######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.CashiqBadawi.Hindawi57071363 #META# Tags: novels #META# ID: 57071363 #META# Title: العاشق البدوي #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # في الحب: منزلة الشبح‏ # سجن وسجان‏ # القبر: روضة من رياض الجنة‏ # رسالة: الأصدقاء لا ينسون‏ # نوار سعد: لا وقت للأقنعة‏ # في القرية: ابتسامة الرمل‏ # في القرية: نحو العاشق البدوي‏ # في المدينة: تمارين نيفاشا‏ # كتابات: رسائل إلكترونية‏ # كتابة: مخلوقات لذيذة‏ # الكهف مرة أخرى: الخير‏ # جماليات الكوارث: فصل في المال الحلال‏ # قوالات‏ # سابا تخلي: في مديح الحبشيات‏ # في الكهف مرة أخرى‏ # كلاب: لصوص وطلاق‏ # القديسة: سهير حسان‏ # زهرة الزقوم‏ # العاشق البدوي: اسم الطين‏ # رسالة: العاشق البدوي‏ # في بيت مايا زوكوف‏ # قالت لي القديسة ذات مرة‏ # أمين السوداني: ينام مع الفئران‏ # الحكمة: امرأتان‏ # النهايات:عفة الخيانة‏ # الخير علي: رجل من الطمي‏ # نوار سعد: الحياة تعني الكثير‏ # المحراب: القلب الذي يعشق‏ # مايكل: جنوبي جميل‏ # الشرطي: يعني دائما رجل الأمن جمال‏ # البلاد الكبيرة: السودان بيت التعب‏ # أمين: أمين محمد أحمد‏ # رسالة: كتبت نوار طه إلى محمد آدم‏ # إهداء‏ # في الحب: منزلة الشبح‏ # سجن وسجان‏ # القبر: روضة من رياض الجنة‏ # رسالة: الأصدقاء لا ينسون‏ # نوار سعد: لا وقت للأقنعة‏ # في القرية: ابتسامة الرمل‏ # في القرية: نحو العاشق البدوي‏ # في المدينة: تمارين نيفاشا‏ # كتابات: رسائل إلكترونية‏ # كتابة: مخلوقات لذيذة‏ # الكهف مرة أخرى: الخير‏ # جماليات الكوارث: فصل في المال الحلال‏ # قوالات‏ # سابا تخلي: في مديح الحبشيات‏ # في الكهف مرة أخرى‏ # كلاب: لصوص وطلاق‏ # القديسة: سهير حسان‏ # زهرة الزقوم‏ # العاشق البدوي: اسم الطين‏ # رسالة: العاشق البدوي‏ # في بيت مايا زوكوف‏ # قالت لي القديسة ذات مرة‏ # أمين السوداني: ينام مع الفئران‏ # الحكمة: امرأتان‏ # النهايات:عفة الخيانة‏ # الخير علي: رجل من الطمي‏ # نوار سعد: الحياة تعني الكثير‏ # المحراب: القلب الذي يعشق‏ # مايكل: جنوبي جميل‏ # الشرطي: يعني دائما رجل الأمن جمال‏ # البلاد الكبيرة: السودان بيت التعب‏ # أمين: أمين محمد أحمد‏ # رسالة: كتبت نوار طه إلى محمد آدم‏ # | العاشق البدوي # | العاشق البدوي # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # إلى مريم بنت أبو جبرين # أمي # عبده بركة # | في الحب: منزلة الشبح # الإنسان هو مشروع فاشل لمخلوق أسمى، ولو أنه لا يزال يحتفظ بقدر ضئيل من ms01 ملامح ما كان ~~يجب أن يكونه، وبقدر واف من صفات المسخ الذي هو عليه الآن. وأنا أكتب ذكرياتي وأسجل ~~وقائع حياة ما كانت ستصبح قاسية ومؤلمة لولا ذلك الكائن السامي، وما كانت تغدو جميلة وثرية ~~لولا ذلك المسخ الحطيط، سوف أحكي هنا عن الإنسان؛ فقيرا ومؤلما كما العقرب، ولطيفا ~~حلوا كالفراشة، وبعيدا عن هذه الثنائيات أحاول أن أكون صادقة وواضحة، وأحاول أن أقول ~~أشياء هي غائمة الآن في ذهني، ولكن آثارها جلية في روحي وفي جسدي، سوف أحاول ألا أخجل ~~للآخرين أو منهم. # أقول إنني سوف أكشف عري العراة، وعورة جحيم عشته بعمق، على الرغم من ذلك أرجو أن أكون ~~رحيمة بجلادي، ولو أنني أصبحت جلادته؛ فلقد قتلته عدة مرات. # لا أعرف من أين أبدأ. اسمي سارة حسن، وستعرفون عني الكثير كلما حكيت لكم الكثير، فأنا ~~لست براوية بارعة، ولم تكن لي جدة تحكي عند المساء، ولم أقرأ في حياتي كلها سوى حفنة من ~~القصص، سيشاركني الروي جميع الناس الذين سوف أحكي عنهم، سيحكون عني وعن أنفسهم، ~~سيروون شهاداتهم كما شاءوا، كلهم أبطال ورواة، بعضهم متمرس بل وماهر مثل سهير حسان أو ~~القديسة كما يسميها أصدقاؤها، وبعضهم لا خبرة له في الحكي مثلي، وأخشى أن يكون ذلك مربكا، ~~ولكن لكي أقول على الأقل معظم ما علي قوله، لا بد من ذلك، اسمحوا لي أيضا أن أبدأ ~~حكايتي بالمشهد الأعمق في ذاتي الذي لن أنساه ما حييت. # حدث ذلك ذات يوم في سجن لئيم، يبدو أن اليوم كان جمعة؛ لأن الشرطي الوسيم لم يتبختر ~~عبر زنازين النساء؛ لينثر عطره الوقح في كرم وبجاحة إلا متأخرا، أي بعد الثالثة ظهرا، ~~وهذا استثناء لا يحدث سوى مرة في الأسبوع، حيث إنه يستعد لصلاة الجمعة طيلة فترة الصباح. ~~في الطبع والعادة، في غير أيام الجمعة، كان يحضر إلينا عند السابعة صباحا ثم يختفي، ثم ~~يظهر مرة أخرى عند الواحدة بالضبط، ثم في غرفة الاستجواب - قاعة الاحتفال - ما بعد الواحدة ~~بعد منتصف الليل . # قال لي ms02 الشرطي الوسيم وقد دخل إلي دون أية مقدمات، ملأ عطره القوي المستفز زنزانتي ~~تماما، وزكم منخري وهو يقف أمام وجهي، يكاد يلمس أنفه فمي، لولا أنني كنت أنسحب للخلف ~~تدريجيا، حتى كدت ألتصق بالحائط: أحبك يا سارة، أحبك جد، ولو وافقت على الزواج عندما ~~تطلعي من هنا حنتزوج. # قلت له: أنا ما بحب ولا فاضية لمواضيع فارغة، ولو حبيت ما بحب في الوقت دا، ولا في ~~المكان دا، ولا في الظروف دي، ولا واحد زيك. # قال في برود وقد كف عن التقدم نحوي: أنا عارف الشيوعيين عندهم رأي في العساكر، وناس ~~الأمن والشرطة ... وكثير من الناس يعتبروننا بدون أحاسيس، ولكن المشاعر الإنسانية مفروض تكون ~~ليها مكانة خاصة ... وبعدين العسكر ذاتهم خشم بيوت، زيهم زي أي زول؛ فيهم الصالح وفيهم ~~الطالح. # قلت له من بين أسناني: وفيهم اللي مثلك. # قال ساخرا: اللي مثلي نادر. # ثم أضاف ضاحكا: أنا مش أسيبك ... وفي يوم ما حتلقي الحقيقة ... ونتزوج، وأنا جاد. # وما كنت أظن أن اليوم (الما)، هو نفس الليلة، على الرغم من أن الحوار الذي أداره ~~معي يعني في عرف المكان أنني ضمن صيد اليوم. # عندما أخذنا الحرس من السجن السري بعربة، وأعيننا مغمضة إلى المكان الآخر، دعوني أسميه ~~المكان الآخر؛ لأنني إلى الآن لا أدري أين هو أو أعرف اسمه الحقيقي، كنا ثلاث فتيات من ~~ثلاث زنازين مختلفة، لم أرهن من قبل، وكانت تظهر عليهن علامات الضرب والتعذيب، ~~قلن لي فيما بعد إنهن طالبات بالجامعة في السنة الأولى، وإنهن يعرفنني جيدا، وكنت ~~أمثل لهن نموذج المرأة المناضلة، وحكين عني الكثير من المواقف والبطولات التي ما عادت ~~تهمني الآن، كان تفكيري كله ينصب في أمر واحد؛ الحرية، أريد أن أخرج من هذا المكان بأسرع ~~ما يمكن، يكفي هذا الأسبوع الطويل الذي قضيته في هذا المكان المرعب. # بعد أن قدموا لنا وجبة العشاء بدأ التحقيق، وفي ربع الساعة الأولى من التحقيق أحسست ~~بالدوار يتملكني، كنت أرى كل شيء وأسمع كل شيء كما لو كنت ms03 في الحلم، ولكن عضلاتي لا ~~تستجيب لأية حركة، قامت الطالبتان بتجريدي من ملابسي ووضعي على فراش بالأرض، من ثم جاء ~~الشرطي الوسيم ومارس الجنس معنا الثلاثة، البنتان سعيدتان تضحكان وهن يهيئنني في ~~أوضاع مختلفة ويرضعن صدري، بل يفعلن بي أسوأ من ذلك. عندما استيقظت في الفجر وجدت نفسي ~~وحيدة في حجرة، كانت أصوات المعتقلات تأتي من بعيد مختلطة بهمهمة العسكر ولجبهم وكركبة ~~معالجة السلاح والأقفال. يؤلمني ما بين فخذي، جرح أحس به عميقا في روحي، عميقا في ~~مشاعري، عميقا في كبريائي وإنسانيتي، ثم جاءني الشرطي، تحدث مباشرة وكأنه يكمل ~~كلاما كان قد بدأه سابقا: كنت مدفوعا لعمل دا ... مدفوعا ما من زول، ولكن بالحب، الحب ~~وحده. # قلت له مغتاظة: حا أقتلك إذا خرجت حية من هنا. # ابتسم وهو يقول: حتخرجي حية من هنا، وأنا أعرف وما حتقتليني، ما تقدري تقتلي نملة، ~~المهم تعرفي أنا بحبك وما أخليك، كوني مثل صاحباتك هم الآن أحرار، وأخير ليك تفضلي معاي، ~~كوني مثل صاحباتك هم الآن يستمتعوا بكل لحظة يقضوها هنا، وحياتهم الليلة أكثر سعادة من ~~الأول ... حرية تامة هنا ... أي شيء هنا بدون ذنب، ذنبك كله علي وعلى الحكومة، أنا قبلان ~~أنو أدخل النار عشانكم. فأنت سجينة في يد غيرك وتصرف غيرك، وذنبك برضو على غيرك ... هي فرصة ~~إنك تعملي أي شيء كنت محرومة منه ... وأنا ماشي وما عايز رد الآن ... فكري في الموضوع. # كنت أحس أنه يسخر مني، وهذا فصل من التعذيب آخر، قتل الروح المعنوية وتدمير الذات، ~~كان كلامه ينخر في عظمي كالسوس. وذهب. # يبدو أن المكان الذي نحبس فيه الآن معتقل كبير عتيق، ولو أننا لا نرى منه غير الحجرة ~~التي نشغلها، ولا نعرف غير الذين هم نحن، ولا يمر علينا من السجانين غير اثنين: الشرطي ~~الوسيم والآخر، ولو أننا نسمع كثيرا من الأصوات ليلا ونهارا، كنا فيما يشبه قاعة ~~كبيرة في عمارة شاهقة، وكان هذا إحساسنا جميعا، ربما كنا في الطابق الرابع أو الخامس، ~~نسبة لما يبدو حركة بشر ms04 وأصوات تأتي من تحتنا. # كان شميم المكان هو الموت، أصواته نواح وألم، ملمسه جثث باردة، منظره حزن عميق ومأساة، ~~كان كل شيء فيه يثير غرائز النهاية والاستسلام. # | سجن وسجان # أخذت سارة حسن إلى الجزء الجنوبي من المحراب، الجزء الذي له مكانة خاصة عند المختار حيث ~~القطية الكبيرة، قطية الروح، محاطة بشجر عرديب كثيف شديد الخضرة، حدثتني عن أشياء ~~تعجبها في نوار سعد، ودرس تعلمته في السجن. # وقالت أن علاقة نوار سعد بأمين محمد أحمد هي ذات العلاقة بين سجين وسجان، الفرق هنا أن ~~السجين هو أمين محمد أحمد والسجان هو نوار سعد، والسجن ليس إلا فكرة ملحة في ذهن كليهما. ~~قرأنا معا ما كان مكتوبا على بوابة المحراب من طواسين ~~الحلاج: # لو علمت أن السجود لآدم ينجيني ... # لسجدت. # ولكن قد علمت أن وراء تلك الدائرة دوائر. # فقلت في حالي: هب أني نجوت من هذه الدائرة ... # كيف أنجو من الثانية والثالثة والرابعة؟ # المحراب نظيف، وفراش المختار يشع جمالا وسكونا، كتبه على المنضدة، مصحفه على ~~المقرأة، حذاؤه الجلدي المركوب الفاشري على المحذأة، يفوح عطر الصندل من كل أنحاء المكان، ~~المصلاة مهيأة موجهة إلى القبلة، كل شيء يؤكد أن المختار موجود الآن، وأنه خرج ~~ليتوضأ ويعود بعد لحظات قلائل، إنه الآن يدخل المحراب، طويلا يرتدي الدمور الأبيض، ~~يسلم على السيدتين ولا ينتبهان، كانت سارة حسن تحدثني عن السجن والشرطي الوسيم ... قالت وهي ~~تكتب: إذا جمعنا قبح العالم كله لن يساوي شيئا يسيرا من قبح البنتين السجينتين وفجورهما، ~~جاءتا إلي في الزنزانة في ذات الصباح وطلبتا مني العفو، قالتا إنهما يفعلان ما ~~يؤمران، وإنهما يفضلان الحياة بمائة مرة على الموت، وإنهما يرغبان في الخروج من ~~المعتقل؛ يستكملان دراستهما، يتزوجان وينجبان أطفالا مثلهما مثل كل النساء ... ~~- وأظنك كذلك تحبين الحياة. # قالتا إنه لا أخلاق في هذا المكان ولا دين ولا رب ولا رسل ... هنا فقط الضابط الوسيم؛ ~~الأول والأخير. # بصقت في وجه إحديهما، مسحت البصقة بظهر كفها، طلبتا مني العفو مرة أخرى مما أحرجني؛ ~~فاعتذرت ms05 لها. # فاغتصبني في ذات الليلة بدون عشاء مفخخ، رغم الجرح والألم، رغم النزف، لكني لم أستعطفه، ~~لم أرجه، لم أصرخ، كنت أبصق في وجهه كلما امتلأ فمي باللعاب؛ يبتسم. # ثم بعد ذلك طلب مني أن يتزوجني، مؤكدا أنه اكتشف أن كل ما كان يدور حولي من تهم ~~مجرد افتراء حكومي بغيض، وتكفي عذريتي التي انتهكها شاهدا على براءتي. قال ذلك وفي فمه ما ~~يشبه الموت. # تزوجني بحضور شهود لهم جلابيب بيضاء وعمامات بيض وأوجه قبيحة، وقرءوا ما تيسر لهم من ~~القرآن، وأخذت إلى شهر العسل في الفندق العجوز الذي اكتشفت أننا القاطنان الوحيدان به. ~~حراس، عسكر الدورية، وأنين يأتي من البعيد ليلا ونهارا. كان مكانا مرعبا فارغا لا ~~حياة فيه سوى الفراغ، الصالات الضخمة الفارغة، البهو الكبير الفارغ عند المدخل، عشرات ~~الحجرات الكبيرة الفارغة، الممرات التي تمضي بين هنا وهنالك في صمت وفراغ، صدى طرقات الريح ~~على الأبواب والنوافذ، هبوبها في المماشي الفارغة، صليل أنفاس الفراغ، صدى صرخات الوطاويط ~~الحزينة السجينة بالمكان، رائحة الموت. # لحق بنا مايكل وبرهاني وأمين، خلعوا الأحذية عند المحراب، لم ينتبهوا إلى ما كتب ~~مقابلا للمدخل من مقالة إبليس في طس الدائرة، دخلوا، جلسوا على الأرض في أدب جم. # أضافت سارة جملة أخيرة إلى دفتر مذكراتها قبل أن تخلد إلى أصحابها: كان شخصا مرعبا ~~ومعقدا ... ولا يمكن فهمه مطلقا. # | القبر: روضة من رياض الجنة # كنت وجمال الأمين، وهو الشرطي الذي تزوجني، نجلس عند الحديقة المتوحشة الصغيرة الداخلية ~~للفندق العجوز المهجور، كان هذا الفندق في أزمنة الاستعمار الإنجليزي قصرا فخما لاستضافة ~~كبار الشخصيات القادمين من العالم المسيطر، ذا قاعات وغرف شاسعة بسقوف عالية ترفعها ~~أعمدة من الرخام في غطرسة وشموخ، تحول القصر بعد الاستقلال إلى فندق خمس نجوم، لم ~~يغيروا فيه الكثير، ربما أضافوا إليه حديقة صغيرة في الجزء الخلفي، وهي التي نجلس عليها ~~الآن، وعدلوا في نظام الصرف الخاص به؛ حيث إنه كان يعتمد على التفريغ اليدوي والميكانيكي، ~~وتحول إلى نظام المجاري الذي يصب في النهر ms06 مباشرة وبدون أية معالجة. الفندق يقع على ~~ضفة النهر الشرقية، ولا يفصله عنه سوى شارع النيل. لأسباب لا يعلمها أي من المواطنين ~~الشرفاء تحول هذا الفندق إلى بيت من بيوت الأشباح، تستغله السلطات في أغراض أمنية ~~بحتة. # كانت الإضاءة خافتة كما يفعل من لا نراهم دائما. حدثني عن عمله المرهق، قال إنه ~~سينزل المعاش وسوف يأخذني إلى القاهرة لكي نعيش هناك في أمن وسلام، حيث نقدم للهجرة إلى ~~كندا، أستراليا، فرنسا، أو إذا ضرب حظه وأصابه اللوتري الأمريكي، فيا حظنا! ~~- فأنت شيوعية معروفة، وأنا بإمكاني أجيب ورق من رئاسة أمن الدولة بأنك كنت تحت ~~الاعتقال، وثائق حقيقية من ملفك الشخصي مباشرة، وثائق تفتح قدامك أبواب الدول العظمى ~~كلها في لحظة واحدة، بداية بإسرائيل نهاية بأمريكا، وبالتالي نبعد من البلد دي ~~ومشاكلها. # قلت له وقد أحسست بإهانة بالغة تخنقني: أنت ساذج ولا بتفتكرني أنا ساذجة؟ ~~- أنا بتكلم عن مصلحة، أنا زول عملي، وما عندي أية مصلحة في الحكومة دي، ولا البلد دي، ~~ولا الناس ديل، في الحقيقة أنا زول غلبان زيك، لا أحلم بتغيير الكون ولا السيطرة على ~~العالم، عايز أعيش وبس. # قلت له بجدية ووضوح تام: أنا عكسك تماما، أنا ما غلبانة، وعندي مصلحة في البلد دي وفي ~~ناسها وحتى حيواناتها، وبحلم بتغيير العالم للأحسن، يعني أنا عارفة عايزة شنو، وبعمل في ~~شنو؟ وأنت لولا أنك مستخدم سلطتك ضدي والله ما بسلم عليك في الشارع ... أنت زول تافه ~~وزيك زي أي حثالة. ~~- أنا؟ # نهض فجأة في حركة مسرحية، دائما ما يقوم بها عندما تغلبه الحيلة فيحاول إخافتي. # إذ برجل عار يصرخ وهو يجري في الحديقة باحثا عن مخرج، يتجه نحونا صارخا طالبا النجدة، ~~وإذا برجلين أبيضين ملتحيين سمينين كانا يتعقبانه، يلقيان به أرضا بضربة حرة في مؤخرة ~~رأسه، يلحقها به أحدهما فيسقط متأوها، يجرانه على الأرض جرا، ثم يختفي الجميع في ~~ظلامات الفندق العجوز المهجور، تتبعهم همهمة واستعطاف هزيلان. حدث ذلك كما لو كان شريطا ~~سينمائيا سريعا، كما لو كان ms07 كابوسا طويلا، كما لو كان فيلما هتشكوكيا. ~~- دا شنو؟ # صرخت في رعب، قال ببرود وكأن شيئا لم يحدث: أحد الخونة هرب من الاستجواب. # قلت له في غيظ: من التعذيب ولا من الاستجواب؟ # قال مبتسما: من الاستجواب. # قلت له وأنا أرتجف خوفا: الزول دا جسمه كله مجرح ومحرق والدم سايل من ظهره! أنت ما ~~لاحظت؟ # قال في برود وهو يهز ساقيه بإيقاع داخلي: يكون وقع في مصيبة عوقته. # قلت له: وديل شنو الناس البيض ديل، شياطين؟ # قال وهو يجلس في مقعده بهدوء: ديل خبراء تحقيق من أبناء عمومتنا العرب، كانوا في ~~أفغانستان، حاربوا الروس الشيوعيين هناك، عندهم خبرة كبيرة في التعامل مع اليساريين ~~والجواسيس بصورة عامة. # قلت له بطريقة جادة وأنا أنهض من الكرسي: خلينا نخرج من المكان دا ... # قال مبتسما: لوين؟ ~~- لأي مكان تاني. ~~- لا يوجد مكان أهدأ من هنا ... الحدث دا ما حيتكرر تاني، أوعدك ... أنا حاحسم الموضوع دا ~~نهائيا. ~~- أفضل نمشي من هنا، بس نطلع من هنا. وأنت ليه ما عايز توديني البيت، مش خلاص ~~عرستني؟ ~~- أنت قبل شوية ما قلت أنا تافه وما حتسلمي علي في الشارع؟ ~~- أنا اتراجعت، حاسلم عليك، بس وديني بيتنا. ~~- بيتكم! ~~- أيوا! ~~- ولكن ... خلي التحقيق معاك ينتهي، أنت لسه في نظر القانون خاينة، وخطرة على الدولة، ~~وهم طالبين منك طلب بسيط وأنت ما عايزة توفي بيه. ~~- كويس لو بقينا هنا؟ ... حاقتلك ... ~~- تقتليني أنا؟ عملت ليك شنو؟ ~~- نعم ... حاقتلك أنت، ومن الأحسن تاخد المسألة مأخذ الجد. # قال محتارا أو مراوغا: إذا نمشي وين؟ # قلت له بحدة: نمشي إلى الكهوف. ~~- ياتو كهوف ... ~~- كهوف مايا زوكوف ... # سأل ضاحكا: مايا زوكوف؟ ~~- نعم. ~~- كهوف كلية الفنون اللي كلها قبور وشياطين؟ ~~- نعم. ~~- لكنهم ما بيسمحوا لينا نمشي هناك. ~~- بإمكانك تدبيره ... أنت موظف كبير ومسئول، وأنت اللي بتسمح واللي ما بتسمح. # قال وقد تراجعت ضحكته إلى ابتسامة بائلة: خليني أفكر في الأمر. # ثم أضاف بعد صمت طويل: أنت شيطان بحق وحقيقة، وأنا مسكين وقعت في حبك. # كنت أعرف أنه كاذب ms08 وتافه وحقير، ولكني لم أستطع أن أكتشف ماذا يرمي من وراء لعبة الحب ~~هذه، وهو ينال كل شيء مني بإرادة السلطة والقهر، والآن بشرعية الزواج، لا أعرف ماذا بعد، ~~ولم يجب، أعادني إلى المعتقل. بعد خمسة أشهر أجريت لي أول عملية إجهاض، كانت عنيفة ~~ومؤلمة، في الحقيقة كان إجهاضا جماعيا، كنا عشرين فتاة، جميعهن من الجامعة، جميعهن ~~تم اغتصابهن بواسطة ذات الشرطي، وتم زواجهن جميعا له بمأذون زيف وآيات وأحاديث وسنة ~~وشهود منتهكين ... # كنا في عنبر كبير من الزنك متسع، تفوح منه رائحة الوطاويط، يسكنه البوم والصراصير. جاء ~~- حدث ذلك بعد أسبوعين من مأساة الإجهاض الجماعي - وقف عند المدخل منتفخا كأنه رب حجري من ~~الحصى والرمل والطين، رافعا رأسه للسماء بهتلرية بائدة بائلة، يرفع كلتا يديه في تحية ~~للعالم الذي تحت قدميه، قال بصوت عال: لا تخافوا، حتحملوا تاني من جديد، وتستمتعوا بحريتكم ~~بعيدا عن الأسرة والقوالات، يا حبيباتي الشيوعيات الصغيرات الطاهرات العاهرات، ما أجمل أن ~~يجد الرجل نفسه بكون كله من الشراميط! # شراميط زي الورد! # ثم طلب من الحرس أن يأخذني إليه، قلت للحرس: لن أذهب. # ولكنه أكد أن الريس لا تعصى أوامره، وأنه فوق كل ذلك يقدرني بشكل خاص، وهذه مكانة ~~لا ينالها شخص في قلبه سوى حبه للنبي وآل بيته. ~~- يعرف النبي؟ هذا الذئب، هل يعرف الله؟ # تذكرت أنه قال لي ذات مرة إنه مسلم ملتزم، وإن ذلك لا يتناقض مع ما يقوم به من معاص ~~وذنوب؛ لأنه عندما يتوضأ للصلاة فإن الوضوء يغسل عنه الذنوب الصغيرة جميعها؛ مثل ضرب ~~المعتقلين وتعذيبهم، بعض التجاوزات المالية الصغيرة والكبيرة منها، كل أنواع الكذبات ~~والاحتيال، النظر إلى النساء ولمسهن، وما شابه ذلك. أما ما يقترفه من كبائر مثل شرب الخمر، ~~الزنا، القتل - نادرا ما أقوم به - وما شاكلهم، فإنه بحجه السنوي لبيت الله الحرام - ~~الذي تكلفه له الحكومة وتحرص عليه - يخلص نفسه منها، ويأتي كما ولدته أمه؛ نقيا نظيفا ~~عفيفا. # وأكد لي أن الله يغفر الذنوب جميعا، ما عدا أن ms09 يشرك به. بالتالي يا سارة أنا مهما ~~عملت؛ قتلت، نكت، سرقت، ضربت، كذبت، وعملت السبعة وذمتها، ذنوبي لا تساوي ذرة من آثام الشرك ~~اللي في رقبة شيوعي واحد صغير اتجند ليه يومين. # أنتم لا تصلون، لا تصومون، بالتالي لا تتوضئون، لا تحجون بيت الله الحرام، والأدهى ~~والأمر تشركون به. # أكد لي الحرس ببرود بغيض: من الأحسن أن تحتفظي بالشيء اللي ما ينقال في سرك، وعلى ~~كل حال حتمشي ليه، حتمشي ليه. # أول مرة أرى مكتبه، كان أفخم مكتب أراه في حياتي، أعظم مما يقال عنه، وكان يلبس كأبهى ما ~~يكون، يفوح من المكتب عطر عظيم يتخلل المسام ويلج إلى القلب مباشرة، كنت قد ~~غسلت وغيرت ملابسي وهيئت للقائه. قال: الآن سأحقق رغبتك، حنمشي إلى كهوف مايا ~~زوكوف فلاديمير، أو مايا العزيز، أو كهل المخابرات الروسية في العهد الشيوعي البائد، الرقم ~~تسعين زيرو زيرو ... حنمشي برانا ونكمل شهر العسل هناك ... عايز فقط أبرهن ليك حبي ... ~~- برانا! ~~- نعم برانا، أنا لا أخاف إلا الله، وأعرف أن الله لا يفعل بي إلا خيرا، حرسي هو الله، ~~وأنا حآخذ إجازة من اليوم، عايز أتفرغ ليك شوية، أديكي حقك الشرعي، زوجتي الأولى قضيت ~~معاها ستة شهور في العسل. ~~- وحبيباتك الشيوعيات؟ # ضحك، بل قهقه قائلا: أحبك أنت فقط، وأنا راجلك أنت بس، والبقية أقوم بواجبي الوظيفي ~~تجاههن لا أكثر. # وقبل أن أقول شيئا دخل الحرس، أكد له أن كل شيء جاهز، وخرجنا بعد أن قبلني بعمق ~~واعتذر لي في مسألة الإجهاض، وقال ذلك تم بسلطات أعلى من سلطاته، ولا ذنب ولا يد له في ~~ذلك. ~~- ولو علي كنت احتفظت بعيالي كلهم، أنا أحب الأطفال، وكل طفل مات كأنه قطعة من كبدي ~~انقطعت. # وقال لي إنه مسئول فقط عن نشاطات الشيوعيات، هنالك من هو مسئول عن نشاطات حزب الأمة، ~~آخر للاتحادي، آخر لأنصار السنة، وآخر للحزب الحاكم نفسه حين يجب الضرب بيد من حديد: في ~~اللحظات الحرجة لا فرق. هنالك أيضا رجل صديق مسئول عن البعثيات التابعات ms10 للعراق، وآخر ~~لمن يتبعن سوريا. وحدثني عن خبراته الكبيرة المتراكمة في هذا المجال؛ حيث إنه يستطيع ~~التفرقة ما بين الشيوعيات الماركسيات الملحدات منهن والمسلمات، وذلك بمجرد أن يولج ذكره في ~~الواحدة منهن، قال إن التروتسكية ... ثم ضحك حتى سال الدمع من عينيه وهو يقول: الزملاء الذين ~~يتعاملون مع أنصاريات السنة والجبهجيات والأنصاريات وغيرها من أحزاب اليمين يقولون شيئا ~~عجيبا ... لا يمكن ... نعم، لا يمكنني قوله؛ لأنني سأموت من الضحك. ثم استغفر الله وواصل ~~القول: إن دخول هذا الشيء في امرأة غصبا عنها لأمر مدهش، لولا ارتباط ذلك بالمهنة لأصبح ~~أمرا مسليا، ولألفنا فيه كتبا كثيرة. قال: التروتسكاويات تبصق الواحدة في وجهك ~~مباشرة، وبالنسبة للفرد المدرب يجب ألا يغيظه ذلك بقدر ما يجب عليه أن يسجل ملحوظة ~~صغيرة في ذهنه العملي؛ إن الزميلة تروتسكية، وأن يستفيد من ذلك في التحقيق، وقد يقوم بلحس ~~البصقة في متعة تغيظ المتهمة أكثر. # الماويات يكتفين بالصراخ والضرب وسب الدين، أما أنت فعرفتك بإشارة لن أقولها لك ~~مطلقا. # ضحك، دخن سيجارة، نزلت العربة عن طريق الأسفلت متخذة الطريق البري إلى كهوف مايا ~~زوكوف، يبدو أن أحدهم قد سبقنا إلى الكهف، فكان نظيفا، تفوح منه رائحة العطور الخشبية وبه ~~كرسي مريح، أمامه منضدة وبالقرب منه حافظة ماء كبيرة نظيفة، على الحائط توجد معاول وجاروف ~~ليسا بعيدين عن باب الكهف. جلس على الكرسي مباشرة حيث لا يوجد مقعد آخر، جلست أنا على ~~مقعد حجري كبير كان قد نحته طلاب كلية الفنون في عصر مايا العزيز، وكنت واحدة منهم، قال لي ~~إنه بالداخل يوجد سرير ومفارش مهيأة، سوف نقضي ما تبقى لنا من شهر العسل هناك يا حبيبتي ~~... وأنا لا أحب أن أكرر الأوامر، ولا أحب أن يغدر بي، أنا وحدي مسموح لي بأن أغدر ~~بالجميع؛ لأن غدري في المصلحة العامة، علينا أن نتفق على كدا. # كل ما تحتاجين إليه تجدينه على الحائط قرب القبر، أنا سوف أسترخي قليلا. بالمناسبة ... ~~المفروض يكون جوه القبر دا، لكن للأسف لا يعرفني ms11 جيدا، كان صديق دراسة، لعبنا سوا ~~واتشيطنا سوا، يعرفني المرحوم دا حق المعرفة، نعم كنا شباب متطلعين للحياة، لكن كل واحد ~~منا كان يرى المستقبل بصورة مختلفة عن الآخر، بينما شلت أنا سكة الحياة، هو اختار سكة ~~الموت، والنتيجة هي زي ما شايفة. # منو مننا الأبقى؟ # ومنو مننا الهالك؟ # منو الخسران؟ # ومنو مننا اللي ربح البيع؟ # لقد أدخلوه في مفرمة كبيرة تستخدم لسحق عظام العجول ... ها. ها ... يا حبيبتي الجميلة ~~الطاهرة، نحن في قسم النساء مهماتنا صعبة، حقيقة، وأنا بالذات أكثر زول في الأفراد تعبان. ~~ضحك في هستيرية، ثم أضاف: لولا أن صادفت فحلا مثلي لما استطاع كائن ما كان أن يقضي المهمة ~~في ليلة واحدة ... صدقيني ... لقد أكبرت فيك التزامك بالخلق الحميد، خلق يليق بكم، يا لكم من ~~شيوعيين وبعثيين ومطاليق! تكفرون بالله ورسوله ولا تفرطوا في غشاء بكاراتكم؟ # أنتم توفرون لنا اللذة في تمامها. أنا سوف أسترخي قليلا، وإذا بدت منك أية حركة سوف ~~أقتلك فورا ... ثم آخذك إلى الحجرة الداخلية بالكهف الصغير حيث أعد لك الرجال قبرا جميلا ~~يليق بمقامك ... نحن لا نترك شيئا للصدفة. لكنه لم ينم. # توقفت سارة حسن عن الكتابة، كانت تتذكر الحوادث كما لو أنها تجري الآن نصب عينيها، ~~شربت جرعة كبيرة من الماء، أطفأت نور السراج الصغير، ذهبت نحو الفراش، أزاحت قدم آدم ~~قليلا، أزاحت عنه الغطاء كلية، استيقظ مذعورا، ضحكا، تعانقا، مسح بكفه على شعرها، ~~حرره من رباط الحرير، كان شعرها ناعما له رائحة عطرة، بأناملها تعبث في شعر صدره، تحب ~~ذلك المكان، يثيرها ملمسه الخشن، قبلها بعمق. # منذ أن هربت سارة من المعتقل أصيبت بفوبيا من الجماع، وكان آدم يحاول أن يخلصها ~~منها، إلا أنها تنكمش في اللحظات الأخيرة على نفسها، وتصبح مثل كرة مغلقة من المعدن، وقد ~~تصرخ، ولا يمكن التعامل مع جسدها بعد ذلك إلا إذا ضربت، وآدم لا يفضل ذلك، ولكنها ~~تجبره على ضربها حتى تستسلم للفراش، ربما لهذا السبب بالذات اختارا قطية تقع على أقصى ~~جنوب ms12 المحراب، تقريبا على ضفة النهر الصغير. # بجسدها خرائط لبلاد لا عناوين لها، صنعتها عصا الجلاد، وتبدو الجروح العميقة مثل نهيرات ~~جفت منذ عصور سحيقة، والحروق أخاديد وأطلال براكين. يعرف آدم كل أثر في أي موضوع كان، ~~رسم ذلك مرات عديدة في لوحات جميلة مرعبة، كان يسميها قديسة العذابات والشهيدة الحية مرة، ~~يحبها آدم كما هي وبما هي عليه بالضبط، ما يؤلمه حقا أنه يضربها مضطرا، وذلك لأجلها، ~~يضربها بسوط له فرقعة مدوية، ولكنه لا يؤلم كثيرا، بل يؤلم كثيرا، قال له الطبيب ~~النفساني: هي مسألة وقت لا أكثر. # كنت أجلس قربه وأنا في غاية القلق والتشاؤم، الدنيا تضيق في عيني أكثر في كل لحظة يأس ~~تمر بي، لماذا أنا هنا؟ في الحقيقة لم تفدني كل التبريرات التي خطرت بذهني في تلك اللحظات، ~~ما يخص الدافع الوطني والإنساني والبطولي، انتهاء بالواجب الحزبي، لقد كفرت بكل شيء، لولا ~~أنني لا أعرف إجابات مقنعة لأسئلتهم لجاوبت، فلقد كانوا يطلبون مني المستحيل، كانوا ~~يريدون أن أدلهم على قوائم العضوية، وعناوين الحزبيين، وأين يختبئ الذين لا عنوان لديهم، ~~الذين لم أسمع بأسمائهم ولم أرهم من قبل، ومن هم وماذا يفعلون الآن؟ كانوا لا يصدقون ~~أنني لا أستطيع الإجابة عن أي من هذه الأسئلة؛ لأنني ببساطة لا أمتلك الإجابات الصحيحة ~~لها، فكنت أؤكد لهم أنني لست سوى طالبة جامعية نشطة، تكره فيما تكره السلطة الحاكمة، ~~وتحب فيما تحب اليسار، المسألة ليست أكثر من إعجاب، وإذا كنت أعرف أية معلومة تخرجني من ~~هذا الجحيم لقلتها بدون تردد. # يبدو في هذا اليوم سعيدا، ومتفرغا لمتعه الخاصة، وقد عبر لي أكثر من مرة أنه لا ~~يخدم وظيفته بأكثر مما يمتع نفسه، وعندما يتعارض الهدفان فإنه يتبع هواه، وقال لي: الآن أنا ~~أتبع هواي. # كان الكهف صامتا، إلا ما تتسرب إليه من أصوات قبرات وأطيار ليل من بعيد، وقد يسمع ~~صفير ضب أو صرير جندب بين الفينة والأخرى، كنت أرتدي كامل ملابسي، بل وحذائي أيضا، عكسه ~~تماما؛ حيث إنه يبدو ms13 كما لو كان في بيته، مسترخيا في ملابسه الداخلية، حافي القدمين. كان ~~رأسه الحليق يعكس أشعة الضوء الخافت وهو يهتز مجاريا إيقاع أغنية يؤديها في صمت. # قال لي بهدوء مرعب وهو ينظر في عمق عيني: تعالي يا حبيبتي. # قال الكلمة الأخيرة كما لو كان يؤدي أغنية. # ثم أخذ يهذي كالمجنون: «الحبيبات لا يخلفن ميعادا.» # أخرج من حقيبة صغيرة زجاجة خمر مكتوب عليها # DRY GIN ~~. قال ~~لي: كنت عايز أنوم، ولكن قلت من الأحسن نشرب مع بعض شوية جن وننوم سوا. وشايفك متوترة ~~ومزاجك عكران، ولابسة لبس ستة، تعالي اشربي شوية جن يمكن تروقي حبة. # قلت له، وأنا أقف بعيدا عن يده الممدودة في إلحاح: أنا لا أشرب الخمر ولا أحبها. # قال وفي فمه ابتسامة بنية: دا خمر مستورد، جن إنجليزي، وهو ليس من الخمور المحرمة، والعرب ~~ما كانوا بيعرفوه في زمان الوحي، بالرغم من أنهم أول من قطر الكحول في العالم، ولكن ~~فاتت عليهم حكاية الجن دي. # قلت بصورة قاطعة: محرم أو غير محرم أنا ما بشربه. # قال ملوحا لي بالزجاجة: طبعا بتكوني مسلمة، فإذا كنت مسلمة أنا أعدك بأن ذنبك ~~علي. # قلت له في إصرار: برضي ما بشربه. # قال وهو يبتلع جرعة ضخمة، ويدفع بحزمة كبيرة من الهواء خارج جوفه: كلنا مسلمون، ولكن ~~شوية معصية من أجل الاستمتاع بالحياة والقبض على اللحظة ما فيها مشكلة. ثم أضاف: أنت ~~عارفة يا سارة، لو شربت شوية وشعشعتي، وبعد داك مارسنا مع بعض حتعرفي قيمة الحب، ما ~~في أجمل من الخمرة والجنس سوا، والجن بالذات بيهيج الزول. # قلت له من بين أسناني: أنا هنا سجينة وبس، وما عندي أي رغبة في شيء لا جنس ولا خمر، كل ما ~~أحتاج ليه حريتي، عايزة أمشي بيتنا وبس. # قال بعد أن ابتلع جرعة أخرى: ولكن أنت مش اخترتي براك المكان دا؟ # قلت له: أنا عايزة أكون حرة؟ الكهوف برضها سجن. # قال دون مبالاة، وكأنه يتحدث إلى طفلة: إن شاء الله قريبا جدا حتاخدي حريتك، وحنحتفل ms14 ~~سوا بالمناسبة دي، بس اشربي شوية دواقة ما أكثر، بقة بقتين. # ومد لي الزجاجة فرفضتها وذهبت بعيدا في عمق ~~الكهف تاركة إياه، كان يغني بصوت عال والغريب في الأمر كان يمتلك صوتا جميلا شجيا وهو ~~يغني مقلدا صلاح الضي: # يا طير يا ماشي لأهلنا # بسراع وصل رسايلنا # أتيت إليه مهرولة على إثر سماع فرقعة الزجاجة على الحائط، قال: آسف، أنا لمان أكمل ~~القزازة أحتفي بها بجدعها. انخلعت؟ # ثم سألني بصوت سكير وهو يحرك يديه في الهواء: أنت عارفة صلاح دا قتله شنو؟ صلاح دا قتله ~~الحب، كان أروش ما بيعرف يحب، والحب زي الحرب؛ عايز استراتيجية وتكتيك، صلاح كان لأ، أنا ~~بعرفه، كان يرمي بنفسه في ميدان المعركة دفعة واحدة ثم يفكر في الهجوم أو الانسحاب. كنا ~~سوا في ليبيا، غنينا وسكرنا ومدحنا، صلاح دا أحسن مداح في الدنيا، وأحسن زول خلقه ربنا ~~في الزمن داك، آآآآآآآه، زمن والله ... # ثم أخرج زجاجة أخرى ثم أخرى ... # ثم طلب مني أن أخلع ما تبقى من ملابسه جميعا، وأن أخلع ملابسي ونذهب للسرير، كان قد ~~بدا ضعيفا وهزيلا وهو يقول ذلك، ولكنه فجأة غير رأيه قائلا: سارة، يا سارة. # أجبته في ضيق: نعم؟ # قال لي آمرا: امشي جيبي الكوريك. # سألته: لييه؟ ~~- عايز أوريك حاجة. # كان الجاروف في موقع ليس بالبعيد عن باب الكهف، في خطوتين نحو المخرج التقطته. # قال لي: اضربي به على القبر كما ضرب سيدنا موسى عليه السلام على البحر. # قلت له: ما فاهمة. ~~- يعني ما عارفة كيف سيدنا موسى ضرب بعكازه البحر لما سكاه الفرعون؟ أنت ما ~~مؤمنة؟ # ثم أضاف وهو ينظر إلي بعينين حمراوين من فعل الخمر، وفي فمه ابتسامة مخمورة: اضربي ~~القبر يا زولة، القبر دا. # مشيرا إلى قبر صديقنا حافظ الذي قتل ودفن في الصحراء، وعندما عثرنا على قبره بعد ~~جهد جهيد ومغامرات ورشاوي، قمنا بإعادة دفنه هنا في كهوف مايا زوكوف، حيث إنها كانت أحب ~~الأماكن لقلبه. ~~- اضربي بقوتك كلها كشيوعية، لا تخشي في الضرب لومة ms15 لائم. # وأخذ يضحك. وقررت بيني وبين نفسي، قررت. # وبمجرد أن ضرب على القبر ضربة قوية بالجاروف، إذا بالقبر ينهار وتسقط القبة الخارجية ~~للداخل، وهي تصدر صوتا مرعبا، ثم تظهر حفرة عميقة مظلمة لا نهاية لها ... قال ضاحكا: ~~انظري، فالقبر كما يقولون إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ... إنه قبر صديقك: ~~روضة أم حفرة؟ نعم، نسيت أن أقول لك إننا أخذناه من هذا الجحيم وأعدناه للصحراء مرة أخرى؛ ~~لأننا نحتاج للحفرة دي في الشغل ... ما رأيك حنقضي جزء من شهر العسل هنا ... جو الحفرة ~~دي، هل في الكون رومانسية وحشية أكتر من كدا؟ # لا أدري كيف، ولا من أين أتتني قوة مدهشة في القلب واليد؛ لأنني دونما أشعر وجدت نفسي ~~أضربه على صدره بالجاروف ليسقط على الأرض والدم يسيل من أنفه، كنت أضربه بدون توقف، ~~بسرعة، بخوف، دون تردد أو رحمة، دون تفكير في كل مكان بجسده، إلى أن همد تماما، ثم ~~قمت بسحبه إلى الحفرة ورميته فيها، فذهب لعمق لا أعلمه، مصدرا دويا هائلا ثم صمت. ~~بقيت واقفة أنظر في عمق الهاوية لزمن لا أعرف مقداره قبل أن أخرج، أطلق ساقي للريح في ~~الفلوات دون هدى، عندما انتبهت إلى نفسي وجدتني على مشارف المحراب ... وهنالك بدأت قصة هروب ~~أخرى استمرت خمس سنوات ... وسأكتب ذلك تحت العناوين التالية: الجثة، الحرية، الكهف مرة ~~أخرى. # | رسالة: الأصدقاء لا ينسون # أسوأ ما في الموت أنه يحرمك من التسكع ليلا في الشوارع، هي الفكرة الوحيدة التي ~~توصلت إليها من خطاب دوشكا تودروف، صديقة وربما حبيبة مايا زوكوف، وهي السيدة التي ~~أخبرتنا بموته أو انتحاره. لكي أقرأه مرة أخرى وضعته تحت المخدة وخرجت. الفصل صيف، أخذت ~~الأشجار تسقط أوراقها بكثرة عندما ترك عليها عصافير الدوري الصغيرة أو عندما تعبث بها ~~أنامل الريح، تعلمت من المختار ألا أتضجر من الأوراق المتساقطة؛ لأنها كما يقول: هي ما ~~أوساخ قد تكون أي شيء آخر ... لكنها ما أوساخ. # الآن أحس بها أقرب إلي من كل شيء ms16 ، كنت أجمعها برفق وأضعها في حوض ضخم، قام بحفره أمين ~~محمد أحمد، لم يحفره من أجل أوراق الأشجار، ولكنه يود أن يفعل شيئا واضحا، ولا يمكن محوه ~~أو نسيانه بسهولة ليذكره بما سماه: أكثر أيام حياتي دهشة. # ولم يكتف بالحفر، ولكن بنى صرحا من الأسمنت كتب عليه: # أشكرك يا ربي على هذا اليوم المدهش # على أرواح الأشجار المتقافزة في اخضرار # على حلم السماء الأزرق الحقيقي # وعلى كل شيء طبيعي # وكل شيء غير متناه # وكل شيء نعم. # قال إنها قصيدة للأصلع الأمريكي إدوار أسلن كمنجز، اكتشف أنها أحب مكان لأوراق الأشجار ~~المتساقطة وهي ترقد في باطنها باطمئنان. # القديسة تقيم وحدها بالمحراب بعد وفاة المختار سيد المحراب وأبيها الروحي، على الرغم من ~~محاولة الأصدقاء إثناءها عن ذلك، لذا كانوا يزورونها يوميا، وقد يقضي كثير منهم الليل ~~معها بالمحراب، بل كانت سارة وآدم ومايكل فيما يشبه إقامة دائمة بالمحراب، أما سارة فكانت ~~تجده المكان الذي يلهمها وينشط ذاكرتها ويدفعها قدما على كتابة مذكراتها، كان قبر ~~المختار قد توسط الحديقة، تقع عليه ظلال الأشجار الباسقة، وهو ما بين الدومتين ~~العجوزتين، شيدت عليه القديسة وأصحابها قبة ضخمة، فأصبح كقبر لأحد أقطاب الصوفية في ~~وسط البلاد الكبيرة، وهو أيضا مزار يؤمه الأصدقاء والأصحاب والمريدون. لم يكن بالأمر السهل ~~على القديسة أن تتجاوز أزمة موت المختار، لم يكن سهلا أن ترى العالم في غياب حكمته اليومية ~~وطلعته وابتسامته، بل في عمق نفسها ما كانت القديسة تظن أن المختار قد يموت، بل كانت توقن ~~أنه هو الذي سوف يشرف على دفنها. لم يأت أحد من أقاربه ليسأل عنه طوال هذه السنوات ~~الثمانية التي مضت منذ أن فارق الحياة، وإنه قد جاء من العدم وعاد إلى العدم مرة أخرى. ~~كان صديقها أمين محمد أحمد يقول لها دائما كلما طرقا سيرة المختار: المختار كان مجرد فكرة ~~في رءوسنا، ولا وجود فعلي له، وربما إذا نبشنا قبره فلن نجد فيه شيئا. # أشياء كثيرة تغيرت منذ أن توفي المختار، تغيرت السلطة السياسية ms17 بانقلاب عسكري، ~~وقعت اتفاقات سلام مع فصائل إقليمية متمردة، أهمها اتفاقية السلام مع الجيش الشعبي لتحرير ~~السودان، نشبت حرب أخرى ضروس ما بين الحكومة ومواطني دارفور، مات فيها الآلاف وتشرد ~~الملايين. أما على مستوى الأصدقاء، فقد كان الأمر مختلفا، فسارة بالذات التي أخذت تنعم ~~بالحرية بدأت حياتها من جديد، تمكن أمين محمد أحمد من الزواج من نوار سعد أستاذة ~~الفنون، وهي في الحقيقة تكبره بأعوام كثيرة لم يستطع أحد التحقق منها، وسيحكى في الصفحات ~~القادمة الكثير من هذه المغامرة العجيبة التي خاضتها نوار وأمين محمد أحمد، لا أدري ماذا ~~يكون تعليق المختار على هذا الأمر إذا كان حيا، لا بد أنه سيندهش، ولكنه - كما أعرفه - ~~لا يرفض العلاقة على كل حال. # | نوار سعد: لا وقت للأقنعة # كتب أمين محمد أحمد إلى القديسة: # بعد أن تزوجنا أنا ونوار سعد، فجأة يا صديقتي، أحسست بأنه ليست هنالك أية ~~جاذبية أنثوية تخصها، لا أعرف كيف أشرح ذلك، ولكنها لم تعد تلك التي جعلتني ذات ~~يوم أذوب في حضنها مثل ثلج على سطح صفيح ساخن ... ربما السبب الوحيد أنه لم تعد ~~هنالك مغامرة ومخاطرة أو تحد. إن سهولة امتلاكها ... لا، أنا لا أريد أن أفكر ~~بتلك الطريقة، ولكن ربما كان الشيء الذي دفعني للزواج منها أنها جميلة ومشتهاة، وأن ~~كل رجل أعرفه يفضلها على عشرات النساء، وحتى المختار نفسه ... كان رحمة الله عليه ~~لا يستطيع أن يخفي شبقا بنوار في كل حركة يقوم بها ... خاصة حركة أنامله. كنت ألاحظ ~~ذلك، أنا أعرف أشياء كثيرة ... وكنت كلما أحس برغبة الآخرين بها، أسعى نحو امتلاكها ~~بقوة أكبر، أنت تعلمين مقدار التضحية التي بذلتها في سبيل هذا الزواج. صراحة يا ~~صديقتي القديسة الجميلة، أنا سأكون واضحا مع نفسي وشجاعا وحاطلقها، إذا لم يكن ~~اليوم فغدا، سأطلقها. # قرأت الخطاب للمرة المائة، وكلما أذكره به يطلب مني تمزيقه، أهدده بأنني سأريه ~~لنوار سعد، ولكنه كان يصر على القول إنه يحبها وسوف يحبها للأبد. ~~- كويس اللي كتبتوا دا شنو؟ ~~- حالة ms18 جنون، حالة ... ما عارف ... كتبت اللي كتبتوا ... ما في داعي للابتزاز. أرجوك مزقي ~~الجواب! أو اديني ليه. # الفصل صيف، والدومات الشاهقات أنضجن ثمارها البنية، المختار يحب ثمار الدوم، في مثل هذه ~~الأيام يمارس رياضة تسلق الأشجار؛ حيث نجني ثمار تسلقه دوما، دليبا وبلحا، في بعض ~~الأحيان كوارث، قد يسقط من علو شاهق فجأة، أكثر من مرتين كسرت يده اليمني، لكنه يكابد ~~الألم في صبر إلى أن يشفى، ثم يتسلق الأشجار مرة أخرى، صلينا على روح المختار قرب النهر ~~جميعا؛ سارة حسن، أمين محمد أحمد، آدم، مايكل كولي صديقنا الحبشي أخو سابا الأصغر، برهاني، ~~كل صلى وفقا لما يعتقد، سبح مايكل وأمين وعبرا النهر للضفة الأخرى، أصبح عبور ~~النهر هوايتهما المفضلة منذ أن اكتشفا بيض السلاحف المدفون تحت الرمال على الشاطئ، ~~بالذات بعدما أعجبا بطعمه في طبيخ الزقني الحبشي مع الدجاج. # كما ينتفض الكلب، انتفض الكلب، جرى بعيدا على شميم كلبة. سارة حسن أصبحت سمينة وقصيرة ~~وأكثر سوادا، تشكل بريق غريب بعينيها، كان هذا جزءا من حصاد السنوات السبع التي ~~قضتها في معتقلات متفرقة، ولكن سارة تضع في الحسبان خسارات أخرى كثيرة، أهمها تجربة ~~الاغتصاب والحبل والإجهاض القسري، والأسوأ يا صديقتي القديسة: ادعاء الحب. # التقطت أذن مايكل كولي الجملة الأخيرة، كررها في سره بنشوة خاصة، كان يجفف ملابسه ~~على رمال الشاطئ النظيفة، أمين لم يسمع شيئا، طائر مالك الحزين يقف على حافة مركب قديم على ~~الشط الآخر، خلفه تمتد جزيرة التماسيح، وفي البعيد جدا يوجد كهف مايا. ~~- ولكن الأسوأ يا مايكل هو أن الضمانة الوحيدة لسلام الحكومة والحركة هي الولايات المتحدة ~~الأمريكية، والضمانة الوحيدة للولايات المتحدة الأمريكية مقابل التزامها بحراسة هذا السلام ~~هي موارد السودان البترولية ... بمعنى آخر: استبعاد الصين أو فطمها. # قال مايكل في قرف: أنا أكره الصينيين، هم الممول الرئيسي للمحرقة في دارفور. # بصق ثم أضاف: أمقتهم. # ولكنه أيضا قال مبتسما: ولكن الأسوأ يا صديقتي القديسة هو ادعاء الحب. # التقط مالك الحزين سمكة كبيرة، حجل بها بعيدا عن المركب ms19 العجوز. مرت سحابة داكنة تحت ~~الشمس، رأى الجميع الكلب وقد التصق بالكلبة وأعطى كل منهما مؤخرته للآخر. ~~- نعم! # | في القرية: ابتسامة الرمل # كان وجه السماء المورد يوقظ واحة إلى العاشق البدوي. # غونار أكلف # توقفت عربة نوار سعد التي يقودها أمين عند منزل قديم مهجور في وسط تل من الرمال مشرف ~~على النهر، تجمع قليل من الأطفال ذوي البشرة الترابية والملابس الغبشاء، يلتفون حول ~~العربة ويتفرسون الغرباء. جاءت امرأة عجوز منسلة من شيخوخة المكان، تتوكأ عصا من الصفصاف، ~~فاجأتنا قائلة: سلام يا بت سعد. # ردت عليها: أهلا أمي أم الخير، كيف حالك؟ # رغم مرور الأعوام الكثيرة تعرفت علي وتعرفت عليها، عشرون عاما منذ أن تم آخر ~~لقاء بيننا، حدث ذلك عندما توفي والدي سعد، وأتذكر أنها آخر من ودعنا أنا ونور، التي ~~كانت تقيم مع أبيها وحدهما بالقرية. ~~- جيتي تشوفي البيت؟ ناس القرية كلهم رحلوا؛ كل الشباب والناس اللي فيهم فايدة، وخلونا ~~نحن العجايز وشوية أطفال، لمان يكبروا هم برضو حيمشوا الخرطوم أو بلاد بره. ~~- وين الخير يا أمي؟ ~~- ديل هم عيالو، هو يعمل في الساقية، وغير الخير ما في راجل في القرية كلها يقولوا عليه. ~~الخير وشاب شابين وبس ... كلهم سافروا. # من على بعد عشرات الأمتار ظهرت ابتسامة الخير واضحة جلية، وبدت أسنانه البارزة ~~للأمام قليلا أكثر بروزا وهي تعكس أشعة شمس الظهيرة الحارقة، ارتمى ومن غير تحفظ في حضن ~~نوار سعد، وكأنه حبيب عائد من آلاف السنين، لفها بجلبابه الكبير ويديه الطويلتين، احتضنته ~~نوار سعد بطفولية حميمة، ظهرا وكأنهما سيصيران شخصا واحدا إذا استمرا في عناق كهذا ~~لثانية أخرى. هذا ما لا يعجبني في نوار سعد؛ إنها تتعامل مع جميع الناس مباشرة دونما ~~تمييز للنوع، وأحسست حينها أنها بعيدة عني، بعيدة جدا، بل لا أعرفها، ثم انتبه لي الخير ~~ورمى بنفسه في حضني بنفس التلقائية، ووجدت نفسي أحتضنه، حلف علينا بالطلاق مباشرة إذا ~~لم نذهب معه إلى المنزل. قدمتنا نوار بمرح: دا زوجي أمين محمد أحمد، أمين دا الخير ms20 . # سأل الخير مندهشا: زوجك! # قالت له نوار وهي تنظر إلي وكأنها تراني لأول مرة: أيوا، أمين محمد أحمد زوجي. # قال وهو يمشي أمامنا في خطى واسعة نحو بيته: أهلا، أهلا وسهلا. # أمه التي يبدو أنها لم تسمع شيئا من الحوار كانت مشغولة بإعطاء الأوامر للأطفال بأن ~~يحضروا ماء للشرب بأسرع ما يمكن. # طفنا القرية خرابة خرابة، وطللا طللا، هنا كان دكان اليماني صالح، هنالك طاحونة المجنون ~~دودا، شوف، شوف الكوشة اللي جرحتني فيها قزازة، جرح لا أنساه أبدا، عند العالي، هيا ~~نذهب إلى هنالك، عند تلك الربوة العالية كانت الأنادي، بقايا أغطية زجاجات البيرة والشري، ~~عظام النيفة، البلاط الذي كانت توضع عليه البراميل، اللالوبة التي قتل فيها العوض ود ~~جبريل، قتله سالم الجزار، هي اللالوبة ذاتها اللي مات تحتها سالم الجزار في خريف العمر، ~~من هناك يبدأ السوق بعد الخور الصغير مباشرة - خور الحلب - ويمتد إلى قرب النهر حيث ~~الموردة والمراكبية النازلين من الجنوب، أو الطالعين إلى دنقلا، في المكان دا بالذات يا ~~أمين كان يرقد أبوي الله يرحمه وهو سكران واقف ظمبرليلي، وحوله كلابه وقربه نور ولا يجرؤ ~~أحد على الاقتراب منه، حتى أمي نفسها عليها رحمة الله. كان الأطفال القلائل الغبش ذوو ~~الشفاه الجافة والأرجل الحافية المتشققة من سخونة الرمال وجفاف الجو وحرقان الشمس، يجرون ~~خلفنا، ويسألون: كم الساعة؟ الساعة كم؟ # بعض الكلاب العجفاء بين هنا وهناك تنبح في ذعر وغضب، استطاعت نوار أن تميز أحد ~~الكلاب، وتؤكد على أنه من سلالة كلاب والدها، وأيد ذلك الخير. ~~- أمين، شايف الخراب دا، كان في يوم من الأيام جنة. # ابتسمت، وكنت أعرف وهي أيضا تعرف أن تلك الجنة كانت نوار وأسرتها فيها مشردين، ~~ويفتك بهم الجوع، ونصيبهم منها نصيب الطير، وهي نفسها قصت لنا ذلك فيما قبل. ~~- أمين، الأنادي دي كانت احتفالية شعبية مدهشة. # الجروف، المزارع، النيل، السوق، عم محمد زين بائع النيفة ود دينار، أوشيك، ود الكشيمبو ~~بت كرار، حريرة أم جبرين، حواية بت أم دقة، كرارية، بت جادين ms21 ، ود النذير وحوش ود النذير ... ~~عبد الله على الله، الرفاعي، طيارات، كبسون السماك. ~~- هناك، تتذكري، جنب حلة الشراميط، الله يرحمه ود النذير. ~~- كان راجل شهم. ~~- أمين، حأحكي ليك في يوم ما عن ود النذير وكلبه اللي عنده فك واحد. # كانت نوار سعد مثل طفلة صغيرة، استيقظت فجأة ووجدت اللعبة التي تحبها وتحلم بها، سنوات ~~من الطفولة المعذبة الطويلة. كانت فرحة ومبتهجة وهي تقفز على الرمال والخيران وبقايا ~~المنازل القديمة المهجورة الجميلة، وهي تسأل، تجيب، تبحث وتتذكر، تتكلم بدون انقطاع، تربت ~~على رءوس الأطفال؛ تعطيهم بعض العملات النقدية، تقبض على يد الخير فجأة ... ~~- أمين، أنا والخير دا لعبنا سوا، دخلنا المدرسة في يوم واحد، تتذكر يالخير، مدرسة ~~الجبوراب المبنية من الكرانك. # في تلك الليلة التي قضيناها في منزل الخير أعطتني نوار سعد نفسها بعمق وحب لم تفعله من ~~قبل ولا من بعد، فيما بعد عرفت أنها ما كانت تهب نفسها لي أنا بالذات، ولكن كان ذاك هو ~~الخير، كانت ترقد معي وتقبلني وتهبني الحياة واللذة العظيمة والألم والحب، جسدي أنا: روح ~~الخير، وربما كان العكس صحيحا أيضا، روحي أنا وجسد الخير. # قالت لي ذات يوم وهي مخمورة: الليلة التي قضيتها مع الخير في القرية كانت أسعد لحظات ~~حياتي. # ذبح لنا الخير عند الفجر حملا سمينا، أكلته النسوة الجيران معنا، تجمع بعض الشيوخ ~~والأطفال تحت الراكوبة الكبيرة، وأخذوا يعيدون شريط الذكريات ويحكون عن أبنائهم المغربين ~~وأصدقائهم الذين عبروا للحياة الأخرى، عن القرية التي أصبحت خرابة كبيرة، حتى النيل لم ~~يعد كما هو ... ودعت أهل القرية، وعدتهم بأنني سأزورهم كل عام، وعدهم أمين أيضا ~~بذلك، قد أحب الجميع، ولو أنهم سخروا قليلا مني؛ لأنني تزوجت «شافع» صغير، قالت لي امرأة ~~عجوز في مكر، وكانت تعرف كما عرفت القرية كلها في اللحظات الأولى لقدومنا أن أمين هو زوجي: ~~الود دا راجلك ولا سواق؟ ~~- راجلي يا أمي. ~~- مش كان أخير ليكي تعرسي الخير يا بتي؟ # ضحكت زوجة الخير زينب الصغيرة وأكدت أنها ترحب بالفكرة، فقط ms22 علي أن أطلق أمين، ~~والشرط الآخر أن تذهب هي وعيالها، والزوجة الأخرى زينب الكبيرة وعيالها أيضا معنا إلى ~~السكن في الخرطوم في صحبة الخير. ضحك الجميع ولكنني فهمت الدرس. # أنا والخير نحتسي الشاي في ديوانه الكبير بعد أن غادر الذين جاءوا للتحية والتفرس في ~~زوج نوار سعد الصغير، الذي هو أنا. كان يحكي لي حكايات جميلة عن المكان والناس والحيوانات؛ ~~حميره، كلابه ونسائه، وقال لي بصورة واضحة وبلذة غريبة أنه زوج لنساء كثيرات بالحلة ~~وبالقرى القريبة، وعندما سألته ما إذا كان ذلك تحت مظلة شرع الله ورسوله، قال: مش بعيد ~~شديد عن شرع الله ورسوله ... يعني. # قلت له إنني لا أفهم، قال وهو يصب لي مزيدا من الشاي: البلد دي كلها نساوين، وأنا ~~الراجل الوحيد، يعني أعمل شنو؟ # قلت له ضاحكا مدعيا أنني فهمت: الضرورات تبيح المحظورات. # قال وكأنه لم يفهم ما أرمي إليه، أو أنه يريد أن يقول شيئا آخر لم أفهمه أنا، أو ربما ~~يريد أن يضللني: الزواج سنة. # ثم سألني سؤالا مباغتا: لييه ما تتزوج مرا تانية؟ أنت لسع صغير وبإمكانك تتزوج وتنجب، ~~والبنات كتيرات. # قلت له مراوغا: ما أظنني أتزوج زولة تانية مع نوار. # وكدت أقول له أنني أحب نوار، لولا أنني استدركت أن ذلك قد لا يعني شيئا لدى معظم ~~الناس بالريف، بل قد يعتبرونه ضعفا إذا لم يكن قلة أدب. # فصب لي كوبا من الشاي آخر في ذات الكوب الذي فرغت من شربه للتو، قال متجاهلا ردي ~~بصورة تامة: أنا حآجي الخرطوم. # أخذ الخير عنواننا في الخرطوم وقال: عندما ينزل للخرطوم سيمر علينا أولا، ثم إلى بيت ~~أخيه حمد مدير الضرائب. # كانت نوار سعد تغط في نوم عميق طوال الرحلة، منذ أن اتخذنا طريق الأسفلت العام، ولم ~~تستيقظ إلا عند مشارف الخرطوم، حيث تولت هي القيادة ونمت أنا، وحلمت بالمختار ومايا ~~العزيز يجلسان تحت شجرة عرديب ضخمة في الجنة، وهما يلعبان الشطرنج بقطع مصنوعة من الزجاج ~~الشفاف، قال مايا العزيز لي، وهو يحرك قطعة ms23 كبيرة في حجم إنسان طبيعي: كش ملك. # استيقظت على شجار عادة ما يجري بين نوار سعد وعسكر نقاط التفتيش. نمت مرة أخرى، حلمت ~~بالخير يراودني عن نفسي، استيقظت على شجار نادرا ما تلجأ إليه نوار سعد مع رجال شرطة ~~المرور. # | في القرية: نحو العاشق البدوي # غادرنا جميعا إلى المدينة في يوم السبت، حيث تبدأ فترة عملي من السبت إلى الثلاثاء ~~بالمستشفى الحكومي، تركنا في المحراب مايكل، كان يستعد للجلوس لشهادة التويفل، ويحتاج إلى ~~مكان هادئ للاستذكار والمراجعة، وسوف يقوم بحراسة المحراب من مخافات لا ندريها. اتفقنا على ~~ترتيب مسألة الزواج بيني وبين مايكل أكول بعد أن ينال شهادة التويفل؛ حيث تتاح له فرصة جيدة ~~في العمل مع منظمة أمريكية، كان قد اجتاز جميع معايناتها وتبقى له شرط هذه ~~الشهادة. # وجدت المستشفى كما كنت أجده دائما مكتظا بالمرضى، مكتظا بمرافقيهم، مكتظا ~~بالممرضين والأطباء ورائحة البنسلين والديتول، والملاريا والبعوض والذباب، مكتظا ~~بالأوساخ، مكدسة عند الأركان حاويات الأدوية الفارغة الزجاجية والبلاستيكية، الحقن ~~القديمة والدربات الفارغة وعليها بقايا المحاليل والدماء الباردة، بقايا الأطعمة على أكياس ~~البلاستيك أو في العراء تتدافع عليها القطط السمينة، الذبابات والكلاب الضالة، الموتى ~~يخرجون من المستشفى وقد حمدوا الله على الراحة الأبدية، المرضى الذين من الله عليهم ~~بالخروج سالمين. في الحوائط إعلانات دائمة لفنانين سوف يقيمون حفلات بهيجة بأسعار زهيدة على ~~كازينو النيل الأزرق احتفاء بالسنة الميلادية، بقايا مخرجات بشرية هنا وهنالك. ~~- دقيقة يا دكتورة سهير. # قفزت علي قطة صغيرة تعبث بحاوية بلاستيكية استخدمت لنقل دم لمريض، بها بقايا الدم ~~شاهدة على ذلك. ~~- دقيقة يا دكتورة سهير. ~~- أهلا. ~~- أنا أبو حازم، صحفي بجريدة الخرطوم، وعايز أعمل تحقيق صحفي عن المستشفى، لو سمحت عايزك ~~تجاوبي لي على بعض الأسئلة، وكنت في انتظارك منذ الساعة السابعة صباحا، ومعي المصور جمال ~~زكريا، تسمحي نأخذ صورة مع بعض! ~~- لا بالتأكيد، إذا كانت عندكم أسئلة اسألوها لإدارة المستشفى، أنا طبيبة فحسب. ~~- معليش، سألنا إدارة المستشفى وسألنا الأطباء، فبقيت أنت فقط. ~~- أنا لن أجاوب على أي ms24 سؤال بالرغم من أنني لا أعرف ما هي أسئلتكم، انظروا يمينا ويسارا ~~وتحتكم، ثم اسألوا أنفسكم وجاوبوا على أنفسكم، وخذوا صورة تذكارية مع الكدايس. # وذهبت، اعتبرت أن هذه بداية غير مشجعة ليوم عمل صعب يحتاج عادة لروح معنوية عالية، ~~تسلمت ورديتي من زميلة بدت مرهقة وحزينة، تبادلنا جملا قصيرة معتادة، ~~ذهبت. # اثنان من طلاب كلية الطب يسألون ويكتبون في هدوء وأدب، بنت وولد، سألتني البنت سؤالا ~~مفاجئا: الناس ديل عايزين يبيعوا المستشفى؟ ~~- ياتو مستشفى؟ ~~- المستشفى دي اللي نحن فيها الآن. ~~- لمنو؟ ~~- لشركة أجنبية. ~~- تعمل بيها شنو؟ هل ستصدر المرضى للخارج والضبان والبعوض والملاريا؟ ~~- آسف يا دكتورة، سمعت الناس بيقولوا كدا. ~~- والله لا علم لي بشيء. ~~- قام المرضى أمس الجمعة بمظاهرة لمان سمعوا الخبر. ~~- ما سمعت بالموضوع دا، كنت في الغابة. ~~- ياتو غابة؟ ~~- مكان بعيد أسكن فيه ويسمى الغابة، لا عليك. ~~- حيدخل الأطباء في إضراب عن العمل بداية من يوم الخميس القادم. ~~- كويس، من وين بتجيبي المعلومات دي يا دكتورة؟ ~~- كل الناس هنا بيعرفوا، والصحافة والشارع و... و... و... و... ~~- الآن فهمت. ~~- تخشي إضراب مع الدكاترة؟ # لأول مرة أنظر إلى وجهها بتمعن وعناية، كانت صغيرة لها وجه طفولي مستطيل، وعينان ~~جميلتان ومتسعتان، شفة سفلى أطول قليلا من العليا، سمينة، على وجهها شبه ابتسامة دائمة، ~~كان الطالب يمشي خلفها في صمت ويبدو مشغولا بكتابة بعض الملحوظات، سألتها: أنت طبيبة ولا ~~صحفية؟ # قالت في خجل: متأسفة يا دكتورة. # قلت في نفسي: هل هنالك شخص في هذه الدنيا يشتري كوشة على مقابر قديمة؟ # نهضت في ذهني الكوشة الكبيرة في قريتنا، التي تقع خلف السلخانة، ما وراء المقابر، ليس ~~ببعيد عن شاطئ النهر، نطلق عليها ونحن صغار «كوشة حريقا»، لها رائحة الجيفة، رائحة الجلد ~~المشوي، رائحة الموت، ترعى فيها طيور الأبو خريطة العملاقة، وليس ببعيد تقف حاوية الماء ~~والوابور عليه عم توتو بصورة دائمة ونهائية، وكأنهما خلقا معا، بل من مادة واحدة، صورة ~~لا تأتي إلا متكاملة. # في المحراب أفهمتني سارة كل شيء، وأكدت لي ms25 أن الأمر تم فعلا، وسوف يعلن رسميا ~~في الإذاعة والتلفزيون والجرائد كأهم حدث طبي في البلاد الكبيرة، شركة ماليزية سوف تقوم ~~بتأهيل المستشفى وفقا للمواصفات العالمية، هكذا وافتنا الجرائد بالنبأ، ونحن في طريقنا إلى ~~قرية الفزراء من مدينة القضارف، ثم غادرنا الأسفلت على أرض صلبة سوداء، سافرنا جنوبا، ثم ~~جنوب شرق، عبر غابات الهشاب والطلح واللالوب الخضراء، ومزارع الذرة والسمسم التي تدخل في ~~النفس عالما من المرح والطفولة. سافرنا نحو الجنوب الشرقي، سافرنا سفرا حلوا ممتعا، ~~غنينا، قرأنا شعرا، تناكتنا، تحاكينا. # توقفنا عند بركة ماء حولها بجعات بيضاوات، بعض الأوز، طار كل شيء بمجرد أن توقفت ~~العربة، حطت بعض الطيور بعيدا تراقبنا عن كثب، اقتربت بعض النعاج الخجولة، الأرض تحتنا ~~لينة خضراء باردة ورحبة، جلسنا تحت ظل شجرة جوغان ضخمة، فرشنا على أوراقها وبقايا ثمارها ~~القديمة الكبيرة فرشة من البلاستيك، أطيار الكلج كلج تصدر ضجيجا حلوا، قطان بريان ~~يمران أمامنا في سرعة البرق ويختفيان بين أعشاب الخريف، آدم وسارة تمشيا في عمق الغابة ~~الصغيرة، أما مايكل وبرهاني وسابا وطفلتها الصغيرة نوار، كنا نتحدث في وقت واحد، نوار سعد ~~وأمين، لكن كانت لمايكل ملاحظات جيدة حول فكرة موت مايا العزيز: مات مقتولا. # وجمنا جميعا في انتظار حيثيات الفكرة. جمع مايكل قدرا كبيرا من الطين الأحمر من حافة ~~بركة المياه، صنع جبلا صغيرا زينه بأرياش الأوز وما تساقط من ريش البجعات ومالك ~~الحزين، خلط الطين والريش مع أوراق الأشجار المتعفنة من فعل الماء والرطوبة، جرت نوار ~~الصغيرة نحو جبل مايكل الصغير، صعدت عليه بصعوبة، ابتسمت لنا جميعا في براءة وهي تنزل ~~بولا أخذ لون الطين وهو يتدحرج من الجبل الصغير، صفق لها الجميع، خطفتها والدتها وجرت ~~بها بعيدا، كانت نوار تحتج معبرة عن ذلك بالرفس والصراخ، لا تود أن تبرح جبل ~~مايكل. ~~- ليس لدي فكرة بعينها، كنت أحاول أن أرتب أفكاري حول مقتل مايا زوكوف فلاديمر العزيز، ~~ولكني أحاول أن أصنع من كومة الطين امرأة هي في الحقيقة ليست سوى سهير حسان ms26 ؛ القديسة ذاتها، ~~كانت تعرف ذلك، ويعرف الجميع أنني أصنع القديسة، ولو أنني لم أشكل غير الفخذين الكبيرين ~~كاملين وجزء من الصدر، في الحق خجلت من نفسي لأنني عريتها، عريت نفسي وبدوت واضحا أكثر مما ~~يجب، وقد استجابت سهير لذلك بعد ثلاثين يوما؛ حيث إنها جعلتني ألتصق بما نحت من الطين ~~بلحم إنساني حي طازج وبهيج، وهذا هو الدرس الذي لم نتعلمه من كلية الفنون؛ أن الفن طوطم ~~الطواطم. # إنه يريد أن يقول لي شيئا فاضحا جدا، خاصا جدا، قريبا جدا ولا معنى له غير ما ~~يعرفه هو وحده، ولكنه أذاعه للعامة، هم أصحابنا ولكن هنالك تفاصيل صغيرة تظل محجوبة عن ~~الأصدقاء أيضا؛ لذا أعلنت أنا أيضا لهم: أنا ومايكل كولي حنتزوج عندما يتحصل على شهادة ~~التويفل في أغسطس الجاي. # قالت سابا ضاحكة: قولي عندما يسلم. # قلت لها في إصرار: عندما يتحصل على التويفل وبس. # قالت بذات القدر من المرح المعروف عنها: ومنو حيخليكم تتزوجوا؟ هو مسيحي وأنت مسلمة، لو ~~كان العكس ممكن. # قلت لها، وكأنني كنت مواجهة بهذا السؤال منذ سنوات مضت: لا أحد. ~~- ولكن زواجك حيكون باطل. # قلت لها بثقة: إن في هذه الأيام في البلاد الكبيرة لا تستطيع الحكومة الوقوف ضد أية ~~زيجة ولا ضد أي سلوك، الحكومة ستفكر فيما يطيل عمرها فقط. الآن الوطن أصبح مفتوحا ~~للعالم، المنظمات الدولية التي ترعى حقوق الإنسان، أمريكا، أوروبا الموحدة، النموذج العراقي ~~وأفغانستان، اتفاقية السلام ... كل ذلك سوف يحمي زواجنا، كما أننا لا نحتاج التصديق من شخص ~~آخر، فالزواج مسألة شخصية. ~~- حتى أبوك؟ # وضحت لها أن أبي وأسرتي سيتعامل معهم مايكل بالصورة التي يراها مناسبة. ربما أسلم ~~وتشهد تماشيا مع فقه الضرورة، وقد نهاجر، وقد يصلي لأجلهم، قال إنه لا يمتلك أبقارا ~~ولا ذهبا يعطيه لهم. فسألتني: لماذا لا يفعل الشيء نفسه مع الحكومة؟ ~~- الحكومة لا. # قال مايكل: أنا عايز أتزوج مرا من الحكومة! # قالت سارة لآدم، وقد ظهرا من بعيد يقبضان على أكف بعضهما البعض في حب وحميمية: لا يؤمن ms27 ~~الإنسان بالله إذا لم ير مثل هذا المكان. # قالت سارة: عشان كده الخرطوم ملآنة بالكفار. # ضحكا ضحكا عاليا. # وصلنا القرية عند العصر، بعد عشرين عاما من الوعود التي لم تتحقق لمحمد آدم، كنت ~~أترقب خروجه من قطية ما، من راكوبة ما، أو من أية حجرة من وقت لآخر يلبس جلبابه القروي، ~~على ظهر حمار أو يجري خلف مرفعين صغير أتى به أبوه من رحلة صيد متعبة، طالما لم نلتق في ~~الطريق إلى القرية، طالما لم يستقبلنا عند مداخلها، طالما لم يهتف مرحبا بنا ونحن ندخل ~~الحوش الكبير الذي حدثني عنه كثيرا كثيرا ... طالما ... # قالت لي أمه: كنت دائما أتوقع زيارتك للقرية، كل سنة، كل سنة، سبحان الله! دي عشرين ~~سنة مضت من اليوم اللي مات فيه محمد آدم، أنا كأني أشوفو الآن، لم يكبر محمد أبدا، ~~دائما صغير ونشيط ويتكلم ويحكي ويركب الحمير ويمشي العيد مع الكبار، وكل مرة يفشل في صيد ~~مرفعين صغير لك. «تبتسم». ~~- كل مرة أقول أجيكم ربنا ما يطلق القدم، ومرت بي ظروف كثيرة منذ أن توفي محمد آدم، أبدا ~~ما استقريت على وضع محدد، دراسة، سفر، مشاكل أسرية لا ليها أول ولا آخر. ~~- وعايزة أوريك بالمناسبة دي، طبعا أنا حضرت زواجك، كان بعد سنة من وفاة المرحوم. ~~- افترقنا، طلقني واتزوج، والآن عنده ولد وبت. ولكن بعدما شوفني الويل ونجوم ~~النهار. # قالت متأثرة: المرحوم دائما كان يقول لي، دائما كان ... ولكن قدر الله وما شاء ~~فعل. # ثم صمتت على صوت أطفال يلهون في الخارج ويقتربون من المنزل. ~~- محمد آدم، يا ولد يا محمد ... تعال هنا في ضيوف، تعال سلم عليهم. # كان هو نفسه، فقط ازداد طولا بعض الشيء وربما صار أكثر نحافة، والجرح القديم الذي في ~~وجهه اختفى تماما ولا أثر له، كان حافيا ويرتدي جلبابا به بقع من الطين الأحمر ناشفة، ~~شعره كث، في وجهه عينان مرتابتان كعيني خروف شبع. ~~- دي عمتك سهير حسان. دا عمك آدم زكريا. دي خالتك سارة. دا عمك مايكل كولي ms28 . آه، عمك ~~مايكل، وزي ما شايف هو من الجنوب. دي خالتك، خالتك سابا، وبنتها الصغيرة الحلوة دي حنخطبها ~~لك من اليوم، رأيك شنو؟ # ضحكنا معا، ولكن أنقذتنا الجدة بالرد: أنت شايفها نوار شنو؟ # قال دون تردد: نوار السيال. # كثيرون منا ما كانوا يعرفون السيال، وإذا عرفوه ربما لم ينتبهوا إلى نواره، وإذا ~~انتبهوا إلى نواره مثلي، فإنهم لا يعرفون تلك الرائحة العطرة التي تفوح منه، وذلك الطعم ~~الجميل، وصوته الشجي الذي هو طنين الزنابير عليها. شرحت لنا جدته كيف كان يرى جمال ~~نوار. # قالت له: خالك المرحوم محمد آدم اللي أنت مسمى عليه كان يسكن مع ناس سهير في البيت الله ~~يرحمه. ~~- وأنا برضو عايز أمشي أسكن معاهم في المدينة، وعايز أقرأ هناك. # قالت له الجدة: إن شاء الله عندما تدخل الجامعة حتسكن معاهم في الخرطوم. # كانت الجدة في غاية السرور وهي تسحب الشنطة التي تخص المرحوم محمد آدم من تحت سرير ~~المخرطة العجوز، الذي تجلس عليه هي الآن، وهي تحدثنا عنه؛ كان طفلا عاش طفولته بصورة ~~متكاملة دون نقصان، وكان يملأ المنزل كله بالحياة والحركة والنشاط، يفعل كل شيء بدءا بصيد ~~الأسماك والقنص، نهاية بحلب الماشية وصنع الروب والعصيدة، وكأنه يعرف كل صغيرة وكبيرة في ~~القرية، سبحان الله! يا بتي سهير، كان محمد آدم يعرف تماما إنو حيموت قريب؛ قال لأخته ~~الكبيرة الكلام دا. # تحتوي الشنطة كما شارك الجميع في حصر محتوياتها على الآتي: # 20 كراسة صغيرة، منها 10 كراسات رياضيات. # 10كراسات كتب في غلافها كراسة خارجية. # 1 كراسة مدونة المصاريف. # 10 كتب مدرسية قديمة أغلفتها ممزقة. # حذاء واحد بحالة جيدة. # جلباب أتلفته لعنة الانتظار الطويل. # أزرار من مختلف الأحجام والأشكال والألوان، وهي الهواية التي ما كنت أعرفها ~~عنه. # قالت لي: خذيها معك وإذا فرغت منها أعيديها لنا في أي وقت، إن شاء الله بعد سنة. # تم صنع قفص صغير متين بواسطة نجار القرية، أدخل فيه المرفعينين الصغيرين اللذين تم صيدهما ~~لنا خصيصا، قال لي محمد آدم: عندما أدخل ms29 الجامعة حأسكن معاكم في المدينة . ~~- ما حترجع من وعدك؟ # قال: إذا أم نوار ما رجعت في كلامها. # قالت سابا وهي تقبل ابنتها الجميلة في خدها: أنا ما حأرجع من كلمتي، ولكن طبعا بعد ~~استشارة نوار لمان تكبر. # | في المدينة: تمارين نيفاشا # بدأت المظاهرة بطبيب واحد وفراشة ومتسول عند الباب مر صدفة ومريض وسبعة من المرافقين ~~الرجال، ومرافقة واحدة امرأة وهتاف: «لا لن تبيع.» # وكأنما كان الشرطيون يختبئون في المجاري وتشققات الأرض أو صفق الشجر وثنايا العشب، ظهر ~~المئات منهم مدججين بالدروع والسلاح، خلفهم عربة المطافئ، هتف كبيرهم بالميكرفون: المطلوب ~~من الجميع العودة إلى أماكن عملهم. # وكرر ذلك مرارا. # سقط المريض مغشيا عليه، عاد المرافقون لرعاية ذويهم، حمد المتسول الله على كل حال، وجلس ~~على الأرض ليسأل مع السائلين عن حق الله. # قالت الفراشة للطبيب: معليش. # ومضى الطبيب وحده يهتف: لا، لن أبيع. # مشى في شارع القصر، المواطنون على جانبي الطريق يتفرجون على الطبيب، خلفه آلاف مؤلفة ~~من الشرطة. ~~- لا، لن أبيع. # حاول الشرطيون الاقتراب منه وإنهاء الأزمة، إلا أن ضابطا وسيما صاح فيهم قائلا: ~~البلد حرية، حرية التظاهر مكفولة للجميع، في النهاية رجل واحد لا ينفع ولا يضر. # ثم أضاف بينه وبين نفسه: بقية الشعب كله قابل وحامد وشاكر. # كان الناس ينظرون إلى الأمر في ريبة، وبين فينة وأخرى يتوقعون حدوث شيء، ضاقت جوانب ~~الطريق بالمارة، إلى أن أخذوا يضغطون على الشرطيين، الجميع يريدون ألا تفوتهم لحظة حاسمة ~~قد تقع الآن، سيكونون كشاهدي عيان على مظاهرة الرجل الواحد. ~~- لا، لن أبيع. # كان يمضي مسرعا للأمام في ثقة مفرطة ودون تردد، لا يعرف أحد الشيء الذي يجبرونه على ~~بيعه، لا يعرف الناس إلى أين هو ذاهب، حتى الأطباء أصدقاؤه، وردة حبيبته، والمرضى ~~والمرافقون جاءوا ليروا ما سيحدث لرفيقهم، الناس قريبو عهد بعصر القمع والحسم والضرب ~~والاختفاء النهائي والمفاجئ، ولا أحد يصدق أن السلام يعني فيما يعني السلام، وأنه قد يعني ~~أيضا إطلاق الحريات. # وعندما وصلت الإشاعة إلى العطالة والمتسكعين في السوق ms30 العربي والسماسرة وبائعي الكتب ~~المستعملة ، مثل كمال وداعة، وجرحى الحرب والركاب الذاهبين إلى هامش المدينة، والسوق الشعبي ~~والمثقفين الذين في طريقهم إلى منتدى الاثنين عند إبراهيم العوام أو البشير الريح، وسائقي ~~الحافلات والشحاذين والسكارى والمصلين الذين خرجوا من الجامع الكبير بعد أداء صلاة الظهر، ~~وبائعي الملابس المستخدمة والصابون والمفروشات، عبد الله الدنقلاوي، وليد إسماعيل حسن وحكيم ~~بالسلطان الشامي، وغيرهم؛ حتى هبوا معا في لحظة واحدة وهجموا هجمة رجل واحد على سوق ~~الذهب والملبوسات الصينية الرخيصة الجاهزة، الساعات المزيفة والبنوك والمغالق الضخمة، وبعد ~~معارك صغيرة وكبيرة هنا وهناك، كان السوق العربي قد غرق في فوضى نهائية، ثم انتقلت العدوى ~~إلى أم درمان المحطة الوسطى عن طريق رسائل موبتل القصيرة ووسائط سوداتل والمساعدية ~~والسواقين، وهجم الناس على السوق هجوما عنيفا، فكسروا وسرقوا وأكلوا وضربوا وشربوا وقفلوا ~~ونشلوا وقلعوا وأخذوا، وأصبح البعض مليونيرا في لحظات، وفرغت معروضات الذهب من مصوغاتها، ~~والصيدليات من الأدوية، والدكاكين من ... ثم انتقلت أخبار الفوضى إلى بحري، إلى عطبرة، إلى ~~كوستي، إلى سنكات، إلى كسلا، بورتوسودان، جوبا، ياي، القدميلة، الفاشر، النهود ثم خشم ~~القربة، عندلة، الرصيرص، سنار ود مدني ... ثم لدهشة الجميع أن سمعوا المارشات من الإذاعات ~~التي أوقفت برامجها العادية وأعلن المذيع: بيان هام فترقبوه. # أوقف التليفزيون برامجه العادية وظهر مذيع مرتبك أعلن للجميع: بيان مهم فترقبوه. # استمع الناس في صمت ورعب إلى الموسيقى العسكرية تنشد مارشات علي دينار، ومارشات إنجليزية ~~بصورة متواصلة. # وكانت الفاجعة الكبرى عندما تحركت قوات المعارضة التي وفقا للاتفاق أن تبقى في ~~الخرطوم لتقوم بهمام الأمن، وأن تثني الحكومة عن النكوص عن معاهداتها، وأن تهدي كل من ~~تسول له نفسه بالخيانة إلى الصراط المستقيم، واتجهت نحو القيادة العامة ثلاث كتائب مدرعة ~~وكتيبة مرابطة قرب الإذاعة بأم درمان اتجهت نحو الإذاعة، وفي ساعة واحدة كانت كل معسكرات ~~الجيش بالخرطوم وأم درمان تخلو من الجنود، الأحياء والشوارع تخلو من المارة، والجثث تحتل ~~فضاء المكان، ومن خلال إذاعة خارجية متنقلة قرأ أحدهم البيان الركيك التالي: # بسم الله ms31 الرحمن الرحيم # المواطنون الكرام، لقد استطعنا بعون الله الانتصار على مجموعة من أعداء الشعب ~~المرتدين عن الإسلام، المدعومين من العدو الصهيوني، الذين حاولوا الاستيلاء على ~~السلطة عنوة، الذين تخيفهم الحرية والديمقراطية ويرعبهم السلام، المطلوب من ~~المواطنين التزام منازلهم، وعلى الجنود الالتزام بثكناتهم وسوف نوافيكم ... # وتكرر هذا الإعلان بصورة مستمرة، وكل مرة تحسن صياغته، ولكن ظل المعنى واحدا ~~والمذيع المرتبك مرتبكا، والمواطنون الكرام يخمنون ما حدث ولا أحد يعرف الحقيقة، والبعض ~~وضع الأمل في إذاعة لندن وفضائيات العالم الأخرى التي لا تزال ... # كانت الشاحنات العسكرية تعبر الطريق السريع ماضية نحو الخرطوم، تبدو واضحة من على ~~البعد، كنا ننظر إليها ونحن على فرع أشجار السيال من المحراب، كانت ثقيلة ومسرعة، مخيفة ~~وغامضة، لا توجد عربة مدنية واحدة تذهب نحو العاصمة. # في اليوم الثالث ظهر الانقلابيون على شاشات التلفزيون العالمية والمحلية، مطأطئي الرءوس ~~زائغي الأبصار، لهم شفاه ناشفة غبشاء، وآذان منتصبة كآذان كلاب الصيد، أسنان بارزة للأمام ~~ليس قليلا، كانوا معروفين لدى الشارع بالاسم والصورة والأفعال والهيئة والسيرة، بصورة ~~جيدة: إنهم الانقلابيون القدامى أنفسهم. # ذهبنا جميعا إلى المدينة نتفقد مواقع عملنا وأصدقاءنا، كانت نوار سعد وأمين محمد أحمد ~~خارج المنزل، اتصلنا بهما كمحاولة أخيرة ولكن لا تزال شبكة الموبايل لا تعمل، أخذنا نتمشى ~~في الشوارع الفارغة. # | كتابات: رسائل إلكترونية # نوار سوف أكتب إليك لا أدرى لماذا، هل لأنني لا أستطيع أن أقول لك الشيء قولا، أو أن ~~الشيء لا يمكن أن يقال؟ # قضيت هذا الشهر بعيدا عنك، لا أدري متى تسمح لنا الجامعة بالعودة إلى الخرطوم، الآن ~~أدرس مادة الشعر الإنجليزي للطلاب بالكلية، والطلاب كالعادة لا يفهمون إلا من رحم ~~ربه، مصابون بالكسل الذهني ولا يقرءون إطلاقا، يأخذون معلوماتهم من المنتديات والونسات ~~والنقاش العام بالأنشطة، وقد يحفظون خطبا بكاملها من أركان النقاش، لدي تلميذان ~~أتنبأ لهما بغد مشرق في الحياة، أحدهما من أقصى الشمال اسمه صلاح الشايقي، والآخر من ~~الشرق اسمه صالح سعد. لدي تلميذة أيضا تهتم ولكن بقدر أقل، وهي من الأبيض ms32 تسكن في داخلية ~~بالخرطوم، هذه التلميذة تذكرني بك كثيرا، هي فقيرة جدا وجميلة جدا وذكية جدا ~~وطويلة جدا، وتكتب القصص القصيرة، وقد حضرت لك عدة محاضرات عن التشكيل في كوش، ~~سنقضي هذين الشهرين هنا نسجل ملاحظات عن لغة العساكر، وهو بحث اللغويات المقرر في هذا ~~العام للطلاب، وقد كلفت بالإشراف على خمسة من الطلاب. لم أكتب شيئا من الشعر يذكر، ~~فقط هذا المقطع: # ها هو الشتاء يا حبيبتي # يزهر مرة أخرى # وها هي النعاج الخجولة تقضم الورود المرتعشة # وأنا وحدي # أحاول حشوك بالمواكب والذكريات # مثل نعجة خجولة # الخوف # قابع على عتبة بيتنا الصغير؛ يقرصه البرد. # وقد أرسلتها من قبل عبر بريدك الإلكتروني، أقصد بالأمس القريب، كتبتها في الأصل باللغة ~~الإنجليزية وقمت بترجمتها إلى العربية، وقد أعجب بها صديقنا الأديب لولي ينج، وهو قد يترك ~~السودان ويسافر نهائيا إلى جنوب أفريقيا، لم تستمله ما لاحت بوادره من سلام، وقال إن ~~السلام لن يغير شيئا وسوف يكرس لما سبق بصورة أسوأ من الماضي؛ لأنه سلام فوقي، وهي عكس ~~أفكار مايكل حبيب القديسة سهير، فهو يؤكد أن أمريكا ما دامت موجودة ومسيطرة على العالم بمن ~~فيه وما فيه، فإن حكومة البلاد الكبيرة ستحترم مواطنيها وتعاملهم كبشر ولو على مضض، إلى أن ~~تحل طالبان محل أمريكا، حينها فقط سأهرب ولكن للغابة أو إلى سيارا مايسترا، وليس لمكان ~~آخر. # أنت تعرفين رأي أمي سعاد عنك، لم يكن ذلك الرأي مزعجا في الماضي، ولكنه الآن على ما ~~أعتقد يجب أن نأخذه مأخذ الجد. سوف نتحدث عن ذلك لاحقا، لا بأس. # SEND # العزيزة سابا تخلي # كيف حال نوار الصغيرة، اشتقت لهما كثيرا، لم تحدثني عن رحلتك إلى قرية محمد آدم ~~المرحوم، ولكني عرفت بعض التفاصيل من مايكل، وأنت تعرفين أنه لا يتحدث كثيرا، هل عاد ~~زوجك من ماليزيا أم لا يزال هنالك؟ إنه يسافر كثيرا إلى هنالك. تحياتي، تسأل عنه نوار ~~سعد أيضا؛ لأنها تريد أن تغير عربتها بعربة لاندكروز. # SEND # صديقتنا دوشكا تودروف # بعد أن عدت ms33 أنا من روسيا كان من أهم أهداف المرحلة عندي أن أعد لك زيارة إلى ~~البلاد أنت وناتاشا وقوني، وقد تمت الترتيبات على أكمل وجه، والأصدقاء مستعدون لكي ~~يتبعوا معك آثار مايا العزيز، وتبنت كلية الفنون الجميلة ذلك بنفسها، وستكون الرحلات ~~إلى المدن التي عاش فيها مايا وتلك التي بقي فيها قليلا وتلك التي عبرها عبورا، وحتى ~~تلك التي كانوا يتحدثون عنها وينوي زيارتها، كل ذلك سيكون في المتناول. # كما قامت الجامعة بتوزيع دعوات كثيرة إلى بعض الذين كانت لديهم علاقات بمايا في ~~البلاد الكبيرة، وبعد ذلك ستقيم الجامعة احتفالا شبيها بالاحتفالات التي كان يقيمها ~~مايا العزيز في منزله. # أما المنزل فتبنته نوار سعد وزوجها أمين محمد أحمد وسابا تخلي التي قد أصبحت من ~~ذوات رءوس الأموال، بعد أن تزوجت رجلا تجاريا سياسيا له أرصدة لا حصر لها في ~~بنوك العالم. وستعرفي الحكاية عندما تحضرين إلى البلاد الكبيرة، سيتولى هؤلاء صيانة ~~المنزل وإعادته إلى هيئته الأولى تماما كما تركه مايا زوكوف فلاديمير في رحيله الأول ~~من البلاد الكبيرة. # بالرغم من التشوه الذي أصاب الكهوف والتخريب الذي طالها في عهد ظلمات الحكم، إلا أن ~~هنالك محاولات جادة يقودها نحاتون ورسامون شباب على رأسهم المعتوهان؛ كمال ذكريا ~~ونادر جني، وما يسمونه بحاتم فان جوخ وتيسير عبد القادر وإيناس الطيب، وعشرون آخرون، ~~قامت بتمويل المشروع منظمة اليونسكو. # ستحضر الاحتفال أسرة مداح المداح من سوريا، وأسرة الشيخ إمام من مصر، وأمل الطاهر من ~~العراق، وخوان بيدرو من إسبانيا، والنور عثمان أبكر من دبي. نتوقع قدومك بعد يومين من ~~موسكو، الرجاء الرد بأسرع ما يمكن. # SEND # | كتابة: مخلوقات لذيذة # الكراسة التي كتب على غلافها خصوصيات كانت كلها عني، ولأنها عبارة عن خواطر طالب ثانوي ~~في أوج مرحلة مراهقته، فقد كانت عميقة وتمثل لي كنزا ثمينا من الذكريات، بالأحرى هي ~~مرآة لجانب من طفولتي لا يعرفه غير محمد آدم وأنا: # البنات مخلوقات غريبة، غريبة جدا لا يمكن فهمها بسهولة، أنا عارف أن سهير تحبني ~~بحق وحقيقة، ولكن ms34 عندما أتحدث معها عن العرس تزعل وتهدد بأنها حتكلم لي أمها. ~~ولكن سهير نفسها لما ترقد معاي في السرير تمسكني بقوة وتتمنى أنو أمها ما تجي ~~البيت نهائيا. # وفي مكان آخر: # وأنا لاحظت أن والدها كان ينظر إلينا دائما، وكان لا يتركنا نبتعد عنه، أمها عكس ~~أبوها، كانت ترسلنا معا لأماكن بعيدة ونحن نرحب بالفكر وننطلق بسرعة، ما أعتقد ~~أمها كانت عندها مواضيع عايزة تناقشها مع العم حسان. ويوم العيد يوم لا ينسى؛ ~~ذهبنا إلى البحر وما كان عميق، ويمكن المشي في داخل الماء لأكثر من عشرين مترا، ~~وكنت وسهير نعوم في تلك المساحة، أنا أجيد السباحة، هي لا تعرف، كنت أعلمها كيف ~~تسبح، تدق على الماء بكفتها وتدفع الماء بأرجلها للخلف في عشوائية، وبين وقت وآخر ~~تبتلع جرعة كبيرة من الماء خطأ، فتقف فجأة على رجليها تكح، وهذا أكثر شيء يعجبني، ~~كانت بهدومها تلتصق على جسدها، شعرها المبلل يلتصق على وجهها وكفها، وفي اللحظة دي ~~تشبه الجنيات والحوريات، ولولا كنت خائفا من أن يجيء العم حسان والعمة فجأة ~~... # وقد جاء، ولكن وجدني أعلمها العوم وهي ترقد على ذراعي. # كرر العم حسان بمرح غير معهود: دي لو كان الحجر بيعوم هي برضو حتعوم. # مما جعلني أطمئن وأستمتع بالتصادم الخفيف العرضي اللي بيحدث بين نهديها ~~وساعدي تحت الماء، وكان مثيرا جدا ولكن أبوها لا يعرف شيئا. # عندما يأتي وقت الكتابة كنت أحب أن أكون وحدي، حتى آدم أحبه أن يكون بعيدا؛ لأنني أحس أن ~~الكتابة في لحظة إنتاجها ثروة يجب أن تخفى، ولكن بعد إنجازها فهي عالم يستطيع أن يعيشه ~~الجميع. # | الكهف مرة أخرى: الخير # وجدته يجلس تحت شجرة البرازيل العملاقة عند بوابة المنزل، عرفته من بعيد، كان طويلا أسود ~~قوي البنية ولا يشبه غيره، بمجرد أن رأى العربة من بعيد وقف. ~~- الأستاذة نوار سعد. ~~- الخير ... ما بصدق. ~~- جئت عشان أطمئن عليكم بعد الانقلاب الغريب دا، وأشوف أخوي برضو، ولكن قلت أولا أجيك ~~أنت لأني وعدتك. # كانت تفوح منه رائحة الرمال ms35 والشمس الحارقة، البلح الأخضر والأسماك الجافة، فبدا كأسطورة ~~من أغرب ضروب العطر مختلطة بعبق النيل، عيناه عميقتان كطائرين يحلقان بعيدا في الأفق، ~~ملابسه ملوثة بغبار، ومركوبه الكبير عليه بقايا الطعام، آثار الماء وأخرى، بدا واضحا أنه ~~أتى من سفر شاسع متعب ولئيم. قال: قبل كل شيء شاي ... عايز شاي تقيل. ~~- مش أحسن تأكل أولا. ~~- أشرب الشاي ثم آكل، حاسس بصداع. ~~- نجيب ليك أسبرين. ~~- لا، أنا حياتي ما بلعت أية دواء ولا مشيت إلى الدكتور، عايز شاي بس. بالمناسبة وين ~~أمين؟ ~~- أمين في مأمورية في جوبا، طبعا هو أستاذ في الجامعة. ~~- ما شاء الله. # ثم أضاف سريعا وكأنه تذكر شيئا فجأة: أنا جبت معاي شحنة لوري بلح بركاوي وبعته في ~~وقته، الحمد لله لقيت السوق كاشف وطبعا رمضان على الأبواب. # كان يأكل بسرعة ولكن باستمتاع خاص، ويتحدث عن كل شيء؛ عن أمه التي يحبها، العجائز، ~~أطفاله، أنه سوف يتزوج في عيد الفطر. ~~- البلد كلها نساوين والرجال كلهم شردوا للخرطوم، والواحد منهم عندما يبقى للزواج ويتزوج ~~برضو من الخرطوم. أعمل أيه حأتزوج الرابعة والخامسة والسادسة. # كان يضحك بصوت غليظ مرح يطلب مزيدا من الرغيف، سألني سؤالا ماكرا: ما عندك عيال يا ~~نوار؟ # قلت له: والله ربنا ما رزقني، وإنت عارف، بتسأل ليه؟ # قال وهو يمد يده في الهواء وكأنه يشير إلى جني: راجلك اللي شايفو دا ما راجل يجيب ~~عيال، اللي زيك دي تحتاج راجل جد جد، راجل فحل يا نوار، راجل راجل. # وبصورة لا إرادية نظر إلى موقع ذكره، ضحك وهو يحملق في بطني ... ثم أضاف: ولا رأيك شنو يا ~~بت؟ # قلت له حقيقة دائما لا أحب أن أصرح بها، ولا تحب امرأة أن تقولها: كبرنا يالخير، ~~دا كان زمان. # توقف قليلا عن الأكل، وقال في هدوء: يا دوب نحن في بداية الخمسينيات، عمر النبوة يا ~~نوار، وأنت شباب اللي يشوفك ما يديك أكثر من تلاتين، نحن عيال متين يا بت! أنت ما شفت ~~خالتك السرة، ولا عمتك نور الهدى، ولا ms36 أبوي الطيب، ولا جيرانكم عم سعد ولا زوجته الأولى ~~مكة؟ حتى الآن مكة تلد الأطفال وهي أكبر مننا بسنوات، وضعت السنة اللي فاتت تيمان ذكي ~~وذكية، خالتي سعاد كل سنة بتلد وهي في الخرطوم، أنت شوفي اللي حواليك بتقدري تعرفي ~~نفسك. يا نوار شوفي أمي متين وقفت من الولادة، يا بت الراجل كان عنده شي لو دفقه في الحجر ~~بيثمر، ولو ما عندو حاجة، لو بال في بت تسعتاشر ما منه أي نفع. # اقتنع بعد الأكل على أخذ حمام دافئ، واستبدال ملابسه بأخرى نظيفة، ثم أخذ قسطا من الراحة ~~في الديوان، لحظات أخرى وعلا شخيره. استيقظت على صوته يصلي صلاة الصبح، يرتل القرآن جهرا ~~بصوت غليظ ثم يتلو الراتب، نمت، ثم على وقع أقدامه يتجول في المنزل وهو يسبح بصوت مسموع، ~~ثم سمعته يدير حوارا مع عم جعفر الخفير الذي يبدو أنه انزعج بعبادة الخير، وأنه استيقظ من ~~نوم عميق، اختفت أصواتهما ربما ذهبا إلى الحديقة، في الصباح الباكر طلب مني صراحة أن ~~أطلق محمد أحمد وأتزوجه هو، وقال إنه يعدني بأن يقضي شهرين إلى ثلاثة أشهر سنويا ~~معي، وأنه يستطيع أن يجعلني حبلى في ليلة واحدة، ما فائدة الإنسان بدون ثمرة؟ لكني ~~أكدت له أنني لن أفعل ذلك، وأن أمين هو زوجي النهائي إلا إذا اتفقنا على الطلاق أنا وهو. ~~ألمح لي إثر رفض فكرته أن أمين لا يمكنه أن يشبعني جسديا، قلت له في سري: إنه مسكين لا ~~يعرف شيئا عن تاريخ مع الرجال يخصني، كان عظيما، وكنت ملكة متوجة على عرش رغائبي، ~~وإنني فعلت ما أستطيع من أجل إشباع جسدي، وإنني فعلا استطعت أن أجد ما كنت أطلبه من الآخر، ~~والآن أنا أمر بمرحلة إعطاء فرصة للآخر الذي يبحث عن حاجة تخصه عندي؛ أن أجعل الحياة ~~أجمل ولو لشخص واحد لا أكثر، هو أمين محمد أحمد، هي مخاطرة ولكن يقول شيخي النفري: في ~~بعض المخاطرة النجاة. # فحسبي ذلك، قلت له في سري: أن الوقت الذي يخصني مضى، ms37 وأخذ نصيبك رجال شتى يتبعثرون ما بين ~~أقصى شمال العالم إلى أقصى جنوبه. قال لي: قبل ما أسافر حاجي تاني عشان أقولك مع ~~السلامة. # كان وهو يمضي تفوح منه رائحة المني، التمر الطازج وعرق البلح، قال لي شيطان لئيم: ~~فكري في الأمر يا نوار. # | جماليات الكوارث: فصل في المال الحلال # زوج سابا تخلي الثري الشيخ طه لم يبخل بخمسين مليونا، وهو نصيبه من تكلفة صيانة منزل ~~مايا زوكوف، كان مبلغا كبيرا، لكن لا أحد يراه كذلك، الجميع دون فرز حتى سابا تخلي نفسها ~~كانت ترى أن زوجها الشيخ طه قد بخل بماله بوضوح وخزي، ربما لأسباب سياسية، لمواقف عقائدية ~~لا يرغب في الإفصاح عنها. كان أمين محمد أحمد أكثر الناس احتجاجا؛ لأنه ونوار سعد عليهما ~~إكمال صيانة المنزل بجهدها الخاص، كان يرى أن الشيخ طه بعد أن فاز بشراء كوارث مدينة كسلا ~~في العام الماضي صار الرقم الخامس من حيث الثراء في البلاد الكبيرة، لا يفوقه إلا رجل فاز ~~بشراء كوارث نازحي دارفور مؤخرا. # ويقول أمين محمد أحمد وهو في حالة غضب لنوار: اشترى الكلب الكارثة كلها بمليار دينار فقط، ~~وقد استلفه من البنك وأودعه البنك ذاته. انظري بعد ذلك عندما دمر القاش كسلا، انظري ملايين ~~الدولارات والإعانات انهالت من جميع دول العالم، كم مليونا من الدولارات ... كلها، كلها دخلت ~~حسابه ومخازنه. تصوري أنه في الخمس ساعات الأولى غطى ملياره من تبرعات مدينة القضارف ~~وبورتسودان فقط، حلي، نساء، ساعات، رغيف عيش، حطب دقيق، ملابس، جازولين، شرموط، وقود فحم، ~~لحوم، دينارات سائلة، ملح ... كان يعمل معه ألف عامل بالتمام والكمال في المحليات، في ~~المخازن، في المطار، في الجمارك، في الطرقات، حكومات الولاية، الجيش، البوليس، عمال توزيع ~~الأطعمة ... # كانت أية قطعة خبز في طريقها إلى فم طفل لا بد أن تمر بمحاسبيه ومخازنه، هو أولا يأخذ ~~حقه منها ثم يرى في شأنها، وقد تصل حبة عيش أو مجرد وعد بالرغيف أو يدفع فرق السعر، وقد ~~قدمت له الحكومة الخدمات الإعلامية من إذاعة ms38 وتليفزيون وميكرفونات وندوات خارجية وخطابات ~~وزارية وتنظيم رحلات السفر، الأجانب وعمد الجاليات والمنظمات العالمية؛ ليطلعوا على خراب ~~القاش بأعينهم، وقامت الحكومة بتصوير فيلم سريع ومن حر مالها؛ ليعرض في القنوات ~~الفضائية العالمية من أجل العمل الإنساني السريع الفوري، بل إن سفير البلاد الكبيرة في ~~الأمم المتحدة طالب كوفي عنان شخصيا بزيارة كسلا، وقد أرسل الأخير وفدا رفيع المستوى ~~حلق بطائرة الهليكوبتر العملاقة في المدينة كلها من أجل زرع البهجة والأمل في نفوس الغرقى ~~والمسئولين والناجين على السواء، أما طه فقد كاد أن يغمى عليه من الابتسام، قال إنه أنفق ~~في كوارث القاش ثلاثة أضعاف ما اتفق عليه. أشك في ذلك، حتى ولو كان ذلك صحيحا، فإنه ربح ~~من هذه الكارثة حوالي ثلاثة ملايين من الدولارات. # قلت لأمين: (...) # قال ببرود وحلق جاف: لا شيء. # ضحكنا كثيرا ... كثيرا... كثيرا. كانت سابا تخلي زوجته الثانية، الأولى لم تنجب له الأطفال ~~وهي قريبته، كان يحبها وما زال، ولو أنه تزوج مرة أخرى رغما عنها ظنا منها أنها سوف تنجب ~~يوما ما ... عليه الانتظار، ولكن تعجل الأمر وخاصة بعد أن ظهرت بوادر النعمة برضى ~~المجموعة عنه، فقد وفد إليهم من حزب سياسي معارض ذي صيت، وأكد على ولائه عندما أبلى في ~~معارك الاستوائية - قبل السلام - بلاء قيم بأنه حسن، وقتل ما لا يمكن التأكد منه من ~~المواطنين الجنوبيين، وإنه الآن أخذ يفكر جديا في وريث لماله واسمه ولنسله، واضعا في ~~الحسبان أنه الوليد الوحيد لأب له من البنات ثمان، الآن جميعهن ثريات وقد ظهرن مرة في ~~التليفزيون في برامج سيدات الأعمال، بأيديهن السمينة أرطال من الذهب وألوان من الحناء، ~~يغرقن وجوههن بأغلى الكريمات، يشوين قلوب النساء غيرة وهن يستعدلن أثوابهن الفارهة بين ~~الفينة والأخرى، وكن في غاية الجمال والأناقة والغنج عندما يلوين شلاليفهن الكبيرة ~~ليتحدثن. # ومن الطبيعي ألا يحكين عن شيئين: كيف وأين كن قبل أن تهبط عليهن الثروة؟ والثاني من ~~أين لهن هذا ...؟ لكنهن أسرفن في وصف وضعهن الحالي وإدارة المال والرجال والعيال، الموضة، ms39 ~~ولكي يصبحن أكثر حداثة، تحدثن عن دعمهن لإنهاء التمرد في دارفور والقضاء على الحركات ~~المسلحة بتقديمهن لزاد المجاهد، بل جادت قريحة إحداهن ما أسمته المذيعة قصيدة شعر ~~حماسية في تشجيع الجنود على الحرب. # أنجب منها نوار، وسماها نوار لأنه يكن شكرا وعرفانا كبيرا لنوار سعد التي لولاها لما ~~كانت سابا زوجة له، سابا الجميلة الممتعة، وكان يريد منها ولدا ليضمن مسألة الوريث، ولكن ~~عندما جاءت نوار احتفل بها واحتفى احتفاء يليق بمكانته السياسية والاقتصادية والاجتماعية ~~ووضعه في الأسرة المميز، وهي السماية التي حضرها الوزراء والبيوتات السياسية وكثير من ~~رجالات السفارات الأجنبية ورجال الأعمال والثروة وكبار التكنوقراط، وخلت تماما من المشردين ~~الذين يضايقون الناس في الولائم الكبيرة، وتم ذلك بتعيين فرقة من البوليس وإدارة الشغب ~~والأزمات العنيفين، الذين لا يرحمون ولا يعصون ولا يأبون، والذين يضربون، والذين إذا قيل ~~لهم أن يقتلوا فإنهم يقتلون. # قدر أمين محمد أحمد تكاليف حفلة السماية بمبلغ 320000، ما تبقى من أطعمة جيدة وطازجة ~~وسهلة الهضم حمل في شاحنة كبيرة إلى خارج المدينة الكبيرة قرب موقع حي فقير، وفي سبيل ~~الله وحدة قسم للجميع؛ كرامة وسلامة. # كان جارنا، تقدم لسابا قبلنا فقبلت، وتزوجها وأنجب منها نوار، كان كريما، إلا أن الناس ~~يريدونه أكثر كرما؛ لأنهم على الأقل يعرفون مصدر ماله. # بعد التحولات السياسية في البلاد وهي كما يلخصها آدم: # بوادر السلام/حرب دارفور. # انتباه أمريكا لمصالحها في السودان. # دعم الصين والدول العربية وإيران للحكومة عسكريا. # النموذج العراقي والأفغاني. # تلويح أمريكا بالتدخل العسكري في دارفور. # النموذج الليبي. # الشيخ طه الجيلي، مثله مثل بعض أصدقائه عندما وعي التغيرات السياسية الكبيرة والصغيرة، ~~أخذ يحس بوخز الضمير الناتج عن الخوف من المستقبل، وبدأ يتبرع في المناسبات وغير ~~المناسبات بمال يزكي به مالا لديه في بنوك كثيرة يعرفها، ومشروع «طريق مايا العزيز» كما ~~سمته منظمة اليونسكو هو فرصة للتطهير والطهارة والغسل النظيف، ولكن كما يقول أمين محمد ~~أحمد: ولكن ليس بهذه الرخصة، لا نريد منه أكثر من مليار ولا أقل. # قبلنا بغسيل أمواله ms40 فينا، ولكن فليحسن الغسيل. # طريقة التسوق الجماعية التي كنا نتبعها في السابق ما زلنا نحافظ عليها إلى اليوم، وهي ~~الذهاب الجماعي إلى سوق المدينة وشراء مؤنة الأسبوع كله في يوم الجمعة، ولو أننا جميعا ~~نعمل في المدينة إلا أن المجيء للتسوق مجيء للتسوق فقط. # أثر الانقلاب الذي سمي بالكاذب أو الفاشل؛ حسب المتحدث، ما زال مؤثرا بوضوح في ~~الشوارع والناس والخطاب السياسي والجرائد، وحتى سعر السلع والمواد التموينية والكتب ~~أيضا. # اشترينا كما اشترى الناس شراء من يخاف أن يستيقظ ذات صباح ويجد السوق وقد فرغ من كل ~~شيء؛ لأن الشائعة التي تقول إن ذاك الانقلاب ليس بكاذب، إشاعة قوية، وإن هناك حقيقة لا ~~يفصح عنها، وإنهم أغلقوا صحيفتين وهددوا بإغلاق أخرى؛ لأنهما ألمتا بما يشبه قلب ~~الحقيقة، أو عين الكذب. # أجلت زيارة دوشكا تودروف إلى البلاد الكبيرة حتى يستقر الوضع قليلا، الصيانة في ~~الكهوف تتقدم بصورة جيدة، العمال يقضون وقتا أطول في إعمار منزل مايا زوكوف، حدد ~~الجغرافيون خارطة سير مايا منذ خروجه الأول من روسيا، رسموا مدنا كثيرة مبعثرة في ~~العالم، عدة قرى لم يسمعوا بها من قبل، أحراشا فلوات ومغارات وصحاري، ممالك صغيرة ~~جميلة ليست بذات أهمية، دققوا بصورة أكثر تفصيلا على البلاد الكبيرة، عندما اهتدوا إلى ~~أحد رجالات البوليس السري، الذي كان يمثل المسئول المباشر عن تحركات مايا زوكوف، ~~استطاعوا أن يحددوا عدد المرات التي تبرز فيها مايا زوكوف في العراء وأين. # المغنية الجميلة عفراء عبد الرضي قطعت شوطا كبيرا في التدرب على ألحان مداح المداح ~~السورية، حتى البدوية بلهجتها العذبة، الفنان كمال زكريا يضع اللمسات الأخيرة لنصب الحدأة، ~~الذي تم ترميمه في سنوات الظلامات؛ حيث اتفق الناس على تسميتها، رجالات الحكومة أيضا ~~يحبذون هذا الاسم، سكرتارية الاحتفال استطاعت أن تصل إلى تسعين في المائة من الأشخاص الذين ~~حضروا يوم تأبين مداح المداح وما زالوا على قيد الحياة، حتى المجنون الذي صعد ذات مرة على ~~شجرة التبلدي وخطب خطبته الشهيرة، ولحسن الحظ أيضا، وافق النور عثمان أبكر ms41 على أن يتم ~~تكريمه في الحفل الافتتاحي كأكثر شعراء البلاد جنونا في فترة ما بين تهجير أهالي حلفا ~~القديمة، ومقتل الأستاذ محمود محمد طه، ولو أنه لم يوافق على قراءة أوراق الابن العاق كلها، ~~واعتبر ذلك محاولة لتضليل أحبائه، الذين أعجبوا به كثيرا، بأنه يحبهم أقل. # العالم كله الذي يخصنا في انتظار زيارتك يا صديقنا دوشكا تودروف. # | قوالات # قال أمين محمد أحمد لسابا عبر الموبايل: سنسافر إلى إثيوبيا مباشرة، ثم من هناك إلى ~~أستراليا. # قالت سابا: الفكرة دي هي الأحسن؛ لأن القاهرة وسوريا كلها بلاد يمكن أن يتوقعنا فيها، ~~وبسهولة يقبض علينا زي الكدايس. ~~- أضفت بنتنا نوار للجواز؟ سألت سابا. ~~- كل شيء جاهز، حتى شهادة الميلاد بالاسم الجديد غيرتها، بس ما غيرت اسمها إلا ... اسم ~~الوالد، فقد سميتها باسم والدها الحقيقي وهو أنا: نوار أمين محمد أحمد. ~~- ها، ها، يا ريته لو عرف، ليه ما غيرت اسمها هي برضو؟ آه، عاجبك اسم نوار سعد؟ ~~- ما تزعلي عندما تلدي ولد، نسميه طه عشان نوزن الموضوع. ~~- أنت نوار لسع عاجباك، وأنا عارفة كدا. ~~- إذا كانت عاجباني ليه أهرب معاك؟ أنت المرأة الوحيدة ملخص من كل النساء وابنة طفلتي، ~~أحبك يا لعينة. ~~- بحبك، بحبك، بحبك، باي ... سامعة صوت في الباب، اضرب لي بعدين، لمان أعمل ليك مس كوول، ~~باي. # | سابا تخلي: في مديح الحبشيات # لا الشمس ولا القمر # ولا النجوم منحتني النور # لكنه الظلام # ونور الحب في داخلي مخترقا جسدي. # غونار أكلف # الزمن ليس كله من ذهب، في صباح جميل في الحديقة تحت ظلال الفيكس والستكا وزقزقة الكروان ~~ونداءات الكلج كلج آتية من سدرة في الجوار، أطلقنا للأزمنة أسماءها: زمن من ذهب هو الوقت ~~الذي يكون فيه الشيخ خارج البلاد الكبيرة، وتكون فيه نوار سعد أيضا في سفر خارج البلاد ~~الكبيرة، حينها نغلق أحد البيتين إغلاقا جيدا ونترك ما في الخارج لله والخفير، ونمرح أنا ~~وسابا تخلي في المنزل الآخر، نشبع هواياتنا في مشاهد أفلام الجنس بواسطة ذرن، والقمر ~~الاصطناعي هوت بيرد، ونقرأ ms42 كتاب الكماسترا ونطبق الأوضاع التي به، نقرأ الشعر أيضا، شعر ~~بابلو نيرودا، عثمان بشري، غونار أكلف، نجلاء عثمان التوم، إدوارد إسلن كمنجز، وولت ويتمان، ~~محمد الصادق، أليس ووكر، ودائما ما تتخلل السهرة أغنيات سابا تخلي الحبشية الراقصة التي ~~نرقصها معا، غالبا ما أقدم لإجازة قصيرة من الجامعة، في مثل هذا الزمن حبلت سابا بنوار ~~في وقت ذهبي من هذه الأوقات، هذا سر جمال نوار، نوار أمين محمد أحمد، أليس هذا اسما ~~جميلا. هناك زمن من فضة، وهو زمن أقل جمالا ولكنه أحسن من زمن أقل منه درجة، وذلك عندما ~~يكون الشيخ في سفرية أو نوار سعد في السفر، أي أحدهما خارج البلاد الكبيرة، هنا تحلو ~~المغامرة وسرقة الأوقات الممتعة، لحظات الحياة التي لا تتكرر، وهنالك حقيقة أريد أن أقولها: ~~إن سعادة الحياة مرتبطة عندي بسابا، وكل المعاني الجميلة والاشتياق، الحب، والانتظار، ~~والتفكير، الشعر، الأغنيات، الرقص، الفرح، السفر، الليل، البيوت، السكينة، المشاوير، ~~الكلام، الرطانات، السهر، السينما، الأقمار الاصطناعية، الأمطار، الصيف، الشتاء، الطفولة، ~~الولادة ... كلما مر شيء بي تخللته سابا تخلي، هي امرأة خلقها الله أرق، أنعم، أحلى، ألدن، ~~أنور، أطيب، أحب، أسمى، أنضر، لسابا ما لا يوصف، لكنها تحس، تلمس، تقبل، تعطي، تمنح، تهب، ~~تذوب، تفيض، تضيء، هي اكتمال الأشياء كلها. هي المرأة التي يصبح الزمن كله من ذهب بين ~~ظهرانيها، ولكني أطوع نفسي في زمن المغامرة، في زمن الفضة أيضا، كنا نلتقي - أيضا - عند ~~قهوة الظهر مع نوار أو الشيخ، أي عند تواجدهما، لأنهما لا يشكان في سلوكنا؛ ولإننا لا ~~ندعهما يشكان. # وهنالك زمن من برونز، وهو أن يوجد بالبلاد الكبيرة كلاهما ولكنهما يذهبان للعمل نهارا، ~~فماذا يمنع أن نلتقي في أحد البيتين إذن؟ # هناك زمن من ورق، وهو أن يوجد الاثنان والوقت عطلة، وأنهما مستقران في البيت، وهل هنالك ~~من يحرمنا من لعب الشطرنج والليدو أو الكتشينة معا؟ # هناك زمن من شوك، ونار وطين وتراب وغبار وظلام. # ولكننا أنا وحبيبتي سابا تخلي لا يحول بيننا حائل، ولا يطالنا طائل، ms43 نعمل في نقطة ~~الأمل/المخاطرة، شعارنا الحياة مرة واحدة لا تتكرر. # نوار سعد كانت تضع لفارق السن الكبير بيني وبينها ألف حساب، ولا تؤمن بكذباتي الصغيرة ~~عليها فيما يخص الارتباط المقدس الأبدي، وكيف كنت أحتفظ بملابسها الداخلية وأدفع فيها ~~الغالي والنفيس لسابا التي تقوم بسرقتها، وعرفت أنها وضعت كل ذلك في سلة حرماني من حنان ~~الأب. كانت تأخذني للتسوق في أرقى الأسواق المحلية والعالمية أيضا، وتساعدني في الزمن ~~الورقي على التحضير لمحاضراتي القادمة، بل إن معرفتي بالشعر الإنجليزي تعمقت من خلال ~~نوار سعد؛ حيث كانت لها اهتمامات حقيقية وفعلية بالشعر، وتعرف، بل صادقت كثيرا من الشعراء ~~مثل أليس ووكر وأميري بركة ولولي ينج، وتعلمت منها حقيقة حبها للآخرين، فكانت سيدة مضيافة ~~وترحب بأصدقائي وصديقاتي وخاصة الطالبات الجامعيات؛ حيث كانت تقدم لهن رعاية خاصة، فلم ~~يحدث أن أتت صديقة معي إلى المنزل ولم تهدها نوار سعد طقما من الصابون والكريمات والأمشاط ~~الفاخرة، زجاجة عطر قيمة، ربما فكرة تكوين منظمة خاصة برعاية الطالبات الجامعيات نبعت ~~عندها إثر هذا العطاء، وهي المنظمة المعروفة باسم طالبات، التي ترعى أكثر من ألف طالبة ~~فقيرة بالعاصمة وأقاليم البلاد الكبيرة، حدثتني سابا ذات مرة أن نوار سعد جمعت ما بين عمل ~~الخير والاهتمام بالفن المرئي ... قالت: أخذت من الحياة ما يكفيني، الآن وقت العطاء ... عايزة ~~أخليه يشوف حياتي. ولكن هذا غير صحيح، فلقد كانت تضيق علي الخناق بصورة مزعجة، ولا تدعني ~~أفلت من كفها أو بصرها أو سمعها إلا أذا كان ذلك رغما عنها، بل كانت تستهلكني بصورة مرعبة ~~... عندما تحضر نوار سعد من إحدى سفرياتها كانت لا تخرج مساء إلا للتسوق قليلا، أو تزور إحدى ~~بيوت الطالبات لتطمئن على أن ليست هنالك طالبة في حاجة إلى كريم أو صابون أو مصروف ضروري ثم ~~نعود. # لاحظت أنني دائما ما كنت أرغبها وبصورة ملحة، وقد أواقعها في الليلة الواحدة أكثر من ~~ثلاث ضجعات، اندهشت من نفسي، ولو كنت أؤمن بالسحر والعمل والفكية ربما قلت أن بعض ذلك حدث ~~لي، ms44 ولو أنها تطعمني بصورة جيدة وتشحن بطني بالألبان والفاكهة والعصائر والمشروبات ~~المستوردة، إلا أنني كنت أحس بأنني مستغل ومستهلك، وعندما عرفت السر لم أستطع أن أرفض، ~~فكنت أرشف عصير المساء المطعم بحب الفياجرا برضاء تام وعدم فضح حقيقته، إذا كانت صريحة ~~معي لاستبدلت عقار الفياجرا بالأعشاب الصينية الطبيعية التي سرقتها لي سابا تخلي من زوجها؛ ~~حيث كان يستوردها بكميات كبيرة لأصحابه من الطبقة، يخزنها في المنزل، ولكن ... # هاتان المرأتان شكلتا إحداثيات حياتي، وكنت أشك فيما إذا كانت نوار سعد تعلم بعلاقتي ~~مع سابا تخلي، وأنها تصرف السمع والبصر عن ذلك، بل وتدعي أن علاقتي بسابا كعلاقة الأخ ~~بالأخت أمام زوج سابا الشيخ طه، بيني وبين نفسي أريد أن أحسم هذه العلاقة في يوم ما، ولكن ~~ليس لصالح نوار سعد على أية حال. أمي تريدني أن أتزوج بنتا صغيرة من الجيران تصلح للبيت ~~وإنجاب الأطفال، وتفضلها مكملة للثانوي العالي فقط، وكفاية يا ولدي المتاهة اللي أنت ~~ضايع فيها دي! # أمي لا تعرف أن الرجل عندما يعجب بالحبشية لا يرى شيئا آخر، والعيب الوحيد في سابا ~~أنها متزوجة، ولكنها تنجب لي البنات، وإذا سافرنا معا إلى الخارج سنتزوج، ~~وسنحيا. # | في الكهف مرة أخرى # استأجرنا بيتا صغيرا في ضواحي الخرطوم بأجرة شهرية لا بأس بها، وكان يخلو من المطبخ، ~~ولكن آدم قام ببناء مطبخ صغير بالطوب الأحمر والطين وعرشه عرشا بلديا متينا، حفرنا ~~أنا وهو مرحاضا في أحد أركان المنزل خاصا بنا بدلا من المرحاض المشترك بيننا ~~والمستأجرين الآخرين، ساعدنا بعض الأصدقاء في بنائه وتجهيزه. # آدم يعمل موظفا صغيرا في شركة نقل تخص إحدى نساء الأعمال الثريات، وأنا دخلت عدة ~~معاينات للعمل كمهندسة ديكور أو مصممة أو حتى معلمة للرسم والتلوين في مدرسة من المدارس، ~~ولكن لم أوفق في ذلك. فكرت بصورة جادة أن أعمل لحسابي الخاص في المجال الذي لي باع ~~فيه، وهو مجال النحت، وأن أعمل عملا صعبا ولو أنه شاق، ولكن حقيقيا ويشبع حاجتي وتطلعي ~~الفني، ولا أنتظر عائدا ماديا ms45 في القريب العاجل وأن أبدأ العمل في كهوف مايا ~~زوكوف. # أستخدم الحجارة الجيرية والترسبية والرخام الجميل الذي يتميز به ذلك الموقع، وطرحت ~~الفكرة لآدم فاقتنع بالفكرة وطرحناها على مايكل، القديسة، نوار سعد، أمين وسابا، فأكدوا ~~أنها فكرة شجاعة، وكونا صندوقا سريعا لشراء معدات النحت، قطع الحجارة وصقلها ومواد ~~الطلاء، وقمنا برحلة لمعاينة المكان وتحديد موقع العمل. وجدنا كمال زكريا وفرقته يعملون في ~~جد في صيانة الكهوف وإعادة طلاء ما أتلفته النار التي كان يوقدها البوليس في عهد الظلام ~~لأغراض الإضاءة والطعام والتعذيب أيضا. اخترنا موقعا مواجها للكهف الكبير، حيث نصب ~~الحدأة التي تحلق عاليا صوب الحزن. # وسميت المرسم بيت الأمل، أول قطعة رخام كبيرة بدأت في نحتها كانت تزن طنا كاملا، ~~لونها أحمر متدرج نحو الوردي، الفكرة الأساسية هي أن أشكل عصرين؛ عصر بدأ منذ 89 واستمر ~~إلى 2004، وينطلق نحو أسئلة كثيرة قد تكون متناقضة وقد تتوافق، ولكنها تمثل فيه تأثير ~~النظام العالمي الجديد في واقع الحياة في البلاد الكبيرة، وأريد أن أعبر بالذات عن هذه ~~الحرية التي نعيشها اليوم، الحرية الطلقة، حيث الضمان الوحيد لاستمراريتها أمريكا؛ لأنها لم ~~تأت بنضال الشعب في مؤسساته الوطنية الرسمية، أو مؤسسات المجتمع المدني، أو مجاهدات ~~مثقفيه، أو حتى اقتناع السلطة الحاكمة بجدوى الحرية والديمقراطية والحكم المدني ومؤسسيه ~~وحقوق الإنسان. أريد أن أعبر عن كل ذلك، فأخذت أنفذ الدراسة تلو الدراسة، أمزق وأناقش ~~الناس وأتأمل الحال، وذهبت مرات عدة إلى كلية الفنون الجميلة والتطبيقية، وطرحت سؤالا ~~للطلاب وطلبت الإجابة عليه نصا أو تخطيطا أو تكوينا مرسوما، فتحصلت على أشكال ~~قبيحة سطحية لا تحمل أي بصمة خاصة بجيل أو مدرسة أو شخص أو حساسية، مجرد إحساس، كانوا ~~يقلدون أو يرسمون وفي أذهانهم أساتذة لا غير. # قلت لهم: ارسموا بأحاسيسكم أنتم؛ حيث كنتم شهودا على عصر مظلم مضى وزمن جميل يأتي، قالت ~~لي إحداهن: يا أستاذة، نعم هنالك عهد قبيح مضى، ولكن عصر قبيح أتى أيضا، أقبح نعيشه الآن، ~~ثم أنشدت: # لا تحلموا بعالم سعيد # فخلف ms46 كل قيصر يموت قيصر جديد. # وكان هذا ما أخاف منه بالضبط. قلت لها محاولة أن أعرف منها أكثر: والسلام؟ ~~- السلام اللي بين الحركة والحكومة، أم ما بين الشمال والجنوب، ولا الشمال ولا ~~الغرب ولا بين سكان دارفور من عرب وحكومة من جهة، وفور زغاوة ومساليت وداجو وآخرين من ~~جهة أخرى، أي سلام؟ هل نضع جبال تلشي في الحسبان وحزب المؤتمر الشعبي والوطني؟ أنا لا أفهم ~~يا أستاذة، أضيفي بعد دا كله إلى الانقلابات الكاذبة! # قلت لها بوضوح: أنا أيضا لا أفهم. # الآن اكتشفت فائدة المعتقل والسجن والتعذيب الذي نلته في الفترة الماضية، إنه يجعلك أكثر ~~حساسية للتغيير الذي يطرأ ولو كان تغييرا طفيفا نحو الأحسن، وهؤلاء الذين لم يدخلوا جحيم ~~العهد الماضي لا يستمتعون بجنة هذه الأيام، الذين لم يعتقلوا لا يميزون هامش الحريات، ولا ~~يعرفون أسماء الملائكة، كان الطلاب متشائمين، وأشارت لي بنت صغيرة جميلة سوداء لها عينان ~~كبيرتان إلى تمثال من الأسمنت قام بنحته كمال زكريا كمشروع للتخرج منذ سنوات كثيرة مضت، ~~وهو عبارة عن عنكبوت كبير على رأس رجل، يقبض عليه بأطرافه بقوة، آكلا من جلد فروة رأسه، ~~مسيطرا عليه سيطرة كاملة ونهائية، والرجل لا يفعل شيئا سوى الصراخ، قالت: شايفة يا ~~أستاذة. دي هي الحكومة بالأمس واليوم وغدا، واللي يصرخ دا هو الشعب. # بدأت النحت على قطعة الرخام بعد ذلك مباشرة بدون أية اسكتشات، أو دراسات أو أفكار ~~مسبقة، أطلقت الحرية ليدي والأزميل والشاكوش يفعلون فعلهم الأول، ثم بعد ذلك أبدأ بتوجيه ~~الشكل، وهي طريقة استخدمتها من قبل عندما تكون لدي الفكرة ولا يغيب عني الشكل المعبر عن ~~الفكرة، في تلك الفترة تم إعادة التيار الكهربائي إلى الكهوف، مما سهل العمل الليلي على ~~ضوء الكشافات الكبيرة، كان آدم يرافقني في العمل بعد الدوام الخاص به في الشركة، كان ~~متخصصا في التلوين، وله معرفة عميقة باللون صناعة واستخداما ودلالات. # وأكدت معرفته هذه الأعمال التي قام بها في إعادة تأهيل كهوف مايا زوكوف، بعدما ~~تأجل الاحتفال بمايا إلى ms47 العام القادم أتيحت لي الفرصة أن أفتتح معرضي الأول في ذات ~~أيام الاحتفال؛ لكي يحظى بفرجة أكبر نوعا، كيفا وكما، وقد تنفتح لي آفاق لمشاركات ~~خارجية، وقد تشترى بعض قطعي الفنية بواسطة أجانب، حيث تنطلق إلى العالم الأكبر. كانت ~~أعمالي كلها على الحجارة بجميع أنواعها حتى الجرانيت، واستخدمت الحصى أيضا مع الأسمنت ~~الأبيض، واستخدمت الرمل الخشن والناعم مع مواد كيميائية لامعة، كل ما شكلته الطبيعة حول ~~الجبل، أما العمل الأكبر هو أني استخدمت الواجهة الشرقية للجبل كلها، التي تقع في مساحة نصف ~~ميل مربع كقطعة فنية واحدة كبيرة، قالت عنها نوار سعد: إنها أكبر قطعة نحت في العالم بعد أن ~~دمر الطالبانيون تمثال بوذا في أفغانستان، تتكون في ألف قطعة حجر من أحجام مختلفة من ~~الجرانيت الأسود، وقطعة واحدة كبيرة من الرخام الأبيض في شكل بيضة ضخمة لنسر خرافي تكون ~~فضاء المربع أعضاءه كلها، التي تمثل في نفس الوقت شمسا تشرق أو تغيب. استغرق إنجاز هذا ~~العمل ثمانية أشهر وخمسة ألف دينار - دفعتها اليونسكو - معظمها إيجار لرافعات وعمل عتالة ~~ودربكين وقطع حجارة، كان معي خمسة عمال أشداء بصورة متواصلة، لا يكلون ولا يملون ولا ~~يمرضون، إضافة لذلك كنت أستعين بالشغيلة والفنيين الذين يعملون في كهوف مايا زوكوف ~~فلاديمير، ساعدني أيضا طلاب كلية الفنون، وكانوا معي كل ساعات دراستهم العملية وأوقات ~~فراغهم، والبعض أقام مع العمال في الكهف، بين وقت وآخر يأتي من يقدم يد العون طوعا، ~~كان عملا شاقا ولكنه مثمر، منحتني من أجله الجامعة شهادة الماجستير في النحت، وتم ~~تعييني أستاذة بالجامعة براتب جيد. ولكن الغريب في الأمر؛ كان من ضمن الأشخاص الذين جاءوا ~~طوعا للعمل معي والمساعدة الشرطي جمال الأمين، وكان يأتي في الوقت الذي يذهب فيه الجميع ~~للراحة، ويطلب مني تكليفه بعمل ما، فينجزه على سرعة البرق ويختفي، طلب مني ألا أبلغ عنه ~~أو أن أحرمه من المساعدة، وقال: أنا شخص مفيد، ولكني شديد الغدر، ولا يمكن قتله، مش كدا؟ ~~ومن الأحسن اتعلمي كيف تحبيني، وتعتادي علي. ms48 # اللحظة التي رأيته فيها كاد يغمى علي من الرعب والخوف والدهشة، أو ربما لا شيء سوى ~~استدعاء الصدمة التي عانيت منها، التي كان هو المايسترو وقائد أوركسترا رعبها، ولكني: ~~ألم أقتله؟! # ألم أقتلك؟ # لا أحد في ذلك الوقت أحتمي به، لا أحد يمكنه أن يسمع صراخي، لا، إذا صرخت فيهب لنجدتي لا ~~أحد. # كنت أنحني على قطعة فخار كبيرة أقيس أبعادها، حينما أحسست بظل ثقيل يقترب مني، قال: ما ~~في طريقة الزول يعرف بيها أخبارك إلا في الجرايد، مش كدا؟ # ما يقارب العشرين عاما منذ أن قتلته في الكهف، عشرون عاما! ~~- أنا مش قتلتك؟ # قال وهو يقترب مني أكثر، فتقترب مني رائحة العرق، تبدو ابتسامته أكثر وضوحا: ورميتيني في ~~القبر، مش كدا؟ برضو أنا سامحتك، حتى لو مت كنت حأموت وأنا ما زعلان منك، ولكن أنا عندي روح ~~كلب، سبعة أرواح، ولو كنت أموت بالسهولة دي، سجم أمي؟ # ثم أضاف عندما أحس أنني ما زلت أرغب في الهرب: أرجوك، أنا الآن في وضع مختلف، الكل يريد ~~قتلي وعلى رأسهم الناس الذين كنت أحميهم وارتكبت كل الجرائم من أجلهم، كنت أداة مرحلة لا ~~أكثر، وحسوا أنني أمثل ليهم شاهدا خطيرا على جرائم أكبر ويجب التخلص منه، من هذا الشاهد ~~الهو أنا. وعايز أقول ليك، أنت هربت من الكهف بمزاجي أنا، أنا اللي أديتك الفرصة للهروب، ~~صحيح أنا ارتكبت خطأ واحدا وكان بإمكاني تداركه في الوقت المناسب، ولكن ربنا أراد غير كدا، ~~وكنت برضو عارفك وين مدسية، ولكني قلت لنفسي: اعمل يا جمال عمل خير ولو لمرة واحدة في ~~حياتك. # بالتالي خليتك تروحي في حالك؛ لأنهم أنقذوني من الموت بعد أقل من ساعة من فعلتك؛ لأنني ما ~~كنت مغفل بالصورة اللي تخليني ما أحتفظ بحرس، كنت في الأيام ديك مستهدفا من كل الأحزاب ~~والمعارضين، فقط أنا أخرت الحرس، يجيء بعد ساعتين من وصولنا للكهف، وجاء بعد ساعة من عملتك ~~اللي ما كنت مستبعدها تماما، ولو أنك فاجأتيني بيها. # أنا عايز أساعدك وبس، ms49 وأريد أن أقول لك حقيقة مهمة، عشان تعرفي حسن نيتي: أنا حضرت ~~زواجك من آدم في قريتكم، وكنت سعيدا جدا، وعشان ما أعكر مزاجك وأذكرك بأيام الاعتقال ما ~~ظهرت ليك. # وأخذ يصف لي ذلك اليوم بأدق تفاصيله. # لا أعرف ماذا أقول، لم أعرف ماذا أفعل، لم أعرف أي شيء، كنت في صمت تام وجنون. # فقط، كانت لدي رغبة واحدة مؤكدة، رغبة جامحة وملحة، وهي أنني أريد أن أقتله، أقتله، ~~أقتله، أقتله. # قلت لآدم زكريا زوجي، وهو شخص هادئ رقيق يأخذ الدنيا دائما مأخذ رفق وأناة، قال لي: أنا ~~أشوف يا سارة أحسن تبعديه عنك وتنسي موضوعه تماما، «فالبلا يكفوه بالكرامة»، الزول دا ~~أصلا ميت ميت، الحكومة حتقتله، وفي عشرين جهة أخرى عايزة تقتله، عليك الله انسي الزول دا، ~~في أشياء أهم. ~~- الزول دا قتلني مليون ... مليون مليووون مرة، دمي الآن يغلي، أنت ما حاسس بي؟ # كلما أتذكره، كلما أشوفه، أنا لو ما قتلته بيدي دي ما حأكون مرتاحة، وما عايزة زول يقتله ~~قبلي، أظنك فهمتني يا آدم، أنا تعبانة ومغيوظة، ومتألمة ومجرحة من جواي، مقطعة قطعا ~~قطعا؟ # قال بهدوئه المعتاد: كويس يا سارة، خلينا نشرك أصحابنا في الموضوع دا ونستشيرهم؛ سابا، ~~وأمين، ونوار، ومايكل، وبرهاني. الموضوع دا مش سهل، أنا معاك الزول دا يستحق الصلب والحرق ~~حيا، ولكن الانتقام رد فعل عاطفي وغير عملي، وأنت زولة فنانة وإنسانة، أنا ما عايزك توسخي ~~يدك النظيفة بالقتل، مهما كان عادلا ومبررا ومنطقيا، ولكن أنا برضو براعي لظرفك ~~النفسي والألم الكبير اللي سببو ليك، خلينا نفكر كمجموعة، واللي يتفق عليه الناس ~~نعمله. # سارة حسن تحب الكتابة ليلا، يعجبها الهدوء، أذان الصبح كان يدعو الناس للصلاة في ~~إلحاح. # | كلاب: لصوص وطلاق # بعد أن منعت الحكومة الجرائد من تناول موضوع الانقلاب، وسكن الراديو والتليفزيون عنه، ~~وهما الكديسان التابعان للحكومة الوفيان المدللان، نسي الناس الموضوع برمته، وبيعت ~~المستشفى وسافر الطبيب إلى الخارج طالبا حق اللجوء إلى أية بلاد كانت ... غاضبا. ~~- بلد كلها كذابين وحرامية. # كشفت نوار ms50 سعد مخطط أمين وفاجأته قائلة وهما قد فرغا من شرب شاي الغداء: أنت مسافر مع ~~سابا؟ # قلت مندهشا: وين؟ # قالت ببرود وهي تحملق في وجهي دارسة إياه بالطريقة القاسية التي أعرفها فيها: إثيوبيا ثم ~~أستراليا. # قلت وبدأت أحس بالرعب يسري في عظمي، محاولا في نفس الوقت ألا أبدو كذلك: قال ليك ~~منو؟ # قالت ولا تزال عينها في عيني: سمعك زول تتحدث بالموبايل. # بكل أنفه قمت من مقعدي، وبحركة مسرحية قلت: نعم، قلت، ما قال ليك إننا جادين ولا كنا ~~بنهزر ونضحك! ~~- ما قال لي، قول لي أنت! # قالتها في غنج وهي تهز كتفها: أنت رأيك شنو؟ # قالت مدعية البراءة بصورة فجة وواضحة: أنا سمعت ما سمعت وأنت عليك تفسر ما قلت، كدا ~~ببساطة، وأقول ليك أنا بصدق كلامك أنت اللي تقوله الآن قدامى وبس، في أكثر من ~~كدا. # يبدو أنها كانت متأكدة مما تقول، وأنها افتعلت مسألة من سمع افتعالا، وأن لديها مصادر ~~أخرى أكثر قوة ودلالة، وأنا أعرف نوار سعد عندما تكون قوية وعندما تكون في موقف ضعف، هي ~~الآن في موقف قوة، وذلك من انبساط وجهها، ولبسها القصير جدا، والتحدث من غير أن تستخدم ~~أصابعها في حركة جفونها، وعليك يا أمين أن تكون صاحيا دقيقا، قلت لها محاولا استطالة ~~الحوار أو البحث عن منفذ: أنت تعرفي أن سابا متزوجة مش كدا؟ هل حأسوقها مع زوجها أو أطلقها ~~منه؟ # قالت ببرود وهي ترفع كتفيها إلى أعلى: دا شيء تحدده هي وأنت! # عندما طرق الباب تأكد لي أنني نجوت، فانطلقت أفتحه وجدت أمامي الشيخ طه يحمل ما ~~يدعي أنها بنته على كتفه في حنان دافق، التي هي بنتي أنا بحق وحقيقة، وأستطيع أن أؤكد ~~ذلك وخاصة بعد اكتشاف خارطة الجينوم البشري. حيا بحرارة ثم جلس، قالت له نوار: أمين قال ~~الكلام حقيقة وهو حيأخذ سابا معه للخارج، وربما تزوجها هناك أو عاشوا سوا كدا. # فوجئت تماما، وأدركت أنني بين فكي غول، أردت أن أقول شيئا ولكنه قال بسرعة وهو يضع ms51 ~~البنت الصغيرة في رجليه الكبيرتين: اسمعني جيدا يا أمين، أنت عمرك حاليا على مشارف ~~الأربعين، ولكنك تتعامل بعقلية طفل صغير، والصعلكة اللي بتعملها دي أنت ما بتعرف خطورتها ~~ولا حدودها، وتتصرف في الدنيا دي زيك زي أي كلب مطلوق ما عنده سيد وسعران، يعض اللي يجده، ~~حتى نفسه ذاتها، نعم أنت متعلم أكثر مني، وأنا زول تخرجت من الأولية ولكن الأكبر منك بيوم ~~بيعرف أكثر منك بسنة، وبيني وبينك على الأقل عشرين سنة، وأنا عارف كل شيء عنك، ومن الأحسن ~~يا أمين تشوف مستقبلك وحياتك وتعود لأمك وأسرتك وزوجتك وتخلي الناس في حالهم، وأنا عارف أنت ~~دائما بتحاول تغوي سابا، ودائما تحاول تضللها، وأنا أعرف أنك حاولت تردها للدين المسيحي، ~~وراودتها عن نفسها ولكنها ردتك، أنا أعرف زوجتي جيدا وعايز أعيش مع أسرتي وبنتي في سلام ~~وشرف، وهي فرصة أخيرة بالنسبة لك، وأنا قادر بعدها أحسمك بطريقة يندهش ليها الجن نفسه، ~~موضوعك دا ما بياخد مني قدر رمشة عين. وأقول ليك: سابا تخلي بنفسها أخبرتني بمؤامرتك ~~الأخيرة، وحتى تسجيل البنت وتغيير اسمها، وهي دي الشهادة اللي وعدك بيها القمسيون الطبي ~~أرسلها لي بنفسه. # وأخرج الشهادة من جيبه برهانا جليا، وعرضها بصورة استفزازية وقحة: آها، رأيك ~~شنو؟ # كنت أحاول أن أكون قويا وأبدو كما لو كنت على حق مدعيا متكبرا، ولكن الإحساس ~~بأنني أصحو أو سكران أو أن شيطانا في صحوتي يكشفني لنفسي ... كان يسيطر علي هذا الإحساس ~~الغريب، وحاولت أن أراوغ، ولكن نوار سعد قالت لي بصورة مسرحية مفاجئة: أنت طالق يا أمين ~~محمد أحمد! # كانت تقف أمامي مباشرة وهي ترقص ردفها بثقة في تحد، قلت وقد جف حلقي وكاد صوتي ~~يختفي: أنا؟ # قالت وما برحت مكانها بعد تبحلق في وجهي: نعم، أنت طالق! # ثم أضافت وهي تمضي بعيدا نحو سفرة الطعام: فالعصمة في يدي أنا، ودا كان شرط زواجي منك، ~~هل نسيت؟ أنا الآن أطلقك، أنت طالق طالق طالق. # صرخت في هستيرية مفاجئة، قلت موجها كلامي إلى طه مشيرا ms52 إلى ابنتي، وقد أتتني شجاعة ~~من حيث لا أدري: البت دي بتي! # وأشرت إلى نوار الصغيرة وهي ترقد في حضنه. # قال مندهشا وهو يقبض على نوار الصغيرة التي يبدو أنها قد نامت، أمسكها برعب كأنما هنالك ~~نسر كبير سيخطفها منه: منو؟ ~~- نوار. ~~- بنتك أنت! أنت أمين القدامي دا؟ اللي طلقوك الآن زي المرا؟ # مشيرا إلي بأصبعه الأصغر. ~~- نعم، بنتي أنا أمين اللي قدامك دا. # قال ضاحكا: لو كان بإمكانك إنجاب بنت ولا ولد ولا حتى فأر لأنجبت، فأنت متزوج منذ عشر ~~سنوات من أجمل امرأة في العاصمة كلها، وأقول لك بصراحة يا أمين، أنت ما راجل، أنت زيك زي ~~أخواتك والناس دي كلها عارفة كدا، وأول الشهود نوار. # قال موجها حديثه لنوار: يا نوار، أمين دا راجل؟ # قالت بكل وقاحة ودون تفكير وهي تنظر إلي في أم عيني: لا والله، الرجالة في وادي وهو في ~~وادي، زي أخواته تماما ويمكن أخواته رشا ورشيدة وديل أرجل منه. # غضبت غضبا أفقدني السيطرة على نفسي، وفي ذاتي أعرف أنهما كاذبان، وأريد أن أؤكد لهما ~~الآن في ذات اللحظة أنني رجل، ولكن كيف؟ كيف يؤكد الرجل رجولته! ~~- أنا ما راجل، يا نوار؟ # قالت وهي تنظر في أم عيني بمقلتين باردتين لا تعبران عن شيء إطلاقا: بالتأكيد، أنت يا ~~أمين محمد أحمد، اللي طلقتك قبل شوية، اللي قدامي دا هسع، ما راجل بكل ما تعنيه الكلمة ~~من معاني، أنت عنين وعاجز عجزا كاملا، وأنت عارف الحقيقة دي جيدا. ~~- أنا ما راجل؟ # قال الشيخ وهو يضحك بكل ما أوتي من قوة وسعة فم وبمتعة خاصة، وهو يضغط الطفلة على صدره ~~الضخم: عشان كدا أنا ما كنت خايف على سابا منك ... لكن أنت كمان كترت المسألة، عايز تاخدها ~~معاك لأستراليا وأوروبا، تذكرني بالطواوشة الذين يقيمون في الحريم مع نسوان السلاطين. ثم ~~أضاف في استغراب: وتقول عندك بنت كمان، اختشي يا ابني، اختشي! # قالت لي نوار وهي تنهض وتبدو فتنتها في العيان تتبختر بملبسها القصير: يمكنك أن ترحل ms53 ~~الآن، أنا طلقتك. # ثم أضافت في سخرية وانتقام مرين: ولمان تكمل العدة بتاعتك عليك الله قول لي عشان ~~أرسل ليك القسيمة مع مرتضى «الود المحامي». # حاولت أن أفعل أية فعلة، ولكني عجزت، عجزت حتى من مجرد انتصاب صغير تافه أمام هذين ~~الكلبين لأثبت لهما رجولتي، حقيقة لقد اختفى شيء عن الوجود تماما، وأحسست بأنني امرأة ~~يطلقها رجلها الآن، ولا أدري كيف تمثل لي الشيخ طه وكأنه الزوج الذي طلقني. # | القديسة: سهير حسان # لم أقبل بالطريقة التي تعاملت بها نوار سعد مع أمين محمد، التي حكيت لي بواسطة أكثر ~~من مصدر وشخص وصديق، البعض شامت على أمين أو ساخر منه، والبعض متعاطف معه، والبعض غاضب على ~~نوار والشيخ وسابا وأمين نفسه الذي لم يستطع أن يدافع عن رجولته، هنالك رأى مايكل أن خطأ ~~أمين الوحيد أنه ربط الرجل بعضوه التناسلي، وأراد أن يثبت رجولته من ذاك المنطلق، وكان ~~يمكنه فعل ذلك لو عرف أن ذكره لا ينتعظ إلا من الرأس، فالعضو لا يفكر ولا ينتفخ من تلقاء ~~نفسه. ولكن العقل هو الذي ... قلت لمايكل: ولكنهم اتعاملوا معه بنظام الصدمات والمباغتة، ولم ~~يتركوا له الفرصة في أن يفكر، مجرد تفكير، هم عجائز متمرسون على الشر والانتقام، وهو شاعر ~~بسيط تجاربه الحياتية لا تتعدى رف الكتب ونوار وسابا. ~~- الحياة مدرسة، وأمين دائما ما يعيد نفس الفصل، وقد مر بهذه الحصة من قبل ومع نفس ~~المعلم وهو نوار سعد في نفس الفصل وهو بيتها، ولكن هذه المرة مع ناظر مدرسة جديد. # الأحداث أثرت بصورة سلبية على مجريات التحضير للاحتفال بمايا زوكوف؛ حيث إن أمين محمد ~~أحمد الذي اختفى تماما عن دائرة الأصدقاء، سمعا وبصرا وملمسا، كان حلقة الوصل ~~الأساسية بين دوشكا تودوروف ضيف الشرف وصديقة المرحوم مايا العزيز، وبين إدارة الجامعة ~~وسكرتارية الاحتفال، ولكن من الجانب الآخر قام الشيخ طه بزيادة تبرعه ودعمه للمشروع ~~وتبنى شارع أسفلت يربط ما بين الطريق العام وكهوف مايا زوكوف وأسماه طريق نوار، واشترى ~~قطعة نحت كبيرة من سارة ms54 حسن بمليونين من الدينارات وأهداها إلى زوجته الجميلة سابا الرائعة؛ ~~حيث كتب بماء الذهب في قاعدة المنحوتة التي تمثل امرأة حبلى بطفلة هي الأخرى، حبلى بطفلة ~~مصنوعة من الرخام الوردي في طول المتر، وعرضها عند القاعدة نصف متر: زوجتي الجميلة ~~سابا. # ولكننا افتقدنا أمين وروحه المرحة وقلقنا عليه؛ حيث لا خبر ولا أثر، ومن حقه علينا على ~~الأقل السؤال. سابا قالت إنه قد عاد إلى منزل أسرته وهو معتكف هناك بعد أن أخذ إجازته ~~السنوية من الجامعة. قالت إن برهاني الأخ الأصغر لها حدثها بذلك، فهما صديقان منذ زمن ~~طويل. يشرف الآن برهاني بنفسه على الطريق الذي تبرع به الشيخ، بنهاية فصل الشتاء سيكون ~~كل شيء قد تم بمشيئة الله، سارة حسن كانت تضع في اللمسات الأخيرة لمعرضها الأول، العمال ~~والفنانون أكدوا أن ما تبقى من عمل في الكهوف هو حفل الافتتاح لا غير، جمال الأمين ~~الشرطي يصدر بيانا عبر الإنترنت والجرائد القومية فيه اعتذار لشعوب البلاد الكبيرة كلها، ~~واعتذار خاص لثلاثمائة فرد بالاسم والعنوان والصورة الذين عذبهم وقتل منهم عشرين، ولكن ~~الجرائد لم تنشر مائة اسم أخرى لسياسيين وتكنوقراط شاركوا في التعذيب والقتل وأداروه ~~بأنفسهم، لكنهم موجودون في الإنترنت بصورهم وعناوينهم وأسمائهم الحركية وأسمائهم الحقيقية ~~وألقابهم، وكشف بأسماء أفراد أسرهم ومواقع عملهم، وإذا كانوا بالمدارس أو الرياض أو ~~بالخارج، بل هنالك ما أسماه دليل الاصطياد، أي كيف يمكن الانتقام منهم لمن أراد ذلك، فكان ~~هذا حديث الشارع. # بالنسبة لسارة كان الموضوع أقرب للحلم منه للكابوس، وكانت تسأل نفسها في جنون كلما ~~تفكر فيه: الزول دا أنا ما قتلته؟ # ناسية تماما كل ما قاله لها عن تلك الحادثة. # أما حديث الأصدقاء وطلاب كلية الفنون والوسط بصورة عامة، هو زواج نوار سعد من الخير ~~وتناولته جريدة إخبارية تحت عنوان رومانسي: # بعد سنوات كثيرة من الحب، نوار سعد أستاذة الفن المرئي تتزوج حبيبها الأول ~~الخير. # وفي الداخل كتبت عن أمين محمد أحمد كزوج أول أشارت إشارات خبيثة لعشاق كثر لا يعلم ~~عددهم ms55 إلا الله. أخرى تساءلت في يد من العصمة في هذه المرة؟ # أقام طلاب المعهد احتفالا صغيرا جميلا بالمحراب احتفاء بالزيجة المباركة، حضرنا ~~جميعا وبعض كبار التشكيليين وغنى فيه فنانون شباب، بعض المشاهير، الهادي حامد وعفراء ~~القربة، الشيء المدهش هو أن نوار سعد كانت أجمل سيدة في الحفل كله، كانت جميلة بصورة مدهشة ~~وأكثرنا شبابا ورشاقة، ولا أظن أن أحدا يفكر في كم عمر هذه البنت. عمرها لا يتعدى ~~الأربعين بأية حال من الأحوال، وهو أقرب من العمر الذي التقيتها عنده قبل عشرين سنة ماضية. ~~قالوا إنها تستخدم عقارا صينيا نادرا، ولكن المعروف لدى الجميع أن نوار لم تقم بأية ~~عملية جراحية تجميلية، وأنها لا تستخدم أي عقار كيميائي لمعالجة علامات الكبر أو شيخوخة ~~تباغتها عندما تكون وحدها. # قال عنها المختار ذات مرة: إذا كان الناس جميعهم متزنين في دواخلهم مثل نوار لما لم ~~يشيخوا قط. ولكن رأي نوار في هذا الشأن غريبا بعض الشيء؛ حيث إنها تعزي كل ذلك لمراهقتها ~~المتأخرة التي استمرت من العشرين إلى اليوم. # قال عنها بعض الحاقدين والحاقدات، من داهمتهم الشيخوخة وهم أصغر منها سنا: المسألة ~~تكمن في الدعارة، مع عدم الإنجاب، نوار سعد تحلب الرجال حلبا، وتستخدم ماءهم في دلك وجهها ~~وجسدها؛ وهذا هو سر الشباب الخبيث الذي تبدو فيه. # توقع الناس ظهور أمين فجأة، ولكن مضى الاحتفال دون مفاجآت تذكر، غير أن الخير ~~طالب بشدة بزجاجة من عرق البلح «القوي»، والشخص الوحيد الذي كان بإمكانه الإيفاء بهذا ~~الطلب هو أمين محمد أحمد وهو غير موجود، سقى زجاجات كثيرة من الجن وحتى الفودكا، ولكنها ~~لم ترض فيه مطلبا، فصاح هاتفا: دي بلد دي؟ بلد ما فيها عرق بلح؟ قاعدين تسووا بالليل ~~الطويل ده كله شنو؟ # يعجبني جدا العمل التشكيلي العظيم الذي تقوم به سارة حسن، العمل غير المسبوق في تاريخ ~~البلاد الكبيرة، طالما ظل التشكيليون لأعوام طويلة يخافون من الهواء الطلق وضوء الشمس ~~الساطع. قالت لي سارة: هي الحاجة وحدها اللي خلتني أبتكر الفكرة دي، ms56 العطالة والفقر وفشل ~~المشروعات الكبيرة. # قلت لها : لكن العزيمة والصبر وراء دا كله. ~~- هي عوامل مساعدة ما أكثر. # كتبت لي دوشكا تودروف تسأل عن أخبارنا، وأمين محمد أحمد الذي توقف عن الكتابة إليها، ~~هل سافر إلى خارج السودان كما كان يأمل مع طفلته وحبيبته، لقد حدثني عنهما من قبل، ~~وإنني أتكهن الآن بسوء العلاقة بينه وبين زوجته نوار سعد، وأتمنى أن أكون كاهنة ~~فاشلة. # أطفالي يرسلون لكم التحايا والأشواق، سنحضر في الوقت المتفق عليه. سألني مايكل: لماذا لا ~~نتزوج اليوم؟ # | زهرة الزقوم # صدر ديوان شعر جديد فجأة بعنوان: # زهرة الزقوم. # تأليف: أمين محمد أحمد. # إهداء إلى سابا. # يتكون الديوان الشعري من تسع قصائد اتفق الناس جميعا على أنها تسع قصائد سيئة، وأسوأها ~~قصيدة العشب التي تتكون من مائة كلمة، وكل كلمة منها تصبح سببا كافيا للجنة النصوص ~~والرقابة على الكتب والمطبوعات بأن تأمر بحرق هذا الكتاب وكاتبه، ولكن دهقون في السلطة ~~الانتقالية اعتبر أن هذا مطلبا يسعى إليه المؤلف من أجل مكاسب أخرى غير منظورة، فسمحوا ~~للكتاب بالتوزيع، ولو أنه بدون رقم إيداع ولا اسم ناشر ولا تاريخ إصدار. # | العاشق البدوي: اسم الطين # رسالة تكتبها القديسة. # رسالة تكتبها القديسة إلى محمد آدم بعد أكثر من ثلاثين عاما من رحيله بعنوان: «العاشق ~~البدوي». # حبيبي محمد آدم، افتقدتك الآن أكثر مما افتقدتك في أي زمن مضى، في أي مكان كان، بأية روح ~~وعاطفة وذكرى ... أحسك هوة كبيرة شاسعة في، لا تجسر ولا تعبر ولا يملؤها موجود الكون ~~كله، هوة تجذبني نحو الأعمق الأعمق الأعمق، حيث ينتظرني ظلام العالم كله ومواته وثعابينه ~~وعناكبه الشرسة وشياطينه، وكل مخافة وطريق مسدود وشوك. # أنا أغفر الآن لك إن مت، فاغفر لي إن جهلناك واختلط علينا اسمك برسمك بقولك، تبدو الآن ~~واضحا جليا، كتابتك البسيطة السهلة المزينة بالأخطاء الإملائية والنحوية والتباس المعنى، ~~كتابتك الجميلة في صدقك وطبيعتك، أنت الآن معي ... غريبان في مكان تنتهكه العادية ويسود فيه ~~اليومي ... أنت تعرف أنني ما نسيتك لحظة واحدة، لقد كنت ms57 معي تشاركني في اتخاذ القرارات ~~الكبيرة التي أحتاج فيها لرأي آخر، وقد سافرت معي إلى هولندا قبل خمس سنوات، ولو أنها لم ~~تكن تلك التي شاهدناها في أطلس الصور والرسومات، لكنها كانت أجمل بكثير، أكثر بآلاف المرات ~~مما كنا نتصور ونتخيل ونضيف إلى الصور مما نتوقع أنهم لم يصوروه لنا، إنها بلاد مدهشة ~~ونظيفة ... كل شيء فيها نظيف، وهذا أول ما كنت سوف تنتبه إليه، وكنت ستفاجأ أيضا بأن ~~الطواحين التي على الأنهر الصغيرة التي كنا نتعشقها سويا، ونظن أنها على شواطئنا ونختلق ~~القصص الغرامية، مثل تلك القصة المصورة التي قرأناها «طاحونة على نهر الفولص»، وهي القصة ~~الأخرى الجميلة المترجمة أيضا «رسائل طاحونتي». وأخبر بمفاجأة أخرى أنني وجدت الكتاب الذي ~~فيه قصة «الطواحين الهوائية»، وهو كتاب كبير جدا جدا ويعتبر من أقدم الروايات، وقصة ~~الطواحين الهوائية هي واحدة من مغامرات كثيرة يحتويها الكتاب، واشتريت منه نسخة مصورة في ~~عشر مجلدات، أعلم أنك لا تقرؤها فلقد كبرت كثيرا، ولكنها مهداة لك على أية حال، وربما إذا ~~أنشأت مكتبة للأطفال في المدينة سأهديها باسمك، عل محمد آدم ابن خالتك ونوار ابنة سابا ~~الصغيرين يوما ما يتطلعان عليها. في كراستك وجدت رأيك في أبي، ولو أنك كنت حادا بعض ~~الشيء، إلا أنك اقتربت من كنه حقيقته، وربما الصفات الجميلة التي وصفته بها في آخر مقالتك ~~كانت هي الأصدق والأدق. # أضحكتني كثيرا فكرة أنك خفت كثيرا مرة عندما ظننت أنك جعلتني أحبل، وأنهم سوف يكتشفون ~~ذلك وسوف يفتضح أمرك، حقيقة كان ذلك اليوم يوما مدهشا، أنا نفسي كنت خائفة؛ لأنني ظننتك ~~أصبت بسوء ... الآن وقبل سنين كثيرة عرفت أنك بلغت مرحلة الرجولة في ذلك اليوم، أما أنا فما ~~كنت قد بلغت مرحلة الأنوثة بعد، وإلا لكان خوفك في مكانه؛ لأنك بللتني بمائك في أماكن ~~خطيرة، وعرفت أن أمي عرفت تلك الحادثة؛ لأن للشيء رائحة مميزة، وأننا استخدمنا ثوب أمي في ~~تجفيف جسدي، بل سألتني عما فعلنا فأنكرت، وقالت لي: في يوم حيذبحك أبوك؛ لأنك ms58 حتحملي ~~بالحرام. # ونصحتني في مرة أخرى قائلة : ما تخلي أي زول يلمسك هناك إطلاقا، لأنو دا المكان الوحيد ~~اللي بيدخل البنت النار يوم القيامة، والرجال كلهم هدفهم الأساسي إنو البنات يدخلو النار ~~يوم القيامة، عشان الجنة تفضى ليهم براهم مع بنات الحور، اسمعي الكلام ده سمح. # الآن وبكل صراحة ووضوح أتمنى لو أنك فتحت لي باب الجحيم ذلك، أتمنى لو كنت عشت قليلا ~~لتدخلني النار ثم تمضي أو نمضي معا، صدقني لم أحلم برجل إطلاقا منذ زمن طويل غيرك، فقط ~~قبل أعوام قليلة عندما تعرفت على مايكل وهو شاب في عمرنا تقريبا مجدا ذكيا ~~وسيما، تخرج في كلية الفنون شعبة النحت، بالرغم من أنه مسيحي إلا أننا سوف نتزوج وسوف ~~لا نخشى أحدا، كفاية أنني جاملت كثيرا وراضيت كثيرا وأرضيت؛ من ناس ومؤسسات واتجاهات ~~فكرية وغير فكرية، والآن حكمتي هي: «ما يفيد الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه.» # الآن سوف أربح نفسي وأخسر تيجانا كثيرة ليست في مقاس رأسي. # حبيبي محمد آدم. # الصغير الجميل القروي الطيب، الذي علمني أسماء الأشياء كلها والشياطين وأهل الكهف ~~وكلبهم، وأسماء الشياه التي كانوا يمتلكونها واحدة واحدة، وقلت لي: «عندما يأتي المسيح ~~الدجال والمهدي المنتظر سوف يصحو أهل الكهف ويحاربون مع المهدي المنتظر، وسوف يصبحون ملوكا ~~إلى يوم القيامة.» # وهذا ما يذكرني بحكايتك الأخرى التي تأكدت من أنها ليست من بنيات أفكارك ... «حيث كنت ~~تنجر الحكايات نجرا» ... إن قرية قرب قريتكم تسمى المهدية، إنهم يؤمنون بالإمام المهدي كمهدي ~~منتظر حقيقي، وأنه لم يمت وهو في آخر الأرض يجند الناس للدعوة، وسوف يأتي في آخر ~~الزمان، وأن المسيح الدجال هو القطار البخاري؛ لأنه بعين واحدة وصفيرا كنداء الشياطين، ~~ويتنفش دخانا. # وقلت لي: وقالوا إنو دا هو آخر الزمان. # وعرفت أنك كنت تظن أن هذا هو آخر الزمان؛ لأن العراة الحفاة رعاة الشاة يتطاولون في ~~البنيان. # ولكني أريد أن أؤكد لك أنه أول الزمان. # نحن الآن في أول أول أول الزمان، وما زلنا في بدايات الحضارة ms59 الإنسانية وبداية تشكل ~~الكون نفسه، لقد انسحبت أنت مبكرا من الحياة، ولو عشت مائة سنة أيضا ستمضي مبكرا، ولكن ~~هناك تجارب كان يجب أن تحياها، تجارب صغيرة تافهة ... بلاد ومدن وبحار وبشر وسفر وموت وميلاد ~~وحياة، لقد ولدت ومت في عصر واحد ومرحلة من الحكم واحدة، أسماها الناس اليوم «عصر ~~الظلمات». # والآن نحن في عصر اسمه عصر «أمريكا»، وهو زمن به شران وخيران؛ أما الشران فالأول منهما ~~أن لا أمان لاتجاهات السياسة الأمريكية؛ حيث إنها قد تتحالف مع الشيطان ذاته إذا كان يخدم ~~مصالحها القومية العليا أو يدعم رئيسا ما لمرحلة ما. والثاني أن أمريكا تريد مقابلا ~~تختاره هي وتقدره هي، وهو الخياران اللذان تهبنا إياهما. # أما الخيران فالأول منهما أنها تخيف حكامنا وتترقبهم وفي يدها عصا غليظة مانعة إياهم من ~~إيذاء المواطنين تحت أي اسم أو شعار؛ دينيا كان أو سياسيا ... # أما الخير الآخر هو إتاحة فرصة أكبر للناس في المشاركة في الحكم والثروة ... # وبالنسبة لي خيرها أكثر من شرها، هي وجهة نظري ووجهة نظر مايكل أيضا. # حبيبي محمد آدم. # قرأت كل الكراسات، حتى كراسات الواجب المدرسي اليومي، كنت دائما أفتش بين السطور على ~~معان أخرى، حتى بين سطور مسائل الرياضيات، كل شيء كان يحمل بصمتك وخصوصيتك وذاتية لا تشبه ~~أحدا غيرك، واستوقفتني طريقتك في كتابة قصيدة النهر المتجمد لميخائيل نعيمة ... فكرت كثيرا ~~في الشطر الأول الذي كتبته في سطر كامل بخط كبير جدا، وقرأته مرات عديدة: # يا نهر هل نضبت مياهك # يا نهر! # ماذا يعني النهر عندك؟ وفي قريتكم نهر وحكاية التمساح وفاطمة والساحرة، حكاية الجنة التي ~~أخذت أحد أبطال حكايتك إلى أهلها تحت النهر. # موتك أنت غرقا في النهر؟ # صورة الطاحونة التي في غلاف كتاب رسائل طاحونتي على نهر صغير. # الأوز، المراكب، الأسماك، الشواطئ، أشجار السنط، مالك الحزين، البجعات، الحوريات، الرمال ~~البيضاء النقية، النجيلة، هذه الرسومات التي تنتظم كراساتك وأوراقك. كنت أحاول أن أقرأك في ~~كل شيء وأتواصل معك وأحبك وأجدك، آخذك إلى سرير والدتي الكبير، هل ms60 تصدق الآن في المحراب ~~عندي سرير كبير يشبه سريرنا ذاك، وغرفتي بها نعالك وجلباب لك نسيته عندنا على شماعة ~~الملابس، أنفاسك أيضا عندي. # حبيبي محمد آدم. # سنلتقي في رسالة أخرى، اكتب لي أرجوك، أنا في انتظار رسائلك. # | رسالة: العاشق البدوي # رسالة وجدتها القديسة في أحد كتب محمد آدم القديمة بالمخزن: «أمي آمنة بت الخضر، وأختي ~~زينوبة، والحبوبة حريرة، وأبوي آدم، إن شاء الله كلكم بخير وصحة جيدة، السنة الحمد الله بدت ~~بصورة طيبة، وعمي حسان قاعد يعاملني معاملة طيبة، وكذلك عمتي سرة وناس البيت كلهم وخاصة ~~سهير بنت عمي حسان، أكثر زول قاعد يعاملني تمام التمام، وقاعدين نلعب سوا كل الألعاب ونذاكر ~~سوا، ويوم قالت عايزة تجي معاي القرية عشان تشوف الطيور والثعالب، وأنا قلت ليها عندنا ~~مرفعين صغير في البيت، وقالت لازم تجي تشوفو. عليكي الله يا أمي، قولي لأبوي يجيب جنى ~~مرفعين من المشاريع عشان ما أكون كذاب وما يضيع القرد، وأنا برضو عايز قروش عشان أشتري بيها ~~كتاب خارجي من المكتبة، كتاب جديد ظهر اسمه الشياطين ال 13، فيه مغامرات. عمي حسان اشترى لي ~~واحدا منها، هي حلوة ولكن ما زي حجوات حبوبتي حريرة وخاصة قصة شبير قنتو، إن شاء الله أنا ~~بعد أقرأ الجامعة حاكتبها في كتاب ينباع في السوق زي الكتب اللي بنشتريها دي. # سلامي إلى علي ود أبوي صالح، وسلامي لخديجة وطيبة ودار السلام، أنا جاي في الإجازة وحأجيب ~~معاي كورة لأصحابي ومجلات فيها صور جميلة، وحأجيب معاي سهير برضو، قولي لأبوي يجيب المرفعين ~~ضروري، ضروري، ضروري.» # | في بيت مايا زوكوف # في بيت مايا زوكوف ما لا يقل عن خمسمائة شخص، أتوا من كل شوارع وزقاقات وعمارات وقطاطي ~~وجامعات ومدارس ومعاهد وأوقات البلاد الكبيرة، وأيضا من خارجها جاء الساسة والقادة ~~والصعاليك والأدباء والمطاليق والطالبات والطلاب والأساتذة، وجاء الشحاذون والباعة ~~الجائلون والأطباء والممرضات والمرضى ودوشكا تودروف وأبناؤها وصديقاتها، وأقرباء مداح ~~المداح وأقارب مايا العزيز، سوريون وسوفييت وأمريكان وعربيان خليجيان يحبان الشعر، والنور ~~عثمان أبكر وآسيا السخيري، ms61 وفنانون مغنون ورسامون ونحاتون فرنسيون وألمان وإنجليز ~~وإيرانيون، وبعثة خاصة من اليونسكو، وإبراهيم إسحاق بمركوبه الجميل في صحبة نفر من آل ~~كباشي. شجيرات العرديب حديثة النمو، حيث ماتت العرديبات الشامخات، وبئر الموسيقى تصدر ~~موسيقى الحياة وحولها الشباب وحبيباتهم، وفي الحديقة العشب البري، النجيل والمحريب العطري ~~والأرانب والسلاحف الكبيرة وأجيالها الصغيرة المتفائلة ببطء، الكافتيريا الحديثة المبنية من ~~الرخام والجرنيت بواسطة نحاتين بارعين وفنانين يحبون الله ويفسرون لغة الحجر تفسيرا ~~صائبا. جزارون، بناءون، لصوص، داعرات جميلات أنيقات نظيفات، يتحدثن في الأدب والسياسة ~~والتاريخ ومايكل أنجلو، ويحببن شاجال. # سابا تخلي الحبشية الجميلة تلبس ثوبا أبيض يعني أنها في حالة حب، تدفع عربة صغيرة أمامها ~~مليئة بالأم بابا والحلوى والكارميلا، ويفوح منها عطر «مساء باريس»، يأخذ الناس الأم بابا ~~من العربة يأكلونها بعطر مساء باريس، ولون الجلباب الأبيض الناصع، وشفاه سابا الشهية وهي ~~ترحب بالجميع. ~~- مرحبا، مرحبا. # نوار سعد، الخير، يجلسان على مقعد من أخشاب السنط صنع بطريقة جميلة بدائية توحي بجو ~~العصر الحجري، يحتسيان عصير الكركدي وهما يتحدثان عن الخير الذي سوف يحققه خزان كجبار على ~~حسب قول الخير، ولكن نوار سعد كانت تقول له: الآثار اللي حيغرقها الخزان، التاريخ يا ~~الخير. ~~- التاريخ شنو يا مرمر؟ التاريخ أهم من حياة الناس؟ الخزان دا حيجيب العالم اللي هربت ~~من الديار راجعين تاني، في خير أكثر من كدا؟ ~~- آها قول الناس جو، حيعملوا شنو؟ ~~- يزرعوا ويحصدوا يأكلوا ويشربوا ويعرسوا ويلدوا، في أحسن من كدا؟ ~~- آآها يعني شنو؟ # صمت الخير في غضب. # الناس الذين لم يروا مايا العزيز من قبل الآن يتفرسون في النحت الذي يحمل عنوان «مايا ~~العزيز»، اللي قام به كل النحاتين الذين شاركوا في إحياء المنزل والكهوف، كما قال ممثل ~~الأمم المتحدة: مايا العزيز، كان الشخص الذي أكد لنا أن العالم قرية صغيرة فعلا، وليست ~~مقولة أطلقها موظف كبير في الأمم المتحدة. # في بيت مايا زوكوف النعامات يثيرهن الضجيج والموسيقى، ويندهشن من كثرة الناس الذين جاءوا ~~فجأة، من أين؟ # معمل عرق العرديب القديم ms62 الذي يعمل الآن في حضرة الجميع، الشرطة والقضاء والساسة ~~والدينيون جنبا لجنب مع الكفرة والعلمانيين وكريم الديانات الأخرى وعم سيف، محسن طه لوكو، ~~والمنظرون ... # وقال أيضا: في ظل الدولة المدنية أنت حر ما لم تتعد حريتك حقوق الآخرين. # تحدث آخر من الشارع فقال: شكرا للنظام العالمي الجديد. # شكرا حبيبتي أمريكا. # مما أثار حفيظة رجلين وسيمين نظيفين قال أحدهما بصوت جهور: سوف ينصرنا الله على اليهود ~~والكفرة قريبا، قريبا. # وكادت تنشب معركة صغيرة، ولكن البوليس الوطني قام بحسمها في الوقت المناسب، وأكد ~~الضابط المسئول: لكل شخص الحق في التعبير عن أفكاره، ولكن بالطرق السلمية فقط. # الصحفيون، كتاب الأعمدة، ملاك العقارات والجرائد، الحزبيون، المثقفون، القرويون، ~~رابطة سنار الأدبية، مجنونون، مسافرون، شاهدوا جمهرة الناس والعربات فنزلوا، الأستاذ مبارك ~~الصادق، التلفزيون القومي والراديو، قناة الجزيرة، والحرة والعربية ودبي، متسوقون ولصوص ~~آثار، أعراب على حمر غير مستنفرة، لوطيون، ممثلون وفرق شعبية، كواتو، السماني لوال، ~~جنجويد. # وقال أممي أبيض اللون أشقر بلغة غريبة ترجم له مترجم أسود اللون ذو لكنة عربية مغاربية، ~~فمما قال: سوف تتبنى الأمم المتحدة الاحتفال بمايا العزيز سنويا. # ثم تحرك الموكب إلى كهوف مايا زوكوف على موسيقى استيف وندر: # I just call to say I Love you. # واتفق الجميع على المشي البطيء بالأقدام، الذي سوف يستغرق ساعة واحدة فقط، يمشون فيها على ~~ذات الخطى التي مشاها مايا العزيز يوميا طوال حياته في البلاد الكبيرة، ما بين بيته وجبل ~~المرسم. # في جبل المرسم كان بانتظارهم آلاف الأطفال وهم يحملون البالونات والأعلام الملونة، يلوحون ~~فرحين مثل ملائكة من الألوان هبطت توا من السماء: سلاما، سلاما، سلاما. # سارة حسن تفتتح معرضها الآن، تنقل الفضائيات إنجازها الكبير للعالم كله. # كانت تتلعثم من الفرحة وهي تحاول أن تشرح لفنان شهير كيف بدأت ... ~~- الفكرة ... الفكرة بسيطة ... بحثت عن عمل ولم أجده، أرهقتني البطالة والفلس والجري في شوارع ~~الخرطوم، والقعاد في الأتني، فاتسع لي هذا المكان ... فكرت في بادئ الأمر ماذا أفعل بالفراغ ~~والكتلة؟ فكرت جديا ولكني عندما بدأت، ms63 بدأت بدون أية فكرة مسبقة، بدأت بذهن فارغ ولكنه ~~نقي، إلى أن اكتشفت الفكرة التي كان يقودني إليها عقلي الباطن، هنا فقط تدخلت الصنعة ~~والمعرفة أو التسعين في المائة التي تحدث عنها بيكاسو. # ثم سألها عن قطعة صغيرة سوداء من الجرانيت: دي طفلة؟ ~~- طفلة ... ~~- نعم ... ~~- طفلة أجهضتها في المعتقل ... ~~- آسف، آه. ~~- هي تجربة للناس كلهم، لا تخصني أنا وحدي، ولا أخجل منها أبدا. ~~- نعم، نعم ... علينا نحن أن نخجل، نحن بالذات. # يقف الفنانون الذين أنجزوا الكهوف، وأعادوا إليها الحياة في زهو وفخر يتحدثون عن ~~تجربتهم، عن حياتهم، كمال زكريا تحدث عن حبيباته، الأسر والأطفال والبدويون، الأجانب ~~الطلاب وأصحابهم من كليات وجامعات كثيرة، فنانون ... فنانون ... فنانون من كل صنف ولون ومدرسة ~~وعالم، كان مهرجانا بهيجا حافلا بالمفاجآت، وأعظم هذه المفاجآت أن كل شيء مر على ما ~~يرام، في كل لحظة كنا نتوقع حدوث شيء ما، ولم يحدث. # أما الخبر الذي مر عبر كل لسان هو أن الشيخ طه هو الشخص القابض على الدخل الذي جمع ~~بشأن الاحتفال بمايا زوكوف، وأنه يحصل من منظمة اليونسكو وحدها على ما يقارب النصف مليون ~~دولار، غير تبرعات أصدقاء وأحباء مايا زوكوف، والدعم الذي قدمته الحكومة السورية من أجل ~~إحياء ذكرى مايا، الذي يعني عندهم إحياء ذكرى مداح المداح، وإحياء روابط صداقة ما بين حكومة ~~البلاد الكبيرة وبلدهم، اشترى الاحتفال بمايا بمبلغ 10 ملايين دينار محلي فقط. # بصق الخير سفة سعوط كبيرة وهو يخرج رأسه من شباك العربة. ~~- فهموني يا جماعة، يعني كيف يشتري الزول احتفال؟ هو بقرة ولا نخلة! # قالت له نوار: لا هو نخلة ولا هو بقرة، أنت نخلة ولا بقرة، أنت ذاتك هنا يشتروك ~~ويبيعوك. # قال وهو يلمس حجابه الضراعي بصورة عابرة: أنا اللي يشتريني ويبيعني أمو ما ~~ولدتو. # قال له مايكل ضاحكا: نوار. # قال مبتسما: معليش ... نوار ... اللي تشتريني نوار ... ويا ريت لو سوت كدا من زمان. # ولكنه فجأة استدرك قائلا: هي مرا، والمرا كان اشترتك أنت سيدها، وكان اشتريتها أنت برضو ms64 ~~سيدها، شوف يا مايكل أخوي اللي بطلع في أخو منو؟ # فانفقع الجميع بالضحك، قالت القديسة لنوار : زولك دا مجنون، وحلبي، حلبي عديل! # ردت نوار وهي تخفض السرعة قليلا: ومتخلف. # قال الخير: الزول اللي بيقول الحق عندكم متخلف، عشان كده أخير يبيعوكم ويشتروكم زي ~~البهايم، بس اشرحوا لي كيف زول يشتري احتفال؟ ما فاهم. # قالت القديسة: عجبك الاحتفال؟ ~~- مدهش والله، ولكن الزول اللي محتفلين بيهو دا، مش كان أحسن تحتفلوا بالولي إدريس ود ~~الأرباب، أو الشيخ فرح ود تكتوك، أو حتى سيدي الحسن، أنا ما شايف أي داعي للبيعملوا فيهو ~~دا. # ردت القديسة: أنت عارف لو نحنا احتفلنا بالشيخ فرح ود تكتوك حيكون برضو في واحد عنده رأي ~~وحيقول لينا أنا ما شايف أي داعي للي بتعملوا فيهو دا. عشان كدا، كل زول يحتفل باللي ~~عايز يحتفل بيهو. ~~- حتى لو كان كافر؟ ~~- حتى ولو كان شيطان. قال الخير موجها كلامه لنوار سعد: رأيك كدا برضو يا نوار؟ # قالت نوار: هو مختلف شوية، ولكن ما بعيد من رأي سهير حسان. ~~- كيف؟ ~~- أنت عايز تعرف التفاصيل دي ليه؟ ~~- عشان بس أفهم حاجة. ~~- أنت يعني ما فاهم؟ # قال وهو يخرج كيس سعوطه ويبدأ في تجهيز سفة كبيرة: اللي أنا فاهمو أنتو ما فاهمنو، ~~اللي إنتوا فاهمنوا أنا ما فاهموا ولا حأفهموا، ولكن قلت أخير يالخير تكون قريب ~~شوية. # قال له مايكل وهو يبتسم: كلامك كله صاح يا الخير. # أنت عارف من الأحسن تكون ما عارف اللي بيحصل هناك، ونحن نكون ما عارفين اللي بيحصل ~~هناك؛ لأننا وأنا أتحدث عن نفسي ما فاهم اللي حاصل هنا شنو. أطرش في الزفة، كفاية زفة ~~واحدة، ما تبقى لي زفتين. # قال الخير ضاحكا: عايز أقول ليك، وبصراحة، هنا زي هناك، طالما في إبليس وفي حكومة، في ~~كذب ونفاق وظلم، وفي ناس زي ناس نوار ديل شايلهم الموج. # قالت له نوار مغتاظة: أنت اللي شايلك الموج. ~~- أنا، والله، أنا لو سكران، سكران واقف زمبرليلي، ما بعمل اللي عملتوه دا. ms65 # هتف مايكل وسهير في وقت واحد: أمين، أمين. # عندما توقفت السيارة، كان أمين لا يبعد عنها سوى مترين فقط، نوار التي أوقفت المحرك بصورة ~~مفاجئة كانت أول من ترجل من العربة لتسلم على أمين محمد أحمد بالحضن وهي تسأل: وين ~~أنت يا ملعون؟ # تسالمنا بحميمية وشوق حقيقي، ترجل أخيرا الخير وسلم عليه مندهشا: وين أنت؟ # قال: موجود، في البلد دي. ~~- مرمي وين؟ في المدينة؟ ~~- نعم، في المدينة دي. ~~- وما طلعت منها؟ ~~- لا، لسوريا طبعت الكتاب وعدت. # فسألته نوار مشاكسة: زهرة الزقوم؟ # قال مشددا على الكلمة الأخيرة: أيوا، زهرة الزقوم. # ضحكنا جميعا ما عدا الخير، الذي كان ينظر للجميع في استغراب، عاد وجلس في مقعده في ~~العربة، يلهي نفسه بعض شاربه ومراقبة ذلك في مرآة العربة. ~~- زهرة الزقوم، اسم يخصك أنت وبودلير؟ ~~- بودلير، بودلير كان عايق. ~~- وأنت برضو عايق. ~~- وكان تافه. ~~- وأنت برضو تافه. ~~- وكان خصي. ~~- أنت برضو خصي. # ضحكنا، ضحكنا، قال أمين لي: اسمع يا مايكل أنا راض، ولكن أنت عارف تشبه منو؟ # قلت له: منو؟ # قال وهو يخفض صوته لأدنى مستوى ممكن: الخير. # كدنا نموت من الرعب جميعا، ولكن لم يسمع الخير شيئا، وادعيت عدم الاهتمام بالموضوع حتى ~~لا يطيل فيه، قال: لم تسألني عن وجه الشبه. # قلت له: أعرف. # قال مصرا: لا، أنت لا تعرف، إذا كنت تعرف قول. # قلت له: خليك من الموضوع دا. # قالت نوار التي كانت تتابع الحوار باهتمام بالغ: أنا عايزة أعرف وجه الشبه. # قال دون تردد: فحل مأجور، وأنت فحل مأجور. # قالت له نوار: أنت دائما تثير المشاكل يا أمين. # قال: ووجه الشبه الآخر، أنت وهو تفكران بالجزء الأسفل في ذكوركم. # ثم أضاف فجأة: عايز أصل معاكم المركز الثقافي الألماني. # قال لي أمين محمد أحمد عندما تركنا معا بالمركز الألماني الثقافي: أتعرف أن علاقتي بسابا ~~لا تزال جيدة، وأنني أقابلها وقتما شئت وأينما شئت، والآن بإمكاني أن أضرب لها تلفونا ~~وتحضر إلي هنا في بحر نصف الساعة وبعربة زوجها، بل يحضرها الشيخ بنفسه ms66 ويتركها لي ~~ويذهب. ~~- كيف؟ كيف؟ ~~- وأقول ليك برضو، علاقتي بنوار سعد جيدة جدا جدا. # قلت مكملا كلامه: وإذا ضربت لها تليفونا حتيجي في خلال عشر دقائق، وفي صحبة الفحل ~~الخير نفسه، ويتركها لك ويرجع إلى البيت! مش كده؟ # قال لي بصورة جادة وهو يقف على رجليه: لا، خيالك يحتاج إلى تنشيط. تعال، تعال معي. # ودخلنا إلى حجرة صغيرة في المركز خلف صالة المعرض يستضاف بها كبار الزوار، معلق على ~~جدرانها في كل الاتجاهات لوحات للفنان صلاح إبراهيم، كان الجو باردا في الداخل، وأمام ~~منضدة صغيرة من خشب المهوقني، على كرسي وثير، يجلس شخص أبيض يتصفح ألبوم رسومات كبير، قال ~~لي: سلم على الخواجة دا. ~~- هاي. # ولدهشتي أن رد لي: أهلا مرحبا. # قال لي: إنه لا يتحدث الانجليزية بطلاقة، ولكنه يعرف اللغة العربية معرفة جيدة، والفرنسية ~~والألمانية والروسية، ولغته الأم هي الإسبانية، ثم خاطبه قائلا: هذا صديقنا، مايكل، هو ~~فنان، ويغني أيضا بلغات محلية. ~~- أهلا وسهلا، أنا أحب الفنانين والنحاتين والمغنين والصعاليك أيضا. # ثم التفت إلي قائلا: دا خوان بيدرو؟ ~~- خوان بيدرو بتاع المتحف الإسباني، بتاع مسيو دل برادو؟ ~~- أيوا، أيوا، أيوا. # قال خوان بيدرو: أتعرفني؟ # قال له أمين: مايكل أحد أصدقاء نوار سعد. ~~- ها، نوار سعد الجميلة، ستحضر بعد قليل، إنها صديقة قديمة. # لقد جئت إلى حضور الاحتفال بذكرى مرور أعوام كثيرة على وفاة مايا العزيز، وأن أرى نوار ~~سعد. # كان تماما كما وصفته لي نوار سعد ذات مرة، أجمل رجل قبيح في العالم. # ولو أنه ستيني أو خمسيني، ولكن - مثله مثل نوار - يبدو شابا، كان يتحدث بطلاقة عن ~~الفنانين الإسبان الجدد؛ مدارسهم وحياتهم أيضا، يبدو كما لو كان يعرف كل شيء عنهم، أدق ~~التفاصيل، وقال لي ذلك: «إن الاهتمام بدقائق حياة الفنان هو نوع من الفن، فالفنان هو ~~المعادل الموضوعي لفنه.» # اعتذر عن تناول طبق الزقني لالتزامه بمواعيد مع أحدهم في الغداء. # | قالت لي القديسة ذات مرة # أمين يحب طبق الزقني بالدجاج متبلا بالدليخ القديم، ويبدو أنه كان يأكل ms67 بشهية كبيرة، ~~وأنه متوازن نفسيا. # قال لي أمين محمد أحمد: أنا تعلمت الكثير في هذه الحياة ، وأقول لك سرا لا تنسه وهو: «إن ~~الرجل الذي وطئ المرأة مرة في أي ظرف كان، بإمكانه أن يطأها مرة ومرة أخرى مهما تغيرت ~~الظروف، زوجة كانت، عازبة، شيخة أم شابة؛ لأن حاجز العري والجنس ينكسران مرة واحدة ولا ~~ينجبران إطلاقا.» # تحدث كثيرا ثم قال لي: ألم تقف في هذا البيت من شعري: # ليس لدى الشاعر امرأة # وليس لديه ... نشيد # قلت له: بل توقفت عند قصيدة وولت ويتمان التي يقول فيها: # Women sit or move ~~. # To and fro ~~. # Some young. some old ~~. # The young are beautiful ~~. # But the old are more ~~. # Beautiful than the young ~~. ~~- أنت دائما تدعي معرفتي، أنت عارف القديسة عمرها كم؟ # قلت له: لا يهم، أنا أحبها لا لأنها كبيرة وناضجة وأنا مصاب بالعقد، ولكن لأني بحبها وبس! ~~قبل أن أسمع بقصيدة وولت ويتمان. # قال وهو يستعد لبلع لقمة كبيرة من الإنجيرة بالزقني والدليخ ساخرا: أنا برضو قلت ~~كدا. # تركت أمين، وفي نفسي شيئان: الأول أن أمين ربما خدعني في مسألة خوان بيدرو، وأن خوانه ~~هذا ليس إلا ممثل متواطئ، والشيء الآخر كل ما دار عن نوار وسابا فيما يخص تجدد علاقاته ~~بهما، هو أيضا كذبة أخرى الهدف منها حفظ ماء الوجه، لكني قلت لنفسي: قد يكون صادقا ~~فالمسافة ما بين الحقيقة والكذب هي أقرب من المسافة ما بين حقيقة وحقيقة أخرى وأقل ~~التباسا. # | أمين السوداني: ينام مع الفئران # المرفعينان الصغيران كبرا سريعا، ولأنهما يأكلان كثيرا جدا ولا يطعمان إلا بالفم؛ ~~فإن تربيتهما أصبحت أمرا مكلفا بالنسبة لنا في المحراب، واتفقنا أنا ومايكل على التبرع ~~بهما لحديقة الحيوان الوطنية، ورفضنا عرض المتحف الطبيعي الذي يسعى إلى تحنيطهما؛ لأننا ~~نريدهما أحياء، لقد أصبحا من زمرة الأصدقاء. # محمد آدم الصغير لم يحضر إلى المدينة ودخل الثانوي في القرية المجاورة، ولكنه أرسل سلامه ~~وسؤاله عن المرفعينين عن طريق أحد أقربائه، وبلغناه بفكرة إهداء الحيوانين ms68 إلى الحديقة ~~العامة؛ لأن إطعامهما أصبح أمرا عسيرا بالنسبة لنا، وأنهما قد ينجبان مرافعين أخرى، ~~وبذلك تصبح عملية سلامة وأمن المحراب في تلتة، وخاصة أن أسرتين من العرب الرحل جاءتا ~~واستقرتا قريبا من المحراب، وفي القريب القريب، أي بعد مائة أو مائتي سنة سيصبح مدينة، ~~مدينة كبيرة لا يتذكر سكانها من أين جاء اسم المحراب، ويطلق المؤرخون لخيالاتهم العنان، ~~وسيؤلفون خطبا جميلة مسلية عن اسم المدينة، تنيم به الأمهات أطفالهن، وفاجأنا محمد آدم ~~الصغير وأمه بزيارة المحراب. # حضرت نساء الخير إلى المدينة في صحبة جميع أطفالهن على ظهر عربة لوري كبيرة: غبر، شعث، ~~غبش، ضاجون، ماجون، تتطاير من ملابسهم ورءوسهم الرمال البيضاء الناعمة، يثيرون الأتربة، ~~يضحكون بدون سبب ويندهشون. # كان الأطفال أربعة عشر، بينهم خمسة أولاد وتسع بنات، ينحدرون ما بين عمر سنة إلى عشرين ~~عاما، حفاة في ثياب رثة، ولكنهم جميلون وطيبون وأدخلوا البهجة في نفوسنا والسؤال أيضا، ~~وأغضبوا الخير غضبا شديدا. # وصلنا نحن - أنا ومايكل ومحمد آدم وأمه - إلى منزل نوار سعد بعد دقائق من إخطار الخير بأن ~~هناك نفرا غرباء في انتظاره بالخارج على عربة اللوري العملاقة. جئنا والمشاجرة التي ~~ابتدرها الخير كانت في أوجها، كانت زوجته زينب الصغيرة تصرخ بالقول: أنا يا الخير كان شرطي ~~معاك واحد فقط، أنت عارفو ونوار عارفاهو، وقلتو قدام شهود، أنت لو عرست نوار أنا وعيالي ~~كلنا نجي ونسكن معاكم هنا في العاصمة وأنت وافقت. # وبعدما تزوجت عملت أضان «آذان» الحامل طرشا، سديت دي بطينة ودي بعجينة، والآن ليك تسعة ~~أشهر ورجلك دي ما ختيتا في القرية، عشان كدا نحن جينا، وأقول ليك أنا ولا العيال حنرجع ~~للقرية تاني. ~~- وأنا كمان. # قالت زينب الزوجة الكبيرة. # كان صاحب اللوري يترجى الخير أن يدفع له ثمن الرحلة حتى يتمكن من الذهاب إلى السوق ~~والبحث عن رزق آخر، وبعد ذلك بإمكانه مواصلة المشاجرة مع نسوانه. # قام الأطفال والمساعدون بإنزال العفش بينما ما زال الخير يجادل المرأتين، ويطلب من السائق ~~أن ينتظر ليعدهما للقرية، وسيدفع ms69 له ثمن المشوار كاملا، خرجت نوار سعد على سماع الضجيج، ~~ولكنها عندما تنبهت لوجودنا رحبت بنا وطلبت منا أن نتفضل بالدخول، وقبل أن يتم ~~ذلك سلمت على المرأتين والأطفال بحميمية وجمال، وطلبت من الجميع الدخول وتناول الطعام ~~وترك المشاجرة إلى وقت آخر، وقبل الجميع الاقتراح. # مايكل والخير والصبية ومحمد آدم قاموا بإدخال العفش، الذي لم يكن سوى أسرة من الحديد ~~منسوجة بحبال السعف، وكثير من العناقريب والبنابر وسحارتين للعفش، وبعض ترابيز الحديد ~~والخشب ذات الألوان البنية الداكنة نتيجة لتراكم الأوساخ عليها، أحذية قديمة، ملابس مربوطة ~~في حزم كبيرة، جولات بها أطعمة مجففة، أدوات صناعة الكسرى والقراصة، حلل وكمش ومفاريك ~~وملاعق، راديو ترانسستور كبير الحجم في إطار من الخشب المضغوط، مراكب قديمة، عصي، أدوات ~~زراعة وبناء، مشلعيبات، لدايات، حطب وقود وطلح للدخان وشملات وأغطية، زجاجات سمن. ولا ينسى ~~أحد البهائم السبع التي ربطها الخير جميعا في ركن البيت الشرقي قرب الديوان، وهو المكان ~~الوحيد الذي يحفظ الحديقة بعيدا عن أسنان وأضراس الأغنام، كان يوثقها بالحبال وهو يسب ~~ويسخط ويتوعد المرأتين حالفا بالأيمان الغلاظ وقبر أبيه والطلاق. ~~- إذا لم أأدبكم أدب المدايح، يا بنات الكلب ... # كان الأطفال يحذرونه ولا يحتكون به، ويتجنبون أن تلتقي عيونهم بعينيه، كان لا يكف عن ~~الكلام وهو يعمل هذا ويرمي ذاك ويربط تلك ويرفس ذاك. عندما صلينا صلاة المغرب في جماعة ~~استأذنا بالذهاب إلى المحراب وخرجنا. # | الحكمة: امرأتان # علي أن أتصرف بحكمة، لا أنكر أن وقع الزيارة المفاجئة كان ثقيلا، وأنه أشعل الجيرة ~~كلها بالأسئلة، وشمت الشامتون علي ... ولكن قلت لنفسي: كوني يا نوار قوية واتجاوزي ~~المحنة. # بعد أن ذهبت القديسة ومايكل وضيوفهما جلسنا أنا والخير و«امرأتاه»، كان الخير يصر على ~~حل واحد لا ثاني له، وهو أن تعود المرأتان بأبنائهما، وتصر المرأتان أنهما لن تعودا، ~~وإذا عادتا فبدون الأولاد. # المرأتان باسم واحد؛ زينب، ويفرق بينهما بزينب الكبيرة وزينب الصغيرة. زينب الكبيرة وهي ~~الأصغر سنا، نحيفة طويلة لها سواد جميل ونعومة فائقة، وهي سكوتة أو ربما اكتفت ms70 بأن تكون ~~زينب الصغيرة ثرثارة، وزينب الصغيرة جميلة أيضا وسمينة، طويلة لها بشرة بنية وعينان ~~واسعتان ذكيتان عنيدتان، وتكبر زينب الأخرى بعامين، يمكنها رد أية جملة يقولها الخير بسرعة ~~فائقة، ولها مقدرة على تفنيد آرائه ونفيها بطريقة تحسد عليها ، وهي لا تخشاه إطلاقا ولا ~~تخاف قسمه وتهديده بالطلاق أو الضرب، كانت تصر على شيء واحد: أنا ما ماشية من العاصمة دي ~~خطوة واحدة، ويعني ما ماشية. إذا كنت معك أو غيرك، لو طلقتني برضو حأقعد مع أولاد عمي في ~~الثورة، أنا تاني ما ماشية للعذاب والرملة القبيحة والخرابات والخلا، عديل كدا قلت ~~ليكم. ~~- وأنا كمان. # قالتها الأخرى خجلة، بسرعة وبعين باهتة. قلت لهما: أنا رأيي برضو زي رأيكم، حتسكنوا في ~~الخرطوم جميعكم عشان الأولاد والبنات يدخلوا المدارس ويتعلموا حاجة تنفعهم. # بتلقائية وعاطفة نقية وروح حلوة انقضت علي المرأتان بوسا وحضنا، وتحدثتا حديثا ~~جعلني أبكي، لقد وصفن لي الحياة هناك، فصلتاها تفصيلا محزنا، قالتا لم يبق هناك ~~سوى الموت، قالتا ما لم أره في زياراتي إلى القرية، وعرفت أني كنت أرى القرية وفي ذهني ~~صورها قبل عشرات السنين، وما كنت أرى من واقعها الحالي شيئا، وحسيت بأنني كنت أنانية عندما ~~أخذت منها عمودها الفقري ونبيها وابن نوحها. # قال الخير محتجا: والأرض؟ # قالت زينب الصغرى: أنت حتمشي تبيعها لو في زول يشتري خرابة بيعها ليهو، ولو عايز تقعد ~~فيها، أقعد اسقيها، وأحسن تنساها نهائيا. ~~- والتمرات، التمرات برضو، أنتو بتحلموا ساي؟ # قالت له زينب الصغرى: والتسعة أشهر اللي قاعدها في الخرطوم دي كانت شنو؟ دا ما النسيان ~~ذاتو! # ثم أضافت: الحاجة أم الخير قاعدة هناك، تقوم بالواجب، مش حتمشي تشوف أمك؟ ~~- يا ولية أنت قايمة علي كدا ليه؟ # أختاي نوار ونورة تسكنان في السلمة مع أطفالهما، ولدي أنا بيت كبير هناك لا يبعد كثيرا ~~عن منزل آدم وسارة حسن والمنزل فارغ، به الخفير فقط، أخذنا الأسرة الكبيرة إلى هناك، ~~المشكلة الأساسية كانت في تعليم الأطفال؛ حيث إنهم لا يمتلكون شهادات ميلاد ولا يمكن ms71 إثبات ~~أعمارهم إلا بالحكايات والقصص والمقاربات، والمشكلة الكبرى أن السنة المدرسية في ~~نهاياتها. # والحل الذي هدتني إليه زينب الكبرى كان عمليا ومنطقيا؛ قمنا ببناء فصل داخل الحوش من ~~الحصير والمواسير الصلبة، وأتينا بمعلمة واحدة، معلمة صف، وانتظم الجميع؛ الأمهات وأطفالهن ~~في الصف الأول الابتدائي من منازلهم، ولكن الخير كان «ينقنق»: أنا ما عايز أولادي يتربوا في ~~البلد دي، كلها فساد وشر وصعاليك ومتشردين. # وأصبح موضوع العودة للقرية هو الصباح والغداء والعشاء، وخاصة عندما تمردت بنته الصغرى ~~«ست البنات» على المعلمة وقالت: أنا ما عايزة أقرأ، عايزة أرجع الحلة. # وانضمت إلى صف الخير، ولو أن الخير كان يعرف تماما سبب تمرد ابنته، إلا أنه فضل ضمها ~~إليه على الأقل الآن، أما في القرية فموضوع المحجوب ود المحجوب حيتعالج بسهولة. # وأخذ الخير يفتعل الشجار مع المعلمة، مع النساء، مع الأطفال، معي، الجيران، الباعة ~~الجائلين، أصدقائنا، الشرطيين، عمال النظافة، وكل من هب ودب، وصل ذروة غضبه حينما قال ~~لي: أنت عايزة لبناتي يصعلكوا زيك؟ ~~- زي أنا؟ وأنا مالي؟ ~~- أنت عارفة نفسك كويس، أنت وصحباتك وأصحابك، صنف واحد. ~~- أنت بدأت تخرج من حدودك. ~~- أنا حدودي أولادي ... وبس ... ارفعي يدك منهم، اطلعوا أنتو من حدودي. # عمل الخير سمسارا في سوق البلح بموقف دنقلا بالحلة الجديدة، تزوجت ست البنات المحجوب ود ~~المحجوب ود تويسة ورجع بها إلى القرية، زينب الكبيرة عادت مع ابنتها على شريطة ألا يغيب ~~عنها الخير أكثر من شهر واحد، وقالتها بالحرف الواحد: أنا عندي نصيب معاكم. # البهجة التي نفحتنا بها زيارة دوشكا تودروف وأطفالها الاثنين لا توصف، ولو أن حرارة ~~الجو التي دائما ما نتجاهلها نحن وتزعجهم، بل تعتبر إحدى معاناتهم اليومية، بالإضافة إلى ~~الذباب والغبار، إلا أنهم كانوا يستمتعون بحق وحقيقة في كل لحظة قضوها في البلاد الكبيرة، ~~كانوا يسألون عن كل شيء. ~~- كل شيء هنا لا يشبه كل شيء هناك، إلا بعض عربات اللادا والبطاطا والفودكا. # تجولوا في الخلاء المفتوح والغابات والأنهر والآبار، رأوا الحيوانات الطليقة والتماسيح ~~والقرنتي والناس، أعجبهم ms72 المحراب عجبا شديدا، واهتم الأطفال بالصلاة فصلوا تحت الدومات ~~الثلاث، لعبوا من على بعد كاف مع المرفعينين الصغيرين الجميلين ذوي الرائحة العفنة، ~~وأطعموهما لحوم الدجاجات وأحشاء الماشية. # كانوا يقيمون في منزل مايا زوكوف، وهو ذات البيت الذي اختبأ فيه أمين محمد أحمد بعد فشل ~~زواجه بنوار سعد؛ حيث اعتكف على كتابة ديوان «زهرة الزقوم»، أحبه أطفال دوشكا تودروف حبا ~~جما، وألفوا أغنية قصيرة لأجله ... # أسموها «أمين السوداني ينام مع الفيران»، وأصبح منظرا مألوفا في شوارع المدينة ~~«الخواجاية وأطفالها والرجل الأسود» يتمشون على أرجلهم في كل مكان هنا وهناك، قال لي الخير: ~~أمين يا دوب لقي شبهه. # لم أقل له التعليق الذي خطر في بالي عند سماعي جملته، قلت: يبدو ... يبدو ... لك ... # قال: الخواجات ما عندهم مشكلة، زيهم زي البهائم، دا طالع دا نازل. # قلت: إنهم يقدرون العلاقة الزوجية ويحترمونها أكثر مننا نحن. ~~- أنت بتظني إن دوشكا عندها زوج؟ # عندما رجعوا إلى روسيا سافر أمين السوداني الذي ينام مع الفئران معهم. # | النهايات:عفة الخيانة # سابا تخلي بعد عامين ستنجب طفلا جميلا، وهو الوريث الشرعي الذي سيحتفي به الشيخ طه ~~احتفاء سيصفه كتاب صحفيون حاقدون: بأنه نوع من البذخ والترف. # الشيخ طه السمين، الذي يحب زوجته الحبشية سابا، ويحب زوجته الأولى أيضا، ويحب نساء ~~كثيرات أخريات مر عليهن في بلدان شتي عندما سافر إلى ماليزيا في صحبة زوجته الجميلة سابا، ~~في رحلة عمل وسياحة مرضية، معهما طفلته الأحلى نوار، وولده ووريثه الشرعي النور، قبل أعوام ~~كثيرة، عرض نفسه لطبيب، ذلك عندما داهمه التهاب بغيض في البروستاتا، عندما فحصت حيواناته ~~المنوية وجد أنه: «لا ولم ولن ينتج حيوانات منوية، لا حية ولا ميتة»، كل ما يستطيع أن ~~ينتجه سائلا لزجا مثل الويكة، له رائحة الفاكهة المتعفنة، لونه أبيض، يجف بسرعة لا تتناسب ~~مع خواصه الكيميائية إذا ترك للهواء، يمتلك منه قدرا كبيرا ولكنه لا يفيد في ~~شيء. # لم يقل شيئا لسابا، لم يصرخ فيها، لم يوبخها، لم يتهمها بالشرمطة، لم يسألها من أين ~~لها، ms73 لم يطلق عليها الرصاص، ولكنه فقط لمح لها ذات مرة أنه لا يرغب في أطفال آخرين: ~~خلينا نكتفي بالولد والبت اللي ربنا أكرمنا بيهم ديل وبس. # | الخير علي: رجل من الطمي # الخير علي صالح الآن هو أحد أغنى سماسرة العاصمة، والماسك النهائي لأرباح كل بلحة وردت ~~الخرطوم من أية جهة من البلاد الكبيرة، بناته التسع الحلوات في مدارس العاصمة الكبيرة وفي ~~معاهدها، في رقة مدنية عظيمة، ولكن عندما يشم الصبية الطائشون الخرطوميون صدورهن ~~الناهدة، ومنبت شعورهن، تفاجئهم رائحة الصحراء، نحيب النهر البعيد، وهمهمة البلحات الطازجات ~~... # أبناؤه السبعة هم الأصغر سنا، ما زالت اللكنة الحلوة التي اكتسبوها من الحبوبات ~~والخالات والرواكيب وبيوت الطين وطيور البلح والنيل، تعرف بهم. # أصغرهم محمد خير، هو ما سوف يعرف بكاتب رواية «عرق الحصي»؛ لأنها أثارت حفيظة بعض ~~الشواذ جنسيا فحاولوا قتله، وهو لا يتعدى الخامسة والعشرين من عمره. محمد خير هو ابن نوار ~~سعد، أنجبته من الخير ذاته ومن رحمها بالذات؛ كما يحلو لها القول. # | نوار سعد: الحياة تعني الكثير # نوار سعد كتبت مذكراتها بعد أن أنجبت طفلا، لقد استفادت من التطور في علم الإنجاب ~~الاصطناعي، وبقليل من التحمل والدولارات والسفر استطاعت أن ترفد العالم بشخص أسمته محمد ~~الخير، بدت متفائلة سعيدة وهي تكتب عن طفولتها الشقية البائسة، وأيام الجوع والحرمان ووفاة ~~والدتها وكلاب أبيها والرمال والجروف، مزارع البصل، الهروب إلى إسبانيا، سنوات الجامعة، ~~الصديقات، الأصدقاء، العشاق. # وفي هذا الفصل اعتذرت أولا لطفلها محمد خير؛ لأنها سوف تكتب بصراحة ووضوح غير معتاد ~~عليه في بلد يدعي كل من فيها أنه لا يحب ولا يمارس الجنس ولا يرتكب المعاصي، وأنه من ~~أهل الجنة وآل البيت ... عن مايا زوكوف فلاديمير ومداح المداح. قالت: إنها لم تندم على لحظة ~~واحدة عاشتها. # كتبت مذكراتها بصدق وحب وصراحة وجمال لا يوصف، كانت تعرف أنها سوف لا تحضر شباب ابنها ~~ولا رجولته، بل تشك في أنها سوف تراه وهو في السادسة أو الثامنة عشرة من عمره، ولكنها كتبت ~~من أجله فقرة ms74 تقول فيها: «فقط أعرف أنك عندما تبلغ عمري هذا ... العالم حينها سيحظى بعجوز ~~خبير في الحياة.» # | المحراب: القلب الذي يعشق # المحراب # قرية المحراب، ضريح الشيخ المختار # | مايكل: جنوبي جميل # مايكل وزوجته سهير حسان وبنتاهما يحجون سنويا من أمريكا إلى قرية المحراب، في وسط فصل ~~الخريف، حيث يحج لنفس المكان الأحياء من الأصدقاء جميعهم، آدم وزوجته وأطفاله، دوشكا تودروف ~~وأبناؤها وزوجها أمين محمد أحمد، وأبناء الخير، ومحمد آدم، وأصحابه الطلاب بالجامعة، نوار ~~والنور طه، وكثيرون كثيرون كثيرون. # | الشرطي: يعني دائما رجل الأمن جمال # كتبت سارة حسن في دفترها، بدون تاريخ: # لم يستطع أحد أن يفهم ما معني أنني أريد قتل هذا الشرير الشرطي القذر جمال أمين، إنهم ~~يخلطون ما بين الانتقام والعدل، ولو أن اتفق على عدم تسليمه إلى الحكومة؛ لأن ذلك يخدم ~~كثيرا من القتلة والمجرمين الذين هم الآن لا يزالون على سدة الحكم، ولو أنهم غيروا ~~جلودهم، ولكنهم لا يتسامحون في أن ينبش ماضيهم العفن الدامي، بالتالي أن نسلمهم إياه ~~يعني أن نريحهم، ولن نفعل. # وبنفس المنطق يصبح قتل الشرطي جمال أمين هدية أخرى وخدمة مجانية لوزراء وولاة وتكنوقراط ~~ونواب، الآن ترتعد فرائصهم لمجرد ورود أسمائهم في قوائم القتلة بالإنترنت. # ولكن لم تفهم وجهة نظري بأن أقتله أنا بيدي، يعني أنني أقيم العدل بأسمى معانيه ~~وإنسانيته، أن يقتل المقتول قاتله، إنني أتشوق أن أراه يتعذب ويتألم تماما كما فعل بي، ~~كما فعل بعشرات النساء، أن أراه يموت. # قلت لهم منهية جدلا أخذ أكثر من ساعتين ويطول: حأقوم بالموضوع دا براي. # قال آدم في هدوء: أنا معاك. # قالت نوار، قالت سابا، قال برهاني، قال مايكل، قال أمين محمد أحمد: حنقتله سوا. # وضعت الخطة بصورة جماعية في كهوف مايا، مباشرة بعد اليوم الختامي للاحتفال السنوي ~~بمايا العزيز، حددت الأدوار والأسلحة، واتفق الجميع على استخدام القبر الفارغ بالكهف ~~الكبير؛ لدفنه به والتخلص من جثته، على أن أقوم أنا باستدراجه إلى الموقع المتفق عليه، ~~وهو الكهف الكبير نفسه. # وكنت أعرف مكان إقامته، لقد ms75 أخبرني به ذات مرة، إنه مكان جبلي وعر تنبت فيه أشجار الكتر ~~ومستعمرات الحسكنيت، يبعد عن الكهوف ما يقارب الساعة والنصف مشيا على الأرجل، وصفه لي ~~قائلا: دا واحد من الأماكن اللي أنا بقعد فيها، ربما يوم حتحتاجي لي. # قلت له في ذلك الحين: ما أظن. # ولكن احتجت إليه، نعم حدث ذلك بالفعل؛ لأنني قررت أن أقتله بنفسي، ووحدي وفي مسكنه وبدون ~~أن يعرف أي كان ذلك. # مشكلتي الأساسية أنني لا أعرف أن أستخدم أية أسلحة، لا نارية ولا بيضاء ولا حتى العصي، بل ~~لا أعرف مجرد الدفاع عن النفس، وهو - بلا شك - يجيد كل ذلك، ولكني أعرف شيئا آخر لا ~~يستهان به، وهو استخدام السموم، بالذات الزرنيخ؛ حيث إنني دائما ما أستخدمه في عملي ~~اليومي في صنع بعض الألوان الحجرية لاستطالة عمر اللون وإعطائه بهاء وبريقا خاصا يدوم ~~لسنوات كثيرة، نسبة لمقاومته للحرارة والضوء والماء. # ومعروف أن قدرا ضئيلا من الزرنيخ في وزن حبة البن بإمكانها قتل فيل في حجم قطية، ولكن ~~كيف يصل هذا السم إلى معدته؟ # أخذت ثلاث عبوات بأحجام صغيرة، خبأتها في أماكن مختلفة؛ حقيبة اليد، وجيب البنطلون، وفي ~~فراغ كعب الحذاء. أخبرت آدم بأنني سأقضي صباح الغد بكهوف مايا زوكوف، وربما لا أعود إلا عند ~~الخامسة أو السادسة مساء، لدي عمل فني من الحجارة أحاول أن أقوم بإعداد دراسة له، ولأنه ~~يعرف أنني لا أكذب؛ صدقني وأخذني بنفسه إلى الكهوف، اشترى لي ماء وطعاما من الطريق، ~~وألح علي أن نتناول وجبة الإفطار معا؛ لأنه يظن أنني عندما أعمل أنسي نفسي من الطعام ~~والشراب، ثم أوصاني بألا أهمل شرب الماء، مذكرا إياي بالتهاب الكلي الذي أعاني منه منذ ~~أن خرجت من المعتقل، وذهب. # تحركت مباشرة بعد أن غادر آدم إلى المدينة لموقع عمله، كنت أمشي بسرعة فائقة، تتخبط ~~وتتصارع الأفكار في رأسي، كل فكرة تمحو الأخرى وتنفيها وتتفهها، بمعني أنه ليست لدي ~~فكرة معينة في رأسي، لدي الزرنيخ بوفرة، قلت لأضع بعضا منه في الماء، قد ms76 يشربه، لا لا لا ~~لا يمكن، إنه ليس بهذه البلادة، سوف ... لا لا لا لا، إنه ... لدي الإصرار والعزيمة على قتله ~~فقط، ولكن لا شيء آخر، دخلت غابة الكتر والحسكنيت، وانتبهت لمعركة عنيفة ما كنت قد وضعت ~~لها أية حسابات، وهي أشواك الكتر والحسكنيت، التي استطاعت أن تعيق حركتي تماما، ولأنني ~~أعرف الموقع ولا أعرف بالضبط المكان، لم أر قطية ولا بيتا ولا كهفا ولا حتى مجرد أجمة ~~عشبية تقي من حر الشمس أو المطر، فكانت مشكلتي أكبر؛ حيث أخذت أدور على نفسي في ذات ~~المكان، ذات الحسكنيت، ذات الكتر، ذات الحجارة الصماء الخرساء الساخنة، ذات ريح السموم، ~~الشمس الحارقة، ذات الجبل الذي يحتل الأفق كله، مرت ساعتان وأنا لا أعرف أين أذهب، شربت ~~نصف ما لدي من ماء، وما زلت أحس بالعطش وجفاف الحلق، أخذ يسري في أعضائي هبوط طفيف من فعل ~~العرق، حيث أفقدني كثيرا من الملح، بيني وبين نفسي عرفت أنه قد خدعني، لا يمكن أن يرشدني ~~إلى مخبئه، وهو يعرف أنني أيضا أريد قتله، لقد كنت ساذجة وبليدة وقادني الانتقام وحده إلى ~~هذه المتاهة، ولقد قال لي آدم من قبل أن الانتقام عاطفة مضللة، ولكني لم أع الدرس، ~~جلست تحت شجرة لالوب عملاقة لألتقط أنفاسي قبل أن أعود أدراجي إلى البيت، أحتسي بعض الماء ~~وأطعم قليلا من الخبز، حينما أحسست بظل ثقيل يقترب مني، سرت قشعريرة مميتة في عمق ~~لحمي! # قال بصوت أجش وهو يضع رجله على عود جاف خلفي، فيطلق تحت وزنه مضيفا للظل موسيقى تصويرية ~~مرعبة: أنا عارف إنك حتجيني ... عارف، أنا حبيبك الأولاني، فلان الفلاني. # وأخذ يضحك بافتعال. # فنهضت مرعوبة، أخذت أحملق فيه. # قال لي: آها جيتي تقتليني، ولا جيتي مشتاقة لي؟ # قلت له من بين أسناني: أنت شايف شنو؟ # قال وهو يحاول أن يبدو مبتسما: بصراحة أنا شايف الاثنين سوا، حب وموت، يعني دا الحب ~~الموت. # ثم أضاف وقد بدا على وجهه مرح غريب أخافني: يلا نمشي تشوفي بيتي، هو ما بعيد ms77 من هنا وما ~~قريب شديد. # قلت له إن الوقت قد تأخر وإنني قضيت الساعات هنا أبحث عن بيته منذ الصباح الباكر، وإنني ~~لا أستطيع عمل شيء سوى العودة إلى البيت، ولكنه أصر على أن أذهب معه، فقط لأتأكد من ~~المكان حتى لا أضيع وقتي في البحث في المرة القادمة، وذهبنا. # في الطريق قال لي إنه لم يكن في بيته منذ الأمس، وإنه كان في المكان الآخر، وهذا المكان ~~الآخر يعرفه هو والله فقط، بعد أن عبرنا ممرات تحيطها أعشاب الحسكنيت والكتر، وقفنا أمام ~~شجرة تنضب وارفة تقوم على حافة كتلة صخرية عملاقة، يبني عليها العنكبوت بيوته وتتطفل عليها ~~نبتة متسلقة نسميها هنا السلعلع، قال لي: دا هو البيت. # قلت له مندهشة: أنت العنكبوت ولا السلعلع؟ # قال: لا العنكبوت ولا السلعلع، ولكن العنكبوت والسلعلع سوا سوا. # ثم جذب غصن شوك كبير لم ألحظه في بادئ الأمر كان يرقد ما بين التنضبة والصخرة، فظهرت ~~بوابة لمغارة يشع الضوء من عمق سحيق فيها، قال لي: أنا أسكن هنا، من الداخل واسع ولكن مدخله ~~ضيق ودا للتأمين، ادخلي. # قلت خائفة: لا أنا ما حأدخل، خلاص عرفت المكان وحأجيك مرة تانية. # وحاولت أن أعود أدراجي للبيت. # في الحق كنت مرعوبة وخائفة، وأحسست بالخطر يحيط بي، الخطر الفعلي، أحس بأنفاس الموت في ~~أذني تتلاحق، ولأول مرة في حياتي ينتابني مثل هذا الرعب. قال لي: حتدخلي معاي حتدخلي معاي، ~~وأعدك ما في حاجة حتحصل ليك. # كان يتحدث في ثقة مفرطة محتفظا في فمه بابتسامة صفراء. ~~- لا، لو عايزني أجي تاني، خليني أمشي وأوعدك بأني حأجي. # ولكنه أصر إصرارا غريبا لدرجة أنني أحسست أنه إذا لم أدخل سيغتالني، ودخلت، مررت بحذر ~~ما بين التنضبة وحافة الصخرة، حنيت رأسي إلى مستوى الركبة، مشيت بتلك الهيئة مترين ثم وجدت ~~نفسي في بهو عريض في حجم حجرة صغيرة، به إضاءة خافتة تصدر من أركان كثيرة، توجد مفارش نظيفة ~~على سرير من الخشب، ملابس معلقة على تربيزة ملابس من الحديد، هنالك دولاب ms78 من الحديد، وتفوح ~~من المكان رائحة التراب الرطب، وشميم واهن من الفضلات الإنسانية. # قال لي وهو يشير إلى الأعماق: في غرفة تانية. ~~- غرفة تانية؟ غريبة! # وعبر ممر ضيق كنا أمام حجرة عليها باب من السيخ تماما مثل الحراسة ، أمامها ممر في عرض ~~المترين، وقبل أن اسأله قال لي: نحن ما وحدنا، عندي ضيوف قبلك. # ثم صاح بصورة مسرحية: رحبوا بسارة حسن يا شباب! # كما في الحلم، من خلف القضبان، وعبر الرؤية الشاحبة، حيث كانت هنالك لمبات كبيرة من الغاز ~~في أماكن كثيرة، ظهر شبحان، وبصوت واهن ضعيف، كالفحيح سمعت شبحا يقول، بصوت جائع مخيف: ~~سجمك يا سارة اللي جابك هنا شنو؟ # بعد ذلك لم أع شيئا، كمن صعقت بتيار كهربائي، لا أدري بعد كم من الزمن أفقت، حيث ~~وجدت نفسي عارية تماما، ففي قفص تحيط به الصخور في جهاته الثلاث، والسيخ من الجهة ~~الرابعة، استيقظت على قهقهة مرعبة، وجدتني في صحبة امرأتين نحيفتين، تفوح من فميهما رائحة ~~السل، تنمو الشعيرات في أطرافهما، لهما أظافر طويلة بأصابع رجليهما وأناملهما، شعرهما كأنه ~~أعشاب في مفازة منسية مهملة، المرأتان عاريتان كما ولدتهما أمهما، يبدو أن شعرا كثيفا ~~أوزغبا قد نما على جسديهما، كنت أحس ذلك في ملمسهما المرعب الذي تقشعر له جلدتي، تموتان، ~~تحتضران، تتحدثان في صعوبة بالغة، تفوح من المكان رائحة البول والصنان. # كان هو في الخارج يتحدث باستمرار، يقهقه في جنون، ويحتسي الخمرة، عندما عرف أنني استيقظت ~~قال لي: مرحبا بك في بيتي، وشوفي أنا لابس نعالك، يعني الحالة واحدة. # عبر ضوء الفوانيس استعطت أن أرى عريه التام، وحذائي الصغير يرزح تحت ثقل جسده ورجله ~~الكبيرة الخشنة. # قلت له في غضب: أنت زول غادر ووسخ. # قال في برود: وتاني؟ ~~- حقير. ~~- وتاني؟ ~~- قاتل ومجرم. # قال في برود: بس؟ ~~- مش وعدتني إنك ما حتأذيني؟ # قال بثقة: أنا ما أزال على وعدي. ~~- واللي عملته دا شنو؟ ~~- أنا عايزك تكوني جنبي، ودي الطريقة الوحيدة اللي بتحقق لي دا، وأنت ناسية أنك ~~زوجتي وأنا ما طلقتك، ms79 واتزوجت علي؟ مش عيب وحرام؟ أنا زوجك بسنة الله ورسوله. # قالت لي إحداهما، في صوت واهن ما معناه أن النقاش معه غير مجد، فسكت، عرفت منهما أنه ~~أخذهما بذات الطريقة التي استدرجني بها، وأن أملنا الوحيد في الخلاص هو الموت كما ماتت فتاة ~~كانت في ذات القفص، وهما لا تدريان كم من الزمن مضى عليهما في هذا المكان، فقط تعرفان أن ~~إحداهما أتت بعد الأخرى، أحضر لنا الطعام والماء عن طريق فتحات السيخ، ثم قال لي: اعرفي ~~أنه ما في مخلوق يقدر يهرب من هنا، ومن الأحسن نحاول نتعلم الحياة مع بعض، ونحاول ما نخون ~~بعض، ولا نعتدي على بعض، ولا نغدر ببعض، وكل اختراق للميثاق دا ولو مرة واحدة يعني الموت، ~~والشباب ديل عارفين، مش كدا؟ أنا الوحيد المسموح لي بالغدر والخيانة. # ثم أضاف في قسوة: عايز أعرف ردك. # قلت له محاولة كسبه على الأقل إلى أن أجد حيلة للخلاص: موافقة. # ابتسم وهو يقبض على أعضائه التناسلية بيده اليسرى ووعاء الخمر بالأخرى. ~~- في الحالة دي تعالي، عايزك. # وفتح الباب بسحبه بالقوة للخارج، أصدر صريرا مرعبا، ودون أن يقول كلمة سحبني إليه، وترك ~~الباب مفتوحا. # هتف في المرأتين في رعب: نوم. # فانكمشتا على بعضهما وأخذتا تنتحبان في صمت. # قال لي: أنا ما حأمارس معك الجنس، ولكن أنت حتقومي بالموضوع دا، أنا بصراحة عايز أحس إنه ~~أنا معتدى علي، حياتي كلها قاعد أعتدي على النساء، عايزك الليلة تعملي العكس، أنا منتظر ~~آآها، اعتدي علي تعالي اغتصبيني، عايز أكون ضحية. # رقد على الأرض على ظهره في الممر مباعدا ما بين فخذيه، وضع كوب الخمرة قربه على الأرض، ~~طلب مني أن أعتدي عليه مرة أخرى، أن أغتصبه، كان عضوه منتصبا قبيحا ومستفزا. # وقمت بذلك، بكل ما لدي من قوة وبكل ثقلي، ضربت برجلي على عضوه التناسلي، عندما حاول أن ~~ينهض ضربته مرة أخرى في وجهه، ثم أخرى ثم أخرى، لم أترك له مجالا للنهوض، كان صامتا وهو ~~يضع كلتا يديه على أعضائه التناسلية، ms80 ثم غاب عن الوعي، لكني لم أقف عن الضرب، كنت خائفة من ~~أن يعود للحياة في أي لحظة ويقتلني، بحثت عن شنطتي أو بنطلوني لم أجدهما، رأيت حذائي يقبع ~~ليس ببعيد عن الموضع، حيث كان يرتديه، بضربة واحدة للحذاء على الأرض اندفع كيس الزرنيخ ~~للخارج، فأخذته بسرعة بالغة، سكبته في كوب الخمرة وأفرغت كل محتوياته في فمه، فابتلعه في ~~صمت. # يبدو أن صراخهما كان عاليا جدا، بل ومرعبا، أضاف إليه الصدى بعدا شيطانيا ~~آخر؛ لأنني كنت خائفة ومشغولة بقتله، فما كنت أسمع غير شخيره، ما كنت أرى غير الشرر البذيء ~~الذي يتطاير من عينيه اللتين تموتان ببطء، غير شفتيه اللتين تمتصان الزرنيخ، غير مقاومته ~~الأخيرة، عندما همد، توقف نهائيا عن التنفس، غمرتني طمأنينة باردة لزجة سرت في ~~أوصالي كدبيب سم لئيم، حينها انتبهت لهما؛ البنتان البائستان الحزينتان الخائفتان ~~العاريتان؛ بائستان، كانتا قد التفتا على بعضيهما كثعبانين كبيرين في هياج التزاوج، وقد ~~اتخذتا أقصى ركن في الزنزانة القاسية التي صنعها لهما في إتقان، كانتا تصرخان في آن ~~واحد وهما تلتصقان على السيخ القاسي، تهتفان بكلمة واحدة: لا لا لا لا لا لا لا لا. # مكررة وداوية يعبث بها الصدى المخبول. # قلت لهما في نشوة من انتصرت، لكنها لا تخلو من الخوف، بصوت لا أدري من أين خرج، في الحق ~~كنت أحس به يخرج من استي مباشرة، أو ربما كانت تصحبه ضرطة لم أسمعها: قتلته، الحقير، ~~ريحتكم منو، يلا، يلا اطلعوا، أنتو حرات. # وصرخت بأعلى صوتي: حرات حرات حرات! # قالت لي سوسن دون أن تنظر إلي: لأ، دا ما بيموت، حيحيا تاني، وحيقتلك ويقتلنا ~~كلنا. # قالت آمنة وهي ترتجف في شفقة: لييه عملتي كدا؟ حرام عليكي! حيقتلنا كلنا، حيقتلنا يا ~~سارة. # عرفت أنهما ما زالتا لم تصدقا أنه قد مات، فطلبت منهما أن تنظرا إلي وأنا أركله ~~بقدمي، أقلبه، أبصق في وجهه، وقلت لهما: تعالوا، وبإمكانكما أن تبولا في خشمه. # صرخت فيهن. # وعندما لم تحركا ساكنا وازدادتا في الصراخ، دخلت عليهما في ms81 الزنزانة العفنة، وأخذت ~~أسحبهما، وأفكهما من بعضهما البعض، وأنا انتهرهما في هستيريا، لقد كانتا أيضا على حق، أنا ~~نفسي قد قتلته من قبل مرة! قتلته فعلا! قتلته قتلا لا شك فيه في كهوف مايا زوكوف، ولكن ~~هأنذا أقتله مرة أخرى، ولا أدري كم مرة قتله غيري. # علينا أن نهرب من هذا المكان بأسرع ما يمكن. نعم، لقد ابتلع من الزرنيخ ما يقتل ألف فيل ~~وخرتيت، وهو الآن ميت، ولكن ما ضمان أن يحيا؟ وتملكني رعب عظيم وتخيل لي أنه بدأ ~~يتحرك، بل بدأ يتكلم، بل يصرخ، سيهجم، سينقض، داخل الزنزانة، ولأنهما كانتا مريضتين ~~وجائعتين؛ لأنه لا يطعمهما إلا القليل الذي يبقيهن على قيد الحياة، ولأنهما مصابتان بالسل ~~والأنيميا؛ فكانتا تستجيبان لقوتي بسهولة، كانتا لا تستطيعان المشي، فأخذتا تزحفان على ~~بطنيهما، تحبوان كالأطفال، بدا لنا الكهف كبيرا جدا، شاسعا جدا، مظلما جدا، ~~بليدا، عنيفا، مخيفا جدا، يتمطى «كودامبعلو» أسطوري مريع، استطعت أن أوصل آمنة إلى ~~قرب المخرج الذي تم إغلاقه بغصن من أشواك الكتر القاسية بإحكام، عدت إلى سوسن حيث إنها ~~أخذت تصرخ في هستيريا منادية باسمي، كانت تقول لي بصوت متقطع: حيقوم تاني، حيقتلنا. # حاولت أن أطمئنها عن طريق وضعها في حضني وضمها إلي، لكنها كانت تقاوم بشدة أية محاولة ~~اقتراب منها، بل كانت تحاول أن تعود مرة أخرى للزنزانة المرعبة، أمسكتها من يدها، جررتها ~~على الأرض كجوال من التبن، نعم كنت قاسية بعض الشيء، لكنه إذا أفاق من موته سيقتلنا جميعا، ~~وقد يحيا في أية لحظة. ~~••• # كنا في المرسم نحتسي القهوة عندما تذكرت، ليس فجأة؛ لأنها دائما ما كانت تتذكر ذلك ~~اليوم، قالت لي: إذا كنت أمتلك أية قوة كنت قتلتك في الوقت داك. # حقيقة كنت أريد أن أتخلص منك بأية طريقة، أريد أن أبقى في الزنزانة، كنت أحس بأنه لم ~~يمت، بل هي خدعة من خدعه الكثيرة، موتة من موتاته المرعبة، كان أحيانا يجلس لساعات وأيام ~~عدة على الأرض لا يتحرك، لا يأكل، لا يشرب، لا يتبول، ربما ms82 لا يتنفس أيضا، حتى إذا أردنا ~~الهرب، نهض في رعب كالشيطان وأعاد اعتقالنا وضربنا. # المخلوق دا شيطان، شيطان حقيقي، ولكن لما تركتيني، حقيقة أحسيت بخوف السنين. # كانت تضحك بعمق، لكن لا يزال باقي الخوف في وجهها، وهي تحكي كيف أنها جرت على قدميها ~~بسرعة مبالغ فيها، وأنها سبقتني إلى غصن الشوك، وأنها هي التي أزاحته جانبا وانطلقت تعدو ~~في غابة الحسكنيت في الخارج. # الساعة الآن تدق معلنة الواحدة صباحا، توقفت سارة عن كتابة مذكراتها، كان آدم لم ينم ~~بعد؛ يعد العشاء، في الخارج أصوات عربات تهرب مسرعة من وقت وآخر، سارة في الآونة ~~الأخيرة عملت على كسب صديقات من نساء الجوار، حدث ذلك بعد صعوبة؛ لأنهن كن يتعاملن معها ~~في بادئ الأمر كامرأة مثقفة، لها اهتمامات غير اهتماماتهن، وأسلوب في الحياة غير أسلوبهن، ~~لدرجة أنهن كن يسألن أنفسهن: كيف تبدو امرأة محددة ومثقفة مثلها في فراش زوجها؟ وافترضن ~~بطرقهن الخاصة أنها متعالية، وتهامسن بأنها شيوعية، وعرفن بأنها مترددة سجون، وقوالات أخرى ~~كانت حاجزا بينها وبينهن، لكنها كانت تقوم بزيارتهن بصورة متواصلة وكن يرددن لها ~~الزيارة، لكنهن عرفن وتأكدن من أنها امرأة عادية، وواحدة من النساء الجميلات، مثلهن عندما ~~طلبت من نسيبة جارتها أن تدعوها إذا أشعلت حفرة الدخان. ~~- سجمي، بتدخني برضو؟ # لا يزال القلم في يدها وهي تتفقد آدم في المطبخ، كانت تفوح منها رائحة دخان الطلح، وبغنج ~~أنثوي لذيذ جعلت منخريه يمتلئان بعطر النار الشهي، عرف حينها أن سارة قد تجاوزت ~~الأزمة. # | البلاد الكبيرة: السودان بيت التعب # ظهر ديوان شعر في المكتبات بعنوان «البلاد الكبيرة»، ألفته آمنة الخير مكتوب باللغة ~~النوبية، ومترجم للعربية ولغة الفور والهوسا والدينكا، في مقدمته كتب ناقد عجوز ما يلي: # وهذا شعر ... لا تسألني عن القافية، لا تسألني عن الوزن، لا تسألني عن انتقاء ~~المفردة، لا تسألني عن الموسيقى الداخلية، لا تسألني عن اللغة، لا تسألني عن ~~الأخيلة؛ لأن دا كله لا يوجد في هذا الديوان. # | أمين: أمين محمد أحمد # - روسيا بغير شيوعيتها لا تعني ms83 شيئا سوى طرقات تشبه تلك التي يصفها أنطوان تشيكوف في ~~قصصه القصيرة. # دعوني أسكر بصورة جيدة. # ها هو زوج امرأتي يحتفل بسماية ابني ويسميه كما يشاء؛ لأنه سيرث ماله الحرام. ~~- ناتاشا، اقتربي مني أكثر. ~~- قلت لك مرارا، أولا حكي لي، ماذا تريد أن تفعل بي. ~~- أنا أيضا قلت لك مرارا تعلمنا في بلدنا أن الحديث عن الجنس حرام وعيب وقلة أدب ... ولكن ~~فعله نؤجر عليه. ~~- أنا يمتعني الحديث عنه أكثر مما يمتعني الفعل. ~~- إذا اقرئي الكماسترا ... أو تزوجيه. # | رسالة: كتبت نوار طه إلى محمد آدم # كتبت نوار طه إلى محمد آدم في دفتر محاضراتها بينما كان يتحدث الأستاذ المحاضر عن خصائص ~~المادة المكونة للصخر: # أحبك. ms84