######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.JanaquMasamirArd.Hindawi86496931 #META# Tags: novels #META# ID: 86496931 #META# Title: الجنقو مسامير الأرض #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # بيت الأم‏ # السجين السجن والسجان‏ # امرأة اسمها ألم قشي‏ # عزومة الصافية‏ # ود أمونة متبلا‏ # مختار علي‏ # سوق القنزي‏ # سبعة يوم عوضيه بيي‏ # شبق المرفعين‏ # أغنية الفرو، تيراب البنية، بوشاي، وأشياء أخرى‏ # حوار موضوعي وكرميلا‏ # قطع الرحط والدخلة‏ # فوائد ما بعد الحفل‏ # الجنقوجوراي‏ # وصتني وصيتا‏ # في مديح الحبشيات‏ # هدايا ونصائح لود أمونة‏ # الجنقو يدخلون البنك‏ # أحوال: ثورة الخراء‏ # أحوال وثورة ألم قشي‏ # حول محنة أداليا دانيال‏ # السارقون الرحماء‏ # ود أمونة وحده الذي يلم بأطراف القوالات‏ # صيد الحلوف‏ # بوشاي‏ # صديقي الثائر‏ # فتاة من أسمرا‏ # قسم الشيخ العربي‏ # جهنم، جهنم عديل‏ # نشيد الجسد‏ # خاتم النبي سليمان‏ # إهداء‏ # بيت الأم‏ # السجين السجن والسجان‏ # امرأة اسمها ألم قشي‏ # عزومة الصافية‏ # ود أمونة متبلا‏ # مختار علي‏ # سوق القنزي‏ # سبعة يوم عوضيه بيي‏ # شبق المرفعين‏ # أغنية الفرو، تيراب البنية، بوشاي، وأشياء أخرى‏ # حوار موضوعي وكرميلا‏ # قطع الرحط والدخلة‏ # فوائد ما بعد الحفل‏ # الجنقوجوراي‏ # وصتني وصيتا‏ # في مديح الحبشيات‏ # هدايا ونصائح لود أمونة‏ # الجنقو يدخلون البنك‏ # أحوال: ثورة الخراء‏ # أحوال وثورة ألم قشي‏ # حول محنة أداليا دانيال‏ # السارقون الرحماء‏ # ود أمونة وحده الذي يلم بأطراف القوالات‏ # صيد الحلوف‏ # بوشاي‏ # صديقي الثائر‏ # فتاة من أسمرا‏ # قسم الشيخ العربي‏ # جهنم، جهنم عديل‏ # نشيد الجسد‏ # خاتم النبي سليمان‏ # | الجنقو مسامير الأرض # | الجنقو مسامير الأرض # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # إلى روح الجميلة النظيفة النقية الشفيفة مريم بت أبو جبرين؛ أمي. # عبده بركة # الجنقو مسامير الأرض # مقولة لمجهولين # في البدء يتجاهلونك، ثم يسخرون منك. # ثم يحاربونك. # ثم تنتصر. # المهاتما غاندي # | بيت الأم # الجنقو يتشابهون في كل شيء، يقفزون في مشيهم كغربان هرمة ترقص حول فريستها، يلبسون ~~قمصانا جديدة، ياقاتها تحفل بالأوساخ التي عمل العرق، وعملت الشمس، وريح ~~السموم، والتربة الطينية السوداء على جعلها شاهدا على صراع مرير مع المكان، والطقس، ~~ولقمة العيش، يفضلون الجينز ذا الجيوب الكبيرة والعلامات التجارية البارزة، المكتوبة بخطوط ~~كبيرة مثل: كونز، وانت، ديوب، لي مان، ونستون وغيرها، لا يعرفون ماذا تعني، لكنها تعجبهم ~~ويفضلونها على غيرها ms001 ، ويدفعون لأجل الحصول عليها مالا سخيا، يحيطون خصورهم بأحزمة الجلد ~~الصناعي، فتبدو هيئاتهم كمخلوقات غريبة لا تنتمي للمكان، لكنها تقلد كل شيء فيه بالأخص ~~كليقة السمسم المحزومة جيدا، أحذيتهم التي كانت جديدة لامعة وأنيقة في أواخر ديسمبر ~~الماضي، هي الآن ذكرى تلك، مزق متسخة ذات أخرام وألوان يصعب تحديدها في الغالب، لا يهتم ~~أحد بتهذيب شعر رأسه، في ما بعد حدثنا ود أمونة بأن عاناتهم كثة وأنهم يهملونها، ~~يتركون شعر رأسهم الذي يميل للحمرة من فعل الشمس كثا متشابكا قصيرا أو طويلا في ~~مستعمرات للشرا. # للجنقاوي أو الجنقوجوراي عدة أسماء على مر السنة، وشهورها، وفصولها: فهو كاتاكو في ~~الفترة ما بين ديسمبر إلى مارس، حيث يعمل في مزارع السكر بكنانة، ومصنع سكر خشم ~~القربة، عسلاية أو الجنيد. # ويسمى فحامي في الفترة ما بين إبريل إلى مايو، حيث يعمل أم بحتي؛ أي منظفا للمشروعات ~~الجديدة، أو المهملة من الأشجار، ويصنع من سوقها وفروعها الفحم النباتي. # ويسمى جنقو أو جنقوجورا في الفترة ما بين يونيو وديسمبر، أي منذ هطول الأمطار إلى ~~نهاية موسم حصاد السمسم، أما خلال السنة كلها فتطلق عليه النساء اسم فدادي، وبالمقابل ~~يسمي هو النساء اللائي يصنعن المريسة، والعرقي، فداديات، وعرفنا أيضا من بعض الجنقو ~~الذين أتوا من الفاشر ونيالا أن اسم الجنقوجورا هو المستخدم عندهم للدلالة على ما نسميه نحن ~~في الشرق اختصارا جنقو، لا يطلقون لفظ جنقاوي للمفرد كما نفعل، بل جنقوجوراي. # هي ليست المرة الأولى التي نترافق فيها إلى مكان لا نعرفه، ولن تكون الأخيرة، فمنذ أن ~~طردنا من وظائفنا للصالح العام قبل خمس سنوات تجولنا كثيرا في شتى بقاع السودان: شماله، ~~جنوبه، غربه، وشرقه، كان هو من أسرة ثرية، ويحتفظ بمال كثير لنفسه، يمكنه من أن يتفرغ ~~بقية حياته كلها للجري وراء متعة المشاهدة، كما أطلقنا على ما نقوم به من «تسكع وتلكع» في ~~بلاد الله الشاسعة، أنا فقير لكني عازب، ولا أتحمل مسئولية أحد غير نفسي؛ إخواني، وأخواتي، ~~متزوجون، بعضهم خارج السودان، والبعض الآخر ms002 في الداخل، واتخذوا طريقهم المحتوم في الحياة، ~~أمي وأبي متوفيان، هو يساعدني كثيرا في تحمل مصاريف السفر، ومتعة المشاهدة، وأنا أوفر له ~~الرفقة الطيبة، ويقول الناس عندنا: الرفيق قبل الطريق. # تصرخ رائحة العرق المشوي بشمس الدرت الحارقة، شمس سبتمبر، لتملأ الأنوف زنخا لا ~~يحتمل، دندن في صوت مرح: رجال، رجال، نحن في حلم؟ # قلت له: أنا شفت واحدة قبل شوية. # يبدو أن الشاب العشريني الذي يجلس قربنا، الوسيم، الذي يحتسي قهوته، لم يكن منشغلا ~~بموضوعات الحصاد، الربح والخسارة، العنتت والقبور الكعوك، وطيور أم عويدات، وود أبرق، كما ~~هو الحال عند الجميع وبمن فيهم صاحب القهوة البدوي الشاب كث الشعر، أو بما تقدمه له رشفات ~~القهوة من متعة تبدو عظيمة، كانت أذناه تتصيدان ما نهمس به، ربما ما نفكر فيه أيضا، قال ~~لنا دون مقدمات بحماس عال ساذج: إنتو ما مشيتوا بيت الأم، معقول؟ لازم تمشوا بيت ~~الأم. # قلت: بيت الأم؟ أم منو «من»؟ # قال: نعم، بيت الأم، أم الناس كلهم. # سأله صديقي: بيت الأم؟ # قال: أيوه، بيت الأم. # ثم أضاف بلغة التجرنة، وكأنما نحن نعرف كل لغات الدنيا: قذا أدي. # نهض مع آخر رشفة من قهوته، نهضنا خلفه، كان وسيما متوسط الطول، له بشرة لامعة صفراء، ~~وشارب كث، شعره منسق، وحديث الحلاقة، يبدو أن اهتماما خاصا قد صب عليه، تتبعه رائحة ~~طيبة ميزنا ماركتها بسهولة، كان شخصا لا يشبه شخوص المكان: نظيفا، أنيقا، به ليونة ~~بادية للعيان، في مشيته، وطريقة كلامه، ووجهه النظيف. # قال وهو ينظر إلي: أنا اسمي ود أمونة. # ابتسم وهو يضيف: اسمي كمال الدين، لكن ما في زول يعرف كمال، أمي أمونة، وهي تقول لي ود ~~أمونة، الناس لقوا الاسم ساهل، يلا ود أمونة، ود أمنة! الناس يوم القيامة ينادوهم ~~باسم أمهاتهم. # قال له صديقي: ما في مشكلة، الأم ما في زيها، يا ريت لو نادوني باسم أمي كنت حأكون أسعد ~~زول. # قال له ود أمونة فجأة: أمك اسمها منو؟ ~~- أمي مريم. ~~- وإنت؟ # قال مخاطبا إياي: زينب ms003 ، زينب أبكر. # قال: أمي اسمها آمنة، ولكن اسم الدلع أمونة. # وسألته: إذن بيت الأم دا بيت أمك أمونة، مش كدا؟ # قال نافيا بشدة: لا، بيت الأم دا بيت الأم، قربنا نصل. # ثم أضاف: إنتو من وين؟ # قلنا معا بصوت واحد: من القضارف. # صمت صمتا طويلا ثم أصدر هواء من فمه بصوت محسور: سجن القضارف، شفتوا سجن القضارف؟ ~~بالتأكيد تكونوا شفتوه، مش كدا؟ في ديم النور. # رد عليه: بالتأكيد، في زول في القضارف ما شاف السجن؟! # قال وهو يخطو بنا خطوات سريعات في عمق المكان: أنا اتربيت فيه. # سيعرف في ما بعد أن والدينا كانا يعملان في ذات السجن، سحبنا من بين قطاقطي، ورواكيب ~~القش، في أزقة طويلة لا تنتهي تتلوى كالثعابين، صاعدة هابطة على أرض وعرة، عليها أخاديد ~~صنعتها الوابورات، واللواري، وعربات الترحيل الخفيفة، مثل اللاندروفرات والبربارات، تعم ~~المكان رائحة البخور مختلطة بعبق المريسة، وبعض الخمور البلدية، على خلفية من ريح فاترة تهب ~~جنوبا، دافئة وطيبة، دون أن نطرق بابا من الزنك على سور من القش والحطب، دخلنا بيت الأم، ~~أو كما يطلقون عليه بالتجرنة: قذا أدي. # | السجين السجن والسجان # هذا ما تحصلت عليه من عدة حكاة ورواة، من بينهم حبيبتي ألم قشي، والأم، مختار علي، ~~الصافية؛ وود أمونة نفسه، ما قصه لي مباشرة، وما اقتطفته من مذكراته، مع بعض التدخل، ~~وقليل من التأويل، والتحوير، والالتفاف، والتقويم، والإفساد أحيانا، لحكاية ود أمونة ~~في السجن. # قرر بينه وبين نفسه ألا يغسل الأطباق بعد اليوم، حتى لو نفذوا تهديدهم، ورموا به في ~~الشارع، لا يهم؛ يستطيع أن يبقى خارج السجن، ويمكنه النوم تحت الجدار الذي يقابل غرفة أمه، ~~وسوف يأكل ما ترميه أمه له من أعلى السور، وهو أيضا يعرف كيف يصطاد الطيور، والفئران، ~~ويشويها، عن طريق المهارات القتالية التي اكتسبها من والدته، يستطيع أن يحارب الأشرار، قد ~~لا يعرفهم الآن، ولكنه سينتصر عليهم فور أن يشرعوا في مهاجمته، كانت أمه أمونة تقول له ~~دائما: «كان اعتدوا عليك عشرين أو مية شخص ms004 ، إنت أمسك واحد بس، وإن شاء الله تعضيه ~~بسنونك، إن شاء الله تخربشه بأظافرك، إن شاء الله تدخل يدينك في عينه، لكن ما تخلي حقك ~~للناس، ولا تبكي، ولا تجري، الدنيا دي ما ينفع فيها الضعيف.» # قطعت حبل تفكيره أنامل الشامة على رأسه: تعال، عليك الله، فليني يا ود أمونة. # هو لا يحب الشامة، بالذات: «رائحة في فمها أعفن من البول، رأسها كله قمل، ووساخة، وقالوا ~~كتلت راجلها.» # قالت له الشامة: أمك الليلة طلعوها خدمة في بيت المأمور، أنا ما عارفة المأمور دا عايز ~~منها شنو «ماذا»، ما عايز يخليها في حالها. ~~«ما حأغسل الصحانة.» # هكذا قال ود أمونة مصدرا أمرا لنفسه، وهو يتخيل نفسه يصرخ في وجه السجان الطباخ ~~النحيف، صاحب الأصابع الطويلة، واليدين الممسكتين دائما بالكمشة أو المفراكة، كان ~~هذا الرجل يرى في ود أمونة مستقبل طباخ ماهر. ~~«ود أمونة يشبهني في أشياء كثيرة، عندما كنت طفلا كنت مثله وسيما، وكسولا، وكثير ~~الشجار مع الأطفال، ولكني أيضا كنت أحب أن أكون في صحبة النساء مثله تماما.» # أكثر ما لا يحبه ود أمونة في طباخ السجن، بالإضافة إلى أطباقه التي دائما ما تحتاج ~~إلى من يغسلها من الويكة، ودهن إدام القرع، أن طباخ السجن لوطي، هكذا يقول الناس عنه في ~~العنبر، والعازة بالذات حذرته منه، وأوصته ألا يتركه ينفرد به، أو يلمسه في أماكن بعينها، ~~وإذا قال له كلاما به قلة أدب عليه إخبارها، أو إخبار والدته أمونة بأسرع ما يمكن. # ولكن ود أمونة ما كان يحس بالخطر كما تحس به العازة، ولذا مرت نصيحتها كما تمر ~~نصائح أمه اليومية الكثيرة المملة التي لا تفيد في شيء، بالأمس بعد أن فرغ ود أمونة من ~~غسيل الأطباق، ورصها بانتظام على دولاب الحديد، طلب منه طباخ السجن أن يلعبا بالعملة ~~النحاسية «صورة وكتابة»، وقال له: كان غلبتني تديني بوسة، وكان غلبتك أديك ~~بوسة. # وبصق سفة الصعوط جانبا قرب قدر كبير على الفحم، وبحركة بهلوانية أخرج قطعة عملة من ~~النحاس، أطارها في ms005 الهواء ثم تلقاها بكفه، وبسرعة البرق أغلق عليها بكل أصابعه واضعا في ~~نفس اللحظة ابتسامة على طول وعرض فمه الكبير، بين أسنان صفراء متفرقة بارزة، سأل ود ~~أمونة: طرة ولا كتابة؟ # أطار بعض رذاذ البصاق في الهواء، سقط بعضه على وجه ود أمونة، مسحه بباطن كفه في ~~قرف. ~~«أكثر ما أكرهه في هذا الشخص شفاهه المبتلة دائما بالبصاق، ورائحة الصعوط.» # أعادته الشامة مرة أخرى من شروده، عندما قالت له وهي تعيد نظم ضفيرة من الشعر المستعار ~~على رأسها: أمك حتجي بعد كدا، المأمور كرهها الدنيا، إنت عارف ملابسه، وملابس أولاده، ~~وبناته، وحتى جيرانه، والله أنا شاكة في إنو قاعد يأخذ عمولة من الناس في الغسيل، أمك لو ~~بقت مكنة غسيل حتنتهي، ولكن هانت، باقي لينا كلنا السنة دي بس، أمك باقي ليها ستة شهور، ~~هانت يا ولدي. # قال له ود أمونة، بصورة نهائية وقاطعة: أنا ما عايز ألعب معاك طرة ولا كتابة. # قال له السجان بصوت منخفض محاولا أن يكون رقيقا: كويس، تعال أديك بوسة. # ابتعد عنه ود أمونة محاولا الخروج، لكنه توقف عند الباب: ما عايز، لا تديني بوسة، ~~ولا أديك بوسة. # غير السجان من نبرة صوته، وبدا جادا وحازما: كويس، لمان يجي الصول ويشوف ~~الكباية الكسرتها تعرف حاجة. ~~- حأكلم أمي. # قال الجاويش طباخ السجن مستهترا: أمك تعمل شنو، خليها تقدر على نفسها. # ثم أضاف بلين: بطنك تملاها من وين؟ تعال يا ود أمونة إديني بوسة، أو شيل مني بوسة ~~زي ما تدور. # عندما ينتصف نهار السجن تسمع طقطقة الزنك، كأنها فرقعة عبوات رصاص صغيرة تقدح جماح ~~العرق النسواني التعب، المتبل بفطر إبطهن وعاناتهن، رائحة البلاط وزنخ شعر الرأس ~~الملبك بالأسطبة، والجورسي القديم، وطنين الذباب مختلطا بقهقهة السجانين، نداء ~~الجاويش المسجوع من حين لآخر: موية يا بنات، الموية. # أخرجت الشامة مكافأة صغيرة من مطبقتها، وقدمتها لود أمونة؛ نظير متعة التفلية، وعربون ~~خدمة قد تطلبها منه في يوم ما. العنبر الطويل يحتوي على عشرين سيدة: عجوزان اتهمتا قبل عشر ~~سنوات ms006 ماضية بحيازة جوالين من الحشيش، صبية جميلة رقيقة اعتادت سرقة الذهب والمجوهرات، ~~أمه بائعة عرقي البلح، وقد ضاعف قاض غيور على الدين العقوبة عليها سبع مرات؛ لأنها لم ~~تقلع عن الفعل الحرام؛ جلدت مرارا، وغرمت تكرارا، وسجنت شهورا كثيرة متفرقات، الشامة ~~اتهمت بقتل زوجها وتقول: إنه شرب الصبغة مع عصير البرتقال من تلقاء نفسه غيرة عليها، ~~وأخريات، وأخريات، وأخريات، لكن ود أمونة كان لا يهتم بغير واحدة لا يعرف كم عمرها؟ ولا ~~يفهم طبيعة جريمتها، كانت قليلة الكلام، تغني دائما بصوتها الشجي، وتحكي له قصصا طويلة ~~تقصر عليه الانتظار الطويل بالسجن، ولو أنها كانت تقضي فترات طويلة مريضة طريحة بلاط ~~العنبر، إلا أنها كانت الأكثر مرحا، هادئة، وطيبة، لينة، وصبور، أمه لا ترغب في أن يتقرب ~~إلى العازة. ~~- يا ولد أخير ليك تختى «تترك» الشرموطة دي. # وذلك أمام عازة مباشرة، وفي حضرة من حضر، لا يهم، تضحك عازة، وتجلس على الأرض، «تطلب مني ~~أن أركب في ظهرها، وفي قفزة سريعة أركب، تنهض بي على الرغم من أرجلي الطويلة، تجري بي في ~~الفراغ، الذي يقع بين العنبرين». # وعندما دخل الصول فجأة المطبخ، ارتبك الطباخ، أمر ود أمونة بأن يذهب إلى سجن الرجال، ~~ويحضر الأواني الفارغة: بسرعة، يا ولد. # وهرب ود أمونة نحو عنبر الرجال. # أدخل هدية الشامة سريعا في جيبه، ثم تحسسها بكف يده اليمنى؛ ليتأكد من استقرارها هناك، ~~باسته على خده قائلة: اجري غسل يديك، عايز تاكل بيهم كدا؟ # عندما يضع هدية الشامة في علبة التوفير مع ما وفره من هدايا المسجونين والمسجونات، وحتى ~~الطباخ نفسه والعساكر، يكون قد تمكن من مبلغ لا يعرف قدره، ولكنه يزداد يوميا ببطء، ولكنه ~~لا ينقص، حتى عندما يرسلونه إلى الدكان القريب، أو السوق لإحضار تمباك أو علبة سجائر، أو ما ~~شابه ذلك، ويطلبون منه الاحتفاظ بالباقي، فهو يبخل على نفسه بقطعة من الحلوى الكثيرة الشهية ~~التي تطل عليه من بين الأرفف والطبليات، وفي أيدي الأطفال الذين في عمره، كان يعرف أيضا ~~المساجين الذين ms007 في عنبر الرجال، قد تتغير الأوجه يوميا، ولكن المساجين الجدد يعرفون في ~~اليوم الأول لقدومهم بالاسم، والقبيلة، والجريمة، والمدينة، والقرية، والشهرة، جمع بسرعة ~~الأواني التي دفع بها السجناء خارج زنزاناتهم، أو عنابرهم، ثم أخذ ما يستطيع حمله على جسده ~~الصغير، ومضى به نحو المطبخ، كان الصول لا يزال هناك، وعندما رأى ود أمونة يترنح تحت ~~ثقل الأواني صرخ في وجه الطباخ: إنت عايز تقتل ود المرا دي ولا شنو؟ # فأسرع الطباخ في تناول الأواني من على كتف ود أمونة، وهو يعتذر بهمهمة غير ~~مفهومة. # قال لود أمونة في ود: يلا اجري العنبر، أمك في انتظارك، تكون جات من الخدمة. # قال ود أمونة للشامة: أنا ماشي لعازة. # ردت عليه في شماتة: إنت ما عارف إنو دخلوها الزنزانة. ~~- عارف ووديت ليها موية قبيل، مسكينة عازة. # قالت بصورة حادة: ما مسكينة ولا حاجة، عازة دي مجرمة. # قال ود أمونة مستغربا: ما لها، عملت شنو؟ قالت لي هي ما عملت أي شيء. # قالت الشامة: لقوا عندها ممنوعات. # عندها استطاع أن يربط ود أمونة أحداث قبل الأمس بأحداث يوم أمس، بما سمعه اليوم من ~~الشامة. # أحداث أول أمس: كانت عازة تحت الحائط الشرقي، ليس بعيدا عن برج المراقبة، حيث كان ~~السجان بريمة بين وقت وآخر يتبادل الكلمات مع العازة، وأيضا السجائر، حدثتني العازة عن ~~أمانة تخصها عند امرأة في الحمرة بإثيوبيا، وأن المرأة جاءت من هناك، وهي الآن في القضارف، ~~ولم تجد طريقة لإحضار الأمانة لها في السجن؛ لأنها تخاف من البوليس، ولها سوابق ~~كثيرة. # ثم أضافت ضاحكة: سمعتها سيئة. # أحس ود أمونة حقيقة بارتباك في تفكيره عند سماعه الجملة الأخيرة «سمعتها سيئة»، ~~ولم يفهم لهذه الجملة معنى محددا، ولكنه ابتسم واقترح في نفسه أن لها معنى مثل جملة ~~الطعام الفاسد، تجاوز ذلك، أو لم يستطع أن يتجاوز ذلك، قال لها: يعني ما لها؟ # قالت له: يعني! # وأحنت رقبتها الطويلة بطريقة عقدت المعنى، ثم أضافت: سجنوها كثير جدا. ~~- زي أمي كدا؟ # قالت بسرعة: أمك مسكينة ms008 ، ما عندها حاجة غير عرقي بلح بس، ولكن القاضي قاصدها. # قذف بريمة للعازة بعلبة سجائر برنجي، سقطت على حجرها مباشرة، وعندما نظرت إليه غمز لها ~~بعينه اليسرى، فضحكت وضحك، ضمته عازة إلى صدرها بشدة إلى أن اشتم رائحة إبطها، وقالت لي ~~هامسة: تساعدني يا ود أمونة؟ ~~- كيف؟ ~~- تجيب لي الأمانة من ألم قشي؟ ~~- ألم قشي؟ إنت ما قلت لي: مرا من الحمرة؟ ~~- أيوه، إنت ما عارف إنو ألم قشي من الحمرة. # أضاف في استسلام: وين ألاقيها؟ # قالت وهي تحك بأظافرها سيخ الباب: في موقف الشواك. ~~- وكيف أطلع؟ # قالت لي مبتسمة: سهلة، لما يرسلك الطباخ للسجائر زي كل يوم، تقوم جاري لموقف الشواك، ~~وتلقاها هناك منتظراك، الكلام دا بعدين، بعد صلاة الضهر، زي كل يوم. ~~- لو ما رسلني الليلة؟ # قالت بثقة: حيرسلك، دخل الأمانة هنا. ~~- وين؟ ~~- هنا، هنا. # ولا يدري، أحدث هذا صدفة أم عنية، ولكن استقرت كفها هنالك لوقت خبيث لا بأس به، ~~وقبل أن تشرح له أكثر قرصته برقة فيه، رقة وحشية غامضة، رقة أكثر. # ما حدث بالأمس: اعتاد ود أمونة أن ينام مع أمه في ذات السرير، أو هي كانت تصر على ~~ذلك، ربما خوفها الشديد عليه له ما يبرره، خوفها من الجميع دون فرز، مسجونات ومسجونين، ~~سجانين وعمال سجن، لم يكن هو الطفل الوحيد الذي في صحبة أمه بالسجن، بل كانت هناك ثلاث ~~طفلات، ولكنهن رضيعات ولا يعرفن شيئا، بل لا يمكن إصابتهن بمكروه ظاهر، لكن طفلها ود ~~أمونة طفل التاسعة في خطر دائم من الجميع، لأسباب أهمها أن لابنها جسدا أكبر من عمره، ~~وأنه رغم البؤس، وسوء الطعام مع قلته، له جسد سمين وساقان طويلتان مما يجعله أكبر من عمره ~~بكثير، وإذا أضافت إلى ذلك وسامته، فإن الأمر يبدو واضحا وجليا، أمه تعرف أن الطباخ ~~منحرف، وأنه يتقرب إلى ابنها وقالت لنفسها: إذا لمس الولد ده لمسة، لمسة حاقتلو قتلة يتحدث ~~بها الناس إلى يوم القيامة، ولكنها تخاف عليه أيضا من النساء، ولو أنه لم يبلغ ms009 الحلم بعد، ~~ولكنها تعرف أنهن يعرفن كيف يستخدمنه. # ولقد خاطبتهن على ملأ: اسمعن يا شراميط هيييي، اليوم اللي ألقى فيه ولدي دا مع ~~واحدة، ح أرسلها الآخرة. # ضحكن؛ غظنها بقولهن إنهن سيفعلن، وإنها فرصة له ليتدرب، ولكنهن في باطن عقولهن، كن يعرفن ~~أنها جادة في قولها، وأنها ستفعل. # عندما استيقظت أمه استيقظ، في الحق استيقظ العنبر كله على جلبة مصدرها عراك في عنبر ~~الرجال، السبب البنقو. ~~- البنقو؟ # وكعادة السجانين أنهم يتبعون أقصر الطرق للحصول على الحقيقة، وهي الضرب المبرح، والقرص ~~بالزردية؛ لذا لم يستغرق الأمر طويلا، جاء جاويش يسمى غلبة إلى عنبر النساء، أمسك بيد ~~عازة، أوقفت، ثم صفعت في وجهها بكف كبيرة قبل أن يقول لها غلبة: أرح وراي. # قال ود أمونة للشامة، وقد استدرك الأشياء كلها، وربط بينها: البنقو، مش كدا؟ # قالت له الشامة: أيوه، البنقو. # سألها: جابته من وين؟ # قالت له: أبت تعترف. # سأل خائفا: وإذا ضربوها حتعترف؟ # قالت له: هم ضربوها ولكن العازة عنيدة، ولو كتلوها ما حتعترف. # جلس عند باب الزنزانة، كانت يدها على يده بين السيخ، قوية وواثقة ودافئة، كانت آثار الضرب ~~واضحة على وجهها، اعتاد ود أمونة على هذه المناظر، وما عادت تؤلمه كثيرا، فقد رأى أمه ~~مرارا بوجه متورم، وظهر متقيح، بل شاهد ذات مرة الجاويش غلبة يتحرش جنسيا بوالدته، ~~وعندما أبعدته عن نفسها قام بصفعها في وجهها عدة مرات. # قال بصوت ضعيف مرتجف: حيقبضوني. # ضحكت العازة مؤكدة له أن الشيء الذي أحضره من ألم قشي ليس هو البنقو، ولا شيئا ممنوعا، ~~وفتحت له كيسا كان قربها، وأخرجت منه لفافة، هي اللفافة ذاتها التي أحضرها، مدتها إليه ~~قائلة: افتحها. # أبعد يديه في خوف: لا. ~~- أقول ليك شوف فيها شنو، عشان تتأكد. # وعندما رفض، وحاول أن يهرب، قامت بفضها، فلم يكن بها سوى قطن طبي. قالت له: قطن، قطن ~~تحتاج ليه النسوان، وهو ممنوع في السجن؛ لأن المساجين بيعملوا منه قنابل بالبنزين. # لم يقتنع ود أمونة، ولكنه أحس براحة نفسية عميقة، قالت له ms010 : أنا ما بعت أي بنقو ~~للمساجين، ولا يحزنون، وما تخاف علي ولا على نفسك. # قبل غروب الشمس بقليل جاءت أمه، كان قد استحم، وغسل جلبابه الآخر، وحذاءه البلاستيكي، ~~وانتظرها راقدا على السرير، كاد ينام، رمت عليه كيسا صغيرا به تفاحة، وقطعة حلاوة ~~المولد، ورغيف، وطحنية. ~~- الليلة اشتغلنا غسيل في بيت المأمور، غسلنا ملابس ناس الحلة كلها. # قالت له أمه في حنية، وهي تمسح رأسه بكفها: كنت وين بالنهار؟ رسلوك للدكان والسوق؟ ~~- غسلت العدة للطباخ، واتونست مع عازة، لو شفتي يا أمي دقوها دق. # قالت أمونة جملة واحدة، ورمت بنفسها على السرير قربه: تستاهل. ~~- ليه يا أمي؟ ~~- البت دي قليلة أدب شوية، الوداها تبيع البنقو شنو؟ # قال دون تركيز: يا أمي هي عندها قطن مش بنقو. # قالت مستغربة: قطن شنو؟ في قطن يبيعوه؟ ~~- والله أنا شفته. ~~- إنت ما عايز تختى الزولة دي؟ أنا مش قلت ليك ما تكون معاها؟ # سكت ود أمونة قليلا، بدأ يقضم جزءا كبيرا من التفاحة، أكلها باستمتاع ظاهر، قال: ~~كل يوم جيبي لي تفاحة. ~~- كويس. # عندما نامت أمه، أخذ ما تبقى من الكيس، ومضى نحو الزنزانة، كان الظلام قد بدأ يهبط، ولكن ~~الإضاءة الضعيفة عبر الممر دائما ما تمكنه من التجول بسهولة في أنحاء السجن، كما أن الحرس ~~قد اعتادوا عليه، ولا يعترضون تجواله، بل يرحبون به، ويداعبونه، ويرسلونه، على كل هو شخص ~~محبوب هنا، رفضت العازة في بادئ الأمر تناول ساندوتش الطحنية الذي مده إليها ود أمونة، ~~ولكنه عندما بدأ يبكي، أخذته منه، كانت جائعة جدا، وبدت له شاحبة وهزيلة وأظهرتها الإضاءة ~~الباهتة مثل شبح كبير حقيقي، ولكن كفها الدافئة تؤكدها باستمرار، وتسري في نفسه بهجة ~~وحبا، لأول مرة تسأله عن والده، قال لها: أمي قالت لي أبوي يمني، وقالت رجع اليمن، كان ~~عنده دكان في الحلة، تزوج أمي، وطلقها. ~~- ما عندك إخوان تاني؟ ~~- لا، أنا وأمي بس، أهل أمي في البلد. ~~- وين بلدكم؟ ~~- والله ما عارفها، أمي قاعدة تقول البلد، والبلد دي وين؟ أنا ما ms011 شفتها، أنا ولدوني في ~~«الحلة»، وما مشيت أي مكان تاني، غير جينا هنا القضارف في السجن، دخلت مع أمي كتير، قالوا ~~من ما كنت برضع، ولكنها طلعت ودخلوها تاني. ~~- أنا حأطلع قبل أمك، لو أمك وافقت حآخدك معاي أنا عندي أهل وأسرة في القضارف هنا، تعيش ~~معانا في البيت لحدي ما تطلع أمك من السجن: كويس؟ # قال لها في يأس: أمي ما بتقبل، لو علي أنا، حأمشي معاك طوالي. ~~- حأحاولها، إن شاء الله تقبل، إنت لازم تمشي المدرسة، هسع «الآن» عمرك كم؟ ~~- تسعة سنين، ما حيقبلوني في المدرسة؟ أنا حأمشي اشتغل مع الميكانيكيين عشان أطلع سواق، ~~وميكانيكي. # قالت بصورة مؤثرة: لأ، حتقرا وتطلع دكتور. # قدم لها قطعة كبيرة من حلاوة المولد وهو يضيف: وأمي قالت بدون شهادة ميلاد ما في لي ~~طريقة. # قالت وقد رأى بريق عينيها عبر ضوء الممر الخافت: حأطلع ليك شهادة تسنين، وحأدخلك المدرسة، ~~أنا بعرف مدير مرحلة الأساس، قاعد يجي بيتنا في القضارف، وبعرف الزول البيطلع شهادات ~~التسنين، ما عندك أي مشكلة، بس كيف أمك توافق. # مر بهما شرطي نحيف طويل اسمه علي، يعرفونه بالجاك طويلة، شخص، مرح ويعرف بأنه متدين، ~~ودائما ما يؤم السجانين في الصلاة، قال مخاطبا عازة: لقيتي زول تتونسي معاه. # ردت عليه عازة: الله كريم. # قال وهو يمسك باب الزنزانة: قابلت أبوك الصباح. ~~- طبعا ما سأل مني. ~~- قاللي لو طلعتوها من السجن، إخوانها حيقتلوها، أخير تكون قاعدة معاكم. # قالت بإصرار: ما فيش زول يقدر يقتلني، والراجل يمد إيدو علي، وأنا حأطلع بعد شهر، ~~ونشوف: الحشاش يملأ شبكته. # قال وهو يحملق في وجهها الذي ألصقته بسيخ الباب: سافري من البلد، امشي أي مكان تاني تعيشي ~~فيهو، وإنت زولة متعلمة، وعندك مهنة. # قالت محاولة أن تبتسم: الغنا دا كمان مهنة؟ ~~- لييه؟ الفنانين ديل دخلهم دهب. ~~- أنا حأشتغل أبيع شاي، وفي القضارف، وعارفة ما فيهم واحد راجل يقدر يلمسني، كان أحمد، ~~ولا الصادق، أو أي طرطور آخر. # قال لها مغيرا مجرى الحديث: المأمور قال بكرة ms012 حيطلعك من الزنزانة للعنبر، ولكن ~~حيكتبك إقرار عشان ما تقومي بأي عمل إجرامي هنا في السجن. # قالت: ربنا أحسن منه. # قال ضاحكا: إنت بس لو سبتي بنات حي فوق ديل، ما في حاجة بتجيك. # قالت بضيق: أنا يا مولانا ما عملت حاجة، يعني شنو لو لقوني في بيت عزابة؟ ولييه ما سجنوا ~~العزابة؟ # قال: العزابة هربوا. # قالت بمرارة: كلهم معروفين، وقاعدين في القضارف، ولو عايز هسع أرح أمشي معاي أسلمك ليهم ~~واحد واحد، ومنو القال ليك هم عزابة؟ # قال في صوت خفيض: دي مسئولية المباحث والتحري والقاضي، أنا زول شغال في السجن هنا، يجيبوا ~~لي أحرس، ما جابوا، ما عندي غرض بزول. # أيضا لم يفهم ود أمونة ماذا يعني أن يقبضوا على امرأة إذا دخلت بيت «عزابة»، اعتبر ~~ذلك مثل الطعام الفاسد أيضا. # عندما مضى جاك طويلة، جلست معطية ظهرها للباب الحديد، وخلف السيخ كان ود أمونة يمشط ~~شعرها بخلاله، وهي تغني بصوت شجي عميق: # من طرف الحبيب جات أغرب رسايل. # يحكي عتابه فيها. # قال ناسينه قايل. # قال ناسينه قايل. # هذه الأغنية لا تعجبه، تعجبه أغنية: # ما هي دنيتنا الجميلة. # شوفو دنيتنا الجميلة. # بأزهارها بأشجارها ونخيلها. # غنتها له، عندما دق جرس النوم، أي دوي الطرق على القضيب المعلق وسط السجن، معلنا أن ~~الساعة الآن التاسعة مساء، تلمس ود أمونة الطريق نحو عنبر النساء، وهو في الطريق، لأول ~~مرة يفكر في شيئين: أبوه، والمدرسة. # وهما شيئان ما طرقا باب مخيلته من قبل، هو لم ير أباه في يوم ما، ولا حتى صورته، بل لم ~~تحدثه عنه أمه إطلاقا، وما قاله للعازة ليس سوى بعض مما سمع من حديث لأمه مع جارة لها، قبل ~~أعوام كثيرة ولم ينسه، أعمل فيه بعض الخيال، وقاله لها. # أما المدرسة فلم يفكر فيها، كأنما هي شيء لا يعنيه على الإطلاق، وهي حلم كبير لا تسعه ~~مخيلته، فقد دخل السجن في هذه المرة الأخيرة مع أمه منذ سنتين، أي أنه كان في السابعة من ~~عمره، وهو العام ms013 ذاته الذي التحق فيه أنداده من أطفال الجيران بالمدرسة، هو لم يرهم يذهبون ~~إليها ولا يعرف عنهم شيئا منذ عامين، لا يزال يتخيلهم يلعبون في الخور، وعند الماسورة ~~المتعطلة، أو يصطادون الطيور، الفراشات، الجراد والفئران، أو يلعبون دكاترة وممرضات مع ~~البنات اللائي في أعمارهم، يجرون بترتاراتهم، يركبون الحمير السائبة، وفي موسم الصمغ يذهبون ~~إلى زريبة المحاصيل؛ لخطف الصمغ من الحجات، وعند العصر يلعبون حرب حرب، ضد أولاد الحي ~~المجاور، أما أن يذهبوا إلى المدرسة، فهذه فكرة لا يعرف إليها سبيلا. # وجد أمه ما تزال نائمة ويعرف أنها لن تستيقظ إلا عند صلاة الصبح؛ حيث يصلي جميع ~~المسجونين في العنابر صلاة جماعية إجبارية في الميدان وسط السجن، الرجال في الأمام، والنساء ~~خلفهم، ود أمونة وحده خلف النساء، قرر بينه وبين نفسه أنه بعد صلاة الصبح سيسأل أمه عن ~~أبيه، ويطلب منها أن ترسله إلى المدرسة، وعندما نام حلم بأنه ذهب إلى المدرسة، كان يحمل ~~حقيبة كبيرة فارغة، قابله مدير المدرسة، وهو طباخ السجن ذاته، ملأ له الحقيبة بالكتب ~~والكراسات، وقدم له حلة كبيرة مملوءة بالعدس، والطحنية، وقال له: خذها إلى العازة، ~~وقول ليها دي جنازة أبوك. # فجر الجثة خلفه عبر ممرات الزنازين، إلى أن أوصل الفرس إلى عزة، ركبا الفرس وهربا ~~بعيدا، كان الأشرار يطاردونهما عبر النجوم، والغابات، ولكنهما مضيا على متن سحابة كبيرة ~~ممطرة إلى الأعلى، الأعلى، الأعلى، الأعلى. # حدثهم جاك طويلة عن عذابات يوم القيامة، كأنما كان يخاطبهم فردا فردا، عذاب السارق، ~~عذاب القاتل، عذاب اللوطي، عذاب الشرموطة، عذاب صانع الخمرة، شاربها، مناولها، بائعها، ~~ناقلها والمنقولة إليه، عذاب من لم يطع الحاكم السياسي، عذاب من يهرب من العدالة، من يحرض ~~على الهرب، الكاذب، الغاضب، الذي يموت وفي عنقه دين، المتمرد، الزاني، المزور، الذي لا ~~يصلي، من أفطر في نهار رمضان، ثم تحدث عن عذاب الكافر، وذكر تحت هذا المسمى: الشيوعي، ~~والشيعي، والمسيحي، واليهودي، والوثني، والأمريكي، وناكح الفرجين، وناكح الرجل، والرجل ~~المنكوح، الساحر، تارك الصلاة، والخامسية، والخنزير، شجرة الزقوم، وآكل ms014 الخنزير، وآكل ~~الزقوم، وقاتل النفس البشرية ولكن بغير حق، وآكل مال اليتامى. # ولكي لا يغلق الباب الذي فتحه الله للإنسان، أكد أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله ~~رب العالمين ~~. # اذهبوا إلى عنابركم يرحمكم الله. # قال لأمه وهو يمسك بثوبها لكي تقلل من سرعتها، حيث إن الجميع يهرول من ميدان الصلاة ~~هرولة إلى العنبر، ليكملون نومهم. ~~- أبوي وين؟ # قالت مندهشة وهي تقف فجأة، وتنظر إليه في استغراب كأنها تراه لأول مرة في حياتها: الليلة ~~من وين طريت أبوك؟ بسم الله الرحمن الرحيم! ~~- بس عايز أعرف. ~~- أبوك في اليمن، طلقني ومشى اليمن، وإنا لسع ما ولدتك. ~~- مش حايجي تاني؟ # أجابت متثائبة: أنا نعسانة وعايزة أنوم، والله ما عارفاه، لمان تكبر تمشي تفتش عنو في ~~اليمن، كويس؟ # صمت قليلا ثم قال: أنا عايز أخش المدرسة. ~~- يا ولد، إنت جنيت؟ الليلة ما لك؟ من الصباح دا قايم علي كدا؟ قول بسم الله، وخلي ~~الشمس تطلع، إنت قايل المدرسة دي ساي «بلا مقابل» كدا، حتقعد مع منو؟ حتأكل من وين؟ والرسوم ~~والكتب، وشهادة الميلاد، زول شهادة ما عندو! # قالتها بطريقة كأنها تحمله المسئولية كاملة، هي عدم امتلاكه لشهادة الميلاد، ثم أضافت ~~برقة: كدا خليني أطلع من السجن وأشوف لي شغل، إن شاء الله فراشة، بعد داك أدخلك ~~المدرسة. # قال لها وهو يمسح وجهه بظهر كفه: لمان تخرج عازة من السجن بعد شهر أنا حأمشي معاها، ~~هي حتدخلني المدرسة. ~~- هي قالت ليك كدا؟ # رد في تردد: أنا قلت براي «وحدي». # قالت بصورة قاطعة لا تخلو من الحنق: حنطلع من السجن دا أنا وإنت في وقت واحد سوا ~~سوا، شيطان ما حياخدك مني، إنت ولدي أنا، ود أمونة، فاهم؟ # | امرأة اسمها ألم قشي # - «علمنا هذا المكان قيمة العمل.» # قالت لي بالتجرنة المرأة النحيفة المتوسطة الطول، وهي تعبث بقدر عليها ماء على موقد ~~صغير، ثم أضافت باللغة العربية، لغة الحدود: راجلي ضعيف «نحيف» زيك. # رفعت ms015 عينيها إلي وكأنها تريد أن تتأكد من موقعي في القطية. ~~- بالله، راجلك؟ عندك راجل؟ # كان تعليقي محرجا، وأحسست بمرارة ذلك في حركة سريعة قامت بها، حركة غير مخطط لها، عندما ~~أتى صوت جميل يغني في الخارج، قالت منادية: يا ود أمونة، عليك الله تعال دقيقة. # دخل ود أمونة، أنيقا ووسيما كما هو، في جلباب أزرق نظيف، حياني قائلا: كيف؟ ~~- تمام. # ثم نظر إلى المرأة فأجابت: عليك الله ظبت الشيشة لصاحبك دا. # سألني، وفي فمه ابتسامة كبيرة: عادي ولا تفاح؟ ~~- عادي. ~~- عليها شوية سيجارة خضرا «بنقو»؟ ~~- لا، معسل بس. # أضاف ولما تفارقه الابتسامة بعد: عندنا حبشي، وإريتري برضو، وأبو حمار «عرق». ~~- شنو الحبشي، وشنو الإريتري، وطبعا أبو حمار معروف. # قال مندهشا: الجن والكونياك. # قلت ضاحكا: بعدين، بعدين، شكرا يا ود أمونة. # خرج يتبعه عطر فهرنهايت مدهش، قالت بفخر: ولد ممتاز، اتربى هنا معانا في بيت ~~الأم. # قلت لها مراوغا: ولكنه قال لينا أنا اتربيت في سجن القضارف. # قالت مجيبة: صاح، لمان كان صغير، دخل السجن بيرضع، ودخله بيمشي، وطلع منه مراهق، الذنب ~~ذنب أمه أمونة، ومن ما «منذ أن» طلع من السجن دخل بيت الأم هنا، إلى اليوم. # وفي هدوء النسيم دخل ود أمونة، وضع الشيشة أمامي في أدب جم، وخرج دون أن يقول شيئا، ~~أضافت ماء نقيا للقدر الكبير، هدأ فورانه، أخذت تجمع حاجيات القهوة من مكان خارج القطية، ~~لم أعتد لباس الملاءة، لونها أبيض، مما أظهرني كحاج تعب أرهقه التطواف، أعرف أن ~~صديقي قد يفعل في ساعة ما سوف يقوم بفعله شخص مثلي في يوم كامل، أعرف عنه أن ما من غامض يقف ~~أمامه، إنه مغرم بفض غموض كل شيء؛ امرأة، حجرة، كل شيء، لم أشغل نفسي كثيرا به، ~~الزقني الذي أحبه، بالشطة الدليخ أكلته بالقيح بربري «الشطة الخضراء» لذيذا ~~طاعما، كان عبق قلي البن الحبشي أثار في ذكريات كثيرة كثيرة، وفي ما بعد ارتبط عندي ~~بصورة مدهشة بكل ما يخص علاقتي بألم قشي. # كنت تعبا ومرهقا كحمار عجوز ms016 ، السفر إلى «الحلة» بالمواصلات العامة، وخاصة على ظهر ~~البربارا يعتبره البعض نوعا من الانتحار والمغامرة، وعلى أقل تقدير الطيش. ~~- الناس البعرفوا البلد دي، بيركبوا الباص، الباص أضمن وأسرع، البربارا موت أحمر ~~عديل. # كانت تدلك ظهري بخليط من الحنظل، دهان أبي فاس، زيت الزيتون، وعجين القمح، تتحدث ~~بصورة مستمرة عن المكان والزمان؛ وأدي وود أمونة، البنك الذي سوف يفتح فرعا في ~~الحلة، شركة الاتصالات التي ستجعل الحلة قريبة جدا من العاصمة الخرطوم، بل يمكن ~~الاتصال بأسمرا، أو أديس أبابا، حتى أمريكا ذاتها، كانت تقول عن ود أمونة إنه الرجل ~~الوحيد، والذراع اليمنى للنساء هنا بالبيت، وفيما يشبه تقريرا قصيرا مقتضبا أفضت إلي ~~بأسرار المكان كلها، كانت ما فوق الثلاثين بقليل، تبدو عارفة بالحياة، خبيرة في كل شيء، ~~تحيط بها هالة من القداسة، أو كما يبدو لي، مثلها مثل كل النساء جميلة، وغامضة، ولديها ما ~~تقدمه، وجهها يخبئ فرحة، أو حزنا، أو أنه يفصح عن الاثنين معا في آن واحد، بحرفية وبراعة ~~سحبت رجلي اليسرى عكس دوران الساعة، ثم جذبتها إلى الأعلى في ذات اللحظة التي تناولت فيها ~~يدي اليمنى جذبتها إليها بقوة، مما جعل جسدي يصدر صوتا بائسا مثل كسر فرع لوسيانا يابس؛ ~~إثر ريح قاسية، ولو أن الأمر لم يتعد عدة ثوان لصرخت، عندما تركتني كنت أنعم براحة جسدية ~~لا توصف، وخدر لذيذ، قالت لي فجأة: أنا ماشة البيت. # قلت مندهشا: البيت؟ # قالت: أيوه. # ثم أضافت: بشتغل هنا مع أدي، ولكن أنوم في بيتي، عندي أولاد، وراجل هناك، ثم أضافت ~~بحرفية: عايز واحدة تنوم معاك؟ # في الحقيقة، لم أكن متأكدا من هذه الرغبة؛ حيث إنني والحق يقال لست ميالا ~~للممارسات الجنسية، وربما لم أفعل هذا الشيء سوى مرات قليلة في حياتي، وبصورة أستطيع أن ~~أسميها غير كاملة، بل إن ذكرياتي في ذلك الشأن مؤلمة، أظن أنني كنت خجولا عندما يتعلق ~~الأمر بالمرأة، ولكن فاجأت نفسي بالرد: عايز. # أجابت وكأنها تعد الإجابة مسبقا: ألم قشي، ألم قشي حتجي تنوم معاك الليلة ms017 ، فاليوم هو ~~يوم عملها، بت ظريفة وحلوة وحتعجبك. # ربما أرادت أن تقول شيئا آخر، عندما اقتحم صوت أدي الأم هدوء المكان، كان صوتا ~~متميزا حادا، به رقة طاغية، وربما سببها الطريقة التي تختتم بها الجمل القصيرة، التي ~~تلقي بها هنا وهناك، استأذنت للدخول وتحدثت إلي مباشرة: صاحبك دا أغرب زول في ~~الدنيا. # تنطق «صاحبك» بكسر الحاء وفتح الباء، لم أفاجأ؛ لأنني أعرفه جيدا، هي لم تكتشف قارة ~~جديدة، كما تشير الطريقة التي أعلمتني بها، قلت ببرود لم يعجبها كثيرا، وربما أثار دهشتها ~~لبعض الوقت: أيوا، هو أغرب زول في الدنيا، عايزاني أمشي معاك ليه؟ ولا تجيبيه لي هنا؟ ~~حيكون عمل مشكلة، أنا عارف. # قالت بطريقة استعراضية: طرزناو، «طردناه.» # قلت منزعجا، حيث إنني لم أتوقع أن يطرد: ليييييه طردتوه؟ وين هو هسع؟ # بينما كنت أجمع حاجياتي، وأتحرر من الملاءة البيضاء؛ تأهبا للخروج، كانت الأم تحكي لي ~~قصة لم أسمعها جيدا، لكنني فهمت منها أنه طرد قبل ساعتين كاملتين، وأنه لا يمكنني معرفة ~~مكانه، إلا إذا مضيت خلفها، وبسرعة والآن. ~~- ليه ما قلتي لي من بدري؟ بعد ساعتين؟ # قالت وهي تأخذ نفسا طويلا من الشيشة: كنا نحاول نعالج الموضوع. # تناولت خرطوش الشيشة بطريقة تلقائية. # قلت منزعجا، وقد تحررت من الملاءة تماما: وين هو هسع؟ # قالت وهي تطلق هواء الشيشة بعيدا في شكل دوائر صغيرة تتلاشى تدريجيا في فراغ القطية: ~~أرح، تعال وراي. # انتعلت حذائي، بالتالي أصبحت بكامل هندامي، لم أكن قلقا، ولو أنها ألمحت لي بأنهم قد ~~يقتلونه ويتخلصون من جثته في نهر باسلام، فأنا أعرف أن لا أحد على الأقل بالحلة يستطيع ~~أن يقتله، فهو من أولئك القلة الذين لا يخطر ببال أحد أنهم سيموتون قريبا، بل دائما ما ~~يعطونك إحساسا بأنهم سوف يسيرون في جنازتك، يحفرون قبرك، ويشيلون الفاتحة على روحك، ~~متنطقين بابتسامة حزينة طوال أيام الحداد، مررنا أولا أمام راكوبة صغيرة مضاءة بمصباح ~~كهربائي يرسل ضوءا ضئيلا حوله، ولكنه يظهر بوضوح ود أمونة، يجلس على بنبر كبير ~~متسع، وهو ms018 يدلك قدميه بحجر خشن يستخدم لتنعيم القدم، تقف خلفه امرأة في عمر أدي ~~تقريبا، أربعينية طويلة ذات بشرة بنية تبدو داكنة بتأثير الإضاءة، ولكن ملامح وجهها ~~تدل على أن لونها يميل إلى الاصفرار، كانت تستخدم الحلوى في التقاط الشعر من على ظهره، ~~يتحدثان بصوت خفيض، توقفا عن الكلام تماما عندما مررنا بهما، أنا وأدي، خاطبتهما ~~أدي بمرح: الولد دا شايلنه الدلالة؟ # رد ود أمونة ضاحكا: النظافة من الإيمان يا أدي. ~~«بيني وبين نفسي قدرت أن ود أمونة ولد ما نافع؛ رجل يشيل جسمه بالحلاوة، ويكرش رجله ~~زي البنات بالحجر؟ وما معروف تاني بيعمل شنو، الله يعلم.» # عندما ابتعدنا قليلا عنهما، قالت لي أدي، وكأنها قرأت ما يدور في خلدي: ود أمونة ~~دا أرجل زول في الحلة، أنا ربيته في يدي دي، تربية أدي مية مية. # قلت لها محتجا: قال لي بلسانه إنه اتربى في السجن. # قالت ببرود: سجن شنو يربي زول! أنا استلمته لا خلقة، ولا أخلاق، ببصلة ما بينفع. # هززت رأسي إيجابا، ومضينا عبر طريق ضيقة تمر خلف القطاطي المثيرة الكبيرة، التي تبدو ~~أحيانا مثل أشباح عملاقة تقبع في بحر من الظلمة، الأم تسير أمامي، سمينة قصيرة تتبعها ~~رائحة صندلية التاج الأصلية، يسمع لمشيتها طقطقة يعطيها الليل سحرا خاصا، كانت التحايا ~~تصلنا من هناك وهنا، متسللة عبر سياج القطاطي، وأبواب الرواكيب، وسقوف القش. ~~- مساء الخير أدي. ~~- مساء الخير أمي. ~~- أمي أدي. ~~- أدي. # تأتي التحايا مختلطة بوحوحة العاشقين، وثغاء السكارى، وفحيح الفعل الليلي، ونداء ~~الأجساد الحية النشطة الشبقة، تستجدي ملائكة المتعة، أو شياطينها، الأمر ~~سيان. # قالت لي وهي تتحدث باستمتاع خاص: الدنيا لعبة، وآخرها كوم تراب. # هززت رأسي إيجابا، بالأحرى بما يعني: فهمت. مررنا بصوت سيدة تستجدي علنا وبصوت عال ~~بائس أن يأتي من ينقذها، وأنها سوف تموت الآن إذا لم، كانت تسترحمه وتستجديه أن يتركها، أن ~~يخرجه، أن يخليها تتنفس، تتنفس لا أكثر، أن يرفع جسده الثقيل عنها، أن يقذف بسرعة، إنها ~~تموت. # وبشهامة معروفة عني انطلقت نحو القطية ms019 قاصدا فك الاشتباك، ولكن أدي أمسكت بيدي بقوة ~~قد لا تصدر من امرأة في عمرها، وخاطبتني قائلة: ما تصدق النسوان يا ولدي، من صدق ~~النسوان كذب الرسل. # ثم انتهرتها بحزم موبخة إياها: يا بت ارجلي، عيب. # فصمت الصوت صمتا تاما مضيفا للمكان رهبة الموت، عبرنا نحو زقاق أكثر ظلاما، خارج ~~مجمع أدي السكني، كان السكارى والعابرون يلقون علينا التحايا في كلمة واحدة ~~سريعة. ~~- أدي. # فتجيب أدي بصورة ميكانيكية حنينة: أهلا ولدي. ~~- أهلا بتي. ~~- أهلا أخوي. ~~- أهلا أمي. ~~- أهلا حوي «أخي». # كانت تميز وجوههم السوداء المظلمة وجها وجها، تعلم أصواتهم المخمورة، المخدرة، المبحوحة ~~وترا وترا، أشباحهم، هيئاتهم، إيقاع مشيهم، أنفاسهم، خاطبتني فجأة: صاحبك دا أول زول ~~ينطرد من بيتي. # في أكثر من تلاتين سنة قبله كان واحد بس، هو منقستو. # قلت مندهشا: منقستو؟ ~~- أيوه، منقستو هايلي ماريام، قبل ما يكون رئيس في الحبشة، كان فالول «قاطع طرق» في غابة ~~زهانة، وخور الحمرة، كان زول صعب، الله يرحمه. # سألتها: وين الزول دا؟ # قالت مشفقة علي: الله يرحمه مات زمان. # لم أقل لها أنا أقصد صديقي، وليس منقستو هايلي ماريام، ولكني هززت رأسي ~~إيجابا. # يمكن سماع طقطقة شبشبها، في ظني، في كل البيوت المجاورة، مررنا بامرأة سوف تكون لها ~~حكايات كثيرة في قادم أيامنا بالحلة، وهي الصافية، امرأة نحيفة سوداء كالعادة هنا؛ حيث ~~الظلام يصبغ الجميع ببهائه، تحمل شيئا في يدها ويتبعها رجلان، تبادلتا التحايا بينما ~~سكت أنا وصمت الرجلان، عبق العرقي البلدي مختلطا بصنان نفاذ، وعرق كادح عبرا في ~~وجهينا. # عندما ابتعدوا قالت لي أدي: الليلة الجنقو نزلوا، ما شايفهم شايلين القوقو ~~كيف؟ # وتعني بالقوقو حقيبة صغيرة يحملها الجنقو على أكتافهم، يحتفظون فيها بأغراضهم ويعتقدون ~~فيها كذلك، سألتها ما إذا كانت المرأة أيضا جنقوجوراية؟ فأجابتني بأنها أشهر الجنقوجورايات ~~في الشرق كله، من الحمرة إلى أقصى صعيد القضارف، من الحواتة إلى الفشقة، كل الناس ~~يعرفونها، ثم أكدت لي أن جدودها والشياطين هم الذين افتتحوا هذه الأراضي، كانت تتحدث بيقين ~~وعلم راسخ وتقسم بين ms020 الحين والآخر بالله، بأن هذه الأنحاء مسكونة بالجن، ثم أضافت قائلة: ~~والكلام دا مذكور في الكتاب. # قلت لها مندهشا: ياتو «أي» كتاب؟ # قالت بسرعة: كتاب الدين، في كتاب تاني غير كتاب الدين؟ # هززت رأسي بما يعني: لا والله. # بين حين وآخر أجد نفسي منشغلا بمصير صديقي، ولكن أدي لا تترك لي فرصة للتفكير، فهي ~~إما تتحدث أو تسحبني خلفها بسرعة رهيبة في الظلام، هي تحفظ تضاريس الطريق، وشعاب المكان، ~~وأنا كالسكران لا أستطيع أن أمشي غير متعثر، وكدت أسقط عدة مرات، مشينا مسافة ~~قدرتها بالميل، ربما عبرنا صفين آخرين من بيوت القصب والقش والقطاطي الكبيرة، تهيأ لي ~~أننا كنا نسير في زاوية منفرجة، حينما بلغنا ما اعتقدت أنه زاوية المثلث، سمعت صوته ~~عاليا، بل يكاد يكون صراخا، وهذه أيضا إحدى عادات صديقي السيئة، وهي ليست علامة غضب، ~~ولكنها دليل على أن الأمور تسير في صالحه، وبصورة جيدة. # كان يهتف قائلا: إنه لا يدفع ولا قرشا واحدا، ويكرر أن هذا «مبدأ». # كانوا داخل حوش كبير من القصب والأشواك، في وسطه قطية كبيرة وراكوبة ترسلان ضوء شحيحا ~~من عمقيهما، كانوا يجلسون ويقفون تحت ظل الضوء الشحيح، تبدو أشباح الرجال الخمسة جلية ~~واضحة، طلبت منهم أن يتركوه، هتف في أحدهم: إنت منو «من أنت؟» # قالت لهم الأم أدي، وفي وجهها البني تتحرك عينان قلقتان كبيرتان، تلمعان في ~~الظلام كعيني قط يتربص فأرا: خلوه صاحبه دا حيحل معاه المشكلة. # قال مخاطبا إياي بصوت محمول على خدر الخمرة، ولسان ثقيل: أنا عايز أفهم الناس ديل ~~الفرق بين الرذيلة والفضيلة، الفرق هو القروش العايزني أدفعها دي، القروش بتحول اللقاء ~~الحار الإنساني البديع الخير المبارك الحصل بيني وبين الزولة الجميلة القاعدة جوه دي - ~~مشيرا إلى عمق ظلام القطية - إلى نوع من الدعارة والشرمطة. # فجأة أتى صوتها من عمق سحيق مظلم قائلة ببجاحة: أنا عايزة حقي يا زول، دا شغل! أنا ما ~~بتنفع معاي فصاحة الشوعيين الكفار دي، عايزة حقي، عايزة حقي، حقي وبس، دورين زي السم! ~~دورين ms021 يا ظالم وتقول لي شرمطة! دورين، دلكة وعصير رجلين وطقطقة أصابع ومص وعض دا كله ~~ملح؟ أنا بعرفك من وين عشان أديك بلاش «أعطيك بدون مقابل؟» لا حبيبي ولا ولد حلتنا ولا ~~أخو صاحبتي. # يبدو أن الحوار كان يدور بهذه الشاكلة لأكثر من ساعتين كحوار الطرشان، في تجمعات صغيرة ~~بين هنا وهناك يرى الندماء قرب راكوبة باهتة، تحت في ما كان ظلا عصريا ابتلعه الظلام ~~وتركهم، رائحة سمسم يشوى، قرقرة شيشة قريبة جدا، سيدتان تضحكان بتحفظ، قال لي: المرا دي ~~جابتك «هل أتت بك تلك المرأة؟» # قالت أدي منفعلة: أنا أدي مش «ليس» المرا دي! سامع؟ # انتهره أحدهم: اتكلم مع أدي بأدب. # قلت لأدي متجاهلا كل شيء: أنا عايز أرجع. # قالت لي مندهشة: ترجع وين؟ # قلت لها متجنبا النظر إلى صديقي: للقطية. # قالت باستغراب: عايز ترجع قروشك؟ # حيث إنها كانت قد رأتني أدفع «للمرأة» نقودا كثيرة جدا. # قال لي صديقي محتجا: إنت دفعت قروش؟ إنت زول داعر. # لم أرد عليه، قلت مخاطبا أدي: عايز أرجع القطية، عايز أنوم، ممكن؟ # قالت بانشراح، وقد فهمت ما أرمي إليه: إنت زول تاني، ما زي صاحبك. # خاطبني بسخرية: نتقابل الصباح يا أبو الشباب، يا فالح. # هززت رأسي إيجابا أو بما يعني: على كيفك يا بني. # عبر زقاقين قصيرين مظلمين قادني رجل كلفته أدي إلى بيت الأم، حيث التقيت لأول مرة ~~بامرأة انتظرتني طويلا في القطية اسمها: ألم قشي. # | عزومة الصافية # قابلناها في سوق القنذي، وهو سوق للملابس المستعملة الرخيصة، يقام على هامش السوق ~~الكبير، قرب زريبة المواشي في مكان خجول منزو؛ حتى تضمن خصوصية الرواد، البائع والبضاعة، ~~يرتاده الجنقو بين حين وآخر، إما لبيع ملابسهم، وأحذيتهم، وما تبقى من زينتهم، واستبدالها، ~~أو شراء أخرى، وذلك في شهور الفلس قبل موسم الحصاد، أو عندما يقبضون على ما تحصلوا عليه من ~~نقود نتيجة للعمل في الحصاد، ولا يمنع أن يمروا عليه كذلك للبحث عن ملبوسات خاصة، قد لا ~~تتوفر في مكان آخر غيره، وخاصة أن بعض ms022 الباعة يجلبون ما يسمى ب «كوشا مكة» أي مزبلة مكة، ~~أو «الميت قدرك»، وهي عبارة عن نفاية من الملابس المستعملة، أو تلك التي يتبرع بها ~~محسنون، وذوو موتى من دول الخليج أو المملكة العربية السعودية، يرسلونها بكميات كبيرة عبر ~~المنظمات التطوعية؛ لتوزع للمساكين في شتى بقاع السودان، ولكنها تجد طريقها سريعا لسوق ~~الفقراء بالقرى والمدن الطرفية، ولأنها غالبا ما تكون مستعملة استعمالا خفيفا، وبها ظلال ~~موضات مندثرة، فهي مرغوبة وغالية الثمن. # شاهدناها من بعيد تقف أمام البائع، تتفاوض في شراء جلباب، قال لي فيما يشبه الهمس: ~~الصافية، الصافية الرهيبة، أنا عايز أتكلم معاها يا صديق. # وكان يطلق علي هذه الصفة عندما يشرع في الحديث عن موضوع يظنه بالغ الأهمية. ~~- المخلوقات البسيطة الصغيرة المهملة المرمية على هامش المجتمع والمكان، تجد فيها أسرارا ~~لا حد لها، إن الله دائما ما يستودع حكمته في نوع زي ديل. # أضاف: أنا عايز أصل لأصل الحكمة فيها. # قلت له ساخرا بذات اللغة التي تحدث بها: عايزها مشروع حياة؟ ~~- بالضبط، حتكون إضافة حقيقية لتجاربي الإنسانية، تصور لو عرفت كل تجربة مرت بحياتها، لو ~~عرفت أحلامها، وأحزانها، وآمالها، لو عرفت كيف بتفكر الزولة دي، كل زول لاقيته في الحلة ~~دي يحكي لي عنها حاجات أقرب للأساطير، كلمني عنها مختار علي، أنا عايز أصل للحقايق ~~بنفسي، وليس من سمع كمن شاف. # سألته: منو مختار علي دا؟ ~~- واحد عجوز مريض إتعرفت عليه إمبارح بالليل، رجل طيب، بت معاهو في البيت. # وبأسلوبه المباشر المعروف طلب منها أن تسمح له بدفع ثمن الجلباب، مانعت قليلا، ولكنها ~~قبلت أخيرا، وشكرتنا الاثنين، وتبعناها إلى سوق الكجيك «السمك الجاف»، دفع لها ثمن رطلين ~~منه. # الكجيك وكوم الكول، الفرندو وربع اللوبة البيضاء، كراعات الشرموط، لفتين ~~المصران، وربع رطل الكمبو «أطعمة بلدية سودانية»، قالت ممتنة: كدا تكونو وفرتوا لي قروش ~~المريسة لأسبوع كامل، ووفرتوا أكل لخمسة عمال مساكين؛ لأنه دا الميز «الميس» بتاعهم، بعد ~~يومين حنرجع الخلاء. # قال لي، وكأنه يهمس همسا: ليه ما نمشي معاهم الخلاء ms023 ؟ أنا عايز أشوف الجنقو في مواقع ~~عملهم، في بيئتهم الطبيعية، حتى ولو أشتغل معاهم، أنا عايز أدرس حياتهم دراسة من شاف، ~~وعايش، وعاش. # ضحكت من كل أعماقي، أنا أعرف أنه لا يستطيع فعل ذلك وأعرف أنه لا يعدو كونه برجوازيا ~~صغيرا متخما بالمتناقضات، والادعاء، والأحلام الكبيرة، يحاول أن يقضي عطالته وصالحه العام ~~في مكان يقدم له الدهشة والانفعال، المتعة والإثارة؛ متعة المشاهدة، أما أن يعمل في قطع ~~السمسم فهذا مستحيل، العلاقة بيني وبينه قائمة على الصراحة والوضوح، بالإضافة إلى أننا كنا ~~نعمل في مؤسسة حكومية واحدة، طردنا للصالح العام معا، إلا أننا عشنا طفولة واحدة في ~~قشلاق السجون بمدينة القضارف، ولو أنه كان يسكن في قشلاق الضباط؛ حيث كان والده ضابطا ~~كبيرا ومديرا للسجن ووالدي شرطيا بالسجن، امتدت علاقتنا من المدرسة إلى الحي إلى ~~البيت، ثم لم ننفصل عن بعضنا البعض منذ أكثر من ثلاثين عاما، كلانا كان كتابا مفتوحا ~~مفضوحا أمام الآخر، حيث إننا كونا نفسيا ومعرفيا بصورة تكاد تكون متطابقة، ~~قرأنا في مدرسة ديم النور عنقرة الابتدائية، لعبنا خلف البيطري وعلى تخوم مقابر المدينة ~~معا، تشاجرنا مع أطفال دلسا وسلامة البيه جنبا لجنب، سبحنا في خور مجاديف وبرك ~~مكي الشابك، ولعبنا جيش جيش في وسط غابة الحسكنيت على سفح جبل مكي الشابك، قرأنا ذات ~~الكتب، واندهشنا معا باكتشاف جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي، ومهرجان ~~المدرسة القديمة، وحرابة المؤذن العجوز، وحكاية البنت مياكايا لإبراهيم إسحاق، ونحن نكبر ~~تدريجيا عرفنا معا نيتشه، والنساء، ودقات ريشة فان جوخ، ثم حفظنا أشعار أمل دنقل، ناظم ~~حكمت، محمد محيي الدين، المومس العمياء، ماريا وامبوي، عشقنا البنات أيضا معا، في ~~باكورة مراهقتنا أحببت أخته، وأحب أختي، كأول مغامرات غرامية لكلينا، ولو أنني ما كنت أدري ~~ماذا يفعل وأختي بالضبط، حيث إنهما كانا يحرصان على إخفاء نشاطاتهما عني، إلا أنني؛ ولأن ~~أخته تكبرني بعامين أو ثلاثة، كنا نعمل على اكتشاف جسدينا بصورة محمومة وممتعة، أختي تصغره ~~بعامين مما جعلني أفترض أن شأنهما ms024 قد يختلف؛ لأن البنات الأكبر سنا هن دائما يبتدرن ما ~~يخص الجسد، وأنهن يعرفن كل شيء، ونسبة لصغر سن أختي ما كنت أظن أنها بمهارة أخته، دائما ~~ما أتخيلها بريئة مسكينة عويرة، على كل ليس فيها ما يعجب ولدا ما، فهي في أحسن الأحوال ~~مملة، ومضجرة، وكنت لا أطيقها لحظة، لا تفلح في شيء غير فضح كل ما أقوم به عند أبي، ثم قرأت ~~وإياه ذات الجامعة، ذات الكلية، ذات التخصص، وأول امرأة أجرينا معها فعلا جنسيا كانت هي ~~نفس المرأة؛ محاضرة شبقة بالقسم، أقول كنت أعرفه تماما. قلت له: أنا مش حامشي معاك للخلاء ~~حانتظر هنا. # قال ضاحكا: مع ألم قشي، مش كدا؟ # قلت له: بالتأكيد. # قالت الصافية فجأة: إنتم الليلة معزومين معاي في بيت أدي. # قال فزعا: تاني بيت أدي؟ من قبل كم يوم قلعوا ساعتي الجوفيال الأصلية، وشالوا كل ~~القروش اللي في جيبي، ولو ما ستر الله كانوا كتلوني عديل كدا. # قالت الصافية بثقة: إنت حتكون ضيف عند الصافية. # قالت الجملة الأخيرة، وهي تندفع أمامنا مثيرة عاصفة من الصنان مختلطا بعرق المريسة، ~~أضافت: أنا لازم أكرمكم، بتشربوا؟ # قلنا معا في آن واحد: بنشرب. # ثم أضاف صديقي: المستورد علينا. # قالت: أنا علي أبو حمار «العرق». # ضحكنا ونحن نتوغل في أزقة الحي الضيقة، تحيط بنا القطاطي، وأصرفة الشوك، والقصب، ~~ورائحة المشك، من كل جانب، يمر بنا السكارى، والعشاق، والأطفال يحيون الصافية ~~بكلمة واحدة: الصافية. # فترد بكلمتين حنينتين تسعان الجميع: أهلا أبوي. ~~- أهلا أمي. # فاجأتني الصافية قائلة: قالوا إنت سبت صاحبك للمجرمين، ومشيت لألم قشي، كيف لو ~~كتلوه؟ # قلت مندهشا: منو القال ليك؟ # قالت ببرود: كل الناس بيعرفوا الموضوع دا، ما في شي هنا يندس. # قلت لها مبررا: أنا عارف ما في زول بيقدر يكتله «يقتله». # أضاف ضاحكا: على الأقل قبل عشرين سنة، عندي مشروع ما بيخلص قبل عشرين سنة، بعد داك أصبح ~~مستعد للموت. # سألت الصافية في براءة: مشروع في الفشقة؟ # حاول أن يشرح لها معنى مشروعه العشريني، ولكنه ms025 فشل، فشرحت لها أنا، فهمت، قالت: ولكن ~~الموت بيد الله. # قال: نعم، ولكن الحياة بيد الإنسان. # قالت بيقين عميق: الحياة والموت الاثنين بيد الله، الزول ما بيده حاجة. # قال مغتاظا: إذن الإنسان قاعد ساكت «ليس بإمكانه فعل شيء؟» # قالت في هدوء: والله ما عارفة، أنا بس بعرف إنو «إن» الموت والحياة بيد الله. # أعرف أنه اغتاظ قليلا لفشله في كسب الحوار، وأعرف أنه لن يتنازل بسهولة، ولكنه الآن يوفر ~~نفسه لمعركة أخرى في ميدان آخر، ظهرت طلائعها عندما همس في أذني: عارف يا ولد، الصافية دي ~~فيها أنوثة مجنونة عديل، أنوثة وحشية، أنوثة كلبة معوبلة، أنا شاميها شم. # قلت له: وإنت كلب عاير. # قال بسرعة: تماما، تماما، كلب عرمان. # في حوش طرفي من بيت الأم، حيث جلسنا أنا وود أمونة وألم قشي، وقد هيأ ود أمونة ~~بخفة محترف كل شيء، وجلس قريبا من الباب، كنت أحس برغبته العارمة في التحدث معي، ورغبته ~~أيضا في أن يتركني وألم قشي وحدنا، وتحسست بميتافيزيقية رعناء رغبة ألم قشي في أن ~~تطارحني الفراش، ورغبتها في أن يبقى ود أمونة كما هو في موقعه، المهم حسمت الأمر بأن ~~قلت لود أمونة جملة اعتراضية: قلت لي اتربيت في السجن مش كدا؟ أنا والدي يرحمه الله كان ~~سجان بسجن القضارف. # أحسست حينها أن ألم قشي وود أمونة كادا أن يطيرا من الشعور بالراحة، قال وهو يأخذ ~~نفسا عميقا من الشيشة: آه، السجن، صاح، اتربيت في السجن. # | ود أمونة متبلا # عطر البخور الحبشي يملأ القطية، تأتي أصوات المكان مخترقة القش، والأقصاب، ~~عبر الظلمة للداخل، واستطعنا أن نميز غناء جميلا رقيقا يتلمس سككه عبر الليل ~~نحونا، قال ود أمونة: دي بوشاي. # ثم واصل في حكي تفاصيل السجن، تحدث بتلقائية وبساطة، بهدوء ورقة لا تتوفر في شخص غيره، ~~ألم قشي تقاسمني الوسادة البيضاء المستطيلة على طول عرض السرير، تخلف ساقيها مع ساقي، وبين ~~وقت وآخر تتعمد حك أخمص قدمي بأحد أظافر رجليها، مثيرة شبقا وحشيا تؤجله ~~دائما حكايات ود أمونة ms026 المدهشة في السجن، الليل كعادته في هذه الشهور دافئ مرح، ~~عنت فكرة لألم قشي عبرت عنها بنهوض مفاجئ من حضني قائلة: ح أعمل ليكم جبنة ~~«قهوة». # هكذا يعبر الناس عن حبهم واهتمامهم بالآخر في هذه الأمكنة، بأن يعملوا لك ~~جبنة. # قال ود أمونة مواصلا حكاية العازة، لم تستطع عازة أن تقنع أمه لكي تتركه معها عندما ~~تخرج من السجن، وأرسلت لها الوسطاء من سجانين ومسجونين، وحتى مأمور السجن نفسه، ولم ~~يقنعها سوى ما حدث لود أمونة في ذلك المساء: «كنت في طريقي إلى عنبر النسوان»، بعد أن ~~عاد من مشوار كلفه به الشاويش خارج السجن، وعندما وصل ود أمونة الممر المؤدي إلى ~~الزنازين، وهو الطريق الأقصر إلى الجزء الغربي من عنبر النسوان حيث مقام أمه، إذا بيد ~~ناعمة قوية تمسك بذراعه، وأخرى توضع في فمه، كانت تفوح منها رائحة البصل، والثوم، والتوابل ~~الأخرى، مما جعله يتعرف بسهولة على الطباخ، ثم همس في أذنه: ما تخاف، دا أنا. # ثم سحبت الكف عن فمه، قال له ود أمونة: عايز مني شنو؟ # قال الطباخ: إنت بكره ماشي مع عازة، طبعا حيطلعوها من السجن، وإنت حتمشي معاها، وأنا جيت ~~عشان أقول ليك مع السلامة، طالما إنت ما بادرت بالوداع، مش عيب عليك يا ود أمونة ما ~~تقول لي مع السلامة؟ # قال ود أمونة متضايقا: كويس مع السلامة يلا فك يدي. # قال الطباخ محاولا أن يكون رقيقا ومهذبا: لا، ما كدا، مع السلامة دي عندها طريقة ~~تانية، وفي حفلة صغيرة أنا عاملها ليك في مخزن المطبخ برانا «وحدنا»، أنا وإنت، جبت شمع ~~وعندي ليك هدية؛ ملابس جديدة، وجزمة، وكرة، وحلاوة، وحاجات حتعجبك. # قال ود أمونة وهو يحاول نزع يده: إذا ما فكيت يدي حأصرخ وأمي تسمع، وحتجي ~~تقتلك. # فأدخل الطباخ يده في جيبه، وأخرجها قابضة على نقود لها رنين. # قال له ود أمونة: أخير ليك تفكني «من الأحسن لك أن تتركني.» # بيد الطباخ الممسكة بالنقود، أعاد النقود إلى جيبه، وبسرعة ومهارة فتح زرار بنطاله ~~وأخرجه ms027 ؛ شيء لم يستطع ود أمونة تمييز معالمه في الظلام، ولكن عندما دفع به الطباخ إلى ~~بطن ود أمونة، أحس به ود أمونة قويا وطويلا، قال الطباخ: الموضوع بسيط، وما ~~بياخد دقيقة واحدة، وأنا أديك أي حاجة عايزها. # وعندما مد فمه الذي تفوح منه رائحة الصعوط مختلطة بسجائر البرنجي، محمولة على عبق ~~عرقي العيش، بحركة رشيقة خاطفة أمسك ود أمونة بشيء الطباخ، كان مظلما كبيرا وأملس، ~~أدخل ما يكفي في فمه وبين أضراسه الحادة، نفذ وصية أمه بحذافيرها؛ الشيء الذي جعل كل من ~~في السجن والذين يجاورونه والذين تصادف مرورهم في تلك الليلة بتلك الأنحاء، يقفزون رعبا في ~~الهواء من جراء صرخة الطباخ العنيفة البائسة التي لم يسمع أحد في حياته مثلها، ولن تتكرر ~~في مقبل الأيام، صرخة أطارت العصافير الصغيرة النائمة في أشجار النيم في وسط السجن، جعلت ~~السمبريات العجوزات الساكنات بالسنطة عند بركة المياه جنوب السجن تضرب بأجنحتها في ذعر، ~~كانت الصرخات التي ألحقها بالصرخة الأولى أقل أهمية؛ لأن أحدا لم يسمعها سوى ود ~~أمونة، كانت أكثر بؤسا ورعبا، ثم سقط. ~~- بصقت رأس الذكر من خشمي «فمي». كان شيئا مقرفا. قالت لي أمي بعدما صلينا صلاة ~~الصبح في الساحة: إنت حتمشي مع عازة إلى بيتهم، أنا تاني ما حأخاف عليك، إنت بس حافظ على ~~أسنانك، حأديك قروش تشتري بيها مساويك. # رائحة قلي البن الحبشي تملأ رئتي عبقا لذيذا، وصوت بوشاي الحلو يغني فيأتي به ~~الهواء الدافئ من حي العمدة إلى قطية أدي شهيا، قالت ألم قشي: بعد دا كله، ~~الطباخ شغال لسع «ما زال» في السجن، سمين زي البغل. # كنت أعرف هذا السجان، وقد سمعت بقصته هذه من قبل، ولكني لم أعرف التفاصيل إلا الآن، ولم ~~أحس ببشاعة الحدث وفداحته بهذا القدر، لقد كان هذا السجان يسكن في ذات القشلاق، الذي كانت ~~أسرتي تسكنه، فأبي يعمل بذات السجن، ويعرف الناس عنه غرابة السلوك، ولو أنه لم يتحرش بأي من ~~أطفال القشلاق، فلقد كان له رفقاء في عمره، لم أقل ms028 لهم إنني أعرفه ولم أقل لألم قشي أن ما ~~قالته عن استمرار عمله بالسجن، وسمنته ليسا حقيقة، فلقد مات الطباخ بعد هذه الحادثة بسنة ~~واحدة، لدغه ثعبان في مخزن البقوليات بالسجن، لم أقل لهم أن هنالك صلة قرابة تربطني ~~به. # تحركت ألم قشي وهي تحمل المقلاة تطوف بالقطية مقربة إياها من أنوفنا، فنستنشق ~~المزيد. # قال ود أمونة: طلعت من السجن وأنا عمري عشر سنوات، لكن تقول راجل كبير، كنت بعرف كل ~~شيء، ما تفوت علي كبيرة ولا صغيرة. # أضافت ألم قشي في زهو: ما شاء الله، ود أمونة دا، أصلو ما تقول كان طفل في يوم من ~~الأيام. # صبت البن في الفندك، وأخذت تدق بتنغيم أتبعته بغناء بلغة الحماسين. # قال لي ود أمونة معتذرا: معليش شغلتك بحكايات السجن والأمور الفارغة دي، أنا حأخليك ~~شوية مع ألم قشي وحنتلاقى، أنا قاعد في قطية ما بعيدة من هنا. # ولكنني أصررت عليه أن يحتسي معنا القهوة قبل أن يغادر، وأكدت ألم قشي رغبتي تلك، وقبل ~~على شرط أن يشرب معنا «البكرية» أي الفنجان الأول فقط ثم يكمل البقية مع الأم، ~~فقبلنا. # بالغرفة سرير واحد ولكنه ضخم يساوي سريرين كبيرين، مصنوع من السنط، له قوائم ضخمة ثقيلة، ~~عليه ملاءة بيضاء مطرزة بالكروشيه في شكل طاووسين كبيرين متقابلين بالفم، ويبدو النهج ~~الحبشي واضحا في فن الحياكة والتطريز من حيث استخدام اللون الأصفر، والأحمر، والأخضر، كانت ~~ألم قشي كعادة الحبشيات تبدو في بشرة حمراء ناعمة، وساقين طويلتين نحيفتين منتظمتين ~~جميلتين، عليهما نقوش حناء باهتة، ووشم على القدم غريب بدا لي كصليب، أو ربما وردة سحرية، ~~على كل كان شهيا وطيبا وطازجا. # لا أفهم كثيرا في ممارسة الجنس، في صباي، أنا وغيري من صبية الحي في أيام مراهقتنا ~~الأولى، أتينا الأغنام، والدحوش، وحتى العجول، ولم يكن ذلك ممتعا، ولكنه مهم حيث تبدو ~~كبيرا، وفحلا، أمام أصحابك وإلا لقبت بالمرا، وهذا لا يجوز في حق أحدنا، ولكن تجربة ~~شريرة حدثت لي قبل ذلك - أي قبل البلوغ - كانت الأكثر ms029 إدهاشا وأكثر بقاء في ذهني، وربما ~~لا تزال توجه بوصلة الجنس في ظلماء نفسي، اعتادت خالتي التاية أن ترسلني إلى المطحنة عند ~~الصباح الباكر قبل الذهاب إلى المدرسة؛ لكي أوصل جردل العيش إلى هناك، ثم أعود لأخذه في ~~نهاية اليوم، وأنا عائد من المدرسة، أي بعد أن يتم طحنه، حيث تقوم بإعداده لصنع كسرة يوم ~~غد التي تبيعها في السوق الكبير، صاحبة المطحنة امرأة شابة ليس لديها أطفال، يعمل زوجها في ~~سوق الخضار، وكعادته ألا يعود إلا عند المغرب، وهي سيدة معروفة في مجتمع المراهقين ~~بصورة جيدة، وكل واحد منهم له معها قصة ربما أغرب من قصتها معي، ولكن ربما الشيء الذي يميز ~~حكايتها معي؛ هي أنها كانت تضربني ضربا مبرحا لا أدري لماذا في ذلك الوقت، ولكني فهمت في ~~ما بعد بعض الشيء، عندما أعود لأخذ الطحين كانت تأخذني إلى داخل المنزل عبر باب داخلي ~~للمطحنة، وهناك تخلع ملابسها وملابسي، في أول مرة شرحت لي وأرتني إياه، وخفت خوفا حقيقيا ~~عندما رأيته لأول مرة، كان لا يشبه كل التصورات التي رسمتها له وأصحابي، كن نظن أنه شيء ~~جميل جذاب مثل الوردة، ولكن هذا الشيء الذي أمامي شيء آخر، إنه أشبه بفأر كبير على ظهره شعر ~~أسود مرعب، له فم كبير وربما أسنان أيضا، بل له رائحة كريهة، لا أدري كيف خدعنا به طوال ~~تلك السنوات، فلم آلفه أبدا، ولكنها بخبرة المرأة المجربة التي تعرف كيف تثير، أزالت ~~مخاوفي، ثم عرفت كل شيء أو ما ظننت أنه كل شيء، ولكنها كانت تطلب مني غير الإيلاج أن أقذف، ~~بالأحرى كانت تأمرني قائلة: بول، بول، بول. # وأنا لا أعرف كيف أبول هناك وليس لدي بول في مثانتي، فكنت أقول لها ذلك فتغضب فتضربني ~~قائلة: بول، بول الرجال، إت ماك راجل «ألست برجل؟» # ولم أعرف بول الرجال هذا إلا بعد سنوات كثيرة، عندما جاءتني في الحلم هي ذاتها ~~عارية، وبحلق في فأرها المتوحش، وضربتني عندما اشتد بها الشبق. ~~- بووووووووول. # فبللت ملابسي بسائل دافئ ms030 له رائحة اللالوب الذي كنت أكثر من أكله في تلك الأيام، خرج ~~البول في لذة، وألم مدهشين، ثم لم أبل في سيدة بالفعل أبدا؛ حيث لم تتح لي فرصة لذلك، أو ~~أنني كنت خجولا أمام النساء، ولم تصادفني من هي في جرأة تلك المرأة، أو لست أدري ما هي ~~حكايتي بالضبط، كل ما امتحنت به جسدي كانت لمسات أخت صديقي الدافئة البريئة، إذن بعد خمسة ~~وثلاثين عاما ها أنا ذا وجها لوجه مع امرأة، ولأول مرة في حياتي، امرأة فعلية مجربة ~~وخبيرة، وأنا رجل كبير في السن راشد، وبالغ ولا خبرة لي في النساء، ولا أدري كيف فهمت ~~ألم قشي ذلك، ولكنها قامت بكل شيء بنفسها، بدءا من لبس الواقي، انتهاء بالبول، بول ~~الرجال، كانت تسحبه من أعماقي بجنون ولذة لا يوصفان. # | مختار علي # ثم واصل مختار علي الحكاية، يستطيع الآن مختار علي المشي لقضاء الحاجة وحده، بل أن يذهب ~~للدكان عند ناصية الطريق، ويشتري حجارة البطارية، قال: لما قلنا كدا بسم الله، ودخلنا ~~السمسم، كبر الجلابي سماعين ثلاث مرات: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لمن الخلا ~~كله صن يوووو. # ثم جاء الجلابي سماعين بخروفين كبيرين أقرنين، كرامة، وسلامة، وطلب منهم أن يذبحوهما ~~وقتما شاءوا. # عندما يكون السمسم جيدا فتيا مرصوصا كالدرر على ساق حمراء شامخة، يجبر الجنقوجوراي ~~على الانحناء لحصاده، حينها يصبح الحصاد مهرجانا من الرقص، يغني الجنقو لحنا واحدا ~~ثريا حلوا على إيقاع ضربات المنجل، خشخشة ربط الكليقة، ورميها بالخلف، متعة ~~الإنجاز: كليقة. # كليقة. # كليقة. # كليقة. # تصنع «حلة» والحلة استطاعوا هذا العام أن يرفعوا سعرها إلى ثمانية جنيهات، وهو ثلاثة ~~أضعاف سعرها في العام الماضي، كل ضربة منجل هي جزء من ثروة كبيرة، كل ربطة كليقة، ~~كراع بوليس: هي بعض الحلم يتحقق، كل حلة أنجزت؛ هي ثمانية جنيهات تنضاف إليها ثمانيات ~~أخريات، ثم ثمانيات أخريات، ثم تسلم إلى الخالة؛ بالحلة: ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية ~~+ ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ثمانية + ~~ثمانية + ... # ث م ا ms031 ، + # م، ني +، م # ا، ة + ث # ني، ث-ث + نية # ة، م + ة # نما، ن ... ية ... + + + نية. # وأحس مختار علي برأسه ثقيلا، بيديه مشلولتين، رجليه؛ أين هي رجلاه؟ # أحس أنه ينسحب، قليلا قليلا، ين، س، حب، من حقل السمسم، حقل الحياة: أبكر آدم ما ~~لاحظ إنه أنا اتأخرت، يمكن إلا عندما وقعت في الواطا تب، حتين شافاني. # أسبوع بأكلمه قضاه مختار علي مريضا في التاية وحيدا، حيث يذهب الجميع إلى العمل ~~يتركونه مع الفئران، الزرازير، أولاد أبرق، عشوشاي، وكلب الخفير. ~~- والله لمان تقول جاتني نفسيات، كلمت سماعين الجلابي قلت ليه: أنا يمكن أموت هنا ~~في الخلا دا ساكت «بلا فائدة»، وديني الحلة، عندي أخت لي هناك متزوجة، وديني ليها، ~~وشالاني جاباني هنا، رماني رمية واحدة، بت عمي، أختي سافرت همدائييت، راجلها اشتغل هناك في ~~التهريب. # لم يره الجلابي سماعين مرة أخرى، كأنما رمي بشيء قذر في واد مهمل مهجور، كان قد وعده ~~بأن يحضر المساعد الطبي، أو يأخذه إلى المستشفى المحلي، أو حتى ينادي له الفكي علي ود ~~الزغراد، وهو زول يده لاحقة، لكنه هرب منه هروبا، كما وصفه بعض الجنقو فيما بعد: هروب ~~جبان. # ولكن بارك الله في الأخوات والإخوان، على رأسهم الصافية، وهي غزالة سوداء نحيلة، قل: ~~نحلة؛ لأنها دائمة الحركة، لها رائحة متميزة، عبارة عن صنان مختلط ببقية الليلة الماضية، ~~وعرق كدح دءوب، هذه السيدة البسيطة الهزيلة، التي يتبعها لفيف من الجنقو كظل لها، المسالمة، ~~من يحتفي بالإخوان ومجالسهم الطيبة، هي ذاتها الحيوان الشرس الضاري في المشروعات الزراعية، ~~الذي عندما يقتحم حقل السمسم يرمي الحلة خلف الحلة، خلف الحلة، خلف الحلة، خلف الحلة، ~~خلف الحلة. # وكأنها تعمل بماكينة، ما شاء الله، ينجح الجلابي صاحب المشروع حتما، إذا نجح في أن يضم ~~الصافية إلى فريق عمله، حكى مختار علي: قالت لي الصافية: أنا حأدب ليكم سماعين ود الحايل، ~~حأخليه يبكي بدموعه. # جابت لي الممرضة، جابت لي الفكي علي ود الزغراد بنفسه، جابت لي القضيم، جابت لي العدسية، ~~جابت لي ms032 أم جلاجل وعرقها المر، سوت لي المديدة، الفيتريتة الحمراء، وعصيدة الدخن. ~~قاطعة الشايقي؛ وهو كما يعرف الجميع جعلي، ولكنه ملقب بالشايقي لآثار شلوخ في وجهه: قالوا ~~الصافية دي فيها جنس مرا؟ # وعض يده في ألم، ثم أضاف: لو كان بتنعرس، والله أعرسها. # ضحك الجميع في آن واحد، ولو أن بعضهم يخالفه الرأي، بل يحتفظ في أضابير وعيه، برأي عكس ~~ما طرح تماما، لكنهم ضحكوا، تململ البعض، آثروا الاستماع، الكلام عن النساء وفيهن مثل أكل ~~الموليتة، مر حارق، ولكنه لذيذ، دائما له طعم متجدد، ربما لأنه يحرك حنينا منطويا ~~في ذواتهم عن أم جميلة فقدت في موطن ما، أو أخت حنينة لم تنس تماما، ولكنها مختبئة في ~~ركن غيب الذاكرة، بعيدة قريبة في آن واحد، أو بنت استحال إنجابها، وربما زوجة، عشيقة، ~~صديقة لم تتبين ملامحها بعد في موطن جاءوا جميعا منه إلى هنا، ولكن أيضا للصافية ~~خصوصيتها، هنالك جوانب مظلمة في حياتها، خاصة في ما يتعلق بنشاطها الجسدي، وكل ما يدور في ~~هذا الشأن ليس سوى أسطورات صغيرات يمخرن في أودية وخيران دافئة، تحت سنطات وسيالات ~~عجفاوات، وعلى حوافر الثعالب والأرانب والحلوفات، أسطورات حالمات وديعات. # قال له مختار علي متحديا، وقد نسي أم تناسى حكايته: إنت لقيتها وين؟ # قال أبكر آدم: لو ما لقيتها ما بكون سمعت بحكايتها مع ود فور، يا أخوي لو ما متنا ~~شقينا المقابر. # حسنا، سوف لا نتطرق إلى هذه الحكاية الآن؛ لأنها معروفة ومكرورة، وقد يتولد لدى البعض ~~بأننا نعرف كل ما يحيط بها، وهذا مجانب للحقيقة، فكل شخص في هذا المكان يحتفظ برواية خاصة ~~به عن الصافية وود فور، حكيت من قبل من قبل عشرات الأشخاص؛ نساء ورجال وأطفال، وكل حكاية ~~ما كانت تشبه الأخرى، وما جاءت به، ما يشبه الندوة في بيت أداليا دانيال يوم مريستها؛ ~~كان شيئا آخر. # الجناح الذي خصتنا به الأم من بيتها الكبير المتسع يقع في آخر صف من القطاطي، الملحقة ~~برواكيب صغيرة ممتدة في شريط قد يصل طوله ms033 إلى مائتي متر، وهو موقع شبه مهجور، وربما خاص، ~~اكتمل المزاج بالشيشة حيث برع في إعدادها ود أمونة الذي لم يحتمل بقاءنا بدون نساء ~~يحلين طعم القعدة ويكسبن بعض المال، ولم تعجبه فكرة أننا نكتفي بهذا الوحش - في نظره - ~~الصافية، وذكر في أذني اسم ألم قشي، كلما وجد فرصة لفعل ذلك؛ لأنه لا يعرف عني زهدي في ~~النساء، ظل يلاحقني إلى أن لاحظت ذلك الصافية، فتحدثت معه بأسلوب غليظ، حرمنا من نكاته ~~وملاحظاته الجميلة عن الحلة وناسها وعن السجن، وحرمنا من نفحات عطر راق ينسمها، صمت ~~ثم خرج. # قالت لنا الصافية من بين قرقرات الشيشة، وكأنها تمتص العالم كله في نفس واحد: البلد دي ~~أسستها حبوبتي «جدتي» الصافية، أنا سموني عليها، لمان جات هنا كان البلد ما فيها ~~غير المرافعين «الضباع»، والقرود، والحلوف، والجنون، البلد كلها غابة كتر، ولالوب، ~~ونبك. # حكت لنا حكايات كثيرة ممتعة عن المكان قبل عشرات السنين؛ عن سجناء يهربون ب «الفرو» ~~من سجن الحمرة بإثيوبيا، عن شياطين يسكنون ويتزاوجون مع البشر، عن بشر يتحولون إلى حيوانات ~~وغربان، عن أناس يموتون ثم يحيون في شكل بعاعيت «أشباح». # وعن أناس عندما يموتون ويحيون سبع مرات، يتحولون إلى أبي لمبة، وعن بشر يأكلون البشر، ~~وعن، وعن. # إلى أن قاطعها صديقي سائلا: قولي لينا حكايتك شنو مع ود فور؟ # أنا والحق يقال خفت، ولأول مرة في حياتي أخشى ردود أفعال لا أستطيع أن أتنبأ بها ~~إطلاقا، نهضت مدت خرطوش الشيشة إلي، دون أن تنظر إلى أي منا، مشت نحو قطية ~~تبعد قليلا عن مجلسنا، القطية الأكبر حجما، منذ أن غابت الشمس أضاءها ود أمونة مع ~~بقية القطاطي الفارغة، حتى لا يتخذها الشيطان مسكنا، اختفت هناك لم يسمع لها حس، لم ~~أستطع أن أتفوه بكلمة، ولو أنني كنت في أشد الحاجة لكي ألومه، وأن أكرر ملحوظتي عن سلوكه ~~الفظ وطريقته المباشرة الفجة عند مخاطبة الناس. ~~«تعلم الكياسة، تعلم كيف تخاطب الناس.» # لم أتفوه بكلمة واحدة، وضعت الخرطوش جانبا، نهضت، ناديت بأعلى ms034 صوتي: يا ود ~~أمونة. # وفي لمح البصر، وكأنما كان ينتظر خلف الباب مترقبا النداء، جاء ووقف أمامي في أدب وهدوء ~~قائلا: نعم؟ # قلت له: أرح، نمشي. # لم يقل إلى أين ولكنه مضى أمامي ومشيت خلفه، كنا نهرول هرولة، دخلنا زقاقا ضيقا ~~أفضى بنا إلى زقاق ضيق عبر صف من الرواكيب والقطاطي، عبرنا شجرتي نيم خلف زريبة تبيناها من ~~رائحة روث البهائم تفوح منها رائحة «المشك»، ثم يتلوى بنا زقاق آخر؛ ليلفظنا خارج بيت ~~الأم في طريق رحبة، يؤمها السكارى والعاشقون ولفيف من خلق الله، من الجنقو، والجلابة، وبعض ~~عساكر الجيش، ومضى ود أمونة، ومضيت خلفه صامتا إلى أن دخل بيت مختار علي، حينها قال ~~لي: إنت عايز بيت مختار علي، مش كدا؟ # قلت له: أيوه. # ولم أسأله كيف عرف ذلك، دخلنا وجدنا مختار علي، وقد خلد إلى النوم، استيقظ بمجرد أن ولجنا ~~الحوش الكبير وصاح: منو؟ # قال ود أمونة: نحنا يا مختار. ~~- مرحبا، اتفضلوا. # قال لي ود أمونة مستأذنا: أنا عندي شغل في بيت الأم، لو ما كدا كنت قعدت معاكم، ~~الليلة في ضيوف كتار في البيت، نتلاقى الصباح. # ودون أن ينتظر ردا مني ذهب واختفى في الأزقة التي حتما ستسلمه إلى أزقة، التي سوف تلقي ~~به في بيت الأم. # بيني وبين نفسي كنت قد فسرت هروب ود أمونة مني، وادعاءه المشغولية بعودته السريعة إلى ~~بيت الأم، كان يريد أن يشهد بأم عينيه ماذا سيجري ما بين صاحبي والصافية، سألني مختار علي ~~بصوت نعسان مرهق عن صاحبي، قلت له: تركته في بيت أدي مع الصافية. # قال محتجا وقد طار النعاس من عينيه: لييه؟ # قلت له في برود: رغبته. # قال وقد جلس: لكن مع الصافية؟ # قلت مؤكدا: نعم مع الصافية. # قال لي: ما سمعت قصتها مع ود فور؟ # قلت ببرود: ولكن قصتها معك كانت مختلفة. # قال محتجا: الموضوع مختلف، معاي براو «بشكل»، ومع ود فور براو. # قلت له: هل أنت متأكد من أن قصتها مع ود فور صحيحة؟ # قال مستسلما : في ms035 الحقيقة ما في زول متأكد من الحصل بالضبط لود فور، ولكن الناس كلها ~~متأكدة إنو حصل ليه شيء، كويس؟ كعب؟ الله يعلم، المهم ربنا يستر. # قلت له وقد عاد واضطجع في السرير: ما يهمني إنا «أنها» ما حتقتله؛ لأنو ما بيموت بالساهل، ~~وكل شيء غير الموت هو تجربة مفيدة في حياة الزول بتنفعه وما بتضره، كعب الموت بس. # ولكي ينهي النقاش سألني مختار إذا كنت أرغب في النوم داخل القطية مثلما يحب صديقي، أكدت ~~له أنها رغبتي أنا أيضا، وأنني معتاد على ذلك منذ صغري، طالما لم تكن لدي رغبة في النوم، ~~قلت لنفسي: لأجرجرنه في الكلام ولو في الموضوعات التي يحبها كبار السن مثله. ~~- ليك كم سنة هنا؟ # انقلب على جنبه الأيسر ليقابلني وجها لوجه: والله ما بتذكر أنا جيت «جئت» هنا متين ~~«متى» أول مرة، لكن من ما كانت الحلة دي بيت واحد كبير مزروب بشوك الكتر، والسيال، ~~المرافعين والثعالب تحوم، والشمس في نص السما، كان الجلابة البيزرعوا هنا، محسوبين على ~~أصابع اليد الواحدة، والأرض المزروعة ذاتها كانت صغيرة وضيقة، كنت أنا وكيل مشروع، أكبر ~~مشروع، ما بشوف التاجر الجلابي دا إلا يوم الحصاد وبس، كل البوابير، والعمال تحت إدارتي ~~أنا، ولكن نحنا ما فينا فايدة، الواحد بيلقى العشرة والعشرين في زمن القرش الواحد عندو ~~قيمة، ولكن الواحد مننا يشيل القروش وينكسر في كنابي «بيوت» المريسة في «الحمرة» في فريق ~~قرش: دي حلوة، دي مرة، دي حامضة، دي فطيرة، دي خميرة، دي فتاة، ودي عزباء، دي شرموطة، ~~ودي شريفة، لحدي ما يكمل الفي جيبه، وتاني يبدأ من جديد، أكثر من أربعين سنة بالصورة دي، ~~يمكن حتى تقوم الساعة دا لو ما انتهى الواحد مننا في شجرة الموت، في فريق قرش، وتبقى سوء ~~الخاتمة. # قلت له مندهشا: شجرة الموت؟ تقصد سدرة المنتهى؟ ~~- لا، دي شجرة الموت دي شجرة كبيرة في الحمرة في فريق قرش، لمان يكبر الجنقوجوراي ~~خلاص، ويقرب من الموت، أو يمرض مرض تاني ما في عافية بعده، ms036 يمشي وحده، أو ترميه الفدادية ~~«صانعة المريسة» صاحبة البيت في الشجرة دي حتى يموت، الإخوان ما بيقصروا منه يدوه الفيها ~~النصيب كان طعام، كان قروش، كان هدوم، كان شراب، كان تمباك. # قلت له ثائرا: لييه ما يرجعوه لأهله؟ ~~- ما في زول يقبل يرجع لأهله بعد العمر دا كله، يرجع ليهم زول موت؟ عيب والله؟ # ثم حدثني أن الجنقوجوراي، أي جنقوجوراي، يأتي إلى هنا للعمل موسما واحدا فقط ويقول ~~لنفسه: إنه بعد هذا الموسم سوف يعود لأهله، يبسط أمه، وأخواته، ويتزوج، فيعمل موسمه الأول، ~~ولكن أولاد الحرام وبنات الحرام دائما له بالمرصاد، فيشرب قروشه كلها مريسة، وعرقي، وينوم ~~مع النسوان، ويصاحب، ويقول السنة الجاية بعد حصاد السمسم مباشرة سوف أعود إلى أهلي وهكذا، ~~إلى أن يبلغ من العمر عتيا، فيمرض ويموت، قال ضاحكا: أنا في حياتي ما شفت جنقوجوراي واحد ~~رجع لأهله! إلا إذا جاء أهله، وساقوه من هنا. ~~- غريبة! # ثم أضفت وقد طغى على ذهني موضوع الشجرة الغريبة: أنا أتمنى أشوف شجرة الموت دي. ~~- في حي قرش، شجرة مشهورة في الحمرة جنب بيت العمدة دودة، هي مصير الزينا ~~ديل. # قلت له مشفقا: إنت أهلك وين يا مختار؟ # قال في حسرة: أنا ما عندي أهل، أنا حسي «الآن» عمري فوق الستين، بعد دا في أم ولا أبو ولا ~~إخوان بيكونوا موجودين؟ وأنا كنت أصغر واحد في الأسرة. ~~- أولاد إخوانك وأخواتك وين؟ ~~- لا أعرفهم، ولا هم يعرفوني، وقريتنا ذاتها في دارفور انمسحت بالواطا، ضربتها الحكومة، ~~أنا مصيري بس شجرة الموت يا ولدي، وأنا ما ندمان على شيء، والله عشت زي ما عايز، واستمتعت ~~بحياتي في شبابي، وحتى الآن أنا بعمل وبجيب دخل، وأنا مقتنع أنه أي إنسان ضاق نسوان ~~البلد دي، وشرب مريستها تاني ما بيفارق عيشتها، وأنا لا خليت نساوين ولا مرايس، من خشم ~~القربة حتى فريق قرش في الحمرة، ومن الحواتة حتى الفزرا، بس أنصحك يا ولدي ما تفرط في ~~حياتك. # قلت بيني وبين نفسي: والله فرطت وانتهى. # قلت له: ms037 الله يستر، الله يستر. # استيقظنا مبكرين كعادة ناس البلد هنا، ينامون مع الدجاج ويستيقظون معه، ما عدا السكارى، ~~والعشاق، يسهرون إلى ما بعد منتصف الليل، ويستيقظون مبكرين، تركت له ما تبقى لدي من ~~تمباك، وقصدت بيت الأم مباشرة، كانت الشوارع تضج بالمارة القادمين من القرى القريبة في ~~طريقهم إلى سوق الجمعة، البربارات مشحونة بالسمسم، القرويون يقتسمون ظهرها الضيق، مر ~~أمامي لوري، ثم كارو لماء الشرب، ناداني الطفل الذي يقود الحمار باسمي، عندما التفت إليه ~~معيرا إياه كل انتباهي خاطبني قائلا: صاحبك أمبارح نجمتو الصافية. # قلت مندهشا: شنو؟ # قال مكررا في استمتاع خاص، ولذة قوالاتية بالغة: صاحبك الصافية أمبارح «بالأمس» ورتو ~~«أرته» نجوم النهار. # قلت بسرعة: وين؟ # قال وهو يطرق برميل الماء إعلانا لمائه: أمبارح، بعدما مشيت خليته، وسبته إنت وود ~~أمونة في بيت أدي مع الصافية. # | سوق القنزي # افتقدت ود أمونة فور دخولي إلى حوش بيت الأم، كان غيابه واضحا. # قالت لي ألم قشي: ود أمونة قاعد يعلم العروس. ~~- يعلم العروس؟ يعلمها شنو؟ ~~- يعلمها الرقيص، إنت ما عارف إنه ود أمونة فنان؟ ورقاص، وحنان، وحلاق ~~برضو؟ # هززت رأسي إيجابا، ولكنني كنت أقصد بيني وبين نفسي نفيا تاما. # أضافت في شهية: العروس بت أبرهيت، حيعرسها محمد عوض كاجوك، سواق البربارا، يمكن سمعت ~~بحمدو. # هززت رأسي إيجابا بما يعني: إلى حد ما. # قالت لي ألم قشي: ود أمونة لو ما الله ستر كان حيجي بت. # ضحكت وقلت: وبيعمل عمل البنات، ظاهر عليه ما راجل. # قالت وهي تضحك: ما في مرا «امرأة» جربته حتى الآن، وما في راجل برضو جربه حسب علمنا ~~ومعرفتنا، غير حكاية الطباخ الفي السجن لمان كان صغير، تاني ما في شيء، حسي هو راجل عمره ~~عشرين سنة، أو أكثر، ولكن أبوه غير معروف. # قاطعتها: قال أبوه يماني. ~~- عشان لونه الأصفر ولا شنو؟ ~~- هو قال كدا، أمه قالت ليه. # قالت وهي تدلك رجلي بعجينة دلكة: كل الناس عارفين قصة أمه. # حكت له أن أمونة عندما هربت من أسرتها، قبل ثمانية ms038 وعشرين عاما، وكانت أسرتها في قرية ~~نائية في الغرب، أن سائق اللوري الذي صادفته في الطريق مارس معها الجنس، وأن المساعد الذي ~~يعمل معه أيضا مارس معها الجنس، وأن الجلابي صاحب العربة أيضا، وعندما وصلت مدينة ~~القضارف، صاحب الكارو الذي استقلته لحلة البنات أيضا مارس معها الجنس، ثم اليماني صاحب ~~الدكان، النذير شيخ الحلة، ود جبرين صاحب اللوكاندة، وراجل المرأة التي استضافتها في الحلة، ~~والأستاذ زكريا المعلم بمرحلة الأساس، ثم حبلت بود أمونة، وهذه الحكاية أنا سمعتها ~~مباشرة من كلتوم بت فضل، وهي أعز صديقات أمونة، وقالت أمونة قصتها لها بنفسها. ~~- ولكن ود أمونة طلع يشبه منو؟ ~~- والله أنا الجماعة ديلك كلهم ما شفتهم، ولكن لونو دا لون أمه، إنت ما شفت أمه، أمه ~~بيضاء وجميلة زي القمر، بالرغم من إنها كبيرة حسي، ولكنها جميلة. ~~- وين هي؟ ~~- متزوجة من عسكري سجون في القضارف، ولدت ليه بت، كان شفت أمه الليلة تقول عمرها ~~ثلاثين سنة، دلكة، وخمرة، وحنة، ودلال. # ثم أضافت: يمكن أمه هي الخربته «التي أفسدته»؟ ~~- كيف؟ ~~- كان مدلع. ~~- لكنه قضى معظم حياته في السجن. ~~- برضو في السجن كان مدلع، دلعنه السجينات والمساجين والعساكر، تحت الناس بيقولوا ~~العساكر كانوا بيستعملوه. # الجو صحو، والسماء زرقاء وصافية، كنا نجلس تحت الراكوبة الكبيرة أمام القطية، وهي أجمل ~~الأمكنة للونسة، وشرب القهوة، ولا أظن أن أول من ابتكر الراكوبة كان يعني بها شيئا آخر غير ~~المؤانسة، سألتني: وين صاحبك؟ ~~- مع مختار علي. ~~- صاحبك دا زول غريب. # هززت رأسي إيجابا. # أضافت: يوم حيكتلوه. # قلت لها: لا، ما في زول حيكتله، دا ما النوع البيموت مكتول. # قالت: والله في الحمرة في فريق قرش ما بياخد عشرة دقايق، شفت العملية العملتها فيه ~~الصافية؟ # قلت لها: الناس هنا يزيدوا الحكايات، وكل زول بيحكي الشيء البيتخيله كواقع. # ثم أخذت تحكي لي القصة كما تظن أنها الحقيقة، وقاطعتها عدة مرات محاولا محاصرتها؛ لكشف ~~تناقض قد يبدو لي هنا أو هناك في الحكاية، ولكنها مضت في حكيها بثبات وثقة العارف المتأكد، ms039 ~~ثقة من شاف، ولو أنها وغيرها لم يروا شيئا، وهذا حسب ادعائي أنا أيضا، لكنني فضلت عدم ~~الخوض في هذا الموضوع، خاصة بعدما انضم إلينا ود أمونة، كانت تفوح منه رائحة الخمرة، ~~والعطور النسوانية البلدية، كان ناعما، لامعا، ونسوانيا أكثر مما رأيته من قبل، قال ~~إنه مستعجل، واشتكى من أن العروس شترا، ولم يستطع أن يرقصها إلا على الأغاني ~~الحبشية. ~~- وحتى الأغاني الحبشية بالله ويا مين، الدلوكة في جهة والرقيص في جهة، وووب علينا من ~~دي شغلانة. # خاطبني قائلا: صاحبك أمبارح الصافية طلعت ميتينه. # وأخذ يقهقه بالضحك إلى أن سمعنا صوت صديقي يلقي السلام: شنو مبسوطين كدا يا ~~شباب؟ # استأذن ود أمونة مدعيا أنه مشغول بالعروس، تناولنا وجبة الإفطار فيما يشبه الصمت، ~~وخرجنا إلى سوق العمال، حين وصلنا كانت هناك بوادر ثورة على الجلابة، وبدا لنا أن الأمر ~~جدير بالمشاهدة، فمثل هذه الحوادث نادرا ما تحدث، تركنا ألم قشي في المنزل. # سوق العمال في كل سبت، عند الميدان الكبير، الذي يقع جنب المركز الصحي، الذي شيدته منظمة ~~عابرة تسمى «كرستيان أوت ريتش # Christian Outreach ~~»، كمقر ~~لرعاية الأمومة والطفولة، احتلته فيما بعد مؤسسة التأمين الصحي التجارية مشردة الأمهات ~~والأطفال، فيعرف الآن بميدان التأمين الصحي، تحت شجيرات النيم الخمس، يقع سوق «على الله» ~~يؤمه العتالة، الجنقو، البناءون، النجارون والسماسرة، كانت لاندروفرات، باربارات، بكاسي ~~ولواري الجلابة تصطف عند الجانب الجنوبي من السوق قرب موقف الشواك، حيث سوق ~~الميكانيكية والحدادين، الزيوت والإسبيرات، التجار الجلابة في جلاليبهم الكبيرة، أوجههم ~~المنعمة، يتوسطون حلقات العمال يساومون، يفاصلون، يخادعون، يحاورون، يجادلون، يتاجرون ~~ويسترضون، سألنا جنقوجوراية جميلة بنية اسمها بت الملايكة، فشرحت لنا ما يحدث: ~~أول مرة يحدث في البلد دي يتفق الجنقو على سعر واحد، كلهم بدون فرز. # كان واضحا أن ثمة أمرا قد تم ترتيبه وأن اتفاقا ما قد وقع بين العاملين، كانت ~~وجوههم السوداء والبنية، الغبشاء والتي يبدو عليها ما تبقى من ليلة الأمس واضحا جليا، ~~تلك الوجوه المرحة المتسامحة غير المبالية، تبدو اليوم أكثر جدية ms040 وخطورة ، تنطق جملة واحدة ~~فقط: حلة السمسم بتسعة جنيه. # يقول التجار بسعر ثمانية، ويشتكون بأن الثمانية التي يعطونها الآن مقابل أن يقطع ~~الجنقوجوراي حلة واحدة من السمسم لا تطاق، فكيف التسعة؟ # يعلم الجنقو، ويعلم الجلابة، أن السمسم هو صاحب الكلمة الأخيرة، وما هذه المساومات والحجج ~~التي تدور الآن سوى مضيعة لوقت الجلابي، وفعلا عندما ارتفعت الشمس في قبة السماء هبت ريح ~~شمالية حارقة أرقصت المكان، سمعت أغنيات السمسم موقعة على دلوكة ود أمونة في محاولاته ~~البائسة في ترقيص العروس الشتراء، فتفتقت السنابل السمينة ممزقة ثيابا يريد لها الجلابي أن ~~تبقى إلى حين أن يصلها المنجل، منجل الجنقوجوراي الحنين، الشمس الآن في برج السمسم بالذات، ~~القمر الذي سوف يطلع عندما تغيب الشمس، بفعل المد والجزر، هذان الفعلان الشيطانان، سوف ~~يفتقان فساتين السنابل، فيندلق الذهب منها إلى الأرض، يلتقطه نمل نشط لا يكل ولا يمل، ~~فيحتفظ به في صوامع أمينة تحت الأرض لأيام الشدة، تحرسه بركة الملكات الرءومات، الجنقو ~~متأكدون من أنهم سوف يكسبون الرهان، والجلابة أيضا يعرفون أنهم سوف يخسرون، ولكن بعض ~~الحوار قد يفيد، دخل الوسطاء، سماسرة، وكلاء مشاريع، داعرات شهيرات، أصحاب لكوندات، سائقو ~~بوابير، تجار الكلام، واقترح البعض أن يأتوا بعمال من محلية الفشقة المجاورة، عمال مهرة ولا ~~يكلفون كثيرا، وأن يتركوا هؤلاء الثائرين وسوف يندمون. # ضحك الجنقو عندما سمعوا بذلك قائلين لبعضهم البعض: هه، الفشقة؟ يخلوا سمسم الفشقة لمنو ~~«لمن»؟ # اقترح الجلابة لأنفسهم بصوت مسموع: نجيب عمال من معسكر اللاجئين. # ضحك الجنقو قائلين: لاجئين؟ # أنتوا بتحلموا؟ اللاجئين في المعسكرات بقوا أغنى من المواطنين، يحمدوا ربنا ~~الخلقهم. # وما في لاجئ فاضي لقطع السمسم. # اقترح الجنقو لأنفسهم بصوت مسموع: أحسن نحن ذاتنا نسيب الشغلة بتاعة السمسم الما نافعة ~~دي، ونشتغل مع شركة الاتصالات في حفر الكوابل. # قال جنقوجوراي بصوت عال غليظ: أنا لو أشتغل زي ود أمونة، ما بقطع السمسم بثمانية ~~تاني. # قال الجلابة لأنفسهم بصوت عال: حنجيب عمال من خشم القربة. # قال الجنقو لبعضهم البعض: إلا لو عايزين طنبارة ms041 «مغنين » ومدرسين. # ثم هتفت الصافية قائلة: أرح يا شباب نمشو «نذهب»، «القوقو» قال داير الحلة، أرح نكمل ~~سكرة أمبارح، النسوان في انتظاركم يا أولاد. # وعندما تحرك فوج العمال نحو الحلة، وعندما قاصد مباني البنك تحت التشييد، تحدث السمسم ~~سرا لجيوب الجلابة فقالوا: رضينا بالتسعة، وإن شاء الله ما تنفعكم، وتبقى ليكم بالساحق، ~~والماحق، والبلا المتلاحق. # قال الشايقي وهو يبصق سفة تمباك كبيرة على الأرض: نحن قروشكم دي عندنا زي قروش الحرام، ~~نشربها بالنهار، ونبولها بالليل. # قبل الجنقو ولكن على ألا يذهبوا اليوم، بل غدا؛ لأن القوقو إذا اتجه إلى مكان ما، لا ~~بد أن يواصل مشواره، سيكملون سكرة الأمس، فالقوقو يتجه الآن نحو الحلة، ومخالفة اتجاه ~~القوقو شؤم ما بعده شؤم. # في الصباح الباكر غادروا إلى المشاريع، ما عدا مشروع الجلابي سماعين؛ قالوا إن عليه أن ~~يتأدب، مما أعاد الاعتبار إلى مختار علي، فبكى من الفرح. # ونحن راجعين إلى داخل الحلة سألت صديقي: شنو حكايتك أمبارح مع الصافية؟ # قال لي وهو ينظر بعيدا: حأحكيها ليك بعدين، حتعرف كل شيء. # قلت له: قالوا فعلت بك الصافية فعلة نكراء؟ # قال مندهشا: فعلت بي شنو؟ ~~- قالوا إنو الصافية عندها «موضوع» زي بتاع الرجال، وأكبر شوية، نص حمار مثلا، يعني ~~قدر بتاع الدحش كدا. # قال وهو يبتلع ريقه في ضيق بين: حأحكي ليك، الموضوع مختلف تماما، الناس هنا مغرمين ~~بالأساطير، هو موضوع غريب، لكن ما عنده علاقة ببتاع حمار، ولا بتاع كلب، ولا بنية الوعي ~~التناسلي. # جلسنا على قهوة في سوق العيش قرب الصيدلية، كان الجنقو يعبرون أمامنا إلى بطن الحلة ~~جماعات جماعات، يتحدثون بأصوات عالية، وبلكنات كثيرة مختلفة، يثيرون الأغبرة من مشيهم ~~السريع؛ حيث يسحبون أرجلهم سحبا على الأرض، يضحكون وهم يحاكون الجلابة، أخذ أصحاب المطاعم ~~يغلقون أماكنهم، ونساء الشاي والطعام يفعلن الشيء نفسه؛ لأنهن يعرفن أن السوق قد «سبح ~~وربح» وأن الجنقو لا يقنعهم الآن سوى مجلس الشراب، على النساء أن يلحقن بهم في الحلة ~~لكي يبعن لهم العرقي، أو يهيئن لهم ms042 المفارش ، فهذه الأيام هي أيام الحصاد والمحصول هو ~~الجنقوجوراي، دينه مضمون، ونقده أكثر ضمانا، بس كيف يدخل البيت، فالنساء يتخاطفنهم من ~~الشوارع. # اعتذرت لنا صاحبة القهوة عن تقديم أي شيء لنا قائلة بوضوح: الرزق دخل الحلة، وعندي ~~عرقي خايفاه يبور، أخير ألحق أبيع كباية كبايتين، ولا شنو يا إخواني؟ ربنا أجل سفرهم ~~الليلة، فرصة، ولا شنو يا إخواني؟ # هززنا رأسينا معا بالإيجاب، ونهضنا في وقت واحد من «البنبرين» مظهرين رضا تاما ~~بقرارها، بل عن طريق حركات مقصودة، وهمهمات طيبة، أكدنا لها أنها تفعل الشيء الأكثر صوابا، ~~وربنا يكون في عونها، تمنينا لها ذلك بصدق وإخلاص مما جعلها تترك لنا «البنبرين» في ~~الراكوبة، طالبة منا عندما نغادر أن ندخلهما الحجرة، ونغلقها بالطبلة، التي تركتها دون ~~إغلاق. ~~- سمح يا إخواني؟ # رد عليها بحنية: سمح يا أختي، سمح. # قلت لها: شكرا. # وقالت وهي تنسحب وعلى رأسها قفة المهمات: أنا بيتي جنب بيت الأم. # ونظرت إلى صاحبي نظرة فيها معان كثيرة، وخيل لكلينا أنها ابتسمت، الشيء الذي أكدته ~~لنفسي أنها لم تبتسم، رأيت وقع ذلك حزنا طفيفا على وجه صاحبي، ذهبت وهي تترنم بأغنية ~~بنات هابطة، قال لي: تقصد شنو الزولة دي؟ # قلت له دون مبالاة: تقصد موضوعك الامبارح مع الصافية. # قال: لا بد من أن ود أمونة هو النشر الدعاية دي؟ # سألته: إنت عملت شنو بالضبط؟ # وأكدت له أن ود أمونة كان يرقص العروس في ذلك الوقت، بعدما قام بتوصيلي إلى بيت ~~مختار علي، سمعت صوته يغني بالدلوكة: «اللولية بسحروك يا لولة الحبشية.» # وتقريبا ناس الحلة كلهم كانوا يسمعونه، صمت صمتا طويلا، وهي صفة يتسم بها أيضا، خاصة ~~إذا كان يفكر في أمر شائك، لم أجد سببا وجيها يمنعه من أن يخبرني بالحقيقة، فبيني وبينه ~~دائما الصراحة والوضوح، وليست الحواجز والصمت. # مر أمامنا نفر من ضباط الجيش يتبخترون في مشيهم كالطواويس، سألنا موظفون من شركة ~~الاتصالات ما إذا كانت بخيتة موجودة، قلنا لهم إنها في المنزل، فذهبوا نحو الميس، كان صديقي ~~يعرف بعضهم ms043 ومن بين هذا البعض مدير الشركة، مر بنا عمال يلبسون أفرولات زرقاء، وسوداء، ~~وبيضاء، عليها بقع من الزيت، تشهد الحلة هذه الأيام نهضة تنموية ينظر إليها الجميع بعين ~~التفاؤل والتقدير، ويهتم الأهالي ويشجعون مظاهرها الخارجية، وتنظم البنات الأغنيات عن ~~المعلمين، وضباط المحلية، والشرطيين، ومهندسي شركة الاتصالات، وحتى عمال طلمبة الوقود بشارع ~~همدائييت. # سألنا رجل وهو يدخل نصفه في الراكوبة: بخيتة مشت وين؟ # قلت له: في البيت. # فنظر إلى صاحبي نظرة فاحصة وقال: إنتو جداد في البلد دي مش كدا؟ «أنتم جدد في هذه ~~البلدة، أليس كذلك؟» # قلت له: نعم. ~~- نازلين في بيت الأم؟ # قلت له: نعم. # ابتسم ابتسامة عريضة، أظهرت أسنانا متفرقة بنية؛ بفعل التسوس والصعوط، فسر صاحبي هذه ~~الابتسامة بأنها نوع من السخرية، أو الشماتة، وحكى لي ما سماه كل شيء حدث بينه وبين ~~الصافية، حتى يغلق هذا الباب على الأقل من جهتي. # | سبعة يوم عوضيه بيي # البلد، ويقصد الحلة، لم يكن بها في الماضي سوى المرافعين، الحلوف، أبو القدح ~~والقرود والثعالب، وفي كل مكان تلقى الجنون، في الكرب، وطرف البحر، وحتى في باطن الحلة، ~~ساكنة مع الناس، الحلة كانت عبارة عن بيت واحد كبير جدا مزروب بالشوك، بيت طوله نحوى ~~ألف متر وعرضه أكثر من ذلك بكثير، ومحروس بالكلاب وهو بيت الصافية الحبوبة، في الداخل كان ~~مقسما لبيوت كثيرة، كلها قطاطي من القش، والقصب، ورواكيب كبيرة من حطب الكتر والدهاسير، ~~وفي المنتصف توجد مطامير الذرة، والدخن، وخمارات الكول، كل الجدد القادمين إلى الحلة ~~يجدون لأنفسهم براحات يبنون فيها قطاطيهم داخل هذا الحوش الكبير. # أما العابرون إلى جهات ~~إثيوبيا، وإريتريا، أو الصعيد، الذين أتى بهم الطريق فإنهم يستضافون في ديوان الجدة ~~الصافية، حيث توجد زاوية الصلاة، وسبيل للمياه والمستراح؛ وهو عبارة عن حفرة معروشة بالحطب ~~القوي والقش تستخدم كمرحاض، وقد عبر بهذا الديوان حجاج جاءوا من تشاد، نيجيريا، النيجر ~~والكاميرون، وحتى مغاربة بيض الوجوه لهم ذقون ولحى طويلة شقراء، استراحوا هنا، وهم يمضون ~~نحو باب المندب إلى اليمن ثم ms044 إلى مكة، كان بعضهم يقيم لأكثر من عام فيتخذ لنفسه أرضا، يقوم ~~بفلاحتها وزرعها بالسمسم والدخن، وقد يتزوجون وينجبون الأطفال، منزل واحد كان مركز الدنيا، ~~وامرأة واحدة كانت سمعتها تملأ الشرق كله، وقد نقل سيرتها الحجاج إلى بيت الله الحرام ~~بمكة، ولما رجعوا لأهلهم حكوا لهم عنها كذلك، في الحقيقة ما كانت الصافية الجدة هي مؤسسة ~~هذا النزل، ولكنها الأشهر بين صافيات كثيرات عشن في هذا المكان، سلالة جد جاء هاربا ~~من سجن في الحمرة في سنة موسومة بسنة النجمة أم ضنب التي لا تظهر إلا في السنوات ~~التي سوف تشهد أحداثا عظيمة، كان نجما كبيرا تبختر في السماء بذيله الطويل لأسبوع كامل، ~~جدها «اتهم» في إثيوبيا بسرقة بيت «القشي» نفسه، وسيقتلونه بالتأكيد ضربا، أو جوعا، ~~المسجونون في ذلك الزمن الغابر يخرجون في مجموعات. # يربطون في حبل واحد من التيل، يطوفون بالأحياء والأسواق والمطاعم، يأكلون البقايا، ~~ويسألون الناس الطعام والمال، التباكو والصعوط، وهي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الحياة، ~~وتجنب الموت جوعا، فالسجن ليس مسئولا عن طعام المساجين، يكفي أنه يوفر لهم سقفا يقيهم ~~المطر وحر الشمس، كان الجد عبد الرازق مع بعض أصدقائه في مطعم بالحمرة، قرب سوق ~~همدائييت، وهي سوق يؤمه لفيف من السودانيين للبيع والشراء، ولأنهم يأتون عن طريق همدائييت ~~عابرين نهر سيتيت؛ فقد سمي بهذا الاسم، كانوا يتناولون الزقني بالأنجيرا والشطة ~~الدليخ، وهي وجبتهم المفضلة في إثيوبيا، عندما رأى توأمه عبد الرزاق مربوطا من قدميه في ~~حبل من التيل مع عشرين من المساجين كانت حالته بالبلا، ووجهه أصبح عظاما من الجوع، تفوح ~~منه رائحة كريهة، احتضنا بعضهما البعض إلى أن فرق بينهما السجان والمسجونون المتعجلون؛ ~~حيث إن زمن البحث عن الطعام لا يمكن تضييعه في علاقات اجتماعية لا فائدة ترجى منها، وتكلما ~~بلغة تخص قبيلتهما، ثم أعطى توأمه طعاما ومالا ووعدا صادقا، يعرف عبد الرزاق عن توأمه ~~أنه خجول وعديم الحيلة، ولا يمكن أن يسرق شيئا مهما صغر وأهمل، ويعرف أيضا أن عبد ~~الرزاق قد يموت بالسجن ms045 إذا لم ينجده، الحبشة بلد غربة، وهو لا يعرف رجلا مسئولا، أو ~~وجيها إثيوبيا يستعين به، وحتى صاحبة البار التي كان دائما ما يختلف إليها، قالت له ~~عندما حدثها عن محنة أخيه وتوأمه: لا، القشي حيقتلني، وهو ليس لديه مال للرشوة، أمامه بديل ~~واحد فقط، ومضى نحوه دون تردد، عليه أن ينقذ توأمه مهما كلف ذلك، كان مختار علي يحكي لنا ~~الحكاية كأنما حضر كل حادثة منها، أو أنه أحد أبطالها، على الرغم من أنه يؤرخ لذلك بين حين ~~وآخر قائلا: دا حصل من أكثر من مية وخمسين سنة. # كنا نسير ببطء عبر الأزقة، لا نهدف لمكان بعينه، هي فكرة مختار علي، أن نتمشى قليلا في ~~شمس الصباح؛ لأن بها فيتامينات مهمة، وأكد لي أنه حتى الثعابين تطلع من جحورها لتأخذ منها ~~قوة النظر، صحته بدت في تحسن ملحوظ اليوم، كان متفائلا ويضحك لأتفه الأسباب، يتحدث بصوت ~~عال، وهو ما ليس من طبيعته في شيء، وجدنا نفسينا ندخل زقاق بيت أداليا دانيال التي فاجأتنا ~~من أعلى صريف بيتها: يا مختار علي، إنت وصاحبك تعالوا جوه، صاحبكم ذاتو قاعد هنا في بيتي، ~~تعالوا اشربوا ليكم مريسة، وونسوا خشم خشمين. # قبلنا الدعوة الكريمة شاكرين، فالدنيا صباح والمريسة أطيب ما يستفتح به، وونسة الصباح هي ~~مصيدة حكايات الليلة السابقة، سميتها وصديقي: جريدة الصباح، فالمريسة تطلق الخيال الذي ~~بدوره يطلق اللسان، فينفتح القلب للقلب مباشرة، وتهبط ملائكة الحكايات الرائعة في المجالس ~~فتحلو، وجدناه يجلس على بنبر كبير كشيخ أسطوري نسي من مذبحة العنج، على بنبر ~~آخر قربه العجوز وهو أشهر مغن يستخدم أم كيكي في الحلة والحلال المجاورة ~~أيضا، بالأحرى لم ير الساكنون مغنيا يستخدم أم كيكي غيره، ولم يسمعوا به مجرد ~~سمع، يبدو أنهما أنهيا فاصلا ممتعا من الأغنيات؛ حيث إنهما الآن يتحدثان عن مناسبة ~~أغنية: # سبعه يوم عوضيه بيي # أبو اللقنى روداي بقنيص. # فالتقطنا بقية كلام نطق به العجوز: ناس الكلش هم أصحابها الحقيقيين، أنا جبتها من ~~قيسان، وسمعتهم يغنوها في قنيص ms046 والكرمك ، وحتى حي الزهور، وفي يابوس وكل حفلات الروصيرص، ~~لكن أنا أول زول يغنيها بأم كيكي. # التفت إلي صديقي قائلا في انشراح: وين إنت يا أبو الشباب؟ # ضحك، ضحكت أداليا دانيال، ضحك مختار علي، وضحك هو في هستيريا، قال لي: إنت الوحيد ~~البتضحك عن معرفة. # قالت أداليا وهي تهز صدرها الناهد، فيما يشبه الرقص: يوم ليك ويومين عليك، كلنا عارفين ~~يا أخوي، الدنيا أصلها كدا. # أحضرت أداليا دانيال العسلية، والمريسة، أحضرت الأم فتفت بالشطة الخضراء، والفول ~~الدكوة، قالت: عندي موليتة. # قال العجوز: أنا أحب الموليتة. # سألتها: عندك أبنغازي؟ # قالت وهي تشير بأصبع عليه خاتم كبير من الذهب إلى الشطة: فيها، الشطة فيها ~~أبنغازي. # قدمت لنا أداليا الكئوس الأولى بيديها الناعمتين السوداوين، تبدو الحناء على أظافرها ~~رقيقة ساحرة، شهية وأكثر سوادا، بمنزلها أيضا قليل من الجنقو، حيث سافر الجميع في الصباح ~~الباكر لقطع السمسم، كان مختار علي، بين حين وآخر يذكر الناس بانتصاره على إسماعيل ~~الجلابي: سماعين ود الكدك، ما لقى جنقوجوراي واحد يمشي معاه. # ودون رد أو تعليق من الحاضرين أخذ العجور يغني بصوته الشجي: # قيسان البعيدة. # قيسان البعيدة. # عندي فوقو الحبيبة. # قيسان البعيدة، عندي فوقو الحبيبة. # ولأن كل أغانيه جماعية يستحيل أداؤها دون كورس، أخذنا نردد خلفه المقاطع الأولى من ~~الأغنية، وليست تلك مهمة صعبة؛ حيث إن كل الأغاني معروفة لدى الجميع، أنا وصديقي غريبان، ~~ولكن ترديد جملتين لحنيتين بالسلم الخماسي، بهما كلمتان من اللغة العربية، وخمس كلمات من ~~لغة البرتا، وثلاث بالأنقسنا ليس بالأمر العسير، ولو أننا قد نشتر عن اللحن والإيقاع ~~أحيانا، ولكننا نغني خلفه بإصرار وحماس، مدتنا به عسلية ومريسة أداليا دانيال بجمالها ~~ومذاقها الحلو، في الحقيقة لا يوجد غرباء هنا في الحلة؛ فور أن تنزلك بربارا أو يلقي بك ~~باص كئيب، أو تهبط من ظهر لاندروفر، أو يرمي بك لوري في الحلة، أو بمكان ما في السوق، ~~تصبح أحد أفراد الحلة المؤسسين، وتعرف كل شيء عن كل شيء، في ذات اللحظة وذات مكان ~~الوصول، ويصرح ms047 لك بأن تسرد تاريخا متخيلا أو حقيقيا، يؤكد تواجد جدودك القدامى في هذه ~~الحلة منذ أن كانت مفازة تسكنها القرود، والضباع، والشياطين بقايا مملكة سليمان وبلقيس، ~~رقصت أداليا دانيال بصدرها المملوء باللبن بصورة رائعة، خلدت في ذهني إلى الأبد، تبرع ~~جنقوجوراي شاب من قبيلة الوطاويط اسمه أغازي، ويعني بلغة البرتا المر، بأداء إيقاع ~~الكلش السريع الصعب، بواسطة وعاء بلاستيكي يستخدم لتقديم المريسة، عندما انتهت الأغنية، ~~صفقنا جميعا لأنفسنا؛ حيث كانت الأغنية من أداء الجميع، رقصت أداليا دانيال عنا بصدرها ~~الناهد الوافر؛ ما جعلنا نطلب باقي المريسة «البايرة» عندها؛ لأن الجنقو الفدادة ذهبوا، ~~وأعطيناها ثمن جردلين من المريسة لم نشربهما، بحر إرادتنا ووعينا، وحشر لها صديقي في ~~فراغ ما بين النهدين في ما يسمى ب «وادي الكدايس»، ورقة نقدية كبيرة، همس لي مختار علي ~~في أذني ونحن ننصرف: لو ما عملت كدا كان تبيع مريستها الحامضة دي لمنو «لمن»؟ وعسليتها ~~البايرة؟ # وضعنا سريرينا قرب قرب في المساء، كان الضوء الباهت يأتينا من داخل القطية في شكل عمود ~~ضخم، حكى لي عن أسرة الصافية كما طلبت منه، الجدة ووالدها عبد الرازق، حدثني أن الجد جاء ~~إلى هنا بعد هروبه العجيب من سجن الحمرة وعلى رأسه «الفرو»، وهو أول شخص في تاريخ الحبشة ~~يهرب بالفرو، وربما في إيطاليا ذاتها؛ لأن الإيطاليين هم الذين جاءوا بالفرو إلى ~~الحبشة، وهو يستخدم لتأديب الثوار واللصوص، شربنا قهوة أعدتها لنا إحدى الجارات، ~~وناولتها لنا من على الصريف، مذكرة إيانا بأن اليوم هو عيد القديس يوهنس، باركنا ~~لها العيد، واعتذرنا عن المباركة المتأخرة؛ لأننا ما كنا نعلم، قالت لي الجارة: ألم قشي ~~تسلم عليك، سألتها بسرعة: وين ألم قشي؟ # قالت وبصوتها احتفالية جزلة: هي قاعدة معانا هنا، عايز تشوفها؟ # وجودنا في بيت مختار علي، حرمنا من حضور الاحتفال العظيم الذي أقامته أدي في منزلها؛ ~~احتفاء بعيد القديس يوهنس، وحرمنا من وجبة الديوك الحمر والأم بابا، ولو أنه لم يكن ~~هناك رقص وغناء نسبة لانشغال ود أمونة بتعليم العروس ms048 الشتراء ، إلا أن اليوم كما حكي ~~لنا لاحقا كان «خطير»، على حسب تعبير ألم قشي، وأشير هنا إلى أن ألم قشي هو الاسم الذي ~~يلاحقني في هذه الأيام، وأنا وهي متهمان بأننا ننوي القيام بخطوة ما كانوا يتوقعونها، ~~يقولون إننا سوف نتزوج في عيد الأضحى القادم، وأقل الأقوال تفاؤلا بعلاقتنا هي أنني أحبها ~~حبا شديدا، وهي أيضا متأكدة من حبي لها مثلها مثل الجميع، إلا أنا لا أعرف شيئا عن ~~هذا الحب، كل ما أعرفه أن ألم قشي أول من أنهت عذريتي بصورة واضحة وطبيعية، وأنها إلى حد ~~ما كسرت حاجز الخوف الذي بيني وبين المرأة؛ والحق يقال أيضا كنت دائما ما أتخيل نفسي ~~بأنني سوف أفشل مع النساء حالما تتاح لي الفرصة كاملة، لذا كن يخفنني، كما أنني كنت ~~مقتنعا بفكرة غريبة مفادها أنني إذا فشلت مع المرأة الأولى سوف أصبح عنينا بقية حياتي، ~~ولم تنفع الشهادات الهشة التي كنت أستعين بها للدفاع عن رجولتي من حين لآخر، مثلا ذكرى ~~صاحبة الطحانة التي اغتصبتني وأنا طفل، وذكرى أخت زميلي، ذكرى دحشة، ومعزة، ~~أتيتهما وأصحابي المراهقون، ذكرى كلبة ألبسناها طبقا من السعف حول عنقها واغتصبناها، ~~وأستاذة الجامعة الشبقة وغيرها من الممارسات غير السوية المقرفة، ألم قشي هي التي أعادت لي ~~ثقتي بنفسي بحرفية عالية، بذكاء بالغ، بمتعة مدهشة، وجدت نفسي أتعامل مع امرأة كاملة ~~طبيعية وإنسانة، أتينا الفعل في ليلة واحدة ما لا يقل عن عشر مرات، أو قل الليل كله، ~~وعند الفجر، وقبل وبعد الإفطار، أعطيتها أجرها بكرم سخي، ثم لم نفعل مرة أخرى، ولو أننا ~~تقابلنا وشربنا القهوة معا وتلامسنا، أما مسألة الحب، والزواج، وغيره، وغيره لم أعرف منها ~~شيئا، ولم أفكر فيها أبدا، وإذا صدقت القول أنا لم أحب في حياتي مطلقا، وغالبا ما ~~يصفني أصدقائي بأنني «بارد»، ألم قشي سيدة طويلة، لها بشرة ذهبية ناعمة، بل قل حمراء، لها ~~عينان حبشيتان كبيرتان، يحيط بهما ظل ثقيل يكسيهما سحرا خاصا بساكني المناطق الجبلية ~~والهضاب العالية ذات المناخات ms049 المطيرة ، فوق ذلك لم تكن بالسيدة الفاتنة فتنة ظاهرة ~~صارخة، على الرغم من أن لها جسدا شهوانيا، وإلا لأصبحت عاملة بار ناجحة في الحمرة، أو ~~قندر، أو حتى أديس أبابا ذاتها، ولكن ما يبدو من فتنتها أبعدها، كما تقول دائما، عن ~~منافسة البارستات المحترفات شكلا ومهارة هنالك، وقادها إلى الأراضي السودانية ~~الجديدة، حيث شيع وعلم عن السودانيين حبهم للحبشيات وتفضيلهن على نسائهم الوطنيات، ~~وسبب ذلك كما تؤكد ألم قشي: الطهارة «الختان» وعدم الحنية، وعدم الحنية سببه ~~الطهارة برضو، قلت للجارة الطيبة: قولي لألم قشي مبروك عيد القديس يوهنس، وأنا ح أجيها ~~بعد شوية عندكم، أصدرت الجارة صوتا بباطن لسانها، وشفطت كمية من الهواء بفمها، فيما يعني ~~في هذه الأنحاء: حسنا. # ساعدت مختار علي على الاستحمام، لأول مرة تقريبا يستحم، منذ أكثر من أسبوعين، أي ~~منذ أن أصيب، حيث نصح بعدم الاقتراب من الماء، حتى لمجرد الوضوء للصلاة، عليه بالتيمم، ~~نصحه أفراد كثيرون أصيبوا قبله بضربة الدم، وهو التصنيف المحلي لمرضه المجهول، عندما ~~فرغنا من الاستحمام وجدناها في انتظارنا خارج القطية، في الراكوبة مضجعة على عنقريب ~~عجوز دون لحاف، تظهر عري ساقيها بصورة استعراضية إيروسية في غاية الإغواء، قالت: طالما ~~أنا رافض أن أزورها، فبادرت هي بالزيارة، ولكنها أكدت أيضا أنها لن تكرر هذه المحاولة: ~~كلنا عندنا عزة نفس. # تشاغل مختار علي بأمر ملابسه، ونظافته الشخصية، سأعترف هنا بأن ألم قشي أحبتني، ~~ولكن في ظاهر الأمر أنا الذي أغار عليها؛ لأنني طلبت منها أن تترك العمل مع أدي كفتاة ~~مبيت، وتعمل طباخة في ميس شركة الاتصالات الجديدة، قلت معلقا ومحببا الفكرة: عمل ~~شريف. # قالت بغنج، وهي تحاول أن تخفي عري ساقيها، بحركة أخرى أكثر إثارة: عملي مع أدي عمل ~~شريف. # قلت لها: على الأقل أنا شايفه غير شريف. # قالت بإصرار: أنا شايفاه عكس كدا، دا شغل، العايز يدفع، وأنا بصراحة ما قاعدة ~~أستمتع بالرجال، شغل يعني شغل. # وأكدتها باللغة التجرنة «سرح سرح بيو» ثم أضافت: العيب فيه شنو؟ # عرفت فيما بعد، ms050 بعد سنوات كثيرة، وذلك بعد أن قرأت كتاب «نقد الفكر اليومي» ~~لمهدي عامل، أن العيب الذي فيه تربيتي أنا، القيم الخاصة بي كآخر أقيم في ظرف مختلف، ونوع ~~مختلف، وثقافة مختلفة، تراني أعترف بأنها فتحت لي آفاقا إنسانية فيما يخص علاقتي بالمرأة. ~~وتراني استمتعت تماما بالفعل الجنسي معها، ولكنني رغم ذلك أنظر إلى الأمر كله بميزان ~~الخطأ والصواب، وهذا فضح لرجل انتهازي يسكن في خبايا شخص مدع آخر وهما أنا، هذه ~~شزوفرينيا أعاني منها كثيرا، ولا أظن أن الأمر له علاقة بالدين، أو السلوك الشخصي، المسألة ~~معرفة فحسب طالما كنا أنا وهي ندرك أن الخير والشر، وكل الديانات، والكفر أيضا من ذات ~~المصدر، وأن العمل مقدس. ناداني في هدوء، خاطبني قائلا: تعال ح أحكي ليك موضوع ~~الصافية. # قلت له متعجبا: إنت مش حكيته لي أمبارح؟ # قال وفي فمه ابتسامة تعبة: الحكاية القصيتها ليك قطعتها من رأسي، إنت حاصرتني، وأنا حاولت ~~أفوتك، تعال يا مختار علي كون شاهد، هي حكاية على كل حال ظريفة، ولا رأيكم شنو؟ # أشرنا برأسينا في وقت واحد إيجابا، وجلسنا على عنقريب وبنبر قربه. # | شبق المرفعين # استيقظ إثر نداء الصافية له، كان قد نام على الكرسي الذي تركته عليه، دخل القطية ~~الكبيرة، كانت شبه خالية من الأثاث، عدا سريرين من خشب السنط مفروشين بلحافين، لم يتبين ~~تفاصيلهما، الإضاءة لحد ما جيدة، طلبت منه أن يجلس في السرير الآخر، جلس، قالت له: عايز ~~تعرف حكايتي مع ود فور؟ # رد عليها بدبلوماسية ليست من طبيعته: لو ما بزعجك الموضوع دا. # قالت وهي تأخذ نفسا طويلا من الشيشة فتصدر صوتا بائسا: كويس. # الخريف الفات كنت شغالة في مشروع الزبيدي، تعرف مشروع الزبيدي؟ وقبل أن تسمع إجابته ~~واصلت الحكاية، كانت هي المرأة الوحيدة بين عشرين رجلا من الجنقو، وتستطيع أن تتذكر ~~أسماءهم، اليوم، الشهر، والساعة، أنا وود فور كنا ماسكين مقاولة سوا في مشروع الزبيدي، كانا ~~يعملان في فريق واحد، لاحظت أن ود فور في الآونة الأخيرة كان يتقرب منها كثيرا، ms051 ودائما ~~ما يضع نفسه في مجموعة العمل التي تضمها، ولاحظت أنه يتعمد الالتصاق بها ومداعبتها، ~~وبغريزة المرأة التي لا تخيب عرفت أنه يرغب فيها، وعرفت أنها تريد ذلك ولأي مدى، إنها لن ~~ترفضه إذا طلبها للزواج، فهو شاب ونشط ومسئول، والأهم أنه كان دائما ما يحترمها، فهي ترغب ~~في أن يكون لها أطفال، وبيت، ورجل، وفوق ذلك كله لها رغباتها التي يجب أن تشبع؛ لذا لم ~~تدفعه عنها ولم تستمله إليها، تركته يقوم بالدور كاملا، وهي طريقة تجيد النساء تمريرها ~~للرجل الغبي المتعجل العاشق الأعمى، وهي صفات لحسن الحظ يشترك فيها الرجال كلهم، «قلت لنفسي ~~يا بت خلي المسألة على الله»، وبلع المسكين الطعم، أطلق المبادرة تلو المبادرة، إلى أن ~~نفدت حيله الصغيرة المسكينة التي أجادت الصافية ادعاء تجاهلها، قال لي والدنيا ليل ~~ولكن القمر أبيض في السما وكل شيء واضح: يا الصافية، أرحكي معاي للحفيرة نونسو «نحكي»، ~~أنا ما قادر أنوم، شايفة القمرة بيضا كيف؟ # تثاءب صديقي، شرب كوبا من الماء كان على الترابيزة جنبه، قفز على تفاصيل كثيرة كثيرة ~~كثيرة، تحدث عما رآه فقط مهما، قال: إنها أصرت على أن تحكي تفاصيل تفاصيل ما حدث بينها ~~وود فور، ربما يكون هو الشخص الوحيد في الدنيا الذي يفهمها، إنها لم تحكها لأي كان من ~~قبل، ما من أحد طلب منها ذلك، اكتفى الجميع بالإشاعة، قالت له بألم: أنا تعبت، تعبت من ~~الحكاية دي، عليك الله اسمعها كلها وما تزهج، وغرقت في التفاصيل، التفاصيل، التفاصيل، أكدنا ~~له، أنا ومختار علي أنه ليس مطالبا بأن يختصر، فالليل طويل، ونحن ليس لدينا ما نفعله بما ~~يتبقى منه: خذ راحتك، قال: قالت له: مشينا الحفير، طلعنا فوق الدولة، كان ذلك المكان هو ~~الوحيد الذي لم ينم به عشب الخريف، هي تخاف من الثعابين حصرا، ولا تخاف شيئا آخر، ~~طمأنها بأنه يمتلك ضامن عشرة مجرب، وأراها له مربوطا بصورة محكمة على ذراعه اليسرى، ~~سويا مع سكينته، فرشا برشا صغيرا أتيا به، قالت لي فجأة، ms052 وقد علا شهيقها وزفيرها: ~~قام جاري؟ # قال لها مندهشا: منو؟ # قالت وهي تمسك بيده بشفقة: ود فور، قام جاري «هرب» مني. ~~- ليه؟ # سأل محتجا. # قالت بصوت عميق مخنوق بعبرة مرة: جرى مني أنا، جرى ود فور. # ثم هدأت قليلا وهي تقول: كنت عايزاه، وبدأنا كل شيء، في الحقيقة كنت في حالة قريبة من ~~الغيبوبة، ولكنه قام جاري، فجأة جرى زي المجنون. # أحسست أنها لا تستطيع أن تشرح أكثر من ذلك، من الأحسن ألا أطالبها، أو أجبرها على ~~الحكي، أحسست بالشفقة تجاهها، قررت في الحال أن أضاجعها، وذلك لما توصلت إليه من تحليل ~~متعجل بعض الشيء، وسريع لحالتها وهو: أنها تفتقد الرجل في حياتها، الذين يحيطون بها لم ~~يعرفوا المرأة فيها، ما عدا ود فور، ولم ينتبهوا إلى الإنسانة البائسة، ولا يفهمون شيئا عن ~~حاجاتها الصغيرة الحقيقية، باختصار كانوا يعاملونها كرجل في ثوب امرأة لا أكثر. # صدمت لاكتشاف الحقيقة، أو ما أسميته بالحقيقة الأولى، وهي أن رائحة جسدها لا ~~تطاق، وقالت صراحة في ذلك: معليش، ما كان عندي وقت لنفسي، وقامت لأجلي بمسح جسدها بالماء، ~~مستخدمة ملاءة قديمة من ملاءات الأم أدي، كانت لا ترتدي شيئا تحت فستانها، وهذه ~~فضيلة؛ لأنني لا أطيق رؤية ملابس المرأة الداخلية متسخة أو ممزقة، ولدي فوبيا سرية ~~من ذلك، ففور رؤيتي لما ذكرت، أصاب بالعجز الجنسي التام، كانت تحتفظ بعطر الخمرة في ~~القوقو، لم تستخدمه من قبل، قالت إنها اشترته من دلالية متجولة قبل عام، وأخذت تدلك ~~أطرافها به، عطر قوي جدا، كان تافها، لم يرق لي إطلاقا، الأمر لا يحتاج إلى كل هذا ~~المجهود من جانبها؛ لأن الفكرة بسيطة، كما شرحتها لنفسي: سوف أحاول الجسد إلى أن يستجيب، ~~وتصل ذروة نشوتها ثم ينتهي كل شيء، لا أكثر ولا أقل، الأمر في الحقيقة أقرب لمقاولة، وهذا ~~في ظني ما تحتاج إليه الصافية، وأحتاج إليه أنا لأقنع نفسي بأنني قدمت لها عملا خيرا ~~وإنسانيا كبيرا، بل ونادرا، فعلا حرمت منه طوال حياتها، وأتمنى أن أكون مخطئا ms053 في ~~هذه الفذلكة، اقترحت هي اقتراحا آخر، وهو أن أتركها تستحم استحماما كاملا، وقوبل هذا ~~الاقتراح أيضا من قبلي بالرفض، الموضوع لا يستحق كل هذا التعب، قامت، أغلقت الباب ~~بصورة جيدة، ربما خافت أن يقتحمنا أحد الزبائن، أو يتلصص علينا ود أمونة، أو قل ربما ~~أنها خشيت أن يهرب منها كما هرب ود فور من قبل، ولو أنه رفض فكرة قفل الباب، ولكن يبدو أن ~~ذلك حدث بعد فوات الأوان، اقترحت هي أيضا اقتراحا آخر، وهو أن تبقى الإضاءة كما هي، ~~وافق، ثم طرحت علي بسرعة مجموعة من الإجراءات لم يكن هناك داع لطرحها في ذلك الوقت ~~بالذات، كل ما أرجوه أن ينتهي هذا الموضوع، وبأسرع ما يمكن، المفاجأة الأخيرة التي لولا ~~قوة عودي، وعزيمتي، وصبري على المكروه لكانت القاتلة، قال إنه ليس بالسهل أن يصف لنا ما ~~شاهد، بدا ذلك واضحا من الطريقة التي أخذ يتحدث بها، لا يمكن لشخص مثلي أن يتخيل ذلك مجرد ~~تخيل، بل لا يمكن أن يخطر ببال شيطان رجيم، إذا كان للشيطان بال، قالت بصوت حزين: مما ~~ولدوني إلى اليوم، ما قطعت شعرة واحدة منه، قالوا حلاقته تجيب النحس وسوء الحظ، وبرضو ما ~~لقيت وقت، وقتي كله للشغل، بعد دا، ح أخلي بالي من نفسي شوية. # قلت لنفسي: الموضوع ما بيستحق، خلينا نخلص. # كنت مصمما على أن أجعلها تدخل تجربة جديدة مثيرة في حياتها، تجربة لا تنسى، بما يساوي ~~نقطة تحول، قالت: قاعدة أنظفه وأسرحو بالمشط كل يوم جمعة. # حكى لنا بالتفصيل الممل، في الحقيقة ليس مملا، بل مؤذيا وضارا جدا، ثم أقسم، ~~وأقسم، وقال: الصافية انقلبت مرفعين. # قلنا بصوت واحد كما لو كنا ممثلين في دراما تلفزيونية: مرفعين؟ ~~- مرفعين عديل كدا؟ # اللحظة التي وضع يده على عري جسدها، وبدأ يداعبها في أذنيها، وأنفها الكبير، بدأ الصوف ~~ينمو في جسدها، صوف أسود غليظ خشن وقبيح، تماما مثل صوف الحمار، كان ينمو بصورة مذهلة، ~~بسرعة رهيبة، ثم أخذت ملامح وجهها تتغير، برزت أنيابها، ثم أخذت ms054 تصدر صوتا غليظا، ~~ثم انقضت علي كما لو كانت أسدا ضاريا، وأنا فريسة بائسة جريحة، حدث كل ذلك في ثوان ~~معدودات، لا أدري كيف تمكنت من الهرب، عبر الباب المغلق، أم عبر الشباك الصغير، أو ~~أنني قد اخترقت السياج اختراقا، لا أدري، ولكنني وجدت نفسي خارج القطية، خارج بيت ~~أدي، خارج الحلة كلها، حدث ذلك في لمح البصر، خلع جلبابه وأراهما خدوشا في ظهره ~~وأليتيه: ضحكنا. # | أغنية الفرو، تيراب البنية، بوشاي، وأشياء أخرى # ذات صباح باكر، أرسلت لي ألم قشي ود أمونة برسالة شفهية، فهمت منها أنها تريد ~~مقابلتي في بيت أدي الآن، المسافة ما بين بيت أدي ومنزل مختار علي حيث أقيم وصاحبي ~~قريبة جدا وبعيدة جدا، يتوقف الأمر حسب العلاقات الاجتماعية مع الجيران والوقت ليلا أم ~~نهارا؛ حيث يمكن استغلال ما يسمونه بباب الجيران؛ لاختصار مسافة كيلو متر من الهرولة عبر ~~الأزقة والطرق الجانبية، إلى ما لا يتعدى العشرين مترا، وشخص مثلي غالبا ما تكون علاقته ~~جيدة مع الجيران؛ لذا دخلت منزل أول جارة وهي سعاد، تبادلت التحايا وزوجها، ثم عبرت عرض ~~المنزل إلى بيت الداية بت البرون، وهي امرأة عجوز طيبة بوجهها شلوخ عريضة وابتسامة ~~دائمة، ليس لها زوج، ليس لها أطفال، بنت أختها التي تقيم معها كانت نائمة في تلك اللحظة، ~~تبادلنا التحايا، وعبر باب الشارع كان علي أن أعبر منزل الدينكاوية الحسناء أداليا ~~دانيال ولم تكن بالمنزل، عبرت بيتها، لأجد نفسي وجها لوجه مع باب مجمع أدي ~~السكني، وجدت ود أمونة قد سبقني لبيت أدي وكي لا أموت دهشة، قال لي إنه ركب ~~موتر مع الحاج البوليس الذي وجده مصادفة يمر بطريق منزل مختار علي، وذلك بعد أن أخبرني ~~برسالة ألم قشي مباشرة، أومأت برأسي أن فهمت، بادرتني ألم قشي معاتبة: إنت ما سألت مني ~~تاني؟ دا أسبوع كامل. # أضاف ود أمونة، بأسلوبه الخاص: وحات ربي، ألم قشي مما نامت معاك، تاني رجلها دي ما ~~رفعتها لزول. # قالت ألم قشي بصورة مباغتة وهي تنظر في ms055 أم عيني: أنا ما عجبتك ولا شنو؟ # أضاف ود أمونة: في زول ما بتعجبوا ألم قشي؟ # قالت ألم قشي بغنج وهي تحرك صدرها بما يشبه الرقص: مزاج ناس المدن صعب يا ود أمونة، ~~ديل متعودين على البنات اللي في التلفزيون يمكن، أضاف ود أمونة مخاطبا ألم قشي ~~برقة خبيثة فاجرة: أنت ما أدخنت ليه ولا شنو؟ # ادعت ألم قشي الخجل، أما أنا فكنت محرجا من كل شيء، مع وعيي التام بالشرك الذي ~~أصطاد به، قلت: العفو، العفو، ألم قشي جميلة، ونظيفة، كل في الكل. # أضاف ود أمونة: أنا ح أدخنها ليك الليلة، وأدلكها وأبقيها ليك عروس عديل كدا، قصرت ~~معاك؟ # قلت له مجاملا: إنت ما بتقصر، ولو إنها كدا كويسة معاي. # قالت ألم قشي: كويس، عايزاك في موضوع تاني، موضوع الشغل مع ناس شركة ~~الاتصالات. ~~- يعني خلاص وافقت على الشغل؟ # قالت دون مبالاة وهي تهز صدرها بتلك الصورة المدهشة: قلت أجرب، يمكن ربنا كاتب لي ~~رزق في مكان تاني. # تعرف ألم قشي أن العلاقة بيني وبين موظفي شركة الاتصالات الوافدة حديثا للمنطقة هي عبر ~~صديقي، فهو تربطه علاقة شخصية بالمدير، وقد طرح علي فكرة أن تعمل ألم قشي طباخة في ~~ميس الشركة؛ إذ إن الموظفين لم يحضروا زوجاتهم بعد، في انتظار اكتمال البرج والتوصيلات ~~الأرضية، وإحضار الأجهزة الإلكترونية، وغيرها من الأشياء التي تؤكد استقرار العمل، قلت لها: ~~كويس، ح أكلمه أقول ليه: ألم قشي وافقت. # طلبا مني أن أشرب معهما قهوة الصباح، إلا أنني تعللت بارتباطي بمختار علي وصديقي في ~~البيت، وأننا سوف نذهب معا كما اعتدنا أن نفعل في الأيام الأخيرة إلى العجوز؛ حيث نحتسي ~~عندها القهوة، وأنا أخرج من المنزل سألني ود أمونة إذا ما كنت سأحضر في المساء، أكدت له ~~ذلك، فغمز لي بعينه اليسرى بما يعني ما يعني، ابتسمت أومأت برأسي مباركا مساعيه ~~وشاكرا. # يبدأ صباحي كالعادة بكسل يتسم به العاطلون عن العمل ولديهم مصدر رزق يحول دونهم والموت ~~جوعا، وليست عليهم مسئوليات أسرية، عبارة عن ms056 مطاليق مثلي يبحثون عن متعة المشاهدة لا ~~أكثر، لدينا زبونة واحدة فقط نشرب عندها قهوة الصباح، شمطاء، تستغل راكوبة بيتها لتقدم ~~الشاي والقهوة للعابرين من الجنقو، والعمال الآخرين، بيتها في أقصى الشرق على طريق ~~همدائييت، حيث يعمل عدد من العمال على تأسيس طلمبة الوقود، ذهبت إليها وحدي إذ إن صديقي ~~فضل دخول الحلة، أما مختار علي فلبى دعوة جارة حبشية كريمة، طلبت منه أن يشرب معهما ~~هي وزوجها قهوة الصباح، وكما هو معروف لا يرفض عينة هذه الدعوة إلا شخص أهبل، فالناس ~~يؤمنون هنا أن لا أحد يصنع القهوة بمهارة تفوق الحبشيات، أعدت لي العجوز قهوة وعليها كمية ~~أكبر من الزنجبيل، وهي علامة أنني من مدينة كسلا، بينما أنا من مدينة القضارف، مر أمامنا ~~شرطيان يتبعهما شيخ الحلة، وبعض أعضاء اللجنة الشعبية، رموا علينا السلام ومضوا في عجلة ~~نحو الطلمبة. قالت لي العجوز: إمبارح «بالأمس» واحد من عمال الطرمبة ديل طعنوه. ~~- طعنه منو؟ # قالت وهي تحرك جمرة صغيرة بملعقة السكر: أولاد من المعسكر، معسكر اللاجئين القريب دا، ~~كانوا بيلعبوا القمار مع بعض واختلفوا، كلهم كانوا سكرانين لط. # قلت لها: إن شاء الله ما اتعوق شديد؟ # قالت بحسرة: مات قبل شوية في مستشفى الشجراب، شالوه بلوري عثمان عيسى لخشم القربة، ~~لكنه مات في السكة. # ثم أضافت: إنت ذاتك بتعرفه. # وأخذت تصفه لي، ولكنني، وهي عادة سيئة عندي، عندما يموت شخص أعرفه معرفة غير عميقة، أقصد ~~معرفة عابرة، فإنني أنسى ملامحه، بل قد لا أتذكر أنني قابلته من قبل، الأمر الذي يكون سهلا ~~إذا ما زال على قيد الحياة، لا أعرف ماذا وراء ذلك. ~~- هو واحد من زبايني، أنت شفتو هنا في راكوبتي ذاتها. # قلت: الود البرناوي؟ # قالت ضاحكة: يشبه البرنو، ولكنه مولد. # وشرحت لي أن تسعة وتسعين في المائة من سكان الحلة ليست لهم أجناس، ليست لهم قبائل، ~~كلهم مولدون، أمهاتهم حبشيات بازاريات، بني عامر، حماسينيات، بلالاويات، أو أي جنس، ~~وآباؤهم في الغالب إما غرابة: مساليت، بلالة، زغاوة، فور، فلاتة، تاما، ms057 أو حمران وشكرية، ~~أو شلك ونوبة ونوير، وفي قلة من الشوايقة والجعليين، وكضاب الزول البقول عندو قبيلة هنا، ~~ولا جنس ولا خشم بيت، قلت لها متحديا: كويس أداليا دانيال؟ # قالت: أداليا دانيال أمها دينكاوية، أبوها أشولي، وراجلها لكويا. # قلت: إنت؟ # قالت: أنا أمي بازاوية، وأبوي أمو حبشية وأبوه مسلاتي، وولدي متزوج من الحباب من أسرة ~~الكنتباي ذاتها، وأنت عارف الحباب ديل ناس سمحين، وكل الأجناس القلتها ليك دي هي مجرد ~~أسماء، ولكن في الحقيقة انمحوا في بعض، بس الواحد فيهم بيتمسك بقبيلة الأب، وطبعا دا كلام ~~ساي، الدم كله من الأم، والروح من الأم، والأبو دا عنده شنو غير الموية؟ ثم أخذت تعدد لي ~~الأشخاص وكيف خلطوا، وختمت حديثها بما يعتبر من المسلمات: أهلنا ديل يموتوا في الحبشيات، ~~وحكت لي قصة الحاج الذي ألهاه الشيطان عن اللحاق بركب الحج، حيث تمثل له في شكل فرج أنثى ~~على فرع من شجرة لالوب شائكة استظل تحتها بمصوع في طريقه إلى مكة، حيث أخذ الحاج يرمي ~~العضو بالحجارة لكي يسقط في الأرض، يهتز العضو، ويكاد يسقط ولكنه يبقى في مكانه، وهكذا ~~ظل الحاج يرمي الحجارة إلى انتهى موسم الحج، ولم يحظ بالعضو الجيد، ولم يحظ ~~بالحج. # قلت لها: الصافية دي شنو؟ ~~- جدها مسلاتي، أمها من الأمهرا من جهة الأم، فوراوية من جهة الأب، وبيتهم فيه البازاوي، ~~والحبابوي، والقمراوي، والإنقريابي، والرباطابي، وحتى الحلفاوي، والمحسي، ~~والدنقلاوي. # قلت لها: كويس الجنس البينقلب مرفعين دا شنو؟ # قالت بطمأنينة العالم العارف: الحكاية كلها في اللبن. # صبت لي فنجانا آخر من القهوة، وهي تكمل حديثها: الحكاية كلها في اللبن، من جهة الأم، ~~وخلط اللبن باللبن ما كويس، الواحدة تخلي أطفالها يرضعوا هنا وهناك، وهي لافة من بيت ~~لبيت وما عارفة الناس، فيهم تيراب البنية البعاتي، وفيهم البنقلب غراب، وفيهم ~~البنقلب أسد، أو مرفعين، أو برطا برطا، وفيهم البياكل الناس عديل كدا، وفيهم ~~السحار، والبلد ملانة بالجن، تلقاهم في شكل نسوان، ورجال، وحمير، وكدايس، وشجر، ~~وربنا يكون في العون، وحتى ms058 البومة دي لو لقت طفل وحده بترضعه، وربنا يكرم ~~السامعين، دا هو تيراب السحارين، اللهم احفظنا واحفظ المسلمين، آمين يا رب ~~العالمين. # قلت لها: أسرة الصافية هي أول أسرة في البلد هنا، مش كدا؟ # قالت، وقد بدا عليها الارتباك قليلا: منو القال ليك أسرة الصافية، الصافية السكرانة دي ~~ربيناها نحنا في أسرتنا تربية، أمها ولدتها ورمتها لينا هنا، وفاتت ما في زول يعلم وين، ~~وأنا السميتها الصافية على جدتي، الأسرة الكانت هنا هي أسرتي أنا، ثم حكت لي الحكاية ~~الحقيقية، وما عداها اعتبرته تشويها دافعه سوء النية، والجهل، والحسد، عندما جاء ~~أهلها إلى هذا المكان، لم يكن به سوى الثعالب، المرافعين، القرود، الحلوف، أبو القدح، ~~الأرانب، والصقور، والحبار، وأحيانا يرى الناس بعض النمور، كانت هناك غابات كثيفة من ~~شجر الكتر، واللالوب، والهشاب، وبعض السيال، وعند الخيران، وبرك المياه، تنمو أشجار ~~السنط، أما في الكرب وعلى شاطئ النهر فالعرديب والتبلدي، ولكن البلد مشهور بالجن وأبي ~~لمبة، منذ أن تغرب الشمس يخرج أبو لمبة، كانت أسرتها في طريقها إلى مدينة القضارف، بعد أداء ~~شعيرة الحج، حيث إنهم قدموا عن طريق اليمن، باب المندب، مصوع، الحبشة ثم إلى هنا، وقد ~~داهمهم الخريف في هذا المكان، فأقاموا وبنوا أول منزل، قطع جدها وأبناؤه الأشجار، نظفوا ~~الأرض، وزرعوا محصول الذرة والدخن والسمسم، قالت: دا قبل أكثر من مية، مية وخمسين سنة، حكت ~~لها بذلك جدتها عن جدتها عن جدتها، قالت: جدنا الأكبر اسمو عبد الرازق وله توأم اسمو عبد ~~الرزاق، حبوبتي قالت، حبوبتها قالت ليها: كانا يعملان في تجارة الحطب، والمحاصيل الزراعية ~~التي ينتجانها، حيث يقومان ببيعها إلى الحبش في الحمرة، وبحر دار، وحتى نواحي قندر، قد ~~يسافران لأيام تطول، بينما يبقى أبواهما في المنزل مع أختهما الصغيرة وهي التي تسمى ~~الصافية، حكت لها جدة عن جدة عن الصافية، كان عمرها لا يتجاوز السنوات العشر في ذلك الوقت، ~~ولكنها تتذكر إلى الآن اللحظة التي جاء فيها أخوها عبد الرازق التوم على رأسه طوق من ~~الحديد، ms059 مربوط بشكل محكم، عيناه محمرتان وبارزتان إلى الخارج ولسانه خارج فمه مثل لسان ~~الكلب، ورغم ذلك كان صامتا، فقط يصدر صوتا من صدره مثل نداء البوم، فهب إليه أبوها وأمها ~~وأخوها عبد الرزاق، الذي خرج من السجن قبل يومين فقط، تذكر إلى الآن جملة واحدة وهي: أنا ~~ممكون بالفرو. # وكان جسده كله يتصبب عرقا، أخذ أبي يقرأ على رأسه آيات من القرآن، ولكن عبد الرازق قال ~~له: المبرد، المبرد يا حاج. # وفعلا أتى أخي عبد الرزاق بالمبرد، وقاما بقطع الفرو، وكانت لحظة عجيبة جدا، كلنا ~~أحسسنا بالراحة، وكأنما هو ولد من جديد في تلك اللحظة، ولم يهتم أحد من الأسرة إطلاقا ~~بالهواء العظيم الذي اندفع من دبر أخيها عبد الرازق، في شكل دوي هائل مدهشا سكون هواء ~~الخريف الثقيل، ناثرا عفونة إسهال حبيس بئيس، ثم استفرغ، ثم نام، أيقظه أبوه في منتصف ~~الليل، حيث أطعم، ثم نام مرة أخرى تاركا الأسرة كلها قابعة قرب رأسه ينظرون إليه مندهشين، ~~وكان عبد الرزاق بين حين وآخر يردد: أنا السبب، دا كله عشاني أنا. # لكن أمه كانت تخفف عنه بالقول: في النهاية أخوك، تكررها في قلق، قالت لي العجوز وهي تحكي ~~باستمتاع وقد نسينا فنجانا من القهوة يقبع في صمت فتساقط عليه الذباب: كان المساجين في ~~الحبشة وإلى وقت قريب لا يطعمهم السجن، يربطونهم ليشحدوا في السوق والاندايات، وأثناء ما ~~كان عبد الرازق يتناول طعاما في سوق الحمرة مع أصحابه التجار إذا به يرى توأمه عبد ~~الرزاق مربوطا ضمن عدد من المسجونين يسأل الناس طعاما، كاد يقف قلب عبد الرازق من ~~المفاجأة: تومي عبد الرزاق؟ أطعمه وأعطاه مالا، وقال له بلغة المساليت إنه سوف يأتي إليه ~~يوم الجمعة في السجن، الجمعة التي بعد جمعتين كاملتين، يرتدي نفس الملابس التي يرتديها ~~توأمه الآن، نفس الحذاء، ونفس الطاقية، وسوف يطلب مقابلته وهنالك في السجن يتبادلان ~~المواقع، وأضاف: أنا بعرف بتعامل مع الجماعة ديل كويس، أنا بعرف ليهم، أنا عشت مع الشفته ~~والفالول سنة كاملة، وبالفعل ms060 تبادلا المواقع في التاريخ المتفق عليه، ولكن في اليوم الثالث ~~بلغ عنه المساجين الذين اكتشفوا الخدعة منذ اليوم الأول، بالرغم من أن عبد الرازق عبارة ~~عن نسخة أخرى من عبد الرزاق، كأنما الأول صورة للآخر في المرآة، ولكن طبيعة عبد الرازق ~~تختلف بصورة جوهرية عن توأمه؛ حيث إن عبد الرازق كان يميل لنوع من الحياة لا يحبذها أخوه، ~~حيث إنه كثيرا ما يختفي لشهور كثيرة باحثا عن المغامرة والمتعة، الخمرة والنساء، مع ~~قطاع الطرق الأحباش في أحراش إثيوبيا، كان ملولا سريع الغضب، وعنيفا ويتعاطى كل ما ~~حرم الله، ولم يصل أو يصم إلا في صغره، عكس عبد الرزاق تماما؛ حيث كان طيبا ~~مسالما، ولو أنه ما كان ميالا للعبادة، إلا أنه كان لا يتعاطى المسكرات، ولا حتى ~~الصعوط والسجائر. ~~- قدر ما قلت أقلد أخوي عبد الرزاق؛ ما قدرت خالص خالص، ما قدرت؛ فالطبيعة جبل كما ~~يقول الناس. # وأخبر عنه المسجونون إدارة السجن علهم يجدون وضعا مميزا، أو على الأقل يتجنبون ~~المساءلة إذا اكتشف أمره السجانون بأنفسهم، فقامت إدارة السجن بضربه ضربا مبرحا، ثم ~~خيروه ما بين الخازوق أو الفرو، وكلاهما يعني الموت ببطء وألم شديد، فاختار الفرو، فربط ~~في رأسه بأقصى درجة ممكنة وقالوا له: لو ما جبت أخوك خلال نصف ساعة ح تموت، ومفتاح الفرو ~~عندنا هنا في السجن يللا «قلتف»، وتعني بلغة التجرنة التي يعرفها جيدا: ~~أسرع. # في الثواني الأولى من ربط الفرو، تمنى لو أنه وجد أخاه ليسلمه للسجانين؛ حتى يفكوا من ~~رأسه الفرو، ثم أخذ بالفعل يبحث عنه دون تركيز، دون خطة، دون أمل، كان يصرخ في الطرقات ~~وهو يجري في كل اتجاه باحثا عن لا شيء، كان يهتف باسمه، لقد أصيب بهلع شديد، وحالة من ~~التشتت، ولكنه كان يمضي بعيدا عن السجن على أي حال، كانوا متأكدين من أنه سيعود، حتما ~~سيعود أو يموت، ويعرفون أنه لن يموت بعيدا عن السجن، يهمهم في الأمر الفرو الذي لا بد ~~من إعادته للسجن، جثته سوف يرمون بها ms061 في البئر المهجورة عند سفح الجبل. ~~- بعد لحظات بقيت أوعى، حسيت بنفسي، وتذكرت كيف الفالول يتعاملوا مع الفرو. ادعى أن الذي ~~يلتف حول رأسه ليس هو الفرو آلة الحديد القاسية المميتة؛ ولكن ثعبان، ثعبان قد يقتله بلدغة ~~واحدة، وقد يتركه في حاله إذا تعامل معه برفق وكلمه بالحسنى، وأقنعه بالمنطق، ولأنه يريد أن ~~يحيا ولا يرغب في الموت ملدوغا من ثعبان سام؛ عليه بسياسة النفس الطويل، طولة البال، ~~وأن يربط مهمة أن يخرج من الحدود الحبشية بترضية الثعبان، وأخذ يتلو نشيدا طويلا ~~بالتجرنة، كان نشيدا طويلا يتكون من كلمات بسيطة قليلة: # لا أموت. # لا أموت، لا أموت، لا أموت، لا أموت. # لا أموت، لا أموت، لا أموت. # سوف أحيا، سوف أحيا، سوف أحيا. # ويستمر النشيد في كلمتين هما سوف أحيا، ولن ينتهي إلى أن يطلق الثعبان رأسه، واتجه نحو ~~الحدود السودانية، مهرولا منشدا في اتجاه الغرب متجنبا طرق المشاة، السيارات، ~~الحمارين، كل السكك المطروقة إلى همدائييت، اتجه جنوبا، قليلا جنوبا، عبر غابة الطلح ~~الصغيرة، الواقعة على أرض حجرية صلدة حمراء، بها خوران، وعران، وبعض شجيرات الكتر ~~الشوكية، تنبت ما بين هنا وهناك، يعرف هذا المكان جيدا، اشترى منه قبل عامين مائة قنطار ~~من الصمغ العربي مقابل عشر جوالات من السمسم الأحمر النادر من برهاني كداني الحبشي الممسوخ ~~كما يحب أن يسميه، وهو أحد أكبر الفالول في نواحي خور الحمرة وغابة زهانة الأكثر وعورة ~~ورهبة، اشترى منه الصمغ على علمه التام أنه لا يمتلك ولا رطلا واحدا منه، ولا يفهم في طق ~~الصمغ ولا لقيطه، وللمبالغة يقولون عنه إنه لا يفرق بين الطلحة والكترة، لكن ليس بإمكان ~~المزارعين الفقراء البائسين أن يبيعوا صمغهم إلا من خلاله هو فقط، وبالسعر الذي يضعه، ~~وكان غالبا لا يظلمهم ودائما ما يحميهم من قطاع الطرق واللصوص الآخرين، إذا التقى به ~~هنا سوف يساعده دون شك في التخلص من الفرو، تبدو الشمس أمامه كبيرة حمراء مثل الدم، تغيب ~~الآن، يمضي نحوها، يعرف أنهم أطلقوه في هذا ms062 الوقت بالذات؛ ليصعبوا أمامه خيارات النجاة؛ حيث ~~إن الليل هنا عدو اللصوص أيضا، في ذلك المغرب التقى فالول وشياطين، فروا منه، وقبل أن ~~يكتمل الغروب استطاعت ساقه أن تسلمه إلى البيت. # عاد الشرطيان، توقفا قليلا عند العجوز، سألاها عن فتى باسمه ولقبه، واسم أمه، ~~مصحوبا بكلمة الشرموطة نكاية وغضبا عليه، قالت لهما: مشى زهانة، معزوم مع أصحابه ~~كلهم عيد القديس يوهنس. # | حوار موضوعي وكرميلا # أكد لي أن مشروع الصافية بالنسبة إليه لم ينته بعد، وأنه قرر أن يخوض المعركة إلى آخر ~~طلقة، ولم يكن تصريحه هذا غريبا، فأنا أعرفه لما يزيد على الثلاثين عاما من الصحبة، ~~القراءة المشتركة، السفر، الفشل، الإحباط، النجاحات الكبيرة، العمل والعطالة، سيكون تصريحه ~~غريبا إذا قال لي إنه تنازل عما سماه بمشروع الصافية، أو خاف، قال بثقة كبيرة: أنا ~~بحلل وضع الصافية بالطريقة دي: امرأة عندما تثار جنسيا ينمو الصوف في جسمها كله، تطول ~~أظافرها، وأذناها، تتحول ملامح وجهها إلى ما يشبه ذئبا كبيرا، أسدا، أو حتى قردا، ~~فتهاجم العشيق، فيهرب، وهي نفسها لا تكون واعية بحقيقة ما يجري لها، ثم طرح سؤالا: الزول ~~لو انتظر للنهاية ح يحصل ليه شنو؟ دعونا نفكر في هذا الموضوع بجدية، دعونا نفكر كيف نتعامل ~~معها، يجب ألا نتركها هكذا تعاني وحدها هذه الأزمة الإنسانية الفريدة، نحن شركاء على ~~الأقل في الإنسانية، نحن بشر، يعني هنالك مسألة تخص الفرد، تخص الجميع، وما يخص الجميع يخص ~~الفرد، مسألة مصير واحد، مآل واحد، ثقب واحد يجب أن نعبر به جميعا نحو الحياة، أن يتعثر ~~أحدنا فيه، يعني ألا يمر الآخرون، وأخذ يهذي بكلام أعرف أنه يجيده، والأسوأ أنه يؤمن به، ~~والأسوأ أكثر أنه سيفعله، قدمت له نصيحة لا تفيده، وقد تكون طوق نجاة لغيره: أتمنى إنك ما ~~ترمي بنفسك في التهلكة. # قال بقلق: تقصد ما أتطفل. # قلت ضاحكا: أيوه. قال: وجودنا هنا في «الحلة» مش نوع من التطفل؟ عندنا هنا شنو، غير ~~ناس مطرودين من وزارة الصحة للصالح العام، كل يوم متطفلين ms063 على بلد من بلاد الله، وناس من ~~ناس الله؟ # فهمت أنه يعني فيما يعني أننا طالما تطفلنا على المكان، فنحن أيضا تطفلنا على الإنسان، ~~والأمر سيان، كان دائما ما يكرر القول إنه يجب أن يترك أثرا واضحا أينما يذهب، وأن ~~يدهش، وهذا الأثر وهذه الدهشة لا يتأتيان ما لم يفعل ما لا يستطيع فعله غيره وهم العامة ~~والخاصة معا، ويختصر ذلك بالقول: اركب الصعب، أينما حللنا، كان يبحث عن الصعب والصعب فقط، ~~يبحث عن الغرباء في الناس، في المجتمع، في المكان، في كل شيء، كان يتصيد السؤال، ولا يخشى ~~التهلكة، بل يرمي فيها نفسه رميا. قلت له: ألم قشي وافقت على العمل في ميس الشركة. # أكلنا طعاما طبخه هو ومختار علي من اللوبيا البيضاء، والفرندو بالشرموط، اشترينا إنجيرا ~~من بيت الأم، كان مختار علي دائما ما يحتفظ بمخزون من الدليخ في قطيته، حضرت ألم قشي ~~وصنعت لنا القهوة بالزنجبيل والهبهان، ذهبنا الثلاثة إلى مقر الشركة جوار زريبة المحاصيل، ~~حيث وجدنا العمال مجتهدين في بناء المؤسسة، لكننا استطعنا أن نلتقي بالمدير، وكان رجلا ~~قصيرا نحيفا مبتسما قليل الكلام، مرحابا، مضيافا، أنيقا. # شكرنا مدير الشركة كثيرا، اعتبر قدومنا بألم قشي كي تعمل معهم في الميس، في هذا الوقت ~~بالذات، عملا إنسانيا كبيرا، بركة من الله، ومساهمة في نجاح الشركة. في الحقيقة نحن ~~نحتاج لامرأة نثق بها، أضاف: لولا وجودكم أنتم في الحلة، ما عارف كان نحنا نعمل شنو. # ولكني أحسست بمسحة غبشاء من الإحباط تعتري وجهه وهو يرحب بألم قشي، ويكيل لنا ولها ~~الشكر. # قالت ألم قشي فيما بعد: كانوا عايزين بت صغيرة في العمر، على الأقل أجمل وأخف مني، ~~أضافت: ح يقتنعوا إنه أنا أجمل مرا في الدنيا. # قلت لصديقي: ربما كان صاحبك عايز ملكة جمال في مكان في طرف الدنيا، تحيط به الغابات ~~والخيران الموسمية، ومن سكانه الأصليين القرود، هذا المكان البعيد، الأرض المهمشة ~~النشأت أصلا من المطاريد. # تركنا ألم قشي هناك ترتب أمر وظيفتها الجديدة، وعدنا أدراجنا إلى السوق، ms064 الساعة تشير إلى ~~منتصف النهار، عمال البنك يعملون بجد ونشاط، سيدرك البنك الموسم الزراعي القادم، ويشاع ~~أن هذا البنك سيغير خارطة الثروة والسلطة، وعلاقات الإنتاج في المنطقة لمصلحة محدودي ~~الدخل، صغار المزارعين والفقراء، وسوف يقدم قروضا وسلفيات إسلامية غير ربوية لكل منتج ~~ومزارع، وقد اجتهد البعض مفسرين كلمة منتج بأنه سوف لا ينسى أحدا، ويشمل ذلك فيما يشمل ~~الاندايات الكبيرة، تجار الشنطة، وبائعات عرقي البلح والفحامة، وفكر ود أمونة في بار ~~صغير على شاطئ النهر، كذلك الذي يوجد على الضفة الشرقية من نهر سيتيت بالحمرة، مطلا ~~على قرية همدائييت، يرتاده أصحاب المزاج والملاماتية ما بعد منتصف النهار، حيث يعبرون النهر ~~سباحة، بالرغم من أنه يوجد داخل حدود دولة أخرى وهي إثيوبيا، لكن ليس لأحدهم جواز، أو ~~بطاقة، ولا حتى ورقة تحمل اسمه، من جهة أخرى فإن السلطات الإثيوبية لا تسأل عن شيء، سوف ~~ينشئ ود أمونة بارا يستقطب هؤلاء الفارين إلى الكيف العابرين الأنهار، ولن يضطروا ~~إلى المخاطرة بحياتهم غرقا. # ويبدو أن فكرة التمويل لم تكن إشاعة، ولكن المحاضر الذي أوفده ~~البنك يوم جمعة لا ينسى قال كل ذلك، أو لم يقله، ولكن المؤكد أنه تحدث باستفاضة عن ~~السلم، المرابحة، والمشاركة، وأصل لذلك بآيات، وأحاديث، وخطب، وشهادات فقهاء وفتاوى، ~~وذكر فيما ذكر اسم عالم غامض لم يسمع به أحد في القرية، وهو القرضاوي ربما اشتق اسمه من ~~قرض، من يدري؟ لم يفهم العامة الشيء القليل من خطبته العصماء، ولكنهم فهموا المهم والذي ~~يخصهم وهو: أن هناك قروضا للجميع دون فرز، وحق للجميع، دون ربا، على سنة الله ورسوله، كل ~~هذا تفوه به الخطيب، ولم يجتهد الناس كثيرا في التأويل، وعلى بركة ذلك بادرت المحلية ~~بتخصيص قطعة أرض مجانية للبنك كي ينشأ عليها، وسمح باستخدام وابور المحلية لنقل الحجارة ~~والرملة السفاية، والطوب الأحمر بسعر رمزي يغطي تكلفة العمالة، وتحصل إداريو البنك ~~المشرفون على إنشائه وقودا، وكهرباء، وإمدادا مائيا مجانا ولوجه الله وحده، ولأجل خاطر ~~التنمية، وابتغاء رفعة البلد. # وللحاق بركب هذا ms065 العطاء المجاني سعى المقاول الذي يعمل ~~بالتشييد؛ لأن يحصل على عمالة مجانية للبناء من الجيش، طالما يجلس العساكر هنالك في ثكناتهم ~~دون عمل، يلعبون الورق، والضالة، ينتظرون حروبا لن تقع في القريب العاجل، ولكن لسوء حظه أن ~~قائد الحامية في ذلك الوقت كان جنديا يمتلك رأسا يسمى في الخفاء: ناشفا، لم يسعفه في ~~تفهم التنمية والتطور، ودور البنك العظيم المنتظر، أو أنه كان يفهمه جيدا، فرد إليه طلبه ~~مشفوعا بتهديد شفاهي: احذروا، واحذروا، واحذروا، الجيش دا قايلنوا شركة على الله؟ سوى ~~هذا الصد الواضح، لم يجد البنك أي صعوبة في الحصول على أي تسهيل ومباركة، بل إن معظم ~~الناس كانوا يحسون بأن لهم واجبا ما تجاهه، ولا يتأخرون في مد يد العون متى ما طلب منهم ~~ذلك، كان البنك بمثابة مهدي المكان المنتظر، شربنا كركدي عند عزيزة الزغاوية، كان يجلس ~~قربنا اثنان من السماسرة يتحسران لأجل سعر السمسم المنخفض في هذا الموسم، مع أن الإنتاج ~~شحيح، يتعجبان؛ لأنهما يريان أن انخفاض إنتاجية السمسم يؤدي مباشرة إلى ارتفاع سعره، هذا ما ~~تعلماه من التجربة، الشيء الذي لم يحدث هذه الأيام. # دا آخر أسبوع لحصاد السمسم، تاني ما تبقى الحته. # ولكن كان أحدهما متفائلا بعض الشيء؛ لأن شركة السمسم - حتى الآن - لم تدخل السوق لشراء ~~متطلباتها السنوية من السمسم لأجل التصدير: ح يرتفع، ح يرتفع أكثر من السنة الفاتت، وهنا ~~تدخل صديقي قائلا: السبب إنتاج الفول، الفول السوداني، وبرضو عباد الشمس. # ودون أن يستأذنهما طرح من رأسه سيلا من الأرقام المدهشة عن إنتاج الفول السوداني، ~~وعباد الشمس في هذا الموسم، ثم تحدث عن سعر رطل الزيت من الاثنين: إنه ينخفض، وسوف ينخفض ~~أكثر، وربط ذلك بالمستخدم من السمسم في زيت الطعام والحلوى، وكيف أن الفول السوداني الرخيص ~~حل محله زيت عباد الشمس النقي الصحي منخفض الثمن المفضل لدى المصدرين، وأصبح إنتاجه ~~ضخما، ثم أسهب في الحديث عما أسماه «مستقبل إنتاج السمسم في السودان»، هل سيصبح مثل مستقبل ~~إنتاج القطن والصمغ العربي؟ نظرا ms066 إليه باستغراب، سأله أحدهما بعفوية: إنت في الأمن؟ # مما جعلنا جميعا نضحك في وقت واحد، قال له صديقي: لا، أنا من القضارف. # قال الرجل هو يحملق في وجه صديقي: نعم، عارف، إنت الزول العندك حكاية مع الصافية، لكن إنت ~~شغال شنو؟ # قال له صديقي، وقد ظهر عليه بعض الغضب: البلد دي غير القوالات والإشاعات ما فيها شي، بلد ~~نكد. # قال الآخر محاولا الخروج من موضوع الصراع: كدا أحسن نشوف موضوع السمسم، وقطع الحوار صوت ~~أبواق سيارات، ونهيق ونباح بربارات ولاندروفرات مختلطا بزغاريد نساء وصبايا، غناء وجلبة، ~~ثم عم المكان الغبار المختلق من رفس إطارات السيارات على الأرض، قالت عزيزة الزغاوية ~~مستنكرة: دا زمن عرس؟ لسه الحصاد ما انتهى. # قال أحد السماسرة مقررا أمرا قد يبدو معروفا للجميع: العريس دا قايلاه منو؟ دا محمد ~~عوض، سواق باربارة البرناوي، ديل بيعرسوا في أي وقت، طالما الخريف انتهى وانفتحت الشوراع، ~~دي مرتو التالتة. # السيرة مكونة من عشرين باربارا، خمسة لاندروفرات، باص همدائييت، وباص الشواك، لوري ~~الحفيرة، تراكتور بمقطورة يتبع لأحد التجار من زهانة، المغني المتفرد ود أمونة، يصدح ~~بصوت نسائي عليه بحة خفيفة، ربما نتيجة للسهر وتعليم العروس، وشرب القهوة الكثير في بيت ~~العرس، حيث لا تنطفئ نار القهوة لما يزيد على الأسبوع، يتبعه كورس من الصبيات والنساء في ~~حماس وإثارة. # علق أحد السماسرة في ضيق: الله يسخته، ما بتعرفو، مرا ولا راجل. # ضحكت عزيزة قائلة: دا ود أمونة وبس، هو كدا. # قال السمسار الآخر: دا زول مخنث ما نافع، والله لو ولدي كنت ح أكتلو عديل كدا. # قالت عزيزة: ما لك ومال الزول دا ربنا الخلقه عايزو كدا، ثم أضافت: إنتو عارفين محمد ~~عوض اتزوج منو؟ # قلت: لا، بالتأكيد. # قالت: اتزوج زينب بت أبرهيت الفلاشاوي. # قلت مندهشا: الفلاشاوي؟ يعني من الفلاشا. # قال أحد السماسرة: أيوا، وقالوا الفلاشا ديل يهود، هم ذاتهم الباعهم جعفر نميري لإسرائيل، ~~مش كدا؟ # قال جملته الأخيرة موجها كلامه إلى صديقي. # قلت: ولكن هنا في فلاشا؟ # قال السمسار: أسرة ms067 واحدة ، هي أسرة أبرهيت ولدو إسحاق. # قالت عزيزة: ولكن أبرهيت دا مسلم، قاعد يمشي صلاة الجمعة، كل الناس شافوه. # قال أحد السماسرة بثقة العالم العارف: اليهود ديل فيهم المسلم، وفيهم الكافر، زيهم زي ~~الجن، فيهم المسلم، وفيهم الكافر، ثم أضاف: وفي مسلمين يهود عديل كدا، وديل الما بيصلوا، ~~ولا بيصوموا، ويأكلوا الربا ومال اليتيم، ديل شنو، مش يهود؟ ثم أضاف فيما يعني أنه لو ~~وجد أي إسرائيلي أو دولة تشتري منه الفلاشا، لباع لها أبرهيت وأسرته جميعا ليغنى للأبد، ~~ديل بيعهم مش حلال؟ ربنا ذاته ما حرم بيع العبيد، سيبك من الفلاشا، مش كدا؟ # أومأت برأسي أن نعم، وكنت أعني بيني وبين نفسي أني: أمتنع. # همس صاحبي في أذني، الذي كان يتتبع النقاش بانتباه كبير: لازم نزور أسرة أبرهيت دي، أنا ~~أتمنى أشوف وأحاور يهودي، فلاشا، ولا أشكناز، ولا سفرديم، ولا أي يهودي تاني، حتى لو كانوا ~~بني قريظة، أو بني النضير. # قلت له: أنا مش ح أمشي معاك، كفاية العملة العملتها في الكنيسة الأسبوع الماضي مع ~~الأم مريم كودي راعية الكنيسة. # قال محتجا وقد علا صوته فجأة: عملتها أنا ولا عملتها هي، أنا كنت عايز أقيم معاها حوار ~~موضوعي عن الأديان، وقصدي شريف جدا، ولكن الأم مريم ما فهمتني واعتبرتني مخرب، هي ~~عايزة تتحاور معاي كمسلم عربي، وأنا عايز أتحاور معاها كإنسان يتبنى كل التراث الروحي ~~للبشرية بما فيه الدين المسيحي نفسه، وكما تكلم زرادشت للفيلسوف نيتشه، وكتاب الطبقات لود ~~ضيف الله، وغيرها من السرديات الكبرى والصغرى. # قلت له: إنت طريقتك في تناول المواضيع هي المشكلة وليست نواياك. # وخوفا من أن يقال إني تركته في محنة جديدة وحده ذهبت معه. الذهاب إلى بيت أبرهيت لم يكن ~~صعبا، فالبيت كان متاخما للسوق، وأبرهيت نفسه معروف ومشهور، كما أن الذهاب إلى منزل فيه ~~مناسبة عرس كان أسهل الأشياء هنا، ونحن نطرق الباب، طلبت منا الصبايا وبعض النساء أن ندخل ~~مباشرة، وما في داعي لدق الباب، الشيء الذي أدهشهن، وأظهرنا ضيوفا مساكين ms068 لا يفهمون طبيعة ~~أهل البلد، وما زلنا نرفض الدخول دون إعلان، فإذا بأبرهيت يأتي مبتسما، طويلا يلبس ~~بنطلونا وقميصا أبيضين نظيفين وربما جديدين، وبلكنة أمهراوية سلم علينا وقدم لنا لوما ~~خفيفا؛ لأننا لم ندخل مباشرة البيت، وطرقنا الباب مثل الأجانب، كان يتحدث في لطف وهو ~~يسحبنا إلى داخل ديوانه، ونادى بصوت خفيض على ابنته جوديت # Judite # التي جاءت وفي يدها الماء والحلوى والأمبابا، والابتسامة الساحرة ~~تحلق في فمها الصغير الحلو، انحنت الصبية العشرينية أمام كل واحد منا، وهي تصب الماء من ~~وعاء زجاجي أزرق في أكواب عليها علم وأسد إثيوبيا الشهيرين: همس صديقي في أذني قائلا في ~~إثارة واضحة، وانفعال باللغة الإنجليزية: «أسد ~~صهيون # The Lion of Zion ~~.» # تجاهلت همسه حتى لا ألفت الانتباه، رحب بنا مرة أخرى، فباركنا له زواج ابنته الكبرى ~~زينب من محمد عوض كاجوك، سائق البربارا، وتمنينا لهما بيت المال، والعيال، وسترة الحال، ~~قال: البن جاهز، والفطور برضو جاهز. # اعتذرنا بأننا شربنا القهوة مع عزيزة الزغاوية، وفطرنا في المنزل، ثم دخل صديقي إلى ~~الموضوع مباشرة ودون مقدمات، وبوضوح تام عرف به وتهور، في الحقيقة أنا أعجبت بالطريقة ~~الذكية البليغة التي حسم بها أبرهيت الموضوع، في هدوء ورباطة جأش، وكأنه كان يعد الإجابة ~~منذ أن ولد قبل خمسة وخمسين عاما خلت، وأنه أجرى عليها تجارب كثيرة، واختبارات صحة وخطأ ~~في شتى أصناف البشر وأحوالهم، وربما الحيوانات والجن أيضا؛ للتأكد من مدى صلاحيتها قبل أن ~~يتبناها أخيرا كإجابة نموذجية تصلح ردا شافيا كافيا لكل المتطفلين، والمتحشرين، ~~والمتسكعين الكسالى، الذين لا هم لديهم سوى البحث عن الغوامض، مثيري الأسئلة، المتشككين، ~~ضعيفي الإيمان، والمتطرفين من الناس، والجن، وهوام الأرض كافة، قال بصوت واضح، بينما كانت ~~عربات السيرة تدور في الخارج، وصوت ود أمونة يصدح بأغنيات بنات رائعات محفزات للرقص، ~~وابنته العشرينية تضع مزيدا من الأمبابا على وعاء الحلوى، وهي تتفحصنا بركن قصي من عينيها ~~الكبيرتين، وتنصرف لتستقبل السيرة في الخارج. # أنا مسلم. تفحص وجهينا وابتسم ابتسامة بنية قبل أن يواصل ms069 كلامه: أنا مسلم. # مسح وجهه براحة كفيه، قبل أن يضيف في حدة: وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وأقيم الصلاة، وآتي الزكاة، وأصوم رمضان، وأحج البيت إذا استطعت إليه ~~سبيلا. # ثم أضاف في برود كالصقيع، بينما هو يحاول الاحتفاظ بابتسامة دائمة لئيمة: يلا مع ~~السلامة، وقولوا لمدير الأمن: أبرهيت ولدو إسحاق يسلم عليك. # وبذلك قال لي صديقي فيما بعد أكد أنه يهودي، ويهودي متطرف، ونحن نخرج من الباب معتذرين ~~خائبين، وناكرين أي صلة لنا بالأمن، إذا بابنته جوديت، تلك العشرينية الجميلة على الباب ~~مباشرة، كانت تتنصت للحوار الذي دار بين صديقي ووالدها، الحوار القصير جدا، حيث إن صاحبي ~~سأله: هل أنت من يهود الفلاشا حقا؟ # كانت جميلة، في فستانها الأبيض العشائري، وبلسانها الذي أخرجته إلينا، ~~في حركة لإغاظتنا، بقع صغيرة سوداء، ورائحة حلوى كرميلا. # | قطع الرحط والدخلة # جلس أمامي في بنبر كبير ود أمونة، كانت عيناه تشعان بهجة وغموضا، ويبدو أنه يود أن ~~يقول كلاما مهما، ولكنه يحتاج لمفتاح ما، وأعطيته إياه عندما سألته: في شنو؟ # قال وقد مد ساقيه النظيفتين، وهما يلمعان في ضوء المصباح: إنت عارف أنا طالبك كم؟ قلت ~~له مشجعا إياه على الكلام: كم؟ # قال وهو يستخدم أصابع يديه في الحساب بطريقة طفولية، ويحرك عينيه في غواية نسوانية: ثلاثة ~~جنيه ونص دي حطب الدخان والطلح، سمح؟ سبعة جنيه ونص دي حق الدلكة اشتريتا من أدي، ~~سمح؟ # خمستاشر جنيه بتاعة الصابون، وكلونيا الحمام، خمسة جنيه دا حق شغل الدلكة الأنا دلكتها ~~ليها، حق يديني ديل، ومد يديه بطريقة بناتية لا تخلو من غنج، خمسة جنيه دي حقت شيل ~~الجسم؛ والله شلت ليها أي شعرة في جسمها خليتها تلمع زي القمر، وح تشوف براك، والجنيهين ديل ~~بتاعة صباع أمير، سمح؟ # قلت مندهشا: صباع أمير بتاع شنو؟ # قال وهو يضحك باستمتاع خاص: ح تلاقيه قدام، وح يعجبك. # قلت: إذن الحساب كله كم؟ # قال مبتسما: خمسين، سبعين، جنيه كدا، سمح؟ # أعطيته مائة جنيه، أعد بسرعة البرق ms070 الشيشة، عرض علي أن يدلك جسمي بالدلكة مجانا، أو ~~ينظف ملايني فاعتذرت بأدب، قام بتغيير الملاءات وأحضر لبنا، وحساء، وعصير كركدي، أعد ~~أدوات صنع القهوة، أحضر مسجلا كبيرا بسماعتين خارجيتين، فعل كل ذلك بسرعة، بهدوء، بإتقان ~~وحرفية، قبل أن يقول لي: الحمام جاهز، الموية دافية، أخير تلحقها قبل ما تبرد. # ناولني بشكيرا جديدا، فرشة أسنان، وصابون لوكس، ومضى أمامي يرقص ردفين كبيرين. كان ~~الحمام عبارة عن بناية صغيرة من القش، القنا وأعمدة أشجار السنط، لا سقف له، بأرضيته ~~حوض كبير من الأسمنت، وبنبر من البلاستيك، وجردل به ماء ساخن، بابه من الزنك يتم ربطه عند ~~الدخول بحبل قصير على عمود من حطب السنط، يوجد فانوس يعمل بالجاز يقبع في ركن بعيد عن ~~مرمى الماء، بوعاء بلاستيكي صغير يسبح على سطح ماء الجردل، أخذت أستحم، أنا في العادة أطيل ~~البقاء في الحمام، أغسل جسدي جيدا، مرات عديدة، وألعب بما تبقى من ماء، أحب الماء، ~~وعندما يكون دافئا أحبه أكثر، اليوم كان دافئا، ومعطرا، وساحرا، أحسست بفرح عظيم ~~يغمرني تجاه ود أمونة، ألم قشي، بيت الأم، المكان، المكان كله، بعد أن غسلت جسدي ~~جيدا، تجففت بالبشكير الأبيض الكبير الذي تفوح منه رائحة الصندل، ومضيت نحو القطية، وجدت ~~القطية غارقة في دخان الكبريت، تقف في منتصفها ألم قشي التي لم أستطع تمييزها في بادئ ~~الأمر، حيث كانت مغطاة تماما بثوب القرمصيص، ولولا أنني شاهدت ود أمونة يقف أمامها ~~مباشرة، لظننت أن الذي يلتف بالقرمصيص هو ود أمونة نفسه، وبمجرد دخولي ضغط ود أمونة ~~على المسجل الكبير؛ ليغرد فنان بناتي على إيقاع سريع راقص: # اللول اللول لول ليا. # بسحروك يا لولة الحبشية. # لولية إنت ما صعبة. # في الخرطوم أنا مغتربة. # أنا بحب كسلا وأديس أبابا. # وأخذت ألم قشي تهتز مع النغمات والإيقاع، وكفاها في وجهها، قال ود أمونة وهو يأخذ ~~بيدي، يقودني نحو ألم قشي: تعال أقطع الرحط، وافتح وش عروستك. # دون أن أقول شيئا مشيت مثل المنوم مغناطيسيا نحو ألم قشي، وأدخلت يدي ms071 بين ملابسها، ~~وفي وسطها وجدت حبلا رقيقا من السعف، قمت بقطعه، وألقيت به في الأرض، التقطه ود ~~أمونة، وأخذ يلوح به في الهواء، ويزغرد مسرورا، وهو يجتهد ليجعل صوته منخفضا بقدر ~~الإمكان: أيوي، أيوي. # وانطلقت ألم قشي ترقص وهي تهز ردفيها، وصدرها، ويديها، ورأسها، قدميها، وساقيها، وكل ~~ذرة في جسدها، ما جعل القرمصيص الناعم يسقط من جسمها على الأرض، وتبدو واضحة أمامي؛ كانت ~~ترتدي فستانا قصيرا جدا بحمالتين عبارة عن قطعتين رقيقتين من القماش، تمران على كتفها ~~وظهرها، فستانها الأسود، المشغول بخيط ذهبي يشع ضوءا وعيدا، رائحتها تملأ المكان عبقا ~~جميلا، كانت تبدو مثل عروس في خمسينيات القرن الماضي، تلبس في عري ساحر، كنت أقف مندهشا ~~أنظر إليها وهي ترقص، ود أمونة يساعدها على الأداء بالتصفيق، والزغاريد، قال لي ود ~~أمونة بعد أن أكملت ألم قشي رقصتها: مبروك يا عريس، الليلة يوم دخلتك. # أوقف زر تشغيل المسجل، بدا لي غير راض تماما عن أدائي، لاحظت ذلك من حركة شفتيه، وما ~~قامت به عيناه من مسح كامل شامل لهيئتي، وخرج، كل شيء مر كالحلم تماما، لاحظت ألم قشي ~~أنني لا أبدو في كامل وعيي؛ لأنها أخذت تلاحقني بسؤال عن حالي بإلحاح كبير، بقلق أجلستني ~~على السرير الكبير الذي أعده ود أمونة، بإتقانه المعهود، وسألتني ما إن كنت أرغب في ~~شرب القهوة، وقبل أن أجيب: لا، طوقت نصفي الأعلى بساعديها، غمرني عطر نسائي بلدي قوي ~~منعش، مما جعلني أفيق فجأة، كانت تجربتي مع النساء قليلة، وكل ما عرفته عنهن في الواقع كان ~~عن طريق ألم قشي نفسها، في المرة السابقة، لكنني أحسست الآن أن علي أن أبدأ من جديد، ~~وعاودني الخوف القديم من العجز، الحق يقال، خفت من ألم قشي، وتمنيت أن يبقى ود أمونة، ~~إنه شخص مرح، ولو أنه عملي أكثر مما هو إنساني، إلا أنني كنت دائما أحس معه بالطمأنينة، ~~على الأقل؛ لأنني لا أتوقع منه أن يختبر مقدرتي الجنسية، إنه غريب وغامض، ولكنه مؤنس وأشعر ~~بأمان بقربه. # قلت لها: ms072 اعملي لينا جبنة. # قالت: كويس. # نهضت من قربي، قالت لي: قوم. # وأخذتني من يدي، قالت بصوت هادئ، وقد جعلتني أقف في مواجهتها: إنت خايف، مش كدا؟ # قلت مكابرا: من شنو؟ # قالت وهي تطوقني بساعديها من خصري غير مبالية بسؤالي: من عروستك. # قلت وقد أحسست بأنني حوصرت: بس. # قالت مقاطعة: عشان نحن عملنا ليك عرس؟ قلنا عايزينك تنبسط، وإنت ... # قلت لها مقاطعا: أنا مبسوط. # قالت وهي تضع رأسها على صدري: تعال ننوم سوا بعدين نعمل الجبنة، إنت مش نعسان؟ تعال ~~أنومك. # أخذت البشكير من على كتفي، ورمت به بعيدا على بنبر في أقصى القطية، أطفأت النور، سألتني ~~سؤالا مباغتا وهي تتحسس جسدي: صاحبك وين؟ # قلت لها: مع مختار علي. # سألتني: لسع ما عايز يسيب الصافية؟ # قلت لها: زول راسه قوي. # قالت لي وأظافرها تغوص في شعري: وإنت، راسك كيف؟ # ضحكنا. # قالت: أنا بحب الراجل اللي بيتجرس، وإنت واحد منهم، عارف نفسك؟ # قلت لها وأنا أدفن أنفي تحت ضفائر شعرها ما فوق أذنها: اشرحي لي أكتر. ~~- عندنا هنا الرجال في الحلة دي بيتعاملوا مع النسوان زي ما بيتعاملوا مع السمسم، امسك، ~~اقطع، اجدع، ولكن إنت راجل جرسة، بتصرخ. # ضحكنا، قبلتها، ذابت في فمي مثل عجينة من الزبد والحلوى، استيقظنا في الصباح الباكر على ~~صوت ود أمونة مناديا ألم قشي، فتحنا أعيننا في لحظة واحدة، كان يقف أمام السرير، حيث ~~إننا تركنا الباب مفتوحا، كان يرتدي جلبابا أبيض نظيفا، وجهه حليق، شاربه كث في نظام ~~ودقة، كان فرحا ونشطا وطليق اللسان كعادته، بارك لنا الدخلة التي كانت من إنجازه، بل ~~أحد أعماله الفنية؛ حيث إنه كان منتعشا ونشوان، عرفت فيما بعد أن ود أمونة قد يصل إلى ~~ذروة اللذة إذا أنجز عملا بصورة يعتبرها كاملة، مهمته الأساسية هي أن يجمع امرأة برجل، ~~وأن يستمتعا، خاطبنا قائلا: موية الحمام حتبرد، مش عايزين تستحموا، أنا ما ح أجيب ليكم ~~شاي ولا فطور، إلا بعد أشوفكم مستحميين نظاف وظراف زيي كدا. # واستعرض ملابسه ووجهه، قالت له ms073 ألم قشي بصوت ناعس، وهي تتحرر من الغطاء برفسات متتاليات: ~~خلاص، زح شوية ألبس ملابسي. # فادعى ود أمونة الانشغال بترتيب بعض الأشياء بالقطية، فلبسنا ملابسنا وخرجت ألم قشي ~~خلفي نحو الحمام، تحمل بشكيرا كبيرا، الحمام خلف الراكوبة، ما يقل عن عشرة أمتار من ~~القطية، دخلت خلفي، وهذا ما لم أكن أتوقعه، ساعدتني في خلع جلبابي، خلعت ملابسها بسرعة ~~رهيبة، أشارت إلي أن أجلس على البنبر، سألتني ما إذا كانت هناك امرأة حممتني من قبل؟ قلت ~~لها: أمي فقط، قالت إنها كانت تتوقع ذلك، عملت الليف في ظهري، وأرجلي، وفخذي، وذراعي، ~~شعر صدري الكثيف منعها من استخدام الليف فاستعاضت عنه بكفيها الناعمتين، كانت تغني بالأمهرا ~~بصوت خفيض حلو، قالت لي وهي تشير إلى مكان حساس في جسدي: ح أكلم ود أمونة يحلق ~~ليك. # فزعت من الفكرة، ولكنها أكدت لي أن ود أمونة خبير في حلاقة هذه الأمكنة، وهو حلاق ~~قائد المنطقة العسكرية وعميد الشرطة أيضا، وذكرت غيرهما كثر، قلت لها: أنا لا أحب أحدا ~~غيري أن يقترب من تلك الأمكنة، ضحكت، كان الصباح رائقا وهادئا، المكان يخلو تماما من ~~أصوات الجنقو المعتادة، حيث إنهم لم يعودوا من المشاريع، كان صوت الأم تحكي شيئا لود ~~أمونة يبدو واضحا وجليا، بعض أسراب الطيور تذهب في جماعات نحو الشرق، تمتلك ألم قشي ~~جسدا أنثويا مثيرا، وأعتبره بالرغم من خبرتي الفقيرة في النساء، جسدا مثاليا؛ حيث إن ~~النساء اللائي أحب النظر إليهن كثيرا ويثرن إعجابي، هن ذوات الأفخاذ الكبيرة، والأرداف ~~العريضة، وألم قشي بالرغم من نحافتها كانت واحدة منهن، قالت لي وأنا أحدث نفسي عنها في ~~صمت: إمبارح كان يوم كويس ولا لا؟ ~~- كان أجمل يوم في حياتي، إنت رهيبة. # ابتسمت عن رضا، ولم تقل شيئا، في الحقيقة بعد هذا اليوم أصبحت محترفا في النساء، أو ~~ظننت أنني كذلك، ولكن ما يزال هنالك عيب في؛ هل كل النساء يعرفن كيف يتعاملن مع الرجل ~~الذي لا يعرف شيئا عنهن؟ الرجل الذي دائما ما يحس أنه عاجز ms074 عن ممارسة شيء ذي فائدة ~~معهن ، إذن، هل بإمكاني أن أعرف امرأة غير ألم قشي؟ أم أن خوف الفشل هو الذي سيبقيني سجين ~~هذه المرأة العجيبة؟ قالت لي وأنا أحدث نفسي عنها في صمت: إنت راجل ما نافع. # | فوائد ما بعد الحفل # تأقلمت ألم قشي على الحياة الجديدة بسرعة فائقة، أحبت عملها ولو أن المبلغ الذي تتقاضاه ~~مقابل القيام بإعداد الطعام، وترتيب الميس لا يساوي نصف ما كانت تحصل عليه في العمل في بيت ~~أدي كفتاة مبيت، إلا أنها كانت كل مرة توجد لنفسها مصدرا آخر للدخل، مثلا؛ طلبت من ~~الموظفين ألا يأخذوا ملابسهم إلى الغسال، هي ستقوم بذلك وبصورة أفضل؛ لأنها لن تخلط ~~الملابس مع بعضها، ستغسل لكل فرد على حدة؛ وذلك حتى لا يختلط عرق شخص مريض بشخص سليم، ~~فتنتقل العدوى: وح تشوفوا الفرق، ثم ابتكرت فكرة بيع الملابس والمصنوعات القطنية الحبشية ~~المتميزة بالتقسيط المريح لعمال وموظفي الشركة وأصدقائهم، حتى يتمكنوا من أخذها إلى أسرهم ~~عند عودتهم الشهرية إلى مدنهم ومواطنهم الأصلية، ثم أخذت تبيع أشرطة الكاسيت الحبشية، ~~والزائيرية، والأحزمة الجلدية الأصلية، والجزم الإيطالية المهربة من إثيوبيا، ثم الجن، ~~البراندي، الأنشا، الكونياك، ثم الكوندوم، والفياجرا، وعقاقير فتح الشهية. # ثم زاد دخلها ~~بصورة ملحوظة عندما استضافت في بيت أدي، في خميس بني، كل العاملين في شركة الاتصالات ~~وأصدقائهم من العاملين في تشييد البنك؛ ضباط المحلية، بعض قادة الجيش والشرطة، ثم نفرا من ~~أعيان البلدة، ووفرت لهم ما لذ وطاب من شواء بالسمن والعسل، وشيشة معطون تمباكها ~~بالاستيم، الذي يحل محل الماء كذلك، ثم فاجأتهم بالمغني العجوز آدم بلالة في صحبة الأم ~~كيكي، ورفقة أجمل سبع بنات في الحي الشرقي؛ صفية إدريس الملقبة بصفية ناسات، سنايت، وليس ~~هناك أفضل من ساقي سنايت إذا رقصت، أميرة الدبابة وهي خلاسية نجلاء ردفاء، مناهل سعيد، ~~شهيرة بمناهل النوباوية، وهي فتاة تتصف بعنق طويل ناعم مصقول، أمها يمانية، وأبوها من ~~المحس، أمونة بت خدوم، وهي امرأة قدمت من مدينة القضارف مؤخرا في صحبة أمها ms075 ~~الجنقوجوراية، ولكن لما تتصف به من جمال وفصاحة وثقافة؛ أخذت موقعا متميزا بين نساء ~~الحلة، ولا يمكن أن تنسى في مثل هذا الحفل التاريخي أستيرا كيداني بشير، وهي أيضا من الذين ~~قدموا حديثا للحلة من الحمرة، حيث إنها كانت تسكن فريق قرش، تماما جوار شجرة الموت، وهي ~~تعمل بارستيا في البار الخارجي على شاطئ نهر سيتيت المقابل لهمدائييت، ولكنها اتهمت بقتل ~~إحدى زميلاتها في العمل، فهربت إلى الحلة، جميلة صريحة وواضحة، لا تتحدث اللغة العربية ~~إلا بصعوبة، بوشاي شول، أبوها من الشلك، أمها من الحمران، وهي مغنية لا تقوم لحفل ~~قائمة إذا لم يصدح فيه صوتها العذب، وقد قال فيها أحد صعاليك الحلة أغنية: # جنى الباباي. # إنت يا بوشاي الحلو زي منقاي. # بريدو واي. # واي، وآآي. # وكي يكتمل الحفل كان لا بد لود أمونة من أن يكون حاضرا، نظيفا، ظريفا، رشيقا، ~~تراه في كل مكان، لا ينجو أحد من خدماته السريعة المتقنة، ولا من عطره القوي، أو صوته ~~الخفيض الهادئ، رقص، غنى، دوبى، مدح، وعقد صفقات سرية سريعة مع من شاء فيما يشاء، ~~بدءا بالخمور المستوردة، انتهاء بالبنيات، وكل له سعره، الفتاة، العزباء، المتزوجة، ~~الأرملة، المحافظة، الشرموطة، الجن، الويسكي، الأحجبة والتمائم، المحاية، الأنشا، ~~البيرة، الكونياك وحتى عرقي البلح، المريسة والعسلية مع خدمة توصيل الطلبات إلى الموقع، ~~نسبة لما يتميز به الموظفون من عفة وتأفف، وكثير من الخجل والحرص يمنعهم من الحصول على ~~الخدمات في مواقع إنتاجها، ولكن الله يخلي ود أمونة، حلال الكرب، لم يضايقه سوى طلب ~~همس به أحدهم إليه في أذنه، وأكده بقرصة مباغتة في أليته، غمزة بعينه اليسرى وحركة لسان: ~~أنا عايزك إنت يا ود أمونة إنت، في روحك دي يا ود أمونة. # قال لي ود أمونة فيما بعد، إنه أحس أن الدنيا أظلمت في وجهه، بالرغم من أنه ليس ~~هذا هو الطلب الأول الذي يقدم له في شأن نفسه، وليست هي القرصة الأولى، ولا الغمزة الأولى، ~~ولا هي أول حركة لسان داعرة يلوح بها إليه، ولكن ms076 لا يدري لماذا أدهشه هذا أكثر ، قال: قلت ~~ليهو تعال بكرة في بيت أدي هنا، تلقاني قاعد، ولكنه لم يحضر. # فسألت ود أمونة: ماذا كان سيفعل به إذا حضر؟ قال لي وهو يضحك بطريقته الملتوية، التي ~~تجعله دائما في موطن التشكك والظن: بصراحة بصراحة، الزول دا عجبني، والحمد لله إنه ما ~~جاء. # كان حفلا جميلا مر بهدوء، استمتع به الجميع، حضرناه مع غيرنا من مواطني المدينة، حيث ~~إن من لم يدع رسميا هنا، فهو مدعو عرفيا وعن طريق العادة، خسرت ألم قشي لإقامة هذا ~~الحفل مالا كثيرا، ولكن فوائد ما بعد الحفل كانت أجدى. # قلت لألم قشي ونحن في بيت الأم، حيث اعتدنا أن نلتقي: تجارتك بقت كبيرة، وبقيتي ~~غنية. # قالت مدعية البراءة: ناس المدينة يحبوا الملابس الحبشية. # قلت بمكر: وتاني؟ # قالت في مكر: الأشرطة الحبشية والزائيرية. # قلت: وتاني؟ قالت بتحد: تقصد شنو؟ # قلت لها بوضوح: البنات، ما بيحبوا البنات؟ # قالت في بجاحة: أنا وسيط ما أكثر، وإنت عارف إنو أنا ما عندي ذنب، إنت ذاتك لو عايز واحدة ~~ح أجيبها ليك. # ولأول مرة في حياتي يصل بي الغيظ حد أن أتهور وأضربها في وجهها إلى أن سقطت على الأرض، ~~عندما نهضت أخذت زجاجة جن فارغة ورمتني بها، ولكني خفضت رأسي قليلا، فانكسرت على الباب ~~محدثة دويا مرعبا حضرت على إثره أدي، وود أمونة، في لمح البصر، وحضر ما يمكن أن ~~أسميه نصف سكان الحي، أو جميع سكان الحي المستيقظين في تلك الساعة من الليل، هذا ~~بالتأكيد كان من حسن حظي؛ حيث إن ود أمونة وأدي لم يستطيعا أن يرفعا ألم قشي عن ~~صدري، أو يطلقا حنجرتي من كفيها القويتين، وصف لي ود أمونة فيما بعد حالتي بأنني: ~~قربت أطلع الروح، ولكن ألم قشي قالت لي إنها ما كانت لتقتلني، ولكنها فقط كانت عايزة ~~تهازر معاي شوية، ولكنني على كل وعيت الدرس واعتبرت الحادثة أيضا من فوائد ما بعد ~~الحفل، اكتفى الناس بفض المشاجرة، لم يلمني أحد، ولم يلمها أحد، ms077 الملام في كل هذا هو ~~الشيطان الرجيم، العنوا الشيطان، الناس هنا يفعلون المستحيل حتى لا يخسروا بعضهم، وتعجبهم ~~اللمة، فالناس بالناس والكل لرب العالمين. # يا دوب ألم قشي ح تحبك بالجد بالجد؛ لأنها ضاقت إيدك، وعرفت إنك بتحبها؛ لأنك بتغير ~~عليها. # ثم سألني سؤالا مباغتا: إنت بتحبها يا ولد؟ # كنت مرهقا، نمت، تركتهما يتحدثان عن باص همدائييت، الذي نهبه الفالول بعد ظهر اليوم، عند ~~غابة زهانة، نمت يملؤني العجب، كيف يصل الخبر عن الباص الذي نهب في غابة زهانة بعد ~~الحادثة بما لا يزيد على نصف الساعة، والباص نفسه، كأسرع دابة في تلك البقاع، يحتاج إلى ~~ساعة كاملة كي يصل إلى هناك من الحلة؟ أليس صحيحا أن الجن وحده هو المسئول عن نقل الأخبار ~~في هذه البلاد؟ # | الجنقوجوراي # في الدرت يحنن وفي الخريف يجنن # يوم الخميس هنا يوم عيد، يقضيه الجنقوجوراي تحت شعار محفوظ ومعروف وهو: خميسك ولو تبيع ~~قميصك. يهبطون إليه من المشاريع والتايات البعيدة والقريبة، عابرين مزارع الذرة والسمسم، أو ~~غابات الكتر والطلح الصغيرة المتفرقة بين هنا وهناك، مثيرين الرعب في الأرانب البرية ~~والفئران والسحليات، عن طريق دق أرجلهم الخشنة على الأرض الطينية السوداء، عن طريق أصواتهم ~~التي تطلق أغنيات حصاد بائدة قديمة نشاز، في سماوات الفلوات الشاسعة، على ظهورهم القوقو ~~متخما بعروق الشجر، ووصفات لعلاج مرض الصعيد، ولدغات الثعابين والعقارب، وحتى خادم العقرب ~~الصغيرة السوداء المؤذية، وما استطاعوا جمعه من زينة إلى تلك اللحظة، وعندما يصفو لهم الجو، ~~أو يبلغ بهم التعب أشده، يجلسون تحت شجرة لالوب أو طلحة رءوم، ويحكون عن أرباب العمل ~~والنساء وحي قرش، وهم غالبا ما يتجنبون الحديث عن المال، هذا المخلوق الغريب اللزج، الذي ~~لا يستقر في جيب، ولا كف، ولا قوقو، الذي يأتي بالمريسة والعرقي، يأتي بالشية والمرس ~~والكجيك وما لا يحلمون به من طعام، يأتي بالنساء في لمح البصر، يعرف كيف يهين الرجال ~~ويمرغ أنوفهم في التراب، وينهي رحلة حياتهم بشجرة الموت في فريق قرش بالحمرة، ولكنه في ~~هذا الشهر. ms078 # وطالما كان الجنقوجوراي في كامل صحته ، وفي تمام مقدرته على العمل، ومواقعة ~~النساء، فإن المال مهم لإكمال الزينة، وهي جزمة أديداس، أو كموش، بنطلون جديد، ويفضل الجينز ~~البوقي بجيوب كبيرة وأحزمة، قميص أو قمصان جديدة ذات ياقات كبيرة لها ألوان زاهية، أو ~~حارة، عطر البخور، أو المنتخب، بطارية جديدة ماركة رأس النمر الإنجليزية الأصلية، سويتر، ~~منديل كبير مصنوع من القطن، علبة فازلين كبيرة تستخدم كحقة للصعوط فيما بعد، مسجل كبير ~~بسماعتين ملحقتين، والأجمل والأكثر إثارة والذي يعطي وضعية اجتماعية أفضل للرجل هو ماركة ~~سانيو بالذات، أو إنترناشونال المكتوبة بالفضي بارزة ما فوق علبة التشغيل، شنطة هاندباج ~~كبيرة، وهي ما يطلقون عليها تدليلا: قوقو، نظارة شمسية سوداء اللون، أو عاكسة للضوء ~~كبيرة تغطي نصف الوجه العلوي، تحب البنات رؤيتها هناك، ساعة يد كاسيو طالما لا توجد سيكو ~~أصلية ولا ستيزن أو جوفيال، والبعض وهم قلة يحتفظون بقلم بك ونوتة صغيرة، وهما طالما ~~يدلان على معرفة بالكتابة والقراءة والثقافة، ويحددان موقع الشخص في منظومة العمل؛ حيث إنه ~~غالبا ما يكون قد حظي بوظيفة وكيل مشروع، وهي غاية ما يحلم به الجنقوجوراي، وتلك هي فائدة ~~العلم ودخول المدارس، ويستطيع أي جنقوجوراي مع بعض الاجتهاد أن يكمل زينته في فصل الدرت، ~~في شهر ديسمبر هذا، ففي كل خميس يحاول العامل جهده أن يشتري بعضا من هذه الأشياء، وأن ~~يستمتع فوق ذلك بخميس جيد متميز يرفع من قدره وهو يحكيه في العودة، عند التاية وكنتوش ~~اللقمة على النار، والأصدقاء التعابى يفترشون جوالات الخيش على الأرض، يطلقون عضلاتهم ~~وأخيلتهم لسحرة الراحة يعبثون بها ما شاءوا، لا يميل الجنقوجوراي كثيرا للنساء، بل هم ~~زاهدون في شأنهن، ولا يبطئون في إطلاق لقب هوان على كل من فضل مصاحبة النساء على معاقرة ~~الخمر، المريسة هي المعشوقة النهارية الأمتع الأفضل، العرقي يشربونه بالليل، حيث يبرد الجو ~~وتتبخر سكرة المريسة، ويحتاج الذهن إلى مسكن يجعل العضلات المرهقة التعبة تسترخي وتنام، ~~إنهم الآن في شهور الكسل، التي تبدأ منذ الخامس عشر من ms079 ديسمبر؛ شهور ما بعد الحصاد، وهي ~~عبارة عن استراحة محارب إجبارية، نزقة بليدة مرة طيعة حلوة شقية مراوغة، تنبهنا لكل ذلك ~~عندما أتى لمسامعنا الحوار الذي انسرق عبر صريف القصب من بيت خميسة النوباوية، بينها وأحد ~~الجنقو، عرفنا أن اسمه عبدارامان. ~~- أنا غلطان يا أمي، سامحيني. ~~- يا عبدارامان، إنت لسانك حلو، ولكن عملك شين زي الخرا. # ثم دار حديث خفيض فلم أتبينه، ولكن عندما طلب منها عبدارامان غرضه كان الصوت واضحا: ~~كويس، خلي قميصي الجديد دا معاكي وأديني نصية واحدة، وبكرة لو ما جبت القروش ما تديني ~~القميص. # ضحكت خميسة ضحكة مجلجلة: نفس حكاية المسجل، شربت خمسة شهور؛ عرقي، مريسة، عسلية، كاني ~~مورو، بقنية لمان شبعت تب، وبعدين جيت قلعت المسجل، لا قرش ولا تعريفة، حتى البت القلت ~~عايز تعرسها غشيتيها، عروسي، عروسي، ولكن اليوم البدا الكديب، تاني عين تشوفك تنقد، إلا ~~الليلة، لمان الدرت جاء وبقيت عاطل ما عندك شغل. # قال في سرعة: البت! البت يا أمي حسع نعرسيها، شوفي فكي علي الزغراد وين، حسع يشيل ~~لينا الفاتحة. # قالت بصوت قوي وصارم: منافقة ود أم تيظ. ~~- وحياة جدي برمبجيل! والله يا أمي ما نكضب، جد جد، وحياة رأس أبوي جد جد، أتى ~~صوت رقيق من مكان قصي في بيت خميسة: يا أمي أنا ما عايزاو، ما عايزاو، ما عايزاو، وتاني ما ~~عايزاو، الجنقوجوراي يا أمي في الدرت يحنن وفي الخريف يجنن. # قال عبدارامان ضاحكا في انتشاء بين: هييه كلتومة، أمسكي عليك لسانك، لمن نعرسيك ~~نوريك أدب المدايح. # دخل الحوار شخص آخر، تحدث عن بيت الحلال، وحلف بالطلاق والحرام، أن يأتي المأذون الآن ~~ويتم العقد الآن، ويدخل عبدارامان على كلتومة: حسع دي. # يأتي صوت كلتومة من عمق قصي في بيت خميسة النوباوية: ما عايزاو، ما عايزاو، ما عايزاو، ~~يجيني لمان يفلس، إنت وين لمان القروش في إيدك زي التراب في موسم السمسم، إنت وين ~~بعد قطع العيش؟ ما عايزاو، ما عايزاو يا أمي، ما عايزاو. # قال بهدوء: والله السنة دي ms080 معانا سنة كبيسة، أنا بعت فيها مسجلي، ونظارتي الاشتريتها من ~~القضارف ويا دوب دا شهر! شهر واحد دخل علينا، ما عارف يجي شهر ستة كيف؟ قالت خميسة ~~النوباوية: البت قالت ما عايزاك. ~~- تسمعي كلام المرا؟ في مرا تابى الجواز! الشخل «الشيء» الحلو دا بينأبى؟ ثم أضاف: يا ~~أمي خميسة كدا أدينا نصية عرقي نشربها على بال ما موسى ود محجوب يجيب الفكي الزغراد، ~~ويقرأ الفاتحة، ونخش على بنيتك دي ونبقى لحم ودم. ~~- ما عايزاك، ما عايزاك، إن شاء الله نصك للكلاب. # أكدت أصوات أخرى على أهمية أن تنزل الآن خميسة النوباوية نصية إكراما لزوج ابنتها ~~المرتقب، واحتفاء بالمناسبة ومباركة للدخلة العاجلة، والخمرة - كما يقولون - زغاريت ~~السرير، أبشري يا كلتومة، أكدت خميسة أنها لن تفعل، إذا أراد أن يتزوج من ابنتها عليه إحضار ~~الرجال غدا بعد الظهر، وإحضار ماله. ~~- الرجال ساهلين يا أمي بخيتة، ولكن المال في درت سخن زي دا، الله يعلم. # ثم أضاف بصوت خفيض بعض الشيء، وكأنه يحدث نفسه: أنا لو عندي مال كنت اشتريت النصية ~~شربتها، ونمت مرتاح البال عزيز ومكرم، لا عرس ولا كلام فاضي، أنا حسع عايز أعرس ليه؟ مش ~~عشان ما عندي حق النصية؟ قروش قبال ما يجي موسم قطع القصب، ولا أمبحتى ولا ~~الفحم؟ والله إلا لو عندي جان، ولا شنو يا جماعة؟ ~~- ما عايزاو، يا أمي أنا ما عايزاو، وتاني ما عايزاو، جنقوجوراي مفلس أنا دايره بيه ~~شنو؟ وعايز كمان يعرسني عشان نصية؟ ما عايزاو ما عايزاو. # دار حوار بعيد عن مسامعنا، وكانت تصلنا منه همسات مشوشة ما يشبه الطنين، وحك الحناجر، ~~يتخلله صوت كلتومة صارخة أو شاتمة، كانت ألفاظها المرة الساخنة تتسلل عبر صريف القصب؛ ~~لتنتشر في المكان كله، تنخلط مع ثغاء السكارى، ووسوسة الوطاويط، هرجلة الكلاب، وحوحة القطط، ~~وفحيح بعض الذين أووا لعناقريبهم يتجاسدون، وفجأة دوت الزغاريد شارخة ظلام الحي الشرقي ~~الدامس من وسط حوش خميسة النوباوية، في الثواني الأولى عرفت الحلة كلها أن عبدارامان ود ~~أبكر البلالاوي قد تزوج ms081 كلتومة بت خميسة النوباوية، في تلك الثواني ذاتها علق الناس أن ~~عبدارامان يتزوج للمرة الرابعة في سنته الرابعة في الحلة، وأنها لن تكون الأخيرة، إذا ~~كان في العمر بقية، وأن كلتومة بت خميسة النوباوية قد تزوجت للمرة الرابعة كعذراء، حتى لا ~~يسأل المأذون، ذات المأذون الذي عقد عليها في المرات السابقات، عن قسيمة الطلاق في كون أنها ~~ثيب، وأكد الجميع للجميع أن عبدارامان ود أبكر لن يخرج من هذه الزيجة بأخوي وأخوك، سوف يحصل ~~له ما حصل لأزواج كلتومة السابقين أو أسوأ؛ واحد منهم في السجن إلى الآن، ثانيهم مات ~~مقتولا في ذات البيت، ثالثهم طفش لا أحد غير الله يعلم أهو حي أم ميت، والسبب وراء ذلك ~~أن خميسة لا ترضى الحقارة، وينتقم لها كجور التيرا عاجلا وليس آجلا، والجنقو حقارين ~~وعبدارامان يعرف، ولكن كما قال لنفسه: المعايش جبارة. # الناس هنا لا يتنبئون ولكنهم يعرفون، يقرءون المستقبل دون لبس أو تشويش، بل يرونه. # | وصتني وصيتا # الصافية أصبحت مشروع حياته الآني، والآني هنا كلمة مهمة وذات دلالات غير محايدة، وسوف ~~يغتاظ فعليا إذا علم أنني أستخدمها في هذا السياق، فهو متقلب المزاج، طائش، تطوف برأسه ~~أفكار كثيرة، وقد تكون متناقضة في ذات لحظة تولدها، ولكن الثابت أنه يتبناها ويشرع في ~~تنفيذها مباشرة، تماما كما يفعل طفل نزق في الحلم، أو فنان مجنون في لوحة، وهذا طبعه ~~منذ أن تعرفت عليه في طفولتنا الأولى، وأعرف ما دام اختلق فكرة مشروع الصافية، فإنه سيصل ~~إلى قاع الفكرة المظلم البارد، وسيلقم من حصبائها المالحة، فما أعتبره تطفلا يسميه هو ~~مهام صعبة، وهذا ما يفرق ما بين شخصيتي وشخصيته، وهو ليس اختلافا في الدرجة كما يظن كثير ~~من أصدقائنا المشتركين، فهو مشكل أخلاق وفهم للحياة، أنا أحب الآخرين مع الاحتفاظ بمسافة، ~~وإن كانت متوترة بيننا، أما هو فأول ما يفعله هو إلغاء هذه المسافة، لا يوجد - حسب وجهة ~~نظري - في الصافية ما يجذب رجل مدينة، شرب مفاهيم جمال عربية منتجة بدقة عبر المدرسة ~~ومناهجها، ms082 عبر التلفزيون والراديو والجرائد، عبر الشارع والتربية الدينية وحتى مفهومات ~~أسرية، وفي إمكانه، وبين يديه هذا الموديل، رهن إشارته، فهي خيارات متنوعة سهلة وجاذبة في ~~تناغم مع ذوق تنشأ عليه، وهو أيضا ليس مريضا نفسيا ولا رجلا شهوانيا، وإن يكن أعرف ~~بالنساء مني، ولكن دافعه الأكبر نحو الصافية، كان دم المغامرة الساخن الذي يغلي في عروقه، ~~فهو رجل لا يتحمل انغلاق اللغز إطلاقا، هذا ما أفهمه عنه؛ لذا لم أندهش عندما قال لي: أنا ~~عايز أحسم موضوع الصافية دا. # قلت له: سوف تموت. # قال بثقة لا معنى لها: أنا لن أموت مقتولا، كلمتني قارئة فنجان وكف حلبية قابلتها في ~~بورتسودان، أنا ح أموت غرقا وفي عمر كبير، ربما بين السبعين أو الثمانين. ~~- كويس، هل قالت ليك ح تغرق بكامل أعضاء جسمك وأطرافك، عيونك مثلا؟ # ضحك وهو يغلق باب الشارع خلفه، ولكني تلمست في ضحكه خوفا جيدا ومؤثرا، وقالت لي نفسي ~~إنه سوف يلغي المغامرة، وهذا مؤكد؛ أنا العارف به. # كعادتها في الأيام الأخيرة، أخذت ألم قشي عندما ينتصف الليل تغلبها الوحدة، حيث إن ~~أدي الأم خصصتها لي وحدي، أو هي التي خصت نفسها بي، تأتي إلي في منزل مختار علي، ونمضي ~~معا إلى بيت أدي، طلبت مني ألم قشي ولأول مرة أن أجعلها تحبل مني بطفلة، قالتها واضحة ~~هكذا: أنا عايزة كدا! عايزة بت منك! بت سمحة تشبهك كدا. # راقت لي الفكرة، وشحنتني بحماس شبقي رهيب، سيطرت على لساني، ومكامن اتخاذ القرار في عقلي، ~~وكأنما أنا صاحب الفكرة، أو أنني كنت أنتظر مبادرة ما منها في هذا الشأن بالذات، وحتى لا ~~يطلق على ابنتي بنت حرام، في مجتمع متخلف كمجتمع الحلة هذا، قلت لها: خلاص، ح ~~أتزوجك. # قالت في هدوء: طبعا. # قلت لها: إمبارح اتزوج جنقوجوراي اسمه عبدارامان كلتومة بت خميسة. # قالت ضاحكة: عبدارامان حملها ثلاث مرات، كان ساكن معاهم في البيت، ياكل ويسكر ويصاحب ~~بالدين، حيطة العوضة كلها شخوط. ~~- كان مصاحبها؟ ~~- أيوا، دا راجلها عديل، وهي بدونه ما بتقدر، ms083 وهي تحبه زي عيونها، لكن عرسها إمبارح؟ ~~الجنقو ما بيعرسوا إلا لمان يفلسوا، ويعرسوا النسوان العندهم قروش، وكلتومة دي عندها ~~قروش. ~~- عندها قروش ودهب، أمها عندها شياطين وكجور تجيب ليها أي حاجة عايزاها، عندها سفلي ~~كمان. # جاء ود أمونة في هالة من العطر في صحبة الفكي الزغراد، وأدي التي تلبس زي الحماسين ~~القومي الأبيض الجميل، تحمل مذبة جميلة، حضر صديقي، مختار علي كان أبي ووكيلي، حضر نفر من ~~الجيران والسكارى العابرين، تم عقد الزواج، باركنا الفكي علي، وتمنى لنا ذرية خيرة تزيد ~~من أمة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، تبرعت لنا أدي بسكن معها إلى ما شاء الله، أو أن نبني بيتا ~~خاصا أيهما أقرب، تبرع ود أمونة بتجهيز ألم قشي لي كلما أطلب منه ذلك، ولكنه لم يفصح ~~عما إذا كان ذلك مجانا أم نقدا، وأقامت لي الجالية من موظفي الشركة والآخرين الذين جاءوا ~~من المدن الأخرى أي الجالية احتفالا كبيرا، جاءوا بفنان من القضارف، وكان له الفضل في ~~إدخال أغنية: # وصتني وصيتا. # قالت لي اترجل. # خليك في الواقع. # أصلو الفراق واقع. # كان ترضى كان تزعل. # التي أخذ الناس فيما بعد يرددونها في حفلاتهم، حفظها ود أمونة عن ظهر قلب، غناها ~~العجوز بأم كيكي، بعد أن حور قليلا في لحنها لتتماشى مع وتره الواحد، وسلالمه الموسيقية ~~العجيبة، في الحق هو الذي جعلها متاحة للجميع ولجميع الأغراض كأغنية سيرة، وأغنية دلوكة، ~~كأغنية كلش ودبك، كأغنية كيتا ونوبة، كأغنية تم تم لترقيص العروس وقطع الرحط، وحينما ~~طلب منه كردفانيون حنوا فجأة لرمال بلدهم، غناها لهم بإيقاع المردوم، وغناها لعزابة ~~من الشمالية يعملون في الطلمبة بإيقاع الدليب، بالإضافة إلى أنه مكنها من أن تصبح أغنية ~~الحمام المفضلة للجميع، ثم ظهر فستان وقميص وطريقة للبس التوب باسم وصتني وصيتا، بل سميت ~~بها طريقة لركوب الحمير، الشيء الوحيد الذي صعب على القرويين في الحلة هو ابتكار رقصة معينة ~~محددة الملامح بهذا الاسم، وتم التأريخ لزواجنا بظهور هذه الأغنية في الشرق، وهذا ما ~~اعتبرناه فألا ms084 حسنا، بالرغم من القصة الحزينة التي شيع أنها السبب في تأليف الأغنية، ~~والمصير المأساوي الذي آل إليه الشاعر المسكين؛ حيث إنه أصيب بالجنون بعد كتابة القصيدة ~~مباشرة، ولم ينته الأمر هنا، بل إن الشاعر هام في فلوات الله الفسيحة، وفي قرية على أطراف ~~الخرطوم سقط في بئر مهجورة، ومات شر ميتة، وليتها كانت هذه هي النهاية للمأساة، ولكن ~~حبيبته المسيحية الجنوبية الجميلة التي رفض والدها أن يزوجها له عميت من البكاء، وشيع أن ~~أول قصيدة كتبها هذا الشاعر في حياته وآخر قصيدة هي وصتني وصيتا، ورغم ذلك اعتبرنا ألم قشي ~~وأنا أن ارتباط زواجنا بهذه الأغنية فأل خير؛ لأن بها، في كلماتها: جوامع وكنائس، أجراس ~~ومعابد، وأهمها وجود المنجل؛ حيث إنه من الأشياء المشكورة في الحلم، هنا في الشرق. # | في مديح الحبشيات # في هذه الأيام تشكو النساء بأن السوق بارد؛ حيث تكسد المريسة، وتبور وتضر بها سخونة ~~الجو، فتصبح حامضة وتفسد، يكسد عرقي البلح أيضا، وقد يتوقفن عن صنع العسلية إلا بالطلب؛ ~~لأنها مكلفة وتفسد بسرعة، ويقل المال المتداول في الحلة، تنتعش روح المقايضة، وتصبح ~~مسئولية كل ربة منزل هي أن تحافظ على تماسك أسرتها في هذا الفصل، الصيف، ما أمكن، فالمسألة ~~مسألة حياة أو موت، والاعتماد على الرجل في هذا الموسم بالذات ليس سوى عملية تعجيل الطلاق، ~~أو إفساد هدوء المنزل، وقد يعرضها هي وأبناءها للضرب، كنت أستمع باهتمام لألم قشي، لقد ~~أصبحنا من لحم ودم ونحن الآن مشغولان في إنجاب الطفلة بنشاط وهمة وعمل دءوب، وفيما يشبه ~~استراحة المحارب، كنا نحتسي القهوة بالزنجبيل، كانت تحكي لي بلكنتها الخفيفة المنعشة التي ~~هي كرائحة البن الحبشي التي هي كالصباح على شاطئ النهر، كتنهيدة حبشية تعشق. # دعوني هنا ~~امتدح الحبشيات قليلا، دعوني أصف الهالة السوداء الساحرة حول أعينهن، هي ميزة تخص سكان ~~الهضاب وحدهم، دعوني أصف كتفها وهو يشبه كتفها وحسب، ربما، صنفت اليوم من الرجال ~~العنينين، وهم صنف من الرجال لا تفك طلاسم حزنه سوى امرأة، ولكن أي النساء؟ تحررت ms085 من ~~عنتي في ظل لمسات هذه الساحرة، في ظل صبر أناملها المجنونة الشبقة، في ظل ظليل من ذات ~~صبرها، ذات معرفتها، ذات صوفيتها، ذات جنونها، ذات حنكتها، سكتها، ذات حبشيتها، ودعوني ~~أقل: وأنا في هذا الجذب العنيف، دعوني أقدر أن النساء في الكون اثنتان: إما حبشيات، وإما ~~أخريات، أما الحبشيات فحبشيات، أما الأخريات فشتى؛ فمنهن العاملات، والعاطلات، وذوات ~~الجنسيات، اللاجئات، المغتربات، الجنقوجورايات، النحيفات، ذوات الأرداف، العالمات، ~~المعلمات، النبيات، الطالبات، العاشقات، العشيقات، الطويلات، الجدات، السكرانات، ~~المحاميات، القاضيات، الصحفيات، ذوات الكعب العالي، الناكحات، العطشى، اللائي يضعن نظارات ~~طبية سميكة، الناظرات، الضاحكات، اللائي يمشين كما يمشي الوجي الوحل، الراقصات، ~~العاريات، اللابسات، الزانيات، العفيفات، الشريفات، النظيفات، التقيات، البائسات، الجائعات، ~~الأمهات، الصديقات، الأخوات، البنات، الشاعرات، الكاتبات، اللات، السامايات، كانت ألم ~~قشي تحكي لي، زوجتي وحبيبتي ألم قشي، وهذا مقام ضد العنة، وتسألني عن خوف الرجال ~~المميت من العنة؟ قال لي ود أمونة ذات مرة: أنا حلمت كم مرة امرأة، وكنت فرحان جدا ~~جدا. # ولكنني أنا أحب أن أكون رجلا، رجلا يضاجع النساء بقدرة وفعالية، ويقذف في أرحامهن، ~~ويجعلهن يحبلن ويلدن، ولا أفهم كيف يرغب ود أمونة أن يكون امرأة؛ لأنه ببساطة أن تكون ~~امرأة يعني أن تتحمل الرجل، وهذا أسوأ ما في الأمر، لعمري كيف يمكن تحمل مخلوق بهذه البجاحة ~~والأنانية والعنطظة؟ # قالت لي ألم قشي إنها تزوجت من قبل من رجل في همدائييت اسمه موسى حربة حربة، له أسرة ~~تعمل في التهريب إلا هو، فكان الجنقوجوراي الوحيد في الأسرة، كانا يسكنان الجيرة في ~~بيت على شاطئ النهر مباشرة، ولأنه ليست هناك منازل للأثرياء وأخرى للفقراء؛ فكانا يسكنان ~~كما يسكن الجميع، قطية كبيرة، أمامها راكوبة من القش والعدار، لها سور من أشواك الكتر وقصب ~~الذرة، كانت تعمل في الصيف مثل كثير من النساء في صناعة الخمور البلدية، وفي كل ثلاثاء ~~تصنع برميلا من المريسة، هو لا يفعل شيئا سوى لعب الكوتشينة تحت الأشجار الظليلة مع ~~العساكر، أو أحيانا يذهب في رحلة القنيص لصيد الأرانب، الحلوف، ms086 القرود والأصلات في غابة ~~زهانة، مرة مرة يذهب لسوق الكترة شاريا أو بائعا، اعترفت لي أنها أنجبت له بنتين، هما ~~الآن مع أسرته في همدائييت، بنتان جميلتان تدرسان بالمدرسة الابتدائية، الكبرى في الصف ~~السابع، والصغرى في الصف الخامس، طلقها في صيف ساخن جاف مغبر قبل ثلاثة أعوام، لا لسبب ~~واضح سوى أنها قالت له: ابقى زي الرجال، خلي الكسل، واشتغل في الجيش أو التهريب، فأخذ ~~البنتين إلى أبيه الثري بهمدائييت، عندما عاد أقام مع امرأة مطلقة في حي السوق، ولكنه انتظم ~~في زيارتها، مرتين في الأسبوع على الأقل عند منتصف الليل، مدعيا أن له حقا فيها طالما لم ~~تتزوج إلى الآن، ومن حقه أن يعيدها إلى عصمته وقتما شاء، وأن يضاجعها وقتما أراد، طالما لم ~~يعطها قسيمتها بعد، فهو شرعا زوجها، وأكد لها: اليوم الألقى راجل معاك ح أكتله ~~وأكتلك. # لم يقف أحد في صفها، كان عليها أن تقبله كما هو؛ لأنه ليس استثناء، هي الاستثناء والنشاز، ~~هي نفسها، قالت ألم قشي في حنان، وهي تمد لي يدا بها فنجان قهوة يرسل بخارا شهيا في ~~الهواء: إنت زول تاني، ما بتشبه رجال البلد دي، عشان كدا أنا حبيتك، وقلت إنت التستاهل ~~تكون أبو بتي؛ لأنها ح تاخد طبعتك، فهمت ولا ما فهمت؟ # ليس هناك ما أفعله في الحلة، كانت الأيام تتمطى مثل كلب كسول، تحت زير ماء ندي، كل ما يجب ~~أن يقوم به رجل قد مضى أوانه، والآن أوان الكسل، مصاحبة النساء، الاستدانة عن طريق رهن ~~الزينة، والبعض يعمل في تنظيف الأرض وصنع الفحم، عنت لي فكرة أن أمتلك أرضا زراعية على ~~تخوم خور مغاريف، وأقوم بخدمتها وتنظيفها بنفسي حتى لا يقضى علي ضجرا، وأنا رجل لم أعتد ~~على أن تقوم النساء برعايتي مقابل المصاحبة، أو إشباع السرير، تبقى لي من التأمين الاجتماعي ~~مبلغ يوفر لي أرضا رخيصة وشاسعة، لم لا أغامر وأترك، الترقد والتجدع في البيوت؟ استشرته ~~في الأمر ولكنه فضل أن يقضي هذا الصيف في المدينة، وربما ms087 سافر إلى أديس أبابا، أو ~~القاهرة ؛ حيث إنه يود حضور معرض الكتاب الدولي في شهر فبراير، واقترح علي أن آخذ ألم قشي ~~إلى المدينة؛ لأن الحياة لا تطاق هنا في هذا الفصل، سألني سؤالا مباغتا: ما سألتني عن ~~الصافية؟ # قلت له ضاحكا: الناس كلها تعرف تفاصيل التفاصيل. # يعرف أنه قد أصبح من أسطورات هذا المكان، الأسطورات الأكثر إدهاشا، يكفي أن يذكر اسمه ~~حتى تلهج الألسن بحكايته مع الصافية التي يحكيها كل من شاء، كيفما شاء، أينما شاء، لمن ~~يشاء، لكن أقرب الحكايات إلى الواقع والدقة هي الحكاية التي سوف أحكيها أنا العارف به، كما ~~أنني اعتمدت في حكايتي، كما ستلاحظون، على كثير من المصادر وقارنت وثقفت الأقاويل، بل إنني ~~أقمت ما يشبه الندوة في بيت أداليا دانيال يوم مريستها بالسبت، وحضرها الفكي علي وهو رجل ~~مشهور بمعرفة المستور، وفضح النوايا الحسنة منها والسيئة على السواء، بل يستطيع التنبؤ ~~بتاريخ موت الأشخاص وميلاد أطفالهم؛ حيث إن لديه كتبا مثل: الجلجلوتية، وأصول الفقه، شمس ~~المعارف الكبرى، أبو معشر الفلكي الكبير والصغير، واضح البيان في استخدام الجان، وكتاب ~~الطاسين المشهور، وهو أشد الناس بغضا للخرافة وشطط القول؛ لأنه يستخدم العلم: علم الكتاب، ~~كان صديقي معنا أيضا، ولكن لم يعتمد روايته أحد حتى أنا نفسي؛ لأنها كانت الأبعد عن ~~الواقع، بل رأى الجميع فيها الكذب بعينه، والخرافة بقرونها، وقد أقسم مرارا على أنه يقول ~~الحق، وأنه يحكي ما حدث له بالضبط دون زيادة أو نقصان، إلا أن الناس فيما يشبه الندوة في ~~بيت أداليا دانيال يوم مريستها بحضور الفكي علي الزغراد اتفقوا على أن يعتبروا كلامه كلام ~~زول سكران لا أكثر، وقد احتج على جملة الفكي علي، ولكنه لم يغادر الندوة، وأخذ يستمع في ~~صبر إلى حكايته الصحيحة مع الصافية، يقصها المنتدون، يتحدثون بلسانه، يجرون حوارات ~~يفترض أنها وقعت بينه والصافية، بل إنهم يغرقون في تفاصيل ما حدث بدقة، بتأكيد وطمأنينة ~~عظيمين، لم يحاول الاعتراض على شيء؛ لأن لا أحد سوف ينتبه له، كل ms088 ما يعتبره حقيقة يعتبره ~~الآخرون تخريفا ، كذبا وتلفيقا، وإتلافا متعمدا لوقائع اعتبرها الناس ملكا لهم، لا ~~يختلف اثنان على أنه طرف في الحادثة، ولكن الحادثة لا تخصه وحده، بل قد لا تخصه إطلاقا، ~~إلى أن انفض الجميع؛ حيث ذهب ثلاثتنا إلى منزل مختار علي، صلينا العشاء في جماعة، تعشينا، ~~ناما، ذهبت أنا إلى قطيتي في بيت أدي، حيث تنتظرني ألم قشي في صحبة ود ~~أمونة. # | هدايا ونصائح لود أمونة # افتتح البنك في وقت حسب بدقة؛ ليواكب الموسم الزراعي لهذا العام، وجاء الموظفون ~~ونزلوا في ضيافة شركة الاتصالات إلى أن تكتمل اللمسات الأخيرة لميس خاص بهم، تم بناؤه من ~~المواد الثابتة، وشبه الثابتة؛ ليوائم المناخ وطبيعة المكان، كان يدور حوله صريف من القصب ~~والشوك كغيره من بيوت السكان، ولكن بني الجزء الأسفل من القطاطي بالطوب الأحمر ~~والحجر، الجزء الأعلى من القش النال والقنا، كما تبتنى القطاطي عادة في الحلة، أول من تعرف ~~عليه موظفو البنك كانت ألم قشي، كونها تعمل في ميس شركة الاتصالات، وعندما سألوا عن شخص ~~يعمل معهم كمراسلة، اقترحت عليهم ود أمونة دون تردد، كان الشخص الوحيد الذي بدا لها ~~مفيدا في هذه المهنة، ولربما لمعرفتها التي اكتسبتها من معاشرة أولاد المدن في ميس ~~الشركة، ولمعرفتها لود أمونة؛ حيث إنه طيع، وطائع، وسهل التعامل، ويمكن إرساله لأي ~~غرض مهما صغر، كإشعال سيجارة مثلا، ومهما كبر كخطبة امرأة، فلا يشكو أو يتبرم، دائما ~~ما يرى نظيفا، طلق الوجه، لا يسكر إطلاقا بالنهار مهما كان الندامى، أما عند الليل فليس ~~قبل أن يتأكد من أن لا أحد يحتاج إلى خدماته، شخص مثله نادرا ما يوجد؛ حيث السمة ~~العامة للرجال هنا هي الفظاظة، والرعونة، والرائحة النتنة. ود أمونة، ود أمونة، ما ~~في غيره، ظريف، وسيم، مؤدب، طيع، ومسكين، ويترسل، حدثتهم بأنه يعمل الآن في بيت الأم بأجر ~~زهيد، وشرحت لهم الصفات التي اعتبرها بعضهم نعمة، لم يرفض شكرها. # اشترى بنطلون وقميص وصتني وصيتا جديدين، وذهب للعمل، في الحقيقة الأم هي التي ms089 أعطته ~~المال؛ ليبدو بمظهر يليق بمراسلة ، كان يعمل عندها منذ زمن طويل، ومثل أم رءوم دعت له ~~بالتوفيق والنجاح في مهنته المقبلة، وطلبت منه أن يبتعد من خصلة وحيدة سيئة رافقته منذ ~~الصغر: «أوعك من القوالة والسواطة»، وتقصد الأم: نقل الكلام من زول لزول. # أرسلت له أمه أمونة من القضارف؛ حيث تزوجت واستقرت، عندما عرفت بوظيفته الجديدة حذاء ~~جديدا من الجلد الأصلي، دعت له بالخير والبركة، وحذرته من خصلة وحيدة سيئة فيه، ~~رافقته منذ أن أخذ يعمل عند الأم: «أوعك من فش أسرار الناس»، وتقصد أمونة علاقات الناس ~~العاطفية، وعاداتهم التي يريدون أن تبقى سرية. # أهدته أداليا دانيال ساعة سيكو جميلة لها خلفية ذهبية، كانت قد اشترتها من أحد الجنقو ~~قبل موسم مضى، وحذرته من خصلة واحدة سيئة فيه اتصف بها منذ أن عرفته: «أوعك من ~~التعرصة!» وتقصد أداليا دانيال عدم المقدرة على مقاومة الرغبة الجامحة نحو جعل كل فتاة ~~جميلة تنام مع رجل ما، ويكون الفضل له في ذلك وحده، وعندما يتم مثل هذا اللقاء يشعر ود ~~أمونة برضا في نفسه، ولذة لا تشبهها لذة أبدا. # أرسل إليه فكي علي طالبا أن يبارك وظيفته الجديدة، أعطاه حجابا يقيه من الحسد والغيرة ~~وأولاد الحرام وبنات الحرام، وحذره من خصلة واحدة سيئة فيه عرفها عنه الفكي منذ عامين ~~ونيف: «أوعك من النسنسة والدسدسة والخسخسة»، ويقصد الفكي علي فعلة كان هو طرف ~~فيها، والطرف الآخر الشرطة، ولقن فيها الفكي درسا لن ينساه. # طلبته بوشي، أهدته شريط أغنيات حبشية وقارورة عطر، وحذرته من خصلة وحيدة فيه، إذا ~~تركها فإنه سيمتلك القلوب، قالت له: أوعك من الكذب، وتقصد ما شهد به فيما يشبه ندوة ~~بغيضة عقدت ببيت أدي الخريف الماضي، نوقشت فيها حقيقة عذريتها. # أرسلت له العازة هدية من سجنها بالقضارف، وهي عبارة عن شال من الصوف صنعته بيديها، ~~وأوصته بأن هنالك خصلة واحدة فيه عليه الحفاظ عليها، وهي: الوفاء، وتقصد كما هو واضح وجلي، ~~التزامه نحوها بدفع ما عليها من دية حتى يتم ms090 إطلاقها من السجن. # وطلبه كثيرون لأجل هدايا ووصايا إلا أنه اعتذر في أدب جم، في أن الوقت سوف لا يسعفه، ~~وعليه الذهاب إلى العمل، مضى وفي ذهنه وصية واحدة همست بها نفسه إليه قائلة: أوعك يا ود ~~أمونة تخلي الفرصة تفوتك، اطلع فوق، فوق، فوق، فوق. # بالتأكيد، حتى تلك اللحظة لم يكن في ذهن ود أمونة ولا في مخيلته، أو في مخيلة أي ~~مخلوق آخر أن ود أمونة سوف يصعد إلى أعلى «فوق، فوق، فوق، فوق»، لدرجة أن يصبح وزيرا ~~اتحاديا بعد عشر سنوات فقط لا غير، وهي قصة مدهشة سيرويها صديقي في كتابه التوثيقي: ~~ثورة الجنقوجورايات. # جاء إلى بيت الأم في الصباح الباكر ستة من الجنقو، في صحبتهم ثلاث جنقوجورايات أخريات ~~ومعهم الصافية، عشرة في تمام حالهم وكمالهم، قابلتهم في الديوان، وهو حيث يستقبل الضيوف ~~في بيت الأم، قالوا إنهم يريدون الذهاب إلى البنك طالما كان هذا البنك للفقراء والمساكين من ~~المزارعين، كما قيل في خطبة جمعة قبل عام مضى، في الحق لم يحضرها أي من الحضور، حتى الفكي ~~الزغراد نفسه كانت عنده حضرة في ذلك اليوم من جن، جاء على عجل من بلاد الفرنجة، كما ~~فسر سر غيابه لاحقا، أكدوا أنهم يريدون سلفية من المال، تمكنهم من شراء مشروع كبير ينظفونه ~~بأنفسهم، ويحرثونه بوابور يشتريه البنك لهم أيضا، مزودا بمحراث من ماركة جيدة تم ~~تحديدها بدقة فائقة: موديل، ماركة، صناعة، ولونا، إذا صادفت السلفية خريفا جيدا ~~كريما معطاء سيعيدون أصل الدين في ذات العام، «وتفضل لينا شوية حربشات نتقاسمها»، ~~قال أبرهيت وفي فمه ابتسامة كبيرة، جعلت شاربه يبدو طويلا وعريضا، ثم أضاف: ونرجع للبنك ~~الأرباح السنة اللي بعدها، وبعد داك يكون البابور، والدسك، والمشروع، ملكنا نحن برانا، ~~ولا كيف يا إخوانا؟ # قلت له: كلامك في مكانه، ولكن زي ما عارفين الموضوع دا يحتاج لدراسة جدوى. # سأل جنقوجوراي صغير الحجم أنيقا، يحمل قلما ونوتة في جيب قميصه التترون، كان يجلس ما ~~بين أبرهيت وإحدى الجنقوجورايات: شنو دراسة الجدوى دي؟ ms091 # ثم تساءلت الصافية: يمكن نشتريها من سوق القضارف، مهما كلف؟ # طلبت منهم أن يمهلوني أياما قلائل، وبإمكاني إعدادها لهم: ثلاثة أيام بس، كنت أرى ~~أحلامهم بالنجاح والثراء بأم عيني تتطاير حولنا، تملأ المكان إنشادا، بهجة، وودادا، قبل ~~أن يذهبوا انتحى بي أبرهيت جانبا، واعتذر لما بدر منه من رعونة في موضوع صديقي، وأنه ظنه ~~مرسلا من قبل الأمن، حدثني عن بعض المصاعب التي لا يزال يعاني منها من جهات كثيرة، أمنية ~~ودينية متطرفة، نسبة لدوره المزعوم في ترحيل الفلاشا لإسرائيل عام 1985م، وأنه مستهدف، ~~وقدم لي نيابة عن المجموعة هدية مرتجلة وهي زجاجة كونياك، قالوا فيما قالوا إنها مفيدة ~~لرجل تزوج حديثا من حبشية جميلة كانت تعمل في بيت أدي، احتفلنا أنا وألم قشي احتفالا ~~صباحيا بالهدية، تناقشنا في فكرة الجنقو الخطيرة، سألتني ألم قشي سؤالا مباغتا: بتظن ~~البنك حيسلفهم؟ # قلت لها: ما عارف، ولكن نكتب ليهم دراسة الجدوى، بعد داك الله كريم، يمكن، ويمكن، ما في ~~شيء عند الله بعيد. # أما بيني وبين نفسي، فكنت أعرف النتيجة مسبقا، واستطعت أن أتخيل تماما منظر الجنقو وهم ~~يطردون من البنك شر طردة، وأنا معهم أعتذر أو أتوعد، الأمر سيان. # ردت ألم قشي معلنة: الناس ديل وراهم الفكي علي الزغراد ذات نفسه. # وفكي علي كما هو معلوم لا يعمل بالقرآن وحده، ولا بالكجور وحده، ولا بالشجر أو السحر ~~الأسود، ولكنه يعمل بالكتب والقرآن، السحر، التنجيم وعلم الحرف، ولديه خدام، وبإمكانه ~~أن يفعل ما ينوي فعله، قالت: فكي علي يده لاحقة، فكي علي يروب الموية عديل ~~كدا. # أنا أحد أصدقاء فكي علي، تعجبني حياته البسيطة، ثقته العالية في نفسه، وعلمه، وفعل يده، ~~رائحة أثوابه وجسده الخليط من الصمغ والوبر، وشيء من الجلد المدبوغ، تعطيه مسحة غموض، وتؤكد ~~فيما تؤكد تفرده في كل شيء حتى شميم الثوب، لديه فهم للدين، ليس متقدما أو متخلفا، ولكنه ~~غريب وخاصة في مسألة شرب الخمر والتكليف؛ حيث يرى أن الناس عند الله ليسوا مسلمين وغير ~~مسلمين، ولكنهم نساء ms092 ورجال وأطفال، فالأطفال والنساء غير مكلفين بالعبادة ؛ لأن لا مكان لهم ~~في موضوع الثواب بالجنة، فالجنة للرجال وحدهم؛ لذا عليهم دفع تكلفة ما سيجدونه في الجنة هنا ~~في الدنيا، أما في الخمر فإنها محرمة على السفهاء والصعاليك فقط؛ لأنهم يتخذونها لهوا، ~~أما الخيرة والصفوة والمتأدبون من الناس بمن فيهم الحكام، والفقهاء، والقضاء، والفكية، ~~فإنها خير جليس لهم، وقال: أفكاري دي كلها كلمني بيها إبليس ذاته، إبليس دا كان واحد من ~~الملائكة، وأكثرهم علما وقربا من الله، الناس ما تستهين بيه. # الكونياك الحبشي ألذ طعما وليست له آثار اليوم التالي للشرب من صداع نصفي مؤلم، ~~حرقان أو غثيان، كل ما يفعله بك أنه يجعلك تتبول كثيرا وتتشهى ممارسة الجنس، سواء كنت ~~امرأة أو رجلا، الأحباش يستوردونه، ويصنعونه أيضا، أما الإريتريون فإنهم يصنعونه بإمكانات ~~محلية لا بأس بها في الغالب، أنا أفضل الحبشي، احتفينا عند منتصف النهار، عند المساء في ~~الحلم جاء إلينا الجنقو على ظهور حمر الوحش، تتبعهم أشجار السمسم وعيدان قصب الذرة، ~~وعلى رءوسهم تبيض السمبريات والعشوشايات، أخذوا دراسة الجدوى، وتركوا لي حميرهم الوحشية ~~في معية خريف مطير طيني وشمس حارقة كالنار. # | الجنقو يدخلون البنك # أرجو ملاحظة أنني تجنبت تماما كل التفاصيل التي ذكرها صديقي لي شخصيا عما وقع بينه ~~والصافية؛ ما عدا تلك التي وافقت ما تحدث به الآخرون عنه وعن ود فور، ولكن اعتمادي الأكبر ~~كان على المعلومات التي تدفقت في بيت أداليا دانيال يوم مريستها في سبت مضى، عندما أقامت ما ~~يشبه سيمنارا أكاديميا حول ما اصطلح على تسميته في تلك النواحي بحكاية الصافية، ~~وسيلاحظ تأثري بالوقائع التي اعتبرها الفكي علي حقائق ثابتة؛ أولها وأهمها أن الصافية ~~تمتلك عضوين تناسليين، واحد يخص الرجال والآخر يخص النساء، والذي يخص الرجال مكتمل وكبير ~~الحجم، ويختفي تحت شعر عانة كثيف وشائك، أما الحقيقة الثانية التي لا يتسامح في شأنها فكي ~~علي هي أن الصافية فعلت بالرجلين فعل الذكر بالأنثى، وأن ذلك مؤكد ولديه دليلان لن ~~يذكرا هنا، هنالك أيضا حقيقة ms093 يشك الفكي علي قليلا في صحتها، ولكنه لا ينفيها، ورغم ذلك ~~فقد حلف بجده لأبيه سليمان الزغرات السناري أن يزهق روحه في الحين والآن أن للصافية بنتا ~~وولدا من امرأة بازاوية تسكن الآن في مشروع دوم، واسمها نعمة مشاكل، وهو يعرفها ~~ويعرف أمها وأباها، وقد رأى البنت والولد بعينيه الكائنتين الآن في رأسه ووجهه. # أما فيما ~~يخص تحول الصافية إلى مرفعين أو أسد أو ما شابه ذلك من حيوان فهو جائز، والمسألة عنده ~~تتمحور حول اللبن، والمؤكد عنده أن تيراب البنية يورث عن طريق لبن الأم المرضع ثم ~~قاس على ذلك، إذا نظرنا بدقة إلى حقائق وجوائز وتشككات الفكي علي، ثم قرأناها في إطارها ~~الصحيح الذي هو مجموع قوالات، وإفادات، ومداخلات وما دار همسا فيما يشبه الندوة في يوم ~~مريسة أداليا دانيال ببيتها، وما تطابق من شهادتي الرجلين اللذين خاضا تجربة واقعية وفعلية ~~مع الصافية مع قوالات، وحكايات، وحقائق، وجوائز، وتشككات الناس، والفكي علي، وحذفنا من ~~حكايتيهما كل ما شذ عن ذلك، مع الإهمال التام والمتعمد لمحكيات الصافية عن نفسها؛ لأنها ~~لا يتوقع منها أن تقول سوى الجانب المشرف من الحكاية، أي الجانب الذي يجعلها تبدو كضحية ~~لقوى خارقة خارجة عن إرادتها وضحية لبني الإنسان، وأنها كما يقال اعتمدت على بعض القوالات ~~الدائرة في الحلة واعتبرتها حقيقة؛ ما شوش تفكيرها وخلط عليها الواقع بالمتخيل مما صاغ ~~الأهالي سهوا، وأنها كما قال الفكي علي الزغراد واصفا حالها: «تشابه عليها البقر»، قبل أن ~~أحكي حكاية الصافية بالصورة النهائية التي أعتبرها الحقيقة الكاملة فاجأتني أداليا دانيال ~~باعتراف خطير، حدث قبل أكثر من ثلاث سنوات، يوم كان الناس في عز الخريف والعمال مشغولون ~~بكديب العيش وفحواه، مع بعض التصرف من جانبي. # قالت أداليا: جاء التاجر فلان الفلاني، صاحب أحد المشاريع الكبيرة في تخوم زهانة، ولم يكن ~~اليوم يوم مريستي، يوم أحد، طلبت مني الصافية أن أحضر لهما عرقي وعسلية من الحلة، مشيت ~~لبيت أدي وأحضرت لهما كل شيء، وكانا قد أحضرا لحمة من السوق، ms094 إلا أنني اعتذرت لعدم ~~تمكني من طبخها ؛ لأنني ذاهبة إلى الكنيسة وقد سبقني زوجي وولدي وابنتي إلى هناك، تركتهما ~~يشربان ويطبخان في الراكوبة الكبيرة قرب اللالوبة، بعد أداء الصلاة عدت تاركة زوجي؛ حيث ~~إنه يعمل على خدمة بيت ربنا إلى ما بعد المغرب، أما ابنتي والولد الذي يصغرها بسنتين، هي في ~~الرابعة عشرة، فتركتهما مع الشباب الذين في عمرهما؛ حيث إنهم غالبا ما يبتكرون برامج ~~شائقة تبقيهم مع بعضهم البعض إلى أن تغيب الشمس، كان بين بيتنا وبين الجيران باب صغير ~~غالبا ما نتركه مفتوحا، ولأن بيت الجيران هو الأقرب للكنيسة؛ دخلت عبره، ثم إلى ~~الراكوبة مباشرة، حيث وجدت الصافية تعلو جسد الجلابي الأسمر المستلذ المستكين تحتها ~~منكفئا على وجهه، صرخت أداليا في دهشة: سجمي، حينها فقط تنبها، فانتزعت الصافية شيئها ~~من لحم الجلابي الذي بوغت حتى أحدث، وبدا عليهما خليط من القلق، الحزن، العرم، والخوف ~~الشديد، وأخذا في الاعتذار وطلب السترة. وعلى الرغم من أن أداليا، حسب إفادتها، رفضت ~~المنحة المالية الكبيرة التي عرضها عليها الجلابي، إلا أنه أصر وأقسم وحلف بالطلاق وترك ~~لها المال. # قالت أداليا: مشوا بيت الأم، الوقت داك ما كانت الصافية عندها بيت، وأنا من اليوم داك ~~عرفت إنه الصافية دا راجل ومرا في نفس الوقت، وعملت حسابي منها. # ولم تخبر أداليا أحدا بهذه القصة غير الفكي علي الزغراد، وهو بكل سرية وتحفظ حدث ~~بها الجميع، أكدت لي أداليا أن شيئها لم يكن طويلا، ولكنه قصير، وسمين، وأسود، ومحشور وسط ~~الصوف، أما الفكي علي فقد وصفه مستخدما كلمة واحدة فقط: كبير! # بالرغم من أنني لا أميل إلى نشر ادعاء صديقي الذي تبجح أمامي ومختار علي بالقول بأنه أجبر ~~الصافية على حلق شعرها فوجدها امرأة كاملة، بل وعذراء، وأنه أول رجل في حياتها، فإن ذكر ~~تلك الحكاية يفتح أمام الجميع نافذة للفهم والولوج إلى عين الحقيقة، وذلك إذا أضفنا جملته ~~القاطعة: أنا نجمتها «جعلتها ترى نجوم الظهر»، مش هي النجمتني. # ربما أربك مشروع الصافية هذه مشروع ms095 دراسة الجدوى؛ لأن هم الناس الآن وقضية ساعتهم هي ~~إدراك حقيقة الصافية، والبنك ملحوق، فما زلنا في شهر يناير، ولكن هناك دائما من يشذ عن ~~القاعدة، وعلى رأس هؤلاء الصافية ذاتها، جاءت في وفد من ثلاثة رجال تسأل عن دراسة الجدوى، ~~قلت لهم: معليش أنا آسف، ما قدرت أكملها، كنت مشغول شوية. # قالت الصافية في جرأة: في موضوع صاحبك؟ # قلت مراوغا: في هموم كتيرة، ولكن بكرة الصباح بكون خلصتها. # قالت بصورة حادة وجادة أخافتني، وهي تحملق في أم عيني بمقلتين حمراوين شرستين: أحسن تشوف ~~المواضيع اللي فيها فايدة، وتسيب القوالات، والصواطات، للشراميط، واللوايطة، ~~والمعرصين. # وقالتها بطريقة تعني تماما أنني من هذه الفئات الثلاث، والأخيرة بالأخص. # أبرهيت، الصافية، مختار علي، لام دينق زوج أداليا دانيال، الفكي علي ود الزغراد وأنا، ~~حملنا دراسة الجدوى مكتوبة على ورق فلوسكاب نظيف، استبدلناه أكثر من ثلاث مرات حتى يليق ~~بمكانة البنك الراقية ومضينا، كان البنك مبنى فخما متعاليا ومنتفخا مثل فيل مغرور، على ~~كل كلنا كنا نراه جميلا وغريبا، كان مطليا بالدهان الأخضر الداكن، وهو المبنى الوحيد ~~في تلك النواحي الذي بني من طابقين كاملين، وأخذ الناس يتجادلون في كيفية الصعود للمدير ~~وماهية السلالم أو المصاعد، وكيف أنهم سوف يستخدمونها، وحسم التكهنات ود أمونة الذي عمل ~~مراسلة منذ أيام بالبنك، وانتهز فرصة أنه خال من مرسال ما لدقائق، وأخذ يثرثر مع الجنقو ~~خارج البنك عن البلاط المزايكو، والسلالم الإفرنجية، ومعطر الهواء، والمكيفات التي تعمل ~~بالكهرباء، والماء، وحذرهم بأنهم قد ينزلقون فتنكسر أيديهم أو أرجلهم ولا يستبعد أن ~~يدقوا أعناقهم أيضا، كانوا يبتسمون إليه في حذر، ثم دخل إلى البنك، ثم خرج ليطلب منا دخول ~~الاستقبال، كان كل شيء نظيفا ولامعا ما عدا الجنقو، رغم أنهم كانوا قد عملوا المستطاع كي ~~يأتوا في أبهى ما يمكن، هم الآن الأكثر اتساخا في المكان الذي عمل على نظافته منذ الساعات ~~الأولى من صباح اليوم ود أمونة ومعه امرأتان غريبتان أتى بهما البنك خصيصا للنظافة من ~~مدينة الخرطوم، ولأن ms096 غريزة موظف البنك تعمل بنشاط عندما يحوم خطر على المال، انتهرنا ~~الكاشير: هي، في شنو، ديل عايزين شنو يا ود أمونة؟ أنا مش قلت ليك ما تدخل الناس ~~ساي؟ قلت له وقد تقدمت نحوه قليلا: نحن عايزين نقابل مدير البنك. # قال بذات اللهجة الجافة: عايزين منو شنو؟ # قلت له: عندنا موضوع معه. # قال في بجاحة: عندكم مواعيد ولا لا؟ # قلت: لا. # قال: هل ممكن نعرف الموضوع دا شنو؟ # قلت له بصورة قاطعة: لأ، ما عدا مدير البنك. # قال بخبث: المدير عنده اجتماع، انتظروه بره في البراندة، أو تحت الشجرة لما ينتهي من ~~الاجتماع ود أمونة حيجي يناديكم. # ونظر إلينا محملقا في وجوهنا منتظرا رد فعل ما، وعندما خرجنا أحسست به يتنفس ~~الصعداء، ولم نكن قد مضينا بعيدا عن الباب سمعنا صوته ينتهر ود أمونة في قسوة، ولكن ~~انتظارنا لم يدم طويلا في البراندة حتى جاء ود أمونة مرة أخرى، ليقول لنا: موضوعكم لو ~~مكتوب في ورقة؛ المدير قال ح يقرأه ويرد عليكم. # قال له الفكي علي: إذا عايز يقابلنا أهلا وسهلا، وإذا ما عايز يقابلنا برضو أهلا ~~وسهلا، نحن عايزين نأكله؟ نحن عايزنه في شغل، امشي قول له الكلام دا يا ود ~~أمونة. # لوى ود أمونة شفتيه في حركة تعني: أمركم، بالإضافة إلى: وأنا مالي، ولكنا فهمنا منها: ~~إنتو ما قدر المكان دا. # وقرأ الفكي ود الزغراد جهرا تعاويذ، وأدعية، وطواطم، بالإضافة إلى سورة قرآنية قصيرة، ~~ولم تقف شفتاه ولسانه عن التمتمة إلى أن جاء ود أمونة، وفي فمه ابتسامة كبيرة جعلت خديه ~~الأملسين يلمعان، وقال: اتفضلوا، سيادة المدير عايزكم. # ومضى قدامنا يحرك ردفيه، ويديه بصورة بناتية غنجة، ولأننا جميعا اعتدنا على ذلك؛ لم يثر ~~انتباه أي منا، عندما دخلنا وجدنا شرطيين لم نرهما في المرة السابقة، ولا ندري كيف دخلا، ~~وهما معروفان بالنسبة لنا جميعا، نعرف اسميهما واسمي أبويهما، وأميهما، وإخوتهما، وجميع ~~أقربائهما، باختصار: الشرطيان من الحلة، تبادلنا التحايا باقتضاب، وبينما هما مندهشان ~~قليلا صعدنا نحو الأعلى إلى مكتب ms097 فسيح تفوح منه رائحة النقود، يتقدمنا ود أمونة ~~مزهوا وهو يدندن بأغنية بنات شائعة، رحب بنا مدير البنك مدعيا السعادة برؤيتنا، ~~معتبرا قدومنا إليه طبيعيا، ولكنا كنا نقرأ ما خلف ذلك بوضوح، كان يريد أن يعرف بسرعة ~~ماذا نريد: اتفضلوا، مرحبا، قدمت إليه المجموعة فردا فردا بتمهل، وقفت بعض الشيء عند ~~الفكي علي، مشهود للفكي علي عمايل خير كثيرة، وألمحت إليه تلميحا أن الفكي علي ود الزغراد ~~بإمكانه أن يضر ضررا بالغا بمن شاء، وقتما شاء، وكيفما شاء، تحدثت عن دور البنك كما ~~يفهمه عامة الناس هنا في الحلة، ثم شرحت له الهدف من الزيارة وأشرت إلى دراسة الجدوى ~~التي أعددتها، ابتسم وهو يسرق النظرات إلى الصافية، وهي في ثوبها الجديد ماركة وصتني وصيتا، ~~ربما كانت رئتاه تمتلئان الآن بعطرها الرخيص ماركة بت السودان، قال وهو يحاول أن يكون ~~حاضرا ومركزا: ادوني دراسة الجدوى أقراها وأعرضها على مدير الاستثمار بعد داك أديكم ~~الرأي، وأنا سعيد بزيارتكم للبنك، وأتمنى أنكم تبقوا عملاء لنا دايمين. # قالها بطريقة تعني بوضوح: «والآن اتفضلوا بره!» قالت له الصافية التي يبدو أنها لم تفهم ~~شيئا مما قال، أو أنها الوحيدة التي فهمت: يعني حتدونا سلفية تراكتور ودسك ولا ~~لا؟ # قال مبتسما: الموضوع يحتاج لدراسة، وتحليل مخاطر. # تطوع الفكي الزغراد بشرح ما يرمي إليه مدير البنك للصافية، قائلا: يقصد نمشي، ونجيهم ~~مرة تانية عشان يدونا رأيهم. # أضاف أبرهيت بعد أن أعلن عن نفسه بتنظيف حنجرته متنحنحا مرتين: من الأحسن نمشي، اللي ~~في القسمة نلقاه. # لم يقل المدير شيئا، فقط ابتسم وهو يتسلم مني دراسة الجدوى، يقلبها قليلا بصورة آلية، ~~ثم يضعها على صينية الأوراق، ونحن نخرج همس الفكي علي في أذني: أنا لو عرفت اسم أمه، ح أعمل ~~فيه عمايل، ثم أضاف بصوت أكثر وضوحا: ود الحايل، يتنهد زي الزول اللي ما كويس، مرة يقول ~~اعملوا دراسة جدوى، لمان نعملها يقول امشوا، وتعالوا. # كل مهارات الناس في اصطياد الإشاعات، وصنع الأخبار، وتقصي الحقائق فشلت في الحصول على ms098 ~~معلومات عن مدير البنك، حتى ود أمونة لم يستطع معرفة اسم أمه، أو برجه، لولا فكرة ~~أبرهيت ليئسوا: ألم قشي. ~~- أيوا، ألم قشي. # الموظفون الأغراب يتقوقعون في كبسولة واحدة، يتحصنون بأسلوب وطرائق وأفكار وسبل معيشة ~~رتيبة ومكرورة، ولكنها تصبح جيبا مجتمعيا معزولا عن المواطنين والأهالي، فهذا حصن لا ~~بأس به ضد الإشاعات والقوالات، ولكنه أيضا سيظل هشا في مقابل حكمة ومكر وجمال ورقة ~~وإنسانية وألعاب أي فتاة تثق في نفسها، المغربون أضعف البشر، دائما ما يتملكهم حنين إلى ~~البيت والأسرة، والمرأة أو البنت عندهم هي رمز لاستمرار الحياة ودفء المكان، القرويات ~~بالحلة لا يعرفن ذلك، ولكنهن يتصرفن وفقا لذات الرؤية، فإنهن حين يهبن، وحين يأخذن، وحين ~~يدعين، وحين يتواضعن، يفعلن ذلك بشرف وكرامة وقدر من الخصوصية لا يستهان به، إنهن ~~يقدمن أنموذج الأخت، والصديقة، والزوجة، والحبيبة، وليست الداعرة السوقية المستهلكة أو ~~الانتهازية، إنهن بنات بيوت، ومشروعات صغيرة وحالمة لربات بيوت، يجدن فن الحب والعلاقات، ~~أميتهن هي ثروتهن الكبرى التي لا تقيم بثمن، ذات الأمية هي مشعل وعيهن الاجتماعي الكبير، ~~ألم قشي تعرف هؤلاء البنيات حسنا، تمطى الفكي علي، أصبحت الكرة الآن في ملعبه هو بالذات: ~~اسمه بلال حسن التركي، أمه نفيسة بت عبد الله، جمع أولا الأرقام المقابلة لكل حرف من ~~حروف الاسمين الأولين للابن والأم فقط، ثم حدد برج المدير، وباستحضاره للصفات الجسمانية ~~من لون، وطول، ونوع الشعر، استطاع أن يتتبع نقاط ضعفه بين أبواب وأسطر كتاب شمس المعارف ~~الكبرى، ثم زاوج ما بين علم الحرف والفلك والشجر، وما يعرف بالسحر الأسود، ثم غمس قصبته ~~في الدواية وكتب، لم يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ولكنه بدأ كهذا: «براءة من الله ~~ورسوله»، كتبها سبعا وسبعين مرة، لفها حول عرق يسمى عرق الهدهد، ثم أدخلها في قطاع من ~~ساق الخروع المنظف جيدا، وجاوز الجميع بظفر طائر السمبر الذكر، ثم طلب أن يأخذها ~~رجل نجس يقوم بحرقها، وذر رمادها في الهواء يوم الجمعة قبل أذان الفجر، ومن ثم يقوم ~~الرجل النجس برسم ms099 خاتم سليمان مرة واحدة على الأرض. # عندما مر أسبوعان على موعد الطمث الشهري لألم قشي، تأكد لها بما لا يدع مجالا للشك ~~أنها حبلت، سررنا لذلك وأخذنا نعد العدة لاستقبال الطفل، ولم يكن همي أنا بالذات ~~نوعه ذكرا، أو أنثى، ولكني أريد مخلوقا صغيرا جميلا يبقى معنا في البيت، ويؤصل لعلاقتي ~~وألم قشي، ولكن هذا لم يمنع من أن نختار اسما مسبقا، فقد اتفقنا على أنه محمد إذا كان ~~ولدا، وأنها القنيش إذا كانت بنتا، ولم نتفق على اسمي التوأم بعد؛ لأنها كانت تود أن تطلق ~~عليهما اسمين أكسوميين معقدين، وكنت أريد أن أطلق عليهما اسمين عربيين، اختلفنا فأحلنا ~~النقاش إلى حين، على كل ألم قشي تفضل المولود بنتا وهي ذات الرغبة التي تزوجنا من ~~أجلها، وهي ذاتها التي تجعل لتواصلنا الجسدي معنى ومتعة كبيرة، وكنت لا أستطيع مقاومة ~~قولها: «عليك الله حملني، عايزة أحمل»، هذه الجملة تشحنني بدفق من الحب والجدية، ~~وتجعلني ضحية بليدة لسلطة البقاء، فأحبها أكثر، لقد اكتشفت أن الجنس عندي مرتبط بالإنجاب، ~~لا شيء آخر، المتعة تجيء مصحوبة بالفكرة، دائما ما يكون في مخيلتي طفل، وأنا على صدر ألم ~~قشي، كان صديقي يعتبر الجنس واجبا إنسانيا، وهو ضروري كي يكون هناك إنسان كامل، وهو في ~~حالة الصافية مسألة نفسية بحتة، بل مسألة إثبات ذات في المقام الأول، كنت أقول له دائما: ~~إذا لم تكن هناك فكرة خلق، تصبح المسألة نوعا من اللذة الميكانيكية. # يقول ساخرا: إذن أنت من أنصار قصة حب وراء كل ممارسة جنس؟ ~~- طفل، طفل أيضا، ما فائدة الحب بلا أطفال في الخاطر؟ # قال ضاحكا محاكيا لغة الأفلام المصرية: دا انت رومانسي أوي. # نشأت بيني وألم قشي علاقة حب قوية، عرفت ذلك من القوالات، والإشاعات، وما يشبه الندوات ~~في بيوت الفداديات، وأظن أن ألم قشي هي الأخرى تلمست ذلك، ولقد قيل لي علانية في بيت ~~خدوم يوم الاثنين الماضي: الزولة دي بتحبك، وأنت عارف حب الحبش، تموت وتحيا معاك، مبروك ~~ليك. # ولقد قالوا لها ms100 هي أيضا، وحدثتني قائلة: قالوا لي: إنت سويتي للراجل دا شنو؟ # بذلك أكون قد وقعت في الحب لأول مرة في حياتي إذا صدق الناس فيما يقولون، أما إذا لم ~~يصدقوا فتظل العلاقة بيني وبينها تحتاج لتعريف، ولو أنها تمتلك آلية استمرارها، لا يهم ~~المسمى أو التعريف ما دامت الطفلة، أو الطفل يلوح بأنامله، من داخل جسدينا ورغبتنا ولمساتنا ~~من عمق قلبينا، في ذاتنا يقهقه، لقد تنبأ لنا الفكي علي بحياة زوجية طويلة وأطفال كثر، ~~والفكي علي رجل صالح من أحفاد رجل من رجال الله اسمه سليمان الزغراد، ظهر لأول مرة ولآخر ~~مرة في كتاب الطبقات لود ضيف الله، أما الفكي علي الزغراد فيعتبر الزغراد الذي ذكر في كتاب ~~ود ضيف الله زغرادا مشوها؛ لأن جده سليمان الطوالي ما كان يعمل بابكو للمراسة، ~~ولكنه كان أحد تلامذة الشيخ محمد الهميم، جاء إليه من دار قمر بأقصى غرب السودان، وكان جده ~~فكي قاطعا، باستطاعته أن يروب الماء، أما إذا زغرت فما من مغلق إلا انفتح، ولا ~~مشبوك إلا انحل، ولا غائب إلا عاد، ولا بعيد إلا قرب، ولا عصية إلا طاعت، ولا كربة ~~إلا فرجت. في هذه البلاد يؤمن الناس بالله ورسله، بملائكته وشياطينه، جنبا إلى جنب مع ~~الفكي الزغراد؛ لذا كانت تنبؤاته حقائق مستقبلية وكشوفات ربانية، وربما هذا ما أعطى لحياتنا ~~قدرا كبيرا من الاستقرار، خاصة من جانب ألم قشي؛ لأن إيمانها بالفكي الزغراد غير مشروط، ~~أما أنا فكنت أفكر في الفكي علي الزغراد كشخص يمتلك مهارات لا تخفى في الإقناع، يعمل في ~~منطقة مكشوفة من وعي مجتمع الحلة، وله القدرة على التأثير في الآخرين، وأرجع ذلك ~~لإمكانات دنيوية مادية بحتة، وهنا تكمن عظمة هذا الرجل النظيف النحيف الذكي الذي تفوح منه ~~دائما رائحة الصمغ العربي، وهو يفهم رأيي فيه ويحترمه، وإن كان يرى في نفسه أنه يمتلك قوة ~~روحية، وأن له خدما من الجن ويحتفي بعلمه ومعرفته بأسرار النبات، وعلم الحرف، والكف، ~~والوجه، وفتح الكتاب، ويقول فوق ذلك كله أو ms101 لذلك كله أنه من بيت النبوة، وأنه من الأشراف، ~~سألته ذات مرة: من هم الأشراف؟ # قال لي: هم القرشيون عشيرة النبي. # قلت له: ولكن القبائل العربية اللي هاجرت للسودان كانت من جهينة؟ # قال مبتسما: نحن أولاد الحسن والحسين، ولدي فاطمة وعلي رضي الله عنهم. # قلت له: نعم، نعم. # وكان يدور في رأسي استشهاد الشابين أحدهما بيد يزيد بن معاوية، والآخر بيد معاوية ابن أبي ~~سفيان نفسه، في أزمنة غابرة بالجزيرة العربية والشام. # | أحوال: ثورة الخراء # نحن الآن في شهر مايو، نهاية مايو، أقمت منذ أكثر من شهر في التاية استعدادا ~~للموسم الزراعي الجديد؛ حيث إنني اشتريت أرضا جديدة مقدارها عشرة أفدنة، وتحتاج إلى تنظيف، ~~تكثر بها أشجار الكتر، وقليل من أشجار اللعوت، وبعض الطلحات، كان معي عاملان يساعدانني في ~~أم بحتي؛ حيث إنه ليست لي خبرة في شأن الأرض، أحدهما مختار علي نفسه، والآخر هو ~~إبراهيم عثمان الذي يلقب بالشايقي، ولكنه في الأصل جعلي، وقام والداه بتشليخه شلوخ ~~الشايقية؛ عملا بنصيحة بعض الأقارب؛ حتى يتجنب الموت؛ لأن كل إخوته الذين سبقوه كانوا ~~يموتون وهم في عمر دون الخامسة، وقد نجحت الحيلة وعاش، وهو الآن على مشارف الخمسين، الاثنان ~~جنقوجورايان نشيطان، عركا الأرض طويلا، يفهمان في النظافة، الزراعة، في الكديب والحصاد، ~~إضافة إلى خبرتهما في الحيل المحلية على مقاومة الآفات بأنواعها، ولا يفوقهما في ذلك سوى ~~الدنباري المتحكم البارع في مصائر الجراد، كلاهما دون أسرة. # كان مختار علي هو الأكبر ~~سنا؛ حيث إنه في أواخر خمسينياته، أما الشايقي فعمره فوق الأربعين بقليل، وهو شاب قوي ~~البنية طويل، له بشرة حمراء وشارب كث، كلا الرجلين أمي لا يفك الحرف، عملنا في الأرض ~~منذ مارس، وكنا نقيم بصورة شبه دائمة في قطية وراكوبة، القطية نخزن فيها طعامنا ومتاعنا، ~~ونأوي إليها إذا برد الجو، الراكوبة للمقيل والونسة، أما مطبخنا فهو الفضاء الرحب، حيث ~~نستخدم بعض الحجارة كموقد، وكل مكان لا يراك فيه الآخرون هو مرحاض، كنا نحصل على الماء عن ~~طريق الحمير من نهر ms102 سيتيت عبر مشرع زهانة؛ لأنها الأقرب، ونحتفظ به في براميل كبيرة من ~~الحديد، وظل مشوار الماء هو ما يربطنا أسبوعيا بالقرية؛ حيث إن الطعام متوفر لدينا: ~~الكجيك والشرموط، أم تكشو، الكمبو، الفرندو الويكة، والملح والشطة، ولدينا كمية من دقيق ~~الفيتاريتا يكفي لشهور كثيرة، وإذا أضفنا إلى ذلك ما تجود به الغابة من لحوم طازجة شهية في ~~شكل فئران، أرانب، طيور، أبوات قدح، حلاليف، أصلات، وغيرها، نجد أنفسنا في جنة صغيرة بها كل ~~ما يشتهي الجنقوجوراي، على كل مسألة الطعام عند الجنقوجوراي سهلة بسيطة؛ لأن الجنقوجوراي ~~يأكل كل ما طار، وكل ما سبح، وكل ما مشي على وجه الأرض ما عدا بني الإنسان، ومنذ أن ~~قررت أن أكون واحدا من هذا المكان أي جنقوجوراي؛ قررت أن أحيا كشخص حقيقي ينتمي إلى ~~كل شيء فيه، فكرا وممارسة، ولو أنني اتخذت أقرب الطرق التي تربطني بالمكان والناس وهي ~~المرأة، ولكن هناك مرارات اجتماعية علي أن أتعود عليها، وأهمها نظام العمل الشاق، استعنت ~~أيضا بالضمان الاجتماعي الذي تحصلت عليه في الشهر السابق، دفعت منه ثمن الأرض، وتركت ما ~~تبقى من مال لألم قشي؛ لتدبر به حالها بعد أن قللت من عملها بميس شركة الاتصالات؛ حيث إنها ~~استخدمت امرأة أخرى معها للمساعدة على أن تقاسمها الراتب الشهري، في الحق كنا نحافظ على ~~طفلنا لا أكثر. # الشايقي ومختار علي لا يكلفاني كثيرا، بالإضافة إلى الطعام اليومي الذي ~~نشترك فيه جميعا يحتاجان للسجائر، والتمباك، والمريسة، والأخيرة يصنعها الشايقي بنفسه من ~~بقية اللقمة والكسرة مضافا إليها بعض الدقيق من مخزون الميس، وهي نوع من المريسة الخفيفة ~~التي تسمى بقنية، وهي أقرب للعسلية، وهما لا يتناولانها في الحلة؛ حيث تسمى بمريسة ~~الفقرا، أنا لا أفضلها كثيرا، يعرفني الناس بحبي لعرقي البلح والمستورد، وذلك عندما يكون ~~لدي فائض مال، أما عندما أكون مفلسا فأنا من التائبين عن الخمر، ولا أشربها بالدين ~~مطلقا، تخلصنا من الأشجار الكبيرة جميعا، وقمنا بصنع عشرين من كمائن الفحم الضخمة، كان ~~عملا متعبا، ولكنه لا يخلو ms103 من متعة هي لذة الإنجاز، الإحساس بخلق قيمة من العدم، كنت قد ~~أعلنت مسبقا على أنني سأتقاسم المردود المالي للفحم بالتساوي بيني ومختار علي والشايقي، ما ~~سرع من العمل وجوده، فبعنا ثلاث شحنات من الفحم إلى سماسرة الفحم بالقضارف، وخشم ~~القربة، والشواك، بعناه تسليم مشروع، أرخص سعرا، ولكنه يجنبنا إشكاليات الشحن، والترحيل، ~~والجبايات الكثيرة والرشاوى والرسوم الطارئة التي يبتكرها الشرطيون بمجرد أن يروا عربة ~~الفحم، بدأت وفادة الجنقو للحلة تتكثف حين أخذ هطول المطر في الحبشة يتزايد، وبدأ موسم ~~الزراعة في الشرق عامة، ونتيجة للنقص في المال والرغبة في الزراعة واللحاق بالموسم برزت ~~حكاية البنك مرة أخرى إلى السطح، ويعرف الجنقو جميعهم أن البنك قام بتسليف كبار المزارعين ~~من مدينة القضارف ومحلية الفشقة، وحتى خشم القربة، وكسلا، وقام بمدهم بتراكتورات ~~ودساكي، وأعطاهم نقدا قروضا اسمها السلم، كان الجنقو يتساءلون: لماذا لم يبت البنك في ~~طلبهم؟ لماذا التمييز ضدهم، وهم أعرف الناس بالأرض؛ هم الذين ينظفونها، يزرعونها، ~~ويحصدونها، ويحاربون آفاتها، هم الذين ينتجون العيش والسمسم؟ لماذا لا يثق البنك بهم؟ ~~وأخذ الجنقو يتداولون الأمر في تجمعاتهم، كانوا في هذا الشهر البائس مايو يعانون من الفقر ~~المدقع؛ حيث لا عمل ومن ثم لا نقود، لا مهرجانات لشرب المريسة التي ارتفع سعرها نسبة ~~لارتفاع سعر العيش، لكن كرم الفداديات يسع الجميع، فيمكن الشرب عن طريق الشخط في الحائط، ~~أو عن طريق الأمنيات ورهن الزينة؛ من مسجلات أو نظارات شمسية، أو قمصان أو راديوهات، أو أي ~~أشياء أخرى لها قيمة، أو ليست لها قيمة أيضا؛ لذا لا يزال الجنقو يتجمعون في بيوت الخالات، ~~أدرنا معهم حوارات عميقة وطويلة عن البنك ودوره، وقد تحمس كثير منهم للفكرة؛ أن نذهب إلى ~~البنك مرة أخرى ونطلب منه أن يقدم لنا قرضا محدودا وتراكتورا بدسك، وأن نقدم له ما ~~نستطيع من ضمانات، وتبرع عشرون شخصا يمتلكون بيوتا مسجلة بأسمائهم أن يقدموها للبنك ~~رهنا، وتبرعت أنا بمشروعي الزراعي الصغير، ربما الذين فوجئوا بتجمع الجنقو أمام البنك هم ~~إداريو البنك، ms104 ورجال الأمن فقط، ولكن جميع سكان الحلة رجالا ونساء وأطفالا كانوا ~~يعرفون أن الجنقو ذاهبون إلى البنك يوم السبت، وأن لهم طلبا واحدا، «جربونا في مشروع واحد ~~وتراكتور واحد وسلفية لا تتعدى خمسمية ألف جنيه»، قدرنا عددنا بمائة من الجنقو ~~والجنقوجورايات وكثير من الأطفال. # انضم إلينا صغار التجار الذين حرمهم البنك من التمويل؛ ~~فهم أيضا كانوا غاضبين، وقد أفشوا لنا كثيرا من أسرار علاقة البنك بكبار التجار وأصحاب ~~المشاريع الكبيرة، وقالوا لنا بالحرف الواحد: «إن البنك يريدهم أن يبقوا عمالا وشغيلة تحت ~~إمرة المزارعين الكبار حتى يضمن عودة سلفياته التي قدمها لهم»، بالتأكيد لم يحاول مدير ~~البنك الاستعانة بالشرطة ورجال الأمن؛ لأنه لم تكن هنالك مظاهرة ولا تهديد باستخدام العنف، ~~إنما كانت مفاوضة قدتها أنا ومعي الصافية والبقية يسمعون وينظرون ويشاركون بالصمت ~~والتنظيم وعدم إثارة أعمال الشغب، كان لمدير البنك تحفظان: الأول هو أنه لا يستطيع أن ~~يقدم سلفية لجماعة غير رسمية؛ فلا هم اتحاد ولا هم شركة مسجلة، مجرد جماعة؛ حسب تعبيره؛ ~~لا رأس لها ولا قعر، أما التحفظ الآخر فقد كان أيضا واضحا: أنا عايز ضمان، ضمان أرض لها ~~قيمة ومسجلة بأوراقها ومستنداتها، أو ضمانة مالية أو عقار؟ دي سياسة البنك، قلنا له: لدينا ~~عشرون قطعة سكنية بالحلة، ومشروع صغير من عشرة أفدنة، وليس لدينا عقارات في مدن، ولا ~~منقولات ذات قيمة مالية كبيرة، ولا أراض أخرى، وإلا ما كان هذا حالنا؛ فقراء وصغار ~~مزارعين، و... و... وأكد أن البنك يدعم وسوف يدعم الفقراء وصغار المزارعين، ولكن بشروط أمان ~~تضمن له حقه، وأنه لا يستطيع أن يتخطى سياسة البنك، ثم أضاف مراوغا: أنا ح أنقل كل الحوار ~~اللي دار بيننا إلى رئاسة البنك في الخرطوم، ونشوف الرد شنو بإذن الله. # قالت له الصافية التي كانت ترفل في صمت عميق منذ أن دخلت معي إلى مكتب المدير الفاره: ~~يعني ح تدونا السلفية ولا لا؟ # قال لها المدير بريق ناشف: حتى الآن لا. # التفتت إلي الصافية قائلة: قوماك نمشي، القاعدين ms105 ليها شنو؟ # شكرته على حسن ضيافته لنا ؛ حيث إنه أكرمنا بماء بارد، وزجاجتي بيبسي كولا، أتى بهما ود ~~أمونة، وانصرفنا، كان الجنقو ينتظرون في الخارج في جماعات، وعند باب البنك أحاطوا بنا ~~يسألون، ولكن أبرهيت وهو الشخص المسئول عن تنظيمهم، قال لهم، ودون أن يستشيرني: المساء في ~~بيت أدي، الحوش الخلفي، عايزنكم جميعا. # عند طلوع القمر كان بحوش الأم الخلفي؛ حوش الحفلات، ثلاثمائة من المواطنين أطفالا ونساء ~~ورجالا، بادر الحضور الفكي علي بتلاوة من الذكر الحكيم، وتوتر صوته عندما بلغ الآية ~~الكريمة: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~. # ثم أعقبه أبونا بيتر راعي الكنيسة في صلاة قصيرة من الإنجيل قرأ فيها: «يا هؤلاء جميعكم ~~القادحين نارا، المتنطقين بشرار، اسلكوا بنور ناركم، وبالشرار الذي أوقدتموه، من يدي صار ~~لكم كل هذا، في الوجع تضطجعون»، وكررها بالعامية كما يلي: «يا أنتم المولعين نار، المتحزمين ~~بالشرار، امشوا بنور النار والشرار، بتاع إنتم، كلو دا من يدي أنا ربكم، والطريق كله ~~أوجاع.» # ثم ما لبث الناس يتداولون في أمر واحد: نعمل شنو؟ إذا قاطعنا الزراعة نحن الذين نموت ~~جوعا أولا، إذا بقينا كعمال سوف لن نكسب شيئا، يأتي الموسم، خلف الموسم، خلف الموسم، ~~ونحن من اليد إلى الفم، والمستفيد هو الجلابي صاحب المشروع، قال أحدهم: نكسر البنك. # ردوا عليه أنهم لا يريدون دخول السجن، ولا المواجهة مع الشرطة التي قد تؤدي إلى فقد ~~البعض، وإصابة البعض بأذى جسيم، وقالت سعاد يوهنس وهي والدة أحد الشرطيين: يعني نقتل ~~أولادنا البوليس أو يقتلونا، الخسران منو؟ # وفجأة تحدث صديقي، قائلا: نحاربهم بالخرا. # سكت الجميع؛ لأن الكلمة بدت لهم غريبة، وغير مقصودة تماما، أو أنها ربما كانت كلمة أخرى ~~سمعوها على هذا النحو، قال مؤكدا وبعينيه إصرار غريب: بالخرا، ما بتعرفوا الخرا؟ # ضحكوا وظنوا أنه يعبث، أو هي إحدي مغامراته العجيبة، قال لهم: سمعتوا كلكم بالهنود، ~~الهنود ديل طردوا الإنجليز الأقوياء بالخرا بس، والناس الكبار في السن منكم مثل مختار علي، ~~والفكي ms106 الزغراد، والسيد أبرهيت، والشايقي، وأدي، وغيرهم وغيرهم عاصروا وهم أطفال ~~المهاتما غاندي، أها دا الزول اللي قاد ثورة الخرا. # قليلا قليلا، تفهم الناس الأمر، قليلا قليلا، قبلوا به، قليلا قليلا، حددوا المائة ~~الأوائل الذين سوف يفعلون، والآن، قليلا قليلا، حددوا الخمسين، قليلا قليلا، حددوا ~~الثلاثين، وتم ترتيب كل شيء، في الصباح الباكر عندما استيقظ الموظفون في الميس، لم يستطع أي ~~منهم الخروج للعمل؛ حيث كان البراز هنالك يقف عند الباب محتجا عفنا قبيحا بائسا لكن ~~بصمود عجيب، وعندما كسروا الصريف كان عليهم أن يصنعوا من قصبه جسرا يعبرون به إلى ~~الشارع، ولما وصلوا إلى مبنى البنك وجدوه غارقا هو الآخر في بركة من الخراء، ولا يمكن ~~لكائن من كان أن يقترب منه، جيش الذباب الأخضر الضخم ذو الطنين الرهيب صار سيد المكان ~~ومالكه الأوحد، ومديره العام، استعانت إدارة البنك بعمال الصحة الذين أكدوا أنه لم يكن ضمن ~~شروط خدمتهم خم الخراء، إنهم عمال نظافة مواد جافة، طلب مدير البنك من الشرطة أن تقبض على ~~الفاعلين، وتجبرهم على إزالة البراز، ولكن النيابة ردت بأنه: «لا توجد عقوبة بغير نص»، ~~فالتبرز في العراء لم يعتبر في يوم ما جريمة يعاقب عليها القانون، ولم يوجد أمر محلي يمنع ~~ذلك، وكيف نعرف الذين تبرزوا؟ من شكل برازهم أم من لونه؟ وكانوا في قرارة أنفسهم يقفون إلى ~~جانب الجنقو؛ لأن البنك كان محسوبا على مجموعة سياسية بعينها ليسوا هم بعضها، ركب مدير ~~البنك ومعه فريق عمل مكون من خمسة أشخاص عربتهم اللاند كروزر دبل كبينة وانطلقوا لا يلوون ~~على شيء إلى القضارف، في اليوم التالي تبرز مائة من الجنقو داخل الميس المهجور، بل داخل ~~الغرف، وعلى السراير، وحاويات الماء النقي المكرور، وضعوا كمية لا بأس بها من البراز في ~~الثلاجة، والأدوات الكهربائية، والأواني، وتركوا مخزونا آخر في أكياس التسوق البلاستيكية ~~وزن كيلو مبعثرة تحت الأسرة، وفي المطبخ، ومعلقة على الأسقف، في اليوم الثالث ذهب الجنقو ~~جميعا للعمل في نظافة مشاريع التجار بأسعار عمالة لم يفكروا ms107 فيها كثيرا، كانوا يريدون ~~الخروج من الحلة ، بأية صورة كانت! بعد أسبوع من الحادثة رجع رجال البنك في معية شاحنة من ~~الاحتياطي المركزي مسلحين برشاشات، وقذائف مسيلة للدموع، عصي مطاطية، درق، سياط وعربة ~~مطافئ، حاولوا غسل المكان بخراطيم الماء المندفع بقوة من عربة المطافئ ولكن هيهات، فقد كان ~~الشيء من الكثافة والتماسك بحيث لا يزيده الماء إلا اندياحا إلى أمكنة وساحات أخرى، ثم ~~أقام الاحتياطي المركزي في مخيم صغير مرعب قرب البنك لشهر كامل، أما الميس فقد تم ~~هجرانه بصورة قاطعة ونهائية، ولكن بعض الجيران ظلوا، كلما وجدوا الفرصة سانحة، يرسلون أكياس ~~التسوق مملوءة بالشيء اللزج العفن من فوق الحوائط إلى الميس، رجع الشايقي، ومختار علي إلى ~~التاية، رجع صديقي إلى القضارف، ثم من هنالك إلى الخرطوم، بقيت أنا في الحلة لبعض الوقت ~~لمؤانسة ألم قشي، لم أر ود أمونة، سألت عنه ألم قشي قالت: إنه كان في القضارف، ولكنه ~~عاد اليوم لعمله بالصباح في البنك، وعند المساء سوف يأتي للعمل في بيت أدي، كان لا يضيع ~~وقتا بلا عمل، فسألتها لماذا يرهق نفسه بهذه الطريقة، ولا مسئوليات لديه وليس له من ~~يصرف عليهم، بل حتى صلته بأمه مقطوعة؟ # قالت لي: إن ود أمونة يعمل بجد، ويكدح من أجل العازة. # قلت مندهشا: العازه! العازة دي منو؟ # فحكت لي ألم قشي ما يحكيه ود أمونة، أو هي الحكاية الشائعة، وود أمونة نادرا ما ~~يتحدث في هذا الموضوع: عندما خرجت العازة من السجن، أخذت معها ود أمونة، وكانت قد ~~وعدته، ووعدت أمه أمونة التي تركتها في السجن وراءها بأنها ستعتني به كما لو كان ولدها، ~~وأنها ستدخله المدرسة، إلا أن العازة بعد خروجها من السجن واجهتها مشاكل كثيرة جدا من ~~أسرتها؛ حيث إن إخوانها ووالدها كانوا يصرون على أن تلتزم بواحد من الاثنين؛ إما أن تتزوج ~~أيا كان وبسرعة، وإما أن تترك العمل الذي أخذت تمارسه بعد خروجها من السجن مباشرة، وهو ~~بيع الشاي والقهوة في سوق القوني، وأن تبقى في المنزل ms108 ولا تبرحه؛ لأن أسرتها كبيرة ~~وإخوانها معروفون ؛ لذا تهمهم سمعتها، لكن العازة رفضت كل العروض وواصلت عملها في سوق ~~القوني؛ حيث كسبت مجموعة من الزبائن، وطورت عملها عندما ألحقت بمقهاها مطعما تبيع فيه ~~الأغذية البلدية، وأدخلت ود أمونة مدرسة خاصة في حي كرفس واستأجرت لها بيتا في حي ~~الأسرى؛ كي يكون قريبا من موقع عملها، والحق يقال كانت ملتزمة أخلاقيا، ومحترمة لنفسها، ~~ولعملها، ولم يعرف لها أي نشاط مخالف للقانون، ولم يتشك منها الجيران، مع ذلك فإن ~~إخوانها لم يرضهم كل ذلك، وخططوا لتخويفها وطردها من مدينة القضارف لأي بلدة كانت، وكانت ~~تعلم بمخططهم وتستعد لمقاومته، وفعلا هاجمها اثنان من إخوانها في بيتها عدة مرات، واعتدوا ~~عليها بالضرب، وهاجمها في مكان عملها بعض البلطجية المأجورين، وكانت ترد في شراسة، ولكنهم ~~فكروا أخيرا في استهداف ود أمونة؛ استأجروا بعض الصبية المشردين ومدمني البنزين ~~ليعتدوا عليه بالضرب في طريقه إلى المدرسة، وأينما وجدوه، ولكن بعض الشواذ منهم عندما رأوه ~~فكروا في الاعتداء عليه جنسيا، وقد تخلص ود أمونة منهم بما تعلمه من أمه من مهارات ~~قتالية، ثم أخبر العازة التي قامت بعمل كمين لهم، وضربهم ضربا عنيفا، بل إنها طعنت اثنين ~~منهم بسكين اعتادت أن تحملها معها منذ أن خرجت من السجن، أصيب أحدهم بعجز مستديم، ومات ~~الآخر، ودخلت السجن هذه المرة مدانة بالقتل العمد مع سبق الإصرار، ومع أن أهل المتشردين ~~الذين ظهروا فجأة قبلوا بالدية فإنها تعسرت في دفعها، فظلت منذ ذلك الوقت الوقت مواجهة ~~إما بالدية، أو المؤبد، حتى بعد أن قبلت أسرة القتيل بخمسمائة ألف جنيه فقط # بعد مساومات ~~من رجال ونساء خير كثر، فإن المبلغ يعتبر كبيرا جدا بالنسبة لامرأة وحيدة وبالنسبة ~~لأصدقاء فقراء؛ لم يتمكنوا من جمع سوى القليل، ثم أحبطوا فتكاسلوا، وهكذا بقي ود أمونة ~~وحده يعمل منذ ذلك الحين مع أدي وغيرها؛ كي يتمكن من تسديد الدية حتى تنال العازة ~~حريتها، قال لي قبل شهر تقريبا إنه لم يتبق عليه سوى مائة جنيه فقط؛ ms109 لذا ربما كان ذهابه ~~للقضارف بشأن أمر العازة، فهو دائما ما يزورها في السجن، عندما التقيت هذه المرة بود ~~أمونة تغيرت صورته في نظري إلى بطل إنساني عظيم، وفور أن سألته عن صحة العازة، أخذ يحكي ~~لي عنها؛ عن شهامتها، وكرمها، وإنسانيتها، وكيف أنها ظلت تعاني عمرها كله من أقرب الأقربين ~~إليها، وهم أفراد أسرتها، ثم تناقشنا فيما تبقى لها من دية، وسألته ما إذا كان قد ذهب إلى ~~مكتب الزكاة؟ ضحك في ألم وهو يحكي لي رحلة مرة مع البيروقراطية، قال إنهم أولا طالبوه ~~بشهادة فقر من المحلية، ثم بصورة من الحكم، ثم بالتاريخ الشخصي للعازة، وأخيرا قالوا له: ~~إن المال المرصود لمصرف الغارمين لهذه السنة قد تم صرفه، وأن عليه أن يعود إليهم في العام ~~القادم، وفي العام القادم بدأت الرحلة من جديد، وانتهت بأن لم يرصد مال للغارمين في هذه ~~السنة؛ نسبة لحاجة الناس للمال في مصرف آخر وهو مصرف المؤلفة قلوبهم، سوف يحاولون في العام ~~الذي يليه، وقال لي ود أمونة إنه يعلم أن مكتب الزكاة قد قام بدفع الملايين لكبار التجار من ~~مدينة خشم القربة تسديدا لديونهم في البنوك، بعد أن أقسموا أنهم معسرون، والناس تتحدث عن ~~ممتلكات هؤلاء المعسرين من وابورات، وشاحنات، وسيارات نقل ركاب، وعقارات، ومغالق، وتوكيلات ~~تجارية. # حدث ذلك في نفس الأيام التي كان هو يستجدي فيها المكتب لدفع ولو خمس الدية، سألته عن ~~أمه، قال لي إنها خرجت من السجن قبل سنوات طوال، وتزوجت من شرطي سجون، كان يعمل بالقضارف، ~~وتم نقله إلى سجن شالا بالفاشر، وسافرت معه إلى هنالك، ونسبة لأن ود أمونة رفض ~~السفر معها، ولأن زوجها نفسه لم ترق له فكرة اصطحابه معه؛ فقد قامت أمونة أمه بتسليمه إلى ~~أدي، وهي صديقتها، وقد عاشتا ردحا من الزمن معا في أم حجر، بعد أن اعتزلت أدي ~~العمل العسكري بعد التحرير؛ حيث كانت تعمل مقاتلة في الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، لم يجد ~~ود أمونة صعوبة في التأقلم والعيش مع أدي، ms110 فهو قد ولد بالحلة، وقضى جانبا كبيرا من ~~طفولته بها. # وجد ألم قشي ببيت أدي، ولها صلة بصديقته العازة، ومع أنه لا يدري مدى عمق الصلة؛ فإن ~~ألم قشي رحبت به واحتضنته، ولقد سألت ألم قشي فيما بعد عن صلتها بالعازة، فقالت: تجارة. ~~على الرغم من الظروف الصعبة التي أمر بها أنا نفسي، ظرف العطالة والاستعداد للموسم الزراعي ~~الجديد، والتجهيز لمولودي القادم، وبقاء ألم قشي بالبيت عاطلة عن العمل، فإنني تبرعت لود ~~أمونة بنصف المبلغ المتبقي من الدية، اعتذر ود أمونة عن تسلم المبلغ لأسباب يراها ~~موضوعية، وهي: أولا: هذه الأيام هي أيام الزراعة، وأنا أحتاج لكل مليم من أجل أرضي، ولربما ~~أنا لا أعرف مدى حاجتي للمال في هذه الأيام نسبة لعدم خبرتي في الحرث والزرع، والأولوية ~~للأرض، والشيء الآخر: هو أنه لا يمتلك النصف الآخر من المبلغ إلا بانتهاء شهر أكتوبر؛ ~~لأنه دفع مبلغا كبيرا من المال في الأسبوع الماضي، تحصل عليه من «صرفة صندوق»، ولا يمكنه ~~التحرر من هذا الدين إلا مع نهاية شهر يونيو؛ لذا في كل الأحوال ستبقى العازة بالسجن إلى ~~ما بعد أكتوبر، وقد اقترح علي أن أستخدم المال في الزراعة، وبعد ذلك الموسم أعطيه إليه ~~إذا توافر لي مرة أخرى، على كل شكرني ود أمونة شكرا أخجلني، ولم يأخذ مني شيئا، قبل ~~أن أغادر إلى المشروع للعمل جاء لقطيتنا في المساء، وحدثني بما اعتبره أحد الأسرار: اعمل ~~حسابك من السكة وما تشيل معاك قروش كتيرة! ما تثق في زول، الدنيا ما معروفة. # ولم أستطع أن أعرف منه أكثر من ذلك، ووعدني بأنه سيبقى مع ألم قشي في ذات القطية، قد ~~تحتاج إليه فتجده، وذلك إلى أن أعود، وكي يطمئنني أكثر أضاف: ألم قشي دي أختي. # انتظم المطر تقريبا بعد عاصفة منتصف يونيو، كان مطرا غزيرا؛ ولكنه كما قال لي الجنقو ~~العارفون بالمطر: لم يكن خريفا استثنائيا، وقالوا: بداية عادية، ولكنها مبشرة، إذا نجحت ~~العينة الأولى سوف ينجح الخريف كله. # ونصحت بالبداية المبكرة، اشتعلت ms111 المشاريع؛ جنقوجورا يحرثون وينثرون السمسم، ~~وينشدون في صبر وألم، يصنعون الحياة الحقة للملايين بعرق مر، ويحرمون أنفسهم من لحظة ~~الحلم، التي لا يعونها هم أنفسهم، لا يفكرون كثيرا ولا عميقا في الأشياء كما أن الثورة ~~الخرائية التي قاموا بها لم تلهمهم أفكارا أخرى، أو مشروعات، أو أي عملية إيجابية لاحقة، ~~عبرت مثل نكتة سخيفة، حكيت أضحكت ثم تلاشت، وانشغلوا بعدها جميعا بخلق ~~القيمة بالعمل، ونسوا كل شيء خلافه، يريد الجنقوجورا المال، والطريق الوحيد للمال هو العمل ~~المتواصل الذي ينتهي غالبا عند شجرة الموت في فريق قرش بالحمرة، أو أي شجرة موت ~~أخرى، إلى أن استيقظنا ذات صباح بخبر غريب عن قطاع الطرق الفالول، أو الشفتة، في خور ~~عناتر المعشوشب الواقع وسط المشاريع الغربية، بين الشقراب والحلة، ظل هذا ~~المكان آمنا حتى في سنوات الحرب الإريترية الإثيوبية، وانفلات الأمن عند الحرب ما بين جيش ~~الحكومة والمعارضة المسلحة، في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم؛ لذا كانت دهشة الناس ~~عظيمة عندما عرفوا أن الشفتة لم يكونوا من الفالول الأحباش، أو الإريتريين، ولكنهم ~~سودانيون، بل ومن الجنقو، وعرف البعض بأسمائهم، كانوا يحملون الأسلحة البلدية: فئوسا، ~~وحرابا، وخناجر، وسيوفا أيضا، كانوا لا يقلون عن عشرة من الرجال السود الأقوياء، ~~قاموا بنهب عربة بوكس تعمل في نقل الركاب إلى معسكر الشقراب، أخذوا كل ما لدى الركاب من ~~أشياء قيمة، مثل الساعات، والنقود، وحتى الأحذية الجديدة، وتحصلوا على مسدس كان يخص سائق ~~العربة ويخفيه تحت المقعد مع كرتونة من الخمر المستورد، وفي نفس اليوم هاجموا نقطة التفتيش ~~الواقعة في مفترق الطرق بين الشواك والشقراب، واستولوا على رشاشة كلاشينكوف وبندقية جيم 3، ~~وهربوا في اتجاه غابة زهانة، مستخدمين عربة نقطة التفتيش التي وجدت معطوبة قرب قرية ~~الجيرة. # حدث بهذه الضخامة عندما يدخل الحلة فإنه يخرج منها أحداثا كثيرة بشعة، وهذا ~~ما وقع بالفعل؛ حيث أشيع أن الجنقو تمردوا جميعا، والآن يهاجمون جيش الحكومة في حاميتي ~~زهانة وهمدائييت بأسلحة تحصلوا عليها من إريتريا، وصدقت الإدارة العسكرية والأمنية الرواية ~~الشعبية للحدث، واتصلت ms112 بحامية خشم القربة، وحامية القضارف، طالبة العون العاجل لإخماد ثورة ~~الجنقو، ولكن نسبة لخبرة الحكومة الكبيرة في الصراعات المحلية والثورات المسلحة لم ترسل ~~جيشا، ولكنها أرسلت لجنة تقصي الحقائق برئاسة مسئول أمني في رتبة كبيرة، وقامت اللجنة ~~المطوقة بحراسة مشددة على عربة مصفحة بزيارة مواقع العمليات، والتقت الأشخاص الذين هوجموا ~~وحققت مع الجميع، ثم كونت لجنة مدنية حققت مع السكان، ثم كتبت تقريرا أهم ما فيه: «خمسة ~~رجال من عمال المشاريع الموسميين يقومون بأعمال تخريبية لأهداف غير معلومة، ويرجح أنها ~~للحصول على المال، يتسلحون بمسدس وبندقية جيم 3 ورشاشة كلاشينكوف وأسلحة بيضاء أخرى، بعضهم ~~جنود مسرحون من الجيش، لا يميلون للقتل أو سفك الدماء، معروفون لدى كل السكان بالاسم وهم: ~~طه كوكو نمر «عسكري معاش»، عبد الله خير السيد الطيب، برهاني تخلي ولدو، دنق مايوم أجانق ~~«عسكري معاش»، إبراهيم عثمان الشايقي، وهم الآن إما في مكان ما بغابة زهانة، أو أنهم عبروا ~~نهر سيتيت إلى مدينة الحمرة، أو أنهم يتحركون في هذا المجال من وإلى إثيوبيا»، ثم أوصى ~~التقرير بحماية طرق السيارات العامة التي تربط الحلة بالشقراب، وطريق همدائييت ~~والجيرة، الحفيرة زهانة، وأن ينشأ طوق عسكري آمن يتحرك في غابة زهانة للبحث عن المجموعة، ~~ونصح التقرير بصورة واضحة عدم اعتقال المواطنين أو الإضرار بهم، وتجنب الدخول في صراع ~~مسلح مع أي كان ما لم يبادر الخصم بإطلاق النار أو نصب الكماين. # تركوا كتيبة كاملة من ~~الاحتياطي المركزي جيدة التدريب، شباب غبش لهم عضلات مفتولة وأجسام رياضية، ورءوس حليقة ~~بطريقة الكوماندوز، يمشون في الطرقات باختيال أقرب إلى الغنج، لولا قلة النساء في شوارع ~~الحلة، وسوقها لحدث افتتان لا تحمد عقباه، أطلق عليهم السكان اسما سريعا يحمل وجهة نظر ~~حادة تجاههم، سموهم: البوم، كان أجدر بي أن أكون أول العارفين بخروج الشايقي في جماعة ~~الشفتة، لقد ذهب دون أن يلمح إلي بذلك مجرد تلميح، وكنت معه إلى آخر لحظة بالتاية، ~~أذكر أنه كان يحس بالغبن الشديد تجاه البنك، ويعتبر البنك والحكومة نفسها ms113 يعملان على زيادة ~~غنى التجار، وأنهم ضد الجنقو ، كلنا نفتكر ذلك ونعتقد في ذلك، ولكن هل هذا يبرر الاعتداء على ~~المواطنين وأخذ أموالهم وممتلكاتهم وتخويفهم؟ وما علاقة ذلك بالغبن تجاه البنك أو الحكومة؟ ~~ومن يدري قد يقود بعض هذه الحوادث إلى إزهاق الأرواح؟ إذا ربما كانت هنالك حلقة مفقودة، ~~تناقشت مع مختار على حولها كثيرا، وأخيرا أحلنا الأمر إلى أن الشايقي ورفاقه أرادوا حياة ~~رخية ومالا سهلا، فالعمل بالمشاريع عمل صعب ومردوده المالي لا يغطي إلا الاحتياجات ~~الصغيرة التافهة ولوقت محدود، وليس هنالك ضمان اجتماعي، أو تأمين صحي، ولا فوائد ما بعد ~~الخدمة ولا معاش، إنه كما يقول مختار علي: عدم في عدم، ولكنهم الآن يخاطرون بحياتهم، ~~المال السهل يقود إلى الموت السهل، وقررنا أن نلتقيهم لنعرف على الأقل حقيقة أمرهم. # | أحوال وثورة ألم قشي # أرسل لي ود أمونة مع أحد الجنقو رسالة شفاهية فهمت منها؛ أن ألم قشي مريضة، وعلي أن ~~أحضر بأسرع ما يمكن، فرتبت أمر التاية مع مختار علي، وركبت لواري همدائييت الصباحية إلى ~~الحلة، وجدتها وود أمونة في المنزل، كانا يتناولان القهوة، بدت لي شاحبة بعض الشيء، ~~سوى أنها كعادتها دائما جميلة، ومبتسمة، ولكنني لاحظت أيضا خيبة أمل ما في وجهها، وكأنها ~~ما كانت تتوقع حضوري، ذهب ود أمونة لغرض ما أو ليتركنا منفردين، أخبرتني بأنها ما كانت ~~ترغب في أن تخبرني بأنها مريضة، وأن ود أمونة قد تصرف دون استشارتها، ثم أخذت تتحدث ~~بصورة عدوانية لم أعهدها فيها، ثم فاجأتني قائلة: أنا أجهضت، قبل يومين، عمر خمسة شهور، في ~~الحقيقة صدمت تماما، وهذا هو الشيء الوحيد الذي لم يطرق على بالي إطلاقا، وأحسست بألم ~~بالغ في معدتي، وشعرت بالفشل، بفشل مر وبليد، لم أستطع سوى أن أبحلق في بطنها، وكأنها ~~ليست سوى خدعة حبشية خشنة، وكأنما الطفل ما يزال هنالك، كلما مرت الثواني ولم تتراجع ألم ~~قشي من خدعتها، كان العالم يموت تدريجيا في ناظري، أضافت في حدة: لقد انتهى كل شيء ~~بيناتنا. # تمنيت لو ms114 أن ما يجري الآن ليس سوى كابوس لئيم ، ألم قشي التي أمامي هي ليست ألم قشي زوجتي ~~وحبيبتي، قالت لي مرة أخرى، بذات اللغة: كل واحد مننا ح يمشي في سكته. # سألتها ماذا تعني بذلك؟ أخذت تكرر أنها لا ترغب في بعد اليوم، فبدا لي للحظات أنها قد ~~أصيبت بمس من الجنون، قلت لها إنني أحبها، ولن أتركها أبدا، وإنني حبيبها وزوجها الشرعي، ~~وإنها سوف تنجب مني طفلا آخر، وإذا كان يؤلمها الإجهاض فإنه يؤلمني أكثر، احتضنتها لكنها ~~كانت باردة كالجليد، جامدة كصخر، تكرر في آلية مؤلمة: انتهى، انتهى كل شيء. # قلت لنفسي: لأتركنها الآن تتخطى الصدمة يوما أو يومين، وتعود المياه إلى مجاريها كما ~~يقولون، ولكنني كنت قلقا ومترددا وتائها، فلم أستطع أن أصبر على رأي، فبحثت عن ود ~~أمونة ووجدته سريعا كما هي العادة؛ حيث إن ود أمونة يوجد حيث تريد، تناقشنا في شأن ~~ألم قشي، وقال لي إنها على هذه الحال منذ أن أجهضت، وأن الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يجعلها ~~تتراجع هي أدي، فعلي بها، وحكينا أنا وود أمونة كل شيء لأدي، تعاطفت أدي معي ~~أو معنا، وكانت قد ساعدتها وهي تعاني آلام الإجهاض من قبل، وهي أيضا تعرف الكثير عن ألم ~~قشي؛ شعابها، وتقلباتها، وطلبت منا أنا وود أمونة أن نذهب نتمشى أينما شئنا وأن نأتي ~~بعد ساعة من الزمان، تريد أن تتحدث مع ألم قشي على انفراد، تغيرت ألم قشى للأحسن قليلا، ~~وتراجعت أيضا قليلا، وقبلت بي كذلك قليلا، بعد أن انفردت بها أدي، ولكن ظلت العلاقة ~~بيننا في توتر متزايد، لم يكن لأحدنا يد في أن يجهض الطفل، كنا نولي حملها الأولوية في ~~التفكير، لم تحملني مسئولية الإجهاض ولم أفعل أنا، لم ألمها، ولكنها كانت تتصرف تجاهي ~~بعداونية غريبة، أنا لا أتحدث عن العض، والرفس، وتعمد تلويث ملابسي بالأوساخ، ولكنها راحت ~~تشين سمعتي بين الناس متهمة إياي باستغلالها، وسرقة ذهبها ومالها، قال لي الفكي علي ~~الزغراد: دا مس من الجنون. # لكن أدي كانت ms115 دائما ما تطلب مني أن أصبر، ولم تخف قلقها بأنه ربما قام بعض ~~الحاسدين بكتابتها، والناس هنا قد يفعلون ما هو أسوأ، قلت لنفسي ربما أن ألم قشي تعاني من ~~إحباط حاد أصابها نتيجة للإجهاض، من يدري؟ قررت أن آخذها إلى الخرطوم؛ إلى مستشفى تجاني ~~الماحي بأم درمان، هكذا تشعبت بي طرق التفكير والأحزان، وافتقدت صديقي، فلربما أسعفني بحل ~~دونكيشوطي مجنون، من جانبي فعلت كل ما أستطيع دون فائدة، وكان خط دفاعي الأخير هو أن تحبل ~~ألم قشي مرة أخرى حبلا ناجحا، وأن تنجب أطفالا، فكنت أحبها حقا، وليست لدي الرغبة في ~~أن أتركها تشق دروبا أخرى في هذه البلدة الصعبة، هنا النساء إما أن يعملن كجنقوجورايات، ~~وإما كصانعات خمور بلدية، وإما كعاهرات، أو أن يمارسن أكثر من مهنة في وقت واحد، وكلها لا ~~تجدي مع ألم قشي، قبل أن تتزوج كنت أراها تنفع لذلك كله حتى العهر، ولقد مارست معها ذلك، ~~وكانت تعجبني كبغي تعرف كيف تقدم متعة الشيء للرفيق، وكنت أعرف أنها في وقت ما عملت كصانعة ~~للعرقي، كما عملت كجنقوجوراية في أكثر من موسم، ولكنني الآن أراها بريئة هشة، بل خجولا لا ~~تعرف ماذا تريد أن تفعل، أراها طفلة لا تنفع في عمل شيء، أما مسكينة تتقطع بها سبل ~~الحياة، إذا تركتها يعني ذلك نهايتها تماما، أقمت معها خمسين يوما في البيت بالحلة لا ~~أغادرها، كنا بين بين، تبدو طبيعية أحيانا، تجن في كثير من الأحايين، تتملكها مرات كثيرة ~~رغبة وحشية في أن تحبل، ولكنها ما تلبث أن تفقد هذه الرغبة في مرات أخرى، قضيت شهرا ~~مجنونا متناقضا مؤلما، ولو أنه لا يخلو تماما من الإمتاع، ثم استأذنتها في العودة إلى ~~المشروع، وبقيت هي مع ود أمونة وأدي، ما كاد ينقضي شهر واحد فقط حتى أرسل لي ود ~~أمونة رسالة شفهية مع أحد الجنقو فهمت منها أن ألم قشي حبلى مرة أخرى؛ لأنها لم تحض ~~هذا الشهر، والشيء الآخر إذا لم أحضر بسرعة فإنها سوف تسافر إلى ms116 همدائييت لزوجها السابق، ~~فهي ترغب في العودة إليه ، طبعا أول ما خطر في بالي أن ألم قشي قد جنت بالفعل في هذه ~~المرة، والحل الوحيد هو أخذها إلى الخرطوم بأسرع ما يمكن، ورتبت أمري مع مختار علي، ~~بحيث يستعد لخوض معركة بقية الموسم وحده، وتركت له ما يكفيه والرجال من طعام ومال، وركبت ~~باص همدائييت مرة أخرى إلى الحلة، حكي لي ود أمونة الذي قابلني في موقف السيارات ~~بسوق الحلة فور وصولي كل شيء بالتفصيل الممل، وقال لولا أدي وهو لذهبت ألم قشي إلى ~~همدائييت، وأكد لي أنها ليست بمجنونة، بل هي بكامل وعيها، وعلي أن أتعامل مع الموضوع ~~بحكمة، كانت قد استقرت على رأي واحد، هو أنها سوف تذهب إلى همدائييت، وأن علي أن ~~أطلقها؛ لأنها تريد أن تعود إلى والد بنتيها، وقالت إنها أرسلت له بهذا الشأن وقبل ~~الفكرة، وهو الآن في انتظارها، وقالت مؤكدة: إذا رفضت برضو حمشي ليهو في همدائييت. قلت لها: ~~ولكنك حامل! # قالت بكل برود: لمان ألد ح أرسل ليك جناك هنا. # طبعا اقتنع الجميع بأن في الأمر يدا شيطانية، وأن الحاسدين فعلوا فعلهم مع الفكيا، ~~واتهم البعض الفكي على الزغراد نفسه، ولكن علي الزغراد حلف بالنبي، وبالشيخ محمد ~~الهميم، وبالطلاق، وبجده الشيخ سليمان الزغراد أن لا يد له في الأمر، وأكد أن الأمر جنون، ~~وإذا قبلت فإنه سيقوم بعلاجها، ولكنها رفضت مدعية بأنها متعافية، وأن الآخرين هم المجانين، ~~طلبت منها أن تخبرني بالسبب الذي جعلها تتخذ هذا القرار، قالت السبب هو أنها تريد أبا ~~طفلاتها، وتريد أن تعيش مع بناتها، ولا شيء غير ذلك، قلت لها: وأنا؟ # قالت: بطريقتك؟ النسوان كتيرات، اختار اللي تعجبك. # تكون سريعا فريق «للجودية» من ناس الحل والربط، رجالا ونساء، لهم كلمتهم في ~~المكان، تحدثوا عن العلائق الزوجية والاجتماعية، وتحدثوا عن الشيطان، وأولاد الحرام، وبنات ~~الحرام والحسد، وأيضا تكلموا عن القسمة التي من صفاتها أن تنتهي، قالت: أنا عايزة أرجع ~~لأبو بناتي. ~~- لكنك متزوجة؟ ~~- عايزاه يطلقني. ~~- أنا مش ح ms117 اطلقك، أنت حامل، ألدي أولا. # قالت: أنا حامل لمان ألد ح أرسل ليهو الجنا، لو ما وقع زي أخوه! # وتجادلنا في حوار يبعد أو يقرب من هذا النسق، أقلقتني عبارتها الأخيرة، كنت لا أرى فيها ~~غير شخص مجنون لا يعرف ماذا يريد بالضبط، لا منطق له، ويمكن أن يفعل أي شيء، بإمكاني أن ~~أطلقها إذا كنت قد اقتنعت بأن تلك هي رغبتها الحقيقية، وليست نتاج مرض نفسي أو جنون، ولو أن ~~فريق الجودية اندهش لرأيي الأخير، إلا أنني أرجعت ذلك لعدم مقدرتهم على فهم وجهة نظري، ~~فجأة خطرت لي خاطرة، قلت لهم: أنا حأخليها تمشي همدائييت وتبقى مع بناتها. # بوغت الجودية بوجهة نظري، ولم يستطعوا فهمها. # قالوا: أبو بناتها هناك. # قلت: هو عارف إنها غير مطلقة، والأمر متروك للاثنين هو وهي. ~~- لكنها في عصمتك. ~~- دا موضوع تاني، يحسمه القانون. # واختلف الناس اختلافا كبيرا، فظهر في السطح ما سمي ب «حكاية ألم قشي»، وتدخل في الأمر ~~مدير شركة الاتصالات، والقاضي المقيم، ومدير المحلية، ونفر من رجال الخير والبركة، وأجبروا ~~ألم قشي على عدم الذهاب إلى همدائييت، وألزمت أنا بعدم العيش معها في المنزل، أن أسكن كما ~~كنت عازبا مع مختار علي إلى أن تحل المشكلة، وكان هذا شرطها هي، أنا وافقت، هي أيضا ~~وافقت على مضض، تركتها في المنزل الذي أعطتنا إياه أدي على أمل أن أستفيد من هذه الهدنة ~~في علاجها، وقررت أن أبدأ مشوار العلاج من همدائييت؛ أن أذهب لزوجها وأستشيره في الأمر، ~~وكنت حقيقة آمل في أن يساعد في الحل، صحبت ود أمونة؛ لأنه أبدى رغبة كبيرة في أن يذهب ~~معي، وكنت حقيقة أحتاج إليه، صحيح أنه شخص أصغر مني عمرا، ولكني أعترف بأنه أنضج مني ~~اجتماعيا، وركبنا باص همدائييت، وهو عبارة عن لوري تمت إعادة تصنيعه ليصبح ناقلا للبشر، ~~له مقاعد ضيقة من الحديد الصلب، ونوافذ حديد، مشرعة صيفا، خريفا وشتاء، يحمل الناس في ~~بطنه، وظهره، وعلى يمين وشمال السائق، منطلقا على الأرض السوداء، قافزا فوق الحفر ms118 ~~والخيران مثل ثعلب عجوز يهرب من مطارديه، كان زئيره يسمع من مسافات شاسعة، عبر أشجار ~~السافنا الفقيرة، تتنصت له الأرانب، والفئران، والقردة معا، والجنقوجورا المرابطون في ~~التايات البعيدة المنتشرة في عمق المشاريع الزراعية يكدحون، وما ينفك سائقه ينبه من يريد ~~السفر إلى الجيرة، الحفيرة، همدائييت، أو الحلال الأخرى أن ينتظره في طريقه الوحيد، الذي ~~يتلوى كثعبان عبر غابة زهانة، بين أشجار الطلح والكتر، ويعلو دخانه كثيفا خاصة في هذه ~~الأيام، حيث الأرض لينة، وتنتشر البرك الطينية ويكثر الوحل، كان الجميع يتحدثون عن الخريف، ~~والمطر، والزراعة المبكرة، وغيرها من المواضيع الحيوية، ولا أدري لماذا كنت أنا أفكر في ~~الصافية، ولماذا في الحقيقة كنت دائما ما أعقد مقارنة في وعيي ما بين ألم قشي والصافية، ~~والفرق بين المرأتين ليس كبيرا، ألم قشي تجد نفسها تقوم بأفعال وأقوال لا تعبر عنها في ~~واقع الأمر، قد تكون حالة مرضية، وقد تعني هي ذلك، الصافية وذلك حسب النتائج التي خرج ~~بها ما يشبه المؤتمر في بيت أداليا دانيال الصيف الماضي لها شخصيتان؛ شخصية ظاهرة، وهي ~~الشخصية التي نعايشها يوميا وهي الغالبة، وشخصية أخرى لا تظهر للأعين فيما يبدو إلا إذا ~~أثيرت عاطفيا فقط؛ لأنها حتى في لحظات الغضب لا تبدو عليها أي تحولات شاذة أو غريبة، لكل ~~من المرأتين شخصيتان، إذا صح أن نطلق على الصافية لقب امرأه، إلا إذا أخذنا بإفادة ~~الرجلين وإفادة الصافية نفسها، حدثني ود أمونة، وهو في الحقيقة نادرا ما يصمت، عن شيء ~~لم يخبر به أحدا من قبل، وهو مشكلته مع صديقي، قال إن صديقي انفرد به ذات يوم بعد ما حدث ~~بينه والصافية، وقال له إنه يريد أن يتحدث معه في موضوع، ولكن بصراحة ووضوح، ويريد أن يسأله ~~بعض الأسئلة، وعندما أبدى له الموافقة، بادره سائلا: هل أنت شاذ جنسيا؟ # قال ود أمونة، قلت له: لا. # قال لي محتجا: كويس؛ حدد موقفك؛ لأنك غير معروف بالنسبة للناس كلهم: إنت مرا ولا ~~راجل؟ # قال: قلت له محاولا إغاظته: أنا لا ms119 مرا ولا راجل، بعمل عمل النسوان وبعمل عمل ~~الرجال! يعني أنا مرا وراجل! # ثم قلت له ما كان يقوله لي أحد أصحابي في القضارف: أنا وكسي ما بين ولد وجكسي. # قال محتارا: وضح أكثر، شنو عمل النسوان، وشنو عمل الرجال، شنو وكسي وشنو ~~جكسي؟ # قال ود أمونة، قلت له: إنت جاهز لعمل النسوان أم لعمل الرجال؟ عشان أشرح ليك ~~عمليا. # وفجأة صمت ود أمونة عن الحكي؛ لأن الباص توقف فجأة، بصورة دفعت جميع الركاب إلى ~~الأمام، كدنا نطلق السباب على السائق ونشتم أمه وأباه، لولا أننا شاهدنا الرجال الملثمين ~~الذين أحاطوا بالباص في سرعة البرق، وهتف صوت جهوري يعرفه الجميع: انزلوا واحد واحد دون ~~كلام وبالصف، النسوان يقعدو قبلن وبرضو الأطفال، كل راجل ينزل شنطتو معاه. # ونزلنا جميعا، كان هنالك جذع شجرة ضخمة موضوع في طريق الباص على مطب ضيق، رغم أنهم ~~ملثمون فإننا عرفناهم جميعا، ما عدا بضعة أفراد يحملون بنادق رشاشة يقفون بعيدا، ليشكلوا ~~حماية لأصحابهم، لم نتبين من أمرهم شيئا، وكنا نعرف أنه يجب علينا الادعاء بعدم معرفة ~~الناهبين، وأن نطيع، وأن نعطي، وألا نثرثر، وأن نخفض رءوسنا، وأن لا تلتقي أعيننا بأعينهم ~~أبدا، قال رجل منهم، يعرفه الناس باسم طه كوكو: نحنا عايزين من كل راجل نصف القروش اللي ~~معاه، وعايزين من سواق اللوري كل القروش اللي معاه، والقروش بتاعت التاجر آدم إدريس ~~البلالاوي اللي مرسلنها ليه من القضارف، بسرعة، ونفذنا الأوامر في سرعة رهيبة، قال ويبدو ~~أنه هو المتحدث باسم المجموعة: نحنا ما شفتا، نحنا ناس مظلومين وعايزين حقنا، تاني ما ح ~~نشتغل عبيد وال ... ح نقلع حقنا قلع، كلموا التجار الكبار اللي ماصين دمكم مص. # ثم أخذ المال، ثم سحب الجذع، ثم أطلاق سراحنا، كل ذلك في لمح البصر، ثم اختفوا ~~في الغابة بل تلاشوا كأن لم يكونوا، قال لي ود أمونة بعدما ذهب المسلحون: ما قلت ليك، ~~ما تثق في زول ولا تشيل قروش كتيرة معاك، شايف صاحبك الشايقي؟ # هنالك ملحوظة مهمة، وهي ms120 أن الجنقو كانوا جميعا مسلحين برشاشات كلاشنكوف، وأن عددهم لا ~~يقل عن العشرين، وأن بعضهم يرتدي ملابس وأحذية عسكرية تخص جيش الحكومة، لكن الأهم أنهم ~~كانوا مطمئنين تماما ويعملون بترو وليست هنالك أي علامة للارتباك أو العجلة، وتأكدت ~~صحة المعلومات التي تداولناها فيما بيننا بالباص، عندما وصلنا همدائييت كان الناس جميعا ~~يتحدثون عن الدورية الحكومية التي اختفت علنا بالأمس وعن تمرد الجنقو الغريب، لم أهتم ~~كثيرا بأمر الجنقو، سألته عن أبناء ألم قشي وزوجها السابق فهو خبير بالأمكنة كلها، بكل ~~يسر وسهولة قادني ود أمونة إلى البيت، كانوا يقيمون مع جدهم، وهو رجل عجوز ثري كثير ~~الكلام، البنت الكبرى جميلة تشبه والدتها، ولو أنها كانت فارعة القوام، الصغيرة أيضا تشبه ~~والدتها، كانتا جميلتين ورقيقتين، استقبلت وود أمونة بحفاوة أكتر عندما علمتا أنني ~~زوج أمهما، وسألوا عنها وعن صحتها، وقالتا إنهما لم ترياها منذ أكثر من عامين، حضر بعد ذلك ~~بقليل زوج ألم قشي السابق ووالد البنتين، تركنا الجد، تناقشنا في شأنها، ولكن ما أدهشني ~~حقا وأدهش ود أمونة أكثر، هو أنها انفصلت عن زوجها السابق بذات الطريقة التي تتبعها الآن ~~معي، تحدث زوجها السابق منفعلا: قالت هي كرهتني، شلت بناتي أديتهم لأمي وأبوي وطلقتها، ~~مشت عرستك أنت، المرا دي ما مفهومة، عندها مشكلة في رأسها. # قال له ود أمونة: إنه يقال ويعتقد بين الناس في الحلة أنه هو الذي هجرها، ~~وأخذ بنياته منها، قال متأثرا: والله لم يحدث هذا إطلاقا، يشهد الناس بزهانة، لقد ~~وسطت لها الدنيا والعالمين، ولكنها رفضتني، تركت لي البنات وهربت، فنصحني الناس حتى لا تكون ~~في عصمتي، وتقوم بفاحشة تحسب علي أن أطلقها، فطلقتها. # قلت له محتارا: ما العمل؟ # قال لي بثقة: طلقها، طلقها بأسرع ما يمكن، دا الحل الوحيد. # قلت له صادقا: أنا ما عرفت مرا قبلها ولا بعدها. # قال وكانه لم يسمعني: طلقها يا زول. # قلت له: هل ح ترجعها أنت؟ ح تتزوجها تاني؟ # قال بكل صراحة ووضوح: أيوا ح أعرسها؛ هي أم أولادي، ms121 وإذا أبتني تاني، وطلبت الطلاق ح ~~أطلقها ليك أنت تاني، ما كنت أظنه يعني أو يعي ما يقول، ولكنه كان يتحدث بجدية مبالغ فيها، ~~كنا أنا وهو وحدنا، ود أمونة كعادته خرج خفيفا عندما أحس أن الموضوع يحتاج أن يناقش ~~بين اثنين، لا أدري إلى أين ذهب ولا متى، قبله كانت البنتان قد خرجتا مع الجد. # قال لي مؤكدا: مرة ليك إنت ومرة لي أنا، كله بسنة الله ورسوله، لو ما عايز كدا شوف ~~مرا غيرها، ثم أضاف فجأة: أنت اللي عاجبك فيها شنو؟ ماسك فيها قوي كدا، النسوان يا أخي ~~زي ضنب الضب: تقطعوا، يقوم غيره، تقطعوا يقوم غيره، عشرين مرة. # قلت له: أنا ما عارف والله. # قال مقاطعا في إلحاح: طلقها يا زول، المرا حتقتلك إذا ما طلقتها، وتفر تدخل الحبشة، تاني ~~شيطان مش ح يعرف مكانها، أنا أعرف الحبشيات ديل، إما قعدوا معاك بإخلاص أو سابوك نهائيا، ~~ما عندهم نص نص. ~~- ولكن ألم قشي مريضة. ~~- أنت المريض، المره دي عايزة عيالها، وعايزة أبو عيالها، أنت ما لك باقي ليها عارض؟ قلت ~~له: هي حامل مني! # قال ببساطة وهدوء مسيخ: عارف كدا، لما تلد وجناك يكبر شوية نديك ليه، أنا لما سابت لي ~~بناتي أديتهم لأمي، أنت ادي جناك برضو لأمك، أو خالتك، أو أي واحدة من قريباتك تربيه ليك، ~~ولما تكرهني ألم قشي عرسها تاني أنت، الموضوع بسيط ما يحتاج لقومة نفس أو زعل. # على الرغم من أن منطقه يبدو كمنطق المجانين، لا يقوم على عمد معقولة، وأنني كالذي في ~~كابوس، إلا أنه أقنعني، وخرجت منه وقد صممت على طلاق ألم قشي على الأقل، قلت لنفسي: ح ~~تكون في أيد أمينة، وتعيش سعيدة مع زوجها وبناتها. # شكرني وطمأنني أنه بمجرد أن تكرهه ألم قشي سيرسلها لي وفي يدها ورقة طلاقها. # قلت لألم قشي كطلب أخير، وهي تمشي نحو الباص: حافظي على الزول اللي في بطنك. # قالت مبتسمة ولأول مرة منذ بداية الأزمة: ح أحافظ عليه. # وتحرك الباص ms122 في حراسة الجيش والاحتياطي المركزي، وهو المظهر العام الذي صار يتخذه باص ~~همدائييت والجيرة والحفيرة في الآونه الأخيرة، كانت أجمل ما تكون المرأة، تشع من عينيها ~~سعادة غامرة، ولا يخفى همس الجنون الذي يحيط بها، هالة زرقاء مرعبة، ألم قشي هي المرأة ~~الوحيدة في حياتي، ولقد أحببتها بالفعل، وعندما أقول المرأة الوحيدة أعني أنني اكتشفت ~~فيها، وأنها أول امرأة تحمل بأطفالي، وهذه قيمة إنسانية لا تضاهى؛ أن تجعل نفسها تحبل منك، ~~وهنالك صفة لا أظن أن امرأة أخرى تشترك فيها مع ألم قشي؛ وهي أنها أجادت مخاطبتي باللغة ~~التي أفهمها بالذات، وبالكلمات والموسيقى التي تتوافق معي، ولكني انخدعت في تصوري للمستقبل، ~~وما كنت أظن أن النهاية هي ذات النهاية التي أكابد آلامها الآن، وإلى آخر لحظة، بعد أن ~~تحرك الباص كنت أظن أنها سوف تغير رأيها، ولكن عندما لوحت إلي بكفها مودعة عبر نافذة ~~الباص كان الفراق قد تأكد تماما، شيعني الناس بنظرات إشفاق، وجاملني البعض بكلمات ظنوا ~~أنها سوف تخفف عني، وأكد لي البعض في سذاجة: ح ترجع ليك، ما ح تلقى أحسن منك. # ولكن أرحم عزاء قدم لي كان من قبل الأم وود أمونة؛ حيث إنهما هيآ لي - لولا حالتي ~~النفسية المتردية - ما كنت سوف أطلق عليه ليلة العمر؛ فاجأني بالعجوز في صحبة أم كيكي ~~وبوشي، وهو اسم دلع لبوشاي الشلكاوية المغنية، وهي فتاة في غاية الجمال أمها من الحمران، ~~وهي إحدى القبائل العربية بالمنطقة، وتعرف أدي أنني أحب صحبتها و... في القطية الكبيرة، ~~بعد أن أخذا عنها جميع المنقولات، تم فرشها بالسباتة، ثم فرشت عليها بسط من البلاستيك ~~رخيصة، ولكنها جميلة وناعمة ولها عبق حميم، الأم نفسها هي التي قامت بغسل ظهري في الحمام ~~بالصابون والليف وقامت بدلك بشرتي بعجينة الدلكة العطرة، ثم تركتني للعجوز وبوشي وبنيات ~~ثلاث يغنين لي وسط هالة من دخان الصندل والكبريت، قلت لهم: غنوا لي أغنية: وصتني ~~وصيتا. # سقتني بوشاي الجن الأحمر الحبشي، الذي أفضله، وسقيتها، وشرب العجوز، سقينا البنيات ~~البيبسي والإستيم، ms123 ورقصنا جميعا سكارى وغير سكارى على صوت المغني الحبشي تمرات من مسجل ~~الأم، غنينا بالأمهرا والتجرنة والعربي ولغات نيل أزرق قديمة، لا نعرف إن كانت للأنقسنا، ~~الوطاويط أم البرون أم القمز، وغنت بوشاي أغنية للشلك، اشتهرت بها المغنية الحسناء ~~ييانا، عند العاشرة ليلا همست الأم في أذني: ما هي أمنياتك الليلة؟ # قلت لها: الليلة دي بس؟ ~~- أيوا الليلة بس، العشاء ليس من الأمنيات؛ لأنه جاهز بعد شوية ح ييجي، وأغنية سبعة يوم ~~عوضية بعيد برضو خارج الأمنيات، وما أظنك تحتاج لوصتني وصيتا. # قلت لها مراوغا: خلي العجوز يتمنى لي، حتى لو أغنية: وصتني وصيتا. # قال العجوز ضاحكا: أتمنى ليك أحلام سعيدة. # قالت الأم: كويس نشوف بوشاي تتمنى ليك شنو. # قالت بوشاي وهي تبحث عن غطاء رأسها: أتمنى ليهو يشرب باقي الجن دا براو. # قالت الأم للصبيات، وهي وبوشي تضحكان: في واحدة عايزة تتمنى ليه حاجه؟ # ضحكن وأخذن يغنين: سبعة يوم عوضية بعيد، قلت وكنت صادقا أم سكران لست أدري: أتمنى أن ~~تحكي لي الصافية حكاية من حكايات الجنقو، أو يحكي لي ود أمونة عن السجن، قالت الأم وهي ~~تضحك فيهتز صدرها الكبير: الصافية في مشروع الزبيدي ترش السمسم، وود أمونة هرب، وقال ~~هو تعبان، أنا ح أحكي ليك قصة حياتي، والله ح تلقاها أجمل من قصة حياة الصافية. # تعشينا جميعا، عندما سكرت جدا تركوني وذهبوا، نمت، حلمت بأن الصافية جاءت من مشروع ~~الزبيدي على جمل ضخم أسود اللون، قالت لي: صديقك نجمته! وح أنجمك أنت برضو! # | حول محنة أداليا دانيال # في بيت أداليا دانيال عشرة مسجلات بسماعات كبيرة خارجية ملحقة، تحتفظ بها في صندوق كبير ~~من الحديد الصلب، كان يستخدم لحمل الذخيرة في الحرب العالمية الثانية، اشترته من كرن، ~~بالصندوق أيضا عدد كبير من النظارات الشمسية، وأحذية أديدس كبيرة الحجم، وعشرون راديو ~~ناشيونال بثلاث موجات، وأشياء أخرى صغيرة تافهة، ولكن لها قيمة أبقتها في الصندوق، تسمي ~~أداليا دانيال الصندوق: خزنة الأمانات، وهي في الحقيقة ليست أمانات بالمعنى الواضح للكلمة، ~~ولكنها ms124 دخلت الصندوق كأمانات ثم تم شربها تدريجيا أو أكلها، وفي القليل النادر ~~جدا قبض بعض قيمتها نقدا، ويحدث هذا عادة في أشهر الصيف ونهاية موسم حصاد العيش؛ حيث ~~يكون الجنقوجوراي قد استهلك آخر ما لديه من مال وبدأ في أكل زينته التي حرص على جمعها في ~~شهور حصاد السمسم وقطع العيش - أي في أكتوبر، ونوفمبر، وأوائل ديسمبر - وهي كما يسميها ~~الجنقوجوراي: الشهور السمينة. # أداليا دانيال مثلها مثل كل صانعات العرقي والمريسة تحترم ~~الأصول، فعندما يقول لها أحد الفدادة: خلي المسجل دا معاك، تبدأ مباشرة في تحديد سعره، ثم ~~على الحائط تشخبط ما شرب الفدادي من عرقي ومريسة، وما أخذه نقدا، إلى آخر كأس، ~~والجنقوجوراي الأصيل ود القبائل لا يسأل عن أمانته مرة أخرى إلا إذا وفر ثمنها، وهو ~~دائما ما يفضل شراء زينة جديدة في الشهور السمينة، ويتبع الموضة السائدة، أما الجنقوجوراي ~~الحريف الذي يجيد اللعب فهو الذي يصاحب صاحبة العرقي، لا يهم فارق السن بين الاثنين، وهو ~~غالبا ما لا يوضع في الاعتبار، لا يهم جمال المرأة أو قبحها؛ فالرجل الناضج الذكي يرى كل ~~النساء جميلات، ومن الحكم السائدة في هذا الشأن أن كل امرأة لديها ما تقدمه للرجل بغض ~~النظر عن سنها، أو جمالها، أو لونها، أو قبيلتها، وأن كل النساء جميلات بالقدر الذي يجعل ~~الرجل يصل ذروة نشوته، ويختصر الفدادة القول في: الفحل مو عواف، ولكن الأهم من ذلك بند ~~في عقد المصاحبة غير المكتوب، هو أن يصاحب الجنقوجوراي الواحد امرأة واحدة فقط، وأن تكتفي ~~الفدادية بجنقوجوراي واحد، وهذا التزام صعب، وغالبا ما يفشل الجنقوجوراي في الوفاء به؛ ~~حيث إن الكسل الذي يصيب الجنقوجوراي في هذه الأيام والتسكع والتلكع، والوجبات الدسمة التي ~~توفرها له صاحبته، غالبا ما تحرك شياطين شهوته، والنساء يصبحن أجمل في ديسمبر، يناير، ~~فبراير، مارس وإبريل؛ لأنهن لا يعملن في هذه الأشهر، في أم بحتي أو قطع قصب السكر في ~~المشروعات المروية، حيث يكتفين بالحياة المنزلية البطيئة، يوفرن خبزهن عن طريق بيع الخمور، ~~بيع ms125 العطور البلدية، بيع الشاي والقهوة في الأسواق نهارا أو في أركان المنازل مساء، قليل ~~منهن يمارسن الدعارة، فضلا عن كونها لا تجلب مالا؛ لأن الرجال جميعا لا مال لهم في هذه ~~الأشهر، حيث تسود المقايضة، إذا أضفنا ندرة الرجال أنفسهم في هذه الأشهر؛ حيث يهاجر معظمهم ~~إلى مزارع السكر في جماعات للعمل في الكاتاكو. # وتحتد المنافسة بين النساء الجميلات ~~الكسولات في مواسم راحتهن، وتفرغهن للحب والمصاحبة والزواج، الكثيرات على العدد المحدود من ~~الرجال، الذين قرروا البقاء بالحلة اعتمادا على تسليم زينتهم كأمانات غير مستردة، أو ~~الزواج والمصاحبة كنظام معايشة إلى أن تنقضي الشهور الصعبة ببداية موسم الكديب، والرجل ~~الجنقوجوراي الذي يعتمد على المصاحبة في عيشه يسمى: بالهوان، ثم يأتي موسم الحصاد، وهي ~~الفترة التي غالبا ما يتم فيها فض الشراكة، منها الطلاق. أداليا دانيال متزوجة من رجل قوي ~~الإيمان ينتمي للكنيسة الكاثوليكية، هي أيضا مؤمنة، تصلي لربها، وتعمل مع الأخوات في ~~الكنيسة، ابناها أباب وتوني صغيران ويمارسان الدين إلى الآن كنمط من محاكاة الكبار، والتطلع ~~إلى النضج الحقيقي والسريع، وتعلم أداليا خطورة أن ينمو طفلاها في بيت يرتاده السكارى؛ ~~حيث إنهم يتحدثون بألفاظ لا يقبلونها كثيرا في موقد الأخلاق ولا يكترثون للذوق العام، أو ~~ما يجب وما لا يجب، يتحدثون عن نسائهم فاضحين ما يستره الليل في القطاطي والرواكيب، ولا ~~يتحرجون في نقل تجاربهم في المضاجعة، وخبرة النساء، ويضحكون في متعة قد يظن الطفلان أنها ~~المتعة الحقة التي لا يوفرها سوى هذا النمط من الحياة؛ لذا كانت أداليا دانيال تتعامل ~~معهما بحزم، ولا تتسامح في بقائهما قريبا من مرمى حديث السكارى، أو أن يسلكا سلوكهم، ~~وهذا هو سر الالتزام بالكنيسة، وربط الأطفال بأنشطتها؛ حتى يتسنى لهما قضاء أكبر وقت خارج ~~المنزل خاصة يوم مريستها كل سبت، وإذا عادا مبكرين ترسلهما مباشرة إلى منزل خالها عبد الله ~~ماجوك، الذي يعمل محاسبا في زريبة المحاصيل، يتغديان هناك ويعودان قبل المغرب بقليل، حيث ~~يجدان المنزل قد خلا من الفدادة، ويجدان نصيبهما من المريسة ms126 محفوظا، يؤديان صلاتهما، ~~يشربان مريستهما قبل أن يخلدا للنوم، ولكن هذا البرنامج التقي المستمر لا يمضي كما تشاء ~~أداليا دانيال ويشاء زوجها؛ لأن زوجها له رأي آخر في تربية أطفاله تنازل عنه لأداليا، ربما ~~لقوة شخصيتها، ربما محاولة منه لتجنب الخلاف الذي قد يؤثر على حياة الطفلين، ربما تمشيا مع ~~الأخلاق المسيحية كما يفهمها: التسامح المستمر، وإعطاء فرصة أخرى للآخر. # أداليا دانيال تفهم ~~وجهات النظر هذه جميعها، ولكنها تنطلق من مبدأ أن تربية الأطفال من مسئولية الأم، وليس الأب ~~الذي عليه النضال خارج المنزل لتوفير المال، ليس إلا، ولو أنه فشل في ذلك ففشله لا يسقط ~~واجبه المفترض كأب لطفلين، ولا يحمله مسئولية لا تخصه وهي تربية أباب وتوني، ولكن هل حقا ~~كانت أداليا دانيال بهذه الصرامة؟ حسنا، هنا دائما ما يعرف الآخرون عن الأشخاص أكثر مما ~~يعرفونه هم عن أنفسهم، فالنظرة من خارج الشيء هي الأكثر موضوعية وشمولية، وحكمة المكان ~~تقول: إن الآخرين كثر وأنت واحد، أيهما نصدق؟ للآخرين ألف عين، وخمسمائة قلب، وآلاف ~~الأصدقاء، وألف أذن، وخمسمائة فم، وألف رجل، ومثلها يد، وأنت واحد، أيهما نصدق؟ لا بل ~~أيهما أقدر على تقصي الحقيقة واختبار الكذب والتلفيق؟ فيما يشبه الندوة في يوم مريسة خميسة ~~النوباوية تأكد الجميع من صحة الحكاية التالية: في اليوم الذي تزوجت فيه كلتومة بت خميسة ~~النوباوية من عبدارامان الجنقوجوراي، بعد العقد مباشرة، بدأ الحوار حول المتعة، كان طازجا ~~فجا بسيطا كأحر ما يكون، في الحق لم تبدأه ألم قشي ولم تكن الملحوظات التي أبدتها في ~~هذا الشأن هي الأصوب، أو الأكثر إثارة للجدال، ولكن لا أحد يستطيع أن ينفي أنها كانت ذات ~~باع طويل في كل ذلك، ولكن بالأمس في يوم مريسة خميسة النوباوية، وفي ما يشبه الندوة ~~تحدثت النساء عن أول مرة، كما سمينها، تعرف فيها أداليا دانيال أن هنالك أمورا مهمة في ~~حياتها كامرأة لم تصب هي منها شيئا، ورمينها بادعاء براءة لا تليق بامرأة في زواج مستقر ~~منذ عشرين عاما، أنجبت خلاله ms127 مرتين، ولكن أداليا دانيال أكدت: الشيء اللي بتتكلموا عنو ~~دا، والله ما حصل لي ولا مرة واحدة. # ثم أمطرنها بوابل من أسئلة رجيمة: ~~- راجلك تمام؟ ~~- «...»؟ ~~- قاعد يصل بسرعة، ينبح زي الكلب؟ ~~- كم دقيقة؟ ~~- قاعد يطول ولا لا؟ ~~- قاعد يلعب معاك شوية ولا طوالي؟ # ثم حكين لها تجاربهن مع رجالهن، وأوحين لها بما يعني أن المشكلة كلها في لام دنق، وليست ~~المشكلة هي عدم ختانه فحسب، ولكن في تعجله، وتعامله مع الأمر كواجب، هكذا توصلن إلى نتيجة ~~أراحتهن كثيرا، وأحسسن بالعطف والشفقة على امرأة لم تتمتع بالميزة الأساسية التي تجعلها ~~أعظم من خلق الله؛ أن تكون أنثى، قلن لها بما يعني: أنت ضائعة. # دارت الندوة في الواقع ما بعد هذا الاكتشاف المثير، يوم مريسة خميسة النوباوية، بعد عام ~~كامل، رصد العقل الجنقوجوراوي فيها كل صغيرة وكبيرة عن أداليا دانيال، قررت أداليا أن تصبح ~~كصويحباتها اللائي يستمتعن حقا بحياتهن كنساء، وأن تعرف اللحظة التي تحدثن عنها بأوصاف ~~محفزة ومدهشة: ما بعرف نفسي في الواطا ولا في السما. ~~- تجيني حاجة زي الخدر وما خدر، زي النعاس وما نعاس، زي الحلم وما حلم، حاجة تتمنى تدوم ~~ولكنها تنتهي فجأة. ~~- نوع من الوجع، الوجع اللذيذ. ~~- يا أختي دا شيء ما بيتوصف، إلا تجربيه، دا شيء من ربنا. ~~- بري، بري، يا بنات أمي بري، أنا ما بحب بتكلم في الحاجات دي! # حاولت مع زوجها لام دنق، ولكن دائما ما تنتهي اللعبة بأن يدفق ماءه مصدرا صوتا غليظا، ~~ثم يشكر الله في صلاة سريعة وينام، في الماضي كانت لا تهتم؛ لأنها ما كانت ترجو أكثر من ~~اللذة التي تحدث نتيجة لفعل الإيلاج والنزع المتكررين، بالإضافة إلى حضن زوجها الدافئ الذي ~~عندما تأوي إليه تحس بأنها مركز الكون، ولكنها الآن ترغب في أن تصل إلى نتيجة أبعد رسمتها ~~لها الصديقات، وشهينها فيها، أصبحت أداليا لا تطيق لام دنق، ولو أنهما كانا لا ينامان ~~معا إلا مرة في الأسبوع، وأحس لام دنق وأرجع ذلك إلى تقلبات النساء التي تحدث ms128 عنها الرب ~~كثيرا في الكتاب المقدس، وسمع أيضا من بعض المسلمين أن الرب تحدث عنها مرة أخرى في القرآن ~~كذلك، وقال عن النساء كلاما كثيرا، لام دنق رجل قصير سمين له عينان ذكيتان ثاقبتان، لا ~~يتحدث كثيرا، يعمل في كمائن الطوب في فترة الصيف عند شاطئ النهر، وله خبرة كبيرة في ذلك، ~~يعتبر الرجل الثالث في الكنيسة بعد الأب بيتر، والأم مريم كودي، وهي عذراء جميلة وتقية ~~جدودها من جبال النوبة، من الدلنج بالتحديد، ويقال - في ما يشبه الندوات - إنها حازت ~~على مرتبة عليا في مسابقات الجمال في كينيا، قبل أن تهب نفسها للكنيسة كلية، وترسل إلى ~~هذا المكان البعيد، لام دنق اعترف للأب بيتر أن أداليا دانيال زوجته غير طبيعية؛ لأنها طلبت ~~منه أن يختن نفسه. ~~- هي مش عارفة إنه الختان دا عند اليهود والمسلمين؟ ونحن خلقنا على صورة الرب ولا يمكن ~~أن نشوه أنفسنا. ~~- هي تعرف. ~~- ولكن السبب شنو؟ عايزة تبقى مسلمة ولا شنو؟ ~~- لا، هي متمسكة كويس بالدين، ولكن أنا ما عارف الحاصل شنو، الموضوع غريب، كلفت الأم ~~مريم كودي بمعالجة الموضوع مع أداليا دانيال يوم الأحد القادم، فهي صديقتها، وهي أيضا ~~امرأة، ويسهل التفاهم بين المرأتين، فيما يشبه الندوة في يوم مريسة خميسة النوباوية يوم ~~السبت أكد ما يلي: عرف صديقي بما سمي فيما بعد بمحنة أداليا دانيال، وكعادته نصب ~~نفسه مهديا جديدا، وقال لي: أنا ح أكون أول من يخلي أداليا دانيال تحس بأنها امرأة، ح ~~أخليها تصل قمة نشوتها. # قلت له ساخرا: بس ما تبقى عليك حكاية الصافية. # قال جادا: دا براو، دا براو! # كانت أداليا دانيال تفوقه طولا وحجما، فهو نحيل طويل بعض الشيء، قال إنه بعد غزل ~~ومناورات كان لا بد منها استطاع أن ينفرد بها في إحدى قطيات أدي، قال لي مزهوا: ~~اكتشفت في الدقيقة الأولى كذب كلما يشبه الندوات التي يقيمها السكارى والنساء الفارغات، ~~فمبجرد أن قبلتها وصلت أداليا دانيال إلى ذروة النشوة، هرت مثل قطة بكرة ~~وانكمشت ثم تمطت، ms129 حملقت في وجهي بصورة مرعبة ومضت، في يوم الأحد لم يكن هنالك شيء تقوله ~~أداليا دانيال للأم مريم كودي، غير أنها تنازلت عن موضوع الختان، وأن الأمر ما كان أكثر من ~~فكرة طائشة، ولكن من هو الغبي الذي يصدق روايته هذه؟ # | السارقون الرحماء # انتظم العمل في المشاريع، أكثر ما يميز هذا العام هو تدخل البنك كممول للمشروعات الكبيرة، ~~وكمزارع عن طريق موظفيه الذين بسلفيات من البنك زرعوا أراضي واسعة بالسمسم والذرة، ومدير ~~البنك نفسه زرع ألف فدان ذرة في المنطقة الخصبة ما بين خور مغاريف إلى غابة زهانة، وعرفت ~~بمشروع ناس البنك، عمل الجنقو في كل المشاريع بصبر وأناة، ما داموا يدفعون لهم بانتظام، وما ~~داموا في أشد الحاجة للمال. # الحق يقال: إن وجود البنك أنعش ركود الاقتصاد المحلي، وظهرت ~~أنشطة جديدة أوجدها موظفو البنك الذين بسلفيات من البنك، قاموا باستيراد الأبقار الفريزيان ~~الهجين، ومزارع الدواجن البيطرية، هذان النشاطان وحدهما استخدما عمالة لا تقل عن ~~الثلاثين شابا عاطلا عن العمل، وقللا من سعر البيض الذي أصبح أحد المواد ~~الاستهلاكية؛ حيث خلقت له الدعاية والتقليد سوقا رائجة، وأيضا أصبح سعر رطل اللبن نصف ~~جنية فقط، وهو أكثر جودة؛ لأنه الأنظف والأقل ماء، ويتم حفظه في آنية كبيرة تغسل في اليوم ~~مرتين، وابتكر موظفو البنك نظام تسليف عرف بين الأهالي بالكتفلي، وهو أن يقوم موظف البنك ~~الثري بتسليف شخص بواسطة ضمين معروف ووصل أمانة مبلغا من المال يساوي عددا من جوالات ~~الذرة، أو يتم مقابلته بعدد من جوالات الذرة وضربها في اثنين، ويتم استرداده بسعر الذرة ~~في وقت استرداد الدين الذي غالبا ما يتضاعف إلى أكثر من ثلاث مرات خلال شهور رد الدين ~~وهي: مايو، يونيو، ويوليو، وأغسطس، ومن ثم يرد المدين الدين مضروبا في أربعة، ~~وحسنوا أيضا من مستوى المواصلات؛ لأنهم أحضروا إلى المنطقة لأول مرة حافلات الركاب ~~المريحة، ثلاث حافلات تعمل في فترة الصيف، ما بين الشواك وعبودة والحلة، يمتلكها ~~موظفان بالبنك، طبعا فسر الناس ذلك بأنه، إلى أن يثق ms130 البنك في المواطنين العاديين، ~~فإنه يقوم بتسليف موظفيه وكبار التجار فقط بدلا من أن يبقى المال بالخزائن دون فائدة، ~~وكثير من الناس قدر موقف البنك هذا، بل وثمنوه، طالما دفع الحياة البائسة الراكدة ~~بالمكان؛ حيث تمكن أي مواطن منتج من بيع سلعته لموظفي البنك، حتى الفحم وحطب الوقود، بل حطب ~~الطلح الذي تتدخن به النساء، خزنه الموظفون بكميات هي الآن ترتفع عشرات الأمتار فوق سطح ~~الأرض: كنا نودي الفحم الخرطوم، بلصات ورشاوى لا أول لها ولا آخر في الطريق، الليلة صديق ~~العوض، أو أحمد البدوي، أو المدير نفسه الذي يعطي مقابلا من المال لكل شيء له قيمة؛ ~~ريحونا من التعب دا كله. # ولكن رغم هذه الفوائد الجمة التي يعدون منها ولا تعد، فإن الناس الذين لا يملأ أعينهم ~~سوى التراب، يعيبون على البنك تدخله في حياتهم الخاصة مباشرة، أو بطرق غير مباشرة، ويحفظون ~~له حوداث كثيرة في سجل قبيح، وقد عقدت ندوات وندوات في نقاشها ومحاولة البحث عن ~~حقائقها، ففي ما يشبه الندوة في منزل أبرهيت، يوم الاحتفال بعيد غامض يطلقون عليه تجاوزا ~~عيد سليمان، أو النبي سليمان، نوقش موضوع المبلغ الذي خصصه صديق العوض موظف ~~البنك لأمول أجانق إذا دخل الإسلام، وكان أمول أجانق نفسه من الحاضرين، ولقد أدلى بشهادة لم ~~تعط من الاعتبار إلا أقله، حيث اعتمد الناس بصور أساسية الرواية التي أدلى بها صديقنا ~~مختار علي، الذي أكد بما لا يدع مجالا للشك أن صديق العوض قد تسلم مبلغا كبيرا من ~~المال من أحد الناس ذوي الذقون الكبيرة، وقال: لولا أن أسامة بن لادن مختبئ هذه الأيام في ~~طورابورا، لقلت دا أسامة بن لادن ذاته، زول طويل سمين قوي أبيض، عنده دقن كبيرة، عنده ~~شعر كتير، عنده مال كتير، عنده حرس، جاء القضارف وقابلوا صديقا هنالك وحلف بربه ~~وبالنبي، أنه رآه وسمعه. # ثم أخبرت الأم عن محاولة يائسة معها للإخبار عن الجنقو الذين يحملون السلاح في غابة ~~زهانة، ومعرفة من معهم ومن ضدهم، أشار ود أمونة عن ms131 عرض زواج عرفي من مدير البنك ~~إلى بوشي ، وربما قد تم ذلك الزواج؛ لأن لا أحد اعتمد رواية بوشي التي أنكرت الواقعة جملة ~~وتفصيلا، قائلة بشكل قاطع وحاد: إن شاء الله أديه للكلاب، وما أديه للزول المتكبر الحرامي ~~دا! # قالت أداليا دانيال: أبيت أبيع ليهم مسجلاتي، أدوني سعر رخيص جدا، ولا الخسارة اللي ~~خسرتها فيهم، وأضافت بعد أن ضحكت ضحكا يشبه الهيستيريا، قل إنه نوع من البكاء: هم اللي ~~قالوا لي: خلي راجلك يتطهر، «تقصد يختتن.» # ولكن ما أدلى به أبرهيت المتحفظ دائما، المتشكك فيما حوله الغامض، الذي لا يغلط على ~~أحد، كان المدهش، قال موجها حديثه لي: هم اللي خربوا بيتك، هم اللي ضيعوا ألم قشي، ~~أغروها بالذهب والمال، أنت شخص غير مرغوب فيه هنا، عايزينك تفوت أو تموت، اعمل حسابك؛ لأنك ~~أنت المتهم بتحريض الجنقو، ودفع صديقك الشايقي على الخروج عن القانون. # ولأول مرة تخرج ندوة بلا شيء؛ لأنها خمنت بما يشبه التقرير عن أنشطة البنك ملخصه: ما لم ~~يقل الفكي كلمته، فإنه لا حقيقة يمكن اعتمادها، لكن على هامش الندوة دار حديث سري مفاده أن ~~الفكي علي هو الذي مكنهم من الناس، هو الذي سخر شياطينه، وآياته، ومحايته، وعروقه، ~~وكتبه الصفراء، وجلجلوتيته، وشمس معارفه الكبرى، وتبيانه، وسحره الأخضر والأحمر والأسود ~~لمصلحة موظفي البنك؛ لأنهم يدفعون له أكثر؛ لأن الفكي علي بإمكانه تدميرهم جميعا، وخاصة أن ~~ألم قشي عرفته بأسماء أمهاتهم جميعا، عن طريق مهارات استخدمت فيها مكر النساء، دهاء ~~الرجال وخبث ود أمونة، والجميع يعرف أن الفكي علي ذهب إلى مدينة باسوندا، وقضى ~~أسبوعين كاملين بها، وباسوندا هي المدينة التي توجد فيها خزنة أسرار علم ~~الشجر في الكون كله؛ أو ما يسمى بالسحر الأخضر، وهي المدينة التي قيل في ~~شأنها هنا في الشرق: إذا ناس باسوندا أبوك ناس الترب نادوك. # | ود أمونة وحده الذي يلم بأطراف القوالات # ود أمونة المراسلة بالبنك وحده الذي يلم بأطراف القوالات والحقائق، وربما كان أحد ~~صانعي الأحداث الكبرى في الحلة، كان الموظفون ms132 يولونه اهتماما بالغا، بل يصل لحد ~~التدليل، وما ذلك إلا لقوة المعلومة، وسلطة المعرفة النادرة التي يتمتع بها، أو ما ~~يحلو للبعض أن يطلق عليه: المعرفة السريرية. # كانت أمه أمونة في بداية حياتها، عندما قدمت ~~من القضارف، التي جاءتها كما يقولون من أقاصي غرب السودان، تعمل في المشاريع مع ~~الجنقو، كانت تأخذه معها وهو صغير إلى المشاريع، ومثل أطفال صديقاتها تتركه تحت ظل ضيق من ~~القصب والعدار، فارشة له على الأرض ملاءة قديمة عليها بعض البلح، أو قطعة حلوى يشاركه ~~فيها الذباب والنمل، وقد تعلم ود أمونة منها درسه الأول: الصبر من النمل، والخسة من ~~الذباب، في بلد يكبر الأطفال فيه سريعا، إذا لم يموتوا وهم دون الخامسة، أو في بطون ~~أمهاتهم، تربى وسط ثلاث بنات كلهن أصغر منه عمرا، أخوات أمه لحقن بها بعد أشهر قليلات من ~~إقامتها بالحلة، استقر المقام بهن في المملكة العربية السعودية، لقد بهرن بجمالهن، ~~وشبابهن، ونضجهن، قاماتهن، ولونهن، امرأة تعمل بالكرنتينة بجدة، تجيد استثمار الصبيات ولو ~~كن قاصرات، ولكن التاية أقنعت أمونة بأن من مصلحتهن أن يكبرن هنالك، وهي تعرف كيف تصنع ~~منهن ربات جمال، وهن في هذا العمر. # التربية الجيدة في الصغر هي ضمان النجاح في الكبر، وأن ~~يكبرن على عز ورفاهية خير من أن يعشن في هذا الذل يوما واحدا آخر، وسوف تجد لهن العمل ~~المريح الشريف الذي يتناسب مع أعمارهن؛ من ثم حالما غادرن الأسرة، ولم يسمع لهن صوت، ~~ولسوف لن يسمع أصواتهن ود أمونة، إلا بعد سنوات من سفرهن، أي عندما يتم افتتاح شركة ~~الاتصالات رسميا بالحلة، إذا يمكن القول إن ود أمونة لم يعش بصورة متواصلة إلا ~~مع أمه وجها لوجه، أمونة امرأة جميلة من كردفان، وهو المكان الذي دائما ما تطلق عليه هي: ~~أقصي الغرب، ليس من السهل أن نصدق كل ما نسمعه ويحكى عنها وعن أصلها، ولا يمكن القطع عن ~~المهن التي تنقلت إليها ولا الرجال، ولكن عرف عنها أنها مترددة سجون، ويترصدها بعض ~~العسكر الذين يرجون ms133 منها وطرا وتصدهم، وهي أيضا امرأة شرسة وشجاعة : ألم نقل إنها جميلة ~~أيضا؟ ومن المؤكد أن ود أمونة لم يرث من أمه شيئا سوى لون بشرتها، هذا إذا لم يكن ~~أبوه هو اليماني، ويقول الناس من المفترض أن ينمو ود أمونة نموا رجوليا بحتا؛ ~~نسبة للظروف القاسية التي عاشها مع أمه في السجن وفي المشاريع، ولكن لله في خلقه شئون، ~~ولكن ووفقا للحكمة القديمة القائلة: النار تلد الرماد، فإن لا أحد يستبعد أن ~~أمونة هي أم ود أمونة! قبل عمله في البنك كمراسلة كان يعمل بمنزل الأم أدي في ~~مهنتين؛ خدمة الأم والنساء العاملات معها في المراسيل السريعة، مثل: جلب الدقيق من ~~الطاحونة، شراء رطل سكر وبن من الدكان، خدمة الزبائن والضيوف، تسخين الماء، وجلب الحطب، ~~وأيضا كان يعمل في هوايته المفضلة هي: عواسة وصنع الكسرة، وهي مهن شريفة إذا قيست ~~بطريقة أو أخرى، ولكنه أيضا كان يعمل في مهنة ليست شائعة، وفي تقدير كثير من الناس ليست ~~شريفة، وهي: نظافة الملاين لكبار الموظفين، والتجار، والنساء الثريات. # كان وسيما نظيفا ~~أنيقا في ملبسه البسيط، له شارب كثيف شديد السواد، وذقن حليقة باتقان تام، تجده في كل ~~البيوت في المناسبات، وفي غير المناسبات، ويعتبر الفرد الوحيد الذي يحق له دخول أي منزل في ~~الحلة وقتما شاء، كان خفيفا كالروح، طيبا مسالما، مغنيا بارعا، خاصة لأغاني البنات، ~~يجيد رسم الحناء للنساء، وترقيص العروس، وذلك منذ أن كان في السادسة عشرة، له ابتسامة لا ~~تفارقه دائما، كان يعرف كل صغيرة وكبيرة عن كل صغير وكبير، ولا يبخل بسر، ولا ~~يحفظ سرا، ولا يخفى عليه سر، بالأمس، الآن، وربما في المستقبل، استلطفه ~~البنكيون فاستخدم لخدمتهم في البنك كمراسلة، بترشيح من ألم قشي، أما الآن فود أمونة ~~شخص مختلف قليلا عنه قبل الوظيفة، وربما لطبيعة العمل الجديد، وأنه يقضي ثماني ساعات ~~يوميا طالع نازل سلالم البنك، حيث أصبحت له اهتمامات أخرى إضافية، مثل التلصص على حسابات ~~العملاء، ومعرفة من يمتلك كم، سحب كم، ورد كم؟ ms134 وهي لشخص غير ود أمونة تعتبر مهمة ~~صعبة ، ولكن لشبه الأمي هذا، الذي لم ينل من فصول العلم سوي شهور ضئيلة يسرتها له العازة ~~في أيام حريتها القلائل، من الحيل ما يمكنه دائما من إشباع طموحه للمعرفة التي يحتاج ~~إليها في ونساته الليلية في بيت الأم، أو مع النساء في بيوتهن، أو حتى لتحلية نظافة الملاين ~~لرجل ما؛ حيث إن العمل غير شائق فلا بد من تسويقه بحيل مدهشة: عارف الليلة الجلابي حسين ~~خت كم في البنك؟ # ولكن ود أمونة شخص ماكر؛ فإنه يعرف متى تصبح معرفة رصيد العملاء تجارة رائجة، ويعرف ~~من بإمكانه دفع مبلغ كبير في الحصول عليها، كالدائنين، وأقارب الأثرياء، أما المعرفة ~~التي تجعله يشعر بمتعة الونسة، وعظمة وسلطة المعلومة ويهبها مجانا، ويستطيع أن يدفع مقابل ~~أن ينتصت إليه باهتمام، وأن يعلق بإعجاب على كلامه هي: المعلومات السريرية؛ فلان وفلانة، ~~وكم اشترى مريسة، وعسلية للفدادة، وكم علبة سجائر برنجي قسمت للنساء، وكم من المشويات ~~بذلت في سبيل قعدة، وونسة حلوة، يستعرض فيها ود أمونة بمعلوماته السريرية ~~النادرة، التي قد يقع أحد المستمعين يوما ما ضحية لها، قد يكون مكان وزمان الونسة فيما ~~يشبه الندوة، ولكن هكذا يقول الجميع: الونسة علاج الزهج. # ولكن الصفة غير الحميدة حقا هي القطيعة، والنميمة، وهي من صفات ود أمونة، التي لا ~~يحسد عليها، وهي أيضا بمقابل؛ حيث يدفع الرماليون، والوداعيون، والفكيا الكذبة، مبالغ ~~كبيرة في سبيل الحصول على معلومات عن مرضاهم: ماذا يدور في أذهانهم؟ من الذي يشكون أنه ~~سبب مرضهم؟ ما هو تصورهم للعلاج؟ بل ما وجهة نظرهم في المداوي نفسه؟ لا زال ود أمونة ~~رغم انشغاله وفيا لأدي، ويقدم لها خدمة نظافة ملاين شهرية مجانية، كان كان كثيرا يردد ~~أن لأدي أحلى عبق ملاين خاصة ما بين الساقين؛ حيث إنه دائما ما يفرق بين الناس بما ~~تفرزه ملاينهم من روائح ويقول: الزول ريحته منو وفيه، والريحة الحلوة قسمة من الله. # ظهرت مهنة تنظيف الملاين مع ظهور البنك، وشركة الاتصالات، وقدوم ms135 موظفي طلمبة المواد ~~البترولية، وإنشاء محلية حديثة، وتوظيف عدد من خريجي الجامعات القادمين من المدن الكبرى ~~كضباط إداريين، ثم توسيع حامية الحلة، ومدها بضباط حربيين في رتب كبيرة، حدث ذلك في ~~بحر السنوات العشر الأخيرة، كانت مهنة سرية ابتكرها ضابط إداري منعم قدم من أم ~~درمان، قابل ود أمونة مصادفة ذات يوم في منزله يصنع حلوى تنظيف الشعر الزائد لزوجته من ~~السكر، والليمون، والقرنفل، وهي خلطة اشتهر بها ود أمونة في تلك الأنحاء من الشرق، ~~ومنذ النظرة الأولى لمظهر ود أمونة الخارجي، وطريقة كلامه، ولو أن شاربه ينبئ بذكورية ~~بغيضة، إلا أن خبرة الضابط الإداري استطاعت أن تنفذ إلى ما وراء الرموز، وبكل شجاعة طلب ~~من ود أمونة عندما يكمل صنع الحلوى أن ينتظره في الديوان، ثم عند الديوان حكى له عن ~~عبده زهرة، الذي كان يقدم له وللمسئولين الكبار والوزراء وأصحاب الشركات التي هي الآن ملء ~~السمع والبصر، بل لرؤساء سابقين أيضا، خدمة لا تقدر بثمن، وأنه افتقده الآن في البلد ~~الكرور دي، بلد إذا ربطوا فيها الحمار يقطع الحبل ويهرب. # وتفهم ود أمونة سر العلاقة ما بين اسمه وعبده زهرة الذي ربما يكون اسما آخر، ~~ولكن حوره الضابط الإداري الذكي لكي يقرب مسافة الفهم لود أمونة، شك ود أمونة ~~في بادئ الأمر في نوايا ومقاصد الرجل، وظنه يريد خدمة سريرية مريبة، ولكن بحمد الله ~~تم التقاط الفكرة، إلا أن ود أمونة لم يقم بهذا العمل من قبل، فأنى له! ~~- ح أعلمك، دي مهنة تجيب الدهب، وهي برضو مهنة شريفة زي عمل الحلاق وتحتاج لفنيات ~~بسيطة. # ثم أخذ الضابط التنفيذي يصطاد الزبائن لود أمونة؛ حتى يخلق له سوقا تجعل المهنة ~~مستدامة، لها جمهورها وسوقها؛ حتى لا ينصرف عنها ود أمونة. # | صيد الحلوف # أصبحت الأعشاب عالية، كأعلى ما يكون، الخريف في هذا العام كان مكتملا، والأمطار غزيرة، ~~توقفت المواصلات من وإلى كل المدن والقرى؛ مما خلق ندرة في موارد الغذاء؛ حيث كنا نعتمد ~~على اللواري السفرية في مدنا بما نحتاج ms136 إليه من دقيق يرسله لنا الأصدقاء، أو التجار ، وكي ~~لا نموت من الجوع اتفق الجنقوجورا الذين معي في التاية بأن نقوم بصيد الحلوف، وهو ~~الخنزيز البري، المتوفر في تلك الأنحاء بكثرة، اللذيذ اللحم، ويعتقد الجنقو أن كبده يقوي ~~النظر، على الرغم من صعوبة وخطورة صيده إلا أن كل جنقجوراي يدعي أنه الأكثر مهارة في ذلك، ~~ويحفظ من الحكايات ما يبرر ادعاءه. # كان معي بالتاية خمسة من الجنقو، أنا ومختار علي ~~وعبدارامان البلالاوي، الذي تزوج قبل شهور من كلتومة بت بخيتة النوباوية، وما زلنا ندعوه ~~بالعريس، ورجل كان يعمل بالجيش سنوات طويلة، وهو الآن بالمعاش نسميه حمريطي نسبة للونه ~~الذي يميل للحمرة، وامرأة شابة اسمها حواية بت الملايكة، أنا الجنقوجوراي الوحيد الذي ~~يعترف بأنه لم يحصل لي شرف صيد هذا المخلوق أو أكله؛ لذا لم أكن طرفا في النقاش الحاد الذي ~~دار بين الجنقو بما فيهم بت الملايكة، عما إذا كان الحلوف يدخل ويخرج من حفرته برأسه ~~أولا أم بمؤخرته؟ واحتد النقاش لدرجة أن وصف بعضهم البعض بصفات مثل: هوان، وتعيس، وود ~~البقس، شربنا ما توافر لنا من مريسة أمبلبل، وحملنا فئوسنا وسكاكيننا وتوغلنا في الغابة. ~~الحلوف حيوان ضخم، قد يكبر إلى أن يصبح في حجم عجل البقر مع قوة، وقصر في القوائم، ~~له حوافر قوية صلبة ونابان معكوفان حادان بارزان كأنهما قرنا ثور في زاويتي فمه ~~يستعملهما دائما في الدفاع عن نفسه؛ حيث يمكن بضربة واحدة من أي من النابين أن تقتل ~~الضبع بشق بطنه إلى نصفين؛ لذا تتجنب كل الحيوانات الدخول في معركة مع هذا الحيوان الشرس ذي ~~اللحم اللذيذ الممتنع، عدوه الوحيد هو الجنقوجوراي الذي يبتكر شتى الحيل للإيقاع به، ولكن ~~الجنقو في ذلك اليوم كانوا منشغلين بإثبات أحد الأمرين أكثر مما كانوا منشغلين بالإيقاع ~~بالحلوف في الفخ، الكل يريد أن يبرهن بأنه الأعرف بالحلوف، عداي؛ فقد كنت أريد لحما ~~يكفي لإطعام فريق العمل لأكثر من أسبوع إلى أن تجف الأرض وتستطيع اللواري السير، وظللت ~~أنبههم بين الفينة ms137 والأخرى إلى أهمية التركيز على صيد الحيوان، لكنهم كانوا جميعا قد ~~اتفقوا على أنهم سوف يصطادونه على أي حال، ولكن بعد أن يتأكدوا من كيفية دخوله لحفرته؛ لأن ~~الأمر أصبح موضوع كرامة وتحد، ووجدنا حفرة الحلوف، علق الجنقو العارفون به: إنه ~~خارج حفرته، ولكنه قريب جدا منها، أثره ورائحته يدلان على ذلك، وما علق من صوفه على ~~الشجيرات الشوكية القريبة يدل على أنها الأنثى، مما يعني أن الذكر قد يكون بالداخل، هذا ~~كان متفقا عليه من الجميع، ودون مغالطات، أو تشكك، أو حتى احتمالات، طلبوا مني أن أبقى ~~بعيدا، ويستحسن أن أصعد شجرة لالوب قريبة، أي أن أبقى أبعد ما يكون حتى لا يصيبني الحيوان ~~الشرس الغبي، فإصاباته بالغة في كل الأحوال. # توزع الجنقو الثلاثة بطريقة مدروسة حول ~~الحفرة، وطلبوا من بت الملايكة أن تبحث عن الحيوان متتبعة رائحته وأثره، وعندما تجده ما ~~عليها سوى أن تقف في الاتجاه المعاكس لحفرته، وأن ترميه بحجر من على بعد كاف؛ كي يهرب ~~عائدا مباشرة إلى حفرته، وهنا يتنظره الجنقو، ليتأكدوا من الطريقة التي يدخل بها إلى ~~حفرته، أبرأسه أم بمؤخرته؟ ثم بعد أن يدخل سوف يعالجون مسأله صيده، ولو أن صيد ~~الحلوف لا يتم بتلك الطريقة؛ كما أخبرني مختار علي، وتعلمت فيما بعد أنه يتم بأن يسد ~~مدخل حفرته بحجارة، وأشواك، وأحطاب ضخمة، وعندما يأتي مندفعا لدخولها، فإنه يفاجأ بأن ~~مدخلها مسدود، فيتردد ريثما يعيد ترتيب أموره، أو يحدد وجهة أخرى يهرب إليها، هنا يهاجمه ~~الجنقو ضربا بالفئوس، إلى أن يموت، بينما كنا صامتين، متوترين، مترقبين قدوم الحلوف خطرت ~~فكرة لا يعلم أحد ما هي إلى ذهن عبدارمان البلالاوي، وسوف لا يعلم أحد كنهها فيما بعد، ~~على مرأى من الجميع تحرك من موقعه الكائن خلف شجرة تنضب كبيرة تقع وراء حفرة الحلوف، ~~مشى نحو مدخلها كأنما كان يريد أن يتأكد من شيء، قال البعض: إنه ربما أحس بحركة ~~الحلوف في الداخل؛ لأنه كان أقرب الناس إلى الحفرة، كما أن موقعه كان أعلاها، ms138 ولكن ~~الشيء الغريب الذي حدث هو أنه في اللحظة التي قصد فيها عبدارامان البلالاوي مدخل الحفرة ~~خرج الحلوف الذكر مندفعا في جنون، صدمه برأسه القوي الضخم، أو أخذه: سيختلف الجنقو في ~~هذا الأمر كثيرا، وانطلق به نحو الغابة في سرعة مرعبة، ودون تفكير اندفعنا جميعا خلفه في ~~محاولة لإنقاذ عبدارامان المسكين الذي لم يجد الوقت حتى ليصرخ؛ لقد فاجأه الحيوان مفاجأة ~~تامة، وكنا نتوقع أن يسقط من رأسه في كل لحظة إلا أننا ظللنا نجري في أثره إلى ما يقارب ~~الساعة، كان أثر الحلوف على الأرض بينا؛ نسبة لأن الأرض مبتلة والعشب كثير، وأن ~~الحيوان الثقيل يلقي بالعشب تحت قدميه وهو يمضي بعبدارامان، ورغم أننا أرهقنا تماما، فإننا ~~واصلنا جرينا خلفهما في إصرار إلى أن انقضى اليوم كله، وكادت الشمس تغيب، وقد ابتعدنا ~~كثيرا عن التاية باتجاه الغرب إلى أن وجدنا أنفسنا على مشارف جبل عسير، هنالك أوقفنا ~~جنقوجوراي عجوز لا نعرفه، وجدناه مصادفة يتجول في تلك الأنحاء، وعندما عرف مقصدنا نصحنا بأن ~~نعود، وأن ننسى موضوع عبدارامان المسكين، وذلك من أجل سلامتنا نحن؛ لأن الحلوف لا بد قد ~~صعد به إلى الجبل حيث أسياده، وعندما سألت أنا بسذاجة وجهل عن ماهية أسياده، غمزني ~~الجنقو أصحابي العارفون بمصائب الدهر وأسراره، فيما يعني: اسكت! إنهم ناس بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # وعرفت فيما بعد أنني كنت الوحيد الذي يجهل أن الجنقوجوراي العجوز، الذي ظهر لنا فجأة، ~~ونصحنا بالعودة، كان هو نفسه من ناس بسم الله الرحمن الرحيم، فلقد جاء متنكرا في تلك ~~الهيئة، في طريقنا إلى التاية كان الجميع يتحدثون عن مصير عبدارامان المحتوم، الذي يشبه ~~مصائر كل أزواج كلتومة بت بخيتة النوباوية، لقد تأسفنا كثيرا لفقده، وترحمنا على روحه، ~~ولكن الغريب في الأمر أن تلك المأساة لم تله الجنقو عن النقاش حول كيف يدخل الحلوف ~~ويخرج من حفرته؛ حيث أقسم مختار علي أن الحلوف قد خرج من حفرته بمؤخرته، قبل أن يعتدل ~~في لمح البصر ليخطف عبدارامان بمقدمة رأسه ويجري به ms139 إلى حيث لا يعلمون، ويصر جنقاويان على ~~عكس ذلك، بت الملايكة، وأنا، والحق يقال: لم نر الحلوف أصلا، لا وهو يخرج من حفرته، ~~ولا هو يخطف عبدارامان، ولا غير ذلك، لقد كانت بت الملايكة بعيدة تبحث عن الأنثى بين ~~شجيرات الكتر، وأنا كنت منشغلا بأحزاني الخاصة، سابحا في حلم يقظة عصي على شجرة ~~لالوب عملاقة نصحت بتسلقها، اكتفينا بسلحفاة صغيرة، ورل عجوز، قليل من الجراد، ~~ساري الليل، وقطين بريين شحيمين، اصطادهما الجنقو. # | بوشاي # بعد المعارك الطاحنة التي دارت بين الجنقو وكتيبة من الجيش ترتكز بحامية زهانة، انتبهت ~~الحكومة المركزية لخطورة ما أسمته بالشفتة، أو النهب المسلح، وجرى الحديث عن ~~القوى الخارجية التي تريد أن تطيح بالحكومة الوطنية، وإجهاض «المشروع الحضاري للدولة»، ~~تحدثوا عن المعارضة، جبهة الشرق، الأسود الحرة، مؤتمر البجا، حركة العدل والمساواة وغيرهم ~~وغيرهم، ثم حشر اسم إريتريا، وللتحلية، أو الواجب القومي، وتوحيد الجبهة الداخلية؛ ورد ~~اسم دولة إسرائيل كجوز للتميمة لا بد منه، ولكن نسبة لخبرة الحكومة المركزية الكبيرة في ~~مجال الحرب الأهلية؛ حيث إنها ظلت تحارب مواطنيها منذ الاستقلال إلى اليوم، كان أصحاب ~~القرار يعرفون أن تمرد الجنقو ليس خلفه سوى الجنقو أنفسهم، وأن إخماده لا يتم بأسلوب ~~قتل بعوضة بقنبلة نووية، كان الخريف قد أجهز على عيناته الأول جميعها، بل ومضى إلى ما بعد ~~المنتصف، ونمت الأعشاب عالية، في طول أشجار الكتر والطلح، بل أصبحت بعض أعشاب العدار أطول ~~من قطيات التايات، ولأن المطر غزير هذا العام؛ فقد دمر معظم الآفات التي تشكل خطورة ~~على المحصول في مراحله الأولى، مثل الفأر وبعض أنواع الجراد، وهي في تشققات الأرض التي ~~انسدت تماما بفعل السيول، وتصعب الحركة كلما ازداد المطر هطولا وتشربت التربة الطينية ~~الخصبة السوداء بالماء. # الجنقو يعرفون المكان كجوع بطونهم، العسكريون لا يعرفونه، الجنقو ~~يستطيعون دخول الأراضي الإريترية، أو الإثيوبية، إذا تركوا سلاحهم بمكان ما ولو داخل أحراش ~~إحدى الدولتين، ولكن جيش الحكومة لا يستطيع، الجنقو يحاربون؛ لأنهم يحسون بالظلم، والغبن، ~~ويريدون المال، والعسكر لا يعرفون ms140 لأجل من يقاتلون، لذا كانت المعارك غير المتكافئة غالبا ~~ما تنتهي بانتصار الجنقوجورا، أو بإيقاع خسائر كبيرة في جيش الحكومة، أما النصر الدعائي ~~الذي تفتعله الحكومة فغالبا ما يضعف الروح المعنوية للمواطنين، ويصيب الأطفال بذاكرة ~~مشحونة بالكوابيس والأسئلة الصعبة عن قيم الحياة والموت، ولكنه لا يخفي حقيقة الهزيمة ~~الشنيعة التي تتكبدها، وهذا اليوم شاهد على ذلك؛ حيث استيقظنا في الصباح الباكر على صوت ~~بروجي وعزف مارش عسكري بغيض، وخرجنا مع جميع السكان إلى الشوارع وهي في الحقيقة ليست سوى ~~أزقة تحددها أشواك الكتر التي تحفظ أحواش القصب والبوص من الأغنام والحمير، ثم - كما لو أن ~~هنالك جهازا سريا يقود أرجلنا - توجهنا إلى الميدان العام قرب الهلال الأحمر السوداني، ~~حيث عرضت جثتا قتيلين معلقتين على صليبين كبيرين من الخشب، الرجلان معروفان لدى جميع ~~السكان، حتى الأطفال؛ الذي يرتدي زي الجيش الحكومي ذو الجثة الكبيرة المنتفخة المزينة ~~بالذباب والرائحة الكريهة هو أبكر هبيلا طليق حلوم الزغاوية، أما الآخر في جلبابه المتسخ ~~ولباسه الكبير، المنتفخ في هذه اللحظة، النحيف في ما مضى، الصامت الحزين الآن، المرح في ~~الماضى، صانع النكات في السابق، هو عبد الله الحردلو، قالوا لنا بالميكرفون، بعد أن ~~كبر آدم لحسات الملقب بأم الشهيد، سبعا: كل يوم ح نجيب اتنين من الجنقو الكلاب، ~~ونعلقهم هنا. # وسميت الساحة في التو بساحة النصر، أطلق جنود سكارى ومسطولون ومنفعلون الرصاص على ~~الجثتين، كانت الروح المعنوية للجميع متردية في مهاو عميقة مرة ومظلمة، عدنا إلى بيوتنا ~~نخمن ما سيكون عليه الحال؟ فيما يشبه الندوة في يوم عسلية أم جابر بالجمعة، توصلنا بسهولة ~~إلى أن الأمر ليس سوى انتقام وتخويف، واتفقنا على أن الرعب قد تملك الموظفين ~~الأثرياء، وربما ذكر رجل أو رجلان أن الفكي علي يفكر في مغادرة الحلة نهائيا، وأنه ~~قد ابتنى له بيتا في الخرطوم بالحاج يوسف، وأنه سيرحل إلى هناك نهائيا، ونقل عنه ~~قوله: «السوق هناك أحسن، ناس الخرطوم تعبوا من الدكاترة والمستشفيات الخاصة، والفكية ~~هناك شغالين زي المكنات، قروش زي ms141 التراب، علاقات زي السم، ونحنا قاعدين هنا، يوميا ~~فلان قتلوه، فلان صلبوه، فلان طردوه للحبشة!» # شيلني صديق العوض أردبين من الذرة كتفلي، وألمح لي بدبلوماسية باردة أنه ~~بالرغم من علامات الاستفهام الكثيرة حولي وحول صديقي الذي هرب إلى الخرطوم، فإنه عملا لله، ~~شيلني الكتفلي حتى أدفع لعمال الحصاد، وحتى لا أخسر مالي الذي أنفقته في الزراعة، ادعيت ~~عدم الفهم، بل وتبالدت وأنا أوقع باسمي على وصل الأمانة بثلاثة أضعاف الذرة التي ~~أخذتها فعليا، ليس لدي خيار آخر، طوال هذه الشهور التي قضيتها دون ألم قشي لم ~~أنسها أبدا، كان مختار علي قد خصص وقته كله من أجلي، ووافق بعد لأي أن نكون شريكين في ~~المشروع الصغير الذي ظللنا نعمل فيه معا منذ بداية الموسم، قبل أن يمضي الشايقي فضل ~~السروجي ليعمل في صفوف ما أسمتهم الحكومة بالشفته تارة، والمتمردين تارة أخرى، وقد جلب لي ~~المشاكل ومراقبة الشرطة، واستدعيت أكثر من خمس مرات للاستجواب بمكاتب الأمن في حي فلاتة، ~~بل حدثني ود أمونة ذات مرة أنني وضعت في القائمة السوداء! علاقتي ببوشي تميزت بأمور ~~ثلاثة؛ أولها أنها كانت معجبة بي كشخص يعرف أشياء كثيرة، بتعبيرها هي: كل شيء. وكانت، ~~كما قالت لي أكثر من مرة، تتمنى أن تكون مثقفة وملمة بأشياء مختلفة في الكون، على الأقل ~~أن تتخرج في الجامعة، ولكنها وهي في الرابعة عشرة تركت المدرسة؛ نسبة لعدم مقدرة أسرتها على ~~دفع الرسوم المدرسية، وبخاصة ملابس المدرسة، فهي ترى في حلمها الذي لم يشأ الله له أن ~~يتحقق. # أما الأمر الآخر فهو حكايتي مع ألم قشي، فقد كان يعجبها في حبي، ووفائي لزوجتي ~~وحبيبتي السابقة، وهذا حسب ما ترى: نادر الحدوث، الرجال في هذا الزمن قلوبهم طايرة؛ لذا هي ~~ترغب بشدة، وإن لم تصرح به، أن تحل محل ألم قشي، أما الأمر الثالث فهو أنني ضعيف جدا أمام ~~النساء السوداوات جدا، والنساء البيضاوات جدا، وبخاصة ذوات القامات العالية، والسيقان ~~الطويلة الممتلئة، إنني أحبهن أكثر إذا كن يجدن الغناء، أو الرقص، ms142 أو أي موهبة كانت، ولو ~~طريقة متميزة في الكلام والمشي، بوشي هي أنموذج مثالي لهذه المرأة أكثر من ألم قشي، على ~~أن ما يميز ألم قشي عن كل النساء عندي هو أنها أول من طلبت مني من نساء الدنيا أن ~~أحملها ببنت، ولم أستطع أن أحقق لها أمنيتها التي أصبحت فيما بعد، أمنيتي أنا أيضا، ~~الأهم من ذلك الصدق الذي تتكلم به، عذوبة النطق وسحره، كأن جسدها كله يتكلم، الهواء من ~~حولنا، المرقد، ألم قشي امرأة لا كما النساء؛ حاجة تانية، ولم تعرف بوشي حقيقة أن ألم قشي ~~«حاجة تانية»، وأن محاولتها حل محلها عبث لا طائل من ورائه، وأن البحث عن مكان ~~مجاور ربما كان الأقرب للتحقق، فقد كنت معجبا ببوشي وإن كنت أتعامل معها بحذر شديد خوفا ~~من فكرة الالتزام، وأنا شخص يفي بالتزامه مهما يكلفه ذلك، ولكن في الحقيقة لم أحس إلى الآن ~~على الأقل بحاجة لامرأة تشاركني الفراش، أزمة ألم قشي ما زالت مستفحلة، وما زلت أحبها؛ ~~أحبها حبا شديدا وأحلم بها كل ليلة، وأتذكرها كل ثانية، وأظن بيني وبين نفسي أنني سوف ~~أفشل لا محالة مع بوشاي، بل هذا مؤكد، وكنت لا أصدق ما قاله لي أبرهيت في أن ألم قشي قد ~~تآمرت ضدي مع البنكيين، أو غيرهم، وكنت أكتفي بأن لا تفسير مقنعا لما فعلته معي، وقد قالت ~~لي الأم إن حالتي تسوء كل يوم عن ذي قبل، لكنني في الحقيقة أتعامل مع النساء وفق شروط نفسية ~~معقدة، وربما وراء نفسية، غير أن العلاقة بيني وبينهن تمضي سلسة وطيبة، بل أستطيع أن ~~أقول خالية من العقبات الكبيرة، مثلما كانت ألم قشي تأتيني لتؤانسني عند منتصف الليل كانت ~~بوشاي تأتي أيضا لتغني لي كي أنام، تغني بلغة الشلك والباريا، وتحفظ أغنيتين بالأمهرا، ~~وذلك بالتأكيد يعجبني جدا، عمرها بالتمام سبع وعشرون سنة، وهي في الواقع تكبر هذا العمر ~~بعشرين أو ثلاثين أخرى، فطبيعة الحياة التي عاشتها تجعل حساب اليوم في حدود أربع وعشرين ~~ساعة، مفارقة بائسة، ms143 وسيندهش الكثيرون، بل أنا نفسي اندهشت، إذا عرفوا أن بوشي تعيش في ~~أسرة من شخص واحد هو بوشاي ذاتها! حدث هذا منذ أكثر من عامين، كان لها أخوان هما: علي ~~وألالا وأخت صغرى اسمها أبوك، والدها من الشلك، وقد انضم لجيش الحركة الشعبية تحت قيادة ~~القائد عبد العزيز الحلو، واستشهد في معركة على مشارف همشكوريب، أمها توفيت بعد ذلك بزمن ~~قليل، ألالا هاجر إلى أستراليا عن طريق مصر، علي لا أحد يعرف أين هو، آخر مرة رأته فيها ~~قبل عامين، أهل والدتها لا يحبونهم لأسباب عرقية، ولو أن والدهم كان مسلما، أبوك ~~أخذتها التاية للسعودية، وهي ترسل أخبارها بانتظام، وجدت بوشاي نفسها وحدها، فقبلت ~~التحدي وعملت كما تعمل النساء الفقيرات في صناعة الخمور البلدية، ولكنها لم تقم علاقة تذكر ~~مع رجل ما، على الأقل لم يتسن لود أمونة معرفة ذلك، ولم تستطع ندوة ما كشف أي علاقة ~~لبوشي برجل من الجنقو أو غيرهم، غير أن هذا لا ينفي أن لبوشي عشاقا، وأنها تصطفي من تشاء، ~~ولكن خارج بيتها، لأسباب تعلمها، كان الجميع يتعاطفون مع بوشي وكثيرات من صديقاتها يتطوعن ~~للمبيت معها في بيتها، وقد رفضت عرضين للزواج وعرضا للمصاحبة، والآن الناس يتحدثون عن زواج ~~عرفي بينها ومدير البنك تركاوي، ويتحدثون عن الموبايل الذي أهداه لها كأول موبايل في الحي ~~الشرقي، وقدر الأهالي أن علاقتي معها ليست إلا لقضاء وقت من جانبي، ومحاولة فاشلة لزواج ~~من رجل عصامي من جانبها هي. # كان كلانا يجد العزاء في الآخر، ولكنني كما قلت معجب ~~ببوشاي كفتاة عصامية تكد طوال الوقت لتوفير قوت يومها، بل أبعد من ذلك؛ حيث إن بوشاي هي ~~أول من اشترى جهاز استقبال قنوات رقميا في الحي الشرقي كله، لم يكن ذلك اعتمادا على ما ~~ترسله أبوك لها من السعودية؛ حيث إن أبوك في الواقع لا ترسل شيئا؛ إذ ما زالت تناضل لتغطي ~~تكاليف سفرها وإقامتها في السعودية، وهي مدينة بذلك للتاية، وألالا أيضا لا خبر منه في ~~أستراليا، ولا أثر ms144 له، ولا تعرف حتى كيف تتصل به، كانت تبيع المريسة والعسلية، وليس هذا ~~بالعمل السهل؛ لأن التعامل مع السكارى يحتاج لطولة بال وسياسة، فإن السكارى يبدءون هادئين ~~وطيبين، يحكون عن الحلوف ويتغالطون فيما اذا كان يدخل بيته برأسه أم بمؤخرته، ويقصون ~~مغامراتهم مع أبشوك، أو المرفعين الذي يحبون لحمه لقيمته العلاجية الرفيعة، حتى خراؤه ~~فإنهم يستخدمونه في علاج الأزمة، وضيق النفس، ويقيمون ندوات القطيعة والنميمة، هذا في ~~الساعات الأولى إذا لم يكن من بين الندماء رجل مدمن سريع السكر من أول كأس، ويبدأ ~~برنامج الشجار مبكرا، مما يعكر صفو الجلسة وصاحبة البيت، وقد يكون سببا في استقدام ~~الشرطة، أو بوار المريسة، أما إذا لم يكن هذا المدمن موجودا، فإن الساعات التالية تتسم ~~بمحاولة السكارى الاستمتاع بالطرب، يغنون لأنفسهم مستخدمين آنية المريسة الفارغة كأدوات ~~إيقاع، هذا إذا لم تتوفر دلوكة، أو يوجد شتم صغير بالبيت، والبعض وهم قلة يقومون ~~بتسلية أنفسهم بالتغزل في صاحبة البيت، أو بناتها، أو يديرون معهن مجرد أحاديث عامة عن ~~الزواج، والحب، والأسرة، ولكن أخطر ما في هذه الساعات الوسطى أنها تزداد خلالها الرغبة في ~~معاشرة امرأة ما، الأمر الذي قد يؤدي للاصطدام برجل آخر؛ زوج، أخ، أو عشيق، صاحب، أو حتى ~~رجل قانون، ثم يبدأ العراك الفعلي، وقد تستخدم فيه الأسلحة المحلية ببراعة وشراسة، وعدم ~~رحمة أو مسئولية، صاحبة البيت المدربة الذكية العاقلة هي الأمهر في إدارة هؤلاء الناس ~~المنفلتين، وهي تمثل بذلك أمهر الإداريين مطلقا، ما دامت تستطيع أن تعمل في وسط يعتبر ~~حقل ألغام وكوارث كبيرة مثل: طعنة سكين، تليبة في بيت جار، كسر يد بعصا، تدخل الشرطة، ~~مصادرة أدوات العمل، وقد تصل العقوبة لسجن طويل. # تعلمت بوشاي سياسة إدارة السكارى من ~~جامعة السكارى أنفسهم، حتى كانت تعرف طبائع الزبائن كلهم؛ المدمن الذي يبتدر الشجار، ~~والمدمن الذي ينام من أول كأس على البنبر، والمبتدئ الذي عندما يسكر يتبول على ملابسه مثل ~~الطفل، أو يبكي وينوح متحسرا على حياته كلها، الفدادي الشريب المتزن الذي يسكر ms145 فيكتفي ~~بالغناء، أو أخذ عكازه والمضي إلى بيته أو فرش عمته على الأرض في مكان جانبي، والذهاب ~~في نوم عميق، تعرفهم بالاسم والصفة، وتديرهم بنمط إدارة شخصي، بوشي في الحق لا تميل للجنقو ~~كرفقاء سرير. ~~- وسخانين ما بيهتموا بنظافة ملابسهم، ولا جلودهم، وريحتهم ترمي الصقر من السما، ديل ناس ~~ساي! # كان يتعين على بوشي فوق ذلك أن تعمل بدبلوماسية أيضا في جبهة أخرى، وهي جبهة البنك، ذلك ~~الغول الذي تدخل في كل تفاصيل الحياة اليومية، قص عليها التركاوي - عبر ود أمونة - ~~كثيرا جدا حكاية امرأته غير الجذابة التي تعشق المال فقط، ولا تهتم به كرجل، وقد تزوجها ~~دون حب يذكر، فقط لأنها بنت عمه: «وأنا دخلي شنو؟» حسنا؛ صنع الخمور البلدية يجرمه ~~القانون، وبإمكان الشرطة والمباحث تخصيص قليل من وقتهما، فليكن الظهر لوقف هذه البلاوي؛ ~~التركاوي يستطيع بإشارة منه أن يمنعهم، كما يستطيع أيضا أن يأتي بهم! فكل مشاريع ضباط ~~الشرطة والمسئولين الكبار هي بتمويل من جيبه شخصيا، أو من البنك، وتركاوي كما وضح لها ~~بنفسه رجل تقي ويخاف الله؛ لذا هو لا يرغبها بالحرام، وأيضا ليس بالفضائح على حساب سمعته؛ ~~لذا عرض عليها الزواج العرفي، وأصل له بنصوص قال إنها شيعية، ولكنها كرهت فيه العجرفة، ~~والادعاء، ورائحة الصنان النفاذة التي زكمت أنفها يوم أن قابلته أول مرة، لن تنساها ~~أبدا. ~~- أنا ما عايزة أتزوج، لا بالعلن، ولا بالعرفي، ولا بالحرام، ولا بالحلال! # ولكن الذي يعرف التركاوي يدرك أن المعركة لن تنتهي هنا، قابلته مرة واحدة فقط، جاءها ~~متنكرا في شكل جنقوجوراي، ثم ما لبث أن أفصح عن نفسه، ولكن اللقاء اليومي بينهما تواصل عبر ~~ود أمونة، كان بارعا في نقل الكلام كما هو، وكأنه جهاز تسجيل إلكتروني أو كتاب؛ وذلك ~~تلبية لطلب التركاوي نفسه، وكان ود أمونة هو الذي رشح بوشاي لمدير البنك، بعد أن شكى ~~له الأخير حاجته لامرأة ينام معها لكن بسرية تامة، وبدون فضائح، وأن تكون نظيفة، ~~وجميلة، وليس حولها رجال من الأقارب، أو عشاق غيورون، ms146 قد يسببون له مشكلة، ففكر ود ~~أمونة ودبر وانتهى إلى بوشاي، وتم الاستغناء عنه عندما عملت شركة الموبايل ~~العملاقة، حيث استطاع التركاوي أن يتحدث إلى بوشاي مباشرة، وفي أي وقت أراد وبما أراد، ~~الشيء الذي لا يستطيعه مع ود أمونة؛ لأنه يعرف أن ود أمونة لا ينقل كلامه لبوشاي ~~وحدها، ولكن للحي كله، وكان مجبرا عليه، وعندما عجز التركاوي عن إقناع بوشاي بالزواج ~~العرفي، أو بممارسة الجنس بمقابل، طلب منها طلبا وصفه بالإنساني؛ أن تمارس معه الجنس ~~الشفاهي عن طريق الموبايل، وشرح لها كيف يكون ذلك فرفضت، ولكنه ألح وألح فرضخت فى النهاية، ~~وهذا ما يفسر المشهد الذي لم يجد له ود أمونة تفسيرا، ولا يزال يدهشه إلى اليوم، حينما ~~دخل ذات يوم على بوشاي ووجدها جالسة على بنبرها تطبخ شيئا في الراكوبة؛ وهي ~~توحوح، وتصدر أصوات توجع وألم، وتشهق في غواية لا يمكن أن تصدر إلا من امرأة على ~~فراش رجل، وشاهد ود أمونة الموبايل على فمها، لما رأته ارتبكت ندت عنها صرخة، ~~وأغلقت الموبايل، ثم أخذت تضحك في هستيريا، وعندما سألها عما كانت تفعل، قالت: ما في ~~حاجة، ما في حاجة، إنت سمعت شنو؟ # قال لها ود أمونة ضاحكا: ولا حاجة! # الكلام عن الحرب هو كلام الساعة، والكلام عن إعدام طليق حلوم، وعبد الله الحردلو، ~~وصلبهما، ورميهما بالرصاص بعد ذلك طغى على أخبار الخريف، ومكائد البنك التي فسرها الكثيرون ~~بأنها انتقام من ثورة الخراء، التي ما عاد أحد في الواقع يذكرها، لقد كانت دخيلة على هذا ~~المجتمع، وتم إسقاطها تدريجيا من السجل اليومي للقوالات وما يشبه الندوات، وذكر ~~كلمة خراء نفسه يعاني من إشكالية جمالية هنا في مجتمع يحتفي بالطهر والنقاء، بعد مقتل ~~الجنقوجورايين على يد جند الحكومة انحسرت أخبار الحرب قليلا، وقيل إن الجنقو قد انسحبوا ~~إلى تخوم مدينة تسني؛ ليقضوا الخريف هنالك مستفيدين من ثمن الأسلحة التي استولوا عليها من ~~قوات الحكومة، وقاموا ببيعها للزبيدية في جبهة الشرق، وكان ذلك في الحقيقة مصدر دخل كبير ~~جدا ms147 لهم، إذا استثنينا العائد من تجارة الخمور؛ حيث كانوا يهربون الخمور المستوردة من ~~إريتريا وإثيوبيا إلى داخل مدينة خشم القربة، ثم عن «طريق الهوا» عبر البطانة إلى ~~الخرطوم، وعطبرة، وربما شرب سكارى عاشقون الأنشا الإثيوبية اللذيذة، في نواحي دنقلا ~~العرضى، ووادي حلفا وأبي حمد، ونيالا، زارني الشايقي وبعض أصحابه في التاية منتصف ليلة ~~مظلمة مطيرة، عواء ذئابها يطير القلوب شظايا، احتفلنا باللقاء العزيز، وذبحت لهم تيسا ~~من الأغنام التي احتفظت بها في التاية؛ تحسبا لظروف شظف العيش، أو أعطاب الطريق، شربنا ~~الشاي والقهوة، وأخذوا يحدثونني عن مغامراتهم، وقتلاهم، عن انتصاراتهم، وبعض هزائمهم، ~~وعندما تذكرنا يوم باص همدائييت، وكيف تغابوا في المعرفة، ضحكوا وقالوا لي: قروشك ياها دي ~~معانا، هاك ليها. # وأخذت مالي، وسألوني أسئلة كثيرة جاوبتها بصدق، وقالوا لي: نحنا حالفين نؤدب ناس البنك، ~~نوريهم نجوم النهار، لكن ما هسع، لمان ييجي وقته ح تعرف، ونحن ح نكون في إريتريا إلى أن ~~ييجي اليوم داك. # فتذكرت ما قالته لي أداليا دانيال مرة: الجنقو اتعلموا طبيعة الحبش، ما بيخلوا حقهم ~~بالساهل. # ثم حاولوا أن يطيبوا خاطري في شأن ألم قشي، ولكنهم أثاروا غضبي حينما وصفها أحدهم ~~بالشرموطة، فدافعت عنها دفاعا مستميتا، قلت فيها ما لا يقوله الرجل عادة في هذا ~~المجتمع، قلت لهم: إنني أحبها؛ أحبها حبا شديدا، ومهما فعلت فإنني أجد لها العذر، ~~قلت لهم: الشرف والطهر في الروح وليس في الجسد، قلت لهم: ما لم يقبل الرجل برزائل المرأة ~~وهي قليلة، لا يحظى بفضائلها العظيمة وهي كثيرة، قلت لهم: امرأة داعرة أشرف من رجل ~~عابد، قلت لهم. # | صديقي الثائر # عاد صديقي إلى الحلة بعد فترة غياب طويل قضاها في الخرطوم، أو ربما في أي مكان آخر ~~راق له، ولكن بدا واضحا أن الحلة قد أصبحت المكان المفضل لديه، وقد قال ذلك لأكثر من ~~شخص: هنا أجمل مكان. # كان يرى ما قام به الجنقو من حمل للسلاح، وقطع للطرق، وحرب للجيش الحكومي لن يستمر ~~طويلا، ولن يقود إلى أي نتيجة ms148 ما لم يسنده تنظير سياسي، وتحليل اجتماعي، وهدف محدد بدقة، ~~يمكن تحقيقه في مثل هذه الظروف، وقرر أن يكون هو حادي ركب التنظير، ولا يتم ذلك إذا لم ~~يواكب الجنقو، ويعيش معهم في غابات الكتر، والخيران المتوحشة، تحت تهديد نيران كتائب ~~الحكومة، في الخوف، الجري، الإقبال، الإدبار، الجوع، الحرمان، الهزيمة والنصر، كان يقول: ~~التنظير بدون معايشة الواقع مثل طباخة الإدام على النار مباشرة دون وسيط يفسد الإدام ~~والنار معا، وأكد أن فشل الحركات الدارفورية هو أنها حركات لا يتبعها أي تنظير ثوري، ~~والسلاح وحده لا يحل قضية، ولا يأتي بحق مستلب، فالبندقية إذا لم يكن بارودها قد صنع من ~~الفكر والحلم معا، فإنها لا تقتل غير صاحبها، وطلب مني أن أدله على المكان الذي يختبئ فيه ~~المسلحون من الجنقو، فنصحته بأنه قد لا يستطيع أن يعيش كما يعيشون، ولو أنه يأكل كل شيء ~~تماما مثل الجنقو، لكنه في النهاية، ود مدينة، وعلاقته بالمكان لا تتعدى السياحة الخشنة، ~~وأن الخطر الكبير الفعلي هو احتمال تعرضه للأسر، والأسر هنا يعني الموت البطيء المؤلم، أو ~~الإصابة، أو ربما القتل، قال كعادته عندما يخشى عليه من الموت: أنا ما ح أموت قريب، عارف ~~كدا، والإنسان بيموت بإرادته، وإذا ما كان مستعدا للموت ما في شيء يقتله! # أعرف أنه لا يحاج، وأن مبرراته حاضرة دائما، لكنني أعرف الصعوبات التي سيواجهها، ~~أقصد التي سوف تهزمه شر هزيمة، وذكرته بعاقبة مغامرته مع الصافية، وكيف انتهت بتوريثه ~~سمعة سيئة، ومغامرته مع أبرهيت ولدو إسحاق، والنهاية المأساوية التي أفضت به إليها؛ حيث ~~شمت علينا طفلة عشرينية مدت لنا لسانا أرقط تفوح منه رائحة الكرملا، كما ذكرته ~~بنقاشه البيزنطي مع الأم مريم كودي راعية الكنيسة؛ حيث كاد يقتلنا المؤمنون لولا أن ستر ~~الله، وبما جرى بينه وبين ود أمونة أيضا من حوار فاشل كسبه الأخير، وبغير ذلك من ~~مغامرات صغيرة فاشلة تافهة، خاضها بعناده هنا وهناك، على أن ذلك كله هين، سوى أن الأمر الآن ~~قد يصل للموت، وهنا تكمن ms149 الخطورة الحقيقية! لكنه رد علي قائلا: أولا: هنالك مبدأ ~~أؤمن به، وهو أن الرجل الناجح هو الذي يفشل ليستثمر فشله، أما موضوع الصافية دا موضوع مصنوع ~~من خيال الجنقو والجنقوجورايات لا أكثر، ومستحيل امرأة تغتصب ليها راجل، يا راجل! واتهمني ~~بأنني أصبحت أفكر تماما كما يفكر الجنقو، وتملكتني غريزة التفسير العضوي للظاهرة، وهذا ~~مصطلح قام بنحته الآن؛ لأنني لم أسمع به من قبل، منه أو من غيره، ولا تخفى ظلال فرويد ~~الثقيلة عليه، ثم سألك ضاحكا مستهترا: يعني كيف، مستحيل؟ # سألته في مكر بين: حتى لو كان عندها موضوع، وصفه الفكي علي الزغراد بأنه: ~~كبير. # قال محتجا: وين شافو الفكي الزغراد، وكيف؟ # ثم راح يفند لي كل ما ذكرته من فشل، محيلا إياه إلى انتصارات، بل فتوحات باهرة، أخذته ~~إلى التاية معي وبقي هنالك خمسة أيام قبل أن يأخذه الشايقي إلى تخوم إريتريا، ظللنا نسمع ~~أخباره من وقت لآخر، تأتينا مشوكة بالكتر والحسكنيت، ملوثة بطين سبتمبر اللزج، ~~وعليها خوف الناقل، وحرص السامع، وهوهوة الريح الجنوبية الرطبة، تأتينا أخباره ~~مرة باللغة التجرنة، ومرة بالأمهرا، وأحيانا بالبني عامر، أو البجاويت، أو ~~العربية المكسرة، عربي الجنقو، بالرندوك، أو بلهجة البدو الرشايدة الزبيدية، كان يبعث ~~إلي برسائل كثيرة مع أقرب زوار، أو أصدقاء مشتركين، وكنت أرد عليه، ولكن بحذر شديد، طلب ~~مني مرة أن أرسل إليه ما أسماه الجدول الزمني اليومي لحركة موظفي البنك، كتقرير بعد مراقبة ~~لصيقة لأسبوع واحد فقط، ثم لأسبوع آخر بعد مرور أسبوعين من الأول، ثم مراجعة الجدول كل ~~ثلاثة أسابيع لحساب معدل الانحراف بصورة دقيقة، وفعلا قمت بالعمل على أكمل وجه مستعينا ~~بود أمونة، ولكن ليس بطريقة مباشرة؛ لأنني مثل الجميع لا أثق في ود أمونة، ولربما ~~أشك في أنه قد يكون عميلا مزدوجا ومستفيدا من معلومات ظللت أستخلصها من بوشاي نفسها؛ ~~حيث إن مدير البنك لا يزال يضاجعها على الهواء بالموبايل، كانت تعرف قليلا عن نظام حياته، ~~ومع ذلك فالفائدة التي كنا نجنيها من علاقتها بالمدير كانت كبيرة؛ ms150 لأن بوشاي إذا طلبت منه ~~أن يحضر إلى منزلها في أي وقت فإنه لا محالة قادم متنكرا دون أن يعلم أحد بتحركه، مما ~~يتيح فرصة التصرف فيه كما يشاء الجنقو المقاتلون، في الحقيقة لست أدري ما يريد الجنقو أن ~~يفعلوا بالبنك وأهله على وجه التحديد، لكنني كنت متأكدا من شيء واحد، هو أنهم كانوا ينوون ~~بهم شرا، ربما يمكن وصفه بأنه: مستطير. # | فتاة من أسمرا # جربته، ويظن أنها كانت أول من حاول معه، زينب إدريسيت القادمة من القرقف، صبية ~~صغيرة معجبة بنفسها عاشت في أسمرا ما لا يقل عن سبع سنوات، عرفت فيها حياة الحرية، ~~والرفاهية، ونظافة الجسد، والمكان، والروح، هربت من الخدمة الوطنية الإلزامية في بلدها، ~~أقامت بالقرقف أسبوعا كاملا إلى أن أرشدها بعض فاعلي الخير إلى الحلة، ثم اقتيدت ~~إلى بيت الأم، وعند الباب قابلت ود أمونة، ولم تخف إعجابها به حين أعلنت وهي في ~~دهشتها الأولى: هنا برضو في رجال حلوين ونضاف بالشكل دا! # قلن لها: بالتأكيد. # ولم يفصحن أكثر، حيث احتفظن لأنفسهن بإجابات أخرى كثيرة، لكن بعضهن سألن بعضهن في صمت: ~~لماذا بالفعل لم نفكر في ود أمونة كرجل؟ لقد ظل عالقا في أذهانهن كصديق، كأخ، أو كخادم ~~طيع، وربما في بعض الأحيان: كعراب. شرحت لها أدي وضعية ود أمونة في البيت، وأن ~~بإمكانها الاستعانة به في كل شيء، وأن عليها أن تعامله برفق، ولا تثقل عليه. ~~- هنا نحن كلنا نعامله كدا. # تم تصنيفها كفتاة سرير جيدة؛ لذا حددت لها شروط الوظيفة، وأخلاقياتها، وقيمها، ~~كان لها طلبان؛ الأول: ألا تفعل شيئا مع أي كان إلا بعازل جنسي، وعرفته بالاسم ~~«كوندوم»، الثاني: هو أن لها الحق في أن تقبل الزبون، أو ترفضه، ولا يجب أن يجبرها ~~أحد. ~~- حسب مزاجي أقبله، أو أقول لا. # ثم أضافت عبارة جعلت أدي تضعها في مصاف المحترفات، عبارة كشفت كذبتها المركزية، بأنها ~~ما قدمت إلا هروبا من الخدمة الوطنية الإلزامية، حيث قالت وهي تلوي فمها يمنة ويسرة ~~في مزاجية عجيبة: السمعة الطيبة ms151 المعروفة بها أدي، خلتني ما أناقش مسألة القروش ؛ ~~نصيبها كم، ونصيبي كم؟ ولأن أدي في حاجة إلى دماء جديدة، وافقت على كل الشروط، وكلف ~~ود أمونة بالذهاب إلى سوق الكترة، وشراء كرتونة كبيرة من العازل الجنسي ال «كوندوم» ~~بالمواصفات التي قدمتها زينب إدريسيت، مرفقة باسم الشركة، وسنة الصنع، زودته بعينة ~~للمقارنة حتى لا يخدعوه بعينة قديمة انتهت صلاحيتها، وبقيت محتفظة في حقيبتها بكمية كبيرة ~~من أجود الأنواع، قالت لها أدي: ود أمونة اعتبريه أخوك. # واعتبرت أدي أنها قلدت زينب تميمة تحمي بها ود أمونة من أي نوايا سريرية قد ~~تفكر فيها، فقد نقل لأدي تعليق زينب، بعد تكييفه محليا، بتفاسيره، وحواشيه الملحقة، ~~لم تعلق زينب بت أسمرا، هزت رأسها إيجابا وابتسمت، فيما بعد قالت زينب لود أمونة: ~~أنت أجمل راجل في الحلة دي كلها. # قال خجلا حيث إنه أول مرة في حياته يسمع تعليقا واضحا عن نفسه وصريحا: معقول؟ # قالت وقد صارت أكثر صراحة ووضوحا: كلهم عفنين، ووسخانين، وريحتهم ترمي الصقر من السما، ~~الرجال في أسمرا يشبهون الملايكة، أنت مفروض تعيش في أسمرا، تشتغل بارستا في أي بار، أو ~~فندق هناك، تكسب دهب عديل. # ثم أخبرته عن المكانة الكبيرة التي كانت تشغلها في أسمرا، وكيف أنها كانت نجمة عالية في ~~سماء المدينة، سمعتها تطبق الآفاق، لولا التجنيد الإجباري: آه، آه، أنا ما بحب الحرب، ولا ~~الموت، ولا بحب أشوف الدم، أخبرها عن رجال مختلفين ومثقفين جاءوا من الخرطوم، مدني، ~~القضارف، كسلا، وبورتسودان، الأبيض، يعملون في البنك وشركة الاتصالات، طلمبة البترول، ~~الأمن، الشرطة، سوق المحاصيل وفي المحلية أيضا، هنالك ضباط جيش وبعض الجلابة أصحاب ~~المشاريع الكبيرة وأولادهم أيضا، شرح لها أن الحلة بالنهار ليست الحلة بالليل، ~~وأن معظم من ذكر يأتون للعشاء الفاخر في منزل أدي ليلا، وبعضهم يأتي لتناول وجبة ~~الإفطار، حتى معلمو الثانوية العليا، وأكد لها أنه وأدي سوف يخصصانها للرجال من ~~الطبقات العليا وليس الجنقو، أشارت له بأنها تحس أن بينه وأدي شيئا غريبا، فحلف لها ~~بربه أن ms152 ذلك لم يكن، وأن أدي لا تمثل له سوى صاحبة المنزل، فالمهنه تقتضي ألا ~~تخترق حدود الأم، ولما اطمأنت: راودته عن نفسه، حسنا سوف يقضي آخر طلبات أدي ويعود ~~إليها، ولكنها فقط عندما طلعت شمس اليوم التالي، تأكد لها بما لا يدع مجالا للشك أنه لن ~~يعود، نامت! # | قسم الشيخ العربي # الأراضي التي زرعها البنك وموظفوه قدرت بثلاثة آلاف فدان، أو أكثر بقليل، في الواقع ~~كانت هذه الأرض بورا؛ تنمو فيها أشجار الكتر، الطلح والسيال، وبعض الأعشاب الموسمية ~~التي تخضر مع موسم المطر؛ مثل البوص، والنال والعدار، وقد حجزت هذه المساحة منذ عصر ~~الاستعمار الإنجليزي كمراع للماشية؛ حيث يحيط بتلك المنطقة وبأعداد كبيرة بدو الحمران ~~واللحويين، الذين يعتمدون في حياتهم على الرعي، وما كانت فدادين البنك لتثير إشكالية ما ~~لولا أنها كانت كل ما تبقى من أراض غنية بالأعشاب للرعاة، حيث إن كبار التجار ظلوا ~~يستولون على أراضي الرعي بشراهة في السنوات العشرين الأخيرة؛ مما دفع الرعاة إلى الهجرة ~~إلى ما حول المدن والتجمعات السكنية، وقد تخلص كثير منهم من حيواناته، واشترى عربة ربع نقل ~~وبيتا، وفتح دكانا أو مطعما، وعمد على حياة المدينة، ولكن الكثيرين منهم استعصموا ~~بماشيتهم، وهؤلاء هم من أثار المشاكل. # دفع الرعاة بوثيقة قديمة منذ عهد الإنجليز تخصص ~~المكان للرعي، ترسمه، تخططه، تحدد معالمه، ممهورة بختم وتوقيع الحاكم الإنجليزي في ذلك ~~الزمان مستر غوردون باشا، يحتفظ بالوثيقة الشيخ عباس اللحوي، وهو أحد الشيوخ الأعراب في ~~جراب من جلد الماعز، محشور في شنطة حديدية كانت تستخدم لتخزين الذخيرة من بقايا حرب ~~الطليان والإنجليز، كانت تفوح منها رائحة وبر الشياه، وعبق عشرات المواسم المطيرة، ووهن ~~الأزمنة التي تنسحب متباطئة كسولة، وعفونة طازجة لخيانات مختلف الحكومات الوطنية، وشتى ~~الحكام الوطنيين، كانت تنتظر في صبر حذر، كفتيلة لغم قديم صدئ، طرح الشيخ العربي ~~الوثيقة على الأرض مباشرة، على الرغم من المحاولات المميتة من قبل أعضاء اللجنة لإقناع ~~الشيخ العربي بوضعها فوق طاولة كبيرة من الصاج، كانت تتوسط جمهرة الخصوم والمصلحين، ms153 ~~قرئت على عجل وكأنها محفوظة مدرسية، ثم حلف شيخ العرب بالطلاق على أنه إذا لم ~~يتنازل موظفو البنك عن الأرض بما زرعوه عليها، أنه سيفعل ما لا تحمد عقباه، مؤكدا أنه ~~لا يخشى الحكومة إطلاقا، ما دامت عصابة من البلطجية والسفهاء تقلع حقوق الناس نهارا ~~جهارا، وختم حديثه قائلا: «السواي مو حداث!» # ودون أن يستمع لما قيل بعد ذلك، طوى وثيقته في رفق وأناة وخرج، تبعه في صمت سبعة من ~~أولاده وكبار عشيرته، ووصل إلى مسامعهم بعد يومين أن مدير البنك علق قائلا: ورقته دي ~~خليه يبلها ويشرب مويتها، هو قايل الإنجليز لسع قاعدين؟ ظاهر عليه من ناس ~~أهل الكهف. # أعضاء لجنة المصالحة زعموا بحكم ما لهم من معرفة وثيقة بأمزجة العرب، نابعة من معايشة ~~لصيقة أن بعض المال والاعتذار سوف يبطل ثورة شيخ العرب، ويحولها في الغالب إلى تكبيرة ~~فرح، وبالفعل حدد مبلغ من المال كبير أضيف إليه وعد بهبة إلى شيخ العرب، مقدارها ~~مائة جوال من الذرة بعد الحصاد، وتم إرسال المبلغ والوعد مع وفد الصلح رفيع المستوى، حيث ~~أكرمهم شيخ العرب، مبديا رفضا ضعيفا للمال والوعد، ولكنه سرعان ما عاد وتسلمه ~~جبرا لخاطرهم! فيما بعد فسر أحد أعضاء الوفد أن قبول الشيخ المال بهذه السهولة، يعني ~~أنه أخذه كحق لا كرشوة، وهذا يعني أنه لا يزال على موقفه الأول، لم يصدقه أحد، فالبعض ~~متشائم تسيطر عليهم روح التشكك، وشيخ العرب بنفسه أكد على أن إكرام الزائرين لا يتم بأقل ~~من قبول وساطتهم، وذاك إرث قديم يحرصون على صونه، وإذ قال شيخ العرب فإنه يعني ما يقول، ~~قال العضو المتشكك: ولكنه حلف بالطلاق! # قالوا ساخرين: العربي لو ما حلف بالطلاق في اليوم ثلاث مرات يكون مريضا! # كانت في نفس المتشكك خيوط منطق واهنة أخرى، لكنه فضل الاحتفاظ بها حتى لا يصنف طابورا ~~خامسا، كما أن به رغبة صميمة في أن تستمر علاقته بالبنك مزدهرة وسالمة من عوارض الزمان ~~والمكان، ما لك وموضوع شيخ العرب؟ قالوا: إن البنك عندما ms154 صنف أعداء التقدم والمدنية ~~بالحلة، الموسومين بتهمة خلق المشاكل، وإثارة النعرات القبلية، وادعاء المعرفة، أخذت أنا ~~وصديقي مواقع في رأس القائمة، فليس غريبا إذن أن يستجوبني مكتب الأمن في بناياته المرعبة ~~خلف السوق، وكانوا يطالبونني بالإجابة عن سؤال واحد، داروا حوله كثيرا، وقد كانوا بدءوا به ~~أيضا، وخرجت منهم دون أن أشبع شهية السؤال فيهم؛ لأنهم انتهوا به كذلك: لماذا جئت إلى ~~الحلة؟ # أنا ذاتي لم أسأل نفسي هذا السؤال، وكان حريا بي أن أفعل، لقد زرنا أنا وصديقي أماكن ~~كثيرة؛ قرى، مدنا، ومفازات، ومنذ أن طردنا للصالح العام قبل خمس سنوات ما استقر بنا ~~الحال في مكان أكثر مما استقر بنا بالحلة؛ حيث تزوجت أول امرأة أحبها، وأعرفها في ~~حياتي، وهي ألم قشي، وللمرة الأولى فلحت الأرض، وصار لي بيت، وأرض خاصتي، وأظن ذلك من ~~بعض حكمة خلقنا؛ إعمار الأرض. # لا أذكر كيف كنت أجاوبهم، ولكنني ذكرت اسم ألم قشي أكثر من عشرين مرة، على الرغم من أنهم ~~لم يطرحوا علي ولو سؤالا عرضيا عنها، قالوا إنهم يعرفون عني وعنها كل شيء، ولكنهم لا ~~حاجة لهم بهذا الذي يعرفون، إنهم يريدون معرفة شيء واحد فقط: لماذا جئت إلى الحلة؟ بيني ~~وبين نفسي أعرف أن هذا السؤال هو المفتاح السحري لدائرة إبليس عند طواسين الحلاج، إذا ~~قبلت به دخلت الدائرة اللعينة التي تحتوي في بطنها على أخرى، كلما انغلقت واحدة انفتحت ~~واحدة، فيستحيل الخروج إلا للدائرة السابقة فقط؛ لذا كنت بغريزة ميتافيزيقية أنزلق على ~~سطح الدائرة، ولا أحفر فيها، حذر الولوج، وهو ما يعرفه الأمنيون بالزوغان من الإجابة، ~~وغالبا ما يعالج هذا المرض الخطير بالضرب في الرأس مباشرة، لكنهم لم يفعلوا؛ ظنا منهم ~~أن الوقت تجاوز هذا الأسلوب فضرره أكثر من نفعه. # | جهنم، جهنم عديل # انتصف شهر أكتوبر تماما، وذلك يعني ضمن ما يعني أن المزارعين فرغوا من حصاد السمسم، ~~وأن العيش استوى تماما، جفت أقصابه، وقناديله، واستدعي حاصدوه، وراجت دعاية بأن البنك ~~استورد عددا كبيرا جدا من الحاصدات الآلية ms155 الحديثة؛ كي تقوم بحصاد العيش والسمسم، ~~والحاصدة التي تحصد مائة فدان في اليوم لا تحتاج غير ثلاثة من العاملين الفنيين القادمين مع ~~الآلات من المدينة، وعاملا واحدا غير ماهر يقوم بالعتالة. # لقد أحضرت هذه الحاصدات في وقت ~~ينتظره الجنقو طويلا، وهو الشهر الأخير من موسم الحصاد؛ حيث يرتفع سعر العمل إلى أعلى ~~مستوياته، وها هم الجنقو الآن فرادى وجماعات يتفرسون في الآلات الشيطانية، وهي تقوم بالعمل ~~نيابة عنهم، وترميهم في جب العطالة دون رحمة، وتضحك عليهم بتعتعة معدنية حامضة ممقوتة ~~تهتز لها الأرض، كان ملاكها موظفو البنك أيضا، وقد قللت سعر العمالة للربع تقريبا، ~~وكي تطلق طلقة الرحمة على هؤلاء الجنقو المحبطين الآن، نوقشت في ندوة غاب عنها المغني ~~العجوز في منزل أداليا دانيال، موضوع المبيد الكيماوي، الذي لا يترك قشة أو نبتة ~~طفيلية واحدة تنمو، وينوي البنك استيراد هذا الشيء في الموسم الزراعي القادم، بل سيأتون ~~بماكينة تتولى استئصال الأشجار الكبيرة والصغيرة على السواء، في ما لا يزيد على ربع الساعة ~~بدلا من عملية أم بحتي اليدوية، التي تأخذ فيها الشجرة الصغيرة وحدها ما يقارب اليوم ~~بكامله، دون أن يأمن المزارع ألا يظل منها باق في جوف الأرض، ماكينات وآليات لم تطف ~~يوما بكوابيس الجنقو، ولكن ها هم الآن يسمعون بها كما الأحجيات، وقد رأوا منها آلة حصد ~~السمسم العملاقة ذات الأذرع المرعبة، التي تتلوى على الأرض مثل ثعبان جريح، ويسمع صرير ~~سيورها وخوار عادمها على بعد مئات الأمتار، وكان الجنقو يتجمعون بصورة عفوية من التايات ~~القريبة، والكنابي، والحلال المجاورة؛ ليتفرسوا في هذا المخلوق الذي يبتلع السمسم ~~ابتلاعا، ثم يلفظه في لحظات معبأ في جوالات الخيش، ويرمي بأقصابه دائخة على الأرض السوداء ~~الجافة، لقد رأوا حاصدات عيش الذرة من قبل، ولكنها لم تنجح كثيرا في هذه الأنحاء؛ نسبة ~~للخيران الكثيرة، والغابات، وتكلفة صيانتها العالية، ولكنهم يقولون إن هذا المخلوق صنعه ~~الصينيون خصيصا لمواكبة طبيعة الأرض في الشرق، ومواجهة ندرة الوقود، وغلاء العمالة ~~اليدوية، وكلما سمع الجنقو بميزات هذه الحاصدات ms156 الجديدة ازدادوا إحباطا، وقد علق ~~أحدهم قائلا: الناس ديل ما لقوا آلة تحمل النسوان كمان، عشان نشوف لينا شغلة تانية ~~في الدنيا دي؟ # لقد كان أثر هذه الآلات والدعاية المصاحبة لها عميقا في كل نواحي الحياة، ليس في ~~الحلة وحدها، ولكن في الجيرة والحفيرة، خور مغاريف، الفشقة، الهشابة، زهانة، ~~همدائييت، جبل عسير، في الحمرة نفسها، في تسني وضواحي القضارف، على تخوم سمسم، ~~الجنة بره، اللية، حجر العسل، الحوري، أم سقطة، العرديبات، المقرن، المفازة، ~~الحواتة، دوكة وريفها إلى أعالي نهر الدندر، وأولاد شيقوق، مشروع غنم، عرديبة كرسي، ~~عرديبة تجاني. أصيب الجنقو بخدر في الروح بارد ومر، الحلة تمثل مركزا لهم دون ~~منازع؛ لذا كانت الفجيعة هنا أكبر والتغيير واضحا، مثال لذلك العطب الذي أصاب بيت الأم؛ ~~قل زواره من الجنقو، وصغار المزارعين، وشردت داعراته وعاملاته، كثير منهن هاجرن للمدن ~~المجاورة خاصة خشم القربة، كسلا، القضارف، بل ذهبن حتى إلى الخرطوم، وعمل بعضهن على جانبي ~~الطريق القومي بائعات للقهوة، الشاي، الشيشة، والأطعمة لسائقي الشاحنات السفرية، حتى ود ~~أمونة يقال إنه يتدبر أموره للانتقال إلى الخرطوم نهائيا، ويثرثر الناس بأنه قد استلطف ~~من قبل شخصية مرموقة، وأن الحظ قد يبتسم له ابتسامة كبيرة جدا، حدث هذا في أقل من شهر ~~واحد، ولكنه شهر تقوم عليه شهور السنة الاثنا عشر كلها، وفيه تكتمل زينة الجنقوجوراي، ~~وربما استطاع أن يضع أمنية كبيرة من المال عند صديقاته من صانعات الخمور البلدية، أو ~~أدي، اللائي يمثلن بنوكا شعبية صغيرة، أمينة رحيمة طيبة وغير ربوية، في ذات هذا الشهر، ~~تخزن النساء حاجاتهن من العيش الذي يشترينه من صغار المزارعين رخيصا، وقد يحتفظن بجوال من ~~السمسم؛ للاستفادة من فرق السعر لاحقا، عندما تفتح زريبة المحاصيل لاستقبال إنتاج ~~الموسم الجديد، أو عندما تدخل شركة السمسم كمشتر، أو تحدث كارثة ترفع سعر السمسم، ولكن ~~الأيام تمضي سريعا، البعض يحصد المال الوفير سهلا، ويقف الجنقو، وصغار المزارعين، والنساء ~~يتفرجون، وقد هرب الكثيرون وعلى رأسهم الفكي علي الزغراد، ومدير البنك، بعد أن حاول ms157 اغتياله ~~رجال مجهولون، وسافر خلق كثير من الجنقو إلى أقاليم أخرى، على مشارف الحواتة وضواحي ~~القضارف، مؤكدين للجنقو هنالك أن البنك قادم إليهم قادم إليهم، ومن الأحسن أن يبحثوا ~~عن سبل للعيش أخرى، وأن الدعاية التي يسمعون هي الحقيقة عينها، امتلأت الحلة بالعسكر؛ ~~بوليس، وجيش، احتياطي مركزي، ودفاع شعبي، شرطة شعبية، وأمن عام، أمن إيجابي، وأمن اقتصادي، ~~وظهرت حملات تجنيد مذعورة للشباب والشابات أيضا، وحتى العجزة أدخلوا الدفاع الشعبي، وبدا ~~واضحا للجميع أن هنالك علة ما قد لا يدرون كنهها على وجه الدقة، ولكنهم يفهمون من ~~وراءها، على الأقل يستطيعون ترشيحه بكل سهولة: المال، كانت الحلة تمر بلحظة ميلاد جديد ~~قاس، ميلاد يقتل ويحيي، هي نفسها لحظة اكتشاف الذهب في الأرض الجديدة، والماس في بريتوريا، ~~والكيب تاون، والقطن في السودان، إنها لحظة اكتشاف المال السهل، نوع من الحمى غريب، حمى ~~المال. # الصافية تحمل على ظهرها القوقو مشدودا عصاه من حطب العندراب، يتبعها خمسة من الجنقو ~~الذين دائما ما يشكلون معها فريقا واحدا، نزلوا عندنا في التاية، في الصباح عملوا ~~معنا في الحصاد، وسكب القصب في آن واحد، كانوا سعداء وهم ينشدون أغاني الحصاد الجميلة ~~التي كادت تيبس على أفواههم، منذ أسابيع كثيرة توقفوا عن العمل؛ نتيجة لمنافسة الآلات ~~الرخيصة السريعة والأكثر دقة، كانوا يعملون بشهية كبيرة ومتعة لا تحدها حدود، ثم جاء ~~إلينا فريق آخر، بقيادة تور مراح مرسال، وفي رفقته ثلاثة من الجنقو، ثم انضم إلينا فريق ~~وورل أجانق، ثم محمد ود النوايمة، ثم الصادق آدم عباس في صحبته الطيب كبسون وحسن عبيد ~~الجنقوجوراي الملقب بالدب، ثم، ثم، ثم، كأنما دعي الجنقو عن طريق الإذاعة التي يسمعونها ~~طوال الوقت، وملأت الأغنيات سماء المكان الصافية الزرقاء، وأقمنا أجمل الليالي هنا؛ لأن ~~قطعة الأرض التي اشتريتها بقصد الزراعة، وعملت على نظافتها مع الشايقي، ومختار علي، لا ~~تتعدى مساحتها العشرة أفدنة، ففي خمسة أيام فقط تم حصادها، وقطع قصبها وجمعه في كوم واحد ~~كبير، وزربه بالشوك حتى لا تصيبه الحيوانات، أو تعبث ms158 به القرود، وافق مختار علي أن نترك ~~للشايقي نصيبه؛ لأنه غير موجود الآن، وأن نقسم الباقي مع الجنقو بالتساوي، وهو ما رفضه ~~الجنقو تماما، ولكنهم وافقوا على أن تخصص خمسة جوالات عيش من الفيتريتة للمريسة، وأن تسلم ~~لبيت الأم، نقلنا العيش بلوري الخط إلى الحلة، وكان أول عيش يتم جلبه، وشاء القدر ~~كذلك أن يكون آخر عيش يصل الحلة في هذا الموسم الحافل. # بعيدا عن رأيي أنا الخاص في ما حدث؛ أخير هو أم شر، أريد أن أؤكد شيئا أساسيا، أنني ~~كنت بعيدا عن مجريات الأحداث، أولا لانشغالي بحصاد الأرض التي زرعتها مع الشايقي، ومختار ~~علي، ثانيا لانشغالي بأخبار ألم قشي، في الحقيقة أخذ هذا الشيء الأخير الجزء الأكبر من ~~تفكيري، ولم يترك لي وقتا لأعرف تفاصيل الجنقو المسلحين، ولا من انضم إليهم من رعاة ~~حانقين منذ أن زارني الشايقي قبل شهر مضى، ورد لي المبلغ الذي أخذه مني في حادث باص ~~همدائييت؛ أقصد أنني ما كنت متفرغا، بصورة أو بأخرى، لما يشبه الندوات الكثيرة التي ~~أقامها الجنقو في التايات والكنابي المجاورة، وربما حتى تلك التي عقدت مؤخرا في ~~الحلة، وكان لبعد ود أمونة عني، وانشغاله بالبنكيين وقد كثرت زياراته إلى الخرطوم ~~وزاد انشغالي بالمفازات أثر في افتقاري لما يملأ فراغاتي المعلوماتية، وينبه غفلتي، ولكنني ~~لم أستطع أن أسامح نفسي على أن أفاجأ مثلي مثل الهوام والبهائم بالحدث العظيم، ففيما يشبه ~~الندوة الفجائية، أو في الحقيقة الندوات التي تفوق المائة الطارئة التي انعقدت في شوارع ~~الحلة، وفي بيوتها فجأة، كالنبت الشيطاني في لحظة واحدة، كان الكلام يدور عن النار! حسنا ~~دعنا نلتقط بعض الأوصاف التي يطلقها الناس، يصفونها لأنفسهم؛ لأنه ليس هنالك شخص ينتظر أن ~~يسمع شيئا من آخر، وصفا أو تفسيرا: جهنم، جهنم عديل. # قالت امرأة عجوز تحاول جهدها أن تسمعني صوتها: يا ولدي دي شيء ما حدثت إلا لقوم ~~سمود. # قالت الأم مريم كودي للأطفال المرعوبين، الذين استجاروا بالكنيسة يصلون: الرب يسوع يكون ~~في عونهم. # ورسموا خلفها شارة ms159 الثالوث المقدس، دعوا لأصحاب المشاريع الصغيرة بالعوض الجزيل : ~~آمين. # وقع الحدث العظيم عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، حينها استيقظ الناس على ضوء حريق ~~هائل في عمق المشاريع، وكان اللهب الجبار يتشابى إلى عنان السماء الصافية الزرقاء، كتنين ~~أسطوري يحاول أن يلعق الأنجم بلسانه الناري، اندلعت في البداية بضعة حرائق هنا وهناك، ثم ~~الأرض كلها اشتعلت نارا، قل أذرع مجنونة تلعب في الفضاء لعبا، كان عرسا من الجحيم لا ~~يمكن وصفه، وتبع ذلك موسيقى تصويرية بائسة من صراخ الأطفال الذين صحوا مذعورين، وولولة ~~النساء المرعوبات، وهترشة السكارى، ثم علا عزيف زخات الرصاص من أعماق غابة زهانة، وتحركت ~~كتيبة من الاحتياطي المركزي والشرطة، تتخبط دون هدى حول الحلة، حيث لا يمكن الخروج ~~لمكان آخر، فالنار هناك دائما والحلة هي المكان الوحيد الآمن، كانوا يصنعون تشكيلات ~~عسكرية عبثية لا معنى لها في الغالب، ومع شروق الشمس؛ فضت النار احتفالها مخلفة ~~أرضا سوداء كحناء على أطراف عروس هائلة دافئة وأسطورية، تهب جسدا بآلاف الأفدنة، ~~قربانا للريح. # | نشيد الجسد # لا يعرف الناس شيئا حقيقيا عن الأم؛ لافتراضهم الخاطئ بأنهم يعرفون عنها كل شيء؛ ~~بالتالي لم تحك عنها حوادث، أو أشياء مدهشة، ولم أسمع أحدا يتحدث من قبل عن حياة ~~أدي؛ ماضيها، أسرتها، بلدها، ولا حتى اسمها الحقيقي، فلقد كانت مثلها مثل كل الأشياء ~~المعتادة كالماء، والسماء، والليل، والنهار، قال لي ود أمونة، وكنا في ذلك الحين نحكي ~~عن ذكريات سجن القضارف؛ أنا كابن سجان، وهو كسجين صغير في صحبة أمه، حينما انحرف بنا الحديث ~~إلى سيرة أدي: لو ماتت أدي فجأة، لا قدر الله؛ منو الحيرثا؟ # وما كان ود أمونة يرجو إجابة مني، بل كان يكمل رأيا أدلى به في بداية حديثنا عن ~~أدي، كانت مقاتلة في الحركة الشعبية لتحرير إريتريا، منذ أن كان عمرها لا يتجاوز السبعة ~~عشر عاما، ود أمونة وغيره من الناس يعتبرون ذلك من المسلمات والبديهيات، ويؤمنون ~~بأنها كانت محاربة شرسة وشجاعة وجميلة، وأنها قائدة ميدانية بارعة، وأنها هزمت كثيرا ms160 ~~وانتصرت كثيرا؛ شأنها شأن كل الأبطال، ورأت موت الرفاق والأصدقاء، وجرحت وأسرت وهربت ~~من الأسر، وأنها كانت قبل الثورة صديقة لمنقستو هيلا مريام، عندما كان فالولا في تخوم ~~الحدود السودانية الإريترية الحبشية، ويظن أن أحد والديها إريتري، والآخر إثيوبي، أو ~~كلاهما إثيوبي، أو إريتريي، كل هذه المعلومات الواضحة التناقض هي المعرفة الجيدة والوحيدة ~~المسموح الإيمان بها وتصديقها هنا في الحلة، لم تسمح لي فترات جلوسي معها ومقابلاتي ~~القصيرة لها بالتأكد من صحة هذه المعلومات؛ حيث كانت الأم دائما مشغولة بشأن يخص البيت، ~~أو أحد الزبائن، أو البنيات، وود أمونة، الوقت دائما للعمل، قال لي وهو يمسح وجهه ~~الوسيم بكفه: أنت ما بتعرفني كويس، مش؟ # اندهشت في بادئ الأمر، كنا في بيت أدي صبيحة هروب حبيبتي ألم قشي مني إلى زوجها ~~وطفلتيها، ولقد فرغ ود أمونة نفسه لتسليتي، شربنا معا بعض كئوس العسلية المنعشة، ~~قلت له بعد تردد قصير: والله، لحد ما. # قال ضاحكا محاصرا إياي: من القولات والندوات في بيت المرايس وبس، مش كدا؟ # قلت له معترفا بتقصيري في خجل: تقدر تقول كدا؛ لأننا ما لقينا وقت نقعد فيه مع بعض زي ~~القعدة دي، حتى الأم ذاتها، أنا معرفتي بيها طشاش طشاش، وفي حاجات قلتها لينا أنا وألم قشي ~~عن السجن، والطباخ، وأمك، والعازة، وشوية حاجات تانية ما أظني متذكرها. # قال بتأثر: أنا ما لاقي زول أتكلم معاهو عن نفسي، عني أنا بالذات، أنا عندي حاجات كثيرة ~~زاماني في صدري، عايز زول صاحب أحكيها ليه؛ عشان يوريني الصح شنو، والخطأ شنو، قلت له، ~~وقد أحسست أنني في ورطة؛ لأنني في الحق لا أعرف الصحيح من الخطأ في السلوك الإنساني، وهو ~~يريدني الآن حكما: أنا بحب أسمعك، ولكن أنا ما بقدر أقول ليك دا صح، ودا خطأ، ولا في زول ~~في الدنيا بيعرف الصح من الخطأ، لكن على كل حال أنا عايزك تحكي لي كصديق، وكأخ ما ~~أكتر. # حرك الهواء على جمر الشيشة بهبابة صغيرة من السعف، فبدا الجمر محمرا، بعد ms161 أن تطاير ~~الرماد في كل الاتجاهات، وكأن ذلك يعني الكثير لود أمونة؛ لأنه قال لي مباشرة بعد ذلك: ~~حياتي زي الجمرة دي، أنا ما ارتحت لحظة. # ثم هتف فجأة، وهو يحملق في وجهي: أنا بت ولا ولد؟ # ولأنه ما كان يريد مني إجابة بعينها، واصل حديثة بهدوء شديد، شرح لي كيف أنه اكتشف نفسه، ~~وهو في نحو الثامنة عشرة، كانوا مجموعة من الشبان يسبحون في نهر باسلام، وهو أحد ميادين ~~اللعب التي يواظبون عليها ويؤدون بعض الألعاب المعروفة، مثل التمساح والغطاس، ولعبة العود، ~~وغيرها، وكانوا يتلامسون في كل هذه الألعاب بأجسادهم، وهو شيء عادي ولا غرابة فيه، ولكنه ~~ذات يوم أحس برعشة قوية كادت تغرقه عندما التصق جسده بجسد ولد آخر، بينما هما يلعبان لعبة ~~التمساح والغطاس، كان دائما ما يعجب برشاقته ومهاراته في صيد الطيور، والأرانب البرية، ~~التي تكثر في الضفة الشرقية من النهر، الضفة المتوحشة غير المأهولة بالسكان، ولكن ما حدث في ~~ذلك اليوم كان شيئا غريبا جدا، قال لي: قلت في نفسي، ربما أكون لمست البردة. # وهي سمكة تفرز شحنة كهربائية عالية للدفاع عن النفس، ونادرا ما توجد في تلك المياه، كان ~~هذا هو التفسير الوحيد المتاح لود أمونة في ذلك الوقت، ومر هذا الحدث مرورا سريعا ~~لم يتوقف ود أمونة عنده كثيرا، ولكن ما حدث له مع الرجل الغريب الذي جاء لبيت الأم ذات ~~درت «صيف» يعتبر نقطة التحول الفعلية في حياته، كان رجلا ناعما رقيقا، يبدو في أوآخر ~~خمسينياته، رشيقا، وسيما، ويتحدث بلطف وهدوء كبيرين، كانت النساء يتكلمن معه في كل شيء ~~دون حرج، بل وكأنه واحدة منهن، عندما رآه ذلك الرجل ناداه، أمسك بيديه، وجذبه قريبا من ~~وجهه، كان له عطر مميز أصبح عطر ود أمونة الأساسي منذ ذلك اليوم، قربه أكثر إلى أن ~~أحس بأنفاسه في وجهه، قبله قبلتين في خديه، ومرر أنامل يده اليمنى على شفتيه متحسسا ~~رقتهما، ثم همس في أذنه برقة، وهو يمسح بيده الأخرى على شعره: اهتم بنفسك، أنت ms162 ~~أمير. # وسمعها ود أمونة: أنت أميرة. # كان يرتجف في نشوة مسحورة، وهو يستنشق كلمات الرجل وقبلاته بكل ذرة من جسده، والحق أنني ~~سمعت هذه القصة من قبل برواية قريبة من ذلك، ويبدو أن ود أمونة بحكايتها لي يريد أن ~~ينفي القصة الأخرى، التي بلا شك يكون قد سمع بها مرارا وتكرارا، هذا إذا لم تكن هي ~~الحكاية الحقيقية، وما قصه لي كان ليس سوى محاولة لتضليلي، يقال بصراحة وبوضوح إن الرجل ~~عندما رأى ود أمونة نهض كالملسوع، احتضنه في رقة بالغة، قبله كما يقبل الرجال النساء ~~في شفتيه وقيل - ويكفينا الله شر القولات - إنه قبله في وضع آخر حساس، وذلك أمام النساء ~~من بينهن ألم قشي ذاتها، والحمد لله وحده أن أدي ليست بالبيت في ذلك الوقت، إلا لكان ~~لها شأن آخر معه، وقيل إنه وسوس له بكلام كثير لم يسمعه أحد غير ود أمونة، وكل الذين ~~خمنوه لم يذهبوا بعيدا عن أنه كلام غواية، وقلة أدب، لكن سوف يلاحظ في مذكرات ود ~~أمونة - قد وصفها البعض بأنها غير لائقة - التي نشرت بعد سنوات كثيرة من تركه للوزارة، ~~والعمل العام، وتفرغه للحياة كما يقول، إن ذلك الرجل سلمه مفاتيح المستقبل في إشارة كريمة ~~من سيادته عن تلك الحادثة. # وسافر الرجل الغريب في اليوم التالي، ولم يره منذ ذلك الحين، إلا أنه أصبح يهتم بجسده، ~~ومظهره الخارجي، بمشيته، حركة يديه وردفيه بصورة مدهشة، وكان يرى في النساء النموذج ~~الأسمى للاهتمام بالجسد، بل قال لي بصورة واضحة إنه يتمنى أن يكون امرأة، وأنه يكره تلك ~~المذاكير التي تتدلى بين ساقيه، ويتشهى نهدين بارزين، وخصرا رهيفا، ووجها أنثويا ~~جميلا، وقال فيما معناه إنه يرغب بشدة في أن يرى دم الحيض يسيل من تحته، وقد لاحظت أمه ~~أمونة فيه تلك الميول الأنثوية منذ فترة مبكرة، ولكنها دائما ما تقول له: خليك راجل يا ود ~~أمونة، خلي حركات البنات للبنات. # وكان يغتاظ من تعليقها؛ لأنه في ذلك الحين ما كان يحس بأنه يتشبه بالبنات، إنما ms163 يتصرف ~~بسجيته، وقد يتشاجر معها كثيرا في هذا الشأن، قال لي فجأة، وهو يدفع بكلتا يديه في الهواء: ~~أنا جواي بت! «في أعماقي بنت.» # عندما نطق تلك الجملة أحسست به وكأنه قد تخلص من حمل ثقيل، كان يقبع على ظهره، ثم ~~تحدث كيف أنه يحس الآن بتأنيب الضمير لما فعله بطباخ السجن، وأنه لو يعود الزمن القهقرى ~~لما تردد لحظة واحدة في أن يمكن الرجل من نفسه، قال في حزن: المسألة ما كانت تستاهل العنف ~~دا كله. # قلت له عندما هدأ قليلا كلاما لا أدري مدى صحته: كل راجل جواه بت، وكل بت جواها ~~ولد. # قال وفي فمه ابتسامة قلقة: لا، أنا جواي بت حيقية، بت مجنونة، وعايزة تطلع بأي ~~شكل كان. # كنت أحس بصدق كل كلمة ينطق بها ود أمونة، وهو يكبر في نظري بصورة أسطورية، أجد نفسي ~~صغيرا جدا أمامه؛ لأنني لا أستطيع أن أقدم له أي مساعدة، ولو نصيحة هزيلة، وبالرغم من ~~أن ود أمونة بدا قويا ومتماسكا، فإنه كان يريدني أن أجاوب على سؤاله المركزي: ما هو ~~الخطأ فيه؟ ثم سألني ما إذا كان صحيحا ما يقال إن في أمريكا بإمكانه أن يتخلص من ~~مذاكيره بدون آلام، وقد يتزوج ويعيش ويعمل؟ أجبته أن ذلك صحيح، سألني: المشي لأمريكا ~~سهل؟ # أجبته، لقد كان هذا أكثر الأسئلة سهولة لدي: عن طريق اللوتري. # قال لي ببراءة: اللوتري دا شنو؟ # فشرحت له فكرة اللوتري، ثم سألني أكثر من عشرين سؤالا آخر، وعندما أحس بأنه قد أرهقني ~~بالأسئلة قال لي معتذرا: أنا حشرتك في مشاكلي الخاصة، وجننتك بالأسئلة البايخة، وأنت ~~براك عندك مشاكل قدر الجبال. # بالتأكيد كان يقصد مشكلة ألم قشي، فأكدت له سعادتي، التي لا توصف بقلبه الذي فتحه لي على ~~مصراعيه، وطلبت منه أن يحكي لي المزيد، كنت أريد أن أعرف هل حدث له أن التقى رجلا لقاء ~~حميميا، ولكنني لا أمتلك شجاعة صديقي في طرح الأسئلة، وتحمل نتائج الإجابات، ولم يحدثني ~~بذلك من تلقاء نفسه، ولكنني كنت متأكدا ms164 من أنه فعل، وكأنما قد قرأ ما يدور بذهني، قام ~~بتغيير مجرى الحديث، قال: أنت عارف إنه الأم أدي أكثر إنسانة سعيدة في الدنيا، بالرغم ~~من أنه ما عندها عيال، ولا عندها أسرة، حياتها ما اتزوجت ولا ولدت. # قلت له: السعادة الحقيقة هي لمان يكون الزول عندو هدف في الحياة، في ناس هدفهم الأسرة ~~والعيال، في ناس هدفهم المتعة اللي يلقوها من الناس من حولهم؛ من احترام، وحب، وصداقة، ~~وفي ناس هدفهم البحث عن كل شيء، كل شخص يعرف كيف يكون سعيدا. # قال ود أمونة متحدثا عن نفسه: أنا بحس بالسعادة لمان أخدم الناس، وأخليهم ~~مبسوطين. # تحدثنا كثيرا وجميلا، حدثته عن أسرتي، وأسرة صديقي، عن القضارف والسجن، بعين ابن سجان، ~~حدثته عن تجاربي في الحياة القليلة الفقيرة، مقارنة بحياته العميقة الصاخبة، وأسر لي ~~بنيته في السفر إلى الخرطوم والعمل هناك، وأن رجلا بالبنك وعده بأن يعرفه بشخصية مهمة ~~جدا، كبيرة جدا، غنية جدا، واصلة جدا، وشبقة جدا، وأنه إذا توافق معها ستنفتح ~~أمامه بوابات العالم كلها، وأكد لود أمونة قائلا: أنت تساوي وزنك دهب، لكن في ~~البلد دي لا تسوى بعرة. # لم أعلق تعليقا مفيدا على ذلك، ولكن كنت أحس بأن هنالك شيئا من المبالغة، ولو أنني لم ~~أستبعد ذلك تماما، وبعد أعوام كثيرة عندما أرسل لي صديقي رسالة إلكترونية ملحقا بها ~~كتابه الوثائقي، الموسوم بثورة الجنقوجورايات، لم أستغرب أن يصل ود أمونة إلى ما وصل ~~إليه من معرفة، ودرجة وظيفية رفيعة، ومنصب سياسي لا يحلم به ود أمونة، ولو أنه أعطي ~~طاقة خيال العالم كله. عندما أراد ود أمونة أن يغادرني إلى بعض مشغولياته، قال لي جملة ~~لم أفهمها جيدا إلى الآن: صديقك مدهش! # قلت له بسرعة: تقصد شنو؟ # قال وهو يقف عند الباب، وينظر إلي في وجهي مباشرة، وعلى فمه ابتسامة غنجة: أقصد مدهش ~~وبس. # قلت له: أنت في الباص يوم ماشيين همدائييت، تذكر يوم أخدوا قروشنا ناس الشايقي، قلت لي ~~حاجة عنه، ولكن ما تميتها. # قال ضاحكا: ms165 وأنت ما سألتني تاني، ما فيش بببح! # وخرج يتبعه عطره الجميل، في مشية تنم عن كبرياء وثقة في النفس لا تحدهما حدود، جريت ~~خلفه، أمسكت به، لأول مرة أحس بنعومة يده، كانت في رقة يد الطفل، أخذ يضحك، قال لي أنه ~~سيحكي لي ذلك في الوقت المناسب، ولكني ألححت عليه إلحاحا شديدا، وهو ليس من طبيعتي، ولكني ~~شحنت بالرغبة في أن أعرف ماذا جرى ما بين ود أمونة وصديقي المناضل صاحب النظريات، ولو ~~أنني طوال فترة صداقتنا التي امتدت للعمر كله، أي منذ الطفولة المبكرة إلى اليوم لم ألاحظ ~~أي ميول مثلية لديه، نحن ليس لدينا موقف أخلاقي ضد ذلك، ولكننا نصنف نفسينا من النوع ~~الميال للجنس الآخر، أو كما يحلو لصديقي قولها باللغة الإنجليزية # heterosexual ~~، لكني لا أستبعد أن يكون ود أمونة قد ~~ساقه إلى تلك النهاية، أو أنه أراد أن يتأكد بنفسه من أن ود أمونة مثلي، وأظن أن ~~صديقي في سبيل أن يبرهن فكرة ما أو خاطرة ما قد ينزلق إلى هوة أعظم، وحدث ذلك مرارا ~~وتكرارا، ولكنني أريد أن أعرف ماذا حدث بالضبط، وقد لاحظ ود أمونة تلك الرغبة في، ~~وكانت نقطة ضعف بينة وواضحة، وأعرف أن ود أمونة قد يستغلها استغلالا رهيبا، قال لي ~~بغنج: عايز تعرف؟ # قلت له، محاكيا طريقته في الكلام، وأنا أكتم غيظي: نعم، والآن؟ # عاد وجلس قربي على السرير الكبير خلف رجله، وأشعل سيجارة برنجي، وعندما بدأ يحكي لي عرفت ~~من تعبير وجهه أنه يؤلف القصة الآن، وكنت أشم عبق تخلقها طازجة في لسانه، لقد كان قبل قليل ~~صادقا معي، كان وجهه غير ما هو عليه الآن، طلبت منه فجأة أن يتوقف، وأن يحضر لي زجاجة ~~كونياك، ابتسم ونهض، انصرف في هدوء. # | خاتم النبي سليمان # بالتأكيد ما كان لرجل عاقل مثلي أن يبقى بالحلة دقيقة واحدة أخرى، فبينما ينعس الناس ~~الساهرون بالأمس مع مهرجان النار الذي أتى على كل مزارع الذرة، هربنا أنا وصديقي مختار ~~والصافية، وكثير من الجنقو الآخرين، نحو ms166 الحمرة بإثيوبيا، كنا قافلة صغيرة مرعوبة وخائفة، ~~تقودنا الأم التي كانت لا تحمل شيئا سوى صرة صغيرة ثقيلة، بها كل ثروتها في شكل ذهب، ~~ولكنها كانت تبدو مرهقة، نسبة لسمنتها، وبعد عهدها بالجري والهرولة، مضى أكثر من ثلاثين ~~عاما منذ أن ودعت ميدان المعركة، واعتادت على نمط عمل مريح، ورغم الخوف الذي يتملكنا ~~جميعا لم نتركها خلفنا، بل نحيط بها ونساعدها على حمل ثروتها، فلها علي وعلى كل واحد ~~منا فضائل كثيرة، عبرنا النهر سباحة؛ فالجميع يجيد السباحة بما فيهم الأم؛ حيث إنها تسبح في ~~خفة ومهارة قد يفتقدها كثير منا، هرولنا على أرض صخرية قاسية، ولكنها رحيمة وطيبة، تنكمش ~~في عطف تحت أرجلنا لتقرب لنا المسافة إلى الحدود الإثيوبية التي هي مقصدنا، وخط الأمان ~~الأول، كثير من الجنقو يحملون هواتفا نقالة، وقد اتصلوا بأصدقائهم وأقاربهم، وعرفوا أن ~~الجيش يتعقبنا، ولكن على أرجلهم، فآلاتهم القتالية وعرباتهم لا يمكن أن تعبر النهر. # وقالوا لنا هنالك احتمال أن يستعينوا بطائرات مقاتلة من القضارف أو كسلا؛ لذا تحتم علينا ~~أن نسابق الريح فعليا نحو الحدود الإثيوبية، وفعلنا، وفي اللحظة التي دخلنا فيها خور ~~الحمرة سمعنا ضجيج الطائرة الأبابيل خلفنا، كنا نظن أن الطائرة لا يمكنها أن تطلق علينا ~~قنابلها ونحن في الأراضي الإثيوبية، إلا أن الأم وجهتنا للاحتماء بالأشجار والكهوف التي ~~تكثر بالخور، كانت تحلق الطائرة فوق هامات الأشجار، ويثير هواؤها عاصفة غبارية كثيفة ~~تحجب عنا الرؤية وتشتت أفكارنا، ترمي كثيرا من الرجال الجوعى صرعى، ترعبنا وتحاصرنا حصارا ~~محكما، وكما لو كانت تريد الاحتفاظ بنا في الخور لحين وصول الجنود، وحين تتركنا للحظات ~~ربما للمناورة، كانت الأم تعيد ترتيبنا، وقد نبهتنا مرة بأن نهرب نحو عمق الحدود في ذات ~~الخور، ولكن متفرقين؛ لذا عندما عادت الطائرة مرة أخرى لم تجدنا هنالك، ولكنها لم تتوغل ~~معنا في داخل الحدود الإثيوبية، فتركتنا وعادت، وبعدما تأكد لنا أن الطائرة لن تعود تجمعنا ~~مرة أخرى عن طريق المناداة والصياح بصوت عال، كنا خمسة وعشرين جنقاويا؛ حيث إنني ms167 قمت ~~بعدهم بعدما عبرنا النهر مباشرة، الآن أربعة وعشرون ، ولم يكن صعبا أن يتبين الناس أن ~~الشخص المفقود هي أدي، وتفرقنا في الغابة والخور بحثا عنها، ناديناها بأقوى ما تستطيع ~~حناجرنا أن تصدر من أصوات، تتبعنا المسالك التي مررنا بها، عدنا للموقع الذي حاصرتنا فيه ~~الطائرة، ثم إلى المكان الذي شوهدت فيه آخر مرة، لم نجد لها أثرا، وظن بعض الجنقو ~~أنها تتبعت طرقا تعرفها إلى عمق إثيوبيا، فالمكان ليس غريبا عليها؛ حيث إنها كانت فالولا ~~قبل ثلاثين سنة، تتصيد السابلة على مشارف الحمرة وتسني، وقال البعض إنها ربما خشيت أن ~~يستولي الجنود الإثيوبيون على مالها، وأدلى كل بدلوه، ولكن ظلت الحقيقة غائبة إلى أكثر من ~~أسبوعين، إلى أن أخبرنا ضباط الرعاية في معسكر اللاجئين، أنهم وجدوا جثتها متعفنة على ~~بعد خمسة أميال شرق خور الحمرة تحت شجرة سيال، ويرجح أنها قتلت، ولم يجدوا معها ~~أي شيء من المال، أو العتاد. # قابلنا الإثيوبيون الرسميون والشعبيون بعد نصف ساعة من دخولنا الأراضي الإثيوبية، على ~~مشارف الحمرة عسكر وفريق طبي، موظفون أمميون، ومنظمة الهجرة الدولية، قاموا بالتحقيق معنا، ~~والتأكد من أنه ليس معنا أي أسلحة خطرة أو نارية، غير بعض الفئوس والأسلحة البيضاء الشخصية، ~~ثم فحصنا طبيا، وقمنا بطلب اللجوء السياسي، وهو المصطلح الذي لم يسمع به كثير من ~~الجنقو من قبل، تم حصرنا، وقام المسئولون بتحديد موقع لإقامتنا، وأعطينا أرقاما بدلا ~~من أسمائنا وقدمت لنا منظمة وطنية مجهولة بعض الطعام والماء؛ بتنا ليلتنا تلك في خيام ~~ضيقة، ثم أخذت الأمم المتحدة في صنع مبان أكثر راحة ملحقة بمراحيض، وحمامات، وعيادة صغيرة، ~~كنا مرهقين وجائعين ومتعبين ومتسخين ومفلسين، أنا بالذات لا أمتلك ولا قرشا واحدا، فقد ~~كان أملي في العيش الذي حصدته، وتركته في بيت أدي، التي تركته بدورها في الحلة، واختفت ~~الآن في مجاهل إثيوبيا، وكل الجنقو مفلسين مثلي؛ لأنهم ما عملوا في هذا الموسم عملا حصلوا ~~منه على مال، ولولا الطعام والشراب والسكن الذي يقدمه لنا المحسنون الأمميون لمتنا، ~~ثم ms168 ما لبث أن انضمت إلينا أسر أخرى وجنقو آخرون وفدوا من همدائييت، والقرقف، وزهانة. ~~بعد ثلاثة أشهر بالتمام، أي في بداية شهر يناير، أرسلت لي ألم قشي ما يفيد بأنها قد تنجب ~~طفلا في الأسبوع القادم، وعلي أن أحضر السماية في همدائييت إذا كنت أضمن سلامتي، كنت في ~~الخيمة وحدي عندما جاءني من عرفت فيما بعد أن اسمه إسحاق المسلاتي، غالبا ما أكون وحدي ~~في الآونة الأخيرة، فصديقي مختار علي بعد أسبوع واحد فقط قضاه معنا في المعسكر ضجر، رغب ~~في الخروج من المعسكر الذي لم يعد يطيقه، ويود الذهاب إلى فريق قرش؛ لديه أصحاب هنالك، طلب ~~مني أن أصطحبه، وقال لي إنه يمكننا العمل في الحصاد مع المزارعين الأحباش كعمال يومية، أي ~~كجنقو، وهو يعرف الطريق إلى مواقع العمل تلك؛ ولكن البقاء في المعسكر مثل الشحاذين تحت ~~رحمة الخواجات هذا لا يروق له ولا يقبله، وحينما رفضت فكرته وحاولت إثناءه عن الذهاب إلى أن ~~نتبين مجريات الأمور، ونتفهم الواقع، هرب إلى فريق قرش مع الصافية، وجنقوجورايين ~~آخرين. # قال لي الجنقوجوراي الغريب الذي عرف نفسه بسرعة: إن ألم قشي بصحة طيبة، وإنها سعيدة ~~جدا في بيت والد زوجها، وإنهم يحبونها جدا، ويحبون أطفالها، ووضع حقيبة قديمة تبدو ~~عليها بعض التشققات، سوداء اللون متوسطة الحجم مصنوعة من السمسونايت، قرب رجله وهو يجلس ~~على الكرسي الوحيد بالخيمة، بقدر سعادتي بأنها ستنجب قريبا طفلا يخصني كان حزني كبيرا، ~~وإحباطي أعظم بمعرفة أنها سعيدة، وأن أسرة زوجها تحبها، ألا يعني ذلك أن فرصة طلاقها ~~أصبحت هزيلة، بل تكاد تكون معدومة؟ قال لي الجنقوجوراي عندما قرأ حزني في وجهي، قال لي ~~بهدوء أن بفريق قرش نساء كثر، وأنهن جميلات، وحلوات، ورشيقات، ووصفهن بأنهن مثل السكر، ~~وهو الشيء الأكثر حلاوة في هذه الأنحاء من الدنيا، وطلب مني أن أذهب، وأبحث عن واحدة منهم ~~لأتزوجها، وأنه سوف يساعدني ويسهل لي الأمر بما لديه من معارف وأقارب هنالك، وعدد لي ~~جنسياتهن قائلا: بلالاويات، وفلاتيات، تلسيات عديل، ظبرناويات، بازاوايات، ms169 وجعليات، ~~ودينكاويات، وتكرونيات. سيلاحظ أن ذكر قبيلة المرأة مهم جدا بالنسبة لهذا الرجل ~~المسخوط، ويضيف لها قيمة جمالية خاصة من عنده بطريقة نطقها وتعبير وجهه، الذي تظهر منه ~~ملامح طفيفة على ضوء المصباح، ولكنها قاتلة وتقول كل شيء، العارفون يستطيعون أن يميزوا ~~الفرق بين المرأة والأخرى وفقا لقبيلتها، لكل طعمها المعروف، وهو بلا شك من العارفين، أضاف ~~بأستاذية ودراية عميقة بشئون البشر، وخاصة النساء: وطبعا الحبشيات دي بلدهم، البلد كلها ~~نساوين دي أجمل من دي، ودي تقول لدي أنت شنو، قلت له بصوت يخرج من بطني مباشرة: ما زي ~~«ليسوا مثل» ألم قشي. # قال بتحد: في أجمل منها كتير. # قلت محاولا تنبيهه إلى جوهر القضية: ما مسألة جمال. # قال بسرعة: مسألة شنو؟ في نسوان في الدنيا عرفن الموضوع دا أكتر من نسوان تانيات ~~«أخريات؟» في نسوان مخلوقات من طين ووحدات من نار؟ أنا عايز أفهم؟ # قلت له محاولا أن أجعله يفهم: المسألة ما مسألة موضوع. # قال ساخرا: يعني حب؟ ما في مرة تانية تحبها؟ معليش عايز أفهم. # قلت له محاولا أن أجعله يفهم: في، في كتير، ولكن. # قال لي محاصرا مقاطعا بطريقة غريبة مدهشة، وغير مفهومة: آها، شنو اللي في ألم قشي، ~~وما في مرا تانية «أخرى» غيرها؟ # قلت له محاولا بإحساس العاجز عن الشرح: ما عارف، حقيقة ما عارف. # قال لي بيقين راسخ، وأعصاب باردة: أنا عارف. # قلت له بسرعة: قول لي ليه، أنا ما عارف. # قال لي وهو ينظر للبعيد، وكأنه يتحدث مع الفراغ الشاسع حولنا: ألم قشي دي جنية، ~~امرأة من الجن. # قلت مستعجبا، ومستغربا، ومندهشا: جنية؟ # قال وهو يضع يده على كتفي في حركة غريبة: أيوا، جنية راسو عديل «حقيقية» جات «أتت» من ~~البحر «النهر» دا، البلد كلها جنون ساكنين مع الناس، وما في زول عارفهم. # كان طويلا أسمر له بشرة لامعة ووجه حليق نظيف. ~~- وأنت كيف عرفتها؟ # قال بنفس قصير، وهو يبتلع ريقا جافا: عرفتها. # ولأنني لم أر هذا الجنقوجوراي من قبل، أتاني إحساس غريب، ms170 بأنه فرد من الجن، وجدتني ~~أنظر إلى هيئته، رجليه وأصابعه، متحريا العلامات التي يقال إنها تفرق ما بين الجن ~~والبشر، وهي الأقدام، الجن دائما ما تكون أقدامهم أقدام حمير، والقلة كلاب، للرجل قدما ~~بشر، وهيئة إنسان سوي، ولا غرابة فيه إطلاقا، غير أنه نظيف بعض الشيء، وفصيح، وله ثقة ~~متزايدة بنفسه. # قال لي إنه أول شخص تعرف على ألم قشي في الشرق كله، ويظن أن ذلك كان شرفا كبيرا ~~بالنسبة له، وأشار بصورة أو بأخرى فيما يعني أنه متميز، قابلها أثناء ما كان يعمل في مشروع ~~عثمان عيسى هارون، بالقرب من كبري الهشابة، بينما جاءت هاربة من سجن بالحمرة، هكذا قالت ~~له، كانت فقيرة وخائفة من أن يدركها الشرطيون الإثيوبيون ويعيدونها للسجن، قام بإخفائها في ~~قطيته أسبوعا كاملا، قدم لها أجمل الطعام، والشراب، بل إنه اشترى لها بعض الملابس ~~الجديدة لتتخلص من تلك - على حسب تعبيره - المقملة، وقال إنه كاد أن يصدق حكاية السجن ~~والشرطيين الإثيوبيين والقمل، لولا أنه ذات صباح باكر راودته نفسه بمواقعتها، وقام بخلع ~~ملابسها ليفاجأ بخاتم الجان مضروبا في ظهرها: في آخر الضهر «الظهر»، وجنب الصلب ~~«الأرداف»، في شكل ختم النبي سليمان. # ورسمه لي في الأرض، سألني: شفت الختم دا ولا ما شفته؟ # كان يشير للرسم الذي يبدو مثل نجمة النبي داوود بمثلثاتها الغريبة، وقد رأيته كثيرا ~~منذ صباي الأول يرسمه الفكيان، والفقهاء الشعبيون على أوراق بيضاء، ويعطونها للنساء؛ لكي ~~يستخدمنها كبخور لطرد الأرواح الشريرة، وجلب الحظ الجيد لهن ولأطفالهن. # قلت له باستسلام: في شيء، لكن هو ختم، ولا وشم، ولا شامة خلقة، والله ما فكرت فيه، ~~ولكنه قريب من الشيء اللي رسمته أنت على الأرض. # كان في الواقع أن ما يوجد بظهر ألم قشي ورأيته أنا بأم عيني هو نفس الشكل الذي رسمه ~~الجنقوجوراي إسحاق المسلاتي، وفي نفس الموقع الذي وصفه، كان واضحا، بل بارزا بينا لا ~~يخفى، ولكنني كنت أضع مساحة لنفسي من أجل المراوغة. # أضاف مقررا بأن ذلك هو خاتم الجن، وأنه عندما ms171 سألها عن حقيقته هربت منه، واختفت عن ~~ناظريه، ولم يرها منذ ذلك اليوم إلا في الحلة معي. # وقالت لي وهي تبكي: استرني يا إسحاق ود درينق، استرني، لكن أنا حبيت أقول لك عملا لوجه ~~الله وحده! # قلت له: ومن وين عرفت أنت ختم الجن؟ # قال لي إنه قضى معظم سنوات حياته على شاطئ نهر سيتيت، بين هشابة، الجيرة، الحفيرة، ~~همدائييت، الحمرة، زهانة والشواك، إلى خشم القربة، وأن بهذه المنطقة أكبر مملكة للجن في ~~العالم، هم خدام سيدنا سليمان، الذين تفرقت بهم السبل بعد موته، وخشم القربة بالذات ذكرت ~~سبع مرات في كتاب جلجلوتية الأسرار، يسكن بأم أسود المكان المعروف خلف ضريح الشيخ أبشرا، ~~شرق السلخانة القديمة، مالك ملوك الجان نفسه المعروف بالأنور، وشاهده الكثير من سكان خشم ~~القربة، ولكن دون أن يدروا حقيقة ما يشاهدون؛ حيث إنه يظهر مرة واحدة في العام، وذلك في ~~ذكرى اليوم الذي أعادت السمكة فيه خاتم النبي سليمان الذي سرقه الجن من زوجته، عند ذلك ~~اليوم يفيض النهر وتخرج الأسماك، وهي حفيدات وأحفاد السمكة الجدة التي ابتلعت الخاتم، ~~وأعادته للنبي سليمان، ليلتقطهما الناس بالأيدي يشوونهما على الجمر، أو يسلقونهما ~~بالماء، وهو عقاب يلحقه بهما مالك ملوك الجان سنويا في يوم مشهود يسميه المحجوبون «يوم دق ~~السمك»، والأجدى بهم أن يدعوه يوم «السمكة»؛ لأنه لولا أن أعادت السمكة الجدة الخاتم ~~للنبي سليمان لما استعاد سطوته، وجبروته على الجن، وأذلهم، ولما انتقم منها في أحفادها، ~~لكن لجهل البشر بعلم الأسرار وضعف بصرهم وبصيرتهم، فلا أحد ينتبه له، قد يظهر في صورة ~~تمساح، أو طائر غريب، أو سمكة، لا يستطيع أحد صيدها، أو كما يشاء من هوام الأرض. # أجمل كما لو أنه أراد أن يختتم كلامه قائلا فيما يشبه نظرية، أو قولا منزلا: عن أن ~~الشخص الذي ضاجع امرأة من الجن، لا يذوق بعدها طعما لأي امرأة أخرى، وأكد لي بصورة قاطعة ~~أنه منذ أن عاشر ألم قشي قبل خمسة عشر عاما وإلى الآن لم يلمس أي امرأة ms172 كانت، وسألني ~~بصورة مباغتة: هل هبشت أنت مرا بعد ألم قشي؟ # وقبل أن أجيبه أضاف بصورة درامية في الحقيقة أقرب للكوميديا السوداء: أنا مش ح أخليها، ح ~~ترجع لي، ح ترجع لي، وأنا، ما ح أموت قبل اليوم داك أبدا. # قلت له ساخرا: يعني أنت في الصف معاي؟ # قال بجدية، مما جعلني أشك في سلامة قواه العقلية: مش أنا وأنت فقط، يفوتوا الألف ألف ألف ~~من الرجال، في الدنيا كلها منتظرين. # ولم أقل له كلمة أخرى، بل تمنيت لو ذهب الآن وغرب عن وجهي للأبد، ما كنت أرغب في أن أراه ~~مرة أخرى، تمنيت لو كنت في حلم، ولكن للأسف كنت أعايش واقعا فعليا يمكن لمسه، سماعه، ~~رؤيته، والتحدث إليه، بقي معي إلى ما بعد منتصف اليوم، يتحدث عن ممالك الجان، وأوطانهم، ~~وأسمائهم، وحلاوة نسائهم، وأنهم يوجدون في كل مكان في كل أشكال الأشياء، ويمكن أن تكون نصف ~~الأشجار التي حولنا الآن من الجان، ويمكنهم التحور في شكل حشرات، طيور، حيوانات أو بشر، ~~وفيهم المسلم، والمسيحي، واليهودي، والكافر، وفيهم الذكي والبليد، المستقيم والشقي، وأكد لي ~~مرة أخرى أن الجن الذي يسكن الشرق كله من خدم النبي سليمان، الذين تفرقت بهم ~~السبل بعد موت الملكة بلقيس حبيبة النبي سليمان، لسوء حظي أنني سألته عن حقيبة ~~السمسونايت القديمة التي تقبع قرب رجله، وكان هدفي شريفا هو تحويل موضوع الحوار لأي شيء ~~آخر غير الجن، وألم قشي، جلس على الأرض القرفصاء، تناول الحقيبة بهدوء لا يخلو من التوتر ~~وادعاء القدسية، قرب منها مصباح الزيت الصغير، أدار أرقامها الصدئة القديمة فانفتحت، كان ~~بها كتاب كبير أصفر الورق، يكاد يملأ الحقيبة كلها، ما تبقى من فراغ به أعشاب جافة لم أرها ~~من قبل، أو أنها لم تكن واضحة بما يكفي لكي أتبين فصيلتها، فقد ظل ضوء المصباح خافتا، قال ~~لي وهو يفتح الصفحة الأولى من الكتاب: تعال اقرأ. # طلبت منه أن يقوم هو بالقراءة، إنني أفضل ذلك. ~~- لا، عشان تتأكد لا أكثر. ~~- أتأكد من شنو؟ ms173 ~~- من الكتاب. # قلت له وأنا أقرب من الكتاب، ولكنني في الحقيقة كنت بعيدا عنه بما يكفي، فأنا لا أريد أن ~~أورط نفسي بما أسميه أعمال السحر، والشعوذة الفارغة، التي قد تنطلي على بعض الجهلاء، وكأنه ~~سمع ما تهمس نفسي له به، قال لي: دا كتاب عادي، ألفه الإمام جلال الدين الأنبار، ينفعنا ~~الله ببركته كما نفعنا بعلمه، ونقلته أنا بخط يدي، وجدته عند شيخ، ورفض يسلفني له، ~~فنقلته. # أكدت له لو أن مؤلفه الإمام علي بن أبي طالب نفسه، أو جدي عبد الكريم إدريس آدم، عليهما ~~رحمة الله، أنا أفضل أن يقرأ هو ما يريد قراءته، ولكي لا أكون حادا في اللفظ، تعللت له ~~بضعف الإضاءة، وضعف نظر عيني، تبسمل وقرأ لي صفحتين لا أذكرهما، ولكنهما توضحان أن من يكذب ~~ما ورد بهذا الكتاب يرمي بنفسه في تهلكة كبيرة ويخسر خيرا وفيرا، ومن يؤمن به ستحدث له ~~أشياء كثيرة جيدة ذكر منها الكثير، على ما أظن أن جملة، أو جملتين، تتحدثان عن قسم غليظ، ~~واسم الله الأعظم. # قال: من يمتلك اسم الله الأعظم يمتلك ربع الكون، وأن سر اسم الله الأعظم في هذا الكتاب ~~الذي بين يديه الآن، ولم أحاول أن أستفسر أكثر؛ لأنه سوف يجرجرني لمجاهل أكثر غموضا، وقد ~~يبقى معي الأسبوع كله، تبرع بنفسه أن قرأ لي عنوان الكتاب كاملا: جلجلوتية الأسرار، ويليه ~~كتاب أحرف النار، للإمام الفقيه جلال الدين الأنبار. # قال لي إنه يستطيع أن يحدثني عن مستقبلي، وحظي في الدنيا والآخرة إذا أردت، وقال إن ~~مختار علي عرف أن نهايته هي شجرة الموت من بين صفحات هذا الكتاب، وسألني سؤالا مباغتا: ~~وين دهب «ذهب» الأم؟ # قلت له ببراءة: سرقه لصوص وقتلوها. # قال مبتسما فيما يعني أن ذلك قمة الجهل، وهو نفسه كاد يقع في ذات الفهم، عندما سمع أن ~~الأم وجدت مقتولة وبدون كنزها من الذهب الذي لا تقل قيمته عن مائة مليون بر إثيوبي، ~~الحقيقة الوحيدة في هذه القصة أن الأم وجدت ميتة، ولكن من ms174 قتلها وأين كنزها؟ هذا ما ~~يعرفه هو وحده في الحمرة، هو والله في الكون كله، هو عن نفسه سوف لا يفشي السر مطلقا، قد ~~يفعل الله في يوم ما، فلله في خلقه شئون. # ما كنت أحتاج لفض سر موت الأم، أحتاج للنوم أكثر، أحتاج لراحة البال، وأن يذهب عني هذا ~~الرجل الشرير، وألا ينسى بأن يأخذ كتابه معه، ولكنه سألني أيضا فجأة: عايز «أتريد أن» تعرف ~~نفسك تموت متين؟ # في الحقيقة أحسست ببعض الارتباك، فسألته ما إذا كان يعرف هو نفسه متى يموت، فأجابني ~~بالنفي، وذلك لا لشيء إلا لأنه لا يرغب في ذلك، ولا يريد أن يزعج نفسه بمثل هذه الأمور، ~~ولكنه يعرف أن ذلك الشيء يمثل أهمية كبيرة لبعض الناس، وخاصة أهل المدن الذين يخططون ~~لمستقبلهم بصورة طيبة، وقد افتكر أنني واحد ممن يهمه ذلك. # قلت له عكس ما كنت أرغب فيه: ما عايز «لا أريد.» # صمت طويلا، أغلق كتاب، أدخله بدقة وقدسية في الحقيبة السمسونايت العجوز، نهض واقفا، ~~نفض التراب عن جلبابه النظيف، ودعني، وقبل أن يختفي تماما أي ما زلت أراه عبر ضوء ~~المصباح الشحيح صاح في بصوت غليظ أجرش، وكأنه قادم من قبر منسي، قائلا: ستموت في عمر 75 ~~سنة، وشهرين، وثلاثة أيام، في المساء، في بلد غريبة، وبعيدة. # ثم سمعت ضحكته تجلجل في ظلام المخيم، وهو يختفي تدريجيا مخلفا وراءه غابة من الأسئلة، ~~والأحزان، وظلاما دامسا، بعد دقائق معدودات جاءني جنقوجوراي شاب اسمه أبو النجا سعيد، وهو ~~من سكان مدينة خشم القربة، دخل كعادة الناس هنا دون أي استئذان، كأنما يدخل خيمته الخاصة، ~~بادرني قائلا: الزول دا كلمك عن الشياطين، مش كدا؟ # قلت له مستغربا: كيف عرفت! # قال لي: الزول دا مصاحب جنية، والناس كلها عارفاه، ساكن جنب البحر في الحفيرة، ~~مش قال ليك اسمه المسلاتي؟ # قلت دون إحساس بما أقول: نعم. # قال لي وهو ينظر إلى أم عيني مندهشا: أنت ما لك؟ خايف ولا شنو؟ قال ليك شنو الزول دا ~~أصلو؟ الزول دا ms175 أكتر زول كداب في البلد دي، اوعك تكون صدقته؟ قال ليك شنو؟ # قلت محاولا أن أكون طبيعيا: لا شيء، لا شيء. # في الصباح الباكر نويت أن أذهب إلى همدائييت مهما كلفني ذلك، فهي لا تبعد كثيرا عن ~~الحمرة، مسافة عشرين دقيقة بالمواصلات المحلية، وما يقارب الساعة بالأقدام، ولكن المشكلة ~~الكبرى، هي كيف يمكنني التسلل من المعسكر والعودة إليه مرة أخرى دون أن يعرف ذلك ضباط ~~الرعاية الاجتماعية؟ وأنا الآن شيخ المعسكر، وزعيمه، والناطق باسم اللاجئين، وغيابي ساعة ~~واحدة سيبدو ظاهرا للجميع، والمشكلة الأكبر هي المخاطرة بحياتي إذا تم القبض علي في ~~همدائييت، سوف يتم إعدامي في ثوان، تماما كما أعدم عشرات الجنقو الذين تأتينا أخبارهم ~~يوميا، كانت المعارك بين الجنقو والحكومة ما زالت مستعرة، والناس يتحدثون عن انضمام ~~شباب اللحويين والحمران إلى مسلحي الجنقو، قدروا عددهم بالمئات وأنهم الآن يتدربون على ~~السلاح في تخوم تسني بإريتريا، وكي يبدو الموضوع في غاية الخطورة أضيفت إسرائيل إلى ~~الحكاية، ويقسم البعض على أنهم رأوا الصهاينة رأي العين وهم يقومون بالتدريب، بينما نفي ~~البعض الآخر أن اللحويين أو غيرهم من الأعراب قد انضموا لجيش الجنقوجورا، ولكن الخبر ~~المؤكد أن الحكومة بالخرطوم عن طريق وساطة إقليمية تتفاوض مع المسلحين، ويتحدث الناس عن ~~اتفاقية سلام أخرى تخص الشرق. # أنا لست منشغلا بالحروب، كنت منشغلا بخزعبلات رجل اسمه إسحاق المسلاتي، عبارة عجيبة ~~تفوه بها، أبت أن تغادر صحوي، ولا منامي، قال لي: أنت واقع في سحر جنية. # تتملكني رغبة عارمة في أن أرى طفلي ولو للحظات قلائل، رغبة لا يضاحيها سوى إلحاح مسألة ~~ألم قشي بأكثر مما كانت عليه من قبل أن ألتقي بهذا المسلاتي المخبول، أنا لا أريد أن آخذ ~~منها الطفل على الأقل في الوقت الراهن إلى أن يكبر قليلا ويتم فطامه، ولكنني أريد أن أراه ~~لا أكثر، صارحت تسفاي ضابط الرعاية الاجتماعية بموضوع طفلي، فحذرني وحكى لي حقيقة ما يدور ~~الآن في المنطقة الحدودية ما بين قبائل العرب والجنقو الذين بدءوا يطالبون بحق الشرق ms176 في ~~السلطة والثروة ومن الجهة الأخرى الحكومة، وأنني إذا نجوت من طرف قد لا أنجو من الآخر، ~~واقترح علي أنه من الأفضل أن تحضر لي ألم قشي الطفل لكي أراه في الحمرة في منطقة الجمارك ~~أي عند البار، وهي النقطة المتاخمة للنهر الذي يفصل ما بين الدولتين، وهذه البقعة لا ~~تبعد عن المنزل الذي تقيم فيه ألم قشي مع بناتها وأبيهم أكثر عشر دقائق مشيا بالأرجل، وقال ~~لي أيضا إن ذلك سيكون آمنا، وبرعاية الجمعية الدولية للصليب الأحمر، وإنه سوف يبلغهم ~~عندما يحين الوقت، وهم الذين سيقومون بإحضار ألم قشي وطفلها إلى هنالك؛ لذا لا داعي ~~للمخاطرة بحياتي، ما علي إلا أن أحكم عقلي وأصبر، فقبلت بما اقترحه، بالفعل صبرت ~~حتى جاءني ضابط الرعاية ذات صباح، وطلب مني أن أصبح مستعدا؛ لأنني في الغد سوف أرى ابني ~~الذي أكمل شهريه الأولين، وهو بصحة جيدة، ويمكنني رؤية أمه أيضا. كانوا يعلمون أن ألم ~~قشي قد انفصلت عني بإرادتها، ويعرف تسفاي الحكاية كلها، لقد قصها عليه كل الذين هربوا ~~معي من الحلة، كل بطريقته وأسلوبه الخاص. كنت وحيدا كعادتي في تلك الأيام أحس بحزن ~~عميق، بل بضياع تام، وربما أصبحت سريع الغضب لحد ما، وقد تشاجرت مع امرأة من الجنقو ~~سرقت تمباكا من أحدهم، جاءوا بها إلي للفصل في الأمر، وكانت لئيمة وغاضبة، وحملتني كل ~~ما حل بها من تشرد وضياع، كل ما قالته يغضب، ورغم أن سرعة الغضب ليست من طبعي، كما ~~أن موقعي كشيخ للمعسكر يتطلب مني الحكمة والروية وليس الغضب والتسرع، إلا أنني بادلتها ~~ذات الألفاظ البذيئة التي عبرت بها عن غضبها، وكرهها لي، تألمت كثيرا بعد ذلك، أتت فجأة ~~الصافية التي ارتبط مصيرها نهائيا بجيش الجنقوجورا، وأصبحت لها أهداف أكبر من العمل، ~~والأكل والشرب، أسرت لي بأنها تريد أن تقرأ في الجامعة، وتتخرج محامية، وهذا ليس ببعيد ~~عند الله، فود أمونة قد وجد أخيرا من يرعاه، ويهتم به في العاصمة، وقد يصدق ما قاله ~~لهم صديقي عن النصر ms177 القريب، وأنهم سوف يحصلون على وضع متميز في الخرطوم بعد الاتفاقية، ثم ~~حدثتني عن مختار علي الذي أصبح مريضا جدا وصحته تتدهور يوميا، وأنه ذهب إلى شجرة ~~الموت بكامل اختياره، وقدر ما حاولت هي وأصحابه، وحتى الشايقي الذي يأتي أحيانا إلى فريق ~~قرش، لم يستطيعوا إقناعه بالعدول عن رأيه، وقد تركته الآن هنالك، وجاءت إلى هنا مستعينة بي ~~لإنقاذه، قد حملها وصية لي؛ وهي أن أعود مباشرة إلى القضارف حيث أسرتي، وألا أبقى ~~ثانية واحدة هنا في الشرق؛ لأن مصيري سيصبح كمصيره، ومصير كل الجنقو؛ شجرة الموت، وهو لا ~~يرجو لي هذا المصير التعيس. # العلاقة التي تربطني بمختار علي، أقل ما يمكن أن توصف به أنها علاقة أب بابنه، لقد رعاني ~~أنا وصديقي في أيامنا الأولى بالحلة، وكان نعم المرشد والدليل، وهو الذي فك لنا طلاسم ~~الحلة بحكاياته الجميلة، وأظن وأؤمن الآن بأن أقل خدمة يمكن أن أقدمها لمختار علي في ~~محنته هذه أن أذهب إليه في فريق قرش عند شجرة موته، وأثنيه عن الاستسلام للموت. # لم أفكر طويلا، رحبت الصافية ترحيبا كبيرا بالفكرة، علقت على أنها «عين العقل»، ~~وذهبت معي لإدارة المعسكر، استخرجت تصريحا لزيارة المدينة، وهو تصريح تستمر فعاليته ليوم ~~واحد فقط، وينتهي عند السادسة مساء، وهذا زمن كاف، إذا قبل مختار علي سآتي به إلى ~~المعسكر ويتم تسجيله كلاجئ، وسوف يحصل على المأكل، والمشرب، والمسكن مجانا، ولو أنه في ~~حد الكفاف، ولكن ذلك خير من لا شيء، بل أستطيع أن أستضيفه في خيمتي وأرعاه. # فجأة اقتربت مني كثيرا، قالت لي إن صديقي هو القائد الفعلي لجيش الجنقو والعرب، وليس ~~الشايقي، وهو الذي بعثها إلي، وأنه يطلب مني أن آتي وأقابله في فريق قرش لأمر تظن أنه ~~ضروري، وهو أن أنضم إليهم، تمالكت نفسي وأنا أطلب منها عندما تقابله تبلغه بأنني ابن آدم ~~مدني، وسأظل كذلك، أخاف من البندقية، ويرعبني اسم الحرب، ولا أستطيع قتل الإنسان مهما ~~اختلفت معه أو أساء إلي، ووضحت لها وجهة نظري في حل ms178 القضايا عن طريق قتل الجنود ~~المغلوبين على أمرهم، أعرف أنها لم تفهمني بصورة جيدة، أو أنها فهمت أنني جبان، أو شيئا ~~قريبا من ذلك؛ لأنها قالت لي معلقة على خطبتي المفعلة العصماء: الموت بيد الله. # ولكن من محاسن فهمها أنها عرفت أنني سوف أقوم بزيارة مختار علي فحسب، ولا أرغب في رؤية ~~أحد غيره في فريق قرش. ~~- ولا صديقك؟ ~~- نعم، ولا صديقي. # كانت الصافية تتكلم بصورة مستمرة، هي ليست عادتها، ولكن يبدو أنها في ظرف العطالة، وعدم ~~العمل امتهنت الكلام، كان عليها دائما أن تقوم بعمل شيء ما، ما كانت تحب الحرب، هي الآن ~~مجبرة على التعايش معها، كانت تسرد له تفاصيل ما يجري بين الجنقو والحكومة، على الرغم من ~~أننا كنا وحيدين في الطريق إلا أنها كانت تهمس لي أحيانا بما تظن أنه أسرار لا يجب أن ~~يسمعها الآخرون، المسافة ما بين المعسكر وفريق قرش ليست بالبعيدة، وخاصة أننا سوف نستقل ~~حافلة النقل الجماعي من السوق، كان سوق الحمرة كما هو منذ أن رأيته أول مرة قبل سنوات ~~كثيرة، أشبه بسكن عشوائي منه لسوق، تنتشر فيه المطاعم الفقيرة جدا، والحانات الصغيرة التي ~~تقدم الخمور الرخيصة والبيرة «البدلي» ومشروب الأوزو المسكر المحبب لدى الجنقو الفقراء، ~~كما أن الزائر العاشق بإمكانه أن يقضي وطرا عجلا بمبلغ أربعة جنيهات إثيوبية «أراد بر»، ~~الفتيات الجميلات في ملابسهن الخليعة الملتصقة على أجسادهن، ورءوسهن المشيطة بالشعر الذهبي ~~المستعار، يجلسن عند أبواب كهوفهن يدعون المارة للولوج، لم يتغير في الحمرة سوى تكاثر عدد ~~أفراد الجيش الإثيوبي، الذين جلبوا لضبط الأنشطة العسكرية على الحدود مع السودان، وحماية ~~اللاجئين، كانت الصافية تمضي أمامي بسرعة أكثر كلما مررنا بمثلهن. # إلا أنها توقفت فجأة أمام حانة صغيرة، دعتني لاحتساء بعض البيرة البدلي، وإذا أحب كأس ~~كأسين من الأوزو قبل أن نواصل سيرنا، ونبهتني إلى أنها سوف تشتري معها شيئا قليلا لمختار ~~علي، وتعني البيرة الداشن، ولأنني لا أمتلك نقودا وقلت لها ذلك بصراحة؛ قالت إنها سوف تقوم ~~بالصرف علي، وأن ms179 لديها ما يكفي من المال، وأضافت أن صديقي أرسل إلي معها بعض النقود، ~~ولكنها لن تسلمني إياها إلا عندما أعود إلى المخيم حتى لا أضيعها في الكلام الفارغ، ~~والصعلكة مع النساوين. ~~- عايز أشتري حاجة لمختار علي. # قالت وهي تحتسي جرعة كبيرة من البيرة: مختار علي لا يحتاج لشيء، عايز يشوفك وبس. # النادلات الجميلات يستعرضن أجسادهن الشهية أمامي ببذاءة واضحة، ودعوة صريحة للمجاسدة، وقد ~~تجرأت إحداهن بالجلوس على رجلي فصرفتها بأدب، وقلت لها بالأمهرا إنني لا أفيد فيما ترجوه ~~النساء من الرجال، واستخدمت هذه الجملة الطويلة؛ لأن القصيرة قد تبدو غير محترمة، بل ~~وعدوانية، وهي لم تقم بما تجرم عليه؛ إنهن يؤدين عملهن اليومي لا أكثر، نظرت إلي ~~باستغراب بما يعني أنها فهمت واختفت، من ثم توقف الاستعراض الجسماني البديع، لقد كنت أستمتع ~~بمنظرهن ويعجبني أن أرى أجسادهن الجميلة تتشهاني، ولو بمقابل طالما لم أتبع أيا منهن إلى ~~الغرفة الداخلية في الممر الضيق الذي يفصل بين غرف الشرب والسكن، كانت الصافية ترقبني ~~بزاوية عينها وحمدت الله على شيئين؛ بأنني لا أمتلك مالا بالتالي لا أمتلك قرارا، ~~فالصافية هي التي تشاء في أمري ما تريد، وقد لا تكون من ضمن مشيئتها النساء، والشيء الآخر ~~أنني منذ زمن ليس بالقليل أصبت بما يشبه البيات الشتوي لدى بعض الحشرات، أي لم أعد أرغب ~~في النساء، وعندما تأتينني «بنيات إبليس» في الحلم يكن في صورة ألم قشي، وهؤلاء النسوة ليس ~~من بينهن ألم قشي حبيبتي، ولم أمارس الجنس فعلا مع غيرها، هي المرأة الوحيدة في حياتي، ~~وستظل كذلك للأبد. # قالت لي وقد احتسينا ثمالة كأسينا: نمشوا «نذهب.» # صفقت، فحضرت النادلة سريعا وقفت قربي، سألتها الصافية بالأمهرا: سنتي نو؟ # فكرت النادلة قليلا وهي تحملق في المنضدة، ثم ردت بصوت رقيق: حمس بر. # فأعطتها الصافية الجنيهات الحبشية الخمس، رمقتني النادلة الجميلة بنظرة أخرى، وهي تأخذ ~~الزجاجات الفارغات والكأسين وتمضي: ها هي امرأة تدفع له الحساب، ألا يؤكد ذلك ما قاله لي ~~سابقا بأنه مخصي، مسكين! # ومضينا نطلب ms180 شجرة الموت، لم أتعرف على مختار علي من الوهلة الأولى ، فقد بدا لي أكبر من ~~عمره بعشرات السنوات، وصار نحيفا، وقد برزت عظام وجهه، وربما أصبح أكثر قصرا مما تركته ~~قبل شهور كثيرة، لاحظت ذلك عندما نهض مختار علي من مرقده ليحتضنني بمحبة صادقة، كان نظيفا ~~ويفوح من جوانبه عبق البخور، قال لي: كنت أعرف أنك ح تزورني قبل ما أموت. # أكدت له أنني جئت لآخذه معي، وسآخذه معي، ولن أتركه ورائي في ظل هذه الشجرة إطلاقا، ~~كانت شجرة الموت العملاقة تسمع كل ذلك، وهي تدلي أفرعها الكبيرة التي تمتد أكثر من عشرة ~~أمتار في الفراغ، مثل أذرع مخلوق أسطوري عملاق، ظليلة وكثيفة الخضرة طوال العام، لا يعرف ~~من هو الشخص الذي زرعها، وهذا ليس غريبا؛ لأن أشجار النيم عادة تزرع بواسطة الطيور التي ~~تبتلع الثمار الناضجة، وتطير بها مئات الأميال في هجراتها الطويلة وتزرقها حيثما حطت ~~رحالها، يقدر عمرها بأكثر من مائة عام؛ حيث إن كل الأحياء بمدينة الحمرة رأوها بهذه ~~الشاكلة وهم أطفال، لعبوا تحتها وهم صبيان، عايشوها وهم شيوخ، تغرد عليها أطيار الكروان ~~والببغاوات الكبيرة الحجم في أواسط الفصل المطير، وتسكنها أطيار الرهو البيضاء في هجرتها ~~الصيفية، يرقد تحتها الآن سبعة أشخاص، خمسة من الجنقو والاثنان من الإثيوبيين، يحكي عنها ~~الناس حكايات مرعبة، ويقال إنها تخبر الشخص الذي يلجأ إليها بيوم موته، تهمس له به في أذنه ~~عند الصباح الباكر، صوتها أشبه بصوت امرأة عجوز، ويقال إنها تحتفظ بروح الميت معلقة في أحد ~~فروعها إلى يوم القيامة، كما من الشائع هنا الحديث عن بكائها ودموعها، كلما مات أحدهم في ~~ظلها، أو على حسب التعبير المحلي هنا: «عندما يسلمها الأمانة»، ولكن أغرب قصة حكيت عنها هي؛ ~~أن أحد الجنقو جاء لينهي مشوار حياته بها، بعد أن انغلقت قدامه وخلفه سبل الحياة، وبلغ به ~~الفقر والمرض والجوع مبلغا عظيما، ولكنه في يوم ما من أيام إقامته تذكر أن لديه بعض ~~جوالات السمسم مع أحد التجار بسوق همدائييت، وأنه إذا ms181 اتصل به، أو ذهب إليه، وأخذها قد ~~تعيشه لما يقارب العام وتوفر له مصروف العلاج؛ لذا قرر أن يغادر شجرة الموت إلى همدائييت، ~~حمل القوقو خاصته، ودع أصحابه، وعندما مشى نحو الخارج، وقبل أن يغادر ظل الشجرة هبط عليه ~~أحد فروعها، اقترب من أذنه، وهمس له بصوت امرأة عجوز: ماشي وين؟ شايل الأمانة معك؟ # ولكنه دفع الفرع بعيدا عنه، وأراد أن يهرب، غير أن الفرع أمسك به، وسحبه للظل، وأصيب ~~الجنقوجوراي المسكين بالشلل أثر الرعب والخوف، ولم يستطع أن يغادر الشجرة مرة أخرى إلى أن ~~سلمها الأمانة، هي روحه الغالية، في صبيحة اليوم التالي. # قال لي مختار علي أنه لا يستطيع مغادرة هذا المكان إلا لقبره، وأضاف: الشجرة كلمتني، ~~كلمتني، بكرة الصباح إن شاء الله ح أسلم الأمانة. # كان يتحدث بثبات بالغ، وبإيمان عميق، لولا أن الصافية حذرتني من البكاء عند الشجرة لبكيت؛ ~~لأن من يبكي تحتها يموت تحتها أيضا، وأنا لا أريد أن أموت هنا، على الأقل الآن. # أعطيته سيجارة برنجي، ابتسم لي، ساعدته في العودة لفراشه الخشن، كان قربه القوقو، تلك ~~الحقيبة الوفية التي لازمته لأكثر من عشرين عاما: أعرف أنها ستقتلني في يوم ما، ستودعني ~~إلى باب القبر، وتبقى هنالك تضحك علي. # نبهتني الصافية بأن الساعة شارفت على الخامسة، وعليها أن تعيدني لمعسكر اللاجئين، وتعود ~~مرة أخرى، ووعدتها بأن أحضر غدا لتشييع جثمان مختار علي، سلمتني المال الذي أرسله صديقي ~~لي، وكنت قد تسلمت منها الطعام المعلب، والملابس بالمعسكر، عندما جاءتني في صبيحة هذا ~~اليوم، وقبل أن تصطحبني إلى شجرة الموت، كنت بالفعل في حاجة بالغة لذلك المال، على الرغم من ~~أن تسفاي ضابط الرعاية الاجتماعية كان قد فاجأني بهدية، ومعها بعض المال من أجل طفلي وزوجتي ~~سابقا ألم قشي من حر ماله؛ لعلمه بأنني أعدم القرش الواحد، وسأكون محرجا أمام طفلي وأنا ~~أراه لأول مرة، أتركه دون أن أقدم إليه شيئا، كان يعرف أن ذلك محزن جدا، صباح اليوم ~~التالي استيقظت مبكرا، غسلت نفسي جيدا، لبست ms182 الملابس الجديدة التي أرسلها لي صديقي، ~~وأخذت المال، والطعام المعلب ، وهدية تسفاي، آملا أن أقدمها لأم طفلي، ومضينا في ~~لاندروفر 110 نحو الحدود السودانية، في الطريق كانت تطوف برأسي أفكار شتى، لم أكن أفكر في ~~ألم قشي وولدي وحدهما، وهو الأوجب وما يظن الأمميون أنه ينبغي أن يحدث، ولكني كنت أفكر ~~في أمور مختلفة وأناس شتى وعلى رأسهم ود أمونة، وكنت قد عرفت من بعض الجنقو الذين ~~انضموا أخيرا لمعسكر اللاجئيين بالحمرة أن العازة أطلقت من السجن، بعد قضاء زهاء ~~الخمسة أعوام به، وذلك عندما عرف ود أمونة السبيل إلى مسئول كبير في الخرطوم، قدم له ~~ود أمونة خدمة خاصة جدا، ولكن أكثر الأخبار إدهاشا عن ود أمونة، وصلتني فيما ~~بعد، أي بعد عشر سنوات من هذه الأحداث، وأنا في المهجر بالولايات المتحدة الأمريكية، هي ~~أنه أصبح وزيرا اتحاديا باسم كمال الدين اليماني، كيف حدث ذلك؟ تلك قصة سوف يحكيها لكم ~~أي فرد من الحلة، فيما يشبه الندوات يوم مريسة أي سيدة جميلة كانت، أو تجدونها في كتاب ~~صديقي الذي أشرت إليه سابقا الموسوم «بثورة الجنقوجورايات»، أو في مذكرات ود أمونة ~~الخاصة التي صدرت ببيروت بعنوان «حياتي»، تطرق سيادته فيها لأشياء كثيرة تخص حياته، لقد كان ~~صريحا جدا في بعضها، ولكنه أيضا كان شديد الغموض في البعض الآخر، أي في البعض الخاص ~~جدا، الذي لا يهمنا بقدر ما يهمه هو شخصيا، واستعرض في هذه المذكرات القيمة كفاحه من ~~أجل البقاء، بل من أجل أن يصبح إنسانا يشار إليه بالبنان، وذكر فيه في عدة مواقع اسم ~~العازة، وألم قشي، وأشار للأم باسمها الحقيقي وهو «استيفانيس»، وهذا اسم لا يعني شيئا ~~لمحبي الأم؛ لأنهم ببساطة لا يعرفونه، ولقد عبت عليه ذلك؛ لأن الأم قدمت له الكثير، وكان ~~دائما ما تفخر به، وهو في ذلك الوقت لا يسوى شيئا ذا بال، ولم يرق لي أيضا ادعاؤه بأنه ~~كان أحد قادة ثورة الخراء العظيمة ضد موظفي البنك، بل صنع لنفسه دورا مميزا بها، وأستطيع ms183 ~~أن أقول إنه سطا على إنجازات صديقي كلها في هذه الثورة ، في الوقت الذي وصفنا فيه أنا ~~وصديقي بالمتعنظين، ولا أدري ماذا كان يقصد بها بالضبط، ومرة أخرى وصفنا بالحالمين، وذلك ~~عندما تحدث عن ثورة الجنقوجوراي، وحملهم للسلاح، ولكنه لم ينس أن يذكرني بأنني كنت أحد ~~الذين ساعدوه في أن يفهم نفسه، وقال إنه لا يخجل من تاريخه الحزين؛ لأنه لم يصنعه بيده، ~~صنعته الظروف التي حوله، وهو قام بأحسن ما يمكن عمله لشخص في حالته وفي ظروفه التي وصفها ~~بالخاصة جدا، أما التاريخ الذي يجب أن يحاسب عليه هو التاريخ الذي بناه بنفسه، وهو تاريخ ~~النجاح، خروجه من دوائر «الفقر والوحل»، نعم، لقد استخدم هاتين الكلمتين. # أما أجمل وأصدق ما بهذه المذكرات هو الجزء الخاص بالسجن، ولقد استفدت منه كثيرا جدا ~~في الجزء الأول من هذه الرواية الموسوم «بالسجين، السجن والسجان»، ولو أنني لم أعتمده ~~كاملا، ولكنه كان لي بمثابة العظمة التي بنيت حولها اللحم، وللأمانة العلمية، وحفاظا على ~~الحق الأدبي أنني بنيت شخصيتي السجان الطباخ، والعازة، وفقا للصورة التي رسمها لهما سيادته ~~في مذكراته، ومعظم النقد الذي قدم لهذه المذكرات من الأخلاقيين، ودعاة السترة كان فيما ~~يتعلق بشأن السجن، وقد كتب أحدهم بأنه كان على السيد الوزير أن يسرد تاريخ مدينة القضارف ~~العريق، ويتحدث عن البطل النور عنقرة، ذلك الوجه المشرق للمدينة، بدلا من الخوض في قاذورات ~~السجن، وأوحاله، وأدان تلك الإشارات الجنسية التي تبدو واضحة في مذكراته، عندما تحدث سيادته ~~عن طفل صديق له بالسجن، كان يعتدي عليه الطباخ جسديا، أو شيء قريب من ذلك. # أما الشيء الذي فشلت المذكرات في أن تبرزه بصورة جيدة، وبدا مشوها وناقصا ومرتبكا، ~~فهي شخصية الطفل صديق ما أصبح فيما بعد سيادة الوزير بالسجن، وهما طفلان، الطفل الذي صور ~~ضحية لكل شخص وكل زمان ومكان، الذي نعتقد بل نؤمن إيمانا قاطعا أنه ما يعرف في روايتنا ~~بود أمونة، على كل؛ هذه المذكرات متوافرة في خارج السودان بكثرة، وقد تحصلون عليها ~~بمجهود ms184 قليل. # طاف بذهني أيضا: الفكي علي، أبرهيت، أدي، بوشي الجميلة، عالم لا أول له ولا آخر، إلى ~~أن توقفت العربة اللاندروفر عند البار الذي يقع على الضفة الشرقية من نهر سيتيت، مواجها ~~الضفة الغربية التي تقع في السودان، كنت أعرف هذا البار، فقد قدمت إليه مرات كثيرة، ولي ~~فيه ذكريات حلوة ومرة أيضا، حيتني البارستات اللائي قد تعرفن علي، حيتني «القنيش» ~~صاحبة البار، فيا طالما سكرنا معا وتشاجرنا، كم سبحنا معا في النهر، سكارى وعراة كما ~~ولدتنا أمهاتنا، كانت ابتسامتها التي استقبلتني بها تحكي كل ذلك، وكنت أبحث عن ابني، وألم ~~قشي، في كل من ألتقيه، إلى أن قادني تسفاي وموظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى ~~غرفة خلفية صغيرة، وجدتها مليئة تماما بألم قشي، وطفلي الذي سميته مباشرة محمد وهو اسم ~~أبي، كانت ألم قشي في أبهى حالاتها، أرق، أحلى، أشهى، أنضر، وأروع ما تكون المرأة، يفوح ~~منها عبق عطر جستس الذي كنا نفضله دائما، ومقلتاها النجلاوان مكحولتان بدقة تعرف بها، ~~طلبت منها طلبا لا أرجو له إجابة، ولكن لمجرد أن أشعرها بأنني ما أزال أحبها؛ لأنني ~~حقيقة أحبها حبا لم ينقصه صدها، هجرها، وجنونها، مثقال ذرة؛ أن تأتي لتعيش معي في ~~المعسكر بالحمرة، نربي طفلنا معا إلى أن نجد لنا مخرجا، قالت لي بالتجرنة وهي تبتسم، ~~وتعبث برأس الطفل، في خجل: أني نقمؤ مفي. # إلى الآن لا أصدق ما سمعت، أبدا لم أكن أتوقع أنها جاءت لتبقى معي، كم هو مدهش حقا ~~عالم النساء، بل كم هو محير ومجنون! ولا أستطيع أن أعبر عن إحساسي بتلك اللحظة حتى بعد ~~خمسة عشر عاما، حينما بدأت في كتابة روايتي الأولى الموسومة بعنوان: الجنقو مسامير الأرض، ~~وكنت وألم قشي وأبناؤنا الثلاثة بالمهجر، في ولاية فلوردا الأمريكية. # في طريق عودتنا للمعسكر بعربة اللاندروفر، كنت أحمل طفلي الجميل محمدا، وبجانبي تجلس ~~ألم قشي، تنظر إلي بين الفينة والأخرى وتبتسم، كنت أسعد رجل في العالم، وبينما أنا أتفحص ~~طفلي، وأبحث في ملامحه عن تفاصيل أسرتنا، ms185 إذا بي أرى أسفل ظهره شامة صغيرة زرقاء، ~~تبدو في ضوء الصباح الساطع كما ذلك الرسم الذي خطه لي على الأرض ~~المسلاتي المريب: خاتم النبي سليمان. # خشم القربة # ديسمبر 2004 إلى 12 يناير 2009 ms186