######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizAminKhanji.SawanihAmira.Hindawi52020249 #META# Tags: travel.literature #META# ID: 52020249 #META# Title: سوانح الأميرة #META# AuthorID: 47960284 #META# Author: قدرية حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 35930479 #META# Translator: عبد العزيز أمين الخانجي #META# Related_books: 1374QadriyyaHusayn.SawanihAmira (TRANSL) #META#Header#End# # كلمة المعرب‏ # النور‏ # حديقة ساحرة‏ # السلطان الغوري‏ # الغروب‏ # حب الوطن من الإيمان‏ # قصر الأموات1‏ # تأوهات مسلة‏ # السحب والإحساس‏ # خاتمة‏ # كلمة المعرب‏ # النور‏ # حديقة ساحرة‏ # السلطان الغوري‏ # الغروب‏ # حب الوطن من الإيمان‏ # قصر الأموات1‏ # تأوهات مسلة‏ # السحب والإحساس‏ # خاتمة‏ # | سوانح الأميرة # | سوانح الأميرة # تأليف # قدرية حسين # ترجمة # عبد العزيز أمين الخانجي # | كلمة المعرب # يهمني أن أقدم هذه السوانح المكتوبة بقلم حضرة صاحبة السمو أميرتنا المصرية الجليلة القدر ~~كذكرى لنهضة مصر النسائية التي ظهرت بوادر خيراتها إبان نهضتنا السياسية. # أقول هذه الكلمة ولا مناص لي من إظهار الأسف لقلة الآثار الأدبية المصورة لحالتنا الروحية ~~ونحن في هذا الدور الجديد، دور الانتقال من حالة لأخرى. ففي الوقت الذي يتصفح فيه أحفادنا ~~الآثار الأدبية التي ظهرت في عالم المطبوعات في هذه الفترة، فترة التجدد والانتباه، سيجدون ~~أكثرها مقفرة خالية من الصور الحقيقية التي تنم عن الروح العالية التي ظهرت بها أمتنا ~~المصرية. # عندما يأخذ المؤرخون يوما ما في تحليل حالتنا الروحية والفكرية في فترتنا الاجتماعية هذه ~~فسوف لا يجدون في آثارنا ومؤلفاتنا الوثائق اللازمة لتصوير الحالة تصويرا تاما. # كل أمة من الأمم غنية بآدابها وأشعارها المكتوبة في أوقات تجددها وانتباهها لأن هذه ~~الأوقات هي موسم القول والكتابة والتفكير للكاتب والشاعر والفيلسوف، وحرام على حملة الأقلام ~~والمفكرين أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام عواصف السياسة والاجتماع التي تهب على أمتهم في مثل ~~هذه الظروف. # أنا لا أنكر أن فريقا من كتابنا وشعرائنا قاموا بما يجب عليهم، سواء بالكتابة في الصحف ~~اليومية أو بنشر الرسائل والمؤلفات التي تنم عن روح مصر في هذه الأيام، غير أن ما كتب في ~~ذلك قليل لا يشفي الغليل، لا سيما المؤلفات الدالة على نهضتنا النسائية فإنها نادرة جدا ~~لا تتجاوز الاثنين أو الثلاثة. # لا يمكن إنكار ما للنساء في عصرنا الحاضر من الأثر البين في رقي الأمم، إذ إن أثرهن في ~~رقي العصر الحاضر لا يقل عن أثر الرجال فيه. # وكل إنسان ينظر إلى هذه النظرية بعين «الازدراء» ولا يضع نصب ms01 عينه الوصول بأمته إلى مستوى ~~الرقي من هذا السبيل - بقدر ما تسمح حالتنا الاجتماعية - خليق بأن يوضع اسمه في قائمة ~~المحافظين، الذين لا يودون لأمتهم الرقي والفلاح. # يؤلمني بأن أقول: إن طراز معيشتنا الحالية لا تتفق مع روح العدل والإنصاف؛ فإننا معشر ~~الرجال أنانيون نحو نسائنا إلى حد غير محمود. فالنساء عندنا محرومات من لذة الاشتراك معنا ~~في المساعي الحيوية، بعيدات كل البعد عن الوقوف على مدهشات المدنية ورقي عصرنا الحاضر، ~~واجبهن في الحياة الاجتماعية أن يكن لعبا في أيدي الرجال، لعبا يحتفظ بها في أوقات ~~جدتها ثم تحطم أو تلقى في زوايا الإهمال والنسيان فيما بعد. # وقد اعتدنا على هذا النوع من العيش وأنسنا به كل الأنس، حتى أصبح الرجل منا إذا رأى أن ~~امرأته جميلة وولودة اكتفى بهاتين المزيتين ولم يطلب المزيد. # إذا أنا اليوم رفعت صوتي الضعيف منددا بهذه الحالة فليس ذلك معناه أنني أريد لنسائنا أن ~~يطفرن طفرة يصلن بها إلى مثل الحالة النسائية التي عليها نساء الغرب في يومنا هذا، لأن مثل ~~هذه الأمنية ضرب من المحال لما بيننا وبين الوصول إلى تلك الغاية من الحوائل والموانع. وكل ~~ما أطلبه اليوم هو انتشال المرأة من حالة الجمود الغارقة فيه بقدر الإمكان. والوصول إلى هذه ~~الغاية لا يأتي إلا من طريق تعويد الناشئات من بناتنا على التفكير وتربية ملكات الفهم ~~والذوق فيهن بالوسائل العلمية. لا يكفي أن نرى بين ظهرانينا فاضلة أو فاضلتين يشتهرن في ~~عالم الأدب، بل يجب أن نعمل على توسيع دائرتي العلم والعرفان بين بناتنا حتى نطمئن ونعلم ~~بأننا واقفون على الدهليز المؤدي إلى الرقي حقيقة. # علينا أن نعمل على إكثار مدارس البنات وتهذيب أصول التربية والتعليم التي تطبق في تلك ~~المدارس، إذ لا جدال في أن الأصول المتبعة الآن هي من بقايا الأصول البالية التي كانت تطبق ~~في القرون الوسطى. وإلا فمن منا ينكر بأن البنات في مصر لا يستفدن من المدارس سوى قشور من ~~العلم لا تجدي ولا تنفع. هذه حقيقة ms02 يقرني عليها الواقفون على الحقائق، الناظرون في أحوال ~~التعليم نظرة إنصاف وعدل. # إلا أن الأمر لا يوجب القنوط واليأس إلى حد أن نتقاعد عن سبيل الإصلاح، فإننا ولله الحمد ~~في إبان نهضة نسائية تبشرنا بحسن المستقبل وإقبال شباننا على تعضيد هذه النهضة يبعث فينا ~~قوى الآمال، فإنني ما كدت أتقدم إلى إخواني المصريين بكتابي «الخواطر» و«السراب» حتى ~~تهافتوا عليهما أيما تهافت فطبع كل منهما طبعتين في بحر سنة واحدة. # إزاء هذا التشجيع رأيت اليوم أن أتحفهم بسوانح سموها، وهي مقالات مختارة من كتاب «تموجات ~~أفكار» المطبوع باللغة التركية. والطريقة التي سرت عليها في جمع هذه السوانح هي ترجمة ~~المقالات المكتوبة عن مصر ولمصر. # بقي لي أن أشكر سيدي وولي نعمتي حضرة صاحب السعادة الأستاذ أحمد زكي باشا الذي تفضل علي ~~بإعارة النسخة التركية من خزانته الزكية أدامها الله عامرة بوجوده لينفع مصر بعلمه وعمله، ~~والله أسأل أن يعيننا جميعا على ما فيه إنهاض مصر، إنه عليم بالنيات. # القاهرة، 10 نوفمبر سنة 1920 # عبد العزيز أمين الخانجي # | النور # مهداة إلى قبر جدي الأكبر ساكن الجنان # الفصل ربيع، والعالم أجمع مغمور في لطافته ونعومته، أما الوقت فكان مساء، وكنت إذ ذاك ~~جالسة على سطح سفينتنا المسماة «فيض رباني» الراسية أمام «قصر الدوبارة» أشنف السمع بنغمات ~~النسيم. وكانت الكواكب العديدة المتألقة في كبد السماء تعكس أشعتها على سطح النيل لتؤلف ~~خطا من النجوم تتلألأ كالجواهر النفيسة على صفحة تلك المرآة الصافية. # كانت الليلة ساكنة وكل ما حوالي في سكون وصموت، ولولا أصوات الدعاء والابتهال التي ينقلها ~~الأثير إلى مسمعي من حين لآخر لخيل لي أن العالم مسترسل في النوم. # أما المصابيح التي على جسر قصر النيل، الممتدة كسلسلة من النور على طول الطريق المؤدي إلى ~~الأهرامات فكنت أرى شعاع أنوارها على النيل كسطور من الذهب نمقتها يد كاتب متفنن على صفحة ~~بيضاء. # ربما كانت هذه الليلة تفضل أياما عديدة؛ لأنها كانت في نظري زاهية زاهرة مملوءة ~~بالأسرار والخيالات. # وكان النسيم يلاعب أشجار الحدائق ms03 القريبة منا فتتمايل كالمروحة على شجيرات الورد ~~والياسمين لتنشر في الفضاء أريجها، وكنت كلما صوبت النظر إلى ظلال تلك الأشجار ظننتها ~~حراسا تخفر شاطئ النيل في سكون الليل. # إن النجوم وهي تتمتع بمرأى هذه الليلة الجميلة تشرف أيضا على أماكن أخرى، وتعرض محاسنها ~~بلا شك على صفحات أنهر غير النيل، ولكن ألا تظن معي أيها القارئ أنها تفضل سطح النيل الرائق ~~على كل مرايا العالم؟ # في هذه الليلة المباركة تجتمع كلمة المسلمين من كافة أنحاء العالم لأمر واحد، وتتجه ~~نفوسهم بشعور واحد إلى الدعوة والاسترحام ولو لمدة وجيزة. وإنك لتجدهم في هذه الليلة سكارى ~~وما هم بسكارى، غارقين في حلم معنوي وقد هدأت ضربات قلوبهم. # في هذه الليلة المباركة تقام الشعائر الإسلامية بإجلال وإعظام في كافة المساجد من أقصى ~~المعمورة لأقصاها، وفي هذه الليلة تسطع الأضواء من على المنائر ببهجة وإشراق. كل هذا ~~احتفاء بالليلة التي ولد فيها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. # كل المآذن الواقعة على مد بصري كانت مزينة بالأنوار ترفل في ثياب من البهجة والإشراق، إلا ~~أن مئذنتي جامع جدي الأكبر محمد علي، تمتازان عليهن بما يبدو على زينتها من روعة وجلال، إذ ~~إن الشرفات المحيطة بهاتين المئذنتين المائستين كانت تلمع في وسط السماء كأربع من الأسورة ~~المرصعة بالجواهر الساطعة. وما كنت أرفع بصري نحوهما إلا وتمتلئ جوانب نفسي بالعظمة ~~والإجلال. # هاتان المنارتان المرتفعتان نحو العلاء بذلك القد الرشيق كأشجار السرو، هما ميزة ذلك ~~الجامع الجليل الشأن، إذ يجذبان الأنظار من أبعاد شاسعة، ويستقبلان الغرباء القادمين إلى ~~مصر من دروبها المختلفة المؤدية إليها، بالتأهيل والترحيب. # كانتا منتصبتين في الفضاء كالتمثال، يراهما القاصي والداني ويشاهد قديهما المائسين، ~~الواقف عند أطراف الصحراء المتوهجة رمالها توهج التبر، ويبصرهما المشرف على مصر من أعلى ~~ذروة في جبل المقطم، كما كان الواقف على سطح النيل المزركش يمتع أيضا أنظاره بمرآهما. وإن ~~العين لا تمل النظر إليهما وقت أن تأذن الشمس بالمغيب، حيث ترسل الغزالة عليهما خيوطها ~~الذهبية الدقيقة، فيظهران في تلك اللحظة ms04 كلوحة بديعة نقشتها الطبيعة بمزيج من ألوانها ~~المفرحة الآخذة بمجامع القلوب، فلا يسع الرائي عندئذ إلا أن يرمق ذلك العرش السحري بعين ~~الإجلال والتعظيم. # محمد علي، وما أدراك ما محمد علي! وإنها لسعادة كبرى لمن كانت مثلي أن تقلب الطرف في ~~صفحات التاريخ، باحثة عن حسنات ذلك البطل، نافخ روح العلم والنور في مصرنا العزيزة. ولكن ما ~~العمل وأنا لا يسعني إلا إظهار الأسف لعجز يراعتي عن بلوغ هذه الأمنية! لأنني أعلم تماما ~~أن الكتابة عن حياته المملوءة بالأسرار والمعجزات في حاجة إلى قلم كاتب خطير وتحقيقات مؤرخ ~~قدير. # إن ذكراه لتمر الآن من أمام ناظري كسيارة لامعة وأنا أحدق النظر في المنارتين، ورؤيا ~~جامعه الشريف يعيد إلى الذهن اسمه الكريم تحف به آيات الحفاوة والتقديس. # وهذه الكلمات الصادرة من أعماق قلب تهتز أوتاره باحترامه وإجلاله، أقدمها اليوم إلى ~~أنواره الساطعة كذكرى لهذه الليلة الساحرة. ~~••• # ذلكم البطل الخالد الذكر، صاحب العزمات الماضية، والأفكار العالية، والآمال الكبار، هو ~~أول من نشر المدنية الحديثة في مصر، وأول من أيقظ البلاد من نومها العميق، وأول من أخذ ~~بيدها إلى سبل السعادة ومباهج الحياة الصحيحة. عاش في صباه أميا لا يعرف القراءة ~~والكتابة، لكنه كان سراج أمته، أبدل ظلامها نورا، فانتعشت على يديه روح المعارف والفنون. ~~وبفضل مساعيه اتسعت دائرة الصناعات، وتقدمت الزراعة وارتقت أساليب التجارة. # في عهده الزاهر، بدئ بزراعة القطن وقصب السكر؛ وهما الدرتان اللامعتان في تاج الزراعة ~~المصرية، وبذلك خطت مصر خطوتها الأولى في سبيل الرقي والفلاح. وإن التاريخ لن ينسى مجهوداته ~~الكبرى في سبيل تنشيط الصناعات، وما كان لمصانع الأقمشة الصوفية والحريرية، ومعامل الزجاج ~~المنشأة في عهده من الأثر البين في تجديد حبل المواصلات بين مصر وأوروبا. # المدارس الحربية، ومعاهد الفنون والعلوم المؤسسة في عهده من طب، وهندسة، وإدارة من أكبر ~~المظاهر الدالة على اهتمامه بتشجيع وسائل العلوم والفنون. # أراد أن يستفيد من فيضان النيل السنوي وألا يدع تلك المياه العذبة، وفيها إكسير الحياة ~~لأرض مصر، تذهب هباء، فوجه همته ms05 العالية إلى تقسيمها على الأراضي بطرق فنية مما زاد الخير ~~والنماء في محصول البلاد. ونظر بعد ذلك إلى النيل في أوقات الفيضان فألفاه جاريا على غير ~~نظام، يغمر الأراضي والقرى المرتفعة ويتركها جزرا يتعذر الوصول إليها لإحاطة المياه بها من ~~جميع جهاتها، فضلا عما يصيب الأهالي من الخوف والقلق خشية طغيانه، فأمر بإنشاء القناطر ~~الخيرية عند مفترع النيل، وبذا خلص البلاد من أكبر الويلات والشرور. # كانت المماليك حين ذاك شعلة فتن ودسائس يخشى منهم على حكومته المشروعة، فدبر لهم تلك ~~المكيدة التي قطعت دابرهم، فانتهت المشاحنات والمنازعات بانتهاء أمرهم وعاد الأمن إلى نصابه ~~مرة أخرى. وبعد أن خلص البلاد من شر فتنهم أخذ يبذر بذور الائتلاف والاتحاد بين العناصر ~~المختلفة في مصر، فجمع كلمتهم وألف بين قلوبهم. ثم اهتم بعد ذلك بتحسين الحالة الاقتصادية ~~ليوطد عرش ملكه على مهاد الراحة والطمأنينة. # وقد اهتم بترقية الجيش من الوجهة الفنية، فأحضر مهرة الأساتذة من أوروبا لتدريب أتباعه ~~ومريديه الذين كان يرسلهم للصعيد بعد إتمام تعلمهم؛ حيث كانت مهمتهم تشكيل فرق جديدة من ~~العساكر النظامية والمتطوعة. ولكي يأمن شر عساكره اللانظاميين فتح لهم أبواب الحرب في مجاهل ~~السودان، وكان كلما قل عديدهم في القاهرة سد نقصهم من الفرق النظامية المتدربة ~~بأسوان. # فكر بعد ذلك في إيجاد أسطول لمصر وتعزيز الحامية بفرق الهجانة، الأمر الذي كان له أحسن ~~أثر في انتصاراته على الوهابيين الذين عاثوا في الأراضي المقدسة فسادا، واستفحل خطرهم ~~لدرجة أنهم داسوا على حقوق المسلمين في الحرمين الشريفين، ووقفوا حجر عثرة في سبيل أدائهم ~~فريضة الحج. فما كاد يصدر إليه الأمر السلطاني بتأديبهم حتى أخذ في إعداد الأخشاب اللازمة ~~لعمل السفن في بولاق ومن ثم أمر بنقلها إلى السويس لبناء الأسطول الذي أقل العساكر المصرية ~~إلى أرض الحجاز، وبذلك تمكن من التغلب على تلك الفرقة الظالمة. # كان رحمه الله متصفا بالشهامة والذكاء يضع الأشياء في مواضعها، ويقدر لكل أمر قدره، وكان ~~مجلسه على الدوام حافلا بكبار أهل العلم ورجال الفضل والعرفان، وكان ms06 يستفيد من فضائلهم ~~ويسترشد بهديهم في معضلات الأمور، فضلا عن المجهودات التي بذلها في سبيل تنوير أذهان الأمة ~~بنور العلم. # وبفضل الشجيرات المتنوعة وبذور النباتات المختلفة التي تعب كثيرا في سبيل إحضارها وزرعها ~~في أطراف المملكة أصبحت مصر جنات تجري من تحتها الأنهار. # لم يفته - رحمه الله - قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ساعة من عالم متكئ على فراشه ينظر في علمه ~~خير من عبادة سبعين عاما.» # 1 # فبذل جهده في سبيل تنوير أذهان الأمة بنور المعارف وتزيين ربوع البلاد بشارات ~~العلم. # وكان من صفاته الشخصية الشهامة والذكاء، ومن خصائصه أن يضع الأشياء في مواضعها، ويقدر لكل ~~أمر قدره. أما مجلسه فكان على الدوام حافلا بكبار أهل العلم ورجال الفضل والعرفان، يستفيد ~~من فضائلهم ويسترشد بتجاريبهم في الحياة كما أسلفنا. # عند شبوب نار الثورة اليونانية في بلاد المورة كان شبله الأكبر إبراهيم باشا على رأس ~~الجنود العثمانية يقودها إلى مواطن الظفر والفخار، ونظرا لإخلاصه وهمته العالية التي ظهر ~~بها في هذه الحروب لم يكتف السلطان بتشريف قدر محمد علي الكبير بالدعاء له في إحدى ~~الفرمانات بقوله: «أبقاك الله لي وللأمة». # بل أهدى إليه ولابنه الأكبر سيفين مرصعين بالجواهر تلطيفا لهما. وأعقب هذه الثورة اندلاع ~~نار الفتن في كريد فتكفل بها ابنه الأكبر إبراهيم باشا أيضا، الذي تمكن من قمعها وتهدئة ~~الخواطر فيها بمدة صغيرة. # عرفت الدولة لمحمد علي هذه الخدمات الصادقة وقدرتها حق قدرها، فوجهت إليه ولاية جدة ~~واليمن وكريد في آن واحد. إلا أن هذه التلطيفات السامية التي نالها محمد علي الكبير بفضل ~~مساعيه وأعمال ابنه الأكبر إبراهيم أحفظت عليه صدور رجال الدولة وحركت في نفوسهم عوامل ~~الحقد والحسد؛ مما سبب حادثة «الشام» المشئومة، ولكن لم تمض مدة كبيرة حتى أصلح الزمان ما ~~أفسده الحسد، وأسدل نقاب النسيان على تلك الحادثة، فعاد محمد علي إلى إخلاصه وعادت ~~التلطيفات السلطانية إلى مجراها السابق. # كان غيورا على نفع مصر متفانيا في محبتها؛ يدلك على ذلك أنه لم يكد يسمع بوجود معادن ms07 ~~الذهب في سنار حتى تكبد بنفسه مشقة السفر إلى مجاهل السودان على ظهور الإبل بغية الاستكشاف ~~والاستطلاع، وحبا في إسعاد مصر رغم ما كان يعانيه من آلام الكبر. # وبالإجمال أراني مهما أسهبت لا أستطيع وصف عمل من أعماله الكبيرة من كل الوجوه وصفا ~~يستكمل الأعراض ويستوفي الأجزاء، وإن المتصدر لترجمة ذلكم البطل الخالد الذكر، الجامع في ~~رأسه ذكاء رجال عدة، أحر به أن يكون ملما بعظمة الأيام السالفة وما بها من مظاهر الأبهة ~~والوجاهة، وكذلك بجميع الصفات والمزايا التي يجب أن يتحلى بها كبار رجال التاريخ ليمكن له ~~أن يأتينا بصورة صحيحة من شخصيته وجلائل أعماله. # وكل ما أستطيع إثباته الآن هو أن عصر محمد علي كان عصر تدبير وقوة، وأن شخصيته كانت فذة ~~عميقة لم يسبر غورها تماما بعد. # في مبدأ حكمه كانت معارفه العلمية ضئيلة وتجاريبه في الحياة قليلة، ومع ذلك فقد تمكن في ~~مدة قصيرة من انتشال البلاد من وهدة الاحتضار وإيصالها في بضع سنوات إلى أوج السعادة ~~والإقبال بعد أن فهم حاجاتها ولوازمها وكساها بثياب العلم والنور. # في عهده فتحت أبواب الرزق على مصراعيها، وفي زمنه مهد السبيل لإشراق شمس المدنية على ~~ربوع هذه البلاد، الأمر الذي أدى إلى رقيها السريع ونجاحها الباهر. ولو أن الخلف اقتفى أثره ~~في سبيل إصلاحاته وحافظ على محاسن آثاره، فمن يدري إلى أي حد كانت تصل سعادة مصر المادية، ~~وفي أي درجة من العز والإقبال تكون حياتها المعنوية؟ # عند زيارته الأخيرة لعاصمة الإسلام ارتاحت نفسه الكريمة إلى رؤية الجامع المعروف ب «نور ~~عثماني» ووقع شكله المعماري من نفسه موقع الرضى والاستحسان، فأمر عند عودته إلى مصر ببناء ~~جامع يماثله في الشكل والهيئة واختار له مكانا في القلعة التي بناها صلاح الدين الأيوبي، ~~إلا أن الأيام لم تمهله ليرى الجامع الذي أمر ببنائه، فقد اغتالته المنية قبل إتمامه، بعد ~~أن سلخ خمسا وأربعين ربيعا قضاها في سبيل إسعاد مصر، فدفن في الجهة اليسرى من جامعه ~~المذكور رحمه الله رحمة واسعة. # في ms08 نفس العصر الذي عاش فيه محمد علي ولعب دوره الخطير على مسرح التاريخ، كان يعيش عظيم ~~آخر من عظماء التاريخ هو نابليون الأكبر، فخر فرنسا وأكبر علم في تاريخها، تدرب هذا القائد ~~في مدارس فرنسا الحربية ثم أظهر نبوغه وعبقريته في جملة وقائع استولى فيها على أهم العواصم ~~الأوروبية، وجعل نفسه الحاكم المطلق لا على فرنسا فقط بل على نصف أوروبا، وبذلك خلد لنفسه ~~ذكرى دائمة محفوفة بالمجد والعظمة في طيات التاريخ. إلا أن تاج المجد الذي تقلده كلف وطنه ~~فرنسا ثمنا غاليا هو خرابها وانحلال قواها لمدة سنين. وتلك العظمة الكاذبة التي تربع على ~~عرشها كانت واهية الأساس لم ترد عنه عادية النفي وتحمل آلام الغربة في جزيرة تبعد مئات ~~الأميال عن أرض فرنسا. # أما محمد علي فقد كان مناط أمله توطيد ملكه على أساس ثابت، وكانت همته موجهة بالأكثر إلى ~~راحة مصر في مستقبل أيامها، ولذلك كان أهم عمل له هو وضع حد للفتن والدسائس وتطهير مصر من ~~أمراضها المزمنة، وإن التاريخ ليسطر له بالفخر والإعجاب أنه ما انتقل إلى رحمة الله إلا بعد ~~أن مهد السبيل إلى إسعاد مصر فتقلد خلفه زمام الإدارة، وهي على أتم نظام وترتيب. # فلو أراد ناقد منصف أن يوازن بين عملي هذين البطلين اللذين عاشا في عصر واحد ونظر إلى ~~آثارهما نظرة إنصاف، فمن منهما يفوز بنصيب أكبر من إجلاله وتقديره؟ أهو ذلك الفاتح الأمي ~~الذي أبدل ظلام مصر بالنور؟ أم ذلك القائد الذي أراد أن يسخر العالم بعبقريته ~~ونبوغه؟ # هذه هي الليلة الوحيدة التي أرى فيها عظمة جدي الأكبر متجلية بأبهج مظاهرها، بل يخيل لي ~~في هذه اللحظة أن أنوار تلك العظمة كانت تتماوج على سطح النيل المتلألئ بالأنوار السابحة ~~فيه. # أما القلعة المتعالية بالبهجة والإشراق على جبل المقطم فكنت أراها كالإكليل المرصع يزيده ~~هيبة وإجلالا. # أما الدعوات الصادرة من قلوب الحاضرين في جامع القلعة تلك الليلة فكانت تخيل لي أنها ~~تمتزج بالأدعية المخطوطة في اللوحات النادرة المعلقة على جوانبه لتكون ms09 كالوحي المقدس ينير ~~القلوب بشعلة الغفران ويذكي فيها شرارة الأمل. # ومما زاد بهجة هذه الليلة ظهور البدر شيئا فشيئا من وراء المآذن والقباب بعد أن كان ~~محتجبا عن الأنظار خلف ستار رقيق من الضباب. وما كاد يظهر ويمزج نوره بأضواء الكواكب ~~القريبة منه حتى غمر العالم بطوفان من الفضة. وجماع هذه الحالات الروحية اللطيفة كانت تدفع ~~النفوس إلى الابتهال باستنزال أنوار الرحمة والغفران على روح ساكن الجنان، جدي الأكبر محمد ~~علي. # مصر، 11 ربيع الأول سنة 1333ه # | حديقة ساحرة # إلى أستاذي الفاضل حضرة علي تقي أفندي # لا أدري كيف أصف بهجة الربيع في هذه الليلة؟ # لو كنت شاعرة، أجيد نظم القوافي لوصفت ما يخالجني من الانفعالات النفسية شعرا، ولو كنت ~~بلبلا لشدوت في الحال بقصيدة الطبيعة الغرامية، أو كنت رسامة لخلدت بريشتي ذكرى هذه الليلة ~~الشبيهة بليالي الفردوس. # ولكن من يستطيع وصف هذه اللوحة البديعة؟! ليلة شرقية زاهرة ذات أريج لطيف وحالة جذابة لا ~~يمكن نسيانها إلى الأبد، وصفاء ليل يقف الإنسان أمامه حائرا باهتا. # كانت النباتات مسترسلة في نومها، وقد هدأت تغاريد الطيور، وخفتت ترنيمات العصافير، وشمل ~~الصمت جميع ما في الحديقة، فليس ثمت صوت أو حس يخل بلطافة المكان. # وبعد حين ظهر البدر بوجهه المنير من وراء الغابة فحيا الكائنات مبتسما، ناشرا أنواره في ~~الفضاء. وكان النسيم المعطر يهب كالمروحة بين آونة وأخرى على وجوه الأزهار فيوقظها رويدا ~~رويدا من سباتها العميق. # لم تكن هناك نسمة حية تتمتع بمرأى هذا المشهد الرائع، اللهم إلا جماعة الأزهار وطائفة ~~الشجيرات الآخذة في الصحو على مهلها. فبهجة هذا المنظر وبهاؤه، وروح هذا المشهد الرائع ~~وجلاله إنما كانت أزهار هذه الحديقة المقفرة، تلك التي كانت ترسل مع هبات النسيم ابتساماتها ~~العطرة للكائنات المحيطة بها. # الضوء الحاصل من وجود القمر ولمعان النجوم في الأفق كان ساطعا باهرا يظهر ما خفي من ~~ألوان هاته الزهور ويشف عما لها من شكل وقوام، وكان يخيل للرائي أن كل زهرة منها تحمل بين ~~جنبيها شكرا خفيا تذيعه ms10 للعالم حالما تنتبه من نومها الهادئ . # إن الناظر إلى هذه الحديقة وهي مقسمة إلى طرائق مختلفة من الزهور التي تحاكي بألوانها ~~علائم السماء من صفرة وزرقة وحمرة وخضرة وبياض ليخال له أن في كل زاوية منها أثرا ~~للحسن والتأثر وعلامة للحياة، وحيثما سرح نظره لا يقع إلا على تماثيل صغيرة من الورود ~~والرياحين تنشر أريجها الذكي في الفضاء. # كان زهر الليمون المتساقط يحرك كوامن النفس بأريج رائحته الشديدة بينما زهر الزنزلخت # 1 # يرسل سلامه المعطر من على منبره العالي. أما الأقاح والأرجوان والمنثور فكانوا ~~على مقربة من بعض كأنما هم خلان يتنادمون على بساط واحد. # الورد في هذه الحديقة فريد في لونه، مقطوع القرين في شكله! الأبيض منه ملتف برداء الطهر ~~والعفاف، والمشرب بالحمرة يتبسم سرورا، والأصفر يتثنى دلالا، أما الأحمر القاني، ملك ~~الأزهار وسيد الورود، فكان يضرم في أرجاء الحديقة نار العشق ولهيب الهيام. # كل الأزهار والرياحين تجل الوردة الحمراء وتقدسها وكل منها تفاخر بوجودها، حتى الشجيرات ~~الملتفة حولها كانت تضمها إلى نفسها بلهفة واشتياق لتستمد منها البهجة والبهاء، أما زهر ~~العسل والياسمين - أصفره وأبيضه - فيظهران الإجلال لسيدة الورود بالضحايا التي يسردانها ~~أمام مليكتهم بين حين وآخر. # على بعد من هذه الجماعة، بالقرب من الغدير الصافي، كنت ترى الزنابق وزهر السمسم تستعرض ~~محاسنها على صفحة تلك المرآة، بينما كنت ترى الغليسين # 2 # تهتز دلالا بعناقيدها وزهرة الثالوث مطرقة بسيماها اللطيف. وكانت أنوار اللجين ~~الآخذة في الظهور على مهل من خلال غصون النخيل تزيد بهاء الأشجار وغصونها، وتكسب الحديقة ~~معنى شعريا جميلا. أما أرواح العشاق الذين هبطوا الأرض في هذه الليلة فقد أيقظوا العالم ~~بحفيف أجنحتهم الغير منظورة وجعلوا الحديقة منتدى عشق وهيام. ~~«جبارس»، مارس سنة 1911 # | السلطان الغوري # في القاهرة شوارع ضيقة، كثيرة المنعرجات والمنعطفات لم تزل محافظة على غرابتها القديمة ~~وميزتها القومية العتيقة حتى يومنا هذا رغم تطاول السنين والأيام عليها. # ففي ذات يوم من أيام الربيع المتوهج بالحرارة والنور، كنت مارة بإحدى هاته الشوارع، بينما ~~النسيم يهب ms11 عليلا من جهة الشمال، وبينما أشعة الشمس الذهبية تهج الأنظار. # كان الطريق هادئا ساكنا يسوق المرء إلى أودية الخيال وحرارة الجو بما فيها من وحشة ~~وانقباض تدعوه إلى طلب الراحة وتذكره بأيام الصيف الشديدة الوطأة. # اجتزت الطريق متأملة باستغراب فيما حولي من الحوانيت الصغيرة الممتدة على طول الطريق ~~يمينا ويسارا، إذ كانت المناديل الحمراء المعلقة عليها تجعل لها شكلا لطيفا، أما أصحاب ~~هذه الحوانيت؛ فالبعض منهم في انتظار زبائنهم وهم مضطجعون يراود النعاس أجفانهم، والبعض ~~الآخر يقطع الوقت بالأحاديث الفاترة، كأنما شدة هذا اليوم القائظ قد نفذت إلى أعماق قلوبهم ~~فصيرتهم في هذه الحالة. وكان يبدو على سيماهم الاستسلام للهدوء المحيط بهم وعدم الاكتراث ~~لمدهشات المدنية. هكذا كانت تمر بهم الساعات وهم في لذة باطنية محفوفة براحة البال وهدوء ~~الضمير؛ لأنهم في أمان من الاضطرابات التي تلحق أولئك الذين يضنيهم إجهاد الفكر في سبيل ~~العمل. إننا لو أحصينا الحوادث المؤلمة التي اعترضت أيام هنائهم ومواسم سرورهم، فكم يبلغ ~~عددها يا ترى؟ ولو فرضنا أن أيام حياتهم ضمت إلى بعضها كحبات المسبحة الواحدة، فكم علامة ~~وقف يصادفها الإنسان بها؟ # بعد أن تركت «باب زويلة» بقليل، ذلك الباب الرهيب الذي كان مشنقة في أيام المماليك، وقع ~~نظري على بناءين شامخين: أحدهما على اليسار، والثاني على اليمين، والبناءان يلوح عليهما أثر ~~القدم عند أول نظرة يلقيها الإنسان عليهما، لأن الأيام والليالي كانت قد لونت حائطيهما بلون ~~ثابت لا يزول مدى الأيام. # كان يرتفع من جانب البناء الواقع على يساري منارة مربعة، يرى الناظر من خلال تزييناتها ~~زرقة السماء وأطراف السحب، فأدركت للحال أنه مسجد قديم، وعندما ارتقيت السلالم المؤدية إلى ~~مدخل الجامع كان أول أمر ألفت نظري هو الباب المحلى بالنقوش العربية النفيسة والأشكال ~~الهندسية الجميلة. أثر نفيس يدل على غرام الأوائل بالفنون وولعهم بكل ما هو بديع ~~وجميل. # تركت بعد ذلك ضوء الشارع لأدخل في قتام المسجد، وكان لا بد لي من وقفة عند عتبة إيوانه ~~الصغير ليعتاد النظر على تمييز الأشياء، ms12 إلا أن النسيم البارد الآتي من صميم ذلك المسجد ~~المقدس لطف ما بي، ولم يلجئني إلى إطالة الوقوف. # ما أجمل هذا المكان! ملجأ للإسلام بعيد عن حرارة اليوم، في أمان من ضوضاء العالم وضجيج ~~الحياة! سكونه العميق ينفذ إلى قرارة النفس فيسكن ما بها من الآلام، وأنواره النافذة إليه ~~من منوره المتوسط كانت تنتشر في أرجائه وزواياه لتنير الكتابات المنقوشة على الحائط، وتظهر ~~للأنظار التزيينات المتعددة الموجودة به. # أما المنبر والقيشاني المحلى به الجامع فكانا آية في دقة الصناعة، وكلاهما كانا كلوحة ~~فنية تسترعي الأنظار بجميل شكلها. وبالإجمال فإن دقة الصناعة التي كنت ألمحها في الأشكال ~~المتعددة المصنوعة من العاج والصدف جعلتني في دهشة عظيمة، وبعد أن تأملت هذه الأشياء جلست ~~باحترام على الدرج الموجود بجانب المحراب واستسلمت لتأملاتي. كنت أفكر في الغاية التي بني ~~هذا المسجد لأجلها، فأقول في نفسي: هل كان بناؤه بدافع مقدس، أم أنه نتيجة لغرور العصور ~~الاستبدادية؟ # رباه، ما أجمل حسنه الرائق! إن معاني الآيات الكريمة المنقوشة على أطراف الجامع تمتزج ~~بالأنوار الواصلة إليه من خلال نوافذه، فتكسب دقائق الأثير المالئة أطرافه حالة روحية توقع ~~الهيبة في النفوس، وكان يخيل لي أن الأدعية التي تقرأ فيه بإخلاص والدعوات الصالحة ~~والأحاديث الشريفة التي يرتلها المصلون أثناء عبادتهم ما زال صداها يرن في قبته الجميلة، ~~ففي كل ركن أثر من الهيبة والجلال، وفي كل زاوية حالة روحية تجذب النفوس وتدعوها إلى التأمل ~~والتفكير. # خطر لي وأنا غارقة في سكون المسجد وجلاله مظاهر الطنطنة التي يراها الإنسان في المعابد ~~التي تقام فيها شعائر الأديان الأخرى، تلك المعابد المملوءة بالهياكل الثمينة والصور ~~الجميلة والرسوم البديعة والمراسم المبهرجة. # نحن في صلواتنا نضع نصب أعيننا أننا بين يدي الخالق عز وجل، فنراعي السكون ونلازم جانب ~~الهدوء. أما هم فقد أرادوا تقوية أسس الدين بأصوات «الأورغ» وبذلك مزجوا الروحانيات بالضجيج ~~والضوضاء. # ابتدأنا في التأخر والتقهقر منذ اليوم الذي أهملنا فيه أوامر ديننا الحنيف. فلو كنا ~~انقدنا إليه تماما فأتمرنا بأوامره واجتنبنا نواهيه ms13 من يدري في أي ذروة عليا من درجات ~~السعادة كنا الآن؟ # أراد أصحاب الأديان الأخرى الوصول إلى ما يؤثر فيهم فاجتهدوا وجدوا في إصلاح معتقداتهم ~~غير المنطقية بتلك المراسم والحفلات، أما نحن المسلمين فقد أهملنا في المحافظة على عقائدنا ~~الدينية المبنية على أساسات منطقية معقولة، ولذلك أخذنا في طريق التقهقر وسبيل ~~الاندحار. # هم قلبوا الباطل وألبسوه صورة الصحيح فاستفادوا دنيويا، أما نحن فقد تركنا مناهج الحق ~~وسرنا في طرق معوجة لم توصلنا إلى الغاية المنشودة وهي السعادة. قد هجر الغرب المتمدن ذلك ~~الطريق المزخرف في الاعتقاد فوضحت أمامه سبل الحياة، أما نحن فابتعدنا عن أنوار ديننا ~~الحنيف وسرنا نتخبط على غير هدى، ونتسكع في دياجير الجهل إلى أن وقعنا في هوة ~~التأخر. # وصلنا إلى حالة نكاد نفقد فيها بهاءنا وبريقنا، نظير اللآلئ التي يطول عليها القدم من غير ~~أن تستعمل. فإذا رغبنا في الحياة وأردنا ألا نندثر كالأمم التي بادت لجهلها ولم يبق لها سوى ~~اسمها في صفحات التاريخ، وجب علينا أن نحيد عن طريق الضلال لنسلك مناهج الحق ~~والاستقامة. # كنت مطرقة أتأمل فيما حولي من السكون فمر من أمامي رجلان واتجها نحو الباب، ثم فتحا ~~إحدى نوافذ الإيوان وأطلا منها على الخارج حيث الزقاق القديم الملتوي التواء الثعبان. رفعت ~~نظري نحوهما وهما يتحادثان فطرقت أذني كلمة صغيرة استرعت كل انتباهي إذ كان أحدهما يقول: ~~«لما شيد «السلطان الغوري» هذا المسجد أمر أيضا ببناء مقبرته أمامه.» هذا كل ما سمعته ~~لأنني عدت ثانية إلى الغوص في لجج التفكير. كنت أفكر في اسم السلطان الغوري، ذلك الاسم ~~المحفوف بالخواطر الموجعة والتذكارات المؤلمة فقلت في نفسي: إذن أنا الآن في نفس الجامع ~~الذي بناه السلطان الغوري! ما أغرب هذه الصدفة! # حلقت ثانية في جو التأملات فطار بي الفكر إلى الماضي البعيد، إلى الوقائع الدموية التي ~~شهدتها أرض الشام بين جيوش السلطان سليم المنتصرة على جند «الشاه إسماعيل» وجيوش السلطان ~~الغوري صاحب هذا المسجد. # تصادم الجيشان في (مرج دابق) فاشتبكا مع بعضهما في ms14 قتال عنيف، ورأى الغوري أن جيشه آخذ في ~~الهزيمة والإدبار فلم ير بدا من الفرار. ابتعد عن ميدان المعركة وفي صحبته أحد الجنود من ~~أتباعه ووقف بالقرب من أحد الأنهار بحجة الوضوء، حيث فرش له الجندي سجادة الصلاة، وما كاد ~~يرتمي عليها متمددا حتى فاضت روحه. # وعندما خمدت نيران المعركة، لاحظ السلطان سليم أن الغوري لم يكن بين القتلى أو الأسرى ~~فأمر بالبحث عنه في كل جهة. فتقدم إليه أحد جنوده وأخبره بأنه رأى جثة الغوري على مقربة من ~~شاطئ النهر، إلا أن سليما داخله الشك في صدق الخبر فأرسل معه «جنديا» ليأتيه بالخبر ~~اليقين. # ظن ذلك «الشاويش» الأبله أنه إذا أحضر رأس الغوري لمولاه ينال استحسانه ورضاه، فما كاد ~~يصل إلى مكان الجثة حتى فصل الرأس عنها وحمله مفتخرا إلى المعسكر. إلا أن السلطان سليم ~~احتدم غيظا لرؤية هذا المنظر البشع وهاله أن يرى الحاكم المغلوب مهانا بعد مماته ومقطوع ~~الرأس كمجرم عادي، فأمر بإعدام ذلك الجندي الأحمق. # كنت أفكر في كل هذه الحوادث فيأخذني العجب للخاتمة السوداء التي انتهت بها حياة ذلك ~~السلطان، الآمر ببناء مقبرته على ذلك النمط المكلف مع أن جثته بقيت في مكان ورأسه في مكان ~~آخر، ولم يعرف له مدفن حقيقي حتى الآن! # تصفحت بعين الخيال الأيام التي مرت على مصر بعد هذه الحادثة، فتمثل لناظري استيلاء ~~السلطان سليم على مصر بعد موقعة «العادلية» فصلب «طومان باي»، خلف الغوري، على باب زويلة ~~فالحرائق والمذابح العامة ثم طلوع عصر جديد باندحار المماليك ودوام التحكمات المتسلسلة على ~~مصر. وما يلي ذلك من أيام حكم السلطان سليم في مصر وسلطنته الزاهرة في سراي النيل والصفحات ~~المشرقة من حياته الجنونية. # استعرضت في ذاكرتي كل هذه الحوادث التي مرت بنظام آخذة بعضها برقاب بعض، إلى أن تذكرت ~~الكلمة الخالدة التي فاه بها السلطان سليم عندما نظر إلى خريطة البحر الأبيض حيث قال: «إن ~~هذا البحر أصغر من أن يخفق عليه لواءان، فليخفق في أرجائه لواؤنا فقط.» وقد ذكرتني كلمة ms15 ~~هذا السلطان الخالد، علم زمانه في البطولة والشجاعة ~~بكلمة أخرى أمر بكتابتها على باب سرايه في المنيل وهي: # الملك لله وحده، والذين يأملون الحصول عليه بالقوة والغلبة يضطرون إلى إرجاعه في ~~نهاية الأمر. نحن العاجزين لو كان لنا أن نملك حفنة من التراب على وجه الأرض لكنا ~~شركاء لله عز وجل. # خادم الفقراء # سليم # ولما تركت حدائق المنيل وأزهارها المعطرة وخيالاتها اللطيفة راجعة إلى أحضان الحقيقة، كان ~~الجو قد اعتدل وأخذت الأنوار النافذة من قبة المسجد في الزوال، فشكرا لشمس الربيع التي ~~قادتني إلى هذا الخيال! # مصر، كانون الثاني 1912 # | الغروب # خيالات # كان للشمس وقت العصر سحر خاص يولد السرور والنشاط وينشر على الكائنات رقة ينسى المرء معها ~~ما قاساه من شدة الحر طول يومه، كما أن طراوة النسيم التي تتخلل دقائق الهواء كانت تحيي نفس ~~الإنسان بلطفها الساحر ويحلو وقعها لديه، كأنما هي أماني العاشق بساعة الوصال. وكانت القبة ~~الزرقاء في صفاء جاذب تدهش العيون بزرقتها. أما أمواج البحر اللامعة فكانت تتلألأ على ~~الساحل فتكسبه حلة لطيفة بابتساماتها الحلوة ودلالها العذب. # وعلى كثب، كانت رياض النخيل التي تزين الرمال الذهبية بمنظرها البهيج تنشر في كل الأرجاء ~~ظلالها المنقوشة «كالدنتلا» بينما كان منظر الكروم الزمردية يدعو النفوس المتعطشة إلى نزهة ~~في ذلك المساء. # لم يكن في الإمكان مقاومة دلال الطبيعة، فما كدت أنظر البحر يتبسم أمامي، وأرى ذلك المنظر ~~المعروض على الأنظار عند رمال الشاطئ، حتى لبيت تلك الدعوة اللطيفة فقمت متجهة نحو خرائب قانوب # 1 # المجاورة لنا حيث ارتقيت قمة التل الذي يتوج تلك الأطلال الدارسة لأمتع النفس ~~بمنظر الغروب. # هذه المدينة معروفة منذ حروب «ترواده» الشهيرة، التي هي من أغرب الفصول في كتاب أساطير ~~الأولين. وقد سميت كذلك لأن «قانوبس» أحد الأدلاء الذين رافقوا الملك «مينالاس» في حروبه ~~كان قد عرج على الإسكندرية فصدمت العواصف سفينته وأغرقتها في ذلك المكان، أما هو فما كاد ~~ينجو من الغرق وتطأ أقدامه الساحل حتى فاضت روحه في تلك البقعة التي أطلق ms16 الناس عليها اسم ~~«قانوب» ذكرى لهذه الحادثة. # عرف الإسكندريون واليونانيون مزايا هذه البقعة من جهة الموقع والمناخ، فجعلوها مقر لهوهم ~~وسرورهم، فلم يمض عليها زمن كبير حتى اشتهرت بمعابدها النفيسة وحماماتها اللطيفة ومراقصها ~~التي تجذب إليها عشاق اللهو والطرب من كل حدب وصوب. # في مدة قليلة وفي زمن وجيز ازدهت هذه المدينة وارتقت إلى أن بلغت عرش الإقبال، ثم ما لبثت ~~أن أخذت في سبيل التدهور والسقوط لانهماك أهلها في المناعم والملاذ، وما هي إلا عشية وضحاها ~~حتى طوي بساط ذلك السرور كأن لم يكن منشورا بالأمس، ولم يبق من مظاهر تلك الأفراح والمسرات ~~إلا اسم ضئيل في صفحات التاريخ يكاد يمحى لضآلته. # ننظر الآن إلى هاته الأطلال فنستعيد إلى الذهن ذكرى ذلك الماضي البعيد ونحن غارقون في لجج ~~الحيرة والتأمل. # في وسط تلك الخرائب والأطلال لا يوجد سوى أثر واحد محافظ على شكله القديم، هو معبد صغير ~~في وسطها يجذب الأنظار بأعمدته المزخرفة ذات الألوان البديعة. # كانت أنوار المغرب تنعكس على تلك الأعمدة الرخامية الناصعة في تلك الخرائب المنسية مما ~~يجعل لها شكلا خياليا بديعا. # الأسرار الكامنة في الحجرات الدارسة والرفوف والحوائط المتداعية والأعمدة الواقعة وفتات ~~الأحجار المبعثرة هنا وهناك، كل هذه ألسنة تنطق بحوادث عالم زائل وسطور صدق تعرض للأنظار ~~دروس الاعتبار. # إن هذا المعبد الشهير بقية أطلال مدينة «قانوب» الزاهرة، تلك المدينة التي هي تذكار السلف ~~للخلف، كان يتوهج بالنور من تأثير شمس الصيف الساحرة، وكان يخيل لي أن الخواطر المعطرة ما ~~زالت تتماوج في أرجاء هذه الخرائب، وأن الآمال الذهبية تهتز حتى الآن في دقائق الأثير ~~المحيطة بهذا العرش، عرش المسرات والأفراح المدرج إلى الأبد في أكفان العدم ~~والنسيان. # من يدري كم من الرءوس انحنت بخشوع أمام تلك الأعمدة الملقاة على الأرض الآن بحالة ذل ~~وانكسار؟ إنني لا أكاد أذكر أبهة الماضي وسلطانه حتى تتجسم أمام أنظاري الصفحات الخالدة من ~~عظمة هذه المدينة القديمة. وبتأثير الانعكاس الأزلي كنت أشتم في الهواء روائح الزمن القديم ~~ويخيل لي ms17 أن في كل زاوية أثرا للحس والحياة. # بعد أن حييت بإجلال وإعظام المعابد الخربة والأعمدة المتداعية والحجرات المهشمة من خرائب ~~قانوب الحاوية في عرصاتها آثار مدينة زاهية زاهرة، أخذت في إتمام نزهتي ووجهتي خليج أبي ~~قير، وكان البحر إذ ذاك يداعب الرمال الذهبية عند الساحل وشمس الغروب تفيض على كل الجهات ~~بأنوارها الباهرة. # تتبعت طول الساحل ولما يبق على غروب الشمس إلا مقدار طول الحربة، إلى أن وصلت إلى القلعة ~~المسماة بطابية الترك؛ وهي أعلى الطوابي المحيطة بأبي قير. # هنالك رأيت منظرا بديعا ترقص له حبات القلوب. رأيت المدينة تحتي ملتفة بثياب بيضاء ~~تسترها غلالة رقيقة من ذرات الرمال. وأشجار النخيل الشامخة بأنفها نحو العلاء، مصطفة بترتيب ~~واحد تزين الطريق بعناقيدها الصفراء والحمراء، والخليج متمخضا أمامي بأهميته التاريخية، ~~وقد بدا في حلة من الأنوار الذهبية، بينما الشمس تطبع عليه قبلتها الأخيرة، وفي ناحية أخرى ~~كنت ألمح مقبرتين ينشران على العالم آثار الهيبة والخشوع وعلى اليسار من هذا الموقع كان ~~بضعة أفراد من الإنجليز تتلهى بلعبة «التنيس». # وهناك على الساحل كانت جماعات من السماكين مشغولين بسحب شباكهم ينظرون إلى ما قسم الله به ~~عليهم بلهفة واشتياق، وكنت أسمع فوق رأسي طنين تلك الآلة، آلة الطيران التي هي معجزة عصرنا ~~تحلق في الجو طائرة كالنسور، وكلما ارتفعت ظهرت للأعيان كأنها واقفة لا تتحرك، وبالإجمال لم ~~يكن هناك سوى الصمت والدهشة والبهاء! # على بعد شاسع بالقرب من جزيرة نلسون الواقعة في عرض البحر كنقطة استناد كنت أرى جملة نقط ~~بيضاء تقترب نحو الساحل، وبعد قليل تبينت تلك النقط البيضاء التي كنت إخالها أشرعة تتحرك، ~~فإذا هي قوارب صيد من النوع المسمى «نابوليتان» يقتربن إلى الشاطئ كسرب من طيور ~~البحر. # كنت أراقب هذا المنظر البديع، منظر قدوم هؤلاء السماكين من مسافات شاسعة تبعد عن المدينة ~~أربعة أو خمسة أيام، ثم اقترابهم بهيئة منتظمة إلى شاطئ البحر، فيأخذني الإعجاب بسعيهم ~~وإقدامهم فأقول في نفسي أجدر بهذا النشاط أن يكون درس اعتبار لسماكينا الكسولين. ثم انتقل ms18 ~~الخاطر فجأة إلى تفاصيل وقعة حدثت في نفس المكان وبنفس هذه الصورة منذ مائة وأربع عشرة ~~سنة. # حاول أسطول نابليون في ذلك العهد الالتجاء بهذا الخليج، وباغته الأميرال الإنجليزي ~~«نلسون» بأسطوله حيث دمر معظم سفن الفرنسيين، وأغرق البقية في أعماق البحر. # لم تستغرق المعركة أكثر من ثلاث ساعات، ومع ذلك فقد كانت رهيبة دمر في خلالها معظم ~~الأسطول الفرنسي، وما سلم منه لم ينج من العطب، وإن الناظر في الخليج وقت هدوء البحر ليمكنه ~~أن يرى تلك السفن التي تقوم بالملايين وهي في قاعه. وقد حاول كثير من كبار الماليين تخليص ~~تلك الثروة الطائلة من قبضة البحر في أزمنة مختلفة إلا أن مساعيهم ذهبت أدراج الريح، وظلت ~~تلك السفن في مرقدها الهادئ حتى يومنا هذا. # وفي النهاية وصلت قوارب الصيد النابولية إلى الساحل، فرأيت أصحابها منهمكين في طي الأشرعة ~~وهم ينشدون الأهازيج والأغاني. وبينما كنت أرى أشكال قبعاتهم المنعكسة في البحر بألوانها ~~المختلفة كانت الشمس أتمت غروبها وغاص قرصها الذهبي في لجة الخليج ناشرا في أرجاء المكان ~~ضوءا قرمزيا. # وفي ذلك الوقت، أي في الوقت الذي بدأت فيه الأنوار على سطح البحر تخبو والأضواء التي في ~~السماء تتضاءل والرسوم والأشكال التي تكونت في السحب تضمحل، نزلت من المكان الذي كنت فيه ~~وقفلت إلى مسكني راجعة على مهل، طامسة بأقدامي طنافس الرمال الناعمة التي فرشتها يد الطبيعة ~~لتزين شاطئ البحر. # وكان الهواء إذ ذاك محاطا بسنار رقيق، شفافته تكسب المناظر نوعا من الإبهام ~~والغموض. # هنا وهناك لمحت بعض نماذج من المساكن الأولية لبني الإنسان، أو بالحري خياما نصبها البدو ~~في ذلك القفر، نظرت إلى تلك الخيام فإذا بأضواء الأسرجة تشع من خلالها، وإذا بأصحابها ~~منهمكين بإحضار طعام المساء. كان فريق من هؤلاء البدو قافلين نحو خيامهم وهم يسوقون الإبل ~~أمامهم، وفريق آخر كان جالسا أمام خيمته بتلك الكيفية الخاصة بالبدو، بينما البعض متمدد ~~على الرمال مسترسل في بحار الخيال والتأمل، والبعض في عزلة عن رفاقه يترنم بالأناشيد ~~الشجية، وفي ناحية من ms19 هؤلاء كنت ترى لفيفا منهم يتناول الطعام مع عائلته، وفريقا آخر ~~يتنادمون حلقات حلقات مع الأصحاب والخلان. # كنت أرى على وجوههم آثار السرور، وألمح في خيامهم أمارات الأنس والبشر، وفي قلوبهم علامات ~~البساطة وراحة النفس. وبالإجمال كانت تلك البقعة صحراء خالية تملصت من قيود الضجيج ولجب ~~المدينة. فمن منا يحكم بعد ذلك بفقدان السعادة من هذا الوجود، وهو يرى مثل هذا المنظر ~~الرائع، منظر السرور والنشاط في مثل هذه الصحراء البعيدة عن أنوار مدنية العالم العائشين ~~فيه؟ إن الاشتراك بالفكر والحس في حياة القناعة والسذاجة التي يقضيها هؤلاء البدو الناعمو ~~البال لمما يبعث الطمأنينة والهدوء إلى قرارة النفوس. أفلا تشعر معي أيها القارئ أن من يعيش ~~بعيدا عن مدنيتنا الحاضرة يستيقظ في عالم الهدوء والإيناس، حيث يرى نفسه محفوفا براحة ~~الضمير والسرور المعنوي؟ # عندما رجعت إلى مقر سكني كانت الكائنات قد استرسلت في سكونها العميق واختفت عن أنظار الحس ~~تحت ستار الخفاء. # وكنت أسمع أغاني المساء المعنوية تتماوج في الفضاء وهي تدعو «الكائنات الحية» إلى النوم ~~والراحة. # أما سراي المعمورة، إحدى المعجزات التي تمت على يد الفن، فكانت نجومها الكهربائية تسطع ~~بالبهجة والإشراق. # وبالإجمال فإن آثار الحياة الظاهرة في داخل السراي وخارجها كانت تستعد لاستقبال هذه ~~الليلة الروحية الزاهرة بالابتسامات. # مصر، في 20 جمادى الثانية سنة 1329 # | حب الوطن من الإيمان # إن بشرى نبينا الجليل الشأن، القائلة بأن حب الوطن جزء من الإيمان لها وقع كبير في نفوس ~~المؤمنين وأثر جليل عند الذين يعرفون معنى الإخلاص في الإيمان. # جعل النبي حب الوطن مقياسا للإيمان الخالص، فما أعظم هذه الحكمة! وما أجلها سعادة لدى ~~النفوس النقية أن تكون قلوبهم مفطورة بحب أوطانهم! طوبى لكم يا أصحاب القلوب الطاهرة فقد ~~جبلتم على حب الوطن، فأصبحتم محبين له وأصبح محبوبا لكم. صرتم من عشاقه وصار معشوقا لكم. ~~وإن الحكمة الرائعة التي تنطوي عليها هذه السنة النبوية الجليلة الشأن لفي غنى عن الشرح ~~والبيان؛ لأن الوطن هو منبت فضائلنا، منه نقتطف ورود الحمية وأزهار ms20 الشجاعة. # وطننا مجموعة نفيسة تضم بين دفتيها ذكرى كياننا، ففيها تجد ذكرى أيام السلف وحوادثهم، وفي ~~طيات صحائفها تدون أعمالنا الحاضرة يوما فيوما. # إن الأعمال التي سيقوم بها أولادنا وأحفادنا في الأيام المقبلة ستدون أيضا في صفحات هذه ~~المجموعة، فلنحتفظ بهذا الأثر النفيس ولنحرص عليه كل الحرص. # إن وطننا المحبوب، المحدد بدماء أسلافنا الأعزاء، ذلك الوطن المفدى الذي تركه لنا الأجداد ~~وديعة بعد أن قاموا بتحصينه، لا بالحجارة والحصون، بل بعظامهم وجماجمهم يطلب منا التفاني في ~~خدمته؛ لأن زماننا زمن عصيب يقتضي السعي والإقدام. فلنخدم وطننا ولنحرص عليه لأنه بالحرص ~~عليه نحرص على حياتنا، وبالتفاني في خدمته نخدم أنفسنا. # إن المحب الحقيقي لا يحجم عن بذل النفس والنفيس وتضحية أعز ما لديه في سبيل الوصول إلى ~~رضى المحبوب، فلتكن تضحيتنا إذن في سبيل الوطن بقدر محبتنا له. # لنبرهن على أننا نعز الوطن ونهيم بحبه بالفعل لا بالقول. لنضع نصب أعيننا الدماء الزكية ~~التي أراقها أبطال الوطن في سبيل أوطانهم، ولنفكر على الدوام بأن الخلف سينظر يوما ما إلى ~~أعمالنا فينقدها كما ننقد نحن اليوم آثار السلف، وبمثل ذلك ليكن سعينا جليلا في سبيل ~~خدمته. # ننظر اليوم إلى آثار أسلافنا فتدهشنا أعمالهم، فلنحاول نحن أيضا أن ندهش أبصار أحفادنا ~~بجليل ما سنتركه من الآثار والمآثر. لنجتهد ولنبرهن للعالم من طريق حب الوطن بأن قلوبنا ~~مملوءة بالإيمان الصادق، وبأننا نعلم تماما بأن حب الوطن من الإيمان. # القاهرة، 19 ربيع الأول سنة 1328 # | قصر الأموات1 # إحدى صحف الماضي # اليوم فقط أسعفني الحظ فزرت مقابر الجثث الشهيرة التي ظلت راقدة نحو ثلاثة آلاف عام في ~~وادي الملوك براحة وهدوء، وهي في مقرها الحالي في سراي «قصر النيل» ذلك القصر المحتشم. لم ~~أضطرب ولم يلحقني الضيق والكمد، كما لو كنت في وادي الملوك المبطن بالحجارة الملساء، بل ~~تمكنت من رؤية تلك الآثار بكل راحة وهدوء وأنا في هذا الملجأ الأمين الموجودة فيه جثث ~~الفراعنة بين ثنايا الجبال الصناعية لهذا القصر. # فكنت أسير في طرقاته غير ms21 هيابة ولا وجلة إلى أن وجدت نفسي في صالة كبرى أمام باب ضخم ~~فولجته في الحال . عند ذلك استقبلني صف من الهياكل الأبدية، وهي مصطفة بترتيب واحد على يمين ~~ويسار المدخل الكبير. نظرت إلى هذه التماثيل فخيل لي أنها تنظر إلى ما حولها بازدراء ~~واحتقار، نعم فهذه الآثار الفرعونية الخالدة، هذه التماثيل العظيمة المنحوتة من الجرانيت ~~الملون كانت تدل بسكونها وصموتها عما مر عليها من الخطوب العظيمة والحوادث الجسيمة. # لم يكن في مقدور الإنسان عدم التأثر بتلك النظرات العميقة التي يسطع نور ضيائها من عيون ~~تلك التماثيل، تلك النظرات المملوءة بالتحية والمؤانسة. إن الناظر إلى هاته التماثيل يتصور ~~أنها - وهي جالسة على تلك القواعد المحكمة - تستعرض أمامها سلسلة العصور التي مرت عليها ~~وتذكر شوارع «منفيس» المزدانة بالأعمدة وطرقاتها المحفوفة بالمعابد النادرة ومواسمها الحارة ~~فتقيس ماضيها الخلاب بحاضرها. فكنت ترى على سيما هاته الهياكل أثر السرور، وعلى شفاهها ~~ابتسامة السخرية والاستهزاء، وفي عيونها بريق اللذة، وفي أعماق قلوبها سر الآخرة. # بمثل هذه الصورة كانت هذه الهياكل الجرانيتية الملونة بالحمرة والسواد، جالسة جلسة ~~الفلاسفة تستعرض انقلابات العالم وتبدلاته العظيمة وتطوراته العجيبة. # تركت بعد ذلك هذه التماثيل ذات العيون الصافية في تأملاتها وخطوت نحو الأمام لمشاهدة ~~الآثار الموجودة في القاعة السفلية، بعد أن توقفت في دهاليز عديدة ومررت على جملة أبواب، ~~فكنت أرى كل الغرف ملأى بالآثار النفيسة التي تعيد إلى الذهن آثار الماضي وخيالاته. # فهاكم آثار مدنية بعيدة مجهولة، هاكم هياكل ومعابد وأعمدة ومقابر «أرمنت» و«منفيس» ~~و«الكرنك» و«الأقصر»، تلك المدن الزاهرة منذ آلاف السنين، تزين الآن هذا القصر الساكن وتزيد ~~مجموعة الآثار الموجودة قيمة تذكاراتها النفيسة. # الأوجه الضاحكة البارزة من الحوائط والرءوس العديدة والابتسامات الممزوجة بالهجو ~~والسخرية، كلها كانت تتركني في حيرة واضطراب، ثم التفت إلى الجهة اليسرى من صالة صغيرة ~~فرأيت عينين سوداوين تتأملان في محيط الصالة. هاتان الدرتان النفيستان اللتان تزينان ذلك ~~الرأس الجميل، لا بد وأن يكونا عيني الملكة «تابا» لأن نظراتها الحادة كانت تتعقب المرء ~~فتؤثر عليه بسحرها ms22 الخاص. # وقد تمكنت هذه المرأة الفتانة من الزواج بفرعون زمانها مع أنها لم تكن أصيلة أو ذات نسب ~~عريق في المجد، وعلى مر الأيام زادت عظمتها وكبرت أبهتها حتى انقاد الجميع إلى أمرها ~~وحكمها، ثم انتهزت فرصة ممات «أمانوس الثالث» فشاركت ابنها البكر في الحكم وأدت لمصر خدمات ~~جليلة بما أبدته من الحنكة العالية والذكاء الفطري في تدبير الأمور. # تشبه هذه الملكة نوعا ما السلطانة «كوسم» # 2 # في الفكر والقدرة؛ لأنها هي أيضا نالت موقعا هاما من الإجلال والإعظام في ~~أيام حكم ابنها السلطان إبراهيم حتى أصبح في يدها مقاليد كل الأمور. # وقد اشتهر عن كلتا هاتين الملكتين الذكاء والقدرة في تولي الحكم، إلا أن التاريخ يذكر ~~اسميهما مقرونا بالشدة والغرور. # أصحاب العلم والعرفان يزداد عددهم على مر السنين والأيام، إلا أن منزلتهم العلمية وقيمتهم ~~المعنوية هي هي في كل عصر وكل زمان، فالملكة «تايا» التي كانت سببا في رفاهية وتقدم مصر في ~~عصرها منذ ستة آلاف سنة مضت، ظهرت عظمتها في القرن الحادي عشر من الهجرة في شخص السلطانة ~~«كوسم». # كنت أمتع النظر بمرأى الآثار العديدة، وأقف أمام مدهشات كثيرة لا تعد. إلى أن مررت بجانب ~~أحد الأبواب فاستلفت نظري أحد التماثيل بشكله المعنوي. كان التمثال هو الهيكل المعروف «بشيخ ~~البلد» ذلك التذكار الباقي من أيام الفراعنة، مصنوع بشكل فني بديع، وفي يده عصاه التي يحث ~~بها قومه على الجد والعمل. # الشرق شرق في كل زمان؛ فالكسل إحدى مميزاته الممزوجة بحالته الروحية تلك الميزة التي يسعى ~~الشرقيون في رفعها وإزالتها في كل حين وآن. # طفت بعد ذلك في أنحاء تلك الغرفة العجيبة الموجود بها عجول «ايبيس» ومنها انتقلت إلى غرفة ~~أخرى، رأيت بها الأميرة «نوفريت» المرتدية بجلبابها الأبيض الناصع تنظر إلى ما حولها ~~بعينيها الجميلتين، حيث كانت جالسة على كرسي سلطنتها جلسة من يستمع أحاديث نخبة من الخلان ~~الأصفياء. فتركت غرفتها ببطء خشية الإخلال بالسحر المعنوي الضارب في أطنابه وتابعت المسير ~~باحثة عن إحدى ملكات الشعر والخيال. فنقبت عنها ms23 في كل حجرة وصالة، ولكن ذهبت كل أتعابي ~~أدراج الرياح؛ لأنني لم أعثر على أي أثر يدل عليها. كنت أبحث عن ملكة لها حادث خاص في ~~التاريخ، تلك هي «نيتوقريس» ذات الخدود الوردية. يذكر عنها التاريخ أنها كانت تسبح ذات يوم ~~من أيام الصيف في مياه النيل فتركت حذاءيها المزركشين على شاطئه الذهبي، وبينما كانت الشمس ~~ترسل أشعتها على الحذاءين فيزداد بريقهما انقض عليهما طائر واحتمل أحدهما على منقاره حتى ~~«منفيس» وألقاه أمام فرعون ذلك العهد الذي كان مجتمعا بأركان دولته وأعيان مملكته في ميدان ~~فسيح. # فلما رأى الملك ذلك الحذاء الصغير عول على أن يبحث عن صاحبته، وما زال يفتش عنها حتى ~~وجدها واقترن بها أخيرا. وقد تركت هذه الملكة لنفسها صحائف خالدة في تاريخ مصر ما زالت ~~مشرقة الجوانب حتى يومنا هذا، وهي نفسها التي أمرت بإتمام الهرم الموجود بالجيزة ودفنت ~~داخله، غير أنه مما يوجب الأسف أن هذه الملكة الجميلة «نيتوقريس» لم يعثر لها على قبر أو ~~تمثال، وقد ازددت أسفا عندما سمعت بأن تاريخ حياتها مدون على صحيفة من ورق «الپابيروس» ضمن ~~معروضات متحف «تورينو»! # وقد ظلت قصة هذه الملكة كحكاية خرافية ولم يبق لها في التاريخ مزية أكثر من ذكر اسمها ~~الموسيقي. # إلى هنا كنت قد أتممت زيارة البهو السفلي فارتقيت السلالم المؤدية إلى القاعات العلوية ~~ودخلت الدائرة الخاصة بالحيوانات المقدسة، فوقع نظري على جملة من القطط والكبوش والتماسيح ~~والقردة والفيران والطيور المعروفة بأبي قردان، وكانت جميعها مرتبة داخل دواليب من الزجاج ~~ترمق المتفرجين شزرا بعيونها الزجاجية الباردة. # كان يلوح لي أن أنواع التقديس وضروب الاحترام التي نالتها هذه الحيوانات وهي حية أكسبتها ~~الجمود البادي عليها الآن، إذ كان الناظر إليها وهي مصفحة بأنواع الحلي الذهبية يخيل إليه ~~أنها في انتظار الذين عبدوها حينا من الدهر. # أي حس عميق يا ترى يسوق الناس إلى إيفاء واجباتهم الدينية في مختلف العصور والأيام حتى ~~يجعلهم يلجئون إلى مثل هذا النوع من العبادة، عبادة عيون الحيوانات ومناقير الطيور؟! ms24 # قرب الآن ميعاد غروب الشمس، إذ كانت أشعتها النافذة من القبة الكبيرة تلون الموجودات بلون ~~أحمر وتنشر في أرجاء القصر ألوانا مختلفة من الهيبة والخشوع. # الإطارات والنوافذ والحوائط والمدافن أصبحت جميعها في طوفان من اللون القرمزي، وكان يخيل ~~للناظر أن الهياكل والتماثيل أخذت في الانتباه والصحو، وأن التوابيت تلتهب بالنيران. # هنا في هذا المكان يرى الإنسان الابن بجانب الأب والحفيد في محاذاة الجد، والكل نائم في ~~صف واحد بعضهم مسدل النقاب على وجهه، والبعض يختال في ثيابه وحلله، والبعض راقد بلا ثوب ولا ~~كفن. # هؤلاء الأعيان والذوات الذين كانوا ينفرون من بعضهم البعض وهم أحياء، جمعهم الموت على ~~حظيرة واحدة في هذه المقابر الغرانيتية التي تزين هذا القصر، وقد اختلط حابلهم بنابلهم، ~~فالعدو بجانب العدو، والخصم مجاور للمخاصم، والحاكم على قيد أمتار من المحكوم، فكم من ~~الملوك الذين يقرأ الخلف تاريخهم الآن على الأعمدة ليلم بأعمالهم وآثارهم قد لبوا الدعوة ~~إلى هذا الموعد! # إن هؤلاء الذين دفنوا ردحا من الزمن في طي الصحاري وبطون الجبال قد تلاقوا الآن في هذا ~~المكان، وها هم ينتظرون بفروغ صبر الساعة التي تنعتق فيها أجسادهم من هذا الجمود ~~الأزلي. # ألقيت نظرة أخيرة على هذه الموميات الذهبية، فخيل لي أنها تستعد لمسامرة ليلية، وأن كلا ~~منها تنتظر انقطاع صوت الأقدام على إثر غروب الشمس لتقفز من زاويتها الساكنة إلى بساط ~~المنادمة والمصاحبة. # في وسط هؤلاء الحكام المغرورين الذين ظلوا تحت أطباق النسيان مدة مديدة في وادي الملوك ~~والمعروضين الآن لحرارة الشمس في هذا القصر المحتشم، كان «رمسيس» الأكبر راقدا في مقره ~~الأبدي، ملتفا بأكفانه المنسوجة من ألياف نبات الصبر الناعمة، داخل دولاب من الزجاج. ~~الهيكل العظمي لهذا الملك العظيم كان يشف عن مهابة وجلال، فجبهته الواسعة تستر تحتها أمارات ~~القوة والاستبداد، وأنفه الأقنى يدل على الغطرسة والكبر، وعيناه المجوفتان يشفان عن السطوة، ~~بينما شفتاه الرقيقتان تنمان عما كان له من قوة وإرادة. # ها هو «رمسيس الأكبر» الذي تحكم في حياته على العالم بجيوشه، يرفع الآن ms25 قبضته اليابسة ~~بالتهديد كأنما يريد أن يتحكم على العالم الروحاني أيضا ويملي أوامره الملوكية على ~~المشاهير الملتفين حوله في هذا القصر. # هذه اليد المرفوعة لغرض خاص، هل كان رفعها إطاعة لأوامر ملك الموت؟ أم أنها رفعت لغضبه من ~~مفارقته مقره الهادئ في «وادي الملوك»؟ أم لأنه اضطرب من حرارة الشمس بعد رقاده الطويل في ~~أعماق الأرض فرفع يده ليتقيها؟ وبالإجمال فالمرء يحار في تعليل ذلك. # قبل هذا التاريخ باثنين وعشرين عاما أمر الخديو السابق المرحوم «توفيق باشا» بإخراج جثته ~~من تابوته المذهب وأن يجرد من أكفانه التي يبلغ طولها أربعة آلاف متر أمام جمع من العلماء ~~والأعيان، فظهرت علامات الغضب والاغبرار على محياه حتى ذعر الخفراء والمتفرجون وارتدوا إلى ~~الوراء، ويظهر أنه احتدم غيظا لإخراجه فجأة من الأعماق المظلمة التي ظل فيها ستة آلاف عام ~~إلى وجه الأرض، فرفع إحدى يديه اللتين كانتا مطبقتين على صدره ليهدد العالم. ومنذ ذلك الحين ~~أخذ وجهه يزداد عبوسة. # إن هذا الملك الذي أضاف صحائف خالدة على تاريخ مصر بفتوحاته الشهيرة، والذي كان يلقبه ~~اليونانيون بالمعبود القادر، أوصى وهو مدفوع بتربيته الفكرية وإحساساته الموروثة بأن تدفن ~~جثته في أقصى وأعمق نقطة من وادي الملوك، ليظل جسده بعيدا عن الأنظار في أمان من السرقة ~~حتى أبد الآبدين. ولكن وا أسفاه لم تمكنه الأيام من إتمام رغبته كما أراد، فإن المقابر التي ~~بذل الفراعنة في تشييدها وبنائها النفس والنفيس، غير مبالين بما ضاع في ذلك السبيل من مال ~~الأمة وأرواحها، قد ناوأها الزمان ولعبت فيها الأيدي وكشف ما كان تحتها من الأسرار فظلت ~~دروس عبرة لأنظار الناس. هؤلاء الفراعنة الذين عملوا لكل أمر حسابا، هؤلاء الحكام الذين ~~ابتلاهم الدهر بفكرة الخلود، لم يعملوا لهذا الدور الغادر، دور المدنية الحديثة حسابا ولم ~~يدر بخلدهم إمكان ما وقع لهم اليوم. # لو أنهم ظلوا في أمكنتهم، في تلك الطرق الخفية من وادي الملوك لكان لأجسادهم المحنطة نصيب ~~أوفر من الخلود، غير أنه الآن قد حكم عليهم بالفناء منذ الساعة ms26 التي أخرجوا فيها من محيطهم ~~السابق إلى وجه الأرض. إن عظامهم اليابسة المحنطة بالأدوية والعقاقير قد قاومت مرور الأيام ~~والأعوام، ولكنها لا تستطيع اليوم مقاومة نور الشمس. # إن «رمسيس الأكبر» الذي دوخ أمما عديدة ومدها بالنور والضياء، والذي كان سببا في شهرة ~~عائلته ورفع ذكرها، تملكت حب الشهرة في نفسه لدرجة عظيمة حتى أصبح أسيرا لها طول حياته. ~~رغم فتوحاته العديدة وانتصاراته الباهرة، كان في ريب من خلود اسمه ودوام ذكره، فأمر ببناء ~~المعبد المعروف باسم «رمسسيوم» بالأقصر، ذلك المعبد الذي ظل مكانا مقدسا حتى أيام إسكندر ~~المقدوني، وحافظ على مكانته حتى في أيام المسيحيين. # وقد ظلت أعمدته الملونة العديدة محافظة على نفاستها وقيمتها، وبقيت مظهرا لتقدير الناس ~~وإعجابهم ومدارا لذكر اسم «رمسيس» إلى الأبد. # كل هاتيك الآثار والمباني لم تطفئ تعطشه الشديد إلى حب الشهرة والخلود، إذ كان على الدوام ~~في ريب من الأيام على اسمه المحفوظ بالسطوة والبأس، فعمد إلى تشييد هياكل عظيمة مشابهة له ~~في وسط الصحراء أملا في تخليد محياه المهيب. ففي كل عمل من أعماله أثر من آثار الأنانية، ~~وفي كل حركاته مظهر من مظاهر الغرور، وبالإجمال فقد كان عنوان المهابة والعظمة وتمثالا ~~مجسما للغرور. # ها أنا ذا أراه الآن أمامي راقدا في تابوته البلوري كبقية الأموات المجاورة له، ولم تبق ~~له مزية من مزايا شهرته منذ اليوم الذي أخرج فيه من مقبره الملوكي وحل هذا المكان. وبعد ~~سنين قلائل تتحلل عظامه فتفسد وتتفكك فينقلب إلى كمية من التراب لا تكاد تملأ الكف، وعندها ~~لا يبقى له في الوجود سوى ذكراه المحفوفة بالغرور. فقل لي بربك من الذي يصدق بخلود «رمسيس» ~~بعد زوال هذه المظاهر الدالة على عظمته؟ وما يبقى إذ ذاك من تلك القدرة والكبر والعظمة ~~والسطوة؟ # إن رمسيس الراقد في تابوته البلوري والملتف بأكفانه الصفراء المنسوجة من ألياف نبات الصبر ~~ليس الآن بينه وبين بقية الأموات المحفوظة في هذا القصر أدنى فرق. فكل التوابيت مصطفة ~~بترتيب واحد ونظام واحد وكلها مصنوعة من الخشب ms27 والزجاج وعلى جميعها لوحات صغيرة كتب فيها ~~اسم الميت وأسرته. وعندما اقتربت من تابوت «رمسيس» لأقرأ اسم هذا الحاكم المغرور في الورقة ~~البيضاء المعلقة عند قدمه كم وددت أن يضاف على اسمه هذه الكلمة التي قالها الشاعر المرحوم ~~ضيا باشا: # بوقبه ده قالان همان برخوش صدايمش # 3 # | تأوهات مسلة # مبتكرة # خيل لي أنها تتأوه فتقول: «آه، من يستطيع إسكات أوجاعي المتأصلة في أعماق قلبي، ومن أين ~~لي ذلك الذي يخفف عن آلام نفسي ويداوي جراحها ببلسم كلماته المسلية؟ # إنني حتى اليوم أعجب لأمر نفسي، ولا أدري لماذا حكم علي بمثل هذا النفي المؤبد والشقاء ~~الدائم. أنظر حولي فلا أجد رفيقا أحدثه بما بين جوانحي من الأوجاع والتأملات أو صديقا ~~يشاركني في أصدق العواطف والإحساسات. أكل الدهر علي وشرب وتطاولت الأعوام والأجيال وأنا ما ~~زلت في مكاني هذا لا أتحول ولا أتبدل. إن القوم هنا قدروني حق قدري وأغرقوني بطوفان من ~~إعجابهم وإعظامهم ثم أحلوني صدر ميدانهم الفسيح، لأحرك في نفوسهم كامن الفضول، ورفعوا قامتي ~~نحو العلاء لأشرف عليهم من سماء مجدي وخيلائي. فما أكثر القادمين لزيارتي في هذا المكان! ~~وما أشد إعجاب الملتفين حولي، المتحدثين بشأني! # ينظر القوم إلي وأنا في مكاني هذا، وسط هذا الميدان العظيم المعدود من أكبر مشاهد هذه ~~العاصمة التي هي مهبط أنوار المدنية الحديثة، نظرهم إلى نقطة تصل مدنية الأزمنة القديمة ~~بالرقي الحديث. # لا غرو ولا عجب؛ فإن هيئتي الشرقية من أكبر الدوافع على جذب الأنظار، فهم يعلمون بأنني ~~أثر من آثار العصور السالفة وإحدى بقايا تلك العظمة الفرعونية الجليلة الشأن، فلا تكاد ~~عيونهم تقع علي حتى يتركوا ما حولي من التماثيل والهياكل الحديثة المحيطة بي، ويقتربوا ~~مني ليقرءوا على وجهي تاريخ أيامي الأولى. أنا الآن تحت أسرهم وفي قبضة يدهم، فهم يعتزون بي ~~ويفاخرون بوجودي بينهم لجليل قدري في الأيام السالفة ولمكانتي السامية بين وقائع العصور ~~الخالية. ولكن مع هذا الاعتبار والاحترام، ورغم كل هذا الإعزاز والإكرام فأنا لا أزال حتى ~~يومي هذا أعاني ms28 آلام الوحدة وأوجاع الانفراد.» عندما وصلت المسلة إلى هذا الحد من القول كان ~~النهار قد بلغ غايته وأذن بالأفول، آخذا أهبته لوداع سلطنته إلى الغد، وكانت أنوار الشمس ~~القرمزية قد أغرقت كل ما في الميدان من الألوان المتعددة، وانعكست عليها سهام الأشعة ~~الذهبية الصادرة من السماء حتى خيل لي أنها تلتهب بألسنة النيران. # تركتني هذه الأنات والآهات في حيرة شديدة وجعلتني أشعر بأنني أمام لغز غريب تعجز العقول ~~عن إدراك كنهه، وقد هالني الأمر حتى وقفت متعجبة أنتظر نهاية هذه الشكاوى المتجسدة والآلام ~~المفزعة. # اشتد إذ ذاك احمرار الغروب فازداد توهج الكتابات المسطورة على المسلة والحيوانات المرسومة ~~عليها حتى ظهرت للأعيان أجلى وأوضح كأنما قد لبست ثوب الحس والحياة، ثم سمعت بعد ذلك شبه ~~غمغمة آتية من بعيد فأنصت فإذا هي تقول: «بلى، ما أنا في هذا الوسط سوى موضع الاستغراب ~~والدهشة، وقليل أولئك الذين يعلمون أمري تماما ويعرفون أصلي ومنشئي وشأني حق العرفان. ولذا ~~فأنا أعد نفسي في هذه العاصمة الكبرى وحيدة لا حول لي ولا قوة. تحتاط بي أنواع شتى من ~~البهارج والزخارف إلا أنني لا أحفل بها ولا أجد لها طعما. فكل أنواع الحركة وضروب السرعة ~~والدبدبة تهز أساسي وتضعف متانتي وتوقعني في دهشة وارتباك؛ لأنني لم أعتد على هذا النوع من ~~العيش المضطرب، وإنما كانت نشأتي في وسط هادئ تحف به آيات الجلال والسكون. فأنا اليوم أقطع ~~مراحل حياتي بلا أمل، فأحس وأتألم ولكن بدون لذة أو هناءة، فلا شاغل لي سوى عد سلسلة الأيام ~~التي تمر بي، ولا يغرنك ارتفاعي فأنا متواضعة مع ما ترينه من طول قامتي.» # كانت تصل هذه التألمات إلى سمعي فيزداد بي الحزن والأسف إذ كانت تعوزني شجاعة كبيرة لسماع ~~هذه الشكاوى والآلام. # واستمرت في حديثها تقول: «وقعت فريسة المرض منذ سنين عديدة وأصبحت أقاسي من جرائه آلاما ~~نفسية شديدة، فأنا اليوم أقاسي كل أحوال الموت ولا يلحقني الفناء. أنا أعلم الدواء الناجع ~~لدائي ولكن هيهات، فأين أنا منه الآن؟ سوف ms29 أظل أتجرع كئوس المتاعب والأشجان إلى أن يلحقني ~~البلى والدمار؛ لأن داء الشوق لرؤية الأهل دواؤه الناجع ملاقاة الوطن ولكن آه.» # وما كادت تتم كلماتها هذه حتى ارتجت بنا الأرض على إثر مرور إحدى وسائل النقل السريعة من ~~جانبنا، أعني سيارة ضخمة أحدث مرورها تزلزلا في الأرض حال دون سماع بقية كلماتها. # ثم نظرت حولي فرأيت كل شيء يؤذن بدخول ليل فاتر، يحف به موكب من النسيم العليل، تهتز ~~لرقته دقائق الأثير، ثم رميت بطرفي إلى القبة الزرقاء فإذا «الزهرة»، تلك النجمة الساطعة، ~~زينة السماء وأبهى عرائسها، قد ظهرت وابتدأت ترسل ابتساماتها الجذابة لبقية الكواكب التي ~~أخذت تستعد لرد تحيتها. # كنت أرى العربات والسيارات وجماعات المشاة يهرولون جميعا بسرعة زائدة نحو غابة باريس، ~~ليلتجئوا في حمى خضرتها المملوءة بالأسرار والأعاجيب، مؤملين وجود السعادة بين أحضان تلك ~~البقعة الزمردية. # نظرت ثانية إلى المسلة فإذا هي غارقة في لجة عميقة من التأمل والتفكير، بعيدة كل البعد عن ~~الضجيج المحيط بها فأخذت أهبتي للمسير فما كدت أتحرك حتى سمعتها تقول: «بربك قفي وأنصتي ~~قليلا لحديثي.» # فعجبت من ذلك أشد العجب ووقفت مبهوتة أقول في نفسي: ما أعجب ذلك! إنها كانت شاعرة بأنني ~~كنت صاغية لشكاتها، فلم يكن شكواها إلي مجرد هذيان. فأعرتها سمعي وانتباهي لأعي ما تقول ~~تماما فإذا بها تقول: «أناشدك المروءة ألا تذهبي لأنه عندي ما أقوله لك فها أنا ذا أرى في ~~عينيك الرغبة في سماع شكاتي وأشجاني، وأشعر بأنك تشاركينني فيها بقلبك وسمعك. فاصبري لم يبق ~~إلا القليل ولا تمضي برهة صغيرة حتى أفيض بمكنونات صدري في قلبك الرقيق كما يفيض النيل على ~~شاطئيه. فكوني أنيسة روحي ولو لمدة وجيزة وأشفقي علي لأجل الذكريات القديمة. ثم ارحميني ~~لآلام الغربة التي أنوء بحملها الآن. # مضت علي مدة مديدة لم أشك بآلامي لإنسان ما، وما كدت أراك حتى انتهزت هذه الفرصة ~~لإفراغ ما في النفس من الآلام والآمال. وها أنت الآن مصغية فشكرا لك، آه! ما ألذ أن تدار ~~كئوس الحديث ms30 والمسامرة بين قلبين متآلفين! حدثيني بربك عن الأوطان وخبريني عن أخواتي ~~المسلات الأخرى الباقيات هناك ، تلك البقية الباقية من آثار السلف الدالة على التفنن ~~والإبداع، هل بقين مثلي في متانتهن وروائهن حتى اليوم؟ إنني ما زلت أحفظ لهن حبا كامنا ~~في صدري، وأتذكر حسن جيرتهن وجميل عشرتهن. إن قلبي صخري متين، وكذلك حافظتي قوية لا تنسى ~~شيئا يمر بها. فإن أنا نسيت فلا أنسى تلك الصحاري الذهبية والليالي المقمرة الفضية. آه! ~~أين أنت الآن أيها النيل العذب؟ كم أنا مشتاقة لمنظر جريانك الجميل، ورؤيا القلوع البيضاء ~~التي تحرك المراكب السائرة بين شاطئيك! إن مناظر الغروب الجميلة لا تزال مرسومة على لوح ~~الخاطر، وسحر تلك الليالي الحارة الجذابة لا يمكن نسيانها أبد الدهر.» # ثم تضاءل صوتها بعد ذلك حتى أصبح غير مسموع، إلا أنني أجهدت نفسي فسمعتها تقول: «اذهبي ~~الآن غير مأجورة يا أنيسة روحي في هذه الليلة واتركيني لهمومي وأشواقي، وإذا ما عدت إلى ~~الأوطان فاذكريني عند أهلي، ودعيهم لا ينسوني أنا المسكينة المنفية إلى صميم هذا الميدان ~~الفخم في وسط هذه العاصمة الكبرى، وأخبريهم بأنني على استعداد لأن أفدي كل هذه البهارج ~~والزخارف تلقاء ساعة واحدة أجد فيها نفسي بين أحضان تربتي الأولى.» # وقد أثرت في كلماتها الأخيرة أيما تأثير، ونفذت إلى أعماق قلبي كأنها سهام نارية، فجمدت ~~في مكاني مبهوتة حيرى، ولم أتحرك إلا أثر سماعي أصوات بعض القادمين لزيارتها، حيث سمعت ~~بعضهم يقول: «ما أعجب أمر هذه المسلة، وما أبهى منظرها في الليل! انظروا إلى الكتابات ~~المنقوشة عليها، كيف تتوهج كالتبر، ثم انظروا إلى جلال قامتها وامتزاج شكلها وائتلافه بهذا ~~الميدان العظيم. # يقولون: إنها من أقدم الآثار وأجلها شأنا. بارك الله في همة «لويس فيليب» ناقلها إلى ~~باريس، فقد تجشم في سبيل ذلك كثيرا من النفقات والمتاعب. آه! انظروا إلى عيون الطيور ~~المرسومة عليها، كيف تنظر إلينا ببرود واحتقار، ولولا يقيني بأنها صور لا تحس ولا تشعر، ~~لخيل لي أن مناقيرها الحادة تمتد إلينا بالأذى. حقا إن ms31 الإنسان لا يتمالك نفسه من ابتسامة ~~يرسلها في الفضاء عندما يرى هيئتها. إن لهذه المسلة شخصية غريبة في وسط هذا الميدان الحديث؛ ~~فهي قصيدة شعرية بقيت لنا منذ الأزل، بل أسطورة تاريخية تحدثنا، نحن الواقفين على أسرارها ~~المطلعين على خفاياها، بوقائع الأزمنة السالفة فلتحيا مسلة باريس المصرية وهي موضع الدهشة ~~والاستغراب بطيورها ورموزها، ولتدم سنين عديدة في مكانها، تلهب في النفوس نيران الغيظ ~~والحسد بقدها المائس.» # وعندما فتحت عيني ونظرت فيما حولي كان الصباح قد لاح، وكانت الغزالة ترسل أشعتها الأولى ~~من خلال النافذة إلى غرفتي. فما أغرب هذا الحلم! # باريس، 19 أغسطس سنة 1911 # | السحب والإحساس # إلى الأديبة الفاضلة خالدة هانم (معربة بتصرف) # قتام المساء كان يسدل على الأثير ستار الإبهام والغموض. وها هو الفضاء أخذت الحركة تظهر ~~في أرجائه، بعد أن ظل طول يومه باهت اللون جامدا. # وها هي الألوان الفاترة، والأشكال اللطيفة المستترة في طيات السماء، بدأت تظهر في لباس ~~مختلف من الصور والأشكال، حتى ليخيل للناظر أن هنالك رساما خفيا يظهر بريشته الساحرة ~~شخصية تلك السحب اللطيفة التي كانت لا تستقر على حال. # كان بعض هذه السحب لا يكاد يأخذ لنفسه شكلا مخصوصا حتى تنحل أجزاؤه وتتناثر أقسامه في ~~أطراف الجو، والبعض الآخر كان ينمو ويكبر إلى أن يشف فيصعد محلقا في طبقات الجو حتى يغيب ~~عن الأبصار. # ما أشبه سطح هذه السحب بالأماني العذبة، والآمال الذهبية الواهية! وما أبهج شكل هذه ~~اللوحة الحمراء؛ أعني صفحة السماء وقت الغروب! # إن جماع هذه المناظر المعنوية لتذكرنا على الدوام بدقائق العمر الفانية، تلك الدقائق ~~اللذيذة المملوءة بالأشواق. # ما السحب إلا كتاب يحوي بين دفتيه صورا شتى من المشاعر والإحساسات، فبعض السحب تمثل ~~بسرعتها وخفتها الأنفاس المتقطعة، وبعضها جميلة الشكل وسيمة الصورة كالآمال الحلوة، والبعض ~~الآخر خلابة المنظر كالرغبات العذبة! # إن هذه اللعب الخفيفة المزينة ذات الألوان المتعددة والمشرفة علينا من السماء، لتمر ~~وتنقضي كأزمان السعادة والصفاء. # فها هي الآمال والرغبات والأنفاس، وهاكم الخواطر القديمة والذكريات الماضية، متجسدة في ms32 ~~شخص هالة السحب الملتفة بأردية بيضاء ناصعة كالزنابق، وحمراء صافية كالعقيق. وكنت أرى نسيم ~~المغرب يدفعها جميعا إلى الأمام فتنساق ممتزجة ببعض، متدافعة تدافع الإحساسات الغارقة في ~~أمواج خضم الحياة. # إن السحب لتمر وتغدو كالإحساسات، فيقف الإنسان أمامها مفتونا بالماضي مأخوذ اللب ~~بالحاضر، وما أشد سعادته المعنوية وهو يراقبها ويناجيها في تلك الحالة، حينما تتمثل له ~~أيامه الماضية متجسدة داخل ألوانها الزاهية، فيتذكر ساعات السرور والأشواق، وأوجاع الماضي ~~وتأملاته! # هذه الأجسام المتماوجة المبرقشة المطلة على الأكوان من شرفتها العالية، تحتك بها ألوان ~~الفجر الملتهب، وأضواء الشفق المذهب، تلك الأنوار التي نراها على مد البصر، فتشتد بهجتها ~~ويزداد بهاؤها، كأنما جمعت في نفسها كل ما في الشرق والغرب من لطافة وملاحة، إلا أنها قلما ~~تظل على حالة واحدة، فإنها لا تكاد تتجلى في عدة أثواب مختلفة من الزينة والبهرجة حتى تغيب ~~عن الأنظار. # وكنت كلما راقبت سير هذه السحب، وتأملت مليا في معانيها الخفية تمتلئ جوانحي بالغبطة ~~والسرور، ويخيل لي أني عائدة من حفلة سمر معقودة في قبة السماء؛ لأن النظر إلى هذه السحب ~~الشفافة المنعكس عليها خيالات النفس وآمالها وأمانيها، يأخذ بيدي إلى عرش العواطف العلوية، ~~وقمة الخيالات السامية، حيث يكون المرء بعيدا عن مشاغل وسفاسف هذا العالم المادي، وإن ~~الاشتراك بالحس مع هذه السحب، والاتصال بها فكرا لمما يبعث الراحة والطمأنينة إلى قرارة ~~النفوس المتعبة. # إن لحظة واحدة يقضيها الإنسان مبتهجا برؤية قوافل هذه السحب التي تمر في ثياب مختلفة من ~~الأضواء والألوان، لتكفي لتنقية الأمزجة من شوائبها وتأخذ بيد المرء إلى الغوص في نعومة ~~الأحلام السارة. # فلو أننا فكرنا في قيمة الأيام الزاهية - التي تأخذ بيدنا إلى موارد الخيال وفي الرأس مال ~~المعنوي التي تهبه لنا الليالي المنيرة - كم كنا نشكر السحب التي هي الملقن الأصلي والدافع ~~الأقوى لإنجاز أعمالنا الروحية، والتي هي السبب في ظهور آمالنا وأحلامنا بمظهر بهيج ودواء ~~حسن! # ذلك لأن كل إحساسات العالم تتجسم في أعماق السحب حين تشكلها وزوالها. # | خاتمة # الرسالة الأخيرة مهداة ms33 إلى أشهر أديبات الترك في عصرنا الحاضر، ولما كنت في ترجمة ~~هذه المقالات وغيرها من الرسائل المكتوبة بقلم صاحبة السمو أميرتنا الجليلة أرمي ~~إلى الوساطة في تمكين المعرفة بين الأدبين التركي والعربي قدر الإمكان، فإنني لا ~~أجد مندوحة من ختم هذا الكتاب بترجمة حياة الأديبة «خالدة هانم» سالفة الذكر نقلا ~~عن مجلة الهلال الغراء التي طالما أفسحت صدرها للمواضيع الدالة على النهضة النسائية ~~بمصر. # المعرب # الهلال، جزء 1 سنة 29 # خالدة هانم أول امرأة تقلدت منصب الوزارة # لئن حق للشرقيين أن يفاخروا أهل الغرب بمن نبغ من رجالهم، فأحق بهم وأولى أن يفاخروهم ~~بنبوغ نسائهم؛ ففي الشرق اليوم امرأة نابغة جمعت من السجايا والمواهب ما قلما يتفق ~~للنوابغ رجالا كانوا أو نساء، وهي «خالدة هانم» التركية التي نالت بين أبناء جلدتها ~~بفضل جرأتها وصدق عزيمتها وتوقد وطنيتها مقاما هو غاية ما يصبو إليه الإنسان بين قومه. ~~وهي اليوم ركن من أركان الحركة الوطنية في تركيا، وقد أسندت إليها وزارة المعارف في ~~الحكومة التركية التي أنشأها الوطنيون في الأناضول، ولم نسمع بإسناد منصب رفيع كهذا ~~لامرأة قبلها. # ولا يزال السوريون عموما والبيروتيون خصوصا يتحدثون بإعجاب عن تلك المرأة التركية ~~الجريئة، التي قدمت إلى بلادهم أثناء الحرب الأخيرة بمهمة فتح المدارس وإنشاء الملاجئ ~~للأيتام والفقراء، فقد كانت «خالدة هانم» تسير مع زميلاتها في شوارع بيروت سافرة الوجه ~~وعلامات العمل والنشاط بادية عليها، ولم يكن للبيروتيين عهد بتك الجرأة والحرية في ~~المرأة المسلمة، فأصبحت مدار حديث الأهالي وموضع إعجابهم وقدوة لكثيرات من أخواتها ~~المسلمات. # وقد فتحت «خالدة هانم» أبواب المدارس الفرنسية المقفلة وجعلتها مدارس أهلية وطنية؛ ~~شعارها الاتحاد والوئام ونبذ فكرة التعصب، وكذلك أنشأت الملاجئ للأيتام ~~والفقراء. # ولدت «خالدة هانم» من والدين متوسطي الحال، وكان والدها سكرتيرا في دائرة الخزنة ~~السلطانية الخاصة، وقد بدت على «خالدة هانم» منذ أول حداثتها بوادر الذكاء والفطنة، ~~وكانت تظهر رغبة في المطالعة وميلا للتبحر في العلوم والآداب، ولم يكن يؤذن للبنات ~~الوطنيات في ذلك العهد بدخول المدارس ms34 الأجنبية، ولم تكن المدارس الوطنية لتفي بالحاجة. ~~فتوسل والدها إلى السلطان عبد الحميد أن يأذن لابنته بدخول الكلية الأمريكية في ~~الأستانة، فأذن له فدخلتها، ولم يمض زمن على ذلك حتى برزت على أقرانها، وتخرجت سنة 1901 ~~بكالوريوس علوم، وهي في الغالب أول امرأة مسلمة نالت هذا اللقب. # قلنا: إن «خالدة هانم» برعت في جميع العلوم، إلا أن الهندسة كانت حجر عثرة في سبيل ~~تقدمها، فأحضر لها والدها أستاذا خاصا من أساتذة الجامعة السلطانية ليلقنها في ~~المنزل ما أشكل عليها فهمه من هذا العلم، فلم يلبث بعد زمن أن علق بها فخطبها من ~~والدها، ثم اقترن بها عن رضاها وهي لا تعلم أن لزوجها امرأة وأولادا في باريس، على ~~أنها لم تكن لتجد لها خلاصا من تلك الحالة، فاضطرت إلى ملازمة خدرها، فكانت تصرف ~~الأيام والليالي في مطالعة ما حوته مكتبة زوجها من التآليف النفيسة، ولا سيما الفرنسية ~~منها، فكان لما طالعته تأثير شديد في نفسها الكبيرة، فلم تزدها هذه المعيشة الهادئة إلا ~~رغبة في العمل واتساعا في المطامع، ولم تلبث أن سنحت لها الفرصة المنشودة؛ إذ طلقها ~~زوجها وأصبحت حرة في تكريس حياتها للجد والعمل، وكان ذلك قبل إعلان الدستور في ~~تركيا. # فلما أعلن الدستور وأطلقت الحرية للأفكار والمطبوعات نشرت «خالدة هانم» قصيدة حماسية ~~تخاطب فيها رجال الفرقة الرابعة (وهي التي تم على يدها قلب الحكومة الاستبدادية) بلسان ~~مؤسس الدولة العثمانية. # فكان لقصيدتها وقع عظيم في النفوس فعرفها الناس وانتشر اسمها بين الجميع، ثم جعلت ~~تنشر في الصحف روايات اجتماعية، كانت قد ألفتها في زمن تقييد المطبوعات، فصار الناس ~~يطالعون كتاباتها بلهفة وشوق، ولكنها لم تقتصر على ذلك، بل جعلت تنشر في «طنين» مقالات ~~اجتماعية سياسية فاشتهرت بسداد الرأي واعتدال الهمة. # وكانت «خالدة هانم» تجتمع دائما برجال تركيا الفتاة، ولا سيما أنور وطلعت وجمال، ~~فتبدي لهم رأيها في شئون الدولة، وهم لا يستنكفون من الإصغاء إليها والعمل بآرائها. ~~ولما قلب عبد الحميد الحكومة الدستورية سنة 1909 ورد اسمها في قائمة ms35 المحكوم عليهم ~~بالإعدام، فاضطرت إلى الفرار حرصا على حياتها، فشخصت إلى القطر المصري ومكثت فيه إلى ~~أن استعاد الوطنيون سلطتهم. # وقد تغير مركز المرأة في تركيا بعد إعلان الدستور تغييرا عظيما. فأصبحت ترفع صوتها ~~الضعيف على المنابر، وتسعى لرفع شأنها بإنشاء الأندية والجمعيات، إلى غير ذلك من دلائل ~~النهوض، ومعظم الفضل فيما تم من هذا القبيل عائد إلى «خالدة هانم». وقد تدرجت المرأة ~~التركية في سلم الرقي، حتى أصبحت تعنى بالشئون الوطنية، والمسائل السياسية، ولما نشبت ~~الحرب البلقانية انخرطت كثيرات من النساء في سلك جمعية الهلال الأحمر، وجعلن يكتبن ~~ويخطبن ويحرضن على الجهاد في سبيل الوطن. وقد احتشد منهن يوما عدد غفير يربو على خمسة ~~آلاف في دار الجامعة السلطانية، فوقفت «خالدة هانم» تخطب فيهن بحماس عظيم، فكان لكلامها ~~أشد وقع في نفوس السامعات. ولما فرغت من خطابها كان العرق يتصبب من جبينها من شدة ~~التأثر والانفعال، فنزعت مصاغاتها الثمينة وألقت بها في صندوق أمامها لإعانة الوطن، ~~فاقتدت بها سائر النساء وجعلن الواحدة بعد الأخرى يقدمن حليهن لهذه الغاية ~~الشريفة. ms36