######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.MaYatabaqqaKullLaylMinLayl.Hindawi20295038 #META# Tags: literature #META# ID: 20295038 #META# Title: ما يتبقى كل ليلة من الليل #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # للمطر القروي‏ # شوف‏ # محض تشه‏ # الأعظم في الوحدة‏ # سكة البيت‏ # العالم لا يشم صراخ الأرواح بدارفور!‏ # صلاة الجسد‏ # ما يتبقى كل ليلة من الليل‏ # وحده يبقى الشاعر من الليل‏ # غريب عنك، الورد‏ # سيرة المخلص‏ # ليس حبا‏ # صوت الظلام‏ # شتاء‏ # أمل‏ # عصافير‏ # أبد‏ # قبح‏ # وعد‏ # علم‏ # أوطان‏ # طرق‏ # جرح‏ # النار‏ # وحدة‏ # أحزان‏ # هروب‏ # أمل‏ # حرية‏ # رفقة‏ # هلوسة‏ # سماؤه‏ # عبق الذنب‏ # في ذكرى مرور أعوام كثيرة على مغادرة بوذا لمدينة أسيوط‏ # بغم الأسماء‏ # بغم الخطيئة‏ # بغم ويلتاه‏ # بغم الشجرة‏ # ثمار البيت‏ # طيور تقول لك: صباح الخير‏ # سيرة ذاتية للشاعر مايا كوفسكي‏ # جمهرة النشوة‏ # ظفر‏ # بئر الرغبة‏ # اللحن الأكثر قدسية وشبقا‏ # في مديح الحانثات‏ # ليس من طليق بيننا‏ # قلبك منفاك الأعظم‏ # امرأة مثل دبيب النمل على الجرح‏ # نشيد الشتات‏ # ما لم أقله للسيد‏ # لعنة الكتابة وكتابة اللعنة‏ # ما بين الرواية وقرينتها‏ # استثمروا في المستقبل، فإن المستقبل يدوم طويلا‏ # مانديلا‏ # المثقفون السودانيون والمصنفات الأدبية والفنية‏ # البيت‏ # عندما غنت فيروز لأمي‏ # الناشر الشبح‏ # عمان مدينة تحرسها الآلهة تايكي‏ # حوار مع وداد الحاج‏ # إهداء‏ # للمطر القروي‏ # شوف‏ # محض تشه‏ # الأعظم في الوحدة‏ # سكة البيت‏ # العالم لا يشم صراخ الأرواح بدارفور!‏ # صلاة الجسد‏ # ما يتبقى كل ليلة من الليل‏ # وحده يبقى الشاعر من الليل‏ # غريب عنك، الورد‏ # سيرة المخلص‏ # ليس حبا‏ # صوت الظلام‏ # شتاء‏ # أمل‏ # عصافير‏ # أبد‏ # قبح‏ # وعد‏ # علم‏ # أوطان‏ # طرق‏ # جرح‏ # النار‏ # وحدة‏ # أحزان‏ # هروب‏ # أمل‏ # حرية‏ # رفقة‏ # هلوسة‏ # سماؤه‏ # عبق الذنب‏ # في ذكرى مرور أعوام كثيرة على مغادرة بوذا لمدينة أسيوط‏ # بغم الأسماء‏ # بغم الخطيئة‏ # بغم ويلتاه‏ # بغم الشجرة‏ # ثمار البيت‏ # طيور تقول لك: صباح الخير‏ # سيرة ذاتية للشاعر مايا كوفسكي‏ # جمهرة النشوة‏ # ظفر‏ # بئر الرغبة‏ # اللحن الأكثر قدسية وشبقا‏ # في مديح الحانثات‏ # ليس من طليق بيننا‏ # قلبك منفاك الأعظم‏ # امرأة مثل دبيب النمل على الجرح‏ # نشيد الشتات‏ # ما لم أقله للسيد‏ # لعنة الكتابة وكتابة اللعنة‏ # ما بين الرواية وقرينتها‏ # استثمروا في المستقبل، فإن المستقبل يدوم طويلا‏ # مانديلا‏ # المثقفون السودانيون والمصنفات الأدبية والفنية ms01 ‏ # البيت‏ # عندما غنت فيروز لأمي‏ # الناشر الشبح‏ # عمان مدينة تحرسها الآلهة تايكي‏ # حوار مع وداد الحاج‏ # | ما يتبقى كل ليلة من الليل # | ما يتبقى كل ليلة من الليل # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # إلى روح الجميلة، النظيفة، النقية، الشفيفة، مريم بنت أبو جبرين، أمي. # عبده بركة # | للمطر القروي # لا، بل ما يشبه ضفيرة شعر من أجلي وحدي، ومن أجلي جاء المطر القروي حزينا، على ~~كفيه بقايا نعاس ورسم حناء قديم، رماد فلوات الصيف الماضي، جاء المطر القروي يفتش ~~عني في بحري، في الشجرة، على أسفلت طريق الثورة بالشنقيطي، في أتني على مقهى منسي، خلف ~~الكافتيريا في أبي جنزير، وفي الحافلة الباردة إلى أم درمان مشينا، تقاولنا، ~~فتشابهت علينا الطرقات والمستشفى، بائع الفاكهة العجوز والبقال على الأسفلت وكل صفوف ~~الناس ... سألنا عن هذا وعن هذا، عن ذكرى الهندي غاندي، كنا اثنين ورابعنا عينان، في تلك ~~الليلة يقول الراديو: مات على إثر رصاصات الأعداء جنود شتى ... # تعرفنا على سبعين ... كان السبعون سبايا جيش المهدي، أكبرهم جدي - أحد الميتين ~~القتلى بحربة «شنقا شنقا» - يكفر جدي - وأنا أيضا - بالمهدي وخليفته، بعثمان دقنة ~~وسناجك الترك المبيوعين، يكره تجار الرق الجلابة، يحارب ضمن صفوف الجان مع الشيطان، ~~الأشجار، القنطور، الأفيال والعبيد: المهدي ... # وأنا وحدي يا حبي، أحمل عينيك قنابل من طين أسود وصلصال لايوق، أحشو بالدم وبالطين ~~فمي، وأقاتل حتى الموت ... لا أشكو أو أصرخ، أتبين وجهك في الغابات وزرائب الأقنان، وأتعرف ~~على صوتك من بين ملايين الثكلى. # من منا أكثر ترياقا؟ # من منا أكثر أشواقا؟ # من منا أكثر ليمونا وجروفا وطحينا؟ # أتبين قيدك أيضا من سجن إلى سجن إلى أخشاب المشنقة السنطية البلهاء ... أتبين ~~قيدك درويشا درويشا، وأغازلك وتبتسمين من تحت رداء الجوخ المثقوب الأسود ... أتبين ~~قبح جمال النادل والكمساري والمطر القروي، يفتش عني، وراء النهد المسموم أدس ~~عناويني، رقم الهاتف الجوال، تذاكر العودة إلى النهر وتميمة أمي المجلوة بعصارة لبن ~~العشر، يفتش عني المطر القروي، رعد قبيلة الحبش، هضاب كرن وعبد القادر الجيلاني ms02 ، ولا يجدي ~~في قول القائل، أو إيمان الكافر، ولا وطوطة جريح الحرب. # هناك تنامين على وجع، لا تستيقظ أسماك الرغبة في جعبته، ولا مطر يغسل فضيحته، ولا ~~غاردنيا. # فراشات العالم كله لا يمكنها خلق زهرة، ولا تستطيع قبلة - مهما كانت دافئة وحقيقية ~~وعميقة - استخدم العاشق فيها كل بساتين القلب، آيات الطير، كتاب طوق الحمامة، الكماسترا ~~والروض العطر، لا تستطيع أن توقظ شفة أنامها الموت ... قولي للمطر القروي: كيف ~~بعثته؟! # | شوف # شاهدته، أنت دائما تخفينه خلف أشياء كثيرة، أنا شاهدته خلف أشياء كثيرة وتآلفت ~~معها جميعا، أولها البحر ونوس أغصان النيم، وآخرها البحر يسبح فيه الزيتون المصري، ومن ~~شاهد يقول الحلاج: «يا موسى، من رفع رأسه كما وأشرف إلى ما لا يحل له، سأشرف على ~~الخلق هكذا، وأشار إلى الخشبة» رأيت صدرك، وأشرت أنا إلى البحر ... ثلاثون عاما نقضيها في ~~الخرطوم بعيدا عن وصف المكان والرمل، مثل الماء يأتي من الهضبة والنجيل الوسيم والماشية ... ~~ثلاثون عاما ما استرحت على السنطة، ولم يغرقني ماء أغسطس الأسود، عرفت أسماء البلاد ~~جميعا بكل لغات الزمن المتسامحة، وعرفت ألقاب البنات يهمسن بها في سكة المدرسة ~~وعلى الكراسات، عرفتها، ثلاثون عاما ثمن تلك النظرة، ويعود الثور العجوز إلى سنة ~~المراهقة الأولى مثل جعران ثمل يفقده النزق لذة المشي، وشاهدت مثل الأشياء ~~الكثيرة، ورد ولوسينا تغمض عينا من الشمس للعصفور، كنت وحيدا وباليا، مرميا على ~~قارعة البنت، كثيرا جدا كالنمل، يتعب مغاريف الكناس، العابد وآكل النمل، مثل هذا الكم ~~الهائل مني كنت مفردا، منفردا بالانتظار الطويل على صفوف السفر، قرأت ليقربني الحرف ~~أكثر، أبعدتني الكتابة، قرأت ليرسم الحرف سحلية الروح «يفعل ذلك الولد صلاح ~~إبراهيم». # أبعدتني المشاهدة أقرب. # قرأت لأجسد النطق، وأوحد ما بين الحرف والجسم. # أبعدتني الرؤية عن كشف الذات ... تهت ... شاهدته تحت كومة أشيائه الكثيرة. ~~«عاتبني الخليفة بالمقلمة، وقال لي: من أنت ومن أنا؟ فرأيت الشمس والقمر والنجوم وجميع ~~الأنوار، وقال لي: ما بقي نور في مجرى بحري إلا وقد رأيته، وجاءني كل شيء حتى ms03 لم يبق ~~شيء، فقبل بين عيني، وسلم علي، ووقف في الظل»، «النفري»، من يطرق الباب ~~يدخل، ومن يفتح الباب يواجه الخارج وما يسميه البعض الهواء، سوف لا ينجيك من هذا السعير ~~غير السفر، هنا كل شيء أعددته لملاقاتك، أنا لا أتحدث عن العشب والطائر والجلوس، أنت ~~تعرفين كيف يقام لك القداس افتداء من السحر، سأحررك أولا من يد النخاسة ورجال ~~الدين، وسوط السائط ونشيد سليمان. # أسلط عريك للكلام وحده، وحده الكلام يجيد المحاورة. # شاهدت صدرك يا شجرة الآيلانسس، شاهدته تحت الورق المصفر والحدأة وبقايا ما ترك ~~النسر والضوء والوطاويط وأرملة القط والصغار ... تحت ستار كثيف من شمس الخريف. # والآن لم يبق من الميلاد غير الموت. # على وجهك. # | محض تشه # كل ما تعلمه الجندي في حياته تحصده طلقة واحدة، والسيدة التي اختلقتها من ~~أجل الحب يسحبها التيار نحو بقايا السفن المنسية وكنوز رومانس، عصور تعرف الآن بعطرها ~~وشيء من اللوتس الأسود، على شاطئ النيل يجلس النوبيون يروون لي كيف بنى جدي الهرم الأكبر، ~~ثم تزوج ببنت صانع التوابيت الحجرية في مصر السفلى، أنا لا أضحك ... أرسم في شفتي لية ~~فمك، وردة خدك العميقة، أبحر في ماء شفيف ينطلق نحوي، يسكرني وتصطف البنيات ~~الجميلات المشيطات، سوقهن تهرع في الوقوف ... ويهتم الشعراء، ينشدون يقولون: إن ~~العالم أجمل، وإنه الآن أحلى، وإن الليل تملص من قبضة الشرطي وهراوته، والتهم ~~كلاب الحرس البنية، وأنا وأنت على المقهى، نحملق في عيني بعض، نتشهى أن ~~نترك وحيدين، وأن يمضي الناس إلى ما شاءوا ... أن نترك والنادل ينعس، يتمطى، يجمع ~~كرسيا على فنجان بارد وزجاجة ماء فارغة، عقب سيجارة بينسن، لفحة مريلة عصير العاشقة ~~المحزون، رماد سجائرنا، فليتركنا نحملق في عينينا، نتشهى أن نرقص في العشب أو الماء أو ~~الرمل، وأن نبني بيوتا من وقت يتكسر بين أناملنا، ويسيل لعاب الليل ... الليل ... الليل، ~~وتبقى آخر فتاة للأسفلت، ولا امرأة أخرى غيرك تمشي بساقين شهيتين إلى موقف أم درمان ولا ... ~~غير الشرطي البارد يمل صوتا ورصاصا وحافلة لا تمضي ms04 إلى أين ... رجال لا يمضون إلى أين ... ~~كماسرة يتخذون من الأسفلت لباسا وينامون. # وأنت آخر عذراء في تلك الليلة تنظر في عيني عميقا، وتتعشق أن يتركنا النادل إلى أنفسنا ~~وحيدين، ويتركنا النادل، المدينة لا تعرفني، وأنت القروية لا تعرفين سر الغربة، ولا ~~تفهمين معنى أن يتركنا النادل ننظر في عينينا، نتشهى أن يتركنا النادل وأن يمضي ... ~~غدا، غدا، يكتمل الفجر، تستهويني رؤية قبر الجندي ونبش حبيبته من موت قد يخدعنا أو يدل ~~القاتل عنا ... أعرف أنك لا كالأم، ولا كالبنت، ولا كالعاشقة، ولا بنت الليل، وأعرف ~~أن وجودك في المقهى محض تشه، وأعرف أني أخترق الليل إليك كالمتسول للدفء ~~وللرائحة. # وأعرف أنك لا ... إلا أن تأتي إلي، وأن تلتئم اللوحة وأن نسقط. # | الأعظم في الوحدة # اتخذت لنفسي صفة من صفات الناس، سوف لا يحسدني فيها حاسد غير نفسي ... وهي الفاسد ... ~~ولأنني لم أكتف بأن أكون فاسدا فحسب، فأنا المفسد والمفسد والفسود الفسد، ~~الفسيد، والفساد الفساد ... ويعرف العارفون أني أفسدهم معرفة أعرقهم مفسدة، ~~وأني أحب - إذ أحب - في الناس أضلهم، فالضالون هم وحدهم من يعرف طرقا أخرى غير ~~طرق الهداية، وهي سبيل بعيدة، شاسعة، مرعبة، وعرة، ولكن بها لذة ذاقوها وظلوا عليها ~~وسوف لا يحيدون، وطرق الهداية طيبة وباردة، وأنها تميت الروح في الجنة، إنها كقفص من ~~الثلج، وإني أسلك سلوكا هو الأسوأ في النبات، أقبل الطائر والثعبان في آن واحد، وهو ~~الأجمل في الحيوان ... أعلم الشر ولا أتقيه، والأغرب في المسافة ابتداء في كل خطوة من ~~جديد ولا نهاية لي، والأقبح عند الرجل ... إني لا أقول حبيبتي، ولكني أقول حبيباتي، والأحلى ~~في البنت: رجل في القلب يزيده اتساعا، وإني أحب في البيت الفراش، وفي النساء عليه، ~~تعلمت من صديق صيني: الرجل الفاضل يخاف على المرأة من كل الرجال إلا نفسه، أما ~~الفاسد فهو الذي يخاف على نفسه من كل النساء، إلا التي تعرف اسمه. # كنا في البيت طائر ووردة ... في السكة يبقى الليل وحيدا يتحسس ظلمته ... كنا في البيت ~~كشيئين ms05 طويلين بليدين، ولكنا الأعظم في الوحدة ... الصبر أضيق أبواب الفرج، والأم تصنع ~~من مزق الفقر فطورا ... الأم تعلمني كيف أحيك الصبر لباسا يتسلل من بين خيوط التيل ... ~~يمتد إلى ما دون الركبة، يتحسس دفء النظرة وكركرة البنت ... الأم تعلمني الفسق الطيب، ~~ونحن نمد أيادينا للناس، نستثمر كنز الفقر ونضحك ... من علمني الحرف؟ من يبصق على ~~وجهي الكلمات؟ من يعرف اسمي غير الجن وأنت؟ # كنا نتجول في وقع الحزن علينا ... قالت أمي وفي يدها بقية قرش وقديد يتحرك فيه الوحش ~~المقتول منذ سنين: لم ينفعك بعد بسم الله غير الوحش ... ضحكنا ... كانت أمي تشبه وجهي يسود ~~كثيرا في الفرحة، ويصبح جميلا كالأسفلت حين الجوع ... كبرت ... تعلمت الإغواء ... يأتي الرجل ~~حزينا مرتبكا يباعد بين الفخذين، يمص قليلا من ثدي ... يعبث ببقية ثوبي ينزعه، يستفرغ في ~~رحمي، يستفرغ في رئتي، يستفرغ في نهدي، يستفرغ في بقايا الليل، يتبول في أودية القط فضيحته، ~~أو يصرخ مندهشا، قالت أمي تهمس في أذني: الصبر أضيق أبواب الوحش ولوجا للذة. # اليوم يمر كألفي عام ... اليوم يمر كزنديق يهرع نحو الله، يحسبه الناس صفيقا، ~~ويحسبه السلطان نبيا مرسلا ... اليوم يمر تحت إبط البنت يدغدق ذاكرة الشيخ، كان الفاسد ~~مثل الليل يموت وحيدا في الظلمة، يأتيه الشعراء كأجمل أطيار الجنة. كالأم ... في ذاكرتي ~~سجني، وأنا أتخذ السجن قلعة حرية ... أستعمل أوردتي حديد السجن وقلبي مطرقة الحداد، ~~أصيغ الفقر سلاسل ذهب وخلاخل فضة ... اليوم يمر كقديس أعمى يرى بالقلب في الظلمة أكثر ... لم ~~يشهد ملكوت الله ... لم يقرأ توراة ... لم يحفظ إنجيلا ... لم يتل قرآنا ... يرى في الظلمة ~~نبض الإنسان ... جاء الشعراء الأموات يحتطبون الأجساد الكاذبة في سوق النخاسة ... أعرفهم ... ~~غناء السلطان يميزهم، يحترفون رويال الصمت ... الأم تقول لهم: انتبهوا يا شعراء الريح، ~~انتبهوا للأرض. # في بيتي جسدي ... وأنا أمتلك فيما أورثني جدي جسدي ... أمتلك الشجر الوارف والأصداف ... ~~أمتلك البحر ... أمتلك الفرجة في وجعي ... أمتلك العصفور طليقا في السموات ... أمتلك الأرض ... ~~الحرب تعيق الحرب ... السلم يعيق السلم ... الفلاح يدق الفأس ms06 يحيل الأشياء إلى ضوضاء مثمرة ~~ونقيق. # يا صوتي، يا امرأتي وبكائي وحدي، يا درويش الروح وقدس الأقداس، يا ليل الفاسد ونصرته، ~~يا لحظات الشبق الأكرم، يا من ناديت ما أسمعت سوى جرحك ... يمضي اليوم ثقيلا ~~كالبهجة، منتعظا كمسمار الأشياء، يضل الدرويش سبيلا مأهولا باللذة ... يا سيتيت المدن ~~المنسية في الفشقا، يا من يعرف اسم الوشم وكنيته: أنت حبيباتي، وأنا واحد ممن ~~تعشقين. # الدمازين # 21 / 6 / 2009 # | سكة البيت # لقد كنت مرهقا مثلكم، لم أستطع أن أميز ما بين التاج والمقصلة، كنت نعسا ~~فتغافلت عن سكة البيت، جئت إلى هنا لألتقي بكم، لأرسم بحرا في أكفكم ~~وأغرقكم فيه، كنت شجاعا كما كنتم وأنت تهربون من الموت إلى اليابسة، غريبا، ~~عارفا، نزقا ومحبوبا مثل أرنب في مخيلة ذئب؛ لذا لا تحرموني نعيم المشنقة، حبلها ~~ندي مثل كف أمي، وخشيش نصلها موسيقى عصافير الكروان، من تذوق طعمها لن يفارقه، ~~ومن لبس حريرها تشهى فراشها، فهي حيث لا وسط بين الفكرة وبين الفكرة. # هكذا غنى الأستاذ محمود محمد طه، أو يظن أنه، أو غني له، أو تغنى به البعض، ~~وظلت الحقيقة بين بين إلى يومنا هذا، الرجل علمنا الطريق إلى الحياة وأخطأه، ~~عرفنا بالله وتنحى بقلبه عن الملل وفكرة الأمس، وقال لي: إذا ضللت فتخير في ~~السبيل أكثرها ظلمة؛ لأنها وحدها تحتاج إلى نور قلبك، وقال لي: أنت لا تعرف من ~~شأن نفسك بقدر ما تعرف هي من شأنك، فلا تتبع سبيلي؛ لأنك ستضل، ولا ~~تتبع سبيل غيري؛ لأنك ستضلله، ولا تكون نفسك إلا بقدر ما تخشى السقوط في ~~هاوية الجسد، وقال لي: من سقط في هاوية الجسد، ثم بكى. # سلام عليك في المكان، وسلام على نخلة! # ظللنا نعد الشباك والأغنيات إلى الفرائس، شربنا لأجلها خمرا من كرم ~~التشهي والارتباك الحميم، وقلنا لبعض النساء الجميلات إن تحاكيناها، أن يقعن في ~~لجة الشرك الزنيم، وأن ينثرن من أرياش أجنحتهن عاصفة تخبرنا بأن النساء الجميلات ~~قد وقعن في المصيدة، وأن الفرائس الآن تنتظر نصل السكاكين وثرثرة ms07 الشواء، وقال لي ~~النساء كالعاصفة يجرحن قلبك حيثما خبرنه، ثم يغسلن روحك بالغيث، وقال لي: إذا ~~صدتهن فاعلم أنت الفريسة. # سلام علي في لجة الانتشاء، وسلام عليها كواحدة من ورد الحديقة وماء خطايانا الشفيف، ~~وقال لي: في سكة النهر النهر، وقال لي: إذا خيرت ما بين هذا وذاك، فاخترني لأنني هذا ~~وذاك، وقال لي: الوطن ليس كالحرب، تخسره أو تكسبه في معركة، ولكنه كالأم لا يمكنك أن ~~تفصل لبنها عن لحمك. ثم كاد يقول لي شيئين ... # كنت جميلا وبوجهي خربشة مخالب البلاد الكبيرة، وكلما كبر أولاد الجيران ابيضت ~~أسنانهم واسودت وجوههم وأصبحوا كغربان البشارة، إلا أنا، كبرت بلا أسنان ووجهي مقدس ~~كقرد التبت، تراه في الليل قصائد شعر، وفي لحظة العشق كقنديل يضاء ويطفى بقبلة بنت، ~~ورفسة نهد، طنين سرير الحنين القصي، وقال لي: إذا رأيت أصبت بداء الذي قد رأيت وكنت ~~حبيسا له، وإذا خاطبك الجاهلون صرت منهم. # وقال لي: يا بركة، الليل الليل، وقال لي في الليل ليلك. # 15 / 3 / 2010 # | العالم لا يشم صراخ الأرواح بدارفور! # أشم بأنفي الأصوات، وأنفي لغتي بين المعنى والمبهم، أنفي ثرثرة الأضداد، أنفي أسئلة ~~لإجابات توغل في الإبهام وفي التاريخ ... # جاءوا في الصمت، كانوا جندا وصراصير قتلة، كانوا زرازير أبابيل، وأنا أقود قبيلة جدي ~~لهدم الغفلة، أركب فيما يركب أبنائي فيلا، في السر توسوس لي نفسي أن أفعل، أن أطرد من ~~أرضي شبح الموت الآثم: الموت! يقول جدي عبد الكريم إدريس آدم: الموت الكافر. # كانوا ما يسميه السحرة جنجويدا، حكاما وسلاطين ومسلمين، من عرب النيجر وجمهورية تشاد، ~~مثل جراد من طينة جن وكلاشنكوف، مثل أزيز الطلقة وآآآآهة سيدة مغتصبة، ونسائي العشرون ~~وبناتي التسع وأولادي الخمسون، سكارى من عطر البارود، وجدي يعلن أن النصر في حد الصبر ~~وتقبيل النار، يعلن أن الله يؤرخ للقتلى بدماء نحيب المغتصبات، وأنفي تشتم كلام الله، ~~مثل نبي يتسول في العرش يندس بين حروف العلة والمجرور، يحسبه الحراس ذبابة تقوى، وأحسبه ~~موسيقى تدفئ روحي في الجنة بنار الإفك. ms08 # بلدي دارفور، ووطني ما يخرج من مني حامض من سرة جدي، أمي تحبل بالأحجار وبالماء، وعلى ~~عينيها بقايا ما ترك الجند من الليمون واليوسفي على شاطئ خور معوج كثعبان، بلدي لغتي ~~كذاكرة الأطفال، تهوم بين السحر وما بين الأحلام وبيتي، تحبل امرأتي بالطين وبالشمس السوداء ~~الشبقة، وطني حيث تنبت في النطفة امرأة ورجال وهوام. # لن يقتلنا الموت أو الإهمال، لن يمحو ذاكرة الأرض تبول ناقتهم في الرمل، فالرمل يقاوم ~~مثل البنت، ومثل اللغة وأنفي. # صباح الخير، العالم يغشاه نعاس، العالم لا يشم صراخ الأرواح بدارفور. # 8 / 3 / 2010 # | صلاة الجسد # أبناؤنا المشردون على جسدك الحار، يرقصون على إيقاع نبضك، يتمرجحون في هدوء أنفاسك ~~وابتسامتك الناعسة ... أنت مسجاة هنالك بكامل إرادة الوقت والقهوة، بكامل صراخ العشيبات ~~المصطفاة في سبيل النشوة، يمهدن سبل الرب، ينشدن صلاة الجسد: أحبك، أحبك، أحبك، ألف ~~نجم وطائر، زرافة في سافنا كوما قنذا الغنية، وأنت مثل ماء يتدفق بين صخرتين طيبتين كأحجار ~~موسى، تبعثرين جسدك في المكان ... تتشهين الشيء أن تذوبين في ... # ومثلي كما لم يعلمه الله، ~~خائن وماكر، لا يثق في حنين يموء كهر جبلي شبق ... صلاة لأجلك وحدك، أقلد فيها إفك ~~الحمام، وصدق الذئاب، وفسق الدجاجات وأبكي؛ لأني أغني بصوت وأبكي بصوت، وأجني ثمار النهود ~~التي تزهر فيك بصوت، أدعو وأعلم أن الإله يجيب دعاء الشقي، أصلي صلاة الجسد، لرب يظلل ليل ~~البنات الجميل بجناحي، وأنت البنيات ينمن في خاطري، يخفن الرجال جميعا إلا أنا ~~الوحيد في جوقة الجوارح، يعطي الطمأنينة والخوف والجن وشهوة الانتشاء بذات الألم ... # أصلي ~~لأجلك صلاة الجسد، لا سورة تقرأ، لا توراة، لا إنجيل، لا كماسترا، لا مشيل فوكو أو ~~فوكوياما، لا فيدا، لا سرديات كتلك التي في كتاب الموتى، لا النفري، لا شيركو بيكاس، لا شيخ ~~سنار التقى فرح، لا دون جوان خليع ... ليس سوى بوذا ينقط ميلاد عيسى المسيح بحبر اللوتس، ~~يدير بوصلة القيامات والأمهات الجميلات إلى وقتنا المتقد ... صلاة لأطفالنا في الجسد ... ما ~~بين صدرك ونهدك ونعليك، ما ms09 بين شارب اللذة وسكينة الجنجويد في رقاب المساكين ... # أصلي لأجلك ~~صلاة الجسد، مثل النخيل يلطف وجه السماء المحرق بالشمس والانتظار، مثل الدليب والدوم، ~~تعلو بأوراقها وتسقط أبناءها كأبنائنا المشردين في الأرض ... أصلي لأجلك وحدك صلاة الجسد ... ~~امنحيني صلاة تصلى لأجلك، لأجلك وحدك صلاة الجسد ... كن في الليل والغربة نفس المسافة ~~ما بين ليل وغربة ... نفس الجسد ... أحبك، أحبك، أحبك، أحبك كثيرا كحبة رمل، كذرة تبر وحنظل ~~... أحبك جدا كشدو طيور الكلج، كوخذ ضمير الحمام ... أحبك أيضا وأنى، ولكن، وثم، ~~وبعد، وليت التي ثم ماذا وكيف ... صلاة لأجلك وحدك، كأطفالنا المشردين فوق أديم ~~الجسد، بلذة الرمل الذي نغني له، أحبك وكنا يمر القطار بعيدا رويدا رويدا، تهمس لي: ~~«بحب ... حبيبي، بحب.» # أمد يدي للسماء وقلبي، أستعين بشيخي وسيدي النفري، بالمواقف والمخاطبات، أصلي وأسلم، ~~أشبع الوقت والميتين ... رأيتك عند الصباح البهي تحلبين النعاج، تثقو بلحن سليمان النعاج، ~~نشيدا لأنشاد الجسد ... كنت تنثرين وردك ملء المساء، كغاردينا البعاعيت مسمومة ومشتهاة، يفوح ~~عطرك، يسكر شهوة الاتعاظ الغبي لدينا «وحش السرير الزنيم»، وأنا مثل غن يهيم بزوجة ملك، ~~وأنت سلطانة تغوي خلا يخون ويوفي بحب يغني: لنا ما لنا من حنين لنا، لنا ما لنا من ~~جمال. # يا هذه، يا مجدلية الروح، يا مريمي، ومريمي الأخرى وفاطمتي ... # الدمازين # 2 / 1 / 2010 # | ما يتبقى كل ليلة من الليل # سوف لا يدق الجرس الإلكتروني اليوم، سوف لا يدق، والريح الطائعة السكري سوف تتجنب العبور ~~وإهداء صفيرها المجاني؛ لأنها تحتفظ بالأشياء من أجل أن ترقص على أفرع الشجيرات ~~الحذرة. # كانوا يكتبون الجوابات للصبيات تحية لاستدارة أطرافهن وانتباه أجسادهن، وفي ذكرى اللقاءات ~~التي لم تتم. # أنا أكتب إليك لا لأجل هذا ولا ذاك، فقط لأنني أتخلص من سحرك برسمه على جدار الكهف، ~~ثم رميه بالحجارة الحادة وإحاطته بالتمائم، أحمد أبو جميزة الذي تعرفينه الذي خلص أبي من ~~القيد، وحرره ثلاثين مرة في يوم واحد، كنت وأصحابي الأطفال نهتف خلفه وهو يحمل «كوكابا» ~~ويحارب الضالين، كنا نشجعه مندسين في طفولتنا ms10 وأحلامنا الصغيرة، ومن كرات ثمار العشر ~~نصنع قنابل الغد ونهديها إلى أفراس أبي جميزة الصافنات، وهي تطحن الغبار الحار، وتمزجه ~~بعرق الجند الفقراء، تخطف الدم من شرايين العدو قطرة قطرة. # لا يمكن لأية سيدة أن تأخذ نقطة حبر، وتدعي النبوة، وتسجح في رشاقة وغنج، وأنا لا ~~تدهشني وسوسة النسرين ولا جموحك، لا تبطل تميمة أجدادي السحرة تلك البسمة الممطرة؛ لأنني ~~ببساطة أعرف أين مكمن الجهل في علم العالم، وأتبصر بذات إيروسيتك علم الجاهل بدأب النملة ~~وصبر السيالة: أحدق ... # هنا، أينما يممت وجهك أنت تصلي نحوي ثم، قد لا أجد مبررا لنزعهما معا في آن ~~واحد، أن يمسخني الحب عبدا، وأن أحمل نفسي في قفاف السوقة، وأدعو الناس أن اشتروني، ~~من أجلك تبقى الفراشة زهرة تحلم بالطيران. # أليس بالإمكان فعل ما هو أكبر من الحب والعاطفة والجسد وضفائر تسدلها البنت آخر الليل ~~لرجل تمزق أحشاءه أقلام كثيرة؟! أليس هناك ما هو أقوم وأدق وأمتع وأجن وأفسد ~~وأحن وأصلح من الجسد؟! أليس بالإمكان أن يتكور الصوت الآتي عبر هواء الأقمار قناة ~~تخلقها ذبذبات اللغة قليلا فقليلا؟! تخرج من أذني إلى أرض الكوخ بلا تاريخ أو أقطان، ~~ورطانات بلا وطن، عارية كالصوت أقبلها وألثم غفلتها وأنبهها على كفي، على صدري، على ~~شجري، على الدنيا ... على كرسيك أقرأها ضلالاتي وأفسدها وأفسدني، وأبني في صباحاتي لها ظلا ~~بئيسا، قصير العمر لا يغني ولا يفنى. # ما لدي سوى ذهب مغشوش بالرماد يسميه العاشقون الصدق، وأسميه: أمل ... ما لدي سوى ما يتبقى ~~كل ليلة من الليل يتجنبه السكارى في نباح الكلاب وحذر القطط. # ما لدي هذا المطر الذي يأتي من النهر خلف كوخي بين شارع المدرسة ومنازل بائعي النيفة ~~الباردة، على الريح. # لديك القليل الذي يدرك ما لم يدركه الكثير الكثير، مثل شرارة الجمر التي سرقها ~~برومثيوس. # لديك هذا الحلم، سوف تقتسم نصف الرغيف ونصف الأغنية ونصف الرغبة، والنصف الآخر الذي يخص ~~البحر وحده نهديه إلى جنيات الماء العذراوات. # وما يخصنا للسحابة. ~~«أظننا وحدنا الآن»، وهذا القمر ms11 أعمى لا يشتم الرائحة. # | وحده يبقى الشاعر من الليل # أجل، أبيعك بقبلة ، يا سيدتي، وورقة نحاس صفراء، تلوحين لي من بعيد شاكرة أم غاضبة ~~لا أفهم، يداك تعرفان السر، أصابعي تتفقد حموضة الشجرة وتتوهم - بين لحظة وأخرى - أن ينفجر ~~الكنز المسحور ينثر أقمارا كثيرة وبرتقالات وزيتونا وزيتا! # لا يدهشني القطن الأسود، سوف تثارين وتقبلين ثمن القبلة ملحا، والمجد الذي يبنيه ~~الأطفال على الرمل الذهبي، بالتأكيد في شكل قصور وقطاط وذرة شامية، مجد لا يقاس بمسبار ~~اللحظة، أو اللذة، أو حتى طنين الجسد. # بقدر ما يوحي لي الحبر أحبك، حبا كثيرا يكفي قشلاقا حدوديا من الطمأنينة وسر الليل، ~~قد نتبادل نشوة الجسد، ونحتفي بالروح، ونهتف على بقايا الورق والأصباغ والأصدقاء بما يكفي ~~من سخرية، ولكنا أبدا لا نكتفي من الحنين الأسود الزاهي، لا يكفي الليل كله ولا المرقد ~~وسقسقة ماء الحياء الحار، تنامين على كفي طوال العمر، وتحلمين مثلك مثل العصافير ~~الصغيرة. # العمر كله ثم الأقمار بين نهديك دون هدى أو سكرى، مثلي يبللها العرق النقي الحلو، فتموء ~~الأصابع الرشيقة، تأتي أقمار لا تعرفها الأقمار إلا بالندى، ترضع الأطفال - وهم يكبرون ~~ويزدادون سوادا - ويبقيني الحرس خارج أسوار المدينة موسما بعد موسم، أتحمل ثقل ~~الريح، ونهيق الرعد، وحوحة البرق المشاكس على أسوار المدينة، وحدي أحبك. # أسمع الآن طنين الصمت، وأرى كما يرى الحالم ذراعيك تبرزان من بين السواد، تلوحان في ~~الهواء وتقبضان لا شيء، أو الملائكة الذين يوجدون حيثما يحصون لحظات الجسد الخفيفة طازجة ~~بآلاتهم الحاسبة، واحدة تلو الأخرى. # هي ذاتها دهشة كل شيء، يحدث للمرة الأولى، هي ذاتها مأساة أن ينتهي ... # هي ... # ذاتها ... # أن نعيش لنهدم ما بناه الميتون، كم قبلة تبقت من هذا الليل، كم لمسة ساق وعنق، وشوشة ~~إبط حنون، كم نخلة تنتظر عند الباب مولد يسوع، يحترق جذعها شوقا لرعشة متوحشة، تنطلق ~~عبر خلايا الجسد كعنكبوت مسحور، أطرق أبواب المدن التي تحاصرنا، أنادي جميع الحراس بأسمائهم ~~وألقابهم وكنية حبيباتهم ونسائهم، وأقول لهم: إني أعرف كيف يسمون أطفالهم، وإني ms12 أفهم سر ~~بنادقهم التي لا تطلق النار أبدا، ولكنها تخيف وتقتل وتسرق الدم من الشرايين؟! # حينها يفتحون البوابات، تستيقظ العصافير والوطاويط والعناكب المتوحشة، فأستقبلها بأحضان ~~عطشة، تطل امرأة تبدو دائما في الظل وشهية تحت ضوء الشمس وعفر الرمال. # آه ... سبعون عاما، وغدا يوم جديد، له شمس مكرورة وذات الآذان وثغاء البقر، وله ظل ذات ~~الشجرة البعيد، سوف يتمطى هذا الصباح بيني وبينك، راميا بأجنحته الكثيرة في الفراغ الأخضر ~~والطين والحر والراديو، وما تبقى لي من بخور مسحور، لا شيء يبقيني مستيقظا غير ذاكرة الطين ~~الحار تزحف مثل جيوش النمل المشئوم. # كم قبلة تبقت من الليل كيف يصير ليلا؟ كم نشيد وبوليس يذرع الطريق المظلمة غاديا ~~ورائحا في خوف فطري؟ كم أنثى ...؟ كم لحظة عميقة تحسبها الملائكة دهرا ونيفا؟ # كم أغنية؟! # كم حبيبة حافية تخوض النهر، ثم تجلس على ضفاف لا اسم لها، تمشطها حوريات القاع السحيق ~~بزيت الماء، ويدلكنها برمل الشطآن الشهي تحت عرديبة أسميها - عندما نلتقي - نفح وردة ~~الكرب المنسية وتحكي: # على أنهار سيتيت ... # حيث جلسنا ... # وبكينا ... # مثلك يا حبيبتي ينبع النهر من العاصفة، وتخونه حدأتان، فتلقيان به إلى الأرض حيث الجنة ~~التي يصنعها، ويصبح موضوعا لها ... ما تبقى من الليل قبلتان ... غمزة نجم، شرطي نعسان، بقية ~~ماء في الكأس، وردة تذبل تدريجيا، شظايا عطر تبرق هنا وهناك، ضفائر مبعثرة على الفراش، ~~وقلم فارغ ... # وشاعر ينام وحده على قهقهة المروحة العجوز. # | غريب عنك، الورد # بعيد عنك إنما قريب في كل الأشياء الأخرى، بعيد عنك بلا اسم، ولا جغرافية، ولا كلمات، بلا ~~رجعة تنحدر الطريق الناعمة نحو أنامل السيدة التي نحبها جميعا، ويعلن طائر الكلجكلج ~~أنها لن تجيء إلى المزرعة إلا إذا بعدنا عنها مرمى حجارة كثيرة، مرمى ليل بأكمله وفكرة، ~~صمت: # قلبي يحدثني بأنك متلفي # روحي فداك عرفت أم لم تعرف # بعيد عنك، قريب من الموت والحمى، أرسم جندا من الصراصير والبراغيث، أسمع صوت أمي يدمر ~~ويحرق ما بيني وبين الأشياء من تشوك وجمود. # تهرب الجرذة. # ما لي سوى ms13 روحي ... وباذل نفسه # في حب من يهواه ليس بمسرف # حبيبتي، حان الآن أن أكشف القناع عنك، وأهدي اسمك ورسمك وميلادك والطرق السرية التي نخوض ~~بركها المسحورة لكي نلتقي، حان الآن أن يعرف قليل من الناس، كيف إذن أسرفت روحك في الهجر، ~~كيف نقيم جسر الجسد روحا بيني وبينك من الوردة ... # حان الآن لصديقاتك الحزينات ولأحمد وشجيرات اللوسيان الآسيات أن يرون كيف أعريك من ~~الوشم وخاتم الفضة القديم أنهض الجرح، وإن تناءت داره. # حان الآن أن نتنحى قليلا عن السر للماء يلقي عليه تحية الطهارة، تجففه شمس نوفمبر ~~الرمادية، حان وقت الاحتراق بالماء غليا ... # لقد تدنسنا أنا وأنت بريح زكية، هبط بها شيطانان مع آدم وحواء، من الجنة، سمي لي ~~الشيطانين باسميهما يا حبيبتي، سمي باسمي، حرفي وحرفك لا ينتظمان في كلمة إلا أن تنفك دائرة ~~إبليس، أن يخترقك المطل، فتدفعين نحوي كل شيء يا حبيبتي، كل شيء مرة واحدة، كل بؤس ~~الجحيم في المواعيد غير المنجزة، الانتظار الطويل على برودة الأسفلت وحذر العسكر، لا ~~أريد كل شيء، كل شيء يا حبيبتي يرغب في وسوسة الابتسام. # الأحذية معدة جيدا، فراش الصغار، فرشاة الأسنان الناعمة، ترقب المهد يضيق مع ~~دقات ساعة الحائط ... # الأحذية معدة جيدا ... # بعيد عنك، أقرأ نشيد الإنشاد تحية لقبلة لم يدركها كلانا، كانت تهرب من لسانك برعب ~~أسطوري بين زحمة المشاة يشعلون الآن غابة من غبار المدينة، يلعنون المطر والحب في كأس ~~واحدة لا تميت. # حان الآن أن أشرح معنى أنك الآن أقرب عندي من نجم نسيه الليل في القرية، أدهشه ~~الأطفال عند الصباح، واحتموا بالاختباء بين أثواب أم كبيرة. # مدي لي ذراعين وفخذين وخصلة ونهدين، شعرا، أناملك المغلفة بداء اللذة، ~~حديقة ورد الحمار وقمرين ... مدي إلي الآن ... نخلك ... والكلام ... «وقال لي: كله لا أنظر ~~إليه ولا يصلح لي». # مدي لي الصباح، # أشتهي نجمة ومجرة. # | سيرة المخلص # بقدر الصمت الذي تعرفينه، لبست البنت ضفيرة شعر مشاكسة على عجل، النساء فاكهة الليل، ~~يحتمين باللغة والاستعارات من شبح الموت، يقشرن لي ms14 البرتقال ويطعمنه للسلاحف ~~الكسولة، وهن يقرأن الكمسترا في المقاهي على جادة الطريق للمارة ولي، أنا لا أفهم في ~~رؤية يوحنا أكثر مما وعيته من رسالة الغفران ومنامات الوهراني والكوميديا الإلهية، وكل ما ~~يحاول أن يشوه علاقتي بالله، يتعذر علي فهمه، حتى النساء - فاكهة الليل - حينما يتوقفن ~~عن الكلام فإنهن يقلن كل ما هو أكثر روعة، لم أره، لم يكلمني، لم يرسل إلي رسلا، ~~ولا ملائكة ولا كتابا، لا شجرا ولم يهدني نجدا واحدا، ولكنني لسوء تقدير مني لم أقرأ، ~~لقد ظل كل شيء على ما هو عليه، هذا سر الحب الذي يربطني به، ليس الخوف، ليست التقوى، ولست ~~طمعانا في الجنة، وهواؤها أنقى مما أحتمل، ولست راغبا في النار، أحرقت بها مرارا، ~~لا يعيبها شيء سوى الدفء. # كل شيء ظل كما هو. # لست تقيا، لست نقيا، طمعا ولا أعرف شيئا من ~~العلم يقوي حجتي ويمهجني، مثلي ذرة من الغبار عالقة بما لا مكان، بغير إحداثيات ولا ~~تاريخ ولا زمن ولا مستقبل ... # بهذا القدر من الإيمان، ظل كل شيء كما هو، وحدها عدم الطمأنينة سيدة الموقف، هي الأجمل، ~~وهي التي أعطت معنى لهذا القلق النبيل، الذي يهدم في البيوت المتصدعة بفعل الطوفان، ~~وحركت ما يبدو ثابتا للسائحين، وحده الحب ينجيك من المهزلة، وادعاء أن الأشياء هي الأشياء ~~... # ولن تنجو ... # لا الحب ولا الجهل والسهر، لا الشعر كلا، سوف تسقط في الفخ بألف اسم وعنوان. # سوف يسقطون. # سيسقطون. # صغير هو الكون، إني أختنق الآن، أريد أن أطل برأسي إلى الخارج، أبحث عن كوة ولو بحجم ~~أنف واحدة، بحجم مليار أنف، إني أختنق الآن، تحاصرني النجوم والشموس والأقمار والمذنبات ~~تخر، ما أضيق الكون يا حبيبتي! # سوف يسقط بعد قليل، دعي الأطفال يذهبون في النوم، تهدأ الفئران قليلا، ويسكت النعاس ~~عازف الطبل والمغني وتيار الكهرباء، دعي الريح تسأل النوس الخجول. # من أجملهن حبا؟ # من أجملهن حبا؟ # التقينا أول مرة، هي ذاتها التي عرفتنا فيها الحية بالسبيل إلى الأرض، اللذة التي هي ~~أعظم من الخلد. ms15 # وقلت لي حينها: قد نمل الخلود. # ودفعت في فمي قبلة كبيرة من ثمر الزقوم. # فشاهدت. # شاهدت ... # ضحكت الحية الجميلة، تشيعنا نحو الأرض، لقد استجاب الرب لدعاء الجسد. # نحمدك سبحانك على هذه اللعنة اللذيذة، على هذا السقوط البهي. # التقينا أول ما التقينا على طريق وعرة وكنت نور عيني ... ~~«لقد فقأ عيني أوديب ظانا أنهما عيناه ...» # وكنت - وما زلت - نبض قلبي. ~~«كنت ومحمود محمد طه على مشنقة واحدة.» # حبيبتي، لا يلام الجسد عندما يفعل عمل الجسد، ولا تلام الروح إذ تعشق. # من يستغرب الريح إذا هبت؟! # | ليس حبا # لا أريد منك شيئا، أحتاجك كلك، حتى عثرتك في الدرب، لية فمك واندهاشاتك، وأريدك ~~أكثر أن تمضي، تخرجي من حياتي نحو نهايتك التي أعرفها جيدا، أن تعودي جمرة في الجحيم، حيث ~~خلقك الله هناك منذ البدء. # وأريدك لأتمم بك صلاة قرأت فيها الطواسين والمنامات والمواقف والمخاطبات وسفر سوزانا ~~و«عيناك يا حبيبتي يمامتان» وشيركو بيكة س، قرأت فيها # سلام قولا ~~من رب رحيم ~~. # وبسم الله، صلاة لا تكتمل إلا بحضورك، شيطانا شيطانا، وريشة وريشة، وطحلبا طحلبا ~~ووهما، درويشا درويشا، سأحبك أكثر لأنني سأفقدك في زحمة الجسد، لا شيء تبقى لي من الروح ~~غير الجسد، لا شيء تبقى لي من الجسد غير الصلاة، و«إلا» التي تخص إبليس وحده. # كل ما استطعت أن أفعله لأجلك فعله قبطان الحياة معك، كل ما لا أستطيع أن أحتمله غناه ~~عصفوران على أيكة المسافة، والبص السريع، وصياح ديك الفجر الكاذب. # أنا لا أدخر لك شيئا سوى بقية من المواقف، سوى قليل كبحار العالم كلها، وفيروز سوى ~~الطين الخصب والويكة وسمك التمبيرة، أدخر لك عاطفة ستعصف بي وبك، وتحطم أشرعة اليابسة فترك ~~وترتاح من علة السفر المستحيل، أريدك - والآن - لأنني لا أرغبك، ولأن اشتهاءك آخر طلقة ~~لآخر جندي في آخر معركة فاسدة؛ لأنك طاووس الروح، وناقوس كنائسها، وباخوس حاناتها، ومجدلية ~~مسيحها، ووردة قبلتها؛ لأنك أقل قليلا من يوم القيامة. # استيقظ الآن ... آن أنامه الرهق والجري على الأسفلت ومشابهة الفئران وقنديل الكتابة ~~الحزين، ms16 استيقظ الآن جمهور شاهد دموع المسيح على حبر التلمود، وشاهد مريم ولم يعترف. # استيقظ الآن وحش السرير اللئيم الزنيم أكثر قداسة وياسمينا وهلعا، استيقظ ~~الطاسين على المصلبة الباردة وفوران سؤال الصوفي يلح، ويلح، ويلح، ويلح على السوط واللسان، ~~والحاكم، والساكتين، والشعر، والله كائن بالمدينة منذ أن خلقها الله. # قد أشتاق إليك، قد أحبك، قد أشتهيك، قد أساررك، وقد نبتلى بالقصص وحكايا الرقيق وسوق ~~النخاسة، والمهدي المنتظر يطرق باب التجار نقرة نقرة، يحاول حشرهم عبر ثقب الإبرة إلا من ~~أبى. وقد نقضي النهار عند شيخك «البرعي»، أو عند شيخي «كتاب الطواسين». قلت: قد أحبك، غير ~~أني أجزم وأقسم بأن تلك الركعة التي لم تتم تختبئ فيك مراوغة خجلة وعارية مثل هبوب ~~السموم، كل ما يقال عن الحب قد قيل عن الله ليبقى جميلا، وكل ما قيل عنك قاله النور ~~عثمان أبكر في «أوراق الابن العاق» ورقصة رامبو في هرر برسم حبشيتين، ونقطة وطير ~~الحمام. # إن الذي بيني وبينك ليس حبا، إن ما بيني وبينك الأسفلت ومزرعة القطن وبعض ~~الوقت. # خشم القربة # 3 / 10 / 2004 # | صوت الظلام # يمر الظلام خلف القطية الكبيرة على أطراف أصابع رجليه اللينة، يمسك أنفاسه في قسوة لا ~~تخلو من طرفة ومرح، أنا والقط نسمع وسوسة العشب الناضج لأصابعه، أسمع همس الأفكار الشاسعة ~~التي تعصف في عقله بالكلمات الموزونة وعبارات قبرات الليل والصراصير المتمدنة ~~البليدة. # يسمع القط لا شيء، يمر الظلام خلف ألف قطية كبيرة ومزيرة، والجميلة النقية سوف لا تحمل ~~قفاف الحياة وسلال المرح مرة أخرى، يشتاق إليها الدرب وطلائع الليل الغبشاء، كلبان يبحثان ~~في الكوشة المنزوية عند الكمبو الصغير، رد السلام، وتفقد الجيران والأصحاب وأخبار الحواشة، ~~الحزن ... الفجر ... الجان ... سائق الكارو ... مورد الخضار ... يمر الظلام ناعما، أسود، ترقص ~~أجنحته البيضاء، فتثير الورود الناعمة وأشجار اللوسينا العالية المتعالية، تقبل ملائكة ~~قريبات من لعبة الطفل، مثل عصفور ضل بوصلة الطبيعة، كنت وما زلت أجوب البحار عائدا من ~~طروادة روحي ... آه ... آه ... # كم أغنية وكم أغنية وكم أغنية ... # مسكينة ms17 قفة السوق، إذ لا تجد إجابة لدهشتها عن الصباح، لماذا أنا هنا؟ أين الصديقة ~~والرفيقة ابنة الدرب والقعاد؟! # ولماذا تصرخ النسوة يرمين بسوقهن العجلة على الدفلات، ولا ينتبهن للقطط الصغيرة بين هنا ~~وهناك. # مسكين جدا الليل يحبو خلف القطية الكبيرة، تلاحق أنفاسه التعبة الخائفة، أسمع همس الليل ~~في أذن الظلام، قوالاته ووقفته، أسمع دقات قلبه البيضاء الرقيقة مثل قول أحبك، المتوحشة ... ~~نعرف أن عد العمر ذرة نقطة يعني الكثير بالنسبة للقلب، وأنه خال من الأصفر والأحمر ~~والبنت، القلب أبيض كالأسفلت، وأنا والقط وحدنا، يخيفنا همس الليل في أذن القط، يخيفنا ~~النداء ... # من؟! # ماذا؟! # الملك؟! # يمكن دا الموت؟! # دعونا نذهب إليه، أين هي أحذيتنا القوية الدافئة، فلنتركها في البيت تحت عنقريب الراحة، ~~أين هي ستراتنا، فساتين الجمال، أقمصة النوم، البناطلين القوية القطنية الزرقاء، أين القطع ~~السوداء الحميمة، التي تغمض عينيها خجلا عندما تلمسها أصابع الآخر المعرورقة ~~المرتجفة، فلنغلق عليها دولاب الملابس، أين الأصدقاء، دعهم يذهبوا إلى العمل، قد لا نحتاج ~~إليهم. # فقط نحتاج بتهوفن، المقطوعة التاسعة يطرق الباب؟! # أنا والقط عازفان وحيدان بغير إناث وأطفال وأحذية ذات كعوب عالية. # بغير بقايا خصل على الفراش، نخاف همس الليل في أذن القط، ولا شيء يقضي على جرأة الليل، ~~سوى صوت بتهوفن يخترق الأشياء. # قال لي القط (تستدير عيناه وتستطيلان وتتثلثان في آن واحد): لا يستطيع كل رجال العالم أن ~~يصبحوا أنثى واحدة، ولا حتى قطة صغيرة عجفاء. # ابتسم، فتبدت أسنانه السوداء مثل حبات من الجواهر المسحورة، فأخافتنا أكثر، أنا والقط لم ~~نكن في يوم ما وحيدين، كان دائما معي، وكنت دائما معه. # رجلان، أو قطان، أو ... # قط ورجل، لا تدهشنا أية امرأة لا نعرفها، ولا نتشهى غير أن نترك وشأننا لا نبوءات أو ~~قصص. # ينتفض القط إذا سمع النداء، يقعد فوق المكتبة، الكمبيوتر، تربيزة الطعام، أشعار ناظم ~~حكمت، صورة الأسرة، فانوس المذاكرة الكهربائي المشاكس، ديوان ابن الفارض، دولاب الملابس فوق ~~رأسي تستطيل، تستدير، تتثلث عيناه، يبتسم فتبدو أسنانه أكثر سوادا ورعبا فتخيفنا. # أنا ms18 والقط لا نطمئن للمناداة بعد العاشرة مساء. # لا نطمئن إلى النساء. # القط و ... # أنا ... # خشم القربة # 9 / 12 / 2004 # | شتاء # ها هو الشتاء يزهر مرة أخرى، ها هي النعاج الخجولة تقضم الورود المرتعشة. # أنا وحدي ... # أحاول حشوك بالمواكب والذكريات، أحاول أن أنفخ فيه من روحنا، مثل نعجة خجولة، الخوف نائم ~~عند عتبة بيتنا الصغير، يقرصه البرد. # ليس لدى الشاعر ما يفعله. # تهب الريح، يستنشقها. # تتحول في رئتيه إلى دخان، تبصق محنتها، ليس لدى الشاعر ما يأكله، الجرو الأغبش يسكن في ~~المرحاض، يعلن ثورته الكلبية ... تستيقظ شهوته، وليس لدى الشاعر ما ... ليس لديه كتاب يكتبه أو ~~امرأة، يتجول بين النون وبين النون، يستمني على الوهم الأخضر والعزلة، فليس لدى الشاعر ~~امرأة، ليس لديه نشيد. # | أمل # ليس بأشجارك غير أشجاري، بليمونك غصن من الفجر، ليس بعينيك الطيبتين غير فكرة واضحة ونصف ~~أغنية. # أمل: يا غجرية المساءات الحالمة، ويا طفلة الشجر الوارف. # خشم القربة # 2000 # | عصافير # داهمتني العاصفة الثلجية وأنا في طريقي إلى الملجأ، فارتبكت العصافير الصغيرة الراكبة ~~على كتفي ورأسي، وأخذت ترتجف من البرد، أخذت ألتقطها وأضعها داخل معطفي ما بين دفء ~~جسدي، ودفء الصوف، إلى أن شحن المكان بها تماما، كانت سعيدة مرحة تزقزق في عندما انجلت ~~العاصفة، أطلت الشمس بوجهها الذهبي الجميل من بين الغيم، صرخت العصافير بهجة، مئات ~~العصافير وهي تحلق دفعة واحدة داخل معطفي الصوفي الدافئ، لتطير بي بعيدا، بعيدا نحو ~~الشمس. # أسيوط # 1992 # | أبد # أنت الوحيد ولا أحد # أنت الغريب ولا بلد # أنت المسافر للأبد # حزن الملاجئ كلها والأرصفة. # الشقراب 1996 # | قبح # أنا ذاتكم التي تهربون منها، # وتعوفونها. # قال القبح. # | وعد # بيني وبينك عام من العشق، غاب من الذكريات، بيني وبينك مشروع قبلة، ووعد قديم بأن نلتقي ~~... # | علم # أنت جاهل إذا كنت تجيد كل اللغات، وتعجز عن مخاطبة شجرة. # | أوطان # إنك قد لا تجد وطنا يحتويك، ولكنك - بلا شك - تحتوي أوطانا في ذاتك. # | طرق # كل الطرق التي تبدأ من قلبي تنتهي إلى الله. # | جرح # نجيء من الجرح، ms19 نمضي إليه. # | النار # همس شيخ حكيم في أذني: # احذر النار. # شكرته، ثم همست في أذنيه: # احذر النار. # صاح مستغربا : # أية نار؟! # | وحدة # كلما كنت معوزا محتاجا، كلما أحسست بأني غريب. # | أحزان # وا شوقاه لأحزاني التي لم تأت بعد! أين يا ترى تنتظرني؟ في دهاليز أية زهرة، في أزقة أي ~~قلب يا ترى؟! # | هروب # قال لي السجان: اهرب، اهرب، اهرب، نظرت إلى عينيه الرماديتين، إلى غدارته الملقاة على ~~كتفه، أطلقت ساقي للريح، دخلت زنزانتي، أغلقتها علي، صرخت طالبا النجدة. # لجدي # لجدي أمنية واحدة، أن يظل حيا للأبد، وعندما تحققت أمنيته، مات ... # | أمل # لا تعطني خبزا، ولا تعلمني كيف أصطاد، ولكن أفسح لي طريقا للأمل، ولو بقدر لقمة ~~عيش. # طريق # قلت لها: ما أقرب الطرق إلى قلبك؟ # قالت: قلبي. # قردة # خذوا عني كل النساء، خذوهن وأعطوني قردة واحدة تحبني. # لكن لا أحد يفهم هارون الرشيد. # | حرية # كسرت بوابات المدينة فانطلق، نحو الذي لا ينغلق. # أنت # أراك في كل شيء وردة # أرى # نفسي # طائر طنان ... # نشيد # للشجرة أوراق، أزهار، شوك، أغصان، أفرع، جذع، طيور، طلوع ونزول ... # ثمار، ثعابين، ضب، عقرب، نمل، شياطين، قشور ولباب. # رائحة، تنفس، كلورفيل، نوس، حفيف وظل. # يحتاج الشاعر امرأة شجرة. # | رفقة # لست وحدي # معي الحزن. # خشم القربة # 2005 # | هلوسة # نعم، اكتبوا ما شئتم، بأية لغة كانت، بأية عبارات، بأي أسلوب عن أي شيء. قالت جدتكم ~~فرجينيا وولف: كل الموضوعات تصلح للكتابة. # اكتبوا في الإنسان، الحرية، الجنس، السياسة، الدين، الوطن، المرأة ... آه المرأة، أسطورة ~~الخلق ومعجزة الخالق، دليل الكافر المنكر إلى الله، اكتبوا عنها، قولوا إنها جميلة ساحرة ~~مشتهاة، خبيثة رائعة فاسدة ومقدسة، مفسدة، نبية وطاهرة، انحتوا جسدها، ارسموها، لونوا ~~صدرها بالرمل أو بما شئتم من ماء البحر، اكتبوا في الروح، الحب، الخيانة، الحرب، اللغة، ~~الحاكم، المحكوم، نعوم شومسكي، كارل ماركس، الديكتاتورية، الديمقراطية، البترول، الحرب، ~~يهوذا الأسخريوطي، عن الله، سلمان رشدي، اكتبوا آيات شيطانية، هيا ... انطلقوا، هي زي الأقلام ~~والأوراق، هي زي المطابع تنتظركم، تلك الفرش، ألوان الزيت والإكليرك، كل ms20 مواد الأرض مواد ~~وموضوعات للرسم، ارسموا، انحتوا، لونوا، بولوا إذا شئتم في أنف التاريخ، انتقدوا، ~~كونوا فكتور هارا، هنري ماتيس ، الصلحي، بول كلي، شيخ إمام، مصطفى سيد أحمد، ناظم حكمت، ~~مظفر النواب، عبد الله ديدان، أحمد مطر، ماياكوفسكي، محمود محمد طه، كونوا أنفسكم كما يقول ~~بوذا، اكتبوا مسرحيات نزقة، شعرا كافرا لعينا مثل شعر رانيا محجوب، موسيقى جميلة، ~~أفلاما، أغنيات، نثرا لا ينتمي، ما شئتم ... أعني ما شئتم، تبا، لقد حلت كل أجهزة ~~الرقابة، سرح الأمنيون، المراقبون، البصاصون، حراس النوايا، وأرسل أعضاء لجان المعاينة، ~~إجازة النصوص، مجالس المصنفات إلى محرقة التاريخ، بلا بعث، أنتم الآن أحرار: كتاب ~~وروائيون، رسامون، النور عثمان أبكر، مي التجاني، مغنون، ملحنون، حفار وقبور، خياطون، ~~ممثلون، سينمائيون، مسرحيون، لمياء متوكل، ناقدون، مخصيون، مثليون، مردة، تنابلة، فنانون من ~~كل صنف وجهة مثل الشعراء، الآن أطلقت أياديكم، فأطلقوا العنان لمخيلاتكم، أبدعوا طالما ~~خلقتم لذلك، مسئوليتي الشخصية والمهنية، ومسئولية الدولة أن ترعى إبداعكم الحر ~~المتميز، فقط أرجوكم أن تضعوا قول بودلير نصب أعينكم: لا تخلطوا الحبر بالفضيلة، أحبائي ~~ما تنتظرون؟ ألم ...! # ملحوظة ~~: تلك كانت هلوسات وزير ثقافة أصيب بمس من ~~الجنون. # خشم القربة # أبريل 2005 # | سماؤه # استيقظت فجأة - أو قل كما هي عادتي - في آخر الليل، دفعني قلق لئيم إلى أن أتمشى قليلا ~~في الطرقات الفارغة، طالما كان هناك قمر وأنجم قليلة، وجو معتدل ورغبة في المشي، مررت ~~ببيته عند أول منحنى الطريق، لا شيء غريب، فصوته ما زال بذات العمق وذات الدفء، يحلق ~~حول المكان كسحابة من النشوة والحب والورع مترنما: # يا قريب ... # يا بعيد ... # يا مافي ... # يا قريب، يا بعيد، يا مافي ... ويسرع النداء حتى لا يكاد يسمع منه سوى: # ييب ... ييد ... في. # خمسون عاما سمع فيها كل من في الحي الصوت، النداء، اعتادوا عليه حتى ما عاد أحد ~~ينتبه له، بل لم يعد يسمع، منذ أن كنت طفلا يافعا ربما كان أول تنغيم متكرر ~~إلى ما لا نهاية أسمعه. # قلت لنفسي: حسنا، لأجلسن وأستمع إليه عن ms21 قرب ودون عجلة وعن قصد، وهذا يتطلب أن أمحو عن ~~ذهني صورته النهارية، حيث إنه يعمل بائعا للعطور وألعاب الأطفال، على الأرض قرب سوق ~~العيش، أكثر أهل المدينة صناعة للنكتة، وأعرفهم في الضحك، وأجهلهم في كل شيء آخر، ولم ~~يكن جادا في أمر أبدا، إلا ربما في ندائه المرتب المنتظم المكرر في ساعته ~~ووقته دون انقطاع: يا بعيد، يا قريب، يا مافي ... يا بعيد، يا قريب، يا مافي، يا بعيد، يا ~~قريب، يا مافي ... # قلت: لأبحثن لنظري عن نفاج أشهد به كيف يبدو وهو ينادي، لكن كان الظلام في الداخل دامسا، ~~والصوت الجميل الشجي المنغم الحلو يدفعني على ألا أصدر ما يعكر أو يفسد متعتي، ~~أحسست بأن أحدهم يقف خلفي، بل شممته أولا، كان يغلق شفتيه في ورع وخوف عظيمين، وهو يستمع ~~معي إلى صوته الآتي من داخل قطيته المظلمة: يا بعيد، يا قريب، يا مافي ... # خشم القربة # 22 / 12 / 2004 # | عبق الذنب # سوف لا تحتاجين لأي اسم، سمي جميعهم باسمي، فأنا الولد الواحد في خيمة الصوف الكبيرة: ~~الدنيا، وأنت السيدة الوحيدة في قميص نومها الأسود، أنا وأنت نفعل كل ما يحتاج إليه ما يخصك ~~من جسد وما يخصني، أنا لا أتحدث يا حبيبتي عن كل شيء، أكتب إليك وأغني لك، وأرسم صورتك على ~~خاتم سليمان بن داود، هي الطريقة الوحيدة التي تجعلني أمارس الحب معك بحرية وطبيعية مطلقة، ~~مثل شلال من الماء يمر هنالك، ويمر من هنا بصوت أخضر عذب ... ما زلت أحتفظ بكتاب الكماسترا ~~كله في ذاكرتي النجسة! # سوف تأتي الأسماء على خاطرك سريعة كنافذة القطار، كلها أنا، الدليل على ذلك الحرف النشاز، ~~عند الشبلي - أبو بكر جحدر بن الشبلي البغدادي، والدليل على ضلالة نقطة الشبلي هي لامك، بين ~~نهديك ينمو الطحلب الأزرق، عندما ينضج عطره، يا حبيبتي عندما ينضج عطر الطحلب الأزرق، تتسع ~~دائرة الصوفي المعذب وحوله الأطفال والمرضى والنساء الخفيفات كبذور العشر، الرشيقات، وحوله ~~الدوائر، وهو نفسه بقية دائرتين، الطحلب الأزرق الذي لا ينمو في كل ms22 مكان مثل كذبة ~~أبريل. # ماذا تريدين أكثر من ذلك؟! بوذا وأنا فقط الوحيدان اللذان لا يدينان بالبوذية، البقية ~~يجهلون - فيما يجهلون - اسم الله، اسمه الأعظم. # هل تعرفين كيف ينطقه القمري؟! # على الصفصافة! # أنا أعرف كيف ينطقه الطنان، الجرذ، الجبل والليل، كلهم أنا، لا يتوقع الصبية لون قميص ~~نومك الأسود، لا أحد، هي الرذيلة المحببة إلى نفسي، وحيد في سكة الحشد العظيم يوم القيامة، ~~أريد نارا بحجم إيماني ومحبتي ... عذاب عذاب، بطعم الكشف، نار، لي وحدي سوداء، أريد منها دفء ~~الطحلب، لا بأس إذا لم أقاوم غواية اللهب! ليس أمامي سوى هذه الذنوب ربيبة قلبي تكبر ~~بنقاء الدم في شرياني، تكبر، تكبر، تكبر، تكبر حتى لا يسعها القبر ... سوف لا تحتاجين لاسم ~~لا ينتمي إلي، خبرت سكة الجهل ستقودني إلى العلم، ستقودني إلى المعرفة، ستقودني إلى الوقفة، ~~ستقودني إلى وقفة الوقفة، ستقودني إلى الجهل ... خبرت الاسم والإثم والماء، المذلة والهوان، ~~الحبر اللزج الحار الزكي الأسود مثل وجهي، خبرت اللغة ثم جهلتها عندما عجزت ساقي أمام إبطك، ~~وتراخت أوتار بحيرتي أمام نهديك، البرد يحيط بالأماكن كلها، حتى حول نار الصباح، تشعله ~~الأمهات مع الفحم لتدفئة القهوة وأصابع الصغيرة. # كلهم أسمائي، يا حبيبتي، وما هو ليس باسمي، اسمي أيضا: المراجع: ~~«لون الماء لون إنائه» الجنيد. ~~«أنا النقطة التي تحت الباء.» الشبلي. ~~«لا صباح ولا مساء.» البسطامي. ~~«إذا تكلمت فتكلم ... إذا صمت فاصمت.» النفري. ~~«ما في الجبة غير الله.» الحلاج. ~~«ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم.» الغزالي. ~~«أنت أيضا هو.» بوذا. # Your breasts are like bundres of ~~grapes. # I celebrate myself, and sing myself, and what I assume you ~~shall assume, for what belongs to me as good as belongs to ~~you. # Walt Whitman ~~(ط ه) القرآن الكريم. # حسنا هنا طريقتان لقول ذات الشيء: النهر أو النار، والنهر ينقسم إلى وجهتين لا يمكن ~~كتابتهما إلا ثلاث: السماء، أنت، والماء ذاتها. # أما النار - سبحان الله - هي شرط اللذة، خرجت بالأمس من الكون، حملقت بكل ms23 جسدي في ~~فراغ لا يخص أي إله، ولم يدع ملكيته أباد أماك ولا عشتار ولا حتى زيوس. # فراغ بحجم كل الأكوان التي لا نعرفها، يسمع له طنين كهمس النحلة للنحلة، خلفه لا شيء ~~وتصطف الأشياء كلها، هنالك أسرار تخص الله وحده لم يطلعنا عليها ولن يفعل، كنت أحملق بكل ~~جهلي وصورتي وجسدي وصوتي وذنوبي العظيمة، لا أجيد طقسا في الشريعة، كنت مغسولا من العقل ~~والفكر والمعرفة، ليس لي سوى جسدي وذنوبي والفراغ الذي لا مالك له ... جنبي المجرات تحتك ~~ببعضها، تتناسل، ويسقط الأنبياء من بين الأنجم الذهبية تأخذهم الريح نحو أراض كثيرة تمد ~~أذرعها متلهفة إليهم، تناديهم بأسمائهم، عرفت لهم أسماء أخرى، ناديت لم يسمعني سوى غبار ~~كوني على حافة الفراغ، كان هو الآخر يحملق نحو ذاته ويندهش كما اندهش. ~~- هي ثانية النهاية. # لقد فسدت ... عندما يفسد الجسد تفسد البصيرة، وأنت إذ تحملق لا ترى شيئا سوى قبح نفسك، ~~وجمال الفراغ، الفراغ، الفراغ ... الفراغ: الفراغ! # حبيبتي! # كم تبقى من هذا الليل؟ أعرف قدره عندما تبحثين بأناملك المرتعشة عن طوق الشعر، وأربطة ~~الحذاء، أو حافظة الصدر، عندما تقولين بصوت نقي معظمه هواء ورغبة ... # هه ... # كنت أسمع صوتك تصلين بطريقة تصلني في الحلم أدعية مخلوطة بإذاعات يختلط الكلام فيها ~~بزقزقة طيور الصباح بالأذان! # كلنا يحب الله، كل واحد منا بالطريقة التي تريح ضميره، كلنا يعرف اسمه الأعظم بلحن ~~وحرف مختلف، هو ما لا اسم له! هذا الورق كثير، قلبي يشتعل الآن أكثر. # لا تهتمي بالصبية، لا يملكون غير اسمي ذاته، هكذا دعيهم على قارعة الخرطوم ترمي بهم المحن ~~والجرائد، تتخاطفهم المجاعات. # عندما نلتقي سنلتقي بكل شيء، في كل شيء، من أجل لا شيء، طهرتنا النار العذبة ... # وسوف لا يتبقى في تلك الليلة شيء ... من الليل ... # مرجع أخير: «لا احترام إنساني، ولا حياء مزيف، لا ~~تحالف، ولا أية انتخابات عامة، تجبرني على خلط الحبر بالفضيلة.» بودلير. # خشم القربة # 17 / 2 / 2007 # | في ذكرى مرور أعوام كثيرة على مغادرة بوذا لمدينة أسيوط # بغم أسيوط ms24 # أسيوط في أسيوط، أما الصادق حسين عند دوران روكسي يرقب المارة، في شارع النميس، ثلاث ~~فتيات، ولد واحد، جلال الجميل، النفق الصغير، شارع الجامعة، عند كلية التجارة تقف عربة ~~التاكسي، تنزل فتاة واحدة تمضي العربة بالبنتين، كل ما في جيب محمد الناصر ثمن سيجارة ~~واحدة، سوف يستخدم علبة الكبريت الفارغة كراسة لكتابة ملاحظاته عن محاضرة الدمشاوي الأخيرة، ~~يغني الدمشاوي لسيد درويش، ثم يموت. # أنا لا أحب الفلافل، ولكن الجوع الكافر هو الذي جعل الفتاتين توقفان سائق التاكسي وتطلبان ~~منه أن يشتري لهما جريدة المساء، ستقرآن لأول مرة لعاطف خيري، وحسين تيه باجور، وشكيري توتو ~~كوه، ووداد مرجان، والشاعر الرقيق حمدي عابدين، هل نذهب إلى قصر الثقافة؟ اليوم هو ~~الثلاثاء، البنت الكبيرة حميدة، والبنت الصغرى فوزية أبو النجا، سمر هي أيضا طفلة جميلة ~~ستصير أكبر من المروحة وأكبر من حديقة الفردوس، أنا أعرف ذلك وأيضا سعد عبد الرحمن، تتحرك ~~عربة التاكسي نحو الفرح والجوع والآمال العريضة، دار الاتحاد، أمين حمدنا الله، جفون، أمل ~~الخاتم، بهاء غير موجود الليلة يسهر مع أسامة الكاشف في الإسكندرية، فالموسم مطير، أشجار ~~المسكيت تنمو في كل مكان مجانا، لا ثمن لشيء، تقف عربة التاكسي عند مدخل بيت الطالبات، ~~درويش الأسيوطي، محمد درويش، إبليس الشعراء أحمد الجعفري يغني هو وجمال عبد الناصر على ترعة ~~الإبراهيمية، يدخل، كانت بذاكرتي تعبث الجرذان، ذاكرة جرذ كبير، كبيرة ذاكرة الجرذ الكبير، ~~بوذا يعشق الليل والنهار والسفر، وكتب عم سيد الشهية المتبلة والدوريات الكويتية، عالم ~~المسرح وأقلام صدام حسين، العالم هنالك أقرب، أقرب أكثر من السماء، السماء هنالك تمطر قططا ~~وكلابا. # بوذا يرضع أغنام المهاتما غاندي، ويهرب نحو قمة لاسا، معاوية الزاكي، انتصار، انتصار، ~~انتصار الشايقي، دبي، الفاشر، انتصار الأخرى، أبو ذر وداليا وآمال في جمالها المرعب، جمال ~~كبير البصاصين، تنزل بنت جميلة، ولكنها تقول لجلال الجميل: نتلاقى في جامعة بحر ~~الغزال. # عاطف خيري، اخرج، اخرج، عاطف خيري، عاطف الحاج، عاطف الفوكس، عاطف البحر، عاطف، نادر، ~~عبده، سوسن، سوسن عبد العزيز، عبده ms25 نادر، اخرج يا عاطف، أنت لست في المنزل، لست في ~~الحسبان. # معروف عني، # أنك في كأني، # معروف عنك، # أني منك إليك، # أحبك شئت، # أبيت، # بكيت، # ضحكت، أرضت # سموت، # لأنك أني، # وأني، # ذاتك أنت. # معروف عني، أنك في كأني، معروف عنك، أني منك إليك، أحبك شئت أبيت، ضحكت بكيت، ~~أرضيت، سموت؛ لأنك أني، وأني ذاتك أنت، سلام لطيف لا يوق، سلام لأشجار دفلي، سلام ~~لسياب روحي، سلام لأسيوط قلبي، سلامي لقلبي، صديقي محمد فتحي، زكريا عبد الغني، صديقتي ~~البتزا بنادي الحقوقيين، صديقتي جدا اليوم يمضي، والتكاسي تلفظ البنات في الشوارع ~~الجانبية، بوذا وحيدا يواجه بوذا، والناس مشغولون عنه بالناس، والقصص القصيرة والأشعار ~~والروايات تنتظر في دواته، أكره هذا العالم الجميل، أحبه أكثر، ما بين 1963 يوم الثلاثاء ~~وبين 1993، ثلاثون عاما في الحمراء، عزبة السجن، محمد عيسى، عادل خليل شايب، عبد الله ~~إبراهيم عبد الله، عبد الله المبصر، نحن العميان، رياض، تبن، منى، نازك، الحاج حمد الحاج، ~~جوهر، نادر، هجو، هجو اللعين، هجو اللعين جدا، هجو، عصمت، معاوية الآخر، معاوية الأول، ~~أدخل مجهرا أخرج من آخر، الولد الكبير يغني: بلادي وإن حنت علي كريهة، قومي وإن حتموا ~~علي لئام، بوذا يتبول عند حائط المبكى فيلعن، أولئك أصحابي فجئني بمثلهم، كتاب، لسان ~~سليط، مناهل سعيد، زينب، لا أعرف بحرا للمحس غير النيل، زينب حلمي، أطول عنق عنق النخلة، ~~وأجمل عنق عنق النهر، وبوذا يستفرغ ذاكرته في قاع النهر، بوذا يحلم، تنزل حبيبة من عربة ~~التاكسي، تصعد حبيبتان، جلال الجميل، يتأمل وجه ياسر، ينقسم وجه ياسر لوجهين، وجه يخشى ~~الأسفلت، ووجه يشع كالنجم، يذهب الوجهان لحضور البروفة النهائية لفرقة ساورا، الزين ~~بحاري، أمل الخاتم، ابتهاج، موناز، السماني لوال، الصادق الرضي، أخيرا يفشل في صنع فتاة من ~~دمه، ولكن ينجح في أن يسميها نضال، من ينتصر على من، كلتوم فضل الله، الدار صباحي، ~~012233305، الطريق إلى الله يبدأ من الله، في سنة 1992. # أحبك حبا شديدا. # فيروز، شادي، اللوسينا، حبيبة الصادق، أطيار الكلج كلج، قطية الروح، سلام ms26 بلادي في عيد ~~السمك، خشم القربة، بنت النوبة، أحمد سعودية، حماد، كفاح، حسن علي، كوثر حسين، سيحزن الليل، ~~إنه وحيد، يريد ليلا يؤانسه، في شارع روكسي عند الدوران يقف الصادق حسين، لا ينتظر أحدا، ~~ولكنه أيضا لا يريد الذهاب؛ لأن كل الأتوبيسات والميني باص وعربات التاكسي والمترو ~~والقطارات السريعة، لا يمكنها أن توصله إلى كمبو كديس، ولا خميسة ولا عايدة ولا نعمة ولا ~~علوية ولا أحد باستطاعته أن يأخذه إلى ديوانه بالحي الجنوبي، قرب الزاوية شمال الغسال ~~تسفاي، الصادق يحملق في المارة، الصادق حسين في جيبه علبة كليوباترا، ومائة دولار أرسلها له ~~أخوه داود من الولايات المتحدة، له حذاء جديد، وهو لا يهتم بالموضة، يكتفي بالجينز في جميع ~~الفصول، تماما كما كان يفعل في خشم القربة وفي أسمرا أيضا، الآن لا ينتمي إلى أي حزب كان، ~~فقط، حزب المغربين والمبعدين عن كمبو كديس، الذين ليس بإمكانهم حضور يوم السمك في ~~18 / 8 / 2003، كل سنة وأنت بخير، أحمد زكي، كمبو أحمد زكي، معروف عني، إنك في كأني، كتبت ~~حبيبة ذات يوم لحبيبها واسمه السمندل، أمه سوزان وأبوه المتنبي، قالت له: عد. # قال: من أين؟ # قالت: عد وحينها أنتظر خلفك لتعرف أين كنت! # وكانت البلاد شاسعة، والنيل يمتد إلى ما لا نهاية، السمندل لا يعرف أحدا في أستراليا، ~~ولم ير حبوباته من قبل، لا يعرف وجه صالحة، فات منها فوت، والصبر والكدح أبدا لا يعيدان ~~غريبا لوطنه، عبثا، الصادق حسين يقف عند الدوران، تقف عربة التاكسي تنزل صبية، تلقي ~~التحية كيفما اتفق، ثم تنتبه لوجود شخص تعرفه يقف عند الدوار، وجلال الجميل لا يعرف أحدا ~~أنه يحب الجميع، قالت: الصادق، قال: إنه سوف لا يذهب لأي مكان كان وبأية طريق كانت طالما ~~لم تقده هذه الليلة إلى كمبو كديس. # قال لها: لا يوجد يا أختي ملجأ أفضل من الوطن، «قلنا لن يوصلك البحر ...» # قلنا: لن يوصلك البحر ... # عاد أبكر آدم إسماعيل، وفرحت أمه بعودته وزغردت، ولكنه نسي في المهجر كراسة أشعاره ~~الأخيرة، ms27 عاد مرة أخرى، سوف لا يشتاق إليه أحد «لسنا في البيت، لسنا في الحسبان». # نعم، سوف لا يشتاق إليه أحد، قلنا لن نشتاق لأحد، نحن هنا في البيت لا نضع أحدا في ~~الحسبان، لن نشتاق إلى أحد، منذ أن غادر أحباؤنا البيت لم يعد البيت للبيت، والبنيات ~~الصغيرات أطلقن ضفائرهن للريح. # أعدنا نحن الضفائر للنهر. # أطلقن ضفائرهن مرة أخرى للمطر. # أعدنا نحن الضفائر للرمل. # أطلقنها للنخيل. # أعدنا نحن الضفائر للودع. # أطلقنها للسوميت. # أعدنا نحن الضفائر للبنات. # فنعسنا ونمنا على أكفنا وكنا - كما تركتمونا - أمينين على الصبيات، فتغازلنا الليل كله، ~~ثم عندما أشرقت الشمس حملن أطفالنا وذهبن لآبائهن بالبشارة، بوذا يرسم في كهف العذراء مريم ~~ليل دير المحرق، الأب ناشد بشاره، البابا كرلس، لا أحد في المغارة، لا وجه يبكي، حبيبتي ~~تقلم أظافرها عند المزلقان، تنبهها خديجة لأمر أهم، كريمة ثابت، آمنة الصعيدية الشاعرة، ~~دكتور مصطفى، عم سعيد صاحب الكتب الشهية، نادي الأدب، الريح تأخذ حبيبتك للريح، والله يأخذ ~~الريح بالريح، لا بأس، سلام من أجل وردة الطين، سلام من أجل كتاب لم نقرأه، سلام لأطفال ~~الشوارع، أولاد الحرام الذين ليست لهم ريح يستحمون بشظاياها، وأنت بارد كجرادة تبيض، بوذا ~~سوف يغادر الآن أسيوط، نعم سوف يغادر أسيوط إلى محاسن، رحلة لم تنته، وسيظل طبق الكسرة ~~على عطر الطايوق ودخان الكتر، كان بول كلب طريد، أغسلته محاسن؟! ما زالت رائحة شوائه تزكم ~~أنوفنا، عاد بوذا يحمل أسفاره الخمسة: كتاب اللبن، كتاب السماء، كتاب الصبيان وكتاب كمبو ~~كديس، أنت لا تسوى شيئا في المنفى، حسن البكري هنا سوف يراك الناس عندما تستحم في الخور، ~~سوف يراك الجميع ويصفقون، ويرميك الأصدقاء بالسفاريك والدراب كما رمي الشنقر والرضي، كما ~~رمي شكيري توتو كوة، يرمونك بالكلج كلج وأم بقبق وصلاح أحمد إبراهيم، بصديق الحلو، ~~سيرمونك بي، وبك وقبلة سريعة من صبية تشتهيها كثيرا وطويلا وقصيرا - ومثل عبد الله ديدان ~~- عندما انفردت بها في زقاق ضيق وهي عائدة من الدكان، ضممتها لصدرك بشدة وقلت في ~~ذات ms28 روحك: ديني أنا! # الصبية الآن في البيت، ولكنها لا تنتظر أحدا، لا تشتاق إلى أحد، لستم في البيت، لستم في ~~الحسبان، عند المساء عندما يتهيأ لنا أن العسس في سنة عنا، آخذ صديقي الصادق وبابكر ~~الوسيلة، عبد الله ديدان يقف عند الماسورة يشيل نسوان الكرنقو باقات المياه، وبين مسكيتتين ~~كبيرتين ندخل إلى خميسة، تغمرنا رائحة البيت العطرة، رائحة البلح المعتق، تحتفي بنا، تدير ~~موجة الراديو إلى أم درمان، ويا سعادتها إذا صادفت أغنية، كأنما هيأت ذلك هي بنفسها ~~شخصيا. ~~- ديل إنتو، يا بنت ... يا بنت أديهم البنابر. # وتأتي سلوى بالبنابر، ومنذ أن فعل عبد الله ديدان فعلته، تعاهدنا على أن سلوى ~~زيها زي انتصار، زيها زي صباح، زيها زي عزيزة، جلسنا، لم نتذكر أحدا، لم نشتق إلى أحد، ولو ~~أن خيال الذي يصحى التمرة نصف الليل لم يبرحنا، إلا أن بابكر دفق كأسا مليئة في وجهه ~~قائلا له: لست في البيت؟ # أسيوط روحي، البيه مهران، حمدي عابدين: لسنا دائما على ما يرام. # في العراق - عند الباب الشرقي - صنع السودانيون المغربون تمثالا لأبادماك من التمباك، ~~واحتج نفر من الساسة، أعجب بذلك نفر من الساسة، تخاصم عليه نفر من الساسة، انشقوا على ~~أنفسهم عندما باعه أحدهم وقبض الثمن، حدث ذلك في العتبة، وفي ركن السودان بأسيوط، لكن من ~~يوصل الصادق حسين إلى كمبو كديس، إنه مازال عند دوران روكسي، يرقب المارة، السنوات الأخيرة ~~هكذا نغني: السنوات الأخيرة، كتب بوذا في سفر اللبن، عندما عدت من لاسا، عدت إلى ~~نفسي، كنت موزعا بين الصخور، اللالوبات، المسكيتات، الدراب، الخيار، أزهار الليمون، خجل ~~الصبيات، ألعاب الأطفال وشليل، بنات بنات، كنت الدكتور في لعبة المستشفى، اللص في الحرامية ~~والشرطة، والكديس في من نطاك، الرمة في الحراس، التمساح في لعبة النهر، كنت الطيش في الفصل، ~~الغياب، المشاغب، كنت ود أمه، وصديق أبيه، وحبيب أمل، صديق عبد الرحمن، الولد اللي عضه ~~الكلب، اللي البحر، اللي جرى من الثور، اللي رفسه الحمار، اللي شرب المريسة، اللي سأل ~~الأستاذ سؤالا ms29 عوقب عليه الفصل كله، كنت موزعا في المكان؛ لذا لم أجدني في لاسا، لا في ~~أعلى قمم التبت، لا عند معبد القردة أو في شوارع روكسي، كان قلبي في صدر هاشيما بنت ~~الكرنفو، ورأسي عند الشنخابي صاحب صاروخ الكيف، يداي في جيب صديريتي، ووجهي في راكوبة مريم ~~يستنشق عطر البن المقلي، لا أتذكر أحدا، لا أشتاق إلى أحد، في الأتنيه جلس شيخان، كانا ~~يتوكآن على عصا واحدة، شيخان طويلان لهما وجهان جميلان، لكن لم يتعرف عليهما أحد، كانا ~~يعرفان المكان، تحدثا لبعضهما: إن في المكان لحمة تخصنا. # لم يتعرف عليهما أجمل الجالسين عندما يدخن سيجارة برنجي، ماو، لم يتعرف عليهما، شخص ليس ~~في المكان من هو أبرع منه في اختراع الشجار الممتع، وأروع الألفاظ السوقية ذات العفن البهيج ~~العفن الشهي، وليد إسماعيل حسن لم يتعرف عليهما المراسي محمد إسماعيل في عنقريبه، المقدود ~~وقربة قرعة البقو تحفل في حضرتها الذبابات الكبيرات الخضراوات، والتي يجيد رسمها صلاح ~~إبراهيم، كان الشيخان شيخين، يتوكآن على عصا واحدة ولهما وجهان جميلان. # قال شيخ جميل لصبية تلعب بجملة قصصية: أنا ادجار آلان بو ... # قال شيخ جميل لصبية تلعب بجملة شعرية: أنا أوفيد ... # ولكنا قتلنا العمر خارج البيت، فلم نكن في الحسبان، الآن ليست لدينا سوى عصا واحدة نتوكأ ~~عليها ونهش بها على الكلمات، وجهان جميلان، لدينا ظل لا يقي يوم لا ظل إلا ظل الله، ~~بكت الصبيتان قبل أن تمضيا مع محمد خلف إلى مكان قريب، يصنع الأمدرمانيون دائما نصوصهم في ~~مكان قريب، الصادق حسين يلتفت يمينا، يسارا، لا باص، لا حافلة، لا قاطرة، لا نفق، لا ~~تاكسي، لا قدمان، لا حمار أو ناقة تستطيع أن تلقيه في خور قريب من كمبو كديس، أو عند مشرع ~~السقايين، حيث اعتاد في الماضي الالتقاء بالصبيات على الرمل بعيدا عن القيل والقال، لا عند ~~الصفصافات، آسف أنت لا تعرف الصفصافات، لقد نمت بعد رحيلك تأكيدا على غيابك ونكاية بك، ~~نبتت غابة الصفصاف العشوائية على شاطئ النهر، شرق معسكر اللاجئين، ms30 عند الشلال، لا نجوى، لا ~~زهور، لا نعمة، لا نزهة، لا جهاد، حماد، لا الحلب المزعجين، لا شجارهم في المغرب، سوف لن ~~تحضر زواج موسى السمح، لن تشاهد صراع النوبة غرب مكتب الأمن، أمام المستشفى في ~~18 / 8 / 2003 يوم دق السمك السنوي، 012205926، 23 / 2 / 2003 حفلة ختان ولد نعمة أختك، ~~أعرف أنك نسيت اسمه؛ لذا لن أخبرك باسمه، 16 / 3 / 2003 عرس سعاد، نعم للمرة الثالثة، ~~سيتزوجها صلاح، وهو ضابط إداري جديد، أنت لا تعرفه، لكنه سمع عنك، سعاد أخبرته عن كثير من ~~عشاقها، تشاجر معي، تعرفني جيدا أنا لا أفتعل حربا في النساء، لكنه دفعني على ذلك دفعا، ~~فهو شخص جديد في النساء، سوف يتزوجها على أساس أنها عذراء، ما زلنا نذهب لكبري ستة لتناول ~~الإفطار في مطعم حسين، كل يوم جمعة على عربة إبراهيم الديدي، في صحبة عتود أو خروف، أو ما ~~تيسر من خيرات الله، نذهب للرميلة، يغني الدرديري لأبي داود الكاشف أغنيات الحقيبة التي ~~تعجبك كثيرا، لا أحد يتذكرك، لا يشتاق إليك أحد، نغني، نسكر، نرقص نهيص ونبيص تحت أشجار ~~السنط، على رمل الشاطئ، عمر، التاج، حمادة، مساعد الديدي، عادل موسى، جني، عصام، الأعراب، ~~الأسماك، الحدأة، ياسر، وأنا ... # نسيك الجميع، والأنكى والأمر أننا تقاسمنا حبيباتك جميعهن، غازلناهن، قبلناهن، ثم بذرنا ~~في أرحامهن أطفالا، أسمينا الأطفال بأسماء نعرف أنك تكرهها، مثل عايدة، غايدة، رايدة، مثل ~~الكاسح والماحق والبلى المتلاحق، سمينا كبيرهم باسم قاتل محمود محمد طه، منذ أن قتل ~~محمود لم يسم أحد طفله بذلك الاسم البغيض، نكاية بك سمينا أول الأطفال باسم القاتل، لا ~~أحد يتذكرك، لست في البيت - كما يؤكد عاطف خيري - لست في الحسبان، هنا أنا في البيت، أنا ~~وحدي في الحسبان، بوذا يرسم خارطة لمن يريد العودة للبيت. ~~(1) # للذين في السعودية: تمشوا في الشوارع بحرية، غنوا للكاشف ومحمود عبد العزيز، هي أقرب الطرق ~~إلى البيت! ~~(2) # للمغربين في مصر: اضربوا بعصيكم البحر. ~~(3) # للذين في بلاد الفرنجة: حطموا سور الملجأ الذي فيكم، ثم الذي ms31 يحيط بكم، والعنوا اليورو والدولار، وكل ~~العملات التي يستحيل الاحتفاظ بها في الجيب، قولوا لبعضكم البعض: لا يوجد منفى ~~أحلى من الوطن. # دكتور السماني في ماليزيا ... # لا أحد سوف يتصل بك، نسي الجميع رقم هاتفك الجوال وعنوانك وصورتك الشخصية، ~~وحبيبتك سوف تتزوج من صديقك في 30 / 3 / 2003. ~~(4) # عاطف خيري: من يوقظ التمرة؟ # جلس شيخان في مقعد واحد، كانا يتوكآن على عصا واحدة ولهما ثلاث أرجل، قال الشيخ للشيخ: ~~ما اسم هذا المكان الفسيح؟ # قال الشيخ: أظنها روما. # بوذا عاد، عندما عاد من أسيوط عرف الفرق ما بين روما وكمبو أحمد زكي، ما بين روما وكمبو ~~الليمون، وعرف الفرق ما بين السمو أل محمد الحسن، ورجل تبول على واجهة المحال التجارية في ~~التحرير، شوقا لشوق ونادية. # سلام مصر روحي، سلام منفاي الجميل، سلام بنت جوعي، سلام لطائر الكلج كلج على شجرة ~~اللوسينا، لحدأتين على قمة قطيتي، لعبد الله ديدان وهو يحملق بعينين خبيثتين تافهتين، في ~~حشو شجرة طندب تسكنها بومة، سيدة الشاي، متلة بنات الجامعات الصغيرات يبحثن عن معرفة لا ~~تفيد، كلام قاله الجامعة في الكتاب المقدس، يكرره عبد الله في جمال هذا المساء، لا يتذكر ~~أحدا، ولا يشتاق إلى أحد، ودكتور علي شرفي يزداد طولا وبؤسا، ويزداد بيته صغرا ~~وضيقا ولا يمتد ناصر، ولكنه هنا أكثر جمالا، الصادق حسين. # أم صلمبويتي ... # ولا. # كدكاية زول. # لا تعد، ابق في دوران روكسي، هنالك النساء في المينى جيب والميني ميني جيب، الرجال على ~~عجل، الدراجات للسباق والفيلم الهندي، تحياتي لمكتبة مدبولي، أسيوط في أسيوط، وبوذا يحيي ~~ذكرى سنوات كثيرة مرت منذ أن ودع درويش الأسيوطي يوم السبت في نادي الأدب، أستفرغ ~~الذاكرة. # أرمي بكم بعيدا عني، اخرجوا مني كي أراكم أكثر حلكة، كي أدفق عليكم ماء النسيان؛ لكي ~~أحبكم أكثر، ألعنكم، عوض شكسبير في صلعته الجميلة، عبيد، أنس الشرير، اخرجوا، اخرجوا، تدور ~~عربة التاكسي دورتين سريعتين؛ ليضغط السائق على زرار المنبه، يفتح الحارس الباب، تدخل ~~السيارة حرم الجامعة، في كلية البيطرة تنزل بنت ms32 جميلة اسمها ياسمين، تعود سيارة التاكسي ~~فارغة لتختفي في شوارع الوليدية الضيقة، تزحف بين عربات الكارو والباعة المتجولين، من على ~~البلكونة يطل وجه عبد الرحمن جربو، ثم يختفي مرة أخرى، باتريشيا الآن وحيدة، كتنق، تمتطي ~~طول قامتها، ترسل أظافرها في الهواء الندي، هواء الصباحات القادمة، سوف يحاول الأطفال تأجيل ~~عيد الفصح من أجل باتريشيا، فالحائك لم يجد منديلا بطول باتريشيا، ولا نخلة يطيل صبرها ~~بها، ولم يجد مرسى لسفن الباشوات والقرصان، حتى يستريح عندها العبيد، والرحلة طويلة سواء ~~أكانت إلى مصر، أو جورجيا ... # الرحلة طويلة، والأغلال تحز معصمي وتأكل ساقي، وكلما أدمى لي جرح بصقت عليه، وكلما رآني ~~السيد أفعل، مشقني بالسوط على ظهري، وسب أمي وأبي والمستنقع الذي خلقني منه الله. # أنتم وصمة العار الوحيدة في جبين الإنسانية. # قالت لي، كتنق، بلغتنا: إنه كلب حقير. # كدت أبتسم لولا الحزن الذي يغمر قلبي، لا لا، لن أبتسم للسيد، ولكن من أجل كتنق ~~وحدها، الصادق حسين تؤلمه الجغرافيا، وبذاكرته مجزرة تعمي دماؤها المسفوكة قلبه، لا ~~أحد، لا درب، لا شجرة، لا سمبرية، لا بنت، لا ولد يقوده اليوم إلى كمبو كديس. # كل البدائل ظلام، والنجم. # أين النجم؟ # هنا في الحي الجنوبي، تحت ظل النجم جلسنا، الطيب، إبراهيم، التاج، سليمان والسلطان، حولنا ~~أشجار المسكيت، والتي سوف نستخدمها سواتر طبيعية إذا هاجم العسكر الكمبو، سلوى تغني بلغة ~~الباريا، أنا بصوتي الأشتر أغني خلف سليمان. # ساقني بعجلة وداني كمبو ... # وين يا ناس ... # ساكن جنبو ... # عندما يؤذن للصلاة يوم العيد، نرتدي ما تيسر ونصلي مع المصلين في ميدان ~~المدارس. # من يجرؤ على سرقة عتود سيدة، غير كبسون نفسه، من يجرؤ على شيه كاملا غير منقوص، تحت ~~السنطات الشاهدات على المسرقة، غير إبليس ذاته؟ # | بغم الأسماء # عبد الله الحارث، صلاح، حلفا الجديدة، علي الكوتش، محمد عبد الجليل جعفر، الأستاذ محمد، ~~عبد المعطي حجازي، أبو حديدة، سيرة العرق والطين، عرق الحصى، حبيته الجميلة، طلال، ظلال، ~~دلدوم، حسن كوكو، عبد العزيز كافي، الشريف موسى، مملكة سنار، الطواوشة، التنابلة، ms33 المساليت، ~~الصابونابي، حكومة، جيرمني، سيدة وعائشة وموريس، حي صدام، حلة عم محمد زين صاحب النيفة، حسن ~~مرسال، حسن الكونج، حسن حسن حسن، علي جعفر، ابتهاج، فرحة، زهور عبد الله، عبد الله، صورة، ~~عصافير، ود أبرق، عشوشاي، سمر عبد الله، التجاني عثمان حسين الحاج، شيخ السمانية الصالح ~~العاقل الكريم، طائران، شجرة واحدة، قال إبليس: # إن دخلت الدائرة الأولى، ابتليت بالثانية. # وإن حصلت في الثانية، ابتليت بالثالثة. # وإن منعت من الثلاثة، ابتليت بالرابعة! # قال إبليس: # لو علمت أن السجود لآدم ينجيني لسجدت، ولكن قد علمت أن وراء ~~تلك الدائرة دوائر، فقلت في حالي: هب أني نجوت من هذه الدائرة، كيف أنجو ~~من الثانية والثالثة والرابعة؟ # فدخل الصادق الدائرة الأولى، وهي السفر، هب أنه نجى من هذه الدائرة فمن ينجيك من ~~الغربة؟ من ينجيك من الأمريكيين والكنديين والاشتراكيين، وشامل كامل أوروبا؟ من ينجيك من ~~روكسي وعاطف خيري؟ من ينجيك من انهيار الاتحاد السوفيتي ومجازر القاعدة؟ إنهم في كل مكان، ~~الذين صنعوا القاعدة، هم ذاتهم الذين صنعوا انهيار الاتحاد السوفيتي، وهم الذين جندوا ~~شيكيري توتو كوة في الحزب الشيوعي، جنبا لجنب مع روزا لكسمبورغ 1918 بألمانيا، وهم الذين ~~أوحوا لإبليس ألا يسجد لآدم ولا لمخلوق بعده، ربابة، إيقاعات كنيسة مجاورة تتسلل إلى ~~حوش بيتنا، أفراح الحي الجنوبي بعيد السمك لا تحدها كراهية الطارقيلة للقرقور أو البلطي، ~~الدنيا بخير، ولكنها بشر أجمل، والشر جميل وبهيج ورائع! الخير بارد ماسخ ولا طعم له! إن ~~الدم الذي يلون الشر هو الذي أعطاه حرارة الوردة وأزلية التراب، انظر جمال وليد إسماعيل ~~حسن، انظر لروعة بابايات استيلا قيتانو، أميمة حسب الرسول، صلاح إبراهيم، بابا بلوم، ~~واشتياق، من الذي أكد جمال هؤلاء؟ من الذي شق نهر عطبرة على صخرتين كبيرتين، وأنشأ على ~~شطه كمبو كديس، الأنادي، والرميلة، يد خبيثة، يد خيرة، الجامع الكبير، زاوية محمد عثمان، ~~العرديبات، بنات البني عامر، والباريا والعنسبة، البجوك، فلاتيات الشوارع الغربية، مسكيت ~~مدرسة البنات، يد شريرة هي اليد الخيرة ذاتها، دم الحلاج أضاءه أكثر، قتلة ms34 محمود محمد طه، ~~طبخة دمه، الذين صنعوا البهار، الذين ولغوا الدم، الذين رقصوا على القبر، الذين عندما سمعوا ~~نشيده تبولوا في أرديتهم، هم الآن الحجر الذي يدل على الرمس، كلما عرقوا تفصدت مسامهم ~~دما نعرفه، دم يدل عليهم، دم ناره هنا لا تنطفئ، على إيقاع الصيد ومراكب الكرنقو، على ~~طس الأسماء، على بغم الكلام، على ناصية روكسي تسأل روحه روحه، الصادق، لما ولج دائرة ~~طائعا، أولج مليون دائرة قسرا، طالما كفر بإبليس، دعه، فالله يؤجله لصاحبه في الحياة ~~الدنيا قبل الممات. # | بغم الخطيئة # أعطيناك كل ما تقوى على أخذه، أعطيناك شوارع الطين والأطفال المشردين، وبقايا أحشاء ~~الذبائح بسوق النوبة، أعطيناك بنياتنا السوداوات الجميلات، وهبنا لك عطر إبطهن ~~الممهور بالمكافحة والمنافحة، والسعي اليومي وراء الخبز، أعطيناك أزقتنا، وقطاطينا، وأزيار ~~المياه، والطحلب الذي في باطنها وخارجها، أقسمنا على رأس حرابنا والتراب على أن نعطيك ~~الخوف، بذا تكون قد سلبتنا الحياة، أبقيتنا عراة يضحك علينا الرهو والسمبر، وطيور الكلج كلج ~~الساخرة، وسوف لا نرى عري بعضنا البعض، فالعري يا حبيبنا حجاب، وحجاب العاري بصيرته، ~~بغم الخطيئة، بغم كلامي إليك، بغم الغياب الطويل، أعطيناك كل ما تقوى على أخذه، ~~صلاتنا، صيامنا، قيام الليل، عهر العاهرات، مياه الواردين، بلح الفقراء لالوب الناسكين، ~~لعب أطفالنا، بول البائلين، السلام الودع، السفر، موت الأصدقاء، قبر الذي لا قبر له إلا ~~في أحشاء قاتليه، كل ما تقدر على حمله، حملناكه، سوسن الجميلة، حفرة يقف عندها ~~عبده ويعتذر على مواصلة السير، طلقتان منتصف الليل، جندي يسأل عن الطريق إلى الحامية، ~~الحامية، وهبناك السكة والتكة والفكة والكحة والحكة، وقول القائلين وقلناك، في الشعر ومقام ~~الشعر، وخالد بخيت، وكل ورقة شجرة، وكتب الجغرافيا وتاريخ الوردة، أعطيناك أشعار بابكر ~~الوسيلة وبنته، والجبال التي في بيته وقلبه كله، كله، كله، ثم لم نقصر، أعطنا فقط، ~~أعطنا الرجوع. # | بغم ويلتاه # أزهرت برتقالتا حبيبتي ورك عليهما الطير، الطنان الصغير يمتص رحيق الوردة الصغيرة، ~~يسكن في التويج، يطرق رجل الباب المرحوق، تنق ضفدعة، تبوم بومة عجوز، على ms35 شجرة تمر هندي ~~جوار البرتقالتين، تستيقظ البنت، تفتح وردتيها في كسل، وردتا غاردينا بيضاوتان، يسمع ~~نوسهما الطنان، يطرق على تويج الزهرة، تعرف الوردة الطنان، وتراه عندما يراها، وعندما يغفل ~~عنها أيضا، وعندما يقبل وردة مجاورة تنهض الصبية، تقف على غصنيها، ثعبان يلتف بأحد ~~الغصنين، يصعد نحو الوردة، يدب حزينا حذرا، سوف لا يزعج الطنان، يريد أن يقتنصه وهو في ~~مزاج رايق، تتمطى الصبية، تمد أفرعها في جهات الله الكثيرة، يرك سرب من عصافير الجنة جنة ، ~~ينشد السرب أناشيد الصباح البهيج، يبتسم الثعبان وهو يرتقي الغصن، عصفور الجنة جنة ألحم من ~~الطنان، سوف أصطاد عصفور جنة جنة، تتثاءب الصبية، يصعد بخار الماء إلى السماء تمتص ~~وريقاتها الضوء والأكسجين، الجذور البعيدة المتوغلة بين الطين والرمل والحصى، تشرب شاي ~~الصباح، أمها سيدة جميلة يعرفها الناس، ويعرفها كلبها وقطتها العجوز هنا في الهامش لا أحد ~~يرى جمالك، يرون عوزك وفقرك ويديك الممدودتين، ترك عليهما حدأتين حرتين تطيران ~~عندما تحاول قفل أصابعك على مخالبهن، تشرق هذه الشمس علينا جميعا، ويخصنا الله معا ~~بالصحيان، الذين في البيت والذين خارجه عندما تلبس البنت طرحتها، كل شيء يكون قد تم، ~~أتمه الله بقدرته، نحن يا حبيبتي الصغيرة لا نستطيع أن نعيق الحياة مهما تجملنا ~~بالشر والقبح وعفونة الريح وتغربنا. # | بغم الشجرة # يقف الآن الأحباء والأصدقاء والأعداء على حافة المقام، ويسع المقام الشعر وبسم الله ~~الرحمن الرحيم، يكفيك من القول القائل من المطر العشب، ومن الرمل البيت، يكفيك من الثمر ~~الشجرة، تمد يدك - لو مددتها - مهبطا للنسور، ويدك هشة، قلبك كسير، دربك معوج، ~~وبصرك اليوم حديد، ماذا تفيد الرؤية والقلب محجوب؟ ويلك ... إذا عرفت كل لغات البشر ~~وعجزت عن مخاطبة شجرة. # خشم القربة # 24 / 1 / 2003 # | ثمار البيت # قال لي جدي: ثمرة البيت الظل، ثمرة الشوكة الوخز، ثمرة الوخز الآهة. # ثم نام، قلت له: ما ثمرة النوم؟ قال: الأحلام. # ثمرة الأحلام الإنسان. # وثمرة الإنسان الحروب. # ثم شرع طبوله في وجهي، شرعت في وجهه كتاب الانفجار الكبير لجيمس هاوكينج. # وأخذنا ms36 نتجادل في معنى الكون. # عرجنا لسبل الخير والمعصية، تجادلنا في أنني - إذا صمت - أصبح طودا وأكبر كذاكرة ~~الأطفال، وإن الطفل يولد مختل الأخلاق فيفسده أبواه أو يصبح مثلي - من ~~رحمه الله - مفخرة الضالين. # أنا لا أكتب شعرا. # بل أكتب نثرا بأدوات الشعر، أو أكتب شعرا بألوية النثر، أو أني أتحرر من قيد الاثنين ~~الذهبي معا، وأمشي في الظلمة ممتطيا شاع الروح المجنون، كسعلوات العقل الغيبي. # جدي يفهم معنى الشعر المكتوب بغير حروف وصياح، ويفهم في موسيقى الضوء وكيمياء الوشم، ~~وأنا الجاهل بما يجهل جدي، والعارف في السر: حريف الروح. # من يغضبك يثير جنون ذنوبك. # من يكرهك، يقول أبي: جنبك شرور محبته. # ثمرة البيت الأطفال، ثمرة الأطفال الأم، ثمرة الأم أبي. # ثمرة الشوكة خوف الشجرة، وثمرة الشجرة أن يألفها الطير. # ثمرة النوم سفر الروح. # ثمار الروح السياف. # ثمرة الأحلام بنات الليل، ثمار البنت الأحضان. # ثمرة الحرب. # ثمرة الإنسان. # ثمرة الوهم. # ثمرة النص السردي كتاب: هكذا تكلم زرادشت. # ثمار زرادشت الأديان. # ثمار الأديان. # ثمار الأسئلة. # ثمار طيور الفجر. # ثمار المخبول الموتور: في أديس أببا، كل شيء بارد، ما عدا النساء والبيتزا ~~دي-نابولي. # أديس أببا # 14 / 9 / 2010 # | طيور تقول لك: صباح الخير # ليس في غير هنا، يقول لك الطير صباح الخير، يسألك عن أحلام الأمس، سوء وسائدك، هل أفزعتك ~~أمطار الليل الرعدية، أم أنك مثل الطير لا تفزعه الأمطار؟ # يحدث هذا في الكرمك جنوب النيل الأزرق. # في أحضان الجبل الشامخ، المتوج بشجيرات البامبو. # توجد كل أجناس الطير وألوانه، تدهشك موسيقى حناجره المجنونة، في الكرمك يتقن الطير ~~لغات الأشجار جميعا، ويتحدث للغزلان وللأعشاب. # في الأودية يحاور الطين الطيب والأحجار، يؤانس الورد والثعابين الباردة الملساء، يرك ~~على نيمة البيت، يقول لي: صباح الخير. # تسألني طائرة صغيرة ليست لها خبرة عميقة في الحياة عن وسادتي، أقول لها: إنها من قطن فرز ~~ثالث مغشوش، ملوث بدخان ومردودات زيوت الماكينات، تصدقني طائرة مزركشة في فمها جندب ~~... # ليس في غير هنا، اقصد هذا البيت تنشدك الأطيار صباح الخير، ms37 تتراقص في حبل غسيلك، وعلى ~~حافة زنك السقف، على بامبو الشباك سمعت طائر صعلوك يغازل طائرة حسناء: شيؤك فينق. # كلما فضضته، أنبت بكارة أخرى، وكلما قبلتك أطل طائر برأسه من الشباك ~~صائحا: وووويك سييييك. # أنا أعلم لغة الطير؛ لذا أستمتع بما يهمس العاشقون إلي، يأتيني الطير، يودعني أسراره، ~~يقول لي: صباح الخير. # ليس في غير الكرمك يقول لك الطير صباح الخير، ويسألك عن مسند رأسك وطباع حبيباتك، ~~وتدهشك ترانيم العشق الطيرية. # القاهرة # 5 / 10 / 2010 # | سيرة ذاتية للشاعر مايا كوفسكي # السياسي يقطف الوردة ، يستنشق عبيرها، يشرعها في جيب سترته إعلانا عن إعجابه بها، عندما ~~تذبل يرميها. # يلتقطها الشاعر، ينفخ فيها من روحه: تطير فراشة. # يطمح السياسي أن يصبح ملكا. # أما الشاعر فغاية حلمه أن يصير وردة، يقطفها السياسي، يستنشق عبيرها، يشرعها في جيب ~~سترته إعجابا فتذبل. # أصوصا - إثيوبيا # 25 / 12 / 2010 # | جمهرة النشوة # الشجرة تستحم بضوء الشمس. # تغسل إبطيها في ملح شعاع الظهر، تغازل عريها أطيار الجنة، في ذاكرة الشجرة عش السنجاب ~~تبلل بالضوء. # تنوس أغصانها تيها، ثم عندما تشاء الشجرة تثمر نساء يتمرجحن في السماء، نساء عالقات في ~~اشتهاء الضوء. # لما تقبلها الرياح الحبيبة يرقصن، يتساقطن، امرأة، امرأة، امرأة. # الشاعر في عزلته يستنجد بالظل، على كتفيه سلال الأوطان المجروحة والفكرة، الشاعر مثل ~~نساء السلطان، لا يتشهى شيئا، لا يرجو حبا، لا يتألم في لذة، يعطي ما يعطى، وما ~~للأطفال لهن. # الشجرة تتفيأ ظلها، تتذكر حكايات الشمس، تطهو للبذرة عبق النوار الأشتر، الشجرة أم ~~الشمس، ولها ما للشمس من الأسماء، ولها ذات المفعال الضاري، منذ الليلة ألبس عري، أتباهى ~~بسرة امرأة مجنونة على شفتيها خارطة للدنيا، اقرأ في فخذيها شجن الليل وآيات المسجونين ~~الكفرة، يتسرب من بين نعاس الأشجار صرير النهد كداء الإرواء. # افعلها يا مفتون بها، يا مجنون بطيب القلب. # افعلها يا قاتلها وحدك. # افعلها يا شاجرها وصانع من سوق خطاياها حبل مشنقة الأيام المرذولة، يا ~~حاطبها، يا من فض بكارة أست العشق بقبلته، افعلها وتمطى بلذة ماء البحر، ms38 ملح الحيتان ~~وجمهرة النشوة. # إني أمقتك مرارا. # إني أتشهاك مرارا. # إني أمتص رحيق الحنظلة المبروك بعينيك. # الليل قنديل أعمى، يمسخ في ظلمة نفسي الأشياء. # كزهرة زقوم: الشاعر في شجرته. # يا صحبي، اكتب سيرتك وارحل. # ارسم خارطة خطاياك وارحل. # ارو موسيقى الظمأ الأبدي. # فيم ترحل، اختصر الروح رجاء، بدماء الصوفي أقيم مآدب جرحك، في قلبي. # الدمازين # 30 / 1 / 2011 # | ظفر # ما حك جلدك مثل ظفر حبيبتك، ما حكها مثل ظفرك. # الكرمك # 20 فبراير 2011 # | بئر الرغبة # أشم عبق البئر، رائحة الأعماق الحمضية تئز في أذني كطنين محشو بالرغبة، كما في ~~عينيك دموع الإحساس المكبوت، أقول لها اصفي لي الطريق إلى اللذة، طريقتك إلى يوم الحشر، ~~قالت: صلاة، ألم وصراخ؟ ~~- لا أعرف. # قالت نفسي: لا أعرف. # تضحك: أنت تعرف أكثر. ~~«لأنك مررت بكل طرقاتي قطفت عظيم شهواتي»، واختبأت في طياتها المجنونة. # أحبك؛ أعني أني لا أتردد في أن أوغل في هذا البلسم، ولا أتباطأ في طرقات اليم، ~~أعشق عاصفة وموجا. # دخلنا الكوخ المسحور، كانت رائحة البئر المهجور تطاردنا، دلفنا إلى أروقة جسدينا، يمتلأ ~~الكوخ بنار رغائبنا، بجمال خطايانا العذبة، بفتنة ردفيها، كانت تمشطها الجنيات بزيت ~~الأعشاب، وتدلك نهديها حوريات من جنة هاروت وماروت وجهنم نفسي، توغلنا في الكوخ، ~~أدركنا صرير وسائده، أدركنا أعراسا تقام على شفة الظل. # المرأة في الليل مثل نقيق الضفدع، تأتيك من كل جهات الأشياء، تملأ أذنيك وأنفك بالريح ~~وبالأمطار، تقاسمك قنينات الأنس، وقد يتربص بك ثعبان النفس الأمارة بالسوء، لا تدري ما ~~يهلكك وما ينجيك، لا تعرف كيف تصون رذيلة نفسك، كيف تدير بوصلة فضيحتك الفضلى! # إني أتبرأ مني، وأدين الشفقة في قلبي، وأقول لك ما قلت لمجوسي في جسدي: # ها أني أمنحك الأشياء. # ها أني ألتهم رماد نحيبك. # أتبصر السيل الجارف، يأخذنا للبحر. # ها أني أعطيك الشلو الآمن. # المرأة في الليل مثل عواء الذئب، تبعد عنك لهاث حبيباتك وتخيف دروب الصمت. # أشم الليلة لخنا أعمق، عمق اللحم الأحمر، عمق خيوط الدوبار الطبي، أنامل خاتنة شمطاء، ~~تتعثر في ms39 الشطأ، يفيخ عجوز مخبول في ذاكرتي. # ليس بقلبي سر لك. # ليست بيننا أغنيات «أذكر رقصتك المجنونة يوم القيامة.» # ليست ببيتي أشجار زينة، ليست به نساء يجدن الحوار، وبالظل ينمو كورد الحمار المساء، ~~سأحكي للماشطة أني لا أعرف من قبل: أطيب من جسدينا في الرغبة، وأنبل منك في ~~عهر الشفتين! # الكرمك # 28 فبراير 2011 # | اللحن الأكثر قدسية وشبقا # أحبك، أريدك أن أغني هذه الأغنية: أحبك، الأغنية التي تخصك وحدك، تخص عينيك الجميلتين ~~اللتين قال عنهما صديقي ابن الإنسان: إنهما مصباح الجسد، ورآهما سليمان حمامتين، وغناهما ~~السياب غابتين، أحبك، هذه الأغنية لم يفنها بعد عصفور ، ولم ترقصها شاكيرا، ولم يلحنها استيف ~~وندر، أغنية من أجلك وحدك ولك دون العالمين، أغنية تبدأ هكذا: أحبك، أحبك أيضا أحبك، ~~لا نهاية لهذه الأغنية؛ لأنها في الأصل لا بداية لها، كل ما فكر فيه أولئك المهووسون ~~بالبدايات والنهايات - أقصد ذلك النفر من الجن والإنس يسكنون بين هنا وهنالك، يغردون مثل ~~العصافير وينبحون مثل كلب الجيران - كلهم كانوا يفتشون عما يظن أنه بداية أو نهاية، العالم ~~اليوم ينام في الفيسبوك، كل النساء هنالك، بكامل زينتهن وغوايتهن، بجنون صدورهن، في ~~الفيسبوك يمكنك أن تشم عبق إبطهن وحنان الروح، جميلات كمصابيح السماء، يفيخن، يشخرن، ~~ينتعظن، ينسطلن بأفيون الغربة، يمارسن الجنس على شاشة التلفاز مع أزواجهن المغربين في ~~البلاد البعيدة، حيث تفصل المسافة ما بين الجسد والجسد، يتشهين دفء أنفاسهن المصابة ~~بالنستولجيا، وعندما ينجزن جراحات اللذة تهوهو أفخاذهن كالريح الضالة، قهوة هذا الصباح ~~أحتسيها معك، أخلطها بسلاف أسنانك الجميلة، كم وردة تاهت في غياهب هذا الجمال المسحور؟ كم ~~برتقالة؟ كم آية يا حبيبتي؟ كم من ذكور النحل حلقت في تلك السموات العميقة؟ نهداك موجتان في ~~إعصار الجسد، فخذاك جنتان، عيناك كلمتان قالهما الرب بعد رحيل الأنبياء! أيتها السجاح، ~~حبيبتي، جنيتي، امرأتي، جحيمي الجميل، خازوق ليلتي، بنت إبليسي، أبالستي المقربون، يا ~~نبيتي! وسيتبقى كل ليلة من الليل ليل وحيد، يندس ما بين النافذة وجوارب الأطفال، ينتهره ~~صياح الديك الغجري، ديك النشوة ms40 الخالدة، القهوة معدة تماما من أجلك، الفراش والمنضدة ~~والكمبيوتر الشخصي، صورته معلقة على الحائط، فارتان تتناجيان، الباشمبو الصغير يفتتن بقطعة ~~خبز، يغني طاهر سراجيه بلغة البرتي، لبنيات الأدك والأمبررو، يقول: إن شفاههن سوداء بفعل ~~الوشم، البرتاويات الساحرات، وليلي يمضي في أحضانك الشاسعة، أغرق مثل حوت ميت في بحرك، لا ~~تنقذني كل المخاوف التي خبرتها، وأنا مثل تلال الوهم المائية التي تبدو للظمآن ماء وللعاشق ~~شفتيك، سأغني تلك الأغنية أعلم أنه لا بداية لها، أبدأها هكذا: الأغنية التي لا بداية ~~لها، فلنفنها معا، تانك هما شفتاي، اعزفي عليهما اللحن الأكثر قدسية وشبقا. # الدمازين # 27 / 8 / 2011 # | في مديح الحانثات # أن تنتظر امرأة ولا تأتي أبدا، خير من أن تنام وحدك؛ لأن انتظارها هو أيضا حضور، أغلق ~~الباب جيدا على حنثها، تخلص من الوسائد الكسولة الرحيمة، لا تأبه لنداءات صرصار الليل ~~الذكي، غناؤه لا يعود إليك بفائدة ترجى، إنه - يا للعار - يحاول جاهدا أن يغوي ~~جندبة معتصمة في حنية ما في ذاكرته، تعلم كيف تحفظ تمائم الصبر عن ظهر قلب: بقدر ما أعطاك ~~الله غريزة الحب، وهبك نعمة انتظار النساء. # لا تعول كثيرا على نحنحة الباب، قد تأتي المرأة من أي منفذ آخر، سرتك مثلا، فكرتك ~~عن الله، كتاب علي ونينو لقربان سعيد، ثرثرة الجيران، سوء الظن، قارورة الماء الدافئ، ~~صورتها على الحائط أو حتى ما تركته من عطرها في فمك، رسالة قصيرة بالوسائط، إيميل، متصفح ~~جوجل، نباح كلب الجيران، أو نداء صبايا يلعبن في غرفة مجاورة، لا يعني أن توعدك امرأة أنها ~~ستحضر، عندما تقول لك: سآتي إليك، هذا يعني فيما يعني إنني سأحاول أن آتي، أو إنني أفكر ~~فيك بصورة جادة، أو ببساطة تقصد أن تقول لك سوف لا آتي إليك، من تظن نفسك؟ والمرأة ~~الذكية قد لا تعني بتلك الجملة شيئا بعينه، حسنا كل ذلك سبيل أن تجد المرأة، وتستمتع ~~بجماليات حنثها، إذن ما عليك إلا أن تتعلم كيف تحصلها في كل حال من هذه الأحوال، ~~فالمرأة بالنسبة للرجل ms41 الذكي لا تخلف وعدا أبدا؛ لأن غيابها حضور أعظم، والإفادة من ~~غيابها قد تكون في عظمة إيابها! # أنا لست غريبا ولست شاذا، لكنني لا أرغب في النساء، وعندما أجد نفسي متورطا في علاقة ~~معهن، فإنني أدعوا الله أن يكن خائنات حانثات، وأن يكرهنني بأسرع ما يمكن، فمن لا ~~يغفر للمرأة خياناتها الصغيرة لا يستمتع بوفائها الوفير، وأجمل النساء عندي اللاتي مثل ~~الظل، عندما تشعر بهن يكن قد شرعن في رحلة المغادرة، بالطبع لا شيء يدوم، لا الحب، لا ~~الكراهية ولا حتى متعة الفراش، تبقى ذكرى الانتظار البهي، مثل أثر مرور ثعبان على جسدك، ~~باردة مرعشة، ناعسة ومخيفة. # | ليس من طليق بيننا # لست هنا السجين الوحيد في قوقعة الحديد الباردة، لست وحدي من دخلها وأغلق سدتها ~~بمؤخرة متحجرة، لست وحدي في السجن، أنا أصرخ الآن، أو أغني بهنيق خشن، كما يهمس أير في آذان ~~أتانكم الفاجرات. # لست هنا في السجن وحدي، كلنا هنا، أقصد تلك الطيور التي تحلق عاليا في السماء، معلنة ~~ملكيتها لكل ما هو ليس ملكا لي؛ الحدأة والغربان وعصافير ود ابرق، ضوء الشمس المتبختر ~~المتعالي، الذي ادعى بالأمس أنه الأكثر حرية، سمعته وهو يقول ذلك لله، كعادتي قلت له دون ~~تفكير: أنت كاذب ومدع. # لست وحدي في سجنكم، أنا سجانكم، وحوائط المبنى القديمة المصنوعة من خوفكم، وأنتم أيضا ~~هنا دخلتموه بكامل إرادتكم الحرة، بكامل المصائر المشتركة بيني وبينكم، بكامل ظنونكم ~~المطمئنة، ظنونكم الحسنة التي لها عبق أزهار الياسمين، لست السجين الوحيد هنا، لست ذلك ~~الرجل الذي تظنون، الطائع الطيب الحزين المريب، لست من يقنع بالمكان تعويضا عن الألم، ~~أتطلع دائما لصحبتكم، لمحبتكم، لجنونكم، أحتاج لكم في الغرفة الأخرى، في حجز انفرادي ~~يخصكم، حبس ألذ ما يوصف به أنه الأكثر بغضا منا جميعا، والمقصود هنا صراحة: السجن، ~~أنتم، وأنا. # ليس السجن خطيئتي متمثلة في مكان، فلم أرسمه في مخيلة الأشجار، قد أعني شجيرات الصيف ~~العجفاء، لم أطعمه لأسماك صغيرة تسبح في بحيرات روحي منذ قوت ليس بالقصير، لم أنهقه ms42 في آذان ~~أطفال المدارس الأبرياء المشاغبين، بل لم أسمع به مطلقا قبل أن أدخله وأجدكم تقبعون ~~بجوفه في طمأنينة الحوت الأزرق، البناءون، المهندسون، الداعرات، الحراس، قائد الجوقة ~~الموسيقية، أنتم وأنا، جميعا كنا ننتظر قدومي، ننتظر أن ننعم برفقتي! لا أتحمل فكرة ~~أن الله قد أوصى نبيا تائها - أشبه بالسيد المعمدان - أن بالسجن توجد تلك الحرية ~~المزعومة، وأنه خبأها هنالك بعيدا عن أظافر الشيطان، صديق الإنسانية اللئيم، وأن الله هو ~~الذي قال للبحر انطلق، وللسحابة أن تقبع في السهل مثل أرنب حجري عجوز تشعل شهية كلاب ~~الصيد، لست هنا وحدي، لست السجين الذي يحمل الرقم 66، أو الرقم 20 مرسوما بالدم، والوحدة ~~ذلك الحبر السري السحري، وكل الذين حاولوا أن يعطوني تلك الصورة البغيضة المجنونة كانوا من ~~الضالين، وهنا أستطيع أن أذكر بعضهم بالاسم: عصام عبد الحفيظ، النقر، صفية إسحق، نبراس ~~جبريل، إيناس الطيب، عبد الله ديدان، الطيب المشرف، ماريا بيتر ومنى شوربجي، لكن لا يحق لي ~~أن أخص بالذكر سوى رجل واحد ظل يطارد فضائحنا بصبر وحب، ويصنع مستقبلنا على حساب ~~سمعته وراحته، صديقنا الذي عرف فيما بعد - وذكرته بعض الكتب السماوية والأرضية - ~~باسم: إبليس، كان ينظر إلينا عبر ثقوب التهوية التي نبتت بدقة بين حجارة السجن، يتشمم ~~فساءنا المبارك، وعندما يخلو فضاء الحجرات من الأوكسجين فإنه يكح بقوة عبر تلك الثقوب ~~الرحيمة، واهبا إيانا نسيما وإيحاء تاما بالهواء النقي، وكنا - وما زلنا - نشعر بطيبة ~~عينيه وهما تلمعان خلف الحجارة القاسية، في لمعانهما نجد عزاء كثيرا، ولو أنها ليست ~~مدرسة الصبر الوحيدة التي لم ندخلها بعد. # لست وحدي هنا، كلنا سجناء، ليس من طليق بيننا، ليس من امرأة أو رجل انفك من ذاكرة الحبل ~~وأسر الحديد، أثرهما نديا وحارقا وبه طعم الدم والماء. # لست وحدي في سجنكم الذي أحبه أكثر، وأبغض البقاء فيه إلى نهاية هذا اليوم الطويل! أريد ~~أن ألتقط له صورا من الخارج، وأطلقها عبر صفحتي في الفيس بوك لتروها، أو أرسلها ~~عبر الوسائط المحمولة على أكف الأثير إليكم ms43 في زنازينكم الرطبة، إلى شبكيات أعينكم ~~مباشرة، وأعلم أنها سوف لا تعجبكم، ولكنكم ستحتفظون بها إلى حين أن تنبت شارة الحرية ~~في قلب أحدكم فتهلكون. # أرسمه بالفحم والطبشور. # يظل الخارج داخلا على الدوام. # وليس من طليق بيننا. # ليس من حر بيننا. # كل من ادعوا ذلك أحبطوا في آخر المطاف، عندما أخبرهم إبليس بحقيقة الأمر، ~~وقال لهم بملئ أفواههم: الخارج داخل، كما تلبسون جلبابا على عجل، ولا تميزون ما بين ~~وجهيه، الخارج داخل، ليس من طليق بيننا، من له تلك الأجنحة الكاذبة التي يمكنها التحليق ~~عاليا، بعيدا عن هنا، ذلك البغيض، وليس أيضا من بيننا غيرنا للأسف. # 1 / 5 / 2013 # | قلبك منفاك الأعظم # المنفى هو المكان الذي يخلو من ذكرياتك الخاصة، كل الذي يقدمه لك هو ما لم ترغب ~~به في بيتك، ولا تخدعنك تلك الحرية المدعاة، إنها محض كذبات مطلية بالثلج، وفي أحسن ~~حالاتها مجرد مساحيق غبية، تعرفها بالوشم المرسوم بخديها الخشنين، ببقايا ما ترك العشاق ~~السكرانين من قبلات بصقاء على فمها. # بالتأكيد أنا أكذب، أكذب مثل حرباء ضئيلة الحجم تتسلقني، تتلون بحلمي؛ أقصد بأفكاري التي ~~لم أستطع أن أعبر عنها وأنا في بلدي: # بلدي يا بلدي يا بلدي. # أغنية حيرى، ما غنتها فيروز، أو شرحبيل، أفكاري الحامضة الطازجة، كنت أيضا سأكذب مرة ~~أخرى: المنفى يا حبيبتي هو كل مكان غير الوطن، والوطن ببساطة هو المكان الذي تتشهاك نساؤه، ~~ويقلن لك بلغة قريتك إنهن يعرفن كل أسرارك، المنفى إذن هو المكان الذي لا ~~يعرف فيه الآخرون أسرارك، وتبدو أكثر غموضا كلما أمعنت في الوضوح. إذن الوطن هو كل ~~مكان أنت فيه الآن؛ لأن عفونة فضائحك قد سبقتك إليه. # كل ما خبرته يصبح في سقط المتاع، كل شيء؛ أقصد كل شيء، لا أدري حتى ذكريات طفولتك تأتي ~~إليك الآن بيضاء، تلونها بالريح العنيفة، تصب عليها زيت الكحل الأسود والأمطار، تشويها في ~~شمس لا تشرق إلا ليلا، تستدعي شياطين أيامك الماضيات أيقونة أيقونة، يتبولون في أنفك، ~~تتمشى بها وعليها، تزني فيها، تقول: ms44 إن الله هنا أيضا، ولا يسعفك الله، تستدعي طبول ~~قبيلتك الكبرى، جدك الخاص برمرجيل، أحفادك غربان الفضاء الشاسع، تقرأ في أذن الأشياء ~~دائرة إبليس مشوهة بدم الحلاج، لا يسعفك الحلاج، والمنفي يمضي، يهرول ما بين المنفى ~~والمنفي، تغمر خيشومك أغبرة العدو، تمائم جدتك: أيها السحرة، يا آبائي السحرة، شياطين أمتي ~~الهائمون في الغابات، يا طبول أحبتي، أقصد أني أنده ربا نوبيا قديما قتلته لعنتي ~~قبل أن أولد بمليون عام ونيف: «أباد أماك». # كل ما أنت فيه هو الوطن، كل الجراح التي تنزف ذهبا وبرتقالا، كل البنيات الشهيات في ~~الخرطوم وفي غير الخرطوم، أغنيات الجاز، نائحات بوب مارلي # The ~~Wailers ~~، على أنهار بيتك حيث جلست وبكيت، وأنت لا تتذكر شيئا، ~~قلبك أبيض أملس كالزيت، ذاكرتك مشحونة بالفراغ، كأنما لا رب لك، لا بيت لك، لا نشيد لك، لا ~~توراة، لا قرآن، لا شيطان لك، أنت لك، ما أقبحك! # المنفى لا يعني في كل الأحوال المنفى، قلبك منفاك الأعظم. # 19 / 3 / 2013 # | امرأة مثل دبيب النمل على الجرح # مهمتنا أن نأثم، لا أن أغفر لها، ومهمتها أن تخون جسدها وروحي، كالذي يبيع نفسه ~~لنخاس؛ لكي يشتري بثمنها حريته مرة أخرى، وحدها لها الحق في أن تخونني! أن أعثر عليهم في ~~خريطة جسدها المنهك: أظافرهم في حنيات إبطيها، شوارب مبعثرة في صدرها، دمامل الاشتهاء ودم ~~الذبائح المغدور بها، فيخ السرر، فوران جراحات الروح المستعصية على البرء، البعض يوقع ~~في أحراش العانات ومتاهات الشفتين حضوره؛ أي في دفترها لخيانات الأمس! # كانت تصرخ في بنطالي، في سروال الوقت المقدود، على جرحي: أحبك. # فأشم من بين أسنانها شواء العهر المشوي على جمر الفعلات، قبلات الريح العابرة السكرى على ~~شفتيها، همسات رجال شتى ورماد الكأس، كانت تصرخ في رئتي بهواء مخنوق مدم: إني أكرهك، ~~سأكرهك! # تتجول عارية في الصالة الواسعة، يلاحظ أن فخذيها أكبر حجما، وبالوشم المرسوم على نصف ~~الظهر طيور جارحة، وبعينيها آثار شجار الأمس المحموم، وكل ما تبقى من محاولة انتحارها ~~الكاذبة، كذبتها، كانت تجوب ms45 الصالة مشيا محزونا، وقد شربت كل زجاجات الخمر المنسي ~~في جنبات البيت، وتحت فراش النوم، وفي وجر الجيران، نفدت علب سجائرها، مصتها بجنون، ~~ولأن العسكر يحرسون الليل فلا أمل لشراء شيء قد ينقذ شهوتها للتدخين وللخمر غيري، أن ~~تنهشني، أن ترقص في جسدي رقصتها للخمر وللدخان. # كانت تصرخ في وجعي: خذني. # امرأة مثل دبيب النمل على الجرح، مثل صراخ الطرشان إلى الطرشان، مثل خروج الأسماك من ~~الرمل الحارق في شط الموت، مثل جراثيم الروح الموبوءة بالعلة، امرأة مثل صخور المعبد أن ~~تعبد، كانت تصرخ أن آخذها، أن أشتريها منها بلا ثمن أو قبلة، امرأة مثل رماد الأشياء لا ~~تدل على الأشياء، سوى صفة الوقت دليل خيانتها الكبرى. # حزمت جسدها في كتلة واحدة مثل قبضة اليد، لوحت به في الهواء كحجر، ثم قذفته نحوي، عبر ~~أمام عيني كطائر مخبول، ثم هوى في المكان: «يضع لي بعض نقاط من مشروبه الأحمر في كوب ~~اللبن، فأحسب أنني أطير، أستطيع أن أميز النشوة اللذيذة تلك، في ذلك العمل المبكر جدا، ~~وما بين نومي وصحوي أصابعه تعبث في المابين، تتزحلق بخفة ورقة، عيناه المدمعتان تحملقان ~~في عيني، كنت لا أفهم ما يفهم، ولم أعرف أن ذلك من الغرائب، ولا حتى في اليوم الذي كف ~~فيه عن فعل ذلك بإصبعه، واستخدم أصبعا أكبر، أصبع لا ظفر لها، تعرق بين وقت وآخر مسيلة ~~دما أبيض، لا أدري كم مرت من السنوات والأزمان وهي تعرق في أحشائي؟ قالت لي أمي: لا ~~يمكنني فعل شيء، فقط تجنبيه.» # كانت وحيدة، ضائعة في ذات مقسمة لشظايا، مسمومة ومجروحة في أكثر من عضو وأرواح شتى، وأعرف ~~أنها تعني ذلك وتعيه، في وحدتها حشدها، وفي ضجيجها سكونها، وعلى الجسد المرمي هنا الآن كل ~~السعادة والحزن، يترهل قليلا عند الفخذين، على فمها شفتان ليستا للكلام، كجناحي عصفور ~~تستخدمهما محاولة الطيران بعيدا عنها وعني. # سوف لا أغفر لك خطاياي، لا تغفرين لي عثرات الروح، أنا وأنت ما كان علينا سوى أن نأثم، ~~أن نتمرغ في ms46 وحل الشهوات، مزيدا من الإثم يعني أننا نعيش في الوقت، ونتلمس حرارة المكان، ~~وأن الدم يجري، «أحبك» لا أعرف معنى الكلمات الأخرى، لا يرسم قلمي وسمات الكره على ~~جسدك: «يتكور الجسد المرة تلو الأخرى، يصفر، يسود، يبيض، يدمل، يدمي، تطوف أصابعه على ظهري، ~~وظهري مسنون كالسكين، عظام ليلة البارحة، شحوم الأمس المحموم، ضلالات التشهي، دعاء الغفران، ~~لسعة شمس طازجة، قالت لي: خذني.» # رائحة الأنثى أتحسسها بأناملها، تعطي مما تفتقد، الحياة معركتها الأخيرة، لا وقت لديها ~~لتضيعه هنا، ستستغل أول قاطرة إليها في عزلتها، كنا نحتفل بالنصر عندما نفشل في تحقيق ~~الهزيمة بنا، أحملها في كفي، ليست كشجرة مزهرة، ولا طفلة ملائكية، ولا إكليل الورد ~~العطري ، أحملها في كفي كجنازتها، كقبور امرأة لا تحيى إلا في الموت، أحملها في كفي لا ~~تخرج مني في جب الظلمة، كبقايا يخنقني دخان حريقها، تسمم قلبي نظرتها، اسميها: ميدوزا ~~الأشواق. # أعرف أن محطتها جسدي، ستعود إلي من بعد رجال ونساء شتى؛ لأنها تجد عندي ما يفتقده كل ~~الغير: # أخترقها مثل الحربة # وبذلك أحقق رغبتها في الموت # ديسمبر 2013 # | نشيد الشتات # تفرقنا # تناثرنا، تشتتنا، حرقنا بالجليد # شوينا في الصحاري # تمزقنا، تآكلنا # تسوسنا مثل أعواد الطلح # في وهاد ليس يدريها الجدود، ولا حلمت بها طيور بلادنا # ولا غنت لها جدات. # تناثرنا في البلاد # دون بيت، دون زيت، دون طوق للنجاة، ولا خليل. # دون لغة أو موسيقى، دون أعياد وأطفال وضحكات تسر # دون كلمات الحبيبة أو دعاء الأمهات # في بلاد لا أسميها بلادا # وطيور لا أناديها باسم غير أطيار غريبة # ونهود وخدود لا تحدثني بغير آيات الضياع # تشتتنا كالضباع الهائمات بلا وطن # مثل ذرات الرمال على الوجوه، سوف يغسلنا الغريب ولا كفن. # كم تخيرنا بين الحرب والقتل والمتأسلمين؟ # فاخترنا السفر. # لا بلاد قد نصلها # لا عناوين لدينا # لا خرائط غير ما في القلب من جرح وتيه وضجر # يا بلادي، يا بلادي، يا بلادي # يا بلادي # كم دموع سوف تذرف؟ # وجروح سوف تنكأ؟ # ومحطات تضيع من الوصول كلما قلنا ms47 اقتربنا، تختفي بين المسافة والضياع ونحن نمضي ~~لا نكل ولا نمل. # سأغني # رغم أني # ضيعت مزماري القديم # نسيت إيقاع الكلش # سأغني بربابة إصبعي # وأدق في الثلج اللئيم طبول أحبتي. # بإيقاع كإيقاع الجسد # وأقول: إني راجع للطين والأشجار، للبنت الجميلة والولد # ولكنني في الصبح أقتسم السيجارة والرغيف مع الطريق! # وأشم رائحة الجنود المجبرين على القتال # الصغار التائهين في مظلات اللجوء بلا رفيق # أشم صيحات الحريق # وترن في أذني صرخات دارفور الحبيبة والحريقة في أتون الظالمين # نداء انقسنا الضمير # طرقات المدافع في أقاصي كردفان # ويلوح لي من كل جرح مارد وشيطان رجيم # وأرى وجه إبليس القديم في شكل غول # غارقا في الدم، يلعق أرواح البشر # يأكل الأطفال والأزهار ، والأرض الخصيبة والشجر. # لا يرتوي! # لا يرعوي! # لا يكتفي! # ليس تشبعه الجنائز والمآتم. # جراحات البائسين. # ليس تشبعه المواسم والسنون الطاعنات: ليل طويل أو نهار. # ليس يشبعه العدم، فأظل أمضي لا بلاد قد أصلها، لا عناوين لدي، لا خرائط # غير ما في القلب من جرح وغم. # 14 / 2 / 2013 # | ما لم أقله للسيد # لقد أخذك الشيطان بعيدا عنا، أو أخذنا عنك بعيدا، فبدأت - كما قال الفيتوري: ~~«مثل سارية تغرق في الرمال»، وسوف لا نفتقدك؛ لأنك نحتك عميقا في المكان، وستبقى هنا إن ~~شئت أم لم تشأ، ولكنني أجريت محاورة طازجة مع من قال لي إنه الشيطان، وانتهينا إلى الآتي: ~~إن كل ما يتعلق بك وبالرموز - ونقصد بالرمز بقايا ذكريات الحضارات البائدات - لا دخل له ~~فيما يحدث في الأرض الآن، وإن ذلك ليس سوى تشوهات في الخلق قام بها نفر عرفوا مؤخرا ~~بالبشر - تفاصيل ذلك لدى الصديق عبد الله ديدان، سأوافيك برقم بيته لاحقا. # ثانيا: لم يكن للشيطان أيضا دخل، أو بالأحرى إنه لم يتدخل بعد في مسألة تخصك أنت ~~بالذات - لم نسم ذلك لعنتك - فلقد قال لي صراحة: «لو علمت أن السجود ينجيني ~~لسجدت.» # طبعا انتحل تلك الفقرة من طاسين شيخي الحلاج، وأضاف: أنا لا أسجد إذا سجدت لغير ~~الله. # أما الأمر الأهم من ذلك: ms48 هو السؤال الذي فاجأني به الشيطان وهو يحملق في عيني، ~~وبفمه ابتسامة شاسعة، لها رائحة أشبه بطعم العرديب، ولم أره رغم ذلك جادا أكثر مما هو ~~الآن: من أنا؟ # قلت له: أنت أنت. # قال لي - وهو يتمطى، فتقع القبعة الصغيرة البيضاء عن رأسه؛ ليظهر فراغ شاسع لا حدود له، ~~فراغ مرعب ومربك، فلم يكن تحت القبعة غيرها، تحركت عيناه الكبيرتان تمسحان ~~وجهي، وتعبرانه إلى ما لا نهاية، وفضلت أن أساعده في وضع القبعة في مكانها؛ حتى ~~أجده وأدرك ضالتي فيه، ولكنه كان الأسرع مني على الرغم من أنه كان طاعنا في السن، ~~ويبدو مرهقا من ثقل الأزمان عليه، وضعها، سألني: ماذا رأيت؟ # قلت له: الفراغ. # ابتسم وهو يستعير من الفيتوري بيتا آخر: «الغافل من ظن الأشياء هي الأشياء». # سألته دون تفكير: أتعرف الفيتوري؟ # ابتسم، كانت أسنانه بيضاء وجميلة ومنتظمة، وبشاربه الأبيض يحلق ما يشبه الوردة كلما ~~ابتسم، في الحقيقة كانت هذه هي المرة الأولى التي يبتسم فيها، نعم ابتسم بعد ذلك مرتين، ~~أجابني: لا، من هو الفيتوري؟ أنا لا أعرف غير الله. # وتخطينا هذا الإشكال أيضا، وإشكالين آخرين صغيرين، تخطينا إشكالا آخر، ثم صلينا ~~معا - ليس الفجر وليس العصر، وليست هي صلاة النقطة، وليس الصبح ولا المغرب، ليس العشاء أو ~~الظهر، وليست صلاة جنازتنا. # صلينا معا في الوقت وفي المكان، أيضا سقطت قبعته مرة أخرى وهو ينهض، فبدا رأسه ~~مرعبا وشاسعا ولا نهاية له، ولكن عيناه الشرستان تلاحقان الأشياء ووجهي بظفر جارح ~~التقطها، قال لي: ماذا رأيت؟ # قلت له: «الغافل من ظن الأشياء هي الأشياء» ألم تعلمني ذلك. # قال: لا علم لي. # قلت له: لم أر غير الفراغ. # إذن يا صديقي: ماذا بعد؟ # ما حملته لما لا يحتمل، ما شيدته لمن لا يسكن، ما قولته لمن لا قول ~~له ولا لسان، ما أطعمته إلى من ليس بذي بطن وعاطفة وجوارح، لما صليته وأركعته لمن ~~لا مواقيت له ولا هدى، لما أنكحته لمن هو بلا فرج، لمن؟ # إذ قال لي الشيطان: ms49 يا بركة ساكن، اسمع عني كل شيء، وأنكرني بكل شيء، وإذا عبدتني ~~عبدتك، وإذا كفرت بي فإنما أنت تكفر بك، إذا رأيت في الشمس شيئا غير القمر، فإنك لم ~~تر الشمس ولم تر القمر، وكانت السماء مسحبة، ولم يكن الوقت ليلا ولم يكن نهارا، ما كنا ~~لننتظر القيامة لنعرف الحقيقة، وما كنا لنتوق للموت لنصحو، وما كنا لنتأمل الجرح ~~لنعرف وقاحة المدية، وما كنا لنستنشق الدم، أو نبارك المبولة، لنتحرى ديمومة الجسد، ولكن ~~في سعة الفراغ مقبرة تكفي للجهل والمعرفة، سرير وثير للصحو والنسيان، جرار الأغنيات ~~الطيبات وموسيقى نهاياتنا، سننشدنا بأناملنا، وصرصور العقل الذكي: السقوط في الهاوية يعني ~~أن تدرك اللاقاع، والنهاية قد تحدث دون معانقة غرار صلب، الهواء الطازج يذبح كما ~~السكين. # دعنا نبدأ من أول القول: ليس كل ما يقود إلى مكان ما، هو طريق، وليس كل ما لا يقود إلى ~~مكان ما، هو غير الطريق، من قال لك: إن الشيطان لا يلبس لباس الشيء؟ ومن قال لي: ما لم ~~يلبس لباس الشيء هو ليس بشيطان؟ # ما لم أقله للسيد: إنه عندما سقطت قبعته رأيت في فراغ جمجمته جميع الأشياء، أظنني لم أر ~~سواي. # | لعنة الكتابة وكتابة اللعنة # كنت في غرفتي، وهي عبارة عن بناية صغيرة من الطين اللبن، وبعض أفرع الأشجار الغليظة ~~والبانبو في مدينتي الصغيرة «خشم القربة»، بنيتها بنفسي بالطوب الذي صنعته من ذات تراب ~~البيت، في مجرى مائي قديم قمت بدفنه وتحويله لاتجاه آخر، على الرغم من تحذير الجميع لي ~~بأن الماء لا يترك مجراه، ولكن لخيبة ظنون الجميع لم يعد إلى مجراه حتى اليوم، مما أكد لأمي ~~فكرتها الأساسية عني عندما داهمتني فيه، وأنا أضع أمامي كومة كبيرة من الأوراق، وفي ~~يدي قلم كوبيا، أدون أشياء لا تنتهي بصورة متواصلة. قالت لي: «يا عبدو»، وهذا هو الاسم ~~المحبب لديها ولدي «هل تدري ما تكتب؟» قلت لها: نعم. قالت لي: لا، أنت لا تدري ماذا ~~تكتب؛ لأن ما تكتبه هو ما يمليك إياه الشيطان الذي ms50 كان يسكن معنا في البيت بالقضارف وأنت ~~صغير، لقد كان صديقك، هل تذكره؟ # وكنت أيضا أعرف أن كثيرا من أفراد أسرتي يعتقدون بأن لدي شيطان في بيتي، وأكد خالي ~~جبريل - عليه الرحمة - أنه رآه ينزل ذات صباح باكر من شجرة التمر هندي التي في فناء داري، ~~يلبس جلبابا أبيض ناصع البياض ويدخل إلى حجرتي، ورأته ابنة خالتي، وهي عادة ما تستيقظ ~~مبكرة لصناعة كسرة الخبز التي تبيعها لأحد مطاعم القرية. لم أتعرف على ملامحه تماما، ~~ولكنه كان عبارة عن كتلة سوداء تفوح منها رائحة عفنة، وصوته أشبه بالشخير، كان ينظر إلي ~~عبر نافذة المطبخ، وعندما صرخت، هرب ناحية بيت عبدو الذي لم يكن موجودا حينها في المدينة ~~إلى اليوم - حيث أنني أسافر كثيرا في البلدان - أترك بيتي دون حراسة، لا لأن ليس به ما ~~يسرق غير الكتب، ومخطوطات كتبي التي دونتها في أزمنة لم يكن فيها الحاسوب الآلي مشاعا ~~للفقراء؛ لكن لأن اللصوص يعرفون أن ببيتي شيطانا يحرسني، ويؤلف لي الروايات والقصص، ~~ويصيبني بقدر من اللعنة معقول، لا يريدون نيل جزء منها ولو يسير؛ لذا عندما اعتقلت ~~أول مرة في عام 1993 قالت لي أمي - عليها الرحمة - مرة أخرى: «يا عبدو خلي الكتابة»، عندما ~~اعتقلت في مرات كثيرة لاحقات، كان يطالبني ضباط الأمن بأن أترك الكتابة «استرح ~~وأرحنا»، في عام 2012، عندما أخذني شاب صغير من قوات الأمن الوطني إلى مكتب الاستخبارات ~~بمدينة الدمازين قال لي: «اكتب لنا كل أسماء كتبك وموضوعاتها، وأعطني إياها في ذاكرة ~~إلكترونية، واكتب لي إقرارا تلتزم فيه بألا تنشر هذه الكتب؛ لأنها ضارة بالمجتمع.» لأنني ~~أطيع رجال الأمن وخاصة العنيفين منهم، الذين يستخدمون جملا مباشرة لا لبث فيما تعني، ~~وأعلم أيضا أن الروائي مخلوق ضار؛ لأنه يخل بوضعية السكون الكسول التي يفضلها ولاة ~~الأمر، تلك المحببة للمجتمع. # كتبت الإقرار وكسبت حريتي، لكن شيطاني اللعين الماكر لم يرضه ذلك، حيث وسوس في ~~صدري بأن أحضر كتبي التي نشرتها بالقاهرة إلى معرض الكتاب بالخرطوم في نفس العام، كانت ms51 ~~اللعنة الكبرى، حيث تعرضت حياتي لأول مرة لخطر الفناء الأبدي من خريطة الأحياء، وكدت ~~أن أسجل حضورا دائما في دفتر الموتى لولا أنني هربت للمنفى حيث أقيم الآن، في قرية ~~نائية وسط جبال الألب. # الجانب الآخر من لعنة الكتابة كان عاطفيا، ربما لشيطاني ابن مدينة القضارف الذي ~~تعرفه أمي دورا كبيرا، هنا أستطيع أن أقول: إنها شيطانتي؛ لأنها أظهرت عداوة للمرأة ~~ومقتا حامضا مستخدمة شيطنة الجن، ومكر النساء الذي ذكر في بعض الكتب السماوية وألمح ~~إليه السيد بوذا نفسه ذات صفاء لتلامذته، الدليل على ذلك أنني عازب الآن، بيتي يخلو تماما ~~من تلك المخلوقة الرقيقة؛ ذات الصوت الحنون التي تربت على كتفك في الصباح الباكر طابعة ~~قبلة دافئة على خدك المعشوشب بالشعر الرمادي، أو على شفتيك الجافتين نتيجة لعطش ~~أصابك في حلم ليلة الأمس الصحراوي، أو كوابيسك الكثيرة التي تتواصل نومة بعد نومة، بأنك ~~تشوى في مقلاة بالجحيم مثل ديك رومي ليلة عيد الميلاد، تقريبا كل النساء اللائي عشقتهن ~~- وهن كثيرات بالطبع - وكل النساء اللائي عشقنني - وعددهن مقدر ومعقول - اللاتي ~~تزوجتهن وطلقنني - وهن لسن كثيرات كما يتبادر على ذهن البعض، حتى الصديقات ~~المقربات وغير المقربات، مثل سلمى، ومي، وعلوية، وسونيا، وماريا، وسلوى وغيرهن - ~~اتفقن على جملة واحدة قلنها لي في أوقات شتى بطرائق مختلفة وأساليب عدة، وفقا ~~للغاتهن الأم وطريقة نطقهن للكلمات، وسعة خيالهن، ونوع العلاقة التي تربطني ~~بهن: «أنت عندك حبيبة واحدة، وهي الكتابة، ولا قلب لك ولا تعرف كيف تحب»، كن يغادرنني ~~غير مأسوف علي، وحيدا مصابا بلعنتي، أو مع شيطانتي، أو بنت إبليسي التي وهبتني ~~مجدا أدبيا، ولعنة طازجة مباركة بلا نساء، ومطاردة دائمة من قبل السلطات، وحسدا ~~وغيرة من جانب الكثيرين، ووحدة لا حدود لها. # الكتابة ملعونة ولاعنة، وهي مضرة بالمجتمع؛ لأنها رجس من عمل الشيطان، هي ~~محاولة منه يائسة لتدوين ذاكرة الانحراف البشري؛ لذا يصطاد هذا الجني من البشر أصحاب ~~الخيال الثر، وأغلبهم من ضعاف الإيمان الذين يعانون من وهن الذاكرة مصحوبا ~~باختلال التوازن النفسي، ms52 حيث يحاولون معالجة ذلك عن طريق فعل التدوين، وخلق الأكاذيب ~~السردية البالغة الغرابة، كثير منهم ملحدون! بعضهم تنبذه مجتمعاته الخيرة المؤمنة، ~~وترمي به في الفيافي والمنافي البعيدة، ثم تعود في وقت ما آسفة، وتتوجهم بما تشاء من ~~الألقاب المدهشة، هذا إذا نجوا من الذبح الرحيم، في الغالب يحدث ذلك بعد قتلهم ~~بالإهمال أو المدى، إن المجتمع يخاف من كل الكتاب والكتب، حتى تلك المقدسة؛ لذا ~~كانوا يقتلون الأنبياء خوفا من اللعنة التي قد تجرهم إليها زبرهم، ورحمة بالأنبياء ~~أنفسهم، أما المؤلف المحظوظ هو المؤلف الذي لم يكتب كتابه بعد، الذي لم يعلن عن لعنته، ~~إلا أنه يظل مثل القنبلة اليدوية، يمكنك أن تحتفظ بها في بيئتك طالما لم تنزع فتيلتها ، ~~أما إذا فعلت، فعليك أن ترمي بها بعيدا وتلقي بنفسك على الأرض محتضنا التراب بكامل ~~جسدك، مخفيا أذنيك تحت كفتيك الباردتين، صارخا بأعلى ما أوتيت من صوت كما في أفلام ~~الحرب. # 31 / 7 / 2013 # | ما بين الرواية وقرينتها # الناظر إلى الروايات المنشورة في هذه الأيام في السودان، وكثير من الدول العربية، يلاحظ ~~أن هنالك خلطا كبيرا بين ما هو سرد فني، يمكن تصنيفه كعمل أدبي ثم تجنيسه كرواية، ~~وبين ما هو ليس سوي تسجيل لثرثرة يومية أي «مؤانسة». # وهذا يثير سؤالا قديما حديثا عن علاقة الواقع بالعمل الفني، فالواقع في طبيعته المعطاة ~~ليس فنيا؛ أي أنه ليس سرديا جماليا في كل تمظهراته، من ناحية الصورة ومن ناحية ~~الحكاية، واللون والصوت وما إلى ذلك، لا نقول: إن تمظهرات الطبيعة حولنا ليست جميلة، ~~ولكنها لا تصبح عملا فنيا، ولكن هذه الصورة وهذا اللون والصوت والحكاية - والزمن ~~أيضا - أدوات في يد الفنان، إنسانا كان أم حيوانا، أو حتى الطبيعة نفسها من ريح ومطر ~~وموج وبركان، بوعي وبغير وعي، لتتحول إلى عمل فني بديع، يتحمل القراءات المتعددة بعدد ~~المتلقين، بل حتى بالنسبة للمتلقي الفرد تتجدد القراءة بعدد مرات التلقي، وتحدث ~~متعة في النفس، وأسئلة، وهذا عين الجمال. # بذلك تصبح الرواية هي فن سرد الحكاية ms53 وليست الحكاية ذاتها، واللوحة هي أيضا صورة الشيء ~~كما عكسه الفنان وليس الشيء ذاته، إن صورة الإنسان أو الحيوان، أو المنظر الطبيعي هو ~~ليس عملا فنيا، ولكنه يبقى كذلك بعد أن يعمل عليه الفنان بأدواته، وهذا من البدهي ~~والمعروف. # أقرأ في العادة كل الروايات التي أحصل عليها من المكتبة، لروائيين شباب أو كبار، وأحبذ ~~الأعمال الصادرة حديثا، وأهتم أكثر بالكتابات السودانية الحديثة والأسماء الجديدة في ~~الرواية بالذات، ولاحظت أن بعض الأعمال جميلة وجيدة، ولكن البعض بالرغم من أنها ~~كتبت في زمن به موركامي، بابا كويلو، وماركيز، وباموك، وقبل مئات السنين كان هنالك ~~الكبير دي سيرفانتس، في وقت بلغت فيه الرواية شأوا بعيدا من ناحية التقنيات السردية ~~والجمالية، إلا أن الكثيرين يحاولون أن يبدءوا من الصفر، وينتجوا حكايات يومية ~~بذات أدوات سردها الشفهية، فتصيب الرواية القارئ بالنعاس الشديد، كما تفعل الأحاجي ~~التي نشأت لتنويم الأطفال، ويمكن تسميتها أشباحا، أو قرائن للرواية، سألت أحدهم ذات مرة: ~~لم لا تقرأ ما كتب أو يكتب حتى تكون مواكبا؟ قال: إنه يريد أن يكون أصيلا، وألا ~~يتأثر بأحد! # يعجب بعض القصاصين بالنكتة، ومع أن للنكتة أدواتها وطبيعتها، ويقوم بكتابتها في شكل ~~قصة قصيرة، البعض قد تستهويه حكاية سمعها في محفل ما، حكاية مدهشة، ويقوم بكتابتها ~~كما هي، فتصبح قرين تلك، والبعض قد تستميله الأسطورة، أو الحادثة التاريخية، أو السيرة ~~الشعبية، أو السيرة الغريبة لأحد الأشخاص، الذين سمع عنهم أو عايشهم، وكل ذلك ليس سوى ~~سرديات الطبيعة اليومية، والرواية هي عمل الخيال، أقصد أنها ابنة الخيال المدللة، ~~مثارا هذا الخيال في أحيان كثيرة بذلك اليومي سابق الذكر، وإذا ظل الخيال بعيدا عن ~~العمل الروائي، ولم يعمل فيه بنسب متفاوتة، سيبقى العمل المكتوب إما تاريخا - نكتة ~~أو تسجيلا لأسطورة، سيرة ذاتية - أو غيره؛ أي أنه يحاكي الطبيعة، أقصد أن يقوم الفنان بما ~~تقوم به الكاميرا، أو أداة التسجيل الإلكترونية، وفي الواقع هي أكثر براعة منه وأكثر دقة، ~~ولا يكفي أن يكون هنالك راو؛ لكي يصبح العمل رواية ms54 فنية. # وهذا الخطأ وقعت فيه كثير من الروايات التي كتبت على عجل؛ لتؤرخ لثورات الربيع ~~العربي التي لم تكتمل إلى الآن، فكان أكثرها عبارة عن تسجيل لثرثرة الثوار، أو الحوادث التي ~~وقعت لهم وبهم أو عليهم، والتغيرات الفعلية على أرض الواقع، في الحقيقة كان هم البعض ~~إدراك سوق الثورات لا أكثر، هذا السوق مربح وكبير، حيث حدثني صديقي المترجم البلجيكي ~~بروفسير اجزافيه لوفان، أن كثيرا من دور النشر الفرنسية المتخصصة في الترجمة من العربية، ~~لا تقبل نشر الأعمال المترجمة هذه الأيام ما لم تكن عن الربيع العربي، وبعض المترجمين ~~الأوروبيين أيضا يفضلون أن يكون العمل الروائي عن الربيع العربي، والكتاب العرب ~~يعون ذلك جيدا، فهذا هو مزاج القارئ الأوروبي الآن، أو ما يحب أن يقرأه من أعمال ~~عربية. # لست من الذين يفرضون شكلا معينا للرواية، ولا تعريفا محددا لها، مع حرية ~~التجريب لأقصى حد، ولكن يظل الحكم هو القارئ المتذوق للعمل الفني، وعلى الكاتب أن يختار ~~جنس الكتاب، أن يكتب عليه رواية أو شعرا أو ما شاء، هذا شأنه وله مطلق الحرية في ذلك، ~~والقارئ في ظل سوق الكتاب المفتوح، حيث تتوفر كل الأسماء الصغيرة والكبيرة، وكل العناوين ~~الحديثة والقديمة، سيختار العمل الذي استطاع أن ينافس وأن يبقى؛ أي العمل الملتزم ~~بالشروط الفنية التي تجعل منه شيئا ذا قيمة يدركها القارئ، وهذه الشروط في تغير ~~وتحول دائمين، ولا أظن أن القارئ يجامل أحدا. # | استثمروا في المستقبل، فإن المستقبل يدوم طويلا # دعونا نبدأ مباشرة بالسؤال التالي: هل يحق لأي شخص أن يحظر، أو يوصي بحظر كتاب أو ~~عمل فني، لأسباب أخلاقية أو سياسية أو شخصية أو فنية؟ # وهنا لا نتحدث عن إبداء الرأي والنقد مهما كان جارحا أو شخصيا، ولا نتحدث عن لجان ~~القراءة والتقييم بدور النشر، ولا نتحدث عن النشر الخاص والحكومي، فمن حق أي ناشر كان أن ~~يستعين بمن يراه من الأشخاص مناسبا؛ لاستشارتهم في القبول بنشر كتاب محدد أو عدم ~~نشره وفقا لرؤاه الأيديولوجية - العقائدية - والفنية والربحية أيضا، ms55 لا أظن أن يختلف في ~~ذلك خصمان. # السؤال الآخر: هل هنالك شخص - مهما بلغ من العلم والمعرفة في فن من الفنون - يستطيع ~~أن يبدي رأيا نهائيا وقاطعا في مسألة إبداعية، ويصبح المرجع الوحيد والنهائي، ~~بل يصدر حكما نافذا في الموضوع الفني المحدد؟ وذلك دون الرجوع والحوار، ومشاركة ~~الرأي مع صاحب العمل الفني، والآخرين المتخصصين في ذات المجال، وجمهرة القراء والمشاهدين، ~~والمستمعين الحاليين والمحتملين للعمل الفني؟ # وربما قد أسأل أيضا سؤالا غبيا آخر: لم يظن الذين يحظرون الأعمال الفنية أنه ~~يجب أن تبقى تقاريرهم سرية - سرهم في بئر، وهم يجهرون بآرائهم الأخرى علنا، وفي كل ~~وسائل الاتصال الجماهيرية؟ # أظن أن البعض سوف يفهم من أسئلتي تلك الآتي: ~~(1) # أنني لا أعترف جملة وتفصيلا بما يسمى بالمواصفات الفنية والأدبية، ولا ~~أحترم قانونها إطلاقا، ولا أرى أية ضرورة أو فائدة ترجى منه، بالتالي من ~~حق الفنان أن يعمل في فنه، ومن الحقوق المدنية للآخر إذا رأى أن ~~هذا العمل يسيء إليه أن يرفع شكوى ضد منتجه، ويقوم بالفصل فيها القانون ~~الجنائي السوداني. ~~(2) # إن من يجيز نشر عمل فني مثله مثل من يسمح بحظره؛ لأن الحق في ~~الإجازة هو الوجه الآخر للحق في الحظر. ~~(3) # أنني سوف لا أتعامل مع أية مؤسسة ثقافية اجتماعية، أو مؤسسة بها أفراد ~~يصادرون حرية الكتابة والكتاب لأية أسباب كانت، ومن هنا أقدم استقالتي من كل ~~المؤسسات الثقافية داخل السودان التي انتميت إليها، طالما كان بها أفراد ~~يتعاملون مع المصنفات، ويقومون بدور أدوات القمع الثقافي والإنساني، مثلهم ~~تماما من يحمل آلة الموت في دارفور، وليس كل من يقتل يستخدم ~~مدفعا. ~~(4) # أظنني بالشجاعة الكافية التي تجعلني أعتذر لموظفي إدارة المصنفات الفنية ~~والأدبية، حيث ظننت أنهم يقومون بحظر الكتب بأنفسهم دون دراية وخبرة، عرفت الآن ~~أنهم استعانوا ويستعينون بمثقفين وكتاب، كان يرجى منهم أنهم يؤمنون بحرية ~~التعبير، وحرية النشر، وبالميثاق العالمي لحقوق الإنسان، وبالإنسان، أعتذر لهم ~~كأشخاص موظفين شرفاء، يعملون تحت مظلة قانون ظالم، ولا خيار لديهم، يؤدون ~~وظائفهم كما يأمرهم القانون، ولقد ms56 قاموا بأداء عملهم على أكمل وجه. ~~(5) ~~«قالت الشجرة للشجرة التي يعمل فيها الحطاب قطعا: يد الفأس منا.» ~~(6) # أنا لا أتحدث عن «الجنقو مسامير الأرض»، فهي ليست سوى واحدة من مئات الأعمال ~~الفنية، التي أحيل بينها وبين أن تصل للقارئ. ~~(7) # البيان الذي أصدره اتحاد الكتاب السودانيين في نسخة جريدة الأحداث ~~اليوم الجمعة 15 / 7 لم يكن كافيا، فلقد نظر للقضية من جانب واحد، وترك ~~الجانب الأهم، وهو سؤال حرية الكتابة، وربما يفهم منه بذلك أنه لا يجرم ~~الشخص الذي يقوم بالتعاون مع المصنفات الفنية تحت قانونها الحالي أو غيره، وأنه ~~يحمي أعضاءه وغيرهم من المثقفين الذين يتعاونون معها، لا أكثر (هذا ليس مكتوبا ~~في البيان، وضد لائحة الاتحاد). ~~(8) # ليس بإمكان أحد أن يحظر كتابا في هذا العصر النزق، الذي يخرج على سلطان ~~السلاطين وفرعنة الفراعنة، ولا تستطيع أن تطوله أسيافهم، ويمد لسانه ~~المبرقع إليهم في سخرية تكنولوجية، لا قبل لهم بشيطانيتها، أقول لإخواني ~~المثقفين: استثمروا في المستقبل، السلطة الزمنية زائلة، وما ترونه اليوم ~~حراما وضعيفا ومبتذلا، فإنكم قد لا تعرفون كيف يراه الغد. # 15 / 7 / 2011 # | مانديلا # وجهت لبعض الأصدقاء النمساويين سؤالا مباشرا جدا: ما رأيك في المناضل نلسون ~~مانديلا؟ # فكانت إجابة الفنان التشكيلي بيتر شولنج: إنه بطلي، وأضاف على ذات الجملة البروفسير رودي ~~بأسلوبه المرح: ولكنه لم يحظ بنساء خيرات، وهنا يقصد ويني، التي قال عنها مانديلا: ~~«إن حياة زوجتي أثناء وجودي في السجن كانت أصعب من حياتي، وكانت عودتي أكثر صعوبة بالنسبة ~~لها، فقد تزوجت رجلا سرعان ما تركها، وصار ذلك الرجل أسطورة، وعند عودة الأسطورة إلى ~~المنزل ظهر أنه مجرد رجل»، أضاف: لقد تعرفت عليه أجيال أوروبا من خلال أغنية فنان ~~الروك، والناشط السياسي البريطاني الشهير Peter Brian ~~Gabriel # وأنشطة حزب المؤتمر، سألت صديقة يونانية تعمل نادلة بالمطعم ~~الإغريقي، أجابت: لم أسمع بهذا الاسم من قبل، ولها العذر، فذاكرة اليونانيين مشحونة ~~بالأبطال الأسطوريين، واكتفيت بابتسامتها، بالصدفة البحتة قابلت بالأمس القريب رجلا من ~~مدينة جوهانسبيرج، سليل أسرة من البيض ms57 الذين حكموا جنوب إفريقيا بنظام عنصري لمدى 340 ~~عاما، رد لي وبعينيه بريق غريب: إنه بطل قومي، فلاحقته قائلا: ما أعظم ما قدمه نلسون ~~مانديلا في رأيك؟ # قال: ما فعله كان أشبه بالمعجزة؛ لأنه استطاع في وقت قصير جدا إنهاء سلطة مركزية قوية ~~عنصرية عنيفة لها مئات السنوات، وأظن ذلك كان عملا خارقا للعادة. # ليس بالإمكان التحدث عن أول مرة سمعت بها باسم نلسون مانديلا، بل من الصعوبة أيضا ~~ما هو عكس ذلك، أو لم يكن ذلك واضحا لدي، كما هو الحال لدى صديقي الروائي الكردي جان ~~دوست: «كنت أسمع اسمه في صغري من إذاعة ال # BBC ~~، فأسأل أمي: ~~من هذا الرجل المسجون؟ فتقول لي أمي: لا أدري يا ولدي، سجون هذا العالم تعج بالمظلومين، نعم ~~يا سيدي هو روح إفريقيا، بل روح الإنسانية كلها ومحطم أوثان الاستعباد.» # لقد ظل الرجل حيا، وفاعلا في الحياة اليومية بالنسبة للكثيرين من أبناء جيلنا في ~~السودان، حيث وجدناه منذ ميلادنا حبيسا في السجن، ولكن صوته القوي وحكمه المتفائلة تجوب ~~شوارع وأزقة بلداتنا الصغيرات، وتتسكع في أروقة المدارس، وظل هنالك طوال الوقت وإلى ~~اليوم، وكم تكرم المعلمون علينا في المدارس بأقواله، مثل: «الحرية لا يمكن أن تعطى ~~على جرعات، فالمرء إما أن يكون حرا أو لا يكون حرا»، و«الجبناء يموتون مرات عديدة ~~قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة»، وكم خلطنا بين شخصيته وشخصية عنترة بن ~~شداد العبسي، الذي كان أيضا محبوبا في تلك السنوات اليانعات من عمرنا، وكان بطلا شعبيا ~~وأحد مثلنا العليا، وألعاب الصبا وحكايات الجدات الطاعنات، في الحقيقة كان الشارع ~~السوداني في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي يعج ويضج بالأسماء الإفريقية الكبيرة، ~~زعماء تحرير، أبطال وطنيون وقوميون ومغنون، من الرعيل الأول والثاني، مثل جمال عبد الناصر، ~~سياد بري، منقستو هيلا مريام، هيلا سلاسي، تفري بانتي، جومو كنياتا، مريم ماكبا، المغنيتان ~~الصوماليتان مريم وزهرة، ديزموند توتو، كوامي نكروما، سيمورا ميشيل، جوشوان كومو، أم كلثوم، ~~أحمد بن بيلا، أحمد سيكتوري، عبد الرشيد ms58 شيرماكي، جومو كنياتا، والرهيب أيدي أمين، ولكن ~~صورة مانديلا كانت الطاغية على الجميع، وكانت حكمه وحكايات نضاله، ومقاومته وأقواله ~~تتسرب من الزنازين والسجون المظلمة، من ريفونيا إلى جزيرة روبن، إلى سجن بولسمور، إلى سجن ~~فيكتور فيرستر، وتنتقل عبر الصحافة، خلال زملائه المناضلين بحزب المؤتمر في أنشطتهم عبر ~~العالم، ومغني الروك، الشعر الثوري، السنما المتجولة، الإذاعات العالمية، والاحتجاجات ~~الشعبية في كثير من دول العالم الحر، مذكرات الإنسانيين الناشطين في مجالات حقوق الإنسان، ~~وتضيف إليها المخيلة الشعبية الإفريقية وسعها، ومن ثم تتشكل صورة البطل، بل ~~الأسطورة الحية، صورة الرجل الذي قهر السجن والسجان والعنصرية البغيضة، وظل بسيطا ~~وعاديا، وعلى حسب قوله: «مجرد رجل». # ماذا تعلمنا من نلسون مانديلا؟ ماذا تعلم الحكام الوطنيون في كثير من دول ~~إفريقيا من سيرة حياة مانديلا؟ ماذا تعلمت منه شعوب العالم؟ ماذا لم نتعلم منه؟ وتظل ~~هذه الأسئلة ومثيلاتها تحوم في فراغ فشل المشروعات الوطنية والقومية للشعوب، وخاصة ~~الإفريقية والعربية، وهي ذاتها التي تؤسس، - إما لمحن قادمة كما في السودان وبعض دول ~~الربيع العربي، ما عدا مصر - في حركة رجعية نحو التفكيك، وإما أن تستلهم من أجل ~~نهضة الشعوب، فاليوم تصبح سيرة مانديلا بعبعا مرعبا، وكابوسا يقلق مضاجع كثير من ~~الحكومات الوطنية التي تخاف من شعوبها النزعة للحرية، أن تسلك طرائقه في النضال الدءوب ~~المتفائل الذي حتما ينتهي بالنصر: «ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن ~~يوما من الأيام، وكنت أعلم أنه سيجيء اليوم الذي أسير فيه رجلا حرا تحت أشعة الشمس ~~والعشب تحت قدمي، فإنني أصلا إنسان متفائل، وجزء من هذا التفاؤل أن يبقي الإنسان جزءا ~~من رأسه في اتجاه الشمس، وأن يحرك قدميه إلى الأمام، وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة ~~اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة، ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبدا، فقد كان ذلك يعني ~~الهزيمة والموت.» # | المثقفون السودانيون والمصنفات الأدبية والفنية # الجدل الدائر في الأوساط الأدبية في السودان في هذه الأيام نتيجة لرفض لجنة النصوص إجازة ~~أعمال قصائد لشعراء سودانيين كبار، ms59 لهم تجارب في الكتابة ثرة وطويلة، أثار أشجان قضايا ~~الحريات، وأوضح أن المثقفين ما استفادوا من إشكالات سابقة، وأنهم يلدغون من ذات الجحر ~~مرارا وتكرارا، في الحقيقة إنهم يلدغون بعضهم البعض. # في نظرة سريعة لملف الكتب المحظورة في السودان، الذي بدأ فعليا بالعام 2005، نجد أن ~~القائمة شملت عناوين في مجالات مختلفة، منها الثقافي والسياسي والاقتصادي، وهي قائمة يصعب ~~الإحاطة بها. # بدأت الحملة بمجموعتي القصصية على هامش الأرصفة، ثم رواية أماديرا للروائية أميمة عبد ~~الله، كما صودرت رواية صنع الله إبراهيم نجمة أغسطس، الصادرة عن دار شهدي للكتاب ~~التقدمي بالخرطوم، ولم تسلم حتى الروايات المنشورة بالشبكة العنكبوتية، فحظرت رواية ~~محسن خالد «تيموليلت» التي صدرت في حلقات على موقع # Sudanese ~~online ~~، وفي معرض الخرطوم الدولي للكتاب 2007، تمت مصادرة بعض العناوين ~~من دار عزة السودانية، فيما قبض على اثنين من عمال مكتبة مدبولي المصرية بتهمة الإساءة ~~إلى الدين، عندما وزعا كتاب «أم المؤمنين تأكل أولادها» الصادر في القاهرة، وتم حظر ~~المجموعة القصصية «رحلة الملاك اليومية» للروائي والقاص عيسى الحلو، الصادرة عن دار ~~«مدراك»، ثم أطلق سراحها فيما بعد عن طريق تقرير إيجابي، تقدم به الأستاذ الروائي ~~إبراهيم إسحق، كما تم حظر ما أطلق عليه البعض مجموعة قصصية موسومة ب «بنات الخرطوم» ~~لسارة منصور، وصودرت رواية الجنقو مسامير الأرض في 2010. # توالت قائمة المصادرات لتشمل الكتاب السياسي «الحركة الإسلامية السودانية: دائرة ~~الضوء، خيوط الظلام» للكاتب المحبوب عبد السلام، ولم تسلم حتى الكتب العلمية، فقد ~~صادرت السلطات كتاب «مشروع الجزيرة وجريمة قانون سنة 2005» للكاتب الصديق عبد الهادي أبو ~~عشرة. # في العام 2011 حظرت السلطات 17 كتابا لدار عزة السودانية، كان يفترض أن تكون ضمن ~~معرض الخرطوم الدولي للكتاب، منها «مراجعات إسلامية» للدكتور حيدر إبراهيم، وتم حظر كتب ~~الأستاذ محمود محمد طه، بجانب عنوانين أجنبيين، وكل كتب الشيعة. # في ضوء تجربتي الحزينة مع المصنفات الأدبية والفنية، يمكن تلمس الطرائق الغريبة التي ~~يتم بها الحظر، قامت وزارة الثقافة متمثلة في الخرطوم عاصمة للثقافة العربية بطبع ونشر ~~مجموعتي القصصية ms60 الموسومة ب «على هامش الأرصفة»، ثم قامت ذات وزراة الثقافة بعد أيام قلائل ~~من نشر المجموعة بمصادرتها وجمعها وإخفائها إلى يومنا هذا، على الرغم من أن اللجنة ~~التي أنشئت للفصل بالأمر برئاسة المرحوم الأستاذ عون الشريف قاسم، كان لها رأي ~~إيجابي من خلال التقرير الذي كتبه المرحوم، حيث إنه أكد جودة العمل الأدبي المقدم ~~إليها، ولكن في حوار شفاهي لي مع وزير الثقافة في ذلك الزمان، أكد لي أن سبب مصادرة مجموعتي ~~القصصية هو «لغتها الخادشة للحياء العام»، وعندما ذكرته بقصيدة له شهيرة تخدش الحياءين: ~~العام والخاص معا، تبين له وللحاضرين أن سبب المصادرة كان شيئا آخر لا علاقة له ~~باللغة أو الأدب. # والموقف الآخر هو مصادرة رواية الجنقو مسامير الأرض في 2010، بعد أن نالت جائزة الطيب ~~صالح من مركز عبد الكريم مرغني، وظلت إدارة المصنفات تماطل في الأسباب الداعية لحجبها من ~~التوزيع بعد أن تمت طباعتها في مصر، إلى أن فتح الله عليهم بخطاب إشكالي يحدد أن سبب ~~المنع هو مخالفة «الرواية» - وليس الكاتب - للمادة 15 من قانون المصنفات الأدبية والفنية، ~~ثم عندما عرضت القضية في المحاكم، وأظهرت مجريات الأمور أن ذلك ليس سببا دستوريا ~~أو منطقيا، أفرجت المصنفات عن اللائحة السرية للمحكمين الذين أولت إليهم أمر ~~البت في مصير رواية الجنقو وأعمال أدبية أخرى لكتاب وكاتبات سودانيات، منهم نصان ~~للقاصة والصحفية أزاهر كمال عليها الرحمة، كان الأمر أقل ما يقال عنه: إنه أكبر فضيحة ~~ثقافية في تاريخ السودان، ولو أن القائمة كان بها بعض الأبرياء الذين وردت أسماؤهم ~~نتيجة لالتباسات غير مبررة، لكن الموضوع كان مفجعا وأصاب الساحة الثقافية في مقتل، وأيقظ ~~السؤال القديم الجديد: جدلية المثقف والسلطة. # ثم شكل الأمر شبه إجماع ثقافي بأن قانون المصنفات المذكور قانون لا أهمية له، وأن ~~الأصل هو حرية الكتابة والنشر والتعبير، وأن القانون الجنائي السوداني يكفي بأن يتولى الفصل ~~في القضايا التي تنجم عن سوء استخدام المبدعين للحرية المعطاة لهم؛ أي في حالة أن يبدو ~~أن العمل الفني قد أساء ms61 إلى شخص ما - حقيقي أم اعتباري - ويستعين المعتدى عليه بسلطة ~~القانون للفصل في القضية، التي فيها المتهم بريء ما لم تثبت إدانته، ولا يتم ذلك بأسلوب ~~محاكم التفتيش وتخيل الإساءات، كما هو الحال. # والقضية المثارة اليوم في الأوساط الأدبية فيما يخص رفض لجنة النصوص إجازة أعمال ~~شعرية لشعراء سودانيين كبار، هي تجربة، ويبدو أن المثقفين السودانيين سوف لا يستفيدون ~~منها كثيرا، وستمر كما مرت سابقتها دون دروس مستفادة، ولكن الغريب في هذه المرة هو ~~أن أحد الذين رفضت اللجنة إجازة أعمالهم الفنية، كان في يوم ما هو رئيس لجنة المصنفات ~~الفنية والأدبية، وهو نفسه قام برفض أعمال كثيرة وأدا بيديه، والآن يسقى من ذات الكأس ~~بمرارة تأباها نفسه كثيرا، ونراه يحتج الآن، ليس ضد القانون ولا ضد مصادرة ~~الحريات، ولكنه يتحدث عن صياغة اللجان وتشكيلها؛ أي أنه قد يؤسس لمصادرة وكبت الحريات ~~بصورة تضمن مرور أعماله هو في الأساس، ولا يهم الآخرون! والأحرى به أن ينتبه إلى ~~أن موضوع الحريات لا يتجزأ، وأنه يجب استئصال الآلة من أصلها بدلا من ترميمها وطلاء ~~وجهها العابس القبيح بألوان ضاحكة، فقد أصبحت المصنفات مثل آلة العقاب في قصة فرانز ~~كافكا، التي تأكل الجلادين أنفسهم، هل يحتاج المثقف لهذا النوع من التناقض لكي يعيش، بأن ~~يصبح وفقا لموقعه كمبدع داعية للحريات، وأن يكون هو ذات الآلة التي تقتلع حريات ~~الآخرين؟ أليس ذلك نوع من الشزوفرينا؟ # | البيت # البيت بيتي، وبيت النملات العجولات، الستائر القديمة والمروحة. # بيت السحليتين الصغيرتين والفأرة. # البيت بيتي وبيت الضب والعنكبوت وبيته، وبيت الذبابتين العالقتين بخيطه، وبيت الثعبان ~~الأرقط المتربص بي، الحية مصنوعة من الخشب، أهدتني إياها سيدة ومعها قبلة. # البيت بيتي وبيت الكتب الصفراء، شنوا أشيبي، هاروكي موركامي، فرانز كافكا، واسيني الأعرج، ~~عراقي في باريس، وأرفف المكتبة العجوز وأخشاب الموسك. # بيت البعوضة يبتلعها الضفدع، بيت الضفدع. # البيت بيتي وبيت السرير الكبير ومنضدة القراءة، وصنبور المياه المعطوب، جركانة الخمر ~~الفارغة، أعقاب السجائر، أحذية النساء القديمة، فراشتان تتحريان الرحيق في زهرة ميتة، ~~الزهرة ms62 الذابلة، أسورة أمي القديمة، جلباب النوم، قصاصات الجرائد، صورة المهاتما غاندي على ~~الحائط، وصوت الأذان البعيد، البيت بيتي وبيت المرأة الغائبة وسبحة العقيق اليمني ~~الجميل. # بيت الطيبين والفاسقين والمارقين والخانعين. # بيت كل من يشبهني ويكرهني، يعجبني في المرأة أنها لا تستقيم إلا إذا اعوجت، وفي الرجل ~~الانحطاط. # بيتي وبيتهن وبيتهم، والقط الذي يلعب اليوجا على الحائط، القط يصلي! # بيت الحائط والغائط وشجرة الجوغان العملاقة والمسكيتة الشريرة وبيت الحزانى المتشردين، ~~وتاجر البضائع الكاسدة، يغتب التلفاز الآن رجلا يحبل بتوأم، بيت التوأم والرجل ~~والتلفاز. # بيت الصافية وألم قشي ومختار علي، وصديقي المنسي في قبره والدجاجات. # بيت الكلب: أقصدني حينما لا تكون امرأة في بيتي، وتكون النافذة مشرعة، وقلبي يتلصص في ~~خاطر سيدة بتشممها ويهر. # أتجول عاريا فيه ولا أخشى بوليس النظام العام، وإذا طرقت حذاؤه نافذتي أرد إليه ~~بكل شجاعة - دون أن أهرع إلى جلبابي: تفضل، إنه بيتي. # عندما تلعب الصهباء بي، وأرى الشجرة أرنبا، فإن بيتي يصبح القفزة التي تفلتني من كلب ~~الصيد، والعثرة التي تؤخرني من مصادفة الكارثة، ويصير المرأة الوحيدة الوفية التي تحتضن ~~البيت، بيتي أيضا خمارتي التي لا تقود إليها خرائط الشرطة، ولا يعلم قنانيها المخبرون، ~~بينما تقبل أغنياتها السحابات البعيدة، ويفوح خندريسها كروان وسكسفون ونساء لا يخشين في ~~الحب لومة لائم. # بيت كتبي المغضوب عليها، والضالين، هنا أكتبها، أغنيها، أمارس معها الحب، وأمزقها وأبكي ~~عليها، وحينما تنهض من موتها مثل الزومبي، أدفع بها إلى ناشر مجنون. # لوحة زيتية رسمها مستنير، بيت صديقي دكتور الجعلي، بيتي وبيت الجن والشياطين، أعشاب ~~المطر الصيفي اللذيذ. # بيتي بيت بيتي الصغير المشيد من الطين اللبن، وأخشاب الشجيرات القتلى التي ماتت فداء لنا، ~~وبيت روح أبي وأمي وبنت الطريق، وبيت حافظة الصدر التي نسيتها على رواية عوليس قصدا أم ~~مكرا، فالبنيات يوقعن حضورهن فيما يتركن من متعلقات: دبوس الشعر، فردة جورب، ~~رباط قصير من الكتان، خصلة طويلة دافئة على الوسادة، وتحت الوسادة حرير مجنون، أحمر الشفاه ~~على كوب الماء وكاسات العرق، فانلة بيضاء ms63 من الساتان تشبه قبلة منسية في لسان نزق، تتركها ~~النساء عادة تحت الملاءات، عدسات العين، قلامة الظفر، ناتفة الشعر، سؤال لا إجابة له، موسى ~~لمحاولة الانتحار الفاشلة، قبلة سريعة من أعلى الكي بورد، عراك قصير، منديل تعب، قلم روج، ~~واق أنثوي مستعمل، كركبة الباب، ونسيت أن أقول: إن بيتي هو أيضا بيت الباب والنافذة ~~المشرعة. # | عندما غنت فيروز لأمي # عندما أطلق أنبياء الإشعاعات الكاذبة خبر وفاة المغنية فيروز، قفزت جملة واحدة في ~~ذهني، كانت تكمن هنالك عشرات السنين، وهي: «وجهان يبكيان» وكتبتها في صفحتي على الفيسبوك في ~~انتظار من ينفي لي الخبر، نعم، أن ينفيه وحسب. # قد لا أدري متى هي المرة الأولى التي سمعت فيها غناء فيروز، ولكنني أتذكر كل شيء ما ~~عدا التأريخ، كان الراديو الترانزستور الكبير كعادته يقبع في صندوق عجوز من الخشب الموسك ~~قرب كرسي الخيزران الكبير الذي يجلس عليه أبي منذ العصر حتى بعد أذان العشاء، بعد أن يمر ~~على محطات كثيرة، يتوقف عند محطات إذاعية بعينها، أهمها صوت العرب من القاهرة، وفي هذه ~~المحطة بالذات سمعت لأول مرة - وأنا طفل صغير لم أدخل المدرسة الابتدائية بعد - فيروز ~~تغني: # الطفل في المغارة، وأمه مريم وجهان يبكيان. # لم أعرف حينها معنى «وجهان» ولا «يبكيان»، حيث إن الكلمتين غريبتان عن أذني، ولم أسمعهما ~~من قبل، وكانت الكلمة الثانية أقرب لي، حيث إنني سمعت كلمة قريبة منها وهي يبكي، وبكى، ~~وبكاء أيضا، ولكن «وجهان» لم أسمع بها مطلقا، حيث إننا في العامية السودانية نستخدم كلمة ~~«وش» لوجه، وليس بالعامية السودانية مثنى، إما جمع أو مفرد، وبالتالي «يبكيان» تصبح كلمة ~~غريبة عندي ومبهمة جدا، أما «وجهان» فأغرب منها، ولكني على الرغم من ذلك انجذبت للأغنية ~~وأحببتها جدا لسببين آخرين قويين، وهما جملة «وأمه مريم»، حيث كنت أظن أن المغنية ~~تقصد أمي مريم بالذات، بل كنت موقنا بذلك، أما الطفل فهو أنا، أما المغارة فهي الغار ~~الذي تحكي عنه كثيرا المعلمة بالروضة، الذي اختفى فيه الرسول # صلى الله عليه وسلم ms64 # من كفار قريش، ~~وباضت عند عتبته الحمامة، وبنت العنكبوت بيتها في مدخله، كنت أعرفه جيدا، والدليل على ~~أن الأغنية كانت لأمي مريم، أنها كانت تترنم بها متابعة السلالم الموسيقية الغريبة للصوت ~~الفيروزي المدهش، في متعة أحسها إلى اليوم، وهي مشغولة بعمل إحدى الأغراض المنزلية، ~~يعني أن الأمر كان عاديا جدا، فلا غرو والأغنية هي أغنيتها، وابنها الذي هو ~~أنا. # أما الشيء الآخر الذي جذبني للأغنية فهو صوت المغنية، ما كان يهمني من أية طبقة صوتية ~~هو، ولا من هي المغنية، ولا أية معلومة علمية أخرى أو فنية، ولكن ما همني وأعجبني وأمتعني - ~~وأنا في ذلك العمر المبكر - هو أن الصوت كان يبدأ منسابا ورقيقا مثل صليل الماء، أو ~~هديل حمامات جارتنا حواء، ثم فجأة وبعد طرقات من الموسيقى حادة وفجائية، يحتد الصوت ويصبح ~~صادما وعنيفا، مثل قرع الطبول أو هذيم الرعود، ثم يعود مرة أخرى ناعما رقيقا وحلوا، ~~وكنت أحبه كذلك، وكنت كلما أذيعت الأغنية بعد ذلك في راديو أبي أترك اللعب وأجلس في أدب، ~~كما تجلس أمي للصلاة، إلى أن تردد فيروز المقطع الذي يخصني وأمي مريم، وأصبحت أميز ~~صوتها من صوت أية مغنية أخرى في صوت العرب من القاهرة، أو المحطات الكثيرة التي كان يتجول ~~عليها مؤشر راديو والدي عليه رحمة الله. # ولكن هنالك شيء آخر ارتبط عندي بفيروز، وهو كلمة القدس، وقد سألت عنها أمي، فقالت ~~لي: إنها تعني «بيت المقدس»، ولم أفهم شيئا، أضافت أنه المكان الذي حجا إليه جدي حاج ~~قدس، عندما تطوع في الجيش العربي في عام 1948، ونادى منادي الجهاد، وغنت النساء ~~والبنيات أغنية: فلسطين تناديكم يا رجال العرب، تسلم أياديكم، وغنتها لي، وعندما عاد ~~جدي بعد أن حرر فلسطين من أيدي الكفار الذين ما كنت أعرف من هم، ولكنهم - بلا شك - ~~كانوا يشبهون لي كفار قريش الذين سمعت عنهم كثيرا، سمي بحاج قدس، وكان اسمه في ~~الماضي إبراهيم عندلة، وهذا بالطبع أكد لي أكثر أن فيروز تغني لي ولأمي مريم، طالما ~~حرر جدي ms65 القدس. # وظلت فيروز مغنيتي المفضلة وأنا أكبر يوما بيوم، وأتدرج في مراحل التعليم، ساقني ~~إليها مرة أخرى الشاعر جبران خليل جبران، عبر سكن الليل، والمواكب، وكنت قد قرأت جبران وأنا ~~في المدرسة الابتدائية، اشتريت كتبه من مكتبة القرية الصغيرة، بعد أن تعرفت عليه من ~~خلال مجلة الدوحة القطرية، والعربي الكويتية، ومجلة المجلة - أطال الله عمرها. # | الناشر الشبح # ينشط في أسواق الكتاب بالخرطوم ما أسميه بالناشر الشبح، وهو ناشر ليس له عنوان وليس ~~له اسم، إنما هو مجهول يغير موقعه باستمرار، أو يقيم مؤقتا في حاوية بضاعة تجرها ~~عربات، في رفقته عدد من الفنيين المهرة الذين باستطاعتهم إعداد ما لا يقل عن عشرين ~~كتابا في اليوم من الحجم الكبير المجلد، مثل إصدارات الأستاذ منصور خالد، أو النزعات ~~المادية في الثقافة العربية الإسلامية للدكتور حسين مروة، أو مئة نسخة من الحجم الصغير مثل ~~كتيبات باولو كويلو، ودواوين محمود درويش، ومقالات رولان بارت في النقد. # كانت إشارة نائب رئيس اتحاد الناشرين المصريين المهندس عاصم شلبي في أن هنالك سوقان ~~كبيران للكتاب المزور في مصر، يوجدان بالسودان والسعودية، يبدو صحيحا جدا فيما يخص ~~السودان على الأقل، حيث يكاد ينحصر الكتاب المزور في السعودية على الكتاب الجامعي ~~والعلمي. # المراقب لسوق الكتاب اليوم بالسودان الذي يسمى محليا «مفروش» وكثير من المكتبات ~~الكبيرة، يلاحظ وجود ثلاثة أصناف من الكتب المزورة: تلك الواردة من مصر، وهي أكثر إتقانا ~~وأشبه بالأصل، والأخرى وشبيهتها الواردة من سوريا، ثم المزورة محليا في منطقة السوق ~~الشعبي بأم درمان، أو السوق العربي بالخرطوم، أو في أية حاوية متحركة في شوارع المدينة، ~~وهي رديئة الطباعة والأوراق وأرخص سعرا من المصرية والسورية المنشأ، وأفاد الأستاذ ~~نور الهدى - سكرتير العلاقات الخارجية في اتحاد الناشرين السودانيين - أنه بعد انخفاض قيمة ~~الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي في السودان الآونة الأخيرة، توقف سيل الكتب الواردة ~~من سوريا نسبة لارتفاع تكلفة الشحن، ولكن انتقل المزورون إلى العمل في السودان، وأخذوا ~~يدخلون تقنيات متقدمة في هذا الشأن. # ينشط الناشر الشبح في ms66 صناعة الكتب ذات الطلب العالي والممنوعة عن النشر، والروايات ~~الأجنبية المقررة في المدارس والجامعات، وتلك ذات الأسعار العالية جدا، حيث يقوم بعرضها ~~بأقل من ربع سعرها الفعلي، محققا بذلك أرباحا كبيرة تفوق ما يتحصل عليه الناشر الفعلي ~~والكاتب والطابع وكل الذين في سلسلة صناعة الكتاب؛ لأن الناشر الشبح يأخذ نصيبهم جميعا ~~ويحل محلهم كافة، فهو الناشر والطابع، وفي كثير من الأحيان الكاتب نفسه؛ لأن بعض ~~الإصدارات الجامعية يعاد تزويرها بدون الإشارة لاسم المؤلف، ويفيد مسئول كبير - لا يرغب في ~~ذكر اسمه - أن مؤسسة علمية خاصة تقوم بطباعة كتب الطب الأجنبية النادرة محليا دون إذن ~~ناشريها أو مؤلفيها. # هنالك أيضا الناشر الشبح الإلكتروني، فبينما بلغت مبيعات الكتب الإلكترونية في ~~أمريكا 282,3 مليون دولار للربع الأول من العام الحالي، وهو رقم يزيد بأكثر من 28٪ عن نفس ~~الفترة من العام الماضي ، إلا أن الكتاب الإلكتروني في السودان غير ربحي ولا يباع ويشترى، ~~ولكنه يكبد الناشرين والكتاب خسائر فادحة، وله أغراضه الخاصة، إما أنه معارض ويقوم ~~بنشر الكتب الممنوعة التي بها أفكار مخالفة لما هو مسموح به رسميا، ويصبح هدفه سياسيا ~~واجتماعيا، أو أنه ينتمي للسلطات الحكومية، ويقوم بنشر الإصدارات المعارضة بعد إفسادها ~~وإقحام فقرات وصفحات تفسد الموضوع أو تسيء للعقيدة مما يدخل المؤلف في حرج، وأحيانا ~~كثيرة يكون الناشر الشبح الإلكتروني ليس أكثر من فاعل خير شرير شديد الضرر بحقوق الملكية ~~الفكرية، حيث هدفه يتمثل في إشاعة المعرفة، وتوصيل الكتب العلمية والثقافية والأدبية، وتلك ~~الدينية والدعوية وغيرها إلى القراء الفقراء والبعيدين عن مراكز البيع مجانا. # هنالك تطور حدث في هذا المجال، مثل اختراع القارئ الإلكتروني الذي سهل مهمة الاطلاع ~~على الكتب المنزلة من الشبكة العنكبوتية وحفظها وتداولها دون أية رقابة، سوى الوازع ~~الأخلاقي الذي قد يكون ضعيفا جدا عند البعض، ولعبت تقنية البلوتوز # Bluetooth # أيضا دورا كبيرا في نقل المواد الإبداعية في صورة ملفات سهلة ~~القراءة والتداول مرارا وتكرارا. # أقرت إدارة التفتيش والرقابة بضعف آلياتها، وأرجعت السبب إلى قلة التمويل ونقص أدوات ~~الحركة، ms67 واعترفت أنها لا تستطيع تغطية السوق بوضعها الراهن، وحملات التفتيش على قلتها غير ~~متخصصة، وينصب تركيزها على المواد الإباحية والعناوين الممنوعة أكثر من صناعة الكتاب ~~والملكية الفكرية، في الحقيقة لا يوجد دور رقابي ملحوظ على حماية حقوق الناشر والمؤلف في ~~السودان، ويتم تفعيل قانون المصنفات الفنية والأدبية في الجوانب التي تحد من حرية ~~الكاتب والكتابة لا غير، أما من ناحية الحقوق فيبدو التطبيق هزيلا ومتواطئا. # تختلف آراء ومواقف المثقفين السودانيين حول مسألة التزوير في المطبوعات، كثيرون ينظرون ~~إليها من النواحي السلبية، ولكن هنالك آراء أخرى تقول غير ذلك، مثلا يرى الفنان التشكيلي ~~السوداني سيف اللعوتة في معرض حديثه للجزيرة نت: «نشر الكتب والفنون والمعارف عامة دون ~~إذن أصحابها ليس مشكلة، فالمعرفة هي حق إنساني، ويجب أن تكون مشاعا، وما يحدث الآن هو ~~سلوك الطبيعة نحو التوازن وتحقيق مبدأ المشاركة ». # وقد أوجز بائع للكتب بمدينة بحري أسباب التزوير فيما يلي: ارتفاع سعر الكتاب، عدم ~~توفر الكتب المطلوبة من قبل القراء بالكميات الكافية، منع بعض الكتب من النشر، ~~ليس بإمكان الطلاب شراء الكتب الجامعية في طبعاتها الأصلية، هامش الربح في الكتاب المزور ~~أكبر من هامش الربح في غيره، نفاد الكميات من بعض الإصدارات في الأسواق. # على رأس قائمة الكتب الأكثر تزويرا في السودان: المصحف الشريف، أعمال الدكتور منصور خالد ~~- توجد الآن 700 نسخة منها قيد التحقيق ضبطت بمعبر العبيدية في الحدود السودانية المصرية ~~- كتب الفلسفة - وخاصة كتب نيتشه ورولان بارت - كتب الطب والهندسة العلمية، القواميس ~~اللغوية، مناهج تعليم اللغة الإنجليزية المتقدمة - وخاصة سلسلة # Head ~~way # حيث أعلن الوكيل المحلي لناشر السلسلة # Oxford # إفلاسه وإغلاق منافذ بيعه جميعا بالخرطوم، ~~بعد تكبده خسائر مالية فادحة - بعض الكتب المصادرة من قبل المصنفات الأدبية والفنية ~~مثل كتاب الحركة الإسلامية للكاتب المحبوب عبد السلام، وهنالك أكثر من ثلاث طبعات مختلفة من ~~رواية «الجنقو مسامير الأرض» لكاتب هذه السطور، قام بإعدادها الناشر الشبح. # في رأينا أن المخرج من هذه الأزمة لا يتمثل في الرقابة اللصيقة والحملات الشرطية ~~فحسب، ms68 فالرقابة البوليسية الصارمة قد تكون ذات نتائج عكسية، كما حدث في الصين الشعبية، حيث ~~فرخت أكبر أربع دور نشر سرية لتزوير الكتاب في الصين وربما في العالم. # الحل الحقيقي يكمن في إفساح حرية النشر والطباعة، ودعم مدخل إنتاج الكتاب، ورفع الرقابة ~~السياسية عن الكتب، تنظيم أكثر من معرض للكتاب في العام، مع توسيع مشاركة الناشرين العرب ~~والعالميين في هذه المعارض، إنشاء مكتبات عامة بالعاصمة والمدن للاطلاع والتسليف مجانا، ~~وتوفير الكتاب العلمي بالجامعات والمدارس. # الشيء الأهم هو أن يعي القارئ أنه باطلاعه أو شرائه لكتاب مزور، قد يساعد على عملية ~~نصب واحتيال، ويدعم أنشطة تقوم بتدمير صناعة الكتاب وإهدار حقوق أساسية، وفي حالة أنه ~~تحصل على الكتاب مجانا من أية وسيلة إلكترونية كانت دون إذن صاحب حق النشر، فإنه في ~~أغلب الأحيان يقوم بعملية سرقة منظمة يعاقب عليها الضمير والقانون. # | عمان مدينة تحرسها الآلهة تايكي # 1 # مهما قرأت عن عمان، فإنك لا تعرف عنها شيئا، ولو وصفها لك هدهد سليمان، ~~وغناها لك فكتور هارا، ورقصتها شاكيرا، ودندنها الشيخ إمام، فإنك ستظل ~~جاهلا بها جهلك بجدي برمبجيل، لذا سوف لا أصفها لك، ولن أحدثك عن بيوتها المشيدة ~~على قمم الجبال كأعشاش النسور، وعن القلاع والمدرج الروماني وكهف السيد الخضر، وعن ~~بيت الآلهة تايكي حارسة مدينة عمان. # إن اكتشاف مدينة عمان شيء مفاجئ وعمل سحري يصيبك بالحب أو الجنون، يحج ~~السودانيون عادة إليها بحثا عن الشفاء، بما يسمى السياحة العلاجية، وتتشفى هنا في ~~السودان، طرفة تقول: إن تاريخ حياة الرجل يبدأ بالزواج كرمز لعنفوان الشباب، ثم الحج ~~إلى بيت الله، بما يعني مرحلة ما بعد النضج ووسوسة الرحيل إلى الآخرة، ثم يختتم ~~حياته السعيدة بالذهاب إلى الأردن لإجراء عملية البروستاتا، وبذلك يسدل الستار على حياة ~~طويلة جميلة، فعل فيها كل ما عليه القيام به. # ورغم أن هذه الصورة حديثة نسبيا، إلا أن الناس في السودان يعرفون تلك ~~البلاد الجميلة كقلعة صحية تأخذ عنهم آلام المرض، وتهبهم عمرا جديدا بغير أوجاع، ~~والدليل القوي أنني ms69 بعد أن دعيت إلى حضور ملتقى عمان الثالث للقصة، بلغت أسرتي ~~بذلك، فأخذوا يصرخون: إن شاء الله سلامة، ومن المؤكد أن الناس يعرفون الكثير عن ~~البحر الميت وخليج العقبة، وحضارة الأنباط، والملك حسين، وأهل الكهف، والمدرج الروماني، ~~وغيرها من معالم التاريخ والجغرافيا. # أول ما يثير انتباهك في تلك البلاد، نظافة كل شيء: الإنسان والمكان، وأجزم أنني لم ~~أر مظهرا غير لائق البتة، ثم البنايات المتشابهات، حيث يوجد نمط واحد وأسلوب واحد ~~للعمارة يخص عمان ويميزها عن بقية المدن، ذكرني ذلك بمدينة تورينو في إيطاليا؛ حيث ~~أسلوب العمارة الباروكي، والأمر الذي لا يجعلك تشعر بالملل هو ذلك التنوع الطفيف مثل ~~النوتات في النغمة الموسيقية الواحدة، فتجد بيوتا بمشربيات صغيرة، وأخرى بغيرها، وبين ~~فينة وأخرى تلاحظ مسحة بدوية طفيفة على البنايات، اللمسة البدوية نفسها تجدها في ~~البشر في صورة حفاوة وكرم دافق وترحاب بلاد حدود بالآخر ، وتجدها في روايات سميحة خريس، ~~وقصص سعود قبيلات، ومحمود الريماوي، وهزاع البراري، وأظنني سأجدها عند عدي مدانات عندما ~~أكمل قراءته، اللمسة البدوية موجودة حتى في أكثر الأشياء مدنية، سيارة الأجرة مثلا، ~~فالسائق كث الشعر، الذي يعبر بي الطرق الفسيحة نحو المطار، كان يحكي معي كصديق قديم، ~~وضحكنا كبدويين تقابلا في مفترق طرق. # 2 # هاشم غرايبة، سعود قبيلات، سميحة خريس، ود. هدى فاخوري ... عرفت عمان عن طريقهم، ~~عمان المقاهي الليلية والأعراس البهيجة، والأفكار التقدمية، والنقاش الثري العميق، ~~وتلمست التوجهات الوحدوية، ووجدت إجابات كثيرات على أسئلة حائرة في ذهني قد لا ~~تطرح علنا، عن حريات الكتابة والنشر، حريات الفكر، الحريات الشخصية، وهذه الموضوعات ~~هي أكثر ما تؤرق كاتبا من دولة تعاني من صراعات مريرة في مسألة الهوية ~~والحكم. # لا يمكنني أن أفهم معنى للتضييق المخل في الحريات في دولة بها عشرات اللغات ~~والقبائل، وعدد لا يستهان به من الديانات مثل السودان، ومقابل ذلك مساحة الحرية واسعة ~~في دولة ملكية بها جماعات سكانية متجانسة، وعريقة في عروبتها، وقريبة جدا من التأريخ ~~الإسلامي، بل تعد إحدى مواقع النشأة الإسلامية، لم ms70 أحس لحظة بأي هوس ديني أو ~~فرق جهادية أو تهديد بتطبيق الشريعة، أو أقرأ صحيفة عنصرية تدعو إلى إعلاء العنصر ~~العربي وتشتم ما هو غيره. # تعشينا في النادي الأرثوذكسي، وشاهدنا فيه حفل زواج أسرة مسلمة، والصبايا الجميلات ~~يلبسن ما شاء لهن، ويرقصن كأنهن عصفورات الجنة، ولا وجود لقوات النظام العام المدججة ~~بالأسلحة والتطرف، كما أنني لم أسمع أن فتاة قد اغتصبت أو تحرش بها شخص ما لأنها ~~تلبس البنطلون، أو لأنها رقصت في حفل زواج، ولم أسمع برواية أو مجموعة شعرية تمت ~~مصادرتها؛ لأن الأمة أمة رسالية، ولا تسمح بغير الأدب الذي يمجد فكرة الحاكمين، أحس ~~بألم ومرارة وأنا أقارن ذلك بما آل إليه وطني، ذلك الذي كان جميلا وكبيرا. # 3 # جعفر العقيلي، بسمة النسور، وفهمية الزغبي. # هؤلاء يذكرون كلما ذكر ملتقى عمان الثالث للقصة (23-25 تموز 2011)، أهم ما ~~حققه هذا الملتقى هو التشبيك العفوي لكاتبات القصة القصيرة وكتابها في الوطن العربي، ~~تلك المفاكرة العميقة والنقاش الثري الذي يدور بين الكتاب - أكثره خارج القاعات - من ~~جانب، والتعريف بأساطين القصة القصيرة في المملكة الأردنية الهاشمية من جانب آخر، ولو ~~أن غالبيتهم معروفون في الوطن العربي وخارجه، إلا أن الملتقى كان بمثابة آلية ~~لوضعهم مباشرة في قلب الحراك العربي. # هذه العاصفة السردية كانت حصيلتها أنني - الآن - أقرأ كتبا كان من المتعذر علي أن ~~أجدها في السودان، وقابلت كاتبات وكتابا سوف يبقى أثرهم طويلا في حياتي، وليس ~~ذلك إلا نتيجة الجهد المتواصل من جانب منظمي الملتقى، مثل القاصة الجميلة بسمة ~~النسور، والقاص الصديق جعفر العقيلي، والسيدة الرائعة فهمية الزعبي، وكثير من الجنود ~~المجهولين الذين لم نلتق بهم؛ لأن عملهم يتطلب أن يكونوا خلف الكواليس، يعملون من ~~هناك بصمت وحب. # 4 # نميلة ... # الرحلة الجميلة هي الرحلة التي تتعطل فيها السيارة في مكان تختاره هي، وغالبا ما ~~تختار العربة أمكنة لا يرغب فيها المرتحلون، كذلك فعلت عربة الصديق القاص جعفر ~~العقيلي (التويوتا الهجين)، بعد أن عدنا من رحلة لم تكتمل إلى المغطس، وهو المكان الذي ms71 ~~التقى فيه السيد المسيح بالسيد يوحنا الذي لقب بالمعمدان، فقد كان الأخير يعمد ~~الناس كبشارة روحية بقدوم النبي عيسى ابن الإنسان، حيث عمد السيد المسيح بأن غطسه ~~في نهر الأردن. # ولأن الموقع يقترب كثيرا من فلسطين المحتلة، كان علينا اجتياز خطة أمنية لم يتوافر ~~زمن كاف لدينا من أجلها، لكننا وقفنا حيث شممنا عبق النهر، فطربنا أغصان أشجاره ~~النبوية المرحابة، وسمعنا بقايا كلمات الرب العالقة في سماوات المكان. # كان صديقي السينمائي والمسرحي التونسي يوسف البحري مشغولا بالتقاط الصور، واكتشاف ~~الزوايا التي تظهر جمال الأمكنة، وجعفر كعادته لا يكل ولا يمل، ويحاور ويجادل ~~محاولا تجاوز بيروقراطية الترتيبات لزيارة المكان، أما أنا فكنت أرى يوحنا يخوض ~~الماء إلى منتصف جسده، يباركه بكفيه، تحلق فوق رأسه حمامات، يظللنه بأجنحتهن، ~~ويقلن لي: مرحبا بك في المغطس، يا ابن مريم (مريم اسم أمي). # كان الجو حارا بمحاذاة البحر الميت، والجندي البدوي الذي وجدناه في الصحراء تحت ~~شجرة ينتظر أن تأتي عربة تقله منذ أكثر من عشر ساعات، لم يستطع السيطرة على دهشته، ~~فبعد أن أفسحنا له المجال في العربة ليصل إلى وظيفته، ظل يسألني عن رفيقي كلما ~~انفرد بي، أقول له: أحدهما تونسي، والآخر أردني، وأنا سوداني، ثم يسألني لماذا ~~جئنا هذه الطريق الصحراوية غير المعبدة؟ هل تبحثون عن شيء ما؟ ويسألني ما إذا كنت ~~أقيم بالأردن. # كانت العربة أعلنت ثورتها وضيقها من وعورة الطريق، وأظهرت إشارات خطرة، ~~وحدثتنا شاشتها الإلكترونية أن نوقفها حالا ونتصل بالشركة المنتجة، ~~واشتعلت لمبات حمراء وصفراء، مثلثات وعلامات تعجب، استعنا بالدليل الورقي ~~المخبوء في جيبها من أجل الإفهام، استعنا بدعاء التونسي لله، أن يرزقنا مخرجا، ~~تذكرت أجدادي الصالحين جميعا، وغير الصالحين أيضا، فلم تكن لدينا رغبة في الموت بهذا ~~الوادي الوعر، إنه يصلح لالتقاط الصور، ولكن ليس الموت! بالنسبة لي لذة الموت لا ~~تكتمل إلا أن يدركك في مسقط رأسك، أقصد أمكنتك المحببة لنفسك، سريرك الوفي، وليس ~~في قمة صخرة، مهما كانت جميلة وموحية ومرعبة. # كنا في طريقنا إلى البترا، ms72 عن طريقة نميلة، بتفريعة من شارع بالكاد، تم تعبيده يقود ~~إلى قريقرة، كانت الجبال شاهقة، والرمال صفراء، والمخلوقات الثلاثة التي التقيناها طوال ~~توغلنا في وادي نميلة كانت ناقة، وقعودا، وجنديا بدويا يستقل العربة، الآن ~~معنا. # توكل العقيلي وقاد العربة بعلاتها التي لا نعرف عنها شيئا، بوجود علامات ~~الإنذار التي تتطلب منه أن يتوقف حالا، عبر طرق لا يمكن وصفها بأقل من ~~مرعبة، كنا كمن في فيلم لهتشكوك، أو كابوس لعين، حيث تتشعبط العربة الصغيرة مثل ~~عنكبوت نزق في الطريق رأسيا عبر ممرات ضيقة ترابية تتلوى في قمة الجبل الجيري، كأنها ~~ثعبان أسطوري لا نهاية لطوله، وتهبط عموديا نحو الهاويات العميقات، تغني فيروز عبر ~~جهاز تسجيل العربة، في هدوء وحب، ويمثل صوتها الحلو موسيقى تصويرية غير موفقة ~~لفيلم الرعب الذي نعيشه، ويطمئننا البدوي بأننا سوف نكون في البيضا فوادي موسى، بعد ~~دقائق معدودات، وستصبح الطريق سهلة من هناك إلى البترا، كنت أفهم كيف يرى البدوي ~~المسافة، ففي السودان عادة ما يضاعف الشخص الذكي المسافة التي يقترحها البدوي خمس ~~مرات، فالبدوي يرى كل الأمكنة قريبة منه، فهو ملك الفضاء الرحيب؛ لذا كنت الأكثر ~~قلقا وتشككا في حقيقة دقائقه. # 5 # مدينة وردية كقلب العاشق ... # حارس البوابة المفضية إلى المدينة الأثرية البترا، وهو رجل نحيف يرتدي الزي ~~المدني، أقسم بكل عزيز لديه ألا يتركنا ندخل للمدينة، التي تلوح لنا بكفيها ~~الحجريتين أن نأتي حالا، قال: إن زمن الزيارة انتهى، وهو لا يغامر بأن يتركنا ندخلها ~~في وقت متأخر، تعالوا غدا، لكنه - لسوء حظه - لا يعرف أنه يجادل شخصا لا حدود لصبره ~~وطول باله، وأنه يمتلك منطق الإنس والجن، يبتسم ويضحك، لكنه يقول كلمات في قوة الصخر - ~~ولو أنها تبدو في ليونة الماء. # كان جعفر العقيلي يظهر وجهه البدوي ومنطقه المدني في اللحظة نفسها، والحارس يزداد ~~صلابة وتحديا، ويعد القضية مسألة حياة أو موت، إلى أن نقر العقيلي في أرقام جواله، ~~وحدث شخصا، تبين لنا أنه وزير الثقافة الشاعر جريس سماوي، وأعطى الهاتف النقال ~~للحارس، ms73 الذي سمع صوتا رسميا يأتيه عبر الهواء الإلكتروني، فيهدأ ثم، ومن ~~فوره يجيء رجل من أقصى المدينة يسعى، يحمل كراسات ثلاثا لنا، فيها معلومات سياحية ~~عن البترا، يبتسم الحارس ويفتح لنا الباب على مصراعيه، ويتمنى لنا زيارة موفقة ~~وطيبة. # كان هذا الطقس لا بد منه، هذه المدينة التي كلف دخولها في الماضي الأرواح، وقد ~~قتل عند بوابتها القائد أنطيوخوس الثاني عشر، في سنة 88 قبل الميلاد، وفر جيشه إلى ~~قانا، وهلك معظم جيشه جوعا، ومن البوابة نفسها خرجت جيوش الملك عبادة الأول ~~لتلحق الهزيمة النكراء بجيش الإسكندر جانيوس، ومنها أيضا خرج الجيش العرمرم؛ ليستولي ~~على سهل البقاع ودمشق في سنة 85 ق.م، وعند البوابة نفسها كانت مراسم استقبال الفرعون ~~المصري الزائر وابنته الجميلة، حيث بنى لها الأنباط قصرا خاصا سمي بقصر البنت، ~~وهو ذو عمارة متميزة وغريبة عن عمارة الأنباط المتأثرة بالأسلوب الروماني ~~الهلنستي. # ومن البوابة نفسها دخلت جيوش الرومان تحت إمرة القائد تراجان في سنة 106 ميلاديا، ~~وأنهت استقلال دولة عربية قوية وفاعلة، نشأت من عمق البداوة والترحال؛ لتبني ملكا ~~غريبا وجميلا وداهشا، إذن أليس لذلك الحارس الحق في الدفاع عن تلك البوابة التي ~~تتمتع بهذا الموقع الاستراتيجي والأمني المتميز؟ # كل شيء حولك لونه وردي، فهو لون الصخرة التي نحتت فيها هذه المدينة التي لا ~~شبيه لها، إذ إنها نحتت في الصخر، ولم تبن منه أو فيه أو عليه، وتبدو الفكرة من ~~وراء إنشائها واضحة منذ المدخل الضيق جدا، الذي ترتفع على جانبيه صخور عملاقة ~~وشاهقة، كأنهما فكان عملاقان لحوت صخري، قد يطبقان عليك في أي لحظة؛ أي أنها ~~بنيت لتكون حصنا آمنا لا يستطيع الغزاة دخوله إطلاقا، طول هذا المدخل يبلغ ~~الكيلومترين، وينتهي فجأة في ميدان كبير تواجهك منه بناية، أو قل منحوتة ضخمة، هي ما ~~اصطلح على تسميته الخزنة، وكعادته، كان صديقي يوسف البحري يعبر عن دهشته بالتقاط ~~الصور، طلب مني أن أصوره في كل زاوية ومكان، وتوغلنا ليدهشنا المدرج العظيم ~~الذي بإمكانه أن يسع 7000 شخص، ms74 والذي نحت أيضا على أسلوب المدارج الرومانية القديمة ~~مثل التي توجد في عمان. # هناك أيضا مبنى المحكمة في طابقين، وهي أحدث من محاكم توجد اليوم في بلدان كثيرة، ~~التقطت لصديقي صورا أمام ضريح الجرة، وضريح الحرير، وشارع الأعمدة، وضريح الجندي ~~الروماني، وقصر البنت (بنت فرعون)، ولكل ما رأته عيناه اللتان تريان كل شيء. # كنت أعلم أن وراء كل منحوتة قصة، من ثلاثة جوانب: البناة، والمبني له، وحكاية ~~المبني نفسه، هذه القصص الثلاث تحكي تأريخ المكان، وكلما تذكرت البناة طاف في ~~خاطرتي عمال كثر كانوا ضحايا للحضارات العظيمة: بناة الأهرامات في السودان ومصر، بناة ~~برج بابل، نحاتو مساكن البترا ومسارحها ومدارجها وأضرحتها، حفارو قناة السويس، ~~ذلك النفر من البشر الذين لا ينتبه أحد إليهم، وفي الغالب ما كانوا يستمتعون بما يقومون ~~به من عمل، علينا أن نتذكرهم ونحن في دهشة اكتشافنا لهذا الجمال الذي أبدع بدمهم ~~وسقي بعرقهم وملح دموعهم. # | حوار مع وداد الحاج # - تلقبون في الأوساط الثقافية بالزبون الدائم لمقص الرقيب كيف تم بناء هذه العلاقة ~~الملتبسة مع الرقابة؟ ~~- الرقيب، ذلك الوحش الوفي والقارئ المواظب لأعمالي، ناقدي المهووس المنحاز دائما ضد ~~كتاباتي، المصاب بجنون العظمة وعقدة النقص في ذات اللحظة، الذي لا يؤمن إلا بأفكاره ~~الخاصة عن الدين والأدب، وهو لم يسمع بهما بعد، والذي لديه مقدرة خارقة على وزن ~~الأدب بميزان الدين والأخلاق وقانون النظام العام و«المشروع الحضاري» للسلطة، وكل شيء آخر ~~ما عدا ذائقة الفن. # هذه العلاقة الملتبسة سببها سوء فهم لا أكثر، حيث يظن البعض أن في كتابتي ما يسيء ~~لمشروعاتهم الأيدلوجية، ويخترق خطاباتهم المستقرة، بالطبع لا أقصد ذلك، كل ما أفعله هو أنني ~~أنحاز لمشروعي الإنساني؛ أي أكتب عن طبقتي: أحلامها، آلامها، طموحاتها المذبوحة، وسكينتها ~~أيضا التي تذبح هي بها الآخر، وحتى لا يلتبس الأمر مرة أخرى، أقصد بطبقتي ~~المنسيين في المكان والزمان، الفقراء، المرضى، الشحاذين، صانعات الخمور البلدية، ~~الداعرات، المثليين، المجانين، العسكر المساقين إلى مذابح المعارك للدفاع عن سلطة لا يعرفون ~~عنها خيرا، المتشردين، أولاد ms75 وبنات الحرام، الجنقو العمال الموسميين، الكتاب الفقراء، ~~الطلبة المشاكسين، الأنبياء الكذبة، وقس على ذلك من الخيرين والخيرات من أبناء وطني، ~~إذن أنا كاتب حسن النية وأخلاقي، بل داعية للسلم والحرية، ولكن الرقيب لا يقرأني إلا بعكس ~~ذلك. # عندما صودرت مجموعتي القصصية الأولى: على هامش الأرصفة، كانت قد صادرتها نفس الجهة ~~التي قامت بطباعتها، وهي وزارة الثقافة في إطار فعالية الخرطوم عاصمة للثقافة العربية! حيث ~~ظن بعض السلطويين أنني أحاكم مشروع العاصمة الثقافية العربية من داخله، وكان ذلك في ~~2005، ثم حدثت معاكسات هنا وهنالك، ولم يتم إعطائي إطلاقا طوال العقدين من ~~الكتابة المتواصلة «رقم قيد» خاصا بالسودان لأي من كتبي، ثم جاءت الطامة الكبرى عندما ~~صادروا روايتي: الجنقو مسامير الأرض، مدعين أنها تتحدث عن المسكوت عنه، وأن بها ما ~~يخدش الحياء العام، وأنها تخالف قانون المصنفات الأدبية والفنية في المادة 15 منه، وقمت ~~بتقديم شكوى ضد وزارة الثقافة، وهي الأولى من نوعها في السودان، والقضية الآن تنظر في ~~المحاكم. ~~- مباشرة بعد حصولك على جائزة الطيب صالح للرواية، قلت إنك تشعر وكأنك مصاب ~~بالغثيان، هل تشعر بعدم جدوى مثل هذا النوع من التكريمات؟ ~~- وما زلت أحس به، أشعر بأنني سعيت إليها مدفوعا، حيث إنها تمثل البديل الوحيد ~~لتوصيل الكتاب إلى القارئ، والناقد الجاد في بلد لا توجد فيه مؤسسة ثقافية فعلية رسمية ~~واحدة، ومكبل فيه العمل الثقافي بقوانين عفا عنها الزمن، وهي أقرب لقوانين محاكم التفتيش في ~~القرون الغابرة، لقد كنت وصوليا وحقيرا وأنا أستلم تلك الجائزة وغيرها من الجوائز، ~~حقيقة لم أحس بنيلي للجائزة أنني أنجزت بذلك شيئا ذا بال، بل فضحت نفسي ~~أكثر، بالطبع، مع كامل احترامي لجائزة الطيب صالح ومركز عبد الكريم مرغني الذي يعمل في صمت ~~وظروف صعبة من أجل الثقافة والإنسان. ~~- أثارت ثلاثيتك - البلاد الكبير - من حولها الكثير من الزوابع التي لم تهدأ بعد ~~لحد الساعة، وقيل: إنها تعرضت للحجز والمنع من التوزيع، هل يعني ذلك أنك أمعنت في ~~القفز على الحواجز وتعدي الخطوط الحمراء؟ ~~- المشكلة في ms76 المنفستو الخاص الذي أتبناه، ولم أحد عنه حتى الآن، لمن أكتب ولم ~~أكتب، وكيف أكتب؟ ~~- بعيد خروجك من مغامرة الثلاثية الأولى، خضت غمار عمل آخر، اخترت له اسم ~~«الجنقو مسامير الأرض»، ويبدو أن شبح الرقيب لا زال وفيا لتعامله السابق معك ~~رغم كونها حظيت بجائزة مسابقة الطيب صالح. ~~- رواية الجنقو مسامير الأرض لم تشفع عنها جائزة الطيب صالح، ولا المحكمين، ولا ~~القراء، وسوف تظل مصحوبة بلعنات السلطات السودانية إلى أن يمن لنا الله والشعب بثورة ~~ديمقراطية في زمن ما، وتقام المؤسسات الثقافية التي ترعى الحريات، ويأتي وزراء الثقافة ~~الذين يفرقون ما بين الأدب والأجندات الحزبية. # محنة الجنقو لا تنفصل عن محنة الشعب السوداني كله. # وتظل الكتابة عندي طقس حر لا يعترف بقيد، ولا سلطة، ولا مصنفات أدبية، ولا قانون ~~نظام عام، الكتابة هي التي تخلق قانونها وأخلاقها ودياناتها السرية، ومشهدها القومي وقارئها ~~أيضا. ~~- كيف تصف لنا تضاريس راهن المشهد الثقافي السوداني؟ ~~- المشهد الثقافي السوداني اليوم ضعيف على مستوى المؤسسات والاهتمام الرسمي، حيث لا توجد ~~مجلات أدبية أو جرائد متخصصة في الثقافة، لا توجد دور عرض قومية أو اهتمام مؤسسي سوى بعض ~~المسابقات هنا وهنالك ما بين وقت وآخر، حسب أمزجة أولي الأمر الذين تنام الثقافة في ذيل ~~مراقد أولوياتهم، والحق يقال: ليست الثقافة وحدها تبقى هنالك في الذيل، ولكن الصحة ~~والتعليم والخدمة الاجتماعية، ولكن يظل المشهد الثقافي واعدا بمجهودات المثقفين والكتاب ~~الشخصية والذاتية، يراهن على الأجيال الجديدة في مجالات الإبداع الشتى، التي قامت على أكتاف ~~أسماء كبيرة سبقتها، مثل: بشرى الفاضل، وتابان لولي ينج، السر آناي، إبراهيم إسحق، عيسى ~~الحلو، مبارك الصادق، بثينة خضر مكي، زينب بليل، الطيب صالح، محمود محمد مدني، علي المك، ~~محمد المهدي بشري، عالم عباس، النور عثمان أبكر، الفيتوري، كمال الجزولي، صلاح أحمد ~~إبراهيم، عبد القدوس الختم، نبيل غالي، علي مؤمن، مجذوب عيدروس، محمد المهدي المجذوب، عبد ~~الله شابو، وغيرهم، ويكفي اليوم أن نستعرض بعض الأسماء لتضح صورة المشهد الآن، في مجال ~~الرواية نجد: منصور الصويم، ms77 أمير تاج السر، إبراهيم سلوم، حمد الملك، أبكر آدم إسماعيل، ~~محسن خالد، طارق الطيب، جمال محجوب، عباس عبود، محمد جميل، الحسن البكري، محمد الطيب، هشام ~~آدم ومحمد خير وغيرهم. # وفي مجال القصة القصيرة هنالك أحمد أبو حازم، أحمد عوض، استلا قايتانو، رانية مأمون، سارة ~~الجاك، رامية رحمة، جمال طه غلاب، عصام أبو القاسم، فايز حسن العوض، عادل القصاص، يحيى فضل ~~الله، كلتوم فضل الله، م.م.م. عثمان، الهادي راضي، وغيرهم. # وفي الشعر: نجد من أسماء هذا الجيل نجلاء عثمان التوم، الصادق الرضي، بابكر الوسيلة، عاطف ~~خيري، عصام عيسى رجب، محمد الصادق، نصار الحاج، محمد مدني، رانية محجوب، محفوظ بشري، مأمون ~~التلب، قرنق توماس، مارول مارول، أحمد النشادر، إشراقة مصطفى، خالد حسن، إيمان آدم ~~وآخرين. # وفي النقد: يمكن أن نذكر بعض الأسماء الجادة، مثل هاشم مرغني، صلاح عوض الله، إبراهيم ~~عابدين، أحمد الصادق، معاوية البلال، محمد الربيع محمد صالح، محمد جيلاني، وفاء طه، لمياء ~~شمت. # معترفا بانحيازي لجيل التسعينيات، الذين استفادوا من تجارب من سبقوهم، وبنوا على ما ~~تحصلوا عليه من تواصل إنساني ومعلوماتي في عصر ثورة الاتصالات وخاصة الإنترنت، ~~واحتكوا جيدا بكتاب من جيلهم وأجيال سبقتهم في الوطن العربي وخارجه، وساعد ~~المهجر أيضا في أن ترفد الرواية بكتاب شباب لهم ثقافة هجين، بالتالي اتسمت ~~كتاباتهم بما هو مهجري وسوداني، بما هو عالمي ومحلي، وبما هو شخصي وعام. ~~- هواجس الكتابة لدى الكاتب السوداني عموما ولدى بركة ساكن على وجه الخصوص. ~~- يتباين الكتاب السودانيون في تلك كثيرا، حسب مدارسهم الفنية والأدبية، ومنطلقاتهم ~~الأيدلوجية ورؤيتهم للأدب، فالبعض يرى أن الكتابة يجب ألا تتناول قضايا الواقع ~~السوداني، مثل الحروب التي استمرت منذ استقلال السودان إلى اليوم، الصراع المر في ~~دارفور، الحريات الشخصية، قضايا الهوية، بل يجب عليها أن تحلق عاليا في مجاهل اللغة ~~الجميلة الشاعرية، وعوالم الحب ودواخل الإنسان، وهم كثرة، ولهم الحق في ذلك. # والبعض يرى غير ذلك - وأنا واحد من ذلك البعض - وهم قلة، حيث إن مشروعي هو الإنسان في كل ~~حالاته: في ms78 فرحه وأحزانه، في تقواه وضلالاته، في جنونه ووعيه، وبالتالي أهتم بقضايا ~~المجتمع، أتعامل مع الواقع مطوعا كل أعمالي وخبراتي الكتابية لذلك، فهاجسي الآن هو حرب ~~دارفور ومعاناة التشريد والموت والفقر والجهل التي يعيشها الناس هنالك، كلما رأيت جندا ~~يتوجهون لدارفور، كلما أرسل الصينيون طائرات وناقلات عسكرية للسلطة، كلما رأيت قاطرات تحمل ~~دبابات ومدافع لدارفور، كلما شممت رائحة بندقية، كلما رأيت مسئولا يكبر ممجدا الحرب، ~~كلما احتفل حربيون بانتصاراتهم، بكى قلبي، وانجرحت أحبار الكتابة، وانحاز قلمي ~~للواقع. ~~- مدى اطلاعكم على التجارب الإبداعية في الجزائر؟ ~~- جزء مما تتلمذنا عليه كان من تلك الكتابات الجميلة لجزائريين، ويعجبني بصورة خاصة رشيد ~~بوجدرة، وقرأته منذ وقت بعيد، وظللت أقرأه إلى اليوم، بالتأكيد قرأنا الطاهر وطار، وواسيني ~~الأعرج الذي أعجبت بعالمه الجميل ولغته المدهشة، قرأنا لكثيرين آخرين عبر الشاشة ~~العنكبوتية وموقع «المحلاج» للغرباوي، ولدي صداقات مع بعض المبدعين الجزائريين، مثل سهيلة ~~بورزق صاحبة موقع «فوبيا»، ولقد نشرت لي ضمن كتاب سودانيين آخرين ثلاث قصص في ~~ببلوغرافيا القصة السودانية بعنوان «غابة صغيرة»، وكانت قد صدرت ضمن فعاليات الجزائر ~~عاصمة للثقافة العربية، أعدها الشاعر نصار الحاج. ms79