######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizAminKhanji.BadaicKhayal.Hindawi37972959 #META# Tags: novels #META# ID: 37972959 #META# Title: بدائع الخيال #META# AuthorID: 35930479 #META# Author: عبد العزيز أمين الخانجي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # ترجمة حياة مؤلف الكتاب‏ # الحكاية الأولى‏ # الحكاية الثانية‏ # الحكاية الثالثة‏ # الحكاية الرابعة‏ # الحكاية الخامسة‏ # الحكاية السادسة‏ # الحكاية السابعة‏ # الحكاية الثامنة‏ # الحكاية التاسعة‏ # الحكاية العاشرة‏ # ترجمة حياة مؤلف الكتاب‏ # الحكاية الأولى‏ # الحكاية الثانية‏ # الحكاية الثالثة‏ # الحكاية الرابعة‏ # الحكاية الخامسة‏ # الحكاية السادسة‏ # الحكاية السابعة‏ # الحكاية الثامنة‏ # الحكاية التاسعة‏ # الحكاية العاشرة‏ # | بدائع الخيال # | بدائع الخيال # | عشر قصص ممتعة للفيلسوف الروسي ليو تولستوي # تأليف # ليو تولستوي # ترجمة # عبد العزيز أمين الخانجي # | مقدمة # بقلم عبد العزيز أمين الخانجي # بسم الله الرحمن الرحيم # قارئي العزيز # أتقدم إليك شاكرا مغتبطا بالطبعة الثالثة من كتابي بدائع الخيال الذي يجمع بين ~~دفتيه عشر قصص مختارة من مبتكرات الفيلسوف الروسي العظيم «ليو تولستوي» عربتها من ~~كتاب بالإنجليزية عنوانه: # Twenty Three Tales From ~~Tolostoy ~~. # أما الشكر فللإقبال والتعضيد اللذين لقيهما الكتاب منذ إصدار طبعته الأولى في أواخر ~~عام 1919، فطبعته الثانية في أوائل عام 1922. # وأما الاغتباط فلرواج الكتاب في زمن كثر فيه تهافت القراء على الغث من القصص الموضوعة ~~أو المعربة، وفي زمن عمت فيه الشكوى من الفوضى السائدة في سوق الطباعة والنشر في مصر. ~~وهذا الشعور يشاركني فيه أهل الغيرة من الراغبين في الإصلاح. # لقد تقدم الفن القصصي بين الأمم الغربية في يومنا هذا وأصبح من أعظم الوسائل التي ~~يعتمد عليها رجال التفكير والإصلاح في بث آرائهم وأفكارهم وخلاصة أبحاثهم ونظراتهم في ~~شئون الحياة. ولقد خرجت القصص بهذا التطور الجديد عن دائرة الغرض الذي وضعت من أجله؛ ~~أي التسلية. # ولكن لمن الفضل في هذا التطور؟ الفضل بلا ريب عائد على القارئ ذاته، الذي أصبح لا ~~يميل إلى قراءة الروايات التي تصور له الوقائع الدموية والمشاهدات العنيفة بين اللصوص ~~ورجال الشرطة التي يدور عليهم محور القصة. أو التي تصور لهم مناقشات العذال ~~ومجادلات الرقباء لحبيبين يجعلهما القصصي الشخصيتين اللتين يبني عليهما الحديث. # هذا النوع من القصص قد قضي عليه في أوروبا وجرفه تيار النوع الجديد الذي يجمع بين ~~التسلية والإفادة، النوع الجديد الذي يرمي إلى بث الآراء الإصلاحية والأفكار والملاحظات ~~الاجتماعية في ms01 الثوب القصصي. # قد يقول قائل : إن الفرق بيننا وبينهم ما زال واسعا، وإن ناشري الكتب يجارون في تلك ~~البلاد عقلية آخذة في مدارج الكمال، عقلية تستطيع أن تتذوق هذا النوع الجديد وأن تتفهم ~~ما فيه من فكر ومغزى. ولكنني أقول إن هذه حجة واهية؛ لأن القارئ في بلادنا إذا كان يقرأ ~~القصة لمجرد التسلية فإنه يجد بغيته في النوع القصصي الجديد أيضا، لا سيما إذا كانت ~~القصة مكتوبة بلغة سهلة. فاللوم إذن يقع على الناشرين الذين أحدثوا في أسواق المطابع ~~تلك الفوضى التي يشكو الجميع منها. ولكن لا تنس - أي قارئي العزيز - أن عليك نصيبا من ~~هذا اللوم؛ لأن الناشر والمعرب والمؤلف والطابع كل هؤلاء إنما يأتمرون بأمرك ويتمشون ~~مع رغبتك، فإن أردت أن ترغمهم على تقديم النافع الصالح وعرض الجديد الطيب من مبتكرات ~~القوم فأعرض عما يقدمونه لك من القصص التافهة والروايات الغثة أمثال (وقائع كارتر) ~~و(الحلقات البوليسية) و(مجموعات جونسون) وذيولها ... وروكامبول وأم روكامبول وابن ~~روكامبول ... وما إلى ذلك من القصص التي إثمها أعظم من نفعها. # عاهدني أن تفعل ذلك منذ اليوم وأن تنشر الفكرة بين إخوانك وبني عشيرتك فلا تلبث أن ~~ترى ثمرات هذا العهد بعد زمن قصير. # لقد أطلت عليك الحديث، وخرجت بك عن موضوع المقدمة دون أن أحدثك عن محتويات الكتاب ~~ومزاياه كما هي العادة في المقدمات، ولكن ما لي والتعرض لهذا الأمر؛ فالكتاب بين يديك - ~~وقد نقدت ثمنه بلا ريب - فاقرأه وانقده ووازن بين ما دفعته من ثمن وبين ما استفدته من ~~مطالعته، فإذا وجدت نفسك رابحا فاطلب من المولى أن يعينني على السير في هذا السبيل، ~~أما إن كنت تجده تافها لا يستحق ما بذلته أنا من وقت ~~في التعريب وما صرفته أنت من وقت في القراءة؛ فعاملني إذ ذاك بجميل صنعك، واعلم أن لي ~~من حسن النية خير شفيع، والسلام. # شارع النزهة # 20 أكتوبر سنة 1926 # | ترجمة حياة مؤلف الكتاب # تمهيد # قد يتوالى كر الجديدين، وتمر الأيام والأعوام مر السحاب، طامسة بأقدامها رسوم ms02 ~~الأجيال الماضية، والناس على ما هم عليه من فطرتهم الأصلية، مستسلمون لما ورثوه عن ~~آبائهم من التقاليد والعادات مذمومة كانت أم مرضية، فاسدة أم صحيحة، ويظلون كذلك لا ~~يفقهون معنى لما يرونه من المرئيات، ولا يحركون ساكنا لما يمر عليهم من صنوف العظات، ~~إلى أن يمن الله عليهم بمن يميط اللثام عن سر ما جهلوه، ويكشف لهم الستار عن كنه ما ~~لم يتحققوه، فينبههم من رقدتهم، ويرشدهم إلى ما كانوا عنه غافلين. # أولئك هم أقطاب العلم، ورسل التهذيب، ومهبط المدنية، ونور العرفان، بهم تهتدي الأمم، ~~وعلى يدهم يتم صلاح الجماعات ونظام الشعوب، غير أن الدهر - وهو بخيل بأمثال هؤلاء ~~الأقطاب - لا يكاد يجود بفرد منهم على رأس كل جيل حتى تنصب عليه سهام اللعنات من كل ~~صوب، وتتلقاه الناس بالعداوة والبغضاء، والسبب واضح جلي؛ فالناس إذا استسلمت مدة من ~~الزمان إلى بعض العادات الفاسدة، وتوارثت طوال الأجيال العاهات والأمراض النفسية بعضها ~~عن بعض، تصبح بينهم من الصفات اللازمة، ولا ينظرون إليها إذ ذاك كعاهات وأمراض، بل ~~يعتبرونها كخلال طبيعية أنزلها الله على آدم، فإذا ظهر بينهم من هو خال منها غير متحل ~~بما ظنوه ناقصا ناصبوه العداء، ونابذوه الألقاب. # نظرة إلى كل من اشتهر بفضل أو عرف بشيء من النبل نعلم مقدار ما عانى من الدهر، ~~وقاسى من مناوأة الناس في سبيل الحق، فهذه أئمة المسلمين وهداتهم؛ مثل: مالك، والشافعي، ~~وفلاسفة هذه الأمة، ودعاة الصلاح فيها؛ كالمعري وابن رشد وابن تيمية، ومن تقدمهم وجاء ~~بعدهم من فلاسفة اليونان والرومان والفرس وغيرهم من علماء المعقول والمنقول ممن لا تزال ~~أشخاصهم ماثلة في أذهاننا، ولا نزال نستضيء بنبراسهم، قد نغص الدهر عليهم عيشهم، ~~وضيق عليهم مذاهبهم؛ لشذوذهم عن المألوف، وخروجهم عن المعروف، ولم يرجعهم ما هم فيه عن ~~سبيل رأوه هو سبيل الحق، بل ما زالوا في عراك وكفاح حتى لقوا ربهم فرحين بما قضوا من ~~واجب الإرشاد عليهم، غير مكترثين بما لقوا في سبيل الواجب. # والكونت تولستوي الذي أقدم إلى القراء ms03 ترجمة حياته (مقتضبة من دائرة المعارف ~~البريطانية، ومجلة الهلال الغراء، وبعض المجلات التركية) هو أحد أولئك الأفراد القلائل ~~الذين لا يكاد الدهر يجود بواحد منهم حتى يتفانى الناس في تمجيد خصاله، ويغرقوا في ~~إجلال ذكره، وإكبار شأنه؛ إذ يعمل الفرد منهم على إسعاد نوع الإنسان، وترقية حال بني ~~البشر أكثر مما يعمله المئات بل الألوف من معاصريه: # ولم أر أمثال الرجال تفاوتا # إلى الفضل حتى عد ألف بواحد # نشأته الأولى # تشغل حياة تولستوي ثلاثة أرباع القرن التاسع عشر وعشر سنين من فجر القرن العشرين؛ ~~إذ كان ميلاده في الثامن والعشرين من شهر أغسطس عام 1828 في قرية (ياسنايا بوليانا) في ~~ولاية طولا من أعمال روسيا، فأنت ترى أن شمس حياته بزغت في فجر القرن التاسع عشر، وعاش ~~معاصرا لكثير من فحول العلماء والفلاسفة؛ مثل: هيجو، وغوته، وغيرهما من الذين ولدوا ~~معه في فجر القرن، وغربت شموس حياتهم في أصيله. # وأسرته ألمانية الأصل، هاجرت في عهد بطرس الأكبر، واشتهر منها بطرس تولستوي الذي كان ~~سفيرا لروسيا لدى الدولة العثمانية، وأدخل في مصاف الأشراف عام 1724، وكان لهذه ~~الأسرة منزلة رفيعة بين الأسر الروسية؛ إذ اشتهر كثير من أبنائها بالسياسة، ونبغ آخرون ~~منهم في فن الكتابة. # أما أمه فكانت من بيت مجد عريق في الحسب وشرف الأصل، يعرف بأسرة فولكون، وكانت القرية ~~التي ولد فيها الفيلسوف ملكا لها؛ فأقامته فيها ليقضي أيام طفولته، ولكن وافاها ~~القدر المحتوم وهو في إبان نشأته، فعهد بتربيته إلى سيدة من ذوات قرابته، وانتقل به ~~والده إذ ذاك إلى مدينة موسكو، حيث عاجلته المنية قبل أن يبلغ الكونت العاشرة من عمره، ~~فعهد بتربيته إلى سيدة أخرى من ذوات قرابته تدعى بوشكوفا؛ فعادت به إلى قرية ياسنايا ~~مقر ولادته، وهناك تلقى دراسته الأولية. # تعليمه # وما كاد يبلغ الخامسة عشرة حتى انتقل ~~إلى مدينة قازان، وانتظم في سلك جامعتها مدة عامين، توفر أثناءهما على دراسة بعض العلوم ~~العالية، وفيها درس أيضا بعض اللغات الشرقية، غير أنه ما لبث أن عافت ms04 نفسه الجامعة ~~ودروسها؛ لنفوره من أخلاق تلامذتها، فعاد إلى قريته ثانية، وأكب هناك على مطالعة كتب ~~مشاهير المؤلفين والأدباء من الروسيين والفرنسيين والألمان؛ أمثال: روسو وهيجو وفولتير ~~وديكنز وبوشكن وترجنيف وشيللر وغوطه، ولكنه كان أكثر تعلقا بمؤلفات روسو، فعاش عيشة ~~مستقلة لا يحتاج فيها إلى مرشد ولا مؤدب إلا الدهر وحوادث الأيام وتتبعاته ~~الشخصية. # أوائل شبابه # وقد أخذت الاعتبارات الفلسفية تشغل أفكاره في أوائل شبابه؛ فكان شغله الشاغل أيام ~~صباه هو التفكير في (ما هو الإنسان؟) و(من أين أتى؟) و(إلى أين مصيره؟) و(ما هي ~~السعادة؟) إلى غير ذلك من المسائل الفلسفية العويصة التي كانت ترد مخيلته تباعا؛ آخذة ~~بعضها برقاب بعض، حتى نشأ عنده ميل خاص للمباحثات والمناظرات، فكان يقضي طوال الساعات ~~والأيام في مجادلة أقرانه ومناقشتهم فيما يعرض له من الأفكار. # انتظامه في سلك الجندية # وبينما كان الفيلسوف الشاب على الحال التي وصفناها لك حائرا بين تأثيرات الطبيعة ~~وموحيات الكتب والأسفار؛ إذ زاره شقيق له أكبر منه سنا في قرية (ياسنايا) وكان شقيقه ~~هذا من ضباط الجند الروسي ببلاد القوقاز، فوصف له حالة الجند وما هم عليه من نضارة ~~العيش ورفاهة الحال، وما زال به يحسن له حالته ويرغبه الانتظام بسلكهم حتى رضي وأطاع ~~شقيقه فأصبح في عداد الضباط وهو في الثالثة والعشرين من عمره، وعند نشوب حرب القرم ~~انتقل إلى الطونة وانضم إلى أركان حرب البرنس غورتشاكوف، ثم انتقل إلى سباستبول؛ حيث ~~عين قائدا لفرقة من المدفعية، وكان لانتقاله من بيئة لأخرى أثر كبير في إثارة قريحته، ~~وتوسيع خياله، فتغيرت أطواره، وتحولت كليته، وتبطنت أعماق نفسه بانفعالات كثيرة ظهر على ~~أثرها أهم مؤلفاته التي يصف فيها حالة الجند، وأهوال الحروب، وما يكابده الإنسان من ~~فظائعها. # رحلته وزواجه # وفي العقد الرابع من سني حياته تطلع إلى السفر، فسافر سنة 1862 وساح في بعض أنحاء ~~أوروبا، ثم رجع إلى قريته واقترن في العام الثاني بالسيدة صوفيا ابنة الدكتور بيرس ~~الألماني الذي كان يقيم في موسكو؛ فاضطر تولستوي أن يداول السكنى ms05 بينها وبين قريته، ~~وكانت قد نضجت مواهبه واتسعت معلوماته؛ لكثرة ما شاهده واختبره بنفسه، وكانت الحكومة قد ~~عينته قاضيا في قريته، فبدأ بنشر تعاليمه، وأخذ يدعو الناس إلى السلام والفضيلة؛ سواء ~~بالقدوة أو بالتعليم. # عيشته اليومية # وقد اشتهر بزهده في الحياة وتخليه عن مظاهر الوجاهة؛ فكان في قريته مع زوجته وأولاده ~~في منزل بسيط محاط بغابة كثيفة ليس فيه من الأثاث إلا الضروري، فكان يقوم مبكرا فيلبس ~~ثوبا بسيطا مثل أثواب الفلاحين، وهو عبارة عن سراويل واسعة فوقها كساء كالقميص يتمنطق ~~حوله بسير من الجلد. # وكان يتناول طعام الإفطار، ثم يذهب إلى العمل في حرث الأرض، وتعهد أشجارها، وبذر ~~الحبوب، ومساعدة ضعفاء الفلاحين في أعمالهم. # سيرته بين فلاحيه # كانوا يعجبون بتواضعه ويستأنسون بدعته ولطف شمائله، فإذا وقع بينهم خلاف تقاضوا إليه ~~وارتضوا حكمه، وكان قد أنشأ في قريته مدرسة ينفق عليها من ماله الخاص لتعليم أبناء ~~الفلاحين، وكان يتولى تعليمهم بنفسه؛ فاشتهرت المدرسة وقصدها أهل المدائن الأخرى ~~المجاورة يلتمسون الاستفادة من آرائه وفلسفته، وأنشأ لهم أيضا مجلة تهذيبية تصدر باسم ~~القرية، وقد بلغ من محبته لفلاحي قريته أنه أراد أن ينبذ فكرة الاستئثار بالملك الشخصي، ~~وأحب أن يوزع أملاكه بينهم بالتساوي فيشتغل كواحد منهم، ولكن زوجته وذوي قرابته ~~أبوا عليه ذلك، تلك كانت حاله بالصيف، أما في الشتاء فكان يقيم في موسكو؛ فينقطع عن ~~الأعمال البدنية، ويتفرغ للتأليف والتحبير؛ فيؤلف ويراسل ويكاتب. # حياته العلمية # لا نكاد نذكر اسم تولستوي حتى يخطر على ~~البال مؤلفاته العديدة ورسائله المتنوعة؛ وأشهرها: (الحرب والسلم) و(البعث) و(حنا ~~كرانينا) و(القيامة) و(أين المخرج؟) و(الحب والزواج) و(بم يعيش الناس؟) و(ديانة المسيح) ~~و(الحياة) و(مملكة الظلام)، غير أننا لا نكون مبالغين إذا قلنا: إن لرواياته الثلاث ~~الأولى؛ وهي: (الحرب والسلم) و(البعث) و(حنا كرانينا) القدح المعلى، والمكانة ~~السامية في عالم الأدب والتأليف، لا فى الروسيا فقط؛ بل في جميع العالم الأوروبي، ولا ~~مراء في أن هذه الروايات الثلاث هي الدرة اليتيمة وواسطة القلادة بين درر مؤلفاته ~~وغوالي حكمه؛ فإن رواية (حنا ms06 كرانينا) تمتاز بدقة البحث في تصوير ما يحصل عادة في عالم ~~الزواج من الآلام والاضطرابات التي منشؤها عدم التروي والمضي مع الأهواء النفسية، ~~وفي روايته (البعث بعد الموت) وصف الأمراض الاجتماعية وصورها بكل ألوانها ومعانيها، مع ~~ذكر كيف أن الناس في هذا العصر أصبحوا يتنشقون سموم الظلم والاستبداد، ويتجرعون كئوسا ~~ملؤها الكذب والرياء بدل استنشاقهم الهواء وشربهم الماء، وفي هذه الرواية يقول الناقد ~~الفرنسي المعروف جول لومتر: «كتب تولستوي روايتيه (الحرب والسلم) و(حنا كرانينا)، ثم ~~خجل من الشهرة وبعد الصيت اللذين نالهما أثر ظهورهما فاحتجب في كسر داره، واختفى بين ~~صحائف الإنجيل مدة خمسة عشر عاما، ثم ظهر في عالم الأدب ثانية وفي يده أعجوبة مؤلفاته ~~«كتاب البعث بعد الموت».» # ولو أمعنا النظر في حياة تولستوي المعنوية نرى أنها بكل ألوانها ومظاهرها، سياسية ~~كانت أم اجتماعية، دينية أم خلقية؛ عبارة عن سلسلة حروب شعواء كان يشنها ذلك الرجل ~~العظيم ضد الظلم والاستبداد، ومفاسد المدنية الحاضرة ورذائلها، فكان يرى رأي روسو ~~القائل بأن صلاح الناس أو فسادهم إنما يدخل عليهم من باب المعاشرة والمخالطة، ويسلك ~~إليهم من طريق البيئة والجوار، ثم نظر إلى المدنية الحاضرة المشعشعة بالأنوار الكاذبة، ~~وفطن إلى ما تحت تلك الأضواء من ظلمة المفاسد والرذائل، وعلم أن التبعة في فساد نظام ~~الاجتماع واقع على الرئاسات الدينية والسياسية، فوقف حياته على إيقاظ إخوانه في ~~الإنسانية، وقضى معظم حياته يدعو الناس إلى دينه الجديد ~~(Religion de la ~~bonté) # وأساسه إيجاد رابطة المحبة والشفقة بين الناس، وعدم مقابلة ~~الشر بمثله؛ ولذا نرى أن روح هذا المبدأ تتجلى في أغلب كتبه وتعاليمه التي تكاد تنطق ~~بلسان واحد هاتين الكلمتين؛ وهما: ~~(1) # أحبوا بعضكم بعضا. ~~(2) # لا تقابلوا الشر بمثله. # مقارنة بينه وبين أبي العلاء # ذهب بعض كتاب أوروبا إلى وجود الشبه بين تولستوي وبين روسو، وعزز رأيه بأدلة لا محل ~~لذكرها في هذه المقدمة الوجيزة، وإنا نرى أنه من الظلم أن نختم مقدمتنا دون أن نذكر ما ~~رأيناه من وجوه الشبه بين حياة صاحب ms07 الترجمة وحياة أبي العلاء المعري المولود سنة 973م، ~~فكلا الرجلين عاش زاهدا في الحياة، وكلاهما ناله من اضطهاد رجال الدين ما نغص عليه ~~عيشه، وضيق دونه المذاهب، ولكليهما آراء في الحياة، ونظرات في الاجتماع تتفق معنى ~~ومبنى. # اشتهر تولستوي بزهده في الحياة وتخليه عن مظاهر الوجاهة على نحو ما مر بك في مقدمتنا ~~هذه؛ كذلك كان أبو العلاء زاهدا في الحياة متخليا عن ملذاتها؛ يردد قوله: # أتتني من الأيام ستون حجة # وما أمسكت كفاي ثني عنان # ولا كان لي دار ولا ربع منزل # وما مسني من ذاك روع جنان # تذكرت أني هالك وابن هالك # فهانت علي الأرض والثقلان # إلا أنهما وإن زهدا في كل لذات الحياة، فقد رغبا في العلم والتأليف اللذين قد ~~ملكاهما، واستأثرا بهما، ولا شك أن ذلك كلفهما معاشرة الناس ومجاملتهم إلى حد معلوم؛ ~~فإن أبا العلاء كان مضطرا إلى عشرة الناس؛ لاحتياجه إلى من يقرأ له، ويكتب عنه، ولذلك ~~لم يكد يستقر في المعرة حتى اشتغل بالتعليم؛ فالتف حوله الطلاب من جميع الأطراف، ~~كذلك كان تولستوي مضطرا لمجاملة زواره العديدين الذين كانوا يقصدونه من أقاصي البلاد ~~يلتمسون الاستفادة من فلسفته وآرائه. # وصف الرحالة ناصري خسرو أبا العلاء المعري بقوله: «ويحكمها (أي المعرة) رجل ضرير ~~يعرف بأبي العلاء عظيم الثروة، يملك عددا ضخما من العبيد، وكان سكان المدينة كافة ~~خدمه، أما هو فيحيا حياة خشنة، يلبس غليظ الصوف، ولا يغادر بيته، ولا يأكل إلا الشعير، ~~وسمعت الناس يتحدثون بأن بابه لا يغلق وأن نوابه يعملون في تدبير المدينة، ولا يلجئون ~~إليه إلا في مهام الأمور إلخ.» ولو صح هذا الوصف - وهو ما أثبت احتماله العلامة طه حسين ~~في كتاب (ذكرى أبي العلاء) صحيفة 230 بقوله: «فمن الظلم للتاريخ أن نمر بهذا الخبر من ~~غير أن نثبت هذا الاحتمال.» - لكان مشابها للمعيشة التي كان يعيشها الفيلسوف تولستوي ~~في قريته بين فلاحيه ومريديه. # 1 # كان تولستوي يرى أن نظام الاجتماع فاسد يحتاج إلى إصلاح، وأن فساده ناجم عن الرئاسات ms08 ~~الدينية والسياسية، كذلك كان يرى أبو العلاء وصرح بهذا الرأي غير مرة في اللزوميات ~~وسقط الزند؛ فمن ذلك قوله: # ساس الأنام شياطين مسلطة # في كل مصر من الوالين شيطان # وكذلك قوله: # مل المقام فكم أعاشر أمة # أمرت بغير صلاحها أمراؤها # ظلموا الرعية واستجازوا كيدها # فعدوا مصالحها وهم أجراؤها # رأي تولستوي في المرأة قبيح؛ لأنه يسيء الظن بها في كل أطوارها، ويرى أن تقطع كل ~~علاقة بينها وبين الحياة العامة؛ فمن ذلك قوله: «على الرجل أن يراقب سلوك امرأته ولا ~~يطلق لها العنان، بل يحجبها في البيت، والبيت دائرة حرية واسعة للمرأة.» وقال في موضع ~~آخر في الزواج: «إن الزواج أصبح في عصرنا هذا بيننا محض خداع وغش، ولكنه لا يزال ~~يوجد عند أولئك الذين يرون فيه سرا من أسرار الدين؛ كالمسلمين، والصينيين، والهنود، ~~أما نحن فلا نرى فيه غير تلك المقارنة الحيوانية.» # ولأبي العلاء رأي في المرأة كثير المطابقة لرأي تولستوي، فهو كثير الظن بها ويرى أن ~~تعيش بمعزل عن الحياة العامة، وتشدد في طلب الحجاب كما أشار في قوله: # علموهن النسج والغزل والرد # ن وخلوا كتابة وقراءه # وكذلك قوله: # فحمل مغازل النسوان أولى # بهن من اليراع مقلمات # ومنه قوله في التائية: # ولا ترجع بإيماء سلاما # على بيض أشرن مسلمات # أولات الظلم جئن بشر ظلم # وقد واجهننا متظلمات # فوارس فتنة أعلام غي # لقينك بالأساور معلمات # ذكرنا آنفا كيف أن تولستوي نبذ الاعتقاد القائل بالاستئثار الشخصي، وأراد أن يقسم ~~أملاكه بين فلاحيه ويشتغل كواحد منهم، فكأنه بذلك يعزز رأي أبي العلاء القائل: # كيف لا يشرك المضيقين في النع # مة قوم عليهم النعماء # وأقواله في هذا المعنى كثيرة يقف عليها القارئ في أكثر (لزومياته). # إلى هنا ننتهي من المقارنة بين أفكار بطلي القرن التاسع والقرن العشرين بعد الميلاد، ~~وإلى هذا الحد نكون قد أنجزنا ما وعدنا به القارئ من ترجمة حياة فيلسوف روسيا العظيم ~~(الكونت لاون تولستوي) الذي أفل نجم حياته في 20 نوفمبر عام 1910، ليكون على بينة من ~~تاريخ حياة أحد ms09 رجال العالم العظماء الذين أفادوا النوع الإنساني بأفكارهم الصالحة، ~~وسيرتهم المبرورة، وسريرتهم الطاهرة. # قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي بك في رثاء ~~الفيلسوف ~~(تولستوي) تجري آية العلم دمعها # عليك ويبكي بائس وفقير # وشعب ضعيف الركن زال نصيره # وما كل يوم للضعيف نصير # ويندب فلاحون أنت منارهم # وأنت سراج غيبوه منير # يعانون في الأكواخ ظلما وظلمة # ولا يملكون البث وهو يسير # تطوف كعيسى بالحنان وبالرضا # عليهم وتغشى دورهم وتزور # ويأسى عليك الدين إذ لك لبه # وللخادمين الناقمين قشور # أيكفر بالإنجيل من تلك كتبه # أناجيل منها منذر وبشير # تناول ناعيك البلاد كأنه # يراع له في راحتيك صرير # وقيل تولى (الشيخ) في الأرض هائما # وقيل بدير الراهبات أسير # وقيل قضى لم يغن عنه طبيبه # وللطب من بطش القضاء عذير # إذا أنت جاورت (المعري) في الثرى # وجاور (رضوى) في التراب ثبير # وأقبل جمع الخالدين عليكما # وغالى بمقدار النظير نظير # جماجم تحت الأرض عطرها شذى # خباهن مسك فوقها وعبير # بهن يباهي بطن (حواء) واحتوى # عليهن بطن الأرض وهو فخور # فقل يا حكيم الدهر حدث عن البلى # فأنت عليم بالأمور خبير # أحطت من الموتى قديما وحادثا # بما لم يحصل منكر ونكير # طوانا الذي يطوي السماوات في غد # وينشر بعد الطي وهو قدير # تقادم عهدانا على الموت واستوى # طويل زمان في البلى وقصير # وهل عالج الأحياء بؤسا وشقوة # وقل فساد بينهم وشرور # قم انظر وأنت المالئ الأرض حكمة # أأجدى نظيم أم أفاد نثير # أناس كما تدري ودنيا بحالها # ودهر رخي تارة وعسير # وأحوال خلق غابر متجدد # تشابه فيها أول وأخير # تمر تباعا في الحياة كأنها # ملاعب لا ترخى لهن ستور # وحرص على الدنيا وميل مع الهوى # وغش وإفك في الحياة وزور # وقام مقام الفرد في كل أمة # على الحكم جمع يستبد غفير # وحور قول الناس مولى وعبده # إلى قولهم مستأجر وأجير # وأضحى نفوذ المال لا أمر في الورى # ولا نهي إلا ما يرى ويشير # تساس حكومات به وممالك # ويذعن أقيال له وصدور # وعصر بنوه في السلاح وحرصه # على ms10 السلم يجري ذكرها ويدير # ومن عجب في ظلها وهو وارف # يصادف شعبا آمنا فيغير # ويأخذ من قوت الفقير وكسبه # ويؤوي جيوشا كالحصى ويمير # ولما استقل البر والبحر مذهبا # تعلق أسباب السماء يطير # | هوامش # | الحكاية الأولى # بم يعيش الناس؟ # كان سيمون صانع أحذية لا يملك من الأرض قيد شبر، وكان يقطن كوخا لأحد الفلاحين ويعيش من ~~كسب يده، لقد كان العمل إذ ذاك كاسدا وحركته خامدة، وزاد الطين بلة أن سبل العيش ~~كانت مجهدة، ونار الغلاء متأججة في كل حاجيات الحياة؛ لذلك كان كل ما يقبضه سيمون ثمنا ~~لعرق جبينه ينفقه في سبيل الحصول على قوت يتبلغان به هو وزوجه. # لم يكن لذلك الشيخ وزوجه إلا غطاء جلدي يتقاسمانه سويا؛ ليدفع عنهما قر الشتاء، ولقد ~~استنهرت فتوق ذلك الغطاء فكان هذا هو العام الثاني الذي احتاجا فيه إلى شراء غطاء آخر، لذلك ~~خرج سيمون متوكئا على عصاه موليا وجهه شطر القرية؛ حيث يمكنه أن يجمع من بعض القرويين ما ~~هم مدينون به من النقود، فوفى له بعضهم، وأمهله البعض، ونقده أحدهم عشرين كوبكا، # 1 # فلم يكن ذلك المبلغ كافيا لشراء الغطاء، ولكنه كاف لأن يدفعه سيمون ثمنا لبعض ~~كئوس من الفوتكا، # 2 # بعدئذ قفل راجعا إلى منزله كسير القلب، وأخذ يهذي في طريقه؛ تارة عن غضب زوجه ~~وسخطها عليه، وآونة يخاطب القروي الذي أعطاه عشرين (كوبكا) قائلا: «قف قليلا! وانقدني كل ~~ما أنت مدين به. إنك أعطيتني عشرين (كوبكا) فقط وادعيت الفاقة، ولكن ماذا يهمني؟ وماذا ~~عساي أن أفعل بهذا المبلغ؟! إنك تملك دورا وماشية، وأما أنا فلا أملك إلا ما أسد به ~~الرمق، إنك تملك الحقول الغنية بالحب والثمر، وأما أنا فأشتري كل حبة من قوت يومي، إنك ~~تستزيد من كل شيء وأما أنا فأحتاج إلى أقل شيء؛ فأنت مترف ذو نعمة، وأنا شقي ذو متربة، إذن ~~يجب أن تدفع، هلم لا تتردد.» # وما وصل من هذيانه إلى هذا الحد حتى كان قد انتهى إلى معبد مقام عند منعطف الطريق، ms11 فنظر ~~وإذا به يرى شبحا أبيض يلوح وراء المعبد، فلم يتبينه تماما؛ لأن طلائع الليل أخذت تطرد ~~جيوش النهار من تلك البطاح والوديان ثم أخذ يسائل نفسه: «ما عسى أن يكون هذا الشبح؟ إنه حجر ~~أبيض، ولكني لم أشاهد هنا حجرا قبل الآن، ألا يكون نورا إذا؟ ولكن لا، فإن رأسه تماثل رأس ~~الإنسان إلا أنها ناصعة البياض، وما عسى أن يفعل الإنسان هناك؟» ثم اقترب من الشبح قليلا ~~قليلا حتى تجلت أمامه حقيقته، وزال ما خامر فؤاده من الريب. # ماذا رأى؟ رأى رجلا عاري الجسد جالسا بانحناء وراء المعبد لا حراك به، فتوجس سيمون من ~~نفسه خيفة، وهاله ذلك المنظر، وظن أن أحد القرويين ظفر به فقتله ثم تركه في تلك البقعة، ~~فأوسع خطاه، وسار من أمام المعبد حتى لا يمر بالشبح، ثم حانت منه التفاتة إلى الوراء فرأى ~~الرجل يتبعه بنظراته فدب في قلبه دبيب من الرعب والإشفاق، وأخذ يفكر فيما إذا كان يرجع ~~إليه ليستقصي خبره ويستفسر عن حاله، أو يستمر في طريقه، فآثر الأخرى، وظن أنه إن دنا منه ~~فهو ليس بناج من شروره، وأيضا فهو غير قادر على إغاثة رجل عاري الجسد! # ما خطا سيمون بضع خطوات حتى شعر بتقريع الضمير، وأخذ يسائل نفسه: «ماذا أنت فاعل يا ~~سيمون؟! أتهرب من إغاثة ملهوف ربما كان على شفا الموت؟! أتعدو خوفا من أن تساعد نفسا ربما ~~كانت تلفظ آخر أنفاسها؟! إنه من العار أن يقال عن سيمون إنه مر في طريقه ببائس فلم ينجده، ~~وملهوف فلم يغثه.» ثم قفل راجعا نحو ذلك الغريب المسكين واقترب منه فلم ينتبه إليه كأنما ~~بلغ به الضعف إلى درجة لم يمكنه معها أن يرفع جفنيه أو يدير عينيه، وتأمله فرآه فتى في ~~مقتبل العمر صحيح الجسم لا تشوبه الكلوم ولا تشوهه القروح، ثم اقترب منه ثانية فتحرك الغريب ~~وأدار رأسه الأبيض وفتح عينيه الفاترتين وألقى نظرة على وجه سيمون فكانت كافية لأن تبعث في ~~قلبه الرحمة على ذلك الغريب، وتملأ ms12 فؤاده رفقا وحنانا على هذا البائس المسكين. # ثم ألبسه بعض ثيابه وأمره بالحركة حتى يتمشى الدم بين أعضائه، وبدأ في المسير فأخذ سيمون ~~يسأله: «من أين أنت؟ وما الذي حدا بك إلى هذا المكان؟ أطرقتك بوائق الأحداث، أم هل وصلت ~~إليك أيدي المسيئين حتى دفنت حيا بين طبقات الجليد المتجمدة؟» فأجابه قائلا: «إني غريب ~~عن هذه الديار، ولم يسئ إلي أحد ما، ولكنه عقاب الله حق علي.» فأجاب سيمون: «يجب أيها ~~الصديق أن تقابل ذلك بالرضاء والتسليم؛ فالله رب الكل، بيده كل شيء، وهو على كل شيء قدير، ~~والآن أي جهة تقصد؟» ~~- «كل الجهات عندي سواء.» # فبدرت على سيمون علامات الاندهاش؛ لأن الرجل لم تكن هيئته تشف عن خبث، ولم يدل مظهره ~~على أنه من السفلة. واستمر سيمون في حديثه قائلا: «هلم معي إذا إلى المنزل؛ ريثما تدفئ ~~نفسك قليلا.» ثم سارا سويا وأخذ سيمون يهينم قائلا: «إني ذهبت لشراء الغطاء فعدت إلى ~~منزلي بدونه؛ وزيادة على ذلك أحضرت معي رجلا عاري الجسد؛ إن ماتروينا # 3 # ليغلي مرجل حقدها عندما تعلم ذلك.» وكان كلما عاودته ذكرى زوجته يطرق برأسه ~~عابسا، ولكنه كلما تذكر حالة ذلك المسكين ونظراته المؤلمة عاودته بشاشته، وطفح ثغره فرحا ~~وسرورا. # أما (ماتروينا) فقد أنهت كل واجباتها المنزلية في ذلك الصباح، وجلست تفكر في زوجها، وما ~~عسى أن يكون قد فعل، وإذا بها ترى رجلين مقبلين: أحدهما سيمون، والآخر غريب لم تعرفه، فدار ~~بخلدها لأول وهلة أن زوجها احتسى بعض كئوس من الخمر، وما الآخر إلا من أعوانه السكيرين، ~~ثم بدأت تصخب، ولكنها انتظرت ريثما ترى ماذا يصنعان. دخل سيمون منكس الرأس خجلا، ثم تبعه ~~صديقه الذي ظل واقفا صامتا لا يبدي حراكا، فلم تتردد ماتروينا في أنه من السفلة الأشرار، ~~أما سيمون فقد خلع قبعته واستوى جالسا على أحد المقاعد كأن المياه ما زالت جارية في ~~مجاريها ولم يحدث شيء يثير غضب زوجه، ثم دعا صديقه ليجلس بقربه ففعل، ثم خاطبها قائلا: ~~«الآن يا ماتروينا قدمي ms13 لنا ما عندك من العشاء.» فنظرت إليه شررا، وازداد حنقها وأجابته: ~~«إني أعددت كل شيء، ولكن ليس للسكارى الذين تلعب برءوسهم الخمر فتخرجهم عن المألوف.» ~~- «ماتروينا! لا تكثري من تهدجك، وضعي حدا لثرثرتك، يجب أن تعرفي أولا من هو هذا ~~الرجل.» # فأجابته: «إني لا أشك في أنه من أبناء الشريرين.» فقال: «كلا، فأنت مخطئة.» فقاطعته ~~قائلة: «وأين النقود؟» فصمت سيمون فكان ذلك برهانا زاد اعتقادها فيهما، وداعيا قويا حرك ~~فيها عوامل السخط، فأخذت تقدح من عينيها شررا، وتلفظ من فيها كلمات كلها مقت وغضب، ~~وحاولت الخروج، إلا أنها كانت تود أن تقف على حقيقة أمر الغريب، فخففت من حدتها قليلا ~~وانتظرت ... ثم ابتدرته قائلة: «إذا لم يكن هذا الرجل كما أعتقد، فمن يكون؟!» ~~- «هذا ما أردت أن أوقفك على حقيقته من بادئ الأمر، فاعلمي أنني عندما وصلت إلى المعبد في ~~رجوعي من القرية رأيت هذا الرجل جالسا بين طبقات الجليد المتجمدة؛ لا ثوب يكسيه، ولا دثار ~~يدفع عنه غائلة البرد، فأشفقت عليه ودثرته كما ترين ثم آويته إلى هنا، ولو لم يرسلني الله ~~في تلك الآونة لكان قضى نحبه لوقته؛ فخففي من وطأة حدتك، واعلمي أنها خطيئة كبرى يا ~~ماتروينا، وتذكري أننا سنموت جميعا يوما من الأيام.» # فتمتمت ماتروينا ببعض كلمات يشتم منها رائحة الغضب، وألقت نظرة على الغريب، وظلت ~~صامتة. ~~- «ماتروينا! ألا توجد في قلبك عاطفة المحبة - محبة الله؟!» # وما سمعت هذه الكلمات من زوجها حتى نظرت إلى ذلك الضيف الغريب ثانية فشعرت بعاطفة الرحمة ~~نحوه، وقامت لوقتها وأحضرت البقية الباقية مما عندها من الطعام، وقدمته لذلك المسكين الذي ~~دفع ثمنه نظرة فاترة وابتسامة لطيفة عبرت عما في نفسه من الشكر والثناء، وبعد الانتهاء من ~~أكله أخذت ماتروينا تعيد إلى مسامعه نفس الأسئلة التي سأله إياها زوجها من قبل، فأجابها ~~بمثل ما أجاب زوجها، وختم إجابته بقوله: «إن زوجك دثرني وآواني، وأنت أسقيتني وأطعمتني، ~~فالله يؤتيكما خيرا.» ثم باتا وأصبحا فسأله سيمون: «ما الذي يمكنك أن تباشره من الأعمال؟» ms14 ~~فأجابه: «ليس بيدي صنعة ما.» فاستمر سيمون في كلامه: «إن من يريد أن يعمل فليس من الصعب ~~عليه ذلك.» فأجابه: «سأتعلم.» فبدأ سيمون يعلمه كل يوم درسا من صناعته، وكان ~~ميكائيل # 4 # سريع البديهة، فما مر ثلاثة أيام إلا وكان يباشر العمل كأنه به منذ سنين عديدة، ~~وبعد الانتهاء من شغله كان يجلس وعيناه للسماء لا يتكلم إلا عند الحاجة، ولا يميل قط إلى ~~المجون والمزاح، قليل الابتسام، فلم يروه يبتسم إلا مرة واحدة، عندما قدمت إليه ماتروينا ~~العشاء في أول ليلة من ليالي حياته الجديدة! # كرت الأيام ومرت الأعوام وميكائيل يثابر على العمل مواصلا ليله بنهاره، حتى ذاع صيته ~~وعلت شهرته بين القرى والربوع المجاورة، وفي ذات يوم بينما هم جالسون في كوخهم وإذا بعربة ~~يجرها ثلاثة من الصافنات الجياد تنهب الأرض نهبا وتتقدم نحو كوخهم الحقير، وما هي إلا بضع ~~ثوان حتى رأوا العربة قد وقفت أمام الكوخ، وقفز منها سيد تلوح عليه أمارات الشرف، ومخايل ~~النبل، ضخم الجسم، أحمر الوجه، طويل القامة، فقام سيمون لوقته وفتح باب كوخه على سعته، ثم ~~وقف محييا ذلك الزائر العظيم منحنيا أمامه بكل تؤدة واحترام. # فقال السيد بكبر: «من رئيس العمل في هذا الكوخ؟» فأجابه سيمون: «أنا يا صاحب العظمة.» ثم ~~أمر الشريف خادمه أن يحضر الجلد، فأتى به ووضعه على خوان في وسط الكوخ، وبعدئذ وجه السيد ~~كلامه إلى سيمون قائلا: «ألا ترى هذا الجلد؟» فأجاب: «نعم يا صاحب الشرف، إنه في غاية ~~الجودة.» فقال الشريف بحدة: «يا لك من أبله أحمق! أوتشك في ذلك؟! إنه ذو قيمة عالية وأريد ~~أن تصنع لي منه حذاء على شرط أن يمكث حولا كاملا حافظا لرونقه وشكله، أتقدر؟» فاضطرب ~~سيمون قائلا: «نعم يمكنني يا صاحب النبل.» فصاح في وجهه ذلك السيد: «يمكنك؟ تدبر! يجب أن ~~تعلم لمن ستصنع الحذاء؛ فإن لم يكن كما أمرت فسأودعك غيابة السجن!» فانتفض سيمون فرقا ~~وخوفا وتلعثم لسانه وهمس إلى ميكائيل يطلب مساعدته في ذلك المأزق فأومأ إليه ms15 برأسه علامة ~~للرضاء؛ فقبل سيمون العمل، ثم هم الشريف بالانصراف فودعه سيمون بمثل ما قابله به من ~~التجلة والاحترام، ومما يجدر بالذكر ما لاحظه سيمون أثناء وجود الشريف بالكوخ من أن وجه ~~ميكائيل كان يتهلل بشرا وعينيه تتطلعان إلى ما وراء السيد، شاخصتين كأن أمامه شبحا أو طيف ~~خيال، فكان ذلك موضع دهشة سيمون وعجب ماتروينا! # ثم قال سيمون لصديقه: «هيا ابدأ في العمل أيها الصديق، وحذار من الوقوع في الخطأ فإن ~~السيد كما رأيت سريع الغضب.» فبدأ ميكائيل في صنع الحذاء، ولكنه أدهش بعمله ماتروينا؛ إذ ~~رأته يهيئ الجلد ويخيطه لا على شكل باقي الأحذية، ولكنه على شكل خفاف رقيقة، فأسرت ذلك ~~لزوجها الذي ما كاد يراه حتى استولى عليه الذهول وابتدره قائلا: «ماذا تصنع أيها الرفيق؟! ~~أنت يا من مكثت معي حولا كاملا بدون أن تزل أو تخطئ، أتقترف في دقيقة واحدة أعظم ~~الأغلاط؟!» وأراد أن يستمر في تأنيبه، وإذا به يسمع وقع حوافر جواد، فصمت ورأى القادم فإذا ~~هو خادم السيد يقول: «عموا صباحا أيها الرفاق، إني أتيت لأجل الحذاء.» فدهش سيمون واستمر ~~الخادم في حديثه: «نعم الحذاء! فإن سيدي ما كاد يفارقكم حتى فارقته الحياة وأخرجناه من ~~العربة جثة هامدة، والآن فقد جئت لأعلمكم أن تصنعوا هذا الجلد خفافا للسيدة.» فبهت سيمون، ~~ثم تهلل وجهه، وأقبل على ميكائيل يقبله فرحا مسرورا، ثم أعطياه الخفاف فانصرف. # مر العام إثر العام وميكائيل عائش الآن في السنة السادسة من حياته الجديدة لا ينطق إلا ~~عند الضرورة، ولم تعل الابتسامة شفتيه إلا مرتين في خلال هذه المدة الطويلة، وفي ذات يوم ~~بينما هم قعود يشتغلون، كل في عمله، وإذا بأحد أولاد سيمون صرخ مخاطبا ميكائيل: «عماه! ~~هيا انظر فإن امرأة معها طفلتان مقبلة نحونا.» فنظر ميكائيل من إحدى شرفات الكوخ فرأى سيدة ~~معتدلة القوام حسنة الهندام يرافقها طفلتان - تتقدم نحو الكوخ. # دخلت السيدة فقام سيمون مستقبلا إياها ومرحبا بها، ثم سألها الجلوس ففعلت، وقال لها: ~~«إن السرور ليشملني إذا أمكنني ms16 القيام بما تأمرينني به .» فأمرت بعمل حذاءين للطفلتين، ~~فأجابها سيمون إلى طلبها، وفي تلك الآونة نظر سيمون إلى ميكائيل فرأى عينيه محدقتين ~~بالطفلتين لا يحول عنهما نظره كأنه يعرفهما من قبل؛ فدهش، ولكنه لزم الصمت. # ثم ابتدأت ماتروينا تسأل تلك السيدة قائلة: «يظهر أن ابنتيك توأمتان.» فأجابتها: «أجل ~~إنهما لكذلك، ولكنهما ليستا طفلتي، ولا يربطني بهما رباط صلة أو قرابة.» فتعجبت ماتروينا ~~وقالت: «عجبا! إنهما ليستا طفلتيك، ثم مع ذلك تشفقين عليهما هذه الشفقة وتظللينهما بأجنحة ~~عطفك وحنانك؟!» فقالت السيدة: «وكيف لا أشفق عليهما وقد أرضعتهما من ثديي؟!» ثم استمرت ~~المرأة في الحديث وأخذت تسرد مجمل حكاية هاتين الطفلتين فقالت: «لقد اختطفت يد المنون روح ~~والديهما منذ ست سنين في أسبوع واحد، فأودع الأب رمسه يوم الثلاثاء، وعلى أثره بثلاثة أيام ~~فاضت روح تلك الأم وانتقلت إلى دار الخلود، أما هاتان الطفلتان فقد ولدتا يوم الخميس ~~الموافق لليوم الثالث من موت والدهما، ولليوم الأول من أيام الأسبوع الذي تركتهما فيه أمهما ~~وديعة عند رب العالمين، مسكينة أمهما! فقد كانت فقيرة وحيدة ليس لها في الحياة من يأخذ ~~بناصرها، ويقاسمها عزلتها وشقاءها، ومن ذلك اليوم - يوم الخميس - أصبحت هاتان الطفلتان ~~اليتيمتان غريبتين عن العالم أجمع لا تربطهما بأهله أواصر الصلة أو القرابة. # لقد كنت أنا وزوجي مقيمين في ذلك الحين في القرية، وكانت تربطنا بوالدي الطفلتين رابطة ~~الجوار، وقد ذهبت لأزور تلك المسكينة في صباح أحد الأيام، فما كدت أخطو بضع خطوات حتى ~~وجمت ذعرا وهالني ما رأيت، نعم إنها لساعة رهيبة مخيفة! رأيت الأم ملقاة على الأرض، فدنوت ~~منها، فإذا هي جثة هامدة تعلو وجهها صفرة الموت، وحولها طفلتان في المهد تصيحان وتعولان ~~كأنهما علمتا برزئهما، فأخذتا تناديان أمهما النداء الأخير، وتسمعانها صوت بكائهما قبل ~~فراقها الأبدي ... وهكذا في ساعة ولدتهما، وفي ساعة فقداها. # بعد ذلك انتشر الخبر فتقاطر القرويون إلى ذلك الكوخ المشئوم، وعنوا بجثة الفقيدة ووضعوها ~~في الكفن، ثم واروها في التراب؛ وعيونهم دامعة، وقلوبهم يدميها الحزن والأسى ms17 - إنهم لقوم ~~محسنون. # لم يكن للطفلتين نصير كما ذكرت، فتكفلت بهما وتعهدت بتربيتهما، ولم يكن لي في الحياة سوى ~~طفل صغير اعتبطه الموت، فكم كنت أشعر بالوحدة لو لم يكن هاتان الطفلتان بجانبي! وكم يزداد ~~حبي لهما! فهما زهرة حياتي ونضرتها.» # وبعد أن انتهت من حديثها ضمت إليها بيمينها إحدى الطفلتين ومسحت بيسارها عبراتها ~~المنسجمة، فتنهدت ماتروينا وقالت: «حقا؛ لقد صدق المثل القائل: «إن الإنسان يمكنه أن يعيش ~~بلا أب أو أم، ولكنه لا يمكنه ذلك بدون رحمة الله».» # ثم ساد السكوت، وانبثق نور وضاء من الركن الذي كان فيه ميكائيل، وأنار كأنه ضوء الشمس ~~القوي في الصيف، فنظروا إليه فإذا هو جالس، ويداه على منكبيه، وعيناه تتطلعان إلى السماء، ~~ووجهه يتلألأ، وثغره يبتسم. # ما ذهبت المرأة بطفلتيها حتى قام ميكائيل وانحنى أمام سيمون وقال: «الوداع! الوداع! لقد ~~غفر لي ربي، ولم يبق إلا أن أسألك عفوك إن كنت هفوت أو أذنبت.» ثم تلألأت غرته وعلا وجهه ~~غطاء نوري فانحنى أمامه سيمون قائلا: «عفوا يا ميكائيل، فإنك لست بشرا سويا، وأنا ليس ~~في قدرتي أن أرغمك على القيام عندي، أو أتجاسر أن أسألك أكثر مما أريد أن تجيبني عنه الآن، ~~إنك ابتسمت ثلاث ابتسامات فأشرق النور من محياك، فخبرني أيها الصديق عن سر ذلك الابتسام، ~~ومبعث هذا النور الوهاج.» فأجاب ميكائيل: «إن الله أرسلني لأتعلم ثلاث حقائق، وقد أتممتها؛ ~~فابتساماتي الثلاث مظاهر الفرح الذي ملأ قلبي، أما النور فينبعث مني؛ لأن الله غفر ذنبي ~~وسامحني.» # فقال سيمون: «ولم عاقبك الله؟ وما هي تلك الحقائق التي بعثت لمعرفتها؟!» فأجابه: «إني ~~كنت ملكا في السماء فخالفت أمر ربي؛ إذ أرسلني لأقبض روح امرأة من عباده، فهبطت إلى الأرض ~~وإذا بي أراها مسكينة هزيلة، قد وضعت لوقتها توأمتين؛ فلما رأتني فقهت كنه حقيقتي، ~~وعرفت أنني أتيت في طلب روحها، فأجهشت بالبكاء، وبصوت تقطعه الغصات العميقة توسلت قائلة: ~~«أيها الملاك الطاهر؛ رفقا بامرأة ضعيفة كسيرة القلب قتل زوجها وحرمت من كل نصير لها في ms18 ~~الحياة، أنا غريبة عن العالم أجمع، فأمهلني ريثما تترعرع هاتان اليتيمتان، وبعدها أموت ~~راضية مطمئنة، بربك لا تعجل ساعة يتمهما؛ فحياة الطفل بأمه.» فرجعت إلى ربي وبلغته ~~رسالتها، فأمرني أن أهبط ثانية وأستل روحها، وبعد أن أديت ما أمرت به أردت الصعود، وإذا ~~بأجنحتي تسقط، وريح شديدة تصدني، فوقعت بجانب الطريق.» # فعلم سيمون وماتروينا حقيقة هذا المخلوق الذي شملاه بعطفهما وحنانهما طول هذه المدة، ثم ~~بكيا روعة وجلالا، أما الملك فأخذ يقص قصته وهو يقول: «لقد هبطت إلى الأرض وأنا لا أعرف ~~ما يعتري الإنسان من حر وبرد، فكدت أموت جوعا، وكادت أعضائي تصير قطعة من الجليد، ولكني لم ~~أدر ماذا أفعل؟ ذهبت إلى المعبد لآوي إليه فوجدته موصدا، فجلست بجانبه، واتكأت على ~~جدرانه؛ اتقاء من العاصفة الشديدة، وبينا أنا كذلك أشعر بألم الجوع والبرد؛ إذ مر علي أول ~~مخلوق أرضي وقعت عليه عيني منذ صرت رجلا أشعر وأتألم، تمثلت أمامي صورته فرأيت فيها قبح ~~النظر متجسما، وظننت أن الله لم يخلق أفظع منه شكلا، فحولت بصري عنه، وأما الرجل فما كاد ~~يراني حتى استولى عليه الرعب، وسار من طريق آخر حتى لا يمر بي، فملأ اليأس قلبي، ولكني ما ~~لبثت أن رأيته راجعا نحوي، ونظراته تنم عن حب كامن وعطف مستتر، فدثرني بثيابه وآواني إلى ~~منزله؛ حيث قابلتنا زوجته وعيناها تقدحان شررا وغضبا، ولكنها ما لبثت أن خففت من حدتها ~~وعطفت علي فقدمت لي الطعام وكئوس الشراب، وإذ ذاك أتممت الدرس الأول من دروسي، وتعلمت إحدى ~~الحقائق الثلاث؛ وهي: ماذا يكمن في الإنسان؟ فعلمت أنها «الرحمة» وحدها. # جاء السيد بعد ذلك بعام واحد فأمر بعمل حذاء لا يبلى قبل مرور حول كامل، ورأيت وراءه ~~رفيقي ملك الموت، فعلمت أن الشمس لا تغرب حتى تغرب حياة ذلك السيد، وإذ ذاك وقفت على سر ~~الحقيقة الثانية؛ وهي: «ما الذي لم يحط به الإنسان علما؟» فعلمت أنها «حاجيات نفسه» وهنا ~~ابتسمت ابتسامتي الثانية؛ إذ لم يبق أمامي إلا الدرس الأخير، وليس بيني ms19 وبين ملكوت السموات ~~إلا فرج الله النهائي، ظللت عائشا معكم أنتظر مشيئة الله إلى أن أتت التوأمتان فعرفت ~~الطفلتين، ولما سمعت كيف عاشا إلى هذا الوقت وتذكرت قول أمهما: (إن الطفل لا يعيش بدون رحمة ~~أمه وعطفها عليه) تحققت بطلان هذه الدعوى، ولما تساقطت الدموع من عيني تلك المرأة - دموع ~~الرأفة والرحمة - وضمتهما إلى صدرها الممتلئ عطفا وحنانا عرفت أن في قلبها عاطفة سامية هي ~~عاطفة (الرحمة) التي هي سر الحقيقة الأخيرة؛ وهي: (بم يعيش الناس؟) # إني لم أظل حيا لأني أخذت الحيطة لنفسي؛ بل لأن الله قيض لي إنسانا منحني بعض ما في ~~نفسه من (الرحمة) فشملاني هو وزوجه بعطفهما وحنانهما، كذلك اليتيمتان بقيتا تستنشقان نسمات ~~الحياة إلى هذا الوقت لا باعتناء أمهما، ولكن لأن عاطفة الرحمة تحركت في قلب امرأة غريبة ~~عنهما؛ فعنيت بأمرهما، وبكت من أجلهما، فالعالم كله والناس أجمعون لا يعيشون في هذا الكون ~~بمحض تدبيرهم وإرادتهم وبما يعملون لحفظ كيانهم فحسب، ولكنهم يعيشون بعاطفة الرحمة التي ~~أودعها الله في الإنسان؛ فهي التي تحفظ فيهم حرارة الحياة، «إن من يرحم فقد تقرب إلى الله؛ ~~لأنه هو الذي خلق فيه الرحمة».» # وبعد أن أتم ميكائيل قوله غنى أنشودة إلهية؛ فاضطرب الكوخ، وخر سيمون وأهله مغشيا ~~عليهم، ثم فتح السقف من فوقهم، وظهرت الأجنحة على ذراعي الملك، ثم صعد عمود من الدخان إلى ~~السماء، وهكذا ارتفع الملك إلى عرش ربه، ولما ثاب سيمون إلى رشده وجد كوخه كما كان، والتفت ~~يمنة ويسرة فلم ير إلا أسرته الأولى. # | هوامش # | الحكاية الثانية # | مشرب سورات # قد ترجم صديقنا أحمد أفندي شاكر الكرمي هذه القصة ونشرها في كتابه الكرميات تحت ~~عنوان الفلسفة الشرقية، ونسب وضعها إلى برناردين دوسانت بيير، وقد غمط بذلك حق ~~تولستوي؛ لأنها من وضع تولستوي، ولكنها مقتبسة من أصل فرنسي للكاتب المذكور وقد ~~نقلها حضرته عن الإنجليزية من كتاب # Twenty three tales from ~~tolostoy ~~، وهو نفس الكتاب الذي ننقل منه هذه القصص، وقد لاحظت ~~عليه أنه ترك أسطرا منها ms20 بدون ترجمة فضلا عن أنه أهمل كثيرا في ترجمة كثير من ~~الجمل، ولذلك لم نر بدا من إعادة ترجمتها في كتابنا هذا؛ خدمة للحقيقة. ~~*** # عجبت لكسرى وأشياعه # وغسل الوجوه ببول البقر # وقول النصارى إله يضا # م ويظلم حيا ولا ينتصر # وقول اليهود إله يحب # رسيس النساء وريح القتر # وقوم أتوا من أقاصي البلا # د لرمي الجمار ولثم الحجر # فوا عجبا من مقالاتهم # أيعمى عن الحق كل البشر # المعري # كان في مدينة سورات في الهند مشرب يجتمع فيه الكثير من الغرباء السائحين وأهل الأسفار ~~المتجولين من مختلف الأقطار للسمر والحديث، وقد اتفق أن رجلا فارسيا من علماء اللاهوت ~~أم هذا المشرب في أحد الأيام، وكان قد صرف أيام حياته يدرس كنه الإله وحقيقته، غير تارك ~~بحثا كتبه الأولون في ذلك الموضوع إلا قرأه وكتب عنه، وما زال هذا شأنه يفكر ويقرأ ويكتب ~~حتى سلب عقله، واضطربت عقيدته، وانتهى به الأمر إلى إنكار وجود الخالق، ثم اتصل خبره بالشاه ~~ملك فارس؛ فأمر بأن ينفى من مملكته. # لم يجن المسكين أي ثمرة من مجهود بحثه ودراسته في المسبب الأول، وبدل أن يفهم أنه فقد ~~عقله سلك سبيل إنكار وجود إرادة عليا مسيطرة على عالمنا الأرضي. # كان لذلك العالم عبد أسود يتبعه حيثما سار، فلما ولج باب المشرب جلس العبد على حجر ~~خارج الباب تحت أشعة الشمس، وأخذ يضرب أسراب الذباب التي كانت تطن حوله، أما سيده فجلس على ~~أريكة مستطيلة داخل المشرب، وطلب فنجانا من الأفيون وتجرعه، وبعد أن دب مفعول المخدر في ~~تلافيف دماغه، أخذ يحادث الخادم من خلال الباب المفتوح قائلا: «خبرني أيها العبد التعس، ~~أتعتقد أن هنالك إلها أم لا؟» # فأجابه العبد بقوله: «لا ريب في أن هنالك إلها.» # ثم أخرج توا من منطقته صنما من خشب وهو يقول: «هذا هو الإله الذي حرسني منذ ولدت، كل ~~إنسان في بلادنا يعبد الشجرة المقدسة التي من خشبها عمل هذا الإله.» # استرعت هذه المحاورة الدائرة بين اللاهوتي ومولاه انتباه ضيوف المشرب الآخرين، ms21 وقد أدهشهم ~~سؤال العالم، وزادهم جواب مولاه دهشة، فانبرى برهمي من الحاضرين عند سماعه كلمات العبد، ~~وقال: «أيمكن أن تصدق أيها البائس الأبله أن الإله يحمل في منطقة رجل؟! ليس هناك إلا إله ~~واحد؛ هو برهما، هو أكبر من العالم بأسره؛ لأنه خالقه، إن برهما هو الإله الأحد القدير، ~~وباسمه العظيم بنيت المعابد على ضفاف نهر الكنج؛ حيث يعبده الكهنة البرهميون الذين يعرفون ~~دون سواهم الإله الحق، لقد مضت عشرات الألوف من السنين، وتوالت الانقلابات تلو الانقلابات، ~~وهؤلاء الكهنة محتفظون بنفوذهم؛ ذلك لأن برهما الإله الأحد الحق باسط عليهم جناح ~~حمايته.» # نطق البرهمي بهذا القول وهو يظن أنه أقنع كل إنسان، إلا أن سمسارا يهوديا من الحاضرين ~~رد عليه قائلا: «كلا إن معبد الإله الحق ليس في الهند، وما كان الله ليحمي طائفة البراهمة، ~~إن الإله الحق ليس هو إله البراهمة، بل هو رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وهو لا يحمي سوى شعبه ~~المختار؛ شعب إسرائيل، إن شعبنا وحده هو المحبوب عند الله منذ بدء الخليقة، وإذا كنا اليوم ~~مشتتين في أنحاء الأرض، فما ذلك إلا لأن الله يريد أن يبلونا؛ لأنه وعد أنه سيجمع شمل شعبه ~~في يوم من الأيام في أورشليم، ويرجع حينذاك إلى البيت المقدس، أعجوبة الزمن القديم، مجده ~~السالف، وسيكون إسرائيل يومئذ حاكم كل الشعوب.» # وبعد أن أتم اليهودي قوله انخرط في البكاء، ثم أراد إعادة الحديث، لولا أن قاطعه مبشر ~~إيطالي كان هناك بقوله: «إن ما تقوله غير صحيح، وإنك لتفتري على الله؛ لأنه يستحيل أن يحب ~~قومك أكثر من حبه سائر الأقوام، ولو كان حقا أنه فضل بني إسرائيل قديما فإنه قد مضى تسعة ~~عشر قرنا منذ أن أغضبوه وحملوه على تدميرهم وتفريقهم أيدي سبأ في مناكب الأرض، فلم يجلب ~~لهم إيمانهم أدنى سعادة، هذا الإيمان طوته يد الفناء، اللهم إلا ما بقي منه حقيرا هنا ~~وهناك، إن الله لا يفضل قوما على قوم، بل هو يدعو الجميع - من أراد منهم النجاة والفوز - ~~للالتجاء إلى ms22 أحضان كنيسة روما الكاثوليكية التي لا يجد الخارجون عن حدودها خلاصا.» # كان في الحلقة قسيس بروتستانتي، لم يكد يطرق سمعه هذا القول حتى امتقع لونه، والتفت إلى ~~المبشر الكاثوليكي، وقال له: «كيف تقول إن الخلاص مختص بمذهبكم؟! إن الناجين هم الذين ~~يعبدون الله بروح العزم والإخلاص كما نص الإنجيل وكما أمرت كلمة المسيح.» عند ذلك التفت ~~تركي من الموظفين في جمرك سورات كان جالسا يدخن قصبته، وقال بروح الأنفة للمسيحيين: «إن ~~إيمانكما بدينكما باطل؛ لأن الدين المسيحي قد نسخ منذ اثني عشر قرنا بدين محمد الحق. إنكما ~~تعرفان - ولا شك - أن دين محمد الحق ما زال آخذا في الانتشار في كلتا القارتين: أوروبا ~~وآسيا، حتى في بلاد الصين المتأخرة المظلمة، وقد قلتما نفساكما: إن الله نبذ اليهود، ~~واستشهدتما على بطلان ديانتهم بذلتهم، وعدم انتشار دينهم، فاعترفا إذن بصحة الدين ~~المحمدي؛ لأنه منتشر متفوق، سوف لا ينجو أحد سوى أتباع محمد خاتم النبيين، وينجو من أتباعه ~~أشياع عمر # 1 # فقط! أما أشياع علي فلا؛ لأن إيمانهم باطل.» # هنا أراد اللاهوتي الفارسي الذي كان من شيعة علي أن يعترض، لولا أن ارتفع إذ ذاك ضجيج ~~الحاضرين من مختلفي العقائد ومتبايني الأديان، فقد كان فيهم - عدا من ذكرنا - مسيحيون من ~~الحبشة، ولاميون من التيبت، وإسماعيليون، وعباد نار، فتناقشوا كلهم في حقيقة الإله الحق، ~~وكيف يجب أن يعبد، فتجادلوا واشتدت حدتهم؛ فكان كل واحد منهم يؤكد أن الإله الحق لم يعرف ~~ولم يعبد كما يجب في غير بلاده، إلا رجل صيني من أتباع كونفوشيوس كان جالسا جلسة هادئة في ~~زاوية من زوايا النادي يحتسي كئوس الشاي وهو مصغ لما يقوله الآخرون، ولا ينبس ببنت شفة، ~~فلاحظه التركي جالسا هنالك، فتقدم إليه يقول: «إنك تستطيع أن تثبت ما قلته أيها الصيني ~~الصالح، إنك تحافظ على هدوئك وسكينتك، ولكن أعلم أنك ستؤيد رأيي. إن تجارا من مواطنيك ~~الذين يأتون إلي ملتمسين مني المساعدة أخبروني أن بالصين أديانا كثيرة، إلا أنكم - ~~معاشر الصينيين - تعدون دين محمد خيرها ms23 جميعا وتقبلون على اعتناقه باشتياق زائد، تفضل ~~إذن وأيد قولي ، بين لنا ما اعتقادك في الإله الحق وفي رسوله.» # فقال الباقون: «نعم، نعم.» ملتفتين إلى الرجل الصيني قائلين له: «ماذا ترى؟ دعنا نسمع ~~رأيك في هذه المسألة.» # عند ذلك أطبق الرجل الصيني عينه وفكر برهة، ثم فتحها ثانية وقال بصوت هادئ رزين بعد أن ~~أخرج يديه من كميه الواسعين وربعهما على صدره: «سادتي يخيل إلي أن الكبرياء خاصة هي التي ~~تقف حجر عثرة في سبيل الاتفاق على مسائل الأديان، وإذا تفضلتم علي بالإصغاء فسأقص عليكم ~~حكاية تشرح مسألة هذا الاختلاف. # لقد جئت هنا من الصين على ظهر سفينة إنكليزية طافت العالم، وقد اتفق أن فرغ الماء منا ~~فاضطررنا أن نرسو في سواحل سومطرا الشرقية؛ لنتزود ماء، فاغتنم بعضنا هذه الفرصة ونزل إلى ~~اليابسة، وكان الوقت ظهرا، جلسنا تحت ظلال صف من أشجار جوز الهند على بعد من إحدى قرى ~~الجزيرة، وقد كنا من أجناس مختلفة، ولم يكد يستقر بنا المقام حتى أبصرنا رجلا أعمى يقترب ~~منا، وعلمنا بعد ذلك أنه فقد باصرتيه من كثرة تحديقه بالشمس وهو يحاول أن يعرف ما هي؛ لأجل ~~أن يقبض على نورها، وقد صرف وقتا طويلا لتحقيق هذه الأمنية بتحديقه المستمر في الشمس، ~~ولكنه لم يجن من ذلك أي نتيجة سوى إصابة عينيه من شدة الضوء حتى أصبح ضريرا، فقال حينئذ ~~يخاطب نفسه: إن نور الشمس ليس سائلا؛ لأنه لو كان كذلك لأمكن صبه من إناء لآخر، ولوجب أن ~~يحركه الهواء كما يحرك الماء، وليس هو نارا؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يطفئه الماء، وليس ~~هو روحا؛ لأنه يرى بالعين، ولا مادة؛ لأنه لا يمكن تحريكه، وما دام نور الشمس غير سائل، ~~ولا نار، ولا روح، ولا مادة، فهو لا شيء. # على هذا المنوال أخذ في القياس والجدل، وكانت النتيجة التي جناها من كثرة إحداقه بالشمس ~~وتفكيره في ماهيتها أن فقد بصره ثم عقله، وقد ازداد رسوخا في عقيدته بعد عماه. # وكان مع ذلك ms24 الأعمى عبد يقوده، فلما وصل به إلى الظل أجلسه في مكان ثم التقط جوزة كانت ~~ملقاة على الأرض وشرع في عمل سراج منها، فلف فتيلة من أليافها، ثم عصر منها زيتا في ~~قشرتها، وغمسها فيه، وبينما كان العبد عاكفا على عمله تنهد الأعمى وقال له: ألم أك ~~محقا عندما أخبرتك أنه لا توجد شمس، ألا ترى ما أشد الظلام، ومع ذلك فإن الناس ما زالوا ~~يقولون: إن هناك شمسا! إذا كان ما يقولونه حقا؛ فليقولوا لي ما هي تلك الشمس؟ فقال له ~~عبده: «أنا لا أعرف الشمس، ولا يعنيني أن أعرفها، ولكن أعلم ما هو النور، وها قد صنعت لنفسي ~~سراجا أستطيع بواسطته أن أخدمك، وأن أجد ما أريده في كوخنا.» ثم رفع العبد قشرة الجوز ~~قائلا: «هذه شمسي.» # فضحك لهذا القول رجل أعرج له عكازان كان جالسا على مقربة منهما وقال: «إنك على ما يظهر ~~قضيت كل حياتك ضريرا، لا تعرف ما هي الشمس، إني سأخبرك عن ماهيتها، إنها كرة من نار تطلع ~~كل صباح من جوف البحر، وتغيب بين جبال جزيرتنا في كل مساء، وكلنا نشاهد ذلك ونراه، ولو كنت ~~بصيرا لرأيته أيضا.» # فقال صياد كان يستمع حوارهما: «يظهر أنك لم تخرج من هذه الجزيرة قط، فلو كنت غير أعرج، ~~ولو كنت خرجت إلى ما وراء الجزيرة كما أخرج أنا في قارب الصيد؛ لعلمت أن الشمس لا تغرب بين ~~جبال جزيرتنا، ولكنها كما تشرق من المحيط كل صباح، تغرب كذلك في البحر كل مساء، إن ما أقوله ~~لك حق؛ لأنني أراه كل يوم بعيني رأسي.» فقاطعه حينذاك هندي من جماعتنا قائلا: «إنه ليدهشني ~~أن يقول رجل عاقل مثلك نظير هذه الترهات، قل لي كيف يمكن أن تنزل كرة من النار في الماء ولا ~~تنطفئ؟! إن الشمس ليست كرة من نار، بل هي الإله (ديفا) الذي يركب مركبة تدور حول الجبل ~~الذهبي (مرد) أبد الدهر، وقد يحدث في بعض الأحايين أن الثعبانين الشريرين (راغو) و(كتو) ~~يهاجمان ديفا ويبتلعانه فتظلم ms25 الأرض إذ ذاك، ولكن كهنتنا يصلون لأجل خلاصه فيخلص ، إن ~~الجهال الذين على شاكلتك، والذين لم يتجاوزوا حدود جزيرتهم يتصورون أن الشمس تشرق في ~~بلادهم فقط.» # وجاء الدور لربان مركب مصري كان حاضرا فقال: «لا. إنك أنت أيضا مخطئ، فإن الشمس ليست ~~إلها، ولا تدور حول الهند فقط وحول جبلها الذهبي، إنني ركبت كثيرا من البحار فطفت البحر ~~الأسود، وسواحل جزيرة العرب، وزرت مدغشقر والفلبين، فرأيت الشمس تضيء الأرض كلها، لا الهند ~~وحدها، وشاهدتها لا تدور حول جبل، بل تطلع من أقصى الشرق وراء جزائر اليابان، وتغرب في أقصى ~~الغرب وراء الجزر البريطانية، وهذا هو السبب في تسمية اليابان لبلادهم (نيفون)؛ أي مطلع ~~الشمس، إنني أعرف هذا حق المعرفة؛ لأنني رأيت بنفسي كثيرا، وسمعت أكثر من جدي الذي وصل ~~برحلاته إلى أقصى تخوم البحار.» كان المصري يود أن يستمر في كلامه لولا أن بحارا ~~إنكليزيا من طائفة سفينتنا قاطعه فقال: «إنه لا توجد بلاد يعرف أهلها الشيء الكثير عن ~~الشمس وحركاتها كإنجلترا، إن الشمس - كما يعلم كل واحد في إنجلترا - لا تطلع من مكان ولا ~~تغرب في مكان، بل هي تدور دائما حول الأرض، ونحن على ثقة من هذا؛ لأننا طفنا العالم فكنا ~~حيثما توجهنا نرى الشمس تبرز للأنظار في النهار، وتختفي في الليل كما هو الحال هنا.» # ثم أخذ البحار عصا وشرع يخط على الرمل دوائر محاولا أن يصور حركات الشمس في السموات ~~ودورانها حول الأرض، إلا أنه كان عاجزا عن توضيح ذلك، فأشار إلى دليل السفينة وقال: «إن ~~هذا الرجل أكثر مني علما بالأمر، وهو يستطيع أن يوضحه لكم تماما.» # وكان الدليل متوقد الذهن إلا أنه كان صامتا منذ البداية، مصغيا إلى كل ما قيل، فلم ينبس ~~ببنت شفة حتى دعي للقول، فقال والكل مصغ إليه: «إنكم جميعا يخدع بعضكم بعضا وتغشون ~~أنفسكم، إن الشمس لا تدور حول الأرض، ولكن الأرض هي التي تدور حول الشمس، وهي في أثناء ~~دورانها هذا تدور حول نفسها مرة في كل أربع ms26 وعشرين ساعة، وفي تلك المدة لا ترى الشمس في ~~بلاد اليابان والفلبين وسومطرا فحسب؛ بل ترى أيضا في أفريقيا وأوروبا وأميركا، وكثير من ~~البلاد الأخرى، إن الشمس لا تشرق على بعض الجبال، أو على بعض الجزر، أو على البحار حتى، ولا ~~على أرض واحدة فقط، بل هي تشرق على السيارات الأخرى كما تشرق على أرضنا، ولو أنكم نظرتم إلى ~~السموات فوقكم، عوضا عن أن تنظروا إلى الأرض التي تحت أرجلكم - لاستطعتم أن تعرفوا ذلك ~~كله، ولما تماديتم في الاعتقاد بأن الشمس تشرق عليكم فقط، أو على بلادكم وحدها.» هذا ما ~~قاله ذلك الدليل العاقل الذي ضرب في أنحاء الأرض، وأكثر من رصد السموات العليا. # ولما بلغ الصيني تلميذ كونفوشيوس إلى هذا الحد قال: «وهكذا مسائل الاعتقاد والإيمان، إن ~~الكبرياء والعناد هما سبب الاختلاف بين الناس، كما حصل من اختلاف أولئك القوم في حقيقة ~~الشمس، إن كل واحد في الأرض يريد أن يكون له إله خاص به؛ على الأقل خاص بوطنه وقومه، وكل ~~أمة تريد أن تحصر المعبود الحق في معابدها، وهو الذي لا تسعه السماوات، أيستطيع معبد من ~~المعابد أن يضاهي ذلك المعبد العظيم الذي شاده الله ليوحد الناس ويجمعهم على عقيدة واحدة ~~ودين واحد؟! # إن كل المعابد البشرية شيدت على مثال هذا المعبد الذي هو دنيا الله، إن لكل معبد جرن ماء ~~معموديته وسقفه المعقود ومصابيحه وصوره أو دماه ونقوشه وكتب تشريعه وذبائحه ومذابحه ~~ورهبانه، ولكن في أي معبد من المعابد يوجد جرن للمعمودية يشبه البحر المحيط، وسقف معقود ~~كالسموات، ومصابيح كالشمس والقمر والنجوم؟! وأي رسوم تماثل الأحياء الطافحة قلوبهم بالحب ~~الذين يعاون بعضهم بعضا؟ وأين البركات الكنسية من تلك العطايا الإلهية السهلة الفهم التي ~~يمنحها الله لسعادة الإنسان؟ وأين يوجد قانون ناصع جلي يفهمه كل إنسان مثل ذلك القانون ~~المنقوش في قلوب البشر وضمائرهم؟ وأي ضحية تساوي إنكار الذات الذي يفعله الرجال المحبون ~~والنساء المحبات كل منهما للآخر؟ وأي مذبح يساوي قلب الرجل الصالح الذي يقبل الله الضحية ms27 ~~عليه؟ إن قربى المرء من الله تكون بقدر سمو اعتقاده به تعالى، فكلما سما اعتقاد المرء بالله ~~كلما كان أقرب منه وأدنى لتقليد كماله - جل شأنه - والتأسي برحمته ومحبته للإنسان، لهذا يجب ~~أن يمتنع ذلك الذي يرى نور الشمس بأسره مالئا أرجاء الكون عن أن يلوم أو يحتقر الرجل ~~الخرافي الذي يرى في صنمه شعاعا من ذلك النور في نفسه، بل وأن يمتنع أيضا عن لوم أو ~~احتقار الملحد الذي هو أعمى لا يبصر شعاع الشمس مطلقا.» # هكذا تكلم الصيني تلميذ كونفوشيوس؛ فشمل السكوت كل من في النادي، وكان ذلك آخر العهد ~~بينهم وبين المجادلة في الأديان والعقائد. # | هوامش # | الحكاية الثالثة # كم هو نصيب الإنسان من الأرض؟ # نهبط بالقارئ الكريم إلى قرية صغيرة من قرى بلاد الروس، وندخل به إحدى أكواخها؛ حيث يرى ~~سيدتين جالستين على مائدة واحدة تتناولان الشاي وتتسامران، إحدى هاتين السيدتين - وهي ~~الكبرى - حضرية يشتغل زوجها بالتجارة، وقد جاءت لتقضي بضعة أيام مع شقيقتها القروية الجالسة ~~أمامها، وبينما هما في مسامرات لطيفة وحديث شهي؛ أدى بهما الكلام إلى المقارنة بين معيشة ~~أهل الريف، ومعيشة أهل المدن، فاندفعت الحضرية تبين لشقيقتها نضارة الحياة في المدن، وما ~~فيها من الترف والنعيم: في المأكل والملبس والمسكن، ثم عددت لها صنوف الملاهي وضروب الرفاهة ~~التي يتنعمون بها، وتدرجت إلى وصف أماكن اللهو ودور التمثيل والحدائق والمتنزهات العامة ~~التي يغشونها؛ رياضة للنفس، وترويحا للخاطر. كل ذلك وشقيقتها القروية ساكتة لا تبدي ولا ~~تعيد؛ لأن تلك كانت قد أفحمتها بذلاقة لسانها، إلا أنها تمكنت أخيرا من تغيير مجرى الحديث ~~قائلة: «أنا قانعة بمعيشتي هذه البسيطة ولو خيرت بينها وبين معيشتكم لما فضلت سوى ما ~~نحن فيه من بساطة ملؤها السعادة والهناء، لا مراء في أن دخلكم أوفر من دخلنا، إلا أن طراز ~~معيشتكم يتطلب نفقات كثيرة قد تربو على الدخل، ولا يخفى ما في ذلك من سوء العاقبة، فكم من ~~أسر غنية كانت بالأمس ترفل في حلل الرفاهة والنعيم أصبحت اليوم بلا مأوى ms28 تسأل الناس قوت ~~يومها فلا تجده، أما نحن القرويين فقل أن يوجد بيننا من يعيش عيشة أهل الثراء، ولكننا لا ~~نعدم قوت يومنا على أي حال.» # فأجابتها الكبرى وقد امتلأت غيظا: «كفى يا عزيزتي، يحق لك أن تقولي ذلك طالما تجدين لذة ~~بمساكنة العجول والخنازير، ما أبعدكم عن محجة اللطف والكمال أيها القرويون! بل ما أبعدكم عن ~~معرفة ما فيه صلاح معاشكم ومعادكم! إنكم تجهدون أنفسكم صغارا وكبارا دائبين في العمل ~~ليلا ونهارا، صيفا وشتاء، ثم تموتون كما عشتم فقراء لا تورثون أولادكم سوى النصب ~~والشقاء.» # فأجابتها الصغرى: «حقا إن ما نحن فيه من العيش جاف، والعمل عندنا شاق، إلا أنه لم ~~يتسرب إلى ربوعنا مفاسد المدنية ورذائلها بعد، وأخلاقنا على سذاجتها خالية من شوائب ~~الأهواء النفسانية؛ ولذا نعيش ما عشنا في هدوء وسلام، ولكن أنتم في مدنكم تعيشون في جو محاط ~~بالمكر والرياء، لا تأمن الزوجة فيه على بعلها، ولا يطمئن الرجل لزوجته، إذا بتم ليلة ~~على وفاق لا تلبثون أن تصبحوا على شقاق، قد يأتي يوم على زوجك فتستغويه إحدى الغانيات - وما ~~أكثرهن في المدن! - فتفقدين إذ ذاك هناءك العائلي، ونعيمك المنزلي، أو يوسوس له ~~الشيطان بمعاقرة بنت الحان؛ فيصبح من مدمنيها؛ فيضل سواء السبيل، أو يسوقه الطمع إلى موائد ~~القمار، وهناك البلية والدمار.» # ثم غيرت المرأتان مجرى الحديث، وخاضتا في حديث آخر خاص بالأزياء، وكانتا قد أتمتا تناول ~~الشاي فقامتا تستعدان للنوم؛ إذ كان النعاس قد أثقل أجفانهما. # أما رب المنزل (باهوم) فكان جالسا على الموقدة يسمع حوار المرأتين طوال تلك المدة، ثم ~~ناجى نفسه قائلا: «حقا إن شقيقة زوجتي على حق في بعض ما تقول، فإنا القرويين نعيش ما ~~عشنا في تعب ونصب، ثم يموت الواحد منا كما عاش دون أن يجني أقل ثمرة من عمله، آه لو كنت ~~أملك قطعة صغيرة من الأرض لكنت الآن هنيء البال، قرير العين، لا أخاف حتى رئيس ~~الأبالسة.» # فسمع حديث نفسه إبليس وكان على مقربة منه، فابتسم ضاحكا وقد ms29 عزم أن ينيله بغيته، ثم ~~يورده موارد الهلكة من حيث أطمعه، وكان بينهما بعد ذلك من الحوادث ما سوف تقرأ خبره في ~~الفصول التالية. ~~••• # أصبح باهوم والطمع يقيمه ويقعده، ولا هم له إلا امتلاك أرض يصبح فيها صاحب الكلمة ~~المطلقة؛ يأمر وينهى كما يريد، وكان بالقرب من الأرض التي يزرع فيها حبوبه قطعة فسيحة من ~~الأرض لسيدة من ذوات الأملاك؛ طيبة القلب، لينة العريكة، اعتادت أن تعامل جيرانها باللطف ~~والإنسانية، إلا أنه عرض لها أمر ذو بال ألهاها عن تعهد الأرض بنفسها، فوكلت أمر زرعها ~~واستغلالها لوكيل أشغالها الذي كان على جانب عظيم من الخشونة وقساوة الطبع، فأخذ يذيق ضعاف ~~القرويين جيرانه مر العذاب، ويثقل كاهلهم بالغرامات التي كان يفرضها عليهم من حين لآخر، وقد ~~حرص باهوم كل الحرص على منع أسباب التحكك بجاره الغليظ الطبع، ولكن رغم ما كان يبذله من ~~الاحتياط والتحرز، كانت بعض ماشيته تتسرب إلى المزرعة؛ فيقع بينه وبين الوكيل أخذ ورد ~~ينتهي في الغالب بغرامة يتحملها المسكين طائعا صاغرا. # أقبل الشتاء ببرده القارس، وابيضت ذوائب الجبال، وانكمشت الماشية في زرائبها، فارتاح بال ~~(باهوم) وعاش آمنا في سربه طول فترة الشتاء، ثم شاع في القرية أن السيدة صاحبة المزرعة ~~عزمت على بيع أرضها صفقة واحدة، وتلا هذه الإشاعة خبر مؤداه أن صاحب الفندق القائم على ~~الطريق العالية يساومها في شراء المزرعة، فذعر أهل القرية لهذا الخبر، وتوجسوا منه خيفة؛ ~~لأن صاحب النزل كان أغلظ طبعا من وكيل السيدة، فجمعوا جموعهم وتشاوروا في الأمر، فقر ~~رأيهم على تأليف لجنة تقوم بشراء الأرض، فتألفت اللجنة وأرسلت من قبلها وفدا إلى السيدة ~~المالكة لشرائها، فقبلت السيدة ولم تمانع، إلا أن الشيطان أوغر صدور بعضهم على بعض؛ ~~فتخاذلوا، وفشلوا في مهمتهم، وأخيرا عزموا على شراء المزرعة قطعا، بدل شرائها صفقة ~~واحدة، وأن يساوم كل منهم سيدة الأرض في القطعة التي يروم ابتياعها. # جرى كل ذلك وباهوم ساكت لا يحرك ساكنا، ينظر والها إلى المزرعة وهي تباع قطعة قطعة، إلى ~~أن ms30 كان ذات يوم وقد سمع أن أحد جيرانه ابتاع من السيدة قطعة من المزرعة تبلغ الخمسين ~~فدانا، وقد دفع نصف ثمنها نقدا، وتعهد بدفع الباقي أقساطا لمدة سنة، فناجى نفسه يقول: ~~«إلى متى أظل ساكنا والأرض تباع؟!» ثم حدث امرأته بآماله، وقد خاطبها قائلا: «ألا ترين ~~كيف أن أهل القرية يتهافتون على شراء المزرعة ونحن هنا لا نحرك ساكنا؟ كلا؛ إن هذا لا ~~يطاق، يجب أن نسعى في شراء قطعة من الأرض، ولو عشرين فدانا على الأقل، سيما وأن الحياة ~~أصبحت عبئا ثقيلا بمضايقة هذا الفظ وكيل السيدة.» # ثم فكرا كثيرا في الأمر، وتصفحا كل وجوه الرأي، وأخيرا قر رأيهما على الشراء، ولم يكن ~~عند باهوم سوى بضع عشرات من الروبلات، فباع مهرة كانت عنده، وباع كذلك نصف ما لديه من خلايا ~~النحل، وبعض أثاث المنزل، وأجر اثنين من أولاده في إحدى المزارع لمدة عام، وأخذ أجرتهما ~~مقدما، ثم اقترض الباقي من أحد أنسبائه، فتوفر لديه جملة من المال يمكنه بها شراء قطعة ~~صالحة من الأرض، فذهب إلى السيدة وساومها في قطعة من الأرض تبلغ الأربعين فدانا، وفيها ~~أجمة صغيرة، واتفق معها على دفع نصف الثمن فورا، وتعهد بدفع الباقي أقساطا على سنتين، ~~وحرر على نفسه وثيقة بالمبلغ. ~~••• # تمت المبايعة، وسجلت بمحكمة البلدة، ووضع باهوم يده على الأرض، ثم مضى العام وكان المحصول ~~جيدا، فوفى ما عليه من الديون، وبذا أصبح يملك قطعة من الأرض يجول النظر فيها على بقاع ~~فسيحة شتى الألوان كثيرة النماء، وكان كلما مر بأرضه الجديدة رقص قلبه طربا، ونظر إليها ~~بغير العين التي كان ينظر إليها من قبل، فعاش ردحا من الزمن لا يعكر صفو حياته إلا تسرب ~~مواشي الجيران إلى الحقل من حين لآخر، فلولا هذا المعكر لكان هناؤه أتم، إلا أنه احتمل ذلك ~~في مبدأ الأمر، واكتفى بتحذير أصحاب المواشي، غير أن ذلك التحذير لم يجد نفعا، فعمد إلى ~~التقاضي، وأدى به الأمر إلى مشاكل عديدة، أحفظت عليه صدور أهل القرية؛ فأخذوا يعادونه ms31 سرا ~~وجهرا، أو يطلقون مواشيهم ترتع في مراعيه عمدا ، بعد أن كانت تتسرب من نفسها على غير قصد، ~~ثم هموا مرارا بإحراق مزرعته وإيصال الأذى إليه بطرق مختلفة؛ مما أدى إلى شدة البغضاء ~~واتساع خرق العداء، وبذا فقد هناءه القديم، وأصبح مشغول البال لا يغمض له جفن، ولا يهنأ ~~له عيش. # وشاع في ذلك الوقت أن هناك أراضي زراعية جديدة عرضتها الحكومة للاستثمار، وأن الناس من ~~جميع القرى يهاجرون إلى تلك الأراضي، ففكر باهوم في نفسه وقال: «فليهاجر من أراد من أهل ~~القرية، أما أنا فلا أبرح مكاني، وسوف أنتهز هذه الفرصة لتوسيع ممتلكاتي، فأشتري بعض ~~الأراضي التي يتركها أصحابها.» # وبينما كان باهوم يمني النفس بهذه الآمال؛ إذ نزل بضيافته قروي كان مارا بعزبته، ~~فأكرم باهوم مثواه، فسأله أين كان، فأخبره القروي أنه كان يشتغل في جهات (الفولجا)، حيث ~~الأراضي التي كانت تستعمر حديثا هناك، وأفضى به الحديث إلى وصفها والإطناب في خصوبتها ~~وجودتها، زاعما أن الشيلم الذي يزرع في تلك الأراضي ينمو حتى يصير طوله أعلى من قامة ~~الفرس، ثم أتم حديثه قائلا: «إن أولياء الأمور هناك يتبرعون بخمسة وعشرين فدانا لكل من ~~أراد استثمار تلك الأراضي الخصبة، وإن رجلا من أهل قرية باهوم حضر تلك الجهات صفر اليدين ~~خالي الوفاض، فأصبح الآن يملك ستة خيول، ورأسين من البقر.» # فقال باهوم في نفسه: «ما الذي يمنعني من هجر هذه البقعة الضيقة إلى تلك البقاع الفسيحة؛ ~~حيث الربح الوافر، والثراء العاجل؟! وإني لأكونن من الحمقى إذا لم أنتهز هذه الفرصة ~~السانحة، ولكن علي أن أتحقق الأمر بنفسي أولا.» # كان الوقت شتاء، فقعد ينتظر أوائل الصيف، حتى إذا حل الربيع كان قد أتم معدات السفر، ~~فركب زورقا بخاريا أقله حتى سمارا، ومن ثم قطع ثلاثمائة ميل على أقدامه، حتى وصل ~~المكان المقصود، فوجد الأرض كما وصفها القروي، وعلم أن الفلاح المستثمر يعطى قطعة لا تقل ~~مساحتها عن خمسة وعشرين فدانا، وأن هناك أراضي أخرى معروضة للبيع، قيمة الفدان منها لا ~~يزيد ms32 عن ثلاث روابل، ففرح باهوم بهذا الاستكشاف، وقفل راجعا إلى قريته بعد أن تحقق صدق ~~الخبر، وما وصل إليها حتى شرع في بيع ممتلكاته وتهيئة ما يلزم للمهاجرة هو وأفراد ~~العائلة. # وفي أوائل فصل الربيع سافر إلى مقره الجديد وحط الرحال في قرية كبيرة من قرى تلك الأراضي، ~~وكان حظه منها هو وأولاده خمسة أنصبة، بلغ مجموعها 125 فدانا في جهات متفرقة من القرية ~~التي استوطنها؛ أي أضعاف ما كان يملكه في قريته الأولى، فأصبح لديه حقل واسع، ومرعى ~~فسيح ترتع فيه كثير من الماشية، ثم مضت أيام اشتغل أثناءها باهوم بتخطيط المزرعة، وبناء ~~العزبة، وشراء الدواب اللازمة للعمل؛ ولذا كان في مبدأ هجرته قانعا بحياته الجديدة فرحا ~~بما رزقه الله، إلا أنه ما كاد يتم ما شرع فيه حتى تسلط عليه الطمع ثانيا، فصار ينظر إلى ~~أرضه الجديدة بعين الاستصغار. # زرع في عامه الأول قمحا؛ فكان المحصول جيدا، فطمع في الزيادة، غير أن الأرض لم تسعفه ~~بطلبته؛ لأنها كانت تتفاوت في الخصوبة، فلا تصلح جميعها لزراعة القمح، فعول على إيجار ~~أراض أخرى تصلح لذلك، ففعل، إلا أن ذلك لم يرق في عينه أيضا؛ فكان يشكو من بعد الأرض ~~وصعوبة النقل، ففكر في نفسه قائلا: «لو كنت أشتري قطعة مستقلة خارجة عن نطاق المشروع فأبني ~~عليها ضيعة صغيرة؛ لكان لي من وراء ذلك فوائد جمة.» # وكانت هذه الفكرة ماثلة بذهنه يفكر بها من حين لآخر، ثم سار على هذه الوتيرة وهو يستأجر ~~أرضا ويزرعها قمحا مدة ثلاثة أعوام، وكان الدهر مواتيا له، فربح أرباحا وفيرة؛ لجودة ~~المحصول، إلا أن ذلك كله ما كان ليقلل من طمعه، بل كان يزداد تذمرا كلما فكر في المال الذي ~~يصرفه للمؤاجر، واتفق أن أجر في العام الثالث قطعة من الأرض من بعض القرويين هو وأحد ~~التجار، ثم وقع بينهما وبين أصحاب الأرض منازعات أدت إلى التقاضي، وأسفرت عن خسارتهما؛ ~~فتذمر باهوم وقال في نفسه: «كل ذلك ما كان ليقع لو أن الأرض كانت لي ms33 خاصة.» # ومن ذلك الحين أخذ يبحث عن قطعة أرض للشراء ، فأوقعته المقادير في قطعة صالحة أراد صاحبها ~~أن يبيعها عاجلا؛ تخلصا من عسر أحاق به، وكانت الأرض تبلغ مساحتها 1300 فدان، فصلها باهوم ~~بمبلغ 1500 روبل يدفع نصف ثمنها فورا، ويكتب على نفسه وثيقة بالباقي، وقبل أن يتم البيع ~~بأيام مر عليه بعض التجار وطلب منه علفا لفرسه فاحتفى باهوم به ودعاه إلى تناول الشاي ~~معا، وجلسا يتحدثان، فسأله باهوم من أين هو آت، فأخبره أنه آت من أرض بعيدة تابعة لقبائل ~~البشكير؛ حيث اشترى لنفسه هناك ثلاثة عشر ألف فدان من الأرض بمبلغ لا يزيد عن ألف روبل، ~~فدهش باهوم واستزاده الخبر، فقال الرجل: «وما على المرء إلا أن يتودد إلى الرؤساء بهدايا ~~فيمنحونه كل ما يطلب، وقد اشتريت لهم ملبوسا وسجادة وعلبة من الشاي وبعض النبيذ وهدايا ~~أخرى كلفني مجموعها نحو مائة روبل، وبهذه الوسيلة أكرمني الرئيس بأن تنازل عن ثمانية كوبكات ~~في ثمن الفدان الواحد.» # قال ذلك وأخرج صك المبايعة يريه لباهوم وهو يقول: «إن موقع الأرض قريب من النهر، ومما ~~يزيدها أهمية أنها بكر لم تستغل بعد.» فافتتن باهوم بأقوال الرجل ولم يتمالك عن استزادته ~~الحديث والإلحاف عليه بالسؤال، فأجابه الرجل: «إن هؤلاء القوم يملكون من الأرض ما لا يقع ~~تحت حصر ولا عد، وهم على جانب عظيم من السذاجة وبلادة الطبع، ليس للأرض عندهم أدنى قيمة.» ~~فأطبق خاتم الحرص على قلب باهوم وناجى نفسه قائلا: «أنا الآن أملك ألف روبل، فأي شيء ~~يجبرني على شراء قطعة من الأرض مساحتها 1300 فدان، بينما يمكنني شراء عشرة أضعاف هذا ~~المقدار بنفس المبلغ دون أن أثقل كاهلي بالدين؟!» ~~••• # لم يتردد باهوم في الأمر لحظة واحدة، بل ما كاد الرجل يفارق الضيعة حتى كان هو وخادمه على ~~الطريق الموصلة إلى قبائل البشكير؛ ليتحقق الأمر بنفسه، وبعد مسيرة بضع ساعات حط رحاله في ~~إحدى القرى؛ ليشتري صندوقا من الشاي وبعض النبيذ وهدايا أخرى كما أوصاه الرجل، ثم واصل ~~سيره حتى ms34 انتهى إلى مكان القبيلة بعد أن قطع مسافة لا تقل عن ثلثمائة ميل ، فوجد الأمر كما ~~وصفه الرجل، ورأى أن القوم يسكنون الخيام بالقرب من مزارع فسيحة يخترقها نهر عظيم، وجل ~~معيشتهم على اللحوم ومستخرجات الألبان، ولا يعنون بزراعة الأرض وغرسها مطلقا، والنساء هن ~~اللواتي يقمن بكل الأعمال، أما الرجال فلا هم لهم إلا الأكل وشرب الشاي والضرب على ~~القيثارة، وكلهم أقوياء البنية صحاح الأجسام، يقضون فصل الصيف باللهو واللعب، ولا يباشرون ~~فيه أي عمل من الأعمال، وهم على درجة عظيمة من السذاجة وبلادة الطبع، ولا يعلمون من الروسية ~~حرفا واحدا، وإنما يتكلمون بلغة خاصة بهم. # ومن عاداتهم الجميلة إكرام وفادة الغريب؛ ~~إذ ما كاد يقع نظرهم على باهوم حتى خرجوا من خيامهم والتفوا حوله صغارا وكبارا يتأملون ~~وجهه، وكان بينهم رجل يتكلم بالروسية، فتوسط بينه وبين قومه وسأله عن قصده، فأخبره باهوم ~~أنه جاء ليصيب عندهم بعض الأرض، ففرحوا بذلك، وأخذوا بيده إلى إحدى الخيام الكبيرة؛ حيث ~~أجلسوه على وسادة وثيرة، وقدموا له أعز ما لديهم من المأكل والمشرب، وبعد الانتهاء من ~~الطعام قام باهوم إلى عربته، وأخرج ما كان لديه من الهدايا، ووزعها عليهم بالتساوي؛ فارتسمت ~~على وجوههم أمارات البشر والسرور، وأخذوا يتكلمون فيما بينهم مدة طويلة، وأخيرا أشركوا ~~الترجمان في الحديث، فالتفت هذا إلى باهوم وقال له: «قد سر القوم من هديتك أيما سرور، ~~ويشكرونك كثيرا على هذا الصنيع، ومن عادتهم إكرام الضيف بكل ما في وسعهم، فاطلب ما تريده ~~منهم لقاء هديتك، فإنهم لا يتأخرون لحظة واحدة عن إسعافك بمرغوبك.» فأجابه باهوم: «جل ~~رغبتي هو أن أصيب عندكم قطعة من الأرض لزرعها واستثمارها؛ لأن الأرض عندكم خصبة ~~للغاية.» # فأخبرهم الترجمان بما يقول، فعادوا إلى حديثهم ثانيا، وكان باهوم يجهل لغة القوم، وإنما ~~رآهم يبتسمون ويضحكون، ثم التفت إليه الترجمان قائلا: «يقولون إنهم سوف يعطونك بكل سرور ~~قدر ما تطلب من الأرض، فما عليك إلا أن تشير بيدك إلى قطعة الأرض التي تريدها لنفسك فتكون ~~لك.» # وما ms35 كاد الرجل يتم حديثه حتى قامت ضجة بين القوم، فسأل باهوم عن جلية الأمر، فأخبره ~~الوسيط أن القوم قد انقسموا إلى فريقين: فريق منهم يريد ألا يبت في الأمر حتى يحضر الرئيس، ~~وآخرون يخالفونهم في الرأي. ~~••• # وبينما هم في جلبتهم وضوضائهم؛ إذ برجل ضخم الجثة عريض الأكتاف يلبس قبعة كبيرة من فرو ~~الذئاب قد دخل من باب الخيمة، فوجم القوم وسكتوا كأنما على رءوسهم الطير، وقد قاموا؛ ~~إجلالا لشأن القادم، وإكبارا لأمره، فأخبره الترجمان أن القادم هو رئيس القوم، فقام باهوم ~~مسرعا وأحضر له نصيبه من الهدية وهي خمسة أرطال من الشاي وبعض الثياب النفيسة، فتقبلها ~~الرئيس شاكرا، وجلس في صدر المكان، والتف القوم حوله يحدثونه بشأن باهوم، فأشار إليهم ~~بالسكوت، ثم التفت إليه يخاطبه بالروسية: «أخبرني القوم بشأنك، وما كنت لأرد لك طلبا، ~~فاختر القطعة التي ترضاها لنفسك، فإن لدينا كثيرا من الأرض كما ترى.» # فقال باهوم في نفسه: «كيف أقبل منه ذلك بمجرد القول بلا قيد ولا شرط، ألا يجوز أنهم ~~يندمون في المستقبل فيرجعون ما وهبوه لي من الأرض؟!» ثم خاطب الرئيس قائلا: «أقدم لكم جزيل ~~الشكر على هذا الإكرام، ولكن ألا يجدر بنا أن نستوثق الأمر بحجة أو سند؟ فإن الأعمار بيد ~~الله، والمرء لا يأمل أن يخلد طول الدهر، ألا يجوز أن يأتي بعدكم خلف لا يرضى بعملكم ~~فينازعنا في الأرض؟» فأجابه الرئيس: «إنك محق فيما تقول، وسوف يكون الأمر كما تريد.» فقال ~~باهوم: «بلغني أن أحد التجار اشترى منكم من عهد قريب قطعة من الأرض، وأخذ عليكم عقدا ~~بالبيع، وأنا أحب أن تعاملوني بمثل معاملته.» # فأجابه الرئيس: «حبا وكرامة، عندما يتم الاتفاق نكتب عقدا بذلك، ثم نسجله في محكمة ~~البلدة.» # فسأله باهوم: «وكم يكون الثمن؟» فأجابه الرئيس بقوله: «إن الثمن عندنا محدد لا يتغير، ~~فإننا نأخذ ألف روبل عن اليوم (الكامل).» فلم يفهم باهوم ماذا أراد بقوله: «اليوم الكامل.» ~~فسأله مستفهما: «ماذا تعني باليوم الكامل؟ وكم فدانا يكون؟» فأجاب الرئيس: «نحن لا نستعمل ~~المقاييس ms36 في مسح الأرض، وإنما نقدرها بالسير فيها يوما كاملا، وثمن الأرض التي يقطعها ~~المرء مشيا على أقدامه يوما كاملا هو ألف روبل.» ففرح باهوم وصاح قائلا: «ولكنني أقطع ~~في اليوم أرضا كبيرة للغاية.» # فأجاب الرئيس: «كل ما تسير على قدر جهدك يكون ملكا لك، على شرط الرجوع قبل غروب الشمس، ~~فإذا غربت الشمس ولم ترجع تخسر جميع ما تدفعه من المال.» فقال باهوم: «ولكن كيف السبيل إلى ~~معرفة الأرض التي أقطعها؟» فأجابه قائلا: «إن ذلك سهل ميسور؛ عليك أن تختار لنفسك بقعة من ~~الأرض تسير منها، وعند كل ثنية من الأرض تحفر حفرة صغيرة، تجعل بجانبها كومة من التراب بفأس ~~صغير يكون معك لهذا الغرض، وعند الانتهاء نصل نحن تلك العلامات بحراثة دائر في الأرض التي ~~تقطعها في اليوم، ولك مطلق الحرية في أن تسير في الأرض كما تريد، على شرط الرجوع قبل غروب ~~الشمس.» # فارتاح لذلك باهوم، وتقرر أن يبدأ في السير صباح ذلك اليوم، ثم أكملوا يومهم في الحديث ~~والمنادمة حتى إذا أقبل الليل فرشوا له فراشا وثيرا، وتركوه في الخيمة لينام فيها ليلته، ~~بعد أن وعده الرئيس بأن يوافيه صباحا قبل بزوغ الشمس. ~~••• # رقد باهوم طول ليلته وهو يبني لنفسه القصور والعلالي، متقلبا على فراش الأماني والأحلام ~~دون أن يغمض له جفن أو يكتحل بنوم، وقبيل الفجر أخذ التعب منه مأخذه وقد تغلب عليه النعاس، ~~فأخذته سنة من النوم، ثم رأى فيما يراه النائم أن الرئيس أقبل عليه ينتظره على باب الخيمة، ~~فخرج إليه يسأله عن جلية الأمر، فوجد أن القادم ليس الرئيس، وإنما هو الرجل التاجر الذي ~~أرشده إلى أراضي البشكير، فتقدم منه وقد هم أن يسأله متى حضر، وإذا به يرى في وجهه صورة ~~الرجل القروي الذي أقبل إليه في قريته الأولى من جهة الفولجا، فهم أن يصافحه ويترحب به، ~~وإذا به يرى في وجهه صورة إبليس اللعين في شكل بشع ومنظر مريع. # فأشاح بوجهه إلى جهة أخرى، فرأى جثة إنسان ملقاة على مقربة منه، ms37 فاقترب من الجثة ليتأمل ~~وجه صاحبها، ولكنه ما كاد يقترب منها بضع خطوات حتى ارتد مذعورا؛ لأنه رأى فيها صورة نفسه، ~~ثم قام من نومه وهو على هذه الحالة ممتقع اللون ترتعد فرائصه فرقا، ونظر إلى باب الخيمة، ~~فلم ير غير حمرة الشفق، فعلم أن ستر الليل أوشك أن يتمزق، فلا يمضي القليل حتى يسفر الصباح ~~عن وجهه، فهب من فراشه وهو يقول: «ما أكثر ما يرى الإنسان في نومه! لا شك أن ما رأيته هو ~~أضغاث أحلام، وها قد قرب الصبح، والقوم نيام بعد.» ثم ذهب مسرعا نحو خادمه الذي كان نائما ~~في العربة، فأيقظه وأمره بالاستعداد، ثم أسرع نحو القوم يوقظهم، فصحا القوم واجتمعوا في ~~خيمته، ولم يلبث أن وافاهم الرئيس، وكانت الشمس قد قاربت البزوغ، فأمر بإحضار طعام الإفطار، ~~وعرض على باهوم تناول بعض الشاي، فأبى قائلا: «لم يبق متسع من الوقت، فلنبدأ بالعمل إن ~~كنا فاعلين.» ~~••• # عند ذلك وقف القوم استعدادا للمسير، ثم ركب بعضهم العربات، وامتطى آخرون متون الجياد، ~~وركب باهوم عربته، وسار في طليعة القوم مع الرئيس، وبعد أن ساروا قليلا، وصلوا إلى تل صغير ~~يشرف على سهل فسيح الأرجاء، وكانت الشمس قد بدأت في البزوغ، فوقف القوم وتقدم الرئيس قائلا ~~وقد أشار بيده إلى السهل: «انظر، كل هذا السهل الفسيح ملك لنا، ولك أن تسير فيه أنى ~~تشاء.» وبعد أن قال ذلك خلع قبعته ووضعها على الأرض قائلا: «فلتكن هذه القبعة علامة لمبدأ ~~سيرك فابتدئ في السير من هنا، ثم ارجع إليها ثانية بعد أن تتم دورتك، وكل الأرض التي تمشي ~~بها تكون ملكا لك.» # ولم يتمالك باهوم من إظهار الفرح والسرور عندما رأى ذلك السهل الفسيح وتيقن أنه خصب يصلح ~~لزراعة كل أنواع الحبوب، ثم أسرع من وقته فوضع ما لديه من النقود - وهو الألف روبل - في ~~قبعة الرئيس، ثم طرح رداءه الخارجي، وشمر عن أكمام قميصه؛ ليكون خفيف الحمل في السير، ~~وتمنطق بسير من الجلد شده على وسطه، وحمل على ظهره ms38 حقيبة صغيرة فيها بعض الزاد وما يلزم ~~لشربه ذلك اليوم، ثم أمسك بالفأس والتفت يمنة ويسرة؛ ليختار له وجهة للسير، وبعد أن وقف ~~برهة ناجى نفسه قائلا: «كل الأرض سواء، ولكن يحسن بي أن أسير نحو الشرق.» قال ذلك وحمل ~~فأسه على ظهره، وسار يتبع مشرق الشمس. ~~••• # وبعد أن قطع نحو ألف ياردة وقف قليلا فحفر الأرض، ثم جعل بجانبها كومة من التراب علامة ~~لوصوله تلك البقعة، وكان يمشي مشيته الاعتيادية لا يمهل ولا يعدو، فقطع بذلك ألف ياردة أخرى ~~وجعل علامة أخرى، ثم مشى قليلا ونظر إلى التل حيث كان القوم، فلم يتبينهم جيدا؛ لأنه كان ~~قد ابتعد عنهم كثيرا بمسافة لا تقل عن الثلاثة أميال - كما قدرها باهوم في نفسه، وكان ~~الوقت ضحى، فابتدأ يشعر بحرارة الشمس، فقال في نفسه: «قد قطعت ربع ما يجب أن أقطعه في ~~اليوم، وعلي أن أتم المربع في باقي اليوم، ولكن لا يزال أمامي متسع من الوقت.» # قال ذلك، وخلع نعليه، وربطهما في وسطه؛ ليرتاح في المشي، ثم سار في وجهته الأولى، وكان ~~كلما سار وجد الأرض أخصب والتربة أجود، فقال في نفسه: «إنه من الحمق ترك هذه البقعة الخصبة، ~~ما علي لو سرت ثلاثة أميال أخرى؟!» # فسار فيها وقد جدد الحرص في نفسه همته الأولى؛ حتى أخذ التعب منه مأخذه، فنظر وإذا ~~بالشمس في كبد السماء، فعلم أن النهار قد انتصف، فوقف ريثما جعل علامة لوصوله تلك البقعة ثم ~~جلس للغداء، فأكل بعض الزاد وشرب قليلا من الماء وانتصب واقفا وهو يقول: «يجب أن أسير؛ ~~لأن الراحة تجلب النعاس، وإذا نمت قليلا لا آمن من الخسارة.» # فسار من وقته وقد أراد أن يعطف إلى وجهة أخرى؛ إتماما للمربع، غير أنه أبصر على مقربة ~~منه أرضا منخفضة فقال في نفسه: «هذه الأرض تصلح لزراعة الكتان، وما كنت لأترك هذه الفرصة.» ~~قال ذلك ومشى حولها حتى إذا ما أتم مسيره وقف عند نهايتها، وجعل علامة لوصوله تلك البقعة ~~أيضا، ثم نظر إلى التل ms39 فرأى أن حجمه قد صغر جدا، فعلم أنه قطع كثيرا، وأنه إن لم يسرع ~~في الرجوع خسر كل آماله، فأسرع لوقته وهو يقول: «إن الأرض التي قطعتها لا نسبة بين طولها ~~وعرضها؛ إذ إن الطول سوف يربو كثيرا على العرض، ولكن رغم ذلك فقد أصبحت أملك قطعة فسيحة من ~~الأرض.» # ثم وقف برهة يحفر الأرض بسرعة زائدة؛ لتكون علامة وصوله تلك الجهة، وبعد أن أتم عمله ~~انعطف نحو التل يريد الرجوع مسرعا، إلا أن كثرة المشي وشدة الحر أنهكتا قواه، فصار يمشي ~~بصعوبة ويتهادى في مشيته كالشيخ الضعيف بعد أن كان يهرول، أما قدماه فقد تشققتا وسالت ~~الدماء منهما؛ لكثرة ما اصطدم أثناء مشيه بالحجارة والحصى وهو لا يعي، وتخاذلت ساقاه وضعفتا ~~عن حمله؛ إذ كان في حاجة شديدة إلى بعض الراحة، ولكن أنى له ذلك والشمس آخذة في الغروب ~~شيئا فشيئا؟! وكان ما عليه من الحمل يضايقه كثيرا، فرمى حقيبته أولا، ثم نعليه، وخلع ~~بعد ذلك صدرته، وهكذا صار يرمي ما عليه من الملابس حتى لم يبق عليه سوى القميص ~~والسروال. # وأمسك بيده الفأس ليتوكأ عليه، وسار يعدو بكل قواه، واستمر مدة على هذه الوتيرة، ثم نظر ~~إلى الشمس فعلم أنها لا تلبث أن تغرب، ففزع لذلك كل الفزع وقال في نفسه: «رباه، ماذا العمل؟ ~~يخيل لي أن الطمع سيفسد علي كل آمالي.» غير أنه ما لبث أن تشجع قائلا: «عار علي أن ~~أرجع عن عزمي فأتقاعد عن السير بعد أن قطعت هذه الشقة الطويلة.» فجمع نفسه وسار يمشي بكل ~~قوته حتى قارب التل فسمع صياح القوم من بعد؛ فتشجع ثانية وأخذ يعدو بكل ما فيه من قوة ~~وعزم. # وكانت الشمس قد قاربت الغروب فلا تمضي بضع دقائق حتى تختفي عن الأنظار إلى ما وراء الشفق ~~الأحمر، إلا أن باهوم كان في ذلك الوقت على مسيرة بضع خطوات من سفح التل يسمع صياح القوم ~~ويميز أصواتهم ويرى قبعة الرئيس، عند ذلك تذكر ما رآه في الحلم، فقال في نفسه: ms40 «حقا إن ~~الأرض التي قطعتها فسيحة الأرجاء بعيدة المدى، ولكن هل كتب لي في لوح المقدور أن أعيش ~~عليها؟!» ثم عاد فتذكر أنه على قيد خطوات من مبدأ مسيره، وأنه ما عليه إلا أن يجمع عزيمته ~~ثانية فيصل إليها ويملك الأرض. # فجددت هذه الأماني في نفسه ميت الأمل، فسار طورا يتهادى كالشيخ الضعيف، وتارة يحبو ~~كالطفل الرضيع حتى وصل سفح التل، عند ذلك نظر وإذا بالشمس قد غربت وأصبح السهل في ظلام ~~حالك، فتقطعت نياط قلبه وصاح يقول: «أواه قد ذهبت أتعابي أدراج الرياح.» إلا أن القوم لم ~~ينقطعوا عن صياحهم وندائهم، فتذكر أن مكانهم أعلى من مكانه؛ لأنه ما زال في سفح التل، وأن ~~الشمس لا تزال ظاهرة لديهم، فتنفس الصعداء، وجمع كل ما لديه من قوة وعزم، وأخذ يصعد التل، ~~فوصل القمة وكانت الشمس لا تزال ظاهرة لديهم، ثم عاد فتذكر ما رآه في الحلم، فصرخ صرخة ~~مزعجة وارتمى على الأرض بالقرب من قبعة الرئيس وقد وضع يده عليها. # فقال الرئيس: «إنه سعيد الحظ؛ فقد أصاب قطعة كبيرة من الأرض.» ثم أسرع خادم باهوم ليرفعه ~~عن الأرض، ولكنه ما كاد يرفعه قليلا حتى سال الدم من فمه وارتمى على الأرض جثة هامدة، فوجم ~~القوم وأطرقوا برءوسهم إلى الأرض وقد ارتسمت على وجوههم أمارات الكآبة والحزن. # وقام خادم باهوم فحفر لسيده قبرا يبلغ طوله ستة أقدام، وكان ذلك كل نصيبه من ~~الأرض. # | الحكاية الرابعة # ابن العراب # بسم الدهر ذات صباح لقروي فقير فرزق طفلا فرح به فرحا شديدا وعلق عليه آمالا ~~كبيرة، وأسرع لوقته نحو جاره العزيز مستبشرا فأخبره بالأمر، وطلب منه أن يكون عرابا ~~للطفل، ولكن جاره العزيز أنف من ذلك، ورده خائبا، فانصرف المسكين يتعثر بأذيال الخيبة ~~والفشل، وقصد جاره الثاني، فالثالث، ثم الرابع، وهكذا، حتى طرق أبواب القرية على غير جدوى، ~~لا لذنب أتاه أو لجرم اقترفه سوى أنه فقير معدم. # أظلمت الدنيا في وجهه أثر هذه الصدمة الشديدة، فسخط على الدهر وتبرم من جده العاثر، ms41 ثم ~~خرج من قريته موليا وجهه شطر القرية المجاورة؛ بغية أن يجد فيها من لا يأنف من أن يكون ~~عرابا لمولود فقير، فسار المسكين (في طريقه) تتناوبه الأحزان، وتتقاسمه الهموم والأشجان، ~~لا يلوي في طريقه على شيء. # وما كاد يبلغ نصف الطريق حتى استوقفه رجل طارحه السلام وسأله عن وجهة مسيره، فأخبره بما ~~وقع له ذلك اليوم، ثم ختم حديثه قائلا: «وإني الآن ذاهب إلى القرية المجاورة عساني أجد ~~رجلا لا يأنف من أن يكون عرابا لطفلي.» فابتسم الرجل المجهول، وقال: «أنا أكفيك مئونة ~~البحث والتعب، دعني أكون عرابا لولدك.» ما سمع القروي المسكين هذه الكلمات التي نزلت على ~~قلبه بردا وسلاما حتى تهلل وجهه بالبشر، وتمتم بعض كلمات يشكر بها معروف الرجل، ولكن عاد ~~فعبس ثانية كمن تذكر أمرا فاته، فقال وصوته يتهدج حزنا: «آه يا مولاي لم تنفرج الأزمة ~~بعد، قل لي بربك، أين أجد امرأة طيبة القلب نظيرك تقبل أن تكون عرابته؟» ~~- «لا تحزن يا صاح، فأنا أرشدك إلى امرأة صالحة تقبل ذلك عن طيب خاطر، اذهب إلى المدينة، ~~وهناك في الساحة العمومية تجد منزلا مبنيا بالآجر، في مدخله حانوت، فاسأل عن صاحب هذا ~~الحانوت، وعندما تقابله أخبره بالأمر، واطلب منه أن تكون ابنته عرابة لولدك، فإنه لا يردك ~~خائبا.» # فهز القروي كتفيه بيأس كمن يرتاب في أمر لا ~~يرجوه، ثم خاطب الرجل قائلا: «أمثلي يطلب من تاجر غني أن تكون ابنته عرابة لابني؟! لا ريب ~~في أنه سوف يهزأ بشأني ويزدريني إذا تجاسرت على مثل هذا الطلب.» # فأجابه الرجل بملء السكينة: «لا تدع اليأس يتطرق إلى فؤادك، بل كن واثقا بأنه سيجيب ~~طلبك، فأسرع يا عزيزي قبل فوات الوقت، وغدا صباحا تجدني حاضرا في حفلة التنصير.» # فقفل القروي راجعا إلى قريته، وامتطى فرسه وقصد المدينة يبحث عن حانوت التاجر، وعندما ~~اهتدى إليه وترجل عن فرسه قابله التاجر بوجه باش وسأله عن حاجته، فأجابه والخجل يكاد يعقد ~~لسانه: «اعلم يا سيدي أنه ولد لي في هذا الصباح ms42 طفل، وقد جئت أرجوك أن تتفضل بأن تكون ابنتك ~~عرابته.» فسأله التاجر: «ومتى تكون حفلة التنصير؟» ~~- «غدا صباحا.» ~~- «حسن، سوف تكون ابنتي عندك غدا، فاذهب مطمئن البال.» # وفي اليوم الثاني حضر الرجل المجهول وحضرت ابنة التاجر، وبعد أن أتم الكاهن تنصير الغلام ~~انصرف الرجل المجهول ولم يعلم عنه شيئا بعد ذلك اليوم. ~~••• # مضت أيام وشهور كبر أثناءها الطفل وترعرع، فأدخله والداه مدرسة القرية، فتعلم فيها كل ما ~~يمكن أن يتعلم، وخرج منها شابا متين العضل، قوي البنية، تلوح على وجهه أمارات الجد ~~والإقدام. # جاء عيد الفصح فأشرقت منازل القرية وأكواخها بالأنوار، وخرج القرويون زرافات ووحدانا ~~وعلى وجوههم سيماء البشر وأمارات السرور، أما طفل الأمس وفتى اليوم فكان يسير وحيدا ~~منفردا مبتعدا عن الضجيج، يفكر في عرابه المحبوب؛ ذلك الرجل الطيب القلب الذي رضي بكل ~~ارتياح أن يكون عرابا له في الوقت الذي أنف أهل قريته من هذا الأمر، ثم ناجى نفسه قائلا: ~~«آه لو استطعت مقابلة ذلك الرجل الطيب؛ إذن لكنت أوقف كل حياتي على خدمته واحترامه.» # ما كاد يصل من حديث نفسه إلى هذا الحد حتى التفت إلى يمينه، وإذا به يرى شيخا يدب على ~~عصاه، تلوح عليه الهيبة والوقار، وكان يدنو منه باسما وهو يقول: «تقدم يا بني ولا توجل، ~~أما كنت منذ هنيهة تحدث نفسك مستفهما عن مقر ذلك الرجل الذي رضي أن يكون عرابا لك في ~~طفولتك؟ فهذه المقادير جمعتك به لتقدم له تحية عيد الفصح.» # وعند ذلك ارتبك الشاب لهذه المباغتة، ولكنه سرعان ما تمالك نفسه وتقدم إلى الرجل باسما ~~وشكره على معروفه السابق، وقدم له تحية العيد بأن قبله ثلاثا كما هي العادة، ثم خاطبه ~~قائلا: «كم أكون مسرورا يا سيدي إذا شرفتني بمعرفة اسمك ومكان إقامتك لأقوم نحوك بما يجب ~~للابن نحو عرابه!» ~~- «لا سبيل إلى معرفة اسمي؛ إذ لا يهمك ذلك، وأما إذا رغبت أن تعلم مكان إقامتي فما عليك ~~إلا أن تذهب غدا إلى هذه الغابة المجاورة وتمشي فيها، حتى ينتهي ms43 بك المسير إلى ساحة صغيرة ~~محاطة بالأشجار الباسقة، فتقف في ذلك المكان قليلا تتأمل ما حولك، فترى طريقا ينتهي بك ~~إلى قصر شاهق تحيط به حديقة غناء؛ هذا هو منزلي، وفي فناء هذا القصر تجدني في ~~انتظارك.» # وما وصل الرجل من حديثه إلى هذا الحد حتى رفع الشاب رأسه ليتأمل وجه عرابه جيدا، وإذا به ~~لا يرى أمامه سوى الحقول الخضراء، وعلى بعد منه يسمع ضجيج أهل القرية في سرورهم وابتهاجهم ~~بالعيد، فقفل راجعا وهو كمن في حلم لا يصدق ما رآه، وأزمع المسير إلى الغابة صباح ذلك ~~اليوم؛ ليتأكد صحة ما سمعه ورآه. ~~••• # ما كادت الشمس تشرق حتى كان الشاب في طريقه إلى الغابة يعدو في مشيته ونفسه تنزع إلى ~~معرفة سر الرجل، حتى إذا انتهى به المسير إلى الساحة التي وصفها له عرابه وقف يتأمل برهة، ~~فرأى طريقا غاية في الإبداع تحف به الأشجار على كلا الجانبين، وينتهي بقصر شاهق محاط ~~ببستان جميل يتلألأ في تلك البقعة النضرة تلألؤ الكوكب المنير. # عند فناء هذا القصر البديع قابله عرابه بوجه باسم ومشى به إلى الحديقة أولا ثم القصر ~~ثانيا متنقلا به من جهة لأخرى، يريه مقاصير القصر، ويطلعه على محتوياته، وكان كلما مشى ~~خطوة زاد تعجبه من محتويات القصر وفرشه الثمين، إلى أن انتهى بهما المسير إلى غرفة مقفلة ~~فوقف العراب أمامها وأشار إليها قائلا: «قد انتهينا الآن من طوافنا، وقد أطلعتك على كل ما ~~في القصر، ولك أن تمرح فيه كيف تشاء وأنى شئت، ولكن حذار أن تدخل هذه الحجرة.» # وما كاد العراب يفرغ من كلامه هذا حتى اختفى عن الأنظار، ولم يظهر له أثر بعد ذلك، فقضى ~~الشاب ردحا من الزمن وقد طابت له السكنى في القصر، فعاش هنيء البال، قرير العين مدة تقرب ~~من الثلاثين عاما مرت عليه كحول واحد؛ لاغتباطه وسروره. # مرت عليه تلك المدة الطويلة وهو في مقام كريم وعيشة راضية، ثم تسرب إليه الملل شيئا ~~فشيئا، فصار يطوف القصر طول يومه يبحث عن ms44 شيء جديد يسلي به النفس، وإذا به واقف ذات يوم ~~أمام الغرفة المقفلة ، ثم تذكر وصية عرابه فتنازعه عاملان: عامل الفضول، وعامل احترام ~~الوصية. # وأخيرا تغلب عليه الفضول؛ ففتح الباب، ثم ولج الغرفة، وتقدم فيها بضع خطوات، فرأى نفسه ~~في بهو فسيح يتوسطه عرش كبير، يصعد إليه المرء ببضع سلمات، فتقدم نحوه ورقيه ثم جلس يتأمل ~~ما حوله، فوقع بصره على صولجان بديع الصنع بالقرب منه، فمد إليه يده ليمسكه، وما كاد ~~الصولجان يستقر بين أصابعه حتى سمع ضجة وجلبة، وإذا بأركان الغرفة تهتز، ثم ارتفع جدران ~~البهو، فنظر، وإذا به يرى العالم أجمع منبسطا أمامه وهو ينظر إليه من عل. # نظر أمامه فرأى البحار والمحيطات تمخر فيها ~~المراكب، وتشق عبابها السفن، ثم التفت يمنة فأبصر عوالم غريبة وأجناسا مختلفة من البشر ~~يخالفونه في الشكل واللباس، ثم أدار وجهه إلى جهة أخرى فرأى أناسا يقاربونه في شكلهم ~~ولباسهم يتكلمون بلغة يفهمها، فعلم أنهم روسيون مثله؛ فتهلل وجهه، وحدثته نفسه أن يبحث عن ~~أهله وقريته بين مئات القرى. # وما كاد يهتدي إليها حتى خطر بباله أن يتفقد حقل والده، فصوب نظره نحو الحقل، فرأى أكداس ~~الحصيد منتشرة في طول الحقل وعرضه على أهبة النقل، ثم أبصر رجلا يتسلل إلى الحقل بعربته، ~~فظن أن والده جاء ليلا ليحمل الغلال إلى مخازنه، ولكنه لم يكد يتبينه حتى علم أنه (واسيلي ~~كوندارتشوف) جاء متسترا بأثواب الليل ليسرق بعض القمح، وعند ذلك انتفض الشاب غضبا وصاح ~~بأعلى صوته: «قم يا أبت؛ فإن اللص يسرق القمح من مزرعتك.» وكان الوالد إذ ذاك نائما على ~~بعد من المزرعة، فقام من فوره ينفض عن نفسه غبار النوم ويناجي نفسه قائلا: «قد نبهني صوت ~~هاتف يقول إن لصا يسرق الحنطة من الحقل، فسوف أذهب إلى هناك لأتحقق الأمر بنفسي.» قال ذلك ~~وامتطى فرسه، ثم أسرع للحقل، وهناك رأى اللص (واسيلي) فأمسك بخناقه وساقه إلى السجن. # عند ذلك اطمأن بال الابن وصوب نظره إلى مدينة القرية؛ ليتفقد حال عرابته ابنة ms45 التاجر، ~~فعلم أنها تزوجت من رجل تاجر، ثم نظر فرآها نائمة ورأى زوجها قد قام إلى الباب متسللا، ثم ~~خرج يمشي في طرقات المدينة ليلا، فأتبعه النظر فرآه قد دخل عند امرأة أخرى علم أنها خليلته ~~ذهب إليها في تلك الساعة من الليل ليخون امرأته، فاستفزه الغضب لهذا الأمر وصاح بعرابته ~~ينبهها قائلا: «ألا انتبهي أيتها الغافلة؛ فإن زوجك يسلك طريق الغواية.» فقامت المرأة من ~~نومها فزعة وتلمست مكان زوجها فلم تجده، فتحققت صدق قول الهاتف، فلبست ثيابها مسرعة، وذهبت ~~تبحث عنه، إلى أن اهتدت إليه وهو بين أحضان خليلته، فشب بينه وبينها عراك عنيف، ورجعت إلى ~~بيتها مغضبة بعد أن أوسعت زوجها شتما وتوبيخا. # عند ذلك اطمأن بال الشاب، وخطر بباله أن يتفقد حال أمه، فصوب نظره نحو البيت، فأبصر لصا ~~يحاول كسر الصندوق الذي اعتادت أمه أن تضع فيه أمتعتها، ووجد أمه نائمة بالغرفة المجاورة، ~~ثم نظر فرآها قد استيقظت على أثر صوت الكسر، ورأى أن اللص قد أمسك بيمينه فأسا يريد أن ~~يهوي به على رأس أمه ليقتلها، فلم يتمالك الولد أن هوى بالصولجان على رأس اللص، فوقع ~~لساعته قتيلا، عند ذلك اهتز أركان العرش وسمع صوت الجدران تنزل ثانية، ثم نظر، وإذا ~~بالغرفة قد عادت كما كانت، وبعد برهة فتح الباب ودخل عرابه متقدما نحو العرش، فأخذه بيده ~~وأنزله منه وهو يقول: «هاأنذا أراك قد خالفت أمري، وارتكبت معصية الدخول إلى الغرفة مع ~~تحذيري إياك، ثم أتبعتها بخطيئة أخرى عندما علوت العرش وتداخلت فيما لا يعنيك، وأخيرا ختمت ~~هاتين المعصيتين بجرم أفظع؛ إذ قتلت نفسا بشرية، ولو تسنى لك أن تمكث هنا نصف ساعة أخرى ~~لكنت تتلف نصف العالم.» # قال الرجل هذا القول وأمسك بيد الشاب وقاده ثانية إلى العرش وقبض بيده على الصولجان ~~فارتفع الجدران ثانية وانكشف العالم أمامهما مرة أخرى، ثم أشار العراب بيده قائلا: «انظر ~~ماذا قدمت لوالدك من إساءة كنت تظنها مكرمة، ها هو واسيلي اللص قد أمضى سحابة عامه بين ~~جدران ms46 السجن مهد الشر والموبقات، فازداد غلظا وشراسة، وكانت فاتحة شروره بعد خروجه من ~~السجن أن سرق فرسين لوالدك، وها هو الآن يضرم النار في أجران القمح؛ انتقاما لنفسه من ~~أبيك، كل هذه المصائب أنت السبب في جلبها لأبيك.» فنظر الشاب أمامه فرأى أكوام القمح تحترق، ~~فهلع قلبه اضطرابا، ولم يتمكن من إدامة النظر؛ لأن العراب التفت إلى جهة أخرى وأشار ~~قائلا: «انظر، ها هو زوج العرابة مضى عليه عام بعد هجر زوجته ولم يقلع بعد عن شروره ~~وآثامه، أما خليلته فقد زادت انغماسا في شهواتها، وها هي عرابتك تندب سوء حظها، وتقضي ~~ليلها تعالج همومها بالمسكرات؛ بغية أن تجد الصبر والسلوان، فهل رأيت صنعك لعرابتك؟! والآن ~~انظر لترى ما قدمته يداك لأمك المسكينة.» فنظر، وإذا به يرى والدته في كسر دارها قد أثقلت ~~ظهرها الهموم وهي تقاسي الأمرين من تبكيت الضمير، وتندب حظها قائلة: «ويح نفسي! ما أشقاها! ~~لقد كان الأولى بي أن يقضي علي اللص في تلك الليلة المشئومة من أن يحملني تلك ~~الخطيئة.» # ثم أشار إليه عرابه أن انظر، فنظر، وإذا به يرى دار السجن وأمامها ثلة من الجنود، فقال ~~له: «أترى هذا الرجل؟ إنه سفك دماء عشرة من الأبرياء، وكان لا محيص له من أن يكفر عن ~~سيئاته بنفسه، ولكنك عجلت عليه بالقتل، فحملك جريرة دمه ودم الذين جار عليهم بالقتل، فهل ~~رأيت الآن نتيجة عملك وما جلبته لنفسك بطيشك ونزقك؟! أمامك الآن ثلاثون عاما تقضيها في هذا ~~العالم تضرب بقدمك في فسيح أرجائه، وتعمل جهدك على تكفير ذنبك، وإذا لم تتمكن من تكفير ~~ذنوبك قبل انقضاء هذه المدة تنال من الجزاء ما كان سيناله هذا اللص.» فسأله الشاب وقد أكمد ~~لونه وارتسمت على وجهه علامات الخوف والجزع: «بربك قل لي كيف أكفر ذنوبي؟» # فأجابه: «ذلك ميسور لك إذا تلافيت من شرور هذا العالم بالقدر الذي جلبته إليه، وبذلك تكفر ~~عن خطئك وخطايا اللص معا.» ~~- «وكيف السبيل إلى محو الشر من العالم؟!» ~~- «أنا مرشدك إلى ذلك، قم ms47 الآن وسر في الأرض نحو المشرق، وبعد مسير بضعة أيام تصل إلى ~~مزرعة فيها بعض رجال فراقب ما يعملون، ثم أخلص لهم النصح بما تعلمته في سفرك، وأتم مسيرك ~~نحو المشرق أيضا إلى أن ينتهي بك المسير إلى غابة كذا، وفيها تجد كهفا يسكنه شيخ معتكف، ~~فقص على هذا الشيخ كل ما تراه وتتعلمه في طريقك إليه، فهو مرشدك إلى ما يكون فيه تكفير ~~ذنبك - إن شاء الله.» # وبعد أن ودع الشاب عرابه سار يتبع مشرق الشمس كما أمره وهو يناجي نفسه بهذه الأقوال: ~~«كيف يتسنى لي محو الشر من هذا العالم؟ وكيف يستطيع المرء ذلك دون أن يتحمل خطايا البشر؟ ~~وهل لأدواء الإنسانية وشرورها علاج غير ذلك؟» أخذ يفكر في ذلك طول طريقه عله يجد حلا ~~لهذه المشكلة، ولكن على غير جدوى، وكان قد وصل إلى مزرعة كبيرة، ورأى القمح فيها ناميا، ~~وقد طالت سوقه ولم يبق على حصده إلا القليل، ثم لمح على بعد منه عجلا صغيرا يعدو في ~~الحقل، وقد طار وراءه بعض الرجال يطاردونه بغية إخراجه من الحقل قبل إتلاف سوق القمح، ثم ~~رأى في الطرف الآخر من المزرعة امرأة تعول وتصيح قائلة: «يا للداهية! إنهم سوف يقتنصون ~~العجل فلا يلبث أن يقع صريعا بين أرجل جيادهم.» عند ذلك ناداهم ابن العراب بقوله: «ما هذا ~~الحمق؟! تنحوا عن العجل ودعوا المرأة تناديه فلا يكبح جماحه غيرها.» # فأصغى الرجال لقوله وتنحوا عنه واقتربت المرأة من الحقل تنادي عجلها بقولها: «إلي يا ~~(براوني)، إلي يا عزيزي الصغير.» فوقف العجل قليلا يرهف أذنيه نحو الصوت، ثم ما لبث أن ~~عدا نحوها وارتمى في أحضانها فرحا. # فاغتبط الرجال وفرح العجل، وعلى هذه الصورة الجميلة انحل المشكل، ففكر الشاب في نفسه ~~يقول: «حقا إن الشر لا يعالج بمثله، وقد دلني الاختبار أن الناس يزيدون نار الشر ~~اضطراما كلما حاولوا إخماده بالجبر والعسف، ها قد أطاع العجل سيدته باللين واللطف، ففكر في ~~ذلك طويلا دون أن يهتدي إلى حل معقول، وكان قد ms48 ترك الحقل متمما مسيره حتى وصل إلى قرية ~~صغيرة، وما كاد يصل آخر القرية حتى أخذ التعب منه مأخذه، فتلفت يبحث عن مكان يرتاح فيه ~~ليلته، فرأى منزلا صغيرا في آخر القرية، فسار إليه وطلب أن يؤذن له بالمبيت تلك الليلة، ~~فاستقبلته صاحبة المنزل بالترحاب وأجلسته بالقرب من الموقدة ليستدفئ، ثم أخذت تتمم ما كانت ~~فيه من تنفيض أثاث المنزل وترتيبه، وكانت قد أتمت كل عملها تقريبا، ولم يبق عليها إلا ~~تنظيف مائدة الأكل؛ استعدادا ليوم الأحد، فمسحتها مسحا جيدا، ثم أحضرت خرقة قذرة تريد ~~تنشيفها، وما كادت تضع الخرقة على المائدة حتى اتسخت ثانية، فأعادت غسلها ورجعت تنشفها ~~بالخرقة عينها فاتسخت مرة أخرى. # وكان ابن العراب يراقب عملها بكل انتباه، وأخيرا لم يتمالك من أن يقول لها: «ماذا تصنعين ~~يا سيدتي؟» فأجابته: «ألا تراني أستعد للغد، وقد أتممت كل عمل إلا هذه المائدة، فقد أعياني ~~أمر تنظيفها.» فأجابها: «عبثا تحاولين يا سيدتي تنظيف المائدة بتلك الخرقة القذرة، إنما ~~يجب تنظيف الخرقة أولا ثم تمسحين بها وهي نظيفة.» فامتثلت لقوله وتم الأمر كما تشتهي ~~السيدة، فشكرته على نصيحته، وعند الصباح شكر حسن ضيافتها وسار في قصده حتى انتهى إلى غابة ~~رأى عند مدخلها بضعة رجال يصنعون إطار العجلات، وعندما اقترب منهم رآهم يدورون حول قطعة من ~~الخشب دون أن يتمكنوا من إحنائها، فنظر إلى قطعة الخشب، فرأى أنها غير ثابتة في الكتلة التي ~~يدورون حولها. # فكانوا كلما داروا دار الخشب معهم، فتقدم منهم الشاب وطارحهم السلام، ثم سألهم عما ~~يصنعون، فأجابوه: «ألا ترى أننا نضع إطارا للعجلات، وكثيرا ما حاولنا إحناء هذه القطعة، ~~ولكن على غير جدوى.» فأجابهم بقوله: «كان عليكم أن تتأكدوا من ثبات الخشب في الكتلة أولا، ~~ثم تشرعون في العمل؛ وإلا تدور معكم كما تدورون.» فعملوا بإشارته وتم الأمر على أحسن ~~حال. # وأمضى الشاب ليلته معهم، وعند الصباح قام يضرب بقدميه على الأرض ثانية حتى وصل إلى كلأ من ~~الأرض فيه بعض الرعاة وقد انتشرت مواشيهم ذات ms49 اليمين وذات الشمال، فاقترب منهم فرآهم يحرقون ~~بعض الأعشاب؛ بغية إضرام النار، ولكن النار ما كانت لتشتعل حتى كانوا يرمون عليها بعض ~~الأعشاب الندية فتخمد لوقتها، ثم أعادوا العمل بنفس الطريقة فأصابهم من الفشل ما أصابهم في ~~المرة الأولى، فتقدم إليهم الشاب قائلا: «أراكم أيها الرفاق تستعجلون بوضعكم الأعشاب ~~الندية قبل شبوب النار، وإنما عليكم أن تنتظروا ريثما تشب النار تماما فتضيفوا إليها قدر ~~ما تريدون من العشب.» # فعملوا بإشارته وتركوا النار حتى شبت تماما ثم أضافوا إليها أعشابا أخرى فاشتعلت ~~واستخدموها فيما يريدون، ثم أقام الشاب بينهم ريثما استراح، وقام يتمم مسيره ثانية مفكرا ~~في كل ما صادفه في طريقه وهو يحاول أن يجد له معنى ولكن لم يهتد إلى شيء. # وفي اليوم التالي وصل إلى أجمة أخرى، وفيها أبصر الكهف الذي يسكنه الراهب المعتكف، فضرب ~~عليه الباب، فسمع صوتا ضعيفا يقول: «من هذا الواقف على الباب؟» # فأجابه الشاب: «رجل مجرم أثقلته ذنوبه فجاء يكفر عنها.» # ففتح الباب وخرج منه شيخ عجوز أحنت الأيام قوس ظهره، وسأله عن جلية أمره فأفضى إليه ~~الشاب بكل ما وقع له في بيت عرابه، وأخبره كذلك بما رآه في المزرعة؛ حيث كانت الرجال تطارد ~~العجل، وكيف نصحهم، ثم ختم حديثه قائلا: «ومن ذلك الوقت علمت أن الشر لا يدفع بالشر، ولكن ~~لم أهتد حتى الآن إلى الطريقة المثلى التي يجب اتباعها لدفع الشر، فهل لك يا سيدي أن ~~ترشدني لذلك؟» # فأجابه الراهب: «امض في حديثك يا بني وأخبرني بما رأيته أيضا.» # فعاد الشاب إلى حديثه وحكى له ما رآه في بيت المرأة، وقص عليه أمر الرجال الذين كانوا ~~يصنعون إطار العجلات، ثم أخبره بما وقع له مع الرعاة. # كل ذلك والراهب مطرق برأسه يصغي إليه جيدا، وعند انتهاء الحديث دخل إلى كهفه، وعاد ثانية ~~وبيده فأس صغير كالذي يستعمله الحطابون، ثم قاده إلى وسط الأجمة وأشار إلى شجرة هناك، ثم ~~قال: «اقتلع هذه الشجرة من أصولها ثم اقطعها بالفاس إلى قطع ثلاث.» # ففعل ms50 ابن العراب كما أمره الراهب، وعند انتهاء العمل ذهب الراهب إلى كهفه ورجع إليه بقطعة ~~خشب مشتعلة وأمره أن يحرق بها القطع الثلاث حتى تصير كل منها كالفحمة السوداء، وبعد أن فعل ~~ذلك أيضا أمره بغرس القطع المحروقة في الأرض حتى النصف. # وعند انتهائه من العمل وضع الراهب يده على كتف الشاب وخاطبه بقوله: «أترى هذا النهر ~~الصغير عند سفح الجبل؟ عليك أن تنقل منه الماء بفمك لسقي هذه الأعواد الثلاث، اسق العود ~~الأول كما علمت المرأة، وأسق الثاني كما أشرت على صانعي العجلات، والثالث كما أشرت على ~~الرعاة، واستمر على سقيها وتعهدها حتى ترى أن هاته الأعواد الثلاث تنمو وتينع وتصبح كل منها ~~شجرة تفاح صغيرة، عند ذلك تكفر عن خطيئتك، وتعلم في الوقت نفسه كيف يمكن اقتلاع بذور الشر ~~من جوانب الإنسان.» # وعندما انتهى الراهب من حديثه قفل راجعا إلى الكهف وترك الشاب غارقا في بحار التفكير ~~يضرب أخماسا لأسداس، ويقلب وجوه الرأي عساه يهتدي إلى معنى لكل ما رآه، وأخيرا لم ير ~~بدا من إطاعة أمر الراهب إطاعة عمياء كما أوصاه عرابه، فصار ينقل الماء بفمه ويسقي ~~الأعواد طول يومه حتى أعياه التعب وأخذ منه الجوع كل مأخذ، فسار إلى الكهف ليطلب منه ما يسد ~~به الرمق، ولكنه ما كاد يدخل الكهف حتى رأى الراهب جثة هامدة، فهاله الأمر وأسقط في يده لا ~~يدري ما يصنع. # وأخيرا تمالك روعه، وأخذ ينقب في أطراف الكهف حتى إذا أصاب شيئا من الخبز الناشف أكله ~~ونام ليلته بالقرب من جثة الراهب، وعند الصباح قام إلى فأسه وحفر قبرا للراهب بالقرب من ~~الكهف، وبينما هو في عمله رأى جمعا من الناس جاءت لتزور الراهب ومعهم بعض الزاد كعادتهم، ~~فأخبرهم بموته، فأسفوا عليه وعاونوه بدفنه في الحفرة التي أعدها له من قبل، ثم ودعه ~~الحاضرون بعد أن تركوا ما معهم من الزاد، وقد وعدوه بزيارته من حين لآخر كما كانوا يزورون ~~ساكن الكهف سلفه. # ومن ثم اشتهر أمره بين سكان الجهات المجاورة ms51 للغابة بأنه لا ينفك عن نقل الماء بفمه من ~~النهر حتى الكهف؛ رياضة للنفس، وكبحا لجماح الهوى، فتقاطروا إليه من كل صوب للتبرك به ~~ومعهم كثير من الهدايا الثمينة، فكان يبقي لديه الضروري منها ويوزع الباقي على الفقراء ~~والمساكين، وكان يمضي نصف يومه في نقل الماء وسقي الأعواد، والنصف الآخر في استقبال زواره ~~العديدين. # مضى عليه حولان لم ينقطع أثناءهما يوما واحدا عن نقل الماء وسقي الأعواد، ولكنها كانت ~~على حالها السابق لم تتغير مطلقا، وبينما كان ذات يوم جالسا في كهفه سمع وقع حوافر جواد ~~وصوت إنسان يغني، فقام إلى الباب ليستطلع الأمر، وإذا به يرى شابا مفتول العضل، عليه سيما ~~الشراسة والشر، فسأله ابن العراب عن نفسه، وعن وجهة قصده، فأجابه الرجل وقد أمسك بزمام فرسه ~~يوقفه: «أنا لص أقطع الطريق على الناس، وكلما قتلت إنسانا كلما ازددت ابتهاجا، فأردد على ~~الدوام الأناشيد التي تردد صداها هذه الجبال.» # ففكر ابن العراب في نفسه يقول: «هذا رجل قد جبل على الإجرام، وطبع على محض الشر، فكيف ~~السبيل إلى إرشاده؟ إنه من السهل إرشاد أولئك الذين يأتون إلي بمحض إرادتهم يعترفون لي ~~بذنوبهم، ويطلبون الصفح والغفران، ولكن كيف الطريق إلى نزع ما كمن في نفس هذا اللص من الشر ~~وهو يفتخر بذنوبه ويتيه عجبا بما يقترفه من الآثام؟!» ثم فكر ثانية وقال في نفسه: «رباه ~~كيف العمل؟ فقد يأوي هذا اللص إلى جهة قريبة من الكهف فيوقع الرعب في قلوب زائريه، وبذلك ~~تضيع الثمرة، فلا أدري كيف أعيش بعدها.» ثم التفت إلى اللص وخاطبه قائلا: «اعلم يا هذا أن ~~الناس يحضرون عندي يلتمسون التوبة والغفران باعترافهم عن ذنوبهم، فلا يفتخرون بها مثلك، ~~فأقلع أنت أيضا عن شرورك وآثامك والتمس التوبة قبل فوات الفرصة إن كنت ممن يخافون الله، ~~وإن لم تك ثمة ندامة في قلبك فلا تقترب هذه الجهة؛ لأن ذلك يوقع الرعب في قلوب الذين يفدون ~~علي، فإن لم ترعو فإن الله كفيل بعقابك.» # فأجابه اللص: «أنا لا أخاف ms52 الله ولا أصغي لهذيانك؛ إذ ليس لك علي أقل سلطان، أنت تعيش ~~بزهدك ، وأنا أعيش باللصوصية، فكلانا يعمل ليعيش، وإذن فالغاية واحدة وإن اختلفت الواسطة، ~~وحري بك أن تدخر ما في نفسك من النصائح للعجائز اللواتي يحضرن مجلسك، أما أنا فلا أخدع ~~بزخارف الأقوال، ولكن بما أنك ذكرتني بعقاب الله فلا يشرق صباح الغد حتى أكون قتلت نفسين ~~ذكرى لهذه النصيحة، وكان بودي أن أقتلك، ولكن لا أريد ذلك الآن، والويل لك إن اعترضت طريقي ~~بعد اليوم.» # ما كاد اللص يتم حديثه ووعيده حتى لوى عنان فرسه وغاب عن الأنظار، ولم يسمع له خبر بعد ~~ذلك، فأقام ابن العراب في كهفه ثمانية أعوام أخرى في هدوء وسلام. ~~••• # جلس ابن العراب في كهفه ذات مساء بعد أن فرغ من سقي الأعواد كعادته مترقبا قدوم زائر، ~~ولكن لم يحضر إليه أحد ذلك المساء، فاكتأب لذلك واستولت على نفسه الهموم والأحزان، وأخذ ~~يفكر في معيشته الجديدة في الكهف، ثم تذكر قول اللص، وكيف عاب عليه التعيش بالزهد ~~والمسكنة، فأنب نفسه ورجع يوبخ ضميره قائلا: «ويح نفسي! ما أشقاها! جئت هنا لأكفر عن ~~خطيئتي، وإذا بي أضاعف ذنوبي وآثامي، نعم قد صدق اللص في قوله: «كلانا يعمل ليعيش؛ أنت ~~بزهدك، وأنا بسفك الدماء، وقتل نفوس الأبرياء.» ليست هذه هي المعيشة التي أتمسك بها لأكفر ~~عن سيئات نفسي، ولم تكن هذه الخطة التي أنتهجها كفيلة بغسل آثامي بماء الطهر والتوبة، فقد ~~كان علي أن أكتفي باليسير من الخبز، ولكن ملك الغرور علي نفسي فأصبحت أرتاح لمدح ~~الناس إياي بالزهد والتقوى، وها أنا ذا قد استولى علي الهم؛ لأني لم أجد بين يدي من يتقرب ~~إلي بالمدح والثناء، كلا، كلا! علي أن أفر من وجه الناس وألتمس المعيشة في ركن آخر من هذه ~~الغابة حيث لا يصل إلي أحد منهم.» # وما وصل من حديث نفسه إلى هذا الحد حتى قام من مكانه وعلى وجهه أمارات العزم الصادق، ثم ~~احتمل سلة الخبز، وأمسك محراثه بيمينه ليحفر لنفسه ms53 كهفا آخر في ركن مهجور من الغابة، وفيما ~~هو في طريقه قابله اللص ؛ ففزع منه ابن العراب وولى الأدبار، إلا أن اللص أسرع فأمسك به ~~وسأله عن قصده، فأجابه أنه يريد اعتزال الناس في ركن من الغابة، فعاد اللص وسأله: «ومن أين ~~لك ما تتبلغ به إذا أنت اعتزلتهم؟» # فقال: «ذلك لا يهمني، بل أعيش بما يقدره لي رب العالمين.» # فسكت اللص ثم أعمل بمهمازه في الجواد واختفى بين أشجار الغابة. # فقال ابن العراب في نفسه: «ما علي لو نصحته مرة ثانية؟! فإنه اليوم ألين عريكة من ذي ~~قبل.» ثم صاح بأعلى صوته: «ما زال أمامك متسع من الوقت للتوبة والندامة فارجع عن غيك يا ~~هذا.» فرجع إليه اللص مشهرا خنجره يريد قتله، ففر ابن العراب من بين يديه وأخذ يعدو في ~~الغابة بملء فروجه، فوقف اللص عن ملاحقته واكتفى بقوله: «هذه هي المرة الثانية وأنت تقف في ~~وجهي أيها العجوز، فحذار؛ فإنك لا تفلت من يدي في المرة الثالثة.» # وفي مساء ذات اليوم عندما ذهب ابن العراب ليسقي الأعواد كعادته كانت إحداها - وهي الأولى ~~- موضع إعجابه واندهاشه؛ لأنه رآها قد اخضر عودها، ودبت الحياة فيها، وافترت عن شجرة تفاح ~~صغيرة، فأشرق جبينه، وعاد إليه الأمل، وقد أيقن أنه سائر في سبيل التكفير عن خطاياه، ونظر ~~ذات يوم إلى السلة التي احتملها من الكهف السابق وإذا بها فارغة ليس بها شيء من الخبز، ~~فتسلل إلى الغابة يبحث عن نبات أو ثمر يعيش عليه، وإذا به يرى سلة أخرى من الخبز معلقة على ~~أحد الأغصان، فأخذها وعاد إلى كهفه وعاش عليها مدة من الزمان لا يعكر صفو حياته إلا وعيد ~~اللص؛ إذ كلما تذكر تهديده ترتجف أعضاؤه فرقا؛ خوفا من أن يقضي اللص عليه قبل تكفير ~~ذنوبه، إلا أنه فكر في نفسه ذات يوم فقال: «أنا أجرمت، ومع ذلك أهاب الموت، ألا يمكن أن ~~تكون إرادة المولى أن أكفر عن خطيئتي بالموت؟» # وما وصل من مناجاة نفسه إلى هذا الحد حتى ms54 سمع صوت اللص يصخب ويلعن كمن يخاطب شخصا آخر، ~~فقال في نفسه: «إنما الخير والشر بيد الله.» وقام لوقته يريد مقابلة اللص فرآه ممتطيا فرسه ~~وقد أردف خلفه رجلا آخر مكبل اليدين والرجلين يوسعه لكما وضربا ويستنزل عليه اللعنات طول ~~الطريق، فوقف ابن العراب في وجهه وصاح به: «إلى أين أنت ذاهب بهذا الرجل؟» ~~- «هذا ابن أحد التجار أبى أن يعترف لي أين أموال أبيه، ولكني سوف أذيقه كل صنوف العذاب ~~حتى يقر لي بالمكان.» # ثم أعمل المهماز في جواده يريد السير، ولكن ابن العراب كان ممسكا بالفرس بكل قوته، فلم ~~يدعه يمر وقال له بلهجة الغاضب: «دع هذا الرجل وشأنه.» # عند ذلك استشاط اللص من الغضب، ورفع يده يريد لطمه وهو يقول: «أتريد أن تذوق طعم العذاب ~~الذي أعددته لهذا الرجل؟! تنح عن طريقي وإلا قتلتك شر قتلة.» # ولكن ابن العراب لم يتزعزع من مكانه، بل وقف ثابت الجأش وأجاب اللص بقوله: «لا أدعك تنقل ~~خطوة واحدة دون أن تمر على جثتي وتطأها بسنابك جوادك، فأنا لا أخاف سوى رب العالمين؛ فهو ~~الذي يثبت قدمي الآن لأجاهد في سبيل الخير، فلتكن مشيئة الله.» # فأطرق اللص واجما! ثم أخرج سكينا صغيرا قطع به قيود الشاب، ونظر إلى الرجل وابن العراب ~~وهو يقول: «اغربا الآن عن وجهي، وحذار أن تقف في طريقي مرة أخرى أيها العجوز.» # فقفز ابن التاجر وانطلق يعدو في الغابة، أما اللص فكان على وشك أن يعلو جواده ثانية حينما ~~أمسك الراهب بطرف ثوبه وأخذ في نصحه وإرشاده، وكان اللص في هذه المرة مطرقا لا ينبس ببنت ~~شفة، إلا أنه عاد فهز رأسه ثانية، وركض بجواده نحو الغابة. # وفي اليوم التالي لهذه الحادثة وجد الراهب أن الحياة دبت في العود الثاني ونمت شجيرة ~~تفاح أخرى بجانب الأولى. # مرت على هذه الحادثة عشرة أعوام وقد جلس ابن العراب ذات يوم في كهفه بطمأنينة وسلام وقلبه ~~يطفح بشرا وسرورا، ولا يعكر صفو هنائه خوف أو طمع، وكان يفكر في نعم ms55 المولى على عباده، ~~وكيف أن الله - جلت قدرته - هيأ لهم كل ما فيه غبطتهم وسعادتهم، وأنهم هم الذين يوردون ~~أنفسهم موارد البؤس والشقاء، ويعملون على تعكير صفو الحياة بأطماعهم وشرورهم، ثم انتقل ~~بفكره إلى الإنسان وما جبل عليه من شر، وإلى الحياة الاجتماعية وما فيها من أمراض وآلام ~~فقال في نفسه: «عار علي ألا أبرح مكاني هذا، بل علي أن أسعى في الأرض أرشد الناس إلى ~~الطريقة المثلى لنزع الشر من بين جوانبهم!» # وبينما هو غارق في هذه الهواجس إذا باللص يمر من أمامه، فتركه يمر دون أن يتعرض له، بل ~~قال في نفسه: «إن الكلام مع مثله لا يجدي نفعا؛ لأنه لا يفقه لما أقول معنى.» ولكنه ما لبث ~~أن غير عزمه وقام مسرعا خلف اللص فرآه مغبر اللون، مطرق الرأس، خاشع البصر؛ فأشفق عليه ~~ووضع يده على ركبته وخاطبه قائلا: «كن رحيما بنفسك يا أخي، إنك طالما عثت في الأرض ~~فسادا، وأهلكت نفوسا بريئة، وكنت شرا ووبالا على الإنسانية، ومع ذلك فإن الله رحيم ~~بعباده، يقبل توبة التائب، ويعفو عن إساءة المسيء، فهلا رجعت عن ضلالك، وأشفقت على البقية ~~الباقية من حياتك؟» # فوجم اللص لا يتكلم ثم عاد يريد السير ثانية وهو يقول: «دعني وشأني.» ولكن ابن العراب لم ~~ييأس، بل طفرت من عينه دمعة سخينة مسحها بطرف ردائه، وأقبل على إرشاده ونصحه، فنظر اللص ~~إليه طويلا، ثم رمى نفسه عن جواده، وركع أمامه يقول: «ها أنت يا سيدي قد ملكت علي نفسي ~~وظفرت بها أخيرا بعد أن قاومتك عشرين عاما، فافعل بي ما تشاء، فإني رهن إشارتك؛ إذ لا ~~طاقة لي بأكثر من ذلك، قد استفزني الغضب عندما وقفت في طريقي تريد نصحي وإرشادي في المرة ~~الأولى، ولكن ما كدت تعتزل الناس وتزهد في أعطياتهم؛ حتى أخذت أقدر أقوالك ونصائحك حق ~~قدرها؛ إذ علمت أنك لم تنصحني لغاية أو فائدة، وإنما قلت ما قلته لمحض الخير والإحسان، ~~ومنذ ذلك اليوم قدرت جهادك حق قدره، وساقني عامل الإعجاب ms56 بك إلى إحضار الخبز إليك في سلة ~~كنت أعلقها على غصن إحدى الأشجار القريبة من كهفك.» # فتذكر ابن العراب عند ذلك تلك الحادثة التي مرت به عندما كان بضيافة المرأة، وكيف أنها لم ~~تتمكن من تنظيف المائدة إلا بعد أن غسلت تلك الخرقة التي كانت تمسح بها، كذلك هو لم يتمكن ~~من تطهير قلب غيره إلا بعد أن طهر ذات نفسه، ثم استطرد اللص حديثه قائلا: «ولكن حتى ذلك ~~الوقت كنت معجبا بك فقط، ولم تؤثر نصائحك في نفسي تأثيرها المطلوب إلا بعد ما علمت أنك لا ~~تهاب الموت.» # فتذكر ابن العراب حينئذ ما رآه من أمر الصناع الذين كانوا يحاولون إحناء القطعة الخشبية، ~~وأنهم لم يتمكنوا من ذلك إلا بعد أن ثبتوا الكتلة في مكانها تمام الثبات، فعلم أن نصائحه لم ~~تؤثر في اللص ذلك التأثير البليغ إلا بعد أن طرح عن نفسه رداء الخوف من الموت، وأشعر قلبه ~~حلاوة الإيمان الصادق، ثم ختم اللص حديثه قائلا: «ولكن لم يحترق قلبي بنار التوبة والإخلاص ~~إلا حينما رأيتك تشفق علي وتبكي لأجلي!» # عند ذلك أخذ ابن العراب بيده وذهب به حيث الأعواد الثلاثة فرأى أن الحياة قد دبت في ~~الثالثة أيضا، فأشرق شعاع الأمل بين جوانب نفسه، وعلم أن الله قد تقبل توبته، وغفر خطيئته، ~~وتذكر كيف أن الرعاة لم تتمكن من إحراق الأعشاب وإضرامها إلا بعد أن ذكت النار تماما، فعلم ~~أن اللص لم تتم توبته إلا بعد أن ذكت نفس مرشده تماما، عند ذلك قضى نحبه قرير العين هنيء ~~البال، بعدما أفضى إلى اللص بكل ما علمه وتعلمه، ثم أوصاه بإرشاد الناس إلى طريق الخير ~~بالقدوة الصالحة والمثل الطيب. # | الحكاية الخامسة # مكيدة شيطانية # وأما الخمر فهي تزيل عقلا # فتحت به مغالق مبهمات # ولو ناجتك أقداح الندامى # عدت عن حملها متندمات # تذيع السر من حر وعبد # وتعرب عن كنائن معجمات # فإن هلكت خروسك أم ليلى # فما أنا من صحابك واللمات # فعنك تعود أبنية المعالي # وأطلال النهى متهدمات # وقد يضحي ms57 صحابك أهل سجن # وتلقين الكئوس محطمات # للمعري # في صباح ذات يوم خرج قروي من كوخه الحقير يحمل تحت إبطه فطور ذلك اليوم موليا وجهه نحو ~~الحقل الذي ما كاد يصل إليه حتى خلع معطفه ورماه تحت إحدى الشجيرات بعد أن لف فيه ما معه من ~~الخبز، ثم شرع في العمل، وبعد هنيهة أنهكه الجوع وأضنى التعب جواده، فأطلق سراح الجواد وجلس ~~هو ليأكل ما أعده للفطور، ولما تفقد الخبز لم يجده بين طيات ثيابه، فأخذ يقلب المعطف بين ~~يديه ويدقق النظر في كل جزئياته، ولكنه عبثا كان يحاول؛ إذ إن الشيطان كان قد سبقه إلى ~~الشجيرة، وسرق ما في المعطف من الطعام، ثم جلس منتظرا صخب القروي ولعناته على سارق الخبز، ~~إلا أن فأله قد خاب؛ لأن القروي مع ما داخله من الأسف لم يتأثر كثيرا لفقد الطعام، بل ~~اكتفى بقوله: «ما علي لو صبرت؛ فإن الجوع ليس بقاتلي، وربما كان الآخذ في حاجة إلى ذلك ~~الخبز، فليهنأ به.» قال هذا القول وذهب توا إلى بئر قريب منه؛ حيث أطفأ ظمأه، وارتاح ~~قليلا من وعثاء العمل، ثم عاد فأمسك بعنان جواده واستأنف العمل ثانية. # أما الشيطان فقد استاء من عمل القروي؛ إذ رآه أعقل من أن يقع في الخطيئة؛ فأسرها في ~~نفسه، وعزم أن يخبر رئيسه بالأمر، وبالفعل ذهب من وقته إلى إبليس وقص عليه الحكاية، وكيف أن ~~القروي لم يعبأ بفقد الخبز ولم يسخط على آكله، بل تمنى له الهناءة والسرور، فما كاد إبليس ~~يسمع ذلك حتى غلى مرجل حقده، وانتهر تلميذه قائلا: «إنما اللوم في ذلك راجع عليك؛ لأنك لم ~~تقم بمهمتك كما يجب، واعلم أن القرويين إذا ابتدءوا ينهجون على هذا المنوال، واقتفى أثرهم ~~في ذلك زوجاتهم فالويل لنا نحن معاشر الأبالسة، فالأمر خطير لا يجمل بنا أن نتغافل عنه، ~~فانكص على عقبيك سريعا وأصلح خطأك هذا، وإن لم تنتصر على ذلك القروي الساذج في ظرف ثلاث ~~سنين، فسوف أريك كيف يكون جزاء الإهمال.» فعاد الشيطان إلى ms58 الأرض مسرعا وهو ينتفض فرقا ~~وقد تقطعت نياط قلبه من تهديد الرئيس، وأخذ من وقته يفكر في حيلة يوقع بها ذلك المسكين في ~~حبائله، وأخيرا اهتدى إلى مشروع وجده كفيلا بنجاحه، فتزيا بزي أحد العمال وتمكن من أن ~~يدخل في خدمة القروي. # وفي عامه الأول نصحه بأن يبذر حبوبه في أرض رطبة، فعمل القروي بنصيحته، وكان الجو من حسن ~~حظه جافا؛ فأنتجت الأرض محصولا جيدا، فتمكن من ملء مخازنه، وأصبح لديه كميات وافرة من ~~القمح تزيد عن حاجاته، وفي عامه التالي عاد إليه الشيطان ينصحه بأن يبذر حبوبه على ربوة من ~~الأرض، ثم جاء وقت الحصاد وكان الصيف رطبا؛ فاستفاد القروي من النصيحة وتوفر لديه شيء كثير ~~من القمح يربو عما جناه في عامه السابق، فحار في أمره ولم يدر ماذا يصنع بكل ذلك القمح ~~الكثير، فوسوس إليه الشيطان أن يستخرج منه نوعا من الخمر ففعل، وكان الخمر المستخرج قويا ~~شديد التأثير، فسر بهذا الاكتشاف وأخذ يشرب منه هو وزوجته، وأهدى إلى أصدقائه الشيء ~~الكثير. # عند ذلك ذهب الشيطان إلى رئيسه فرحا مستبشرا وقص عليه ما فعله لإغواء القروي، فقام ~~إبليس مسرعا ليشاهد الأمر بنفسه، ويتحقق صدق مقاله، ولما وصلا إلى منزل القروي وجدا أن ~~صاحب المنزل يستعد لحفلة ساهرة، دعا فيها كل جيرانه الأعزاء، ثم رأيا وفود المدعوين تقبل ~~إلى المنزل زرافات ووحدانا، وصاحبة الدار قائمة بخدمتهم تقدم لهم كئوس الخمر، وبينما كانت ~~تدور عليهم بالأواني إذا بها قد تعثرت فوقعت الأواني من يدها، وسال الخمر على الأرض، فاحتدم ~~زوجها غضبا، وصاح بها يقول: «ما الذي دهاك أيتها العسراء حتى أهرقت هذه الخمرة اللذيذة على ~~بساط الغرفة؟! أظننت أن ما بين يديك من ماء البئر؛ حتى أخذت في إتلافه وإسرافه؟!» # وما كاد الشيطان يسمع هذه الكلمات حتى غمز رئيسه قائلا: «أسامع أنت كلام ذلك القروي ~~الساذج الذي لم يهتم لفقد كسرة الخبز؟!» وبينما كان القروي ينتهر امرأته ويلومها على ~~فعلتها؛ إذا بقروي فقير دخل عليهم متطفلا واستوى جالسا على ms59 المائدة ينتظر إكرام صاحب ~~الدار، ولما طال به الجلوس تململ صاحب المنزل من جلوسه وتمتم يقول: «أنا ليس في وسعي أن ~~أقدم شرابا لكل من يتطفل على موائدنا.» فسمع إبليس هذه الكلمات وسر في نفسه بهذه ~~النتيجة إلا أن تلميذه قال وهو يبتسم: «انتظر قليلا فسوف ترى ما هو أعجب!» وفعلا ما كاد ~~يتم قوله هذا حتى كان القوم أخذتهم نشوة الخمر، فأصبحوا يخادعون بعضهم البعض بألفاظ ملؤها ~~الملق والرياء، عند ذلك قال إبليس: «إذا كان بعض الخمر يجعلهم على هذه الحال يروغون ~~كالثعالب، ويتملقون بعضهم البعض، ولكنك سوف تراهم عقب الكأس الثانية كالذئاب المفترسة ~~ينهشون لحوم بعضهم البعض.» # فما أتم الشيطان هذه الكلمات حتى كان الشراب يدور على القوم ثانية، ثم ارتفعت من بينهم ~~دواعي الحشمة وأصبحوا يتبادلون وحشي الكلام وقبيح الألفاظ، ثم أدى بهم الأمر إلى ~~المضاربة، فالملاكمة، فتلألأ وجه إبليس بشرا، وهنأ تلميذه بذلك الفوز الباهر قائلا: ~~«هذه هي الخطوة الأولى في سبيل النصر.» فأجابه تلميذه: «انتظر حتى النهاية تر ما هو أغرب، ~~فإنهم الآن كالذئاب يكاد أحدهم يفترس صديقه، ولكنك سوف تراهم كالخنازير عقب الكأس ~~الثالثة.» # عندها دارت الكئوس عليهم مرة ثالثة، فعلت أصواتهم وزاد صخبهم، وأصبح كل منهم يلعن ~~ويشتم بلا سبب ومن غير داع، وبعد برهة وجيزة انفرط عقد جمعهم وأخذوا ينسلون من مكان الدعوة ~~جماعات ووحدانا، يترنحون سكرا ويتمايلون ذات اليمين وذات الشمال، ثم ذهب المضيف أثرهم ~~ليشيعهم، ولكنه ما كاد يخطو بضع خطوات حتى تعثر في مشيته، فوقع في حفرة مملوءة بالأوحال، ~~وتلطخ بها من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، فازداد إبليس لهذا المنظر بهجة وسرورا، والتفت إلى ~~تلميذه يقول: «لله درك! فلقد كان نجاحك باهرا وفوزك مبينا، ولكن، خبرني: كيف صنعت هذا ~~الشراب؟! فلا ريب أنك أضفت إليه بضع نقط من دم الثعالب؛ وهذا ما حدا بهم لأن يروغوا ~~ويتملقوا بعضهم البعض في الكأس الأولى! ثم أظن أنك أضفت إليه بعضا من دم الذئاب؛ إذ كان ~~نتيجة ذلك أنهم أصبحوا كالذئاب ms60 العاوية! وأخالك أتممت العمل بوضع نقط من دم الخنزير حتى ~~أصبحوا يماثلون الخنازير عقب الكأس الثالثة.» # فقال الشيطان: «كلا، فإنك لم تصب كبد الحقيقة، فليست هي الطريقة، وكل ما في الأمر أني ~~بذلت ما في وسعي لأن أجعل ذلك القروي يملك حبوبا أكثر مما يحتاج إليها؛ فالإنسان يجول في ~~عروقه دماء الحيوانية على الدوام، وتظل هذه الغريزة كامنة في نفسه طالما كان يملك من حطام ~~الدنيا أقل من ضرورياته، يدلك على ذلك ما أظهره القروي عندما تحرشت به في مبدأ الأمر، ولكنه ~~ما كاد يتوفر لديه أكثر مما يحتاج إليه حتى عماه الغنى وتمادى به الغرور، فأخذ يبحث عن ~~دواعي الملاهي والسرور، وهنا سنحت الفرصة لإغوائه؛ فأخذت بيده إلى طريقة من طريق الغواية؛ ~~إذ أرشدته إلى صنع الخمر، فاستلذها المسكين لسوء حظه، وشربها عذبة سائغة، فكان في ذلك ~~كالساعي إلى حتفه بظلفه، فإنه ما كاد يكفر بأنعم الله حين أعطيته خمرة تذهب برشده حتى ظهر ~~ما كمن في نفسه من تلك الدماء الخبيثة - دماء الحيوانية - فأصبح وحشا ضاريا بعد أن كان ~~بشرا سويا، وهو يظل كذلك وحشا مفترسا بعيدا عن مناهج الإنسانية طالما يعاقر تلك ~~المادة الدنسة.» # | الحكاية السادسة # ثلاثة أسئلة # أراد أحد الملوك مرة أن يقف على إجابة ثلاثة أسئلة جالت بخاطره، وظن أنه إن تم له ذلك فلا ~~يكون الفشل حليفه قط في أي مشروع يأخذ على عاتقه القيام به، وما كاد هذا الفكر يستقر في ~~فؤاده حتى أعلن في طول البلاد وعرضها أن من يجيب الملك على أسئلته الثلاثة الآتية ينال ~~جائزة قيمة، أما الأسئلة فهي: ~~(1) # كيف يعرف الإنسان الوقت المناسب للشروع في أي عمل؟ ~~(2) # من هم الذين يجب الثقة بهم أو الابتعاد عنهم؟ ~~(3) # كيف يتسنى له معرفة أهم الأشياء التي يشتغل بها؟ # وما كاد هذا يذاع في المدائن حتى تقاطر إليه العلماء من كل صوب، إلا أنهم ذهبوا في ~~إجاباتهم مذاهب شتى. # فقال أحدهم إجابة عن السؤال الأول: «إذا أراد الإنسان أن يعرف حقيقة الوقت المناسب ms61 لبدء ~~كل عمل فما عليه إلا أن يخط جدولا يكتب فيه أسماء الأيام والشهور والسنين محسوبة مقدما، ~~ويواظب تماما على العمل به، وبذلك يمكنه أن يؤدي كل عمل في وقته المعين.» وقال آخرون: «إن ~~من المحال لأي إنسان أن يتنبأ بالوقت المناسب لكل شيء، وإنما الواجب عليه أن يراقب بكل دقة ~~وانتباه مجرى سير الأحوال التي تحيط به، ومتى علم ذلك صار من السهل عليه معرفة أي الأشياء ~~أكثر أهمية؛ فيبدأ بها في وقتها.» إلا أن بعضهم اعترض عليهم فقال: «مهما يكن الملك يقظا ~~وواعيا لكل ما يحدث حوله فإنه لا يتوصل لمعرفة ذلك إلا بعقده مجلسا يتضمن كبار العلماء ~~والعقلاء؛ ليساعدوه بأفكارهم على تحديد الوقت المناسب.» فرد عليهم آخرون بأن هناك كثيرا من ~~المسائل التي يجب البت فيها في الحال، ولا يمكن إرجاؤها حتى ينظر فيها المجلس؛ فالطريقة ~~المثلى لمعرفة ذلك هي التنبؤ بحوادث المستقبل، وبما أن هذا لا يفقهه إلا السحرة فالأجدر ~~بالإنسان مشاورتهم في الأمر. # وكان ما أصاب الإجابة عن السؤال الثاني من الاختلاف لا يقل عما أصاب سابقه؛ فقال أحدهم: ~~«إن أنفع الناس للملك وأجدرهم بثقته هم وزراؤه ومستشاروه.» وقال آخرون: «الكهنة ورؤساء ~~الدين.» وقال ثالث: «نطس الأطباء.» وقال رابع: «إن المحاربين وطائفة المجاهدين هم الأكثر ~~ضرورة للملك دون سواهم.» # أما السؤال الثالث فكان نصيب الإجابة عنه من تباين الآراء كذلك ما لا يقل عن سابقيه، ~~فأجاب بعضهم بأن أنفع الأشياء للملك هو العلم، وقال ثان المهارة في الفنون الحربية، وقال ~~غيره الاشتغال بالأمور الدينية. # ولما رأى الملك اختلاف العلماء وتباين أفكارهم؛ لم يقتنع بإجابتهم، فلم ير أحدا منهم ~~جديرا بالجائزة المعدة، ولما لم يجد الملك ضالته المنشودة في من وفد إلى حضرته من العلماء، ~~وكانت رغبته تزداد في الوقوف على أجوبة صحيحة لأسئلته الهامة؛ عمد إلى المفاوضة مع ناسك ~~مشهور بوافر عقله وغزير حكمته فقام لوقته وارتدى ملابس بسيطة؛ لأن هذا الناسك لا يقابل إلا ~~العامة، ثم سار نحو الغابة التي اتخذها ذلك العابد مسكنا ms62 لا يبرحه، ولما دنا من صومعته ~~ترجل عن جواده، وذهب إليه وحيدا تاركا وراءه جنده وحراسه. # قرب الملك منه فوجده يحفر في الأرض أمام كوخه، فلما وقعت عينا الناسك عليه حياه واستمر ~~في عمله، وبالنسبة لضعف جسمه ونحوله كان كلما جرف بمجرفته قطعة من الأرض علت زفراته وتصعدت ~~أنفاسه، فتقدم نحوه الملك مخاطبا إياه: «إني أتيت إليك أيها الناسك العاقل ملتمسا منك ~~الإجابة عن ثلاثة أسئلة، فهلا توليني سرورا بتحقيق أمنيتي؟» فأصغى إليه الناسك، إلا أنه لم ~~يجبه بكلمة واحدة واستأنف الحفر، فزاد الملك قائلا: «إني لأخالك قد تعبت الآن فأذن لي ~~بالاشتغال برهة حتى تستعيض بعض قوتك.» فشكره الناسك وأعطاه المجرفة وجلس هو ليستريح، وبعد ~~أن جرف الملك مرتين توقف وأعاد أسئلته ثانيا، فلم يعره الناسك أقل انتباه ولم ينبس ببنت ~~شفة، وقام لوقته ومد يده للمجرفة يطلبها من الملك إلا أن هذا أبى أن يعطيه إياها، واستمر في ~~الحفر حتى مضت ساعتان وابتدأ قرص الشمس أن يختفي وراء الأشجار، وإذ ذاك توقف الملك عن العمل ~~وقال للناسك: «إني قصدتك أيها الحكيم لتجيبني على أسئلتي، فإن لم يكن لك علم بها فأخبرني ~~حتى أنصرف وأعود من حيث أتيت.» فقال الناسك بلهجة تدل على الاهتمام: «التفت، ألا ترى رجلا ~~مقبلا يعدو نحونا؟! ها هو! يجب أن نعرف أولا من هو.» فالتفت الملك فرأى رجلا ذا لحية ~~طويلة يتقدم مسرعا نحوهما واضعا كلتا يديه على بطنه، والدم يسيل من تحتهما. # ما كاد هذا الغريب يصل حيث يجلس الملك حتى خر على الأرض يصرخ من الألم ويئن أنات متواصلة، ~~ففك الملك والناسك ثيابه المضرجة بالدماء، وألفيا جرحا بليغا يتدفق منه الدم، فعني به ~~الملك، وضمد جراحه بمنديله ومنشفة كانت عند الناسك، ولكن مع كل هذا لم تقف حركة خروج الدم؛ ~~لذلك كان الملك نفسه يزيح العصابة ويمتص الدم بحرارة زائدة، ويغسل الجرح مرات عديدة، ثم ~~يعيد إليه الضمادة ثانية، وهكذا حتى انقطع الدم وانتعش الرجل، وطلب جرعة ماء، فأحضر الملك ~~له الوعاء ms63 وأسقاه منه كفايته، وفي ذلك الوقت مالت الشمس إلى المغيب وأقبل الليل بنسماته ~~الباردة، فحمل الملك والناسك الجريح وأدخلاه الكوخ، وما كادا يوسدانه الفراش حتى أطبق ~~عينيه واستغرق في سبات عميق، أما الملك فقد أعيته مشقة العمل وأنهكه تعب الحركة، فجثا لوقته ~~عند مدخل الكوخ، واستسلم أيضا لنوم هادئ طويل. # مضت تلك الليلة ونام الملك فيها ملء جفنيه، ولما استيقظ في الصباح أراد أن يعيد إلى ~~ذاكرته حوادث الليلة الماضية، إلا أنه قبل أن يتذكر أين هو، ومن ذاك الغريب النائم على ~~الفراش الناظر إليه بعينين براقتين؛ سمع صوتا ضعيفا يقول: «سامحني.» فعلم أنه صوت ذلك ~~الغريب الجريح، فالتفت إليه وقال: «يلوح لي أن ليس بيني وبينك سابق معرفة؛ فعلام تطلب ~~مسامحتي؟!» فقال: «نعم، إنك لا تعرفني، ولكني أعرفك حق المعرفة، فأنا عدوك الألد الذي حلف ~~لينتقمن منك؛ لأنك أعدمت أخاه، واغتصبت أملاكه، وقد علمت بمجيئك إلى هنا منفردا، فعزمت ~~على قتلك عند أوبتك، ولكني عندما رأيتك لم ترجع وقد انقضى اليوم خرجت من مكمني لأفتش عنك ~~عسى أن ألتقي بك، وإذا بحراسك قد عرفوني، فأطلقوا علي بعض غداراتهم وأصابوني، فهربت من ~~أمامهم والدم يتدفق والآلام تزداد، حتى رماني الله بين يديك؛ فضمدت جرحي، وعطفت علي، فما ~~أطهر قلبك وأرق عواطفك! يا رباه! إني أتيت لأقتلك، ولكنك أنقذتني من الموت وبعثت في ~~الحياة ثانية، فلأشكرنك ما حييت، ولن أنسى هاتيك الأيادي البيضاء ما دام في عرق ينبض، ~~ولي لسان ينطق، ولأكونن لك الخادم المطيع والعبد الأمين ما دمت أستنشق نسمات الحياة، وسآمر ~~أولادي أن يقتفوا أثري من بعدي؛ فنوقف حياتنا جميعا لخدمة الملك.» # ولا تسل عن سرور الملك وقتئذ؛ فقد كان عظيما ولا شك في ذلك؛ فإن الصلح الذي عقده مع عدو ~~من ألد خصومه بدون أن يبذل في سبيله أقل مجهود يعد حقا صفقة رابحة له، كيف لا وإنه بذلك ~~الصلح اجتز أسباب البغضاء التي أضرمت في فؤاد ذلك العدو نار العداء، واقتلع بذور الشحناء ~~التي نبتت في قلبه ms64 على توالي الزمن، وأقام مكانها في رحبة ذلك القلب نفسه قصور المحبة ~~تظللها أشجار الطاعة ودوحات الإخلاص؟! ثم أمر طبيبه الخاص أن يعنى بالجريح عناية تامة، ~~ووعده برد كل أملاكه الضائعة، وبعد أن استأذن الملك من الجريح بالانصراف عزم على الرحيل، ~~إلا أنه ود أن يقابل الناسك لآخر مرة؛ عسى أن يهديه إلى ضالته المنشودة، فوجده يبذر الحب في ~~الأرض، فلما قرب منه قال له: «أتوسل إليك للمرة الأخيرة أن تجيبني على أسئلتي حتى يطمئن ~~بالي، وتكون قد أسديت لي جميلا لا أنساه.» # فرفع الناسك إليه بصره وقال: «إنك لقد أجبت ~~تماما على كل أسئلتك.» فدهش الملك وقال متعجبا: «كيف ذلك؟! وماذا تعني؟!» فرد عليه الناسك ~~بقوله: «ألم تر أنك لو لم تعطف علي بالأمس ولم ترحم شيخوختي وضعفي وتركتني أقاسي آلام ~~العمل وحدي فإن عدوك كان - لا بد - قاتلك، وإذ ذاك كنت تعض أصبع الندم حسرة على عدم بقائك ~~معي، فاعلم إذن أن أثمن أوقاتك هو وقت اشتغالك بالحفر، وأنفع رجل وقتئذ هو أنا، وإسداؤك ~~الخير هو أهم ما اشتغلت به. # ثم عندما وصل إلينا الرجل يتخبط في دمائه كان أهم وقتك وقت اعتنائك به؛ لأنك لو لم تضمد ~~جراحه لقضى نحبه بدون أن تطفئ نار بغضائه، وتحول عداوته المرة إلى صداقة متينة وطاعة ~~دائمة، وإذ ذاك كان الجريح بطل ذلك الوقت، وما قدمته له من أيادي الخير أهم الأشياء وأنفعها ~~لديك وأكثرها فائدة لك، فاعلم جيدا أن ليس هناك إلا وقت واحد هو من الأهمية بمكان، وذلك ~~الوقت هو (الآن) أو البرهة التي أنت فيها، وما هذا إلا لأنك تكون فيه مالكا ومستجمعا لكل ~~قواك الحالية، وأهم رجل هو من تتكلم معه؛ لأنك لست عالما بما هو مسطر لك في سجل القدر، ~~وفعلك الخير له أنفس ما تشتغل به؛ لأن لهذا الغرض وحده دون سواه ظهر الإنسان على مسرح ~~الحياة.» # | الحكاية السابعة # إلياس # هناك تحت ظل حكومة أوفا عاش رجل يدعى إلياس، مات والده بعد أن أتم تأهيله ms65 بحول كامل، غير ~~تارك وراءه إلا ثروة واسعة لا تزيد على سبعة أفراس ، وبقرتين، وما يقرب من العشرين رأسا من ~~الغنم، إلا أنه فوق ذلك خلف لفلذة كبده الحزم والجد؛ فكانا نعم الثراء وحبذا الإرث العظيم، ~~أجل فقد كان إلياس حازما مجدا، لا يدع فرصة تمر بدون اقتناص، ولا يني في المثابرة على ~~إصلاح شئونه، فكان يقوم مبكرا والناس نيام، ويدلف إلى فراشه بعد أن يهجع كل إنسان، وجده ~~وحزمه كانا كفيلين بتوسيع نطاق ممتلكاته وازدياد ثروته التي بلغت في نهاية الخمسة والثلاثين ~~عاما مائتين من الخيل، ومائة وخمسين رأسا من الماشية، وألفا ومائتين من النعاج، فضلا ~~عمن كانوا يمرحون في مزرعته من الرجال المأجورين، والنساء المأجورات، أولئك لرعاية ماشيته ~~وقطعانه، وهؤلاء لحلب بقره وأفراسه، وعمل الكومس، # 1 # واستخراج الجبن والزبد. # ومن ذلك الوقت بسم له الدهر فأصبح إلياس رب ثروة وافرة، وصاحب أملاك واسعة، حسده عليها ~~جيرانه ومواطنوه فقالوا عنه: «إلياس رجل مبخت حالفه الجد؛ فرافقته السعادة، وأقبلت عليه ~~الدنيا، فأصبحت طوع بنانه.» ثم ذاع صيته وعلت شهرته وتهافت على زيارته كثيرون من سراة ~~القوم، وتسابق إلى معرفته العدد العظيم ممن ودوا التقرب منه، فكان يكرم مثواهم ويذبح لهم ~~الذبائح، ويقدم لهم كل شهي من الطعام ولذيذ من الشراب. # لم يرزق إلياس إلا ولدين وابنة كانوا عضده الأقوى أيام بؤسه، يفلحون له الأرض، ويرعون ~~الماشية، ويباشرون كل أعمالهم بأنفسهم، أما وقد ارتاش إلياس فقد تصارعت بين نفسيهما عناصر ~~المفاسد، ثم لقي أكبرهما مصرعه في عراك، وأدمن الآخر على تعاطي المسكرات، وانقاد لامرأته في ~~عدم إطاعة أبيه والإذعان لأوامره، فانفصل عنه بعد أن لم يطق معه صبرا، وقد منحه إلياس ~~منزلا يأويه، وجاد عليه ببعض الماشية؛ كي تعاونه على الحياة، فكانت هذه التجزئة سببا في ~~تصغير ثروته وفاتحة لمصائب جمة، فعلى أثرها انتشر وباء فتاك حصد كثيرا من أغنامه، وتلا ذلك ~~سوء محصول القمح، ثم أغارت عليه قبائل الكرغيز فسلبته الصافنات من جياده، فأتى هذا ضغثا ~~على آباله، وهكذا نخرت ms66 عوامل الضعف في ذلك الثراء فانهار عليه بنيانه، وأخذت عوامل التلاشي ~~تعبث ببقايا تلك الثروة الدارسة، بينا كان إلياس يوسع الخطا نحو القبر ويئن تحت عبء ~~الشيخوخة الثقيل؛ إذ أربى على السبعين وقد انقطعت عنه أخبار ابنه القاصي، أما الابنة فعدا ~~عليها المنون واختطفها من بين أبويها، وبذلك فقد الشيخ وزوجه آخر نصير لهما في الحياة ~~... # نزلت بهما كل هاتيك المصائب، وأحاطتهما الشدة إحاطة السوار بالمعصم، فألجأتهما إلى بيع كل ~~ما عندهما من بقايا أثاث المجد القديم حتى أصبحا لا يملكان إلا ما يستر عورتهما من ثياب ~~أبلاها الدهر والحدثان، وما هي إلا عشية وضحاها حتى كنت ترى الشيخ وزوجه في حالة يستمطران ~~معها أكف المحسنين ويسألان العطف بعجوزين تقوس ظهراهما تحت عبء الفاقة والكبر، وهكذا ~~أنزلهما الزمان في الحضيض بعد السنام، وصدمهما بكلكله؛ فاسترد ما أعارهما من مجد مؤثل، وعز ~~قديم. # بجوار منزل إلياس كان يقطن محمد شاه رجل طيب القلب كريم الأخلاق، إلا أنه ليس من ذوي ~~الثراء الواسع، ما كاد هذا الرجل يرى ما وصل إليه جاره حتى تذكر مجده الضائع، وكرمه الماضي، ~~وعاودته ذكرى تلك السعادة التي تقلب بين أعطافها زمنا طويلا، فعطف عليهما وقال لهما: «هيا ~~عيشا معي أيها الرفيقان، واشتغلا بقدر ما تسمح به قوتكما، وأنا الكفيل بأمر طعامكما ~~ولباسكما وقضاء كل مهامكما.» فلم يسعهما إلا أن يشكراه على حسن صنيعه، وأصبحا من ذلك ~~الوقت مشمولين برعايته بعد أن انتظما في سلك خدمته. # لقد بدا لهما المركز حرجا والعمل شاقا في أول الأمر، إلا أنهما ألفاه بتأثير العادة، ~~واستمرا يباشران كل ما يقويان عليه من العمل بهمة ونشاط، وكان محمد شاه يرى أن من منفعته ~~الاحتفاظ بمثل هذين العاملين؛ لأنهما تمرنا على كثير من الأعمال، فضلا عما كان يبدو عليهما ~~من اليقظة والنشاط، إلا أنه من جهة أخرى كان كلما تمثلت أمام عينيه شدة السقطة التي لاقاها ~~هذان المنكودان - سقطة المجد من أعلى قمته إلى أعماق هاوية المذلة السحيقة - هز رأسه أسفا ~~وحزنا. # واتفق ms67 مرة أن وفد على محمد شاه بعض أقاربه القاطنين لزيارته وبرفقتهم أحد المتصوفين ~~(ملا )، وبينما هم جالسون يشربون الكومس وإذا بشيخ نقض الدهر مرته يمر من أمامهم، فالتفت ~~إليهم صاحب الدار قائلا: «ألا ترون هذا الرجل؟» فأجابه أحدهم: «نعم، وماذا بعد؟!» فاستمر ~~يقول: «إن اسمه إلياس، ولقد أتى عليه يوم كان فيه أغنى رجل بيننا، وأكبر وجيه في هذه ~~النواحي، أما الآن وقد قلب له الدهر مجنه فأصبح مثمودا ضريكا فقد أشفقت عليه هو وزوجه، ~~وشملتهما بعطفي، وأدخلتهما في خدمتي يشتغلان معي بقدر ما تسمح إرادتهما، وإني لا أخالكم قد ~~سمعتم بهذا الاسم من قبل.» # فقال الزائر: «كيف لا وقد عبقت شهرته في طول البلاد وعرضها؟!» واستمر المضيف يقول: «وهو ~~وزوجه يقيمان معي الآن، ويشتغلان عندي كعاملين.» # فهز الزائر رأسه بعد أن بدت على وجهه علامات الأسف وقال متأوها: «ما أشبه الحظ بدورة ~~الفلك! فهو آونة يرفع المرء إلى سماء السعادة وجنات النعيم، وأخرى يؤدي به إلى مقر البؤس ~~والنحوس، ولكن هل قلبه - يا ترى - مفعم بالحزن والأسى على تلك السعادة المفقودة والثروة ~~الضائعة؟!» فقال محمد شاه: «ومن يدري؟! فهو يعيش عيشة يحوطها الهدوء، وتظللها السكينة، ~~ويباشر العمل بهمة لا تعرف الكلل.» # فقال الضيف مخاطبا صاحب الدار: «أتأذن لي ببضع دقائق أقضيها في محادثة هذا الشيخ لأستجلي ~~بعض أسرار حياته الماضية؟!» ~~- «ولم لا؟!» # فناداه صاحب الدار قائلا: «تعال أيها الشيخ الجليل لتشاركنا في بعض كئوس من الكومس ~~نقدمها إليك.» # فاقترب إلياس محييا سيده وسائر ضيوفه، ثم ناوله كأسا إلا أنه ما كاد يأخذ منها جرعة نخب ~~الحاضرين حتى أعادها مكانها وجلس بجانب الباب، وكذا أتت زوجته وجلست مختبئة وراء الستائر، ~~بعدئذ ابتدأ الضيف في محادثته قائلا: «إننا - على ما أظن - مسيئون إليك بوجودك بيننا، فإن ~~ذلك ربما يذكرك سعادتك الماضية، ويعيد إليك أشجانك الحاضرة.» فتبسم إلياس وقال: «إن أردتم ~~أن أحدثكم عن السعادة والشقاء فلا أظنكم مصدقي، والأحرى بكم أن تسألوا زوجتي فهي امرأة، ~~وكل ما في قلبها يظهر جليا ms68 على لسانها، فكلامها الصدق، وحديثها هو كل ما يختلج في أعماق ~~فؤادها.» # فأدار الزائر وجهه نحو الستائر وسأل زوجة الشيخ: «كيف تقيسين بين سعادتك الغابرة، وشقائك ~~الحاضر؟» فأجابته قائلة: «أصغ إلي؛ فسأفضي إليك بالحقيقة، قضيت أنا وزوجي نحوا من خمسين ~~عاما باحثين عن شيء مفقود منقبين عنه في كل مكان فلم نجده إلا الآن، نعم في هاتين ~~السنتين الأخيرتين فقط منذ فقدنا كل شيء وصرنا عاملين عثرنا على ضالتنا المنشودة، عثرنا ~~على السعادة الحقيقية التي لا مطمع لنا بعدها.» # ما تفوهت المرأة بهذا الحديث حتى التفت كل من الجالسين إلى الآخر التفاتة دلت على ما ~~داخلهم من الاندهاش، إلا أنها استمرت في حديثها بكل تؤدة وهدوء: «مكثنا نصف قرن كاملا ~~ونحن نفتش عن السعادة بين رياش الغنى، وفي قصور الثراء، فلم نعثر عليها إلا الآن؛ حيث ولت ~~هاتيك الأيام كالأشباح، وانصرمت تلك الأوقات المشعشعة بأنوار الثروة.» فسألها الضيف: «كيف ~~ذلك؟! وماذا تعنين بالسعادة؟!» # فأجابته: «ما أشرقت علينا شمس الغنى حتى ظهرت من ورائها المتاعب الجمة، وتوالت علينا ~~الهموم العديدة، كنا نجلس لنفكر في الاهتمام بأمر أنفسنا قليلا، ونود لو تفرغنا لتأدية ~~الصلاة، ولكن هيهات! كنا نحاول النوم ولكن من أين لنا ذلك وجيوش الأفكار تتقفانا؛ فتطرد عن ~~أعيننا الكرى، وأشباح المخاوف والوساوس تتأثرنا فتبعث بنا في ظلمة الليل وسكونه إلى حيث ~~نخاف أن يفترس الذئب فلوا أو عجلا، أو يسرق اللصوص بعض خيولنا ونعاجنا، وهكذا كلما خامر ~~فؤادنا الريب، ولعبت بنا الهواجس؛ دفعنا الحذر إلى الاستيقاظ عدة مرات. # كان يقصدنا الضيوف على اختلاف مشاربهم وتباين طبقاتهم، فكنا نضطر إلى تضييفهم بما نقدمه ~~لهم من أنواع الطعام ومختلف الشراب، وما نتحفهم به من الهدايا الفاخرة؛ حتى نحبس ألسنتهم ~~فلا نكون هدفا لسهام لعنهم، ونسد أفواههم فلا ينزلون علينا وابلا من قذائف اللوم ~~والتقريع. # وفضلا عن ذلك لم يكن هناك توفيق بيني وبين زوجي، فكنا على تباين تام، وكان هذا مبعثا ~~لاضطرام نار الشحناء التي كانت تتأجج ساعات وأياما، هذه كانت حياتنا ms69 سلسلة شقاء متواصل، ~~فمن أين إذن تطرق السعادة بابنا؟! وكيف نتمتع بالرخاء والهناء وهذه حالنا؟! أما الآن ~~فنستيقظ من نومنا متبادلين تحية الصباح، ثم نتناول طعام الإفطار ونخرج إلى العمل؛ حيث نقضي ~~سحابة نهارنا في هدوء شامل لا يكدر صفوه مكدر، وعند الأوبة من العمل نلقى أمامنا من الطعام ~~ما نأكله مريئا، ومن الشراب ما نلذ به هنيئا، وأمامنا متسع من الوقت يمكننا من الاهتمام ~~بأنفسنا وتأدية فرائض العبادة لله، وإذا دلفنا إلى فراشنا ننام ملء جفوننا لا تزعجنا ~~الأحلام، ولا ترهبنا المخاوف والأوهام، فها هي السعادة التي نقبنا عنها نصف قرن ولم نعثر ~~عليها إلا في هذه الأيام.» # ما أتمت المرأة حديثها حتى سخر منها الحاضرون، إلا أن إلياس استفزه الغضب فقال لهم: «لا ~~تسترسلوا في ضحككم أيها الرفاق؛ فليس في الأمر ما يستوجب المجون والمزاح، وما هي إلا حقائق ~~الحياة نسردها لكم، لقد تملكنا الجهل بادئ بدء؛ فانسجمت عبراتنا حزنا على ذلك العز ~~الضائع، ولكنها الحقيقة أراد الله أن يرينا إياها ناصعة، فنحن الآن نقصها عليكم؛ لا لمنفعة ~~نترقبها؛ أو فائدة ننشدها، إنما هي لفائدتكم، وذكرى لمن يذكر.» # فقال الملا: «إن هذه لموعظة بالغة، وقول إلياس الصدق؛ إذ هو موافق لما ورد في الأحاديث ~~المأثورة.» فأمسكوا عن الضحك، وأطرقوا كلهم يفكرون فيما دار بينهم من الحديث. # | هوامش # | الحكاية الثامنة # قمحة في حجم بيض الدجاج # عثر بعض الصبية ذات يوم في أحد الأقبية على شيء يشابه في الشكل حبة القمح في وسطها شق ~~ينتهي بنهايتها، ولكنها في الحجم تبلغ بمقدار بيضة الدجاج، فرآها بعض السابلة في أيدي ~~الصبية واشتراها منهم ببنس واحد، ثم حملها إلى المدينة؛ حيث باعها للملك كعجيبة من عجائب ~~الزمن. # وجمع الملك علماءه وطلب منهم أن يكشفوا له عن حقيقة تلك العجيبة، فأغرق العلماء في ~~التفكير والبحث والتمحيص دون أن يهتدوا إلى الحقيقة، وبقي أمرها خافيا إلى أن طارت نحوها ~~دجاجة وهي في نافذة من نوافذ قصر الملك ونقرتها حتى نقبتها، وعندئذ انكشفت الحقيقة وانجلى ~~السر، ms70 وعلم كل من رآها أنها حبة من القمح! فهرع العلماء إلى الملك وزفوا إليه بشرى ~~الحقيقة. # فدهش الملك حينئذ وطلب إليهم أن يأخذوا في درس هذه القمحة ويخبروه في أي زمان زرعت وفي ~~أي مكان نبتت، فعاد العلماء إلى الدرس والتفكير منكبين على كتبهم للوصول إلى الحقيقة، إلا ~~أنهم لم يفوزوا بطائل، ولم يستطيعوا حل اللغز فقالوا للملك: «لا نستطيع أن نجيبك؛ لأننا لم ~~نعثر في الكتب التي بين أيدينا على تفسير لهذا المعمى، فليأمر مولانا الملك بسؤال ~~الزارعين في هذا الشأن؛ إذ قد يوجد بينهم من سمع شيئا من آبائه عن زراعة القمح في مثل هذا ~~الحجم.» # فأرسل الملك بطلب مزارع من القرويين المعمرين، فبحث عمال الملك عن رجل فيه الأوصاف ~~المطلوبة، وكان ردا شاحب اللون، لم تبق الأيام على هيكله البالي سوى جلد مجعد على عظم ~~دقيق، وكان منحني الظهر يتوكأ على هراوتين تساعدانه على الحركة، فلما مثل بين يدي الملك عرض ~~عليه القمحة، فجعل يفحصها بعينيه الضعيفتين اللتين لم يبق فيهما سوى بصيص ضئيل من نور ~~الإبصار، فسأله الملك: «أيها الشيخ العجوز، أتخبرنا أين تنبت مثل هذه القمحة؟ وهل تذكر أنك ~~اشتريت قمحا من نوعها أو زرعت في حقلك ما يماثلها؟» # وكان الشيخ الفاني مصابا بشيء من الصمم، فلا يسمع إلا بعد جهد، ولا ينطق إلا بمشقة، ~~فأجاب بعد عناء شديد: «كلا، إنني لم أزرع مثل هذه القمحة في حقلي، ولم أشتر ما يشابهها، ~~فالقمح الذي كنا نشتريه صغير الجرم كقمح هذه الأيام، ويمكن الملك أن يسأل أبي؛ إذ ربما يكون ~~قد سمع شيئا عن وجود مثل هذه القمحة.» فأرسل الملك في الحال في طلب أبيه حتى إذا ما مثل ~~بين يديه رأى الملك منه شيخا أقوى من الابن قليلا، ينظر بعينين أكثر بريقا من عيني ~~الابن، ولا يعتمد في سيره إلا على هراوة واحدة، فسأله القيصر عندما عرضت عليه القمحة ~~لفحصها: «أتعرف أيها الشيخ أين تزرع مثل هذه القمحة ومتى زرعت، وهل اشتريت ما يماثلها في ms71 ~~زمنك؟» # وكان هذا العجوز أحسن سمعا من الابن فأجاب على الفور: «لم أزرع ولم أحصد مطلقا مثل هذا ~~القمح في حقلي، أما أني اشتريت قمحا فلم يحصل في زمني؛ لأن النقد كان غير مستعمل في عهدي، ~~وكان كل منا يزرع ما يحتاج إليه من الحنطة، ويبادل على الحاجيات الأخرى بالقمح الزائد عن ~~حاجته، لا أعلم أين كان يزرع مثل هذا القمح؛ لأنني لم أر له مثيلا، وفي عهدنا كان القمح ~~أكبر حجما، وأوفر برا، إلا أنه لم يكن في هذا الحجم، غير أنني سمعت من أبي أن قمح زمانهم ~~كان أكبر حجما، وأوفر برا من قمح زماننا، ويجدر بك أن تسأله في هذا الشأن.» # فبعث القيصر في أثر والد هذا الشيخ، وما عتم أن جاء على قدميه لا يتوكأ على هراوة، ولا ~~هراوتين، وكان براق العينين يتكلم بوضوح بلا تلجلج، وعندما أعطاه الملك حبة القمح تناولها ~~وجعل يقلبها بين أصابعه قائلا: «لقد طال العهد، ولم أر قمحة من هذا الصنف.» ثم أخذ منها ~~قطعة بثناياه فتذوقها، وأضاف قائلا: «إنها بلا ريب من قمح ذلك الزمن.» # فقال له الملك: «أخبرنا يا جد الجدود أين كان ينبت مثل هذه القمحة؟ وهل اشتريت ما يماثلها ~~في عصرك؟ وهل زرعت ما يضارعها في حقلك؟» # فأجاب الشيخ العجوز: «إن مثل هذا القمح كان يزرع في كل مكان في عهدنا، وقد نشأت عليه ~~وزرعته بنفسي وحصدت منه بيدي طول تلك الأزمان الغابرة.» # فسأله الملك: «وهل اشتريت مثل هذا القمح في زمنك؟» # فابتسم الشيخ وقال: «لم يفكر أحد من أبناء ذلك العصر في اقتراف مثل هذا الإثم؛ إذ كنا لا ~~نعلم شيئا عن التعامل بالنقود، وكان كل إنسان يحتفظ من القمح بقدر كفايته.» # فقال القيصر: «إذن خبرني أيها الجد، أين كان حقلك الذي كنت تزرع فيه هذا القمح؟» # فأجاب الشيخ: «كان حقلي أرض الله الواسعة؛ فحيث أحرث أزرع، وحيث زرعت أحصد، وما كان ~~لإنسان حقل يدعي ملكيته، كانت الأرض مباحة للجميع، ولا يملك الإنسان سوى عمله وكسب ms72 ~~يده.» # فقال القيصر: «أجبني إذن عن سؤالين آخرين: أولهما: لماذا نما مثل هذه القمحة في ذلك ~~العهد، ولم ينم في هذا الزمن؟ وثانيهما: لماذا جاءني حفيدك يتوكأ على هراوتين، وأبوه على ~~هراوة واحدة، وأنت جئت بلا هراوة، براق الثغر، ثابت الجأش، متلألئ العين، فصيح اللسان؟! فما ~~السر في كل ذلك؟!» فأجاب الشيخ العجوز: «السر في ذلك أن الناس أصبحوا لا يعولون في حياتهم ~~على العمل بأنفسهم، وإنما جنحوا إلى الاتكال والتطفل على عمل سواهم، كان الناس في زماننا ~~يعيشون تحت ظلال شريعة الله، فكان أحدهم لا يحتكم إلا بما تجنيه يداه، ويربأ بنفسه أن يغتصب ~~ما جناه غيره.» # | الحكاية التاسعة # ثمن باهظ # يوجد على سواحل البحر الأبيض المتوسط، بين حدود الجمهورية الفرنساوية والمملكة الإيطالية ~~- حكومة صغيرة تسمى (موناكو)، يكاد عدد سكانها يقل عن أصغر المدن في أوروبا؛ حيث لا يزيد ~~السكان فيها عن سبعة آلاف نسمة، لو قسمت عليهم أرض المملكة جميعها لما أصاب أحدهم فدانا ~~واحدا. # ويحكم هذه الحكومة الصغيرة ملك مستقل يتوج كما يتوج باقي الملوك، وله قصر وبلاط وحاشية ~~ووزراء، بل وله أسقف وقواد وأيام للاحتفالات الرسمية واستعراض الجند ومجالس ومحاكم وقوانين ~~ونظامات وجيش يبلغ عدده ستين جنديا، وفي هذه المملكة الصغيرة ضرائب كما توجد في البلاد ~~الأخرى، تجبى من التبغ والنبيذ والمشروبات الروحية، وضريبة أخرى على الأفراد، غير أنه وإن ~~كان الناس يدخنون ويتعاطون المسكرات كما يفعل الناس في البلاد الأخرى - إلا أن ما يتوفر من ~~هاتين الضريبتين قليل يكاد لا يكفي للمحافظة على أبهة الملك ومظاهره ولإعاشة الحاشية ~~والموظفين؛ ولذلك لم ير الملك في تلك البلاد مندوحة من أن يفكر في إيجاد ضريبة جديدة ~~مبتكرة تدر عليه بالأموال الوفيرة، وهذه الضريبة تأتي من بيت للقمار يلعب فيه الناس اللعب ~~المعروف بالروليت، فالناس تلعب وسواء أخسروا أم كسبوا فلصاحب الدار جزء معلوم من الداخل ~~والخارج، ومن هذا الجزء يستوفي الملك مبلغا كبيرا من المال. # والسبب في حصوله على الجزء الأوفى أن دار القمار الموجودة في مملكته ms73 هي التي بقيت في جميع ~~أوروبا، وقد كان بعض صغار الملوك من الألمان أباحوا تأسيس دور من هذا النوع في بلادهم كانت ~~سببا في ويلات على الناس والإنسانية، ورأى أهالي ألمانيا أنه كثيرا ما يفد الرجل إلى دار ~~من هذه الدور؛ ليختبر حظه فيقامر بكل ما يملكه من المال، حتى إذا ما خسر اقترض وقامر بأموال ~~غيره ففقدها أيضا، إلى أن يدب اليأس في نفسه فينزع إلى الانتحار؛ ولذلك ثاروا في وجوه ~~ملوكهم، ووقفوا بينهم وبين اكتساب المال بهذه الطريقة الممقوتة، أما ملك موناكو فلم يعترضه ~~معترض عن الاستمرار في إباحة المقامرة في بلاده، فظل سائرا في سبيله حتى اليوم دون أن يلقى ~~ممانعة أو معارضة، حتى أصبح محتكرا لهذا النوع من العمل. # فكل إنسان يريد أن يقامر يجد أبواب موناكو مفتوحة له على مصراعيها، وسواء أكسب أم خسر، ~~فلملك تلك البلاد نصيب مما في جيبه، يقول المثل: «إنك لا تستطيع أن تحوز قصورا شامخة من ~~طريق العمل الشريف»، وملك موناكو ليعلم تماما أن مورد رزقه ملوث دنس، ولكنه مضطر؛ لأنه ~~يريد أن يعيش، ولأنه يعلم أن الأموال الأخرى التي يجبيها من ضرائب التبغ والخمور ليست أصفى ~~ولا أطهر من أموال القمار، فهو بذلك يعيش ويحكم ويهب الجوائز والأعطيات، ويحافظ على أبهة ~~الملك كسائر الملوك الحقيقيين. # فهو يتصدر للحكم ويقيم مهرجانات التتويج ~~ويعطي الأوسمة ويجازي ويعفو، وله كذلك مجلس للوزراء وقوانين ومحاكم لإقامة قسطاس العدل ~~كسائر ملوك العالم، ولكن بنسبة صغيرة، وقد اتفق منذ بضع سنين أن وقعت جناية قتل في تلك ~~المملكة الصغيرة؛ فقد اعتاد أهل تلك المملكة على السكينة والسلام، فلذلك لم يسبق لتلك ~~الحادثة نظير في تلك البلاد، واجتمع القضاة اجتماعا رسميا وبدءوا ينظرون في القضية، وكان ~~هناك نواب عموميون، فتناقشوا في القضية بعد درسها، وأصدروا حكمهم بأن يقطع رأس القاتل كما ~~ينص القانون، ثم رفعوا الحكم إلى الملك فقرأه ووقع عليه بهذه الجملة: «إذا كان المجرم يجب ~~أن يقتل فليقتل.» # إلا أنه اعترضتهم عقبة وقفت في ms74 سبيل تنفيذ هذا الحكم، تنبه لها الوزراء فيما بعد، ~~وهي عدم وجود آلة جيلوتين للإعدام، أو جلاد للمملكة، وبعد المداولة فيما بينهم قرروا أن ~~يكتبوا للجمهورية الفرنسية يسألونها عما يكلفه جلب آلة جيلوتين، وجلاد من فرنسا إلى موناكو، ~~وبعد أسبوع ورد إليهم الرد بأن إرسال الآلة ومأمورها يكلف ستة عشر ألف فرنك، فلما عرض ~~الجواب على الملك دهش منه وقال مستغربا: «ما هذا؟! إن الشقي لا يساوي هذا المبلغ؛ أندفع ~~ستة عشر ألف فرنك دفعة واحدة؟! ألا توجد طريقة أرخص من هذه؟ إن المبلغ المطلوب لو وزعناه ~~على سكان المملكة لأصاب الواحد منهم أكثر من فرنكين، وذلك لا يرضي الشعب، وسيحدث - بلا شك ~~- هياجا في الأفكار والخواطر.» ثم دعي مجلس الوزراء للاجتماع والنظر في المسألة من جديد، ~~فقرروا أن يرسلوا كتابا إلى مملكة إيطاليا؛ لما بينه وبين ملك البلاد من أواصر الأخوية في ~~الملكية، وخليق بأن يلبي الطلب بثمن أقل وأرخص. # فأرسل الكتاب، وبعد زمن وجيز وردت الإجابة؛ فإذا فيها أن إيطاليا ترسل الآلة ومأمورها ~~بسرور، ونظير نفقات تقدر بمبلغ اثني عشر ألف فرنك، وهو مبلغ أقل من الأول، إلا أنه لا يزال ~~باهظا بالنسبة لتلك المملكة الصغيرة، ومن أجل ذلك دعي الوزراء للالتئام مرة أخرى، فاجتمعوا ~~وتداولوا في إيجاد طريقة أرخص من هذه، فقال بعضهم: «ألا يمكن لأحد من الجنود أن يقوم بذلك ~~العمل ولو بطريقة خشنة؟» وسرعان ما ارتاح الحاضرون لهذه الفكرة، وعزموا على دعوة قائد الجند ~~إليهم؛ لأخذ رأيه في الموضوع، فلما حضر إلى المجلس قالوا له: «ألا يمكن أن تجد لنا جنديا ~~يستطيع أن يقطع رأس إنسان؛ فإن الجنود لا يبالون بقتل البشر في الحروب، وهم يدربون في ~~الحقيقة على القتل، ويتمرنون عليه؟» # فاستمهلهم القائد بينما يعرض الأمر على جنوده؛ ليرى من فيهم يقدر على القيام بتلك المهمة، ~~وعندما ذهب إليهم وفاتحهم في الأمر لم يقبل أحد منهم أن يؤدي تلك المهمة البشعة، وقالوا ~~جميعا: «إننا لا نستطيع أن نؤدي ما تدعونا إليه، وليس ذلك مما ms75 تعلمناه.» # فعاد الوزراء إلى التفكير في الأمر، واجتمعوا مرات متعددة، وقرروا أخيرا استبدال حكم ~~الإعدام بالسجن المؤبد؛ ظنا منهم أن هذا أحسن حل للمشكلة، وأرخص كلفة، وأقل نفقة، فضلا ~~عما فيه من مظهر الرحمة والشفقة، ولذلك لم يتردد الملك في قبول القرار والتصديق عليه، إلا ~~أنه عقب صدور هذا القرار الثاني اعترضتهم مشكلة جديدة؛ ذلك أنه لم يكن في المملكة سجن يصلح ~~لحبس المجرمين مدى الحياة، اللهم إلا سجن واحد بسيط كانوا يحبسون فيه أحيانا بعض الناس ~~حبسا مؤقتا، وبعد إمعان النظر طويلا في الأمر توفقوا لإيجاد محل مناسب وضعوا فيه المجرم ~~الشاب وعينوا له حارسا ليحرسه وليحضر له الطعام من مطبخ القصر. # ومر على ذلك عام كامل، وجاء اليوم الذي يعرض فيه حساب نفقات القصر على الملك، فلما عرض ~~عليه رأى في قائمة الحساب نفقات جديدة تحت عنوان «نفقات المحافظة على السجين وإطعامه» تربو ~~على ستمائة فرنك، وأنكى ما في المسألة أن السجين شاب يتمتع بصحة جيدة تدل على أنه سيعيش على ~~الأقل خمسين عاما أخرى، ولذلك دعا الملك وزراءه إزاء هذا الأمر الخطير وقال لهم: «يجب أن ~~تجدوا طريقة أرخص من هذه لنعامل بها هذا الخبيث، إن في الطريقة الحاضرة غبنا كبيرا، ~~وإسرافا فاحشا، فابحثوا لنا عن طريقة تنقذنا منه.» فاجتمع الوزراء بصفة غير عادية، ونظروا ~~في الأمر وفكروا فيه، فسنحت لأحدهم فكرة عرضها على زملائه بقوله: «إنني أرى أيها السادة أن ~~نعزل الحارس ونستغنى عنه.» # فاعترضه بعض الوزراء قائلا: «ولكن السجين سيفر حينذاك.» فأجابه صاحبه: «ليفر إلى حيث ~~يريد فنستريح منه.» وتم الاتفاق على هذا الرأي، وأقره الملك. # وفي اليوم التالي أمروا الحارس بأن يتنحى عن السجين وانتظروا ليروا ماذا يحدث، إلا أن ~~السجين لم يحقق أملهم؛ فإنه بقي في سجنه حتى وقت الغذاء، فلما تأخر مجيء الطعام عن ميعاده ~~فتح باب السجن لينظر الحارس فلم يجده، فذهب بنفسه إلى مطبخ الملك وأخذ من هناك طعامه ثم عاد ~~إلى سجنه. # وفي الأيام التالية فعل ذلك أيضا، واستمر ms76 على هذه الطريقة دون أن تبدو عليه أمارة تدل ~~على عزمه على الفرار، فأسقط في يد الوزراء هذه المرة أيضا، وفكروا في كيفية الخلاص من هذه ~~الحال، ففكروا فيما بينهم واستقر رأيهم بأن يقولوا له: «يجب عليك بأن تغادر السجن إلى حيث ~~تشاء؛ لأننا لا نريد بأن تبقى فيه.» فأرسل إليه وزير الحقانية وأحضره بين يديه وقال له: ~~«لم لا تهرب يا هذا؟! إنه لا حارس يحرسك الآن، فتستطيع أن تذهب إلى حيث تشاء من غير أن ~~يؤاخذك الملك.» # فأجاب الرجل: «أعلم يقينا أن الملك لا يهتم بالأمر إن أنا فررت، ولكنني لا أجد مكانا ~~أهرب إليه، ولا أعتقد أنني أستطيع أن أعمل عملا؛ لأنكم شوهتم سمعتي، وأفسدتم أخلاقي بحكمكم ~~الذي أصدرتموه ضدي، وجعلتم الناس يولوني ظهورهم حيثما حللت، وفوق هذا كله فقد عطلت ~~أشغالي وعاملتموني معاملة سيئة، لقد حكمتم علي بالموت في بادئ الأمر وكان يجب أن تعدموني، ~~ولكنكم لم تفعلوا فلم أتذمر، ثم حكمتم علي بعد ذلك بالحبس المؤبد، وعينتم لي حارسا يحضر ~~لي طعامي فلم أتأفف، وبعد زمن طردتموه وأرغمتموني على أن أنقل طعامي بنفسي، فما شكوت من ~~ذلك أيضا، وها أنتم اليوم تريدون مني أن أهرب، الأمر الذي لا أرضاه ولا أقبل به، فاعملوا ~~بي ما شئتم؛ فإنني لن أهرب أبدا!» # انعقد المجلس لينظر في الطريقة التي يجب اتباعها بعد ذلك؛ فرأى أن خير الطرق أن يعين له ~~راتب سنوي بشرط أن يرحل من أرض المملكة ولا يسكنها، وعرضوا الأمر على الملك قائلين له: «إنه ~~لا يوجد حل آخر لهذه المشكلة إذا أردنا أن نتخلص منه.» فوافق جلالته على إعطاء الرجل ستمائة ~~فرنك في كل سنة؛ بشرط ألا يسكن في أراضي الملك. # وعلى هذه الصورة انتهى الأمر واستلم الرجل ثلث مرتبه السنوي مقدما وغادر تلك البلاد إلى ~~بقعة تبعد عن الحدود نحو ربع ساعة في القطار؛ حيث ابتاع له قطعة من الأرض جعلها بستانا، ~~فهو يعيش الآن برخاء، ويذهب في أوقات معينة ليقبض راتبه، وبعد أن ms77 يتناوله يمر ببيت القمار ~~فيلعب بفرنكين أو ثلاثة؛ فإما أن يخسرها، أو يربح مثلها ، ثم يعود إلى مسكنه حيث يعيش بسلام ~~واطمئنان. # وقد كان من حسن حظه أنه لم يرتكب جريمة في بلاد لا يبالي أهلها بما يكلفه إعدام الرجال، ~~أو بما يلزم لسجنهم المؤبد من النفقات. # | الحكاية العاشرة # الأسطورة الهندية: العمل والمرض والموت # من الأساطير المتداولة بين هنود أمريكا الجنوبية أن الله خلق الناس في بدء الأمر، ورفع ~~عنهم كلفة العمل، فما كانوا يشعرون بضرورة المسكن والملبس والطعام، وظلوا على ذلك زمنا ~~طويلا حتى صاروا مائة إنسان، وكانوا إلى ذلك الوقت لم يشعروا بألم المرض وأوجاع ~~العلل. # ثم أراد الله أن يرى كيف يعيش خلقه، فلما وقف على حالهم ألفاهم يقاتل بعضهم بعضا، ووجد ~~كلا منهم لا يعبأ بغيره، وإنما يهتم بأمر نفسه، مما يحول بينهم وبين الحياة السعيدة ~~والعيش الرغد الذي ينتظره لهم؛ فقال: «إنما هذا البلاء جاءهم من طريق التفرق والانقسام، ومن ~~اهتمام الواحد منهم بأمور نفسه فحسب.» # ولذلك غير مجرى حياتهم - وقد كانت من غير عمل - بأن سلط عليهم البرد والجوع؛ ليجبرهم ~~على نحت المغاور والكهوف يلتجئون إليها؛ اتقاء البرد، وليضطرهم إلى السعي في جمع الفواكه ~~والثمار والحبوب؛ دفعا لغائلة الجوع؛ إذ إن العمل يوجد فيما بينهم رابطة الاتحاد والتآلف ~~فقال: «لا يستطيع الرجل بمفرده أن يصنع كل ما يلزمه من الآلات والأدوات، ولا يمكنه أن ينقل ~~ما يحتاج إليه من الخشب، ولا أن يبني وحده المساكن التي تقيه العواصف والزوابع، ولا أن يفلح ~~الأرض فيجمع محصولها، ثم يغزل وينسج ويصنع الملابس والثياب؛ لأن كل هذه الأمور تستدعي ~~المعاونة، وبذلك يتم لبني الإنسان الرابطة والائتلاف والاتحاد دون أن يشعروا بالدافع؛ فيتم ~~سرورهم، وتكمل سعادتهم.» # ثم مرت أيام وأزمان ورغب الرب في أن يزور خلقه؛ ليرى هل هم سعداء في حياتهم الجديدة أم ~~أشقياء تعساء؟ ولما أتاهم وجدهم في حالة أسوأ من الأولى. # لقد فعلوا ما قدره لهم واشتركوا في العمل، ولكنه كان اشتراكا يعتوره النقص ولا ms78 يصل بهم ~~إلى الغاية المطلوبة، فإنهم كانوا قد انقسموا إلى جماعات تفرقها الأهواء والغايات ، تحاول أن ~~تستأثر بالعمل، وإلى عرقلة مساعي الأحزاب الأخرى، فصاروا يتنافسون ويتزاحمون ويتباغضون بكل ~~ما فيهم من بغض وقوة؛ فساءت حالتهم، واشتد كربهم. # وعمد الرب بعد ذلك إلى إصلاحهم من طريق آخر؛ فقدر عليهم الموت، وألا يعلموا وقت هذا ~~القضاء، وأشعرهم بذلك قائلا: «إذا ما عرفوا أن الموت لهم بالمرصاد يحافظون على أوقاتهم، ~~ويضنون بأعمارهم؛ فلا يصرفونها إلا في الأعمال الصالحة.» # غير أن ذلك لم يثمر النتيجة المطلوبة، بل رأى الرب عند اطلاعه على حالهم في حياتهم ~~الجديدة أنه لم يحدث تغيير في شأنهم ولا تبديل، بل بقي سوء الحال ملازما لهم؛ حيث اغتنم ~~الأقوياء فرصة خضوع الإنسان لقانون الموت في أي وقت وأي حال، فأخضعوا لإرادتهم الضعفاء، بعد ~~أن قتلوا من قاومهم، وتوعدوا المتمردين الباقين بالموت والهلاك. # فأصبح الأقوياء بهذه الوسيلة يجنون ثمرة كد الضعفاء، ونسج أعقابهم على هذا المنوال، ~~فورثوا الاستئثار بجني الضعيف من أجدادهم، يعيشون على أكتاف الضعفاء من غير تعب ولا ~~نصب. # ولكن الأقوياء ظلوا يشكون البطالة، ويتململون من حياة الكسل، بينما الضعفاء يتألمون ~~ويتذمرون من اشتغالهم بأكثر مما يطيقون، ويتضجرون من زيادة التعب وقلة الراحة، واتسعت حلقة ~~الخلاف أثناء ذلك بين الفريقين، واشتدت أسباب العداوة والبغضاء، وهكذا صارت حياة الناس ~~بعيدة عن غاية السعادة. # ورأى الرب كل ذلك، فعمد إلى إصلاح حالهم ومعالجة شأنهم بوسيلة أخرى، فسلط عليهم ضروب ~~الأمراض وأنواع العلل؛ ظنا منه أنه متى تعرض الناس للعلل والأمراض على السواء تتحرك ~~الرحمة في قلوب الأصحاء على المرضى؛ فيشفقون عليهم، ويواسونهم، ويمدون إليهم يد المعونة؛ ~~ليقابلهم المرضى بالمثل إذا ما تعرضوا لسهام المرض. # وبعد زمن طويل عاد الرب إلى اختبار حالتهم الجديدة، فوجدهم أسوأ من ذي قبل، وأشد كربا ~~مما كانوا عليه في سالف العهد؛ لأن الأمراض التي سلطها عليهم لتكون واسطة لتأليف القلوب ~~كانت سببا في التفرقة والتباعد؛ إذ بقي الأقوياء يستخدمون الضعفاء وقت المرض، ولا يهتمون ~~بشأنهم عندما ms79 تنتابهم العلل، وهكذا كان أولئك الضعفاء المساكين يعملون لمنفعة غيرهم طول ~~حياتهم، ويخدمون سادتهم في حالتي الصحة والمرض، بينما هم لا يجدون فرصة لمداواة أمراضهم، ~~ولا يلقون عطفا وعناية من أحد، لقد بنيت لهم بيوت خاصة يقيمون فيها أوقات المرض؛ فيحيون ~~أو يموتون؛ لئلا يعكر منظرهم - وهم يعانون أوجاع المرض - صفو أولئك الأقوياء وسرورهم، ~~فيتركون في تلك المساكن الخاصة لعناية أناس مأجورين يمرضونهم بلا دافع عطف أو حنان، وفوق ~~هذا كله حمل خوف العدوى الكثيرين على اجتناب الاختلاط بالمريض، والابتعاد عن كل من ~~يخالطه. # ورأى الرب هذه الحالة فقال: «إذا كانت هذه الوسيلة لم تكف لإفهام الناس أين تكون ~~السعادة؛ فليكن الألم في المستقبل مرشدا لهم.» # ثم ترك أمور الناس لهم يتصرف فيها كيف شاءوا. # هذه هي أسطورة هنود أمريكا، وقد مرت على البشر عصور كثيرة قبل أن يدركوا كيف يكونون ~~سعداء، وفي الأيام الأخيرة بدأ قليلون يشعرون بأن العمل ليس معناه استعباد الناس، وإنما هو ~~وظيفة عامة مشتركة، يؤلف بين الناس ويجمع شملهم، وصاروا يفهمون أن الشيء الوحيد الذي نستطيع ~~به أن نقابل تهديد الموت الواقف لنا بالمرصاد هو صرف أعمارنا في الاتحاد والألفة والمحبة ~~والسلام، وأن العلل والأمراض أبعد ما تكون عن تفريق الناس وتشتيت شملهم، بل هي بالعكس ~~الوسيلة التي تدفعهم إلى التحابب والتآلف. ms80