######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizAminKhanji.ShahiratNisaFiCalamIslami.Hindawi93681649 #META# Tags: biographies #META# ID: 93681649 #META# Title: شهيرات النساء في العالم الإسلامي #META# AuthorID: 47960284 #META# Author: قدرية حسين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 35930479 #META# Translator: عبد العزيز أمين الخانجي #META# Related_books: 1374QadriyyaHusayn (TRANSL) #META#Header#End# # الجزء الأول‏ # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # كلمة الأميرة‏ # السيدة خديجة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # السيدة عائشة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # العباسة بنت المهدي‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الملكة عصمة الدين شجرة الدر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الجزء الثاني‏ # كلمة‏ # سيدة النساء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # تاج الرجال‏ # الفصل الأول‏ # الخنساء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # أميرة المؤمنين زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر ~~المنصور‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الأميرة صبيحة ملكة قرطبة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الخاتمة‏ # الجزء الأول‏ # إهداء الكتاب‏ # مقدمة‏ # كلمة الأميرة‏ # السيدة خديجة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # السيدة عائشة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # العباسة بنت المهدي‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الملكة عصمة الدين شجرة الدر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الجزء الثاني‏ # كلمة‏ # سيدة النساء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # تاج الرجال‏ # الفصل الأول‏ # الخنساء‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # أميرة المؤمنين زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر ~~المنصور‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الأميرة صبيحة ملكة قرطبة‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل ms001 التاسع‏ # الخاتمة‏ # | شهيرات النساء في العالم الإسلامي # | شهيرات النساء في العالم الإسلامي # تأليف # قدرية حسين # ترجمة # عبد العزيز أمين الخانجي # | الجزء الأول # | إهداء الكتاب # إلى حضرة صاحب العزة شريف بك صبري مدير عموم البلديات # مولاي # هذا كتاب جمع حوادث بعض الشهيرات من نساء السلف مما جادت به قريحة صاحبة السمو ~~الأميرة الجليلة قدرية حسين، وفقني الله إلى إتمام تعريبه ونشره في عهد إدارتكم ~~ورعايتكم لقسم البلديات الذي شرفتني الأيام بأن أكون عاملا من عماله وجنديا من ~~جنوده، فكان من الحق أن أتشرف بإهدائه إلى مقامكم الكريم، لا مزدلفا ولا راغبا في ~~نوال أو عطاء، وإنما مدفوعا بعاملي التقدير والإخلاص. # المعرب # | مقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # الهادي إلى سواء القصد، وباسم أنبيائه المرسلين والهداة المخلصين وطلاب الاستقلال ~~والحرية المجاهدين في كل عصر ومصر، أتقدم إلى قراء العربية في مصرنا المحبوبة وفي ~~الأمصار العربية الأخرى بهذا الكتاب الذي وفقني الله إلى تعريبه، وأنا قبل كل شيء ~~لا أجد مناصا من الاعتراف بتشجيع المشجعين من أبناء قومي عندما أقدمت على ترجمة ~~رسائل الأميرة قدرية حسين، أمد الله حياتها ومتع العالم الشرقي بثمار أفكارها، ~~ولولا ثقتي بتقديرهم لمجهود هذا العاجز الضعيف وعطفهم عليه في جميع ما ترجمه لما ~~أقدمت على هذا العمل الذي أظنني دونه. # وما أظنني في حاجة إلى أن أعرف قراء هذا الكتاب عن مؤلفته وسابق جهودها وفضلها، ~~فما هي بالسيدة المجهولة عندهم، وتاريخ حياتها الأدبية معلوم مشهور لدى الناس ~~أجمعين. # الأميرة قدرية حسين كاتبة تتمشى في كتابتها مع روح العصر، مع كثير من التربية ~~الدينية الشرقية، وهي تشترك في مجهوداتها مع روح الديمقراطية الإسلامية الحديثة، ~~يتبين ذلك من خواطرها ومن مقالاتها ورسالاتها التي كان لقراء العربية نصيب وافر مما ~~عربته لهم، وهي تكتب باللغتين اللتين تحسنهما: التركية والفرنسية، وتكاد لا تعلن ~~عما تكتب إلا إذا تنبه له بعض الأدباء. # ويقضي علي واجب الأدب أن أذكر أن المرحوم ولي الدين بك يكن كان في مقدمة الذين ~~تنبهوا إلى رسائلها القيمة، فعرب لها ms002 كتاب خواطرها «نه لرم» وأسماء «ما هو وما ~~هي»، غير أنه لم يطبع، وكنت إذ ذاك ملازما للخزانة الزكية، أمد الله في حياة ~~صاحبها أستاذي البحاثة سعادة أحمد زكي باشا، فعثرت بين نفائسها على طائفة صالحة ~~من كتب سمو الأميرة، وبادرت إلى تعريب خواطرها دون أن أعرف أن المرحوم ولي الدين ~~بك يكن سبقني إلى ذلك. # وقد كان سعادة زكي باشا من أول المشجعين لي على المضي في تعريب كتب الأميرة رغبة ~~في نشر مآثر الأمراء والأميرات من البيت الملكي الكريم، وإننا لنسجل هنا بيد ~~الفخار والإعجاب خطبته التي ألقاها على أعضاء المجمع العلمي المصري في شهر رجب ~~عام 1340 الموافق مارس 1922، فإنها خير كلمة نصدر بها مثل هذا الكتاب وسيراها ~~القارئ بعد كلمة الأميرة، وفقنا الله جميعا إلى ما فيه خير البلاد. # القاهرة، في 11 ربيع الأول سنة 1343 # عبد العزيز أمين الخانجي # | كلمة الأميرة # اجتمعنا معشر أهل التوحيد تحت اللواء المحمدي المبارك، نازلين عند قوله - عز وجل: # إنما المؤمنون إخوة ~~، فرفعنا ستور ~~الجنسية وأزلنا حوائل القومية، فأصبحنا جميعا منذ ذلك اليوم بنعمة الله إخوانا، أسرة ~~واحدة، تجمعهم فكرة واحدة، فما أجمل هذا النداء الإلهي الذي ضمن لنا السلام ~~والوئام. # أميزنا عند الله أكثرنا استقامة لقوله الجليل: # إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ~~، فيا لله من جمال هذا الدستور الذي ~~يغري الأمة بمكارم الأخلاق! # البلاد الآهلة بالإسلام هي وطننا الديني، والعلم الأخضر ذو الهلال والنجوم الثلاث هو ~~لواؤنا الملي، لنا ماض مجيد ينحدر حتى أعماق أربعة عشر عصرا، ولنا تاريخ مملوء ~~بالعظائم، وقد كانت لنا حضارة تزري بحضارة الرومان، ولنا ذكريات طيبة تبعث في النفس ~~الطمأنينة، مضت علينا أيام رأينا فيها شمس المعارف تشرق في ديارنا، فأبصرنا بنور العلم ~~ما حولنا ووقفنا بقدرة الفن على كل حال وشأن لنا، فيا للسعادة! # لم نثبت في موقفنا، لم نتمسك بأهداب العلم، تلك فرصة سنحت لم نقتنصها، ~~فيا للحسرة! # غربت شمس المعارف في شرقنا وبزغت في غربهم، فأمسينا في ظلام دامس وعشيت أبصارنا ms003 ~~عن ماضينا حتى كدنا ننسى تاريخنا المجيد، فيا للأسف! # تعكس مرآة ماضينا صورا شتى لرجال التاريخ ولعظائم الأعمال عندنا كما تشهد بذلك ~~الآثار الباقية في أيدينا مما هو محفوظ في مكاتب الشرق والغرب؛ فالأسفار مشحونة بذكر ~~عظمائنا وحوادث أيامهم ووقائع أزمانهم، وفي نشر تلك الوقائع وعرضها على أنظار القوم عظة ~~بالغة وعبرة فائقة، يرينا كيف كان حالنا وما صرنا إليه في يومنا! # لا أريد لقومي أن ينظروا إلى الغرب نظرة سطحية تريهم الأشياء على غير حقيقتها كمن ~~يرى الأشباح البعيدة عنه على غير حجمها الطبيعي، لا أرى لقومي أن يروا في الغرب كل شيء ~~مستسلمين إليه في كل شأن، بل أردت أن أذكرهم بمجدهم السالف وعظمتهم الماضية وأن ~~يعتقدوا بأن حق تحصيل العلوم لا يسقط بمضي الزمن، أردت لهم كل ذلك ليتشبهوا بعظماء ~~الرجال من ماضيهم الزاهي المشرق، فإنهم بذلك يجلون أنفسهم ويرفعون من قدر ذواتهم ~~ويتذوقون معنى الحياة. # بهذا الدافع الإنساني قام في ذهني أن أجمع حوادث الشهيرات من نساء السلف وتراجم ~~أحوالهن، مستعينة على ذلك بالمآخذ المهمة والمراجع الموثوق بها، فأوصلني البحث إلى ~~تراجم أحوال الكثيرات من النساء ممن اشتهرن بالفضل والكمال في أصقاع مختلفة من البلدان ~~الإسلامية، سواء من العرب أم من الترك أو الهند أو جاوة أو العجم إلى غير ذلك. # لا بد للإنسان أن يجني ثمار ما يبذره من بذور الخير إن قليلا وإن كثيرا، وقد يصل ~~إلى ما يريد بالجد والسعي. بهذه الروح، داومت تتبعاتي وأبحاثي حتى صيرني البحث ~~والاستقراء إلى وقائع ذات بال لنساء كن مثال الفضيلة، جديرات بالتقدير، لعبن ~~أدوارا هامة في التاريخ الإسلامي، وسيكون هذا الجزء - هو أول الأجزاء - بمثابة مقدمة ~~مباركة للأجزاء الأخرى التي عزمت على إصدارها، اثنتان من بطلات هذا الجزء من أمهات ~~المؤمنين وهما: والدتانا السيدتان خديجة الكبرى وعائشة الصديقة، رضي الله عنهما، ~~زوجتا الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فخر الكائنات، توجت بهما هذا الجزء تبركا وتيمنا ~~بسيرتهما الطاهرة؛ ولأن لهما حق التقدم على غيرهما من كل الوجوه. ms004 # الثالثة: بنت خليفة وأخت خليفة، وأعني بها العباسة بنت المنصور وأخت الرشيد. ~~والرابعة: أول ملكة في الإسلام، وأعني بها الملكة المصرية شجرة الدر، تلك التي قرئ ~~اسمها على المنابر في خطب صلوات الجمعة؛ فهذا الأثر الذي شرعت في إنجازه مدفوعة بعامل ~~الخير قد تم لغاية حميدة، وما أطلبه من الجزاء أن يكون له بعض الأثر في نفس أمتي. ~~ومن الله التوفيق. # | صفحة من مظاهر العبقرية1 العلمية في مصر # بقلم أحمد زكي باشا # لما كنت من أعضاء العائلة المصرية الكبرى ومن أعضاء هذا المجمع العلمي المصري الجليل؛ ~~فإنني بهذين الوصفين أشعر في هذه الساعة بارتياح يخالج نفسي وبابتهاج يتملك وجداني، ~~هاتان العاطفتان تدفعان بي إلى تحية وتهنئة الأمراء الصميمين الذين تحدوهم عبقريتهم إلى ~~استخدام ما آتاهم الله من وسائل شخصية، وإلى استثمار مواهبهم الخاصة ليجعلوا أنفسهم ~~أيضا من أمراء العلم والعرفان. # لا جرم أنهم، إذا سلكوا هذه الجادة، يعيدون لنا تلك السيرة المجيدة التي امتاز بها ~~الشرق في عصره الذهبي، ويكون من ورائها أكبر الخيرات وأعم البركات لذياكم الشرق في ~~إبان نهضته الحاضرة. # نعم، فقد امتازت دول العرب والإسلام بطابع خاص، وهو أن الخلفاء والملوك وأركان ~~بيوتاتهم وأمراء حكوماتهم كانوا أولا وقبل كل شيء من الشعراء المجيدين، وثانيا وعلى ~~الأخص من العلماء المبرزين والفنانين المبدعين، ومنهم فوق ذلك من يزداد ارتفاعه في ~~بعض الأحيان بتنازله لممارسة الصنائع اليدوية حتى يحذقها ويبرع فيها. هكذا ارتقت طبقات ~~الأمم الإسلامية في مختلف الديار والبقاع حتى وصلت إلى المثل الأعلى الذي يحدثنا عنه ~~التاريخ بما فيه من العجب العجاب، ولو شئت أن أسرد بعض الأسماء التي تتوارد على صدري ~~وتتجارى في خاطري لطال المقال وضاق المجال ولرأيتم المطربات المرقصات مما طلبه لنا ~~سادات الشرق في أيام عزه واستقلاله بأمره من مجالي المفاخر وغرر الآثار، بيد أن ~~المقام لا يحتمل الجولان في هذا الميدان؛ لذلك سأثب أمامكم وثبة بعيدة المدى بحيث ~~تترك ورائي تسعة قرون كوامل، وأقف بكم لحظة واحدة في دائرة مدينة واحدة هي هذه ms005 المدينة ~~الجميلة التي ازدهرت فيها الحضارة العربية على عهد الفاطميين وبني أيوب والمماليك ~~والخديويين، فأبعث بتحية ممزوجة بخالص الاحترام والإجلال إلى روح السلطان الملك الأشرف ~~أبو النصر قانصوه الغوري؛ تحية يرسلها أحد الأحياء الآن إلى رجل فارق الدنيا منذ نيف ~~وأربعة قرون، تحية تحدوني إليها في هذا المقام ثلاثة عوامل من الاعتبارات، في كل منها ~~عبرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. # فأما أولها: فلأن السلطان الغوري قد أحسن إلى القاهرة بإقامة أثر مجيد له مكانة فاخرة ~~بين العمائر الأثرية الوطنية، بل هو بمثابة الدرة اليتيمة في فن العمارة العربية ~~البديع، بل هو محراب لشتيت الفنون الجميلة في الإسلام، ذلك المحراب هي المدرسة المعروفة ~~الآن بقبة الغوري، وهو الذي انتهت إلى القرار فيه خزانتي الزكية التي جمعت فيها طائفة ~~كبيرة مما أنتجته العقول والقرائح في مضمار الآداب العربية وحضارة الإسلام، تلك ~~الخزانة التي وفقني الله لوقفها على أبناء وطني وطلاب العلم أيا كانوا، وأصبحت لا ~~نصيب لي فيها سوى ما يكون لأي فرد من أبناء الأمة المصرية وخادمي المعارف على الإطلاق، ~~وكان الفضل في الوصول بها في خاتمة المطاف إلى هذا المحراب لصاحبي الدولة رشدي باشا ~~وعدلي باشا، هنالك ألقت عصاها واستقر بها النوى، وأصبحت - والحمد لله - في أمان من ~~عادية الزمان وعبث الإنسان. # جلالة الملك فؤاد الأول: صاحب الفضل الأكبر على النهضة العلمية ~~الحديثة في مصر. # هذا، وقد كان الغوري الذي بلغ الثمانين من رجالات العلم والأدب، نعم، كان من أهل ~~الدراية والعرفان بكل معنى الكلمة وبكل ما ينطوي تحت هذا الوصف من المرامي والمقاصد؛ ~~ذلك أنني منذ عشر من السنين أسعدني الحظ فاكتشفت لهذا السلطان المصري تأليفا في ~~النسب النبوي الشريف، مرتبا على أسلوب فني بديع ومرقوما بطريقة هي آية في حسن ~~الصنعة والجمال، عثرت عليه في الخزانة الشاهانية العثمانية بسراي طوب قبو بالقسطنطينية، ~~فسارعت لنقله بالتصوير الشمسي، ولا تزال زجاجاته السلبية محفوظة بخزانتي الزكية ومعها ~~صورة السيف الذي كان يتقلده السلطان الشجاع وهو ms006 غير المحفوظ بدار الآثار ~~العربية. # نعم، إن هذا التأليف الصغير لا يكفي للإشاعة بذكر الرجل وجعله في مصاف العلماء ولا ~~للتنويه به وإطراء عمله في ندوة مثل المجمع العلمي المصري، لولا أنه أنشأ في القاهرة ~~أيضا مجمعا علميا كان نسيج وحده وفريدا في نوعه، ولا يزال كذلك على ما أظن، لقد ~~كان ذلك المجمع متنقلا؛ فيعقد جلساته تارة في القصر وتارات في المدينة، أعني في إحدى ~~القاعات المفتخرة التي كانت تزدان بها القصور السلطانية في قلعة الجبل أو في الساحات ~~المقصورة على مدارسة العلم بهذا المسجد أو بذياك الجامع بين أرجاء القاهرة، وكان الغوري ~~- سقى الله عهده وطيب ثراه - يشترك في الجلسات بصفة عضو بسيط من أعضاء ذلك المجمع ~~العلمي المصري البحت المحت المحض، ويساجل زملاءه من علماء الأمة ورجالاتها في المناقشات ~~ويبادلهم الآراء في مختلف المسائل والمعضلات، إنني لا ألقي الكلام على عواهنه ولا ~~أرسله جزافا، بل ها هي محاضر ذلك المجمع شاهد عدل على صدق ما أقول، فقد نقلتها ~~بالتصوير الشمسي بالطريقة الإيجابية في جزأين ضخمين أحضرتهما إلى دار الكتب، وهي ~~تحدث الباحث والمسترشد بما كان للبراعة المصرية من الخطر العظيم قبيل انطفاء نبراسها ~~ودخولها في خبر كان. # محمد علي الكبير: مجدد مصر الحديثة ومعيد الحياة إليها. # ذلك أن الجد العاثر قضى بأن يكون السلطان الغوري - رحمه الله - آخر ممثل للاستقلال ~~المصري؛ إذ بعد سقوط دولته «التي انقرضت معها تلك الإمبراطورية العظمى التي شادها ~~المماليك الأمجاد» خيم الظلام على مصر وعلى ساكني مصر، فتوالى على بلادنا بحور مثلث ~~من الجهالة والانحطاط والانحلال مدة ثلاثة قرون طوال، فقد خسرنا كل شيء: المكانة ~~السياسية، والرخاء المتجري والوحدة القومية، انطمست معالم العلم ومعاهد الأدب ورسوم ~~الفنون ودور الصناعات؛ فلقد سبى الفاتح العثماني جميع علمائنا وفنانينا وكتابنا ~~وشعرائنا وصناعنا وأعياننا وكل من كانت حيثيته ظاهرة وشخصيته بارزة من بياض الناس، ~~وقادهم وراءه إلى القسطنطينية في أغلال الأسر وقيود الاستعباد. # مصاب لو حل بأمة أخرى لبادت أو كادت، ولكن الروح المصرية، روح الفراعنة، ms007 روح ~~العرب لم تمت ، وهي لن تموت! نعم قد تولاها فتور أعقبه همود فخمود فجمود؛ ففي ثنايا هذا ~~السبات العميق الطويل، كانت السريرة القومية يعتريها شيء من التشنج فتنتفض حينا من ~~الدهر فتتنبه ثم تتيقظ، يدب فيها شيء من عوامل الحياة أو شيء يقرب من مظاهر الحياة، ~~ولكن إلى أمد قصير، ثم تعود إلى الرقود؛ فقد يتاح لمصر من ~~الطواغيت - وهم لعمري قليل - من يمنحه الله شيئا من ~~الفطانة والرصانة فيعملون على إذكاء القريحة المصرية، حينئذ نرى النيل وواديه يستنيران ~~بشعلة ضئيلة من النور أو قبس خفاق من النار، ولكن هذا اللهيب لا يلبث أن يعتوره ~~الانطفاء، وإن كان على كل حال يبعث وميضا من البوارق النورانية في تلك الليلة الليلاء ~~التي دامت ثلاثة قرون، فنرى في خلالها مشاهد وقتية تتجلى فيها اليقظة القومية. # على هذا المنوال ازدانت القاهرة بالجامع البديع الذي شيده محمد بك أبو الذهب بالقرب ~~من الأزهر ووضع فيه خزانة كتب حافلة قد أخنى عليها الدهر فتفرقت شذر مذر، وذهبت بها ~~العوادي فلم يبق لها أثر، اللهم إلا مجموعة الخشيبات التي لم يكن في الإمكان اختلاسها ~~إلا بعد تفكيكها بحيث لا تعود منها فائدة لغاصب أو مسترق. وبهذه المثابة تجلت اليقظة ~~الوطنية في مصر مرة أخرى وأخيرة في أيام الأمير رضوان الكبير صاحب القصبة المعروفة ~~باسمه إلى هذا العهد، وهي التي لا تزال الخيام والستور تصنع فيها على الطراز العربي ~~الآخذ بالأبصار، ذلك الأمير - رضي الله عنه - كان ممن يجلون الأدب وأهله ويعرفون ~~قيمة العلم ويغدقون النعم على أربابه؛ فقامت سوق المعارف في حكومته ثم انقضت بعد ~~ذهابه إلى ربه موفور الحسنات، راضيا عنه. # هاتان هما البارقتان الوحيدتان اللتان أذكرهما الآن في خلال ذلك الرقاد الطويل، وفيما ~~خلاهما توالى ديجور الظلام الكافر. # لاح نجم جديد فاستضاءت به الآفاق وانتعشت بمرآه الأرواح والأبصار، ظهر محمد علي ~~الكبير، هو أحق إنسان بأن يوصف بأنه مجدد مصر الحديثة ومعيد الحياة إليها، إذا ذكرنا ~~اسمه خطر على البال توا اسم أحمد ms008 بن طولون واسم يوسف صلاح الدين: ثالوث مجيد كان له ~~الفضل وإليه يرجع الفخار من إقالة مصر الإسلامية من عثرتها، لم يكن محمد علي إلا رجل ~~عمل مع أمية لازمته إلى ما قبل وفاته بقليل من الأعوام؛ فهو الذي زين مصر منذ مائة ~~وأربعين من السنين بتلكم المعاهد العلمية التي قضى الجد العاثر بأن يصبح أكثرها الآن ~~وهو في حيز العدم، وا أسفاه! # نعم، لم يكن محمد علي من لفيف العلماء ولكنه أحسن إلى مصر بما هو خير وبما هو أكثر ~~مما أتحفها به من سبقه على الأريكة من الملوك العلماء؛ كان - سقى الله ~~عهده - يقرب أبناء مصر ويخصهم بكرامته ورعايته ~~ويغدق عليهم العطايا والإنعامات، كان يتعهد بنفسه تربية القريحة المصرية ويستثير النبوغ ~~الوطني، نعم، كان يستثير النبوغ الوطني؛ فمن ذلك أنه كان دائما يختار رجلا من أبناء ~~البلاد لوظيفته ويضع واحدا منهم بجانب أستاذ من كبار الأساتذة الذين يستقدمهم من ~~الخارج لبث العلوم الحديثة والمعارف العصرية على ضفاف النيل، ثم يخايل لأولئك ~~المعيدين بما يعده لهم من لوائح الكرامة الموفورة والحظوظ الممتعة أو من وسائل التنكر ~~والإرهاب؛ لكي يخلفوا بحق واستحقاق أولئك الأساتذة الأغراب الذين قد أغراهم بالهيل ~~والهيلمان إلى الوفود على ساحته، ولكن إلى زمن موقوت وإلى ميعاد معين معلوم، فكان ~~بهذا الأسلوب ذي الحدين أكبر معوان على تقدم التعليم الأهلي وباللغة العربية، والشواهد ~~حاضرة في الأذهان فلا حاجة للإطالة بذكرها. # إنني أكرر القول وأعيده بأن محمد علي لم يكن من العلماء، لكنه أنجب لمصر بطلا ~~قوميا تباهي به الأمم وتثبت لهم أنها أهل لإحراز المعالي في جميع ميادين الحياة ~~الحرة، وأعني به القائد الأكبر الأفخر إبراهيم باشا الذي طبقت شهرته الآفاق، والذي ~~فاق أبونا رفاعة بك رافع في مدح أبيه الأمجد حيث قال: # في كفه سيفان سيف عناية # والشهم إبراهيم سيف ثاني # نحن لا يعنينا الآن الإشارة إلى ما جناه إبراهيم من ثمر الوقائع اليانع بالنصر من ورق ~~الحديد الأخضر، وإنما نذكر ما يناسب موضوعنا من أن ms009 هذا الجندي الباسل كان أيضا في ~~طليعة كتيبة العلماء المحققين، وأنه كان من أفرادها المستنيرين الذين دلههم حب ~~الكتب والغرام بها؛ فلقد جمع في أسفاره الكثيرة شيئا كثيرا من الأسفار النفيسة عربية ~~وتركية وفارسية، وكان على كل سرخد كل واحد من هؤلاء المحابيب هذه العبارة: «ملك ولي ~~النعم الحاج إبراهيم باشا، سرعسكر إلخ، أو والي جدة إلخ»، أو غير ذلك من الألقاب، بحسب ~~المناصب والأوقات، لكن الجد العاثر والحماقة قضيا بأن ورثته المباشرين آثروا أن ~~يحتفظوا بما خلفه من الفدادين وأن يتخلصوا بثمن بخس دراهم معدودة من تلك الكنوز التي ~~أثرتها القرائح والأفهام، فتفرقت هذه المجموعة النفيسة شذر مذر، بل طارت على أجنة ~~الرياح الأربع. # القائد الأكبر الأفخر إبراهيم باشا. # تلك الجناية تجددت مع الأسف مرة ثانية في حضن القاهرة منذ خمس عشرة سنة تقريبا على ~~أثر وفاة المأسوف على شبابه الأمير محمد إبراهيم. # وقد لاذت طائفة من كل هاتين المجموعتين بدار الكتب السلطانية في القاهرة وبالمكتبة ~~البلدية في الإسكندرية، ودخل بعضها في حرز صاحب هذه الصحيفة وفي أمان صاحبه المفضال ~~وصديقه الجليل أحمد تيمور باشا، وذهب الكثير إلى الخارج جريا على السنة التعيسة التي ~~قضى بها الجد العاثر على ما كان في مصر المستقلة من خزائن الكتب العامة والخاصة، وما ~~كان أكثرهما! # إن الفتح العثماني والحملة الفرنسوية التي أعقبته بعد قرنين تقريبا قد جرد كل ~~منهما مصرنا الأسيفة من كنوزها العلمية التي لا تقوم بثمن، ثم تلاهما دور الأوروبيين ~~والأمريكيين فاستنزفوا ولا يزالون يستنزفون إلى أوطانهم - وحكومتنا لاهية - معظم ما قد ~~بقي مختفيا أو متخلفا بوطننا من تلك الثروة العقلية الأهلية، ليس في قوانيننا ما يحول ~~دون استمرار هذا التيار الجارف، لقد حان والله الوقت لإيقافه بأن ينتهي الأمر بدولتنا ~~المصرية - ولو بعد خراب البصرة - لحماية الثمالة الضئيلة التي قد تبرز من مكامنها ~~حينا فحينا، كما فعلت بطائر الأيبيس (أبو قردان) على الأقل، لقد حان والله الوقت ~~لقيام حكومتنا الأهلية بما يلزم من وسائل التشجيع لحفظ الحثالة المصرية لمصر ms010 كما تعمل ~~حكومات القوم في أوروبا للاحتفاظ بالزائد والفائض. لقد حان الوقت والله لأن تستمع ~~حكومتنا الوطنية لمن يناديها فتحتذي مثال فرنسا وإنجلترة وبلجيكا وإيطاليا في إصدار ~~تشريع خاص بهذا المعنى يمتنع معه أو يتعذر خروج هذه الكنوز إلى ما وراء البحار، هل من ~~سميع؟ أم هل تذهب هذه الصرخة بلا صدى في الوادي، ويصح عليها قول المعري: ولكن لا حياة ~~لمن تنادي؟ # صاحب السمو الملكي الأمير عمر طوسون. # صحيح أنه قد فات الأوان ولكني أتمثل بقول الفرنسيين الذي معناه: إن «الإمهال خير من ~~الإهمال»، فلعل حكومتنا الأهلية تنتهي فتبتدي في أن تقتدي بما فعله الأمجاد من نسل ~~إبراهيم البطل الوطني الذين عادوا لجمع الكتب القيمة ثم لم يكتفوا بذلك، بل هؤلاء نحن ~~نراهم تدرعوا بالعلم وأصبحوا لا يتهيبون منازلة الأقران في ميدان العرفان، وها بعضهم ~~يعرضون بضاعتهم ورشحات أقلامهم وعصير عقولهم على رءوس الأشهاد دون أن يقعد بهم خوف ~~التباحث والانتقاد، وأمامنا المثل الباهر في هذه الحفلة الزهراء، هذا المثل يذكرنا بما ~~رأيناه في ساحة الجمعية الجغرافية الخديوية منذ عشر سنوات؛ فقد قام فيها الأمير إبراهيم ~~حسن فألقى بالإنكليزية والفرنسية خطبة ممتعة جامعة عن رحلته في جزيرة سرنديب (وأخشى أن ~~أقول سيلان في الظروف الحاضرة). # صاحب العظمة السلطان حسين الأول. # واذكر عمه ولا تنسه: فلقد أقام الأمير إبراهيم حلمي أكبر وأفخر أثر لمصر والسودان، ~~ذينك التوءمين اللذين لا يفترقان ولا ينفصلان، بل تلك الوحدة هي كما يقال في عرف ~~القضاء «وولاة لا تتجزأ»؛ إذ أتحف العلم بكتابه الوافي بذكر جميع المؤلفات التي تكلمت ~~بكل لغات الأرض عن وادي النيل من منبعه إلى مصبه، وهذا القاموس يقع في جزأين ضخمين ~~باللغة الإنكليزية. # صاحب السمو الأمير الجليل محمد علي. # وأين الجنس اللطيف؟ أليس له أثر جميل في هذا المعترك الذي تدور عليه حياة الأمم ~~الناهضة؟ إن الأميرات المصريات يشاركن إخوانهن في هذه النهضة الشريفة التي ترمي إلى ~~تجديد الحياة العلمية في مصر العزيزة على كل من الصنفين، يحلو لي، ورب البيت، ms011 أن ~~أعطر هذا النادي بذكرى الاسم المحبوب لدى جميع القلوب، الذي له في كل النفوس مهابة ~~ووقار، لقد أسميت بهذا الوصف سيدتي الأميرة «قدرية حسين، مد الله في حياتها»: فقد ~~جادت قريحتها الوقادة وانبعثت نفسها الممتلئة حنانا على الشرق وأهله بكثير من ~~المصنفات، وكلها - والحق يقال - آية في بابها، يعرف ذلك ويشهد بصحته الكثيرون الذين ~~قرءوا ما دبجه يراعها بالتركية والفرنسية، ولقد كان لقراء العربية نصيب من التمتع ~~بهذا السحر الحلال؛ فقد ظهر في عالم المطبوعات ترجمة بعض الشيء من هذه الآثار على يد ~~صديقي وزميلنا الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق وعلى يد تلميذي النجيب عبد العزيز ~~الخانجي أفندي. # صاحب السمو الملكي الأمير يوسف كمال الدين. # هذا، ولست أراني مفتئتا على ما امتاز به من التواضع رجلان من رجالات مصر المعدودين ~~قد شرفا هذه الحفلة الجامعة. إن الأمير الكبير محمد علي قد أتحف الآداب العربية ~~بأربعة من مؤلفاته التي ضمنها أسفاره في مشارق الأرض ومغاربها، كتبها بقلم لا ~~تستهويه أساليب التصنع والصناعة، بل جعلها كمرآة صادقة لما دار في خلده وتملك نفسه ~~وطرق وجدانه، فجاءت تناجي القارئ بغير واسطة وتجعله شريك الأمير الكاتب في حله ~~وترحاله كأننا نشهد معه ما وقع عليه نظره ونتأثر بنفس ما تأثر به لبه، وفي خلال ذلك ~~روحه تشاطر روحنا في كل سطر مما خطه يراعه، ذلك لعمري لأنه يكتب عن الشعور الذاتي ~~والإحساس الشخصي وليس بناقل ولا بمترجم عن غيره؛ لأن ذلك الغير يكون أكثر علما وأبعد ~~نظرا، ولكن له نفسانية وله مزاج يخالفان ما عليه القارئ الذي يخاطبه ممن كان صنوه في ~~اللغة والوطن والمشاعر والعواطف. ولقد طبع الأمير رحلاته طبعا ملوكيا ووزعها بسخاء ~~على أصدقائه والمعجبين به، وهم - والحمد لله - كثيرون، وها هو قد ناب بقلمه السيال ~~وقلبه الفياض عن سميه الأفخم وجده الأفخر. # تلك الخطة الحميدة قد سلك سبيلها القويم الأمير الجليل صاحب الأيادي البيض على الفنون ~~الجميلة العربية ونصيرها الأكبر في مصر؛ فقد تولى الأمير يوسف كمال طبع ما خطه ms012 ~~يراعه بالعربية أيضا عن حوادث رحلته في كتاب لم يسعدني الحظ بالاطلاع عليه، ولكنه ~~ابتدع طريقة جديدة جميلة في إسداء الإحسان إلى المحاويج من قومه، فأهدى الأربعمائة نسخة ~~كلها إلى ملجأ الحرية، ذلك المعهد الخيري النابت الذي لم نصل رحمه نحن معاشر المصريين، ~~مما يضمن له القيام بالمهمة الإنسانية التي أخذها على عاتقه لإيواء نفر من بني وطننا ~~قد مسهم الضر وساورتهم البأساء، وسيبيع الملجأ هذه النسخ وينتفع بثمنها كله لتخفيف ~~بعض الآلام عن الإنسانية المعذبة، وحينئذ يتاح للجمهور أن يعرف مزايا الأمير الكاتب ~~بعد أن سمع بمهارته في مصايده الملوكية، وبعد أن استظهر فضائله الجمة على ~~الفنون. # سعادة العالم البحاثة الأستاذ أحمد زكي باشا. # إن كنت ألمعت بهذه الكلمات إلى هؤلاء الغر الميامين ونوهت بذكرى ذلك السلطان ~~الجليل، أعني به السلطان الغوري - سقى الله عهده - فما ذلك إلا لأني أتخيل في حدود ~~الأفق منظرا خصيبا بما فيه الخيرات والبركات كمثل ذلك السائح الذي أعياه السفر في قفر ~~ليس له نهاية، حتى إذا خارت قواه وخانه الجلد وأخذ يستسلم للقدر الغاشم ويستعد ~~للموت الزؤام، إذا به قد لمح على مد البصر روضة غناء، بل واحة فيحاء يكتنفها البخار ~~ويعلوها الغمام فيسري في نفسه الأمل، تتجدد قواه، يعاوده شيء من الحياة، حينئذ تراه ~~يضاعف المجهود كأنما نشط من عقال؛ فيهرع مهطعا ويهرول مسرعا وقد شدت أهدابه ~~بالأجفان إلى ذلك المطمح الغالي، إلى الحياة! وإذا به وهو حافة الينبوع الصافي الزلال ~~تظله الأشجار وتتساقط عليه الأثمار. # فأين نحن اليوم؟ ~~- على مقربة من المرحلة التي سيعاودنا فيها ما كان لنا من الحرية والاستقلال. # هاكم أربعة قرون ونصف قرن بمثابة البرزخ بين الغوري الأخير وبين جلالة الملك فؤاد ~~الأول، أربعة قرون ونصف قرن كانت بمثابة الهوة التي فحرتها يد الجد العاثر بين آخر ~~سلطان لمصر المستقلة وبين السلطان الأول لعهد الاستقلال الذي ترنو إليه مصر وترجو أن ~~تستعيده صحيحا صريحا وحقيقيا تاما. # إن مولانا جلالة الملك فؤاد الأول في سجل الاستقلال الجديد قد توافرت ms013 لديه الوسائل ~~التي توطد دعائم المركز السياسي الجديد، تلك الوسائل هي الرجال النابغون من أمته ~~المتفانون في الإخلاص لوطنهم، ولا ريب أن الذي بوأه الله مقعد ابن طولون وصلاح الدين ~~والغوري ومحمد علي لم يهمل العنصر المستنير الفكر؛ لأن الدول الجديدة إنما تقوم بالرجال ~~الأفذاذ، وسيرى بجانب أمته عناصر عالية في نفس بيته الكريم فيستفيد منها أجل الفوائد ~~في العمل الذي نحن مقدمون على مواجهته. # فسلاما سلاما على هذا العهد الجديد الذي نرى فيه أمراء البيت الملكي واقفين بجانب ~~أبناء الأمة وواضعين يدهم في أيديهم «ويد الله من فوقهم»؛ ليضمنوا الفوز الكامل للمطمح ~~الذي ترمقه مصر الخالدة، وليوطدوا بهذا التعاون الخصيب قواعد الاستقلال العلمي والفكري ~~في وقت واحد مع الاستقلال الاقتصادي والسياسي لتعود مصر إلى سيرتها الأولى على عهد ~~الفراعنة والفاطميين والأيوبيين والمماليك الأمجاد. والسلام عليكم ورحمة الله. # | السيدة خديجة # | الفصل الأول # مسكين أنت أيها الشرق، إنك لمظلم الجوانب، قاتم النواحي في كل شأن من شئونك، تمر ~~عليك الأعوام والأحقاب فتزداد حاجتك إلى النور. # أيليق بأهل التوحيد، بالقوم الذين يشع نور الإسلام من جوانب قلوبهم أن يطفئوا ~~مصابيح العلم في ديارهم، أيحسن بهم أن يدعوا دورهم وربوعهم في ظلام دامس وأن ~~يفرطوا فيما كان لهم من شرف الحال وجلال القدر؟ # كان المنتظر منهم أن يزيدوا الشعلة الكامنة في نفوسهم ضراما لتشرق بأنوار ~~العرفان وتسطع بأضواء العمران ولكن هيهات! # أضاعوا منزلتهم الأولى ومكانتهم السابقة في حلقات العلم وميادين الأخلاق. # كان لهم صرح ممرد من المجد والفخار، ولكنهم أهملوه ولم يعملوا على تثبيت ~~دعائمه، بل أخذوا يهدمون بأيديهم صرح سعادتهم ثم بدءوا بعد ذلك يتقهقرون عن ميدان ~~العمل والنشاط خطوة فخطوة. # أجل، لقد فقد الشرق شخصيته الأولى ونسي كيانه وماضيه فتدهور غافلا من مصيبة ~~لأخرى، متسكعا في دياجير الظلام إلى أن هوى، فهوى مجد الإسلام على أثره في ~~وهدة السقوط. # كان التدهور مدهشا خطيرا، ارتعدت له أعصابنا وتولتنا من أجله عوامل الارتباك، ~~فتشتتت الآمال والرغبات وانقلبت المشاعر والتأثرات رأسا على عقب. # لا ms014 نرتقب اليوم مددا، ولكننا لا نرضى أن نحيا بلا أمل، فأين نجد السلوى؟ وفي أي ~~خزينة من خزائن الكنوز الخالدة نعثر على الأمل؟ وبأي متاع مبهج مضيء نروح عن ~~النفس ليذهب عنها الحزن؟ # أية طريق نسلك؟ أنمشي في التجدد من طريق الغناء أم نعود إلى ذكريات أيام السعادة ~~لنلمس وجه الحياة؟ # أنعمت النظر كثيرا في هذه المسائل وقتلت الوقت بحثا ودراسة؛ لأنني لم أشأ أن ~~أبقى تحت عبء الضربة التي لحقت أمتي، أردت أن أمسح عن نفسي غبار الأيام المتداولة ~~والأحقاب المتطاولة فأخذت في البحث والتنقيب - كما هو الواجب على مسلمي عصرنا - عن ~~وجوه الأمل والتسلية حتى عثرت على ضالتي المنشودة بين صحف الماضي. # فها أنا ذا أبدأ اليوم بهذا الواجب نحو العالم الإسلامي، أبدأ بتصوير ما عثرت ~~عليه من وجوه التسلية والأمل في طيات تلك الصحف لتكون دروس عظة واعتبار. # أول وجه من تلك الوجوه التي أتشرف اليوم بتصويرها هي الناصية الأولى التي ~~أشرقت بنور الإسلام، هي أول نجمة تلألأت في شرف سمائه، فكانت نجمة الخير والأمل، ~~نجمة البركة والفيض، هي أمنا أم المؤمنين، السيدة خديجة الكبرى. # أما الاتصال بتلك الشخصية العالية والانجذاب إلى جلالها في مثل هذه الأيام ~~السوداء لمما يضيء جوانب النفس بما تصلها من أشعة البهجة والإيناس، وعلى القارئ ~~أن يدرك ما يخالجني من المشاعر، وما أكون فيه من طوفان معنوي وأنا أسرد لقرائي تلك ~~السيرة الطيبة المملوءة بمعنويات خالدة. # سيدة النساء خديجة الكبرى، نموذج من أطهر نماذج الإسلام وأعظمه خطرا وأجله ~~شأنا، ومع ذلك فترجمة حياتها المباركة مبعثرة في صحف شتى وكتب عديدة من كتب السير؛ ~~ولذلك أرى أن التصدي لذكر سيرتها العبقة وشرح خلالها العطرة بالتطويل والتفصيل، ~~من دواعي الشرف؛ لأنها تاج فخارنا. # أدركت سيدة النساء أواخر عهد الجاهلية وكانت من أشرف نساء قريش نسبا وأوفرهن ~~مالا وأرجحهن عقلا وأصبحهن وجها، تجمع في تلك النفس العالية كل مزية مشرقة، ~~وخصلة باهرة. # 1 # أبوها «خويلد» من أشراف قريش ورجالاتها البارزة، أما أمها «فاطمة» ~~فيتصل حبل ms015 نسبها بالشجرة النبوية المباركة، وبذلك أصبحت أم المؤمنين أقرب الزوجات ~~المطهرات إلى الرسول نسبا. # كان لها مكانة سامية بين قومها لصباحة وجهها وجمال نفسها، فخطبها لأول مرة «عتيق ~~بن عابد» فتزوجته ثم مات عنها، فتزوجت شريفا آخر هو «أبو هالة»، ولدت منه بنتا ~~اسمها «هند» إلا أنه لم يعش طويلا وترملت مرة ثانية. # 2 # ظلت أم هند في نضارة الشباب # 3 # تحف بها أسباب الرفاهة والعز، تقطن منزلا فخما ذا طابقين وحولها ~~العبيد والجواري فترمقها الأنظار وترمق ما هي فيه من عز ورفاهة ويتكاثر حولها ~~طلاب يدها من أعيان قريش ووجوهها، فترفض كل طلب من غير أن تفضل أحدا على أحد، ~~وقد كانت بعيدة النظر عالية الهمة ترسل أموالها في تجارة إلى الشام في مواسم معلومة ~~فتشتري ما يروق لها من أمتعة الهند واليمن وسائر الأمصار لتبيعها بالربح الجزيل، ~~فكان الداخل إليها يراها ترفل في حلل فاخرة من منسوجات الهند، ربة دار مؤثث ~~بالرياش الجميلة والمقاعد الفخمة المطعمة بصنوف العاج والأبنوس والصدف من صناعة ~~دمشق وغيرها من مراكز الصناعة في تلك الأيام. # هبت عاصفة من عواصف الاضطراب في نفس السيدة خديجة على أثر حلم رأته ذات ~~ليلة؛ فقد رأت فيما يراه النائم شمسا عظيمة تهبط إلى منزلها من سماء مكة فيغمر ~~ضوءها ما يحيط المنزل من أماكن وبقاع. # قامت من نومها مضطربة هائجة وسارعت نحو دار ابن عمها «ورقة بن نوفل» وقد كان ~~حبرا عالما بتأويل الأحلام وتعبير الرؤيا، وما كادت تفضي إليه بقصة رؤياها حتى ~~أخبرها ووجهه يتهلل بشرا أن تلك الأنوار علامة مجيء خاتم النبيين ودخولها ~~المنزل، أي دار بنت عمه خديجة دليل على أنها تتزوج منه. # للقارئ أن يتصور مبلغ التأثرات النفسية التي تملكت ذلك القلب النقي ~~الطاهر. # أصبح خاتم الأنبياء بعد هذه الحادثة محور آمالها ومحط أفكارها، بدأت تفكر في ~~حلمها الجميل وتنتظر بكل ما أوتيت من صبر وجلد هذا النبي العظيم. وبينما نساء ~~قريش مجتمعات في عيد لهن بالكعبة الشريفة إذ تمثل لهن رجل من ms016 اليهود فلما قرب ~~نادى بأعلى صوته: يا نساء أهل مكة، قد قرب ظهور خاتم النبيين، فمن منكن ستكون ~~زوجته؟ # فكذبنه ورمينه بالحصى، وكانت بينهن خديجة فلم ترمه كما فعلن، إنما ظلت في ~~مكانها واجمة لا تستطيع حركة من كثرة ما انتابها من ضربات القلب. # رأت ما عملته النساء الأخريات فاجتهدت أن تملك روعها؛ إذ كانت ترتعد ويرقص ~~قلبها الطاهر وهي تفكر في آمالها وأحلامها. # هل أدرك النسوة اضطراب أمنا السيدة خديجة، وهن ترمين الرجل بالحصى؟ إنها لبشارة ~~عظمى، أحلتها من نفسها العالية مكان الإجلال، إنها لبشارة كبرى رأت العالم من ~~ورائها في طوفان من الأنوار والأشواق. # | الفصل الثاني # لمحمد بن عبد الله، أمين قريش وفخر الكائنات منزلة سامية في نفس عمه أبي ~~طالب، تفوق مكانة أولاده الذين من صلبه، كان يجالسه ويؤاكله ويأنس به كل ~~الأنس. # وهما في مجلس من تلك المجالس ومعهما عتيقة أخت أبي طالب وعمة النبي وقد فرغوا من ~~طعام العشاء، فقام الأمين إلى شأن من شئونه وإذا بعمه يلتفت إلى أخته يقول لها ~~مدفوعا بعوامل الإعجاب والتقدير: لقد شب محمد وصار رجلا وآن له أن يتأهل، فماذا ~~ترين في ذلك؟ # فأجابت: إنه فقير وخديجة مثرية تتاجر بأموالها وتؤجر أناسا يخرجون بتجارتها ~~إلى الشام، فليتها تعطيه بعض المال فيتاجر به ويعمل على نمائه حتى تتوفر لديه ~~نفقات العرس. # فاستصوب العم هذا الرأي فاستدعى ابن أخيه وقال له: ها هي ناقتي أهبك إياها يا ~~محمد، وليتك تتقدم إلى خديجة إنها تفضلك على غيرك وترسلك مع رجال ركبها إلى ~~الشام فتئوب إلينا رابحا. # 1 # أما الأمين فكان جوابه لعمه: إذا شاءت خديجة أرسلت تطلبني. # فأدركت العمة من حوارهما أن محمدا لن يسعى في الأمر بنفسه لما هو عليه من عزة ~~النفس؛ ولذلك عولت على أن تقوم هي بما يكفل النجاح، وقد تم لها ما أرادات؛ إذ ~~إن خديجة ما كادت تسمع ما دار بين العم وابن أخيه حتى تذكرت رؤياها وداخلها سرور ~~خفي لا تعلم مصدره، خيل إليها أن ms017 محمدا الأمين هذا هو خاتم النبيين فأجابت ~~سؤال عتيقة وشفعت ذلك بطلب إرساله إليها. # عندما توجه الأمين إليها كانت في حلة أنيقة وعلى أريكة بديعة، فتحادثا طويلا ~~ولم يخرج من عندها إلا على قبول منه بالسفر ورضا منها بإعطائه ضعف ما تعطيه ~~لغيره. # اغتبط النبي # صلى الله عليه وسلم # بحسن وفادتها له وجميل مقابلتها، ونقل إلى عمه ما دار ~~بينهما من الحديث فأجابه: أبشر برزق عاجل ساقه إليك المولى. # المقابلة الأولى بين أمين قريش وفاضلة قومها خديجة كان لها أثر كبير في نفس ~~أمنا أم المؤمنين؛ فقد امتدت الجاذبية إلى قرارة نفسها فأحكمت عرى قلبها ~~بسلوك السحر والدهشة، فملامح النبي وأطواره وكلماته السحرية العذبة نفذت خلال قلبها ~~الطاهر وألقت عليها وحي الحب الخالص كما تلقي الشمس أشعتها الأولى من خلال النوافذ ~~وقت الصباح. # اشتهر النبي في ذلك العهد بصباحة الوجه وكرم الأخلاق وأدب النفس، فأينما سار ~~وحيثما أقبل قالوا: «ها هو محمد الأمين.» # 2 # ولم يكن ذلك خافيا على السيدة خديجة فقد كانت تسمع عن أدبه الجم ~~وجماله الرائع، ولكنها في مقابلتها الأولى له وهي تحادثه وتحاوره وتتملى من مشاهدة ~~طلعته البهية انجذبت إليه بكليتها وتبطنت أعماق قلبها بإحساسات خفية تومي ~~إليها أنها أمام شخصية بارزة وأن الرجل الماثل أمامها بنظراته الحادة التي تأسر ~~القلوب وتأخذ بمجامع النفس هو العظيم المنتظر، خاتم الأنبياء والرسل. # 3 # نرى خديجة بعد ذلك تدعو عبيدها ومواليها لتعطيهم التعليمات والأوامر بشأن ركبها ~~المسافر للشام، ثم تعطف على مولاها ميسرة وقد كانت تثق به ثقة شديدة وتركن إليه في ~~مسائلها الخطيرة، فتوصيه بالامتثال إلى محمد الأمين في أوامره والنزول عند رأيه ~~أثناء الطريق. # 4 # تهيأ الركب للسفر وأعد القوم معداتهم، فالتحق النبي # صلى الله عليه وسلم # بهم في اليوم ~~المقرر فسافروا على الطائر الميمون ووجهتهم دمشق الشام، وقد حدث ما أثار إعجاب ~~القوم واستفز دهشهم، ذلك أنهم رأوا غمامة تظلل رأس سيد الكائنات كلما اشتدت ~~حمأة القيظ فتجعل طريقه بردا وسلاما، فتهامسوا فيما بينهم عن سر ms018 ذلك وحكمته ~~وهم الذين يقطعون الطريق ونيران الشمس تلفح وجوههم وتؤذي جسومهم، ولقد كان النبي ~~متلطفا معهم مقبلا عليهم بجميع ما طبع عليه من رقة الشمائل وكرم الأخلاق ~~فافتتنوا به أيما افتتان، أما ميسرة مولى خديجة، فكان لا يدري كيف يصنع ليجامل ~~عزيز مولاته. # أجل، لقد سحر القوم بتلك الأخلاق الفاضلة، وجذبهم إلى نفسه العالية، ونفذ إلى ~~خلال أفئدتهم بمعنويته المشعشعة الباهرة، حتى بدءوا بسذاجة فطرتهم وصفاء قلوبهم ~~يلمسون من خلال أطواره وحركاته ميزة خاصة لا توجد في غيره من الرجال. # كان لا يزيد إذ ذاك عن الخامسة والعشرين، لكنه كان إذا تكلم خلته شيخا دربته ~~الأيام وحنكته التجارب، وعندما وصلوا في طريقهم إلى مقربة من موقع يقال له ~~«سوق بصرى» أناخ الركب ليستريح من وعثاء السفر، فانتحى النبي # صلى الله عليه وسلم # ظلال شجرة ~~قريبة من موقعهم وجعل يجيل نظره فيما حوله متأملا متفرجا، فتركه ميسرة ليزور بعض ~~معارفه في المدينة، وبينا هو في الطريق إذا براهب من تلك الجهة يدعى نسطورا اقترب ~~إليه وحياه سائلا عن الشخص الجالس تحت ظلال الشجرة فقال: من قريش من أهل الحرم. ~~فأجاب الراهب: لا ينزل تحت هذه الشجرة إلا الأنبياء، أفي عينيه حمرة؟ ~~- نعم. # فهرول الراهب نحو النبي وهو يردد قوله: ليتني أدرك وقت نبوته. # وعندما اقترب منه تأمله طويلا ثم عاين النقطة التي بين كتفيه وهي علامة النبوة، ~~وقفل بعد ذلك إلى صومعته مسحورا مأخوذ اللب على أثر ما وقف عليه وما تحققه من ~~أن فتى القوم المتفيئ ظلال الشجرة هو خاتم النبيين المنتظر. ~~••• # ثم نرى النبي # صلى الله عليه وسلم # بعد هذه الحادثة الهامة منهمكا في تجارته منصرفا إلى بيع ~~ما بين يديه بدراية ونشاط يعودان عليه بربح طائل فوق ما كان يرجو ويؤمل. # لم تكن هذه المرة الأولى في تجارته، بل سافر قبلها مرتين في تجارة ومعه عمه ~~أبو طالب، إلا أنه لم يربح فيها قدر الذي ربحه هذه الدفعة، فسر من فوزه سرورا ~~عظيما حيث علم أنه يعود ms019 إلى خديجة التي تلطفت معه كثيرا بربح وافر يقوم لديها ~~مقام الذي أسدته إليه، فأسرع بالعودة إلى مكة ليزف إليها هذه البشرى، ~~غير أن الإبل كانت قد أنهكها السير وأصبح اثنتان ~~منها لا تقويان على الاستمرار مع الركب، فلا مناص من الإناخة ريثما تستعيدان ~~قواهما، فأسقط في يد ميسرة ولم يدر ماذا يصنع لأنه أراد التعجيل بالعودة حيث كان ~~يرى أنهم تأخروا كثيرا عن ميعاد عودتهم. # رأى النبي وهو يراقب القوم بسكون وهدوء ما هم عليه من ارتباك وقلق، فقام نحو ~~الإبل ووضع يده الطاهرة على الناقتين التعبتين وقرأ بعض الأدعية، وما كاد ينتهي من ~~دعائه حتى انتفضتا متأثرتين بمقناطيسية خارقة للعادة ودبت فيهما # 5 # روح النشاط سارية في تلك العضلات المنهوكة سريان النار في الهشيم، وعاد ~~الركب إلى المسير بعد أن عاد النشاط إلى الإبل وسار القوم في طريقهم هادئين واجمين ~~مطرقين، وقد بهرتهم تلك المعجزة وسدت عليهم طرق التفكير، ماذا عساهم يقولون عن رجل ~~يظهر مثل هذا الإعجاز؟ ماذا عساهم يرون في رجل يزيل الأوصاب والمتاعب عن الأحياء ~~بكلمة صالحة ينطق بها فمه؟ إنه الكمال المجسم، إنها القدرة تفوق قدرة البشر. # رأوا منه ما لا يصدقونه لو حدثهم به محدث، رأوا بأعينهم معجزة بهرت نفوسهم ~~فأيقنوا تمام اليقين أن الشاب الذي رافقهم طول طريقهم بشخصيته البارزة، خارقة من ~~خوارق قريش. # كانت الأصالة ظاهرة في تلك الشخصية العالية، بارزة تتجلى في سكونه وحركته؛ فأينما ~~سار وحيثما أقام اجتذب القلوب وسحر النفوس بنظرات فياضة ووجه مشرق ومزايا قل أن ~~تجتمع في إنسان. # أدرك القوم من أهل الركب بأخلاقهم الصافية ونفوسهم الفطرية ما في أحواله وأطواره ~~من ميزة ظاهرة، واعتقدوا أنه لا يشابه أحدا من الناس في صفاته وأخلاقه وأنه خارقة ~~من خوارق قريش، إلى هذا الحد انتهت مداركهم، ولو كانوا من ذوي البصيرة لعلموا أن ~~رفيق طريقهم لم يكن خارقة من خوارق قريش وحدها، وإنما هو معجزة العالم بأسره، هو ~~من اختاره المولى لتبديد ظلمات الجهل المتكاثفة تحت سماء ذلك ms020 العصر ليصل بالناس ~~إلى الهدى ونور العلم والإرشاد. # عندما وصل القوم «وادي فاطمة» طلب ميسرة من النبي # صلى الله عليه وسلم # أن يتقدمهم إلى خديجة، ~~فحث مطيته نحو مكة، فلما وصلها سار نورا إلى دارها، أما هي فكانت قلقة لغياب ~~القافلة طول تلك المدة فتوسلت إلى مولاتها نفيسة # 6 # أن تصعد معها إلى الطابق الأعلى من الدار لتحدثها وتسري عنها بعض ما ~~لها من القلق والاضطراب، ولما اشتد بها القلق قامت إلى النافذة ترقب الطريق ~~وتتأمل فيما حولها ويدها على مقعد بديع الصنع، نظرت طويلا إلى المنفذ المؤدي إلى ~~مكة فلاحت لها في الأفق نقطة سوداء لم تتميزها في بادئ الأمر، تقترب نحو مكة ثم ~~تبينتها جيدا، فعلمت أنها مطية يعلوها مسافر تقترب نحو دارها فأدركت أنه ~~الأمين، وقد لفت نظرها وهي تتأمل قدومه غمامة تظلله مسرعة معه ولم يكن في السماء ~~وقتئذ سحب أخرى سوى تلك الغمامة التي لا تفارقه أينما توجه لتقيه حرارة الشمس، ~~فأثار المنظر مكامن الدهشة والاستغراب في نفسها الطاهرة. # وبعد أن وصل إليها النبي # صلى الله عليه وسلم # وأفضى إليها ببشرى ربحها الجزيل، علا وجهها ~~البشر والإيناس وطلبت منه أن يعود إليها بميسرة فعاد ثانية إلى مطيته يحثها نحو ~~وادي فاطمة، وقامت هي إلى سطح دارها لتراقبه سائرا في الصحراء والغمامة فوقه تنثر ~~ظلال السلام حوله، تقف إن وقف وتسير إن سار، ولما وصل ميسرة حكى لها ما رآه من ~~البراهين والكرامات، # 7 # وما تعرفه في صحبته من البركات مع حسن السمت والهدي والدل ~~وبما قاله الراهب عنه، فما لبثت أن تاهت في بحار التفكير، وكلما لج بها الفكر ~~انتقلت من حال إلى حال. # ما شاهده ميسرة وقصه عليها آيات بينات على أنه الرجل المنتظر الخالد الذي ~~سيرفع من شأن العصر، وشهادة الراهب والسحابة التي رأتها رأي العين أمور زادت ~~من أفكارها وآمالها حتى أصبح ذلك الوجه المبارك المشرق لا يغيب لحظة عن أنظار ~~خيالها، أما شبح تلك الشخصية الكبيرة فقد غمر لبها وقيد روحها ms021 بسلاسل الجاذبية ~~إلى أن استولى على عرش قلبها النبيل. # كانت تناهز الأربعين، أي أنها قطعت مرحلة لا يستهان بها في طريق الحياة، ~~ولكنها ما زالت في نضارة الحياة عليها مسحة من الجمال، وكان أثر جاذبيته منذ ~~المقابلة الأولى بليغا راسخا لم تتمكن من محوه والتملص من قيوده، وقد زاد ~~احتكاكها به أثر هذا الإحساس شدة كلما تقابلت معه بعد ذلك، إلى أن كان يوم عودته من ~~الشام فإذا بتلك العاطفة وذلك الانجذاب قد تعمقا في القلب وتشبثا في الروح ~~فتحولا إلى حب شديد. # لقد فتن الرسول الهادي أم المؤمنين بلطفه وشخصيته النافذة وأخلاقه العالية، ~~فوهبته قلبها وتعلقت نفسها الطاهرة بسلك محبته بكل ما فيها من قوة وجلد، وما ~~كادت يدها تصل إلى هذا السلك النوراني حتى اهتز كيانها بقوة غريبة وانقلبت حياتها ~~الهادئة الساكنة إلى سلسلة من الأيام، حلقاتها مرائر الآمال والأحلام. # | الفصل الثالث # جلست أم المؤمنين ذات يوم تغامر بحارا من التفكير # 1 # والتأمل، ثم انتفضت فجأة ونادت مولاتها نفيسة وقد تمكن منها الشوق ~~الشريف كل التمكن، وأخبرتها أنها سترسلها إلى دار محمد بن عبد الله، فسألتها عن ~~سبب الرسالة فأجابت: لتعرفي هل له ميل للزواج أم لا؟ # فقامت على أثر ذلك تزور محمدا في بيته. # جاءت نفيسة هذه ابن عبد الله، وبعد حديث قليل قالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟ # فاعتذر لها بقلة المال اللازم للقيام بشئون العائلة، فأجابته: فإن كفيت ~~ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ # فلما سمع النبي ذلك أجابها: ومن هذه التي تصفينها؟ # فأجابته في الحال: خديجة بنت خويلد. # فرد عليها # صلى الله عليه وسلم ~~: وهل يصح مثل هذا الأمر؟ ~~- ما عليك، إنك لو قبلت أعدك بإقناعها. # قالت له ذلك وصمتت تنتظر ما سيبدو منه، ولكنه ظل ساكتا لا يجيب. فرجعت وقد رأت ~~منه هذا الحال، تحمل إلى سيدتها بشرى القبول. # كانت ميمونة النقيبة في رسالتها، فالله يعلم كم أجزلت السيدة خديجة كرامتها! لقد ~~نزلت هذه البشرى بردا وسلاما على قلبها، فسرعان ما عينت موعد العقد ms022 في الحال، ~~وأرسلت نفيسة إلى دار الأمين ثانيا، تخبره بالحضور إليها في اليوم المعين، ~~فقبل الرسول ذلك مسرورا وبدأ الطرفان منذ ذلك اليوم في معدات العرس. # كانت السيدة خديجة وسيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم # يتقابلان قبل يوم الزفاف، وقد استأذن الرسول ذات يوم عمه في الذهاب إلى دار خديجة ~~فأذن له، ثم أرسل وراءه مولاته عتبة لترى ماذا يفعلان وفيم يتحادثان؟ فتعقبته ~~امتثالا لأمر مولاها، وكان النبي قد وصل قبلها، فأخذت السيدة خديجة يد الرسول # صلى الله عليه وسلم # ووضعتها على صدرها فوق قلبها الخافق، ثم قالت له بتأثر: بأبي وأمي أنت ~~أقسم أنني لا أفعل هذا لريبة أو لسوء، وإنما أطلب من المولى أمرا أرجو أن يتحقق ~~وهو أن تكون نبيه المرسل، وإذا اختارك الله لهذا الأمر الجليل عرفت قدري ورفعت ~~شأني ودعوت إلى الله من أجلي، فكل ما أطلبه من الله هو أن يجعلك لي. # فأجابها سيدنا محمد بقوله: والذي نفس محمد بيده لأتذكرن جميل صنعك معي ~~إذا تم لك ما تشتهين، وأما إذا كان رسوله المختار غيري فإنك تصلين إلى غرضك إن ~~شاء الله ما دمت تفعلين كل هذا في سبيل الرسول. # هذا ما دار بينهما من الحديث نقلته عتبة إلى مولاها أبي طالب كما رأته ~~وسمعته. # | الفصل الرابع # أقبل القوم من بني هاشم يوم الإملاك - وهو يوم العقد - وفيهم كريم فتيانهم ونجيب ~~عشيرتهم، محمد بن عبد الله، يحف به عماه أبو طالب وحمزة، # 1 # فنزلوا من بني عمهم أكرم منزل وأسناه، حيث قابلهم واحتفى بهم عمرو بن ~~أسد عم السيدة خديجة، وبعد أن اكتمل عقد اجتماعهم قام أبو طالب بن عبد المطلب، سيد ~~قريش وإمامها فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل وضئضيء معد # 2 # وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا ~~محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا حكام الناس، ثم إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، ~~لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، وإن ms023 كان في المال قل، ~~فإن المال ظل زائل، وأمر حائل وعارية مسترجعة، وهو والله بعد له نبأ عظيم، وخطر ~~جليل، وقد رغب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة، وقد بذل من الصداق ما عاجله وآجله ~~اثنتا عشرة أوقية ونشا.» # 3 # ثم قام على إثر ذلك ابن عمها ورقة بن نوفل وهو الذي فسر لها رؤياها الجليلة ~~فقال: «الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت، فنحن سادة العرب ~~وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا ينكر العرب فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم ~~وشرفكم، فاشهدوا علي معاشر قريش أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن ~~عبد الله.» # 4 # وكان ورقة في موقفه هذا، ينطق بلسان عمرو بن أسد، عم خديجة فالتفت إليه أبو طالب ~~وقال: يا ورقة ادع عمها يشاركك في العقد. # فنهض عمرو بن أسد فقال: «اشهدوا علي معاشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد ~~الله خديجة بنت خويلد.» # وهكذا صادق القوم على زواج النبي # صلى الله عليه وسلم # من أم المؤمنين السيدة خديجة بنت ~~خويلد، وكان الرسول جالسا بجانبها أثناء العقد، فلما انتهت الصيغة طلبت إليه أن ~~ينحر جزورا من البكرات التي أصدقها عمه أبو طالب مهرا، فذبح إحداها في الحال ~~وأطعم القوم وأمرت خديجة نساءها فرقصن وغنين. # أما الرسول - صلوات الله عليه - فقد أفعم صدره سرورا حتى إن أبا طالب عندما ~~لاحظ حالته الروحية حمد المولى كثيرا. # | الفصل الخامس # سعادة! يا لها من سعادة! تلك الحياة الطيبة الصالحة التي أمضاها النبي الهادي، ~~فخر العالمين، مع سيدة النساء خديجة أم المؤمنين، كانت خديجة في بيتها مع زوجها ~~الجليل، فخر الكائنات، المثل الأعلى في الموادة والموادعة والمواناة والترفع ~~عن الكلفة وبذل المعونة، تقوم بأداء واجباته وقضاء لوازمه بجلال خاص بها، وتجتهد ~~فوق ذلك كله، بكل ما آتاها الله من ذكاء وفطنة وبكل ما جبلت عليه من شفقة ورقة أن ~~تجعل أيام حياته تمر بلذة ساحرة وأنس لا مثيل له. # كان النبي # صلى الله عليه وسلم ms024 # في نظرها شخصا فذا يستحق العبادة والتقديس، وما كانت ~~تشاهده فيه من درجات الكمال يزيد من قدر صفاته النادرة ومزاياه الجمة رفعة، هذه ~~الحالة الروحية دفعتها إلى بذل النفس والنفيس في سبيل مرضاته وما فيه سعادته، وأن ~~تبدد بيدها الكريمة ما قد يتلبد في سماء حياته من سحب الهموم ~~والأكدار. # إن الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة الفطرية التي امتاز بها الرسول في تلك الأيام، ~~في بيئة عم فيها الجهل والميل مع الأهواء، لمما يلفت الأنظار ويستهوي ~~الألباب. # كان نبينا المعظم المثل الأعلى والمعجزة الكبرى في نظر الجميع، وليس في مقدور ~~امرأة متوسطة الذكاء أن تشارك مثله في الحياة تقطع معه مراحل العمر. # ولقد كان رسولنا الهادي ومرشدنا الأعظم موفور الحظ، سعيد الطالع؛ إذ رزقه الله ~~امرأة كخديجة ذات شخصية عالية تدرك جلال قدره وعظيم استعداده ومواهبه، ~~فيلتذ فكرها بمعنويته وتشاركه في نورانيته وتملأ بمهارتها كل جوفاء من حياته. ~~كانت السيدة خديجة في نظره النغمة الحلوة التي لا تنساها الأذن، والابتسامة ~~العذبة التي لا يمحى خيالها من صفحة الذهن. # مضت حياتهما المشتركة في وئام وسلام فقضيا خمسة وعشرين ربيعا لم يعكر صفوها عتاب ~~صغير أو نكد طفيف. # كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يخص زوجته باحترام كبير، فلها في نفسه أسنى منزلة وفي قلبه ~~أسمى مكان، لا يفتأ يعترف بشكرها، حتى إنه لم يخطر على باله طول معاشرته لها أن ~~يتزوج سواها، مع أنها كانت أكبر منه سنا، وله منها - صلوات الله عليه وسلم - ~~ثمانية أولاد، أربعة ذكور وأربعة إناث وهم: القاسم والطيب والطاهر وعبد الله، وزينب ~~ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء. # 1 # | الفصل السادس # عندما بلغ نبينا الهادي ومرشدنا الكبير فخر الكائنات ورسولها الخطير، الأربعين من ~~سني حياته، # 1 # كان يرى الضوء والنور ويسمع صوت النداء ولا يرى أحدا، ثم صار يرى ~~الرؤيا الصالحة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ولقد يئست روحه ~~العالية من أن تجد فيما حولها ما يروي أوارها من معرفة فاطرها الذي ms025 اشتد شوقها ~~إليه، بل لعلها غلب عليها ذلك الشوق حتى أصبحت زاهدة في كل رؤية وكل سمع؛ ولذلك ~~رأينا محمدا قد حبب إليه الخلوة والانفراد وكان لغار «حراء» # 2 # الحظ من هذه الروح الحائمة على حبيبها، تذكر الله وتطيل التأمل ~~والفكر. # ففي يوم من أيام عزلته وقد تناهى صفاء قلبه بما اعتمده من الخلوة، انفض ختام ~~السر المكنون وانكشف الغطاء عن الأمر المصون، جاءه الأمين جبريل برسالة من الملك ~~الجليل فألقى عليه الآية الأولى من الكتاب المنزل. # 3 # رجع الرسول # صلى الله عليه وسلم # ذات يوم من «حراء» ممتقع اللون، مرتجف الصدر، يعلوه ~~الاضطراب، اضطراب الوجل الحائر وهو يقول: زملوني زملوني. # فزملته السيدة خديجة حتى ذهب عنه الروع وهي مستغربة لما حدث، ثم فتح عينيه ~~الشريفتين فقال لخديجة بعد أن قص عليها الخبر: لقد خشيت على نفسي. # فأجابت: والله، ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب ~~المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، وبعد أن هدأ روعه واطمأنت ~~نفسه، انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن عمها فقالت له خديجة: يا ~~ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ # فأخبره الرسول خبر ما رأى، فقال له ورقة: أبشر يا محمد! أنت خاتم الأنبياء الذي ~~أخبر به عيسى بن مريم، وهذا الناموس الذي أنزله على موسى يا ليتني فيها جذعا # 4 # يا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك وإن يدركني يومك أنصرك ~~نصرا. # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أو مخرجي هم؟ # فأجاب: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. # وكان ابن عم خديجة هذا قد شبع من الأعوام وارتوى من حديث الأنام، تعلم ~~العبرانية وقرأ بها الأسفار، وعرف بها الأديان ورضي بدين ابن مريم - عليه السلام - ~~دينا، وقد صدقت نبوءته وتحقق كل ما أخبره به. # فتر الوحي بعد ذلك فترة طويلة بعد ورود جبريل الروح الأمين في المرة الأولى، ~~فكان النبي يعتزل في ms026 الغار مترقبا لذلك الجسم المهيب بشوق عظيم، ولكن بدون جدوى ~~فيحزن لهذا الأمر حزنا شديدا، إلا أن السيدة خديجة التي كانت تقرأ صفحات قلبه ~~وتعلم مكنونات ضميره وحالته الروحية تبذل كل ما في وسعها لمواساته ودفعه إلى الصبر ~~والطمأنينة. # كانت تؤيده وتؤازره وتشرح صدره وتخفف عنه أعباء الهم والحزن، تجالسه وتعاشره ~~لتبدد عنه سحب الشك والريبة، تفاكهه وتحادثه برقيق الكلام وحلو الحديث مداواة لآلام ~~نفسه، تسوق إليه العظات والعبر تطمينا لخاطره. # لقد أحبت بعلها حبا عميقا كبيرا بلغ من عمقه وخطورة شأنه أن أحاط ~~الرسول بسياج يقيه من كل شر أو أذى، فكانت لروحه ظلا ظليلا ولقلبه بردا ~~وسلاما، فلا بدع بما نراه في هذه السيدة من الصفات التي تساعد على استقبال أمور ~~عظيمة؛ لأنها خلقت لتكون زوج ذلك الرجل الذي سيأتيه أعظم الأمور تشد أزره وتأخذ ~~بيده، أما هو فكان يقابل هذه الصداقة الخالصة باحترامها وموادتها وإكرامها الإكرام ~~الجزيل. # امتد أجل تلك الفترة إلى ثلاثة أعوام مضت بين مرائر الشبهة وآلام النفس، لم ~~يتيسر للنبي الهادي رؤية جبرائيل - عليه السلام - أثناءها، وإنما كان يتراءى له ~~ملك آخر هو إسرافيل يمده بالإرشاد والتعليم. # ثم عاوده الروح مرة أخرى والنبي # صلى الله عليه وسلم # معتكف في حراء، غارق في بحار التأمل ~~والفكر، وقال له: # يا أيها المدثر * ~~قم فأنذر * وربك فكبر * ~~وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ~~ولا تمنن تستكثر * ولربك ~~فاصبر ~~. # فكانت هذه الآية الشريفة مبدأ للبعثة المحمدية وعلى أثرها تعلم الرسول الوضوء ~~والصلاة، ودعا السيدة خديجة إلى الإسلام فآمنت به وكان وجهها أول وجه مبارك أشرق ~~بنوره. # وكثر تردده # صلى الله عليه وسلم # بعد ذلك إلى «حراء» ونزول الآيات عليه، وكان ~~كلما نزلت آية قرأها على السيدة خديجة فتثبت قلبه وتروح نفسه وتؤيد أمره، ~~وجعل يدعو من يأتمنه من أهل مكة سرا، إلى أن آمن به كل أصدقائه ومحبيه ~~ودخلوا في زمرة الصحابة المكرمة حتى نزل قوله تعالى: # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ~~، فامتثل # صلى الله عليه وسلم # ما أمر ms027 به وأظهر دعوة الحق، فكثر أنصاره واشتد حنق ~~المشركين من قريش عليه، فأجمعوا الشر له وعرض عمه أبو طالب للشر دونه، فلما رأت ~~قريش ذلك، اجتمع أشرافهم ومشوا إلى أبي طالب وقالوا له: إن ابن أخيك قد سب آلهتنا ~~وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا ~~وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فتكفيه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا ~~وردهم ردا جميلا، ومضى رسول الله على ما هو عليه فشرى الأمر بينهم وبينه حتى ~~تولدت إحن وضغائن، ثم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى وأعذروا إليه في أمر النبي - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - واشتد قولهم في ذلك فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم ~~يطب نفسا بخذلانه النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم كلم الرسول فظن # صلى الله عليه وسلم # أنه قد بدا لعمه تركه، والعجز عن نصرته، فقال: يا عم، والله، لو وضعوا الشمس في ~~يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما ~~تركته. # ثم استعبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # باكيا، وكان أبو طالب يحب ابن أخيه حبا جما ~~ولم يكن قد أسلم بعد، فما كاد يراه حزينا حتى قام إليه ولحق به يقول: يا ابن أخي ~~قل ما أحببت فوالله، لا أسلمك لشيء أبدا وأنا على قيد الحياة. # أما أمنا خديجة الكبرى فقد ضحت في سبيل الدعوة كل مال ونفوذ فتؤازره وتثبت ~~قلبه وتقوي حالته المعنوية لتنسيه ما يلحقه من أذى المشركين. # كانت إذ ذاك في الخامسة والستين من سني حياتها، وكانت أكبر مسلمات مكة شأنا ~~وأعلاهن نفوذا، كانت منبع الأمل الفياض تسكب معاني النشاط والعزيمة في روح بعلها ~~المبارك، ولكن قد آن لهذا المنبع الطاهر أن ينقطع عن فيضه الغزير شيئا فشيئا حتى ~~كان في أواخر تلك السنين العشر الشداد من البعثة على سرير الاحتضار شخص عزيز جدا، ~~ترفرف روحه حائمة في هذا المحيط الصغير إلى ms028 أن كان جاذب من أمر الله وسنته قضى ~~بطيرانها إليه وأمر الله أعلى وإليه المصير. # هذه الروح هي روح السيدة خديجة، تلك التي كان لانتقالها إلى جوار ربها وقع ~~الصواعق في الدار النبوي، تلك التي ماتت وتركت رسول الله في حزن ووحشة. ~~••• # دفنت السيدة خديجة بالحجون في مكة، ونزل النبي # صلى الله عليه وسلم # في حفرتها، وقد كان ~~وفاتها عقب موت عمه أبي طالب، فأثر فيه ذلك تأثيرا شديدا. # كان يشعر بفراغ كبير في الحياة، ولم يكن إذ ذاك من يستطيع أن يملأ هذا الفراغ، ~~كان # صلى الله عليه وسلم # يقول عن زوجته: إنها خير النساء في الإسلام كما أن مريم ~~خير نساء عالمها. # وقد أثنى # صلى الله عليه وسلم # على خديجة ما لم يثن على غيرها، وإنني لأسوق ~~هنا حديثا مرفوعا عن زوجته الثانية السيدة عائشة دليلا على مكانة السيدة خديجة ~~أم المؤمنين من نفس زوجها أكرم الكائنات # صلى الله عليه وسلم ~~. # كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد وجد على السيدة خديجة حتى خشي عليه، إلى أن تزوج ~~السيدة عائشة بنت أبي بكر بعد ثلاث سنوات من وفاة السيدة خديجة أم المؤمنين. # قالت السيدة عائشة: «كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لا يخرج من البيت حتى يذكر خديجة ~~فيحسن الثناء عليها، وكان إذا ذبح الشاة يقول: أرسلوا إلى أصدقاء خديجة، فذكرها ~~يوما من الأيام فأخذتني الغيرة فقلت: هل كانت إلا عجوزا أبدلك الله خيرا ~~منها، فغضب ثم قال: لا والله، ما أبدلني الله خيرا منها؛ آمنت إذ كفر الناس، ~~وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ~~دون غيرها من النساء، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بعدها بسببه أبدا.» ~~وذكرت ذات مرة فقال: «إنني لأحب حبيبها، الوفاء من الإيمان.» # ها هو حديث السيدة عائشة، كل كلمة منه آية بينة تنطق بعظة بالغة، فليس لي ما ~~أقوله سوى أن من يتأمل قليلا في سيرة هذه السيدة الطاهرة، وفي محبة الرسول ms029 لها ~~قبل مماتها واحترام ذكراها بعد وفاتها، يدرك لأول وهلة ما امتازت به من شخصية بارزة ~~ونفس عالية. # كانت تزيد عن النبي # صلى الله عليه وسلم # خمس عشر سنة، ولكنه مع ذلك أنزلها من نفسه المكانة ~~السامية في الحياة، وحفظ جميل ذكرها بعد الممات، فيا لله من تلك الجاذبية الشديدة ~~والشخصية العالية! وهل أستطيع بعد ذلك كله إلا أن أختم سيرتها العبقة بالحديث ~~النبوي الجليل: «الوفاء من الإيمان.» # | السيدة عائشة # | الفصل الأول # الهجرة النبوية # السيدة عائشة، هي بنت أبي بكر الصديق، من أعلام قريش عزة وجاها، وأحد الأربعة ~~المقربين إلى الرسول # صلى الله عليه وسلم # في الإسلام، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر ~~الكنانية. # عقد الرسول # صلى الله عليه وسلم # عليها في العام الثالث من انتقال زوجه السيدة خديجة إلى دار ~~الخلد والبقاء، إلا أنه لم يدخل بها في عامه ذلك؛ لأن الزمان والمكان لم يسمحا بتلك ~~السعادة إذ ذاك. ~~••• # نالت قريش من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب؛ إذ كانوا ~~يخشون بأسه ويهابون سطوته، فلا يستطيعون إظهار البغض له علانية، مع أن مراجل ~~قلوبهم كانت تغلي حقدا عليه، ونفوسهم الشريرة تضمر له ألوان السوء والكيد، ولما ~~ماتت خديجة - رضي الله عنها - بعده بثلاثة أيام تضاعف حزنه # صلى الله عليه وسلم ~~. # في مثل هذا الوقت العصيب؛ أي في الآونة التي اشتد فيها حزن الرسول # صلى الله عليه وسلم # على ~~فراق هذين الحبيبين، جهر المشركون بعدواته وأطلقوا العنان لحقدهم الكامن يثور ثورة ~~البركان، حتى أصبحت الإقامة في مكة على هذه الحال مشقة ليس بعدها مشقة؛ بدأ ~~المشركون يناوئون الرسول وأتباعه المقيمين في مكة ولا يدعون وسيلة من وسائل الأذى ~~والإقلاق دون إيصالها إليهم، وقد جربوا كل ما في استطاعتهم من صنوف الكيد والأذى ~~لإرجاع النبي عن دعوته والحيلولة بينه وبين رسالة ربه إلى الخلق؛ فقد كان كل واحد ~~منهم حريصا على الفتك به واستئصاله والفراغ منه لو يقدر على ذلك، وقد ms030 دام الحال ~~على هذا الوجه من الشدة والقساوة ثلاثة أعوام، فضاقت الصحابة ذرعا ولم يروا ~~بدا من الالتجاء إلى المدينة المنورة، فساروا إلى دار السلام مهاجرين أرسالا ~~آحادا وثلاثا. # ومن الغريب أنه بينما كان المسلمون يلاقون مثل هذا الاضطراب في مكة، إذا بهم ~~يتكاثرون ويحتشدون في المدينة، ولما كانت الدعوة قد وصلت كثيرا من القبائل وآمنوا ~~بالرسول كانوا يكرمون وفادة المهاجرين في طريقهم إلى المدينة، ويبذلون لهم المعونة ~~والتعضيد، ولم يتخلف من أتباعه # صلى الله عليه وسلم # إلا أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب وأبو بكر الصديق؛ فإنهما حبسا أنفسهما على صحبة الرسول. # أما رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأقام ينتظر أمر ربه بالهجرة دون أن يظهر ذلك، وكان أبو ~~بكر - رضي الله عنه - قد تجهز للمهاجرة إلى المدينة وألح على النبي بأن يأذن له ~~بذلك، فقال له: «على رسلك، وإني أرجو أن يؤذن لي.» # فاحتبس أبو بكر لذلك. # ولما رأت قريش ما لقي أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من طيب الحال وحسن الجوار في ~~المدينة والمعونة التي بذلتها لهم القبائل التي آمنت، رهبوا ذلك وحذروا خروج رسول ~~الله، وكان أخوف ما يخافونه هجرة النبي إلى المدينة فيلتف حوله عصبة من المؤمنين ~~يكونون نواة قوة إسلامية كبرى، فاجتمعوا في دار الندوة كعادتهم وتشاوروا في أمره، ~~فقر رأيهم على أن يجمعوا من كل قبيلة شريرا فيقتلونه دفعة واحدة فيفترق دمه بين ~~القبائل، فافترقوا على ذلك بعد أن أقام الذين اختاروهم لهذا العمل على باب الرسول، ~~فخر الكائنات، في تلك الليلة. # | الفصل الثاني # جاء جبرائيل الروح الأمين، فأخبر النبي # صلى الله عليه وسلم # بقصد المشركين، وبلغه أمر الهجرة ~~واصطحاب أبي بكر الصديق معه، فقال النبي لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه: «نم ~~على فراشي وتسج ببردي هذا الحضري الأخضر فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء ~~تكرهه.» # ولما قعدوا على بابه لذلك، خرج عليهم - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وبيده ~~حفنة من التراب، فجعل ينثره على رءوسهم ms031 وهو يتلو صدر سورة يس وبينما هم ينظرون إلى ~~بعض بعيونهم وقد آذاها التراب أتاهم آت فقال لهم: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا، قال ~~لهم : خيبكم الله! قد خرج - والله - عليكم محمد، ثم ما ترك رجلا منكم إلا وقد وضع ~~على رأسه ترابا، فتفقدوا ذلك فوجدوه كما قال، ثم دخلوا منزل الرسول ونظروا إلى ~~الفراش فوجدوا عليا - عليه السلام - مسجى بالبرد، فظنوه النبي # صلى الله عليه وسلم # فبقوا ~~حينئذ متحيرين حتى أصبحوا، فقام علي - عليه السلام - فحين رأوه قالوا: أين ~~محمد؟ فأجابهم بقوله: لا أدري، فاشتدت حيرتهم وأسقط في يدهم. # 1 # وقد أثر اختفاء الرسول على هذا الوجه في نفوس المشركين وحنق لذلك وجوه قريش، ~~فأخذوا عليه بالرصد والطلب وأطمعوا من يجده ويأتيهم به بمائة ناقة، وبذلك خرج ~~الأشرار والسوقة في اقتفاء أثره # صلى الله عليه وسلم ~~. # أما الرسول - صلوات الله عليه وعلى آله وسلم - فقد اختفى في مكان بعد خروجه من ~~منزله، وفي اليوم التالي أقبل نحو دار أبي بكر الصديق نحر الظهيرة متقنعا ~~فاستأذن صاحب الدار كما تقتضيه الآداب الإسلامية، فقام إليه أبو بكر - رضي الله عنه ~~- يقول: وإنما هم أهلك. قال: قد أذن لي في الخروج. فسأله أبو بكر: وهل أنا معك؟ ~~قال: نعم. # فبكى أبو بكر حينئذ فرحا وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فخذ إحدى راحلتي ~~هاتين، فأبى الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلا بالثمن، واستأجر أبو بكر دليلا ودفعا إليه ~~راحلتيهما وواعداه مكانا يبعد نحو ساعة عن مكة، وفي ساعة معينة من ساعات المساء ~~خرج الرسول فخر الكائنات ومعه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - واعتصما بغار في جبل ~~ثور على مسافة ساعة من مكة، وما كادا يلجان الغار، حتى أوحى الله إلى عنكبوتة ~~فنسجت خيوطها على بابه، وأعقب ذلك يمامتان بنتا عشا فوق خيوط العنكبوت ~~وباضتا فيه. # وقد وصل القوم في بحثهم عنهما إلى جبل ثور، وقاربوا الغار ووصل جماعة منهم، بينهم ~~رجل يدعى أميه بن خلف باب الغار، فقالوا لبعضهم: لندخل هنا ms032 يا قوم، فأجابه أمية: ~~ما أسخف عقولكم! إن العناكب قد نسجت خيوطها هنا، قبل أن يولد محمد، وانظر إلى ~~اليمامتين لو كانا هنا لما أفرخت اليمامتان. # فرجع القوم على أثر ذلك إلا أن الرسول والصديق كانا قد أبصرا بأقدام القوم ~~فاغتم أبو بكر لذلك وقال: لو أصابني بأس يا رسول الله لما همني ذلك، أما لو ~~لحقك ضر - لا سمح الله - فتهلك جميع أمتك. # فقال له الرسول يريد تسليته: لا تحزن إن الله معنا. # وعندما قفل القوم راجعين وابتعدوا عن الغار قال له الصديق: يا رسول الله لو أن ~~بعضهم طأطأ بصره رآنا. فقال: اسكت يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ # مكث النبي # صلى الله عليه وسلم # وصديقه في الغار ثلاثا ~~يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف يدلج من عندهما وقت السحر ~~فيصبح مع قريش بمكة كبائت، ثم يأتيهما حين يختلط الظلام ليخبرهما بأحوال قريش ~~وحركاتهم، وكان على مقربة من جبل ثور أحد موالي أبي بكر - رضي الله عنه - يرعى ~~قطيعا من الغنم فيأتيهما بحليبها يتغذيان به. # وبعد الثلاث، جاءهم الدليل بالراحلتين فارتحلوا وأخذ بهم من طريق السواحل، ~~وما زالوا كذلك حتى جاءوا موقعا يسمى «قديد» ومروا على خيمة رجل يسمى أبو ~~معبد، ولم يكن بها سوى زوجه وأمه فسألوا زادا عند «أم معبد» فلم يصيبوا عندها ~~شيئا فنظر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى شاة في خيمتهم وسألها: هل بها من لبن؟ قالت: هي ~~أجهد من ذلك إنما خلفها عن الغنم الجهد. # فدعا بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فمسح بيده ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها، ~~فتفاجت عليه ودرت ودعا بإناء يربط الرهط فحلب وسقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم ~~ثم ملأه وغادره عندها. # ولما عاد أبو معبد إلى خيمته ورأى الرهط سألها: ما هذا، فقالت: لا أدري إنما حضر ~~هنا رجل مبارك مسح بيده ضرع الشاة وهو يقرأ بعض الأدعية فدرت لبنا كما ترى، ~~فأجابها: لا بد وأن ms033 يكون في الأمر بعض الحكمة، صفي لي شكل هذا الرجل. # فوصفت له النبي # صلى الله عليه وسلم # وما رأته عليه من المهابة والجلال فقال: هو النبي الذي ~~ظهر من قريش ليتني كنت هنا فأبايعه على الإيمان. ~~••• # وبعد متاعب جمة ومصاعب شتى ومعجزات باهرات، وصل الرسول # صلى الله عليه وسلم # قرية «قباء» # 2 # القريبة من المدينة المنورة، فلبث فيها بضعة أيام يستريح من وعثاء ~~السفر وأسس مسجد قباء وهو أول مسجد في الإسلام، ووفد عليه وهو مقيم بهذه القرية ~~الأنصار الكرام، يتشرفون بنور طلعته ويهنئونه بسلامة الوصول إليهم، وكان بينهم حسان ~~بن ثابت شاعر المدينة المفلق فمدحه بقصيدة بليغة، ووصل سيدنا علي إلى زمرة ~~الركب في قباء بعد أن سلم ما كان في عهدته من الأمانات إلى أربابها كما ~~أوصاه الرسول، وتحرك الرسول منها في يوم الجمعة ومعه مائة نفر من أهل الإسلام ~~فأدركته الصلاة فصلاها في بطن وادي «رانوناء»، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة # 3 # وختمها بخطبة بليغة قال فيها بعد أن حمد الله وأثنى عليه: # أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا ~~إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين؛ بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع ~~به، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد من نفسه ~~لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، ~~فوالذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار ~~إلا الجنة أو النار. # وبعد أن قرأ خطبة أخرى ركب يريد المدينة، وكان كلما حاذى أو مر على دار من دور ~~الأنصار اعترضوه ولزموا بزمام ناقته يقولون: هلم يا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى القوة ~~والمنعة. فيقول لهم: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. # وقد أرخى لها زمامها وما يحركها وهي تنظر يمينا وشمالا والناس حولها حتى ~~بركت حيث بركت على باب مسجده، ثم ثارت وهو عليها، فسارت حتى بركت على باب أبي ~~أيوب الأنصاري، ثم ms034 التفتت يمينا وشمالا ثم ثارت وبركت في مبركها الأول وألقت ~~جرانها بالأرض وأرزمت، فنزل عنها وقال: هذا المنزل إن شاء الله ~~تعالى. # فاحتمل أبو أيوب رحله وأدخله بيته، وعلى هذا الوجه الجميل أرضى الرسول جميعهم ولم ~~يصدع خاطر أحدهم. # ولم يفرح أهل المدينة بشيء مقدار فرحهم برسول الله # صلى الله عليه وسلم # حيث صعد الرجال ~~والنساء يوم قدومه فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطرق ينادون: جاء محمد، ~~جاء رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # وكان قرب المنزل الذي نزل فيه رسول الكائنات قطعة أرض فضاء فشيد عليها مسجدا ~~وابتنى فيه لنفسه المقدسة غرفا، وكان أهل المدينة إذ ذاك في طوفان من السرور لا ~~يدعون سبيلا من السبل التي فيها مرضاته إلا سلكوه، فآخى بينهم وبين المهاجرين، ~~فآووهم في منازلهم وقاسموهم في أموالهم وآثروهم بأقواتهم وتلقوا المكاره ~~دونهم، وصار أحدهم أرأف بنزيله وأخيه في الدين من أخيه في النسب، واتخذوا ذلك ~~الإخاء والولاء لحمة وسببا أعلى من كل سبب. # بهذه النتيجة العظيمة، وبهذه العاقبة الحميدة انتهت تلك الحادثة الخطيرة في ~~الإسلام؛ الهجرة. # | الفصل الثالث # زفاف عائشة الصديقة رضي الله عنها # عندما وصل أهل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى المدينة، نزلوا في «بني ~~الحارث بن الخزرج» وفي الشهر الثامن من الهجرة النبوية، قام الرسول ومعه جماعة من ~~الأنصار فشرف دار صديقه في الغار، ودخل على السيدة عائشة - رضي الله عنها - وقد ~~كانت هذه الزوجة الثانية المباركة من أزواج النبي، الصادق الوعد الأمين، صبية حسناء ~~ذات غضارة ونضارة. # وإليك وصف حفلة زفافها من حديث لها قالت: «تزوجني النبي # صلى الله عليه وسلم # فأتتني أمي ~~وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فأتيتها لا أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي ~~فأوقفتني على باب الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة ~~وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين.» # 1 # وكانت معهما ms035 في الحجرة «أسماء بنت» عمر فحدثت تقول: لم يكن في وليمة السيدة ~~عائشة من الطعام سوى قليل من اللبن، شرب الرسول بعضه ثم مد يده الكريمة بالإناء ~~إلى عائشة فخجلت ولم تتناوله، فقلت لها: لا تردي ما يعطيه لك النبي # صلى الله عليه وسلم # وشربت أسماء ما تبقى. # على هذا النحو من البساطة والصفاء وقلة الكلفة تم زواج النبي - صلوات الله ~~عليه وسلم - من السيدة عائشة الصديقة - رضي الله عنها - في الشهر الثامن من ~~الهجرة. # كانت عائشة صبية صغيرة ذات ملامح جذابة وكانت في عنفوان الصبا حتى إنها في ~~أوائل زواجها كانت لم تنقطع بعد عن لعبها مع صواحب لها، وهي في انعكافها على ~~ألعابها وانشغالها بعرائسها وإذا بالرسول # صلى الله عليه وسلم # يدخل غرفتها على حين فجأة، ~~فاستحيين رفيقاتها وتوارين في الحال، أما السيدة عائشة فرمت عرائسها على الفراش ~~وأسدلت عليهن مئزرا، فلعب الهواء بالمئزر وظهرت أطراف اللعب فاقترب الرسول منها ~~وسألها: ما هذا؟ فقالت: هي لعبي. # وسلم مبتسما. # وكانت أم المؤمنين عائشة، لبيبة فطنة، شاعرة، خطيبة يلقبها الرسول # صلى الله عليه وسلم # بالحميراء، ويحبها محبة أكيدة، وكان من دواعي سروره # صلى الله عليه وسلم # أن يرضيها ويعمل ~~ما فيه سرورها، حتى توثقت محبته لها وازدادت مكانتها في قلبه الطاهر. # كان الرسول يصلح نعله ذات يوم وكان الحر قد بلغ أشده، فتندى جبين الرسول ~~وتلألأت قطرات العرق تتدحرج على خده، وكانت السيدة عائشة وهي تعجن الدقيق تشاهد هذا ~~الحال بحيرة ووله فالتفت إليها الرسول يقول: ماذا دهاك؟ # فأجابت: لو رآك الشاعر عروة بن الزبير لكنت المعني بقوله يا رسول الله، ~~فسألها: أي قوله؟ فأجابت: حين يقول: # فلو سمعوا في مصر أوصاف خده # لما بذلوا في سوم يوسف من نقد # لوامى زليخا لو رأين جبينه # لآثرن بالقطع القلوب على الأيدي # فترك الرسول ما بيده وقام إليها يقبلها من عينيها وهو يقول ما معناه: «قد ~~سررتني، سرك الله يا عائشة.» # وقال لها الرسول ذات يوم وهو جالس عندها (ما معناه): إنني ms036 أعلم وقت غضبك مني حيث ~~تقولين إذ تحلفين: ورب إبراهيم «أما إذا كنت راضية عني فتحلفين برب محمد.» ~~فأجابت: إنني يا رسول الله إذا غضبت أغفلت اسمك فأما حبي لك فلا يتغير. # كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يقضي أكثر أوقاته بجانب زوجته المحبوبة عائشة، وكان الناس ~~أملا في الحصول على رضا الرسول يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وكان الوحي ينزل ~~عليه # صلى الله عليه وسلم # وهو بجانبها؛ فلذلك كانت السيدة عائشة تشاركه في ~~تأثراته النبوية؛ إذ كانت واقفة على دقائق أحواله وحركاته وكل شأن من شئونه. # وقد شكا زوجات النبي من تحري المسلمين يوم عائشة لهداياهم، فاجتمعن إلى أم سلمة ~~التي تقدمت بذلك إلى الرسول ورجته أن يخطر الناس بذلك فقال لها: «لا تؤذونني في ~~عائشة، فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها.» # لم تيأس أم سلمة من هذا الإخطار النبوي، بل عادت إلى تحقيق أملها وتوسلت هذه ~~المرة بفاطمة الزهراء التي جاءت إلى أبيها تخبره بذلك، إلا أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # سألها: هل تحبين من أحبه، فلما ردت عليه بالإيجاب قال لها: إذن أحبي ~~عائشة. # قد كانت لعائشة منزلة سامية في نفسه حتى كان # صلى الله عليه وسلم # يقول لزوجته ~~الطاهرة: إن حبه لها كالعروة الوثقى لا انفصام لها، فكانت السيدة عائشة تسأله من ~~حين لآخر، اطمئنانا على مكانة هذه المحبة فتقول: كيف حال العروة يا رسول الله؟ ~~فيجيبها: إنها على حالها لم تتغير ولم تتبدل، وقد أثرت تعاليمه العالية في نفسها ~~الكريمة وجدت منبتا صالحا حتى تشرب قلبها النبيل مبادئ الزهد والقناعة، فكان ~~عروة بن الزبير يقول عنها: «رأيتها تتصدق بسبعين ألف درهم في سبيل الله وهي في قميص ~~خلق.» وأخرج ابن سعد من طريق أم درة قالت: «أتيت عائشة بمائة ألف ففرقتها وهي ~~يومئذ صائمة، فقلت لها: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحما تفطرين ~~عليه؟ فقالت: لو كنت أذكرتني لفعلت.» ~~••• # للسيدة عائشة ميزة خاصة وشرف وجلال بين مخدرات ms037 العالم الإسلامي لم تتوفر ~~لسواها من السيدات؛ فقد كانت أديبة لبيبة، عالمة، خطيبة، شاعرة، من أفقه الناس ~~وأعلم الناس وأحسن الناس رأيا في العامة، وعنها يقول عروة بن الزبير: «ما رأيت ~~أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة.» # يا له من فخار تحوزه السيدة عائشة، تلك التي استطاعت في فترة كبيرة من حياة ~~الرسول الشريفة أن تدخل عليه السرور والراحة وتغمر قلبه بالغبطة والأنس، فكانت ~~أمام عينيه الشريفتين التمثال المجسم للسعادة، وما كان ينقصها في حياتها تلك إلا أن ~~تكون أما لئلا تحرم من التكني باسم طفلها، إلا أن فخر الكائنات لم يدع ~~سبيلا إلى غمها من هذا القبيل فكناها بابن أختها عبد الله بن الزبير؛ إذ كان قد ~~درج في البيت النبوي وشب بين أحضان العائلة النبوية المطهرة. # افتتن الرسول بخصالها الممتازة فتعلق قلبه الطاهر بحبها، حتى كان أنس بن مالك ~~يقول: «أول حب ظهر في الإسلام حب الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأم المؤمنين عائشة.» أما أم ~~المؤمنين فكانت تتباهى بهذا الحب وتقول: فضلت على نساء الرسول # صلى الله عليه وسلم # بعشر: ~~فذكرت مجيء جبريل بصورتها، ثم قالت: ولم ينكح بكرا غيري ولا امرأة أبواها مهاجران ~~غيري، وأنزل الله براءتي من السماء، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، وكنت أغتسل أنا ~~وهو من إناء واحد، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، وقبض بين سحري ونحري في بيتي ~~وفي ليلتي، ودفن في بيتي. # كانت من أحب خلق الله إليه هي وأبوها الصديق، كيف لا وقد أضاءت حياة الرسول ~~بعلمها وجمال نفسها حتى صارت الجوهرة اللامعة في عقد تلك الأيام السعيدة ~~المباركة، لقد كانت تاج الفخار في زمانها وخزينة السرور لسيد الكائنات، فطوبى لتلك ~~النفوس العالية التي تترك أثرا من السعادة والأنس والصفاء في محيطها الذي تعيش فيه ~~وفي الأحياء التي تشاركها والأشياء التي تلامسها، ولقد تظل ذكرى تلك النفوس خالدة ~~بعد زوال رسومها؛ لتصور لنا جلال «الماضي» وتنفخ في صورة «الحال» روح ~~الخيال. # | الفصل الرابع # حديث الإفك ms038 # في هذا الحديث وما أنزل الله في شأنه عظة وذكرى لقوم يعقلون. # فرغ رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من غزوة له مع قبيلة بني المصطلق في جهة «قدير» على مقربة ~~من آبار «مريسيع»، وكان معه من نسائه # 1 # السيدة عائشة الصديقة - رضي الله عنها - فلما قفلوا ودنوا من ~~المدينة، آذن الرسول ليلة بالرحيل وكانت السيدة عائشة محمولة في هودج؛ إذ كانت آية ~~الحجاب قد نزلت، فقامت حين آذن بالرحيل ومشت لقضاء حاجة حتى جاوزت الجيش، فلما ~~قضت من شأنها أقبلت إلى الرحل ولمست صدرها فإذا عقد لها من جزع # 2 # قد انقطع فرجعت تلتمس عقدها وحبسها ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين ~~كانوا يرحلون بها، فاحتملوا هودجها فرحلوه على بعيرها الذي كانت تركبه وهم ~~يحسبون أنها فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا، فلم يستنكر القوم حين رفعوا خفة ~~الهودج فاحتملوه وساروا، ووجدت السيدة عائشة عقدها بعدما استمر الجيش، فجاءت ~~منزلهم وليس فيه أحد وتيممت منزلها الذي كانت به وظنت أنهم سيفقدونها ويرجعون ~~إليها، فبينما هي جالسة غلبتها عيناها فنامت. # وكان صفوان بن المعطل السلمي قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلها، ~~فرأى سواد إنسان قائم فاقترب منها وعرف أم المؤمنين حين رآها حيث كان يراها قبل ~~نزول آية الحجاب، فاستيقظت السيدة عائشة باسترجاعه حين عرفها، وخمرت وجهها ~~بجلبابها، فأفهمته حقيقة الأمر فهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها ~~وانطلق يقود بها الراحلة إلى أن أتيا الجيش. # هنا يبدأ حديث الإفك، وفي هذا الحادث أخذ أصحاب الإفك يفيضون كما شاءت أهواؤهم ~~السيئة، وكان أشدهم نفاقا وأكثرهم خوضا عبد الله بن أبي ابن سلول ومن ~~الصحابة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وغيرهم، وقد تداول الناس هذا الحديث وشاع ~~في الأندية حتى بلغ مسامع الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وأم ~~رومان والدة السيدة عائشة، وكانت السيدة أم المؤمنين لم تشعر بعد بما يفيض فيه ~~الناس حيث ما كادت تصل المدينة حتى لزمت فراشها لحمى ms039 أصابتها، وقد رابها في ~~وجعها أنها لا ترى من النبي # صلى الله عليه وسلم # اللطف الذي كانت تراه منه حين تشتكي، إنما كان ~~يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ # 3 # ثم ينصرف. # كانت هذه المعاملة تريب السيدة أم المؤمنين، ولا تشعر بالشر حتى نقهت، ~~فخرجت هي وأم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزهم وكانوا لا يخرجون إلا ليلا، ~~وذلك قبل اتخاذ الكنف قريبا من البيوت، فأقبلت هي وأم مسطح حين فرغا من شأنهما ~~يمشيان، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقالت لها السيدة عائشة: ~~بئس ما قلت! أتسبين رجلا شهد بدرا؟ # فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قال؟ # فسألتها السيدة عائشة ما قال، فأخبرتها بقول أهل الإفك فازدادت مرضا على ~~مرضها، ولما رجعت إلى البيت ودخل عليها الرسول # صلى الله عليه وسلم # وقال لها كعادته: كيف ~~تيكم؟ # قالت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ # فأذن لها الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ولما أتت إلى بيت أبيها قالت وهي ترتعد: يا أمتاه ~~ماذا يتحدث الناس به؟ # فقالت: يا بنية، هوني على نفسك الشأن، فوالله، لقل ما كانت امرأة قط ~~وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. # فقالت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ # ثم بكت السيدة عائشة تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل بنوم، وكان ~~أبو بكر - رضي الله عنه - إذ ذاك في الطابق الأعلى مشغولا بتلاوة القرآن، فما كاد ~~يسمع بكاء ابنته ونوحها حتى نزل إليها وطيب خاطرها قائلا: صبرا يا بنية! عسى ~~أن ينزل الله في شأنك آية. # وقد زاد من حيرتها كتمان الأمر عنها، فازداد مرضها حتى أصبحت لا تستطيع القيام من ~~فراشها. # ولما بلغ الأمر إلى رسول الله عقد مجلسا من أهله وأصحابه المقربين يستشيرهم، ~~وكان بينهم «علي بن أبي طالب» و«أسامة بن زيد» وسيدنا عمر وعثمان وغيرهما من كبار ~~قريش وبعض السيدات، وكان من عادة الرسول أن يعقد مثل هذه المجالس العائلية كلما قضت ~~الضرورة بذلك، فأما أسامة فأشار ms040 عليه بما يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه ~~من الود لهم فقال: هم أهلك يا رسول الله ولا نعلم بهم والله إلا خيرا. # وأما علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، ~~والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. # فدعا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت فيها شيئا ~~يريبك؟ # فقالت له بريرة: لا والذي بعثك بالحق نبيا، إن رأيت منها أمرا أغمصه # 4 # عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن # 5 # فتأكله. # أما سيدنا عمر الفاروق فقد أجاب بوقار ورزانة ما معناه أن الرسول قد تزوج عائشة ~~بأمر الله وأنه لا يريبه شيء من عائشة، وقال عثمان: إن هذه الإشاعة من أعمال ~~المنافقين وإنه لا يصدق شيئا من ذلك، فقام رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من يومه فاستعذر من ~~عبد الله بن أبي ابن سلول فقال وهو على المنبر: # من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت في أهلي إلا ~~خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه شرا وما كان يدخل على أهلي إلا ~~معي. # فقام سعد بن معاذ أحد بني عبد الأشهل فقال: يا رسول الله، أنا - والله - أعذرك ~~منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه ~~أمرك. # فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وكان رجلا ~~صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله، لا تقتله ~~ولا تقدر على ذلك. # فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد، فقال معاذ لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر ~~الله، لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. # وتبادر الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله # صلى الله عليه وسلم # قائم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت. # ولما وصل الخبر إلى السيدة عائشة بكت يومها ذلك، لا يرقأ ms041 لها دمع ولا تكتحل بنوم ~~ثم بكت ليلتها المقبلة فأصبح عندها أبواها، وقد بكت ليلتين ويوما حتى ظنت أن ~~البكاء فالق كبدها، وبينما أبواها عندها وهي تبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار ~~فأذنت لها فجلست تبكي معها، وبينما هم على تلك الحال، إذ دخل رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فسلم ثم جلس ولم يجلس عندها من يوم قيل لها ما قيل، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه ~~في شأنها بشيء، فتشهد رسول الله حين جلس ثم قال: أما بعد، يا عائشة، فإنه بلغني ~~عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ~~وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. # فلما قضى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مقالته استعصى دمعها لاستعظام ما بغتها من ~~الكلام، وقالت لأبيها: أجب عني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فيما قال. # قال أبوها: والله ما أدري ما أقول لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. # فالتفتت لأمها تقول مثل قولها لأبيها فأجابتها كما قال سيدنا أبو بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - فالتفتت إذ ذاك السيدة عائشة وأجابت بقولها: إني والله لقد علمت ~~أنكم سمعتم ما تحدث الناس به حتى استقر في نفسكم وصدقتم به، فلئن قلت إني ~~بريئة، والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم ~~أني منه بريئة لتصدقني، فوالله ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال: # فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون ~~. # وبعد أن أتمت مقالتها تحولت فاضطجعت على فراشها وهي تعلم أنها بريئة وأن الله ~~مبرئها ببراءتها، وقد حدث ما كانت ترجوه فإن الرسول # صلى الله عليه وسلم # ما فارق مجلسه ولا ~~خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء # 6 # حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان # 7 # من العرق في يوم شات # 8 # من ثقل القول الذي أنزل عليه، ثم سري عنه وهو ms042 يضحك، فكان أول كلمة ~~تكلم بها أن قال: أبشري يا عائشة! أما الله فقد برأك. # فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فأجابت: لا والله، لا أقوم ولا ~~أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي، وكان ما أنزله الله - عز وجل: # إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم # العشر الآيات من سورة النور في براءة السيدة عائشة، وقد أراد الرسول - صلوات الله ~~عليه - أن يأخذ بيد عائشة، إلا أنها رفضت محتدة، حتى انتهرها أبو بكر والدها، ~~أما الرسول فسار من وقته إلى المسجد وجمع أصحابه الكرام وقرأ عليهم خطبة جامعة وتلا ~~عقبها سورة النور. # وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ينفق على «مسطح بن أثاثة» لقرابته منه ~~وفقره، فقال: والله، لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعدما قال لعائشة ما قال. فأنزل ~~الله تعالى: # ولا يأتل أولو الفضل منكم ~~والسعة # إلى قوله: # غفور رحيم ~~، ~~فقال أبو بكر: بلى، إني والله لأحب أن يغفر الله لي. # فأرجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه، وجمع الرسول عقب نزول آية البراءة أصحاب الإفك ~~وأمر بحدهم للقذف. ~~••• # قد سبب عقد السيدة عائشة هذا، قيلا وقالا، حتى لم يبق أحد لا يعرف قصة هذا ~~العقد المكون من أحجار اليمن، وكانت أم المؤمنين عائدة مع رجال الجيش من غزوة ~~أخرى فنزلوا في موقع قريب من المدينة يدعى «صلصل» ففقدت عقدها مرة ثانية، ~~فاهتم الرسول بالأمر وأوقف جميع القافلة للتحري عنه، مع أنهم كانوا في موقع قاحل ~~لا ماء فيه ولا نبات، فعطش رجال الجيش ولم يجدوا ماء للوضوء ولحقهم كرب شديد وقد ~~بحثوا كثيرا دون جدوى حتى اضطروا للقيام إلا أن أم المؤمنين عثرت عليه تحت راحلتها، # 9 # فغضب رجال القافلة وشكوا ما لحقهم من الضر إلى أبيها أبي بكر الصديق ~~- رضي الله عنه - فاستفزته الحمية وقام من فوره يقصد بيت الرسول لينهر ابنته ~~وليضع حدا لحوادث العقد، تلك الحوادث التي تتكرر وتوجب الاضطراب، وما كاد يصل حيث ~~يريد حتى وجد الرسول ms043 نائما على ركبة ابنته أم المؤمنين فاقترب منها وبادرها ~~بالتوبيخ وقارص الكلام وهي ساكتة: لا تبدي ولا تعيد، احتراما للرسول - صلوات ~~الله عليه وسلم - وهو في تلك الحالة، إلا أن الرسول سرعان ما بشر أبا بكر بنزول ~~آية التيمم وعندما تلاها على أصحابه الكرام علموا أن السبب في نزولها هو أبو بكر - ~~رضي الله عنه. # من أحب إنسانا أحب حبيبه؛ فكم جيدا زينت تلك العقود المصنوعة من جزع ~~اليمن؟ ولكنها كانت أمتعة للزينة، ليس لها أثر من ذكرى التاريخ، فظلت مهملة الذكر ~~في صحائف الحوادث. # قد تكون للحلي أيضا درجات من الميزة بقدر ما يكون للتأثرات والمشاعر من الأهمية ~~بالنسبة لموقع أصحابها في الحياة، إن حوادث أيامنا لها من الأهمية والمكانة بقدر ~~الاهتمام الذي يبذله أصحاب هذه الحوادث نحوها، فعقد السيدة عائشة كان حلية ذات ~~قيمة بقدر امتياز السيدة نفسها وخطرها في الحياة، وإلا لما كان شغل صفحة كبيرة من ~~التاريخ الإسلامي. # | الفصل الخامس # حجة الوداع # قد زال ما كان بين الرسول وزوجته من الجفاء بسبب حادثة العقد، فعاشا في أنس ~~عميق وراحة حقيقية، كانت السيدة عائشة الأنيس الوحيد لروح الرسول فلم يعتور ~~حبه لها أدني شائبة في وقت من الأوقات، لم تبد سحابة واحدة في سماء سعادتها، ~~منذ السنة السادسة حتى الحادية عشر من الهجرة، لقد وقفت حياتها في سبيل الرسول ~~وبذلت ذات نفسها وذات مالها في طريق الدين وفي سبيل إيصاله إلى درجة ~~الكمال. # أما الإسلام فكان آخذا في الانتشار والشيوع بسرعة مدهشة محيرة للعقول، وكما أن ~~الزهرة الطيبة التي يتعهدها المرء بالتربية في أرض خصبة لا تلبث أن يعبق أريجها ~~العطر مع الريح، كذلك الإسلام كان يذيع ويشيع فيمتد في الممالك والأمصار ويستولي ~~على القلوب فيشتد نفوذا وتشبثا يوما بعد يوم. # كان لأريجه أثر سحري يجذب القلوب ويأسر النفوس، فيكبلها بروابط وثيقة لا ينفصم ~~عراها، فأخذ عدد الأتباع يزداد بسرعة تفوق حد الوصف وخاضوا غمار غزوات عديدة في ~~سبيل تأييد كلمة الله، خرجوا منها ظافرين غانمين تخفق ms044 فوق رءوسهم ألوية ~~النصر. # رسخت عقيدة الإسلام في تلك القلوب الصافية وقوي إيمانهم فاندفعوا بقوته إلى ~~الأمام يحطمون ما يعترض سبيلهم من حواجز وموانع. # مكة المكرمة. # ووقفت المدنيات القديمة حيرى أمام هذه العقيدة الجديدة، لا تبدي ولا تعيد، ثم ~~ما لبثت أن طأطأت لها الرأس ومدت لها يد الإخلاص والأمان، كان التيار جارفا فلم ~~يستطع أن يقاومه إلا القليلون. # في مثل هذا العهد الزاهر من الدعوة الإسلامية؛ أي في السنة العاشرة من هجرة ~~الرسول - عليه أفضل الصلاة والسلام - أعلن الهادي فخر الكائنات أتباعه أنه سيزور ~~مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فتوافدت القبائل والعشائر من الجهات زرافات ~~ووحدانا على المدينة المنورة، ينتظرون اليوم الموعود، ولأيام قلائل خلون من ذي ~~الحجة خرج الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى الطريق بعد صلاة الظهر ومعه أهل بيته وأصحابه ~~وأربعون ألفا من حجاج المسلمين، فوصل مع هذا الجمع الحاشد إلى مكة المكرمة في ~~اليوم الرابع من ذي الحجة، وبعد أن ابتهل الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى ربه وطلب المغفرة ~~وحسن المآب تقدمت إليه القبائل الوافدة من الجوار الأخرى فأدوا الجميع فريضة ~~الحج. # لاحظ الرسول أثناء سفره أن البعير الذي يحمل هودج السيدة عائشة يسير بسرعة كبيرة ~~لخفة جسمها ولقلة أحمالها، بينما كان البعير الحامل لزوجه الأخرى السيدة صفية، يسير ~~ببطء وهوادة لسمنها ولكثرة أحمالها، فأمر الرسول بأن ينقل حمل السيدة عائشة إلى ~~رحل السيدة صفية وأحمال هذه إلى رحل الأخرى، جاء إلى عائشة يستسمحها لهذا العمل ~~فغضبت من ذلك وأجابته بكلمات قاسية فلم يجاوبها الرسول، إلا أن الحادثة وصلت ~~مسامع أبي بكر فهرول نحو ابنته وصفع خدها، فما كاد الرسول # صلى الله عليه وسلم # يرى هذه ~~المعاملة القاسية حتى آخذ صديقه فأجابه: ألم تسمع ما قالته لك؟ فأفهمه فخر الكائنات ~~أن الذي دفعها إلى ذلك هو غيرتها وأن المرأة إذا غارت لا تدري ما تقوله بل تكيل ~~القول جزافا، وكان يوم عرفات يوم الجمعة فأدى الرسول فريضة الحج مع مائة ألف ~~ونيف من المسلمين، ms045 وعقب الصلاة خطبهم هذه الخطبة البليغة: # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير، أما ~~بعد، أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم ~~بعد عامي هذا، في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى ~~أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل ~~بلغت؟ اللهم اشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ~~وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد ~~المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن ~~الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة أو ~~السقاية، والعمد قود # 1 # وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو ~~من أهل الجاهلية. # أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن ~~يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس، إنما النسيء زيادة ~~في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض، ~~وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات ~~والأرض، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متواليات وواحد فرد، ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهم ~~اشهد. # أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق؛ لكم عليهن ألا ~~يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا ~~يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في ~~المضاجع وتضربوهن ms046 ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، ~~أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء ~~واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد . # أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس ~~منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعن بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب ~~بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده؛ كتاب الله، ألا هل ~~بلغت؟ اللهم اشهد. # أيها الناس، ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم ~~عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ ~~اللهم اشهد. أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا ~~يجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ~~ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة ~~الله. # قد استمع جمع حاشد من المؤمنين هذه الخطبة وكان عددهم كبيرا، فلا يصل صوته ~~المبارك إلى جميعهم، فأخذ ربيعة بن أمية أحد أصحابه الكرام، يكررها عليهم بصوت ~~جهير. # وبعد الانتهاء من الخطبة أذن بلال ثم أقام - صلوات الله عليه وسلم - الصلاة وصلى ~~الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وفي مساء ذلك اليوم نزل عليه قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ~~، قالوا: ولما نزلت هذه ~~الآية علم أبو بكر بقرب وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # فبكى. # وبعد أن خطب الناس وألقى على جماعة المسلمين نصائح عديدة سواء أفي مكة أم في ~~طريقه إلى المدينة أنبأهم # صلى الله عليه وسلم # وهو في موقع قريب من المدينة بقرب ~~صعوده إلى الرفيق الأعلى، وعند وصوله إلى المدينة، مرض الرسول مرض الموت وأول ذلك ~~أنه خرج من جوف الليل إلى البقيع فدعا للأموات واستغفر وتضرع كالمودع وأصبح مريضا ~~من ms047 يومه. # ولما رجع من البقيع وجد السيدة عائشة تتوجع من صداع ألم برأسها، وهي تقول: وا ~~رأساه! # فقال لها الرسول: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك. # فقالت: وا ثكلياه، والله، إني لأظنك تحب موتي ، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك ~~معرسا ببعض أزواجك. # فابتسم الرسول، وبذلك تمكنت من إدخال بعض السرور على قلبه. # وكان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فكان يدخل يديه الماء فيمسح بها ~~وجهه. # كان الرسول هادئا ساكنا في أشد أوقات مرضه، ينام باهتا مغمضا ثم لا يلبث أن ~~يفتح عينيه الشريفتين فيدعو ويستغفر، وكانت السيدة عائشة تلازمه على الدوام ولا ~~تفارقه لحظة واحدة، وكان وهو على ركبتها يسمع بلالا مؤذنا للصلاة فيقوم بقدر جهده ~~وطاقته يصلي بالناس، ولما اشتد عليه وطأة المرض، وكان ذلك قبل وفاته بثلاثة أيام، ~~عجز عن الخروج إلى الصلاة واجتمع الناس في المسجد وآذنوه بها فهم بالخروج فعجز ~~فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس.» فصلى بهم أبو بكر - رضي الله عنه - حتى إذا كان ~~اليوم الثاني عشر من ربيع الأول والمؤمنون صفوف في الصلاة كشف رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سترة الحجرة فنظر إليهم وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم ضاحكا، فبهت ~~الصحابة وهم في الصلاة من شدة ما نالهم من الفرح بخروج رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ونكص ~~أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن الرسول خارج للصلاة فأشار إليهم بيده ~~الكريمة أن أتموا صلاتكم، وعندما دخل الرسول # صلى الله عليه وسلم # حجرة عائشة في يومه ذلك نام ~~متمددا واضعا رأسه الشريفة على فخذها، ولما جاءه جبريل يستأذن في دخول عزرائيل - ~~عليهما السلام - غشي عليه ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللهم ~~الرفيق الأعلى، فأتم الملك أمر ربه ورفع تلك الروح العالية إلى أعلى عليين، حيث ~~الرفيق الأعلى وهي في حضن زوجه أم المؤمنين، وما كادت تشعر بذلك حتى أجهشت في ~~البكاء. # | الفصل السادس # عندما توفي رسول الله # صلى ms048 الله عليه وسلم ~~، كانت أم المؤمنين عائشة في الثامنة عشرة من سني ~~حياتها، فانزوت في كسر دارها مع جواريها تقطع مراحل العمر في هدوء وسكون وتفني ~~دقائق الحياة في تلاوة القرآن وعبادة الديان. # كانت على جانب كبير من الذكاء، تلم بمسائل كثيرة من الفقه كما أنها على نصيب ~~وافر من سائر العلوم، كانت أحب زوجات الرسول وقضت معه شطرا كبيرا من الحياة، فلا ~~غرو إذا وعت في حافظتها ما كانت تسمعه وتراه من ضروب الأحكام الدينية ~~والمعاملات الشرعية، ولا عجب إذا رأينا الصحابة وعيون الأنصار يتخذونها المرجع في ~~أحكام الدين ومسائل الشرع الشريف، وقد ضربت بسهم وافر في الفتاوى الشرعية، فكانت ~~إذا ذكرت أمام «عطاء بن أبي رباح» قال: «كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن ~~الناس رأيا في العامة.» وعنها يقول عروة: «ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا بطب ولا ~~بشعر من عائشة.» # بلغت الأحاديث التي روتها السيدة عائشة ألفين ومائتي حديث وعشرا، من ذلك مائة ~~وسبعون حديثا أجمع الاتفاق عليه وأخذ منها البخاري أربعة وخمسين حديثا. # أما فضلها وحسن رأيها، فيكفي أنها كانت المرجع لأمثال عمر ومن إليه من فحول ~~الصحابة، أما فصاحتها فيكفي أن يزكيها مثل معاوية بقوله: «لم أسمع خطيبا أبلغ ولا ~~أفصح من عائشة.» وقال ابن قيس: «سمعت أبا بكر وعمر وعليا وعثمان بن عفان فلم أجد ~~في أقوالهم الجزالة والعذوبة التي تترقرق في كلام عائشة.» وكانت تروي الشعر وتعلم ~~وقائع العرب وحروبهم وسيرهم، حتى إنه ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا، ~~وفي حديث للنبي # صلى الله عليه وسلم # عن أبي موسى أنه قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد ~~على سائر الطعام.» وعندما أسس سيدنا عمر بن الخطاب ديوان بيت المال في زمان ~~خلافته وخصص مرتبات سنوية لزوجات الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فكان يعطي كل واحدة منهن عشرة ~~آلاف درهم إلا عائشة، فقد جعل لها اثني عشر ألفا، وقد عارض بعض الناس في هذا ~~الامتياز الصادر من رجل العدل عمر، ms049 دون أن يفهموا الغرض منه وسألوه عن السبب ~~فأجابهم: «ذلك لأن عائشة كانت محبوبة الرسول.» # أما هي فكانت تبذل ما لديها من مال ونشب في وجوه البر والخير وتهوين حاجات أهل ~~العوز والمساكين، وفي سبيل إعلاء كلمة الدين. # كانت تزور الكعبة في كل عام ثم تعود إلى المدينة، فهذه الزيارات التي دامت إلى ~~السنة الرابعة والثلاثين من الهجرة هي فترات الحركة في حياتها الساكنة، فقد مضت ~~أيام حياتها على نسق واحد من النظر في شئون الخير والإحسان، ومن التفرغ إلى ~~العبادات وحل ما يستعصي على المسلمين من الأحكام والمعاملات. # كان لأهل المدينة عاطفة حب شديدة واحترام عميق نحو شخصها المحبوب؛ إذ كانوا ~~يقدرون ذكاءها ويباهون بحسن رأيها، ويرون في زوجة الرسول المعززة بين ~~ظهرانيهم، الذكرى الخالدة التي تذكرهم بأيام السعادة. # | الفصل السابع # وقعة الجمل # كانت عائشة - رضي الله عنها - قد خرجت من المدينة إلى مكة، ليالي حوصر عثمان ~~بن عفان، ثم رجعت من مكة إلى المدينة، فلقيها في الطريق - عند موقع يقال له: ~~«السرف» بعض أولاد خالها، وهو عبيد بن أبي سلمة، فقالت له: ما وراءك؟ # فقال: قتل عثمان. # قالت: فما صنع الناس بعده؟ # أجاب: بايعوا عليا. # قالت: ليت هذه انطبقت على هذه، إن تم الأمر لصاحبك، ثم رجعت إلى مكة وهي ~~تقول: قتل عثمان والله مظلوما، والله، لأطلبن بدمه. # فقال لها الرجل: لا والله، إن أول من أمال حروفه لأنت، والله لقد كنت تقولين: ~~اقتلوا نعثلا فقد كفر. # 1 # فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول. # 2 # ولما رجعت إلى مكة ذهبت توا إلى الحجر الأسود وجمعت الناس وخطبتهم تقول: ~~«أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل ~~المسكين - تعني عثمان - فقتلوه ظلما وعدوانا، فسفكوا الدم الحرام، في البلد ~~الحرام، في الشهر الحرام.» إلخ، وعقب ذلك قام «عبد الله بن عامر الحضرمي» الوالي ~~المعين من قبل عثمان على مكة فحلف بأن يطيعها وركبت جملها المشهور باسم ms050 «عسكر»، ~~وقد التف حولها بضعة آلاف، تريد البصرة وكان معها من الصحابة الكرام؛ الزبير ~~وطلحة، وقد كانت عائشة - رضي الله عنها - في توجهها إلى البصرة، اجتازت بماء ~~يقال له: «الحوأب» فنبحتها كلابه، فقالت للدليل: ما اسم هذا الموضع؟ # قال : الحوأب، فصرخت بأعلى صوتها وقالت: ردوني، إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول عند نسائه: أيتكن تنبحها كلاب الحوأب. # ثم عزمت على الرجوع فقالوا لها: إن الدليل كذب ولم يعرف الموضع، وبعد يوم وليلة ~~وصلوا إلى البصرة بعد أن بذلوا جهدا كبيرا في إقناع السيدة عائشة وسوقها إلى ~~البصرة، وعندما وصلوا إلى مقربة منها في موقع يقال له: المربط خرج إلى مقابلتها ~~الناس فخطبتهم خطبة بليغة أفهمتهم فيها بقتل عثمان ظلما وحثتهم على طلب دمائه ~~وختمت الخطبة بقوله تعالى: # ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ~~، ~~فأثرت هذه الخطبة البليغة في نفوس الكثيرين وتبعها عدد كبير من أهل البصرة حتى ~~بلغ عدة جيشها ثلاثين ألفا، فلما انتهى ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ~~كرم الله وجهه - قام فخطب الناس وأعلمهم الحال وقال: إنها فتنة وسأمسك الأمر ما ~~استمسك بيدي، ثم بلغه ما هم فيه من الجموع والتصميم على الحرب فنهد إليهم في جيش من ~~المهاجرين والأنصار، وكان معه من أهل المدينة أربعة آلاف: ثمانمائة منهم من الأنصار ~~وأربعمائة من الذين بايعوه تحت الشجرة المشهورة، وكان أكثر أهل البصرة مع جيش ~~عائشة، فالتقى الجمعان بظاهر البصرة في مكان يسمى «الخريبة» وجرت خطوب وحروب، ففي ~~بعضها التقى علي - كرم الله وجهه - والزبير فقال له: يا زبير ما أخرجك؟ # قال: أنت، ولا أراك أهلا لهذا الأمر. # فقال سيدنا علي: أتذكر لما قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لتقاتلنه وأنت ظالم. # قال: اللهم نعم، ولو ذكرت لما سرت مسيري هذا، ووالله، لا أقاتلك أبدا. # ثم انصرف عازما على ترك الحرب ولكن قابله للأسف في الطريق رجل يدعى «عمير بن ~~جرموز» فقتله ms051 وأتى عليا برأسه فغضب لذلك وقال: بشر قاتل الزبير بالنار. # وتقابل سيدنا علي مع طلحة أيضا فقال له: يا طلحة تطلب بدم عثمان؟ فلعن الله ~~قتلة عثمان! أما بايعتني؟ # قال: بايعتك والسيف على عنقي. # ولما تراءى الجمعان كان عسكر عائشة وطلحة والزبير - رضي الله عنهم - عشرين ألفا، ~~فقبل أن تنشب الحرب، وعظهم أمير المؤمنين وندبهم إلى الصلح وبذل لهم كل ما ليس عليه ~~غضاضة من جهة الدين، فمالوا إلى الصلح شيئا وباتوا على ذلك، ولكنه نشب القتال بين ~~القبيلتين في الغداة ودامت الحرب يوما وليلة وأصاب سهم عاثر رجل طلحة فأعطبه، فدخل ~~البصرة رديفا لغلامه وقد امتلأ خفه دما فمات من النزيف بدار خربة من دور البصر ~~وقبره اليوم بالبصرة في مشهد محترم عندهم. # 3 # وأما عائشة - رضي الله عنها - فإنها كانت على جمل في هودج وقد ألبس هودجها الدرع ~~والنسائج الحديد وهي تراقب حركة القتال وقد ترامى جندها على الموت، حياطة لها، ~~وذيادا عنها حتى لقد قتل حولها المئات والألوف وقطعت على زمام هودجها سبعمائة ~~يد، وكلما نزعت عنه كف نزعت إليه أخرى وكانت خاتمة القتال سقوط الجمل بما غشيه من ~~النبال حتى كأنه القنفد، وما أصاب قوائمه من السيوف، وقد ظلت السيدة عائشة في ~~محفتها حتى المساء وقد وضع في مكان بعيد عن الناس، وكان أخوها محمد بن أبي بكر ~~من أصحاب علي - كرم الله وجهه - فأمره أن يمضي إلى أخته وينظر هل هي سليمة، ثم ~~أدخلها ليلا إلى البصرة في دار عبد الله بن خلف، وظلت هناك حتى بدء شهر رجب بأمر ~~الإمام علي وقد أحسن إليها - كرم الله وجهه - غاية الإحسان، وجهزها بكل ما ينبغي ~~لمثلها، وأذن لها بالرجوع واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات ~~لأجل مؤانستها في الطريق وسيرها صحبة أخيها محمد بن أبي بكر مكرمة وقد شيعها ~~ولدا الإمام - الحسن والحسين رضي الله عنهما - فلما كان يوم رحيلها، حضر الإمام ~~وحضر الناس فقالت عائشة - رضي الله عنها: «يا بني، # 4 # لا ms052 يعتب بعض على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم، إلا ~~ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار.» وقال علي - كرم الله ~~وجهه: «صدقت والله، ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم في الدنيا ~~والآخرة.» # ثم سارت وشيعها الإمام أميالا، وتوجهت هي إلى مكة المكرمة وأقامت بها إلى ~~أيام الحج وانصرفت إلى المدينة. # | الفصل الثامن # لو استثنينا وقعة الجمل لرأينا أن السيدة أم المؤمنين قطعت المرحلة الطويلة من ~~الحياة - من السنة العاشرة للهجرة إلى الثامنة والخمسين منها - في العبادة ~~وتلاوة القرآن والتضرع في وجوه البر والمواساة ورواية الأحاديث وتخريج المسائل ~~الفقهية. # على هذا المنوال البديع سارت السيدة عائشة في حياتها الجميلة، تلك الحياة التي ~~وقفتها على سبيل إعلاء كلمة الله، من أجل ذلك أحبها الناس، ومن أجل ذلك كان يتباهى ~~بها أهل مكة ويفتخر بشخصها الكريم أهل المدينة. # أقر علماء زمانها وفحول الرجال من معاصريها نبوغها وتفوقها حتى ذاعت شهرتها في ~~الممالك والأمصار. # صفحة حياتها الخالدة، تلك الصفحة المشرقة من صفحات الإسلام انتهت وقائعها في ~~العام الثامن والخمسين من الهجرة. # وكانت وصيتها عندما وافاها القدر المحتوم أن ينزلها «ذكوان» مولاها في قبرها ثم ~~يعتق نظير هذه الخدمة. # وما كادت تلك الروح الشريفة تصعد إلى بارئها، حتى علا النحيب واشتد بكاء من في ~~الدار، فأرسلت أم سلمة جارية لها تستوضح الأمر، وما كادت تنقلب إليها بالخبر ~~المشئوم حتى بكت هي أيضا ثم قالت: «كانت عائشة من أحب الناس إلى الرسول بعد أبيها ~~الصديق.» # توفيت إلى رحمة ربها في الليلة السابعة عشرة من شهر رمضان المكرم، ودفنت ~~في تلك الليلة ومشى جميع أهل المدينة في جنازتها، وقد صلى عليها أبو هريرة - رضي ~~الله عنه، أما الذين نزلوا قبرها فهم عبد الله وقاسم ولدا محمد بن أبي بكر، وعبد ~~الله بن عبد الرحمن، وعروة وعبد الله ولدا الزبير - رضي الله عنهم. # ماتت هذه السيدة الفاضلة عن خدمات جليلة وحسنات شهيرة حببتها إلى الأمة ~~الإسلامية، فخلفت ms053 العالم وراءها في ظلام دامس لا مثيل له. # شعر أهل المدينة بعظيم رزئهم وجليل خطبهم كما أحسوا بيتم حالهم بعد أفول ~~تلك النجمة العالية من بينهم، فبكاها الكل، بكاها الرجال قبل النساء، والشيوخ قبل ~~الشباب؛ إذ كانت قد شملتهم جميعا بأردية فضلها وأغطية برها وخيراتها. # إن المخدرات الإسلامية في تلك الأزمان السعيدة؛ أي من بدء عهد الإسلام، كن ~~قد ارتقين إلى مستوى عصرهن الراقي فوهبن أنفسهن العالية إلى أعمال الخير ~~والفضل حتى النفس الأخير، فكان عمر إحداهن عصرا قائما بنفسه، وترجمة حياة ~~الواحدة منهن صفحة جليلة من صفحات التاريخ، ولقد سطعن في سمائه ببهجة وإيناس كما ~~كن الشهب الثاقبة في سماء الإسلام في العهد القصير الذي تلألأت فيه أنوارهن ~~الباهرة. # لاحت أنوارهن زمنا قصيرا في سماء الإسلام، شأن كواكب الأسحار، إلا أننا ما ~~زلنا نلمس آثار وميضهن في طيات الصحف، وهذا ما يبعث فينا الأمل والسرور، فها نحن ~~أولاء نبدأ اليوم، بفضل تلك الأنوار والإسلام في محنته وقتامه، يملؤنا الشعور ~~والأمل بأن نخلف بعدنا صحائف خالدة مثل صحائفهن. # | العباسة بنت المهدي # | الفصل الأول # أي قارئي العزيز! # لو سرحت الطرف في حدائق الأدب الإفرنجي، مفكرا في أشعارهم العالية، مدققا ~~النظر في آدابهم النفيسة ومؤلفاتهم القيمة وما يتخللها من مزايا ومآثر وما تتضمنها ~~من درر ألفاظ وغوالي حكم، ممتعا نفسك بعبير الذكريات القديمة المتضوعة من ~~جوانبها تعلم وتشعر بأن لكل أمة من الأمم وقائع خاصة بها، وحوادث اشتهرت عنها تتمشى ~~مع طبيعتها الشعرية وتمتزج بحالتها الروحية. # تصقل الأيام والعصور تلك الصفحات المشرقة الماضية والحوادث المفجعة والوقائع ~~المؤلمة، فلا تصل أسماعنا إلا وقد ازدادت روعة وجمالا فنصغي إليها بشيء من الدهشة ~~تتملك نفوسنا. # إننا نعجب من أبهة تلك الوقائع وندرة ما فيها من الشخصيات، فنشعر بلذة معنوية ~~تبطن أعماق نفوسنا، فنغوص لجتها بارتياح ولذة. # من الذي يصور لنا تلك الوقائع وينفخ الروح في أشخاصها فيصيرها خالدة لا تزول ~~مدى الدهر ولا تمحى أبد الآبدين؟ هم أهل الفن وأرباب الخيالات، هم الشعراء ~~والأدباء؛ فالكاتب ms054 بقلمه والمصور بريشته، والحفار بمثقبه، والموسيقي بألحانه، ~~والشاعر بأوزانه يخرجون لنا صورا حية بارزة من تلكم الحوادث المؤلمة والوقائع ~~المدهشة، لا نكاد نراها أو نسمع بها أو نلمسها في صورهم وآثارهم وأقوالهم حتى تسيل ~~نفوسنا رقة، وتخفق قلوبنا شفقة، على أبطالها الذين تذهب نفوسهم ضحية على مذهب ~~الشهوات والمطامع. # الفن، هو الذي يجعلنا نفتتن بتلك النواصي الحزينة الحلوة، الفن هو الذي يصيرنا ~~نعتقد بأن لهذه الشخصيات جمالا نادرا مقطوع القرين، فننجذب إلى قصص حياتهم ~~المملوءة بالأعاجيب، وحالما نأتلف بهم نحن إليهم ونحبهم، أما أسماؤهم الأعجمية ~~فهي كالتماثيل الغريبة في طريق لغتنا الأصلية، وموقعهم الممتاز في تلك الحوادث له ~~أثر بليغ في نفوسنا؛ ولذلك لا نكاد نذكرهم إلا بشيء من اللوعة بين الآهات ~~والزفرات. # فتنتنا الآداب الغربية فسرنا مع تيارها وأصبحنا نقلد كل أساليبها فهل ~~أصبنا المرمى؟ # لو وقفنا عند حد ترجمة ونقل الموضوعات التي تنقصنا والتي تغرينا على نشر العلوم ~~والمعارف بين ظهرانينا وتأخذ بيدنا إلى مناهج الرقي والفلاح، لو وقف بنا الأمر ~~عند هذا الحد، لكان عملنا صالحا وسعينا جميلا، ولكن الأذواق الغربية استولت على ~~مشاعرنا وإحساسنا وأرواحنا فنسينا ما يحيط شخصيتنا من لطف وظرف، وبذلنا ما في ~~وسعنا من إرادة وعزم للتشبه بملقنينا حتى تخدرت أعصابنا بعدوى مرض ~~«البانورزيزم»؛ أي التقليد الأعمى، وليتنا استطعنا أن نروي ظمأنا أو ليتنا نفكر ~~في الزمن الذي نضيعه هباء في سبيل الوصول إلى هذه الغاية. # لو رجعنا البصر كرة واحدة إلى ماضينا المجيد، ذلك الماضي المشرق بأنوار المجد ~~والفخار، لعلمنا مقدار خطئنا ولأسفنا من استخراج معلوماتنا من دفائن الأدب ~~الغربي فحسب. # خزائن آثارنا الشرقية مملوءة بالكنوز والنفائس التي تبهر الأبصار ببريق لمعانها ~~وإشراق ضيائها، في زوايا تلك الخزائن بذور مواهب كامنة لا يمكن للغرب أن يجود بها ~~على الشرق يوما من الأيام، لو نظرنا إليها وأعرناها جانبا من العناية والالتفات ~~لكنا الآن أصحاب ثروة قومية حفظها لنا الجدود بالمتاعب والآلام. # فقل لي بربك: أما ترى أن فيما تركه لنا السلف خيرا مما ms055 نستعيره من الغرب، عندنا ~~من الكنوز شيء كثير؛ أموال ومجوهرات خالصة من كل غش وخداع عليها طابع الإسلام، لم ~~تمسها الأيدي ولم تنظرها الأعين حتى الآن. # لو أردنا لاستطعنا أن نحيك لأنفسنا جلابيب مهفهفة من تلك الأنسجة الحريرية ~~النادرة، ولو شئنا لجعلنا تلك الأقمشة الثمينة ملابس تتمشى مع الطراز العصري، ولو ~~شئنا لكسونا تلك المخلفات القديمة أحسن الصور والأشكال التي تجعلها من أجمل صناعات ~~اليوم، وبذلك نعقد لأنفسنا ألوية الظفر والفخار في ميادين الفن، إننا لو أردنا ~~لاستفدنا من شخصيات عديدة ووقائع كثيرة ذات أثر كبير، فكل الأدوار الإسلامية مملوءة ~~بالحوادث العظيمة وقد اشتهر كل عصر من عصور تلك الأدوار بأسماء أبطال يحركون في ~~النفس عوامل الشفقة والإعجاب. # إن في سلسلة الحوادث المفجعة التي تمت أيام الرشيد وانتهت بموت العباسة ~~وختمت بمأساة البرامكة، لعبرا تزري بأشعار «روميو» وما يتخللها من حب ~~وصداقة، وعظات تطفئ ما يتخلل قصة «جوليت» من أنوار الإخلاص والوفاء، لم لا تتناول ~~الأقلام هذه القصة؟ إن هذين القلبين الوفيين، قلب جعفر وقلب العباسة، ليستحقان ~~التصوير والتحليل، فلم لم تلاق حادثتهما الاهتمام اللائق بها؟ هل كانت ~~حياتهما الشاذة، تلك الحياة التي ذهبت ضحية الغرور والاستبداد، موضوعا تافها في ~~آثارنا القومية؟ # الخطأ الكبير الذي ترتكبه الرءوس الكبيرة أقل أثرا من النتائج السيئة التي ~~يولدها الخطأ نفسه، فإذا كان الخطأ شينا وعارا كانت الخسائر الناجمة من هذا ~~الخطأ أكثر شينا وأشد عارا. # عندما نقلب صفحات التاريخ وتقع أنظارنا على بعض المظالم المدهشة، لا نتمالك من ~~تبجيل أيامنا الحالية - ولو على غير اختيار منا - أمام الوقائع الدموية التي حمي ~~وطيسها في تلك الأزمنة. # نرى اليوم ارتقاء هيئتنا الاجتماعية فنقدس في أنفسنا هذا الرقي التدريجي، زماننا ~~- على أي الحالات ومن كل الوجوه - زمان الإنسانية، ولو فكر أولئكم الخلفاء ~~المستبدون في وقع ضرباتهم الأليمة، لو علموا أثرها الكبير وانعكاسها المدهش ~~لامتنعوا عن تلك المظالم الشائنة التي ارتكبوها ولضحوا غرورهم في سبيل الاحتفاظ ~~بحسن الذكرى. # | الفصل الثاني # الجوهرة النفيسة في عقد بني العباس، الزمردة ms056 الثمينة بين درر النساء، تلك ~~التي كانت قلادة تزين جيد العصر الثاني من الهجرة، أخت الخليفة وبنت الخلافة، ~~ذهبت ضحية الأقدار وفريسة الظروف القاسية. # السيدة العباسة، اللبيبة الذكية، أجمل بنات المهدي، ثالث خلفاء بني العباس، تمثال ~~المأساة في ميدان التاريخ الإسلامي ، وسحاب قائم، خلط بياض شهرة الرشيد بسواد ~~دائم. # كانت معززة مكرمة في عائلتها الهاشمية النجيبة لما امتازت به منذ نعومة ~~أظفارها من الفطنة والكياسة وحسن الذوق والبلاغة، فكانت تنزل من نفوسهم منزلة ~~سامية؛ منزلة التقدير والإجلال. # أما قصة حياتها وأوائل نشأتها، فهي أسطورة جميلة تشتاق الآذان لسماعها والتلذذ ~~بخيالاتها. # مرت أيام صباها في بغداد كنسمات الصبح بين أحضان حدائقها الغناء، فاكتسبت من ~~بدائع الطبيعة رونقها واستعارت من الورود نفحاتها، ومن البلابل نغماتها، ومن ساعات ~~الفجر وأوقات السحر بهجتها وضياءها، هامت في أودية الجمال، جمال الطبيعة، فأشبعت ~~روحها وأنظارها من كوثره العذب. # نشأت وترعرعت في مسارح الذوق والصفاء وفي مجالس الأنس والدلال، وفي مغاني ~~السرور والابتسامات، فشبت موسيقية الطبع، جميلة الروح، فاتنة الشكل، ~~متحلية بالأدبين؛ أدب العلم وأدب النفس، كلفة بالشعر كلفها بالورود والأزهار ~~ونفائس المعنويات والماديات. # فتحت أنظارها في أبهة قصرها المشرف على الدجلة، فشاهدت ما حواه من طنطنة ودبدبة ~~ومتعت النفس بدهاليزه المعنبرة وغرفه المزهرة فازدادت بهجة ~~وجلالا. # إنها ملاك جميل؛ ملاك لا نسمع بذكره إلا في أساطير الأولين، إلا أنها تمتاز عن ~~ملائكة الأساطير بقصر حياتها، ولو دققنا النظر في تلك اللآلئ التي تزين ~~جيدها، لآلئ مأساتها وأيام حياتها، لوجدناها قد انتظمت على سلك من الأحزان ~~والآلام، إن المرء ليفضل قلادة خزفية على تلك الجواهر المنظومة في سلك ~~الأكدار، هذا أمر طالما تمنته، فكم أرادت أن تبيع عقدها لقاء أيام من ~~السعادة طويلة الأمد، ولكن الدهر القاسي، الدهر المتسيطر على عالمنا الحقير أبى ~~عليها هذه النعمة، بل عاداها وأشهر عليها حربا عوانا لتشنها في خلع عقدها ~~وقد كانت تراه نيرا يستعبد روحها. # لم تمت العباسة لأنها تعقبت آثار الغواية المعوجة، كلا، إنما أرادت أن تجني ~~ثمار الأمل ms057 دون أن تحفل بالقدر أو تعبأ به، فماتت وتدهورت تحت عجلات الأقدار ~~ودفعت بجسمها لهذه الدنيا دينا هو في ذمة كل إنسان يعيش على وجه البسيطة، فكان ~~مقتلها منقبة تاريخية وضياعها باعثا على تسجيل اسمها في صحيفة الأسماء ~~الخالدة. # | الفصل الثالث # البرامكة الذين كانوا غرة في جبين الدولة العباسية وتاجا على مفرق أيام ~~الرشيد، هم أحفاد بعض المماليك من الفرس الذين استوطنوا بغداد أيام خلافة المنصور، ~~كانوا قديما على دين المجوس ثم أسلم منهم من أسلم وحسن إسلامهم، استوزر ~~المنصور جدهم خالد بن برمك فكانت لهم الكلمة النافذة والسيطرة التامة في ~~شئون الحكم والإدارة، وضربت بمكارمهم الأمثال، وشدت إليهم الرحال ونيطت ~~بهم الآمال، بذلت لهم الدنيا أفلاذ أكبادها ومنحتهم أوفر أسعادها، فكان يحيى ~~وبنوه كالنجوم زاهرة والبحور زاخرة والسيول دافقة والغيوم ماطرة، أسواق الآداب ~~عندهم نابقة، ومراتب ذوي الحرمات عندهم عالية، والدنيا في أيامهم عامرة، وأبهة ~~المملكة ظاهرة. # أما يحيى بن خالد، وهو والد جعفر، فكان فخر العائلة البرمكية، وكان من عادته إذا ~~ركب أن يعد صرارا في كل صرة مائتا درهم يدفعها إلى المعترضين له يمينا ~~ويسارا فإذا رآه الناس بشروا بعضهم البعض بتدفق غيوث خيراته وحسناته ~~عليهم. # يحكى أن أحد أعدائه البخلاء اضطر في أحد المجالس أن يصافحه، إلا أنه ما كاد يضع ~~يده في يد يحيى حتى أرجعها خائفا مذعورا فنظر إليه يحيي نظرة المستغرب الناقد ~~فأجابه: أخاف إن صافحتك أن تسري إلي عدوى جودك وكرمك. # 1 # كان قصر البرامكة على شاطئ الدجلة قبالة قصر الخلافة، وكانت أبوابه مفتوحة ليل ~~نهار للزائرين من غادين ورائحين، وكان أبو نواس يسمي دارهم ملجأ الإسلام وهو ~~القائل فيهم: # سلام على الدنيا إذا ما فقدتم # بني برمك من رائحين وغاد # أراد يحيى بن خالد البرمكي أن يلقي على الهادي - وقد كان ضعيف الرأي # 2 ~~- درسا محسوسا في أيام وزارته له؛ رغب الهادي في شراء جارية حسناء ~~بمبلغ مائة ألف دينار، فاستعظم وزيره هذا المبلغ وأفهمه غبن هذه القيمة الباهظة، ~~إلا أن ms058 الهادي أصر في رغبته ولم تجد نصائح الوزير نفعا، فتلمس يحيى وسائل ~~أخرى لتسوية الأمر، وبينما كان يفكر فيما يجلبه مثل هذا الإسراف من الخراب على ~~الدولة خطرت بباله حيلة جميلة؛ جمع من الدراهم ما يوازي قيمة المائة ألف دينار ~~وبعثرها في صحن الجامع الذي يصلي فيه الهادي، وعند وصول الهادي إلى الجامع في صلاة ~~الجمعة ومعه يحيى نظر إلى الدراهم المالئة أرجاء الجامع شرقا وغربا، فقال: ما ~~هذا؟ ما أكثر هذا المال! # فوجد الوزير الفرصة سانحة وأخبره بأن هذا القدر من المال هو ثمن ما سوف يدفع ~~لمشتري الجارية فاستعظم المبلغ ورجع عن عزمه، وكان يحيى يعجبه أخلاق هارون الرشيد ~~ويفضله على أخيه الهادي، وعندما حاول الهادي خلع أخيه من ولاية العهد والمبايعة ~~لابنه جعفر بن الهادي حادث يحيى في ذلك فقال له: يا أمير المؤمنين، إن فعلت ~~حملت الناس على نكث الأيمان ونقض العهود وتجرأ الناس على مثل ذلك لو تركت أخاك ~~هارون على ولاية العهد ثم بايعت لجعفر كان ذاك أوكد في بيعته. # فصوب الهادي رأيه، وكان الرشيد بعد ذلك يرى هذه من أعظم أيادي يحيى بن خالد ~~عنده. # بعد انتهاء عهد الهادي وقد ظل عاما واحدا، بايع الناس أخاه هارونا، والفضل ~~في ذلك راجع إلى يحيى فعظمت منزله البرامكة من نفس الرشيد، وأظهر امتنانه لهم في ~~كل فرصة سنحت، كان ينزل يحيى منزلة الوالد، استوزره في أوائل خلافته وترك ~~مقاليد الأمور وديعة له يعمل فيها برأيه الثاقب وحنكته وتجاريبه في الحياة، فكانت ~~أكثر النواحي والأمصار تحت زمام حكمه وسيطرته، وبعد أن تقلد الوزارة بضع سنوات ~~أصبح ابنه جعفر الوزير المخلص للرشيد ورفيقه ونديمه وصديقه العزيز، ذا المكانة ~~السامية في سويداء قلبه لا يفارقه لحظة من اللحظات، كان جعفر إذ ذاك في العشرين من ~~عمره، وكان أخا الخليفة في الرضاعة، # 3 # فكانت أبواب القصر ودائرة الحريم مفتوحة الأبواب له على الدوام، ولحسن ~~محضره ولطف حديثه أصبح محبوبا مألوفا من أفراد عائلة الرشيد. # كان جعفر طويل القامة، نحيف ms059 البنية وسيم الوجه أبيض اللون، مستدير اللحية، ذا ~~عينين براقتين وابتسامة حلوة حديد المزاج، فاضلا كريما على جانب عظيم من العلم ~~والفضل، وله من موارد الثروة ما لا يقل عن الخليفة، فلا يكاد يوجد في بغداد إنسان ~~لم يصبه جانب من كرم فضله ومروءته ، فكان محبوبا من الجميع، يعتبره الناس النجم ~~المتألق في سماء عرش العباسيين. # وكان يرى بنفسه كل المسائل المعضلة فيحل عقدتها برأيه الثاقب ويريح الخليفة من ~~هموم الإدارة وأعبائها، ومع أنه لا يغمض له جفن ولا يستريح في ساعة من ساعات الليل ~~فضلا عن النهار في مصالح السلطنة، فكان لا يفارق الخليفة في مجالسة أو منادمة، ~~وكان أديبا أريبا يعلم الشعر ويفهم الموسيقى؛ ولذلك لم يبق إنسان في بغداد لا ~~يقدر قيمة هذا الوزير المقطوع القرين. # أحضر العلماء والحكماء وأمرهم بترجمة الكتب الأجنبية، وشجع الفلاسفة والمفكرين ~~وأسس دور العلم ونشر التجارة والطبابة والحكمة في ربوع بغداد حتى أصبحت محطا ~~لرحال العلماء وقطب رحى الآداب والفنون، ولم يمض على هذه المدينة إلا القليل حتى ~~سميت «أسواق الآداب». # كان الرشيد يغدق النعم والخيرات على من يجلب له السرور ويسبب له الغبطة، فيضحى ~~إيراد بيت المال وضياعه الخاصة في سبيل شخصه، أما جعفر فكان يصرف ماله في سبيل ~~المحافظة على مجد الرشيد وأبهة ملكه وخلافته التي يتفانى في خدمتها، وكان مع ميله ~~إلى اللذات يصرف نصف أمواله في وجوه البر والحسنات. # اشتهر الرشيد بحسن إدارة جعفر، وما نال ألقاب الحمد والثناء إلا بفضل سخاء جعفر، ~~ثم كان بعد ذلك من أصحاب الحكمة والحجى باستعداد جعفر وكفاءته كما أصبح قرين ~~العلماء، جليس الأدباء، نديم الشعراء بإرشادات جعفر، وبجعفر فحسب كان الرشيد ~~رشيدا. # ما أجلها روحا! تلك الروح العالية والنفس الأبية التي تستنسخ مزاياها من أشخاص ~~أخرى، ولا تفقد بذلك بهجتها وأضواء كمالها. # كان الرشيد في بداية حكمه مسودة لوحة فنية تحتاج إلى ألوان عديدة وإصلاحات ~~كثيرة، وبمرور الزمن أصبحت تلك المسودة الناقصة في أيام وزارة جعفر لوحة فنية ~~نفيسة، وظهرت في ms060 معرض التاريخ بتلك الأبهة والعظمة. # وإليك الحكاية الآتية دليلا على الروابط القوية والألفة المتينة الموجودة بين ~~الرشيد وجعفر. # قيل: إن جعفر بن يحيى جلس يوما للشرب وأحب الخلوة فأحضر ندماءه الذين يأنس بهم ~~وجلس معهم وقد هيأ المجلس ولبسوا ثيابا مصبغة، وكانوا إذا جلسوا في مجلس الشراب ~~واللهو لبسوا ثياب الحمر والصفر والخضر، ثم إن جعفرا تقدم إلى الحاجب ألا يأذن ~~لأحد من خلق الله سوى رجل من الندماء كان تأخر عنهم اسمه عبد الملك بن صالح ثم ~~جلسوا يشربون، ودارت الكاسات وخفقت العيدان وكان رجل من أقارب الخليفة يقال له عبد ~~الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس، وكان شديد الوقار والدين والحشمة، ~~وكان الرشيد قد التمس منه أن ينادمه ويشرب معه وبذل له على ذلك أموالا جليلة فلم ~~يفعل، فاتفق أن هذا «عبد الملك بن صالح» حضر إلى باب جعفر بن يحيى ليخاطبه في ~~حوائج له، فظن الحاجب أنه هو عبد الملك بن صالح العباس، فأدخله على جعفر بن يحيى، ~~فلما رآه جعفر كاد عقله يذهب من الحياء، وفطن أن القضية قد اشتبهت على الحاجب ~~بطريق اشتباه الاسم، وفطن عبد الملك بن صالح أيضا للقصة، وظهر له الخجل في وجه ~~جعفر بن يحيى، فانبسط عبد الملك وقال: لا بأس عليكم أحضروا لنا من هذه الثياب ~~المصبغة شيئا فأحضر له قميص مصبوغ فلبسه، وجلس يباسط جعفر بن يحيى ويمازحه، ~~وقال: اسقونا من شرابكم. # الرشيد يراقب الجموع المحتشدة أمام قصر البرامكة. # فسقوه رطلا وقال: ارفقوا بنا فليس لنا عادة بهذا. # ثم باسطهم ومازحهم وما زال حتى انبسط جعفر بن يحيى وزال انقباضه وحياؤه، ففرح ~~جعفر بذلك فرحا شديدا وقال له: ما حاجتك؟ # قال: جئت - أصلحك الله - في ثلاث حوائج أريد أن تخاطب الخليفة فيها؛ أولها: أن ~~علي دينا مبلغ ألف ألف درهم أريد قضاءه، وثانيها: أريد ولاية لابني يشرف بها ~~قدره، وثالثها: أريد أن تزوج ولدي بابنة الخليفة، فإنها بنت عمه، وهو كفء ~~لها. # فقال له جعفر: ms061 قد قضى الله هذه الحوائج الثلاث؛ أما المال ففي هذه الساعة يحمل ~~إلى منزلك، وأما الولاية فقد وليت ابنك مصر، وأما الزواج فقد زوجته فلانة، ابنة ~~مولانا أمير المؤمنين، على صداق مبلغه كذا وكذا فانصرف في أمان الله. # فراح عبد الملك إلى منزله فرأى المال قد سبقه، ولما كان من الغد حضر جعفر عند ~~الرشيد وعرفه ما جرى وأنه قد ولاه مصر وزوجه ابنته، فعجب الرشيد من ذلك وأمضى ~~العقد والولاية، فما خرج جعفر من دار الرشيد حتى كتب له التقليد بمصر وأحضر القضاة ~~والشهود وعقد العقد. # 4 # | الفصل الرابع # تلك هي ثقة الرشيد بوزيره وأنيس قلبه وحبيبه العزيز جعفر، وإلى هذا الحد البعيد ~~وصلت دالة الوزير على مولاه الخليفة، كان يرى بنفسه أكبر شئون الدولة وأعوصها، ~~فيقيم أوزانها، ويفصل في قضاياها سواء كان في حضور الحاكم أو في غيابه، وسواء علم ~~الرشيد أم لم يعلم، فهل كان يخطر على البال أن تنفرج بينهما شقة الخلاف؟ وهل كان ~~يظن أن الشمس تشرق عليهما ذات يوم وهما مختلفان متنافران وقد أحبا بعضيهما ~~واستوثقا من نفسيهما إلى هذا الحد؟ لم يكن بين الخليفة ووزيره سر مكتوم، فكل سرائر ~~الخليفة ونياته صفحة مفتوحة أمام جعفر، وكل دخائل جعفر وخفايا نفسه ملم بها ~~الخليفة، فهل يأتي عليهما يوم يتنكر فيه أحدهما للآخر؟ ما كان يمضي يوم دون أن ~~يذهب رسول من قصر الخلافة إلى قصر البرامكة، ما أكثر ما كان يخرج جعفر من حضرة ~~الرشيد فيرسل في طلبه! وما أكثر الأوقات التي خرجا فيها إلى الصيد والقنص! ما أكثر ~~الليالي التي أمضياها معا جنبا إلى جنب يتفقدان فيها أحوال بغداد! ما أكثر ~~الهدايا والتذكارات الثمينة التي يهدي بها الخليفة وزيره الصادق! فهل كان لكل هذه ~~الأوقات والساعات والليالي والأيام نهاية وحد؟ # نعم، كان لها مدى وغاية، كانت الأيام الدائرة، تلك الأيام التي تمضي بمئات من ~~المشاغل والحوادث تقترب ببطء وهدوء لهذه الغاية، كانت السحب المتكاثفة في سماء ~~مستقبل الوزير تنذر باحتمال حدوث هذا الانقلاب ms062 التدريجي؛ لأن أعداء جعفر كانوا ~~يتكاثرون ويتفاقمون بنسبة استفحاله في الشهرة وبعد الصيت، توهم أنه يستطيع ~~أن يستهوي أفئدة الخلق ويستعبد قلوبهم بقيود نعمته وسلاسل جوده، وقد فاته أن الناس ~~قد تنسى كل حسناته إزاء نعمة واحدة يغدقها عليه الخليفة أو ميزة من المزايا يختصه ~~بها دونهم. # لولا الحسد وما تنطوي عليه الصدور من الأحقاد، لولا ما يحمله الإنسان لأخيه ~~الإنسان من ضغينة وغل لما استطاعت رياح الأقدار أن تطفئ شمس سعادته ~~المضيء. # كثر الساعون في إخلال روابط الثقة المتينة التي بين الخليفة ووزيره، واشتد ساعد ~~الذين يحملون المعاول الهادمة لهذه الثقة، وبين هؤلاء الساعين الأميرة زبيدة، فإنها ~~نفرت منه منذ حادثة مكة وانتهزت كل فرصة سانحة لتكون ضده، إنها لم تنس نظرات ~~جعفر المصوبة إلى ابنها الأمين وهو يحلف ثلاثا يمين الطاعة وعدم الخيانة بين ~~يدي أبيه الرشيد وفي حضوره في بيت الله الحرام، لم تنس سعيه في تنصيب المأمون ~~لولاية العهد بعد ابنه الأمين، بل أسرت ذلك في نفسها، متوعدة الانتقام يوما ما ~~من هذا المملوك الفارسي. # لم يتدرع جعفر إلا بالنعمة، وكان مرتاح الضمير؛ ولذلك لم يخش خصومة أحد حتى ~~ولا تنكر الخليفة عليه، لم يشك في إنسان ولم يتوهم أن الخليفة قد يحنق أو يحقد ~~عليه في ساعة من الساعات، لم يخطر على باله أن الخليفة قد يرتاب به أو يسيء إليه ~~الظن وهو يشاهد من شرفة قصره جماهير الخلق المحتشدة في الضفة اليسرى من الدجلة حول ~~قصر البرامكة، لم يدرك أن هذا العالم إلى فناء وبوار لأن سجف السعادة والرفاهة ~~كانت تستر الحقيقة عن عينيه. # كان ينظر إلى هذا العالم بعيني مسافر يقطع الصحراء ووجهته السراب يخطو إليه ~~مبتهجا مسرورا مفتونا مأخوذ اللب، كان يعيش آمنا مطمئنا غير حاسب لعاديات ~~الدهر حسابا، لماذا؟ لأنه كان واثقا من مودة الخليفة، كان يعلم أن منزلته من نفس ~~مولاه الرشيد هي منزلة العباسة من نفس أخيها، أجل، إن الرشيد ما كان يستطيع صبرا ~~عن مفارقة أخته العباسة التي ms063 شبت ونشأت معه وشاركته في أهوائه وميوله، كان ~~التذاذه من مشافهة العباسة لا يقل لذة عن محادثة جعفر، وإن سروره من سماع أشعارها ~~يعادل ابتهاجه من منادمة الوزير له، وكما كانت أدبيات أخته تجلب له السرور ~~والانشراح، كذلك مواعظ جعفر وأقواله الحكيمة تثلج صدره وتدعوه إلى الاغتباط، ~~كان يفتخر بجاذبية العباسة ويباهي بوقار الوزير ورزانته، وبالإجمال كان لا يحتمل ~~مفارقة أحدهما فكانا يجلسان إليه معا في القصر والحديقة ومغاني اللهو يتناشدون ~~الأشعار ويخوضون فنون الحكمة والفلسفة، كانت العباسة على علم ناضج وأدب رائع، ~~تعد من حكيمات عصرها وعالمات زمانها، وكان الرشيد يسر من الرجوع إليها في ~~كثير من معضلات المسائل العلمية ويناقشها ويجادلها الساعات الطوال في مختلف الفنون، ~~وعندما كان ينبئ الأميرة زبيدة بطرف من هذه الحوادث كانت تغضب ويظهر عليها أثر ~~الانفعال، كانت لا تهضم علو كعب العباسة في العلوم ودرجتها المعنوية الرفيعة، ~~فكانت تنفس عليها هذه الرتبة وتغار منها مع أنها على حظ وفير من العلم. # عندما كان يجلس الثلاثة الرشيد والعباسة وجعفر في المجالس المعنبرة ذات القباب ~~المكسوة بآيات الفن من قصر الخلافة فيخوضون لجة الحديث والمسامرة ويشقون عباب ~~الشعر والموسيقى وتمتلئ نفوسهم بالغبطة والهناءة، ينسون بغداد ولا يخطر على بالهم ~~شأن من شئون العالم، من يدري أي الدرر من غوالي الألفاظ وثمار القرائح ونتاج ~~العلم الناضج كانت تسقط في أرجاء تلك المجالس، لو كان للجدران المغطاة بقطع الديباج ~~والمكسوة بأنفس الحرائر لسان ناطق لأتحفنا اليوم بنكات لطيفة ومعان مبتكرة جميلة ~~وحسنات من اللفظ لا تخطر على البال، ولكن قد تداعت الجدران وطارت الأستار على ~~أجنحة آلهة الشعر وذهبت تلك الأيام أدراج الرياح، ولم يبق لنا من ذلك الماضي ~~المشعشع سوى خزانة محدودة من الخواطر، إننا لنمتطي الآن سفينة الذكرى؛ ذكرى ~~«الأنس المثلث»: الرشيد والعباسة وجعفر، ونخوض خضم تلك الأيام فلا نجد شيئا ~~ولا نشعر إلا برذاذ من أمواجه. # كان الرشيد مغتبطا بهذا «الأنس المثلث»، وكان يرمي بنفسه في أحضان هذين العزيزين ~~لينسى مشاغل اليوم ومتاعب الإدارة، ms064 كان يشعر بهناءة كبرى من تلك المحادثات ~~والمنادمات التي يعقدها في المجالس ذات القباب ولا يكتم شعوره هذا عن العلماء ~~وأكابر رجال الدولة ممن يمثلون بين يده. # كان يثني على ذكاء العباسة ويقدر بلاغة جعفر ويباهي بمنادمتهما له، هذه الحالة ~~الروحية كان ينفر منها العلماء الذين كانوا يتغافلون أو يتغاضون عن مجالس اللهو ~~والشراب المنتشرة في العصر الثاني من الهجرة، كبر عليهم مجالسة العباسة للرشيد في ~~حضور جعفر فسددوا إليه سهام نقدهم ولومهم، لم ينتقدوا رفاهة العظماء واستفحالهم ~~في ضروب اللذة، الأمر الشائع في ذلك العصر مثل انتقادهم لهذا الأمر، وكان الرشيد لا ~~يستهجن هذا النقد ويرى أنهم محقون في هذا اللوم، ولكنه لم يستطع أن ينقطع عن ~~أمر يشبع روحه باللذائذ المعنوية، فلم يأل جهدا في التفكير وإعمال الروية ~~لإيجاد حل معقول للمسألة، وفي النهاية جمع علماءه في القصر فعقدوا مجلسا لهذه ~~الغاية. # أعمل العلماء رويتهم وشحذوا قرائحهم فوجدوا أحسن حل للمسألة أن يعقد لجعفر ~~على العباسة، إلا أن الرشيد لم يقنعه هذا الرأي، إن العباسة الشريفة سليلة ~~العائلة النبوية لا يمكنها أن تتزوج بجعفر، لا يجوز لمملوك إيراني أن يقترن ~~بسيدة من عقيلات بني هاشم، فلا مناص إذن من إيجاد حل آخر، كان الفقهاء في موقف دقيق ~~لا يسعهم أن يكونوا هدفا لغضب خليفتهم، فاحتاروا وأسقط في يدهم؛ لأنه محتم ~~عليهم أن يوفقوا بين أوامر الشريعة ورغبات الخليفة، وبينما هم في لجج الحيرة ~~والدهشة خطرت على بال أحدهم فكرة عرضها على مولاه فنالت الاستحسان، رأى هذا ~~العالم أن يزوجها حتى يحل له النظر إليها ولكن لا يقربها، # 1 # وهكذا أجازوا تلك المسامرات الليلية في قصر الخلافة تحت هذا الشرط، ~~فقبل الخليفة أن يعقد له عليها ورضي بالشرط، وبذلك تخلص الرشيد من قيل الناس ~~وقالهم وعاد إلى منادمة صديقيه العزيزين وجليسيه الأليفين. # لم يكن بعد هذه الحادثة إنسان أسعد حالا من الرشيد، إنه ليقاوم أصعب الأزمات ~~فيفرجها برأيه، إنه ليقف باسما هازئا أمام الشدائد والصعاب يتحكم في القوانين ~~والشرائع ms065 والعادات ويبسط سلطان نفوذه على غرائز الطبيعة فيظهر ازدراءه لما يظنه ~~الناس أمرا مستحيلا. # أيها الغرور! أيها الطابع الأزلي للإنسانية، كم نفسا تحطمت على صخرتك العالية؟! ~~وكم أملا تكسر عند أقدامك؟! وكم رغبة حارة رددت أنفاسها الأخيرة فوق مذبحك؟! وأي ~~إنسان استطاع مقاومة مغناطيسيتك؟! لو أحصينا الذين رموا بأنفسهم في أحضانك فكم ~~يبلغ عددهم؟! # أيتها البشرية، لم تستطع الأجيال أن تغير تأثير غرائزك الموروثة، ولم تستطع ~~العصور المتقادمة أن تعدل تربيتك الروحية والفكرية، كان الرشيد يعتبر الساعات التي ~~يقضيها بجانب وزيره من ألذ أوقات عمره وأشهاها، كان لا يصبر عنه لحظة واحدة ~~ويستفيد من ذكائه وعرفانه ويتنازل لقبول مشورته وآرائه، ومع ذلك أظهر التردد والخوف ~~أمام علمائه وفقهائه الذين أجازوا اختلاطه بأفراد عائلته معلنا لهم أنه مملوك ~~فارسي. # أصل جعفر وأرومته هو نقصه الوحيد، ما ولقد أثبت الرشيد بأن المروءة والشهامة وأدب ~~النفس مزايا إنسانية لا تشفع للمرء في جميع أطوار حياته، فقد استنكف أولا مما عرضه ~~عليه علماؤه، لو أننا وصلنا إلى قرارة نفس الرشيد لعلمنا أنه كان راضيا عن أمر ~~الزواج إلا أن غروره المتسلط على قلبه وقف حائلا بينه وبين الرضا بهذا الأمر، أما ~~جعفر فقد كان مغلوبا على أمره أمام علم العباسة ومزاياها الروحية، فكان يزداد ~~تعلقا بها وشغفا بنفسها رغم أوامر الخليفة، كانت العباسة حياة جعفر، يعبدها بروحه ~~وجسمه حتى لقد أصبحت عيناه لا ترى نورا غير نور هذه النجمة التي سطعت في سماء ~~حياته. # في هذه الآونة كانت العيون والجواسيس التي تأتمر بأمر زبيدة واقفة لحركات جعفر ~~بالمرصاد في غدوه ورواحه إلى قصر العباسة، ويحملون إلى زبيدة حوادث تنزههما معا في ~~حديقتهما، بين خمائل الورود والقرنفل، وكان الجواسيس لا يتكلفون عناء كبيرا في ~~سبيل مأموريتهم؛ لأن جعفرا كان يمشي بملابسه السوداء شارة العباسيين، ويصل إلى ~~القصر من طريق الشرفة المطلة على الدجلة جهارا عيانا دون تنكر إما ممتطيا صهوة ~~جواده وإما راكبا زورقه. # كانت أخبار هذه الزيارات الليلية تصل أسماع زبيدة وابنها والفضل، فيعقدون ms066 مجلسا ~~من مشايعيهم لتدبير مكيدة يوقعون جعفرا في حبائلها. # كان الفضل بن ربيع خادما صادقا للأمين، ذي المزاج المتلون، كان في مبدأ أمره ~~حاجب الخلافة ويشغل الآن مركزا كبيرا، وكان يحسد جعفرا لمزاياه العالية ويطمح ~~إلى الوصول للوزارة، فجعل يعمل على إسقاطه سرا ولا يرى فرصة فيها هلاك البرامكة ~~إلا اقتنصها، كان يريد أن يقضي على الذين وقفوا حجر عثرة في سبيل آماله وأطماعه، ~~فلم يقعد يوما عن سبيل فيه إيذاء جعفر وقد أسعفته الأقدار بما كان يبحث عنه، خرج ~~يحيى بن عبد الله العلوي على الرشيد فاغتم الرشيد لذلك وندب إليه الفضل بن يحيى، ~~فذهب إليه الفضل وحاصره، فمال يحيى إلى الصلح وطلب أمانا بخط الرشيد، فأجابه ~~الرشيد إلى ذلك وسر به وكتب له أمانا، فقدم يحيى مع الفضل فلقيه الرشيد أول ~~الأمر بكل ما أحب ثم أمر بحبسه بعد ذلك، فما سمع الطالبي ذلك حتى أسرع إلى جعفر ~~قائلا: قد كتبت لنا أمانا فحضرنا إليك فإذا أنت أمرت بإبقائي في السجن عرضت ~~نفسك لقهر الله وغضبه. # وعلى أثر ذلك أطلق جعفر سبيله فاغتنم أعداؤه هذه الفرصة ونقلوا الحادثة إلى ~~الرشيد. # | الفصل الخامس # كان الرشيد حانقا غاضبا بعد تلك الحادثة، وأخذت مكانة جعفر تتضاءل في نفسه ~~شيئا فشيئا وكأني به وقد اختلى بغرفته على أثر سماع هذا النبأ وأوصى مسرورا ~~السياف بأن يمنع كائنا من كان من الدخول عليه، يقول في سره: ما هذه الجرأة ~~كيف يستطيع جعفر أن يعصي لي أمرا وأنا الخليفة صاحب النهي والأمر، إنه قد وصل من ~~استبداده إلى حد لا يمكن السكوت عنده، وكأني به وقد حادث نفسه بمثل هذه الأقوال ~~يشرف من نافذة غرفته، محاولا تسلية نفسه بزئير الأسود المحجوزة في أقفاصها ~~الحديدية بحديقة القصر. # بلى، هذا ما حدث، فإن التاريخ نقل إلينا أنه نزل بعد سماعه هذا النبأ إلى حديقته، ~~حيث أقفاص الليوث وهنا طلب من الحارس أن يحضر له رضيعا مذبوحا من الغنم. # أخذ قطعة صغيرة ورماها إلى أعز الليوث عنده ms067 فالتهمها في الحال، وقف بعد ذلك ينتظر ~~أن يلقي إليه الباقي، انتظر كثيرا ولكن عبثا؛ لأن الخليفة أمر الحارس بأن يمنع ~~عنه الباقي، عيل صبر الأسد وكان يزأر من حين لآخر كأنما يطلب بلسان الحال فريسته، ~~وقف الرشيد يتأمل طويلا هذا المنظر ويقارن بين حالة الأسد وحالته الروحية، وكأني ~~به الآن وقد امتزجت نفسيته بنفسية الأسد مشفقا عليه، ونادما على منع الفريسة عنه، ~~وكأني به وهو ينظر إلى الحارس شذرا ويلومه لأنه ينفذ في صديقه الأسد هذا الأمر ~~القاسي، يجد في الأسد شبيها به وبالحارس مثيلا لجعفر عدوه الآن. # وعندما عيل صبره لم يطق احتمال رؤية الأسد يتعذب فأمر بأن تلقى إليه الشاة ~~كاملة، فألقيت وهجم الليث على فريسته وقطعها إربا بين براثنه وأخذ يقضم العظام ~~بأنيابه، وبعد أن استقرت كاملة في معدته ربض ربضة الآمن المطمئن وأخذ يصوب نظراته ~~إلى الرشيد، تلك النظرات التي لم يذهب عنها بريق الحدة والغضب. # أما الرشيد فبعد أن وقف طويلا أمام هذا المنظر عاد إلى قصره وقد هدأت الثورة ~~القائمة بين جوانب نفسه. # إنه ليفكر فيقول في سره: لو كنت الآن داخل القفص فأي شيء كان يمنع الليث من ~~أن يهاجمني فيفترسني افتراس قطعة اللحم، كان يرى في نفسه وهو يمشي نحو القصر بين ~~طرقاته المزينة بأصص الرياحين، أسدا ظامئا إلى الافتراس، نفسا طموحة إلى ~~الانتقام، كان تواقا إلى التشفي من عدوه اللدود جعفر، ولكن هيهات لم تحن ~~الفرصة بعد، فهو ينتظر الفرصة بفروغ صبر ولا يدعها تفلت من يده بعد اليوم. # وصل الخليفة إلى القصر وصعد توا غرفته الخاصة، وكان منظر الغروب جميلا يجذب ~~الروح فجلس متكئا على النافذة يتأمل بحزن وإطراق ألوان السحب المتماوجة في السماء، ~~وما لبث أن مد ببصره إلى الضفة الأخرى من الدجلة حيث يوجد قصر البرامكة. # ارتعشت نفس الرشيد داخل جسمه، كان الناس عند مدخل القصر ينتظرون أوامر الوزير، ~~بين داخل وخارج، يهرولون ذات اليمين وذات اليسار وبينهم الجنود ورجال المعية في هرج ~~ومرج، هنالك الضجيج، هنالك ms068 الحركة، هنالك كل شيء. # ارتكزت عيناه عند هذه النقطة من الضفة الأخرى وكلما لج به النظر، اشتد حنقه، ~~وارتفع صدره بنيران الغيظ المضطرمة بين أحشاء قلبه، كانت أهداب عينه تهتز بحركة ~~عصبية وهو يرى أن سكون الماء وهدوء الطبيعة لا يتخللها سوى حركة واحدة في تلك ~~الساعة، هي الحركة الآتية من الضفة الأخرى أمام قصر جعفر. # أيقن الآن أن جعفرا هو حاكم بغداد وأمير الدولة وخليفة الإسلام، علم الآن أن ~~جعفرا كان كل شيء، ولكن أين هو من هذا الضجيج؟ أين مكانته من هذه الحركة؟ أين عز ~~الخلافة وشرف الجاه؟ هنالك في قصر البرامكة الذي يلمع بالأضواء ويموج بالحركة، أما ~~قصر الرشيد فقد تسربل رداء السكون والصموت. # تبطنت أعماق نفسه بآلام خفية في هذه اللحظة فنسي كل شيء. # نسي صداقة جعفر وإخلاصه وفطانته، نسي أن هؤلاء المحتشدين حول دار وزيره جاءوا ~~يلتمسون نداه، يستعطفون مروءته، يلتجئون إلى ظل شهامته، نسي أنهم وافدون إليه لقضاء ~~مصالحهم، نسي أن جعفرا أخذ على عاتقه هذا الحمل ليخفف عنه العبء، نسي فصاحة وزيره ~~وحسن تدبيره ودرايته، نعم، نسي كل شيء ولم يبق في عقله وذهنه إلا أمر واحد اهتزت ~~له أرجاء روحه وأخذ قلبه يخفق لأجله من الحدة والألم، وكأني به يقول: «لست أنا ~~الخليفة، وإنما الخليفة جعفر، ما أشد بلائي! كيف لم أفطن إلى هذه النتيجة؟! ماذا ~~أستطيع أن أعمله الآن لو أن جعفرا نزع إلى انتزاع الحكم من يدي وسير رجال الجيش ~~علي، وجلهم من الأعجام صنائع معروفه ونداه؟» # هذا ما كان يردده الرشيد في مثل هذا الظرف، لا سيما وقد اشتدت هجمات الأعداء ~~ووشاياتهم في حقه، فلا يلتفت حتى يسمع واشيا ولا يمشي خطوة حتى يجد من يحدثه ~~بخيانة جعفر له، وما أكثر الأوراق التي كان يجدها في سريره تحذره بعاقبة الحال وسوء ~~المنقلب! # فكر كثيرا واستعرض وجوه الرأي للتخلص من هذه الحال، فخطر بباله أن يوفده إلى ~~الخراسان، ولكن أحجم عن هذا الرأي لخطورته؛ لأن جعفرا قد يجتمع مريدوه وأشياعه ms069 ~~حوله هناك، فيؤلف منهم قوة كبيرة لا تقاوم، فلم يجد إلا القتل داء شافيا، ولكن ~~كان عليه أن يلتمس لقصده هذا عذرا وينتظر الفرصة السانحة؛ ولذلك لم يجد مندوحة من ~~الصبر والتأني فنادى مسرورا وأمره بأن يذهب إلى وزيره ويدعوه إلى تناول طعام ~~العشاء. # كان الرشيد ينتظره بوجه باسم ومحيا طلق وهو على أريكة مزركشة قائمة على عرش ~~مذهب، وعلى مقربة منه مائدة تنوء بأطباق الفضة المحتوية على صنوف الفواكه ~~والمشمومات، بجانبها أكواب من البلور، تتلألأ داخلها أشربة ملونة وقد فاحت القاعة ~~بعنبر العنبر والصندل والعود. # في الغرفة المجاورة، على مقربة من القاعة التي فيها هذه النفائس، كان أبو نواس ~~وأبو زكار وإبراهيم الموصلي يتشاورون فيما بينهم على الأغاني والألحان التي يطربون ~~بها في تلك الليلة مسامع مولاهم الخليفة. # لم يمض على انتظار الخليفة زمن كبير حتى وصل مسامعه صليل السيوف وصهيل الخيول، ~~حضر جعفر مع رجال حاشيته. # صوب الخليفة أنظاره نحو الباب الذي سيدخل منه الوزير، وعندما رفع الوزير السجف ~~الحقيقية المتدلية على الباب نظر إلى الخليفة ثم إلى نظراته المنطوية على الغيظ ~~والحقد فكاد يصعق في مكانه، ولكنه لم شعثه وخطا نحو الخليفة خطوات ثابتة، يقدم له ~~تحية الاحترام. # أخفى الرشيد ما بين جوانحه من الغيظ والحقد وابتسم للوزير ليخفي ما تنطوي عليه ~~جوارحه فقال له معترضا على لباسه: ما هذا يا أخي إننا سنتناول الطعام على حدة، ~~فلماذا اعتنيت بلباسك إلى هذا الحد؟ # كان الخليفة في هذا المجلس ضاحكا لاهيا، يملأ الأقداح ويسأل جعفرا عن شئونه ~~الخاصة، ويداعب الندماء ويطرب لنغمات الموصلي وإنشاد الشعراء، أما جعفر فكان يحاول ~~إسكات خفقان قلبه واضطرابه ليشارك الخليفة في هذا السرور والنشاط، كان يحاول أن ~~يرفع عن نفسه أثر تلك النظرات الأولى التي قابله الخليفة بها، كان يجاهد نفسه ~~ليبتسم وليضحك، ولكن كانت كلمات الخليفة وابتساماته ونظراته تتسدد في صدره كأنها ~~سهام مسنونة، علم جعفر كل شيء وأيقن بزوال مكانته من نفس مولاه، وأيقن بالسقوط على ~~أثر تلك النظرة المعنوية. # أيمكن ms070 أن يكون الخليفة وقف على سره واطلع على ما بينه وبين العباسة؟ محال أن ~~يكون ذلك، فمن يستطيع أن يخبر الخليفة بهذا الأمر ليستهدف غضبه، هل وصلته وشاية أو ~~سعى إليه أحد أعدائه، لا ريب في ذلك، فإنه كان يشعر بأن أعداءه يتألبون عليه وأن ~~كلمتهم اشتدت في الأيام الأخيرة وبأن نفوذهم أخذ في الاستفحال. # قارب الطعام على الانتهاء، وكان الرشيد ووزيره يتناولان الفاكهة، وكان الخليفة قد ~~مد يده إلى إجاصة فقال له فجأة: كدت أنسى كيف حال يحيى بن عبد الله الطالبي؟ ~~فارتبك جعفر إلا أنه قال: هو في الحبس يا مولاي. # فقال الرشيد: بحياتي؟ # ففطن جعفر وأجاب: لا وحياتك، ولكن أطلقته؛ لأني علمت أنه ليس عنده مكروه، فقال ~~له الرشيد: نعم ما فعلت، هذا ما كنت أنتظره من حسن فطانتك. # انتهى الطعام وجلسا يتنادمان قليلا، وخاضا في شئون مختلفة، وفي النهاية عندما ~~قام جعفر نظر الرشيد إليه وهو يقول في نفسه: قتلني الله إن لم أقتلك. # 1 # | الفصل السادس # أسدل الرشيد الستار على تلك الجلسة البديعة بجملة تهديدية حفظها لنا التاريخ حتى ~~يومنا هذا، ها قد دار الفلك دورته وانقضت أيام الصفاء والمخادنة، أوقات السلام ~~والمخالصة إنها لساعة رهيبة، وأزمة عصيبة وشدة مريرة أن يجد المرء نفسه هدفا لسهام ~~المخاصمة بعد أن كان موضع التجلة والإكرام على غرة من الدهر وغفوة من ~~الزمان. # دام الحال على هذا المنوال فتعقدت الأزمة، وكان جعفر حائرا مهموما وأعداؤه ~~فرحين مسرورين، لا ينفكون عن نصب شراك الحيل والدسائس وإيصال الأذى إليه، ما وجدوا ~~إلى ذلك سبيلا. # اشتد قلق جعفر؛ لأنه كان لا يفكر بشأن نفسه فحسب، بل كان يفكر في أمر عباسته، ~~فإذا سمع الرشيد بما وصلت إليه علاقتهما وبنتاج هذه العلاقة أي بابنهما حسن، قضى ~~عليهما وطوى من صحيفة الوجود خبرهما، غير أن جعفرا لم يفته أن يأخذ الحيطة قبل ~~وقوع المحظور؛ ولذلك أرسل الطفل إلى مكة مع مولى من مواليه المخلصين. # حقا ما الحياة إلا مجموعة إحساسات وآلام، إن جعفرا ms071 ليضحي بوزارته وما هو فيه من ~~أبهة حال ورفاهة عيش في سبيل راحتهما وهنائهما، ولكن كيف يتسنى له ذلك وقد تكاثر ~~عليه أعداؤه؟! ليس أمامه ليعيش آمنا مطمئنا تحت ظلال الراحة والهدوء إلا مفارقة ~~بغداد، وإن السبيل إلى ذلك سهل ميسور فهو يتحمل متاعب السفر إلى تلك الأصقاع مع ~~عباسته وابنيهما، إنه ليستطيع ذلك إذا قدر أن يترك الوزارة دون أن يلحقه ما يخدش ~~السمعة أو الشرف، ولكن الشعب، الشعب ذا المزاج المتغير، الشعب المتلون ~~كالحرباء. # قد انفض اليوم من حوله وحول بيته الكثيرون ممن نشئوا وترعرعوا في ظلال نعمة ~~البرامكة ونداهم، كان واثقا من ذلك مع أنه لم يحاول يوما ما أن يجرح إحساس أحد ~~منهم، إنما كان يسعى في أن يقيم باستقامة وعدل ما اعوج من أخلاقهم، كان عليه أن ~~يقاوم ويكافح وأن يقف أمام هذه الجموع المحتشدة مستمدا من المولى العون والعناية، ~~قد صمم أن يقاوم حتى النفس الأخير دون أن يتطرق إليه اليأس أو تفتر عنه العزيمة ما ~~دامت روحه المعنوية أي العباسة في حفظ وأمان. # نعم، كان وجود العباسة يغرس في كل ذرة من ذرات كيانه بذور الشجاعة والإقدام، أراد ~~أن يحيا في دائرة تتنسم العباسة داخل حدودها. # كانت أخت الرشيد نجمة آماله، منبع أشواقه، أفق مسراته، بل كانت هي الكل في ~~الكل. # كان الآن يعيش للعباسة ويعمل للعباسة ويناضل لأجل العباسة، إنها مقر أمله ومبعث ~~شجاعته وإقدامه، سوف يكافح أعداءه بعد اليوم ويقف أمامهم وجها لوجه، ويلقي عليهم ~~درسا فعليا في نظرية تنازع البقاء لغرض واحد هو سعادة العباسة. # | الفصل السابع # بينما كان جعفر غارقا في قرار عميق من لجج هذه الفلسفة الروحية والمشاعر ~~المعنوية وهو يظن نفسه في حصن حصين من خيراته السالفة ونعمائه السابقة، كان المحذور ~~قد وقع وسبق السيف العذل، أجل إن عيون زبيدة الذين نقلوا إليها أخبار ملاقاتهما ~~الليلية هو والعباسة وتزاورهما ومناجاتهما لبعض تحت أشعة القمر في حدائق الخلافة، ~~نقلوا إليها كذلك بشرى ولادة الحسن وإرساله إلى مكة، إلى ms072 غير ذلك من خطير ~~الحوادث. # ما كاد ذلك يصل مسامع زبيدة حتى اجتمعت بالفضل وابنها الأمين وتشاوروا جميعا ~~كيف يزفون هذه الحوادث إلى مسامع الخليفة. # فكروا كثيرا فوجدوا خير وسيلة يتذرعون بها هو كتابة رقاع يدونون بها أبياتا ~~من الشعر تتضمن الحادثة ينثرونها في أرجاء القاعة التي يجلس الرشيد فيها، وسرعان ما ~~عمدوا إلى هذه الفكرة فأخرجوها من حيز القول إلى دائرة العمل. # لم يمض إلا قليل من الزمن حتى علم الخليفة بالسر المكتوم وأسكنه في قرار مكين من ~~زوايا صدره، وسافر فجأة في تلك السنة إلى الحجاز فأوجس جعفر خيفة من هذه الرحلة، ~~وتوقع أن يحدث على أثرها حوادث ذات بال. # وصل الخليفة إلى مكة فبث العيون والأرصاد يبحث عن ابن العباسة إلى أن عثر على ~~ضالته وعرف النجل الظريف سليل الدوحة الهاشمية من سمات وجهه، كان الحسن ذا وجه مشرق ~~بضياء الحسن والبهجة، يشبه أمه العباسة أخت الرشيد، وتكاد عيناه البراقتان تفشيان ~~سر الحبيب. # كاد الحب يتغلب عليه فيشفق على ذلك الغلام الجميل ابن أخته لولا الغرور، نعم، ~~تغلب الغرور على أمره وتسيطر على حواسه فما أعجز الإنسان أمام تلك القوة الموهومة ~~التي تتسيطر على إرادته! # استوثق الرشيد من الأمر فقفل راجعا إلى بغداد مقر الخلافة، وقد خفف ذلك من هيجان ~~غيظه وكمده، كان قد سافر إلى مكة مسرعا مضطربا فعاد منها هادئا مطمئنا وقد وقف ~~على ما يريد أن يعلمه، بل مكث في محطات كثيرة لقبول الهدايا كما قبل أيضا هدايا ~~البرامكة كالمعتاد، وشنف سمعه بمديحهم وحمدهم له، في النهاية حط الرحال عند مدينة ~~«الأنبار» التي يستظرفها على شاطئ الدجلة. # كان من عادة الرشيد أن يتقابل مع وزيره جعفر في هذه النقطة، مدينة الأنبار، عند ~~عودته من بيت الله الحرام، وكان من عادة جعفر أن يولم فيها وليمة كبرى يدعو إليها ~~مولاه الخليفة، ولكن حدث هذه المرة أن الرشيد لم يقبل دعوة وزيره وإنما فضل أن ~~ينزل في قصره الخاص ليرتاح من وعثاء السفر، ففهم جعفر ما ms073 ينطوي عليه هذا الرفض ونظر ~~إلى أفق المستقبل فرآه مظللا بسحابة سوداء، اقتربت ساعة الإدبار، إنها لتسرع نحوه ~~وقد أصبح مستقبل ابنه الحسن مظلما، فإذا ألقاه الخليفة في غيابات السجون ماذا تكون ~~حالة العباسة؟ ولم هذا الجد العاثر ونكد الطالع؟ أهذا جزاء صداقته وإخلاصه ~~للخلافة منذ نعومة أظفاره، ألا يعلم الرشيد كل ذلك؟ ماذا فعل للناس حتى يستحق منهم ~~مثل هذا الجزاء، وكأني به يقول لهم: صنعت معكم خيرا فكيف يكون جزائي ~~شرا؟ # هذا سؤال يجيب عليه الزمان، الزمان هو الذي يقول: إنهم خانوك لأنك أحسنت إليهم، ~~ألم تسمع قول مشرع الإسلام: «اتق شر من أحسنت إليه»؟ # أخذت الأفكار ترد مخيلته تباعا آخذة بعضها برقاب بعض، ولكنه كان لا يصدق أن ~~الخليفة يعلم يوما ما بينه وبين العباسة؛ لأنه كان جد واثق منها ومن رجال معيته، ~~كان يعلم أن منزلته قد قلت في نظر الرشيد، وكان يعزو ذلك إلى الوشايات التي ~~يحيكها الأعداء حوله، وعندما نقل هذه الحالة إلى العباسة وجفاء الرشيد له ارتعشت؛ ~~لأنها كانت تعلم أخاها وأدركت بفطنتها وبعد نظرها أن إدبار جعفر منشؤه علم ~~الخليفة بما بينهما، أراد جعفر أن يقنعها ويسكن جأشها إلا أنه عبثا حاول تخفيف ما ~~تغلف حول روحها من المشاعر المؤلمة، إنها كانت ترتعد تحت عبء رؤيا مفجعة قد انقبض ~~صدرها أمام مشهد مؤلم أصبحت تتوقع حدوثه الساعة قبل الساعة. # كان الرشيد في تلك الآونة قد سار من الأنبار إلى بغداد في السفن وجعل قبل أن يصل ~~العاصمة يشرب تارة ويلهو أخرى وعنده أبو ذكار يغنيه، فلما أقبل المساء دعا مسرورا ~~الخادم، وكان مبغضا لجعفر فقال له: اذهب فجئني برأس جعفر. # بعد أن أتم جملته هذه ملأ قدح الشراب وأخذ يسمع أبا ذكار الذي أنطقته الطبيعة في ~~تلك الساعة الفجيعة بهذا البيت: # فلا تبعد فكل فتى سيأتي # عليه الموت يطرق أو يغادي # وبينما كان الرشيد يستنشد أبا ذكار باقي الأبيات. # كان مسرور في طريقه إلى قصر البرامكة، وعندما وصل هناك دخل على جعفر ms074 في غرفته ~~بغير إذن وقال له: الخليفة يطلبك. # وبينما كان جعفر غارقا في لجج من أفكاره عاوده مسرور بقوله: إن الخليفة قد ~~طلبك. ~~- لقد سررتني بمجيئك وسوأتني بدخولك علي بغير إذن. ~~- الذي جئت له أجل، أجب أمير المؤمنين إلى ما يريد بك. فقام جعفر مع رجال ~~حاشيته ورافق مسرورا إلى قصر الخلافة، وهناك ظل رجاله على الباب ودخل معه مسرور ~~إلى الحديقة وعطفا إلى غرفة خاصة على الطريق وهنا قال له مسرور: إن الخليفة يطلب ~~رأسك. # صعق جعفر في مكانه على أثر هذه الجملة وتضعضع أمام هذه الضربة القاضية ووقع على ~~رجليه يقبلهما ناسيا عزة نفسه ووقاره وقال مسترحما: بربك يا أخي عاود أمير ~~المؤمنين؛ فإن الشرب قد حمله على ذلك، بل أمهلني الليلة فإنه نادم عن قوله ~~غدا. ~~- تناديني الآن بقولك يا أخي وكنت قبل اليوم تأنف من مصافحتي، إنني الآن لا ~~أرحمك ولا أرحم شبابك، قد أمر الخليفة أن تموت الليلة وليس لدي سوى هذا ~~الأمر. ~~- لتكن حياتي فداء الخلافة، ليكن الموت جزاء إخلاص دام ثمانية عشر عاما، وإنما ~~أريد أن أعرف منك أمرا واحدا قبل قتلي أريد أن أعلم ذنبي الذي أستحق عليه ~~الجزاء. # فنظر إليه مسرور شزرا ثم فاه بهذه الكلمة: العباسة. # ما كاد جعفر يسمع بذلك حتى قام من مكانه مدهوشا وقد لمعت في سماء مخيلته فكرة ~~واحدة هي أن يموت فداءها إذ ربما أنقذ العباسة بموته فقال: دعني أدخل داري ~~فأوصي. # فنظر إليه الجلاد بغضب وقال: لا سبيل إلى ذلك. # لم يطق جعفر صبرا على أثر هذه الجملة الأخيرة فهاجت أعصابه وهجم على مسرور ~~متمردا يريد خنقه إلا أن الجلاد تمكن من أن يتملص منه وفر إلى زاوية من الغرفة، ~~وكان يعلم بأن العباسة مائتة لا محالة فصاح يقول: قد قتلت السيدة العباسة. # وقعت هذه الجملة كالصاعقة على رأس جعفر فهدت كل قواه وأفقدته الرشد والوعي فهرع ~~نحو الجلاد جاثيا متمتما هذه الكلمات: ما انتظارك إذن؟ لماذا أعيش بعدها؟ عجل ~~لتريحني من هذه الحياة. ms075 # هكذا سلم نفسه لجلاده، وعلى هذه الصورة المفجعة قتل جعفر البرمكي بالغا من ~~عمره ثمانية وثلاثين حجة في عام 187 من الهجرة. # بعد أن أخذ مسرور رأس جعفر قدمه للرشيد على وسادة من الأطلس، فأمر بتعليق تلك ~~الرأس التي أحب صاحبها وصادقه زمنا، على جسر بغداد وأن تحرق بعد ذلك مع الجثة وأن ~~يقتل كل من يتشدق بكرم البرامكة ومروءتهم ومن يرثيهم بعد نكبتهم، أما منصب ~~الوزارة فقد أسند بعد جعفر إلى عدوه اللدود الفضل بن ربيع حاجب قصر الخلافة ~~سابقا. # ومن عجيب ما وقع في ذلك ما رواه العمراني المؤرخ قال حدث فلان قال: «دخلت ~~الديوان، فنظرت في بعض تذاكر النواب فرأيت أربعمائة ألف دينار، ثمن خلعة لجعفر بن ~~يحيى الوزير، ثم دخلت بعد أيام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثمن نفط وبواري لإحراق ~~جثة جعفر بن يحيى فعجبت من ذلك.» # هكذا يريد القدر ومن يستطيع الوصول إلى حكمة ذلك؟ مسكين أنت يا جعفر قد صرت ~~مظهرا لقول القائل: «إن كان يا قلب نصيبك الظلم والعسف في هذه الحياة، فقد تنالهما ~~من الأصدقاء قبل الأعداء.» # | الفصل الثامن # على أثر هذه الجناية قام الرشيد ومعه مسرور إلى قصر أخته العباسة، وكانت في ~~الطابق الأسفل لم تدلف إلى فراشها بعد، تعد معدات السفر إلى خراسان في اليوم ~~التالي، ولقد دهش أهل القصر من حضور الخليفة فجأة بعد نصف الليل فهرعوا إلى العباسة ~~مذعورين يختلج الخوف في أفئدتهم يخطرونها بالأمر. # وقد اقتربت وصيفتها التي لم تفارقها طول الحياة ترجوها النزول من الشرفة إلى ~~الحديقة فالهروب عن طريق الدجلة إلا أن العباسة اكتفت بأن تقول: بنات هاشم لا يعرفن ~~سبيلا للهروب. # قالت كلمتها تلك وقامت من فورها لتستقبل أخاها وتلاقت معه في أول ممشى القصر، ~~فسلمت عليه باحترام إلا أن الرشيد لم يجاوبها بل ظل يسير ساكنا حتى الغرفة التي ~~اعتاد أن يجالسها فيها. # وبعد أن جلس على مقعد قال لأخته: أوصدي الباب. # أوصدت العباسة باب الغرفة وعادت هادئة ساكنة، وكان الرشيد ينظر ms076 إلى وجه أخته ~~مدهوشا وقال لها: أتعلمين سبب مجيئي إليك الليلة؟ إن كنت جاهلة ذلك فها أنا مخبرك، ~~جئت لأسمع من فمك مخالفتك لي وخيانتك لبني هاشم، ما أنت بعد الآن أختي، قولي ما ~~تريدين أن تقوليه قبل أن تفارقي الحياة. # فأجابته العباسة بهدوء بال: لم أرتكب أولا ما يشين بسمعة بني هاشم، ولم أخالف ~~ثانيا أمرك، ولا أهاب الموت كما تعلم، إنني أنا وأنت من أسرة واحدة رغم إنكارك، ~~ولكنني لم أفهم ما تريد أن تقوله، فهل لك أن تفصح يا أمير المؤمنين؟ ~~- لقد فات أوان التزييف، اعترفي ليتم كل شيء فإني عالم بالأمر وقد سمعت قصة جعفر ~~ولا أستطيع أن أصفح عن مخالفتك لأمري واختلاطك بجعفر، ذلك المملوك الفارسي ولا يمكن ~~أن أنسى تلاقيكما معا، إنني نافر منك فيجب أن تموتي. # بهتت العباسة ووقفت جامدة وسط الغرفة لا تبدي ولا تعيد ولا تستطيع أن ترفع عينيها ~~من وجه أخيها المتقد بنيران الغيظ والغضب، فصاح الرشيد يقول: تكلمي إنني منتظر ~~لجوابك. # فأجابته بصوت متهدج كأنما كانت تصحو من كابوس مريع: إنني حليلة جعفر أحببته ~~واعتمدت عليه، وما أحللته من نفسي هذا المقام إلا لأجلك، ولما فيه من مزايا ومواهب، ~~فإذا كان ذلك حراما فلتقض على حياتي، إنني بين يديك وإنني أخطرك بأمر فيه صالحك ~~ونفعك، لا تقتل ذلك الذي تقول إنه مملوك فارسي، ذلك الذي صير بغداد والدولة على ~~نحو ما ترى ورفع من شأن البلاد، # 1 # إنك إن فعلت ذلك يذكرك التاريخ ظالما معتسفا ويذكر أيامك بالعار، إن ~~كنت تريد ضحية فها أنا ذا، سكن ثائرة غضبك بالقضاء على حياتي، ولكن أنا ما ~~خالفت لك أمرا، إذا كان احترام عقد أمضيته أنت بيدك يعد خيانة فاتهمني، ~~تذكر المولى واخش الآخر، إن العدل الإلهي سيذكرك بموقفك هذا. # ففزع الرشيد من مكانه حانقا وعيناه تتقدان بنيران الغيظ وهجم عليها يقول: قد ~~جاوزت الحد، ألمثلي هذا القول؟! رباه لا أستطيع احتمالا، أنت مجرمة فيجب أن ~~تموتي، كنت قد قيدت العقد بشرط ms077 أنت الآن تتجاهلينه. ~~- كلا، لم أنسه، ولكن هل هو شرط مشروع؟ أيجوز أمثال هذه الحيل في ديننا الحنيف؟ ~~لم أرتكب أمرا يخالف الشرع وإنما أنت الذي تريد أن تحرم ما أحله الله، ألا اتق ~~الله في نفسك يا هارون، أين إيمانك؟ ألم ننشأ معا؟ ألم نعطف على بعضنا منذ الصغر، ~~إن قتلتني أذهب ضحية على مذبح غرورك، أما جعفر فأنت تعلم شهامته ومزاياه حق ~~العلم، ولن تجد من يسد فراغه، فإن كنت مصمما على ضحية فها أنا ذا بين يديك، أنزل ~~سوط غضبك على بريء واحد ولا تلوث يديك بجريمتين. # لم يتمالك الرشيد نفسه عند سماعه الجملة الأخيرة فصاح مزمجرا: أدفاعا عنه ~~أمامي، ستموتون أنتم الثلاثة: أنت وهو وحسن، أنا الخليفة لا مرد لأمري. # فحرك اسم «حسن» عواطف الأمومة في نفسها فارتمت عند قدمي أخيها تصيح: بربك اصفح ~~ولا تقتل طفلا بريئا معصوما يا أمير المؤمنين، إنك والد فاتق الله، أنا لا أطلب ~~الصفح من أخي إنما أرجو الغفران من الخليفة هارون الرشيد. # كانت العباسة تبكي بكاء مرا، هي لم تفقد حرارتها حتى تلك اللحظة، ولكنها أضاعت ~~كل شيء وأظلمت الدنيا في عينيها وأصبحت يائسة مفككة الأوصال عندما ذكر مقتل ~~ابنها. # لم يعبأ الرشيد بتوسلاتها ولم يحركه بكاؤها بل قال: كل هذا لا يجدي، قد قلت كلمتي ~~الأخيرة. # ونادى مسرورا بعد ذلك ففهمت العباسة قصده فاعتدلت ووقفت شامخة برأسها تستشهد ~~وتستغفر. # دخل مسرور وانحنى أمامها، ولكنها لم تحفل به ولم تتنازل إلى رد السلام، وإنما ~~حولت وجهها إلى الكعبة، مقر ابنها الحسن وقد كانت تظنه على قيد الحياة، تدعو ~~المولى أن يكلأه بعين عنايته، وتحولت بعد ذلك نحو قصر جعفر، وفي لحظة أطار مسرور ~~رأسها بضربة واحدة من سيفه فوقع على الأرض متدحرجا حتى أقدام الرشيد. # تلكما العينان الجميلتان كانتا تنظران إلى الرشيد تفكرانه بقضاء الآخرة عندما ~~ينصب ميزان الأعمال، فارتعشت روحه داخل جسده وقام من فوره يأمر مسرورا بأن يعجل ~~فيما ندبه إليه، فوفد الغرفة عشرة رجال حفروا وسطها ms078 حفرة واروا فيها الجثة وبعد ~~إتمام العملية أمر الرشيد بقتلهم وبأن ترمى أجسادهم في الدجلة. # عندما تمت الفاجعة وخرج الرشيد من غرفة ~~ضحيته كان لمعان الصبح قد بدا وكانت أضواء الصباح الوافدة إلى الغرفة من حديقة ~~القصر تنير هذا المرقد الأبدي بهدوء وجلال. # انقضى عمل الرشيد والتأمت جراح غروره فأدار أكرة الباب استعدادا للخروج، ولكن ما ~~كاد يفعل ذلك حتى ارتد قليلا من تأثير أنوار الصباح، هجم الضوء إلى الغرفة من ~~خلال الباب وملأت أرجاءها أشعة الشمس الآخذة في البزوغ مارة في طريقها إلى الغرفة ~~بالورود والزهور وخمائل القرنفل والياسمين فتصنع من ألوانها وروائحها الزكية باقة ~~معنوية تضعها باحترام إجلال فوق مضجع العباسة. # العباسة للرشيد: لا تلوث يديك بجريمتين. # كانت الطبيعة رغم إشراقها كئيبة مطرقة، هادئة يكسوها جلال الموت كأنما هي أيضا ~~تبكي العباسة وقد كانت زهرة من زهراتها. # لو وقع مثل هذا الغرور في أوائل الإسلام لدهشنا ووقعنا في مهاوي الحيرة، غير أن ~~حدوث هذا العسف في القرن الثاني من الهجرة في ذلك الدور العظيم يأخذ بيدنا إلى ~~مناهج التفكير العميق، إنني لأتحاشى تدقيق ومحاكمة هذه الفاجعة المؤلمة التي سودت ~~صحائف الرشيد، فالزمان قد قاضاه. # إن هارون الرشيد، رغم صفاته وفضائله، رغم مزاياه ومناقبه قاتل سفك دماء جعفر ~~ولم يقدره حق قدره. # قد لوث يديه بدماء بريئين فلا جوده ولا كرم طباعه ولا شهرته ولا استفحال نفوذه ~~تشفع له أو تزيل أثر الدماء من يده. # عندما نقرأ تاريخ حياته تثور نفوسنا وتتمرد، إنا نعلم أن مقابلة الإحسان بالإساءة ~~كانت من صفات الأقدمين، لا سيما أيام حكومتي روما واليونان، ولكننا قد نعذرهم ~~ونتشبث في إيجاد المبررات لهم؛ لأنهم كانوا محرومين من نور العدالة الإسلامية، أما ~~الرشيد فمسلم ومن بني هاشم، فكان لزاما عليه أن يتحلى بالمروءة، ولكنه أبى إلا أن ~~يظهر بمظهر المستبد المغرور. # وإنني كامرأة رأيت من واجبي أن أنقل سيرة الرشيد المعروفة كثيرا وتاريخ حياة ~~جعفر المعروف قليلا وحياة العباسة المحاطة بالغموض والإبهام على هذا الوجه ~~البسيط. # | الملكة ms079 عصمة الدين شجرة الدر # | الفصل الأول # الزمن مقياس الحياة، ولولا الحياة لما كان الزمن، ولما كان للأشياء بدايات ~~ونهايات. # ونهاية كل أمر بداية أمر آخر، فإذا اضمحلت أمة من الأمم وامحى من صحيفة البقاء ~~كيانها نشأت على أطلالها أمة أخرى وكيان آخر، فكلمة «الزمان» من مخترعات الإنسان، ~~وضعها ليقيس بها الحياة، وليعبر بها عن سلسلة من الوقائع والحوادث والشئون، طويلة ~~الأمد مختلفة الحلقات، فلهذه الكلمة مدلول وليس لها وجود. # وحياة كل امرئ زمان قائم بنفسه ونهاية زمنه بداية لحياة أخرى. # هاكم شجرة الدر التي نقص اليوم سيرتها الغريبة؛ فقد كان بدء حكمها نهاية زمن ~~جليل وعصر عظيم، أجل، فهي بدأت حكمها عندما أفل نجم حكومة الأيوبيين العظام، ~~وقد كان انبثاق هذا النور فوق أطلال الحكومة الأيوبية أول نجمة من نجوم الأمل في ~~سماء دولة المماليك، لقد أنارت تلك الشرارة عصرها، فكانت شجرة الدر حلقة الاتصال ~~بين الأيوبيين والمماليك وتمكنت بمهارتها من إظهار شخصية ذات رونق وجلال. # مصائب قوم عند قوم فوائد، كانت شجرة الدر ناصية مؤثرة بين مخدرات الإسلام، فهي ~~فتاة تركية عالية القدر، جميلة الصورة جذابة الملامح، ذات فراسة وتدبير، على علم ~~واسع ومعرفة تامة، لها عزيمة ماضية وجأش ثابت، فاشتهر أمرها وطار صيتها في أقاصي ~~البلاد والأمصار. # وإذا استثنينا بلاد الهند، فهي المرأة الأولى في الإسلام التي تقلدت الملك ~~وأدارت دفة الحكم بمهارة ودراية، لم يكن من المألوف المعهود في بلاد الشرق أن تحكم ~~المرأة وتتولى زمام بلادها بنفسها مباشرة؛ ولذلك كثيرا ما قرأت قصة حياتها مشفوعة ~~بالاستغراب بين طيات بعض الرسائل والمخطوطات، والدهشة التي تملكت قلوب كاتبيها من ~~أن امرأة تتوصل إلى الحكم بلقب الملكة عصمة الدين. # إن وصولها إلى أمر كهذا غير مألوف من أبناء قومها دليل فطنة ودراية وذكاء فائق ~~الحد، أجل، فمن من النساء المسلمات توصلت إلى ضرب النقود وقراءة الخطب على المنابر ~~باسمها؟ # كانت في أول أمرها جارية ظريفة يحبها الصالح نجم الدين الملك السابع في حكومة ~~الأيوبيين، فولدت له غلاما سمي خليلا، ms080 وتزوجها بعد ذلك وأشركها في الحكم، كان ~~الملك الصالح يجلها ويخصها بالاحترام ولقد أظهرت قدرة خارقة للعادة في إدارة ~~الأمور، أدهشت معاصريها. # شاركت شجرة الدر زوجها في إدارة الحكم منذ كان وليا للعهد، يحكم دمشق من قبل ~~أبيه «الكامل» فأمدته برأيها وأعانته بفكرها وكانت الزوجة الصالحة، شريكة العمر ~~وصديقة الحياة، فبدأ يشعر بقيمة هذه المعونة الأدبية ويقدرها حق قدرها ويسر بها. # 1 # دار الزمان دورته ومات «الكامل» فاضطر الملك «الصالح» إلى العودة إلى مصر، مقر ~~العرش والحكم، تاركا وراءه ذكريات لذيذة من أيام الهناء بين رياض دمشق وحدائقها ~~الغناء، هنا بدأت متاعبه وجهوده؛ فقد كثرت الفتن واشتدت الغارات في أول توليه ~~الحكم، فكان لا ينتهي من قمع فتنة حتى يرى نفسه أمام غارة خارجية تهدد كيان البلاد ~~فيعمد إلى صدها وكبح جماح الذين يريدون بمصر شرا، ولا يكاد يدفع ضررها حتى يسمع ~~باندلاع لهيب فتنة أخرى في قلب البلاد فيسرع نحوها، كل هذه المشاغل والمتاعب ~~صيرته قيد جواده لا يفارق صهوته ليل نهار. # كانت فتنة الشام أشدها مراسا وأذكاها نارا فحشد جنوده وطار إلى مكان الفتنة ~~على رأس جيشه، وبعد أن كابد المرائر في سبيل قمعها انتصر على العاصين وتمكن من ~~الضرب على أيديهم وتأديبهم، ولكن لم يتيسر له أن يجني ثمرة النصر وأن يهنأ بسعادة ~~الفوز؛ لأنه أصيب بداء عضال أقعده في فراشه شهورا طويلة. # كان يتوق إلى رؤية وطنه مصر ويذوب شوقا وحنينا إلى نيل بلاده العذب، فيقعده ~~الرغبة في إنجاز ما ندب نفسه إليه من القضاء على الفتنة واجتثاثها من أصولها وعدم ~~القيام من دمشق قبل تمام الشفاء، وبينما هو يتململ على فراش الأوجاع والأوصاب، بين ~~لذيذ الأماني والآمال، إذا برسالة من زوجته شجرة الدر التي كانت تحكم البلاد أثناء ~~غيابه، تخبره فيها بقيام الصليبيين من قبرص متوجهين إلى مصر، فقام من فوره ~~محمولا على هودج حتى وصل المنصورة في بضعة أيام قاسى أثناءها أشد المتاعب ~~والآلام. # | الفصل الثاني # عام 648 من الهجرة # أصيب لويس التاسع ملك ms081 فرنسا بمرض عجيب، أعجز نطس الأطباء ومهرة الحكماء في ~~بلاده، فصرفوا كل مجهوداتهم الفنية وأعملوا كل ما استطاعوا من حذق وفكرة في سبيل ~~الوصول إلى تشخيص المرض، ولكن ذهبت أتعابهم وجهودهم أدراج الرياح، لم يتمكنوا من ~~تخفيف آلامه وأوصابه فوقعت فرنسا في مهاوي اليأس وارتبكت لا تدري سبيلا إلى نجاة ~~الملك مما وقع فيه، إلى أن خطر ذات يوم ببال «بلانش دوكاستيل» أم الملك و«مرغريت دو ~~بروفانس» زوجته أن يجمعا كبار القسس ورجال الدين ليعقدوا مجلسا للمشاورة فيما ~~بينهم، فقرروا أن توقد الشموع في كل بيت وأن تقام الصلوات في الكنائس على الدوام، ~~وسرعان ما أقبل الكبراء والأمراء على تنفيذ الفكرة، قدوة لمن دونهم من العامة، ولم ~~تمض فترة من الزمن حتى كان الجميع ناسجين على ذلك المنوال من إيقاد الشموع ~~والابتهال في الكنائس بالدعوات، ولكن ظل الملك رغم تلك الوسائل أسير الفراش، يعاني ~~آلام مرضه الوبيل ودائه العضال، لم تجد الشموع نفعا ولم تنفع دعوات القسس ~~وابتهالات الشعب في رد القوة والحياة إلى ذلك اللسان المشلول والجسم المفلوج، ~~فاستمر على حالته من الوهن والجمود كأنه صنم ملقى تحت اللحف والأردية. # اشتد قلق الشعب ودب اليأس في قلوب القسس، فكنت تراهم في أسواق المدينة ~~وشوارعها يقطعونها طولا وعرضا بمسابحهم الطويلة وثيابهم الكهنوتية، وقد أيقنوا ~~بأن شفاء مليكهم من رابع المستحيلات، لقد بدءوا يشعرون أن الملك مقضي عليه ~~بالهلاك وأن الموت على قاب قوسين منه أو أدنى بعد أن جربوا كل تعاويذهم وأدعيتهم ~~فذهبت أدراج الرياح، لقد يئس الكل إلا الملك فقد بقيت في صدره بقية من نور الأمل ~~تخفف من لوعته، كان لا يستطيع أن يأتي بأدنى حركة أو يحرك لسانه بكلمة ولكن قواه ~~العقلية ما زالت كما هي، فجعل يتوسل إلى ربه بطلب الشفاء ويغالب المرض بقوة إرادته، ~~معاهدا ربه بنذر جعله رهن شفائه وقيد تخلصه من أسر بلواه، فقد أنذر ويا لهول ما ~~أنذر! أنذر أن ينقذ بيت المقدس من المسلمين ويخلص تلك الأماكن الطاهرة من أيديهم ~~القذرة ms082 إن تم له الشفاء وكتب له ربه العافية والحياة، الأمل حياة واليأس موت، فقد ~~دب دبيب الحياة في تلك النفس الحائرة الحائمة حول الأمل، وأصبح الملك عقب ~~ابتهالاته النفسية يتماثل نحو الشفاء شيئا فشيئا موقنا أن نذره الغريب كان سببا ~~في شفائه، زاعما أن المولى لم يمن عليه بالشفاء إلا لعزمه على تطهير بيت المقدس ~~من أيدي المسلمين الملوثة، ولقد صادفت هذه العقيدة الفاسدة هوى في نفس المسيحيين ~~في زمن كان فيه بيت المقدس محفوفا بعناية المسلمين ورعايتهم أكثر من أي وقت آخر؛ # 1 # لأن المسلمين وقتئذ كانوا أشد تمسكا بالدين، هذا إلى أنه بيت محجوج ~~من جميع طوائف الشرق مرموق بعين التجلة والاحترام من الجميع، لبلاد المشرق ~~مزية لا يمكن إنكارها مع ما لها من مثالب ومساوئ، تلك المزية هي احترام الشرقيين ~~للمعابد وتقديسهم الأماكن المقدسة، هذه حقيقة لا يمكن نكرانها، فاحترام الشرقي لكل ~~مكان مقدس # 2 # غريزة كامنة في نفسه ورثها عن آبائه وأجداده جيلا بعد جيل. # بيت المقدس. # اليهود في بيت المقدس. # كان البيت المقدس - وما زال إلى يومنا هذا - مسجدا محجوجا من كافة أقطار ~~العالم الإسلامي، يزورونه ويقدسونه ويقيمون فيه شعائر الله ويحافظون على ما فيه من ~~الآثار والتحف محافظتهم على أعز الأشياء وأحبها لديهم، تلك الأيدي الملوثة حسب ~~زعمهم السخيف وقياسهم الباطل طالما رفعت ما تهدم من أركانه وأصلحت ما تصدع من ~~بنيانه فأعادت له الجدة زمنا بعد زمن وجيلا بعد جيل؛ ليكون لسانا ناطقا ~~وشاهدا عادلا على احترام المسلمين عامة لمسجدهم الأقصى، أما فكرة التخريب فلم ~~تخطر على بال أمير مسلم مهما تناهى في الظلم واشتد في الجبروت والعسف، أيجوز إذن - ~~والحال على ما فصلناه - تضحية المئات والألوف على ~~مذبح التعصب؟! # لقد أزهقوا في حرب مقدسة واحدة ما ينيف عن سبعين ألفا من المسلمين الآمنين في ~~ديارهم، فأصابوا من أعراضهم ومثلوا بأجسادهم حتى بلغت بهم الفظاعة إلى حد استخراج ~~مرائر القلوب ووضعها في القوارير ليستصحبوها إلى بلادهم كأدوية ناجعة لبعض الأمراض ~~حسب زعمهم الباطل. ms083 # لقد أمرهم الإنجيل بالرحمة والشفقة وأن يدير المرء خده الأيسر لمن يصفعه على خده ~~الأيمن، فهل صدعوا بأمره؟ وهل المسيح هو الذي أوحى إليهم بإثارة تلك الحروب ~~الشنيعة؟ أيرضى منقذ الإنسانية والآمر بالإحسان والحنان أن يموت الألوف من أهل ~~الهلال في سبيل غرور حملة الصلبان! # أما وقد أبل لويس التاسع من مرضه فأرسل إلى البابا يعرض عليه عزمه على تنفيذ ~~نذره وأنه مستعد لتجهيز المعدات لذلك، وما كاد يصله الإذن حتى أعد الحملة الصليبية ~~السابعة وقوامها خمسون ألفا من الجنود ومئتا قطعة من السفن، ولما تم له ما أراد ~~أبحرت سفنه بتلك العدة وذلك العدد ووجهتها جزيرة قبرص. ~~••• # يرى القارئ من خلال ما شرحناه أن الصليب ينافس الهلال منذ زمن بعيد، ولقد أصبحت ~~من القواعد المقررة لديهم أن الصليب قد يتسيطر في كل مكان ينير فوقه الهلال، أما ~~الهلال فلا يجب أن يضيء فوق مكان يحكم فيه الصليب؛ لأن الصليب لا يريد أن يرى ~~رقيبا له؛ ولأن الخفافيش يعميها ضوء الهلال، إن الزور والبهتان لا يدوم لهما سلطان ~~ولا يغطيان على الحق أو يمنعان نوره، أما القوة فقد تضغط على أنفاسه فحسب. # الشرق أكثر حلما وأكرم وفادة وأشد تسامحا من الغرب من كل الوجوه. # لقد عاهد ملك فرنسا ربه أن يهاجم الصليب في وقت نأسف اليوم على مثله، لم تكن إذ ~~ذاك ثمت قوة تستطيع أن تصد عصبيتنا الإسلامية أو تقف في وجه وحدتنا الدينية، لقد ~~فشلت كل محالفة عقدتها أوروبا ضدنا وذهبت مساعيهم التي بذلوها في سبيل تشتيت ~~شملنا أدراج الرياح؛ إذ كانت تربطنا ببعض - نحن أهل التوحيد - عروة وثقى برباط ~~معنوي واحد كنا نصد كل قوة بقوة أشد منها هي قوة الاتحاد، فكانت كل صدمة منهم تتكسر ~~وتتبعثر كقطع الزجاج فوق سور منيع هو سور عقيدتنا. ~~••• # أقام لويس التاسع أمه على منصة الحكم بدله وسافر إلى قبرص في بضعة أسابيع ~~ومعه أقاربه وزوجته ووصلوها في موسم الشتاء ولبثوا فيها حتى انقضائه، وكان فرسان ~~الجزيرة قد أخذوا في تعذيب ms084 من عثروا عليهم من أسرى المسلمين بأنواع العذاب وألوان ~~الضيق، وكانوا يكرهونهم على قبول النصرانية بأمر وكيل البابا فيخلي سبيل من ~~يقبلها حذر الموت وتقطع أوصال الذين يرفضون تغيير عقيدتهم. # وقع أكثر هؤلاء الأسرى المساكين في أيدي الفرسان من طريق القرصنة وقاسوا عسفا ~~شديدا وظلما مريرا طول مدة الشتاء حتى إنهم لم يتركوا نوعا من أنواع التعذيب ~~المعروفة في القرون الوسطى دون تجربتها عليهم، وبعد أن أقام لويس وحاشيته على مثل ~~هذا التشفي وإزهاق الأنفس البشرية خلال ستة أشهر قام بجنوده، مشرعا بسفنه، نحو ~~مصر ووجهتهم بيت المقدس لتطهيرها من أيدي المسلمين. # | الفصل الثالث # وصل الملك الصالح مدينة المنصورة، مضنى الجسم، مريضا منهوك القوى فلزم توا ~~فراش المرض، كان يتألم من دمامل فوق ركبته ومن نزلة صدرية وفدت إليه أثناء الطريق، # 1 # وكانت حرارة الجسم والسعال الطويل ينذرانه بخطر السل، فيئس من حاله ~~ووقع في وهدة الاضطراب؛ إذ كان لا يستطيع الإشراف بنفسه على تعبئة الجيش وما ~~يلزمه من المعدات، ومع ذلك فلم يأل جهده في إصدار الأوامر المتتالية والخطط ~~الحربية لتحصين دمياط وإعدادها للكفاح والدفاع. # لقد أتم تحصين «دمياط» كما يجب وجهزها بذخائر ومؤنة تكفي حاميتها شهورا عديدة ثم ~~شرع بعد ذلك في إعداد الأساطيل من القاهرة وحشد الجنود المصرية عند الساحل الغربي ~~من دمياط تحت قيادة أمراء مصر ووجه القيادة العليا إلى الأمير فخر الدين يوسف. # 2 ~~••• # وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر صفر عام 648 هجرية حاصر الأسطول الفرنسي ثغر ~~دمياط، ثم طلب الملك لويس - جريا على عادة ~~الصليبيين - تسليم الثغر من حاميته، وعندما رأى علامات المقاومة وجه خطاب تهديد ~~إلى الملك الصالح، نجم الدين الأيوبي قال فيه: # إنك لتعلم أنني حامي ذمار المسيحية كما أنك ولي أمر المسلمين، ولقد ~~سمعت بلا ريب أن مسلمي الأندلس قد أصبحوا اليوم أيضا في قبضة يدنا، ~~مستظلين برايتنا وهم يهرعون إلينا من حين لآخر زرافات ووحدانا يقدمون ~~إلينا أموالهم وما ملكت أنفسهم رغبة في رضانا فنسوقهم كالأغنام، نقتل ~~ذكورهم ونترك ms085 نساءهم أيامى نسبي أولادهم وبناتهم ونصير ديارهم خرابا ~~بلقعا، فاعلم ذلك إن كنت تجهله، ونصيحتي إليك أنني سأحاربك وأقاتلك مهما ~~بذلت لي من وسائل القرب، إنني مهاجمك حتى لو أقسمت يمين النصرانية ~~وارتديت ثياب القسس وحملت الشموع أمامي، إما أن أفوز عليك فأجعل بلادك ~~تحت قبضتي وإما إنك تغلبني على أمري، ها أنا ذا مخبرك فلا تنس إن جنودي ~~كثيرة ورجالي لا يحصى لهم عدد، يملئون الوديان والجبال وينافسون الحصى ~~كثرة وعددا، سوف لا يغمد هؤلاء الرجال سيوفهم بل سيهرعون نحوك لهلاكك ~~وبوارك. # لم ينته الملك الصالح من تلاوة الخطاب حتى بدت على وجهه علامات التأثر وطفرت ~~دموع الألم من عينه، ثم ناوله بعد ذلك إلى القاضي بهاء الدين الزهراوي الجالس عن ~~يمينه ليقرأه، وبعد التشاور فيما بينهما وبين رجال المعسكر أرسل الرد التالي: # بعد البسملة والحمدلة أخذت كتابك، وإنك لتفخر علي بكثرة جنودك ~~وتهددني بما لك من عدة وقوة، ألا فلتعلم أننا رجال سيف لا نخشى ~~أمرا في سبيل كلمة الله، فمن مات منا شهيدا قام مكانه مؤمن آخر، ومن ~~قصدنا بسوء فإنما هو وارد إلى حتفه بظلفه، ألا تبصر عيناك المغرورتان ~~حدة سيوفنا وعظمة أبطالنا؟ أتعمى عن رؤية القلاع والسواحل التي فتحناها؟ ~~وديار الأعادي التي أبدناها؟ لو تمعنت في أمرك لظهر لك سخف رأيك وتكليف ~~نفسك مشقة لا طائل تحتها ولا مطمع من ورائها، لو ترويت وتبصرت لعلمت ~~أي منقلب ينقلب الظالمون؟ قال الله في كتابه العزيز: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين ~~. # قرأ لويس التاسع هذه الأسطر النارية فجمع رجاله في الحال وشاورهم في الأمر، وما ~~كادوا يشيرون عليه بنزول الجنود إلى البر حتى وطئت جنوده أرض مصر وأمامهم وكيل ~~البابا يحمل صليبا كبيرا، ومن ورائه لويس التاسع يخفق اللواء المقدس فوقه وفوق ~~عائلته ومن خلفهم الحاشية والجنود. ~~••• # بدأت الحرب مساء اليوم العشرين من شهر صفر واشتدت هجمات السفن الإسلامية على ~~الأسطول الفرنسي شدة كادت تؤدي إلى فشل الصليبيين، وفي تلك ms086 الساعة الرهيبة التي كان ~~المسلمون فيها يقاومون أهل الصليب بصدورهم ويتلقون هجمات العدو بثبات وعزيمة ~~صادقة، تراجع قائد المسلمين الأمير فخر الدين بلا سبب وأخذ يولي الأدبار، وما ~~كادت الجنود الإسلامية تشعر بفرار قائدها حتى تولاهم الاضطراب ولاذوا أيضا بالفرار ~~أسوة بقائدهم، فساد الهرج والمرج بين صفوفهم واختلط حابلهم بنابلهم مسرعين ~~مجدين في الهروب بكل ما فيهم من قوة حتى وصلوا «أشمون»، أما الأهالي فقد ~~ذعروا لهذه الحالة فحملوا ما وصل أيديهم من مال ومتاع متعقبين أثر الجيش ولم ~~يرتفع ستار الليل عن دمياط حتى كانت خاوية على عروشها، ليس فيها إنسان من سكانها، ~~أما الصليبيون الذين لم يروا أمامهم مهاجما أو مدافعا اشتبهوا في الأمر وخيل ~~إليهم أن هناك دسيسة مدبرة من المسلمين لإيقاعهم في فخ منصوب، فاقتربوا من المدينة ~~وجلين، حذرين يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى وعندما شعروا بخلوها تقدموا نحوها ~~متجاسرين ودخلوها دخول الظافرين الغانمين. # ما أشد دهشتهم أمام ذلكم اللغز! لقد ترك الجيش المذعور كل سلاحه وخلف الأهالي ~~أقواتهم وأرزاقهم التي ادخروها لستة أشهر، لم يبق في المدينة إنسان واحد ولكنها ~~كانت مملوءة بالذخيرة والسلاح، فما هذا التناقض! لقد غنم الصليبيون وأحرزوا الفوز ~~ودخل صليبيو القرن السابع مدينة دمياط دخول الظافر كما دخل صليبيو القرن العشرين ~~مدينة «قرق كليسا»، # 3 # أيخاف أهل الهلال من الصليب؟ القلوب الطافحة بالإيمان ليس فيها متسع ~~للخوف. # التاريخ يعيد نفسه؟ ما كاد الصليبيون يستولون على دمياط حتى حولوا جوامعها إلى ~~كنائس واستتبوا في ربوعها آمنين مطمئنين وقد تملكوا أحكم القلاع المصرية في زمن ~~وجيز وفي فرصة غريبة ما كانوا يحلمون بها، وها هي القاهرة قد أصبحت قيد ذراع منهم ~~يحملون عليها متى شاءوا، أسقط في يد الملك الصالح وفت في عضده، اشتد يأسه ~~وزادت آلامه وأوجاعه، لكنه هب في الحال مدفوعا بعزيمة صادقة ووقف أمام الجيش ~~الفار يصد تياره إلى أن تمكن من ذلك. # ولما استتب له الأمر جمع أمراء الجنود الهاربة وأمر بإعدامهم في الحال، حتى إنه ~~صلب في ساعة واحدة ms087 خمسين من «سناجق» الجيش. # 4 # لقد وسم الأمير فخر الدين بقراره وتقهقره هذا جيوش المسلمين بوصمة العار، ~~وأضاع على المسلمين أقواتا كثيرة وأموالا جمة ونفوسا زكية، وقد وجه الملك ~~الصالح همته بعد ذلك إلى تحصين المنصورة وما بجوارها من القرى والدساكر ولكنه لم ~~ينس ضياع دمياط، فكان لا يكل عن تجزية الذين تسببوا في الهزيمة كان يبذل دموع ~~القلب أسى وحزنا كلما اختلجت في نفسه حادثة تلك الخيانة، ثم تمرد أتباع ~~الأمراء الذين نالهم العقاب وحاولوا العصيان والوقوف في وجهه، إلا أن الأمير فخر ~~الدين تمكن من إسكاتهم وإقناعهم موضحا لهم مرض الملك الصالح وقرب دنو الأجل من ~~أمير البلاد، كان الأمير فخر الدين مستحقا للعقاب والجزاء؛ إذ كان أس البلاء ~~في حادثة الانهزام، ولكنه تملص من العقاب بسهولة ولم يصبه أذى ... لم يشتبك ~~الفريقان عقب سقوط دمياط في معارك حاسمة، بل كان الحرب بينهما سجالا، يتصادمان في ~~مواقع صغيرة، وكان عدد الأسرى من الصليبيين يتزايد ويتكاثر يوما بعد يوم، وكان ~~كلما تجمع نفر منهم أرسلوهم إلى القاهرة وبدأ المسلمون يستردون قواهم ويجمعون ~~شتاتهم شيئا فشيئا وقد أحرزوا فوزا في بعض المعارك، فقوي فيهم الأمل ودب في ~~نفوسهم النشاط إلى الاستعداد لمعركة حاسمة يطحنون فيها جيوش أعدائهم وهم على مثل ~~هذا الحال من الأمل والثقة، وإذا بالملك الصالح تشتد عليه وطأة المرض في ليلة الأحد ~~من اليوم الرابع عشر من شهر شعبان، وما أشرقت الشمس في اليوم التالي على حقول ~~المنصورة التي تزين ضفتي النيل حتى كانت روح الملك بعيدة عن هذا العالم الفاني، ~~بالغا من العمر أربعين عاما، لقد كتموا خبر موته؛ حذر القلاقل وخشية اضطراب الجيش ~~فنقلوا جثته سرا في تابوت من المنصورة إلى قصر المنيل، حيث كانت تسكن شجرة الدر ~~ودفن في قلعة الروضة، لم يعلم نبأ الوفاة سوى شجرة الدر وبضعة أفراد من المقربين ~~المخلصين؛ إذ كانت الأميرة تخاف من إثارة الفتن والقلاقل، فأرسلت إلى رئيس الأغوات ~~وإلى قائد الجيوش فخر الدين تطلبهما وأخبرتهما بما وقع ms088 وسردت لهما الأسباب التي ~~حدت بها إلى كتمان الأمر، فاستصوبا رأيها وأقراها على ما فعلت، ثم قرر ~~الثلاثة في تلك الجلسة أن يرسلوا «آق طاي» أحد أمراء الجيش إلى الملك المعظم توران ~~شاه ابن الملك الصالح وولي عهد السلطنة المقيم في «حصن كيفا» لإحضاره في الحال، ~~وبعد أن أتمت الأميرة هذا الأمر أذاعت بعض الأوامر والمنشورات على الشعب وأخذت ~~المواثيق والعهود على رجال الجيش بأن يطيعوا الملك الصالح ويقيموا على عهد الملك ~~المعظم توران شاه بعده، وقد كتبت الأوامر بخط رجل من حاشية البلاط يدعى سهيلا؛ ~~إذ كان خطه شبيها بخط الملك، وكما كان أسلوب الأوامر موافقا لأسلوب الملك نفسه ~~حتى إنه لم يشك أحد في أنها صادرة من الملك، ومن هذه الأوامر أن يقرن اسم ولي العهد ~~«توران شاه» باسم الملك في خطب الجمعة وأن تضرب النقود باسمه، وكانت الأطباء ~~أثناء ذلك تتردد على المنصورة تغريرا بالناس وإيهاما لهم بوجود الملك على قيد ~~الحياة، وكانوا يتكتمون خبر موته ويذيعون عنه أنه في شدة المرض، غير أن الخبر اتصل ~~ببعض الجواسيس فنقله إلى الصليبيين الذين أقامتهم الحادثة وأقعدتهم وجعلتهم ~~يتهيئون لغزوة كبرى. # أعد لويس عدته لمهاجمة المنصورة وتحرك إليها بجميع جيشه، فالتحم الجيشان في ~~معركة خطيرة دامت طويلا، وتلف عدد كبير من الطرفين، وكان ضرر الأعداء أشد وأخطر ~~حيث مات ووقع في الأسر منهم عدد كبير، وقد استشهد قائد المسلمين في هذه المعركة، ~~فظلت الجنود الإسلامية تقاوم مضطربة بلا رأس يحركها، وأيقن المصريون بما يهددهم من ~~الخطر، وشعر مماليك الملك الصالح بالنتيجة المؤلمة التي تنتظرهم إذا استولى ~~الصليبيون على البلاد، فقاموا جميعا قومة رجل واحد للذود عن وطنهم، هؤلاء هم ~~المماليك البحرية، وقد أطلق عليهم هذا الاسم لإقامتهم بالمنيل، فترأس الجيش ~~أحدهم وهو «بايبورس»، فجمع شتات الجيش وحمل على الصليبيين حملة بددت جموعهم ~~وكسرتهم شر كسرة، ففرحت مصر والمنصورة بهذا الفوز المبين وأقيمت الأفراح وازينت ~~الأسواق وتليت الدعوات شكرا للمولى على ما تولاهم من جميل فضله وإحسانه، ثم وصل ~~توران ms089 شاه عقب هذا الانتصار، فأعلن وفاة الملك الصالح وعين ابنه خلفا له، ~~أما شجرة الدر التي تمكنت بمهارتها ودهائها من كتمان الخبر إلى حين حضور ولي العهد ~~وجهت اهتمامها إلى إقامة المآتم حدادا على زوجها تاركة مقاليد الحكم في يد توران ~~شاه. # | الفصل الرابع # ما كاد توران شاه يستلم زمام الحكم حتى بدأ يهاجم الصليبيين أملا في الخوض معهم ~~معركة حاسمة، ولقد بذل كل ما في وسعه لإخراجهم وطردهم من الديار المصرية. # كان معسكر الصليبيين في دمياط، ولكن معظم جنودهم كانت مقيمة عند ضواحي المنصورة ~~وأشمون، فخط توران شاه خطة حربية تؤدي إلى التفاف جيشه حول الصليبيين، وما كادت ~~فكرته تتكلل بالنجاح حتى كان جيش الأعداء محصورا وتحت قبضته. # المحمل المصري، البدعة الحسنة التي سنتها الملكة عصمة الدين ~~«شجرة الدر». # أما الصليبيون الذين حوصروا بجيوش المسلمين من جميع أطرافهم فقد وقفوا في وهاد ~~اليأس وانقطعت الأمداد والذخائر عنهم فباتوا في حيرة من أمرهم، ثم اشتد كربهم ~~عندما انتصر «توران شاه» على بحريتهم في النيل وأغرق نحو خمسين من سفنهم، أصبح ~~الصليبيون وقد انقطعت مواصلاتهم في ضيق واضطراب عظيمين، وكان «توران شاه» يرجو من ~~وراء اضطرابهم هذا أن يقضي عليهم القضاء المبرم في مدة وجيزة، أما الجيوش الإسلامية ~~الذين دبت روح الجرأة بين صفوفهم عقب الانتصارات الباهرة فإنهم حملوا على أعدائهم ~~حملة منكرة، مدفوعين بقوة الإيمان ثملين بخمرة الفوز، فشقوا صفوفهم وانهالوا عليهم ~~يكيلون لهم ألوان الضرب والقتل حتى بددوهم وفرقوا وحدتهم شر ممزق. # دحر الصليبيون ولاذوا بالفرار، مسرعين ~~مهرولين في طريق دمياط، ونسوا وهم مرتبكون مشتتون رفع أحد الجسور الموضوعة على ~~النيل عند مقربة من أشمون، فتعقب المسلمون أثرهم حتى نقطة قريبة من دمياط، حيث وصل ~~لويس وحاشيته إلى تل صغير فصعدوه، وما كاد المسلمون يبدءون في محاصرتهم والالتفاف ~~حول التل الذي اعتصموا به حتى طلب ملك فرنسا الأمان وسلم نفسه مع رجال حاشيته ~~وخمسماية نفر من جنوده. ~~••• # وقد وعد أثناء وقوعه في الأسر بأن يسلم دمياط مقابل أن يترك ms090 المسلمون له بيت ~~المقدس، فلم يعبأ أحد بقوله بل ساقوه إلى المنصورة ووضعوه أسيرا في دار القاضي ~~فخر الدين. # قرر توران شاه بعد ذلك أن يقيم بفارسكور، فجمع رجاله وجنده وذهب بهم جميعا إلى ~~المكان المنتخب لمعسكره، وهناك وجه اهتمامه لتشييد قصر فخم من الخشب على ضفة ~~النيل ورفع بجانبه برجا عاليا جعله لمسكنه وملذاته الشخصية، تلك الملذات التي ~~انغمس في تيارها، ناسيا أمر الصليبيين وشئون الدولة. # كان يستقبل شمس يومه والكأس بيده، وتغرب الغزالة عن حقول فارسكور وهو ثمل ~~مضنى الجسم مفكوك الأوصال من كثرة الانهماك في معاقرة بنت الحان ومنادمة الغلمان، ~~كانت أيام حياته تمضي على هذه الوتيرة لا يعكر صفوها سوى عداوة متأصلة في نفسه ~~نحو المماليك البحريين؛ إذ كان لا يطيق سماعا لنصائحهم وإرشاداتهم، فكان إذا جلس ~~ليلا جمع حوله الغلمان الذين أحضرهم من دمشق؛ لأنه كان لا يستطيع مفارقتهم ساعة ~~واحدة، وأوقد الشموع حولهم فإذا دب دبيب الخمر في النفوس وأخذت تلعب بالرءوس، قام ~~توران شاه من مكانه ممتشقا حسامه، وبدأ في مهاجمة الشموع يحاربها ويكافحها، يقطع ~~رءوسها ويمثل بجسومها، زاعما أنها أعداؤه المماليك البحرية. # بمثل هذه الحالة السيئة بدأ الملك المعظم توران شاه أيام حكمه وسلطنته لاهيا ~~عن الواجبات التي يجب تنفيذها في مثل تلك الأيام العصيبة والأوقات الرهيبة التي ~~يعانيها المسلمون، سائرا على المناهج الوعرة المؤدية إلى إثارة الفتن وتفكيك أوصال ~~البلاد. # كان ملكا مستبدا وحاكما مغرورا وأميرا عديم الوجدان فكرهته الرعية بعد ~~أربعين يوما من توليه الحكم وابتدأت تعيب عليه أعماله وحركاته، أما المماليك ~~البحريون، تلك الكتلة القوية في عنصر الأمة فقد جاهرت علنا بعدوانه وأقسمت ~~بالانتقام وأخذ الثأر عقب حادثة الشموع. # لم يبق إنسان في مصر يرعاه ويعمل لصالحه، فقد كسر القلوب وصدع النفوس وأمضى بيده ~~حكم إعدامه، وبينما كانت شجرة الدر في قصرها بالمنيل تقضي أوقات الحياة محفوفة ~~بالعز والإجلال، مرموقة بأنواع الترف وضروب الرفاهة، أرسل إليها توران شاه يطلب ~~منها رد أموال أبيه وأملاكه إليه ويهددها باستعمال القوة والعنف، ms091 فردت عليه تقول ~~إنها صرفت أموال أبيه في الجهاد المقدس إلا أن جوابها لم يرق في نظر توران شاه ~~فغضب غضبا شديدا. # وقابل إجابتها بلهجة عنيفة لا يليق صدورها من رجل لامرأة أبيه، ما كانت شجرة الدر ~~لتنتظر مثل هذه المعاملة وقد حركت هذه الحادثة الحنق والغيظ في تلك النفس ~~العصبية دفعتها إلى تحريك المماليك ضد «توران شاه» في الحال، فلم يتردد هؤلاء في ~~إجابة طلبها السابق لغيظهم منه واستعدادهم إلى مجابهته بالشر والعدوان. # تذكرت شجرة الدر جميل صنعها مع ابن زوجها، وكيف أنها جاهدت في سبيل كتمان خبر ~~الوفاة وكيف دبرت مجيء ولي العهد ومهدت له سبيل الحكم، وكان كلما لجت بها الذكرى ~~اشتد غضبها وازداد هياجها وتمردها نحو من أحسنت إليه فأساء المعاملة وقابل الجميل ~~بالخيانة والنكران. # لو لم تكن شجرة الدر لانفجرت قنابل الثورات في البلاد عقب وفاة الملك الصالح، ~~ولولا تدبيرها ومهارتها لساء الحال والمآل، أيكون جزاء سياستها الحسنة مقابلتها ~~بالعدوان؟! أيصل بها الحال إلى هذا الحد من الامتهان بعد كفاحها وجهادها في سبيل ~~توطيد دعائم العرش لابن زوجها؟! لا لوم عليها بعد اليوم ولا تثريب إذا هي رفعت ~~لواء التمرد والعصيان، فقد اتسعت بينهما شقة الخلاف وأخذ الذين يحتاطون بتوران شاه ~~يعملون على اشتداد الأزمة وينفخون في صدره ما يزيد النار ضراما فيقولون له: «إنما ~~الملك والقوة في يد شجرة الدر، وما أنت سوى قالب للحكم، إنك لضعيف عاجز، لا ~~تستطيع أن تتمتع بالسلطة ما دام منافسوك على قيد الحياة.» # تقع أمثال هذه الكلمات في نفسه وقوع القنابل فيثور ثورة الجنون، مقسما بأغلظ ~~الأيمان على قتل جميع المماليك ولكن: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # لقد قتله المماليك قبل أن يقتلهم، وتمرد عليه أولئك الذين هاجمهم في صور وأشكال ~~من الشموع تحت إمرة «آق طاي» سفير مملكته إلى دمشق، كان توران شاه قد وعد «آق طاي» ~~هذا بأن يوليه محافظا على الإسكندرية، ولكنه أخلف وعده معه فمال إلى الفتنة ms092 ~~والعصيان. # في يوم الإثنين التاسع والعشرين من شهر محرم، تناول توران شاه طعامه مع الأمراء ~~والحاشية في المضرب الخاص كالمعتاد، وبعد أن تركهم ودخل ردهة القصر ليستريح قليلا، ~~هجم عليه أحد المماليك بسيف مشهور فرفع الملك يديه مغطيا وجهه فأصابه المملوك في ~~أصابعه، وما كاد الضارب يرى ذلك حتى اضطربت أعصابه وسقط السيف من يده ولاذ ~~بالفرار . # أغمي على الملك المعظم وتولاه الخوف لأول وهلة، ولكنه سرعان ما تمالك قوته وفكر ~~في أمره فوجد أنه على أبواب الخطر وأنه لا أمان لحياته فيما إذا أقام في القصر، ~~فهرول نحو البرج ليعتصم به ورآه المماليك وهو يصعد قمة البرج فاحتاطوا به إحاطة ~~السوار بالمعصم. # صاح الملك يطلب الأمان، ولكن لم يجد إنسانا يعطف عليه ويشفق على حاله في تلك ~~الأزمة؛ فقد كان الأمراء والمماليك والشعب جميعا يبغضونه ويتمنون له الموت ~~والهلاك، وهو في صياحه وندبه وإذا بالأمير حسام الدين يقترب نحو القصر على رأس ~~كتيبة من فرسان المماليك، ولقد حاول سفير إمارة بغداد أن يمد إليه يد المعونة إذ ~~ذاك فقامت عليه قيامة المماليك واضطروه إلى التزام جانب الحيدة والسكون، هاجت ~~فارسكور وماجت بصنوف المماليك والأمراء وهجم الجميع على القصر يطلبون من توران شاه ~~أن ينزل وإلا أحرقوا عليه البرج، فلم يبق له أمل في الخلاص غير أنه ظل يطلب منهم ~~الأمان والرحمة مستغفرا عن سيئاته وآثامه، إلا أنهم استمروا في إصرارهم وتفثهم ~~إلى أن أشعلوا النار فابتدأ اللهيب يتصاعد إلى عنان السماء، وقبل أن تصل ألسنة ~~النيران إلى توران شاه ألقى بنفسه في النيل فرمت جموع كثيرة بنفسها وراءه وسدد ~~الباقون على الشاطئ سهامهم نحوه وهو يعدو سباحة في الماء. # بدأ يغالب الأمواج وبدأ الناس يقتربون منه وينالون جسمه بأطراف سيوفهم وهو ~~يناديهم بقوله: «دعوني أخرج من مصر، إنني لم أظلمكم إلى هذا الحد فتعذبوني على هذا ~~الوجه.» فلم يسمع له قول لأن حب الانتقام كان قد استولى على النفوس، وكانت جموع ~~كثيرة تطارده في النيل مدفوعة بهذا العامل حتى ms093 وصلوا إليه فقتلوه شر قتلة، فمات ~~الملك المعظم توران شاه، الحلقة الأخيرة في سلسلة الأيوبيين، على هذا الوجه الغريب ~~الذي أثار دهشة المؤرخين؛ محروقا مقتولا مغروقا مذموما من الناس مبغوضا من ~~الرعية بعد أن حكم سبعين يوما. # استأنف الأمير حسام الدين مفاوضات الصلح مع الصليبيين عقب هذه الحادثة وأمضى عقد ~~الصلح، وكان الصليبيون إذ ذاك في حالة سيئة؛ فجيوشهم مشتتة، ودمياط التي تحصنوا بها ~~محاصرة، ونال الطاعون منهم فكان يفتك بجنودهم يوما بعد يوم يسوقهم إلى الخراب ~~والدمار، فقبلوا الصلح وكانت شروطه في مصلحة المسلمين؛ إذ كانت تحتم على أهل الصليب ~~بأن يدفعوا غرامة حربية قدرها أربعمائة ألف دينار. # وفي اليوم الثالث من شهر صفر عام 648 هجرية ترك ملك فرنسا ذلك الذي ساق مسلمي ~~الأندلس كالأغنام، دار القاضي فخر الدين حيث كان سجينا وترك جنوده ثغر دمياط ~~يسحبون أذيال الفشل والعار مبتعدين بسفنهم وفلول كتائبهم عن مصر على أمل العودة ~~لتخليص بيت المقدس ووفاء النذر. أما الأمير حسام فقد أسرع مع جنوده وأمرائه إلى ~~القاهرة، فاستقبلتهم البلاد بمظاهر الفرح والسرور؛ إذ اشتد حماس الشعب على أثر ~~انعقاد الصلح وانكسار الصليبيين، فدخل عاصمة البلاد دخول القائد الظافر وتوجه من ~~وقته إلى قصر النيل، وهناك أقاموا شجرة الدر بإجماع الآراء أميرة لهم تحت عنوان ~~«الملكة عصمة الدين»، فتقلدت الحكم بحفلة زاهرة، كانت حدا فاصلا بين خاتمة ~~الأيوبيين وبداية حكم المماليك. # | الفصل الخامس # مثل الناس في هذا العالم الفاني مثل الضيوف في الفنادق الفخمة، أولئك الذين ~~يتركون آثارهم في سجلاتها إبقاء للذكر، بفقرة جميلة، أو عبارة لطيفة، أو بذكر الاسم ~~على حدة غفلا عن زخارف اللفظ أو تنميقات المعنى، كذلك الناس في دنياهم الفانية ~~كل منهم يترك أثرا يتناسب مع كفاءته وما له من ميزة وقدرة تخليدا لذكرى الأوقات ~~والأزمان التي يعيشها، وما هذا الأثر سوى حياته، فإما أن يدل على عيش هنيء مرفه ~~وإما أن يعبر عن سلسلة من الحوادث المؤثرة، وإما أن يحدثنا عن عصر حافل بجليل ~~الأعمال، وإذا وصل ms094 الأثر إلى مثل هذا الحد من الكمال، كان جديرا بعناية الخلف، ~~يستظهرون منه دروس العظة والاعتبار. # ليس في مقدور كل حي أن يصل إلى درجة الكمال في الحياة؛ إذ العيش بهدوء وسكون بلا ~~ضجيج ولا ضوضاء ميسور لكل فرد، فالمرء يستطيع أن يقضي أيام حياته على طراز واحد من ~~الراحة والسكون. # أما العمل على إبقاء أثر ما فيتطلب جهدا وكفاءة، والخروج عن دائرة المألوف جرأة ~~لا يقوم بها سوى الجسور. # الشرق محافظ، متمسك بأهداب القديم، وله عادات وتقاليد محبوبة، ولكنه مفرط في ~~محبتها إلى حد إنزالها منزلة العقائد والمذاهب، فالنساء لا يتربعن على منصات ~~الحكم في بلاد المشرق، ولا يوثق بهن إلى حد تسليم أزمة الإدارة لأيديهن، فلا ~~تكون المرأة سوى كمية مهملة لا يعتد برأيها ولا يقام لها وزن، وقل من يعرف ~~شيئا عن حالتها الروحية، فليس لها اليوم منزلة اجتماعية؛ ~~ولذلك لا يكاد يوجد إنسان يسأل عن منزلتها ~~ويتعرف أحوالها وشئونها في الأزمنة القديمة، لقد امتزجنا نحن الشرقيات امتزاجا ~~قليلا بالمدنية الأوروبية فتمشينا في تيارها ونسينا شخصيتنا حتى صار مثلنا مثل ~~تارك الصلاة المقيم بين جامعين، # 1 # علينا أن نغترف من مناهل المدنية الغربية ولكنه لا يليق بنا نحن ~~المسلمات أن نضحي في سبيل هذا الواجب جميع الشرق وعاداته الجميلة وتقاليده ~~الحسنة. # لنضع نصب أعيننا نحن الشرقيات ترك السفاسف، ولتفهم الواحدة منا أنها ليست لعبة أو ~~زينة، إننا نعيش في زمن لا يتسع لأمثال هذه الصغائر، علينا أن نتفهم حياة ~~السلف ونعمل على تخليد صحائف أعمالنا، ولتشعر الواحدة منا بالمسئولية الملقاة ~~على عاتقها، الفرد جزء من الإنسانية ومجموع الخلق هي الإنسانية، وما نحن الشرقيات ~~سوى قطعة منها. # أين شخصيتنا؟ لنسع في إظهارها، وكفى ما نالنا من الأذى وما أصابنا من الضرر بسبب ~~جهلنا؟ كيف يسوغ للهلال والنجمة أن يغمرهما الظلام وتحجب الغيوم ضوءهما من النفوذ ~~إلينا، إن أمة لها مثل هذا الزمن كان يجب أن تكون في مقدمة الأمم نورا ~~وعرفانا. # إذا رغبنا في الحياة، إذا شئنا ألا ms095 يمحى اسمنا من صحيفة الوجود، فليس أمامنا ~~سوى طريق السعي والعمل بنظرية تنازع البقاء بما فينا من جهد وحسن نية إلى أن نتمكن ~~من إزالة ما علق بأذهان الأوروبيين ضدنا من الأوهام والنوايا السيئة، لو استطعنا أن ~~نصل إلى الدرجة التي كانت عليه نساء الشرق قديما لوقفنا قليلا في سبيل تدهورنا في ~~هوة التدني، لم تكن شجرة الدر شخصية كاملة، ولكنها استطاعت أن تظهر على مسرح الحكم ~~والسياسة في زمن عصيب وكونت لها قصة تشتاق الآذان لسماعها، وهذا ما حدا بي إلى ~~تصوير قصتها وشئون حياتها للقراء. ~~••• # عندما وقع اختيار حسام الدين ورجاله عليها لتكون ملكة مصر وأميرة البلاد كانت ~~تقطن في سراي المنيل على شاطئ النيل وفي أجمل موقع من مواقع مصر، وكانت إذ ذاك ~~وسيمة الوجه، جذابة الملامح، يقرب عمرها من الأربعين، ذات دراية وحنكة في شئون ~~الحكم والإدارة اشتهرت بهما منذ أيام زوجها الملك الصالح. # افتتنت بالملك وتعشقت أبهة الحكم فبنت صرح مجدها وشهرتها بيدها، ولكنا لا ~~ننسى بجانب ذلك حبها الخير وإيثارها رفاهة الشعب وبحبوحته على كل أمر وشأن؛ فأنقصت ~~الضرائب وغمرت المماليك بالهدايا وأغدقت عليهم المراتب والمناعم؛ إذ كان أقصى أمل ~~لها أن تفوز بحمد الناس ومحبتهم لها. # يدلنا على حسن ذوقها ما كان في قصرها من حسن الترتيب وظرف التأنيث؛ ففي القاعات ~~والحجرات توقد شموع العنبر المحمولة على أواني الفضة والذهب على الطراز العباسي، ~~وتقع العين في أرجاء القصر على نفائس الأقمشة الحريرية المطرزة بالديباج الأصفر ~~والأبيض وأواني الفضة وصحون الذهب وجامات البلور والأقداح المزينة حافتها بسطور ~~اللؤلؤ وخطوط الأحجار الكريمة؛ إذ كان لها ولع بأدوات الطعام، وغرام في اقتناء ~~نفيس الثياب، ورغبة حارة في مظاهر الأبهة والدبدبة. # 2 # ما كادت تستلم زمام الحكم حتى تركت قصرها البديع وما فيه من نفائس وزخارف وانتقلت ~~إلى القلعة المشهورة التي بناها صلاح الدين الأيوبي واتخذتها مقرا لحكمها، ففي ~~هذه النقطة العالية المتوجة لرأس المقطم والمشرفة على جميع القاهرة كان يقيم من ~~سبقها من الحكام، فسارت هي ms096 الأخرى سيرهم؛ لأن قصر المنيل لم يكن منيعا حصينا إلى ~~حد مقاومة الهجمات وصد تيار الفتن والمشاغبات، أما أسوار القلعة فمتينة رصينة ~~تقوم بالغرض وتفي بمثل هذه الحاجة. ~~••• # بدأت شجرة الدر تجمع وزراءها في غرفة من غرف القلعة وتحضر هي مجلسهم من وراء ستار ~~رقيق ثم عينت أحدهم، وهو عز الدين بن أيبك، أتابكا أي في رتبة تماثل رتبة رئيس ~~الوزارة في أيامنا هذه. # كان عز الدين قائدا محنكا جريء القلب ذكي الفؤاد، مشهورا بعلمه وفضله ودرايته، ~~عرف كيف يستولي على قلوب الخلق وينال ثقتهم كما بدأ يفوز بالتفات الملكة وحسن ~~تقديرها لكفاءته يوما بعد يوم. # لم تكتف شجرة الدر بأن يقرأ اسمها في خطب الجمعة، بل ضربت نقودا باسمها ~~نقشت على وجه منها: # بسم الله الرحمن الرحيم. # وعلى الوجه الآخر: # المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة منصور خليل الخليفة أمير المؤمنين. # 3 # كان دورها زاهيا زاهرا، وصار الناس يتفاءلون خيرا بقدومها، وبدأ الفقراء ~~يتنعمون بمبراتها وحسناتها؛ إذ كانت ملكة عاقلة لبيبة على دراية تامة بأصول ~~المسائل وفروعها، ولقد أحدثت في الإسلام بدعة حسنة لم تزل في مصر إلى يومنا هذا، ~~هي بدعة المحمل الشريف؛ ففي عهدها سافر أول محمل في الإسلام من مصر إلى الحرمين ~~الشريفين، إنها ابتدعت أمرا حسنا فلها ثواب تلك البدعة إلى يوم القيامة، من أحدث ~~بدعة حسنة فله ثوابها وثواب من عمل بها ومن أحدث بدعة سيئة فعليه وزر من عمل ~~بها إلى يوم الدين. # كانت شجرة الدر رغم مظاهر حياتها الخصوصية، امرأة مسلمة ذات ميزة خاصة في حياتها ~~العمومية، كانت على علم تام بنفسية الشعب ولم تكن حكومتها استبدادية؛ لا تشرع في ~~عمل من الأعمال حتى تعقد مجلس المشاورة، ولا تصدر قراراتها إلا بعد الرجوع إلى رأي ~~وزرائها ومستشاريها، وإذا حدثتها نفسها بأمر تريد إبلاغه إلى الناس مباشرة أرسلت ~~في طلب وزيرها ابن أيبك، وبعد المباحثة والمناقشة معه تأمر بإصدار أوامرها ~~الملكية. # فكان الأتابك لا يقصر في كل سبيل يؤدي إلى مرضاة الملكة. # وبينما كان ms097 حكم شجرة الدر آخذا في طريق الشهرة بما كان يلاقيه من إقبال الشعب ~~ورضائه التام، بدأت عصابة من الناس تدس الدسائس وتنصب شباك الأحاييل حول عرشها ~~رغبة في إسقاطها، لحمة هذه العصابة أتباع توران شاه ممن فروا إلى الشام وسداها ~~الخليفة الزمني المستعصم بالله ونفر من أشياعه ومريديه. # قامت الفتن على ساق وقدم، وبدأ العصاة ينفخون في أبواق النفاق بما يرمي إلى ~~الشقاق بدعوى أنه لا يجوز شرعا لامرأة أن تتولى شئون المسلمين، مع أن شجرة الدر لم ~~تأت أمرا يغضب عامة الإسلام، سواء أكان في مصر أو في سوريا فضلا عن إجلالها ~~واحترامها لمقام الخليفة المستعصم بالله. # تفاقم الخطب واشتد الصخب، وقامت بغداد تهدد مصر، فكانت الرسائل والأوامر تترى ~~بطلب خلع شجرة الدر وإقامة أمير من الرجال ومخابرة الخليفة لتعيين أمير عادل إذا ~~تعذر عليهم وجود رجل من بين المصريين يصلح لهذا الأمر، وكانت الرسائل موجهة إلى ~~المماليك ومصوغة في قالب اللوم والتعنيف ومعززة بالأحاديث والأسانيد المنذرة بخراب ~~الأمة التي تتولى النساء شئونها وتتصدر مجالس الحكم فيها، وما كادت تروج هذه الدعوة ~~وتتناقلها الألسن في المجالس والمحافل حتى بدأ المماليك يفكرون في وجه الصواب، ~~كانوا يرون أن حكومة شجرة الدر لا تخالف الشرع في شيء؛ إذ كانت مؤسسة على دعائم ~~الشورى، فكانت لا تبرم أمرا دون أخذ رأي الوزراء ووجوه البلاد فضلا عن مهارتها ~~في إدارة دفة الأحكام، تلك المهارة التي تجلت في شكل رائع ملموس لا يدع مجالا لقول ~~قائل، ولكن ما العمل؟ وكيف يمكن التوفيق بين وجهتي النظر في مصر والشام في وقت عصيب ~~يهددهم فيه خطر الصليبيين؟ # بينما كان المماليك يفكرون في هذا الأمر ويقلبون الرأي على وجوهه ليتبينوا من ~~خلاله وجه الصواب، وإذا بأتباع «توران شاه» يحثون أهل الشام على التخلص من حكم مصر ~~بدعوى أنها ذات حكومة غير شرعية، فقاموا بدعوة أمير حلب «الملك الناصر يوسف ~~الأيوبي» وبايعوه أميرا على الديار الشامية، ثم قاموا على أشياع شجرة الدر ~~واستأصلوا شأفتهم فتم لهم ما أرادوا ms098 وفصلوا تلك القطعة الكبيرة عن الحكومة ~~المركزية في مصر. # على أصحاب الغايات النبيلة والمقاصد الشريفة بذل النفس والنفيس في السبل المؤدية ~~إلى تحقيق الغرض، ولكن الذين نادوا بسقوط شجرة الدر لم يعملوا بهذا الدستور، إنهم ~~آثروا تضحية حكومة عظيمة في سبيل أغراضهم الشخصية، كانت هذه الفئة الهادمة العاملة ~~لمصالحها الشخصية تعمل على تعكير المياه كلما قاربت حد الصفو، رغم مهاجمات ~~الصليبيين وما يهدد البلاد الإسلامية من المصائب والأخطار، فأدركت شجرة الدر ~~بفطنتها وحسن درايتها حقيقة الحال فعقدت مجلسا من أركان الدولة واستشارتهم في ~~الأمر وطلبت منهم أن يبينوا لها الطريقة المؤدية إلى إرضاء السوريين والوسائل ~~الموصلة إلى حسن التفاهم بين القطرين الشقيقين. # كان الموضوع عويصا يتطلب رأيا حسنا وتدبيرا محكما فلم تشأ أن تطلق ~~العنان لمشاعرها بل طلبت من وزرائها المعونة والتعضيد بعد أن طرحت الأمر على بساط ~~البحث بكل رزانة وثبات، أما المجلس فقد فحص الأمر بعناية واهتمام وأظهر لها وجوب ~~الاهتمام بما يؤدي إلى راحة الشعب وسلامته مع بيان امتنانهم لها ولحكومتها، وقر ~~رأيهم بالإجماع على أن تترك زمام الإدارة إلى عز الدين بن أيبك وأن يعقد له عليها ~~عقب تنصيبه للحكم. # تم تنفيذ القرار وتعين عز الدين بن أيبك سلطانا على مصر، وأرسلوا إلى الخليفة ~~يشعرونه بتبدل الحال. # لم يتغير الحال كما زعموا، بل كانت شجرة هي الحاكمة تنهى وتأمر من وراء الستار ~~عقب زواجها بأمير البلاد. # تربعت شجرة الدر في قلب عز الدين كما تربعت في عرش مصر من قبل؛ فكان يخدمها ~~خدمة العبد للسيد، ولا يتوانى لحظة واحدة عن سلوك السبل المؤدية إلى راحتها ~~ومرضاتها، كان يرى خدمتها دينا في عنقه يحب أداؤه فصار نقابا لها تبصر وتعمل ~~من ورائه وأداة لسرورها ونعيمها. # لم تصل شجرة الدر إلى هذه المنزلة اعتباطا، ولم يحلها عز الدين من نفسه ذلك ~~الإحلال إسرافا؛ لقد كانت امرأة زاهية، زاهرة ذات جاذبية وذكاء وعلى علم ودراية، ~~فليس من السهل على المحتكين بها المتصلين بشخصيتها التوقي من قيود تلك ~~الجاذبية. # كان ms099 الملك الصالح يتلقى رغباتها كأمر يتحتم تنفيذه، ويرى فيها درة نفيسة في تاج ~~حياته، أما عز الدين فكان مفتونا بها بحرارة الشباب مع أنها أسبق منه في راحل ~~العمر. # كان الأتابك عز الدين، لبيبا، عاقلا، ذكي الفؤاد، فأحبه المماليك وجعلوا لا ~~يخرجون عن رأيه ومشورته في كل أمر. ~~••• # بعد تعيين عز الدين ملكا على مصر وتسميته «الملك المعز أيبك» فرح الناس بحكومته ~~المشتركة بينه وبين زوجته شجرة الدر وتطلعوا إلى الراحة والسكون عقب تلك الانقلابات ~~والتطورات، لكنهم لم يدركوا أمنيتهم؛ إذ تجددت الثورات في الشام مرة أخرى واتصل ~~بالمصريين خبر قيام أحد أقرباء توران شاه مع نفر من أتباعه وأشياعه يعضدهم بعض ~~المماليك ووجهتهم مصر، فاضطرب المصريون ووقع الخبر عليهم وقوع الصواعق. # لم يقبل السوريون بحكم المعز وهاجموا مصر متمردين ساخطين صاخبين، طالبين إقامة ~~ملك من سلالة الأيوبيين، ولم تنقشع سحابة غضبهم وتهدأ ثورتهم إلا بعد أن أقاموا ~~يوسف مظفر الدين أحد أبناء الملك مسعود، من الأقاليم الشرقية ملكا على مصر ~~وحلب. # مصرنا هذه، مصرنا المسكينة، معرض الغرائب، تحت سماء تسامحها يأتلف الخصمان ويجتمع ~~الضدان؛ ففي العام التاسع والأربعين بعد الستمائة من الهجرة، كان على عرش مصر ~~حاكمان؛ أولهما: الملك المعز أيبك، وثانيهما: الملك مظفر الدين يوسف، تقرأ لهما ~~الخطب وتضرب النقود باسميهما ويحكمان معا جنبا إلى جنب، غير أن شجرة الدر ما ~~زالت وراء الستار وفي يدها زمام الحكم الحقيقي تصدر أوامرها بسكون وهدوء وهي في ~~دائرتها الخاصة، فيهرع الحاكمان لتنفيذها والعمل بمشيئتها. # لم يكن الاثنان سوى لعبتين صغيرتين، أما الحاكم الحقيقي للبلاد فهي الملكة عصمة ~~الدين التي تروح وتغدو بثيابها المزركشة في قاعات قصرها الفخم المحتجب وراء أسوار ~~القلعة. # شعر أيبك باضمحلال سلطته فاشترى عددا كبيرا من المماليك، وعمل على اكتساب ثقتهم ~~وتعضيد نفوذه أمام خصمه، وقد حدث ما كان يتوقعه فإن رجال مظفر الدين حاصروا القلعة ~~ذات يوم يرومون خلع أيبك، ولكنه قاومهم مقاومة عنيفة، وبعد أن شتت شمل أكثرهم تمكن ~~من قتل زعيمهم «آق طاي» قاتل ms100 توران شاه، ورمى برأسه من وراء أسوار القلعة، وما كاد ~~المحاصرون يرون هذه الحال حتى أركنوا جميعا إلى الفرار وكانوا يبلغون سبعمائة ~~فارس. # بعد هذه الحادثة قبض المعز على خصمه مظفر الدين وحبسه فخلا له الجو مرة ~~أخرى. # | الفصل السادس # العشق نبات لاهوتي، ينمو بطبيعته في كل زمان ومكان وفي كل بلد وإقليم، فلا الرياح ~~ولا العواصف ولا الأمطار تعوق هذا النبات عن النمو والنضوج؛ لأنه ينشأ حيثما شاء ~~وأينما أراد، ولهذا النبات المحبوب زهرة لطيفة جديرة بالنظر والاعتبار. # ولكن لشمس العشق أشعة نارية تعمل في هذه الزهرة ما لا تعمله الطبيعة، لقد تؤثر ~~على لونها فتصيرها باهتة شاحبة بعد النضارة والزهاء، وللعين دموع تنزح بانهمالها ~~وانسجامها ما لها من رائحة عبقة وأريج فياح، وللقلب ثورات وهبات تنتثر معها ~~أوراقها الجميلة فتذروها الرياح، إنها لزهرة رقيقة قد تذبل عند أقل إهمال، فهي تنبت ~~في الأرض الغامرة والتربة الخصبة ويتناسب عمرها طولا وقصرا بقدر خصوبة التربة ~~والمنبت، فمن استطاع سبيلا إلى تربية هذه الزهرة، زهرة الطبيعة زنبقة النور، عرف ~~كنه الحياة، فإذا علمنا أن الملمين بفن تربيته قليلون أدركنا كيف أن الكثيرين ~~تذبل زهراتهم في مدد قصيرة. # هكذا الحال مع شجرة الدر والمعز، فإن زهرة حبهما وإخلاصهما أصابتها يد البلى ~~بعد عواصف نفسية دامت أربعة أعوام. # بدأت عوامل الحياة والنمو تتقلص في زهرة الحب النامية في قلب المعز حتى ذبلت، ~~أجل، لقد ذبلت تلك الزهرة الناضرة بغرور شجرة الدر، ذلك الغرور الذي أطفأ النيران ~~المتأججة في صدر حبيبها المعز. # كانت الملكة عصمة الدين أميرة تليق بسياسة الشعب وإدارة الأحكام، أما في منزلها، ~~في مملكتها الصغيرة، فقد كانت مستبدة توقع الرهبة في قلوب حاشيتها وتبعث السآمة ~~والملل في نفس زوجها. # كان المعز مفتونا بشجرة الدر، منذ زواجه بها عام ستمائة وثمانية وأربعين هجرية، ~~كان يجلها ويحترمها من أعماق النفس وصميم القلب لذكائها وجمالها ومركزها ~~وماضيها المجيد، وكانت هي تعلم منه ذلك وتعتقد بدوام هذه المحبة فيرتاح نفسها ~~وتفتخر بحالها، لم يخطر ببالها ms101 أنه سيأتي على المعز يوم يتزوج فيه امرأة غيرها، لو ~~فعل ذلك لما غفرت له مثل هذا الذنب؛ إذ ترى أن المعز إنما صار سلطانا على مصر ~~بسعيها وفضلها، فكانت تجاهر بهذا الرأي وتجابهه به ولا تجد لوما في أن تقول له: ~~«ما وصلت إليه من عز وجاه، إنما وصلته من طريقي.» فكان يخجل من ذلك ويشعر ~~باضطراب داخلي. # لم يأبه كثيرا لهذه الأقوال في مبدأ الأمر، ولكنه بدأ يشعر بوقعها الأليم على ~~مر الأيام، إنه لا ينكر فضلها وعظيم أياديها عليه، ولكنه لم ينشأ صعلوكا حقيرا؛ ~~قد كان ضابطا عالما عاملا ثم أميرا ذكي الفؤاد ذا شخصية ومكانة. ~~••• # جمعت الملكة عصمة الدين إلى حسن الوجه جمال النفس؛ فهي لذلك امرأة جديرة بالحب ~~ولكنها أكبر من أيبك سنا، وبدأت عوامل الانهماك في المشاغل الدنيوية تظهر أثرها ~~على أديم ذلك الوجه الناصع وأخذ نور بهجتها في الأفول، وكلما ازدادت خطوة في طريق ~~العمر، زاد طيشها واشتد نزقها إلى أن صيرها الكبر ذات طبع ناري ومزاج عصبي، ~~تستبد مع من حولها، تشاكس زوجها وتنغص عليه عيشه وتضيق دونه المذاهب والمسالك ~~صباح مساء. # أما هو فكان يغضب لهذا المجادلات اليومية، فيزداد نفوره منها حتى أصبح يتغيب ~~كثيرا عن القلعة، وكان هذا التباعد يزيدها غيظا؛ لأنها بدأت تشعر بزوال محبته ~~لها، فاشتد تعلقها به وازداد هيامها وصارت ترى في كل حركة من حركاته وكل طور من ~~أطواره حالا يستوجب الغيرة. # كان لزوجها امرأة أخرى هي أم ولده الوحيد، عقد عليها قبل زواجه بشجرة الدر، ~~فعلمت بهذا الأمر وحكمت عليه أن يبتعد عنها بتاتا، ثم خشيت ألا ينفذ أمرها ~~فأمرته بإحضارها وتطليقها منه في الحال، تم لها ما أرادت ووصلت إلى بغيتها، ~~ولكن ظلت نيران الغيرة تتأجج في ذلك الصدر المتقد، وعاد زوجها إلى الابتعاد عن ~~القلعة والنفور من دائرة الحريم واتسعت شقة الخلاف بينهما حتى انقلبت على مر الأيام ~~إلى خصومة متينة انتهت بمأساة دموية فجيعة. ~~••• # مهما ارتقى الإنسان وعلت شخصيته فهو بشر لا ms102 يسلم من عوارض النقص. # شجرة الدر امرأة ذات شخصية بارزة قل أن يوجد لها نظير، شقيت بغرورها، ووصمت ~~سلسلة حياتها بفعلة شنيعة من جراء هذا الخلق الفاسد. # لقد تطرفت مع زوجها في سوء الخلق إلى حد الملل وإلى حد أن استفزت فيه روح ~~الأنانية فطلب يد لؤلؤة بنت بدر الدين أمير الموصل وعرض أمنيته هذه على المماليك ~~فعارضه المخلصون منهم لشجرة الدر ولم يوافقوه على ما يريد، بل جاهروا بأنه لا يليق ~~بأمير نبيل مثل المعز أن يرتكب مثل هذه الهفوة، فغضب لذلك وأدى به الحنق إلى ~~القبض عليهم وإلقائهم في غيابات السجون. # ولما كانوا في طريقهم إلى السجن مر بهم الحراس من تحت الشرفة التي تجلس عليها ~~الملكة فتأخر زعيمهم «سبكتكين» قليلا ونادى بالتركية يقول: «نناشدك الله ~~أيتها الأميرة أن تخبرينا عن سبب القبض علينا، إننا رجالك المخلصون، يريد الأمير أن ~~يعقد على لؤلؤة بنت أمير الموصل فعصيناه؛ لأننا نرى في ذلك إهانة لأميرتنا.» وكانت ~~الأميرة إذ ذاك في الشرفة فرفعت منديلها تشير إليهم أنها فهمت قولهم ثم سيقوا إلى ~~السجن وقلوبهم تتأجج بنيران الانتقام التي لا يستطيع المعز إطفاء لهيبها. # لم يكن المعز في قصر القلعة كعادته، بل كان مقيما في قصره «مناظر اللوق» المشرف ~~على النيل بجوار الأزبكية، كان نافرا من شجرة الدر يجتنب حرمه، عملا بإرشاد منجمه ~~الذي أخطره بأنه يموت مقتولا من يد امرأة، أما امرأته فكانت تريد الاستفادة من هذا ~~الظرف فرسمت خطة باهرة للتنكيل بالمعز وأرسلت تدعوه إلى القلعة مرارا بعد أن ~~أعدت معداتها لهذا الغرض. # لم تكن شجرة الدر، تلك المرأة الحاكمة القديرة وإنما الغيرة والحدة والحنق كل ~~هذه العوامل كانت قد أتلفت جهازها العصبي وصيرتها شيطانا يتحكم فيه الجنون ~~والهوس، قد انقلبت فيها خصال الرزانة وعلو الطبع وقوة الإرادة إلى صفات الغيرة ~~والحرص والانتقام. ~~••• # لم يشأ المعز أن يجيب دعوات امرأته في بادئ الأمر؛ لأن إخطار المنجم ما زال ~~عالقا في ذهنه، ترتعد فرائصه كلما خطر بباله إلا أن تكرر الدعوات ms103 أثر في نفسه ~~وتوهم من خلالها الصدق والإخلاص فأجابها إلى ما أرادت وزار زوجته في قصر القلعة، ~~حيث قابلته بالتجلة والاحترام مظهرة له كل عطف وحب، بل تمادت في التملق والرياء ~~إلى حد تقبيل أياديه ومحو كل ظن سيئ من نفسه، فركن إليها المعز كل الركون وقضى معها ~~يومه وطلب في مسائه أن يدخل الحمام، ولكنه ما كاد يلج باب الحمام حتى فاجأه بضعة ~~رجال تلمع السيوف المصلتة في أيديهم ففهم قصدهم وأدرك أن ذلك من تدبير شجرة الدر، ~~فناداها باسمها وتوسل إليها بكل ما فيه من جهد وقوة، ويظهر أنها كانت على كثب من ~~المكمن؛ لأنها لم تستطع ثباتا أمام توسلاته، فأظهرت نفسها وطلبت من رجالها أن ~~يحقنوا دماءه، إلا أن الرجال لم يصغوا لقولها، خشية غضبه وانتقامه إن هم نزلوا ~~عند رأيها وأخلوا سبيله، ثم هجموا عليه وكتموا أنفاسه في ذلك المكان، وبعد أن ~~نفضوا أيديهم من فعلتهم الشنعاء أخفوا جثة الأمير في ردهة خارجية وانبثوا في ~~أرجاء القصر يشيعون أنه أغمي على أميرهم وهو في الحمام. # 1 # وقعت هذه الحادثة يوم الأربعاء في الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول عام 655 ~~هجرية، وانتشر في اليوم التالي خبر موت المعز وارتقى أريكة العرش ابنه نور الدين، ~~وعندما استلم نور الدين زمام الحكم وتربع في دست الإمارة بقصر القلعة أرسل بطلب ~~أمه التعسة وبطلب شجرة الدر قاتلة أبيه وسبب شقاء أمه. # وفي كتب التاريخ أن أم نور الدين أمرت جواريها فانهلن بالقباقيب على شجرة الدر، ~~على ذلك الرأس الجميل المملوء بالغرور، إلى أن ماتت شر موت، فألقيت عارية الجسم لا ~~يسترها سوى سراويل رقيقة من برج القلعة إلى خندق مجاور لأسوارها، وقد سرق بعض ~~اللصوص تكة لباسها المطرزة باللآلئ ولم يعرفها أتباعها إلا بسروالها الفاخر فدفنوها ~~في المقصورة الخاصة بها داخل المسجد المعروف باسمها بجوار السيدة نفيسة بالقاهرة، ~~ولقد فر بعض الأغوات الذين اشتركوا في مقتل المعز وألقي القبض على البعض الآخر ~~وصلبوا داخل القلعة. # وبعد هذه الحوادث المتتابعة ms104 بدأت حكومة الملك نور الدين بن أيبك. ~~••• # حكمت شجرة الدر ثلاثة أشهر بمفردها وعشرين عاما مع زوجها الصالح والمعز، وأصابت ~~عزا وجاها لم تصبهما امرأة أخرى في العالم الإسلامي. # يعدها المؤرخون خارقة من خوارق الدهاء ولا يذكرونها إلا بالثناء ويعرفونها ~~للقراء بأنها عاقلة، قارئة، كاتبة، ذات دراية وفطنة، ومما يؤسف له أن المرأة ~~الكبيرة صاحبة الخيرات العديدة والحسنات الجمة، تلك التي ابتدعت لنا حسنة المحمل، ~~تموت ميتة شنعاء وتلقى في الخنادق كأصحاب الجرائم العادية، «وعلى الباغي تدور ~~الدوائر.» # إن الملكة عصمة الدين ماتت على يد المرأة التي كانت سببا في تطليقها، لقد ~~طردت أم نور الدين من قصر القلعة فدارت عليها الدوائر حتى ألقتها المطرودة ~~من برج القلعة، لقد حرضت على قتل الوالد فقتلها الولد. # العصمة لله والكمال له وحده، والمرء عاجز مهما ارتقى ومهما علت شخصيته. # لم تكن شجرة الدر مثال الكمال من كل الوجوه، وإنما كانت حاكمة مدبرة، ذات قريحة ~~وقادة وهي تحكم هواها وتتغلب على شهوة النفس فيها، ولكنها ما لبثت أن هوت إلى ~~المستوى العادي فأصبحت امرأة لا أكثر ولا أقل منذ ركبت هواها وسارت مع تيار ~~قلبها، هذه الشخصية الغريبة التي قدمتها إلى قرائي من بين نماذج المخدرات ~~الإسلامية جديرة بالتقدير والإجلال من ناحية الخدمات الجليلة التي بذلتها في أوائل ~~أيامها، وبما كان لها من صدق الطوية في ذلك العهد، والأمر الجدير بالاعتبار ~~والتقدير هو الصالح العام، أما الحياة الخاصة فلا دخل لها في هذا الشعور، ومن أجل ~~ذلك نعدها من آلهات السياسة التي لم يسبق لها نظير. # لقد مضى على موتها شهور وأعوام وأصاب الشرق تقلبات كثيرة وتطورات عديدة وانقرضت ~~أمم ونشأت على أنقاضها أمم، ولكن لم تسطع بعد شرارة واحدة مثل تلك الشرارة التي ~~سطعت من أنقاض الأيوبيين. # شجرة الدر الأيوبية جوهر نادر نفيس، ومن أغرب لآلي الشرق، كان دورها عجيبا ~~وأيامها سلسلة من الحوادث ذات شئون وشجون. # عملت ما في وسعها لتقف حائلا دون التفرقة بين المسلمين في وقت عصيب، فأدركت ~~بغيتها ms105 بمهارة نسجلها هنا بفخار، ولا نتمالك من الدهشة تستولي أنفسنا للاضطراب الذي ~~تخلل سلسلة أيام هذه المرأة الجميلة التي ختمت حياتها بتلك المأساة. # حياة كل شخص زمان قائم بنفسه، ونهايته بداية زمان آخر. ~~«المعمورة»، يوم الخميس، 19 رمضان المبارك سنة 1331 # | الجزء الثاني # | كلمة # نشرت قبل يومي هذا، بعام ونصف، الجزء الأول من «مخدرات الإسلام»، فلاقى إقبالا ~~واحتراما بين أصحاب العلم والعرفان من أهل لساني المنتشرين في الممالك والبلدان الآهلة ~~بالإسلام. # وردت إلي كتبهم ورسائلهم، تطفح بمعاني التزكية وعبارات التشجيع، فاغتبطت لذلك؛ ~~إذ كنت أرى بنفسي ثمار البذور القليلة التي غرستها بيدي في حدائق المنفعة العامة، ~~فشكرا للمولى سبحانه وتعالى وحمدا له على نعمائه، وأبدأ اليوم بالجزء الثاني من ~~ربات الخدور، لأضم خمس بطلات شهيرات على الأربعة السالفات، وزيادة الأعضاء في محفل ربات ~~الخدور، معناه زيادة التدليل والبرهان، وفي ذلك تقوية القناعة في الوجدان، فمعرفة بطلات ~~الماضي أساس لرقي نساء الحاضر، والبناء المؤسس على قواعد ثابته رصينة يبشر بالدوام ~~والخلود. # أولى البطلات في هذا الجزء: هي السيدة فاطمة الزهراء - رضي الله عنها - كريمة فخر ~~الأنبياء، نتوج بذكرها الجزء الثاني؛ لأنها فخر النساء. # البطلة الثانية: هي رابعة العدوية، مثل الزهد والتصوف. # الثالثة: هي الشاعرة الشهيرة الخنساء، تلك العبقرية الخالدة، تلك التي فاقت شعراء ~~الخلف بمراثيها. # أما الرابعة: فأميرة المؤمنين زبيدة، والخامسة: الأميرة صبيحة ملكة قرطبة، وهاتان ~~بطلتان حكمتا ردحا من الزمن، وسخرتا بلادا لإرادتيهما وصيرتا الشعب المحكوم ~~منها كالشمعة تفرغانه من قالب لقالب وفق هواهما، فهما لذلك مثالان للعظة ننسخ منهما ~~دروس الاعتبار. # من قرأ ربات الخدور عرف تاريخ أيامهن وعاصرهن ونفذ إلى مجالسهن الروحية، فها أنا ذا ~~أقدم هذا الجزء إلى قارئاتي الراغبات في القدوة بسالفات العصر الإسلامي، إلى قارئاتي ~~المتشوقات إلى توسيع المدارك وشحذ القرائح؛ لأكون واسطة الاتصال بينهن وبين محفل ~~المخدرات. # سترى القارئة الكريمة، في هذا المحفل المتضوع بعبير الأخلاق الحسنة والخصال ~~الحميدة، أشباحا روحانية، تتباين في أشكالها وطراز لباسها عن المألوف في محافل هذا ~~العصر، وستسمع القارئة ms106 العزيزة في هذا المحفل دروسا تفيض بالحكمة وعظات بالغات، أما ~~أجري وثوابي فمحسوب بلا ريب في خزائن المولى الكريم عز وجل. # يجدر بي قبل اختتام كلمتي التنويه بذكر رسالة وردت إلي من بين الرسائل العديدة ~~الدالة على تقدير أبناء لساني لهذا العمل، وهذه رسالة وصلتني من أمير البيان المرحوم ~~«رجائي زاده أكرم بك»، وقد أردت اليوم نشرها لإذاعة ذكره وإعلاء روحه الطاهرة. # كان للمرحوم قلبا كبيرا، ومن الإنصاف أن يلهج الإنسان بذكر أصحاب القلوب، أطلب ~~التوفيق من المولى للجميع. آمين. # إلى صاحبة العصمة والكمال الأميرة قدرية حسين هانم أفندي # تعلمين، سيدتي، أن الحقيقة الاجتماعية: «خير الناس من ينفع الناس» لا تفرق ~~بين الرجال والنساء، ولسموك من دلائل الفضل وأمارات العرفان، بما تنشرينه بيننا ~~من آثار قريحتك الوقادة منذ الصغر، ما يجعلني أن أرى لك عنوان «خير النساء» ~~دون ما تستحقين. # تناولت بيد الفخار كتاب «مخدرات الإسلام» مع تلك الجملة التلطيفية في حق ~~هذا العاجز، وبدأت مطالعته في الحال، فأتممت قراءته في مدة وجيزة، وما كدت ~~أنتهي من تلاوته وتصفح مزاياه، حتى تكونت في ذهني عقيدة تقول: مثل هذا الكتاب ~~الكامل، الحاوي لمثل هذه الآراء الناضجة، لا تستطيع الإتيان بمثله من بين ~~شهيرات العصر سوى الأميرة، أيدها الله. # كنت قرأت شيئا عن أمهات المؤمنين وسيرتهن العبقة، سواء أكان في «قصص ~~الأنبياء» أم في «روضة الأحباب»، ولكن ما قرأته لم يكن منسقا منظما، وفضلا ~~عن ذلك فإن أسلوب «روضة الأحباب» لا يتمشى مع روح العصر، و«قصص الأنبياء» ~~كتاب قيم جليل، قليل أمثاله، ولكن العين تقع على السجع والتكلف في مواقع ~~كثيرة منه فيضيع بهاؤه ورواؤه من نفس القارئ، أما «مخدرات الإسلام» فيفوقهما ~~ترتيبا ويفضلهما أسلوبا. # مولاتي الأميرة! # ثقي تماما أن مواهب العرفان والفضيلة التي تتحلين بها تجعلك في أعلى ~~المراتب التي ترنو إليها أنظار أفاضل الرجال والنساء، ففي قريحتك الوقادة، ~~تلك القريحة التي لا تفتأ تعمل على توسيع دائرة معلوماتها الفنية وتحقيقاتها ~~العلمية، وفي بيانك العذب، ذلك البيان السلس الساحر، ما يدهش ms107 الألباب ويحير ~~العقول. # قرأت كلمتك الأولى التي صدرت بها الكتاب بلذة ساحرة دفعتني إلى إدماج ~~نفسي في طيات الكتاب، أقرؤه متهالكا متشوقا حتى النهاية. # ما أعذبه بيانا وأسلسه أسلوبا وأملحه شرحا! أكاد لا أتخطر كتابا جمع مثل ~~هذه المحسنات البديعية، فمثل هذا الأسلوب لهو السهل الممتنع. # يا صاحبة العصمة! # إذا كان كتابك يترك في نفسي مثل هذا الأثر وأنا من صنف الرجال، فما بال ربات ~~الخدور اللواتي يسعدهن الحظ بتلاوته، كلما فكرت في ذلك وفي الفوائد الجليلة ~~التي تجنيها السيدات المصونات من قراءته، وفي خطره الكبير من الوجهة الأخلاقية ~~والاجتماعية، لا يسعني إلا الركوع خاشعا، حاسر الرأس، أمام ذلكم القلب الطاهر ~~النابض في سبيل الغيرة القومية، الفائض الجائش في سبيل العلم والأخلاق، ~~فأتمنى لك في خضوعي وتقديسي عيشا هنيئا مرفها، وتوفيقا من المولى إلى طبع ~~ونشر الأجزاء التالية من كتابك اللطيف، وعونا منه - جل وعز - على إظهار مئات ~~من مؤلفاتك النافعة الجليلة. # شعوري عن الكتاب وتقديراتي لمحتوياته لا تقف عند هذا الحد، فهي كثيرة إن اتسع ~~المجال لسردها على الوجه الذي أرضاه، يعجز عن ذلك قلمي الذي أصابته الشيخوخة ~~قبل صاحبه؛ فلذلك يا مولاتي أختم تصديعاتي بتقديم وافر الشكر والإعظام ~~والتهنئة. # رجائي زاده أكرم # إستانبول، 19 تشرين أول سنة 1329 # | سيدة النساء # فاطمة الزهراء # | الفصل الأول # لم تعمر السيدة فاطمة - رضي الله عنها - طويلا، بل كان عمرها قصيرا كحياة ~~الزهور التي تزهر وتذبل في ربيع العمر، إلا أننا ما زلنا نرى حتى اليوم ثمار هذه ~~الزهور النادرة، وما زال أريجها الفياح يعطر عصور الإسلام جيلا بعد جيل، فهي إذن ~~دوحة نامية خالدة ذات غصون وفروع ما دام الملوان. # لسيدة النساء صفحة في التاريخ نزيهة نقية لا تقع العين منها على ضجيج الحوادث ~~وجلبة الوقائع، ولكن في سلسلة أيامها النقية الصافية ما يجذبنا جذبا شديدا؛ لأن ~~هذا الصفاء الدال على الشخصية العالية من الدواعي الكبيرة لجذب القلوب ولفت ~~الأنظار. # أمنا السيدة فاطمة - رضي الله عنها - ناصية مشرقة من أطهر النواصي وأنقاها ms108 ~~وألطفها وأشدها إحساسا في الإسلام، ولصفاء روحها الظاهر على وجهها المبارك الطاهر ~~سميت بالزهراء، لا أدري كيف أجيل القلم في تسطير سيرتها العبقة دون التعرض ~~لسيرة والدها الرسول فخر الكائنات، حياة كليهما متصلة ببعض اتصالا شديدا ~~متماسكا، فإذا عبرت عن نفسية أحدهما لا أستطيع تجاوزا عن نفسية الآخر. # ومما يؤسف له أن مؤرخي الإسلام لم يتسع الوقت لأحدهم ليسردوا لنا سيرة كاملة ~~لهذه الكريمة، أقول ذلك وقد شعرت أثناء كتابتي عنها حاجتي إلى الرجوع إلى ما يزيد ~~عن عشرة كتب من أمهات التاريخ، وليتني استطعت أن أخرج من معلوماتي المقتطفة منها ~~بما يروي الغليل، بل وقفت جهودي عند حد تكوين سيرة مختصرة فحسب، أحوال بطلاتنا ~~وشهيراتنا محاطة على الدوام بالغموض والإبهام، فإن الأقدمين كانوا يعتبرون هذه من ~~المسائل التي لا يجوز إذاعتها كما هو ظاهر من كتبهم، ~~إننا لنعلم أسماء سيدات عديدات لهن ذكر عاطر ~~وشهرة فائقة، فإذا حاولنا أن نحيط بأحوالهن إحاطة تامة وأن ندرك دقائق سيرهن ~~إدراكا كاملا كلفنا أنفسنا ما لا نستطيع وحملناها مشقة كبيرة في هذا ~~السبيل. # أقول مستسمحا سيدات اليوم: إنه كان لشهيرات الأمس عقلية رصينة وغاية ثابتة في ~~الحياة، ومع ذلك فقد ظلت ألوان المساعي التي بذلتها مخفية وراء ستور ~~الإهمال. # نحن - المسلمين - قصرنا سعينا للحال ندأب من أجله فحسب، أما الاقتداء بالسلف وأن ~~نكون قدوة صالحة للخلف فهذا أمر لا يخطر على بالنا ولا نفكر في شأنه، وقد كان من ~~أمر اهتمامنا بالحال أن وصلنا إلى ما نحن فيه من سوء المآل ... إننا لا نفكر في ~~ماضينا ولا نعمل لمستقبلنا، فنحن كتلة بشرية يعوزها الرحمة والإرشاد. # أزيد هنا من قبيل الاستطراد أن لدينا من الآثار العتيقة الشيء الكثير، ولكنها ~~صغيرة كانت أم كبيرة فهي مشتتة مبعثرة أيان كان موطنها، حتى إنه لا يوجد بين ~~أيدينا دليل صادق يرشدنا إليها ويدلنا على مفاخر أجدادنا، وهكذا التاريخ الإسلامي ~~بين دفتيه شخصيات عالية نفخر كثيرا بوجودها ولكننا لا نعرف سوى أسمائها، أما دقائق ~~حياتها وتفاصيل شئونها ms109 فإنها مبهمة غامضة لا يمكن الوصول إليها حتى اليوم، فلو أننا ~~عنينا بوضع تلك الشخصيات النادرة في معرض ذكريات الماضي لما أصبحنا غرباء عن ~~عالمنا الإسلامي، ولما كان مثلنا مثل السائح الغريب المفتقر إلى من يرشده وهو ~~في بلاده. ~~••• # ولدت فاطمة الزهراء، ابنة الرسول # صلى الله عليه وسلم # من خديجة الكبرى - رضي الله عنها - ~~وقريش تبني الكعبة بمكة المكرمة والنبي - صلوات الله عليه - ابن خمس وثلاثين ؛ أي ~~قبل هجرته المباركة بسبعة عشر عاما وكانت أصغر بناته وأحبهن إليه. # 1 # كانت سيدة النساء فاطمة، مباركة ذات ملامح جذابة ولون أبيض وقلب مفعم بالإحساس، ~~صبيحة الوجه ذكية القلب. # تتأثر القلوب البشرية الحساسة من مظاهر الصفاء والجفاء كثيرا ويكون نصيبها من ~~لذائذ الحياة ومتاعبها أشد من سواها، وكريمة الرسول # صلى الله عليه وسلم # كانت من هذا الصنف من ~~النساء؛ ولهذا السبب نرى للأكدار والمسرات أثرا عميقا في حياتها المشرقة ~~القصيرة. # سيرة حياتها في التواريخ المعول عليها مقتضبة مختصرة، فليس فيها ما يشير إلى ~~أفكارها الخاصة ولا يوجد فيها للأسف ما يشرح أيام حياتها قبل زواجها، وبأي شأن من ~~شئون حياتها كانت تشغل فراغ حياتها، وإنني مع علمي مكانتها العالية من قلب رسولنا ~~الهادي فلا أعلم شيئا كثيرا عن نشأتها وأيام حداثتها، وأي جو من الأجواء خلقته ~~في منزل أبيها - صلوات الله عليه - قبل زواجها؟ # | الفصل الثاني # تم زواج السيدة فاطمة الزهراء من الإمام علي - كرم الله وجهه - في شهر رجب من ~~السنة الثانية للهجرة النبوية المباركة، ولقد كانت سيدة النساء إذ ذاك في أزهى ~~أوقات الحياة، في الثامنة عشرة من عمرها، أما الإمام علي فقد كان يبلغ الحادية ~~والعشرين، كلاهما شخصيتان يحيط بهما جلال الإيمان ونور الهدى، متكافئان متعادلان من ~~كل الوجوه مناسب أحدهما للآخر كل المناسبة. # كلاهما عالي الفكر رقيق الحس حميد الخلق، صبيح الوجه، فكلاهما زوجان مفتونان ~~بالمعالي، عاشقان مغرمان بالمحامد. # بدأت حياتهما المشتركة التي امتزجت فيها الفضيلة بالكمال والأصالة بالجمال على ~~هذا الوجه من الصفاء والإخلاص. # حضر الإمام علي ذات ms110 يوم من أيام السنة الثانية للهجرة إلى الدار النبوية بنفسه، ~~وبعد أن دخل الدار سلم على الرسول فخر الكائنات وسكت. # 1 # فسأله الرسول ما إذا كان يطلب شيئا، فرد عليه مجيبا بأنه حضر ليطلب كريمته ~~السيدة فاطمة، فقال له الرسول: مرحبا أهلا، ولم يزد على ذلك بل ظل ساكتا ~~بعدها؛ مما اضطر عليا إلى العودة محتارا مدهوشا. # لم يستطع أن يميز وجه الحقيقة من رد الرسول فسأل بعضا من الأنصار فبشروه ~~وطيبوا خاطره وأفهموه بأن في هذا الرد ما يشعر بالقبول والإيجاب ففرح الإمام ~~واغتبط بذلك. # ونرى الرسول - صلوات الله عليه - بعد قيام علي يطلب كريمته السيدة فاطمة ويخبرها ~~بهذا الأمر ويسألها رأيها فلا تجيبه بل تطرق ساكتة، فيعد فخر الكائنات سكوتها ~~علامة الإيجاب والرضا فيقرر إتمام عقد الزواج، ثم يرسل بطلب علي - كرم الله ~~وجهه - ذلك ويسأله هل عنده من شيء، فيجيبه أنه لا يملك سوى فرسه ودرعه، فيأمره ببيع ~~الدرع لتجهيز السيدة فاطمة بثمنها. # يهرع علي إلى السوق فيبيع الدرع إلى عثمان بن عفان بأربعمائة وسبعين درهما ~~ويعود بالثمن معقودا في طرف ثوبه ويضعه أمام الرسول وهو يقول: «ها هو بدل الدرع يا ~~رسول الله.» فيقبض الرسول بعض دراهم منها ويناولها بلالا ليشتري بعض الطيب ~~والروائح ويسلم الباقي إلى أم سلمى لتشتري الجهاز، وإلى القارئ جملة ما بعثه الرسول ~~مع ابنته سيدة النساء. # ثوبان من الصوف. # خميلة. # سواران من الفضة. # طاقية. # قدر. # رحى. # وعاءان صغيران للماء. # وعاء صغير للماء. # كوز. # حشيتان: إحداهما من ليف النخل والأخرى من قطع الجلد. # أربع وسادت: اثنتان منها محشوتان صوفا والأخريان ليفا. # ها هو جهاز سيدة النساء، كريمة فخر الأنبياء في السنة الثانية من الهجرة، فما ~~أبلغه درسا في الاقتصاد للأمة الإسلامية! ~~••• # وبعد أن أحضرت أم سلمى ذلك الجهاز، دعا الرسول # صلى الله عليه وسلم # جمعا غفيرا من ~~الأنصار، ثم خطبهم خطبة بليغة أثنى فيها على الله ما هو أهله، وذكر فيها فوائد ~~الزواج وختمها بقوله: قد زوجت فاطمة من علي بأمر الله، ms111 ثم دعا لهما عقب ذلك ~~بحسن المعاشرة وبالذرية الصالحة، وعندما تم عقد النكاح على هذا الوجه البسيط أحضر ~~الرسول للحاضرين من الأنصار وعاء فيه بعض التمر وقدمه إليهم بقوله: ~~تخاطفوا. # هكذا تم زفاف سيدة النساء وابنة فخر الكائنات بلا ضجيج ولا ضوضاء، ولكنه بالسرور ~~يملأ أرجاء القلوب، بالصفاء الذي يعدل الصفاء يشعر به المرء أيام الأعياد. ما ~~السعادة؟ أليست صفاء القلوب، فإذا كان القلب مغموما كئيبا فما هي قيمة الحياة ~~مهما ازينت وأنيرت وحف بها أسباب الأنس وألوان السرور؟ # بعد أن تفرق المدعوون طلب الرسول # صلى الله عليه وسلم # أم سلمى وأمرها بأن تذهب بكريمته إلى ~~دار علي، وبأن تخبرهما أنه آت إليهما عن قريب، فنفذت أمره وسارت بسيدة النساء ~~إلى دار زوجها. # أما الرسول فقد صلى صلاة العشاء ويمم عقب الصلاة دار علي وفي يده قربة من ~~الجلد تستعمل لسقى الماء، وعند وصوله دار صهره قرأ عليها سورة المعوذتين وبعضا من ~~الأدعية وأمرهما بأن يشربا ويتوضآ من الإناء، ثم أخذ قليلا منه ونثره على رأسيهما ~~وعندما أراد مفارقتهما وقد هم بالقيام كانت فاطمة - رضي الله عنها - تبكي فخاطبها ~~بما معناه: «أي بنيتي، قد تركتك وديعة عند رجل إيمانه أقوى من إيمان أي إنسان آخر، ~~وعلمه أكثر من علم الجميع، إنه من أفضل قومنا أخلاقا وأعلاهم نفسا.» # أهدى نفر من الأنصار الكرام سيدة النساء كبشا وبضع كيلات من الذرة بمناسبة هذا ~~الزفاف، وكانت الدار النبوية قد أرسلت إليهما بعضا من التمر والزبيب، فأولما من ~~هذه الأشياء وليمة حسنة. # على هذا الوجه تم عقد الشركة القلبية بين سيدة النساء فاطمة والإمام علي - ~~كرم الله وجهه - فلا يمكن المزيد على هذا النوع من الصفاء والضرب من البساطة، لأن ~~يحب الإنسان ويحب وليصير سعيدا ويسعد من حوله هذه أمور تتوقف على ما ~~يؤسسه المرء من دعامات الحب فوق أسس الإخلاص ليعيش في مأوى محكم يقاوم عواصف ~~الدهر وأزمات الزمان، وتزيده آلام النفس قوة، وتجعله مواسم العمر أزهى وأبهر مما ~~كان. # بمثل هذه المتانة ms112 والرزانة أحب علي زوجته سيدة النساء، وببركة الدعاء النبوي ~~كنت ترى إشراق الشمس وألوان السماء الصافية ونشوة الشباب وما إلى ذلك من المعنويات ~~مجتمعة في دار علي تقطع مراحل العمر مع ذينك القلبين الطاهرين وتغمرهما بأنوارها ~~الزاهية. # كل يوم من هذه الأيام السعيدة في سلسلة العمر البشري تلك التي تمر بين أنوار ~~السرور وأضواء الابتسامات، ألا تكون كالجواهر النفيسة قيمة بمقدار ما يكون نصيبها ~~من تأثر وانسياق؟! فالأوقات المملوءة بالمحبة هي أوقات الياقوت، وأيام الأمل تشابه ~~الزمرد، والأزمان التي تمضي بالصداقة تحاكي الفيروز، والأعمار التي تنقضي بالوئام ~~والاتحاد تكون كاللآلئ، فهذه الأوقات النفيسة كم هي جديرة بالاهتمام والعناية! هذه ~~النفائس بعد أن يمضي وقتها وبعد أن تتزين بها النحور يجب أن تصان في محافظ ~~قيمة، يجب أن يعنى بشأنها؛ لئلا يصيبها أذى أو يعتورها فساد أو يلحقها غبار ~~ينقص ويقلل من شأنها، فإذا ما انقضى ربيع الحياة ومضت أنوار العمر وذبلت أزهار ~~السرور والبسمات فإن إخراج هذه النفائس من مكامنها للتملي بمشاهدتها وإعادة ~~الذكريات الحلوة برؤياها وتجريد خواطر الصبا بواسطتها، سعادة يا لها من ~~سعادة! # كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # قد أمر كريمته العزيزة بأن تقوم بما يخصها في هذه الحياة ~~من شئونه وأعبائه أي كل ما يتعلق بإدارة المنزل من خبز وطبخ وكنس وتنظيف، كما كان ~~علي يقوم بما يترتب على الرجل من وظائف الحياة خارج المنزل؛ إذ كان يرعى الإبل ~~ويشتري لوازم بيته من السوق. # وهما في ذلك وإذا بعلي يقول لزوجته يوما: «لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقد ~~جاء الله بسبي فاذهبي فاستخدمي.» فقالت: «وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي.» # 2 # فأتت النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: ما جاء بك أي بنية؟ فقالت: جئت ~~لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فأتياه معا هي وزوجها، فذكر له علي ~~حالهما، قال: لا والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تتلوى بطونهم، لا أجد ما ~~أنفق عليهم ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم فرجعا، فأتاهما وقد دخلا على قطيفتهما ms113 ~~إذا غطيا رءوسهما بدت أقدامهما وإذا غطيا أقدامهما انكشفت رءوسهما ~~فثارا فقال: مكانكما، ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى، فقال: ~~كلمات علمنيهن جبريل، تسبحان في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران ~~عشرا، وإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين ~~وكبرا أربعا وثلاثين، فسكتا وعملا بإشارة الرسول. # لفاطمة الزهراء من الأولاد خمس: ثلاث صبيان وبنتان، وهم: الحسن والحسين ومحسن وأم ~~كلثوم وزينب، وقد مات محسن صغيرا. # 3 # كانت - رضي الله عنها - ذات عقل ودراية، عالية النفس تجيد الشعر وتعرف مسائل ~~الفقه والشريعة ولها إلمام بالتاريخ، ولم يأخذها الغرور يوما لعلو منزلتها في ~~الإسلام، وكانت سلسة القياد حلوة اللسان تحب معونة الفقراء كزوجها علي، وقد كان ~~أكثر خرجه في وجوه البر والقرب، فكان له ارتفاع طائل من أملاكه يخرجه جميعه على ~~الفقراء والضعفاء ويقتنع هو وعياله بالثوب الغليظ من الكرباس وبالقرص من خبز الشعير. # 4 # مرض الحسن - رضي الله عنه - ذات يوم في إبان صباه واشتدت عليه وطأة المرض شدة ~~أقلقت بال ذويه، وبينما كان سيدنا علي - كرم الله وجهه - في المسجد مع نفر من ~~أصحابه، مطرقا حزينا على حالة ولده، وإذا بهم يشيرون عليه بأن ينذر أمرا لله إذا ~~عاودته الصحة، ولما عاد إلى داره نوى أن يصوم ثلاثة أيام لوجه الله فاستصوبت ~~السيدة فاطمة هذا الرأي وشاركته في الصيام، وقد اعتقد الحسين أيضا أن في مثل هذا ~~النذر شفاء أخيه فنسج على منوال أبويه في الصيام، وكان الإمام علي - كرم الله وجهه ~~- قد أحضر مقدارا من الشعير من أحد معارفه فطحنت السيدة فاطمة نحو ثلثه وجعلته ~~خمسة أرغفة، وبينما كانت هذه العائلة العلوية المباركة على المائدة انتظارا لوقت ~~الإفطار ساعة الغروب، مر فقير على بابهم وسأله شيئا من القوت فترك علي ما بيده ~~وتبعته السيدة فاطمة وناولا الرجل جميع الأرغفة المعدة للطعام ذلك اليوم، وقد ~~حدث لهما ذلك في اليومين التاليين من صيامهما حتى إن العائلة جميعها اضطرت أن تمسك ~~عن الطعام والشراب ثلاثة أيام ms114 متواليات اللهم إلا قليل من الماء يترشفانه رشفا، ~~ولكن الله قبل صيامهم؛ إذ إن الحسن أخذ يتماثل نحو العافية في اليوم الرابع ففرح ~~والداه بذلك فرحا شديدا وأخذا الحسن والحسين إلى جدهما الرسول - صلوات الله عليه ~~وسلامه - وقصا عليه ما وقع لهما، وقد أخبره الإمام # 5 ~~- كرم الله وجهه - ما لاقته السيدة فاطمة من عناء وشدة في أيامها ~~الثلاث، فبشرهما النبي فخر الكائنات بأن الله قبل منهما صيامهما وبرهما. # لا أدري بأي لسان أصف مثل هذا العمل الصالح وكيف أصور للقارئ أمثال هذه النفوس ~~الطاهرة، أمثال هذه الحوادث تبعث الأمل والتسلية في النفوس وتغري المرء بالاقتداء ~~بمثل هذه التضحيات الدالة على الكمال الخلقي. # كانت السيدة فاطمة امرأة من بنات حواء مثلنا، ولكنها نزعت طول حياتها إلى العلو ~~ووقفت دقائق العمر على ما فيه صلاح النفس وكمالها، ولنا من ذلك مثال جدير ~~بالاقتداء، ودرس أخلاقي بليغ. # تلك الحياة النزيهة الصافية يصيبها ما يعكر صفاءها ذات يوم، فترى عليا في طريقه ~~إلى المسجد مغموما كئيبا يتنفس الصعداء حتى إذا وصله وصلى قليلا تغلب عليه ~~النعاس فنام منزويا في أحد الأركان، فرآه الرسول على هذه الحالة وكان قد علم ~~بالنزاع الحاصل بينه وبين كريمته السيدة فاطمة، فتقدم نحوه ومسح ما عليه من التراب ~~وهو يقول: «ما جلوسك هنا يا أبا تراب»، # 6 # ثم أمره بالعودة إلى داره، فأصبح يلقب بذلك منذ ذلك، وكان ذلك من ~~دواعي سروره. ~~••• # كانت السيدة فاطمة تشابه أباها في كلامها وتحاكيه # صلى الله عليه وسلم # في ~~مشيتها محاكاة تامة تثير دهشة الناس، أما محبتها لوالدها فخر الكائنات تلك المحبة ~~الخارقة للعادة، فإن الكتب والأسفار مشحونة بقصائدها وأحوالها وحوادثها في هذا ~~الصدد. # وأستطيع أن أقول: إن هذه المحبة التي تفوق كثيرا محبتها لزوجها وأولادها كانت ~~محور حياتها النزيهة والعنصر الأساسي فيها، فإن آثار الشفقة والحنان التي كان ~~يظهرها لها الرسول - صلوات الله عليه وسلامه - ونصائحه الأبوية وكلماته الطيبة، هذه ~~المعنويات هي التي سطع بريقها وأشرق نورها في تلك الحياة الطاهرة ms115 التي دامت ثمانية ~~وعشرين ربيعا، فصحبتها الروحانية لوالدها الرسول هو الذي رفع شخصيتها وألقى ~~شعاعا من النور على نسويتها. # قد كانت عالية النفس بفطرتها ولكنها بهذا الاتصال الروحي تمكنت من أن تكون ذات ~~شخصية لاهوتية وأن تكون مظهرا لعنوان سيدة ربات الخدور. # كانت السيدة فاطمة الزهراء محبوبة من أهلها يحبها الجميع، أما هي فقد كانت ~~مشغوفة بحب والدها أكثر من أي إنسان آخر، كانت تحب الرسول فخر الكائنات من أعماق ~~القلب والروح، وقد تركت ذكريات حسنة في قلب كل إنسان عرفها أثناء فترة السنوات ~~العشرة التي مضت من يوم زواجها حتى ساعة وفاتها، فكان الإمام علي ينفذ كل طلب ~~لها ويعمل بكل كلمة تقولها، وكان أولادها وعيالها يطيعونها ويحترمونها في كل حين ~~ولحظة. # كانت تحب أولادها وتعتني بشأنهم، وكانت في صلاتها وعبادتها، في مبراتها وخيراتها ~~من أكثر السيدات أنسا في محفل ربات الخدور. # روي عنها أحاديث نبوية كثيرة، ونظمت قصائد ذات أبيات عامرة، وأظهرت دراية ومهارة ~~في حل كثير من المعضلات. # على هذا النحو البديع مرت حياتها العذبة حتى السنة الحادية عشرة من الهجرة ~~النبوية المباركة، تجبر القلوب الكسيرة وتعين المحتاجين وتغيث الملهوفين، وقد ظلت ~~هذه الحياة السعيدة على هذه الوتيرة حتى السنة الحادية عشرة من الهجرة، أي في العام ~~الذي انتقل فيه الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلى جوار ربه، فتناثرت أوراق تلك السعادة وأظلم ~~قلبها بعد أن غاب عن سمائه تلك النجمة العالية التي سطعت فيه ردحا من الزمن، ~~وهكذا الدهر لا ينقضي يوم حتى يعقبه ليل. # أقبلت ذات مرة تزور الرسول - صلوات الله عليه - وكان معه السيدة عائشة، فقال: ~~مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه ثم أسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها ~~حديثا فضحكت. فقالت السيدة عائشة: «ما رأيت كاليوم أقرب فرحا من حزن؟ فسألتها ~~عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي # 7 # على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - سره. فلما قبض سألتها، ~~فأخبرتها أنه قال: إن جبرائيل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ms116 وإنه عارضني ~~العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي ونعم السلف ~~أنا لك. فبكيت، فقال: ألا ترغبين أن تكوني سيدة نساء العالمين، فضحكت.» # لم تترك السيدة فاطمة أباها الرسول لحظة واحدة وهو على فراش الموت، فقالت له ~~يوما وهي تبكي: «إنك يا أبي تعاني سكرات الموت هلا أقمت من خواص صحابتك من ~~يليك في أمر النظر في شئون العامة قبل أن تنقل من دار جهادك إلى الآخرة مقر خلدك ~~وسعادتك، وها قد بدأ النحول والإعياء يظهران عليك فلو تعلم مقدار محبتي لك، إنك قد ~~خلفت لي ذكريات كثيرة تذكرني بك أما أنا فلا أملك شيئا أعده، قلبي أسيف يملؤه ~~الحزن أحاول اليوم تعزيته إنني سأفقدك فوا مصيبتاه! وما أشد بلواي! أما أنا لا ~~يرثى لحالي إنسان.» فأجابها الرسول بما معناه: أي «بنيتي هذا يوم لم يبق لي فيه ~~شأن مع أحد، وسوف أرى جزاء ما صنعت إن خيرا وإن شرا، لقد علمت حالهم ومضيت في ~~أمرهم بالعدل، والله على ما أقول شهيد، حافظت على التأني وجاهدت من أجلهم ~~وارتديت لباسهم وصليت معهم دون أن يعتريني فخر أو كبر، ولم أتخذ لنفسي ما يشبع ~~جوعي، ولم أرتد ثوبا ناعما يرفه جسمي، بل قضيت حياتي في فقر وضرورة، فإذا ~~انتقلت إلى جوار ربي لينظروا في شأن أنفسهم بنفسهم وأعطي إليهم لباسي الذي أتقي به ~~البرد والغطاء الذي أتدثر به وتلك الحشية المصنوعة من ليف التمر التي أجلس عليها ~~وقاية الرطوبة.» عندما توفي - صلوات الله عليه - لم يكن معه سوى السيدة عائشة وعمه ~~العباس وكريمته فاطمة وزوجها الإمام علي - كرم الله وجهه. # لقد حزنت الزهراء حزنا شديدا لوفاة فخر الكائنات، ودام حزنها إلى أن توفاها ~~الله، فلم يظهر على وجهها إمارة من السرور طول تلك المدة. # خيل إليها بعد مصيبتها أن العالم كئيب مغموم وأن الشمس مظلمة والسماء مغبرة ~~قاتمة؛ ذلك لأن المناظر التي يراها المرء من خلال الدموع تظهر غبراء باهتة لونها ~~يغم الناظرين، كثرة ms117 دموع اليأس تقلل بهجة الحياة وتنقص مقدار أذواقها، فإذا بكى ~~القلب دمعت العين، وما في العالم من جاذبية وأشواق يتوقف على ما يفيضه القلب من ~~السرور والبشر؛ إذ تنعكس أضواء العالم على مرآة القلوب، فاليوم الذي نشعر فيه ~~بالحزن والكآبة لهو يوم أغبر لا طعم ولا لون له، أما أيام سرورنا فهي أيام بيضاء ~~ذات ألوان يشع من خلالها كل بريق للأنس والصفاء، وكما أن رونق الحياة متوقف على ~~نشاط الأنفس فهناك علاقة وارتباط بين جواذبها وإحساس ذواتنا. # وقد أعقب بكاء الزهراء فترة هي فترة السكون والهدوء، ودل ذلك على أن ارتباطها ~~بالحياة الدنيا قليل آخذ في الانحلال رغم ما كانت تشعر به من الحنو والمحبة إلى أهل ~~بيتها، وكانت تشعر بأن فراقها سيكون سهلا مستساغا؛ لأنه سيوصلها إلى حبيب قلبها، ~~إلى والدها الرسول - صلوات الله عليه. # الرابطة القلبية التي تربطنا بهذه الحياة الفانية منشؤها أننا نعيش فيها مع من ~~نحبهم، فكل منا يربطه بالكتلة البشرية رباط معنوي كالخيوط الحريرية المتماسكة في ~~شيرازة واحدة، فإذا انحلت إحداها قلت إحدى الروابط، وإذا ما انفصمت عراها بمرور ~~الزمن لم تبق لنا علاقة بكائن ما وأصبحنا ننظر إلى الحياة بجمود وهدوء، وقد يحدث ~~أحيانا أن انفكاك رابطة من أقرب الروابط إلى قلوبنا - كرابطة الزهراء بأبيها ~~الرسول - يؤدي إلى فصم عرى الروابط الأخرى، فلا نشعر إذ ذاك إلا بالأمل يحيا في ~~النفوس انتظارا ليوم الوصال. # زارت الزهراء قبر أبيها الرسول # صلى الله عليه وسلم # بعد وفاته بأيام وأخذت بيدها حفنة من ~~ترابه واستنشقتها بشوق زائد وأخذت تبكي ولهة، ثم لم تتمالك أن فاهت بهذه ~~المرثية: # اغبر آفاق السماء وكورت # شمس النهار وأظلم العصران # والأرض من بعد النبي كئيبة # أسفا عليه كثيرة الرجفان # فلتبكه شرق البلاد وغربها # ولتبكه مضر وكل يماني # وليبكه الطود المعظم جوه # والبيت ذو الأستار والأركان # يا خاتم الرسل المبارك وصفه # صلى عليك منزل الفرقان # فلم يسمعها إنسان حتى بكى معها، وبعد أن أفاضت دموع العين بما في القلب من نيران ~~الحزن ms118 عادت إلى منزلها واجمة مطرقة. # | الفصل الثالث # نصب الخلافة # لما قبض رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وارتفعت الضجة عليه، دهش أصحابه دهشة عظيمة، ~~وطاشت أحلامهم، وأفحموا واختلطوا، وصاروا فرقا، وتفرقت أحوالهم، واضطربت ~~أمورهم، فكذب بعضهم بموته وصمت آخرون، فما تكلموا إلا بعد التغير، وخلط آخرون ~~فلاكوا الكلام بغير بيان، وحق لهم ذلك للرزية العظمى، والمصيبة الكبرى التي هي بيضة ~~العصر ويتيمة الدهر ومدى المصائب ومنتهى النوائب. # ولقد سرى هذا الاضطراب النفسي إلى أصحاب الرسول وأنصاره الكرام وزاد في حيرتهم ~~الإشاعات التي راجت عن خلافة أبي بكر، لم يعيبوا على أبي بكر شخصيته وإنما حنقوا ~~لتوليه أمرهم بلا مشورة، ثم سعت رجالات من المهاجرين والأنصار إلى سقيفة ~~بني ساعدة، وهناك بعد جدال وحوار - بسطوا أيديهم إلى أبي بكر يبايعونه وكف علي عن ~~البيعة كرامة لزوجته الزهراء، وانحاز بجانبه بنو هاشم جميعا، وانضم إليهم ~~أبو سفيان بن حرب رأس بني أمية والزبير بن العوام بطل قريش، وحواري رسول الله وأقام ~~علي والزبير بدار فاطمة لا يبرحانها. # 1 # وقد أدى ذلك إلى سعي عمر بن الخطاب بقبس من النار إلى بيت علي - كرم الله وجهه ~~- ليحرقه، وهناك خرج له الزبير والسيف مصلت بيمينه، يريد أن يصدع به رأس عمر، ثم ~~تحايل عليه عمر ومعه خالد فأخذاه وأخذا من بعده عليا للمبايعة، ولما رأت السيدة ~~فاطمة زوجها يساق قسرا فولولت وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله. # إلا أن عمر كان قد ساق عليا إلى مجلس البيعة حيث أبو بكر، فقام له وقال واعتذر ~~إليه بأن بيعته كانت فجأة وأنه لم يقبلها طمعا فيها، بل حياطة للإسلام ووقاية من ~~شر الفتنة فأجابه الإمام علي والزبير: ما نفسنا عليك ما ساقه الله إليك من فضل ~~وخير، ولكنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا فاستبددت به دوننا وما ننكر ~~فضلك. # وعندما سكنت الخواطر وهدأت الثوائر قام أبو ms119 بكر إلى دار فاطمة وطلب منها الصفح عن ~~عمر فصفحت عنه، ولقد تمكن ابن الخطاب أن يملك روعه في مثل تلك العاصفة الهوجاء التي ~~أصابت الإسلام، فسعى بكل ما فيه من قوة وجلد حتى أنقذ المسلمين من شر فتنة كادت تقع ~~فتقوض الإسلام من أساسه - رضي الله عنه. # 2 # تلك مسألة الخلافة، وقد كادت تزعزع بنيان الإسلام، وقد كادت تتخضب فيها بالدم رأس ~~من أرفع رءوس المسلمين لولا عناية من الله أوقفتها عند حدها، لقد كانت همة عمر ~~سببا في إنقاذ روح الإسلام للمرة الثانية، لقد التزم عمر أخف الضررين فهاجم دار ~~السيدة فاطمة، ولكنها انتهت بالصلح وعادت بالصلاح، وفهمت سيدة نساء العالمين من ~~هو العامل المجد فيها، ولم تمتنع عن مصالحته، فما أسمى تلك الفضيلة! إن القلم ليعثر ~~عيا وعجزا حين يعرض لتلك الفضائل الملكية المقدسة التي كمل الله بها سيدة نساء ~~العالمين. # بعد وفاة أبيها فخر الكائنات ببضعة أيام ناولت مولاتها بعض الدراهم وطلبت منها ~~أن تنادي في السوق من يقبل صدقة بنت رسول الله، وإذا قبلها أحد أن تحضره إليها ~~ففعلت، وكان الرجل من فقراء المغرب من بلاد البربر فحدثته السيدة الزهراء حديثا ~~مآله: إن الرسول أنبأها بأن ابنيها الحسن والحسين يستشهدان فيفر أولادهما إلى ~~المغرب ويحميهما أهل البربر. # 3 # إنني لا أتمالك من الحيرة تستولي نفسي عند سرد هذه الحادثة، فقد حدث أن استشهد ~~الحسن والحسين وفر أولادهما إلى المغرب وحماهم المغاربة من أهل بربر، ثم تفرعت من ~~أصولهم الدولة الفاطمية الزاهرة التي حكمت شمالي أفريقيا من أقصاها ~~لأقصاها. # كان العالم الإسلامي مظهرا للمدهشات من الوقائع، تظهر حينا ثم تختفي آونة أخرى ~~كالحادثات الجوية فلا يبقى من أشكالها وأحوالها في لوحة الخاطر سوى أشباح ~~ضئيلة. # | الفصل الرابع # حادثة الفدك # ما دامت الدنيا فالمنازعات باقية لا تزول، وما دام الملوان فقانون تنازع البقاء ~~سرمد خالد، يعمل الناس به ويزعجون أنفسهم في سبيل تنفيذه. # اعترضت حادثة الفدك أيام الأحزان والأكدار التي قضتها السيدة فاطمة الزهراء عقب ~~وفاة أبيها ms120 فخر الكائنات، فكانت ضغثا على إبالة، وفدك هذه عزبة نخل كانت للرسول ~~- صلى الله عليه وآله وسلم - يصرف منها على أهل بيته وينفق الباقي في مصالح ~~المسلمين، وبعد أن توفي - صلوات الله وسلامه عليه - طلبت السيدة فاطمة فدك من سيدنا ~~أبي بكر، ويروي المؤرخون الحادثة على الوجه الآتي: # 1 # حضرت السيدة فاطمة ذات يوم إلى خليفة رسول الله وقالت له: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أعطاني فدك وشاهداي علي وأم أيمن. # فأجابها أبو بكر: لا أرتاب فيما تقولين وقد أعطيتك فدك. # ثم حرر لها حجة بذلك على قطعة من الجلد وسلمها إياها، وفيما هي عائدة إلى دارها ~~قابلها عمر وسألها من أين هي آتية؟ فأخبرته بما تم، فلم يرق ذلك في نظره وأخذ ~~الحجة من يدها ورجع بها إلى أبي بكر وسأله عن ~~الحقيقة فصدقه الخبر، فقال: إن عليا يريد أن يملك فدك وأم أيمن امرأة، ومحا ما ~~على الحجة من كتابة ومزقها في الحال، وقد اغبرت فاطمة من ذلك وراجعت أبا بكر وهي ~~تعلم قول أبيها: «إننا معشر الأنبياء لا نورث.» وعندما بلغها إجماع أبي بكر على ~~منعها لاثت خمارها وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ في ذيولها، ما تخرم ~~مشيتها مشية رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين ~~والأنصار فضرب بينها وبينهم ريطة بيضاء، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ثم ~~أمهلت طويلا حتى سكتوا من فورهم، ثم قالت: «أبتدئ بحمد من هو أولى بالحمد ~~والطول والمجد، الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم.» وذكرت خطبة طويلة ~~جيدة قالت في آخرها: # فاتقوا الله حق تقاته وأطيعوه فيما أمركم به، فإنما يخشى الله من عباده ~~العلماء، واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره يبتغي من في السموات والأرض إليه ~~الوسيلة، ونحن وسيلته في خلقه ونحن خاصته ومحل قدسه، ونحن حجته في غيبه، ~~ونحن ورثه أنبيائه أنا فاطمة ابنة محمد أقول عودا على بدء، وما أقول ms121 ذلك ~~سرفا ولا شططا فاسمعوا بأسماع واعية وقلوب راعية، لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم، فإن تعزوه ~~تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم، ثم أنتم الآن تزعمون أن لا ~~إرث لي، أفحكم الجاهلية تبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، إيها ~~معاشر المسلمين أبتز إرث أبي! أبى الله أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك ~~ولا أرث أبي، لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم ~~حشرك، فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر ~~المبطلون، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب ~~مقيم. # ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت: # يا معشر البقية وأعضاد الملة وحضنة الإسلام ما هذه الفترة عن نصرتي ~~والونية عن معونتي والغمزة في حقي والسنة عن ظلامتي؟! أما كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «المرء يحفظ في ولده»، ~~سرعان ما أحدثتم وعجلان ما أتيتم! إن موته لعمري خطب جليل استوسع وهنه ~~واستبهم فتقه، وفقد راتقه وأظلمت الأرض له، وخشعت الجبال، وأكدت الآمال، ~~أضيع بعده الحريم، وهتكت الحرمة، وأزيلت المصونة، وتلك نازلة أعلن بها ~~كتاب الله قبل وفاة رسول الله، إيها بني قيلة، اهتضم تراث أبي وأنتم ~~بمرأى ومسمع، تبلغكم الدعوة ويشملكم الصوت وفيكم العدة والعدد ولكم الدار ~~والجفن وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار، ألا وقد أرى أن ~~الجلد تم إلى الخفض وركنتم إلى الدعة فجحدتم الذي وعيتم، ألا وقد قلت لكم ~~ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم وخور القناة وضعف اليقين ~~فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ناقبة الخف باقية المعار موسومة الشعار ~~موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فبعين الله ما تعملون، ~~وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. # فأجابها أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «يا ابنة رسول الله، والله ما خلق ~~الله خلقا أحب إلي من رسول الله، ولوددت أن السماء وقعت على الأرض يوم ms122 مات أبوك، ~~والله لأن تفتقر عائشة أحب إلي من أن تفتقري، أتراني أعطي الأحمر والأبيض حقه ~~وأظلمك حقك وأنت بنت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؟! لقد كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «نحن ~~معاشر الأنبياء لا نورث وما خلفناه صدقة»، ولست تاركا شيئا كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يعمل به إلا عملت به.» ثم تعهد لها بعد ذلك أن يدفع إليها ما يخصها من ~~نصيبها وينفق باقيها في شئون المسلمين، فقامت من مكانها وتوجهت نحو قبر أبيها ~~تستشهد بأبيات ملؤها الشكوى وإشهاد أبيها على ما كان من هضم حقها، ثم نهج عمر في ~~خلافته على منوال أبي بكر في صدقة فدك، وكذلك كان شأن عثمان وعلي - رضي الله عنهم - ~~وعندما توفي الحسن بن علي في خلافة معاوية بن أبي سفيان قسمها بين مروان بن الحكم ~~ويزيد بن معاوية وعمر بن عثمان بن عفان، وأما في خلافة مروان بن الحكم، فقد انتقلت ~~جميعها إليه من طريق الميراث إلى ابنه عبد العزيز، وعندما ولي الأمر عمر بن عبد ~~العزيز أعادها جميعها إلى أولاد فاطمة. # ثم انتقلت إلى العباسيين عندما آل إليهم الحكم، وبأفول دولتهم انتقلت إلى ~~الفاطميين وكانوا يوزعون تمرها على الحجاج إلى أن قطعت أشجارها فانتهت بقطعها ~~حادثة فدك التي امتدت عصرين متواليين. # الحرم المدني. # | الفصل الخامس # وفاة الزهراء # عاشت سيدة النساء بعد أبيها فخر الكائنات ستة أشهر، وتوفيت ليلة الثلاثاء لثلاث ~~خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة هجرية بالغة من العمر عشرين سنة. # وقد كانت بجانبها ساعة أن حضرتها الوفاة أم سلمة، فقالت لها: اسكبي لي غسلا يا ~~أماه. # فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ثم لبست ثيابا لها جددا ثم قالت: «اجعلي فراشي ~~وسط البيت.» فاضطجعت عليه واستقبلت القبلة ثم قالت: «إني مقبوضة الساعة وقد ~~اغتسلت فلا يكشفن لي أحد كتفا.» ثم دفنت ليلا في البقيع وصلى عليها أبو بكر ~~والصحابة والأنصار ونزل قبرها الإمام علي والفضل بن عباس - رضي الله عنهما. # وبعد أن ms123 دفن الإمام علي زوجته المحبوبة جاء إلى قبر الرسول وناجاه بهذه الكلمات: # السلام عليك يا رسول الله، عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة ~~اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورق عنها تجلدي، إلا أن ~~لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة ~~قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فقد ~~استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة، أما حزني فسرمد، ~~وأما ليلي فمسهد، إلى أن يختار الله لي ~~دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها، فأحقها ~~السؤال واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، ~~والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن ~~أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين. # بلى إن الله مع الصابرين، إن الله الذي يبتلي عبده بالمصيبة، يهبه صبرا يعادل ~~مصيبته ويوازي نكبته، يرفع تلك القلوب الحزينة التي أحرقها بنار الألم ويجليها، ~~وشدة النكبة وعظم قدرها تكون بنسبة ما في القلوب من حس؛ فلذلك نرى القلوب الحساسة ~~تزيدها صدمات الحزن جلاء وقدرا واعتبارا، الأكدار سلم يرقاه المرء ليصل ~~الكمال، أما السعادة فتسوقه إلى مهواة الأنانية، القلوب السعيدة محرومة من مظاهر ~~الرحمة والتسامح، أما القلوب الطافحة بأنواع الهموم ففيها منافذ شتى للأنس، فسرعان ~~ما تأتلف بأحزان الآخرين وتختلط بآلامهم وتفهم حاجاتهم. # ينظر المتألمون إلى الحياة بنظرات ملؤها الشفقة وآيات الحنان، وكذلك كان الإمام ~~علي - كرم الله وجهه - أثر عليه الخطب وكان وقعه شديدا على قلبه الحساس، كان ~~يبكي دون أن تطفئ الدموع نيران قلبه، كيف لا يحزن وقد اشتد يتمه بعد فراق زوجته ~~عقب فراق الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # فراق هذين الحبيبين؛ حرمان ممض وجرح في القلب لا يندمل، وكلما فكر في الأيام ~~اللذيذة التي قضاها بصحبة سيدة النساء وتذكر خطر وقعها في قلبه الطاهر، وكيف كانت ~~أيام عمره التي عاشها والتي مات بموتها، ازدادت لوعته واشتدت كآبته فلا يجد السلوى ~~إلا ms124 في أحضان قبرها، فيترك روحه تطير سابحة فوق التربة، تعانق روح حبيبته وتناجيها ~~وتكشف لها عن مكنون مضضها وجواها، كان يسائل الترب والأحجار # 1 # ينتظر منها رد السؤال، ولكن أين لها أن تجيب؟ ~~••• # ألطف الزهور وأقربها إلى الحس وآخذها باللب، تلك التي تنشر أريجها وقت غروب الشمس ~~ثم تنام في مقتبل الليل، أجمل الورود أقصرها عمرا. # حمرة الشفق وبهاء الفجر لا يدوم جمالهما طويلا، بل لمدة محدودة، فالنغمات والشعر ~~والسرور كل ذلك معنويات سريعة الفناء، كذلك الابتسامات والغمزات ومعاني الحب ذكريات ~~للروح محدودة مدتها ونجوم تبدو في سماء الحياة قصيرة أمدها. # الربيع بهجة الحياة، وخير مواسم الربيع أقربها زوالا وأسرعها ذبولا، كذلك نفائس ~~الحياة، الورود والزهور والنغمات وساعات الفجر وذكريات الشباب والمواسم، أبهجها ~~وألطفها وأملكها للنفس أقصرها أعمارا. # لأن يحب المرء ويحب فيعيش محترما معززا مدللا زمنا ما، ثم يأفل بعد ذلك ~~كما تأفل ساعات الغروب، تاركا وراءه ذكرى خالدة وألما ممضا وأسفا دائما ~~مرتفعا نحو النور والسرور والسعادة، لأن يكون محبوبا على الدوام ... فينثر حوله ~~البسمات والنغمات ليعيش في جو من الأنس والطرب والشعر ثم يترك ذلك وراءه، فتبقى في ~~القلوب ذكراه الممزوجة بالحزن واللوعة والأسى، تلكم تاريخ القلوب المحبوبة كثيرا ~~الآفلة سراعا. # من بين هذه القلوب، قلب سيدة النساء فاطمة الزهراء، وتاريخ حياتها مستمد من تلك ~~العناصر المعنوية، وكما كانت الرحمة والشفقة من لوازم تلك الحياة ومن ألصق الشئون، ~~كذلك المحبة والظرف من أدوات زينتها وكمالها. # كانت قرة عين والدها والزوجة المحبوبة للإمام علي والأم الحنون للحسن والحسين - ~~رضي الله عنهم، وقد امتازت في صفاتها الثلاثة كابنة وزوجة وأم بمزايا قل أن تجتمع ~~في سواها وبفضائل مزدانة بالجلال والكمال. # كانت حياتها الزوجية مع الإمام علي - كرم الله وجهه - قصيرة جميلة، وكذلك أعمار ~~الورود الجميلة والزهور النضرة، فمضت في ربيع العمر كما تمضي ألوان الغروب وحمرة ~~الشفق بعد أن تترك وراءها ذكريات من الحسن والجاذبية، فتبدل بموتها جمال الربيع ~~وانقلب إلى خريف ممض، لو عاشت سيدة النساء، لما ذكرها ms125 المسلمون إلى يومنا هذا ~~باللوعة تتملك أفئدتهم، ولما كنا نتحدث عن أحزان الإمام علي بمثل هذه الشدة. # مثل الشخصيات الماضية نذكرها بالاحترام والإعظام، ونبحث عن أحوالها الخاصة بوضوح ~~وجلاء؛ أملا في تجديد العهد ورغبة في إحياء الاسم، كمثل الصور الشمسية التي نحتفظ ~~بها لرجال نعرف أسماءهم ولا نتذكر أشخاصهم، وكلما تجسمت أشكالهم وأنظارهم وأشباحهم ~~أمام أعيننا ازددنا حبا لهم وإشفاقا عليهم، وكما نعيد في الأذهان ذكريات الأيام ~~الحلوة التي نقضيها في مقتبل العمر كذلك نرى ~~جمالها ماثلا في الذهن ، أما الذين نحفظ في الذاكرة أيام حياتهم بالتفصيل ونستعرض ~~في المخيلة ابتساماتهم ودموعهم وآلام نفسهم، فإننا نذكرهم دائما بشيء من الأسف ~~والحزن يتملك أنفسنا: # ألا إنما الدنيا كأحلام نائم # وما خير عيش لا يكون بدائم # تأمل إذا ما نلت بالأمر لذة # فأفنيتها هل أنت إلا كحالم # فما قيمة المنازعات والمجادلات وأنواع المنافسات؟ ما قيمة كل ذلك ما دامت دنيانا ~~أحلام نائم وما دامت سعادتنا فيها سعادة الحالم. # | تاج الرجال # رابعة العدوية رضي الله عنها # | الفصل الأول # رابعة العدوية # السيدة رابعة العدوية هي أم الخير بنت إسماعيل ومن موالي آل عتيك، # 1 # مولدها البصرة وإننا وإن كنا لا نعلم تماما تاريخ ميلادها من المراجع ~~التي بين أيدينا، إلا أنه نظرا لوفاتها عام 135 # 2 # ولأنها عاشت نحو ثمانين سنة فإنها تعتبر بحق من ربات الخدور في أوائل ~~العصر الهجري. # أفنت حياتها في العبادة والتقوى وإصلاح النفس وكبح جماح الشهوات، فقد كانت ~~نموذج الكمال في عصرها، آثرت كل تضحية وعاشت فقيرة معوزة لتصل إلى هذه الدرجة ~~العالية، فهي بحق من أعيان عصرها في الإسلام. # كانت تفوق نساء زمانها وتمتاز عليهن لا بالزهد والتقوى فحسب، بل بفضلها وعرفانها، ~~بعلمها وأدبها، حتى رنت إليها الأبصار وتطاولت نحوها الأعناق، كان يتلذذ ~~بصحبتها ويستفيد من معاشرتها أمثال حسن البصري التقي الشهير، وشقيق البلخي الصوفي ~~العظيم، وسفيان الثوري المجتهد الكبير، والملك دينار، حاكم الكرج والشاعر البليغ، ~~كل هؤلاء الأفاضل صاحبوها وجالسوها وحضروا مباحثها في الدين والعلم، فأجلوها ~~وقدروا ms126 عقلها وذكاءها، وأعظموا حال زهدها وتقواها. # مات أبواها في مقتبل عمرها فنشأت في وقت استحكمت فيه حلقات الغلاء والقحط في ~~مدينة البصرة، فأوقعها نكد الطالع تحت أسر رجل ظالم مستبد احتبسها عنده مدة ثم ~~باعها إلى رجل آخر بعد أن أذاقها أنواع العسف والعذاب، ولم يكن حالها في هذه الدار ~~الثانية خيرا مما كانت عليه في الأولى، فقد تعذبت كثيرا وقاست شدة مريرة ~~قابلتهما بصدر رحب دون تململ أو تذمر؛ إذ كانت ترى الشكوى مزرية بها. # وبينما كانت ذات يوم تهرول مسرعة مجتازة أزقة البصرة رماها أحد المارة بنظرة ~~منكرة، فأرادت أن تعرض عنه ملفتة وجهها فزلت قدماها فسقطت على الأرض فانكسر ~~ذراعها، لم تقو على النهوض من مكانها فظلت مغشيا عليها مدة لشدة ما أصابها من ~~الألم، وعندما رجعت إلى صوابها رفعت نظرها خاشعة إلى السماء تناجي ربها: «رباه، ~~قد انكسر ذراعي، وأنا أعاني الألم واليتم، وسوف أتحمل كل ذلك وأصبر عليه، ولكن ~~عذابا أشد من هذا العذاب يؤلم روحي ويفكك أوصال الصبر في نفسي، منشؤه ريب يدور ~~بخلدي، وهل أنت راض عني يا إلهي؟ هذا ما أتوق إلى معرفته.» وما كادت تتم نجواها ~~حتى سمعت هاتفا يقول: لك يا رابعة عند الله مرتبة تغبطك الملائكة من أجلها، # 3 # فنسيت بعد ذلك ما اعتراها من الآلام وقفلت راجعة إلى دار سيدها آمنة ~~مطمئنة. # لم ينم سيدها ذات ليلة فسمع صوتا يرن في أرجاء داره فخرج من غرفته يتلمس ~~مبعث الصوت حتى قادته أذناه إلى غرفة رابعة حيث رأى ما أدهشه وحير لبه، رأى ~~رابعة تعبد ربها بخشوع ينم عن إيمان عميق فوقف يراقبها ويسمع مناجاتها وإذا بها ~~تقول: «ربي إنك تعلم أن أشد ما أتوق إليه هو عبادتك وتأدية ما لك من حقوق، ولكنني ~~أسيرة لا أملك حريتي الشخصية فلا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية فلتعذرني يا ~~إلهي.» # فبهت سيدها ووجد من العار إبقاء فتاة طاهرة عفيفة كرابعة تحت ذل الأسر، فلما ~~مثلت أمامه في اليوم التالي قال لها: ms127 «أنت حرة طليقة يا رابعة، ولك الخيار في أن ~~تمكثي هنا أو تذهبي إلى حيث تشائين.» فآثرت هي أن تترك دار مولاها لتعيش من كسب ~~يدها، ومنذ ذلك اليوم أصبحت حياتها درسا ممتعا وعظة بالغة؛ إذ وقفت حياتها على ~~أعمال البر والخير، واضعة نصب عينها الدستور النبوي الجليل: «اعمل لدنياك كأنك تعيش ~~أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا.» فأمضت الثمانين عاما التي عمرتها لم ~~تخل بحرف من هذا الحديث الشريف؛ إذ كانت ترى لذة في تضحية راحتها الدنيوية في ~~سبيل سعادتها الخالدة. # تجاذبت ذات يوم أطراف الحديث مع أحد مشاهير الصوفيين، فشكا إليها دنياه الفانية ~~فلم تطق احتمالا لشكواه فأجابته: «إنك يا هذا تكثر ذكر الدنيا وترددها على لسانك، ~~فأنت مفتون بها مشغول بمحاسنها؛ إذ إن الرجل كثيرا ما يذكر ويفكر في المتاع الذي ~~يريد أن يستحوذه، فلو أنك قطعت كل صلة بدنياك لما ذكرت شيئا من محاسنها أو ~~مساويها.» ومن غرائب رابعة أنها كانت ترد كل ما يعطيها الناس # 4 # وتقول: «ما لي بالدنيا حاجة.» وقد مرضت ذات يوم فلزمت فراشها ولما ~~عادها حسن البصري مستفسرا عنها وجد أمام بابها تاجرا يبكي فسأله متحيرا: ما بك ~~ولم تبكي؟ فأجاب: أحضرت كيسا من الذهب لرابعة وإنني مضطرب لا أدري أتقبله أم ~~ترفضه؟ فادخل بالله وأنقذني من هذا الاضطراب، فدخل حسن البصري، ونقل إليها ما كان ~~من أمر التاجر، فأجابت: «ألا تعلم يا حسن أن الله يرزق حتى عباده الذين هم عنه ~~لاهون، فما بالك بمن يكن في سويداء قلبه محبة يقف دونها الحصر لفاطر السموات - ~~عز وجل - إنني يا حسن لم أتوجه إلى غير الله منذ اليوم الذي أدركت فيه قدرته ~~الإلهية، كيف أستطيع قبول هدية هذا التاجر وأنا لا أعلم هل اكتسب ماله من حلال أو ~~من حرام، # 5 # فمحال علي قبولها، فاذهب إليه واشكره مع تقديم عذري له. # حادثة أخرى: زارها أحد التجار يوما ما فوجد دارها خربا يحتاج إلى إصلاح وتعمير، ~~فأخبرها أنه يعطيها دارا من دوره ms128 مؤقتا فقبلت رابعة ذلك وانتقلت إلى الدار ~~الجديدة، كانت دار الرجل يحف بها أسباب النعيم والرفاهة وتزدهي جدرانها بأنواع ~~الزينات والزخرف، ولما كان نظر رابعة لم يتعود أن يقع على أمثال هذا الزخرف فقد ~~أطالت النظر في الغرف الزاهية بصنوف الزينة وضروب الأشكال المبهجة ولم تتمالك أن ~~تمتنع من هذا الأمر وهي حيرى والهة، وبعد أن أمعنت النظر فيما حولها وتأملت ~~طويلا ما يحيط بها رجعت إلى نفسها فخرجت من الدار توا وهي تقول: «سوف لا أعود ~~ثانية إلى هذه الدار، ولو مكثت بها ائتلفت نفسي بهذه الأشياء الجميلة فيستهويني ~~لطفها فيحول دون ما أنا صائرة إليه من الأخذ بأسباب الآخرة.» # رحمة العبادة. # كانت تصلى الليل كله، فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر ~~فتنهض فزعة وتقول: «يا نفس كم تنامين؟ وإلى كم تنامين؟ يوشك أن تنامي نومة لا ~~تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور.» # 6 # وكان هذا دأبها حتى ماتت، كانت - رحمها الله - عابدة قانتة زاهدة ~~فانية في الله ترى كل شيء ما خلا الله باطلا، ولها كرامات تسمع هتاف الهتاف إليها ~~فتركت كل ما في الدنيا من متاع وغرور لتصل إلى طريق الذات العلية؛ وبذلك عدت ~~من أعيان النساء الصالحات في العالم الإسلامي. # قالت في مناجاة لها: «إلهي، أتحرق بالنار قلبا يحبك؟» فسمعت هاتفا يقول: «ما ~~كنا لنفعل ذلك.» # كانت لها شخصية ممتازة ولم تصل فاضلة ممن عاصرتها إلى مثل ما وصلت إليه أم ~~الخير، فقد جمعت مزايا كثيرة أكسبتها لقبا جديرا بالاحترام خلد لها اسما ~~عاطرا في صفحات التاريخ؛ إذ كانت تدعى «تاج الرجال»، سئلت ذات يوم: هل يتوب ~~المولى - عز وجل - حقيقة عن عباده النادمين؟ فأجابت: لو أن الله لم يعط الندامة ~~لعباده فكيف يتوبون؟ فما دام أشعرهم بالندامة وألقى إليهم حسن التوبة، فمن البديهي ~~أن يشملهم بواسع عفوه وأن يقبل توبة التائب منهم. # وسئلت يوما: هل تحبين الله كثيرا فقالت: بلا ريب، فقيل لها: ألا تعدين ~~الشيطان عدوا لك؟ فأجابت: إن ms129 محبة الله قد ملأت أرجاء قلبي، فليس فيه متسع إلى ~~القلق والاضطراب من عداوة الشيطان. # 7 # كان يزورها كثيرون من الناس لشهرتها وشيوع صيتها، ويتبرك بمجالسها رجال من أفاضل ~~أهل العلم، ويجدون في محاضراتها أنسا عميقا. # وعندما ماتت زوجة حسن البصري طلبها للزواج فلم تقبل وأرسلت إليه قصيدتها ~~المشهورة التي ضمنتها كثيرا من التغزل الإلهي، وقد سألها عقب ذلك في محادثة دارت ~~بينهما: «أليس لك رغبة في الزواج قط؟» فأجابت تاج الرجال: إنما يتزوج من يملك ~~إرادته بنفسه، أما أنا فليس لي إرادة، إن أنا إلا عبدة المولى - عز وجل - «وضعت ~~نفسي تحت إرادته وتصرفه.» فقال لها الحسن البصري: كيف وصلت إلى هذه الدرجة من ~~الزهد والصلاح؟ فأجابت أم الخير: «بمحو النفس وفنائها تمام الفناء.» # قال لها أحد العلماء الأفاضل ذات يوم أثناء زيارته لها: «إن المولى فاطر السموات ~~يا رابعة يكافئ الذين يصطفيهم من عباده بموهبة من المواهب ليزداد قدرهم، ولكن من ~~الغريب أننا لم نجد مثل هذه القدرة والكفاءة في امرأة، فكيف وصلت إلى هذه ~~المرتبة؟ وكيف أصبت مثل هذه السعادة؟» # فأجابت: «أنت محق في ذلك؛ لأن النساء لم يفتتنوا يوما من الأيام بكفاءتهم فلم ~~تتظاهر بدعوى القدسية.» # تاريخ أم الخير مملوء بالمدهشات من الغرائب ننقل هذه الحادثة كأنموذج لما ~~سواها. # كان من عادتها أن تعتزل الناس فتخلو إلى ربها للدعوة والمناجاة، فكانت تصوم سبعة ~~أيام وتنقطع إلى العبادة والزهد ليالي لا تفتر أثناءها عن مناجاة النفس بهذا ~~الخطاب: «إلى متى تعذبين نفسك يا رابعة وتحملينها مشقة ليس بعدها مشقة؟» وهي في ~~ذلك وإذا برجل يدق عليها الباب وفي يده صحن من الطعام يتركه لديها ثم ينصرف، أما هي ~~فتأخذ الصحن وتضعه في زاوية من الغرفة وتتشاغل بإصلاح القنديل، وهي على ذلك الشأن ~~فتدخل هرة فتأكل الطعام الذي في الصحن، وطالما تعود رابعة ترى الصحن خاويا ~~فتقول رابعة في نفسها: «لا بأس أفطر على الماء.» وعندما تذهب لتعود بالماء ينطفئ ~~القنديل فلم تطق احتمالا وتقول: اللهم لم هذا ms130 العذاب؟ فتسمع هاتفا يقول: لو ~~شئت يا رابعة وهبناك جميع ما في الدنيا ومحونا ما في قلبك من نار العشق؛ لأن قلبا ~~مشغولا بحب الله لا يشغل بحب الدنيا، سمعت ذلك فعزمت على ألا تعود فتتمنى سعادة ~~الدنيا وراحتها، بل ظلت ثلاثين عاما تذكر ربها ولا تعيد تلك الجملة أو غيرها مما ~~ينم عن الشكوى والألم، بل كان وردها: رب لا تجعل في قلبي مكانا لغير ~~حبك. # قال عنها الملك دينار وقد كان شغفا بها مفتونا بفضلها: ذهبت أزور أم الخير ~~يوما فوجدتها على حصيرة بالية وموضع الوسادة قطعة من الآجر وتشرب من إناء مكسور، ~~فقلت لها: أعرف يا أم الخير أصحابا لي من ذوات اليسار فاسمحي لي أن أذهب إليهم ~~وأطلب منهم معونتهم في أمر رفاهيتك وراحتك، فردت طلبه قائلة: إن الله رازق ~~الأغنياء يهون على الفقراء أيضا حاجاتهم، فما علينا إلا الصبر والقناعة، ورضاء ~~الإنسان بما قسمه الله فرض محتم. # وقد زارها ذات يوم سفيان الثوري أحد الصالحين المعاصرين لها ومعه فاضل آخر يدعى ~~عبد الواحد، فوجداها نحيلة الجسم واهية القوى فلم يتمالكا نفسيهما من البكاء، فقال ~~لها سفيان الثوري قدس الله سره: هلا طلبت من الله يا أم الخير أن يخفف بعض ~~الألم؟ فأجابت: من هو الذي يعذبني ويسبب آلامي؟ فقال: هو الله، فأجابت: إذا كان ~~هذا أمر ربي، فكيف أخالفه وأطلب منه تخفيف الألم؟ فأجابها: لا أستطيع أن أرد عليك ~~وها أنا ذا أكل إليك أموري بدل أن أشتغل بأمرك، # 8 # فاستمرت تقول: لو لم تكن يا سفيان راغبا في الدنيا كل هذه الرغبة ~~لكنت إنسانا كاملا، فلم يتحمل سفيان مزيدا وأجهش في البكاء وهو يقول: هل أنت ~~راض عني يا ربي؟ فقالت له: ألا تخجل فتسأل ربك ما إذا كان راضيا عنك، فما الذي ~~صنعته لتفوز برضاه؟ فسكت. # وزارها يوما بعض أهل الفضل وسألوها لماذا تعيش منزوية ولا تتزوج، فأجابت: إنما ~~يشغل خاطري ثلاثة أمور؛ أولاها: هل أموت وأنا على إيمان كامل؟ والثاني: هل أنال ms131 ~~صحيفتي بيدي اليمنى يوم الحساب؟ والأمر الثالث: لا أدري مع أي فريق أكون يوم الحشر، ~~أمع الذاهبين إلى الجنة، أم مع الهالكين في جهنم؟ فإذا كنت مشغولة اللب بأمثال ~~هذه الأمور، فكيف أبحث عن الزواج؟ ~~••• # سألها سفيان الثوري أيضا وكان من كبار المتصوفين في عصره: كيف هو إيمانك ~~يا رابعة؟ وكم هو مبلغ اعتقادك بالله تعالى؟ فأجابته تاج الرجال: «لا أعبد ربي ~~خوفا من ناره أو شوقا لجنته، وإنما أعبده لمحض المحبة والإخلاص.» ثم أخذت ~~تناجي ربها بهذه الكلمات: # 9 ~~«إلهي أحبك لوجهين: لحبي وهيامي لك ولأنك أهل للمحبة والعبادة، ~~فباشتياقي ومحبتي أذكر اسمك وأشغل بذاتك العلية، وبأهليتك للمحبة أنال من لدنك ~~مرتبة المشاهدة، فلا يقف حمدك وثناؤك لأمر منهما، وإنما لك الشكر ومنك الفضل ~~للحالين.» # وكان كفنها وهو عباءة من الصوف لم يزل موضوعا أمامها تستصحبه معها أينما ذهبت، ~~وعندما اقتربت منيتها وشعرت بالوفاة طلبت «عبدة بنت أبي شوال»، وقد كانت صديقة ~~مخلصة لها فأوصتها بأن يكفنوها # 10 # بتلك العباءة، فلما ماتت عملت بوصيتها فرأتها في المنام بعد دفنها ~~بعام برداء أخضر وغطاء أخضر على رأسها، فقالت لها متعجبة: ماذا صنعت بكفنك الصوف؟ ~~فأجابتها: قد عوضني الله عنه بهذه الثياب كما ترين. ~~••• # وكان موتها عام 135 هجرية، وقبرها في رأس جبل الطور شرقي القدس يزوره الناس حتى ~~اليوم. # وإن القارئ يرى من خلال ما شرحناه أنها - رحمها الله - شخصية غريبة ذات مزايا ~~انفردت بها من بين ربات الخدور في العصر الإسلامي، كما كانت مثالا نادرا للتصوف ~~والزهد والخشوع، عمرت ثمانين سنة كانت فيها مثال الكمال والعمل على التدرج ~~الروحي، ضحت دنياها لقاء أخراها؛ إذ كانت تستطيع أن تعيش مرفهة منعمة ~~كمعاصريها، ولكنها لازمت الفقر والضرورة وأنواع العذاب والمشقة لمحو كل عاطفة ~~دنيوية من نفسها. # لا يمكن الوصول إلى درجة الكمال التي وصلت إليها رابعة؛ إذ يصعب تضحية دنيانا ~~لأجل آخرتنا في مثل هذا العصر الذي اشتدت فيه الرغبة في الحياة والصدوف عما سواها، ~~وإنما لو اتخذنا من حياتها اليومية ms132 دستورا ننسج على منواله نزيد في تدرجنا الروحي ~~ورقينا الكمالي! # لو أننا فهمنا أوامر النبي وتعاليمه التي جاء بها منذ أربعة عشر قرنا لعملنا ~~للدنيا والآخرة معا، ولكنا ارتقينا نحو ذرى الكمال. # | الخنساء # الخنساء. # | الفصل الأول # قبل الإسلام # هي الشاعرة الجليلة، بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، ونسبها يتصل بسليم ~~وعيلان إلى قبيلة مضر الشهيرة. # كان أهلها من سكان البادية العائشين تحت ظلال خيامهم المنصوبة وسط المهامه ~~والقفار، حيث لا قانون ولا سلطان، وحيث هم أحرار طلقاء من كل قيد وذل. # كان قومها - كشأن العرب سكان البوادي - على طباع متنافرة وخصال متضادة تجمع بين ~~المحامد والمثالب: فبين تراهم في ذروة الكمال من الشهامة والمروءة والأنفة والإباء ~~وكرم النفس، وإذا بهم في أدنى مراتب الفوضى والهمجية وشدة الطبع؛ يحبون سفك الدماء ~~ويركبون في سبيل أخذ الثأر متون الشطط، ويتجاوزون في ارتكاب الشدة حدود الإنسانية، ~~جعلوا القتال وخوض غمرات الحروب والطعان ديدنا لهم واشتد طلبهم للثارات حتى كانت ~~القبائل جميعا تطلب الثأر من بعضها كالحقلة المفرغة التي لا يعرف مبدؤها ولا ~~منتهاها، ومن أجل ذلك كنت تراهم في عداوة مستمرة وحفيظة متصلة وبغضاء تضطرم في ~~الأحشاء، فيقضون أعمارهم في الغزوات والغارات يشنونها على بعضهم البعض، يتسيطر ~~غنيهم على فقيرهم ويتغلب قويهم على ضعيفهم؛ ومن أجل ذلك انفرط عقد السعادة من ~~بينهم، وساد الشقاء في ربوعهم. # في مثل هذا الزمن من أيام الجاهلية، وفي أظلم أدوار الوثنية، في عهد الحروب ~~والغزوات، في الأيام الدموية من تاريخ العرب، تنشقت الخنساء نسيم الحياة. # كانت من أعز بيوتات العرب نسبا، وكثيرا ما كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # يتحدث عن ~~قبيلتها المضرية ويعدها حصن القبائل العربية، وقد حدث أصحابه - رضوان الله عليهم ~~- بأنه من بني العوائك أحد أفخاذ سليم بن عيلان بن مضر. # وقد اشتهرت قبيلة الخنساء بشجاعة أبنائها وكرم طباعهم وفصاحة منطقهم وإجادتهم ~~قول الشعر، وكان لها أخوان تحبهما محبة شديدة، هما: صخر ومعاوية، وقد كانا من أشجع ~~العرب وأفصحهم نطقا وأدرعهم شكلا وأصبحهم وجها، ms133 فكان أبوهما عمرو يأخذهما في ~~المواسم والمحافل ويحضر بهما مجالس العرب ويفاخر بهما الشيوخ والأقران، متحدثا ~~بجمالهما ونجابتهما، فتقع أقواله منهم موقع الرضا والقبول. # وسميت الخنساء في بادئ الأمر «تماضر» لبياض لونها؛ # 1 # إذ كانت العرب تسمي المرأة ذات البشرة البيضاء تماضر، ثم غلب عليها اسم ~~الخنساء، مؤنث كلمة أخنس، صفة من الخنس أي تأخر الأنف عن الوجه أو انخفاض قصبته، ~~وتأتي أيضا بمعنى الظبية، فأطلقت عليها الكلمة من طريق الكناية. # كانت شاعرة بفطرتها، بدأت تقول البيت والبيتين منذ الصغر؛ إذ كانت فتاة كريمة ~~النفس، متينة الأخلاق، ذات وقار وشمم، تكره النفاق والمداهنة. # كانت في أول عمرها من أجمل نساء عصرها، رآها دريد بن الصمة يوما تهنأ ~~بعيرا لها ثم تجردت واغتسلت وهو ينظر إليها خفية، فأعجبته وقال فيها قصيدة ~~مشهورة يصفها ويمدحها ويبوح لها بمكنون صدره، # 2 # وقد خطبها إلى أبيها في اليوم التالي، فأجابه أبوها: مرحبا بك يا أبا ~~قرة، إنك للكريم لا يطعن في حسبه، والسيد لا يرد طلبه، والفحل لا يقرع ~~أنفه، ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها، وأنا ذاكرك لها وهي فاعلة. # ثم دخل إليها وقال لها: «يا خنساء أتاك فارس هوازن وسيد بني جشم، دريد بن ~~الصمة يخطبك وهو ممن تعلمين.» ودريد يسمع قولها فقالت: يا أبت أتراني تاركة ~~بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحة شيخ بني جشم؟ هامة اليوم أو غد؟ # فخرج إليه أبوها فقال: يا أبا قرة قد امتنعت ولعلها أن تجيب فيما بعد، فقال: قد ~~سمعت قولكما، وانصرف يائسا حزينا. # وقد عاود الطلب مرة أخرى وكان يمت إلى معاوية أخيها من أبيها بحبل النسب، ~~فطلبها من أخيها هذا وألحف عليه في الطلب، وقد حضر إليها أخوها وقال: تعلمين ~~يا أختي ما بيني وبين دريد من المودة والألفة، وقد طلبك مني وأرجو أن تقبليه زوجا ~~لك، فإنني راغب في ذلك. # فأجابته: ما أعجب هذا الأمر! ألم تجد غيري لسعادة صديقك؟ ~~- نعم يا خنساء، إنني راغب في ذلك رغبة شديدة. ~~- حسنا ms134 دعني أفكر في ذلك، ويحسن أن ترسل إلي دريدا فأشافهه بنفسي. # فقام الأخ مسرعا نحو صديقه وأخبره بما دار بينهما وأتم الحديث بقوله: قم إليها ~~فإنها طلبت مقابلتك. # فأصلح دريد هندامه وامتطى فرسه حتى جاء خيمتها وقد استقبلته بالمودة والبشر ~~وأكرمته وأعدت له وسادة يتكئ عليها عند جلوسه، ودار بينهما حديث طويل سألته خلال ~~كلامها عن أشياء كثيرة، قدمت إليه قدحا من اللبن كعادتهم، وكانت تراقبه وتتمعن ~~في حركاته وهو يشرب اللبن ولم يفتها شيء مما أتى به حتى رسخ في ذهنها تماما أنه ~~لا يصلح بعلا لها، ولم تشأ أن تخبره ذلك في الحال بل قالت له: اذهب وسيأتيك قولي ~~فيما بعد. # فعلم دريد أنه لا مجال للمزيد، فقام من فوره ووصله عقب ذلك رسول الخنساء يحمل ~~إليه هذه الرسالة: # أنت شيخ طاعن قد ضعف بصرك، ووهت قواك، ومضت أيام شبابك، فما لي إليك ~~من حاجة. # فحنق دريد لذلك وأراد أخوها معاوية أن يزوجها منه قسرا، ولكنها أصرت في الرد ~~وأنه لا سبيل إلى ما يريد، فاشتد حنق دريد بعد هذا الرد القاطع، وبدأ يهجوها بلاذع ~~القول وقارص الكلام، وعندما بلغها ذلك قالت: ما دمت رفضت الزواج منه فلم يبق ما ~~أقوله له، فليهجني ما شاء أن يهجو، وما كنت لأجمع عليه أن أرده وأن ~~أهجوه. # في هذا الرد ما يشعر بالاحتقار والامتهان، وإنه لأبلغ من كل هجو قاله دريد، فهل ~~بلغه ذلك؟ لو سمع قولها لاستشاط غضبا فوق غضبه. # وبعد هذه الحادثة تزوجت برواحة بن عبد العزيز السلمي. # 3 # وبعد أن مات خلف عليها عبد الله بن عبد العزى من بني خفاف، فولدت له عبد الله، ثم ~~خلف عليها من بعده مرداس بن أبي عامر المسلمي، فولدت العباس ويزيد وحزنا وعمر ~~وسراقة وعمرا، وجميعهم شعراء، وقد امتاز العباس من بينهم بالشجاعة وإجادة الشعر ~~وأدرك الإسلام وتشرف به، ثم مات في موقعة القادسية مع ثلاثة إخوة له بعد أن ~~أبلوا بلاء حسنا. # وكما كانت تحب أولادها فقد أحبت أخويها ms135 معاوية وصخرا، بل إن حبها لهما كان ~~يفوق كل حب وإعزاز، وقد كانت تفضل صخرا حق قدره لحلمه وشجاعته، وتخصه بالإجلال ~~لموقعه الممتاز بين رجال العشيرة وأفراد العائلة، وتفخر به لبطولته وفروسيته وتعتز ~~به لصباحة وجهه؛ ولذلك فإن قصائدها التي قالتها فيه أثناء حياته ومراثيها التي ~~أنشدتها لأجله بعد مماته من أجود الشعر وأمتنه. # موت أخيها معاوية أول نكبة أصابت كيان حياتها، ولقد زلزلت هذه الحادثة بنيان ~~نفسها وذهنها فغيرت مجرى حياتها إلى طريق آخر غير سنتها الأولى. # أظلمت الدنيا في وجهها فانقلبت قصائدها المملوءة بالروح والحياة إلى ~~مرثيات مبكية موجعة تسيل حزنا وألما ، فهذه الحادثة هي الفصل الأول من ~~كتاب حياتها، فيه ودعت والهة متوجعة، أيام الشباب وأناشيد الصبا ونغمات السرور، ~~ففي عام 612 من ميلاد عيسى بن مريم - عليه السلام - وافى معاوية سوق عكاظ # 4 # في موسم من مواسم العرب، فبينا هو يمشي في السوق إذ لقي أسماء ~~المرية، وكانت جميلة وزعم أنها كانت بغيا فدعاها إلى نفسه فامتنعت عليه ~~وقالت: أما علمت أني عند سيد العرب هاشم بن حرملة؟ # فأحفظته، فقال: أما والله لأقارعنه عنك. # قالت: شأنك وشأنه. # فرجعت إلى هاشم فأخبرته بما قال معاوية وما قالت له. # فقال هاشم: فلعمري لا نريم أبياتنا حتى ننظر ما يكون من جهده. # فلما خرج الشهر الحرام وتراجع الناس عن عكاظ، خرج معاوية بن عمرو غازيا يريد بني ~~مرة وبني فزارة في فرسان أصحابه من بني سليم، حتى إذا كان بمكان يدعى الحوزة ~~دومت عليه طير وسنح له ظبي فتطير منهما ورجع في أصحابه وبلغ ذلك هاشم بن ~~حرملة فقال: ما منعه من الإقدام إلا الجبن. # فلما كانت السنة المقبلة غزاهم حتى إذا كان في ذلك المكان سنح له ظبي وغراب ~~فتطير فرجع ومضى أصحابه وتخلف في تسعة عشر فارسا منهم لا يريدون قتالا، فوردوا ~~ماء وإذا عليه بيت شعر فصاحوا بأهله فخرجت إليهم امرأة فقالوا: ممن أنت؟ قالت: ~~امرأة من جهينة أحلاف لبني سهم بن مرة بن غطفان، فوردوا ms136 الماء يسقون، فانسلت فأتت ~~هاشم بن حرملة فأخبرته أنهم غير بعيد، وعرفته عدتهم وقالت: لا أرى إلا معاوية في ~~القوم. # فقال: يا لكاع أمعاوية في تسعة عشر رجلا شبهت وأبطلت. # قالت: بلى، قلت الحق وإن شئت لأصفنهم لك رجلا رجلا. # قال: هاتي. # قالت: رأيت فيهم شابا عظيم الجمة، جبهته قد خرجت من تحت مغفره، صبيح الوجه، ~~عظيم البطن، على فرس غراء. # قال: نعم، هذه صفته وفرسه الشماء. # قالت: ورأيت رجلا شديد الأدمة، شاعرا ينشدهم. # قال: ذاك خفاف بن عمير. # وهكذا حتى وصفتهم رجلا رجلا إلى أن أتت على وصف الجميع، فنادى هاشم في قومه ~~وخرج فاقتتلوا ساعة وانفرد هاشم ودريد ابنا حرملة المريان لمعاوية، فاستطرد له ~~أحدهما فشد عليه معاوية وشغله واغتره الآخر فطعنه فقتله. # ولما دخل الشهر الحرام خرج صخر بن عمرو حتى أتى بني مرة فوقف على ابن حرملة، فإذا ~~أحدهما به طعنة في عضده فقال: أيكما قتل أخي معاوية؟ فسكتا فلم يخبراه شيئا فقال ~~الصحيح للجريح: مالك لا تجيبه. # فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة في عضدي، وشد أخي عليه فقتله، فأينا قتلت ~~أدركت ثأرك إلا أنا لم نسلب أخاك، قال: فما فعلت فرسه الشماء؟ قال: ها هي تلك ~~خذها. # فأخذها ورجع، فلما أتى صخر قومه قالوا له: اهجهم، قال: إن ما بيننا أجل من ~~القذع، ولو لم أكفف نفسي رغبة عن الخناء لفعلت. # فلما كان في العام المقبل غزاهم وهو على فرسه الشماء، وقال: إني أخاف أن يعرفوني ~~ويعرفوا غرة الشماء فيتأهبوا، فحمم غرتها، فلما أشرفت على أدنى الحي رأوها ~~فقالت فتاة منهم: هذه والله الشماء، فنظروا فقالوا: الشماء غراء وهذه بهيم فلم ~~يشعروا إلا والخيل دوائس، فاقتتلوا، فقتل صخر دريدا وأصاب بني مرة وعاد ظافرا ~~غانما يطفح وجهه بشرا بأخذ الثأر. # 5 ~~••• # وفي الوقت الذي وهبت الخنساء نفسها لمحبة أخيها صخر بعد مقتل عزيزها معاوية، ~~أصيب أخوها هذا بطعنة رمح بعد ثلاثة أعوام ومرض قريبا من حول. # كان لصخر زوجة تدعى سلمى يحبها لدرجة العبادة، ms137 ويقال: إن بني عبس غزت قبيلته ~~في يوم من أيام خروجه للصيد فانتهكت حرمة الخيام وسبت نساء الحي، وعندما عاد صخر ~~وجد الخراب ضاربا أطنابه في موطن الحي فركب فرسه وهاجم القبيلة الغازية مسرعا، ~~وتمكن من قتل بضعة رجال منها ثم التفت إليه فرسان من أشجعهم فقاتلهم حتى انتصر ~~عليهم، ولما رأى أسراء بني سليم هذا الظفر الخارق تجرءوا وبدءوا يفكون القيود ~~والأغلال ويهرعون مثنى وثلاث إلى حيث صخر ليمدوه بالمعونة في ميدان النضال، وقد رأى ~~ابنة عمه سلمى ذليلة بين زنجى من القبيلة يمتهنها فهجم عليه وقتله في الحال، وعندما ~~انتهت المعركة وعقدت لصخر ألوية الفخار والظفر عينه رجال القبيلة رئيسا عليهم ~~مكافأة لإبلائه الحسن، وطلب منه عمه أن يختار من يشاء من بناته زوجة له فاختار ~~سلمى؛ إذ كان مغرما بها. # كانت سلمى أجمل بنات الحي وأملحهن شكلا، وقد كان لها مكانه سامية في نفس صخر ~~منذ أمد بعيد، فكان زواج هذين العاشقين: أجمل الفتيات وأشجع الفتيان من دواعي ~~الطرب والسرور بين القوم. # أصيب صخر بعد زواجه بطعنة رمح أقعدته الفراش مدة طويلة، وكان أفراد القبيلة ~~يفدون إلى خيمته يسألون زوجته عن رئيسهم المحبوب من حين لآخر، وكانت سلمى تجلس أمام ~~خيمتها تنتظر إبلال زوجها من مرضه، انتظرت طويلا ولكن على غير جدوى فبدأت عوامل ~~الملل تتسرب إلى نفسها وأخذت آثارها تظهر على صفحة وجهها بما تظهره من التبرم ~~والتأفف، وقد سألها بعض قومها ذات يوم: «كيف بعلك؟» فقالت سلمى: لا حي فيرجى، ~~ولا ميت فينعى، لقينا منه الأمرين. # فسمعها صخر وتأثر من ذلك أيما تأثر. # 6 # ما كان يخطر على باله أن تقول سلمى فيه مثل هذا القول، سلمى التي أحبها وخاطر ~~من أجلها وخاض غمرات الموت لإنقاذها من يد الزنجي، فاشتد ألم النفس شدة أنسته ~~ألم الجرح، وما فتئ يكرر قولها للعائد حتى ناداها ذات يوم وقال: قد قلت يا سلمى في ~~حقي كذا، وقد نذرت لأجلك نذرا إن شفاني الله. # فسألته: أخير هو هذا النذر ms138 أم شر؟ # فأجابها: جزاء لخيرك وشرك. # فأجابته: والله قد يئست من نفسي، ولا أقدم لك عذرا عما قلته فافعل بي ما أنت ~~فاعل. # فأثر عليه قولها كأنه سهام مسمومة نفذت أحشاء قلبه وبدأت أمه تجلس بعد ذلك اليوم ~~تقابل الزائرين والعائدين، فكان إذا سألها سائل عن صحته طمأنته وقالت له ما يتفاءل ~~به خيرا. # وقد بدأ جرح صخر يلتئم وأخذ يسترد صحته ويعود إلى نشاطه السابق، حتى إذا أنس من ~~نفسه بعض القوة، قام إلى زوجه فهجم عليها وصلبها على إحدى أعمدة الخيمة، إلا أن ~~المجهود الذي بذله في سبيل الانتقام من زوجته أفقده الصحة فانتكس ثانيا إلى أن ~~مات. # لم تنس الخنساء مصيبتها الثانية ومرارة هذه الحادثة حتى الممات، فبكت طول حياتها ~~ونظمت المراثي الطوال. # | الفصل الثاني # بعد الإسلام # بعد أن ثكلت الخنساء أخويها جاءت إلى الرسول # صلى الله عليه وسلم # مع وفود قبيلتها وتشرفت ~~بنعمة الإسلام. # ولم تنقطع عن أوجاعها وأناتها حتى بعد الإسلام، بل كانت تقص شعرها وتلبس ~~ثوبا خلقا من الخيش الأسود وتندب أخويها على عادة العرب في جاهليتها. # رآها سيدنا عمر بن الخطاب ذات يوم أثناء طوافها بالكعبة وهي على هذه الحال فتقدم ~~إليها ونصحها كثيرا فأجابته: لم تصب امرأة بمثل ما أصبت به، فكيف أتحمل مضض فراق ~~فارسين فقدتهما؟ # فأجابها سيدنا عمر بما هون عليها المصيبة وذكر لها أن مصائب كثير من الناس أشد ~~هولا لو اطلعت على بواطن أمرهم، وقال لها: إن ما هي عليه من الحداد من بدع ~~الجاهلية التي حرمها الإسلام فامتثلت لأمره. # ورأت السيدة عائشة على الخنساء صدارا من شعر وهو ثوب صغير فقالت: يا خنساء ~~أتلبسين الصدار وقد نهى الرسول عنه؟ قالت: لم أعلم بنهيه وله سبب، قالت: وما هو؟ ~~قالت: زوجني أبي رجلا متلافا لماله فأسرع فيه حتى نفذ، ~~فقال لي: أين تذهبين يا خنساء؟ فقلت: إلى أخي ~~صخر، فلقيناه، فقسم ماله بيننا شطرين، ثم خيرنا فقالت زوجته: أما كفاك أن تقسم ~~مالك حتى تخيرهم فقال: # والله ما ms139 أمنحها شرارها # وهي حصان قد كفتني عارها # ولو أموت مزقت خمارها # وجعلت من شعر صدارها # ثم أنشدت قصيدتها التي تقول فيها: # يذكرني طلوع الشمس صخرا # وأذكره لكل غروب شمس # ولولا كثرة الباكين حولي # على موتاهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه ~~بالتأسي # لم تستطع الخنساء أن تمحو من ذاكرة الخيال مرارة الحزن وألم الفراق، بل ذهبت أيام ~~عمرها مع سيل عبراتها واستنزفت دموع القلب زهرة حياتها، لم تصغ إلى نصيحة إنسان، ~~بل إن الحزن انطبع على قلبها بحروف من نار وكوى فؤادها كيا لا يزول أثره ما دام ~~فيها عرق ينبض، لو ابتسمت لخلت الحزن مرتسما في تلك الابتسامة، ولو تنفست لشعرت ~~بحرارة الألم تتصاعد مع الزفرات، لم يحلق في سماء حياتها سوى غمامة كثيفة، هي: شبح ~~الذين ثكلتهم وبكت من أجلهم. # وفي أيام خلافة سيدنا عمر جاء إليه نفر من أصحابها وشكوا إليه حالها وطلبوا منه ~~إحضارها وبذل النصيحة لها عسى أن ترجع عن حدادها، فلما مثلت بين يدي رجل العدل عمر ~~وجد عينيها غائرتين من كثرة البكاء فقال لها: ما دهاك يا خنساء؟ وما الذي صيرك ~~إلى هذا الحال؟ # فأجابت: بكائي لفحول مضر جعلني في هذا الحال، فأنبها عمر وطلب منها أن تلتجئ ~~إلى رحمة المولى - عز وجل - وقال لها: إن الإسلام يحرم أمثال ذلك، وإننا ظلال زائلة ~~في هذه الحياة، ولو أن البقاء من نصيب الأحياء لبقي الرسول # صلى الله عليه وسلم # حيا، ثم ~~أتم الحديث بقوله: «إن أخويك في النار»، فأجابت: ذاك أطول لحزني، كنت أبكي لهما ~~من الثأر وأنا اليوم أبكي لهما من النار. # فطلب منها أن تقول ذلك شعرا، فقالت دعني أنشدك بعض ما قلته فيهما، ثم أنشدته ~~قصيدتها التي مطلعها: # سقى جدثا أكناف عمرة دونه # من الغيث ديمات الربيع ووابله # فتأثر سيدنا عمر من قولها، وعزم على أن يتركها في حالها ثم التفت إلى أصحابه وقال ~~لهم: دعوها بعد اليوم في شأنها، فإن للمرء أن يبكي ما شاء لمصيبته ms140 ونكبته. # | الفصل الثالث # حرب القادسية # هنالك صفحة مشرقة في تاريخ أيام الخنساء، تنحني لها الرءوس إجلالا، هي خير وأبقى ~~من كل قولة قالتها أو قصيدة نظمتها في أيام الصبا. # فلقد خبا بريق عينيها وانطفأ نور جمالها وتقوس ظهرها وانتابتها عوامل الضعف ~~والشيخوخة، ولكنها لم تزل فتية القلب، جريئة الجنان، تجول في عروقها المنكمشة دماء ~~الشهامة والجلادة. # عرفنا الشيء الكثير عن تاريخ المرأة الرومانية وأعجبنا بجلادتها وشجاعتها في ~~مواقف الشهامة وما كانت عليه الخنساء لم يكن بأقل من ذلك. # لقد بلغت أبعد مدى تبلغه المرأة من جلال الصبر وقوة الإيمان، ما ذهب به الدهر من ~~حديث جزعها، وتصدع قلبها واضطرام حشاها على أخويها صخر ومعاوية، كل ذلك استحال إلى ~~صبر أساغه إيمان الإسلام وجمله التقى، فلم تأس على فائت من متاع الدنيا. # كانت أما لأربعة أولاد من أشجع الأولاد، هم أشطار كبدها ونياط قلبها دفعتهم ~~جميعا إلى الحرب وعدت موتهم في سبيل الإسلام شرفا ليس وراءه شرف، ثم بكتهم ~~وهي تفخر بضياعهم إذ لم يبق لها إنسان بعدهم. # وقعت حرب القادسية في عام أربعة عشرة من الهجرة النبوية، فحضرت الحرب مع أولادها ~~الأربعة وقالت لهم من أول الليل: # يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لبنو رجل واحد، ~~ما خنت أباكم ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله ~~تعالى للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار ~~الباقية خير من الدار الفانية، لقوله تعالى: # يا ~~أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون ~~، فإذا أصبحتم غدا ~~إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه ~~مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب شمرت عن ساقها، واضطرمت لظى مساقها فتيمموا ~~وطيسها، وجالدوا رسيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة في دار ~~الخلد والمقامة. # فلما أصبح الصباح وقد أثرت فيهم نصيحتها تقدم كل واحد منهم إلى الحرب وقاتلوا ~~واحدا بعد واحد حتى قتلوا، وكل منهم أنشد قبل أن يستشهد رجزا فأنشد ~~الأول: # يا إخوتي ms141 إن العجوز الناصحة # قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة # بمقالة ذات بيان واضحة # وإنما تلقون عند الصابحة # من آل ساسان كلابا نابحة # وأنشد الثاني: # والله لا نعصي العجوز حرفا # نصحا وبرا صادقا ولطفا # فبادروا الحرب الضروس زحفا # حتى تلفوا آل كسرى لفا # وأنشد الثالث: # إن العجوز ذات حزم وجلد # قد أمرتنا بالسداد والرشد # نصيحة منها وبرا بالولد # فباكروا الحرب حماة في العدد # وأنشد الرابع: # لست لخنساء ولا للأخزم # ولا لعمرو ذي السعاء الأقدم # إن لم أره في الجيش حنس الأعجمي # ماض على الهول خضم حضرمي # اشتد أوار الحرب، وانتهت بقتل كبير الفرس وتشتت شملهم وانتصار المؤمنين، فعقدت ~~للإسلام ألوية الظفر. # وعند نهاية الحرب الضروس التي لقي منها المسلمون صنوف الشدة، قام نفر من رجال ~~الجيش إلى الخنساء وأخبروها باستشهاد أولادها الأربعة بعد أن أبلوا بلاء حسنا، وما ~~كادوا يلقون عليها الخبر حتى اهتز كيانها ونالتها رعشة سرت في جميع أطرافها ثم سكتت ~~والتفتت إليهم تقول: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني معهم ~~في مستقر رحمته.» # وعندما عادت الجيوش الإسلامية إلى المدينة المنورة تخفق على رءوس أفرادها ألوية ~~الظفر، كانت الخنساء معهم تجر نفسها على عصاها، تسيل عبراتها ويتهلل وجهها إشراقا ~~وبهاء، فكان الناظر إليها لا يدري أيغبطها على حالها أم يتوجع لآلامها، وقد أجرى ~~عليها رجل العدل عمر بن الخطاب أرزاق بنيها، مائتي درهم عن كل واحد. # | الفصل الرابع # مكانة الخنساء بين شعراء العرب # كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يعجبه شعرها # 1 # ويستنشدها، ويقول: هيه يا خناس، ويومئ بيده # صلى الله عليه وسلم ~~. # ولما قدم عدي بن حاتم على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وحادثه فقال: يا رسول الله، إن ~~فينا أشعر الناس وأسخى الناس وأفرس الناس. # قال: سمهم، قال: أما أشعر الناس فامرؤ القيس بن حجر، وأما أسخى الناس فحاتم بن ~~سعد يعني أباه، وأما أفرس الناس فعمرو بن معديكرب. # فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: ليس كما قلت يا عدي، أما أشعر ms142 الناس فالخنساء بنت عمرو، ~~وأما أسخى الناس فمحمد؛ يعني نفسه # صلى الله عليه وسلم ~~، وأما أفرس الناس فعلي بن أبي ~~طالب. # قيل لجرير: من أشعر الناس؟ # قال: أنا لولا الخنساء. # قيل: بم فضلتك؟ # قال: بقولها: # إن الزمان وما يفنى له عجب # أبقى لنا ذنبا واستؤصل الراس # إن الجديدين في طول اختلافهما # لا يفسدان ولكن يفسد الناس # وكانت في أوائل أمرها تقول البيتين والثلاثة ~~حتى قتل أخوها معاوية ثم أخوها صخر فأكثرت من الشعر، وتغيرت طريقتها في القول ~~وأسلوبها في التفكير؛ لأن المصيبة شحذت قريحتها وصقلت ذهنها فاشتد لمعان أفكارها ~~رونقا وبهاء. # واتفق أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، ويقول ~~الشريشي في كتابه: «إن النساء ليظهر الضعف في أشعارهن إلا الخنساء، فقد فاقت الرجال ~~في قول الشعر.» وعندما عد أبو العباس المبرد شعراء العرب قال عن الخنساء ~~وليلى إنهما فاقا الرجال في متانة الشعر مع تأخر النساء بالنسبة للرجال في أكثر ~~الصناعات، وكان الأصمعي يفضل ليلى على الخنساء ويحاجيه أبو زيد بقوله: «وإن كانت ~~ليلى في أشعارها أمتن لفظا وأعمق معنى، إلا أن الخنساء في مراثيها أعلى روحا.» ~~وكان المبرد تعجبه مراثي الخنساء ويقول عنها: «أمتن المراثي ما كانت مملوءة ~~بالألفاظ المفجعة التي تشعر بمدح المتوفى، فإذا كان النظم موافقا والألفاظ ~~صحيحة والأسلوب رائقا فلا ريب في نفاسة القول إذ ذاك؛ حيث يستفيد المرء ويمتلئ ~~بروح اللذة والإعجاب، وهكذا مراثي الخنساء في مثل هذا الحد من مراتب ~~الكمال.» # كان يضرب للنابغة الذبياني قبة من أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض ~~عليه أشعارها، فأنشده الأعشى مرة ثم حسان بن ثابت ثم أنشدته الشعراء والخنساء ~~تسمع. # فسأله حسان عن مقدار شعره ففضل عليه الأعشى فقام حسان غاضبا يقول: «والله لأنا ~~أشعر منك ومن أبيك.» # فقال له النابغة: «يا ابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول.» # ثم التفت إلى الخنساء وطلب منها أن تنشده شيئا فأنشدته: # وإن صخرا لتأتم الهداة به # كأنه علم في رأسه نار # فتأثر الحاضرون ms143 وقام إليها حسان يقول: «لم أر والله امرأة أشعر منك.» فقالت له: ~~ألا تريد أن تقول: إنني أشعر الرجال أيضا؟ # فأجابها بغرور: كلا، أنا أشعر منك ألم تسمعي قولي: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى # وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # ولدنا بني العنقاء وابني محرق # فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما» # فنظرت إليه الخنساء بازدراء وأجابت: إنك ~~لعاجز في هذا الشعر، وقد أخطأت في ثمانية مواضع منه. # فسألها عن مواضع الخطأ فأجابته برزانة ووقار: قلت: «الجفنات» والجفنات جمع قلة ~~وكان الأجدر أن تقول: «الجفان»، وقلت: «الغر» ولا يقال الغر إلا لبياض الجبهة ~~ولو أنك قلت: «البيض» لكان المعنى أتم، وإنك تقول: «يلمعن» واللمعان يفيد النور ~~الضعيف وكان الأجدر بك أن تقول: «يشرقن»، وقلت: «بالضحى» مع أن وقت الضحوة لا يأتي ~~من الضيوف إلا النزر اليسير، ولو قلت: مساء لكان المعنى أتم، وقلت: «أسياف» بجمع ~~القلة ولو أنك قلت: سيوف لكان دليلا على الكثرة، وقلت: «يقطرن» فدللت بذلك على قلة ~~عدد القتلى، ولو قلت: «يجرين» لكان أبلغ، ثم إنك: تقول «دما» ولو قلت «دماء» لكان ~~أتم، ثم إنك تفتخر بالأخلاف منكم ولا تفتخر بمن سلف. # فخجل حسان من محاجتها وخرج من المجلس غاضبا كئيبا. # كان من عادة العرب أن يجتمع شعراؤها في سوق عكاظ للمباراة في إجادة الأقوال وسبك ~~المعاني، وكان ينصب للنابغة الذبياني قبة حمراء يجتمع تحتها كل شاعر مجيد وكل بليغ ~~عتيد وخطيب منطيق، فيطلقون العنان لبنات الأفكار وينثرون على بساط المباراة ~~درر الألفاظ وغوالي الحكم، فمن نال قصب السبق وحكم له بالتفوق والإجادة تكتب ~~قصيدته على طروس من الحرير تعلق على أستار الكعبة؛ ومن أجل ذلك فإن لأصحاب ~~المعلقات مكانة رفيعة ومنزلة سامية بين الشعراء وفحول أصحاب القول والحكمة؛ لأن ~~معلقاتهم من أجود القول وأحكمه. # كانت العرب تعبد البلاغة، فأوصلتهم عبادتها إلى مراتب الكمال في التوسع اللغوي، ~~حتى لقد أصبح قول الشعر سليقة لهم ينطق بها صغيرهم وكبيرهم، وأصبحت الكلمة الطيبة ~~تعمل في النفوس فعل السحر بالألباب. # كانت المعاني ms144 الجميلة والألفاظ البديعة والأقوال الحكيمة من مزايا تلك الحياة ~~البدوية الصافية، حتى ليقال: إن أعرابيا وصل ذات يوم إلى مكة المكرمة فحث مطيته ~~نحو رهط من الناس مجتمعين في حلقة، مطرقين ينصتون لرجل يقرأ عليهم قولا بليغا، ~~فنزل عن ناقته وجلس ينصت معهم، وما كادت بعض الأقوال تتغلغل إلى نفسه حتى قام من ~~فوره فسجد سجدة طويلة، وعندما انتهره القوم متسائلين عن فعلته أجابهم: «إنما سجدت ~~لفصاحة هذا الشيء الذي تقرءونه.» فقالوا له: «ما هذا كلام بشر وإنما هو كلام الله - ~~عز وجل.» فأجاب: «إذن لأسلمن معكم.» # كانت الخنساء تحضر سوق عكاظ وتعرض شعرها النفيس في ميدان المباراة تحت تلك القبة ~~الحمراء، وقد قرأت ذات يوم قصيدة بليغة نالت استحسان الجميع وإعجابهم، فأشار ~~النابغة إلى الأعشى الواقف أمامها وقال: «لولا أن أبا بصير أنشدني آنفا لقلت: إنك ~~أشعر منه.» # فهذه الخنساء عرفناها شاعرة جليلة من شعراء الطبقة الأولى المشهورين بالإجادة ~~والتفوق ولها ديوان جليل. ~~••• # ها نحن أجملنا لك صحيفة بيضاء من تاريخ العظائم، صحيفة امرأة مستثناة، أحرزت في ~~الحياة موقعا رفيعا يختلف كثيرا عن مواقع من عاصرها من سيدات ورجال. # الخنساء سيدة جليلة، ووالدة كريمة، وشاعرة عزيزة، نافست في عالم الأدب فنالت قصب ~~السبق، وناضلت في ميادين القتال لإعلاء كلمة الإسلام فحازت القدح المعلى، ولا ~~ندري بأي مزية من هذه المزايا نذكرها ولا بأي مفخرة من هذه المفاخر نشهرها. # عاشت أعواما كثيرة بعد وقعة القادسية وماتت أيام خلافة معاوية في العام الخمسين ~~من الهجرة وعمرها سبعون سنة، وقد أجمعت كتب التاريخ أنها ماتت في البادية. # كيف قضت أنفاسها الأخيرة وأودعت آخر نسمة من نسمات الحياة، أكانت وقتئذ عائدة من ~~أحد منتديات الشعر والأدب تتوكأ على عصاها المعروفة؟ أم أسلمت الحياة في خيمتها وهي ~~مستسلمة إلى أحضان الماضي وذكريات الشباب؟ أم كانت إذ ذاك تحدد النظر في منظر غروب ~~الشمس في يوم قائظ وقد خيل إليها أن تشبع الروح وتملأ العين بتلك النظرة الأخيرة ~~في فضاء الصحراء المترامية الأطراف والبوادي الشاسعة ms145 التي لا تقع العين منها إلا ~~على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء وهي تردد مع أنفاسها الأخيرة قولها في ~~أخيها: # يذكرني طلوع الشمس صخرا # وأذكره لكل غروب شمس # ساءلت التاريخ كثيرا عن ذلك، فلم أقع من طياته وأسراره على ما ينقع الغليل، ~~اللهم إلا نتف وأقوال أجملتها في هذه الصحائف القليلة التي أعرضها اليوم على ~~الأنظار بعد مرور ألف وثلاثمائة وثمانية عشر ربيعا على ذبول تلك الزهرة المعنوية ~~الجليلة. # وقد خطرت لي سانحة أريد أن أثبتها هنا قبل ختم هذه الصحائف، هي ذكرى صغيرة أريد ~~بها المقارنة بين قلب الخنساء الكبير ونفسية امرأة يابانية. # إننا لنعلم الخطوات الواسعة التي خطتها الأمة اليابانية في سبيل الرقي والمدنية، ~~فإن نعجب بمدنيتهم وفلاحهم فإن عصبيتهم نحو تاريخهم وقوميتهم وتمسكهم بتقاليدهم ~~الملية وعاداتهم الوطنية أحرى بالتقدير وأجدر بالإعظام. # إن تحليل وتعميق الشعور الكامن في النفس اليابانية للوصول إلى حالتها الروحية ~~وللوقوف على أسرار سعادتها والاطلاع على غايتها من الحياة والإحاطة بالعوامل التي ~~رفعتها إلى هذه الرتبة العالية والمكانة السامية، لذة معنوية تدخل على النفس ظلال ~~الغبطة والسرور. # أسعدتني الظروف فيما مضى بلذة معنوية من هذا القبيل؛ إذ كنت أطالع كتابا عن ~~اليابان يبحث عن علو أفكار المرأة اليابانية وظرفها الفطري، وقد ذكر فيها المؤلف ~~بدهشة وإعجاب متانة أخلاقها وقوة جنانها وعلو طبعها، إلى غير ذلك من مزايا تربيتها ~~الروحية، ثم استطرد من ذلك متسائلا عن أثر الوراثة في ذلك التهذيب وعن الأجيال ~~التي نمت وتمرنت فيها هذه التربية الروحية حتى كملت إلى حد إظهار الرزانة والوقار ~~أمام مرائر الحياة وجبر النفس وستر دموع العين بابتسامات لطيفة في أوقات الضنك ~~والشدة، ثم استطرد من ذلك إلى تصوير الحرب الروسية اليابانية وتحدث عن اليابانيات ~~وثبات جأشهن وهن يودعن أزواجهن وأولادهن وآباءهن وإخوانهن الذاهبين إلى ميادين ~~الحروب، وكيف أنهن كن يملكن العبرات في ذلك الموقف الرهيب وتفتر ثناياهن ~~بالابتسامات المشجعة والكلمات المعزية والمعاني الحماسية بدل أن يذرفن الدموع ~~التي قد تفت في السواعد وتثبط من العزائم وتقلل ms146 من النشاط، وقد كانت الواحدة ~~منهن لتعلم وهي تودع أعز إنسان لديها أنه قد لا يرجع إليها سالما، وقد لا تحظى ~~بقبلاته فيما بعد، ولكنها لا تفتأ عن بذل ما تبعث فيه الحمية وما تجدد فيه العزيمة ~~للكفاح وملاقاة الأهوال، وقد أضاف المؤلف أن هؤلاء النسوة ما كانت إحداهن لتتأخر عن ~~سبيل التضحية لحظة واحدة فداء الوطن والإمبراطور، ولو أن التقاليد أو العادات تبيح ~~لهن الاشتراك في المعامع والحروب مع الرجال، إنهن ليخضن غمراتها بشوق وتلهف بلا بطء ~~ولا توان. # وبعد أن ذكر المؤلف الشيء الكثير عن شهامة اليابانية سرد هذه الحادثة التي شاهدها ~~بنفسه رأي العين والتي لا أرى مندوحة من نقلها هنا كما هي، إنها لقصة بالغة ذات ~~مغزى سام تسوق المرء إلى التفكير العميق، وقد أستطيع هنا أن أسوق القارئ إلى وادي ~~الحس وأفيض عليه بشيء من الشعور الذي غمرني عند تلاوتها، قال المؤلف: «كان ذلك في ~~أوائل الحرب الروسية اليابانية، وكانت الجيوش تساق إلى ميادين المعارك، ففي هذه ~~الآونة كانت يابانية تودع حبيبا لها، ذاهبا إلى الحرب فرأيته يقول لها: هيا بنا ~~نتصافح فإنني ذاهب.» فسألته متعجبة: إلى أين؟ ~~- إلى الحرب، فأشرق جبينها وارتسمت على وجهها ظلال الغبطة والشوق وسألته بنغمة ~~كلها سرور ونشاط: إلى الحرب! أليس كذلك؟ إلى أعدائنا الروس؟ ~~- نعم، إلى أعدائنا الروس. # فقامت اليابانية من فورها وقد كانت جالسة على حصير، تبرق عيناها بنيران الشوق ~~والسرور وما كاد حبيبها يلمح في نظراتها ذلك الهيجان حتى سألها: أكنت ترغبين في ~~مرافقتي؟ # فأجابته وهي تكاد لا تملك خفايا تأثراتها: نعم، كنت أريد ذلك، أريد أن أموت، أن ~~أجود بحياتي في ميدان الحرب، ولو أستطيع أن أموت وأحيا سبع مرات لجدت بحياتي في كل ~~هذه المرات، فداء الوطن والإمبراطور. # لقد تسنمت اليابان غارب المدنية وارتقت ذروة المجد والفلاح؛ لأنها تملك مثل هذه ~~النفوس المهذبة والشخصية الكاملة، وبمثل هذه النار المقدسة المشتعلة في نفس المرأة ~~اليابانية على الدوام غرسوا بذور محبة الوطن والإمبراطور في قلوب الأولاد والأحفاد ms147 ~~جيلا بعد جيل. # الوطنية شعور عام يسود اليوم قلب كل ياباني. # البطولة والتضحية من المعاني الممتزجة بدم الياباني ولحمه، إنهما جزءان لا ~~يتجزءان من كيانه. # هذه هي المرأة اليابانية. # وعلى هذا المنوال نسجت أمهاتنا أمثال الخنساء في تشجيع أولادهن للحروب وتزكية ~~نيران الحماسة في قلوبهم، وبمثل هذه الروح العالية كانت الواحدة منهن تنادي في ~~أولادها وتصيح: «حافظ على لوائك يا بني وحذار من أن يقع في يد عدوك، إنما اللواء ~~شرفك ووطنك ودينك، فإذا أصابته نقطة من الغبار قل شأنك وشرفك، وإذا نالته خدشة أو ~~خمشة صغيرة في جانب من جوانبه صغر قدر نفسك، إنه كيانك وكتاب مجدك ورمز أمانيك، ~~لج غمرات الحرب وانظر دوما إلى الأمام، واعلم أن الجبن عصيان للوطن، فلا ترض ~~لنفسك أهون الحالين، بل اسع في أن تكون إما غازيا أو شهيدا.» # وعندما كانت نساؤنا تدفع أحفادها وفلذات أكبادها إلى غمرات الحروب بأمثال هذه ~~الحماسات، كنا نقفز على الدوام نحو الرقي والفلاح، لقد ارتفعت إذ ذاك رءوسنا ~~وأشهدنا العالم مجدنا وكياننا، وبرهنا لهم أننا نستحق الحياة بجدارة ~~واستحقاق. # ولقد جرت الأيام ذيول العفاء على تلك الأزمان المجيدة والأيام العزيزة، ~~وتطاولت الأحقاب والأجيال على وقت كنا نقدر فيه ذواتنا، ولقد نسينا شخصيتنا وامحت ~~القومية من صدورنا، أو منذ ذلك اليوم صرنا مهجورين مدحورين، ثم قمنا نقلد غيرنا ~~ونحاكي سوانا، فما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وعندما عدنا القهقرى أصبحنا نشك في ~~شخصيتنا لأننا فقدناها، ومثلنا اليوم في أوقيانوس المدنية وخضم العمران مثل ~~سفينة فقدت دفتها تشق عباب البحر بلا غاية ولا أمل، فطورا إلى اليسار وطورا إلى ~~اليمين، إلى حيث يخيل إليها أنه شاطئ السلامة والنجاة. # ولكن لا شيء يستعصي في الحياة أمام العزيمة والثبات، علينا ألا نيأس وأن نحيا ~~بالأمل وأن نعتقد بأن حسن الطالع سيكون يوما معنا، وأن نعمل منذ اليوم بما أوتينا ~~من جهد وجلد وقوة على اكتساب ثقة الأيام وانتهاز فرص الزمان، علينا أن نكرر من حين ~~لآخر كلمات الخنساء الذهبية لأولادها وهم ذاهبون ms148 إلى المعركة، ولنخلص في القول حتى ~~نعمل على وقاية اسمنا وشرفنا والمحافظة على لوائنا، لتكن أجسادنا ذرات منفصلة من ~~وطننا، ولتكن قلوبنا قلعة منيعة محصنة بأسوار الإيمان، أما لواؤنا الأخضر ذو الهلال ~~والنجوم الثلاث فليخفق على الدوام فوق برج هذا الحصن المنيع بالنسمات التي تحركها ~~أبواق الظفر. # | أميرة المؤمنين زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر ~~المنصور # | الفصل الأول # الأميرة زبيدة # كما أن شيب الرءوس والعوارض من علامات الشيخوخة للأفراد ومن أدلة اقترابها نحو ~~حلقات الضعف والذبول، كذلك انغماس الأمم في مماشي الرفاهة ومسالك السفاهات من ~~إمارات انحطاطها ودنو ساعتها، والسر في ذلك أن عناية الخلق بضروب الزينة وإعراضهم ~~عن الجوهر وتمسكهم بأهداب العرض وإكثارهم من التهافت على الكماليات يسوقهم حتما ~~إلى هجر أوضاعهم القديمة وأنظمتهم التي درجوا عليها وتقاليدهم التي نشئوا معها، ~~فيشرعون في توسيع شأنهم وترفيه حالهم، فتبدأ عامتهم في مشاركة الملوك والخواص في ~~مظاهر لباسها ومعاشها، ويصبح حب الراحة من قواعد العرف وأحكام العادة، ويهجر قواد ~~الحروب مضارب الخيام وظهور الخيول إلى التنعم في مغاني الأنس والتلهي تحت ظلال ~~الأمن والدعة، فيختل النظام وتسري الفوضى ويسود الفشل، وتضعف تبعا لذلك الأنظمة ~~المقننة لسياج الملك وصيانته، إلى أن يأتي دور الانحلال فالاضمحلال، وتتم كلمة ~~القضاء المسطرة في لوح الأزل. # حقا إن الأمم إنما تسير حسب الحكمة الصمدانية المرسومة لها في كتاب قدرها، ~~وإن «لكل أجل كتابا»، ولكن لا يجب أن نستسلم من جراء ذلك ونركن الأقدار تسيرنا ~~ذات اليمين وذات اليسار، وإنما علينا أن نمتلئ بالأمل، ونعمل بجد على إصلاح الحال ~~والمآل؛ إذ من الثابت المقرر أن من القضاء ما هو معلق كما هو وارد في الكتاب ~~العزيز: # يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب ~~. # 1 # ما أجل هذه الفلسفة وأروعها! إننا لنسجلها هنا بيد الإعجاب والتقدير لذلك ~~الفيلسوف الداهي والمؤرخ الكبير العلامة الحاج خليفة المعروف في عالمي الأدب ~~والعرفان باسم كاتب شلبي؛ ذلك لأنها القانون الأزلي لوقائع الأيام والناموس الخالد ~~لحوادث الزمان، هذا الناموس الخالد لهو - في ms149 عرفي - المقياس القويم والقسطاس ~~المستقيم لجميع الأدوار التي تتقلب فيها الإنسانية، فالحكومات التي توالت والدولات ~~التي تعاقبت الواحدة تلو الأخرى، ما انحدرت من أوج الإقبال إلى وادي الإدبار وما ~~سقطت من سنام العز إلى حضيض الذل إلا بسبب تلك العلل والأدواء التي بينها لنا ~~المؤرخ العلامة «كاتب شلبي». # هاكم صفحات التاريخ، فكلها عظات وعبر، تحدثنا بأوضح بيان وأفصح لسان عن مصر، جميع ~~الحكومات والأمم، شرقية كانت أم غربية، وكيف انطفأ نور سعادتها وخبا ضوء عزها، في ~~طريق العظمة وسبيل غرورها وتمشيها في مسالك الرفاهة والنعمة، وكيف كان ضياعها ~~وفقدان مزاياها وامحاء شخصياتها عقب ولوجها مناهج الغرور. # أجل، ما حال تلك الأمم والشعوب؟ لقد خبا نور عزها بعد أن كان ساطعا مشرقا، ~~وتقوضت دعائم مجدها بعد ثبات ورسوخ، فذهبت ضحية الاحتشام والدبدبة، وهوت من سماء ~~العالم كما تهوي النجوم السيارة في ليالي الصيف. # ما من أمة استطاعت أن تقف في وجه هذا القانون الأزلي؛ فبغداد لم يغنها علمها ~~وعرفانها فتيلا، والقاهرة لم يجدها صناعاتها وفنونها نفعا، وتونس لم ينفعها سحر ~~بدائعها شيئا، كل هذه العواصم التي ازدهت بأنوار المدنية والعمران وازدهرت بأشعة ~~العلوم والفنون زمنا ما وكادت تصل الذروة أو تقترب من قمة الكمال، اعتراها الدوار ~~وهي في الطريق، فلم تحرص على أوضاعها القديمة التي أوصلتها إلى تلك الحال. # هذا داء استعصى دواؤه على نطس الأطباء وأجلة الحكماء، واحتار في تعليله ~~وتشخيصه جمهور العلماء والأدباء، وكما أن تيمورا الفاتح الكبير لم يتمكن من ~~الاحتفاظ بملكه الشاسع، كذلك الأندلس لم نجد وسيلة إلى تخليد مجدها وعظمتها، وهكذا ~~الحال مع حكومات الرومان واليونان، فما من قائد أو حاكم اشتهر بين قومه بالبطولة ~~والعظمة ترك عادته القومية وتربيته الوطنية وحياته الساذجة الصافية إلى حياة ~~الرفاهة والدعة إلا وقد غلب على أمره ولاقى وبال نفسه، فها هم رجال الحرب والكفاح ~~من أبناء الرومان من الذين جالدوا وناضلوا في المعامع والمعارك حتى تكللت رءوسهم ~~بأكيال النار، ما كاد هؤلاء يتقلبون على فراش النعمة ويتوسدون رياش الراحة، ms150 حتى ~~فارقتهم صفات البطولة ومزايا الرجولة التي شرفتهم ورفعتهم على هامات الشعوب، فصار ~~أحدهم بعد تلك الخشونة وممارسة أنواع الصعاب وضروب المشقات، يجرحه النسيم ويدميه ~~لمس الحرير ويتأذى من وريقة الورد إذا وجدت عرضا بين حشايا فراشه الناعم ~~الرقيق. # وهل أتاك حديث الإغريق، وما كان من شأن علماء أثينا الذين خلبوا ألباب العالم ~~بواسع أفهامهم، وعظيم ذكائهم؟ ألم تر كيف كان بهاء مجدهم وانتشار مدينتهم واستفحال ~~كلمتهم في مشارق الأرض ومغاربها؟! ثم انظر إلى مصيرهم بعد تلك العظمة وإلى انطفاء ~~نورهم بعد ذلك الإشراق، سلكوا سبيل الرفاهة والزينة فانفرط عقد نظامهم حتى أصبح ~~موطنهم مزرعة للدسائس والفتن، وفقدوا الانسجام الكامن في حياتهم الشخصية كما تفقد ~~الكرات موازنتها الطبيعية وهووا إلى الحضيض فالدمار. # وقد كانت بغداد، تلك المدينة الإسلامية الزاهية الزاهرة وعاصمة الخلافة وركنها ~~الركين هدفا لهذا القانون، فتمشت مع تياره، ولم تستطع ثباتا أمام سلطانه، وصلت ~~إلى أوج العز ومنتهى الكمال ثم تدهورت إلى مهاوي الانحطاط ومنحدرات السقوط كغيرها ~~من الأمم السالفة والممالك البائدة. # قامت بغداد هذه في العصر الثاني للهجرة تمثالا حيا لمدنية الإسلام وبرهانا ~~ناطقا على أن هذا الدين المبين من أكبر العوامل على الرقي والفلاح، وما كاد ينقضي ~~عام ونصف على تأسيسها حتى انتشر العمران في خراباتها وسرى نور العلم والعرفان في ~~عرصاتها، يخطف الأبصار ببريقه الوضاء، ثم تبدل فقر الأهالي وإملاقهم إلى الغنى ~~والرفاهة وبسطة الرزق وسهولة العيش، وفي ذلك إدلال على إعجاز هذا الدين وتنبيه إلى ~~جلاله وعظمة شأنه، فطوبى للأمم التي تصل مواطن العز ودرجات الإقبال من طريق تنظيم ~~حياتها وفقا لأوامر الدين، وطوبى لأولئك الذين يصلون تلك المرتبة العالية من طريق ~~العمل بالأمر النبوي الجليل: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.» # | الفصل الثاني # لما صار الملك إلى العباسيين واستقر نصاب الخلافة فيهم بتدبير السفاح، وبمعونة ~~الإيرانيين أتباعه وأشياعه، نقل عاصمة الملك ومقر الخلافة من دمشق إلى «الكوفة» ~~ليكون قريبا من رجاله وحزبه، غير أنه لم يجد فيها ما كان يطلبه من الراحة ~~والطمأنينة ms151 فغادرها إلى «الأنبار» على شاطئ الفرات ومكث فيها إلى آخر أيامه وفيها ~~انتقل الملك إلى ابنه المنصور، وكان مطلعا بالأمر قوي الشكيمة حازما متدبرا ~~فتخوف من أبي مسلم الخراساني، ذلك القائد العظيم الذي ارتفعت دولة أبيه على أكتافه ~~وتمت له الكلمة بهمته وفضله، فدبر له مكيدة أودت بحياته، ثم ابتنى مدينة ~~«الزوراء» على نهر دجلة من العراق؛ ليكون بنجوة عن شغب أهل الكوفة ممن يكيدون ~~للدولة ويقومون بمناصرة آل علي، والدولة إذ ذاك في ميعة شبابها وإبان نشأتها وسماها ~~«بغداد» أو دار السلام، وكانت تنقسم إلى قسمين أحدهما: يدعى «الرصافة»، وفيه قصر ~~الخلافة وإلى جانبه قصور الأمراء من أقارب الملك وذوي رحمه، ثم يتلو ذلك قصور ~~الأشراف وسراة بغداد، والثاني: وبه بيوت الباعة وأخلاط الناس ودور الصناعة ~~والأسواق، ويكتنفها سوران عظيمان يزيدانها منعة وقوة. # وبذلك أصبحت بغداد كعبة الجمال وآية الحسن وأصبح الخليفة في أمن ودعة، قرير العين ~~ناعم البال في قصره المحاط بتلك الأسوار المنيعة، ثم بنى خارج هذا الحصن المحكم قصر ~~«الخلد» الشهير، وظلت تلك القصور الذهبية الفخمة حتى أيام الرشيد، فكان يقضي أكثر ~~أوقاته بها، وفي أيامه صارت بغداد كعبة الجمال وآية الحسن، ثم حذا من جاء بعده من ~~الخلفاء حذوه فكانوا يأخذون مغارم الحروب من كتب اليونان، وعندما ارتفع شأن الدولة ~~ارتفع معها شأن العلوم والمعارف في بغداد، وبدأ يؤمها العلماء والحكماء على اختلاف ~~طبقاتهم، وينزحون إليها من أقاصي البلدان على بعد المشقة رغبة في العطايا وأملا ~~في النوال، ولم يكن الخلفاء ليغفلوا أمر ذلك بل أجلوا العلماء وعرفوا لهم أقدارهم ~~من الكرامة وأحلوهم أسمى الدرجات وأعلى المراتب، وأسال الرشيد عليهم الذهب النضار ~~وأوسع لهم العطاء، فتمشى العمران على جانبي الدجلة شرقا وغربا بالأبنية البديعة ~~والقصور الأنيقة المحاطة بالحدائق الغناء والبساتين الزهراء؛ حتى أصبحت الدجلة ~~كالحوض البديع يخترقها بغداد وما يليها من الضواحي والمنتزهات كأنها المرآة الصافية ~~يحف بها إطار شتى النماء والألوان. # نزل علماء الصين والهند على الرحب والسعة في مدينة السلام وطاب لهم فيها ms152 السعي ~~والكد، وإن هي إلا فترة من الزمن حتى امتلأت بأفاضل أهل الأدب وأعاظم رجال العلم ~~وأكابر أصحاب القول في الفنون والصناعات من العرب والعجم والترك والكرد والديلم ~~والكرج والروم والأرمن، # 1 # ثم تعددت بها المدارس والجامعات وتنوعت لديها دور الكتب والمستشفيات، ~~وأقيمت بها المراصد والمصانع وغيرها من مؤسسات العمران، واشتغل أهلها بنقل كتب ~~الفلسفة اليونانية إلى العربية فبرعوا في علوم المنطق والرياضيات والطبيعيات ~~والإلهيات، ورسخت ملكات تلك العلوم فألفوا فيها وأصلحوا ما استبانوا خطأه في ~~مسائلها وأضافوا إليها أبوابا أصابوا الرأي فيها. # سقيا لتلك الأزمان والعهود التي كان الغرب ينهل فيها من موارد الشرق، ففي بغداد ~~عظم شأن الفلك وفيها تقدم علم الكيمياء، وفي ذلك العهد الزاهر تدرجت الفصاحة ~~والبلاغة وأساليب القول في الخطب والإنشاء إلى أسمى المراتب، فاستنارت العقول ورقت ~~الطباع والمشاعر وتنافس الخلق في ضروب البهرجة والزينة وأنواع الرفاهة، وأصبح ~~التظرف والتجمل ودقة الصناعة ديدن كل إنسان وشعاره، فسالت أنهر الدنانير وتغالى ~~الناس في اقتناء المجوهرات وأواني الزينة من الفضة والذهب بكثرة لا تقع تحت حصر ولا ~~قياس، إلى حد أن ضاعت قيمتها الأصلية، وكانت العطايا والجوائز من الزمرد والياقوت ~~والفيروز وغيرها من النفائس تنهال على الشعراء والأدباء والحكماء كالسيول الدافقة ~~بلا عدد أو حساب؛ إذ كان الشاعر أو النديم أو العالم يأخذ ما يتمناه من سامعيه إذا ~~أجاد القول أو أحكم الشعر في قولة يقولها أو حكمة يفسرها، ولهم في ذلك قصص متواترة ~~تتناقلها الألسن جيلا بعد جيل، وكذلك الغناء كان له شأن يذكر حتى وصل إلى ما وراء ~~الغاية في تشعب طرقه وكثرة مذاهبه، وتفنن الناس فيه استدرارا للرزق وطلبا ~~للحظوة لدى الأمراء والكبراء، فنبغ فيه كثيرون نقل التاريخ إلينا أسماءهم دون ~~ألحانهم ومجهوداتهم التي بقيت للأسف كالألغاز التي لا يتوصل المرء إلى حلها. # في هذه الأيام السعيدة المبهجة من العصر الثاني للهجرة النبوية، ولدت بطلة من ~~بطلات الإسلام زادت نور عصرها إشراقا، هي زبيدة حفيدة أبي جعفر المنصور، منشئ ~~بغداد. # | الفصل الثالث # على مقربة ms153 من الموصل قصر جميل بناه المنصور وسماه «قصر الحرب»، ثم وهبه إلى ابنه ~~جعفر عندما عينه واليا على الموصل، في هذا القصر ولدت زبيدة وفيه مات أبوها ~~جعفر بعد ولادتها بثلاثة أعوام. # نشأت زبيدة في مهد الدولة العباسية، فكانت مهبط الحب وموطن العناية والتجلة ~~والإعزاز من قلوب بني العباس، لا سيما جدها المنصور، ركن الدولة العباسية ومقرها ~~الأشرف وعميدها الأجل، فقد كان يؤثرها بقلبه ويختصها بحب فوق كل حب، وهو الذي لقبها ~~بزبيدة لما رأى من بضاضتها ونعومتها فغلب عليها هذا اللقب وصارت تسمى به دون اسمها ~~الحقيقي، وقد قام جدها بتربيتها فأحسن أدبها وتربيتها؛ فعلمها القراءة والكتابة ~~ورواها الشعر وحفظها الأخبار والسير؛ فشبت كلفة بالشعر # 1 # والهة بالأدب حتى كانت تزين حوائط غرفتها بالستائر الموشاة بالنظم ~~البديع والأبيات الموثقة. # كانت ذات ملامح جذابة وجمال خاص بنساء عصرها، فاشتهر عنها الأدب والكمال والجمال ~~مع علو النسب حتى صار يضرب بها المثل في الأندية العالية والمجامع الراقية، وقد ~~ظهر من إعزازها والمغالاة بشأنها يوم أن زفت على ابن عمها الرشيد، فقد عقد له ~~عليها عام 165 هجرية وهي في السابعة عشرة من عمرها وتمت حفلة قرانها بأبهة خارقة ~~للعادة لا يسع له مجال الخيال، فكانت من أبدع الحوادث التي يرويها التاريخ # 2 # بإسهاب وإطناب يقصر دونهما كل قول ووصف، وقد نالت تلك الحادثة استحسان ~~جمهور المسلمين المنتشرين في أصقاع العالم، ووقعت من نفوس كبرائهم وأمرائهم موقع ~~الاستحسان فتهافتوا على هذه الحفيدة الهاشمية بأنواع الهدايا وضروب المجوهرات وصنوف ~~الطيب وأدوات الزينة استجلابا لرضاها ورغبة في حظوتها، ولقد ألقي عليها في حفلة ~~زفافها من غوالي اللآلئ ما أثقل سيرها وعاق مشيها، ولقد نثر اللؤلؤ في جنبات ~~طريقها على البسط الموشية بأسلاك الذهب وهي تتهادى في الثياب المزخرفة التي بالغوا ~~في تطريزها وتزيينها بأنواع الجواهر التي يعجز المرء عن تقديرها أو تقويم ~~قيمتها. # كان الزفاف في قصر الخلد المطل على مناظر الدجلة البديعة، وفي وسط تلك المناظر ~~الخلابة تمتعا بأشهر الغرام وأوقات السعادة، وما ms154 كاد يمضي على زواجها أربعة أعوام ~~حتى ولدت له محمدا الأمين، ثم بعد ذلك بعام واحد أي سنة 170 هجرية تقلد الرشيد ~~زمام الخلافة بعد أخيه موسى وهو في العشرين من عمره. # | الفصل الرابع # كانت الأميرة زبيدة وسيمة الوجه، طويلة القد، بضة الجسم، بيضاء اللون، بعينين ~~براقتين وفم صغير، # 1 # فخورة بأصلها وحسبها، تعتز كثيرا بانتسابها إلى الدوحة الهاشمية، وفي ~~حالها وطورها ما يشعر بالهيبة الممزوجة بالوقار، وبالعظمة التي تنحني لها الرءوس ~~طوعا لا كرها. # 2 # لقد كانت على ما وصفنا؛ لأنها كوكب السحر في سماء العظائم؛ ولأنها حفيدة خليفة ~~وزوج خليفة، فكيف لا تباهي ولا تعتز؟ ومن تكون من نساء عصرها أجدر بالفخر ~~والسؤدد؟ # أما وفور فضلها ونبل خليقتها وصفاء قريحتها فمما سار مسار الأمثال، ومن أجل هذه ~~المزايا التي قل أن تتوفر في امرأة أخرى تربعت على عرش عصرها المشعشع وقبضت بيدها ~~على صولجان زمنها الزاهر. # وكان لباسها المعتاد جلبابا شاملا إلى الأرض، وعلى هذا الجلباب وشاح يزينه نطاق ~~مرصع بالجواهر تشده بين عاتقيها وخصرها، وكانت تتجافى عن التحلي بالأحجار الكريمة ~~والجواهر النفيسة ترفعا وأنفة ورغبة في التميز عن عامة الناس، فما كنت ترى في ~~إصبعها خاتما ولا في معصمها سوارا ولا في جيدها قلادة، وإنما كانت نسيج وحدها في ~~لباسها وزينتها، ولهذه الخصلة المتغلبة على نفسها كانت تزين بتلك اللآلئ النفيسة ~~التي تضن بها على أي قسم من أقسام جسمها أحذيتها ونعالها المرصعة المقصبة بخيوط ~~الذهب، وقد سألها ابنها المحبوب محمد الأمين عن ذلك ذات مرة، فأجابته بوقار وشمم: ~~«أفعل ذلك لأنني لا أريد التشبه بغيري من النساء.» # 3 # أجل، لقد كانت تنفر من التقليد والمحاكاة نفورا شديدا، وهذا النفور حدا بها إلى ~~إدخال تعديل كبير في عصابة الرأس التي ابتدعتها العباسة أخت زوجها الرشيد، فما كانت ~~تضع شيئا من اللآلئ والجواهر في عصابتها كما كانت تضع نساء زمنها، وإنما تضع قطعة ~~من النسيج الأسود الرقيق، بلا ترصيع ولا تطريز، تزيد من هيبتها وتكسبها كثيرا من ~~الروعة ms155 والجلال. # تكاد زبيدة تكون المرأة الإسلامية الأولى في استعمال أواني الفضة والذهب والإكثار ~~من اقتنائها، كما كانت نموذجا لغيرها في اقتناء الملابس الحريرية والتأنق في ~~صناعتها، ويروي التاريخ أن ثوبا من ثيابها بلغت تكاليفه خمسين ألف دينار، وبالغت ~~كذلك في تزيين نعالها وقباقيبها حتى كانت تجعلها من الفضة والأبنوس وخشب الصندل، ~~وتصنع سروجها من القصب وسلوك الذهب، أما نسيج ثيابها فمن السمور والأطلس وضروب شتى ~~من الأقمشة، وكان يعجبها من الألوان الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق. # 4 # تركت بعد زوجها قصر الخلد وانتقلت إلى قصرها الخاص المسمى بدار القرار على شاطئ ~~الدجلة البديع، وكان مقطوع النظير في زمانه تحيط به حديقة غناء، تجلب الأنظار ~~بزهورها وخمائلها وأشجارها المثمرة الزاهرة، أما داخل القصر فكان لا يقل بهاء عن ~~خارجه؛ إذ كان مفروشا بذوق خاص وبأثاث منتخب، وغرفه وردهاته مزدانة كل منها بزينة ~~تغاير لما في الأخرى. # الزينة والأبهة في الرياش والأثاث من أحب الأشياء إلى زبيدة؛ فجلبت إلى قصرها ~~أبدع ما أثمرته العقول وأجمل ما أنضجته الأيدي، فغدت غرفه آية الآيات ومعجزة ~~المعجزات، ومن بين تلك الغرف، القاعة الكبرى التي كانت تتلاقى فيها مع ابنها ~~المحبوب محمد الأمين، وقد كانت مبنية على الطراز الأرمني، ذات الرياش المجلوبة ~~رأسا من بلاد الكرج؛ ففي أركانها الزرابي والحشايا والأرائك والوشائز، مبثوثة فوق ~~بساط ثمين كبير الحجم من صنع العجم، منقوش عليه صور الطيور وأنواع الوحوش والصيادين ~~من ملوك الفرس حولها على أهبة الصيد والقنص، # 5 # وفي أطراف البساط أبيات حكمية وأشعار رائقة تأخذ بمجامع القلب، وقد ~~كانت قبة القاعة من خشب الصندل وتتدلى منها قطع القماش من الحرير والنجود المنمقة ~~ذات الصور والأشكال، مشدودة على الجدران بحيث تغطيها، وفي كل زاوية من زوايا القاعة ~~شمعدانات من الذهب الخاص توقد فيها شموع العنبر، وقد كانت هذه الشموع المعنبرة من ~~أنواع الزينة التي اختصت بها زبيدة في ذلك العهد الزاهر، وكان ينصب لها وسط القاعة ~~مقعد نفيس الصنع من الأبنوس المطعم بزخارف الذهب وفوقه الحشايا الرقيقة من ms156 ريش ~~النعام المطرزة بسلوك الذهب. # 6 # ومنذ أيام هذه الأميرة العظيمة المغرمة بأنواع الزينة الكلفة بضروب البهرجة، # 7 # اشتهر الشرق بأنه معرض النفائس وطار صيته في الآفاق، أجل، إن أنوار ~~الشرق الساطعة في تلك الأيام بهرت أعين أهل الغرب، أما اليوم فإننا - مع الأسف - ~~نأخذ أنماط الزينة ونماذج البهرجة من الغرب، فنهنئ أنفسنا إذا ما أجادت إحدانا ~~محاكاة الغرب وتقليد أنماط الزينة المعمول بها عند أهله. # وكان سكان دار القرار لا يقلون شهرة عن شهرة القصر نفسه، أفقد كانت جواري زبيدة ~~من نخبة الجواري في عصرها من ذوات الجمال والمعرفة بالقراءة والكتابة وإنشاد الشعر، ~~وبينهن مائة جارية اشتهرن بحفظ القرآن وتلاوته ليل نهار، وكانت زبيدة المتمسكة ~~بأهداب الدين، يعجبها كثيرا سماع آيات القرآن المبين من جواريها الحافظات، وقد ~~اشتهر أمر هؤلاء وطار صيتهن في الأصقاع، ففي كتب التاريخ أن المار بجانب دار القرار ~~يسمع أصوات ترتيلهن كطنين النحل عندما تكون على مقربة من خلاياها. # وكان لها من قلب الرشيد حمى لا يرام؛ إذ لبثت ربة القول في قلبه وقصره رغم ~~المنافسات من جواريه العديدات؛ لوفور عقلها ونبل صفاتها ومزاياها التي انفردت بها ~~دون سواها من نسائه، فكان لا يسعى لأمر دون مشورتها، ولا يمضي في عمل دون رأيها، ~~وبالإجمال كان مفتونا بنفاذ لبها ونبل خليقتها وعظمة قلبها. # كانت زبيدة من ذوات البر والإحسان، وخيراتها كثيرة جمة تجعلها من أمهات المحسنين ~~في الإسلام، وكما كانت أياديها عظيمة ومبراتها جمة كذلك كانت أموالها وأملاكها ~~وفيرة لا تقع تحت حصر أو قياس، حتى تحدثوا عن مزارعها وضياعها في بلاد العجم فضلا ~~عن البلدان العربية، فكما كانت ظاهرة ممتازة في أكثر شئونها وأطوارها كذلك كانت في ~~غناها وثرائها. # أنشأت كثيرا من المدارس والمستشفيات وأمرت بتأسيس الملاجئ وحفر الآبار والعيون، ~~فكنت ترى أثرها في كل مرافق البر التي رفعت من صيتها في الآفاق. ~~••• # كانت تكنى «أم جعفر»، ولكن التاريخ يكاد لا يذكر اسم أبيها كثيرا، وإنما محور ~~سيرتها يدور مع حوادث الأمين ووقائعه، وفي ذلك ms157 ما يملأ الصحائف وتفيض من دونه ~~المجلدات، وابنها المحبوب هذا كان نقطة الضعف في تلك الحياة العظيمة المملوءة ~~بالحسنات. # كان ذلك الأمير الخليع المائق الذي لا يستحق شرف الولاية قد ملأ قلبها وغمر كل ~~عاطفة من عواطفها، فكان تماديها في محبته وإيثاره على كل أمر آخر مهما عظم أو صغر ~~هنة لا يغفرها التاريخ. # إن التاريخ ليصب جام غضبه وسخطه على ذلك الحب الوفير الذي خصت به ابنها الأمين، ~~لقد طفا ذلك الحب وجاش فتغلب على كل عاطفة أخرى وتعسف إلى حد الإضرار بالمصلحة ~~العامة. # كانت تعادي كل من ينظر إلى مساوئ ابنها المحبوب نظرة اللوم، وتغضب من كل إنسان لا ~~يغض الطرف عن هفوات ذلك الطائش، إن حب الأمومة ألقى حجابا كثيفا بينها وبين عاطفة ~~الإنصاف إلى حد الكلل عن كل عيب للأمين والعداوة إلى كل إنسان ينقل إليها لوما في ~~حقه. # كان الذين يفضلون المأمون على الأمين - في نظرها - مجرمين لا يمكن الصفح عنهم، ~~وكان جعفر البرمكي من هؤلاء المجرمين الذين لا يمكن التسامح في حقهم، لماذا؟ لأنه ~~كان من أجرأ الناس على نشر مساوئ الأمين وإذاعة نقائصه، فأصبح من جراء ذلك هدفا ~~لسهام غضبها، تكن له الحقد في سويداء قلبها. # إنما كان كرهها لجعفر وسعيها في إسقاط منزلته حبا في ابنها الأمين، وكان جعفر ~~يرى أن الأمين لا يصلح للولاية فلم يخش من مجابهة أمه بهذه الحقيقة، أغضبها ذلك ~~التصريح فأشهرت عليه منذ ذلك اليوم حربا عوانا، وقصرت كل همها على إسقاط منزلته ~~من نفس الرشيد، فكانت لا تعترف بمزية لجعفر، وترى فيه عدوا يجب سحقه ومحاربته، ~~وقد نمت هذه العاطفة في نفسها إلى أن تمكنت منها وبدأت تتشوق إلى الانتقام منه ~~وإرواء غليلها بنكبته. # لقد نكب البرامكة لأجل الأمين، وكانت زبيدة من أهم الأيدي العاملة على حياكة ~~وتدبير تلك النكبة المفجعة، ومن جراء ذلك يحملها التاريخ أكبر تبعة في هذه ~~الحادثة الأسيفة. # لو أن زبيدة امرأة ذات عقل متوسط وذكاء عادي، لو أنها امرأة مجردة عن ms158 صبغة العلم ~~ومزية الإدراك، لالتمسنا لها المعاذير والمبررات في عاطفة الأمومة التي تغلبت ~~عليها، ولكن امرأة كزبيدة ذات عقل وافر، ولب نافذ، وشخصية بارزة، لا يمكن الصفح عن ~~تماديها في تلك العاطفة إلى حد الإجرام وإنتاج تلك المذبحة التي سودت صحائف ~~بني العباس؛ لأن حادثة العباسة إنما جاءت ضغثا على إبالة، وكانت بمثابة القطرة ~~الأخيرة للكأس الطافح، ومن أجل ذلك كانت تلك المذابح وصمة سودت تلك الصحائف البيضاء ~~من حياة زبيدة. # لو أن الأمين من الأبناء الجديرين بتلك المحبة والشفقة، لكان هناك مجال للصفح ~~عنها إلى حد ما، أما وهو خليع مائق معربد جليس الكأس والطاس، فليس ثمت سبيل إلى ~~تبرير تماديها في عاطفة الأمومة. # كيف ضحت زبيدة الكاملة المهذبة رجلا كجعفر في سبيل رجل كابنها الأمين؟ # هذا اللغز الغريب من المظاهر الموجعة للأقدار، ومن المحال أن يصل المرء إلى حله، ~~ووجه التسلية في هذه الحادثة هو الاعتقاد بأن يد الأقدار هي التي حكمت على حياة ~~جعفر الطيبة بتلك الخاتمة المفجعة. # الظلم والجور يحركان مشاعر التمرد في النفس، ولكن ماذا عسانا أن نعمل وللإنسانية ~~المعلولة حد من الكمال لا تستطيع أن تتعداه؟ لنسع في سبيل التكامل ولنبذل قصارى ~~الجهد، ولكننا لا نصل إلى ما نريد مهما أجهدنا أنفسنا؛ لأنه ليس للبشرية أن تصل إلى ~~ذلك. # | الفصل الخامس # في العام السادس والثمانين بعد المائة من الهجرة، حج الرشيد مع امرأته زبيدة، # 1 # وكان في رفاقته خلق كثير من الأعوان والأمراء، من بينهم ولداه الأمين ~~والمأمون ووزيره جعفر بن يحيى البرمكي. # وقد أظهرت الأميرة أثناء حجها هذا من المبرات والحسنات ما لا يدع لقائل قولا ولا ~~لمفتخر سبيلا، مما ابتنته في طريق مكة من مساجد ومكاتب وملاجئ ومنازل ومشارب، فكل ~~ذلك ألسنة تنطق بخيرها العميم أبد الدهر ومدى العمر، وما كان ذلك كله إذا قيس ~~بمفخرتها الخالدة «عين زبيدة» شيئا مذكورا، قد احتملت هذه العين ماء الحياة ~~سائغة، هنية إلى أم القرى، إلى متجه أبصار المسلمين ومعقد آمال الموحدين، وبتلك ~~العين التي ms159 احتفرتها في صحاري الحجاز الجرداء وفرت العناء واحتمال ضروب المشقات عن ~~مئات الألوف من حجاج بيت الله الحرام الذين كانوا يحتملون من قرب الماء ما ~~يئودهم ويوقر ظهورهم، فلو فني ذكرها من جميع الأمصار وتناسى الناس صيتها في ~~جميع الأقطار فسوف يبقى اسمها خالدا خافق اللواء إلى ما شاء الله في ذلك الوادي ~~المقدس، مناط وحدة المسلمين. # وقد كلف حفر اثني عشر كيلو مترا من هذه العين الجارية التي يعد مشروعها نفحة من ~~نفحات السماء، مليونا وسبعمائة ألف دينار. # 2 # ومن غرائب آثارها في مكة قصر من البللور أنشأته في نفس مكة المكرمة يعد آية ~~الآيات في بابه. # هذه الرحلة الحجازية من أهم الوقائع خطرا في حوادث عام 186 هجرية؛ لأنها كانت ~~مبدأ سقوط جعفر من عز إقباله وأوج سعوده إلى حضيض الإدبار. # كان جعفر البرمكي، صاحب المكانة السامية في نفس الرشيد إذ ذاك، وكان لا يفارق ~~مولاه لحظة واحدة أثناء تلك الرحلة، وكان الخليفة يعتمد كثيرا على وزيره الصادق ~~الأمين ولا يبرم أمرا دون استشارته، وكل هذه الحالات كانت زبيدة تنظر إليها نظرة ~~الحقد والاشمئزاز. # كان جعفر يحب المأمون كثيرا؛ إذ كان صبيا محبوبا نشأ في حجر البرامكة وتأدب ~~بإرشاد جعفر وتعاليمه، فغدا أميرا فاضلا مهذبا نافذ اللب واسع الفهم، # 3 # وكان محبوبا من عامة الشعب؛ لاتصافه بهذه المزايا التي يتصف الأمين ~~بعكسها، فكان أخوه ينفس عليه ذلك، أما زبيدة فكانت لا تحتمل هذا التفوق ولا تظهر ما ~~يدل على اغبرارها مع أنها لا تفتأ تبحث عن الوسائل التي تقضي على هذه الحالة التي ~~تضرم في نفسها نيران الغيظ والحقد، أجل، كانت تجتهد في إخفاء ما يساورها من عوامل ~~الكيد إكراما لزوجها الرشيد، ولكن جعفرا لا يتمالك من إظهار تقديره وإعجابه ~~بربيبه المأمون علنا أثناء هذه الرحلة، ففاض إناء حقدها الكامن في نفسها وبدأت ~~تفكر في الوسائل المؤدية إلى القضاء على جعفر، كان الرشيد وهو في مكة المكرمة قد ~~كتب وصيته وبايع للأمين بولاية العهد وللمأمون بعده، وكتب الكتب ms160 بذلك وأشهد فيها ~~الشهود وأرسل نسخها إلى الأمصار، وعلقت نسخة من تلك النسخ على الكعبة توكيدا لها ~~وقبل تعليقها جمع من في معيته من العلماء والفضلاء والوزراء، وعقد منهم مجلسا ~~كبيرا للشورى وأحضر فيه زبيدة والأمين والمأمون وجعفرا، وقرأ عليهم وصيته تأكيدا ~~لها، وعندما حلف الأمين والمأمون يمين الطاعة أمام أبيهما، قال جعفر للأمين عقب ~~يمينه قل معي: «إذا خنت الأمانة فليقهرني الله.» فكررها الأمين ثلاث مرات، وكانت ~~زبيدة تنظر إلى جعفر بعين الحقد وتحدجه بنظرات ملؤها الغيظ والغضب. # 4 # هذه المعاملة المعنوية التي استعملها جعفر مع الأمين جرأة كبيرة تدعو إلى غضب ~~زبيدة وحقدها، ولكن جعفرا ذلك الوزير الأمين كان يفكر في سلامة المملكة ويضع نصب ~~عينيه المصلحة العامة، فلم ير بدا من المضي مع وحي الوجدان وإلهام الضمير، لم ~~يخش من قولة الحق ولم يلتمس سبيلا إلى إنقاذ حياته من الاستهداف لغضب رقيب عتيد ~~كزبيدة. # تملك الغضب زبيدة وارتعشت من الحدة أمام ذلك المنظر، وقررت منذ ذلك الوقت أن تقضي ~~على جعفر، ولقد تمكنت من أن تبر بقسمها الذي أقسمته أمام هيكل نفسها بعد مرور عام ~~واحد على تلك الحادثة؛ ففي عام 187 للهجرة قتل جعفر بن يحيى، ذلك الوزير الفذ على ~~يد مسرور الجلاد، # 5 # وذهب ضحية عاطفة الأمومة التي جاشت في نفس زبيدة وفريسة غرور الأمين ~~واعتسافه. # فتش عن المرأة في كل حادثة: قتل جعفر فتعين الفضل ربيب نعمتها ومحبوب ولدها ~~بدله، وقد كان لها أكبر يد في هذا التعيين، وبعد ذلك بستة أعوام مات الرشيد بطوس # 6 # ودفن فيه، وملك بعده ابنه الأمين عام 193 هجرية. # | الفصل السادس # لما مات الرشيد بطوس، كان المأمون في مدينة «مرو» واليا على خراسان، وكان الأمين ~~ببغداد وزبيدة بالرقة، فانتشر نعي الخليفة بسرعة البرق وسعى صالح بن هارون إلى ~~الأمين بخاتم الخلافة وسيف أبيه وكسوته الخاصة، مبايعا له حسب التقاليد والعادات، # 1 # وكان الأمين قد انتقل من قصر الخلد إلى دار الخلافة، ولما كان من الغد ~~صلى مع الشعب ms161 في المسجد جماعة وأعقب صلاته بخطبة وجهها إلى الخلق والجند والوزراء ~~فبايعوه بالخلافة عند انتهاء خطبته حسب العادة الجارية، وكان المأمون في خراسان فلم ~~يتمكن من مبايعته بشخصه، وإنما اكتفى بإرسال الهدايا وتقديم التهاني التي تقوم مقام ~~البيعة. # أما زبيدة فقد طاب لها المقام في الرقة، ولم تشأ أن تحضر إلى بغداد ولكن ابنها ~~الخليفة ألح عليها بالحضور والتمس منها ذلك بكل وسيلة، فلم تر بدا من الإجابة ~~إلى دعوة ولدها المحبوب، فتوجهت إلى العاصمة في شهر شعبان المعظم، وقام ابنها حتى ~~مدينة الأنبار يستقبلها باحتفال مهيب احتشد فيه خلق كثير، وكانت الأعلام المتماوجة ~~والزينات المختلفة وابتهاج الشعب ونشاطه العظيم يلقي على مدينة الأنبار ثيابا من ~~الروعة ضافيا، وجلبابا من الجلال شاملا. # لقد كان لوصول زبيدة أثر من العظمة الخالدة التي لا يمكن نسيانها، ولتلك المواكب ~~الفخمة روعة دائمة الذكر في صحائف التاريخ، بمثل هذا الاحتشام تقدم موكب الأمين ومن ~~ورائه الوزراء والأمراء والأعيان ثم صنوف الخلق لملاقاة زبيدة القادمة إلى عاصمة ~~الملك وقصر الخلافة. # هنا أخذ الخيال بيدي إلى منظر آخر في صفحات التاريخ، إلى صورة بارزة للجلال ~~والاحتشام، إلى موكب اجتماع ملكة سبأ بسيدنا سليمان - عليه السلام - ودخولها فلسطين ~~تحف بها آيات الاحتشام ومظاهر الجلال والكمال. # بين هذين الموكبين مشابهة ومحاكاة، فيالله من بهجتهما وإشراقهما! وأي جمال للغرب ~~يضاهي جمال هذا الإشراق الذي يستمد بهجته من ألوان الشرق؟ # وصل موكب زبيدة بين الهتاف المتواصل وأصوات التهليل ومظاهر التبجيل والتقدير إلى ~~بغداد، ووقف أمام قصر الخلافة بإلحاح الأمين ورجائه المتواصل وهنا ألقت عصاها ~~واستقر بها النوى. ~~••• # كان المأمون أثناء ذلك في خراسان لا يستطيع تركها لما كانت عليه من الفتن ~~والدسائس، فكانت الأحوال تحتم عليه البقاء في خراسان وتأخير الشخوص إلى ~~بغداد. # كان الرشيد على علم تام بأخلاق ولديه الأمين والمأمون وبصفات ومزايا كل واحد ~~منهما، وقد كان تعيين الأمين لولاية العهد مراعاة لخاطر زبيدة، أما المأمون فقد كان ~~يقدره حق قدره لشخصيته الفذة ومزاياه النادرة؛ ولهذا السبب وجه ms162 إليه ولاية خراسان، ~~فأظهر حسن السيرة والورع حتى استمال القواد وأهل البلاد، وكان فاضلا أديبا يميل ~~إلى إتقان العلوم والفنون، ذا اطلاع واسع وأهلية تامة في تفسير القرآن وفي الحديث الشريف. # 2 # وقد كانت له ملكة عظيمة ودراية كبيرة في مسائل الفقه والتشريع حتى فاق أمراء ~~زمانه وأصبح بينهم علما يعتد برأيه وفضله. # كان الرشيد ثاقب الفكر بعيد النظر فتوقع ما قد يفعله الأمين من التهوس وسوء القصد ~~بأخيه فأوصى قبل موته بجميع ما في المعسكر للمأمون، وكان الفضل بن الربيع ربيب نعمة ~~الأمين خليفة جعفر بن يحيى على منصب الوزارة بغير جدارة، يعلم مقدار هذا المعسكر، ~~وما دق وجل من شئون رجاله وأحواله. # وعندما انتقل الرشيد إلى جوار ربه، وولى ابنه الأمين شئون الخلافة من بعده، زرع ~~الفضل بذور الفساد والتمرد بين أفراد الجيش ثم روج بينهم الدعوة إلى نكث أيمانهم ~~ومواثيقهم للرشيد بأن يكونوا في إمرة المأمون، حتى مالوا معه وقفل بهم إلى بغداد، ~~ومعهم جميع ما في المعسكر من مال وذخيرة، وعندما وصل وزير الأمين وربيب نعمته إلى ~~عاصمة الخلافة قابله الخليفة بالحفاوة والإكرام وأغرقه بالصلات والهبات، ثم وزع على ~~الجنود الخائنة ضعفي مرتباتهم تلطيفا لخواطرهم. # أما المأمون فقد وجد نفسه بلا جيش ولا مال، فعمل على استمالة قلوب الشعب واكتساب ~~رضا الناس وجمع رؤساء خراسان وأكابرها حوله وبدأ يدبر شئونه بمعونتهم، وخفض ~~الضرائب، وسار في الرعية سيرة العدالة والمروءة، ولم يجابه مع ذلك أخاه بالعدوان أو ~~يقابله بالإساءة، إنما كان في أحواله وأطواره أميرا عادلا يصدر عن روية ويورد عن ~~إنصاف وتدبر. # وبينما كان المأمون في خراسان على هذا النحو من التدبر والتعقل وحسن السيرة، يجمع ~~حوله أمراء أبيه المحنكين وشيوخ الدولة المدربين؛ ليستعين بثاقب أفكارهم وناضج ~~آرائهم، كان الأمين ببغداد منهمكا في اللذات وشرب الخمر، حتى أرسل إلى جميع البلاد ~~في طلب الملهين وضمهم إليه وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن إخوته وأهل بيته وقسم ~~الأموال والجواهر في خواصه وفي الخصيان والنساء، وعمل خمس حراقات في ms163 دجلة على صورة ~~الأسد وعلى صورة الفيل وعلى صورة العقاب وعلى صورة الحية وعلى صورة الفرس # 3 # يتنقل من واحدة إلى أخرى، عاكفا على تمضية الوقت بين الغناء ~~والمنادمة، وقد كان لراقصاته صيت ذائع وكن مائة قد انتخبهن من أمصار مختلفة، تجيد ~~الواحدة منهن ضروبا من الرقص وفنونا من الحركات التي تدهش الأبصار، وقد صرف عليهم ~~مبالغ جسيمة؛ إذ كن في أبهى لباس وأثمن حلية يبهرن النواظر وهن يرقصن بأغصان النخل ~~في أيديهن، وكلما اشتد إعجاب الناظرين ازداد غروره وتمادى في غيه والاعتداد بما ~~صنفه من مظاهر العز والترف، في تلك الفترة الرهيبة كان أعداء الإسلام يراقبون ~~الأحوال بعين اليقظة، منتظرين الفرصة السانحة التي تبدو لهم من خلال غفلته وانهماكه ~~في اللذات، وقد انفرجت لهم ثلمة الفرصة في خلال هذه الفترة وبدءوا يرفعون ألوية ~~العصيان ويتحركون بعد السكون والجمود والأمين لاه ساه كأنه في نوم عميق يبدد ~~أموال الدولة في سبيل لذاته وشهواته بدل أن ينظر في شئون حكومته، ويعمل على سد ~~حاجاتها المادية والمعنوية. # أما الفضل بن الربيع وزيره الأمين فقد خاف العواقب، وكان كلما افتكر فيما فعله مع ~~المأمون من نكث عهد الرشيد ووصيته بطوس ارتعدت فرائصه فرقا، وقد وضع نصب عينيه أن ~~ولاية المأمون للخلافة إن عاجلا أو آجلا معناها موته والقضاء عليه؛ لأن المأمون ~~لا يترك له هذه الخيانة دون عقاب صارم، فلم يطق احتمالا لهذه الفكرة التي كانت ~~تقلق خاطره ليل نهار وتنفي النوم من عينه، فحسن للأمين خلع المأمون والبيعة لابنه ~~موسى فلم يوافقه أولا، ورأى الفضل أن آماله كادت تخيب فألح عليه في هذا الرأي ~~وأشرك معه شريك النفاق والرياء علي بن عيسى، فروجا هذه الفكرة وحسناها للأمين ~~وما زالا به حتى مال إلى أقوالهما وشرع في خداع المأمون باستدعائه إلى بغداد، فلم ~~ينخدع وأدرك ما في ذلك من الخطر والبوار إن هو ترك خراسان، فكتب يعتذر وترددت ~~المراسلات والمكاتبات بينهما ونهض الفضل بن سهل بأمر المأمون واستمال له الناس، ~~وضبط له الثغور ms164 والأمور، واشتدت العداوة بين الأخوين: الأمين والمأمون، وقطعت ~~الدروب بينهما من بغداد إلى خراسان وفتشت الكتب وصعب الأمر، وقطع الأمين خطبة ~~المأمون ببغداد وقبض على وكلائه، ثم خلعه وولى بدله ابنه موسى وليا للعهد بلقب ~~«الناطق بالحق»، وأحضر كذلك وصية أبيه من مكة المكرمة ومزقها إربا. # على هذا المنوال نما الشر بين الاثنين، وقضي على مشروع الرشيد، ولم يبق من آثاره ~~سوى ما كان له من حسن النية. # لقد حنث الأمين بيمين قطعه على نفسه ونكث عهدا عاهد به أباه، ولم يعبأ بتلك ~~الوصية التي تحرمت بتعليقها على جدران بيت الله الحرام. # لم يندم الأمين على ما فعل، ولم يخجل عندما ارتكب تلك الفعلة الشنيعة، فلا بدع ~~ولا عجب؛ لأنه شب منذ الصغر صغير النفس وضيع الهمة لا يقدر لشرف الوعود والإيمان ~~قدرا. # لذلك رأينا المأمون يستعد، وكان بقدر ما عنده من التيقظ والتبصر والضبط، بقدر ما ~~عند الأمين من الإهمال والتفريط والغفلة، وقد بلغ من تفريطه أنه أرسل إلى حرب أخيه ~~رجلا من أصحاب أبيه يقال له: علي بن عيسى بن ماهان في خمسين ألفا، ويقال: إنه ما ~~رئي قبل ذلك ببغداد عسكر أكثف منه، وكان معه السلاح الكثير والأموال الوفيرة، وخرج ~~معه الأمين مشيعا مودعا، وكان أول بعث بعثه إلى أخيه، فمضى علي بن عيسى بن ماهان ~~في ذلك المعسكر الكثيف وكان شيخا من شيوخ الدولة، فالتقى بطاهر بن الحسين قائد ~~عساكر المأمون بظاهر مدينة «الري»، وكان عسكر طاهر حدود أربعة آلاف فارس فاقتتلوا ~~قتالا شديدا فكانت الغلبة فيه لطاهر، وقتل علي بن عيسى وجيء برأسه إلى ~~طاهر. # وأرسل طاهر إلى المأمون يبشره بذلك الفوز، وأرسل البشرى مع رجل من رجال البريد، ~~فوصلت إلى المأمون في ثلاثة أيام وبينهما مسيرة مائتين وخمسين فرسخا. # ومن الغريب أن الطاهر في كتابه الذي بشر به بذلك الظفر، أوجز غاية الإيجاز مع ~~الإلمام بالموضوع من جميع وجوهه وهذه نسخته: # أما بعد فهذا كتابي إلى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ورأس علي بن ms165 عيسى ~~بين يدي، وكان خاتمه في يدي وجنده تحت أمري والسلام. # وقديما فعل ذلك «جول سيزار» عندما تغلب على قبائل الغول ودخل مدينة «لوتاس» ~~وهي المدينة الأثرية التي بنيت على أطلالها باريس، فقد كتب إلى مجلس الأعيان بروما ~~ثلاث كلمات فيهن كل وصف وإطناب وهي: # جئت فرأيت فقضيت. # لقد اغتاظ الفضل من انتصار المأمون وأطلق لغضبه العنان إلى حد مصادرة أمواله ~~وعقاره وحجز ولديه الصغيرين ببغداد، ولقد هم أن يقتلهما لولا ممالقة الأمين، ثم ~~توالت البعوث من جانب الأمين بعد هزيمته المنكرة وكانت الغلبة للمأمون في كل مرة، ~~وفي سنة ثمان وتسعين ومائة، هجم طاهر بن الحسين على بغداد بعد قتال شديد وحاصرها ~~عدة أشهر وأخذ الأمين أمه وأولاده إلى عنده بمدينة المنصور وتحصن بها، ولقد ~~أشاروا عليه بالفرار إلى الشام فلم يفعل ارتكانا على مروءة أخيه وشهامته إن هو ~~سلم نفسه إليه وبادر في مذكرات الصلح وتفرق عنه عامة جنده وخصيانه، وحصره طاهر ~~هناك وأخذ عليه الأبواب والمنافذ، ولما أشرف على أخذه طلب الأمين الأمان من «هرثمة» ~~وأن يطلع إليه فروجع في الطلوع إلى طاهر فأبى ذلك، فلما كانت ليلة الأحد لخمس بقين ~~من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، خرج الأمين بعد العشاء الآخرة وعليه ثياب بيض ~~وطيلسان أسود فأرسل إليه هرثمة يقول: إني غير مستعد لحفظك وأخشى أن أغلب عنك فأقم ~~إلى الليلة القابلة، فأبى الأمين إلا الخروج تلك الليلة، ثم جاء راكبا إلى الشط ~~فوجد حراقة هرثمة، فصعد إليها فاحتضنه هرثمة وضمه إليه، ثم شد أصحاب طاهر من ~~الأعجام على حراقة هرثمة حتى أغرقوها، فسبح الأمين وهرثمة حتى وصلا إلى الساحل بكل ~~جهد ومشقة والتجأا إلى بيت صغير، وكان هرثمة قد غطى الأمين بطيلسانه حفظا له عن ~~الأعين وعمل ما في وسعه لنجاته، ولكن كيف يستطيع ذلك بمفرده؟ وأنى له أن يثبت أمام ~~مشيئة الأقدار؟ إن «لكل أجل كتابا»، فقد وصل الأعجام إلى الأمين في مكمنه، وهجموا ~~عليه بسيوفهم المصلتة حتى قتلوه، ولقد غضب المأمون من جراء ms166 ذلك على القتلة وأمر ~~بجمعهم ومجازاتهم لما ارتكبوه وأجرى النفقات على الموجودين في قصر أخيه وألحق ~~ولدي الأمين بزبيدة لتربيتهما، وهكذا عمل ما في الإمكان لتلافي ما حدث بغير رضاه ~~وبلا أمر منه. # قتل الأمين، ولد زبيدة المحبوب في الثامنة والعشرين من حياته، وكانت مدة خلافته ~~أربع سنين وثمانية أشهر وكسر. # لقد أقسم الأمين أمام أبيه بحفظ وصيته وعاهد ربه ثلاثا أمام جمع حافل أن يكون ~~مستحقا لغضب المولى - عز وجل - وقهره إذا هو خان الأمانة؛ ثم نكث بالعهد وحنث ~~بالقسم ولم يعبأ بشرف الوعد، أفلا يكون في ذلك دليل على الغباوة والجهل وقلة ~~التدبر؟ # | الفصل السابع # اضمحل نفوذ زبيدة وتلاشى شأنها بعد خلافة المأمون ولم يبق لعظمتها مجال ومتسع، ~~ولقد اضطرت أن تعيش في دائرة محدودة تحت ظلال السكون والاستكانة والنسيان على غير ~~ما تعودت وبخلاف ما نشأت عليه؛ لأن طاهر بن الحسين قائد المأمون ذلك الذي تغلب ~~على ابنها الأمين وقهر جيوشه وكسر شوكته لم ينس ما لحق المأمون من الإهانة وما ~~ناله من الأذى وما تجشمه من المشقة في سبيل الأمين، فاضطهد زبيدة وعمل على تعذيبها ~~وإذاقتها ألوان التحقير والإهانات، ولقد صبرت زبيدة على الأذى وتحملت كل ذلك بصبر ~~وثبات جأش، وإنها لجديرة بالتقدير لثباتها هذا؛ لأن زبيدة العظيمة «امرأة الرشيد» ~~تلك التي عاشت مكرمة معززة مرفهة طول حياتها دون أن يصيبها مكروه أو يعكر صفو ~~حياتها أذى أو تسمع أو ترى ما يشعر بهوانها ومذلتها لم تذق طعم الهوان قبل ذلك ~~اليوم. # لم يرض طاهر أن يسمح لنفسه بالنسيان عن أحوال زبيدة وحركاتها التي بدرت منها ~~أيام ابنها الأمين؛ فحكم عليها على امرأة الرشيد الأصيلة النجيبة بأن تعيش في ضيق ~~وشدة، إنه الانتقام ليس من الشرف في شيء بل هو ضرب من ضروب النذالة، ولقد تألمت ~~زبيدة من تلك المعاملة ولم تدر ما تفعله إزاءها لأن يد الأقدار التي ضربتها تلك ~~الضربة القاسية جعلتها في حيرة من أمرها لا تهتدي إلى سواء السبيل؛ ولأنها ما كان ms167 ~~يخطر على بالها أن تظل كذلك متروكة منسية في بغداد، وعندما فاض إناء صبرها وضاق ~~ذرعها تجلدت فأمسكت القلم بيمينها وسطرت تستعطف المأمون وتقول: «كل ذنب يا أمير ~~المؤمنين وإن عظم صغير في جانب عفوك، وكل إساءة وإن جلت يسيرة لدى حلمك، وذلك الذي ~~عودكه الله، أطال مدتك، وتمم نعمتك، وأدام بك الخير، ودفع عنك الشر والضير، وبعد، ~~فهذه رقعة الولهى، التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر، وفي الممات لجميل الذكر، ~~فإن رأيت أن ترحم ضعفي واستكانتي وقلة حيلتي وتصل رحمي وتحتسب فيما جعلك الله ~~له طالبا وفيه راغبا فافعل، وتذكر من لو كان حيا لكان شفيعي لديك.» ثم أضافت ~~إلى ذلك أقوالا شرحت فيها معاملة طاهر واضطهاده لها وقالت: «فإن كان ما يفعله ~~صادرا عن رضاك رضيت بنصيبي من الأقدار، وإن كان يعتسف بغير رأيك فإنك قادر على ~~تغيير الحال.» # وقد أرسلت الرقعة مع جارية لها تدعى خالصة وأوصتها أن تسلمها إلى المأمون يدا ~~بيد. # وما كاد المأمون يقرأها حتى بكى، وقال لمن حوله قول علي - عليه السلام - عندما ~~وصل إليه خبر استشهاد عثمان - رضي الله عنه: «والله ما كان ذلك برأيي ولا علمي.» ثم ~~أجاب زبيدة بكتاب لطيف ورد إليها أموالها وضياعها وعمل على رفع قدرها وإصلاح ~~شأنها ليمحو من نفسها أثر الأحزان التي انتابتها، كما وبخ طاهرا على ما ~~فعله. # بعد ذلك نرى زبيدة في عيش رضي ونعمة تامة، تستعيد بهجتها السابقة وعظمتها ~~السالفة، وتعمل على نسيان الإساءة التي لحقتها على يد طاهر بن الحسين، تحت ظلال ~~وارفة من نعم المأمون وإحساناته المتوالية. # | الفصل الثامن # بعد انتهاء الحادثة بتلك الخاتمة الحسنة، يظهر اسم زبيدة مرة ثانية في صفحات ~~التاريخ، يسطع بإشراقه السابق وروائه السالف، وقد ظل هذا الطابع مظهرا لحياتها ~~الباقية الممتدة حتى عام 210 من الهجرة. # وكما أن الجماعات التي تمر أوقاتها في سعادة ورفاهة، قل أن توجد في سلسلة ~~وقوعاتها حادثة مكدرة أو واقعة تحرك كوامن الألم، كذلك الأفراد الذين تتوالى سلسلة ~~أيامهم بالسرور والصفاء ms168 لا يجد الرائي خلالها من الحوادث المؤلمة والوقائع المكدرة ~~ما نسجلها عليهم، وهكذا الحال مع زبيدة، ظلت هنيئة مغتبطة بعيشها بعد خلاصها من شر ~~طاهر بن الحسين وأذاه، فقد تعاقبت عليها الأيام بصفاء غير ممزوج بأكدار الحياة، ~~وهذه حالة طبيعية في حياة امرأة عظيمة تعيش في كنف خليفة عالي الهمة، رقيق الحس، ~~جميل الشيم، كالمأمون. # من الحوادث التاريخية البارزة في تلك الفترة من حياة زبيدة، عقد قران المأمون على ~~بوران بنت وزيره الحسن بن سهل، فقد كانت زبيدة من أكابر الرءوس التي حضرت تلك ~~الوليمة وظهرت فيها بمظاهر الأبهة والجلال، ولم تكتف بهدية الجهاز التي قدمتها ~~للعروسين مما كلفها 35 مليونا من الدراهم، وإنما تبرعت كذلك لبوران بإحدى ضياعها ~~الكبيرة في ولاية «البلخ». # لقد كانت وليمة الزفاف في مدينة «مرو» في شهر رمضان المبارك من العام العاشر بعد ~~المائتين للهجرة وانتهت بأبهة فخمة لا مثيل لها في حوادث التاريخ، حتى لقد قيل: إن ~~أيام العرس دامت سبعة عشر يوما تجلى فيها الشرق واستفحاله في الأبهة والفخامة ~~مما لا يقع تحت وصف أو حصر، ولقد كانت كبريات ~~السيدات من نساء بغداد وغيرها من عواصم الإسلام وأمصاره يختلن في الحفلة ~~بالثياب الفخمة والحلى الثمينة التي يأخذ بريقها بالأبصار، ومن لنا بتصوير حالة ~~زبيدة ونفسيتها في ذلك الموقف، وهي تشاهد تلك الحفلة، لقد تذكرت بلا ريب بشيء من ~~اللوعة والمرارة المعنوية حفلة زفافها في قصر الخلد منذ خمس وأربعين سنة مضت، ومن ~~يدري إلى أي حد ذهبت بها ذكريات تلك الأيام الذهبية الماضية، لقد كانت إذ ذاك واحدة ~~بغداد في الحسن والجمال وقرة عين جدها المنصور عميد آل بني العباس، ولقد خيل إليها ~~وهي في تلك الحال من الرفاهة وما يحيط بها من أنواع الحفاوة والدلال أن الحال سيدوم ~~معها على ذلك المنوال وأن حسن الطالع سيلازمها طول الوقت ومدى العمر. # لقد كانت صبية حسناء في السابعة عشرة من عمرها، ولقد كانت محبوبة معززة من عريسها ~~الرشيد الذي يبسم له حسن المستقبل فكان ms169 اليوم يومها، ومن البديهي أنه لم يكن في تلك ~~الحفلة امرأة أشد ذهابا مع الذكريات وأكثر استعراضا للحوادث منها، تلك الحوادث ~~التي تمر في المخيلة تباعا كما تمر الوقائع في شريط السينما. # أما عروس اليوم فهي بوران محبوبة المأمون أكبر رأس تنحني له الرءوس، والشعراء ~~الذين تهافتوا على وصف جمالها وتدبيج القصائد في ذكر كمالها، يتهافتون اليوم على ~~وصف بوران وقدح زناد الفكر في ترصيع آيات التمجيد والإعظام لها. # لقد كان اليوم يوم بوران، فزبيدة في تلك الحفلة تمثال الماضي وبوران صورة الحاضر، ~~ووجود هاتين المرأتين معا جنبا إلى جنب في الحفلة لوحة بديعة ذات معان سامية ~~تصور منظرا من أغرب مناظر الحياة. # كان المأمون يحب بوران إلى درجة بعيدة المدى، فأراد أن يظهر له حبه متجليا في ~~إعزازها وتكريمها بتلك الحفلة، فتم له ما أراد وظهرت حفلة زفافها عظيمة بليغة بقدر ~~حبه العظيم. # لقد كانت حفلة مشرقة باهرة، سطعت فيها القلائد على النحور، والأقراط في الآذان ~~والحلي على المعاصم ببهاء ورواء، ولكن شخصية بوران كانت أكثر إشراقا من أي شيء ~~آخر، وجمالها الساطع فاق روعة تلك المجوهرات والنفائس: ولقد قيل: إنه عندما أخذ ~~المأمون بيدها إلى الغرفة المخصصة لها نثرت جدة العروس قطعا من اللآلئ الكبيرة من ~~على صينية من الذهب فوق رأسيهما، وقد جمعت فيما بعد فصارت عقدا بديعا زينوا به ~~جيد بوران الناصع، وقد قيل كذلك: إن جدتها ~~أوقدت في غرفتها شمعة عنبر تزن أربعين منا، وكتب الحسن بن سهل أسماء ضياعه في رقاع ~~ونثرها على القواد، فمن وقعت له رقعة أخذ الضيعة المسماة فيها، هذا خلاف الذهب ~~والجواهر الذي نثره على عامة الناس في ذلك اليوم مما بلغت تكاليفه خمسين مليونا من ~~الدراهم، ولقد هال ذاك المأمون وأراد أن يعوض على وزيره ما أتلفه في سبيل إعظامه، ~~فوهبه إيراد سنة واحدة من دخل إحدى ضياعه الخاصة. # على هذا النسق البديع من الفخامة والعظمة انتهت حفلة زفاف بوران، وبهذه الصورة ~~البديعة بدأت حياة الزوجين السعيدين، وبعد هذه ms170 الحادثة بست سنوات ارتحلت زبيدة إلى ~~دار البقاء في التاسعة والستين من عمرها. # هذه الفاضلة الممتازة من بنات بني العباس، من أجل نساء الإسلام ذكرا، وحياتها ~~التي دامت تسعة وستين عاما، صفحة ممتازة من صفحات التاريخ الإسلامي. # كانت ذات شخصية بارزة وصفات سامية ونفس جذابة، ولقد سار ذكر جمالها مسار الأمثال ~~ببغداد، وتغنى الناس بذكائها وفطنتها في سائر الأمصار، أما حديث غناها فمما أدهش ~~أهل التوحيد وذكر خيراتها مما وقع موقع القبول والشكر في قلوب جميع ~~المسلمين. # لقد أتت من عظائم الخيرات ما لا يدخل تحت حصر أو قياس، فأصبح اسمها مرادفا ~~لمعاني البر والمعونة والإحسان، فهي لهذا السبب من الأميرات الجليلات اللواتي يفتخر ~~الإسلام بهن على الدوام. # لقد أحبها الخلق لجمالها ولصفاتها المعنوية ولعرفانها وسمو أدبها، ولكن شهرتها ~~الخالدة جاءتها من طريق خيراتها العديدة وببركة الدعوات الصالحة الصادرة من القلوب ~~المكلومة التي عملت على تخفيف ويلاتها، ظل اسمها خالدا عظيما وسوف يظل كذلك تلهج ~~به الألسنة بالمحمدة والتمجيد إلى ما شاء الله. # أما أثرها في عصرها فظاهر جلي؛ فقد كانت قطب رحى الظرف، والمبتدعة لأنواع كثيرة ~~من ضروب الزينة، حتى لقد يمكن وضعها في صفوف كبار أهل الفن العاملين على إحيائه ~~وإنمائه في ذلك العصر. # في سيرتها شيء من الزلل وجانب من الخطأ، ولكن لو وضعت حسناتها إلى جانب تلك ~~الهفوات لرجحت كفة خيراتها رجحانا كبيرا، وأي امرئ من أبناء البشر مبرأ من العيب، ~~معصوم من الخطأ؟ # فزبيدة هذه من ملكات الشرق ذات الأثر الباهر، ومن مخدرات الإسلام التي كانت ~~عونا على رفع كلمة الشرق، فإذا ما ذكر اسمها وجب أن يذكر مقرونا برفاهة الشرق ~~وفخامته، وما كان له من علو شأن وارتفاع في العصر الثاني للهجرة. # ولهذا الاسم أثر كبير من الإعجاز، فإن له سحرا خاصا يجذبنا إليه ويجبرنا على ~~الانحناء بإعظام أمام شخصيته لنقول من صميم أفئدتنا: «لقد كانت امرأة ~~عظيمة.» # بهذا الخشوع والإعظام فحسب نطوي سجل هذه الحياة الصالحة. # | الأميرة صبيحة ملكة قرطبة # | الفصل الأول # عبد ms171 الرحمن الثالث الناصر لدين الله، ثامن ملوك بني أمية في الأندلس، ناصية ~~معروفة في التاريخ الإسلامي، وعلم من أعلام الأندلس، ما كاد يجلس على عرش الخلافة ~~حتى بذل ما في وسعه لترقية المملكة وإعلاء شأنها، إلى أن وصلت أعلى درجات الرقي ~~وفاقت ممالك أوروبا مدنية وحضارة في المدة التي تقلد أثناءها الحكم وتقدر بنصف ~~قرن. # عاش هذا الخليفة المقتدر وله أمل واحد، سعى لإدراكه وتحقيقه طول الحياة، ذلك ~~الأمل: هو مجد الأندلس وعظمتها، وقد كانت همته أكبر من أن تكل، فواصل ليله ~~بنهاره مجدا مجتهدا حتى صير قرطبة جنة فيحاء، تتخللها القصور الشاهقة والمساجد ~~الكبيرة والمدارس العالية والمستشفيات العديدة ودور الكتب الحاوية لأنفس الآثار ~~والمآثر، أراد ترقية العلم في ربوع بلاده؛ فأحضر لها العلماء والحكماء من سائر ~~ممالك العلم، # 1 # ورغب كذلك في زينتها وبهرجتها فلم يأل جهده في تخطيط الشوارع وغرس ~~الأشجار وحفر الترع والجداول الموصلة للأنهار، وإن هي إلا عشية وضحاها حتى كانت ~~قرطبة تنافس بغداد في أبهة الحضارة وأسباب الرفاهة والعمران، وأصبحت موضع إعجاب كل ~~من يقصدها من الزوار بحسن نظامها وبديع ترتيبها، واجتمعت كلمتهم على أنها عروس ~~المدائن ومعدن الظرف ومنبع أنواع الكمالات، # 2 # وإن التاريخ لن ينسى أياديه البيضاء على العلوم والفنون وترويجه ~~الزراعة والتجارة في تلك البلاد الجميلة التي أضاءت نفوس أهلها من رجال ونساء ~~بأنوار العلم والعرفان # 3 # حتى أصبحت ترفل في تلك الحلل الجميلة، حلل المدنية في وقت كانت فيه ~~أوروبا غارقة في ظلمات الجهل، تتلمس لنفسها سبيل النور والضياء. # وجه همته إلى تنظيم الجيش وبناء الأساطيل؛ # 4 # وبذا أصبح صاحب الكلمة العليا في مياه البحر الأبيض، ولم يكتف بما كان ~~يحرزه في ميادين الحرب والقتال، بل تطلع أيضا إلى التغلب في ميادين السياسة، فما ~~لبث أن نال فيها قصب السبق وعقدت له بها ألوية الظفر والفخار. # أكبر المسلمون من كافة أنحاء العالم ما كانوا يرونه فيه من أمارات الذكاء ودلائل ~~العدل مع ما كان عليه من حسن التدبير ووفرة الجاه وقوة ms172 السلطان وعزة الملك، فعظمت ~~منزلة قرطبة في أعينهم وأصبحت بمثابة القلب النابض لأجزاء الممالك الإسلامية الأخرى ~~المنتشرة من أقصى المعمورة لأقصاها. # كان عصر نهضة وزمان تجدد وانتباه، وكان للعلوم والفنون وقتئذ تجارة نافقة، ~~وللأندلس من هذه النهضة نصيب وافر حيث كانت مطمحا لأنظار الشعراء والعلماء وقبلة ~~أهل الأدب وغيرهم من الوجوه ورجال الفضل من كل صوب وحدب. # 5 # قال عبد الرحمن الناصر يخاطب ابنه الحكم: «كلما طال عهدي قصر زمانك يا بني.» ~~وقد طال حقيقة عهد عبد الرحمن، وكان ذلك لمجد الإسلام وعظمته؛ لأنه من أحسن الأزمنة ~~التي عادت على الأمة الإسلامية بالخير العميم، بل أقول: بأنه كان بلا مراء العصر ~~الذهبي للإسلام المتوج تاريخه بإكليل المجد والفخار. # حسبك حسنة من حسنات عبد الرحمن؛ جامع قرطبة الشهير والقصر المعروف ببيت الزهراء، # 6 # ذلك القصر المشيد على مقربة من قرطبة في أجمل بقعة من بقاع ~~الأندلس. # لقد عجز المؤرخون عن وصف هذا القصر، وأوقع قلوب زائريه من أهل الفن في الدهشة ~~والإعجاب؛ لأنه كان أجل من أن يوصف وأبدع من أن يصور؛ كان مملوءا بضروب ~~الصناعة وصنوف البهرجة وأنواع الزينة من الداخل والخارج بحيث لا تقع العين إلا على ~~آية من آيات الفن أو منظر من المناظر الرائعة الجديرة بالإجلال والتقدير. # كان ما يراه الإنسان خارج القصر لا يقاس بما تقع العين داخله؛ فقد كان لكل زخرفة ~~من زخارفها حالة جذابة خاصة بها، وبالإجمال فهو من تلك القصور التي لا نسمع عن ~~نظائره إلا في أقاصيص الجان وأساطير الأولين. # كانت الحديقة المحيطة بالقصر من أجمل البساتين البالغة غاية الكمال في التنسيق ~~والترتيب، تزينها أبسطة زمردية خضراء وأشجار باسقة شامخة بأنفها في الفضاء، وأحواض ~~رخامية تحيط بها صنوف شتى من الورد والأزاهير. # وقد كان في القصر مائتان وألف عمود من أفخر الرخام، وقاعة استقباله مزينة بالذهب ~~مطرزة باللؤلؤ، والأبواب من خشب الأرز منقوشة نقشا يحير الألباب، والعمد غاية في ~~الإتقان والإحكام كأنها أفرغت في قوالب، وكان بها برك عظيمة يجري منها الماء ms173 ~~الصافي إلى أبدان تماثيل غريبة الشكل والصنعة تكاد المخيلة تعجز عن تصورها. # قال «المقري» يصف أحد مجالس هذا القصر: «سقفه من الذهب والرخام الغليظ ~~الصافي لونه، المتلونة أجناسه وكانت حيطان هذا المجلس مثل ذلك، وجعلت في وسطه ~~اليتيمة التي أهداها «لاون» ملك القسطنطينية إلى الناصر، وكانت قراميد هذا القصر من ~~الذهب والفضة وفي وسطه صهريج مملوء بالزئبق، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية ~~أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر قامت ~~على سوار من الرخام الملون ذي البللور الصافي، وكانت الشمس تدخل تلك الأبواب فيضرب ~~شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار.» # 7 # كل زينات هذا القصر كانت بديعة مونقة، وكل النقوش التي تزينه دقيقة ومحكمة، أما ~~الحوائط فقد كانت لوحات فنية نفيسة والأعمدة شفافة رقيقة ذات قوام جاذب، وجماع هذه ~~النفائس كان ينبعث منها نور وجلال يتضاءل أمامها أبهة قصر الخلد الذي بناه الرشيد ~~في بغداد. # قصر الزهراء تاج أعمال عبد الرحمن الناصر، شيده لتخليد اسم زوجته المحبوبة، ~~فزاد بذلك من شأن قرطبة وأهميتها وكان سببا في لفت أنظار العلماء والأدباء إليه ~~واكتسابه محبة الشعب ونواله حمد أهل المشرق واستحسان أهل الغرب، هذا إلى تخليد اسمه ~~في طيات التاريخ بطريقة لا يمكن محوها إلى أبد الآبدين. # ولقد توفي سنة ثلاثمائة وخمسين هجرية وهو في الثانية والسبعين من عمره بعد أن سلخ ~~خمسين حجة في حكم بلاده. # كانت قرطبة عند وفاته تحتوي على 130 ألف مسكن وثلاثة آلاف جامع وخمسين مستشفى ~~وثمانمائة مدرسة وتسعمائة حمام وستمائة خان، بينما كانت المكتبة الملوكية تضم ~~بين جدرانها كتبا يتراوح عددها بين 400 ألف و700 ألف مجلد، # 8 # إلا أنه ترك ما هو أبلغ من ذلك وأعظم شأنا؛ فقد ترك بين أوراقه ~~الخصوصية جملة حكمية ضربت بها الأمثال وسارت بذكرها الركبان، هي قوله: «أحصيت ~~أيام حياتي التي عشتها في صفو وهناء لا تظللها سحب الأكدار فإذا هي أربعة عشر ~~يوما فقط.» # ملك عظيم ms174 دانت له الرقاب وتوفرت له أسباب العز والجاه عاش مبجلا، معززا، ~~ترمقه العيون بالمهابة وتحفه الأنظار بالإجلال ولم يتمتع من أيام حياته الطويلة إلا ~~بجزء صغير - أربعة عشر يوما فقط - فما أبلغ هذه الحكمة السامية التي تتضاءل أمامها ~~جلائل المعاني! # | الفصل الثاني # مات عبد الرحمن وبموته طوي بساط ذلك الزمن الزاهر وفتح للأندلس أبواب عهد جديد ~~هي: أيام الحكم المستنصر بالله. # كان الحكم قبل تقلده منصب الخلافة عالما وقورا محبوبا من الشعب، وفي ~~مصاف أكابر الأمراء في عهده، # 1 # ذا دراية بتدبير الملك وفنون السياسة، خاض غمار الحرب بنفسه واشترك ~~في إدارة دفة الأحكام على عهد أبيه؛ ولذلك قابل أهل الأندلس خبر توليته وهو في ~~الثامنة والأربعين من عمره بمظاهر الارتياح والسرور؛ إذ كان خير خلف لخير ~~سلف. # كان - رحمه الله - من حماة العلوم وأنصار الفنون، يعتبر الكتاب من أحسن الندماء ~~ويلذ له الاعتكاف في مكتبته الحاوية لنفائس الآثار الساعات الطوال، يقطع أوقات ~~فراغه من العمل بالدرس والمطالعة، وكان للشعر والموسيقى في نفسه منزلة لا تقل عن ~~منزلة الكتب، وبالإجمال كان موسيقي الطبع، مغرما بكل أمر معنوي نفيس، تخلبه نغمة ~~العود والناي ويستهوي لبه الصوت الموسيقي الرنان، سمع ذات يوم وهو يروض النفس في ~~حدائق بيت الزهراء تلك الحدائق الوارفة الظلال المزينة بالورد والأزهار، صوتا ~~جميلا نفذ إلى أعماق قلبه وملك كل جارحة من جوارح نفسه، فبحث عن مصدره وعلم أنه ~~صوت فتاة جذابة الملامح، جمال صورتها يضارع حسن صوتها، # 2 # تلك الفتاة هي: صبيحة التي ملكت على الخليفة حواسه وجعلته يتطرف معها ~~إلى حد الجنون في الحب، هاجرا مكتبته ناسيا كل شيء في العالم حتى كتبه، وقد كانت ~~أحب الأشياء لديه. # كثيرا ما يصادف الإنسان في حياته وجوها جميلة تترك جاذبيتها أثرا في النفس لا ~~يمكن نسيانه إلى الأبد، وصبيحة كانت إحدى هذه الخوارق، ذات جمال ساحر ونفس جذابة ~~وروح حلوة ذات لطافة ورقة ففتنت الخليفة بخفة روحها وجميل صورتها، فغدا أسير اللحاظ ~~مكبلا بقيود الهوى. # كانت الفتاة على ms175 شيء من الأدب؛ أدب العلم والنفس، وكانت تسامر الخليفة بأحاديثها ~~الحلوة وفكاهاتها العذبة فلا يطيق مفارقتها طول يومه، أما الليالي فكانا يقضيانها ~~في حدائق الزهراء الخيالية تحت ظلال أشجارها العطرة جنبا لجنب، وهي تسكب في نفسه ~~كئوسا من صوتها الرخيم لتزيده سكرا وهياما. # كان لصبيحة جسم شفاف ذات طراوة تحاكي نداوة الفجر؛ ولذا كان الخليفة يدعوها على ~~الدوام باسم «صبح»، فهل أراد بهذا النداء المصغر المحبوب، ذكرى تلك السهرات المسكرة ~~والأوقات اللذيذة؟ أم أنه أراد بذلك أن يعيد إلى ذاكرته أحلام الفجر المشوبة بحمرة ~~الشفق؟ لا أدري! وإنما يخيل لي أنه إذا ذكر اسم صبيحة لأي إنسان تمثلت له صورة ~~متوردة وتجسمت في مخيلته مناظر تلك الحدائق العطرة، حدائق الزهراء فتحيا في ذهنه ~~صورة الأندلس بخواطرها العذبة وذكرياتها اللذيذة بكل ما فيها من لطف وظرف. # أراد الله أن يتم نعمته على صبيحة فرزقت من الخليفة غلاما كان موضع سروره وفرحه، ~~كأنما ملك به الدنيا بأسرها، ومبعثا لسعادة الوالدة حيث كانت هذه الحادثة سببا ~~في عقد نكاح الخليفة عليها، وقد اشترك الشعب في أفراح الخليفة وعد هذا العام، عام ~~352 من الهجرة النبوية، أحسن الأعوام في تاريخ الأندلس، فتهافت الشعراء على مدح ~~المولود وتخليد ذكراه، وهرع الكبار والأعيان لتهنئة مليكهم والقيام بفروض التبريك، ~~حتى إن وزير الحكم خاطب الخليفة بقوله: «إن هذا المولود الشريف، سليل ملوك بني أمية ~~ليسطع علينا بنوره منذ الآن، فلماذا لا تشرق علينا كذلك الأميرة صبيحة التي منها ~~هذه الشمس المنيرة؟» # 3 # ومنذ ذلك اليوم توطد مركز صبيحة وعرف أهل القصر قدرها فأحلوها المقام ~~اللائق بها. # وبعد عامين؛ أي في سنة ثلاثمائة وأربعة وخمسين هجرية ابتسم لها الدهر مرة ثانية، ~~فولدت للخليفة غلاما آخر سمي هشاما فعظمت منزلتها في نفس الحكم، وازداد حبه ~~لها إلى حد بعيد المدى؛ لأن مولوده الجديد ضمن له حصر الملك في أولاده ~~وذراريه. # كان الحكم يعد نفسه إذ ذاك أسعد مخلوقات الأرض؛ له زوجة محبوبة هي صبيحة، وله من ~~زينة الحياة الدنيا ms176 كل ما تصبو إليه النفوس؛ مال وبنون، فلم يبق شيء بعد ذلك يرغب ~~فيه، فكان يخصص مقدارا من وقته لإدارة أمور المملكة، والجزء الأكبر من أوقاته كان ~~مصروفا إلى مشغوليته المحبوبة لنفسه وهي المطالعة واقتناء نفائس الكتب، وبذلك أخذت ~~مكتبته تزداد قدرا. # 4 # كان الخليفة عبد الرحمن ملكا جليل القدر وحاكما مقطوع القرين، أما ابنه الحكم ~~فكان عالما يجل العلم ويحترم أهل الفضل، ولا يحجم في سبيل نصرة العلم والأدب ~~عن تضحية أمور دولته، فانتهزت صبيحة هذه الفرصة وأخذت تشارك زوجها في إدارة ~~الحكومة، ولم يمض على ذلك زمن كبير حتى كانت تشغل مركزا ساميا في ميداني ~~السياسة والإدارة، وتمكنت من إظهار ذكائها الفطري وقدرتها على ممارسة الأحكام بشكل ~~أدهش رجال الدولة، وكان الحكم من أولئك الذين يقدرون الأشياء قدرها ويقيمون ~~للأمور أوزانها، ففطن إلى مزايا زوجته في مسائل الحكم والإدارة فأشركها في الحكم ~~علنا ووسع المجال لدائرة نفوذها وتأثيرها. # كانت صبيحة في أول أمرها صاحبة السلطان المطلق على عقل الخليفة وقلبه، ثم أصبحت ~~بعد ذلك بفطنتها وذكائها تملك روحه، وما زالت تتدرج في مراتب الكمال حتى صارت ~~الملكة النافذة الكلمة في كل بلاد الأندلس. # | الفصل الثالث # أخذ عهد الحكم يمر براحة وسكون تظلله رايات الأمن والسلام؛ لأن أمراء ~~الفرنجة الذين ناوءوه في مبدأ حكمه كانوا قد تعبوا من كثرة ما لقوه من الهزائم ~~المنكرة والاندحارات المتوالية، فلم يروا بدا من إعادة السيف إلى نصابه ~~والإخلاد إلى السكينة والمسالمة، وقد كان لهذه الحالة أثر بين في توطيد أسباب ~~الراحة في أطراف البلاد الإسلامية؛ مما جعل المسلمين من أهل الأندلس يرتعون في ~~بحبوحة الأمن داعين لخليفتهم بالعز والإقبال، أما الخليفة نفسه فقد انكب على ~~مكتبته يرتبها ويزيد في نفائسها، حتى بلغت قائمة ما فيها من الكتب ثمانية وأربعين ~~مجلدا، قنع بهذه الحالة ولذ له أن يغوص في لجج من العلوم لا حد لها، ناسيا ~~كل شأن من شئون الحياة اللهم إلا مقابلة جماعات العلماء الوافدين إليه من سائر ~~أطراف الممالك الإسلامية، ms177 لا سيما من بغداد ودمشق والقاهرة، فازدادت بذلك شهرة ~~قرطبة وأخذت جامعاتها تنافس الأزهر والمدرسة النظامية في أهميتهما العلمية. # يقولون: إن العلم ليس له جنس ولا يمت إلى وطن أو دين بآصرة قرابة أو نسب؛ ولذا ~~كان الخليفة يشجع كل عالم ويأخذ بيده من أي جنس كان، لا فرق لديه بين مسلم أو ~~نصراني، وكثيرا ما جادت يده بالعطايا والهبات لكتاب قيم أو مجلد نفيس، أما ~~الكتب النادرة التي لا يرى سبيلا إلى مشتراها فكان يأمر بنسخها وأخذ صورها، وبهذه ~~الوسيلة أصبحت مكتبة قرطبة شعلة نور يستضيء العالم بأنوارها. # في أيامه وصلت الآداب العربية إلى ذروة عزها وسامق مجدها، كما نضجت علوم كالفلسفة ~~والبلاغة والشعر، وكما تعددت الطرائق وسبل التحسين في علمي الجغرافيا والتاريخ ~~وفني الرصد والكيمياء، أما دروس الفقه والتشريع فكانا يدرسان بشرح وتطويل، ويهرع ~~الطلبة إلى ورود مناهلها باشتياق كبير من كل حدب وصوب، فقد كان عدد الطلبة الذين ~~أموا حلقات دروس الفقه في ذلك المعهد يتجاوز عدة آلاف، أجل، إن جامع قرطبة هو ~~مهبط النور والهدى، فيه كان يعظ أبو بكر بن معاوية ليملأ قلوب الموحدين بأنوار ~~الدين الإسلامي، بينما كان ابن رشد وابن سينا والمسعودي وأحمد بن سعيد الحمداني ~~وغيرهم من أقطاب الحكمة وأولياء الحجى يزينون عهد الحكم ومن وليه من الخلفاء بثمار ~~قرائحهم وأنوار معارفهم. # في هذا المعهد الزاهر الساطع بأشعة الحكمة، كنت ترى طالبا منكبا على دروس ~~الجامعة بكليته، يميل إليه الطلبة وتخدمه الأساتذة، كان هذا الطالب شابا ذكي ~~الفؤاد جميل الصورة، إذا صادف وجوده وسط جماعة من الناس أصبح هدفا لأنظارهم، وإذا ~~مر على قوم جذب إليه التفاتهم، كنت ترى في عينيه بريقا من صور الآمال وفي حاله ~~وطوره وكلامه حالة خاصة به، كانت تظهر عليه أمارات عظمة تترك الناظر إليه في دهشة ~~وحيرة، فكل من رأى هذا الشاب يحكم لأول وهلة وبدون أن يعرف أصله بأنه أحد أولئك ~~الذين سيرتفع شأنهم في بلاد الأندلس ويحرزون مقاما ساميا في مناصبها ~~العالية. # هذا الشاب ms178 هو محمد بن أبي عامر، فخر الإسلام والشرق الذي أصبح بعد حين وزير ~~الأندلس الملقب بالمنصور. # | الفصل الرابع # محمد بن عبد الله بن أبي عامر يمني المولد، ينتسب إلى قبيلة بني معاذ الشهيرة، # 1 # وأسلافه من مشاهير الأبطال ذوي الذكر العاطر في تاريخ الفتح ~~الأندلسي. # كان شابا نشطا ذكي الفؤاد، جميل الصورة، تلوح عليه أمارات العزم والإقدام، # 2 # ويرى المتفرس في أسارير وجهه رجلا لا يعرف لليأس معنى، لا يعزم على ~~أمر حتى يمضي فيه غير هياب ولا وجل، أتم دروس الجامعة ثم احترف بعدها مهنة الكتابة ~~واتخذ لنفسه حانوتا صغيرا أمام القصر السلطاني لكتابة العرائض وتنميق المظالم ~~وتحبير الشكاوى، وقد كان له بين نفوس خدمة القصر المترددين عليه مكانة رفيعة، ~~واشتهر بينهم ونبه ذكره عندهم حتى كنت ترى حانوته على صغر حجمه غاصا بهم، إلا ~~أن نفسه كانت تطمح إلى ما فوق ذلك، كان يفتش عن سعادته في ركن واحد من أركان الأمل ، ~~جعله نصب عينيه ليله ونهاره، فقد كان يسعى جهده إلى الالتحاق بإحدى الوظائف في ~~القصر. # جلس ذات يوم في حانوته يحادث أصدقاءه ومعارفه كالمعتاد، فإذا به وقد غاص في لجج ~~من الأفكار وطار محلقا في سماء الآمال ثم انتبه فجأة لنفسه بعد حين وخاطبهم ~~قائلا: «سأكون يوما ما حاكم هذه الدولة فليسرد لي كل منكم آماله وأمانيه ~~والوظائف التي يصبو إليها منذ الآن فإنني محقق مطالبكم عند نوال بغيتي إن شاء ~~الله.» فتضاحك رفقاؤه وأخذوا يذكرون له - على سبيل الممازحة - الوظائف التي تطمح ~~إليها أبصارهم. # بعد هذه الحادثة بزمن قصير طلب ابن أبي عامر إلى قصر الخليفة كأنما الأقدار ~~أرادت مداعبته، وكان الحكم راغبا في انتخاب كاتب بارع لزوجته صبيحة، فطلبوا بضعة ~~أشخاص ممن توسموا فيهم القدرة على هذا العمل ليكونوا على أهبة الاستعداد لمقابلة ~~الخليفة لهذا الغرض وبينهم ابن أبي عامر، الصديق المعروف من خدم القصر ~~وحاشيته. # ولقد كانت أجوبته بين يدي الخليفة من أحكم الأجوبة وأدلها على الفهم والروية، ~~فنال قصب السبق وفاز على ms179 المتقدمين معه إلى تلك الوظيفة بدرجة فائقة لفتت إليه ~~أنظار الأميرة نفسها، فقد كانت له حالة خاصة به تجذب أنظار المتطلع إليه لأول وهلة، # 3 # ومع ذلك فالخليفة التبس عليه الأمر وتردد مبدئيا في قبول شاب جميل ~~كهذا لتلك الخدمة، وفي النهاية لم ير بدا من أن يكل أمر الاختيار إلى الأميرة ~~نفسها صاحبة الشأن فوقع اختيارها عليه؛ لأنها لم تجد بين المتقدمين أليق منه ~~للوظيفة المطلوبة، وانتهى الأمر بموافقة الخليفة على تعيين ابن أبي عامر رئيسا ~~لكتاب الأميرة. # ألا تعترف معي أيها القارئ بأن كاتب الأميرة هذا سعيد الحظ موفق الطالع، فها قد ~~نال أول أمنية من أمانيه العذبة التي طالما قضى الساعات الطوال مفكرا بها تحت ظلال ~~حدائق قرطبة بسهولة ما كان يحلم بها. # قد خدمه حظه ورقي أولى الدرجات المؤدية إلى ذلك القصر البديع، قصر الآمال ~~والتصورات فكان يرى بعين الخيال أنه سيدخل ذات يوم ذلك القصر ويمتع أنظاره بزينته ~~وبديع رياشه وجميل أثاثه، بل إن الأمل كان يذهب به إلى أبعد من ذلك؛ فقد كان يرى ~~أنه سيفتخر بأبهته وسلطانه ويكون صاحب الكلمة بين سكانه. # كان يحلم بمثل هذه الآمال، وكلما لج به الفكر ازداد سروره واشتدت بهجته. # وبينما كان الخليفة الحكم المنتصر بالله منعكفا في مكتبته النادرة، كانت ~~الأميرة صبيحة تدير دفة الأمور بمعونة حاجب الدولة عثمان بن جعفر المصحفي، # 4 # وكان كاتبها الخاص محمد بن أبي عامر يحرر أوامرها ويقوم بتبليغها إلى ~~مختلف الجهات. # كان الحكم خليفة البلاد اسميا، أما السلطان الفعلي فكان بيد صبيحة؛ فزينة ~~الأندلس ورفاهيتها والنظر في شئون الشعب واحتياجاته وتعليم أولياء العهد وتثقيف ~~أذهانهم وتربية مداركهم كل هذه أمور كانت تقوم بها الأميرة. # وهي التي كان من رأيها جعل قرطبة محطا لرحال أهل العلم ورجال الفضل والأدب، وهي ~~التي كانت تقوم بترتيب الحفلات المتعددة داخل القصر، وتدبير الخطط اللازمة للدفاع ~~عن البلاد خارجا، وهي هي التي كانت تعقد الجلسة تلو الجلسة بالاشتراك مع المصحفي ~~وابن أبي عامر للمذاكرة والمداولة والمشاورة ms180 في أحوال البلاد وتدبير الخطط اللازمة ~~لمكافحة شر الأعداء والتنكيل بهم. # كانت لسان بيت الزهراء الناطق وحياة قرطبة الزاهرة وروح الأندلس النابض، فانتشرت ~~أنوار ذكائها في كل صوب وناحية، وقد اشتهرت بين الجميع بالكياسة وإصابة الرأي حتى ~~لم يبق إنسان لم يعجب بحسن إدارتها وقيامها بالشئون العامة. # 5 # كانت الأميرة صبيحة معجبة بمقدرة ابن أبي عامر لا تدري كيف تكافئ كاتبا نشطا ~~مثله! أما هو فكان يلازمها بخفة روحه وطلاقة لسانه ويظهر لها الرغبة في استخدامه ~~ليس في الأمور الكتابية فحسب، بل في كل شأن من شئونها. # وكان إخلاصه في العمل مما يزيدها إعجابا به إلى حد بعيد # 6 # المدى. # اكتسب ابن أبي عامر ثقة الجميع واستأنس به الكل حتى أصبح شخصا لا يمكن الاستغناء ~~عنه، وفي الحقيقة كانت أهميته تزداد من يوم لآخر حتى بدأ الناس يتوددون إليه، وقد ~~كان يتزلف إلى أصغرهم شأنا من قبل، وما كاد حاجب الخليفة جعفر المصحفي يستشيره ~~ويعتمد عليه في بعض أموره حتى ازدادت منزلته رفعة بين أهل القصر الذين بدءوا يعقدون ~~عليه الآمال، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الخليفة نفسه لم يتمالك من الإعجاب ~~به وقد رأى إخلاصه في العمل وأدرك مواهبه ومزاياه. # في هذه الفترة، وقد ابتسم له الدهر، عهدت إليه الأميرة إدارة ضياعها وممتلكاتها، ~~فأصبح مديرا بعد أن كان كاتبا، وبعد مضي زمن قصير احتاج الخليفة إلى شخص أمين ~~يعهد إليه إدارة الضياع الخاصة بولي العهد، ولما كان مترددا في انتخاب الشخص ~~اللائق لهذه الوظيفة عرضت عليه الأميرة تعيين ابن أبي عامر لهذا الغرض، تردد ~~الخليفة بادئ ذي بدء؛ لأنه صاحب الرأي الأول في قبول أو رفض المرشح لهذه الوظيفة، ~~حيث ما زال له نصيب في حكم البلاد، ومع ذلك فقد كان يعلم قبل أي إنسان أن الرجل ~~الذي يعهد إليه أملاك ابنه يجب أن تتوفر فيه مزايا جمة، وأن كل هذه المزايا مجموعة ~~في شخص ابن أبي عامر، وإلا فهل هناك امرؤ أقدر منه على العمل ms181 وأشد منه إخلاصا؟ # 7 # فكان لزاما على الخليفة أن يقبله بلا تردد؛ ولذا انتهى الأمر بنزوله عند رأي ~~الأميرة وإصدار الأمر بتعيينه مديرا عاما على تلك الأملاك والضياع، ففي عام 356 ~~من الهجرة اجتمعت لابن أبي عامر ثلاث وظائف بمعونة الأميرة وحمايتها جعلته يطأ ~~الدرجة الثانية من عرش آماله وأمانيه وهو في السادسة والعشرين من عمره. # كان ابن أبي عامر سعيد الحظ فخورا بوظائفه الثلاثة، يصرف في سبيل القيام ~~بأعبائها كل ما لديه من وقت وجهد، كان أفق المستقبل يبدو لناظره منيرا مشرقا ~~وأحلامه زاهية زاهرة، فاطمأن ولم يقلق من المستقبل، أما كان يشعر بأن الحظ سيواليه ~~بنعم أكثر ما دام ينسج على هذا المنوال؟ وإلا فمن ينكر رقيه السريع في زمن قصير؟ ~~ألم يتقلد سلطة واسعة لا تخطر على البال وهو في مثل هذ السن، في عامه السادس ~~والعشرين؟ وهل لم يكتسب ثقة المصحفي وصداقته؟ ألم يكن أهل القصر بما فيهم الأميرات ~~يعجبون بظرفه ورقة شمائله؟ وفوق هذا ألم تكن الأميرة نفسها تظهر له ضعفا وميلا ~~شديدين وتبذل ما في وسعها لرعايته وحمايته؟ أجل، كانت تفعل كل ذلك لدرجة اضطرته إلى ~~طرق أبواب الحيل ولبس ثياب المداهنة؛ لأنه كان مضطرا في حالته تلك إلى ملاطفة أهل ~~القصر ومراضاتهم جميعا، فكان يبسم لهذا ويلاطف ذاك ويعطف على تلك مراعاة للجميع ~~حرصا على إبقاء الظواهر على حالتها، وهذه حالة أكسبته رضا الجميع وجعلته محبوبا ~~منهم يتقبلون هداياه بسرور وابتهاج، وكان الخليفة يقول لأحد مقربيه: «إن كاتب صبيحة ~~هذا رجل غريب الأطوار، قد استمال إليه جميع من في القصر، وإنني لأرى بعيني رأسي ~~كيف يجلون هداياه التافهة ويفضلونها على أثمن هدية تقدم مني إليهم، فلست أدري ~~هل أعده من المخلصين إلينا أم أعتبره ساحرا محتالا؟» ومع ذلك فإن ابن أبي عامر ~~استمر يتقدم حتى أصبح بمساعي الأميرة ناظرا لخزينة الدولة ثم عين بعدها المدير ~~المطلق لإدارة «صك النقود»، وبذلك أصبح في مصاف كبار الموظفين في الأندلس، وكانت ~~الأميرة تباركه في سرها وتهتم ms182 برقيه السريع، وكم كانت شاكرة لمحاسن الصدف التي وضعت ~~في طريقها مثل هذا الكاتب الحائز لمزايا عديدة، فلشد ما انتفعت بمواهبه، وكثر ما ~~اهتم هو بكل شأن من شئونها! فهو إليها الشخص الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه أو ~~الركون إلى غيره، إنه ليعلم آداب المعاشرة أكثر من المتربين بين جدران القصور، ظريف ~~لبق، تطربه النغمة الحلوة، ذو إلمام بالموسيقى قادر على مزاولة أي عمل يكلف به، ~~أضف إلى ذلك علمه بحالة الأميرة الروحية وإدراكه للأشياء التي تبهجها وتقع من نفسها ~~موقع الرضا والقبول، فلله دره من شخص رقيق الحس عالي الفكر! # كل هذه صفات كانت الأميرة تفكر فيها وتراجع نفسها عما إذا كانت متغالية في ~~تقديرها، كلا كلا، إن ابن أبي عامر ليستحق منها هذا التقدير ... هنا يتساءل ~~القارئ هل كان ذلك مجرد تقدير فحسب، أم أنها تميل إليه دون أن تعترف حتى لنفسها ~~بهذا الميل؟ جوابا على ذلك نقول: إنها كانت تحبه # 8 # تحبه لدرجة أنها أصبحت تجد لذة سائغة في إعطاء الأوامر إليه وتكليفه ~~بكتابة التحريرات المهمة وغير المهمة، إلى غير ذلك من الأسباب والمعاذير المؤدية ~~إلى مقابلته والاحتكاك به، ولكن هل كان هو يشعر نحوها بمثل هذا الميل؟ ألم تكن في ~~ريعان شبابها وعز جمالها ذات صوت رخيم وملاحة جاذبة؟ أليست هي الأميرة صبيحة ملكة ~~قرطبة المحبوبة؟ فهل يمكن ألا تحب؟ # نعم، إن ابن أبي عامر كان يطيعها لدرجة العبادة لا لجمالها أو لمحاسن نفسها، بل ~~لوجاهتها ونفوذها، وكانت هي لا تميز فيه هذه الحالة؛ لأنها أحبته من أعماق نفسها ~~حبا ناريا تغلب على كل ما لديها من إرادة وعقلية. # كانت تحبه محبة غير محدودة، كحب شجرة الدر لعز الدين بن أيبك، كلتاهما، صبيحة ~~وشجرة الدر وقعتا بين براثن محبة قاسية، قوضت أركان شخصيتهما الممتازة وتركتهما ~~تعانيان مرائر السلوى وآلام الهجران، كلتاهما بذلتا ما في وسعيهما لإرضاء حبيبيهما ~~إلى حد أن أسقط ما لهما من كرامة وهوى بهما من سماء الرفعة والعز إلى حضيض الذل ~~ليمتزجا ms183 بالشخصين العزيزين لديهما، فكل رغبة لهما أو كل أمل كان مقيدا بهواهما، ~~كلتاهما كانتا شمسا تتألق في سماء دولتها تحيط بها نجوم وسيارات، ثم انعكست الآية ~~بعد أن تجرعتا كأس الحب فتبدل الحال بغير الحال، وانحطتا إلى دركة السيارات بعد ~~أن كانتا في دائرة الشموس والأقمار، وارتفع تبعا لذلك شأن حبيبيهما؛ محمد بن أبي ~~عامر وعز الدين بن أيبك حتى أصبح كل منهما الشمس الساطعة في دولته، أجل، استفاد كل ~~منهما من حالة حبيبته الروحية وجعلها ساعدا لأغراضه ومراميه، وتم لهما ما أرادا ~~بخاتمة مؤلمة تكتنفها الدموع وتحيط بها الآلام. # تولى ابن أبي عامر منصبه الجديد وأظهر امتنانه وشكره لأميرته وولية نعمته بهدية ~~ذات قيمة سارت بذكرها الركبان، كانت هديته نموذجا صغيرا لإحدى قصور الأندلس ~~الجميلة مصنوعا من الفضة ومنقوشا بغاية الدقة والإحكام، وقد كان يوم نقلها من ~~بيته إلى القصر الملكي يوما مشهودا اجتمعت فيه آلاف الجماهير لمشاهدة هذه التحفة اليتيمة، # 9 # وقد سرت الأميرة من هذه الهدية الثمينة التي كلفت ابن أبي عامر مبالغ ~~طائلة وكان لها أثر بليغ في نفسها، من ذلك الحين بدأ يقدم لها الهدية تلو الهدية ~~مراعيا في ذلك أن تكون هديته الثانية أثمن وأرفع قدرا من الأولى، كل هذه أمور ~~زادت سرور الأميرة وضاعفت من شكرها وامتنانها له، إلا أن تكرار هذه الهدايا على وجه ~~من الإسراف لا يطابق حالة أبي عامر، فك ألسنة الجمهور من عقال السكون وأخذوا ~~يتساءلون ويتهامسون في المجامع عن مصدر تلك الأموال الباهظة التي أنفقت في سبيل ~~مجاملة الأميرة، فكانوا يقولون في أنفسهم: إن هي إلا من مال الأمة ومتوفرات بيت ~~المال، وإلا فمن أين له كل هذه الأموال؟ وقد اتسعت دائرة تلك الإشاعات وتماوجت حتى ~~اتصلت بمسامع الخليفة نفسه فأرسل يطلب ابن أبي عامر إلى بيت الزهراء. # أرسل الخليفة بطلب أبي عامر إلى بيت الزهراء لتقديم الحساب عن أموال الحكومة ~~المودعة تحت تصرفه. # هذه صدمة لم تكن في الحسبان ارتعدت لها فرائص أبي عامر؛ لأن الخزائن كان ms184 بها عجز ~~ظاهر لا يعوضه إلا مال وفير، ففكر في الأمر وقدح زناد الفكر فلم يجد أمامه سوى ~~الالتجاء إلى صديقه العزيز ابن خضير، وقد التجأ إليه وطلب منه يد المعونة فكان عند ~~حسن ظنه به؛ لأن ابن خضير أعانه على أمره وأقرضه المال الناقص، وبذا أتم ~~ابن أبي عامر شئونه وأكمل حسابه ويمم نحو بيت الزهراء آمنا مطمئنا، وهناك أمام ~~مولاه قدم حسابا دقيقا برهن به على أمانته وأظهر إخلاصه وقطع ألسنة المخرصين ~~والعداة؛ كانت دفاتره مرتبة منسقة وخزائن الدولة ملأى بالأموال ودار الضرب تتوهج ~~بسبائك الذهب والفضة، فخجل الخليفة من نفسه ولم يسعه إلا تقديم عبارات الشكر ~~والإعجاب بناظر ماليته القدير، ودفعا للشبهة وسوء الظن عهد إليه بوظيفة جديدة هي ~~وظيفة التفتيش العام. # وفي اليوم الثاني لهذه الحادثة أعاد ابن أبي عامر ما اقترضه إلى صديقه الحميم، ~~وكان عمله هذا معجزة ألجمت ألسنة أعدائه وأوقعتهم في مهاوي الدهشة والحيرة، إن ~~حسن الطالع ما زال يناصره ويشد أزره وينجده أكثر من ذي قبل، فها هو قد أظهر إخلاصه ~~لخليفته وخرج من تهمته نقي اليد عالي الرأس، وازدادت مكانته في نفس الأميرة، وعلت ~~كلمته في طول البلاد وعرضها حتى أصبح أوسع رجال الدولة نفوذا وأعلاهم كلمة. # إن انتصاره على أعدائه بتلك الكيفية زاد من محاباة الأميرة له فتمكنت من تقريبه ~~إلى الخليفة أكثر من ذي قبل، وأخذت تنشر محاسنه بين الناس جهارا ولا ترى بأسا من ~~المضي معه في تيار الهوى، فصار ما بينهما حديث القوم في سمرهم ومجالس أنسهم ولهوهم، # 10 # حتى أصبح يخشى من وصول ذلك إلى مسامع الخليفة؛ ولذلك ارتأى المصحفي ~~بعد موافقة الأميرة أن يذهب ابن أبي عامر إلى إشبيلية # 11 # كحاكم مطلق، فتم ذلك في شهر ذي الحجة سنة ثلاثمائة وثمان وخمسين هجرية، ~~وبعد أن أقام بها مدة عبر إلى مراكش عن طريق جبل طارق. # فرح أعداؤه بهذا الإبعاد واختلقوا عليه أكاذيب شتى كادت أن تمحو ما له من شهرة ~~وبعد صيت، إلا أن صبيحة ms185 كانت ترمقه بعين رعايتها وتظلله بجناح حمايتها وهو بعيد ~~عنها، فقد كانت تذيع سرا أن الخليفة أرسله لمراكش لمراقبة دفاتر بيت المال وكشف ~~أحوال القائد الأكبر غالب، كان المصحفي يحقد على غالب؛ ولذا اغتبط بمهمة أبي عامر ~~لعلمه بأن هذا الأمر يضايقه ويحرج مركزه إلا أن غالبا كان قائدا جسورا ~~مقتدرا، وما كاد يجتمع بأبي عامر حتى تفاهما وتآلفا وقد ذكره ابن أبي عامر بخير ~~وأثنى عليه في حضرة الخليفة وبين ما له من المآثر في قمع الثورات وتسكين ~~الاضطرابات في ربوع مراكش؛ مما سبب رجوعه مكرما محترما إلى قرطبة رغم اعتراض ~~المصحفي وإصراره في ذلك. # ظهرت لأبي عامر في هذه المرحلة خدمات جليلة دلت على إخلاصه لأمته وحببته من نفوس ~~مواطنيه الذين عرفوا له فضل هذه الخدمات والمساعي، وقد ظل يراسل الأميرة طول غيابه ~~في مراكش ويخلد ذكراه في نفسها بالهدايا النفيسة # 12 # والذكريات المعنوية الجميلة؛ مما جعلها تظن في أنها تشغل مكانا ساميا ~~من مخيلته، فلم تطق صبرا على بعاده، وكان أهل القصر يواصلون سعيهم ويكررون ~~أمنيتهم في عودة محبوبهم الظريف. # وحدث إذ ذاك أن ولي عهد السلطنة توفي وخلفه هشام في ولاية العهد واحتاج ~~الأمر إلى من يدير حركة ضياعه وتدبير شئون أمواله، فأشارت الأميرة باستدعاء أبي ~~عامر لإلقاء إدارتها إلى عهدته، وفي سنة ثلاثمائة وتسع وخمسين هجرية عاد ابن أبي ~~عامر إلى قرطبة بعد أن لهجت الألسنة بأفول شمسه وسقوط شأنه، ودخلها ظافرا شامخ ~~الرأس، حيث عهد إليه بإدارة ضياع ولي العهد وبتولي إدارة الشرطة والدرك. # | الفصل الخامس # في العام الخامس والستين بعد الثلاثمائة مرض الخليفة الحكم واشتدت عليه وطأة ~~المرض حتى لزم فراشه، ولما أيقن من نفسه أنه في مرض الموت وأنه أصبح من المنية على ~~قاب قوسين أو أدنى، اضطرب باله وازداد قلقه لأمر واحد: هو أمر ابنه هشام البالغ من ~~العمر إذ ذاك أحد عشر عاما، وكانت العادة المتبعة إلى عهده في أمر الخلافة هو ~~انتقالها بالإرث من الأرشد إلى الأرشد، غير أن ms186 الحكم كان لا يطيق أن يرى أخاه ~~المغيرة متقلدا زمامها يوما ما، أضف إلى ذلك أن كاهنا تنبأ له بأن الخلافة قد ~~يتزلزل ركنها في بني أمية وتتقوض دعائمها إن لم يتقلدها أولاد من صلبه، وهذه ~~النبوءة جعلته يعتقد بأنه من أكبر الواجبات عليه نحو أمته إقناعها بقبول خلافة ~~ابنه هشام من بعده. # وأخذت زوجته صبيحة تناصره في هذا الأمر وعضدته فيما ذهب إليه من وجوب حصر الملك ~~في ذريته من بعده، فإن فكرة تنحية هشام عن منصب الخلافة هيجت عواطفها وأثارت ما في ~~نفسها من كوامن الذكاء والفطنة، فقدحت زناد الفكر أملا في الوصول إلى حل مرض، ~~وكانت كلما أمعنت في البحث هالها الأمر وأضناها لهيب الفكر، كانت تقول في نفسها: ~~كيف تكون النتيجة إذا لم يرض الشعب بخلافة هشام؟ وكيف تكون العاقبة إذا ثارت ثائرة ~~الأندلسيين ألا ينتهز أمراء الفرنجة هذه الفرصة لسوق جيوشهم على قرطبة؟ وكيف تكون ~~حالتها هي إذا لم يصبح ابنها الخليفة؟ ألا تكون في هذه الحالة كمية مهملة مقضيا ~~عليها بالانقراض والتلاشي؟ # كانت قد يئست من شفاء زوجها وأيقنت بأن كل يوم يمضي يدنيه من حافة القبر؛ ولذا ~~شعرت بوجوب الإسراع في التدبير وإعمال الرأي لإيجاد طريقة تحل هذه العقدة، وما زالت ~~تفكر وتقلب الرأي على وجوهه حتى توصلت أخيرا ~~إلى رأي صائب أوحت به إلى الخليفة فسارع إلى تنفيذه في الحال، وفي غرة جمادى الأولى ~~من سنة ثلاثمائة وخمس وستين هجرية انعقد مجلس كبير # 1 # ضم كل ما في الأندلس من الأشراف والأعيان وأصحاب الكلمة العليا وذوي ~~الحيثيات، حيث قرأ الخليفة عليهم إقرارا بقبولهم تولي هشام للخلافة من بعده ~~للتوقيع عليه ممن حضر ذلك المجلس. # لم يجبرهم الخليفة على توقيع الإقرار ولم يستعمل نفوذه أو تأثيره للضغط على ~~حريتهم في قبول التوقيع، غير أنهم لم يجدوا من اللياقة عصيان أمر رئيسهم وخليفتهم ~~المحبوب فوقعوه عن رضا نفس وطيب خاطر، وفي تلك الجلسة أمر رئيس الكتاب وكان من ~~مماليك الأميرة بنسخ هذا الإقرار وأخذ ms187 جملة صور منه لتوزيعها في جهات مختلفة من ~~الأندلس للتوقيع عليها من وجوه البلاد وأصحاب الشأن فيها تحت إشراف ابن أبي عامر ~~مأمور الضبط ورئيس شرطة البلاد، وقد أرسلت نسخ متعددة إلى جهات أخرى غير بلاد ~~الأندلس، مثل مراكش وأفريقيا فكنت ترى عامة الشعب يتسابقون إلى توقيعها من الكبراء ~~والأعيان حبا في إظهار إخلاصهم وولائهم لخليفتهم. # سر الخليفة من نجاح المشروع وقدر عمل زوجته هذا حق قدره، أما هي وقد رأت ~~انحلال قواه ودنوه من الموت، فقد بذلت ما في وسعها ليكون ابن أبي عامر المفتش العام ~~للقصر السلطاني ووصلت إلى ما تريد كما كان منتظرا. # 2 # الآن وقد تم توقيع الإقرار وبدئ بذكر هشام في خطب الجمعة بعد اسم الخليفة، اطمأن ~~بال كل من الحكم وصبيحة إلا أن الظروف كانت لا تزال خطيرة، فإن للمغيرة أعوانا ~~ومريدين على أهبة الاستعداد عند ظهور أي حركة تنبئ بسوء التدبير، أضف إلى ذلك أن ~~أمراء الفرنجة المقيمين في شمال الأندلس كانوا على ساق وقدم لتعبئة الجيوش وإعداد ~~الرجال، يتربصون سنوح الفرص وقد سمعوا بمرض الخليفة. # أخذت وطأة هذه الأحوال تزداد شدة وازداد تبعا لها قلق الأميرة فإنها كانت تنظر ~~إلى المستقبل، إلى يوم وفاة الحكم فترى أفق السياسة ملبدا بالغيوم، فبدأت بالتدبير ~~والتجهيز استعدادا للطوارئ بكل ما فيها من قوة وعزم، غير أنها كانت رغم كل وقاية ~~واحتياط لا تدري كيف يكون خروجها من تلك المشاكل، فهناك المغيرة، أخو الخليفة هل ~~يجب منازلته أولا؟ أم الأجدر مجابهة أمراء الفرنجة والاهتمام بما قد يحدث من ~~الموقعين على الإقرار ظاهرا والمتمردين على الحالة باطنا؟ كل هذه أمور خطيرة ~~تستحق النظر والاهتمام، لا تدري أية طريقة تتبع للتخلص منها، فحصت هذه المشاكل ~~ودققت النظر بمعونة المصحفي وباستمداد الرأي من أبي عامر لترتيب الخطط اللازمة، ~~وكانت وطأة المرض قد اشتدت على الخليفة ولم يبق لديها أمل في شفائه، وما كادت تطلع ~~شمس اليوم الثالث من شهر صفر سنة ثلاثمائة وست وستين هجرية حتى فاضت روحه إلى ms188 ~~بارئها. # مات الحكم وقد حكم ستة عشر عاما كلها أمان وسلام، بالغا من العمر أربعة وستين ~~عاما، محبوبا من الشعب مبكيا عليه من أقاربه وأهله لفضله ومكانته بينهم، تاركا ~~دولته وهشامه وديعة في أيادي زوجته المحبوبة صبيحة وحاجبه الأمين المصحفي وكاتبه ~~النشط محمد بن أبي عامر، مات مطمئن البال، مرتاح الضمير لوثوقه من حسن سياستهم ~~وجميل تدبيرهم، ولعلمه بأنه ترك وديعته لأشخاص أكفاء لا تغمض أعينهم لحظة واحدة عن ~~حفظها ووقايتها من كوارث الدهر ونوازل الزمان. # في اللحظة التي توفي فيها الخليفة لم يعلم بوفاته سوى صبيحة والمصحفي ~~وابن أبي عامر ومملوكان يسميان جوهرا وفائقا، أما أهل القصر عدا هؤلاء فكانوا ~~يعتقدون بأنه ما زال في فراش المرض؛ لأن صبيحة بذلت ما في وسعها لكتمان الخبر، ~~ولعبت دورها بكل إتقان إلى أن وفقها الله لتخليص الدولة من اختلال كبير يهدد ~~البلاد، اهتمت أولا بالمملوكين وتدبرت معهما أمر كتمان الخبر عن الشعب وعن أهل ~~القصر، أما المصحفي وابن أبي عامر فكانت واثقة من صداقتهما مطمئنة لإخلاصهما، هنا ~~في هذه اللحظة ظهرت صبيحة بكل ما فيها من نبوغ ودهاء، حيث كان مستقبل الأندلس في ~~يدها وأقل إهمال أو خلاف يكفي لإنتاج أخطر العواقب ويوقع بيت الزهراء في يد المغيرة ~~وقرطبة لحكم الحزب المخالف، ثم تقع الأندلس جميعها بعد ذلك فريسة في يد الأعداء، ~~غير أن حسن الحظ خدمها ومكنها من إتمام دورها بإتقان خلد لها شهرة ذائعة في ~~صفحات التاريخ، أجل، إنها جاهدت وكافحت ولكنها انتصرت وتوفقت لتخليص التاج والعرش ~~لابنها هشام؛ وبذا تمكنت من الاحتفاظ بمكانتها ووقاية شوكتها ونفوذها بعد أن كانت ~~من السقوط قاب قوسين أو أدنى. # | الفصل السادس # كان المملوكان، فائق وجوهر، من الجنس السلافي، يحكمان على ألف مملوك آخر في القصر ~~ومتصفان بالظلم والغدر والعمل لما فيه نكاية أهل الأندلس، وكانا يحقدان على المصحفي ~~وهو أيضا يحقد عليهما، ويعلمان بأن نفوذهما سيذهب أدراج الرياح منذ اليوم الذي ~~يستولي فيه هشام على تاج الخلافة، وعندما علما بموت الحكم خطر ms189 ببالهما أمر تآمرا ~~عليه سرا وعقدا النية على تنفيذه في الحال، فاستدعيا الحاجب بدون علم أبي عامر ~~وأفضيا إليه بواقعة الأمر وأعلماه بأنهما غير راغبين في خلافة هشام وطلبا إليه ~~مساعدتهما في ذلك. # أسقط في يد الحاجب وعلم بأن أقل معارضة تورده حتفه في مكانه فلم ير بدا من ~~التظاهر بالانحياز إليهما وأنه راض عن خطتهما، ثم أفهمهما أنه من صالح العمل تركه ~~في مكانه كحارس بينما هما يذهبان لإخراج الفكرة من حيز القول إلى دائرة ~~العمل. # كان المصحفي يعلم بأن الأندلسيين الذين لم يذوقوا طعما لحكم الأوصياء بعد، يصعب ~~عليهم قبول مثل هذه السنة الآن، إن صغر سن هشام حجة قوية في يد الخصوم لرفض ~~خلافته، فلا يبعد إذن أن تروح فكرة تنصيب المغيرة للعرش، اضطرب المصحفي لهذا الأمر ~~وأخذ يقلب الأمر على وجوهه ليتبين وجها للخلاص، فعول على أن يستدعي ابن أبي عامر ~~إلى تلك البقعة سرا ليتشاور معه في هذه الكارثة المقبلة، ثم التحقت بهما صبيحة ~~عندما علمت بوجودهما هناك وشاركتهما في التدبير والتفكير ، لم تكن هناك إلا طريقة ~~واحدة لحل هذه المعضلة، هو إزالة المغيرة من الطريق، حقا إنها الطريقة المثلى ~~ولكن من يقدر على تنفيذها؟ اتجهت الأنظار إلى أبي عامر؛ لأنه أقدر الثلاثة على ~~إتيان هذا العمل. # إذا قبل ابن أبي عامر تنفيذ ذلك فإنه ينقذ صبيحة من أشد الأزمات وأحرج المسالك في ~~حياتها، بل هناك ما هو أهم من ذلك أنه ينتشل ولي العهد من وهدة السقوط وبالأحرى ~~ينتشل الأندلس من أحضان الفوضى والانحلال، إنها لفرصة سانحة تجرب بها الأميرة صداقة ~~محسوبها وربيب نعمتها. # أمام هذه الظروف وإصرار المصحفي لم يسع ابن أبي عامر إلا الإذعان، فشمر عن ساعد ~~الجد وذهب توا إلى قصر المغيرة يصحبه العدد اللازم من الجنود الأشداء للقضاء على ~~حياة المغيرة. # كان المغيرة شابا في السابعة والعشرين من عمره، إلا أنه جبان رعديد، فما كاد ~~يرى وجه أبي عامر ويده على قبضة السيف حتى قال له ونبرات صوته تدل على ms190 الخوف ~~والاستسلام: «إنني طوع إرادتكم فافعلوا بي ما شئتم.» فأخبره ابن أبي عامر بوفاة ~~أخيه الحكم وبتنصيب هشام ابن أخيه للخلافة فأجاب: «إنني أقسمت سابقا على مبايعته ~~أطال الله بقاءه.» # حركت هذه الحالة عاطفة الشفقة في نفس أبي عامر وجعلته يمسك عن قتله، حتى إنه خرج ~~إلى ناحية من القصر وكتب إلى المصحفي رسالة يخبره فيها بعدم موافقته على الأمر ~~المتفق، وأرسل الرسالة مع رسول خاص، فلما قرأ المصحفي رسالته اضطرب؛ لأن المجال كان ~~لا يتسع لإظهار مثل هذا التألم والإشفاق، فكتب إليه في الحال يقول: «إنك بمثل هذا ~~التردد توقعنا في ورطة أشد مما نتحملها الآن، فهل أنت عازم على خيانتنا ~~أيضا؟» # وصل الكتاب إلى أبي عامر مع الرسول نفسه فأنعم نظره في الأمر وقد جاشت عواطفه ولم ~~يتمكن من إسكات ثائرة الشفقة القائمة بين جوانحه إلا أنه مع ذلك لم ير بدا من ~~إصدار الأمر إلى جنوده بالإجهاز عليه، فانقضوا عليه وكتموا أنفاسه ثم واروا جثته ~~في إحدى زوايا القصر. ~~••• # علم المصحفي بتنفيذ المشروع فسر في نفسه ~~وأبدى ارتياحه، أما الأميرة فكان سرورها أشد وكان يلوح عليها مظاهر الامتنان والشكر ~~لهذا العمل الذي كان سببا في زيادة تعلقها به. # أذيع بعد ذلك خبر موت الخليفة وتقلد هشام منصب الخلافة مكان أبيه في اليوم الثاني ~~كما كان مقررا وبايعه الناس في حفلة عظيمة سمي فيها بلقب «المؤيد بالله»، وهو إذ ~~ذاك لم يتم الحادية عشرة من عمره، وقدم كذلك المملوكان، فائق وجوهر، طاعتهما ~~للخليفة ومن ثم اختفى هشام عن العيان في إحدى زوايا القصر مع مربيه الذي عهد ~~إليه في أمر تربيته. # تم الأمر كما أرادت صبيحة وكما شاء ابن أبي عامر والمصحفي وظهرت الأميرة على مسرح ~~الحكم علنا؛ # 1 # إذ كانت الآن تحكم باسم الخليفة ابنها؛ لأنها أصبحت الوصية عليه فكان ~~اليوم يومها والزمان زمانها، كانت الحاكمة المدبرة لكل أمر منذ عشر سنوات إلا أنها ~~كانت تحكم من وراء ستار، وكان لها نفوذ واسع ولكنه نفوذ عار عن ms191 الصبغة الشرعية، ~~أما الآن فقد استكملت نفوذها وظهرت بمظهر الوصية، صاحبة الأمر والنهي. # أخذت في دورها العملي تنظر في قرارات المجلس الأعلى وتبحث عن الوسائل المؤدية ~~لاستتباب الأمن في ربوع الأندلس، وكان من أول أعمالها تخفيض الضرائب الباهظة التي ~~أثقلت كاهل الأهالي مما جعلها محبوبة لدى الشعب مرعية الجانب لدى الخواص؛ لأن رجال ~~الدولة لم يقع اختيارهم عليها كوصية عبثا؛ بل لأنها كانت مشهورة بينهم بذكائها، ~~معروفة لديهم بحسن درايتها في سياسة البلاد. # 2 # كتب التاريخ المصورة لتلك الأيام مشحونة بذكر سجاياها وسرد فضائلها ومزاياها، ~~أما شعراء عهدها فقد نظموا لها عقود مدح سارت بذكرها الركبان، وشبهوها بالنجوم ~~وأعلوا قدرها إلى السماكين حتى طبقت شهرتها كل ربوع الأندلس. # كل شيء في تاريخ حياتها جميل ظريف، سوى أمر واحد يؤسف له جد الأسف، هو عدم كتابة ~~خواطرها في مذكرات تعبر عما كان يخالجها من المشاعر والإحساسات في الظروف المختلفة ~~التي تقلبت أثناءها، لو كتبت مثل هذه الخواطر فمن يدري أي الأساليب الشعرية الخالدة ~~وأي المعاني السامية الخلابة كنا نجده فيها ، كنا نجد لذة في تصفح حياة تلك الأميرة، ~~وهي تروض النفس في حدائق قصر الزهراء وتفكر في ماضيها، هل كانت تتأثر الآن بذكر ~~لياليها الغرامية التي قضتها مع الحكم في نفس ذلك المكان؟ # هل تذكر الآن أيام شبابها وتلك السويعات السعيدة التي كانت تشعر فيها بمحبة الحكم ~~لها؟ وهل لتلك الأويقات أثر في نفسها أو هي نسيت حتى الأيام التي كانت فيها تتغنى ~~بين تلك الخمائل والأفنان؟ # لو كانت لها مذكرات لكنا علمنا في أي مركز إحساسها الآن، أو كنا علمنا فيما تفكر ~~وهي تمر في طرقات تلك الحدائق. # هل كانت أفكارها معطوفة إلى المستقبل أو أنها تحترم الماضي أيضا فتلتفت إليه من ~~حين لآخر؟ من يمكنه إدراك ما في خفايا هذه المرأة المتعلمة القادرة ومن يعلم وجهة ~~أفكارها الآن؟ ربما كانت تحسب ضحاياها، وربما كانت تتأمل في حسن طالعها، وربما كانت ~~الآن تقلب صفحات حياتها الصفحة بعد الأخرى بلا قيد ms192 ولا روية. # يحفظ لنا التاريخ أنها بعد الفراغ من أعمالها السياسة كانت تجلس على مقربة من ~~بركة مزخرفة وسط الحديقة لاستنشاق نسيم المساء المعطر بروائح الزهور والرياحين، في ~~ذلك الوقت الذي يطير فيه المرء سابحا في عالم الخيالات، في عالم أثيري بعيد عن ~~ماديات هذا العالم الأرضي. # كم يشتاق الإنسان إلى معرفة تصوراتها وما يدور بخلدها في تلك اللحظات اللذيذة ~~القصيرة! هل كانت أفكارها موجهة إلى ابنها وأمر تربيته؟ أو أنها كانت تفكر في أمر ~~الحياة لتعرف حقيقتها فتقول في نفسها: إن هي إلا رؤيا نرى فيها الحقيقة في ثوب ~~الخيال والخيال في لباس الحقيقة، أو أن تصوراتها تنحدر بها في تلك اللحظة إلى مظاهر ~~الوجاهة وآثار النعيم والترف التي تقلبت في أحضانها منذ الساعة التي كانت تغنت فيها ~~بين خمائل الحديقة؟ أو أنها تحصي الحوادث والصدمات التي تحملتها منذ ستة عشر عاما؟ ~~كلا كلا، إنها في تلك الجلسات بجانب البركة كانت تنظر إلى النجوم اللامعة في ~~صفحة السماء لتقارن بينها وبين القصائد التي نظمت في مدحها، والتشبيهات التي قيلت ~~من أجلها، وربما كانت لا تفكر إلا في شيء واحد ولا يشغل ذهنها إلا أمر واحد هو ~~غرامها وهيامها بأبي عامر. # آه، من يدري ذلك، كل هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها وستبقى سرا غامضا إلى ~~الأبد. # لم أجد في أي كتاب حبا يشابه حب صبيحة ولا نفسية كنفسيتها. # وقد علمت بالبحث والتنقيب أن ابن أبي عامر كان روحها وحياتها، ولكنني بكل أسف ~~عجزت عن وصف تصوراتها وأفكارها في تلك الساعات القصيرة التي كانت تتنزه فيها في ~~حدائق بيت الزهراء. # | الفصل السابع # قدم المملوكان فروض الطاعة ورضخا لحكم الزمان مؤقتا، إلا أنهما لم ينسيا قتل ~~المغيرة ومدبري تلك المؤامرة؛ ولذلك لم ينفكا عن تحريك الفتنة وإذكاء نارها الخامدة ~~كلما استطاعا إلى ذلك سبيلا، اندفعا في هذا السبيل حبا في الانتقام من المصحفي ~~وابن أبي عامر، وأوشكت ثمار أعمالهما تنضج؛ فإن الشعب بدأ يشكو من احتجاب الخليفة ~~عنه، وأخذ الناس في ms193 مجامعهم يتحدثون عن صغر سنه، وقد كان لهم بعض العذر في التذمر؛ ~~لأنهم في عهد عبد الرحمن وابنه الحكم اعتادوا أن يروا خليفتهم من وقت لآخر، أما ~~هشام فقد بقي منزويا في حجرات القصر منذ يوم المبايعة. # اغتبط لهذه النتيجة مدبروها وقلقت لها صبيحة التي كانت تراقب مجرى الحوادث بعين ~~يقظة، فاستدعت المصحفي وابن أبي عامر وطلبت منهما إبداء الرأي في هذه الصدمة، فقر ~~رأيهما على إخراج الخليفة لشعبه، وفعلا ظهر هشام للأندلسيين في حفلة عظيمة جمعت كل ~~دواعي الهيبة والعظمة، وكان ممتطيا جواده وعلى يمينه حاجبه المصحفي وعلى يساره ابن ~~أبي عامر، وقد زاد أبهة المهرجان اشتراك فرق عديدة من الجنود في الموكب، وفي نفس ~~هذا اليوم ألغيت إحدى الضرائب «ضريبة السمن» عن كاهل الأندلسيين، فهلل القرطبيون ~~لرؤية خليفتهم وكبروا، وقد ازدادوا محبة له والتفافا حول عرشه. # لم يفت ذلك في عضد المملوكين، بل أغراهما على التمادي في إشعال نار الفتن، وقد ~~أدت بهما الجرأة إلى نصب حبائل مكيدة داخل القصر كانت سببا في فضيحتهما ونفيهما ~~إلى الجزيرة ، أما أعوانهما وأتباعهما فقد نالوا الجزاء الصارم من أبي عامر، وبينما ~~كانت الأحوال في داخل البلاد على هذا الوجه كان أمراء الفرنجة في الخارج قد اشتدت ~~قوتهم وتعددت منهم حوادث النهب في البلاد الآمنة، فقلقت صبيحة لهذه الحالة لعلمها ~~أن قيام هؤلاء الأقيال دفعة واحدة بعد سكونهم مدة طويلة منذ عهد الحكم ينذر بقرب ~~وقوع حروب شديدة بينها وبينهم، فأمعنت الفكر في ذلك واستمدت كعادتها برأي الحاجب ~~وصنيعتها أبي عامر، فأشارا عليها بعرض الأمر على وجوه الأمة وأعيانها، فجمعتهم في ~~مجلس عام وطرحت المسألة على بساط البحث والتدقيق، وكان رأي سوادهم فصل المشكلة بحد ~~السيف وقد خطبهم ابن عامر خطبة بليغة شرح فيها الأسباب الموجبة لشن الغارة على ~~الأعداء وتأديبهم قبل استفحال الأمر، فاستهوت الخطبة ألبابهم، ولم يبق في المجلس ~~نفر على غير رأيه، غير أنهم لفتوا نظره إلى نفقات الحملة وما تستدعيه من المصاريف، ~~فطلب منهم بيانا بجملتها فلم يحر ms194 أحدهم جوابا، عند ذلك أجابهم بأنها ربما بلغت ~~مائة ألف دينار تقريبا، فرد عليه أحد الحاضرين مستعظما ذلك فأجابه على الفور: ~~«خذ إذا شئت مائتي ألف وتول قيادة الحملة وخفف عن عاتقي هذه المسئولية.» ~~فأفحمت هذه الكلمات قول المعترض، وبعد أن وصل المجلس إلى هذا الحد أخذ يفكر في ~~تعيين من يعهد إليه بقيادة الجيش، وكانت هذه مشكلة جديرة بالبحث حيث لم يقبل أحد من ~~الحاضرين أن يتولى مثل هذه المأمورية، إلا أن ابن أبي عامر فض الإشكال بأن قبل ~~القيام بذلك على شرط أن يدفع إليه مقدار النفقات وأن تكون له الحرية # 1 # في انتخاب رؤساء الجيش، فرضي الحاضرون وباركته صبيحة ولم تتمالك من ~~المجاهرة بأنها تؤمل النجاح في مهمته وأنها مطمئنة على سلامة الدولة ما دام يعضدها ~~في إدارة الملك والدفاع عن حقوق السلطنة أمثاله من الرجال العاملين، فرد عليها ~~شاكرا حسن ظنها، وقد ضمن كلامه بعض التلميح في ضعف سياسة المصحفي ولين جانبها إزاء ~~هذه الصعاب، فلم تجبه صبيحة إلا أنه فهم ما لكلامه من الأثر في نفسها. # تحرك جيش الأندلسيين وعلى رأسه ابن أبي عامر حتى تقابل بأمراء الفرنجة والتحم ~~بجيوشهم في معارك شديدة انجلت عن هزيمة الأعداء وانتصار المسلمين واستيلائهم على ~~بعض المدن عدا الأسلاب الوافرة والغنائم الكثيرة، وبعد حروب دامت خمسين يوما عاد ~~ابن أبي عامر إلى قرطبة مقر الملك، منصورا غانما، تحف به رايات الفوز والظفر، # 2 # لقد برهن على دراية تامة في قيادة الجيوش، وأظهر صفاته الحربية ~~المغروسة في نفسه ومواهب الفروسية الموروثة عن آبائه فأحبته الجنود، ودهش من أمره ~~من كان يظنه على جهل بأمور الحرب، وقد أعد القرطبيون لاستقباله يوما مشهودا، ~~وكان في مقدمة المحتفلين بقدومه الأميرة وابنها الخليفة هشام وقد أغرقاه بطوفان من ~~الإنعامات وحسن الاستقبال، وكان هو كعادته في كل الأمور البطل الموفق، مظهر احترام ~~الأعيان والأشراف ومعقد آمال أهل القصر ورمز أماني العامة وطبقة الشعب، وقد أجمع ~~الكل على تسميته بالمنصور؛ إعزازا له وإكبارا لشأنه، واعترافا بخدمته ms195 في تلك ~~الحروب. # أصبح الآن لا يحفل كثيرا بالمصحفي، وعلاقاته بالخليفة رسمية محضة؛ لعدم بلوغه سن ~~الرشد أما صبيحة فحدث عن منزلته لديها ولا حرج، فهل يوجد في العالم مخلوق أسعد من ~~المنصور؟ # ها قد تحققت آماله الذهبية الواحدة تلو الأخرى بقوة ساحرة، وها لم يمض على حديثه ~~مع رفقائه في الجامعة أمد كبير حتى نال ما تمنى، ها هو الآن أكبر رجل في قرطبة وها ~~هي الأنظار موجهة إليه، وها هو التاريخ خص له في طياته صحيفة بيضاء لتدوين أعماله ~~المجيدة، إن الآمال التي كان يتصورها والمشاريع التي كان يرسمها وهو جالس في حانوته ~~الصغير بميدان قرطبة أمام القصر قد تحققت جميعها، ذكر ذات يوم لأصدقائه بأنه سيكون ~~حاكم الأندلس الفذ، وها هو الآن الحاكم الحقيقي للأندلس ومن أكبر رجالات العالم ~~الإسلامي. # | الفصل الثامن # استفحل نفوذ المنصور وارتفعت كلمته في شئون الإدارة والسياسة، # 1 # وبنى له قصرا فخما بجوار قرطبة، بل قل: مدينته الصغيرة التي سماها ~~«الظاهرة» فنقل مأمورو الدولة مساكنهم بجوارها، وأسس التجار والباعة أماكن لهم على ~~مقربة منها حتى أصبحت تضارع في شهرتها بيت الزهراء. # كانت الظاهرة محاطة بالحدائق الغناء والبساتين الزاهرة والأحواض الجميلة، وبها من ~~دواعي الأنس وموجبات السرور ما يشهد لمنسقها بالذوق، وكم شهدت هذه المدينة من ولائم ~~المنصور واحتفالاته العظيمة، تلك الأعراس التي بهرت أنظار الأندلسيين وأوقعتهم في ~~دهشة من مظاهر تلك الرفاهة! # هل كان المنصور، وقد وصل إلى هذه المكانة وارتفع إلى تلك الغاية التي ليست وراءها ~~غاية يحب صبيحة وهو في حالته هذه؟ أم أن ما يجيش بصدره من الإحساس لها هو أثر من ~~آثار الشكر والامتنان لحسن صنيعها معه؟ # كانت الأميرة صبيحة تحبه وتقدس ذاته إلى درجة الهيام، ولكن هل كان لشعورها هذا ~~رجع صدى؟ وهل كان محمد المنصور يخصها بمحبة تكافئ هذا الحب؟ # إنني استنادا على أعماله وعلى ما أظهره بعد تمكنه من إدارة الأندلس أقول: إنه لا ~~يحبها! وإنما كان يحترمها ويظهر لها دلائل المودة والاعتبار؛ لأنها سبب نعمته ms196 ومنشأ ~~رقيه وإليها يرجع الفضل في السعادة التي يرفل في بحبوحتها الآن. # قد ظهر الآن أمامها بثوبه الحقيقي وأصبح يأنف من رؤية يدها - تلك اليد التي طالما ~~قبلها بإعزاز وتقديس - تشترك معه في الحكم منذ أصبح يشعر بأنه في غنى عن حياتها، ~~نعم كان يتوق إلى رؤية الأوامر غفلا من اسمها ليس عليها إلا كلمة المنصور، غير أنه ~~لم يستطع أن يرفع لواء عصيانه دفعة واحدة، فظل محافظا على سابق مودته لها، يكلمها ~~بلسانه العذب ويعاملها بلطفه المعهود ولا يقصر في أمر يكون فيه راحتها، وهو هو في ~~كل أطواره وحركاته التابع الأمين والخادم المخلص للعرش والخلافة. # عرضت عليه ذات يوم جارية ليشتريها، وكان نخاسها قد لقنها بعض أبيات وأمرها ~~بإنشادها بين يديه. # دخلت الجارية قصر المنصور، وهناك في حضرته أمام جمع حافل من جلسائه غنت تلك ~~الأبيات بصوت رخيم، فاسترعت الأغنية مسامعه وأخذ يصغي إليها باهتمام زائد وهو يرتجف ~~من غضبه، وما كادت تتم الإنشاد حتى هجم عليها شاهرا سيفه وألقاها على الأرض تتضرج بدمائها. # 2 # لماذا؟ لأن الجارية نطقت بأبيات مضمونها التلميح بعلاقته مع صبيحة، فلم يحتمل أن ~~يرى اسم الأميرة مضغة في أفواه الناس فأنزل العقاب بمن تجرأ على تلويث ذلك الاسم ~~أمامه، وأمر بجمع وإحراق ما قيل في حقها من الهجاء ومجازاة قائليها بشدة دلت على ~~مكانة الأميرة من نفسه. # كان لا يشغل باله في هذه الفترة إلا أمر واحد أقلقه غاية القلق، هو استكانة ~~المصحفي وظهوره بمظهر الضعف، أراد أن يتخلص منه؛ لأن حاجب البلاد ترك مصالح الأمة ~~ليلتفت إلى مصالحه الشخصية، وكان المنصور يظهر هذا الأمر لصبيحة ويشير إليه من طرف ~~خفي، وكانت هي كلما أمعنت النظر في أحوال المصحفي ازدادت وثوقا بصدق أقوال المنصور ~~الذي كان يجتهد بإعلاء شخص آخر بنسبة اجتهاده في إسقاط الحاجب، هذا الشخص هو القائد ~~غالب، وقد تمكن أخيرا بمعونة المنصور وحسن وصايته أن ينال رتبة الوزارتين. # 3 # بعد هذا وضع المنصور يده في يد غالب واخترقا حدود المملكة ms197 في سبيل شن الغارة على ~~أعداء البلاد، حيث كان أمله الوحيد جعل إسبانيا جميعها في قبضة يده، # 4 # وسرعان ما تكللت أعمالهما بالنجاح، وأعقب غزوتهما هذه غزوات أخرى عقد ~~للمنصور في جميعها رايات الظفر، حتى أصبح شخصه طلسم النصر لجيوش المسلمين لا يشن ~~على الأعداء غارة إلا يعود منها غانما رابحا. # وإذ هما منهمكان في خوض غمار الحروب وإعلاء شأن الأندلس خارجا، كانت صبيحة تدبر ~~شئون البلاد وتشيد ما يخلد ذكرها في التاريخ، # 5 # أما المصحفي فلم يبق له بعد ذلك أدنى نفوذ وأصبح يشعر متألما بأفول ~~نجمه وإدبار طالعه، لقد انفض من حوله الناس ولم يبق من يعضده من الأمراء # 6 # والكبراء، وقد آذى الكثيرين منهم بغروره وكبريائه أيام أن كانت له ~~الدنيا، ومع ذلك عز عليه أن يترك مركزه بسهولة وانقياد، فأراد أن يجرب حظه ويقامر ~~بآخر جهوده، علم شأن غالب فأراد أن يتقرب إليه بأن يزوج ابنته أسماء من ابنه عثمان، ~~وما كاد يخطر في باله هذا المشروع حتى كتب إليه في الحال يعرض عليه ذلك. # فكر غالب في الأمر مليا وقلبه على وجوه كثيرة، وفي النهاية اقتنع بنفع هذا ~~الزواج فكتب إليه يخبره بالقبول، ففرح المصحفي بذلك وقد كاد يطير من شدة ما ناله من ~~السرور وشاع خبر هذه الخطبة وذاع حتى وصل أسماع المنصور، فلم يشأ أن يصدق بادئ ذي ~~بدء، إلا أنه عندما تحقق صحتها استشاط غضبا والتجأ إلى كل باب من الأبواب التي ~~رآها مؤدية إلى منع هذا الزواج، وكان منه أن استدعى غالبا ووسوس إليه بالضرر ~~العائد عليه من أمر الخطبة، وأن زواج ابنته من مثل عثمان لا يولد شرفا ولا يكسبه ~~فخرا؛ لأن المصحفي لا ينتسب إلى بيت حسب ونسب، فاحتار غالب في أمره ولم يجد لنفسه ~~مخرجا من ذلك المأزق، لم تكن حفلة الزفاف قد جرت بعد، إلا أن الخطوبة كانت قد تمت، ~~فماذا يفعل الآن ولقد ندم ولا ندامة الكسعي؟ ولكن لات حين مندم! فما كاد ~~المنصور يرى منه ms198 ذلك حتى أضرم في نفسه ما يذكي نيران ندمه بقوله: «إن ابنتك جديرة ~~بمثلي، فهل تقبل أن تزوجها مني؟» # أدهشه هذا التصريح؛ لأنه ما كان يعتقد بنوال مثل ذلك الشرف، فقبل مسرورا أن ~~تزف ابنته إلى أكبر رجل تعرفه الأندلس، أما المنصور فكان فرحا في سره لتمكنه من ~~إحباط خطة منافسه المصحفي، فأصبح بعد ذلك من أسهل الأمور عليه عزله من منصبه، لا ~~سيما وقد كانت أغلاطه ظهرت لصبيحة، فتم له ما أراد وزاد من نكايته له رجوع غالب عن ~~كلمته ورفضه زواج أسماء من ابنه عثمان. # ارتقى المنصور إلى درجة حاجب، أي وزير الوزراء، كما كان المنتظر! فيكون قد وصل ~~الدرجة الأخيرة من عرش آماله الذهبية وجلس مفتخرا على أريكتها العلياء، ولقد أصبح ~~بعد تلك الحادثة معكس أنظار العالم الإسلامي في جميع الأقطار؛ إذ كان رقيه سريعا ~~مدهشا لدرجة أنه هو نفسه كان في حيرة من أمر هذه السعادة وحسن ذلك الطالع. # أرأيت أيها القارئ كيف يكون سحر الحب وفعله العجيب؟! # الحب هو الذي خلق هذه المعجزة، والحب هو الذي أخذ بيد كاتب صغير لم تحنكه التجارب ~~إلى ذروة المجد وسنام العظمة. # المحتكون بالمنصور الحائمون حوله ذهلوا من رقيه السريع، بينما كانت صبيحة تبارك ~~نفسها لإتحافها الأندلس بنابغة قل أن تجود الأجيال بمثله. # 7 # مصاهرة المنصور لقائد مثل غالب، صاحب المنزلة الكبيرة في نفوس القبائل القاطنة ~~مراكش وشمال إفريقية أمر ارتاح إليه جد الارتياح، حيث كان يطمع في مد نفوذه وشهرته ~~حتى تلك الأصقاع، فكم سهر الليالي وهو يذهب بتصوراته إلى تلك البلاد ويبني القصور ~~والعلالي لإدارتها وتسخيرها لحكمه كما يريد ويشاء، فها هي الآن في مقدوره ومتناول ~~يده. # لندع المنصور جانبا بين آماله وأمانيه ونفكر قليلا في حالة صبيحة الروحية في ~~تلك الفترة؟ فإلى أي حد وصلت تصوراتها يا ترى؟ وكيف قابلت تلك الصدمة؛ صدمة زواج ~~حبيبها وأعز مخلوق لديها بامرأة أخرى؟ وكيف رضيت هي بمثل هذا الأمر وأمكنها إسكات ~~النزاع القائم في نفسها وامتلاك شعورها والتوقيع على ms199 عقد النكاح بيدها ودعوة غالب ~~وابنته إلى قرطبة ومقابلتهما بحفاوة وسرور؟ # لم يكن في مقدورها تدبير أمر يعكس هذه الحالة؛ لأنها لم تستطع أن تجري مع ~~عواطفها، لقد منعها مركزها السامي من إظهار ما في نفسها من الآلام والآمال، إن سمو ~~مقامها وقف في سبيل منع المنصور من مثل هذا الأمر المؤلم، فلم تر بدا من ~~الاستسلام لحكم الأقدار ومقابلة الضربة بشجاعة وثبات، لقد أبدت شجاعة تفوق حد ~~التصور والإدراك في كتم عواطفها، وظهرت بمظهر الرزانة الجديرة بملكة جليلة القدر ~~عظيمة الشأن، فأشرفت بنفسها على حفلة الزفاف التي دفع الخليفة جميع نفقاتها، قد ~~يكون في نفسها بقية من الأمل ولم لا؟ ألم يكن الغرض من هذا الزواج سياسيا؟ إن ~~الزواج المبني على غرض مخصوص يكون ذا أساس واه لا يبشر بدوام البقاء والخلود، كان ~~الغرض من هذا الزواج أن يكون سهام تحقير مسددة إلى صدر المصحفي، فليس في الأمر ما ~~يوجب القلق. # بمثل هذه الآمال كانت صبيحة تعلل النفس إلى أن تم الأمر وزفت أسماء إلى ~~المنصور، حبيب الأميرة وأقرب الناس إلى نفسها، في العام السابع والستين بعد ~~الثلاثمائة من الهجرة النبوية. # كانت الحفلة من أحسن حفلات الأندلس في التاريخ، وذات أبهة ملوكية قل أن يسمح ~~الزمان بمثلها، وقد زاد من بهائها أن الأميرة نفسها كانت زينتها وبهجتها، أما موكب ~~العروس فحدث عن فخامته ولا حرج، تقاطر الناس لرؤيته من كل صوب وناحية مدهوشين من ~~عظمته وجلاله، ولقد شاءت الأقدار أن يكون ختام العرس السياسي مقرونا باليمن ~~والسعادة، فقد كانت العروس ذات جمال نادر، على جانب عظيم من الظرف والكياسة والأدب ~~فافتتن المنصور بها وملأت نفسه بملاحتها الروحية، حتى أصبح لا يرى غيرها من النساء ~~ولا يصبر عنها ساعة واحدة، لقد أحبها محبة غير محدودة، حبا يماثل غرام صبيحة له، ~~فتصور حالة الأميرة الروحية إذ ذاك وهي منعزلة في بيت الزهراء، تقاسي مرارة ~~الهجران؟ # لم تكن صبيحة إذ ذاك في نضارة الشباب، لقد انقضى موسم الأماني العذبة وفات أوان ~~الاسترسال ms200 في التأمل والتخيل، لقد انطفأت شعلة آمالها ولم يبق لديها ما يذكي ~~نيرانها، فليس أمامها إلا رماد من اليأس، لقد أنزلت بمحض اختيارها الستار على رؤيا ~~غرامها، واضطرت أن تفتح عينها في نور الحقيقة المؤلمة. # ولكن بعد هذا ماذا هي فاعلة؟ وما الذي تستطيعه وبأي الألوان تصبغ حياتها الآن؟ هل ~~تنزل إلى حدائق قصرها وترمي بنفسها في أحضان الورود والزنابق والياسمين لتجد ~~التسلية في مناظرها وما يتصاعد من شذاها وعبيرها؟ إنها الآن في خريف العمر ومن كان ~~في مثل سنها لا تسليه هذه الأشياء، إن هي إلا امرأة بائسة كسيرة الخاطر انتهى ~~غرامها على غير ما تشتهي، ولكن قد حم القضاء ووقعت الواقعة فتزلزل بنيان عشقها ~~وانهار، فهي الآن تشاهد بين الأنات والآهات أنقاض ما تخرب من إحساسها، وتنظر ~~وعيناها مملوءتان بالدموع في القطع المبعثرة من آمالها المحطمة، فتشفق على نفسها ~~عندما ترى الأجنحة الدامية من خيالاتها السابقة ترفرف حائرة على تلك ~~الخرائب. # كان تقهقرها مدهشا فيا لهول الهزيمة! ما أقرب الاتصال بين نقطتي الفوز ~~والاندحار! ليست السعادة إذن إلا غشاء واهي الجدران، مؤسسة دعائمه على شفا هاوية ~~عميقة، ولكن ما الفائدة؟ كل هذه ملاحظات ترد الخاطر بعد فوات الوقت وضياع ~~الفرصة. ~~••• # تحملت صبيحة ما أصابها وتلقت الضربة بشجاعة نادرة، ولكنها بذلت في سبيل ذلك ثمنا ~~غاليا، هي دموع القلب التي كانت تسكبها وهي جالسة على عرش الحكم والإدارة، يالله! ~~كم كانت أناشيدها التي ترنمت بها في ليالي الصيف مؤثرة حزينة ذات نغمة محرقة! لا ~~ريب أنها بعد الانتهاء من أناشيدها كانت تفتح غرفتها تترحب بالنسيم، وربما ألقت في ~~مسامعه ما يخفف من لوعة قلبها. # فإن الصبا ريح إذا ما تنفست # على كبد حراء قلت همومها # من لنا الآن بمعرفة كلماتها في تلك الساعات التي كانت تخلو فيها إلى النجوى، ~~ولكن هيهات قد أطارت نسمات الأندلس تلك الكلمات وقذفت بها إلى أعماق ~~اللانهاية. # | الفصل التاسع # أخذ المنصور يمهد على مهل سبيل حصر النفوذ في يده، فأبعد الذين توسم فيهم روح ms201 ~~التمرد والعصيان ومجابهة ما كان يتصوره من الآمال والأحلام، ونفاهم من قرطبة مركز ~~الحكم والخلافة حتى لا يكون بينه وبين ما يرمي إليه حاجز أو عقبة، فضرب بيد من حديد ~~أولئك الذين أرادوا الدخول في شئون الإدارة وإحداث القلاقل والاضطرابات حول عرش ~~سلطانه المطلق. # كان لا يقبل نصيحة إنسان، ويفهم الذين حوله بكل حركاته وأطواره أنه في غنى ~~عنهم وعن مشورتهم وما يقدمونه من مناصرة ومعاضدة. # أصبح الآن يتضايق حتى من نفوذ حماه القائد غالب، وقد تمكن أيضا من إبعاده كما ~~أبعد المصحفي من قبل. # هنا في هذا الموقف لم يبق بينه وبين أن يعيش حر التصرف كما يشاء ويهوى إلا ~~ظل شخص واحد، ذلك الظل هو الأميرة صبيحة. # نعم، أصبح لا يهتم كثيرا بما لها من نفوذ ولا يعبأ بسيطرتها، ففكر في أن ~~يتخلص من نفوذ هذا الظل أيضا وسعى باحثا عن الوسائل المؤدية لدفعه دفعا حثيثا ~~إلى أن توفق إلى هذه الغاية أيضا وتكللت مساعيه بالنجاح. # إنه كان مضطرا إلى التظاهر بالاحترام والخضوع لولية نعمته، ولكن نظرات الأميرة ~~كانت تتخلل ما وراء هذه المظاهر من حقيقة مؤلمة فتشعر بما يخالف هذا الاحترام من ~~فتور واضح، قضي الأمر فليس ثمت داع لإعادة الماضي بذكرياته العذبة وخواطره ~~اللذيذة أمام أبهة الحاضر! # لم يكن المنصور من أولئك الذين يتأثرون بالذكريات الماضية من أيام صباهم وأزمان ~~لهوهم، إن الوقائع لتمر به تاركة أثرا خفيفا في حياته، إنها لأسطر مكتوبة على ~~الرمال تعبث بنظامها أخف الرياح هبوبا؛ فلذلك أمر بأن يقرأ اسمه في خطب الجمعة ~~مع اسم الخليفة، غير مكترث لنقد الناس وما تلوكه ألسنتهم. # صار الناس يقرءون اسمه على النقود ويشاهدون توقيعه في ذيل الأوامر ~~والقرارات. # ولكن ألم يعمل على راحة الشعب وطمأنينته؟ أليس هو الساعي في نصب ميزان العدل في ~~ربوع الأندلس، فلا نستكثر عليه إذن طموحه إلى لقب «الملك الكريم» بعد أن كان ~~حاجبا. # الأمة لا تنسى خدماته ومآثره فلا تستغرب سكوتها الآن إزاء هذه المظاهر الجديدة، ~~أما الخليفة هشام ms202 فكان في هذا الوقت العصيب منزويا في مجاهل القصر، بعيدا عن ~~أضواء السياسة وضجيج الإدارة، منقادا لهواه مخربا أيام شبابه بلا نفع ولا ~~جدوى. # قد تمر عليه فترات يحلو له فيها التجرد عن الماديات والغوص في لجج الروحانيات ~~فيزهد رؤية الناس كثيرا وينكمش منزويا لمدة طويلة، هذا هو الخليفة هشام بن صبيحة، ~~وعلى هذا الطراز كان يقضي أيام حياته. # قال مربيه: «ظهرت عليه في صغره علائم الذكاء والفطنة»، إلا أن تربيته التي ~~تلقاها منذ وفاة أبيه لم تكن كافية لإنضاج مداركه وإكمال مواهبه، فظل ابن الحكم ~~وحفيد عبد الرحمن الثالث خاملا، وعاش عاجزا جبانا مترددا عاريا عن العزم ~~والإرادة، أقل الملوك شأنا في أسرة بني أمية. # هذه الأخلاق الضعيفة حركت عوامل الطمع في نفس المنصور، وحدت به إلى الطموح ~~نحو العرش، وجعلته يعزم على ارتقائه العرش في بيت الزهراء بدلا من هشام، كان ~~«الملك الكريم» فأراد أن يكون الخليفة. # اختلف المؤرخون في هذا الأمر؛ لأن معظمهم يقول بقيام هذا الأمل في نفس المنصور ~~وأنه سعى جهده لإخراج مشروعه من دائرة الفكر إلى حيز العمل، ولولا خشيته من ~~النتائج لتم له ما أراد. # اهتم أولا أن يكون الخليفة منسيا من شعبه دون أن يزعزع أركان الخلافة، فسعى في ~~أن يقلل خروج الخليفة من قصره وكانت الظروف في جانبه؛ لأن هشاما كان لا يراه الناس ~~في الجامع إلا قليلا، وإذا خرج من قصر لآخر متنزها خرج وهو ملتف بالبرنس، فكان ~~يرى بعين الخيال وهو مسرور منشرح الفؤاد أن آماله ستتحقق بلا اضطراب ولا ~~شغف. # فهمت صبيحة مراميه وشعرت بأغراضه ومقاصده، فأرادت أن تراقبه من كثب ولم ~~تطق بعد ذلك استبداده ولم تستطع صبرا على رؤية العرش مهددا، فزجت ~~بنفسها في الميدان لتحافظ على كيان ابنها وتنقذ عرشه. # بذلت كل ما في نفسها من جهد وعزم، إلا أنه لم يكن في يدها الآن شيء من ~~القوة. # وقد شعرت بهذه الحقيقة عندما تقدمت إلى الميدان ورأت أن رجال المنصور وأعوانه ~~شاغلون أهم المناصب في ms203 أقلام الحكومة وإداراتها وفي كل ركن من أركان الإدارة، حتى ~~في قصرها بيت الزهراء. # كانت تهم فيصادفها ألف عقبة وعقبة، تتقدم خطوة إلى الأمام فتقابلها عثرات وموانع، ~~لم تكن مالكة لاستقلالها، لقد كبلها المنصور بخيوط دقيقة تخفى على الناظرين، ~~ولكنها خيوط قوية يصعب الإفلات منها، فصبرت حتى اشتدت عزيمتها وقام في أعماق ~~نفسها دافع يسوقها إلى رفع لواء التمرد والعصيان؛ إذ كانت تقول في سرها: ما هذه ~~الجرأة؟ ومن أين لأبي عامر كل هذا النفوذ؟ أين كنت أنا؟ وكيف أرى ذلك بنفسي؟ آه! ~~إن الرجال الشاغلين للوظائف في قصري كلهم معروفون لدي ولكنني أعلم أنهم من أتباع ~~المنصور. # كيف لها أن تعلم ذلك؟ لم يكن وقتئذ فرق وأحزاب ورجال تتحيز لرجال، كانت متحدة ~~مع المنصور فكرا وعقلا، متفقة معه قلبا ولسانا، كانت يدها مع يده في كل أمر وكل ~~مشروع، فترى فيمن يعينهم المنصور أنهم رجالها الصادقون، فليس سبيل إلى سوء الظن، ~~كان الزمان زمان إخلاص واتحاد، أما اليوم وقد زال ما بينهم من طمأنينة فابتدآ ~~يراقبان حركات بعضهما وقد تنقب كل منهما ببرقع النفاق فهي الآن تنصب له الفخاخ ~~سرا، وقد علمت بآماله وأمانيه فسعت أولا في جعل رجال القصر محببين منها، وقد ~~أظهرت في هذا السبيل همة جديرة بالتقدير والإعجاب. # تبدلت الحال بغير الحال وصار قصر الزهراء مسرحا للفتن والدسائس، وصبيحة تراقب ~~ذلك بسرور ولا تألو جهدها لإنقاذ ابنها ونفخ روح الحياة في نفسه الخامدة. # ما كانت تهتم بذلك قبل الآن وتسعى في إيقاظه من ذلك الخمول، فقد كان عاجزا ~~خاملا لا يشعر بالحاجة إلى سؤال الوزراء عما يفعلونه أو يديرونه من الأمور. # لم يسبق لصبيحة أن اهتمت بشأن ذلك العاجز المسكين وأن ترجع إليه في الشئون ~~الخطيرة، أما الآن فإنها تشعر بعد أن وقعت الواقعة ورأت اقتراب العاصفة التي تكاد ~~تقتلع عرش ابنها أنه محتم عليها أن توقظ هشاما من غفلته العميقة، وقد تم لها ما ~~أرادت فسعت في تنفيذ خطتها سرا دون أن تدع محمدا المنصور ms204 يعلم؛ فإنها كانت ~~تذهب صباح كل يوم لزيارة ابنها في غرفته الخاصة وتورد له الأحاديث الطويلة والمباحث ~~المهمة لتزيل ما على قلبه الغافل من صدأ العطالة والخمود. # تعبت في سبيل غرضها وسهرت الليالي الطوال ترتب الدروس المؤثرة التي تحرك ~~النشاط في هذا الدماغ العاطل، فشقت وتألمت وكدت، لكن مساعيها أثمرت ~~وظهرت لها نتائج خطيرة ذات بال، فقد حدثت معجزة في بيت الزهراء؛ استيقظ هشام من ~~نومه، استيقظ الخليفة المنهمك في أذواقه من تلك الغفلة، دبت في نفسه عوامل ~~الحياة وأراد أن يدخل المعترك ويشترك في الحكم وأن يفهم ويشعر وتكون له إرادة ~~وسلطان. # استمرت صبيحة تلقي على ابنها دروس الانتباه واليقظة حتى استفاق من سبات غفلته ~~وتذوق طعم الرياسة وحلاوة الأمر والنهي بدرجة استرعت أنظار الملتفين حوله بما ~~فيهم المنصور، وهو أكثرهم دهشة وأشدهم حيرة، وقد علم أن هذه المعجزة الباهرة إنما ~~هي أثر من آثار صبيحة. # صار الخليفة الآن يشدد النكير ويبحث وينقب ويطلب الإيضاحات اللازمة عن حساب ~~بيت المال، ويوجه إلى المنصور أسئلة دقيقة ما كانت لتخطر له ببال حتى انتهى به ~~الأمر إلى أن يعامله بفتور وبرود. # لم يكلف المنصور نفسه عناء البحث عن سبب ذلك، كيف يسأل عن السبب وهو لا يرى مولاه ~~الخليفة ولا يتقابل به إلا بحضور والدته صبيحة؟ أظلمت الدنيا في وجهه وشرع يتلمس ~~سبيلا لمقاومة الخطر، فصال صولة في ميدان الكفاح انتهت بطرد وإبعاد بعض من اشتبه ~~في إخلاصهم من موظفي قصر الزهراء، ولقد غضبت صبيحة لهذه الصدمة غضبة مضرية، كانت ~~سببا في اشتداد عزيمتها وزيادة همتها، فأعملت فكرها لتنتقم لنفسها من هذا الغريم ~~الشديد البأس واهتدت أخيرا إلى فكرة سديدة، فاستدعت بعض عبيدها المحررين ~~وكلفتهم بالتوجه إلى جهات مختلفة من الأندلس وإفريقية ومراكش لإفهام الشعب ~~بمركز خليفتهم وإذاعة خبر ضعفه وطموح المنصور إلى مقام الخلافة، فراجت إشاعتهم ~~وانتشرت في طول البلاد وعرضها، ومنها علم الناس أن خليفتهم واقع في أسر ظلم معنوي ~~وأنه راغب في التخلص من هذه القيود ليحكم شعبه ms205 على سنن العدل ومناهج الإنصاف لولا ~~حيلولة المنصور بينه وبين ما يريد. # أدى رجال صبيحة ما كلفتهم به بأمانة وإخلاص؛ فاجتازوا جبل طارق إلى إفريقية ~~وتمكنوا من اكتساب مودة ومظاهرة والي مراكش لهم، وهو يومئذ زبري بن عطية الشهير ~~زعيم قبيلة الزبرين، وما كاد يسمع بهذه الحوادث ويعلم أن الخليفة تحت أسر المنصور ~~واستبداده المعنوي، حتى احتدم غيظا وشرع في تجريد قوة من رجاله ليرفع لواء العصيان ~~والتمرد في وجه المنصور؛ انتصارا لخليفة البلاد، ولكن كان يعوزه المال لتنفيذ ~~العمل، فسرت صبيحة بهذه النتيجة وبادرت بإسعافه. # كانت خزينة الدولة في دائرة خاصة داخل قصر الزهراء وبها من الأموال ما يقدر بنحو ~~ستة ملايين دينار، فسحبت الأميرة من المال مبلغا قدره ثمانون ألف دينار وضعته في ~~مائة جرة مختومة أفمامها بالعسل دفعا للظنون والشبهات، ودفعت هذه الجرار إلى رجال ~~أمناء لتوصيلها إلى مكان معين؛ وبذلك تمكنت من إيصال المال إلى مراكش بأمان ~~وسلام. # كانت صبيحة تعلم قدر والي مراكش، وتعلم أنه الرجل الوحيد الذي يستطيع مقاومة ~~عدوها المنصور، وبذلك لم تأل جهدا في مساعدته، على أن خبر هذه المساعدة اتصلت ~~بمسامع المنصور، فأفرغ في روعه؛ لأنه لم يتوقع حدوثها، وكأني به يقول: هل ~~للخليفة علم بذلك؟ وإلا كيف تمكن وأخرج المال من أبواب القصر؟ اشتدت حيرته ~~واضطرمت أحشاؤه بنيران الغيظ والكمد، وأصبح ينظر إلى أفق المستقبل فيراه متلبدا ~~بسحب الأكدار وغيوم الاضطرابات، فهل هو الآن أمام عاصفة قريبة تقتلعه من مركزه؟ كل ~~هذه أمور فكر المنصور فيها مليا، وبعد طول البحث وإجهاد الفكر استدعى وزراء ~~الحكومة ووكلاء الدولة لمجلس عام عقده في قصره، حيث أبلغهم بحدوث سرقة مبالغ كبيرة ~~من مال الدولة، وأنه علم بعد البحث والتنقيب أن السرقة تمت بدلالة نساء من قصر ~~الخليفة، وعلى أثر دهشة الوزراء بذلك اقترح عليهم نقل الخزينة إلى دائرة أخرى بعيدة ~~عن مكانها الحالي فأقره المجتمعون على ذلك، وبينما كان الرجال المكلفون بتنفيذ ~~الاقتراح على وشك نقل الأموال المودعة بالخزينة، دخلت عليهم صبيحة وصاحت ms206 فيهم تقول: ~~«ما هذه الجرأة؟ كيف تقدمون على ارتكاب مثل هذا الأمر دون إذن الخليفة، إنني آمركم ~~ألا تمسوا الخزينة؛ لأنه غير راض عن نقلها إلى مكان آخر.» # لم يجد أتباع المنصور بدا من إطاعة الأمر، أما الملك الكريم - أي المنصور - ~~فاشتدت حيرته وزادت همومه حينما بلغه الأمر، ولكنه كتمه في أعماق نفسه مكرها ~~مرغما، وإلا فما الذي يستطيعه؟ وكيف يخالف أمر الخليفة جهارا ويرفع لواء العصيان ~~في ظروف قاسية لا تسمح بأدنى خلاف بينه وبين العرش، لا سيما وقد طرقت مسامعه ~~الإشاعات التي اجتهدت صبيحة في ترويجها بين عموم الشعب؟ # لا يعرف الناس شيئا عن هشام ولا يذكرون إلا اسمه، ولكنهم ما زالوا يقدسونه في ~~نفوسهم؛ لأنه ابن الحكم وحفيد عبد الرحمن وسليل الأسرة الأموية، إذن ليس في الإمكان ~~إظهار التمرد جهارا بيانا، فما هو الطريق المؤدي إلى تحويل مجرى الحوادث؟ هل ~~يقبل المنصور على نفسه الانكسار والخضوع بعد أن وصل بكده وبسعيه أوج العز ~~والإقبال؟ أيخفض الآن جناحيه بعد أن كان يبسطهما لحماية سواه؟ كان لا يحني رأسه ولا ~~يرضى بالمذلة يوما ما، كان سلطان الماضي وهو الآن أمير الحاضر، فيجب على المستقبل ~~أيضا أن يطيعه، كيف يرضى المنصور ذلك البطل الذي رفع لنفسه لواء فخر دائم الخفقان ~~في طول البلاد الإسلامية من أقصاها لأقصاها أن يذهب ضحية حيلة سياسية أتمتها ~~صبيحة؟ كيف يستطيع صبرا على الانحدار بعد تقدم دام عشرين عاما؟ كان عليه أن يواجه ~~الخليفة بمفرده، إن هشاما لينحني أمام وزيره إذا تقابلا على حدة دون أن تكون معه ~~والدته تعضده وتظاهره، كان المنصور يعلم موضع الضعف من مولاه الخليفة، ويعلم أنه لا ~~يستطيع أن يقابله ببرود وأن يشدد عليه النكير إلا إذا كانت معه الأميرة، أما إذا لم ~~تكن هي بجانبه فكل عزم ينقلب إلى ضعف وكل شجاعة تنقلب إلى جبن وانهزام، وكانت صبيحة ~~تعلم هذا الأمر وترى أن ابنها لا يستطيع الثبات أمام نظرات وزيره الحادة، ولا يتمكن ~~من الدفاع عندما يسل عليه لسان ms207 طلاقته وسلاح بيانه؛ ولذا كانت تخشى عاقبة تلاقيهما ~~على انفراد وتخاف أن ينهدم بناء سياستها رأسا على عقب في لحظة واحدة، إنما المنصور ~~سعى واجتهد حتى توصل بمعونة رجال القصر أنفسهم إلى مقابلة مولاه مقابلة سرية دون ~~أن يعلم به أحد، كانت الأميرة صبيحة ملكة ذات سياسة وتدبير حنكتها الظروف والأيام ~~وزادتها التجارب خبرة في الحياة، وإنما لم تكن سعيدة الحظ مثل المنصور؛ ولذا كتب ~~عليها الاندحار والفشل في نهاية الأمر. # عندما مثل المنصور بين يدي الخليفة لم يعبأ لما نال مولاه من الدهشة والاضطراب، ~~بل ابتدأ الكلام بما يريده من القول بسلاسة وطلاقة اشتهر بها حتى أثر على الخليفة ~~وضيق دونه المذاهب، فنسي أنه الخليفة وأنه صاحب النهي والأمر وأن في يده قوة غير ~~محدودة، ونسي تعليمات والدته ووصاياها أمام نظرات المنصور وأمام سحر بيانه وطلاقته، ~~ولم يتردد في الاعتراف بعجزه # 1 # عن الحكم وتدبير الملك، وأنه سيتنازل له عن كل سيطرة وسلطان ولا ~~يتداخل في شئون البلاد، وأنه يرضى بنقل الخزينة خارج قصره إذا شاء وزيره المنصور، ~~لم يكتف المنصور بهذا الإقرار بل انتهز هذه الفرصة واستدعى بعض وكلاء الدولة ~~وأشهدهم على هذا الاعتراف بعهد موقع عليه من الخليفة ومدون فيه ما تعهد به ~~لوزيره شفويا، # 2 # وقد أمضى عليه الوكلاء لإثبات شهادتهم. # حدث هذا الأمر في العام السابع والثمانين بعد الثلاثمائة من الهجرة، وبهذه ~~الحادثة نال المنصور أكثر مما كان يتمناه ويحلم به بسهولة لا تخطر على بال. # أعلن العهد بعد ذلك وعلم الناس بخبره فأصبح من العبث التمرد والعصيان في سبيل ~~سلطان عاجز عن الحكم، يعترف بلسانه أنه ضعيف فاتر العزيمة، يكل أمور الدولة ومهام ~~السلطنة إلى وزير صادق هو المنصور، لم يكتف بهذا الانتصار، بل أراد أن يظهر للناس ~~أن خليفتهم وقع على العهد باختياره وإرادته وأنه لا يوجد ثمت خلاف أو نفور ~~بينهما، فاستصوب أن يخرج إليهم بجانب الخليفة راكبا فرسه في موكب عظيم لهذا الغرض ~~وقد تم له ما أراد، ما الذي يستطيع ms208 أن يعمله الإنسان لأسير لا يشكو من أسره، يعيش ~~باختياره تحت النير، لحاكم يعترف بعجزه عن الحكم، لسلطان لا يتأثر من التنازل ~~عن نفوذه واقتداره لغيره، لخليفة لا يرى بأسا من الخروج إلى شعبه غداة اعترافه ~~المخجل، اللهم لا شيء سوى الأسف والتألم، ولقد كان من حسن حظ المسلمين أن وجد في ~~عصر حاكم عديم الحس مثل هشام وزير مقتدر مثل المنصور ليستبد بأمور الدولة، فلو بقي ~~زمام الحكم في يد الخليفة لما تردد من فتح أبواب قلاعه لأمراء الفرنجة، وإن التاريخ ~~لا ينسى قوله للعصاة وهو في محبسه بعد وفاة المنصور: «أنقذوني وأنا أعدكم حتى بالعرش.» # 3 # فهل هناك # 4 # أمل في إنقاذ حاكم هوى بنفسه إلى هذه الدركة ورضي بأن يشرب كأس الهوان ~~حتى الثمالة؟ لم يكتب المؤرخون شيئا عن حالة الأميرة عند سماعها باعتراف الخليفة، ~~وماذا عساها أن تقول فيمن لا يخجل من ترجيح الأسر على الحرية بعد سعيها المتواصل في ~~سبيل ذلك؟ فإذا استطاعت أن تعمل شيئا بعد ذلك فلمن؟ هل لابنها القائل بنفسه: «لا ~~أريد أن أحكم في بلادي.» إن دناءة ابنها كان انكسارا ثانيا لآمالها، لم تكد ~~جراحها التي أدماها المنصور تلتئم حتى أصابها ابنها بجرح آخر في صميم قلبها أدمى ~~إحساسها الوالدي. # مع كل ما مر بها من الآلام وما عانته من المتاعب لم تشأ أن تريح نفسها حتى في ~~أيامها الأخيرة، انهدمت قصور آمالها وضاع نفوذها وانخفض جناحها، ولكنها مع ذلك لم ~~ترض أن تقبض يد همتها عن شعبها؛ أهالي قرطبة المحبوبين منها، همة صبيحة أكبر من ~~أن تكل ونفسها العالية لا ترضى بحياة العطالة والكسل، لم تتداخل في شئون الإدارة ~~ولكنها خدمت أمتها من طريق آخر، وعملت على سعادتهم ورفاهتهم من سبيل غير سبيل ~~السياسة؛ فقد بذلت ما في وسعها لإنشاء المساجد والمستشفيات وبناء المدارس ~~والملاجئ، وبينما كان المنصور يدير حركة البلاد بمهارة وحذق ويختم حروبه بالنصر ~~والظفر، كانت هي تحفر الجداول والعيون وتنشئ القناطر والجسور، وتجتهد في اكتساب حسن ~~الأحدوثة ms209 وجميل الذكرى بين قومها، إن أعمالها النافعة وحسناتها العديدة أدهشت حتى ~~جيرانها أمراء الفرنجة الذين لم يتمالكوا من إعظامها وإجلالها والاعتراف بما لها من ~~فضل وخير؛ فأقاموا الحفلات بشرف ذكرها عند إتمام طريق مائي مهم، وقد ركزوا عليه ~~لوحة لتخليد ذكرها بهذه العبارات: # بني هذا الطريق المائي بهمة الأميرة صبيحة أم أمير المؤمنين الخليفة ~~هشام جزاها الله خيرا، فبمروءتها وفضلها لم تحرم ولايتا «السيجيا وكارمونا» # 5 # من الماء. # أما المنصور فقد وجه همته إلى رفع شأن الأندلس بالغزو والحروبات، فاستتب ~~الأمن داخلا وارتفع شأن البلاد خارجا، وأصبح هو حاكمها المعروف بالشجاعة والكرم ~~والمتصف بالعدل وحسن الإدارة، وفي العام الثاني والتسعين بعد الثلاثمائة خرج ~~المنصور غازيا للمرة الثانية والخمسين # 6 # لقمع فتنة بالقرب من مدينة سليم من ولاية قشتالة، وقد أبدى العاصون ~~مقاومة كبيرة واشتد القتال حتى اضطر ابن أبي عامر للوثوب إلى الصفوف الأمامية # 7 # مستبسلا والسيف بيده لبث روح العزم في أفراد جيشه، وبعد كفاح شديد ~~أحرزوا النصر ولكن بعد أن أصيب قائدهم المنصور بجراح بليغة، استشهد على أثرها في ~~الخامس والعشرين من شهر رمضان ودفن بمدينة سليم حسب وصيته. # مات محمد المنصور وبموته فقد الأندلسيون ركنا من أركان شوكتهم، توفي رجلهم ~~العظيم، وبوفاته انصدع بنيان اتحادهم، فيا لهول المستقبل المخيف! المستقبل المظلم ~~الذي يهدد كيان الأندلس، لبسوا عليه ثياب الحداد وشقوا الجيوب كأنما كان حزنهم ~~وحدادهم على نحس طالعهم الذي بدا في أفق السياسة، لم تعش صبيحة كثيرا بعد المنصور ~~فقد توفيت في العام الثامن والتسعين # 8 # بعد الثلاثمائة، أي بعد تلك النكبة بستة أعوام، لقد تصالحا قبل وفاة ~~المنصور، ولكن صلحهما كان ظاهريا اقتضته الظروف، وإلا فإن الدموع التي ذرفتها ~~قد جعلت بينهما هوة من الآلام يصعب اجتيازها، فإن الأعوام الأخيرة من حياتها مضت ~~بين جدران النسك والعبادة، وقد كان لموتها صدى حزن عميق في نفس الشعب لا يقل أثرا ~~عن حزنهم لدى موت المنصور، وقد رثاها كثير من الشعراء وفيهم ابن دراج حيث شبهها ~~بنجمة الأندلس، ms210 حقا إن «صبح» كانت من أشد النجوم تألقا في سماء الأندلس، كان ~~هناك أمل في أن تحيا الأندلس حياة رغد ورفاهة طول حياتها، أما وقد أفل نجمها ولم ~~يبق أثر لسلطان المنصور ولا بأس الحكم ولا شوكة عبد الرحمن، فلم يبق أمام ~~الأندلس سوى السقوط والاندحار، لماذا؟ لأن الخلافة انتقلت إلى يد هشام، ذلك ~~الخليفة الجبان العاجز الذي كان الأندلسيون يخشون حكمه، وليس هيبة منه وإنما خوفا ~~من عجزه وضعفه. # لم تر صبيحة بعينها خاتمة قرطبة، تلك الخاتمة السوداء التي تهز حتى اليوم أوتار ~~القلوب في بلاد الإسلام بضربات الحزن والألم، لو قدر لها أن تعيش بضعة أعوام ~~أخرى لترى تقسيم عاصمتها لانهمرت عيناها بالدم بدل الدموع، ماتت دون أن ترى شيئا ~~من ذلك، ماتت في بيت الزهراء وهي تنظر إلى نجمة تلمع على صفحة حوض من أحواض ~~حديقتها الزهراء في مساء يوم لطيف حزين مؤلم، وقد كان آخر المشاهد انطباعا في ~~نظرها، منظر تلك النجمة التي تستحم مرتعشة في أحواض بيت الزهراء. # | الخاتمة # كتب موسى بن نصير والي المغرب، إلى الخليفة عبد الملك بن مروان، يصف له الأندلس ~~ترغيبا في فتحها، فقال: # الأندلس جنة فيحاء تشابه الشام بحسن موقعها، واليمن باعتدال مناخها، ~~والهند بأزهارها ونباتها، ومصر بخصوبتها ونمائها، والصين بأحجارها الكريمة ~~ومعادنها النفيسة. # وأعقب ذلك خروج طارق بن زياد لغزوها وتحت إمرته اثنا عشر ألفا من المجاهدين، وإن ~~هي إلا أيام قلائل حتى تم فتحها، مضى على هذا العهد عصور ثلاث تمكن الفاتحون ~~أثناءها من إيقاظ أمة جاهلة خامدة وأخذوا بيدها إلى مناهج العلم والعرفان تحت أشعة ~~النور الإسلامي، فلم يمض إلا القليل حتى اعتلى الأندلسيون، اعتلت تلك الأمة التي ~~كان القساوسة تسوقها كالأغنام ويذيقها الحكام صنوف العسف وألوان الاضطهاد، وأصبحت ~~بعد زمن وجيز مطمح أنظار أوروبا وموضع الدهشة والإعجاب من أهلها. # دهشت أوروبا من مدنية إسبانيا، ثم أخذت تقترب منها على مهل # 1 # وترد مناهل علمها وعرفانها وحياض مدنيتها إرواء لظمئها، وبعد فتح ~~الأندلس وجه العرب همتهم إلى ms211 عمرانها وزينتها، وكانت الحروب قاصرة إما على دعوة ~~الأمراء المسيحيين القاطنين في شمالها إلى الهداية، وإما على رد هجماتهم من حين ~~لآخر، إن المسلمين الشغفين بالأمور الزراعية شغفهم بالحروب صيروا الأندلس حديقة جميلة. # 2 # الصناعة والتجارة، العلم والعرفان، الشهامة والمروءة كل هذه مزايا كان مسلمو تلك ~~الأيام يتهافتون على التحلي بها واكتسابها، أما أخلاقهم الحسنة وشرف نفوسهم فكانت ~~عالية تفوق أخلاق المسيحيين حسنا، حتى إن أعداءهم أمراء الشمال كانوا لا يستنكفون ~~من مداواة مرضاهم ومجروحيهم في البيوت الإسلامية بمعرفة أطباء المسلمين ارتكانا ~~على مروءتهم وشهامتهم. # في تلك الأيام وقد اتسعت دوائر العلوم والفنون ارتقت الأمة تبعا لذلك، وأصبحت ~~المروءة وعزة النفس غريزة في نفس كل مسلم، إن الخصال الحميدة التي كان يتصف بها ~~طائفة الفرسان في أوروبا، تلك الخصال التي تقرأ وصفها في كتب الفرنسيين فتعجب بها ~~هي خصال المسلمين الحقيقيين، ولو علمنا مقدار ما كان يبذله المسلمون في تلك الأيام ~~من الاحترام والاعتبار للمخدرات الإسلامية، بل لكل النساء مسيحيات كن أو مسلمات، # 3 # لو علمنا مقدار احترامهم واعتبارهم لهن، ثم نظرنا إلى حالتنا اليوم فلا ~~أدري كم يكون الأسف مرا أليما! # عندما حاصر والي قرطبة مدينة «توليدو» عام 1139 ميلادية، كانت الملكة «برانجر» ~~محصورة في قلعة «آزاقا» داخل المدينة، وعندما هجم الوالي بعساكره على المدينة يريد ~~فتحها أرسلت الملكة تقول: «ليس من الشهامة الإسلامية محاصرة امرأة في مدينة ~~والهجوم على القلعة التي هي بها.» فاستصوب الوالي رأيها وغض النظر عن الهجوم، وإنما ~~طلب أن تظهر نفسها لهم من إحدى شرفات قصرها وبمجرد إظهار نفسها لهم قدم الوالي ~~احترامه وعاد بعسكره إلى قرطبة بعد أن اعتذر لها، فقل لي بربك: ألا تستحق أن تضاف ~~هذه الحادثة إلى سجل الشهامات والمروءات؟ وهل تقل درجة عن أعمال «بايارا» ~~و«سيدني»؟ # سمع محمد المنصور بعد رجوعه من غزوة «قومبوستال» أن امرأة مسلمة محبوسة داخل ~~القلعة، فأمر بإحضار ملك النافار أمامه ليقدم المعذرة على هذا العمل الفظيع وهو على ~~ركبتيه، فحضر الملك وطلب العفو والمعذرة ms212 جاثيا على ركبتيه، # 4 # وبعد أن تم تخليص المرأة المسلمة على هذه الصورة عاد بجنوده إلى ~~العاصمة. # كان الزمان زمان عظمة وقدرة وجلال، وكانت الأخلاق الإسلامية على أصلها لم يتطرق ~~إليها عوامل الضعف وبذور الفساد، وكان المسلمون أصحاب القوة والسطوة، وكانت الأيام ~~أيام نور وخير ونماء، وكانت الأمة المحمدية أمة العلوم والصناعات، وصلت مدنية ~~الأندلس أيام عبد الرحمن وابنه الحكم وفي عهد صبيحة والمنصور إلى ذروتها وغايتها، ~~حتى إن إسبانيا لم تر قبل أو بعد هذا العهد مثل ما رأته في أيام هؤلاء الأبطال؛ # 5 # الزراعة والصناعة والتجارة وزخرفة الذهب والفضة والنسيج والحياكة لم ~~تكن في قرطبة فقط، بل كانت منتشرة في غرناطة وإشبيلية ومرسيه، وقد كانت هذه المدن ~~أشهر من نار على علم في صناعة الأسلحة. # كتب «دون بدرو» في وصية له في القرن الرابع عشر للميلاد، يقول: # بين المخلفات التي أتركها يا بني سيف مصنوع في إشبيلية محلى بالنقوش ~~الذهبية ومرصع بالأحجار الكريمة، فأوصيك بالمحافظة عليه. # أما اشتغالهم بالصنائع النفيسة وفي العمارات والعلوم الفلكية فقد أوقع أوروبا في ~~مهاوي الحيرة والإعجاب. # سفراء أوروبا وملوكها وملكاتها الذين ~~أموها للزيارة كانوا يفتتنون بأبهة قصور عبد الرحمن وما فيها من آلات النعمة ~~ورياش الترف، لم تكن قرطبة زينة الأندلس فحسب، بل كانوا يعدونها أعجوبة العالم، # 6 # لم يبق إنسان لم تدهشه المدارس المنشأة في عهد الحكم الثاني وما ~~تجلى في عصره من مظاهر العلوم والفنون، # 7 # لم يبق إنسان في ذلك الزمن لا يعرف القراءة والكتابة، أما كفاءة ~~المنصور وقدرته وعدله فقد سار بذكرها الركبان حتى أصبحت إسبانيا من أقصاها لأقصاها ~~ترتجف فرقا من صولته وبأسه، يذكرون عنه أنه في غزوة من غزواته لإخضاع إحدى المدن ~~الثائرة، نسي أحد الجنود وكان من حملة اللواء لواءه في المعسكر أمام المدينة، ~~وبعد انتهاء الغزوة وعودة المنصور بجنوده ظل اللواء في مكانه منسيا وأخذ ~~الإسبانيون يرمقون اللواء ولا يستطيعون الوصول إليه خوفا من عودة المنصور بجنوده، ~~ولم يتمكنوا أخذه إلا بعد مضي أيام عديدة ms213 واطمئنانهم من عدم رجوع الجيش. # أما سياسة صبيحة ومهارتها في الأحكام وآثار الرحمة والشفقة التي كانت تبديها ~~للفقراء والمحتاجين وبذل ما في وسعها لعمران المملكة بإنشاء الجسور وحفر الترع ~~وعيون الماء وتأسيس المدارس والجوامع؛ فهذه أمور مسجلة بالفخر والثناء، ليس في ~~التواريخ الإسلامية وحدها، بل في التواريخ الإفرنجية، لا سيما ما كان متعلقا منها ~~بتاريخ إسبانيا. # إن ظهور صبيحة في مثل هذا العصر المشرق المنير برهان كاف على فضلها وجميل ~~مزاياها. لو أردت أن أحصي الشهيرات من نابغات الإسلام في ذلك العصر لاحتاج الأمر ~~إلى عدة صفحات. # كانوا في هذا العهد شغفين بالعلوم والمعارف، حتى إنهم جميعا، كبارا وصغارا، ~~رجالا ونساء، وقفوا حياتهم في سبيل العلم والنور، في ذلك العهد لم يكن للرجال فضل ~~على النساء في العلوم والفنون، بل إن النساء كن المرشدات الملقنات، وكان الرجال ~~يستفيدون من هذا الإرشاد أيما فائدة، كان الرجال يخدمون نساءهم في الأندلس ~~لاقتدارهن وذكائهن وفضلهن، وإنهن لجديرات بذلك. # 8 # هذه هي الأندلس في عصورها الثلاثة، أما وقد ماتت صبيحة وظل هشام على العرش كما ~~يريد ويهوى فقد ابتدأ أساس السلطنة في التزلزل، وتطرقت إليه عوامل الفساد، أراد كل ~~إنسان أن يستفيد ويعمل لنفسه على حساب هذا الخليفة العاجز، وفي النهاية دبت عوامل ~~النزاع والشقاق بين عائلته ووزرائه وأمرائه وتابعيه، وعصفت عواصف الفتن والدسائس في ~~بيت الزهراء، وصار الخليفة ألعوبة بينهم يجلسونه على العرش ويخلعونه منه من حين ~~لآخر، وصارت غرفة العرش مسرحا يتقاتلون فيه ويتنازعون في أرجائه، وفي مدة وجيزة ~~جلس على العرش عشرون خليفة على التوالي بسرعة يصعب على الإنسان تمييز المدة التي ~~يستغرقونها بين الجلوس والخلع وبين الارتقاء، وولي ذلك ظهور القلاقل واندلع لسان ~~اللهيب إلى أطراف الأندلس قاطبة، فاستقل كل وال بولايته ثم تشاحن الولاة فيما ~~بينهم وتقاتلوا وظهرت على أثرها المذابح، فتخربت المدارس والمكاتب وانهدمت المساكن ~~والقصور، ثم التجأ بعضهم إلى أمراء الفرنجة وطلبوا معونتهم، ولم يمض إلا أشهر ~~قلائل حتى استولى العدو على نحو عشرين مدينة وقلعة، # 9 ms214 # أما بيت الزهراء وقصر الظاهرة فأصابهما ما أصاب ~~غيرهما من الخراب والدمار وأصبحا في أربعة أيام أثرا بعد عين، احترقا ولم يبق من ~~أنقاضهما إلا الرماد، وتعاقبت في قرطبة فرق وأحزاب وشيع، فمضى ذلك العهد ~~كالأحلام السارة التي يراها المرء في منامه، ولم يبق من آثاره إلا حسرة في النفس ~~نرددها من حين لآخر. # بينما كان محمد المنصور جالسا في قصر الظاهرة ذات يوم نظر إلى أطرافه بحزن وتأوه ~~يقول: «أيتها الظاهرة التعسة أي يد ستشعل النار في أطرافك؟ وأي حرص سيسبب خرابك ~~ودمارك؟» لم يمض على قوله زمن كبير حتى أحرقتها أيدي أحزاب مختلفة؛ فذهبت ضحية الفتن. # 10 # فهل خطر مثل ذلك على بال صبيحة أيضا؟ من يدري؟ ربما تأوهت مثلما تأوه المنصور، ~~وربما قالت تناجي نفسها: «أي يد ظالمة سوف تتحكم فيك يا قصر الزهراء ويا نجمة ~~الغروب؟ في أي الأحواض تعكسين شعاعك الضئيل وقت حصول هذه الفاجعة؟» ولكن لا لا، أنا ~~لا أريد أن أحدثكم بمصائب الأندلس، ولا أريد أن أدمي جراحكم بأحزانها، لا أستطيع ~~ذلك لأنني لا أملك من الكفاءة أو العرفان ما يؤهلني لدخول هذا الميدان، إنما أريد ~~أن أقول: إن أبهة الأندلس وبهرجتها ماتت وانطفأت بموت الأميرة صبيحة. # بعد أن مر على قرطبة عاصمة الأندلس المشرقة أزمان خاضت فيها في الدماء ~~والأحزان، لم يبق للسلطنة ثمت نفس أو روح، فانطفأت أنوارها في قرطبة، ولم يظهر ~~فيها قبس من الضوء بعد ذلك، وإنما ظلت عائشة كجمهورية إشبيلية. # وظهرت بعض الأنوار في ربوع غرناطة، ولكن لم يجد ذلك أي نفع؛ لأن بذور ~~التفرقة كانت قد نمت في نفوس المسلمين، وثمار المصائب كانت قد أينعت، فأجبروا ~~على ترك الأندلس بعد حكم دام ستمائة عام. # عندما سودت هذه الصفحات من ترجمة حياة صبيحة لم أتمالك نفسي من الخروج عن الصدد، ~~ولكن كان لزاما علي إجمال أدوار ثلاث، كنت أستطيع أن أهمل هذه الأدوار، ولكن ~~كان لها تماس بشخصية صبيحة ومحيطها؛ ولذا لم أبال من قيدها بكل فروعها ~~وتفصيلاتها، ms215 فالقصة وإن طالت إلا أنني أؤمل أن قرائي وقارئاتي لم يتطرق إليهم ~~الملل أثناء تصفحها. # لا أقصد أن أكتب تاريخا، وإنما الغرض الذي أرمي إليه هو النهضة النسائية في ~~عصرنا هذا، وهذا الأمر لا يأتي إلا من طريق العظة والعبرة، فسعيت جهد استطاعتي ~~للوصول إلى هذه الغاية، والله أسأل سواء القصد. ms216