم نثب عليه نحن، لأنا أعطيناه أجره الذي يستحقه بالرسالة، فهل ~~يقول مسلم مثل هذا؟! # الوجه السابع: أن القربى معرفة باللام، فلا بد أن يكون معروفا عند ~~المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم: {قل لا أسألكم عليه أجرا} # وأما قوله: ((والثلاثة لا تجب موالاتهم)) فممنوع، بل يجب أيضا مودتهم ~~وموالاتهم، PageV01P381 # فإنه قد ثبت أن الله يحبهم، ومن كان الله يحبه وجب علينا أن نحبه، فإن ~~الحب في الله والبغض في الله واجب، وهو أوثق عرى الإيمان. وكذلك هم من ~~أكابر أولياء الله المتقين، وقد أوجب الله موالاتهم، بل قد ثبت أن الله رضي ~~عنهم ورضوا عنه بنص القرآن، وكل من رضي الله عنه فإنه يحبه. # والمقصود أن قوله: ((وغير علي من الثلاثة لا تجب مودته)) كلام باطل عند ~~الجمهور، بل مودة هؤلاء أوجب عند أهل السنة من مودة علي، لأن وجوب المودة ~~على مقدار الفضل. # وأما قوله: ((إن مخالفته تنافي المودة، وامتثال أوامره هو مودته، فيكون ~~واجب الطاعة، وهو معنى الإمامة)) . # فجوابه من وجوه: أحدها: إن كان المودة توجب الطاعة فقد وجبت مودة ذوي ~~القربى فتجب طاعتهم، فيجب أن تكون فاطمة أيضا إماما، وإن كان هذا باطلا ~~فهذا مثله. # الثاني: أن المودة ليست مستلزمة للإمامة في حال وجوب المودة، فليس من ~~وجبت مودته كان إماما حينئذ، بدليل أن الحسن والحسين تجب مودتهما قبل ~~مصيرهما إمامين، وعلي تجب مودته في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يكن إماما، بل تجب وإن تأخرت إمامته إلى مقتل عثمان. # وهؤلاء ms372 القوم مع أهل السنة بمنزلة النصارى مع المسلمين، فالنصارى يجعلون ~~المسيح إلها، ويجعلون إبراهيم وموسى ومحمدا أقل من الحواريين الذين كانوا ~~مع عيسى. وهؤلاء يجعلون عليا هو الإمام المعصوم، أو هو النبي أو إله، ~~والخلفاء الأربعة أقل من مثل الأشتر النخعي وأمثاله الذين قاتلوا معه. ~~ولهذا كان جهلهم وظلمهم أعظم من أن يوصف: ويتمسكون بالمنقولات المكذوبة، ~~والألفاظ المتشابهة، والأقيسة الفاسدة، ويدعون المنقولات الصادقة بل ~~المتواترة، والنصوص البينة، والمعقولات الصريحة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثامن: قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء # PageV01P382 # مرضات الله} (1) . قال الثعلبي: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~أراد الهجرة خلف علي بن أبي طالب لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده، ~~وأمره ليلة خرج إلى الغار، وقد أحاط المشركون بالدار، أن ينام على فراشه، ~~فقال له: يا علي اتشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، فإنه لا يخلص ~~إليك منهم مكروه إن شاء الله تعالى، ففعل ذلك، فأوحى الله تعالى إلى جبريل ~~وميكائيل أني قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما ~~يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله إليها: ألا كنتما ~~مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد عليه الصلاة والسلام فبات على ~~فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة؟ اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه. ~~فنزلا، فكان جبريل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، فقال جبريل: بخ بخ من ~~مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة؟ فأنزل الله تعالى على رسوله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي: {ومن الناس من ~~يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} (2) . وقال ابن عباس: إنما نزلت في علي لما ~~هرب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المشركين إلى الغار، وهذه فضيلة لم ~~تحصل لغيره تدل على أفضلية علي على جميع الصحابة، فيكون هو الإمام)) . # الجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا النقل. ومجرد نقل الثعلبي ~~وأمثاله لذلك، بل روايتهم، ليس بحجة باتفاق طوائف أهل السنة والشيعة، ms373 لأن ~~هذا مرسل متأخر، ولم يذكر إسناده، وفي نقله من هذا الجنس للإسرائيليات ~~والإسلاميات أمور يعلم أنها باطلة، وإن كان هو لم يتعمد الكذب. # ثانيها: أن هذا الذي نقله من هذا الوجه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث ~~والسيرة، والمرجع إليهم في هذا الباب. # الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هاجر هو وأبو بكر إلى ~~المدينة لم يكن للقوم غرض في طلب علي، وإنما كان مطلوبهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبا بكر، وجعلوا في كل # واحد منهما ديته لمن جاء به، كما ثبت ذلك في الصحيح (3) الذي لا يستريب ~~أهل العلم في صحته، وترك عليا في فراشه ليظنوا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في البيت فلا يطلبوه، فلما أصبحوا وجدوا عليا فظهرت خيبتهم، ولم ~~PageV01P383 # يؤذوا عليا، بل سألوه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرهم أنه لا ~~علم له به، ولم يكن هناك خوف على علي من أحد، وإنما كان الخوف على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وصديقه، ولو كان لهم في علي غرض لتعرضوا له لما ~~وجدوه، فلما لم يتعرضوا له دل على أنهم لا غرض لهم فيه، فأي فداء هنا ~~بالنفس؟ # والذي كان يفديه بنفسه بلا ريب، ويقصد أن يدفع بنفسه عنه، ويكون الضرر به ~~دونه، هو أبو بكر. كان يذكر الطلبة فيكون خلفه، ويذكر الرصد فيكون أمامه، ~~وكان يذهب فيكشف له الخبر. وإذا كان هناك ما يخاف أحب أن يكون به لا بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وغير واحد من الصحابة قد فداه بنفسه في مواطن الحروب، فمنهم من قتل بين ~~يديه، ومنهم من شلت يده، كطلحة بن عبيد الله. وهذا واجب على المؤمنين كلهم. ~~فلو قدر أنه كان هناك فداء بالنفس لكان هذا من الفضائل المشتركة بينه وبين ~~غيره من الصحابة، فكيف إذا لم يكن هناك خوف على علي؟. # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: ((اتشح ببردي هذا ~~الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك منهم رجل بشيء تكرهه)) فوعده، ms374 وهو ~~الصادق، أنه لا يخلص إليه مكروه، وكان طمأنينته بوعد الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -. # الرابع: أن هذا الحديث فيه من الدلائل على كذبه ما لا يخفى، فإن الملائكة ~~لا يقال فيهم مثل هذا الباطل الذي لا يليق بهم، وليس أحدهما جائعا فيؤثره ~~الآخر بالطعام، ولا هناك خوف فيؤثر أحدهما صاحبه بالأمن، فكيف يقول الله ~~لهما: أيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ ولا للمؤاخاة بين الملائكة أصل، بل جبريل ~~له عمل يختص به دون ميكائيل، وميكائيل له عمل يختص به دون جبريل، كما جاء ~~في الآثار أن الوحي والنصر لجبريل، وأن الرزق والمطر لميكائيل. # الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخ عليا ولا غيره، بل كل ~~ما روى في هذا فهو كذب. # وحديث المؤاخاة الذي يروى في ذلك - مع ضعفه وبطلانه - إنما فيه مؤاخاته ~~له في المدينة، هكذا رواه الترمذي. فأما بمكة فمؤاخاته على التقديرين. # وأيضا فقد عرف أنه لم يكن فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة باتفاق علماء ~~النقل. # PageV01P384 # السادس: أن هبوط جبريل وميكائيل لحفظ واحد من الناس من أعظم المنكرات؛ ~~فإن الله يحفظ من يشاء من خلقه بدون هذا. وإنما روى هبوطهما يوم بدر ~~للقتال، وفي مثل تلك الأمور العظام، ولو نزلا لحفظ واحد من الناس لنزلا ~~لحفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وصديقه، اللذين كان الأعداء يطلبونهما ~~من كل وجه، وقد بذلوا في كل واحد منهما ديته، وهم عليهما غلاظ شداد سود ~~الأكباد. # السابع: أن هذه الآية في سورة البقرة، وهي مدنية بلا خلاف، وإنما نزلت ~~بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، لم تنزل وقت هجرته. ~~وقد قيل: إنها نزلت لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، لم ~~تنزل وقت هجرته؟ وقد قيل: إنها نزلت لما هاجر صهيب وطلبه المشركون، فأعطاهم ~~ماله، وأتى المدينة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ربح البيع أبا ~~يحيى)) . وهذه القصة مشهورة في التفسير، نقلها غير واحد. # الثامن: أن قوله: ((هذه فضيلة لم تحصل لغيره فدل على أفضليته ms375 فيكون هو ~~الإمام)) . # فيقال: لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من ~~الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع، فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر ~~وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، فيكون هو الإمام. # فهذا هو الدليل الصدق الذي لا كذب فيه. يقول الله: {إلا تنصروه فقد نصره ~~الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا} (1) . # ومثل هذه الفضيلة لم تحصل لغير أبي بكر قطعا، بخلاف الوقاية بالنفس، ~~فإنها لو كانت صحيحة فغير واحد من الصحابة وقى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بنفسه. وهذا واجب على كل مؤمن، ليس من الفضائل المختصة بالأكابر من ~~الصحابة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان التاسع: قوله تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل PageV01P385 # فنجعل لعنة الله على الكاذبين} (1) . نقل الجمهور كافة أن ((أبناءنا)) ~~إشارة إلى الحسن والحسين، و ((نساءنا)) إشارة إلى فاطمة. و ((أنفسنا)) ~~إشارة إلى علي. وهذه الآية دليل على ثبوت الإمامة لعلي لأنه تعالى قد جعله ~~نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والاتحاد محال، فيبقى المراد ~~بالمساواة له الولاية. وأيضا لو كان غير هؤلاء مساويا لهم وأفضل منهم في ~~استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم لأنه في موضع الحاجة، وإذا كانوا هم ~~الأفضل تعينت الإمامة فيهم. وهل تخفى دلالة هذه الآية على المطلوب إلا على ~~من استحوذ الشيطان عليه، وأخذ بمجامع قلبه، وحببت إليه الدنيا التي لا ~~ينالها إلا بمنع أهل الحق من حقهم؟)) # والجواب أن يقال: أما أخذه عليا وفاطمة والحسن والحسين في المباهلة فحديث ~~صحيح، رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص. قال في حديث طويل لما نزلت هذه الآية: ~~{فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا # وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} (2) دعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال ((اللهم هؤلاء أهلي)) (3) ~~. # ولكن ms376 لا دلالة في ذلك على الإمامة ولا على الأفضلية. # وقوله: ((وقد جعله الله نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والاتحاد ~~محال، فبقى المساواة له، وله الولاية العامة. فكذا لمساويه)) . # قلنا: لا نسلم أنه لم يبق إلا المساواة، ولا دليل على ذلك، بل حمله على ~~ذلك ممتنع، لأن أحدا لا يساوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا عليا ~~ولا غيره. # وهذا اللفظ في لغة العرب لا يقتضي المساواة. قال تعالى في قصة الإفك: ~~{لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} (4) ، ولم يوجب ذلك ~~أن يكون المؤمنون والمؤمنات متساوين. # والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلهم بالأبعدين في ~~النسب، وإن كانوا أفضل عند الله، لم يحصل المقصود؛ فإن المراد أنهم يدعون ~~الأقربين، كما يدعو هو الأقرب إليه. PageV01P386 # وأما قول الرافضي: ((لو كان غير هؤلاء مساويا لهم، أو أفضل منهم في ~~استجابة الدعاء لأمره تعالى بأخذهم معه، لأنه في موضع الحاجة)) . # فيقال في الجواب: لم يكن المقصود إجابة الدعاء؛ فإن دعاء النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وحده كاف، ولو كان المراد بمن يدعوه معه أن يستجاب دعاؤه، ~~لدعا المؤمنين كلهم ودعا بهم، كما كان يستسقي بهم، وكما كان يستفتح بصعاليك ~~المهاجرين، وكان يقول: ((وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ بدعائهم وصلاتهم ~~وإخلاصهم؟)) . # ومن المعلوم أن هؤلاء، وإن كانوا مجابين، فكثرة الدعاء أبلغ في الإجابة. ~~لكن لم يكن المقصود دعوة من دعاه لإجابة دعائه، بل لأجل المقابلة بين الأهل ~~والأهل. ونحن نعلم بالاضطرار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو دعا أبا ~~بكر وعمر # وعثمان، وطلحة والزبير، وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وغيرهم ~~للمباهلة، لكانوا من أعظم الناس استجابة لأمره، وكان دعاء هؤلاء وغيرهم ~~أبلغ في إجابة الدعاء، لكن لم يأمره الله سبحانه بأخذهم معه، لأن ذلك لا ~~يحصل به المقصود. # فإن المقصود أن أولئك يأتون بمن يشفقون عليه طبعا، كأبنائهم ونسائهم ~~ورجالهم الذين هم أقرب الناس إليهم. فلو دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قوما أجانب لأتى ms377 أولئك بأجانب، ولم يكن يشتد عليهم نزول البهلة بأولئك ~~الأجانب، كما يشتد عليهم نزولها بالأقربين إليهم، فإن طبع البشر يخاف على ~~أقربيه ما لا يخاف على الأجانب، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو ~~قرابته، وأن يدعو أولئك قرابتهم. # فقد تبين أن الآية لا دلالة فيها أصلا على مطلوب الرافضي، لكنه، وأمثاله ~~ممن في قلبه زيغ، كالنصارى الذين يتعلقون بالألفاظ المجملة ويدعون النصوص ~~الصريحة، ثم قدحه في خيار الأمة بزعمه الكاذب، حيث زعم أن المراد بالأنفس: ~~المساوون، وهو خلاف المستعمل في لغة العرب. # ومما يبين ذلك أن قوله: ((نساءنا)) لا يختص بفاطمة، بل من دعاه من بناته ~~كانت بمنزلتها في ذلك، لكن لم يكن عنده إذ ذاك إلا فاطمة، فإن رقية وأم ~~كلثوم وزينب كن قد توفين قبل ذلك. # PageV01P387 # فكذلك ((أنفسنا)) ليس مختصا بعلي، بل هذه صيغة جمع، كما أن ((نساءنا)) ~~صيغة جمع وكذلك ((أبناءنا)) صيغة جمع، وإنما دعا حسنا وحسينا لأنه لم يكن ~~ممن ينسب إليه بالنبوة سواهما. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان العاشر: قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات ~~فتاب عليه} (1) . روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن ابن عباس، ~~قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه ~~فتاب عليه. قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن يتوب عليه، ~~فتاب # عليه. وهذه فضيلة لم يلحقه أحد من الصحابة فيها، فيكون هو الإمام، ~~لمساواته النبي - صلى الله عليه وسلم - في التوسل به إلى الله تعالى)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا النقل، فقد عرف أن مجرد رواية ~~ابن المغازلي لا يسوغ الاحتجاج بها باتفاق أهل العلم. # الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم، وذكره أبو الفرج بن ~~الجوزي في ((الموضوعات)) . # الثالث: أن الكلمات التي تلقاها آدم قد جاءت مفسرة في قوله تعالى: {ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (2) . # وقد روى عن السلف هذا وما يشبهه، وليس في شيء من النقل الثابت ms378 عنهم ما ~~ذكره من القسم. # الرابع: أنه معلوم بالاضطرار أن من هو دون آدم من الكفار والفساق إذا تاب ~~أحدهم إلى الله تاب الله عليه، وإن لم يقسم عليه بأحد. فكيف يحتاج آدم في ~~توبته إلى مالا يحتاج إليه أحد من المذنبين: لا مؤمن ولا كافر؟ # الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أحدا بالتوبة بمثل هذا ~~الدعاء، بل ولا أمر أحدا بمثل هذا الدعاء في توبة ولا غيرها، بل ولا شرع ~~لأمته أن يقسموا على الله بمخلوق، ولو كان PageV01P388 # هذا الدعاء مشروعا لشرعه لأمته. # السادس: أن الإقسام على الله بالملائكة والأنبياء أمر لم يرد به كتاب ولا ~~سنة، بل قد نص غير واحد من أهل العلم - كأبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما - على ~~أنه لا يجوز أن يقسم على الله بمخلوق. وقد بسطنا الكلام على ذلك. # السابع: أن هذا لو كان مشروعا فآدم نبي كريم، كيف يقسم على الله بمن هو ~~أكرم عليه منه؟ ولا ريب أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - أفضل من آدم، لكن ~~آدم أفضل من علي وفاطمة وحسن وحسين. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الحادي عشر: قوله تعالى: {إني جاعلك للناس إماما ~~قال ومن ذريتي} (1) ، روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن ابن مسعود، قال: ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: انتهت الدعوة إلي وإلى علي، لم يسجد ~~أحدنا لصنم قط، فاتخذني نبيا واتخذ عليا وصيا. وهذا نص في الباب)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا كما تقدم. # الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع بإجماع أهل العلم بالحديث. # الثالث: أن قوله: ((انتهت الدعوة إلينا)) كلام لا يجوز أن ينسب إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، فإنه إن أريد: أنها لم تصب من قبلنا كان ممتنعا، ~~لأن الأنبياء من ذرية إبراهيم دخلوا في الدعوة. # الوجه الرابع: أن كون الشخص لم يسجد لصنم فضيلة يشاركه فيها جميع من ولد ~~على الإسلام، مع أن السابقين الأولين أفضل منه، فكيف يجعل المفضول مستحقا ~~لهذه المرتبة دون الفاضل؟ # الخامس: ms379 أنه لو قيل: أنه لم يسجد لصنم لأنه أسلم قبل البلوغ، فلم يسجد ~~بعد PageV01P389 # إسلامه، فهكذا كل مسلم، والصبي غير مكلف. وإن قيل: إنه لم يسجد قبل ~~إسلامه. فهذا النفي غير معلوم، ولا قائله ممن يوثق به. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثاني عشر: قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} (1) ، روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ~~بإسناده إلى ابن عباس، قال: نزلت في علي. والود محبة في القلوب المؤمنة. ~~وفي تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعلي: يا علي قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في صدور ~~المؤمنين مودة. فأنزل الله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ~~الرحمن ودا} (2) ، ولم يثبت لغيره ذلك، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أنه لا بد من إقامة الدليل على صحة المنقول: ~~وإلا فالاستدلال بما لا يثبت مقدماته باطل بالاتفاق، وهو من القول بلا علم، ~~ومن قفو الإنسان ما ليس به علم، ومن المحاجة بغير علم. والعزو المذكور لا ~~يفيد الثبوت باتفاق أهل السنة والشيعة. # الوجه الثاني: أن هذين الحديثين من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. # الثالث: أن قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (3) عام في جميع ~~المؤمنين، فلا يجوز تخصيصها بعلي، بل هي متناولة لعلي وغيره. والدليل عليه ~~أن الحسن والحسين وغيرهما من المؤمنين الذين تعظمهم الشيعة داخلون في ~~الآية، فعلم بذلك الإجماع على عدم اختصاصها بعلي. # وأما قوله: ((ولم يثبت مثل ذلك لغيره من الصحابة)) فممنوع كما تقدم، ~~فإنهم خير القرون، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فيهم أفضل منهم في سائر ~~القرون، وهم بالنسبة إليهم أكثر منهم في كل قرن بالنسبة إليه. # الرابع: أن الله قد أخبر أنه سيجعل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ودا. ~~وهذا وعد منه PageV01P390 # صادق. ومعلوم أن الله قد جعل للصحابة مودة في قلب كل مسلم، لا سيما ~~الخلفاء رضي الله عنهم، لا سيما أبو بكر وعمر، فإن عامة الصحابة والتابعين ~~كانوا يودونهما، وكانوا ms380 خير القرون. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثالث عشر: قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم ~~هاد} (1) . من كتاب ((الفردوس)) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أنا المنذر وعلي الهادي، بك يا علي يهتدي المهتدون. ونحوه ~~رواه أبو نعيم، وهو صريح في ثبوت الولاية والإمامة)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا لم يقم دليل على صحته، فلا يجوز الاحتجاج ~~به. وكتاب ((الفردوس)) للديلمي فيه موضوعات كثيرة أجمع # أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل على صحة الحديث، وكذلك رواية أبي ~~نعيم لا تدل على الصحة. # الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، فيجب تكذيبه ورده. # الثالث: أن هذا الكلام لا يجوز نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فإن قوله: أنا المنذر وبك يا علي يهتدي المهتدون، ظاهره أنهم بك يهتدون ~~دوني، وهذا لا يقوله مسلم؛ فإن ظاهره أن النذارة والهداية مقسومة بينهما، ~~فهذا نذير لا يهتدى به، وهذا هاد وهذا لا يقوله مسلم. # الرابع: أن الله تعالى قد جعل محمدا هاديا فقال: {وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم * صراط الله} (2) . فكيف يجعل الهادي من لم يوصف بذلك دون من وصف ~~به؟! # الخامس: أن قوله: ((بك يهتدي المهتدون)) ظاهره أن كل من اهتدى من أمة ~~محمد فبه اهتدى، وهذا كذب بين؛ فإنه قد آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~خلق كثير، واهتدوا به، ودخلوا الجنة، ولم يسمعوا من علي كلمة واحدة، وأكثر ~~الذين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واهتدوا به لم يهتدوا بعلي في ~~شيء. وكذلك لما فتحت الأمصار وآمن واهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة ~~وغيرهم، كان جماهير المؤمنين لم يسمعوا من علي شيئا، فكيف يجوز أن يقال: بك ~~يهتدي المهتدون؟! PageV01P391 # السادس: أنه قد قيل معناه: إنما أنت نذير ولكل قوم هاد، وهو الله تعالى، ~~وهو قول ضعيف. وكذلك قول من قال: أنت نذير وهاد لكل قوم، قول ضعيف. والصحيح ~~أن معناها: إنما أنت نذير، كما أرسل من قبلك نذير، ms381 ولكل أمة نذير يهديهم أي ~~يدعوهم، كما في قوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} (1) . وهذا قول جماعة ~~من المفسرين، مثل قتادة وعكرمة وأبي الضحى وعبد الرحمن بن زيد. # وأما تفسيره بعلي فإنه باطل، لأنه قال: {ولكل قوم هاد} ، وهذا يقتضي أن ~~يكون هادي هؤلاء غير هادي هؤلاء، فيتعدد الهداة، فكيف يجعل علي هاديا لكل ~~قوم من الأولين والآخرين؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الرابع عشر: قوله تعالى: {وقفوهم إنهم مسئولون} ~~(2) من طريق أبي نعيم عن الشعبي عن ابن عباس قال في قوله تعالى: {وقفوهم ~~إنهم مسئولون} عن ولاية علي. وكذا في كتاب ((الفردوس)) عن أبي سعيد الخدري ~~رضي لله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وإذا سئلوا عن الولاية وجب ~~أن تكون ثابتة له، ولم يثبت لغيره من الصحابة ذلك، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل، والعزو إلى ((الفردوس)) ~~وإلى أبي نعيم لا تقوم به حجة باتفاق أهل العلم. # الثاني: أن هذا كذب موضوع بالاتفاق. # الثالث: أن الله تعالى قال: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسئولون* ما ~~لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون} (3) . # فهذا خطاب عن المشركين المكذبين بيوم الدين، وهؤلاء يسألون عن توحيد الله ~~والإيمان برسله واليوم الآخر. وأي مدخل لحب علي في سؤال هؤلاء؟ تراهم لو ~~أحبوه مع PageV01P392 # هذا الكفر والشرك أكان ذلك ينفعهم؟ أو تراهم لو أبغضوه أين كان بغضهم له ~~في بغضهم لأنبياء الله ولكتابه ودينه؟ # وما يفسر القرآن بهذا، ويقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - فسره بمثل ~~هذا، إلا زنديق ملحد، متلاعب بالدين، قادح في دين الإسلام، أو مفرط في ~~الجهل، لا يدري ما يقول. وأي فرق بين حب علي وطلحة والزبير وسعد وأبي بكر ~~وعمر وعثمان؟! ### | ### | (فصل) # # (1) قال الرافضي: ((البرهان الخامس عشر: قوله تعالى: {ولتعرفنهم في لحن ~~القول} (1) . روى أبو نعيم بإسناده عن أبي سعيد الخدري، في قوله تعالى: ~~{ولتعرفنهم في لحن القول} قال: ms382 ببغضهم عليا. ولم يثبت لغيره من الصحابة ~~ذلك، فيكون أفضل منهم، فيكون هو الإمام)) . # والجواب: المطالبة بصحة النقل أولا. # والثاني: أن هذا من الكذب على أبي سعيد عند أهل المعرفة بالحديث. # الثالث: أن يقال: لو ثبت أنه قال: فمجرد قول أبي سعيد قول واحد من ~~الصحابة، وقول الصاحب إذا خالفه صاحب آخر ليس بحجة باتفاق أهل العلم. وقد ~~علم قدح كثير من الصحابة في علي، وإنما احتج عليهم بالكتاب والسنة، لا بقول ~~آخر من الصحابة. # الرابع: أنا نعلم بالاضطرار أن عامة المنافقين لم يكن ما يعرفون به من ~~لحن القول هو بغض علي، فتفسير القرآن بهذا فرية ظاهرة. PageV01P393 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: البرهان السادس عشر: قوله تعالى: {والسابقون السابقون* ~~أولئك المقربون} (1) . روى أبو نعيم عن ابن عباس في هذه الآية: سابق هذه ~~الأمة علي بن أبي طالب. روى الفقيه ابن المغازلي الشافعي، عن مجاهد، عن ابن ~~عباس في قوله: {والسابقون السابقون} قال: سبق يوشع بن نون إلى موسى، وسبق ~~موسى إلى هارون، وسبق صاحب يس إلى عيسى، وسبق علي إلى محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل، فإن الكذب كثير فيما يرويه ~~هذا وهذا. # الثاني: أن هذا باطل عن ابن عباس، ولو صح عنه، لم يكن حجة إذا خالفه من ~~هو أقوى منه. # الثالث: أن الله تعالى يقول: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار} (2) . وقال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} (3) . # والسابقون الأولون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، الذين هم أفضل ~~ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل. ودخل فيهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا أكثر من ~~ألف وأربعمائة، فكيف يقال: إن سابق هذه الأمة واحد؟! # الرابع: قوله: ((وهذه الفضيلة لم تثبت لغيره من الصحابة)) ممنوع؛ فإن ~~الناس متنازعون في ms383 أول من أسلم، فقيل: أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق ~~إسلاما من علي. وقيل: إن عليا أسلم قبله. لكن علي كان صغيرا، وإسلام الصبي ~~فيه نزاع بين العلماء. ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر # أكمل وأنفع، فيكون هو أكمل سبقا بالاتفاق، وأسبق على الإطلاق على القول ~~الآخر. فكيف يقال: علي أسبق منه بلا حجة تدل على ذلك. PageV01P394 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: البرهان السابع عشر: قوله تعالى: {الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله} (1) . روى رزين ~~بن معاوية في ((الجمع بين الصحاح الستة)) أنها نزلت في علي لما افتخر طلحة ~~بن شيبة والعباس. وهذه لم تثبت لغيره من الصحابة، فيكون أفضل، فيكون هو ~~الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. ورزين قد ذكر في كتابه ~~أشياء ليست في الصحاح. # الثاني: أن الذي في الصحيح ليس كما ذكره عن رزين، بل الذي في الصحيح ما ~~رواه النعمان بن بشير، قال: كنت عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال ~~آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرم. وقال ~~آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يوم الجمعة، ولكن ~~إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله تعالى: ~~{أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله} (2) أخرجه مسلم (3) . # وهذا الحديث يقتضي أن قول علي الذي فضل به الجهاد على السدانة والسقاية ~~أصح من قول من فضل السدانة والسقاية، وأن عليا كان أعلم بالحق في هذه ~~المسألة ممن نازعه فيها. وهذا صحيح. # وأما التفضيل بالإيمان والهجرة والجهاد، فهذا ثابت لجميع الصحابة الذين ~~آمنوا وهاجروا وجاهدوا، فليس هاهنا فضيلة اختص بها علي، حتى يقال: إن هذا ~~لم يثبت لغيره. PageV01P395 ### | ### | (فصل) ms384 # # قال الرافضي: ((البرهان الثامن عشر: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} (1) من طريق الحافظ أبي ~~نعيم إلى ابن عباس، قال: إن الله حرم كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلا بتقديم الصدقة، وبخلوا أن يتصدقوا قبل كلامه، وتصدق علي، ولم يفعل ~~ذلك أحد من المسلمين غيره. ومن تفسير الثعلبي قال ابن عمر: كان لعلي ثلاثة ~~(2) لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، ~~وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. وروى رزين بن معاوية في ((الجمع بين ~~الصحاح الستة)) عن علي: ما عمل بهذه الآية غيري، وبي خفف الله عن هذه ~~الأمة. وهذا يدل على فضيلته عليهم، فيكون هو أحق بالإمامة)) . # والجواب أن يقال: أما الذي ثبت فهو أن عليا رضي الله عنه تصدق وناجى، ثم ~~نسخت الآية قبل أن يعمل بها غيره، لكن الآية لم توجب الصدقة عليهم، لكن ~~أمرهم إذا ناجوا أن يتصدقوا، فمن لم يناج لم يكن عليه أن يتصدق. وإذا لم ~~تكن المناجاة واجبة، لم يكن أحد ملوما إذا ترك ما ليس بواجب، ومن كان فيهم ~~عاجزا عن الصدقة، ولكن لو قدر لناجى فتصدق، فله نيته وأجره، ومن لم يعرض له ~~سبب يناجي لأجله لم يجعل ناقصا، ولكن من عرض له سبب اقتضى المناجاة فتركه ~~بخلا، فهذا قد ترك المستحب. ولا يمكن أن يشهد على الخلفاء أنهم كانوا من ~~هذا الضرب، ولا يعلم أنهم كانوا ثلاثتهم حاضرين عند نزول هذه الآية، بل ~~يمكن غيبة بعضهم، ويمكن حاجة بعضهم، ويمكن عدم الداعي إلى المناجاة. # ولم يطل زمان عدم نسخ الآية، حتى يعلم أن الزمان الطويل لا بد يعترض فيه ~~حاجة إلى المناجاة. # وبتقدير أن يكون أحدهم ترك المستحب، فقد بينا غير مرة أن من فعل مستحبا ~~لم يجب أن يكون أفضل من غيره مطلقا. PageV01P396 # وفي الترمذي مرفوعا: ((لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره)) (1) . # وتجهيز عثمان بألف بعير أعظم من صدقة ms385 علي بكثير كثير؛ فإن الإنفاق في ~~الجهاد كان فرضا، بخلاف الصدقة أمام النجوى فإنه مشترط بمن يريد النجوى، ~~فمن لم يردها لم يكن عليه أن يتصدق. # وقد أنزل الله في بعض الأنصار: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ~~(2) . # وبالجملة فباب الإنفاق في سبيل الله وغيره، لكثير من المهاجرين والأنصار، ~~فيه من الفضيلة ما ليس لعلي، فإنه لم يكن له مال على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان التاسع عشر: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا} ~~(3) . قال ابن عبد البر، وأخرجه أبو نعيم أيضا: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليلة أسرى به جمع الله بينه وبين الأنبياء ثم قال: سلهم يا محمد ~~علام بعثتم؟ قالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وعلى الإقرار ~~بنبوتك والولاية لعلي بن أبي طالب. وهذا صريح بثبوت الإمامة. لعلي)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة في هذا وأمثاله بالصحة. وقولنا في هذا ~~الكتاب القبيح وأمثاله: المطالبة بالصحة، ليس بشك منا في أن هذا وأمثاله من ~~أسمج الكذب وأقبحه، لكن على طريق التنزل في المناظرة، وأن هذا لو لم يعلم ~~أنه كذب لم يجز أن يحتج به حتى يثبت صدقه؛ فإن الاستدلال بما لا تعلم صحته ~~لا يجوز بالاتفاق، فإنه قول بلا علم، وهو حرام بالكتاب والسنة والإجماع. # الوجه الثاني: أن مثل هذا مما اتفق أهل العلم على أنه كذب موضوع. # الوجه الثالث: أن هذا مما يعلم من له علم ودين أنه من الكذب الباطل الذي ~~لا يصدق به من له عقل ودين، وإنما يختلق مثل هذا أهل الوقاحة والجراءة في ~~الكذب، فإن PageV01P397 # الرسل صلوات الله عليهم كيف يسئلون عما لا يدخل في أصل الإيمان؟. # وقد أجمع المسلمون على أن الرجل لو آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأطاعه، ومات في حياته قبل أن يعلم أن الله خلق أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ~~لم يضره ذلك شيئا، ولم يمنعه ذلك من دخول الجنة. فإذا كان هذا في ms386 أمة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم -، فكيف يقال: إن الأنبياء يجب عليهم الإيمان بواحد ~~من الصحابة؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان العشرون: قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} . في ~~تفسير الثعلبي، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سألت الله عز ~~وجل أن يجعلها أذنك يا علي. ومن طريق أبي نعيم قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: يا علي إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك، يا علي إن الله ~~أمرني أن أدنيك وأعلمك لتعي، وأنزلت علي هذه الآية: {وتعيها أذن واعية} ~~فأنت أذن واعية. وهذه الفضيلة لم تحصل لغيره، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: بيان صحة الإسناد. والثعلبي وأبو يعيم يرويان ~~مالا يحتج به بالإجماع. # الثاني: أن هذا موضوع باتفاق أهل العلم. # الثالث: أن قوله: {لما طغى الماء حملناكم في الجارية? لنجعلها لكم تذكرة ~~وتعيها أذن واعية} (1) لم يرد به أذن واحد من الناس فقط، فإن هذا خطاب لبني ~~آدم. # وحملهم على السفينة من أعظم الآيات. قال تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون* وخلقنا لهم من مثله ما يركبون} (2) ، وقال: {ألم ~~تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور} (3) ، فكيف يكون ذلك كله ليعي ذلك واحد من الناس؟ # نعم أذن علي من الآذان الواعية، كأذن أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم. وحينئذ ~~فلا اختصاص لعلي بذلك. وهذا مما يعلم بالاضطرار: أن الآذان الواعية ليست ~~أذن علي PageV01P398 # وحدها. أترى أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليست واعية؟ ولا أذن ~~الحسن والحسين وعمار وأبي ذر والمقداد وسلمان الفارسي وسهل بن حنيف وغيرهم ~~ممن يوافقون على فضيلتهم وإيمانهم؟ # وإذا كانت الآذان الواعية له ولغيره، لم يجز أن يقال: هذه الأفضلية لم ~~تحصل لغيره. # ولا ريب أن هذا الرافضي الجاهل الظالم يبني أمره على مقدمات باطلة؛ فإنه ~~لا يعلم في طوائف أهل البدع أوهى من حجج الرافضة، بخلاف المعتزلة ونحوهم، ~~فإن لهم حججا وأدلة قد تشتبه على ms387 كثير من أهل العلم والعقل. وأما الرافضة ~~فليس لهم حجة قط تنفق إلا على جاهل أو ظالم صاحب هوى، يقبل ما يوافق هواه، ~~سواء كان حقا أو باطلا. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الحادي والعشرون: سورة هل أتى. في تفسير الثعلبي ~~من طرق مختلفة قال: مرض الحسن والحسين، فعاداهما جدهما رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وعامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك. ~~فنذر صوم ثلاثة أيام، وكذا نذرت أمهما فاطمة وجاريتهم فضة، فبرئا، وليس عند ~~آل محمد قليل ولا كثير، فاستقرض علي ثلاثة آصع من شعير، فقامت فاطمة إلى ~~صاع فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرصا، وصلى علي مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - المغرب، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، إذ ~~أتاهم مسكين، فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه علي، ~~فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلا ~~الماء القراح. # فلما كان اليوم الثاني قامت فاطمة فخبزت صاعا، وصلى علي مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فأتاهم يتيم، فوقف ~~بالباب، وقال: السلام عليكم أهل بيت محمد - صلى الله عليه وسلم -، يتيم من ~~أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد ~~الجنة، فسمعه علي، فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ومكثوا يومين وليلتين لم ~~يذوقوا إلا الماء القراح. # PageV01P399 # فلما كان اليوم الثالث قامت فاطمة إلى الصاع الثالث، فطحنته وخبزته، وصلى ~~علي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، ~~إذ أتى أسير فقال: أتأسروننا وتشردوننا ولا تطعموننا، أطعموني فإني أسير ~~محمد أطعمكم الله من موائد الجنة. فسمعه علي، فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ~~ومكثوا ثلاثة أيام بلياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. # فلما كان اليوم الرابع، وقد وفوا نذورهم، أخذ علي الحسن بيده اليمنى، ~~والحسين بيده اليسرى، وأقبل على رسول الله ms388 - صلى الله عليه وسلم -، وهم ~~يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلق بنا إلى منزل ابنتي ~~فاطمة، فانطلقوا إليها، وهي في حجرتها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع، ~~وغارت عيناها، فلما رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: واغوثاه، بالله ~~أهل بيت محمد يموتون جوعا! # فهبط جبريل على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا محمد، خذ ما هنأك ~~الله في أهل بيتك. فقال ما آخذ يا جبريل؟ فأقرأه: {هل أتى على الإنسان حين} ~~. # وهي تدل على فضائل جمة لم يسبقه إليها أحد، ولا يلحقه أحد، فيكون أفضل من ~~غيره، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل، كما تقدم. ومجرد رواية ~~الثعلبي والواحدي وأمثالهما لا تدل على أنه صحيح باتفاق أهل السنة والشيعة. ~~ولو تنازع اثنان في مسألة من مسائل الأحكام والفضائل، واحتج أحدهما بحديث ~~لم يذكر ما يدل على صحته، إلا رواية الواحد من هؤلاء له في تفسيره، لم يكن ~~ذلك دليلا على صحته، ولا حجة على منازعه باتفاق العلماء. # الثاني: أن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ~~الذين هم أئمة هذا الشأن وحكامه. وقول هؤلاء هو المنقول في هذا الباب. # الوجه الثالث: أن الدلائل على كذب هذا كثيرة. منها: أن عليا إنما تزوج ~~فاطمة بالمدينة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، كما ثبت ذلك في الصحيح. ~~والحسن والحسين ولدا بعد ذلك، سنة ثلاث أو أربع. والناس متفقون على أن عليا ~~لم يتزوج فاطمة إلا بالمدينة ولم يولد له ولد إلا بالمدينة. وهذا من العلم ~~العام المتواتر، الذي يعرفه كل من عنده طرف من # PageV01P400 # العلم بمثل هذه الأمور. # وسورة ((هل أتى)) مكية باتفاق أهل التفسير والنقل، لم ينقل أحد منهم: ~~إنها مدنية. وهي على طريقة السور المكية في تقرير أصول الدين المشتركة بين ~~الأنبياء، كالإيمان بالله واليوم الآخر، وذكر الخلق والبعث. # وإذا كانت السورة ms389 نزلت بمكة قبل أن يتزوج علي بفاطمة، تبين أن نقل أنها ~~نزلت بعد مرض الحسن والحسين من الكذب والمين. # الوجه الرابع: أن سياق هذا الحديث وألفاظه من وضع جهال الكذابين. فمنه ~~قوله: ((فعادهما جدهما وعامة العرب)) فإن عامة العرب لم يكونوا بالمدينة، ~~والعرب الكفار ما كانوا يأتونهما يعودونهما. # ومنه قوله: ((فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك)) . وعلي لا يأخذ ~~الدين من أولئك العرب، بل يأخذه من النبي - صلى الله عليه وسلم -. فإن كان ~~هذا أمرا بطاعة فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يأمره من أولئك ~~العرب، وإن لم يكن علي يفعل ما يأمرون به. ثم كيف يقبل منهم ذلك من غير ~~مراجعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك؟! # الوجه الخامس: أن في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى ~~عن النذر، وقال ((إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل)) (1) . # فإن كان علي وفاطمة وسائر أهلهما لم يعلموا مثل هذا، وعلمه عموم الأمة ~~فهذا قدح في علمهم، فأين المدعى للعصمة؟ # وإن كانوا علموا ذلك، وفعلوا ما لا طاعة فيه لله ولرسوله، ولا فائدة لهم ~~فيه، بل قد نهيا عنه: إما نهي تحريم، وإما نهي تنزيه - كان هذا قدحا إما في ~~دينهم وإما في عقلهم وعلمهم. # الوجه السادس: أن عليا وفاطمة لم يكن لهما جارية اسمها فضة، بل ولا لأحد ~~من أقارب النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا نعرف أنه بالمدينة جارية اسمها ~~فضة، ولا ذكر ذلك أحد من أهل العلم، الذين ذكروا أحوالهم: دقها وجلها. ~~PageV01P401 # الوجه السابع: أنه قد ثبت في الصحيح عن بعض الأنصار أنه آثر ضيفه ~~بعشائهم، ونوم الصبية، وبات هو وامرأته طاويين. فأنزل الله سبحانه وتعالى: ~~{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (1) (2) . # وهذا المدح أعظم من المدح بقوله: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا} (3) ، ~~فإن هذا كقوله: {وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين} (4) . # الثامن: أن في هذه القصة ما لا ينبغي نسبته إلى علي وفاطمة رضي ms390 الله ~~عنهما؛ فإنه خلاف المأمور به المشروع، وهو إبقاء الأطفال ثلاثة أيام جياعا، ~~ووصالهم ثلاثة أيام. ومثل هذا الجوع قد يفسد العقل والبدن والدين. # وليس هذا مثل قصة الأنصاري؛ فإن ذلك بيتهم ليلة واحدة بلا عشاء، وهذا قد ~~يحتمله الصبيان، بخلاف ثلاثة أيام بلياليها. # التاسع: أن في هذه القصة أن اليتيم قال ((استشهد والدي يوم العقبة)) . ~~وهذا من الكذب الظاهر، فإن ليلة العقبة لم يكن فيها قتال، ولكن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بايع الأنصار ليلة العقبة قبل الهجرة، وقبل أن يؤمر ~~بالقتال. # وهذا يدل على أن الحديث، مع أنه كذب، فهو من كذب أجهل الناس بأحوال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. ولو قال: ((استشهد والدي يوم أحد)) لكان أقرب. # العاشر: أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكفي أولاد من قتل ~~معه. ولهذا قال لفاطمة لما سألته خادما: ((لا أدع يتامى بدر وأعطيك)) . ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثاني والعشرون: قوله تعالى: {والذي جاء بالصدق ~~وصدق به أولئك هم المتقون} (5) من طريق أبي نعيم عن مجاهد في قوله: {والذي ~~جاء بالصدق} محمد صلى الله عليه وآله، {وصدق به} : قال: علي بن أبي طالب. ~~ومن طريق الفقيه الشافعي عن مجاهد: {والذي جاء بالصدق وصدق به} قال: جاء به ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - PageV01P402 # وصدق به علي. وهذه فضيلة اختص بها، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا ليس منقولا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقول مجاهد وحده ليس بحجة يجب اتباعها على كل مسلم، لو كان هذا ~~النقل صحيحا عنه، فكيف إذا لم يكن ثابتا عنه؟! فإنه قد عرف بكثرة الكذب (1) ~~. # والثابت عن مجاهد خلاف هذا، وهو أن الصدق هو القرآن، والذي صدق به هو ~~المؤمن الذي عمل به، فجعلها عامة. # الوجه الثاني: أن هذا معارض بما هو أشهر منه عند أهل التفسير، وهو أن ~~الذي جاء بالصدق: محمد، والذي صدق به: أبو بكر، فإن هذا يقوله طائفة، وذكره ~~الطبري (2) بإسناده إلى علي. # الثالث: أن ms391 يقال: لفظ الآية عام مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعلي، بل كل ~~من دخل في عمومها دخل في حكمها. ولا ريب أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا أحق ~~هذه الأمة بالدخول فيها، لكنها لا تختص بهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: البرهان الثالث والعشرون: قوله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين} (3) من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي بن أبي طالب، ~~وذلك قوله في كتابه: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين} ، يعني بعلي. وهذه من ~~أعظم الفضائل التي لم تحصل لغيره من الصحابة، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. وأما مجرد العزو إلى رواية ~~أبي نعيم فليس حجة بالاتفاق. وأبو نعيم له كتاب مشهور في ((فضائل الصحابة)) ~~، وقد ذكر قطعة من الفضائل في أول ((الحلية)) ، فإن كانوا يحتجون بما رواه، ~~فقد روى في فضائل أبي بكر PageV01P403 # وعمر وعثمان ما ينقض بنيانهم ويهدم أركانهم، وإن كانوا لا يحتجون بما ~~رواه فلا يعتمدون على نقله، ونحن نرجع فيما رواه - هو وغيره - إلى أهل ~~العلم بهذا الفن، # والطرق التي بها يعلم صدق الحديث وكذبه، من النظر في إسناده ورجاله، وهل ~~هم ثقات سمع بعضهم من بعض أم لا؟ وننظر إلى شواهد الحديث وما يدل عليه على ~~أحد الأمرين، لا فرق عندنا بين ما يرى في فضائل علي أو فضائل غيره، فما ثبت ~~أنه صدق صدقناه، وما كان كذبا كذبناه. # الوجه الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وهذا ~~الحديث - وأمثاله - مما جزمنا أنه كذب موضوع نشهد أنه كذب موضوع، فنحن - ~~والله الذي لا إله إلا هو - نعلم علما ضروريا في قلوبنا، لا سبيل لنا إلى ~~دفعه، أن هذا الحديث كذب ما حدث به أبو هريرة، وهكذا نظائره مما نقول في ~~مثل ذلك. # الثالث: أن الله تعالى قال: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين* وألف بين ~~قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض ms392 جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف ~~بينهم} (1) وهذا نص في أن المؤمنين عدد مؤلف بين قلوبهم، وعلي واحد منهم ~~ليس له قلوب يؤلف بينها والمؤمنون صيغة جمع، فهذا نص صريح لا يحتمل أنه ~~أراد به واحدا معينا، وكيف يجوز أن يقال: المراد بهذا علي وحده؟. # الوجه الرابع: أن يقال: من المعلوم بالضرورة والتواتر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما كان قيام دينه بمجرد موافقة علي، فإن عليا كان من أول ~~من أسلم، فكان الإسلام ضعيفا، فلولا أن الله هدى من هداه إلى الإيمان ~~والهجرة والنصر، لم يحصل بعلي وحده شيء من التأييد، ولم يكن إيمان الناس ~~ولا هجرتهم ولا نصرتهم على يد علي، # ولم يكن علي منتصبا: لا بمكة ولا بالمدينة للدعوة إلى الإيمان، كما كان ~~أبو بكر منتصبا لذلك، ولم ينقل أنه أسلم على يد علي أحد من السابقين ~~الأولين، لا من المهاجرين ولا الأنصار، بل لا نعرف أنه أسلم على يد علي أحد ~~من الصحابة، لكن لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قد يكون ~~أسلم على يديه من أسلم، إن كان وقع ذلك، وليس أولئك من الصحابة، وإنما أسلم ~~أكابر الصحابة على يد أبي بكر، ولا كان يدعو المشركين ويناظرهم، كما # كان أبو PageV01P404 # بكر يدعوهم ويناظرهم، ولا كان المشركون يخافونه، كما يخافون أبا بكر ~~وعمر. # الوجه الخامس: أنه لم يكن لعلي في الإسلام أثر حسن، إلا ولغيره من ~~الصحابة مثله، ولبعضهم آثار أعظم من آثاره. وهذا معلوم لمن عرف السيرة ~~الصحيحة الثابتة بالنقل. وأما من يأخذ بنقل الكذابين وأحاديث الطرقية، فباب ~~الكذب مفتوح، وهذا الكذب يتعلق بالكذب على الله، {ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه} (1) . # فكيف يكون تأييد الرسول بواحد من أصحابه دون سائرهم والحال هذه؟ وأين ~~تأييده بالمؤمنين كلهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين ~~بايعوه تحت الشجرة والتابعين لهم بإحسان؟. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الرابع والعشرون: قوله تعالى: {يا أيها النبي ~~حسبك ms393 الله ومن اتبعك من المؤمنين} (2) . من طريق أبي نعيم قال: نزلت في ~~علي. وهذه فضيلة لم تحصل لأحد من الصحابة غيره. فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: منع الصحة. # الثاني: أن هذا القول ليس بحجة. # الثالث: أن يقال: هذا الكلام من أعظم الفرية على الله ورسوله. وذلك أن ~~قوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} (3) معناه: أن الله ~~حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، فهو وحده كافيك وكافي من معك من المؤمنين. ~~وهذا كما تقول العرب: حسبك وزيدا درهم. # ومنه قول الشاعر: # فحسبك والضاحك سيف مهند ... أي يكفيك والضاحك # وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية: أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون: {ومن ~~اتبعك} رفعا عطفا على الله، وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر؛ فإن الله وحده حسب ~~جميع الخلق. PageV01P405 # وإذا تبين هذا، فهؤلاء الرافضة رتبوا جهلا على جهل، فصاروا في ظلمات ~~بعضها فوق بعض، فظنوا أن قوله: {حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} معناه: ~~أن الله ومن اتبعك من المؤمنين حسبك، ثم جعلوا المؤمنين الذين اتبعوه هم ~~علي بن أبي طالب. # وجهلهم في هذا أظهر من جهلهم في الأول؛ فإن الأول قد يشتبه على بعض ~~الناس، وأما هذا فلا يخفى على عاقل، فإن عليا لم يكن وحده من الخلق كافيا ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو لم يكن معه إلا علي لما أقام دينه. ~~وهذا علي لم يغن عن نفسه ومعه أكثر جيوش الأرض، بل لما حاربه معاوية مع أهل ~~الشام، كان معاوية مقاوما له أو مستظهرا، سواء كان ذلك بقوة قتال، أو قوة ~~مكر واحتيال، فالحرب خدعة. # فإذا لم يغن عن نفسه بعد ظهور الإسلام واتباع أكثر أهل الأرض له، فكيف ~~يغني عن الرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأهل الأرض كلهم أعداؤه؟! # وإذا قيل إن عليا إنما لم يغلب معاوية ومن معه لأن جيشه لا يطيعونه، بل ~~كانوا مختلفين عليه. # قيل: فإذا كان من معه من المسلمين لم يطيعوه، فكيف يطيعه الكفار الذين ~~يكفرون ms394 بنبيه وبه؟! # ومن المعلوم قطعا أن الناس بعد دخولهم في دين الإسلام أتبع للحق منهم قبل ~~دخولهم فيه، فمن كان مشاركا لله في إقامة دين محمد، حتى قهر الكفار وأسلم ~~الناس، كيف لا يفعل هذا في قهر طائفة بغوا عليهم، هم أقل من الكفار ~~الموجودين عند بعثة الرسول، وأقل منهم شوكة، وأقرب إلى الحق منهم؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الخامس والعشرون: قوله تعالى: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه} (1) قال الثعلبي: إنما نزلت في علي، وهذا يدل على أنه ~~أفضل، فيكون هو الإمام)) . PageV01P406 # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا كذب على الثعلبي، فإنه قال في تفسيره في ~~هذه الآية: ((قال علي وقتادة والحسن: إنهم أبو بكر وأصحابه. وقال مجاهد: هم ~~أهل اليمن)) . وذكر حديث عياض بن غنم: أنهم أهل اليمن، وذكر الحديث: ~~((أتاكم أهل اليمن)) (1) . فقد نقل الثعلبي أن عليا فسر هذه الآية بأنهم ~~أبو بكر وأصحابه. # الثاني: أن هذا قول بلا حجة، فلا يجب قبوله. # الثالث: أن هذا معارض بما هو أشهر منه وأظهر، وهو أنها نزلت في أبي بكر ~~وأصحابه، الذين قاتلوا معه أهل الردة. وهذا هو المعروف عند الناس كما تقدم. ~~لكن هؤلاء الكذابون أرادوا أن يجعلوا الفضائل التي جاءت في أبي بكر ~~يجعلونها لعلي، وهذا من المكر السيء الذي لا يحيق إلا بأهله. # الرابع: أن يقال: إن الذي تواتر عند الناس أنه قاتل أهل الردة هو أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه، الذي قاتل مسيلمة الكذاب المدعي للنبوة وأتباعه بني ~~حنيفة وأهل اليمامة. وقد قيل: كانوا نحو مائة ألف أو أكثر، وقاتل طليحة ~~الأسدي، وكان قد ادعى النبوة بنجد، واتبعه من أسد وتميم وغطفان ما شاء ~~الله، وادعت النبوة سجاح، امرأة تزوجها مسيلمة الكذاب، فتزوج الكذاب ~~بالكذابة. # والمقاتلون للمرتدين هم من الذين يحبهم الله ويحبونه، وهم أحق الناس ~~بالدخول في هذه الآية، وكذلك الذين قاتلوا سائر الكفار من الروم والفرس. ~~وهؤلاء أبو بكر وعمر ومن اتبعهما من أهل اليمن وغيرهم. ولهذا روى أن هذه ~~الآية ms395 لما نزلت سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هؤلاء، فأشار إلى أبي ~~موسى الأشعري، وقال: ((هم قوم هذا)) (2) . # فهذا أمر يعرف بالتواتر والضرورة: أن الذين أقاموا الإسلام وثبتوا عليه ~~حين الردة، وقاتلوا المرتدين والكفار، هم داخلون في قوله: {فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ~~الله ولا يخافون لومة لائم} (3) وأما علي رضي الله عنه فلا ريب أنه ممن يحب ~~الله ويحبه الله، لكن ليس بأحق بهذه الصفة PageV01P407 # من أبي بكر وعمر وعثمان، ولا كان جهاده للكفار والمرتدين أعظم من جهاده ~~هؤلاء، ولا حصل به من المصلحة للدين أعظم مما حصل بهؤلاء، بل كل منهم له ~~سعي مشكور وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام ~~وأهله خير جزاء، فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، الذين قضوا بالحق، ~~وبه كانوا يعدلون. # وأما أن يأتي إلى أئمة الجماعة الذين كان نفعهم في الدين والدنيا أعظم، ~~فيجعلهم كفارا أو فساقا ظلمة، ويأتي إلى من لم يجر على يديه من الخير مثل ~~ما جرى على يد واحد منهم، فيجعله الله أو شريكا لله، أو شريك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أو الإمام المعصوم الذي لا يؤمن إلا من جعله معصوما ~~منصوصا عليه، ومن خرج عن هذا فهو كافر، ويجعل الكفار المرتدين الذي قاتلهم ~~أولئك كانوا مسلمين، ويجعل المسلمين الذين يصلون الصلوات الخمس، ويصومون ~~شهر رمضان، ويحجون البيت، ويؤمنون بالقرآن يجعلهم كفارا لأجل قتال هؤلاء. # فهذا عمل أهل الجهل والكذب والظلم والإلحاد في دين الإسلام، عمل من لا ~~عقل له ولا دين ولا إيمان. # الوجه الخامس: أن يقال: هب أن الآية نزلت في علي، أيقول القائل: أنها ~~مختصة به، ولفظها يصرح بأنهم جماعة؟ قال تعالى: {من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} (1) إلى قوله: {لومة لائم} . أفليس هذا ~~صريحا في أن هؤلاء ليسوا رجلا، فإن الرجل لا يسمى قوما في لغة العرب: لا ~~حقيقة ولا مجازا. # ولو قال: المراد ms396 هو وشيعته. # لقيل: إذا كانت الآية أدخلت مع علي غيره، فلا ريب أن الذين قاتلوا الكفار ~~والمرتدين أحق بالدخول فيها ممن لم يقاتل إلا أهل القبلة، فلا ريب أن أهل ~~اليمن، الذين قاتلوا مع أبي بكر وعمر وعثمان، أحق بالدخول فيها من الرافضة، ~~الذين يوالون اليهود والنصارى والمشركين، ويعادون السابقين الأولين. # الوجه السادس: قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} لفظ مطلق، ليس ~~فيه تعيين. وهو متناول لمن قام بهذه الصفات كائنا ما كان، لا يختص ذلك بأبي ~~بكر ولا بعلي. وإذا لم يكن مختصا بأحدهما، لم يكن هذا من خصائصه، فبطل أن ~~يكون بذلك أفضل PageV01P408 # ممن يشاركه فيه، فضلا عن أن يستوجب بذلك الإمامة. # بل هذه الآية تدل على أنه لا يرتد أحد عن الدين إلى يوم القيامة إلا أقام ~~الله قوما يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون ~~هؤلاء المرتدين. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان السادس والعشرون: قوله تعالى: {والذين آمنوا ~~بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} (1) . روى أحمد بن حنبل ~~بإسناده عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ((الصديقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار مؤمن آل ياسين، الذي قال: يا قوم ~~اتبعوا المرسلين. وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله. وعلي بن أبي طالب الثالث، وهو أفضلهم. ونحوه رواه المغازلي الفقيه ~~الشافعي وصاحب كتاب ((الفردوس)) . وهذه فضيلة تدل على إمامته)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة الحديث، وهذا ليس في مسند أحمد. ~~ومجرد روايته له في الفضائل، لو كان رواه، لا يدل على صحته عنده باتفاق أهل ~~العلم، فإنه يروي ما رواه الناس، وإن لم تثبت صحته. وكل من عرف العلم يعلم ~~أنه ليس كل حديث رواه أحمد في الفضائل ونحوه يقول: # إنه صحيح، بل ولا كل حديث رواه في مسنده يقول: إنه صحيح، بل أحاديث مسنده ~~هي التي رواها الناس عمن هو معروف عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه، وقد ms397 ~~يكون في بعضها علة تدل على أنه ضعيف، بل باطل. لكن غالبها وجمهورها أحاديث ~~جيدة يحتج بها، وهي أجود من أحاديث سنن أبي داود. وأما ما رواه في الفضائل ~~فليس من هذا الباب عنده. # فكيف وهذا الحديث لم يروه أحمد: لا في المسند ولا في كتاب ((الفضائل)) ~~وإنما هو من زيادات القطيعي. # الثاني: أن هذا الحديث موضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~PageV01P409 # الثالث: أن في الصحيح من غير وجه تسمية غير علي صديقا، كتسمية أبي بكر ~~الصديق، فكيف يقال: الصديقون ثلاثة؟ # وفي الصحيحين عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أحدا، وتبعه ~~أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اثبت ~~أحد فما عليك إلا نبي أو صديق وشهيدان)) (1) . # الوجه الرابع: أن الله تعالى قد سمى مريم صديقة، فكيف يقال: الصديقون ~~ثلاثة؟! # الوجه الخامس: أن قول القائل: الصديقون ثلاثة، إن أراد به أنه لا صديق ~~إلا هؤلاء، فإنه كذب مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وإن أراد أن ~~الكامل في الصديقة هم الثلاثة، فهو أيضا خطأ، لأن أمتنا خير أمة أخرجت ~~للناس، فكيف يكون المصدق بموسى ورسل عيسى أفضل من المصدقين بمحمد؟! # الوجه السادس: أن الله تعالى قال: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم ~~الصديقون والشهداء عند ربهم} (2) . وهذا يقتضي أن كل مؤمن آمن بالله ورسله ~~فهو صديق. # السابع: أن يقال: إن كان الصديق هو الذي يستحق الإمامة، فأحق الناس بكونه ~~صديقا أبو بكر؛ فإنه الذي ثبت له هذا الاسم بالدلائل الكثيرة، وبالتواتر ~~الضروري عند الخاص والعام، حتى إن أعداء الإسلام يعرفون ذلك، فيكون هو ~~المستحق للإمامة. وإن لم يكن كونه صديقا يستلزم الإمامة بطلت الحجة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان السابع والعشرون: قوله تعالى: {الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية} (3) . من طريق أبي نعيم بإسناده إلى ~~ابن عباس نزلت في علي، كان معه أربعة دراهم، فأنفق درهما بالليل، ودرهما ~~بالنهار، ودرهما سرا، ودرهما علانية، وروى الثعلبي ذلك. ولم يحصل لغيره، ~~فيكون ms398 أفضل، فيكون هو الإمام)) . PageV01P410 # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. ورواية أبي نعيم والثعلبي ~~لا تدل على الصحة. # الثاني: أن هذا كذب ليس بثابت. # الثالث: أن الآية عامة في كل ما ينفق بالليل والنهار سرا وعلانية، فمن ~~عمل بها دخل فيها، سواء كان عليا أو غيره، ويمتنع أن لا يراد بها إلا واحد ~~معين. # الرابع: أن ما ذكر من الحديث يناقض مدلول الآية؛ فإن الآية تدل على ~~الإنفاق في الزمانين اللذين لا يخلو الوقت عنهما، وفي الحالين اللذين لا ~~يخلو الفعل منهما. فالفعل لا بد له من زمان، والزمان إما ليل وإما نهار. ~~والفعل إما سرا وإما علانية. فالرجل إذا أنفق بالليل سرا، كان قد أنفق ليلا ~~سرا. وإذا أنفق علانية نهارا، كان قد أنفق علانية نهارا. # الخامس: أنا لو قدرنا أن عليا فعل ذلك، ونزلت فيه الآية، فهل هنا إلا ~~إنفاق أربعة دراهم في أحوال؟! وهذا عمل مفتوح بابه ميسر إلى يوم القيامة. ~~والعاملون بهذا وأضعافه أكثر من أن يحصوا، وما من أحد فيه خير إلا ولا بد # أن ينفق إن شاء الله، تارة بالليل وتارة بالنهار، وتارة في السر وتارة في ~~العلانية. فليس هذا من الخصائص، فلا يدل على فضيلة الإمام. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثامن والعشرون: ما رواه أحمد بن حنبل عن ابن ~~عباس قال: ليس من آية في القرآن: {يا أيها الذين آمنوا} إلا وعلي رأسها ~~وأميرها، وشريفها وسيدها، ولقد عاتب الله تعالى أصحاب محمد في القرآن، وما ~~ذكر عليا إلا بخير. وهذا يدل على أنه أفضل فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل. وليس هذا في مسند أحمد، ~~ولا مجرد روايته له - ولو رواه - في ((الفضائل)) يدل على أنه صدق، فكيف ولم ~~يروه أحمد: لا في المسند، ولا في ((الفضائل)) وإنما هو من زيادات القطيعي ~~(1) . PageV01P411 # الثاني: أن هذا كذب على ابن عباس، والمتواتر عنه أنه كان يفضل عليه أبا ~~بكر وعمر، وله معايبات يعيب بها عليا، ويأخذ عليه في أشياء ms399 من أموره، حتى ~~إنه لما حرق الزنادقة الذين ادعوا فيه الإلهية قال: لو كنت أنا لم أحرقهم، ~~لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعذب بعذاب الله، ولضربت أعناقهم ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من بدل دينه فاقتلوه)) . رواه ~~البخاري (1) وغيره. ولما بلغ عليا ذلك قال: ويح أم ابن عباس. # الثالث: أن هذا الكلام ليس فيه مدح لعلي؛ فإن الله كثيرا ما يخاطب الناس ~~بمثل هذا في مقام عتاب، كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون* كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} (2) ، فإن كان علي رأس ~~هذه الآية، فقد وقع منه هذا الفعل الذي أنكره الله وذمه. # الرابع: هو ممن شمله لفظ الخطاب، وإن لم يكن هو سبب الخطاب فلا ريب أن ~~اللفظ شمله كما يشمل غيره. وليس في لفظ الآية تفريق بين مؤمن ومؤمن. # الخامس: أن قول القائل عن بعض الصحابة: أنه رأس الآيات وأميرها وشريفها ~~وسيدها، كلام لا حقيقة له. فإن أريد أنه أول من خوطب بها، فليس كذلك؛ فإن ~~الخطاب يتناول المخاطبين تناولا واحدا، لا يتقدم بعضهم بما تناوله عن بعض. # وغاية ما عندكم أن تذكروا أن ابن عباس كان يفضل عليا، وهذا مع أنه كذب ~~على ابن عباس، وخلاف المعلوم عنه، فلو قدر أنه قال ذلك - مع مخالفة جمهور ~~الصحابة - لم يكن حجة. # السادس: أن قول القائل: لقد عاتب الله أصحاب محمد في القرآن وما ذكر عليا ~~إلا بخير كذب معلوم، فإنه لا يعرف أن الله عاتب أبو بكر في القرآن، بل ولا ~~أنه ساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل روى عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال في خطبته ((أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه، فإنه لم يسؤني يوما ~~قط)) . PageV01P412 ### | (فصل) # قال الرافضي: ((البرهان التاسع والعشرون: قوله تعالى: {إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (1) . من ~~صحيح البخاري عن كعب بن عجرة قال: سألنا رسول الله - صلى الله عليه ms400 وسلم - ~~فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله علمنا كيف ~~نسلم؟. قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) (2) . وفي صحيح ~~مسلم: قلنا: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ ~~فقال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم)) (3) . ولا شك أن عليا أفضل آل محمد، فيكون أولى بالإمامة)) . # والجواب: أنه لا ريب أن هذا الحديث صحيح متفق عليه، وأن عليا من آل محمد ~~الداخلين في قوله: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)) ، ولكن ليس هذا من ~~خصائصه؛ فإن جميع بني هاشم داخلون في هذا، كالعباس وولده، والحارث بن عبد ~~المطلب وولده، وكبنات النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجتي عثمان: رقية وأم ~~كلثوم، وبنته فاطمة. وكذلك أزواجه، كما في الصحيحين عنه قوله ((اللهم صل ~~على محمد وعلى أزواجه وذريته)) (4) بل يدخل فيه سائر أهل بيته إلى يوم ~~القيامة، ويدخل فيه إخوة علي كجعفر وعقيل. # ومعلوم أن دخول كل هؤلاء في الصلاة والتسليم لا يدل على أنه أفضل من كل ~~من لم يدخل في ذلك، ولا أنه يصلح بذلك للإمامة، فضلا عن أن يكون مختصا بها. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((البرهان الثلاثون: قوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان* ~~بينهما برزخ PageV01P413 # لا يبغيان} (1) . من تفسير الثعلبي وطريق أبي نعيم عن ابن عباس في قوله: ~~{مرج البحرين يلتقيان} قال: علي وفاطمة {بينهما برزخ لا يبغيان} النبي صلى ~~الله عليه وآله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (2) : الحسن والحسين، ولم ~~يحصل لغيره من الصحابة هذه الفضيلة، فيكون أولى بالإمامة)) . # والجواب: أن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول. وهذا بالهذيان ~~أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير الملاحدة الباطنية للقرآن، بل هو ~~شر من كثير منه. والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، ~~بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه. # وهو من إلحادات الرافضة كقولهم: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (3) ، ~~علي، وكقولهم: ms401 {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} (4) : إنه علي بن أبي ~~طالب، {والشجرة الملعونة في القرآن} (5) : بنو أمية، وأمثال هذا الكلام ~~الذي لا يقوله من يرجو لله وقارا، ولا يقوله من يؤمن بالله وكتابه. # ومما يبين كذب ذلك من وجوه: أحدها: أن هذا في سورة الرحمن، وهي مكية ~~بإجماع المسلمين، والحسن إنما ولدا بالمدينة. # الثاني: أن تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤا، وهذا مرجانا، وجعل النكاح ~~مرجا- أمر لا تحتمله لغة العرب بوجه، لا حقيقة ولا مجازا، بل كما أنه كذب ~~على الله وعلى القرآن، فهو كذب على اللغة. # الثالث: أنه ليس في هذا شيء زائد على ما يوجد في سائر بني آدم، فإن كل من ~~تزوج امرأة وولد لهما ولدان من هذا الجنس. # الرابع: أن الله ذكر أنه مرج البحرين في آية أخرى، فقال في الفرقان: {وهو ~~الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج} (6) فلو أريد بذلك علي ~~وفاطمة لكان ذلك ذما لأحدهما، وهذا باطل بإجماع أهل السنة والشيعة. # الخامس: أنه قال: {بينهما برزخ لا يبغيان} فلو أريد بذلك علي PageV01P414 # وفاطمة لكان البرزخ هو النبي - صلى الله عليه وسلم - بزعمهم - أو غيره هو ~~المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر، وهذا بالذم أشبه منه بالمدح. # السادس: أن أئمة التفسير متفقون على خلاف هذا الذي ذكره، كما ذكره ابن ~~جرير وغيره. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الحادي والثلاثون: قوله تعالى: {ومن عنده علم ~~الكتاب} (1) . من طريق أبي نعيم عن ابن الحنفية قال: هو علي بن أبي طالب. ~~وفي تفسير الثعلبي عن عبد الله بن سلام قال: قلت: من هذا الذي عنده علم ~~الكتاب؟ قال: ذلك علي بن أبي طالب. وهذا يدل على أنه أفضل، فيكون هو ~~الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل عن ابن سلام وابن الحنفية. # الثاني: أنه بتقدير ثبوته ليس بحجة مع مخالفة الجمهور لهما. # الثالث: أن هذا كذب عليهما. # الرابع: أن هذا باطل قطعا. وذلك أن الله تعالى قال: {قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم ومن ms402 عنده علم الكتاب} (2) ، ولو أريد به علي لكان المراد أن ~~محمدا يستشهد على ما قاله بابن عمه علي. ومعلوم أن عليا لو شهد له بالنبوة ~~وبكل ما قال، لم ينتفع محمد بشهادته له، ولا يكون ذلك حجة له على الناس، ~~ولا يحصل بذلك دليل المستدل، ولا ينقاد بذلك أحد، لأنهم يقولون: من أين ~~لعلي ذلك؟ وإنما هو استفاد ذلك من محمد، فيكون محمد هو الشاهد لنفسه. # ومنها أن يقال: إن هذا ابن عمه ومن أول من آمن به، فيظن به المحاباة ~~والمداهنة. PageV01P415 # فهذا الجاهل الذي جعل هذا فضيلة لعلي قدح بها فيه وفي النبي الذي صار به ~~علي من المؤمنين، وفي الأدلة الدالة على الإسلام. ولا يقول هذا إلا زنديق ~~أو جاهل مفرط في الجهل. # وإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم # الخامس: أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر الاستشهاد بأهل الكتاب في غير آية، ~~كقوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله} (1) أفترى عليا هو من بني إسرائيل؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثاني والثلاثون: قوله تعالى: {يوم لا يخزي الله ~~النبي والذين آمنوا معه} (2) . روى أبو نعيم مرفوعا إلى ابن عباس قال: أول ~~من يكسى من حلل الجنة: إبراهيم عليه السلام بخلته من الله: {يوم لا يخزي ~~الله النبي والذين آمنوا معه} قال: علي وأصحابه. وهذا يدل على أنه أفضل من ~~غيره، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل، لا سيما في مثل هذا الذي ~~لا أصل له. # الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث. # الثالث: أن هذا باطل قطعا، لأن هذا يقضي أن يكون علي أفضل من إبراهيم ~~ومحمد، لأنه وسط وهما طرفان. وأفضل الخلق إبراهيم ومحمد، فمن فضل عليهما ~~عليا كان أكفر من اليهود والنصارى. # الرابع: أنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: ((أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم)) (3) وليس فيه ms403 ذكر محمد ولا علي. ~~وتقديم إبراهيم بالكسوة لا يقتضي أنه أفضل من PageV01P416 # محمد مطلقا. # الخامس: أن قوله تعالى: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على ~~كل شيء قدير} (1) وقوله: {يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار # خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم} (2) . نص عام في المؤمنين الذين مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسياق الكلام يدل على عمومه. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثالث والثلاثون: قوله تعالى: {إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} (3) . روى الحافظ أبو نعيم بإسناده ~~إلى ابن عباس لما نزلت هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لعلي: تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي خصماؤك غضابا ~~مفحمين، وإذا كان خير البرية، وجب أن يكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة النقل، وإن كنا غير مرتابين في ~~كذب ذلك، لكن مطالبة المدعي بصحة النقل لا يأباه إلا معاند. ومجرد رواية ~~أبي نعيم ليست بحجة باتفاق طوائف المسلمين. # الثاني: أن هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء وأهل المعرفة ~~بالمنقولات. # الثالث: أن يقال: هذا معارض بمن يقول: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم ~~النواصب، كالخوارج وغيرهم. ويقولون: إن من تولاه فهو كافر مرتد، فلا يدخل ~~في الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويحتجون على ذلك بقوله: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} (4) . قالوا: ومن حكم الرجال في دين الله ~~فقد حكم بغير ما أنزل الله فيكون كافرا، ومن تولى الكافر فهو كافر، لقوله: ~~{ومن يتولهم منكم فإنه منهم} (5) PageV01P417 # وقالوا: إنه هو وعثمان ومن تولاهما مرتدون بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ((ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأقول؛ أي رب أصحابي ~~أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على ~~أعقابهم منذ فارقتهم)) (1) . # قالوا: وهؤلاء هم الذين حكموا في ms404 دماء المسلمين وأموالهم بغير ما أنزل ~~الله. # واحتجوا بقوله: ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (2) . ~~قالوا: فهذا وأمثاله من حجج الخوارج، وهو وإن كان باطلا بلا ريب فحجج ~~الرافضة أبطل منه، والخوارج أعقل وأصدق وأتبع للحق من الرافضة؛ فإنهم ~~صادقون لا يكذبون، أهل دين ظاهرا وباطنا، لكنهم ضالون جاهلون مارقون، مرقوا ~~من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وأما الرافضة فالجهل والهوى والكذب ~~غالب عليهم، وكثير من أئمتهم وعامتهم زنادقة ملاحدة، ليس لهم غرض في العلم ~~ولا في الدين، بل {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} (3) . # الوجه الرابع: أن يقال: قوله: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (4) عام ~~في كل من اتصف بذلك، فما الذي أوجب تخصيصه بالشيعة. # فإن قيل: لأن من سواهم كافر. # قيل: إن ثبت كفر من سواهم بدليل، كان ذلك مغنيا لكم عن هذا التطويل، وإن ~~لم يثبت لم ينفعكم هذا الدليل، فإنه من جهة النقل لا يثبت، فإن أمكن إثباته ~~بدليل منفصل، فذاك هو الذي يعتمد عليه لا هذه الآية. # الوجه الخامس: أن يقال: من المعلوم المتواتر أن ابن عباس كان يوالي غير ~~شيعة علي أكثر مما يوالي كثيرا من الشيعة، حتى الخوارج كان يجالسهم ويفتيهم ~~ويناظرهم. فلو اعتقد أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الشيعة فقط، وأن من ~~سواهم كفار، لم يعمل مثل هذا. PageV01P418 # الوجه السادس: أنه قال قبل ذلك {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ~~في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} (1) . ثم قال: {إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} (2) # وهذا يبين أن هؤلاء من سوى المشركين وأهل الكتاب. وفي القرآن مواضع كثيرة ~~ذكر فيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلها عامة. فما الموجب لتخصيص هذه ~~الآية دون نظائرها؟. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الرابع والثلاثون: قوله تعالى: {وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} (3) . في تفسير الثعلبي عن ابن سيرين قال: ~~نزلت في النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلي ms405 بن أبي طالب: زوج فاطمة عليا، ~~وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، ولم يثبت لغيره ذلك، فكان ~~أفضل، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أولا: المطالبة بصحة النقل. # وثانيا: أن هذا كذب على ابن سيرين بلا شك. # وثالثا: أن مجرد قول ابن سيرين الذي خالفه فيه الناس ليس بحجة. # الرابع: أن يقال: هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكية. وهذا من الآيات ~~المكية باتفاق الناس قبل أن يتزوج علي بفاطمة، فكيف يكون ذلك قد أريد به ~~علي وفاطمة؟! # الخامس: أن الآية مطلقة في كل نسب وصهر، لا اختصاص لها بشخص دون شخص. # السادس: أنه لو فرض أنه أريد بذلك مصاهرة علي، فمجرد المصاهرة لا تدل على ~~أنه أفضل من غيره باتفاق أهل السنة والشيعة، فإن المصاهرة ثابتة لكل من ~~الأربعة، مع أن بعضهم أفضل من بعض، فلو كان المصاهرة توجب الأفضلية للزم ~~التناقض. PageV01P419 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الخامس والثلاثون: قوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} (1) أوجب الله علينا الكون مع ~~المعلوم منهم الصدق، وليس إلا المعصوم لتجويز الكذب في غيره، فيكون هو ~~عليا، إذ لا معصوم من الأربعة سواه. وفي حديث أبي نعيم عن ابن عباس أنها ~~نزلت في علي)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن الصديق مبالغة في الصادق، فكل صديق صادق وليس ~~كل صادق صديقا. وأبو بكر رضي الله عنه قد ثبت أنه صديق بالأدلة الكثيرة، ~~فيجب أن تتناوله الآية قطعا وأن تكون معه، بل تناولها له أولى من تناولها ~~لغيره من الصحابة. وإذا كنا معه مقرين بخلافته، امتنع بأن نقر بأن عليا كان ~~هو الإمام دونه، فالآية تدل على نقيض مطلوبهم. # الثاني: أن يقال: هذه الآية نزلت في قصة كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة ~~تبوك، وصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه لم يكن له عذر، وتاب الله ~~عليه ببركة الصدق. # الثالث: أن هذه الآية نزلت في هذه القصة، ولم يكن أحد يقال إنه معصوم، لا ms406 ~~علي ولا غيره. فعلم أن الله أراد {مع الصادقين} ولم يشترط كونه معصوما. # الرابع: أنه قال: {مع الصادقين} وهذه صيغة جمع، وعلي واحد، فلا يكون هو ~~المراد وحده. # الخامس: أن قوله تعالى: {مع الصادقين} إما أن يراد: كونوا معهم في الصدق ~~وتوابعه، فاصدقوا كما يصدق الصادقون، ولا تكونوا مع الكاذبين. كما في قوله: ~~{واركعوا مع الراكعين} (2) . # وإما أن يراد به: كونوا مع الصادقين في كل شيء، وإن لم يتعلق بالصدق. # والثاني باطل؛ فإن الإنسان لا يجب عليه أن يكون مع الصادقين في المباحات، ~~كالأكل والشرب واللباس ونحو ذلك. PageV01P420 # فإن كان الأول هو الصحيح، فليس في هذا أمر بالكون مع شخص معين، بل ~~المقصود: اصدقوا ولا تكذبوا. # الوجه السادس: أن يقال: إذا أريد: كونوا مع الصادقين مطلقا، فذلك لأن ~~الصدق مستلزم لسائر البر، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم ~~بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر)) الحديث. وحينئذ فهذا وصف ثابت لكل من ~~اتصف به. # الوجه السابع: هب أن المراد: مع المعلوم فيهم الصدق، لكن العلم كالعلم في ~~قوله: {فإن علمتموهن مؤمنات} (1) ، والإيمان أخفى من الصدق. فإذا كان العلم ~~المشروط هناك يمتنع أن يقال فيه ليس: إلا العلم بالمعصوم، كذلك هنا يمتنع ~~أن يقال: لا يعلم إلا صدق المعصوم. # الوجه الثامن: أنه لو قدر أن المراد به: المعصوم لا نسلم الإجماع على ~~انتفاء العصمة من غير علي، كما تقدم بيان ذلك؛ فإن كثيرا من الناس الذين هم ~~خير من الرافضة يدعون في شيوخهم هذا المعنى، وإن غيروا عبارته. وأيضا فنحن ~~لا نسلم انتفاء عصمتهم مع ثبوت عصمته، بل إما انتفاء الجميع وإما ثبوت ~~الجميع. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان السادس والثلاثون: قوله تعالى: {واركعوا مع ~~الراكعين} (2) من طريق أبي نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي خاصة، وهما أول من صلى وركع. وهذا ~~يدل على فضيلته فيدل على إمامته)) . # الجواب من وجوه: أحدها: أنا لا نسلم صحة هذا، ولم يذكر دليلا ms407 على صحته. # الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. # الثالث: أن لو كان المراد الركوع معها لانقطع حكمها بموتهما، فلا يكون ~~أحد مأمورا أن يركع مع الراكعين. PageV01P421 # الخامس: أنه لو كان أمرا بالركوع معه، لم يدل ذلك على أن من ركع معه يكون ~~هو الإمام، فإن عليا لم يكن إماما مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~يركع معه. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: البرهان السابع والثلاثون: قوله تعالى: {واجعل لي وزيرا من ~~أهلي} (1) من طريق أبي نعيم عن ابن عباس قال: أخذ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بيد علي وبيدي ونحن بمكة، وصلى أربع ركعات، ورفع يده إلى السماء، ~~فقال: اللهم موسى بن عمران سألك، وأنا محمد نبيك أسألك أن تشرح لي صدري، ~~وتحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي، علي بن أبي ~~طالب أخي، أشدد به أزري وأشركه في أمري، قال ابن عباس سمعت مناديا ينادي: ~~يا أحمد قد أوتيت ما سألت. وهذا نص في الباب)) . # والجواب: المطالبة بالصحة كما تقدم أولا: # الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم والحديث، بل هم يعلمون أن هذا ~~من أسمج الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان بمكة في أكثر الأوقات ~~لم يكن ابن عباس قد ولد، وابن عباس ولد وبنو هاشم في الشعب محصورون، ولما ~~هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ابن عباس بلغ سن التمييز، ~~ولا كان ممن يتوضأ ويصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مات وهو لم يحتلم بعد. # الرابع: أنا قد بينا فيما تقدم وجوها متعددة في بطلان مثل هذا، فإن هذا ~~الكلام كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجوه كثيرة، ولكن هنا ~~قد زادوا فيه زيادات كثيرة لم يذكروها هناك، وهي قوله: وأشركه في أمري، ~~فصرحوا هنا بأن عليا كان شريكه في أمره، كما كان هارون شريك ms408 موسى، وهذا قول # من يقول بنبوته، وهذا كفر صريح، وليس هو قول الإمامية، وإنما هو قول ~~الغالية. # وليس الشريك في الأمر هو الخليفة من بعده، فإنهم يدعون إمامته بعده، ~~ومشاركته له PageV01P422 # في أمره في حياته. # وهذا الرافضي الكذاب يقول: ((وهذا نص في الباب)) . # فيقال له: يا دبير هذا نص في أن عليا شريكه في أمره في حياته، كما كان ~~هارون شريكا لموسى. فهل تقول بموجب هذا النص؟ أم ترجع عن الاحتجاج بأكاذيب ~~المفترين، وترهات إخوانك المبطلين؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الثامن والثلاثون: قوله تعالى: {إخوانا على سرر ~~متقابلين} (1) . من مسند أحمد بإسناده إلى زيد بن أبي أوفى قال: دخلت على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجده، فذكر قصة مؤاخاة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال علي: لقد ذهبت روحي، وانقطع ظهري، حين فعلت ~~بأصحابك، فإن كان هذا من سخط الله علي، فلك العقبى والكرامة. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي بعثني بالحق نبيا، ما ~~اخترتك إلا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، ~~وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنة، ومع ابنتي فاطمة، فأنت أخي ~~ورفيقي. ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ? {إخوانا على سرر ~~متقابلين} ، المتحابين في الله ينظر بعضهم إلى بعض. والمؤاخاة تستدعي ~~المناسبة والمشاكلة، فلما اختص علي بمؤاخاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا الإسناد. وليس هذا الحديث في ~~مسند أحمد، ولا رواه أحمد قط لا في المسند ولا في ((الفضائل)) ولا ابنه. ~~فقول هذا الرافضي: ((من مسند أحمد)) كذب وافتراء على المسند. وإنما هو من ~~زيادات القطيعي التي فيها من الكذب الموضوع ما اتفق أهل العلم على أنه كذب ~~موضوع، رواه القطيعي عن عبد الله بن محمد بن عبد # العزيز البغوي، حدثنا حسين بن محمد الذارع، حدثنا عبد المؤمن بن عباد، ~~حدثنا يزيد بن معن، عن عبد الله بن شرحبيل، عن زيد بن ms409 أبي أوفى (2) . # وهذا الرافضي لم يذكره بتمامه فإن فيه عند قوله: وأنت أخي ووارثي. قال: ~~وما أرث PageV01P423 # منك يا رسول الله؟ قال: ما ورث الأنبياء من قبلي. قال: وما ورث الأنبياء ~~من قبلك؟ قال: كتاب الله وسنة نبيهم. # وهذا الإسناد مظلم انفرد به عبد المؤمن بن عباد أحد المجروحين، ضعفه أبو ~~حاتم عن يزيد بن معن، ولا يدري من هو، فلعله الذي اختلقه عن عبد الله بن ~~شرحبيل، وهو مجهول، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى. # الوجه الثاني: أن هذا مكذوب مفترى باتفاق أهل المعرفة. # الثالث: أن أحاديث المؤاخاة بين المهاجرين بعضهم مع بعض، والأنصار بعضهم ~~مع بعض، كلها كذب. والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤاخ عليا، ولا آخى ~~بين أبي بكر وعمر ولا بين مهاجري ومهاجري، لكن آخى بين المهاجرين والأنصار، ~~كما آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين سلمان الفارسي وأبي ~~الدرداء، وبين علي وسهل بن حنيف. # وكانت المؤاخاة في دور بني النجار، كما أخبر بذلك أنس في الحديث الصحيح، ~~لم تكن في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما ذكر في الحديث الموضوع، ~~وإنما كانت في دار كان لبعض بني النجار، وبناه في محلتهم. # الرابع: أن قوله في هذا الحديث: أنت أخي ووارثي، باطل على قول أهل السنة ~~والشيعة، فإنه إن أراد ميراث المال بطل قولهم: إن فاطمة ورثته. وكيف يرث ~~ابن العم مع وجود العم وهو العباس؟ وما الذي خصه بالإرث دون سائر بني العم ~~الذين هم في درجة واحدة؟ # PageV01P424 # الوجه الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أثبت الأخوة لغير علي، ~~كما في الصحيحين أنه قال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)) (1) . وقال له?أبو ~~بكر لما خطب ابنته: ألست أخي؟ قال: ((أنا أخوك، وبنتك حلال لي)) (2) . ~~PageV01P425 # لكن المقصود أن هذه الأحاديث الصحيحة تبين أن أبا بكر كان أحب إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من علي، وأعلى قدرا عنده منه ومن كل من سواه، ~~وشواهد هذه كثيرة. # وقد ms410 روى بضعة وثمانون نفسا عن علي أنه قال: ((خير هذه الأمة بعد # نبيها أبو بكر ثم عمر)) . رواها البخاري في الصحيح (1) . ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان التاسع والثلاثون: قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من ~~بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ~~أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} (2) . في كتاب ((الفردوس)) ~~لابن شيرويه يرفعه عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لو يعلم الناس متى سمى علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمي أمير ~~المؤمنين وآدم بين الروح والجسد. قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم} (3) قالت الملائكة: بلى، ~~فقال تبارك وتعالى: أنا ربكم، ومحمد نبيكم، وعلي أميركم. وهو صريح في ~~الباب)) . # والجواب من وجوه: أحدها: منع الصحة، والمطالبة بتقريرها. وقد أجمع أهل ~~العلم بالحديث أن مجرد روية صاحب ((الفردوس)) لا تدل على أن الحديث صحيح، ~~فابن شيرويه الديلمي الهمذاني ذكر في هذا الكتاب أحاديث كثيرة صحيحة ~~وأحاديث حسنة وأحاديث موضوعة، وإن كان من أهل العلم والدين، ولم يكن ممن ~~يكذب هو، لكنه نقل ما في كتب الناس، والكتب فيها # الصدق والكذب، ففعل كما فعل كثير من الناس في جمع الأحاديث: إما ~~بالأسانيد، وإما محذوفة الأسانيد. PageV01P426 # الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. # الثالث: أن الذي في القرآن أنه قال {ألست بربكم قالوا بلى} ليس فيه ذكر ~~النبي ولا الأمير، وفيه قوله: {أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ~~ذرية من بعدهم} (1) . فدل على أنه ميثاق التوحيد خاصة، ليس فيه ميثاق ~~النبوة، فكيف ما دونها؟! # الرابع: أن الأحاديث المعروفة في هذا، التي في المسند والسنن والموطأ ~~وكتب التفسير وغيرها، ليس فيها شيء من هذا. ولو كان ذلك مذكورا في الأصل لم ~~يهمله جميع الناس، وينفرد به من لا يعرف صدقه، بل يعرف أنه كذب. # الخامس: أن الميثاق أخذ على جميع الذرية، فيلزم أن يكون ms411 علي أميرا على ~~الأنبياء كلهم، من نوح إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -. وهذا كلام ~~المجانين؛ فإن أولئك ماتوا قبل أن يخلق الله عليا، فكيف يكون أميرا عليهم؟! # وغاية ما يمكن أن يكون أميرا على أهل زمانه. أما الإمارة على من خلق ~~قبله، وعلى من يخلق بعده، فهذا من كذب من لا يعقل ما يقول، ولا يستحي فيما ~~يقول. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((البرهان الأربعون: قوله تعالى: {فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} (2) . أجمع المفسرون أن صالح ~~المؤمنين هو علي. روى أبو نعيم بإسناده إلى أسماء بنت عميس، قالت: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: ? {وإن تظاهرا عليه فإن ~~الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} : قال: صالح المؤمنين علي بن أبي # طالب، واختصاصه بذلك يدل على أفضليته، فيكون هو الإمام. والآيات في هذا ~~المعنى كثيرة، اقتصرنا على ما ذكرنا للاختصار)) . # والجواب من وجوه: أحدها: قوله: ((أجمع المفسرون على أن صالح المؤمنين هو ~~علي)) كذب مبين، فإنهم لم يجمعوا على هذا، ولا نقل الإجماع على هذا أحد من ~~علماء التفسير، ولا علماء الحديث ونحوهم. ونحن نطالبهم بهذا النقل، ومن نقل ~~الإجماع على هذا أحد من علماء التفسير، ولا علماء الحديث ونحوهم. ونحن ~~نطالبهم بهذا النقل، ومن نقل هذا الإجماع؟ PageV01P427 # الثاني: أن يقال: كتب التفسير مملوءة بنقيض هذا. قال ابن مسعود وعكرمة ~~ومجاهد والضحاك وغيرهم: هو أبو بكر وعمر. وذكر هذا جماعة من المفسرين، كابن ~~جرير الطبري وغيره. # الثالث: أن يقال: قوله: {وصالح المؤمنين} اسم يعم كل صالح من المؤمنين، ~~كما في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن آل أبي ~~فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين)) (1) . # الخامس: أن يقال: إن الله جعل في هذه الآية صالح المؤمنين مولى رسول - ~~صلى الله عليه وسلم -، كما أخبر أن الله مولاه، والمولى يمنع أن يراد به ~~الموالى عليه، فلم يبق المراد به إلا الموالى. # وأما قوله: ((والآيات في هذا ms412 المعنى كثيرة)) فغايته أن يكون المتروك من ~~جنس المذكور، والذي ذكره خلاصة ما عندهم، وباب الكذب لا ينسد. ولهذا كان من ~~الناس من يقابل كذبهم بما يقدر عليه من الكذب، ولكن الله يقذف بالحق على ~~الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، وللكذابين الويل مما يصفون. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((المنهج الثالث في الأدلة المستندة إلى السنة، المنقولة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي اثنا عشر: # الأول: ما نقله الناس كافة أنه لما نزل قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك ~~الأقربين} (2) جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني عبد المطلب في دار ~~أبي طالب، وهم أربعون رجلا وأمر أن يصنع لهم فخذ شاة مع مد من البر ويعد ~~لهم صاعا من اللبن، وكان الرجل منهم PageV01P428 # يأكل الجذعة في مقعد واحد، ويشرب الفرق من الشراب في ذلك المقام، فأكلت ~~الجماعة كلهم من ذلك الطعام اليسير حتى شبعوا، ولم يتبين ما أكلوه، فبهرهم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله بذلك، وتبين لهم آية نبوته، فقال: يا ~~بني عبد المطلب، إن الله بعثني بالحق إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة، ~~فقال: {وأنذر عشيرتك الأقربين} وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ~~ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، ~~وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني ~~رسول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويؤازرني على القيام به يكن أخي ~~وزيري، ووصيي ووارثي، وخليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد منهم. فقال أمير ~~المؤمنين: أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس. ثم أعاد ~~القول على القوم ثانية فصمتوا. فقال علي: فقمت فقلت مثل مقالتي الأولى، ~~فقال: اجلس، ثم أعاد القول ثالثة، فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقمت فقلت: أنا ~~أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر. فقال: اجلس فأنت أخي ووزيري، ووصيي ~~ووارثي، وخليفتي من بعدي. فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: ليهنئك اليوم ~~أن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا ms413 عليك)) . # والجواب من وجوه: الأول: المطالبة بصحة النقل. وما ادعاه من نقل الناس ~~كافة فمن أظهر الكذب عند أهل العلم بالحديث، فإن هذا الحديث ليس في شيء من ~~كتب المسلمين التي يستفيدون منها علم النقل: لا في الصحاح ولا في المسانيد ~~والسنن والمغازي والتفسير التي يذكر فيها الإسناد والذي يحتج # به، وإذا كان في بعض كتب التفسير التي ينقل منها الصحيح والضعيف، مثل ~~تفسير الثعلبي والواحدي والبغوي، بل وابن جرير وابن أبي حاتم، لم يكن مجرد ~~رواية واحد من هؤلاء دليلا على صحته باتفاق أهل العلم، فإنه إذا عرف أن تلك ~~المنقولات فيها صحيح وضعيف، فلا بد من بيان أن هذا المنقول من قسم الصحيح ~~دون الضعيف. # الثاني: أنا نرضى منه من هذا النقل العام بأحد شيئين: إما بإسناد يذكره ~~مما يحتج. به أهل العلم في مسائل النزاع، ولو أنه مسألة فرعية، وإما قول ~~رجل من أهل الحديث الذين يعتمد الناس على تصحيحهم. # PageV01P429 # فإنه لو تناظر فقيهان في فرع من الفروع، لم تقم الحجة على المناظرة إلا ~~بحديث يعلم أنه مسند إسنادا تقوم به الحجة، أو يصححه من يرجع إليه في ذلك. ~~فأما إذا لم يعلم إسناده، ولم يثبته أئمة النقل، فمن أين يعلم؟ لا سيما في ~~مسائل الأصول التي يبنى عليها الطعن في سلف الأمة وجمهورها، ويتوسل بذلك ~~إلى هدم قواعد الملة، فكيف يقبل في مثل ذلك حديث لا يعرف إسناده ولا يثبته ~~أئمة النقل ولا يعرف أن عالما صححه. # الثالث: أن هذا الحديث كذب عند أهل المعرفة بالحديث، فما من عالم يعرف ~~الحديث إلا وهو يعلم أنه كذب موضوع، ولهذا لم يروه أحد منهم في الكتب التي ~~يرجع إليها في المنقولات، لأن من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب. # الرابع: أن بني عبد المطلب لم يبلغوا أربعين رجلا حين نزلت هذه الآية؛ ~~فإنها نزلت بمكة في أول الأمر. ولا بلغوا أربعين رجلا في مدة حياة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # الخامس: قوله: ((إن الرجل منهم كان ms414 يأكل الجذعة ويشرب الفرق من اللبن)) ~~فكذب على القوم، ليس بنو هاشم معروفين بمثل هذه الكثرة في الأكل، ولا عرف ~~فيهم من كان يأكل جذعة ولا يشرب فرقا. # السادس: أن قوله للجماعة: ((من يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام ~~به يكن أخي ووزيري ووصيي وخليفتي من بعدي)) كلام مفترى على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، لا يجوز نسبته إليه. فإن مجرد الإجابة إلى الشهادتين # والمعاونة على ذلك لا يوجب هذا كله؛ فإن جميع المؤمنين أجابوا إلى هاتين ~~الكلمتين، وأعانوه على هذا الأمر، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامته ~~وطاعته، وفارقوا وأوطانهم، وعادوا إخوانهم، وصبروا على الشتات بعد الألفة، ~~وعلى الذل بعد العز، وعلى الفقر بعد الغنى، وعلى الشدة بعد الرخاء، وسيرتهم ~~معروفة مشهورة. ومع هذا فلم يكن أحد منهم بذلك خليفة له. # وأيضا فإن كان عرض هذا الأمر على أربعين رجلا أمكن أن يجيبوه - أو أكثرهم ~~أو عدد منهم - فلو أجابه منهم عدد من كان الذي يكون الخليفة بعده. # السابع: أن حمزة وجعفرا وعبيدة بن الحارث أجابوا إلى ما أجابه علي من ~~الشهادتين # PageV01P430 # والمعاونة على هذا الأمر. # الثامن: أن الذي في الصحاح من نزول هذه الآية غير هذا. ففي الصحيحين عن ~~ابن عمر وأبي هريرة - واللفظ له - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (1) دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قريشا، فاجتمعوا، فخص وعم فقال: ((يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من ~~النار. يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس أنقذوا ~~أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم ~~أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار. يا ~~فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن ~~لكم رحما سأبلها ببلالها)) (2) ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: الثاني: الخبر المتواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أنه لما نزل قوله تعالى: {يا أيها ms415 الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} (3) خطب ~~الناس في غدير خم وقال للجمع كله: يا أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟ ~~قالوا: بلى. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. # اللهم وال من ولاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. فقال ~~عمر: بخ بخ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. والمراد بالمولى هنا الأولى ~~بالتصرف لتقدم التقرير منه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ألست أولى منكم ~~بأنفسكم؟ # والجواب: عن هذه الآية والحديث المذكور قد تقدم، وبينا أن هذا كذب، وأن ~~قوله: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} (4) نزل قبل حجة الوداع بمدة طويلة. # ويوم الغدير إنما كان ثامن عشر ذي الحجة بعد رجوعه من الحج، وعاش بعد ذلك ~~شهرين وبعض الثالث. # فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر يشرع نزل إذ ذاك، لا في حق علي ولا في ~~غيره، لا إمامته ولا غيرها. PageV01P431 # لكن حديث الموالاة قد رواه الترمذي وأحمد في مسنده عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) (1) . وأما الزيادة وهي ~~قوله: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ... )) الخ، فلاريب أنه كذب. # وكذلك قوله: أنت أولى بكل مؤمن ومؤمنة، كذب أيضا. # وأما قوله: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فليس في الصحاح، لكن هو مما رواه ~~العلماء، وتنازع الناس في صحته، فنقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من ~~أهل العلم بالحديث إنهم طعنوا فيه وضعفوه، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه حسنه ~~كما حسنه الترمذي. وقد صنف أبو العباس بن عقدة مصنفا في جمع طرقه. # ونحن نجيب بالجواب المركب فنقول: إن لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قاله فلا كلام، وإن كان قاله فلم يرد به قطعا الخلافة بعده، إذ ليس في ~~اللفظ ما يدل عليه. ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغا مبينا. # وليس في الكلام ما يدل دلالة بينة على أن المراد به الخلافة. وذلك أن ~~المولى كالولي. والله تعالى قال: {إنما وليكم الله ورسوله ms416 والذين آمنوا} ~~(2) ، # وقال: {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} ~~(3) فبين أن الرسول ولي المؤمنين، وأنهم مواليه أيضا، كما بين أن الله ولي ~~المؤمنين، وأنهم أولياؤه، وأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض. # فالموالاة ضد المعاداة، وهي تثبت من الطرفين، وإن كان أحد المتواليين ~~أعظم قدرا، وولايته إحسان وتفضل، وولاية الآخر طاعة وعبادة، كما أن الله ~~يحب المؤمنين، والمؤمنون يحبونه. # وهو ولي المؤمنين وهو مولاهم يخرجهم من الظلمات إلى النور. وإذا كان كذلك ~~فمعنى كون الله ولي المؤمنين ومولاهم، وكون الرسول وليهم ومولاهم، وكون علي ~~مولاهم، هي الموالاة التي هي ضد المعاداة. # والمؤمنون يتولون الله ورسوله الموالاة المضادة للمعاداة، وهذا حكم ثابت ~~لكل مؤمن. PageV01P432 # فعلي رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه. # وفي الجملة فرق بين الولي والمولى ونحو ذلك وبين الوالي. فباب الولاية - ~~التي هي ضد العداوة - شيء، وباب الولاية - التي هي الإمارة - شيء. # والحديث إنما هو في الأولى دون الثانية. والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يقل: من كنت واليه فعلي واليه. وإنما اللفظ ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) ~~. # وأما كون المولى بمعنى الوالي، فهذا باطل. فإن الولاية تثبت من الطرفين؛ ~~فإن المؤمنين أولياء الله، وهو مولاهم. # وأما كونه أولى بهم من أنفسهم، فلا يثبت إلا من طرفه - صلى الله عليه ~~وسلم -. وكونه أولى بكل مؤمن من نفسه من خصائص نبوته. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: الثالث: قوله: أنت منى بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا ~~نبي بعدي. أثبت له ((عليه السلام)) جميع منازل هارون من موسى # عليه السلام للاستثناء. ومن جملة منازل هارون أنه كان خليفة لموسى، ولو ~~عاش بعده لكان خليفة أيضا، وإلا لزم تطرق النقض إليه، ولأنه خليفته مع ~~وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة الغيبة، أولى بأن يكون ~~خليفته)) . # والجواب: أن هذا الحديث ثبت في الصحيحين بلا ريب وغيرهما، وكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال له ذلك في غزوة تبوك. وكان - صلى الله عليه وسلم ~~- كلما سافر ms417 في غزوة أو عمرة أو حج يستخلف على المدينة بعض الصحابة، كما ~~استخلف على المدينة في غزوة ذي أمر عثمان، وفي غزوة بني قينقاع بشير بن عبد ~~المنذر، ولما غزا قريشا ووصل إلى الفرع استعمل ابن أم مكتوم، وذكر ذلك محمد ~~بن سعد وغيره. # وبالجملة فمن المعلوم أنه كان لا يخرج من المدينة حتى يستخلف. وقد ذكر ~~المسلمون من كان يستخلفه، فقد سافر من المدينة في عمرتين: عمرة الحديبية ~~وعمرة القضاء. وفي حجة الوداع، وفي مغازيه - أكثر من عشرين غزاة - وفيها ~~كلها استخلف، وكان يكون # PageV01P433 # بالمدينة رجال كثيرون يستخلف عليهم من يستخلفه، فلما كان في غزوة تبوك لم ~~يأذن لأحد في التخلف عنها، وهي آخر مغازيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم ~~يجتمع معه أحد كما اجتمع معه فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان، أو ~~من هو معذور لعجزه عن الخروج، أو هو منافق، وتخلف الثلاثة الذين تيب عليهم، ~~ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم، كما كان يستخلف عليهم ~~في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة منه. # وفي كل مرة يكون بالمدينة أفضل ممن بقي في غزوة تبوك، فكان كل استخلاف ~~قبل هذه يكون علي أفضل ممن استخلف عليه عليا. فلهذا خرج إليه علي رضي الله ~~عنه يبكي، وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ # ولم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون، لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ~~ذهب موسى وحده. # وأما استخلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجميع العسكر كان معه، ولم ~~يخلف بالمدينة - غير النساء والصبيان إلا معذور أو عاص. # وقول القائل: ((هذا بمنزلة هذا، وهذا مثل هذا)) هو كتشبيه الشيء بالشيء. ~~وتشبيه الشيء بالشيء يكون بحسب ما دل عليه السياق، لا يقتضي المساواة في كل ~~شيء. ألا ترى إلى ما ثبت في الصحيحين من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث الأسارى لما استشار أبا بكر، وأشار بالفداء، واستشار عمر، فأشار ~~بالقتل. قال: ((سأخبركم عن صاحبيكم. مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ms418 إذ قال: ~~{فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} (1) ، ومثل عيسى إذ قال: ~~{إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (2) . ومثلك ~~يا عمر مثل نوح إذ قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} (3) ، ~~ومثل موسى إذ قال: {ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم} (4) (5) . # فقوله هذا: مثلك مثل إبراهيم وعيسى، ولهذا: مثل نوح وموسى - أعظم من قوله ~~- أنت مني بمنزلة هارون من موسى؛ فإن نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى أعظم من ~~PageV01P434 # هارون، وقد جعل هذين مثلهم، ولم يرد أنهما مثلهم في كل شيء، لكن فيما دل ~~عليه السياق من الشدة في الله واللين في الله. # وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق، وهو استخلافه في ~~مغيبه، كما استخلف موسى هارون. وهذا الاستخلاف ليس من خصائص علي، بل ولا هو ~~مثل استخلافاته، فضلا عن أن يكون أفضل منها. # وأما إذا كان التخصيص لسبب يقتضيه، فلا يحتج به باتفاق الناس. فهذا من ~~ذلك؛ فإنه إنما خص عليا بالذكر لأنه خرج إليه يبكي ويشتكي تخليفه مع النساء ~~والصبيان. # ومن استخلفه سوى علي، لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصا، لم يحتج أن ~~يخبرهم بمثل هذا الكلام. والتخصيص بالذكر إذا كان لسبب يقتضي # ذاك لم يقتض الاختصاص بالحكم، فليس في الحديث دلالة على أن غيره لم يكن ~~منه بمنزلة هارون من موسى. # وقول القائل: إنه جعله بمنزلة هارون في كل الأشياء إلا في النبوة باطل؛ ~~فإن قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟)) دليل على أنه ~~يسترضيه بذلك ويطيب قلبه لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، فقال هذا ~~على سبيل الجبر له. # وقوله: ((بمنزلة هارون من موسى)) أي مثل منزلة هارون، فإن نفس منزلته من ~~موسى بعينها لا تكون لغيره، وإنما يكون له ما يشابهها، فصار هذا كقوله: هذا ~~مثل هذا، وقوله عن أبي بكر: مثله مثل نوح وموسى. # ومما يبين ذلك أن هذا ms419 كان عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعث أبا بكر أميرا على الموسم، وأردفه بعلي، فقال لعلي: أمير أم ~~مأمور؟ فقال: بل مأمور، فكان أبو بكر أميرا عليه، # PageV01P435 # وعلي معه كالمأمور مع أميره: يصلي خلفه، ويطيع أمره وينادي خلفه مع الناس ~~بالموسم: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. # وأما قوله: ((لأنه خليفته مع وجوده وغيبته مدة يسيرة، فبعد موته وطول مدة ~~الغيبة أولى بأن يكون خليفته)) . # فالجواب: أنه مع وجوده وغيبته قد استخلف غير علي استخلافا أعظم من ~~استخلاف علي، واستخلف أولئك على أفضل من الذين استخلف عليهم عليا، وقد ~~استخلف بعد تبوك على المدينة غير علي في حجة الوداع، فليس جعل علي هو ~~الخليفة بعده لكونه استخلفه على المدينة بأولى من هؤلاء الذين استخلفهم على ~~المدينة كما استخلفه، وأعظم مما استخلفه، وآخر الاستخلاف كان على المدينة ~~كان عام حجة الوداع، وكان علي باليمن، وشهد معه الموسم، لكن استخلف عليها ~~في حجة الوداع غير علي. # فإن الأصل بقاء الاستخلاف، فبقاء من استخلفه في حجة الوداع أولى من بقاء ~~استخلاف من استخلفه قبل ذلك. # وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائص علي، ولا تدل على ~~الأفضلية ولا على الإمامة، فقد استخلف عددا غيره. ولكن هؤلاء جهال يجعلون ~~الفضائل العامة المشتركة بين علي وغيره خاصة بعلي وإن كان غيره أكمل منه ~~فيها، كما فعلوا في النصوص والوقائع. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الرابع: أنه - صلى الله عليه وسلم - استخلفه على المدينة ~~مع قصر مدة الغيبة، فيجب أن يكون خليفة له بعد موته. وليس غير علي إجماعا، ~~ولأنه لم يعزله عن المدينة، فيكون خليفة له بعد موته فيها، وإذا كان خليفة ~~فيها كان خليفة في غيرها إجماعا)) . # والجواب: أن هذه الحجة وأمثالها من الحجج الداحضة، التي هي من جنس بيت ~~العنكبوت. والجواب عنها من وجوه: # أحدها: أن نقول على أحد القولين: إنه استخلف أبا بكر بعد موته كما تقدم. ~~وإذا قالت # PageV01P436 # الرافضة: بل استخلف عليا. قيل: ms420 الرواندية من جنسكم قالوا: استخلف العباس، ~~وكل من كان له علم بالمنقولات الثابتة يعلم أن الأحاديث الدالة على استخلاف ~~أحد بعد موته إنما تدل على استخلاف أبي بكر، ليس فيها شيء يدل على استخلاف ~~علي ولا العباس، بل كلها تدل على أنه لم يستخلف واحدا منهما. فيقال حينئذ: ~~إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - استخلف أحدا فلم يستخلف إلا أبا بكر، ~~وإن لم يستخلف أحدا فلا هذا ولا هذا. # الوجه الثاني: أن نقول: أنتم لا تقولون بالقياس، وهذا احتجاج بالقياس، ~~حيث قستم الاستخلاف في الممات على الاستخلاف في المغيب. وأما نحن إذا فرضنا ~~على أحد القولين فنقول: الفرق بينهما ما نبهنا عليه في استخلاف عمر في ~~حياته، وتوقفه في الاستخلاف بعد موته، لأن الرسول في حياته شاهد على الأمة، ~~مأمور بسياستها بنفسه أو نائبه، وبعد موته انقطع عنه التكليف. # كما قال المسيح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} (1) . الآية، لم يقل: ~~كان خليفتي الشهيد عليهم. وهذا دليل على أن المسيح لم يستخلف، فدل على أن ~~الأنبياء لا يجب عليهم الاستخلاف بعد الموت. # وكذلك ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((فأقول كما قال ~~العبد الصالح: {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} (2) . # الوجه الثالث: أن يقال: الاستخلاف في الحياة واجب على كل ولي أمر؛ فإن كل ~~ولي أمر - رسولا كان أو إماما - عليه أن يستخلف فيما غاب عنه من الأمور، ~~فلا بد له من إقامة الأمر: إما بنفسه، وإما بنائبه. فما شهده من الأمر ~~أمكنه أن يقيمه بنفسه، وأما ما غاب عنه فلا يمكنه إقامته إلا بخليفة ~~يستخلفه عليه، فيولي على من غاب عنه من رعيته من يأمرهم بالمعروف وينهاهم ~~عن المنكر، ويأخذ منهم الحقوق، ويقيم فيهم الحدود، ويعدل بينهم في الأحكام، ~~كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، ~~فيولي الأمراء على السرايا: يصلون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمر ~~أمراء على الأمصار، بخلاف PageV01P437 # الاستخلاف بعد الموت، فإنه قد بلغ الأمة، ms421 وهو الذي يجب عليهم طاعته بعد ~~موته، فيمكنهم أن يعينوا من يؤمرونه عليهم، كما يمكن ذلك في كل فروض ~~الكفاية التي تحتاج إلى واحد معين - علم أنه لا يلزم من وجوب الاستخلاف في ~~الحياة بعد الموت. # الرابع: أن الاستخلاف في الحياة واجب في أصناف الولايات، كما كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يستخلف على من غاب عنهم من يقيم فيهم الواجب. # ومعلوم أن هذا الاستخلاف لا يجب بعد الموت باتفاق العقلاء، بل ولا يمكن، ~~فإنه لا يمكن أن يعين للأمة بعد موته من يتولى كل أمر جزئي، فإنهم يحتاجون ~~إلى واحد بعد واحد، وتعيين ذلك متعذر. # الوجه الخامس: إن ترك الاستخلاف بعد مماته كان أولى من الاستخلاف كما ~~اختاره الله لنبيه، فإنه لا يختار له إلا أفضل الأمور. # فعلم أن ترك الاستخلاف من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الموت أكمل ~~في حق الرسول من الاستخلاف، وأن من قاس وجوب الاستخلاف بعد الممات على ~~وجوبه في الحياة كان من أجهل الناس. # وأبو بكر لم يكن يعلم أن الأمة يولون عمر إذا لم يستخلفه أبو بكر. فكان ~~ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - هو اللائق به لفضل علمه، وما فعله ~~صديق الأمة هو اللائق به إذ لم يعلم ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الوجه السادس: أن يقال: هب أن الاستخلاف واجب، فقد استخلف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أبا بكر على قول من يقول: إنه استخلفه، ودل على استخلافه ~~على القول الآخر. # وقوله: ((لأنه لم يعزله عن المدينة)) . # قلنا: هذا باطل، فإنه لما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - انعزل علي ~~بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع. وقد أرسله بعد هذا إلى اليمن، حتى ~~وافاه الموسم في حجة الوداع، واستخلف على المدينة في حجة الوداع غيره. # أفترى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها مقيما وعلي باليمن، وهو خليفة ~~بالمدينة؟! # ولا ريب أن كلام هؤلاء كلام جاهل بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~كأنهم ظنوا أن عليا ms422 ما زال # PageV01P438 # خليفة على المدينة حتى مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعلموا أن ~~عليا بعد ذلك أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع مع أبي بكر لنبذ ~~العهود، وأمر عليه أبا بكر. ثم بعد رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن، كما ~~أرسل معاذا وأبا موسى. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الخامس: ما رواه الجمهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال لأمير المؤمنين: أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني، وهو نص ~~في الباب)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بصحة هذا الحديث، فإن هذا الحديث ليس ~~في شيء من الكتب التي تقوم الحجة بمجرد إسناده إليها، ولا صححه إمام من ~~أئمة الحديث. # وقوله: ((رواه الجمهور)) : إن أراد بذلك أن علماء الحديث رووه في الكتب ~~التي يحتج بما فيها، مثل كتاب البخاري ومسلم ونحوهما، وقالوا: إنه صحيح - ~~فهذا كذب عليهم. وإن أراد بذلك أن هذا يرويه مثل أبي نعيم في ((الفضائل)) ~~والمغازلي وخطيب خوارزم ونحوهم، أو يروى في كتب الفضائل، فمجرد هذا ليس ~~بحجة باتفاق أهل العلم في مسألة فروع، فكيف في مسألة الإمامة، التي قد ~~أقمتم عليها القيامة؟! # الثاني: أن هذا الحديث كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وقد تقدم ~~كلام ابن حزم أن سائر هذه الأحاديث موضوعة، يعلم ذلك من له أدنى علم ~~بالأخبار ونقلتها. وقد صدق في ذلك؛ فإن من له أدنى معرفة بصحيح الحديث ~~وضعيفه، ليعلم أن هذا الحديث ومثله ضعيف، بل كذب موضوع. # الوجه الثالث: أن دين النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقضه علي بل في ~~الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة عند يهودي على ~~ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله (1) . فهذا الدين الذي كان عليه يقضى من ~~الرهن الذي رهنه، ولم يعرف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - دين آخر. # وفي الصحيح عنه أنه قال: ((لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد ~~نفقة PageV01P439 # نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة)) (1) . فلو كان عليه دين قضي ms423 مما تركه، وكان ~~ذلك مقدما على الصدقة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((السادس: حديث المؤاخاة. روى أنس أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما كان يوم المباهلة، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وعلي واقف يراه ~~ويعرفه، ولم يؤاخ بينه وبين أحد، فانصرف باكيا، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ما فعل أبو الحسن؟ قالوا: انصرف باكي العين، قال: يا بلال اذهب ~~فائتني به، فمضى إليه، ودخل منزله باكي العين فقالت له فاطمة ما يبكيك؟ ~~قال: آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار، ولم يؤاخ ~~بيني وبين أحد. قالت: لا يخزيك الله، لعله إنما ادخرك لنفسه، فقال بلال: يا ~~علي أجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتى فقال: ما # يبكيك يا أبا الحسن؟ فأخبره، فقال: إنما ادخرك لنفسي، ألا يسرك أن تكون ~~أخا نبيك؟ قال: بلى، فأخذ بيده، فأتى المنبر، فقال: اللهم هذا مني وأنا ~~منه، ألا إنه مني بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، ~~فانصرف فاتبعه عمر، فقال: بخ بخ يا أبا الحسن، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم. ~~فالمؤاخاة تدل على الأفضلية، فيكون هو الإمام)) . # والجواب: أولا: المطالبة بتصحيح النقل، فإنه لم يعز هذا الحديث إلى كتاب ~~أصلا، كما عادته يعزو، وإن كان عادته يعزو إلى كتب لا تقوم بها الحجة، وهنا ~~أرسله إرسالا على عادة أسلافه شيوخ الرافضة، يكذبون ويروون الكذب بلا ~~إسناد. وقد قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ~~ما شاء، فإذا سئل: وقف وتحير. # الثاني: أن هذا الحديث موضوع عند أهل الحديث، لا يرتاب أحد من أهل ~~المعرفة بالحديث أنه موضوع، وواضعه جاهل، كذب كذبا ظاهرا مكشوفا، يعرف أنه ~~كذب من له أدنى معرفة بالحديث، كما سيأتي بيانه. # الثالث: أن أحاديث المؤاخاة كلها موضوعة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يؤاخ أحدا، ولا آخى PageV01P440 # بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أبي بكر وعمر، ولا بين أنصاري وأنصاري، ولكن ~~آخى بين المهاجرين والأنصار ms424 في أول قدومه المدينة. # وأما المباهلة فكانت لما قدم وفد نجران سنة تسع أو عشر من الهجرة. # الرابع: أن دلائل الكذب على هذا الحديث بينة، منها: أنه قال: ((لما كان ~~يوم المباهلة وآخى بين المهاجرين والأنصار)) . والمباهلة كانت لما قدم وفد ~~نجران النصارى، وأنزل الله سورة آل عمران، وكان ذلك في آخر الأمر سنة عشر ~~أو سنة تسع. # الخامس: أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كانت في السنة الأولى من ~~الهجرة في دار بني النجار، وبين المباهلة وذلك عدة سنين. # السادس: أنه قد آخى بين المهاجرين والأنصار. والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وعلي كلاهما من المهاجرين، فلم يكن بينهما مؤاخاة، بل آخى بين علي وسهل ~~بن حنيف. # السابع: أن قوله: ((أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)) إنما ~~قاله في غزوة تبوك مرة واحدة، لم يقل ذلك في غير ذلك المجلس أصلا باتفاق ~~أهل العلم بالحديث. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: السابع: ما رواه الجمهور كافة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما حاصر خيبر تسعا وعشرين ليلة، وكانت الراية لأمير المؤمنين علي، ~~فلحقه رمد أعجزه عن الحرب، وخرج مرحب يتعرض للحرب، فدعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أبا بكر، فقال له: خذ الراية، فأخذها في جمع من ~~المهاجرين، فاجتهد ولم يغن شيئا، ورجع منهزما، فلما كان من الغد تعرض لها ~~عمر، فسار غير بعيد، ثم رجع يخبر أصحابه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: جيئوني بعلي، فقيل: إنه أرمد، فقال: أرونيه أروني رجلا يحب الله ورسوله، ~~ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، فجاءوا بعلي، فتفل في يده ومسحها على عينيه ~~ورأسه فبرئ، فأعطاه الراية، ففتح الله على يديه، وقتل مرحبا. ووصفه عليه ~~السلام بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره، وهو يدل على أفضليته فيكون هو ~~الإمام)) . # PageV01P441 # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل. وأما قوله: ((رواه ~~الجمهور فإن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا، بل الذي في الصحيح أن عليا ~~كان غائبا عن خيبر، لم يكن حاضرا فيها، ms425 تخلف عن الغزاة لأنه كان أرمد. ثم ~~إنه شق عليه التخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلحقه، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل قدومه: ((لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ~~ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه)) (1) . ولم تكن الراية قبل ذلك ~~لأبي بكر ولا لعمر، ولا قربها واحد منهما، بل هذا من الأكاذيب. ولهذا قال ~~عمر: ((فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وبات الناس كلهم يرجون أن يعطاها، ~~فلما أصبح دعا عليا، فقيل له: إنه أرمد، فجاء فتفل في عينيه حتى برأ، ~~فأعطاه الراية)) . # وكان هذا التخصيص جزاء مجيء علي مع الرمد، وكان إخبار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بذلك وعلي ليس بحاضر لا يرجونه من كراماته - صلى الله عليه ~~وسلم -، فليس في الحديث تنقيص بأبي بكر وعمر أصلا. # الثاني: أن إخباره أن عليا كان يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله حق، ~~وفيه رد على النواصب. لكن الرافضة الذين يقولون: إن الصحابة ارتدوا بعد ~~موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا، لأن الخوارج تقول لهم: هو ممن ارتد أيضا، ~~كما قالوا لما حكم الحكمين: إنك قد ارتددت عن الإسلام فعد إليه. # وقول القائل: ((إن هذا يدل على انتفاء هذا الوصف عن غيره)) . # فيه جوابان: أحدهما: أنه إن سلم ذلك، فإنه قال: ((لأعطين الراية رجلا يحب ~~الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه)) ، فهذا المجموع اختص ~~به، وهو أن ذلك الفتح كان على يديه، ولا يلزم إذا كان ذلك الفتح المعين على ~~يديه أن يكون أفضل من غيره، فضلا عن أن يكون مختصا بالإمامة. # الثاني: أن يقال: لا نسلم أن هذا يوجب التخصيص. كما لو قيل: لأعطين هذا ~~المال رجلا فقيرا، أو رجلا صالحا، أو لأعودن اليوم رجلا مريضا صالحا، أو ~~لأعطين هذه الراية رجلا شجاعا، ونحو ذلك - لم يكن في هذه الألفاظ ما يوجب ~~أن تلك الصفة لا توجد إلا في واحد، بل هذا يدل على أن ذلك الواحد موصوف ~~بذلك. PageV01P442 # الثالث: أنه لو قدر ثبوت أفضليته في ms426 ذلك الوقت، فلا يدل ذلك على أن غيره ~~لم يكن أفضل منه بعد ذلك. # الرابع: أنه لو قدرنا أفضليته، لم يدل ذلك على أنه إمام معصوم منصوص ~~عليه، بل كثير من الشيعة الزيدية ومتأخري المعتزلة وغيرهم يعتقدون أفضليته، ~~وأن الإمام هو أبو بكر، وتجوز عندهم ولاية المفضول. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثامن: خبر الطائر. روى الجمهور كافة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أتي بطائر، فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلي يأكل ~~معي من هذا الطائر، فجاء علي، فدق الباب، فقال أنس: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على حاجة، فرجع. ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال ~~أولا، فدق الباب، فقال أنس: ألم أقل لك إنه علي حاجة؟ فانصرف، فعاد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فعاد علي فدق الباب أشد من الأولين، فسمعه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأذن له بالدخول، وقال: ما أبطأك عني؟ قال: جئتك ~~فردني أنس، ثم جئت فردني أنس، ثم جئت فردني الثالثة، فقال: يا أنس ما حملك ~~على هذا؟ فقال: رجوت أن يكون الدعاء لرجل من الأنصار، فقال: يا أنس أوفي ~~الأنصار خير من علي؟ أو في الأنصار أفضل من علي؟ فإذا كان أحب الخلق إلى ~~الله، وجب أن يكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل. وقوله: ((روى الجمهور ~~كافة)) كذب عليهم؛ فإن حديث الطير لم يروه أحد من أصحاب الصحيح، ولا صححه ~~أئمة الحديث، ولكن هو مما رواه بعض الناس، كما رووا أمثاله في فضل غير علي، ~~بل قد روى في فضائل معاوية أحاديث كثيرة، وصنف في ذلك مصنفات. وأهل العلم ~~بالحديث لا يصححون هذا ولا هذا. # الثاني: أن حديث الطائر من المكذوبات الموضوعات عند أهل العلم والمعرفة ~~بحقائق النقل. قال أبو موسى المديني: ((قد جمع غير واحد من الحفاظ طرق ~~أحاديث الطير للاعتبار والمعرفة كالحاكم النيسابوري، وأبي نعيم، وابن ~~مردويه، وسئل الحاكم عن حديث الطير # PageV01P443 # فقال لا يصح، هذا مع أن الحاكم منسوب إلى التشيع. # الثالث: ms427 أن أكل الطير ليس فيه أمر عظيم يناسب أن يجيء أحب الخلق إلى الله ~~ليأكل منه، فإن إطعام الطعام مشروع للبر والفاجر، وليس في ذلك زيادة وقربة ~~عند الله لهذا الآكل، ولا معونة على مصلحة دين ولا دنيا، فأي أمر عظيم هنا ~~يناسب جعل أحب الخلق إلى الله يفعله؟! # الرابع: أن هذا الحديث يناقض مذهب الرافضة؛ فإنهم يقولون: إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يعلم أن عليا أحب الخلق إلى الله، وأنه جعله خليفة من ~~بعده. وهذا الحديث يدل على أنه ما كان يعرف أحب الخلق إلى الله. # الخامس: أن يقال: إما أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعرف أن ~~عليا أحب الخلق إلى الله، أو ما كان يعرف. فإن كان يعرف ذلك، كان يمكنه أن ~~يرسل بطلبه، كما كان يطلب الواحد من الصحابة، أو يقول: اللهم ائتني بعلي ~~فإنه أحب الخلق إليك. فأي حاجة إلى الدعاء والإبهام في ذلك؟! ولو سمى عليا ~~لاستراح أنس من الرجاء الباطل، ولم يغلق الباب في وجه علي. # وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف ذلك، بطل ما يدعونه من ~~كونه كان يعرف ذلك. ثم إن في لفظه: ((أحب الخلق إليك وإلي)) فكيف لا يعرف ~~أحب الخلق إليه؟! # السادس: أن الأحاديث الثابتة في الصحاح، التي أجمع أهل الحديث على صحتها ~~وتلقيها بالقبول، تناقض هذا، فكيف تعارض بهذا الحديث المكذوب الموضوع الذي ~~لم يصححوه؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((التاسع: ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة بأن يسلموا على ~~علي بإمرة المؤمنين، وقال: إنه سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر ~~المحجلين. وقال: هذا ولي كل مؤمن بعدي. وقال في حقه: إن عليا مني وأنا منه، ~~أولى بكل مؤمن ومؤمنة، فيكون علي وحده هو الإمام لذلك. وهذه نصوص في ~~الباب)) . # PageV01P444 # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بإسناد وبيان صحته، وهو لم يعزه إلى ~~كتاب على عادته. فأما قوله: ((رواه الجمهور)) فكذب، فليس هذا في كتب ~~الأحاديث المعروفة: لا الصحاح، ولا المسانيد، ولا السنن ms428 وغير ذلك. فإن كان ~~رواه بعض حاطبي الليل كما يروى أمثاله، فعلم مثل هذا ليس بحجة يجب اتباعها ~~باتفاق المسلمين. # والله تعالى قد حرم علينا الكذب، وأن نقول عليه ما لا نعلم. وقد تواتر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده ~~من النار)) (1) . # الوجه الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وكل من له ~~أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم ~~بالحديث في كتاب يعتمد عليه: لا الصحاح، ولا السنن، ولا المسانيد المقبولة. # الثالث: أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن ~~قائل هذا كاذب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - منزه عن الكذب. وذلك أن سيد ~~المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين هو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - باتفاق المسلمين. # فإن قيل: علي هو سيدهم بعده. # قيل: ليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا التأويل، بل هو مناقض لهذا، لأن ~~أفضل المسلمين المتقين المحجلين هم القرن الأول، ولم يكن لهم على # عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد ولا إمام ولا قائد ولا غيره، فكيف ~~يخبر عن شيء لم يحضر، ويترك الخبر عما هو أحوج إليه، وهو حكمهم في الحال؟ # ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن يقود ~~علي؟ # وأيضا فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجلين كفار أو فساق، فلمن يقود؟ # ثم كون علي سيدهم وإمامهم وقائدهم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~مما يعلم بالاضطرار أنه كذب، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ~~شيئا من ذلك، بل كان يفضل عليه أبا بكر وعمر تفضيلا بينا ظاهرا عرفه الخاصة ~~والعامة، حتى أن المشركين كانوا يعرفون منه ذلك. PageV01P445 # وكذلك قوله: ((هو ولي كل مؤمن بعدي)) كذب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن، وكل مؤمن وليه في المحيا ~~والممات. فالولاية التي ms429 هي ضد العداوة لا تختص بزمان. # وأما قوله لعلي: ((أنت مني وأنا منك)) فصحيح في غير هذا الحديث. # فقال للأشعريين: ((هم مني وأنا منهم)) كما قال لعلي: ((أنت مني وأنا ~~منك)) وقال لجليبيب: ((هذا مني وأنا منه)) (1) فعلم أن هذه اللفظة لا تدل ~~على الإمامة، ولا على أن من قيلت له كان هو أفضل الصحابة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((العاشر: ما رواه الجمهور من قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل ~~بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض. # وقال: أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح: من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ~~وهذا يدل على وجوب التمسك بقول أهل بيته، وعلي سيدهم، فيكون واجب الطاعة ~~على الكل، فيكون هو الإمام)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم عن زيد بن ~~أرقم: ((قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبا بماء يدعى خما ~~بين مكة والمدينة، فقال: ((أما بعد: أيها الناس إنما أنا بشر فيكم يوشك أن ~~يأتيني رسول ربي فأجيب ربي، وإني تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب الله، فيه # الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به)) فحث على كتاب الله، ورغب ~~فيه. ثم قال: ((وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) (2) . وهذا اللفظ يدل ~~على أن الذي أمرنا بالتمسك وجعل المتمسك به لا يضل هو كتاب الله. # وهكذا جاء في غير هذا الحديث، كما في صحيح مسلم عن جابر في حجة الوداع ~~لما خطب يوم عرفة وقال: ((قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: ~~كتاب الله، PageV01P446 # وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ~~ونصحت. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: ((اللهم ~~اشهد)) ثلاث مرات (1) . # وأما قوله: ((وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (2) ~~فهذا رواه الترمذي. وقد سئل عنه أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل ~~العلم، ms430 وقالوا: لا يصح. وقد أجاب عنه طائفة بما يدل على أن أهل بيته كلهم ~~لا يجتمعون على ضلالة. # قالوا: ونحن نقول بذلك، كما ذكر الناس القاضي أبو يعلى وغيره. # لكن أهل البيت لم يتفقوا - ولله الحمد - على شيء من خصائص مذهب الرافضة، ~~بل هم المبرؤون المنزهون عن التدنس بشيء منه. # وأما قوله: ((مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح)) فهذا لا يعرف له إسناد صحيح، ~~ولا هو في شيء من كتب الحديث التي يعتمد عليها، فإن كان قد رواه مثل من ~~يروي أمثاله من حطاب الليل الذين يروون الموضوعات فهذا مما يزيده وهنا. # الوجه الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن عترته: إنها ~~والكتاب لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهو الصادق المصدوق، فيدل على ~~إجماع العترة حجة. وهذا قول طائفة من أصحابنا، وذكره القاضي في ((المعتمد)) ~~. لكن العترة هم بنو هاشم كلهم: ولد العباس، وولد علي، وولد الحارث بن عبد # المطلب، وسائر بني أبي طالب وغيرهم. وعلي وحده ليس هو العترة، وسيد ~~العترة هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الوجه الثالث: أن العترة لم تجتمع على إمامته ولا أفضليته، بل أئمة ~~العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر وعمر في الإمامة والأفضلية. # الوجه الرابع: أن هذا معارض بما هو أقوى منه، وهو أن إجماع الأمة حجة ~~بالكتاب والسنة والإجماع. والعترة بعض الأمة، فيلزم من ثبوت إجماع الأمة ~~إجماع العترة. وأفضل الأمة أبو بكر كما تقدم ذكره ويأتي. PageV01P447 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الحادي عشر: ما رواه الجمهور من وجوب محبته وموالاته. روى ~~أحمد بن حنبل في مسنده: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد حسن ~~وحسين، فقال: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما فهو معي في درجتي يوم ~~القيامة. # وروى ابن خالويه عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من ~~أحب أن يتمسك بقصبة الياقوت التي خلقها الله بيده ثم قال لها، كوني، فكانت، ~~فليتول علي بن أبي طالب من بعدي. وعن أبي ms431 سعيد قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لعلي: حبك إيمان وبغضك نفاق، وأول من يدخل الجنة محبك، ~~وأول من يدخل النار مبغضك، وقد جعلك الله أهلا لذلك، فأنت مني وأنا منك، ~~ولا نبي بعدي. وعن شقيق بن سلمة عن عبد الله قال: رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو آخذ بيد علي وهو يقول: هذا وليي وأنا وليه، عاديت من ~~عادى، وسالمت من سالم. وروى أخطب خوارزم عن جابر قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: جاءني جبريل من عند الله بورقة خضراء مكتوب فيها بياض: ~~إني قد افترضت محبة علي على خلقي فبلغهم ذلك عني. والأحاديث في ذلك لا تحصى ~~كثرة من طرق المخالفين، وهي تدل على أفضليته واستحقاقه للإمامة)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل، وهيهات له بذلك. وأما ~~قوله: ((رواه أحمد)) فيقال: أولا: أحمد له المسند المشهور، وله كتاب مشهور ~~في فضائل الصحابة)) روى فيه أحاديث، لا يرويها في المسند لما فيها من ~~الضعف، لكونها لا تصلح أن تروى في المسند، لكونها من # مراسيل أو ضعافا بغير الإرسال. ثم إن هذا الكتاب زاد فيه ابنه عبد الله ~~زيادات، ثم إن القطيعي - الذي رواه عن ابنه عبد الله - زاد عن شيوخه ~~زيادات، وفيها أحاديث موضوعة باتفاق أهل المعرفة. # وهذا الرافضي وأمثاله من شيوخ الرافضة الجهال، فهم ينقلون من هذا المصنف، ~~فيظنون أن كل ما رواه القطيعي أو عبد الله قد رواه أحمد نفسه، ولا يميزون ~~بين شيوخ أحمد # PageV01P448 # وشيوخ القطيعي. # مع أن هذا الحديث الأول من زيادات القطيعي، رواه عن نصر بن علي الجهضمي ~~عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر. والحديث الثاني ذكره ابن الجوزي في ~~((الموضوعات)) وبين أنه موضوع. وأما رواية ابن خالويه فلا تدل على أن هذا ~~الحديث صحيح باتفاق أهل العلم. وكذلك رواية خطيب خوارزم؛ فإن في روايته من ~~الأكاذيب المختلفة ما هو أقبح الموضوعات باتفاق أهل العلم. # الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث التي رواها ابن خالويه ms432 كذب موضوعة عند أهل ~~الحديث. # وكذلك قوله: أول من يدخل النار مبغضك. فهل يقول مسلم: إن الخوارج يدخلون ~~النار قبل أبي جهل بن هشام وفرعون وأبي لهب وأمثالهم من المشركين؟! # وكذلك قوله: أول من يدخل الجنة محبك. فهل يقول عاقل: إن الأنبياء ~~والمرسلين سبب دخولهم الجنة أولا هو حب علي دون حب الله ورسوله وسائر ~~الأنبياء والرسل، وحب الله ورسله ليس هو السبب في ذلك؟ ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: الثاني عشر: روى أخطب خوارزم بإسناده عن أبي ذر الغفاري ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من ناصب عليا الخلافة فهو ~~كافر، وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر. وعن أنس قال: كنت عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فرأى عليا مقبلا فقال: أنا وهذا حجة الله على ~~أمتي يوم القيامة. وعن معاوية بن حيدة القشيري قال: سمعت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول لعلي: من مات وهو يبغضك مات يهوديا أو نصرانيا)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل. وهذا على سبيل التنزل، ~~فإن مجرد رواية الموفق خطيب خوارزم لا تدل على أن الحديث ثابت قاله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا لو لم يعلم ما في الذي جمعه من الأحاديث ~~من الكذب والفرية، فأما من تأمل ما في جمع هذا # PageV01P449 # الخطيب فإنه يقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! # الثاني: أن كل من له معرفة بالحديث يشهد أن هذه الأحاديث كذب مفتراة على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الثالث: أن هذه الأحاديث إن كانت مما رواه الصحابة والتابعون فأين ذكرها ~~بينهم؟ ومن الذي نقلها عنهم؟ وفي أي كتاب وجد أنهم رووها؟ ومن كان خبيرا ~~بما جرى بينهم علم بالاضطرار أن هذه الأحاديث مما ولدها الكذابون بعدهم، ~~وأنها مما عملت أيديهم. # الوجه الرابع: أن يقال: علمنا بأن المهاجرين والأنصار كانوا مسلمين يحبون ~~الله ورسوله، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحبهم ويتولاهم، وأن ~~أبا بكر الإمام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أعظم ms433 من علمنا بصحة ~~شيء من هذه الأحاديث، فكيف يجوز أن يرد ما علمناه بالتواتر المتيقن بأخبار ~~هي أقل وأحقر من أن يقال لها: أخبار آحاد لا يعلم لها ناقل صادق، بل أهل ~~العلم بالحديث متفقون على أنها من أعظم المكذوبات، ولهذا لا يوجد منها شيء ~~في كتب الأحاديث المعتمدة، بل أئمة الحديث كلهم يجزمون لكذبها. # الوجه الخامس: أن القرآن يشهد في غير موضع برضا الله عنهم وثنائه عليهم، ~~كقوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} (1) . # الوجه السادس: أن هذه الأحاديث تقدح في علي، وتوجب أنه كان مكذبا بالله ~~ورسوله، فيلزم من صحتها كفر الصحابة كلهم: هو وغيره. أما الذين ناصبوه ~~الخلاف فإنهم في هذا الحديث المفترى كفار. وأما علي فإنه لم يعمل بموجب هذه ~~النصوص، بل كان يجعلهم مؤمنين مسلمين. وشر من قاتلهم علي هم الخوارج، ومع ~~هذا فلم يحكم فيهم بحكم الكفار، بل حرم أموالم وسبيهم، وكان يقول لهم قبل ~~قتالهم: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا # حقكم فينا. ولما قتله ابن ملجم قال: إن عشت فأنا ولي دمي، ولم يجعله ~~مرتدا بقتله. # وأما أهل الجمل فقد تواتر عنه أنه نهى عن أن يتبع مدبرهم، وأن يجهز على ~~جريحهم، وأن يقتل أسيرهم وأن تغنم أموالهم، وأن تسبى ذراريهم. فإن كان ~~هؤلاء كفارا بهذه PageV01P450 # النصوص، فعلي أول من كذب بها، فيلزمهم أن يكون علي كافرا. # وكذلك أهل صفين كان يصلي على قتلاهم، ويقول: إخواننا بغوا علينا طهرهم ~~السيف. ولو كان عنده كفارا لما صلى عليهم، ولا جعلهم إخوانه، ولا جعل السيف ~~طهرا لهم. # وليس المقصود هنا الكلام في التكفير، بل التنبيه على أن هذه الأحاديث مما ~~يعلم بالاضطرار أنها كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنها مناقضة ~~لدين الإسلام، وأنها تستلزم تكفير علي وتكفير من خالفه، وأنه لم يقلها من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، فضلا عن أن تكون من كلام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، بل إضافتها - والعياذ ms434 بالله - إلى رسول الله من أعظم القدح ~~والطعن فيه. # ولا شك أن هذا فعل زنديق ملحد لقصد إفساد دين الإسلام، فلعن الله من ~~افتراها، وحسبه ما وعده به الرسول حيث قال: ((من كذب علي متعمدا فليتبوأ ~~مقعده من النار)) . ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((قالت الإمامية: إذا رأينا المخالف لنا يورد مثل هذه ~~الأحاديث، ونقلنا نحن أضعافها عن رجالنا الثقات، وجب علينا المصير إليها، ~~وحرم العدول عنها)) . # والجواب أن يقال: لا ريب أن رجالكم الذين وثقتموهم غايتهم أن يكونوا من ~~جنس من يروي هذه الأحاديث من الجمهور، فإذا كان أهل العلم يعلمون بالاضطرار ~~أن هؤلاء كذابون، وأنتم أكذب منهم وأجهل، حرم عليكم العمل بها والقضاء ~~بموجبها. والاعتراض على هذا الكلام من وجوه. # أحدها: أن يقال لهؤلاء الشيعة: من أين لكم أن الذين نقلوا هذه الأحاديث ~~في الزمان القديم ثقات، وأنتم لم تدركوهم ولم تعلموا أحوالهم ولا لكم كتب ~~مصنفة تعتمدون عليها في أخبارهم التي يميز بها بين الثقة وغيره، ولا لكم ~~أسانيد تعرفون رجالها؟ بل علمكم بكثير مما في أيديكم شر من علم كثير من ~~اليهود والنصارى بما في أيديهم، بل أولئك معهم كتب وضعها لهم هلال وشماس ~~وليس عند جمهورهم ما يعارضها. # PageV01P451 # وأما أنتم فجمهور المسلمين دائما يقدحون في روايتكم، ويبينون كذبكم، ~~وأنتم ليس لكم علم بحالهم. ثم قد علم بالتواتر الذي لا يمكن حجبه كثرة ~~الكذب وظهوره في الشيعة من زمن علي وإلى اليوم. وأنتم تعلمون أن أهل الحديث ~~يبغضون الخوارج، ويروون فيهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحاديث كثيرة ~~صحيحة، وقد روى البخاري بعضها، وروى مسلم عشرة منها، وأهل الحديث متدينون ~~بما صح عندهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع هذا فلم يحملهم بغضهم ~~للخوارج على الكذب عليهم، بل جربوهم فوجدوهم صادقين. وأنتم يشهد عليكم أهل ~~الحديث والفقهاء والمسلمون والتجار والعامة والجند، وكل من عاشركم وجربكم ~~قديما وحديثا، أن طائفتكم أكذب الطوائف، وإذا وجد فيها صادق، فالصادق في ~~غيرها أكثر، وإذا وجد في غيرها كاذب، فالكاذب ms435 فيها أكثر. # ولا يخفى هذا على عاقل منصف، وأما من اتبع هواه فقد أعمى الله قلبه، ومن ~~يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((المنهج الرابع: في الأدلة الدالة على إمامته المستنبطة من ~~أحواله وهي اثنا عشر)) . # ثم ذكر: كان أزهد الناس وأعبدهم وأعلمهم وأشجعهم، وذكر أنواعا من خوارق ~~العادات له، واجتماع الفضائل على أوجه تقدم بها عليهم، فقال: # ((الأول: أنه كان أزهد الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) . # والجواب: المنع؛ فإن أهل العلم بحالهما يقولون: أزهد الناس بعد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الزهد الشرعي: أبو بكر وعمر. وذلك أن أبا بكر كان ~~له مال يكتسبه فأنفقه كله في سبيل الله، وتولى الخلافة، فذهب إلى السوق ~~يبيع ويكتسب، فلقيه عمر وعلى يده أبراد، فقال له: أين تذهب؟ فقال: أظننت ~~أني تارك طلب المعيشة لعيالي؟ فأخبر بذلك أبا عبيدة والمهاجرين، ففرضوا له ~~شيئا، فاستخلف عمر وأبا عبيدة، فحلفا له أنه يباح له أخذ درهمين # PageV01P452 # كل يوم، ثم ترك ماله في بيت المال، ثم لما حضرته الوفاة أمر عائشة أن ترد ~~إلى بيت المال ما كان قد دخل في ماله من مال المسلمين، فوجدت جرد قطيفة لا ~~يساوي خمس دراهم، وحبشية ترضع ابنه، أو عبدا حبشيا وبعيرا ناضحا، فأرسلت ~~بذلك إلى عمر. فقال عبد الرحمن بن عوف له: أتسلب هذا عيال أبي بكر؟ فقال: ~~كلا ورب الكعبة، لا يتأثم منه أبو بكر في حياته، وأتحمله أنا بعد موته. # وقال بعض العلماء: علي كان زاهدا، ولكن الصديق أزهد منه؛ لأن أبا بكر كان ~~له المال الكثير في أول الإسلام والتجارة الواسعة، فأنفقه في سبيل الله، ~~وكان حاله في الخلافة ما ذكر، ثم رد ما تركه لبيت المال. # PageV01P453 # سس # PageV01P454 # فصح بالبرهان الضروري أن أبا بكر رضي الله عنه أزهد من جميع الصحابة، ثم ~~عمر رضي الله تعالى عنه)) . ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: علي قد طلق الدنيا ثلاثا، وكان قوته جريش الشعير، وكان ~~يختمه لئلا يضع الإمامان ms436 فيه أدما، وكان يلبس خشن الثياب وقصيرها، ورقع ~~مدرعته حتى استحى من رقعها، وكان حمائل سيفه ليفا وكذا نعله. # PageV01P455 # وروى أخطب خوارزم عن عمار قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: ((يا علي إن الله زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله ~~منها: زهدك في الدنيا، وبغضها إليك، وحبب إليك الفقراء، فرضيت بهم أتباعا، ~~ورضوا بك إماما. يا علي طوبى لمن أحبك وصدق عليك، والويل لمن أبغضك وكذب ~~عليك. أما من أحبك وصدق عليك فإخوانك في دينك، وشركاؤك في جنتك. وأما من ~~أبغضك وكذب عليك فحقيق على الله أن يقيمهم مقام الكذابين. # قال سويد بن غفلة: دخلت على علي العصر، فوجدته جالسا بين يديه صفحة فيها ~~لبن حار، وأجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه ~~وهو يكسر بيده أحيانا، فإذا غلبه كسره بركبته، فطرحه فيه، فقال: ادن فأصب ~~من طعامنا هذا. فقلت: إني صائم. فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: من منعه الصيام عن طعام يشتهيه كان حقا على الله أن يطعمه من طعام ~~الجنة ويسقيه من شرابها. قال: قلت لجاريته وهي قائمة: ويحك يا فضة، ألا ~~تتقين الله في هذا الشيخ؟ ألا تنخلين طعامه مما أرى فيه من النخال؟ فقالت: ~~لقد عهد إلينا أن لا ننخل له طعاما. قال: ما قلت لها؟ فأخبرته. قال: بأبي ~~وأمي من لم ينخل له طعام، ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله ~~عز وجل، واشترى يوما ثوبين غليظين، فخير قنبرا فيهما فأخذ واحدا ولبس هو ~~الآخر، ورأى في كمه طولا عن أصابعه فقطعه. وقال ضرار بن ضمرة: دخلت على ~~معاوية بعد قتل أمير المؤمنين علي، فقال: صف لي عليا. فقلت: أعفني. فقال: ~~لا بد من ذلك. # فقلت: أما إذ لا بد، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ~~ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من ~~الدنيا وزينتها، ويستأنس بالليل ووحشته. ms437 وكان والله غزير العبرة، طويل ~~الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما قشب، وكان فينا كأحدنا: ~~يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن - والله - مع تقريبه لنا ~~وقربه منا لا نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع ~~القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله. فأشهد بالله لقد رأيته وهو يقول: ~~يا دنيا غري غيري. ألي تعرضت؟ أم إلي تشوفت؟ # PageV01P456 # هيهات! قد أبنتك ثلاثا، لا رجعة فيك، عمرك قصير، وخطرك كثير، وعيشك حقير. # آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق! فبكى معاوية، وقال: رحم الله ~~أبا الحسن كان والله كذلك، فما حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها ~~في حجرها، فلا ترقأ عبرتها، ولا يسكن حزنها)) . # والجواب: أما زهد علي رضي الله عنه في المال فلا ريب فيه، لكن الشأن أنه ~~كان أزهد من أبي بكر وعمر، وليس فيما ذكره ما يدل على ذلك، بل ما كان فيه ~~حقا فلا دليل فيه على ذلك، والباقي: إما كذب، وإما ما لا مدح فيه. # أما كونه طلق الدنيا ثلاثا: فمن المشهور عنه أنه قال: ((يا صفراء، يا ~~بيضاء، قد طلقتك ثلاثا، غري غيري، لا رجعة لي فيك)) لكن هذا لا يدل على أنه ~~أزهد ممن لم يقل هذا؛ فإن نبينا عيسى ابن مريم وغيرهما كانوا أزهد منه، ولم ~~يقولوا هذا. ولأن الإنسان إذا زهد لم يجب أن يقول بلسانه: قد زهدت، وليس كل ~~من قال: زهدت، يكون قد زهد، فلا عدم هذا الكلام يدل على عدم الزهد، ولا ~~وجوده يدل على وجوده، فلا دلالة فيه. # وأما قوله: إنه كان دائما يقتات جريش الشعير بلا أدم. # فلا دلالة في هذا لوجهين: أحدهما: أنه كذب. والثاني: أنه لا مدح فيه. ~~فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إمام الزهاد كان لا يرد موجودا، ولا ~~يتكلف مفقودا، بل إن حضر لحم دجاج أكله، أو لحم غنم أكله، أو حلواء أو عسل ~~أو فاكهة أكله، وإن لم يجد شيئا ms438 لم يتكلفه، وكان إذا حضر طعاما: فإن اشتهاه ~~أكله وإلا # تركه، ولا يتكلف ما لا يحضر، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع، وقد كان ~~يقيم الشهر والشهرين لا يوقد في بيته نار. # وأما قوله: ((كان حمائل سيفه ليفا، ونعله ليفا)) . # فهذا أيضا كذب ولا مدح فيه؛ فقد روى أن نعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان من الجلود، وحمائل سيف النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت ذهبا ~~وفضة. والله قد يسر الرزق عليهم، فأي مدح في أن يعدلوا عن الجلود مع ~~تيسيرها؟ وإنما يمدح هذا عند العدم. # PageV01P457 # كما قال أبو أمامة الباهلي: ((لقد فتح البلاد أقوام كانت خطم خيلهم ليفا، ~~وركبهم العلابي)) رواه البخاري (1) . # وحديث عمار عن الموضوعات، وكذلك حديث سويد بن غفلة ليس مرفوعا إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وبالجملة زهده لم يلحقه أحد فيه، ولا سبقه أحد إليه. وإذا ~~كان أزهد كان هو الإمام، لامتناع تقدم المفضول عليه)) . # والجواب: أن كلتا القضيتين باطلة: لم يكن أزهد من أبي بكر وعمر، ولا كل ~~من كان أزهد كان أحق بالإمامة. وذلك أن عليا كان له من المال والسراري ~~ولأهله ما لم يكن لأبي بكر وعمر. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((الثاني: أنه كان أعبد الناس: يصوم النهار، ويقوم الليل، ~~ومنه تعلم الناس صلاة الليل ونوافل النهار، وأكثر العبادات والأدعية ~~المأثورة عنه تستوعب الوقت، وكان يصلي في ليله ونهاره ألف ركعة، ولم يخل في ~~صلاة الليل - حتى في ليلة الهرير. # وقال ابن عباس: رأيته في حربه وهو يرقب الشمس، فقلت: يا أمير المؤمنين ~~ماذا تصنع؟ قال: أنظر إلى الزوال لأصلي. فقلت: في هذا الوقت؟ فقال: إنما ~~نقاتلهم على PageV01P458 # الصلاة. # فلم يغفل عن فعل العبادات في أول وقتها في أصعب الأوقات. # وكان إذا أريد إخراج الحديد من جسده يترك إلى أن يدخل في الصلاة، فيبقى ~~متوجها إلى الله غافلا عما سواه، غير مدرك للآلام التي تفعل به. # وجمع بين الصلاة والزكاة، وتصدق وهو راكع، فأنزل الله تعالى فيه ms439 قرآنا ~~يتلى. # وتصدق بقوته وقوت عياله ثلاثة أيام، حتى أنزل الله فيهم: {هل أتى على ~~الإنسان} (1) وتصدق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية، وناجى الرسول فقدم بين يدي ~~نجواه صدقة، فأنزل الله فيه قرآنا وأعتق ألف عبد من كسب يده، وكان يؤجر ~~نفسه وينفق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب. وإذا كان أعبد ~~الناس كان أفضل، فيكون هو الإمام)) . # والجواب: أن يقال: هذا الكلام فيه من الأكاذيب المختلفة ما لا يخفى إلا ~~على أجهل الناس بأحوال القوم. ومع أنه كذب ولا مدح فيه ولا في عامة ~~الأكاذيب، فقوله: إنه كان يصوم النهار ويقوم الليل كذب عليه. وقد تقدم قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) . # وفي الصحيحين عن علي، قال: طرقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وفاطمة، فقال: ((ألا تقومان فتصليان؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد ~~الله، إذا شاء أن يبعثنا بعثنا: قال فولى. وهو يضرب فخذه ويقول: {وكان ~~الإنسان أكثر شيء جدلا} (2) . فهذا الحديث دليل على نومه في الليل مع إيقاظ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومجادلته حتى ولى وهو يقول: {وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا} . # وقول القائل: ((ومنه تعلم الناس صلاة الليل ونوافل النهار)) . # إن أراد بذلك: أن بعض المسلمين تعلم ذلك منه، فهكذا كل من الصحابة علم ~~بعض الناس. PageV01P459 # وإن أراد أن المسلمون تعلموا ذلك منه، فهذا من الكذب البارد. فأكثر ~~المسلمين ما رأوه، وقد كانوا يقومون الليل ويتطوعون بالنهار، فأكثر بلاد ~~المسلمين التي فتحت في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، كالشام ومصر # والمغرب وخراسان ما رأوه، فكيف يتعلمون منه؟ والصحابة كانوا كذلك في حياة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومنه تعلموا ذلك، ولا يمكن أن يدعى ذلك إلا ~~في أهل الكوفة. # ومعلوم أنهم كانوا تعلموا ذلك من ابن مسعود رضي الله عنه وغيره قبل أن ~~يقدم إليهم، وكانوا من أكمل الناس علما ودينا قبل قدوم علي رضي الله عنه ms440 ~~إليهم، والصحابة كانوا كذلك، وأصحاب ابن مسعود كانوا كذلك قبل أن يقدم ~~إليهم العراق. # وأما قوله: ((الأدعية المأثورة عنه تستوعب الوقت)) . # فعامتها كذب عليه. وهو كان أجل قدرا من أن يدعو بهذه الأدعية التي لا ~~تليق بحاله وحال الصحابة، وليس لشيء من هذه إسناد. والأدعية الثابتة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي أفضل ما دعا به أحد، وبها يدعو خيار ~~هذه الأمة من الأولين والآخرين. # وكذلك قوله: ((إنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة)) . # من الكذب الذي لا مدح فيه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مجموع ~~صلاته في اليوم والليلة أربعين ركعة: فرضا ونفلا. والزمان لا يتسع لألف ~~ركعة لمن ولي أمر المسلمين، مع سياسة الناس وأهله، إلا أن تكون صلاته نقرا ~~كنقر الغراب، وهي صلاة المنافقين التي نزه الله عنها عليا. # وأما ليالي صفين، فالذي ثبت في الصحيح أنه قال الذكر الذي علمه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لفاطمة: قال: ما تركته منذ سمعته من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين، ذكرته من السحر ~~فقلته (1) . # وما ذكر من إخراج الحديد من جسده فكذب. فإن عليا لم يعرف أنه دخل فيه ~~حديد. وما ذكره من جمعه بين الصلاة والزكاة، فهذا كذب كما تقدم ولا مدح ~~فيه، فإن هذا لو كان مستحبا لشرع للمسلمين، ولو كان يستحب للمسلمين أن ~~يتصدقوا وهم في الصلاة PageV01P460 # لتصدقوا، فلما لم يستحب هذا أحد من المسلمين علمنا أنه ليس عبادة بل ~~مكروه. # وكذلك ما ذكره من أمر النذر والدراهم الأربعة قد تقدم أن هذا كله كذب، ~~وليس فيه كبير مدح. # وقوله: ((أعتق ألف عبد من كسب يده)) . # من الكذب الذي لا يروج إلا على أجهل الناس؛ فإن عليا لم يعتق ألف عبد، بل ~~ولا مائة، ولم يكن له كسب بيده يقوم بعشر هذا؛ فإنه لم تكن له صناعة ~~يعملها، وكان مشغولا: إما بجهاد وإما بغيره. # وكذلك قوله: ((كان يؤجر نفسه وينفق على النبي ms441 - صلى الله عليه وسلم - في ~~الشعب)) . # كذب بين من وجوه: # أحدها: أنهم لم يكونوا يخرجون من الشعب، ولم يكن في الشعب من يستأجره. # والثاني: أن أباه أبا طالب كان معهم في الشعب، وكان ينفق عليه. # والثالث: أن خديجة كانت موسرة تنفق من مالها. # والرابع: أن عليا لم يؤجر نفسه بمكة قط، وكان صغيرا حين كان في الشعب: ~~إما مراهقا، وإما محتلما، فكان علي في الشعب ممن ينفق عليه: إما النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وإما أبوه، لم يكن ممن يمكنه أن ينفق على نفسه، فكيف ~~ينفق على غيره؟ ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثالث: أنه كان أعلم الناس بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -)) . # والجواب: أن أهل السنة يمنعون ذلك ويقولون ما اتفق عليه علماؤهم: إن أعلم ~~الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر. وقد ذكر غير واحد الإجماع على أن أبا ~~بكر أعلم الصحابة كلهم، ودلائل ذلك مبسوطة في موضعها؛ فإنه لم يكن أحد يقضي ~~ويخطب ويفتى بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أبو بكر رضي الله عنه، ~~ولم يشتبه على الناس شيء من أمر دينهم إلا فصله أبو بكر؛ فإنهم شكوا في موت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينه أبو بكر، ثم شكوا في مدفنه فبينه، ثم ~~شكوا في قتال مانعي الزكاة فبينه أبو بكر، وبين لهم النص في قوله تعالى: ~~{لتدخلن المسجد الحرام # PageV01P461 # إن شاء الله آمنين} (1) ، وبين لهم أن عبدا خيره الله بين الدنيا ~~والآخرة، ونحو ذلك. # وفسر الكلالة فلم يختلفوا عليه. # وكان علي وغيره يروون عن أبي بكر، كما في السنن عن علي قال: كنت إذا سمعت ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، ~~فإذا حدثني غيره استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر - وصدق أبو ~~بكر - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من مسلم يذنب ذنبا ~~ثم يتوضأ ويصلي ركعتين يستغفر الله تعالى إلا غفر له)) (2) . # وقد نقل غير واحد الإجماع ms442 على أن أبا بكر أعلم من علي، منهم الإمام منصور ~~بن عبد الجبار السمعاني المروزي أحد أئمة الشافعية. وذكر في كتابه ((تقويم ~~الأدلة)) الإجماع من علماء السنة: أن أبا بكر أعلم من علي، كيف وأبو بكر ~~كان بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - يفتى ويأمر وينهى ويخطب، كما كان ~~يفعل ذلك إذا خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وإياه - يدعو الناس إلى ~~الإسلام، ولما هاجر، ويوم حنين، وغير ذلك من المشاهد، وهو ساكت يقره، ولم ~~تكن هذه المرتبة لغيره. # وأما قو له: ((قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أقضاكم علي. ~~والقضاء يستلزم العلم والدين)) . # فهذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجة. # وقوله: ((أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)) أقوى إسنادا منه، والعلم ~~بالحلال والحرام ينتظم للقضا أعظم مما ينتظم للحلال والحرام. # وهذا الثاني قد رواه الترمذي (3) وأحمد، والأول لم يروه أحد في السنن ~~المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، وإنما يروى من ~~طريق من هو معروف بالكذب. # وحديث: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في ~~الموضوعات، PageV01P462 # وإن رواه الترمذي (1) ، وذكره ابن الجوزي وبين أن سائر طرقه موضوعة، ~~والكذب يعرف من نفس متنه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان مدينة ~~العلم، ولم يكن لها إلا باب واحد، فسد أمر الإسلام. ولهذا اتفق المسلمون # على أنه لا يجوز أن يكون المبلغ عنه العلم واحدا، بل يجب أن يكون ~~المبلغون أهل التواتر، الذين يحصل العلم بخبرهم للغائب. # وإذا قالوا: ذلك الواحد المعصوم يحصل العلم بخبره. # قيل لهم: فلا بد من العلم بعصمته أولا. وعصمته لا تثبت بمجرد خبره قبل أن ~~يعلم عصمته، فإنه دور، ولاتثبت بالإجماع، فإنه لا إجماع فيها. وعند ~~الإمامية إنما يكون الإجماع حجة، لأن فيهم الإمام المعصوم، فيعود الأمر إلى ~~إثبات عصمته بمجرد دعواه، فعلم أن عصمته لو كانت حقا لا بد أن تعلم بطريق ~~آخر غير خبره. # فلو لم يكن لمدينة العلم باب إلا هو، ms443 لم يثبت لا عصمته ولا غير ذلك من ~~أمور الدين، فعلم أن هذا الحديث إنما افتراه زنديق جاهل ظنه مدحا، وهو مطرق ~~الزنادقة إلى القدح في دين الإسلام؛ إذ لم يبلغه إلا واحد. # ثم إن هذا خلاف المعلوم بالتواتر؛ فإن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن ~~الرسول من غير علي. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: وفيه نزل قوله تعالى: {وتعيها أذن واعية} . # والجواب: أنه حديث موضوع باتفاق أهل العلم، ومعلوم بالاضطرار أن الله ~~تعالى لم يرد بذلك أن لا تعيها إلا أذن واعية واحدة من الآذان، ولا أذن شخص ~~معين، لكن المقصود النوع، فيدخل في ذلك كل أذن واعية. PageV01P463 ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وكان في غاية الذكاء، شديد الحرص على التعلم، ولازم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو أكمل الناس ملازمة ليلا ونهارا، ومن ~~صغره إلى وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) . # والجواب: أن يقال: من أين علم أنه أذكى من عمر، ومن أبي بكر وأنه كان ~~أرغب في العلم منهما؟. # وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنه كان في الأمم ~~قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر)) (1) والمحدث الملهم يلهمه الله، ~~وهذا قدر زائد على تعليم البشر. # ولا ريب أن أبا بكر كان ملازما للنبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ~~علي، ومن كل أحد، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أكثر اجتماعا بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من علي بكثير. فكان يسمر معهما في أمر المسلمين. ~~والمسائل التي تنازع فيها عمر وعلي في الغالب يكون فيها قول عمر أرجح، ~~كمسألة الحامل المتوفى عنها زوجها، ومسألة الحرام. كما تقدم. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وقال - صلى الله عليه وسلم -: العلم في الصغر كالنقش في ~~الحجر. فتكون علومه أكثر من علوم غيره، لحصول القابل الكامل، والفاعل ~~التام)) . # والجواب: أن هذا من عدم علم الرافضي بالحديث؛ فإن هذا مثل سائر، ليس من ~~كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأصحابه أيدهم الله تعالى، فتعلموا ~~الإيمان والقرآن والسنن، ويسر ms444 الله ذلك عليهم. وكذلك علي؛ فإن القرآن لم ~~يكمل حتى صار لعلي نحوا من ثلاثين سنة، فإنما حفظ أكثر ذلك في كبره لا في ~~صغره. وقد اختلف في حفظه لجميع القرآن على قولين. # والأنبياء أعلم الخلق، ولم يبعث الله نبيا إلا بعد الأربعين، إلا عيسى - ~~صلى الله عليه وسلم -. وتعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مطلقا، لم ~~يكن يخص به أحدا، ولكن بحسب استعداد الطالب. ولهذا حفظ عنه أبو هريرة في ~~ثلاث سنين أخرى ما لم يحفظ غيره. وكان اجتماع أبي بكر به أكثر من ~~PageV01P464 # سائر الصحابة. # وأما قوله: ((إن الناس منه استفادوا العلوم)) . # فهذا باطل؛ فإن أهل الكوفة - التي كانت داره - كانوا قد تعلموا الإيمان، ~~والقرآن وتفسيره، والفقه، والسنة من ابن مسعود وغيره، قبل أن يقدم علي ~~الكوفة. # وإذا قيل: إن أبا عبد الرحمن قرأ عليه، فمعناه: عرض عليه. وإلا فأبو عبد ~~الرحمن كان قد حفظ القرآن قبل أن يقدم علي الكوفة. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وأما النحو فهو واضعه. قال لأبي الأسود: الكلام كله ثلاثة ~~أشياء: اسم، وفعل، وحرف. وعلمه وجوه الإعراب)) . # والجواب: أن يقال: أولا: هذا ليس من علوم النبوة، وإنما هو علم مستنبط، ~~وهو وسيلة في حفظ قوانين اللسان، الذي نزل به القرآن، ولم يكن في زمن ~~الخلفاء الثلاثة لحن، فلم يحتج إليه. فلما سكن علي الكوفة، وبها الأنباط، ~~روى أنه قال لأبي الأسود الدؤلي: ((الكلام اسم وفعل وحرف)) . وقال: ((انح ~~هذا النحو)) ففعل هذا للحاجة. كما أن من بعد علي أيضا استخرج للخط النقط ~~والشكل، وعلامة المد والشد، ونحوه للحاجة. # ثم بعد ذلك بسط النحو نحاة الكوفة والبصرة، والخليل استخرج علم العروض. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي الفقه: الفقهاء يرجعون إليه)) . # والجواب: أن هذا كذب بين؛ فليس في الأئمة الأربعة - ولا غيرهم من أئمة ~~الفقهاء - من يرجع إليه في فقهه. # PageV01P465 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الرابع: أنه كان أشجع الناس، وبسيفه ثبتت قواعد الإسلام، ~~وتشيدت أركان الإيمان، ما انهزم في مواطن قط، ولا ضرب بسيف إلا قط، ms445 طالما ~~كشف الكرب عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يفر كما فر غيره، ~~ووقاه بنفسه لما بات على فراشه، مستترا بإزاره، فظنه المشركون إياه، وقد ~~اتفق المشركون على قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأحدقوا به ~~وعليهم السلاح، يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا، فيذهب دمه، لمشاهدة بني ~~هاشم قاتليه من جميع القبائل، ولا يتم لهم الأخذ بثأره لاشتراك الجماعة في ~~دمه، ويعود كل قبيل عن قتال رهطه. وكان ذلك سبب حفظ دم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وتمت السلامة، وانتظم # به الغرض في الدعاء إلى الملة، فلما أصبح القوم، ورأوا الفتك به، ثار ~~إليهم، فتفرقوا عنه حين عرفوه، وانصرفوا وقد ضلت حيلتهم، وانتقض تدبيرهم)) ~~. # والجواب: أنه لا ريب أن عليا رضي الله عنه كان من شجعان الصحابة، وممن ~~نصر الله الإسلام بجهاده، ومن كبار السابقين الأولين من المهاجرين ~~والأنصار، ومن سادات من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، وممن ~~قتل بسيفه عددا من الكفار. لكن لم يكن هذا من خصائصه، بل غير واحد من ~~الصحابة شاركه في ذلك، فلا يثبت بهذا فضله في الجهاد على كثير من الصحابة، ~~فضلا عن أفضليته على الخلفاء، فضلا عن تعيينه للإمامة. # وأما قوله: ((إنه كان أشجع الناس)) . # فهذا كذب، بل كان أشجع الناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. كما في ~~الصحيحين عن أنس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس، وكان ~~أجود الناس، وكان أشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس ~~قبل الصوت، فتلقاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - راجعا وقد سبقهم إلى ~~الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: ((لن تراعوا)) ~~. # قال البخاري: استقبلهم وقد استبرأ الخبر (1) . # وفي المسند عن علي رضي الله عنه قال: ((كان إذا اشتد البأس اتقينا برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو كان PageV01P466 # أقرب إلى العدو منا)) (1) . # وكان علي وغيره - يتقون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه أشجع ~~منهم، ms446 وإن كان أحدهم قد قتل بيده أكثر مما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. # والمقصود هنا أن أبا بكر كان أشجع الناس، ولم يكن بعد الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - أشجع منه. ولهذا لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونزلت ~~بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم، حتى أوهنت العقول، وطيشت الألباب، واضطربوا ~~اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة القعر، فهذا ينكر موته، وهذا قد أقعد، ~~وهذا قد دهش فلا يعرف من يمر عليه ومن يسلم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، ~~وقد وقعوا في نسخة # القيامة، وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ~~ارتدوا عن الدين، وذلت كماته، فقام الصديق رضي الله عنه بقلب ثابت، وفؤاد ~~شجاع، فلم يجزع، ولم ينكل، قد جمع له بين الصبر واليقين، فأخبرهم بموت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن الله اختار له ما عنده، وقال لهم: ((من ~~كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت)) ~~. # فالشجاعة المطلوبة من الإمام لم تكن في أحد بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أكمل منها في أبي بكر، ثم عمر. وأما القتل فلا ريب أن غير علي ~~من الصحابة قتل من الكفار أكثر مما قتل علي، فإن كان من قتل أكثر يكون ~~أشجع، فكثير من الصحابة أشجع من علي، فالبراء بن مالك - أخو أنس - قتل مائة ~~رجل مبارزة، غير من شورك في دمه. وأما خالد بن الوليد فلا يحصي عدد من قتله ~~إلا الله، وقد انكسر في يده في غزوة مؤتة تسعة أسياف، ولا ريب أنه قتل ~~أضعاف ما قتله علي. # (فصل) # قلت: وأما قوله: ((بسيفه ثبت قواعد الإسلام وتشيدت أركان الدين)) . # فهذا كذب ظاهر لكل من عرف الإسلام، بل سيفه جزء من أجزاء كثيرة، جزء من ~~أجزاء أسباب تثبيت قواعد الإسلام، وكثير من الوقائع التي ثبت بها الإسلام ~~لم يكن لسيفه فيها تأثير، كيوم بدر: كان سيفا من سيوف كثيرة. ### | ### | (فصل) # # وأما قوله: ((ما انهزم قط)) . PageV01P467 # فهو ms447 في ذلك كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وغيرهم من الصحابة رضي الله ~~عنهم. فالقول في أنه ما انهزم، كالقول في أن هؤلاء ما انهزموا قط. ولم يعرف ~~لأحد من هؤلاء هزيمة، وإن كان قد وقع شيء في الباطن ولم ينقل، فيمكن أن ~~عليا وقع منه ما لم ينقل. # والمسلمون كانت لهم هزيمتان: يوم أحد، ويوم حنين. ولم ينقل أن أحدا من ~~هؤلاء انهزم، بل المذكور في السير والمغازي أن أبا بكر وعمر ثبتا # مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ويوم حنين، ولم ينهزما مع من ~~انهزم. ومن نقل أنهما انهزما يوم حنين فكذبه معلوم. وإنما الذي انهزم يوم ~~أحد عثمان. وقد عفا الله عنه. وما نقل من انهزام أبي بكر وعمر بالراية يوم ~~حنين فمن الأكاذيب المختلفة التي افتراها المفترون. # وقوله: ((ما ضرب بسيفه إلا قط)) . # فهذا لا يعلم ثبوته ولا انتفاؤه، وليس معنا في ذلك نقل يعتمد عليه. ولو ~~قال قائل في خالد والزبير والبراء بن مالك وأبي دجانة وأبي طلحة ونحوهم: ~~إنه ما ضرب بسيفه إلا قط، كان القول في ذلك كالقول في علي، بل صدق هذا في ~~مثل خالد والبراء بن مالك أولى. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خالد سيف من سيوف الله سله الله ~~على المشركين)) . فإذا قيل فيمن جعله الله من سيوفه: إنه ما ضرب إلا قط، ~~كان أقرب إلى الصدق، مع كثرة ما علم من قتل خالد في الحروب، وأنه لم يزل ~~منصورا. # وأما قوله: ((وطالما كشف الكروب عن وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -)) . # فهذا كذب بين، من جنس أكاذيب الطرقية؛ فإنه لا يعرف أن عليا كشف كربة عن ~~وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - قط، بل ولا يعرف ذلك عن أبي بكر وعمر، ~~وهما كانا أكثر جهادا منه، بل هو - صلى الله عليه وسلم - الذي طالما كشف عن ~~وجوههم الكرب. # لكن أبو بكر د فع عنه لما أراد المشركون أن يضربوه ويقتلوه بمكة، جعل ~~يقول: ((أتقتلون رجلا أن ms448 يقول: ربي الله)) حتى ضربوا أبا بكر. ولم يعرف أن ~~عليا فعل مثل هذا. # وأما كون المشركين أحاطوا به حتى خلصه أبو بكر أو علي بسيفه، فهذا لم ~~ينقله أحد من أهل العلم ولا حقيقة له. # PageV01P468 # وما ذكره من مبيته على فراشه، فقد قدمنا أنه لم يكن هناك خوف على علي ~~أصلا. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي غزاة بدر، وهي أول الغزوات، كانت على رأس ثمانية عشر ~~شهرا من مقدمه إلى المدينة، وعمره سبع وعشرون سنة، قتل # منهم ستة وثلاثين رجلا بانفراده، وهم أعظم من نصف المقتولين، وشرك في ~~الباقين)) . # والجواب: أن هذا من الكذب البين المفترى باتفاق أهل العلم، العالمين ~~بالسير والمغازي. ولم يذكر هذا أحد يعتمد عليه في النقل، وإنما هو من وضع ~~جهال الكذابين. # وغاية ما ذكره ابن هشام، وقبله موسى بن عقبة، وكذلك الأموي، جميع ما ~~ذكروه أحد عشر نفسا، واختلف في ستة أنفس، هل قتلهم هو أو غيره، وشارك في ~~ثلاثة. هذا جميع ما نقله هؤلاء الصادقون. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي غزاة أحد لما انهزم الناس كلهم عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا علي بن أبي طالب، ورجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- نفر يسير، أولهم عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، وجاء عثمان بعد ~~ثلاثة أيام، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد ذهبت فيها عريضة. ~~وتعجبت الملائكة من شأن علي، فقال جبريل وهو يعرج إلى السماء. # لا سيف إلا ذو الفقا ر ولا فتى إلا علي # وقتل أكثر المشركين في هذه الغزاة، وكان الفتح فيها على يده. وروى قيس بن ~~سعد قال: سمعت عليا يقول: أصابني يوم أحد ستة عشر ضربة، سقطت إلى الأرض في ~~أربع منهن، فجاءني رجل حسن الوجه حسن اللمة طيب الريح، فأخذ بضبعي، ~~فأقامني، ثم قال: أقبل عليهم فقاتل في طاعة الله وطاعة رسوله، فهما عنك ~~راضيان. قال علي: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبرته. فقال: يا ~~علي أما تعرف الرجل؟ قلت: لا، ms449 ولكن شبهته بدحية الكلبي. فقال: يا علي أقر ~~الله عينيك، كان ذاك جبريل)) . # PageV01P469 # والجواب: أن يقال: قد ذكر في هذه من الأكاذيب العظام التي لا تنفق إلا ~~على من لا يعرف الإسلام، وكأنه يخاطب بهذه الخرافات من لا يعرف ما جرى في ~~الغزوات. # كقوله: ((إن عليا قتل أكثر المشركين في هذه الغزاة، وكان الفتح فيها على ~~يده)) . # فيقال: آفة الكذب الجهل. وهل كان في هذه الغزاة فتح؟ بل كان المسلمون قد ~~هزموا العدو أولا، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وكل بثغرة الجبل ~~الرماة، وأمرهم بحفظ ذلك المكان، وأن لا يأتوهم سواء غلبوا أو غلبوا. فلما ~~انهزم المشركون صاح بعضهم: أي قوم الغنيمة! فنهاهم أميرهم عبد الله بن ~~جبير، ورجع العدو عليهم، وأمير المشركين إذ ذاك خالد بن الوليد، فأتاهم من ~~ظهورهم، فصاح الشيطان: قتل محمد. واستشهد في ذلك اليوم نحو سبعين، ولم يبق ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك اليوم إلا اثنا عشر رجلا، فيهم أبو ~~بكر وعمر. # وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ والحديث في ~~الصحيحين، وقد تقدم لفظه. وكان يوم بلاء وفتنة وتمحيص، وانصرف العدو عنهم ~~منتصرا، حتى هم بالعود إليهم، فندب النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين ~~للحاقه. # وقيل إن في هؤلاء نزل قوله تعالى: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما ~~أصابهم القرح} (1) وكان في هؤلاء المنتدبين: أبو بكر والزبير. قالت عائشة ~~لابن الزبير: أبوك وجدك ممن قال الله فيهم: {الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد ما أصابهم القرح} ، ولم يقتل يومئذ من المشركين إلا نفر قليل، وقصد ~~العدو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتهدوا في قتله، وكان ممن ذب عنه ~~يومئذ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وجعل يرمي عنه، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول له: ((ارم فداك أبي وأمي)) . # وفي الصحيحين عن سعد قال: جمع لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~أبويه يوم أحد. وكان سعد مجاب الدعوة مسدد الرمية. # وكان فيهم ms450 أبو طلحة راميا، وكان شديد النزع، وطلحة بن عبيد الله: وقى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده فشلت يده. وظاهر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بين درعين، وقتل دونه نفر. # قال ابن إسحاق في ((السيرة)) في النفر الذين قاموا دون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: ((ترس دون النبي - صلى الله عليه وسلم - أبو دجانة ~~بنفسه: يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل. ورمى سعد بن ~~أبي وقاص دون النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال سعد: فلقد رأيته يناولني ~~النبل، ويقول: ((ارم فداك أبي وأمي)) ، حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل، ~~فيقول ((ارم)) . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين غشيه القوم: ((من رجل يشري لنا ~~نفسه؟)) ... فقام زياد بن السكن في نفر: خمسة من الأنصار - وبعض الناس ~~يقول: إنما هو عمارة بن زيد بن السكن - فقاتلوا دون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رجلا، ثم رجلا، يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عمارة ~~فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه. # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((أدنوه مني)) فأدنوه منه، فوسده ~~قدمه، فمات وخده على قدم النبي)) (2) . # قال: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان، فكانت عنده، وأصيبت ~~يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته. وحدثني عاصم بن عمر بن ~~قتادة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردها بيده وكانت أحسن عينيه ~~وأحدهما)) . # ولم يكن علي ولا أبو بكر ولا عمر من الذين كانوا يدفعون عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، بل كانوا مشغولين بقتال آخرين، وجرح النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في جبينه، ولم يجرح علي. # فقوله: ((إن عليا قال أصابني يوم أحد ست عشرة ضربة، سقطت إلى الأرض في ~~أربع منهن)) . # كذب على علي، وليس هذا الحديث في شيء من الكتب المعروفة عند أهل العلم. ~~فأين إسناد ms451 هذا؟ ومن الذي صححه من أهل العلم؟ وفي أي كتاب من الكتب التي ~~يعتمد على نقلها ذكر هذا؟ بل الذي جرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكثير من الصحابة. # قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فم ~~الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس فجاء به رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ليشرب منه، فوجد له ريحا، فعافه فلم يشرب منه، وغسل ~~عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: ((اشتد غضب الله على من أدمى وجه ~~نبيه)) . # وقوله: ((إن عثمان جاء بعد ثلاثة أيام)) كذب آخر. PageV01P470 # وقوله: ((إن جبريل قال وهو يعرج: # لا سيف إلا ذو الفقا ... ر ولا فتى إلا علي # كذب باتفاق الناس؛ فإن ذا الفقار لم يكن لعلي، ولكن كان سيفا لأبي جهل ~~غنمه المسلمون يوم بدر، فروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ~~قال: تنفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو ~~الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد. قال: ((رأيت في سيفي ذي الفقار فلا فأولته ~~فلا يكون فيكم، ورأيت أنى مردف كبشا ، فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في ~~درع حصينة. فأولتها المدينة، ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير)) (1) . فكان ~~الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وهذا الكذب المذكور في ذي الفقار من جنس كذب بعض الجهال. أنه كان له سيف ~~يمتد إذا ضرب به كذا وكذا ذراعا، فإن هذا ما يعلم العلماء أنه لم يكن قط: ~~لا سيف علي ولا غيره. ولو كان سيفه يمتد لمده يوم قاتل معاوية. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وفي غزاة الأحزاب، وهي غزاة الخندق لما فرغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من عمل الخندق فأقبلت قريش يقدمها أبو سفيان وكنانة وأهل ~~تهامة في عشرة آلاف، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد، ونزلوا من فوق ~~المسلمين ومن تحتهم، كما قال تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} ~~(2) ، فخرج عليه ms452 الصلاة والسلام بالمسلمين مع ثلاثة آلاف، وجعلوا الخندق ~~بينهم، واتفق المشركون مع اليهود، وطمع المشركون بكثرتهم وموافقة اليهود، ~~وركب عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل، ودخلا من مضيق في الخندق إلى ~~المسلمين، وطلبا المبارزة، فقام علي وأجابه، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إنه عمرو، فسكت: ثم طلب المبارزة ثانيا وثالثا، وكل ذلك يقوم علي، ~~ويقول له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه عمرو، فأذن له في الرابعة، ~~فقال له عمرو: ارجع يا ابن أخي فما أحب أن أقتلك. فقال له PageV01P471 # علي: كنت عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها ~~منه، وأنا أدعوك إلى الإسلام. قال عمرو: # لا حاجة لي بذلك. قال: أدعوك إلى البراز. قال: ما أحب أن أقتلك. قال علي: ~~بل أنا أحب أن أقتلك فحمي عمرو، ونزل عن فرسه، وتجاولا، فقتله علي، وانهزم ~~عكرمة، ثم انهزم باقي المشركين واليهود. وفيه قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: قتل علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عبادة الثقلين)) . # والجواب: أن يقال: أولا: أين إسناد هذا النقل وبيان صحته؟ # ثم يقال: ثانيا: قد ذكر في هذه الغزوة أيضا عدة أكاذيب. منها قوله: إن ~~قريشا وكنانة وتهامة كانوا في عشرة آلاف، فالأحزاب كلهم من هؤلاء، ومن أهل ~~نجد: تميم وأسد وغطفان، ومن اليهود: كانوا قريبا من عشرة آلاف. والأحزاب ~~كانوا ثلاثة أصناف: قريش وحلفاؤها، وهم أهل مكة ومن حولها. وأهل نجد: تميم ~~وأسد وغطفان ومن دخل معهم. واليهود بنو قريظة. # وقوله: إن عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل ركبا، ودخلا من مضيق في ~~الخندق. # وقوله: إن عمرا لما قتل وانهزم المشركون واليهود. # هذا من الكذب البارد، فإن المشركين بقوا محاصرين للمسلمين بعد ذلك هم ~~واليهود، حتى خبب بينهم نعيم بن مسعود، وأرسل الله عليهم الريح الشديدة: ~~ريح الصبا، والملائكة من السماء. # كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ms453 تروها وكان الله بما تعملون بصيرا* إذ ~~جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} (1) ~~. إلى قوله: {وكفى الله المؤمنين القتال} (2) . # وهذا يبين أن المؤمنين لم يقاتلوا فيها، وأن المشركين ما ردهم الله ~~بقتال. وهذا هو المعلوم المتواتر عند أهل العلم بالحديث والتفسير والمغازي ~~والسير والتاريخ. PageV01P472 # والحديث الذي ذكره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: قتل علي ~~لعمرو بن عبد ود أفضل من عبادة الثقلين. من الأحاديث الموضوعة، ولهذا لم ~~يروه أحد من علماء المسلمين في شيء من الكتب التي يعتمد عليها، بل ولا يعرف ~~له إسناد صحيح ولا ضعيف. # وهو كذب لا يجوز نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه لا يجوز ~~أن يكون قتل كافر أفضل من عبادة الجن والإنس. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي غزاة بني النضير قتل علي رامي ثنية النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وقتل بعده عشرة، وانهزم الباقون)) . # والجواب: أن يقال: ما تذكره في هذه الغزاة وغيرها من الغزوات من ~~المنقولات لا بد من ذكر إسناده أولا، وإلا فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا ~~يعرف إسناده في جزرة بقل لا يقبل منه، فكيف يحتج به في مسائل الأصول؟! # ثم يقال: ثانيا: هذا من الكذب الواضح، فإن بني النضير هم الذين أنزل الله ~~فيهم سورة الحشر باتفاق الناس، وكانوا من اليهود، وكانت قصتهم قبل الخندق ~~وأحد، ولم يذكر فيها مصافة ولا هزيمة ولا رمى أحد ثنية النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيها، وإنما أصيبت ثنيته يوم أحد، وكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والمسلمون في غزاة بني النضير قد حاصرهم حصارا شديدا، وقطعوا ~~نخيلهم. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي غزوة السلسلة جاء أعرابي فأخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن جماعة من العرب قصدوا أن يكبسوا عليه بالمدينة، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: من للوائي؟ ms454 فقال أبو بكر: أنه له، فدفع إليه اللواء، ~~وضم إليه سبعمائة، فلما وصل إليهم، قالوا: ارجع إلى صاحبك فإنا في جمع ~~كثير، فرجع، فقال في اليوم الثاني: من للوائي؟ فقال عمر: أنا، فدفع إليه ~~الراية، ففعل كالأول، فقال في اليوم الثالث أين علي؟ فقال علي: أنا ذا يا ~~رسول الله. فدفع إليه الراية، # PageV01P473 # ومضى إلى القوم، ولقيهم بعد صلاة الصبح فقتل منهم ستة أو سبعة، وانهزم ~~الباقون، وأقسم الله تعالى بفعل أمير المؤمنين فقال: {والعاديات ضبحا} (1) ~~. # فالجواب: أن يقال له: أجهل الناس يقول لك: بين لنا سند هذا، حتى نثبت أن ~~هذا نقل صحيح. والعالم يقول له: إن هذه الغزاة - وما ذكر فيها - من جنس ~~الكذب الذي يحكيه الطرقية، الذين يحكون الأكاذيب الكثيرة من سيرة عنترة، ~~والبطال، وإن كان عنترة له سيرة مختصرة، والبطال له سيرة يسيرة، وهي ما جرى ~~له في دولة بني أمية وغزوة الروم، لكن ولدها الكذابون حتى صارت مجلدات، ~~وحكايات الشطار، كأحمد الدنف، والزيبق المصري، وصاروا يحكون حكايات ~~يختلقونها عن الرشيد وجعفر، فهذه الغزاة من جنس هذه الحكايات، لم يعرف في ~~شيء من كتب المغازي والسير المعروفة عند أهل العلم ذكر هذه الغزاة، ولم ~~يذكرها أئمة هذا الفن فيه، كموسى بن عقبة، وعروة بن الزبير، والزهري، وابن ~~إسحاق وشيوخه، ويحيى بن سعيد الأموي، والوليد بن مسلم، ومحمد بن عائذ، ~~وغيرهم، ولا لها ذكر في الحديث، ولا نزل فيها شيء من القرآن. # وبالجملة مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا سيما غزوات القتال - ~~معروفة ومشهورة، مضبوطة متواترة عند أهل العلم بأحواله، مذكورة في كتب أهل ~~الحديث والفقه والتفسير والمغازي والسير ونحو ذلك، وهي مما تتوفر الدواعي ~~على نقلها، فيمتنع عادة وشرعا أن يكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - غزاة ~~يجري فيها مثل هذه الأمور لا ينقلها أحد من أهل العلم بذلك، كما يمتنع أن ~~يكون قد فرض في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات، أو فرض في العام أكثر من ~~صوم شهر رمضان ولم ينقل ذلك، ms455 وكما يمتنع أن يكون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد غزا الفرس بالعراق، وذهب إلى اليمن، ولم ينقل ذلك أحد، وكما ~~يمتنع أمثال ذلك مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله لو كان ذلك موجودا. ~~PageV01P474 ### | (فصل) # قال الرافضي: وقتل من بني المصطلق مالكا وابنه وسبى كثيرا، من جملتهم ~~جويرة بنت الحارث بن أبي ضرار، فاصطفاها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فجاءها # أبوها في ذلك اليوم، فقال: يا رسول الله: ابنتي كريمة لا تسبى، فأمره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يخيرها، فقال: أحسنت وأجملت، ثم قال: ~~يا بنية لا تفضحي قومك، قالت اخترت الله ورسوله)) . # والجواب أن يقال: أولا: لا بد من بيان إسناد كل ما يحتج به من المنقول، ~~أو عزوه إلى كتاب تقوم به الحجة. وإلا فمن أين يعلم أن هذا وقع؟ ثم يقول من ~~يعرف السيرة: هذا كله من الكذب، من أخبار الرافضة التي يختلقونها؛ فإنه لم ~~ينقل أحد أن عليا فعل هذا في غزوة بني المصطلق، ولا سبى جويرية بنت الحارث، ~~وهي لما سبيت كاتبت على نفسها، فأدى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وعتقت من الكتابة، وأعتق الناس السبي لأجلها، وقالوا: أصهار رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولم يقدم أبوها أصلا ولا خيرها. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي غزوة خيبر كان الفتح فيها على يد أمير المؤمنين، ودفع ~~الراية إلى أبي بكر فانهزم، ثم إلى عمر فانهزم، ثم إلى علي وكان أرمد، فتفل ~~في عينيه، وخرج فقتل مرحبا، فانهزم الباقون، وغلقوا عليهم الباب، فعالجه ~~أمير المؤمنين فعلقه، وجعله جسرا على الخندق، وكان الباب يغلقه عشرون رجلا، ~~ودخل المسلمون الحصن ونالوا الغنائم، وقال عليه السلام: والله ما قلعه بقوة ~~خمسمائة رجل ولكن بقوة ربانية، وكان فتح مكة بواسطته)) . # والجواب: بعد أن يقال: لعنة الله على الكاذبين، أن يقال: من ذكر هذا من ~~علماء النقل؟ وأين إسناده وصحته؟ وهو من الكذب؛ فإن خيبر لم تفتح كلها في ~~يوم واحد، بل كانت حصونا متفرقة، بعضها فتح عنوة، وبعضها ms456 فتح صلحا، ثم ~~كتموا ما صالحهم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فصاروا محاربين، ولم ~~ينهزم فيها أبو بكر ولا عمر. # وقد روى أن عليا اقتلع باب الحصن، وأما جعله جسرا فلا. # PageV01P475 # وقوله: ((كان فتح مكة بواسطته)) . # من الكذب أيضا؛ فإن عليا ليس له في فتح مكة أثر أصلا، إلا كما لغيره ممن ~~شهد الفتح. # والأحاديث الكثيرة المشهورة في غزوة الفتح تتضمن هذا. وقد عزم علي على ~~قتل حموين لأخته أجارتهما أخته أم هانئ، فأجار رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من أجارت. وقد هم بتزوج بنت أبي جهل، حتى غضب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فتركه. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((وفي غزاة حنين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~متوجها في عشرة آلاف من المسلمين فعانهم أبو بكر، وقال لن نغلب اليوم من ~~كثرة، فانهزموا، ولم يبق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا تسعة من بني ~~هاشم، وأيمن ابن أم أيمن، وكان أمير المؤمنين يضرب بين يديه بالسيف، وقتل ~~من المشركين أربعين نفسا فانهزموا)) . # والجواب: بعد المطالبة بصحة النقل. # أما قوله: ((فعانهم أبو بكر)) فكذب مفترى، وهذه كتب الحديث والسير ~~والمغازي والتفسير لم يذكر أحد قوله: إن أبا بكر عانهم. واللفظ المأثور: لن ~~نغلب اليوم من قلة. فإنه قد قيل: إنه قاله بعض المسلمين. # وكذلك قوله: ((لم يبق معه إلا تسعة من بني هاشم)) وهو كذب أيضا. # وقوله: ((إن عليا كان يضرب بالسيف، وإنه قتل أربعين نفسا)) . # فكل هذا كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث والمغازي والسير. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((الخامس: إخباره بالغائب والكائن قبل كونه، فأخبر أن طلحة ~~والزبير لما استأذناه في الخروج إلى العمرة قال: لا والله ما تريدان العمرة ~~وإنما تريدان البصرة. وكان كما قال. # PageV01P476 # وأخبر هو بذي قار جالس لأخذ البيعة يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا ~~يزيدون ولا ينقصون، يبايعونني على الموت، وكان كذلك، وكان آخرهم أويس ~~القرني. # وأخبر بقتل ذي الثدية، وكان كذلك. # وأخبر شخص بعبور القوم في قصة النهروان، فقال: لن ms457 يعبروا، ثم أخبره آخر ~~بذلك، فقال: لم يعبروا، وإنه - والله - لمصرعهم، فكان كذلك. # وأخبر بقتل نفسه الشريفة. # وأخبر شهربان بأن اللعين يقطع يديه ورجليه ويصلبه، ففعل به معاوية ذلك. ~~وأخبر ميثم التمار بأنه يصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عاشرة، وهو ~~أقصرهم خشبة، وأراه النخلة التي يصلب عليها، فوقع كذلك. # وأخبر رشيد الهجري بقطع يديه ورجليه، وصلبه، وقطع لسانه، فوقع. # وأخبر كميل بن زياد أن الحجاج يقتله، وأن قنبرا يذبحه الحجاج فوقع. # وقال للبراء بن عازب: إن ابني الحسين يقتل ولا تنصره فكان كما قال، ~~وأخبره. # وأخبر بملك بني العباس، وأخذ الترك الملك منهم، فقال: ملك بني العباس ~~يسير لا عسر فيه، لو اجتمع عليهم الترك والديلم والهند والبربر والطيلسان ~~على أن يزيلوا ملكهم ما قدروا أن يزيلوه حتى يشذ عنهم مواليهم وأرباب ~~دولتهم، ويسلط عليهم ملك من الترك يأتي عليهم من حيث بدأ ملكهم، لا يمر ~~بمدينة إلا فتحها، ولا يرفع له راية إلا نكسها، الويل ثم الويل لمن ناوأه، ~~فلا يزال كذلك حتى يظفر بهم، ثم يدفع ظفره إلى رجل من عترتي يقول بالحق ~~ويعمل به، ألا وإن الأمر كذلك حيث ظهر هولاكو من ناحية خراسان، ومنه ابتدأ ~~ملك بني العباس حتى بايع لهم أبو مسلم الخراساني)) . # والجواب: أن يقال: أما الإخبار ببعض الأمور الغائبة فمن هو دون علي يخبر ~~بمثل ذلك، فعلي أجل قدرا من ذلك. وفي أتباع أبي بكر وعمر وعثمان من يخبر ~~بأضعاف ذلك، وليسوا ممن يصلح للإمامة، ولا هم أفضل أهل زمانهم، ومثل هذا ~~موجود في زماننا وغير زماننا. # PageV01P477 # وحذيفة بن اليمان، وأبو هريرة، وغيرهما من الصحابة كانوا يحدثون الناس ~~بأضعاف ذلك. وأبو هريرة يسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحذيفة ~~تارة يسنده وتارة لا يسنده، وإن كان في حكم المسند. # وما أخبر به هو وغيره قد يكون مما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقد يكون مما كوشف هو به. وعمر رضي الله عنه قد أخبر بأنواع من ذلك. ms458 # والكتب المصنفة في كرامات الأولياء وأخبارهم، مثل ما في كتاب ((الزهد)) ~~للإمام أحمد و ((حلية الأولياء)) و ((صفوة الصفوة)) و ((كرامات الأولياء)) ~~لأبي محمد الخلال وابن أبي الدنيا واللالكائي فيها من الكرامات عن بعض ~~أتباع أبي بكر وعمر، كالعلاء بن الحضرمي نائب أبي بكر، وأبي مسلم الخولاني ~~بعض أتباعهما، وأبي الصهباء، وعامر بن عبد قيس، وغير هؤلاء ممن علي أعظم ~~منه، وليس في ذلك ما يدل على أنه يكون هو الأفضل من أحد من الصحابة، فضلا ~~عن الخلفاء. # وهذه الحكايات التي ذكرها عن علي لم يذكر لشيء منها إسنادا، وفيها ما ~~يعرف صحته، وفيها ما يعرف كذبه، وفيها ما لا يعرف: هل هو صدق أم كذب؟ # فالخبر الذي ذكره عن ملك الترك كذب على علي؛ فإنه لم يدفع ظفره إلى رجل ~~من العترة، وهذا مما وضعه متأخروهم. # ودعوى الغلاة الذين كانوا يدعون علم علي بالمستقبلات مطلقا كذب ظاهر ~~فالعلم ببعضها ليس من خصائصه، والعلم بها كلها لم يحصل له، ولا لغيره. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((السادس: أنه كان مستجاب الدعاء. دعا على بسر بن أرطأة بأن ~~يسلبه الله عقله فخولط فيه، ودعا على العيزار بالعمى فعمى، ودعا على أنس ~~لما كتم شهادته بالبرص فأصابه، وعلى زيد بن أرقم بالعمى فعمي)) . # والجواب: أن هذا موجود في الصحابة أكثر منه، وممن بعد الصحابة، مادام في ~~الأرض مؤمن. وكان سعد بن أبي وقاص لا تخطئ له دعوة. وفي الصحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: # PageV01P478 # ((اللهم سدد رميته وأجب دعوته)) (1) . وفي صحيح مسلم أن عمر لما أرسل إلى ~~الكوفة من يسأل عن سعد، فكان الناس # يثنون خيرا، حتى سئل عنه رجل من بني عبس فقال: أما إذ أنشدتمونا سعدا، ~~فكان لا يخرج في السرية، ولا يعدل في الرعية، ولا يقسم بالسوية. فقال سعد: ~~((اللهم إن كان كاذبا، قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وعظم فقره، وعرضه ~~للفتن)) فكان يرى وهو شيخ كبير، تدلى حاجباه من الكبر، يتعرض للجواري ~~يغمزهن في الطرقات، ويقول: ms459 ((شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد)) (2) . # مع أن هذه القصص المذكورة عن علي لم يذكر لها إسنادا، فتتوقف على معرفة ~~الصحة، مع أن فيها ما هو كذب لا ريب فيه، كدعائه على أنس بالبرص، ودعائه ~~على زيد بن أرقم بالعمى. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((السابع: أنه لما توجه إلى صفين لحق أصحابه عطش، فعدل بهم ~~قليلا، فلاح لهم دير، فصاحوا بساكنه، فسألوه عن الماء، فقال: بيني وبينه ~~أكثر من فرسخين، ولولا أني أوتى ما يكفيني كل شهر على التقتير لتلفت عطشا، ~~فأشار أمير المؤمنين إلى مكان قريب من الدير، وأمر بكشفه، فوجدوا صخرة ~~عظيمة، فعجزوا عن إزالتها، فقلعها وحده، ثم شربوا الماء، فنزل إليهم ~~الراهب، فقال: أنت نبي مرسل أو ملك مقرب؟ فقال: لا، ولكني وصي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فأسلم على يده، وقال: إن هذا الدير بنى على طالب هذه ~~الصخرة، ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى جماعة قبلي لم يدركوه. وكان الراهب ~~من جملة من استشهد معه، ونظم القصة السيد الحميري في قصيدته)) . # والجواب: أن هذا من جنس أمثاله من الأكاذيب التي يظنها الجهال من أعظم ~~مناقب علي، وليست كذلك. بل الذي وضع هذه كان جاهلا بفضل علي، وبما يستحقه ~~من الممادح؛ فإن الذي فيه من المنقبة أنه أشار إلى صخرة فوجدوا تحتها ~~الماء، وأنه قلعها. # ومثل هذا يجري لخلق كثير، علي رضي الله عنه أفضل منهم، بل في المحبين ~~لأبي بكر وعمر PageV01P479 # وعثمان من يجري لهم أضعاف هذا، وأفضل من هذا # وهذا، وإن كان جرى على يد بعض الصالحين كان نعمة من الله وكرامة له، فقد ~~يقع في مثل ذلك لمن ليس من الصالحين كثيرا. # وأما سائر ما فيها، مثل قوله: ((إن هذا الدير بني على طالب هذه الصخرة، ~~ومخرج الماء من تحتها)) . # فليس هذا من دين المسلمين، وإنما تبنى الكنائس والديارات والصوامع على ~~أسماء المقتدية بسير النصارى، فأما المسلمون فلا يبنون معابدهم - وهي ~~المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه - إلا على ms460 اسم الله، لا على ~~اسم مخلوق. # وما فيه من قول علي: ((ولكني وصي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)) هو ~~مما يبين أنه كذب على علي، وأن عليا لم يدع هذا قط لا في خلافة الثلاثة ~~ولالا ليالي صفين. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((الثامن: ما رواه الجمهور: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لما خرج إلى بني المصطلق، حيث خرجوا عن الطريق، وأدركه الليل، بقرب واد ~~وعر، فهبط جبريل وأخبره أن طائفة من كفار الجن قد استنبطوا الوادي يريدون ~~كيده وإيقاع الشر بأصحابه، فدعا بعلي وعوذه، وأمره بنزول الوادي، فقتلهم)) ~~. # والجواب: أن يقال: أولا: علي أجل قدرا من هذا، وإهلاك الجن موجود لمن هو ~~دون علي، لكن هذا الحديث من الأحاديث المكذوبة على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وعلى علي عند أهل المعرفة بالحديث، ولم يجر في غزوة بني ~~المصطلق شيء من هذا. # وقوله: ((إن هذا رواه الجمهور)) إن أريد بذلك أنه مروي بإسناد ثابت، أو ~~في كتاب يعتمد على مجرد نقله، أو صححه من يرجع إلى تصحيحه فليس كذلك. # وإن أراد أن جمهور العلماء رووه، فهذا كذب. وإن أراد أنه رواه من لا يقوم ~~بروايته حجة؛ فهذا لا يفيد. ### | (فصل) # قال الرافضي: ((التاسع: رجوع الشمس له مرتين: إحداهما: في زمن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P480 # والثانية: بعده. أما الأولى فروى جابر وأبو سعيد الخدري أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عند الله، فلما تغشاه ~~الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين، فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس، فصلى علي ~~العصر بالإيماء، فلما استيقظ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: سل الله ~~تعالى يرد عليك الشمس لتصلي العصر قائما، فدعا، فردت الشمس، فصلى العصر ~~قائما. # وأما الثانية: فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه ~~بتعبير دوابهم، وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر، وفات كثير منهم، ~~فتكلموا في ذلك، فسأل الله رد الشمس فردت. ونظمه الحميري فقال: # ردت عليه الشمس لما ms461 فاته ... وقت الصلاة وقد دنت للمغرب # حتى تبلج نورها في وقتها ... للعصر ثم هوت هوي الكوكب # وعليه قد ردت ببابل مرة ... أخرى وما ردت لخلق معرب # والجواب: أن يقال: فضل علي وولايته لله وعلو منزلته عند الله معلوم، ولله ~~الحمد، من طرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني، لا يحتاج معها إلى كذب ولا إلى ~~ما لا يعلم صدقه. وحديث رد الشمس له قد ذكره طائفة، كالطحاوي والقاضي عياض ~~وغيرهما، وعدوا ذلك من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -. لكن المحققون ~~من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع، كما ذكره ~~ابن الجوزي في كتاب ((الموضوعات)) . # قال أبو الفرج هذا حديث موضوع بلا شك وقد اضطرب الرواة فيه. # وأما الثاني ببابل فلا ريب أن هذا كذب وإنشاد الحميري لا حجة فيه لأنه لم ~~يشهد ذلك والكذب قديم وقد سمعه فنظمه وأهل الغلو في المدح والذم ينظمون ما ~~لا تتحقق صحته لا سيما والحميري معروف بالغلو فإن الذي فاتته العصر. إن كان ~~مفرطا لم يسقط ذنبه إلا بالتوبة ومع التوبة لا يحتاج إلى رد وإن لم يكن ~~مفرطا كالنائم والناسي فلا ملام عليه في الصلاة بعد الغروب. # وأيضا فمثل هذه القضية من الأمور العظام الخارجة عن العادة التي تتوفر ~~الهمم والدواعي على نقلها فإذا لم ينقلها إلا الواحد والاثنان علم بيان ~~كذبهم في ذلك. # PageV01P481 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((العاشر: ما رواه أهل السير: أن الماء زاد بالكوفة، وخافوا ~~الغرق، ففزعوا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فركب بغلة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وخرج الناس معه، فنزل على شاطئ الفرات فصلى، ثم دعا ~~وضرب صفحة الماء بقضيب كان في يده، فغاص الماء، فسلم عليه كثير من الحيتان، ~~ولم ينطق الجري ولا المرماهي، فسئل عن ذلك، فقال: أنطق الله ما طهره من ~~السمك، وأسكت ما أنجسه وأبعده)) . # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بأن يقال: أين إسناد هذه الحكاية الذي ~~يدل على صحتها وعلى ثبوتها؟ وإلا فمجرد الحكايات المرسلة بلا ms462 إسناد، يقدر ~~عليه كل أحد، لكن لا يفيد شيئا. # الثاني: أن بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن عنده. # الثالث: أن هذا لم ينقله أحد من أهل الكتب المعتمد عليهم. ومثل هذه القصة ~~لو كانت صحيحة لكانت مما تتوفر الهمم والدواعي على نقلها. وهذا الناقل لم ~~يذكر لها إسنادا فكيف يقبل ذلك بمجرد حكاية لا إسناد لها؟! # الرابع: أن السمك كله مباح، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال في البحر: ((هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)) . # وقد قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة} (1) . # وقد أجمع سلف الأمة وأئمتها على حل السمك كله. وعلي مع سائر الصحابة ~~يحلون هذه الأنواع، فكيف يقولون: إن الله أنجسه؟! # ولكن الرافضة جهال يحرمون ما أحل الله بمثل هذه الحكاية المكذوبة. ~~PageV01P482 # (فصل) # قال الرافضي: ((الحادي عشر: روى جماعة أهل السير أن عليا كان يخطب على ~~منبر الكوفة، فظهر ثعبان فرقي المنبر، وخاف الناس، وأرادوا قتله، فمنعهم، ~~فخاطبه، ثم نزل. فسأل الناس عنه، فقال: إنه حاكم الجن، التبست عليه قصة، ~~فأوضحتها له. وكان أهل الكوفة يسمون الباب الذي دخل # منه الثعبان: ((باب الثعبان)) فأراد بنو أمية إطفاء هذه الفضيلة، فنصبوا ~~على ذلك الباب قتلى مدة حتى سمي باب القتل)) . # والجواب: أنه لا ريب أن من دون علي بكثير تحتاج الجن إليه وتستفتيه ~~وتسأله، وهذا معلوم قديما وحديثا، فإن كان هذا قد وقع، فقدره أجل من ذلك. ~~وهذا من أدنى فضائل من هو دونه. وإن لم يكن وقع، لم ينقص فضله بذلك. # وإنما يحتاج أن يثبت فضيلة علي بمثل هذه الأمور من يكون مجدبا منها، فأما ~~من باشر أهل الخير والدين، الذين لهم أعظم من هذه الخوارق، أو رأى في نفسه ~~ما هو أعظم من هذه الخوارق، لم يكن هذا مما يوجب أن يفضل بها علي. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الفصل الرابع في إمامة باقي الأئمة الاثني عشر. لنا في ~~ذلك طرق: أحدها: النص. وقد توارثته الشيعة في البلاد المتباعدة، ms463 خلفا عن ~~سلف، عن النبي (أنه قال للحسين: ((هذا إمام ابن إمام أخو إمام، أبو أئمة ~~تسعة، تاسعهم قائمهم، اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلا وقسطا، ~~كما ملئت جورا وظلما)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: أولا: هذا كذب على الشيعة؛ فإن هذا لا ~~ينقله إلا طائفة من طوائف الشيعة، وسائر طوائف الشيعة تكذب هذا. والزيدية ~~بأسرها تكذب هذا، وهم أعقل الشيعة وأعلمهم وخيارهم. والإسماعيلية كلهم ~~يكذبون بهذا، وسائر فرق الشيعة تكذب بهذا، إلا الاثني عشرية، وهم فرقة من ~~نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة. # وبالجملة فالشيعة فرق متعددة جدا، وفرقهم الكبار أكثر من عشرين فرقة، ~~كلهم # PageV01P483 # تكذب هذا إلا فرقة واحدة، فأين تواتر الشيعة؟! # الثاني: أن يقال: هذا معارض بما نقله غير الاثني عشرية من الشيعة من نص ~~آخر يناقض هذا، كالقائلين بإمامة غير الاثنى عشر، وبما نقله الرواندية ~~أيضا؛ فإن كلا من هؤلاء يدعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية. # الثالث: أن يقال: علماء الشيعة متقدمون ليس فيهم من نقل هذا النص، ولا ~~ذكره في كتاب، ولا احتج به في خطاب. وأخبارهم مشهورة متواترة، فعلم أن هذا ~~من اختلاق المتأخرين، وإنما اختلق هذا لما مات الحسن بن علي العسكري، وقيل: ~~إن ابنه محمدا غائب، فحينئذ ظهر هذا النص، بعد موت النبي (بأكثر من مائتين ~~وخمسين سنة. # الرابع: أن يقال: أهل السنة وعلماؤهم أضعاف أضعاف الشيعة، كلهم يعلمون أن ~~هذا كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علما يقينيا لا يخالطه ~~الريب، ويباهلون الشيعة على ذلك، كعوام الشيعة مع علي. فإن ادعى علماء ~~الشيعة أنهم يعلمون تواتر هذا، لم يكن هذا أقرب من دعوى علماء السنة بكذب ~~هذا. # الخامس: أن يقال: إن من شرط التواتر حصول من يقع به العلم من الطرفين ~~والوسط. وقبل موت الحسن بن علي العسكري لم يكن أحد يقول بإمامة هذا ~~المنتظر، ولا عرف من زمن علي ودولة بني أمية أحد ادعى إمامة الاثني عشر ~~وهذا القائم. وإنما كان المدعون يدعون النص ms464 على علي، أو على ناس بعده. وأما ~~دعوى النص على الاثني عشر وهذا القائم فلا يعرف أحد قاله متقدما، فضلا عن ~~أن يكون نقله متقدما. # الوجه السادس: أن يقال: قد علم أهل العلم أن أول ما ظهرت الشيعة الإمامية ~~المدعية للنص في أواخر أيام الخلفاء الراشدين. وافترى ذلك عبد الله بن سبأ ~~وطائفته الكذابون، فلم يكونوا موجودين قبل ذلك. فأي تواتر لهم؟! # السابع: أن الأحاديث التي نقلها الصحابة في فضائل أبي بكر وعمر وعثمان ~~أعظم تماما عند العامة والخاصة من نقل هذا النص. فإن جاز أن يقدح في نقل ~~جماهير الصحابة لتلك الفضائل، فالقدح في هذا أولى. وإن كان القدح في هذا ~~معتذرا ففي تلك أولى. وإذا # PageV01P484 # ثبتت فضائل الصحابة التي دلت عليها تلك النصوص الكثيرة المتواترة، امتنع ~~اتفاقهم على مخالفة هذا النص، فإن مخالفته - لو كان حقا - من أعظم الإثم ~~والعدوان. # الثامن: أنه ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل، فضلا عن أن ~~يكون متواترا. وهذه الألفاظ تحتاج إلى تكرير، فإن لم يدرس ناقلوها عليها لم ~~يحفظوها، وأين العدد الكبير الذين حفظوا هذه الألفاظ كحفظ ألفاظ القرآن، ~~وحفظ التشهد والأذان، جيلا بعد جيل إلى الرسول؟ # ونحن إذا ادعينا التواتر في فضائل الصحابة: ندعي تارة التواتر من جهة ~~المعنى، كتواتر خلافة الخلفاء الأربعة، ووقعة الجمل وصفين، وتزوج النبي ~~(بعائشة وعلي بفاطمة، ونحو ذلك مما لا يحتاج فيه إلى نقل لفظ معين يحتاج ~~إلى درس، كتواتر ما للصحابة من السابقة والأعمال وغير ذلك. وتارة التواتر ~~في نقل ألفاظ حفظها من يحصل العلم بنقله. # الوجه التاسع: أن المنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذب مثل هذا ~~النقل، وأنهم لم يكونوا يدعون أنهم منصوص عليهم، بل يكذبون من يقول ذلك، ~~فضلا عن أن يثبتوا النص على اثنى عشر. ### | ### | (فصل) # # وأما الحديث الذي رواه: عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~((يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض ~~عدلا كما ملئت جورا، وذلك ms465 هو المهدي)) . # فالجواب: أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها ~~أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، من حديث ابن مسعود وغيره. # كقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه ابن مسعود: ((لو لم ~~يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم، حتى يخرج فيه رجل مني، أو من ~~أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ~~ملئت جورا وظلما)) . رواه الترمذي وأبو داود من # PageV01P485 # رواية أم سلمة (1) . # وأيضا فيه: ((المهدي من عترتي من ولد فاطمة)) . رواه أبو داود من طريق ~~أبي سعيد، وفيه: ((يملك الأرض سبع سنين)) . # ورواه عن علي رضي الله عنه أنه نظر إلى الحسن وقال: ((إن ابني هذا سيد، ~~كما سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم ~~نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض قسطا (2) . # وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف: طائفة أنكروها، واحتجوا بحديث ابن ماجه أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا مهدي إلا عيسى بن مريم)) (3) وهذا ~~الحديث ضعيف، وقد اعتمد محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد ~~عليه، ورواه ابن ماجه عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل ~~اليمن، يقال له: محمد بن خالد الجندي، وهو ممن لا يحتج به. وليس هذا في ~~مسند الشافعي، وقد قيل: إن الشافعي لم يسمعه من الجندي، وأن يونس لم يسمعه ~~من الشافعي. # الثاني: أن الاثني عشرية الذين ادعوا أن هذا هو مهديهم، مهديهم اسمه محمد ~~بن الحسن. والمهدي المنعوت الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمه ~~محمد بن عبد الله. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثاني: أنا قد بينا أنه يجب في كل زمان إمام معصوم، ولا ~~معصوم غير هؤلاء إجماعا)) . # والجواب من وجوه: أحدها: منع المقدمة الأولى كما تقدم. # والثاني: منع طوائف لهم المقدمة الثانية. # الثالث: أن هذا المعصوم الذي يدعونه في وقت ما، له مذ ولد عندهم أكثر من ms466 ~~أربعمائة وخمسين سنة؛ فإنه دخل السرداب عندهم سنة ستين ومائتين، وله خمس ~~سنين عند بعضهم، PageV01P486 # وأقل من ذلك عند آخرين، ولم يظهر عنه شيء مما يفعله أقل الناس تأثيرا، ~~مما يفعله آحاد الولاة والقضاة والعلماء، فضلا عما يفعله الإمام المعصوم. ~~فأي منفعة للوجود في مثل هذا لو كان موجودا؟ فكيف إذا كان معدوما؟! # (فصل) # قال الرافضي: ((الثالث: الفضائل التي اشتمل كل واحد منهم عليها الموجبة ~~لكونه إماما)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن تلك الفضائل غايتها أن يكون صاحبها أهلا أن ~~تعقد له الإمامة، لكنه لا يصير إماما بمجرد كونه أهلا، كما أنه لا يصير ~~الرجل قاضيا بمجرد كونه أهلا لذلك. # الثاني: أن أهلية الإمامة ثابتة لآخرين من قريش كثبوتها لهؤلاء، وهم أهل ~~أن يتولوا الإمامة، فلا موجب للتخصيص، ولم يصيروا بذلك أئمة. # الثالث: أن الثاني عشر منهم معدوم عند جمهور العقلاء، فامتنع أن يكون ~~إماما. # الرابع: أن العسكريين ونحوهما من طبقة أمثالهما لم يعلم لهما تبريز في ~~علم أو دين كما عرف لعلي بن الحسين، وأبي جعفر، وجعفر بن محمد. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الفصل الخامس: أن من تقدمه (1) لم يكن إماما. ويدل عليه ~~وجوه)) . # قلت: والجواب: أنه إن أريد بذلك أنهم لم يتولوا على المسلمين، ولم ~~يبايعهم المسلمون، ولم يكن لهم سلطان يقيمون به الحدود، ويوفون به الحقوق، ~~ويجاهدون به العدو، ويصلون بالمسلمين الجمع والأعياد، وغير ذلك مما هو داخل ~~في معنى الإمامة - فهذا بهت ومكابرة. فإن هذا أمر معلوم بالتواتر، والرافضة ~~وغيرهم يعلمون ذلك، ولو لم يتولوا الإمامة لم تقدح فيهم الرافضة. # لكن هم يطلقون ثبوت الإمامة وانتفاءها ولا يفصلون: هل المراد ثبوت نفس ~~الإمامة PageV01P487 # ومباشرتها؟ أو نفس استحقاق ولاية الإمامة؟ # ويطلقون لفظ ((الإمام)) على الثاني، ويوهمون أنه يتناول النوعين. وإن ~~أريد بذلك أنهم لم يكونوا يصلحون للإمامة، وأن عليا كان يصلح لها دونهم، أو ~~أنه كان أصلح لها منهم - فهذا كذب، وهو مورد النزاع. # ونحن نجيب في ذلك جوابا عاما كليا، ثم نجيب بالتفصيل. # أما الجواب العام ms467 الكلي، فنقول: نحن عالمون بكونهم أئمة صالحين للإمامة ~~علما يقينيا قطعيا، وهذا لا يتنازع فيه اثنان من طوائف المسلمين غير ~~الرافضة، بل أئمة الأمة وجمهورها يقولون: إنا نعلم أنهم كانوا أحق ~~بالإمامة، بل يقولون: إنا نعلم أنهم كانوا أفضل الأمة. # وهذا الذي نعلمه ونقطع به ونجزم به لا يمكن أن يعارض بدليل قطعي ولا ظني. # أما القطعي: فلأن القطعيات لا يتناقض موجبها ومقتضاها. وأما الظنيات: ~~فلأن الظني لا يعارض القطعي. # وجملة ذلك أن كل ما يورده القادح فلا يخلو من أمرين: إما نقل لا نعلم ~~صحته، أو لا نعلم دلالته على بطلان إمامتهم، وأي المقدمتين لم يكن معلوما ~~لم يصلح لمعارضة ما علم قطعا. # وإذا قام الدليل القطعي على ثبوت إمامتهم، لم يكن علينا أن نجيب عن الشبه ~~المفصلة، كما أن ما علمناه قطعا لم يكن علينا أن نجيب عما يعارضه من الشبه ~~السوفسطائية. # وليس لأحد أن يدفع ما علم يقينا بالظن، سواء كان ناظرا أو مناظرا. بل إن ~~تبين له وجه فساد الشبهة وبينه لغيره، كان ذلك زيادة علم ومعرفة وتأييد ~~للحق في النظر والمناظرة، وإن لم يتبين ذلك لم يكن له أن يدفع اليقين ~~بالشك. وسنبين إن شاء الله تعالى الأدلة الكثيرة على استحقاقهم للإمامة، ~~وأنهم كانوا أحق بها من غيرهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: الأول: ((قول أبي بكر: إن لي شيطانا يعتريني، فإن استقمت ~~فأعينوني، # PageV01P488 # وإن زغت فقوموني. ومن شأن الإمام تكميل الرعية، فكيف يطلب منهم الكمال؟)) ~~. # والجواب من وجوه: أحدها: أن المأثور عنه أنه قال: ((إن لي شيطانا ~~يعتريني)) يعني عند الغضب ((فإذا اعتراني فاجتنبوني لا أؤثر في أبشاركم)) . ~~وقال: ((أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي # عليكم)) وهذا الذي قاله أبو بكر رضي الله عنه من أعظم ما يمدح به، كما ~~سنبينه إن شاء الله تعالى. # الثاني: أن الشيطان الذي يعتريه قد فسر بأنه يعرض لابن آدم عند الغضب، ~~فخاف عند الغضب أن يعتدي على أحد من الرعية، فأمرهم بمجانبته عند الغضب. ms468 # كما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يقضي ~~القاضي بين اثنين وهو غضبان)) (1) فنهى عن الحكم عند الغضب، وهذا هو الذي ~~أراده أبو بكر: أراد أن لا يحكم وقت الغضب، وأمرهم أن لا يطلبوا منه حكما، ~~أو يحملوه على حكم في هذه الحال. وهذا من طاعته لله ورسوله. # الثالث: أن يقال: الغضب يعتري بني آدم كلهم، حتى قال سيد ولد آدم: ~~((اللهم أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، وإني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه: ~~أيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها إليك ~~يوم القيامة)) . أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة (2) . # وأما قوله ((فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني)) فهذا من كمال عدله ~~وتقواه، وواجب على كل إمام أن يقتدى به في ذلك، وواجب على الرعية أن تعامل ~~الأئمة بذلك. فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ ~~بينوا له الصواب ودلوه عليه، وإن تعمد ظلما منعوه منه بحسب الإمكان، فإذا ~~كان منقادا للحق، كأبي بكر فلا عذر لهم في ترك ذلك، وإن كان لا يمكن دفع ~~الظلم إلا بما هو أعظم فسادا منه، لم يدفعوا الشر القليل بالشر الكثير. ~~PageV01P489 # وأما قول الرافضي: ((ومن شأن الإمام تكميل الرعية، فكيف يطلب منهم ~~التكميل؟)) . # عنه أجوبة: أحدها: أنا لا نسلم أن الإمام يكملهم وهم لا يكملونه أيضا، بل ~~الإمام والرعية يتعاونون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، بمنزلة ~~أمير الجيش والقافلة والصلاة والحج، والدين قد عرف بالرسول، فلم يبق عند ~~الإمام دين ينفرد به، ولكن لا بد من الاجتهاد في الجزئيات، فإن كان # الحق فيها بينا أمر به، وإن كان متبينا للإمام دونهم بينه لهم، وإن تبين ~~لأحد من الرعية دون الإمام بينه له، وإن اختلف الاجتهاد فالإمام هو المتبع ~~في اجتهاده، إذ لا بد من الترجيح، والعكس ممتنع. # الثاني: أن هذا الكلام من أبي بكر ما زاده عنده الأمة إلا شرفا وتعظيما، ~~ولم تعظم الأمة أحدا ms469 بعد نبيها كما عظمت الصديق، ولا أطاعت أحدا كما ~~أطاعته، من غير رغبة أعطاهم إياها، ولا رهبة أخافهم بها، بل الذين بايعوا ~~الرسول تحت الشجرة بايعوه طوعا، مقرين بفضيلته واستحقاقه. ثم مع هذا لم ~~نعلم أنهم اختلفوا في عهده في مسألة واحدة في دينهم إلا وأزال الاختلاف ~~ببيانه لهم، ومراجعتهم له. وهذا أمر لا يشركه فيه غيره. # وكان عمر أقرب إليه في ذلك، ثم عثمان. # وأما علي فقاتلهم وقاتلوه، فلا قومهم ولا قوموه، فأي الإمامين حصل به ~~مقصود الإمامة أكثر؟ وأي الإمامين أقام الدين، ورد المرتدين، وقاتل ~~الكافرين، واتفقت عليه الكلمة، كلمة المؤمنين؟ هل يشبه هذا بهذا إلا من هو ~~في غاية النقص من العقل والدين؟! ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثاني: قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله ~~المسلمين شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. وكونها فلتة يدل على أنها لم ~~تقع عن رأي صحيح، ثم سأل الله وقاية شرها، ثم أمر بقتل من يعود إلى مثلها، ~~وكان ذلك يوجب الطعن فيه)) . # والجواب: أن لفظ عمر ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس، من خطبة عمر التي ~~قال فيها: ((ثم إنه قد بلغني أن قائلا منكم يقول: ((والله لو مات عمر بايعت ~~فلانا)) فلا يغترن امرؤ # PageV01P490 # أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن قد ~~وقى الله شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، ومن بايع رجلا ~~من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا، ~~وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وذكر الحديث ~~وفيه: أن الصديق قال: ((وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما ~~شئتم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة وهو جالس بيننا، فلم # أكره مما قال غيرها، كان - والله - أن أقدم فيضرب عنقي لا يقربني ذلك من ~~إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي ~~شيئا ms470 عند الموت لا أجده الآن)) وقد تقدم الحديث بكماله (1) . # ومعنى ذلك أنها وقعت فجأة لم تكن قد استعددنا لها وتهيأنا، لأن أبا بكر ~~كان متعينا لذلك، فلم يكن يحتاج في ذلك إلى أن يجتمع لها الناس، إذ كلهم ~~يعلمون أنه أحق بها، وليس بعد أبي بكر من يجتمع الناس على تفضيله واستحقاقه ~~كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكر، فمن أراد أن ينفرد ببيعة رجل دون ملأ من ~~المسلمين فاقتلوه. وهو لم يسأل وقاية شرها، بل أخبر أن الله وقى شر الفتنة ~~بالاجتماع. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثالث: قصورهم في العلم والتجاؤهم في أكثر الأحكام إلى ~~علي)) . # والجواب: أن هذا من أعظم البهتان. أما أبو بكر فما عرف أنه استفاد من علي ~~شيئا أصلا. وعلي قد روى عنه واحتذى حذوه واقتدى بسيرته. وأما عمر فقد ~~استفاد علي منه أكثر مما استفاد عمر منه. وأما عثمان فقد كان أقل علما من ~~أبي بكر وعمر، ومع هذا فما كان يحتاج إلى علي، حتى أن بعض الناس شكا إلى ~~علي بعض سعاة عمال عثمان، فأرسل إليه بكتاب الصدقة، فقال عثمان: لا حاجة ~~لنا به. # وصدق عثمان؛ وهذه فرائض الصدقة ونصبها التي لا تعلم إلا بالتوقيف فيها عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي من أربع طرق: أصحها عند علماء المسلمين ~~كتاب أبي بكر الذي كتبه PageV01P491 # لأنس بن مالك. وهذا هو الذي رواه البخاري (1) ، وعمل به أكثر الأئمة. ~~وبعده كتاب عمر (2) . # وأما الكتاب المنقول عن علي ففيه أشياء لم يأخذ بها أحد من العلماء، مثل ~~قوله: ((في خمس وعشرين خمس شاة)) فإن هذا خلاف النصوص # المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولهذا كان ما روى عن علي: ~~إما منسوخ، وإما خطأ في النقل. # والرابع كتاب عمرو بن حزم، كان قد كتبه لما بعثه إلى نجران. وكتاب أبي ~~بكر هو آخر الكتب، فكيف يقول عاقل: إنهم كانوا يلجأون إليه في أكثر ~~الأحكام، وقضاته لم يكونوا يلجؤون إليه، بل كان شريح القاضي وعبيدة ~~السلماني ونحوهما ms471 من القضاة الذين كانوا في زمن علي يقضون بما تعلموه من ~~غير علي. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الرابع: الوقائع الصادرة عنهم، وقد تقدم أكثرها)) . # قلنا: الجواب قد تقدم عنها مجملا ومفصلا. وبيان الجواب عما ينكر عليهم ~~أيسر من الجواب عما ينكر على علي، وأنه لا يمكن أحد له علم وعدل أن يحرجهم ~~ويزكي عليا، بل متى زكى عليا كانوا أولى بالتزكية، وإن جرحهم كان قد طرق ~~الجرح إلى علي بطريق الأولى. # والرافضة إن طردت قولها لزمها جرح علي أعظم من جرح الثلاثة، وإن لم تطرده ~~تبين فساده وتناقضه، وهو الصواب. # (فصل) # قال الرافضي: ((الخامس: قوله تعالى: { (لا ينال عهدي الظالمين} (3) أخبر ~~بأن عهد الإمامة لا يصل إلى الظالم. والكافر ظالم لقوله: (والكافرون هم ~~الظالمون ((4) . ولا شك في أن الثلاثة كانوا كفارا يعبدون الأصنام، إلى أن ~~ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم -)) . PageV01P492 # والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: الكفر الذي يعقبه الإيمان الصحيح لم ~~يبق على صاحبه منه ذم. هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، بل من دين ~~الرسل كلهم. # كما قال تعالى: { (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ((1) . ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: ((إن الإسلام يجب ما ~~قبله)) - وفي لفظ: ((يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن ~~الحج يهدم ما كان قبله)) (2) . # الثاني: أنه ليس كل من ولد على الإسلام بأفضل ممن أسلم بنفسه، بل قد ثبت ~~بالنصوص المستفيضة أن خير القرون القرن الأول، وعامتهم أسلموا بأنفسهم بعد ~~الكفر، وهم أفضل من القرن الثاني الذين ولدوا على الإسلام. # والرافضة لهم في هذا الباب قول فارقوا به الكتاب والسنة وإجماع السلف ~~ودلائل العقول، والتزموا لأجل ذلك ما يعلم بطلانه بالضرورة، كدعواهم إيمان ~~آزر، وأبوي النبي وأجداده وعمه أبي طالب وغير ذلك. # الثالث: أن يقال: قبل أن يبعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن ~~أحد مؤمنا من قريش: لا رجل ولا صبي ولا امرأة، ولا الثلاثة، ولا علي. ms472 وإذا ~~قيل عن الرجال: إنهم كانوا يعبدون الأصنام، فالصبيان كذلك: علي وغيره. # الرابع: أن من قال: إن المسلم بعد إيمانه كافر، فهو كافر بإجماع ~~المسلمين. فكيف يقال عن أفضل الخلق إيمانا: إنهم كفار لأجل ما تقدم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((السادس: قول أبي بكر: ((أقيلوني فلست بخيركم، ولو كان ~~إماما لم يجز له طلب الإقالة)) . # والجواب: أن هذا: أولا: كان ينبغي أن يبين صحته، وإلا فما كل منقول صحيح. ~~والقدح بغير الصحيح لا يصح. # وثانيا: إن صح عن أبي بكر لم تجز معارضته بقول القائل: الإمام لا يجوز له ~~طلب PageV01P493 # الإقالة؛ فإن هذه دعوى مجردة لا دليل عليها، فلم لا يجوز له طلب الإقالة ~~إن كان قال ذلك؟ بل إن كان قاله لم يكن معنا إجماع على نقيض ذلك ولا نص، ~~فلا يجب الجزم بأنه باطل. وإن لم يكن قاله فلا يضر تحريم هذا القول. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((السابع: قول أبي بكر عند موته: ليتني كنت سألت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: هل للأنصار في هذا الأمر حق؟ وهذا يدل على شكه في ~~صحة بيعة نفسه، مع أنه الذي دفع الأنصار يوم السقيفة لما قالوا: منا أمير ~~ومنكم أمير، بما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: الأئمة من قريش)) . # والجواب: أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الأئمة من قريش)) (1) ~~فهو حق، ومن قال: إن الصديق شك في هذا، أو في صحة إمامته فقد كذب. # ومن قال: إن الصديق قال: ليتني كنت سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~هل للأنصار في الخلافة نصيب؟ فقد كذب، فإن المسألة عنده وعند الصحابة أظهر ~~من أن يشك فيها، لكثرة النصوص فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ~~يدل على بطلان هذا النقل. PageV01P494 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((العاشر: أنه لم يول أبا بكر شيئا من الأعمال، وولى عليه)) ~~. # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا باطل. بل الولاية التي ولاها أبا بكر لم ~~يشركه فيها أحد، وهي ولاية الحج. وقد ولاه ms473 غير ذلك. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ولى من هو بإجماع أهل السنة ~~والشيعة من كان عنده دون أبي بكر، مثل عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة، ~~وخالد بن الوليد. فعلم أنه لم يترك ولايته لكونه ناقصا عن هؤلاء. # الثالث: أن عدم ولايته لا يدل على نقصه، بل قد يترك ولايته لأنه عنده ~~أنفع له منه في تلك الولاية، وحاجته إليه في المقام عنده وغنائه عن ~~المسلمين أعظم من حاجته إليه في تلك الولاية، فإنه هو وعمر كانا مثل ~~الوزيرين له. # (فصل) # قال الرافضي: ((الحادي عشر: أنه - صلى الله عليه وسلم - أنفذه لأداء سورة ~~براءة، ثم أنفذ عليا، وأمره برده، وأن يتولى هو ذلك، ومن لا يصلح لأداء ~~سورة أو بعضها، فكيف يصلح للإمامة العامة، المتضمنة لأداء الأحكام إلى جميع ~~الأمة؟!)) # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا من كذب باتفاق أهل العلم وبالتواتر ~~العام؛ فإن # PageV01P496 # النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل أبا بكر على الحج سنة تسع، ولم يرده ~~ولا رجع، بل هو الذي أقام للناس الحج ذلك العام، وعلي من جملة رعيته: يصلي ~~خلفه، ويدفع بدفعه، ويأتمر بأمره كسائر من معه. # وهذا من العلم المتواتر عند أهل العلم: لم يختلف اثنان في أن أبا بكر هو ~~الذي أقام الحج ذلك العام بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -. فكيف يقال: ~~إنه أمره برده؟! # ولكن أردفه بعلي لينبذ إلى المشركين عهدهم، لأن عادتهم كانت جارية أن لا ~~يعقد العقود ولا يحلها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته، فلم يكونوا يقبلون ~~ذلك من أحد. # ولا ريب أن هذا الرافضي ونحوه من شيوخ الرافضة من أجهل الناس بأحوال ~~الرسول وسيرته وأموره ووقائعه، يجهلون من ذلك ما هو متواتر معلوم لمن له ~~أدنى معرفة بالسيرة، ويجيئون إلى ما وقع فيقلبونه، ويزيدون فيه وينقصون. # وهذا القدر، وإن كان الرافضي لم يفعله، فهو فعل شيوخه وسلفه الذين قلدهم، ~~ولم يحقق ما قالوه، ويراجع ما هو المعلوم عند أهل العلم المتواتر عندهم، ~~المعلوم ms474 لعامتهم وخاصتهم. # الثاني أن قوله: ((الإمامة العامة متضمنة لأداء جميع الأحكام إلى الأمة)) ~~. # قول باطل؛ فالأحكام كلها قد تلقتها الأمة عن نبيها، لا تحتاج فيها إلى ~~الإمام إلا كما تحتاج إلى نظائره من العلماء. # الثالث: أن القرآن بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كل أحد من ~~المسلمين، فيمتنع أن يقال: إن أبا بكر لم يكن يصلح لتبليغه. # الرابع: أنه لا يجوز أن يظن أن تبليغ القرآن يختص بعلي، فإن القرآن لا ~~يثبت بخبر الآحاد، بل لا بد أن يكون منقولا بالتواتر. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثاني عشر: قول عمر: إن محمدا لم يمت، وهذا يدل على قلة ~~علمه، وأمر برجم حامل، فنهاه علي، فقال: لولا علي لهلك عمر. وغير ذلك من ~~الأحكام التي # PageV01P497 # غلط فيها وتلون فيها)) . # والجواب أن يقال: أولا: ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: ((قد كان قبلكم من الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر)) (1) ~~ومثل هذا لم يقله لعلي. # وأنه قال: ((رأيت أني أتيت بقدح فيه لبن، فشربت حتى أني لأرى الري يخرج ~~من أظفاري، ثم ناولت فضلي عمر)) قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: ~~((العلم)) (2) . # فعمر كان أعلم الصحابة بعد أبي بكر. # وأما كونه ظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يمت، فهذا كان ساعة، ثم ~~تبين له موته. ومثل هذا يقع كثيرا: قد يشك الإنسان في موت ميت ساعة أو ~~أكثر، ثم يتبين له موته. وعلي قد تبين له أمور بخلاف ما كان يعتقده فيها ~~أضعاف ذلك، بل ظن كثيرا من الأحكام على خلاف ما هي عليه، ومات على ذلك، ولم ~~يقدح ذلك في إمامته، كفتياه في المفوضة التي ماتت ولم يفرض لها، وأمثال ذلك ~~مما هو معروف عند أهل العلم. # وأما الحامل، فإن كان لم يعلم أنها حامل، فهو من هذا الباب؛ فإنه قد يكون ~~أمر برجمها ولم يعلم أنها حامل، فأخبره علي أنها حامل. فقال: لولا أن عليا ~~أخبرني بها لرجمتها، فقتلت الجنين. ms475 فهذا هو الذي خاف منه. # وصاحب العلم العظيم إذا رجع إلى من هو دونه في بعض الأمور، لم يقدح هذا ~~في كونه أعلم منه، فقد تعلم موسى من الخضر ثلاث مسائل، وتعلم سليمان من ~~الهدهد خبر بلقيس. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثالث عشر: أنه ابتدع التراويح، مع أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: أيها الناس إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة ~~جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، فإن قليلا في سنة خير من كثير في بدعة، ألا ~~وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار. وخرج عمر في شهر رمضان ~~ليلا، فرأى المصابيح في المساجد، فقال: ما هذا؟ فقيل له: إن الناس قد ~~PageV01P498 # اجتمعوا لصلاة التطوع. فقال: بدعة ونعمت البدعة، فاعترف بأنها بدعة)) . # فيقال: ما رؤى في طوائف أهل البدع والضلال أجرأ من هذه الطائفة الرافضة ~~على الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقولها عليه ما لم يقله، ~~والوقاحة المفرطة في الكذب، وإن كان فيهم من لا يعرف أنها كذب، فهو مفرط في ~~الجهل كما قال: # فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم # والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة. فيقال: ما الدليل على صحة هذا الحديث؟ ~~وأين إسناده؟ وفي أي كتاب من كتب المسلمين روي هذا؟ ومن قال من أهل العلم ~~بالحديث: إن هذا صحيح؟ # الثاني: أن جميع أهل المعرفة بالحديث يعلمون علما ضروريا أن هذا من الكذب ~~الموضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن له أدنى معرفة بالحديث ~~يعلم أنه كذب، لم يروه أحد من المسلمين في شيء من كتبه: لا كتب الصحيح، ولا ~~السنن، ولا المسانيد، ولا المعجمات، ولا الأجزاء، ولا يعرف له إسناد: لا ~~صحيح، ولا ضعيف، بل هو كذب بين. # الثالث: أنه قد ثبت أن الناس كانوا يصلون بالليل في رمضان على عهد النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. وثبت أنه صلى بالمسلمين جماعة ليلتين أو ثلاثا. # وهذا الاجتماع العام لما لم يكن قد فعل سماه بدعة ms476 لأن ما فعل ابتداء يسمى ~~بدعة في اللغة، وليس ذلك بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية التي هي ضلالة هي ~~ما فعل بغير دليل شرعي. # الرابع: أن هذا لو كان قبيحا منهيا عنه لكان علي أبطله لما صار أمير ~~المؤمنين وهو بالكوفة. فلما كان جاريا في ذلك مجرى عمر دل على استحباب ذلك، ~~بل روى عن علي أنه قال: نور الله على عمر قبره كما نور علينا مساجدنا. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الرابع عشر: أن عثمان فعل أمورا لا يجوز فعلها، حتى أنكر ~~عليه المسلمون كافة، واجتمعوا على قتله أكثر من اجتماعهم على إمامته، ~~وإمامة صاحبيه. # PageV01P499 # والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا من أظهر الكذب؛ فإن الناس كلهم بايعوا ~~عثمان في المدينة وفي جميع الأمصار، لم يختلف في إمامته اثنان، ولا تخلف ~~عنها أحد. ولهذا قال الإمام أحمد وغيره. إنها كانت أوكد من غيرها باتفاقهم ~~عليها. # وأما الذين قتلوه فنفر قليل. قال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان: ((خرجوا ~~عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا من نجا منهم تحت ~~بطون الكواكب)) يعني هربوا ليلا. # الثاني: أن يقال: الذين أنكروا على علي وقاتلوه أكثر بكثير من الذين ~~أنكروا على عثمان وقتلوه؛ فإن عليا قاتله بقدر الذين قتلوا عثمان أضعافا ~~مضاعفة، وقطعة كبيرة من عسكره: خرجوا عليه وكفروه، وقالوا: أنت ارتددت عن ~~الإسلام، لا نرجع إلى طاعتك حتى تعود إلى الإسلام. # الثالث: أن يقال: قد علم بالتواتر أن المسلمين كلهم اتفقوا على مبايعة ~~عثمان، لم يتخلف عن بيعته أحد، مع أن بيعة الصديق تخلف عنها سعد بن عبادة، ~~ومات ولم يبايعه ولا بايع عمر، ومات في خلافة عمر. ولم يكن # تخلف سعد عنها قادحا فيها، لأن سعدا لم يقدح في الصديق، ولا في أنه أفضل ~~المهاجرين، بل كان هذا معلوما عندهم، لكن طلب أن يكون من الأنصار أمير. # وقد ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~((الأئمة من قريش)) (1) فكان ما ظنه سعد خطأ مخالفا للنص ms477 المعلوم. فعلم أن ~~تخلفه خطأ بالنص، وإذا علم الخطأ بالنص لم يحتج فيه إلى الإجماع. # وأما بيعة عثمان فلم يتخلف عنها أحد، مع كثرة المسلمين وانتشارهم. وأما ~~علي فمن حين تولى تخلف عن بيعته قريب من نصف المسلمين من السابقين الأولين، ~~من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ممن قعد عنه فلم يقاتل معه ولا قاتله، مثل ~~أسامة بن زيد، وابن عمر، ومحمد بن سلمة، ومنهم من قاتله. # ثم كثير من الذين بايعوه ورجعوا عنه: منهم من كفره واستحل دمه، ومنهم من ~~ذهب PageV01P500 # إلى معاوية، كعقيل أخيه وأمثاله. # ولم تزل شيعة عثمان القادحين في علي تحتج بهذا على أن عليا لم يكن خليفة ~~راشدا، وما كانت حجتهم أعظم من حجة الرافضة، فإذا كانت حجتهم داحضة، وعلي ~~قتل مظلوما، فعثمان أولى بذلك. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الفصل السادس: في فسخ حججهم على إمامة أبي بكر. احتجوا ~~بوجوه: الإجماع. والجواب منع الإجماع؛ فإن جماعة من بني هاشم لم يوافقوا ~~على ذلك، وجماعة من أكابر الصحابة، كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة ~~وسعد بن عبادة وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد وخالد بن سعيد بن العاص وابن ~~عباس. # حتى أن أباه أنكر ذلك، وقال: من استخلف علي الناس؟ فقالوا: ابنك. قال: ~~وما فعل المستضعفان؟ إشارة إلى علي والعباس. قالوا: اشتغلوا بتجهيز رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ورأوا أن ابنك أكبر الصحابة سنا، فقال: أنا ~~أكبر منه. # وبنو حنيفة كافة لم يحملوا الزكاة إليه، حتى سماهم أهل الردة، وقتلهم ~~وسباهم، فأنكر عمر عليه، ورد السبايا أيام خلافته)) . # والجواب: بعد أن يقال: الحمد لله الذي أظهر من أمر هؤلاء إخوان المرتدين ~~ما تحقق به عند الخاص والعام أنهم إخوان المرتدين حقا، وكشف أسرارهم، وهتك ~~أستارهم بألسنتهم؛ فإن الله لا يزال يطلع على خائنة منهم، تبين عداوتهم لله ~~ورسوله، والخيار عباد الله وأوليائه المتقين، ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا. # فنقول: من كان له أدنى علم بالسيرة، وسمع مثل هذا الكلام، جزم بأحد ~~أمرين: ms478 إما بأن قاتله من أجهل الناس بأخبار الصحابة، وإما أنه من أجرأ ~~الناس على الكذب. فظني أن هذا المصنف وأمثاله من شيوخ الرافضة ينقلون ما في ~~كتب سلفهم، من غير اعتبار منهم لذلك، ولا نظر في أخبار الإسلام، وفي الكتب ~~المصنفة في ذلك، حتى يعرف أحوال الإسلام، فيبقى هذا وأمثاله في ظلمة الجهل ~~بالمنقول والمعقول. # PageV01P501 # ولا ريب أن المفترين للكذب من شيوخ الرافضة كثيرون جدا وغالب القوم ذوو ~~هوى أو جهل، فمن حدثهم بما يوافق هواهم صدقوه، ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه، ~~ومن حدثهم بما يخالف أهواءهم كذبوه، ولم يبحثوا عن صدقه وكذبه. ولهم نصيب ~~وافر من قوله تعالى: { (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} ~~(1) ، كما أن أهل العلم والدين لهم نصيب وافر من قوله تعالى: { (والذي جاء ~~بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} (2) . # ومن أعظم ما في هذا الكلام من الجهل والضلال جعله بني حنيفة من أهل ~~الإجماع؛ فإنهم لما امتنعوا عن بيعته ولم يحملوا إليه الزكاة سماهم أهل ~~الردة، وقتلهم وسباهم. وقد تقدم مثل هذا في كلامه. # وبنو حنيفة قد علم الخاص والعام أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب، الذي ادعى ~~النبوة باليمامة، وادعى أنه شريك النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرسالة، ~~وادعى النبوة في آخر حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأمر مسيلمة وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له أشهر وأظهر من أن يخفى، ~~إلا على من هو أبعد الناس عن المعرفة والعلم. # ومن أعظم فضائل أبي بكر عند الأمة - أولهم وآخرهم - أنه قاتل المرتدين. ~~وأعظم الناس ردة كان أبو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة، بل ~~قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب. وكانوا فيما يقال نحو مائة ألف. # والحنفية أم محمد بن الحنفية سرية علي كانت من بني حنيفة، وبهذا احتج من ~~جوز سبي المرتدات إذا كانت المرتدون محاربين، فإذا كانوا مسلمين معصومين، ~~فكيف استجاز علي أن يسبي نساءهم، ويطأ من ذلك السبي؟ # وأما قول الرافضي: إن عمر أنكر قتال أهل ms479 الردة. # فمن أعظم الكذب والافتراء على عمر، بل الصحابة كانوا متفقين على قتال ~~مسيلمة وأصحابه ولكن كانت طائفة أخرى مقرين بالإسلام، وامتنعوا عن أداء ~~الزكاة، فهؤلاء حصل لعمر أولا شبهة في قتالهم حتى ناظره الصديق، وبين وجوب ~~قتالهم، فرجع إليه والقصة في ذلك مشهورة. PageV01P502 # فإن جاز أن يطعن في الصديق والفاروق أنهما قاتلا لأخذ المال فالطعن في ~~غيرهما أوجه، فإذا وجب الذب عن عثمان وعلي فهو عن أبي بكر وعمر أوجب. # وعلي يقاتل ليطاع ويتصرف في النفوس والأموال فكيف يجعل هذا قتالا على ~~الدين؟ وأبو بكر يقاتل من ارتد عن الإسلام ومن ترك ما فرض الله، ليطيع الله ~~ورسوله فقط، ولا يكون هذا قتالا على الدين؟ # وأما الذين عدهم هذا الرافضي أنهم تخلفوا عن بيعة الصديق من أكابر ~~الصحابة، فذلك كذب عليهم، إلا على سعد بن عبادة، فإن مبايعة هؤلاء لأبي بكر ~~وعمر أشهر من أن تنكر، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث والسير ~~والمقولات، وسائر أصناف أهل العلم، خلفا عن سلف. # وأسامة بن زيد ما خرج في السرية حتى بايعه، ولهذا يقول له: ((يا خليفة ~~رسول الله)) . # وكذلك جميع من ذكره بايعه. لكن خالد بن سعيد كان نائبا للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا أكون نائبا ~~لغيره)) فترك الولاية، وإلا فهو من المقرين بخلافة الصديق. وقد علم ~~بالتواتر أنه لم يتخلف عن بيعته إلا سعد بن عبادة. # وأما علي وبنو هاشم فكلهم بايعه باتفاق الناس، لم يمت أحد منهم إلا وهو ~~مبايع له. # لكن قيل: علي تأخرت بيعته ستة أشهر. وقيل: بل بايعه ثاني يوم. وبكل حال ~~فقد بايعوه من غير إكراه. # ثم جميع الناس بايعوا عمر، إلا سعدا، ولم يتخلف عن بيعة عمر أحد: لا بنو ~~هاشم ولا غيرهم. # وأما بيعة عثمان فاتفق الناس كلهم عليها. # وما ذكره عن أبي قحافة فمن الكذب المتفق عليه، ولكن أبو قحافة كان بمكة، ~~وكان شيخا كبيرا أسلم عام الفتح. أتى به أبو ms480 بكر إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ورأسه ولحيته مثل الثغامة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو ~~أقررت الشيخ مكانه لأتيناه)) (1) إكراما لأبي بكر. # وقوله: ((إنهم قالوا لأبي قحافة: إن ابنك أكبر الصحابة سنا)) كذب ظاهر. ~~وفي PageV01P503 # الصحابة خلق كثير أسن من أبي بكر، مثل العباس، فإن العباس كان أسن من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث سنين، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان أسن من أبي بكر. # وحينئذ فالجواب عن منعه الإجماع من وجوه: # أحدها: أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يتخلف منهم إلا سعد بن عبادة، وإلا ~~فالبقية كلهم بايعوه باتفاق أهل النقل. وطائفة من بني هاشم قد قيل: إنها ~~تخلفت عن مبايعته أولا، ثم بايعته بعد ستة أشهر، من غير رهبة ولا رغبة. # ولا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين ~~والطائفة القليلة، فإنه لو اعتبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع على إمامة، فإن ~~الإمامة أمر معين، فقد يتخلف الرجل لهوى لا يعلم، كتخلف سعد، فإنه كان قد ~~استشرف إلى أن يكون هو أميرا من جهة الأنصار، فلم يحصل له ذلك، فبقي في ~~نفسه بقية هوى. ومن ترك الشيء لهوى، لم يؤثر تركه. # الثاني: أنه لو فرض خلاف هؤلاء الذين ذكرهم، وبقدرهم مرتين لم يقدح في ~~ثبوت الخلافة، فإنه لا يشترط في الخلافة إلا اتفاق أهل الشوكة # والجمهور الذين يقام بهم الأمر، بحيث يمكن أن يقام بهم مقاصد الإمامة، ~~ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع ~~الجماعة)) (1) . # الثالث: أن يقال: إجماع الأمة على خلافة أبي بكر كان أعظم من اجتماعهم ~~على مبايعة علي؛ فإن ثلث الأمة - أو أقل أو أكثر - لم يبايعوا عليا؛ بل ~~قاتلوه. والثلث الآخر لم يقاتلوا معه، وفيهم من لم يبايعه أيضا. والذين لم ~~يبايعوه منهم من قاتلهم، ومنهم من لم يقاتلهم. فإن جاز القدح في الإمامة ~~بتخلف بعض الأمة عن البيعة، كان القدح في إمامة علي أولى بكثير. # فلا طريق يثبت بها ms481 كون علي مستحقا للإمامة، إلا وتلك الطريق يثبت بها أن ~~أبا بكر مستحق للإمامة، وأنه أحق للإمامة من علي وغيره. وحينئذ فالإجماع لا ~~يحتاج إليه في الأولى (2) ولا في الثانية، وإن كان الإجماع حاصلا. ~~PageV01P504 ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأيضا الإجماع ليس أصلا في الدلالة، بل لا بد أن يستند ~~المجمعون إلى دليل على الحكم حتى يجتمعوا عليه، وإلا كان خطأ، وذلك الدليل ~~إما عقلي، وليس في العقل دلالة على إمامته، وإما نقلي، وعندهم أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مات من غير وصية، ولا نص على إمام، والقرآن خال منه، ~~فلو كان الإجماع متحققا كان خطأ فتنتفي دلالته)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن قوله: ((الإجماع ليس أصلا في الدلالة)) . # إن أراد به أن أمر المجتمعين لا تجب طاعته لنفسه، وإنما تجب لكونه دليلا ~~على أمر الله ورسوله، فهذا صحيح. ولكن هذا لا يضر؛ فإن أمر الرسول كذلك لم ~~تجب طاعته لذاته، بل لأن من أطاع الرسول فقد أطاع الله. ففي الحقيقة لا ~~يطاع أحد لذاته إلا الله. له الخلق والأمر، وله الحكم، وليس الحكم إلا لله. ~~وإنما وجبت طاعة الرسول لأن طاعته طاعة الله، ووجبت طاعة المؤمنين ~~المجتمعين، لأن طاعتهم طاعة الله والرسول، ووجب تحكيم الرسول، لأن حكمه حكم ~~الله. وكذلك تحكيم الأمة، لأن حكمها حكم الله. # وإن أراد به أنه قد يكون موافقا للحق، وقد يكون مخالفا له، وهذا هو الذي ~~أراده. فهذا قدح في كون الإجماع حجة، ودعوى أن الأمة قد تجتمع على الضلالة ~~والخطأ. كما يقول ذلك من يقوله من الرافضة الموافقين للنظام. # وحينئذ فيقال: كون علي إماما ومعصوما وغير ذلك من الأصول، الإمامية ~~أثبتوه بالإجماع، إذ عمدتهم في أصول دينهم على ما يذكرونه من العقليات وعلى ~~الإجماع، وعلى ما ينقلونه. فهم يقولون: علم بالعقل لأنه لا بد للناس من ~~إمام معصوم وإمام منصوص عليه، وغير علي ليس معصوما ولا منصوصا عليه ~~بالإجماع، فيكون المعصوم هو عليا، وغير ذلك من مقدمات حججهم. # فيقال لهم: إن لم يكن ms482 الإجماع حجة، فقد بطلت تلك الحجج، فبطل ما بنوه على ~~الإجماع من أصولهم، فبطل قولهم. وإذا بطل ثبت مذهب أهل السنة. # PageV01P505 # وإن كان الإجماع حقا، فقد ثبت أيضا مذهب أهل السنة، فقد تبين بطلان قولهم ~~سواء قالوا: الإجماع حجة أم لم يقولوا، وإذا بطل قولهم ثبت مذهب أهل السنة ~~وهو المطلوب. # وإن قالوا: نحن لم ندع الإجماع ولا نحتج به في شيء من أصولنا، وإنما ~~عمدتنا العقل والنقل عن الأئمة المعصومين. # قيل لهم: إذا لم تحتجوا بالإجماع لم يبق معكم حجة سمعية غير النقل ~~المعلوم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن ما ينقلونه عن علي وغيره من ~~الأئمة لا يكون حجة حتى نعلم عصمة الواحد من هؤلاء، وعصمة الواحد من هؤلاء ~~لا تثبت إلا بنقل عمن علم عصمته، والمعلوم عصمته هو الرسول، فما لم يثبت ~~نقل معلوم عن الرسول بما يقولونه، لم يكن معهم حجة سمعية أصلا: لا في أصول ~~الدين ولا في فروعه، وحينئذ فيرجع الأمر إلى دعوى خلافة علي بالنص، فإن ~~أثبتم النص بالإجماع فهو باطل، لنفيكم كون الإجماع حجة، وإن لم تثبتوه إلا ~~بالنقل الخاص الذي يذكره بعضكم، فقد تبين بطلانه من وجوه، وتبين أن ما ~~ينقله الجمهور وأكثر الشيعة مما يناقض هذا القول يوجب علما يقينيا بأن هذا ~~كذب. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأيضا الإجماع إما أن يعتبر فيه قول كل الأمة، ومعلوم أنه ~~لم يحصل، بل ولا إجماع أهل المدينة أو بعضهم. وقد أجمع أكثر الناس على قتل ~~عثمان)) . # والجواب: أن يقال: أما الإجماع على الإمامة: فإن أريد به الإجماع الذي ~~تنعقد به الإمامة، فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة، بحيث يكون متمكنا بهم ~~من تنفيذ مقاصد الإمامة، حتى إذا كان رؤوس الشوكة عددا قليلا، ومن سواهم ~~موافق لهم، حصلت الإمامة بمبايعتهم له. هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة، ~~وهو مذهب الأئمة، كأحمد وغيره. # وأما أهل الكلام فقدرها كل منهم بعدد، وهي تقديرات باطلة. # وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يعتبر ms483 فيه: إما ~~الجميع، وإما الجمهور. وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر. # وأما عثمان فلم يتفق على قتله إلا طائفة قليلة، لا يبلغون نصف عشر عشر ~~عشر الأمة. # PageV01P506 # (فصل) # قال الرافضي: ((وأيضا كل واحد من الأمة يجوز عليه الخطأ، فأي عاصم لهم عن ~~الكذب عند الإجماع؟)) . # والجواب: أن يقال: من المعلوم أن الإجماع إذا حصل، حصل له من الصفات ما ~~ليس للآحاد، لم يجز أن يجعل حكم الواحد حكم الاجتماع؛ فإن كل واحد من ~~المخبرين يجوز عليه الغلط والكذب، فإذا انتهى المخبرون إلى حد التواتر ~~امتنع عليهم الكذب والغلط. # وأيضا فإن كان الإجماع قد يكون خطأ، لم يثبت أن عليا معصوم كما زعموا؛ ~~فإنه إنما علمت عصمته بالإجماع على أنه لا معصوم سواه، فإذا جاز كون ~~الإجماع أخطأ، أمكن أن يكون في الأمة معصوم غيره، وحينئذ فلا يعلم أنه هو ~~المعصوم. # فتبين أن قدحهم في الإجماع يبطل الأصل الذي اعتمدوا عليه في إمامة ~~المعصوم، وإذا بطل أنه معصوم بطل أصل مذهب الرافضة. فتبين أنهم إن قدحوا في ~~الإجماع بطل أصل مذهبهم، وإن سلموا أنه حجة بطل مذهبهم، فتبين بطلان مذهبهم ~~على التقديرين. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وقد بينا ثبوت النص الدال على إمامة أمير المؤمنين، فلو ~~أجمعوا على خلافه لكان خطأ، لأن الإجماع الواقع على خلاف النص يكون عندهم ~~خطأ)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أنه قد تقدم بيان بطلان كل ما دل على أنه إمام ~~قبل الثلاثة. # الثاني: أن النصوص إنما دلت على خلافة الثلاثة قبله. # الثالث: أن يقال: الإجماع المعلوم حجة قطعية لا سمعية، لا سيما مع النصوص ~~الكثيرة الموافقة له. فلو قدر ورود خبر يخالف الإجماع كان باطلا: إما لكون ~~الرسول لم يقله، وإما # PageV01P507 # لكونه لا دلالة فيه. # الرابع: أنه يمتنع تعارض النص المعلوم والإجماع المعلوم، فإن كليهما حجة ~~قطعية، والقطعيات لا يجوز تعارضها، لوجوب وجود مدلولاتها، فلو تعارضت لزم ~~الجمع بين النقيضين. # وقد دل الإجماع المعلوم والنص المعلوم على خلافة الصديق رضي الله عنه ~~وبطلان غيرهما. ونص ms484 الرافضة مما نحن نعلم كذبه بالاضطرار، وعلى كذبه أدلة ~~كثيرة. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثاني: ما رووه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. والجواب: المنع من الرواية، ومن ~~دلالتها على الإمامة؛ فإن الاقتداء بالفقهاء لا يستلزم كونهم أئمة. وأيضا ~~فإن أبا بكر وعمر قد اختلفا في كثير من الأحكام فلا يمكن الاقتداء بهما. ~~وأيضا فإنه معارض لما رووه من قوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، ~~مع إجماعهم على انتفاء إمامتهم)) . # والجواب من وجوه: أحدها: أن يقال: هذا الحديث بإجماع أهل العلم بالحديث ~~أقوى من النص الذي يروونه في إمامة علي؛ فإن هذا أمر معروف # في كتب أهل الحديث المعتمدة، ورواه أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه ~~(1) . # وأما النص على علي فليس في شيء من كتب أهل الحديث المعتمدة، وأجمع أهل ~~الحديث على بطلانه، حتى قال أبو محمد بن حزم: ((ما وجدنا قط رواية عن أحد ~~في هذا النص المدعى إلا رواية واهية عن مجهول إلى مجهول يكنى أبا الحمراء، ~~لا نعرف من هو في الخلق)) (2) . # فيمتنع أن يقدح في هذا الحديث مع تصحيح النص على علي. PageV01P508 # وأما الدلالة، فالحجة في قوله: ((باللذين من بعدي)) أخبر أنهما من بعده، ~~وأمر بالاقتداء بهما. فلو كانا ظالمين أو كافرين في كونهما بعده لم يأمر ~~بالاقتداء بهما، فإنه لا يأمر بالاقتداء بالظالم، فإن الظالم لا يكون قدوة ~~يؤتم به. بدليل قوله: (لا ينال عهدي الظالمين (1) ، فدل على أن الظالم لا ~~يؤتم به، والائتمام هو الاقتداء، فلما أمر بالاقتداء بمن بعده، والاقتداء ~~هو الائتمام، مع إخبراره أنهما يكونان بعده، دل على أنهما إمامان قد أمر ~~بالائتمام بهما بعده، وهذا هو المطلوب. # وأما قوله: ((اختلفا في كثير من الأحكام)) فليس الأمر كذلك، بل لا يكاد ~~يعرف اختلاف أبي بكر وعمر إلا في الشيء اليسير، والغالب أن يكون عن أحدهما ~~فيه روايتان، كالجد مع الإخوة، فإن عمر عنه فيه روايتان إحداهما كقول أبي ~~بكر. # وأما قوله: أصحابي ms485 كالنجوم. الخ.. فهذا الحديث ضعيف، ضعفه أهل الحديث، ~~قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليس هو ~~في كتب الحديث المعتمدة، وأيضا فليس فيه لفظ بعدي، والحجة هناك قوله: بعدي، ~~وأيضا ليس فيه الأمر بالاقتداء بهم، وهذا فيه الأمر بالاقتداء بهم. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((الثالث: ما ورد فيه من الفضائل كآية الغار، وقوله تعالى: ~~{ (وسيجنبها الأتقى} ((2) ، وقوله: { (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد (} (3) . والداعي هو أبو بكر: كان أنيس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في العريش يوم بدر، وأنفق على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وتقدم في الصلاة)) . # قال: ((والجواب أنه لا فضيلة له في الغار، لجواز أن يستصحبه حذرا منه ~~لئلا يظهر أمره. # وأيضا فإن الآية تدل على نقيضه لقوله: (لا تحزن (فإنه يدل على خوره وقلة ~~صبره، وعدم يقينه بالله تعالى، وعدم رضاه بمساواته النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وبقضاء الله وقدره، ولأن الحزن إن PageV01P509 # كان طاعة استحال أن ينهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان ~~معصية كان ما ادعوه من الفضيلة رذيلة. # وأيضا فإن القرآن حيث ذكر إنزال السكينة على رسول الله شرك معه المؤمنين ~~إلا في هذا الموضوع، ولا نقص أعظم منه. # وأما: { (وسيجنبها الأتقى} (فإن المراد أبو الدحداح، حيث اشترى نخلة شخص ~~لأجل جاره، وقد عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - على صاحب النخلة نخلة في ~~الجنة، فأبى، فسمع أبو الدحداح فاشتراها ببستان له، ووهبها الجار، فجعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عوضها له بستانا في الجنة. # وأما قوله تعالى: { ((قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد (} (1) . يريد سندعوكم إلى قوم، فإن أراد الذين تخلفوا عن الحديبية. ~~والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، فمنعهم الله تعالى بقوله: { (قل لن ~~تتبعونا (} (2) ، لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ثم قال: { ~~(قل للمخلفين من الأعراب ستدعون} (. يريد: سندعوكم فيما بعد إلى قتال قوم ~~أولي بأس شديد، وقد دعاهم ms486 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوات ~~كثيرة: كمؤتة، وحنين، وتبوك، وغيرها، فكان الداعي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وأيضا جاز أن يكون علي هو الداعي، حيث قاتل الناكثين والقاسطين ~~والمارقين، وكان رجوعهم إلى طاعته إسلاما لقوله عليه الصلاة والسلام: يا ~~علي حربك حربي وحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر. # وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه، لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان أنسه بالله تعالى مغنيا له عن كل أنيس، لكن لما عرف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد الحال، حيث ~~هرب عدة مرات في غزواته، وأيما أفضل: القاعد عن القتال، أو المجاهد بنفسه ~~في سبيل الله؟ . # وأما إنفاقه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكذب لأنه لم يكن ذا ~~مال؛ فإن أباه كان فقيرا في الغاية، وكان ينادى على مائدة عبد الله بن ~~جدعان بمد كل يوم يقتات له، فلو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه. وكان أبو بكر ~~في الجاهلية معلما للصبيان، وفي الإسلام كان خياطا، ولما ولي أمر المسلمين ~~منعه الناس عن الخياطة فقال: إني محتاج إلى القوت، فجعلوا له كل يوم ثلاثة ~~PageV01P510 # دراهم من بيت المال، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل الهجرة غنيا ~~بمال خديجة، ولم يحتج إلى الحرب وتجهيز الجيوش، وبعد الهجرة لم يكن لأبي ~~بكر البتة شيء، ثم لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن، كما نزل في علي: { (هل ~~أتى} (1) . # ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرف من الذين تصدق عليهم ~~أمير المؤمنين، والمال الذي يدعون إنفاقه أكثر، فحيث لم ينزل فيه قرآن دل ~~على كذب النقل. # وأما تقديمه في الصلاة فخطأ، لأن بلالا لما أذن بالصلاة أمرته عائشة أن ~~يقدم أبا بكر، ولما أفاق النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع التكبير فقال: ~~من يصلي بالناس؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أخرجوني، فخرج بين علي والعباس ~~فنحاه عن القبلة وعزله عن الصلاة وتولى ms487 هو الصلاة)) . # قال الرافضي: ((فهذه حال أدلة القوم، فلينظر العاقل بعين الإنصاف وليقصد ~~اتباع الحق دون اتباع الهوى، ويترك تقليد الآباء والأجداد، فقد نهى الله ~~تعالى في كتابه عن ذلك، ولا تلهيه الدنيا عن إيصال الحق إلى مستحقه، ولا ~~يمنع المستحق عن حقه، فهذا آخر ما أردنا إثباته في هذه المقدمة)) . # والجواب: أن يقال: في هذا الكلام من الأكاذيب والبهت والفرية ما لا يعرف ~~مثله لطائفة من طوائف المسلمين. ولا ريب أن الرافضة فيهم شبه # قوي من اليهود، فإنهم قوم بهت، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # وظهور فضائل شيخي الإسلام: أبي بكر وعمر، أظهر بكثير عند كل عاقل من فضل ~~غيرهما، فيريد هؤلاء الرافضة قلب الحقائق. ولهم نصيب من قوله تعالى: { (فمن ~~أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه (} (2) ، وقوله: { (فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون} (3) ، ونحو ~~هذه الآيات. # فإن القوم من أعظم الفرق تكذيبا بالحق، وتصديقا بالكذب، وليس في الأمة من ~~يماثلهم في ذلك. # أما قوله: ((لا فضيلة له في الغار)) . PageV01P511 # فالجواب: أن الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، لقوله تعالى: { (إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (1) ، فأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أن الله معه ومع صاحبه. كما قال لموسى وهارون: { (إنني معكما أسمع وأرى} ~~(2) . # وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ~~نظرت إلى إقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو ~~أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ~~ثالثهما)) (3) . # وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم بالحديث على صحته وتلقيه بالقبول ~~والتصديق، فلم يختلف في ذلك اثنان منهم، فهو مما دل القرآن على معناه، ~~يقول: { (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (4) . # وهذا غاية المدح لأبي بكر إذ دل على أنه ممن شهد له ms488 الرسول بالإيمان، ~~المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي بين الله فيها غناه عن ~~الخلق، فقال: { (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين # كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار} (5) ، ولهذا قال سفيان بن عيينة ~~وغيره: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر. وقال: من أنكر ~~صحبته أبي بكر فهو كافر لأنه كذب القرآن، وقال طائفة من أهل العلم كأبي ~~القاسم السهيلي وغيره. هذه المعية لم تثبت لغير أبي بكر. # وكذلك قوله: ((ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) . بل ظهر اختصاصهما في اللفظ ~~كما ظهر في المعنى، فكان يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ((محمد رسول ~~الله)) فلما تولى أبو بكر بعده صاروا يقولون: ((خليفة رسول الله)) فيضيفون ~~الخليفة إلى رسول الله، المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف، إلى الله ~~مضاف إلى الله تحقيقا لقوله: ((إن الله معنا)) ، ما ظنك باثنين الله ~~ثالثهما. ثم لما تولى عمر بعده صاروا يقولون: ((أمير المؤمنين)) فانقطع ~~الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر عن سائر الصحابة. # ومن تأمل هذا وجد فضائل الصديق التي في الصحاح كثيرة، وهي خصائص. مثل ~~PageV01P512 # حديث المخالة، وحديث: إن الله معنا، وحديث: إنه أحب الرجال إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وحديث الإتيان إليه بعده، وحديث كتابة العهد إليه ~~بعده، وحديث تخصيصه بالتصديق ابتداء والصحبة، وتركه له، وهو قوله: ((فهل ~~أنتم تاركو لي صاحبي؟)) ، وحديث دفعه عنه عقبة بن أبي معيط لما وضع الرداء ~~في عنقه حتى خلصه أبو بكر، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! وحديث ~~استخلافه في الصلاة وفي الحج، وصبره وثباته بعد موت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وانقياد الأمة له، وحديث الخصال التي اجتمعت فيه في يوم، وما اجتمعت ~~في رجل إلا وجبت له الجنة، وأمثال ذلك (1) . # والمقصود هنا بيان اختصاصه في الصحبة الإيمانية بما لم يشركه مخلوق، لا ~~في قدرها ولا في صفتها ولا في نفعها، فإنه لو أحصي الزمان الذي كان يجتمع ~~فيه أبو بكر بالنبي ms489 - صلى الله عليه وسلم -، والزمان الذي كان يجتمع به فيه ~~عثمان أو علي أو غيرهما من الصحابة، لوجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص ~~به واحد منهم، لا أقول ضعفه. # وأما المشترك بينهم فلا يختص به واحد. # وأما كمال معرفته ومحبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتصديقه له، فهو ~~مبرز في ذلك على سائرهم تبريزا باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له ~~معرفة بأحوال القوم، ومن لا معرفة له بذلك لم تقبل شهادته. # وأما نفعه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاونته له على الدين فكذلك. # فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها، التي بها يستحق الصحابة أن ~~يفضلوا بها على غيرهم، لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها ~~وفائدتها ما لا يشركه فيه أحد. # كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ~~على المنبر فقال: ((إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الحياة الدنيا ~~وبين ما عنده، فاختار ما عنده)) فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا ~~وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخير، وكان أبو ~~بكر أعلمنا به. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن من أمن الناس ~~علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ~~ولكن أخوة الإسلام ومودته)) (2) . PageV01P513 # وروى البخاري من حديث ابن عباس قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى ~~عليه، وقال: ((إنه ليس أحد من الناس آمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن ~~أبي قحافة، ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن خلة ~~الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر)) (1) . # وفي رواية: ((لو كنت متخذا من هذه الأمة خليلا لاتخذته، ولكن أخوة ~~الإسلام أفضل)) . # وفي رواية: ((ولكن أخي وصاحبي)) . # فهذه النصوص كلها مما تبين اختصاص أبي ms490 بكر من فضائل الصحبة ومناقبها ~~والقيام بها وبحقوقها بما لم يشركه فيه أحد، حتى استوجب أن يكون خليله دون ~~الخلق، لو كانت المخالة ممكنة. # وهذه النصوص صريحة بأنه أحب الخلق إليه، وأفضلهم عنده. كما صرح بذلك في ~~حديث عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثه على جيش ذات ~~السلاسل، قال: ((فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة)) . قلت: ~~فمن الرجال؟ قال: ((أبوها)) . قلت: ثم من؟ قال: عمر وعد رجال)) ، وفي رواية ~~للبخاري ((قال: فسكت مخافة أن يجعلني آخرهم)) (2) ### | ### | (فصل) # # ومما يبين من القرآن فضيلة أبي بكر في الغار أن الله تعالى ذكر نصره ~~لرسوله في هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله: ( {إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار (} (3) . أي أخرجوه في هذه ~~القلة من العدد، لم يصحبه إلا الواحد، PageV01P514 # فإن الواحد أقل ما يوجد. فإذا لم يصحبه إلا واحد دل على أنه في غاية ~~القلة. # ثم قال: { (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} ((1) . وهذا يدل على أن ~~صاحبه كان مشفقا عليه محبا له ناصرا له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال ~~الخوف على من يحبه، وأما عدوه فلا يحزن إذا انعقد سبب هلاكه. # فلو كان أبو بكر مبغضا كما يقول المفترون لم يحزن ولم ينه عن الحزن، بل ~~كان يضمر الفرح والسرور، ولا كان الرسول يقول له: ((لا تحزن إن الله معنا)) ~~. # فإن قال المفتري: إنه خفي على الرسول حاله لما أظهر له الحزن، وكان في ~~الباطن مبغضا. # قيل له: فقد قال: {إن الله معنا} فهذا إخبار بأن الله معهما جميعا بنصره، ~~ولا يجوز للرسول أن يخبر بنصر الله لرسوله وللمؤمنين وأن الله معهم، ويجعل ~~ذلك في الباطن منافقا، فإنه معصوم في خبره عن الله، لا يقول عليه إلا الحق. # وأيضا فمعلوم أن أضعف الناس عقلا لا يخف عليه حال من يصحبه في مثل هذا ~~السفر، الذي يعاديه فيه الملأ الذين هو بين أظهرهم، ويطلبون ms491 قتله، وأولياؤه ~~هناك لا يستطيعون نصره، فكيف يصحب واحدا ممن يظهر له موالاته دون غيره، وقد ~~أظهر له هذا حزنه، وهو مع ذلك عدو في الباطن، والمصحوب يعتقد أنه وليه، ~~وهذا لا يفعله إلا أحمق الناس وأجهلهم. # فقبح الله من نسب رسوله، الذي هو أكمل الخلق عقلا وعلما وخبرة، إلى مثل ~~هذه الجهالة والغباوة. ### | ### | (فصل) # # وأما قول الرافضي: يجوز أن يستصحبه لئلا يظهر أمره حذرا منه. # والجواب: أن هذا باطل من وجوه كثيرة لا يمكن استتقصاؤها. # أحدها: أنه قد علم بدلالة القرآن موالاته له ومحبته، لا عداوته، فبطل ~~ادعاؤه. # الثاني: أنه قد علم بالتواتر المعنوي أن أبا بكر كان محبا للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مؤمنا به، ومن أعظم الخلق اختصاصا به، أعظم مما تواتر من ~~شجاعة عنترة، ومن سخاء حاتم ومن موالاة علي ومحبته به، ونحو ذلك من ~~التواترات المعنوية التي اتفق فيها الأخبار الكثيرة على مقصود PageV01P515 # واحد، والشك في محبة أبي بكر كالشك في غيره وأشد، ومن الرافضة من ينكر ~~كون أبي بكر وعمر مدفونين في الحجرة النبوية، وبعض غلاتهم ينكر أن يكون هو ~~صاحبه الذي معه في الغار، وليس هذا من بهتانهم ببعيد، فإن القوم قوم بهت، ~~يجحدون المعلوم ثبوته بالاضطرار ويدعون ثبوت ما يعلم انتفاؤه بالاضطرار في ~~العقليات والنقليات. # الوجه الثالث: أن قوله: ((استصحبه حذرا من أن يظهر أمره)) . # كلام من هو أجهل الناس بما وقع؛ فإن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~خروجه من مكة ظاهر، عرفه أهل مكة، وأرسلوا الطلب، فإنه في الليلة التي خرج ~~فيها عرفوا في صبيحتها أنه خرج، وانتشر ذلك، وأرسلوا إلى أهل الطرق يبذلون ~~الدية لمن يأتي بأبي بكر، دليل على أنهم كانوا يعلمون موالاته لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأنه كان عدوهم في الباطن، ولو كان معهم في الباطن ~~لم يفعلوا ذلك. # الرابع: أنه إذا خرج ليلا، كان وقت الخروج لم يعلم به أحد، فما يصنع بأبي ~~بكر واستصحابه معه؟ # فإن قيل: فلعله علم خروجه دون ms492 غيره؟ # قيل: أولا: قد كان يمكنه أن يخرج في وقت لا يشعر به، كما خرج في وقت لم ~~يشعر به المشركون، وكان يمكنه أن لا يعينه، فكيف وقد ثبت في الصحيحين أن ~~أبا بكر استأذنه في الهجرة فلم يأذن له حتى هاجر معه، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعلمه بالهجرة في خلوة (1) . # الوجه الخامس: أنه لما كان في الغار كان يأتيه بالأخبار عبد الله بن أبي ~~بكر وكان معهما عامر بن أبي فهيرة كما تقدم ذلك، فكان يمكنه أن يعلمهم ~~بخبره. # السادس: أنه إذا كان كذلك، والعدو قد جاء إلى الغار، ومشوا فوقه، كان ~~يمكنه حينئذ أن يخرج من الغار، وينذر العدو به، وهو وحده ليس معه أحد يحميه ~~منه ومن العدو، فمن يكون مبغضا لشخص، طالبا لإهلاكه، ينتهز الفرصة في مثل ~~هذه الحال، التي لا يظفر فيها عدو بعدوه إلا أخذه، فإنه وحده في الغار. ~~PageV01P516 ### | (فصل) # وأما قول الرافضي: ((الآية تدل على نقصه، لقوله تعالى: ( {لا تحزن إن ~~الله معنا} ((1) فإنه يدل على خوره، وقلة صبره، وعدم يقينه وعدم رضاه ~~بمساواته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وبقضاء الله وقدره)) . # فالجواب: أولا: أن هذا يناقض قولكم: ((إنه استصحبه حذرا منه لئلا يظهر ~~أمره)) فإنه إذا كان عدوه، وكان مبطنا لعداه الذين يطلبونه، كان ينبغي أن ~~يفرح ويسر ويطمئن إذا جاءه العدو. وأيضا فالعدو قد جاءوا ومشوا فوق الغار، ~~فكان ينبغي أن ينذرهم به. # وأيضا فكان الذي يأتيه بأخبار قريش ابنه عبد الله، فكان يمكنه أن يأمر ~~ابنه أن يخبر بهم قريشا. # وأيضا فغلامه عامر بن فهيرة هو الذي كان معه رواحلهما، فكان يمكنه أن ~~يقول لغلامه: أخبرهم به. # فكلامهم في هذا يبطل قولهم: إنه كان منافقا، ويثبت أنه كان مؤمنا به. # واعلم أنه ليس في المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، ~~لأن أحدا لم يهاجر إلا باختياره، والكافر بمكة لم يكن يختار الهجرة، ~~ومفارقة وطنه وأهله بنصر عدوه. # وإذا كان هذا الإيمان يستلزم إيمانه، فمعلوم أن الرسول لا ms493 يختار لمصاحبته ~~في سفر هجرته، الذي هو أعظم الأسفار خوفا، وهو السفر الذي جعل مبدأ التاريخ ~~لجلالة قدره في النفوس، ولظهور أمره؛ فإن التاريخ لا يكون إلا بأمر ظاهر ~~معلوم لعامة الناس - لا يستصحب الرسول فيه من يختص بصحبته، إلا وهو من أعظم ~~الناس طمأنينة إليه، ووثوقا به. # ويكفي هذا في فضائل الصديق، وتمييزه على غيره، وهذا من فضائل الصديق التي ~~لم يشركه فيها غيره، ومما يدل على أنه أفضل أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عنده. ### | (فصل) # وأما قوله: ((إنه يدل على نقصه)) . # فنقول: أولا: النقص نوعان: نقص ينافي إيمانه، ونقص عمن هو أكمل منه. ~~PageV01P517 # فإن أراد الأول، فهو باطل. فإن الله تعالى قال لنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -: ( {ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون} ((1) . # وقال للمؤمنين عامة: { (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} (2) . # وقال: { (ولقد أتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم * لا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم} ((3) . فقد نهى نبيه عن الحزن ~~في غير موضع، ونهى المؤمنين جملة، فعلم أن ذلك لا ينافي الإيمان. # وإن أراد بذلك أنه ناقص عمن هو أكمل منه، فلا ريب أن حال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أكمل من حال أبي بكر. وهذا لا ينازع فيه أحد من أهل ~~السنة. ولكن ليس في هذا ما يدل على أن عليا أو عثمان أو عمر أو غيرهم أفضل ~~منه، لأنهم لم يكونوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحال، ولو ~~كانوا معه لم يعلم حالهم يكون أكمل من حال الصديق، بل المعروف من حالهم ~~دائما وحاله، أنهم وقت المخاوف يكون الصديق أكمل منهم كلهم يقينا وصبرا، ~~وعند وجود أسباب الريب يكون الصديق أعظم يقينا وطمأنينة، وعندما يتأذى منه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون الصديق أتبعهم لمرضاته، وأبعدهم عما ~~يؤذيه. # هذا هو المعلوم لكل من استقرأ أحوالهم في محيا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وبعد وفاته. # وأيضا فقصة يوم بدر في العريش، ms494 ويوم الحديبية في طمأنينته وسكينته ~~معروفة، برز ذلك على سائر الصحابة، فكيف ينسب إلى الجزع؟! # وأيضا فقيامه بقتال المرتدين ومانعي الزكاة، وتثبيت المؤمنين، مع تجهيز ~~أسامة، مما يبين أنه أعظم الناس طمأنينة ويقينا. # والسنى لا ينازع في فضله على عمر وعثمان، ولكن الرافضي الذي ادعى أن عليا ~~كان أكمل من الثلاثة في هذه الصفات دعواه بهت وكذب وفرية؛ فإن من تدبر سيرة ~~عمر وعثمان علم أنهما كانا في الصبر والثابت وقلة الجزع في المصائب أكمل من ~~علي، فعثمان حاصروه وطلبوا خلعه من الخلافة أو قتله، ولم يزالوا به حتى ~~قتلوه، وهو يمنع الناس من مقاتلتهم، إلى أن قتل شهيدا، وما دافع عن نفسه. ~~فهل هذا إلا من أعظم الصبر على المصائب؟! PageV01P518 # ومعلوم أن عليا لم يكن صبره كصبر عثمان، بل كان يحصل له من إظهار التأذي ~~من عسكره الذين يقاتلون معه، ومن العسكر الذين يقاتلهم، ما لم يكن يظهر ~~مثله، لا من أبي بكر ولا عمر ولا عثمان. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((إن الآية تدل على خوره وقلة صبره، وعدم يقينه بالله، وعدم ~~رضاه بمساواته للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وبقضاء الله وقدره)) . # فهذا كله: كذب منه ظاهر، ليس في الآية ما يدل على هذا. وذلك من وجهين: # أحدهما: أن النهي عن الشيء لا يدل على وقوعه، بل يدل على أنه ممنوع منه، ~~لئلا يقع فيما بعد، كقوله تعالى: { (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين} (1) ، فهذا لا يدل على أنه كان يطيعهم. # الثاني: أنه بتقدير أن يكون حزن، فكان حزنه على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لئلا يقتل فيذهب الإسلام، وكان يود أن يفدي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة، كان يمشي أمامه تارة، وراءه ~~تارة، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال: ((أذكر الرصد ~~فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون وراءك)) رواه أحمد. # وحينئذ لم يكن يرضى بمساواة النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا بالمعنى ~~الذي أراده الكاذب المفتري ms495 عليه: أنه لم يرض بأن يموتا جميعا، بل كان لا ~~يرضى بأن يقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعيش هو، بل كان يختار أن ~~يفديه بنفسه وأهله وماله. # وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك. قال تعالى: { (النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ((2) . وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده ~~والناس أجمعين)) (3) وحزنه على النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على كمال ~~موالاته ومحبته، ونصحه له، واحتراسه عليه، وذبه عنه، ودفع الأذى عنه. وهذا ~~من أعظم الإيمان. # (فصل) # وأما قوله: ((إنه يدل على قلة صبره)) . # فباطل، بل ولا يدل على انعدام شيء من الصبر المأمور به، فإن الصبر على ~~المصائب PageV01P519 # واجب بالكتاب والسنة، ومع هذا فحزن القلب لا ينافي ذلك. # كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله لا يؤاخذ على دمع العين، ولا ~~على حزن القلب، ولكن يؤاخذ على هذا - يعني اللسان - أو يرحم)) (1) . # وقوله: ((إنه يدل على عدم يقينه بالله)) . # كذب وبهت؛ فإن الأنبياء قد حزنوا، ولم يكن ذلك دليلا على عدم يقينهم ~~بالله، كما ذكر الله عن يعقوب. وثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما مات ابنه إبراهيم قال: ((تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ~~ما يرضي الرب، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون)) (2) . # وقد نهى الله عن الحزن نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ( {ولا تحزن ~~عليهم (} (3) . # وكذلك قوله: ((يدل على الخور وعدم الرضا بقضاء الله وقدره)) . هو باطل، ~~كما تقدم نظائره. ### | ### | (فصل) # # وقو له: ((وإن كان الحزن طاعة استحال نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عنه، وإن كان معصية كان ما ادعوه فضيلة رذيلة)) . # والجواب: أولا: أنه لم يدع أحد أن مجرد الحزن كان هو الفضيلة، بل الفضيلة ~~ما دل عليه قوله تعالى: { (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن ms496 الله معنا (} (4) . # فالفضيلة كونه هو الذي خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه ~~الحال، واختص بصحبته، وكان له كمال الصحبة مطلقا، وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - له: ((أن الله معنا)) وما يتضمنه ذلك من كمال موافقته للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، ومحبته وطمأنينته، وكمال معونته للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وموالاته، ففي هذه الحال من كمال إيمانه وتقواه ما هو الفضيلة. # وكمال محبته ونصره للنبي - صلى الله عليه وسلم - هو الموجب لحزنه، إن كان ~~حزن، مع أن القرآن لم يدل PageV01P520 # على أنه حزن كما تقدم. # ويقال: ثانيا: هذا بعينه موجود في قوله عز وجل لنبيه: (ولا تحزن عليهم ~~ولا تك في ضيق مما يمكرون} ((1) ، وقوله: ( {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم ولا تحزن عليهم (} (2) ونحو ذلك، بل في قوله تعالى لموسى: ( ~~{خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى} ((3) . # فيقال: إنه أثمر أن يطمئن ويثبت، لأن الخوف يحصل بغير اختيار العبد، إذا ~~لم يكن له ما يوجب الأمن، فإذا حصل ما يوجب الأمن زال الخوف. # وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لصديقه: ( {لا تحزن إن الله ~~معنا} نهي عن الحزن مقرون بما يوجب زواله، وهو قوله: {إن الله معنا} وإذا ~~حصل الخبر بما يوجب زوال الحزن والخوف زال، وإلا فهو يهجم على الإنسان بغير ~~اختياره. # ويقال: ثالثا: ليس في نهيه عن الحزن ما يدل على وجوده كما تقدم، بل قد ~~ينهى عنه لئلا يوجد إذا وجد مقتضيه، وحينئذ فلا يضرنا كونه معصية لو وجد، ~~وإن وجد، فالنهي. قد يكون نهي تسلية وتعزية وتثبيت وإن لم يكن المنهي عنه ~~معصية بل قد يكون مما يحصل بغير اختيار المنهى، وقد يكون الحزن من هذا ~~الباب. # ويقال: رابعا: عامة عقلاء بني آدم إذا عاشر أحدهم الآخر مدة يتبين له ~~صداقته من عداوته، فالرسول يصحب أبا بكر بمكة بضع عشرة سنة، ولا يتبين له ~~هل هو صديقه أو عدوه، وهو يجتمع معه في دار الخوف؟! وهل هذا إلا قدح ms497 في ~~الرسول؟ # ثم يقال: جميع الناس كانوا يعرفون أنه أعظم أوليائه من حسن المبعث إلى ~~الموت فإنه أول من آمن به من الرجال الأحرار، ودعا غيره إلى الإيمان به حتى ~~آمنوا، وبذل أمواله في تخليص من كان آمن به من المستضعفين، مثل بلال وغيره، ~~وكان يخرج معه إلى الموسم فيدعو القبائل إلى الإيمان به، ويأتي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كل يوم إلى بيته: إما غدوة وإما عشية، وقد آذاه الكفار ~~على إيمانه، حتى خرج من مكة فلقيه ابن الدغنة أمير من أمراء العرب - سيد ~~القارة - وقال إلى أين؟ وقد تقدم حديثه، PageV01P521 # فهل يشك من له أدنى مسكة من عقل أن مثل هذا لا يفعله إلا من هو في غاية ~~الموالاة والمحبة للرسول ولما جاء به وأن موالاته ومحبته بلغت به إلى أن ~~يعادي قومه، ويصبر على أذاهم، وينفق أمواله على من يحتاج إليه من إخوانه ~~المؤمنين. # ولم يكن يحصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - أذى قط من أبى بكر مع خلوته ~~به واجتماعه به ليلا ونهارا، وتمكنه مما يريد المخادع من إطعام سم، أو قتل ~~أو غير ذلك. # وأيضا فكان حفظ الله لرسوله وحمايته له يوجب أن يطلعه على ضميره السيئ، ~~لو كان مضمرا له سوءا، وهو قد أطلعه الله على ما في نفس أبي عزة لما جاء ~~مظهرا للإيمان بنية الفتك به، وكان ذلك في قعدة واحدة، وكذلك أطلعه على ما ~~في نفس عمير بن وهب لما جاء من مكة مظهرا للإسلام يريد الفتك به، وأطلعه ~~الله على المنافقين في غزوة تبوك، لما أرادوا أن يحلوا حزام ناقته. # وأبو بكر معه دائما ليلا ونهارا، حضرا وسفرا، في خلوته وظهوره. ويوم بدر ~~يكون معه وحده في العريش، ويكون في قلبه ضمير سيئ، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يعلم ضمير ذلك قط، ومن له أدنى نوع فطنة يعلم ذلك في أقل من هذا ~~الاجتماع، فهل يظن ذلك بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصديقه إلا من هو - ~~مع فرط جهله ms498 وكمال نقص عقله - من أعظم الناس تنقصا للرسول، وطعنا فيه، ~~وقدحا في معرفته؟ فإن كان هذا الجاهل - مع ذلك - محبا للرسول، فمن له أدنى ~~خبرة بدين الإسلام يعلم أن مذهب الرافضة مناقض له (1) . ### | ### | (فصل) # # وأما قول الرافضي: إن القرآن حيث ذكر إنزال السكينة على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - شرك معه المؤمنين إلا في هذا الموضع، ولا نقص أعظم منه. # فالجواب: أولا: أن هذا يوهم أنه ذكر ذلك في مواضع متعددة، وليس كذلك، بل ~~لم يذكر ذلك إلا في قصة حنين. # كما قال تعالى: { (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على ~~PageV01P522 # رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها} ((1) فذكر إنزال السكينة على ~~الرسول والمؤمنين، بعد أن ذكر توليتهم مدبرين. # وقد ذكر إنزال السكينة على المؤمنين وليس معهم الرسول في قوله: { ((إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا} ((2) إلى قوله: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين} ((3) الآية، وقوله: { (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم (} (4) . # ويقال: ثانيا: الناس قد تنازعوا في عود الضمير في قوله تعالى: {فأنزل ~~الله سكينته عليه} ((5) . فمنهم من قال: إنه عائد إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ومنهم من قال: إنه عائد إلى أبي بكر، لأنه أقرب المذكورين، ولأنه كان ~~محتاجا إلى إنزال السكينة، فأنزل السكينة عليه، كما أنزلها على المؤمنين ~~الذين بايعوه تحت الشجرة. # والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان مستغنيا عنها في هذه الحال لكمال ~~طمأنينته، بخلاف إنزالها يوم حنين، فإنه كان محتاجا إليها لانهزام جمهور ~~أصحابه، وإقبال العدو نحوه، وسوقه ببغلته إلى العدو. # وعلى القول الأول فيكون الضمير عائدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~كما عاد الضمير إليه في قوله: { (وأيده بجنود لم تروها (} (6) . ولأن سياق ~~الكلام كان في ذكره، وإنما ذكر صاحبه ضمنا وتبعا. # لكن يقال: على هذا لما قال لصاحبه: {إن الله معنا} والنبي - صلى الله ms499 ~~عليه وسلم - هو المتبوع المطاع، وأبو بكر تابع مطيع، وهو صاحبه، والله ~~معهما، فإذا حصل للمتبوع في هذه الحال سكينة وتأييد، كان ذلك للتابع أيضا ~~بحكم الحال، فإنه صاحب تابع لازم، ولم يحتج أن يذكر هنا أبو بكر لكمال ~~الملازمة والمصاحبة، التي توجب مشاركة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التأييد. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأما قوله: ( {وسيجنبها الأتقى} (7) ، فإن المراد به أبو ~~الدحداح حيث اشترى نخلة لشخص لأجل جاره، وقد عرض النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على صاحب النخلة نخلة في الجنة، فسمع أبو الدحداح، فاشتراها ببستان ~~له ووهبها له الجار، فجعل النبي - PageV01P523 # صلى الله عليه وسلم - له بستانا عوضا في الجنة)) . # والجواب: أن يقال: لا يجوز أن تكون هذه الآية مختصة بأبي الدحداح دون أبي ~~بكر باتفاق أهل العلم بالقرآن وتفسيره وأسباب نزوله، وذلك أن هذه السورة ~~مكية باتفاق العلماء. وقصة أبي الدحداح كانت بالمدينة باتفاق العلماء؛ فإنه ~~من الأنصار، والأنصار إنما صحبوه بالمدينة، ولم تكن البساتين - وهي الحدائق ~~التي تسمى بالحيطان - إلا بالمدينة، فمن الممتنع أن تكون الآية لم تنزل إلا ~~بعد قصة أبي الدحداح، بل إن كان قد قال بعض العلماء: إنها نزلت # فيه، فمعناه أنه ممن دخل في الآية في كذا)) ويكون المراد بذلك أنها دلت ~~على هذا الحكم وتناولته، وأريد بها هذا الحكم. # ومنهم من يقول: بل قد تنزل الآية مرتين: مرة لهذا السبب، ومرة لهذا ~~السبب. # فعلى قول هؤلاء يمكن أنها نزلت مرة ثانية في قصة أبي الدحداح، وإلا فلا ~~خلاف بين أهل العلم أنها نزلت بمكة قبل أن يسلم أبو الدحداح، وقبل أن يهاجر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في قصة أبي بكر. فذكر ابن جرير ~~في تفسيره بإسناده عن عبد الله بن الزبير وغيره أنها نزلت في أبي بكر. # وكذلك ذكره ابن أبي حاتم - والثعلبي - أنها نزلت في أبي بكر عن عبد الله ~~وعن سعيد بن المسيب. # ويدل على أنها نزلت في ms500 أبي بكر وجوه: # أحدها: أنه قال: ( {وسيجنبها الأتقى} (1) ، وقال: {إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم} (2) . فلا بد أن يكون أتقى الأمة داخلا في هذه الآية، وهو أكرمهم ~~عند الله، ولم يقل أحد: إن أبا الدحداح ونحوه أفضل وأكرم من السابقين ~~الأولين من المهاجرين. # الوجه الثاني: أنه إذا كان الأتقى هو الذي يؤتي ماله يتزكى، وأكرم الخلق ~~أتقاهم، كان هذا أفضل الناس. والقولان المشهوران في هذه الآية: قول أهل ~~السنة أن أفضل الخلق أبو بكر، وقول PageV01P524 # الشيعة علي، فلم يجز أن يكون الأتقى الذي هو أكرم الخلق على الله واحدا ~~غيرهما، وليس منهما واحد يدخل في الأتقى، وإذا ثبت أنه لا بد من دخول ~~أحدهما في ((الأتقى)) وجب أن يكون أبا بكر داخلا في الآية، ويكون أولى بذلك ~~من علي لأسباب: # أحدها: أنه قال: ( {الذي يؤتي ماله يتزكى} (1) . وقد ثبت في النقل ~~المتواتر - في الصحاح وغيرها - أن أبا بكر أنفق ماله، وأنه مقدم في ذلك على ~~جميع الصحابة. # وأما علي فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمونه لما أخذه من أبي طالب ~~لمجاعة حصلت في بمكة، وما زال علي فقيرا حتى تزوج بفاطمة وهو فقير. وهذا ~~مشهور معروف عند أهل السنة والشيعة، وكان في عيال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، لم يكن له ما ينفقه، ولو كان له مال لأنفقه، لكنه كان منفقا عليه ~~لا منفقا. # السبب الثاني: قوله: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى} (2) . وهذه لأبي بكر ~~دون علي، لأن أبا بكر كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - عنده نعمة الإيمان ~~أن هداه الله به، وتلك النعمة لا يجزى بها الخلق، بل أجر الرسول فيها على ~~الله، كما قال تعالى: {قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين} (3) ~~، وقال: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله} (4) . # وأما النعمة التي يجزى بها الخلق فهي نعمة الدنيا، وأبو بكر لم تكن للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عنده نعمة الدنيا، بل نعمة دين، بخلاف علي، فإنه ~~كان ms501 للنبي - صلى الله عليه وسلم - عنده نعمة دنيا يمكن أن تجزى. # الثالث: أن الصديق لم يكن بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - سبب ~~يواليه لأجله، ويخرج ماله، إلا الإيمان، ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل ~~القرابة، وكان عمله كاملا في إخلاصه لله تعالى، كما قال: { (إلا ابتغاء وجه ~~ربه الأعلى * ولسوف يرضى (} ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأما قوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب} (5) . فإنه ~~أراد الذين تخلفوا عن الحديبية. والتمس هؤلاء أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر، # فمنعهم الله تعالى PageV01P525 # بقوله: { ((قل لن تتبعونا (} (1) ، لأنه تعالى جعل غنيمة خيبر لمن شهد ~~الحديبية. ثم قال تعالى: { (( (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي ~~بأس شديد} ((2) . وقد دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوات ~~كثيرة كمؤتة وحنين وتبوك وغيرها، وكان الداعي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وأيضا جاز أن يكون عليا قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وكان ~~رجوعهم إلى طاعته إسلاما، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا علي حربك ~~حربي، وحرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر)) . # فالجواب: أما الاستدلال بهذه الآية على خلافة الصديق ووجوب طاعته، فقد ~~استدل بها طائفة من أهل العلم، منهم الشافعي والأشعري وابن حزم وغيرهم. ~~واحتجوا بأن الله تعالى قال: { (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا (} (3) قالوا: فقد أمر ~~الله رسوله أن يقول لهؤلاء: لن تخرجوا معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا، ~~فعلم أن الداعي لهم إلى القتال ليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجب ~~أن يكون من بعده، وليس إلا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، الذين دعوا الناس ~~إلى قتال فارس والروم وغيرهم أو يسلمون، حيث قال: {تقاتلونهم أو يسلمون} . # فوجه الاستدلال من الآية أن يقال قوله تعالى: { (ستدعون إلى قوم أولي بأس ~~شديد تقاتلونهم أو يسلمون (} (4) يدل على أنهم متصفون بأنهم أولو بأس شديد، ~~وبأنهم يقاتلون أو يسلمون. قالوا: فلا يجوز أن يكون دعاهم إلى قتال أهل ms502 مكة ~~وهوازن عقيب عام الفتح، لأن هؤلاء هم الذين دعوا إليهم عام الحديبية، ومن ~~لم يكن منهم فهو من جنسهم، ليس هو أشد بأسا منهم، كلهم عرب من أهل الحجاز، ~~وقتالهم من جنس واحد، وأهل مكة ومن حولها كانوا أشد بأسا وقتالا للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يوم بدر وأحد والخندق من أولئك، وكذلك في غير ~~ذلك من السرايا. # وما ذكره في الحديث من قوله ((حربك حربي)) لم يذكر له إسنادا، فلا يقوم ~~به حجة، فكيف وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. PageV01P526 # وأما قول الرافضي: ((إن الداعي جاز أن يكون عليا - دون من قبله من ~~الخلفاء - لما قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)) يعني: أهل الجمل وصفين ~~والحرورية والخوارج. # فيقال له: هذا باطل قطعا من وجوه: # أحدها: أن هؤلاء لم يكونوا أشد بأسا من بني جنسهم، بل معلوم أن الذين ~~قاتلوه يوم الجمل كانوا أقل من عسكره، وجيشه كانوا أكثر منهم. # وكذلك الخوارج كان جيشه أضعافهم، وكذلك أهل صفين كان جيشه أكثر منهم، ~~وكانوا من جنسهم، فلم يكن في وصفهم بأنهم أولو بأس شديد ما يوجب امتيازهم ~~عن غيرهم. # ومعلوم أن بني حنيفة وفارس والروم كانوا في القتال أشد بأسا من هؤلاء ~~بكثير، ولم يحصل في أصحاب علي من الخوارج من استحرار القتل ما حصل في جيش ~~الصديق، الذين قاتلوا أصحاب مسيلمة. وأما فارس والروم فلا يشك عاقل أن ~~قتالهم كان أشد من قتال المسلمين العرب بعضهم بعضا، وإن كان قتال العرب ~~للكفار في أول الإسلام كان أفضل وأعظم، فذاك لقلة المؤمنين وضعفهم في أول ~~الأمر، لا أن عدوهم كان أشد بأسا من فارس والروم. # الوجه الثاني: أن عليا لم يدع ناسا بعيدين منه إلى قتال أهل الجمل وقتال ~~الخوارج، ولما قدم البصرة لم يكن في نيته قتال أحد، بل وقع القتال بغير ~~اختيار منه ومن طلحة والزبير. وأما الخوارج فكان بعض عسكره يكفيهم، لم يدع ~~أحدا إليهم من أعراب الحجاز. # الثالث: أنه لو قدر أن عليا تجب طاعته في ms503 قتال هؤلاء، فمن الممتنع أن ~~يأمر الله بطاعة من يقاتل أهل الصلاة لردهم إلى طاعة ولي الأمر، ولا يأمر ~~بطاعة من يقاتل الكفار ليؤمنوا بالله ورسوله. # ومعلوم أن من خرج من طاعة علي ليس بأبعد عن الإيمان بالله ورسوله ممن كذب ~~الرسول والقرآن، ولم يقر بشيء مما جاء به الرسول، بل هؤلاء أعظم ذنبا، ~~ودعاؤهم إلى الإسلام أفضل، وقتالهم أفضل، وإن قدر أن الذين قاتلوا عليا ~~كفار. # وإن قيل: هم مرتدون، كما تقوله الرافضة. # فمعلوم أن من كانت ردته إلى أن يؤمن # PageV01P527 # برسول آخر غير محمد، كأتباع مسيلمة الكذاب، فهو أعظم ردة ممن لم يقر ~~بطاعة الإمام، مع إيمانه بالرسول. # فبكل حال لا يذكر ذنب لمن قاتله علي إلا وذنب من قاتله الثلاثة أعظم، ولا ~~يذكر فضل ولا ثواب لمن قاتل مع علي إلا والفضل والثواب لمن قاتل مع الثلاثة ~~أعظم. # هذا بتقدير أن يكون من قاتله علي كافرا. ومعلوم أن هذا قول باطل، لا ~~يقوله إلا حثالة الشيعة، وإلا فعقلاؤهم لا يقولون ذلك. وقد علم بالتواتر عن ~~علي وأهل بيته أنهم لم يكونوا يكفرون من قاتل عليا. وهذا كله إذا سلم أن ~~ذلك القتال كان مأمورا به. كيف وقد عرف نزاع الصحابة والعلماء بعدهم في هذا ~~القتال: هل كان من باب قتال البغاة الذي وجد في شرط وجوبه القتال فيه، أم ~~لم يكن من ذلك لانتفاء الشرط الموجب للقتال؟! # والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من ~~القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدوه قتال فتنة. # وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء. # الوجه الرابع: أن الآية لا تتناول القتال مع علي قطعا لأنه قال: ~~{تقاتلونهم أو يسلمون} فوصفهم بأنهم لا بد فيهم من أحد أمرين: المقاتلة، أو ~~الإسلام، ومعلوم أن الذين دعا إليهم علي فيهم خلق لم يقاتلوه ألبتة، بل ~~تركوا قتاله فلم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، فكانوا صنفا ثالثا: لا قاتلوه ~~ولا قاتلوا معه ولا أطاعوه، وكلهم مسلمون، ms504 وقد دل على إسلامهم القرآن ~~والسنة وإجماع الصحابة: علي وغيره. # قال تعالى: { (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} (1) ، فوصفهم ~~بالإيمان مع الاقتتال والبغي، وأخبر أنهم إخوة وأن الأخوة لا تكون إلا بين ~~المؤمنين، لا بين مؤمن وكافر. # وأما تكفير هذا الرافضي وأمثاله لهم، وجعل رجوعهم إلى طاعة علي إسلاما، ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما زعمه - يا علي حربك حربي. PageV01P528 # فيقال: من العجائب وأعظم المصائب على هؤلاء المخذولين أن يثبتوا مثل هذا ~~الأصل العظيم، بمثل هذا الحديث الذي لا يوجد في شيء من دواوين أهل الحديث ~~التي يعتمدون عليها، لا هو في الصحاح ولا في السنن ولا المسانيد ولا ~~الفوائد، ولا غير ذلك مما يتناقله أهل العلم بالحديث ويتداولونه بينهم، ولا ~~هو عندهم لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، بل هو أخس من ذلك، وهو من أظهر ~~الموضوعات كذبا، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من سنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: من أنه جعل الطائفتين مسلمين، وأنه جعل ترك القتال في تلك ~~الفتنة خيرا من القتال فيها، وأنه أثنى على من أصلح به بين الطائفتين. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأما كونه أنيسه في العريش يوم بدر فلا فضل فيه، لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أنسه بالله مغنيا له عن كل أنيس، لكن لما ~~عرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمره لأبي بكر بالقتال يؤدي إلى فساد ~~الحال، حيث هرب عدة مرار في غزواته، وأيما أفضل: القاعد عن القتال، أو ~~المجاهد بنفسه في سبيل الله؟)) . # الجواب: أن يقال: لهذا المفتري الكذاب ما ذكرته من أظهر الباطل من وجوه. # أحدها: أن قوله: ((هرب عدة مرار في غزواته)) . يقال له: هذا الكلام يدل ~~على أن قائله من أجهل الناس بمغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأحواله، والجهل بذلك غير منكر من الرافضة؛ فإنهم من أجهل ms505 الناس بأحوال ~~الرسول، وأعظمهم تصديقا بالكذب فيها، وتكذيبا بالصدق منها. # وذلك أن غزوة بدر هي أول مغازي القتال، لم يكن قبلها لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا لأبي بكر غزاة مع الكفار أصلا. # الثاني: أن أبا بكر رضي الله عنه لم يهرب قط، حتى يوم أحد لم ينهزم لا هو ~~ولا عمر، وإنما عثمان تولى، وكان من عفا الله عنه. وأما أبو بكر وعمر فلم ~~يقل أحد قط: إنهما انهزما مع من انهزم، بل ثبتا مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم حنين، كما تقدم ذلك عن أهل السيرة، لكن بعض الكذابين ذكر أنهما ~~أخذا # الراية يوم حنين، فرجعا ولم يفتح عليهما. ومنهم من يزيد في الكذب # PageV01P529 # ويقول: إنهما انهزما مع من انهزم، وهذا كذب كله. # الثالث: أنه لو كان في الجبن بهذه الحال لم يخصه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - دون أصحابه بأن يكون معه في العريش، بل لا يجوز استصحاب مثل هذا في ~~الغزو، فإنه لا ينبغي للإمام أن يستصحب مخذلا ولا مرجفا، فضلا عن أن يقدم ~~على سائر أصحابه، ويجعله معه في عريشه. # الرابع: أن يقال: قد علم كل من علم السيرة أن أبا بكر كان أقوى قلبا من ~~جميع الصحابة، لا يقاربه في ذلك أحد منهم، فإنه من حين بعث الله رسوله إلى ~~أن مات أبو بكر لم يزل مجاهدا ثابتا مقداما شجاعا، لم يعرف قط أنه جبن عن ~~قتال عدو، بل لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعفت قلوب أكثر ~~الصحابة، وكان هو الذي يثبتهم، حتى قال أنس: ((خطبنا أبو بكر ونحن ~~كالثعالب، فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود)) . # وروى أن عمر قال: يا خليفة رسول الله تألف الناس: فأخذ بلحيته وقال: يا ~~ابن الخطاب: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟! علام أتألفهم: على حديث ~~مفترى أم على شعر مفتعل؟! # السادس: قوله: ((أيما أفضل: القاعد عن القتال أو المجاهد بنفسه في سبيل ~~الله؟)) . # فيقال: بل كونه مع النبي - صلى الله عليه وسلم ms506 - في هذه الحال هو من أفضل ~~الجهاد؛ فإنه هو الذي كان العدو يقصده، فكان ثلث العسكر حوله يحفظونه من ~~العدو، وثلثه اتبع المنهزمين، وثلثه أخذوا الغنائم. ثم إن الله قسمها بينهم ~~كلهم. # السابع: قوله: ((إن أنس النبي - صلى الله عليه وسلم - بربه كان مغنيا له ~~عن كل أنيس)) . # فيقال: قول القائل: إنه كان أنيسه في العريش، ليس هو من ألفاظ القرآن ~~والحديث. ومن قاله، وهو يدري ما يقول، لم يرد به أنه يؤنسه لئلا يستوحش، بل ~~المراد أنه كان يعاونه على القتال، كما كان من هو دونه يعاونه على القتال. # ففضيلة الصديق مختصة به لم يشركه فيها غيره، وفضيلة علي مشتركة بينه وبين ~~سائر الصحابة، رضي الله عنهم أجمعين. # الوجه الثامن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأبو بكر - خرجا بعد ~~ذلك من العريش، ورماهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الرمية التي قال الله ~~فيها: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} (1) PageV01P530 # والصديق قاتلهم حتى قال له ابنه عبد الرحمن: قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك. ~~فقال: لكني لو رأيتك لقتلتك. ### | ### | (فصل) # # قال الرافضي: ((وأما إنفاقه على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكذب، لأنه ~~لم يكن ذا مال، فإن أباه كان فقيرا في الغاية، وكان ينادى على مائدة عبد ~~الله بن جدعان كل يوم بمد يقتات به، ولو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه. وكان ~~أبو بكر معلما للصبيان في الجاهلية، وفي الإسلام كان خياطا، ولما ولي أمر ~~المسلمين منعه الناس عن الخياطة، فقال: إني محتاج إلى القوت، فجعلوا له كل ~~يوم ثلاثة دراهم من بيت المال)) . # والجواب: أن يقال: أولا: من أعظم الظلم والبهتان أن ينكر الرجل ما تواتر ~~به النقل، وشاع بين الخاص والعام، وامتلأت به الكتب: كتب الحديث الصحاح، ~~والمسانيد والتفسير، والفقه، والكتب المصنفة في أخبار القوم وفضائلهم، ثم ~~يدعي شيئا من المنقولات التي لا تعلم إلا بمجرد قوله، ولا ينقله بإسناد ~~معروف ولا أضافه إلى كتاب يعرف يوثق به، ولا يذكر ما قاله. فلو ms507 قدرنا أنه ~~ناظر أجهل الخلق لأمكنه أن يقول له: بل الذي ذكرت هو الكذب، والذي قاله ~~منازعوك هو الصدق، فكيف تخبر عن أمر كان بلا حجة أصلا، ولا نقل يعرف به ~~ذلك؟ ومن الذي نقل من الثقات ما ذكره عن أبي بكر؟ # ثم يقال: أما إنفاق أبي بكر ماله، فمتواتر منقول في الحديث الصحيح من ~~وجوه كثيرة. حتى قال: ((ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر)) (1) . # وقال: ((إن أمن الناس علينا في صحبته وذات يده أبو بكر)) (2) . وثبت عنه ~~أنه اشترى المعذبين من ماله: بلالا، وعامر بن فهيرة، اشترى سبعة أنفس. # وأما قول القائل: ((إن أباه كان ينادى على مائدة عبد الله بن جدعان)) . # فهذا لم يذكر له إسنادا يعرف به صحته، ولو ثبت لم يضر؛ فإن هذا كان في ~~الجاهلية قبل الإسلام، فإن ابن جدعان مات قبل الإسلام. وأما في الإسلام ~~فكان لأبي قحافة ما يغنيه، PageV01P531 # ولم يعرف قط أن أبا قحافة كان يسأل الناس، وقد عاش أبو قحافة إلى أن مات ~~أبو بكر، وورث السدس، فرده على أولاده لغناه عنه. # وقوله: إن أبا بكر كان معلما للصبيان في الجاهلية. # فهذا: من المنقول الذي لو كان صدقا لم يقدح فيه، بل يدل على أنه كان عنده ~~علم ومعرفة. # ولكن كلام الرافضة من جنس كلام المشركين الجاهلية، يتعصبون للنسب ~~والآباء، لا للدين، ويعيبون الإنسان بما لا ينقص إيمانه وتقواه. وكل هذا من ~~فعل الجاهلية، ولهذا كانت الجاهلية ظاهرة عليهم، فهم يشبهون الكفار من وجوه ~~خالفوا بها أهل الإيمان والإسلام. # وقوله: ((إن الصديق كان خياطا في الإسلام، ولما ولي أمر المسلمين منعه ~~الناس عن الخياطة)) . # كذب ظاهر، يعرف كل أحد أنه كذب، وإن كان لا غضاضة فيه لو كان حقا؛ فإن ~~أبا بكر لم يكن خياطا، وإنما كان تاجرا، تارة يسافر في تجارته، وتارة لا ~~يسافر. وقد سافر إلى الشام في تجارته في الإسلام. والتجارة كانت أفضل مكاسب ~~قريش، وكان خيار أهل الأموال منهم أهل التجارة، وكانت العرب تعرفهم ms508 ~~بالتجارة. ولما ولي أراد أن يتجر لعياله، فمنعه المسلمون، وقالوا: هذا ~~يشغلك عن مصالح المسلمين. ### | (فصل) # وقوله: ((كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة غنيا بمال خديجة، ~~ولم يحتج إلى الحرب)) . # والجواب: أن إنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في طعامه وكسوته؛ فإن الله قد أغنى رسوله عن مال الخلق أجمعين، بل كان ~~معونة له على إقامة الإيمان، فكان إنفاقه فيما يحبه الله ورسوله، لا نفقة ~~على نفس الرسول، فاشترى المعذبين، مثل بلال، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، ~~وجماعة. ### | (فصل) # وقوله: ((وبعد الهجرة لم يكن لأبي بكر شيء ألبتة)) . # فهذا. كذب ظاهر، بل كان يعين النبي - صلى الله عليه وسلم - بماله، وقد حث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة، فجاء بماله كله، وأصحاب الصفة ~~كانوا فقراء، فحث النبي - صلى الله عليه وسلم - على طعمتهم، فذهب بثلاثة، ~~كما في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: إن أصحاب الصفة كانوا ناسا ~~فقراء، وأن # PageV01P532 # النبي - صلى الله عليه وسلم - قال مرة: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب ~~بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس وسادس - أو كما قال - وإن أبا ~~بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبي الله - صلى الله عليه وسلم - بعشرة، وذكر ~~الحديث (1) . ### | (فصل) # وأما قوله: ((ثم لو أنفق لوجب أن ينزل فيه قرآن، كما أنزل في علي: {هل ~~أتى} # والجواب: أما نزول: {هل أتى} في علي، فمما اتفق أهل العلم بالحديث على ~~أنه كذب موضوع، وإنما يذكره من المفسرين من جرت عادته بذكر أشياء من ~~الموضوعات. # والدليل الظاهر على أنه كذب: أن سورة {هل أتى} مكية باتفاق الناس، نزلت ~~قبل الهجرة، وقبل أن يتزوج علي بفاطمة، ويولد الحسن والحسين، وقد بسط ~~الكلام على هذه القضية في غير موضع، ولم ينزل قط قرآن في إنفاق علي بخصوصه، ~~لأنه لم يكن له مال، بل كان قبل الهجرة في عيال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وبعد الهجرة كان أحيانا يؤجر نفسه: كل دلو بتمرة، ولما ms509 # تزوج بفاطمة لم يكن له مهر إلا درعه، وإنما أنفق على العرس ما حصل له من ~~غزوة بدر. # وأما الصديق رضي الله عنه فكل آية نزلت في مدح المنفقين في سبيل الله فهو ~~أول المرادين بها من الأمة، مثل قوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} (2) ، وأبو ~~بكر أفضل هؤلاء وأولهم. # وكذلك قوله: {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ~~وأنفسهم} (3) . # وقوله: { (وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ماله يتزكى} (4) ، فذكر المفسرون، ~~مثل ابن جرير الطبري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وغيرهما، بالأسانيد عن عروة ~~بن الزبير وعبد الله بن الزبيد وسعيد بن المسيب وغيرهم، أنها نزلت في أبي ~~بكر (5) . # (فصل) # قال الرافضي: ((وأما تقديمه في الصلاة فخطأ، لأن بلالا لما أذن بالصلاة، ~~أمرت عائشة PageV01P533 # أن يقدم أبا بكر، فلما أفاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع ~~التكبير، فقال: من يصلي بالناس، فقالوا: أبو بكر. فقال: أخرجوني، فخرج بين ~~علي والعباس، فنحاه عن القبلة، وعزله عن الصلاة، وتولى هو الصلاة)) . # والجواب: أن هذا من الكذب المعلوم عند جميع أهل العلم بالحديث. # ويقال له: أولا: من ذكر ما نقله بإسناد يوثق به وهل هذا إلا في كتب من ~~نقله مرسلا من الرافضة، الذين هم من أكذب الناس وأجهلهم بأحوال الرسول؟ مثل ~~المفيد بن النعمان، والكراجكي، وأمثالهما من الذين هم من أبعد الناس عن ~~معرفة حال الرسول وأقواله وأعماله. # ويقال: ثانيا: هذا كلام جاهل يظن أن أبا بكر لم يصل بهم إلا صلاة واحدة، ~~وأهل العلم يعلمون أنه لم يزل يصلي بهم حتى مات رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # بإذنه واستخلافه له في الصلاة، بعد أن راجعته عائشة وحفصة في ذلك، وصلى ~~بهم أياما متعددة. # وفي أول الأمر أرسل إليه رسلا فأمروه بذلك، ولم تكن عائشة هي المبلغة ~~لأمره، ولا قالت لأبيها: إنه أمره، كما زعم هؤلاء الرافضة المفترون. # فقول هؤلاء الكذابين: إن بلالا لما أذن أمرته عائشة ms510 أن يقدم أبا بكر، كذب ~~واضح: لم تأمره عائشة أن يقدم أبا بكر، ولم تأمره بشيء ولا أخذ بلال ذلك ~~عنها، بل هو الذي آذنه بالصلاة. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل من ~~حضره: لبلال وغيره: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس)) فلم يخص عائشة بالخطاب، ~~ولا سمع ذلك بلال منها. # وقوله: ((فلما أفاق سمع التكبير فقال: من يصلي بالناس؟ فقالوا: أبو بكر. ~~فقال: أخرجوني)) . # فهو كذب ظاهر؛ فإنه قد ثبت بالنصوص المستفيضة التي اتفق أهل العلم ~~بالحديث على صحتها أن أبا بكر صلى بهم أياما قبل خروجه، كما صلى بهم أياما ~~بعد خروجه، وأنه لم يصل بهم في مرضه غيره. # ثم يقال: من المعلوم المتواتر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرض أياما ~~متعددة، عجز فيها عن الصلاة بالناس أياما، فمن الذي كان يصلي بهم تلك ~~الأيام غير أبي بكر؟ ولم ينقل أحد قط: لا # PageV01P534 # صادق ولا كاذب: أنه صلى بهم غير أبي بكر، لا عمر ولا علي ولا غيرهما. وقد ~~صلوا جماعة، فعلم أن المصلي بهم كان أبا بكر. # ومن الممتنع أن يكون الرسول لم يعلم ذلك، ولم يستأذنه المسلمون فيه؛ فإن ~~مثل هذا ممتنع عادة وشرعا، فعلم أن ذلك كان بإذنه والله أعلم وصلى الله ~~وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وأزواجه ورضي الله عن أبي بكر وعمر وجميع ~~أصحاب نبيه أتم تسليم وأزكى صلاة وحشرنا الله في زمرتهم PageV01P535 ms511