######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.MukhayyalatKhandaris.Hindawi68592796 #META# Tags: novels #META# ID: 68592796 #META# Title: مخيلة الخندريس: ومن الذي يخاف عثمان بشري؟ #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # إقرار مهم‏ # سلوى السردية‏ # الموت نشوة‏ # العاشقان‏ # روح الخشب‏ # الفقيه المتشرد‏ # انحراف البنت‏ # منطق الجسد‏ # ذاكرة العرق‏ # العرس الوحشي‏ # إخوان في الرضاعة‏ # ذاكرة المؤلف‏ # عودة البازنجر‏ # إهداء‏ # إقرار مهم‏ # سلوى السردية‏ # الموت نشوة‏ # العاشقان‏ # روح الخشب‏ # الفقيه المتشرد‏ # انحراف البنت‏ # منطق الجسد‏ # ذاكرة العرق‏ # العرس الوحشي‏ # إخوان في الرضاعة‏ # ذاكرة المؤلف‏ # عودة البازنجر‏ # | مخيلة الخندريس # | مخيلة الخندريس # | ومن الذي يخاف عثمان بشرى؟ # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # ما زالت تلك المرأة الجميلة توقع اسمها على كتبي، وتحكي لي في الأمسيات عن جدنا ~~برمرجيل. إلى مريم بت أبو جبرين: أمي. # عبده بركة # ألذ من المدام الخندريس # وأحلى من معاطاة الكئوس # معاطاة الصفائح والعوالي # وإقحامي خميسا في خميس # فموتي في الوغى عيشي لأني # رأيت العيش في أرب النفوس # ولو سقيتها بيدي نديم # أسر به لكان أبا ضبيس # أبو الطيب المتنبي # | إقرار مهم # جرت أحداث هذه الرواية في دولة شديدة الشبه بجمهورية السودان، قد تتطابق أسماء ~~المدن، القرى، الأشخاص، الوزارات والصحف. قد تتطابق الأحداث، السياسات، الأزمنة والأزمات ~~أيضا، لكن تظل أحداث الرواية تجري في دولة خيالية لا وجود لها في الواقع؛ لأن ما يحدث ~~في هذه الرواية يستحيل حدوثه في واقع السودان. هي من شطحات الخيال المريض لكاتبها بركة ~~ساكن، بالتالي الأفكار التي تطرحها هذه الرواية لا تعبر بأي حال من الأحوال عن رأي المؤلف، ~~بل تعبر عن أفكار القارئ، وهو من يتحمل مسئوليتها والدفاع عنها. # وقبل أن أحدثكم لماذا أتبنى هذا الرأي الصريح المتطرف، هو أن الآراء في قاموسي أربعة: ~~آراء خيرة، آراء شريرة، آراء خيرة وشريرة، آراء لا خيرة ولا شريرة. طبعا كما هو معروف ~~ومؤكد، لا توجد آراء بين بين. فالرأيان الأولان هما رأيان قد يصدران من الكاتب الأول للنص ~~- في هذه الحالة هو شخصي الضعيف. أما الرأيان الأخيران فهما رأيا القارئ، الذي لسوء حظه ~~يتطلع إلى الرأيين الأولين، لكنه للأسف يفهمهما كما يشاء، ويؤول النص وفقا لما يريده هو. ~~فما أراه أنا خيرا مطلقا وجمالا متكاملا مفرطا ms01 في إنسانيته، قد يراه هذا القارئ الشرير ~~شيطانيا قبيحا وحيوانا مفترسا. العكس أيضا صحيح؛ قد يقرأ ما أعني به أنا شرا ~~جميلا خيرا مطلقا، بالتالي من يتحمل سوء أو حسن ظن القارئ غير القارئ نفسه؟ وهذا يقود ~~إلى الرجال والنساء الذين يستخدمهم البعض لتقييم أعمال أدبية صرفة أو سياسية أو حتى علمية؛ ~~بغرض تجريمها وتحريمها أو صرف صك مرور خجول من أجلها. # في ظني أن السلطات الرشيدة، يجب عليها أن تقاضي أو تحاكم القارئ الذي عين حكما؛ لأنه لا ~~يقوم سوى بعرض قراءة خاصة به للعمل الفني، بالتالي يفضح سريرة نفسه وقبحها أو يستعرض ~~جمالها. وسأحكي لكم قصة هنا - أفكر فيها الآن - ستكون جميلة في رأينا وعفيفة، إذا سمحتم لي ~~باستخدام هذا المصطلح الخلقي في وصف عمل أدبي، ولو أنني أتفق مع الكثيرين بأن العمل ~~الأدبي حمال قيم، طالما اعتمد على اللغة التي قال عنها كارل ماركس ذلك. # ذات يوم مطير، وأنت تخاف من المطر والبرق، يخيفك أكثر الرعد الذي يصحب البرق الفجائي، ليس ~~ذلك خوفا من الموت، لكنها فوبيا صاحبتك منذ أن كنت طفلا صغيرا ترضع من ثدي أمك، يوم أن ~~خطفت الصاعقة روح والدك أمام عينيك. عندما احتشدت السحب السوداء الخيرة الحبلى بالمياه في ~~السماء، في الشرق، فأسرعت الخطا نحو بيتك. أنت تعرف أن السحب القبلية مطرها مؤكد، وهي ~~معرفة شائعة. وأنت تهتم بكل ما ينذرك بالمطر، فليست في بلدك هيئة أرصاد تهتم بصحتك وسلامتك. ~~تحركت من السوق الكبيرة حيث تعمل قبل ميعاد خروجك الطبيعي بساعتين، على بعد خمسة كيلومترات ~~من بيتك في حي الموظفين. حتى لا نفضحك فإننا سوف لا نذكر في أي مدينة أنت، أو اسمك كاملا، ~~أو رقم بيتك أو تليفونك، سوف لا نصف هيئتك كيف تبدو، فبعض الناس بإمكانهم حذر من تكون، ~~وسيرسلون لك رسائل نصية يقولون لك فيها: بركة ساكن كان يقصدك، وبذلك يزيفون الواقع، وهم ~~الذين يقصدونك في حقيقة الأمر. # عندما هبطت النقطة الأولى على رأسك الكبير الأصلع أصبت بهلع فوبوي عنيف ms02 . سالت نقاط الماء ~~من أعلى رأسك متدلية في دلال مرعب ناحية فمك من أنفك الأفطس الذي بدأ يرتجف الآن. مرت ~~النقاط خلال شفتك العليا عابرة شاربك الكبير إلى شفتك السفلى. احتفظ شارباك ببعض الماء على ~~الشعيرات الخشنة السوداء، مررت عليهما كفك اليسرى بطريقة غير إرادية. في ذلك الحين لم يبيض ~~شعرك كما هو الآن، لم تصبح ذقنك ولحيتك مثل مزرعة قطن منسية بعد. لم تستطع أن تفتح فمك لبلع ~~النقاط الطيبات التي جاءتك من السماء مباشرة، تركتها تسقط على الأرض لتنضم إلى أخواتها ~~السماويات تحت قدميك، ما كنت تحتاج للبرق المرعب وهزيم رعد طائش؛ لكي تقفز على أقرب جدار ~~بيت من بيوت جيرانك لتنجو بنفسك. جدار من الطوب الأحمر مطلي بالجير والأسمنت، بيت جارك ~~العزيز. الماء يتبعه البرق، البرق تتبعه الصاعقة، الصاعقة قد أخذت روح أبيك وقد تأخذ روحك ~~بذات العنف والقسوة. لقد حرقت أباك حريقا تاما ونهائيا، إلى أن أصبح أسود مثل جوال ~~الفحم. لم تتركه لكي يصرخ أو يطلب النجدة، لم تنذره، لم تمهله لكي يودعك بنظرة قصيرة، عندما ~~هبطت في بيت جارك، الذي كنت تعرف أنه يقيم وحده، فلقد ذهبت بنتاه وزوجه إلى بيت أبيها؛ ~~احتجاجا على الشجار الدائم الذي يدور بينهما. أقصد هنا أنه ضربها ضربا مبرحا؛ مما جعل ~~أخاها وأباها يأتيان إليه من مدينة الخرطوم، يضربانه، يفصدانه بسكين المطبخ مرتين في بطنه ~~وذراعه. ولم ينجده سوى تدخلك وبعض الجيران في الوقت المناسب؛ أي بعد أن أخذ عقابه جيدا ~~وبوفرة، وقبل أن يقتله الرجلان الغاضبان، مع العلم أن أخا الزوجة كان أعز أصدقائه، كما ~~ستعرفون لاحقا. # دخلت حوش جارك الواسع، بغريزة الحياة الفاعلة فيك، وجنون الفوبيا، الذي ظل يطاردك منذ ~~سنوات طوال. توجهت مباشرة إلى غرفة المعيشة، وبكل ما لديك من قوة دفعت الباب لتدخل، ففوجئت ~~بشيء غريب، وجدت زوجتك الحبيبة، تقفز على مسبار جسد جارك الطيب، مثل فرس في سباق فاشل، ~~كانا في تمام عريهما. على الرغم من صدمة الحدث إلا أنك لاحظت أن ظهر ms03 زوجتك كان جميلا كما ~~لم يكن من قبل، وأنها كانت تستمتع بالفعل، شاهدك جارك أولا، حيث إن زوجتك كانت تعطي ظهرها ~~للباب، ظهرها العرق الجميل الذي لم تتعرف عليه من الوهلة الأولى؛ لأنك عندما فوجئت بهما ~~يرقصان رقصة الحب، صرخت قائلا: آسف، آسف. # بالطبع كنت تظنها امرأة أخرى صادها جارك، يشاع عنه أنه صائد ماهر للنساء، ويهمس بأنه ~~يعجبهن. # في اللحظة التي أردت أن تنسحب فيها، وتعود لأمطارك المرعبة في الخارج، التفتت زوجتك ~~الجميلة إليك، كان وجهها عرقا، ومغطى بشعرها الغزير الأسود، شفتاها كبيرتان مكتنزتان، ~~بدا الجانب الذي يواجهك من صدرها ناهدا، جموحا وبارزا كأنه كوخ صغير من الشيكولاتة. أنت ~~تعرف أن المرأة تصبح في قمة جمالها، ومنتهى أنوثتها، أثناء ممارستها الجنس. عندها قفزت ~~زوجتك الجميلة الحبيبة من أعلى شيء جارك، عارية كالبرق، مرعوبة، كل ما تتذكره أنت، أنها ~~دارت دورتين حول نفسها، صرخت بأعلى صوتها الذي كنت تشبهه بنغمات الكمان، وأنت تسمعها أول ~~مرة. في الحق، هو السحر الذي أوقعك في حبها. ~~- سجمى؟ إدريس؟ # قبل أن نحكي لك، لماذا كان ذلك آخر ما رأيته، اسمح لي أن أحدثك عن بعض التاريخ بشأنك وشأن ~~زوجتك - لا تنسيا أنني أؤلف كل ذلك الآن ولا أعرف شيئا عن تاريخ علاقتكما الزوجية أو ~~غيرها، فأنا لا أعرفكما من الأساس، إنما توحي إلي بها الموحيات الآن - تزوجتما عن حب - ~~لسلوى رأى آخر سنعرفه لاحقا - هي مغرمة بك وأنت أيضا مغرم بها، عندما تزوجتها كانت عذراء. ~~بشهادتك وشهادة الطبيبة مريم - بنت خالتك - التي قامت بمساعدتك في فض عذريتها بطريق علمية ~~حتى لا تؤذيها، فكانت المسكينة حبيبتك مختونة ختانا فرعونيا قاسيا، لدرجة أنك تحيرت كيف ~~بإمكانها أن تتبول وأن ينزل منها دم الحيض؛ لأنك لم تر شيئا في ذلك المكان يوم «دخلتك» ~~سوى ثقب لا يدخل إبرة الخياطة! قالت لك: إنهم وضعوا قشة كبريت لضبط المقاس. # لكن، إذا كانت لك تجربة جيدة مع النساء، وكنت حاذقا ذكيا في شأنهن - الرجل غالبا ما ~~لا يكون ذكيا حاذقا ms04 في مثل هذه الأشياء - لاكتشفت أشياء مهمة، هي: # أن ملمس خيط الختان كان بارزا خشنا، أي أنه لم يكن قد أصبح مثل بقية الجلد ~~حوله، إذا مررت أصابعك عليه لوجدته خشنا مثل نشارة الخشب الملصقة على سطح ~~أملس، وهذا يعني الكثير لرجل تقليدي مثلك إذا انتبه. # الشيء الآخر والمهم، أنك لم تسأل الطبيبة - طبعا إذا كان يهمك ذلك، على ~~فكرة، أنا لا يهمني - ما إذا كانت زوجتك عذراء أم أنها صارت عذراء قبل شهرين من ~~الزواج! # الشيء الأهم، وأنت تحتفي بعذرية زوجتك، لقد حكيت ذلك لكثير من أصدقائك ~~الحميمين بفخر، لم تسأل نفسك عن عذريتك أنت، وكم من النساء فضضت بكاراتهن بمتعة ~~رهيبة، ولم تسأل نفسك كيف سيصير بهن الحال إذا شاءت أقدارهن الرهيبة أن يتزوجن ~~من رجل يرى أن شرف البنت في عضوها؟ # أقول لك هنا ما لم تشأ أن يذكر في رواية سيقرؤها كثير من الناس: هل كنت ~~غاضبا تماما وأنت تفاجأ أن زوجتك كانت تستمتع بالجنس مع جارك الطيب ~~العزيز؟ # حسنا، دارت زوجتك حول نفسها دورتين - كما قلنا لك ذلك سابقا - هذا كل ما تتذكره، ثم ~~وجدت نفسك في المستشفى فاقد الذاكرة بصورة كلية. أنت الآن تقيم في بيتك الهادئ تحت رعاية ~~زوجتك الجميلة، وهي الوحيدة التي ترعاك، بعد أن انصرف عنك الجميع. كانت ترعاك بحب حقيقي ~~وبصدق، لم تدخر جهدا من أجلك وأجل أطفالك الثلاثة، إذا كانت لك ذاكرة إنسانية جيدة لسمعتها ~~تقول لك كل يوم: أنا آسفة، لقد حدث كل شيء دون إرادتي، ما كنت لأصارحك وأحكي لك كل شيء، ~~وتعني بينها وبين نفسها أنك لم تكن بالذكاء الكافي. # بالتأكيد ليس بإمكانك أن تستمع لحكايتها؛ لأنك إذا لم تكن بذاكرة خربة الآن، لسمعت ما ~~يبكيك، وسامحتها ببساطة؛ لأن كل ما حصل بين زوجتك وجارك، حدث قبل سنوات كثيرة قبل أن ~~تتزوجا، لكن عقلك المرتبك خلط الحابل بالنابل. # هذه هي القصة، ودعوني أرى أي خيرين أنتم وأي أشرار بينكم. ما رأيكم الآن؟ ويعني هذا ~~السؤال فيما ms05 يعني الآتي: إنكم قرأتم ما تريدونه أن يحدث في القصة، وليست هي مسئوليتي إذا لم ~~يحدث، أو أنه حدث بالفعل على المستوى الذهني أو مستوى النص، لكني لا أظن أن أحدكم قد بلغ من ~~الفظاعة أشدها ونصب نفسه قاضيا حكيما، أو حتى شاهدا صالحا؛ ليجيب على أسئلة الجلاد ~~بكلمة واحدة مسالمة بائسة مثل كلمة: نعم، أقصد لا. # أنا سأنسحب عند هذا الحد، قد أتدخل أحيانا في مجريات السرد، قد لا أتدخل؛ لأنني أريدكم ~~أن تستمتعوا بهذه الرواية وأنتم تطرحون من خلالها وجهات نظركم المختلفة، تتحملون مسئوليات ~~ما تصلون إليه من نتائج وتأويل قد يضر بالنص ضررا بالغا، فأنا لست سوى ميسر، بينكم وبينكم ~~أيضا، سلوى عبد الله، أمها، عبد الباقي الخضر، إدريس، الفقيه المتشرد ... وغيرهم سيحكون لكم ~~ما يربككم ويتطلب منكم وجهة نظر واضحة وفعلا مباشرا. مع السلامة. # | سلوى السردية # قبل أن أبدأ مشوار السرد حيث أرادني المؤلف الأول أن أكون الراوية أو صوت الراوية، ~~أريد أن أعرفكم بنفسي، وأفشي لكم سرا. أولا: أنا سلوى عبد الله، أسكن بالأزهري في ~~الخرطوم، عمري سبعة وعشرون عاما، تخرجت في كلية البيطرة جامعة بحر الغزال، قسم الإنتاج ~~الحيواني، أعمل الآن طبيبة بيطرية في وزارة الثروة الحيوانية. إذا شيء لي أن أصف كيف ~~أبدو، فإنني مثل كل البنيات جميلة، عاطفية. ونسبة للهجين الوراثي الذي شكل ملامحي؛ حيث إنني ~~من أم ترجع أصولها إلى شرق دارفور وأب من قبيلة الأزاندي، ورثت من والدي لون البشرة ~~الحمراء والوجه الدائري ومن أسرة أمي قصر القامة والأثداء الكبيرة، لكن لا يعني ذلك أنني ~~قصيرة جدا، فطولي هو 160سم، بالنسبة لبنت نحيفة ذات وجه وسيم - يقولون أيضا: إنه ساحر - ~~أظنه طولا مقبولا. يهمني أيضا أن تعرفوا عني أنني فتاة ملول، أحب دائما أن أؤكد لنفسي ~~أنني محبوبة وأنني مرغوب في، هذا قد يوقعني في شباك لرجال كثر. لكن لا تخافوا علي، ~~إنني دائما ما أتعامل مع الرجل في حدود، فمثلا لا تتجاوز علاقتي الجسدية مع الرجل الوسيم ~~قبلات عميقات، ms06 وقد أمارس معه الجنس أونلاين # online sex # لا ~~أكثر، أما الرجل غير الوسيم فحسبه مواعيد لا أفي بها إطلاقا. وأظن أن هذا يكفي. # أما الشيء السر، فإن الشخصية التي يلبسها عنوة الكاتب على اسمي، هي شخصية غير محببة ~~لدي وأنه أقحمني فيها إقحاما، الأجدر به أن يختار اسما آخر غير اسمي. لكنه لا يستطيع، فهو ~~يريد ألا ينساني وللأبد بأن يحولني من حبيبة معشوقة إلى شخصية روائية لا علاقة لها بواقع ~~حالي، لكنها أكثر ديمومة مني ومنه، فهي ستبقى بعد موتنا البيولوجي بسنوات كثيرة، قد يكون ~~العكس؛ أي أنه ينوي التخلص مني أيضا بأن يسردني، يفرغ الشحنة العاطفية التي تخصني على لوحة ~~مفاتيح حاسبه الآلي، كما يفعل الأجداد في العصر الحجري بأن يتخلصوا من خوفهم من الوحش برسمه ~~على الجدران. الشيء الأهم أن الكاتب يريد أن يكفر عن خيانته الشخصية لي، فلقد خانني ~~مرارا وتكرارا وأجحف بكل المشاعر الطيبة والحب الذي أكنه له. ليس هذا المكان بالموضع ~~المناسب للتشكي، كما أنني لا أشكو، لكنني للأسف سأنتقم. هذه الكلمة لا أحبها، لكن استخدامها ~~يجعلني أحس بالرضا؛ لأن الكاتب هنا يريدني أن أمثل شخصية أخرى باسمي، ليست شخصيتي، بالتالي ~~سوف أترك ما يخصني ويخصه وأتحول إلى مسخ سردي، أسكن في سلوى التي يريد. ربما تعلمت من ~~هذه التجربة أن أصبح روائية في يوم ما وأكتب قصتي الفعلية معه ومع غيره، صدقوني سأحكي كل ~~شيء دون مواربة، سأفضح شخصيته الحقيقية، أقصد الشخصية الداعرة الشهوانية التي تختفي وراء ~~ذلك المثقف الذي يدعي الحشمة، وسيعرف الناس كم هو تافه وحقير. كان هذا الروائي المغمور هو ~~الشخص الوحيد الذي تجاوزت معه القبلة والجنس الإلكتروني إلى ما لا أغفره لنفسي من أفعال. ~~حسنا، إلى أن يحين ذلك الوقت الذي أمتلك فيه أدوات الكتابة، دعوني أصطحبكم في هذه الرواية ~~كراوية أو شخصية أساسية، كما يكتبها ويتخيلها الروائي بركة ساكن، أي سأكون مثل المسرنمة ~~التي يطوف بها حمار النوم أينما يشاء، سأكون طيعة وسهلة وأن أسلمه قياد روحي وجسدي ms07 بصورة ~~مطلقة ونهائية ؛ لأمكنه من كتابة رواية جيدة، قد تكون أجمل رواية يكتبها في حياته. أعتقد أن ~~هذا التفسير والشرح لا بد منهما؛ حتى لا يخلط الناس ما بين سلوى في الواقع وسلوى السردية؛ ~~لأنه سيجعلني أحكي بضمير المتكلم، وهي طريقة توحي بأن الراوي هو المؤلف وهو الذي يحكي عن ~~تجاربه الحياتية الشخصية. # أشكركم لما أبديتموه من صبر لقراءة شروحي، وأشكر المؤلف الذي أتاح لي هذه الفرصة وهذه ~~المساحة؛ لكي أعبر فيها عما أشاء للقراء، إنه وفاء منه للاتفاق المبدئي بيننا، عندما طلب ~~مني أن يستخدم اسمي في روايته «مخيلة الخندريس». وآسفة للإطالة. # سلوى عبد الله ~~زاندي # | الموت نشوة # لم تعد علاقتي به ذات جدوى، أنا لا أفكر بطريقة مادية أو براجماتية. لقد أحببت بإخلاص، ~~أظن أنه كان وما زال مخلصا في حبه لي، لكني الآن على مشارف الثلاثين من عمري، أريد أن ~~أتزوج. في الحقيقة - بصورة أدق - أريد أن يكون لي طفل، أظن أن ذلك هدف نبيل وإنساني في ~~مجتمع يدعي المحافظة والتمسح بقيم فوق ما نستطيع. مجتمع يقدس المظهر ولا يهمه جوهر الأشياء ~~في شيء. في هذا السياق الذي هو واقع الحال لا يمكنني أن أنجب طفلا بغير أب؛ لأن تلك جريمة ~~في حق الطفل وحتى الأب وحقي. فالتربية الجيدة للطفل تبدأ من قبل ميلاده، ويجب أن يلاحظ ~~أيضا أنني لا أريد أي أب كما اتفق، أريد أن أنجب طفلا من رجل أحبه، عندما أقول: رجل أحبه، ~~لا أعني غيره هو بالذات. # الأمر ليس بهذه البساطة. فكرت كثيرا فيما إذا كنت أحبه من أجل الطفل؛ أقصد من أجل تصوري ~~الخاص للطفل الذي هو إنسان الغد. يعجبني أسلوبه في الحياة، على الرغم من أن هذه الجملة ~~عامة، قد لا تعني شيئا بالذات إلا أنها تعني الكثير بالنسبة لي، أو أنني أتوهم أنها كذلك. ~~علمني حب الأطفال، كان يقول لي دائما: إن الرجل مثل ذكر النحل لا فائدة منه ترجى إذا لم ~~يستطع أن يضع أطفالا أقوياء في رحم سيدة، ms08 وإذا فعل ذلك فلا فائدة منه بعدها! عليه الرحيل. ~~والمرأة الذكية هي التي لا تحتفظ بالرجل؛ لأنه سوف يسعى لنيل مكانة في الأسرة لا يستحقها في ~~الغالب. يريد أن يصبح سيدا، ملكا وربا. كان الأحق بهذه المكانة الأطفال. هذه الفكرة رغم ~~بدائيتها في عمقها تحمل كثيرا من الدجل والاحتيال العاطفي، يهدف من ورائها بوضوح - هذا ~~الوضوح أحبه فيه أكثر - أن يهبني طفلا دون أي روابط شرعية؛ أي بغير ذلك الطقس الاجتماعي ~~البغيض لدينا - نحن الاثنين - الذي لا مستقبل لأطفال في هذا المكان دونه. علمني حب الأطفال. ~~علمني كيف أحب الأطفال، كل الأطفال في ذات اللحظة التي حرمني منهم فيها. كنا نراهم يوميا، ~~يعومون في دفء سائلنا الأبيض الحميم، لهم طعم لاذع. كنا نراهم في المنازل، في الطرقات، ~~المدارس، الأندية. ومن ثم ارتبط عملي بهم؛ فأنا أعمل في دار رعاية للمتشردين من الأطفال، ~~أو باسم ألطف «الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية». هي دار لمنظمة مجتمع مدني تطوعية. نقوم ~~بتوفير الحد الأدنى لهم من متطلبات الحياة: إفطار بالفول المصري أو العدس، ماء للاستحمام، ~~النظافة الشخصية وغسيل الملابس المتهرئة القديمة الممزقة، التي لا تتحمل الغسيل في الغالب، ~~فتتمزق أكثر. نقدم لهم أيضا خدمات طبية عند الطلب. لكننا في الحقيقة لا نقدم لهم شيئا ~~مهما، فقط نبقي على الوضع كما هو. العمل الفردي أو في جزر بدون تخطيط اجتماعي حكومي للمدى ~~الطويل والقصير لا فائدة ترجى منه، ويظل كل ما نقدمه مجرد إبقاء على الوضع كما هو، بل ~~تعقيده أكثر؛ وذلك لشح الإمكانات وقلة المحسنين الذين يقتنعون بأن رعاية المتشردين بها أجر ~~أو ثواب في الحياة الأخرى، أو تشبع حاجاتهم الآنية من المساهمة في دعم الخير الإنساني ~~والمشاركة في استمرارية الحياة بألم أقل. مقابل الفكرة الأخرى، التي ترى في المتشردين الشر ~~في اكتماله وكامل شيطانيته. بل يحس البعض بأن المتشرد مخلوق أدنى بكثير، ليس اجتماعيا ~~فحسب بل إنسانيا أيضا. كنا نحبهم ونحب بعضنا، كنت أحبه بغير شروط. نعم، أخذت الشروط تنمو ~~قليلا قليلا مثل الطحلب ms09 فوق سطح حجر على ضفة النهر. عندما تحب المرأة فإنها تفكر بطريقة ~~لا تشبه التي ورطتها في الحب، فإنها تفكر في الأطفال، البيت والزوج. وهذا طبيعي، لكنه قد ~~يعيق فكرة الحب التي تنهض على سلطة الجسد: رغائبه واختياره داخل دوامة الانتخاب ~~الطبيعي. # كنت أقتنع بكثير من آرائه. القليل منها يستهويني، الآخر أتحمله بفريضة المحبة. وهو يفعل ~~كذلك تجاه أفكاري الشاذة أيضا، وترددي المتكرر. لكل منا ما يخصه من جنون وخير، لكن يبقى ~~الحب القاسم المشترك، وهو ما يبقينا على صلة. وهذا التحليل مضلل أيضا؛ لأننا لسنا دائما ~~على ما يرام ولسنا دائما في حالات حب، قد يقع خصام بيننا يدوم لأيام طويلة، قد أكرهه، وتمر ~~بي أيام قد أقع في حب شخص آخر، وحدث ذلك مرتين خلال فترة علاقتي به، وهي الآن في عامها ~~الرابع. إذن، ليس الحب هو الذي يبقينا معا، إنهم الأطفال! هذا ما توصلت إليه أخيرا. ~~الأطفال الذين تستحيل عملية إنجابهم وتتعقد كلما مضى يوم من حياتي بدون أن يكون ذلك الشيء ~~قد تخلق في رحمي. # كنا نمر سريعا أمام مستشفى أم درمان التعليمي. في اتجاه قبة الإمام المهدي. الجو كما هو ~~في مايو حار جدا. كنا مرحين وقريبين من بعضنا البعض على الرغم من الحزن الذي يغمر قلبينا، ~~لولا خوفنا من الشرطيين، وخشيتنا من أن يرانا أحد أفراد النظام العام المتنكرين في هيئة ~~مدنيين، لتلامسنا بأيدينا بل لأمسكنا بكفينا معا ونحن نسير في هذا الطريق الفسيح. كانت ~~دائما ما تغمرنا تلك النشوة الإنسانية الجميلة كلما اختلينا ببعضنا في مكان آمن، نستطيع ~~فيه أن نتعرى، نقبل بعضنا ونصلي صلاة الجسد. لقد فعلنا ذلك قبل ساعتين في بيت الخليفة عبد ~~الله التعايشي تحت رعاية وحماية بعض الرسميين. هو أكثر الأمكنة أمانا لدينا نرتاده عندما ~~نشتاق لبعضنا البعض، حتى ولو كنا متشاجرين؛ لأن الجسد لا علاقة له بالخصومة، إذا وقعت فإنه ~~يصلحها. اكتشفنا ذلك المكان بالصدفة البحتة، أقصد الغرفة السرية التي تقع تحت غرفة الخليفة ~~مباشرة. بوابتها تفتح في ms10 الحمام المهجور، لا ندري في ماذا كان يستخدمها الخليفة، هل كان ~~يخاف أن يتآمر عليه البعض وهو نائم؛ لذا كان ينتقل لهذه الغرفة الآمنة ليلا لينام بدون ~~كوابيس؟ أم أنها كانت سجنا سريا أو بيت أشباح يستضيف فيه الخليفة وأخوه يعقوب جراب الرأي ~~بعض المارقين الكفرة من جدودنا المشاكسين؟ لقد زعمنا حين اكتشافها أن إدارة السياحة نفسها ~~قد لا تعلم عنها شيئا. قمنا بمرور الأيام بفرشها بمفارش من الخيش وملاءات كنا نهربها إلى ~~هنالك كلما سنحت لنا فرصة لحملها في حقيبة اليد. قد شردنا القطط المسكينة، التي كانت تظن ~~نفسها سيدة المكان الوحيدة، آخذة ذلك الحق من كونها أول من اكتشفه؛ أي بوضع اليد. كنا نسمي ~~الغرفة: بيت جدنا التعايشي، وهو مؤسس الدولة السودانية الحديثة، بالتالي الأب الشرعي ~~لعلاقتنا المربكة والراعي التاريخي لها. حيينا الحرس. كانوا يعرفوننا لكثرة ترددنا إلى ~~البيت مدعين بأننا نقوم بدراسة أكاديمية عن بيت الخليفة، لكننا لم ندخل مرة أخرى، بل عبرناه ~~إلى الحديقة الصغيرة التي تقع في مثلث تحيط بها طرقات الأسفلت. كانت الحديقة مزدهرة في يوم ~~ما، لكنها أصبحت الآن بفعل الإهمال ما يشبه المزبلة، ولو أن الغرف التي استخدمت في الماضي ~~كبوفيه ما زالت قائمة. # كانت دكتورة مريم في انتظارنا ترتجف قلقا، تسيل الدموع من عينيها الطيبتين الواسعتين. ~~أعطاها عبد الباقي القارورة البلاستيكية، فتحتها بيد مرتعشة. مضينا خلفها إلى الحجرة ~~الخلفية حيث تخفى الأطفال. كانوا يموتون ببطء شديد، يتلوون من آلام مبرحة في بطونهم، قد ~~تقيئوا كل شيء، يشتكون من صداع يجعلهم يصرخون في ألم آلمنا نحن أيضا. سقتهم بترتيب بدا لنا ~~عشوائيا، لكنها بكلمات متقطعة قالت: إنها تفعل ذلك وفقا للمرحلة المرضية التي فيها كل ~~طفل. والغريب في الأمر كان الأطفال يتحسنون بصورة سريعة! أو هكذا بدا لنا. وبعد نصف ساعة ~~تكلم اثنان وبقي اثنان في حالة احتضار. بعد ساعة مات واحد وتحدث الآخر. كنا قد قمنا ~~بتهريبهم من أحد الشوارع الطرفية حيث كانوا يقيمون بصورة دائمة في مصرف للمياه. وهو مكان ms11 ~~مكشوف بالنسبة للفرقة ؛ حيث إنهم يستطيعون الوصول إليهم بسهولة ويسر، وما يعده الأطفال مخبأ ~~يراه الجماعة قلب المصيدة. أصيب الثلاثة بالعشى. وتوقعت دكتورة مريم أنهم سوف لا ينجون من ~~العمى إذا نجوا من الموت؛ لأن مادة الميثانول التي أسرفوا في شربها خلال الساعات العشر ~~الماضية، تقوم بتدمير شبكية العين. طبعا هذا بالإضافة إلى تدمير كثير من الأنسجة الحساسة ~~بالأحشاء، مثل: الكبد والبنكرياس وغيرهما. سقيناهم كل العرق الذي استطعنا أن نحصل عليه بما ~~لدينا من نقود قليلة. بعض بائعات العرق الكريمات عندما عرفن أننا نحتاجه لإنقاذ أطفال ~~مهددين بالموت أعطيننا من لدنهن وسعهن، ودعين من قلوبهن الجميلة النقية السوداء لهم ~~بالشفاء ولنا التوفيق. # أنا - عبد الباقي ودكتورة مريم - نمثل فريقا واحدا من عدة فرق أخرى تقوم بالمهمة ~~ذاتها في الخرطوم بحري وأم درمان. الهدف الرئيسي هو الوصول للأطفال المصابين قبل أن تصلهم ~~الفرقة، وليس الوصول إليهم فحسب بل إخفاؤهم؛ لأنهم في حالة خطر دائمة وسيصبح مصيرنا مثل ~~مصير أصدقائنا في فريق آخر تم القبض عليهم وجلدوا بحد حامل الخمر، وغرموا ولعنوا ثم أبقوا ~~تحت الإقامة الجبرية بمنازلهم. وأصبح العمل أكثر تعقيدا، خاصة بعد أن أفتى مسلم طيب ~~حريص على الدين أن العلاج بالعرق والأثينول حرام قطعا، وأن الأفضل لهؤلاء الصبية الموت؛ ~~لأنهم إذا ماتوا سيموتون شهداء ويدخلون الجنة مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا. ~~خير لهم من أن يحيوا ويعيشوا مجرمين ثم يموتوا بسوء الخاتمة: اللهم احفظنا واحفظ المسلمين، ~~آمين يا رب العالمين. كنا نشعر أن واجبنا الإنساني يحتم علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأي ~~أسلوب كان. ونشك بعمق في أن الفقيه المفتي طيب الذكر قادر على ضمانة دخوله هو نفسه وبعض ~~عشيرته الأقربين إلى الجنة، دعك من ترشيح الآخرين لها. أو كما أفتى لنا أحد الأصدقاء، وهو ~~يرمي في وجهنا أرقاما مجنونة عن أن السودان هو من أكبر المصادر للميثانول والأثينول، وهما ~~من فصيلة الكحول، واللذين يستخدمهما الغرب بعد تنقيتهما لصنع ألذ أنواع الخمور المحرمة هنا ~~في السودان. ولا تفوقه ms12 في ذلك غير دولة البرازيل؛ حيث إنها تمتلك أكبر مخازن الميثانول في ~~العالم. وإذا كان هذا المفتي تقيا بما يكفي ولا يخشى لعنة رأس المال الإسلامي بالسودان، ~~التي سوف تصيبه في مقتل؛ لتطرق ولو بحرف واحد لتقطير الكحول في مصنع السكر العملاق. وكأنما ~~سمعه مفت أكثر ذكاء، وأكثر منه مالا؛ حيث إنه قال بالحرف الواحد: لا حرمة في إنتاج وبيع ~~الميثانول والأثينول، فالبلح والعنب حلالان طيبان، وهما مصدران للنبيذ الخبيث وهو محرم. ~~فالعبرة في الاستخدام وليس في إنتاج المادة ذاتها، وإلا حرمنا البطاطس والسكر والذرة بجميع ~~أنواعها، بل كثيرا ما أحل الله لنا من نعم الدنيا والعياذ بالله من غضب الله! أتحرمون ما ~~أحل الله؟! # إلى اليوم 20 / 7 / 2011 تم التأكد من موت ستة وسبعين متشردا وفقا للصحافة، وذلك في ~~غضون أربعة وعشرين ساعة منذ أن اكتشف أول حالة، واتضح من خلال المؤتمر الصحفي الذي أقامته ~~جريدة السودان في اليوم نفسه أن وزير الرعاية الإنسانية قد فوجئ هو نفسه بالأمر وبدا عليه ~~الحزن العميق، ووصف الأمر بالمأساة. ربما كان مشغولا بالإعداد لزيارته الأخيرة للبرازيل. ~~أما مسئول الشرطة فقد نفى نفيا قاطعا أن هنالك جهة حكومية وراء اغتيال المتشردين. إنه ~~يحتفظ الآن بعشرة من المدنيين المشتبه في تورطهم في القضية، لكنه يؤكد أيضا أن الأمر غير ~~منظم وغير مقصود. اندهشنا جميعا لآرائه القاطعة قبل انتهاء التحقيق. همست دكتورة مريم في ~~أذني قائلة: إذا أردنا معرفة الرقم السليم للمقتولين فعلينا دائما أن نضرب رقم الصحافة في ~~ثلاثة على الأقل. # قلت لها وبقلبي حسرة: هذا متفق عليه، للأسف. # كان الصحفيون حذرين كعادتهم تحت قانون الصحافة والمطبوعات الحازم، الذي روعيت في صياغته ~~مصلحة البلاد العليا! إلا أن أحدهم سأل سؤالا لم يجبه عليه أحد، وتجاهلته حتى جريدته ~~ذاتها. قيل: إنه لم تقم له قائمة بعد ذلك؛ أقصد استغنت الصحيفة عن خدماته الجليلة بخطاب شكر ~~ضاف مهذب، مرتب ثلاثة شهور، وأمنية حارة له بالتوفيق في جريدة أخرى! المشكلة كلها أن ~~سؤاله الضال، غير المسئول، ms13 الذي لم يراع فيه حرمة المصالح الوطنية والدور الرسالي للأمم ~~السودانية، حرمها من إعلانات بمبلغ يعادل مليون مرة مرتب الصحفي وأبيه وأمه - إذا كانت حية ~~وتعمل - وأبناء عمومته إلى يوم الدين؛ لأن الشركة المعلنة الخيرة تقصد من وراء الإعلان ~~دعم خط الصحيفة الملتزم الوطني، ورفع المقدرات المالية لمالكها الهمام! قد بدا لنا واضحا ~~الآن أن جريدتكم تستخدم براغيث وجرذان، وليس صحفيين محترمين! # أكد الأطباء أن أسرع علاج للتسمم الميثانولي الحاد هو شرب جرعات خيرات من أخيه الأثينول، ~~وهو كما يعرفه العرب بالعرق، الذين هم أول الشعوب التي قامت بتقطيره في العالم. كلاهما سم ~~قاتل، لكنهما يتعادلان. تشرح لنا دكتورة مريم ذلك علميا كما يلي: التركيبة الكيميائية ~~للميثانول ... # كان الأطفال يرجوننا ألا نتركهم يموتون، هم أيضا يريدون استعادة نظرهم، يرغبون في أن ~~يروا العالم مثلما كانوا يرونه من قبل: ملونا جميلا ويجري أمامهم مثل القطط الضالة، نحن ~~لا نملك الشيئين ... كان يقول لهم بقا: عليهم بالصبر والإصرار على الحياة. في الحقيقة كانوا ~~أكثر إصرارا على الحياة من أي مخلوق رأيته في حياتي. أبي كان رجلا ميسور الحال، فهو ليس ~~ثريا، لكنه لم يكن ينقصه شيء. بالتأكيد لا مجال لمقارنة حياته مع حياة هؤلاء البائسين. ~~على الرغم من ذلك لم يكن شديد التمسك بالحياة، كان سعيدا جدا لم يصب بأي أمراض مؤلمة، لم ~~يخنه أحد، لم يدخل السجن، لم يقض ليلة واحدة باكيا شاكيا. وكان يمتلك زوجة رائعة وفية؛ ~~التي هي أمي الجميلة. يحب الحياة، يعيشها بمتعة خاصة، وله الحق في ذلك؛ فلقد أعطته الحياة ~~كل شيء. مات وهو في ريعان شبابه، وما ذلك في رأيي إلا لأنه لم يكن متمسكا بالحياة تمسك ~~هؤلاء المحرومين. الذين لم يعيشوا يوما واحدا طيبا بأي مقاييس كونية، لكن الحياة في ~~تقديرهم ثروة لا يمكن التفريط فيها. قالت لي أمي ذات يوم، وكنت قد حدثتها عن طفلين مشردين ~~مصابين بالسل ماتا ذات صباح: الموت خير لهم هؤلاء المساكين! # ولو أن الوقت غير ملائم للتحقيق، إلا أننا ms14 كنا نريد أن نعرف من أين لهم بهذا المشروب ~~القاتل؟ كيف تحصلوا عليه وهو غير مشاع، غير رخيص ولا يباع في البقالات أو عند الطبليات أو ~~الباعة المتجولين؟! كانت لهم إجابات مختلفة، لكن أغربها هي إجابة آدم سانتو - توفي فيما بعد ~~- الذي قال: إنه تحصل عليه من المصري، كأن هذا المصري علم على رأسه نار! لكن البقية تحصلوا ~~عليه من زملائهم الذين تحصلوا عليه من زملاء آخرين، هكذا بلا نهاية ولا بداية. يفضل الأطفال ~~المشرودن مادة السلسيون، وهو مادة تستخدم للصق يدخل الميثانول في تصنيعها. رخيصة ويستنشق ~~عبقها المثير. أنبوب واحد صغير يكفي لسكر عشرة متشردين وينيمهم مجنبا إياهم مشقة البحث عن ~~طعام. يهبهم في الحلم الحياة، الراحة والجمال الذي ينشدونه. قد يستخدمون ما يقع في أيديهم ~~من مسكرات أو مخدرات، خاصة الأشهر: البنقو. المشكلة الوحيدة التي تمنعهم من تعاطي كل شيء هي ~~المال. إنهم فقراء، عاطلون عن العمل، حتى التسول فإنهم لا يتسولون، لا يسرقون، لا يرقصون ~~ويغنون ويضحكون ويبكون في الطرقات مثل مشردي البرازيل؛ لكي يحصلوا على ثمن وجبة تافهة وجرعة ~~كراك. لكنهم يرقدون هناك تحت ظل حائط أو نيمة أو وكر أو في بناية مهجورة. يأكلون البقايا ~~باستمتاع قذر! المزبلة هي أعظم سوبر ماركت طبيعي وهبه الله للمتشردين. يتسلون بممارسة الجنس ~~فيما بينهم. قد تكفي سيدة مجنونة واحدة نزوة شلة من المتشردين. أما المتشردة الجميلة - وهي ~~كذلك دائما - فلا يمكن مسها بغير مقابل. ويصعب اغتصابها لشراستها. الأكثر عرضة للاغتصاب هم ~~المتشردون الجدد؛ نساء كانوا أم رجالا، طفلات أم أطفالا، وذلك قبل انتمائهم لشلة تقوم ~~بحمايتهم وقائد يرعاهم. في الغالب يصبح المغتصب الأقوى هو من يقوم بالحماية لاحقا؛ ~~حيث يصبح المغتصب واحدا من ممتلكاته الخاصة وفردا من شلته: وفيا ذليلا طائعا ~~ولقوية ممتعة. # إذا توفر لدى المتشرد بعض ما يسكر، قليل مما يطعم، وشيء من الجنس من نوعه أو النوع الآخر ~~لا يهم؛ فهو الأكثر سعادة والأكثر غنى من رئيس دولة في العالم الثالث. # يتسلل الشيء إلى المعدة ms15 ... يسمونه فيما بينهم الإسبرت، وهو من مشتقات كلمة إنجليزية تعني ~~الروح # sprit # وربما كانت اختصارا ذكيا لجملة المشروب ~~الروحي. في اللحظات الأولى من احتسائه، يهب الشخص لذة مجنونة لا تقاوم. وعندما تبدأ عملية ~~الأيض أو التمثيل الغذائي، تحمل الأعصاب وشاية سريعة إلى الكبد مخبرة إياه بأن سما زعافا ~~يتغلغل في أحشاء ذلك المتشرد الذي نعنى بحمايته، وعلينا مسئولية حياته. فيفرز الكبد الوفي ~~إنزيم نازع الكحول، وهو متوافر ومحفوظ بصورة جيدة لمثل هذه اللحظات الصعبة والحروبات غير ~~المتوقعة؛ لأن الكبد يعرف نزق وشيطنة سيده الإنسان، متشردا فقيرا كان أم سياسيا غنيا. ~~فيتحول الميثانول الذكي إلى مادة الفورمالدهيد شديدة السمية، ثم خلال ثلاث دقائق أخرى ~~يتحول إلى حمض النمليك. بهذه المراوغة الشيطانية يفقد الكبد إمكان السيطرة عليه، لكنه يظل ~~يفرز الإنزيم نازع الكحول، وتتراكم النواتج الاستقلابية السامة للميثانول بصورة متواصلة دون ~~أدنى مقاومة من الجسد، بعد أن حيدت سلطة الكبد، من ثم تظهر أعراض التسمم. ولأن المتشرد هو ~~مخلوق جائع، يحتسي هذا المشروب من أجل أن ينسى ألم الجوع، العوز، خيانة الأصحاب، مرارة ~~الاغتصاب، ظلم الشرطي، إهانات المارة، قلق الحنين إلى الأسرة، الوساخة الشخصية، القمل، ~~برغوث الثياب، والأمراض الكثيرة التي تنهش جسده، فإن الميثانول يجد بيئة جيدة ليمتص سريعا ~~عبر المعدة الخاوية الشرهة، التي تنتظر ما يشغلها، ويخفف عنها ألم إفرازاتها المرة النشطة. ~~لا يحس الشخص بأعراض التسمم إلا بعد مضي ست ساعات إلى ثلاثة أيام، هذا إذا شرب الشخص النحيل ~~ذو الوزن الهزيل جرعة زائدة من الميثانول، هي في الغالب لا تتوافر لديه، فما يتوافر لديه ~~بعض مليجرامات من الأثينول، يضيف إليها خمسة أضعافها من الماء القراح؛ لذا لا تظهر علامات ~~التسمم فيه إلا بعد شهور أو سنوات، أي بعد أن يقوم الأثينول بتدمير خلايا الكبد والبنكرياس. ~~ذلك تماما كما يفعل العرق «الميثانول + الأثينول» للمدمنين عبر سنوات طويلة من اللذة ... ~~النشوة وأحلام اليقظة على أنغام موت بطيء وبارد. تفسير هذا الموت السريع للضحايا هو أنهم قد ~~تناولوا كميات كبيرة من الميثانول، ms16 ليس ذلك القدر الضئيل الذي اعتادوا على تناوله من صنوه ~~الأثينول. فالتشخيص الطبي الباتع لحالاتهم يطلق عليه الأطباء: «التسمم الكحولي الحاد» # Acute alcoholic intoxication ~~. # ما يقلقنا الآن أكثر، كيفية التعامل مع الجثة التي ترقد أمامنا مغطاة بأسمال باليات تفوح ~~من فمها رائحة الموت مختلطة بقيء الأطفال على أنغام شخير بعض من نام منهم. كنا نعي جيدا ~~خطورة أن تضبط الجثة في حوزتنا. يحزننا أيضا تركها في هذه الغرفة المهجورة مع الأطفال ~~المرضى الذين لم يحدد مصيرهم بعد، الذين سيصبح مستقبلهم «على كف عفريت» إذا وجدتهم الفرقة. ~~فسيحقنون في الحال - حسب ظننا، وبعض الظن إثم - بمادة الفورمالين الرخيصة القاتلة، ويودعون ~~الحياة التي يحبونها جدا - رغم قسوتها - إلى الجنة البغيضة التي أعدها لهم ذلك المفتي ~~الفصيح، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا أكثر مما فعلنا، أن سقيناهم العرق وأطعمناهم اللبن ~~الطازج ووهبنا لهم جرعات كبيرة من زيت الخردل لتقوية معداتهم الملتهبة. كان الأمر كابوسا ~~حقيقيا. لكننا أجبرنا على المغادرة السريعة وتركهم كما هم عندما اتصلت بنا حكمة رابح ~~صديقتي وأخبرتنا أن الفرقة في طريقها إلينا. شاهدهم البعض قريبا جدا من مسرح البقعة ~~يتعثرون في زحمة المرور، يطلقون صفير إنذار ونجدة، يردد العسكر المتحمسون صرخات الحرب وهم ~~محشورون في عربة لنقل البضائع «دفار جامبو» عملاقة. أضافت: لقد قاموا باعتقالات واسعة ~~لناشطين في أم درمان والخرطوم، ولا ندري من هم وكم عددهم حتى الآن. # تقع الحديقة قريبا جدا من مسرح البقعة، جنوب بيت الخليفة التعايشي، شرق سجن الخليفة، ~~في الطريق إلى مستشفى الدايات، تحتل الحديقة المهجورة هذا المثلث الصغير. كان علينا أن نهرب ~~في اتجاه بيت الخليفة، هذا هو الحل الوحيد. اقترحت دكتورة مريم أن نقوم بزيارة البيت، سوف ~~لا يشك فينا أحد. تبادلت النظرات مع عبد الباقي، ابتسمنا لبعضنا ونحن نسرع الخطا نحو ~~البوابة القديمة الأثرية، التي تحرسها جماعة من الرسميين. قمنا بزيارتنا الثانية للبيت في ~~اليوم نفسه. اندهشت دكتورة مريم عندما شاهدت الحفاوة التي استقبلنا بها الرسميون. في ~~الحقيقة كانت هذه الحفاوة ms17 الدافئة نتاج علاقة قديمة مستمرة سوف لا تخطر ببال صديقتنا ~~الدكتورة. خاطبونا بالأساتذة ولم يأخذوا منا رسوم الزيارة المعتادة. كانوا يحسون من أعماقهم ~~بأنهم يجب أن يقدموا لنا المساعدة المرجوة؛ لربما تكرمنا بذكر أسمائهم في البحث الذي نقوم ~~بإعداده أنا وعبد الباقي عن بيت الخليفة، ذلك المشروع الوهمي الذي سوف لن ينجز ~~أبدا! # جلسنا عند الفسحة أمام العربات التاريخية المهلهلة المهملة المغطاة بطبقة من الغبار ~~سميكة. كان الظل باردا، تيار الهواء يمر شمالا جنوبا بحرية. كنا نحتاج لقدر كبير جدا ~~من الهواء البارد؛ لإنعاشنا وإعادة الحياة إلينا. قلوبنا وآذاننا تقفز خلف الجدران لتعانق ~~موجودات الحديقة في الخارج، تحوم حول الأطفال المشردين. كان هتافهم قاسيا وعنيفا، مختلطا ~~بصفارات الإنذار المرعبة، عندما أخذ الزوار يخرجون من بيت الخليفة مهرولين يتقصون ما يحدث ~~في الخارج، خرجنا معهم. دارت العربة العملاقة دورتين قبيحتين حول الحديقة الصامتة، كانت ~~مليئة بالجنود الشباب المتحمسين لفعل كل ما يؤمرون به. ليس بإمكانهم أن يلاحظوا شيئا بهذه ~~الطريقة الاستعراضية الفجة في البحث؛ لأن الأطفال كانوا يرقدون داخل الغرفة، ليس في حوش ~~الحديقة. توقعنا أن يتوقفوا ويهبطوا ويدخلوا، لكنهم عندما أكملوا دورتهم الرابعة، اتخذت ~~العربة الشارع الجانبي الشرقي الذي يقود إلى الإذاعة. تلاشى صراخهم الرهيب خلفهم تدريجيا، ~~إلى أن اختفى نهائيا عندما انعطفت الشاحنة بهم يمين الإذاعة القومية متخذة طريق الطابية ~~إلى مستشفى القوات المسلحة بأم درمان، أو إلى أي جحيم آخر لا ندريه. # لم نعد إلى الأطفال والمتشردين بالحديقة، على الأقل الآن، كان هذا رأي الجميع، كما أننا ~~لم نرجع إلى بيت الخليفة عبد الله التعايشي مرة أخرى. # تشير الساعة إلى الثانية بعد الظهر. دكتورة مريم ستعود للعمل بمستشفى الحوادث بالخرطوم ~~عند الثالثة والنصف، قد تحتاج إلى ساعة كاملة تقضيها في المواصلات العامة بين أم درمان ~~والسوق العربي؛ لأن الوقت هو زمن ذروة التزاحم المروري، فالطرقات ضيقة وهي مصممة في عصر ~~الاستعمار لبضع عشرات من السيارات الصغيرة يستغلها السادة السياسيون والإنجليز. الآن على ~~ذات الطرق أن تتحمل ما لا ms18 يقل عن مليوني سيارة في اليوم. فكان الخيار الأرجح أن نذهب معها ~~أنا وبقا إلى الخرطوم، من هنالك يذهب هو للسلمة وأنا لبحري، وسوف ننسق الخطوة القادمة عن ~~طريق التلفونات أو الرسائل النصية القصيرة. تعرفت على دكتورة مريم منذ سنوات كثيرة مضت؛ أي ~~منذ أن تخرجت في جامعة الأحفاد قبل خمس سنوات. كنت أقوم بقضاء فترة تدريبية بمنظمة رعاية ~~الطفولة السويدية، التقيت بها هنالك، تعمل حينها منسقا لمشروع حماية الطفل بالمنظمة. ~~احتضنتني وشملتني برعايتها منذ اليوم الأول الذي تقابلنا فيه. هي التي جعلتني ألم بالجوانب ~~النظرية والعلمية في مجال حقوق الأطفال. ولم يكن فارق العمر بيننا كبيرا، كنت أصغر منها ~~بثلاث سنوات، وهي تكبرني بخبرات عملية وإنسانية تفوق الخمسين عاما. ومثل كل سودانيين ~~يتقابلان في أي زمان أو أي مكان يجدان شخصا مشتركا بينهما، هذا إذا لم يكتشفا أنهما ~~أقارب، فبيني وبينها شخص عابر في حياتي، لكنه خلف في أثرا كبيرا ونهائيا، وهو أحد ~~أقربائها بل ابن خالتها حسن إدريس. المرأة لا يمكنها أن تنسى الشخص الأول في حياتها، حتى ~~إذا كان وقحا وناكرا للجميل مثل هذا الإدريس. أنا لا أحب أن أخوض في هذه الحكاية التي ~~يؤلمني ذكرها الآن، هو لم يخدعني لكنني كنت أتوقع منه موقفا أكثر مروءة وإنسانية؛ أي ما ~~تتوقعه كل فتاة من رجل تورطت معه في علاقة حميمة أدت إلى أن تجعلها حبلى بطفل. أتمنى ألا ~~أعود لهذه الحكاية مرة أخرى. # | العاشقان # والدتي لم تكن كبيرة السن أو هكذا تعتقد هي، أنجبتني عندما كانت في الثامنة عشرة من ~~عمرها. ما زالت امرأة نحيفة قصيرة بعض الشيء، ظلت دائما محتفظة بنضارة الشباب، في هيأتها ~~ذاتها عندما تخرجت في كلية الآداب قبل عشرين سنة. لا يحق لأحد أن يقدر عمرها بأكثر من ~~أربعين عاما. أمي تعد نفسها أجمل مني. قد تبدو أصغر مني عمرا، إلا أنها تصر على أنها ~~أجمل مني، أرى أنها تخلط فيما بين ما هي عليه قبل عقد من الزمان والآن. عندما كانت أجمل ms19 بنت ~~في الحي، وأحلى وأصغر أم في الجامعة. فالواقع أمي تؤكد على أنه إذا كانت هنالك مسابقة جمال ~~في تلك الأزمنة لنالت جائزة أجمل بنت في السودان دون منازع. لا مصلحة لي في ألا أصدق ذلك، ~~لكن المشكلة تكمن فيما بعد النقاش اليومي عن العمر والجمال؛ لأنه ينتهي بشجار، لأن أمي ~~تريدني أن أتزوج بأي طريقة كانت، بل بأول من تقدم إلي. قد تقدم إلي كثيرون، بل لماذا ~~أنتظر إلى أن يتقدم إلي أحدهم؛ فالبنت الذكية هي التي تختار زوجها وتدفعه بحنكة إلى أن يطلب ~~يدها، قد ترفضه إذا لم يعدها بثروته كلها. وأنت الآن تدخلين في «سن اليأس»، تضيعين وقتك في ~~حب شخص لا يمكن أن يتزوجك، لا أعرف مثقفا تزوج من قبل، إنهم لا يتزوجون قبل أن يشعروا بأن ~~الموت يطرق أبوابهم أو أنهم على قارعة الإفلاس! ~~- قولي لي: كم من النساء تزوجن شعراء؟ أريد عشرا منهن. ~~- لكن يا أمي ما شاعر ... # كعادتها تهمل إجاباتي عندما تسيطر فكرة ما على رأسها، خاصة بعد أن أخذت تنتابها حالات ~~الإحباط النفسي بين وقت لآخر. ~~- أنا أعرف عشرات النسوان الما تزوجوا شعراء وكانوا بحبوهم مثل عيونهم، ياما كتبوا فيهم ~~شعر وأغاني ... # أقول لها: يا أمي هذا جدل بيزنطي لا يوصل لنتيجة؛ إنه ليس بشاعر. وكأنها لم تسمعني، ~~تعدد لي أصحابي الشعراء الذين لم يتزوجوا حتى الآن: # عثمان بشرى. # عاصم الحزين. # إلياس فتح الرحمن. # كمال الجزولي. # عاصم الرمادي. # عبد الله شابو. # عالم عباس. ~~- يا أمي، يا أمي ديل فيهم ناس متزوجين وعندهم أولاد وبنات متزوجات. # لكنها تواصل في إصرار مجنون، وكأنها تقرأ كتابا منشورا أمامها: # بشرى الفاضل. # أحمد النشادر. # مأمون التلب. # علي نصر الله. # محمد الصادق الحاج. # نصار الحاج. # عصام عيسى رجب ... ~~- يا أمي يا أمي! # أضافت وهي تنحرف قليلا عن الموضوع الأساسي، محملقة بعينيها في الأفق البعيد: كويس، أو ~~اتزوجوا نسوان تانيات ... # هل تذكرين ذلك الشاعر الذي كتب قصيدة جميلة عن حبيبته إيما، أظنه قال فيها: إنها تشبه ~~غيمة وتشبه نجمة، ms20 وحاجات تانية ما بتذكرها، لقد تزوج من فتاة أجمل منها اسمها انتصار! وذلك ~~الذي كتب عن فتاة ذوبته عشقا - وهي ماريا - تلك القصيدة الطويلة التي درسناها في الجامعة ~~بعنوان ماريا وامبوي، سقطت فيها مرتين، قد تزوج امرأة اسمها ليلى علم الدين. وقالت: إن ~~أراجون الذي ظل حياته كلها يكتب لعيون حبيبته إلزا أجمل الأشعار، العيون التي ظن أنها ~~الأجمل منذ أن خلق الله حواء أم البشر، اقترن في أواخر عمره بفنانة غجرية متشردة لا تكاد ~~عيناها تريانه جيدا. # لم يبق لها سوى أن تضيف للقائمة: رامبو، مالارميه، بودلير وأمل دنقل. ذات مرة اعترفت لي ~~بأن صديقة لها - أظنها تقصد نفسها - كانت تعشق شاعرا، لكنه يخونها مع صديقتها المقربة ~~جدا بل الوحيدة، عندما اكتشفت أمرهما برر لها ذلك بقوله: إن للجسد سلطانا، ونحن لسنا سوى ~~شغيلة عنده. قالت: إنها لم تفهم شيئا، لكنها لم تعد تحبه منذ تلك اللحظة. بل كرهت المثقفين ~~جميعا، على رأسهم الشعراء؛ لأن الشعراء يتفلسفون في الخيانة، ويقولون كلاما غير مفهوم، ~~كيف يكتب شخص سوي نصا بعنوان «في مديح الخائنات»، وهو يعني بالخائنات، الخائنات، نعم ~~الخائنات ذاتهن، ليس مجازا أو رمزا؟! # أحبت أمي وكرهت بعد وفاة أبي بسنوات، لكني أعرف أنها الآن تحب روائيا في عمرها، لا خير ~~منه يرجى - سوء الظن في الروائيين من حسن الفطن - وأظن أنه يستغلها جسديا وماديا، فأنا ~~لا أعرف شيئا عنه وعن علاقتهما، وخطأ تخميناتي على أمي أن تتحمله؛ لأنها لم تفصح لي عن شيء ~~... لم تتكرم علي بمعلومة مفيدة، غالبا ما تدعي: هو صديقي ما أكثر. # أمي ليست صريحة معي، لكنها دائما تريدني أن أكون صريحة معها: حتى لا يخدعك الرجال ... ~~فكل الرجال مسيلمة يا بنتي، كذاب! بدون فرز وبدرجات متفاوتة، بعضهم إبليس بعينه، «أوعك تدي ~~واحد قلبك كله!» # اعشقيهم بلسانك لا أكثر؛ أقصد بطرف لسانك، لا تفرطي في قلبك أو جسدك. الرجل مثل الطفل؛ ~~إذا شبع نسي أن له بطنا، وإذا جاع تشهى كل الأشياء، حتى إذا كانت حجارة. ms21 # أمي أجمل مني! أنا لا أعترف بذلك. كنت أطول منها قامة لكني بدينة بعض الشيء، بل قل الشيء ~~كله. ورثت بنيتي الجسمانية من أبي، لكنني جميلة أيضا. فكثير من الرجال يحبون الأرداف ~~المدورة، وهو الشيء الذي عليه أردافي الآن. أسمع كثيرا من تعليقات المارة بالشوارع ~~والمواصلات العامة، تضايقني في أحيان كثيرة، أغض عنها الطرف في بعض الأحيان، أطرب لها، ~~وخاصة إذا كان مزاجي عكرا وكنت في حاجة إلى دعابة ما، مهما كانت سخيفة. طولي 175 ~~سنتيمترا، فكرة الجمال عندي تتمثل في تصور الآخر لك من جانب، وتصورك لنفسك من الجانب ~~الآخر. أنا أيضا لا كرش لي، مثل أمي، أمارس الرياضة بصورة متواصلة وخاصة تمارين البطن. لا ~~آكل الشحوم أو السمن، أمشي كثيرا برجلي ولا أتركه يرق في. لي بشرة سوداء ناصعة ورثتها ~~عن جدود شتى، فور ونوبة برابرة وعرب. لا أستخدم كريمات تبييض البشرة، وهذا مبدأ إنساني، ~~جمالي وخلقي لا أحيد عنه، ولو أنني بذلك أفقد فرص العمل في كثير من القنوات التلفزيونية، ~~البنوك، الشركات التي تهتم بالمظهر العام المنمق والمعلن عنه رسميا وإعلاميا. ورغم ذلك ~~يحبني الكثيرون من أجل أنني أرغب أن أكون كما خلقني الله، يقولون: إن لي ملامح ملكة نوبية. ~~باختصار، أعرف أنني جميلة وهذا يكفي. # أنا وأمي وحيدتان، أقاربنا يسكنون بعيدا متفرقين في مدائن السودان الكثيرة. ترك لنا أبي ~~بيتا كبيرا في الخرطوم بحري. قمنا بتأجير نصفه الذي يفتح على شارع السيد علي الميرغني. ~~نسكن نحن في النصف الآخر المطل على شارع فرعي صغير لا اسم له، يحتوي على غرفتي وغرفتها، ~~صالون وثلاثة حمامات بكل من الغرفتين والصالون. الجزء الآخر من البيت تستأجره منظمة مجتمع ~~مدني تعمل في حماية الأطفال المتشردين. وهي المنظمة ذاتها التي أعمل فيها أنا أيضا باحثة ~~اجتماعية. تسمى المبادرة الصديقة للأطفال # CFI ~~. # ليس كل ما تقوله أمي لا فائدة منه؛ لأن فكرتها عن حبيبي عبد الباقي كانت في محلها. إن ~~علاقتنا قد استنفدت فرصها كلها. هو يريدها أن تبقى طالما كنا نذهب ms22 كثيرا إلى غرفة جدنا ~~الخليفة عبد الله التعايشي السرية ونقضي فيها أجمل أوقات حياتنا. عندما نكون معا كنا نمتلك ~~الحياة كلها، لا يهمنا شيء آخر في العالم، حتى الأطفال المتشردين، المسلولين وغيرهم. كان ~~همنا أن نمتع جسدينا ... أن نشبع رغبة الوحش الساكن في حشو كل منا. أظن الجنس يستطيع أن يفعل ~~ذلك؛ أن يقوم بواجب التواصل الإنساني، الجنس الآمن. لم أقل إن همه كان الجنس أو همنا، بل ~~كل شيء، لكن الأشياء الأخرى إما يصعب الإيفاء بها أو لنا فلسفة في جدواها. إذن، حان الوقت ~~أن نفترق. أنا أريد أطفالا، بل تريدهم أمي أكثر. أمي تصاب بين وقت وآخر بالإحباط النفسي، ~~وتظل لشهر أو شهور ترى وتسمع أشخاصا وتتحدث معهم. مرات عديدة كانت تفكر في الانتحار. لا ~~تستمر الحالة طويلا، لكن عندما تصاب بتلك الحالة نكون في أسوأ أيامنا. في الآونة الأخيرة ~~أخذت تساعد في رعاية المتشردين حسب مزاجها وبما تستطيع. فهي ليست ذات بال طويل وصبر على نزق ~~وشيطنة هؤلاء المنفلتين الذين لا يترددون في عض اليد التي تقدم إليهم كسرة الخبز. فالحياة ~~علمتهم عدم الثقة في الآخرين، ولا في أنفسهم كذلك. أمي تريد أطفالا يملئون حياتها، يوفرون ~~لها الرفقة، أطفالا تثق بهم، على الأقل يمكنها أن تتنبأ بما ينوون القيام به. كنت أتحدث ~~إلى نفسي بصوت عال؛ مما أخاف أمي وظنت أن مرضها قد انتقل إلي. لكن عندما حكيت لها القصة ~~هدأت وكادت أن تبكي! أمي لا تبكي بسهولة. ثم سمعنا طرقا عنيفا على الباب، على الرغم من أن ~~لدينا جرسا إلا أن الطارق لم يستخدمه. هتفت أمي: منو؟ إن شاء الله خير؟ # كان يتنفس بصعوبة. ملابسه ممزقة ... وتوجد فيما تبقى منها بعض بقع الدم الجاف. لم يكن هنالك ~~زمن للأسئلة. استحم ... لبس أحد جلابيب أبي، أمي تحتفظ بالكثير منها للذكرى. أمي تهمس في أذني ~~من وقت لآخر مستفسرة عما لحق به. أهمس لها بأنني لا أدري، لكني كنت قد خمنت كل شيء. باختصار ~~شديد وفي كلمتين أخبرني ms23 بكل شيء. احتسينا القهوة. عرفت أمي فخافت علينا. كان عبد الباقي ~~رجلا مربوع القامة. طوله 174 سنتيمترا أو يقل بقليل. تدل ملامحه على أنه قد يكون من سكان ~~وسط السودان، أو لحد ما الشمالية. كان غاضبا وهو يحكي كيف قبضوا عليه وضربوه في الشارع ~~العام، ثم أطلقوا سراحه ثم لحقوا به مرة أخرى في بيته. ودارت معركة معهم في البيت. تدخل ~~جيرانه، أصحابه وزوجته. ضربوا الجماعة ضربا مبرحا حتى فروا بجلدهم هاربين. # قاطعتني أمي: سجمى! عنده أولاد؟ بتحبيه ليه؟ ~~- يا أمي شنو علاقة الأولاد بالحب؟ # انتفضت أمي تقول، وهي تحملق في عيني كأنها تراني لأول مرة في حياتها، ولأول مرة ألاحظ أن ~~بعينيها حزنا عميقا لا يستطيع الكحل اصطياده: عندو مرا ولا لأ؟ # أجبتها بهدوء: عندو مرا. # حاولت أن تكون هادئة مثلي. ~~- يعني عايزة تقلعي راجل المرا وتشردي عياله؟ ~~- يا أمي ممكن نعيش مع بعض المشكلة شنو؟ أنا أصلا ما عايزة راجل متفرغ عشاني. يكفي نصف ~~راجل أو ربع راجل ما أكثر. # صمتت لبعض الوقت، كأنما كانت تريد أن تقول شيئا ما، ثم غيرت رأيها، قالت وهي تمضي بعيدا ~~عني، وتبعثر كلماتها في المكان: كلام ما مقنع. الراجل راجل والمرا مرا ما في نص ولا ربع. ~~وأحسن تسيبي الزول لحاله، خلينا من الكلام الفارغ، شوفي أي مخلوق ما عنده زوجة ~~وعرسيه. # تعكر مزاج والدتي فجأة، ولم تقبل أن تستمع إلى فكرتي الجديدة بشأنه. بل لم تعرف أنه لا ~~يريد أن يتزوجني، وأنني صرفت النظر عنه. بالطبع لم أقل لها إن ما تبقى بيني وبينه هو فقط ~~التعود على تلك المتعة الجسدية، لم يفكر كلانا إلى الآن في التخلي عنها على المدى القريب. ~~هنالك أشياء يجد المرء نفسه ملتزما بالقيام بها، قد لا يفكر كثيرا في مسألة جدواها من ~~عدمه، خاصة الأشياء التي لها علاقة بالجسد، فهذا الأخير له منطقه الخاص وأفاعيله التي لا ~~يستشير فيها العقل، فهو لا يفكر بالأعضاء التناسلية وحدها، لكنه يشرك كل الأجزاء الأخرى ~~فيه، ويشرك العقل، ms24 الجزء الأكثر بشرية منه، فهو دكتاتور رحيم، ولا يلام الجسد عندما يعمل ~~عمل الجسد. بعد أن قرأت كتاب السر أخذت حياتي تتغير بسرعة، رميت بكلماتي في ظهرها: أنا ح ~~أتزوج في هذا العام، ح أتزوج رجلا كاملا. # فاجأتني بثورة من الضحك، عادت واحتضنتني وأكدت لي للمرة الألف أنها سوف لا ترفض أن أتزوج ~~أيا كان، إذا كنت أحبه ويحبني، متزوجا أم غير متزوج مجنونا أم عاقل، المهم يستطيع أن ~~ينجب أطفالا يعيشون معي في البيت هنا، ولتذهبا أنت وهو للجحيم. قلت لها: هل غيرت ~~رأيك؟ # قالت وفي وجهها ابتسامة رائقة: لا، لم أغير رأيي، أنا عن نفسي لا أتزوج رجلا ~~متزوجا. # وضعنا الخطة، اتفقنا على أن نشرك فيها بعض الصحفيين المهتمين بالموضوع؛ لأنهم يمتلكون ~~الخبرة في التحري، أيضا الشرعية والحيلة في تقديم الأسئلة والدخول إلى كل المؤسسات ~~الحكومية والمدنية. طبعا ليس كذلك تماما، لكن لحد ما ... الأهم أن لهم أفضلية علينا في ذلك. ~~البحث عن الصحفي المناسب كالبحث عن إبرة في كومة من القش. كنا نريده ذكيا، شجاعا ويؤمن ~~بالقضية بصورة قريبة من وجهة نظرنا. حتى يكون هنالك توافق وتناسق في فريق العمل. أهم ما في ~~الأمر ألا يكون مواليا للسلطة؛ لأن الموالاة تحتم عليه التوافق مع وجهة النظر السائدة، حتى ~~ولو أنها جانبت الصواب. وفوق هذا وذاك نحن لا نستطيع أن نقدم له أجرا، مهما كان ضئيلا، ~~فالعمل تطوعي وإنساني في المقام الأول. لم أقترح عليه أحمد الباشا، سيرفضه ظانا منه - ~~وأنا أعرف ظنونه - أنني كنت في يوم ما مغرمة به أو أنه مغرم بي. كما أنه صدق إحدى كذباتي ~~التي كان الهدف منها إثارة غيرته. بأن أحمد الباشا أكثر وسامة منه وأن كثيرا من البنيات ~~يستلطفنه، قلتها بالطريقة التي تجعله يسمع كلمة كثيرا «كل» أو أنا واحدة منهن. أكدت له ~~بأنني لا أهتم بذلك على الرغم من أنه كان يتودد إلي بين حين وآخر. كما أن الباشا بعد أن ~~طرد من جريدته أصبح مخيفا ومتجنبا من قبل كثير ms25 من المؤسسات وكل الجرائد الوطنية ~~وغير الوطنية بالطبع. فلعنة حرمان الصحيفة من الإعلانات لعنة تظل تطارد صاحبها في الحياة ~~الدنيا حتى الممات، قد تلحق بنسله الميامين، إذا استطاع أن ينسل في ظل لعنته تلك. قال لي ~~عبد الباقي بعد قليل من التفكير: أقترح صديقنا الصحفي أحمد الباشا، هو أكثر شخص مناسب لهذه ~~المهمة. # المشكلة الوحيدة في أنه مراقب، تليفونه لا يعمل، ولا نعرف إليه سبيلا. # كان ينظر في عمق عيني، أو كنت أظن أنه كان يحملق في وجهي؛ ليعرف ردود أفعالي وتأثير ~~اقتراحه المثير. اقترحت عليه حكمة رابح؛ هي ذات خلفية قانونية مثقفة وشديدة الجمال، وأعرف ~~أنه يحب طريقتها في كتابة الشعر. تعمل بالمحاماة والصحافة في الوقت نفسه. اقترح هو صديقتنا ~~دكتورة مريم الطبيبة البشرية ذات النشاط، والهمة والقلب الحنون. قد عملنا معا كثيرا، خضنا ~~مغامرات شتى في سبيل المتشردين والأطفال، هي شخصية لا يختلف عليها اثنان. عليه أن يتصل ~~بالباشا، علي أن أتصل بحكمة ومريم. # أمي تحرص بشدة على أن تكون علاقتها الخاصة في غاية السرية والكتمان، لا تريدني أن أشك ~~لحظة في أن لها علاقة، قد أفسرها بأنها مشبوهة قد تقلل - حسب ظنها - من حسن صورتها عندي؛ ~~حيث إنها تعمل طوال الوقت على أن تجعل من نفسها قديسة في نظري. من حقها ذلك، ولو أنني أرى ~~ذلك تزييفا روحيا كبيرا، وأن عليها أن تنتبه لنداء جسدها بصورة أو بأخرى. فلقد كانت ~~جميلة وفتية، أهدرت وقتها وروحها من أجل تربيتي بصورة لائقة، فكنت وما زلت مشروعها في ~~الحياة، المشروع الذي كاد أن يثبت فشله، أو أنه فشل بالفعل، حسب رأيها عندما لا تكون في ~~مزاج رائق. توفي والدي ذات صباح باكر. كنت حينها نائمة في غرفتي، أحتضن كما كنت أفعل طوال ~~طفولتي دميتي الصغيرة التي أحضرها لي أبي من دولة أجنبية زارها، على ما أعتقد كانت فرنسا أو ~~ألمانيا. استيقظت على صراخ النساء، جدتي، خالاتي، أمي ونساء الجيران. انتزعت نفسي من ~~السرير، هرولت ناحية باب الحجرة، لكنها كانت مغلقة ms26 من الخارج. أخذت أصرخ وأضرب الباب بكفي ~~الصغيرتين، أصرخ بكل ما لدي من صوت وأركل بكل قواي، إلى أن تعبت تماما، خمدت في شبه إغماء، ~~لم يأت إلي أحد، اختفت الأصوات تدريجا، حلت محلها همهمة رجال، ليس صوت أبي من بينهم، ~~كنت أميز صوته من بين كل الأصوات، وأستطيع أن أسمعه من مسافات طويلة. ثم جاءتني خالتي، ~~حملتني من على الأرض، حيث تبولت دون إرادتي ... أخذتني على كتفها. كان وجهها مبللا بالدموع، ~~وبصوتها حشرجة غير مستحبة. بدأت أصرخ من جديد مطالبة بأمي، إلى أن جاءت بعينين بنيتين ~~غارقتين في الدموع؛ احتضنتني بقوة، قبلتني وطلبت مني أن أذهب مع «خالتو». أحسست بشيء غير ~~عادي يحدث في بيتنا، لكن خالتي العجول هرولت بي إلى بيتها عابرة الشوارع الواسعة الساخنة ~~وأنا على كتفها أصرخ وأرفس بقدمي. على بعد ميلين من بيتنا تركتني؛ لألعب مع بنتيها ~~الشيطانتين صديقتي، أحبهما كثيرا، كنت أصغر منهما قليلا في العمر. حالما أنسيتاني كل ~~شيء وأقامتا لي عرسا، زوجتاني من طفل من القصب صنعته الأخت الكبرى علياء، رقصت كعروس ~~حقيقية، على إيقاع صينية الشاي، فأنا أحب الرقص، غنتا رقصتا، انضمت إلينا فتيات الجيران ~~الأخريات؛ فقد كان عرسا بهيا وجميلا. # عندما عدت في اليوم الثالث لم أجد أبي في البيت إلى هذا الحين. كانت أمي تقول لي: إنه ~~مسافر إلى مكان بعيد، ثم أخبرتني فجأة بأنه مات؛ أي ذهب إلى الجنة، كلنا سنلحق به آجلا أم ~~عاجلا. سوف لا يأتي مرة أخرى للحياة الدنيا، هذا مصير البشر. ثم زرنا قبره مرارا وتكرارا ~~لسنوات طويلة، صيفا وشتاء، في الأعياد وفي المناسبات العامة، كلما مرضت أو مرضت أمي، ~~كلما بلغنا الصحة، كلما مات أحد أقاربنا، بل كلما تذكرته أمي. ثم فجأة توقفنا عن زيارة ~~قبره، وأستطيع أن أؤرخ لذلك، منذ اليوم الذي التقينا فيه بما أسمته أمي صديقها الروائي وليد ~~الجندي في المقابر. كان هو الآخر في زيارة لما أسماها المرحومة صديقتنا سيدة. لا أدري كيف ~~تطورت العلاقة بينهما بعد ذلك بعيدا ms27 عن بصري وسمعي، بينما كنت أنا أكبر قليلا قليلا، تمر ~~السنوات علي ... عليهما ... وعلى علاقتهما مع بعض. من جانبي كنت أحس بفقدان أبي، دائما ما ~~أرغب في أن أتحدث إليه، كان يسافر كثيرا، إلا أنه عندما يكون بالمنزل فإنه يلعب معي، يحكي ~~لي ويستمع إلى ثرثرتي. رغم صغري في ذلك الحين كنت أتعلم منه وأسأله عن أمور كثيرة لا أذكرها ~~الآن، لكنها تجعله يضحك من صميم قلبه، ويحملني على كتفه، يجري بي في حوش البيت. أريد من ~~يفعل بي ذلك الآن، قد يكون هذا مستحيلا لوزني الثقيل، لكن غير المستحيل أن أجد من يحكي ~~لي، يستمع لحكاياتي ويضحك من قلبه لأجلي. # يقول عني أصحابي أنني مترددة وغالبا ما أغير رأيي، ليس لعدم ثقة في النفس، ولو أنه يبدو ~~كذلك، لكني كنت في صميمي أحتاج لآخر يتخذ معي القرار. أقصد أنني أحتاج فعلا لأبي في هذا ~~الشأن، قد يرى الناس ذلك غريبا بالنسبة لإنسانة في نهاية العقد الثالث من العمر ... تخرجت في ~~الجامعة منذ أكثر من خمس سنوات وأحبت ما لا يقل عن خمسة رجال، وتعمل في مجال حماية الأطفال ~~والمشردين بصورة يشهد عليها مديروها بأنها متميزة وجادة. كان عبد الباقي قد عرف في وقت مبكر ~~هذه المعضلة، وأخذ يعلمني كيف أملأ فراغ الأب، لكن المشكلة الأساسية تقع في أنه ملأ هذا ~~الفراغ بنفسه. كان يكبرني بعشرة أعوام؛ يعني أنه أصغر من أمي بثماني سنوات. كما قلت من قبل، ~~أمي ليست طاعنة في السن، تكبرني بثمانية عشر عاما لا غير. أمي أيضا كانت تفتقد أبي، ~~تفتقده بشدة وبصبر. إذا كانت صريحة معي كنت أمنت لها خصوصية عظيمة، بل لساعدتها في أن تتزوج ~~أيضا. بإمكان أمي أن تتزوج، ماذا يمنع؟! # كان وليد الجندي شخصا غامضا، هو أيضا من نوعية الكتاب الذين يصبح كل نصيبهم من ~~الإبداع كتابا واحدا لم يكتمل، أو بضع مقالات لم تنشر بعد، ثم يقضون بقية العمر في ~~التضجر، لوم الدهر، صب اللعنة على الحكومات، ضيق ذات اليد وفشل ms28 المشروع الوطني السوداني. في ~~الحقيقة لم ألتق به سوى مرات معدودات طوال سنوات علاقته مع أمي؛ لأن أمي تحرص ألا تكون لي ~~معه أية علاقة قد تقود إلى فضح تفاصيلها هي الشخصية. أمي أيضا كانت واحدة من الفريق. ~~اقترحت أنا للفريق أن ينضم إلينا وليد الجندي ... كانوا يعرفون أنه مقرب إلى أسرتنا الصغيرة، ~~لكنهم لا يعرفون تفاصيل علاقتنا به. رفضت أمي الفكرة في بادئ الأمر بحجة أن الفريق يجب أن ~~يكون مختصرا بقدر الإمكان حتى لا يفتضح أمره - كما أعلنت - وهو سبب غير وجيه. كانت تضمر ~~سببين آخرين مقنعين لم تصرح بهما. لكن عينيها برقتا سعادة عندما أقنعتها حكمة رابح بضرورة ~~أن ينضم إلينا الأستاذ وليد الجندي، حتما سيستفيد الفريق من حسه الروائي والنقدي، حيث يشاع ~~أنه ضليع في النقد الأدبي أيضا. # الاجتماع الأول كان في بيتنا. أنا وحكمة رابح علينا أن نجمع المعلومات عن مادة الميثانول ~~... كل ما يخصها من تفاصيل، معلومات مكتبية من الإنترنت عن طريق الأخ «قوقل»، معلومات ميدانية ~~عن أين وكيف يوجد هذا الميثانول في الخرطوم، ومدى سهولة أو صعوبة الحصول عليه. هذا قد يقود ~~إلى مصدره، بالتالي يضعنا وجها لوجه أمام المتهم الأول أو الخيط الذي يقود إلى المتهم ~~الأول. هذا إذا كان هنالك متهم في الأساس؛ لأن من نسميهم نحن بالجماعة أو الفرقة ونتهمهم ~~بالتسبب في قتل المتشردين كانوا هم أيضا يتهمون جهات شريرة أخرى - نحن بعض هذه الجهات - ~~ويعملون ليل نهار من أجل القبض عليها ووضعها في ميزان العدالة، وهذا يضع كل اتهاماتنا لهم ~~ليست سوى أوهام ويدرجها تحت نظرية التآمر، ما لم تكن هنالك معلومات جيدة، دقيقة ومؤكدة، لا ~~توجد حقيقة. الرأي الأرجح، أقصد الوسطي في الصحافة أن أحدهم سرق مادة الميثانول معتقدا ~~أنها أثينول وباعها للمتشردين بحسن نية، وغرضه من وراء ذلك الربح الحلال ... لا أكثر. # أمي ووليد مسئولان عن التحقيق مع وزارة الرعاية الإنسانية، وأن يتبعا في ذلك ما يستطيعان ~~من الحيل والمكر البشري، عليهما أن يعرفا ما هو الرأي ms29 الحقيقي لوزارة الرعاية الإنسانية في ~~هذا الشأن، وما هي الإجراءات التي اتخذتها. ويا حبذا لو تطرقا إلى سياساتها تجاه المتشردين. ~~الدكتورة مريم وباقي عليهما متابعة التشريح الجنائي الذي حدث للجثث، وأن يحاولا من ذلك ~~تحديد وقت تناول الميثانول. أما الباشا الذي لم يحضر الاجتماع لصعوبة الوصول إليه، فكان ~~عليه القيام بتحقيق صحفي شامل مع إدارة شرطة أم درمان محلية البقعة، أمين عام الرعاية ~~الإنسانية، المدير الطبي لمستشفى أم درمان التعليمي، الأحياء من الأطفال والمتشردين الذين ~~نجوا من الموت، وبعض منظمات المجتمع المدني. قلت لأمي، على خلفية نقاش طويل عن الحب ~~والحياة، مصائر البشر، عن الموت والجمال، أيضا عن العلاقة بين الرجل والمرأة، وقد ~~مررت إليها عدة تلميحات عن علاقتها بالجندي، وبدا لي أنها تعاملت مع تلميحاتي بتسامح ~~لم أعتده منها، مما شجعني على خطوة أكبر: أنا أدعوك الليلة للعشاء في سوق نمرة اتنين ومعانا ~~الأستاذ! # سألت مندهشة: منو الأستاذ؟! # قلت لها وأنا أنظر بزاويتي عيني في أم وجهها: الأستاذ الروائي. # لم أعرف أن أمي بهذا القدر من الخجل، إلا عندما عضتني في كفي، وقرصتني بشدة في خدي مثل ~~طفلة شقية تلعب لدميتها لعبة خشنة، وكنت أحس بها تريد أن تحتضنني وتبكي، لكن أمي لا تبكي، ~~على الأقل لم أعتد أن أرى دموعها، لكنها حولت طاقة البكاء إلى ضحكات مجلجلات. أنا التي ~~بكيت، بكيت بقدر ما ضحكت هي. # أمي ارتدت بنطالها الجميل الأزرق، ارتديت بنطالي الجميل الأزرق. أمي تحب قمصان القطن ~~البيضاء الخفيفة غالية الثمن. لبست بلوزة قصيرة بيضاء. لأن أمي قصيرة بعض الشيء؛ فإنها ~~تختار حذاءها ذا الكعب العالي الذي لديها منه الكثير المثير. الحذاء الرياضي # sport # هو الأنسب لي، يظهرني عملية، أكثر شبابا، أخف ~~وزنا، ويريحني في سير المشاوير الطويلة. أمي تحب المشي أيضا. بقيت كثيرا أمام المرآة ... ~~أخفت بعضا من توقيعات محن الأيام بوجهها. تستطيع أمي أن تجعل عينيها أكثر اتساعا بل ضعف ~~حجمهما الحقيقي عندما تحيطهما بقدر زائد من الكحل في زوايا تحددها بدقة. أنا تعلمت منها ms30 فن ~~وضع الكحل ولو أن مقلتي خلقتا جميلتين، تماما مثل عينيها. ساعدتني في تصفيف شعري، كما ~~تفعل منذ أن نبت لي شعر في رأسي، فهي لا تثق في إمكاناتي في تصفيف شعري، دائما ما تتهمني ~~بالعجلة والإهمال، وأنني أتعامل مع شعري كما أتعامل مع حذائي، ودائما ما تلومني على ~~التدهور الذي أصابه نتيجة لذلك. لكن الأغرب في الموضوع أنها لا تؤمن بغير طريقة واحدة ~~لتصفيفه، طريقة جعلتني أبدو في هيئة واحدة # LOOK # منذ ميلادي ~~إلى اليوم: خصلتان كبيرتان طويلتان تنحدران إلى نهاية العنق. تقول أمي: إنهما في الماضي ~~كانتا تصلان إلى منتصف ظهري، لولا أنني تمردت عليها مرتين وذهبت للكوافير مع صديقاتي: يوم ~~تخرجي من الجامعة، ويوم ميلادي العشرين. # عطرتني ... أبدت ملحوظة غامضة حول شفتي، قالت: إنني يجب أن أتزوج بأسرع ما يمكن، إنها ~~تريد أن ترى أحفادها قبل أن تموت. ذكر الموت هنا وهي في كامل زينتها، سابحة في عطر ~~برادا # BRADA # المحبب لديها، المقصود منه إثارة الشفقة ~~والتخويف، قد يعني أيضا أنها تريد أن تتزوج، وعزوفي عن الزواج هو عقبتها الكأداء، من ~~يدري؟ # | روح الخشب # أخذت حكمة رابح تستعرض علينا بصورة دراماتيكية، المعلومات التي تحصلت عليها - في الحقيقة ~~شاركنا جميعا في الحصول عليها - عن الميثانول. ابتدرت العرض بمقدمة طويلة مرحة، لا أظننا ~~نحتاج لكتابتها هنا؛ لسبب واحد هو أن مقدمتها تطرقت لما اعتبرناه هدفا إستراتيجيا لا ~~يمكن الإفصاح عنه. لذا، سنبدأ من هذه الجملة، وعذرا لبترها: ... ثم استطاع العالم روبرت بويل ~~بعد تجارب كثيرة فاشلة عزل الميثانول النقي عن طريق التقطير الإتلافي للخشب؛ أي حرق الخشب، ~~وتقطيره بمعزل عن الهواء، وذلك في عام 1661، أطلق عليه روح الخشب. في الحقيقة لم يكن هو ~~المقطر الأول للكحول، فقد سبقه العلماء العرب بسنوات كثيرة، ذكر الرازي تلك المسألة في كتاب ~~«الأسرار». الميثانول مثل رصيفه الأثينول «العرق» ينتميان إلى فصيلة «الكحول» - وهي كلمة ~~عربية الأصل نقلها عالم سويسري للغات الأخرى بذات أصلها - في عام 1834 تم تكوينه كعنصر ~~كيميائي وأخذ يعرف باسم ms31 الميثلين، ثم عرف باسم الميثيل، ذلك في سنة 1840 ولم يعرف باسم ~~الميثانول إلا في 1892، أقيم أول مصنع لإنتاج الميثانول في 1923 في ألمانيا. «سنتجنب أيضا ~~فقرتين طويلتين عن أسماء المصانع التي شيدت بعد ذلك والترتيب الزمني لها، وأيضا سنغض ~~الطرف عن عشرين اسما لعلماء طوروا صناعات خاصة بالميثانول والأثينول؛ لأسباب غير فنية ~~ولكنها خاصة بموضوع الرواية.» # نتيجة لقدراته الكبيرة في التفاعل مع العناصر الكيميائية، يعد الميثانول أحد العناصر ~~المكونة للكثير من المركبات الكيميائية والمنتجات ذات الاستخدام اليومي، ويمكن استخدامه ~~لأغراض كثيرة، بما في ذلك الصناعية، مثل: # صناعة اللدائن. # صناعة الأسبرين. # صناعة الألياف. # صناعة السليكون. # صناعة مطاط اليوتيل. # المبيدات الحشرية. # دباغة الجلود. # الصناعات البتروكميائية. # إنتاج ألياف البولي استر. # صناعة علب الأغذية والمشروبات وغيرها. # ويستخدم الميثانول في كثير من دول العالم الأكثر فقرا في غش الخمور؛ حيث إنه أرخص بكثير ~~من الأثينول. له تاريخ طويل من القتل والتسبب في حالات العمى، تليف الكبد، إتلاف خلايا ~~الجسم، التهاب البنكرياس، وغير ذلك من كوارث بشرية مؤلمة. # أما صنوه الأثينول فيدخل في صناعة الخمور المتنوعة. ويستخدم كوقود حيوي، قد يحل محل ~~البترول على خلفية ارتفاع أسعار النفط، على الرغم من أن له آثارا سالبة على البيئة لا ~~تقل عن الوقود الأحفوري، بل قد تكون أكثر ضررا؛ نسبة لسهولة امتصاصه في التربة ومزجه ~~بالهواء، وسهولة تفاعله مع عناصر كيميائية وعضوية أخرى. # لكن المعلومة الأكثر إثارة هي التي تحصلنا عليها من العم «قوقل». فقد كتب صحفي ساخر نفضل ~~عدم ذكر اسمه: في 11 يونيو 2009 افتتح مصنع لكحول الأثينول «العرقي البكر» وهو أول مصنع ~~لإنتاج الأثينول بأفريقيا، بالتالي الأكبر حجما. أنشئ بخبرات برازيلية لها باع طويل في ~~تقطير الخمور. وتشجيعا لهذه الصناعة المباركة تم إعفاؤها من الرسوم الجمركية، كل أنواع ~~الضرائب، الزكاة والعشور. ينتج مصنع كنانة 65 مليون لتر سنويا وطاقته القصوى تعادل 200 ~~مليون لتر في العام، بذلك يعد السودان أكبر الدول المنتجة للأثينول الذي يتم تصنيعه من ~~مخلفات قصب السكر والمنتجات المصاحبة لإنتاج السكر ms32 مثل المولاص، في مصنع كنانة العملاق ... ~~ينافس بذلك دولة البرازيل صاحبة أكبر مخزون منه في العالم. يغزو الأثينول السوداني اليوم ~~السوق الأوروبية المشتركة ، يفضل الأوروبيون إنتاجه في دول أفريقية بائسة فقيرة؛ نسبة ~~للمشاكل البيئية والاقتصادية المصاحبة لإنتاجه، فيستهلك إنتاجه 7٪ من الحبوب الخشنة في ~~العالم، و9٪ من الزيوت النباتية عالميا، 2٪ من الأراضي الصالحة لزراعة المحاصيل، وتعده ~~منظمات عالمية من المنتجات التي تهدد بصنع ندرة غذائية في العالم، بالتالي يطلقون عليه ~~المنتج الإجرامي. السوق الأوروبية المشتركة أكبر المستوردين للأثينول السوداني. # لا بأس أن نسهم كسودانيين في «تظبيط» الأمزجة الخواجاتية الراقية، ونعمل بصورة فاعلة في ~~تنشيط الأخيلة وهياج حالات العشق الأوروبي الرزين الأكثر فسقا وجمالا أيضا. ولا أظننا ~~سنخسر شيئا إذا زدنا من حوادث السير والجرائم الخفيفة التي يفتعلها السكارى العاديون بنسبة ~~ضئيلة لا تكاد تحسب. قد يلهم خندريسنا الطيب شعراء مغمورين في تأليف قصائد عظيمة، لا تقل ~~جمالا عن «الأرض اليباب» أو «أوراق العشب» أو كتابة روايات في عظمة «أطفال منتصف الليل». ~~كما أن هذا الخندريس الطيب سيزيد الصادر السوداني بنسبة 10٪ بذلك يتحسن الميزان التجاري ~~الوطني ... خاصة أن الموازنة السودانية العامة قد فقدت 90٪ من مواردها بانفصال الجنوب ببتروله ~~وموارده الغابية، وهما البقرتان الحلوبتان اللتان أرضعتا البلاد التي تعاني من سوء تغذية ~~منذ الاستقلال إلى أعوام كثيرة قادمة بإذن الله. (هنا سنضطر إلى حذف بعض الأرقام وجداول ~~الكميات التي توضح كمية الصادر السوداني من الأثينول للسوق الأوروبية المشتركة، كما أننا ~~سوف لا نتطرق للمسائل الاقتصادية البحتة، مثل: الميزان التجاري، التحويلات الائتمانية ~~والنمو الاقتصادي الخاص بمسألة التبادل التجاري المحدد مع السوق الأوروبية المشتركة، يمكن ~~الحصول على ذلك عن طريق معامل البحث «قوقل».) # أمي ذكرتني بأمر مهم. وهو أن صناعة الأثينول في السودان تجذرت عميقا في المجتمع ~~السوداني، لكنها بدأت بقدماء النوبة الذين يستخدمونه في شكله الخام في التحنيط، العلاج ~~والنظافة، وذلك قبل آلاف السنين. ثم دخل مرة أخرى كخمور أكثر نقاء عند اتفاقية البغض - ~~البغط - التجارية، التي وقعت ما بين جدودنا النوبة والعرب المسلمين، ms33 الذين جاءوا ~~بقيادة عبد الله بن أبي السرح، في محاولتين فاشلتين لاحتلال بلاد النوبة الغنية بالذهب ~~والعاج؛ حيث إنه من بنود الاتفاقية أن يقدم العرب المسلمون إلى النوبة الوثنيين قدرا ~~كبيرا من الخندريس «الأثينول» وقناطير مقنطرة من العدس والتوابل سنويا، مقابل بعض ما ~~تنتجه بلاد النوبة من خيرات. ولم ينقطع تصنيع الأثينول بعد ذلك محليا، فالنساء العربيات ~~المهاجرات لأرض السودان بحثا عن المراعي وهربا من الجفاف، كن الفداديات الأوائل؛ حيث إن ~~آلاف اللترات تصنع يوميا عن طريق حفيداتهن الوريثات الحديثات للتقطير، وهن صانعات: عرق ~~البلح، العيش، الجنزبيل، الجوافة والمولاص. والعرق كما يعرفه الجميع عبارة عن الأثينول ~~مضافا إليه الميثانول. الفداديات الخبيرات يستطعن أن يفصلن بين الاثنين، وذلك في مراحل ~~التقطير المختلفة؛ حيث يطلقن على الأثينول النقي الأكثر قيمة اسم: العرق البكر، السكوسكو، ~~أو السيكو، تيمنا بتلك الساعة السويسرية الجميلة الأنيقة الدقيقة، وهو ينتج أولا عندما ~~تصل درجة حرارة المادة موضوع التقطير 73، ثم بعد ذلك ينتج العرق التني؛ وهو الميثانول ~~والأثينول مختلطان معا، مع كثير من الشوائب والغازات بعضها سام جدا. # حكت لي والدتي قصة غريبة وقعت بين قاض وشرطيين ومقطرة أثينول بلدي؛ حيث قبض على امرأة ~~ذات حملة شرطية ضد المشروب الأكثر جماهيرية لدى الندماء في السودان، وجد عندها الشرطيون ~~النبهاء الأتقياء الناهون عن مثل هذه المنكرات والآمرون بالمعروف، زجاجتين من العرق السيكو؛ ~~أي الأثينول النقي. قدمت للمحكمة، معها المعروض من الخندريس. كانت الفدادية من الذكاء ~~بحيث إنها تبينت أن لون العرق المعروض أمام القاضي مختلف عما هو في الواقع، وظنت أن ما ~~يعرض الآن أمامها ليس هو العرق السيكو الذي أنتجته بيدها الماهرتين وبخبرة عشرين عاما، ~~وقبل أن ينطق القاضي المتعجل بالحكم قالت له: ممكن كلمة يا مولانا؟ # قال لها من خلف نظارته السميكة، وقد ترك العبث بالقلم في الأوراق الداكنة اللون: تفضلي يا ~~ميمونة، إذا كان عندك كلام، قوليه. قالت له وهي تشير إلى قارورتي العرق اللتين تقبعان في ~~ركن قصي من المحكمة: العرقي ده ما حقي. # فانتهرها ms34 الشرطي الشاهد ومحرر البلاغ بأن هنالك خمسة شهود آخرين سوف يحلفون قسما على ~~المصحف: ورقة ورقة وآية آية، على أن هذا العرق قد تم ضبطه في بيتها وبحضورهم شخصيا ~~وحضورها هي ... شهاداتهم مسجلة، قرأها القاضي. قالت له بعدما انتهى من تلاواته: أنا اسمي ~~ميمونة سكوسكو يا مولانا! وخوفا على سمعتي يا مولانا واسمي؛ ما بعمل عرقي زي ده بدون ~~مؤاخذة يا مولانا. # مشيرة إلى القارورتين الحزينتين القابعتين في ركن قصي من المحكمة تنتظران تنفيذ الحكم ~~الرادع عليهما وعلى سيدتهما. # قال لها مولانا بحكمة، وهو يعطيها انتباه عدالته كله: ما فاهم، ممكن تشرحي أكتر؟ # قالت له، وهي ترمي ساعديها المثقلين بالذهب الفالصو في الهواء. فيصدران شخشخة خشنة مثل ~~كشيش جرس صدئ: العرقي الأنا بعمله يا مولانا. إذا كشحته ما بيصل الواطا بيتبخر في الهواء ~~قبل ما يصل الأرض، وإذا أشعلت فيه قشة كبريت يولع زي السبيرتو والعالم كله عارف الكلام ده، ~~وجربه يا مولانا. أنا العرقي بتاعي يا مولانا يولع الرتينة. # وأمر القاضي الشرطي باختبار العرق، لم يتبخر لم يشتعل، لم تكن به رائحة العرق المتميزة، ~~بل كان ماء نقيا طهورا حلالا، صالحا للشرب الإنساني، لا مذاق، لا لون، لا رائحة، لدرجة ~~أن القاضي بلع منه بقة كبيرة استقرت في معدة جلالته بكل سلام وبركة، فقام حضرته بشطب ~~البلاغ ضدها على الفور، وطالب بتحرير آخر في حق الشرطيين اللذين قبضا عليها، بتهمة تزييف ~~الأدلة، وهو يقصد بينه وبين نفسه: تهمة شرب العرق، وهي تهمة يصعب على الادعاء إثباتها ~~ويستحيل على المتهمين الشرطيين نفيها! # | الفقيه المتشرد # أمي تحبني أو هذا هو خيارها الوحيد، فليس لدي إخوة أصغر أو أكبر يقاسمونني حبها، كنا ~~أنا وهي فقط في هذه الحياة. أنا أيضا أحبها، هذا لا يمنع الشجار اليومي الذي يجري بيننا ~~واختلاف وجهات النظر في أشياء جوهرية ومهمة. مشكلة أمي لا تتحمل السرعة التي أغير بها رأيي ~~في القرارات التي قد أكون اتخذتها بكامل وعيي وإرادتي. والشيء الآخر هو أن أمي تتدخل في ~~كل ms35 صغيرة وكبيرة تخصني بل الأشياء التي تخصني وحدي، كتصفيف شعري أو فرده، تعاملني كطفلة غير ~~راشدة، هذا هو السبب المباشر الذي يوتر العلاقة بيننا . قد كنت أصر على أن يبقى بقا الليلة ~~في البيت، أن يبيت بالديوان، وجهة نظرها ألا يبقى رجل مع سيدتين لا تربطه بهما وشائج شرعية: ~~يقولوا الناس علينا شنو؟ ~~- أنا يا أمي لا أهتم بما يقول الناس. # ترد مستخدمة طريقتي نفسها، مع التأكيد على كلمتي أهتم والناس، ربما نطقتهما مستخدمة ~~أسنانها: لكني يا سلوى، أنا أهتم بما يقول الناس. # قلت لها همسا: نحن ماشين نشوف المتشردين في الحديقة، وحنجي وننوم هنا في البيت، والبيت ~~ده بيتك زي ما هو بيتي وبيت أبوي. # قالت بكل برود، بذات درجة الصوت الهامس في أذني، وهي تقبض على رأسي بشدة كأنما لو أنها ~~أطلقتني سأهرب قبل أن تكمل جملتها: أبوك لو كان عارف بنته بتطلع زيك قليلة أدب كان «قتلك»، ~~قتلك قبل ما يموت. # قلت لها، قد ملئت غيظا: كويس، أنت ليه ما قتلتيني؟! # قالت وهي تحملق في عيني: أنا لا أقتل الذباب والحشرات. # لحسن الحظ عبد الباقي لم يكن قريبا ليسمع شتائمنا، كان بالديوان وكنت وأمي بالمطبخ، ~~عندما تصل أمي لهذه المرحلة من إطلاق الشتائم أفضل الانسحاب؛ لأنني لا أستطيع أن أحمي نفسي ~~من أسلحتها الشريرة التي تبدأ بالقذف بآنية المنزل، لا يعلم غير الله ما يكون آخرها! # خرجنا - أنا وبقا - استقللنا المواصلات العامة من بحري المحطة الوسطى إلى ميدان الشهداء، ~~إلى الحديقة. عبرنا أمام بيت جدنا الخليفة عبد الله التعايشي، لم تكن لدينا - الاثنين - ~~رغبة في ممارسة الجنس، ولو أن كلينا نظر إلى البيت الأثري الجميل في تشه، كان يشغل ~~جسدينا وروحينا الأطفال والمتشردون المعرضون للتصفية. حيانا الرسميون الذين يحرسون بوابة ~~بيت الخليفة. قد تكون القطط سعيدة الآن في حجرتنا، قد تتوسد مخداتنا ولحافنا اللذيذ. كانت ~~الحديقة المهجورة صامتة كعادتها، دخلناها بحيث لا يرانا أحد، خاصة رجال الشرطة. لم نجد ~~الأطفال الآخرين. شممنا رائحة الجثة المتعفنة منذ ولوجنا ms36 حوش الحديقة، عندها أصررنا على ~~الدخول سريعا. كانت الرائحة تجذبنا للداخل على الرغم من أنها لا تطاق. وجدنا جثتين لطفلين ~~آخرين متعفنتين، في الحجرة شبه المظلمة، تحرسهما جيوش من الذباب والجرذان، كان طنين الذباب ~~مرعبا. ونحن نتعمق في الحجرة المهجورة وجدنا آخر يحتضر يطلب الماء، بين حين وآخر يردد في ~~صوت حزين: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. يرتل سورة من القرآن ~~لم نتبينها، لكننا كنا متأكدين أنه يقرأ سورة ما. يطلب جرعة ماء، ثم يردد الشهادة مرة ~~أخرى. كان شبه مشلول ... شبه ميت ... شبه نبي ... شبه إنسان! # بغير أي تحفظ، في لحظة واحدة حملناه خارج المكان، أنا من جهة الرأس، باقي من جهة الساقين. ~~كان ثقيلا، طويلا كث الشعر، باردا وثرثارا مثل ببغاء. أحضرنا له ماء، رفع رأسه، نظر ~~إلينا، قال بصوت متحشرج: عايز آكل، أنا جيعان حاموت من الجوع. # أصابتنا الحيرة البالغة في أسلوب التعامل مع حالته، كان الخوف هو السيد الأساسي والوحيد ~~للموقف. العفنة تطل علينا بعنقها القذر من داخل الحجرات، شبح الجثث يطاردني ... يرتسم في كل ~~شيء أنظر إليه. كانت عيونهم البارزة للخارج تحملق في طوال الوقت ... أصبت بحالة من الغثيان. ~~المتشرد الطويل يثرثر في همس غير منقطع، يقرأ ما يمكن أن نطلق عليه كلاما مقدسا ... وهو ~~يحتضر في صورة دراماتيكية. يرجونا بإصرار إنساني ومحبة في البقاء عنيفة، أن ننقذه! نخاف ~~أيضا على أنفسنا من السجن والمساءلة؛ حيث بالإمكان أن تلفق في حقنا أي من التهم ذات ~~المعيار الثقيل. كنا كما هو واضح ومعروف أننا نخشى من فرقة الموت. لم نرهم ... لم نحتك بهم، ~~لكنهم كانوا دائما ما يفيخون في وعينا ويشعلون عشب المخالفات في ذواتنا ... نتخيلهم يطوفون ~~حولنا مثل فريق من الشياطين. إنهم دائما موجودون في مكان ما في الوعي أو خارجه. إذا كان ~~لدينا المال لكان تصرفنا مختلفا، فالمال - كما يقولون - نوع من التفكير. كنا في قارعة ~~الطريق ويسهل القبض علينا؛ لأن الجثة التي لا تكف ms37 عن الثرثرة ترقد ممددة على الأرض في وضع ~~شاذ ومفضوح. قمنا بتغطيتها بجوال فارغ من الخيش عثر عليه عبد الباقي في المكان. قبل يومين ~~أقام بعض السياسيين الرحماء مأتما للعزاء في بيت كبير وثري، تحدثوا فيه عن المتشردين بحب ~~وعاطفة جياشة. قد بكى البعض على الظلم الذي حاق بهم وحقهم المسلوب في الحياة الكريمة. كنا ~~هناك، تعرفنا برجل ذي مال وعاطفة، رجل شحيم بدين نظيف، تفوح من جوانبه فابريقات كرستيان ~~ديور، قال لي إنه سيقدم لنا كل ما يستطيع من مساعدة طالما كنا نخدم المتشردين طواعية: أنا ~~مهتم شديد بموضوعهم، لا بد من تصحيح وضع المتشردين في السودان. # قمت بالاتصال به عبر جواله، جاء صوته هادئا منسابا رقيقا من الجانب الآخر، بلغني ~~شوقه في كلمات عشر ثقيلة، وأنه سأل عني كثيرا، وفي باله محاولة مبيتة للاتصال بي ودعوتي ~~لوجبة في مكان سوف أختاره بنفسي. لم يسألني لم اتصلت به، ولم يعطني فرصة لقول ما أريد ~~قوله، إلى أن نفد رصيدي القليل جدا من الدفع المقدم وانتهت المكالمة إجباريا. لكنه اتصل ~~بي مرة أخرى سريعا قائلا: إنه سيدخل في اجتماع بعد قليل مع مسئول كبير، سينتهز الفرصة ~~ويناقش معه موضوع المتشردين، سيتصل بي لاحقا، ربما بعد الاجتماع مباشرة: تسلمي يا ستي، باي ~~باي! # أخذ منا سائق التاكسي كل ما لدينا من نقود، وهي ليست كثيرة. أمي كانت أكثرنا حركة وقلقا ~~على صحة المتشرد المريض، واتبعت معه طريقة للإطعام تقول: إنها الوحيدة التي تنفع مع شخص لم ~~يتذوق الطعام منذ أيام. كل ما يعاني منه كان ألما في المعدة حادا ... أعطيناه جرعة كبيرة ~~لا نعلم مقدارها العلمي من الفلاجيل، وهو الدواء الذي نتناوله في البيت لكل الأمراض التي ~~تصيبنا في الأحشاء؛ حيث إننا لا نستطيع أن نفرق ما بين ألم المعدة، ألم المصران، والمغص ~~الكلوي. صنعت له أمي كوبا كبيرا أيضا من الحلبة. سألناه ما إذا كان يشعر بصداع؟ قال: إنه ~~يريد أن يأكل لا أكثر. التهم كل ما يستطيع بلعه مثل ms38 تمساح بشري. أعطته أمي إحدى جلابيب أبي، ~~بعد أن استحم جيدا. رمينا بلباسه، بنطاله وفانلته الداخلية الممزقة التي تفوح منها رائحة ~~نتنة بعيدا ... تم استبدال كل شيء. كان شابا وسيما نحيفا تبدو على وجهه بعض التقرحات ~~بفعل المرض أو الشجار اليومي ... عيناه ضيقتان محمرتان ... كان يبتسم بصورة متواصلة حتى ظننا ~~أنه أبله. قال إنه لم يتناول الأسبرت أو أيا من المخدرات في حياته، ليس حتى التمباك ~~والسجائر. وقال إن والده أودعه خلوة في ضواحي كردفان، وأنه هرب منها وعمل مساعدا في شاحنة ~~لوري إلى أن وصل أخيرا إلى مدينة أم درمان، التي كان يعلم أن بها أحد أقاربه. بحث عنه ولم ~~يجده؛ لأنه كان يظن أن ذلك سهل، فأم درمان في مخيلته لم تكن سوى قرية كبيرة. وهكذا بات ~~يومها في الطرقات ثم يومين ... إلى أن أصبح بلا نقود. ثم تعرف على أطفال ورجال وبنات الشوارع، ~~ثم صار واحدا منهم. هو الآن زعيم لكل المجموعة التي تقيم حول موقف الشهداء وعمارة ~~المتشردين، قد حصل على شهرة عظيمة في المعركة التي دارت بين مشردي سوق أم درمان ومشردي ~~الشهداء؛ حيث كان أول من استخدم النبلة في مثل تلك المعارك. يسمونه: «الفكي»؛ لأنه كان ~~الوحيد بين كل المتشردين الذي يحفظ بعض سور القرآن ويعرف كيف يتوضأ، ولو أنه لم يتوضأ أو ~~يصلي في حياته كلها. كان يصنع التمائم والأحجبة لأصحابه، ويعرف كيف يلقن الشهادة للمحتضرين ~~منهم؛ حتى يموتوا على ذمة الإسلام ويدخلوا الجنة. كانت بساقه اليسرى علامة لجرح كبير ... بل ~~قطع بسكين أو آلة حادة، تجنب الخوض فيما هو وراء ذلك الأثر. # في الحقيقة أنا لست خالية ذهن تماما عن ماهية هذا الفقيه المتشرد، فعملي في مجال ~~المتشردين جعلني أعرف الكثيرين منهم شخصيا وأسمع عمن لم ألتق بهم، وخاصة إذا كانوا ذوي ~~سمعة متميزة وخطرة مثل هذا الفقيه المزيف، الذي يرقد في ديواننا الآن بعد أن نجا بحياته ~~وألف قصة روت كيفية وصوله إلى أم درمان طازجة قبل قليل. ربما تكون هي ms39 قصة متشرد حقيقية ~~رواها له في يوم ما. هذا الذي يعرف بالفكي أخطر متشرد مر بمدينة أم درمان، مغتصب، سارق، ~~كاذب، قاتل، وعلى ذلك كله يمارس الدجل والشعوذة. كان بقا أيضا قد تبين أننا قد أنقذنا ~~حياة متشرد كبير، زعيم لا يشق له غبار، رجل صال وجال في شوارع المدن الثلاث. الشيء المحير ~~فعلا هو أن متشردا بكل تلك السمعة لم لم يحاول أن يغير من واقعه شيئا، وكيف ~~حاصره الموت في ذلك المكان المهجور العفن؟! إذن، هل صحيح ما قاله إنهم كانوا يقصدونه هو ~~بالذات: ليشنو (لماذا)؟ # لأي مدى يمكن الاستفادة منه في مشروع التحري؟ عندما مشي على قدميه، بعد أسبوع بأكمله حيث ~~لاحظنا أنه يمشي بعرج طفيف نتيجة لقصر في رجله اليسرى. لاحظنا أيضا أنه أطول بقليل مما ~~رأيناه في بادئ الأمر وأكثر نحافة، بجسده ندب صغير، جروح متعددة مبعثرة في وجهه وكتفيه. ~~لكنه تحدث بفصاحة قبل أن يتمكن من المشي بأيام كثيرات، أقصد منذ اليوم الأول؛ حيث إنه ~~استطاع أن يثرثر ببراعة مع أمي، وباءت محاولاته بالفشل في إقناعها بأنها مريضة نتيجة عمل ~~شرير فعل بها، وأنه «فكي» عالج ويعالج المرضى عن طريق القرآن، ورتل عليها سورة يس من ~~ذاكرته. أمي، أنا وبقا كنا نعرف أنه إنما يريد أن يقدم شيئا لنا ولأمي بالذات مقابل ~~رعايتها المتفردة له ... لم ينج أيضا من تهمة التكسب. أمي تفعل كل شيء بحب، تقول: إنها لا ~~تقوم بعمل أي شيء ما لم تشعر بالحب. # تمشى قليلا، احتسى قهوة طيبة صنعتها له أمي. قال وهو يضغط بكف يده اليسرى، على عنقه ~~النحيف الذي تغطيه شعيرات الذقن الكثة، إنه يريد أن يقول لنا الحقيقة وراء حياته. لقد كذب ~~علينا في بادئ الأمر، وحكى لنا حكايات سمعها من بعضهم، وهي الحكايات الرسمية وراء كل متشرد، ~~يحكونها للشرطيين وللقضاة إذا مثلوا أمامهم في محكمة، للباحثين الاجتماعيين وموظفي المنظمات ~~العاملة في المجال. ~~- أنا بخاف من الناس، لكن أنتو ناس طيبين أنقذتوا حياتي. # أنجبته أمه على مسطبة ms40 خلف مباني السينما الوطنية بالخرطوم بحري قبل ما لا يقل عن ثمانية ~~وعشرين عاما - وهذا بالتخمين - بعد انتهاء العرض السينمائي بقليل، قبل أن يغادر رواد ~~السينما شارع السيد علي الميرغني. لقد شهد ميلاده مئات الأفراد ... كان ميلادا طليقا ~~وحرا، على الهواء مباشرة، تماما مثل ميلاد الحملان! تبرع ممرض رحيم - كان قد صحب حبيبته ~~الجميلة للسينما عرض في هذا اليوم - بقطع حبل السرة والتخلص من الملحقات المصاحبة للولادة. ~~أرضعتني أمي في الفور، هكذا كانت تقول له دائما: أنت مولود جيعان! حتى آخر مرة رآها فيها، ~~كانت تكرر له الجملة نفسها، وسيظل جائعا طوال عمره؛ لأن كلبا ضالا قد أكل المشيمة خاصته ~~... خطفها من قرب أمه الدائخة التي كانت تنوي أن تقوم بدفنها عند باب السينما متى ما أفاقت من ~~خدر الولادة. على الرغم من أنه كان أول المواليد، إلا أن أمه في ذلك الوقت عمرها اثنا عشر ~~أو ثلاثة عشر عاما، لكنه يصر على أن عمرها كان ثماني سنوات أو أقل. دكتورة مريم أكدت لنا ~~أن ذلك مستحيل لأسباب علمية؛ حيث إن الرحم لا يكون قد اكتمل عند الثامنة. الشيء الآخر ~~والأهم هو: من عرفه أن أمه كانت في الثامنة؟ كيف عرفت أنها في الثامنة؟ لقد شاهد بأم ~~عينيه طفلات صغيرات في أقل من الثامنة من عمرهن يمارسن الجنس في الأوكار ومجاري مياه الخريف ~~باستمتاع، بل يمتهن الدعارة ويكسبن منها الكثير، وإنهن يحبلن ويلدن ويرضعن أطفالهن! هو نفسه ~~قد مارس الجنس مع بعضهن، ليلا ونهارا، في الأجحار والأوكار وقارعة الأزقة الخالية من ~~المارة في منتصف الليالي المظلمة، أينما اتفق وصادف أن اختلى بواحدة منهن. لقد حكى لنا فيما ~~بعد أن أمه ذاتها ولدت في أحد شوارع أم درمان من أم طفلة، أنجبتها ثم ماتت مباشرة بعد ~~ميلادها ... وهذا قضاء وقدر لا أكثر. إذن، من عرفها بتاريخ ميلادها؟ ولو أن هذا المنطق ~~أيضا يمكن الرد عليه وتفنيده بكل بسهولة. تربى في كل الشوارع بدون فرز. يعرف كل الأمكنة ~~بالعاصمة ذات المدن الثلاث ms41 بأسمائها، يحفظ تاريخ كل مبنى، حديقة، حفرة، وكوشة، بل يستطيع أن ~~يقول: إن أول مالك عربة في الشارع الفلاني كان اسمه فلان الفلاني! هذا الرجل النحيل ~~الطويل ذاكرة للمكان لا يستهان بها. ثم حدثنا قائلا: أنا أول زول باع الأسبرت في ~~الخرطوم للشباب. وحياتي ما شربته ... قلبي أباه كلو كلو (نهائيا) ريحتو بتعمل لي ~~طمام. أنا لا أدخن ولا بشم ولا بسكر بس لو ربنا هداني من الشغل داك! تاني ما عندي ~~مشكلة. # سألته مستفسرة: الشغل داك شنو؟ # قال دون إحراج وهو يبتسم وينظر إلي في وقاحة: اللقو! # واللقوية هي كل ما يمكن أن يمارس معه الجنس وتطلق على المذكر والمؤنث ... على امرأة، ~~رجل، أو حيوان. وهي مفردة شائعة في لغة المتشردين المسماة بالرندوك. ويستخدمها أيضا أنصاف ~~المتشردين وبعض العاملين في الأسواق والمهن الهامشية، ونحن الناشطين مع المتشردين. # قال إنه حفظ كل الذي حفظه من القرآن من صلاة الجمعة وبعض القراء العرضيين الذين يوجدون ~~هنا وهنالك، يقرءون القرآن وينتظرون الناس أن يضعوا في مواعين فارغة أمامهم بعض المال، مال ~~يتراكم يوما بيوم إلى أن يصبح في يد البعض ثروة طائلة: في واحد بنى بيتا وعنده عشرين ~~ركشة! # كان بإمكانه أن يصير شحاذا من تلك الفئة القرآنية التي تثري بسرعة، إلا أنه لا يمكنه أن ~~يكون طاهرا طوال الوقت، والقرآن يحتاج لطهارة. اعترف فيما بعد أنه عمل في مهنة شحاذ قارئ ~~للقرآن لما يقارب الشهرين على أسوار الجامع الكبير بالخرطوم، لكنه أصيب باللعنة وبدأ جسده ~~يصدر رائحة أشبه ببول الكلب، كبر القمل برأسه حتى أصبح في حجم الصراصير، قد بصق في مرات ~~كثيرة ديدان كبيرة في حجم الأصبع من فمه، وأقسم أن ثعبانا حيا خرج من دبره. عرف أن ذلك ~~حدث له؛ لأنه كان يتلو القرآن في نجاسة، وهو لا يستطيع أن يتحكم في أمر نجاسته؛ لأنه لا ~~يستطيع التحكم في ممارساته الجنسية الضالة. في اعترافه المشين للسمعة الإنسانية، قال: إنه ~~يمارس الجنس مع كل الأنواع، نساء ورجالا، أطفالا وطفلات وبعض ms42 الحيوانات الأليفة مثل ~~الكلاب والمواشي، قد لخص عبد الباقي ذلك قائلا: مع كل ذي دبر! # كان يستطيع أن يحفظ كل ما يسمعه دون أن يعرف ماذا يعني ذلك عن ظهر قلب! واختبرناه. أخذ ~~يكرر لنا كلاما علميا قالته دكتورة مريم - بنسبة ثمانين بالمائة - وكأنه محاضر جامعي ~~في علم الأحياء الدقيقة، أو ببغاء آدمي كبير. أسمعنا من الذاكرة مباشرة - هو لا يقرأ ولا ~~يكتب - خطبة صلاة جمعة كاملة. كنا نكتشف فيه شخصية غريبة ومدهشة لإنسان إذا كان قد وجد ~~قليلا من الرعاية والإرشاد النفسي؛ لأصبح اليوم شخصية مختلفة، على الأقل فقيها دينيا، ~~أو كما قالت دكتورة مريم: خطيبا سياسيا ماهرا. أضافت: إن هذا الفكي قد يكون ذكيا ~~جدا أو في غاية الغباء، من يدري؟! ابتدرنا الحوار في موضوع الإسبرت، ونحن قد تعبنا من ~~حكاية بطولاته التافهة، التي نعدها نحن غير إنسانية وفي غاية الوحشية والقرف. # مصادر الأسبرت (الأثينول) كثيرة ومتعددة. قال: أهمها: دكاكين تركيب العطور. # قال له بقا مؤكدا: نعرف هذا المصدر. # قال وهو ينظر في عمق عيني بقا، وفي فمه ابتسامة مربكة: ستات العرقي! # قال له بقا: نعرفهن برضو. # قال: الأسطى! ~~- من هو الأسطى؟ ~~- اسمه الأسطى. ~~- وتاني؟ ~~- ما عنده اسم. ~~- وتاني. # قال: الصياغ بتاعين الدهب والفضة. ~~- وتاني؟ # قال: أمي. ~~- أمك؟ ~~- أيوا ... أمي، يجيبه ليها الأسطى براو «بنفسه». ~~- وتاني. # قال ضاحكا: أنا. # كان يبتسم كثيرا، بصورة حسبناها في بادئ الأمر مرضية، لكننا قليلا قليلا تعودنا ~~عليها وفهمنا أنها ليست سوى حيلة لتلطيف اللغة الخشنة التي يعبر بها عن الأشياء. يحب أن ~~يتحدث عن كل شيء ... يخاف من شيئين: الموت والشرطة. وهو في ذلك مثلنا جميعا. إلا أنه اعترف ~~لنا طواعية بجريمتي قتل قام بهما وعشرات جرائم الاغتصاب. وهو لا يسميها اغتصاب، بل يطلق ~~عليها سيطرة، وقال: إنها سنة الحياة؛ راكب أو مركوب! # في الحقيقة استخدم الفكي كلمتين بذيئتين تافهتين وهما: «ظاعط أو مظعوط»، لكننا ~~استبدلناهما بتلك الكلمتين المحترمتين مراعاة منا للذوق العام وحساسية المصنفات الأدبية ~~المفرطة وخصوصية الشعوب الرسالية الطيبة، مثل ms43 شعبنا السوداني. على كل، الفكي يفضل أن يكون ~~الأول، لكن في ظروف كثيرة في هذه الشوارع اللعينة المظلمة، وخاصة في صباه الباكر، كثيرا ما ~~كان الثاني! ~~- والمشكلة شنو؟ # والآن يبدو أننا تعرفنا على خمسين مصدرا للميثانول والأثينول في المدن الثلاث ... الخرطوم، ~~بحري وأم درمان. والفكرة الحكيمة التي أتت بها أمي هي أن نصطحب الفكي معنا لنرى أمه ونتحدث ~~معها بشأن الأسطى. من اسمه يبدو أنه ذو أهمية بالغة، وظننا أنه مفتاح اللغز. بعد أن اشترينا ~~له ملابس جديدة وحذاء جديدا جميلا ... أخذناه للحلاق الذي قام بإزالة شعر ذقنه ورأسه كله ~~حتى ينمو له آخر خال من بيض القمل والبراغيث، وحف شاربيه بعد لأي، فالشاربان دليل الرجولة. ~~قام بنفسه بنظافة جسده الشخصية ... تعطر جيدا وخرجنا. كان يمشي بسرعة أمامنا، وهو يتحسس ~~ملابسه من وقت لآخر ... يبتسم لنا ابتسامته المريبة تلك. عبرنا أزقة كثيرة في سوق أم درمان. ~~كان يتوقف فجأة عندما نمر بمزبلة كبيرة. وكم مرة منعه بقا من تناول بعض المرميات على الأرض! ~~كان يقول أنه يفعل ذلك دون شعور منه ... وأن رائحة المزبلة تجذبه إليها. للمزبلة رائحة متميزة ~~ورحيمة، أستطيع أن أشم من بعد كاف رائحة ما يمكن أكله وهو مرمي بإهمال في كومة الأوساخ ... ~~لولا هذه المزابل الرحيمة لماتت أمم من البشر. كنت أتوقع أن تقع عيني على أمه بين وقت لآخر ~~... في ركن ما ... في زاوية ما من الطريق، لكنني لم أنتبه إلى أنه لا يوجد متشردون في الشوارع. ~~أم درمان في هذه الأيام أصبحت مثل مدينة فاضلة، خالية من الشحاذين، المتشردين، والمتسكعين ~~الكثيرين الذين كانت تذخر بهم وتجمل وجهها الفقير الخشن بسحنتهم البائسة! في حقيقة الأمر، ~~المدينة نفسها مثل متشرد مهمل فاقد الرعاية الأسرية، بائل في نفسه متبول على غيره، مخبول ~~وأعمى. أخذت أحس بالخوف الفعلي. ولجنا ممرا مظلما - أو يكاد أن يكون كذلك - يقع خلف سوق ~~أم درمان، عند زقاق المباول العامة، كانت رائحة المكان لا تطاق، تحتلها أنفاس الفضلات ~~الآدمية والحيوانات النافقة التي ترى ms44 هنا وهنالك. أمام مجرى مائي شبه مغلق، طلب منا أن ~~نتوقف ونتركه يذهب وحده. قلنا له عليه ألا يخشى شيئا من جانبنا! قال: إنهم يخشون ... كما ~~أننا الآن جنب المكان. جلسنا على الأرض كما طلب منا؛ لكي لا نرى منذ الوهلة الأولى. تقدم ~~بضع خطوات ثم أطلق صفيرا ناعما ثلاث مرات وصمت. بعد دقيقة أو أكثر أو أقل سمعنا صفيرا ~~آخر. ثم رد الفكي بصفير؛ فانفتح غطاء مجرى لتصريف مياه الأمطار وخرج منه طفلان صغيران ~~أشعثان عاريان تماما كأنهما إبليسان صغيران من رسومات الفنان الإسباني بول كلي ... جريا نحو ~~الفلكي وتشعبطا في يديه الطويلتين. قال مبتسما: ديل أولادي حسكا وجلجل. # لم نسأله أيهما حسكا وأيهما جلجل، فلقد كانا يشبهان بعضهما البعض مثل عملتين من فئة ~~واحدة. # بعد قليل خرجت شيطانة كثة الشعر ... بل لها شعر طويل يصل إلى منتصف ظهرها، متسخ وملتف على ~~ذاته. لونها يميل للصفرة، صغيرة عجفاء مثل جرو أجرب جائع. قفزت مباشرة في كتف الفكي الطويل. ~~باسها في وجهها المتسخ قائلا لنا: دي بتي نونو. # نظرت إليه باستغراب أو إعجاب، أو ربما بتساؤل، ثم عضته في عنقه النظيف المعطر بشدة. صرخ ~~في صوت قبيح مرح: حبوبتكم جريوة وين يا عيال الكلب؟ # قال الطفلان معا في آن واحد: اتلحست (ماتت). ثم أضافت نونو بصوت خمير: دقست واتلحست، ~~شالوها الإرا (البوليس) ميتة يوم الجمعة. # لم يظهر على وجهه النظيف أي أثر للحزن، الصدمة أو المفاجأة، وكأنه سمع نشرة أخبار الأرصاد ~~الجوية التي لا يفهم فيها شيئا. # قلت له معزية: البركة فيكم! # وتقبل التعازي من الجميع. لم يبك ... لكنه أخذ يحزن تدريجيا في صمت قاتل، أو كما ظننت. لم ~~يسأل عن شيء، مضى وأبناؤه معلقون على كتفيه وظهره. مر أمامنا ونحن جالسون كأننا لم نكن ~~هناك. خرج من الزقاق، خرجنا خلفه. كان منظرا غريبا وشاذا، رجل يرتدي ملابس جميلة جديدة ~~زاهية، نظيف حليق الرأس، الذقن والشارب، يفوح من بين جوانبه عطر # hope ~~، على ظهره وكتفيه أطفال في غاية الاتساخ والبشاعة، ms45 ~~يصيحون مثل دجاجات بلدية شمت فساء ثعلب ... اثنان عاريان تماما، صبية تلبس ما لا يستر ~~ولا يعري، مزقا شديدة الاتساخ، بها عفونة جثة قط نافق منذ أسبوع، شعرها الكث الغريب يغطي ~~كثيرا من عريها. وقبل أن ينتبه إليهم من يمكن أن يؤلمهم، قمنا بحشرهم في عربة أجرة. ~~انطلقنا نحو منزلنا في الخرطوم بحري، احتج كثيرا سائق العربة على الروائح التي لا تطاق، ~~وكان يمضي في الشوارع بسرعة عالية، يريد أن يتخلص من شحنته بأسرع ما يمكن، كما أنه لم يستطع ~~أن يخفي جنون حب الاستطلاع عنده، وكان يسأل كلما وجد فرصة لذلك، ماذا نريد أن نفعل بهم؟ إلى ~~أين نأخذهم؟ وهل نحن جهة حكومية أم منظمة؟ هل سمعنا بقصة الأطفال الذين ماتوا بالإسبرت؟ هو ~~شاهد جثتين قبل يومين في زقاق في السوق الشعبي بأم درمان، رآهما في الصباح الباكر وهو في ~~طريقه لترحيل بعض بائعات الشاي. علم بعد ذلك أن الجهات المسئولة كانت تجمع جثثهم بشاحنات ~~الأوساخ من الأزقة، المجاري والشوارع الجانبية، تأخذهم ليدفنوا بعيدا في الصحراء شمال أم ~~درمان. أضاف بما يعني أنهم ليسوا سوى أوساخ، وهو يشجع على التخلص منهم بأي صورة كانت، وها ~~هو الله قد خلصنا منهم، أرسل إليهم من يسقيهم الأسبرت المسموم. كان ثرثارا؛ لذا قررت ألا ~~أدعه ينزلنا عند المنزل، لكن على بعد شارع من الزقاق الذي نقيم فيه، همست لعبد الباقي ~~بذلك. # أفرغت أمي أمعاءها مرتين، قبل أن ينعطف بنا سائق سيارة الأجرة الصغيرة الثرثار ناحية ~~سينما حلفايا، حيث أوقفه عبد الباقي. أعطيناه ما اتفقنا عليه من نقود، وتوقفنا في مكاننا ~~إلى أن اختفت العربة عن الأنظار تماما، من ثم هرولنا بهم ناحية منزلنا الذي لا يبعد ~~كثيرا، وسط أعين المارة المتطفلة المشحونة بالأسئلة التي لا إجابات لها في غير حجرات ~~التحري المخيفة في مخافر الشرطة، أو أمكنة أخرى أكثر رعبا. # تركنا أمي تفرغ ما تبقى من أمعائها عند قارعة الطريق، معطية ظهرها للأسفلت ووجهها لحائط ~~السينما العجوز المغلقة، المهجورة التي هي الآن ms46 إحدى أوجار اللصوص وملاجئ المتشردين، غير ~~الآمنة، بعد أن انتهى عصر السينما والرفاهية، وفشل مشروع الاستنارة القومي. # | انحراف البنت # هل الرجل انتهازي بطبعه أم المرأة لم تستطع أن تفهمه كما يجب. أم العكس أن المرأة هي ~~الانتهازية، والرجل ليس سوى كائن دائما ما يصعب عليه فهم المرأة؟ لكن في الأمر انتهازيا ~~من جهة ما، هو أو هي ... هذا ما أنا متأكدة منه تماما. ليست لدي تجربة كبيرة في الحياة ~~تمكنني من إطلاق أحكام نهائية على الظواهر، لكن كما تقول أمي: إن وعي المرأة دائما ما يسبق ~~عمرها، وكل النساء خبيرات في الحياة، وإلا لما استطعن أن ينجبن الرجال، يربينهم ويزوجنهم ~~أيضا. أمي دائما لها آراء حادة في هذا الأمر. # لقد قلت في مكان ما من هذه القصة: إنني أحب عبد الباقي، وإنني أريد أن أنجب منه أطفالا ~~أو طفلا. لكن الشيء المحبط الذي لم أتطرق إليه هو أن عبد الباقي يعد الحب هو الغاية ~~النهائية، ولا علاقة للزواج به، والأسوأ أنه يعد كل حبيبة تفكر في الزواج شخصية منحرفة، ~~أو بدأت تنجرف في تيار الانحراف، فكيف لشخص أن يسعى لما هو أفضل تاركا خلفه ما هو أجمل ~~وأبقى؟! أعرف أن هذا ما يسميه البعض الانتهازية، أنا مثل أمي، أسميه التهرب من الذهاب ~~بالعلاقات الإنسانية الجميلة إلى نهاياتها السعيدة المرجوة. وهذه النهايات ليست الزواج ~~فحسب، هذا الاسم البرجوازي البغيض، لكن أن يعيش الشخصان معا وينجبا أطفالا يربيانهم تربية ~~خيرة. لكن كيف يتم ذلك في غير المؤسسة الزواجية التقليدية التي يعود لها الفضل في ~~التقليل من عدد المتشردين والأطفال الذين هم خارج الرعاية الأسرية؟ وهي أيضا المتسبب ~~الأكبر - من جهة أخرى - في الزيادة الكبيرة في تعدادهم! نتحدث عن الفقر، الجهل، المرض، ~~الأطفال غير المخطط لإنجابهم. ولو أن الرافد الأساس في السودان للمتشردين هو الحرب وسلم ما ~~بعد الحرب، وهو ما يسميه كاتب مخبول «جثة الحرب». عبد الباقي لا بدائل لديه، دعونا نسمع عبد ~~الباقي معبرا عن نفسه، هذه مساحة إبداعية إنسانية نعطيها ms47 لعبد الباقي ليقول ما يشاء قوله؛ ~~لأنه يستطيع أن يعبر عن حاله أكثر مني كراوية أنثى: # المرأة مثل أغنية جميلة لا تكتفي من الاستماع إليها مرة واحدة، وهي مثل البحر مجهولة ~~الأعماق، ومثل الطائر لا يطمئن للهواء والشجرة معا، يطمئن فقط لجناحيه. ستبدو أفكاري غريبة ~~بعض الشيء، متناقضة بعض الشيء، أولا بالنسبة لرجل متزوج ويقيم علاقات خارج المؤسسة ~~الزواجية، بل يحب بعمق، الشيء الذي سوف لا تجدون وسيلة لفهمه هو أنني أحب زوجتي وأحب سلوى، ~~هما سيدتان جميلتان، وطيبتان، المشكلة الفعلية في المؤسسة ذاتها. بالتأكيد ستقولون: «إن ~~العامل الفاشل يلوم أدواته!» وأنا أفعل؛ لأن الحبيبة بعد العقد تتحول إلى امرأة تمتلك ~~رجلا، والرجل يتحول إلى أب يمتلك امرأة، أب بكل رموزه الشنيعة، ويعمل الاثنان لهدم المشروع ~~بارتباطهما القوي به. عندما أنجبت زوجتي أطفالي الأربعة، صرت أحب أطفالي أكثر وهي أيضا ~~كانت تحب أطفالها، وافتقدنا معا الحبيب والحبيبة. وهذا تبرير مثالي ونفعي، لكنه يذهب ~~كثيرا في عمق الحقيقة، يفتش عنها بوضوح. وأنت أمام الحقيقة مثل جرذ أعمى تشم طريقك إليها ~~ولا تراها، حتى إذا لامس جلدك جلدها، وملأت خياشيمك الفأرية بعبق إبطها الحنون، تظل ~~غريبا عنها. كنت واضحا معك منذ اللحظة الأولى التي التقينا فيها وقررنا أن نعيش كحبيبين. ~~أنا متزوج، زوجتي طيبة جميلة، أحبها. لدي أربعة أطفال: بنتان وولدان. وأخبرتني أنت ~~أيضا بأنك تحبين حسن إدريس، وحدثتني عن كل شيء حدث بينكما، وكيف أنه وقف موقفا مخزيا ~~تجاهك، وأنه كاد يقتلك عندما علم بأنك حبلى، فأجهضك قسرا في شهرك الأول. على الرغم من ~~أنكما افترقتما منذ سنة كاملة، وأنه قد تزوج قبل شهر من لقائنا، إلا أنك ما كنت تدرين: هل ~~تسامحينه أم تكرهينه أم أنك ما زلت تغرمين به؟! وكنت أيضا لا تدرين: هل ستعشقينني في يوم ~~ما أم لا؟! ~~- قد أتعلم كيف أحبك إذا تجاوزت بعض الجراح. # هي طريقتك المراوغة في الكلام والعاطفة ... فلم نستطع أن نسمي تلك العاطفة العنيفة التي ~~جمعتنا معا، وتركنا كل شيء لما تأتي ms48 به الأيام، وكان هذا ما يعجبني فيك. لم أمارس الجنس مع ~~زوجتي منذ اليوم الذي عرفتك فيه، ليس لأنني أكتفي بك فحسب، لكنني لا أعرف الكذب الجسدي، أو ~~أن جسدي هو الذي لا يعرف الكذب البشري. والجنس والحب كلاهما خيال مثل الجسد، لا يمكن ~~للثلاثة أن يتشكلوا عنصرا ماديا واحدا دائما، إلا عندما ينتجون الأطفال. وهذا هو سر ~~تحول الحب إلى الأطفال وترك المؤسسة الزواجية خاوية على عروشها المتهالكة في الأصل تندب ~~حظها. لقد جمع بيننا الأطفال المتشردون أكثر مما يجمع بيننا أي شيء آخر؛ الحب على سبيل ~~المثال. كنا نظن - وما زلنا - أننا نستطيع أن نفعل شيئا من أجلهم، ولو من أجل طفل واحد لا ~~غير، شيئا فعليا ملموسا، شيئا يشبع فينا رغبة الانتماء للإنسانية. ~~- ليس لمجرد أنك خلقت بهذه الهيئة البهية قد توجت إنسانا - كنت تقولين لي - لكن لأنك نلت ~~إنسانيتك بكل جدارة عن طريق سعيك الدءوب للانتماء الفعلي للبشرية، وهذا ما يجب وما ~~يكون. # المتشردون هم قضيتنا وسلمنا للإنسان، البعض يعمل في مجال السياسة أو الأدب، البعض في ~~معامل العلم التطبيقي أو النظري، قد يحمل سلاحا ويخوض معركته الفعلية ضد الظالمين. البعض ~~يبحث عن كينونته الإنسانية في الحب، وذلك مثل أمك وجبران خليل جبران. البعض في الشعر ~~والفنون الأخرى مثل الجسد، وآخرون مثل الروح. عم سيف سمعريت يفعل ذلك ببساطة أكثر، إنه يعمل ~~وسيطا ما بين المعرفة والباحث عنها. البعض يقدم نفسه أنموذجا للسلوك المنفلت مثل: عثمان ~~بشرى، أحمد زكي، زهرة بت إبليس، رامبو ... وآخرون. كل تلك منافذ للولوج عبر ثقب إبرة ~~الإنسانية التي تسع الجميع: المشاركة في الحياة والهم الوجودي. أنا أحب أن أثرثر؛ لأنني لا ~~أعرف أن أعبر عن نفسي بطرق أخرى. وها هي سلوى تورطني بالكتابة، كما ورطتني بالحب من قبل، ~~وها أنتم تجدون كتابتي هموم مثقف أكثر منها فقرة في رواية أريد مني أن أكون أحد ~~كاتبيها. # عبد الباقي يتهرب من التعبير عن نفسه، وكنت قد أتحت له فرصة ذلك كتابة، فهو يعرف ms49 كيف ~~يفعل الأشياء بقلمه، لكن لا بأس! في الحق كنت مكتفية به لأسباب كثيرة؛ أولها: مثلي مثل ~~كثيرات لا أحب تعدد العلاقات، أحب أن أعطي نفسي لرجل واحد فقط، وهو الذي أرتبط معه في ~~علاقة، وطالما كانت هذه العلاقة مستمرة. والشيء الآخر: صعوبة الدخول في علاقة أخرى مع رجل، ~~فعملية اختيار الشخص المناسب الذي يحرك في البنت أحاسيسها ومشاعرها، يرقص جسدها ترقبا ~~ويحافظ على سرها وعليها، عملية تصير أكثر صعوبة يوما بعد يوم. وكلما مرت البنت بتجربة ~~مريرة كانت أكثر حرصا في التجارب اللاحقة، إلا إذا شاءت الواحدة منا أن تعطي نفسها للآخر ~~كيفما اتفق. ولا أحد يستطيع أن يخدعها أو يكذب عليها - عكس ما تعتقده أمي - فالبنت تعرف ما ~~تريد ولا تفعل إلا ما ترغب فيه حقيقة. ومثلنا مثل الآخر، نحن نبحث عن المتعة الجسدية، نعم ~~نريدها بشروطنا الخاصة، قد نفشل كثيرا ... قد ننجح ... قد نتنازل عن هذه الشروط أو عن بعضها ~~بكامل وعينا وإرادتنا. عبد الباقي يعرف ذلك ويفهمه، لكنه أيضا يريد أن يفعل الأشياء وفقا ~~لشروطه هو الخاصة، ولا ضير في ذلك. أنا قررت أن شروطه الخاصة لا تتوافق مع شروطي الخاصة، ~~أنا أريد زوجا وأطفالا - تريدهم أمي أكثر - وأريد بيتا صغيرا أم كبيرا، أقصد مملكة ~~برجوازية خاصة. وشرط هذا البيت الأطفال وليس الرجل، أستطيع أن أدير بيتي وحدي، وأنشئ أطفالي ~~كما أشاء، كل ما يجعل الرجل مهما في هذه المملكة هو الطقس الاجتماعي، وفوضى القوانين ~~والموروثات الاجتماعية. أعرف مئات النساء اللائي رغم ذلك كله تخلين عن الزوج؛ إما لأنه مات، ~~أو طلقهن أو طلقنه، أو هجرهن وتزوج من أخريات، واستطعن أن يقدن حياتهن كأجمل ما يكون، بغير ~~طلته الخشنة البهية! # عندما يقرأ عبد الباقي ذلك سيحكي لي قصة القط الذي لم يستطع أن يتحصل على اللحم المعلق في ~~سقف البيت، الذي يغويه بعبقه المثير، فشتمه بأنه سيئ الرائحة، طاردا الهواء من أنفه: ~~أفوووووووو. # إنك لم تكذب، لكنك أيضا لم تقل الحقيقة في شأن زوجتك، فكانت زوجته ms50 قبيحة مثيرة للمشاكل، ~~لئيمة مزعجة، لا أدري كيف قال إنه يحبها؟! هذه ليست غيرة مني عليها، لكن الحقيقة عينها. هي ~~قريبته، كان يحب في الجامعة إحدى زميلاته، لكنه عندما أراد أن يتزوج تزوج بنت عمته. هي ~~«فصامية ذكورية» متأصلة، يظن الكثير من الرجال الفصاميين أن قريباتهم لا يفعلن كل ما يفعله ~~هو مع الفتيات الأخريات، وينسون أن قريباتهم هن حبيبات، عشيقات وخليلات آخرين مثلهم. قد ~~يؤدين دورهن في العشق بغاية الحميمية والصدق الجسدي والروحي أيضا. بقا ليس من ذلك النوع ~~التائه في بحيرات العسل الأخلاقي، على الأقل معي. فهو يحترم ويقدر كل ما يجري بيننا، لا ~~أعرف لم لم يتزوج حبيبته الأولى، لكن علي أن أصدق ما قاله هو: أمها لا تريدها أن ~~تتزوج من «رطاني»؛ وتقصد شخصا لديه لغة محلية أخرى غير العربية، طبعا لا توجد إشكاليات ~~إذا كانت لغته الأم الإنجليزية أو الفرنسية على سبيل المثال. على الرغم من أنهما من مدينة ~~واحدة، وإقليم واحد، وفي الواقع من أصل واحد، كل ما في الأمر أن مجموعتها القبلية استعربت ~~قبل خاصته ببضع مئات من السنوات قلائل، حوالي مائتي سنة قبل قيام السلطنة الزرقاء، ~~واستعارت اللغة العربية كلغة أم. # حبيبي الأول كان شخصا أقل ما يوصف به أنه جبان، ولم تكن تمنعه من الزواج بي أي سلطة ~~اجتماعية أو ادعاء نقاء عرقي أو أية من تلك الإشكالات الفظيعة. كان همه - للأسف عرفت ذلك ~~مؤخرا - أن يتزوج فتاة لها بشرة - يا حبذا إذا كانت - بيضاء. وطالما يستحيل ذلك في ~~السودان؛ فصفراء فاقع لونها. كان يرى في الأوروبيات تمثيلا للجمال المتناهي في تمام ~~اكتماله، لا أدري لماذا لم أنتبه لذلك عندما كان يقول لي: لم يخلقنا الله إلا كومبارس ~~لنيكول كيدمان. كنت أظنه يلهو أو في أسوأ الأحوال يحاول إثارة غيرتي. انتهى به الطواف إلى ~~الزواج من حورية فاتنة، حمراء البشرة، وهي أخت أحد أصدقائه، وصديقتي بصورة أو بأخرى. كانت ~~قد تحولت إلى بيضاء عندما رآها في المركز الثقافي الفرنسي، عندما تزوجها ms51 كانت شديدة البياض، ~~وبإمكانه أن يرى الدم يجري في شرايينها، لها أرداف حقيقية مدورة كبيرة، لم يلاحظها طوال ~~فترة الخطوبة، على الرغم من أنهما مارسا الجنس مرارا، لها نهدان شاهقان أثارا إعجابه! هما ~~لم يكونا هنالك من قبل بالفعل، الذين يعرفونها قديما تحدثوا عن عروس أخرى لها بعض ملامح ~~خطيبته السابقة، عندما بدأت تنجب له الأطفال، أخذت بشرتها تتقشر، وظهر على مواقع حساسة من ~~جلدها طفح قبيح، فنصحها طبيب جلدية استشارته بعدم استخدام المراهم الكيميائية التي تبيض ~~بشرتها عن طريقها؛ لأنها قد تصاب بفشل كلوي حاد أو سرطان البشرة أو الاثنين معا. ولأنها ~~لم تستطع أن تعود للونها الأول الطبيعي، وكان جميلا وناصعا، وليس بإمكانها مواصلة استخدام ~~المراهم الكيميائية؛ لتظل ببشرتها البيضاء التي شاهدها بها إدريس في المركز الثقافي الفرنسي ~~قبل سنوات كثيرة وأعجب بها، فقد أخذت تذبل بسرعة، بل تنحدر انحدارا بليغا نحو هوة اليأس ~~والأحزان. وبدأت مرحلة جديدة في حياتها الزوجية، تتسم بالشجار اليومي، بل والضرب في كثير من ~~الأحيان. ولم يكن السبب لونها، لكن لمشاكل اجتماعية أكثر تعقيدا. # كلما تمعنت في غابة التعقيدات التي تعيشها البنت يوميا، وما يجب أن تكون عليه وما لا ~~يجب، دون المراعاة لها هي ككائن له خياراته، أثمن كلمات أمي ووصاياها لي. قد تبدو ~~دكتاتورية بل وساذجة في أحيان كثيرة، إلا أنها لم تكن دائما في الجانب الخطأ مائة بالمائة؛ ~~إذ كيف لي أن أوازن ما بين رغباتي ورغبات الآخر وتصوري للمستقبل؟ # لم يوضح لي الفكرة إطلاقا، كنت لآخر لقاء معه اتفقنا على أن نحتفظ بالطفل، وأن نتزوج وأن ~~نخبر أمي بشأن الزواج في أقرب وقت ممكن. وكنت سعيدة جدا به، قد أظهر لي ما يمكن تفسيره ~~بأنه أيضا في غاية السعادة، ولو أنه بدأ يكثر من شرب العرق بصورة لا يمكن تبريرها بغير ~~الشعور بالإحباط والقلق. وأصر على أن يسقيني بعضا منه، لكني رفضت، فأنا في شهري الأول ~~وعلي أن أكون حريصة على صحة طفلي. كان شخصا طويلا يتمتع بصحة جيدة، ms52 وسيما وهادئا، ~~قليل الكلام ويهتم بمظهره وأناقته بصورة جيدة، ولا يملك الآخر إلا أن يفترض فيه حسن النية. ~~ولو أنه أصيب بمرض السكر قبل سنتين أو أكثر، إلا أنه يمتلك طاقة كبيرة ينفقها في العمل عند ~~شركة الصرف الصحي الخاصة التي يعمل بها، وفي لعب الكتشينة وشرب الخمر مع أصدقائه. كالعادة ~~عندما نرغب في البقاء معا ليوم أو أيام، أعلن لأمي بأنني أسافر في رحلة عمل لمدينة قريبة ~~أو بعيدة، وهي غالبا ما لا تمانع وشرطها الوحيد أن أتصل بها كثيرا؛ لأطمئنها بأني حية ~~أرزق، وتزودني بجملة واحدة: اعملي حسابك من أولاد وبنات الحرام! وهي لا تدري بأنني أكبر بنت ~~حرام أنجبتها هي نفسها، وكان يؤلمني كثيرا أنها لا تعرف ذلك. # أستيقظ مبكرا، كنا ننام في سرير واحد كبير من خشب الموسك الناعم البني. لم أنم جيدا ~~الليلة الماضية؛ لقلق ينتابني بين حين وآخر من أجل أمي التي تركتها وحيدة في البيت، وبشأن ~~الطفل الذي يتشكل الآن في، وهي لا تعلم عنه شيئا. أول ما تفعله أمي إذا عرفت، فإنها ~~ستقوم بشيء واحد، ببساطة وبدون أي تفكير أو رحمة: تقتلني! # أنا أعرف أمي تماما، من أي نوع من البشر هي. # أخذ زجاجة العرق من تحت السرير، مسح عليها بكفيه، تناول كوبا صغيرا فارغا، كان قد ~~استخدمه بالأمس، نظر في عمقه باحثا عن أوساخ أو ما يقنعه على غسله. صب عليه ما تبقى من ~~الخمر، قربه من أنفه، استنشق رائحته لبعض الوقت، ثم ابتلعه في جرعة واحدة. صر وجهه، مد ~~شفتيه إلى الأمام فيما لو أنه يجعل منهما مدخنة بشرية لخروج غازات حارقة من جوفه، تجشأ ثم ~~بصق على الأرض من قرف، قال لي: نحنا ما عايزين اللي في بطنك ده. # قلت له: أنت ومنو؟ # قال وهو يحملق في عيني: أنا وأنت. # قلت له بتحد وإصرار: أنا عايزاه! # قال ببرود وقلق: لا يمكننا نتزوج، أنا ما جاهز للعرس، ولا عندي إمكانية لفتح بيت. # شرحت له للمرة العاشرة، حيث كان دائما ما ms53 يكرر هذه الجملة البائسة البليدة: العرس لا ~~يحتاج لشيء سوى عقد، وأنت عندك بيت ولا ينقصك شيء، أنا ما عايزه منك غير العقد وأرحل معاك ~~في اليوم نفسه. وكنا اتفقنا قبل أيام، مش كدا، وناقشنا الموضوع دا؟ # تحدث كثيرا عن إمكاناته في إعالة أسرة، وأنه الآن يتكفل برعاية أيتام كثر، بالإضافة إلى ~~أبناء وبنات أختيه المطلقتين اللتين لا تعملان. وقال ما لا أتذكره عن أمه وأبيه، وأظنه ذكر ~~شيئا عن جار ما، أو جارة ما. لكنني أتذكر تماما أنه عندما توقف عن الكلام، هجم علي ... ~~صعد على بطني بكامل ثقله، كان يضربني بصورة عشوائية في صدري وكليتي وتحت السرة بخوف ورعب ~~شديدين، وهو في حالة أشبه بالجنون. كان يردد بأنني ورطته في هذا الحمل المشئوم من أجل أن ~~أجبره على أن يتزوجني، وأنه سوف لا يفعل ذلك مطلقا، وعلي أن أجهض الآن. قد شتمني أيضا ~~واصفا إياي بالداعرة والخبيثة ... إلى أن أغمي علي. نزفت في ذلك اليوم دما كثيرا، وكدت ~~أن أموت لولا أنه تصرف أخيرا، أتى لي بالدكتورة مريم بنت خالته، تلك السيدة الرحيمة ~~الجميلة، فأنقذت حياتي. # لا أدري أي شيطان رجيم جمعني بهذا المخلوق الغريب؟! أكتب الآن وأحس بجيش من النمل يسرح ~~على جلدي، إحساس ما بين الخوف الجنون والنجاة، إحساس لا يمكن وصفه، لكنه يحيل لي صورته في ~~شكل مخلوق آدمي له منقار أشبه بحقنة، وبطن منتفخة محشوة بالدم المتخثر. رغم ذلك أسأل نفسي ~~كثيرا: هل أنا أكرهه؟ أنا أمقته، وأستطيع ... حسنا، لا أحب أن أخوض في هذه السيرة ~~المهلكة. # | منطق الجسد # أثناء البحث بالقوقل عن «فرقة الموت» المنوط بها مهمة اغتيال الأطفال المتشردين في ~~البرازيل، تحصلنا على كتاب «الحرب ضد الأطفال في شوارع أمريكا». وهو كتاب مشهور «ألفه السيد ~~أوفه بولمان». بهذا الكتاب حقائق مخيفة ومرعبة في الوقت نفسه. تركنا مهمة تلخيصه على ~~الصديقة الصحفية حكمة رابح، على وعد أن تقوم بطباعته وتوزيعه لنا. # فقد تشكلت «فرقة الموت» في البرازيل، من داخل وزارة الداخلية في سبعينيات ms54 القرن الماضي. ~~وعلى ذمة العم قوقل، كانت تمول من قبل بعض الأثرياء، الأسر الكبيرة، الشركات الرأسمالية ~~العملاقة، ولفيف ممن لا يرون في المتشردين سوى قاذورات وفضلات اجتماعية يجب التخلص منها بأي ~~شكل في سبيل بيئة إنتاجية معافاة. # قامت لجنة في البرلمان البرازيلي في نهاية عام 1991 بإحصائية مخيفة؛ حيث أشارت إلى مقتل ~~7000 طفل خلال السنوات الخمس المنصرمة، وفي أواسط عام 1992 ازداد عدد الأطفال القتلى ليصل ~~16414، وحسب إحصائية الحكومة البرازيلية فإن عدد الأطفال المشردين في السبعينيات في القرن ~~الماضي كانت 1,5 مليون طفل. # قرأت هذه الفقرة لأمي، بالتأكيد لم أقرأ لها الطريقة البشعة الدموية التي كانوا يقتلون ~~بها الأطفال، وأخفيت عنها حكايتين - في الحقيقة شهادتين - لطفلين نجيا من مذبحة، أو كما ~~يسمونها في البرازيل حفلة مريعة. لكني أكدت لها أن القتل كان مباركا ومؤيدا من قبل ~~الحكومة نفسها وتحت إشرافها. كعادتها، أمي لم تصدق أن يحدث ذلك في أي دولة كانت في العالم. ~~والسبب بسيط جدا، وهو أن الحكومات عليها حماية الناس وليس قتلهم وفقا للعقد الاجتماعي ~~غير المعلن بين الشعب والسلطة. قلت لها: هذا ما يدرس في الجامعات ويعمل به في ~~الدول التي أنتجته فقط، فنحن نستهلك كل ما أنتج الغرب من تكنولوجيا ومعارف مادية، ولكننا ~~نتجنب تماما منتجاته من القيم الإنسانية الرفيعة والأخلاق العالية. قالت أمي: أعرف، نحن ~~نأخذ ما يتناسب وطبيعتنا. # طبعا، أمي كانت تقصد إغاظتي، لكنني تجاهلت الأمر ... أخذت ألعب مع الطفلين. كان يوما ~~طويلا جدا، الأطفال الأشقياء لا يكفون عن الصراخ. كما هو متوقع من أمي أنها اشترت لهم ~~ملابس صينية من المحطة الوسطى بحري. قام والدهما بعملية الاستحمام، وقصف أظافر الكفين ~~والقدمين. كما قام بإزالة شعر رأسيهما إزالة تامة بماكينة حلاقة أبي القديمة. هذه الخطوة لا ~~بد منها لكي لا يبدوا كمتشردين، بالتالي نبعد عنهم عين الرقيب الحقيقي أو المتخيل. كما أنه ~~لا بد للروائح النتنة التي تنبعث منهما أن تزول. لكن أمي رغم ذلك لم تحبهما أو تطمئن لهما؛ ~~فلقد كانا فوضويين ms55 بامتياز. أمي تحب النظام، كما أنها لم تعتد على الأطفال في بيتها، وتبين ~~أن حبها للأطفال كان نظريا بحتا. كانت تحتج على كل ما يقومان به حتى أكلهما، فهما لا ~~يعرفان كيف يأكلان سوى عن طريق خطف الطعام وحشو أكبر كمية ممكنة منه في الفم والبلعوم، ولا ~~تفيد صفعات والدهما الخجلة على ظهورهما من إثنائهما عن ذلك. كانا أيضا يسرقان كل ما تقع ~~عليه أياديهما الصغيرة: صابون الحمام، زجاجة عطر، راديو أمي الصغير كم مرة وجدته مخبأ خلف ~~الباب، الأحذية، قوارير المشروبات الغازية الفارغة، حتى الخبز والعظام، يفعلون ذلك جميعا. ~~لكن البنت كانت أكثر هدوءا وخجلا، أقل إصدارا للضجيج، ربما للإعياء الشديد الذي يبدو ~~عليها. يظهر واضحا أنها تعاني من سوء تغذية حاد وفقر في الدم، وأنها مهمومة بأمور أخرى ~~عميقة غير الأكل، الشرب، والفوضى. كانت الأكبر عمرا، قدرت دكتورة مي عمرها بعشر سنوات. قال ~~والدها: إنها أكبر من ذلك بكثير، أي أن عمرها خمسة عشر عاما، إنها إذا تزوجت ستنجب ~~أطفالا. قال: إنها تحيض في كل شهر مرتين، ذلك دليل عنده على خصوبتها وكبر سنها. قد ساورني ~~شك عظيم في أنه يخفي عنا شيئا، فسألته: وين أم العيال ديل؟ # قال في حزن، وهو يعدل بنطاله الجديد: ماتت قبل أيام. شربت الأسبرت «المسموم». # وأضاف أنها كانت صغيرة العمر، أكبر بقليل من بنته نونو. ~~- إذن، نونو أمها براها. # أجاب سريعا بأن نونو في الحقيقة ليست ابنته من صلبه، بل إنه تبناها، كانت ترعاها أمه، ~~وتقيم معها في الزقاق. وجدها منذ أن كان عمرها يوما واحدا مرمية في إحدى المزابل، كادت ~~تأكلها القطط والكلاب الضالة: كانت «بت حرام». # تخلصت منها والدتها خوفا من الفضيحة. ~~- ظاهر إنو أما (أمها) من أسرة غنية شديد ... # لأنه وجد معها مائة جنيه كاملة وخاتم ذهب، قام بأخذها إلى أمه التي أرضعتها ورعتها. الحمد ~~لله نجت من الموت. قال: إنها كانت جميلة زي القمر وسمينة ... لكن أكل الشوارع والعفن «أثر ~~معاها». # قالت نونو الصغيرة، التي كانت تستمع للقصة ms56 في هدوء، بعد أن جلست قربه، بل التصقت به في ~~غنج، مبعثرة خصلات شعرها المتوحشة على صدره، واضعة راحة كفها على فخذه الأيسر، ووجهها يكاد ~~أن يلتصق بوجهه الجاف الخالي من الشعر، أزاحها عنه بعيدا بحركة لا إرادية، وهو متجاهلا ~~النظر إليها كلية: الفكي ده راجلي (زوجي) أنا، مش أبوي، راجلي عدييييل كده! # كانت دهشتنا كبيرة، لدرجة أن بقا توقف عن اللعب مع الطفلين وانضم إلينا بعينين واسعتين. ~~كان الفكي هادئا ولو أنه بدا مرتبكا بعض الشيء، قال: طبعا تزوجتها، عشان ما يقرب منها ~~واحد من بتاعين الشوارع الصعاليك المعفنين ديل، الناس الما بترحم، الزواج سترة، مش ~~كدا؟ # قال له بقا وهو لا يستطيع أن يخفي غيظه: لكنها طفلة! # قال وهو ينظر إليها مبتسما: أنا أمي لمان ولدتني كانت أصغر منها بكثير، يا اخوي البت إذا ~~نطت عتبة البيت، تشيل راجل قدر أبوها، والكلام ده معروف، ومن الأحسن تتزوج النسوان وهم صغار ~~أحسن مما «يجلكنوا»، مش كده؟ # قلت له: إن هذا عيب وغير صحيح، وإن البنت لا يكتمل نموها الجسدي والعقلي إلا بعد ثماني ~~عشرة سنة على الأقل، والرجل الطبيعي، الشهم والإنساني لا يتزوج البنات القاصرات. أعرف أنني ~~لم أجد اللغة المناسبة التي تجعله يفهم، وهو أيضا لم يجتهد ليفهم، كان يحملق في واضعا ~~ابتسامته الغريبة الغبية في وجهه، فلم أعرف أنه كان سعيدا حقا أم يريد أن يبكي الآن! ~~المهم أنه لفت نظري لكي أحملق لأول مرة في نونو حقيقة، وأتمعن في تفاصيلها، كان ثدياها ~~صغيرين جدا، فارغين تماما، متدليان مثل كيسين من الجلد مبتلين بالماء. يتضح ذلك من خلال ~~فستان الطفلات الذي اشترته لها أمي عندما كانت تظن أنها طفلة، وجهها طفلي، بعينها نزق وبريق ~~لا يمكن فهمهما مطلقا، كانت شفتاها جافتين، وزنها لا يتعدى ثلاثين كيلو جراما، لها بطن ~~صغير بارز قليلا ولا يتناسب مع حجمها. أكثر الأشياء غرابة فيها هو شعرها الغزير شديد ~~السواد القذر الخشن، الذي يتبعثر على كتفيها يغطي جانبا كبيرا من ظهرها، بل ms57 يتدلى إلى ما ~~دون الردفين، هذا إذا كانت تسمي تلك الجلدتان الباليتان ردفين! همست لي أمي ذات مرة: إن ~~هذه البنت ذات أصول أجنبية، من جهة الأم أو الأب ، كثير من ملامحها تدل على ذلك، شوفى ~~أنفها، شوفى شعرها. وقالت محرزة فجأة: أنا عرفت أهلها الحقيقيين، والله عرفتهم. # ذلك عندما حدثنا الفكي عن المزبلة التي التقطها منها. في الحقيقة كان هو أيضا يعرف ~~أمها، اعترف لنا لاحقا أنه ابتزها كثيرا، إلى أن هدده رجل - قال إنه والد الأم - بالقتل. ~~وهو الذي أرسل إليه من يذبح رجله اليسرى كعربون لعملية أكثر إيلاما في الطريق إليه: إذا ~~قليت أدبك تاني يا وسخ! # عندما تفحصتها دكتورة مريم لاحقا قالت: إنها مصابة بالسل الرئوي. مثلها مثل الطفلين ~~والفكي نفسه، وبرحمتها المعهودة بدأت معهم دورة علاج السل، الجيد في الأمر أن عقاقيره ~~متوافرة ومجانا. # في الحقيقة، بدأنا نفهم الفكي بصورة أوضح، وفهمنا أيضا لماذا عندما دخل الحمام مع نونو ~~أخذ زمنا طويلا جدا! إذا كنا أسأنا الظن فيه مبكرا؛ لفسرنا الأصوات التي صدرت من ~~الحمام في ذلك الوقت تفسيرا صائبا. وعندما خرج اعتذر لنا بحيلة أنها لم تستحم منذ الخريف ~~الماضي على الأقل، وأن الكوشة التي برأسها تحتاج إلى مياه سيل لكنسها وليس دشا، فصدقناه ~~وضحكنا. الآن تأكد لنا أننا كنا نضحك على أنفسنا لا أكثر، علينا منذ الآن ألا نصدق حرفا ~~واحدا مما يقول لنا، طلبت أمي منه مغادرة البيت فورا، أن يأخذ زوجته وأطفاله، إذا كانوا ~~حقا أطفاله ولم تكن هنالك قصص مؤلمة أخرى وراء كل واحد منهما: وأمشى أختانا ... # قال مستعطفا: إذا لقوني حيقتلوني، وأنا عايز أعيش، أربي عيالي. # انتهرته أمي محتجة: أنت زول تستحق الموت، تنوم مع شافعة (طفلة)؟! # قالت نونو محتجة، وهي ترقص صدرها الأعجف الفارغ: أنا ما شافعة يا أمي، أنا مرا بالغة ~~والأولاد ديل أولادي، ولدتهم من بطني دي! # وأشارت إلى بطنها الصغير غير المتناسب مع حجمها الضئيل. بالتأكيد كاد التعجب أن يقتلنا، ~~وسيبدو الأمر مقبولا إذا وقفت ms58 عند هذا الحد. لكنها رفعت جلبابها للأعلى - ذلك الأطفالي ~~الجديد، الذي اشترته لها أمي من كشك بالمحطة الوسطى - بسرعة لا يتوقعها منها أحد ... رقدت ~~بظهرها مواجهة الأرض ... أبعدت ساقيها النحيفين الأصفرين، المنقوشين ببقع سوداء كبيرة وصغيرة، ~~في زاوية مقدارها مائة وثمانون درجة بالضبط، كومت شعرها سريعا في شكل وسادة صغيرة من ~~الصوف، وصاحت بصوت قبيح - أو هكذا سمعناه - قائلة: ده يدخل جمل! # مشيرة إلى شيء مريب كان ما بين ساقيها، تحجبه عن أعيننا غابة كثيفة من الشعر الأسود ~~الطويل. حمدنا الله كثيرا على ذلك الغطاء الصوفي الطبيعي للعورات البشرية ذات الأبعاد ~~الاجتماعية الحساسة. # أحسست بأنني أنا الفاعلة، وينظر العالم كله الآن إلي، إلى شيئي أنا، وكدت أن أموت من ~~الخجل، أما أمي فهربت خارج الصالون تلعن اليوم الذي جمعها بالفكي وأسرته غير المحترمين، ~~أطلقت أحد أمثالها المحببة إلى نفسها: # اللي يلعب مع الجريوات يخربشنه. # لم تعجب أية أو أيا منا طريقتها في التدليل على إمكاناتها الأنثوية بمنطق الجسد. كانت ~~طريقة شاذة وقبيحة بكل المقاييس! ضربها الفكي ضربا عنيفا على ظهرها ووجهها، وسحبها من ~~شعرها الغزير محاولا أخذها للخارج، طبعا كان ذلك عبثا؛ لأنه لم يستطع أن يفعل. كانت مثل ~~جزع شجرة عرديب معمرة تعتصم بالأرض، تحملق في عينيه بلا دموع بلا استعطاف أو رجاء، إلى أن ~~تدخلنا وحلنا بينهما. تلفظ الفكي بألفاظ لا يمكن ذكرها في هذه الرواية خوفا من شيوخ ~~المصنفات الفنية والأدبية الرساليين، وكان غاضبا جدا ومبتسما جدا وهو يعتذر عن سلوك ~~زوجته المشين: امسحوها لي في وشي يا جماعة دي زولة ماسورة. # أمي بدأت تتفهم الأمر شيئا فشيئا. أعدت لهم وجبة أخرى، طعموها بهدوء أكثر. خرج الطفلان ~~جلجل وحسكا، حتى الآن لم نتبين أيهما جلجل وأيهما حسكا؛ لأننا إذا نادينا حسكا التفت ~~الاثنان، أو جاءا معا إذا كانا بعيدين، والعكس صحيح. ولأن اسم جلجل ثقيل بعض الشيء؛ فإن أمي ~~اكتفت بأن تطلق على الاثنين اسم حسكا. تبولا عند باب الديوان مباشرة، تغوطا كثيرا. عرفنا ~~ذلك عندما داهمتنا ms59 الرائحة المتميزة للمخلفات الآدمية مع طليعة فوج الذباب. قامت «ما أصبحت ~~أم الطفلين» بنظافة المكان جيدا، ورمي القاذورات في الشارع يمين الباب. قالت لها أمي إن ~~ذلك خطأ أيضا ، عليها أن تتخلص منها في المرحاض! هزت نونو رأسها في استغراب وابتسمت. لقد ~~نسيت أمي تماما أن نونو لم تر مرحاضا في حياتها. مرحاضها هو هذا الفضاء الرحب، وكل مكان ~~وزمان لا يشاهدها فيه شخص غريب وهي تقضي حاجتها، هو بلا شك مرحاض. أما براز الأطفال، من ~~يهتم ببراز الأطفال؟! # الساعة الآن قاربت الثانية عشرة منتصف الليل. نحن لم نستطع أن نعرف المعلومات الأساسية عن ~~المورد الأصلي للميثانول القاتل، كان كل مرة يأتينا الفكي بفكرة جديدة، ولا ندري هل نصدقه ~~أم أنه سيجيد مرة أخرى إدهاشنا باكتشاف كذباته الكبيرة جدا؟! فالفكي مثل قنبلة موقوتة في ~~يد جندي، قد تنقذه من الموت وقد تقتله، لا ندري هل سينفجر بين أيدينا أم أننا سنحطم به ~~جدران سر موت المتشردين المسمومين بالميثانول. # عندما نعس الأطفال ونعست زوجته، تركنا لهم الصالون، بعد أن أحضرت أمي فرشا خاصا ~~للأطفال؛ لأن أمهم أكدت لها أنهم يتبولون عادة أينما ينامون. بقا رحل إلى بيته متصيدا آخر ~~باص من المواصلات العامة. أنا وأمي لم ننم، ساهرنا إلى أن غدر بنا النعاس، لا ندري بالضبط ~~متى نمنا ... كنا خائفتين من مصيبة لا ندريها قد يفعلها الفقيه المتشرد وأسرته الصغيرة ~~العجيبة. # | ذاكرة العرق # العرق أو ما يطلقون عليه الأثينول أو الميثانول: هو في الواقع خليط بين الاثنين، بنسب ~~متفاوتة. لكن من خلال استيتس # status # في الفيس بوك بعنوان ~~الكحول، علقت أستاذة جامعية لمادة الكيمياء اسمها عائشة حسن كاتبة: «العرق البكر الذي ~~ينتج في الدقائق الأولى من عملية التقطير الكحولي البلدي؛ أي قبل أن تغلى المادة المخمرة ~~موضوع التقطير، وهي البلح أو العنب، السكر، الجوافة أو الذرة أو غيرها من النشويات المخمرة ~~بفعل الحرارة، ويسمى أيضا الأثينول أو السيكو أو السكوسكو، وغالبا ما يكون خاليا من ~~الشوائب والميثانول ...» وأخذت تعدد أسماء العرق، ms60 حتى تخيل لي أنها فدادية لا يشق لها غبار. ~~فخاطبتها في رسالة داخلية # message ~~، ما إذا كانت لديها معرفة ~~في كيف تتم عملية صناعة الأثينول بلديا في البيوت؟ واستخدمت هذه الصيغة المحترمة حتى لا ~~أكون قد أسأت لها فيما لو ظنت أنني أقصد أنها تصنع العرق بنفسها ... وهذا بالطبع حرام بين؛ ~~لأن الله لعن صانع الخمر، وشاربها، بائعها، حاملها والمحمولة إليه. ومن اسمها أستطيع أن ~~أخمن أنها مسلمة ملتزمة. لكن لحسن المفاجأة أن أرسلت لي كتابا إلكترونيا فريدا ألفه ~~أحد الأوروبيين المفتونين بما سماه «عبقرية المرأة السودانية في التخمير» عنوان الكتاب # Fermentation Technology in Sudan ~~. قد تناول فيه صناعات ~~كثيرة بالتفصيل: كيف تعد وكيف تستخدم، بل كيف ومتى يتم تناولها مثل الكول، الشرموط، أم ~~جنقر، المرايس بأنواعها، المرس، خميس طويرة، الكاني مورو والشربوت، ثم تناول صناعة ~~الإيثانول تحت عنوان العرق. # تعد صناعة العرق صناعة مستحدثة في السودان؛ لأنه لا توجد قبيلة لديها اسم غير مركب له، ~~وتقريبا ترجمة اسمه في أكثر من عشر من اللغات المحلية هي بالشيء المر، «أتى بقائمة طويلة ~~من أسماء العرق، من كثير من القبائل الشمالية، الجنوبية، قبائل شرق وغرب السودان، باللغات ~~المحلية، من أراد أن يستزيد معرفة فليسأل جدته في البيت، وكلها تعني الشيء المر.» إذن، ظل ~~هذا الشيء المر عابرا في الثقافات السودانية قديمها وحديثها، ولو أن تقطيره بدأ مع دخول ~~العرب للسودان، فهو كذلك احتفظ باسمه الأصيل الذي يشرح ويعبر تماما عن طريقة استخلاصه، فهو ~~ليس سوى عرق البلح أو العنب عندما يتعرض لدرجة حرارة عالية، نفس فكرة تقطير العرق. أما ~~المجموعات السكانية القديمة فهي بارعة في صناعة المريسة بكل أنواعها، وهي خمور طيبة وصديقة، ~~أقرب للغذاء منها للكحول، هي متعمقة في الثقافات الأفريقية وتسمى في بعض البلاد الأفريقية ~~بالبيرة المحلية. تصنع بتخمير النشويات الطبيعي بتعرضها لبكتيريا التخمر العالقة بالهواء. ~~كان هذا الكتاب ممتعا، والتصميم الإيضاحي لصناعة العرق كان مفيدا أيضا، وخاصة خطوات ~~تصنيعه من الذرة المسماة بالفيتريتا؛ حيث تبدأ بعمل: # الزريعة: «وهي ms61 عملية تنبيت (زراعة) الذرة في وسط رطب، غالبا ما تكون بين ~~سطحين من الخيش أو الكتان.» # السورج: «وهو خلط مسحوق الزريعة مع عجين شديد الحموضة بفعل التخمير مع إضافة ~~قليل من الماء وتقليب الخليط في صاج كبير من الحديد على نار موقدة بالحطب إلى ~~أن يحمر أو يصبح بنيا، وهو الذي يعطي المريسة لونها المميز ورائحتها الزكية ~~أيضا، وتستخدمه بعض القبائل مثل قبيلة الأدك في النيل الأزرق كوجبة غذائية ~~كاملة.» # الفطارة: «وهي عجين فطير يتم تقليبه على النار في ذات صاج السورج إلى أن ~~يتحول إلى عصيدة عملاقة.» # يتم خلط المكونات الثلاثة مع بعضها البعض، ثم تترك ليوم كامل معرضة لبكتيريا التخمير بعد ~~إضافة قدر محسوب من المياه، بعد ذلك تقوم الفدادية بتصفية الخليط، مستخدمة قطعة من قماش ~~الدمور الخفيف؛ لتنتج المريسة ومعها المشك، وهذا الأخير ألذ وجبة يمكن تقديمها لحيوان ~~عزيز للنفس: حمارك المفضل، بقرتك الحلوب، أو ثورك الخاص، أو بيعه كعلف لأصحاب الماشية. ~~لكن معظم الفداديات يحتفظن بماشية في منازلهن للاستفادة من المنتج المصاحب للمريسة الذي ~~هو المشك، والخليط نفسه يمكن أن يصنع منه عرق العيش، عندما تقوم الفدادية بقليه على النار ~~بعد أن تم تخميره - خليط السورج والفطارة - جيدا بمعزل عن الهواء. وتمد صبابة ~~(ماسورة) ملفوفة بقطع قماش مبلولة بالمياه، تنتهي في وعاء آخر مغلق وهو أيضا غارق في مياه ~~باردة، تقوم بتغييرها كلما سخنت. والفدادية البارعة تعرف من درجة سخونة المياه كمية العرق ~~ونوعيته؛ فتقوم في الحال بتعبئته في زجاجات، وهذا البكر لا يباع إلا لخاصة الزبائن، وهو ~~الأثينول النقي التي تحدثت عنه ميمونة سكوسكو في حكاية أمي، ويدلل كثيرا من قبل ~~الندماء، على الرغم من أنه يقتلهم في بطء وصمت، بتحطيم خلايا أكبادهم الحزينة وإتلاف ~~البنكرياس. ومن ثم تنتظر تقطير الفدادية العرق درجة ثانية، الذي يتم بيعه للعامة، وهو ~~الأكثر خطورة؛ لأنه يحتوي على الأثينول والميثانول وكثير من الشوائب التي بعضها شديد ~~السمية، وهذا يفضله الشعراء المفلسون وأغنياء المتشردين وبعض المبتدئين في مهرجان ~~السكر الذين ms62 لا طاقة لهم بتناول السكوسكو النقي، مثل صديقنا الطيب الحلزون وحبيبته مها ~~عبده. هم يحتاجونه لنسيان شرور العالم الكثيرة التي تحيط بهم، أو تأجيل الإحساس بها إلى ~~حين. الفكي لا يتعاطاه، ليس لأنه يتسبب في تليف الكبد أو إتلاف البنكرياس، وهو لا يعرف ~~عنهما شيئا، ولا يدري ما إذا كان له بنكرياس أم لا؛ لكن قلبه هو الذي رفض هذه الأشياء، ~~كما قال، ويقصد بخبث شديد أن قوة خفية خلفه تمنعه من إتيان المهلكات، وهي أيضا محاولات ~~بائسة للنصب والاحتيال علينا. # لم ينم الفكي ولم تنم زوجته إلا متأخرين؛ وذلك لعدم تعودهما على النوم في حجرة أو على ~~فراش، هي المرة الأولى في حياتهم جميعا أن يدخلوا حجرة نظيفة - دخل الفكي السجن عدة مرات ~~- وينامون على سرير وملاءة. ولأول مرة أيضا تدور مروحة فوق رءوسهم، قد أرعبهم صوتها ~~المخيف، وظنوا أنها ستسقط عليهما، لم يعرف أي منهم كيف يتم إيقافها. أخيرا توكلوا على الله ~~... رقدوا جميعا على فرش فوق الأرض متلاصقين، عندما صعب عليهم النوم، فتحوا الباب وجميع ~~النوافذ. كانوا يحتاجون لهواء أكثر ... لفضاء أرحب ... لرائحة الشارع؛ حتى يناموا. وأخيرا ~~اضجعوا حيث وجدتهم أمي في الصباح الباكر، عندما استيقظت لأداء صلاة الصبح. كانوا منكمشين ~~على بعضهم البعض، تحت حائط الديوان ما بين الباب وأصص الزينة المتراصة في فناء البيت، ~~ملتحفين الأرض، تغطيهم السماء الشاسعة الرحيمة، تحوم حولهم قطتان ضالتان، كأنهم يمثلون ~~لوحة وحشية منسية لهنري ماتيس! # | العرس الوحشي # أصبح كل شيء واضحا الآن بعد أن تناقشنا بكل صراحة ووضوح، قال - كما هو الحال - إنه يحبني ~~لكنه أيضا ليس بإمكانه أن يفعل شيئا من أجل أمي. أمي تريدني ألا أدخل في علاقة ما، ما لم ~~أكن متأكدة أنها سوف تنتهي بالزواج. وهو يعرف ذلك جيدا، قلت له: شوف لي عريس. # في الحق كنت جادة معه؛ لقد تغيرت آرائي كثيرا في هذه الأيام القليلة، لقد تعلمت درسا ~~مهما من الفكي وأسرته أن السعادة لا تحتاج لتكلفة باهظة، تفكير، شروط أو تخطيط، إنها ms63 ~~دائما هناك، في القصر كما هي في المزبلة. قال إنه سوف لا يفعل. كان يعلم نقطة ضعفي، وهي ~~أنني أحبه بعمق؛ لذا كان دائما لا يتنازل عن مواقفه. يدفعني أنا للتنازل، ويعرف تماما أنه ~~يستطيع أن يجدني كلما شاء. من جانبي لا أرى في ذلك مشكلة، فكل ما أفعله معه كان دافعه الحب ~~والرغبة الأكيدة في الفعل. لكن قررت أن ينتهي كل شيء اليوم، في هذا اليوم بالذات. لم ننتبه ~~إلى أننا كنا نتحدث بصوت عال ومزعج إلى أن دخلنا المكتب. رأينا الدهشة في وجوه الزملاء، ~~اعتذرنا لهم، واصلنا الحوار بهدوء في المكتب، لكن كان هذه المرة عن أسرة الفكي، لقد أصبحنا ~~مرتبطين بهذه الأسرة المتشردة بصورة غير مهنية، وكنا نعرف أننا لا نستطيع أن نحل مشاكلهم ~~الإنسانية، لا يمكننا أن نجعلهم يسكنون معنا في البيت، فبيتنا صغير، ولا يتحمل أسرة أخرى. ~~ليس بإمكاننا أن نستأجر لهم بيتا، فالإيجار غال جدا في الخرطوم، هذا إذا قبل صاحب ~~المنزل استئجار بيته لمتشردين. كما أننا لا نستطيع أن نلتزم بالدفع شهريا، وليس للفكي ~~دخل يمكنه من دفع الإيجار، بل لا يستطيع أن يوفر الطعام اليومي لأسرته التي تتغذى الآن من ~~سوبر ماركت الطبيعة؛ وهي المزابل! وفقا لتجاربنا الكثيرة مع المتشردين نعرف أيضا أنهم لا ~~يميلون للإقامة الدائمة في مكان ما، ما لم يتم ذلك تحت شروط إنسانية معينة تضع حالاتهم ~~الخاصة في الحسبان. الشيء الأخطر هو كيفية الحفاظ على أمنهم وحملات تجميع المتشردين تقوم ~~بدورياتها المعتادة في كل الشوارع. المنظمة لا تستطيع أن تفعل شيئا في كل هذه الأمور ولا ~~توجد أي مؤسسة تساعد في حل هذه المحنة. كان علينا في الآخر أن نقوم بطردهم من بيتنا، طبعا ~~إلى الشارع! هذا مؤلم، ولا يمكن تحمله ولو أنهم لا يتوقعون منا خيرا من ذلك. أحسست بألم في ~~معدتي. كان بيتنا في الجانب الآخر من المنظمة، وهي كما سبق أن قلت هي جزء من بيت ورثناه من ~~والدي رحمة الله عليه. لم أعمل بنصيحته: ms64 امشي البيت. اتفقنا على أن نشرك كل الموظفين في ~~الحوار الخاص بأسرة الفكي، وهم جميعا يعملون في مجال العمل الإنساني، ولهم خبرات في ~~التعامل مع المتشردين والأطفال لا يستهان بها. # المدير العام رجل خمسيني أصلع ... لا يتحدث كثيرا، لكنه يتميز بعلاقاته الواسعة وسنوات ~~عمله الطويلة في المجال؛ فلقد عمل مع منظمات لها سمعتها في مجال حقوق الأطفال، مثل: ~~اليونيسيف، منظمة رعاية الأطفال السويدية والأمريكية، وأطفال الحرب، عمل أيضا في منظمة ~~رعاية كبار السن. ومن الزملاء: حليمة حسين، وهي على الرغم من صغر سنها إلا أنها عملت مع ~~المتشردين كثيرا وخاصة في دارفور وجنوب السودان. هنالك عماد، مصطفى، أنا وبقا كما هي ~~العادة ضيفا دائما علينا وهو في إجازته السنوية. توصلنا سريعا لحل فيما يخص الأطفال ~~والأم أيضا؛ وهو أن نودعهم بيت الحماية بالمايقوما، والأم سوف تقوم برعاية أطفالها بنفسها ~~وخدمة الأطفال الآخرين بمقابل مبلغ ضئيل. المدير العام يستطيع أن يسهل ذلك، والآن. أما الأب ~~فبإمكانه أن ينام في المنظمة مع الخفير، وأن يعمل نهارا في غسيل السيارات في وسط الخرطوم ~~طالما كان يستطيع أن يحتفظ بملابسه نظيفة ولا يتردد على المزابل وأوكار المتشردين الآخرين، ~~ويمشط شعره بالمشط عندما ينمو له شعر. وهو لحسن الحظ - على حسب إقراره - لا يتعاطى المخدرات ~~أو المكيفات، ومستعد لترك الدجل والشعوذة. لكن بقا كان له رأي آخر، وهو: أن نجعل منه ~~نجما. # لم يدهشنا اقتراح بقا الغريب! على الرغم من أننا انفجرنا ضحكا. ذهبنا جميعا بأفكارنا ~~إلى الكيفية التي سيستثمر بها بقا إمكانات الفكي في الحفظ السريع. لكن، هنالك مشكلة أخرى ~~وهي أن الفكي لا يقرأ ولا يكتب ولا يفهم ما يحفظ، فهو مثل المسجل الإلكتروني لا أكثر، ولو ~~أنه يحفظ ما يسمع بأي لغة كانت، حتى ولو كان نباح كلب، فهو يحاكي أصوات الحيوانات والطيور ~~كلها وكأنه من ذات الفصيلة. فقط تبقى لنا أن نعرف كيف سيصنع بقا من الفكي نجما، إذا تذكرنا ~~شيئا محبطا آخر؛ وهو أن الفكي كذاب ولا يمكن أن يوثق ms65 به، وأنه غير مستقر نفسيا! قال بقا ~~سيأخذ منه ذلك ما بين ستة أشهر إلى سنة من الآن: الموضوع عايز شوية تعب. # فض الاجتماع على صراخ أمي من خلف الحائط، شاكية من الأولاد الشياطين: حسكا وجلجل ~~اللذين قلبا حياتها جحيما، إنهما لا يسمعان الكلام. ولا تدري أين ذهب الفكي وأين ذهبت ~~أمهما، قالت: شردوا وخلوا لي العيال. # وأضافت بصورة واضحة وجلية: إذا تأخرتوا تلقوني كتلتم (قتلتهم)؛ ديل خربوا البيت ~~خراب! # الطفلان اللذان يكادان أن يكونا في عمر واحد: الطول نفسه الحجم نفسه والملامح، الصلعتان ~~نفساهما، اللتان أنجزهما لهما أبوهما الفكي بماكينة حلاقة أبي الأثرية ... النزق نفسه، ~~الشيطنة، النهم وحب الاستطلاع. إلا أن أحدهما يكبر الآخر بعام كامل - حسب إفادة الفكي - ~~فيمكن تقدير عمريهما ما بين السنة الرابعة والخامسة. # قاما بقلب كل منقولات البيت رأسا على عقب في فترة من الزمن لا تتعدى ربع الساعة، حيث ~~خرجت أمي لشراء رغيف من أجل وجبة الغداء. وكانت قد أغلقت باب الشارع عليهما جيدا؛ خوفا من ~~أن يهربا ويجدهما من يضر بهما، خاصة أنهما خلعا ملابسهما جميعا وبقيا عاريين كما ولدتهما ~~نونو. تعفرا في التراب وأصبحا مثل شبحين خرجا لتوهما من القبر. أكثر ما أثار غيظ أمي ~~وأغضبها أكثر هو أنهما حطما زجاجات العطور البلدية التي كلفت أمي الكثير في إعدادها وأنها ~~تحتفظ ببعضها منذ زواجها، تريد أن تورثها لي عندما أتزوج. قد أكلا بعض الدلكة أيضا، وشربا ~~جرعات لا شك أنها كبيرة من عطر «الخمرة» البلدي قبل أن يدلقاه على الأرض؛ لذا كانا شبه ~~سكرانين أو أنهما كانا في حالة سكر تام. أصبحت رائحة البيت مثل خدر العروس. في الحقيقة جعل ~~ذلك أمي تتذكر يوم عرسها، فبكت بكاء مرا، بكت كما يبكي سكران مبتدئ. همس بقا في أذني: ~~الميثانول! # كان الأبوان قد اختفيا قبل ذلك الحفل بساعتين، خرجا في غفلة من أمي. لم يسرقا شيئا، ~~تفقدنا كل حاجيات البيت، وجدناها كما هي. كان الطفلان يلعبان لا أكثر، أو قل: إنهما أقاما ~~عرسا وحشيا ms66 بديعا، شاركت فيه كل أدوات المنزل، عطور أمي، الأغذية المحفوظة في الثلاجة، ~~صنابير المياه، التلفاز الكبير والأصص التي كانت قبل ساعات قلائل تحتوي في أحشائها على ~~نباتات زينة حية جميلة ومخضرة. قمنا بغسلهما ... ألبسناهما ملابسهما النظيفة ... أعطيناهما حلوى ~~حتى يكفا عن البكاء والصراخ؛ لأن أمي ضربتهما ضربا مبرحا وهي في حالة ثورة ~~وجنون. # لم يسألا إطلاقا عن أبويهما. كانا يأكلان كل ما تقدمه لهما أمي التي يبدو أن ثورة غضبها ~~قد انتهت إلى ثورة رحمة مفاجئة. كان نصيبنا منها غداء جيدا وشايا بالنعناع. أتينا بعربة ~~المنظمة اللاندكروزر لنأخذهما إلى دار الرعاية بالمياقوما، وهي إحدى الملاجئ الرحيمة التي ~~تستقبل الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية واللذين أعمارهم فوق الرابعة. لقد أراحنا الله من ~~مسئولية الأبوين، طالما هربا بإرادتيهما، وخاصة ذلك الشرير الأكبر الفكي. ولو أننا بفقدنا ~~له نكون قد فقدنا مرة أخرى أول الخيط لموردي الميثانول، وتعود قضية البحث إلى المربع الأول. ~~إلا أن الخير كله في إنقاذنا لحياة الطفلين الشقيين، وقد يصادفان مستقبلا مختلفا عن الذي ~~كان يتربص بهما في مجاري المياه بأم درمان. إلا أن أمي فاجأتنا قائلة: خلوا الأولاد هنا، ~~أنا عايزاهم يومين تلاتة يكونوا معاي! # قلت لها وقد أغضبني انقلابها المفاجئ: يا أمي وطني نفسك، خلي عندك رأي واحد. لدى أمي ~~فلسفة في تغيير الآراء؛ حيث إنها تعد الإنسان السليم هو الإنسان الذي لديه المقدرة على ~~الاقتناع بالأفكار الجديدة التي تطرأ عليه، والعمل وفقا لها فورا، ولديه مقدرة أكبر في ~~ألا يتحرج من ذلك ... بل أن يدافع عن أفكاره الجديدة. وهي تعد نفسها إنسانة سليمة. تحدثني ~~أيضا عن كتب قرأتها في هذا الشأن، عن فليسوف غريب له باع في منهاج التفكير الإيجابي. لكن ~~بيني وبين نفسي أميل لفكرة أن وراء تردد أمي وتغييرها المفاجئ لآرائها عنصرا مرضيا. ~~ربما هي آثار ثانوية لنوبات الإحباط التي تداهمها أحيانا، إنني لحد ما، ورثت عنها تقلب ~~الآراء. # قالت وهي لا تعير غضبي اهتماما كعادتها: خلي صحتهم تتحسن شوية ويمكن أخلاقهم تتحسن ~~برضو. هم ms67 أطفال لا ذنب لهم ... أطفال في غاية الذكاء والبراءة. خلينا نساعدهم شوية، هم شياطين ~~أولاد كلب لكن ذنبهم شنو؟ # ثم سألتنا إذا كنا لا نريد الشاي بالنعناع مرة أخرى. على بقا أن يقوم باللعب مع الطفلين ~~لعبة الرسوم التي يحبانها، هذا إذا لم يكن لديه شيء آخر يفعله، أو أنه لا يريد أن يذهب إلى ~~بيته الآن. # | إخوان في الرضاعة # حدثنا الفقيه المتشرد حكايات لا أدري مدى صحتها، لكننا اتفقنا على ألا نكذبها تماما وألا ~~نصدقها تماما وأن نترك مهمة تصديقها وتكذيبها للأيام. قال الفكي في تلك الليلة التي قضاها ~~معنا في البيت، بينما نحن نحاول أن ننتزع منه معلومة مفيدة قد تقودنا إلى معرفة مصدر ~~الميثانول القاتل: إن بعض المتشردين سرقوا جركانتين من الأسبرت من متجر لتركيب العطور من ~~السوق الشعبي بالخرطوم، وقاموا ببيع الكمية بوحدات أصغر في قارورات المياه الصغيرة جدا، ~~بعد أن أضافوا إليه جركانتين أخريين من المياه؛ مما جعل لونه أغبش. باعوا القارورة الواحدة ~~بجنيه واحد؛ نسبة لأن هذا المبلغ كان كبيرا جدا بالنسبة للمتشردين الذين لا يعملون، لا ~~يسألون الناس ولا يسرقون، فإن كل قارورة اشترك في شرائها أكثر من متشرد أو طفل. هذا حدث في ~~الخرطوم، بل أكد لنا أن البعض تحصل عليها من غير نقود، ولم نسأل كيف. ~~- كويس بحري جاها من وين؟ ~~- أم درمان جاها من وين؟ # قال إنه اشترى من أمه، أمه اشترت من الأسطى، أين الأسطى؟ هو لا يعرف له سبيلا، الأسطى هو ~~صديق أمه، وأمه دقست واتلحست. # هو أيضا لا يعرف شيئا عن المتجر الذي سرق منه المتشردون الميثانول، كل ما يعرفه عنه ~~أنه في السوق الشعبي بالخرطوم. بقراءة بسيطة لمحكيات الفكي تثار أسئلة مهمة: # أولا: كيف عرف الفكي أن اللصوص أضافوا جركانتين أخريين إلى الميثانول؟ لماذا لم تكن ~~ثلاث جركانات أو أربع؟ # من أين للفكي بالمال الذي يشتري به الميثانول؟ # هل هنالك حقا شخصية اسمها الأسطى غير الفكي ذاته؟ # لماذا كان الفكي مختبئا في الحديقة مع الجثث وفضل ms68 الموت جوعا على أن تقبض عليه ~~الشرطة؟ # ألم يقر الفكي أنه أول من باع الميثانول للشباب؟ # ما هي حكاية أمه التي دقست واتلحست؟ # لماذا تتدقس وتتلحس الآن؟ # هل هؤلاء الأطفال أطفاله حقا؟ # هل نونو هي زوجته فعلا؟ # هل هي زوجته فقط؟ # ما هو دور الفكي في كارثة موت مئات المتشردين بالميثانول؟ # هل هنالك من يعمد على التخلص من الفكي؛ لأنه يمتلك خيوطا قد تقود إلى جرائم ارتكبها هو ~~أو ارتكبها آخرون يجب حمايتهم؟ # ووجدنا أنفسنا فيما يشبه فيلما بوليسيا معقدا، أو دوامة من الاحتمالات لا قبل لنا بها ~~ولا مقدرة أو وقتا لدينا لحل طلاسمها؛ مما وضع الأمر برمته في حيز الاستحالة، وأصبنا ~~جميعا بالإحباط واليأس. مما زاد الأمر تعقيدا هو اعتقال صديقنا الصحفي الباشا وحجزه من ~~قبل جهة غير معروفة: # لا هي جهاز الأمن الوطني. # لا هم رجال الشرطة. # ليست الاستخبارات العسكرية. # وليسوا الشعبي. # ليسوا القوات المسلحة. # ليست شرطة النظام العام. # ليسوا قوات أب طيرة. # ليسوا قوات الدفاع الشعبي. # ليست قوات حرس الحدود. # ليست شرطة الدفاع المدني. # ليست القوات الخاصة لمستشاري ونواب الرئيس. # ليست الشرطة الشعبية. # لقد طرق أصحابه، الناشطون الإنسانيون، وكثير من المحامين، كل تلك الأبواب الخشنة، فكانت ~~إجابتهم واحدة: ليس لدينا اسم كهذا، بل لم نسمع به إطلاقا. # من هنا نتج خوفنا عليه، لدينا خوف طبيعي من الأجهزة الأمنية، وهو أمر مستحب ومقبول ولا ~~عيب فيه. ولدى أمي حكمة جيدة في هذا الموضوع فهي دائما ما تكرر: # الما بخاف من الحكومة، ما بخاف من الله. # وهي توءم لحكمتها الأخرى: # الما بخاف من الله، خاف منه. # وهما أختان صغيرتان لحكمتها الكبرى: # الخواف ربى عياله. # أما خوفنا الأعظم فهو من الأجهزة غير الحكومية التي قد لا يكون خلفها قانون أو أي نوع من ~~الرقابة أو المحاسبة مهما كانت ضئيلة وغير فاعلة، وهي جهات متطرفة أقرب إلى فرق ~~الموت! # قررنا جميعا أن نترك موضوع المجزرة جانبا، وأن نقوم بعملنا الروتيني في حماية ما تبقى من ~~أطفال ومتشردين. أن نعمل على ms69 عودتهم للمنظمة كما هو في السابق ... حيث يتناولون الإفطار، ~~يغسلون ملابسهم، ويستحمون إذا أرادوا، ثم يعودون للشارع! للأسف هو المكان الذي يفضلونه على ~~غيره. تعلمنا من خلال عملنا الطويل مع المتشردين، أنهم لا يحبون أن يحجزوا إطلاقا في ~~أي مكان كان، حتى إذا توافرت لهم فيه كل سبل العيش. إنهم تواقون للحرية ويدفعون ثمنها بكل ~~سخاء، الحرية بفهمهم الخاص، الذي تكون من الأزقة، المزابل، المطاردات اليومية من قبل حملات ~~الشرطة، المخازي، المآسي، الخيانات، الاغتصاب، الجوع، التسمم المزمن، التسمم الحاد، والقتلة ~~المجهولين. مع شروق كل شمس مخافة أو فكرة تستهدفهم. هم صامتون في عفنهم اليومي وحزنهم ~~المقيم، يكونون آراءهم في الحرية: الرأي الذي لا يستطيعون التعبير عنه إلا بالهروب المتواصل ~~والانكماش في الذات، عندما يصبح الآخر، كل الآخر عدوا، تصبح الذات هي الملاذ الوحيد ~~الآمن. # العمل الروتيني ليس بالسهل في هذه الأيام، حيث اختفى المتشردون تماما. كان عددهم يقارب ~~20 ألفا، إما أخذوا في الحملات اليومية، أو اعتقلوا لتهم غير واضحة ومبررة، أو اختبئوا في ~~المجاري والغابات البعيدة عن يد الشرطة، أو أنهم قتلوا بالميثانول. كثير منهم هرب خارج ~~مدينة الخرطوم، قيل إنه تم ترحيلهم إجباريا. البحث عنهم قد يقود إلى صدام مع جهات ذات ~~قوة ونفوذ لا قبل لنا بها. في واقع الأمر نحن نتجنب الدخول في صراع مع أي جهة كانت، نحب أن ~~نقوم بعملنا بهدوء وصبر وأمان، فليست مسئوليتنا أن نغير العالم في ليلة وضحاها، ولسنا أيضا ~~الوحيدين المسئولين من ذلك، والتفكير بهذه الطريقة هو المخرج الوحيد لنا من الأزمات ~~النفسية. قد تدربنا على ذلك، إلا أننا كنا دائما ما ننسى ما تعلمناه في غرف وحجرات التدريب ~~إلى ما تعلمناه ونتعلمه يوميا في الحياة من صراعنا ومعاناتنا اليومية، أو ما ورثناه من ~~قيم إنسانية غير معيارية؛ أي أننا لا نستطيع أن نفرق بين ما هو واجب عملي نأخذ عليه أجرا ~~شهريا، وبين ما هو واجب إنساني علينا القيام به، بدافع وجودنا في هذا الكون معا. # كنا محبطين وحزانى ms70 ... لم نستطع أن نخرج من جحر تأنيب النفس والضمير، ودائما ما نجد سببا ~~لذلك. كنا نحس بالتقصير، بودنا أن نفعل أكثر من ذلك. هناك آلاف الفرص التي إذا كنا قد ~~استغللناها بصورة مختلفة لحققنا نتائج أفضل ، ولكان الواقع أفضل مما هو عليه الآن ولو بنسبة ~~ضئيلة. اقترحت دكتورة مريم أن نخرج من جب الأحزان هذا وأن نرفه عن أنفسنا، بأن نذهب في ~~رحلة جماعية إلى مكان بعيد عن العاصمة البائسة. كان اقتراحا وجيها جدا، لكن من يحمينا ~~من المتشائمين، مثل الأستاذة حكمة رابح التي عندما اتصلنا بها تليفونيا لكي تنضم إلينا ~~قالت: إذا كانت عندكم قروش ما عايزنها، أنا بعرف طالبات فقيرات ما عندهم حق الفطور، ~~ويحتاجون لكتب ودفاتر للمحاضرات. # كانت تتحدث بجدية غريبة، قلت لها: نحن لسنا مسئولين عن حل مشاكل الشعوب السودانية، الدولة ~~هي المسئولة، وزارة الرعاية الإنسانية، مثلا: ما تعكري مزاجنا ونحن ماشيين الرحلة، بلاش ~~مثاليات، بلاش كلام فارغ. # قالت إنها ستحضر، ما لشيء إلا لتعكر مزاجنا أكثر ... وقالت: ح أجيب معاي الشاعر عثمان ~~بشرى! # ومن الذي يخاف عثمان بشرى؟! فليأت الشيطان ذاته، ربما تكون هي جادة فيما تقول، لكنها ~~تشير أيضا لحادثة غير حميدة حدثت لنا في رحلة سابقة كان عثمان بشرى طرفا فاعلا فيها. ~~للذين لا يعرفونه هو شاعر مجيد لكنه يفعل كل شيء وفقا لقوانين تخصه هو، لقد شتم شرطيا - ~~ولا يفعل ذلك شخص طبيعي كامل الأهلية، كما تقول أمي - عندما طلب منه شرطي النظام العام، إما ~~أن يبتعد قليلا عن سيدة جميلة كان يجلس قربها في الحديقة العامة، أو أن يبرز له قسيمة ~~الزواج أو شهادتي الميلاد أو البطاقتين الشخصيتين اللتين توضحان أنهما أخوان، وذلك وفقا ~~لقانون النظام العام: ودا ما من راسي يا زول! # فقال له عثمان بشرى: إن البنت التي يجلس لصقها الآن، هي أخته في الرضاعة. لأنه لا يمكن ~~إثبات ذلك؛ طلب من الشرطي ترك ما يريبه لما لا يريبه، وهي قاعدة فقهية لا غبار عليها، ~~وعثمان بشرى ذو الخلفية ms71 الدينية، أدرى بها. فقالت له السيدة الجميلة الناهد المعجبة بنفسها ~~كثيرا، وبصدرها أكثر، بينما تفوح منها رائحة عطر نسائي ساحر: في إمكانها إثبات ذلك الآن، ~~بأن ترضع عثمان بشرى ثلاث رضعات مشبعات أمام الشرطي، وبشهادتنا نحن الحضور جميعا، ~~بذلك تصبح أخته وأمه أيضا في الرضاعة! فاعتبر الشرطي أن ذلك ليس سوى تلاعب مكشوف ودعارة ~~بينة، وأنه ليس أكثر من حق أريد به باطل. في الحقيقة كان الشرطي رجلا عاقلا وسيما أسود ~~ذا ذقن حليقة بإتقان ... كان يستخدم المنطق والحوار، لا يحمل معه بندقية ولا حتى سوطا من ~~الجلد، يجادل عثمان بشرى بالتي هي أحسن، واضعا على فمه الدقيق ابتسامة لا بأس بها. لكن ~~عثمان بشرى فاجأنا بأن شتم الشرطي! هذا يعني أن الرحلة انتهت، وعلينا الهرب بأسرع ما يمكن، ~~ولو أن الشرطي قبل اعتذارنا إلا أنه لم يتنازل عن أخذ عثمان معه للقسم الأوسط، متهما ~~إياه بالسكر البين. أكدنا له أنها رائحة فمه الطبيعية وأنه لا يتناول الكحول. إلا أن ~~الشرطي أخذ يتصل بالرقم 999 عبر تليفونه النقال؛ مما عجل بهروبنا جميعا بما فينا عثمان ~~بشرى، الذي اختفى كما تختفي الريح بين العشب. # حسنا، وافق الكثيرون على الرحلة، تبرعت لنا أمي بخروف، لكنها تريد أيضا أن يكون هذا ~~الخروف سماية، إنها تريد أن تغير اسمي الطفلين، من حسكا وجلجل، إلى جلال وحسبو، وتخرج ~~لهما شهادتي تقدير العمر. لا أحد يعرف الاسم الحقيقي للفكي، ويستحيل معرفة اسم أبيه أيضا، ~~كما أننا نشك أيضا في أبوته لهذين الطفلين، وهذا لا يمنع أن ندعوهما له. أما الأم فكان ~~أمرها أيضا غريبا ومضللا، فهي ليست سوى نونو، هل يحق لنا أن نبتكر لها اسما كاملا ~~يتكون من اسم لها ولأبيها وجدها؟ # ما قانونية ذلك يا أستاذتنا حكمة رابح؟ # | ذاكرة المؤلف # الفصل القادم هو الفصل الأخير في هذه الرواية، بالتالي أريد أن أنتهز هذه الفرصة ككاتب ~~للرواية - وأظن من حقي الأدبي أن أنتهز الفرص في رواية أنا أحد كتابها - أن أعتذر ~~للشخصيات التي استخدمتها في ms72 هذه الرواية، الذين لم أستشر منهم سوى شخصية واحدة وهي شخصية ~~سلوى؛ الساردة الأساسية في الرواية. لقد أعطيتها الفرصة كاملة لأن تعبر عما يجيش بخاطرها ~~تجاهي من حب وكراهية وبعض ما لا يقال مرتين، لكنها أيضا لم تحسن القول، أو قل: إنها أخفت ~~بعض الحقائق التي ربما تحسن من صورتي الشخصية أمام القراء، وحملتني مسئولية فشل العلاقة. بل ~~لا تغيب عن فطنة القارئ أنها أشارت في غير ما موقع أنني انتهازي، وهي صفة أكرهها، لكن كما ~~يقول أستاذنا الروائي عيسى الحلو: «من بعض مهام الكاتب أن يحافظ على نفسه.» ومن هذا الباب، ~~أستمد الحق بأن أدفع عن نفسي، وأحكي أيضا لكم كيف تعرفت بي سلوى. # لا أظنها ستنكر ما قالته لي بنفسها ذات صفاء، عندما كنا عاشقين هائمين ببعضنا حد ~~الجنون، في نزوة تلك المحبة تصارحنا بصورة فظيعة وجميلة. كانت تشاهد التلفاز، وهي إحدى ~~العادات التي اكتسبتها منذ تخرجها من كلية البيطرة: القراءة ومشاهدة التلفاز. كانت تطوف على ~~القنوات المحلية والعالمية، تختار ما يتناسب واستعدادها النفسي لمشاهدته، إلى أن عثرت على ~~رجل في منتصف العمر، يحاوره مذيع ضليع فصيح، في قناة محلية، يتحدثان بجدية في موضوع الأدب، ~~قالت: عجبتني في اللحظة اللي شفتك فيها، قبل ما أعرف أنك بتتكلم في شنو. # حسنا، إلى الآن لا توجد أي مشكلة، لكنها أضافت لنفسها: هذا هو الشخص الذي أبحث ~~عنه. # أيضا لا أظن أن بالأمر مشكلة ما، لكنها أكدت لنفسها - أنا أحاول أن أتذكر جملتها بالنص: ~~سأحصل عليه مهما كلفني ذلك: بالحلال، بالحرام، بالحسنى، بالقوة، بأي طريقة كانت! سيبدو ~~الأمر أيضا عاديا لولا أنها قررت بينها وبين نفسها، في حال فشلها في اصطيادي، أنها سوف ~~لا تتجرأ في أن تستخدم ضدي أعظم سلطة أعطيت للمرأة، وهي السلطة التي سجد لها إبليس - ~~حدث ذلك سرا قبل أعوام كثيرة، وكنت أحد شهود العيان - الذي رفض أن يسجد لآدم من قبل: ~~سلطة الجسد. # أول ما التقينا، بعد مكالمات كثيرة، في الخرطوم عند بيت أختها الكبرى بأم ms73 درمان، على بعد ~~أمتار قليلة من مبنى المحلية. كعادة أم درمان في أوائل فصل الشتاء، كان اليوم مغبرا، تدور ~~الأتربة في شكل دوامات صغيرة، نسميها نحن في القرى: صفارة الشيطان، فتحمل معها ~~الأوراق، أكياس البلاستيك الفارغة، والأتربة المكدسة على جوانب الطريق، المبعثرة على ~~الأسفلت. تحمل كل شيء وتعيد توزيعه: على وجوه الناس، العربات الفارهة، أسطح المنازل، أسفلت ~~آخر، وكل ما يلتقي به الإعصار الصغير. كنت نظيفا أنيقا، كأنني في موعد غرام، لولا أن ~~صادفتني صفارة الشيطان فور هبوطي من الحافلة، ملأت فمي بحفنة من الغبار المشحون بوسخ ~~المدينة وأمراضها، دخلت مطعما قريبا غسلت وجهي. طرقت الباب، عرفتها مباشرة، كانت ترتدي ~~فستانا قصيرا جميلا مرقطا مثل جلد النمر، يظهر ساقين جميلتين بل مدهشتين، لم تحدثني ~~عنهما بالتلفون إطلاقا، على الرغم من أنها حدثتني عن أشياء أقل قيمة عندي، مثل عينيها. ~~أنا أحب العطر، أحب أن أشمه في المرأة، عبر كل مسام جسدي المنغلقة بالغبار الأم درماني، ~~تسلل عطرها إلى مجرى دمي. كان صدرها معمولا بحيث ينتفض معلنا عن أنثى مثيرة، أعدت نفسها ~~لتقتلني بالدهشة والشبق، ألا يكون لدي حل آخر غير الإعجاب بها، وأنا أرمل في منتصف عمره، ~~رقيق القلب مل الكتب وصرير الأقلام؟! هذا ما حدث، أخذت بجسدها، احتضنتني برقة وحميمية؛ ~~مما أكد لي أنه لا يوجد شخص مضجر في هذه اللحظة بالمنزل. في الصالون الأنيق، بعد لحظات ~~قلائل لدخولي قدمت لي زوج أختها، ثم أختها، ثم أمها، ثم انسحب الجميع. ثم مضيت أنا أيضا ~~أخوض في أغبرة أم درمان، تسلمني صفارة شيطان لأخرى. وكان يغمرني إحساس واحد ساخن وعنيد: تلك ~~المهرة لي، سأحصل عليها مهما كلفني ذلك: بالحلال، بالحرام، بالحسنى، بالقوة، بأي طريقة ~~كانت! # إذا شئت أن أحدثكم عن عبد الباقي صديقي، هو شخص في واقع الأمر - أي خارج هذا النص - له ~~شخصية مختلفة، لا أعني أن شخصيته أفضل أو أسوأ، هذا ليس من اختصاصي ولا اختصاص الرواية، كما ~~أن المثالية العالية، التي ظهر بها هنا، هي مثالية مبالغ ms74 فيها كثيرا بالنسبة لشخص لا يؤمن ~~في الواقع بغير طموحه الذاتي المتمثل في المعرفة. وهو أيضا تقي ومتدين وله بعض الميول ~~الصوفية الواضحة. كما يرجى وينتظر من شخص مثله أن يكون محبا للشعر والنساء. هو ~~أيضا أعزب ولا ينوي الزواج قريبا ما لم يتحصل على عمل ثابت بدخل معقول وزوجة تعمل في ~~وظيفة ما: امرأة لا يشترط فيها أن تكون جميلة بصورة قاطعة في ملامحها الخارجية، لا يقترح ~~لها لونا محددا، لا وزنا ولا عينين تشبهان شيئا ما. يريدها متعلمة وتخرجت في جامعة ما، ~~طيبة، تحترم أمه كبيرة السن، تقبل أن تقيم معها في البيت. بإمكانها أن تنجب أكبر عدد ممكن ~~من الأطفال، ليست تماما مثل أمه التي أنجبت أربعة عشر طفلة وطفلا، لكن امرأة تنجب وسعها. ~~لا يكفر بقا بما يسمى تنظيم النسل أو التخطيط الإنجابي، يؤمن بأن كل طفل سيولد برزقه. لكن ~~الشرط الأهم، أنه لا يمتلك مالا للشيلة أو مهرا أو ما ينفقه للولائم والضيوف. كل ما ~~يستطيع أن يقدمه لها هو الاحترام المتبادل، ماء حيويا طازجا، يضيف: الصبر عليها في ~~السراء والضراء. قلت له: إن معظم النساء اللائي نعرفهن بهذه المواصفات، ويقبلن بشروطه ~~تلك. # قال في جد: إذن، أنت لم تفهمني يا صديق! # ظل عازفا عن الزواج إلى اليوم. أريد أيضا أن أقدم اعتذارا خاصا للأستاذة حكمة رابح، ~~التي تم ذكر اسمها عدة مرات في هذه الرواية، لكنها لم تنل دورا كبيرا يليق بمكانتها ~~الطبيعية خارج الرواية أو على الأقل بمكانتها عندي. فهي صديقة عزيزة لي، ولزوجتي سابقا ~~وأطفالنا أيضا أصدقاء، ودرسنا معا بكلية الآداب جامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية. هي ~~فلسطينية من ناحية الأب، مصرية من ناحية الأم، تحمل الجنسيتين. التقينا بعد ذلك كثيرا في ~~القاهرة، عمان وفرانكفورت. أحيانا صدفة، أحيانا بتدبير متعمد من أطفالنا، فزوجها متوفى، ~~زوجتي أيضا متوفاة. لها بنت وولد، ولي ولدان وبنت اسمها مريم. أنا تفصلني شهور قلائل عن ~~الخمسين، هي في العام القادم سيصبح عمرها ثمانية وأربعين عاما. حكمة رابح ms75 نوع المرأة التي ~~تجذبك بطريقة لبسها أولا، ثم عندما تكتشف أن بعينيها غربة وسحرا، وتكسبك تماما إلى صفها ~~إذا حدثتك. جمعتنا في الماضي الجامعة، ثم موت الزوجين، ثم العلاقة الجميلة التي بدأت تنمو ~~بين أطفالنا. أما ما يجعلنا مختلفين لكن بمحبة هو إشكاليات الهوية، حيث كان يغيظها جدا أن ~~أعلن لها كلما دعا الأمر أنني كاتب سوداني أكتب باللغة العربية، ولست كاتبا عربيا؛ لأنني ~~ببساطة لا طاقة لي أن أتحمل الإرث العربي الثقيل، بدءا بحروب البسوس، داحس والغبراء، ~~انتهاء بالحروبات العربية الإسرائيلية ومآلات القضية الفلسطينية، مرورا بتفجيرات سبتمبر، ~~حرب دارفور، احتلال العراق، معارك جبال النوبة، النيل الأزرق، وما سوف يلي هذا وذاك. وأرى ~~بصورة واضحة وجلية أن دخول السودان للجامعة العربية ما هو إلا ورطة حاكها السيد جمال عبد ~~الناصر لأغراض تخص الأمن القومي المصري لا أكثر، وهي الآن تؤجج الصراع السوداني ~~السوداني القائم على اختلاف المفاهيم في مسألة الهوية؛ أي تم حسم المسألة دون استطلاع ~~لآراء الشعوب السودانية ... هذا كله لا يهم. لولا أنني في ذلك الحين كنت أرتبط بعلاقة جادة مع ~~سلوى عبد الله؛ لتزوجت حكمة رابح في عيد ميلادها الخامس والأربعين، فقد كانت المرأة الصحيحة ~~لي، وأنا أكثر ما يناسبها من رجال، ذلك حسب قولها؛ لذا ظللنا أصدقاء على خلفية باهتة من ~~المحبة وظلال الاشتهاء. الشخصية الأخرى التي لا تختلف في واقعها كثيرا عما هي في الرواية، ~~بل يكاد أن يتطابق السردي فيها مع الواقعي، هي شخصية الشاعر عثمان بشرى. ربما الاختلاف ~~الوحيد بين الشخصيتين أن عثمان بشرى الحقيقي لا يكتب الشعر أو الرواية أو أيا من أصناف ~~الأدب، له اهتمامات بالتصميم الهندسي والفن التشكيلي. أسوأ ما فيه ليست مسألة السكر، لكن ~~سعيه الدءوب نحو التغيير بأي صورة كانت! هذا ما يجعله كل ستة أشهر ينتمي لحزب سياسي مختلف. ~~وهو الآن ترك كل شيء وانضم لجيش التحرير الوطني بإحدى صحاري دارفور: نصف إسلامي، نصف علماني ~~ومجنون كامل! يتصل بي من وقت لآخر، يسأل عن أمه وبعض أقاربه. ms76 # الفكي المتشرد رجل تعرفت عليه بينما كنت أعمل في منظمة بلان سودان بمدينة خشم القرية. ~~رجل يعاني من شلل الأطفال في رجله اليسرى، لكنها تعيقه من المشي بصورة مرعبة، مؤثرة على ~~رجله الأخرى السليمة، بل أصبح جسده كله مائلا لجهة اليمين - «أفكاره تميل دائما لليسار» - ~~حتى فمه وأنفه وعيناه، وكتفه يميل كثيرا إلى جهة اليمين، كأنه يضع عليه حملا ثقيلا يجذبه ~~للأسفل. بهذا الشكل الغريب غير المألوف، يعمد دائما على البقاء في المنزل ولا يخرج إلا ~~للضرورة القصوى؛ لذا يحتفظ في حجرته الصغيرة بعدد من الحجارة الرخامية الملساء، كل منها ~~يمثل أحد أصدقائه الحميمين، من بينهم حجر كبير أسود: هو أنا. لهذا الفقيه المتشرد - أنا ~~الذي أطلقت عليه هذا اللقب، فاسمه الحقيقي الطيب أوهاج - عادة غريبة، فهو عندما يغضب من أحد ~~أصدقائه لأي سبب كان، مهما كان بسيطا تافها، فإنه يعاقب صديقه بالبول عليه. إذا كان غضبه ~~كبيرا جدا، قد يغوط عليه مرارا وتكرارا ... كم هي الحجارة الملوثة ببوله وبرازه مرمية ~~خلف حجرته الصغيرة! أما إذا تشهى إحدى صديقاته فلا محالة أنه يستمني عليها، ويترك سائله ~~هنالك إلى أن تيبسه الشمس الحارقة. يعجبني فيه أنه لا ينسى أي حدث مر به، أو كلاما سمعه، ~~أو أحد أصدقائه مهما أساء إليه. كان دائما ما يشكو لي من ذاكرته: إنها تؤلمني، إنها مليئة ~~بكل شيء، الصالح والطالح، أحس بها ستنفجر في يوم ما، أريد أن أنسى. كان يكثر من شرب العرق ~~إلى أن يغمى عليه من السكر، لا يمكنك أن تكرمه إذا لم توفر له بعض زجاجات العرق البكر. ~~ورث عن أبيه مالا كثيرا، لديه أختان ثريتان جميلتان. # حسنا، فلننظر لشخصية أخرى، السيدة نونو التي ظهرت في ذاكرة الخندريس كزوجة أو ما شابه ~~ذلك للفكي المتشرد. هي سيدة أيضا عادية، كل ما أذكره منها فعلتها تلك التي كررتها في فصل ~~منطق الجسد. لا أدري أين هي الآن وماذا تفعل، لكن سمعت بعض قريباتي يتحدثن عن ابنة لها ~~تزوجت وأنجبت أطفالا في إحدى ms77 قرى مدينة القضارف. # أما التوءم، فأنا أدين لهما باعتذار بالغ، لقد استخدمتهما فيما سبق في روايتي «الجنقو ~~مسامير الأرض»، باسمي عبد الرازق وعبد الرزاق. كثيرون منكم يذكرون ذلك. واسماهما الصحيحان ~~هما: حسن وحسين، أصدقاء طفولتي في مدينة القضارف. في الحقيقة هما أعداء طفولتي، كلما أحاول ~~أن أتخلص من ذكراهما بكتابتهما، يقفزان مرة أخرى إلى وعيي. لم تكن علاقتي معهما حسنة، كانا ~~يجيدان المصارعة والرمي بالحجارة، وكل فنون القتال الصغيرة التي تناسب أعمارنا؛ لذا دائما ~~ما كنت أخرج من معركتي الصغيرة ضدهما مهزوما ويسيل الدم من رأسي ومنخري. كانا لا ينهزمان ~~ولا يكفان عن الشجار بل يفتعلانه، ولم أستطع طوال فترة طفولتي أن أبتكر وسيلة تحميني ~~منهما. ~~- الهرب؟! # كانا مثل صاروخين من الريح، يدركاني دائما قبل أن أقترب من باب بيتنا بمسافة كافية ~~تفصلني عن كل سبل النجدة المحتملة. ~~- العض؟! # يمتلكان أسنان سمكة قرش وأظافر قطط، ويردان لعضتي بقرمتين من لحم الكتفين، كل ~~بجهة. ~~- الصراخ؟! # كانا مثل شيطانين قدا من هزيم الرعد وفساء الشياطين، قد صرخا مرة في أذني - كل من ~~جانب - إلى أن أغمي علي. ~~- الرفس؟! # كانا مثل جحشين وحشيين من فصيلة منقرضة، يرسلان الركلات من كل جهات الدنيا وبكل الأوضاع، ~~لا يفرقان بين ما هو رأس وما هي كلية أو ساق، ينزلان بي من الأذى ما يجعلني ألزم السرير ~~أسبوعا كاملا. # الحل الوحيد أن أمتثل لطرائقهما في التفكير وأذعن لأمرهما بأن أدفع لهما الجزية اليومية: ~~نصف وجبة إفطاري اليومي، أو نصف سعر الإفطار. بعد ذلك قد يلعبان معي، يضحكان ويحكيان لي ~~حكايات ما أنزل الله بها من سلطان، مثلا كيف يتحولان لقطين أو عقربين وأحيانا عفريتين من ~~الجن، ولقد قالا لي ذات مرة: إنهما تحولا إلى رجلين عجوزين! حكاياتهما هذه أحيانا ترعبني ~~بقدر ما تفعل رفساتهما. ربما لهذا السبب انتقمت منهما وصورتهما بتلك الصورة البشعة في هذا ~~النص كمتشردين عفنين متسخين قذرين، وحبستهما في رواية «الجنقو مسامير الأرض» في سجن ~~بالحمرة بإثيوبيا، وجعلت أحدهما يطلق الهواء من دبره مثل ms78 آلة الضغط الهوائي «كمبرسون»، ~~تماما كما كنت أطلق الهواء عندما يوقعان بي في إحدى كمائنهما البغيضة. أتمنى أن يكونا بصحة ~~جيدة الآن ويستطيعان القراءة - لقد تركا المدرسة في سن مبكرة - ليطلعا على اعتذاري الكبير ~~لهما! # بقية الشخصيات لا تحتاج مني إلى اعتذار؛ لأنها في الواقع ليست سوى شخصيات تخيلية بحتة، ~~ابتكرتها مخيلتي، مثلها مثل شخصية ود أمونة، وسارة، ونوار سعد، وجبارة الحفار وغيرها من ~~الشخصيات الحبرية. # على الرغم مما يبدو، على أنني قد أنهيت ملحوظاتي عن الأبطال هنا، لكني تذكرت شخصية في ~~غاية الأهمية والغنى الفني في واقع الحياة، ولو أنها مرت في هذه الرواية مرورا عابرا، ~~وأنها ستظهر ظهورا مفاجئا قبل نهاية الرواية بقليل، وهي شخصية الصحفي أحمد الباشا، الذي ~~جيء به في هذه الرواية كشخصية مشاكسة، قد فقد وظيفته من جراء سؤال أحرج إدارة الجريدة ~~وفصمها (فطمها) من إعلان تقتات عليه. الباشا في الواقع الفعلي، أي خارج رواية «ذاكرة ~~الخندريس»، رجل سياسي شرس، ومغن في غاية الرقة، ولو أنه يغني عينة تلك الكلمات التي ~~يغنيها أمير موسى، التي تجعلك بعد الاستماع إليها تسرع لأقرب متجر عطور، تشتري خمسين لترا ~~من الأثينول، تحتسيها في جرعتين كبيرتين، ناسيا أن لك كبدا قد يهلك؛ لأنك إذا لم تفقد ~~الوعي ستفقد روحك في أقرب مخفر للسلطة، إذا ما سولت لك نفسك بأن تخرج في مظاهرة غير محسوبة ~~العواقب ولا سبب لها معروف غير انفعالك الوقتي أو جنونك الطارئ. أقصد عينة الأغاني التي ~~يؤلفها شباب مثل: عاطف خيري، الصادق الرضي، طه القدال، أزهري الحاج، والمريبين عاصم الحزين ~~وعثمان بشرى. تتجنب الشاعرات كنجلاء عثمان التوم، حكمة رابح وسارة حسبو كتابة نوع هذه ~~الأغاني لرقة إنسانية ورثنها من الأم الأولى حواء وبعض الجدات اللاحقات. تتشكل عقليته من ~~حروبات وأدبيات العصر الجيفاري الحار. مثله الأعلى هذا الرجل الثائر. تعرفت عليه عن طريق ~~حبيبتي سلوى وبعض صديقاتها، حيث كن يجبرونني على حضور الحفلات التي يقيمها كجلسات ~~استماع، في مقر الحزب الشيوعي بأم درمان أو في بيته أو ms79 بيت أحد أصدقائه، أحيانا قليلة عند ~~مكتبة عم سيف سمعريت بالصحافة. بالتأكيد، أي منكم يستطيع أن يتخيل أين الباشا في هذه ~~اللحظة، وما هو المصير الذي آل إليه! إنه مفقود منذ ديسمبر 2009، لا أحد يعلم عنه شيئا ، ~~ويقال ما يقال في شأنه. البعض يؤمن به كمهدي منتظر في يوم ما سيعود، ابنتي مريم ~~واحدة من المؤمنين به. # قال لي ذات مرة، كنا قد احتسينا بعض الجن الحبشي الذي أتيت به من موقع عملي في مدينة ~~الكرمك بالنيل الأزرق، أو لربما اشتريته من أحد الموردين السريين بالخرطوم: صديقي بركة ساكن ~~(وضع العود جانبا، مسح فمه العريض وشفتيه الغليظتين من بقايا الجن) الكتابة زي الغنا يا ~~بركة (وهو ينطق حرف الراء مشددا)، ما عندها جدوى، من الأحسن نمشي نحارب؛ لأن الحكومات ~~الشريرة لا تسمع غير قعقعة الرصاص ولا تسجد إلا للبندقية. بل لا تحاور أصحاب الرأي ~~المدنيين، لا تعترف بهم في الأصل ... الرصاص، الرصاص يا صديق! # قلت له، والقهوة تلعب بعقلي الذي يظل دائما يقظا ولو أنني احتسيت خندريس العالم ~~كله: لا تنس قول المهاتما غاندي: «لا تحارب عدوك بالسلاح الذي تخاف أنت منه!» # قال، وهو يأخذ عوده فجأة، يعزف لحنا مرتجلا عنيفا بنغمة دو شرسة: ومن الذي يخاف من ~~الرصاص؟ # على الرغم من سكري البهي، إلا أنني كدت أن أنفجر من الضحك أو الخوف، شربنا كثيرا بعد ~~ذلك، غنينا أغنية لا أذكر بدايتها، لكنني متأكد أنها انتهت بجملة: «وين نتلاقى ~~تاني؟!» # نعم، تذكرت الآن الأغنية، لقد طلبتها بنفسي؛ لأنها الأغنية المفضلة لدى أمي، هي من أجمل ~~أغنيات صديقها وابن مدينتها الفنان المرحوم عبد العظيم حركة. أمي من مواليد مدينة كسلا بشرق ~~السودان. تذكرت أيضا أنني الذي غنيتها، ليس صديقي الباشا، كان يعزف لي بالعود، أنا لا أجيد ~~العزف، بل لم أجربه مطلقا؛ لأنني في الواقع أشتر في العزف، في الرقص، أشتر أيضا في ~~الغناء، أكدت بعض الحبيبات أنني أيضا أشتر في العاطفة. # ذات مرة، كنت أنا وهو وبنتي الصغرى مريم - عمرها ms80 في ذلك الوقت 13 عاما - نتجول في السوق ~~العربي، كانت مريم تريد أن تشتري حذاء لا أظن أنهم فكروا في صناعته بعد! ظللنا نبحث عنه ~~طوال النهار، بدءا من شارع محمد نجيب انتهاء بالسوق العربي؛ فأرهقنا المشي، جلسنا ~~باقتراح منه في مقهى «أتنى»، هو مقهى من مخلفات عصور الجمال والحريات في السودان، الآن ليست ~~به سوى ذكريات حقب الستينيات والسبعينيات؛ أي ما قبل أن يفكر النميري في حور وخندريس الجنان ~~الحلال. يحتفي به المثقفون بأن يلتقوا فيه أو بالقرب منه، قد يحتسون الأثينول والعرق ~~البلدي. يعشقون أيضا على ذكرى العصور الغابرات، عصور لم يعشها معظمهم، لكنهم سمعوا بها ~~وشاهدوا آثارها، مثل تلك الآلة الحاسبة الميكانيكية العجوز التي كل ما تبقى في مقهى أتنى من ~~تلك الأزمنة، وهي ما زالت تعمل. ابنتي مريم لا تحب تلك الأمكنة، كما أنني لا أدري بالضبط ما ~~تحب. كعادته، إما أن يغني أو يجادلني في الثورة التي يؤمن أنها قائمة لا محالة: ليست مثل ~~أكتوبر أو أبريل، بل ثورة لا يمكن سرقتها؛ لأننا سنحميها بالسلاح، ثورة الشعب المسلح يا ~~صديقي! أثناء حديثه كان يرتجل خلفية موسيقية رقيقة. # قلت له: أنا أفضل أن أسمع الغناء، الغناء الذي أختاره أنا، لكن ابنتي أصرت على الغناء ~~الذي يختاره هو. قد ظهر لي جليا أنها من أشد المؤمنين به، تماما مثل سلوى حبيبتي ~~وصديقاتها، بل الكثير من الشباب والشابات، أعرف أيضا بعض العجائز الذين يحبونه وهم كثر. ~~ولأنه فنان مشهور، خاصة بين المثقفين؛ تحول المقهى في لحظات إلى بيت عرس، عرس الثورة ~~المرتقبة. غنى لنا أغنيته المرعبة، التي لا أحبها أنا مطلقا: بكرة أحلى. # كانت تلك هي آخر مرة أراه فيها، أو يراه فيها أحد أصدقائه أو المعجبين والمؤمنين به، لقد ~~ذاب في الحياة مثل ذرة ملح في البحر. أعرف أنني لم أطل كثيرا، وأتمنى أن تستمتعوا بالفصل ~~الأخير من رواية «ذاكرة الخندريس»، إذا كنتم قد استمتعتم بالفصول السابقة! أريد أن ~~أذكركم بشيء أخير، وهو أنني أمارس حقي الطبيعي ms81 في الثرثرة. # | عودة البازنجر # سريعا ما ظهرت على الطفلين علامات الراحة؛ صارت بشرتهما ناعمة، نما على رأسيهما شعر ~~نظيف ناعم خال من القمل والبراغيث. أصبحا يكسبان يوميا وزنا إضافيا. هذا هو الشهر ~~الثاني لهما بمنزلنا ... لا أكثر. تعلما كيف يستخدمان المرحاض، وافتتنا بمشاهدة القنوات ~~الفضائية، خاصة اسبيس توون، إم بي سي ثري، واسبيس بور. بل أصبحت لهما أفلامهما ومسلسلاتهما ~~المفضلة. تحسنت لغتهما، تجدهما عندما يتشاجران يستخدمان لغة مثل: احذر أيها الغبي! بدلا ~~من: هيييي أوع. # وأصبحا يدعوان أمي بلفظة «ماما»، بدلا من «الجلكا». # الغريب في الأمر اكتشفنا مؤخرا أنهما توءم؛ نتيجة لمعايشتنا لهما اليومية وملاحظة نظام ~~نمو الأسنان والسلوك الذي يكاد أن يكون متطابقا. كما أن دكتورة مريم أخذتهما لاختصاصي ~~أطفال، أكد لها ذلك. هو أمر كان دائما موضع شك لدي، كنت قد أحسست أنهما توءمان منذ ~~اللحظة الأولى التي رأيتهما فيها. لكن إصرار الفكي على عكس ذلك جعلني أتجاهل ~~الموضوع. # لكن أجمل المفاجآت، وأكثرها إرباكا عندما قررت أمي وحبيبها وليد الجندي ذلك الروائي ~~الغريب، الزواج. كان هذا حدثا عجيبا وجميلا في الوقت نفسه. كنت دائما ما أفكر في سعادة ~~أمي، فقدها المبكر لزوجها، صبرها الطويل علي، ونوباتها النفسية المتكررة التي كانت بقدر ~~كبير نتيجة لفقدها والدي وحياة العزوبية الروتينية التي تعيشها. لا شيء غير الزوج يحل محل ~~الزوج ... كل الحذلقة الاجتماعية وطبيبات الأسرة لا تقنع امرأة عرفت متعة جسد الآخر، بأن ~~تستعيض عنه بالطقوس الاجتماعية وثرثرة الأهل والجيران. فالجسد يحن إلى جسد لا إلى لغة. قالت ~~لي: كل ما يعيبه كان شيئا واحدا - حدثتني أمي بخجل - إنه يتعاطى الكحول، ليس كثيرا، لكنه ~~يشرب العرق كل يوم، أليست هذه مشكلة كبيرة؟ ألا يفتت ذلك كبده، إذا لم يكن قد تفتت ~~أصلا؟ # طمأنتها بأنها تستطيع أن تجعله يقلل من تعاطيه أو يتركه للأبد، حسب مجهودها معه، طالما لم ~~يكن مدمنا، فيمكن تدارك الأمر ... ~~- لكن المشكلة الأخرى ~~- إيه المشكلة الأخرى يا أمي؟ # يصر على أن تنتقل أمي معه إلى بيته، هي لا ms82 ترغب في أن تتركني أعيش وحدي في هذا ~~البيت. ~~- ح ترحلي معاي؟ # يستحيل ذلك بالطبع، أن أنتقل معها لبيت زوجها. وهو أيضا يرفض أن يقيم معنا في البيت؛ ~~فبيتنا لا يتحمل بنتا، زوجا، أما وطفلين مشاغبين. هذه الأمور المعلقة لم تنقص شيئا من ~~سعادة أمي ونضارتها؛ حيث إنها أصبحت جميلة وندية مثل زهرة. أثبتت بالفعل أنها أجمل مني ... ~~أجمل بكثير، بل أصغر عمرا. كنت أحس كلما تجملت أمي كانت تقصدني أنا بالذات. هذا الشيء لا ~~يؤلمني ولا يربكني؛ لأنها ببساطة تريد أن تصبح يانعة مثل ابنتها الوحيدة التي هي أنا. مر ~~الزواج برفق وسهولة، حيث تم عقد القران في بيت جدي بالقرية. انتهى كل شيء، وأقاما معي ~~بالبيت إلى أن تحل إشكالية بقائي وحدي. أمي قالتها صراحة: إنها لا تخاف علي من مكروه بقدر ~~ما تخاف علي من نفسي، وأنني قد لا أستطيع أن أضبط سلوكي. بصراحة أكثر: الجاهل عدو نفسه، ~~وأنني إذا بقيت وحدي بالمنزل سوف أخرب سمعتها وسمعة أسرتها. # الروائي وليد الجندي، يكبر أمي بسبع سنوات. ليس في عمرها، كما كانت تقول هي. لم يتزوج من ~~قبل ... كانت له تجربة حب يتيمة مع المرحومة سيدة إبراهيم التي قتلت في تظاهرات شعبية، ~~اختنقت بمسيل الدموع، بينما تعاني هي من مرض الأزمة ... ماتت على الأسفلت. كانت تعمل في ~~التمريض بمستشفى أم درمان. لا يحب أن يخوض كثيرا في هذا الأمر. يعمل هو مستشارا هندسيا ~~مستقلا ... تخرج قبل سنوات كثيرة من كلية الهندسة جامعة القاهرة. عمل كثيرا جدا في كل ~~بقاع السودان، لم يستقر بالخرطوم إلا قبل عشر سنوات فقط. أمي تعرفت عليه في إحدى زياراتنا ~~لقبر أبي، منذ سنوات بعيدة. بينما كان يزور هو من أسماها صديقتنا سيدة إبراهيم. نشر روايته ~~الأولى قبل شهر تقريبا، لكنه لم يحبط لأنها لم تخلق الأثر الذي كان يتوقعه، حيث لم يكتب ~~عنها أي من النقاد الذين قاموا بقراءتها. فهو يظن أنه قام بمجهود كبير من أجل أن تصبح ~~روايته ذات قيمة فنية عالية، ms83 أن تصبح في الوقت نفسه علامة فارقة في تاريخ الرواية السودانية ~~على أقل تقدير، في ظنه، وهو صادق في ذلك. كما أشار بعض القراء إلى أول رواية في العالم ~~تكتب من وجهة نظر القلم الذي تسطر به، الأوراق والحبر. هو يعرف أن الزمن خير الناقدين، ~~سوف ينصفه. على كل هو ليس متعجلا، فالنقد في بلدنا بطيء وهو غالبا ما يلحق بالكتابة بعد ~~جري قد ينقطع نفسه أثناءه. قد كتب الرواية في ثماني سنوات. بإمكانه أن ينتظر بضعة أعوام ~~أخرى لكي يأتي من يكتب عنها بعمق، يكفي أن أمي احتفت بالرواية احتفاء بالغا، لدرجة أنها ~~نادمته، غنوا معا للفنان إبراهيم عوض الذي يفضلانه: عزيز دنياي ... # أقنعني الجندي زوج أمي أن أرحل معهما في بيته، فهو بيت كبير في السلمة بالخرطوم. يتكون من ~~طابقين عملاقين، يستطيع أن يوفر لي نوعا من الخصوصية: يعجبك! # وفعلا قبلت، لا لشيء لكن لأنني لم أستطع أن أوفر هذه الخصوصية لأمي في بيتنا الصغير ... ~~وزوجها. # في زيارة مفاجئة، جاءنا الفكي في مكتب المنظمة. عندما وجد المستأجرين الجدد ببيتنا، ~~وصفوا له المكتب. كان لا يزال نظيفا ... بدا عليه الاهتمام بنفسه وهندامه، يبدو أنه قد استحم ~~عدة مرات في الشهور الماضية، وغسل ملابسه كثيرا؛ لأنها بدت باهتة من أثر الصابون والشمس. ~~فمن يره يظنه عامل يومية كادحا، ليس متشردا عاطلا، لا يرغب في العمل. ولو أنه ما زال ~~نحيفا، تفوح من جسده وملابسه رائحة الشمس. بعد أن تناول بعض الماء وكوب الشاي سأل عن ~~الأطفال: حسكا وجلجل. سألته سؤالا مفاجئا: أين هرب هو ونونو؟ # قال لنا، وكنت أعلم أنه يكذب: إن نونو رفضت البقاء في البيت وأجبرته على الهروب. ~~- أين نونو الآن؟ # قال: إنها في أم درمان، قال: إنها تعمل مع إحدى النساء في سوق قندهار بأم درمان كمنظفة ~~للآنية المتسخة، وأنها تنام في ذات المطعم، قال فجأة ودون مقدمات، واضعا على فمه ابتسامته ~~المربكة: أنا عايز أشيل أولادي معاي. # قلت في استغراب. وكأنه ليست هنالك صلة بينه وبينهم: ms84 تشيلهم توديهم وين؟ # قال بهدوء وفي فمه ذات الابتسامة الغريبة المربكة: يقعدوا مع أمهم في قندهار. أمهم تبكي ~~الليل والنهار؛ لأنها مشاقة ليهم. # سألته بقسوة: قل لي يا الفكي: الأولاد ديل أولادك؟ # قال بسرعة وبكل ثقة: أيوة أولادي ! في شنو؟ # قلت له: هل يرغب في أن يعيش أولاده عيشة رغدة في بيت نظيف ويتوفر لهما الطعام والشراب وكل ~~شيء. ويدرسان إلى أن يتخرجا من الجامعة وينفعاه وينفعا نفسيهما، ويظلا يحملان اسمه. وصورت ~~له ما استطعت الحياة التي تنتظرهما في كنف أسرة مقتدرة. # قال بإصرار شبيه بالغضب واختفت ابتسامته بصورة كاملة ونهائية: عايز أولادي يتربوا معاي. ~~أمهم عايزاهم. # انضم للحوار المدير التنفيذي للمنظمة وبعض الزملاء، سأله المدير التنفيذي عن أيهما أكبر ~~سنا، جلجل أم حسكا؟ # قال سريعا: حسكا. # سأله عن فرق العمر بين الاثنين. # قال، دون تردد وهو يتجنب النظر في عيني المدير: سنة. # قال له المدير التنفيذي إنه كاذب؛ لأن الطفلين توءمان. أنكر ذلك، وقال: إنهما يتشابهان لا ~~أكثر، وإنه يعرف أطفاله جيدا. وأخيرا اتفق الجميع على أن تجرى فحوصات طبية متقدمة لمعرفة ~~حقيقة الأمر، مثل اختبار ال # DNA ~~. والفحوصات المصاحبة، بعد ~~ذلك: نديك أولادك لو طلعوا أنهم أولادك بالجد. # لم يفهم شيئا، لكنه على ما يبدو عرف أن الموضوع أكثر تعقيدا مما يظن، فسأله المدير ~~التنفيذي - بصورة ملتوية - ما إذا لو دفعت إليه أتعابه بسخاء كبير وبسرية تامة. هل ~~يتنازل عنهم لأسرة كريمة تقوم برعايتهم؟ فسكت لفترة طويلة، فسألته عن كم هي أتعابه؟ ~~- ادفعوا لي 500 جنيه وشيلوهم مرة واحدة. # قلت له، وأنا أحملق في عينيه: نديك 200! # قال وقد برقت عيناه إثارة: 500 بس، أنا جاملتكم، اللي في عمرهم ده الواحد 500، شيلوا ~~الاتنين ب 500. # كما يقول المثل: «كنا نريد أن نصطاد فأرا، فاصطدنا فيلا!» # ها هي بوابة قميئة فتحت الآن، كنا نعلم بأنها موجودة في مكان ما لكن لا ندري أيا من ~~خيوطها. بعد تشاور فيما بيننا، عزمنا على معرفة التفاصيل التي سوف نحتفظ بها لأنفسنا، إلى ~~أن يحين ms85 وقت العمل. ها هو أول الخيط، لن نفرط فيه بعد الآن، مهما كلفنا. اقترحنا بأن نقوم ~~بإغرائه بالمال ... إذا رفض فإننا اتفقنا على أن ننتزع المعلومات منه بالقوة. قررنا من حينها ~~بسجنه في مكتب المنظمة إلى حين معرفة كل خيوط الشبكة . لكنه عندما رأى أول ألف جنيه حدثنا عن ~~الزبائن. هو لا يعرف غير الزبائن الوسطاء، أما كل ما عداهم في علم الغيب. بالطبع صدقنا ذلك؛ ~~لأن الزبائن ليسوا بالغباء الذي يجعلهم يكشفون له كل خيوط اللعبة، ولا الأهم منها، أو ~~بعضها، فهو قد يقع في يد من يجبره على قول كل شيء في يوم ما. من ثم حدثنا عن الزبون الذي ~~ينتظر في أم درمان لشراء التوءمين. سألناه: فيم يستفيد الزبائن من الأطفال؟ قال: إنه لا ~~يعرف، لكن يقال: إنهم يستخدمونهم اسبيرات (قطع غيار). # عن طريق كمين قمنا بنصبه مع بعض أصحابنا في المباحث الجنائية والشرطة، في أقل من ساعتين، ~~كان في يدي البوليس أحد أخطر الوسطاء في الخرطوم في المتاجرة بالأطفال، وهو من دل رجال ~~المباحث على موقع «الجزارة البشرية»، طبعا بعد تمارين شاقة نفذها في غرفة الاعتراف والرقص ~~الممتاز! ~~••• # بالتأكيد، هذه الرواية ليست رواية بوليسية، وأنتم تتفهمون ذلك. أيضا لكي لا نربك القراء ~~وبعض النقاد المحتملين، فالراوي فيما يلي هو الكاتب نفسه؛ لأنني لاحظت أن الأبطال الحبريين، ~~الذين صنعتهم بنفسي وبما لدي من مواهب في بنائهم الموضوعي، وتشكيلهم تاريخيا ونفسيا، ~~أخذوا يسوقون الرواية نحو مخافر الشرطة، ينحون بها منحى بوليسيا، ويتحدثون عن أصحاب لهم ~~في الشرطة والمباحث الجنائية. أنا مثلي مثل ألفريد هتشكوك، وكل المؤمنين البسطاء، أخاف من ~~الشرطيين. لذا سأقود السرد هنا بنفسي، كروائي وراو؛ حتى أجنب روايتي الوقوع في فخ ~~الأجاثاكرستية، أو الكوناندولية، أن تصير رواية بوليسية، وبعد أن أنقذ روايتي سأعيد مقود ~~الأمور للراوية الأساسية سلوى، أو غيرها ممن أتوسم فيهم خيرا. هذا يعني ببساطة أن السرد ~~سوف لا يعود القهقرى إلى كيف تم القبض على عصابة الاتجار بالأطفال، كيف قاوموا، كيف ~~تحايلوا، كيف ms86 تبادلوا الركلات، الضربات ... وتراشقوا بالأسلحة البيضاء؟ ولا كيف استل الشرطيون ~~أسلحتهم النارية في مواجهة عنف البازنجر، من مات، من جرح من؟ وأنني أيضا سأتجاهل ~~الأحداث التي كانت قبل وبعد أن يقول كبير ضباط الشرطة، وقد تطاير الشرر الممزوج بالخوف من ~~عينيه : «اقتله، اقتله، عايز يخصيني، أرجوك!» # لكنني كما يفعل ربان السفينة التي تمرد بحارتها، وأعلنوا تحولهم إلى قراصنة، سأتدبر أمر ~~روايتي بحكمة، بحرفية، وطول بال. # لا أدري كيف تجمع السكان بهذه السهولة حول الموضع الذي سيصبح في الشهور القادمة حديث ~~الصحافة والناس، خاصة بعد فضيحة لجنة المنظمات التي تعمل في مجال حقوق الأطفال، تلك اللجنة ~~الدولية التي جاءت تتقصى الخبر أو ما أسموه جريمة العصر، ودخلت البلاد بغير تصديق رسمي، حيث ~~تم رفض طلبها من أولياء أمر الشعوب السودانية وسدنة أسرارها. وما سمي بفضيحة هو نجاح ~~بوليسنا الهمام في القبض عليهم متلبسين بالتحري في قضية «الجزارة البشرية» - هذا هو الاسم ~~الذي أطلقه بعض المعارضين والخونة للبيت الذي نحن بصدد التحدث عنه - بدون تصديق ~~رسمي. # البيت بناية جديدة تتكون من طابقين، وهو سمة البيوت الكثيرة التي بناها الأثرياء الجدد، ~~شيد في مدينة الفردوس، حي الصفاء، يجاور المبنى الفخم لشركة نون، الرائدة والمحتكرة لتجارة ~~وتوريد سيارات شركة تويوتا اليابانية. للذين يعرفون تفاصيل وأفرع شارع الستين نستطيع أن نصف ~~لهم المكان بجملة قصيرة: «تقاطع ش60 مع 33»، في شارع قذر، هذه الصفة الأخيرة ليست ~~استثنائية، فكل شوارع المدينة تتصف بها، حتى أكثر أحياء العاصمة رقيا، حيث تتناثر في ~~شوارعها أكياس البلاستيك الفارغة، فوارغ الأطعمة الجيدة، المزابل الحزينة، الأتربة، ~~ونفاياتهم المنزلية القيمة. في العادة يبقي الأثرياء على بقايا مواد وحفريات البناء، من: ~~طوب، أسمنت متحجر، قطع سيخ غير مفيدة، بعض الحصى، رمال صفراء خشنة، ما يمثل شحنة عربة نقل ~~كبيرة من الأتربة وغيرها، تبقى عشرات السنوات بعد اكتمال المبنى إلى أن تصير هي ذاتها أحد ~~معالم المكان. لا أدري ما الحكمة من ذلك؟! قال لي أحد الأصدقاء، مفسرا تلك الظاهرة: «إن ~~جل هؤلاء الأثرياء الجدد ms87 ذوو عقلية ريفية بسيطة مثلهم مثل السياسيين، وليس بإمكانهم أن ~~يفرقوا ما بين ما هو أوساخ وما هو زينة الحياة الدنيا.» يعجبني تعبير الروائي ميلان كونديرا ~~قاصدا تلك الفئة: إنهم ليسوا أثرياء، لكنهم فقراء لديهم مال. # إذا تركنا النميمة جانبا، نجد كبار أثرياء المكان، بعض العاملين في بيوتهم، والقليل من ~~الأطفال الذين لم ينصاعوا لأوامر أسرهم بالبقاء في المنازل وألا يقلقوا بشأن ما يدور؛ لأن ~~التفاصيل ستصل إليهم في غرفهم الآمنة، نضيف إليهم ما لا يقل عن مائة شرطي مدججين بأسلحتهم ~~الأوتوماتيكية الرهيبة، عشرين من الصحفيين، ثم الأطفال الأحياء الذين يتم إجلاؤهم من المبنى ~~الآن، يغادرون مثل العميان إلى عربة الإسعاف. عندما مر موكب الجثث أو الرفات المحروق بعد ~~ذلك، يتبعه خيط من العفونة، كان الأهالي ذوو القلوب الرقيقة الرحيمة والأنوف الطازجة قد ~~هربوا بعيدا قابضين بأناملهم على أنوفهم في تأفف مقيت، اثنان منهم على الأقل سقطا ~~مغمى عليهما. كان عبد الباقي، سلوى، مدير المنظمة الأصلع وكثير من أصدقائهم، يقفون في ~~داخل قاعة الاستقبال معا ورجال المباحث. كانت دكتورة مريم ومعها مستشاران من الطب الشرعي، ~~يتجولون حول ما يشبه قبرا أسطوريا ضخما، أو أكبر قبر على وجه الأرض، قبر لا يمكن ملؤه؛ ~~لأنه يحول الجثة إلى بعض رفات حنين وسهل التخلص منه. ينقسم المبنى إلى قسمين رئيسيين ~~مفصولين فصلا تاما عن بعضهما البعض، قسم للإعاشة وهو يتكون من مطبخ كبير، سفرة تسع ~~عشرين شخصا وست حجرات، واحدة للمشرفة والطباخة، وخمس غرف أخرى بكل غرفة أربعة أسرة. ~~يحتل قسم الإعاشة هذا الطابق الأعلى من المبنى كله، كان معدا جيدا بحيث يشكل بيئة معقولة ~~للأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة والثامنة عشرة، بينهم بنتان. ولو أن الأطفال ~~كانوا في حالة من الإعياء بالغة؛ نتيجة للمخدر الذي يتناولونه بصورة مستمرة، أو كما لاحظ ~~أبطالنا، كانوا شبه موتى. حسنا، إنهم مثل الزومبي # Zombie ~~، ~~نصف أحياء ونصف أموات، يأكلون ويشربون ويذهبون للمرحاض، عندما يتكلمون لا يقولون شيئا ~~مفيدا، مجرد همهمات بائسات مملات في الغالب ms88 لا تعني شيئا يستطيع أن يفهمه المشرفون. ~~وجوههم مسطحة، مسترخية لا تظهر أي مشاعر، كأنها أقنعة بلاستيكية. يقضون خمسين في المائة من ~~يومهم - كما هو متوقع لمن في حالتهم - نياما. # الجزء الآخر من المنزل ينقسم إلى قسمين متصلين ببعضهما البعض: المقبرة والمشرحة. الأخيرة ~~هي غرفة عمليات ميدانية معقمة، بها أجهزة بسيطة. تفسر دكتورة مريم ذلك بأنهم لا يحتاجون ~~لغير مشارط، بعض المقصات والقطن. يعطون الطفل جرعة كبيرة من المخدر، لا يستيقظ بعدها ~~أبدا. ثم يقومون بنزع أعضائه الحيوية، يحفظونها في ثلاجات خاصة - توجد اثنتان منها - ثم ~~يتخلصون من بقية الأحشاء والجثة في المقبرة المجاورة، والمقصود هنا الحجرة الأخرى، أعني ~~الفرن؛ حيث يتم تجفيفها تدريجيا، من ثم الاحتفاظ برفاتها لسانحة التخلص منه. قد لا تحتاج ~~هذه العملية طبيبا متخصصا، بل يستطيع جزار ماهر - تلقى فترة تدريبية قصيرة على يد شخص ~~متمرس - القيام بكل ذلك، بسرعة وإتقان. أهم شيء في الموضوع هو الحفظ السليم في المكان ~~السليم، وسرعة التخلص من العضو بالبيع للزبون المناسب الذي في غالب الأحوال يتم توفيره قبل ~~العملية، عن طريق وسطاء ثقات وذوي خبرة عالية في المجال. توالت المعلومات بصورة مدهشة بعد ~~ذلك، تم كشف ثلاث شبكات رئيسية؛ أكبرها: فرع النيل الأبيض، مقرها مدينة ربك. الثانية: فرع ~~النيل الأزرق، مقرها مدينة سنار. الثالثة: تسمى المكتب الرئيسي، مقره هذا المبنى بالخرطوم. ~~أما الأفراد الذين ينطوون تحت هذه الشبكة، فإنني لا أستطيع أن أذكر أسماءهم هنا ولا وظائفهم ~~أو أي معلومة عنهم، فهم عينة الشخصيات التي يعبر عنها بجملة غليظة حاسمة: «الشخصيات ~~التي يجب ألا تمس!» # وكما تقول إحدى بطلات «ذاكرة الخندريس»، وأظن أنها أم سلوى: «خوف المؤمن على ~~نفسه حسنة.» وإنني أعلم أيضا أنكم لا تتوقعون مني غير ذلك. # علي أن أتوقف هنا، أسلم مقود السرد لأبطال الرواية، سلوى سوف تكمل معكم كل ما ~~ترغبون فيه أن يكتمل. ~~••• # كنا في حالة نفسية جيدة وروح معنوية عالية، على الرغم من أننا فشلنا تماما في الوصول لأي ~~خيط يقودنا إلى موردي ms89 الميثانول القاتل، وكان دائما ما ينقطع الخيط عند خط أحمر لا يمكن ~~تجاوزه. فكل الموردين العشرين، إما أنهم قبضوا الآن تحت التحقيق، أو أنهم هربوا واختفوا ~~نهائيا. اثنان منهم ماتا مسمومين بذات الميثانول. لكنا كنا سعداء جدا بما حققناه من ~~نجاح في موضوع بيع الأطفال نجاحا ما كنا نحلم به، أتى إلينا ساعيا بقدميه ونحن لم نبرح ~~مكتبنا، لكن أليست الصدفة تأتي لمن يبحث عنها؟ # كانت أمي في غاية السعادة، لم أرها مطلقا في تلك الحالة إلا في يوم زواجها، لدرجة أنها ~~سمحت لي صراحة أن أذهب مع بقا أينما شئت: اتفسحوا! # لكني قلت لها موضحة: للأسف يا أمي أنا وبقا انتهت العلاقة اللي بينا. # قالت مندهشة: لييه يا بت؟ # قلت لها محاولة أن يكون صوتي هادئا وعاديا: أنا سوف لا أفكر في موضوع الزواج أبدا، في ~~هذه الحياة ما هو أهم منه، أما الأطفال فالآن لدينا توءمان، أنا وأنت شركاء. قالت بصوت ~~منخفض: شنو الأهم من الزواج؟ # حسنا، يا سلوى، قولي لها ما هو الأهم من الزواج! لم تكن لدي فكرة محددة، أو إجابة مقنعة، ~~أو إنني كنت أفكر في شيء بعينه عندما قلت لها تلك الجملة. لكن من منطلق أن أجيب على سؤالها ~~الذي هو أشبه بصفعة غير متوقعة من كف نمر على وجهي، لم أقل لها إن عبد الباقي يعد التفكير ~~في الزواج انحرافا من قبل البنت، ومحاولة فاشلة من الرجل على احتلال جسد المرأة وحسم ~~معركته ضده بهزيمته أو بافتراسه، قلت لها: أهم من الزواج عدم التفكير فيه. # تراجعت أمي مبتسمة في حزن. بدا واضحا أن إجابتي لم تقنعها ... بل إن إجابتي لم تقنعني أنا ~~أيضا. هكذا، تعكر مزاج أمي مرة أخرى، أخذت تعتذر لي ظنا منها أنني تأثرت برأيها السلبي ~~عن عبد الباقي، وأنني استجبت للضغط الذي فرضته علي؛ فتركته. أكدت لي أنها لا تشك في ~~أخلاقي وسلوكي بل ووعيي بالحياة، لكن قلب الأم الذي لا يطمئن على شيء، كان دليلها الأوحد. ~~قلق أمي وعكرة ms90 مزاجها لم يمنع أن يستمر الحفل في مكتب المنظمة إلى ساعة متأخرة من الليل، ~~وأن يغني صديقنا أمير موسى أجمل أغانيه ويحكي لي في أذني نكتتين بذيئتين. ولم يمنع أيضا ~~من أن أقضي باقي الليل في حجرتي الجميلة في صحبة حبيبي الجديد، الذي تم إطلاق سراحه قبل ~~ساعتين، اتصل بي بمجرد أن وجد أول مركز اتصالات، كان هزيلا، في أردية متسخة، لكن ليس بجسده ~~أثر للضرب، إنهم لم يعذبوه مباشرة على جسده، فقط كانوا لا يسمحون له بالنوم. قال لي لاحقا: ~~في الحقيقة كنت لا أرغب في النوم، إلا إذا باغتني النوم مباغتة، كنت خائفا جدا، خائفا ~~بالجد. # كانت تفوح من جوانبه رائحة أشبه بعبق الخشب المتعفن. كنا في الحمام ... طلب مني أن أدلك ~~جسده بيدي، قال: إنه يفتقد كثيرا ملمسا رقيقا. لم يمس جلده الماء طوال الأسابيع التي ~~حبس فيها. كان سعيدا جدا، يظن أن حياة جديدة قد كتبت له، ما كان يصدق أنه سيخرج من ذلك ~~الجب سالما. العجيب في الأمر إلى تلك اللحظة، لم يستطع أن يتبين حقيقة الذين قاموا بحجزه ~~طوال هذه الأسابيع! لم يخبره أي منهم عن سبب حجزه، كما أنه لا يعرف لم أطلقوا سراحه ~~أخيرا؟! سألته سؤالا ظل يؤرقني لشهور كثيرة مضت: ما هو السؤال الذي طرحه على وزير ~~الرعاية الإنسانية في المؤتمر الصحفي بمقر جريدة السودان في 20 / 7 / 2011؟ كان عليه ~~بالساحق والماحق والبلاء المتلاحق؛ فقد وظيفته لأجله وما زال مطاردا من قبل جهات كثيرة. ~~تحدث وهو مغمض العينين، يحاول أن يضع ابتسامة صغيرة على شفتيه المبتلتين؛ لأن الصابون ~~السائل كان يهبط من شعر رأسه على جفنيه وفمه مباشرة، قال ~~من بين فقاعات الصابون: «سألته: هل تم تبادل أي خبرات ~~فنية بين الحكومة الوطنية وحكومة البرازيل في شأن التعامل مع إشكالية التشرد؟ وهل تمت ~~الاستفادة من تلك الخبرات، إذا ما كان قد حدث هذا التبادل فعلا؟» # 29 / 11 / 2011 # الدمازين - النيل الأزرق ms91