######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الزيدية_قراءة في المشروع وبحث في المكونات #META# cat: الجوامع والمجلات ونحوها #META# bkid: 459 #META# الكتاب: الزيدية_قراءة في المشروع وبحث في المكونات #META# bkord: 404 #META# iso: الزيديه قراءه في المشروع وبحث في المكونات #META# comp: 1 #META# bk: الزيدية_قراءة في المشروع وبحث في المكونات #META# max: 139 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO الزيدية ..قراءة في المشروع وبحث في المكونات # تأليف # عبد الله بن محمد حميد الدين # 1420ه # مؤسسة الإمام زيد بن علي (ع) الثقافية PageV01P001 ### | AUTO كلمة شكر # أقدم خالص الشكر والامتنان لكل من أسهم في خروج هذا البحث بشكله الحالي ~~وأخص بالشكر سيدي الوالد العلامة بدر الدين الحوثي، وسيدي الوالد العلامة ~~عبد الرحمن شايم.. وغيرهم من الأفاضل. وأتحمل وحدي مسؤولية الآراء الواردة فيه ### | AUTO تصدير # هناك حاجة ماسة لتفعيل دور الفكر في حياة الناس لدى النخبة التي يفترض أن ~~تكون من أولويات مهامها رسم صورة المستقبل، وتقديم الرؤى والدراسات، وتحديد ~~مواضع القصور والخلل، والانتقال بالأمة من واقع مستسلم وساحة لتجارب ~~الآخرين إلى صاحبة فعل تصنع الحدث في ظل استقلالية كاملة. وهناك مشكلة أو ~~التباس حول موضوع تقديم الرؤى والأفكار لدى الوسط الفاعل في المجتمع بمختلف ~~توجهاته، فالبعض لا يزال يصر على تقديم نفسه من خلال شعارات عامة، ومجموعة ~~من الخطوات والإجراءات، أو من خلال مجموعة من المبادئ والمفاهيم الإسلامية ~~التي هي أقرب للشعارات منها للمفاهيم، مستغلا عمق التدين لدى الناس ليقدم ~~تلك الشعارات تحت مظلة عاطفية واسعة، هذا في حين أن الوضع الفكري والسياسي ~~المتخلف الذي كان نتيجة لقدوم النموذج الغربي الذي نزل في كل الأماكن ~~وتواجد على كل الساحات، وفي غياب النموذج الإسلامي الوطني كتجربة تراكمية ~~في الواقع ورؤية فكرية قد أدى إلى ضياع الهوية واختفاء الشخصية الوطنية ~~وتخبط في المشروع الثقافي جعل الخروج بمشروع سياسي تحتضنه دولة شبه أمر ~~مستحيل. وللأسف فإن هذا الوضع لم يدفع بتلك النخب الإسلامية والسياسية إلى ~~مراجعة التأريخ اليمني بكل تجاربه المتعددة والمتنوعة، واكتفت بالنظرة إليه ~~بسذاجة سياسية مبطنة بقطيعة غير مبررة، وفي الوقت الذي ينظر العالم فيه إلى ~~تأريخنا بجدية كبيرة، ويحاول التدقيق فيه لكي يعرف من خلاله طبيعة المجتمع ~~اليمني ومقوماته وخصائصه، حتى يمكنه PageV01P001 التعامل معه الدخول إليه وتفسير تصرفاته وتوجهاته في هذه اللحظة التي ~~يتعامل الآخرون معنا من خلال ماضينا وموروثنا الفكري والسياسي نجد أننا ~~نصنع بيننا وبينه قطيعة، ونضع جدارا ms001 أملسا بيننا وبين فهم أنفسنا، وأيضا ~~بيننا وبين الاستفادة من الثروة الفكرية لدينا. والدراسة القيمة التي يضعها ~~(مركز الرائد للدراسات والبحوث) بين أيديكم هي محاولة جادة في عرض مكثف ~~للمشروع الفكري والسياسي للزيدية، إضافة إلى قضايا أخرى تتعلق بهذه ~~الدراسة، مثل: سبب التسمية ب(الزيدية) والعلاقة بكل من الإمام زيد، وأهل ~~البيت، والمعتزلة، والفرق التي نسبت إلى الزيدية، أيضا فيه لمحة عن كل من ~~الزيدية المعاصرة وتأريخ المرحلة التأسيسية لها، مع ذكر لأهم مصادر هذا ~~الفكر، إضافة إلى مجموعة أخرى من القضايا، وقد شمل البحث مجموعة من ~~الإشارات لقضايا مهمة مثل: علاقة الثقافة والفكر وتأثيرهما على الواقع ~~الاجتماعي والسياسي، الطائفة والمدرسة الفكرية، سلبية المذهبية المعاصرة، ~~الموازنة بين ضرورة الاجتهاد لتجديد المعرفة وبين أهمية التقليد لاستقرار ~~التشريع، وغيرها. بعض هذه القضايا توسع فيها قليلا، والأخرى اكتفى بالإشارة ~~إليها. ولما كان الفكر الزيدي جزءا من مكونات المجتمع اليمني تأريخا ~~وحاضرا، حيث أنه حكم اليمن أكثر من ألف عام، فإن ممارسة القطيعة معه لن ~~تعمل إلا على تعزيز مشكلة فقدان الهوية التي نعاني منها، وبذلك فإن فهم هذا ~~الفكر على أي صفة كان، والتعمق في تجربته التأريخية مهما كان شكلها، وطرح ~~كل ما يتعلق بهذين الأمرين للحوار والنقاش والأخذ والرد والإضافة والحذف ~~والنقد والتقويم من الأهمية بمكان في عملية تشكيل هويتنا الوطنية، أما ~~والحال أنه كان فكرا إسلاميا منطلقا من مكانة العقل العالية في فهم الوجود، ~~وإدراك المصالح والمفاسد، وفهم الشريعة وتنزيلها إلى الواقع، وممارسا قدرا ~~كبيرا من القيم السياسية التي ننشدها جميعا، ونتطلع PageV01P002 إلى تفعيلها في واقعنا وطنا وأمة، أقول أما والحال ذلك فإنه يمكن حينها أن ~~يسهم في تكوين مشروع نهضة للوطن، بل وللأمتين العربية والإسلامية، وبالتالي ~~فإن القطيعة معه ليست فقط إرباكا في الهوية، وإنما تفوت على اليمن فرصة ~~الاستفادة الذاتية مما لديه، كما تفوت عليه فرصة أن يكون له دور يتجاوز ~~حدودها الوطنية والإقليمية. # وقد تبنى مركز الرائد هذه الدراسة لأنه يرى أنها يمكن أن تحقق هدفين معا، ~~تسهم في ms002 طرح القضايا التي لا بد منها في عملية تشكيل الهوية اليمنية ~~المتوازنة، وثانيا لأنها قدمت فكر الزيدية بوصفه مشروعا فكريا وسياسيا في ~~سياق المشكلة الحضارية التي تعاني منها الأمة، مقترحة ذلك المشروع كجزء ~~ضروري من أي حل، وبهذا أبعدت الفكرة عن إطارها الطائفي الضيق، فأخرجتها من ~~كونها قضايا مجردة غرضها الأساسي تكوين هوية، ولا علاقة لها بالواقع اليمي ~~المعاش إلى قضايا غرضها الأساسي تغيير رؤيتنا جميعا زيدية وغير زيدية ~~للحياة، وطريقة تعاملنا معها. وإذا كان يمكن للفكر الزيدي أن يلعب دورا ~~حضاريا على مستوى الأمة، فإن أولى من يستفيد منه هو اليمن الذي رعى هذا ~~الفكر وحافظ عليه عبر أحد عشر قرنا، وإذا كان لليمن أن يكون له دور حضاري ~~فاعل على مستوى العالم فإنه لا غنى له عن استلهام هذا الفكر في مسيرته ~~الحياتية. لقد جاء ولادة هذه الدراسة في اللحظة الزمنية المناسبة. وذلك بعد ~~مضي أكثر من عقد من الزمن على الوحدة اليمنية المباركة، التي حملت في رحمها ~~تباشير التعددية السياسية والحزبية، وجعلت من الديمقراطية توأمها الحي الذي ~~لا يمكن الفصل بينهما إلا بموتهما معا، لقد أصبح من الضروري في هذه المرحلة ~~أن تبحث اليمن عن مشروعها الفكري الذاتي، وأن تؤسس لدروها الحضاري، إن هذين ~~الأمرين لا يتعلقان بفريق معين أو جماعة معينة أو منطقة معينة، بل يعنيان ~~كل مواطن يمني يريد رسم مستقبل حياته وحياة الأجيال من بعده، وكل وطني PageV01P003 يريد من اليمن أن يكون منطلقا لنهضة الأمة. وواضع هذه الدراسة شخصية تحمل ~~الهم الإسلامي والهم اليمني، وقد درست العلوم الشرعية والتحقت بالحياة ~~المعاصرة في جوانبها الأكاديمية والسياسية، ويقطع النظر عن النتائج التي ~~توصل إليها، أو المنقولات التي طرحها، وسواء اتفقنا معه أو اختلفنا، فقد ~~حاول أن يضع الفكر الزيدي في السياق الذي نريده ويبقى علينا، بصفتنا مجتمع ~~حي ذات اهتمامات عالية، أن نتفاعل مع تلك المحاولة، وأن نتناول مضامين ~~البحث ونثريها بالنقاش والحوار وصولا إلى رؤية أعمق وطرح أشمل. والله من ~~وراء القصد. عبد الله هاشم ms003 السياني رئيس مركز الرائد22/9/2003م. PageV01P004 ### | AUTO المقدمة # الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على سيدنا ومولانا محمد، وعلى ~~أهل بيته الطاهرين الذين قضوا بالحق وبه يعد لون، وعلى الصحابة الراشدين ~~والتابعين المخلصين. الحديث عن الزيدية قد يكون من حيث إنها طائفة، أو من ~~حيث إنها مدرسة فكرية سياسية. البحث عنها "طائفة" يعني الكلام في تاريخ ~~مجتمع تكون على أساس الانتماء لفكرة. البحث عنها "مدرسة" يعني البحث عن ~~أفكار وحياة جماعة من المفكرين. في الحالتين نحن نعرض أفكارا وننظر في ~~تاريخ أشخاص. عند النظر إلى الزيدية طائفيا، فإن دور الفكرة ينتهي مع تكون ~~هوية اجتماعية سياسية. فيصير زيديا من انتمى إلى تلك الهوية بقطع النظر عن ~~وعيه بالأصول الفكرية لتلك الهوية. وعليه فموضوع البحث سيركز على كل من أثر ~~فيهم. عند البحث عن المدرسة الزيدية فإن الفكرة هي البداية والنهاية. ~~والتاريخ ليس إلا تاريخ رجال قدموا للفكرة بمختلف الطرق. الطوائف الإسلامية ~~موجودة، كما المدارس الفكرية الإسلامية. لعلنا نغمض أعيننا عن أولوية ~~الانتماء الطائفي القائم بيننا، وعن آثاره المقيتة، ولكننا نعلم وجودهما. ~~الطائفية ليس لها إلا أغراض سياسية اجتماعية. تسعى للتميز لكي تكسب مشروعية ~~وجود موقع سياسي أو اجتماعي متناسب مع ذلك التميز. لا مشكلة في وجود جماعات ~~سياسية اجتماعية متميزة في المجتمع المسلم. المشكلة في أن يكون أساس تميز ~~تلك الجماعات الانتماء إلى مدارس فكرية دينية. لا يصح أن يظن مسلم من ~~الطائفة "أ" أن مسلما من الطائفة "ب" يستحق مواقع ومصالح مختلفة، لمجرد ~~اختلاف رأيه، بل المسلمون سواسية في ذلك، والاستحقاق بينهم لا يكون إلا وفق ~~الكفاءات والجهد، والتميز بينهم ينطلق من الاختلاف السياسي الاجتماعي الذي ~~يعم أثره على الكل. أي انتساب فكري لا يصح أن يستتبعه أي تميز سياسي أو ~~اجتماعي، وغرضه الأساس تحديد موقف فكري حيال القضايا الكبرى التي تهم ~~الأمة، وتقديم مشروع سياسي ينفع الأمة PageV01P005 بجميع أطيافها وأطرافها. ما يلي بحث مختصر حول المدرسة الفكرية الزيدية. ~~يشير إلى مجموعة من القضايا التي تسهم في إلقاء بعض الضوء ms004 على أصولهم ~~الفكرية ورؤيتهم السياسية، إضافة إلى توضيح بعض المسائل التي تطرح حول ~~تاريخهم ورجالاتهم. # لمعرفة هذه الأمور لا بد من الاطلاع على مجموعة من القضايا، أبرزها: 1. ~~المشروع الفكري السياسي وفق رؤية الزيدية. 2. الاجتهاد عند الزيدية. 3. ~~الزيدية والإمام زيد. 4. الزيدية والصحابة. 5. الزيدية والحنفية، ~~والمعتزلة. 6. استعمالات كلمة "زيدية" في المراجع والمصادر. 7. فرق ~~الزيدية. 8. أهل البيت. 9. الإمامة. 10. مصادر الزيدية. 11. الزيدية اليوم ~~ولمحة عن جذورها التاريخية. PageV01P006 ### | AUTO مسوغات الاهتمام بالمدرسة الفكرية الزيدية # تميزت المدرسة الزيدية بأمرين: مشروع فكري سياسي؛ وتجربة في إسقاط ذلك ~~المشروع على أرض الواقع. مشروعها الفكري السياسي يتضمن رؤية دينية عقلانية ~~يمكن بشيء من التوظيف والتطوير والتجسيد على أرض الواقع أن تشكل أساسا ~~لحركة الأمة نحو نهضتها وعزتها. هذا في مقابل ما ساد بين الأمة من أفكار ~~تشل طاقتها، وتضعف من عمق توجهها نحو ربها، وتعرقل دورها في بناء وتوجيه ~~الحضارة الإنسانية عموما. تجربتها في إسقاط مشروعها تجلى بالحركات ~~السياسية الإصلاحية المتتابعة التي قاموا بها بدءا من ثورة الإمام زيد بن ~~علي"عام 122ه. أيضا تظهر من الدول التي نشأت في كل من المغرب 172ه، ~~وطبرستان 250ه، واليمن 280ه. لتجربتهم أهمية تظهر من: PageV01P007 # 1. أنها تجربة مستندة إلى نظرية: فالتجربة الزيدية كانت في جميع مراحلها ~~منبثقة عن نظرية سياسية إسلامية تنتمي إلى الإسلام في مراحل قوته. فلم ~~تستورد، ولم يؤخذ بها لمواكبة الحضارات الغالبة. أسس النظرية هي: أ. ~~المساواة العادلة بين الناس. ب. الأهمية العليا لإقامة نظام سياسي عادل. ج. ~~وجوب المشاركة السياسية لكل أفراد الأمة؛ د. الدولة لا يجوز لها أن تكون ~~طرفا من أطراف الاتجاهات الاجتماعية. كانت النظرية تسعى لتجسيد نفسها في ~~واقع الأمة؛ فتاريخها يكشف عن تجربة من تجارب الإسلام السياسي بمختلف ظروفه ~~وأوضاعه عبر مئات السنين. إنها دراسة لفكرة تحركت في الواقع وتفاعلت معه. ~~وبهذا تختلف عن دراسة التجارب السياسية الأخرى التي هي دراسات لتاريخ أنظمة ~~حكم تعاقبت عبر مراحل تاريخية مختلفة. إننا اليوم إذ نحاول بلورة نظرية ~~إسلامية سياسية تطبيقها على الواقع بحاجة إلى تجارب تاريخية سابقة. ms005 ويكتمل ~~الأمر أهمية حين نجد أصحاب تلك التجربة وروادها من العلم والديانة بمكان. PageV01P008 # 2. أنها تعالج مشكلة "فقدان الأصول التاريخية" التي تواجهها النظريات ~~السياسية الإسلامية الحديثة: أي نظرية سياسية إسلامية معاصرة لا يمكنها أن ~~تستند كلية على الرؤية التقليدية لتيار ما يعرف ب"أهل السنة والجماعة"، ~~والتي سادت في الغالبية العظمى من دول العالم الإسلامي. ذلك لأنها تتضمن ~~عنصرا لا يمكن القبول به وهو "شرعنة الأمر الواقع". فبقطع النظر عن مدى ~~فساد الواقع السياسي، فإن ذلك العنصر يأمر المسلمين بطاعة القائمين بالأمر. ~~ولعل أبرز ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله في هذا المعنى حديث ~~يأمر فيه النبي بطاعة الحاكم ولو كان قلبه قلب شيطان، ولا يستن بالسنة ولا ~~يهتدي بالهدى، ويضرب ظهور رعاياه، ويأخذ أموالهم. فقد أخرج مسلم في ~~صحيحه(رقم الحديث (1847) عن حذيفة بن اليمان (قلت يا رسول الله إنا كنا بشر ~~فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم، قلت: هل من ~~وراء ذلك الشر خير؟ قال نعم، قلت: فهل من وراء ذلك الخير شر؟ قال نعم، قلت: ~~كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدي ولا يستنون بسنتي وسيقوم فيهم ~~رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس قال قلت كيف أصنع يا رسول الله إن ~~أدركت لك ؟ قال: تسمع وتطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) ~~الحديث. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ومعروفة. ولا يمكن أيضا الاستناد ~~تماما إلى الرؤية الشيعية الإمامية التقليدية؛ لأنها منعت من تحقيق مثالها ~~السياسي المنشود؛ لما اشترطت أن يكون القائم به إماما معصوما، في الحين ~~الذي قالت بغيبته. إن تلك الأفكار من أشد ما حال بين المسلمين وبين قيام ~~واقع سياسي عادل. فالنظرية السنية مع كل ما فيها من مثل إلا أنها أعاقت أي ~~إمكانية لتنزيلها لما شرعت للأمر الواقع، واعتبرته مهما كان شكله ممثلا ~~لإرادة الله تعالى ومحرما تغييره من أصله؛ وبذلك كان دورها التاريخي الأبرز ~~إضفاء الشرعية على من تربع سدة PageV01P009 الحكم على ms006 أي صفة كان. وأما النظرية الإثنا عشرية فقد عملت عكس ذلك؛ حيث ~~سلبت الشرعية عن كل نظام قائم صلح أو فسد، عدل أو جار، فكل ما سوى إمامة ~~المعصوم لا تجوز، ولكنها إذ سلبت الأنظمة كل مشروعية لم تتقدم آنذاك برؤية ~~بديلة يمكن تحقيقها. فلم يكن ممكنا في غالبية الأقطار المسلمة وجود تجربة ~~متوافقة مع المثال المنشود. وكيف ذلك؟ وهناك نظرية تجيز الأمر الواقع، ~~وتأمر بالانصياع له، وأخرى ترى في كل ما هو قائم جورا وضلالة واغتصابا لحق ~~إمام غائب، حتى وإن حكم بالعدل، وأقيم القسط. فكيف والحال هكذا يخلق الحافز ~~الكافي لصنع واقع متوافق مع الحالة المثلى التي ينشدها الجميع؟ ولذلك نجد ~~أن الإسلام في أغلبيته السكانية عاش أكثر زمنه خارج الدولة؛ أي خارج ~~الحياة العامة، واقتصر دوره على التقنين لها دون الأخذ بزمامها. فلم يكن ~~اعتماد الدولة على الفقهاء نابعا من قناعتهم بمرجعية الإسلام بقدر ما كان ~~بسبب غياب مصدر آخر للتقنين. في ظل هذا الغياب التشريعي والتاريخي نجد أن ~~الحاجة إلى إبراز النظرية والتجربة السياسية الإسلامية للزيدية تتجاوز مجرد ~~التاريخ إلى إيجاد امتداد تاريخي عميق لأي توجه يسعى إلى عودة الإسلام إلى ~~الحياة العامة للأمة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى إلى إبراز أصالة النظرية ~~السياسية المنشودة، وانتمائها إلى الفكر الإسلامي قبل الاصطدام بالحضارات ~~الأخرى التي ألجأتنا إلى إعادة النظر في كل شيء. 3. إن المسار العام لتلك ~~التجربة كان إيجابيا: لقد أنتجت لنا مجموعة كبيرة من نماذج متميزة من ~~الحكام، جمعوا بين العلم والعمل، والتقوى والعدل، وخشية الله والحكمة في ~~الأمر والنهي. هذه الإيجابية تغير من الفكرة الشائعة التي حصرت وجود خلفاء ~~راشدين في ثلاثين سنة من التأريخ الإسلامي، فنجد أنه في كل مرحلة تاريخية ~~وجدت نماذج تحتذى وتقتدى. PageV01P010 # 4. إن التجربة ثرية بالدروس التي يمكن أن نستفيد منها اليوم: تقدم التجربة ~~السياسية دروسا في إنتاج رجال دولة، وفي كيفية تطبيق العدل، وإعمال ~~الشريعة. وتؤكد لنا التجربة حقيقة أنه أي فكرة مهما كملت فإن القائمين ~~عليها بشر، ولا ms007 بد أن يعتري تنزيلها ما يعتري البشر من النقص. وضع هذه ~~الحقيقة يؤدي بنا إلى الاهتمام بوضع أنظمة تغطي ذلك النقص، والذي أدى في ~~كثير من الأحوال إلى عدم استمرارية تلك التجربة. إن التجربة السياسية ~~للزيدية جزء من تاريخ الأمة الإسلامية، وليس من تاريخ الزيدية فحسب. بل هي ~~جزء من تاريخ جميع الحركات التي اتفقت معها في أهدافها السياسية، مهما كان ~~دينها أو مذهبها . ومما يحسن ذكره هنا أن كلمة "زيدية" في أول أمرها لم يكن ~~لها دلالة مذهبية أو فكرية بقدر دلالتها السياسية. فقد كانت تشير إلى كل من ~~اتفق مع الإمام زيد بن علي 122ه في دعوته الإصلاحية إلى دفع الظالمين، ونصر ~~المستضعفين، ورعاية المال، والحق العام، والحريات السياسية. فكان من وافقه ~~في تلك يسمى زيديا، وإن اختلف مع الإمام في رؤيته الفكرية أو الفقهية. إن ~~هذا التاريخ هو لتجربة إنسانية إسلامية تمثلت في مرحلة ما ضمن فئة من ~~المسلمين، ويجب أن تخرج من إطارها الديني والمذهبي؛ لتكون ملكا لجميع الأمة ~~والإنسانية؛ فالقيم السياسية الأساسية لا تختص بدين، ولا مذهب، ولا حدود؛ ~~فالأمن والعدل والعلم والرفاه وهي من القيم السياسية الأساسية أمور مطلقة ~~عن كل قيد، فلا يوجد عدل سني، وآخر شيعي، ولا يوجد فقر على الطريقة ~~الإسلامية وآخر على الطريقة الكفرية، ولا يوجد جهل عربي وآخر عجمي، ~~وبالتالي فأي حركة كان شعارها الأبرز تحقيق تلك القيم ملك للناس جميعا ~~باختلاف أفكارهم وأصولهم العرقية أو القومية، وأما الشعارات الفرعية لتلك ~~الحركة، فالغالب أن لا يتفق عليها الناس، وهذا أمر طبيعي، ولا يضر أصل ~~القضية في شيء. PageV01P011 ### | AUTO قلة الدراسات # مما يؤسف له قلة الدراسات عن هذه المدرسة. وما كان الأمر صدفة، أو عفويا. ~~فمع تقصير الزيدية أنفسهم في إبراز فكرهم، بل وتقصيرهم في إبراز الدور ~~الكبير الذي يمكن لهذا الفكر أن يقوم به في نهضة هذه الأمة، وتوجه كثير ~~منهم إلى توجهات طائفية لا تخدم الأمة؛ ومع صعوبة الوصول إلى مصادر هذا ~~الفكر لكون أغلبه لظروف غير طبيعية ms008 ظل حبيس المكتبات الخاصة والعامة بشكل ~~مخطوط، لا يصل إليه إلا القلة من الناس ذوي الهمم العالية، أو ذوي الحظ ~~الجيد. والأدهى من ذلك عدم المعرفة بحجم وطبيعة المادة العلمية الزيدية ~~الموجودة، مما يحير أي باحث يريد أن يخوض غمار هذا الفكر، مع كل ذلك إلا ~~أنه كان هناك تغييب متعمد ومقصود لهذا الفكر. أغلب أسباب التغييب مخاوف لا ~~أساس ولا واقع لها. وللتغييب جذور تاريخية تعود إلى القرن الأول حيث جرت ~~عادة الدولة، ومن ثم كثير ممن تبعها من العلماء على اتخاذ مواقف عدائية من ~~كل ما يمت لأهل البيت " بصلة. فأما الدولة فقد عالجت الأمر من خلال التضييق ~~في المعائش، أو الحبس، أو التنكيل الجسماني وصولا إلى القتل في كثير من ~~الأحيان. وأما علماء الدولة فقد حكموا على كل من يمت بصلة إلى فكر أهل ~~البيت، أو رجالاتهم بالتبديع تارة، والتضليل أو التكفير تارة أخرى. PageV01P012 ### | AUTO التقارب الإسلامي وطرح مثل هذه القضايا # قد يقال: إن إثارة هذه القضايا تضر بالتقارب بين المسلمين، خصوصا إذا ~~اقترنت بنقد المذاهب الأخرى صراحة. نحن نقدر القلق من استمرار ظاهرة بث ~~الفرقة بين المسلمين، مع ذلك لا نرى في عرض الرؤى المختلفة ما يؤدي إلى ضرر ~~بذاته. إن المسلمين مختلفون؛ وهذه حقيقة لا مناص منها، ولكنها ليست الداهية ~~العظمى ولا المصيبة الكبرى، بل إن مشكلتنا هي في طريقة تعاملنا مع ~~اختلافنا. إننا بين إحدى ثلاثة: داعي فرقة صراحة من خلال التأكيد على الهوة ~~الموجودة بين المسلمين. أو داعي وحدة من خلال المطالبة بفتح حوارات في أصول ~~القضايا المختلف عليها بغرض التوصل إلى وفاق حولها. وبين أولئك يوجد من ~~يدعو إلى التعايش على أحد معنيين: أولهما: تعايش سلبي يعمل على تجاهل ~~القضايا المختلف فيها. أو إنكار وجودها، أو التقليل من أهميتها. ثانيهما: ~~تعايش إيجابي يعمل على تحييد أثر الاختلافات بين المسلمين مع إقرار بأهمية ~~المسائل المختلف فيها. إن الدعوة إلى الفرقة شر. والدعوة إلى التعايش ~~السلبي خطأ؛ لأنه لا يعمل إلا على إبقاء الجمر ms009 تحت الرماد. وأكثر الأعمال ~~للتقارب بين المسلمين منصبة على هذا النوع. هذا واضح في مؤتمرات ومؤلفات ~~مشاريع التقريب بين المذاهب الإسلامية. ما يسوغ موقفهم هو صعوبة العمل على ~~التعايش الإيجابي، وأصعب منه العمل نحو الوحدة. ينبغي الدعوة إلى "الوحدة"، ~~فإن لم تكن ف"التعايش الإيجابي". والوحدة المطلوبة هي في القضايا الكلية ~~التي لا يصح أن نختلف عليها. فالدين قد رسم لنا اتجاها ووضع لنا طريقا ~~عريضا للسير إلى ذاك الاتجاه. وعلينا أن نسير فيها معا، ونتنوع ونتعدد ضمن ~~ذلك الطريق العريض، بمعنى آخر يكون التنوع والتعدد في القضايا التي تتعلق ~~بالحياة وتختلط بها، فيكون تنوعا تبعا للتنوع في الحياة، وأما القضايا التي ~~تتعلق بالاتجاه وهي الإيمان بالله واليوم الآخر وتفاصيل ذلك فلا معنى ولا ~~فائدة في الاختلاف حولها. وإلى حين أن PageV01P013 تتحق الوحدة، فلا بد من التعايش الإيجابي. والسبيل إليه يكون بالعمل على كل ~~مما يلي: # 1. أن ننفي عن القضايا المختلف فيها أثرها في تصنيف الناس؛ وحصر التصنيف ~~في النص الشرعي. فمهما لم نجد نصا يوجب لاختلافنا أثرا كان الواجب علينا أن ~~نبقى على الأصل. فحتى لو اختلفنا في قضايا أصولية، أو في قضايا الإلهيات ~~الكبرى، فإن ذلك وحده لا ينتج وجوبا شرعيا للحكم بالتكفير أو التضليل. إن ~~كل من آمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر فالأصل والضرورة الشرعية تحكم ~~أنه مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. إن إخراجه من هذه الدائرة يتطلب ~~دليلا شرعيا قطعيا في ثبوته وقطعيا في دلالته. هذا يعني أنه مهما اعتقدت ~~خطأ وشناعة قول مسلم فإن اعتقادي هذا يجب أن لا ينتج حكما شرعيا بتكفيره، ~~ما لم يكن هناك نص قطعي يوجب على صاحب تلك المقالة بعينها الكفر. هذا مع ~~إبقاء حق التعبير عن الرأي مصونا، فلا يعني هذا الكلام السكوت عما يراه أحد خطأ. # 2. التذكير المتواصل بقول الله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا ~~إليهم}[الممتحنة:8]، وهي تدل على أن الاختلاف في الدين ليس ms010 مانعا للبر ~~والإحسان. وقد يؤخذ من الآية أيضا أنه لا يكفي الاختلاف في الدين لإيقاع ~~العداء، وإنما لا بد أن يرافقه الظلم. # 3. مواجهة الأساليب غير المتوازنة في التعامل مع المخالف. # 4. ضرورة إبراز وتصنيف القضايا المختلف عليها، والتي تميزت بها المذاهب ~~وذلك لتحقيق الأغراض التالية: أ. لكي يكون الاختلاف على قضايا موجودة وليس ~~على قضايا وهمية. وهنا يجب الابتعاد عن المجاملة قدر الإمكان. PageV01P014 # ب. لفتح مجال البحث فيها، وذلك بتحديد موطن وطبيعة الاختلاف بشكل دقيق، ثم ~~لتحديد أدلة كل فريق، وذلك سيمكن الجميع من الوصول إلى حقيقة مهمة، وهي ~~أننا نختلف على قضايا ليست من القضايا الواضحة 100%، مما يعني فسح المجال ~~لحسن الظن. # ج. لتحييد أثرها في بث الخلاف. فالاختلاف بمجرده لا مشكلة فيه. المشكلة ~~حين يتحول الاختلاف إلى شقاق. ويجب بحث أسباب التحول، وذلك لتجنبه. لا شك ~~في أن تحقيق ما سبق سيحتاج إلى مراحل وإلى زمن وإلى جهود، ولكن الخطوة ~~الأولى هي وضوح الرؤية، ووضوح الهدف، ووضوح المطلب. على ضوء ما سبق ذكره، ~~فإن هذا التعريف لن يضر التقارب بين المسلمين، بل يمكن أن يفيد في التقارب، ~~وذلك لأنه يعمل على إبراز المختلف عليه تحقيقا للأهداف المذكورة سالفا. PageV01P015 ### | AUTO التعدد المذهبي # أود في هذا السياق أن أبين وجهة نظر حول التعدد القائم في المذاهب ~~التشريعية والعقائدية. لا يقلل أحد من أهمية وإيجابية وجود التعدد الفكري ~~الذي يعكس التنوع الموجود بين أفراد المجتمع وظروفهم. يذهب البعض إلى أن ~~تعدد المذاهب الإسلامية الفقهية والعقائدية كما هو اليوم يعكس حالة من تلك ~~التعددية الفكرية الإيجابية بين المسلمين. وعليه فإن بقاء هذه الحالة أمر ~~مرغوب ومحمود، وغاية الطموح والأمل هو التعايش السلمي بين أبناء تلك ~~المذاهب، وتجاوز مظاهر التكفير والتفسيق والتضليل التي شتت المسلمين قرونا ~~من الزمان مع الإبقاء على وجود المذاهب من حيث اسمها، ومن حيث مضمونها. ~~فيبقى المنهج الفقهي الشافعي بإزاء الحنفي، ويبقى المنهج العقائدي الإثنا ~~عشري بإزاء الأشعري، وتبقى التسميات المتعددة أيضا. إزاء هؤلاء هناك من يرى ~~أن الوضع القائم ms011 اليوم يخالف المشروع، لأن الأصل الذي كان عليه السلف هو ~~عدم وجود مدارس فكرية، ذات مناهج متميزة في فهم النصوص، واستنباط الأحكام، ~~وبالتالي فلا بد من تجاوز هذه المذاهب جميعا، والعودة إلى الينابيع الصافية ~~من الكتاب والسنة. ما أذهب إليه يؤيد المذهبية فكرة، ولكنه ينقدها ممارسة. ~~إن التنوع المذهبي كما هو اليوم قد يعكس تعددية فكرية، ولكنه قطعا لا يعكس ~~تعددية فكرية تنطلق من واقع العصر وقضاياه، بقدر ما يعكس التعدد الذي نشأ ~~قبل ما يقرب من 12 قرنا من الزمان. وبهذا الاعتبار، فإنها ليست حالة ~~إيجابية، بقدر ما هي تأطير لتفكير المسلمين بأطر ثابتة وقارة صنعت لتعالج ~~ظروفا غير ظروفنا، وواقعا غير واقعنا. إن التعددية الإيجابية إنما تكون ~~انعكاسا للتنوع الموجود في الفهم ووجهات النظر بين الناس، وأيضا في الظروف ~~التاريخية القائمة. أما ما هو موجود اليوم فتجميد للتنوع الذي وجد في مرحلة ~~زمنية محددة هي مرحلة التأسيس للمذهب، وفي فهم ووجهة نظر محددتين، هي تلك ~~التي للمؤسسين للمذهب، ثم فرض ذلك PageV01P016 القالب الزمني على جميع الأزمنة التي تلت، وقسر وجهة النظر تلك على كل ~~العقول الذي أتت. إن استقرار المذاهب على ما هي عليه طوال 12 قرنا بالرغم ~~من التغيرات الجذرية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، وبالرغم من ظهور ~~عباقرة فاق بعضهم مؤسسي المذاهب في قدراتهم العلمية، وفي أدواتهم البحثية، ~~لأمر جدير بالنظر. إن التعدد الفكري له عوامل متعددة، بعضها يعود إلى عوامل ~~فردية تتمثل في تميز عبقرية فكرية وتفرد جاذبية شخصية لدى عالم من العلماء. ~~وأخرى إلى عوامل سياسية حيث يسعى أطراف في صراع سياسي إلى تسويغ مواقفهم ~~المتنوعة بالاستناد إلى رؤى فكرية. وأخرى إلى عوامل اجتماعية حيث يكون ~~اختلافها مدعاة لاختلاف الأوليات التي تبحث، أو الإجابات التي تقدم. وجميع ~~هذه العوامل، وغيرها، تتسم بسمة أساسية وهي أنها متغيرة دوما. وعليه فما ~~كان منها سببا للتنوع في مرحلة ما، قد زال، وتغير بحيث إن المفترض أن تكون ~~قد ظهرت مدارس ومذاهب أخرى تعكس التنوع الجديد القائم. والحالة ms012 الطبيعية ~~والصحية هو أن يستمر لذلك التغير في نشوء المذاهب بحيث لا يستقر الحال ~~لأكثر من ثلاثة أجيال أو أربعة على الأكثر. ولا يعني هذا إلغاء الأفكار ~~السابقة، وإنما النظر إليها لا بوصفها أفكارا ننتمي إليها، وإنما بوصفها ~~أفكارا نستفيد منها في تأسيس الحالة الفكرية الملائمة مع تفكيرنا، ومع ~~واقعنا. ومع أن الغاية هي تجاوز المذهبية، إلا أن هذا الأمر لا يتأتى إلا ~~من خلال التعرف عليها. وذلك لأنه لا يمكن لنا الانطلاق الصحيح إلى واقع ~~جديد إلا من خلال فهم واقعنا الحالي. فالمستقبل يبدأ "الآن"، وما لم يكن ~~لنا حاضر راسخ، وماض عريق، فلا مستقبل لنا. ففهم أطروحات المذاهب الإسلامية ~~القائمة، والاطلاع على تاريخها، لا بد منه حتى في مرحلة مذاهب إسلامية ~~حديثة باعتبار أنها تمثل اجتهادات وتجارب لا بد من الاستفادة منها. فالفكر ~~عندما يتطور فإنه يستند إلى الأفكار التي سبقته، PageV01P017 ولكنه يتجاوزها، أو يعيد صياغتها بما يلائم ظروفه التي يعيش بينها. وأي ~~مدرسة فكرية ناشئة ستضع أمامها الاتجاهات السابقة لها، وسوف تختار منها ما ~~يحقق شرطين أساسين: # * أن تكون تلك القضايا مما يعالج الواقع القائم إيجابيا. # * وثانيهما أن تكون أسسها الاستدلالية قوية. على ضوء ما سبق، فإنني أرى ~~أن أي مشروع يعمل على إبقاء الحالة المذهبية كما هي عليه يعمل في اتجاه غير ~~صحيح. سواء كان من حيث التركيز على أحقية مذهب واحد، أم من حيث التشديد على ~~حق الاختلاف في المذاهب. ### | AUTO المشروع الفكري السياسي وفق رؤية الزيدية # يقدم الزيدية رؤية دينية للحياة تنطلق من مسلمات العقل وثوابت القرآن ~~الكريم، تبين موقعنا في هذه الحياة، وترسم لنا المسار العام الذي يجب علينا ~~أن نسير فيه. بحيث تشكل تلك الرؤية منطلقا وإطارا للحركة والتقدم. منطلقا ~~من حيث إنها تدفعنا للحركة، وإطارا من حيث إنها تحدد وجهة تلك الحركة، ~~وتشير إلى مقوماتها. وأي حركة واعية في هذه الحياة، سواء أكانت حركة فردية، ~~أم جماعية، أم حركة حضارة برمتها، لا بد من أن تستند إلى رؤية للحياة، ~~وخلاف ذلك ms013 دلالة على تدن في الوعي من جهة، وعلى الارتكاز على النزعات ~~الغرائزية، والانفعالات الظرفية التلقائية في توجيه دفة الحياة من جهة ~~أخرى. مقدمة لاستعراض موجز لتلك الرؤية، سأقوم أولا بإشارة مجملة إلى أثر ~~الثقافة على الواقع الحضاري بكل أبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ~~ثم بيان بعض مظاهر ثقافة الشلل التي سادت وحكمت المجتمعات المسلمة عبر قرون ~~من الزمان. قطعا، ليس الغرض مجرد سرد لرؤية فكرية وسياسية لمذهب من ~~المذاهب، بل الطموح هو إلى أن ينظر في ما يمكن أن تقدمه هذه الرؤية لحركة ~~الأمة نحو الأمام، ولذلك كانت هذه المقدمة لازمة. PageV01P018 ### | AUTO البدايات # مع وجود ظروف تاريخية مميزة توفرت للأمة الإسلامية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده، ~~ومع ما أنعم الله عليها من فكر إلهي باعث ناهض، دافع للإنسان نحو تحقيق ~~ذاته وترقية أحواله،وإيجاد أسس لأمة عظيمة، إلا أن الواقع السياسي الجائر ~~الذي عانت منه الأمة إبان سقوط الخلافة الإسلامية عام 41ه، أخذ يضرب في تلك ~~الأسس، وعلى وجه الخصوص الجانب الفكري منه. فنشأت عبر القرون التي تلت ~~ثقافة تميت وتشل وتخدر. كان للأسطورة والخرافة والتفكير اللاعقلاني ~~والكهنوت مساحة ملحوظة فيها. قدس السلطان، ونبذ التفكير، ومنع الحوار. ~~وابتعدت الأمة عن النظرة الفاحصة، وغاب عن ساحتها العقل المستقل. إضافة إلى ~~سقوط الخلافة وما تلاها من تفاعلات سلبية، حصل أمر آخر شكل منعطفا حادا ~~لمسار الأمة الفكري هو إعلان الوثيقة القادرية في 17محرم من العام 409ه ، ~~فعندها أعلن الخليفة العباسي الملقب بالقادر بالله منشوره الشهير الذي منع ~~به التفكير والاجتهاد وكفر فيه المعتزلة واستباح دماءهم. وقد سارع هذا ~~القرار في تدهور الأوضاع الفكرية والثقافية للأمة الإسلامية، فشاعت الخرافة ~~والأسطورة والدروشة والمهدوية والانتظار والخمول، وتعزز كل ذلك من خلال ~~كتابات متعددة ظهرت عبر القرون. ازداد الأمر سوءا مع نشوء الدولة العثمانية ~~التي أوقفت الانهيار المحتوم بقوتها العسكرية، ولكن بغير أن تعالج أسبابه. ~~ويمكن القول إنها بتأخيرها موعد الانهيار قد أضرت بالأمة من حيث لا تدري. ~~ففي وقت سيطرتها على زمام الأمور سياسيا، ms014 أخذ الغرب يتحرك نحو الأمام، ولكن ~~سرعته في البدء كانت تجعل من اللحاق به أمرا يسيرا في فترة قصيرة. ولكن ~~الذي حصل أننا لا تقدمنا، ولا سقطنا سقوط اليقظة، فلما أتى المحتوم من ~~الإنهيار كانت المسافة بيننا وبين الغرب قد اتسعت بشكل فلكي. سادنا اليوم ~~الفقر، والجهل، والظلم، والاستبداد. تخلينا عن الفعل واستسلمنا للانفعال. ~~أصبحنا نقتات على فضلات خصومنا PageV01P019 وأعدائنا. فقدنا إضافة لذلك أسباب الحياة، والتأثير على مصيرنا فضلا عن ~~مصير غيرنا. بتنا نستمرئ أخلاق الكذب والنفاق والخيانة والحسد والبغضاء. ~~تخلفت أمتنا عن حركة الإنسانية نحو النمو الاقتصادي، والرفاه المادي، ~~والقيم الاجتماعية، والنظام السياسي العادل والمعبر عن إرادة شعوبها. نصبح ~~ونمسي حالمين بحياة كريمة حرة، بحرية القول والتفكير، بالمساواة أمام ~~القانون، بحق الحماية المشترك، بحق المشاركة في القرارات التي تؤثر على ~~حياتنا وحياة من نعول، بحق امتلاك مستوى معيشة لائق صحيا وغذائيا وملبسا ~~ومسكنا، بحق التعلم. نعم!! لا زلنا نحلم بكل ذلك، إلا قلة قليلة. هذا كله ~~في حين أن المسافة بيننا وبين الغرب في ازدياد متواصل. وفي مواجهتنا معه ~~خلال المائتي سنة التي مضت فإنه لم يزدد إلا قوة، ولم نزدد إلا ضعفا. ~~ويزداد المرء منا حسرة حينما يدرك حجم الدور الذي قمنا به نحن في خدمة من ~~استنزفنا، وفي تدمير بنيتنا الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ~~بدون تقليل من شأن وحجم الدور الذي لعبته القوى الغربية فيما آلت إليه ~~أوضاعنا، إلا أننا يجب أن نقدر أن العالم عالم الأقوياء، لا يرحم الضعيف، ~~وأنه لم يحل بنا ما حل لولا حالة الضعف الذاتي التي وصلنا إليها قبل مجيء ~~الاستعمار. إن الاستعمار منذ أن دخل بلادنا، ومن بعد ما خرج منها، وإلى ~~اليوم، ما اعتمد إلا علينا في القضاء على أنفسنا. فمهما كان دور الغير، يجب ~~أن نتجاوز أي سؤال غرضه تخفيف وطأة المسؤولية علينا. لننصرف إلى استكشاف ~~الأسباب الذاتية التي بها صرنا نعيش خارج الزمن، وصار السعيد منا من سعد ~~بشقاء غيره. نحن في مشكلة!! نعرف أننا في مشكلة لأننا ms015 نريد أن نكون على حال ~~غير الحال الموجود اليوم. نريد نظاما اجتماعيا يؤمن الناس من الفقر والجهل ~~والخوف والظلم. وحال اليوم بعيد جدا عن هذا النظام المراد. بديهي أنه عند ~~معالجة أي مشكلة فلا بد من تحديد PageV01P020 أسبابها. تحديد الأسباب ليس بالأمر الهين. ولكن لو افترضنا أنها حددت بدقة، ~~فإننا سنواجه مشكلة تتمثل في أن معالجتها جميعا بشكل فعال وعملي يتجاوز ~~دوما الموارد المتاحة بنسبة عالية. فلو افترضنا على سبيل التمثيل أن مشكلة ~~((أ)) تحتاج إلى مائة ساعة تفكير لحلها تماما، فما سنجده فعلا متوفرا لنا ~~من تلك المائة قد لا يتجاوز الخمسين في بعض الحالات. بمعنى أننا سنكون ~~مضطرين لمعالجة بعض أسباب المشكلة دون غيرها، أي الوصول إلى حل جزئي فحسب. ~~يغيب عن بعضنا أن أسباب أي مشكلة، وإن استوت في قدر ما تحتاجه من معالجة، ~~فإنها لا تستوي في قدر تأثيرها على أصل وحل المشكلة. فلو افترضنا أن ~~للمشكلة ((أ)) خمسة أسباب، وافترضنا أن كلا منها يحتاج إلى عشرين ساعة ~~تفكير لمعالجتها، أي أنها تستوي في حاجتها للموارد، فإن ذلك لا يعني أن كل ~~سبب يتحمل خمس المشكلة، بل تتفاوت في ذلك تفاوتا كبيرا. فإذا لم يكن لدينا ~~إلا خمسين ساعة متوفرة، فإنه بعد تحديد الأسباب التي أدت إلى المشكلة، ~~علينا أن نحدد نسبة تحمل كل سبب من تلك الأسباب للمشكلة التي نحن فيها. ظهر ~~بالاستقراء، أن ما يقرب من20% من أسباب أي مشكلة، تتحمل80% من المشكلة ~~نفسها، وأن80% من الأسباب لا تتحمل إلا حلا ل20% من المشكلة. هذه المعادلة ~~تعني أن قلة الموارد ليست عائقا أساسيا أمام حل المشكلة، وإنما العائق ~~الأكبر تحديد السبب الذي يجب أن يعالج. فلو لم نملك إلا 20% من موارد حل ~~مشكلة، فإنه مع حسن التدبير سنستطيع حل 80% من المشكلة نفسها. PageV01P021 ### | AUTO السبب الثقافي # في تصور كثير اليوم فإن "ثلاثية الهيمنة/الاستبداد المحلي/ التخلف ~~الثقافي" تشكل ال20% من الأسباب التي في يدها 80% من المشاكل. والجزء الأهم ~~من تلك ال20% هي الأسباب الثقافية. يظهر هذا ms016 الأمر الأخير بالنظر إلى أيها ~~أكثر تأثيرا على تقييد الإرادة وتعطيل التفكير اللذان هما لب مشاكلنا ~~وعمقها. الثقافة في هذا السياق يقصد بها مجموع الأفكار والانطباعات، والقيم ~~السائدة والتوجهات، والافتراضات الأساسية، في أي مجمتع والتي تحدد أهداف ~~وآمال وطموحات ودوافع المجتمع في حركته. فتوجد عوامل ثقافية تطلق إرادة ~~الإنسان، وتفتح الآفاق أمام تفكيره، فتشكل بذلك مناخا ملائما للتطور ~~الاقتصادي والسياسي، وهناك عناصر أخرى تشكل الأرضية الملائمة لإعاقة كل ~~ذلك. وذلك أن كل عمل سياسي أو اقتصادي يعتمد على فاعلية العاملين ~~فيهما،والفاعلية ناتجة عن التفكير والإرادة،وهما مقيدان بالثقافة السائدة. ~~وقد أكد تأثير الثقافة على مسار المجتمع كثير من الدراسات حول التطور ~~الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ثم إنه وبنظرة واحدة إلى مجموعة من العناصر ~~الثقافية السائدة تعطي بداهة القناعة بأن تأثيرها سيكون محبطا للغاية. ولا ~~شك في أن الثقافة لا تعمل وحدها، بل تعمل ضمن عوامل أخرى متعددة، بعضها ~~ناشئ عنها نفسها، وبعضها مستقل عنها، فالثقافة مؤثرة ومتأثرة، وموجودة ضمن ~~شبكة من المؤثرات غيرها، ولكن هذا لا يلغي دورها المركزي في التأثير على ~~غيرها من العوامل من جهة، وفي التأثير على المسار العام للمجتمع من جهة أخرى. PageV01P022 # على ضوء ما سبق، فإنه لا يوجد أفق للمجتمع العربي المسلم لتحقيق آماله، ما ~~لم تحصل عملية إعادة تشكيل للثقافة الإسلامية العربية، بحيث تشتمل على ~~العناصر الثقافية الفاعلة، وتخلو من العناصر الثقافية المثبطة. وهذه الحالة ~~المثالية قد لا يمكن تحقيقها بشكل تام، كما هو الحال في جميع المجتمعات ~~البشرية، ولكن لا بد من حصول هذا الأمر في القضايا الكبرى المؤثرة على مسار ~~المجتمع. ### | AUTO الرؤية الكونية وصناعة الواقع # يمكن تقسيم النظام الثقافي من زاوية الحضارة إلى ثلاثة أنواع من العناصر، ~~لكل منها تأثير على حركتها: # 1. عناصر هي انعكاس لرؤية كونية. قد تكون رؤية كونية تؤمن بإله، وقد تكون ~~رؤية تنفي وجود الإله. وفي الحالتين قد تؤمن بعبثية الحياة، أو بحكمتها. ~~وبخصوص مجتمعاتنا فالسائد هو رؤية إلهية تبين قضايا نحو: كوننا لله، ~~علاقتنا بالله، علاقة الله بنا، ms017 دورنا في الحياة، امكانياتنا وقدراتنا، ~~ومآلنا بعد أن نفارق الحياة. وعليه فسيحصر الكلام حول الرؤية الكونية بما ~~هو موجود لدينا. # 2. عناصر هي انعكاس لتجارب المجتمعات، والممارسات التي فيه، وتشمل هذه ~~التقاليد والأعراف والعادات. PageV01P023 # 3. عناصر تشريعية، وتشترك مع ما سبق في أنها من صناعة المجتمع، ولكنها ~~تختلف في أنها مقننة غير عفوية. أيضا فإن درجة الوعي بها وبحضورها أقوى. ~~هذا الأمر الأخير يجعل تأثيرها أضعف من الأعراف والتقاليد والعادات والتي ~~يمكن اعتبارها "تشريعات" غير حاضرة في الوعي مما يضعف مقاومتها، فيقوى ~~تأثيرها. تتميز العناصر من النوع الأول بامتلاكها قداسة وهيبة الدين، قداسة ~~تعطي الفكرة أثرا مضاعفا سلبا أو إيجابا،حسب خطأ أو صحة الفكرة. والتجارب ~~التاريخية للحركات الاجتماعية والسياسية تظهر أن الرؤية للعالم ذات قيمة ~~كبرى، هذه القيمة لا تختلف باختلاف طبيعة الرؤية دينية أو غيرها، إلهية أو ~~إلحادية. ونجد أن الثورات الحضارية إنما انطلقت في البدء من تغير جذري في ~~الرؤية للحياة وللإنسان ولدوره ومركزه فيها. من المشاكل التي لازمتنا منذ ~~عصر النهضة الفصل بين الرؤية الكونية الغربية وبين المفاهيم السياسية ~~والاقتصادية والعلمية التي أوصلتهم إلىما هم فيه. فلولا تلك الرؤية لاختلفت ~~المفاهيم السائدة بينهم اليوم، ولاختلف تبعا لذلك حالهم حضاريا. من الخطأ ~~اعتبار مفاهيمهم السائدة مجرد أدوات يمكن استيرادها واستهلاكها دون أسسها ~~الفكرية التي تولدت منها. إننا اليوم وكما كنا بالأمس، وكما يشعر كل واحد ~~منا، نحتاج إلى أن نتحرك إلى الأمام. نعلم جميعا أن مظاهر الحضارة لدينا لا ~~تعني كثيرا، حيث إنها التي تتحرك نحونا، في حين أننا لا نسعى إليها أو إلى ~~الأسس التي تنشئها. نحن لا زلنا نستقبل العصر، ولكن لا نتقدم إليه. ~~تلفيقيون في حلولنا، وغاية ما نطمح إليه في كل مرحلة مختلفة إما التكيف ~~نفسيا وفكريا مع الآخر الذي لا ينتظر إذنا ليدخل حياتنا، وليسيطر على جميع ~~مناحيها؛ وإما حسن تطبيق نتائج تجربته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ~~ذلك كله لأننا نغفل الأسس الفكرية التي أنشأت الحركة الحضارية للمجتمع ~~الغربي، ظانين أنه يمكن الفصل بين PageV01P024 التجربة وبين ms018 الأسس التي أنتجتها. لقد عاش الغرب التخلف قرونا من الزمان، ~~ثم لما تخلص مما كان يكبل حركته، أنتج حضارة متلائمة مع هويته، وظروفه ~~التاريخية. اليوم علينا أولا التخلص مما يكبل حركتنا، لنتحرك وفق هويتنا ~~الخاصة، وظروفنا التاريخية المختلفة فننتج واقعنا المتقدم المتناسب معهما. ~~هذا الواقع الذي سنصل إليه قد يشابه ما وصل إليه الغرب، وقد يختلف عنه، ~~ولكنه في نهاية الأمر سيكون واقعا نملكه نحن، سيكون واقعا مستمدا أساسا من ~~حركتنا، وفي الوقت نفسه يقدم لنا ما نريده لأنفسنا ولمن يلينا من الأجيال. ~~لا يعني هذا عدم الاستفادة من بعض أو كل ما أنتجته الحضارة الغربية من ~~أدوات سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها، ولكن لتكن استفادة من يتحرك، ~~وليست استفادة من يستقبل؛ استفادة مجتمع وجدت لديه تلك الروح المحركة نفسها ~~التي وجدت لدى الغرب حين انطلق، تلك الروح التي منحته أسس الفاعلية، وأزالت ~~من فوقه مسببات الانفعالية. تلك الروح التي تشكل أرضية لا غنى عنها لنجاح ~~جميع المشاريع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالخطوة التي يجب أن ~~تتقدم استيراد المنتجات الحضارية هي خلق الروح المحركة لمجتمعنا. ولكن لما ~~كانت تلك الروح تستمد وجودها بل وأيضا فناءها من طبيعة الرؤية الكونية ~~السائدة، فلا بد لنا أولا وقبل كل شيء من النظر فيها وما تقدمه لنا من ~~عناصر محركة، أو مثبطة، لنعزز من الأولى، ونتخلص من الثانية. وما يؤسف له ~~أنه وجدت ضمن مفاهيمنا الدينية المؤسسة لرؤيتنا الكونية مجموعة من المثبطات ~~الحضارية التي كان لها دور حاسم في الحد من طبيعة حركتنا الحضارية. بعض هذه ~~المفاهيم لم يعد لها حضور في الثقافة الدينية العامة، وأخرى بقيت محافظة ~~على موقعها ودورها في تشكيل الواقع اليومي للمسلمين إلى اليوم. PageV01P025 # ولا مناص لنا إذا ما أردنا التقدم أن نبدأ بها، تقييما وتصحيحا، لأنه بغير ~~ذلك، فسيبقى وجودها معيقا لجميع الخطوات التي نحاولها خروجا من محنتنا. لا ~~يعني هذا عدم مراعاة الثقافة الاجتماعية السائدة، فهي حتما تؤثر بشكل كبير ~~على واقعنا. وبالنظر إلى بعض ما هو سائد، يمكن إدراك ms019 ذلك بداهة. فقد انتشرت ~~بيننا بعض مفاهيم عامة، بعضها يرجع إلى الثقافة الدينية، والآخر منه إلى ~~ممارسات سلبية تحولت مع الوقت إلى ثقافة سائدة. من ذلك ثقافة "البحث عن سبب ~~خارجي لفشلنا"، ومنها ثقافة "الانتظار لمن يخلصنا"، وثقافة "التقليل من شأن ~~الإنجاز من حيث هو"، وجعل الشأن لما فيه مكتسبات مادية. وهذه الفكرة جعلت ~~العيش ينصرف عن الإنجاز والانتاج والإبداع. كما أنها أعاقت من أن يكون ~~الوجود الفردي خارج ذاته هدفا لذاته، وصار العيش للنيل والاستهلاك، وأصبح ~~السعي لأن توجد الأمور في الذات، بأن نأخذ منها أكبر قدر ممكن. وثقافة ~~تعتبر "أن السلطة في الشخص، وليست في القانون". وثقافة تجعل "الولاء للأسرة ~~والعشيرة، مقدما على الولاء للمصلحة العامة". وثقافة تجعل "المشاهير خبراء ~~في كل شيء" ...إلخ إن ثقافات من هذا النحو لا شك أنها تؤثر سلبا على حركة ~~المجتمع للأمام. PageV01P026 # كما أن إعطاء الأولوية للقضايا الدينية لا يعني تجاهل أهمية وتأثير ~~التشريعات والقوانين. فلا شك أنها معيقة إذا لم تواكب حاجات الناس، ولكنها ~~دوما كانت الإطار الذي تتحرك ضمنه وخلاله الأمم، وليست الباعثة إليه. ~~بالتالي فإن غاية ما يقوم به التشريع المتخلف هو إعاقة الحركة، ولكنه لا ~~يمنع منها، كما أنه لا يدفع إليها. توجيه الاهتمام يجب أن يأتي أولا إلى ~~خلق الحركة، وحينها سنجد أن التشريعات تتطور تلقائيا وفق الشروط الموضوعية ~~القائمة. وتجربة الأمم من حولنا تدلنا على أن التشريعات مهما تخلفت، لم تكن ~~سببا في منع التقدم، وإنما عرقلته أحيانا. إن أول وأهم خطوة في التغيير لا ~~بد من أن تبدأ بمراجعة الرؤية الكونية السائدة، وتقييم تماسكها وشمولها ~~وقدرتها على توفير فهم واضح وسليم للحياة، ثم مراجعة آثارها الثقافية ~~المباشرة، ثم العمل على صياغة رؤية مؤسسة على أصولنا الدينية والتاريخية، ~~يتحقق من ورائها هدفان معا: أولهما: توفر الهوية اللازمة لتأسيس استقلال ~~نفسي عن التبعية الغربية وإنجاز تكليفنا أمام الله تعالى. ثانيهما: إنشاء ~~رؤية قادرة على أن تحرك المجتمعات الإسلامية نحو التقدم بنفس القدر من ~~القوة التي أمكن للتغير ms020 الفكري الغربي أن يغير من مساره التاريخي. # ما أقوله هنا مبني على افتراضات: # 1. أن رؤيتنا للعالم تتطلب مراجعة شاملة ودقيقة، لأنها تؤسس لمفاهيم ~~ثقافية معيقة للحركة الإيجابية للمجتمع. # 2. كما أفترض أنه يمكن لرؤية أخرى للعالم غير الرؤية الغربية أن توفر لنا ~~الشرط اللازم للتقدم النوعي. # 3. كما أرى أنه ما لم نعمل على هذا الأمر، فإن أملنا في التقدم ضعيف ~~للغاية. # أمام ضرورة المراجعة وإعادة الصياغة هناك عقبات: # 1. الاعتماد غير المتحفظ على الغير في التفكير الديني، بمعنى آخر ~~التقليد، وتقديس العلماء وآرائهم، وخصوصا من مضى منهم. PageV01P027 # 2. ما يقرب من الإهمال للأثر الجوهري والعلاقة العميقة بين الرؤية الكونية ~~والتقدم الاجتماعي والسياسي، وهذا من التيارات الدينية والليبرالية على ~~السواء. فيتفق الطرفان إلى حد ما على أولوية التغييرات التشريعية والعرفية ~~متجاهلين أثر الرؤية الكونية. ثم يشدد التيار الليبرالي على ضرورة الأخذ ~~بالمفاهيم الغربية من حيث إنها نجحت في ظروفها. وهي رؤية العاجز عن خلق ~~المفاهيم اللازمة لتغيير واقعه، والمستمدة من خصوصية فلسفته، واختلاف ~~ظروفه. كما نجد التيار الديني العام يشدد على اعتقاد أن العودة إلى الله ~~تعالى من خلال تعميق التقوى وزيادة الطاعات ستحل الأمور بنصر الله وتأييده ~~وتدخله. وهذه رؤية سلبية ناشئة عن ثقافة قدرية، وتغفل تماما أن التقوى حالة ~~نفسية، ولا بد منها في حركة الإنسان نحو الله تعالى في هذه الحياة، ولكنها ~~ليست حالة فكرية تفسر له وجوده ودوره وإمكانياته، ومساحة الحركة المتاحة ~~لديه،والجهة التي ينبغي أن يتحرك إليها. وهذه الأخيرة هي التي يتم بها بناء ~~الحضارات، ومن خلالها تتقدم الشعوب. # . قناعة، لدى بعض من يرى ويدرك أهمية وأثر تلك العلاقة بين الرؤية ~~الكونية وبين التقدم، بأنه لا يوجد بديل للرؤية الغربية للعالم إذا ما ~~أردنا أن نصل إلى ما وصلوا إليه ولو بعد حين، وبأن الرؤية الإسلامية للحياة ~~فيها عناصر شلل ذاتية، لا يمكن تجاوزها إلا بالخروج عن الدين نفسه. ~~وبالتالي فالأولى طرح صياغة تعزل تلك الرؤية عن الحياة. # 4. الواقع السلبي الذي نحن فيه، والذي يجعل من دور الفكر دورا ms021 تسويغيا، ~~إما للواقع وإما للانفعالات ضده. في حين أن الفكر في الحالات الطبيعية يكون ~~هو المحفز للفعل والمحدد له. PageV01P028 # 5. طبيعة مقاومة المجتمع للتغيير في قيمه وثقافاته المتأصلة. أمام هذه ~~العوائق للمراجعة والتغيير ثم إعادة الصياغة، فإن أحسن ما يمكن الحصول عليه ~~إن لم يتم تغييرا جوهريا هو أن يعيش الناس نوعا من الانفصام حيث يعتقدون ~~رؤية كونية رجعية كنظام اعتقاد، وفي الوقت نفسه تبني مفاهيم ثقافية تقدمية ~~باعتبارها ضرورة معيشية. ولأن مثل هذه الحالة التوافقية غير ممكنة البقاء ~~والاستمرار عمليا، فإن الخيارات الحقيقية هي: # 1. أن تفقد الرؤية الكونية الدينية السائدة اتصالها بالحياة، وتفقد ~~قيمتها التفسيرية والتوجيهية للمجتمع والفرد، وتتحول إلى عقيدة صماء معزولة ~~تماما مما حولها من قضايا الناس. # 2. أن يكون هناك صراع متواصل بين العناصر التقدمية الثقافية التي تتطلبها ~~الحياة منا، وبين العناصر الرجعية التي تفرضها الرؤية الكونية علينا. إذا ~~تجاوزنا تلك العقبات فإنه يمكن آنذاك أن ننقذ الرؤية الكونية بأن نعيد لها ~~دورها ونفوذها الذي يمكن أن تحرك به الجبال، وذلك بأن نعيد الانسجام بينها ~~وبين متطلبات الحياة وخصوصا في هذه الأوقات الحرجة. وأود هنا أن أشير إلى ~~التجربة المسيحية في الغرب. إن ما حصل للنصرانية هو الأمر الأول. ونحن لن ~~يصيبنا إلا ما أصاب غيرنا إذا ما توافقت الأسباب. إن النصرانية لما لم ~~يمكنها أن تقدم رؤية عملية للحياة، تحولت لدى المتدينين من الغربيين إلى ~~نظام اعتقاد لا علاقة له بالحياة مطلقا، ولا محل له خارج الكنيسة، ~~والجمعيات الخيرية الدينية، والمعاهد الثيولوجية العقائدية. وأما الحياة، ~~فمقامة ومؤسسة على مفاهيم وأفكار تتناقض في أغلب أحوالها مع المفاهيم ~~والأفكار النصرانية. وأرى أننا ما دمنا لم نزل ما شاب ثقافتنا الإسلامية ~~فإننا سنتجه بهذا الاتجاه بشكل لا مناص عنه. PageV01P029 ### | AUTO ضرورة القرار السياسي # أتصور أنه لا يوجد أمل حقيقي بالتغيير ما لم يتم اتخاذ قرار سياسي يدفع ~~البلاد جميعها، بكل مواردها وإمكانياتها نحو المراجعة والتغيير والتجديد. ~~فطبيعة التغيير المطلوب يتطلب تجاوزا للواقع، والدولة هي الأكثر قدرة على ~~دعم هذا التجاوز ms022 لما لها من موارد. والمثل القائل: اتسع الخرق على الراقع، ~~هو خير ما يصف حال اليوم. فالمفكر يحاول أن يرقع هنا وهناك، ولكن الخرق ~~يتسع يوما بعد يوم، إضافة إلى هذا فإنه مع كل راقع يوجد ألف خارق. وهذا ~~بطبيعة الحال يتطلب قيادات سياسية قادرة على تقييم أهمية مثل هذه القرارات. ~~قيادات سياسية قادرة على توجيه الأمة وليس مجرد ضبطها. قيادات سياسية تمتلك ~~الرؤية التاريخية والفلسفية التي تؤهلها لاتخاذ مثل هذا القرار. وأهم من كل ~~ذلك، قيادات سياسية تفتح المجال للحركة ولكن بغير أن تعمل على تحديد ~~وجهتها. وما لم يتم مثل هذا، فإن عوامل التخلف المتأصلة المتزامنة مع هيمنة ~~غربية متزايدة ستزيد من الاحتقان الموجود في المجتمعات، مما قد يؤدي إلى ~~انفجاره. ولعل التزايد المتدرج في نشاط الحركات الصوفية في العالم الإسلامي ~~يأتي في سياق تجنب تلك النتيجة. ولكن بالرغم من عدم وجود القرار السياسي، ~~فإن طرح البدائل، والسعي إلى فتح الحوار حولها، وإيجاد من يتبناها أمر ~~لازم. ذلك أنه مع استمرار الحال كما هي اليوم فإن عاصفة التغيير ستأتي، ~~والأحداث السياسية الأخيرة في العالم مؤشر على أنها لن تكون بعيدة. وعند ~~ذاك فإما أن نكون جاهزين برؤية مستقبلية مؤسسة على طرح ثقافي متقدم، وإلا ~~فإننا سندمر. والدمار الذي يخشى منه ليس الدمار العسكري، أو السياسي، فإن ~~الشعوب لا تنتهي بذاك، ولكن يخشى من الدمار الثقافي حيث نتحرك في الحياة ~~وفق ثقافة غريبة كل الغربة عن جميع معتقداتنا التي نؤمن بها. PageV01P030 ### | AUTO عناصر سلبية شائعة اليوم # ترسخت خلال مئات السنين من الفساد السياسي والانحراف الفكري الذي عانته ~~الأمة منذ سقوط الخلافة الإسلامية عام 41 ه. كان لها آثار سلبية على الرؤية ~~الكونية الإسلامية، وتبعا لذلك أثرت على المسيرة الحضارية للأمة المسلمة. ~~نشأت ضمن مناخ سياسي أسهم في بروزها، ثم بلورتها، فاستمرارها حتى ترسخت. ~~لقد ابتعدت السياسة العامة عن مقاصد الإسلام وخرجت عن مقتضى العدل. فنتج عن ~~ذلك مجموعة كبيرة من المشكلات. من تلك المشكلات والتي تمس الفكر الإسلامي ~~مباشرة ms023 كانت في أن أغلبه نشأ وتبلور خارج إطار الدولة، الإطار السياسي ~~للأمة. بمعنى آخر نشأ خارج الحياة العامة، باعتبار أن السياسي يمثل الإطار ~~المنظم لجميع شؤون الحياة الكبرى. نتج عن هذا مناهج وطرق بين المسلمين تسعى ~~لأن تعيش دينا خارجا وبعيدا عن الواقع السياسي. لقد ابتعد النظام السياسي ~~عن الإسلام بوصفه الطاقة المعنوية الرديفة للمدركات العقلية والقيم ~~والمبادئ الإنسانية السياسية التي توجب معا إقامة العدل بين الناس، ورعاية ~~حقوقهم، وزاد الأمر سوءا أنه بدلا من أن يؤدي الدين دوره في تقديس تلك ~~القيم، وصبغها بصبغة ربانية، بحيث يصبح التعدي عليها تعديا على الله جل ~~جلاله، صار يوظف الدين ليصبح طاقة مضادة للقيم الإنسانية. PageV01P031 # لقد أمسى الدين مصدر شرعية للأمر الواقع الجائر من جهة، وصانعا لعالم لا ~~علاقة له بالشأن العام من جهة أخرى. ولم تكن صياغة الدين خارج الدولة وحدها ~~هي المشكلة، وإنما أضيف إليها تدخل الدولة المباشر في تلك الصياغة. لقد ~~عملت الدول الجائرة المتعاقبة في المراحل التأسيسية للفكر الإسلامي بين ~~41ه وأواسط القرن الرابع على صياغة دين يوافق هواها، ويخدم مصالحها. فجندت ~~رجالا لخدمتها؛ كما أشهرت بعض العلماء البسطاء السطحيين من أصحاب النوايا ~~الحسنة حيث إن بساطتهم تخدم مصالحها؛ كما عملت على كتم الحق، إما بقتل ~~قائله، وإما بتشريده، أو بنفيه، أو بحبسه، أو بمنع نشر كلامه؛ أو بغير ذلك ~~من الطرق والوسائل. # وزاد من سوء أثر تدخل السلطة السياسية أمران: # أولهما: أن السلطة السياسية الأولى التي مارست هذا الدور كان لها خلفية ~~سياسية واجتماعية ضاعفت من أثرها السلبي على واقع الأمة. ذلك أن تلك السلطة ~~تمثلت في معاوية بن أبي سفيان، وهو من أسرة عملت جاهدة منذ أيام الإسلام ~~الأولى على القضاء عليه، وعلى رسوله، وأبنائه، ودولته. وبتولي معاوية، يكون ~~قد وصل إلى السلطة رجل نشأ في كنف مشاعر العداء تلك. مشاعر لا شك أنها ~~ستبقى آثارها، خصوصا أنه أسلم متأخرا، ثم لم يبق بعد إسلامه بين المهاجرين ~~والأنصار فترة كافية، وإنما انتقل إلى الشام في مرحلة ms024 مبكرة جدا. # والثاني: قصر الفترة التي عاش فيها الإسلام عزيزا وهي ثلاثون سنة قبل ~~تولي معاوية أمر هذه الأمة. ضمن ذلك المناخ شاع بين الأمة مجموعة من ~~الأفكار السلبية كان لها آثار كبيرة على مسارنا الحضاري. لعل أبرزها ما يلي: PageV01P032 # 1. إبعاد العقل عن كونه المصدر المعرفي الأول الموجه للحياة العامة: أول ~~هذه العناصر وأبرزها وأهمها وأعمقها أثرا وأشملها. لقد حصر دوره المستقل في ~~إثبات نسبة القرآن الكريم إلى الله تعالى، وأما بعد ذلك، فغاية دوره هو ~~التفسير. ولما تم تأخير العقل عن النص، صار العقل منتظرا للنص ليعطيه الإذن ~~بالعمل في هذا الاتجاه أو ذاك. ولما كان النص من شأنه أنه لا يعطي التفاصيل ~~كلها، اعتمادا على العقل وخبرته، وجدنا أنفسنا بعقل ممنوع من العمل، وأمام ~~حاجات لم يفصل فيها النص، وصرنا إما نتهم النص بالتقصير، أو نجهد بالتكلف ~~في استخراج دلالات منه، لم يردها ولم يشر إليها. إن النص أتى لينبه العقل ~~إلى معنى الحياة، كما أتى ليعطي الإنسان الدافع الروحي في التحرك وفق ذلك ~~المعنى، ثم تركه ليحدد معالم وتفاصيل تلك الحركة، مع شيء من التدخل في ~~قضايا فرعية لا تؤثر على جوهر الحركة، ولا على وجهتها، كما لا تقلل من دور ~~العقل في رسم مستقبله. ولكن الذي حصل في الثقافة الإسلامية هو أن العقل تم ~~إلغاؤه، وحصر دوره في فهم النصوص الدينية، واعتبرت جميع القضايا التي أتى ~~بها النص تأسيسا لأحكام لا يمكن للعقل أن يدرك ضرورة القيام بها بذاته، كما ~~اعتبر أن جميع شؤون الحياة لا بد وأن تنطلق من النصوص لتجد مشروعية لها في ~~الحياة. # . التقليد: يقصد به تقليد الرموز في القضايا الدينية الأساسية التي تتعلق ~~بإيماننا بالله وعلاقتنا به جل وعلا، وفي تحديد المصالح والمفاسد. ويمكن ~~اعتباره أول وأبرز آثار إبعاد العقل. فهو أساسا العمل وفق تفكير عقل الغير، ~~ولذلك يقضي ابتداء على ميزة أساسية لدى الفرد، هي عقله المستقل. إضافة إلى ~~ذلك فإن التقليد يولد مجموعة أخرى من المشاكل، منها: PageV01P033 # أ. أن خطاب ms025 الله تعالى الموجه إلى العباد جميعا، يصير من الناحية الفعلية ~~موجها إلى أهل العلم فقط، ومن ثم منهم إلى غيرهم من الأمة، أي يكون خطاب ~~العامة آتيا من العلماء وليس من الله تعالى مباشرة. # ب. يؤدي إلى تعطيل التفكير في أهم قضية من قضايا الحياة الإنسانية، أي ~~قضية الله التي تعطي الحياة كلها معنى وروحا. # ج. يؤدي إلى تسويغ تسليم التفكير للغير حتى في القضايا غير الدينية. # د. أدى إلى وجود شيء من الكهنوت في المجتمع المسلم حيث حصرت أمور التشريع ~~والإرشاد الروحي بطبقة محددة. في حين تلك الأمور تستند إلى العلم، وليس إلى ~~انتماء ما. # ه. أفقد الأمة الجرأة على التفكير المستقل، وهذا أدى إلى ضعف العقل ~~وتناقص قدراته الإبداعية. و. يضاف على ذلك أنه أضعف حرارة تأثير الإيمان. ~~فإن تأثير الفكرة التي تؤخذ إيمانا بعد فكر ونظر أشد من الفكرة التي تؤخذ ~~تقليدا. فرق بين فكرة تؤخذ بعدما يتم معالجتها في العقل والقلب، ثم ~~الاقتناع بها، وبين فكرة تأتي جاهزة، قد فكر فيها آخر، وأعمل عقله فيها، ثم ~~لقنها غيره طالبا منه التسليم بها وأن يعمل في حياته وفقا لها. PageV01P034 # 3. عدم وضوح معيار الفضل: معيار الفضل هو من القضايا الأخلاقية الأساسية ~~التي لا بد لها من أن تتضح للمجتمع، بحيث يكون واضحا لديه، من يستحق الفضل، ~~ومن لا يستحقه، ومن يستحق الذم. ولكن في الثقافة الإسلامية التقليدية تم ~~تعويم هذا المفهوم من خلال أمرين أحدهما كان أسوأ من الآخر: الأول: تقليل ~~الاعتماد على معيار الأعمال في تحديد الفضل، مقابل التركيز على ما حددته ~~النصوص. وبالتالي أصبح الفضل كما لو كان أمرا غيبيا لا ضابط مطرد له ولا ~~معيار واضح ودائم. فقد يكون شخص قد تقدم على جميع أقرانه في كل ما يفضل به ~~المرء، ومع ذلك يظل دونهم، وأقل منهم في نظر من اعتمد على النصوص. الثاني: ~~وهو الأسوأ، وذلك عندما وجدنا أناسا ساءت أعمالهم يصنفون على أنهم خير من ~~أناس حسنت أعمالهم. يتجلى هذا في الثقافة التي ms026 جعلت من معاوية بن أبي سفيان ~~ومن على شاكلته خيرا من العباد الزهاد العلماء من بعده. وإذا كان الأمر ~~الأول يميع مفهوم الفضل، فإن هذا الثاني يضيعه تماما. PageV01P035 # 4. الجبر: توجد قناعة تامة في أعماق عقل كل مسلم متدين ذي ثقافة دينية ~~أولية بأن الأمور المستقبلة قد رسمت وحسمت. وليس للاختيار الإنساني معنى ~~سوى أننا لا نعلم ذلك المستقبل. هذا المعنى للاختيار غير معقول، ويربك ~~التفكير المنطقي بشكل كبير. ويتحسر المرء لما ينظر إلى الجهود الكبيرة التي ~~بذلها عباقرة من الفرق الكلامية في إضفاء معقولية على هذا المعنى. إضافة ~~إلى ذلك فإن هذا الأمر يضعف الفاعلية بشكل كبير. فالإنسان يتحرك من خلال ~~أمرين: رغبة في خلق مستقبل يرسمه هو لنفسه. أو انفعال من واقع يسعى لأن ~~يهدد وجوده أو مصالحه بنحو من الأنحاء. فالجبر قضى على الأول بشكل كبير، ~~ولكنه لم يقض على الثاني لسبب بسيط، وهو أن حاجة الإنسان للحياة أقوى من ~~تلك الفكرة. فحين يهدد الإنسان فإنه ينفعل، ويتحرك وفق ذلك الانفعال إلى أن ~~يحقق الأمان له، ثم تضعف العزيمة لديه بقدر ما ترسخت عقيدة الجبر فيه. ~~الأثر الآخر الخطير من آثار هذه الفكرة كما هي شائعة، هو رفع المسؤولية ~~التامة عن الفرد. فالعقيدة هذه تشرك الله مع الإنسان في كل ما يحصل له من ~~أمور غير مرغوبة. في حين أن المفروض أن المسؤولية توقع حصرا على الإنسان ~~بحيث تخلق فيه مرارة الفشل والتي هي دافع هام للتطور والتحسن في الأداء. ~~والجبر له صور متعددة ولكنها جميعا قد تأسست على فكرة واحدة هي: (أن الله ~~تعالى يخلق جميع أفعال عباده) بمعنى أن كل فكرة نحركها في عقولنا وكل عزم ~~نعزم عليه وكل قصد وكل حركة وكل فعل نقوم به... إلخ فإن الله تعالى هو الذي ~~يخلقها فينا. PageV01P036 # 5. العزل بين النتائج وأسبابها: من آثار الجبر قطع العلاقة بين الأسباب ~~ونتائجها، بحيث يكون كل منهما معزولا عن الآخر، فمن أصعب الأمور أن يقنع ~~عامة الناس أن أفعالهم مخلوقة لله تعالى، حيث ms027 أن هذه الفكرة تتنافى مع ~~الشعور الوجداني للإنسان الذي يشعر أنه إذا أراد فعل، وإذا لم يرد لم يفعل، ~~كما أنه يؤدي إلى نفي المسؤلية رأسا، ويصعب أن يجعل أمرا كهذا ثقافة ~~اجتماعية ولكن شاع بديلا عنه يعمل على الفصل التام بين أفعال الناس وبين ~~نتائج تلك الأفعال، بحيث يطلب من الإنسان أن يعمل وأن يتحمل مسؤلية عمله؛ ~~ولكن في الوقت نفسه تعتبر نتائج أعماله بيده وإنما هي بيد الله تعالى، كما ~~قيل: وليس عليه أن تتم المطالب على المرء أن يسعى إلى الخير جهده هذه ~~الفكرة حاولت أن تخفف من الآثار السلبية لمقولة (أن أفعال العباد مخلوقة ~~لله تعالى) ولكنها تنطوي على المشكلات ذاتها التي تنطوي عليها تلك المقولة ~~إضافة إلى جملة من التناقضات الأخرى. لقد صار شائعا أن كلما هو مطلوب من ~~الفرد هو أن يسعى ويعمل، وأما النتائج فأمرها إلى الله جل شأنه. وكم نسمع: ~~(علينا العمل والنتائج على الله). PageV01P037 # لقد نتج عن هذا نفي شفافية الأسباب، وعزلها عن التأثير وقطع ما بينها وبين ~~نتائجها من روابط وشيجة. لقد أصبح المسلم يطلب السبب ولكنه لا يتوقع يقينا ~~النتيجة في حين أن كل شيء يمكن فعله عبر أكثر من طريق، وكل طريق مكون من ~~مجموعة من الأسباب، فلو عرفت الطرق المتعددة وتم اختيار أحدها ومن ثم حصرت ~~الأسباب للطريق المختار، وكان للفعل ظروفه الملائمة، وتم رعاية العقبات ~~والموانع والأفعال التي لا يمكن السيطرة عليها، سواء كانت أفعالا إنسانية ~~أو طبيعية...إلخ، فإنه لابد من أن تثمر نتائج بشكل حتمي. فإذا لم يتحقق ما ~~نريده فمعنا ذلك أننا لم نقم بما يجب القيام به، أو لم يتتوفر لنا الظروف ~~الملائمة أو تدخلت أطراف أخرى بشكل غير مناسب...إلخ. بمعنى آخر أننا نقف ~~على حافة وتقف النتائج التي نريدها على حافة أخرى، ولابد لنا من أن نبني ~~جسرا بيننا وبين النتائج التي نريدها، وشكل الجسر يختلف باختلاف الظروف ~~التي نحن فيها،ولكن لابد من التجسير. عدم تحقيق النتائج يعني أن بناء الجسر ~~لم ms028 يكتمل لسبب أو لآخر، وعندما نستعين بالله فعلينا أن نستعين به على إكمال ~~الجسر، وليس على القفز من حافة إلى أخرى، وعندما نطلب منه تعالى أن لا ~~يخذلنا وأن لا يقف بيننا وبين ما نرومه فإننا نطلب منه أن لا يمنعنا من ~~إكمال الجسر، وكما يمكن أن نتصور أن يمنعنا فرد من الناس في عمل ما، وكما ~~يمكن أن نتصور أن يعيننا شخص ما على أمر ما، كل ذلك بدون أن يعني أننا ~~مجبرون، أو أنهم خلقوا أفعالهم، فلله تعالى طرقه في التدخل بدون أن يكون هو ~~الخالق لأفعالنا والمجبر عليها. إن نفي خلق أفعال العباد هو نفي للجبر، ~~وليس نفي لتدخل الله تعالى في أفعالنا تأييدا أو منعا. PageV01P038 # 6. التجسيم والتشبيه: الثقافة الشائعة اليوم بين المسلمين ثقافة تجسيمية ~~تشبيهية إلى حد كبير. توصف الله تعالى بصفات خلقه، وتشبه الله جل وعلا ~~بالبشر. فضلا عن سوء هذا من حيث إنه ينسب لله تعالى ما لا يليق به، فإن له ~~أثرا دقيقا على الوعي الجمعي للأمة. فالفكر المجسم المشبه يوجب علينا أن ~~نؤله من هو مثلنا، ونحن مثله، ولكن له الألوهية لأنه "أكثر" منا في تلك ~~الصفات. وبالتالي فإن استحقاق التأليه إنما ارتكز على الفرق في ال"كم" ~~بيننا وبين المعبود. في حين أن الفكر المنزه لله عن التجسيم والتشبيه يؤسس ~~استحقاق الألوهية على أساس الفرق النوعي والكيفي إضافة إلى الفرق الكمي. إن ~~الارتكاز على الفرق الكمي فقط في استحقاق الألوهية يؤدي إلى خلق آلهة صغيرة ~~في المجتمع، حيث إن كل من تقدم كما في صفة من الصفات، استحق نوعا من الخضوع ~~والتعظيم بقدر ذلك التقدم. في حين الاستناد إلى التفوق الكيفي والكمي يؤدي ~~إلى حصر الألوهية في الله تعالى الذي ليس كمثله شيء. PageV01P039 # 7. اهتزاز الثقة بالله: إن الله تعالى في الفكر السائد قد يعذب من لا ذنب ~~له. وقد يمكر بالعبد في آخر حياته فيزله بعد طول صلاح ليدخله النار. ومن ~~يطع الله لا يحق له أن يقول: إنه سيدخل الجنة قطعا ms029 ما دام مطيعا، وإنما هو ~~على الرجاء حتى لو مات مطيعا. والله تعالى يأمر وينهى ويمدح ويذم عبادا لا ~~فعل لهم ولا عمل على الحقيقة، ذلك أن الله هو خالق أفعالهم، ومقدر جميع ~~أعمالهم. ويجوز أن يدخل الله تعالى الجنة من لم يطع الله لحظة، وأن يدخل ~~النار أصلح عباده. إن نحو تلك الأمور تفقد العبد ثقته بالله تعالى. فمع كل ~~ما وعد الله وأوعد يبقى الإنسان قلقا مضطربا، غير واثق من مآل الأمور. ~~ويصير المرء عابدا لإله تفقد معه كل المعايير الأخلاقية التي من خلالها ~~يؤسس الإنسان علاقاته بالغير. إنه إله لا يمكن للعباد أن يثقوا بمآل أمورهم ~~في ظله. إضافة إلى هذا الأثر الخطير، فإن الثقة بين الناس تفقد. فإذا كنا ~~لا نثق بمآل أمورنا مع الله، وهو أحكم الحاكمين، وأصدق الصادقين، بعدما ~~أوعد ووعد، فكيف نثق بمن دونه من الخلق مهما وعدوا وأوعدوا؟ PageV01P040 # 8. تعطيل الثقة بالمشاهدة الحسية: إن ما يشاهده المرء لا يفسره الفكر ~~السائد دوما على ظاهره. ولعل أدق مثل على هذا إيمان ذلك الفكر بأن الله هو ~~خالق أفعالنا. فالمشاهدة الذاتية الوجدانية، وهي أكثر المشاهدات شدة وقوة، ~~تفيد أن الإنسان هو موجد فعله باستقلال. في حين أن الثقافة السائدة تملي ~~عليه أن لا يثق بهذه المشاهدة، وأن ينفيها ويقر بأن الفعل مخلوق من غيره، ~~وأن ذلك الشعور بالحرية المطلقة إنما هو مجرد شعور لا واقع له. وأما الواقع ~~فهو أن الله هو خالق وفاعل جميع ما يصدر عنه. مثال آخر يتعلق بالحسد، حيث ~~أن المشاهدة تنفي وجود أي ارتباط بين العين وبين الواقع المادي من حولنا، ~~في حين أننا نخالف ذلك معولين على نصوص لم تبلغ من القوة درجة يمكن ~~الاعتماد عليها. 9. تشويه مفهوم الوعيد: حيث أن العاصي والظالم المتمرد ~~يمكن أن يدخل الجنة برحمة الله تعالى حتى لو لم يتب، ومات مصرا غير نادم ~~على جرائمه ومظالمه ومعاصيه. # 10. تشويه مفهوم القيادة السياسية: حيث صار يمكن للظالم العاتي الجبار أن ~~يكسب الشرعية ووجوب الطاعة والولاية ms030 إذا ما وضع يده على مقاليد الحكم. ثم ~~يتحول السلطان من خادم لمصالح الأمة، يتولى أمورها لها، إلى حاكم يطاع ~~لذاته ولمنصبه بقطع النظر عن ممارسته. وهذا الأمر قد ينتج أمرا آخر ذا ~~أهمية، وهو أن المنصب يصير سبب استحقاق الولاء، فكل من جلس على الكرسي وجب ~~له ذلك، بدلا من أن تكون الكفاءة والعمل هما سبب استحقاق الولاء ومن ثم ~~المنصب. PageV01P041 # 11. تغير دور الفرد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من المفاهيم التي ~~كان لها أثر على العلاقات الاجتماعية هو الفهم حول دور الفرد في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي حين أن الدور هذا يجب أن يمارس أساسا بشكل ~~رأسي بين الفرد والدولة، وبشكل ثانوي بين الأفراد في نطاقات محدودة، فإنه ~~صار يمارس حصرا بشكل أفقي بين أفراد المجتمع. وهذه الممارسة الأفقية غير ~~مجدية في أغلب الأحوال. فالأمر والنهي بين الأنداد مستصعب، وإن وقع فإنه ~~يخلق شعورا بالمرارة وبالتعدي، كما أنه يفتت المجتمع، ويحوله إلى جيوب من ~~المؤمنين الآمرين، وأخرى من الفاسقين المنهيين. في حين أن الأصل أن يكون ~~نحو الدولة لإصلاحها إذا ما فسدت، ثم تقوم هي بواجبها على الأفراد، وهو أمر ~~لا يجد الناس منه غضاضة، حتى وإن كان غير محبوب لديهم. # 12. اختلاط الأوليات: لقد اعتبرت قضية الدولة فرعية، في حين أنها القضية ~~العملية الكبرى في حياة الإنسان، وجعلت هي ومئات من الأحكام الفقهية بمستوى ~~واحد، فصارت القضايا الفردية تحتل الأهمية نفسها للقضايا الاجتماعية، وصار ~~المتدين يغار ويسخط لما يرى مخالفات ذات سمة فردية شخصية، أكثر مما يسخط ~~لما يرى أو يسمع بمخالفات تطال الشأن العام. مثال ذلك رد فعل أغلب ~~المتدينين عند رؤية امرأة سافرة عن شعرها، أو كاشفة لبعض جسدها، مقابل ردود ~~أفعالهم من منظر طفل يمد يده للناس. تلك بعض عناصر بارزة أصبحت ضمن الثقافة ~~اليومية للمسلمين، ولها آثار سلبية على واقعهم. وأي رؤية كونية فيها نحو ~~هذه العناصر لا شك وأنها ستفرز لنا عناصر ثقافية سلبية أخرى سياسيا، ~~واجتماعيا، واقتصاديا، وعلينا أن ms031 نستكشفها، ونستخرجها، ونحلل أثرها، وكيفية ~~معالجتها. PageV01P042 ### | AUTO رؤية بديلة # شرط الخروج من الأزمة رؤية دينية عقلانية تجيب على أسئلة الإنسان الكبرى ~~من جهة، ومن جهة أخرى يكون لها مشروع سياسي تعمل من خلاله على خلق الإطار ~~الملائم لحياة كريمة على ضوء إجاباتها. صبغتها الدينية ستوفر لها قيمة ~~روحية عالية. عقلانيتها ستقدم تفسيرا واقعيا للحياة بعيدا عن الخيالات ~~والأوهام. إجاباتها ستبين للإنسان المسار الذي عليه أن يسير عليه، وستكشف ~~له مقومات حركته، ومآله. مشروعها السياسي سيحمي الإنسان من ظلم نفسه، ~~ويحميها هي من الاستغلال. غني عن القول أن تلك السمات سيعني حتما تجاوز ~~السلبيات المشار إليها. للزيدية رؤية تمتلك كثيرا من تلك السمات. هذا يضعهم ~~أمام مسؤولية كبرى أمام الله تعالى وأمام التاريخ. يحاول البعض أن يشيع عدم ~~إمكانية التوافق بين الرؤية الدينية وبين الواقع، باعتبار أن موافقة الواقع ~~مصدرها العقل، والرؤية الدينية مصدرها الروح، ولا يمكن أن يكون بينهما ~~توافق، بل لكل منهما مجاله الخاص. وما نذهب إليه خلاف هذا الأمر. فالعقل ~~يقدم لنا رؤية للواقع، ولكن لكي يكون لتلك الرؤية قيمة روحية فلا بد من ~~احتضان الروح لها. إن الروح وعاء للمعرفة، وليس منشئا لها. والمشكلة تأتي ~~من اعتبارهما جميعا مصدرا للمعرفة. مصدر هذا الرأي التيارات المسلمة وغير ~~المسلمة التي ترى أن العقل لا يمكنه أن يعرف شيئا عن ما وراء المادة. ~~ويزداد زخم هذه التيارات كلما ضعف أداء العقل في مجالات الدين، فيتم اللجوء ~~إلى اعتبار أن العقل ليس من شانه الحكم على الدين. إنها حماية سلبية للدين، ~~ليس بتقديم الرأي المضاد، ولكن بنفي صلاحية تناول المسألة. ترتكز الرؤية ~~على ركنين أساسيين أو أصلين كبيرين هما: الإيمان بالله ورسالاته واليوم ~~والآخر من جهة، ووجوب إقامة دولة عادلة ترعى مصالح الناس ومعايشهم من جهة ~~أخرى. وتستند إلى منهجية تؤمن بالعقل مصدرا أساسيا للمعرفة. وإن الله تعالى ~~يثير العقل باتجاه استكشاف ما حوله عبر PageV01P043 مجموعة من المثيرات أولها وأعلاها شانا الأنبياء والرسل. أبرز ما تطرحه ~~الرؤية هي أن تبين موقع ms032 الله في حياة الإنسان. هذا الأمر كان دوما المعنى ~~الثابت في جميع مطالب الأديان السماوية والرسالات الإلهية. بيان تلك القضية ~~((الله في حياة الإنسان)) هي جوهر الدين والرسالات السماوية. وهي ما يميز ~~الدين عن المبادئ والفلسفات والمدارس الأخلاقية بأشكالها والرؤى الاجتماعية ~~والسياسية بأنواعها. أي رؤية لا تنطلق من هذا الأمر، أو لا تجعل بيان الأمر ~~من أمهات مقرراتها تفقد صبغتها الدينية. ببقاء قضية ((الله في حياة ~~الإنسان)) يكون للدين معنى. ببقائه يكون، وبزواله يذهب. ما سوى هذه يعد من ~~الأعراض التي إذا زالت لم يزل الدين. فالتشريعات تختلف من دين إلى دين. ~~وأشكال العبادة تتنوع. ولكنها جميعا تجيب على تلك القضية الجوهرية. جميعها ~~تربط الإنسان بالله تعالى شأنه وعز سلطانه وجل جلاله. وموقع الله في حياة ~~الإنسان مما يدل عليه الدين، ويرشد إليه. بمعنى آخر إنه أمر لا يؤسسه؛ لأنه ~~أمر يعلم عقلا، وكل ما يعلم عقلا فالدين يكون فيه دالا ومقررا، يأتي ليثير ~~دفائن العقول باتجاه التفكير فيه واستكشافه، ولا يأتي ليؤسسه. إننا ندرك ~~بعقولنا أننا ((لله)). ندرك هذه الحقيقة، التي هي بحق أعمق حقيقة في ~~وجودنا. حقيقة تحيط بنا من حين وجدنا. إن كينونتنا هي في أننا لله، وليس ~~لنا أي كينونة مستقلة عنه تعالى. فنحن لسنا لله بمعنى أنه أوجدنا فملكنا ~~فحسب، ليس بمعنى أن بيننا وبينه تعالى علاقة مملوكية، وإنما نحن لله، بمعنى ~~أن وجودنا هو نفسه مملوكيتنا لله تعالى. وقد قرر الله تعالى هذه الحقيقة ~~المدركة عقلا بقوله تعالى على لسان عباده المؤمنين: ((إنا لله)) وكما ندرك ~~تلك الحقيقة، فإننا ندرك أننا إليه تعالى ((وإنا إليه راجعون)). إن المسيرة ~~نحو الموت ليست إلا مسيرة إليه جل شأنه. نحن عائدون إليه. ولكنها ليست عودة ~~حسية. ليست العودة إلى PageV01P044 الله تعالى ذهاب إلى مكان، فالله تعالى يتعالى عن المكان. العودة إليه هي ~~عودة إلى وعي حقيقتنا، حقيقة إنا لله. يرافق هذه المسيرة الاضطرارية أخرى ~~اختيارية. مسيرة فكرية روحية. فنحن يمكننا أن ندرك هذه الحقيقة باختيارنا، ~~قبل موتنا. ms033 وقد كشف الله هذه الحقيقة لنا بقوله: ((وإنا إليه راجعون))، ~~وبقوله جل وعلا{ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه}[الانشقاق:6] ~~ووصف طبيعة اللقاء وأثره: {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}[ق:22] ~~{ليروا أعمالهم}[الزلزلة:6]. هذه الحقيقة الكلية، والتي تشملنا شئنا أم ~~أبينا ، كفرنا أم آمنا،حقيقة: {إنا لله وإنا إليه راجعون}[البقرة:156]، هي ~~جوهر جميع الرسالات، وجميع الديانات السماوية. ولا بد لأي رؤية أن تعزز هذا ~~المعنى، وتؤكده. إن إدراك تلك الحقيقة ليس إلا خطوة تتبعها ضرورة خطوة أخرى ~~هي أن نتمثل ما أدركناه من أفكار. إن معرفة "إنا لله وإنا إليه راجعون" ~~ليست كغيرها من المعارف التي لا تتبعها مواقف عملية. فليس المطلوب صياغات ~~وعبارات، وحفظا في الكتب والصدور. فإذا كان جوهر الدين في الحقيقة الكبرى ~~((الله في حياة الإنسان)) فإن جوهر التدين هو في التمثل الإرادي لتلك ~~الحقيقة. فنحن وإن كنا نسير إليها مسيرا وجوديا اضطراريا، فإننا قادرون على ~~أن نسير إليها في هذه الحياة مسيرة اختيار وذلك بعقلنا وإرادتنا الحرة التي ~~ميزنا الله تعالى بها عن غيرنا. PageV01P045 # التمثل فكري تارة، وسلوكي تارة أخرى. فكري: بأن نعرف تلك الحقيقة، ونعيها. ~~فنشهد لله تعالى بما شهد لنفسه، وبما شهد له ملائكته وأولو العلم به{شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم}[آل عمران:18] .فهو الإله الواحد الذي لا إله سواه، الذي له ~~كل صفات الكمال والجلال ومنزه عن كل صفات النقص. وهو القائم في خلقه ~~بالعدل. ونعي أننا راجعون إليه ومعنا كل ما تحملناه من متاع الحياة الدنيا ~~لنرى تلك الأعمال بنفسها{ليروا أعمالهم}[الزلزلة:6]، ولكن نراها من وجهة ~~أخرى، هي وجهتها الحقيقة{إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا}[النساء:10] فأكل الأموال في الدنيا بغير حق صار نارا في ~~البطون يوم لقاء الأعمال. سلوكي: بتمثل ألوهية الله تعالى فيما بيننا ~~وبينه، وفيما بيننا وبين أنفسنا. فتمثل الألوهية فيما بيننا وبينه جل جلاله ~~يكون أولا بالإقرار والرضا عن تلك الحقيقة، وبحب الله جل وعلا، ms034 وبإخضاع ~~إرادتنا له. هو إخضاع تلقائي، لا تكلف فيه، متى كان ناشئا عن تمثل تام لتلك ~~الألوهية، ولكنه في أوله إخضاع إرادي اختياري ناشئ من تقدير الإنسان بوجوب ~~نحو ذلك الخضوع لمن كان على نحو تلك الصفات. PageV01P046 # ثم نتمثل عدل الله تعالى وقيامه بالقسط فيما بيننا وبينه لنطمئن في مسيرتنا ~~إليه، ونركن إلى حسن مآلنا، وإلى عدالة من سيحكم أمرنا. تمثل تلك الحقيقة ~~فيما بيننا وبين أنفسنا، أو بعبارة أخرى انعكاس تلك الحقيقة على علاقاتنا ~~الإنسانية، فبأن نقف أمام بعضنا البعض موقف الأنداد المتساوين وجودا وإن ~~تفاوتنا خلقة. فلا علو إلا للكمال المطلق، ولا كمال مطلق إلا الله تعالى. ~~فلا يحق مطلقا لأي إنسان أن يعلو على آخر بأي علو مهما كان صغيرا، كما لا ~~يحق لأي إنسان أن يخضع لأي إنسان مهما كان. ويستثنى من ذلك ما أذن الله ~~تعالى به، أو وجود مصلحة عامة من ذلك. بغير هذا يكون العلو والخضوع تعديا ~~على مقام الألوهية، وجريمة كبرى في حق الإنسانية. بل لا يحق نحو هذا العلو ~~حتى على الأحياء الأخرى غير الإنسان بغير تلك الشروط. لأن مثل هذا التعدي ~~ممكن، ومحتمل؛ فإنه يجب على الإنسان أن يحمي نفسه، ويحمي حقه. هذه الحماية ~~تعني وجود مشروع سياسي يخلق حياة عادلة بين الناس تحميهم من التعدي على ~~بعض، وتمنعهم من تجاوز حقوق بعض. غياب المشروع السياسي يؤدي حتما إلى غياب ~~العدل بين الناس. مما يعني غياب التمثل السلوكي للدين على مستوى علاقة ~~الإنسان بالإنسان. قد يبقى التمثل على مستوى علاقة الإنسان بالله، إلا أن ~~هذا الأمر يؤدي إلى إفقاد العلاقة بالله تعالى كثيرا من معانيها لسببين: # أ. إن غياب العدل يؤدي دوما إلى إعادة صياغة علاقة الناس بالله تعالى وفق ~~معادلة تبقي الظلم قائما، وفي بعض الأحوال تجعل من وجود لله سببا له. PageV01P047 # ب. إن الله تعالى لغناه عن علاقة الناس به، يريد أن يكون لوجوده في حياتهم ~~مصلحة لهم. فإن غابت تلك المصلحة، فإن قيمة علاقتهم به تضمحل. لذلك ms035 يمكن ~~القول إن غياب العدل بمثابة غياب الله تعالى من وعي الناس وتفكيرهم. غياب ~~العدل يعني غياب الدين. لذلك كان وجود العدل ضروريا لبقاء الدين. ما سبق ~~يبين الرؤية بشكل مجمل. إنها رؤية عقلية تؤمن بأن العقل مصدر المعرفة، وأن ~~الروح وعاء لها. رؤية تدعو إلى إحياء وجود الله في حياتنا. إحياء وعينا ~~بعلاقتنا الوجودية به، وإحياء وعينا بمسيرتنا الاختيارية والاضطرارية إليه. ~~والعمل على تفعيل أثري وجود الله: الأثر على علاقة الإنسان به، والأثر على ~~علاقة الإنسان بالإنسان. ما يلي توضيح لبعض تفصيلات هذه الرؤية. هذه ~~التفصيلات يمكن أن يضاف إليها، أو يطور فيها، كل ذلك بحسب الظرف والحاجة. ~~وسنبدأ أولا بعرض المفاهيم المنهجية لهذه الرؤية. المفاهيم المنهجية ... ### | AUTO أولوية العقل # أول ما تؤكده الرؤية هو استنادها للعقل في تأسيسها. سنجد أن مفاهيمها ~~المنهجية المذكورة كلها تفرعات عن أولوية العقل وتقديمه في كل شيء. وهناك ~~اختلاف حول أمر العقل وعلاقته بالنص. فالسائد هو اعتبار أن أمر الدين يعود ~~كلية إلى النص، وأن العقل عليه التوقف عند حدود المادة والمحسوسات. وقد ~~صاغه البعض بعبارة "التعارض بين العقل والنقل". ومحور الخلاف ليس التعارض، ~~وإنما صلاحية العقل في إدراك القضايا الدينية، والمصالح الدنيوية مستقلا عن ~~النص من جهة، ومن جهة أخرى قبول مبادئ دينية تتعارض مع العقل. على ضوء ذلك ~~تشكل لنا منهجان: # 1. منهج يستند إلى العقل ليفهم به النص. # 2. ومنهج يستند إلى النص ويكيف العقل وفق فهمنا له. PageV01P048 ### | AUTO منهج الاستناد إلى العقل # يرى أن النص حمال ذو وجوه، يحتمل معاني متعددة وأحيانا متباينة. ولذلك ~~فإن النص بطبيعته، أيا كان مصدره، لا يفهم فهما سليما إلا من خلال الاستناد ~~إلى أمر خارج عنه. هذا الأمر هو الواقع. والواقع لا يستكشف إلا من طريقين: ~~الطريق الأول هو الحس والمشاهدة. والطريق الثاني هو الاستدلال بالعقل. ~~ففيما يتعلق بمعرفة الله؛ فنحن نعلم أنه تعالى لا يعلم بالحس ولا ~~بالمشاهدة، فليس لنا وسيلة إلى معرفته إلا الاستدلال بالعقل. وفيما يتعلق ~~بالأمور التشريعية فإن العقل يمكنه أن ms036 يدرك المصالح والمفاسد وبالتالي ~~يطابق بين التشريع وبينها. النص وفق هذا التصور لا يملي على العقل معلوماته ~~عن الله تعالى أو عن المصالح والمفاسد، بل يثير انتباهه إلى ما كان غفل عنه ~~العقل، ولربما ظل كذلك لدقة بعض تلك الحقائق. إلا أن هذه الحقائق التي كان ~~غافلا عنها، والتي أثار النص انتباهه إليها، من شأن العقل أن يصل إليها ~~بمفرده، لو قدرنا وافترضنا أن العقل وجه توجيها سليما. لذلك وفق هذا المنهج ~~فنحن نعقل معاني النصوص ولا نكرر ألفاظها كلما ذكرناها. النص يثير دفائن ~~العقول بحيث يصل العقل بنفسه إلى معرفة الله تعالى، كما يصل إلى معرفة ما ~~يجب عليه من الأفعال. النص في هذا المنهج يرشد العقل إلى إدراك الواقع. ~~أولوية العقل على النص تعم كل ما يأتي به الأنبياء. نعم يوجد فرق بسيط بين ~~العبادات التي يرشدون إليها وبين الشرائع التي يضعونها. في مجال العبادات ~~يضع الأنبياء قواعد سلوكية تعبدية يدرك العقل بشكل عام أنه بحاجة إليها. ~~فالإنسان يدرك حق الله عليه، ويدرك أن عليه أن يؤدي الشكر لله تعالى على ما ~~أولى وأنعم. كما يدرك حاجته للاتصال بالله تعالى مصدر كل قوة، ومنبع كل ~~خير، والعالم بكل شيء. ويعلم الإنسان أن أغلب البشرية إن لم يكن جميعها ~~تحتاج في أداء شكرها لله تعالى وفي الاتصال به إلى ممارسات حسية. وعليه ~~فالعقل يدرك الحاجة إلى وجود ممارسات PageV01P049 تعبدية. ونلمس هذا من دعوة إبراهيم صلى الله عليه{وأرنا ~~مناسكنا}[البقرة:128]. إذ يطلب من الله تعالى أن يرشده إلى الوجه الذي من ~~خلاله يعبده به. يدرك العقل أيضا أن تحديد هذه الممارسات يحسن أن تخرج عن ~~مسؤولية الإنسان، وتكون لله وحده، وذلك لأكثر من سبب: # أ. هناك لا محدودية في الاحتمالات الممكنة لتلك الممارسات، فهي في نهاية ~~الأمر تكسب قيمتها لا من ذاتها، أو شكلها، وإنما من المعنى الذي يفترض أنها ~~تعبر عنه، وبالتالي يمكن لنا أن نتصور أشكالا متنوعة ومختلفة من الممارسات ~~العبادية والتي لا يختلف أحدها عن الآخر من حيث ms037 شكل الفعل، وإنما سيكون ~~الاختلاف في المعنى وراء الفعل. # ب. إن أخذ هذه الأمور من الله تعالى له قيمة روحية أساسية هي التعبد ~~المحض لله تعالى فيما يريد، كيفما يريد. # ج. هناك ضرورة إلى وحدة الممارسات بين الأمم، لخلق روح جماعية ضرورية، ~~وهي قيمة لا يمكن تحقيقها لو كان لكل منا الخيار في اختيار الشكل الذي يريد ~~من خلاله أن يعبد الله تعالى. ونجد أن مع كل الاختلافات التي حصلت بين ~~المسلمين في كل شيء، إلا أن شكل الممارسات التعبدية لله تعالى لم يختلف ~~عليها. فالكل يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويدعو الله. PageV01P050 # د. يضاف إلى ما سبق، ضرورة سلب حق تحديد شكل هذه الممارسات إلى أي بشر، حيث ~~إن ذلك يعطيهم قدرة هائلة على السيطرة على الناس، وإخضاعهم لأهوائهم. إذن ~~خروج الممارسات العبادية المحضة عن مجال فعل العقل، لم يكن من حيث إنه لا ~~يعقل قيمتها، أو أهميتها، ولكن من حيث إن أي شكل من أشكالها يحقق الغرض ~~منها، في حين أن إحالة أمرها إلى العقل سيؤدي إلى مشكلات مختلفة، فإذا كان ~~الأمر كذلك، فليكن اختيار الله تعالى لنا هو الشكل الذي نعمل عليه، ونتقيد ~~به. في المجالات الأخرى من مجالات حياتنا الفردية، والاجتماعية في مختلف ~~أبعادهما، فإن الأنبياء هنا يؤكدون ما ارتكز من قضايا العقل جملة وتفصيلا، ~~أو يثيرونه ليستكشف أبعادا أخرى. وقلما يؤسسون شيئا في هذا المجال، وإن وجد ~~فهو في قضايا فرعية لا تعتمد الحياة عليها. أما القضايا الكبرى، والتي ~~ترتكز حركة المجتمع عليها، فهي قضايا عقلية، يأتي الدين ليثيرها، ويبرزها ~~إلى الأمام، ثم يحميها، ويهب لها القداسة، ويعد من تقيد بها بالثواب، ~~ويتوعد من تعدى عليها بالعقاب. PageV01P051 ### | AUTO منهج تأخير العقل # يرى أن العقل المتدين عليه أن يتنحى للنص تماما، ويتلقى منه الألفاظ التي ~~يوردها، بغير أن يكون له دور سوى دور المستمع. النص يملي على العقل تلك ~~الألفاظ، وهو ليس إلا وعاءا خاليا تماما، يستلم ألفاظا يجب عليه فهم المعنى ~~اللفظي من أفراد الكلمات؛ لأن ms038 العقل وفق هذا التصور لا يستطيع أن يدرك من ~~الواقع الخارجي ما له علاقة بالله تعالى أو ما كان يتعلق بمصلحة ومفسدة ~~تشريعية. فالله قادر، لأن القرآن قال: إنه قادر. والله تعالى عالم، لأن ~~القرآن قال:إنه عالم. أردد هذه الألفاظ دون أن يكون لي الحق أو القدرة على ~~تعقل المراد منها، ومع ذلك فعلي أن أفهمها. هذا الأمر مضر وقبيح لأن النص ~~قال بذلك، وليس للعقل أي قدرة على تقييم الأمر. بل الأمر أكثر من هذا؛ ~~فالنص هنا يفرض على العقل معلومات لا يقبلها العقل، ولكن أصحاب هذا المنهج ~~يقسرون العقل على قبولها مهما كان الأمر. يمكن إيضاح الفرق بين المنهجين ~~بالنظر إلى طريقتهما في أمرين مهمين: معرفة الله، وشمولية الدين. حسب ~~المنهج الأول فالنص عندما ينفي الشريك عنه تعالى، فإن النص يقرر، ويؤكد، ~~معنى يمكن للعقل أن يقبله، ويدرك أنه يتوافق وكمال الله؛ لأن العقل يستطيع ~~إدراك ما هو كمال لله. حسب المنهج الثاني فإن النص يملي على العقل هذا ~~المعنى، فلا يمكنه أن يحكم عليه ببطلان أو صحة، إلا من حيث صدق المصدر أو ~~كذبه؛ بمعنى أن العقل لا يمكنه أن يحلل هذه القضية، فيحكم من خلال تحليله ~~إياها أنها صحيحة، بل ما يعمله العقل هنا هو أنه يؤمن بصدق مصدر هذا الخبر ~~فيصدقه، فلا يمكن أن يقول: إنه يتوافق وإياه، أو يختلف معه. على ضوء ذلك ~~فإنه وفق المنهج الثاني؛ لو أثبت النص شريكا لله تعالى فإنه سيقبله لأن ~~دوره دور المتلقي لا غير. أما حسب المنهج الأول فلو أثبت النص شريكا لله ~~تعالى لنفى العقل صحته، لأن دوره دور المثار المتفكر. في المنهج الأول يكون ~~العقل مستكشفا لكمالات الله، ويكون PageV01P052 النص كاشفا لتلك الكمالات، ويتعاونا معا من خلال عملية الكشف والاستكشاف. ~~في المنهج الثاني يكون النص هو الكاشف عن الواقع، ويكون العقل متلقيا لهذا ~~الواقع، بغير أن يكون له دور في استكشافه. صفات الله تعالى في المنهج ~~الثاني تؤخذ من النص، وصفات الله تعالى في المنهج ms039 الأول يكون مصدرها ما ~~ندركه من كمالات الله تعالى، والكاشف عنه النص والعقل معا؛ إلا أن السابق ~~في ذلك هو العقل: زمنيا لأن العقل قبل النص، ورتبة لأن النص أي نص لا ~~يفهم إلا من خلال الاستناد إلى فهم مسبق للواقع. وفيما يتعلق بالعلم بالله ~~فهذا الفهم المسبق ليس مصدره إلا العقل كما ذكرت. PageV01P053 ### | AUTO معنى شمولية الإسلام # نأتي الآن للنظر في معالجة المنهجين، فبسبب الخلاف حول قضية العقل والنص ~~ظهر تفسيران لمعناها. فمن ضروريات الدين التي لم يختلف عليها أحد أن جميع ~~أمورنا، صغيرها وكبيرها خاضعة لله تعالى. وأننا مملوكون له جل شأنه لا ~~نتصرف في حياتنا إلا بما يرضاه. وقد تجلى هذا المعنى من خلال أوامر الله ~~تعالى ونواهيه التي طالت تفاصيل حياتنا، حتى وصلت إلى كيفية الاستئذان ~~وأحكامه. ولكن ما معنى هذه الشمولية؟ أهي شمولية نص أم شمولية رؤية؟ هل ~~الشمولية تعني أن جميع مناحي الحياة تقع ضمن النصوص الدينية القرآنية ~~والنبوية؟ تأخير العقل عن النص سيؤدي حتما إما إلى القول بشمولية الإسلام ~~بهذا المعنى، وإما إلى إلغاء مبدأ الشمولية لما تواجهه من مشكلات نابعة من ~~سياقه الذي تفسر فيه. إن النصوص مهما كثرت فهي محدودة، ودلالاتها مهما ~~اتسعت إلا أنها لا يمكن أن تستوعب كل المتغيرات المستحدثات، فضلا عن كونها ~~تشمل جميع تفاصيل الحياة. ولا يتعارض هذا مع قوله تعالى:{ما فرطنا في ~~الكتاب من شيء}[الأنعام:38]، ولا مع قوله تعالى:{تبيانا لكل شيء}[النحل:89] ~~ذلك أن عبارة "كل شيء" لا تعني العموم المطلق، وإنما العموم المخصوص ~~بمقتضيات السياق الذي وردت فيه العبارة. فقوله تعالى: {تدمر كل ~~شيء}[الأحقاف:25] لم يقصد تدمر كل شيء من الأشياء، بل كل ما بتدميره تكون ~~العقوبة التامة على القوم قد تحققت. وقوله تعالى: {وأوتيت من كل ~~شيء}[النمل:23] لا يعني أكثر من أنها أوتيت كل ما من شأنه أن يعزز ملكها. ~~ومحدودية دلالة النصوص تؤدي في نهاية الأمر إلى تكلف كبير في استخراج ~~دلالات خارجة عن مقصود النصوص، أو إلى القول بمحدودية دور الدين في حياة ms040 ~~الإنسان ضمن نطاق ما صرحت به النصوص. المنهج العقلاني، باعتبار جعله العقل ~~مصدرا أوليا للمعرفة، اعتبر أن الشمولية أعم من شمولية النصوص. إنها شمولية ~~رؤية. شمولية تنطلق من PageV01P054 تأثير الإسلام على لون رؤيتنا للحياة. إن كل ما يقع فيه الإنسان مشمول ~~برؤية ((إنا لله وإنا إليه راجعون)) وكل ما يعمله الإنسان تتناوله هداية. ~~فالقرآن الكريم كتاب هداية أولا، وكتاب تشريع ثانيا. والهداية هي الدلالة ~~إلى المطلوب. وهداية القرآن هي إلى الله تعالى، وإلى سعادتنا. وقد وضع الله ~~في كتابه كل ما يحتاج إليه الإنسان لكي يسير على الطريق المقصود، كما قدم ~~له ما يغنيه لكي يحدد تفاصيل ذلك المسار. ولكن الله تعالى كما دلنا على ~~الطريق، بغير أن يوصلنا إليه بنفسه، وإنما ترك الوصول علينا، وترك باب ~~الاستعانة به مفتوحا؛ فهو كذلك قد دلنا على كيفية وضع تفاصيل ذلك ~~المسار،وترك لنا الكثير مما يجب القيام به. مثالا لهذا الأمر موضوع الدولة، ~~والتي تعتبر من أهم القضايا ومن أولويات الدين. فضرورة الدولة العادلة التي ~~ترعى مصالح الناس وفق منهج الشمولية الأول ينطلق من وجود النص. في حين أنها ~~وفق المنهج الثاني أمر ينطلق من العقل ولا يتطلب النص. كما أن التحرك نحو ~~تلك الدولة يتأسس على جملة من المفاهيم حول العدل، والحرية، والمساواة، ~~والحقوق ونحوها. وهذه مفاهيم عقلية يدرك الإنسان ضرورتها، وضرورة العمل بها ~~بغير أن يكون هناك نص شرعي. فإذا أشار النص الشرعي إلى أي من تلك المفاهيم ~~فإنما يؤكد ويشدد على ضرورتها، ويجعل من الله تعالى حاميا لها، ومدافعا ~~عنها، ولكنه لا يؤسس لها. فهي مشمولة بحضور الله معها، وليست مشمولة بتشريع ~~الله لها. هذا المعنى الروحي في حين أنه لا يسلب العقل استقلاليته في ~~إدراكها، فإنه أيضا يعطي الفرد والمجتمع دافعا أكبر نحو العمل لتحقيق تلك ~~المفاهيم، ولإنشاء مثل تلك الدولة. ولكن لما تم تأخير العقل عن النص، صار ~~العقل منتظرا للنص ليعطيه الإذن بالعمل في هذا الاتجاه أو ذاك. ولما كان ~~النص من شأنه أنه لا يعطي ms041 التفاصيل كلها، اعتمادا على العقل وخبرته، وجدنا ~~أنفسنا بعقل ممنوع من العمل، PageV01P055 وأمام حاجات لم يفصل فيها النص، وصرنا إما نتهم النص بالتقصير، أو نجهد ~~بالتكلف في استخراج دلالات منه، لم يردها ولم يشر إليها. إن النص أتى لينبه ~~العقل إلى معنى الحياة، ليعطي الإنسان الدافع الروحي في التحرك وفق ذلك ~~المعنى، ثم تركه ليحدد معالم وتفاصيل تلك الحركة، مع شيء من التدخل في ~~قضايا فرعية لا تؤثر على جوهر الحركة، ولا على وجهتها، كما لا تقلل من دور ~~العقل في رسم مستقبله. ولكن الذي حصل في الثقافة الإسلامية هو أن العقل تم ~~إلغاؤه، وحصر دوره في فهم النصوص الدينية، واعتبرت جميع القضايا التي أتى ~~بها النص تأسيسا لأحكام لا يمكن للعقل أن يدرك ضرورة القيام بها بذاته، كما ~~اعتبر أن جميع شؤون الحياة لا بد وأن تنطلق من النصوص لتجد مشروعية لها في ~~الحياة. إن شمولية الإسلام كانت من أنه قدم رؤية تغير من نظرتنا للحياة، ~~فأثار العقول نحوها وطلب من الناس السعي إليها وقدم قيمتها الذاتية قبل ~~قيمتها الشرعية، بحيث يكون السعي إليها أساسا نابعا من الحاجة الذاتية ~~للأمر، وليس من التشريع الخارجي له. PageV01P056 ### | AUTO من أبرز عناصر المنهج العقلي هي: # 1. أولوية العقل كمصدر للمعرفة: إن العقل هو المصدر الأول والأهم للمعرفة ~~الإنسانية، وكل ما يضاده فهو غير مقبول البتة. وكل ما لا يدل العقل عليه ~~فلا حكم له على الإطلاق. وكل ما يمكن أن يعلم عقلا فالدين يكون فيه دالا ~~ومقررا، يأتي ليثير دفائن العقول باتجاه التفكير فيه، واستكشافه، ولا يأتي ~~ليؤسسه. على أساس القاعدة الأولى فإنه لا يمكن تفسير النصوص الدينية إلا ~~ضمن إطار ما يقبل عقلا، فيستثنى ابتداء أي معنى يتعارض مع العقل، ثم يتم ~~تفسير النص لغويا. وعلى أساس القاعدة الثانية فإنه لا يصح بناء أي رأي على ~~أساس أنه أمر محتمل عقلا، بل لا بد من أن يبنى على أساس دليل مباشر من ~~العقل أو من النص. ولو نظرنا من حولنا إلى كثير ms042 من الخرافات المنتشرة في ~~العالم الإسلامي، لوجدنا أن من أسس قبولها هو احتمال وجودها أي كونها غير ~~مستحيلة، وليس دليل وجودها. وعلى أساس القاعدة الثالثة فإنه لا يصح أن نلوم ~~الدين بالتقصير إذا لم يدلنا على القيام بما يدلنا عليه العقل، كما إننا لا ~~نعفى من مسؤولية ترك ما يدل عليه العقل، لمجرد أن النص لم يدل عليه. # 2. أولوية نظام العلل والمدركات الحسية القطعية على النصوص الظنية:إذا ~~تعارضت دلالة دينية ظنية مع دلالة حسية مقطوع بها فإن الأولوية للحقيقة ~~الحسية. مثال ذلك موضوع العين وعلاقته بالحسد، فالمشاهدة الحسية المقطوع ~~بها لا تجد أي علاقة بين العين الحاسدة وبين الواقع المادي من حولنا، فإلى ~~حين إثبات هذه العلاقة بطرق معتبرة فلا بد من نفي هذا الأمر، حتى لو وجدت ~~نصوص ظنية في هذا الأمر. PageV01P057 # 3. حجية العقل في معرفة الله: الإيمان بأن العقل هو الوسيلة الأساسية ~~لمعرفة الله تعالى، ولمعرفة رسالاته. بمعنى أنه لا يمكن إثبات وجود الله ~~تعالى، إلا من خلال مفاهيم عقلية محضة. كما لا يمكن إثبات الرسالة، وصدقها ~~إلا من خلال مفاهيم عقلية محضة. وأهم ما يترتب على هذا الكلام أنه يستحيل ~~أن يأتي عن الله تعالى، أو عن رسله أي أمر ينقض المفاهيم التي بها أثبت ~~وجود الله تعالى. فلا يمكن أن يدل القرآن أو كلام الرسول صلوات الله عليه ~~وآله على التجسيم أو التشبيه. كما لا يمكن أن يدل على الجبر وعلى خلق أفعال ~~العباد. وما يتوهمه البعض من وجود ذلك في القرآن فهو ناشئ عن سوء فهمهم ~~لكتاب الله عز وجل. وأما وجود ذلك في كلام رسول الله صلوات الله عليه وآله ~~فسببه الكذب عليه، أو الخطأ في الرواية عنه، أو سوء الفهم. وتلك المفاهيم ~~العقلية نوعان: نوع يستدل به على وجود الله تعالى، وعلى صفاته. وذلك نحو ~~ضرورة مبدأ العلية، ومبدأ استحالة العلل إلى ما لا نهاية. ونوع يستدل به ~~على حكمة الله تعالى وعلى صدقه. وذلك نحو كون الكذب والظلم والعبث أمورا قبيحة. PageV01P058 # 4. استقلال ms043 القرآن الكريم في دلالته: الإيمان بأن جميع القرآن الكريم يمكن ~~أن يفهم بمعزل عن كلام رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله. وعليه فكل ما ~~ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، لا بد من سلامته من معارضته. ولا ~~علاقة لهذه المسألة بالخلاف حول دور السنة في التشريع. فنحن نفهم القرآن ~~الكريم بالإجمال الذي فيه، وتأتي السنة لتبين المجملات التي لا يمكن ~~إدراكها عقلا. نحو (أقيموا الصلاة)، آية مفهومة تماما، وإنما لا نعلم كيفية ~~هذه الإقامة، فنأخذها من سنة النبي صلوات الله عليه وعلى آله. وخلاف هذا ~~القول، هو قول من يرى أن القرآن لا يفهم أصلا إلا من خلال الآثار، وقد نتج ~~عن هذا القول تفسيرات تغير من دلالة ظاهرة للقرآن الكريم بسبب وجود أثر ~~منسوب إلى النبي أو إلى أحد من صحابته. # 5. وجوب معرفة الله تعالى: الإيمان بأن معرفة الله تعالى ومعرفة موقعنا ~~منه أهم الواجبات، من حيث إن هذه المعرفة تتناول أصل وجودنا، وسبب دوامنا، ~~ومعنى حياتنا. # 6. حرمة التقليد في أصول الدين: الإيمان بأنه لا يجوز التقليد في أصول ~~الدين على الإطلاق، بل يجب أن ينظر كل مكلف في الأدلة على ما يعتقده. مستند ~~هذا الرأي هو أن أصول الدين ترتكز على الأدلة العقلية، ولا يحق لأحد أن ~~يتنازل عن استقلالية عقله لصالح عقل غيره على الاطلاق مهما كان. 7. الإيمان ~~بأن العقل من أدلة التشريع في الإسلام: فالعقل يدرك الحسن أو القبح في ~~الأفعال. فإذا جزم العقل بأن في فعل ما مفسدة، وفي فعل آخر مصلحة، حرم ~~الأول ووجب الثاني. وإذا تعارض مدرك العقل مع دلالة النص، لزم أن يرجح ~~بينهما. PageV01P059 # 8. حجية النصوص الظنية: لا يجب التصديق بدلالة النصوص الخبرية وهي التي ~~تخبر عن أمر ما ما لم يكن ثبوتها قطعيا، نحو: الملائكة موجودة. ذلك لأنها ~~تحكي عن واقع موجود، وتدعو إلى العلم به، ولا يجب العلم، وجوبا شرعيا يعاقب ~~مخالفه، إلا بما كانت الدلالة عليه قطعية. وأما النصوص الإنشائية الظنية، ~~وهي نحو الأوامر والنواهي، فيجوز ms044 العمل بمقتضاها لأن غرضها تحقيق مصلحة ~~للعبد. وعادة العقلاء الاكتفاء بالظن في تحديد مواطن المصلحة. # 9. العبادات شكر لله والتشريعات مصالح للعباد: إن العبادات التي في ~~الشريعة من صلاة وصيام وزكاة وحج وتعظيم شعائر الله ونحوها تؤدى على وجه ~~الشكر له جل جلاله. وأما الشرائع الأخرى فتؤدى لأنها مصالح للعباد. لأن ~~العبادات تؤدى شكرا لله تعالى، فإنه يمكن أن نتصور عدم عمل العقل فيها. أما ~~التشريعات الأخرى، فلأنها تؤدى لتحقيق مصالح الناس يمكن إدراك وجه تلك ~~المصالح. PageV01P060 ### | AUTO لوازم المنهج العقلي # من لوازم المنهج العقلي ضرورة الاستقلال في التفكير الذي يؤدي كثيرا إلى ~~وجود تيارات متباينة، بخلاف غيرها من المناهج التي تؤدي إلى استقرار نسبي ~~في التعدد الفكري. بعض هذه التيارات قد تنشأ مضادة للفكرة الأصلية، ولكن لا ~~يمكن أن تستحق البقاء، وتتطلب التطور إلا بالحرية الفكرية. وأما الفكرة ~~التي لا تستحق البقاء فلا ضرورة للتمسك بها. فإذا كان ثمن الحرية هو ~~التباين فليكن. وقد يرى البعض أن المنهج العقلاني يؤدي إلى خروج كثير من ~~الناس عن الإسلام، لأن من لوازمه حرية التفكير، ولكن لا يمكن أن تعطي ~~الحرية قيمة عليا في أي مجال، إلا وتنعكس عليك في بعض التفاصيل، وهذه طبيعة ~~الحياة، وذلك ثمن الحرية. إضافة إلى النتائج الكبرى لنحو هذا المنهج عند ~~صياغة رؤية للحياة، فهناك نتائج فرعية تتوخى منها. ذلك أن مقتضى ما سبق ~~يعني أن لا تشيع كثير من الخرافات التي شاعت في المجتمعات المسلمة، نحو ما ~~شاع عن الحسد والعين، والكرامات المعجزة، والأخبار والقصص عن الدجال، ~~وغيرها. فعلى سبيل المثال ينتج المنهج رأيا مفاده أنه لا يجوز أن تقع معجزة ~~لغير الأنبياء، وذلك باعتبار أن وقوع ذلك يفقد الأنبياء اختصاصهم بها، ~~وبالتالي فلا يصح أن نقبل أو نروي كرامة من الكرامات التي تخالف السنن، ~~وتشبه في طبيعتها المعجزات النبوية. كما سيفسر العين أنها كناية عن الحسد ~~والمكيدة، وليست أكثر من ذلك، باعتبار أن المعنى الشائع بين العامة يقتضي ~~أن المشاهدة غير صحيحة، ولا يمكن قبول ذلك. ms045 وأما الدجال فباعتبار أن النصوص ~~الواردة فيه قد جعلت له من المعجزات ما لا يمكن أن يمتحن الله تعالى به ~~عباده، أو يظهره على عدو من أعدائه، وعليه فلا يمكن قبول تلك الروايات. PageV01P061 ### | AUTO الرؤية الدينية # سبق القول بأن الرؤية الدينية تطلب من الإنسان أن يتمثل حقيقة{إنا لله ~~وإنا إليه راجعون} وتبعا لذلك إنشاء مشروع سياسي يرعى حقوق الناس. بعبارة ~~أخرى فإن الرؤية الدينية تقوم على أصلين أساسيين هما: الإيمان بالله واليوم ~~الآخر من جهة، ومن جهة أخرى الإيمان بضرورة إقامة الدولة العادلة باعتبارها ~~المشروع السياسي الذي يحقق الغرض. ### || AUTO الأصل الأول: الإيمان بالله واليوم الآخر ... # يتعلق الأصل الأول بالإيمان بالله تعالى واليوم الآخر. والإيمان به تعالى ~~يتضمن أمرين: معرفة ذات الله، ومعرفة أفعال الله. والمعرفة بذاته تعالى ~~تستند إلى التوحيد، وأما المعرفة بأفعاله تعالى فتستند إلى الحكمة. السمة ~~العامة لهذه الرؤية في معرفة ذات الله تعالى أنها توحيدية،تضع حدا فاصلا لا ~~يمكن تجاوزه بين الله تعالى وبين خلقه. حدا يجعل من الألوهية مرتبة لا ~~يستحقها إلا الله الواحد الأحد، وتجعل كل من سواه عبدا مخلوقا داخرا لا حول ~~له ولا قوة مهما بلغ من تفوق في خصائصه المادية. فترى أن الله تعالى واحد ~~{ليس كمثله شيء}[الشورى:11]. لا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على ~~حدوثهم. وأن كل ما خطر بالبال وتصور بالوهم فالله تعالى بخلافه. فليس بجسم، ~~وليس له شكل ولا صورة، ولا طول ولا عرض ولا عمق. لا يتحرك ولا يسكن. ليس ~~بذي أجزاء. وليس له جوارح ولا أعضاء. وليس بذي جهات لا بذي يمين ولا شمال، ~~ولا أمام ولا خلف ولا فوق ولا تحت. لا تراه العيون ، ولا تدركه الأبصار ، ~~ولا تحيط به الأوهام ، ولا يسمع بالأسماع. عالم قادر حي ولم يزل كذلك، ولا ~~يزال. عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء. القديم وحده ولا قديم ~~غيره. عالم بما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون(1) وعلمه ~~بأفعالنا لا يؤثر عليها إطلاقا(2) هو الإله ms046 ولا إله سواه ، ولا شريك له في ~~ملكه ، ولا وزير له في سلطانه ، ولا معين له على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق. PageV01P062 # لم يخلق الخلق على مثال سبق ، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا ~~بأصعب عليه منه. الغني فلا يجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضار ، ~~ولا يناله السرور واللذات ، ولا يصل اليه الأذى والآلام ولا يلحقه العجز ~~والنقص، ولا تجري عليه الآفات ، ولا تحل به العاهات. إله يتعالى عن كل ~~خصائص وسمات المادة. لا يمكن الوصول إليه إلا عبر التأمل في أفعاله التي هي ~~مخلوقاته. وذلك من خلال تفاعل بين المسلمات العقلية، وبين المشاهدات ~~الحسية. عند معرفة أفعاله نجد أن هذه الرؤية عدلية، تؤمن بحكمة الله في ~~أفعاله، وبعدله في معاملة مخلوقاته. هذه الرؤية العدلية تحدد موقفنا من ~~الله تعالى بدرجة قد تتجاوز تأثير الرؤية التوحيدية؛ لأنه بدون العدل ~~الإلهي فلا قيمة على الاطلاق لأي تقييم لموقفنا من الله تعالى، لأن أي موقف ~~سنتخذه عندئذ لن يكون له أي انعكاس مؤكد. # العدل أيضا يشكل منهج الحياة في التعامل مع الخلق؛ فإن عدالة الله تعالى ~~مع خلقه تنعكس، وتدعو إلى العدالة بين خلقه. الرؤية العدلية تؤمن أنه تعالى ~~لا يظلم، ولا يكذب، ولا يعبث. فلا ينزل ضررا على أي مخلوق، إلا إذا كان ~~لذلك نفع أعظم من الضرر في الدنيا أو في الآخرة، أو كان عقوبة مستحقة. كما ~~إنه تعالى لا يفعل فعلا إلا إذا كان فيه مصلحة عائدة إلى خلقه. وتؤمن هذه ~~الرؤية العدلية بأنه تعالى لا يمكن أن يدعنا بغير إرشاد، كما إنه لا بد من ~~المناصفة بين المخلوقات، ويجب أن نكون أحرارا في اختياراتنا، وتؤمن بضرورة ~~تعويض الله لنا، وتأييده. وينتج عنها ما يلي: # 1. الرسالات: إن بعثة الأنبياء ضرورة يقتضيها عدل وحكمة الله تعالى، حيث ~~إنه تعالى لم يكن ليترك عباده بغير إرشاد. PageV01P063 # 2. اليوم الآخر: إن ضرورة التناصف بين العباد، وضرورة أن يكافأ المحسن على ~~إحسانه، وضرورة أن يؤاخذ المسيء على إساءته، ms047 يدل على أن هناك بعد الحياة ~~أمرا. وأما تفاصيل اليوم الآخر، فلا سبيل للعقل إلى معرفته، وإنما يعرف ~~بالنصوص. وقد دلت على أن الله تعالى سيدخل الفاسقين نار جهنم خالدين فيها ~~أبدا، وأنه لن يغفر لهم بعد مماتهم، ولن يقبل فيهم شفاعة أحد، بل لن يشفع ~~لهم أحد ابتداء. # 3. حرية إرادة الانسان: من أهم ما يتفرع عن العدل الإيمان بأن الإنسان هو ~~الفاعل لأعماله بغير أن يكون هناك من الله أي إلجاء للعبد نحو فعل من ~~الأفعال. فالإنسان يصنع مصيره. وما يشيع في الثقافة العامة حول بعض القضايا ~~التي توضع خارج الاختيار الإنساني المطلق غير صحيح. * من ذلك أن الطاعات ~~والمعاصي من العبد، وليس لله تعالى فيها أي فعل. قد يقوي الله تعالى نية ~~العبد على فعل طاعة أو ترك معصية، وهذا يسمى "اللطف"، وقد يترك الله تعالى ~~عبدا وشأنه في مواجهة المعصية وهذا هو الخذلان. ولكن اللطف والخذلان لا ~~يلجئان العبد بأي نحو من الإلجاء نحو فعل من الأفعال. * وأعمالنا ونتائجها ~~المترتبة عليها من أعمالنا نحن، وليس لله تعالى فيها فعل، إلا من حيث ~~اللطف. فالنجاح والفشل العائد على الفرد يعود في نهاية الأمر إلى فعل من ~~أفعال العباد. * والحوادث المتعمدة وغير المتعمدة تعود مسؤوليتها على جهة ~~إنسانية. فعبارة "قدر ولطف" ، أو "قدر وما شاء فعل" عندما نرى من أصابه ~~حادث، أو أمر غير مرغوب فيه غير دقيقة؛ لأن الله تعالى لم يقدر على عبد فعل ~~فعل أصلا. أما إذا قصدنا أن الله تعالى قدر علينا أن نكون مخلوقات ضعيفة: ~~تتألم، وتمرض، وتموت؛ ثم لطف بنا، فسهل علينا آثار ذلك الأمر، فهذا المعنى ~~صحيح. * والأرزاق أيضا تعتمد على عمل الإنسان، وقولنا((الله يرزق عباده)) ~~هو بأحد المعاني التالية: # أ. أن الله تعالى هو الخالق للنعم التي نتنعم بها. PageV01P064 # ب. أن الله تعالى يرزق عباده بمعنى أنه يبيح لهم ما خلقه من النعم، وأكثر ~~الآيات التي تناولت الرزق في القرآن تناولته بهذا المعنى. وهذا المعنى يفيد ~~أن قولنا عن شخص: فلان ms048 لديه كذا وكذا لا يعني بالضرورة صحة قولنا عن نفس ~~ذلك الشخص: فلان رزقه الله كذا وكذا؛ لأن ما أخذه بالحرام ليس رزقا لغاصبه. ~~ج. أن الله تعالى يرزق عباده بمعنى أنه يسهل لهم الحصول على بعض ما خلقه من ~~النعم وهي المراد بقوله تعالى {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب}[الطلاق:2-3]. وهذه تكون بطرق منها: أن الله تعالى يلين قلوب ~~الناس لعبده بحيث لا يصعب عليه حصول ما يريده منهم. وهذا التليين ليس فيه ~~إلجاء، بل هو مجرد تليين، أو أنه تعالى يلهم عبده معرفة بها يحصل على ما ~~يريد من الرزق. ومنها أن الله تعالى يبارك لعبده في ما يعمله من أمور فإذا ~~زرع بارك له وإذا رعى بارك له.فالقاعدة فيها والأصل أن الحصول عليها جميعا ~~منهم لا فعل لله تعالى فيها إلا من حيث أنه خلقها ويسر أسباب الحصول عليها، ~~مع التأكيد على أنه تعالى قد يعين على ذلك بالألطاف. * والأعمار أيضا تتأثر ~~بأعمالنا وأفعالنا، فلنا أن نطيل العمر كما لنا أن نقصره. نطيله بأن نهتم ~~بأنفسنا، ونقصره بأن نقتل أو نظلم أو نهمل أنفسنا. * والزواج ليس قسمة ~~ونصيب كما يشيع، بل هو قرار من الزوج والزوجة، أو من المجتمع من حولهم، ولا ~~يلجئ الله إليه. وفعله تعالى فيه قد يكون باللطف أو بالخذلان. * والواقع ~~السياسي لا يخضع إلا لأعمالنا ومواقفنا. فالله تعالى لا يهب الملك لأحد، ~~كما لا ينزعه من أحد. ومعنى قوله تعالى: {تؤتي الملك من تشاء}[آل عمران:26] ~~هو أنه تعالى يبين لنا من يجب علينا طاعتهم؛ كما في قوله تعالى {وتنزع ~~الملك ممن تشاء}[آل عمران:26] {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا}[البقرة:247] ~~فالملك الذي PageV01P065 آتاه الله لطالوت لم يكن إلا أنه أمر بني إسرائيل بطاعته؛ ومعنى قوله ~~تعالى: {وتنزع الملك ممن تشاء} أي أنه تعالى يبين لنا من لا يجوز علينا ~~طاعتهم. وليس المعنى أنه تعالى يوصل إلى الملك من يشاء، وينزع بعض الملوك ~~عن عروشهم كما يشيع بين الناس. ms049 # 4. التعويض: ويعني أن الله سبحانه وتعالى سيعوض عباده في الآخرة على ما ~~أصابهم من مشقة، أو حزن، أو تعب في الحياة الدنيا بأعواض يتمنون معها لو أن ~~حياتهم كانت شقاء. فالله تعالى لا ينزل علينا أضرارا إلا لعقوبة سابقة، أو ~~لمصلحة للعبد مع العوض على ذلك. # 5. التأييد والعون: بمعني أن الله تعالى سيعين كل من يريد السعي إليه. ~~فمع أنه تعالى قد مكننا إلا أنه لا يدعنا، بل يقوي عزائمنا، ويلقي الخواطر ~~في عقولنا. وقد يتعارض هذا مع وجود إبليس، إلا أن التدقيق في تأثيره وفق ما ~~دل عليه القرآن الكريم يؤكد أن ليس له إلا تقوية الدواعي، أما في الواقع ~~فكما قال تعالى: {ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد}[ق:27]، بمعنى أن ~~من عصى لم يضل بفعل إبليس وإنما بفعله وإرادته، وما كان من إبليس إلا أن ~~شدد العزم، تقريبا كما يعمل أي رفيق سوء من البشر. وكذلك الخذلان من الله ~~تعالى فليس هو أكثر من كونه تعالى ترك العون بسبب معاصي من المكلف. وكذلك ~~التسليط من الله تعالى هو بمعنى الخذلان، ولكن لما كان الخذلان في كثير من ~~الحالات مؤديا إلى تسلط الشياطين والظلمة سمي الخذلان باسمه. PageV01P066 ### || AUTO الأصل الثاني: الإيمان بوجوب قيام الدولة العادلة # أغلب المسلمين جعلوا موضوع الدولة من فروع الدين،وأكدوا أنها لا يجب أن ~~تحتل المكانة العليا. كان ذلك على أساس أن كل قضية عملية، غير اعتقادية، ~~فهي من الفروع. يتضح وفق ما سبق أن الدولة لا يصح إلا أن تكون من أصول ~~الدين، وأنها تختلف نوعا عن جميع الأعمال الأخرى العبادية وغيرها، حيث إنها ~~جميعا تعتمد على الدولة العادلة في بقائها ذا معنى. فكل ما نقوم به يجب أن ~~يؤول إلى تحقيق مصالح العباد، فإذا كانت الدولة جائرة، أو لم تكن تعمل على ~~تحقيق العدل بين الناس، فإن كل ما دون ذلك يضيع معناه. إضافة إلى ذلك فإن ~~النفع العائد من الدولة يعود على الأمة أجمع، بخلاف غيرها والعبادات على ~~وجه الخصوص والتي ms050 يعود نفعها على الفرد أو بعض الأفراد. وقد أشار إلى هذا ~~الخبر المرفوع:((لو أن عبدا قام ليله، وصام نهاره، وأنفق ماله في سبيل الله ~~علقا علقا، وعبد الله بين الركن والمقام، ثم يكون آخر ذلك أن يذبح بين ~~الركن والمقام مظلوما لما صعد إلى الله من عمله وزن ذرة؛ حتى يظهر المحبة ~~لأولياء الله، والعداوة لأعداء الله)) وأولياء الله تعالى هم الدعاة إلى ~~الحق والعدل ومحبتهم تكون بنصرتهم. وأما أعداؤه فهم الظالمون المتعدون على ~~حقوق العباد وحرمات الله، وعداوتهم بإزالة ظلمهم وجورهم. ومنه ما قاله يحيى ~~بن الحسين (ت 298ه) حيث قال في معرض كلام له عن أولوية الوقوف أمام ~~الظالمين على بقية الطاعات: ((وكيف لا يكون الجهاد أعظم فرائض الرحمن، وهو ~~عام غير خاص لجميع المسلمين؟ وعمل من عمل به شامل لنفسه ولغيره من ~~المؤمنين؛ لأن الجهاد عز لأولياء الله، مخيف لأعداء الله، مشبع للجياع، كاس ~~للعراة النياع، ناف للفقر عن الأمة، مصلح لجميع الرعية، به يقوم الحق، ~~ويموت الفسق، ويرضى الرحمن، ويسخط الشيطان، وتظهر الخيرات، وتموت الفاحشات. ~~والمصلي فإنما صلاته وصيامه لنفسه، وليس من أفعاله شيء لغيره، وكذلك كل ~~فاعل خير فعله لنفسه لا لسواه وكيف لا PageV01P067 يكون الجهاد في سبيل الله فضل على جميع أعمال المؤمنين؟ وبه يحيا الكتاب ~~المنير، ويطاع اللطيف الخبير، وتقوم الأحكام، ويعز الإسلام، ويأمن الأنام، ~~وينصر المظلوم، ويتنفس المهموم، وتنفى الفاحشات، ويعلو الحق والمحقون، ~~ويخمل الباطل والمبطلون، ويعز أهل التقوى، ويذل أهل الردى، وتشبع البطون ~~الجائعة، وتكسى الظهور العارية، وتقضى غرامات الغارمين، وينهج سبيل ~~المتقين، وينكح الأعزاب، ويقتدى بالكتاب، وترد الأموال إلى أهلها، وتفرق ~~فيما جعل الله من وجوهها، ويأمن الناس في الآفاق، وتفرق عليهم الأرزاق)). ~~ومن المدارس الإسلامية، من جعل الإمامة من أصول الدين(الإمامية ~~والإسماعيلية)، ولكن ليس باعتبارها قيادة زمنية، ضرورية لحياة الناس، أي ~~ليس بمعنى الدولة، وإنما باعتبارها قيادة فردية ضرورية لمعرفة الدين. فوفق ~~هذه الرؤية لا يمكن للدين أن يعرف بغير الإمام، ومن هذه الحيثية جعلت ~~الإمامة لديهما من أصول ms051 الدين. # وما يتعلق بالتنظير لقيام الدولة يمكن تقسيمه إلى قسمين: # المبادئ التي تمثل بمجموعها جوهر النظرية. # المبادئ التي تمثل آليات الوصول إلى الحكم ومن بعد ذلك ممارسته. والذي ~~يجب ذكره هنا إنما هو الأمر الأول حيث إن الثاني يخضع لاعتبارات ظرفية، ولا ~~يمكن أن يكون له صفة الإطلاق. PageV01P068 # الأول من تلك المبادئ وأهمها: أن الله تعالى خلق البشر متساوين في الحقوق ~~الاجتماعية والسياسية، وبالتالي فلا يحق لأحد مهما كان أن يقيد حرية أي ~~مخلوق آخر، كما لا يحق لأحد أن يخضع نفسه لمخلوق آخر إلا بإذن من الله، كما ~~لا يحق لأحد أن يتقدم أو يتصدر غيره من الناس إلا بإذن من الله تعالى أو ~~لمصلحة مشتركة تعمهم جميعا. وإن الله تعالى إذ يأذن فلا يأذن إلا بما يقره ~~العقل ويؤيده؛ لأن الله تعالى لا يأذن بما يخالف العقل أبدا. الثاني: أن ~~إقامة نظام سياسي عادل يرعى حقوق الناس، ويؤمنهم من الظلم والخوف والفقر ~~والجهل، هو من أصول الدين. وهو من مدلولات الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. وفي غياب هذا الأمر يصبح "التقلب بالأموال والتجارات والمكاسب في ~~وقت ما تعطل فيه الأحكام وينتهب ما جعل الله للأرامل والأيتام والمكافيف ~~والزمنى وسائر الضعفاء ليس من الحل والإطلاق كمثله في وقت ولاة العدل ~~والإحسان والقائمين بحدود الرحمن." قال د. محمد عمارة معلقا عليها: هذا ~~الحكم يجعل الكسب في مثل هذه الظروف لا يمكن أن ينجو من التلوث بمثل هذه ~~الظلامات. وفي هذا الحكم حث على العمل لتغيير الجائر من الأوضاع تطهيرا ~~للكسب والمأكل وإراحة للضمير. الثالث: وهو يتفرع بشكل طبيعي عن الثاني، وهو ~~وجوب المشاركة السياسية الفاعلة من جميع أفراد الأمة في تأسيس ذلك النظام، ~~وفي رعايته وحمايته. وهذا يفرض على المجتمع المسلم التواجد الإيجابي ~~والفاعل في الساحة السياسية، مع اختلاف شكل التواجد وآليته باختلاف الظروف ~~الموضوعية، كما يفرض على المجتمع السعي الدؤوب وصولا لنحو ذلك النظام، حتى ~~لو لزم الأمر التدخل القسري، وبالتالي يخلق لنا مجتمعا مشاركا ومراقبا ~~للوضع السياسي في ms052 البلاد، إضافة إلى أنه يخلق شعورا لدى القائمين بالأمر ~~بالمراقبة المستمرة لهم ولأعمالهم. الرابع: إن الدولة تعبر عن مصالح ~~المجتمع بجميع أطيافه واتجاهاته PageV01P069 المختلفة وإنه لا يجوز لها أن تكون طرفا من أطراف الصراع الاجتماعي بأشكاله ~~المختلفة، وإنما هي مظلة يستظل بها جميع أفراد المجتمع مهما تناقضت ~~هوياتهم، وقد عبر عن شيء من هذا المبدأ الإمام محمد بن عبد الله النفس ~~الزكية(ت145ه) حيث: أوجب على من قام بهذا لأمر الدعاء لجميع الديانين، وقطع ~~الألقاب التي يدعى بها فرق المصلين، وغلق الأبواب التي في فتح مثلها يكون ~~عليهم التلف، والامساك عما شتت الكلمة، وفرق الجماعة، وأغرى بين الناس فيما ~~اختلفوا فيه وصاروا به أحزابا، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون إلى ~~السبيل الذي لا ينكرون وبه يؤلفون، فيتولى بعضهم بعضا، ويدينون بذلك، فإن ~~اجتماعهم عليه إثبات للحق وإزالة للباطل. الخامس: إن القيادة في الدولة ~~قيادة سياسية، وليست زعامة دينية. فالقيادة السياسية هي التي يراد منها ~~أساسا رعاية مصالح العباد. والزعامة الدينية هي تلك التي تملك حقا زائدا أو ~~حصريا في أن تتكلم وتمثل الدين. فمع أن قيام الدولة مما يجب أمام الله ~~تعالى، ومع أنه يجب طاعة الدولة فيما تأمر به، إلا أنها مع ذلك قيادة ~~سياسية وليست زعامة دينية. فليس لها ولاية على الدين، ولا يعتبر رأيها في ~~الأمور الدينية ملزما للجميع. وتنحصر ولايتها في ما يحقق غرض وجودها وهو ~~تحقيق العدل والأمن بين الناس. هذا لا يمنع من اشتراط مؤهلات دينية وعلمية ~~وخلقية لمن يتولى أمورها. كما لا يمنع أن يكون للقيادات فيها مواقف دينية ~~تتميز عن غيرهم، ولكنها لا تلزم إلا من اقتنع برأيهم. أيضا لا يتعارض هذا ~~مع اعتبار أن طاعة القيادة فيها ثواب من الله، وأن معصيتها عليها إثم، لأن ~~ذلك يعود إلى أنه يترتب على الطاعة والمعصية مصالح ومفاسد للأمة. أخيرا قد ~~يكون من الأمة من هو أكثر دينا ممن في رأسها، ولكن لما كانت العبرة بالقدرة ~~على القيادة لم يمتنع هذا الأمر. هذه الأفكار ms053 تمثل أبرز مرتكزات المشرع ~~السياسي الزيدي. ما سواها من PageV01P070 عناصر فرع عليها، وأغلبها إن لم يكن جميعها إنما يتناول آلية الوصول إلى ~~الحكم، كما يتناول آلية انتقال الحكم وطريقة حل النزاعات المحتملة حين ~~انتقال الحكم، وهي قضايا على أهميتها لا تعدو أن تكون إجرائية ونسبية بخلاف ~~تلك الأمور التي تحدد دوافع الحركة وأهدافها وشكلها العام، وهذه الأفكار ~~كما هو واضح أساس أي مشروع سياسي معاصر يهدف إلى إقامة العدل، وإلى إبقاء ~~الإسلام في الحياة العامة. PageV01P071 ### | AUTO الاجتهاد عند الزيدية # من أبرز ما تميز به الزيدية في فقههم هو الاجتهاد. هذه الميزة جعلت ~~مذهبهم (( أكثر المذاهب الإسلامية نماء وقدرة على مسايرة العصور)) على حد ~~تعبير الشيخ محمد أبو زهرة. الاجتهاد ملكة علمية ونفسية تمكن صاحبها من ~~استنباط الأحكام الشرعية من مظانها، والثقة بنتائج ذلك الاستنباط بقطع ~~النظر عن مخالفة أو موافقة السابقين من العلماء. وعندما نقول: إنها ملكة، ~~نؤكد أنها ليست مجرد تحصيل مجموعة من العلوم، فقد يجمعها واحد، ولكن لا ~~يستطيع أن يستنبط حكما واحدا. وعندما نشير إلى أنها علمية ونفسية، نشير إلى ~~أنه لا يكفي امتلاك الملكة العلمية، إذ أن صاحبها قد يستطيع عندها أن ~~يستنبط أحكاما، ولكن ما لم تكن لديه الجرأة والشجاعة على العمل بما أداه ~~إليه بحثه وتأمله، فإن وجود تلك الملكة لن يفيد كثيرا. والقول بأنها ملكة ~~لا يعني أنها غير مكتسبة بل يمكن اكتسابها بالجهد والمثابرة. والتعريف ~~الشائع للاجتهاد بأنه استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي. إنما ~~يشير إلى ما يعمله المجتهد، ولكنه لا يبين جوهر الاجتهاد، أو منطلقه ~~الأساسي التي هي امتلاك الملكة المشار إليها. أصعب ما في الاجتهاد امتلاك ~~الملكة النفسية. فقد يستطيع طالب علم مجد في تحصيله أن يمتلك الملكة ~~العلمية، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للملكة النفسية. والسبب يعود إلى ~~ثلاثة أمور: أولها: إن زيادة العلم تولد التواضع، وغالبا لا يحصل المرء على ~~الملكة العلمية إلا بعد تحصيل علمي معمق، يتولد معه تواضع شديد، وشعور هائل ~~بالجهل. هذا ms054 يتنافى مع ما تتطلبه الملكة النفسية من الثقة بالنفس، وبنتيجة ~~البحث العلمي. ثانيها: إن الاجتهاد يعني في نهاية الأمر الافتاء، وكل من ~~يخشى الله يهاب من تحمل نتائج الفتوى، ويفضل أن يتحمل غيره ذلك. ثالثها: إن ~~طبيعة العلاقة بين طالب العلم والرموز العلمية الذين استفاد منهم تولد ~~شعورا بالدونية أمامهم بحيث لايجرو على ممارسة التفكير PageV01P072 مستقلا عن رأيهم وتوجههم. يقابل الاجتهاد التقليد، وهو أساسا غياب الملكة ~~النفسية أولا، ثم الملكة العلمية. وعمليا هي العمل وفق قول الغير. وذكر ~~الدليل لا يغير من واقع التقليد، فكل من ليس لديه الملكة مقلد ضرورة، سواء ~~عرف دليل القول أم لم يعرفه. لأنه إن كان فاقدا للملكة العلمية فإن معرفته ~~بالدليل لن تنفعه حيث إنه لا يملك قدرة على تقييم ذلك الدليل. وإن كان لديه ~~الملكة العلمية وفاقدا للملكة النفسية فإنه لن يتبع القول بسبب الدليل، ~~وإنما بسبب المصدر القائل. وقد حرصت المدرسة الزيدية على إبقاء تلك الملكة ~~النفسية بين علمائها، وكانت وسيلة ذلك أن حرمت على من امتلك الملكة العلمية ~~ممارسة التقليد، وأوجبت عليه اتباع رأيه دون رأي غيره. كان هذا لتقديرهم ~~للاستقلال الفكري والعلمي. أما من لم يمتلك تلك الملكة العلمية، فلم تطلب ~~منه أن يمارس الاجتهاد بل أجازت له أن يقلد أهل العلم. فميزت بين تقليد ~~مذموم وممنوع وبين تقليد واجب. فالمذموم الممنوع هو التقليد من قبل أهل ~~الملكات الاجتهادية، وأما الواجب فهو التقليد ممن فقدها. وقد حرصت من هذا ~~أن لا يتوقف أهل الاجتهاد عن ممارسته، كما حرصت أيضا على أن لا تخلق فوضى ~~علمية في الساحة بأن توهم الناس بأنه يكفي للخروج من التقليد معرفة الدليل ~~من كتاب أو سنة، بحيث يصير كل من قرأ كتابا في الحديث ظانا نفسه مجتهدا. ~~وقد نجحت في هذا. من الانجازات الأخرى التي حرص عليها الزيدية، وهي تأتي في ~~موازاة الانجاز السابق هو إيجاد التوازن بين أمرين: أحدهما: الحاجة إلى ~~استقرار المجتمع على رأي فقهي موحد خصوصا في القضايا العامة، يمنع من بلبلة ms055 ~~فقهية بين الناس، حيث يكون لكل جماعة رأيها الفقهي الخاص بها. ثانيهما: ~~المحافظة على حق الاجتهاد الذي قد يفضي إلى استنباط آراء تخالف الآراء ~~السائدة قطعا. PageV01P073 # وقد نجحت من خلال أمرين: أولهما: ما اشترطته أصلا من أن يكون الإمام ~~مجتهدا، فبذلك منحت الدولة حقا شرعيا في ممارسة الاجتهاد. # ثانيهما: بأن قسمت مجال الاجتهاد على دوائر مختلفة: # 1. دائرة الحقوق المتعدية: وهي تلك التي يكون الحكم فيها مؤثرا على ~~العلاقات بين الناس مثل أحكام الزواج والتجارة. فأي حكم لصالح طرف من ~~الأطراف هنا، يؤثر على حقوق أطراف أخرى بشكل مباشر. فلو حكم ببطلان نكاح ~~رجل، أثر هذا تلقائيا على نكاح زوجته أيضا، وربما غيرها. هذا بخلاف الأحكام ~~التي تأثيرها لا يتعدى الفرد، مثل الأحكام العبادية. فلو حكم ببطلان وضوء ~~على شكل ما، فإن من توضأ بتلك الكيفية لن يؤثر بطلان وضوئه على غيره من ~~الأشخاص، بل سيخصه هو وحده. # 2. دائرة الحلقات العلمية: وهي دائرة العلماء، وطلبة العلم. PageV01P074 # 3. دائرة الحقوق الفردية: وقد سبق تعريفها. فدائرة الحقوق العامة جعلت ~~صلاحية الاجتهاد في أمورها. ولأن الدولة قادرة على الاجتهاد واختيار ~~الأحكام الملائمة، فلم يجد أهل العلم مشكلة في هذا الأمر. ودائرة الحلقات ~~العلمية جعل الاجتهاد فيها مفتوحا لكل من كانت له الملكة. فوجدنا مجموعة ~~كبيرة من العلماء عبر العصور ممن كانت له آراء جريئة خالفت السائد والسابق ~~وبمنهجية علمية عميقة وأصيلة. وقد كانت هذه الحلقات من خلال مؤلفاتها وآراء ~~علمائها بمثابة الروافد التي تغذي حاجة الدولة بالآراء الأصيلة التي تنتقد ~~ما هو سائد، وتقترح بدائل عنه. ولهذا السبب لم يمكن القول: إن للزيدية ~~مذهبا فقهيا محددا، بل كان فيه مدارس فقهية متعددة، بتعدد المجتهدين ~~اجتهادا مطلقا. ونجد كلمة "مذهب" في كثير من المصادر الفقهية الزيدية بعد ~~القرن الثاني عشر، فقد يقال: المذهب هو كذا وكذا، وليس المقصود بتلك الكلمة ~~أن مذهب الزيدية الفقهي هو كذلك، فكما سبق لا يوجد مذهب فقهي للزيدية. ~~وتشير الكلمة إلى اصطلاح تبلور مع القاضي زيد بن علي الأكوع، ثم تابعه ms056 ~~القاضي حسن بن أحمد الشبيبي (1169ه)، في تعليقاتهما على كتاب شرح الأزهار، ~~فقد وضعا اصطلاح (مذهب) عند الاختيارات الفقهية التي رأيا وفق اجتهادهما ~~أنها أكثر ملائمة للمنهج الفقهي لبعض أعلام أهل البيت الذين هم: الإمام ~~القاسم بن إبراهيم، والإمام محمد بن القاسم بن إبراهيم، والإمام الهادي ~~يحيى بن الحسين، والإمام محمد بن الإمام الهادي، والإمام أحمد ابن الإمام ~~الهادي. وقد اعتبر رأيهم في تحديد ما ال "مذهب"؟ هو المعتمد بين الزيدية ~~على مستوى الدولة، وعلى مستوى الحقوق الفردية. وأما دائرة الحقوق الفردية، ~~فقد اعتبر فيها أن الأصل هو مجموعة من الآراء التي تمثل في الأغلب رأي ~~الإمام الهادي يحيى بن الحسين في مرحلة أو رأي "المذهب" في مرحلة أخرى. ~~فكانت تلك الآراء هي المعتمدة عند تعليم الناس أمور PageV01P075 دينهم. ولكن في الوقت نفسه احتفظ المجتهدون بحق الافتاء بخلاف تلك الآراء ~~في القضايا الفردية، أو في القضايا العامة التي لا يريد أصحابها أن يوصلوها ~~إلى الدولة. كما احتفظ المقلدون بحق أن يقلدوا علماء في آرائهم التي تخالف ~~الآراء المعتمدة. وقد شاع رأي بين الزيدية يسمح للمقلد أن يأخذ الحكم ~~الشرعي من غير الفقهاء من الزيدية. وذلك على أساس ((أن الاجتهاد لا مذهب ~~له)). ولا يطلب من المجتهد المستفتى في تلك الحالة إلا أمرا واحدا: وهو أن ~~لا يكون الحكم مرتكزا في ثبوته على قاعدة أصولية تخالف قاعدة المستفتي. ~~وهذا المطلب يكاد يكون نظريا لندرة نحو تلك الأحكام. لعل أول من صرح بهذا ~~الرأي الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى ت840ه. كما سمحوا للمقلد أن يقلد ~~أكثر من مجتهد في وقت واحد في أوقات مختلفة وذلك على أساس أن الأدلة ~~الفقهية ظنية الدلالة، وأن أي اجتهاد من مجتهد معتبر غالبا يكون حكمه ضمن ~~دلالات الأدلة الظنية. بهذه الطرق استطاع الزيدية أن يحافظوا على كل من: ~~ملكة الاجتهاد في حلقاتهم العلمية وما تثمره من تطوير في الفقه، وعلى ~~استقرار الأحكام على مستوى الدولة وطرق التعليم، وعلى حق الاجتهاد والتنوع ~~في القضايا الفردية. ولأن ms057 وجود الاجتهاد سيؤدي إلى تعدد في الآراء في مسائل ~~بعينها. إزاء هذا يرى كثير من الزيدية أن كل مجتهد مصيب، فلا يصح وفق هذا ~~أن يتنازع الناس لاختلاف الاجتهادات التي يتبعونها في القضايا الفردية. ~~وأما القضايا العامة، فمع أن كل مجتهد فيها مصيب أيضا، إلا أنه من حق ~~الدولة أن تفرض على الناس اختيارها في القضايا لكي تحقق الاستقرار اللازم. ~~ومعنى كل مجتهد مصيب أحد أمرين: أولها: إن الاجتهادات لا تتناقض: فلا يعني ~~القول بصواب اجتهاد ما في مسألة محددة خطأ من خالفها باجتهاده. لأن ~~الاجتهاد إنما يكون في فهم وتفسير النصوص العملية والتي تدعو إلى عمل شيء ~~أو نهي عنه. والنصوص العملية لا توصف بالصدق أو PageV01P076 الكذب فجملة: اذهب إلى البيت. لا توصف بأنها صادقة أو كاذبة، لأنها جملة ~~إنشائية، والوصف بالصدق والكذب يتعلق بالجمل الخبرية نحو: الشمس مشرقة. ~~والنصوص الإنشائية يمكن أن يفهم منها أكثر من معنى، بغير أن ينفي أحدها ~~الآخر. حيث إن النفي يستلزم أن تكون ذات معيار صدق أو كذب، وهو أمر غير ~~متحقق فيها. فلو فهم أحد من النص معنى غير الذي فهمه آخر، لأمكن تطبيق ~~المعنيين من دون مشكلة لأن الأعمال لا تتناقض، فيمكن أن لكل من العملين أن ~~يصدرا عن كلا الطرفين بغير أن يتناقضا. وهذا بخلاف الاختلاف في تفسير نص ~~خبري، حيث إن كل معنى ينفي المعنى الآخر. ثانيها: البعض يرى أن لله تعالى ~~حكما محددا واحدا في كل نص إنشائي: وبالتالي فإنه لا يصح إلا معنى واحد من ~~المعاني المتعددة؛ ولكن المخطئ معذور. والبعض يرى أن المطلوب إعمال النص في ~~الحياة، وبالتالي فإن التعدد في التفسير ممكن، وكل مجتهد مصيب من حيث إنه ~~قد قام بما طلبه الله منه. ملاحظة: عندما يشار إلى سمة الاجتهاد بين ~~الزيدية، فإن بعض الكتاب المعاصرين يحاولون أن يحصروا وجود هذه السمة بين ~~عدد محدود من أعلام الزيدية وهم محمد بن إبراهيم الوزير (840ه)، والحسن ~~الجلال (1084ه)، وصالح المقبلي(1108ه)، ومحمد بن إسماعيل الأمير( 1182ه)، ~~ومحمد ms058 بن علي الشوكاني (1250ه). وكأنه لم يكن قبلهم من كان ذا استقلال في ~~التفكير، أو نزعة للاجتهاد المطلق. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هؤلاء يختلفون ~~فيما بينهم اختلافا بينا، إلا أنهم اشتركوا في قضيتين: أ. الهجوم اللاذع ~~على رجال الزيدية في عصرهم، واتهامهم بالجمود والتقليد. ب. عدم قدرتهم على ~~التمييز بين الدوائر المختلفة لممارسة الاجتهاد والتقليد بحيث لا توجد فوضى ~~علمية، ولا يكثر مدعي العلم والمعرفة. ثم بعد ذلك نجد أنهم اختلفوا بعض ~~الشيء فنجد ما تميز به: PageV01P077 # 1. الشوكاني: الميل إلى مذهب أهل الحديث في القضايا المنهجية والأصولية. ~~فمنهجيا كان يدعو إلى إقصاء العقل تماما، وعدم الاعتماد عليه لا في عقيدة ~~ولا في فقه ولا تفسير. وعقائديا كان يقول بالتجسيم والتشبيه، ويؤمن بالجبر، ~~ويقول بالإرجاء، كما يؤمن بوجوب طاعة الظلمة. وكان الاجتهاد لديه يتلخص ~~أساسا في أمرين: # أ. التوسع في علوم تصحيح وتضعيف الأحاديث والجرح والتعديل. وهي أضعف ~~مراتب الاجتهاد، فعند استنباط الأحكام نحن بحاجة إلى معرفة النصوص الصحيحة، ~~وأصعب منه استنباط الأحكام منها. وكل من اطلع على علم التصحيح والتضعيف ~~الذي كان يدعو إليه الشوكاني يرى أنه لا يقدم علما أكثر مما كان فعلا ~~موجودا بين الزيدية، ولكن يستهلك وقتا أكثر، ويدخل العالم في متاهات ~~وتفاصيل لا طائل تحتها. وسنجد أن الأحاديث التي صححها الزيدية معتمدين على ~~مراسيل أئمتهم قد أغنتهم عن التقصي في الأسانيد، وفي الوقت نفسه لن نجد أن ~~في الأحاديث المسندة ما يقدم كثيرا بحيث يستحق الأمر كل تلك الجلبة التي ~~خلقها الشوكاني وخلفه. # ب. الدعوة إلى نبذ المؤلفات الفقهية واعتماد نصوص الكتاب والسنة بشكل ~~عام، بحيث يفتي المفتي مستدلا على فتواه بنص من الكتاب أو السنة. وهذا ~~الأمر يؤدي إلى فوضى علمية هائلة في المجتمع، ويحرم المجتمع من الاستفادة ~~من تجارب فقهية لمئات السنين. كما أنه لا يقدم شيئا حيث إن طالب الفتوى لن ~~يستفيد من معرفة النصوص شيئا ما لم يملك ملكة الاجتهاد. كما أنه يؤدي إلى ~~خلق أنصاف العلماء الذين يظنون أنهم بمجرد ms059 اطلاعهم على صحيح البخاري أو ~~مثله صاروا من أهل الاجتهاد والافتاء. # 2. ابن الوزير وابن الأمير والجلال: التقليل من شأن العقل، دون إلغائه، ~~مع التشدد في الدعوة إلى اعتماد روايات المحدثين في أصول الدين، وانتقاد ~~الزيدية لعدم الاعتداد بتلك الروايات. PageV01P078 # 3. الاقتصار على النقد اللاذع لواقع عصره، مع الحفاظ على المرتكزات ~~الأساسية للأصول الفكرية والسياسية وهذا ما كان عليه المقبلي. # إن اعتبار هؤلاء ممثلي الحرية الفكرية والاجتهاد فيه حيف كبير، ويدل إما ~~على عدم اطلاع على الحركة العلمية بين الزيدية حيث وجد عشرات العلماء ممن ~~كان يعمل بالاجتهاد، وإما على أغراض أخرى غير الغرض العلمي المحض. ثم إن من ~~نظر إلى كتابات ابن الوزير وابن الأمير والشوكاني قطع بأنهم كانوا أقرب إلى ~~التقليد منهم إلى الاجتهاد، ولكن ذهب تقليدهم صوب علماء آخرين. PageV01P079 ### | AUTO الزيدية والإمام زيد # لفظ "الزيدية" يشير إلى الانتساب إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب قدس الله أرواحهم في أعلى عليين، وحشرنا في زمرتهم، ونفعنا ~~بمحبتهم وولايتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون. وسبب الانتساب إلى الإمام زيد% ~~دون غيره من أئمة أهل البيت"؛ إنما كان لأن الإمام زيدا جسد آمالها، ~~ومبادئها، واستشهد وصلب عريانا في سبيلها، في عصر كالح اندرست فيه معالم ~~الدين من التوحيد والعدل وصدق الوعيد والجهاد ، واستبدلت بمفاهيم التشبيه، ~~والتجسيم، والجبر، وإلغاء الجهاد، وإطماع الفاسقين من الجبابرة والمجرمين ~~بدخول الجنة وبشفاعة المصطفى صلى الله عليه وآله. وقد بين سبب الاعتزاء إلى ~~الإمام زيد بن علي الإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية إذ قال: ((أما ~~والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر(1) من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ ~~اعوج، ولن ننحو إلا أثره، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيد إمام الأئمة، وأول ~~من خرج داعيا إلى الله بعد الحسين بن علي)) وقال أبوه عبدالله الكامل: ~~((العلم بيننا وبين الناس علي بن أبي طالب، والعلم بيننا وبين الشيعة زيد ~~بن علي)) فكان خروج الإمام زيد% إذ خرج بمثابة إحياء للدين، ms060 وبعثه من جديد. ~~فسلام الله عليه يوم ولد، وسلام الله عليه يوم استشهد، وسلام الله عليه يوم ~~يبعث حيا. ظاهر أن العلاقة بين الزيدية وبين الإمام زيد% ليست علاقة اتباع ~~في قضايا علمية. لا شك أن الزيدية تقدر رأي الإمام زيد%، ولكنها لا تلتزم ~~تقليده، بل لا تلتزم تقليد غيره من أئمة أهل البيت، فالزيدية ترى أن ~~الاجتهاد واجب في كل عصر، وفي كل مكان لكل من ملك أدوات الاجتهاد. يحاول ~~بعض المعاصرين القول بأن الزيدية تنتسب للإمام زيد اسما فقط، وإلا فلا ~~علاقة لها به. يريد هذا الرأي أن يصل إلى أن الإمام زيد لم يمثل أيا من ~~المبادئ الكبرى التي قال بها الزيدية اليوم، وإنما الذي مثلها كان الإمام ~~الهادي يحيى بن الحسين الذي PageV01P080 استحدث وفق هذا الرأي مجموعة من الآراء التي تخالف منهج الإمام زيد ومنهج ~~أهل البيت. لا يحتاج المرء إلى كثير معرفة ليعرف مدى بعد هذا الرأي عن ~~الحقيقة. فالنصوص موجودة، نصوص الإمام الهادي، ونصوص الإمام زيد، ونصوص من ~~بينهما من الأئمة، ومنها جميعا يظهر أن الإمامين، بل جميع أئمة تلك المرحلة ~~كانوا في الأصول الدينية على منهج واحد، وأن اختلافهم إن وجد، كان في ~~القضايا الفرعية، والقضايا التي تتطلب اجتهادا ورأيا. ويلاحظ أن من يقول ~~بهذا القول يعول كثيرا على نص للمؤرخ يحيى بن الحسين بن القاسم (1100ه)، ~~حيث يقول: إنه لم يبق لمذهب زيد متابع في الأصول ولا الفروع. وفضلا عن أن ~~هذا القول لا يمثل إلا رؤية قائله، فالنصوص الموجودة تبين علاقة الإمامين ~~ببعضهما. صحيح أن قليلا من الزيدية اتبع مذهب الإمام زيد% الفقهي، وكان ~~أغلبهم على مذهب الإمام الهادي، وذلك لأسباب منها دور الإمام الهادي في ~~اليمن، ومنها اشتهار نصوصه، وعظم تأثيره على عموم الزيدية في زمانه وبعده. ~~والمؤرخ المذكور كثير الخلط يعتمد الاستنباط والتخمين لا على النصوص. من ~~هذه التعميمات قوله: ((فالذي كان من قبل [أي من قبل المائتين] هم الصالحية ~~والجريرية، وهو الذي كان عليه زيد بن علي. وأما ms061 سائر الفرق فإنما حدثت بعد ~~ذلك، وخالفت زيد بن علي في أصوله وفروعه...))، فهذا النفي المطلق ينافي ~~الحاضر من النصوص. مثل هذه التعميمات التي لا أصل لها، هي مستند بعض الكتاب ~~غير الموضوعيين في كتابتهم عن علاقة الإمام زيد بأهل بيته من بعده، أو ~~بالزيدية المتأخرين. PageV01P081 ### | AUTO الزيدية والصحابة # الكلام في الصحابة له اعتباران. الاعتبار الأول الكلام فيهم على الجملة، ~~والاعتبار الثاني الكلام في أفرادهم. فأما على الجملة فلا يجوز القدح فيهم، ~~لأن الله تعالى قد مدحهم وأثنى عليهم. وفي ذلك نجد للإمام الهادي يحيى بن ~~الحسين% في رسالة وجهها لأهل صنعاء ما نصه: ((ولا أنتقص أحدا من الصحابة ~~الصادقين والتابعين بإحسان، المؤمنات منهم والمؤمنين، أتولى جميع من هاجر، ~~ومن آوى منهم ونصر، فمن سب مؤمنا عندي استحلالا فقد كفر، ومن سبه استحراما ~~فقد ضل عندي وفسق، ولا أسب إلا من نقض العهد والعزيمة، وفي كل وقت له ~~هزيمة، من الذين بالنفاق تفردوا، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة تمردوا، وعلى ~~أهل بيته اجترءوا وطعنوا، وإني أستغفر الله لأهمات المؤمنين اللواتي خرجن ~~من الدنيا وهن من الدين على يقين، وأجعل لعنة الله على من تناولهن بما لا ~~يستحققن من سائر الناس أجمعين، إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين قاموا بالدين، ~~وكانوا في حقيقة الإيمان، واتبعوا بالطاعة والإحسان، واجب فضلهم مشهور، ~~والطاعن عليهم مأزور، والمنتقص لهم مذموم، هالك عند الله مثبور، معذب ~~مدحور، لمدح الله سبحانه لهم...)) إلخ كلامه. وأما الكلام على أفرادهم، فإن ~~الزيدية ترى أن المعصية لها حكمها بقطع النظر عمن صدرت منه، وأن الله تعالى ~~قد نبه أنبياءه {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك}[الزمر:65]، كما نبه ~~سيد رسله لما قال : {لقطعنا منه الوتين}[الحاقة:46]. فكذلك الأمر في ~~الصحابة. فمن مات منهم على طاعة الله ورسوله% لقي الله مرضيا. وأما من زاغ ~~عن الهدى، واتبع هواه، وآثر الدنيا على الآخرة، فلا كرامة له عند الله، ~~مثله مثل غيره من الخلق. وأغلب ما يثار ms062 هذا الأمر هو لمعرفة رأي الزيدية في ~~الخلفاء الثلاثة على وجه الخصوص، ثم رأيهم في معاوية ومن وقف معه. PageV01P082 ### | AUTO الزيدية والخلفاء # موضوع الخلفاء من المواضيع الحساسة، وكنت أفضل عدم التعرض له ولكن كثرة ~~التساؤلات حول موقف الزيدية منهم أوجبت طرحه. المشترك بين الزيدية أن ~~الإمام عليا% كان الأولى بالخلافة، وأن أبا بكر ومن معه أخطأوا في صرفها ~~عنه. وأن أبا بكر أخطأ أيضا لما منع فاطمة من إرثها من النبي، كما أخذ منها ~~أرض فدك والعوالي وهي أرض غنية جدا كان النبي أنحلها فاطمة بعد فتح خيبر. ~~إلا أنه بعد هذا القدر المشترك فقد اشتهر رأيان: الرأي الأول يرى أن ~~الترضية عنهم لازمة باعتبار أن وقوفهم السابق مع النبي يكفر ذلك الخطأ. ~~الرأي الثاني يرى أن سابقتهم مع النبي توجب علينا الترضية عنهم، والخطأ ~~منهم يوجب التوقف في شأنهم. وهناك قلة قليلة كانت تصرح بالبراءة منهم، ~~والدعاء عليهم. وسأذكر نصين لإمامين أحدهما من أئمة الديلم، والآخر من أئمة ~~اليمن، وهما من المتوقفين، وذلك لكي يعلم حقيقة معنى التوقف. قال الإمام ~~الهادي علي بن جعفر بن الحسن الحقيني%(490ه): وأشهد أن أمير المؤمنين إمام ~~المسلمين بعد رسول رب العالمين؛ لما خصه الله تعالى بمجموع الفضائل ~~والمناقب، ووضعه في أشرف المناسب، بمنصوص التنزيل المعرض للتأويل، لتقابل ~~الأشباه والأمثال، وتعارض المعاني والأشكال، سميناه نصا خفيا، وإن كان ~~معناه عند الرساخ واضحا جليا. وأما كبار الصحابة الذين تصدروا للإمامة ~~ونهضوا بالخلافة فلا أغض نفوسهم وأغراضهم، ولا أقابل بالشتم أعراضهم، بل ~~أجد موجدة الزاري عليهم، والمستريب منهم لتمسكهم بالمحتملات، وتعلقهم ~~بالمتأولات وأكل أمرهم إلى الله تعالى كما قال القاسم%: {تلك أمة قد ~~خلت}[البقرة:134]. وأما الإمام عبدالله بن حمزة (614ه) فقد جاءته مسألة ~~فيمن تقدم الإمام علي بن أبي طالب فأجاب إجابة مطولة فيها تفصيل، وأهم ما ~~فيها: إن الصحابة عندنا أفضل بعد الأئمة" قبل إحداثهم، وبعد الإحداث لنا ~~أئمة نرجع إليهم في أمور ديننا ونقدم حيث PageV01P083 أقدموا، ونحجم حيث أحجموا، وهم علي وولداه"، والحادث عليهم ms063 وغضبنا فيهم، ~~ولم نعلم من أحد منهم سب أحد من الصحابة ولا لعنه ولا شتمه لا في مدة ~~حياتهم ولا بعد وفاتهم. فالذي تقرر عندنا أن عليا% أفضل الأمة بعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وولديه أفضلهم بعد علي%، لما تظاهر فيهم من الأدلة عن الله سبحانه ~~وتعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم عليهم من أبي بكر وعمر وعثمان نقول بتخطئتهم ~~ومعصيتهم لترك الاستدلال على علي% بالنصوص الواردة عن الله سبحانه وعن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم في إمامته، ونقول: إن النصوص استدلالية لأنها محتملة، ولذلك جرى ~~فيها النزاع الطويل والجدال الشديد من ذلك اليوم إلى يوم الناس هذا وإلى ~~انقطاع التكليف وكل يحتج بما له وجه. PageV01P084 # وقولنا هو الأحق والأولى لما ظاهرنا عليه من البراهين، ونصبنا من الأدلة ~~التي لا توجد مع خصومنا، وندعي عليهم انقطاع المرام في تصحيح ما توسموه، ~~وتلك الخطايا والمعاصي بالتقدم فتنقطع العصمة، وإنما يجوز أن يكون كفرا وأن ~~يكون صغيرة، ولما يظهر لنا على ذلك دليل ولا بلغنا عن سلفنا الصالح% ما ~~نعتمده في أمرهم، ولهم أعظم حرمة في الإسلام، لأنهم أول من أجاب دعوة ~~جدنا صلى الله عليه وسلم، ونابز عنه، وعز به الإسلام وقاتل الآباء والأبناء والأقارب في الله ~~حتى قام عمود الإسلام، وأتى فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يأت في غيرهم وكان فيهم ~~حديث بدر وآية بيعة الرضوان فصار الإقدام في أمرهم شديدا. وإنما نقول: إن ~~كانت معاصيهم كبيرة، فالله تعالى لا يتهم في حال، والكبائر تبطل الطاعات ~~وإن عظمت، وإن كانت صغيرة فلبعض ما تقدم من عنايتهم في الإسلام وسبقهم إلى ~~الدين ولا يمكن أحد من أهل العصر ولا من قبله من الأعصار أن يدعي مثل سعيهم ~~ومثل عنايتهم في الدين، وعلي% وولداه هم القدوة فلا نتجاوز ما بلغوه في أمر ~~القوم، وهو نعي أفعالهم عليهم وإعلامهم لهم أنهم أولى بالأمر منهم، ولم ~~يظهروا لنا أحكام أولئك أن خالفوهم ولا باينوهم مباينة ms064 الفاسقين في ~~عصرهم... ثم قال بشأن فدك: وأما أمر فدك فقد كان فيها النزاع وتأولوا خبر ~~النبي: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما خلفناه صدقة)) على غير ما تأولناه؛ ~~لأن عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن ما قبضه من الصدقة لا يكون إرثا لوارثه، ~~وإنما يكون مرجعه إلى بيت المال فما عندنا اسم ناقص بمعنى الذي، فكأنه قال ~~الذي نتركه من الصدقات لا يورث عندنا معاشر الأنبياء، وأما أملاكهم فلم ~~نعلم أن الله سبحانه فرق بينهم وبين غيرهم في ذلك. وقد وقعت أمور هنالك ~~رددنا أمرها إلى الله عز وجل، ورضينا على الصحابة عموما، فإن دخل المتقدمون ~~على علي% في صميمهم في علم الله سبحانه لم نحسدهم رحمة ربهم، وإن أخرجهم ~~سبحانه بعلمه لاستحقاقهم فهو لا يتهم PageV01P085 في بريته، وكنا قد سلمنا خطر الاقتحام، وأدينا ما يلزمنا من تعظيم أهل ذلك ~~المقام، الذين حموا حوزة الإسلام، ونابذوا في أمره الخاص والعام. وأما ~~عثمان وإحداثه فلا شك في قبحها، وجوابنا فيها ما قال علي%: إنه قد قدم على ~~عمله فإن كان محسنا فقد لقي ربا شكورا كافئه على إحسانه، وإن كان مسيئا فقد ~~أتى ربا غفورا لا يتعاظم أن يعفو عن شأنه، وهذا كلام علي% فيه مثل قوله: ~~إنه استأثر فأساء في الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم في المستأثر ~~والجازع، وهذا ما قضى به الدليل وأدى إليه النظر، ومن الله سبحانه نستمد ~~التوفيق في البداية والنهاية والبلوغ إلى أسعد غاية)). وقد نجد في كتب ~~التواريخ الزيدية بعض الروايات التي قد تقتضي براءة منهم، ولكن لا يعمل ~~بمقتضى تلك الأخبار وإن كانت تروى لأنها مجرد أخبار تاريخية آحادية لا يجوز ~~الاعتماد عليها في شأن كهذا. وأما معاوية ومن كان معه ممن قاتل الإمام علي ~~بن طالب، فلا يخفى أمرهم على من له أدنى اطلاع. PageV01P086 ### | AUTO الزيدية والحنفية والمعتزلة # نجد في بعض كتب الفرق أن الزيدية أخذت فقهها عن مذهب أبي حنيفة، وبالتالي ~~فهي حنفية في الفروع. وأما ms065 أصول دينها فقد أخذته عن المعتزلة، في المقابل ~~نجد أن الزيدية تنفي هاتين النسبتين بشدة. وفي تصوري فإن الخلاف بين ~~المثبتين وبين النافين ينطوي على غرض أعمق من مجرد التاريخ لحركة علمية. ~~أظن الأمر يتعلق باستقلالية أئمة أهل البيت وعلماء الزيدية في علومهم. ~~فالمثبت لتلك النسبة يريد أن يقول: إنهم وإن كانوا اليوم مدرسة مستقلة، إلا ~~أن جذورهم لا تصل بحال من الأحوال إلى أبعد من أبي حنيفة في الفقه، وواصل ~~بن عطاء في الأصول. والنافي لهما يريد أن يتجاوز تلك العقبة ويصل بآراء ~~الزيدية إلى الإمام علي، فالنبي عليهما الصلاة والسلام. وموضوع الأصالة ~~التاريخية من القضايا التي كانت تهم كل فرقة من الفرق الإسلامية. فكل فرقة ~~تريد أن توصل آراءها بالنبي وصحابته، وباعتبار أن شرعية ما يقولونه يرتكز ~~على ذلك. إضافة إلى ذلك، فإن نفي أصالة فرقة من الفرق يعد من الحجج عليها ~~باعتبارها فرقة مبتدعة قالت بأمر لم يعرف على عهد النبي، ولا عهد صحابته. ~~وأرى أن مثل هذا الخلاف لا معنى له. فالصواب صواب باعتبار ذاته، لا باعتبار ~~أصله. وإذا غاب عنا ما يدل على أصالة رأي لدعم قول من الأقوال، فإن حجج ~~العقول والنصوص لا زالت بين أيدينا وهي كافية وافية شافية. على ضوء هذا، ~~فإنني سأعلق على هذا الكلام من الناحية التاريخية فقط. فآراء الزيدية لا ~~تقيم انطلاقا من أصلها، وإنما انطلاقا من مرتكزاتها، ثم من تفعيلها في ~~الحياة. من الناحية الفقهية، فمعلوم أن الزيدية تمنع على المجتهد التقليد ~~في الفقه، وأنها لذلك لا يمكن اعتبارها تتبع مذهب فقهي لعلم من أعلام أهل ~~البيت، فكيف يكون ذلك بالنسبة لعلم من غيرهم؟ وأما مقلدو الزيدية فلا ~~يقلدون أبا حنيفة رحمه الله، كما لا يعتمدون أيا من مصادر الفقه الحنفي في ~~تقليدهم. وأما قدماء أهل البيت"، فلم يعلم PageV01P087 منهم من كان حنفيا. نعم، قرأ كثير من علماء أهل البيت في العراق في القرن ~~الرابع الفقه الحنفي، ولكنها قراءة اجتهاد ونظر وليست قراءة تقليد. وقد ~~يكون أصل هذا ms066 القول، إذا كان لا بد له من أصل، هو المشابهة بين فقه الإمام ~~الهادي%، وفقه الحنفية. ولكن حتى هذا الأمر لا يكفي. فالمشابهة بين المسائل ~~وحدها لا تعني أنها مشابهة تقليد. كما إن هذه المشابهة قد تعود لاعتبارات ~~أخرى غير التقليد نحو وحدة المنشأ. ففقه العراق الذي عليه الحنفية متأثر ~~بفقه الإمام علي بن أبي طالب، ومثله في التأثر فقه أهل البيت بما فيهم ~~الإمام الهادي% إضافة إلى كل ذلك فإن طبيعة الاختلافات الفقهية بين ~~المذهبين الموجودة فعلا تدل على خطأ مثل هذا القول. وأما العلاقة بين ~~الزيدية والمعتزلة، فهي أعمق، ولكنها لا تبلغ حد أن يكونا مدرسة واحدة، أو ~~أن يكون أهل البيت أسسوا مدرستهم متأثرين بها. إن كل من يثبت تلك النسبة قد ~~اعتمد على مجموعة من الأمور وهي: # 1. التقدير الكبير الذي يكنه أعلام أهل البيت والزيدية لمشائخ المعتزلة، ~~التقدير الذي أوصل أحدهم وهو الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى إلى أن يضع ~~كتابا في الطبقات سماه طبقات المعتزلة، ذاكرا ضمن تلك الطبقات أعلام أهل ~~البيت والزيدية، فنسب الزيدية إلى المعتزلة وليس العكس. وهذا الأمر إن دل ~~على شيء فإنما يدل على تقدير أهل العلم بعضهم لبعض. فمما لا شك فيه أن ~~مشائخ المعتزلة بلغوا في العلم غاية لا يستهين بها إلا جاهل، أو قليل ~~إنصاف. كما أن أغلبهم كان غاية في الورع والخشية من الله تعالى. ولكن لا ~~يدل على أنهما مدرسة واحدة. PageV01P088 # 2. اتفاقهما في القضايا الكبرى في أصول الدين. وهذا لا يكفي أيضا لأن ~~الموافقة في الآراء لا تعني ضرورة أنهما مدرسة واحدة، أو أن لهما شيخا ~~مشتركا. وخصوصا في آراء تجد نسبتها في العقل ومحكم التنزيل، مما يعني أنها ~~شائعة لكل من أرادها. فالقول بالتوحيد والعدل والوعيد والإمامة لا تحتاج ~~إلى عقول متميزة لتدركها، وتقول بها. ربما الاحتجاج لها قد يتطلب ذلك، ولكن ~~القول بها متيسر لكل من أعمل يسيرا من عقله، وتأمل قليلا في كتاب الله جل ~~وعلا. فما بالك بأعلام أهل البيت النبوة ms067 في ذلك العصر، ممن عرفوا واشتهروا ~~برجاحة عقل، ووفرة علم؟ ثم إذا كان لا بد من أن تكون هذه الموافقة نشأت عن ~~شيخ مشترك، فإن الإمام عليا سيكون هو ذلك الشيخ حيث إن واصل بن عطاء تتلمذ ~~في الأصول على يد أبي هاشم عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب(ت98ه)، ~~وأعلام أهل البيت آنذاك أخذوا علومهم أبا عن أب إلى الإمام علي أيضا. # 3. ما رواه الشهرستاني(ت584ه) من أن الإمام زيدا تتلمذ على واصل بن عطاء ~~فأخذ عنه أصول المعتزلة، ثم نقلها الإمام زيد إلى بقية أهل البيت ممن تبعه. ~~والأمر هذا أيضا لا مستند له. فكلام الشهرستاني غير مسبوق، ولم يذكره أو ~~يشر إليه أحد من قبله من المؤرخين، بل حتى المعتزلة في كتبهم، عندما يذكرون ~~الإمام زيدا في طبقاتهم لا يذكرون هذا الأمر. ثم إن الشواهد التاريخية ~~تعارضه. فاللقاء بينهم إن حصل لم يكن ليتم إلا بعد أن تقدم الإمام زيد في ~~عمره، وبالتالي في نضوجه العلمي. وآنذاك من البعيد أن يكون جاهلا بتلك ~~القضايا ليأخذها عن واصل، خصوصا أن كلا من أبيه وأخيه كانا يقولان بالتوحيد ~~والعدل. PageV01P089 # 4. ما يروى من أن واصلا قدم إلى المدينة فاستقبله إبراهيم بن أبي يحيى ~~(ت184ه) شيخ الإمام الشافعي (ت204ه)، وأن الإمام زيدا وبعض أهل البيت ~~تسارعوا للجلوس معه. ثم تحكي قدوم جعفر الصادق ونكيره على واصل،صحة الرواية ~~تحتاج إلى تحقيق، فروايتها أتت منقطعة في كتاب أبي القاسم البلخي(319ه). ثم ~~إن صحت الرواية ففيها شقان. شق يتعلق بمبادرة أعلام أهل البيت إلى لقاء ~~واصل. وشق يتعلق بموقف الإمام من جعفر الصادق. فالشق الأول يدل على عناية ~~أعلام أهل البيت باللقاء بكل من عرف بالعلم والعمل. وواصل بن عطاء كان من ~~العلم بمكان، وكان من الدعاة العاملين المعروفين. وأما ما يتعلق بالشق ~~الثاني، فإن الكلام عن الحسد في ذلك الموقف لا معنى له، فإن الإمام جعفر ~~الصادق لم يعرف منه أي نشاط سياسي دعوي بحيث يكون حاسدا أو محسودا، وإنما ~~كان جل اهتمامه ms068 بالعلم والتعليم. ولعل أصل الاختلاف حصل، ولعله يتعلق برأي ~~للإمام جعفر في التعاون السياسي مع واصل، ثم حرفت الرواية. وفي كل الأحوال ~~فإن صحت الرواية فلا تدل على أكثر من لقاء طابعه الأساسي سياسي وليس علميا. # 5. الأمر الأخير الذي يذكر لدعم تلك المقولة كون المعتزلة قاتلت بين يدي ~~إبراهيم بن عبدالله بن الحسن حتى قتل الكثير منها، وكونها هي التي نصرت ~~الإمام إدريس بن عبدالله في المغرب، وعلى أكتافها أقام دولته هناك. وهذا ~~الكلام صحيح لا شك فيه، ولكن لا يدل على علاقة علمية. في مقابل تلك الأمور ~~نجد قضايا مشكلة في علاقتهم ببعض وهي: # 1. إن كتب الطبقات التي وضعها المعتزلة خالية من ذكر الأئمة من أهل البيت ~~بعد الإمام إبراهيم بن عبدالله. وهذا الأمر مشكل على من يقول بأنهم فرقة ~~واحدة، وأظنه مفتاحا للبحث في العلاقة بينهم، بل لعله مؤشر على رأي ~~المعتزلة في الخروج. PageV01P090 # 2. فالذي يظهر أن المعتزلة بعد مقتلهم بين يدي الإمام إبراهيم بن عبدالله ~~تغير منهجهم من الخروج والثورة. ربما لقناعتهم أن الدولة العباسية بلغت بعد ~~القضاء على حركة النفس الزكية وأخيه إبراهيم من القوة مبلغا لا يمكن معه ~~الوقوف أمامهم. وبالتالي فإنه لا يجب الخروج عليهم، لأن الخروج لا يكون ~~واجبا ما لم يظن الغلبة. أيضا ربما لرأيهم أن العمل العلمي أجدى وأنفع. ~~ولذلك فلو تتبعنا أعلام المعتزلة من القرن الثاني حتى أول الرابع، لما ~~وجدنا واحدا منهم ممن خرج أو ثار. وقد كانوا على فريقين: فريق يجوز التعاون ~~مع السلطان نحو: بشر بن المعتمر(210ه) الذي كان مقربا من المأمون، وثمامة ~~بن أشرس(213ه) وكان مستشارا للمأمون،وهشام الفوطي(221ه) الذي كان المأمون ~~يجله، ويوسف الشحام(267ه) كان صاحب وظيفة في الدولة. وفريق يتشدد في العمل ~~مع السلطة نحو: عيسى المردار راهب المعتزلة، وكان يتشدد في الاختلاط مع ~~السلطان (220ه)، وجعفر بن مبشر الثقفي (234ه) كان زاهدا، تتلمذ على عيسى ~~المردار، وكان مبتعدا عن السلاطين، وجعفر بن حرب (236ه) الذي كان له عمل ~~كبير في الدولة قبل أن يصبح ms069 من علماء الكلام، ثم ترك الدولة، وابتعد عنها. ~~ويلاحظ أن السمة العامة لمن كان يتجنب السلاطين هم المعتزلة المتشيعة، أي ~~البغدادية منهم. ولعل من أجاز الاختلاط بهم كان من باب معاونتهم على الحق. ~~وقد يكون عدم قيام أي من أعلامهم بأي عمل ثوري يعود إلى رأي لعمرو بن عبيد ~~(144ه)، فينقل عنه ما يدل على أن له رأيا خاصا في الخروج على الولاة، بعضهم ~~يقول: إنه لا يجيز الخروج حتى يتوفر له عدة أهل بدر ممن هم مثله دينا، ~~ولذلك قال أبو جعفر الدوانيقي في شأن المعتزلة الذين قاتلوه: ما خرجت ~~المعتزلة علينا حتى مات عمرو بن عبيد. وفي تصوري فإن المعتزلة الذين خرجوا ~~كان لهم رأي مختلف في الخروج، ولعله رأي يعود إلى واصل بن عطاء (131ه) الذي ~~كان يرى PageV01P091 الخروج كما تدل عليه الروايات. كما أتصور أنهم كانوا خارجين حتى لو لم يمت ~~عمرو بن عبيد. يدل عليه أن من خرج كان من العلم والشأن بمكان يمنع من أن ~~تكون علاقتهم بعمرو علاقة طاعة. ومهما كان الأمر، فإن غياب ذكر أعلام أهل ~~البيت بعد ثورة النفس الزكية يدل على أن المعتزلة في مرحلة ما ارتأت أن ~~تقطع اتصالها السياسي بأهل البيت. وأما ذكرهم لمن كان قبل ذلك، فقد لا يكون ~~أزيد من ذكرهم لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي في الطبقة الأولى من طبقات ~~المعتزلة، وإنما ذكروا أولئك باعتبار أنهم يقولون بالتوحيد والعدل. # 3. إضافة إلى ما سبق حول العلاقة بين المعتزلة والزيدية بعد ثورة النفس ~~الزكية، فإن هناك ما يدل على أن واصلا بن عطاء كان ذا توجه سياسي مستقل عن ~~الإمام زيد بن علي. ذلك أن واصل كان يرسل رجالا إلى مناطق كان للإمام زيد% ~~فيها رجال. # 4. وأما ما ينقل من أن الإمام الهادي يحيى بن الحسين أخذ أصول دينه عن ~~أبي القاسم البلخي (319ه)، فكان الأولى القول بأنه أخذها عن أبيه العالم ~~المحدث، الذي أخذها عن أبيه القاسم بن إبراهيم نجم أهل بيته في زمانه، ~~والذي تدل ms070 مؤلفاته الكلامية أنه بلغ غاية العلم. وإذا صحت التقديرات أن ~~البلخي كان في الستينات من عمره حين توفي، فإن أخذ الهادي عنه أبعد. PageV01P092 ### | AUTO استعمالات كلمة "زيدية" في المراجع والمصادر # استعملت كلمة "زيدية" بأكثر من معنى من قبل الباحثين قديما وحديثا. سبب ~~هذا التباسا عند تناول الزيدية حيث وضعت استعمالات متعددة ذات اعتبارات ~~مختلفة في خانة واحدة. وما يلي بعض الاستعمالات، ويلاحظ أنها قد تتداخل، ~~ولكنها مع ذلك تتمايز، وبالتالي فما يقال عن الزيدية بمعنى من هذه المعاني، ~~لا ينطبق على الزيدية بمعنى آخر بالكلية، وإن كان قد ينطبق جزئيا. هم ~~الجماعة التي تدين لله تعالى بما سبق ذكره من الأصول الدينية، والمفاهيم ~~المنهجية، وهو المستعمل في هذا البحث. كانت الكلمة في المراحل التاريخية ~~الأولى بعد خروج الإمام زيد% تطلق على كل من خرج مع الإمام زيد، أو دعا ~~إليه. ثم في مرحلة تالية أصبحت تطلق فقط على الشيعة ممن كان يرى الخروج مع ~~الداعي من أهل البيت، أي تقلص نطاقها. ولكنها في المرحلتين لم تكن لتطلق ~~لتشمل أحدا من أئمة أهل البيت آنذاك، فلم يقل عن الإمام محمد بن عبدالله ~~النفس الزكية، أو عن الإمام الحسين بن علي الفخي، أو عن الإمام القاسم بن ~~إبراهيم، إلخ ... لم تطلق هذه الكلمة لتشملهم، وإنما لتشمل شيعتهم، ممن ~~وافقهم في الخروج على أئمة الجور. ثم في مرحلة متأخرة ولعلها حول القرن ~~السادس أو السابع بدأت تطلق لتشمل أئمة أهل البيت أيضا. بناء على هذا فإنه ~~يمكن أن نفهم معنى الكلام على الفرق الزيدية في القرن الثاني للهجرة، فهو ~~كلام عن بعض الاختلافات التي نشأت بين الزيدية أي بين الشيعة القائلين ~~بالخروج، وهي لا تشمل بأي حال الأئمة من أهل البيت آنذاك. وقد تطلق على ~~مقلدي الإمام زيد بن علي، كما يقال قاسمية لمقلدي الإمام القاسم وناصرية ~~لمقلدي الإمام الناصر وهادوية لمقلدي الإمام الهادي، ومؤيدية لمقلدي الإمام ~~المؤيد بالله عليهم جميعا سلام الله. وهذا الاستعمال متأخر بعض الشيء، ولا ~~يشير إلا إلى الاختلافات ms071 الفقهية ضمن الزيدية، ولا علاقة له بأصول الدين. ~~كما قد يقال "الزيدية" ويراد بها مذهب أئمة أهل PageV01P093 البيت. أي يراد بها الفكرة لا الشخصيات. وهذا الاستعمال يبدو أنه معاصر بعض ~~الشيء، ومقارب للأول. ### | AUTO فرق الزيدية # المشهور من هذه الفرق هي: الجارودية، والبترية الصالحية، والبترية ~~الجريرية. وهذه الفرق الثلاث تنسب إلى أشخاص عاشوا في الفترة التي تلت ~~استشهاد الإمام زيد بن علي. فالجارودية تنسب إلى أبي الجارود المتوفى سنة ~~150 او 160، والبترية الصالحية تنسب إلى الحسن بن صالح بن حي 168، والبترية ~~الجريرية تنسب إلى سليمان بن جرير المتهم بسم الإمام إدريس بن عبدالله. ~~وهناك أكثر من تحفظ على اعتبار وجود هذه الفرق، بل وغيرها من الفرق ~~الإسلامية، حيث إنه كان يكفي وجود عدد قليل من الأشخاص ذوي رأي مميز في ~~قضية ما لكي يصبحوا فرقة. ولقد كان كتاب الفرق مولعين بتكثير الفرق لكي ~~يمكنهم الوصول إلى عدد 72 المشار إليه في الحديث، وتكون الفرقة ال 73 هي ~~فرقة المؤلف الناجية. كما إنه يوجد خلط في المصادر بين البترية والصالحية ~~والجريرية مما يوقع المرء في حيرة من واقع حالهم. فالصالحية نسبة للحسن بن ~~صالح بن حي، والبترية نسبة إلى سليمان بن جرير على رأي، ونسبة إلى كثير ~~النوا على رأي آخر. وأما السليمانية فنسبة لسليمان بن جرير. والصالحية ~~والبترية يعدان فرقة واحدة، وتأتي مشكلة نسبتهما من هذه الجهة، فإذا كانت ~~البترية نسبة إلى سليمان بن جرير، فهذا يجعلها والسليمانية نسبة لشخص واحد. ~~ومهما كان الأمر، فإنها عدا الجارودية لم يظهر لها أثر بعد القرن الثاني؛ ~~فلا نكاد نجد من ينسب إليها، كما لا نكاد نجد بين الزيدية بعد القرن الثاني ~~من قال بما نسب إليهم من مقالات. أما الجارودية فلعلها أطلقت في أول الأمر ~~على الشيعة الزيدية التي كان لها رأي مخصوص في طبيعة النص على الإمام علي، ~~فقد كانت ترى أنه نص جلي يظهر مدلوله بمجرد سماعه. ثم صارت فيما بعد علما ~~على كل من قال بمثل قولهم. ولعل هذا ms072 يبين قصد صاحب الحور العين، والإمام ~~عبدالله PageV01P094 بن حمزة إلى أن زيدية اليمن جارودية. ومن الفرق الأخرى هي الحسينية ~~والمطرفية والمخترعة. أما الحسينية فهي جماعة لم تقبل خبر مقتل إمامها ~~الإمام الحسين بن القاسم العياني(ت 404ه)، فقالت بغيبته، وهي جماعة محدودة ~~لم تستمر. وأما المطرفية فجماعة من الزيدية كان لها تفسيرها الخاص لعلاقة ~~الله تعالى بخلقه، وقد نشأت نسبة لمطرف بن شهاب ق5، ثم امتد وجودها حتى عصر ~~الإمام عبدالله بن حمزة (ت614ه)، حيث إنه في آخر أيامه، ولما بدءوا يظهرون ~~التمرد على بيعته، قاتلهم. وهناك من يقول بأنه بالغ في قتلهم، ولكثرة ما ~~دار حولهم رأيت أن أفرد بعض الملاحظات حولهم. وأما المخترعة فأطلقت على ~~الرأي الذي يخالف رأي المطرفية، وبالتالي على من خالفهم، فالتسمية عارضة، ~~وسببها نشوء الخلاف حول ذلك الموضوع. ولأهمية المطرفية حيث كان لوجودها ~~تأثير على الساحة الفكرية والسياسية للزيدية، بخلاف غيرها من الفرق ~~العقائدية، سأضع بعض النقاط حولهم فيما يلي: PageV01P095 # تنسب المطرفية إلى مطرف بن شهاب المتوفى في منتصف القرن الخامس الهجري. ~~وهناك خلاف حول بدايات ظهور فكرها، ولكن تاريخ الفرقة لا يعنينا في هذا ~~السياق. ويمكن اعتبار أن موقفهم الأساسي يتلخص في قولهم: إن الله تعالى خلق ~~أصول الأربعة التي هي: الماء، والهواء، والنار، والتراب، وأما خصائص تلك ~~الأصول، وكل ما سواها في الكون، من مادة وخصائصها فإنما نتجت بتفاعل بين ~~تلك الأصول، ولم يكن لله تعالى في ذلك أمر. وهي مقولة قال بها بعض فلاسفة ~~الإغريق وغيرهم. وقد رأى أعلام الزيدية وأهل البيت آنذاك في هذا القول ~~مخالفة للأدلة العقلية وللضرورات الدينية. وقد جادلهم مجموعة من أولئك عبر ~~عقود من الزمن، منهم الإمام أبو هاشم الحسن بن عبدالرحمن(431ه)، والإمام ~~أبو الفتح الديلمي(444ه)، والعلامة سعيد بن برية(476ه)، والعلامة محمد بن ~~حميد الزيدي(520ه)، والقاضي جعفر بن عبد السلام(537ه)، والإمام المتوكل على ~~الله أحمد بن سليمان (566ه)، والإمام عبدالله بن حمزة(614ه)، والقاضي ~~عبدالله بن زيد العنسي (667ه)، وغيرهم كثير. وفي عصر الإمام عبدالله بن ~~حمزة(614ه) تطور ms073 الأمر إلى قتال بينهم وبين الإمام، فكانت الغلبة للإمام ~~عبدالله، وقد رأى أنهم كفار. والظاهر من نصوص المطرفية التي وصلتنا أنها ~~اقتضت أمرين متلازمين: # * إنكار مبدأ التدبير الإلهي. وذلك باعتبار أن كل ما نراه اليوم ليس لله ~~فيه تدبير أو شأن، وإنما هو بتفاعل المواد الأربعة. PageV01P096 # * إنكار مبدأ الربوبية باعتبار أن ذلك القول عزل الله تعالى فعليا عن خلقه ~~وحكما فإن عزل الله عن خلقه، يعني عزل الخلق عن الله تعالى، فلا يبقى أي ~~معنى لكل أشكال اللجوء إلى الله تعالى. ولتوضيح الفكرة أكثر يمكن الإشارة ~~إلى التعدد في الآراء حول علاقة الله تعالى بخلقه. يمكن القول بأن الكون ~~فيه ثلاثة أمور أساسية: 1. المادة. 2. النظام. 3. الأفعال. هناك من يرى أن ~~فعل الله تعالى محصور في إخراج أصل الكون من العدم إلى الوجود، أي ليس له ~~إلا خلق المادة، وليس كل المادة، إنما المادة الأولى والتي منها نشأت بقية ~~أشكال المواد. وقد اختلف أهل هذا الرأي حول الخلق الأول، وهو اختلاف ليس ~~بذي أهمية، فأصل الفكرة لا علاقة لها بتحديد ذلك المخلوق الأول. وكلما بعد ~~المخلوق الأول إنما نشأ من خلال ذلك الخلق الأول. يمكن اعتبار أن هذا الرأي ~~يقول بأن الله تعالى اعتزل الكون بعد إنشائه، فهو "المحرك الأول". وأما ~~النظام في الكون، أي القوانين التي تحكم التفاعلات الموجودة، وكذلك الأفعال ~~التي تصدر عن المادة ضمن ذلك النظام، فهي كلها خارجة عن خلق الله تعالى. ~~وبالتالي فكل مظاهر التدبير التي نشاهدها، وجميع ألوان الحكمة التي نراها، ~~وجميع الخصائص المتنوعة للمادة، فليس الله تعالى مدبرها، ولا محكمها، ولا ~~فاعلها. بخلاف هذه الرؤية، فهناك رؤية ترى أن الله تعالى خلق المادة، وخلق ~~النظام، وأما الأفعال فمنها ما يصدر عن المادة ضمن النظام الذي وضعه الله، ~~ومن الخصائص التي جعلها الله في المادة، أو عن الإرادة الحرة التي آتاها ~~الله تعالى للأحياء العاقلة. ثم هناك رؤية ترى أن الله خلق الخلق والنظام، ~~وكذلك الأفعال الصادرة عن النظام، وأيضا الأفعال المتعلقة بالإرادة. فليس ~~لكل ms074 من المادة أو الإرادة أي تأثير، وإنما الله يفعل كل شيء. وعليه فقيمة ~~النظام والإرادة شكلية هنا. الرأي الأول هو رأي المطرفية، ومنه يتضح القصد ~~بأنه رأي يعزل الله عن خلقه، PageV01P097 كما إنه ينفي التدبير. الرأي الثاني للزيدية، وهو يثبت النظام، ويثبت ~~تأثيره، ولكنه يرى أن الله تعالى هو الذي خلق النظام، وهو الذي خلق القدرة ~~التأثيرية الموجودة في المادة. والرأي الثالث للأشعرية وهو يرى أن لا تأثير ~~مطلقا إلا لله تعالى، فينفي القدرة التأثيرية في المادة كما ينفي القدرة ~~التأثيرية للإرادة الإنسانية. مما سبق يظهر لنا موقع قولهم بين الأقوال. ~~أما موقف الإمام عبدالله بن حمزة، فقبل تأييده أو تخطئته، لا بد أولا من ~~إدراك آثار قول المطرفية على علاقتنا بالله تعالى، وتصورنا لربوبيته عز ~~وجل. هذا من جهة. ومن جهة أخرى لا بد من تقييم حجم نحو ذلك القول في تلك ~~الفترة من الإسلام، وفي تلك البيئة. ذلك أن نحو هذا القول قد لا يجده البعض ~~مسوغا للقتال وذلك إما لكثرة ما قد شاع اليوم من أنواع الكفر بالله ~~والإلحاد به عز وجل. وإما لعدم تمييزنا بين القول بالسببية والذي قال به ~~أئمة أهل البيت، وبين إنكار الربوبية والذي دعت إليه المطرفية، وإن لم تكن ~~مدركة لذلك. وفي كل الأحوال، فالإمام مجهتد يخطئ ويصيب. PageV01P098 ### | AUTO أهل البيت عليهم السلام # من أبرز ما تميزت به الزيدية المكانة العالية التي جعلوها للأئمة من أهل ~~البيت". فكانت لهم المرجعية السياسية، كما إن إجماعهم صار أحد الأدلة على ~~الأمور الفرعية، إضافة إلى أن أبرز أعلامهم سياسيا وعلميا كانوا من أهل ~~البيت. ولذا فتجدر الإشارة إلى مرادهم من أهل البيت، وسبب منحهم هذه ~~المكانة العالية باختصار شديد. أهل البيت وفق فهم الزيدية والمنطلق من ~~مجموعة من الأدلة المتظافرة هم الإمام علي بن أبي طالب، والإمام الحسن بن ~~علي، والإمام الحسين بن علي"؛ ومن نحا نحوهم وسار بسيرتهم واقتدى بأفعالهم ~~من ذريتهم. أما من خرج عنهم فلم ينح منحاهم في العلم والعمل، ولم يعرف ms075 ~~حرمتهم وقدرهم، ولم يراع منزلتهم، فليس داخلا في ما ورد من فضائلهم. ~~وأعلامهم بعد الحسنين كثيرون؛ وأهمهم إلى آخر القرن الثالث هم: الإمام ~~الرضا الحسن بن الحسن(ت93ه)، والإمام السجاد علي بن الحسين(ت94ه)،والإمام ~~باقر علم الأنبياء محمد بن علي بن الحسين(ت114ه)،والإمام زيد بن ~~علي(ت122ه)، والإمام عبد الله ابن الحسن بن الحسن كامل أهل البيت في ~~زمانه(ت145ه)، والإمام علي ابن الحسن بن الحسن بن الحسن عابد أهل البيت ~~(ت145ه)، والإمام المهدي محمد بن عبد الله النفس الزكية (ت145ه)، والإمام ~~إبراهيم بن عبد الله (ت145ه)، والإمام الصادق جعفر بن محمد بن علي(ت148ه)، ~~والإمام عيسى بن زيد(ت166ه)، والإمام الحسين بن علي بن الحسن الفخي(ت169ه)، ~~والإمام إدريس بن عبد الله(ت177ه)، والإمام يحيى بن عبد الله(ت180ه)، ~~والإمام موسى بن عبد الله بن الحسن(ت180ه)، والإمام الكاظم موسى بن ~~جعفر(ت183ه)، والإمام محمد بن إبراهيم(ت199ه)، والإمام الرضا علي بن ~~موسى(ت203ه)، والإمام علي بن جعفر العريضي(ت210ه)، والإمام أحمد بن ~~عيسى(ت247ه)، والإمام عبد الله بن موسى الجون(ت247ه)، والإمام نجم آل رسول ~~الله القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي(ت247ه)، والإمام PageV01P099 الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد(ت260ه)، والإمام الهادي إلى الحق يحيى بن ~~الحسين(ت298ه)، والإمام الناصر الأطروش الحسن بن علي(ت304ه). واقتصرت على ~~ذكر أولئك؛ لأن المرحلة التي عاشوها تعتبر المرحلة الأساسية في صياغة الفكر ~~الأصولي والسياسي للزيدية، وفيها تجلت رؤية أهل البيت لتلك القضايا. ~~ويتفاوت أولئك الأئمة من حيث انتشار فكرهم واشتهار مؤلفاتهم. فأشهر أولئك ~~من هذا الاعتبار هم: الإمام الهادي يحيى بن الحسين، والإمام القاسم بن ~~إبراهيم الرسي، والإمام الناصر الأطروش، والإمام زيد بن علي، والإمام الحسن ~~بن يحيى بن الحسين، والإمام أحمد بن عيسى بن زيد. والترتيب بينهم بحسب شهرة ~~وكثرة ما تدوالته الزيدية عنهم. وأما من سواهم، فتوجد عنهم روايات كثيرة، ~~ولكنها لا تبلغ حد ما روي عن أولئك. سبب المكانة العالية لأهل البيت أمران: ~~أولهما: ما كان لأهل البيت" من دور بارز في المحافظة على روح الإسلام ~~متمثلة في الأصلين البارزين: الإيمان بالله وضرورة قيام إمامة عادلة. ~~الثاني: ms076 مجموعة من الأدلة القرآنية والنبوية. من أبرزها قوله تعالى: {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}[الأحزاب:33]، ~~والصلاة الإبراهيمية، وحديث الثقلين الذي فيه: ((إني تارك فيكم ما إن ~~تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف ~~الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)). وفي آخر أحد ألفاظه: ~~((فانظروا كيف تخلفوني فيهما)). والحديث لا يتعارض مع الحديث الآخر الذي ~~ضعفه الألباني وورد بلفظ: ((كتاب الله وسنتي))، بل يكملان عضهما البعض. أما ~~الآية، فقد أشارت إلى أنه تعالى سيطهر أهل البيت عن الرجس، وأفادت ذلك بصيغ ~~تأكيد قوية جدا. ف"إنما" تفيد التأكيد،وتقديم "عنكم" يفيد التأكيد، ~~و"يطهركم" هو تأكيد لمعنى "يذهب الرجس"، و"تطهيرا" أيضا تفيد التوكيد. إن ~~مجرد ذكر PageV01P100 أهل البيت في هذه الآية الكريمة، بالصيغة هذه، تدعو إلى التأمل العميق. # وأما الصلاة الإبراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم... فإنها قابلت بين أهل البيت وبين آل إبراهيم، ~~هذه المقابلة التي تفيد أن لهم المكانة العامة في هذه الأمة التي كانت لآل ~~إبراهيم في أمتهم. كما أنها تدل على فضلهم من وجه آخر، حيث إن الأمة مأمورة ~~بالصلاة عليهم كلما صلت على محمد المصطفى. إضافة إلى كل هذا فإن جعلها في ~~الصلاة، بحيث يتم الصلاة عليهم ليلا نهارا إلى قيام الساعة لا يخلو من معنى ~~لكل ذي بصيرة. أما حديث الثقلين فأشار إلى أمور منها: # 1. أن النبي ترك فينا القرآن وعترته أهل بيته. وهذا وحده يدعو المؤمن إلى ~~الوقوف والتأمل. # 2. أن النبي صلى الله عليه وآله، قرن القرآن بالعترة، وجعل كلا منهما ~~ثقلا، والثقل هو الأمر العظيم الشأن. # 3. أن التمسك بالعترة عصمة من الضلال. PageV01P101 # 4. أن النبي صلى الله عليه وسلم سوف يسألنا عن موقفنا من العترة. تلك النصوص، إضافة إلى ~~غيرها، سبب تلك المكانة المشار إليها. ومهما اختلفنا حول دلالة تلك النصوص، ~~فلن نختلف في أن أقل ما تدل عليه هو أن لأهل البيت شأنا ms077 عند الله، شأنا ~~يوجب على الأمة أن تبحث عن أخبارهم، وتنقب عن أحوالهم، وتتبع علومهم، وتنظر ~~في كتبهم، وتتعلم من أعلامهم، وتترك أعداءهم. ولكن وللأسف فأكثر الناس نحو ~~أئمة أهل البيت إما غافل، وإما جاهل، وإما حاسد. والناظر في كتب التاريخ ~~يجد عجبا حين يرى أن أهل البيت قوبلوا بكثير من الجفاء تارة، والإغماط ~~تارة، والقدح تارة أخرى. هذا فضلا عن قتلهم، وتشريدهم، هم وكل من انتسب ~~إليهم. فقد قتل أمير المؤمنين وسم الحسن% سرا، وقتل الحسين هو وأهل بيته ~~وخيرة أصحابه جهرا، وسم الحسن بن الحسن وعلي بن الحسين زين العابدين، وصلب ~~زيد بن علي عريانا في كناسة الكوفة، وقطع رأسه ونصب أمام قبر جده المصطفى ~~صلى الله عليه وآله، كما قتل ولده يحيى%، وقتل عبد الله بن الحسن بن الحسن ~~كامل أهل البيت مع خيرة من أهل بيته نحو إبراهيم الشبه بن الحسن بن الحسن، ~~وعلي العابد بن الحسن بن الحسن بن الحسن " في حبس أبي جعفر الدوانيقي، وبني ~~على محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن%، وقتل محمد وإبراهيم ابنا ~~عبدالله بن الحسن، وقتل موسى بن جعفر شهيدا في حبس هارون العباسي، وسمم ~~هارون إدريس بن عبدالله، وقتل أخاه يحيى بن عبدالله، وسم علي بن موسى الرضا ~~على يدي المأمون(ت218) وهذا فضلا عمن شرد وطرد نحو الإمام عيسى بن زيد، ~~وابنه الإمام أحمد بن عيسى، والإمام علي بن جعفر العريضي، والإمام القاسم ~~بن إبراهيم الرسي، وقد وصف الإمام يحيى بن عبدالله أحوال من شرد من أهل ~~البيت ضمن رسالة وجهها إلى هارون العباسي حيث قال: (فلما أهلكه الله أي ~~أبو جعفر الدوانيقي قابلتنا أنت وأخوك الجبار الفظ الغليظ العنيد يعني موسى PageV01P102 الملقب بالهادي بأضعاف فتنته واحتذاء سيرته قتلا وعذابا وتشريدا وتطريدا، ~~فأكلتمانا أكل الربا حتى لفظتنا الأرض خوفا منكما, وتأبدنا بالفلوات هربا ~~عنكما، فأنست بنا الوحوش، وأنسنا بها وألفتنا البهائم وألفناها). وإضافة ~~لكل ما سبق فقد كان الإمام علي يلعن ويشتم بعد كل صلاة جمعة وفي الخطبة، ms078 في ~~كل قطر من أقطار ديار الإسلام في العصر الأموي. والكلام فيما تعرض له أهل ~~البيت ومن انتسب إليهم يطول، وما ذكرته غيض من فيض، والغرض الإشارة. في ~~مقابل ذلك فإننا نجد أن من سفك دماء أهل البيت، وانتهك حرماتهم، ولم يراع ~~مكانتهم ومنزلتهم من رسول الله، قد تم الثناء عليه وقبوله والرضا عنه. ولو ~~اقتصر ذلك على الساسة ورجال الدولة، لكان الأمر مقبولا إلى حد ما، ولكن ~~الأمر امتد إلى رجال الحديث من أهل السنة حيث صارت القاعدة لديهم كما قال ~~ابن حجر العسقلاني: "توثيقهم الناصبي غالبا وتوهينهم الشيعة مطلقا..." ؛ ~~فقد أثنوا على مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، وهو رأس الفتنة أيام ~~عثمان بن عفان، وقاتل طلحة يوم الجمل، والمشير بقتل الحسين بن علي، وكان ~~يسبه وأخاه وأباهما. وزهير بن معاوية بن خديج الجعفي الكوفي أثني عليه ~~خيرا، ولم يعب عليه إلا أنه كان ممن يحرس خشبة زيد بن علي لما صلب. ~~وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني الدمشقي المشهور ببغضه للإمام علي. ومدح حريز ~~بن عثمان وهو ممن كان يلعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب جهرا، وعمر بن ~~سعد بن أبي وقاص قاتل الحسين بن علي، وأبو لبيد لمازة البصري الملقب بأسد ~~السنة والمعروف بعداوته لأهل البيت، وعمران بن حطان السدوسي المادح لقاتل ~~الإمام علي بن أبي طالب، وغيرهم عشرات ممن مدحوا وأثني عليهم. نعم، قد كان ~~في أهل البيت الفاسق والفاجر، ولكن الله تعالى إنما مدح جملتهم، كما قال جل ~~وعلا: {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما PageV01P103 النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون}[الحديد:26]، فالله تعالى لما ~~جعل النبوة والكتاب في ذرية نوح وإبراهيم لم يعن أنه جعلها فيهم جميعا، ~~وإنما في فئة مخصوصة منهم. ويعلم كل منصف، أن لا علاقة بين الكلام في شأن ~~أهل البيت وبين العنصرية والسلالية والعرقية ونحوها. المسألة لا تتجاوز ~~الكلام في ابتلائين: ابتلاء الله تعالى لأهل البيت، وابتلاء الله تعالى ~~للأمة. لقد ابتلى الله أهل البيت بأن جعلهم: الثقل ms079 الأصغر، وسفينة نوح، ~~وباب حطة، ونجوم أهل الأرض، وورثة الكتاب، والمطهرين من الرجس، والمصطفين ~~بين الأمم. فكان ابتلاء الله لهم هو بأن منحهم ذلك المقام، وجعل لهم تلك ~~المنزلة. فمن سعى منهم لأن يكون كما أراد الله له، فله الحسنى عند الله ~~تعالى، ومن قصر سقط. وبذلك كان في أهل البيت السابق المجاهد المؤمن، ~~والمقتصد والعابد والمقصر، والظالم لنفسه بأن لم يسع لنفسه ما جعل الله له، ~~أو بأن تعدى ذلك وفسق وتجبر في الأرض {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون،ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ~~بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} كما ابتلى الله تعالى أمة محمد بأهل البيت، ~~فأمرها بالاقتداء بهم، وبالأخذ عنهم، وبمحبتهم؛ وبالجملة أمرهم أن ينزلوهم ~~حيث أنزلهم الله تعالى، وأن يجعلوا لهم ما جعله الله تعالى لهم. فمن أطاع ~~وخضع لله تعالى فله الثواب العظيم، والأجر الوفير، والمغفرة، وكان فعله ~~كفعل بني أسرائيل إذ دخلوا باب حطة. والتشبيه بباب حطة يدل على أن الأمر ~~يتطلب تواضعا، وخضوعا لله تعالى. وأما من نصب العداوة لأهل البيت حسدا لما PageV01P104 جعله الله لهم، وذلك بغمط فضائلهم، أو القدح فيهم، أو بصرف الناس عنهم، أو ~~بسفك دمائهم وانتهاك حرماتهم فقد خالف ما أمر به، وحسابه على الله. {أم ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم ~~سعيرا}. جعلنا الله تعالى ممن يأتمر بأمره، ويخضع لقوله، وحشرنا مع ~~الأنبياء والمرسلين. PageV01P105 ### | AUTO العصمة # من القضايا التي تتعلق بأهل البيت ما يتعلق بمفهوم العصمة. وموضوع العصمة ~~ليس من مهمات الدين، والقول به أو عدمه لا يضر كثيرا. ثم إنه من المفاهيم ~~التي يختلف تفسيرها بين المذاهب. عند الزيدية العصمة هي تأييد إلهي يساعد ~~العبد على ترك المعاصي، ولكن لا تجبره على ذلك، ولذلك هي لا تتنافى ms080 مع ~~الاختيار. كما إنها لا تتعلق بالخطأ، أو السهو، أو النسيان، فلا تنافي بين ~~العصمة وكل ذلك. كما إنها أمر اكتسابي يمكن لأي عبد صالح أن يحصل عليه، ~~سواء كان من أهل البيت أم من غيرهم، إلا أن الزيدية ترى وفقا لقوله ~~تعالى:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}، أن ~~لأهل البيت اختصاصا في رحمة الله ، بحيث يكون الصالح منهم أقرب إلى استحقاق ~~التأييد من غيرهم. والمشهور بين الزيدية أن العصمة لأهل الكساء تعيينا، ولم ~~يعين الله سواهم. وعصمتهم لا تعني أنهم لا يخطئون فيما لا معصية فيه. وأما ~~في الفتيا أو المواقف السياسية والاجتماعية، فالقول بعصمتهم لا يعني قطعا ~~وجوب اتباع كل شيء عنهم. بل قد نص الإمام عبدالله بن حمزة على جواز مخالفة ~~اجتهادات الإمام علي نفسه، فقال ما نصه: ((إن تعبدنا باجتهادنا في الشرعيات ~~دون اجتهاده ولا يسعنا إلا ذلك)). والذي أفهمه أن مخالفة الاجتهاد لا تعني ~~ضرورة التخطئة له، باعتبار أن ذلك الاجتهاد إنما صدر ضمن ظروف موضوعية ~~محددة، وقد تصح الفتيا باعتبار تلك الظروف، ولكن يجوز لغيره من المجتهدين ~~مخالفتها إذا ظهرت لهم اعتبارات موضوعية تدعو إلى ذلك. وأما وجوب اتباع ~~الإمام علي% فهي في منهجه وسيرته الإجمالية التي لم تحد عن الحق قال الإمام ~~عبدالله بن حمزة: ((إن متابعة علي% واجبة، ومخالفته غير صائبة فذلك حق ~~عندنا في اتباعه في الدعاء إلى الحق، والدلالة على الرشد، وإقامة الحدود، ~~واستيفاء الحقوق، وسد الثغور، وسياسة الجمهور....)). نعم، هناك من رأى أنه PageV01P106 تجب متابعة الإمام علي% مطلقا باعتبار أن الأحاديث التي وردت فيه ودلت على ~~أنه على الحق، وأن الحق معه توجب ذلك. ### | AUTO المهدي عند الزيدية # من اللافت للانتباه أنه لو بحث في قديم مؤلفات الزيدية لن يجد الباحث ~~الكثير عن المهدي، بل لعله لن يجد عنه أكثر من بضع صفحات. وأما ما روي عنه ~~في فترات متأخرة فمأخوذ من كتب الحديث التي رواها غير أهل البيت، بل غير ~~الزيدية عموما. والظاهر من ms081 النصوص أن أهل البيت يقولون بأن هناك مهديا ~~مخصوصا، هذا يظهر من موقفهم من محمد بن عبدالله النفس الزكية، فقد اعتقد ~~فيه أنه هو المهدي، فلعل أمر المهدي مما كان يتناقل بينهم معرفة، وليس ~~رواية. كما تكلم فيه الإمام القاسم بن إبراهيم، وأشار إليه وإلى كريم ~~أوصافه الإمام الهادي يحيى بن الحسين. ولكن أيضا نجد أن الزيدية لم تكثر من ~~وضع المؤلفات عنه وعن أحواله. ولعل السبب يعود إلى رؤية الزيدية لمفهوم ~~المهدية. هذه الرؤية نجد أصلها في كلام إبراهيم بن عبدالله بن الحسن(ت145ه) ~~لما سئل عن أخيه، أهو المهدي؟ فقال%: المهدي عدة من الله لنبيه وعده أن ~~يجعل من أهله مهديا لم يسمه بعينه ولم يوقت زمانه، وقد قام أخي بفريضته ~~عليه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أراد أن يجعله الله المهدي ~~الذي يذكر فهو فضل الله يمن به على من يشاء من عباده، وإلا فلم يترك أخي ~~فريضة الله عليه لانتظار ميعاد لم يؤمر بانتظاره. يدل النص على أن موضوع ~~المهدي ليس إلا فضلا من الله يسعد به من جاءه، ولكنه ليس الأمل الوحيد ~~المعقود عليه في إحداث التغيير ، وبالتالي فإن حضوره في الثقافة الزيدية لم ~~يتجاوز كونه فضلا من الله يؤتيه من يشاء. بخلاف المهدي عند الفرق الأخرى ~~التي أصبح هو الأمل المنشود والوحيد للتغيير في المجتمع المسلم. إن الحق ~~يمكن أن يعود، والعدل يمكن أن يقام بغياب المهدي. توجب الزيدية السعي إلى ~~أن يكون لكل عصر مهديه الذي يملأ زمانه عدلا وقسطا. PageV01P107 ### | AUTO الإمامة # سبق أن أشرت إلى مكانة الإمامة لدى الزيدية. هذه المكانة صارت سببا للنقد ~~من كثير من الناس، وذلك لأن الذي شاع في الثقافة الإسلامية العامة عدم ~~الاعتداد بأمرها، واعتبارها من الفروع والقضايا الثانوية. وقد سبق ما يبين ~~سبب علو مكانتها لدى الزيدية. أيضا مما أخذ على الزيدية في أمر الإمامة ~~قولهم بأن الإمامة محصورة في أهل البيت"، وأنه ما دام هناك الكفؤ لها من ~~أهل البيت فلا يصح اختيار أحد ms082 من سواهم. ولعل هذا الأمر كان السبب في أكثر ~~النقد الموجه إليهم، هذا النقد الذي توجه إليهم من بعض الزيدية فضلا عن ~~غيرهم. بل لعله سبب لكثير من التضييق الذي عانوه عبر السنين. وقد نجد في ~~عبارة ((الزيدية في معتقل الإمامة)) كثيرا من المعاني التي تنعكس عن واقع ~~الزيدية والإمامة اليوم. ولكن السبب لا يعود إلى الإمامة، إنما يعود إلى ~~مفهوم الناس عن الإمامة، وإلى الطريقة التي يتم بها عرض المذهب في الآونة ~~الأخيرة. وقد سبق أن بينت أن حصر الإمامة في أهل البيت إنما هو من آليات ~~الوصول إلى الحكم، ولا يمثل جوهر أو روح النظرية في الإمامة، وبالتالي فهو ~~من فروع نظرية الإمامة العامة، وليس هو الإمامة. ولكن الأمر يعرض وكأن ~~الإمامة عند الزيدية ليست إلا التأكيد على الحق الفريد لأهل البيت فيها. ~~ولعل هذا يعود إلى كونها من القضايا التي كثر الاختلاف حولها، فكثرت ~~الكتابات فيها، مما قد يوحي للكثير، زيدية وغيرهم، أن موضوع الحصر هو ~~الأساس. والأمر أوضح في الفترة الأخيرة، حيث إن خصوم الزيدية في هجومهم ~~عليها شددوا على قضية الهاشمية، وعلى قضية العنصرية، وعلى قضية الحصر ~~وهكذا. هذا التشديد دفع كثيرا من الزيدية الى تكريس جهودهم ودعوتهم الى ~~قضايا التشيع، وولاية أهل البيت، حتى كأنها صارت هي المميز الرئيس لفكر ~~الزيدية، وحتى صار التوحيد والعدل وكأنهما تابعان لمفهوم التشيع وليس ~~العكس. وقد سبقت الإشارة إلى أن الزيدية PageV01P108 ترى أن لا بد للقائم بأمر الإمامة من إذن شرعي يسمح له بممارسة الأمر ~~والنهي على غيره من الناس. وترى الزيدية أن الله تعالى قد جعل هذا الإذن ~~للأكفأ، والأفضل من أهل البيت، ولذلك فإن الزيدي عندما يرشح قيادة فإنما ~~يرشح الأكفأ من أهل البيت. فإذا قبلت الأمة القيادة التي رشحها الزيدي فذلك ~~حق للأمة. أما إذا رفضت الأمة القيادة التي رشحها الزيدي فليس أمامه، وليس ~~أمام قيادته إلا أن ينزلا عند رغبة الأمة، ويضعا يدهما في يدها، ويعملا ~~معها لخدمة الصالح العام. وإن الزيدية عندما تمنع ms083 منعا قاطعا من قيام أي ~~حركة معارضة لمجرد كون القيادة خارجة عن آل البيت، وإن إصرارها على أن ~~المعارضة لا تكون إلا للظلم، يدلان على أن موضوع الحصر لا يتجاوز كونه ~~آلية، وأنه فرعي على النظرية العامة. وهذا لا يمنع من أن تخطيء من لا يختار ~~من رشحته إماما، ولا يمنع التبرم منه، ولا يمنع أن تدعي أن الناس إذ تقوم ~~بذاك فإنها تحرم نفسها من بركات كبيرة، فيحق لها أن تصر على ما تراه صوابا، ~~كما يحق لغيرها على أن يصر على رفض رؤيتها. وتدل السيرة العملية، والنصوص ~~الصريحة لأئمة أهل البيت على هذا الأمر. فهذا الإمام علي صلوات الله عليه ~~لما رأى أن الأمر قد صار في أيدي غيره، لم يعمل ما يضر مصلحة الأمة ~~ليسترده، وإنما قال: ((لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن الجور إلا ~~علي خاصة))، هذا مع أن النص فيه أوضح وأصرح وأشهر من النص على عموم أهل ~~البيت. أيضا قوله: ((لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر)) يدل على ~~أنه لن يقوم للأمر إلا إذا رضيت الأمة، ونصرته كقيادة، وإلا فإنه سيبقى ~~مكانه. وكذلك موقف الإمام الحسن بن علي من معاوية لما رأى أنه فقد الناصر. ~~ثم الإمام زيد بن علي لما سألوه عن سبب قيامه على بني أمية، والبراءة ~~منهم، وعدم البراءة من أبي بكر وعمر، فقد بين الإمام بهذا أن خلافهم لم ~~يوجب ما يترتب عليه PageV01P109 البراءة. ثم أضاف مسوغ الخروج على بني أمية دون الخليفتين:((إن هؤلاء ~~ظالمون لنا ولكم))، فبين أنه في حالة ما يكون الظلم على الإمام فقط، بمعنى ~~أن الإمامة معقودة لغيره، في تلك الحالة فإن الإمام لا يتعين عليه القيام، ~~أما في حالة أن يتعدى الظلم، ويصبح على الأمة بأسرها، فإن القيام واجب. ثم ~~إن مواقف الأئمة العملية دلت على هذا، فلم نر إماما ممن يحتج بإمامته قام ~~في وجه حاكم عادل، لمجرد أن ذلك الحاكم ليس من أهل البيت، بل دلت نصوصهم ~~كلها على أن دعوتهم ms084 إنما كانت للإصلاح وإعادة العدل في الأمة. هذا الإمام ~~الحسين صلوات الله عليه يقول لنا: ((ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن ~~الباطل لا ينهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه، فإني لا أرى الموت إلا ~~سعادة، والحياة مع الظالمين إلا شقاوة)) والإمام زيد% نجد أن دعوته كانت ~~إلى : الكتاب، والسنة، ودفع الظالمين، ونصرة المظلومين، وقسم الفيء بين ~~أهله بالسوية. وأما دعوة الإمام الحسين بن علي الفخي صلوات الله عليه ~~فكانت:((أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه، والعدل في الرعية والقسم ~~بالسوية، نحل ما أحل القرآن والسنة العادلة، ونحرم ما حرم القرآن والسنة ~~العادلة، ونكون على ذلك أعوانا بجهدنا وطاقتنا، وتجاهدوا عدونا وتفلحوا ~~معنا فإن وفينا لكم وفيتم لنا وإن خالفنا فلا طاعة لنا عليكم، وعليكم عهد ~~الله أن تجاهدونا فيمن جاهدنا إن نحن خالفنا، ثم قال: اللهم، اشهد)) ~~والإمام إدريس%نجده في دعوته يشدد على الدعوة إلى الكتاب والسنة والعدل ~~والقسم بالسوية ودفع المظالم والأخذ بيد المظلوم، ويشير إلى الأرامل ~~والأيتام الذين افتقروا وتركوا. ثم نجد الإمام محمد بن إبراهيم لما رأى ~~عجوزا فقيرة تتبع أحمال الرطب لتأكل ما سقط منها فقال لها: ((أنت والله ~~وأشباهك يخرجوني غدا حتى يسفك دمي...)) وهكذا نجد في أقوال غيرهم من الأئمة ~~أن الدعوة ليست إلى إمامتهم، وإنما إلى العدل PageV01P110 والشرع. وما نجده في بعض الدعوات من طلب رفع الظلم عن أهل البيت، فبسبب ما ~~كان يقع عليهم من الظلم المخصص، وقد سبقت الإشارة إلى بعض ما كان يقع ~~عليهم. وقد لخص تلك الحال الإمام المؤيد بالله أحمد ابن الحسين (411ه) في ~~قوله: ((ووجدت أهل بيت النبي" مقموعين مقهورين مظلومين، لا يؤهلون لولاية ~~ولا شورى، ولا يتركون ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم ~~فيئهم، فهم يحسبون الكف عن دمائهم إحسانا إليهم، والانقباض عن حبسهم وأسرهم ~~إنعاما عليهم)). خلاصة القول إن الزيدية إذ تؤمن بحصر الإمامة في أهل ~~البيت، فإنما تؤمن بذلك لأدلة ترجحت لديها، ولكنها لا تفرض هذا الإيمان على ~~أحد، ms085 ولا تعادي من خالفها فيه، ولا تفسقه، ولا تضلله، وترى أنه يتعين عليها ~~أن تقبل القيادة الصالحة التي ترتضيها الغالبية من الأمة. بل إن الزيدية لم ~~يعرف عنها أنها تفسق من يخالف في إمامة الإمام علي بن أبي طالب%، فضلا عن ~~تفسيقها من لا يرى إمامة أهل البيت. # تبعا لهذا ألحقت أمرين: أولهما: الصفات التي ترى الزيدية أنها يجب أن ~~تكون فيمن ترشحه للأمر من أهل البيت"، وذلك ليعلم أن الأمر ليس مجرد اختيار ~~من أسرة ما، وإنما اختيار لمن تميز في الأمة؛ وثانيهما: بعض من الدعوات ~~السياسية التي كان أئمة أهل البيت يدعون من خلالها إلى إقامة الحق. وقد ~~اخترت ثلاثة مقاطع لثلاثة أئمة من ثلاثة مناطق مختلفة. PageV01P111 ### | AUTO صفات الإمام الذي تجب طاعته # قال الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم (ت 298ه) في وصفه للإمام ~~المفترضة طاعته من أهل البيت: ((الإمام الذي تجب طاعته هو أن يكون من ولد ~~الحسن أو الحسين ويكون ورعا، تقيا، صحيحا، نقيا، وفي أمر الله عز وجل ~~جاهدا، وفي حطام الدنيا زاهدا، فهما بما يحتاج إليه، عالما بملتبس ما يرد ~~عليه، شجاعا، كميا، بذولا، سخيا، رؤوفا بالرعية، رحيما، متعطفا متحننا، ~~حليما، مواسيا لهم بنفسه، مشاركا لهم في أمره، غير مستأثر عليهم، ولا حاكم ~~بغير حكم الله فيهم، رصين العقل، بعيد الجهل، آخذا لأموال الله من مواضعها، ~~رادا لها في سبلها، مفرقا لها في وجوهها التي جعلها الله لها، مقيما لأحكام ~~الله وحدوده، آخذا لها ممن وجبت عليه ووقعت بحكم الله فيه، من قريب أو بعيد ~~شريف أو دني، لا تأخذه في الله لومة لائم، قائما بحقه، شاهرا لسيفه، داعيا ~~إلى ربه، مجتهدا في دعوته، رافعا لرايته، مفرقا للدعاة في البلاد، غير مقصر ~~في تأليف العباد، مخيفا للظالمين، مؤمنا للمؤمنين، لا يأمن الفاسقين ولا ~~يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه، قد باينهم وباينوه، وناصبهم وناصبوه، فهم له ~~خائفون، وعلى هلاكه جاهدون، يبغيهم الغوائل، ويدعو إلى جهادهم القبائل، ~~متشردا عنهم، خائفا منهم، لا تردعه ولا تهوله ms086 الأخواف، ولا يمنعه عن ~~الاجتهاد عليهم كثرة الإرجاف، شمري مشمر، مجتهد غير مقصر. فمن كان كذلك من ~~ذرية السبطين الحسن والحسين فهو الإمام المفترضة طاعته الواجبة على الأمة ~~نصرته)). تلك الشروط قد يرى البعض أنها صعبة، بل ذكر عبدالصمد الدامغاني (ق ~~6ه) أن مما نقم على الزيدية هو شروط الإمام الصعبة لديهم... فنعم ما نقموا به. PageV01P112 ### | AUTO دعوات الأئمة # طلبا للاختصار فقد اقتصرت على المقاطع التي تتعلق بما نحن فيه بشكل ~~مباشر، وهي التي تبين دوافع الدعوة. وآمل أن يأتي يوم تجمع فيه جميع دعوات ~~الأئمة هذه وتدرس دراسة وافية باعتبارها تمثل البيان الأول والأساس للمشروع ~~السياسي الذي كان يطمح إليه أئمة أهل البيت". إن هذا المشروع نجد خلاصته في ~~دعوة الإمام زيد الصغيرة في حجمها، الكبيرة في معانيها، ومطالبها: ((إنا ~~ندعوكم أيها الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والى جهاد الظالمين، والدفع ~~عن المستضعفين وإعطاء المحرومين، وقسم الفيء بين أهله، ورد المظالم، ونصرنا ~~أهل البيت على من نصب لنا الحرب، أتبايعونا على هذا؟)) . هذه المعاني ~~الكبيرة نجدها في خطبة إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب" لما طلب البيعة لنفسه: ((أما بعد: فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى العدل في الرعية، والقسم بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بيد ~~المظلوم، وإحياء السنة، وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب والسنة على ~~القريب والبعيد، واذكروا الله في ملوك تجبروا، وفي الأمانات خفروا، وعهود ~~الله وميثاقه نقضوا، وولد نبيه صلى الله عليه وسلم قتلوا، وأذكركم الله في أرامل افتقرت، ~~ويتامى ضيعت، وحدود عطلت، وفي دماء بغير حق سفكت، فقد نبذ الكتاب والإسلام، ~~فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، واعلموا عباد الله ~~أن مما أوجب الله سبحانه على أهل طاعته المجاهدة لأهل عداوته ومعصيته باليد ~~واللسان، فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة والنصيحة والتذكرة ~~والحض على طاعة الله تعالى، والتوبة عن الذنوب، والإنابة والإقلاع والنزوع ~~عما ms087 يكره الله، والتواصي بالحق والصدق والصبر والرحمة والرفق، والتناهي عن ~~معاصي الله كلها، والتعليم والتقويم لمن استجاب لله ولرسوله حتى تنفذ ~~بصائرهم، وتكمل نحلتهم، وتجتمع كلمتهم، وتنتظم ألفتهم، فإذا اجتمع منهم من ~~يكون للفساد دافعا، وللظالمين مقاوما، PageV01P113 وعلى البغي والعدوان قاهرا، أظهروا دعوتهم، وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ~~ودافعوا أهل الجور عن ارتكاب ما حرم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي ~~وبين العمل بها، فإن في معصية الله تلفا لمن ارتكبها، وهلاكا لمن عمل بها، ~~ولا يثنيكم من علو الحق وإظهاره قلة أنصاره، فإن فيما بدئ به من وحدة ~~النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء الداعين إلى الله قبله، وتكثيره إياهم بعد القلة،وإعزازهم ~~بعد الذلة، دليلا بينا وبرهانا واضحا، قال الله عز وجل:{ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة}[آل عمران:123]، وقال تعالى: {ولينصرن الله من ينصره إن ~~الله لقوي عزيز}[الحج:40]، فنصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، وكثر جنده، وأظهر حزبه، وأنجز ~~وعده، جزاء من الله سبحانه، وثوابا لفعله وصبره وإيثاره طاعة ربه، ورأفته ~~بعباده ورحمته، وحسن قيامه بالعدل والقسط في بريته، ومجاهدة أعدائه وزهده ~~فيما زهده فيه، ورغبته فيما ندبه إليه، ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه، كما ~~أدبه الله وأمره، وأمر العباد باتباعه وسلوك سبيله والاقتداء بهديه واقتفاء ~~أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم كما قال عز وجل: {إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم}[محمد:7]، وقال تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}[المائدة:2]، وقال تعالى: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر}[النحل:90]، ~~وكما مدحهم وأثنى عليهم إذ يقول: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}[آل عمران:110]، وقال عز وجل: ~~{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}[التوبة:71]، وفرض الله تعالى الأمر ~~بالمعروف والنهي PageV01P114 عن المنكر، وأضافه إلى الإيمان والإقرار بمعرفته، وأمر بالجهاد عليه ~~والدعاء إليه، قال عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق}[التوبة:29]، وفرض قتال ~~المعاندين عن ms088 الحق والباغين عليه ممن آمن به وصدق بكتابه حتى يعود إليه ~~ويفيء، كما فرض قتال من كفر به وصد عنه، حتى يؤمن بالله ويعترف بدينه ~~وشرائعه، فقال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}[الحجرات:9]، ~~فهذا عهد الله إليكم وميثاقه عليكم بالتعاون على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان، فرضا من الله واجبا وحكما لازما، فأين عن الله تذهبون؟ ~~وأنى تؤفكون؟ وقد جابت الجبابرة في الآفاق شرقا وغربا، وأظهروا الفساد ~~وامتلأت الأرض ظلما وجورا، فليس للناس ملجأ، ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء، ~~فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر اليد الحاصدة للجور والظلم، وأنصار ~~الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيئين وآل النبيئين، ~~فكونوا رحمكم الله عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين، ونصر مع ~~النبيئين... واعلموا معاشر البربر أنكم آويتم. وأنا المظلوم الملهوف، ~~الطريد الشريد، الخائف الموتور، الذي كثر واتروه، وقل ناصروه، وقتل إخوته ~~وأبوه وجده وأهلوه، فأجيبوا داعي الله فقد دعاكم إلى الله، قال الله تعالى: ~~{ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك ~~في ضلال مبين}[الأحقاف:32]، أعاذنا الله وإياكم من الضلال، وهدانا وإياكم ~~إلى سبيل الرشاد. وأنا إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي PageV01P115 طالب". رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب% جداي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار ~~في الجنة عماي، وخديجة الصديقة وفاطمة ابنة أسد الشفيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم جدتاي، ~~وفاطمة ابنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليهما سيدة نساء العالمين وفاطمة ~~ابنة الحسين سيدة بنات ذراري النبيئين أماي، والحسن والحسين ابنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبد الله المهدي والزاكي أخواي، فهذه ~~دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله ما لي وعليه ما علي، ومن أبى ~~فحظه أخطأ، وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أني لم أسفك له ms089 دما، ولا استحللت ~~له محرما ولا مالا، واستشهدك يا أكبر الشاهدين شهادة، واستشهد جبريل ~~وميكائيل أني أول من أجاب وأناب، فلبيك اللهم لبيك، مزجي السحاب، وهازم ~~الأحزاب، مصير الجبال سرابا بعد أن كانت صما صلابا، أسألك النصر لولد نبيك ~~إنك على ذلك قادر)). PageV01P116 # كما نجد تلك المعاني تتكرر لدى الإمام الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن ~~إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب" في ~~كتاب دعوة وجه بها إلى أحمد بن يحيى بن زيد؛ فبعد أن تكلم في وجوب الجهاد ~~وفضله، وشروط القائمين به ووجوب إجابة دعوتهم قال:((فإني أدعوك إلى كتاب ~~الله وسنة نبيئه صلى الله عليه وسلم، وإلى ما أمرني الله أن أدعوك إليه، وأخذ به علي العهد ~~والميثاق، من الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، وإلى أن ~~نحل نحن وأنت ما أحل لنا الكتاب، ونحرم نحن وأنت ما حرمه علينا، وإلى ~~الاقتداء بالكتاب والسنة، فما جاءا به اتبعناه، وما نهيا عنه رفضناه، وإلى ~~أن نأمر نحن وأنت بالمعروف في كل أمرنا ونفعله، وننهى عن المنكر جاهدين ~~ونتركه، وإلى مجاهدة الظالمين من بعد الدعاء إلى الحق لهم، والإيضاح ~~بالكتاب والسنة بالحجج عليهم، فإن أجابوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على ~~المؤمنين، وإن خالفوا الحق وتعلقوا بالفسق حاكمناهم إلى الله سبحانه، ~~وحكمنا فيهم بحكمه، فإنه يقول سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}[البقرة:193]، والعدوان ~~هنا فهو: الجهاد والعدو على من ظهر منه الاجتراء على الله والاعتداء. ألا ~~والدعوة مني لك، يرحمك الله، إلى ما تقدم ذكره من الكتاب والسنة، وأشرط لك ~~ولمن معك على نفسي أربعا: 1 # . الحكم بكتاب الله وسنة رسوله جاهدا ما استطعت. # 2. والأثرة لكم على نفسي فيما جعله الله بيني وبينكم. # 3. وأن أؤثركم ولا أفضل عليكم بالتقدمة عند العطاء الذي جعله حظا في ~~أمواله لكم ولنا قبل نفسي وخاصتي. # 4. والرابعة: أن أكون قدامكم عند لقاء عدوكم وعدوي. وأشترط لنفسي ms090 عليكم ~~اثنتين أنتم شركائي فيهما: # 1. النصيحة لله في السر والعلانية. PageV01P117 # 2. والطاعة في كل أحوالكم لأمري، ما أطعت الله، فإن خالفت طاعة الله فلا ~~حجة لي عليكم. {هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله وما أنا من المشركين}))[يوسف:108]. ثم نجدها لدى الإمام المؤيد بالله ~~أحمد بن الحسين بن هارون بن الحسين بن محمد بن هارون بن محمد بن القاسم بن ~~الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب"، وهو من أئمة الجيل والديلم، ~~وقد توفي في 411ه: ((عباد الله، إني قد رأيت أسباب الحق قد مرجت، وقلوب ~~الأولياء به قد حرجت، وأهل الدين مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم ~~الناس، ورأيت الأموال تؤخذ من غير حلها، وتوضع في غير أهلها، ووجدت الحدود ~~قد عطلت، والحقوق قد أبطلت، وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدلت وغيرت، ورسوم الفراعنة ~~قد جددت وآستعملت، والآمرين بالمعروف قد قلوا، والناهين عن المنكر قد وهنوا ~~فذلوا، ووجدت أهل بيت النبي" مقموعين مقهورين مظلومين، لا يؤهلون لولاية ~~ولا شورى، ولا يتركون ليكونوا مع الناس فوضى، بل منعوهم حقهم، وصرفوا عنهم ~~فيئهم، فهم يحسبون الكف عن دمائهم إحسانا إليهم، والانقباض عن حبسهم وأسرهم ~~إنعاما عليهم، يطلبون عليهم العثرات ويرقبون فيهم الزلات، ووجدتهم في كل ~~واد من الظلم يهيمون، وفي كل مرعى من الضلال يسيمون، (ووجدت أملاك ~~المسلمين) تغصب غصبا، وأموالهم تنهب نهبا،{لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ~~وأولئك هم المعتدون}[التوبة:10]، {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}[النساء:10]، ووجدت الفواحش قد أقيمت ~~أسواقها وأديم نفاقها، لا خوف الله يزع، ولا حياء الناس يمنع، بل يتفاخرون ~~بالمعاصي، ويتنابزون ويتباهون بالإثم، قد نسوا الحساب، وأعرضوا عن PageV01P118 ذكر المآب والعقاب، فلم أجد لنفسي عذرا إن قعدت ملتزما أحكامهم، متوسطا ~~أيامهم، أؤنسهم ويؤنسونني، وأسالمهم ويسالمونني، فخرجت أدعو إلى الله على ~~بصيرة أنا ومن اتبعني، وسبحان الله وما أنا من المشركين. أيها الناس؛أدعوكم ~~إلى كتاب الله وسنة نبيئه والرضا ms091 من آل محمد ومجاهدة الظالمين ومنابذة ~~الفاسقين، وإني كأحدكم لي ما لكم وعلي ما عليكم إلا ما خصني الله به من ~~ولاية الأمر {ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ~~ويجركم من عذاب أليم}[الأحقاف:31]،{استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من ~~نكير}[الشورى:47]،{وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان}[المائدة:2]. أيها الناس سارعوا إلى بيعتي، وبادروا إلى نصرتي، ~~وازحفوا زحفا إلى دار هجرتي،{انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ~~في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}[التوبة:41]، ولا تركنوا إلى هذه ~~الدنيا وبهجتها، فإنها ظل زائل وسحاب حائل، ينقضي نعيمها ويظعن مقيمها، ~~والآخرة خير وأبقى أفلا تعقلون،{وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون}[العنكبوت:64]،{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في ~~الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}[القصص:83]. أيها الناس مهما اشتبه عليكم ~~فلا يشتبه عليكم أمري، أنا الذي عرفتموني صغيرا وكبيرا، ورحمتموني طفلا ~~وناشئا وكهلا. قد صحبت النساك حتى نسبت إليهم، وخالطت العباد حتى عرفت ~~فيهم، وكاثرت العلماء وحاضرت الفقهاء، فلم أخل عن مورد ورده عالم بارع، ~~ومشرع شرع PageV01P119 فيه متقن فارع، وجادلت الخصوم نضحا عن الدين، ونضالا عن الحق المبين، حتى ~~عرفت مواقعي، وكتبت وحفظت طرائقي وأثبتت، هذا وما أبرئ نفسي في أثناء هذه ~~الأحوال ومجامع هذه الخصال من تقصير وتعذير، ولا أزكيها بل أتبرأ إلى الله ~~من حولها وقوتها، وإن جميع ذلك من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر. ومن شكر ~~فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم. وأما نسبتي إلى جدي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فدونه فلق الصباح، ولا عذر لكم أيها الناس في التأخر عني والاستبداد ~~دوني، وقد ناديت فأسمعت؛ لتجيبوا دعوتي، وتتحروا لنصرتي، وتعينوني على ما ~~نهضت له من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون}[المائدة:78]،{كنتم خير أمة أخرجت للناس}[آل عمران:110]. ms092 ألا ~~فعينوني على أمري، وتحروا بجهدكم نصرتي، أوردكم خير الموارد، وأبلغكم أفضل ~~المحامد. عباد الله، أعينوني على إصلاح البلاد، وإرشاد العباد، وحسم دواعي ~~الفساد، وعمارة مناهل السداد. ألا ومن تخلف عني وأهمل بيعتي إلا لسبب قاطع ~~أو لعذر مانع بين الحجة فإني أجاثيه للخصام يوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع ~~الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم الآزفة، فأقول: ألم تسمع ~~قول جدي رسول الله:((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على ~~منخريه في النار))، ألا فاسمعوا وأطيعوا {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون}[التوبة:41]،{قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} [التوبة:24] فلتتفق كلمتكم ~~وليجتمع شملكم{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين}[الأنفال:46]. PageV01P120 # ألا وقد سلكت سبيل من مضى من آبائي الأخيار، وسلفي النجباء الأبرار في ~~منابذة الظالمين، ومجاهدة الفاسقين مبتغيا به مرضاة رب العالمين، فاسلكوا ~~أيها الإخوان سبيل أتباعهم الصالحين، وأشياعهم البررة الخاشعين في المعاونة ~~والمظاهرة والمكاثفة والموازرة، وتبادروا رجالا وسارعوا إلي أرسالا، وإياكم ~~والجنوح إلى الراحة طالبين لها وجوه العلل، مغترين بما فسح الله لكم من ~~المهل، وعن قليل يحق الحق ويبطل الباطل، ويعاين كل امرئ ما اكتسب، ويجازى ~~كل بما اجترم {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين}[النور:25]،{فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير ~~بالعباد}[غافر:44])). # تلك النصوص تبين حقيقة أهداف أئمة أهل البيت من الإمامة. PageV01P121 ### | AUTO الخروج والدعوة # قضية أخرى تتعلق بالإمامة، وهي اعتقاد البعض أن الخروج هو طريق الزيدية ~~الوحيد للإمامة. وسبب هذا الأمر أن الإمامة في أول أمرها كانت تشترط الخروج ~~حيث إنها كانت في زمن ولاة الجور. وإلا فالأصل أن الإمامة تكون لمن تجرد ~~لأمرها، ودعا الناس إلى بيعته. فإن كان ثمة ضرورة لثورة على ظالم، وكانت ~~الظروف مواتية فبها، وإلا كفت الدعوة إلى النفس وبيعة الناس. وفي حالما ~~يكون هناك أكثرمن داع لنفسه في وقت واحد، فإن الواجب الشرعي عليهم وفق ما ~~نص عليه ms093 الأئمة والعلماء هو الاجتماع أمام أهل الحل والعقد من الناس، بحيث ~~يقوم أولئك باختيار من يرونه الأكفأ من بين المرشحين. وللأسف فإن هذا الأمر ~~لم يطبق دائما ولأسباب مختلفة، أبرزها في تصوري ضعف السيطرة المركزية على ~~الأقاليم التي كانت تخضع للإمام المتوفى، وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية ~~للبلاد التي كان لأئمة أهل البيت فيها دول، وهي المغرب الأقصى، واليمن، ~~وبلاد الجيل والديلم وطبرستان. هذا الأمر كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى ~~نزاع بين أتباع المرشحين للإمامة. PageV01P122 ### | AUTO إمامة المفضول مع وجود الأفضل # هذه مسألة فرعية للغاية، ومع ذلك فقد تكلم فيها وكأنها شعار للزيدية. ~~والقضية فيها بحوث طويلة، وسواء قال بها الإمام زيد، أو بعض الزيدية، أم لم ~~يقولوا بها، فهي في النهاية مسألة فقهية يعود أمرها إلى ترجيح المجتهد، فهل ~~تجوز إمامة المفضول لاعتبارات خاصة ترجح المصلحة في بيعته واختياره؟ هذا هو ~~خلاصة الموضوع. وأغلب الزيدية ترى أن الأفضل هو الأولى لقيادة الأمة في كل ~~الأحوال، ولكنهم يجيزون ولاية المفضول إذا كان كفؤا في نفسه. سبب كثرة ~~اللغط حول المسألة يعود إلى ظن البعض أن القول بها يؤدي إلى القول بصحة ~~إمامة أبي بكر، حيث إنه الإمام المفضول الذي تمت بيعته، والإمام علي% هو ~~الأفضل الذي لم يبايع. هذا الظن خطأ، لأن إمامة علي بن أبي طالب لم تكن ~~بالأفضلية فحسب، وإنما بها مع النص عليه. وقبول خلافة أبي بكر لم يكن ~~باعتبار هذه القاعدة، وإنما باعتبار أنه حكم فعدل، وأن الإمام عليا لم يكن ~~له موقف عدائي منه. PageV01P123 ### | AUTO سلبيات تجربة الإمامة # ينتقد البعض الزيدية بسبب غياب آلية واضحة تبين كيفية انتقال الحكم من ~~إمام إلى آخر، مما أدى على حد زعمهم إلى اقتتال كثير بين قيادات الزيدية. ~~العودة إلى كتب الزيدية يظهر بجلاء أن لهم آلية محددة لاختيار الإمام، ~~وآلية تبين كيفية انتقال الإمامة. خلاصتها: بعد غياب الإمام القائم، فإنه ~~يحق لكل من رأى في نفسه أهلية لتولي أمر الإمامة أن يدعو الناس إلى نفسه. ~~فإذا كان ms094 أهلا لتولي الإمامة، ولم يوجد غيره، ولم يكن ثمة مانعا، فإن بيعته ~~واجبة باعتبار أن المصلحة تقضي ملء الفراغ في السلطة. فإذا وجد غيره ممن ~~رشح نفسه، أو رشحه غيره، فعندها يجب عليهما الاجتماع أمام مجموعة من ~~العلماء وأهل الحل والعقد لتتم المفاضلة بينهما وتعيين الأولى منهما لقيادة ~~الأمة. هذه الآلية مورست في حالات كثيرة. وفي حالات أخرى نجد أن الذي حصل ~~لم يتوافق معها. الأسباب تتعدد وتتداخل. أهمها أن الآلية تحتاج إلى أن ~~تتحول من نظرية بين الخاصة إلى ثقافة عامة تمتلك حماية المجتمع كله. أيضا ~~فإن الظروف السياسية، والاجتماعية، والجغرافية، التي تحيط بالآلية تؤثر ~~كثيرا على تطبيقها، والأسوأ من ذلك فإنها تؤثر سلبا على التحول الضروري ~~للنظرية إلى ثقافة عامة. يجب أن نلحظ أثر الطموح الفردي السلبي على ممارسة ~~تلك الآلية. ولكن هذا الطموح لم يكن ليؤثر لولا ضعف سيطرة الجيش على أطراف ~~الدولة من جهة. هذا الضعف كان للجغرافيا وصعوبة المواصلات دور كبير فيه. ~~ومن جهة أخرى على عدم كون الآلية ثقافة عامة. PageV01P124 ### | AUTO مفهوم الفرقة الناجية # سئل الإمام محمد بن الهادي عن حديث الافتراق والفرقة الناجية، فقال إن ~~الفرقة الناجية:((فهم المؤمنون بالله ورسوله، الناسبون له إلى ما نسب إليه ~~نفسه، المبرئون له من شبه خلقه، المثبتون لعدله، النافون الظلم عنه، ~~القائلون بالحق فيه، المصدقون بوعده، المقرون بوعيده، المتبعون لسنة نبيه، ~~المقيمون لما افترض الله عليهم من أحكامه، المقتدون بكتابه، الآمرون بأمره، ~~المنتهون عن نهيه، العاملون بطاعته، الموالون لأوليائه، المعادون لأعدائه، ~~المجاهدون في سبيله، فهم الناجون من عذابه، المستوجبون لثوابه، صبروا يسيرا ~~من دهرهم، فسروا كثيرا في آخرتهم، قد أمنوا الخزي والنيران، واستوجبوا ~~الرضا والرضوان، في جنات النعيم مخلدون {فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ~~ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ}[هود: 108])) فلم يذكر فرقة بعينها، ولم يسم ~~طائفة محددة، وإنما ذكر أوصافا لا يختلف مسلم على أن صاحبها ناج. ### | AUTO مصادر الزيدية # لا بد لمن أراد أن يعرف فكرا ما أن يتعرف على مصادر ذلك الفكر. ولأسباب ms095 ~~وظروف عديدة فقد تأخر تحقيق وطبع كتب الزيدية تأخرا كبيرا. فقد طبعت مجموعة ~~من المصادر الهامة في الثلاثينيات والأربعينات والخمسينات، ثم توقف الأمر ~~حتى طبع القليل في الثمانينات، ثم نشأت حركة تحقيق وطباعة واسعة في ~~التسعينات. # ومن أهم ما طبع: # الروض النضير شرح المجموع الكبير للقاضي العلامة الحسين بن أحمد السياغي ~~(ت1221ه)، وهو موسوعة فقهية استدلالية مقارنة. وقد قرضه جماعة من كبار ~~العلماء من الأزهر الشريف وغيره نحو العلامة محمد زاهد الكوثري، والعلامة ~~محمد بخيت المطيعي، والمحدث أحمد بن محمد الصديق الغماري. PageV01P125 # ومنها البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار وهو موسوعة فقهية شملت ~~مذاهب الأمة الإسلامية، وهو من تأليف الإمام أحمد بن يحيى بن المرتضى (ت ~~840ه)، وقد انتزعه من كتاب الانتصار للإمام يحيى بن حمزة(ت 749ه). والكتاب ~~الأخير لم يطبع منه ثلاثة أجزاء من 18 جزءا مخطوطا إلى الآن. # ومنه كتاب الغاية، وهو في أصول الفقه، جمع فيه مذاهب المسلمين باختصار ~~غير مخل، لمؤلفه العلامة الحسين بن الإمام القاسم (ت 1050ه)، وغيرها. # وفيما يلي إشارة موجزة إلى بعض مصادر فكر الزيدية التي ألفت قبل القرن ~~الرابع: أصول الدين: رسائل الإمام زيد بن علي صلوات الله عليهما. وهي من ~~المصادر التي لم يتم تداولها بين الزيدية بكثرة. والسبب هو حالة الشتات ~~التي عاشها أئمة أهل البيت وشيعتهم الزيدية في القرون الثلاثة الأولى؛ ~~ولهذا السبب بالذات لم تحفظ لنا نصوص طويلة ومفصلة عن أئمة أهل البيت قبل ~~الإمام القاسم بن إبراهيم% بعد رسائل الإمام زيد% نجد الرسائل التي وضعها ~~الإمام القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليهما. وهي من أهم المصادر في أصول ~~الدين لما تحتويه من تفصيل مفيد فيه. ثم رسائل أبنائه البررة خصوصا رسائل ~~ولده الإمام محمد بن القاسم صلوات الله عليه. ثم رسائل حفيده الإمام الهادي ~~إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم صلوات الله عليهم. والأخيرة مفصلة ~~وواسعة ولا تخلو مسألة من مسائل أصول الدين المبتلى بها العبد إلا وقد ~~عرضها الإمام% وقد طبعت أخيرا. ثم رسائل ومؤلفات ms096 الإمام الناصر الأطروش% ثم ~~رسائل ابني الإمام الهادي الإمامين محمد(ت310ه) وأحمد(ت 325ه)، ويخص بالذكر ~~منها كتاب النجاة للإمام أحمد بن الهادي الذي يتناول موضوع خلق الأفعال، ~~فقد فصل فيه الموضوع خير تفصيل، وأجاب عن جميع الشبه التي أخذها الجبرية من ~~متشابهات القرآن وقد طبع بتحقيق المستشرق ماديلنغ. PageV01P126 # أما في الفقه والحديث: فأول ما يأتي مجموع الإمام زيد بن علي صلوات الله ~~عليهما. وهو مجموع فيه آراء فقهية للإمام زيد بالإضافة إلى أحاديث مرفوعة ~~إلى رسول الله صلوات الله عليه، وإلى الإمام علي%. وقد روى هذا المسند أبو ~~خالد الواسطي الذي عدله أهل البيت. بعد هذا هناك كتاب أمالي الإمام أحمد بن ~~عيسى الذي جمعه العلامة محمد بن منصور المرادي(290ه)، وفيه روايات كثيرة ~~مرفوعة إلى رسول الله صلوات الله عليه من طرق أهل البيت، ومن طرق غيرهم. ~~وكذلك إلى الإمام علي%، بالإضافة إلى نصوص عن الأئمة. بعد هذا مؤلفات ~~الإمام القاسم بن إبراهيم%، وهي من أعمدة الفقه الزيدي. بعدها كتب الإمام ~~الهادي ورسائله الفقهية نحو المنتخب، والأحكام، وهي قطب الرحى لدى الزيدية ~~حتى اليوم. وهناك مؤلفات للإمام الناصر الأطروش، ولأبناء الإمام الهادي ~~ولغيرهم من الأئمة. ومن المصادر المهمة المتأخرة الجامع الكافي، الذي جمع ~~فيه المؤلف أبو عبدالله العلوي(ت 445ه) الآراء الفقهية التي رويت له عن ~~الأئمة القاسم بن إبراهيم، وأحمد بن عيسى بن زيد، والحسن بن يحيى بن الحسين ~~بن زيد، وعبدالله بن موسى الجون، وشيخ العترة محمد بن منصور المرادي عليهم ~~جميعا السلام. وقد اقتصر على هؤلاء دون من سواهم، لأنه أراد أن يجمع أراء ~~الأئمة المعتمد عليهم في الكوفة. # أما التفسير: فقد فقد أكثر ما كتب قبل القرن الرابع. فللإمام القاسم ~~ولأبنائه ولحفيده الإمام الهادي والإمام عبدالله بن الحسين أخي الإمام ~~الهادي، ولأبناء الإمام الهادي تفاسير. وقد بقي منها الشيء المفيد ولله ~~الحمد، وقد طبعت ضمن كتاب المصابيح في التفسير. هذا ويمكن جمع بعض آرائهم ~~في التفسير بتتبع كتبهم في أصول الدين، وفي الفقه، حيث يجد المرء الكثير ~~النافع. ms097 هذا وتوجد كتبا كثيرة بعد هذه الفترة في شتى العلوم، ويمكن العودة ~~إلى أعلام المؤلفين الزيدية للاستزادة. PageV01P127 ### | AUTO ملاحظة حول المصادر الحديثية # يتهم الزيدية من قبل البعض بعدم العناية بعلوم الحديث، ويستشهد من يتهمهم ~~بذلك بقلة المرويات الحديثية مقارنة بغيرهم من المدارس، إضافة إلى قلة ~~عنايتهم بعلم الحديث. وليس من تهمة أبعد من هذه، فقد اهتم الزيدية بالرواية ~~مثلهم مثل غيرهم، كما وضعوا للحديث الضوابط التي تحكم قبوله أو رده. والبحث ~~يظهر أن قلة الرواية عند الزيدية لها أسباب، أهمها أن شروطهم في قبول ~~الرواية شديدة. ثم إن التكرار في الروايات عندهم قليل. كما أن الروايات ~~التي في كتب المدارس الأخرى إما في العقائد، وأغلب ما روي في ذلك إما هو في ~~التجسيم، أو الجبر أو الإرجاء ونحوها مما لا يرضاه الزيدية لمخالفته العقل ~~والقرآن،وإما في الفقه، وما روي في ذلك لا يكاد يزيد إذا حذف المكرر على ~~الموجود في مثل كتاب العمدة للمقدسي، وبلوغ المرام لابن حجر، ومثل تلك ~~الروايات موجودة ومروية في كتب أهل البيت، وإما أحاديث في الأخلاق أو ~~الفضائل وهي مروية أيضا ولكن بغير تكرار، ومن دون الإكثار مما ضاعف منها. ~~وبذلك يظهر أن هذه الدعوة لا أصل لها. PageV01P128 ### | AUTO الزيدية اليوم # في الوقت الحالي ليس للزيدية وجود معتبر إلا في اليمن. وكل من بخارجها من ~~الزيدية يعود إليها بوجه من الوجوه. وقد كان للزيدية وجود في المغرب إبان ~~تأسيس دولة الإمام إدريس بن عبدالله، إلا أن وجودهم انتهى بانتهاء الدولة، ~~وبعدم وجود حركة علمية بينهم تغذي وجودهم الفكري، إضافة إلى كثرة خصومهم ~~آنذاك. كما كان لهم وجود في العراق، ولكن شيئا فشيئا اضمحلوا لغياب إمامة ~~تجمعهم. كما كان لهم وجود في شمال إيران، في بلاد الديلم وطبرستان على بحر ~~قزوين، ولكن مع القرن العاشر تقريبا انتهى وجودهم كما انتهى وجود أغلب ~~الفرق مع الحركة الصفوية. كما كان لهم وجود في الهند، ولكن لا نعلم كثيرا ~~عن هذا سوى ما أخبرنا به أحد علمائها من ذرية ms098 الإمام علي بن موسى الرضا% ~~اسمه: مهدي رضوي. وهو موجود حاليا بألمانيا، وقد تتلمذ على يديه الدكتور ~~محمد كالش وهو ألماني مسلم قام مع غيره بتأسيس معهد علمي لخدمة فكر أئمة ~~أهل البيت"، واسم هذا المعهد "معهد الإمام زيد بن علي". وقد أخبرنا السيد ~~مهدي أسماء مجموعة من علماء هذا القرن ممن كان زيدي المنهج نحو العلامة ~~شبلي نعماني، والسيد سليمان الندوي، والشيخ أمين أحسن إصلاحي، والشيخ ~~حميدالدين فراحي. والذي يظهر وفق ما أخبرنا به السيد مهدي أن الكثير من ~~الأسر الزيدية هناك رأت أن الانتساب إلى مدرسة فكرية معينة يهدد الوحدة ~~الإسلامية، ولذلك لا يتسمون زيدية، وإن كان بعضهم يحمل بعض أفكار الزيدية ~~في التوحيد والعدل. كما كان للزيدية وجود في الحجاز وعلى وجه الخصوص في مكة ~~وينبع، حيث كان أشرافها جميعا من الزيدية حتى أوائل القرن 14 هجري. والحديث ~~عن الزيدية المعاصرة يتناول قضايا متعددة، وليس هذا مقامها، ولذلك فسأتجه ~~إلى إعطاء لمحة تاريخية عن نشأتها. PageV01P129 ### | AUTO لمحة عن الجذور التاريخية للزيدية # بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله حصل الخلاف المعروف بين ~~الصحابة. وقد كان الخلاف في بداية أمره في المرجعيات والقيادات. وكان ~~الخلاف بين المرجعية السياسية للمستحق من أهل بيت رسول الله، المتمثلة ~~آنذاك في الإمام علي، وبين مرجعية غيره. والناظر لطبيعة الخلاف كما ابتدأ ~~قد لا يتوقع أن يؤدي إلى خلافات كبيرة في الدين، ما دام الأمر يقتصر على ~~السياسة والقيادة. إلا أن إقصاء الإمام علي عن القيادة السياسية أنتج: ~~أولا: إقصاؤه عن المرجعية الدينية في وقت كان المسلمون أحوج ما يحتاجون إلى ~~من يعرف أمور دينهم. هذا الإقصاء ترك فراغا في القيادة الدينية، تم ملؤه ~~بجماعة من الصحابة والتابعين حصل بسببها الخلاف حول أمور الدين. وقد قلل ~~هذا الإقصاء من نظرة الناس آنذاك إلى قيمة الدور الذي يمكن أن يقوم به ~~الإمام علي%، فحتى عندما وصل إلى الخلافة كانت النفوس قد نفرت عنه، أو جهلت ~~قدره. ثانيا: إن إقصاء الإمام علي عن ms099 القيادة السياسية أفرز المناخ المناسب ~~لبروز القيادة السياسية الأموية. هذه القيادة رأت في العقائد وسيلة جيدة ~~لتبرير أعمالها، وإضفاء الشرعية على وجودها في قمة الهرم السياسي الإسلامي؛ ~~فأثرت هذه الدولة على الدين وذلك من خلال تشجيع جماعات توافق هواها ، ~~وإعلاء مكانتهم الدينية بين الناس. وقد قتلت الدولة الأموية أو نفت كل من ~~يختلف معها في هذا الأمر. إن قسوة الأمويين مع من خالفهم في العقيدة جهارا ~~لم تكن مجرد قسوة سياسية. لقد كانت المجاهرة بالخلاف تهديدا لمشروعهم ~~البعيد والذي لا يمكنهم التفريط فيه، وخصوصا فيما أشاعوه بين الناس من وجوب ~~طاعة الحاكم الظالم المتسلط على البلاد والعباد. وقد أكدوا هذا الرأي من ~~خلال دعوتهم الحثيثة إلى الإيمان بالجبر. والخلاصة إن إقصاء الإمام علي، ~~وإقصاء أهل بيته فيما بعد، عن أمور المرجعية الدينية قد أدى إلى بروز ~~مرجعيات دينية أخرى إما مسيسة تخدم الأهواء الأموية؛ PageV01P130 وإما نصف متعلمة أو جاهلة لعبت دورا سلبيا على المعرفة الدينية بغير سوء ~~قصد. لقد كان في تقليل شأن أهل البيت في تلك الفترة الدور الجوهري في ~~القضاء على المعرفة الدينية الصحيحة، وعلى انتشار المعارف الدينية المنحرفة ~~والمخطئة، مثل التجسيم، والجبر، والإرجاء، ووجوب طاعة أولى الأمر الظلمة. ~~وكما سبق ذكره فإن جماعة قد التزمت للقيادة السياسية للإمام علي ومن ثم ~~للقيادة السياسية والفكرية لبنيه عندما ظهر الخلاف الديني؛ وهذه الجماعة هي ~~الجذور الأولى للزيدية، وقد عرفت آنذاك بالشيعة. أما المجموعات التي لم ~~تلتزم به فنشأ عنها مختلف المذاهب والتيارات المعروفة. ولا بد من التأكيد ~~هنا على أن التزام الزيدية بقول الإمام علي وقول أهل البيت في أصول الدين ~~ليس التزام تقليد. فلا يجوز تقليد أحد في أصول الدين: التوحيد والعدل. ولكن ~~الالتزام بهم كان يعني الأخذ عنهم. والواقع يظهر ويدل على أن ما كان عليه ~~الإمام علي وبنوه هو الصواب. كما يجب أن نلاحظ أن التزام الكثير بالقيادة ~~السياسية للإمام علي لم يكن يعني بالضرورة الاسترشاد بمعرفته في كل أمور ~~الدين. ففي حياة الإمام علي نجد ms100 أن بعض قادته اتخذ من نفسه محورا، وهذا ~~الأمر استمر في حياة بنيه. والسبب هو أن الاعتزاء إلى الإمام وبنيه أعطى ~~لكثير من الشخصيات فرصة كبيرة للادعاء وللبروز وللانتفاع. أيضا كان ~~للالتزام بالقيادة السياسية دوافع عملية للبعض، لا علاقة لها بالفكر ~~والدين، أو كان يحقق مصالح شخصية. وقد أثر هذا الأمر على هوية الشيعة ~~الفكرية، خصوصا فيما بعد. إذ كثر من يدعي الانتساب إلى التشيع، واتخذت بعض ~~القيادات التي كانت تنتسب إليه مجموعة أفكار نسبتها للإمام علي أو لبنيه ~~لإضفاء شرعية عليها. من هذه الادعاءات نشأ عدد من الفرق الشيعية. وقد استمر ~~هذا الوضع حتى عصر الإمام زيد بن علي. وفي أثناء تلك الظروف بقيت مجموعة من ~~الشيعة الخلص التي التزمت بالمنحى الفكري PageV01P131 لأئمة أهل البيت". والذي عزز هذا هو أن الشيعة كانوا مستقلين إلى درجة ما ~~في تنظيم أنفسهم عن أهل البيت". فهذا سليمان بن صرد الخزاعي(65ه) الذي قاد ~~حركة التوابين للثأر من قتلة الحسين بن علي، ثم المختار، ثم ابن الأشعث، ثم ~~الحارث بن سريج (116ه) ويقال: إنه كان خارجيا، إلا أن ضمن دعوته كان الدعوة ~~إلى الرضا من آل محمد، وهذه الظاهرة وإن خفت بعد حركة الإمام زيد، وبروز ~~جهاد أهل البيت، فإنها لم تنته تماما، يدل عليه أن الإمام محمد بن إبراهيم ~~لما خرج إنما كان بدعوة وإلحاح من أبي السرايا، الذي كان له جماعة تأتمر ~~بأمره قدمها للجهاد بين يدي الإمام محمد. في حياة الإمام زيد كانت الجماعات ~~الشيعية متعددة الاتجاهات والأهواء، وكل جماعة تنسب ما تقوله لإمام من ~~الأئمة الأحياء. ويظهر أن محور الخلاف بينها آنذاك هو استحقاق الإمامة. هل ~~هو بالوراثة أم لا؟ والذين أثبتوها بالوراثة اختلفوا: هل هي في أبناء ~~الحسين أم في أبناء محمد بن الحنفية؟ وقد افترقوا إلى جماعات متعددة بحسب ~~اختيارهم للإمام. وفي مقابل القائلين بالوراثة كانت الجماعة التي تؤمن ~~بمرجعية وقيادة أهل البيت، ولكن ليس بوصفها وراثة، إنما لكون الأئمة من أهل ~~البيت اتصفوا بتميز بالغ في بيان ms101 وتوضيح المشكلات العقائدية؛ وفي حكمة ~~سياسية وقيادية. إن قيمة أهل البيت عند أولئك الشيعة كانت منبثقة من القدر ~~الذي قام به أئمة أهل البيت في خدمة الإسلام. لقد كانت الأمة آنذاك تمر ~~بتحولات فكرية كبيرة وفي هذا قام أهل البيت بدورهم؛ إذ حافظوا على الإسلام ~~كما هو. أيضا آمنت تلك المجموعة الشيعية آنذاك أن الله تعالى بلطفه وفضله ~~قد تفضل على أهل البيت واصطفاهم وحباهم بما لم يحب غيرهم؛ وأمرنا بطاعتهم ~~ومودتهم وتقديمهم على غيرهم. ولكنهم يؤمنون بأن الفرد من أهل البيت لا قيمة ~~حقيقية له إلا إذا خدم الإسلام. وما نراه من احترام الزيدية لمن هم من أهل ~~البيت نسبا، وليس على قدرهم علما PageV01P132 وعملا، فإنما هو لاحترامهم لأهله الذين خدموا الدين. # إلا أنه قبل ثورة الإمام زيد بن علي%، لم تكن المجموعات الشيعية التي ~~تظهر الموالاة لأهل البيت تتميز كثيرا وذلك لأن الواقع السياسي آنذاك، وهو ~~الواقع الأكثر تأثيرا في تصنيف الناس، كان ينظر إليها بمنظار واحد. أما بعد ~~ثورة الإمام زيد بن علي فإن الشيعة التي تؤمن بالوراثة تميزت عن تلك التي ~~لا تؤمن بها. والتي لا تؤمن بها سميت بالزيدية. فصارت الزيدية علما على من ~~يقول بقيادة "الإمام من أهل البيت المستحق لها بالعلم والفضل والجهاد وليس ~~بالوراثة." وسبب التميز يعود: أولا: إلى أن الدولة الأموية، وبشكل أخص ~~الدولة العباسية صنفت الشيعة إلى صنفين، صنف يمثل معارضة "وهمية" إن صح ~~التعبير، لا داعي للتشديد عليه والتنكيل به إلا في حالات محدودة جدا، وهم ~~من يقولون بالوراثة حيث إن الإمامة عندهم لم تكن تتطلب الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، فكان يكفيهم ليتشيعوا الإيمان بإمامة إمام من أهل ~~البيت". وصنف يمثل معارضة مهددة، وهم الزيدية الذين كانوا يؤمنون بوجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف في وجه الجبابرة والظلمة، وعدم ~~الخضوع لهم أو الركون إليهم في أمور الدنيا والدين. وثانيا: إلى أن الخلاف ~~بين الشيعة حول الإمامة قد بدأ يأخذ منحنى اقتصاديا كبيرا آنذاك، مما جعل ~~حرص الأدعياء ms102 على المحافظة على مكتسباتهم كبيرا. والناظر للأحوال المادية ~~لمن كان يدعي النيابة عن الإمام سيدرك هذا الوضع. بعد ثورة الإمام زيد بن ~~علي% أطلق على الشيعة التي بايعته الزيدية. وقد شملت هذه التسمية شيعة أئمة ~~أهل البيت المقربين، كما شملت بعض العناصر الشيعية التي لم تكن تتوافق ~~وأئمة أهل البيت في آرائها. فنجد بعضا ممن كان من الزيدية آنذاك حمل واحتج ~~لنفس المبادئ التي قال بها أئمة أهل البيت". كما أن بعضا منهم قد حاد عنها، ~~لأسباب متباينة، والذي أريد أن أنبه عليه هنا أن PageV01P133 ليس كل من قال بقيادة الداعي المستحق من أهل البيت كان يؤمن بالتوحيد ~~والعدل. فقد برزت قيادة أئمة أهل البيت من حيث دعوتهم إلى العدل بين ~~الرعية، ولم يكن جميع أنصارهم على نفس مذهبهم. إضافة إلى ذاك فإن الإمام ~~زيدا لم يكن صاحب دعوة مذهبية، ولم يعتمد على الشيعة وإنما كان صاحب دعوة ~~إصلاح في الأمة، وقد سار على هذا النهج الأئمة من بعده. ولكن مع السنين قلت ~~نصرة المجموعات التي كانت تتباين مع أئمة أهل البيت في معتقداتها، وصارت ~~كلمة زيدية تشير إلى المدرسة الفكرية والسياسية التي كان روادها أئمة أهل ~~البيت وشيعتهم الخلص فقط. بعد مقتل الإمام زيد توالت الحركات الثورية لأهل ~~البيت"، فكانت ثورة محمد بن عبدالله النفس الزكية(145ه)، ثم متابعة أخيه ~~الأمر من بعده (145ه)، ولولا خيانات داخلية لسقطت الدولة العباسية. ثم قيام ~~الحسين بن علي الفخي، ثم قيام يحيى بن عبدالله بالدعوة التي هزت أركان ~~هارون العباسي وأقام الدنيا وأقعدها إلى أن ظفر به وقتله، مع أنه لم يقم ~~بأي عمل ثوري، ثم قيام أخيه الإمام إدريس بن عبدالله في المغرب وتأسيس دولة ~~هناك استقلت عن الخلافة العباسية إلا أنه لم يمهل فسم في سنة 177ه ، ثم ~~قيام الإمام القاسم بن إبراهيم، ثم قيام دولة أخرى في طبرستان على يد ~~الداعي الحسن بن زيد ، ثم قيام الإمام الهادي في اليمن الذي أسس نواة دولة ~~هناك، ثم قيام الإمام الناصر الأطروش ms103 في بلاد الديلم التي أسلمت على يديه، ~~وخلال كل تلك الدعوات كان هناك حركة علمية نشطة تركت لنا الكثير مما نستضيء ~~به، وقد ذكرت بعضها فيما مضى،وهكذا استمرت دعوات أئمة أهل البيت، ودول ~~العدل التي أنشئوها، إلا أنهم في المغرب لم يطل مكثهم لأسباب كثيرة، فبعد ~~نصف قرن من تأسيس الدولة أصابها الوهن، ولم يمض قرن بعد ذلك حتى انتهت. ~~وأما في بلاد طبرستان وبلاد الجيل والديلم، وهي اليوم في شمال إيران، فقد ~~استمرت دولهم هناك فترات طويلة رغم وهن كان PageV01P134 يدخلها بسبب دخول الأهواء والمطامع، ولكن مع ذلك تركت لنا نماذج من العدل ~~وكثيرا من العلم. وأما في اليمن فقد استمرت دولتهم في مد وجزر وبقي الزيدية ~~فيها إلى اليوم. وبالله التوفيق. PageV01P135 ### | AUTO أهم المصادر والمراجع # 1....الإرشاد إلى سبيل الرشاد، الإمام القاسم بن محمد بن علي، تحقيق محمد ~~يحيى سالم عزان، ط1، 1999م، دار الحكمة اليمانية. # 2. الأساس لعقائد الأكياس، الإمام القاسم بن محمد بن علي، ط3، 2000م، ~~مكتبة التراث الإسلامي. # 3. الأصول الثمانية، السيد محمد بن الإمام القاسم بن إبراهيم، تحقيق عبد ~~الله بن حمود العزي، ط1، 2001م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. # 4. الأحكام في الحلال والحرام2/1، الإمام الهادي يحيى بن لحسين، علي بن ~~أحمد بن أبي حريصة، ط3،2003م، مكتبة التراث الإسلامي. # 5. الإفادة في تاريخ الإئمة السادة يحيى بن الحسين بن هارون الهاروني، ~~تحقيق إبراهيم مجد الدين وهادي الحمزي، ط1، 2001م، مركز أهل البيت للدراسات ~~الإسلامية. # 6. البساط، الإمام الناصر الأطروش، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، ط1، ~~1997م، مكتبة التراث الإسلامي. # 7. التحف شرح الزلف، العلامة مجد الدين المؤيدي، ط3، 1996م، مكتبة مركز بدر. # 8. الحدائق الوردية في مناقب أئمة الزيدية، العلامة حميد الشهيد بن أحمد ~~بن محمد المحلي، تحقيق د/ المرتضى المحطوري،ط1، 2002م، مكتبة مركز بدر. # 9. الزيدية نظرية وتطبيق، علي عبد الكريم الفضيل ط1، 1985م. # 10. العقد الثمين في أحكام الائمة الطاهرين، الإمام عبد الله بن حمزة ~~(ع)، تحقيق عبد السلام الوجيه، ط1، 2001م، مؤسسة الإمام زيد بن علي ~~الثقافية. # 11. العقد الثمين ms104 في معرفة رب العالمين، الحسين بن بدر الدين، تحقيق محمد ~~يحيى سالم عزان، ط2، 1995م، مكتبة التراث الإسلامي. # 12. العقد الثمين في معرفة رب العالمين، الحسين بن بدر الدين، تحقيق ~~إسماعيل المؤيدي، ط1، 2002م، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية. PageV01P136 # 13. الغطمطم الزخار1/6، الإمام الشهيد محمد بن صالح السماوي، تحقيق محمد ~~يحيى سالم عزان، ط1، 1994م. 14. # القول المبين في فضائل أهل البيت، السيد العلامة محمد بن سليمان العزي، ~~ط2، 2003م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. # 15. المنتخب والفنون، الإمام الهادي يحيى بن الحسين، ط1، 1993م، دار ~~الحكمة اليمانية. # 16. تحكيم العقول في تصحيح الأصول، الحاكم الجشمي، تحقيق عبد السلام ~~الوجيه، ط1، 2001م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. # 17. الشافي، الإمام عبد الله بن حمزة (ع)، لجنة من العلماء،ط1، 1986م، ~~دار اليمن الكبرى. 18. شرح الأساس الكبير1/2، العلامة أحمد بن محمد الشرفي، ~~ط1، 1991م، دار الحكمة اليمانية. 19. شرح الأزهار1/4، ابن مفتاح، الطبعة ~~الأولى 2003م وزارة العدل. # 20. شرح البالغ المدرك، الإمام أبي طالب يحيى بن الحسين، تحقيق محمد يحيى ~~سالم عزان،ط1، 1997م، مكتبة مركز بدر. # 21. صفوة الاختيار في أصول الفقه، الإمام عبد الله بن حمزة (ع)، تحقيق ~~إبراهيم الحمزي وهادي الحمزي، ط1، 2002م، مركز أهل البيت للدراسات ~~الإسلامية. # 22. عدة الأكياس في شرح معاني الأساس1/2. أحمد بن محمد بن صلاح الشرفي، ~~ط1، 1995م، دار الحكمة اليمانية. # 23. علوم الحديث عند الزيدية والمحدثين، عبد الله بن حمود العزي، ط1، ~~2001م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. # 24. قراءة في كتب العقائد،حسن بن فرحان المالكي، ط1، 2001م، مركز ~~الدراسات التأريخية. # 25. كتاب الأصول، الإمام المرتضى محمد بن الإمام الهادي، تحقيق عبد الله ~~حمود العزي، ط1، 2001م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. # 26. لوامع الانوار1/3، العلامة مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي، ط1، ~~2001م، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية. # 27. مجالس أبي الحسين الطبري، العلامة أحمد بن موسى الطبري، تحقيق عبد ~~الله بن حمود العزي، ط1، 2002م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. PageV01P137 # 28. مجموع رسائل الإمام الهادي، الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع)، تحقيق ms105 ~~عبد الله الشاذلي، ط2، 2002م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية. # 29. مجموع رسائل الإمام عبد الله بن حمزة (القسم الأول)، الإمام عبد الله ~~بن حمزة (ع)، تحقيق عبد السلام الوجيه، ط1، 2002م، مؤسسة الإمام زيد بن علي ~~الثقافية. # 30. مجموع رسائل الإمام عبد الله بن حمزة (القسم الثاني)، عبد الله بن ~~حمزة (ع)، تحقق عبد السلام الوجيه، ط1، 2002م، مؤسسة الإمام زيد بن علي ~~الثقافية. # 31. مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن ابراهيم الرسي1/2، الإمام القاسم ~~بن إبراهيم الرسي، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، ط1، 2001م، دار الحكمة ~~اليمانية. # 32. مجموع كتب ورسائل الإمام المرتضى محمد بن يحيى الهادي1/2، الإمام ~~محمد بن يحيى بن الهادي، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، ط1، 2002م، مكتبة ~~التراث الإسلامي. # 33. مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بن علي(ع)، الإمام زيد بن علي (ع)، ~~تحقيق: إبراهيم الدرسي، ط1، 2001م، مركز أهل البيت للدراسات الإسلامية. # 34. مجموع كتب ورسائل الإمام زيد بن علي(ع)، الإمام زيد بن علي (ع)، ~~تحقيق: محمد يحيى سالم عزان، ط1، 2001م، دار الحكمة اليمانية. # 35. من هم الزيدية، علي عبد الكريم الفضيل، ط1، 2003م، مؤسسة الإمام زيد ~~بن علي الثقافية. # 36. ينابيع النصيحة، العلامة الحسين بن بدر الدين، تحقيق د. المرتضى بن ~~زيد المحطوري، ط2، 2001م، مكتبة ومركز بدر العلمي. PageV01P138 ms106