######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.MasihDarfur.Hindawi19028174 #META# Tags: novels #META# ID: 19028174 #META# Title: مسيح دارفور #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # طر‏ # النخاسون‏ # جنون الجسد‏ # صيد الجن‏ # سكك الخطر‏ # الحرية وقرينها‏ # الكلمة‏ # شيزوفرينيا المستلب‏ # العنكبوت‏ # كيف كفرت العمة خريفية؟‏ # المؤمنون بي والكافرون‏ # ملك الموت‏ # في طريق ابن الإنسان‏ # مريم الحبيبة‏ # الموكب‏ # إهداء‏ # طر‏ # النخاسون‏ # جنون الجسد‏ # صيد الجن‏ # سكك الخطر‏ # الحرية وقرينها‏ # الكلمة‏ # شيزوفرينيا المستلب‏ # العنكبوت‏ # كيف كفرت العمة خريفية؟‏ # المؤمنون بي والكافرون‏ # ملك الموت‏ # في طريق ابن الإنسان‏ # مريم الحبيبة‏ # الموكب‏ # | مسيح دارفور # | مسيح دارفور # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # إلى روح الجميلة النظيفة، النقية الشفيفة، مريم بنت أبي جبرين، أمي. # عبده بركة # أهون لجمل أن يلج من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله. # مسيح دارفور # | طر # القوة العسكرية المنوط بها حسم الأمر لا تتجاوز ال 66 جنديا، وفريق كبير من ~~النجارين المهرة وشبه المهرة، تم جلبهم بالقوة من نيالا وكاس وزالنجي. في الحقيقة كان هذا ~~العدد كافيا جدا للقضاء على ثورة نبي كاذب - كما تم وصفه من قبل القادة الميدانيين ~~وبعض الساسة الضالعين في إطلاق الألقاب الجيدة - كل قوته التي لا تحمل أيا من الأسلحة ~~هي 15 رجلا وامرأة واحدة، وما يسمونه بالنبي الكاذب هذا قد أحيا في الجمعة الماضية أربعين ~~شخصا من الموت، وشكل من ريشة واحدة غرابا حقيقيا جميلا، وقال له طر؛ ~~فطار. # الشخص الذي صمم طريقة القضاء على الرجل كان يمتلك خيالا خصبا يحسد عليه، كما أنه ~~يتسم ببرود أعصاب وإصرار على القتل بصورة مدهشة، وكان عليه أن ينجز الأمر بأسرع ما ~~يمكن، خاصة بعد أن تناوله الناس المروجون من المتربصين بالحكومة الوطنية في الفيسبوك ~~والتويتر والمواقع الإلكترونية العميلة مثل؛ الراكوبة، وسودان فوراول وغيرهما، كما أن الأمم ~~المتحدة التي تدخل أنفها في كل شيء فيما يخصها وما لا يخصها، تتداول النقاش مع بعض ~~الدول على إرسال مبعوث خاص لمعاينة موضوع النبي الدارفوري الغريب، كما أسمته الصحافة ~~الغربية، من قرب كاف ورفع تقرير بذلك، كما أن الجماعات التي أعلنت إيمانها المطلق به حتى ~~قبل أن تعرف تفاصيل دعوته، تتجمع الآن من كل أنحاء ms001 العالم وتسير في قافلة عملاقة نحو ~~دارفور. عليه أن يقطع الطرق أمام هذا وذاك ويقوم بالتخلص منه بقتله، ولكنه يريد أن يقتله ~~بطريقته الخاصة، بأسلوبه الذي يحب، يريد أن يختار له نهاية تليق بأسلوب ~~ادعائه. # يقول إنه المسيح، ليس متشبها به، وليس داعيا بدعوته، وليس أحد تلامذته ولا مريديه، وليس ~~المسيح الدجال ولا المهدي المنتظر، ولا برمبجيل، يقول إنه السيد المسيح بلحمه ودمه، وبهذا ~~يستحق صلبا حزينا بائسا يجعل كل من يحاول أن يدعي النبوة - وهم كثر في هذه الأيام - ~~أن يفكر ألف مرة قبل أن يعلن ذلك. # كان النجارون وأشباه النجارين مشغولين في صنع خمسة عشر صليبا من أفرع أشجار ~~السنط المقطوعة حديثا الصلبة وعليها بقايا الشوك، كانت صلبانا ثقيلة، يحاولون أن ~~يجعلوها أثقل ما يمكن، يختارون السوق الأكثر رطوبة، المروية جيدا بماء الأنهر البعيدة في ~~عمق الأرض، يضعون حولها دعامات ثقيلة من سوق أخرى أكثر ثقلا، يدقون في أعماقها مسامير ~~غليظة من الحديد الصلب ذات نهايات حادة، ويتم تذكيرهم بين وقت وآخر أنهم قد يصلبون على ~~ذات الصلبان التي يصنعونها الآن إذا لم تكن جيدة الصنع، كان النجارون وأشباه النجارين ~~مجتهدين، يصلون الليل بالنهار، أمامهم ثلاثون ساعة لا غير، العساكر لم يكونوا على ~~أهبة، ولم يصبحوا كذلك، لا يمكن أن يؤذي من لا سلاح له، بل من يقول إنه سوف يبارك ~~قاتليه؟ فكانوا لا يكفون عن لعب الورق والشجار حول من الذي صنع البندقية ~~الكلاشنكوف. # الجنود ال 66 شرسون، حاربوا في كل بقاع السودان، كانت لهم صولات وجولات في الجنوب والشرق ~~والغرب، وقد يقاتلون في ميادين أخرى من أرض الوطن الحبيب، وهنا تكمن خطورتهم، إنهم متخصصون ~~في القضاء على ثورات مواطنيهم بالذات؛ أي مثل القطط التي تأكل أبناءها، وتهرب من نباح كلب ~~الجيران، الجنود ال 66 مدججون بأسلحة ثقيلة وخفيفة؛ دبابتين، ناقلتين للجنود، وعربتين ~~لاندكروزر مزودتين بدوشكا، يلفون رءوسهم ووجوههم بشالات ملونة وكأنهم فرسان من قبيلة ~~الطوارق. من الخطأ التعامل معهم وكأنهم شخص واحد، هم يختلفون كثيرا عن ms002 بعضهم البعض؛ في ~~النشأة ، والموطن، استخدامهم للسلاح، حبهم للحياة، وفي فهمهم للحرب، بل في إيمانهم بالقضايا ~~التي يحاربون من أجلها، أسرهم، عشيقاتهم وأحبائهم، من له أبناء وبنات ومن هو أعزب ومن ليس ~~له غير نفسه، حبهم للحياة، مقدرتهم على التضحية بالروح والدم. فال 66 جنديا، هم في ~~الحقيقة 66 إنسانا، يكتشف ذلك من يقترب منهم أكثر، من يستمع لنبض قلوبهم، من يتحسس سريان ~~الدم في شرايينهم، من يستطيع أن يدخل أصابعه في جيوبهم ويلمس لزوجة فقرهم وحرمانهم. ~~الجنود ال 66 مستعدون لتنفيذ الأوامر في الحال. # إبراهيم خضر، ليس هو القائد الميداني، كما أنه ليس صاحب قرار في مصير الرجل، وهو أيضا ~~ليس من مهمته إقناعه وقيادته إلى جادة الطريق. كان مكلفا بفهم آراء الرجل، وكتابة تقرير ~~واف عن ذلك، لا أكثر ولا أقل، تحت عنوان وإرشادات معطاة مسبقا، ولا نريد منك أكثر من ذلك، ~~وليس من ضمن تلك الأسئلة القائدة سؤال مثل: هل هو نبي أم لا؟ كان بوده أن يسأل مثل هذا ~~السؤال، ولكنهم للأسف يعرفون ويؤمنون بأنه ليس نبيا، فآخر الأنبياء في الدين الإسلامي هو ~~النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، وآخر الأنبياء عند الدين المسيحي هو السيد عيسى المسيح. أما البوذيون ~~والصوفيون وغيرهم فيتمسكون بمقولة: كل عقل نبي، ويفتحون بذلك الباب واسعا لكل من هب ~~ودب، الذين أرسلوه في هذه المهمة لا يخطر ببالهم مجرد خاطرة أن يكون هذا الرجل نبيا ~~حقيقيا، أو كما يقول هو عن نفسه: عيسى ابن الإنسان. # وكان الجنود يلعبون الورق، يشربون المريسة اللذيذة التي يصنعونها من بقايا خبز الطعام ~~وأشعة الشمس الحارقة، كانوا 66 جنديا، ينضوون تحت كتيبة جاءت لدارفور من شرق السودان؛ لذا ~~يسمونهم الشرقية، شعارهم خنجر، عندما تراه تحس به يتوغل في جسدك، يخترق جلدك؛ ليقبل ~~قلبك الخائف قبلة أخيرة لا فكاك منها. ليسوا بجا جميعا، بل في الحقيقة ليس من بينهم ~~بجا، يعني أن البجا بهذه الفرقة الصغيرة عددهم خمسة أفراد، ليست لديهم شعور كثة، وليست ~~بوجوههم وشام كتلك ms003 التي لدى جدودهم منذ ما قبل مملكة كوش ، أقصد تلك الخطوط الثلاثة الأفقية، ~~التي تشير للرب، وهو في ذلك الزمان الفيل؛ حيث إنه كان أكبر المخلوقات حجما، للأرض، ~~والسماء. الشرقية بها تشكيلة من كل سكان السودان القديم والحديث، يوحدهم شيء واحد، وهو ~~أنهم شجعان ولا يعصون الأوامر، وأنهم يلعبون الورق في هذه اللحظة. # أما النجارون وأشباه النجارين؛ فكانوا مرهقين جدا وناقمين، وليسوا سعداء بالمرة، ولم ~~يخفف عنهم دوام العمل الطويل الممل العمال المائة الذين ألحقوا بهم، وهم قاطعو الأشجار ~~موضبو الأخشاب، الذين يثبتون المسامير في مواضعها، وطارقو المسامير الحديدية الحادة ~~القاسية، وصانعو الطعام والشراب، الذين يرفضون رفضا قاطعا صناعة المحرمات مثل المريسة، ~~كما أن لا خبرة لهم في صنعها، كانوا لا يعرفون لم يصر القائد الميداني على صناعة الصلبان، ~~أليس من الأسهل والمفيد للوقت ولهم أن يتم إعدام هذا الكافر ومن يتبعه بالرصاص؟! نعم إنه ~~مزعج ومخيف ويصدر ضجيجا مرعبا، ولكنه سيريحهم من صنع هذه الصلبان البغيضة المعقدة، ~~الثقيلة، كانوا شبه أميين، لا يعرفون شيئا عن يوسف النجار، وحدثهم خطيب صلاة الجمعة أن ~~الصليب الذي يلبسه المسيحيون في أعناقهم مصلوب فيه شبيه السيد المسيح، وليس سيدنا عيسى ابن ~~مريم؛ لأن الله رفعه للسماء وأنزل بدلا منه هذا الرجل المسكين الذي صلبه اليهود وهم يظنونه ~~عيسى ذاته، لم يصر هذا العسكري على صلبهم، بينما لم يصلب السيد المسيح عيسى ابن مريم؟ ~~إذن ما ذنبنا نحن النجارين؟ # العسكر ال 66 لا يرغبون في الحرب، وليست هي من ضمن هوايات أي منهم. إنهم من أسر كريمة ~~تقدس الحياة وتحترم الجار والصديق، وتقيم الصلاة أيا كانت، في الكنيسة أو في الجامع ~~أو في أي من أمكنة الله الكثيرة، وتعرف أن الرب لا يحب أن تقتل النفس البشرية، وأنه ~~حرم ذلك، ولكن من يطلق الأوامر هو من يتحمل الذنوب والخطايا التي ترتكب في الحرب، إنهم ~~سيطلقون الرصاص إذا أمروا بذلك، ولكن المرتكب الحقيقي لجريمة القتل هو القائد الميداني، وهو ~~الوحيد الذي يمتلك حق إصدار الأوامر. ms004 إنهم يعرفون ذلك جيدا، وهذا أخطر ما في الأمر ؛ لأن ~~ضمائرهم ستصاب بالموت، بالخدر البارد مثل الطين المخلوط بماء آسن؛ أي إنهم عندما يذهبون إلى ~~منازلهم بعد كل معركة، سوف لا يحملون في ظهورهم أوزار موتى أبرياء أزهقوا أرواحهم قبل ساعات ~~قلائل، القادة الميدانيون بدورهم يحملون جرم ما يفعلون لقادة أكبر يتسكعون في المركز، ~~يستحسنون شرب القهوة المعطرة بحدائق أوزون، وبيرة بافاريا على شاطئ النيل الحبيب، وهؤلاء ~~يقولون إن القاتل هو من أشعل الحرب؛ أي ذلك السياسي الرقيق الذي ينام في بيته مع أطفاله بعد ~~أن يغني لهم بعض التبتبات، ويرضي زوجته المتبرمة بأوقية من الذهب الخالص، والسياسي الحصيف ~~يقف وراء المايكروفون قائلا: أمريكا وإسرائيل - وأخيرا أخذوا يضيفون حكومة جنوب السودان ~~- وراء هذه الحروب، بذلك يكون قد ولغ من الدم ما يشبع روح غول رحيم. # النجارون وأشباه النجارين يصنعون الصلبان في مقاس واحد فقط، وهو يصلح للجميع، نساء ~~ورجالا، يعملون عليه بصورة نظرية، فليس لديهم تصور على كيفية عملها؛ لأنهم لم يروا ذلك ~~من قبل، بل لم يشاهدوا صورا لأشخاص مصلوبين. لقد أعطوا المقاسات من طول وسماكة الأخشاب ~~وقوتها وعدد المسامير ونوعها، وفوق ذلك كله طلب منهم أن يقوموا بدق المسامير على ~~المصلوبين فيما بعد. لا يوجد أكثر حرفية من نجار في دق المسمار، أليس كذلك؟! ومن الأحسن أن ~~تكون أنت من يدق المسمار وليس من يدق المسمار في جبهته وكفتي يديه، وواحد طويل ~~وسميك في منتصف الصدر. # الرجل ومحبوه ومؤيدوه كانوا يجلسون في مكان مجهول لدى الجميع، بمن فيهم العسكر الذين ~~جاءوا لقتلهم، والنجارون الذين يصنعون الصلبان، وإبراهيم خضر إبراهيم نفسه، ولكي يتضح ~~هذا اللبس، دعونا نلقي نظرة على المكان، وهو عبارة عن موقع لقرية قديمة تم حرقها وإزالتها ~~من الوجود قبل عامين، تقع في وادي عميق خصيب، حولها سلسلة جبلية مستطيلة، تحيط بنصفها ~~الجنوبي والغربي، يوجد في لصق الجبل الغربي منبع مائي صغير، وكان هو من الأسباب التي قادت ~~الجنجويد إلى المكان وإبادة ساكنيه، وإنهم فيما بعد جلبوا ms005 إليه بضعة مئات من الجمال لترعى ~~فيه مع بعض الأسر، ولكننا الآن لا نرى أيا من هؤلاء الجنجويد وأسرهم، لقد قضى عليهم ~~الرجل بكلمة واحدة، قال لهم اذهبوا نحو بلدكم؛ فأخذوا جمالهم وأطفالهم ونساءهم وعادوا ~~للنيجر، تركوا بعض بعر الإبل وقليلا من الوبر متناثرا هنا وهنالك، ورائحة بول ماشيتهم ظلت ~~عالقة بالهواء لأيام معدودات، ثم زالت أو أنها لحقت بهم. هكذا بكل بساطة ويسر، على مبعدة من ~~النبع ببضعة أمتار توجد مغارات كبيرة وصغيرة، وهي بقايا سكنات دولة الداجو القديمة في قرون ~~ما قبل الميلاد، مرسوم بها تفاصيل حياتهم اليومية، إنهم يقضون وقتا طويلا بالداخل، لا ~~يدري أحد ما يفعلون، ولكنهم يخرجون في صبيحة كل جمعة، ويبقون في ظل راكوبة كبيرة منصوبة بين ~~الأشجار التي تحيط بالنبع، وفي هذا المكان والزمان سيجدون جنودنا في انتظارهم والصلبان ~~الغليظة تتشهى أجسادهم النحيلة الكافرة وتتشوق لعناقهم الأبدي. # النجارون وأشباه النجارين تعبوا من معالجة الأخشاب الصلبة الحمراء، استعانوا بالأغنيات ~~التي تزخر بها ذاكرتهم المملوءة بنشارة الخشب، فحيح المناشير وأنين الأشجار. بالنسبة ~~للكثيرين منهم إن هذه المهمة التعيسة قد توفر لهم كثيرا من المال أو بعضه بالقدر الذي ~~يمكنهم من توفير مصروفات منزلية ملحة، ظلت عالقة في حبال المشيئات يوما بعد يوم وشهرا ~~بعد شهر، وقد تبدو بسيطة تافهة لدى البعض مثل أحذية الأطفال، أو ثوب جديد للزوجة التي لا ~~تملك سوى بعض الأحلام، قل بيتا صغيرا، أو تحسينات في القطيات القديمات، أو سروالا جديدا ~~لطفل كبير: قد يعطوننا مالا كثيرا. أما بالنسبة للقلة فإنهم يتشاءمون كثيرا بصنع ~~الصلبان، وإن المال الذي سوف يجنونه من ذلك هو مال حرمته مؤكدة، يقيسون في لا وعيهم ~~بتحريم الإسلام للخمور، فما حرم شربه تقطيره حرام بالتالي، ما حرم لبسه فحرام صنعه، ~~وها هم يفعلون ما حرم الخالق، ويستر الله إذا لم يدخلوا النار يوم القيامة من جراء هذه ~~الصلبان التي يقومون بصنعها الآن؛ يعملون بجد واجتهاد، بينما تدور كل هذه الهواجس في ~~رءوسهم. # الجنود ال 66 والنجارون وأشباه ms006 النجارين، لا دخل لهم بما يدعيه الرجل من نبوة أو ألوهية ~~أو ما يشاء، وما تنوي الحكومة من نوايا تجاهه، هو لا يضر بنا بشيء، كما أن ما تنويه ~~الحكومة لا شأن لنا به، ولكنهم كانوا لا يسألون أنفسهم مثل هذه الأسئلة، أقصد أنها لا تخطر ~~ببالهم. بمعنى آخر، إنهم لا يمضون بها إلى حيث نهاياتها، لم ينالوا فيما قبل المعرفة التي ~~تمكنهم من صياغة مثل هذه الأسئلة. لقد حالت أسئلة اليوم دون أية أسئلة أخرى، أسئلة أكثر ~~جمالا وتعقيدا، أو بالإمكان القول: لقد حيل بينهم وبين الأسئلة الفعلية أو طرائق ~~نهاياتها، الأسئلة التي تخصهم كبشر، التي تخص خياراتهم بالذات، التي تجعلهم أحرارا في ~~نهاية المطاف. # سمعوه يقول فيما بعد: السجان هو سجين باختياره، والصليب لنا، ولمن صنعه لنا. # ويقول أيضا: لا يصبح حرا من لا يستطيع أن يتبين أسئلته. # وكان يقصد الأسئلة التي تطلقهم أحرارا مثل طيور السمبر، ولم يتحدث يوما عن الإجابات؛ ~~لأنها كما علموا: متغيرة. # في الجمعة السابقة خرجوا من أوكارهم وتمشوا قليلا ناحية ما كان في الماضي وسط القرية. ~~وقف الرجل عند كوم تراب عليه بعض الحجارة، قال لأصحابه، بلغة دارفورية قديمة يجيدونها ~~جيمعا عربا ودارفوريين: من منكم يرى ما بداخل هذه الكوم من التراب؟ # كانت مريم، تلك المرأة الجميلة التي سميت فيما بعد بمريم الحبيبة، ومن قبل سماها ~~القائد العسكري المتمرد شارون بمريم المجدلية، قبل أن تتركه وتنضم لجماعة الرجل، قالت له: ~~أنا لا أرى شيئا. # وكذلك أكد بقية أصحابه أنهم لا يرون شيئا، قال لهم إن بإمكانهم أن يروا إذا أرادوا، ~~وكانوا يريدون ولكنهم لا يرون شيئا، وقال لهم أشياء كان يقولها كثيرا، تخص الموت ~~والحياة والإنسان وقدراته غير المتناهية. وفي تلك اللحظة هبت ريح خفيفة كانت بها ريشة طائر، ~~هبطت الريشة على كتف أحد أصحابه وكان يقف قريبا منه؛ أي بينه وبين مريم الحبيبة. أخذ ~~الريشة، لونها رمادي تميل للسواد، كانت أشبه بريشة غراب أو طائر سنبر صغير، قال لهم: إن ~~الريشة هي ms007 الطائر. # وبينما كانوا مندهشين ينظرون، إذا به يرسم غرابا على الأرض، يضع الريشة في مكانها ~~المناسب، بل الصحيح، تنمو بقية الرياش في أماكنها بالقرب من الريشة الأولى، تكتمل بنية ~~الرياش؛ من ثم يظهر المنقار، القوائم، المخالب، إلى أن اكتمل الغراب، يبتسم، سألهم: هل منكم ~~من يستطيع أن يجعل هذا الغراب يطير؟ # قال رجل من الأعراب اسمه حامد: لا أظن أن أحدنا يستطيع ذلك. # فقال للغراب: طر. # فطار الغراب، حلق بعيدا، تقلب في الفضاء مستعرضا جناحيه وسواد أرياشه، نعق مخترقا ~~السماء الصافية نحو الشرق إلى ما لا يدرون، إلى أن اختفى عن دائرة نظرهم جميعا، فقال لهم: ~~إذا كان قد قال أي منكم لهذا الغراب كما قلت له لفعل، كل ما ينقصه هو كلمة: طر. # وقال لهم: إذا كانت الريشة تدري الكلمة لقالتها لنفسها، فجمعت أشلاء الجسد الذي كانت ~~تنتمي إليه، استدعت دمها ونعيقها وروحها وطارت، لما انتظرت مجيئنا لحظة. # وظن الكثيرون أنه قد يعني بذلك أن الكلمة في الأحياء كما هي في الأشياء. # وقال لهم: أعدوا العدة للموكب. # وما كانوا حينها يدرون ما هو الموكب، ولكنهم أخذوا يعدون له العدة. # وقال لهم: الموكب الموكب. # كان النجارون وأشباه النجارين، مشغولين في صناعة الصلبان الثقيلة، الجنود ال 66 يلعبون ~~الورق، والرجل يعلم الكلمة للمؤمنين به وللكافرين على حد سواء، ويعدهم للموكب، لا يدرون ~~متى قال لهم: الكفر يا أحبائي درجة بالغة التعقيد من الإيمان. # | النخاسون # يبدو أن مصائرهما قد ارتبطت بعضها البعض رباطا لا فكاك منه، وليست هي الصدفة وحدها، ~~ولكنهما في أحيان كثيرة كانا يسعيان لذلك، قد التقيا في المرة الأولى بتخطيط من القدر، ~~وعملت أياد نجسة - وسمياها فيما بعد شيطانية - كثيرة في جعل ذلك اللقاء: ممكنا، مؤلما ~~ونهائيا. # في 23 نوفمبر 2002 حوالي الرابعة مساء، عند نقطة تفتيش سوبا على مشارف مدينة الخرطوم، ~~توقف الباص خلف باصات كثيرة سبقته في المكان والزمان، ترجل السائق وفي معيته المضيف، ~~اختفيا لبعض الوقت، عندما عادا كان في صحبتهما رجل يحمل قائمة أسماء المسافرين ms008 بيد، ~~وبالأخرى يحمل قلما أزرق ماركة بك، يرتدي بذلة سفاري رمادية، له عينان صغيرتان ضيقتان، ~~ولكنهما حادتان كعيني نسر كاسر، بنظرة واحدة - في ثوان معدودات - شاهد كل الركاب. نظر ~~إلى قائمة المسافرين، خطط بقلمه ثم أشار إلى البعض بأن يترجلوا من الباص ويتبعوه، وذلك ~~دون أن يكلف نفسه قول كلمة واحدة، نزل خمسة من الشبان في أعمار متقاربة - بصمت - في ~~ترقب مضوا خلف الرجل ذي السفاري الرمادي، الذي دخل خيمة من الكانفاس غبشاء، تقع شرق ~~الطريق السريع، خلفها يقف لوري عليه قفص من الحديد به نوافذ صغيرة للتهوية منسوجة من ~~السيخ الصلب، باختصار كان اللوري قبيحا، بائسا ومثيرا للتشاؤم. وانتبه الجميع وهم يصعدون ~~إليه، إنه أشبه بقبر من الحديد على الأسفلت. # يصعب تتبع الدوامات الأولية التي وجدا فيها نفسيهما؛ لأنها كانت سريعة، بل تمر ~~بصورة لولبية وعنيفة لا تصدق، أدخلا عددا من المكاتب الحكومية الصفراء التي تفوح من ~~جوانبها رائحة الورق والسجائر البرنجي، مختلطة بزنخ الجوارب المتعبة، قابلا رجالا من ~~العسكر والمدنيين لهم نفس الملامح والسحنات، تم سؤالهما ذات الأسئلة مرارا وتكرارا، وقيل ~~لهما ذات الكلام مرارا وتكرارا، وحذرا من ذات الأفعال، فعل ذلك كل من التقى بهما من ~~الرجال العسكريين والذين أخطر منهم وهم «العسكر ومدنيون»، طلب إبراهيم خضر، وهو الأصغر ~~عمرا، كان شحما بعض الشيء، يتحدث بصورة متقطعة، وهي عادة ورثها جدا عن جد، طلب منهم ~~أن يتركوه يوصل أخته التي تدرس بالجامعة وهي في سنتها الأولى وزيارتها الأولى لمدينة ~~الخرطوم، أن يوصلها إلى الداخلية ويكمل إجراءات تسجيلها ويعود إليهم مرة أخرى، ضحكوا من ~~سذاجته وقالوا له فيما يعني: تجدها عند الغافل، وأكد له «عسكر ومدني» نحيف له شفاه مبتلة ~~ترتجف لاإراديا، أن الحكومة سوف تعين لها من يسهل كل ما يخصها، فقط عليه أن يتفرغ ~~لأداء الخدمة الوطنية العسكرية الإلزامية، وأن يمضي إلى المعسكر خالي البال من كل ~~هم. # الشخص الآخر الذي سوف نتتبع أخباره عبر هذه الحكاية أيضا، هو شيكيري توتو كوه، الذي ظل ~~صامتا طوال ms009 فترة التحقيق، حتى إنه لم يذرف دمعة واحدة في اللحظة التي بكى فيها كل ~~المجندين، عندما أقلعت بهم الطائرة العسكرية اليوشن الروسية العجوز نحو ما لا يعلمون من ~~البلاد، لكنهم جيمعا كانوا موقنين أنهم يتوجهون إلى ميدان معركة ما، حامي الوطيس، في ~~الجنوب أو الغرب، بعد أن قضوا فترة التدريب على الأسلحة الخفيفة في الأربعين يوما السابقة، ~~وكانوا يعرفون أنهم سوف لا يرون الخرطوم مرة أخرى إلا إذا كانت في الجحيم مدينة بهذا ~~الاسم. # الشخص العادي - وأقصد هنا الطبيعي - في رأي إبراهيم خضر، هو الذي لا يرى غضاضة في أن يحب ~~مدينة نيالا ويعشق الأستاذ محمود محمد طه. لا يوجد ربط بين الاثنين غير أنهما ينطبقان على ~~الشخص الطبيعي، شيكيري توتو كوه لم يسمع بالأستاذ محمود محمد طه قبل أن يلتقي إبراهيم خضر، ~~الذي ينتمي لهذا المفكر والفكرة معا، ولا نظن أن ذلك سوف ينقص من أن شيكيري توتو كوه شخص ~~طبيعي، ولكن والده توتو أخبره كثيرا عن مدينة نيالا، وحكى له عن أخته غير الشقيقة التي ~~انقطع عنها قبل ميلاده، بل قبل أن يتزوج كاجيلا أمه، تسكن حي الوادي. يستطيع الآن أن يتذكر ~~اسمها؛ لأنه غريب، وكان دائما ما يوحى له بصورتها، بل كان يراها كما يصورها اسمها وسط ~~عشب كثيف وأبقار وأغنام ترعى، ومطر لا يتوقف. كان اسمها خريفية تور جاموس، سوف يبحث ~~عنها عندما يستقر به الحال في المدينة، وإذا سمحوا لهم بالخروج من المعسكر. لا بد أنها قد ~~أصبحت عجوزا كما هو الحال بأبيه الآن. # يؤرخان للقائهما الحقيقي باليوم الذي اختيرا فيه عشوائيا من قبل أيد ما، للعمل ضمن ~~وحدة الاستخبارات الخاصة بالكتيبة التي أدغما فيها، وعندما شاهدا بعضهما البعض تذكرا ~~ذلك اليوم جيدا، الذي تم صيدهما فيه على مشارف مدينة الخرطوم، ربما قابلا بعضهما البعض ~~في معسكر التدريب بصحراء بغيضة شمال الجيلي، ولكنهما كانا وسط ألفين وثلاثمائة واثنين ~~وعشرين مجندا، وكان المجندون إما مشغولين بالهرب؛ لأن الفرصة الوحيدة للنجاة هي الهرب من ~~هذا المعسكر بالذات، ms010 بالرغم من الحراسة المشددة التي به، إلا أن المجند إذا لم يتمكن من ~~الهرب منه، فإنه لا محالة مواجه للموت في معركة ما، ضد سودانيين متمردين على الحكومة ~~المركزية في غابة أو صحراء ما، وإما أنهم مشغولون بمحاولة الاتصال بأحد ذويهم من أولي ~~النفوذ الواصلين لكي يتدخل في الوقت المناسب ويفك أسرهم. في المعسكر الوقت يمضي سريعا ~~نحو ميدان القتال، ولا أحد يثق في الآخر، فيشاع أن من بين المجندين مندسين يعملون ~~لصالح السلطة، ولا يعرفون إلا عند الذهاب للقتال، حيث إنهم يتخلفون، وإذا اشتركوا في ~~المعركة فإنهم بصدد تصفية بعض من يسمونهم الطابور الخامس. والمربك في الأمر أن أيا من ~~المجندين عرضة لكي يصنف طابورا خامسا ولأسباب واهية، ربما لطريقة لبسه أو لمجرد ~~كلمة تفوه بها عرضا، بل لمجرد لون بشرته؛ لذا لم تتوطد علائق لا جيدة ولا حسنة من قبل، ~~بين شيكيري توتو كوه وإبراهيم خضر إبراهيم، ولا بين أحدهما وأي إنسان آخر. ونستطيع أن ~~نقول: الأيام الأولى لهما في شعبة الاستخبارات شهدت شكوكا متبادلة بين الاثنين، ومشادات ~~عنيفة كادت أن تنتهي بمعركة يدوية لولا برود أعصاب إبراهيم وحكمة شيكيري، ولكنهما وجدا ~~نفسيهما معا ذات موقف إنساني عميق وظلا معا للأبد. # الليل في الصحراء بعيدا عن البيت لا يعني شيئا غير العدم، والصحراء لا تعني للجندي ~~غير الهلاك، الجندي المعني ليس ذلك الثوري الذي يحارب من أجل قضية وطنية ضد عدو أجنبي دخيل، ~~طالما آمن بها وتبناها، ولكن الحديث هنا عن الجندي الذي يدفع للحروب دفعا، الذي يصفي ~~السياسيون بدمه حسابات ومطامع تخصهم، حتى إذا كانت ضد قبيلته وأسرته، بل مسقط رأسه، مثل ~~الذي ظل يحارب ثلاثين عاما في ميدان معركة ولا يدري شيئا عمن يقتل أو من سوف يقتله هو ~~في آخر المطاف، ذلك الجندي الحزين. وكان إبراهيم الخضر دائما ما يسخر من الشهداء والأبطال ~~الذين توجوا بهذه الألقاب وهم يحاربون بني جلدتهم ذات بني ترابهم. # الليل في الصحراء صحراء أخرى، تدب في النفس مثل ثعبان أسطوري، ms011 كانا يزحفان على بطنيهما ~~فوق رمل بارد، قرب معسكر للمتمردين يطلقون عليه الاسم الحركي ط 50، كان الهدف مراقبة طريق ~~الإمداد الصحراوي الذي يمر بنقطة شمال مدينة الفاشر بثلاثمائة ميل، وتحديد الوقت اللازم ~~للاعتراض، وهو عمل روتيني يقوم به العسكريون عادة، وهو أيضا لحد ما سهل وأقل مخاطرة في ظل ~~أجهزة الرصد الصينية الحديثة، التي لا تتطلب من الراصد أن يبقى قريبا من موقع الحدث، بل ~~يكفي أن يختار الزاوية المناسبة والوقت المناسب، وأن يقبع في مسافة معقولة لكي يحصل على ~~أفضل النتائج، المشكلة هي أن القائد طلب من شيكيري توتو كوه أن يقوم بمراقبة إبراهيم ~~خضر، وأن يعد تقريرا عنه، بل قيل لشكيري صراحة إنهم يشكون في ولاء إبراهيم. # ولا يدري شيكيري توتو كوه هل كان الضابط جادا أم أنها هفوة كبيرة منه عندما أتبع ~~أوامره بلفظة قاسية ومربكة، حيث قال: راقب العبد. # وافتكر شيكيري توتو كوه أن اللفظة أطلقت عليه هو، حيث إنه استبعد تماما أن المقصود بها ~~إبراهيم خضر إبراهيم، حيث إن إبراهيم لا يمكن أن ينطبق عليه هذا اللفظ وفقا للثقافة ~~اليومية الموروثة؛ فإبراهيم له بشرة صفراء ناصعة وشعر ناعم، ويبدو واضحا من شكله الخارجي ~~أنه من تلك المجموعات التي تطلق لفظ عبد على الآخرين، وليس هو من يطلق عليه هذا اللفظ؛ ~~لذا اعتبر شيكيري أن الملازم يعنيه واستعد لمشاجرة عنيفة، إلا أن الملازم شرح له الأمر، ~~وأكد له أنهم يمتلكون التفاصيل عن كل شخص؛ أي ما وراء المظهر الخارجي، وقالوا له: إن أسرة ~~إبراهيم لوقت قريب لها أسياد، بل إن جدته المباشرة لها أسيادها الذين لولا الإنجليز لكانوا ~~لا يزالون تحت القيد، وإن جد إبراهيم هو ابن السيد، ليس يعني هذا أنه ابن غير شرعي؛ لأن أمه ~~مما ملكت أيمان سيدها، وهذا حلال في الشريعة ولم يختلف عليه فقيهان، ولكنه - كما أكدوا له - ~~شخص حاقد على الآخرين والمجتمع؛ لذا يتبنى الأفكار الهدامة، مثل الشيوعية والجمهورية ~~وغيرها. # كانت الأفكار تدور في رأس شيكيري وهو يزحف على الرمل ms012 البارد قرب إبراهيم، وربما شطح بعض ~~الشيء وهو يفكر في علاقة جدة إبراهيم بالسيد، وهل لها زوج آخر، بل هل يحق لها أن تمتلك ~~زوجا آخر، وما هي علاقة الزوج بالسيد، بل كيف صاد الصائدون النخاسة جدوده الأولين، لماذا ~~لم يهربوا، هل قاوموا كثيرا، بل من هم النخاسة، أهم سودانيون كذلك؟ وتخيل نفسه مملوكا ~~لسيد يمارس الجنس مع أمه؟ كان إبراهيم مشغولا بقراءة إشارات الجهاز الصوتية، يعتبر إبراهيم ~~أن هذه المهمة ليست سوى مضيعة للزمن لا أكثر؛ لأنه سوف لا ينقل لقائده أية معلومة مفيدة عما ~~يسمونهم الطورابورا، ويتمنى في عمق ذاته أن يستطيع الطورابورا الحصول على الإمدادات الكافية ~~التي تمكنهم من الانتصار على جيشه وسحقهم جميعا، بمن فيهم هو نفسه. # في الحقيقة ما كان يثق في شيكيري توتو كوه إطلاقا؛ أولا لأن شيكيري لا يتكلم كثيرا ولا ~~يعبر عما في نفسه، بل لا يعرف عنه حتى الآن إلا القليل، ولقد حدثه هو كثيرا عن أسرته ~~وأهله وهمومه اليومية، بل حتى حبيبته، وأبعد من ذلك، إنه حكى له كيف أصبح جمهوريا في ~~اليوم ذاته الذي ذهب فقط للضحك والشماتة على الجمهوريين في سجن كوبر، يوم إعدام ما يسميه أو ~~يرمز إليه إبراهيم بالأستاذ. في 18 يناير 1985 الساعة العاشرة صباحا، برفقة كثير من ~~المستهترين والجبهجية، قال له بصدق تام: عندما اعتلى الأستاذ منصة المشنقة، بمجرد النظر ~~إليه - وقد تجنب الجميع أن تلتقي أعينهم بعينيه - عرفت أنه على حق، وأننا جميعا لسنا سوى ~~القتلة؛ فلم يعدمه القضاة ونميري وحدهما، ولكن أيضا الذين لم نبذل جهد المقل في ~~توقيفهم، قتلناه أكثر. لقد كان جميلا، شجاعا، نبيا، قديسا وإنسانا لا شبيه له، وهو ~~يرفع رأسه في سلطة مطلقة. أحسست في تلك اللحظة أنه كان بإمكانه أن يحول تلك المشنقة ~~إلى عرش عظيم، ويتوج نفسه ملكا أسطوريا ونهائيا لهذا العالم، إذا أراد. لكنه كان ~~يريد أن يبقى هنالك، لوقت أكثر، وقت يمكن جلاديه من أداء واجبهم التاريخي، مثل ذلك ~~الوقت الذكي الذي تكرم به ms013 السيد المسيح بين أيدي بعض الغوغاء المتعطشين للدم ~~الأنقى. يحكي له يوميا عن كل ما يخطر بباله، لكن شيكيري كان يبتسم، يعلق باختصار، لكنه لا ~~يقول شيئا خاصا به أبدا. # لكن لدى شيكيري اليوم رغبة كبيرة في التحدث، يريد أن يقول شيئا مهما لإبراهيم، سيحكي ~~له عن القائد ويخبره عن التقرير ورأي القيادة فيه، بل لا يخفي عنه حكاية أنه عبد لقوم ~~ما زالوا يمتلكونه طالما كان حيا، وسوف يتوارثونه أبا عن جد، وأبعد من ذلك سيقول له إنه ~~نتاج معاشرة «ما ملكت أيمانكم»، ولكنه عندما تحدث أخبره عن رغبته في الهرب من الجيش، ~~بأسرع ما يمكن؛ مما أدهش إبراهيم خضر؛ لأنه ما كان يتوقع ذلك من شيكيري بالذات، كان ~~يحس بينه وبين نفسه أن هذا الشيكيري قد تم تجنيده ضمن آليات السلطة. حدثه شيكيري ~~أنه منذ أن قبض عليه كان يفكر في شيء واحد: الانتقام أو الهرب. # كما يجب أن يحس أي شخص ذكي في مثل هذه الظروف، أحس إبراهيم خضر - وتأكدت له شكوك ~~قديمة - أن شيكيري يريد أن يقيس ماءه، ويسبر أغواره؛ فابتسم كما يبتسم شيكيري عندما يحكي ~~له هو آلامه وأفراحه، فتشكك شيكيري توتو كوه في نوايا إبراهيم خضر، وأحس أنه لم يقدر ~~الموقف جيدا؛ من ثم قرر أن يتراجع عن تصريحه، ولكنه وجد نفسه قد تورط أكثر، عندما ~~أضاف: أفضل الانتماء للمتمردين. # كانا يزحفان في الرمال منسحبين؛ فقد حان ميعاد استلام الوردية الثانية، الرمل البارد: ~~بارد، جسداهما الباردان ينسحقان على الرمل، كانت الوساوس باردة، ولكن في داخل الرجلين لغة ~~واحدة مشتركة تنمو رويدا رويدا، لم يستطيعا التعبير عنها جيدا، بل كلما حاولا الاقتراب ~~منها ضلا سبل الإفهام، لكنهما أصبحا الآن أكثر قربا، عندما أخبر شيكيري إبراهيم بأن ~~القائد طلب منه أن يراقبه ويكتب عنه تقارير مفصلة، يعني ذلك فيما يعني ربما يتوج إبراهيم ~~قريبا بلقب: البطل الشهيد، طالما كان يسخر من هذا اللقب بمرارة ويكرهه. # | جنون الجسد # العمة خريفية، امرأة سمينة، وليس ببيتها أشجار، يتكون منزلها ms014 من حجرتين مبنيتين من ~~الطوب الأحمر، وحولهما برندة متسعة، وقطية جميلة منفصلة تقع على الجهة الجنوبية من ~~المنزل، ربما كانت تستخدم للضيوف في الماضي، وهي الآن تخص ابنتها، تحيط بالمنزل أشجار ~~المانجو العملاقة، يقع البيت على تخوم وادي برلي العظيم. على الرغم من أن هذا الوادي هو ~~المكان الوحيد للحب في نيالا، إلا أن العمة خريفية ليس لديها أي أطفال نتيجة علاقة حب أو ~~عاطفة ما. لديها بنت واحدة كانت مشردة فآوتها، ثم اعتادت عليها ثم تبنتها، ثم أصبحت بنتها ~~وهي البنت الوحيدة في نيالا - وربما في السودان - تحمل اسم عبد الرحمن، على الأقل هذا هو ~~الاسم الذي عرفت به وهم يلتقطونها من لظى المذبحة، حيث إن موظفي الإغاثة وجدوها حية ~~تحت جثتين متحللتين، وعندما سألها أحدهم عن اسمها، قالت: عبد الرحمن. # كانت عبد الرحمن هي أول من استقبل شيكيري، وقادته إلى الراكوبة، وطلبت منه أن ينتظر هنالك ~~إلى أن تعود العمة من سوق الجمعة، سقته ماء، جلبت له إفطارا، أعطته شبشبا خفيفا طلبت ~~منه أن يحرر رجليه من البوت، ثم أخذت تحكي له عن عمتها خريفية، وأبدت له رغبة واضحة ومباشرة ~~في أنها ترغب في أن تكون جنديا. يقدر عمرها بعشرين عاما؛ أي إنها قد تصغره بأكثر من ~~سبعة عشر عاما، كانت رقيقة جدا وناعمة، وبها أنوثة طاغية وملفتة، على الرغم من آثار ~~التقرحات القديمة البادية على ساقيها المنحسر عنهما ثوبها القصير، وأثر الجرح العميق في ~~خدها الأيسر، ذلك التشوه الذي أصبح أثرا جماليا رهيبا، قالت له عندما شاهدته يحملق فيه: ~~إنها سقطت من على ظهر فرس، كان لأسرتها في قرية خربتي أفراس وخيول كثيرة، وهي تمتطي الخيل ~~منذ سن مبكرة جدا، وهي أحب الحيوانات لديها، وحدثته عن خيل جارهم صاحب جنينة المانجو، هنا ~~في الجوار، الحديقة الملاصقة لبيتنا، الذي يقيم وحده بعد أن قتل أبناؤه في الحرب، وكيف ~~أنه يسمح لها بامتطاء الخيل واللهو بها في وادي برلي، وقالت له إنها ستأخذه لحظيرة خيله إذا ~~بقي معهما في ms015 المنزل طويلا: هل تسمع صهيلها؟ # استطاع أن يخمن من أي القبائل هي بسهولة ويسر، الأهم من ذلك، وهو الشيء الذي يحدث أول مرة ~~لشيكيري توتو كوه في حياته، أن هذه العبد الرحمن يتشهى أن يمارس معها الجنس، الآن وقبل ~~أن تأتي عمتها خريفية، ربما للحرمان الذي عايشه بعيدا عن النساء طوال هذا العام الذي قضاه ~~في ميادين الموت والحرب، ربما لرغبة جنسية عارمة أثارتها فيه أنوثتها، ربما لسبب عصي لا ~~يدريه، ولكنها على أية حال تحرك الآن فيران رغباته، بل يحس بالمني يتجمع في رأس شيئه ~~ويفتعل حرقانا لذيذا، ولكنه ملح ومربك. اعتذرت بشدة على أنه ليس بالبيت جلباب رجالي ~~يلبسه؛ لأن ليس بالبيت رجل، آخر أزواج العمة خريفية طلقها قبل عشرين عاما، وليس هنالك ~~سبب يجعله يزور البيت مرة أخرى، وليس هنالك رجل تدعه خريفية يدخل بيتها؛ لأن العمة تظن أن ~~الرجل لا يمكن أن يتقرب إليها وهي في هذا العمر، إلا لشيئين؛ إما أنه يرغب في غواية بنتها ~~عبد الرحمن، أو أنه يريد الاستيلاء على مالها، وهو كما تؤكد عبد الرحمن: مال كثير مثل ~~التراب. # أخذ البوت ووضعه في الخارج، أحس أن رائحته قد لا تطاق، هو لا يستطيع أن يشمها، لقد ~~اعتاد عليها. كانت تغيب عنه لبعض الوقت، تقضي أغراضا ثم تعود لتحدثه عن عمتها خريفية التي ~~تظن أن كل ما تفعله غريب ومدهش، بدءا من علاقاتها بالناس، حتى طريقتها في شرب القهوة، ~~طلبت منه أن يتكئ قليلا ويرتاح، لا بد أنهم يرهقونه كثيرا في الخدمة، في الحق كان مرهقا، ~~ولكن ما أصابه من شبق عارض كان أقوى من النعاس، بعد إحدى غيباتها، أخبرته بأن الحمام ~~جاهز، وبإمكانه أن يستحم إذا أراد، الحمام عبارة عن صريف من القش والقنا، له ما يمكن أن ~~يطلق عليه مجازا باب من الصفيح، على ركن المنزل الجنوبي، تظله أفرع شجرة مانجو عملاقة، ~~ظن أن العمة خريفية وابنتها عبد الرحمن لا تحبان المانجو أو أنهما قد شبعتا منه أو ملتا ~~أكله؛ لأن ms016 الفروع التي تظلل الحمام تحتوي على ثمار مانجو ناضجة وشهية كثيرة مهملة، إلا أنه ~~عرف فيما بعد أنهما لا تأكلان تلك الثمار؛ لأنها ليست ملكا لهما، ما لم يأذن لهما صاحب ~~الجنينة بذلك. # جلس على بنبر من الحديد الصلب منسوجا بحبال البلاستيك، وضع لغرض الاستحمام، كان الماء ~~كثيرا في سطل كبير، ونقيا؛ لأنه يستطيع أن يشاهد أسد الملك تنبل بيه الأحمر المرسوم في ~~بطن سطل الطلس العملاق. تخلص من ملابسه سريعا، وبدلا من أن يصب الماء على رأسه، أرغى ~~الصابون ومسح به شيئه المنتعظ، مسه برفق، ثم أخذت كفه تمر عليه طلوعا ونزولا، وفي ~~ذهنه تلك الندبة العميقة في وجه عبد الرحمن، عندها سمع عبد الرحمن تطلب منه ألا يفعل، عليه ~~أن يستحم سريعا فحسب، كانت تقف خلف باب الحمام الموارب، ونصف وجهها داخل الحمام، عيناها ~~تبحلقان في الشيء، صهيل الخيل الآتي من خلف الصريف يطربها، ويمثل لها موسيقى تستمتع بها ~~دائما عندما تكون بهذا الحمام. # كانت العمة خريفية تعمل في سوق النسوان تبيع البهارات والويكة قرب الجزارة، تعود مع مؤذن ~~الجمعة، حيث يغلق السوق إجباريا، وهي لا ترغب في أن تجلد أربعين جلدة، وأيضا لا ~~ترغب في أداء صلاة الجمعة ولا غيرها من الصلوات؛ لذا تحمل ما تبقى من سلع لم تبع وتأتي ~~للبيت، بعد أن تشتري حاجيات الغداء والعشاء، بعض الحلوى واللبان لعبد الرحمن. وقد اعتادت أن ~~تشتري لها ذات الحلوى واللبان منذ خمس سنوات؛ أي منذ أن كانت عبد الرحمن في السادسة عشرة ~~من عمرها، وهو العمر الذي أخذتها فيه من السوق، حيث إن عبد الرحمن قد هربت من معسكر كلمة ~~للنازحين، وفضلت عليه التشرد التام في سوق نيالا، كانت تعمل مراسلة للنساء اللائي يبعن ~~الشاي، تغسل لهن الأكواب، تناول الشاي للشاربين، وتقوم بتنفيذ المراسيل القصيرة، استقطبتها ~~خريفية لتساعدها في سحن الويكة وتقشير الفول السوداني، ثم مؤانستها في المنزل، عبد الرحمن ~~تدين لخريفية بكل شيء جميل في حياتها. # عندما سمع الأذان انتفض، أبقته على جانبها برفق، كانت ms017 في شبه إغماءة، وهي تلصق جسدها ~~العاري بجسده، ذكرها بأن العمة تتحرك الآن من السوق كما قالت له من قبل، وأنها قد تجدهما ~~في وضع حرج، ولا يريد أن تراه عمته لأول مرة وهو في علاقة جنسية غير شرعية مع من تعتبرها ~~ابنتها، منتهكا حرمة بيتها. لكنها، كما لو لم تستمع إليه مطلقا أبقته بجانبها، ضمته ~~إليها بشدة، عبثت بأناملها فيما بين فخذيه، وللمرة الثالثة دخلا في مجاسدة ساخنة ومجنونة، ~~استسلما لها كلية. لقد افتقد شيكيري النساء كثيرا، يمتلك الآن رغبة طازجة لأجلها وشهية لا ~~تحدها حدود. أما هي فلم تمارس الجنس برغبتها الكاملة إلا اليوم. عندما سمعا كركبة باب ~~الشارع، انتفض فزعا مرة أخرى. ولكنها بحركة من يديها طلبت منه أن يبقى كما هو وحيث هو. ~~ارتدت ملابسها برفق، استعدلت خصلات شعرها، ببعض ثوب جففت ما بين نهديها، مسحت وجهها ~~بكفها ومضت للقاء العمة خريفية، التي بادرتها بسؤال ملح عن مكان شيكيري توتو كوه ابن ~~أخيها، ولماذا لم تره، قالت لها: إنه جاء مرهقا وهو الآن ينام في غرفتها. كان شيكيري يسمع ~~كل ذلك، ولكنه لم يتوقع قط أن تهاجمه العمة خريفية في القطية وهو في لباسه الداخلي فقط، ~~كانت تضمه إليها وهي تضحك وتبكي في آن واحد، لقد افترقا مع والده منذ أكثر من أربعين عاما، ~~وكانت ترى فيه صورة والده وتشم فيه رائحته، ولكنها مخلوطة برائحة عرق تعرفه تماما، وعبق ~~سائل شهير لا يخفى عليها أبدا، قالت له مندهشة وهي تحملق في حافظة صدر (ستيانة) عبد ~~الرحمن المسجاة في السرير: ود البقس، أنت عرست عبد الرحمن؟ # قال لها دون تردد وهو يحاول أن يخفي ما تعرى من جسده: نعم، عرستها يا أمي. # قالت وهي تخاطب عبد الرحمن التي تقف خلفها تشاهد وتسمع وفي فمها ابتسامة مطمئنة، وتبدو ~~الندبة التي في خدها الأيسر أكثر جمالا وإشراقا، وتظهر عليها علامات السعادة المفرطة: ~~ليه ما انتظرتيني، ولا قلت لي إنك حتعرسي الولد لما جيتيني في السوق وقلت لي ولد أخوي ms018 توتو ~~جاء؟ # ابتسمت عبد الرحمن في خجل، وبتأثر شديد ضمت العمة خريفية إليها وقبلتها في وجهها، وأخذت ~~تبكي، في ذلك الحين كان شيكيري يرتدي ملابسه على عجل ثم يذهب للحمام ويترك عبد الرحمن ~~وعمتها متعانقتين. # | صيد الجن # لقد نسيت عبد الرحمن كل شيء، حتى الجثتين اللتين وجدتا فوقها، نسيت الحرب، وأزيز ~~الطائرات، نسيت المجزرة التي كان ضحيتها أمها، أباها وإخوانها الثلاثة: هارون، إسحاق وموسى، ~~وأختها مريم التي يقال إنها تعيش في معسكر ما للاجئين بجمهورية تشاد، حيث إنها لم تصادف ~~المجزرة، فكانت قد ذهبت للاحتطاب مع أخريات؛ لذا لم تكن متأكدة من موقعها، ولكنها مجرد ظنون ~~وتوقعات، وإذا كانت حية فستصبح هي العضو الوحيد من أسرتها الذي تبقى لها في الحياة. نسيت ~~تجربة الاغتصاب الأولى يوم المعركة، نسيت الثانية، الثالثة، والرابعة بمعسكر كلمة، أو ربما ~~تناست ذلك بمحض إرادتها. المهم، يبدو في ظاهر الأمر أن عبد الرحمن أرادت أن تغلق صفحة من ~~حياتها وللأبد، ولا يدري أحد لماذا لم تنس اسمها أيضا؛ فقد كان بإمكانها فعل ذلك في أية ~~مرحلة من حياتها. حذرته العمة خريفية من أن يتطرق لماضيها أو أن يحكي عن الحرب وما شاكلتها، ~~لقد شبعا من ويلات الحرب وشبعا من أخبارها. تريدان الآن فتح صفحة جديدة من كتاب ~~الحياة. # لم يعترض، بل شجع بحماس إبراهيم خضر فكرة زواج صديقه شيكيري، كما لم يستغرب ما قامت به ~~العمة في تلك الجمعة، أن أخذت شيكيري وعبد الرحمن إلى الجامع، وقد اضطرت في ذلك اليوم ~~لأداء الصلاة في الجزء الخاص بالنساء، وبعد أن سلم المصلون عقد المأذون على ابن أخيها ~~وابنتها، بالرغم من أن المأذون والمصلين جميعا احتجوا على أن تسمى العروس باسم عبد ~~الرحمن، الشيء الذي يجعل قسيمة الزواج كما لو كانت شهادة لزواج مثلي، وهذا غير مسموح به في ~~القانون والشريعة، وأصرت عبد الرحمن على الاسم حتى ولو يبطل الزواج، رافضة اسم مريم الذي ~~اقترحه عليها المأذون، إلى أن جادت قريحة أحد المصلين الحريصين على إتمام مراسم زواج ms019 بنت ~~نازحة متشردة لعسكري غريب؛ أي آفتين اجتماعيتين لا خير منهما يرجى؛ أن تكتب في القسيمة ~~كلمة السيدة، ثم يليها الاسم مضافا إليه نون وتاء؛ أي أن يصبح السيدة عبد الرحمانة، وعبد ~~الرحمانة اسم شائع في كثير من قرى دارفور، فرضي المأذون ولم تمانع عبد الرحمن. لاحظ شيكيري ~~بمجرد أن عادا للمنزل أن زوجته عبد الرحمن ليست بالمرأة الطبيعية، ليس لأنها واضحة وصريحة ~~وجنسية أكثر مما يتوقع ويظن، لكن لأنها طلبت منه طلبا غريبا ومباشرا وهما في الساعة ~~الأولى من الزواج، طلبت منه: إما أن ينتقم لها، أو يساعدها على الانتقام، ولا خيار ~~ثالث. # أخبرته أنها كانت في انتظار أن يكون لها رجل، مهنته جندي وشجاع، ينتقم لأجلها، على الأقل ~~يقتل عشرة من الجنجويد، وهي سوف تأكل كبدهم جميعا نيئة. لم يستطع أن يخفي هول المفاجأة ~~عليه، ربما أنه شهق. لقد دخل معارك كثيرة ضد الطورابورا، لكنه لم يقتل ولو دجاجة واحدة، كان ~~يطلق الذخيرة في الأهداف الوهمية، ومع أول بادرة للانسحاب كان ينسحب، ولكن هل تعلم زوجته ~~عبد الرحمن أنه يحارب مع الجنجويد جنبا لجنب؟ أخبرته أنها تعرف كل صغيرة وكبيرة عن الحرب، ~~وقالت له بصورة واضحة إن الذين قتلوا أمها وأباها واغتصبوا أخواتها حتى الموت، ليسوا جنودا ~~نظاميين ولكنهم الجنجويد، وهي تعرف وتفهم الفرق، نعم كان بإمكان الجيش أن يحميها، ولكنه لم ~~يفعل، تعرف أفرادا في الجيش من قبيلتها، وتعرف أنهم كانوا يتمزقون من الحزن وهم يشاهدون ~~الجنجويد يقتلعون أسرهم وأهلهم اقتلاعا من الحياة أمام أعينهم، يكفيهم ذلك عذابا وموتا ~~وألما، وتعرف العشرات الذين انضموا إلى الطورابورا بعد ذلك. وكل ساكني دارفور يعرفون قصص ~~ومصائر الطيارين الذين رفضوا أن يلقوا القنابل على أبناء جلدتهم. هي تريد الجنجويد وليس ~~إلا. قال لها إنه لا يعرف كيف يقتل إنسانا، جنجويدا كان أم طورابورا، ولا يعرف كيف يساعد ~~على ذلك، بل لا يشجع ذلك التوجه، وأنه ليس جنديا محترفا، بل فردا يؤدي الخدمة الوطنية ~~مكرها ومجبرا، ويساق إلى ميدان المعركة كما ms020 تساق النعاج إلى السلخانة. قالت له ~~يمكنه أن يدربها على إطلاق النار، ويعطيها ثمن بندقية جيم ثلاثة، وألا يخبر العمة خريفية ~~بالأمر، لا أكثر؛ لأنها اتفقت معها على ألا تنفتح طاقة الحرب مرة أخرى. # كان رأي إبراهيم خضر أن يتجنب شيكيري خريفية وابنتها معا، وإلا تورط في أفعال صعبة ~~ومعقدة، ولكن يبدو أن شيكيري قد بدأ يحب البنت بالفعل، والأسوأ أنه لا يستطيع أن يتخلى ~~عنها أبدا، والأسوأ من ذلك كله هي تعرف ولا تتنازل عن طلبها قيد أنملة، ولو أنها حتى الآن ~~لم تمارس ضده أي ضغوط، بل تزداد رقة وجمالا وشبقا. # أخذ يدرسها طبيعة السلاح، فك وتركيب وأداء، كل يوم جمعة، حيث إنه كان شبه مقيم بالحامية ~~العسكرية، يحضر ليلة الخميس ويغادر فجر السبت. كانت تتعلم الشيء منذ الوهلة الأولى بسهولة ~~ويسر، وفي جمعتها الرابعة فاجأته بأنها امتلكت بندقية جيم ثلاثة، فكاد أن يغمى عليه من ~~الخوف وهول المفاجأة معا، قالت إنها سرقتها من جنجويد سكران، وجدته نائما في الوادي ~~قريبا من المطار، بينما كانت هي تتجول في الغابة الصغيرة غرب معسكر كلمة، لجمع حطب ~~الوقود. يعرف أنها تكذب؛ لأنها لا يمكن أن تذهب لقطع الحطب ليلا، ولا يمكنها أن تأخذ ~~بندقية الجنجويد نهارا، والشيء المهم هو أنها لا تذهب للاحتطاب مطلقا؛ لأنها لا تحتاج ~~إليه في المنزل، فلدى العمة خريفية موقد غاز حديث، ويعرف أيضا أن النساء لا يخاطرن بالذهاب ~~للاحتطاب في تلك المنطقة بالذات، خوفا من أن يغتصبهن الجنجويد الذين يتواجدون بكثرة هنالك، ~~ويعرف أيضا أن الاحتطاب في هذه الأيام لا يتم إلا في جماعات محمية من قوات الاتحاد ~~الأفريقي، وقال لها كل ذلك بالتفصيل الممل، قالت له بصرامة: سرقتها من جنجويد سكران، تصدق ~~أو لا تصدق أنت حر. # يحس الآن باقتراب الكارثة، بدت له عبد الرحمن متهورة وغامضة في نفس الوقت، بدت له كوحش ~~متعطش للدماء، كثائر مجنون لا يرى غير الأعداء والمكائد، يعمل من أجل هدف كبير، لكن تنقصه ~~الخبرة والخطة، أحس بها تتبلد ms021 في كل لحظة، كانت تلغي عقلها بسرعة رهيبة، ولكنه لم يكرهها ~~بعد، كانت رقيقة معه ، وتتجمل بصورة مستمرة، تتطيب بما يحب من العطر، وتعطيه نفسها في ~~الفراش بجمال منقطع النظير، وهو في حاجة ماسة لمثل هذه الرعاية الجسدية، ولكنه أيضا يريد ~~أن يظل حيا. من النظرة الأولى للبندقية عرف أنها ملك للجيش السوداني، ولكنها تحظى ~~برعاية شخصية كبيرة، وذلك للنقش الذي في دبشكها بآلة حادة، وتزيين حمالتها ببعض الخرز ~~الملون، ويبدو أنه قد تم بيد نسائية، ليست بها نمرة عسكرية، ولكن رائحتها تدل على أن ~~صاحبها من الجنجويد، للقوم رائحة متميزة، خليط ما بين وبر الحيوان - الخيل والإبل - والعرق ~~البشري، كانت صينية حديثة الصنع، ولكنها استخدمت كثيرا، فرائحة البارود ما زالت تنطلق من ~~فوهتها التي تلمع من الداخل، الفوهة مغطاة بخرقة جلباب قديمة بها آثار زيت الخروع. لم تكن ~~لديها خطة خاصة لاستخدام البندقية. # نيالا مدينة كبيرة وجميلة، يسميها عمال الإغاثة الأوروبيون لاس فيغاس دارفور، لا يعلم أحد ~~عدد سكانها، إنهم في تزايد ونقصان مستمرين، وفقا لسير الحرب في دارفور، يسكنها الضحايا ~~المهجرون من قراهم معا والقتلة الذين يرتكبون فعل التشريد والتهجير، بها أيضا المواطنون ~~الذين لا تعني الحرب لهم شيئا ذا بال، وبها كبار التجار، وهم المستفيدون الوحيدون من ~~الحرب، وقد تضاعفت أموالهم نتيجة للاحتكار والمضاربات والندرة الفعلية والمفتعلة للسلع، بها ~~الجنجويد يسكنون في الأحياء الطرفية في معسكرات ضخمة، يتمظهرون في المدينة في عربات ~~لاندكروزر مكشوفة عليها مدافع الدوشكا، وتعلق على جوانبها الآر بي جي البغيض، وهم عليها في ~~ملابس متسخة مشربة بالعرق والأغبرة، يحيطون أنفسهم بالتمائم الكبيرة والخوذات، لهم شعور كثة ~~تفوح منها رائحة الصحراء والتشرد، على أكتافهم بنادق جيم ثلاثة صينية تطلق النار لأتفه ~~الأسباب، وليست لديهم حرمة للروح الإنسانية؛ لا يفرقون مطلقا ما بين الإنسان والمخلوقات ~~الأخرى؛ الكلاب الضالة مثلا. # وتعرفهم أيضا بلغتهم الغريبة «الضجر»، وهي عربي النيجر أو الصحراء الغربية، ليس لديهم ~~نساء ولا أطفال بنات، ليس من بينهم مدني ولا متدين ولا مثقف، ليس ms022 من بينهم معلم أو متعلم، ~~مدير أو حرفي، ليست لديهم قرية أو مدينة، أو حتى دولة، ليست لديهم منازل يحنون للعودة ~~إليها في نهاية اليوم، يعملون من أجل شيء واحد، هو ذلك المخلوق ذو السوق الطويلة والظهر ~~القوي المحدودب، صاحب البطن التي بإمكانها أن تختزن برميلا من الماء، يصورونه في راياتهم ~~شعارا، يأكلون لحمه وشحمه، يشربون لبنه، يسكنون في وبره وعلى ظهره، المخلوق الذي يستطيع أن ~~يحملهم بعيدا جدا حيث يقتلون ويقتلون من أجل أن يوفروا له المرعى، هو ربهم ~~وسيدهم، عبدهم ومملوكهم في نفس الوقت، أو ما يسمى: الجمل. # لا يدري أحد كيف ألهم الحكوميون في اختيار هذا الشعب بالذات لخوض الحرب في دارفور من ~~بين كل شعوب أفريقيا. كانت ستصبح مهمة عبد الرحمن سهلة إذا لم يكن خصمها تلك الفئة الغريبة، ~~وهي تعرف قدر التحدي. بنيالا الآن حامية عسكرية ضخمة، بها ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي، ~~ومئات الآليات الثقيلة، سلاح جو صيني فاعل وسريع الاستجابة، كل هذه القوة تعمل مع الجنجويد ~~جنبا لجنب، لكن عبد الرحمن ترى أن هدفها ليس كبيرا، وهو - موضوعيا - شرعي بسيط ~~وسهل: عشرة جنجويد من ستة عشر ألفا ليس بالشيء الكثير، وهو رقم لا يقدر بشيء إذا قيس ~~بالذين يقتلون من الجنجويد في كل معركة، إنهم يخسرون المئات، وهي تريد أن تضيف لهؤلاء ~~المئات عشرة فقط لا غير. # العمة خريفية بغريزتها الأنثوية، خبرتها الحياتية الطويلة، ومعرفتها في الإنسان، أحست ~~أن شيئا ما يدور في بيتها ما بين بنتها عبد الرحمن وابن أخيها شيكيري، وربما صديقه الذي ~~يأتي معه في بعض الأحيان، إبراهيم خضر. لاحظت بصورة جلية أن عبد الرحمن ليست في طبيعتها ~~العادية، أخذت تتغيب كثيرا عن البيت، وأنها تغلق نفسها في الغرفة لساعات طوال. لاحظت ~~أيضا أنها تقوم بتمارين قاسية كتلك التي يقوم بها العسكر، انتبهت على أن العلاقة بينها ~~ووبين زوجها شيكيري متوترة لحد ما، بل تصيدت أذنها ذات مرة مشادة كلامية حادة بينهما. ~~ولكنها لم تتخيل أن الأمر له ms023 علاقة بالحرب، ذلك البعبع الذي قررت أن يسقط من وعيها ~~نهائيا وللأبد. إلى أن استيقظت ذات صباح ولم تجد عبد الرحمن في غرفتها، ظنت أن عبد ~~الرحمن ذهبت في مشوار صباحي على عجل، كما هي طبيعتها مؤخرا، انتظرتها إلى أن حان وقت ~~خروجها للسوق، ولم تعد، كانت غرفتها مرتبة وكل شيء موجود في مكانه، وعندما انتبهت لحركة ~~شيء ما في الأعلى، رأت حلقة كبيرة من التمائم مدلاة من وسط القطية، النوع الذي يرتديه ~~الجنجويد، بها دم متخثر. بأعصاب باردة، أخرجت كل ما تراه مهما من القطية، احتفظت به في ~~مكان آمن، ثم أشعلت فيها النيران. # ربط الناس جميعا - بالطبع ما عدا الخال جمعة ساكن - بين حريق القطية وغياب - أو بالأحرى ~~اختفاء - عبد الرحمن، ربط الناس بين قلق العمة خريفية، قلة كلامها مع الآخرين، حديثها ~~لنفسها، بقائها في السوق لزمن أطول، شربها للقهوة المتكرر، وبين اختفاء ابنتها وصديقتها ~~وحبيبتها عبد الرحمن. ربط الناس ما بين شكوى خريفية من آلام الظهر، وغيابها عن الأفراح ~~والأتراح، صبرها على عباطة شليل المجنون، وبين اختفاء عبد الرحمن، بل استلطافها له وهي التي ~~كان يفكر مليون مرة قبل أن يطرق الطريق التي تعمل فيها العمة خريفية، حيث إن العمة خريفية ~~عندها خوف فطري من المجانين، وكما هو معروف أن نيالا بها هذه الأيام عدد هائل من المجانين؛ ~~إنهم ورثة الحروب، من كل نوع وكل عمر. ولكنهم أبدا لم يخطر ببالهم أن يربطوا ما بين اختفاء ~~عبد الرحمن واختفاء اثنين من الجنجويد بصورة نهائية وتامة، حيث لا أثر، لا دليل، لا خيط، ~~ولا رائحة تدل على مصيرهم، على الرغم من الحملة الأمنية التي شنتها الحكومة بحثا عنهما، ~~فقد استنفر كل الشرطيين بالمدنية، أهملت كل الحراسات المدنية، جند ألف رجل من ~~الاستخبارات العسكرية والأمن العام، استخدم مئات المدنيين كمخبرين مؤقتين وجواسيس يسعون بين ~~الناس يخبرون عن الجميع، لا فرق بين أصدقائهم، جيرانهم أو ذويهم، استعانوا بالفكيان وضاربي ~~الرمل، وضاربي الودع وبعض السحرة من قبيلة الداجو المعتصمين في أحد ms024 كهوف جبل أم كردوس شرق ~~نيالا. كان يعمل الجميع بجد وجهد متواصل من أجل الوصول لقتلة الجنجويدين، اللذين أقسم ~~قائدهما برأس أبيه ثم بالله، إذا لم تسلمه الحكومة قاتلهما أو قتلتهما، فإنه سيقتل - ~~عشوائيا - على الأقل مائتين من المواطنين، بسوق نيالا والشمس في قبة السماء، لا فرق بين ~~طفل ورجل وامرأة، أو بنت عرب أم زرقة ولا أم خفير، وتحرك بمليشياته الغاضبة في اليوم ~~السابع، بعد أن فقد الأمل في تحركات الحكومة التي وصفها بالبطيئة والمتواطئة، أحاط سوق ~~نيالا، أغلق كل المداخل التي تقود للسوق، ومنع الخارجين منه، ولكنه سمح للداخلين إليه فقط ~~بالولوج، عند الثانية عشرة ظهرا، استطاعت الحكومة أن تقبض على قتلة الجنجويدين، وهما رجلان ~~من قبيلة المساليت: قبضنا عليهما بينما كانا يحاولان الهرب إلى خارج المدينة من السوق، في ~~طريقهما إلى معسكر كلمة، حيث يمكنهما الاختفاء نهائيا وللأبد، هؤلاء القتلة ~~الكافرون. # كانا في غاية الإعياء من أثر الضرب، لدرجة أنه عندما صعد على ظهريهما قائد الجنجويد، ~~أبا جربيقا جلباق، بعربته اللاندكروزر ذات الدفع السداسي، حديثة الصنع، التي تزن خمسة ~~أطنان بالإضافة لحمولتها من الدوشكا والحراس الأربعة الغاضبين، فإنهما لم يتألما كثيرا، ~~ماتا بسهولة ويسر. # | سكك الخطر # التقرير الذي كتبه شيكيري عن إبراهيم خضر إبراهيم، هو الذي عجل بأن يتم اختيار ~~الاثنين لمصاحبة القوة الخاصة المنوط بها إيصال الوقود إلى كتيبة مرابطة على مشارف مدينة ~~زالنجي، ولا يمكن الوصول إليها إلا من نيالا، بالرغم من أنها لا تبعد عن زالنجي أكثر من ~~عشرين ميلا، وعشرة أميال عن مدينة كاس، ومن أجل التشويش للجواسيس والخائنين، على القوة أن ~~يخرج أفرادها فرادى، ويتم تجميعهم على بعد ثمانية أميال جنوب نيالا، ثم تلحق بهم السيارات ~~اللاندكروزر حاملات الدوشكا الخمس، تليها شاحنة الوقود، ثم المدرعتان الخفيفتان اللتان ~~نستخدمهما للهجوم السريع المباغت ونقل الجنود أيضا. # لا يتوقع الناس عادة أن تصل مثل هذه القوة إلى هدفها بسهولة ودون مناوشة، وربما معركة ~~صغيرة، ولكن التغطية التي سوف تقوم بها المروحيات على مدار الساعات الثماني ms025 التي يجب أن ~~تأخذها القوة في الطريق، سوف تسهل مهمتها كثيرا، قد تقوم بواجب الإنذار المبكر وتمشيط ~~الطريق. لكن للأسف بدأت المعركة الصغيرة مبكرا جدا، وهي في ذات المكان الذي بدأت ~~تتجمع فيه القوات، وقبل أن تنتظم صفوفها وتأخذ التمام الأخير، في اللحظة التي وصلت فيها ~~شاحنة الوقود، كان الطورابورا قد سيطروا على الموقف تماما، واستطاعوا أن يستولوا على ~~حاملات الدوشكا، وأن يعطبوا المدرعتين الخفيفتين، ويأسروا تقريبا كل الجنود الأصحاء، ~~وينسحبوا كما لو أن الأرض قد انشقت وبلعتهم، تاركين خلفهم خمسة من الجنود الجرحى، ~~كثيرا من القتلى، مدرعتين معطوبتين، شاحنة الوقود كما هي، حيث إن السائق الذي استطاع أن ~~ينسحب في الوقت المناسب قام بتأمينها بصورة لا يمكن قيادتها مطلقا ما لم يبطل التأمين، ~~ولسبب أو لآخر فضل الطورابورا تركها دون أن تحرق. # كان الأسرى يرقدون في باطن صناديق العربات كالخراف فوق بعضهم البعض، والعربات تسابق ~~الريح، تقفز في الحفر والخيران دون أية مراعاة للسلامة، وكأنما بها جوالات من التبن، وسط ~~غابة من الأغبرة، حيث لا يمكن رؤية ما أمامها وما خلفها، غير سحابات من الرمل. بعد أربع ~~ساعات من توقع الموت المحقق، دخلت العربات السلسلة الجبلية الوعرة، حيث معسكراتنا الآمنة ~~التي لا يقترب منها الطيران الصيني مطلقا، إلا في مغامرات مهلكة؛ لأن مضادات الطيران ~~الأمريكية الدقيقة سوف تسقطه في الحال. # وضع الأسرى في صف واحد، راقدين على الأرض، كانوا عشرين أسيرا، سجلت بياناتهم الأساسية ~~وجمعت ما في حوزتهم من وثائق ثبوتية، تم كل ذلك عبر ركلات، شتائم وبصاق في الوجوه. ~~أخيرا تم قسمتهم إلى ثلاث مجموعات: اثنان من مجندي الخدمة الوطنية الإلزامية، عشرة من ~~الجنود النظاميين، ثمانية من المجاهدين وحرس الحدود وهو الاسم الرسمي للجنجويد. في الحال، ~~تم إعدام الجنجويد والمجاهدين بصورة بشعة، حيث ذبحوا ذبحا، طالبين منهم في سخرية أن ~~يبلغوا تحياتهم للحور العين بالجنة، وهذه سخرية مبالغ فيها؛ لأن الجنجويد لا يعرف شيئا عن ~~الجنة أو النار، يحارب من أجل هدف غامض لا يعرفون كيف يعبرون عنه؛ ms026 لأن السياسيين الذين ~~يدفعون بهم للتهلكة لا يفصحون عنه في الغالب، إما لقناعتهم الشخصية بأن الجنجويد لا ~~يفهمون، أو لخوفهم منهم إذا فهموا، وهدف آخر، وهو الغنائم، وتشمل الغنائم فيما تشمل كل شيء ~~يمكن حمله، بالإضافة إلى النساء والطفلات، أو مجرد أن يفرغ حيواناته المنوية في رحم سيدة أو ~~طفلة ما عنوة. وقد يفكر الجنجويد كبير السن في مرعى آمن ودائم لإبله وإبل أحفاده من بعده ~~وأحفاد أحفاده، فيما تبقى من زمان قبل نهاية الكون. الجنود قيدوا ووضعوا في سجن عبارة ~~عن غرفة كبيرة من الحجر، مع جنود أسرى سبقوهم. أما مجندا الخدمة الوطنية، وهما إبراهيم ~~خضر إبراهيم وشيكيري توتو كوه؛ فخيرا، إما أن يبقيا بالسجن مع الجنود النظاميين أو ~~يعملا في صفوف الطورابورا، ولأنهما ظنا - لسوء أو لحسن تقدير منهما - أن هذين الخيارين ~~ليسا سوى خيار واحد والآخر هو الموت، اختارا العمل في صفوف الطورابورا. # كان إبراهيم مرهقا، بل مريضا، ارتفعت درجة حرارته بصورة مرعبة، فأحضروا له طبيبا ~~أسيرا، يعمل في صفوف الطورابورا، رجلا مرحا وذكيا، أعطاه بعض الأدوية وأخذ يدير معه ~~حوارا مضحكا، حيث إن إبراهيم كان في حالة أشبه بالغيبوبة، لكن حديثه اللاواعي هذا رفع من ~~مكانته بين الطورابورا، وأخذوا يثقون فيه بصورة مطلقة؛ لأنه في غيبوبته تلك، قال بصورة ~~واضحة إنه يكره الصينيين الذين جلبوا الدمار لدارفور ويؤيد الطورابورا. # في بادئ الأمر كانوا يستخدمونهما في طهو العدس وصنع اللقمة للأسرى من الجنود النظاميين، ~~الذين ما كانوا يبقون على حياتهم إلا لأنهم يمثلون دروعا بشرية، ويقوون جانبهم في ~~المفاوضات، ثم بعد ذلك للاعتبارات الإنسانية، وقد تحدث أحد المقاتلين عن اتفاقيات جنيف ~~والقانون الإنساني الدولي. كان إبراهيم قد وضح لقادة المقاتلين أنه لا يحمل السلاح، ويستطيع ~~أن يموت في سبيل هذا المبدأ، ولو أنهم احترموا ذلك إلا أنهم كانوا يستخدمونه في حمل الأسلحة ~~والذخائر؛ أي كحمار. أما شيكيري كعادته كان سكوتا، يسمع جيدا ويفعل ما برأسه، وكان لا ~~يتردد في الذهاب إلى المعارك، والمشاركة في نصب الكمائن، بل ms027 أصبح ماهرا جدا في ذلك. قال ~~لإبراهيم مرة إنه ما عاد يخشى سكك الموت، بعد أن خسر عبد الرحمن لا شيء يهم، وكان يفكر ~~بجدية في عبد الرحمن وهو قلق جدا عليها؛ لأنه لا يعلم أين اختفت، وكيف ستنتهي مغامراتها ~~في قتل الجنجويد، يعلم أنها قد قتلت اثنين، صاحب البندقية، أو ما أسمته بالجنجويد السكران، ~~وصاحب التمائم. # لا يدري أحد كيف تستدرج الجنجويد إلى حيث يلاقي حتفه، وكيف كانت تفعل ذلك وحدها. السؤال ~~الأغرب: هل كانت تأكل أكبادهم حقا؟ أين هي الآن؟ وماذا لو قبض عليها؟ بلا شك سوف ~~يقتلونها بالطريقة التي تعرف برقصة الطورابوراي، وهي أن يضعوا القرنيت منزوع التيلة داخل ~~فستانها، بعد تقييد رجليها، ويهربون من قربها، فحتما ستؤدي الرقصة المرعبة لبعض الثواني ~~قبل أن ينطلق جسدها في الفراغات مزقا. وتخيل ذلك يحدث أمام عينيه، فهو ما زال يحبها، وقرر ~~بصورة قاطعة ونهائية أنه - إذا حدث في يوم والتقى بها - سوف لا تكون بينهما أية صلة، إذا ~~اكتشف أنها كانت تأكل أكباد الجنجويد، نيئة كانت أم مشوية، لا يحب أن تكون زوجته آكلة للحوم ~~البشر، ببساطة الفكرة كانت تخيفه. # تتكون مجموعة المحاربين الطورابورا من قبائل كثيرة، تجمع بينهم أنهم مستهدفون من قبل ~~الحكومة المركزية بصورة خاصة، يطلقون عليهم الزرقة، وهو لفظ خجول بديل للفظة السود. يقود ~~المعسكر رجل شرس من قبيلة المساليت، يلقبونه بشارون، شاب له جسد صلد ورياضي، بشوارب ووجه ~~حاد التقاطيع، أهم هواياته الضحك بصوت عال وابتكار الخدع العسكرية، لم يدخل معركة مع ~~أعدائه وهم مستعدون لها مطلقا، بل كان دائما ما يفاجئهم في الزمان والمكان الذي لا ~~يتوقعونه فيه، ويقول إن تلك هي عبقرية الحرب، ورسول الله محمد # صلى الله عليه وسلم # يقول: «الحرب ~~خدعة». # ويقول شارون إنه تعلم من هزائم الخليفة عبد الله التعايشي كيف ينتصر؛ فالخليفة كان ~~يعتبر الحرب رجولة وشجاعة، وهي عكس ذلك، فلكي تنتصر عليك أن تخاف من قوة عدوك، مهما كان ~~واهنا، مرتبكا وعلى باطل، مهما كنت أنت قويا، مرتبا ms028 وعلى حق. كان شخصا مثقفا، ~~تخرج في كلية الاقتصاد جامعة المنصورة بجمهورية مصر العربية في أوائل الثمانينيات من ~~القرن المنصرم. تزوج نساء كثيرات، أنجب أطفالا أكثر، وهو يدعو دائما أن يتزوج الرجل من ~~دارفور كل النساء اللائي يقبلن به زوجا، وذلك لتعويض المفقودين في الحروب. كان رقيقا ~~شرسا في ذات الوقت، لا يصبر على الجنجويد دقيقة واحدة. لقد حرق الجنجويد قريته وقتلوا ~~أباه، والآن يسكنون فيها، وهم يعتقلون عددا من السكان الأصليين، يستخدمونهم كرق في العمل ~~بذات مزارعهم، جنائنهم وأراضيهم، يغتصبون نساءهم. # بعد معركة قصيرة غير متكافئة وقعت بين أهل ضلاية، والجنجويد وجيش الحكومة مدعومين ~~بالطيران الصيني العنيف، قبل ما تبقى من سكان ضلاية بالهزيمة، على أن تبقي الحكومة على ~~أرواحهم. جردوا أولا من كل الأسلحة، حتى تلك البيضاء، وكانوا يطلبون منا أن نشترك في ~~الدوريات الليلية لحماية القرية حاملين عصا من الحطب والسياط، بينما يحمل الجنجويد الأسلحة ~~النارية. وكانوا يضعون كل عشرة من الرجال الدرافوريين، يسمونهم جهرا وفي أوجههم أمبايات، ~~وهي بعربي دولة النيجر موطنهم تعني العبيد؛ يوضعون وسط خمسين من الجنجويد، حتى لا يتمكنوا ~~من الهرب أو المقاومة، وكل الرجال الدارفوريين أو الأمبايات على حد قول الجنجويد المتبقين ~~بالقرية لا يتجاوز عددهم السبعين، هم ينقصون بصورة مستمرة. لقد كانوا مائة وخمسين رجلا، ~~جلهم مات في مقاومة فاشلة، أو قتل أثناء هروب لم يكتب له النجاح، أو مات واحد لواحد؛ أي ~~خنق أحد الجنجويد إلى الموت، ولم يطلقه إلا وهو مقتول عليه. # يظل الدارفوري الليل كله في الدوريات مع فرقة من الجنجويد تتغير باستمرار، لتحل محل ~~دورية أخرى من الجنجويد كانت في بيوت الدارفوريين حيث النساء والطفلات، تقوم باغتصابهن، ~~يحدث هذا كل ليلة. وكل من يحتج منا يتم قتله. الآن بالقرية جيل كامل من الأطفال، آباؤهم ~~من الجنجويد وأمهاتهم من الدارفوريين. # الغريب في الأمر أن مسئولا كبيرا في صحبة بعثة من الأمم المتحدة زاروا تلك القرية، ~~واعتبرت أنموذجا للتعايش الإرادي السلمي ما بين الجنجويد والدارفوريين، وهي برهان لتكذيب ~~كل ms029 الأقاويل والافتراءات الغربية التي تتحدث عن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وما ~~يسمى بجرائم الحرب واستحالة التعايش بين الشعبين. يحكي شارون ذلك لكل من يجالسه في أول ~~دقيقة، ويعلن أن أول أهداف ثورته هي تحرير مواطني قريته ضلاية، ثم يضيف لك في يأس: لا ~~يمكن أن تحرر ضلاية ما لم تحرر دارفور كلها؛ لأنه يحيط بها أكبر ثلاثة معسكرات ~~للجنجويد والمجاهدين في العالم. # للرجل علاقة جيدة مع كل جنوده ومع الأسرى أيضا، يظل مرحا، وتسمع ضحكته في كل أرجاء ~~المعسكر إذا لم تكن هنالك محاولة هروب لأحد الأسرى، فاشلة كانت أم ناجحة، حينها يتحول هذا ~~الرجل إلى وحش كاسر لا يرحم، ومن هنا أطلق عليه لقب شارون، ذلك البحار الذي يأخذ الأرواح ~~إلى جزيرة الموتى؛ لأن شارون حينها سيأخذ أرواحا كثيرة في قاربه إلى جزيرة الموتى. # كان الوقت أواخر ديسمبر، لا تزال الأعشاب تحتفظ بشيء من الخضرة، وأشجار السيال والنبق ~~وبعض اللالوبات العملاقة ما زالت مخضرة وبهية. التقط منظار الحرس هيئة شخص على ظهر فرس ~~يهيم بين الأشجار التي تقع جنوب الوادي الكبير، ويحدد المنظار المسافة بثلاثة كيلومترات ~~لا أكثر، ولا يختلف جنديان في تفسير هذه الظاهرة؛ فهو جندي استخبارات في طليعة قوة سوف تظهر ~~عاجلا أم آجلا من مكان ما قريب، ووصف في الوقت ذاته بالبليد؛ لأنه لا يمكن أن يستخدم ~~فرسا إلى هذه المسافة القريبة، ويعرف الجميع موقع المعسكر، والغريب في الأمر كان الهدف ~~يقترب أكثر وأكثر من دفاعات المعسكر المتقدمة، ويقترب أكثر من حقل الألغام البشرية ويتخطاه، ~~بعد أن عبر ألغام المدرعات والآلات الثقيلة عبرها كالشبح، هنا انتبه المقاتلون بأن الهدف ~~ليس عسكريا، وأنه يرفع الآن بيرقا أبيض؛ فأسرعوا بإرشاده إلى المدخل الآمن. # كانت فتاة هزيلة، ولكنها لا تبدو منهارة، بل بالعكس، كانت متماسكة، وتتحدث بثبات، عرفت عن ~~نفسها، وطلبت أن تقابل هارون، وهو الاسم الحقيقي لشارون. أكلت قدرا كبيرا من العصيدة ~~بالويكة التي قدمت لها، تعرف عليها شارون بمجرد أن رآها، كانت تعرفه من زمان مبكر، منذ ms030 ~~أن كانت تعمل مساعدة لصانعات الشاي بموقف الجنينة بنيالا، تعرف إحدى زوجاته وأطفاله، كانوا ~~يسكنون حي الجير، قبل أن يختفوا تماما عن المدينة، قالت له إنها جاءت من أجل زوجها شيكيري ~~توتو كوه الأسير لديه؛ مما جعل كل من يستمع إليها يكاد أن يموت من الدهشة، وكانت فرصة ~~لشارون أن يطلق ضحكته المجلجلة تلك، كان شيكيري في تلك الأثناء يعمل مع صديقه إبراهيم ~~ومفرزة من المقاتلين على حفر خندق كبير خلف الجبل لغرض لم يفصح عنه شارون، عندما أتاه ~~المنادي، خفق قلبه بشدة، وبدون أية مقدمات سأل المرسال ما إذا كانت زوجته عبد الرحمن أو ~~عمته خريفية بانتظاره. # أحس أنها كانت جميلة بأكثر مما يجب أن تكون عليه امرأة في مثل هذا المكان، وشعرت بأنه ~~كان منهكا وبائسا، وقد فقد الكثير من وزنه، وهو ما يجب أن يكون عليه رجل في هذا المكان. ~~احتضنا بعضهما البعض بشدة، فرحت المقاتلات عندما عرفن أنها جاءت لتبقى وتحارب في صفوفهن. ~~كانت هنالك تسعون امرأة أخريات، كلهن متزوجات من الجنود ما عدا مريم، التي يطلق عليها ~~شارون اسم مريم المجدلية؛ فهي تؤجل زواجها دائما لحين تحرير دارفور أو ظهور السيد المسيح، ~~أيهما أقرب، ويشاع عنها بين المقاتلين ما يشاع. # ما يسمى بالمدينة، التي سمع عنها شيكيري وصديقه كثيرا في المعسكر، ليست سوى بضعة مساكن ~~من الحجر مسقوفة بالطين والأعشاب البرية تحاط بصورة تامة بمرتفعات صخرية، تحيط بنبع ساخن ~~صغير، تبدو من الجو مثل خاتم من الحجر والعشب البري. هذا النبع هو المصدر الوحيد لماء الشرب ~~غير الصالح للاستهلاك الآدمي إلا بمعالجات تجعله صالحا بنسبة خمسين بالمائة. وهنالك أيضا ~~زريبة للمواشي والأبقار والجمال التي في الغالب تمت مصادرتها من الجنجويد، ترعى خريفا ~~وصيفا على العشب النابت على حواف مجرى العين، في واد ضيق يتلوى بين المرتفعات مثل ~~ثعبان من الماء. توجد أيضا كثير من أشجار العرديب والتبلدي العملاقة، التي تغرق كل شيء في ~~ظلها. هذا المكان الصغير الجميل الاستراتيجي فشلت الحكومة في السيطرة عليه تماما، ms031 نسبة ~~للدفاعات الصاروخية ومضادات الطيران التي به، حقول الألغام واللواء الذي لا يقهر، وهو ~~المرتفع الصخري الذي يحيط به كحصن أسطوري. # تستخدم المدينة لسكن الأسر فقط، ولا يوجد بها أطفال في عمر المدرسة؛ لأنه يتم تسريبهم ~~لإحدى المدن الكبرى في هذا العمر للدراسة، بها نساء جميلات محاربات وزوجات في نفس الوقت، ~~يقمن بواجب الزوجية بمتعة ويحاربن بشرف وبسالة، وهن دائما ما يبقين للدفاع عن المدينة ~~حينما يكون الرجال بعيدين ينصبون الكمائن والفخاخ للجنجويد. جهزت غرفة لعبد الرحمن ~~وزوجها شيكيري توتو كوه، لم تكن لدى الزوجين رغبة في فعل شيء، تحدثا قليلا، احتضنا ~~بعضهما وناما. # حلم شيكيري بينما كانت أنفاس عبد الرحمن تعلو وتهبط في هدوء قرب وجهه، حلم بعبد الرحمن ~~تذبح جنجويدا سمينا شحما، وتخرج كبده وتطعمها لحيوان صغير فمه فم إنسان وبقية جسده ~~وأعضائه تشبه القطط، كان الحيوان يأكل الكبد بشراهة، ويريد المزيد، فتذبح عبد الرحمن آخر، ~~وهكذا إلى أن أتت على صف طويل من الجنجويد، ثم أشار الحيوان بلسانه إلى شيكيري، وكشر عن ~~أنيابه، ثم بال، ويبدو أنه عندما يفعل ذلك لا بد أن يكرم بما أشار إليه بلسانه، ولا خيار ~~آخر. فجاء مقاتلون بشيكيري، وضعوا السكين في عنقه، وطلب منه أن يقول كلمة أخيرة، عندها ~~استيقظ فزعا، نهض من قرب عبد الرحمن التي استيقظت هي الأخرى، فسألها ما إذا أكلت كبد ~~الجنجويد. تثاءبت، مسحت وجهها بكفها، أخبرته بأنها ندمانة لعدم فعله. عندما حاولت وجدت أن ~~كبد الجنجويد تفوح منه رائحة كالبراز الآدمي، فكرهته واستفرغت. أكدت له أيضا أنه لا ~~يوجد داع لكل ذلك، يكفي قتل هذا الشيء. # حدث ذلك في الصباح الباكر، كعادة عبد الرحمن تستيقظ متأخرة قليلا عن العمة خريفية ~~ومتأخرة كثيرا جدا عن زوجها شيكيري توتو كوه الذي يذهب للطابور والتمام العسكري عند ~~الخامسة والنصف صباحا. أول شيء تفعله هو أن تذهب للمرحاض، تقضي حاجتها، ثم تملأ جردل الماء ~~وتدخل الحمام، تستحم وهي تغني بصوتها الجميل، تحب أغنيات عمر إحساس، تقضي في الحمام ~~عادة نصف ms032 الساعة، فهي تهتم بنظافة جسدها الشخصية يوميا وبصورة دقيقة، بدءا بحك أخمص ~~قدميها، تنتف إبطيها ، انتهاء بقص أظافرها، بالنسبة لها الحمام الجيد مفتاح ليوم جميل؛ ~~بالتالي عندما تحرم منه لأي سبب من الأسباب، يكون ذلك مدعاة لتوترها وتشتتها فيما يتبقى من ~~اليوم، والأهم في الحمام في هذا المكان بالذات صهيل الخيل الذي يأتيها من الحديقة، يذكرها ~~بأيامها الغابرات في خربتي، ويثير فيها شجنا جميلا. # بينما كانت تدلك ظهرها بالليف والحبل، إذا بها تسمع خشخشة في العشب الذي يمثل الجدار ~~الخلفي للحمام المقابل لجنينة المانجو، ظنته في بادئ الأمر الورل، وهو من الزواحف الكبيرة ~~التي تتواجد بكثرة في وادي برلي، وخاصة قرب البركة الدائمة التي توجد في جنينة المانجو، ~~ولكنها عندما فكرت في أنه ثعبان ارتعدت قليلا وانكمشت على جسدها، وأخذت تبحلق في الناحية ~~التي أتى منها الصوت بتركيز أكثر، وهي في تمام الاستعداد للهرب في الوقت المناسب، كانت ~~الخيل تصهل، لا شيء آخر، تصهل في رعب كما لو أنها شاهدت جنيا رجيما، ويأتي إلى مسمعها ~~أيضا صوت العم جبريل يهدئها ويتساءل عن سبب ثورتها، لكن فجأة انفتحت كوه كبيرة في الجدار ~~العشبي للحمام، وأطل من الجهة الأخرى وجه رجل، كان أصفر البشرة، مشعرا، له شعر كث وكأنه ~~الشيطان، له ذقن صغيرة غير حليقة وشاربان كبيران، لأول وهلة عرفت أنه جنجويد، وبسرعة البرق ~~فج الجدار بصورة تامة، وكان أمامها وجها لوجه، كان قد تملكها الرعب بالصورة التي منعتها ~~من التصرف السريع، كل ما فعلته هو أنها انكمشت على نفسها محاولة ستر عورتها ونهديها، ~~بالانطواء التام على فخذيها، كانت تفوح منه رائحة العرق، مختلطة بصنان زنخ من إبطيه، رائحته ~~أشبه بالجيفة منها لرائحة الإنسان، كان يرتدي بنطلونا عسكريا عليه جلباب مدني مشرب ~~بالأوساخ، على كتفه بندقية جيم ثلاثة. # كان يحاول أن يتحدث معها برفق، لكنها تجنبت تماما النظر أو الاستماع إليه، حينها هددها ~~بالقتل، واستل سكينته من ضراعه، مررها أمام وجهها المنكفئ، حتى كاد أن يلامس نصلها أنفها، ~~شمت رائحة الدم، عندها ms033 فكرت بجدية وبطريقة مختلفة تماما، طلبت منه أن يدخلا حجرتها، وأنه ~~لا أحد بالمنزل، أكد لها إذا تفاجأ أن بالمنزل أي إنسان فإنه لا يتردد في قتله وقتلها، ~~ووضع بندقيته في موضع إطلاق النار، أنا أفهم تماما أنه يستطيع أن يفعل ذلك بدم بارد؛ لأنه ~~لا أحد يستطيع أن يعاقبه على شيء، ولو قتل سكان المدينة جميعا؛ لذا تمالكت نفسي، حملت ~~بقية ملابسي بيدي بعد أن سمح لي بارتداء الجلباب فقط، عندما دخلنا قطيتي، أغلق الباب، وطلب ~~مني أن أرقد في السرير بعيدا عنه حتى يدبر حاله وألا ألتفت إليه مطلقا، عندما سمعت صوت ~~حك حنجرته، كان يقف أمامها، يرتدي لباسا داخليا طويلا به بقع كبيرة من الأوساخ، كان ~~عاري الصدر وبيده اليمنى سكينة كبيرة. # قال لها فيما يعني إذا أرادت أن يتم الأمر بخير، فعليها أن تستسلم ولا تحاول المقاومة، ~~وإذا لم ترده كذلك فإنه سوف يستخدم سكينته، وعرفت أنه يظنها عذراء؛ لذا نبهته بأنها متزوجة، ~~هنا وضع سكينه جانبا، أرخى لباسه المتسخ الكبير، وأخفى عنها شيئه، لكنها استطاعت أن تراه، ~~كان شيئا قصيرا هزيلا، في لون الطوب محاطا بشعر كث، إنه أقرب لعضو طفل كبير منه لعضو ~~رجل بالغ، ضحكت بينها وبين نفسها، وقامت بفتح رجليها على مصراعيهما، أغمضت عينيها، وغابت في ~~خيالاتها. # أول مرة تغتصب فيها كان الأمر مؤلما ومختلفا تماما؛ لأنها كانت في ذلك الحين عذراء ~~ومختونة بصورة قاسية، ما يسميه الناس في تلك الأنحاء ختانا فرعونيا، ولأن الرجل لا يمكنه ~~أن يخترق تلك المعضلة بعضوه في يوم واحد أو لحظات كما يرجو المغتصب، فإنه استخدم سكينته، ثم ~~لم ينتبه هو أو الذين توالوا عليها من بعده في نفس اليوم، نفس اللحظات، إلى أنها كانت مغمى ~~عليها بصورة تامة، أقرب لجثة. كانت تفكر بجدية وبعمق، وهو يصدر أصواتا تنم عن استمتاعه ~~بالفعل، ورائحة تنم على قذارة في الجسد؛ النفس والروح، كان هزيلا وغير فاعل بالمرة، يحاول ~~جهده أن يبث فيه الحياة عبثا، وقد ضايقتها أكثر أنفاسه ms034 النتنة، ورائحة جسده، بدا لها ~~ضعيفا قذرا وأكثر بؤسا؛ لأنها تريد أن ينتهي كل شيء بأسرع ما يمكن، أظهرت له ما يعني ~~أنها استجابت، لمسته برفق متوحش، وبحركتين تافهتين من فخذيها جعلته يصل ذروته، دفعته في ~~الوقت المناسب بعيدا عنها، حتى لا يلوثها بقاذوراته، رقد قربها كالطفل لدقائق، عبث ~~بنهديها، ثم علا شخيره، كان شخيره مثل عواء الذئب الجائع. # حررت جسدها من مخالب كفتيه، وانسحبت للخارج، مسحت فخذيها بالملاءة، البقية كانت في سرواله ~~المتسخ، لم يستغرق منها الأمر طويلا؛ لأنه منذ الضربة الأولى توقف عن التنفس تماما، ~~واسترخى جسده، ظلت أصابع قدميه ترتجف لثوان أو ربما لبعض دقائق، ثم لم يعد هنالك ما يخيف ~~أو يتطلب إجراء ما، كأنه ما جاء إلا ليموت، لم تخف. ~~«كنت باردة الأعصاب كأنما لو كنت أقتل كل يوم جنجويدا، أحسست بلذة عظيمة، إنني الآن ~~أنتقم لكل أسرتي وأقاربي، أحسست بأني الآن إنسانة، رأيت أمي، أبي، إخواني، وأخواتي يبتسمون ~~لي، يقولون لي بلغتنا: أحسنت # Say Say ~~.» # سألها شيكيري توتو كوه، أين خبأت الجثة؟ قالت له: كنا كل يوم أنا وأنت وأمي وصديقك ~~إبراهيم خضر أيضا نغوط عليها، صببت خلفها جوالا من الجير المتبقي من العيد الماضي؛ من ثم ~~توقف المرحاض عن إصدار الروائح الأكثر نتانة من الغائط. ذكرها بأنها في حكاية سابقة تحدثت ~~عن نتانة كبده، قالت له: إن ذلك جنجويد آخر بقصة مختلفة. # منذ أن أسر زوجها شيكيري توتو كوه، قررت عبد الرحمن أن تغادر مدينة نيالا وتنضم ~~للمتمردين، لا يهم من هم ولا يهم من قائدهم ولا ما هي أهدافهم الأساسية، يكفي أنهم ~~يحاربون الحكومة والمليشيات التابعة لها، وأنهم متفقون على تحرير دارفور من قائمة القتلة ~~الطويلة، وحماية من تبقى من أهلها من صلف من تحب أن تسميهم الملاعين، ولكن دائما ما ~~تخونها الخبرة في طرائق الخروج والانضمام، هي لا تعرف أيا من الخيوط التي تربطها ~~بالمقاتلين، الذين يقال إن لهم أعينا كثيرة في المدينة، وإنهم يجندون الشباب سرا ~~ويأخذونهم إلى ميادين القتال، ms035 تريد أن تتعرف عليهم وتطلب منهم أن يأخذوها معهم، «أستطيع أن ~~أحارب مثل الرجال، بل إنني أكثر شجاعة منهم.» إنها تقاتلت مع الجنجويد شخصا لشخص، بالتحام ~~جسدي مباشر على رمال وادي برلي العظيم، تعرف كيف تقاتل كامرأة بأدوات المرأة، وتعرف كيف ~~تحارب بأدوات الرجال أيضا، حيث إنها أمسكت بقبضة يدها اليمنى بمذاكيره بكل ما تمتلك من قوة ~~وجذبتها نحوها، ولم تطلقه إلا عندما أغمي عليه تماما، ثم خنقته إلى أن أطلق روحه، هل هنالك ~~رجل فعل ما فعلته؟ وهي الآن تمتلك بندقيتين جيم ثري فاعلتين، تمتلك أربعة قنابل يدوية، لا ~~تعرف كيف تستخدمها، ولكنها تحتفظ بها بحرص شديد، وعتاد جنديين كاملين من الذخيرة الحية، ~~ونقودا كثيرة استولت عليها من جيوب الجنجويدين، فقط تبحث الآن عن ميدان المعركة، تريد أن ~~تنضم لرفاق مقاتلين. # كان الخال جمعة ساكن كعادته، يقضي المساء على كرسي أمام باب الحديقة الجنوبي الذي يطل على ~~الوادي مباشرة، بعد أن تتم مراجعة أحوال الخيل مع مساعده الوفي العم جبريل سائس خيله وراعي ~~الحديقة الكبيرة، العم جبريل يظل بالداخل يحتسي مريسته ويستمع للراديو، وأحيانا تتسلل إليه ~~علوية، وهي أرملة يحبها جدا ويقضيان وقتا طيبا في الأنس والإيناس. جلست عبد الرحمن ~~قربه على الرمال، على الرغم من إلحاحه عليها بأن يحضر لها جبريل كرسيا من الداخل، أو تذهب ~~هي وتتناول واحدا، قالت له إنها تريده في أمر مهم. كان الخال جمعة ساكن في الخامسة ~~والخمسين من عمره، رجلا قوي البنية، أشيب، كل شعرة في رأسه ووجهه بيضاء، على الرغم من ~~عزلته إلا أنه مرح جدا عندما يجد من يؤانسه ويطمئن إليه. صب لها كوبا من الشاي من ~~إبريق قربه، طلبت منه أن يعطيها الأمان، وهذا يعني في ثقافة دارفور أن ما يدور بينهما الآن ~~يبقى سرا، وأنهما إذا لم يتفقا على مسألة ما، فإن ذلك لا يضر بعلاقتهما في المستقبل، ~~فأعطاها الأمان. قالت له باللغة المحلية، هي لغة قبيلتها: أحتاج لفرس. # فجأة انتبه بكل حواسه، وضع كوب الشاي جانبا، صمت. ms036 # ماذا تفعلين بفرس؟ # قالت له وقد التقت عيناهما في لحظة كخطف البرق: أريد أن أذهب إلى ميدان الحرب. # صمت، لزمن لا يدريانه، سألها: أين ميدان الحرب؟ # قالت: لا أدري، أريد أن أقاتل الجنجويد والحكومة، أريد أن أنضم للثوار بالجبال. # سألها بلطف: هل تدرين أين هم؟ # قالت: لا، لا أعرف عنهم شيئا، سمعت باسم شارون، وكنت أعرف أسرته في الجير، لكني لا أعرف ~~أين هو الآن. # طلب منها أن تتريث، وأن الحرب ليست بالشيء السهل؛ فقد تتعرض للموت أو على أقل تقدير ~~الاغتصاب، ولكنها عندما قصت له حكاية الجنجويدين، والأسلحة التي تمتلكها، برقت عيناه إثارة، ~~وقادها نحو مظلة الحصين، وطلب من جبريل أن يهيئ فرسين سماهما بالاسم بكامل عتادهما، عندما ~~استفسرت لماذا فرسين؟ قال لها: لقد قلت لي إنك لا تعرفين موقع الثوار، أليس كذلك؟ أنا أعرف ~~دارفور كما أعرف أصابع يدي، قضيت عمري كله متجولا في بواديها، سآخذك إليهم وأعود. # قالت له إنها سوف تدفع ثمن الفرس، إلا أنه أكد لها أنه لا يمانع أن يعطيها ثروته كلها، ~~إنها تفعل ما لا يستطيع هو فعله، فقط طلب منها شيئا واحدا؛ أن تتذكر أبناءه الذين ذبحهم ~~الجنجويد، أن تنتقم لهم أيضا. # أتت عبد الرحمن إليه وبذهنها فكرة واحدة فقط، أن تأخذ فرسا منه، مهما كلف ذلك، وكانت ~~بينها وبين نفسها تعلم أنه لا علاقة له بالنساء منذ أن توفيت زوجه قبل أكثر من عشرة أعوام، ~~لم تثر حوله أية قوالات أو نميمة أو شبهة ظنون بأنه يتعاطى النساء، ولكنها أيضا تضع ~~احتمال أن تغويه بجسدها إذا دعا الداعي، ذلك الجسد المنتهك الذي ناله الجنجويد مجانا ~~وعنوة، وناله أبناء جلدتها في معسكر كلمة وأب شوك بغير حب أو رحمة، وناله آخرون كثر بكامل ~~إرادتها ومن أجل بعض النقود القليلة، ما العيب في أن تهبه من أجل قضية ملحة؟ قضية تؤمن بها ~~وتعمل لأجلها، ولا ترى في ذلك خيانة لزوجها شيكيري توتو كوه، ولا لأي مخلوق آخر؛ فهي تعطي ~~لشيكيري قلبها كله وجسدها ms037 كله بالحب، له وحده، أما نصيب وطنها وشعبها من جسدها فهي لا تهمله ~~إطلاقا، تذكيه عند الضرورة بدون تردد. الخطة الأخرى التي كانت سوف تطبقها في حال عدم ~~اقتناع الخال ساكن بالمنطق، وعدم استجابته لغواية جسدها الجميل الشهي، بالإضافة لما لديها ~~من مال قليل أخذته من الجنجويد، هي سرقة الفرس، حتى إذا أدى الأمر لقتل العم جبريل والخال ~~جمعة ساكن الطيب، الذي يسمح لهما دائما بأخذ المانجو التي تتدلى أفرعها في بيت الخالة ~~خريفية، الذي يتحدث لغتها القبلية، الذي يحبها جدا ويسمح لها بالتجوال بأفراسه الغالية ~~الثمن، التي يكسب من ورائها الملايين في سباق الخيل في المواسم، التي تكسبه مكانة اجتماعية ~~سامية. # كان الليل دامسا، يقول الخال ساكن: إنه الوقت الأنسب للترحال، فالطريق واضح لديه، ~~ويستطيع أيضا استخدام النجوم، والكواكب، والريح، وملمس التربة ورائحة الأمكنة والأصوات في ~~الاستدلال على الطريق ومعرفة المواقع، كان الفرسان أسودين وهما يرتديان أيضا ملابس داكنة ~~الألوان، حتى تصعب رؤيتهما من قبل الآخرين. كانا لا يتحدثان إلا لماما، بالهمس، يعرفان أن ~~الليل يحمل الأصوات بعيدا جدا، مع طلوع الفجر كانا على مشارف قرية خاوية من السكان، ~~وبيوتها محروقة بكاملها، تتناثر العظام والجثث البشرية المتيبسة في أنحاء المكان بين ~~عشيبات الخريف التي بدأت في الذبول، القرية معروفة لكليهما، ولأن القش البوص الذي نما في ~~الفصل المطير ما زال منتصبا على الأرض - هما في سبتمبر - قطعا بعضه وصنعا منه مظلة صغيرة، ~~أعدا في ظلها بعض الطعام، وقررا أن يبقيا في ذات المكان إلى قبيل نزول الظلام؛ لأن ~~الترحال نهارا قد يقودهما إلى صدام مع جهة ما، وقد تكشفهما مناظير الحكومة أو غيرها من ~~المليشيات الموالية وطائرات التجسس. # صنعا فرشين من العشب، كانت عبد الرحمن مرهقة، لم تركب الخيل لمسافة طويلة منذ سنوات ~~كثيرة ماضية، كانت تحس بآلام مبرحة في باطن فخذيها وسمانة رجليها، شربت قليلا من العصير ~~المصنوع من الدخن، ونامت. # حياة المدينة لم تفقده مهاراته في الصيد والعيش على الطبيعة مباشرة، فبمجرد أن نامت عبد ~~الرحمن، وتأكد ms038 تماما من خلو المكان من الثعابين والعقارب السامة، عبث في أشيائه، وأخرج ~~شراك الفئران وطعمها من البصل الأحمر ذي الرائحة القوية، كان يعرف مسارات مرور الفئران ~~الكبيرة عبر أقصاب البوص، حيث إنها تترك أثرا على الأرض واضحا، يبدو وكأنه أنبوب طويل ~~شفاف يخترق العشب، هو سوف لا يضع الشراك في طريقها مباشرة، وإلا أثار شكوكها وأسرعت ~~بالفرار، ولكنه نصبها بعيدا عكس اتجاه الريح، بحيث تصلها الرائحة الشهية للبصل، ويتركها هي ~~التي تبحث عن مصيدتها، طائعة مختارة. # يحبها مشوية على لهب خفيف، استيقظت على رائحة الشواء اللذيذة، وكان منظر الفئران الكبيرة ~~وهي متدلية من عمود مصنوع من أخشاب العرد، مطلة على لهب فاتر يلعق بألسنته الصيد السمين، ~~كانت كما لو أنها في حلم، امتلأت رئتاها بعبق الشواء ودخان الحريق يجعلها تكح بشدة، وهي ~~تحملق في الخال جمعة ساكن وهو يجلس القرفصاء يعد فأرا ناضجا للأكل، جلست قربه، كانت تبدو ~~عليها السعادة البالغة، تحدثت معه قليلا عن وجبة فئران شهية أطعمتها في قريتها وهي طفلة، ~~كانا يأكلان بمتعة خاصة، قال لها بلغتها المحلية: الحرب عدو. # أضاف وهو يرقب اللهيب المتصاعد: الحرب عدو. # كانت تنظر إليه كما لو أنها تنتظره أن يقول شيئا آخر، شيئا مهما، حمل عصا صغيرة من ~~خشب العرد، حرك بها بعض الجمرات الصغيرات، فتطاير كثير من الشرر، صمت لزمن طويل، ~~الحرب تعني عنده الكثير، إنها أخذت كل أسرته، كل الذين يحبهم، التهمتهم بدون أية ~~رحمة. # العم ساكن من قبيلة الفور، وهي القبيلة التي تسكن جبل مرة والأودية التي حوله منذ آلاف ~~السنين، قبيلة مسلمة مسالمة لا تميل للحرب والاقتتال، إلا أن الأراضي الخصيبة التي تشغلها ~~جعلت منها هدفا لأطماع الطامعين منذ أقدم العصور. # عبد الرحمن كانت تفكر بجدية في الطريق التي تشكر بها هذا الرجل. نعم إنه يرى فيها ~~المنفذ العملي للانتقام من أجل أبنائه الذين لم تترك لهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم، قتلوا ~~ببرود، سيحكي لها قصة موتهم للمرة العشرين؛ كانوا يستقلون عربة نقل تجاري من كاس إلى ms039 ~~زالنجي، وجدوا نقطة تفتيش في الطريق، بها جنجويد وجنود نظاميون، سألوا الناس عن قبائلهم، ~~ومن كذب في اسم قبيلته اكتفوا بأن يحرزوا اسمها، كان يهمهم أن يعرفوا هل الشخص زرقة أم عرب؛ ~~لأن اللون وحده لا يكفي؛ فكثير من منسوبي القبائل العربية أكثر سوادا من منسوبي القبائل ~~الدارفورية الأخرى. كانوا أيضا يعتمدون اللسان، طريقة النطق والتعبير، وفوق ذلك كله يعتمد ~~الأمر على مزاج الجنجويد المسئول عن نقطة التفتيش، وهو دائما في رتبة وسلطة أعلى من القائد ~~العسكري النظامي، بل يستطيع تصفيته دون أن تعاقبه أية جهة كانت؛ ففي ذلك اليوم كان مزاج ~~الجنجويد عكرا؛ فقد جرح أحد أفراد قوته جرحا بليغا قد يودي بحياته، في عراك مع أحد ~~الرجال الدرافوريين، ومما أثار غضبه أكثر أن الرجل استطاع أن يهرب ولم يصبه الطلق الناري ~~الكثيف الذي أمطر به؛ لذا قام بإعدام كل الرجال والأطفال الذكور الذين باللوري السفري، ~~جميعهم، عربا كانوا أم زرقة، ومن بينهم أبناؤه الأبرياء؛ رجلان بالغان وطفل في العاشرة من ~~العمر. # تحس في أعماقها أنها أخذت تنتمي للرجل، قد بدا لها حقيقيا وحزينا جدا، وترغب في ~~مواساته، وعبد الرحمن لا تدري كيف تفعل ذلك. إنها تخشى ألا يقبل الطريقة التي تفكر في أن ~~تعبر بها عن تعاطفها معه، إنه ذات الجسد الذي تصيد به الأشرار والقتلة، وهو يفيد جدا ~~في تقديمه هدية للطيبين والصالحين والذين تحبهم، وفي سبيل قضيتها؛ فلم يخلقه الله لها ~~عبثا، إنه سلاحها وثروتها. لا يستطيع أن يقرأ ما يدور بخاطرها في تلك اللحظة، وإلا لأراحها ~~من الحيرة بإجابة ما سلبية كانت أم إيجابية. # حسنا، يمكنها أن تعطيه النقود التي أخذتها من الجنجويدين، إنه مبلغ كبير من المال، لا ~~تدري ماذا تفعل به في ميدان المعركة، قال لها إنه لا يحتاج لنقود، لديه من المال ما لا يدري ~~ماذا يفعل به ولا كيف يصرفه، المال لا يمثل لديه أية قيمة، قالت له إنها لا تدري ماذا تفعل ~~به أيضا. وأخيرا اتفقا على أن يقوم بإعطائه ms040 للعمة خريفية، بأسلوب لا يجعلها تشك في أن ~~مصدره هو ابنتها المختفية عبد الرحمن. # حسنا، إنها لم تكافئه أيضا. الطريق إلى المعسكر قد اتضح تماما، وعليها عندما ~~تتخطى الخور الصغير أن تتخذ يسارها، وتتجه نحو المرتفعات التي سوف لا تبعد حينها كثيرا. ~~إنهم في وسط تلك المرتفعات فيما يسمونه المدينة، وعليها أيضا أن تتخذ تمام الحيطة والحذر؛ ~~لأنهم سوف يرونها بمناظيرهم من على بعد كاف، وإذا التزمت السير كما شرحته لها، فإنها ~~ستتجنب حقل الألغام البشرية. أما ألغام الآلات الثقيلة فبإمكانها أن تعبره دون مخافات ~~تذكر؛ لأنها لا تنفجر إلا تحت ضغط حمل ثقيل مثل دبابة أو شاحنة جنود، عربة لاندكروزر، أو ~~غيرها من المقاتلات ذات الوزن الذي يفوق ثلاثة أطنان، وطالما كانت تحمل طرحتها البيضاء في ~~بيرق ترفعه عاليا، فإنهم سوف لا يطلقون عليها النار. حدثها بسر كتمه طويلا، وهو أنه أحد ~~الذين يعملون على إرسال المقاتلين الدارفوريين من مدينة نيالا إلى ميدان المعركة، وفي كل ~~الجبهات، وهو المسئول الأول في هذا الشأن، وحدثها أن بنيالا الآن أكثر من عشرين خلية مقاومة ~~ثورية، تحت إدارته، وبها عشرات النساء والرجال، مدنيين وعسكريين، طلابا وموظفين. وذكر لها ~~اسم أحد الثوار وهو يعمل بمكتب الوالي شخصيا، بل من أقرب المقربين إلى الوالي. # قال لها: أعمل أنا من عشر سنوات في هذا التكليف، وكنت مقاتلا في أكثر من جبهة، أكد لها ~~بلغتها المحلية وهو يشيعها بابتسامة عريضة بينما يتوغل بها الفرس في عمق المكان. كانت ~~مندهشة، ممتنة، وترغبه بل تتشهاه بشدة، فلو عادت بها الأيام لأصبحت من أقرب أصدقائه أو ~~عشيقته، لا فرق، كم هي حزينة: أن أتعرف عليك في الزمن الضائع. # | الحرية وقرينها # جدود إبراهيم خضر إبراهيم منحدرون من العبد الذي سمي بخيت، هو والد الخادم التي سميت ~~بخيتة وعرفت فيما بعد في مجتمع العبيد والأسياد معا ببخيتة «سجم الرماد». لم يهتم أحد ~~بمعرفة اسميهما الحقيقيين، يكفي أن يكون لكل منهما سعر محدد، بيع الجد بسعر أعلى من ~~أقرانه 55 ريالا مجيديا، ms041 نسبة لوجود علامات الجدري في وجهه؛ لأن ذلك يعني أنه سوف لا ~~يصاب به مرة أخرى. طالما كلف الجدري التجار خسائر فادحة في العام الماضي، ووهبت هي ~~مجانا لذات التاجر؛ لأنها كانت صغيرة في السن وتحتاج لرعاية قريب حتى لا تموت، كما أنه لا ~~يمكن أن يشتريها أي من التجار؛ فهي خسارة مؤكدة، ولولا رأفة طارئة في قلب النخاس، لتخلص ~~منها برميها للذئاب التي كثيرا ما تتبع قافلة صيد الرقيق، طمعا في وجبات طازجة من موتى أو ~~جرحى من الرقيق فقد الأمل في أن يشفوا. # كان الأب بخيت، وسندعوه بخيت؛ لأن اسمه الحقيقي ظل مجهولا إلى تاريخ وفاته؛ كان يحمل ~~ابنته حديثة الولادة البكر، إلى الرب الخاص بقبيلته في جبل مجاور لمباركتها، وفي الطريق ~~صاده الصائدون، بهذه البساطة، ولكن بخيت كان يلوم نفسه على ذلك؛ لأنه وقع في ثلاثة أخطاء ~~كبيرة؛ أولا أنه لم يذهب في جماعة مدججة بالحراب والنبال، كما هو الحال دائما في مثل ~~تلك الأيام التي يكثر فيها صائدو البشر النخاسون، وهي نهاية هطول الأمطار إلى بداية هطولها ~~مرة أخرى. الشيء الآخر هو أن بخيت نسي أن يحمل معه تميمته الخاصة بحمايته من الطلق الناري ~~والسلاح الأبيض، إلا لما أخافه النخاسون ببنادقهم وحرابهم. الخطأ الثالث وهو الأفدح، أن ~~بخيت ما كان يرغب في الذهاب إلى الرب الخاص بقبيلته؛ لأنه في الآونة الأخيرة انتمى لجماعة ~~تعبد إلها آخر غير الذي تعارف الناس عليه في القرية، يحرم هذا الدين الرب الخاص والخمر ~~والتمائم ويلزم الناس بالصلاة والصيام. # ولكن تحت إصرار وإلحاح أمه وأبيه وزوجته، أخذ ابنته ومضى للرب مكرها؛ لذا فعل الرب ~~به ما فعل. لقد جعله فريسة لأفراد يتخذون نفس دينه الجديد ويعبدون ذات الإله ويصلون تماما ~~كما تعلم أن يصلي، ويكفرون بالرب الخاص بقبيلته. # أخذ الأب والبنت إلى سوق الديم، ولأنه كان قويا وبصحة جيدة وتجاوز مرض الجدري، ~~تم عرضه في السوق مباشرة، ولو أنه كان حانقا ومتورم الوجه؛ لأنه دافع عن حريته بشراسة، ~~ولكن كما يقولون: ms042 الكثرة غلبت الشجاعة. في السوق، قال للنخاس باللغة الوسيطة الشائعة في تلك ~~الأنحاء: أنا مسلم مثلك. # أجابه النخاس ضاحكا: لكنك عب، والعب مكانه السوق. # ولم يزد، كانت لديه معرفة كاملة بما سيصير إليه أمره، سيباع من سوق إلى سوق، وإذا كان ~~محظوظا، ينتهي به المطاف في أم درمان، هنالك العبيد أحسن حالا، أما إذا لاحقته لعنة ربه ~~الجبلي، فإنه سوف يقع في يد فلاح أو تاجر جوال، أو سلطان يستخدمه جنديا يخوض به الحروب ~~وقد يخصيه، وهي فعلة مؤلمة كثيرا تحدث عنها الناس، وكلما قبض رجل بواسطة ~~النخاسة، تقوم أمه أو زوجته وأطفاله بأداء صلاة خاصة للرب طالبين منه، في حال أنه لا يستطيع ~~أن يعيده إليهم، فليحمه من أن يخصى؛ لأن ذلك مؤلم جدا ويقطع النسل. # وفي اليوم الثالث بينما كان يطعم بنته التي تصرخ بشدة عندما تجوع فيضطر الحراس إلى توفير ~~اللبن لها، إذ بثمانية من الشبان يلقى بهم في الزريبة، إنهم جماعته أنفسهم، الذين كان ~~يتعبد معهم؛ أي خليته الإيمانية، فلقد تطير بهم سكان القرية بعد أن اختفى بخيت، ~~وحاولوا قتلهم، فهربوا بدينهم إلى مغارة قصية عند جبل بعيد، فصادفهم النخاسة في صحبة ~~البازنجر، ولأنهم غير مسلحين، وكانوا يكفرون بالتمائم الواقية من الطلق الناري، وهاربين، ~~تمت السيطرة عليهم بكل سهولة، ربطوا في صف طويل. أتى بهم النخاس المحظوظ إلى الديم، ~~فلقد كانوا فتية في صحة جيدة، أعمارهم جميعا تجارية، ويعرفون اللغة العربية الوسيطة، كل ~~ذلك يجعل سعرهم مرتفعا وبيعهم سهلا. كانوا وهم يدفعون للأمام ويضربون بالسياط للمضي ~~قدما، يصيحون بصوت واحد منغم وبحرقة: الله أكبر، الله أكبر ... # تم عرضهم أولا لممثل الحكومة؛ فهو المسئول الرئيسي عن الرق، الذي من حقه أن يشتري منه ما ~~يشاء بالسعر الذي يضعه؛ لأن كل الرقيق يعتبرون في الأصل ملكا للحكومة؛ فهي تعطي تصاريح ~~للصيد فقط وليس للملكية، فالملكية تحتاج إجراءات أخرى، وهذا المسئول بالذات يعرف عنه أنه ~~يشتري الرقيق من أجل متعته الشخصية، وذلك عندما لا تكون الدولة في حاجة إلى ms043 جهايدية ~~محاربين. يختار الرجل فتيات جميلات صغيرات، صبيان مردة. أما النساء فخلقن لذلك. # أما الرجال فإن أمام الرقيق الذي صادف شهوة رجل الحكومة أن يختار بين اثنين؛ إما أن يتم ~~خصيه ومن ثم يصبح في حكم النساء، وبعد ذلك يرضخ للفعلة مكرها، أو يرضى طائعا أن يفعل ~~به كما يفعل بالنساء. ويعرف عن الحكومي أيضا، أنه يفضل الحالة الأخيرة، حيث إن غاية ~~متعته هي أن يقبض على ذكر المفعول به ويعضه في ظهره عندما يصل ذروة نشوته، فالخصي يحرم ~~الحكومي المسكين تمام متعته المرجوة، كما أن المهدي قد أحل الرق ولكنه - رضوان الله عليه ~~- حرم الخصي، فلا يمارسه الرجل إلا مضطرا ومخاطرا. اختار الحكومي لمتعته الشخصية ~~المتجددة أحد المؤمنين، أحدثهم سنا، وبيع البقية بالجملة لوكيل مهرب مغربي شهير اسمه محمد ~~البخيت، الذي برع في تهريب الرقيق إلى مصر، بعد أن حرم تصديره إليها الخليفة عبد الله ~~التعايشي، خوفا من أن يجندهم الأتراك جيوشا لإعادة فتح السودان مرة أخرى، ينوي الوسيط ~~توريدهم إلى أسواق استانبول مباشرة، ولربما أصبحوا فيما بعد بعض الجند العثمانيين الذين ~~قتلوا في إحدى المعارك التي دحرت فيها السلطنة العثمانية المتهالكة في ذلك ~~الوقت. # عبر مجرى النيل الأزرق الفتي، انتهى بهما المطاف إلى أم درمان، ثم عبر النيل العظيم إلى ~~سوق النخاسة بشندي، اشتراهما إقطاعي، ودارت بهما دوائر الأيام والعبودية، إلى أن بلغت ~~بخيتة الرابعة عشرة من عمرها، وأصبحت في طور ما يمكن أن يؤتى من النساء. اشتراها نخاس ~~متجول، فودعت والدها وداعا مؤلما؛ لأنهما كانا يعلمان أنه نهائي وأبدي، أعادها النخاس إلى ~~أم درمان حيث أخذ يستثمرها في سوق الدعارة مع أخريات، يستأجرها للناكحين الأغنياء بالساعة ~~والليلة والأسبوع. أنجبت من آباء كثر بنتا سميت السرة، ثم من آباء آخرين ولدا سمي ~~مستور، ثم من رجل واحد ثري اشتراها لمتعته الخاصة توأما سميا التوم والتومة، ~~والتومة هي الجدة المباشرة لإبراهيم، اشتراها بدوي بكسلا ب 160 ريالا مجيديا، وهو أعلى ~~سعر لرقيق بسوق أم درمان؛ لأن الخادم الشابة أو ms044 كما يسمونها «الفرخة الفاتية»، تعتبر ~~استثمارا مربحا لسيدها، خاصة الجيل الثاني من الرقيق الذي كان نتاج علاقات بين الرقيق ~~الأنثى والذكور العرب، حيث إنهم أخذوا من الآباء ألوانهم البنية والصفراء، والأجساد ~~الأفريقية ذات البنية الجسمانية المتينة والقوام السامق، بل أحيانا يصعب أن يحدد ما إذا ~~كان الشخص من الرقيق أو السادة وفقا للونه. # كان البدوي قاسي القلب، يجعلها تعمل اليوم كله في طحن الغلال بحجر الصوان، ويبيع الطحين ~~للتجار، تطعم ضيوفه الكثر الذين لا يشبعون، ونساءه وأطفاله الآخرين، وبالليل يستأجرها لطلاب ~~المتعة والهوى من الأثرياء. # في صباح باكر، سمعت سيدها المجروح - نتيجة لطلق ناري أصيب به لاشتراكه في معركة كرري - ~~يتحدث مع بعض أصحابه الذين فقدوا أموالهم وثرواتهم بعد عودة الإنجليز لحكم السودان، وسقوط ~~دولة المهدية، يتجمعون كل ليلة يتحسرون ويتباكون على أيام زمان، يتحدثون بحرقة عن طلب ~~الإنجليز غير المعقول وغير الشرعي، بل والمستفز والغريب، الذي يطلب منهم إطلاق الرقيق الذين ~~بين أيديهم أحرارا فورا. ومنذ إعلان هذا القرار، ويجرم ويحاكم بالسجن والغرامة كل من ~~يمتلك أو يتاجر أو يحتفظ بأي شخص ذكرا كان أم أنثى، طفلا أو بالغا، كعبد، أو سرية، أو أي ~~شكل آخر من أشكال الاسترقاق. # كادت أن تطير من الفرح، وتأكدت لها تماما صحة الإشاعات التي انطلقت قبل الحرب قائلة إن ~~الإنجليز سوف يطلقون الناس أحرارا، وسوف يرجعون الناس إلى قبائلهم وأهليهم أينما ~~كانوا. # انتظرت يوما، ويوما آخر، ولم يخبرها سيدها بأنها حرة، إلى أن طلب منها فجأة ذات عصر، أن ~~تترك ما بين يديها، وتختفي بأسرع ما يمكن في أعشاب القاش، وألا تعود، إلا في المساء، عندما ~~سألته لم، قال لها: الإنجليز يريدون أخذها وبيعها إلى الأتراك، والذين سوف يقومون بقتلها ~~وإطعامها لكلابهم. كانت تعلم أنه كاذب، وكانت تعرف أن المفتش الإنجليزي يقوم بمداهمة ~~البيوت التي تحتفظ بالرق ولم تنفذ القرارات الحكومية، وجدت بين أشجار نهر القاش الكثيفة ~~يختبئ المئات من الرقيق، وكثير منهم كان يظن أن الإنجليز ينوون بهم شرا، بل بعضهم كان ms045 ~~يطلق مقولة قالها لهم السيد: عبد بسيده خير من حر مجهجه. # وكانوا يخافون من أن يجهجههم الإنجليز، فماذا سوف يفعلون بحريتهم، من أين يأكلون، ~~ويشربون، بل أين ينامون بالليل وهم لا يمتلكون أرضا ولا بيتا ولا وظيفة، ولا عملا؟ ~~سيكونون صيدا سهلا للذئاب والثعابين والجوع والمرض. ولقد حلف كثير من الأسياد لمملوكيهم ~~أنهم سوف لا يقبلون بهم إذا تحرروا الآن، ثم خرج الإنجليز كما خرج من قبلهم الأتراك الذين ~~هم أقوى من الإنجليز، وذكروهم بكيف أعاد المهدي - رضي الله عنه وأرضاه - العبيد الذين ~~حررتهم التركية إلى أسيادهم مرة أخرى، بعد أن هزم بسيفه الترك الكفار، وكيف أن بعض ~~الأسياد من الغضب قام بقتل كل عبيده العائدين بحرقهم أحياء بالنار. وأكدوا لهم أن سيدنا ~~المهدي عائد عائد، وهو لم يمت إنما يذهب ليقضي وطرا في مكة ويعود مرة أخرى بجيش من ~~الملائكة. # قلة قليلة من الرقيق كانت تعي معنى الحرية، والتومة واحدة منهم، كانت تقول لهم إنها تفضل ~~الجحيم من هؤلاء السادة الأشرار، بالنسبة لها الإنجليز أفضل من المهدية، والخواجة كتشنز ~~خير من المهدي وخليفته. التومة هي أول من اتخذت قرارا بتسليم نفسها للإنجليز، وخرجت من ~~عشيبات العدار الغزير. أحست بنسمة رقيقة من الهواء تمسح وجهها، شهقت هواء تحس به لأول مرة ~~في حياتها نقيا، كانت تسير نحو عمق المدينة خفيفة كالريشة، ثم فجأة أحست بنفسها تجري، ~~تجري بكل ما أوتيت من قوة وسرعة، كان الناس يشاهدونها في الشارع تمر مثل الطلقة، مرت بسادة ~~كثر، لم تترك لهم الطريق، بل شقتهم شقا. مرت بعبيد يعملون، لم تهتم بشأنهم، مرت بإنجليز ~~يتمشون وأسرهم لم تعرهم اهتماما، مرت بهنود يجرون عربة عليها إنجليزي عجوز، مرت بأناس ~~شتى، بدو، تجار، بقايا جهادية منكسرين، عبرتهم إلى المديرية، وقفت أمام أول رجل أبيض ~~تقابله، قالت له من بين أنفاسها المتلاحقة: أنا حرة. # في ذلك اليوم أخرج الإنجليز من بين قصب العدار الذي ينمو في مجرى نهر القاش الموسمي ~~والأحراش التي تحيط به، ما لا يقل عن ms046 ألف رجل وامرأة ومئات الأطفال، وقالوا لهم: أنتم ~~أحرار، بكى كثير منهم من الفرح، وبكى الآخرون من الخوف على مستقبل حريتهم المجهجهة. وأصبح ~~الخوف جديا وماثلا، خاصة بعد مذكرة السادة على الميرغني، الشريف يوسف الهندي وعبد ~~الرحمن المهدي في 6 مارس 1925 إلى مدير المخابرات الإنجليزي التي طلبوا فيها من الحكومة ~~الإنجليزية، إعادة النظر في الحرية الموهوبة للرق في السودان، بل استثناء الرقيق السوداني ~~بالذات من الحرية التي كفلتها لهم المواثيق الدولية، وتركهم عبيدا إلى أبد الآبدين؛ لأن ~~ذلك أجدى لهم وأنفع. وقد روج النخاسون والمالكون للرق دعاية مفادها أن الحكومة البريطانية ~~قد استجابت لهؤلاء القادة الدينيين، وقريبا جدا سوف يعاد إليهم عبيدهم؛ مما جعل أسرا ~~كثيرة وأفرادا من المعتوقين يهربون إلى إثيوبيا. # رجل اسمه فرج الله ود ملينة، كان مملوكا للحكومة كجندي جهادية، ويبدو أنه كان يفكر في ~~مستقبله كثيرا؛ لذا، منذ خمسة عشر عاما، كان يستقطع أو بالأحرى يسرق من المال الذي ~~يجبيه من التجار والمزارعين كزكاة أو عشور، ورشاوى للأمراء، ويدفنه في مغارة بجبل توتيل؛ ~~فهو الآن يمتلك ثروة من الذهب والريالات الفضية، بالقدر الذي يضعه في مصاف أثرياء المدينة، ~~اشترى بعد التحرير الأبقار والماعز، وبيتا كبيرا، به غرف متسعة مبنية بالطين اللبن ~~ومعروشة بسوق الدوم والنخيل، تماما كما يفعل أسياده في الماضي. وإذا كان الرق مباحا، لسعى ~~فرخان أو ثلاثة لخدمته، ولاتخذ لنفسه من السرايا كثيرات. فلقد كان رقيقا مميزا جدا؛ فهو ~~مملوك للدولة، ولديه رتبة عسكرية، وسلطة مطلقة في البطش، فبسقوط الدولة المهدية التي كان ~~مملوكا لها فقد تحرر، فلولا أن حرمت السلطة الجديدة الرق، لما فكر أن يكون شيئا آخر ~~غير تاجر رقيق. # أعجب هذا الجهايدي المعاشي بالتومة وجمالها، وكان يرغب فيها بالماضي ولم يكن باستطاعته ~~منافسة السادة. تقدم الآن إليها، بسنة الله ورسوله؛ أي يتزوجها كما يتزوج الذين كانوا ~~أسيادهم، وراقت لها الفكرة، زميلاتها في العبودية قمن بتجهيزها، فلقد كانت توكل إليهن هذه ~~المهام في الماضي، فصارت مثل الأميرة حسنا ورقة وإشراقا، وتطيبت ms047 بأحسن العطر، وهو الشيء ~~الذي كان محرما عليهن في زمن الرق والعبودية، ألبست الذهب والفضة والثوب الزراق والفوطة ~~الهندية، ولأول مرة ترتدي حذاء جديدا وقرقابا من الحرير، وكانت حديث المدينة، حيث يعلق ~~الناس في حسد قائلين: لقوها الخدم والعبيد. # لم يكن الناس معترفين بالحرية التي أعطاها الإنجليز لهؤلاء العبيد، وكانوا يعتبرونها ~~عارضة، وغير شرعية؛ لأن في رأيهم أن الإسلام نفسه لم يحرم الرق والاتجار به واتخاذ السرايا، ~~سارت على نهجه المهدية المباركة، وقبلها السلطنة الزرقاء، التي امتلك فيها حتى أولياء الله ~~الصالحين مئات العبيد، فكيف يحرم الإنجليز الكفار ما أحله الله على عباده؟ بل ماذا سوف يفعل ~~الرقيق الأحرار بحريتهم، لنرى إذن. # بمرور الزمن تطور مفهوم العبودية بأن يظل العبد عبدا ما عاش، حرره الإنجليز أم أعتقه ~~سيده. بل يرث الأبناء تلك الصفة، وذهب لأبعد من ذلك، فبعض السادة القدامى ضربوا ما كان ~~رقا لهم بالعصي، محاولين إعادتهم إلى بيت الطاعة، وهنالك من السراري من فضلن البقاء في ~~رفقة أزواجهن بشرعية ما ملكت الأيمان، وذلك طوعا، ولكن الأسوأ هو أن السادة قد أصابتهم ~~حالة سعر نتيجة لجنون الفقد والحرمان، فأصبحوا يطلقون على كل شخص شابه في لونه أو هيئته ما ~~كانوا يمتلكونه من رق، العبد؛ وهذا ما جعل رجلا من الجنوب، كان يعمل في المديرية كاتبا، ~~أن يقتل رجلين بسلاح شخصي؛ لأن أحدهما ناداه بالفرخ، واستطاع أن يهرب ويختفي في الغابة ~~المجاورة، وظل يطلق النار على كل من يقترب من غابته. ولأن الإنجليز كان يعجبهم هذا ~~التصرف، فإنهم لم يرسلوا جنودا للقبض عليه لمحاكمته بجريمة القتل التي ارتكبها، كانوا ~~يريدون أن يلقنوا الناس درسا، ويجعلوهم يفهمون أن ذلك العصر الذي يقسم الناس لعبيد وأسياد، ~~قد ولى، وعلى الناس أن تفهم متطلبات العصر الجديد وأن تتعايش معه. # أنجبت التومة، في أكتوبر 1933 بنتا جميلة في بشرة جدها البدوي السيد وقوام أبيها، وبها ~~ملامح ملكة نوبية عظيمة، سماها أبوها فرج الله على أمه التاية، في مارس 1956 تزوجت التاية ~~من رجل اسمه ms048 خضر إبراهيم خضر، يطعن الناس في نسبه، يظنون أنه من السودانيين على الرغم من ~~بشرته الصفراء. في أكتوبر 1963، أنجبت له ولدا أسماه إبراهيم على أبيه، وبعد عشر سنوات ~~أخرى أنجبت له بنتا سماها أمل، وأمل هي البنت التي عندما تم صيد إبراهيم خضر عند مدخل ~~مدينة الخرطوم في نقطة التفتيش بسوبا لأداء الخدمة الإلزامية، كانت في صحبته بالباص، وكان ~~على إبراهيم توصيلها للجامعة وتيسير أمر إقامتها. # أخذ إبراهيم خضر يعي حقيقة وضعه الاجتماعي متأخرا جدا؛ لأن والديه كانا يصران على ~~قطع أية صلة بينه وبين أقاربه وجدوده وجداته، الذين ما زالوا محتفظين بكثير من سمات قبائلهم ~~التي أتوا منها من شتى أنحاء السودان، مجلوبين من قوافل الرقيق، وهي أسر شهيرة ومعروفة في ~~كل أنحاء مدينة كسلا، بل إن والده كان يصر على أن يطلق كلمة عبد على كل شخص له بشرة ~~سوداء داكنة، أو ملامح موغلة في أفريقيتها، ويحكي قصصا أسطورية عن أصوله البدوية وما كانوا ~~يمتلكونه من رقيق، عن قوافل جده التي تجوب الأحراش في صيد الرجال والأطفال والنساء. لم يبق ~~كثيرا إبراهيم خضر بهذا الوعي الزائف، لقد نضج وبصورة جيدة، لم يخجل من أصوله التي عيره ~~بها الكثيرون، وقصتها له الجدة التومة ذاتها، وقالت له: إن أباه موهوم؛ فقد أخذ يبحث ~~بصورة جادة عن أصول جداته المسبيات والمباعات في أسواق الرق مسترشدا بخارطة طريق جدته ~~التومة، وظل لفترة طويلة خاصة أيام دراسته الجامعية بكلية الآداب جامعة الخرطوم، ينقب في ~~دار الوثائق القومية والمجلات الدورية الرصينة مثل مجلة # Sudan Notes and ~~Records ~~، وهو لا يحمل نفسه أو أبويه أو جدوده أية مسئولية في ذلك، كان ~~النظام المتخلف في ذلك الوقت البعيد يقوم على سيطرة القوي، وكانت أسر جدوده من الضعفاء، ~~وهذا أوقعهم في يد من لا يرحم وبطش دولة دخلها الأساسي من أثمان مواطنيها في أسواق النخاسة ~~العالمية والمحلية، عصر فيه الدولة هي تاجر الرقيق الأعظم؛ لذا كان إبراهيم خضر يكره ~~السلطنة الزرقاء ويعتبرها أساس إشكالات الهوية في السودان، ms049 ويقول صراحة بأنه ليست هنالك ~~أية سمات حضارية تخصها، وهي ليست سوى تحالف تجار رقيق، وعندما انفضت تجارتهم وعفا عليها ~~الزمن، وحاصرتها الحضارة الأوروبية، أزيلوا من وجه التاريخ إلى مزابل النسيان. # يعرف أنه يقسو كثيرا في حكمه عليها، ولكنه لا يمتلك خيارا آخر، أن يحبها مثلا أو أن ~~يكون محايدا، فما التاريخ عنده سوى ملحوظات دونها البشر، ومن حقنا كبشر أن ندون ~~التاريخ الذي يخصنا، ومن حقنا ألا نصدق المدونين، فليست هنالك حقيقة مطلقة فيما يسجل، ~~ولكن ليست هنالك حقيقة أكثر مما نراه بأعيننا ونحسه ونتعذب من أجله يوميا: هذا الإرث ~~البائس من علاقات الرق؟ # لم تكن أخته أمل بذات الوعي، بل ظلت في غيبوبة اختيارية عميقة، وتشربت الدرس الذي لقنته ~~لها الأسرة، بل إنها تظن ظنونا مدهشة، أقصد تصدق بصورة قاطعة، أن أسرة جدودها كانت تمتلك ~~رقيقا، وما تلك الجدات السوداوات شديدات السواد المشئومات إلا بقايا إرث ومجد تليد، ونتيجة ~~للتسامح الذي عرف به المجتمع السوداني منذ عصور سحيقة، أصبحن جزءا أصيلا من الأسرة. أمل ~~تنتمي الآن للجد البدوي، وبها من ملامحه الكثير، إذا أغضضنا الطرف عن أنفها الأفريقي ~~الجميل، وقوام ملكات كوش. جدها البدوي من قبائل هاجرت حديثا من الجزيرة العربية لشرق ~~السودان، بذلك أراحت نفسها من جدل الهوية المؤذي. # لم تمر أمل بظروف شديدة التعقيد بعد أن تم فصلها عنوة من أخيها، اتصلت بوالدها وجاء بنفسه ~~وقام بتسجيلها في الجامعة، وهيأ لها سكنا داخليا مع أخريات، وقد تجنبت بقدر الإمكان ~~الإقامة مع طالبات من مدينة كسلا، أو معارفها، كانت تريد أن تفتح صفحة جديدة في حياتها، ~~وفتحت هذه الصفحة، أو في الحقيقة الصفحة انفتحت لها، عندما شاهدها مخرج تليفزيوني عن طريق ~~الصدفة يوم حفل تخرجها، حيث كان قد دعي لتصميم حفل التخرج، وطلب منها أن تقوم بدور بطولة ~~قصير في اسكتش رمضاني، ثم رآها مدير قناة فضائية شهير، حداثي متدين ومحب للجمال، عرف من ~~أول نظرة أنها «تنفع مذيعة»، مع قليل من تقويم الأنف وصنفرة البشرة، وتثقيف ms050 اللسان، والبقية ~~مقدور عليها. قال لنفسه بتشه وخبرة: مدهشة، وبصق سفة صعوط كبيرة على الأرض. # لم تكن فرحة والدها بذلك كبيرة، عندما تصبح ابنته مذيعة معروفة سيحرك ذلك ألسنة الناس، ~~والدنيا مملوءة بالحاسدين والحاقدين، الذين لا هم لهم سوى التقليل من شأن الآخرين بشتى ~~السبل، شهرة ابنته قد تفتح في وجه أسرته بوابة من الجحيم يعمل دائما على أن تظل مقفلة ~~جيدا. في الحقيقة هو حزين منذ أن أخذ ابنه إلى مجاهل الحروب، ولم يسمع عنه شيئا سوى خطاب ~~واحد طويل أتت به إليه منظمة الصليب الأحمر الدولية في مرة من المرات، وهو لم يعرف أن ابنه ~~كان أسيرا إلا يوم أن استلم الخطاب، وبعد ذلك لا يعرف شيئا، هل تستطيع ابنته الشهيرة أن ~~تعيد ابنه المخطوف المجهول؟ # سأل نفسه هذا السؤال بعد عشرة أعوام وشهرين من اختفاء إبراهيم خضر إبراهيم، وعامين كاملين ~~منذ أن اعتلت ابنته الجميلة أمل فضاءات الشهرة الرهيبة، وأصبحت مقدمة البرامج الأولى في ~~القناة، وخاصة بعد عودتها من فرنسا، حيث هيأت لها القناة الفضائية عملية تجميل باهظة الثمن، ~~والحق يقال كان لوالدها أن ينظر إليها مرات عديدة ليعرف أنها ابنته أمل، لا يدري كيف صنعوا ~~لها أنفا غريبا مخروطيا أشبه بأنف امرأة فرنسية وعينين شديدتي الزرقة مثل ماء البحر، ~~كل ما تبقى من وجهها القديم شفتاها المكتنزتان لا غير. # لم ينس الأبوان ولم تنس الأخت أخاها إبراهيم، كان يرن في وعيهم كدقات الساعة، منذ ~~اللحظة التي فقد فيها، وقد قامت الأسرة بمحاولات كثيرة ومريرة في استعادته، ولكنهم لم ~~يستطيعوا إلى ذلك سبيلا، فهم أسرة بسيطة ليس من بين أقاربهم سياسيون وذوو مال نافذون، أو ~~عسكريون يشار إليهم بالبنان، طرقوا أبواب مكاتب الخدمة الوطنية مستفسرين، وكانوا دائما ما ~~يقولون لهم إنه حي وسيعود عندما يكمل فترة خدمته، وبعد عامين؛ أي عندما اكتملت الفترة ~~القانونية، قالوا لهم ينتظر بديله، وظلوا يكررون لهم جملة ينتظر بديله بإيقاعات متعددة إلى ~~اليوم وغدا. # | الكلمة # الكلمة يا أصحابي لا تأتي إليكم، إنما ms051 أنتم الذين تنتبهون لها، أنتم الذين تختارونها من ~~بين الكلمات الكثيرة، ولمن يرى فهي مضيئة، تشع مثل الجوهرة أو قل إنها مثل الشمس في السماء، ~~أما لمن لا يرى فإنها كنقطة ماء عذبة في المحيط، وأنا هنا من أجل الكلمة لا غير، أنا أبشركم ~~بها وأهبها لكم جائزة، وأزوجكم إياها وأخطبها للعاشقين والعاشقات. سأغنيها كماء النهر ~~وأرقصها كالموج، وأصلي لها في الرمل الحارق النبيل، الكلمة هي حياتكم وموتكم، وهي سبيل ~~المحبة والكراهية. # قال: المؤمنون بي لا يرونني، يعرفني أكثر الكافرون بي. # وقال لنا: لا تصنعوا مني صنما وتعبدوه؛ لأنني لا أصنع منكم أربابا وآلهة. # وقال لنا: أنتم أعرف مني في كل شيء، وأعلم مني عن كل شيء، وأقرب مني من كل شيء، وأنتم في ~~الحب مثل اللهب في وجه الشمس، وأنا يا أحبائي الشمس: فلا تؤمنوا بي ولا تكفروا بي، وضعوني ~~في ذاكرة أيامكم. # وقال لي: يا إبراهيم، لا تسع عينيك كما تسع قلبك، بل افتحهما للكون هكذا؛ ومد ذراعيه ~~في اتجاهين متعاكسين، ورأيناهما يحتويان الدنيا كلها وقلبي وعيني وقلبه وعينيه. # قال لتلاميذه: العالم أضيق قليلا من أحلامكم وأكثر اتساعا من أحلامكم، إنه مثل شعلة ~~النار التي تكمن في الشجرة، ومثل الشجرة التي تكمن في الصخرة، ومثل الصخرة التي في القلب: ~~ثقيلة وملساء، ولها بريق جذاب، تحروا الحقيقة فإنها مخادعة. # عندما خرجوا من المغارة، خرجوا مثل الأغنام التي احتجب المرعى عنها سنوات طوالا، وبقي في ~~ذاكرتها شهيا أخضر وبعيدا جدا ونادرا. كانوا يتشوقون إلى الراكوبة والقرية وغدير ~~الماء العذب، خلعوا ملابسهم ورموا بأجسادهم في الماء، رجالا ونساء وأطفالا، في ذات ~~المكان، ذات الشط، ذات الماء، وذات العري. كانوا يسبحون ويلعبون مثل الدلافين المسحورة، ~~مثل سمكات دب فيها روح شيطان نزق: كالأطفال. # وعندما خطا خطوته الأولى في الماء، فعل الماء كما يفعل دائما عندما يتوغل فيه ابن ~~الإنسان، أصبح أكثر هدوءا من لوحة على الحائط، أكثر صفاء من قلب أنثى تعشق، وأكثر جمالا ~~من مرآتك الشخصية. كان مصقولا، دافئا، وله شميم ms052 الياسمين. ولأنهم اعتادوا على ذلك واصلوا ~~يلعبون ويضحكون ويشربون الماء ويتغنون. كانوا من بلاد شتى، وسحنات شتى، وقبائل شتى، وألوان ~~شتى، ورؤى فاتحة على نوافذ شتى: كانوا يلعبون. # قال لها: لا تجعلي قلبك مملوءا بالحب، لا تجعليه مملوءا بالجمال، لا تضعي ذلك الشيء ~~الذي يسمى الرحمة والطمأنينة فيه؛ لأنهما يتمددان كالهواء الحار ويملآنه، لا تشغليه بهذا ~~وذاك، حرري قلبك من كل شيء ولا شيء، حتى يصبح خاويا كالفراغ، حينها فقط تستطيعين أن توطني ~~الكلمة فيه، فالكلمة لا تكون مع شيء ولا يكون شيء معها، ولكنها إذا استوطنت القلب ملأته ~~بالأشياء. # | شيزوفرينيا المستلب # أصبح شيكيري ملما بكل هذا الإرث المؤلم، وملكه بذلك نفسه تماما، وما كان يظن شيكيري أن ~~إبراهيم يحمل كل هذا الماضي الحزين. أما من جانب إبراهيم فحكايات أصله وفصله جزء من ~~أسطورة ذاته؛ فهو لا يخجل منها، بل يستطيع أن يقول إنها تمنحه قوة وثقة بنفسه، ودائما ما ~~ينظر بإجلال لهؤلاء النفر من جدوده، الذين ذاقوا مرارة الحرمان، وبعضهم منذ ميلاده إلى ~~مماته لم يعش يوما واحدا كإنسان حر، لم يستمتع بجمال هذا العالم المدهش، لم يحقق حلما ~~ولو كان صغيرا خاصا به، حرموا حتى من الحق في الأسرة، حيث أطفالهم ملك لسادتهم، ~~يبيعونهم كيفما ووقتما وأينما شاءوا. كان يعتبرهم أبطالا وشهداء فعليين، ومن حقهم عليه أن ~~يفخر بهم، ومن حق كل من ساهم في مأساتهم أن يخجل من نفسه، وهذا أضعف الإيمان. # بدأ له شيكيري السكوت، الآن يضج بالتخبط، ويوقن أن زوجته عبد الرحمن بتهورها سوف ترميه في ~~مهاو لا فكاك من شراك قيعانها، والآن قد تورطا في الحرب بصورة نهائية ومفجعة، فلقد أصبح ~~أحد قادة الفصائل، وصار من أشرس المحاربين وصانعي الخدع الحربية، وهو الأسلوب الذي يتبعه ~~شارون في خططه الحربية. أما عبد الرحمن فقد أخذت تحوز على مركز قوة تدريجيا، فمنذ اليوم ~~الذي شوهدت فيه تمزق ملابسها وسط المدينة، وترتدي البذلة العسكرية، قد أصبحت شخصا آخر، ~~شخصا يسعى للسلطة والسيطرة بكل ما أوتي من جهد ms053 وحيل ومكر، وكان واضحا أنها تسعى لأخذ موقع ~~متقدم في قيادة الحركة، وتعرف أن كل نقطة قوة تحصل عليها، هي خصم من سلطة شارون، ويعرف ~~شارون ذلك ، وهل يقبل أم أنه ينتظر إلى حين أن تقع عبد الرحمن في كمين يعده بمزاجه، كأسلوبه ~~في إدارة المعركة؟ # على كل هو ليس قلقا على ما تناله عبد الرحمن من قوة، فعبد الرحمن محاربة شرسة وذكية ~~وصبورة، وفوق ذلك إنها لا تريد أن تموت في المعركة أو تؤسر، وهما فضيلتان يجب أن تتوافر في ~~الجندي الذي يسعى للنصر. أما ما يهم إبراهيم خضر فهو صديقه شيكيري، الذي لا ناقة له ولا جمل ~~في هذا الصراع الخفي العنيف، في هذه الحرب التي زجا فيها زجا. أخبر إبراهيم شيكيري ~~بمخاوفه عليه، وألمح له أن عبد الرحمن سوف ترمي به في جب لا نجاة منه، وأنه قد يفقد ~~حياته، ولكن شيكيري الذي يحب عبد الرحمن، وبدأ يحب لعبة الحرب، كان رأيه أنه لا وسط فيما ~~يجري الآن في المنطقة؛ فإما أن يحارب في صفوف الحكومة والجنجويد، أو في صفوف الطورابورا: ~~اختار الأخير، على الأقل لأن عبد الرحمن هناك. # مرت أشهر الخريف بهدوء، وجرت مفاوضات عن طريق وسطاء عرب بين الحكومة وبعض الحركات، ومنها ~~الحركة التي يتزعمها شارون، عبد الرحمن حضرت المفاوضات أيضا، ما كانت عبد الرحمن تتوقع ~~نتيجة إيجابية لمثل هذه المفاوضات، ولكنها على كل حال عبارة عن هدنات يعيد فيها الأطراف ~~جميعا ترتيب أوضاعهم وتأمين الإمدادات العسكرية والطبية لمقاتليهم، ويحاول كل طرف من ~~خلالها أن يحطم معنويات الآخر. # شارون يرى أن الحرب بالنسبة للحكومة والجنجويد قد أدت غرضها بنسبة 90٪، وهو المتمثل في ~~تهجير قبائل الدارفوريين إلى ثلاث جهات: المعسكرات في تخوم المدن الكبرى، مثل نيالا، الفاشر ~~والجنينة، وقد تبنى لهم قرى نموذجية بتمويل عربي إسلامي يجبرون على الإقامة بها، وإما إلى ~~دولة تشاد كلاجئين، أو للآخرة كموتى. وما تبقى من ال 10٪ إما أنهم يعيشون كرق في القرى التي ~~يسيطر عليها الجنجويد، أو ينتظرون دورهم من ms054 الموت والتهجير لتحل محلهم المجموعات البشرية ~~القادمة من النيجر وجمهورية تشاد تحت مسميات قبلية كثيرة ولقب مرعب واحد هو الجنجويد: ~~جن على ظهر جواد وفي يده جيم ثلاثة، أو مقاتلون في أحراش دارفور. # استيقظ المعسكر ذات صباح على شجار ما بين مريم المجدلية وعبد الرحمن كانتا تشتمان بعضهما ~~البعض بألفاظ نابية وجارحة، استطاع الناس من بين هذه الشتائم والاتهامات أن يسبروا غور ~~المشكلة، أو ظنوا أنه كذلك. توصلوا إلى أن عبد الرحمن تتهم مريم بالسعي إلى غواية زوجها ~~شيكيري توت كوة، بل تدعي أنها وجدتهما مرارا وتكرارا معا، وتتهم مريم أيضا عبد الرحمن ~~بأنها داعرة كبيرة، وأنها تمارس الجنس مع الجنود لتقنعهم بالوقوف إلى جانبها ضد شارون، صاحت ~~مريم بصوت عال وواضح، إن عبد الرحمن كانت تستدرج الجنجويد عن طريق شرفها. # كانت هذه الإساءات مؤلمة لشيكيري، صحت أم كذبت. ولو أن عبد الرحمن قالت له ذات يوم، ~~عندما ناقشها في شأن صيد الجنجويد، وحاصرها في ركن ضيق، وكان عليها أن تعترف بسر ما، قالت ~~له إنها تحارب بكل ما لديها من أسلحة، وألمحت إليه أن جسدها واحد من تلك الأسلحة، وأنه ~~أكثرها ضراوة. أما مسألة الشرف، فلم يترك لها الجنجويد شرفا تحافظ عليه؛ لذا من جانبه يشك ~~في كل شكل من أشكال التقارب بينها وبين شارون، ولم تمر شتائم مريم لها مرور الكرام، دون ~~أن تحرك أنياب المخافات فيه، ودون أن تدعه يحدث ذاته بأن عبد الرحمن في سبيلها للسلطة قد ~~تفعل. أما شتائمها لمريم واتهامها لها بأنها تسعى لغواية زوجها، فكانت صحيحة، بل إن شيكيري ~~ومريم فعلا كل ما يمكن أن يفعله شخصان ناضجان يؤمنان بأن الجسد يستطيع أن يفكر بعمق ~~ولذة أكثر مما يفعل العقل. ولم تكن لدى عبد الرحمن المعرفة الأكيدة بما وصلا إليه من ~~تواصل حميم، ولكن حدثها قلبها، فصدقته وافتعلت الشجار، كانت تريد أن تحتفظ بشيكيري، لا تدري ~~ما إذا كانت تحبه حقا أم أنها تريد رجلا قربها لا أكثر. # حسم شارون المعركة بإعلانه الاستعداد ms055 الفوري. لقد شوهدت طائرة تحلق في أجواء ليست ~~ببعيدة عن موقع المعسكر، أنتنوف صغيرة الحجم، تحلق عاليا، واختلف القادة ما بين أن يطلقوا ~~عليها المضادات الصاروخية، أم أنها طائرة مدنية. لتوخي الحذر دخل المقاتلون المخابئ، ~~وانتظر مطلقو الصواريخ الأوامر العليا، الطائرة تذكرها بأيامها الأولى بمعسكر كلمة، الذي ~~يقع جنوب مطار نيالا، ولا تفصله عن المطار مسافة شاسعة، وعندما تشعل محركات الطائرات ~~ويسمعها الأطفال في المسكر مساء أو في الصباح الباكر، فإنهم يتبولون في ملابسهم، تهرب ~~الحمير رافعة آذانها للأعلى، وأذنابها منتصبة في خط مكتمل الاستقامة، متوازيا مع جسدها ~~الذي ينطلق على سطح الأرض بسرعة مائة كيلومتر في الساعة، تصيح الدجاجات والديوك كما لو أن ~~ثعلبا شرسا دخل قنها. أما عبد الرحمن، فعلى الرغم من كبر سنها مقارنة بغيرها ممن خبروا ~~تجربة حرب الطائرات، ما زالت تحس بالرعب يتملكها عندما تسمع صوت الطائرة، أو تراها؛ لذا ~~كانت من أنصار أن يطلق الصاروخ على الطائرة إذا حلقت مرة أخرى قريبا من المعسكر، أو ~~حتى بعيدا عنه، طالما كانت في مقدرة الصاروخ أن يسقطها؛ لأنها حتما ستذهب إلى قرية ما، ~~وهناك أطفال ما سوف تقتلهم، وبيوت كثيرة ستقوم بحرقها وإحالتها ومن فيها إلى رماد. # مرت الطائرة بسلام، ولكن لم تمر أزمة الطائرة بسلام؛ لأن أحد الجنود أطلق صاروخا ~~مضادا للطائرات تجاه الأنتنوف، لكن لسوء الحظ أو لحسنه لم يصبها، قال إنه لم يستطع أن ~~يتمالك أعصابه، وإنه عندما يرى الطائرة يغمره نفس الشعور عندما يرى الجنجويد أو العقرب، ~~عليه أن يفعل شيئا لقتلها. وأيدته بشدة عبد الرحمن، ووبخه بشدة شارون، وفي اجتماع صغير ~~ضم القادة لتقييم الوضع، اختلفوا في استراتيجية حرب الصيف، التي بدأت بوادرها في الظهور، ~~كطائرة الاستطلاع سالفة الذكر، وكان شارون يصر على ذات النهج؛ أي إنه لا يهاجم أيا كان، ~~إنما يترك العدو يأتي إلى حيث ينتظره، ليموت بين يديه في كمين محكم، وهذه الخطة تعتمد ~~على التغذية من داخل المدينة وأحيانا من المتعاونين من الجيش النظامي والمندسين داخل صفوف ms056 ~~المجاهدين، وهي مكلفة بشريا وماديا، ولا تكلل دائما بالنجاح، فعندما تفشل فنتائجها ~~وخيمة، و«يا ما كانت» هنالك أوقات مؤلمة وحرجة عاشها المقاتلون يوم أن صار الكمين الذي ~~نصبوه للجنجويد، كمينا لهم في ذاتهم، وهنالك ذكريات وقصص مؤلمة تحكى في هذا الشأن. # عدد لا يستهان به من القادة الميدانيين اقتنعوا بفكرة عبد الرحمن، وهي مقاتلة الجنجويد ~~في القرى التي استولوا عليها وحرقهم فيها، بطريقة الهجوم السريع المباغت، بأكبر عدد من ~~المقاتلين والرشاشات المحمولة على عربات اللاندكروزر السريعة والانسحاب الفوري. ولكن ~~الاجتماع انتهى بالعمل بفكرة شارون، الذي له تجارب في الميدان تدعم حجته، ولا يتخيل مثل عبد ~~الرحمن النصر والهزيمة تخيلا؛ لأن عبد الرحمن لم تخسر معركة إلى الآن، لم تذق طعم الهزيمة ~~وتواجه الموت، وذلك علم عسير. # ويؤكد شارون أن لذة النصر أن يأتي العدو ويموت حيث تريد، ويعرف العارفون أن شارون يقرأ ~~كثيرا مذكرات جيفارا، ويمتلك الكتاب الذي ألفه فيدل كاسترو عنه، ويعتبر جيفارا هو مسيح ~~المناضلين ومذكراته إنجيلهم، ولكنه كما يقول دائما عن نفسه إنه يؤمن ببعض الكتاب، ويتمنى ~~لو أن لقبه كان جيفارا بدلا من شارون، ولو أن اسم جيفارا سيذكره بصديقه الشهيد أبكر ~~جيفارا، أول من استشعر خطر الجنجويد، وأول من حمل السلاح للدفاع عن أهله بدارفور. كان يعيب ~~على جيفارا شيئا واحدا، ويشترك فيه كثير من مقاتلي دارفور، وهو أن صديقه الشهيد كان يفهم ~~نصف واقع الحرب، ويجهل النصف الآخر. ويشرح شارون ذلك بأنه لا يفهم كيف يحارب الرجل ضد ~~الثوار في الجنوب، ويقتل أطفالهم ونساءهم وشيوخهم، ويحرق قراهم دون رحمة، بل يعتبر ذلك ~~مرضاة لله - سبحانه وتعالى - وجهادا في سبيله، ثم ينقلب بين ليلة وضحاها، ليصبح ثوريا ~~عندما تهم ذات السلطة التي كانت تستخدمه، بذات المبادئ وذات الشعارات والأخلاق، بإدارة ~~الحرب في مسقط رأسه، مستخدمة بالطبع آخرين أو إخوته، أو هو في ذاته بأسلوب ميتافيزيقي قد لا ~~يتأتى عليه فهمه تحت ظل عطر البارود وقعقعة الرصاص. # كان شارون يسمي ذلك شزوفرينيا المستلب، الذي ليس بإمكانه ms057 أن يفهم أكثر من بعض ~~الحقيقة، ولا يعي سوى بعض الواقع؛ بالتالي لا يقوم سوى بشيء من الواجب، وقد يكون ضرر ~~هذا الشيء أكثر من نفعه ؛ فالثوري يحتاج للقلب النقي أكثر من اليد القوية، أو الاثنين معا ~~بذات المقدار. # أصيب المعسكر بحالة من الارتباك عندما انتشر خبر الهجوم الذي تعد له القوات الحكومية ~~والجنجويد، بل الذي بدأ بالفعل، عندما هاجمت طائرة مقاتلة تطير على مستوى منخفض جدا، ~~تكاد أن تلامس هامات الجبال مثل طائر وحشي يراوغ فريسة تجري على الأرض، كان ضجيجها مزعجا ~~ومرعبا، أسقطت قنبلتين برميليتين على السهل الجنوبي، وكان المقصود السهل الأوسط حيث منبع ~~البحيرة والمدينة، ولكن المسافة بين الأوسط والغربي لا تتعدى الثانيتين بسرعة الطائرة ~~المقاتلة النفاثة الصينية المرعبة، وكعادة الطيارين يخطئون الأهداف نتيجة للخوف وفقدان ~~الدافع الأخلاقي أو الثوري وليس لعدم دقة الآلة. وقبل أن تعيد الكرة، وهو الشيء الذي لا ~~يخاطر الكابتن بالقيام به في مثل هذا المكان، كان الجميع على أهبة، وقام شارون بإطلاق سراح ~~الأسرى؛ لأنهم قد يقتلون في سجنهم بدون أن يتمكنوا من انتهاز فرصة إنسانية لإنقاذ ~~أنفسهم، كما أنه لا يستطيع أن يثق فيهم بالصورة الكافية التي تجعله يضمهم إلى وحداته ~~القتالية؛ لأن كل ما يفكر فيه الأسير هو الهرب، ومن يظن غير ذلك يعتبر مغفلا حسن النية، ~~وهي صفة لا يمكن أن يوصف بها شارون. هي المرة الأولى في حياته يقوم فيها بإطلاق سراح أسير، ~~لكن هي المرة الأولى أيضا التي تجرؤ فيها الحكومة على مهاجمة معسكره: أنتم أحرار، فقط لا ~~أريدكم قريبا من جيشي، اذهبوا أينما شئتم، بالتأكيد لا أريد أن أراكم أسرى مرة ~~أخرى. # ولكنهم يظنون أن وراء العملية خطة، فشارون في عرفهم لا يفعل شيئا بدون حسابات دقيقة، ~~كانوا في ذهولهم التام لا يدرون ما هو التصرف اللائق، وعندما تركهم لشأن آخر أهم، هربوا ~~معا شمالا، حدث ذلك بعد مشورة قصيرة فيما بينهم؛ لأنه إذا كان هنالك هجوم أرضي لا بد أنه ~~سيأتي من جهة الغرب؛ لأن ms058 المنطقة الجنوبية والشرقية ملغمتان، والشمالية بها درع جبلي لا ~~يمكن تسلقه بسهولة، وهم لا يريدون أن يلتقوا بالقوات المهاجمة؛ لأنها سوف تقضي عليهم في ~~الحال، قد تعتبرهم بعض قوات العدو، عندما تخطوا الدرع الجبلي وانطلقوا بين الأشجار، ~~كانوا عشرين رجلا، ولكنهم الآن واحد وعشرون، لقد انضم إليهم إبراهيم خضر، الذي كان ينتظر ~~تلك الفرصة بل ويحلم بها، هرب قبلهم بزمن قصير، ولأنه يجهل طبيعة المنطقة، ظل مختبئا، ~~إلى أن يوطن نفسه على فكرة، وفوجئ بالأسرى فتبعهم. # | العنكبوت # قرية خربتي الجبل، قد لا يعرفها الكثيرون، حتى الذين ولدوا ونشئوا وماتوا بإقليم دارفور، ~~قرية صغيرة تقع في مضب صخري جنوب جبل مرة، سكانها القليلون يعملون في زراعة المانجو والبصل، ~~وقليل جدا من الذرة للاستهلاك اليومي، وتعتبر المانجو هي عصب الحياة لديهم، وينتجون عينة ~~منها تعرف بمانجو الجبل، وهي نادرة، كبيرة الحجم، غالية الثمن وحلوة الطعم، لها بذرة صغيرة ~~جدا، ليس بها ألياف، لا تتلف بسهولة، يشتريها منهم تجار يأتون من أقاصي دارفور؛ ليصدروها ~~للخرطوم، في شهور مارس وأبريل ومايو، يبيعون البصل في السوق المحلية. يعتمدون في شرابهم ~~وسقيا حيواناتهم، على ماء اليمامات من الخور الوحيد الذي يهبط من الجبل عابرا جنائن ~~المانجو التي يمتلكونها، تتمتع خربتي بأرض زراعية خصبة تنمو عليها الأعشاب الموسمية ~~بكثرة، ولو أن سكان خربتي لا يميلون لتربية الماشية بكميات كبيرة، إلا أن بيئتهم وأرضهم ~~رعويتان، وعمدة خربتي رجل طيب وإنسان مسالم ومسلم؛ لذا يؤمن بأن الناس شركاء في ثلاثة: ~~الماء والنار والكلأ. # في صيف 1988 قبل هطول الأمطار بخمسة وأربعين يوما، جاء إلى قرية خربتي شيوخ من الأعراب، ~~وليس غريبا أن يرى الناس مثلهم من حين لآخر يتجولون حول أراضيهم، ويرسمون معهم وآخرين ~~مسارات لمرور الماشية. وجدوا الشيخ وحوله جماعة من الرجال يشوون لحم مرفعين شحيم، صاده ~~أحدهم. كانوا يستمتعون بالشواء، وكل في أعماقه ما يأكل اللحم لأجله؛ فهو مفيد لذوى العمش ~~والعمى الليلي، هو طاقة جيدة للباردين في الفراش والذين يتأخرون في القذف كثيرا، وشفاء ~~مجرب للعقم ms059 أيضا، وهو يعالج بصورة نهائية المرضى الذين يعانون من ألم المفاصل، بالإضافة ~~إلى أن لحم المرفعين يفسد عمل السحر، وزيت المرفعين إذا وضع الرجل قدرا قليلا منه في ~~سرته، فسيصبح بذيل قصير، ولحسن الحظ لم يوجد الرجل المغامر الذي سوف يتحقق من الفرضية ~~الأخيرة، كانوا يتجادلون في كل ذلك، بينما شيوخ البدو يقتربون من الجمع، لم يهتم الناس ~~كثيرا بهم، إلى أن هتف هاتفهم: السلام عليكم. # في تلك اللحظة رد الجميع ولحم المرفعين بين أسنانهم: عليكم السلام ورحمة الله تعالى ~~وبركاته، تفضلوا قدام. # يعرف بدو بني حسن فضيلتين أخريين للحم المرفعين، ولكنهم كانوا في ضيق من أمرهم؛ لذا ~~اكتفوا بالكلام عن فضيلة واحدة مهمة، وهي أنه يجعل الراعي مطمئنا أن مرفعينا على الأقل ~~لا يمكنه أن يأكل أغنامه بعد الآن. # تدبروا أمر إكرام الضيوف سريعا، الطعام في هذا الصيف وفير، والناس ما زالوا متواجدين ~~في القرية ولا يذهبون بعيدا، ربما يعمل الشباب في اصطياد أبشوك، ولم تبدأ الاستعدادات ~~الجدية للزراعة إلى الآن؛ أي إنها لم تأخذ جل وقتهم بعد، لكن الجميع في مثل ساعة العصرية ~~تلك، يوجدون في الغالب فيما يسمونه بالديوان، وهو حجرة كبيرة في حوش كبير ببيت الشيخ آدم ~~كويا، يؤدون فيه الصلاة، يقيمون المآتم والأفراح، يتبادلون الآراء، ويحددون سعر المانجو. ~~ولولا وليمة لحم المرفعين لوجدوهم يلعبون الضالة تحت شجرة المانجو الكبيرة، التي يطلقون ~~عليها شجرة الرأي. # لم يذبحوا لهم؛ فالماشية كانت بعيدة، ولكن تجمعت سريعا بعض صواني وقداح الطعام من الحلة، ~~أتى بها الصبية الشباب أو الأطفال، بالإضافة إلى شواء لحم وشحم المرفعين اللذيذين، كان ~~غداء مقبولا وكريما على أية حال. # تحدث أكبر الأعراب سنا، كان حكيما ومرحا في ذات الوقت، تحدث عن أخلاق أهل خربتي، وعن ~~مواقف لهم مشهودة في الملمات والمصاب، وقصد العفو عن قاتل أحد أبنائهم من بني حسن في شجار ~~حول المرعى، وقصد الذرة التي أعانوهم بها في سنة الجفاف، التي هم أنفسهم كانوا في أشد ~~الحاجة إليها، وقال إنهم يطمعون في أكثر ms060 من الجيرة المؤقتة والعلاقات العابرة، ثم أفصح ~~بأنهم ونسبة لشح المراعي وفترات الجفاف المتتالية، وخاصة جفاف 83-84-85 الرهيب، الذي فقدوا ~~فيه 90٪ من حيواناتهم، بدأت حياتهم تختلف قليلا، ويؤدون ممارسة الزراعة بصورة محدودة على ~~الأقل بالطريقة التي تؤمن غذائهم وتوفر أقصابها بعض علف الماشية في الصيف، ويتعلم ~~أبناؤهم مهارة أخرى تعينهم على الحياة؛ أي إنهم يريدون استقطاع جزء من الأراضي الزراعية ~~الخصبة الخاصة بخربتي، لزراعة الذرة، ولم يطلبوا مساحة كبيرة، بل ما طلبوه كان أقل من ألف ~~فدان لا أكثر، وهي تقع في المناطق الأقل خصوبة، وقاموا بتحديدها بالشجرة والخور ~~والمفازة. # بالطبع أعطاهم الشيخ ميعادا يعودون فيه للقرية لمعرفة الرد بعد أخذ المشورة ومراجعة ~~الشرتاي، والشيوخ الآخرين، وسوف لا يحصل إلا ما فيه الخير للجميع. # الشيخ آدم كويا، شيخ خربتي، التي إذا سمع بها أحد المثقفين، سيحك فروة رأسه الأصلع، ~~وإذا كانت برأسه بعض الشعيرات فإنه سيبرمها بأنامل مرتعشة، يستغرق قليلا في التفكير، ثم ~~يفتكر: إن اسمها غربتي، ولكن لأن أهل تلك المنطقة ليس بلغتهم الحرف غين، وينطقونه خاء، ~~فأصبحت خربتي، والحقيقة غير ذلك تماما، فهي في الأصل كانت كلمتين: خور وبتي؛ أي خور بتي، ~~وبتي ليست هي ابنتي كما بدارجة كثير من أهل السودان، ولكنه اسم فقيه، أول من أقام بهذا ~~المكان، وهو جد الشيخ آدم كويا فكي بتي هارون، والد عبد الرحمن وإخوانها؛ هارون، إسحاق، ~~موسى، وأختها الكبرى مريم، كان إنسانا كريما، متدينا، بالإضافة إلى أنه كان إمام الجماعة ~~في الصلاة بالزاوية التي هي أيضا نفس الديوان، كان يقوم بمهمة المأذون والفكي والقاضي. في ~~الحقيقة يعرفه كل سكان تلك الأنحاء، وله مكانة خاصة عند الشرتاي بمدينة كاس، نقل طلب العرب ~~إلى الشرتاي، سأله الشرتاي عن وجهة نظر الشيوخ بالمنطقة، فأخبره بأن الغالبية منهم يشكون في ~~نوايا العرب، ويعتبرون ذلك حيلة للسيطرة على أراضيهم واعتبارها حاكورة تخصهم وسيرثها ~~أبناؤهم من بعدهم، وقد تكون بذلك بذرة لصراع مستقبلي، والبعض يرى أن ذلك سوف لا يحدث، وأن ~~العرب تضرروا كثيرا من الجفاف، ms061 وأن ضررهم يؤثر سلبا على كل المنطقة، والناس تشيل بعض، نحن ~~نحتاج لهم كما يحتاجون لنا هم أيضا، وإذا رفضنا طلبهم قد يؤدي ذلك لحرب؛ لأن حيواناتهم ~~عندما تجوع فلا مفر أمام العرب سوى أن يعتدوا على أراضينا الزراعية، وحينها يحصل ~~الموت. # كان الشرتاي يستمع ويفهم ويعي كل وجهات النظر هذه، ويعرف تماما أن كلا الرأيين صائب، ~~فطلب من الفكي خربتي، أن ينتظره حتى يستشير ملك دار مساليت بالجنينة، وملك الداجو بجبل أم ~~كردوس، وملك الزغاوة بشنقلي طوباي، وأنه سيفيده بالنتيجة قبل الخريف بوقت كاف، فأرسل ~~الشرتاي رسله إلى: سلاطين كاره ودنقو وفنقرو وبنه وبايه وفوقي وشالا، وملوك البرقد والتنجر ~~وكبقة والميمة والمسبعات في الشرق من جبل مرة، المراريت والعورة وسميار والقمر وتامة ~~والجبلاويين وأب درق وجوجة وأسمور في الغرب والشمال الغربي، وزغاوة كبا والميدوب في الشمال ~~والشمال الشرقي، والبيقو ورنقا في الجنوب والجنوب الغربي. # والقبائل العربية الرعوية الذين كانوا قد أقاموا من قبل وأصبحوا جزءا لا يتجزأ من الأرض، ~~وأصبحوا أصحاب مصلحة، كان عليه أن يستشيرهم أيضا، مثل الهبانية والرزيقات والمسيرية ~~والفلاتة والتعايشة وبني هلبة والمعالية في جنوب دارفور، والماهرية وبنو حسين في غرب ~~دارفور. # أرسل الرسل الشباب على ظهور الخيل، بعث رسائل عن طريق الشاحنات واللواري السفرية التي ~~تعبر القرية، ماضية شمالا أو جنوبا، ابتعث رجالا على سنام الجمال لملوك الزغاوة الذين ~~يسكنون شمالا تخوم الصحراء، على ظهور الحمير أرسل إلى الملوك الذين يقيمون على بعد أقل من ~~يومين سيرا على الأقدام. # جاءت النتائج تباعا وفي أوقات متفرقة على حسب بعد وقرب القبائل عن الشرتاي، وتقريبا ~~كلها إيجابية ما عدا رأي لقبيلة عربية واحدة، وكان رأيهم واضحا وجليا في القبيلة التي ~~تطلب الجوار وهي قبيلة بني حسن، يقولون إنها قبيلة عدوانية مشاكسة تميل لسفك الدماء، ولكن ~~الشرتاي لم يأخذ برأيهم نسبة لعلمه أن القبيلتين دخلتا في حروب كثيرة بينهما، وخسرتا خيرة ~~شبابهما في تلك المعارك العبثية التي لا فائدة من ورائها ترجى وليست لها أسباب منطقية، ~~وأرسل إلى ms062 شيوخ بني حسن وشيوخ خربتي أن يعدوا للاحتفال بالجيرة بخربتي، وأرسل لهم المصحف ~~الكبير لأداء القسم عليه. # بعد أسبوعين جاء شيوخ بني حسن وذبحوا كثيرا من الإبل، وبعد أن أدوا القسم على حسن الجوار ~~والتعاضد في السراء والضراء وعدم العدوان المتبادل، وأقسموا أيضا على أنه إذا حصل خلاف ~~بينهما، أن يحكم بينهما الشرتاي إذا لم يستطيعوا أن يفصلوا فيه بأنفسهم: والخائن الله ~~يخونه. # ولكي يثبت شيخ بني حسن حسن النية، كانت في صحبته ابنته الصغرى وعشر أخريات من بنيات ~~العمد والشيوخ، وطلب تزويجهم في الحال لأعيان خربتي، وبالمقابل قام أهالي خربتي بتعيين ~~اثنتي عشرة فتاة من بناتهم وتزويجهن لأعيان بني حسن، تم ذلك في احتفالية ضخمة استمرت ~~أسبوعا كاملا، رقص فيها الجميع على إيقاعات طبول بني حسن ونقارة الفور معا، وأخيرا: ~~دعوا الله في صدق أن يبارك لهم هذه الجيرة وينصرهم على الأعداء، فلقد أصبحوا الآن من دم ~~ولحم. # وقد تم سرد هذه السيرة بهذه التفاصيل لكي نفهم كيف كان الأمر في غاية الصعوبة للمسئول ~~الحكومي الذي جاء بعد عشرين عاما لتلك القبيلة العربية، قبيلة بني حسن يحمل أسلحة وذخائر ~~وخبراء تدريب، كما فعل مع عشرات القبائل العربية، طالبا منهم استلامها للدفاع عن أنفسهم ضد ~~النهب المسلح الذي تقوم به قبائل الزرقة؛ فإنهم سألوه أولا: من هم الزرقة؟ # شرح لهم من هم الزرقة، ولكن الأمر التبس عليهم؛ لأن كل المواصفات التي بالزرقة متوافرة في ~~كل فرد من أفرادهم؛ لذا قام باتباع أسلوب آخر في إقناعهم، بأن قبائل الفور والزغاوة ~~والمساليت والداجو يعدون خططا سرية للقضاء على العرب بدارفور، وذلك لتقسيم المنطقة إلى ~~ثلاث دويلات، وهي مملكة زغاوة الكبرى، وتضم كل فروع قبيلة الزغاوة، وستجد الدعم من دولة ~~تشاد وهي تستولي على شمال دارفور، ودارفور تضم الفور والتنجور والكنجارة والداجو، وهي ~~مدعومة من إسرائيل وستستحوذ على وسط وجنوب دارفور، ودار مساليت، وهم منذ 1919 يعدون أنفسهم ~~للانفصال في دولة تشمل كل غرب دارفور، وتدعمهم ليبيا؛ بالتالي أين سوف يقيم العرب؟ # قالوا ms063 له إنهم لم يسمعوا بتلك الدويلات، ولم يطلب منهم أي كان أن يغادروا الأرض أو ~~يحاربهم، وأن النهب المسلح يقوم به أفراد من كل قبائل دارفور ولا تتصف به قبيلة دون الأخرى، ~~وأنهم لا يرغبون في السلاح، ولا يرغبون في التدريب في الدفاع الشعبي، طلب منهم المفاوض ~~الحكومي، طالما رفضوا حمل السلاح، فإن موقعهم هذا تعتبره الحكومة المركزية موقعا ~~استراتيجيا؛ أي موقع مواجهة، عليهم إما أن يغادروا جنوبا أو أن يستضيفوا بعض القبائل ~~العربية الوافدة حديثا من دول مجاورة، وهم من بني عمومتهم رعاة إبل، لا يمانعون في حمل ~~السلاح، بل وهدم المشروع الانفصالي الذي يقوده الزرقة، أو أن يستهدوا بالله ويستلموا ~~السلاح، ويأتوا بشبابهم للتدريب العسكري، ويحتفظوا بخبيرين عسكريين معهم في القرية. # كانوا يعلمون تمام العلم إذا استلموا السلاح سيصبحون مقاتلين مثلهم مثل كثير من القبائل ~~التي انطلت عليها الخدعة، حيث طلب منهم مهاجمة جيرانهم الذين تعايشوا معهم منذ مئات ~~السنين، وعندما رفض الشيوخ وكبار السن ذلك، قامت الحكومة باستبدال القيادات المجتمعية ~~والشعبية المتوارثة بقيادات شبابية أسمتهم الأمراء، أخذتهم لدورات تدريبية نفسية واجتماعية ~~وعسكرية قاسية بالخرطوم، وأعادتهم لقبائلهم وقد تغيرت عقلياتهم وأصبحوا لا يفكرون سوى ~~بالحرب، ولا يخشون سوى من خطر الزرقة عليهم. شيوخ بني حسن لا يريدون أن يصبحوا مثل هذه ~~القبائل؛ لأنها خسرت أكثر مما كسبت، خسرت الجيرة والشباب وأصبحت عرضة لهجمات الثوار من ~~القبائل المستهدفة من قبل الحكومة، بل إن هذه القبائل دخلت في صراع مع تجمعات عربية مسلحة ~~أخرى في التنازع حول الأراضي والثروات والمسالب والغنائم التي استولوا عليها من الجيران، ~~قال الشيخ لرسول الحكومة: لا هذا ولا ذاك. # عاد وفد الحكومة بأسلحته وخبرائه، ولكن بعد أسبوعين جاء الأبالة الذين عرفوا فيما بعد ~~بالجنجويد، يحملون زادا ثقيلا من الأسلحة، وفي رفقتهم عربات لاندكروزر مقاتلة وكثير من ~~الخبراء العسكريين، وأقاموا في ضيافة إجبارية لدى شيخ عرب بني حسن، كما أنه كان في رفقتهم ~~أمير القبيلة المعين الشاب المجاهد المقاتل في سبيل الله الذي لم يروه من ms064 قبل لا يعرفون ~~اسما له أو قبيلة. # في الأسبوع الثاني، كانت قرية خربتي الجبل، كأن لم تكن، ليست سوى بقايا رماد وجثث ~~متفحمة، وحدائق مانجو محروقة. الأحياء من النساء والطفلات المغتصبات، أخذتهم القوات ~~الحكومية وبعض منظمات الإغاثة، إلى معسكر كلمة بنيالا، وكانت من بينهم طفلة في الخامسة عشرة ~~من عمرها، وجدت حية تحت جثث أفراد أسرتها، أخبرت عمال الإغاثة بأن اسمها عبد الرحمن. أما ~~الرجال والأطفال الذكور فقد تركوا بالقرية في مقابر جماعية ضخمة وقبيحة. # | كيف كفرت العمة خريفية؟ # في 2004، شتاء ذلك العام، في صبيحة يوم الجمعة، في سوق النسوان، بنيالا، كانت خريفية تبيع ~~البطاطا والبصل على فراش من خيش الكتان المبتل بالماء، وهو ثلاجتها الطبيعية لحفظ الخضار ~~من أشعة الشمس الشتوية الحارقة، جاءتها امرأة طويلة تسألها ما إذا كانت قد رأت طفلين يمران ~~بالقرب منها، وأخذت تصف لها الطفلين؛ ولدان، يلبسان ملابس العيد، بحركة من يديها كانت تصف ~~لها طول كل واحد منهما، لونه، عينيه، نوع شعره، نعليه، قالت لها: إنهما يحبان اللعب كثيرا، ~~ولا يسمعان كلامها ونصائحها، لولا ذلك ما استطاع الجنجويد القبض عليهما وأخذهما ~~منها. # شفتيهم؟ # كانت خريفية تعرف قصة المرأة والطفلين، تعرفها جيدا، وبروايات شتى ورواة مختلفين، حتى ~~على مستوى ما يمكن أن يطلق عليه حقائق، مثلا عدد الأطفال واسم القرية والمكان والزمان، ~~ولكنها لأول مرة تسمعها عنها شخصيا، وبصورة أدق - وذلك لكي نضفي على هذا العمل السردي ~~نوعا من الجدية المهنية - أول مرة تسمع قليلا من الحكاية عن صاحبتها شخصيا، تلك المرأة ~~الطويلة الحزينة التي تلتهم الطعام بسرعة وهي تنظر بعيدا في الفراغ، تدفع لها خريفية ~~بالرغيف إلى كفتيها، ظنا منها أنها لا ترى شيئا، حتى إنها لا تنظر إلى صحف الطعام، تدخل ~~أصابعها فيه بدون تمييز أو تركيز، كأنما كانت تطعم الهواء، كانت تأكل بغير شهية، دون أية ~~متعة، بل كانت تأكل بصورة مقرفة وبائسة، يتساقط الفتات من بين شفتيها وأسنانها، فجأة توقفت ~~صائحة: الحمد لله، شبعت. # قدرت خريفية الطعام المتناثر على الأرض بما ms065 يساوي ثلثي ما قدمت إليها، نهضت المرأة ~~الطويلة النحيفة، تمشت قليلا. عند حائط الاستاد الرياضي القديم، انحنت، ضغطت على بطنها، ~~فتحت فمها واسعا، وسمعت خريفية صوت تدفق الثلث الأخير من الطعام. # في أواخر فصل الصيف المطير، من نفس العام، عند بيت الشيخ جبريل، في راكوبته الكبيرة، ~~اجتمع ما يمكن تقديره بكل الرجال المقيمين بقرية حجيرات الوادي، ولأن الأمر في غاية الجدية ~~والخطورة تم إبعاد الأطفال، ولكنهم دعوا عددا كبيرا من النساء كبيرات السن؛ لأنهم يعرفون ~~أن رأي النساء في حالة الشدة قد يكون أصوب من رأي الرجال؛ لأنهن قد ينظرن للأشياء بزاوية لا ~~يعيرها الرجل اهتماما، وقد تكون هي الحجر الذي رفضه البناءون، ولدى الرواة المحليين عشرات ~~القصص التي تبين مقدرة المرأة وسدادة رأيها عند الشدة. بدءوا اجتماعهم بقراءة سورة يس حتى ~~تطمئن القلوب ويستقر الفكر، ودعوا أن يلهمهم الله بالرأي الأصوب. في الحقيقة كانوا ~~جميعا يعرفون الغرض من الاجتماع، ولكنهم هنا يريدون توحيد الرأي والمشورة، ابتدر الشيخ ~~الحديث باللغة المحلية، وشرح الغرض من الاجتماع، ودار نقاش كثير حول صحة النبأ، ولسوء الحظ ~~كان خبرا مؤكدا، قرر الناس إما الاحتماء بالجبل أو الإسراع في هجرة جماعية سريعة إلى ~~مدينة نيالا، والانضام إلى النازحين في معسكر كلمة، وعلى الشباب ومن شاء من الكبار الالتحاق ~~بقوات الثوار ومنذ اللحظة، وتقريبا أجمع الناس على هذا. لكن رجلا واحدا قال إنه سيبقى في ~~القرية، فهو لا يستطيع أن يستغني عن أبقاره؛ لأنه يعرف مصيرها، حيث تستولي عليها قوات ~~الحكومة والجنجويد في الطريق إلى نيالا، وإنه لا يترك أرض أجداده للعرب الغرباء الآتين من ~~النيجر وتشاد ونيجيريا، أو الصحراء الموريتانية. عاتبه الشيخ: لا تكن مثل ابن نوح، وخير لك ~~أن تتبع رأي الجماعة، إنهم سوف لا يرحمونك ولا يرحمون أسرتك. وأنت عارف وشايف. # قال: أفضل له أن يصبح مثل ابن نوح من أن يصبح مثل مخلوق تافه في سفينة نوح، تأكد لنا أن ~~هذا الفنان المخبول يرمي بنفسه في التهلكة، وأن تلك النشابات التي تعتمد ms066 عليها والحربتين لن ~~تفيدك نفعا مع السلاح الآلي لدى الجنجويد والجيش الحكومي، بالإضافة لكثرتهم الساحقة ~~وشهيتهم المفتوحة للقتل والتنكيل، طلبوا منه أن يترك ابنيه يهاجران إلى المعسكر ويبقى وحده ~~مع ربابته وسلاحه البائس، ولكني أنا رفضت الفكرة: نموت ونحيا مع أبو عيالي. # كان مغنيا بارعا، وصيادا ماهرا، وعازفا بالربابة، وصانعا للربابات، وسيما وشجاعا، ~~ودع رحيل الحلة كلها بأغنيات ألفها في حينها، غناها على الرابية التي تطل على بيتنا في ~~الطرف الجنوبي من الحلة، حيث الطريق الترابية الوعرة المعروفة بدرب الحمير، إلى مدينة ~~نيالا. بقيت معنا والدتي أيضا، وهي عجوز حكيمة تسعينية، قال في أغنيات وداعه للحلة الراحلة ~~بلغته المحلية ما يعني: # اذهبوا # هذا ما تريده الحكومة # اذهبوا، اذهبوا # وسيحل مكانكم الجنجويد # وهذا ما تريده الحكومة # اذهبوا، اذهبوا # أنا سوف أبقى في أرضي للأبد، وهذا ما تخاف منه الحكومة # لكن جدودي يحلمون به كل ليلة وصباح # اذهبوا، اذهبوا، اذهبوا. # قالت: كان يعرف مصيره تماما، غنت لي الأغنية مرارا، رقصت بألم وجمال وحزن غريب. ~~سقط عنها ثوبها الممزق، بقيت بفستانها القديم، بأكمامه القصيرة، عليه بقع العرق والأوساخ، ~~كان أسود اللون، شديد السواد، والله العظيم قد اشتريته أبيض. كان الأطفال قد تجمعوا ~~حولها، يصفقون، قد حفظ أكثرهم الأغنية، أخذ البعض يرددها وراءها، كان جسده كله يرقص من ~~الغضب، عرفوا أنه سيبقى، ولكن وليمة شهية للجنجويد وحرس الحدود وهم جنجويد رسميون. سبقتهم ~~إلى المكان الغبرة الكثيفة التي أثارتها أرجلهم المتعجلة المحشورة في بوت أسود قاس، ثم ~~ضجيج طائرة هليكوبتر ماركة أباتشي بغيضة عبرت فوق رءوس بنايات القش الفارغة، فطارت الأعشاب ~~إثر عاصفة هوائها العنيف، أسقطت قذيفتين عشوائيتين واختفت، كلما اقتربوا، كلما سمعنا هدير ~~سياراتهم تحت أقدامنا، كلما استعد جبريل لهم، مسح حرابه بسم الثعبان، ثقف نصلها، تأكد ~~من نشاباته، عدها مرارا وتكرارا، كان يغني بصوت خفيض أغنية حرب حفظها عن جده، يتحسس ~~تمائمه التي ورثها من أبيه، وهي ضد الطلق الناري والحديد، الطفلان مرعوبان، اختفيا أخيرا ~~في المخبأ وهما يرتجفان. الساعات الأولى دخل الجنجويد ms067 بالمئات، كانوا منشغلين بالغنائم، ~~فيما تركه الناس من أبقار وأغنام وبعض الأغراض الثقيلة التي لم يستطيعوا حملها في عجلتهم ~~تلك، حرقوا البيوت الفقيرة المصنوعة من الأعشاب، هدموا المسجد الوحيد بالقرية، أشعلوا النار ~~في مدرسة القرية المبنية من العشب والمواد المحلية الأخرى، تسابقوا في احتكار الأرض، بل إن ~~بعضهم هدد بعضهم باستخدام السلاح لحماية ما وضع عليه يده. # كان بيتنا في أطراف القرية، تحت رابية ترابية صغيرة، كان مخبأ الولدين تحت كومة قصب ~~الخريف المكوم تحت شجرة سدر صغيرة، قمنا بمسح آثارهما تماما. أمي قالت إنها لن تختبئ، ~~ستبقى تحت الراكوبة مدعية أن لا أحد يستهدف امرأة عجوزا في سنها، وأفضل الموت من حياة ~~المذلة. زوجي جبرين حمل نشابه واختفى خلف الرابية، أنا اختبأت في الجهة الأخرى من ملجأ ~~الأطفال، تحت بعض القصب الجاف بجانب شجرة السدر، حيث أستطيع أن أراقب كل ما يدور من هنالك، ~~لم تكن قرية حجيرات الوادي كبيرة. كل البيوت التي بها لا تتعدى المائتي بيت، ليس بها وحدة ~~صحية أو مدرسة أو أي مبنى حكومي أو بناية بالمواد الثابتة، غير جامع القرية المبني من الطوب ~~الأحمر بنته محسنة يقال إنها من دولة عربية غنية لم يحفظ الناس اسمها أو اسم دولتها، ليس ~~بالقرية كهرباء، لكن موقع القرية يعتبر مهما نسبة للبئرين الكبيرين اللذين بها ووقوعها في ~~طريق يربط ما بين نيالا وكاس، وهي مدينة صغيرة يؤمها الثوار الدارفوريون وبعيدة من قبضة ~~الجنجويد، والأهم خصوبة أوديتها التي تمثل منابع رئيسية لوادي برلي العظيم؛ أي مراعي ~~خصبة لنوق العرب عندما تبرد الواطا ويكون الدارفوريون أصحاب الأرض قد استوطنوا قرى صغيرة ~~نموذجية من الطوب الأحمر، معروشة بالزنك، بها آبار ارتوازية، جوامع جميلة مزخرفة، وحدة صحية ~~صغيرة، وربما مدرسة ابتدائية. قرى ساعدت في بنائها دول عربية شقيقة كريمة وجامعة الدول ~~العربية على تخوم المدن الكبيرة، وسينشغل الدارفوريون في المهن الهامشية بالمدن ويتلاشون ~~كقوميات وكتل بشرية، ويتركون الفلوات الخصبة للجنجويد الرعاة يسرحون ويمرحون، كانوا فرحين ~~ويطلقون الرصاص في الهواء، إلى أن ms068 انتهى بهم المطاف إلى بيتنا. اندهش أول من ولج إلى ~~الراكوبة عندما رأى المرأة العجوز - أمي - لدرجة أنه قفز من الرعب، حيث إنهم لم يروا شخصا ~~حيا في القرية كلها طوال يومهم، تحدث إليها بعربي وطنه النيجر، سبت أباه وأهله واليوم ~~الذي رأى فيه الشمس بلغتها، قام بسحبها إلى خارج الراكوبة جرا على الأرض. # كانت تشتمه وتصفه بالقرد الأبلانج نسبة لبشرته الحمراء مرة ومرة بالكلب، انضم إليه آخران، ~~حالما انشغلا بالبحث عن الغنائم في الداخل وتركاه يحاول أن يستخلص معلومة عن مخابئ الذهب ~~والنقود أو صوامع الغلال الخاصة بالأسرة أو القرية. يدور بينهما حوار طرشان، حيث يصبح حاجز ~~اللغة لعنة الحوار، كان يركلها بقسوة في بطنها، وعندما فشل صفعها في وجهها؛ فعضته في يده ~~ولم تطلقه إلا وجزء من يده في فمها. صرخ في رعب، قرر بسرعة، وفي لحظة أطلق الرصاص عليها في ~~الرأس. في تلك اللحظة - دون شعور مني - صرخت من خلف أكمة القصب، خرج الجنجويدان من الداخل، ~~التف حولي بسرعة عدد كبير منهم، أبدوا ملحوظات حول جسدي، وطلبوا مني أن أخلع ملابسي إذا ~~أردت أن أترك حية، وإلا أصبح مصيري مصير أمي المضرجة بدمائها التي ارتاحت منهم قبل قليل، ~~قلت لهم: لا، عايزة أموت. ~~- توا أم نسقوك التراب. ~~- ادبحوني. # كانوا سكارى ومساطيل وتفوح من أفواههم رائحة العرق والمريسة، وأكدوا لها أنهم يريدونها في ~~نفسها وجميعهم إذا رضيت ذلك، وإذا رفضت فإنهم سيربطون رجليها على ساق الشجرة ويفعلون بها، ~~وشرعوا في ربطها على ساق شجرة النبق، حينما أزاحوا القصب رأوا الطفلين اللذين صرخا في رعب ~~وهما يلتفان حول أمهما، هتف أحد الجنجويد مكبرا وهو يخرج سكينا كبيرا ويمضي نحو الطفلين ~~اللذين أخفيا وجهيهما في جسد أمهما بين أثوابها الممزقة، قبض الأصغر ابن السابعة، سمته أمه ~~أحمد، وحاول ذبحه، قالت له الأم: ما تخاف الله يا راجل؟ # رد عليها وهو منشغل بتخليص الطفل من يدي أمه اللتين تقبضان عليه بشدة: الله؟ منو الله؟ ~~اللي قتلناه في وادي هور قبل أسبوعين. ms069 # وضحك في وحشية، ثم أضاف بأنه إذا لم يقتل هذين الطفلين فإنهما سيكبران ويصبحان متمردين ~~مثل أبيهما. # قالت إنها أحست بأن الأرض تميد تحت رجليها، وكانت تظن أن الله سوف يخسف بالجنجويد ~~الأرض أو يحرقه حيا لنطقه بهذا الكفر البين، ولكن الجنجويد في لمح البصر فصل رأس الطفل ~~عن جسده تماما، رمى بالرأس بعيدا وهو يصرخ مكبرا في هستيريا، بل جنون وقح، وأراد أن يمسك ~~بالآخر الذي انطلق جاريا كما الريح، أطلقوا خلفه الرصاص ولكنه اختفى، جرى البعض خلفه، ~~لكنهم لم يلحقوا به، وعادوا يعالجونها، فجأة صرخ جنجويد وسقط على الأرض وفي نحره سهم، ~~وارتبك الآخرون، سقط جنجويدان آخران بنفس الطريقة، هرب الآخرون في كل اتجاه يبحثون عن مصدر ~~السهم، وكانوا يصابون واحدا واحدا، فجن جنونهم، وأصبحوا يطلقون الرصاص في كل الاتجاهات ~~عشوائيا، إلى أن أشار أحدهم لجهة مصدر السهام، فانطلقوا في جماعة تجاه تل الرمال، ولكن ~~بقي بعض الجنجويد يسعفون الجرحى ويخلصونهم من السهام، بينما أخذ أحدهم يجردها من ملابسها ~~بقطعها بالسكين، ثم بمساعدة آخرين ربط رجلها اليمنى على شجرة النبق والأخرى على وتد دق ~~بالأرض، وأخذ يغتصبها وهي تصرخ وتقاوم، تعض وترفس، تقرص بأظافر أناملها الحادة، وتبصق في ~~وجوههم، ثم أخذ مكانه آخر وآخر، عندما عاد الآخرون كانوا في قمة الإحباط، وأراد واحد منهم ~~أن يطلق النار عليها، إلى أن أوقفه أحدهم ممسكا سلاحه، قائلا: إن الموت بالنسبة لها راحة، ~~خليها تمشي تعيش في معسكر كلمة بين ميتة وحية، لا زوج لا أطفال لا أم لا أب لا بيت لا قرية ~~لا شرف. أخرج جنجويد من جرابه رأس زوجها، وقال إنه سوف يعلقه في باب بيته، إلى أن يأخذ ~~بثأره، لقد قتل اثنين من إخوته الأشقاء بسهامه المسمومة. أكل قطعة لحم نيئة أخرجها من ذات ~~الجراب، إنها كبد الإمباية، سوف أقتل: ألف ألف ألف ألف ألف إمباية. # وأجهش بالبكاء. كان رجلا نحيفا طويلا ذا جسم ناشف تكاد عظامه ترى، مثله مثل كل ~~الجنجويد، تفوح منه رائحة وبر الإبل ms070 مختلطا بعرق البلح والمريسة، بالإضافة لإفراز بكتريا ~~الفم، حيث إنه ليس من طبيعته أن يستاك أو ينظف فمه؛ لأن ذلك من سمة النساء وليس من الرجولة ~~بشيء، كان شعره يتكوم في رأسه مهملا كعشب الخريف، عيناه حمراوان صغيرتان غائرتان في ~~محجريهما كجمرتين موقدتين، بصورة عامة كان أقرب للذئب منه إلى الإنسان، على الرغم من أنه ~~يعتبر ممن وفدوا حديثا، إلا أنه رقي في مراتب الحظوة من قبل القادة الميدانيين بدارفور، بل ~~إنه من القلة القليلة من الجنجويد التي استطاعت أن تجلس وتتبادل الحوار وتستمتع بالشواء ~~اللذيذ مع منسق قوات الجنجويد من الحكومة، وهو سياسي شهير وشخصية مربكة ومرتبكة وشديدة ~~الذكاء والعنف، وما ذلك إلا لصفات يتميز بها هذا الجنجويد. # وهو يصنف من الذين يؤمنون بالقضية ويجندون من أجلها أقرب الأقربين ويطيعون الأوامر، ~~ولا يتردد إطلاقا في قتل أي شيء كائنا ما كان، بشرا أو حيوانا، ولا ترف له عين أو ~~يرتجف له قلب أو يرق ضمير، وعلى الرغم من ذلك فهو سريع البكاء إذا مات أحد أقاربه أو معارفه ~~أو إذا مرض ولو مرضا طفيفا هينا. كان يخاف من الموت خوفا غريبا، والناس يحسون هذا ~~التناقض البين في شخصيته، ولا يجدون تفسيرا، وبالنسبة لقادته فلا بأس فيه طالما كان يقوم ~~بكل ما يرجى منه على أتم وجه، وأطلقوا علية لقبا ما زال لا يدرك أبعاده أو معانيه، ~~ولكنهم قالوا له إنه اسم أحد صحابة الرسول # صلى الله عليه وسلم # فقبل به: أبو دجانة، واسمه الأصلي الذي ~~أطلقه عليه والده هو جربيقا. # بكى جربيقا كثيرا، وحمل بندقيته ومضى، اختفى في الصحراء، سنلتقي بأبى دجانة أو جربيقا ~~جلباق هذا في أزقة أخرى من الحكاية، وسنحاوره كثيرا في مدينة نيالا عند وادي برلي تحت ~~شجيرات الجوافة الحنينة، في مكان لا يبعد كثيرا عن منزل العمة خريفية، هذا إذا نجى من ~~كمين ماكر ينصبه له المقاتل شارون ورفيقاه عبد الرحمن وشيكيري توتو كوه، بينما كان جربيقا ~~يقود جحافل الجنجويد نحو جبل أم كردوس للقضاء ms071 على مسيح دارفور، أو كما يسميه جربيقا بلهجته ~~الخاصة: رسول كضب كضب. # تركوها مربوطة، بصقوا على وجهها وهم يغادرون بيتها، بعد أن أخذوا كل ما يمكن حمله، حتى ~~قطع الملابس الداخلية والأحذية، وآنية الطعام والعناقريب القديمة المصنوعة من جلد البقر، ~~ونزعوا سن أمها الذهبية وخاتمها الفضي الصغير، وعقد الخرز الذي لا يساوي سوى بعض الجنيهات، ~~مصلاية السعف وإبريق الطين، كانت جثة طفلها الذبيح مسجاة ليس ببعيد عنها، رأسه المتورمة ~~ترقد أبعد قليلا، تريد أن تلمس رأسه، كأنما سوف تواسيه بذلك أو تقلل ألمه، لم تحس بأنه ~~ميت، بل يرقد برأس مفصولة متورمة عن الجسد، تجمد الدم عليه في مكان العنق، تحس أنه يحتاج ~~إليها، يحتاجها بشدة. أمها مسجية في موتها السعيد يمينها، تتسع ابتسامتها كلما تورمت جثتها، ~~حر الشمس يعجل بتعفن الجثث، يشوي جسدها العاري، لا تستطيع أن تهش الذباب عن وجهها ~~وعينيها إلا بصعوبة بالغة، كانت صورة طفلها محمد وهو يهرب لا تفارق عينيها، لا أدري هل قضوا ~~عليه أم أنه استطاع أن ينجو، ولكن كيف ينجو؟ # وضعت عشرات التصورات لنجاته، ولكنها كلها انتهت إلى نهاية مأساوية؛ فالصحراء تحيط ~~بالمكان، أشجار الوادي الكثيفة لا تخلو من وحش كاسر، ليس طفلها بأسرع من أفراس الجنجويد أو ~~لاندكروزرات جيش الحكومة. رأته يطير عاليا في السماء يحلق بجناحيه مثل غراب أسطوري كبير، ~~فتبعثره طائرة هليكوبتر عملاقة وتنثر لحمه ودمه مختلطا برياشه الجميلة السوداء وضجيج ~~مروحياتها، فتسقط عليها الرياش السوداء الناعمة الرقيقة، مغطية عريها وتحجبها من أعين ~~الذئاب الجوعانة. # قضت يوما طويلا تحت نير العذاب، إلى أن أتى الليل بأشباحه وموتاه الذين يمشون في كل ~~الأمكنة وكوابيسه المرعبة، لأول مرة بعد عشرين عاما تسمع عواء الذئاب. لقد قتل زوجها عددا ~~كبيرا من الجنجويد، تخيل إليها أنه فوق المائة، أو أنه قتلهم جميعا كما قال لها في الحلم ~~عند غفوتها الكابوسية القصيرة، لا تدري متى نامت، أو أنها لم تنم، أم أنها ماتت قليلا أو ~~لم تمت. # في الصباح الباكر جاء الخواجات والأفارقة، كأنهم ms072 هبطوا من السماء، أو نبتوا من حيث لا ~~مكان، مريبون مثل اللصوص، يعملون بصمت ونظام، يصورون بسرعة، يشخبطون في كراساتهم، يتصلون ~~بأجهزتهم، يرطنون بصورة مستمرة. عندما رأوها، تجمعوا بسرعة حولها مثل قطيع من الذئاب أو ~~الملائكة، كان الحزن والأسف باديا على وجوههم جميعا وأيضا الخوف، الخوف من شيء ما، شيء ~~غامض، أكثر غموضا من الموت، التقطوا لها صورا عديدة، تم تصويرها بدقة هي وما يحيط بها من ~~جثث بكاميرات فيديو، رطنوا مرارا وتكرارا، لكنهم لم يقتربوا منها إطلاقا كأنما كانوا ~~يخافون من لغم شيطاني جبان سينفجر إذا لمسها أحدهم، كانوا يعملون بسرعة وريبة مثل لصوص ~~غرباء وجدوا كنزا يحرسه شيطان نائم أو غول سيأتي حالا، سألوها أسئلة ترجمها لها رجل ~~بلغتها. كانت في شبه إغماء، لم ترد لأي سؤال، كانت تراهم مثل الأشباح حمرا وصفرا وسودا ~~وخضرا، تريدهم أن يطلقوا سراحها بأسرع ما يمكن، أن يقدموا لها حبة أسبرين؛ لأنها تحس بصداع ~~مؤلم، يكاد رأسها أن ينفجر، كانت تحس بإعياء شديد، ماذا ينتظرون؟ أريد ماء، هل تعرفون ~~أين ولدي محمد؟ # وفجأة اختفوا، تركوها كما هي أو كما لو كانوا أطيافا أو خيالات من صنع أوهامها، سمعت صوت ~~طائرة مروحية يختفي تدريجيا عن المكان. أيقنت أن مصيرها الموت، وما كانت تخافه بل تتمناه ~~كل لحظة، تحوم حولها أطياف أمها وزوجها وطفليها، لكنهم لا يستطيعون أن يهشوا لها الذباب عن ~~عينيها وفمها، وليسوا بقادرين أن يسقوها كوبا من الماء، ولكنهم كانوا يتحدثون بصوت عال ~~بل يصرخون ويضربون الهواء، ثم مضوا، اختفوا تدريجيا، ما عدا طفلها محمد، بقي في مكان ما ~~قربها، إنها لا تراه الآن، ولكنها تحس به، تشم أنفاسه، بل تسمع دقات قلبه كأنها طرقات ~~صفيح. # بعد ما يقارب الساعة من الهذيان والآلام، جاء جند الحكومة، ملئوا المكان ضجيجا وجلبة، ~~أطلقوا سراحها بسرعة وكأنهم يخشون شيئا ما، سقوها ماء مملحا، لم يجدوا شيئا يسترون به ~~عريها، كانوا منزعجين كعراة في ميدان عام، انتبهوا لأنفسهم فجأة، سألوها ما إذا رأت ~~أغرابا، خواجات ms073 مثلا أو أفارقة، أو أجانب بشكل عام قالت: جنجويد. # نعم، نحن نعرف الجنجويد، ولكن بعد أن ذهب الجنجويد، هنا آثار تدل على أن أشخاصا آخرين ~~غير الجنجويد كانوا بالمكان ، ربما كانوا يحملون آلات تصوير أو ما شابه، يرتدون أزياء عسكرية ~~وفي صحبتهم بعض المدنيين من المواطنين العملاء، يرطنون رطانات غريبة ويترجم لهم العملاء ~~السودانيون، لم تسمع شيئا مما يقولون، ألم تسمعي ضجيج مروحية؟ تريد أن تعرف أين هرب ولدها ~~محمد، هل استطاع أن ينجو أم أنهم لحقوا به؟ بحثوا في كل البيوت السليمة، لم يجدوا ثوبا أو ~~لباسا أو حتى ملاءة يسترون به عريها، اقترح أحدهم أن يتم قتلها ودفنها مع الجثتين؛ بالتالي ~~يكونون قد تخلصوا من المأزق نهائيا، إلا أن جنودا دارفوريين رفضوا الفكرة وتخلص أحدهم من ~~ملابسه العسكرية وألبسها إياها، على أنهم سوف يستبدلونها بملابس نسائية فور دخولهم مدينة ~~نيالا. # دفن ولدها وجدته في قبر واحد، حفر عند أعلى التل الرملي من حيث قاد زوجها ~~مقاومتنا، وقتل جنجويدنا التسعة بسهامه المسمومة، في قبر جماعي كبير دفنا الشهداء التسعة ~~بعد أن تحرينا شخصياتهم وسجلنا المعلومات الأساسية عنهم، كما التقط الفريق الإعلامي صورا ~~لهم، قمنا كالعادة بتنظيف ميدان المعركة من كل الآثار التي قد تسبب إشكالا أو تثير شهية ~~العملاء، ممن يسمون أنفسهم بالمراقبين الدوليين، ونحن نسميهم كلاب الأمم المتحدة، إنهم ~~يشمون الشبهات شما، ويطلقون الاتهامات جزافا وبالجملة، يريدون حربا دون موتى أو مشردين، ~~بذلك يخالفون طبيعة الأشياء، حرقنا المنزل وما تبقى من بيوت لم تحرق حتى لا يعود إليها ~~ساكنوها مرة أخرى ليثيروا الفتن. # بقيت بالمستشفى العسكري زهاء الأسبوعين فيما يشبه حجزا سياسيا إلى أن أفاقت من ~~موتها، كل من تحرى معها كان يسألها عن شيء واحد وتجيبهم هي بذات الإجابة بلغتها، يترجمه لهم ~~جنود من عشيرتها: كنت ميتة لم أع ما كان يدور حولي. # فتأكد لنا أن لا خطر من وراء امرأة بذاكرة مشوشة، فأطلقنا سراحها في معسكر كلمة وهو ~~عالم كفيل بأن يجعلها تنسى حتى اسمها، بعد ms074 أن وفرنا لها ملابس جديدة نظيفة نقدناها مالا ~~يكفيها لأسابيع كثيرة، وشرحنا لها بصورة دقيقة وواضحة ومفهومة بلغتها الأم، فضيلة ألا تثرثر ~~مع أحد الأغراب إذا تذكرت شيئا ذا بال، بل يمكنها الاتصال بنا متى شاءت إذا أرادت ~~المساعدة. # قالت العمة خريفية لنفسها: ما في عدالة، ما في «رجالة»، ما في إنسانية، ما في ما في ما في ~~...؟ # كانت المرأة النحيفة الطويلة تتحدث إلى نفسها، أو إلى ملأ من الناس غير محدد أو مرئي، وهي ~~تبتعد عن العمة خريفية، أدارت كما هي عادتها حوارا آخر وقصة أخرى مع سيدة أخرى أو رجل آخر. ~~كان الأطفال يجرون خلفها ويحكون معها وأحيانا قبلها تفاصيل قصتها، يحاكون صوت الرصاص وهتاف ~~الجنجويد وصرخاتهم من ويلات وقع السهام في أجسادهم، بل صرخات أطفالها وطريقة جري محمد ~~واختفائه عن أعين الجنجويد، ويمثلون كيف رمى الجنجويد رأس ابنها بعيدا وهو يهتف الله أكبر، ~~ويرقص في خيلاء الرقصة التي يسمونها «صقرية الرئيس» على موسيقى غير مسموعة أو موقعة ~~بأفواههم وألسنتهم الغضة الصغيرة. كانت أحيانا تبعدهم عن طريقها برميهم بالحجارة أو الصراخ ~~في أوجههم أو تهديدهم بالضرب، ولكنها في أحيان كثيرة عندما تكون معتدلة المزاج فإنها تتركهم ~~يفعلون ما يشاءون، بل قد تستخدمهم مثل كورس عشوائي أو موسيقى تصويرية لحكاياتها، بل قد ~~تعطيهم من الحلوى التي تحتفظ بها في جيبها من أجل أطفالها الذين سوف تجدهم في مكان ما في ~~يوم ما جوعى أو متشردين. # قد لا يدري أحد - ولا هي - أنها سوف لا تلتقي بطفلها الهارب من المجزرة، إلا عندما تنضم ~~لما يطلق عليه مسيح دارفور والمؤمنون به «الموكب». في ذلك الحين سوف لا يكون في حاجة ~~لحلوتها، ولكن لصدرها الحنون، قد لا يكونان في حاجة لبعضهما البعض؛ فابن الإنسان قد قال: ~~الموكب استعاضة عن كل الذي ذهب وكنز لما سيأتي. # البيت فارغ، ومنذ أن غادرها آخر أزواجها ظلت وحيدة، لكنها فكرت كثيرا في أمر تلك البنت ~~المتشردة مجهولة الأهل والعشيرة، رفات الحروب أو النازحة كما يطلقون عليها، ms075 كان لولا اسمها ~~الغريب وتصرفاتها الأكثر غرابة أحيانا لأتت بها إلى بيتها وتركتها تقيم معها تؤنس وحدتها، ~~تساعدها في خدمة البيت، لكن مثل هؤلاء البنات المطلوقات قد يكن لصات أو داعرات أو يسلكن ~~سلوكا يسيء إلى سمعتها الطيبة وسط الأهالي، لكن عبد الرحمن ستكون بنتا مختلفة، ستفيدك ~~كثيرا وتصبح صديقتك وابنتك، إنك لم تسمعي عنها سوى كل خير وبركة، بل لقد طلبت منك هي ~~بنفسها ذات مرة أن تأخذيها لبيتك لتقضي ليلتها، عندما تأخرت عن العودة إلى معسكر كلمة ذات ~~يوم. # الناس مختلفون؛ فيهم الصالح وفيهم الطالح، لكن الرياح أيضا لا تأتي كما يشتهيان؛ ففي ~~اليوم الذي قررت فيه خريفية أن تأخذ معها عبد الرحمن لبيتها لكي تقيم معها بصورة دائمة، ظهر ~~في نيالا ما عرف بين الناس بالبرطابرطا، وهو مخلوق يظهر نهارا في شكل إنسان، إنسان عادي ~~لا يمكن تمييزه، صفته الوحيدة الغريبة أنه يقضي النهار كله نائما، أما بالليل وخاصة في ~~الليالي القمرية، فإنه يتحول إلى حيوان مفترس غريب، له ستة أرجل ومخالبه أشبه بمخالب الدب، ~~له صوف غزير يغطي جسده كله، وصوته أشبه بصوت الكلب، أو أنه ينبح مثل الكلب، رأسه وفكاه أقرب ~~للضبع، يأكل في الليلة الواحدة شخصا واحدا، يأكله كله عظما ولحما ويلعق التراب الذي ~~يسقط عليه دمه، ولا يترك له أثرا مطلقا، ولا يمكن قتله بالطلق الناري أو الأسلحة التي ~~يدخل المعدن في صناعتها؛ فقد جرب فيه كل ذلك، فقط يخشى العصا المصنوعة من أفرع وسوق ~~الأشجار، إنها تخيفه ولا تقتله، فأصبح الناس في نيالا يخافون من بعضهم البعض وخاصة الغرباء ~~منهم، حيث إنهم يتجنبونهم بصورة تامة ومطلقة، على الرغم من أن الغرباء أنفسهم يخافون من ~~البرطابرطا إلا أنهم يضطرون لقضاء الليل في العراء؛ لأن لا أحد يقبل أن يستضيفهم. يظلون ~~مستيقظين إلى الفجر حاملين عصيهم متأهبين لضرب البرطابرطا التي قد تخرج لهم في أية لحظة من ~~حيث لا يعلمون؛ بالتالي يغلبهم النعاس نهارا فينامون أينما اتفق، مما يشكك الناس أكثر في ~~أمرهم ظانين ms076 أنهم برطابرطا حقيقيون. # لم يكن من السهل بالنسبة لخريفية أن تستقبل في بيتها ما يحتمل أن يكون برطابرطا ليأكلها ~~بالليل، لولا ذلك لما تأخرت في أن تأخذ عبد الرحمن معها لبيتها، كانت في أشد الحاجة لمن ~~تحكي لها وتبادلها وجهات النظر في الناس والحياة، فرأسها ملآنة بالحكايات المكبوتة، وهي لا ~~تريد أن تتطفل على الجارات، أو تحكي للناس - عامة الناس - ما تعتبره سرا في أحايين ~~كثيرة. # فيما بعد حزمت العمة خريفية أمرها، لم تحاول أن تلحق بعبد الرحمن؛ فإنها تعرف أن عبد ~~الرحمن اختارت الحرب، ومضت في طريقها، ولكنها اتجهت نحو جبل أم كردوس، كان عيسى ابن الإنسان ~~يعلم الكلمة هنالك ويعد الناس للموكب. # نبي يبحث عمن يكفر به. # لكي تكتمل حجته، يحتاج النبي لمن يكفر برسالته، تماما كما يحتاج لمن يؤمن به، وفي مرحلة ~~ما قد يحتاج لمن يؤذيه بشدة بل لمن يقتله أيضا، حتى الأنبياء الكذبة يتشوقون لمطرقة العصاة ~~الرحيمة، قال وهو يحملق في عيون الجند المسعورين، في تلك الجمعة التي انتظروها طويلا: أما ~~أنا فما لي حاجة عند أحد، فلا يفيدني إيمان المؤمن بقدر ما يضرني كفر الكافر بي؛ لأن من ~~يكفر بي إنما يكفر بنفسه، فأنا جميع الخلق، وليس الخالق شيئا آخر، أقصد أنا أنتم واحدا ~~واحدا. # تهامس البعض، بمعنى أنهم لا يفهمون شيئا: حدثنا بلغة نعرفها، أو دعنا نقتلك بهدوء ونعود ~~إلى وحداتنا، فأنت لست أكثر من دارفوري متبجح. # أضاف وفي فمه ابتسامة كبيرة، وبدا للجند أكثر غموضا وتناقضا: مشكلتي الأساسية هي ~~المؤمنون بي، إنني أتوق لمن يكفر بي، هل أنتم الكافرون أم رسل الكافرين؟ # كان رجلا عاديا - مثله مثل أي شخص في المكان - يشبه عشرات الأشخاص، يرتدي عراقيا كان ~~فيما سبق لونه أبيض، هو الآن يميل إلى لون التربة الطينية الرملية، له أكمام قصيرة، ويرى ~~من الخلف متموجا من كثرة الجلوس واللبس المتكرر، تحت العراقي يرتدي سروالا طويلا إلى ما ~~دون الركبة، حيث يتحول إلى تموجات من التترون ما قبل الرسغين، ليس برأسه عمامة ms077 أو طاقية، ~~ليست له نظارات شمسية، ولا ساعة يد، أصلع الرأس تماما كما لو أنه فرغ منه الحلاق للتو، ~~لونه أسود، عيناه كبيرتان بيضاوان تنظران في عمق وبقوة، يمشي حافيا، وليس بقدميه تشققات. ~~الشجعان الذين استطاعوا أن يبحلقوا فيهما أحسوا بطعم ملح البحر، وأكد أحد الجنود أنه أحس ~~بحالة أشبه بالغرق. فيما بعد قال إبراهيم خضر: لو أن هنالك نبوة أو ألوهية تخص الرجل لكانت ~~عيناه أكبر برهانا عليها؛ بالتالي كان كل من يلتقي به يؤمن به بدرجة ما؛ لأن الذين لا ~~يستطيعون إمعان النظر في عينيه هم ليسوا بالضرورة من يجهله أكثر، ولكن هنالك أسرار أخرى ~~فيه تشغلهم عن عينيه، ليست من مهامنا البحث عن أسراره، ولا حتى تأكيد نبوته أو الكفر بها، ~~مهمتنا الحقيقية هي الإجابة عن الأسئلة التالية: أهو من العرب أم من الدارفوريين؟ # هل نبوة هذا الشخص تخدم مهمة السلطة في دارفور؟ إلى أي مدى؟ # هل نبوته ضد الحكومة المركزية في الخرطوم؟ # هل ستخدم المتمردين والأهالي الناقمين علينا؟ # أم أنها مجرد ادعاء نبوة والسلام؟! أي نوع من الشعوذة والدروشة الصوفية الهلامية التي لا ~~تصب في غير بحر الذات الوهمي الكبير، على حسب تعبير القائد المتفلسف الشاب. # عندما تم اختيار إبراهيم خضر إبراهيم لهذه المهمة الصعبة، كان في خلد الذين اختاروه ~~أنه يؤمن بالفكر الجمهوري، وفي رأيهم أن هذا الفكر يقوم على الحجة والجدل أكثر مما يقوم على ~~الوقائع التاريخية والموروث الديني، ومدعو النبوة هم حاجة أكثر مما هم سلفيون، فما ضرنا ~~أن نرسله له، يمارس هواياته في المحاجة ويخلص إلى حقيقته إن كانت هنالك حقيقة خلف مدع ~~درويش ربما مخبول أو مريض نفسي؟ # عندما استطاع الأسرى التخلص من معسكر شارون، استطاعوا - ومعهم بالطبع إبراهيم خضر - أن ~~يجتازوا منطقة الألغام الخطرة إلى ما يشبه واديا عملاقا لا يعرفون اسما له، طالما كان ~~جميعهم من خارج دارفور ولم يدخلوها إلا محاربين مجبرين على القتال، أو جنودا ألزمتهم ~~المعيشة امتهان وظيفة الموت والاقتتال. كانوا يهربون للأمام، بدون أية فكرة ms078 واضحة إلى أين ~~تؤدي بهم الطرق، كل ما يحاولون الحفاظ عليه هو اتجاه الشرق، واضعين الشمس على ظهورهم، ~~ليست لديهم بوصلة غير الشمس والظل والريح، تقودهم غريزة الحياة نحو نجاة لا يفقهون لها ~~مسلكا. لم يتنبهوا إلى أنهم لا يحملون طعاما أو ماء إلا بعد أن أدركهم الرهق والعطش وهم ~~على مشارف ما بدا لهم قرية قديمة، كالعادة كانت مهجورة بشكل تام، يعرفون أن هنالك مصادر ~~مياه قريبة من القرية؛ فكثير من القرى تنشأ على مصدر مياه، أو أنها تصنعه لاحقا، ولكن ~~خطورة المياه بالقرى المهجورة نتيجة الحرب، أنها قد تكون مسمومة أو غير صالحة للشرب وفقا ~~لظروف بيئية. # كان الواحد وعشرون رجلا، جميعهم بصحة جيدة، ومتفائلين ويمضون للأمام في صمت تتخلله بعض ~~الهمهمات، وهي عبارة عن ملحوظات سريعة عن الطريق والاتجاهات، أو نصائح تخص السلامة، العشرون ~~رجلا هم في الحقيقية 18 رجلا وطفلان في السادسة والسابعة عشرة من عمريهما، انزلقا في وكر ~~الجندية من الخدمة الوطنية الإلزامية، دخلوا القرية حذرين، ولأنهم لا يمتلكون أي نوع من ~~الأسلحة ولا حتى الشخصية البيضاء، فكانوا يتخذون غاية الحذر والحيطة والانتباه. إبراهيم خضر ~~إبراهيم، والطفلان ورجلان آخران اتجهوا ناحية الخور بحثا عن الماء، واتجه البقية نحو ~~الغرب، حيث بدا للعيان منخفض به بعض الأشجار الخضراء قد يكون علامة على توافر المياه ~~بالموقع، واتفقوا على أن من وجد الماء يعلن الآخرين عن طريق الصفير. # الوقت عصر، الريح الدافئة تمر عبر وجوههم صاعدة نحو الجنوب، لا يسمعون سوى نوس الأشجار ~~التي تنتظر المطر راقصة للريح الخيرة، يحمل الهواء عبق حريق قديم ورماد يحكي مأساة بشر ~~ماتوا وحرقوا في المكان، لم يمض زمن طويل حينما سمع الطفلان صفيرا، ونبها بقية ~~الرفاق، كانت بئرا عميقة مظلمة، ولكن الماء الذي يعكس بعض الضوء، الذي يصدر صوتا حميما ~~عندما تلامس سطحه الحجارة التي يرمونها فيه، تؤكد تواجده بوفرة، المشكلة الكبرى في كيفية ~~الوصول إليه، وهم لا يمتلكون دلوا أو أوعية ولا حبالا، ولكنهم أيضا لا يعرفون أهو مسموم ~~أم ms079 طيب؟ # كان رأي ما يسمونه الرقيب على آدم أن يستعملوا بعض الآنية المحروقة المرمية في فناء الدور ~~الخربة، قد يجدون ماعونا يمكن أن يحفظ شيئا من الماء، من ثم يمكن استخدام سلم البئر ~~للهبوط إلى الأسفل، وقاموا برحلة بحث أخرى، كانوا يسيرون في جماعة واحدة؛ لذا شاهدوا معا ~~وفي ذات اللحظة الرجل والمرأة وهما مشهران أسلحتهما، وقد اخترق نداء الرجل آذان الجميع: ~~ثابت عندك. # كانا في منتصف عمريهما؛ المرأة تلبس ثوبا ملونا بلديا ورأسها عارية، تبدو في صحة ~~جيدة، الرجل نحيف قصير، بوجهه ذقن كبيرة مهملة وشارب طويل، يرتدي جلبابا قصيرا، يضع على ~~رأسه طاقية، يحمل سلاحا آليا تعرف عليه الجميع منذ الوهلة الأولى، المرأة تحمل بندقية ~~كلاشنكوف، يقفان على بعد كاف من الرجال العشرين في وضعية الاستعداد لإطلاق النار، طلب من ~~الجميع الجلوس على الأرض مع وضع اليدين على الرأس، وأنه سيطلق الرصاص على الجميع إذا حاول ~~أي منهم عصيان أوامره. # طلب منهم أن يحدثه رجل واحد عن هويتهم وماذا يفعلون ومن أين هم قادمون وإلى أين ذاهبون، ~~واختار الرجل بنفسه، وقام الرجل المختار، وهو جندي عجوز حكيم بالتحدث إليه، وأخبره بأنهم ~~أسرى هاربون من معسكر شارون، قالت المرأة: يعني جنجويد وجيش؟ # قال لها: إنهم ليسوا بجنجويد ولكنهم كانوا جنودا نظاميين، والبعض أفراد خدمة ~~وطنية. # يبدو أن المرأة والرجل لم يفهما الفرق بين الجنجويد والجنود النظاميين ومجندي الخدمة ~~والوطنية، أو أنهما لا يريدان أن يفهما؛ لأن الرجل صاح بغضب: «كلكم جنجويد مجرمون كتالين ~~كتلا، اتجمعتوا من السودان كله جيتوا تقتلونا، فيكم زول من دارفور؟» # أجابه بريق ناشف: لا. # أضافت المرأة: الليلة يومكم تم هنا، عيال أم طيظ، يا ملك الموت جاك الموت. # عندما خرجت الطلقة الأولى، لم يدر أي منهم أيهم أصابت، وهم يهربون في كل اتجاه، وصوت ~~الطلق الناري يقعقع خلفهم، سوف لا يعرف أي منهم من هم الذين أصيبوا أو قتلوا؛ لأنهم لم ~~يلقوا بعضهم البعض بعد ذلك مدى الحياة. # إذن ظن إبراهيم خضر أنه الناجي الوحيد، ms080 لم يستطع أن ينظر وراءه، كان يجري بكل ما أوتي ~~من قوة مندفعا بطاقة الخوف، عبر خيران كثيرة، غابة صغيرة، أرض شوكية ورمال لا حصر لها، إلى ~~أن اختفى صوت الرصاص نهائيا، أو خيل له ذلك. كانت الشمس تغرب ببطء شديد، ترسل أشعتها ~~الدامية نحو الكون، أشعة تذكره بمذابح كثيرة مرت به، هنا في دارفور وفي جنوب السودان ~~ومذابح كثيرة نجا منها، لا يدري أيها سيكون من نصيبه، اتجه مرة أخرى نحو الشرق، هو الاتجاه ~~الوحيد الذي سيقوده إلى معسكر ما للجيش السوداني، كما أنه أيضا قد يقوده لقرية مجهولة ~~يسكنها شبح مسلح كما حدث قبل قليل. # على كل لقد توجه بكل قلبه وأحساسيه نحو نجاته، التي لا تحدث إلا إذا وجد الجيش ~~السوداني، فلون بشرته الأصفر هو لون الجنجويد وشعره الكث الغزير المهمل، وذقنه الشائكة غير ~~المنتظمة، كل ذلك يجعله شديد الشبه بالجنجويد، ولا ينتظر أحد ليرى ما بداخل قلبه من جمال ~~وحب للإنسان، وليس لدى أحد في هذا الجحيم الوقت الكافي ليستمع إلى قصته، وكيف أنه رمي به ~~في هذه الحرب رميا، وأنه لم يطلق النار على أحد، ولا يعرف كيف يستخدم البندقية، وهذه هي ~~سنته العاشرة بالجيش، لا يعرف كيف يدافع عن نفسه بغير الجري، كان يمضي نحو الشرق بسرعة ~~وهمة، وجد عودا يابسا اتخذه عصا قد تساعده على المشي وتدفع عنه شر ثعبان أو أي من ~~الهوام قد يصادفه. # كانت الأرض تمتد أمامه إلى ما لا نهاية، شبه صحراء قاحلة، يرى في البعيد بعض الأشجار ~~الخضراء في الأودية، تتناثر أعشاب الفصل المطير الماضي في كل مكان، لونها أصفر فاقع أو بني، ~~الآن بقيت بالأفق آخر أشعة الشمس، وبدا ظل ثقل ثقيل يسيطر على الكون من حوله، يهبط ~~تدريجيا، لزجا وناعما مثل الزيت، ظل ليس باستطاعته أن يحبه ولو أنه قد يكفيه شر الأعداء ~~غير المتوقعين، إلا أنه أيضا يخفي بين إبطيه مخاوف أكثر فظاعة ومفاجأة. # لا يدري كيف استحضر في هذه اللحظات بالذات صورة الأستاذ محمود ms081 محمد طه، صورة ابتسامته ~~العميقة الجميلة وهو يتوجه نحو المشنقة، هذا الخليط الثري بين قمة المأساة وقمة الفرح، ~~المزج بين النار والزيت في ذات الإناء بينما يظل الزيت زيتا والنار نارا. أعطته الابتسامة ~~شجاعة غير متوقعة، وبدأ الليل يظلم إظلاما تاما، وسوف لا يظهر القمر إلا بعد ساعتين على ~~الأقل، إلى أن آنس ضوءا صغيرا بعيدا جدا، ثم أضواء متفرقة تقترب ببطء أو يقترب هو ~~منها كما يمضي الحالم نحو هدف مجهول، قد تكون مدينة صغيرة، قد تكون قرية منسية من مذبحة ما، ~~ولكنه استبعد أن يكون ذلك معسكرا للجيوش؛ لأن المعسكرات عادة ما تكون مظلمة، شديدة ~~الإظلام، كلما اقترب من مصدر الضوء كلما ازدادت مخاوفه، قد يصادف إحدى ورديات الحراسة ~~الحكومية، أو الأهلية المتعجلين الذين يقتلون ثم يتحرون من أصل الضحية إذا أثارت في بعضهم ~~غرائز الاستطلاع. # إذن من الأفضل أن يقضي الليل دون أن يلج المكان، وفي الصباح يتدبر حاله، ولكن كيف ~~يبيت في العراء ملتحفا السماء ومتوسدا الرمال؟ كانت تدور برأسه أفكار شتى، لم يتصل ~~بأسرته منذ سنوات كثيرة ماضية، إنهم لا يدرون أين هو، ربما ظنوا أنه مات وشبع موتا، آخر ~~رسالة بعثها لهم عن طريق الصليب الأحمر، رسالة طويلة جدا، لولا قلة الأوراق لكتب أكثر، ~~كان بإمكانه أن يملأ ألف ألف صفحة، ولكن لأفراد الصليب الأحمر عملا آخر يقومون به غير ~~رسالته، ولا يمكنهم انتظاره أياما ليكمل خطابه لأسرته. # كان يحس أنه يتحدث معهم فردا فردا، يشعر بأنفاسهم وتعبير وجوههم، ويسمع نصائحهم له، ~~ويستطيع وهو ممسك بالقلم أن يمسح الدموع الساخنة عن وجه أمه الذي يراه في غاية الحزن: أنا ~~هنا أقيم في معسكر آمن، لا توجد حرب في هذا المكان، وقريبا ستطبق اتفاقية السلام ويتم ~~إعادة الأسرى، سأعود مباشرة لكسلا، الطعام كثير ومتوافر جدا، ونحن لا نعمل شيئا سوى ~~النوم ولعب الكوتشينة. أمي، اطمئني ولا تقلقي بشأننا، أريد أن أعرف أخبار أختي أمل، فهي ~~بدون شك تكون قد تخرجت في الجامعة منذ سنوات طويلة ms082 ماضية، أبي اكتب لي ... # كان يقترب تدريجيا من مصدر الضوء، حينما فكر في الألغام البشرية، ما إذا كانت المنطقة ~~شبه عسكرية، على كل يحتاج لمسيرة ما يزيد عن الساعة لكي يدرك الضوء، ويقدر المسافة بعشر ~~كيلومترات وليس أقل من ذلك، هذا العالم مليء بالشرور، عندما يحس بالقمل يتحرك في ظهره ~~يعرف أنه أصبح حساسا أكثر مما يجب، وقد بلغ به القلق أشده، تعلم كثيرا من الحياة في ميدان ~~القتال، تعلم كيف يتعايش مع الأوساخ وأن يبقى في ملابسه دون حمام لشهور كاملات، وأحيانا ~~إلى أن تتمزق على جسده، وتعلم أيضا فنون النجاة من الموت. # أصبح ثعلبا ماكرا في اصطياد الحياة، ما زالت تعلق في ذاكرته اللحظة التي تم صيده فيها ~~على مشارف مدينة الخرطوم، فيما يزيد عن عشرة أعوام، قضاها في ميادين القتال مدنيا، يحمل ~~الذخيرة على ظهره، يعالج الجرحى بخبرات تعلمها في الميدان من لا أحد. كان يسير كالمنوم ~~مغناطيسيا، إنه يتقدم بإصرار، تعرف على شيء مهم، وهو أن الضوء يصدر من كشافات كبيرة على ~~أعمدة، مرصوصة بانتظام، عددها عشرون كشافا. حسنا، هذا ليس مطارا خلويا، ولكنه بدون شك ~~معسكر لقوات الأمم الأفريقية # AMIS ~~. إنهم الوحيدون الذين ~~يمتلكون كل تلك الطاقة من الضوء ويشعلونها، وهم الأكثر مخافة من الظلام في دارفور. # لم يرحبوا به، لكنهم لم يطلقوا عليه النار، طلبوا منه أن يبتعد، قال لهم إنه أسير هارب من ~~جيش المتمردين جماعة شارون، قالوا إنه لا يمتلك أدلة تقنعهم، وهم لا يعرفون ما هي الأدلة ~~التي تقنعهم، عليه أن يبتعد، أن يذهب نحو القرية التي تبعد خمسة كيلومترات غربا وأن يسلم ~~نفسه للشرطة، وأنهم سيعتنون به، لا مكان لدينا هنا للأسرى أو الهاربين من الجيش وغيرهم، نحن ~~قوات مراقبة وكتابة تقارير. # ما اسم هذه القرية؟ # البوليس سوف يحدثك عن كل شيء ويعطيك المعلومات الضرورية التي تحتاج إليها. # كان المترجم يستخدم نفسه كآلة للكلام لا غير، ولو أن بوجهه انطباعا لم يرتح له إبراهيم ~~خضر كثيرا، يعرف أن السبب هي ms083 بشرته الصفراء وشعره الكث، لولا لغته لحسبه كل من رآه ~~جنجويدا؛ فالجنجويد يستخدمون لغة وطنهم وهو عربي النيجر أو ما يسمى «بالضجر»، وغالبا ما ~~تحتاج إلى مترجم يفسر معانيها بلهجة عربي السودان، ولكن إبراهيم خضر يتحدث عربي وسط السودان ~~بلكنة الشرق. كانوا يقفون على مبعدة عنه، يشهرون سلاحهم في خوف ورعب واضحين. # عليك أن تبتعد، أن تذهب نحو القرية إنها قريبة جدا وبها نقطة شرطة تعمل 24 ساعة. # كان مرهقا وجائعا وعطشان، كان الشرطيون أكثر رحمة، حيث إنهم أعطوه ماء، وبقية عشاء ~~كانوا قد أطعموا معظمه، تحروا معه، ولكنهم أدخلوه الحبس إلى أن يتأكدوا من صحة المعلومات ~~في الصباح الباكر، يمكنك أن تنام، قدموا له برشا من السعف وبطانية عسكرية قديمة ونصيحة ~~غالية: أوعك تحاول الهروب، كل من هرب من الحبس مات. # لم يحلم بشيء؛ لأنه حلم بالعالم كله، حلم بأنه قد نجى أخيرا وعاد إلى مدينة كسلا مسقط ~~رأسه، لأمه وأبيه وأخته وجيرانه. كانت المدينة كلها هنالك ترحب بعودته، تستقبله منذ بوابتها ~~عند الطريق العام، أطفالها ونساؤها، عمالها، موظفوها، البجا بشعورهم الكثة وصدرياتهم ~~الجميلة السوداء والزرقاء والبيضاء، الجنود النظاميون يقفون صفا واحدا طويلا تتقدمهم ~~موسيقى القرب، الأستاذ يقف تحت شجرة نيم عملاقة، في وجهه ابتسامة عريضة، يحمل كتابا بيده ~~اليمنى، كان يلبس جلبابا أبيض ويلتحف ثوبا جميلا من التوتال، المدينة كلها على ظهر سفينة ~~عملاقة، كأنها سفينة نوح، بها مخلوقات غريبة وكبيرة جدا، يحملها الموج بعيدا في السماء، ~~تبحر خفيفة كمركب من ورق كان يصنعها وهو طفل بالروضة، ثم دقت الأجراس، دقت الأجراس ~~الكبيرة، صليلها تردده الدنيا كلها. كان الشرطي يفتح باب الحبس وفي صحبته رجل من ~~الاستخبارات العسكرية، عندما سمع اسمه، استيقظ، كان رجل الاستخبارات يضحك بصورة هستيرية وهو ~~ينهض إبراهيم مستخدما كلتا يديه: قوم يا كلب. # كان هذا صديقه الحميم قدورة إسحاق، لقد عملا معا في الفاشر، وهربا من الأسر أيضا ذات مرة ~~من جيش العدل والمساواة، وإن إبراهيم عالجه مرتين من جروح خطيرة بميدان القتال. # قال ms084 لقائد المنطقة العسكرية العميد الشاب، إنه يريد فقط أن يعود لأسرته، ها هي سنته ~~العاشرة التي قضاها في ميدان القتال، وتعرض للموت أكثر من عشرين مرة، أسر مرتين، وكاد أن ~~يقتله الشبحان بالأمس، وإنه يريد أن يرى أمه وأباه، يريد أن يتزوج وينجب أطفالا مثله مثل ~~الآخرين، فأنا لست مقاتلا ولست عدوا لأحد، ولا أرغب في أي عمل بطولي، بل قال له صراحة، ~~إنه لا قضية له يحارب من أجلها، إنه لا يريد أن يصبح شهيدا أو بطلا، وكأن لسان حاله يقول: ~~توجني جبانا وأعدني لأسرتي. # أكد له القائد الطيب أنه متعاطف معه قلبا وقالبا، ولكن لا توجد وسيلة لنقله لمدينة ~~نيالا ولا أية مدينة أخرى، وأنهم شبه محاصرين، وأن الطائرات ترمي لهم بالطعام من السماء ولا ~~يمكنها أن تهبط، وطلب منه أن ينتظر قليلا ربما تفرج، أنا متأكد أنها ستفرح قريبا، هنالك ~~اتفاقية سلام تلوح في الأفق، تقودها دبي، والصين وروسيا يضغطان على المتمردين ويدعمان ~~الحكومة. # هذه الحكاية لا تحدث أية فرق بالنسبة له، يعرف أن اتفاقيات السلام ما هي إلا هدنات ~~لحروبات أكثر شراسة، كان محبطا جدا، على الرغم من أنه يلبس الآن ملابس جديدة ونظيفة، وقد ~~استحم أكثر من مرتين، ورمى بكل هدومه الأخرى بقملها وبراغيثها في المزبلة، أشعل عليها ~~النار، وأخذ يرقبها، إلى أن أصبحت رمادا، كان يعرف أن القائد يتعاطف معه، ولكنه أيضا يعرف ~~أن هنالك حروبات تلوح في الأفق، وهي المعارك التي تسبق اتفاقيات السلام، حيث يريد كل طرف أن ~~يدخل الاتفاقية من موقع القوة، وأن يضغط الطرف الآخر نفسيا ومعنويا وماليا - رشاوى - ~~وعسكريا في ميدان القتال، حتى يستطيع أن يفرض وجهة نظره ويحصل على أكبر مكاسب ممكنة: هذه ~~هي الحرب، كما خبرها خلال عشر سنوات، وفكر فعليا في الهرب، ولكن إلى أين؟ # ألحق بالمستشفى الميداني كممرض أو طبيب مساعد أو أية وظيفة رحيمة أخرى، طالما كان لا ~~يرغب في حمل السلاح، لكن عندما أتت البرقية المستعجلة، دعاه القائد بعد اجتماع مقفول مع ~~القادة ms085 الميدانيين، وحدثه بأن عليه أن يذهب في مهمة عاجلة. لقد ادعى أحدهم النبوة، وقال ~~إنه السيد المسيح، أو المسيح الدجال، أو أي شيء من ذلك القبيل، ولا يعرف في حياته شخصا ~~يمكن أن يرسل لمحاجة مدعي النبوة أكثر من شخص جمهوري، الذي هو: أنت. # | المؤمنون بي والكافرون # النجارون وأشباه النجارين، لم يسمعوا بالسيد يوسف النجار الذي هو خطيب الأم مريم بنت ~~عمران، أو كما يعرفونها بمريم العذراء، أم السيد عيسى ابن مريم، ولكنهم جميعا يعرفون الرجل ~~الذي يدعي النبوة الآن معرفة حقة، ويتعجبون كثيرا للتشابه الذي يقع بينه وبين السيد عيسى ~~ابن مريم على الأقل في التكوين الأسرى، وربما - في رأي بعضهم - هذا ما أغراه أن يقول إنه ~~عيسى ابن مريم نفسه؛ فوالده هو زميلهم يوسف هارون النجار، وهو من أمهر النجارين بزالنجي، ~~وأبرعهم في صناعة السحارات ودواليب النساء الحديثة هي ما تسمى بالحافلات، هرب يوسف منذ عام ~~تقريبا لجهة غير معلومة، بما يتوافق تاريخيا بادعاء ابنه للنبوة، ويهمس البعض: إنه هرب ~~معه بإيعاز من أمه التي أعلنت انحيازها لولدها منذ اللحظة الأولى، والصدفة الغريبة أن أم ~~عيسى بن يوسف تدعى مريم، وهي من أسرة معروفة في المدينة، أبوها الشيخ عمران الرجل الثري ~~صاحب المواشي، تنتهي أصوله إلى قبيلة عربية هاجرت منذ القرن الأول الهجري من المدينة ~~المنورة بالجزيرة العربية، يقولون لأسباب سياسية. بقليل من التصرف وإعمال الفكر يمكن اقتراح ~~اسم عربي قديم لهذه القبيلة مثل بني النضير مثلا، وهو يعمل أيضا بالتجارة الحدودية بين ~~تشاد والسودان، يقيم معظم أيامه في قرية الطينة الحدودية. أما أخواها هارون وموسى فقد هاجرا ~~لدار صباح، وهو ما يعني وسط السودان، وأحيانا مدينة الخرطوم، تاجران شهيران بسوق ليبيا في ~~أم درمان. # النجارون وأشباه النجارين حضروا المناظرة الاستثنائية التي جرت بين إبراهيم خضر إبراهيم ~~وما سمى نفسه المسيح ابن الإنسان. حسنا قبل أن ندلف للحوار علينا أن نمر على بعض الحقائق ~~حول إبراهيم خضر نفسه: أولا إبراهيم خضر ليس له قناعات مسبقة بأن هذا الرجل ms086 كاذب أو صادق، ~~نبي أم غير نبي، ويظن أن ذلك لا يهمه كثيرا، بل ليس من شأنه الخوض في حريات الآخرين؛ فمن ~~حق أي إنسان أن يعتقد في نفسه ما يعتقد، طالما لا يضر اعتقاده الآخرين في شيء، فهو لم يقاتل ~~أحدا، لم يعتد على ممتلكات أحد، لم يجبر أحدا على الإيمان به، بل العكس إنه يبحث عمن ~~يكفر به، ويقول: # طوبى للكافرين بي، إنهم سينجون من الحقيقة، وأنا أنجو من حبهم لي. # نستطيع أن نقول إن إبراهيم خضر إبراهيم، عندما يجادل الرجل فإنه ينطلق من نقطتين ~~أساسيتين؛ الأولى هي تنفيذ المهمة التي أوكلت إليه، كجندي مدني، والشيء الآخر يريد أن يتعرف ~~على أفكار الرجل، والأخير هدف إنساني شخصي يخصه هو وحده؛ إذ إن إبراهيم خضر إبراهيم لا يجرم ~~أحدا ولا يبارك دعوة أحد، ونريد أن يكون ذلك واضحا للناس: فالحرية لنا ولسوانا. # يوم الجمعة التي انتظرها الجميع طويلا، العسكريون والنجارون وأشباه النجارين، السياسيون ~~المنتظرون خلف سماعات التليفون، الأخبار الجميلة من القائد الميداني الذي سيبشرهم بقتل وصلب ~~النبي الكاذب أو مدعي النبوة، أو ما يظن أنه عيسى ابن مريم، ينتظرون أن يضحكوا في استمتاع ~~خاص وهم يتناولون كأسات مترعة من الويسكي الأيرلندي اللذيذ، الذي يستورد من أجلهم بكامل ~~السرية، حيث إنهم مسلمون رساليون سلفيون على منهج الإمام ابن تيمية في العلن، وداعرون ~~فاسقون فاسدون كاذبون وسحرة، على منهج راسبوتين الروسي في السر. # خرجوا في جماعة واحدة، وكما هو متوقع اتجهوا نحو الراكوبة الكبيرة وسط القرية، جميعهم ~~معروفون لدى أهل دارفور، وليسوا جميعا من قبيلة واحدة، كان من بينهم الدارفوري من الزغاوة ~~والمساليت والفور وغيرهم، والعربي الذي ينتمي لقبائل مثل الفلاتة والتعايشة والهبانية وكوكا ~~بني حسن وغيرهم. في الحقيقة لا أحد يستطيع أن يفرق بينهم نتيجة للقبيلة أو اللون أو ~~الشكل، لقد كانوا يتشابهون أو صاروا يشبهون بعضهم البعض فيما بعد، لدرجة أن الكثيرين لا ~~يستطيعون أن يميزوا أيهم الرجل وأيهم أصحابه. فقط يستطيع الناس أن يشيروا إلى السيدة مريم ~~الحبيبة، ms087 وهي في ثوبها السوداني التقليدي وضفائرها الجميلة المرسلة التي ينحسر عنها الثوب ~~من جهة الرأس، كانت جميلة ورقيقة ونظيفة. # النجارون وشبه النجارين، فرغوا من صناعة الصلبان المتينة القاسية التي تقبع عند الوادي ~~الصغير متشهية الدماء، يحرسها بعض الجنود ال 66، البعض الآخر يقوم بتمارين نهائية وبروفات ~~لأداء مهمة القتل في حالة أن قاوم الرجل وأتباعه الصلب، أو أن قوة مجهولة تريد أن تتدخل في ~~الآونة الأخيرة للحيلولة دون تنفيذ الأمر، فالمنطقة لا تخلو من متمردين ومنفلتين وقاطعي ~~طرق، وإن الأمم المتحدة بجيوشها الكسولة ليست ببعيدة عن الموقع، عليهم ألا يترددوا في إطلاق ~~النار، وألا تأخذهم في الحق لومة لائم. كانت الراكوبة متسعة، بحيث إنها آوتهم وعشرات ~~الآخرين، وتبقت منها مساحة كبيرة أخرى تسع مائة شخص آخر، فلنقل إنها تؤوي كل من ~~يدخل تحتها، لا ندري ما إذا كانت تمتط في المكان والزمان مثل الكون، أو أنها تسعهم وكفى، ~~يجلسون على الأرض وسط الراكوبة، والبقية يجلسون أو يقفون حولهم، يحملقون في وجوههم لا ~~يدرون هل يصدقونهم أو يكفرون بهم، وكان الكفر بهم أسهل بكثير من تصديق أن هنالك نبيا ~~وحوارييه، يقبعون في قعر جبل ما في مجاهل دارفور، كما أن الناس يتساءلون عن الضرورة لنبي ~~جديد، ألا يكفي الأنبياء الكثر الذين أرسلهم الله في القرون الماضية؟! ما هو الجديد الذي ~~سيأتي به نبي في القرن الحادي والعشرين؟ # سأله إبراهيم خضر إبراهيم: لقد قلت فيما قبل إنك السيد عيسى المسيح نفسه، بلحمه ودمه، ~~ولست مجرد داع بدعوته، ولا أحد مريديه أو متقمص له، إذن هل تدعي أيضا أنك ابن ~~الله؟ # ابتسم الرجل ابتسامة مريحة، شرب قليلا من النشأة المسماة في دارفور بأم جنقر، تصنع عادة ~~من الدخان، قال له: أنت الآن تراني أشرب أم جنقر، هل يحتاج ابن الله لطعام وشراب؟ هل يجوع ~~ويذهب للمرحاض؟ هل يشرب الماء من النبع مثله مثل الخراف؟ أنا ابن الإنسان، وأنت تقول إن ~~أباك هو رب البيت، فأبوية الله هل مثل ربوبية أبيك؟ مسألة جمال لا غير، ms088 وأضاف وهو يمسح ~~قليلا من العرق من جبينه: عموما فكلنا أبناء الله، هذه الشجرة ابنته، وتلك الريح، هذه ~~البنت بنته، ذرة الرمل، هذه العشبة، ذلك الطائر، أنتم، هذه الجيوش، النجارون وشبه ~~النجارين ، المؤمنون بي والكافرون، جيمعنا أبناء الله وهو ربنا. # سأله إبراهيم خضر إبراهيم: هل أحييت الموتى، وأقمت من ريشة طائرا؟ # كان الحوار يدور بعربي دارفورية، يعرفه الناس هنا، ويجيدونه. أجاب الرجل بهدوء بالغ: كل ~~ما أفعله هو أنني أحاول ألا أخلق شيئا، إنني أشكل الأشياء، من ذرة الرمل صخرة، ومن الصوفة ~~خروفا، وكل ما أفعله أنني أقول له صر فيصير، أي واحد منكم بإمكانه فعل ذلك ... لا أعرف كيف ~~يحدث، ولو أنني أستطيع أن أعلمكم؛ أي أن أتبصر وإياكم الطريق، جميعكم تستطيعون، بإمكانكم ~~أن تجعلوه يحدث إذا كنتم ترغبون في ذلك، فالرب هو الذي خلق ويخلق، أنا لم آت بمخلوق من ~~العدم، لم أخلق الريشة، لم أصنع جثة الموتى، لقد كانوا هناك في القبر الجماعي منذ أن قتلهم ~~الجنجويد ودفنهم جنود من الجيش السوداني، ببساطة، إنني أعرف الكلمة المناسبة، وأستطيع أن ~~أقولها وأسمعها للناس والأشياء حية كانت أم ميتة، والكلمة تفعل كل شيء. ويبدو أن الرجل قال ~~كلمة: وقف نجار عجوز، كان جالسا ليس ببعيد عن الرجل، هتف قائلا: أنا آمنت بك. # ابتسم الرجل، وقف نجاران آخران، قالا إنهما آمنا به، ابتسم الرجل، قال جندي شاب إنه آمن ~~به، ابتسم الرجل، قال جنجويد قد أتى مع الجيش إنه آمن به. قال الرجل، ولم تفارقه الابتسامة ~~الودودة بعد: أقول لك كما قلت لتجار الهيكل من قبل: أهون لجمل أن يدخل من ثقب إبرة من أن ~~يدخل جنجويد ملكوت الله. # هتف القائد الميداني مخاطبا بقية النجارين بأن يصنعوا صلبانا أخرى بعدد الذين آمنوا ~~الآن والتحقوا بالرجل، وكلما آمن شخص آخر، طلب القائد من النجارين أن يصنعوا صليبا خشبيا ~~ثقيلا آخر، وهكذا إلى أن آمن به تقريبا جميع من استمع إليه. أما من تبقى من نجارين فقد ~~صنعوا صلبانا أنيقة لأنفسهم، وجاءوا ms089 يحملونها في ظهورهم وهم يعلنون إيمانهم بالرجل. وعندما ~~اتصل القائد العام من الخرطوم بالقائد الميداني، رد له القائد الميداني قائلا: أحتاج ~~صليبا من أجلي، صليبا كبيرا ثقيلا. # | ملك الموت # إبراهيم خضر إبراهيم ، لم يكفر بالرجل، ولكنه لم يستطع أن يؤمن به، ولو أنه أصبح من ~~تابعيه، من أجل المعرفة، لقد كان الرجل فصلا دراسيا نادرا ومهما، عليه أن يسجل فيه ~~حضورا دائما أصيلا. النجارون وأشباه النجارين حالما انضووا تحت إمرة الرجل، وانشغلوا في ~~مباركة كلامه والإيمان ببركاته الكثيرة، التي يتكرم بها إليهم كل لحظ آخر لا بد من فهمه لكي ~~نفهم ردود فعل الحكومة المركزية، أو له هو ماذا تعني لها الحرب الآن في دارفور، وهذا مهم ~~جدا؛ لأن السلطة المركزية تعتبر أن الحرب قد آتت أكلها ونضجت ثمارها وتم قطف هذه الثمار ~~طازجة، باعتبار أن أهم هذه الأهداف استراتيجية، وهي ترحيل مجموعة من القبائل من أوطانها، ~~وأن تحل محلها مجموعات أخرى تم استيرادها من الدول المجاورة، وذلك حدث بنسبة 90٪، والشيء ~~الأهم هو أن لا يعرف أحد - لم يحدث ذلك - ومن الأهداف الثانوية التي تحققت للسلطة ~~المركزية هي أن تبدو الحرب في دارفور كما لو أنها حرب بين مجموعتين وهميتين، وهما ما ~~يسمى بالعرب والزرقة، وهاتان المجموعتان لا وجود لهما في الواقع، ولا توجد أية حرب بينهما، ~~وكانت ستتبنى فكرة مسيح دارفور إذا كان قد أعلن أنه سيحارب العرب في دارفور أو الزرقة، أو ~~لو أنه ضدهما الاثنين معا، أو أصبح له رأي واضح في مسألة الهوية مثل مدعي النبوة ~~العيسوية الكثيرين الذين ظهروا في نيالا منذ عام 1921، بغرض مقاومة الاستعمار ~~الإنجليزي. # ولكن أن يدعي النبوة شخص أبوه ممن تسميهم الدولة الزرقة، وأمه ممن تدعوهم بالعرب، ويتبعه ~~الاثنان، ويكره الجنجويد، ويجعل العسكر والنجارين وأشباه النجارين يؤمنون به، وبكلمة واحدة ~~يجعل واديا بأكمله يخلو من الإبل والأبالة، يعني أن هذا الرجل سيقوم بإتلاف صومعة ثمارها ~~الطازجة، سيبذر في أحشائها ديدانا تأتي عليها في ثوان. أرسلت الحكومة جيشا عرمرما، ~~اختارته كله من ms090 الجنجويد، ووكلت قيادته لشخص غريب عنيف وفي اسمه «أبو دجانة»: إذا ~~هزمتم قتلتم وعادت الأرض لأصحابها، وسوف يعود من ينجو إلى بلده؟ # هؤلاء الجنجويد الذين قال فيهم كلمته الشهيرة بأنهم لا يدخلون ملكوت الله، وأهون لإبلهم ~~أن تدخل من ثقب إبرة خياطة من أن يلجوا هم الملكوت، يعرف الرجل خطورة الموقف، ويعرف أكثر ~~كيف تكون ردود أفعال السلطة الزمانية؛ لذا كان يقول لأتباعه، وهم كل من استمع إليه يتحدث، ~~بمن فيهم إبراهيم خضر: أنا أضمن لكم الحياة إلى الأبد، ولكني لا أجنبكم الموت الآن. # وقال في موقع آخر: أهبكم جميعا فرصة الاستمتاع بالألم، وسأهب نفسي أيضا. # لذا، إذا كانوا قد فهموا ما يرمي إليه، فإنهم يتوقعون أحداثا جساما، ينتظرونها بشجاعة ~~ولذة. كانت كلماته تسمع بكل مسام الجسم وليس بالأذن وحدها، ويسمعها البشر والحيوان، ~~وتسمعها الجمادات، وكل من وما يسمعها ليس لديه خيار إلا أن يطيعها ويؤمن بما تحويه من ~~معان؛ لأن كل ما يقوله هو ذات الحقيقة، وهي لم توجد حرة ومطلقة على الطبيعة كما وجدت الآن؛ ~~لذا كان دائما ما يكرر قائلا: وا شوقاه لمن يكفر بي. # الرجل، أو السيد المسيح، أو النبي عيسى، أو مسيح دارفور، أو النبي الكاذب كما يسميه ~~السياسيون ورجال الدين، كان رجلا بسيطا، من أسرة صغيرة، وهو أكبر الأبناء فيها، أمه مريم ~~بنت عمر، وأبوه يوسف أحد النجارين المشاهير بزالنجي، وهو لا يستطيع أن يؤكد متى أحس ~~بنبوته، أو أنه مختلف، ما لم ينبهه أخوه ابن خالته يحيى، الذي لاحظ أن أخاه عيسى يستطيع ~~القيام بأفعال وأمور لا يستطيعونها، بل يقول أشياء لا يفهمونها وهم الذين في عمره، وهنا ~~سنعرج على ما يسميه يحيى حادثة وادي برلي: وادي برلي بنيالا عبارة عن نهر موسمي صغير، ينبع ~~من المرتفعات التي تقع جنوب نيالا وشرقها، وهو الرافد الحقيقي والأساسي للمياه الجوفية ~~بالمدينة، ويمثل الوادي أيضا المتعة الإنسانية والسياحية لسكان نيالا جميعا، حيث تقام ~~فيه احتفالية السباحة العفوية السنوية، رجالا ونساء، يسبحون وهم في كامل ملابسهم وزينتهم، ms091 ~~حيث إن العري عيب شنيع، بل يعد من الفضائح الكبيرة، التي لا يمكنها أن تمحى من ~~ذاكرة المكان، ما عدا للأطفال الذكور؛ فإن الأمر عادي ومتسامح. # كنت وأخي عيسى كما الجميع نحاول أن نستمتع بماء النهر، حيث إن الماء بهذه الكثرة نادر ~~واستثنائي وموسمي، ولا يدوم طويلا مجرد ساعات قلائل من اليوم، قبل أن تشربه الرمال، ~~تقريبا كنا في الثانية والرابعة عشرة من عمرينا. أنا أكبر منه بعامين، ولو أن أمي أصغر من ~~أمه بعامين، إلا أنها تزوجت قبل أمه؛ فأمي مريم كويا وأمه مريم، وكويا تعني الصغيرة ~~بلغة الفور الذين نشأت أسرتنا وسطهم، على الرغم من أن أمينا ليستا من قبيلة الفور، بل من ~~قبيلة ذات أصول عربية تسمى كوكا بني حسن، وأبي من الفور وأبوه يوسف النجار من قبيلة ~~المساليت. # بينما كنا نسبح باستمتاع ونلتقط بعض الأشياء التي يأتي بها الوادي من قرى اجتاحتها ~~السيول، أو غابات قضت عليها وانتزعت شجيراتها من جذورها، إذا بالماء العكر المحمل بالطمي ~~ومخلوقات الغابات وأشجارها، يصفى ويصبح نقيا جدا وهادئا جدا، ولامعا مثل الفضة ~~كلما اقترب من عيسى أو حوله، وقد لاحظت أنه شكل هالة غريبة تفوق دائرتها المترين، كان ~~هو مندهشا مثلي، بل خائفا جدا، وكلما انتقل إلى مكان آخر انتقلت الهالة الغريبة معه، ~~وصفا الماء وهدأ وأصبح نقيا مثل الفضة، وفجأة وجدنا نفسينا نجري نحو المنزل، ولم يكن ~~بعيدا عن الوادي، فهو خلف حديقة المانجو وليس بعيدا عن بيت الخالة خريفية، وهي امرأة ~~مشهورة في تلك الأنحاء، وجدنا أمه مريم، ونحن بأنفاس تهبط وتعلو وأيد مرتجفة وشفاه ولسانين ~~جافين خائفين مرتجفين، حكينا لها القصة، قالت بجدية بالغة وقد برقت عيناها: لا تقولا ذلك ~~لأي إنسان كان، انسيا الأمر. # ثم همست لي بأذني وقد انفردت بي: لا تترك أخاك وحده، كن دائما معه. # عاش عيسى بعد ذلك طفولة مستقرة، وذلك ظاهريا، لكنه كان يسمع أصواتا ويرى أشياء، ويلمس ~~ويحس بما لو قصه لأي إنسان غير أمه لاتهم بالجنون. عيسى كان يجد ms092 كل ما يحتاج إليه، يفكر ~~في النقود فيجدها في كفه، يحلم بالطعام الجميل فتوفره له أمه الفقيرة، يلعب مع الأطفال ~~فيفوز عليهم في كل المنافسات، يسقط الفصل الدراسي المنهار على الطلاب، فيكون عيسى هو الناجي ~~الوحيد، ولم يمسسه حتى الغبار، وإذا غاب عن الدرس، نظر إلى وسائل التعليم المعلقة على ~~الحائط، فعرف كل ما قيل وما لم يقل. الحق يقال، لقد كانت هنالك رعاية تخصه هو ~~بالذات، رعاية من قوة كبرى؛ أي إن عينا سرية حنينة وطازجة تسهر عليه. # قالت ذات مرة عنه خالته مريم كويا أم يحيى: عيسى ولد عارفا، ما كان في حاجة إلى ~~مدرسة. # أمه مريم كانت تخاف عليه خوفا شديدا، من كل الناس والأشياء، حتى من والده، وكانت تطلب ~~منه ألا يخبره بكل شيء يحدث له، ما عدا هي ويحيى، كانت تخاف من خوف أبيه عليه إذا عرف بما ~~يحدث لطفله من أشياء غريبة ومدهشة، ويغمرها إحساس غريب بأن هذا الطفل يخصها وحدها، ولا حق ~~لأحد أن يتدخل فيما يخصه، حتى والده يوسف نفسه، الذي يحبه حبا جما. وكانت تصر على ~~اصطحابه معها أينما تذهب، لأماكن الأفراح والأتراح، وتذهب معه للاحتطاب والعمل في المزارع ~~القريبة بالأجر، لدرجة أن الأطفال أصدقاءه كانوا ينادونه: عيسى ود مريم. # لم يكن يحيى ابن خالته مندهشا للتحولات التي حدثت لعيسى بعد حادثة الوادي، بل كان يرقبها ~~بروية ويسجلها في ذاكرته بدقة، فقد ينسى عيسى كثيرا مما يجري له من أحداث غريبة وذلك ~~لكثرتها، كان يحيى ينقلها لخالته مريم أم عيسى، ثم أخذا يشركان مريم كويا أمه هو ثم مريومة ~~بنت إسحاق جارة مريم أم عيسى وصديقتها المقربة جدا. لكن أهل المدينة لم يكونوا بعيدين عما ~~يقوم به عيسى ويجري له؛ لقد لاحظوا أشياء كثيرة غريبة، إلا أنهم كانوا يلتزمون الصمت، وما ~~ذلك إلا لأنهم كانوا يظنونه طفلا مجنونا أو في طريقه للجنون. لقد خبروا كثيرا من ~~المجانين في حياتهم، وبعضهم أقرباؤهم والبعض جاء من أنحاء دارفور الكثيرة، وأفرزت الحرب ~~المئات منهم ms093 يعيثون جنونا في شوارع نيالا، يتحدثون عن أشياء غريبة، ويظن البعض نفسه نبيا ~~أو ربا، وهذا ليس بالغريب ولا الجديد، وقصة المجنون الذي دخل للوالي، بطريقة غريبة، حيث ~~إنه تخطى الحراس الكثيرين بسهولة ويسر ووقف أمام الوالي وقال له: # بسم الله الرحمن الرحيم # أنا نبي الله الخضر # وأنت المسيخ الدجال # ويا ملك الموت جاك الموت. # وهم بخنق الوالي، الذي قيل فيما بعد إن سيادته قد أسال بعض المواد غير الطيبة من ~~سبيليه الاثنين معا، قبل أن يضغط على زر الإنذار ويجيء الحراس مهرولين، قبضوا على المجنون ~~المدعي النبوة الخضرية، الذي هدد الوالي بالقتل، وأوسعوه ضربا إلى أن انتقل إلى رحمة ~~ربه غير مأسوف عليه. الكثيرون من الأهالي لا يتوقعون مصيرا أقل من ذلك لعيسى ود مريم، ذلك ~~الطفل الغريب. # وكانت الأمور ستمضي بصورة هادئة، لولا أن الوالي بعد تلك الحادثة الغريبة، ابتكر سياسة ~~جديدة في التعامل مع المجانين الذين امتلأت بهم المدينة، حيث أمر بجمعهم وترحيلهم إلى قسم ~~خاص بسجن شالا، ولكن المخيف في الأمر أن بعض ذوي المجانين عندما ذهبوا إلى سجن شالا ~~لزيارتهم لم يجدوهم، ولم يجدوهم في أي سجن آخر، وعرفوا أن أقاربهم المجانين قد تم ترحيلهم ~~من الحياة الدنيا إلى الآخرة؛ مما خلق ما يشبه الرعب في المدينة، وجعل السيدة مريم تهرب ~~بابنها الصغير عيسى لجبل أم كردوس شرقي نيالا وتختفي هنالك؛ خوفا من أن تغتاله عصابة ~~الوالي ويرسلوه للدار الآخرة مبكرا، كما أرسلوا الذين من قبله، ثم لحق بهما في ذات ~~الظهيرة أبوه يوسف النجار، ثم لحق بهم يحيى بمؤن من الطعام والشراب، وظل الصلة الدائمة بعد ~~ذلك طوال إقامتهم بالجبل التي قدرت بالثمانين يوما؛ لأنهم لم يعودوا إلا بعد أن أخبرهم ذات ~~صباح يحيى أن مجنونا استطاع أن يدخل مكتب الوالي على الرغم من الحراسة المشددة، وأنه قال ~~للوالي: # بسم الله الرحمن الرحيم # أنا نبي الله الخضر # وأنت المسيخ الدجال # ويا ملك الموت جاك الموت. # وقبل أن يتمكن الوالي من إسالة بعض المواد ذات ms094 الرائحة الكريهة من سبيليه، أو الضغط على ~~زر الإنذار، تمكن المجنون أن يطبق كفيه الكبيرتين الخشنتين على عنق السيد الوالي، واستطاع ~~سيادته بعد مقاومة عنيفة ونضال شرس من أجل حياته القيمة الثرية ، أن يستسلم للموت، وأن يترك ~~روحه تنطلق لبارئها في سلام مجنون. كما أن القاتل قد استطاع الفرار، ولا يدري أحد شيئا عن ~~مكانه، أو الذين يدرون عنه شيئا لاذوا بالصمت، والصمت كما يقولون هنا في دارفور: ~~رضاء. # | في طريق ابن الإنسان # شارون وعبد الرحمن وشيكيري توتو كوه أصبحوا لدى السلطات بما يعرف بمثلث الرعب، أو ~~الثلاثي الذي لا يقهر، وذاعت شهرتهم عندما قاموا بتحرير قرية ضلاية مسقط رأس شارون ~~نفسه، من قوات الحكومة والجنجويد الذين كانوا يحتفظون بالسكان كرقيق ويستبيحونهم، وأظن أن ~~الرواية سردت ذلك فيما قبل. # وهم أيضا الذين اعترضوا الطريق - فيما بعد؛ أي بعد شهرين من خروج مريم المجدلية من ~~المعسكر وانضمامها لمسيح دارفور، وشهر كامل منذ أن طردوا الجنجويد والحكومة من ضلاية - ~~أمام المتحرك العسكري الضخم المعروف بمسك الختام، تحت قيادة القائد الجنجويدي الأمي العنيف ~~جدا الملقب بأبي دجانة، وكان أولى بهم أن يدعوه هولاكو. ولقد قلنا فيما قبل إنه لا يعرف ~~ماذا يعني أبو دجانة هذا اللقب الغريب، فاسمه الحقيقي بسيط جدا وواضح وهو يحبه، جربيقا ~~جلباق. كان أبو دجانة أو جربيقا جلباق يقود جيشه العرمرم نحو جبل أم كردوس شرق نيالا، ~~ولأنه يريد أن ينسب إليه النصر كله، فإنه وضع الجيش النظامي في المؤخرة، أما قوات «أم ~~باخة» النهمة للغنائم فقد اعتذر قائدها لأسباب معروفة، وهي أن هذا النبي الكاذب ليس لديه ~~ما ينهب أو يتخذ غنيمة أو يسبى، وأنهم لا يستفيدون شيئا من المؤمنين أو الكافرين به، ~~ولا توجد سوق نخاسة ليبيعوهم فيها؛ بالتالي سوف لا يشاركون في هذه المعركة بالذات: قد ~~نساهم معكم في معركة أخرى، هم لا يخجلون في إعلان أنهم قوات غنائم لا أكثر. # يعلم شارون أن هذه المعركة سوف لا تكون نزهة قصيرة كما هو شأن المعارك الأخرى ms095 التي خاضها ~~وأصدقاؤه، ولكنه أيضا لم يخف فرحته بها؛ لأن 80٪ من الجنجويد سوف يشتركون في تلك ~~المعركة، وإنهم يعتبرونها نزهة؛ بالتالي قد لا يكونون في تمام الاستعداد لمعركة طاحنة ضد ~~محاربين ماكرين مثله؛ فهم متحمسون للقضاء على النبي وأعوانه بذبحهم على صلبانهم، وليس ~~بإطلاق النار عليهم، فلقد عرفوا أنهم لا يستخدمون السلاح ولا يقتلون ولا يدافعون عن أنفسهم ~~بأية طريقة كانت، إنهم قد يطلقون كلمات لا تفيد في شيء، مجرد غوغاء من الدراويش والمجانين ~~الذين يظنون أنفسهم أربابا أو أنبياء أو أية قوة أخرى: اقضوا عليهم وستصير البلاد كلها ~~لكم. # ولم يعرف قائد الجنجويد الجلباق، أن حكومته قد أرسلت قوة للقضاء على هذا الرجل، ولكنها ~~ألقت أسلحتها جانبا وآمنت به على بكرة أبيها؛ فهو لا يقرأ جرائد، ولم يسمع بالمواقع ~~الإلكترونية، ولم يستمع إلى الراديو لأن لغة الراديو لا يفهم منها شيئا، ليس له أصدقاء من ~~غير جماعته الذين هم مثله في كل شيء، ولا يتطوع المواطنون الذين يكرهونه على إخباره بشيء، ~~وإن السلطات التي تستخدمه تتعامل معه كروبوت لا أكثر، والروبوت لا يحتاج لثقافة إنسانية، ~~قليلا من المعلومات وكثيرا من السلاح الفتاك، وبعض الآلات البشرية ذات الأهداف المتعددة ~~التي تلقى في ركن ما من المصالح الكبيرة تكفي، وهي تعلم أن روبوتها له ميول جنسية وأنه شبق، ~~وأنه يحب الأرض الخصبة المعشوشبة، كوادي بلبل مثلا، تحتاجها إبله المقدسة، وقد وعده ~~الخرطوميون بالأرض ومن عليها من نساء وماء وعشب وحيوان. # جربيقا العنيف كان سعيدا وهو يقود معركته الأخيرة؛ ومن ثم قد يتوج ملكا على هذه ~~الأرض، وبإمكانه بعد ذلك أن يأتي بنسائه وأطفاله من موطنه الذي ضاق بهم وطردهم المجتمع ~~الإنساني منه، لولا أن آواهم القادة السودانيون الطيبون، لأصبحوا أثرا بعد عين، أو على حسب ~~تعبيره: أم سقونا التراب. # شارون ومساعداه نصبوا كمينا جيدا على تخوم جبل أم كردوس قضى على قوة جلباق قضاء ~~مبرما، وراح ضحيته جلباق نفسه، كمين قال عنه شيكيري توتو كوه، وهو يضحك مقلدا شارون: ~~سيحكون عنه ms096 كثيرا في الجحيم لإخوانهم. # قال الرجل للمؤمنين به: الكلمة كما تحيي تميت. # وقال لهم أيضا: نحن دعاة حياة ولسنا دعاة حرب واقتتال. # وقال لهم: القاتل مقتول. # وقال لهم: السلام يبدأ من القلب ، والشر أيضا يبدأ من القلب، وكذا الحب والكراهية. أما ~~الموت فهو صناعة تنشئها لنفسك عندما تنشئها للآخرين، فلا تخفكم آلة الموت، فإنها معدة ~~لصانعها، ولا تخشوا رسل الظلام، فإنهم يمضون إلى قبورهم ذاتها، والطريق إلى ابن الإنسان ~~تمهده الحملان والذئاب معا. # وقال لهم: كل له دوره، وسيقوم به على أكمل وجه، حتى إن لم يشأ ذلك. # وقال لهم: الحرب الآن انتهت، وقبل إسدال الستار على الذين كانوا يمثلون ضحايا أن يستيقظوا ~~من موتهم وعاهاتهم وآهاتهم ويحيوا الجمهور، والذين كانوا يقومون بدور المنتهكين والأشرار ~~أن ينتزعوا أقنعتهم المرعبة، وينحنوا في إجلال، ويبتسموا. لقد انتهت المسرحية الآن، وعلى ~~الجميع أن يعودوا ليمارسوا أدوارهم الخيرة في الحياة كما كانوا ... # وقال لهم: الموكب الموكب. # وهو يعني المهرجان. لقد ذكره لاحقا بالاسم، وطلب منهم أن يستعدوا له، يفعل ذلك مرارا ~~وتكرارا: سيسلمنا الطريق إلى الجمال، قال لنا. # | مريم الحبيبة # مريم موسى، التي أطلق عليها القائد شارون لقب مريم المجدلية، وفيما بعد أسماها عيسى ود ~~مريم: بمريم الحبيبة، حضرت الحرب الشعواء التي دارت بين قوات شارون وقوات الحكومة، حيث إن ~~الحكومة نفذت هجوما على ما يسميه شارون وجنده المدينة، استخدمت فيه الطيران والمشاة، ~~واعتصم شارون بحصنه المتين محميا بالسلسلة الجبلية وبعض الخنادق في المنطقة المفتوحة ~~ولواء الألغام البشرية والثقيلة المشركة جيدا، كما أن الجميع قاموا بلبس الواقي الكيميائي؛ ~~اتقاء مفاعيل الغاز المسبب للإسهالات والإغماء طويل الأجل، وهو سلاح شديد الأثر في المواقع ~~المغلقة ذات التهوية الردئية، مثل الموقع الذي يتحصنون فيه المحاط بالجبال، ويبدو كوعاء ~~صخري ضخم. بل استطاع صائدو الطيران أن يسقطوا مروحية أبابيل ومقاتلة ميج صغيرة، وهذا كان ~~كافيا أن توقف الحكومة الهجوم الجوي، واكتفت بحرب برية لم يتحقق لها فيها الانتصار، وقد ~~قام شارون بأسر عشرة من الجنود من مقدمة الهجوم ms097 الحكومي، قبل أن تنسحب القوات الحكومية ~~متجهة نحو زالنجي، وشارون كعادته لا يطارد المنسحبين بجيشه، ولكنه يمطرهم بقذائف الدوشكا ~~إلى أن يختفوا من الأنظار، وقد يصيبهم بخسائر كثيرة بذلك. # عرفت مريم الحبيبة من الأسرى أن رجلا يدعي أنه المسيح ابن مريم قد ظهر في نواحي جبل أم ~~كردوس شرقي نيالا، وأن بعض الرجال قد تبعوه، من يومها أخذت مريم تعد العدة للالتحاق به، وقد ~~أخبرت شارون بذلك، ولو أنه كان يظن أن مسألة هذا المسيح لا تعدو أن تكون تكرارا للنبي عيسى ~~بنيالا في 1921، أو الدعوات العيسوية الكثيرة في وسط السودان وغرب أفريقيا، وقال لها: قد لا ~~يكون أكثر من درويش مهدوي جاء متأخرا، أحد المحبطين الذين تفرقت بهم السبل، فأخذوا يطرقون ~~أبواب الحلول الطوباوية والخرافات. أما عن نفسه فهو لا يؤمن بنبي بعد الرسول محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ولا يظن أن الناس في حاجة لنبي: إنهم يحتاجون لسلاح يقاومون به الإبادة الجماعية والتطهير ~~العرقي، ويحفظون به ما تبقى من نسلهم من الانقراض، وضحك ضحكته الرهيبة. # قالت له بصدق: أنا منتظراه من زمن، وأحس بأنه هو، هو ذاته. # قال لها: الله يكون في عونك. # ولم يتحدث كلاهما عن رؤيتها الغريبة التي تعتبرها سرها الأعظم الذي أباحت به له وحده ~~في يوم ما. تبرعت لها عبد الرحمن بفرسها، وأعد لها النساء بالمعسكر بعض الأطعمة الجافة ~~التي يحملها المسافرون معهم، وخوفا من أن يلتقي بها الجنجويد في الطريق أو القوات ~~الحكومية، وقد رسم لها شارون خارطة طريق جيدة، ودعمها باثنين من خيرة جنوده وأكثرهم كفاءة، ~~وكان من بينهم شيكيري توتو كوه، وطلبت عبد الرحمن أن تذهب في صحبتها إلى تخوم نيالا، فهي ~~لمن تنس الطريق التي سلكتها للمعسكر قبل شهور طوال بمساعدة العم جمعة ساكن، وقبل أيضا ~~شارون اقتراح عبد الرحمن بأن القوة كلها تكون من النساء، وأن يبقى شيكيري بالمعسكر، بذا ~~تحركت مريم في رفقتها عبد الرحمن وآسيا وناديا، وهن مقاتلات شجاعات خبرن حروبا كثيرة ~~ونجون كثيرا، وقعت آسيا في ms098 الأسر مرتين وهربت في المرتين، وعادت إلى ميدان المعركة، وكان ~~هروبها داويا جدا في المرة الأخيرة؛ لأنها استطاعت أن تأخذ معها أسيرا وهو الحرس المكلف ~~بحراستها، كان بإمكانها أن تقتله، ولكنها أبقت على حياته لسبب واحد فقط هو أنه: الجندي ~~الوحيد الذي لم يغتصبها ولم يتحرش بها، وهو من قبيلة عربية استخدمتها الحكومة في الحرب ~~كثيرا، ولكنه ظل نقيا ونظيفا، وهي دائما ما تحب أن تتحدث عنه بهذه اللغة، آسيا غير ~~متزوجة، ولها طفلة واحدة، بالمدرسة الابتدائية بالخرطوم بحري تقيم مع جدتها. # ناديا، لم تؤسر، ولم تأسر أحدا، ولكنها شاركت فيما لا يحصى عدده من معارك، وهي أقدم في ~~ميدان المعركة من آسيا وعبد الرحمن، لا تفوقها في ذلك سوى مريم المجدلية، ولناديا زوج مقاتل ~~وطفلان أعادتهما لأسرتها بنيالا، وهما ولد وبنت في الثامنة والعاشرة من عمريهما؛ البنت أكبر ~~سنا، وتقول ناديا: إنها تحارب من أجل طفليها لا أكثر: أن يعيشا في بلد خالية من الجنجويد ~~والعنصرية. # مريم كانت أكثر سعادة من أي وقت مضى، وتبتسم كلما تذكرت سرها الذي تقاسمته مع شارون؛ فهي ~~عندما انضمت لشارون كانت تظن أنه النبي عيسى الذي حلمت به كثيرا جدا، النبي الذي يخلص ~~دارفور من قبضة الحكومة ومرتزقتها الجنجويد، ويعيدها لمجدها وسلامها القديم ولحياة الأمن ~~والمحبة التي كانت بين العرب وبقية الدارفوريين منذ قديم الزمان. لقد حلمت بمسيح دارفوري ~~يفعل ذلك، بل إنها رأته في رؤيا صادقة آمنت بها. مريم من أسرة تنتمي لإحدى القبائل العربية ~~القديمة، التي وفدت دارفور منذ سقوط دويلات الأندلس، وتحالفت وتصاهرت مع الفور والتنجور؛ ~~مما وفر لها سبل الإقامة في أودية جبل مرة وتحولت للنشاط الزراعي بدلا عن الرعي، ~~واستبدلت إبلها بأبقار وماعز وضأن. # سمعت كثيرا بشارون، عن انتصاراته على الجنجويد وقوات الحكومة، ويحكي الناس عنه بطريقة ~~تظهره كأحد أساطير العالم الحديثة، ولكنها عندما أقامت معه واقتربت منه أكثر تبين لها أن ~~شارون لا ينفع أن يكون غير قائد عسكري، أو رجل دين عادي، كان الدين يختلط في ms099 رأسه بالسياسة ~~بالبندقية بالتحرر، ولو أنه لم يشترك في حروبات الدولة السودانية ضد سكان الجنوب في القرن ~~الماضي، تلك الحروبات التي تصفها بالقذرة، وقد أزهقت أرواح مليونين من الرجال والنساء ~~والأطفال، كما فعل كثير من قادة جيوش التحرر في دارفور، إلا أنه لم يكن بعيدا عن فكرة ~~الجهاد الإسلامي ولو بصورة باهتة؛ فشارون على جانب حبه للضحك ونصب الكمائن للأعداء، كان يرى ~~أن الإسلام هو الحل الوحيد لمشكلات دارفور، روح الإسلام بعيدة عن نماذج الدولة السودانية أو ~~أي نموذج آخر، فهو يحلم بإسلام قد لا يتعارض مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. # عندما وصلن تخوم مدينة نيالا، ودعنها. كان عليها أن تعبر مدينة نيالا إلى جبل أم كردوس، ~~وألا تمر بالمدينة أو يراها أحد الجواسيس أو المتربصين بالثوار والمقاتلين، فبإمكان أي ~~إنسان أن يتعرف على هويتها بمجرد أن يراها أو يشم رائحتها، نسبة لقلة الحمام والعمل الشاق ~~في ميادين القتال، وإعطاء الأولوية كلها للدفاع أو الهجوم؛ فإن المقاتلين والمقاتلات لا ~~يلتفتون إلى مسألة النظافة والغذاء، إلا بالقدر الذي يجعلهم يبقون على قيد الحياة؛ مما يجعل ~~رائحة أجسادهم كشميم النسور. # على مريم أن تعبر ما يزيد على المائتي ميل غربا إلى جبل أم كردوس، وتحتاج هي ويحتاج ~~فرسها للراحة والطعام والماء معا، وعليها أيضا ألا تعبر المدينة أو تقترب منها، وأن ~~تتجنب المرور بالقرى الكبيرة أو أشباه المدن، وهي ربيبة هذه الأمكنة. كان الأمر ليس ~~بالعسير عليها، والمياه التي تحملها في القربة الجلدية الكبيرة تكفيها وفرسها معا ليومين ~~آخرين، ولكن عليها أن تقضي النهار قرب أقرب مكان تطمئن له، وقررت أن يكون ذلك المكان هو ~~وادي الدومات؛ منخفض شاسع جنوب جبل أم كردوس، ولكنه يبعد عنه قرابة المائة وخمسين ميلا، ~~تعرفه جيدا، وهو شبه غابة من الدوم، ويقال إنه كان المسكن الأساسي لملك الداجو الأسطوري ~~كسفورو، الذي لولا مكيدة امرأة عجوز لقتل كل رجال قبيلته في سبيل إشباع رغباته الغريبة، ~~وجدت بالسير نحو الموقع. # من المتوقع ألا تجد أحدا هنالك؛ لأن الناس ms100 في زمن الحرب أصبحوا لا يبتعدون كثيرا عن ~~مساكنهم التي هي المدن أو شبه المدن، حفاظا على حياتهم، وتجنبا لملاقاة الجنجويد الذين لا ~~يترددون إطلاقا في قتل من يلتقون به، مدنيا كان أم عسكريا. أما النساء فإنهم يغتصبونهن ~~ربما إلى الموت أو الإغماء، هي تتوقع أن تلتقي بهم، ولكنها لن تكون لقمة سائغة، ستقاتل بكل ~~شجاعة وبكل ما لديها من خبرات قتالية، وتعرف أنها ستنتصر عليهم، حتى إذا كانوا بالمئات؛ فهي ~~تؤمن بذلك إيمانا قاطعا، لا أحد يستطيع أن يحول بينها وأن تلتقي بالسيد المسيح ابن ~~الإنسان، إنها على موعد لا يؤجل ولا يفسد معه. كانت الدومات مخضرة كعادتها، ويعم المكان ~~الصمت ما عدا أصوات الطيور وبعض السناجب، ونوس الغصون التي تداعبها الريح الخفيفة، واتخذت ~~لها مكانا يحمي ظهرها جيدا، وتصبح فيه هي مواجهة للمخافات المحتملة، وعليها ألا تنام، أن ~~ترتاح فقط لا أكثر، قامت بتكسير قشرة بعض ثمار الدوم للفرس الذي يلتهمها بشهية، وأكلت هي ~~أيضا منها، ثم نامت، نامت نوما عميقا، لا تدري كم من الزمن ظلت نائمة، إلا أنها عندما ~~استيقظت وجدت بالقرب منها نارا مشتعلة، والمكان مظلم إظلاما تاما لولا تلك النار لما ~~استطاعت أن تتبين الفرس الذي ما زال يأكل بالقرب منها، ولكن هذه المرة في كومة من العشب ~~الطري، تتسرب رائحته إلى أنفها، جاست وهي تفرك عينها، كما لو أنها كانت في حلم، عندما ~~سمعت صوتا يقول لها، بلكنة حلوة: هل استيقظت يا مريم؟ # كان هذا الصوت ليس غريبا بالنسبة لأذنيها، وعندما اقترب منها، عبر ضوء النار الشحيح ~~استطاعت أن تتبين رجلا شابا له لحية كبيرة ووجه مبتسم مستدير، شهقت وهي تهتف: المسيح ~~ابن مريم. # ابتسم وهو يقول لها بأدب كبير، بأنه من خلق لأجل المسيح، وقال لها كما قال يوحنا ~~المعمدان ذات مرة: أنا لست سوى خادمه. # ثم أضاف وهو يقترب منها كثيرا إلى أن شمت عبق الزهور البرية: أنا يحيى يا مريم، هل ~~نسيتني، يحيى ابن مريم كويا، جاركم في حي الوادي؟ ms101 # أطعمها وجبة الجراد المفضلة لديه، وسقاها من العسل المخلوط بالماء وهما شرابه وطعامه منذ ~~سنوات كثيرة؛ أي منذ أن هام بوجهه في فلوات الله الواسعة، يبحث عن معنى لوجوده بعد أن أجلس ~~ابن الإنسان في كرسي العرش الذي مهده له هو بنفسه. كان يرى أن مهمته قد انتهت، وأن مهمة ~~أخرى لا تقل صعوبة قد بدأت، وهي مهمة البحث عن معنى، معنى يجعله يعيش ألف سنة أخرى، ~~وألفا بعدها، ليبشر بسيده أيضا، في حيوات دنيا وسماوية كثيرة تنتظر في إبط الأزمنة ~~الحنون. # حدثها بأن الرجل في انتظارها، وأنه يتوقعها في كل لحظة وحين، وقال لها: كلنا من أجل أن ~~نمهد سبله، وهو جاء لكي يصنع الموكب الذي يعد له الآن. # سألته: ما هو الموكب؟ # يبدو أن الفرس كان مستمتعا بالعشب، قام فسقاه بعض الماء، لاحظت للمرة الثانية أن رائحة ~~جسده لم تكن كرائحة جسدها، رائحته أشبه بشميم الزهور البرية، أما رائحة جسدها فكانت مثل ~~رائحة نسر كاسر قضى العمر يعمل منقاره ومخالبه في الجيف المنتنة، كان خفيفا وهو يمضي ما ~~بينها والفرس، ما بينها ومائدة الجراد ساري الليل، ما بينها وثمار الدوم التي يقدمها أيضا ~~للفرس ولها، ما بينها والنار المستعرة، التي يوقدها بنواة الدوم الصلبة. حدثها بأنه يعرف ~~الليل معرفة حميمة، ويعرف النهار، وأنه يعرف الصحراء والغابات والفلوات الشاسعة الممتدة ~~من هذه النقطة إلى ما لا نهاية، وأنه يعرف الإنسان والحيوان والجماد والمكان والزمان، وقال ~~لها كل ذلك لم يسعفه في أن يجد معنى. # قالت له: هل لأن المعنى من الله؟ # لم يجبها. قضيا الليل يحكيان عن طفولتيهما في هذه الأنحاء، وعن الناس والحرب اللئيمة، ~~وربما اتفقا أن السيد جاء من أجل أن يمحو سيرة الحرب. في الصباح الباكر وصف لها أقرب الطرق ~~إلى جبل أم كردوس، ومضى. # عندما شاهدت الرجل، استطاعت أن تتعرف عليه منذ الوهلة الأولى. لقد بحثت عنه بعيدا ~~جدا، وكان هو أقرب ما يكون، سوف لا يخذلها كما خذلها شارون، إنه هو عيناه تقولان ذلك، ms102 ~~بساطته السلام الذي يشع من وجهه كله، الهدوء والبساطة في كل ما يقوم به، إنه لا يضحك مثل ~~شارون بل يبتسم، وهو لا يقيم كمائن وينصب الألغام للأعداء، ولكنه ينصبها من المحبة للمؤمنين ~~به، وعرفت فيما بعد أن ذلك للكافرين به أيضا، فهو صائد قلوب وأرواح، ليس صائدا للأجساد ~~والمليشيات، الشيء الوحيد الذي يجمع الرجلين هو كراهيتهما للجنجويد، تلك الكراهية التي لها ~~رائحة تشم، ولون يرى، وصرخات تسمع، وأنين وجحيم. ولقد قال عنهم شارون مرة إنه لا يدري ~~إذا كان الجنجويد قد خلقهم الله الذي خلق الوردة والماء، أم أنهم قد تم تحضيرهم في المعمل ~~مثلهم مثل الجراثيم والقنابل النووية، كأحد أسلحة الحرب. # لأن الجنجويد يفتقدون لأبسط القيم الإنسانية، دعنا من قيم التسامح والحب والجمال. وقد ~~ربطت ذلك فيما بعد بمقولة الرجل الشهير: «أهون لجمل أن يمر من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ~~ملكوت الله.» وتيقنت أن الجنجويد من الأشياء المستحدثة؛ أي روبوتات وليسوا بشرا؛ لأن ~~مقولة الرجل هذه لا تستقيم مع مسيحيته؛ فالتسامح وعدم الإدانة هما مما يدعو بهما الرجل؛ إذ ~~إن الجنجويد هؤلاء أشياء من تحضير البشر، إنهم من صنع مخلوق أدنى، في يوم ما سيتأكد ~~الناس من ذلك؛ فلا يمكن لروبوت أن يدخل الملكوت، إلا بقدر أن تدخله بندقية أو دبابة. # وعندما شاهدها عرفها، بل إنه يعلم بها منذ أن كان وأن كانت، فناداها بالحبيبة مريم، ~~ونادته بسيدي ابن الإنسان، تعانقا عميقا وطويلا وجميلا، نعم أحبها كما يحب رجل امرأة، ~~فكلاهما بشر، هو رجل وهي امرأة، كلاهما ابن وبنت الإنسان، ويعرف المريدون والمؤمنون به ~~والكافرون به على السواء. إنهما قد عشقا بعضهما البعض منذ زمن ليس بالقريب، سوف لا يدرونه، ~~ولا يسألون عنه أو يسألون. # قال عنها: هي المنتظرة. # وقال عنها: هي المنتظرة. # وقال عنها: هي الحبيبة. # وقال عنها: ابحثوا عن مرايمكم هن في انتظاركم كما أنتم في انتظارهن. # وقال لنا: لا تستقيم ولا تعوج الدنيا بغيرها. # قامت مريم بمهامها تجاه الرجل منذ الدقيقة الأولى للقائهما، ms103 وترك لها كل ما يخصها من ~~شأنه، وتولى هو كل ما يخصها من شأنها. في ذلك الحين كان الذين من حوله رجلين فقط وهي ~~ثالثتهما، على الرغم من ذلك كان الرجل قلقا جدا على المؤمنين به الذين سوف يتكاثرون مثل ~~الجراد حوله، يعلم أن المكان مثل قلبه سيتسع لهم جيمعا، ولكنه كان يقول لهم: ويلي من ~~محبتكم لي، ويا ويلكم من محبتي لكم. # وعرفوا فيما بعد، أن الحب والكراهية يجريان بذات الشريان، ويسقيان ذات الحقل، وعرفوا أن ~~من يحب كمن يكره: يختلط عليه الأمران، ولا يعرف أيهما خيره وأيهما شره، وقد يقبل إصبع ~~الشيطان ظانا أنها شفة محبوبه. # | الموكب # لم يقل عيسى إنه نبي أو رسول، أو أن أحدا بعثه بمهمة ما، أو أنه قام بابتعاث نفسه كما ~~فعل الكثيرون، كل ما قاله عن نفسه أنه المسيح عيسى ابن مريم، وكان يطلب منا أن نناديه ~~بابن الإنسان، ولكن المشكلة الكبيرة في المؤمنين به، هم الذين يصرون على أن الرجل لا بد ~~أن يكون قد أرسل من قبل قوة عظمى، كقوة الله مثلا، أو أنه مدعوم بالله، أو مرسل من قبله، ~~أو أن روح الله قد حلت فيه في شطحة صوفية مريبة كتلك التي أودت بحياة الحلاج والسهروردي ~~المقتول، الفكي السحيني وغيرهم. كل يعتقد فيه حسب درجة إيمانه به وثقافته ودهشته للكرامات ~~المتتالية التي يستعرضها سيده، ولو أنه قال لنا: الكرامات لا تخلق نبيا ولا تدل عليه، ~~إنها في أفضل حالاتها تشير إلى بشرية الإنسان. # وقال: من آمن بي من أجل كراماتي فإنه آمن بكراماتي، ومن آمن بكراماتي ما آمن بي مثقال ~~طرفة عين. # وقال: الحقيقة لا تحتاج إلى براهين، وحدها الأكذوبة تتطلب سندا من خارجها. # وقال: الكذب أسوأ درجة من درجات الصدق، كما أن الضلالة تكمن في نخاع الحقيقة. # وأضاف قائلا: لم يتمظهر الشر في كليته في الكون إلا في الجنجويد، فإنهم شر ~~خالص. # وقال: إن الجنجويد ليسوا قبيلة، وليسوا عنصرا، فيولد الشخص خيرا، ثم بعد ذلك له الخيار ~~إما ms104 أن يصبح إنسانا أو جنجويدا. # وقال: من يكرهك جنبك شرور محبته. # وقال: من يكفر بي كمن آمن بي، ومن يجهلني يعرفني أكثر، وأنا ما بين الوردة وطائر الطنان، ~~كثير من التحليق وبعض الرحيق. # وقال لنا: لا يعني أنكم إذا قتلتم الآن قد لا تعيشون للأبد. # وأضاف: إن الأبد لا وجود له إلا في مخيلته ذاتها، وقال لنا: أنا وأنتم مخيلته. # وقال لنا: إن قوتي في الكلمة، وقوتكم في الكلمة، وقوة الكلمة في أن تقال، وأن تسمع، ~~وأن تخترق حواجز المادة والروح، وأن تحقق ذاتها في معنى ما تحمل وقول ما يشاء قائلها، ~~والكلمة بدون مشيئة خير منها الصمت، وقد يسمع الصمت أحيانا. # عندما ذهبت الدجاجات الكثيرات، وهي المخلوقات الوحيدة التي استيقظت من موتها، في تلك ~~الجمعة التي أحيا فيها الرجل أربعين رجلا وامرأة وطفلا، قال لنا: فلنذهب لننام. # كان الكهف صغيرا جدا في الماضي، ولكنه يتسع كل مرة ليسع كل من يدخله، كان المؤمنون به ~~15 رجلا وامرأة واحدة، الآن هم 66 جنديا نظاميا وقائدهم الميداني، إبراهيم خضر ~~إبراهيم، 104 من النجارين وأشباه النجارين، وملايين الرجال والنساء في شتى أنحاء الكون قد ~~لا يرونه وقد لا يلتقي بهم؛ لأن الإيمان به لا يتطلب شيئا، فقط أن تسمع به، لا أكثر؛ لأن ~~أفكار الرجل هي من الطبيعة ذاتها، هي ما يكمن في ذات كل إنسان ومخلوق آخر من حقيقة، ~~فالإيمان به كالكفر به كما قال، كلاهما درجة من المحبة؛ بالتالي قد يؤمن به حتى من يجهله ~~جهلا كاملا. # شكا البعض من ظلمة المكان، فقال لهم: لا تتضجروا من الظلام، بل أضيئوا المكان. # وهنا كان الدرس الأول في الكلمة التي أصبحت نورا، الكلمة التي أطلقها أحدنا، أو أنها ~~انطلقت من ذوات كثيرة متعددة، هو لم يكن من بينها. كان المؤمنون به يتعلمون كثيرا منه ولكن ~~ببطء شديد. في تلك الليلة جاءت المرايم الثلاث: مريم أمه، مريم كويا خالته وهي أم يحيى، ~~ومريم الأخرى؛ أي جارتهم التي يطلقون عليها لقب مريومة، وهو للتصغير ms105 والتدليل. جاءوا في ~~صحبة الأب يوسف النجار وفي صحبتهم أيضا لفيف من سكان مدينة نيالا، من بينهم العمة خريفية ~~والعم جمعة ساكن نفسه، وامرأة مجنونة تبحث عن أطفال لها قتلهم الجنجويد ستجدهم هنا، أطفال ~~وطفلات رجال ونساء، يحيى ليس من بينهم، تقول أمه إنه هائم بوجهه في البراري منذ شهور ~~كثيرة، يطلق لحيته، ويطعم الجراد والعسل، يعيش وهوام البراري جنبا لجنب. # علينا أن نذكر أيضا أن الأربعين إنسانا الذين أحياهم من موتهم، ما زالوا نائمين في ~~بيوتهم، لقد مضوا نحو منازلهم مثل السكارى يترنحون، بينما ينمو اللحم على عظامهم التي ~~التأمت واستقامت وانتصبت وتهيأت لأن تكون، تنبني الأعضاء التي بترها الجنجويد والأحشاء التي ~~مزقتها بنادقهم، تعود للمغتصبات بكارتهن، للأطفال الطمأنينة ودفء الأسرة. قال إنهم سينامون ~~بقدر الزمن الذي كانوا فيه أمواتا، ثم ينهضون ليعيشوا كما نعيش نحن الآن. # ثم تحدث عن الموكب قال: استعدوا للموكب. # وما كان أحد منا يعلم ما هو الموكب، ولكن الجميع كانوا على أهبة، إنهم يدركون. # قال لنا: ما المسافة بين الحياة والموت؟ # قال لنا: ما المسافة بين الحي والميت؟ # قال لنا: هل مات الميت؟ # قال لنا: إن الكلمة هي أن تعي الواقع وتعيشه ولا تنفصل عنه، وتعمل من أجل الأحياء ~~والأشياء، فما نحن إلا ما نفعل من أجل الاثنين، ثقوا في الإنسان الذي فيكم، ثقوا فيه جيدا، ~~ضعوا كل ثقتكم فيه، هو محل لها، محلها الوحيد الأبدي والنهائي، ولا تؤمنوا بالمثل الذي يقول ~~لكم: لا تضعوا البيض في سلة واحدة، أقول لكم: ضعوا بيضكم كله في سلة الإنسانية، وسوف تربحون ~~الجمال. # وقال لنا: الموكب الموكب. # وقال لي: يا إبراهيم، لا تؤمن بي بعقلك ولا بقلبك ولا بظنك ولا بالليل والنهار، بل ~~تقبلني بأمك كما أتقبلكم الآن جميعا بأمي مريم. # وقال لنا: أعدوا للموكب عدته. # ولا يعلم أي منا ما هي عدة الموكب، لكننا كنا ندركها ونعدها جيدا، وهو يرى ويعرف ويبتسم، ~~عندما نعسوا ناموا، ناموا في المكان الضيق الذي وسع الجميع، راعى خصوصيات كل فرد ms106 منهم، ~~الأطفال والطفلات وجدوا لبنا لعشائهم، النساء الجميلات المؤمنات وجدن كل ما يخصهن ويحتجن ~~إليه في اللحظة والحين، الرجال وجدوا المكان مهيأ كما لو أنه كان يخصهم وحدهم، عيسى ود ~~مريم كان هنالك، مختلطا بالآخرين ، يشبه الجميع، يعرف الجميع بأسماء أمهاتهم وآبائهم، مريم ~~الحبيبة تتبعه أينما ذهب، تحرص على راحته، كان يناديها قائلا: حبيبتي مريم. # وهي ترد إليه ب: سيدي ابن الإنسان. # والأغرب في الأمر، في النوم، أنهم جميعا حلموا حلما واحدا، حلما شاسعا وكبيرا، كان ~~الموكب العظيم ينطلق من المغارة ذاتها، تتقدمه المرايم والنساء الكثيرات اللائي قدمن من ~~نيالا وكاس وزالنجي مؤمنات ومحبات، كان الصدق الذي في قلوب النساء يضيء طريق الموكب، ثم ~~السيد عيسى ابن الإنسان ود مريم، كل شخص كان يحمل صليبه، صليبه الثقيل جدا، الذي يزداد ~~ثقلا كلما التصق بجسد حامله واستنشق أنفاسه، قال لهم: احملوا صلبانكم واتبعوني، فمن لا ~~يستطيع أن يحمل صليبه لا يستطيع الطيران، ولن يجد الكلمة، وكلما ثقل صليبك مررت خفيفا ~~كالريشة في الهواء. # وهتف فينا بمرح جميل: الموكب الموكب. # هتف الجميع: المهرجان الموكب. # وكانوا يرغبون في الطيران، يرغبون فيه بشدة وحب ووعي، والصلبان ثقيلة كأنها قد قدت من ~~الحديد الصلب، كانت ثقيلة وتثقل كل لحظة، كانوا يمضون بها وهي على ظهورهم، التي تدمى من ~~الاحتكاك بها، وعظامهم الحزينة البائسة تطق من حمل الصلبان، وأرجلهم تتلوى تحت ثقلها، ~~وبطونهم تضج، ورءوسهم تدور، وعيونهم تحمر، صدورهم تعرق، ولكن قلوبهم تخضر وتورق وتثمر ~~مثل حدائق مباركة في جنة من الروح والياسمين. # وقال لهم: صليبك صليبك وأنت أولى به. # الموكب الذي انطلق من ذات الكهف كان يتوغل في الأمكنة، يعبر الأراضي الصحراوية وشبه ~~الصحراوية، والغابات والوديان المخضرة. عندما يمر بالقرى المحروقة تنهض البيوت من رمادها، ~~تتطهر آبارها من السم، تنمو الأشجار التي قطعت، الأواني المهشمة تقوم من حطامها وتصير كما ~~كانت، الماشية والطيور والأرانب البرية، الذئاب، المدارس، الحدائق، الجوامع، الشوارع، ~~الصحاب، كل شيء يعود كما كان، يحيى القتلى من قبورهم، ومن لم يقبر، نفض عن ms107 نفسه الغبار ~~والعشب وقام، حمل صليبا وتبع الموكب، كانوا لا يدرون إلى أين يسير الموكب، ولكنهم كانوا ~~يعرفون أنه يسير لوجهة ما؛ وجهة كلها خير، إذا لم تكن نحو الجمال، فالموكب يدري وجهته. على ~~الرغم من ثقل الصلبان كانوا يحسون كما لو أنهم يطيرون، يحلقون عاليا في السماء التي مثل ~~أحضان أم عظيمة لا نهائية تضمهم إليها وتبتسم. # عبد العزيز بركة ساكن # خشم القربة، الخرطوم # 2008-2012 ms108