######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.ImraaMinKambuKdis.Hindawi83758570 #META# Tags: literature #META# ID: 83758570 #META# Title: امرأة من كمبو كديس #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # بت الجزار‏ # العاشق‏ # امرأة من كمبو كديس‏ # حذاء ساخن‏ # الحكاية الكاملة لمأساة الأستاذ صابر الدقيس!‏ # صاحبة المنزل‏ # محاربة قديمة تحسم المعركة وحدها‏ # ضلالات‏ # أسنان لا تغني‏ # الأخدود‏ # إهداء‏ # بت الجزار‏ # العاشق‏ # امرأة من كمبو كديس‏ # حذاء ساخن‏ # الحكاية الكاملة لمأساة الأستاذ صابر الدقيس!‏ # صاحبة المنزل‏ # محاربة قديمة تحسم المعركة وحدها‏ # ضلالات‏ # أسنان لا تغني‏ # الأخدود‏ # | امرأة من كمبو كديس # | امرأة من كمبو كديس # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # إلى روح الجميلة، النظيفة، النقية، الشفيفة، مريم بت أبو جبرين، أمي. # عبده بركة # | بت الجزار # بدأت أفكر في الموضوع بصورة قاسية بعد أن تحرك الباص مباشرة متجها نحو الخرطوم، ~~الأفكار المظلمة تنتابني بين لحظة وأخرى لدرجة أنني تمنيت أن أجدها قد توفيت ولو في ~~حادث سير. كنت لا أعرف كيف تلتقي أعيننا بعد أن حدث منها ما حدث، هل سينتابني ذلك الشعور ~~الحلو الذي دائما ما يسيطر علي وأنا أراها وهي تكبر يوما بيوم وتزداد عقلا وخبرة في ~~الحياة وجمالا، ويتجلى وجهها الأسود الحلو الناعم براءة؟ # كنت حينها أحس كما لو أن كل خلية في جسدي تتجدد وأنني أكثر طمأنينة وأقرب للحياة مني ~~إلى الموت، بالرغم من تقدم العمر وأمراضه الكثيرة، وأكثر ما يعذبني فكرة أنها ~~خانتني، خانتني أنا بالذات، ولكني أيضا أفكر في الأمر من جانب آخر، من جانبي أنا؛ لأنني ~~ما كنت أنظر لعلوية كامرأة أبدا، يبدو أنني أضعها في مكانة رجل ما فوق الأربعين كامل ~~النضج ومستقيم السلوك، أما أن تذهب علوية مع رجل غريب إلى خلوة وأن يغويها أو يلمسها ~~مجرد لمس، بكامل رضاها ودون أن تحس ولو بعقدة الذنب أو خيانة الثقة التي أعطيتها إياها ... ~~وأن ... لا ... أمر لا أصدقه! # كيف يتسنى لعلوية ابنتي أنا، التي أنشأتها منشأ سليما وربيتها من مال حلال اكتسبته ~~بعرق جبيني وأودعت من أجلها مالا في البنك تسحب منه لمصروفها كما شاءت، أن تتزوج زواجا ~~عرفيا، أكون أنا آخر من يعلم، كل القرية تعرف ذلك، جميعهم، جميعهم إلا أنا! لماذا ms01 ~~تجعلني صغيرا تافها أمام الناس وأنا ما يملأ عيني تراب الدنيا كلها؟ كيف تنظر إلي؟ ~~ماذا تقول؟ هل تنكر ذلك؟ أتبكي؟ ربما. # هي نفسها ضحية لذئب لا يرحم، لقد قرأت كثيرا في الجرائد عن زواج الطالبات العرفي، ~~ولكني أحلته إلى أسباب مادية، إطلاقا لم أفكر لحظة في علوية، أن تكون علوية واحدة ~~من هؤلاء البنات المطلوقات - كما كنت أسميهن، وما زلت - البنات اللائي عجزت ~~أسرهن في توفير مصروفهن أو تربيتهن تربية كريمة تكسبهن العفة أو ربطهن في ~~البيوت. # لم أستشر أحدا في كيف أتصرف، لقد وضعت سنوات خبرتي الطويلة في العمل المدني والعسكري ~~وتجاربي الحياتية ومخزوني المعرفي موضع التحدي، فإذا لم أتمكن من عبور هذه المحنة وحدي ~~بكل هذه المكتسبات فلا فائدة من الحياة التي عشتها. # هذا التشجيع للنفس لم يمنع الضعف والانكسار الذي أحس به الآن والخوف، نعم الخوف الحقيقي ~~من أنني أقوم بفعل قد يحسب ضدي؛ بل قد يسيء إلي وإلى أسرتي وآخرين غيري، في الحقيقة ~~كنت مرتبكا عكس ما أبدو عليه في الظاهر، بحثت في جيوبي وجدت أنني أخذت ربطة من المال ~~عشوائيا تحتوي على خمسمائة ألف جنيه سوداني، حسبتها مرتين، انقطعت دائرة البلاستيك ~~التي تحيط بها، أدخلت المبلغ كله في الشنطة محتفظا برباط البلاستيك المقطوع. # اصطدمت أصابعي بشيء صلب بالداخل، إنها السكينة الكبيرة، دخلت الشنطة نتيجة للاستعجال أو ~~الإحساس الداخلي بأنني قد أحتاج إليها، أو ربما دسها لي شخص فكر في الأمر بطريقة ~~مختلفة، أخذت ألهي نفسي بلعبة قديمة كنا نلعبها في طفولتنا مستخدما رباط النقود ~~المقطوع، كنت في حاجة لأي فعل يلهيني عن التفكير في علوية، عندما أجدها سأفكر في الحلول ~~في ساعتها، لا أحب أن يملي علي أحد رأيه حتى ولو كان أخوها. # في المقعد المجاور امرأة أربعينية غير متزوجة، طوال الطريق تقرأ مجلة حواء، يفوح منها ~~عطر قوي، تسرق النظرات إلى لعبتي من وقت لآخر، وكنت أهتم بها، ولكنني أخفي ذلك بصورة ~~جيدة، كما أنني لا أحب التحدث والونسات أثناء السفر؛ لأن السفر ms02 فرصة جيدة لكي أخلو إلى ~~نفسي دون أن يزعجني أحد، قد أنام، النوم أيضا لا يتوافر في حياة سريعة ملآنة بالكد ~~والجري وراء الرزق، ولكن من أجل من؟ ~~- بتكلم معاي. ~~- منو؟ أنا آسف، رأسي ملآن بالمشاغل وظاهر علي قاعد أكلم نفسي، معليش، أزعجتك. # قالت وهي تلم ثوبا أنيقا إلى جسدها: ولا يهمك؛ الناس كلها مشغولة. # حاولت النوم حتى لا أتكلم مثل المجنون، وضعت رأسي على المقعد الأمامي، أغمضت عيني، أخذت ~~أفكر: أين تكون علوية الآن، في أي وضع؟ في النوم نزلت علي ملائكة الأسئلة بجواب ~~خطير. ~~••• # نزلت عند الجامعة بعد أن أكد لي سائق التاكسي أنني سوف أجدها أو أجد صديقاتها في ذات ~~المكان الذي أنزلني به، وفعلا وجدتها بسهولة ويسر، وربما هي التي وجدتني، حين رأتني من ~~مسافة بعيدة وأنا أمر أمام الكافتيريا هرولت نحوي ومعها صديقتان، وجدت نفسي دون شعور مني ~~أنظر أولا إلى بطنها، بصورة غير طبيعية، وربما لاحظن ذلك، علقت الصديقتان على أنني ~~أبدو كما لو كنت أخا لعلوية وليس أبا، يشرن إلى مظهري الخارجي وما يتوهمنه من صغر ~~السن، كن يتحدثن باستمرار، أسال نفسي أنا أيضا باستمرار: كم منهن متزوجة زواجا ~~عرفيا، كم منهن يدعرن، كم منهن عفيفات؟ عندما خلوت بعلوية، فاجأتها دون مواربة أو ~~مراوغة: أنتي متزوجة زواجا عرفيا مش كده؟! # قالت - وقد انهارت تماما من هول المفاجأة: عرفت! ~~- نعم، عرفت. # وبحركة سريعة سقطت على رجلي، أخذت تبكي بصورة جعلتني أتعاطف معها، وربما أقف في صفها، ~~إذا كنت أكثر صراحة أقول إنني لمت نفسي، بدت لي طفلة في عهدها الأول، تجمعت بعض ~~الطالبات، سألن إذا كان قد توفي أحد أفراد الأسرة أو أن هناك خبرا أسوأ، ولكن لم نجب ~~بشيء. طلبت منهن أن يتركننا سويا لبعض الوقت، لم تستطع أن تقول شيئا، كانت تنظر إلى ~~الأرض وتبكي في صمت، قلت لها: انخدعت فيك يا علوية، انخدعت. # قالت بصوت مبحوح: كنا حنعلن زواجنا قريبا جدا، ولكن كل شيء بإرادة ربنا. ~~- القرية كلها تعرف، ما عدا ms03 أنا فقط، الجميع يضحك علي. # سألتها: وين الزول ده؟ ~~••• # قالوا لي إنه في الحصة الآن، بعد ربع ساعة يمكنني مقابلته، شربت الماء البارد جلس قربي ~~خفير ثرثار، ما ترك شيئا لم يسألني عنه، لم ينجدني منه سوى الجرس الذي دق كمطرقة في ~~رأسي، قال لي الخفير وهو يشير بفمه ويده وعينيه نحو أستاذ يمر أمامنا: ده هو أستاذ ~~سالم. # فالتفت الأستاذ إلي ومضى ظانا أنني أب لأحد التلاميذ، ولكن الخفير صاح فيه ~~مناديا: الزول ده من الصباح منتظرك، يا أستاذ. # طلب كرسيا، جلس قربي في البرنده سأل ماء من أجلي، كانت يده ملآنة بالطباشير ويبدو ~~مشغولا جدا؛ حيث تتحرك عيناه هنا وهناك بحثا عن مفقود ما، كنت أحاول أن أجد ملمحا ~~فيه يدل على فعلته، ولكنه كان شخصا عاديا مثله مثل كل الناس، قدرت عمره وأخلاقياته ~~وجزره العرقي أيضا، قلت له معرفا بنفسي: أنا من قرية الدومات، هل تعرف زول من القرية ~~دي؟ # فكر قليلا، قال: لا. ~~- علوية، علوية، هي من قرية الدومات. علوية! ما بتعرف علوية؟ # قال باستغراب: علوية، منو؟ ~~- علوية إبراهيم عثمان وردان. ~~- آه، نعم علوية اللي بتدرس في كلية التربية، أيوه قاعدة تحضر عملي هنا عندنا في ~~المدرسة، في شعبة الرياضيات، أنا رئيس الشعبة. # قلت له: بس! # قال: تقصد شنو؟ ~~- أنت متزوجها زواجا عرفيا مش كده؟ ~~«قلت معتمدا الصدمة والمفاجأة كطريقة لها فائدة كبيرة في الحصول على اعتراف ~~المجرمين.» # قام من الكرسي ثم جلس، قال للخفير الذي أرخى أذنيه وأخذ يستمع للحوار بتلذذ تام: امش ~~من هنا، امش شوف شغلك. # ثم قال موجها كلامه لي: ده كذب، علاقتي بعلوية زي علاقة كل المدرسة بها، لا زواج ولا ~~غيره، أنا شخص محترم وأستاذ، وما عندي وقت للهضربا اللي بتهضربا دي، أنت ذاتك ~~منو؟ # قلت له ببرود: أنا إبراهيم وردان لواء شرطة بالمعاش، أعمل في سعاية الماشية، برضو ~~بذبح، بذبح باستمرار، عندي جزارة صغيرة في البيت، في وقت الفراغ بشتغل ~~معراقي، عارف معراقي يعني شنو؟ لحظة. # أدخلت يدي في ms04 جيبي، أخرجت ورقة بيضاء صغيرة مفتولة، في حجم رأس الأصبع الصغير، في شكل ~~إنسان. ~~- ده أنت سالم علي عباس اللي والدتك نفيسة جبرين العيش. # هززت الشيء أمامه وقمت بوضعه في الشمس، كان يحملق في الشيء بتركيز واهتمام بالغ، وبعد ~~ثوان معدودات هرب الشيء من الشمس بتلقاء نفسه واستقر في الظل، كررت العملية ثلاث مرات. ~~أخرجت خيطا طويلا من الشنطة - النوع الذي يستخدم في صيد الأسماك - بالسكينة الكبيرة ~~قطعت منه ما يقارب ربع المتر، أعدت السكينة في الشنطة، أحطت بالخيط عنق الشيء في شكل ~~أنشوطة، قلت له وهو ينظر في ذهول: ده أنت سالم ودي نفيسة. # وقمت بجذب طرفي الأنشوطة، فمسك عنقه وصرخ في جنون صرخة جمعت كل المدرسة، في دقائق ~~أحاطوا بنا، قلت له: في خمس ثوان فقط حاتموت، أها عرفت معنى معراقي. # قال بصوت مبحوح بينما يتصبب عرقا: كنت حاتزوجها علنا في الإجازة. # انتبهت لكف تربت في كتفي وصوت وقور هادئ: أنا مدير المدرسة، تعال يا حاج إبراهيم، ~~تعال معي إلى المكتب. # أخذ بيدي إلى مكتب فسيح تفوح منه رائحة الكتب وعبق الطباشير، أكد لي المدير أنه يعلم ~~بزواج سالم من ابنتي عرفيا، وهو منذ البداية ضد الفكرة، لكنه أيضا أثنى على سالم ~~وخلقه القويم وأنه رجل مسئول، قال: بإمكانه أن يلعب مع البنت، لكنه فضل الزواج العرفي، ~~أكد لي أنه سيلزم أستاذ سالم على إعلان زواجه والآن، وأضاف بحماس: إنه بمثابة ~~ابني. ~~••• # قال المدير - وقد فرغنا من الاحتفال الصغير الذي أقيم في بيته احتفاء بإعلان زواج ~~ابنتي علوية للأستاذ سالم: نحن الآن أصدقاء وأهل، وأنا عندي طلب واحد منك يا حاج ~~إبراهيم، طلب بسيط جدا! ~~- شنو، اطلب أي شيء بسيط أو غير بسيط. ~~- عايز الموضوع بتاع العروق ده، والله أنا عندي مشكلة في الدنيا ما بيحلها إلا الشيء ~~اللي عندك ده، اللي حل مشكلة بتك علوية، حايحل مشكلتي. # قلت له: أنا موافق، ولكن توعدني ما تحدث أي شخص كان لما يدور من حديث بينا الآن، وعد ~~شرف. # قال ms05 : أوعدك وعد شرف. # قلت له: الموضوع بسيط، يحتاج إلى رباط بلاستيك النوع اللي بيستخدم في ربط القروش، ~~وورقة صغيرة مقوية وخيط متين، وأستاذ رياضيات جبان، ومدير مدرسة عنده مشكلة معقدة لا ~~أكثر. # يوليو 2004 # | العاشق # أستاذي العزيز جلال الجميل # أولا اسمح لي أن أبدأ خطابي هذا بقول تعلم أنه مأثور عندي: «قال سيدنا معاوية لابنه ~~يزيد: يا بني من حاول خداعك فانخدعت له، فقد خدعته.» أستاذي، لقد انشغلت كثيرا عنك ~~ولكن تعذرني دائما لعلمك بمشاغل الجندية وغلبتها الكثيرة، ولكني سأواصل ما بدأته في ~~رسائلي السابقة واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. فأنت فوق كل ذلك أستاذي، ولكني أرفض ~~بشدة؛ بل أقولها لك صراحة: إنني لا أتسامح في أن تنظر إلى تركي للمدرسة وانخراطي في ~~صفوف الكلية الحربية كمرحلة جديدة في تطور شبق القتل عندي. # وكما عبرت عن ذلك في رسالتك الأخيرة بالقول: «حيث تتاح لك بشكل منظم قتل شخص آدمي ~~بدمه وبلحمه، بدلا من قتل الكلاب والقطط والأشجار، والتي كنت تسلخها من قشرتها وتدعها ~~تموت تدريجيا في ألم تستمتع به دائما.» هذا يا أستاذي يجانب الحقيقة، بل هو محض ~~افتراء، فدخولي للكلية الحربية كان دافعه وطنيا من الدرجة الأولى فأنت تذكر - بل ~~شرحت لنا ذلك عدة مرات في الفصل - حوادث ديسمبر 1959م، والذي أسمته الصحافة بديسمبر ~~المشئوم - كما قلت لنا بفمك - حيث أحاط الأعداء بالبلاد، من أمريكيين وإسرائيليين من ~~جانب وما يدعمان به المعارضة الليبية بقيادة الخائن معاوية الدكين، وكوبيين وسوفييت من ~~جانب آخر. وهما كما يعرف الجميع يقفان بكل وقاحة مع الحزب البائد أو ما يسمى بحزب العمال ~~بقيادة ذلك الكافر أبو روف سليمان. # ولا أحد ينسى ما تقدمه العراق وسوريا والقاهرة لليسار ماديا ومعنويا ~~واستخباراتيا، وتذكر كيف انحاز الشارع كله - بما فيه أنت - في لحظة واحدة، لحظة صدق ~~وطنية غالية إلى الحكومة الوطنية متمثلة في شخص الرئيس، مؤيدة له كحاكم أوحد للبلاد ~~وقائد نهائي أبدي للجماهير. ولست وحدي من ترك المدرسة وانضم للجيش، آلاف مؤلفة من ~~الشباب والعمال ms06 وكبار الموظفين وأساتذة الجامعات المنعمين تركوا مكاتبهم المكيفة ~~والوجبات الساخنة واتجهوا إلى جبهات القتال في الشرق والغرب والجنوب والشمال، حيث كانت ~~البلاد في حالة حرب مع الكثير من دول الجوار وكثير من المتمردين العملاء المحليين، إذا ~~كان هذا هو الحال مع المواطنين - بالتأكيد كانت هناك قلة ضئيلة تمثل طابورا خامسا، ~~فئة خائنة أتذكر - كيف تتهمني بشبق القتل لكوني وقفت مع الحق؟! # حسنا كما كتبت لك سابقا، الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وسأبرر لك كل ~~الأشياء من وجهة نظري أنا أيضا وسوف لن تظلمني. أول شخص قتلته، ولو أن كلمة قتلته بما ~~فيها من قسوة لا تعبر عما فعلت به بالضبط، إلا أن قاموسي اللغوي - عكسك تماما - ليس به ~~كلمات أخرى أكثر تعبيرا، المهم أنا متأكد بعدما تقرأ خطابي هذا ستجد كلمة أبلغ وأدق؛ ~~كان أسيرا هزيلا، في الواقع لم نهتم باسمه فليس للأسرى أسماء، قبض عليه عساكري بعد ~~معركة حامية الوطيس، خرجنا منها منهزمين، وبينما كنا ننسحب فارين - وأنا أكتب بالصراحة ~~التي علمتني إياها، أي: أكتب الأشياء كما هي - إذا بنا نعثر على هذا الأسير مختبئا في ~~خندق صغير وقد فوجئ بنا، رفع يديه مستسلما مستأمنا على حياته، طبعا مقابل التخلي عن ~~حريته. # فأمرت بتقييد يديه وحراسته وأخذه معنا أسيرا، ولكن كنا مرهقين ومنهكين من الجري فوق ~~الصخور والأعشاب الشوكية، وصندوق الذخيرة الأخير والوحيد يهد أكتاف العساكر ويتعبهم، ~~فكر رقيب عجوز - دائما ما أنسى اسمه - بأن نفك وثاق الأسير ونحمله صندوق الذخيرة ونتركه ~~يمشي أمامنا، هكذا كان سلفه يفعلون بالأسرى في الحروب، وكان دائما يقول: الأسرى ديل ما ~~ينفعوا لشيء غير استعمالهم كحمير. # كانت فكرة صائبة وموضوعية أثنى عليها الجميع، وأنا لست إلا واحدا من الكتيبة، فربطنا ~~صندوق الذخيرة على ظهره بحبل يمر تحت إبطيه، ولو أن الأسير كان هزيلا إلا أن بعظمه قوة ~~بغل، ربما وهبها الخوف له، الخوف من الموت؛ لأنه إذا فشل في حمل الصندوق يعلم تمام العلم ~~أنه ميت لا محالة، فإذا لم يصلح ms07 لشيء فمن الأحسن (يتفسح). # في الحقيقة كان المشي على الأشواك وبقايا الشجيرات والأعشاب الكثيفة متعبا عندما ~~أجبرنا عدة مرات على خوض برك الطين ومرة أخرى أجبرنا على طلوع جبل صغير، وكان من حقه ~~أن يتعب ضعف؛ بل أضعاف تعبنا نحن، طلب أن نسمح له بأخذ بعض الراحة؛ لأن الحبل الذي أدمى ~~كتفه وإبطيه أصبح لا يطاق وقال: الحبل قاعد يضبحني ضبح. # فانتهرته بلهجة عسكرية آمرة أن يجد في السير: وإلا. # كان يمشي كالسكران، يشوط الحجارة ببوته ويخوض الوحل يقع، يرفعه العساكر على قدميه، يقع، ~~يرفعونه، نهدده، يقع ويقوم مثل السكران أخيرا تكوم تحت شجرة مانجو كبيرة وأخذ يشخر ~~من التعب مثل الثور المذبوح، العرق يملأ ملابسه كلها أما وجهه كأنه جمام، ولكن الغريبة ~~فمه جاف وأبيض، كان شكله مزريا وقبيحا وبدأ يؤثر على نفسيات العساكر، فقلت له: قوم ~~ولا نملاك نار! # وشلته جندي في بطنه لحكمة كان يعرفها العساكر بأن الشلوت في البطن مفيد للرأس ~~القوي. # ضربة عسكري همام آخر على وجهه لحكمة أخرى لا أعرفها أنا، وصرخ واحد في أذنيه لحكمة ~~عادة لا يفصح عنها ضباط الصف، وعندما تكلم قال: الموت أحسن، أحسن الموت، أنتم بشر ولا ~~حيوانات! # وهنا لا بد أن أستخدم سلطتي العسكرية وإلا تعطلنا عن الانسحاب، وربما يلحق بنا العدو، ~~فأمرت بالعد من واحد إلى عشرة كفرصة أخيرة له في أن ينهض ويشيل صندوق الذخيرة وينسحب ~~معنا إلى أقرب نقطة ارتكاز، وإلا أمطرته بالرصاص. # وأخذ واحد من الضباط المشهود لهم بالأمانة والصدق يباشر مسألة العد، بينما جلس البقية ~~يستطلعون وهم يشاهدون الموقف عن كثب وأعرف أنهم خائفون، وكل واحد منهم في سره يحمد الله ~~أنه لم يكن في محل الأسير، والذي أصبحت حياته الآن بين رقم ما وعشرة، أما هو فبدا وكأنه ~~ذهب في غيبوبة عميقة ودائرة من النعاس يصعب الانفكاك عنه، مستهينا بالتهديد. ~~- ثمانية، تسعة، عشرة. # فصرخت فيه منفعلا: يا وسخ، خذ. # طاخ، في منتصف رأسه تماما، إطلاق الرصاص في منتصف الرأس أصبح سمة مميزة ms08 لأسلوبي في ~~الإعدام الشرعي. نعم، العبارة المناسبة أو البديلة القتل هي (الإعدام الشرعي)، وجدتها، ~~لقد كنت دائما تثني على أسلوبي الأدبي في الإنشاء، ولكن الجندية لم تترك شيئا في ~~الرأس، حسنا؛ لدهشتي ودهشة جميع العساكر وربما لدهشته هو نفسه أن نهض ومشى سبع خطوات ~~عسكرية سريعة ومقنعة لحد بعيد، ثم وقف للحظة طويلة وممطوطة وقفة مرعبة وصامتة، صمت ~~حقيقي، ثم بدا وكأنه بصدد أن يلقي تحية عسكرية للواء عظيم غير مرئي قبل أن يسقط فجأة، ~~سقطة عسكرية بارعة على وجهه ويموت، منهيا بذلك عرضا جنائزيا جميلا. # انفجر الجميع بالضحك في لحظة واحدة، هي اللحظة ذاتها - اسمح لي أن أكتب كل شيء - التي ~~تبلل فيها سروالي بسائل حار خرج في لذة مجنونة ورجفة لا توصف، أعترف أنه موت ممتع وبهيج ~~أيقظ في نفسي لذة قديمة منسية، ولكنها ليست كشهية سلخ لحاء الأشجار ولا صب الماء الحار ~~على النمل أو قتل القطط؛ حتى لا يلتبس عليك الأمر. # أستاذي العزيز جلال # في الواقع لم أحس ولو للحظة عابرة بالندم؛ حتى عندما عبثنا في جيوبه ووجدنا صورا ~~لأفراد أسرته وصورة اتفق الجميع على أنها زوجته أو خطيبته أو حبيبته أو حتى داعرة ما، ~~له علاقة حميمة بها، سيدة طويلة لها ضفائر مسدلة على كتفيها، ترتدي فستانا قصيرا ~~يظهر ساقها وردفيها - ما أزال أحتفظ بالصورة، وعندما نلتقي اسألني أن أريك إياها - ~~واتضح لنا أنه شخص مثلنا له من ينتظره ويحبه وربما هو عائل لأسرة كبيرة. # بالرغم من ذلك كنت أتمنى وبكل صدق أن يحيا مرة أخرى فأقتله، إذا كان باستطاعته القيام ~~بذلك الاستعراض الممتع مرة أخرى، أن يجعل جنازته تمشي مشيتها العسكرية الفريدة، ما الذي ~~يجعلني أندم على قتله! لقد استخدمت حقا مشروعا تجاهه، فقتل الأسير أمر مشروع وخيار ~~جائز لا اختلاف عليه. وهو نفسه اختار الموت بقوله: «الموت أحسن.» ولقد أساءنا واصفا ~~إيانا بالحيوانات، أيحق له أن يصف الإنسان الذي كرمه الله بالحيوان؟ وفوق ذلك كله ~~أعطيناه فرصة كافية للتراجع عن إصراره على البقاء ms09 تحت شجرة المانجو، وذلك بالعد من واحد ~~إلى عشرة. ذلك زمن كاف لشخص يواجه الموت لكي يتخذ قرارا في صالح بقائه حيا! # أستاذي العزيز # أنا حينما أصوغ هذه المبررات أريد أن أؤكد لك شيئا واحدا وهو أن قتلي لهذا الأسير ~~ليس إشباعا لغريزة حيوانية دنيئة أجدك تتهمني بها من وقت لآخر، إن قتلي الشرعي له ليس ~~إلا تمرين عادي وطبيعي وربما - بشيء من التحفظ - عاطفيا، أضيف أيضا أنه بعد موته ~~ارتفعت الروح المعنوية للعساكر. وبالرغم مما كانوا يشعرون به من أرق وعطش وجوع، حملوا ~~صندوق الذخيرة على أكتافهم، وكأنه علبة كبريت فارغة وأخذوا ينشدون أجمل المارشات ~~العسكرية، وهم يقفزون على برك الطين، ويمشون على نتوءات الصخر الحادة وبقايا الأشجار ~~الشوكية المتساقطة على الأرض مثلهم مثل الغزلان خفة ورشاقة وحيوية؛ خذ الأمر من وجهة نظر ~~عسكرية وجند منسحبين ليس من وجهة نظر أستاذ متقاعد يقضي وقته في حياة آمنة داخل منزله، ~~وقدر أيهما أفيد؟! # هل كان علينا أن نتركه عبئا يغرق أنفسنا في طين الإحباط واليأس - وربما وقعنا تحت ~~الأسر - لكسله وعدم مبالاته؟! # ولو أنني بدأت أحس بالغثيان وربما نتيجة المضايقة التي سببها لي السائل - والذي أخذ يخر ~~على ساقي - يغمرني شعور أنه سيلان من الدم، كنت أتحسسه بين الحين والآخر بأناملي آخذا ~~عينة منه لأتفحصها بنظرة سريعة ثم أمسحها على بنطلون الكاكي - في الحقيقة ما كنت أرى ما ~~بأصبعي - إلا أنه بعد تلك الحادثة نفذت إعداما شرعيا في سيدة وثلاثين رجلا، وكانوا ~~يموتون بصورة لا تتعدى المضحكة العادية والمتعة الجنسية المعروفة، ما عدا رجل واحد اسمه ~~«تومي كريستو». # في السابع من مايو 1985م رقيت إلى رتبة عميد وتسلمت قيادة جبهة الحرب الشرقية على ~~مشارف مدينة تسني الإستراتيجية يحيط بنا جيش المتمردين من جهة الشمال والأحباش من الجنوب ~~والإرتريون من جهة الشرق، يعني كنا في وضعية ما نسميه بالكماشة. وضع مثل هذا يحتاج إلى ~~رجل حاسم وشجاع ليس لكي لا يسقط المعسكر؛ فإن المعسكر لن يسقط، نحن نعرف إستراتيجية حرب ~~العصابات، ms10 إنهم يهدفون إلى تكبيدنا أكبر خسائر ممكنة في الأرواح والعتاد، فلو أخلينا ~~المعسكر - وهو أكبر معسكر لنا بالشرق - فإنهم لن يستولوا عليه، يجب أن يبقى مصيدة، يجب ~~أن تبقى به آليات ويبقى به عساكر ومؤن كموضوع لشغبهم. # ولكن على قائد الجبهة أن يتخذ إستراتيجية دفاعية هجومية، ذات أقل خسائر ممكنة، ويسميها ~~العسكريون القدامى: «سهر الدجاج ولا نومه»، فإذا هاجمنا العدو ندافع عن أنفسنا، وإذا لم ~~نهاجم رميناهم بالمدفعية الثقيلة والمقذوفات الصاروخية ونحن في موقعنا تحت دفاعاتنا، ~~أما جواسيسنا ومصححو نيراننا فقريبون من مواقعهم، بالتالي جواسيسهم ومصححو نيرانهم ~~يتسكعون بالقرب منا؛ لذا عندما قبضنا على «تومي كريستو» قرب همدهئييت لم يكن سهلا أن ~~نصدق ادعاءه بأنه رجل مريض يبحث عن أعشاب السنمكة - كانت بالفعل لا تنبت إلا على منخفض ~~صغير قرب المعسكر - وهذا الرجل أدخلني في تجربة غريبة وغامضة ومؤذية جدا، ما زلت أعاني ~~من آثارها إلى اليوم، وما زالت تنط إلي وعلي كلما شرعت في القيام بتنفيذ عملية ~~شرعية، ولو أنني لا أعتبرها سوى مؤامرة بذيئة قام بها الشيطان ضدي أنا بالذات - وأنت ~~تعرف مكائده - أقل منها إشارة إلهية ليست في صالحي. # بالعكس أنا رجل تقي جدا وأعتبر نفسي داعية دينيا أفشي المعرفة الدينية بين من ~~أقودهم، ضف إلى ذلك ميولي الإنسانية العميقة - ولقد أبديت أنت ذات مرة ملاحظة تشير ~~إلى هذا الأمر - ويدل على ذلك تبرعي السخي المتواصل للمنظمة الوطنية للدفاع عن حقوق ~~الإنسان، ويدل ذلك إحساسي بالغثيان إثر تنفيذ كل عملية شرعية، كما لو أنني ابتلعت ذبابة ~~كبيرة. # ويدل على ذلك بحثي المستمر عن عقوبة أقل من الموت وبإمكانها إسكات الخصم أو تحييده ~~للأبد، ويدل على ذلك اكتشافي لطريقة سهلة للعملية الشرعية؛ حيث لا يتألم المحكوم عليه ~~كثيرا؛ لأنها تؤدي إلى الموت الفوري، وهي إطلاق النار في منتصف الرأس بالضبط، وأتمنى من ~~منظمات حقوق الإنسان ومن المشرعين الأمريكيين أن يأخذوا بها كأسلوب أمثل وأكثر إنسانية ~~من غيره في تنفيذ أحكام الإعدام في سجون العالم. # أستاذي جلال # أنا لا ms11 أحب أن أتحدث عن نفسي كثيرا؛ فأنا من أولئك القلة من الرجال الذين لا يجيدون ~~ولا يحبون أن يعرفهم الناس بواسطة ألسنتهم، فلن أخوض في ذلك، دعني أكتب لك عن تلك ~~المؤامرة الشيطانية الغامضة بقيادة من يدعى ب «تومي كريستو». # جاء حرس الدورية برجل فوق الخمسين بقليل، قالوا: إنهم وجدوه يتمشى بالقرب من معسكر ~~همدهئييت، وادعى بأنه مريض ... إلخ، وقد تعلمنا من التجربة ألا نثق في كل ما يقوله ~~المعتقلون ولا حتى في القليل المنطقي منه، قام عساكر الاستخبارات في التحقيق معه ~~مستخدمين - من أجل التوصل للحقيقة، مع العلم بأنها قد تكون في صالحه - كل ما تعلموه في ~~الدورات التدريبية وما استحدثوه هم بأنفسهم، ولكن ظل الرجل على ادعائه، فاعتبر ~~جاسوسا جيد التدريب، فكثير من جواسيس المتمردين يأخذون جرعات عالية ومتقدمة في الخارج، ~~واعتبر أيضا من ذوي الرتب العسكرية العالية. وجيء به إلي كدليل على اليأس وفقدان ~~الأمل في التوصل إلى معلومة مفيدة منه بالرغم من أنهم خلعوا ثلاثة من أظافر رجله وثلاثة ~~من أظافر يده اليسرى، وانتزعت كل رموش عينيه حتى بدا شكله مثيرا للإشفاق والضحك معا، ~~سألته: أنت جاسوس؟ # قال - وهو يرتجف من الإعياء: لا، أنا رجل مواطن عادي، كنت أفتش عن سنمكة عشان أتعالج ~~بها، وناس الحلة كلهم عارفني، حلة ضبابين. ~~- حلة ضبابين المحتلنها المتمردين؟ ~~- أيوا، ولكن نحنا مواطنين ما عندنا أي علاقة بالمتمردين نحن همنا في عيشنا ~~وأولادنا. ~~- كويس، لو كنت مواطن ما عندك علاقة بالمتمردين ليه ما جيت وانضميت لجيش الحكومة عشان ~~تحرر بلدك منهم؟! # قال - بعد أن بصق في الأرض شيئا لم أتبينه في حينه، ولكني عرفت فيما بعد أنها إحدى ~~أسنانه: الحرب يقوم بيها العساكر ونحن المدنيين ما عندنا معرفة في الحرب، نحن للزراعة ~~والحصاد. # انظر يا أستاذي جلال إلى الموضوعية التي اتبعتها في حواري معه، وانظر إلى الخبث الذي ~~يجاوبني به، حقيقة يصعب التعامل مع الجاسوس جيد التدريب؛ لأن له مقدرة لا تحدها حدود ~~على إثبات براءته. مما أغضبني، فشتمته بأبشع الألفاظ، ms12 وكثيرا ما أشتم الذين بصدد ~~الإعدام حتى إذا ردوا شتائمي أغضبوني وجدت دافعا فوريا لقتلهم، وأكثر ما يؤلم - صراحة ~~يا أستاذي - أن يظل المحكوم عليه باردا وطيبا ووديعا وطائعا إلى آخر لحظة إطلاق ~~النار عليه، مثل هذا التومبي، أما إذا كان لئيما أحمق متمردا فإن قتله أريح ~~للنفس وللضمير وأكثر رفعا للروح المعنوية. # فأخذته ومعي حرسي الخاص، والذين دائما قربي كظلي إلى حفريات خارج المدينة تستخدم ~~كدفاعات دائمة، استخدمتها أنا للتنفيذ الشرعي، طلبت منه الاعتراف كطلب أخير، ولكنه قال ~~بفم مرتجف مملوء بالبصاق الدامي: أنا مريض جيت أشيل سنمكة وبس. # فعمرت مسدسي كإنذار أخير يعرفه العسكر تماما ووضعت فوهة المسدس في منتصف رأسه، ~~وعندما أضع فوهة مسدسي على هذا المكان يصعب علي عدم الضغط على زر إطلاق النار؛ لأنني ~~حينها - وهذا سر أبوح إليك به لأول مرة - أحس كما لو كنت في الثانية الأخيرة قبل ~~الإيراق، والعاشق يعرف كم هي حرجة تلك اللحظة وحاسمة يصعب الرجوع عنها أو ~~تضييعها. # قال: إن لديه أطفالا صغارا وثلاث نساء، وإنه العائل الأساسي للأسرة؛ لأن ابنه الأكبر ~~سيتزوج قريبا ويرحل عن الأسرة، وقال باستطاعته أن يفعل أي شيء أطلبه منه لإثبات براءت. ~~قال كل ذلك - على ما أعتقد - في أقل من ثانية، قلت له ببرود أعصاب: اعترف بأنك جاسوس أو ~~مصحح نيران، ولازم تديني دليل قوي على كلامك، وما عايز منك أكثر من ده. # عندما فقد الأمل قال: إذا لا تقتلني، أعمني، اقطع يدي أو رجلي، فالموت ما شيء ساهل، ~~الموت ما لعب. # الآن وجدت الكلمة التي بإمكانها إشعال فتيلة الشجار بيني وبينه. ~~- لعب يا وسخ تتجسسوا وتقول لعب. # وأخذت أركله بمقدمة البوت لكنه ظل باردا، فقط يحاول أن يعتذر وهو يحك مكان الشلوت، ~~وافتعلت أيضا من هذه الأخيرة خصاما جديدا وانتهرته في غضب. ~~- أيوه، تتلوى زي الكلب، يا جاسوس يا خائن، خذ. # وفي اللحظة التي تحركت فيها سبابتي للضغط على زرار إطلاق النار وجدت نفسي - وهذا ليس ~~حلما ولا وهما ولا تخريفا - وجدت ms13 نفسي محمولا على أسنة رماح حادة توخزني في كل ذرة ~~في جسدي، يحملني أقزام بيض لهم أعين لامعة كالمرآة كبيرة ومؤذية، كانوا يسيرون بي نحو ~~بوابة ضخمة صفراء، وهي في الحقيقة ليست سوى جمرة كبيرة تستخدم كبوابة للجحيم، وكنت أعرف ~~هذه المعلومات دون أن يقولها لي أحد، كانت مسجلة في ذاكرتي منذ أن ولدت. # وعرفت أيضا أنه سيرمى بي في الجحيم الآن بعد أن يقرأ ملاك - جاء للتو - كتابا ~~ضخما مكتوبا عليه بحبر أسود - وهو كتاب أسود أيضا - كان يقرأ لي الأعمال الخيرة التي ~~قمت بها قبل أن أحضر إلى هذا المكان على أسنة الرماح، وعندما فرغ كنت أتوقع قدوم ملاك ~~آخر ليقرأ كتاب سيئاتي، ولكن يبدو أن ذلك لن يحدث، مما أوهمني بأنه لا سيئات لي، ولكن ~~حينما أغلق كتاب الحسنات وخزني في مؤخرتي، ملاك أم شيطان؟ لست أدري، وخزة ما زلت أعاني ~~منها إلى اليوم - وسأريك موضع الجرح عندما نلتقي - وهي دليل واضح على أنني لم أتوهم ~~الأشياء، فصرخت بكل ما أوتيت من قوة مما أفزع رجلا وسيما آمنا محمولا على فراش أخضر ~~بهي على غيمة صفراء وتحوم فوقه العصافير والفراشات ويتبعه رهط من الحوريات في ذات ~~اللحظة، عدت حيثما كنت سابقا، أقف خلف الجاسوس، واضعا فوهة مسدسي في منتصف رأسه ~~وإبهامي يتحرك نحو ضغط زرار إطلاق النار. # فابتسمت، ابتسامة على ما أظن كانت كبيرة جدا، وباردة فابتسمت وأنا أحس بوخز الرمح في ~~مؤخرتي ثم ضغطت على زرار إطلاق النار. # قل يا أستاذي: هل كان علي أن أحرمه من الجنة وأحرم نفسي! # تلميذك الزين # ملحوظة: # هذا الخطاب مثل الوثيقة الوحيدة التي قدم بواستطها العميد الزين طه ~~للمحكمة الدولية في لاهاي؛ لمحاكمته كمجرم حرب. # | امرأة من كمبو كديس # في صباح قائظ من يوم خريفي، بينما كنت أتسكع في شوارع المدينة - كعادتي منذ أن طردت ~~من وظيفتي للصالح العام قبل سنتين - سمعت صراخ أطفال وما يشبه التهليل والتكبير، وأصوات ~~نسوة تندفع إلي مع ريح السموم الصباحية، آتية من جهة تجمع ms14 سوق النوبة. كان نهيق حمير ~~الأعراب القادمين من أطراف المدينة هو الصوت الوحيد المعتاد بين مظاهرة الأصوات تلك، ~~هادئون كانوا دائما رواد سوق النوبة، يساومون في هدوء وخبث وحنكة، يشترون ويبيعون في ~~صمت وكأنهم يؤدون صلاة خاصة، نعم قد يسمع نداء موسى السمح الجزار بين الفينة والأخرى، ~~وقد تتشاجر بائعتان، وقد ... لكن تهليل وتكبير وصراخ أطفال! وكفرد أصيل في هذه المدينة ~~أمتلك حسا تشكيكيا عميقا هتف في: إن هنالك شيئا ما في سوق النوبة. # وكما يتشمم كلب الصيد أثر الأرنب البري تشممت طريقي إلى المكان. # عزيزة - ابنة كلتوم بائعة العرقي، كنا نحن قطيع المثقفين نطلق عليها أخصائية العرقي - ~~مرت أمام وجهي كالطلقة الطائشة وهي تحمل على كتفها أخاها الصغير منتصرا، غير عابئة ~~بصرخاته المتقطعة المخنوقة، بلعابه اللزج والتي تثير الشفقة في قلب أقسى شرطي في العالم ~~الثالث. كان أعجف صغيرا، له عينان مستديرتان لامعتان كعيني سحلية. # أعرفها جيدا وأعرف أيضا أنها عائدة من عند أمها كلتومة التي تبيع الكسرة نهارا ~~بالسوق، فكان لزاما على عزيزة أن تحمل منتصرا الرضيع ثلاث مرات في اليوم إلى أمها ~~بالسوق لكي ترضعه رضعة الصباح، رضعة النهار، ورضعة الغداء، وتحرص كلتومة أشد الحرص على ~~ألا تفوت على ابنها الصغير رضعة واحدة حتى لا يمرض مرض الصعيد، ويموت؛ لأن منتصرا كان ~~نزقا شقيا وهباشا، فما كانت كلتومة ترغب في إبقائه معها في السوق. # صرخت فيها: يا بت، يا عزيزة. # التفتت إلي بسرعة رشقتني بنظرة عابرة وجدت في سعيها إلى حيث تشاء، ولكني ومن خلال ~~لمحتي الخاطفة لوجهها والتي لم تتعد ثلاث ثوان، رأيت بؤسا وألما مكثفا متقنطرا على ~~وجهها الصغير الأملس، بؤسا لا يمكن إخفاؤه أو احتماله لدرجة أنني تيقنت في نفسي أنه لو ~~قسمنا هذا الحزن والبؤس على كل مشردي العالم لما وسعوه. وفي نظرتها السريعة كانت ~~أسئلة أيضا غامضة ومبهمة ومحيرة في نفس الوقت، جريت وراءها صارخا: يا بنت. # أنا وأصدقائي من أبناء أعيان البلدة ومثقفيها نفضل أن نسكر من عرقي بلح كلتومة، وفي ms15 ~~بيتها الصغير في كمبو كديس؛ فهي امرأة أمينة صديقة، حيث إنها لا تسرقنا - كما تفعل ~~الحبشيات وكثيرات من بائعات العرقي - آخذة منا ثمن عرقي لم نشربه، عندما نثمل وتلعب ~~الخمرة بعقولنا الصفراء، أو تغش العرقي بالسبرتو أو الماء أو غير ذلك من فنون ~~السرقة «إنني لا أطعم أبنائي الحرام». # كما أنها كانت دائما حافظة لأسرارنا وخبائث فضائحنا، «أنا عن نفسي عندما أسكر أفقد ~~مع وعيي وقاري واحترامي وأصبح حيوانا مثقفا لا أكثر، فقد أتبول في ملابسي وأتقيأ على ~~صدري، وإذا لم يحدث هذا أفشيت كل أسراري الأسرية وتحدثت عن أبي - ضابط المجلس - وقلت ~~علانية ما يعرفه الناس عنه، وما لا يعرفونه؛ بل أفشيت ما أعرف من خططه المستقبلية في ~~سرقة التموين والجازولين ... إلى آخر مآسي يومي وأسرتي»، فكانت كلثومة - والحق يقال - تسمع ~~باهتمام ولكنها لا تقول شيئا، وكنا جميعا نحترمها ونقدرها مثل أمهاتنا، وبالتالي ~~«عزيزة» كانت لنا أختا صغرى. ~~- يا بنت ... قفي. # أمسكت بكمها القصير، ودون أن تنظر إلي قالت بصوت مبحوح تخالطه صرخات «منتصر» الحامضة ~~المتدفقة تباعا: أمي. ~~- أمي قبضوا عليها. ~~- «...» # إذا فهمت كل شيء وشعرت بأن الدنيا أظلمت فجأة أمام عيني، وأن شعري تحول إلى دبابيس ~~مسمومة توخزني في جلد رأسي، ولم أستطع أن أقول أو أفعل لها شيئا سوى زلق كفي من على ~~كتفها الصغير المتعب، في برود، تاركا إياها تمضي لتذوب في بحر مآسيها ومحنتها و«منتصر» ~~مبللا صدرها بلعابه اللزج الملبن يصليها بصرخاته وندائه المتواصل - بلثغته الحلوة ~~الممتعة رغم مأساة الموقف - لأمه «أتوما.» # كثيرا ما كنت أخجل من نفسي عندما أجدني عاجزا أمام موقف ما، فإذا حدث ذلك بالأمس ~~لذهبت إلى جلال الجميل القاضي ودار بيننا الحوار التالي: ~~- صدر القرار منك؟ ~~- كنت مجبرا ... فأنت تعرف، لا شيء بأيدينا تماما. ~~- ولماذا كلتومة ... فهي تعول أطفالا وزوجها مقتول في الجنوب منذ سنوات. ~~- لم يكن الأمر بشأن كلتومة وحدها. # ولكن حظها، فلا بد - كما تعرف - أن يكون هنالك ضحايا، قالوا: إن الوالي في زيارة ~~جاسوسية في كل مكان، ويجب ms16 أن يعرف أن الناس هنا تعمل، تحارب الفساد ... إلى آخر الأوهام. ~~كما أن كلتوم كانت تعلم بقرار التفتيش؛ لقد أخبرها «أحمد صالح.» ~~- ولكنهم وجدوا عندها جالونا من العرقي وثلاث زجاجات مليئة بعرقي البلح. ~~- هذا تلفيق من الشرطة، فقد كانوا يخبئون هذه الأشياء في عربتهم، فهم غالبا لا يجدون ~~شيئا عند هؤلاء النسوة. ~~- وما العمل؟ ~~- كالعادة نخفف الحكم ما أمكن وبدلا من السجن نضع الغرامة وصديقاتها يقمن بمساعدتها ~~في الدفع كما يفعلن دائما. ~~- هذا ما كان يحدث إذا وقعت إحدى «زبوناتنا» في قفص الشرطة، ولكن أين اليوم «جلال ~~الجميل؟!» ~~- فإن القاضي الجديد لا يشرب العرقي ولكن فقط الويسكي «والأنشا»، ويدعي مخافة الله ~~والتقوى! وبالتالي يصعب الوصول إليه حتى الآن على الأقل. # جسدها النحيل المتعب يرقد على الكنبة في وسط سوق السبت وقد أهالوا عليه صفيحة من المياه ~~لا تزال تقطر من جلبابها القطني الرخيص إلى نهاية الجلد، ولو أنها لا تحفل بكتل البشر ~~التي تحيط بها «مشفقة أو شامتة»، إلا أنها كانت تحاول إخفاء وجهها ما أمكن بين ~~ساعديها، وتحاول بقدر المستطاع وبجدية ألا تصدر منها تنهيدة، آهة، صرخة ألم أو مجرد زفير ~~مندفع قد يخيل للشرطيين أو القضاة أو الجلاد أو جمهور المتفرجين أنه توجع من وقع ~~سوط «العنج» الأسود المشرب بالقطران، والذي يصلي ظهرها مشقا مبرحا ممزقا لحميات عجفاء ~~بائسة. # وعندما استطعت أن أجد لنفسي مكانا أشاهد من خلاله ما يحدث كان الشاويش السمين يصرخ ~~بغلظة: ثمانية وثلاثين إإيه، هوب. ~~- تسعة وثلاثين إييه، هوب. ~~- أربعون، إيييه، آآه، تماما مولانا ... أربعون جلدة. # قال القاضي - وعلى فمه ابتسامة صفراء قاسية محاولا من خلالها أن يكون تقيا عادلا ~~محبوبا وحاسما في نفس الوقت: هيا قومي، استغفري ربك الله وأعلني توبتك، توبة نصوحة ~~أمام الجميع. ~~- نظرت إليه كلتومة نظرة فاحصة عميقة - أحسست أنها معتصرة من خلايا كبدها - ثم بصقت ~~على الأرض بصاقا داميا مرا. وأقسم أن جميع المتفرجين؛ الأعراب ذوو الجلابيب المسودة ~~من الأوساخ، والتي تفوح منها رائحة وبر الجمال والحمير، وقطرانها وروثها ms17 بسياطهم ~~وسيوفهم ، الشماسة، أبناء الشوارع المتشردين، أصحاب المتاجر؛ أغلقوا دكاكينهم مضحين بقدر ~~من المبيعات كبير في سبيل أن يحضروا المحاكمة. الكلاب الضالة الحذرة المختبئة خلف العشب ~~متجنبة أعين الناس، وغير الضالة أيضا. # أسراب الحدأة والغربان والتي تضع حلقة في السماء ناعقة، «المثقفاتية» مثلي والذين ليس ~~بإمكانهم فعل شيء غير التعليق الذكي الصائب المبرر غير المقنع لغير شريحتهم والمثير ~~للضحك والسخرية من نساء؛ «الكسرة»، العرقي، الشاي وغيرهم من الكادحات، أعضاء المحكمة ~~«المتفلقصين» كمخصيي القرون الوسطى، صديقاتها البائسات، موظفات المجلس، الشامتون، ~~المتعاطفون «معها أو مع السلطة» الجميع، الجميع بدون فرز «أقسم أنهم جميعا أحسوا ~~بمرارة هذا البصاق وكأنه مقذوف في عمق حلوقهم مر كنقع الحنظل.» # ودون أن تحرك فوهتي عينيها عن وجهه انتعلت حذاءها البلاستيكي القديم وشقت طريقها عبر ~~الجمع مصوبة وجهها المجهد شطر بيتها - ساعية بخطى ثابتة سريعة - رغم ما بها من إرهاق، ~~فكان عليها أن تسرع حتى لا تفوت منتصر الصغير رضعة الصباح. # | حذاء ساخن # عندما انتصف النهار في ساعة الملازم حديث التخرج المستبد، كانت الشاحنة المجروس عند ~~التقاطع الرئيسي، وعلى السائق أن يتجه شرقا ويسلك الطريق الترابية المؤدية إلى الموقع ~~العسكري الحدودي، الذي يبعد مائة ميل عن مدينة كسلا، لا عربة غير هذه المجروس العجوز على ~~الطريق، لن تكون هناك عربة أخرى، فالمنطقة معلنة كمنطقة عمليات حربية، حولها تنتشر أودية ~~من الألغام البشرية، أما القرى المحيطة بها فهي خالية تماما من السكان، تسكنها ~~الوطاويط، الحيات، الكلاب، القطط المتوحشة والذئاب، حولها الجنود نصف أموات، نصف ~~أحياء، نصف بشر، يعتصمون بجثث آلاتهم الثقيلة، مدافع الهاون، الراجمات وما لا يدري أحد ~~من المميتات. # الشاحنة المجروس تنهق على الشارع الترابي الوعر وهي تقفز على الخيران التي تظهر فجأة ~~أمام السائق، كأنما يدفع بها شيطان ماكر على الطريق، مختلطة سحابة الأغبرة الكثيفة ~~بحر الشمس الصيفية المذاب في الهواء، كان الملازم حديث التخرج المستبد يركب يمين ~~السائق، لئيما متكبرا، يرى بينه وبين نفسه، بين فينة وأخرى، أن الله ما خلق هذا الكون ~~إلا ليصبح مسرحا ms18 لعنجهيته، في الحق كان لا يرى في الكون غير فرقته العسكرية ومعسكره ~~الحدودي، إذا اتسعت مخيلته فالعالم هو السودان، أما بقية الدول فهي دول خائنة وعدوة ~~وحتما سيعينه الله على فتحها، أنا حرسه الخاص، أستقل صندوق العربة الضخم المفتوح ~~على السماء مباشرة، لا تحجبه عن الشمس غير الشمس ذاتها. كنت أشوى ببطء؛ فلست أكثر من ~~مجند يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية كرها، وقد ألحقت بها بينما كنت في سفر إلى ~~الخرطوم، بحثا عن وظيفة ما أسد بها رمق أفواه تخصني، صادفت إحدى الكشات، ولو أن كثيرا ~~مما معي من المكشوشين هربوا، إلا أنني استسلمت للأمر الواقع: فلأي واقع بديل ~~أهرب! # الشمس تشويني، أنا مغطى بغبار أحمر ناعم ملعون، أحمل على كتفي بندقية ج3 ثقيلة، ~~محاولا بقدر الإمكان أن أكون في وضع الاستعداد، وأن أكون منتبها، متفحصا الخلاء ~~حولنا، الصحراء قاحلة، ليست بها شجرة واحدة أو حيوان، دعك من إنسان، تبدو الحجارة ~~الصغيرة عليها من بعيد في أحجام الجنادل، هذه الميزة مكنتني - وأيضا السائق ~~والملازم حديث التخرج المستبد - أن نميز وجود رجل على بعد أميال كثيرة، ملابسه ~~البيضاء تجعله كبقعة كبيرة من الضوء بعيدة، بعيدة تصغر كلما قربنا منها، ثم تبيناه: رجل ~~شيخ يحمل إبريقا وجرابا صغيرا وعصا يتوكأ عليها، ولأن الضابط حديث التخرج ~~المتغطرس لديه وهم أن كل من وجد وحيدا على مسافة من منطقة عسكرية هو جاسوس؛ أوقف ~~الشاحنة المجروس الضخمة: انزل يا حارس، وكن في وضع الاستعداد؛ لأنني سأستجوب هذا ~~الجاسوس، فإذا بدرت منه أية بادرة عدوان أطلق الرصاص في الرأس أو القلب. # وكنت صائدا ماهرا (قناصا)؛ لهذا السبب اخترت كحرس لهذا الملازم حديث التخرج ~~المتغطرس. ~~- حاضر سعاتو. # وكلمة سعاتو هذه تعمل في نفس الملازم حديث التخرج فعل السحر؛ فابتسم. # قال العجوز القوي والذي يحمل إبريقا ومخلاة من جلد الماعز صغيرة على ظهره، يرتدي ~~سروالا وقميصا نظيفين، يمشي حافيا، وجهه نظيف، ولو أنه معروق ويبدو عليه الإرهاق: ~~تشيلوني معاكم لقرية سماورا؟ # القرية على بعد عشرين ميلا من حيث وجدناه، ms19 تأكد الملازم حديث التخريج أن هذا الشيخ لم ~~يزرع ألغاما، إلا أنه أفتاه قائلا: دي عربية جيش ولا نشيل شخصا مدنيا، واحمد الله ~~على أننا لم نقتلك، تأكد لنا أنك لست سوى سابل جائع منبوذ لا معرفة لك بزراعة الألغام ~~وأمور الحرب، مجرد ملكي ساكت. # كالعادة آخر من ركب هو أنا، تحركت الشاحنة المجروس تاركة الرجل للشمس: جحيم فوقه، جحيم ~~تحته، وسرنا لمسافة مائة متر فقط، توقفت العربة وعندها قفزت على الأرض في وضع الحماية ~~وسألت: توقفت العربة من تلقاء نفسها؟ # أجاب السائق. # وقدر ما حاول السائق إشعال المحرك إلا أن محاولاته كلها فشلت، فنطاس الوقود ملآن، ~~البطارية مشحونة، الأسلاك جيدة التوصيل ناقلات الوقود والحركة فاعلة، لا شيء، لا شيء على ~~الإطلاق، وبينما السائق يحاول مرة أخرى إشعال المحرك إذا بالرجل الشيخ قريب منا ~~قائلا: تشيلوني معاكم؟ ~~- ابعد من هنا، وإلا أمرت العسكري يديك طلقة في صلعتك دي. # ذهب الرجل دون أن يقول شيئا وتحركت العربة لمسافة مائة متر أخرى ثم توقفت من تلقاء ~~نفسها، وبينما يحاول السائق إشعال المحرك إذا بالشيخ: تشيلوني معاكم؟ # فانتهره الملازم حديث التخرج المتغطرس، الذي يظن أنه ما خلق الله العالم إلا ليكون ~~مسرحا لخيلائه. ~~- امش يا زول! # ثم خاطبني الملازم حديث التخرج المتغطرس قائلا: إذا اقترب هذا الرجل منا مرة أخرى أطلق ~~عليه النار. # فاقترحت على الملازم حديث التخرج المتغطرس اقتراحا دعمه السائق، قائلا: ليه ما نشيلو ~~معانا ما ح يكلفنا حاجة. ~~- أنا المسئول وأنا اليشاء! أنتو شنو غير عساكر حاجات لتنفيذ الأوامر. # لا أدري كيف أحسست بأن الشخص هو الذي بقوة خفية كان يوقف العربة ثم يطلقها، وأن له كلمة ~~قوية على الأشياء وأنه يستطيع، وأنه يفعل وأنه يريد، لكن كيف أجعل الملازم حديث التخرج ~~المستبد يفهم، ولو أن السائق قد فهم ويبدو ذلك من تقعر عينيه كلما توقفت العربة. سمعت ~~كثيرا عن الأولياء والصالحين، قرأت طبقات ود ضيف الله، لكن كان ذلك لمجرد قراءة كتاب ~~مهم لرجل جامعي مثلي، يجب أن يعرف ms20 الكثير عن السلطنة الزرقاء وبنيتها الروحية، كنت ~~أفكر: لن أؤمن بهذه الخرافات إلا إذا رأيت معجزة ما بعيني. # ثم تطورت الفكرة في ذهني، لماذا لم أتمكن من معرفة حقيقة هذا الرجل؟ لماذا لم أقنع ~~الملازم حديث التخرج المتغطرس، إنها فرصة وضاعت، إنه طريقي لكي اعتزل حياة المادة بكل ~~ضغوطها ومآسيها وأعيش نقيا شفافا زاهدا، متجولا في الأرض أنشر المعجزات هنا وهناك. ~~إنه يقودني إلى النقاء الإنساني الروحي، الذي هو حلم كل شخص، أن أمتلك المقدرة على ~~التواجد أينما شئت! أصبح صاحب سلطة على كل شيء حتى على الآلة، ولكن في العودة قد نجده ~~على الطريق، عندها لن أبرحه، إلا بعد أن أعرف كل كبيرة وصغيرة بعد أن أفض أسراره، ولو ~~كلفني ذلك العمر كله. # بينما أنا في هذا إذا بنا نصل قرية سماورا، ذلك بعد مسيرة ساعة كاملة بالشاحنة المجروس، ~~عبر الطريق الترابية الوعرة، قرية سماورا كغيرها من القرى الحدودية، خالية من السكان ~~مسكونة بالذئاب والنسور والصبرات، كثير من الكلاب والقطط التي توحشت، هناك شخص واحد ~~فقط يجلس تحت شجرة على جانب الطريق، عندما توقفت العربة قربه وجدناه هو ذاته الشيخ ذو ~~الإبريق صاحب مخلاة الجلد، الحافي، ذو الوجه النظيف العرق، عندما شاهده الملازم حديث ~~التخرج المتغطرس جحظت عيناه، جف ريقه، حاول أن يهبط إليه، ربما ليقبله في رجليه، ~~ليرجوه أن يسامحه، دمعت عيناه، لكن فجأة أمسك به السائق في كتفه، همس في أذنه، فتصبب ~~الملازم حديث التخرج المتغطرس عرقا غزيرا، أدار السائق المحرك بسرعة رهيبة. # كنت أرقب كل شيء بحذر ولكني لم أحاول أن أفسر ما حدث ولم تكن لدي الرغبة في ذلك ~~وانطلقت المجروس - الشاحنة العسكرية العملاقة - مخلفة وراءها غابة من الغبار وأخذ ~~الغبار يهبط على رأسي وأنا جالس على الأرض متخفيا خلف قطية صغيرة حتى لا يراني السائق ~~أو الملازم حديث التخرج المتغطرس بالمرآة، وعندما تأكدت تماما من أنه ليس بالإمكان ~~رؤيتي خرجت من خلف القطية وذهبت نحو الشجرة التي كان الشيخ يجلس تحتها، ولم أجد أي ms21 أثر ~~يدل عليه ، نعم كانت هناك بقايا ماء على الأرض حيث يبدو أنه توضأ، ولكن هي لحظات فقط، ~~ليست أكثر من دقيقة واحدة؛ بل ما يزال جعير المجروس مسموعا وغباره يغرق المكان. وأخذت ~~أصرخ وأنادي بأعلى صوت: أيها الشيخ ... أيها الشيخ ... أيها الشيخ ... ولكن ليس من ~~مجيب. # أخذت أبحث عنه داخل المنازل المهجورة فلم أجد سوى الكلاب والتي ذعرت لرؤيتي، حيث إنها ~~لم تر إنسانا حيا منذ سنوات مضت، كانت الكلاب المتوحشة تنبح خلفي وتحاول عضي وإعاقتي، ~~كانت القطط تخرج هاربة من القطاطي المهجورة فزعة، خرج ضبع كبير من إحدى الحجرات ~~المهجورة وهرب، فهربت خلفه الكلاب حيث تركتني بحثا عن فريسة سوف تصبح أكثر إشباعا، ~~كانت القرية خلاء، في الحق أصبت بهلع شديد وأنا رجل أعزل؛ حيث تركت البندقية على صندوق ~~العربة حتى لا يجدوا في البحث عني من أجل البندقية هكذا تعلمنا: البندقية أهم من ~~الجندي - اترك بندقيتنا عندنا واذهب إلى الجحيم وحدك. # كانت الساعة تشير إلى الثالثة مساء وأنا ما أزال أنادي وأبحث عن الشيخ طالبا منه - ~~بصراخ حاد - أن يأتي إلي؛ لأنني أؤمن به وأريد أن أصبح له تلميذا وخادما ~~وحواريا، إنني سوف أنفق ما تبقى لي من عمر في خدمته، لقد وجدت الآن طريق الله ولن ~~أتخلى عنها أبدا، جلست تحت الشجرة ذاتها حيث كان يجلس، كنت تعبا مرهقا وخائفا أيضا، ~~الشمس الآن تذهب نحو المغيب وبالقرية لا شيء سوي الكلاب المتوحشة والذئاب وربما الأشباح ~~أيضا، نعم أنا شخص مادي ولا أومن بهذه الأشباح، ولكن الآن آمنت، هناك أمور أعرفها ~~بالباراسيكلوجي والميتافيزك، نعم، هل لبنية عقلي المادية الصرفة أن تؤمن بأن هناك نفرا ~~من بيننا يمكنهم فعل أشياء خارقة للطبيعة؟ # أناس يتواجدون حيثما شاءوا وكيفما أرادوا؟ أناس لديهم سلطان على العلم نفسه، العلم ~~الصرف، يمنعون متحركا من الدوران؟ يمنعون بندقية من أن تطلق النار؟ يختصرون الأميال ~~في خطوة، الآن لا شيء فوق مقدرة هذا الإنسان! أعرف أنه لا عربة سوف تأتي بهذا الطريق، ~~وأنني لا محالة ms22 مأكول، إما أن تتعشى بي الكلاب أو الذئاب وربما القطط المتوحشة والتي ~~رأيتها بأم عيني تأكل بعضها، قرب الشجرة قطية قديمة، درت حولها، لها باب قديم من ~~الزنك، قمت بدفع الباب ببطء، داخل الحجرة عنقريب كبير يملأ معظم المكان، به هيكلان ~~عظميان لطفلين، أغلقت الباب بسرعة وهربت، جريت بأسرع ما أستطيع على الشارع الترابي ~~الوعر، كنت لا أعرف إلى أين أنا ذاهب، المهم كنت أحس بالطمأنينة كلما ابتعدت عن هذا ~~المكان المرعب، والشمس تذهب بعيدا نحو الغروب: يا أيها الشيخ، أين أنت؟ # كان فمه يرتجف وعيناه تزدادان اتساعا كلما بعدت الشمس عنه ولا أحد، كانت القرية تمضي ~~بعيدا عني، بعيدا، بعيدا، إلى أن اختفت أخيرا، توقفت، قرأت المكان من حولي، الشمس ~~كانت خلف ظهري، إذا أسير شرقا، فإذا واصلت السير ولم يعقني عائق ولم يتفجر تحت رجلي ~~لغم فإنني سأدخل الحدود الإرترية بعد مسيرة عشر ساعات، ولكن لماذا لم أنتبه بأن هنالك ~~ألغاما مزروعة بين هنا وهناك ولا أحد يعرف كيف يتجنبها، الآن أحسست بالرعب الحقيقي؛ ~~لأنني إذا خرجت حيا من هذا الحقل سأعتبر نفسي وليا ورجلا صالحا يأتي معجزات ذلك ~~الشيخ الغريب. # وهنا أخذ العرق يتصبب على وجهي وبين فخذي وتحت إبطي، وأخذت أمشي كالحرباء واضعا رجلا ~~على الأرض في خفة وبعد تردد أسحبها، إنه سوء تصرف من جانبي، جعلني أترك الشاحنة المجروس ~~تمضي بدوني، لماذا لم أتريث؟ نعم، إذا تركت هذا جانبا، لماذا عندما هربت من الهيكلين ~~العظميين لم أتخذ طريق المجروس، وهي الطريق الوحيدة الخالية من الألغام، والغريب في ~~الأمر أنني كنت حارسا للمهندسين العسكريين الذين قاموا بزراعة الألغام حول هذه القرية ~~ألف لغم شخصي مغطاة بالبلاستيك حتى لا تتمكن أجهزة العدو النازعة للألغام اصطيادها، ~~ولكن لا ذنب لي، فقد كنت مجرد منفذ للأوامر وأنا في داخلي وصميمي ضد هذه الحرب وقتل ~~الإنسان؛ لأنه لا خصومة لي مع أحد ولا معرفة لي بالذي أحاربه، فكيف أقتله؟ # كان يمشي كالحرباء، تماما كالحرباء ... # والشمس تجري ~~لمستقر لها ~~، وحيد خائف ms23 ومتردد، قد ينقذه فجأة في الوقت المناسب، ~~نعم، هكذا في القصص والأحاجي وكتاب الطبقات، فإن الأولياء يتدخلون لإنقاذ مريديهم في ~~اللحظات الحاسمة، وأنا أثق في هذا الرجل، إنه رجل صالح ... إنه رجل صالح، إن لم يكن ~~نبي الله الخضر ذاته! والذي يتجول في العالم منذ بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ~~وما عليها ناشرا الحكمة والمعرفة بين الناس، من أدراك؟! # ليته عرف من جدته عنه الكثير، لكن وعلى حقيقة القرية المهجورة والقطاطي المسكونة ~~بالهياكل العظمية والقطط التي تأكل بعضها، فكر في الشيخ نفسه، قد يكون شبحا من الأشباح ~~من أدراك؟! # ما كان يؤمن بالبعاتي واعتبره ظاهرة ورثها المجتمع السوداني أو المخيلة السودانية من ~~النوبة أجدادهم قبل ستمائة ألف سنة قبل الميلاد، حيث كانوا يؤمنون بأن لكل إنسان في هذا ~~العالم كا وبا وهذا الباء هو صنو الإنسان، وعندما يموت الأخير يكون الصلة بينه وبين ~~الآخرين في الحياة الدنيا وأنه نسخة عنه، والآن أنت محاصر، الموت تحت أقدامك، ألغام ~~الموت حولك، ذئاب وكلاب وقطط متوحشة، الموت من حيث لا تدري أشباح، ورغم كل هذا كنت ~~متفائلا بأنني لن أموت، قد تعود الشاحنة المجروس للبحث عني إذا افتقدني أحدهم، ولكن يا ~~ترى بماذا همس السائق في أذن الملازم! لا، لا، إنه رجل طيب وصالح، أنا أثق به أنه ليس ب ~~«كا» ولا ب «رجل صالح» وسينقذني! بل سيتخذني حواريا له. # أيها الشيخ، أيها الشيخ! # وكمن يؤذن في مالطا لا سميع ولا مجيب، وأخذ يمشي كما كان يمشي كالحرباء، وتمنيت أن ~~يكون هذا الذي أنا فيه ليس سوى كابوس لا أكثر، سأستيقظ وأجد نفسي في أمان الله وحفظه على ~~سرير في المعسكر وحولي جند يدخنون والحرس يصيح بين حين وآخر: ثابت! # الحياة مدرسة ولكن لا يدخلها إلا الحمقى، مثل هذا الدرس الذي أتعلمه أنا ولا أحد غيري، ~~يستحقه الملازم حديث التخرج المتغطرس. # تذكرت في هذا الحين بالذات إدجار آلان بو، القلب الذي أخبر السر، القط الأسود، برميل ~~خمر أمنتنلادو، قناع الموت الأحمر، ms24 الحقيقة في قصة اغتيال فلادمير، سقوط بيت، ماذا ... ~~جيفا في ديو مور جبو، كنت أمشي وإذا حدث وسلمت وقصصت لشخص ما حكايتي هذه سيظنها ضربا من ~~الخيال، كنت أمشي كالحرباء وغابت الشمس، عجبت لماذا لم يصبني لغم حتى الآن، نعم، إنه لا ~~مجال لذلك؛ لأنه لا توجد ألغام بالأرض طالما توجد الذئاب والحمر السائبة حول ~~المكان. # وبمجرد أن خطرت هذه الفكرة في ذهنه انطلق جاريا، يجب علي أن لا أؤكل سهلا، يجب ألا ~~أستسلم للموت، ومرت بذهنه معارك خاضها؛ جثث تموت بسهولة، يقف الشخص هناك ما أن تطلق ~~عليه رصاصة تصيبه في صدره أو رأسه حتى يستسلم للموت ببرود، هكذا مات أصدقاؤه أيضا، مات ~~جنود كانوا برفقته في الخندق، مات جنود أعداء، هكذا نساء سقطن وأطفال موتى أمام عينه ~~عندما قذف صديق له جرانيت في مخبأ بين صخرتين اتخذته بعض الأسر ملجأ لها، ولكن لن يموت ~~هكذا رخيصا وباردا، وهكذا الرجل التقي العنيد، لا يريد أن يستجيب لندائه ولترحيبه، رجل ~~قاس، لا يلين له قلب، لا يرحم ولا يهزه رجاء، لا شفقة! ليتني! ولكن هل تنفع ليت؟! # وعرف الآن ما لم يهمس به السائق في أذنه وأنه تورط، والأسوأ إحساسه بأنه خدع، والإحساس ~~بالخديعة كالاستحمام بماء آسن، قرأ في سره: # قل لن يصيبنا ~~إلا ما كتب الله لنا ~~، ولأنه كفر به؛ عرفه أكثر وأوضح، عندما كفر ~~به تفتحت بصيرة كان يعميها الإيمان الكامل المطلق: الكفر مفتاح الفرج. # عند الحادية عشرة ليلا بالضبط - هكذا كانت تشير ساعته - سمع حرس المعسكر يصرخ: ~~ثابت! # وعندما ثبت قدمه على الأرض أحس بشيء يرفعها، لم يسمع دويا كالذي سمعه كل المعسكر ~~واستيقظ عليه الجنود النائمون وانبطح الحرس على أثره على الأرض وأخذ يطلق النار بطريقة ~~عشوائية هستيرية، لقد كان الحارس مرهق الأعصاب نتيجة للسهر المتواصل وعدم أخذ قسط كاف ~~من الراحة، لم يسمع دويا ولكنه رأى ضوءا قويا كثيفا يعم المكان كله، ثم لم يعد ~~يشعر بشيء سوى ظلام قاتم. # يناير 2000م # | الحكاية الكاملة لمأساة ms25 الأستاذ صابر الدقيس! # قال له الملحق الثقافي ذو التغضينات الجميلة على وجهه الثري الناعم الملآن، قال له وهو ~~يقلب شهاداته بكفه البيضاء ذات الأصابع النظيفة الشهية، قال وبشفته ابتسامة مراوغة، ~~ظنها الأستاذ صابر في بادئ الأمر نوعا من مظاهر الثراء التي تعم المكان كله، ولكنه ~~اكتشف بينه وبين نفسه فيما بعد أنها ليست سوى مسحة حزن كان لا بد منها لخلق جو ملائم ~~لما سيقال، قال له: بصراحة يا أستاذ شهاداتك الجامعية كلها ممتازة ومدارسنا في حاجة ~~ماسة لشخص مثلك يمتلك المؤهل. # ثم صمت قليلا قبل أن يضيف بصوت خفيض عميق وكأنه يحدث نفسه: ماجستير في التربية، ~~ليسانس لغة عربية بدرجة الامتياز، دبلوم كمبيوتر مع خبرة في التدريس لمدة عشرين عاما؟ ~~هذا نادر الحدوث. # ثم أضاف وبصوت عال ولهجة حادة بعض الشيء: ولكن لا رجعة فيما قلته لك! لقد انتهى ~~التقديم! كم هو مؤسف. # ثم صمت ولم يكمل، وكأنه يريد من الأستاذ صابر أن يقاطعه، ولكن الأستاذ صابر والذي يعرف ~~أن السكوت من ذهب، كان يحب أن يحتفظ بذهبه، في الحق ما كان لديه ما يود قوله؛ فقد قال كل ~~شيء للملحق الثقافي والذي استجوبه فيما يقارب نصف الساعة، لم يترك شاردة أو واردة إلا ~~أشبعها سؤالا؛ بدءا من عمره وانتهاء بصحة زوجته. لذا عندما لم يكمل الملحق الثقافي ~~جملته نهض واستأذن أن ينصرف، ولكن الملحق ذا الأصابع البيضاء الشهية أشار إليه ~~بالبقاء. # بعد أن أجرى عدة مكالمات، ابتسم وجهه السمين الثري مظهرا أسنانا منتظمة عليها صفرة ~~فاقعة وقال: أنت رجل محظوظ، ورد للملحقية عقد قبل خمسة دقائق، أي: أثناء وجودك هنا، على ~~هذا المقعد، وطلبت الموثق أن يحضر الآن ويحاورك في شأنه. # قبل أن يجد الأستاذ صابر وقتا لكي يبتسم، إذ بالموثق يدخل وفي يده حقيبة. ~~- الموثق أبو يزيد الدينوري. ~~- الأستاذ صابر الدقيس. # لأبي يزيد الدينوري أيضا أنامل بيضاء شهية، يجيد التحدث مستخدما أصابعه السمينة والتي ~~كثيرا ما أسهمت فيما بعد في إقناع الأستاذ صابر الدقيس، قال أبو يزيد ms26 بعد أن جعل وجهه ~~النظيف يبتسم: إنه ليس عقد تدريس كما كنت ترجو وكما مؤهل له، ولكنه أكثر فائدة ودخله ألف ~~مرة ضعف دخل مدرس مؤهل مثلك أو يزيد، ولكن به إشكالية واحدة هي أنه مستعجل جدا وسري، ~~ويجب تنفيذه خلال ساعتين فقط من وصوله القنصلية. # في الحق مل سريعا الأستاذ صابر حديث أبي يزيد الدينوري حول العقد دون النفاذ إلى ~~نقطة إجرائية سريعة ومفيدة، ولكن بطبع الأستاذ صابر أنه لا يتعجل الأمور، ولا يحب ~~مقاطعة المتحدث مهما أمله حديثه. وأخيرا قال أبو يزيد وهو يعتدل في جلسته السمينة ~~الهادئة، والتي ما كانت في حاجة لأي استعدال: إنه عقد سجين. # صاح الأستاذ صابر الدقيس بصوت أحس فيما بعد أنه كان عاليا بعض الشيء ولا يناسب الجو ~~الدبلوماسي الذي هو في قلبه: عقد سجين؟ # قال أبو يزيد بثقة وعلى فمه ابتسامة ثقيلة باردة: نعم، عقد سجين. # ثم واصل بثقة مفرطة وآلية: ستبقى في السجن نيابة عن أمير، وسيدفع لك مقابل ذلك بسخاء ~~منقطع النظير. ~~- قال الأستاذ صابر - وقد بدا منفعلا قليلا: أنا حياتي كلها لم أدخل الحبس ولا مرة؛ ~~بل لم أقف أمام قاض أو شرطي، فكيف لي أن أدخل السجن؟! # قال أبو يزيد وقد بدا طيبا ومتسامحا وخيرا في ذات اللحظة؛ بل مبشرا عن جنة غامضة، ~~في برود معلوماتي كبرود الكمبيوتر: يا أخي، يا أخي هون على نفسك، السجن عندنا في بلدنا ~~ليس كالسجن عندكم هنا في دولة فقيرة تعاني من عسر خدماتي عام مزمن، أضف إلى ذلك أنك ~~ستسجن باسم أحد الأمراء المرموقين، أي: أنك ستكون في محل أمير، ممثلا له متمثلا فيه، ~~أي: أنت الأمير ذاته في السجن، فتخيل كيف يكون سجنك! # أنت فيما يشبه جناحا بقصر أميري، حجرات متسعة مكيفة صيفا وشتاء وعندك أحدث ما أنتج ~~العقل الياباني من تلفاز ذي شاشة سحرية به الصورة ذات أبعاد ثلاثية وألف قناة عالمية في ~~اشتراك دائم بالقمر الصناعي العربي أراب سات رهن لمسك جهاز الرموت كنترول، جهاز فيديو ~~وكمبيوتر ms27 متصلا بشبكة الإنترنت يقوم بتسليتك وتزويدك بما تشاء من معلومات وبإمكانك أن ~~تستثمر سنوات سجنك الأربع، في التحضير للدكتوراه، فيما تشاء من جامعات العالم، وكل ~~جامعات العالم رهن مكالمة تلفونية منك لأميرك، لا أكثر، لديك مطبخ مهيأ به كل ما سمعت من ~~أدوات، وما لم تسمع به، وستدهش لرؤيته بأم عينيك بين يديك، ولن أسمي لك شيئا لكني ~~سأترك لعنصر المفاجأة مجالا. # الطعام وما أدراك ما الطعام؟! قبل كل وجبة بساعة يأتيك طباخ السجن بقائمة تحتوي على ~~مائة صنف من الأطعمة، ومائتين من المشروبات، وورقة فارغة لكي تكتب فيها ما تريد أكله، ~~وهو لا يوجد ضمن المائة صنف. تفاحك من لبنان وحيفا، وعنبك من عرائس كروم قبرص، وإذا شئت ~~أن تطعم مما تطبخ زوجك يوميا، لكان لك ذلك، يا أخي، بالسجن عالم من المفاجآت والدهشة، ~~وكيف لا وأنت أمير؟ # الرياضة! القراءة! الجري! تنس الطاولة، ما هي مواهبك؟ بل ما هي أحلامك؟ ماذا تريد في ~~هذه الدنيا؟ ما هواياتك؟، شطرنج؟ هل تلعب الشطرنج بالكمبيوتر؟ لك طبيب خاص، ولك ممرضتان ~~تجدهما قربك وقتما شئت، وبإمكانك اختيارهما من بين أجمل الفتيات المستوردات من شرق آسيا، ~~وأخيرا أخذت السجون في بلادنا تستورد فتيات من روسيا بعد انهيار الشيوعيين هنالك، ~~بالسجن يا أخي ... بالسجن يا أخي ... # كان يحكي في برود معلوماتي قاس، أما الأستاذ صابر الدقيس، فقد ذهب بفكره وقلبه بعيدا، ~~بعيدا في مجاهل الحلم الواقع، الغد البائس، الأصدقاء. # وداعا أيها المعلمون، أيها البائسون، حشرات العدس والفول والشاي الماسخ، ديدان ~~الطباشير المنقرضون، يا أحبائي المساكين. # هتفوا بصوت واحد أجوف: فور وصولك أرسل إلينا عقود مساجين، ألف عقد وعقد، اطلب منهم أن ~~يفتحوا سجونا جديدة، وقل لهم هناك مساجين في انتظار السجن! فمدوا إليهم يد العون ~~والمساعدة، يمد الله في أعماركم مدا. # السجن يا أخي في بلادنا، جنة، جنة، جنة على الأرض، يا أخي، وما نقدمه إليك مقابل ذلك ~~مال سخي يدهشك، فحين توقيع العقد، نسلمك شيكا بمبلغ أربعة ملايين دولار، يمكنك إيداعه ~~بالبنك باسم زوجتك ms28 أو أحد أطفالك، شهريا سيضاف لرصيدك بإشارة بنكية مبلغ ألف دولار، ~~هذا فضلا عن نثرياتك ومصروفك الشخصي، أضف إلى ذلك المعاش الوراثي، لحياة آخر فرد من ~~أسرتك، يا أخي، هذه هي فرصة العمر، والعمر فرصة واحدة لا غير، وإن أميرك هذا رجل كريم ~~شهم، وما ألصقت به من تهمة إلا مؤامرة خبيثة دافعها الحسد والغيرة، والذين يعرفونه عن ~~قرب، الملوك والأمراء، يشهدون أنه ليس باستطاعته إيذاء نملة، دعك من ارتكاب جريمة! وكان ~~بإمكانه ألا يمثل أمام القضاء ولا يرضخ لحكمهم، ولكنه يريد للعدالة أن تأخذ مجراها، فنحن ~~ومهما يقول الغرب عنا إلا أننا ديمقراطيون في عمق أخلاقنا وثقافتنا. ~~- يا أبي، بابا صابر، قل لهم يوفرون لنا حجرتين ملآنتين باللعب والبسكويت. ~~- وأنا أريد كوكاكولا أيضا. ~~- قل لهم يا أبي إنهم لا يرفضون طلبك، وإلا بلغت الأمير ليقوم باللازم. ~~- هل يسمح لي بزيارتك؟ أنا لا أستطيع البقاء من دونك، ولا أتحمل مسئولية التربية، فأنت ~~تعرف أن الأطفال يفسدون دون رعاية والدهم؟! # ليس بإمكان أحد زيارتك وأنت في السجن؛ لأنك مخفي تحت اسم ولباس أمير ووجهك سيظل مغطى ~~بحجاب دائم، مثلك مثل كل السجناء الذين ينحدرون من أصول عريقة وأسر لها مكانة اجتماعية ~~أو سياسية كبيرة، فهم لا يحبون أن يميزهم أحد، وماذا تريد من زوجتك، هل ستحتاج إلى ~~زوجتك؟ ~~- هل قالوا لك أربع سنوات؟ # ألا تشتاق للمشي في الشوارع المشمسة وأكل التسالي تحت أشجار المهوقني قرب المدرسة؟ ألا ~~تشتاق للصلاة بالزاوية مع الأحباء؟ ألا تشتاق لقهوة الظهر، ونسة العشاء، ألا تشتاق ~~لأطفالك وهم يتواثبون على حجرك، وبأيديهم بقايا حلوى وطبيخ، بصدورهم شيء من الريال، ~~فيلوثون ثيابك ولا تستطيع أن تنهرهم إلا مبتسما، ألا تشتاق ...؟ ~~- لا يهم، لا يهم، عندما تعود ستعوض كل ذلك وأكثر، ستعود لأطفالك بالمال الوفير، ~~وحينها: سحقا للملاريا، سحقا لسوء التغذية، سحقا للرمد، سحقا ... ~~- لا تكن عاطفيا أكثر من اللازم، السجن يا أخي بالنسبة لك طوق نجاة، وأعرف أنك ~~ستفتقده يوم خروجك منه. ~~- ومن يعلم، فقد يصدر عفو ملكي ms29 عام ويشمل أول ما يشمل أنت، وتكون قد أفدت من العقد كما ~~لو أنك قضيت السنوات الأربع. ~~- سافر، سافر، سافر، أنت الآن في سجن كبير، فما يهم أن تدخل حجرة منه، هي جنة ~~حقه. ~~- أمامك ساعتان للتفكير، اجلس في المكتب المجاور واستشر نفسك، ولا تشغل نفسك بإجراءات ~~السفر، جوازك، الكشف الطبي، إيصال مصروف أبنائك، أو حضورهم لوداعك، فكر يا أخي؟ ~~- أنت ترفض نعمة الله، سجن ... أهذا سجن! الذي أنت فيه الآن، ألست أنا مدير المدرسة، ~~وإنني وريث لمال تعلم أنت قدره، إذا وجدت فرصتك هذه فإنني لن أتردد لحظة واحدة في ~~الموافقة، هذا رزق ساقه الله إليك. ~~- أقول بصراحة، أنا متشككة في هذا الموضوع؟ هل هناك أمير يسجن؟ إنهم ربما يودون سجنك ~~بدلا عن تاجر مخدرات ثري، أو أي شخص، المهم الأمر برمته ليس مفهوما لدي. ~~- دعيني أقول لك بصراحة أيضا: إنك امرأة أحادية النظرة دائما تنظرين إلى الأمور من ~~زاوية الظل، الزاوية العمياء، تفاءلي لمرة واحدة في حياتك. ~~- موافق، موافق، متى السفر، أريد أن أسافر الآن. ~~- أقرأ العقد أولا. # في يوم الثلاثاء الموافق الأول من مايو 1997م، وعند العاشرة صباحا وبينما كانت زوجته، ~~المعلمة بمرحلة الأساس، تستلم حوالة بنكية بمبلغ أربعة ملايين دولار، ولولا أنها كانت ~~مشغولة البال بأسئلة ملحة في رأسها: لماذا لا يخبرني؟ هل كان يظنني سأقف دون سفره؟ هل ~~سأحرمه وأحرم أبنائي كل هذه الثروات؟ لماذا يسافر هكذا فجأة ودون علم أحد؟ وأيضا، لولا ~~أنها كانت مأخوذة ببريق الدولارات الخضراء، ذلك البريق الفسفوري الآخذ بالألباب، لسمعت ~~صوت المذيع الرخيم يعلن إعدام الأمير حران بن البحر المجيعد بعد محاكمة سريعة وسرية إثر ~~قتله لوالده الشيخ المجيعد، وقد تم إعدامه صبيحة الأمس بالكرسي الكهربائي، ووريت جثته ~~الثرى، بصمت تام. # 2000 # | صاحبة المنزل # 1 # هو شخص عادي، عادي مثلك، يعشق السلام ويحب أن يكون آمنا محبوبا، فهو مثلك يحب أن ~~يكون محاطا بالنساء الجميلات ولكن المرأة الجميلة عنده هي ليست مارلين مونرو أو ~~صوفيا لورين ولا حتى ملكة جمال ms30 ملكات جمال العالم. # المرأة الجميلة عنده هي المرأة التي تقبل أن تذهب معه إلى مسكنه، أو وجره كما ~~يسميه، حجرته الطينية الغبشاء وتجلس على عنقريبه المتهالك العجوز ذي اللحاف المتسخ ~~ببقايا الصاعوط وكاسات العرق الأخيرة، والتي قد يضطر إلى شرابها وقد بلغ السكر ~~أشده فتندفق على اللحاف مذيبة بقايا الصاعوط فيشكل المزيج خرائط بائسة. # فهي إذا امرأة بالغة الجمال إذا شربت من جركانة الماء المملوءة منذ يومين، التي ~~بنى الطحلب على جوانبها - أخضر لزجا وماسخا - مستعمراته، إذا هي أجمل من ~~هيلين طروادة إذا تمطت على عنقريبه ثم ... نامت، هو شخص عادي وبسيط مثلك، فلماذا لا ~~يهيم بالصبية الردفاء التي تبيع السمسمية عند الحنية الصغيرة قرب بيته، الصبية ~~التي عرف أنها جميلة منذ أول جملة قالتها له عندما استدان منها ولأول مرة قطعة ~~سمسمية كبيرة. ~~- أأنت الذي يسكن ذلك المنزل؟ # مشيرة بإبهامها الرقيق - رغم سمنته - نحو وجره. # 2 # صاحبة المنزل، صاحبة الحجرة الطينية الغبشاء، والتي يتخذها وجرا لنسائه الجميلات ~~وقلعة تحميه إلحاح الدائنين ولجب عسكر الخدمة الإلزامية. # قد تبدو هذه المرأة بمقياسك للجمال، هي أجمل سيدة تقع عليها عين في مثل تلك ~~الحارة ولن أصفها لك، ولكني أهمس في أذنك بأن تنظر إلى التليفزيون الآن وإذا بدت ~~أمامك مذيعة لا يهم من تكون تمعن في وجهها فهي تشبه صاحبة المنزل كثيرا عندما ~~تعمل فمها في اللغة؛ لأن المذيعات - كما تعرف - عندما يلوين شفاههن وهن يحاولن ~~إخراج الكلمات من بين أحمر الشفاه والأسنان المطلية بماء الفضة، فهن يتشابهن كثيرا ~~في تلك اللحظة، يشبهنها وهن يدللن اللغة فيخرجنها مخنثة أو دائخة من عطر الفم ~~الكيميائي المخلوط بروح الأناناس أو الليمون. # ويمكن أن نضيف إلى هذا الجمال الواضح البين كرمها؛ فهي تهبه يوميا وجبه كاملة ~~وحتى صبيحة الأمسية المشئومة، والتي ضبطته فيها يراقد الصبية الردفاء بائعة ~~السمسمية والتي كانت في تلك الأمسية أجمل امرأة في العالم. حتى بعد هذا الحدث ~~الرهيب لم تكف عنه يد العطاء ولم تسأله عن إيجار الأشهر الثمانية المنصرمة، بالرغم ms31 ~~من أنها انهالت عليه ضربا مبرحا بعصا مصنوعة من أحطاب الكتر، ضربا لا رحمة فيه ~~ولا مخافة من عذابات يوم الحساب، وعندما سقط مغشيا عليه أخذت تركله في بطنه وصدره ~~ثم أهالت عليه التراب ثم صبت عليه ماء الجركانه المطحلب البارد، بصقت عليه ~~مرارا، ولو لم يمنعها بعض الحياء النسائي والذي عادة ما يصطحب جمال المذيعات ~~لتبولت عليه ثم تبولت عليه. # كانت قاسية وعنيفة بشكل مفاجئ ومباغت مباغتة شلته تماما عن التفكير؛ بل ذهبت ~~بوعيه وشتتت فتاة المتعة الإنسانية العميقة، والتي كان يقتاتها بكل سلام وبراءة ~~من بين ردفي أجمل امرأة في العالم، صبية السمسمية، تلك القسوة التي عجز عن وصفها ~~لصديقيه بابكر المسكين ومايكل أكول عندما زاراه في وجره صبيحة الليلة المشئومة، فقط ~~اكتفى بأن خلع ملابسه وأراهما ظهره، ثم أعطاهما رأسه الذي ما زال متروبا ومطيونا ~~بماء الجركانة مطحلبا ... ثم أراهما أذنيه المعضوضتين ثم ساقيه المكلومتين ثم سألهما ~~عن آمنة، عن عينيها الحلوتين البريئتين وعن ضرسها المسوس، وهل ما يزال يؤلمها؟ ثم ~~أكد لهما أن اللكمات التي تلقاها من هذه المرأة كفيلة بقتل ديناصور وليس بني آدم ~~مسالم وطيب مثله. # ولو أن الموقف كان في قمة المأساة إلا أنهما انفجرا بالضحك وضحك هو أيضا، بالرغم ~~من الوخزات التي كان يحدثها الضحك في ظهره ورئتيه، وعندما سأله مايكل أكول عن مصير ~~الردفاء، قال: لا أعرف عنها شيئا، لقد كنت في شبه غيبوبة، فقط أعرف أنها اختفت ~~عارية؛ لأن ما تجلسان عليه الآن هي أثوابها. # سألهما عن آمنة وعن كشة، الخدمة الوطنية الإلزامية، قال له بابكر أن فوال المحطة ~~الوسطى دايم السؤال عنه، كم طلبا من الفول أكلت منه بالدين؟ ثم أضاف وهو يحملق في ~~جرح بساق صديقه المغضوب عليه: لقد أصابتك لعنات أم بخوت صاحبة الشاي، وصاروخ الكيف ~~ولعنات كل فوالي العاصمة حتى بائعات التسالي وفارشي الكتب على الرصيف وبائعات عرق ~~البلح والداعرات. # فرد مايكل أكول مبتسما: أيهما أهون عند الله الموت جوعا أم الأكل ~~بالدين؟ # قال بابكر وهو ms32 يبصق سفة صاعوط: ولكن السكر بالدين، والمزة بالدين ، وحتى ~~النساء بالدين؟! # ألم يكن هذا ما يسميه خطباء الجمعة بالإثم المركب؟ # ضحكا، فسي فسوتين متتاليتين، سأل عن آمنة أحس براحة نفسية عابرة، سأل عن الكشة ~~ونتيجة المعاينة الأخيرة، سأل عن آمنة وما إذا كانت ما تزال تتردد على المركز ~~الثقافي الفرنسي باحثة عن عمل أو تسهيلات لتأشيرة دخول لفرنسا، بعد أن خاب أملها في ~~اصطياد ضربة حظ اللوتري الأمريكي، طلب سفه صاعوط. # 3 # بصق سفة السعوط، قال: إنه لم يقابل آمنة منذ أكثر من أسبوع، فقد بقي بحجرته سجين ~~الدائنين وعسكر الخدمة الإلزامية، الآن حبيس المرض، طلب سفة صعوط أخرى، فقدم ~~إليه مايكل أكول سيجارة كان يحتفظ بها في جيبه بعد أن دخن نصفها مناصفة وبابكر ~~المسكين في الطريق، سأل عن آمنة وهل وافق الطبيب على خلع ضرسها. # 4 # علي المنضدة الصغيرة المصنوعة من الفلنكة كان وعاء الطعام، أرسلته صاحبة المنزل ~~في الصباح الباكر مع طفل صغير كالعادة، بالرغم مما حدث بالأمس ... وكأنه لم يحدث شيء؛ ~~بل وكأن ما حدث لم يكن سوي مواجدة تزيد من التقارب الإنساني وتقوي العلائق ~~الاجتماعية، فكان الإفطار دسما وشهيا جعل ثلاثتهم يتذكر الوجبة الملائكية - كما ~~تسمونها - والتي تطفلوا عليها بقاعة الصداقة، وهي عبارة عن مأدبة عظيمة أقامتها ~~أسرتان ثريتان احتفاء بنكاح وقع بينهما، فدخلوا كالمدعوين ثقة وادعاء للغنى - ولو ~~كان ذلك على مستوى السلوك فحسب؛ لأن مظهرهما الخارجي كان يدل على البؤس والعطالة ~~- فإذا رآهم أهل العروس ظنوهم من أصدقاء أهل العريس وإذا رآهم أهل العريس ظنوهم من ~~أصدقاء أهل العروس، ولم يكتشف آخرهم إلا بعد أن شبعوا وأتخموا بالمحشيات والمشويات ~~والمقليات والسلاطة، وحينما تذكروا آمنة وأنها الآن ربما تتلوى جوعا، فهل نبخل ~~عليها بفرخة سمينة مطبوخة بالبهار والسمن البلدي محشوة بالزبيب والزيتون وما لا ~~يعلمون؟! # وأمام دهشة مئات المدعوين الأثرياء، تلك الدهشة المنعمة السمينة المشحونة ~~بالازدراء وعفن الدونية، حمل بابكر المسكين الفرخة عارية تقطر سمنا بلديا وتفوح ~~منها رائحة البهار الهندي، وخرجوا من مطعم ms33 القاعة مسرورين يغنون بصوت واحد نغما ~~شائعا رخيصا يناسب ثراء المكان وعقد المناكحة المحتفى به. سادتي: أنا وصديقاي ~~نحيي فيكم روح الثراء، ونبارككم أبدا ما تناكحتم وشم بعضكم فيخ بعض. # 5 # سأل عن أمل، قالا له: إنها أنجبت ولدا واحدا فقط على الرغم من ضخامة فخذيها وسمن ~~زوجها والذي في الغالب يزن أكولين ونصف بابكر، أي: ثلاثة أكول إلا ربع الأكول، ~~قالا: إنها لا تزال غنية وكلما قصدا منزلها أنقدتهما مالا لا يستهان به يمكنهما ~~من شراء الصاعوط وركوب المواصلات، وقد يتبقى لهما ما يساوي نصف زجاجة العرق ومزة ~~رخيصة قد تتعدى الزيتون الأسود أو الفول المدمس. # قال إنه طوال هذه الأيام المقضية في حبسه كان يكتفي بوجبة واحدة صباحية يتيمة ~~والتي تهبه إياها صاحبة المنزل مجانا ولله وحده، ويقضي يومه في قراءة وول سونكا ~~استعدادا لدراسته أكاديميا في إطار إعداد بحث عن الصورة الشعرية في الأدب ~~الإفريقي الحديث. # وأحيانا وفي بعض المساءات تشاء سيدة ما تكون أجمل امرأة في العالم، وغالبا تقوم ~~بهذا الدور الصبية الردفاء بائعة السمسمية، فتتسلل إلى حجرته حاملة معها بعض ~~السمسمية وتحكي - بينما يلتهم هو السمسمية التهاما - عن صديقتها الوحيدة والتي ~~تبيع التسالي وحلاوة فوفل عند بوابة السينما الوطنية، التي بإمكانها حفظ أي أغنية ~~هندية بسماعها مرتين فقط، وهي أيضا تشبه الهنود في طباعها وأيضا ملامح وجهها، ~~فلها وجه مدور كالقمر ذو بشرة ناعمة شفافة يمكن من خلالها رؤية شرايين دمها، ~~شريانا شريانا، وبين حاجبيها لها شامة ربانية. # والذي جعلها هندية أكثر وأكثر هو أنها تستخدم كريم ديانا مخلوطا بملعقة من ~~اللوكسيدار وملعقتين من الكلى وقليل من الكبريت الأصفر، مما جعل وجهها أبيض كالقمر ~~المكتمل وأظهر شامتها الربانية السوداء بين حاجبيها الكثيفين، آه، يا ليتك ~~رأيتها، حمدا لله؛ لأنك إذا رأيتها ما كنت تهتم بواحدة مثلي لا تستخدم سوى صابون ~~سبتو، لا، لا تظن أنني أستخدم سبتو لأنني فقيرة، لا، ولكن؛ لأن الديانا ~~واللوكسيدار، والكلى وحتى الكليرتون والأمبي تسبب لي حساسية. # ألا ترى هذه البقع ms34 السوداء بوجهي، إنها ليست خلقة ربانية! ولكنها رغم جمال ~~صديقاتها وتهندها ، إلا أنها تعيب عليها قلة أدبها؛ فقلبها فندق، وحبها وغرامها ~~البوليس والجيش وأظنها تحاكي بذلك سيتا حبيبة كومار أبشلخة الخائن، فأنا عكسها ~~تماما لا أذهب إطلاقا لبيوت العزابة ولا ميس الضباط، وأكره ما أكره العسكر ~~والبوليس، وأفضل عليهم بمليون مرة: الطلاب، وكانت تحكي له بينما يلتهم هو ~~السمسمية التهاما، وعندما يفرغ من التهام السمسمية يلتهمها هي، يلتهمها بحرفية ~~وأستاذية تثير إعجاب صديقتها خدوج الهندية به، وحسدها عندما تقص عليها إثر كل ~~مغامرة تفاصيل شبقه وحبه لها. # أخرج بابكر كيس تمباكه، ضغط على الكيس في عدة اتجاهات مختلفة بأنامله مكونا كرة ~~صغيرة من الساعوط، أخرجها بميكانيكية، رفع شفته العليا فبدا كحمار يتشمم بول أنثاه، ~~ثم وضع كرة الصعوط بكل أناة ودقة ما بين شفته العليا ولثته، ثم بصق على الأرض ~~حبيبات صغيرة من التمباك وكح، سأل عن آمنة، عن الإمساك المزمن والذي تعاني منه منذ ~~شهرين؟! كان سيسأل عن آمنة أيضا وعن خديها اللذين يصيران شديدي الاحمرار عندما ~~تجوع أو تقابل - صدفة - أحد دائنيها، أو عندما تقرأ نتيجة المعاينة والتي دخلتها ~~مؤخرا ولم تجد اسمها بين من تم اختيارهم للخدمة، والذين تتفوق عليهم أكاديميا، ~~كان سيسأل لولا أن صوتا نسائيا أخذ يصيح في الخارج مناديا باسمه، صوت سيدة ~~يعرفه تماما ويخافه، فبغير ما شعور منه صاح مرعوبا: هي، هي، هي! # قالها كما لو أن جنديا ينبه رفيقه على ألا يطأ اللغم والذي على بعد نصف خطوة من ~~رجله، هذا الأسلوب هو الذي أرعب بابكر المسكين ومايكل أكول وشل تفكيرهما فوقفا ~~على رجليهما في لحظة واحدة هي اللحظة ذاتها التي ولجت فيها هي الحجرة، لم يبد عليها ~~أنها قد فوجئت بوجود مايكل وبابكر معه بالحجرة، ولكنها تفحصت مايكل أكول بعين ~~نافذة. # كانت سيدة جميلة بغير مقياسه بمقياسك أنت، صغيرة، تلبس في احتشام تام وعلى رأسها ~~خمار، ثم فوق الخمار يلتف ثوبها المتواضع بأنامل كفتيها، تلتف خواتم من الذهب عليها ~~فواريز بألوان ms35 شتى، كما أنه لم يكن بمقدور احتشامها إخفاء فتنة جسدية جامحة تخصها، ~~كان صوتها رقيقا وناعما الشيء الذي جعله يعيد النظر في حقيقة أن هذا الملاك ~~الماثل أمامه هو شيطان الأمس ذو القبضة الحديدية والعصي الكتر، والذي كاد يقتله ~~ضربا. # صافحتنا واحدا واحدا واضعة أناملها الرقيقة في أكفنا العجفاء، ولكنه استطاع ~~استشعار قوة رهيبة تكمن وراء تلك الأنامل الناعمة كالزيت، قالت - برقة متناهية ~~كأنها تخاطب عصفورا أثيريا: إنني آسفة لقد كنت متوترة بالأمس. وقالت إنها إذا ~~أثيرت: إذا استغضبت تتملكني روح شيطان ولا أستطيع أن أتمالك نفسي، وبإمكاني تحطيم ~~كل ما يقع عليه بصري حتى ولو كان من الحديد الصلب، وأكدت - وبعينيها دميعات رقيقات ~~صافيات كالبلور ود بابكر المسكين في غرارة شبق روحه لو أتيح له لحسها - إن الله ~~وحده هو الذي نجاه من موت محقق، ثم أجهشت بالبكاء وهي تجلس على منضدة صغيرة من ~~الفلنكة، وهي الأثاث الوحيد بالحجرة بالإضافة إلى العنقريب العجوز القصير ذي الحبال ~~المزيفة. ببكائها أحس ثلاثتهم بطمأنينة بالغة وهم يراقبون إسحاح الدميعات ~~الصافيات كأنها قطرات ندى على بتيلات غاردنيا. # أخذ هو الآخر يعتذر عما بدر منه من سلوك أدى إلى استغضابك أيتها الجميلة، هذه ~~الردفاء التي لا أحبها وأكره سمسميتها ووجهها السبتوي، وتحدث بابكر المسكين عن ~~القيم والأخلاق السامية والتي لا تمس، وهو منتعظ المفعال، في ذات اللحظة متخيلا ~~وجهها الصغير المدمع في عطش كوني لا رواء له. # فتململ مايكل أكول في مجلسه وهو يسمع كلمات الخوف تخرج من بين فكي بابكر المسكين ~~المرتجفين وتحت عينيه الزائغتين، غير أن هذا لم يمنعه من الإدلاء بدلوه متحدثا عن ~~بنيات الزمن الشريرات، مشيرا بوضوح خبيث للصبية الردفاء وبطريقة ميتافيزيقية كان ~~يشير إليها هي في ذاتها. # بصق بابكر المسكين سفة الصعوط في الخارج قرب باب الحجرة ونهض خلفه مايكل أكول ~~استأذنا للانصراف، ولكن سيدة المنزل والتي أجلستهما قبل دقائق على العنقريب قربه ~~أصرت على أن يحضرا الغداء معهما، وهو الآن معد وسأحضره حالا فابقيا، خوفا من ~~استثارة غضبها ms36 ولأننا - نعلم - لن نجد غداء في أي مكان آخر في الدنيا : أيتها السيدة ~~المعطاءة ملكة بطوننا يا ربة البيت ذات الأدمع البلورية، نحن نحبك ونخاف ~~منك. ~~••• # رقد ثلاثتهم على العنقريب العجوز، وأخرج مايكل أكول من حقيبته مختارات من شعر هنري ~~ميشو، وعندما هم بقراءة قصيدة ريشة تحدث عن الشاعر مارول مارول، ثم طلب من ~~بابكر المسكين قراءة قصيدة # The Foe # بصوته الحلو، ~~ولكن بابكر تحدث عن انتحالات أدونيس أو ما سماه سرقاته من الأصمعي والنفري، ~~ثم أخذ ثلاثتهم يغنون لمريم ماكبا، ثم تعاطوا التمباك، مرة أخرى سأل عن آمنة وعن ~~الكشة والمعاينات للخدمة العامة في جملة واحدة، قال إنه لا يرغب في شيء في هذه ~~الدنيا غير أن يقبل آمنة قبلة واحدة في شفتيها، ثم يقول لها باللغة الفرنسية: ~~أحبك! ولكنه لا يعرف اللغة الفرنسية، وهو أيضا لا يستطيع أن يقبلها. # إذا ما جدوى أن نغني يا آمنة ما جدوى هذا الخريف، بينما هم يحكون عن آمنة وسارة ~~وماريانا إذا بصوت سيدة يأتي من خارج الحجرة الطينية الغبشاء فهتف مذعورا. ~~- إنها، إنها، إنها. # الردفاء بنت السمسمية، إنها دائما تختار الزمن الخطأ. # قال مايكل أكول وكان بصوته رجفة خفيفة حاول إخفائها عن صاحبيه، فخرج صوتا مخنوقا ~~بائسا مشحونا بالجبن وأكثر ارتجافا: ما العمل؟ # ولكنها لم تدع لنا وقتا للتفكير؛ بل اندفعت داخله الحجرة فوقف ثلاثتهم دفعة في ~~استقبالها مصافحين إياها واحدا واحدا، كانت أردافها الكبيرة كبيرة، جلست على ~~المنضدة المصنوعة من الفلنكة، المنضدة الصغيرة والتي لم تسع ردفيها؛ مما جعلهما ~~يبرزان على جانبي المنضدة متدليين كقربتين كبيرتين مملوءتين بالزيت، أحس بابكر ~~المسكين إحساسا مزدوجا في ذات نفسه، إحساسا عميقا بالامتلاء وأحس في ذات الآن ~~إحساسا عميقا بالجوع، كانت أردافها الكبيرة كبيرة، وهي تعتذر لائمة نفسها على ~~أنها تسببت في ضربه، فما كان عليها أن تزوره في مثل هذا المكان وهي تعلم أن صاحبة ~~المنزل هي أشرس امرأة في الدنيا؛ لأن بها روح شيطان تتلبسها عندما تغضب، وقالت: ~~إنها قلقة لحاله ولم ms37 تنم ليلة البارحة ولم تهتم أبدا بمأساتها هي الشخصية؛ حيث ~~إنها هربت عارية كما ولدتها أمها جارية عبر الأزقة الضيقة المظلمة إلى بيت ~~أسرتها، ولولا أن ستر الله لرآني والدي لولا أنه كان بالجامع في صلاة ~~العشاء. # وقالت: إنها تعرف أن صاحبة المنزل الآن توجد بالسوق الكبير؛ حيث لديها مكان للشواء ~~مشهور ولا تعود إلا بعد المغرب، وكان بإمكانه أن يسر بهذه المعلومة الدافئة وأن ~~يفرح بها أيضا صديقاه إلا أن علمهم بأن السيدة توجد الآن بالمنزل وأنها ستأتي بعد ~~قليل وستجد الردفاء، وستغضب! # قال لها هامسا - في الحق كانت تخنقه عبرة مرة وهو يقول للردفاء: إنها بالمنزل ~~الآن، وكانت هنا قبل قليل وستعود الآن بالغداء! # فنهضت الصبية الردفاء مذعورة وأرادت الانصراف في ذات اللحظة التي سمع فيها ~~الجميع وقع أقدام سيدة المنزل، وهي تترنم بأغنية شائعة في سعادة بالغة ومتعة دافقة، ~~كنا نبحلق في جنون نحو باب الحجرة، نحو بعضنا البعض، نحو الصبية الردفاء والتي لولا ~~الخطر الحادق والرعب الذي نتوقع مواجهته بعد لحظات لضحكنا عليها، لضحكنا حتى الموت، ~~ولكن لا بأس سيضحكون كثيرا إذا خرجوا من هذه المعركة سالمين، وسيحكون لأمل وزوجها ~~السمين، والذي سيضحك إلى أن تنفجر كرشه الكبيرة مصدرة دويا مرعبا، وسيحكون لآمنه ~~وستضحك هي الأخرى إلى أن يحمر خدها، وسيحكون لعبد الله ومحمد وتأبان وكوة تيه، ~~فقط لو خرجوا أحياء من هذا المأزق، سيستأنسون بذكراه وهم يعانقون الجوع والعطالة ~~والهرب على شاطئ النيل أو عند أم بخوت بائعة الشاي. # كانت الصبية الردفاء تحاول الاختباء تحت العنقريب العجوز الصغير، ولكن ردفيها ... ~~فحاولت القفز عبر النافذة الصغيرة المواجهة للحائط الخلفي؛ حيث يصبح بالإمكان الهرب ~~بسلام، ولكن ردفيها ... وعندما عجزت عن أي فعل منقذ غطت وجهها بكفتيها وأغمضت ~~عينيها بشدة وأخذت ترتجف كما لو أنها صعقت بتيار كهربائي منتظرة مصيرها المحتوم، ~~وذلك المصير المشئوم، والذي استطاعت الهرب منه ليلة البارحة بأعجوبة الأعاجيب، كانت ~~الأغنية الجميلة توافي مسامعنا مرعبة كأنها عواء الذئاب، وكلما اقتربت من باب ~~الحجرة وأصبحت أكثر ms38 وضوحا كلما كانت أكثر رعبا، فصاحت: بأن يأتي من يساعدها على ~~حمل الطعام ، أين أنت؟ # ولكن لم يحرك أحد ساكنا لقد شل تفكيرهم جميعا فدخلت الحجرة ووضعت حملها على ~~المنضدة ودون أن تنتبه إلى الردفاء قالت وبصوتها نغمة ملائكية حلوة: فليذهب أحدكم ~~لإحضار الماء البارد من ... # فجأة توقفت عن الحديث وهي تبحلق في وجه الردفاء المغطى بكفيها، قالت بهدوء ~~مشحون بالتوتر والشيطانية الباردة: أهلا، أهلا تفضلي، أنت دائما هنا، البيت ~~بيتكم، ارقدي على العنقريب واخلعي ملابسك، لا تخافي مني، فأنا ذاهبة سأتركك مع ~~الثلاثة جميعهم أيتها الداعرة الإبليسية بنت الشوارع، لماذا تنظرون إلي هكذا؟ لن ~~أفعل لها شيئا، سأكون معها هادئة، اذهبوا أنتم لإحضار الماء واتركونا أنا وهي ~~وحدنا بهذه الحجرة، لن أهشم عظامها، لن أحطم رأسها ولن أمزق أردافها الكبيرة التي ~~تشبه الأخراج، اخرجوا، وأنت ... أنت ... هل تحبها أيها الفأر الأكول؟ إذا اتركوه لي، ~~اخرجوا جميعا حتى أنت أيتها السمينة اخرجوا، اتركوه لي وحدي فأنا هادئة، وسأظل ~~هادئة، لم تنظرون؟ هل أنا مجنونة؟ إن صمتكم هذا يثير أعصابي. # ثم أخذت ترتجف بصورة مثيرة للشفقة حينما خرجنا وتركناه بالداخل، أما الردفاء فمنذ ~~أن سمحت لها صاحبة المنزل بالخروج انطلقت كالسهم وتلاشت في خبايا الأمكنة. بقي ~~مايكل أكول وبابكر المسكين خارج الحجرة قرب الباب بعيدين عن ناظر صاحبة المنزل، ~~والتي يبدو أنها في طريقها لكي تستغضب، أو أنها استغضبت بالفعل، كانا على أهبة ~~لإنقاذ صديقهما ولو بمناداة الجيران أو الشرطة، كانا قلقين كفأرين على كف قط: سيدتي ~~الجميلة المرعبة، أي نسمة شيطانية ستعصف بنا؟ أي إعصار لذيذ؟! # ولكن بعد لحظات قلائل من وقوفهما خارج الحجرة سمعا ... نعم، سمعا صوتا نسائيا ~~ناعما رقيقا يبكي، يبكي في بؤس مثير للشفقة. # فقال مايكل أكول لبابكر المسكين والذي جحظت عيناه دهشة وانفعالا وأسئلة عصية: ~~إذن فلنعد لداخل الحجرة، فلنلتهم الغداء قبل أن يبرد، فأنا لا أحب الطعام البارد! ~~فرد بابكر المسكين وبين فكيه ابتسامة خبيثة: حسنا، وأنا كذلك! فأنت تعرف عني ذلك ~~جيدا! # | محاربة قديمة ms39 تحسم المعركة وحدها # سألت الطفلة أمها قائلة: هل سيطلقون الرصاص مرة أخرى؟ # قالت الأم: لا ... ~~- ولكنك قلت لي إنهم سكارى يا أمي. # قالت الأم: إن الخمرة ذاتها التي جعلتهم يطلقون الرصاص هي نفسها التي ستنيمهم فيكفون ~~عن إطلاق الرصاص. # ولو أن الطفلة لم تقنع برد والدتها إلا أنها نامت، وظلت الأم مستيقظة، تتوقع بين الحين ~~والآخر أن يطلق أحد الجنود السكارى النار عشوائيا فتصيب طفلتها النائمة أو تصيبها ~~هي. # لا أحد يستطيع أن يمنع الجنود السكارى من إطلاق النار طالما لا أحد يستطيع أن يمنعهم ~~تناول الخمر، حتى السلطات نفسها لا تفعل شيئا. # يؤكد زوجها: إذا غضب الجندي المسلح وهو سكران قتل نديمه أو صاحبة المنزل، وكلاهما ~~خارجان عن القانون، وقد يصيبك أنت وانتصار، وموتكما أو إصابتكما بأذى لا تؤثر على أحد ~~له سلطة أو تخل بالأمن القومي. وكالعادة كان يسخر من نفسه ومن زوجته وابنته الوحيدة، ~~كان بعيدا جدا في هذه الليلة في مأمورية للعاصمة؛ حيث يعمل سائقا بإحدى الشركات ~~الخاصة. سوف يطلقون النار مرة أخرى، هي متأكدة من ذلك، في الغد سأرحل عن هذا المكان إلى ~~حيث يقيم والدي، وعندما يأتي صابر من مأموريته سأقول له بالحرف الواحد: يا أنا ... يا هذا ~~المكان اللعين. # وكرر الطارق الطرق، بحركة لا إرادية أطفأت النور الرئيسي أبقت على سراج صغير، ضمت ~~ابنتها إلى صدرها، أغمضت عينيها ولكن أذنها كانت تتصيد الأصوات في الخارج، زوجها لا يطرق ~~الباب؛ لديه مفتاحه الخاص ولا تعرف هي أحدا يزورهم ليلا، يصر الطارق على الطرق، تغمض ~~عينيها أكثر، أكثر، أكثر، غدا سترحل عن هذا المكان اللعين، يزداد الطرق على باب الشارع، ~~تستيقظ الطفلة. # لماذا لم تنامي إلى الآن يا أمي، هل سيطلقون الرصاص مرة أخرى؟ # يسمون أنفسهم «البوم» لأن الناس يتشاءمون بصوتهم، ولأن المواطنين يعتقدون أن من دخل ~~البوم بيته لا بد أن يخرج من البيت أحدهم ميتا، ومن رأى البوم نهارا لا بد أن ~~يفقد نظره، ومن رآه ليلا لا بد أن يفقد ذكورته، وإذا ms40 كانت امرأة لا بد أنها ستعقر، ~~ويسميهم أبي: «شياطين الليل»، وأمي تسميهم الجماعة ، أما السلطة تسميهم: «الجنود الأشاوس ~~الذين يحاربون قوى البغي والكفر والعدوان»، كانت البنت الصغيرة تموت من النعاس، فهي ~~تسميهم: «ناس الحرب.» # يزداد الطرق أكثر، أكثر، تغمض الطفلة عينيها الكبيرتين، تغمض الأم عينيها ~~الكبيرتين. ~~- قد يكون أبي؟ ~~- أبوك عنده مفتاح. ~~- قد يكون خالي آتيا من السفر؟ ~~- خالك لا يأتي هذه الأيام. ~~- إذا دعيني يا أمي أهاجمهم، إنهم الأعداء. ~~- نامي يابنتي، الباب مغلق جيدا ولا أحد يستطيع الدخول، ولسنا في حاجة لمهاجمة أحد، ~~وضعت البنت الصغيرة يدها المبتورة على فمها، انتصار تحب اللعب مع ابن الجيران مصطفي، ~~مصطفي يحب أن يلعب جيش جيش، هي تلعب جيش جيش، واشتركا معا في الهجوم الكبير ضد ثوار ~~الخور، هي المعركة ذاتها التي فقدت فيها يدها اليمني وأودت بحياة صالح وصديق، وفقدت فيها ~~البطلة أسماء عينها، كان ذلك قبل عام بالتمام والكمال. # لست سكران، لست لصا، قالت الطفلة: هل هو عدو يا أمي؟ ~~- نامي، نامي. ~~- هل تطفئين السراج يا أمي؟ ~~- دعيها، لا تشغلي نفسك بشيء، نامي فعليك أن تستيقظي غدا مبكرة للذهاب إلى ~~المدرسة. ~~- هل يحملون قنابل أيضا، مثل التي وجدناها في الخور الكبير؟ ~~- إنهم سكارى، ولا يحملون شيئا سوى بعض الأسلحة الخفيفة! ~~- إذا كان مصطفي صاحيا فإنه لن يتركهم يفعلون ما يفعلونه الآن، ابتسمت أمها في غيظ، ~~ذكرى بتر اليد ذكرى مؤلمة، لا أحد يستطيع أن يفعل شيئا من أجل الأطفال، الأسلحة في كل ~~مكان؛ في النهر، الخور، المزارع المجاورة، في الغابة، تحت جدران المنازل: قنابل، ألغام، ~~قرنوف، ذخائر ... # يبدو أن بعض الجيران قد تجمعوا حول الطارق وبدءوا يستجوبونه، كثير من الجيران، ثم أخذ ~~الجيران أنفسهم يطرقون الباب، باستطاعتها أن تسمع صوت الخالة نفيسة تقول: ما حدث لآمنة ~~وابنتها؟ ~~- إنه صوت الخالة نفيسة، هل انضمت إلى الأعداء كذلك؟ ~~- لن ينفتح الباب لأي كان. # وعندما عاودوا إطلاق الرصاص، بكثافة هذه المرة، ربما استخدم سلاح ثقيل أيضا، صمت ~~الطارقون، ربما انبطحوا على الأرض محتمين ms41 بسواتر طبيعية في تلك الليلة المقمرة، إلا أنه ~~لا أحد بإمكانه رؤيتهم، كانوا يشربون الخمر في مكان ما قريب جدا، إنهم لا يبالون بشيء ~~ولا يحترمون أحدا ولا يخافون من أحد، يسمون أنفسهم «البوم.» # أعرف أن أمي خائفة من الموت؛ لأنها لم تدخل معارك بعد، لم تشترك في الهجوم الكبير على ~~ثوار الخور، لم تتدرب على يد مصطفي، تكتفي بأن تغمض عينيها، أطلقوا الرصاص مرة أخرى؛ ~~طلقات متباعدة، ذهبت ابنتي إلى المرحاض، وهو عبارة عن بناية صغيرة غير مسقوفة تقع في ~~الجهة الخلفية للمنزل، جهة آمنة تلاصق حائط الجيران، ذهبت خلفها؛ لأنها عندما تفرغ من ~~قضاء حاجتها تحتاج إلي لكي أساعدها في تنظيف نفسها؛ حيث إن يدها واحدة، لكنها لم تخرج ~~من المرحاض، تأخرت كثيرا، في اللحظة التي ناديتها سمعت صوتها يأتيني من باب الشارع ~~صارخة. ~~- يجب ألا يتحرك أحد، وإلا أطلقت الرصاص. # خشم القربة # 1 / 4 / 2000م # | ضلالات # (1) فراش # تقلبت قليلا في فراشها الرطب قبل أن تنهض وتضع ثوبها على أطفالها الثلاثة، ~~فالبطانية العسكرية القديمة المزيقة فقدت دفئها على مر الأعوام، بطانية الصوف ~~الخضراء، ابنتها الوحيدة آمنة ستبلغ السابعة عشرة بعد شهور قليلة، ولكنها تعاني من ~~التبول الليلي على الفراش، على الأقل مرة في الأسبوع والذي أصيبت به منذ اليوم الذي ~~تلقت فيه خبر مقتل والدها في كبويتا الصيف الماضي على يد الثوار. ~~(2) مشهد # آمنة «ترقد على عنقريب مفروش ببرش أحمر، تحت العنقريب توجد جوالات خيش فارغة ~~مفترشة على الأرض لتمتص ما قد يتساقط من بول عبر البرش»، زهرة تربت على قدم ابنتها ~~المتغطية بملاءة «مالك؟!» ترفع الغطاء يظهر وجهها المحكوك بكيمياء الكريمات الرخيصة ~~شاحبا. # زهرة ~~: # يا بت ما ماشة المدرسة ولا شنو؟ ~~(تنهض آمنة في تثاقل ترمي بالملاءة بعيدا عن جسدها، أتشمم ~~المكان علها بالت عليه أم لا، عندما لا تجد أثرا للتبول تنهض واقفة، ~~تستعدل قميص نومها، ترتدي سفنجتها، تجمع جوالات وتخرج بها من القطية، تذهب نحو ~~الحمام تجرجر جسدها الثقيل وأردافها الكبيرة.) ~~(أبو ذر ومعاوية يصطفون ms42 خلف القطية يتبولون في نعاس ~~ولذة.) ~~(3) مشهد ~~(خارج القطية يجلس الأطفال الثلاثة على عنقريب قديم يحتسون الشاي، آمنة تسرح شعرها ~~وهي تترنم بأغنية غير واضحة الكلمات واللحن، وفي وجهها طلاء أبيض، زهرة تأتي من ~~راكوبة المطبخ، تقف أمام أطفالها، تصرخ.) # زهرة ~~: ~~... من بكرة الفطور في البيت. # آمنة ~~(تلوي شفتيها في امتعاض) ~~: ~~... كل يوم فلم جديد. # أبو ذر ~~: # أنا ما عايز فطور في البيت ... عايز أفطر في المدرسة. # معاوية ~~: # نيجي من المدرسة لحدي البيت في الحي الجنوبي، وتاني نرجع المدرسة حنلقى ~~الجرس دقا والأستاذ حيدقنا ... ولكن ما في مشكلة ... أنا حاجي أفطر في البيت ~~يا أمي بأي شيء. # زهرة ~~: # إخوانك ديل ما عارفين حاجة ... ببكوا وما عارفين الميت منو ... ~~(بصوت عال) # القروش كملت ... آخر ألفين ~~حأعمل ليكم بيهم الغداء الليلة ... بكرة وبعد بكرة وبعده حتاكلوا لقمة بزيت ~~لمن تكملوا شوال الدقيق وشوية الزيت الجابوهم الجماعة ديل، وبعد داك ~~حتموتوا من الجوع أو تاكلوني أنا ذاتي ... ~~(تأخذ ~~وعاء قربها وترميه على الأرض بشدة في حركة غير ~~متوقعة) ~~. # آمنة ~~(متجاهلة انفعال أمها) ~~: # أنا ذاتي المدرسة ما نافعة معاي ~~(تنتهي من ~~تمشيط ضفيرة بحركة قلقة سريعة) ~~... أنا عايزة أبيع شاي في ~~السوق الكبير أو الموقف أو كبري ستة أو حتى في سوق النوبة ... زي البنات ... ~~آها ... كلمتك يا أمي، على الأقل أساعدك في رسوم المدرسة وأشتري ريحة كزيسة ~~وكريمات وأشوف الدنيا دي فيها شنو ... أنا كرهت الفقر والجوع. # معاوية ~~: # أنا عايز أشتغل في كارو ... ألم قروش الفطور والرسوم، بعد داك أرجع ~~المدرسة أجمد سنة وأقرا سنة لحد ما أكمل المدرسة وأتخرج. # أبو ذر ~~: # أنا عايز أشتغل عسكري في الجيش بس ... # زهرة ~~(مغتاظة) ~~: # عشان تموت زي أبوك وتريحنا. # أبو ذر ~~: # عشان أجيب قرنيت وأقتل بيهو آمنة (ال ...) دي. ~~(يأخذ من وراء ظهره قرنيت يفك التيلة ويقذفه باتجاه آمنة ~~بحركة عسكرية رشيقة.) # آمنة ~~(تنهض وتهرب بعيدا، يسقط القرانيت قرب رجلها وينفجر مبعثرا ~~قطع الطين والزبالة والحصى التي يتكون منها في الساحات شاسعة) ~~: # يا وسخ ... دا شنو؟ ms43 # أبو ذر ~~: # عشان تاني ما تباري الرجال ... حاكتلك. # آمنة ~~: # أنا؟ # أبو ذر ~~: # أيوا، إنتي، الأولاد كلهم قاعدين يقولوا كدا. # آمنة ~~: # أنا ... يا وسخ ... أنا قاعدة أباري الرجال؟ ~~(يصمت الجميع، يرتدون ملابسهم، يخرجون إلى المدرسة تبقى ~~الأم وحدها.) ~~(4) ضلالات مشهد # تعرف الأم كل شيء عن البنت، ضلالاتها الصغيرة والكبيرة، مراقدها ومقاماتها كل ~~عشاقها الكثيرين، ويعرف الأطفال، وتعرف هي أنهم يعرفون، والأم تعزي انحراف ابنتها ~~إلى سببين: غياب إسماعيل والفقر، كان سيكمل عامه السادس بالجنوب، وبذلك تتاح له ~~العودة إلى خشم القربة، في الحقيقة لم تكن علاقتها بزوجها بتلك القوة التي دائما ~~ما يقتضيها الزواج، ولكن كانت ظروف معايشة وتربية أطفال لا أكثر، ولو أن إسماعيل ما ~~كان عنيفا غليظ القلب فظا مثل كثير من أزواج صديقاتها، ولكن كان الشهيد كسولا ~~غير مبال وبخيلا، لا يخرج الألف من كفه إلا بعد لأي ومجاهدة، ولكنه فوق ذلك كان ~~يحب أطفاله ويشتري لهم رءوس النيفة في كل نهاية ومنتصف الشهر طوال فترة تواجده بخشم ~~القربة. # نعم، إنه يشرب البغو والعرقي، مثله مثل أزواج صديقاتها ليبدو رجلا فحلا ~~ومتكاملا، لكنه لا يضربها مثلهم ولسانه عفيف، لكن أكثر ما تعيبه في الشهيد - رحمة ~~الله عليه - مغامراته النسائية، ولا تزال أصداء فضيحته مع ابنة مبشر كاجيلا جمعة ~~تملأ الحلة طنينا، رغم ذلك حزنت لموته حزنا حقيقيا، وربما كان باطنه الخوف على ~~مستقبل الأطفال. زهرة لا تفهم كثيرا في الدين، هي مسلمة حقيقية، تصلي وتصوم رمضان، ~~ولو أنها لا تحفظ من القرآن سوى سورة # الحمد لله رب ~~العالمين # وسورة # قل هو الله أحد ~~* الله الصمد # ودعاء «الزكيات الصالحات»، ~~حفظتهم من أطفالها عندما كانوا يستذكرون دروسهم بصوت عال. # ظاهرها الديني هذا يضعها في الحي الذي تسكن فيه ضمن النساء المتدينات، إلا أنها ~~ترفض فكرة أن يزف إسماعيل كوكو مرفعين إلى حورية في الجنة تاركا لها أولاده وبنته ~~الملعونة لتربيتهم وحدها، وهو لم يترك لها قرشا واحدا. # ها هو الاحتفال يجري الآن أمامها، وفي حوش بيتها تحجب سحابات غباره الرؤية، ms44 ويكح ~~لها الصغار والحملان والكتاكيت، وينطط فيه العسكريون وكبار الضباط وبعض اللحى ~~المدنية وغيرهم من الغرباء يعرضون ويبشرون لها، مشهد لن تنساه ويتكرر يوميا في ~~صحوها ومنامها، عندما ذهبوا، ذهبوا إجمالي ما تركوه كان كما يلي: # 50 كيلو دقيق أسترالي، جوال بلح باعته في حينه للنساء اللائي يصنعن ~~العرقي في الجوار. # 1 جركانة زيت سمسم، سعة خمسين رطلا. # 10 أرطال من البن الحبشي، وكرتونة لبن بدرة ماركة الكفين ~~المتصافحين، وكثير من الأغبرة وأثر العربات وبعض أطفال الحي ~~بملابسهم الممزقة وسراويلهم المتسخة يفتشون في الأرض العملات ~~المعدنية، التي قد تسقط من جيوب جلابيب الراقصين الكبيرة، وتركوا ~~صدى إيقاع وصوت فنان خليع يتلاشى تدريجيا في أزقة وقطاطي ورواكيب ~~كمبو كديس، ثم يموت للأبد بين أشواك المسكيت، ولكن يظل الأطفال ~~يرددون أغنياته لأعوام طويلة. # لما تأكد سكان كمبو كديس من ذهاب الغرباء وتلاشت أغبرة عرباتهم الكثيرة، وصمتت ~~مكروفوناتهم وخرس مغنيهم، جاءوا أفرادا وجماعات يعزون في وفاة صديقهم الوفي ابن ~~كمبو كديس البار إسماعيل كوكو مرفعين، وفي ذهن كل واحدة وواحد منهم آخر ذكريات تخصه ~~مع إسماعيل كوكو مرفعين، وكل واحدة وواحد منهم كان يتحدث لمن يصادفه عن آخر مرة رأى ~~فيها المرحوم ... آخر ونسة ... آخر كأس، آخر سوق، آخر حفلة وآخر كرنق، حليمة بنت ~~الكرنقو سوف لا تغفر لنفسها أن خذلته مرتين، لكن مبشر جمعة وحده الذي يعرف أن ~~إسماعيل كوكو مرفعين لم يقتل عرضا، ولكن قتل عمدا وهو الذي قتله، لقد ربطه بحبل ~~بندا عند معراقي من الامبرورو يوم الجمعة الماضي، وها هي جمعته الثانية والتي ما ~~كان عليه أن يحيا بعدها بأية حال من الأحوال ... إسماعيل خاين ... كسر بتي كاجيلا ونكر ~~وأبى يدفع كسر الباب ... وحذرته ... حذرته ... حذرته ... وجبت ليهو الجودية فوق ~~الجودية ... وهو عارف أنا ما حاخليهو ساكت ... حاقتلو. # كان مبشر جمعة أكثر الناس بكاء وأسفا على وفاة إسماعيل، كاجيلا تحمل إسماعيل ~~الخطأ في كل شيء هو كسرني مرتين ... أنا سامحته في المرة الأولى وداني الداية عدلتني ~~... وقلت ليه إسماعيل ms45 أختاني عليك الله ... ولكنه تاني كسرني قمت كلمت أبوي. # سمع كل سكان الأحياء المجاورة لكمبو كديس صراخ النساء صديقات أسرة إسماعيل كوكو؛ ~~بل سمع الصراخ بوضوح تام في قشلاق الحجر وكمبو كريجة والإدارة المركزية ~~والمستشفي. # زهرة كانت صامتة تعقد يديها خلف ظهرها وتمشي بين المعزين، تنظر إليهم في استغراب، ~~الحاصل شنو؟ قبل شوية مش كنتو بترقصوا وتعرضوا وتغنوا هنا ... ليه هسع بتبكوا ~~وتصرخوا، الحاصل شنو؟! وفاقت زهرة عندما صفعها أبكر جني الملايكة البلالاوي على ~~خدها الأيمن ثم بكفه الأخرى على خدها الأيسر، وعندما فهمت من رقص ومن ... ومن ~~مات. ~~(5) مشهد # أبو ذر ~~(يرمي شنطة المدرسة المصنوعة من كاكي الجيش على بنبر ~~خارج القطية في طريقه إلى داخل القطية، يرفس القطة التي تتسول بقايا طعام ~~على الأرض، يدخل القطية، ينظر إلى أمه الراقدة على العنقريب يسأل) ~~: # الغداء الليلة شنو؟ أنا جعان ... ~~(بينما لا أحد يجيبه يسمع صوت معاوية يدندن بأغنية، يقترب ~~من القطية، يرمي شنطته على البنبر ويدخل القطية، يسمع صوت آمنة من بعيد تغني ~~أغنية هابطة، تقترب من البنبر، ترقص في انتشاء، تهز كتفيها طربا، تلقي ~~بشنطتها على البنبر، تدخل القطية، ترمي بجسدها الصغير على العنقريب.) # آمنة ~~: # هييه ازيكم؟ # زهرة ~~(ممتعضة وهي تنظر إليها من ركن قصي من عينها) ~~: # أهلا. # آمنة ~~(ترمي بطرحتها على العنقريب الذي يخصها، تخلع قميص ~~المدرسة دفعة واحدة وترمي به هو أيضا على العنقريب، ترفع ذراعها اليسرى ~~إلى أعلي تتشمم رائحة إبطها) ~~: # هه هه. # زهرة ~~(تلوي شفتيها، وتعرف أن رائحة جسد ابنتها أصبحت ومنذ ~~فترة رائحة امرأة، وتعرف أن رائحة المرأة ربنا خلقها لكي تجذب الرجال ~~ورائحة بنتها غير عادية، إنها أكثر كثافة وقوة من رائحة كل النساء اللائي ~~عرفتهن ... وتعرف أن زهرة تعرف، وتريد أن تبقى رائحة جسدها كما هي؛ لذا ~~رفضت العطر الرخيص الذي اشترته لها أمها من السوق بما اقتطعته من خبز ~~البيت) ~~: # مش أحسن تستعملي الريحة بدل من ريحة إبطك العفنة دي ... الريحة ليها شهر ~~قاعدة في الدولاب. # آمنة ~~(ترقد على العنقريب ms46 بقميص النوم محاولة وضع رأسها ما ~~بين البرش والمخدة) ~~: # دي ريحة ميتين يا أمي ... أنا ما بستعملها. # أبو ذر ~~: # مش أحسن من ريحة البول والصناج! # آمنة ~~(تنهض من رقدتها وتجلس على العنقريب فجأة في وضع ~~هجومي) ~~: # لو ما ولدك الوسخ ده ... أما حاكون ليكي ... أخير يختاني ... أنت عايز مني ~~شنو؟ عامل قدومك الطويل ده. # أبو ذر ~~(يضحك، يخرج من القطية يمشي نحو المطبخ، يعبث بالأواني ~~وطبق الكسرة، فجأة ينادي بأعلى صوته) ~~: # تعالوا شوفوا في شنو في المطبخ ... اجروا تعالوا شوفوا البرميل في ~~النار. # معاوية ~~(معاوية وآمنة يجريان نحو المطبخ، يعود معاوية بسرعة ~~إلى أمه يسألها في حزن) ~~: # ده شنو يا أمي؟ # زهرة ~~(تبقى في مكانها تحملق نحو باب القطية) ~~: ~~... كعكة ... كعكة كبيرة سويتها للملايكة. # آمنة ~~: # سجمي ... أمي جنت # تجري نحو أمها والتي لا تبرح ~~مكانها مبتسمة في بلاهة، تحتضنها وتبكي بحرقة ~~. # أبو ذر ~~(يجري خارج المنزل وهو يصرخ في هستيريا) ~~: # أمي ... أمي ... أمي. ~~(6) الملائكة # الجيران والباعة بسوق النوبة وزبائنهم الكثيرون، الأطفال العائدون من المدارس، ~~المتسكعون بالشوارع، جزارو سوق النوبة، أصحاب الكواري، كمال زكريا، السكارى ~~الذين كانوا بالكنابي المجاورة، وكمبو كديس، الصادق حسين باباكر في صحبته عشرون من ~~عمال الكمائن، علي رمرم، غادة الجميلة، كلبان، الأطفال والشباب الذين يلعبون الكرة ~~في الخور الكبيرة، امتلأ الحوش الصغير بهم، أولا أطفئوا النار من تحت البرميل ~~الكبير، تولى جبرين الجزار وحمدو العسكري وزكريا وحاج عثمان إلقاء البرميل على ~~الأرض ودفق محتوياته. # ثم هم المحسنون بتحرير الأشياء من العجينة الضخمة: أحذية الأطفال، البطانية ~~القديمة العجوز، الملاءات الآنية الصيني والتي اشترتها بعرق دمها من سنوات مضت، ~~حبال جوال السكر البلاستيكية، الملابس الداخلية، الكبابي، شظايا زجاج دولاب العفش ~~القديم والذي كانت دائما ما تفتخر به، كراسات المدارس القديمة، ما تبقى من معاش ~~إسماعيل ألفان من الجنيهات وجدا معا وسط الكعكة العظيمة، جرادل المياه، آنية ~~رمضان ومسبحتها، صابون الغسيل، عطر آمنة الذي رفضته، توب الجيران، قفة الكجور، ~~وطواطم الأسبار. # كانت كعكة، لم ير أحد أكبر منها في حياته، ms47 تعوم في زيت السمسم ويفوح منها عطر ~~السيد علي بطعم السكر وما تبقي من ملح وكول ولبن بدرة ماركة الكفين ~~المتصافحين. # بينما كان الناس مشغولين بتفكيك الكعكة ... طفلاها وابنتها يصرخون، كانت هي ساكنة ~~وعلى شفتيها ابتسامة رضا عظيمة بلهاء وهي ترقب الملائكة يلتهمون كعكتها الطازجة ~~احتفاء بعرس الشهيدة: التي كانت هي نفسها. # | أسنان لا تغني # تعادلنا ثلاث مرات على طاولة التنس، هي سريعة الحركة، لها طاقة لا تحد، ماهرة ~~كالشيطان، ذات حرفية مدهشة في تحويل كل كرات الرد إلى كرات زوايا بعيدة، يصعب التعامل ~~معها، وعندما انتهت اللعبة، مسحت العرق عن وجهها ببطن كفها، أطلقت شعرها الأشقر على ~~ظهرها وكتفيها، ثم استدارت استدارة سريعة لتقف قربي، مادة إلي كفا بيضاء معروقة، ~~تبدو الدماء الساخنة القرمزية منفعلة تحت بشرتها الناعمة الندية بفعل العرق. # استطاعت أن تتعادل معي! # قلت لها وأنا أقبض على كفها البيضاء الناعمة، بكف سوداء قوية بها جفاف متوارث من ~~جدود عديدين: طالما كنت ألعب مع الشيطان، فكيف أكسب؟! # ضحكت إلى أن احمر وجهها الشاحب، ثم هزت رأسها مثل مهرة تحتفي بجموح يخصها استشعرته ~~فجأة، قالت: دعنا نتمشى قليلا على الجسر. # عندما خرجت من حجرة الملابس رأيتها تقف على الجانب الآخر من الطريق، تلبس كالعادة ~~بنطلون الجينز المحزق اللاصق على فخذيها وكأنه جزء منها، قالت إنها تستمتع برياضة ~~المشي وخاصة عبر الجسر، ثم سردت لي تاريخ بناة الجسر، بينما كنا نهرول عبره. ثم فجأة ~~سألتني: يقولون إنك من السودان! ~~- نعم. ~~- يعني ذلك أنك عربي. ~~- في الحقيقة أنا سوداني، ومسألة عربي وغير عربي عندنا في السودان مسألة شائكة وتحتاج ~~إلى تنظير لا أطيقه. قالت - في إلحاح: لا ينتمي السودان للجامعة العربية؟! # قلت متضايقا: نعم. ~~- وهو أيضا ضمن الدول الإسلامية. # أنا عادة لا أحب الخوض في مثل هذا الحوار مع غير السودانيين؛ لأن ثقافاتهم ضحلة فيما ~~يخص السودان ومرجعياتهم - إن وجدت - غير دقيقة، ولكن يبدو أن المرأة تعرف شيئا. قلت: ~~السودان دولة عربية إسلامية كما هو معلن، ولم يستشر أحد في ms48 ذلك، المهم، المواطنون، ~~فيهم العربي وفيهم المسلم، وفيهم غير العربي وغير المسلم. ~~- ماذا عن نفسك أنت؟ ~~- أنا، لست عربيا ، ولكنني لست شيئا آخر غير عربي، ولست مسلما، ولكنني لست شيئا آخر ~~غير مسلم، والأمر برمته لا يعني لدي الكثير، فدائما ما أكتفي بأنني سوداني ~~وحسب. # ضحكت، ربتت على كتفي، أشارت نحو الأفق، أبراج وطائرات، قطارات، سيارات، دخان عوادم، ~~ضباب، نجوم، بشر، ألعاب نارية، وطاويط، كباري طائرة، قالت: نحن هنا أيضا أمريكيون ~~فقط. # سكتت قليلا، قالت: انظر ... هنالك ... نحو برج # Leadsman # العملاق، هنالك يوجد ناد ليلي ... غنيت فيه قرابة العامين. ~~- هل أنت مغنية؟ ~~- الآن لا، ولكنني كنت مغنية، كنت أشهر مغنية في هذا النادي؛ بل كنت معروفة في أمريكا ~~كلها، وغنيت خارج أمريكا أيضا. ~~- لماذا تركت الغناء؟ # بدت متأثرة وهي تقول: حدث لي حادث وبعده أصبح من المستحيل أن أغني. # حملقت في وجهها، في هيئتها، علني أجد أثرا لهذا الحادث، لكن بدت كاملة متكاملة، لم ~~تبد على وجهها أية آثار لعملية جراحية، المهم، بيني وبين نفسي عرفت أن الحادث كان ~~عاطفيا، نفسيا أو جنائيا، من الأحسن ألا أثير مثل هذه الشجون، وقررت تجنب الخوض ~~في الموضوع، كما أن اهتمامي بالغناء وخاصة غير السوداني ضعيف، قالت: أنا أجيد صنع ~~القهوة. # فوافقت، ولو أنني ما كنت أظن أن المشوار سينتهي بشقتها، لكن لا بأس، هؤلاء الناس لا ~~يزعجون أنفسهم في محاولة التفرقة ما بين حياتهم الخاصة والعامة، اتصلت بإحدى شركات ~~التاكسي، في سبع دقائق كنا نمر بسرعة مائتي ميل في الساعة عبر شوارع نيويورك، بعد ~~عشرين دقيقة أخرى كنا في فيلتها الرائعة، يا إلهي! المكان لا يوصف، لاحظت أنني مندهش، ~~قالت: بيت الأمريكي هو جنته. ~~- أنت دائما تتحدثين معي كأمريكية. ~~- أنا لا أقصد شيئا سوى العموميات، فأنا أحب أمريكا، لكنني لا أفضلها على كل بلدان ~~العالم، الرجاء أن تفهم ذلك. ~~- ماذا تقصدين بكلمة عموميات؟ ~~- إنها لا تعني شيئا غير عموميات فحسب، ثم ابتسمت. # كانت داني جميلة ولبقة ومباشرة، لها عينان عميقتان تشعان رغبة ms49 وغموضا وغنجا، جلست ~~على كنبة مريحة، أشعل كل واحد منا سيجارة، من جهاز الكمبيوتر الشخصي انطلقت موسيقى جاز ~~كلاسيكية صاخبة ، قالت: إنه لويس آرمسترونغ. تركتني في محاولة التكيف مع المكان ~~وآرمسترونغ وعطر # My Home ~~، أحضرت لنا القهوة، جلست قربي، ~~قالت: هل تسمح؟ # وقبل أن أقول شيئا، أخذت تمشط شعري بأظافرها الشاحبة غير المطلية، شعر رأسي الخشن ~~المنكمش على نفسه في دوائر شبيهة بمنظومة من السلك، كنت في حاجة ماسة لمن يداعب أسلاكي ~~تلك والعبث بها، تماما كما تفعل داني الآن. ~~- شعرك مدهش، ثم أضافت بسرعة: هل أنت متزوج؟ ~~- نعم. ~~- أين زوجتك؟ ~~- في السودان. ~~- هل لديك أطفال؟ ~~- طفلة واحدة اسمها سارة. ~~- كم عمرها الآن؟ # في الحقيقة ما كنت أعرف كم عمرها الآن، عندما جئت إلى أمريكا تركتها تمشي خطواتها ~~الأولى، لا؛ بل كانت تجري وتلعب؛ لأنني أذكر أنها جرت خلفي إلى الباب، نعم، كانت تتكلم، ~~سارة الآن قد تقارب الثامنة عشر، أهذا صحيح؟ أين هما الآن؛ بل أين هم: أمي، سارة، أمل، ~~لقد قفلت هذه النافذة منذ زمن بعيد، ربما تزوجت أمل، ربما لا تزال في عصمتي، الأمر ~~برمته لا يعني لدي الكثير، فعندما غادرت السودان غادرت كل شيء، ويجب أن أعي حقيقة ~~ذلك، قلت لها: داني؟ ~~- نعم. ~~- أنا لا أحب فتح هذه السيرة. ~~- حسنا، كل إنسان في هذه الحياة لديه غرفة مظلمة مخيفة ممتلئة بالثعابين، لا يحب ~~الولوج إليها ولا يرغب أن يدخلها أحد، أو يطرق بابها، مجرد طارق. # كنت دائما ما أستطيع تمييز أصول الأمريكيات، الإسبانية، الإنجليزية، الآسيوية، ~~الفرنسية، الإيطالية، العربية، الكاريبية أو الزنجية، باللون أو الاسم أو اللكنة أو حتى ~~مجرد مكان الإقامة، داني من أصل أيرلندي، وهي جميلة وبدينة بعض الشيء، كانت تتجلى في ~~حجرة نومها كربة صغيرة من البلور، مدللة، عندما عدت من دورة المياه وجدتها هنالك، جلست ~~قربها، قبلتها، قالت لي وهي تدلك فروة رأسي: أريد أن أستريح. ~~- وماذا يمنع؟ # قالت وهي لا تزال تدلك فروة رأسي، ويبدو أنها أثيرت بصورة أو بأخرى: حرك تلك ms50 ~~المنضدة قريبا من هنا. # جذبت المنضدة ذات العجلات قريبا، كانت الإضاءة خافته ولكن الرؤية واضحة وجيدة، على ~~المنضدة قفازان ناعمان ارتدتهما، عملت أناملها في عينيها، فأخرجت عدستين لاصقتين وضعتهما ~~على صحن صغير أعد لذلك، عملت أناملها في فمها، فانتزعت صفين من أسنانها البيضاء الجميلة ~~والتي كانت تشع مستجيبة لغزل الضوء الخافت، طالما أعجبت بهما في صمت، وضعتهما في صحن أعد ~~لذلك، قالت بفم خال من الأسنان وقد بدا غريبا: أترى؟ إن أسناني مستعارة. # وابتسمت ابتسامة في شكل فراغ كبير مظلم، ولكنها لم تثر اشمئزازي، فالمرأة - كما ~~يقولون: في الظلام جسد ودفء. وأنا بالفعل استجبت لأناملها في فروة رأسي، أكثر من أي شيء ~~آخر. # قالت وهي تميل بكامل جسدها نحوي، حيث ملأ عطرها أنفي تماما: ساعدني في إخراج البنطلون، ~~أرجوك. # وكنت أظن أنني سأقوم بسحبه بالقوة، وقد بدأت في ذلك، إلا أنها أوقفتني قائلة: فقط حرر ~~زرارين في الخلف. # ثم بسهولة سقط البنطلون على فخذيها، ثم جذبته بأناملها الرقيقة الشاحبة وتحررت منه ~~تماما، ولدهشتي عندما وضعت البنطلون جانبا، كان ثقيلا، وعندما انتبهت وجدت داني بغير ~~ساقيها، قالت في برود ورباطة جأش: أترى؟ إن ساقي، هه. # وقبل أن أسأل أو أكمل دهشتي، تحدثت داني: هي حكاية عادية، كنت أغني للجنود الأمريكان ~~شمال العراق جنوب السليمانية في عاصفة الصحراء، طبعا لرفع الروح المعنوية للجنود حتى ~~يتمكنوا من تحرير الكويت وهي بلدة عربية احتلها صدام، كنا وسط أصدقائنا من الأكراد ~~والأتراك وبعض فعاليات المعارضة العراقية، ورغم ذلك كنا حذرين من المفاجآت، ولكن لسوء ~~تقديرنا أن جنديا من المعارضة العراقية، هو الذي نصب لنا لغما أودى بحياة ثلاثة جنود، ~~وفعل بي ما فعل ... هي الحرب! أنا لست غاضبة من أحد، النار لا تفرق بين جندي أو مغنية ~~بوب. # انتزعت قميصها بنفسها، وكنت أنتظر مفاجأة أخرى، ولكن صدرها كان فتيا ونهداها معبآن ~~جيدا، ولا توجد تشوهات في صدرها وبطنها وظهرها، بأناملها المحمومة أخذت تفك زرار ~~ملابسي، وأنا لا أدري فيم أفكر، ولكني كنت أرغب بشدة في ms51 الانفكاك من هذا المكان ومن هذه ~~المرأة الصلدة، التي رغم كل ما رأيت من مآسيها تتعامل وكأنها تضع العالم كله في جيبها ، ~~قلت لها: أريد أن أذهب. # قالت بثقة: سوف لا تذهب، ستبقى معي للغد. # ابتسمت، بدا فمها هوة عميقة غامضة، ثم أخذت تدلك فروة رأسي بأناملها في صمت، وعن طريق ~~نهايات أظافرها الحادة، كانت تمشط شعري الخشن، أستطيع أن أسمع خشيش احتكاك الأظافر ~~بمنابت شعري، عاليا مثل طرق صفيح فارغ. # أكتوبر 2000 # | الأخدود # سألني السائق سؤالا أخيرا: عندك جد في العرديباب؟ # قلت له مؤكدا وبشكل حاسم: نعم، عندي جد واسمه الحاج عندلة. # ثم سألني - وكأنه يريد أن يؤكد شيئا: هل هو موجود حاليا ... في الأيام دي ~~بالذات؟ # لا أدري لماذا يتدخل السائقون الثرثارون فيما لا يعنيهم، أنا ذاهب إلى العرديباب، وعليه ~~أن يكبح فرامل عربته في العرديباب، وينزلني وينطلق في شأنه نحو أعالي النهر عند الحدود ~~الإثيوبية، ما يهمك أنه موجود حاليا أم غير موجود؟ ما شأنك؟ أنا لا أحب التحشر في شيء ~~ولا الآخرين، وبالتالي على كل شخص أن يلزم حدوده. ~~- ما عارف. # قلتها جافة وعدائية وحاسمة كبصقة في وجهه، وبعدما قفزت العربة على خورين معشوشبين ~~مشجورين شجرا كثيفا توقفت قاصدا طريقا للمشاة تعبر الغابة نحو الغرب، قال لي: انزل ~~الشارع ده يوصلك للعرديبات، والله يكون في عونك. # ولو أن «والله يكون في عونك» أغاظتني للغموض الذي يكتنف مدلول ما يريد قوله، إلا أنها ~~كانت ستصبح مفتاح كل شيء إذا كنت قد صبرت عليها بعض الشيء وسألته: تقصد شنو؟ # ولكن كبرياء أولاد المدينة ولابسي «مناطلين الجينز» والتي شيرتات ذات الألوان الباهية ~~يسيطر علي، وحقيبتي على كتفي توهمني بأن بها كل ما أريد ولا أحتاج لأحد؛ حتى إذا لم ~~أجد جدي، أنا أعرف كيف أتصرف، نعم أنا لا أعرف جغرافيا المكان بالقدر المطلوب، ولكنني ~~لست في سيبيريا أو غابات الأمازون، أنا في السودان وفي الشرق نحو الجنوب قليلا، حقيقة ~~أن بهذه المنطقة دارت حروب طاحنة لفترة طويلة من الزمان، ms52 إلا أنها مفتوحة ومعروفة لدى ~~الجميع، ولا يوجد شيء غامض في هذا البلد، ولا أراض لم تطأها قدم إنسان ولا ثعابين تطير ~~ولا ... ولا. لكن يقصد شنو ب «الله يكون في عونك؟» # سلكت طريق المشاة عبر غابة النبق والدوم، وكنت أصادف بين حين وآخر بعض نباتات القنا ~~العملاقة، رأيت قردا صغيرا، رأيت قردين، رأيت أرنبا كبيرا رأيت قطين متوحشين، ورأيت ~~ثعبانا صغيرا، رأيت طائر هدهد كبيرا يحفر الأرض بمنقاره ويصطاد الدود، رأيت قردا ~~كبيرا على شجرة دوم، رأيت فأرين. فهي مشاهدات عادية في مثل هذه الأمكنة، وأنا أيضا ~~مشاهد عادي بالنسبة لها؛ فلم تخف مني الأشياء ولم أخف منها، ولو أنني فزعت عندما ~~رأيت القرد الكبير أمامي فجأة على شجرة الدوم، ثم عندما ابتعدت عنه، عدة خطوات ورماني ~~بدومة، ثم رماني بدومتين ثم استطاع أن يصيب رأسي بدومة تؤام كبيرة الحجم هرولت قليلا، ~~وبعد عدة متعرجات شوكية أصعدني الطريق ربوة عالية، عن طريقها استطعت أن أرى قطاطي ~~القرية والتي تبعد ما لا يقل عن خمسة كيلو مترات. # صعدت على هيكل دبابة قديمة محطمة وأخذت أنظر إلى اتجاهات الدنيا الكثيرة، بدا واضحا ~~لدي أن هذا المكان هو الذي شهد المعركة الحاسمة بين الجيش والمليشيات، وهي المعركة ~~الوحيدة في التاريخ التي انتهت بهزيمة الجيشين في آن واحد، أسماها الجيش: «معركة الفتح ~~المبين» وأسمتها المليشيات: «نصر الله» فالمليشيات كانت تريد أن تسيطر على الكبري الذي ~~يعبر النهر، أو إذا لم تستطع الاحتفاظ به في إدارتها العسكرية عليها تدميره؛ لكي لا ~~يستخدمه الجيش في أغراض عسكرية، والجيش أيضا كان له نفس الهدف: تدمير الكبري أو ~~السيطرة عليه، أما الكبري نفسه فقد بناه سكان القرية الذين يعملون في الصيد غير الشرعي ~~للحيوانات البرية من الغابة المقفولة، والتي تقع في الجزء الشرقي من النهر، بنوه ~~مستخدمين سيقان المهوقنى والتك العملاقة. # وهو كبري عائم يرتفع مع ارتفاع النهر وينخفض مع انخفاض منسوب النهر، مربوطا من نهايات ~~أركانه الأربع بنوع من الحبل الذي لا يمكن أن ينقطع نتيجة ms53 لأي قوة شد، وهو مصنوع من جلد ~~فرس البحر المعالج بالقطران وألياف الرافيا والسعف ولحاء بعض الأشجار الأخرى، مشدود على ~~شجيرات عرديب، ثلاث بالشاطئ الشرقي وأربع بالشاطئ الغربي للنهر، يستطيع هذا الكبري أن ~~يمرر دبابة ضخمة من طراز 55 الروسية ذات البرج العالي المجنزرة والتي تزن خمسين طنا من ~~الحديد الصلب والذخائر والجنود المدججين بالموت والذكريات، أما ناقلات الجنود الأمريكية ~~الرشيقة والتي تخص المليشيات فإنها تنزلق على الكبرى مثل لعب الأطفال. # دعنا من الجيش والحروب، قلت لنفسي، ولو أن ذكرى الجيوش والمعارك تثيرها مشاهدات ~~المقذوفات الفارغة وخوذات العسكر والآليات المحترقة التي ترمى هنا وهناك بين المقابر ~~الجماعية، على أفرع الأشجار، أو مدفونة في الأرض. # بعد مغيب الشمس بقليل كنت عند مطلع القرية، وبدا صوتها واضحا؛ نباح الكلاب، نهيق ~~الحمير، نداء الأمهات لأطفالهن، بين وقت وآخر يعلو صوت رجل راطنا أو مغنيا أو لاعنا ~~أو مجيبا لنداء، تذكرت أن أحد الذين قابلوني في الطريق قال لي: منزل جدك هذا قرب النهر، ~~لكي أذهب إلى النهر لا بد من عبور الحلة كلها، وحل الظلام الآن، تراكمت بعض السحب ~~الداكنة سريعا في شرق السماء، عندما ناديت أهل أول بيت من خلف زريبة شوكهم: يا ناس ~~البيت سلام. # رد علي صوت امرأة شابة: أهلا وسهلا، اتفضل، منو؟ # كان الظلام دامسا، لا أرى ولا أرى ولكن الصوت الحنين الدافئ القادم من الداخل، بلهجته ~~الصعيدية الحميمة، أصابني بالطمأنينة، وربما لما يحمله من أنوثة ملحوظة، وأنا شخص ~~طالما وصفني أصحابي بأنني أميز هذه الأشياء، وقطع سلسال تفكيري صوتها سائلا: ~~منو؟ ~~- أنا ضيف. # وانضم للصوت الأول حمحمة امرأة عجوز ويبدو أنها الأم: اتفضل قدام. # وجاءتا ببطارية لترشداني إلى المدخل، والذي يقع على الجانب المقابل لموقفي، فمشيت نصف ~~الدائرة شمالا إلى أن وجدتهما واقفتين، أجلست على راكوبة صغيرة تفوح من جوانبها رائحة ~~الروب والسمن والشرموط، أيضا السمك المجفف، يبدو أن خلف الراكوبة يوجد حمار أو حماران، ~~فصوت زفير منخر ضخم كان يصلني من هنالك، وشخير عميق يأتي لسمعي من ms54 عمق ظلام القطية، ~~قدمتا لي ماء من زير قريب بارد، سألتني الأم والتي ما زلت لا أستطيع أن أتبين ملامح ~~وجهها: من وين جيت ؟ ~~- من القضارف. ~~- أنت ود منو؟ ~~- أنا ود الحاج عندلة. # وهنا فجأة سمعت صوتا يأتي من داخل ظلامات القطية قويا وحادا. ~~- ده منو الضيف القال هو ولد الحاج عندلة ده؟ تعال لي جوا هنا، تعال جوا هنا. # وتبع ذلك جلبة شيء يصطدم بشيء، وشيء يقع على شيء، شيئان يسقطان على الأرض يصدران رنينا ~~يطول، ثم حشرجة حنجرة يابسة قديمة صدئة ثم شحذ سكين على خشب جاف، وأصوات أخرى. ~~- تعال جوا هنا. # وفي ذات اللحظة التي نهضت فيها للذهاب إلى الداخل، أمسكت الفتاة بيدي وجذبتني إلى خارج ~~الراكوبة، قالت جملة واحدة قوية: اهرب ... اقطع البحر، ولو ما قطعت البحر: حتموت. # ولا أدري كيف قفزت على الشوك الذي ما كنت أراه، ودرت دورتين حول نفسي، كنت خلالهما أبحث ~~عن الاتجاه الذي يجب علي أن أجري نحوه، تجاه النهر، ولكن حينما صاح الصوت مصدرا عواء ~~وكأنه ذئب جائع منذ ألف عام، جريت دون أن أفكر، ثم سمعت عواء مشابها من جهات أخرى، ثم ~~عواء مشابها ثم عواء آخر؛ خمس أصوات ذئبية تنطلق من خمس بقع في الظلام، ثم نبحت كلاب ~~الحلة مذعورة، ثم أخذ ضوء البطاريات ينطلق من هنا وهنالك شارخا الظلام، صراخ نسوة، صياح ~~أطفال صحوا مذعورين على العواء المرعب، صوت أقدام مهرولة؛ بل دوي طلق ناري شاقا ~~الفضاء، مما شل ما تبقى لدي من تفكير، وجدت نفسي الآن على حافة النهر، ويقترب ~~العواء مني أكثر، حيث تجمع - على ما أظن - الخمسة وأصبحوا مجموعة واحدة منطلقة خلفي، لم ~~أفهم شيئا إلى تلك اللحظة، لا أعرف غير أنه يجب علي أن أهرب وأعبر النهر حتى لا أموت، ~~سقطت على مياه النهر مباشرة، وكنت ممسكا بحقيبتي بشكل جيد وتام، وعندما انتبهت لخطأ ~~المغامرة، خرجت من الماء، نزعت نعلي وأودعتهما حقيبتي، كذلك منطلون الجينز والقميص، ~~وأصبحت عاريا إلا من لباس داخلي قصير، ms55 ثم وضعت حقيبتي الصغيرة على ظهري، وحمالتاها ~~تدوران حول إبطي وسبحت، كان ماء النهر باردا وثقيلا، وعندما كنت على الشط الآخر، وصلوا ~~الشط الأول ، أضاءوا نحوي بطارياتهم، ثم صاح واحد منهم بصوت أجش حامض، وكأنه نهيق حمار: ~~هناك حتاكلك كلاب السمع، أخير تعال هنا نأكلك نحنا. # ثم علا ضحكهم ثم رطنوا، ثم ضحكوا مرة أخرى، ثم قال لي آخر مناديا، بينما كنت أنا أهرب ~~مختفيا في الغابة الكثيفة: بكرة نعرف خبرك، دخلت الغابة الملعونة براك برجليك، ضحكوا، ~~عووا، صاحوا في رعب، ضحكوا، ثم أكدوا بصوت واحد، أنني لن أنجو من كلاب السمع، واختفوا ~~تماما وتلاشت أصواتهم تدريجيا. # لم أتوغل في الغابة؛ لأنهم قالوا إنها الغابة الملعونة، وورد ذكر كلاب السمع الشرسة، ~~والتي أعرفها وأخاف منها بشكل جيد، وهي لا تستغرق عندها وليمة من ثور الجاموس غير خمس ~~دقائق، يختفي عن الوجود، ولن تبقى من دمائه ولا قطرة واحدة، فقط هيكله العظمى كشاهد على ~~الوليمة، صعدت شجرة وجلست على فرع منها، لا يبتعد عن الأرض كثيرا، سوف لا أنام وعندما ~~تشرق الشمس غدا ... ربنا كريم. يبدو أنني نعست؛ لأنني أخذت أسمع صوتها يناديني، عميقا ~~دافئا قرويا حنينا ولا مبال، وسمعت خطوات تتعثر ولكنها تقترب في ثبات. ~~- ولد الحاج عندلة، ولد الحاج عندلة، ولد الحا ... # نعم هي ذاتها، والغريب في الأمر أنني لم أخف منها؛ بل صحت مباشرة بأنني هنا على فرع ~~الشجرة، واقتربت، لم أستطع أن أتبين ملامح وجهها ولكنها بلا شك كانت جميلة، إن الصوت ~~دائما كما يقول صديقي - أبو ذر - دالة في الوجه، كانت تحمل بخسة من لبن البقر مخلوطا ~~بالسمن، وأنا أحب اللبن وأحب السمن أيضا وأحب البنات طبعا أكثر: أن أنجو. # طلبت مني أولا أن نغادر هذه الغابة الملعونة، والتي هي أخطر من الرجال الذئاب، فهي ~~مسكونة بالشياطين وكلاب السمع، ولا يجرؤ أحد من القرية دخولها ليلا، وأنها لولاي لما ~~فعلت، فحملت حاجياتي، عبرنا النهر، عبر بقايا الكبرى المتهالك ومشينا قليلا على ~~ضفة النهر الغربية، ثم أشارت ms56 إلى طريق أضاءت جزءا منها بالبطارية، وقالت لي: إنها ~~تقودني إلى قرية آمنة. # جلسنا تحت شجرة، أخذت من بين كفيها قرعة اللبن الدافئ المسمن ، وفي شفطتين طويلتين ~~أتيت على كل محتويات الماعون، وأخذت أتنفس بصورة متسارعة وألحس شاربي بلساني، متصيدا ~~بقايا اللبن عليه، مستفيدا من أنها لا تستطيع أن ترى ذلك في الظلام، كنت جائعا جدا، ~~ثم أخذت أرتجف بصورة مرعبة، لا أدري لماذا أرتجف؛ خوفا، شبعا، أم باللبن شيء ما سوف ~~يفقدني الوعي وأصبح فريسة ساهلة لهؤلاء المتوحشين؟ لا، لا ... أنا أثق في المرأة؛ لأنني ~~أحب النساء وكنت أعرف بيني وبين نفسي أنه يستحيل أن تلحق امرأة بي ضررا ولو يسيرا؛ ~~لأن لدى النساء مسبار سري مسحور يعرفن به من هو عدوهن ومن هو العاشق، كما أنني ~~استبعدت فكرة أن تتآمر هذه البنت علي؛ لأنها هي التي أنقذتني، قلت لها بصوت مرتجف: أنا ~~أشعر بالبرد ... أشعر بالبرد والحمى. # فتحسست معصمي، ثم وضعت كفا على خدي، كما لو أنها تقيس درجة حرارته، ثم قالت: أنت ~~بردان؛ لأنك عمت في البحر، أنت ما عارف الكبري الجينا بيهو قبل شوية؟ ~~- والله ما كنت عارفو، فقط سمعت به مجرد سمع. # قالت ببساطة وبكل براءة: تعال! # ثم نزعت ثوبا كانت تلتف به، نزعت جلبابها وأخذتني إلى صدرها: حسي حتحس ~~بالدفو. # وعندما ضمتني إليها بشدة، تأكد لي صحة جملتها الأخيرة، كانت طويلة أطول مني، ذات جسد ~~ممتلئ كالتيتل، ضمتني إليها مسقطة صدري بين نهديها الكبيرين، كانت تفوح منهما رائحة ~~الكسرة الساخنة، كنت مندهشا جدا لدرجة أنني ما كنت أفكر في شيء، ولا الحمى ذاتها، ~~كانت مثل أم أسطورية نزلت من الجنة الآن وهنا، ومن أجلي بالذات. قلت في ذاتي: سبحان ~~الله! اللي يجيب قتالك يجيب حجازك، وعندما ضمتني إليها بشدة، أحسست بأن رجلي ما ~~عادتا تحملاني؛ بل لا وجود لهما، وكل ما كنت أحس به من أعضائي صدري، الذي في وسط بطنها ~~الدافئ ورأسي التي بين طرقتي كسرة شهيتين، وكنت قد طوقت بذراعي وسطها في ms57 محاولة مني ~~المشاركة في هذا الاحتفاء الإنساني البديع ... هذا المهرجان الجسدي الحار ... قلت لها: ~~فلنرقد على الأرض، فأنا لا أستطيع الوقوف. ~~- أحسن، قالت: أحسن ، نرقد في الواطا ... هل اتحسنت ولا لسع خايف؟ # وكنت سأجيبها إذا كنت أعرف اتحسنت أم لا، ولكنني كنت بالتأكيد أحسن حالا، فلقد أصبحت ~~متماسكا واختفت ما تشبه الحمى من جسدي، ولكن أصبت بحالة من ما لا يسعفني قاموسي اللغوي ~~البسيط على تسميته، بالتأكيد إن لحالتي اسما، وكنت ببساطة ... دعوني أقول لكم: أرقدتني ~~على صدرها وطوقت خاصرتي بذراعيها الطويلين كأذرع الغوريلا، كانت شفتاي في نهاية حلمتي ~~ثدييها اللذين من شعور غامض عرفت أنهما لا بد أن تكونا كبيرتين، ودون أن أفكر حركت رأسي ~~قليلا ناحية هرم ثديها، حيث واجهت شفتاي الحلمة الكبيرة الدافئة، أغرتني رائحة الكسرة ~~الساخنة، ودونما تفكير أخذت أرضع كالطفل، تحركت قليلا، وأظنها كانت تبتسم مشفقة وهي ~~تقول لي في حنان دافق: أنت جيعان لسع ... مسكين لو عارفة كنت جبت معاي لبن أكتر. # ثم أضافت في براءة: ما حتلقي لبن فيهم؛ لأنني لم ألد، زوجي توفي منذ أعوام كثيرة وأنا ~~عروس، ما حتلقى فيهم أي شيء. # قلت لها: أنا ما عايز لبن. ~~- عايز شنو، شيء؟ # قلت وأنا دائما جريء مع النساء ولا أخشى ردود أفعالهن؛ لأنني أعتبر نفسي صديقا لكل ~~بنات الدنيا وأنهن يوقعن فعلي وقولي الموقع الحسن: عايز أرضع وبس. # قالت وهي تضحك حقيقة في هذه المرة؛ لأنني سمعت ضحكتها بأذني. ~~- ارضع. # ودفعت بصدرها نحوي بغنج أنثوي دافئ. # وهي تسحب القطعة الوحيدة التي كنت أحتفظ بها من ملابسي، وبحركة رياضية بارعة أسقطت جزئي ~~الأسفل ما بين نهريها، وفجأة وجدت نفسي منبلعا كلي في المرأة كما لو كانت شقا على ~~الأرض انفتح فجأة ابتلعني ثم انسدت مرة أخرى، أنا دائما ما أقول: إن المرأة هي أصل كل ~~شيء، وكل شيء يعود إلى المرأة، وأتفه العائدين إليها وأولهم هو الرجل، وهي أيضا الحقيقة ~~الوحيدة، وهي الدفء الوحيد في العالم بعد أن تغيب الشمس، وهي الأم التي ms58 باستطاعتها أن ~~تلدنا في كل لحظة، ولم يقطع حبل امتداحي للمرأة سوى صرختها عندما بلغت قمة نشوتها: يا ~~يوووووما ... # خرجت الصرخة من عمق سحيق وكأنها آتية من خلف قرن من الزمان، جلسنا نحكي لبعضنا عن ~~بعضنا والأشياء، وقلت لها: عندما قالت لي اهرب، كنت أظن أن جدي الحاج عندلة قتل شخصا ~~ما أو أنه مطلوب في ثأر، وأنني إذا لم أهرب لثأروا مني، سخرت مني ضاحكة في غنج جميل ~~قائلة، وكنت أرى قربتي لبنها تهتزان في الظلام: نحنا هنا ما عندنا تار. # ثم حكت لي كيف توحش نفر من رجال القرية، وأصبحوا من أكلة البشر، بالرغم من أنهم كانوا ~~من خيرة سكان القرية: جاءت مفرزة من جيش الحكومة واختارتهم للتدريب، واختفوا لما يقارب ~~الثلاثة أعوام، وعندما عادوا، جاءوا وهم كلما جن الليل عووا، إلا أنهم حتى الآن لم ~~يأكلوا أحدا في القرية، ولو أنهم قتلوا رجلا غريبا قبل شهر إلا أن ناس القرية حالو ~~بينهم وبين أكله؛ حيث حفرت له مقبرة ودفن فيها، ولم نستطع أن نبلغ الحكومة، فنحن أسرة ~~واحدة، وهم من كل بيت، وإذا عرفت الحكومة ستقوم بإعدامهم، والناس يسعون لعلاجهم، فالآن ~~بالخلوة يجلس عشرة من رجال القرآن والفقهاء وهم يصلون الليل بالنهار، إن شاء الله ~~سيشفون عما قريب، هنا الناس لا يثقون في الحكومة ويظنون أنها لا تعرف كيف تتعامل مع ~~المشاكل، وأنهم سيعالجون إشكالاتهم بأنفسهم وطرقهم الخاصة. # شيء غريب، يكون حصل ليهم شنو يا ربي! # الناس قاعدين يقولوا إنهم انقطعوا في منطقة مستنقعات، سنة كاملة، لا زول جاهم ولا ~~أرسلوا ليهم أكل ولا جاهم جيش لينقذهم، كانت المليشيات محاصراهم من كل الجهات حتى السماء ~~ذاتو، يسوا شنو. # حدثتني بأنهم، أكلوا القش والطين، أكلوا ثعابين الماء، الجرذان، أكلوا الصراصير ~~والعنكبوت، أكلوا الذباب والباعوض، أكلوا الهواء والدود الأسود اللزج، ثم أكلوا بعضهم ~~البعض، قالت: الأقوياء أكلوا الضعفاء، واحنا ناسنا؛ لأنهم من بلد واحدة اتحالفوا مع ~~بعضهم وأكلوا البقية ... المهم كلها قوالات وما في زول يعرف الحصل ليهم شنو، ms59 والغريب في ~~الموضوع أنهم اكتشفوا بعد سنة كاملة من الخوف والجوع وأكل لحوم الزملاء إنو المحاصرنهم ~~ما كانوا المليشيات لأ، كان جيشهم نفسه، زملاؤهم ذاتهم؛ لأنهم قايلنهم مليشيات، شوف كل ~~زول خايف من التاني وقايلو العدو، سنة كاملة اتخيل، سنة كاملة، الحرب دي بلوة من الله ~~وابتلانا بها، وبدون شعور قلت: ما تبلغوا الحكومة. # قالت منفعلة: حكومة شنو وهي ذاتها الحكومة وين؟ # وأكدت لي أنهم لا يرون الحكومة إلا في الطيارات التي تعبر في السماء فوقهم، أو عندما ~~جاءوا وأخذوا فتيان القرية للحرب أو عندما جاءوا هم وجاءت المليشيات وتحاربوا هناك ~~عند الربوة العالية وغابة النبق، أسبوعا كاملا، فتطاعنوا، هشموا عظام بعضهم البعض، ~~دفقوا دماءهم وصنعوا منها أنهارا، أنهارا حمراء، ثقبوا صدور بعضهم البعض بالرصاص ~~الحار، هشموا رءوسا، قطعوا آذانا، مثلوا، عقروا، سملوا، بالوا، عذبوا، قبضوا ~~أرواح بعضهم البعض وأرسلوها إلى الله، ولم يبق سوى جندي واحد هزيل جريح بعين واحدة من ~~الجيش، ولم يبق سوى جندي واحد هزيل جريح برجل واحدة من المليشيات. # فدق أهل القرية النقارة، رقصوا على التل، على جثث الجند، وآلاتهم الحربية، ضحكوا على ~~الجميع، أشعلوا النار على الأجساد المتقيحة المتحللة العفنة البائسة، ثم أتوا بالجريحين، ~~أرقدوهما على الأرض جنبا إلى جنب، ثم جاءوا بالعصي الكبيرة المصنوعة من القنا وانهالوا ~~عليهما ضربا حتى الموت، ثم قاموا بدفنهما في قبر واحد ضيق، وهم ينشدون إنشادا مرتجلا ~~ألف في وقته في ذات موقع التل، شربوا ما بقي من مريسة، وعادوا إلى منازلهم، لقد ~~انتهت الحرب، ولم نر منذ ذلك اليوم أحدا من المليشيات أو الجيش، نحن هنا عايشين على ~~الصيد والزراعة، ونحل مشاكلنا بطريقتنا الخاصة ولسنا في حاجة للحكومة، ثم سألتني ~~ببراءة: أنت من الحكومة؟! # قلت نافيا بشدة: إنني لست من الحكومة وإنني جئت أبحث عن أخ تاه في هذه الأماكن منذ ~~شهور مضت، كان يعمل بتهريب جلود الحيوانات البرية بعد أن يشتريها من الصيادين، وقلت لها ~~بصراحة أيضا: ويهرب البنقو. # فقالت لي وكأنها لم تسمع ما قلت: ms60 أنت تاجر بنقو مش كدا؟ ~~- قلت لك أخي، أخي يتاجر في جلود الحيوانات البرية النادرة والبنقو. # قالت دون مقدمة: عايزة أشوف وشك. # ودون أن تنتظر إجابتي أضاءت البطارية في وجهي مباشرة، تجولت بالضوء حول أذني وشعري ~~وعنقي وأيضا صدري، مسحت بكفها على حواجبي قالت لي: افتح خشمك. # قذفت بحزمة ضوء في فمي، كانت أسناني بيضاء ومنتظمة وجميلة وستشع نورا نتيجة لسقوط ~~الضوء عليها وستعجبها أكثر من أنفي القبيح، والذي أعرف أنه قبيح جدا، ولو أن أذني ~~جميلتان، قالت لي بصوت حالم: أنت حلو. # أخذت منها البطارية وأضأتها في وجهها، فصعقني الوجه برغبة واحدة جامحة، قلت لها: عايزك ~~تاني، حس. # قالت لي بشكل نهائي وحازم، وكأنها كانت تعد لإجابتها من زمان بعيد: لا، عشان تجي ~~تاني. ~~- وين؟ ~~- حلتنا. ~~- حلتكم دي؟ ~~- لا، إنهم لليوم داك حيتعالجوا لا تخف، كل الناس تعرف أنهم حيكونوا كويسين زيهم ذي ~~كل زول، أنا متأكدة، هو مرض وسيزول. ~~- خلي داك للظروف أنا عايزك حس. ~~- لا، عشان تيجي، ما تحاول؛ لأني ما حأقدر، وأنا ما عملت معاك اللي عملتو إلا عشان ~~أنت كنت بردان وبس. # وشبقت بها فعلا ... شبقت بها بشدة، بحرارة، بجنون، شبقت بها بصورة لا تغتفر، شبقت بها ~~بالسماء كلها والأرض وأمي وأبي وأخي وأخواتي الثلاث، شبقت بها بالليل والانتعاظ ورقصة ~~الجسد الأبدية، بكثرة، ب «يا يما» بيا العالم كله وأصدقائي البائسين، شبقت بها بحنق، ~~بعنف، بخوف، ببطء، بصبر، بسرعة رهيبة، بالأرض كلها تدور، ماء، بالموت والميلاد والبعث ~~والضياء، باللبن، بثدييها المشهيين الشهيين، بحق الماء الذي أودعته فخذيها، بحق اللذة ~~التي وهبتها إياها، بحق الصرخة البائسة، شبقت بها بحق اللبن المسمون الذي شربت، بحق أن ~~أنقذتني، بحق أكلة البشر، بحق كل شيء عزيز وكل شيء تافه، شبقت بها، والليل والطين ~~والنهر والنساء والصديقات الجميلات الرائعات النائمات الآن الحالمات، الميتات، شبقت بها ~~ورغبت فيها بشكل نهائي وسأموت في الحال إذا لم أنم معها أو سأندم حياتي كلها أو سأكسر ~~عنقي أو سأقتلها، شبقت، رغبت، كنت منتعظا بألم ms61 خرافي، أنا أريدها والآن. # ففي المرة الأولى حدثت الأشياء دون رغبة مني ودون حتى توقع؛ بل أتستطيع أن أقول دون لذة ~~فعلية من جانبي ، ولو أنها أمتعتني بصرختها تلك، إلا أنني لم أر حتى وجهها، ومعروف أن ~~الوجه نصف اللذة، إذا كنت مدفوعا، أما الآن أحتاجها بإرادتي أنا وبرغبتي أنا وبشهوتي ~~أنا وبشبقي الكوني اللانهائي ... أنا، أنا أريدها امرأة، أريدها بلا مساومة الآن وسأنام ~~معها. # كانت تمانع بإصرار تام واقتناع لا حدود له، وهي تمسك بيدي بعيدا عن جسدها وكأنها ما ~~صرخت شبقا من فعلي قبل ساعة لا أكثر، وكأنها لا تعرفني من قبل؛ بل وكأنها ملاك وأنا ~~إبليس بعينه، كأنها ليست امرأة ولست رجلا، وكأنها ... ~~- لا عشان تيجي تاني، لو عايزني. ~~- مش حا أجي تاني إطلاقا. # ومشيت؛ بل هرولت قاصدا الطريق التي وصفتها لي، والتي كما قالت ستقودني إلى قرية ~~صغيرة آمنة، ويمكنني أن أبيت في بيت من بيوتها، وعندما تشرق أستطيع أن أتصيد اللواري ~~الذاهبة للقضارف، فهي تسلك طريقا من القرية على بعد ميل أو ميل ونصف الميل. # كنت غاضبا غضبا حقيقيا، وشبقا شبقا حقيقيا، وفوق كل ذلك لا مباليا بشيء، ~~وعندما بعدت منها مسيرة دقيقتين أو ثلاث سمعت صوتها تصرخ قائلة: ما تزعل مني سامع، ما ~~تزعل مني، أنا برضو عايزاك، ولكن ... # قلت بصوت عال وقح شاتما إياها: يا لبوة يا قذرة، تفو. # لم ترد، ولكني وأنا أسمع نباح أول كلب من القرية، سمعت صوتها يأتي من بعيد ... من عمق ~~سحيق من الظلام مناديا في وهن، أنا برضو عايزاك ولكن عشان نتلاقى تاني. # وقفت أنظر نحوها ... لم أر شيئا، كان الظلام دامسا، حملقت في الظلام، فجأة برق ضوء ~~بطارية واهن من بعيد ... بعيد جدا، إنها هي بالتأكيد، كانت تضيء وتطفئ، هي تريد أن تقول ~~شيئا أو تريدني أن أعود إليها، لقد تفهمت وجهة نظري، أو ربما أنها تودعني، لكني لم ~~أفكر في الرجوع إليها على الأقل الآن، لقد كانت كريمة معي، كانت وقحة وعنيفة، إنها بنت ~~قوية ms62 أقوى منى، لأول مرة تهزمني امرأة، أول مرة في حياتي أرغب امرأة بهذه القوة وهي معي، ~~ولا أستطيع أن أنال منها ... مستحيل ... مستحيل، ربما قد تعجلت الانسحاب، كان علي أن ~~أحاورها أكثر علي أن أرجوها، علي أن أداعبها فالمداعبة تلين النساء، وتفقدهن السيطرة ~~على أنفسهن، علي أن أكون طويل النفس، كنت أحمق وقصير النفس ومغرورا وأنانيا، ~~ولم أتح لنفسي تفهم وجهة نظرها، فكرت في نفسي وفي حاجتي الآنية، ولا أدري هل هي ~~بريئة أم أنها مغرورة أيضا، ولكنها كانت كريمة معي، كانت أما فعلية، لا، رحما ~~عميقا دافئا، كنت سأمتدحها أكثر لولا أن هرتني كلاب شرسة وحاصرتني حصارا تاما ~~وكشفتني وجهرت عيني بطاريات كثيرة، وصياح: منو، منو، وكدت أقول: ضيف، وكدت أقول: ~~ابن الحاج عندلة، ولكني آثرت الصمت، الصمت التام. # ديسمبر 2001 ms63