######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.Tawahin.Hindawi81840925 #META# Tags: novels #META# ID: 81840925 #META# Title: الطواحين #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # ملكة الحرية‏ # المحراب‏ # الأصدقاء‏ # الروح ... الغابة هادئة ولا ...‏ # في الروح ... في قطيتي الخاصة خلعت‏ # في الرغبة ... الصيف يحمل‏ # القديسة‏ # العاشق البدوي‏ # العاشق البدوي‏ # في قلة أدب‏ # الموت غرقا‏ # في الخلاص‏ # الصوت‏ # مايازوكوف‏ # في الروح‏ # في البيت‏ # في البيت‏ # في بلادنا‏ # وجه المختار‏ # عرق‏ # احذروا الأنبياء الكذبة‏ # الوحدة الوحدة‏ # تفحص وجهي‏ # ما يشبه صديقتين‏ # في السياسة‏ # في الأشياء الأخرى‏ # مايا العزيز‏ # سألاني‏ # في الحكاية‏ # في الذهاب بعيدا‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # الحدأة تحلق عاليا صوب الحزن‏ # حدثتنا‏ # في الإنسان‏ # في الغابة‏ # وداع الطائر‏ # البنت الجميلة‏ # أمين محمد أحمد‏ # شهوة‏ # حزين وباهت‏ # غونار الحليف‏ # أجيف‏ # الغاردينيا‏ # الأشياء‏ # أبي‏ # جلسنا‏ # ثلاث بنات‏ # الجارات الطيبات‏ # أبي‏ # يدور فيه‏ # تحكي‏ # تحكي‏ # الغريب‏ # في الخلاص‏ # في الريح‏ # في السياسة‏ # في الغضب‏ # الطين‏ # في الموت‏ # من‏ # إذا شربوا ...‏ # ثلاثة رجال‏ # ضد البعوض والفئران‏ # سارة‏ # في الروح‏ # أما مايازوكوف‏ # وصف لها بلادا وجاء بها إلى أخرى‏ # زارنا في الغابة‏ # في الخلاص‏ # المستشفى‏ # أعدته سابا‏ # وشرسة كنمرة‏ # النهايات‏ # زوجته المغنية‏ # الرسائل‏ # من ممكن‏ # الخبز خير من الشعر‏ # أنا أيضا‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # سابا تخلي‏ # والحوار أيضا‏ # في الجسد‏ # الرسائل‏ # إلى المصلى‏ # رسالة‏ # من‏ # في الروح‏ # قال السجان‏ # عندما يجف هذا العفن‏ # فتح‏ # حافظ‏ # في الهواء‏ # نحن‏ # المرسم المفتوح‏ # في النهايات‏ # المريض‏ # ابتسامة‏ # وقد‏ # النهاية‏ # إهداء‏ # ملكة الحرية‏ # المحراب‏ # الأصدقاء‏ # الروح ... الغابة هادئة ولا ...‏ # في الروح ... في قطيتي الخاصة خلعت‏ # في الرغبة ... الصيف يحمل‏ # القديسة‏ # العاشق البدوي‏ # العاشق البدوي‏ # في قلة أدب‏ # الموت غرقا‏ # في الخلاص‏ # الصوت‏ # مايازوكوف‏ # في الروح‏ # في البيت‏ # في البيت‏ # في بلادنا‏ # وجه المختار‏ # عرق‏ # احذروا الأنبياء الكذبة‏ # الوحدة الوحدة‏ # تفحص وجهي‏ # ما يشبه صديقتين‏ # في السياسة‏ # في الأشياء الأخرى‏ # مايا العزيز‏ # سألاني‏ # في الحكاية‏ # في الذهاب بعيدا‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # الحدأة تحلق عاليا صوب الحزن‏ # حدثتنا‏ # في الإنسان‏ # في الغابة‏ # وداع الطائر‏ # البنت الجميلة‏ # أمين محمد أحمد‏ # شهوة‏ # حزين وباهت‏ # غونار الحليف‏ # أجيف‏ # الغاردينيا‏ # الأشياء‏ # أبي‏ # جلسنا‏ # ثلاث بنات‏ # الجارات الطيبات‏ # أبي‏ # يدور فيه‏ # تحكي‏ # تحكي ms01 ‏ # الغريب‏ # في الخلاص‏ # في الريح‏ # في السياسة‏ # في الغضب‏ # الطين‏ # في الموت‏ # من‏ # إذا شربوا ...‏ # ثلاثة رجال‏ # ضد البعوض والفئران‏ # سارة‏ # في الروح‏ # أما مايازوكوف‏ # وصف لها بلادا وجاء بها إلى أخرى‏ # زارنا في الغابة‏ # في الخلاص‏ # المستشفى‏ # أعدته سابا‏ # وشرسة كنمرة‏ # النهايات‏ # زوجته المغنية‏ # الرسائل‏ # من ممكن‏ # الخبز خير من الشعر‏ # أنا أيضا‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # رسالة‏ # سابا تخلي‏ # والحوار أيضا‏ # في الجسد‏ # الرسائل‏ # إلى المصلى‏ # رسالة‏ # من‏ # في الروح‏ # قال السجان‏ # عندما يجف هذا العفن‏ # فتح‏ # حافظ‏ # في الهواء‏ # نحن‏ # المرسم المفتوح‏ # في النهايات‏ # المريض‏ # ابتسامة‏ # وقد‏ # النهاية‏ # | الطواحين # | الطواحين # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # | إهداء # إلى مريم بنت أبو جبرين # أمي # عبده بركه # | ملكة الحرية # أخذ الريش ينمو على ساعدي اللذين أصبحا فيما بعد جناحي. # كان في البدء زغبا ناعما، ثم نمت الأرياش العصفورية الصغيرة البيضاء الرمادية بكثافة ~~مذهلة، وهي تطول وتقوى، مكونة جناحين ضخمين، لهما ألوان زاهية قوية. # كان صوته يأتيني مكثفا من عمق لأسبر أغواره: ركزي، ركزي، ركزي، ركزي، ركزي. # راقدة كنت على لحاف من الأخشاب الرطبة، مفترشة أرض المحراب بغير وسادة، رجلاي ~~ممدودتان، مستقيمتان، يداي موضوعتان في تواز مع جسدي، أنا أرتدي ملابس القطن الدافئة ~~... # كنت عاريا تماما، كالشمس في ظهيرة ذلك اليوم ... ~~- ركزي ... ركزي ... ركزي. # ثم أضاف الصوت العميق السهل الساحر: أفرغي العظام ... # خففي وزنها حتى تصير كعظام الحدأة، خفيفة كالريح؛ تصير ريحا. # الصوت المكثف العميق الواسع، يغوص في لب عظامي فينخرها، يتجول بين مسام لحمي، تتبخر ~~الشحوم والعضلات، والإرادة في الهواء، هواء المحراب المعطر، يكهربني، الصوت السهل المنساب ~~في دمي يسحرني. # والآن، الآن، الآن، الآن: طيري، طيري ... طيري، طيري، طيري ... # كان صوته محددا واضحا ولا شك في ما يعنيه، ولكن كيف؟ ~~- حركي جناحيك بقوة نحو الأعلى. # نحو الأسفل. # نحو الأعلى. # نحو الأسفل. # نحو، نحو، اركضي. # حركي ارك ... والآن طيري. # طيري، طيري. # كان صوته ملحا واثقا، كلما هتف في: طيري، يخف وزني تدريجيا، تتبخر أحزان ~~الجسد، لحمه وشحمه، ترهف عظامه وتتحرر أجنحتي، ثقل ms02 العقل والحقيقة، ثم، ثم. # بدأت العدو، كحدأة رشيقة انطلقت في الفضاءات، فوق، فوق، فوق الأرض. # ارتفعت فوقه، كان منتصبا بمحرابه يكرر: ركزي. # ارتفعت فوق مبنى المحراب. # فوقه قطياته الثلاث ... فوق ... # فوق دوماته الباسقات ... # فوق ... # فوق أزهاره المتوحشة العشوائية ... # فوق. # فوق الغابة كلها، فوق النهر، مزرعتنا الخضراء وأشجار عرديبها، فوق الوابور الشفاط ~~النائم على الشط، حلقت عاليا. # صوته السهل الواثق ينساب حلوا ولذيذا دافئا: ركزي، ركزي، ركزي. # حلقي يا حدأة الله الجميلة، يا زهرة النار التي بقلب الريح، حلقي. # أيتها الريح ... # حلقت عاليا إلى أن رأيت جبل المرسم الطبيعي. # مرسم مايازوكوف، فلادمير وتلاميذه المجانين. # حلقت فوقه. # فوق كهوفهم المبهرجة الألوان المائية الزاهية. # حلقت فوق تمثال الحرية الذي بناه ونحته مايازوكوف في شكل حدأة ... # حدأة تحلق عاليا في أحشاء الفضاء. # رأيتهم ينحتون الحجارة الجيرية ويصنعون من الجرانيت دنيا، عالما ودنيا. # رأيتهم يرقصون. # حفيف الأرياش الناعمة الرقيقة يزرع في سلاما وطمأنينة، كما لو كنت في حلم، كان ~~التحليق سهلا وممتعا. # كان لذيذا، كالحب لا. # ليس كرعشة الحب عندما يبلغ تكامله الروحي والعضوي ... # كلذة الميلاد لا. # ليس كلذة الميلاد التي تحسها الأم وهي تهب الحياة لروح الله، للإنسان، كلذة النصر ~~... # لا. # ليس كلذة النصر التي هي شعور الطفل عندما ينظر لعضوه وهو ينتصب رافعا سرواله متحديا ~~أباه. # كلذة الموت. # لا. # ليست كلذة الموت المريح الشهي عندما تبلغ روح الناسك نيرفانا. # فقط كلذة التحليق، لا كمثلها لذة. # أن تحلق عاليا متجاوزا الأشياء ونفسك، متجاوزا نيوتن والجسد، غازيا سماوات الله ~~مدهشا أطياره، برقه والسحاب. # مدهشا ملائكته ذات السؤال البريء ... # أن تمزج المادة بالروح، والروح بالدهر، والدهر بالرغبة الحرة المنفكة من عقال ~~الأشياء. # أن تطيري. # طيري يا حدأة الله الجميلة ... طيري ... # الصوت يتبعني، كان في، في ذاتي، يسافر معي مدنا وقرى، مفازات وناس، يتخطى وإياي ~~السحابات، ارتفعت فوق الهواء. # فوق الهواء ... # حينها نظرت إلى الأرض؛ كرة بيضاوية، تنبعث منها أرواح الموتى وهي راجعة إلى روح الله، ~~خضراء كاللوسيانا. # جمرة تنحرف فيها الأجساد المشتهاة المرغوبة الطينية بالدماء الدافئة ms03 ، حلقة من ~~الذهب لها جناحا نسر. # جلة صفراء من الليمون والبنيات والصبايا. # وردة. # شعراء. # وردة لشعراء. # كهنة، لعلماء وعصافير مسجونة في الوحل، صرخة لها هيئة دائرية كفراشات تنام على فراشات، ~~ريح ترى وتضحك، مغنون وأنبياء كذبة. # أنبياء «بين بين». # أنبياء أطفال يرضعون أصابعهم، يلوكون كلمات الله كالحليب المجبن، مغنون ومغنون. # ثم نظرت، نظرت، نظرت. # فهتف في صوت لا أدريه، صوت يدريني، لكني تميزت لونه البرتقالي الباهت الذي تسيل على ~~جانبيه شحوم السيارات، حاول الصوت الهادر اليدريني، حاول الغوص في، حاول أن يبقى وصوت ~~المختار جنبا لجنب، حاول أن يبشرني بنبوءة سوداء، نبوءة ساحرة كجوهرة. # إذن ... # يريد أن يقنعني بأن تواصلا قريبا سيكون بيني واللا ... متناهي، حاول الصوت، حاول ~~اليدريني أن يحبلني، أن يقذف في أشياءه، إذن كان الصوت برتقاليا جدا، كان باهتا، ~~كان مشحونا، وأيضا كان داعرا مثل كلبة مقدسة لها فرجان. # ثم نظرت، نظرت، نظرت. # ركزي، ركزي، ركزي، ركزي. # كان الصوت اليدريني يبشرني بأشياء هي كالحلم، لا، ليست كالحلم. # كالحلم لا. # ليست كجنون الخصوبة وغيبوبة اللذة. # كان يحاول أن يبيض في مستلقيا بين أرياشي، لذيذا وممتعا كأول قبلة، لا. # ثم اختفى فجأة، ثم عاد فجأة محلقا في مدائن سماوية عالقة في الهواء، بها قبور لها قباب ~~عالية بيضاء شامخة، بها بشر يطيرون عالقين في الهواء كبذور العشر، وآلهة من الحصى والطين ~~والماء: من الحبشيات، من البرتقال من الصحو. # حلقت في مدائن أخرى، بها أناس حلقوا حولي في الهواء السماوي البرتقالة، ثم تلاشوا، ~~تلاشوا في أغبرة اجتاحتهم فساء أطفالهم لذة التحليق. # كان الصوت مبشرا ممتعا عميقا، ينساب في دمي وهو يراقص الذي في، بينه ودمي كان ~~بشري. # كان زنبقة لملاك طفل. # ركزي، ركزي، ركزي. # ثم انفجر الصوت بالغناء. # ثم انفجر الصوت بالغناء. # الصوت المكثف العميق العارف الداري السهل، ال طيري ال ركزي العميق المختار، طيري، طيري يا ~~حدأة الله الجميلة. # طيري، طيري يا حدأة الله الجميلة، طيري ... # ثم مثل صلاة تائهة ما بين ناسك وربه، ترجحت في فضاءات اللذة الربانية ms04 الشجرية ~~الهواء. # كنت أحمل جمالي، نعومة العشق، الشهوة الأبدية لما ينتظر، وهو، لا يأتي. # لما ينتظر وهو لا يأتي. # كنت أتشهاه وأعشقه، أنام في ذهاباته ومجيئات غيره، أستيقظ في غيابات هي لا. # لا تسرف في الغياب. # لا. # لا تسرفي في الغياب. # لا ... # يا ... # لا. # يا لا إتيان له: لا. # يا له لا إتيان. # يا لا، يا لا، يا لا، يا. # له يا. # كانت روحه نور ونار ... # شجرة مسكيت خضراء، عليها طفلان عاريان حالمان نائمان جائعان. # عليها طفلان جائعان ومعزة. # حينما أتى صوته السهل يقول: الآن، الآن. # عندما سمعت صوته السهل يقول: الآن عودي إلى المحراب، للعشب الطري، للغاردينيا. # عودي أيتها الملكة إلى العرش، فلقد شئناك، شئناك ملكة للديمومة ... # م # ل # ك # ة # للحرية. # ملكة للحرية. # | المحراب # بعد المحاضرة الأولى تسللت. # بعد المحاضرة الأولى تسللت خارجة من المدرج، مررت أولا بمكتبة الجامعة. # اشتريت محبرتين، ثم خرجت من الباب الخلفي؛ حيث الطريق السريعة، تفحصتها للحظات، كأنني ~~أبحث عن شيء ما، ثم مشيت نحو موقف الباص، لكنني تذكرت فجأة أنه ليس بالمحراب إلا قليل من ~~العسل، ولا شيء من الخبز، فعدت أدراجي إلى حرم الجامعة مرة أخرى، إلى سوق التعاون، اشتريت ~~صفيحة صغيرة من العسل وأخرى من الجبن، كيلو أرز، خبز طازج، ثم قفلت راجعة لألحق بباص ~~العاشرة. # بالباص قليل من الطلاب كالمعتاد، هم طلاب كلية الفنون الجميلة، رسامون ومجانين، نحاتون ~~يذهبون في هذه الساعة إلى المرسم المفتوح بالجبل، الذي ابتكره وشيده بأفكاره وماله الفنان ~~الروسي مايازوكوف فلادمير، أو مايا العزيز كما يسميه طلابه، لكثرة ما استقللت هذا الباص ~~عرفت جميع طلاب كلية الفنون وأساتذته، بل أصبحت صديقة قريبة أشاركهم أحزانهم، حيث ليس ~~لديهم ما أشاركهم فيه غير الحزن، هذا الحزن قد يكون مهرجانا صاخبا بالغناء، الأناشيد، ~~الرقص والموسيقى، قد يكون مجرد: لا شيء إطلاقا. # يسمونني القديسة، فما إن توقف الباص في المحطة حتى أطلت وجوه من النافذة هاتفة في وقع ~~واحد مجنون: القديسة ... القديسة. # في الباص حافظ آدم، أيضا سارة حسن، وأستاذ ms05 الفنون مايازوكوف فلادمير وكانت امرأة، بل وجه ~~جديد لفتاة، لم أرها من قبل، كانت فيما فوق الأربعين من العمر، أو فيما فوق الثلاثين، لها ~~عينان ضيقتان، لهما رمش أعترف أنه أجمل من رمشي (وأجمل من رمش أية امرأة خلقها الله في ~~الآونة الأخيرة، إن رمشها أحلى من أذني فان جوخ.) # كما قال ذات يوم أمين محمد أحمد. # اتسعت عيناها الضيقتان قليلا لاستقبالي أو ... لدهشتها من هتاف الطلاب أو ... # ثم ضاقتا مرة أخرى في سحر أسطوري شحن المرأة في بالغيرة. # كانت نحيفة تجلس على أول مقعد يسار الباب، تمد ساقين طويلتين رشيقتين في غاية الرقة ~~والنظافة، تمدهما أمامها بزهو وثقة، شعرها منظوم في ضفيرة واحدة مسدلة على كتفها، وبشفتيها ~~أحمر شفاه مرسوم بدقة وأناة، بوجهها غموض وسحر، فتحت فمها الصغير لتقول بصوت ناعم: أهلا ~~تفضلي، وأفسحت لي مكانا قربها، تعانقت والآخرون، أما مايازوكوف العزيز فمد يدا مشيعة ~~بابتسامة: أهلا بك القديسة الحلوة. # ابتسم مرة أخرى ثم أضاف: هل لا تزالين تحتفظين بلوحتي أسفل السرة؟ # كان دائما ما يسألني هذا السؤال كلما التقينا، وكنت كثيرا ما أرد إليه: لقد التهمتها ~~الأسماك. # كأنه يصر على تذكيري بذلك اليوم المرعب المثير، الخبيث ... # الرحلة مرحة وصاخبة، الطلاب المجانين في قمة جنونهم يغنون ويلعبون، يضحكون وينصبون الفخاخ ~~لبعضهم في مكر وخبث وفوضوية جامحة، بعد دقائق من جلوسي قربها فاجأتني قائلة: هل تحبين شخص ~~ما؟ # دهشت قليلا في بادئ الأمر وارتبكت، لكنني تماسكت وأنا أتذكر وجودي وسط حقل من فعاليات ~~جن موقوتة، مشاريع لسفادور دالي، هنري ماتيس، فان جوخ، أو أخيلة بابيلو بيكاسو، أو كما يحلو ~~لمايزوكوف القول: الفنانون - وأنا واحد منهم - خراء الشيطان مثلهم في ذلك إخوتهم الشعراء. ~~أجبتها قائلة: نعم، أحب شخصا، ولكنه ليس ما، بل يمكن تحديده وهو المحراب. # فاتسعت عيناها الضيقتان الصغيرتان قليلا قبل أن تقول: المحراب؟! غريب أيوجد شخص بهذا ~~الاسم؟ # هنا تدخل آدم ليقطع حوارنا المجنون طالبا منا أن ننضم إلى الثلة بالمؤخرة حيث حافظ وسارة ~~ومايا العزيز وبقية الطلاب، ثم ms06 عرفني بها قائلا: نوار، نوار سعد، الدكتورة نوار سعد، ~~أستاذة النحت، ومحاضرة في تاريخ الفن المرئي، ثم أشار إلي وقال: القديسة. # حاول أن يتذكر اسمي الحقيقي أو اسم أبي ولكنه لم ... # ثم حاول ولكنه لم ... # لأنه لا يعرف عني شيئا سوى الاسم الذي أطلقه علي هو وأصحابه، غير مقاسمتهم حزنهم وجنون ~~حزنهم، بدأ قليل من الخجل، خجل المجانين يرتسم على وجهه، فجأة ضحك، وبجرأة المجنون المخبول ~~السكران قال: ما هو اسمك؟ ما هو أبوك؟ من هو؟ # يعرف الجميع أنني أستقل باص العاشرة الذاهب إلى المرسم الطبيعي أو المعمل المكشوف، أنزل ~~في خلاء قبل المرسم، بميل أو أكثر أختفي في الغابة، وقد أظهر في الطريق فجأة عند عودتهم، ~~وقد لا يرونني إلا بعد أسبوع أو شهر، وقد يسألون: ماذا تفعلين في الغابة؟ # وقد أجيب: أتعبد. # وقد أجيب: لا شيء. # وقد أجيب: أطير. # وقد أجيب: أتعلم أسرار النيرفانا والنقاء الإنساني من المختار. # وقد يمضون في استجوابهم وقد يكتفون، وقد لا يسألون ولكن كنا نستمتع ببعضنا، نغني، نقرأ ~~الشعر، نتحدث عن المهاتما غاندي أو فان جوخ، فاسيلي كاندنسكي والكردي شيركو بيكه س. عن ~~الخطر النووي، نهاية الحرب الباردة وبداية عصر البنقو كما يسميه حافظ أو عصر اللاتاريخ كما ~~يسميه فكومايا الياباني المندهش عن مايكوفسكي، عن الديمقراطية أو ناظم الغزالي عن مصطفى ~~المغني، أو صامتين مثل حنظلة ناجي العلي معطين ظهورنا للكارثة ووجوهنا للآتي الذي ربما لن ~~يأتي. # ذات مرة استضفتهم بالغابة ولكن ليس بموقع المحراب، بل قريبا من المزرعة على ضفاف ~~النهر، حدث هذا قبل أعوام؛ أي في بداية علاقتي بهم، كانت هذه الاستضافة هي الفرصة الأولى ~~لي للغوص في متاهات جنونهم وصخبهم، وعرفت فيها مايازوكوف عن قرب. # وقف طلاب الفنون العشرون صفا واحدا على طول الشاطئ الرملي، أمامهم صعد مايازوكوف على ~~صخرة ملساء من الجرانيت، أخذ يغني باللغة الروسية التي لا يفهم منها أحد منا شيئا، ثم بعد ~~ما خلص غناؤه، أو نشيده، أو مدائحه قال بصوت عال: من منكم يستطيع أن ms07 يحدثني عن الله، ~~عندما كان وحيدا؛ أي قبل أن يخلق هذا العالم، وقبل أن يخلق أمريكا؟ # فأجابه أحدهم وقد ادعى النبوة ذات مرة بحديقة مايازوكوف يوم الاحتفال بوفاة مداح ~~المداح. ~~- ولكنا نبعد عن المدينة كثيرا وأيضا عن الكهوف قرابة الميل، ألا تلاحظ ذلك؟ قد لا يأتي ~~الباص العام إلا بعد غروب الشمس. # فانفجر الطلاب بالضحك والتصفيق والصفير، وقد رقص بعضهم، قال آخر: سأحدثك عن ما تشاء ~~وأيضا عن لحوم البشر المخمرة تحت الشمس في انتظار من يضع منها العرق، على شرط أن ترينا كيف ~~أغوى الشيطان الرجيم ذو السبعة رءوس وسبعة أذناب، كيف أغوى نعجة التقوى؟ فضحك قائلا: إذن ~~طالما أردتم ذلك، وأنتم بكامل إرادتكم وحرياتكم المدنية فلا ... لا بأس، هنا على ضفاف نهر ~~القديسة الجميلة ذات الفم المغري بالتقبيل، الفم الصدفة. # ثم وجه إلي حديثه قائلا: أتعرفين أن فمك الحلو الصغير هذا بإمكانه أن يغوي طنا من ~~القديسين ورجال الله؟ قال: هنا على ضفاف هذا النهر سترون كيف أغوى الشيطان نعجة التقوى، ثم ~~خاطبني قائلا: هل تسمحين لي بأن أشغل فضاءك كله؟ # في الحق لم أفهم ما قال، أو أنني لم أك منتبهة تماما لما يقول. كنت أتخيل كيف بإمكان ~~فمي أن يغوي ولو صعلوكا واحدا، لم أك أعلم أن لفمي كل هذا السحر، لكن قد أكدت لي نوار ~~سعد فيما بعد قائلة: هل قبلك المختار كثيرا؟ على قدر علمي بالرجال أعرف أن لفمك إغراء ~~قاتلا، ليته فمي وليتها شفتاي. قلت وأنا شبه منومة لمايازوكوف: لك ذلك. # هنالك انفجر الطلاب بالضحك، الطلاب المجانين وهم يهربون في عمق الغابة أو يتخفون في عشبها ~~وبين شجيراتها. # ولم ... أيضا أفهم شيئا، وقفت كالمأخوذة أرقب الموقف، كان مايا يجري هنا وهناك محاولا ~~القبض على هذا أو هذه، فتهرب من بين مخالب جنونه، إلى أن انقض علي كما ينقض نسر مسن ~~على سنجاب صغير، وأخذ يجردني من ملابسي، قطعة قطعة؛ كان في البدء متوترا منفعلا، كنت في ~~البدء أصرخ أقاوم لكني انهرت أخيرا، استسلمت ms08 تماما فاقدة المقدرة في الدفاع عن النفس ~~ساقطة على الأرض. # هدأ هو، أصبح متماسكا وهو يخرج من بين ثيابه فرشاة صغيرة وعلبة ألوان، ثم أخذ يرسم ~~علي تحت السرة بقليل، بكل هدوء وبرودة أعصاب، بل كان يترنم بلحن بدوي سوري رشيق، رسم ~~حدأة، حدأة لها جناحا فراشة ومخالبها أظافر سيدة جميلة، في مكان منقارها فمي. # ثم بعد أن فرغ قال بصوت عال جهوري، وكأنه يخاطب شعبا بأكمله: إن الذي حطم الاتحاد ~~السوفيتي ليست أمريكا، وحربها الباردة، وليسوا هم الجواسيس، ولكن الجينز، ولكن الحشيش، ولكن ~~اللواط. والبعض يتهم الفنانين سرا وهو دافنا رأسه في الرمال، فالفنانون أخطر من مليون ~~من الرءوس النووية، ثم خاطبني قائلا - وكنت أرتدي ملابسي على عجل وخوف: أليس كذلك؟ # قلت غضبانة: أنت شرير ولئيم. # فرد مبتسما ابتسامة خبيثة: أنت جميلة ومغرية، أنت موحية بأخبث الشعر. # | الأصدقاء # لحقنا بالأصدقاء في ... # لحقنا بالأصدقاء في خلفية الباص، كانت سارة حسن تغني وترقص في آن واحد، كأنها دمية في ~~فيلم كرتون، البقية يصفقون ويعزفون بأفواههم موسيقى صاخبة، أما نوار فكانت تلاحقهم ~~بالأسئلة الغريبة الجريئة، تحدثني عن فنان أعجبت به وأعجب بها، كان ولا يزال يجانسها ~~كلما زارت متحف مسيو دل برادو بمدريد، قالت: إنها أول امرأة سوداء يعشقها هذا الفنان، ثم ~~أخذت تحدثني بالتفصيل عن أسلوبه في المجانسة، أسلوبه الخاص جدا، قالت إنه يستطيع أن ~~يمتع أية امرأة كانت، ولو أنها صنم من الجليد. # كانت دائما ما تحاول إقناعي بأنه في إمكانه أن يصبح في شموخ جويا العظيم وشهرته، ~~بإمكانه أن يثور الفن الإسباني ويمجده أكثر مما فعل بيكاسو وبول كلي، بإمكانه أن ... # ولكنه لا يرغب في ذلك، وأنه يفضل الجنس على الشهرة. وحدثتني بأنها تعد دراسة مطولة عن ~~لوحة رسمها لها خوان بيدرو وهي نائمة، قالت: إنها لا تقل قيمة وأهمية عن لوحة الغجرية ~~النائمة للفنان هنري ماتيس، واللوحة الآن معلقة في حجرة نومها. # قالت: إنه يعمل كإداري في مسيو دل برادو العريق، وإنه قبيح الشكل وهذا يزيد من قيمته ms09 ~~كفنان له أسلوبه الخاص في الحياة، وأيضا ملامحه الخاصة، قالت: معظم العباقرة لهم أوجه ~~قبيحة، أشبه بملامح القردة، فإنهم قبيحون بطرقهم الخاصة. قالت: الجاحظ، بشار بن برد، طه ~~حسين، نيتشه. قالت: فان جوخ، كافكا، برنارد شو، المهاتما غاندي. قالت: حتى المقنع الكندي ~~نفسه كان رجلا قبيحا، قبيحا جدا ... حاولت أن أتزوجه، لكنه رفض قائلا: إن الزواج ~~رومانسية زائدة عن اللازم. قالت لي: إن لها صديقة حبشية جميلة كان آرثر رامبو عشيقا ~~لجدتها، وإنها - أي الحبشية - تقيم معها منذ أمد بعيد. قالت: إنها تحب الرقص، الرقص ~~الفلامنكو الإسباني، كرنق التيرة، وإنها تعشق الرجل وتعتبره من أهم قضايا وجودها، الرجل ~~المؤدب الفنان المثقف. قالت: إنها أعجبت بي لأول نظرة ... قالت وهي تغمض عينيها الصغيرتين ~~فترتعش قليلا رموش عينيها الساحرة، واللتين كما أكد أمين لاحقا أنهما أجمل من أذني فان ~~جوخ، قالت: ألديك عشيق؟ إن لك جسدا شهوانيا جنسيا كفمك! ثم قبل أن تسمع إجابتي ~~أضافت: لكنهم ينادونك القديسة، هل أنت كذلك؟ # هل أنت محرومة من الحب الجسدي؟ # المجانسة؟ # أيضا أضافت: أنا أرى فيك غير ذلك بل العكس، أو ربما إذا أتيحت لك ظروف ملائمة تكونين ~~مثلي هبة الرجل، تقدسين الحب، ألست صائبة في قولي؟ # توقف الباص فجأة أو خيل لي أنه توقف فجأة، لاحظت أنني قد تخطيت غابتي بقليل، فأسرعت هابطة ~~وبيدي حاجياتي، قلت لها: سنلتقي كثيرا، فرصة سعيدة يا نوار. # مدت لي يدا رقيقة نحيلة بها خاتم ذهبي له بريق أخاذ، في فمها ابتسامة حلوة وأسئلة شتى. ~~قالت: سنلتقي كثيرا، فرصة سعيدة. # ثم ترددت قليلا قبل أن تقول: يا القديسة! # قالتها بطريقة معقدة جعلتني أسمعها عكس ذلك، عكس ما قالت تماما. # | الروح ... الغابة هادئة ولا ... # الغابة هادئة ولا أقصد بالهدوء الصمت، فهي صاخبة بأناشيد الأطيار وغنائها، أو بكائها على ~~فراق البجعات المهاجرات إلى الشمال، فالفصل صيف، صيف طويل وحارق، وليس بين الشمس والأشياء ~~إلا صدر الشمس الحنون الحارق، فالغابة هادئة، بها صخب هو جزء من الغابة ذاتها، بل قلب ~~الغابة النابض ms10 وإيقاع غموضها وجمالها، ما بين المحراب والموقع الذي نزلت عنده من الباص ~~مسافة الميل، لكن وعورة الطريق دائما ما كانت توهمني بأن المسافة أطول، أطول، وأن ~~المحراب هنالك في عمق الغابة يمعن في البعد، لكن الخيط السحري الذي يشدني إليه له تأثير ~~عكسي، أجدني ألتهم المسافة في لحظات ولا أحسني أمشي، بل أطير طيرانا حلوا نحوه، نحوه. ~~أما في الخريف - الفصل الجميل المتعب - فالمسافة معقدة لدرجة يصعب معها أحيانا الوصول ~~إلى المحراب، تهطل السحابات الجنوبيات السوداوات بغزارة مالئة الوديان والخويرات وجحار ~~الثعابين والفئران، وكل هوام المكان تخرج من خنادقها بحثا عن ملاذ آمن جاف مشمس، فلا تجد ~~غير الطرقات، طرقات الغابة الخالية من الأعشاب والشجيرات، طرقاتي التي أسلك، فكم لدغتني ~~عقرب وكم طاردتني حية، وكم توهتني عاصفة وأوحلتني سحابة، وكم، وكم، وكم؟! # ولكن رغم ذلك يظل الخريف أجمل الأشقياء وأحلى الفصول؛ حيث تصبح عنده الغابة وردة كبيرة ~~خضراء، تحوم فوقها السحابات مثل فراشات ضخمة مثل عشيقات، ويصير اليوم حلما جميلا، نشيدا ~~تموسقه الضفادع والصراصير وأطيار السقد والقبرات؛ أما المحراب ودوماته الباسقات، عروس ~~الغابة لأن أزهار الخريف النابتة عشوائيا حول المحراب وداخل حديقته المتوحشة العرضية ~~تعطي المكان براءة الطبيعة البكر وسلامها العفوي، وفي ذات اللحظة تجعلها شيئا متميزا ~~متفردا. # غابة لا تشبهها غابة، حديقة لا تشبهها الحدائق. # فالمحراب جنتنا. # والمحراب عزلتنا. # والمحراب أغنية الروح ... # حديقته الصغيرة وسياج البرتقال واليوسفي، أطيار المساء تلوذ بالدومات كمخدع آمن من القطط ~~البرية والثعالب، المحراب مكون من ثلاث قطيات: المحراب، أو مخدع الروح كما نسميه، قطية ~~المختار، وأيضا يوجد مصلى خلف المحراب وحمام، يطل المصلى على النهر وأشجار اللوسينا ~~الشامخة، والعرديب وبعض الأشجار النادرة، التي ربما أتت بذورها بواسطة العصافير ~~والحيوانات والريح، في الغالب عن طريق مياه النهر المنحدرة من هضبة الأحباش، أما اللوسينا ~~والقولد مور فلقد قمنا بزراعتها بشكل غير منتظم على طول الشاطئ الممتد من المحراب حتى ~~الطريق العام، الذي يعبر الغابة، رابطا مدن ما بعد الغابة بمدن ما قبل الغابة. # بيني والمحراب خطوات ms11 ، لكن تحجبني عنها أشباح شجيرات السنط والهشاب الشائكة الرمادية، ثم ~~فجأة وجدت نفسي مثل كل مرة أمام حديقة المحراب المتوحشة، أمام الدومة الأولى، أمامه ~~مباشرة. # المختار. # يجلس في هدوء عميق وطمأنينة نادرة، على فراء أبيض من جلد العجل، قربه على الأرض عصا ذات ~~شعبتين، عصا الأبنوس السوداء، أعلم أنه أحس بوجودي، لكنه لم يلتفت ليراني، بل ظل مكانه ~~كتمثال الجليد، باردا هادئا غير مبال، في ذات اللحظة التي بدا فيها كصنم الجليد كنت أشعر ~~به متوهجا كالجذوة، منفعلا بما حوله، لم ألق عليه التحية. # ليتجلى ما شاء له. # لم أثر، صوتنا يكدر صفاءه. # ليتأمل ما شاء. # حاولت ألا أهتم به، أن ألغيه، إلى أن يفيق من تأمله العميق فلا يشغله نشاطي الذهني، فيخسر ~~ساعات قضاها ليدخل في الحال، ولجت المحراب، ألقيت نظرة على زهرة الغاردينيا برقة ~~وحيوية. # تذكرت نوار سعد حينها، نوار سعد، كانت تحدثني عن عودة الإنسان إلى جذوره، إلى أمه ~~الشجرة؛ حيث كانت تؤكد لي أن الإنسان أصله شجرة، وتقول: إن شجرة مسكيت واحدة وعصفور ود ~~أبرق أكثر أهمية من عشرة مصانع للغذاء، ومليون من الجنود المدججين بالسلاح، وترسانة الأسلحة ~~الأمريكية لا تساوي في أهميتها ريشة فنان، فنان فقير بائس كهنري رسو، قالت: ولو أن ~~المدينة هنا ما زالت طفلة، وأنها مثل قرية بإسبانيا إلا أنها مملة وملوثة ورديئة كمرحاض ~~عام، فهي ليست كبراءة الريف. # فهي ليست كتعقد المدينة، هي شيء مشوه. # فأنتما سعيدان بعودتكما لله، للشجرة والنسيم، أنتما سعيدان. وقلت لها: ننشد التأمل ~~والعزلة لا أكثر. قالت: ولو أن الغابة ليست منعزلة تماما ... وهنالك الأشجار والخيران ~~والثعالب، هنالك الطيور والأرض. # الأرض الطينية السوداء ... # حاولت تحريك الأصيص من مكانه، قائلة: فلأغير قليلا من مرأى المحراب، قطية الروح، ولكني ~~عجزت تماما، كانت هناك قوة طاغية تجذبه للأسفل، وفي نفس اللحظة التي هممت فيها بتركه وشأنه ~~دخل الحجرة المختار. # طويل كعادته ومبتسم، وعلى رأسه شال نظيف، لفني بساعديه الطويلتين وهو يضحك من أعماقه ~~قائلا: لقد جاء زوجك هنا، اليوم ... ~~- هل ms12 قال شيئا مهما؟! ~~- لا شيء سوى بعض السخرية المرة. # قلت متجاهلة الأمر ما أمكن: إذن دعنا نتناول الغداء في هدوء، لقد أحضرت معي عسلا ~~ومحبرتين وخبزا وهربت من محاضرة الباطنية، فالمحاضرة الجديدة متعالية ومتكبرة كأنها أول ~~من تخصص في الباطنية، لكنني وجدت نفسي أسأله عن زوجي: من أين جاء؟! # قال إنه في طريقه إلى المدينة الأخرى عابرا الغابة، رأى أنه من الأحسن والذوق أن يزور ~~زوجته وحبيبها - على حد قوله - فأوقف عربته بالطريق العامة، مستأجرا بدويا لحراستها، ~~جاء، قال إنه سيزورك في المدينة الجامعية. ~~- لكني لم أذهب إلى المدينة الجامعية طوال شهر! ~~- لقد حاولت أن أقول له ذلك، لكنه ضحك ساخرا كعادته متجاوزا محنته بالسخرية المرة ~~واللامبالاة. # ثم غير المختار من الحديث سائلا: هل كنت تحاولين تغيير موقع الغاردينيا، عندما دخلت أنا ~~للمحراب؟ قلت: لكني عجزت. # قال مبتسما: يبدو أنها عمقت جذورها في الأرض. # لقد حققت حلما نادرا، هل نقتلعها؟ # | في الروح ... في قطيتي الخاصة خلعت # في قطيتي الخاصة خلعت ملابسي كلها واستبدلتها بملابس البيت أو «غيار الغابة» كما نحن ~~نحب أن نسميها؛ جلباب من التيل الأبيض، حذاء من الإسفنج خفيف، وشال أسود حول العنق، ثم ~~ذهبت للحمام وجدت الطشت مليئا بالماء البارد؛ فغطست فيه وأخذت أدلك ظهري بتلذذ ووجدتني ~~فجأة أغني: # وحيدا تغني # وحيدا تموت # وحيدا صمدت # وحيدا نجوت. # فجأة انتبهت، كنت كثيرا ما أردد هذا الغناء، ولكنني فجأة كررت بغير لحن: وحيدا تغني، ~~وحيدا تغني، وحيدا تموت، وحيدا نجوت. # حاولت أن أجعل لهذا الغناء معنى أفهمه أو أحاول تأويله، إنه غناء المختار المفضل في ~~لحظاته الخاصة، سرحاته، وشروداته، أحسست أن هنالك معاني أخرى لم أك أدركها قبل اللحظة، ~~وحتى عندما أحسست بأكلان خفيف في العانة، لم أنتبه للجندب الصغير الذي اصطادته شعيراتها ~~التي أصبحت غابة متشابكة، لكن عندما تحرك مرة أخرى خمشته بأناملي في رعب وذعر حقيقيين، ~~ووجدتني ألوم نفسي، لقد أهملت: عيب ... عيب ... # استحممت. # ثم لاحظت أيضا وأنا أجمع ملابسي الداخلية بأن هنالك بقعة دماء باهتة على ms13 النايلون الذي ~~أرتديه فابتسمت، لست أدري لماذا؟! لكن ربما لأنني تذكرت أنني امرأة، ولو لأول مرة أسأل ~~نفسي: ماذا لو راودني المختار؟ # وكنت أعرف - أو أقنع نفسي - بأني أعرف أن هذا أكثر من المستحيل، ولكن ظل السؤال ~~قائما: ماذا لو؟ # زجرت نفسي زجرا شنيعا ... كيف لي أن أنحو هذا المنحى؟ كيف سمحت لسؤال مثل هذا؟ # أن ... # أعاد جندب الرغبة خربشاته في العانة، الجندب الصغير؛ كيف لجندب إثارة كل هذه الغرائز؟ ~~حقيقة كنت أحتاج أحيانا كثيرة حقيقية وأصيلة، كنت أحتاج لرجل، لكني كنت أتحايل على هذه ~~الرغبة بالصلاة والتأمل، بالقراءة. # تغدينا، كان شعره أشيب، وعلى ذقنه شعيرات بيضاء، أما شاربه فلا يزال بسواد الشباب، ~~عيناه ذكيتان مشعتان كأنهما شمعتان أبديتان تأخذان نورهما من نور الله، كان يرتدي جلبابا ~~من التيل الأبيض تحت الركبة، قليلا. # | في الرغبة ... الصيف يحمل # الصيف يحمل تفاصيله وينسحب قليلا، كما ينسحب جندي جريح من ميدان المعركة، ثم يأتي الشتاء ~~بأغنياته الباردة؛ فصلان في هذه المدينة: خريفها هو صيفها، كان يرتدي التيل الأبيض، التيل ~~الرمادي أو الأسود في الشتاء، وأنا مثله. # قبلني قبلة سريعة، وكأنه يهرب من شفتي، ثم خرجنا للحديقة المتوحشة للقراءة وتبادل ~~التجارب، حكى لي عن حلم قال: كانت الشمس في قبة السماء ضخمة وهائلة، لونها لون الدم ثم ~~انقسمت بدوي هائل إلى نصفين، امتلأت البلاد كلها بحمرة الدم، البلاد الكبيرة ... # تصدعت الشمس، أخذ كل جزء يتجه إلى جهة، وهو يزداد حمرة ... # حمرة وصغرا. # حمرة وصغرا. # حمرة وصغرا. # حتى أصبحت خريزات حمراء، قبل أن تنفجر دخانا أسود قاتما عم الأمكنة. # أمكنة البلاد الكبيرة ... # فاستيقظت وأنا أرتجف من الخوف، فتحت النافذة، أغلقتها، فتحت الباب، أغلقته، توضأت وظللت ~~متيقظا إلى الصباح، حكيت له عن امرأة التقيتها في باص العاشرة، نوار سعد، أستاذة تاريخ ~~الفن المرئي والنحت بالجامعة، وقلت له: إنها مختلفة عن مايازوكوف، ومختلفة عن أصدقائنا، ~~ولو أنها خليط منا جميعا، مذهبها الرغبة، ثم قرأ علي فقرات من كتاب «الطواسين»، ثم ~~فقرات من كتاب آخر، ثم مادة كاملة ms14 من كتاب «المواقف والمخاطبات»، ثم بدأنا الحوار حول ~~النيرفانا. # كان يحاول أن يؤكد لي أن النيرفانا هي غاية كل الأشياء، حتى الأنهر والأشجار. # ثم تحدثنا ... # ثم قال: أنا لا أكره زوجك. ولا أحبه أيضا. # | القديسة # يستحيل لمثلي أن # يستحيل لمثلي أن تتخيل مجرد تخيل؛ أنها ستنتقل بين ليلة وضحاها من خزينة والدها محكمة ~~القفل، المؤمنة برعبه الذي يبديه حينا، أو الذي يضمره في معظم الأحايين، لكنه ~~دائما ما كان يصيبنا في الصميم، يستحيل لمثلي أن تتحور من قملة سجينة بذقنه يستلذ ~~بدغدغتها لمنابت شعيراته، وإذا شاء فقأها، وإذا شاء اقتلعها بالمشط، وإذا شاء. # أن تتحور هذه القملة سجينة اللحية المقدسة إلى فراشة، تمد جناحيها فتصل النهر بالسحابة ~~... # الوردة بالنحلة. # الشجرة بالعصفور. # تصل الملائكة المنعمين سفراء السماء بالشحاذين والصعاليك ... # فراشة لا تحدها الأرض كلها. # حدث ذلك فعلا، وبغير مقدمات كما تغني يمامة أو يموء قط؛ هكذا تدور بي الطواحين، تدور ~~الطواحين بالمصائر، آلات المصانع والمجانين هكذا تدور السواقي في أطراف المدن بالسنابل ~~والأغنيات، بإحباطات الحاكمين. # خرجت من بيت أبي كما يلقي. # خرجت كما يرمي. # كنت دائما أحلم بالسفر في الدروب الطويلة، الدروب الطويلة السفر. # ما حلمت بالبحار الميتة أبدا، بالسلاحف ما حلمت. # إلا بالدروب الطويلة، قطارات من الريح بيوت وسحابات وفراشات، أنهر تجري نحو البدايات، ~~وأشجار تطير نحو الله، أسماك تسبح كالعاصفة. # كنت أحلم به. # كنت أحلم به تماما كما كان في الماضي، طفلا في الثالثة عشرة أو دونها، يسافر معي عبر ~~المدن والبلاد المسحورة، التي كنا نراها في المجلات المصورة في الأطلس والكتب المدرسية، ~~في صحونا كنا نؤكد حتمية ذهابنا إليها عندما نكبر ونتزوج، ونعيش فيها إلى الأبد، كنا ~~نحفظ أسماءها: أوسلو، جنيف، ديزني لاند، كاليفورنيا، نيروبي، بيروت، وغيرها من البلاد ~~الجميلة. # لقد دارت به طواحين الموت الصدئة، طواحين الموت البليدة، كان أبي مبرمجا لزمن ماض متخشب ~~ورطب، وكنت حلما طليقا. # حدأة. # وما بين الآلة الحاسبة والطائر خواء مسحور. # إذا تجنبته، مت. # وإذا قصدته، مت. # وإذا لم تسمع به، أيضا ms15 ، مت. # كما يموت الجراد. # | العاشق البدوي # عندما أتى به والده في ذلك # عندما أتى به والده في ذلك المساء ليلتحق بالمدرسة المتوسطة بالمدينة، كان في الثالثة ~~عشرة من عمره، يلبس كالبدو جلبابا وصديري أزرق، شعره كث، نعله من البلاستيك، وعلى رأسه ~~طاقية بيضاء وبيده عصاه، يبدو كأنموذج مصغر لبدوي، عيناه مستطيلتان بريئتان كعيني خروف، ~~تفوح منه رائحة الشياه والروب، كان قصيرا ووسيما، له جسد رياضي ممشوق. # أبوه صديق أبي؛ لذا طلب منه أبي أن يبقى معنا في المنزل بدل من السكن الداخلي الخاص ~~بالمدرسة؛ لأنها - كما أكد أبي لأبيه - ليست صالحة إلا لسكنى الضب والسحالي، وببقائه معنا ~~أصبح - أو شاءت الأشياء أن يصبح - محطة كبرى وحاسمة في حياتي، كنت أصغره بسنوات ثلاث، ~~ولأنه ذكي ومبرز في دروسه كلفته أمي بمساعدتي في الاستذكار، فكنا بعد شرب شاي المغرب ~~نأخذ كتبنا وكراساتنا إلى حجرة المطبخ نضع بيننا منضدة صغيرة تستخدم للشاي، نضع عليها ~~كراسات وكتب المدرسة ونستذكر، وكان طفلا مرحا يحفظ كثيرا من الأحاجي وقصص الفروسية وبعض ~~من الشعر الدارج، وأيضا كان يعرف أسماء الطيور كلها، ومواسم ظهورها ونوع طعامها وكيف يصطاد ~~كل صنف منها ومتى وبأي وسيلة؟ كان يعرف أسماء الحشرات والحيوانات والنجوم ومدلولاتها وفقا ~~للمواسم، وكان إذا رأى نجما ما يقول يجب أن يزرع القمح اليوم أو سيكون هذا الخريف رديئا، ~~كان يعرف كيف يحلب الأبقار والماعز، ويمتلك حاسة شم لا مثيل لها في المدينة كلها، فكنا ~~نغمض عينيه ثم نضع قرب أنفه جلباب أحدنا قائلين: جلباب من؟ # فيقول دون تردد: إنه لأحمد ... إنه جلباب الحاجة ... # وأبدا لم يخطئ إلا مرة واحدة عندما أتينا بجلبابه هو نفسه ووضعناه على أنفه فسكت مليا ~~ثم قال بعد أن حرك أنفه كالكلب الذي يتحسس رياح ما، قال: هذا ليس جلباب لأحد؛ لأنه لا ~~رائحة له، أهو ملاءة؟ # | العاشق البدوي # كنا وأطفال الجيران في ... # كنا وأطفال الجيران في أيام القمر نستمع لأحاجيه وأخبار «السحاحير» والأموات الذين يتركون ~~قبورهم في اليوم الثالث من دفنهم ليعودوا ms16 لمنازل ذويهم، أو ينتقمون من أعدائهم وخصومهم، وعن ~~الشياطين الذين يسكنون على شاطئ النهر والقناطر، وكان يحدثنا بذلك وهو شديد الإيمان ~~بما يقول وكأنه حقيقة رأى السحار، الشيطان أو البعاتي، ولا يقبل إطلاقا أن يجادله أحد في ~~صحة ما يقول فيبادر بالقول: أستغفر الله، أستغفر الله ... # في الحق لم نكن نحس أن ما يقوله يجانب الصواب، لقد كان جادا وصادقا، وكنت أقلده ~~في كثير من ممارساته؛ لإيماني بأنه يعرف أسرارا عن الجن والسحاحير لا أعرفها، فكان إذا ~~أراد النوم دار حول سريره سبع مرات؛ قارئا آية الكرسي حتى إذا دخلت الشياطين - شياطين ~~الظلام - الحجرة فإنها تضل عن سريره، فلا تراه، وبذلك لا تستطيع أن تؤذيه، أخذت أفعل مثله ~~فأدور حول سريري وسرير أخي الصغير، الذي ينام معي بالحجرة، أخبرت أمي بهذه الفكرة مرة ~~ونصحتها بأن تقرأ آية الكرسي سبع مرات وهي تدور حول سريرها حتى تتجنب شياطين الظلام التي ~~تضع الأمراض - بيضها - في أجساد النيام ... قالت سائلة: من أخبرك بذلك؟ # قلت: إنه محمد آدم. # فلم تقل شيئا غير أنها ابتسمت ابتسامة غامضة ما زلت أذكرها إلى اليوم. # | في قلة أدب # ذات مرة جاء # ذات مرة جاء بأطلس مصور قال: إن خاله أرسله له من دولة الإمارات العربية، كان الأطلس ~~مدهشا، به البلدان مصور ناسها وحيواناتها وسهولها وجبالها، بألوان زاهية ساحرة، أكثر ما ~~تعجبه من البلدان هولندا وطواحينها الهوائية، قال لي وهو يشير لبيت ريفي يقع وسط أرض خضراء ~~تتجول في عرصاتها أبقار الفرزيان والأرانب البرية: أيعجبك هذا المنزل؟ # قلت: إنه جميل يعجبني جدا. # ولا يزال إصبعه على البيت الريفي الجميل المدهش ذي البقرات الفريزيان. ~~- سوف نذهب أنا وأنت إلى هنالك. # قلت مندهشة: إلى أين؟ # قال: هولندا ... وسنبني مثل هذا المنزل. ~~- كيف ذلك؟ # قال بثقة وجدية: لقد أخبرت أبي ... أريد أن أقرأ الجامعة بهولندا، وعندما أتخرج سآتي ~~لأتزوجك، آخذك معي إلى هنالك، ولن نعود إلى البلاد الكبيرة أبدا. # قلت وقد أحسست برعب لم أدرك كنهه: تتزوجني ... أنا؟! # قال مبتسما في غموض ms17 : نعم، أنت ... هل ترفضين؟! # قلت: سأخبر أمي. # قال بسرعة: ليس الآن، ولكن بعد أن أتخرج في الجامعة، بعد عشرة أعوام إن شاء الله. # قلت في إصرار وعناد: ولكني أيضا سأذهب وأخبر أمي؛ لأنها قالت إذا تحدث معك أي شخص ~~في مواضيع قلة الأدب فأخبريني أولا بأول. # حاول جاهدا أن يفهمني أن هذا ليس «قلة الأدب»، وأنه سيتزوجني وليس الآن، وأنه ... وأنه ~~... إلا أنني أصررت على إخبار أمي أولا بأول ... فقال وهو يغلق الأطلس ويجمع بقية كتبه من ~~على المنضدة: إذن سأذهب للداخلية ولن أحضر أبدا إلى منزلكم طالما كنت تصرين على إبلاغ ~~والدتك. # فنهض ... # وعندما نهض تراجعت وقلت باستسلام: لن أخبرها. ~~- إذن اتفقنا! ~~- نعم ... # حينها أخذ يدي في يده، شمها وضمها إليه بشدة فأحسست أن تيارا سريا كان يسري من ~~كفه إلى شراييني دافئا وحلوا. # قال: إذن سنتزوج! # قلت كالمنومة: نعم. ~~- هل سنذهب إلى هولندا معا؟ ~~- نعم. # منذ ذلك اليوم لم أستطع أن أفهم ما كان يشرحه لي من حساب ولغة إنجليزية، فقط كنت ~~أفهم لغة يده في يدي تحت الأطلس، أو بين صفحات الكتاب، وكنت أفهم لغة قلبه ينبض في صدري، ~~ولغة قلبي يدق. # فتخمرت في مخيلتي فكرة أن يتزوجني، أن ينام معي في حجرة واحدة وعلى فراش واحد، كما يفعل ~~أبي مع أمي، وأنا أعتني بشئونه، أغسل ملابسه، أكويها، أرتب كتبه، أطلسه، ومجلاته المصورة، ~~أعد له الطعام، وعند المساء أجلس على خمرة الدخان استعدادا للنوم معه. # إذن ... أن يتزوجني، أن يصبح مثل أبي لأمي، وأخذت أتخيله في صورة أبي وأخذت أغسل ملابسه، ~~أكويها، وأخذت أرتب كتبه وفراشه وأحتفظ بكل مستلزماته، بدءا من صابون الحمام، انتهاء ~~بمصروفه المدرسي الشهري. # ولا أطيق غيابه عن البيت ولو للحظة، وأغار عليه ... ليس من بنات الجيران فحسب، بل من أمي ~~أيضا، أما هو فكان يشتري لي الحلوى والبسكويت والأقلام الجميلة والألوان من مصروفه ~~المدرسي الخاص، وفي أيام العطلات عندما يفرغ المنزل من أبي الذي يذهب للصلاة منذ ~~الحادية عشرة ولا يعود إلا عند ms18 الثانية ظهرا، وأحيانا الثالثة حيث يتغدى في كثير من ~~الأحايين في منزل جدي، وأمي تنتهز غياب أبي فتزور جاراتها اللائي يذهبن للعزاء ~~والمناسبات، تأخذ أخي الصغير معها، ونبقى، محمد آدم وأنا، بالمنزل ... # وحدنا. # ندخل حجرة أمي المعبقة ببخور الصندل، نخلع أحذيتنا ونرقد على سريرها الزوجي بكامل ~~ملابسنا، ونحن نحتضن بعضنا مثل دجاجة وفرخها الوحيد ... وأحيانا يدخل كفه بين ملابسي متحسسا ~~جسدي وثديي الناميين، وهذا الفعل غالبا ما يصيبني بالخدر، ويفقدني الوعي، ولو أنه كان ~~خدرا لذيذا وممتعا. # وحدث أن نمنا. # نمنا بحجرة أمي ويده تقبض على ثدي ولم ندر أن وقت عودة أمي قد حان، حيث إنها تأتي ~~قبل أبي بساعة أو قليلا من الساعة، فلم نستيقظ من خدرنا اللذيذ إلا على صرخة مدوية على ~~رأسنا، ورأينا ونحن نفتح عيوننا بكل وسعها في لحظة رعب واحدة، رأينا أمي بدمها ولحمها، ~~ويداها على رأسها وعيناها جاحظتان وفمها مفتوح، كان وجهها الجميل مرعبا ومخيفا، قالت: ~~ماذا تفعلان؟! # نهضنا محاولين الهرب، ولكنها قالت بحزم: لا تذهبا ... ابقيا. # ثم صمتت لزمن مخيف طويل قبل أن تقول لمحمد آدم: اذهب أنت إلى الديوان. # فخرج وهو يرتجف رعبا وهلعا، وبقيت أمي وأنا، وحدنا. # | الموت غرقا # أنا في الثالثة عشرة من ... # أنا في الثالثة عشرة من عمري في ذلك الحين، وهو في السادسة عشرة، كنت ممتلئة الجسد، رغم ~~قصري، ولي عقل - كما كانت تقول أمي دائما - كبير ... أكبر من عمري. # تحدثت معي حديثا أبكاني، ثم هددت بأنها ستخبر أبي إذا ... وأظن أنها أخبرته لأنه بعد ~~عام واحد من هذه الحادثة زوجني ابن خالتي، ولو أنني رفضت قائلة لأبي صراحة: سيتزوجني محمد ~~آدم. # ضحك أبي حتى سالت أدمعه، ثم قال: من محمد آدم هذا؟ ذلك الولد الذي يدرس في الصف الثالث ~~بالمدرسة المتوسطة؟ الولد الذي معنا في المنزل؟ # قلت مدافعة: عندما يتخرج في الجامعة. # قال ساخرا: بعد عشرين عاما ... يتخرج ويبني بيتا ويعمل ثم يتزوج، حينها ستبلغين سن اليأس ~~وسيتزوج غيرك، بنتا صغيرة في الرابعة عشرة من عمرها ms19 ؛ تزوجي ابن خالتك وهو رجل غني وطيب ~~وتتمناه كل فتاة. # قلت وقد يئست من حجتي الأولى بعد أن تفهمها أبي: أريد أن أقرأ. # قال مبتسما: الزواج لا يمنع القراءة، وأنت بنت صغيرة في الرابعة عشرة من عمرك، وإن شاء ~~الله ستواصلين الدراسة بعد الزواج، ولا أظن نور الدين سيرفض هذا الطلب، إنه رجل أعمال ~~ومال. # دارت الطواحين بالريح، بالصراصير المختبئة بجوالات الحنطة، دارت الطواحين فحطمت أحلامي ~~الصغيرة طحنا ... طحنا سريا بائسا ... طحنا. # وعندما رحلت إلى بيت الزوجية الكبير المرعب، أرسل محمد آدم مع أخي الصغير الأطلس ~~المصور وسافر إلى القرية. # ذلك السفر الذي لم يعد منه إلى الآن ... إلى الأبد، حيث تلقينا وفاته في نفس اليوم، ~~فاللوري الذي كان على متنه تصادم بوابور حرث وسقط على ترعة صغيرة؛ مات كثيرون من بينهم محمد ~~آدم ... كان وقع الخبر علي كالصاعقة، وأحسست إحساسا قويا بأن أبي وزوجي نور الدين هما ~~اللذان قتلا محمد آدم؛ لقد رميا باللوري وأغرقا محمد آدم. # فكرهتهما كراهية شنيعة، ومقتهما مقتا حامضا منذ تلك اللحظة ... # كرهتهما. # | في الخلاص # كنا # كنا بحجرة المحراب نحيك ملابس التيل السوداء للشتاء حينما خطرت بي فكرة أن نتخلص منه، من ~~زوجي، قال المختار سائلا: موضوعيا، أم ذهنيا؟ # قلت: إنه رفض الطلاق. # وبدأنا طقوس صلاة الخلاص، التحرر الذهني، السلمي، قمنا بتمارين التركيز الأولية ثم ~~قليلا، قليلا تسلل صوته في دمي بكل هدوء وسهولة، عميقا كحلم الفيلسوف، أو رؤية ~~نبي. # ركزي. ركزي. ركزي. # ثم اخترنا شعيرة دموية تقود إلى الذاكرة، صنعنا مركبين صغيرين من الصفائح الدموية ~~وانطلقنا نحو الذاكرة، ذاكرتي، كنا نحمل معنا طلاء لطمس معالمه، «كلور» أيضا لتشويهه، ~~أخذنا معنا أدوات التنقيب أدوات حقيقية وفعالة. # كان صوته السهل الواثق العارف القوي يتسلل في مسامي، لقد هيأنا لك الذاكرة، ادخلي. # ادخلي. # ادخلي. # فدخلت ثم غصت، تعمقت عميقا ... عميقا. # كانت رطبة لكنها مضاءة بشكل جيد ومريح، كانت أضخم مما كنت أتصور وأضخم من جمجمتي، ~~أضخم من دولاب ملابسي، أضخم من المحراب، كمن أدخل سوقا سحرية تمتد ms20 وتتنوع أشياؤها ~~وتتعدد، وكان صوته السهل القوي الواثق العارف يتسلل في دمي حلوا عميقا. # ركزي. # ركزي. # ركزي ... والآن. # والآن، فلنبحث عنه! # الأشياء متراكمة في بهو الذاكرة، الأموال، الأشجار، الأجهزة، راديوهات، أنغام، طريق ~~مستنيرة، طريق مظلمة، طريق ميتة، إماء، أطفال، محمد آدم، المختار، أبي، أزهار دفلي وشجيرات ~~عرديب صغيرة، وكثير من الذي لا ندري له اسما، أسماك. # كنا نقلب ونرفع هذا وذاك، ونزيح قليلا الى أن وجدناه مختبئا في ركن من شتاء الذاكرة، ~~في ركن ثلجي به كومة متجمدة من الحوادث، والأوراق والحقد، كان هزيلا، باردا ومتشائما ~~وهو يحتضن أطلس محمد آدم وسط صقيع شتاء الذاكرة، عيناه غائرتان، التقطه المختار بملقاط ~~أعد لهذا الغرض خصيصا، مصنوع من قوة الذهن وعناد العاطفة. # نعم. # صب عليه قليلا من الكلور المركز حتى طمس معالم المقاومة فيه وبدأت تحت جلده ملامح لذئب ~~مريض، قال المختار: لنسرقه خارج الذاكرة كليا، ربما استطاع هذا الذئب المريض افتراس ~~أشياء مقدسة بالذاكرة. ~~- ركزي، ركزي ... # خرجنا بمسام في الظهر، قذفنا به في الرماد وانتظرنا نرمقه إلى أن أصبح ذرة غبار لا لون، ~~لا رائحة، ولا وزن. # ثم. # سمعت الصوت الواثق الهادئ العارف يقول، أيضا: الآن عودي ... عودي أيتها الملكة الجميلة ... # عودي. # عودي. # عودي. # | الصوت # هذا الصوت # هذا الصوت، هذا الرجل، هذا المختار، التقيت به أو أرسله لي القدر ذات خوف وحزن، ذات ~~غربة، ذات يأس. زوجي نور الدين هو الذي أتى به من المستشفى العام، وهو طبيب نفساني غريب ~~السلوك، يقضي وقته كله بميس الأطباء؛ ليقرأ كل شيء ويرتل القرآن ولا يذهب إلى المستشفى ~~وليست له عيادة خارجية، وإذا ذهب إلى المستشفى فللحالات الطارئة جدا وحتى هذه الطوارئ، ~~فكان غالبا ما يعلق عليها قائلا: هذا عبث. # ثم يأمر بتحويلها إلى طبيب مبتدئ بالمدينة ليعود إلى آياته وشعره. ولا أدري كيف تمكن ~~زوجي من إقناعه بالحضور إلى المنزل ليفحصني، فلقد كنت أصاب بحالة من الهذيان والكوابيس ~~من الرعب. # قلت له ونحن بالمحراب ذات يوم، ذات ضحى: كيف أقنعك نور الدين بالحضور ms21 إلى بيتنا لأول ~~مرة؟ # قال مبتسما: عيناه هما اللتان أفشتا السر. ~~- أي سر؟ # هذا السر الذي نعايشه الآن، ثم أضاف: اللغة ليست حكرا على اللسان، فبإمكان وحدات الجسد ~~كلها القول، والعين كما يقول السيد المسيح: هي مصباح الجسد، هي نوره. # | مايازوكوف # عندما خرجت من المدرج # عندما خرجت من المدرج كانت الساعة تشير إلى العاشرة إلا ثلثا، وأنا أتجه إلى ~~محطة الباص، سمعت صوتا نسائيا يناديني: نحن هنا. # إنه صوت سارة حسن، الذي تميزه بحة خفيفة. ~~- كنا ننتظرك منذ وقت طويل، ربما منذ بدء محاضرتكم مباشرة. # سارة حسن، آدم وحافظ ومعهم أيضا صديق يكتب الشعر، أعرفه منذ أن حضرت إلى الجامعة، وهو ~~أمين محمد أحمد، كانت معهم أيضا نوار سعد، التي تشع جمالا وحيوية وهي تقفز هنا وهنالك ~~كغزالة شاردة، ولم يكن بصحبتهم مايازوكوف أستاذ النحت المجنون والأكثر عقلا من الجميع، ~~قالت لي سارة: لدينا مشوار مهم ونريدك معنا. قلت: لكني سأعود إلى الغابة، فالمختار في ~~انتظاري اليوم وأنا لم أره منذ ثلاثة أيام. # قالت سارة في إصرار: لا ... اليوم هو يوم مايا العزيز، هل تعلمين أين مايازوكوف؟ ~~- إنه في منزله يحتفل بالذكرى السادسة لوفاة صديقه المغني السوري مداح المداح، ألا ~~تتشوقين إلى احتفالات مايا العزيز؟ # وقبل أن تسمع رأيي في مسألة الذهاب زج بي الأصدقاء زجا في باص الجامعة، الذي كان ~~ينتظرني مشحونا بالطلاب وأساتذة الفنون وآخرين من المجانين الذين انفجروا بالغناء والصفير، ~~وأيضا الصراخ والزغاريد. # | في الروح # في الحق احتفال # في الحق احتفال مايازوكوف السنوي بيوم صديقه مداح المداح؛ له إغراء لا يقاوم، فهو ~~مهرجان للخبل والعته والجنون، مهرجان للانطلاق، مهرجان للروح، أو كما تقول نوار سعد: مداح ~~المداح كان مغنيا سهل الروح، صعلوكا ومرحا، لا يعرف الحزن لقلبه سبيلا، وكان ~~يحب كل شيء: المأزق، حرب حزيران، المرأة، السلام والخمر، ولو أنه كان يعشق جمال عبد ~~الناصر إلا أنه كان لا يرى في الصراع العربي الإسرائيلي إلا سوء تفاهم، مجرد سوء تفاهم بين ~~طفلين لأم واحدة وهي الأرض. # في ms22 الحق لم ير أي منا مداح المداح، ولكن من خلال الاحتفال السنوي بذكراه. # كان المحاضرون ومايازوكوف والمغنون والأصدقاء الذين يفدون من سوريا خصيصا لحضور ~~مهرجان مايازوكوف، كانوا يحصرون كل شاردة وواردة في حياة مداح المداح بدءا من أسلوبه في ~~الغناء، انتهاء بنسائه واستمنائه. # | في البيت # بيت مايازوكوف الخلوي يقع ... # بيت مايازوكوف الخلوي يقع شرق جبل المرسم في مساحة شاسعة، مسور بأشجار الأركويت، ويبعد ~~جبل المرسم زهاء الميل ونصف الميل، يصح أن يوصف بأنه غابة صغيرة من أشجار العرديب ~~الضخمة تتخللها بعض التبلديات وقليل من أشجار الباباي التي توجد قرب السور في الأطراف، ~~وهي طويلة. # تحمل ثمارها في صدرها كأثداء لبنيات أسطوريات في سنة المراهقة الأولى، وسط هذا المنزل ~~الذي تبلغ مساحته ثلاثة أميال مربعة تقريبا، يوجد جبل صغير كان في الأصل بهذا الموقع ~~وحوله التبلديات وكثير من العرديب وبعض أشجار الأكاسيا. # بنى مايازوكوف حوله بيته، بعد أن زرعه بالأشجار النادرة ومختلف نباتات الزينة، ثم ~~صنع في قمة الجبل نافورة مياه تندفع مياهها في شكل زهرة لوتس كبيرة وتسقي الشجيرات، ثم ~~تسيل في هيئة نهر صغير لتصب عند بئر تقع تحت الجبل؛ مصدرة خريرا ساحرا نتيجة لتساقط ~~الماء على انكسارات صخرية مدروسة فعلها مايازوكوف بنفسه حول جدران البئر، وبساحة ~~المنزل أيضا تنتشر الأرانب البرية المستأنسة والسلاحف وطيور الأوز والدجاج والنعام ~~التي لا تخاف البشر. # أما المبنى، مبنى البيت فهو بسيط ويتكون من قاعة كبيرة للاستماع للموسيقى وتستغل ~~كمحترف للرسم وقاعة اجتماعات، وهنالك أربع حجرات أخرى، وهي عبارة عن غرفة جلوس وغرفة نوم ~~كبيرة، وغرفة أخرى أصغر حجما وصالون، بالإضافة إلى المعمل الصغير خلف المبنى لتقطير عرق ~~العرديب. # ويوجد هذا المبنى المتداخل في بعضه في أول المنزل الكبير عند المدخل، وتقع الغابة ويقع ~~الجبل خلفه. # حوى بيت مايازوكوف في هذا اليوم أشكالا من البشر والجنسيات العديدة: عرب، طلاب وأميين، ~~صعاليك ورجال دين متطرفين، أساتذة وعسكريين، نساء ورجال مسالمين مسامحين كزهر البرسيم، ~~صبيان، داعرات، مثقفات، شعراء وأنبياء كذبة، شحاذين ومحسنين، أوربيين آسيويين وأفارقة ms23 ولا ~~موطئ لقدم؛ الجميع في ساحة المنزل تحت أشجار العرديب والتبلدي الباسقات وتحت الجبل يطعمون ~~الأوز والأرانب وطيور الود أبرق، وبعض المجانين يركبون على ظهور النعام والسلاحف ~~الضخمة، وقد نجد بنتا جميلة وولدا نزقا في أجمة من عشب المحريب عند أطراف السور تحت ~~شجيرات الباباي يقبلان بعضهما البعض، أو يفعلان تحت الإضاءة الخافتة الآتية من بعيد ~~جدا ومباركة المحريب. # وأيضا هنالك نفر كثير يجلس حول البئر للاستماع إلى موسيقى تساقط مياه نهير الجبل بين ~~انكسارات الصخور في البئر، أو لإمتاع العين بمشاهدة زهرة الماء التي تخلقها النافورة، حيث ~~لا يمكن تحديد مواقعها بالضبط؛ أشخاص يلعبون الشطرنج وهم يغنون بالقاعة الكبيرة، ~~يشربون عصير العرديب، يشربون العرق وهم متكئون على سوق البابايات والياسمين والتمرهندي، ~~يأكلون مربى العرديب، الذي كما يؤكد مايا العزيز أنه يضعف الذاكرة، بالتالي يجعل الشخص ~~أكثر ميولا للخلق والإبداع. # في منصة قرب جبل الموسيقى يقف نصب مداح المداح مواجها نافورة المياه اللوتس مصنوعا من ~~الجبص، يحمل عوده وهو يصدح بالغناء وكأني أسمعه يردد أغنيته الشهيرة: # يما مويل الهوى # يما مويلي # طعن الخناجر ولا # حكم الخسيس في. # أو لربما لأن الأغنية أصلا على مقعد التمثال بحبر ذهبي يجبرك على قراءته، قلت لنوار: ~~لقد سمعت هذه الأغنية من قبل في غير هذا المكان، بصوت الشيخ إمام المصري، وقالت وهي تحرك ~~شفتيها بامتعاض: العجوز الشيوعي ... ه ... هه ... أنا لا أحب أغاني الشيوعيين؛ لأنهم يقولون ~~شيئا ويعنون شيئا آخر وقد يكون الشيء الأول. إنهم قد يقولون «بنتا» ويعنون ثورة مسلحة أو ~~ربما جيفارا نفسه؛ ولكنهم كأفراد رائعون، لفتيانهم مقدرة غير محدودة في الإشباع ~~الجنسي. ~~- هذا شعر جميل وهو لمحمود درويش! # قالت في صورة حاسمة ونهائية أنا امرأة بسيطة أحب فاسيلي كاندنسكي وميشيل فوكو، والجنس أنا ~~مخلوقة بسيطة. # بسيطة جدا ... # ثم ... # انفجرت بالضحك، الضحك ... الضحك، مما أثار حفيظة طالب بكلية دينية كان قد حضر الحفل لأشياء ~~في نفس يعقوب، وكان قريبا فأخذ يصيح بأعلى صوته: قلة أدب وصعلكة فارغة، ثم أضاف بحرقة: ~~لعنة الله ms24 عليكم يا بني إسرائيل. # وخرج وهو يسب ويلعن. # | في البيت # بيت مايازوكوف الخلوي يقع ... # بيت مايازوكوف الخلوي يقع شرق جبل المرسم في مساحة شاسعة، مسور بأشجار الأركويت ويبعد جبل ~~المرسم زهاء الميل ونصف الميل، يصح أن يوصف بأنه غابة صغيرة من أشجار العرديب الضخمة ~~تتخللها بعض التبلديات، وقليل من أشجار الباباي التي توجد قرب السور في الأطراف، وهي ~~طويلة. # تحمل ثمارها في صدرها كأثداء لبنيات أسطوريات في سنة المراهقة الأولى وسط هذا المنزل الذي ~~تبلغ مساحته ثلاثة أميال مربعة تقريبا، يوجد جبل صغير كان في الأصل بهذا الموقع وحوله ~~التبلديات وكثير من العرديب وبعض أشجار الأكاسيا. # بنى مايازوكوف حوله بيته، بعد أن زرعه بالأشجار النادرة ومختلف نباتات الزينة، ثم صنع في ~~قمة الجبل نافورة مياه تندفع مياهها في شكل زهرة لوتس كبيرة وتسقي الشجيرات، ثم تسيل في ~~هيئة نهر صغير لتصب عند بئر تقع تحت الجبل. # | في بلادنا # يجلس مايازوكوف فلادمير على ... # يجلس مايازوكوف فلادمير على مقربة من نصب «مداح المداح» يتوسط رجل أجنبي أبيض الإهاب، ~~له ذقن كبيرة شقراء، قيل إنه مستشرق قام بترجمة رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى لغة ~~الهوسا والفولاني، وهنالك امرأة عربية بدينة ذات وجه جميل أبيض، سورية وزوجة رجل بالقنصلية ~~العراقية، وهي محاضرة المهرجان عن «مداح المداح» كانت تقوم بسرد تفاصيل حياته أيام دراسته ~~بمعهد جوركي للآداب بروسيا، ثم تحدثت عن إصابته في حادث سير متعمد ببغداد، ثم اختطافه في ~~بيروت بواسطة جيش لبنان، ثم كيف أنه هرب متخفيا في زي جندي إسرائيلي ثم غنت. # غنت خمس أغنيات من أحلى ما سمعناه من غناء لمداح المداح، ثم قدمت مايازوكوف؛ ليتحدث عن ~~عادات مداح المداح الخاصة جدا، وذلك كدأبه في كل عام، ولو أنه كان حديثا شيقا وجديدا ~~وممتعا. وفيما قال: كان المداح يعشق النساء إلا أنه كان دائما يفضل الاستمناء. # قال: إذا جاع مداح المداح شرب الزيت، أو أكل البطاطا نيئة، وقد يأكل كل ما يقع على يديه ... ~~قال: حاول المداح أن يتزوج مرة ms25 ، ولكنه خاف على حريته وربابته، قال: كان يؤمن بأن حل ~~القضية العربية الإسرائيلية لا يكمن في الرصاص والحرب الاقتصادية، ولكن في المعايشة السلمية ~~بين العربي والإسرائيلي وفوق دستور غير عنصري وقانون عادل ونظام حكم ديمقراطي، قال: قبل ~~موته بأيام كان يحلم مداح المداح بالقدوم إلى بلادكم - البلاد الكبيرة - ثم قال إنه يستطيع ~~البقاء في سوريا بعد وفاة مداح المداح، ولكنه لم ينفك من حبه للشرق الذي زرعه فيه المداح ~~فجاء إلى هذه البلاد الكبيرة. # ثم قال: علمني اللغة العربية ووجهني لدراسة القرآن الكريم والغناء العربي، وهو من قال لي ~~ذات يوم: إن العالم أوسع بكثير من هذا المعهد، معهد جوركي، وإنه قد يساوي المعهد مضروبا ~~في ثلاثة. # رقصنا على ألحان سورية، واستمعنا لمايازوكوف يغني لميادة الحناوي: حبينا واتحبينا. # ثم لم يتمالك نفسه من البكاء فانفجر بالضحك. # مما أبكى معظم الحاضرين. # | وجه المختار # بصعوبة صدقت ... # بصعوبة صدقت عيني عندما ظهر فجأة وجه المختار من بين الحضور، سألته من الذي أخبرك ~~بالاحتفال؟ # قال: أرسل لي مايازوكوف، ولو أنني لم أنس تاريخ وفاة المداح لأنني كنت أنتظر مجيئك إلي ~~بالغابة لنأتي معا، وعندما أسرفت في التأخر جئت. # هل فاجأتك؟ # كنت أتمنى أن يقول لي: «لقد اشتقت إليك.» بدلا من ... «هل فاجأتك؟» وكنت أعرف أنه ~~اشتاق إلي حقا، ولكنه لا يفصح عن مشاعره أبدا، وبحس المرأة في ذلك الحس المرهف الذي ~~لا يخطئ أعلم علما باطنيا أنه يحبني، ولكن ... # لماذا علي أن أفكر هكذا؟ قلت له: إذن لقد التقيت مايازوكوف؟ ~~- كنت معه قبل قليل، إنه شخص مدهش كلما ألتقيه أكتشفه من جديد، أين نوار سعد التي ~~قلت لي عنها كثيرا؟ ~~- هل تشتاق لرؤيتها؟ # قال بتحفظ: لقد أخبرتني عنها كثيرا. # قلت: إنها كانت معي قبل قليل، ولكنها ذهبت في صحبة صديق إلى جهة ما داخل هذه الغابة، ~~ولكنها ستحضر وستراها. قال: تقصدين البابايات والمحريب؟! إذن فلنذهب نحن إلى بئر الموسيقى ~~نستمع لخرير المياه ونطعم طيور الود أبرق النعسانة المنزعجة بالضوء ... قلت: أحب أن ألتقط بعض ms26 ~~ثمار الباباي على موسيقى البئر، كم يكون ذلك رومانسيا. ~~- لا أدري لماذا في هذا اليوم بالذات كانت تتملكني شهية طارئة وملحة للغزل، ليس للتجانس ~~تماما، ولكن لشيء قريب من ذلك، ولو قبلة عميقة على عشب المحريب، ولو همسة. # | عرق # كان مايازوكوف ... # كان مايازوكوف يرى في المختار متصوفا من مدرسة قديمة في زمن حديث، وكان يعجبه أسلوبه ~~في الحياة ويحترمه، ولو أنه يختلف معه في أمور شتى، إلا أنه كان دائما ما يكرر: ~~إن المختار يشبهني كثيرا، ولحد ما نصفي الآخر. # قدم مايا العزيز للمحتفين عرق العرديب الذي قام بتقطيره بنفسه، فشربه البعض ولاذ بدينهم ~~الآخرون. # | احذروا الأنبياء الكذبة # صعد شاب ... # صعد شاب على شجرة تبلدي عملاقة نادى في الجمع أن يجتمعوا إليه؛ فتجمعنا قال وهو يمسك ~~ثمرة تبلدي بيده: أنا شخص مثلكم شخص عادي، كأي صفصافة، كأي شجرة عرديب بهذه ~~الغابة. # كالريح. # شخص عادي. # وأنتم، وأنتم أيضا أشخاص عاديون وطيبون، وعرفت ذلك من طريقة مشيكم وأسلوب تناولكم لعرق ~~وعصير العرديب الذي حباكم إياه مايا العزيز. # فأنتم عاديون وطيبون ... # لكني إذا ادعيت النبوءة، بلا شك ستتحولون إلى ماكينات للأسئلة، ماكينات شرسة، وتراجعون ~~ذقني ولبسي ورباط حذائي وتهمسون لبعضكم: أشرب كثيرا من عرق العرديب أم إنه لا يسكر؟ ولكني ~~أعرف أن السيد المسيح عيسى بن الإنسان هتف فيكم قائلا: «احذروا الأنبياء الكذبة.» # وأنا واحد منهم، نبي كاذب فاحذروني. # ثم أخذ يأكل ثمار التبلدي بكل هدوء وطمأنينة، ويبصق البذور على رءوسنا، نحن الذين جئنا ~~للاستماع إليه تحت شجرة التبلدي العملاقة! # سخر منه البعض، صدقه رجل مغرم بالنور عثمان أبكر، كذبه البعض وقال عنه آخرون: إذا ~~صدقناه فإننا اعترفنا بنبوته الكاذبة، وإذا كذبناه نصبناه نبيا صادقا، وإذا ضحكنا عليه ~~كأنما ضحكنا على أنفسنا. # ثم التقينا بأمين محمد أحمد، وكان في صحبة سابا تخلي الحبشية صديقة نوار سعد، قال إنه ~~ناقش مدعي النبوة هذا من قبل، وطلب منه معجزة تبرهن بعثه إلينا، فرد ساخرا: لقد انتهى زمن ~~المعجزات بعد أن خلق الله أمريكا وهيأ للإنسان ms27 الكمبيوتر، عدسات العيون اللاصقة ~~والكوندومز. # قال أمين إنه وسابا سيزوراننا بالمحراب، قالت سابا للمختار: إذن أنت رجل الغابة الذي ~~نعرفه ولم نره؟ قال مبتسما: أنا هو بالتأكيد، كما أنك سابا تخلي حفيدة عشيقة رامبو التي ~~نعرفها ولم نرها. # أما أنا فقد قابلت سابا عدة مرات مع نوار سعد في منزلها الخاص «بالحلة الجديدة» فهي فتاة ~~جميلة وذكية وحبشية. # | الوحدة الوحدة # البيت الذي انتقلت إليه ... # البيت الذي انتقلت إليه بعد الزواج بيت كبير، به خمس حجرات ومطبخ كبير وسفرة، به ثلاثة ~~حمامات، وبالتالي عدد لا بأس به من الشبابيك والأبواب، وخاصة إذا كانت مشرعة، فكنت أحس ~~كما لو أن وحشا مرعبا سيقفز للداخل ليمزقني إربا إربا أو يبتلعني، وقد نما هذا ~~الخوف منذ الطفولة الأولى إلى أن التقيت بمحمد أحمد، فاختفى ولم يظهر إلا عندما انتقلت إلى ~~هذا المنزل، منزل الأشباح التي تطرق الباب وتفتح النافذة وتمشي في الغرفة ... # أسمع وقع أقدامها ولا أراه. # أسمعها تنادي ولا أراها. # كنت أصرخ كالملسوعة في وضح النهار إذا طرق الباب شخص أو إذا حط عصفور على النافذة، إذا ~~غنى مغن بالطريق، أو داعب الريح شباكا أو ... # ولولا أن أهلي يعلمون خوفي من النوافذ منذ الصغر لم يترددوا في إيداعي المصحة، نما ~~أيضا عندي الخوف من الظلام، ثم هاجمتني الكوابيس والأحلام المرعبة، قطط وبراغيث أموات تأكل ~~أمواتا، حريق، جدري، وحمى شوكية، فئوس نارية تبتر أطرافي، طريق طويلة تؤدي إلى رجل قصير ~~ميت، ناموس وأحشاء مكومة كالجبال، جنيات ترقص المانجي والمردوم على ضوء القمر وعروس تلبس ~~كفنا عطش ... عطش ... عطش ... ~~- طلقني أرجوك أو ... # اقتلني كما قتلت محمد آدم! ~~- من قتل محمد آدم؟ ~~- أنت وأبي أغرقتماه، وركبت أنت على ظهره إلى أن مات ... ثم حطمت صحف الحساء على رأسه، ~~عضيته بصدره مرتين، فجاء بالمختار الطبيب النفساني. # | تفحص وجهي # تفحص وجهي جيدا، حملق في عيني مليا، ثم طلب من زوجي ومن بالحجرة الخروج، وعندما غادر ~~آخرهم قال لي بهدوء: اسمي محمد المختار، ما اسمك؟ # ثم أخذ مجلسا قرب ms28 رأسي وأخذ يتلو: # سلام قولا من رب ~~رحيم ~~، ثم تحدث بشكل متواصل عن أشياء عادية جدا ومتنوعة، وكان غالبا ما ~~يسألني عن رأيي فيما يقول مرددا: أليس كذلك؟ ثم يواصل حديثه بحرفية وثقة وبيقين تام، مرة ~~كنت أراه يعبث بعمق، ومرة كنت أحسه كنبي، قال: تحدثي عما تشائين. # حدثته عن السفر الطويل، الطويل نحو بلد بعيدة عن رجل قصير وسيم ينتظرني في نهاية الطريق ~~لأهبه بنتا جميلة، رجل ميت. # حدثته عن طارق الباب الذي لا أحد! حدثته عن خطوات الأشخاص غير المرئيين، حدثته عن نور ~~الدين زوجي وقلت إنه لا يطاق، وإني لا أحبه، وإنه وأبي قتلا محمد آدم. قال: ومن هو محمد ~~آدم؟ # داوم على زيارتي في البيت من حين لحين ... # اختفى ولم أره إلا عندما جاءني في الجامعة، وبعدها لم نفترق ... # | ما يشبه صديقتين # علاقتي بنوار سعد # علاقتي بنوار سعد توطدت بشكل غير متوقع، وأصبحنا ما يشبه صديقتين، كان يعجبني فيها صدقها ~~وصراحتها وثقافتها أيضا، ولكنها تزعجني عندما تبدي رغباتها الجنسية، ولا تتردد إطلاقا في ~~أن تقول لرجل أعجبت به: أنا أريدك! # تقولها بأي أسلوب، وهي بارعة في استخدام الأسلوب المناسب مع الرجل المناسب، كانت تقول ~~إن الرجال ثلاثة: رجل جريء يبدي رغبته بشكل مباشر وواضح، فهو مبادر. # رجل خجول لا يبدي رغبته بشكل واضح، ولكنه يلمح تلميحات تستطيع المرأة الذكية التقاطها ~~والتفاعل معها دون أن تشعره بالحرج، فهو لماح. # رجل جبان مشحون بالرغبة إلى صوف رأسه، ولكنه ما في نفسه شيء، ولا يلمح ولو تلميحات ~~غامضة مبهمة، بل يظل ساكنا كعلبة الكبريت وفي قلبه النار فهو متعب. # كانت نوار سعد تفضل الرجل النحيف المثقف، ويا حبذا لو كان برأسه قليل من الشيب، لا تستطيع ~~أن تقاوم إغراء رجل عقب في ندوة بشكل جيد ينم عن ثقافة ووعي بالأشياء ونضج، وتكره نوار سعد ~~رجلين: جاهل، وعلى حد تعبيرها: «لا يعرف كوعه من بوعه.» والرجل الآخر: العسكري، ولأنها ~~تعتبره شخصا لا تكتمل فحولته إذا لم تكن بقربه آلة تحسم ms29 الحوار لصالحه بإسكات الآخر ~~للأبد. # وهي دائما جميلة، جميلة جدا كروح فراشة، وهي دائما رقيقة بها أنوثة دافقة «وهذا ~~سلطانها» كما يؤكد أمين محمد أحمد: «بها أجمل رمش رأيته في حياتي.» وكانت تقول بأن جمال ~~الرجل ليس في شكله مثل المرأة، لا، فقد يمتلك الرجل القبيح الشكل جاذبية تتواضع أمامها ~~جاذبية ووسامة المقنع الكندي، وبهاء طلعة يوسف النبي. # وكنت دائما ما أحرج عندما تجرني جرا لمخاطبة شخص لا نعرفه، وكل ما يصلنا به هو ~~جاذبيته أو رائحة إبطه، لا أكثر، وبالرغم من ذلك كنت أجد فيها صديقة وفية، صادقة، صريحة ~~وواضحة. # | في السياسة # عندما استأذنتها سارة ... # عندما استأذنتها سارة للتحدث معي في أمر خاص، كنا أنا وهي نجلس أمام مكتبة الجامعة تحت ~~شجرة فيكس شامخة وجميلة، همست في أذني: هل تحبين السياسة؟ # قلت: لماذا هذا السؤال؟ # قالت: سأخبرك عندما نلتقي غدا ... # قالت لي سارة - ونحن نمشي نحو معمل الأحياء: أنا وآدم وحافظ لدينا ما نناقشك فيه. ~~- الآن؟ ~~- لا ليس الآن، ولكن بعد العاشرة عند بيت مايازوكوف، حيث نذهب لدراسة الموسيقى بعد ~~المحاضرة الثانية ... قلت: هل تذهب معنا نوار سعد؟! # هتفت سارة وبعينيها بريق قلق: لا ... لا إنها تذهب إلى منزل ميازوكوف ولكن لأشياء تخصها ~~وحدها، وأما نحن فلدينا شأن عام. # | في الأشياء الأخرى # بحديقة مايازوكوف ... # بحديقة مايازوكوف أشجار العرديب شامخة كنحت آلهة لمثال سكران ... # بحديقة مايازوكوف أشجار الصفصاف عليها البجعات والسنبر. # بحديقة مايازوكوف معمل عرق العرديب وأطيار الكلج كلج، والنعامات والحبارات، وأيضا ما ~~يطير من أحلامه الكثيرة في فراغات الدنيا ... # بحديقة مايازوكوف الأرانب والسلاحف وأشجار الباباي تتوسط عشب المحريب العطري. # بحديقة مايازوكوف الشمس على هامات العرديب والتبلدي والجبيل المرح الحارس لبئر الموسيقى ~~ونصب مداح المدح. # بحديقة مايازوكوف نصب مداح المداح والريح نائمة في ظل أناشيد الرعاة السوريين وأساطير ~~الآشوريين. # بحديقة مايازوكوف الورد الإنجليزي ينتظم الممر إلى حجرة نومه والأرض نجيل البنذيما ~~... # بحديقته هو، وجدناه جالسا بالصالون وحيدا مشحونا بالأشياء مهموما. نهض من مجلسه ~~مبتسما وقبض على أيدينا بحرارة وحب، قال ms30 له حافظ: إنك تبدو حزينا أليس كذلك يا ~~سارة؟ # قال مايا العزيز مبتسما: هذا صحيح إنهم يطلبون مني مغادرة البلاد. # قلت وسارة في آن واحد: لماذا؟! وماذا فعلت لكي يطردوك؟ ~~- بالتأكيد لم أفعل شيئا، وإنهم لا يحتاجون لمبرر لطردي. # فلا حق لطائر بنخلة البستاني، ولو أنه بنى بها عشا من الذهب، قال الجملة الأخيرة ~~بمرارة وحرقة. # لمايازوكوف أصدقاء وزراء وقضاة، شعراء شيوعيون وليبراليون ورجعيون أيضا، لمايازوكوف ~~أصدقاء صعاليك، ولكنه أكد لنا أنه لن يذهب لأحد يحميه ... قال: لا أدري متى سأغادر؟ # | مايا العزيز # تخرج مايا ... # تخرج مايازوكوف فلادمير في معهد جوركي للآداب في 1953م حيث التقى بمداح المداح، وقد كان ~~هو الآخر طالبا بنفس المعهد، وافدا من قبل حكومة بلاده سوريا لدراسة الآداب، درس الفنون ~~بروسيا وباريس، وتخصص في النحت ونال درجة الدكتوراة بجامعة موسكو، ثم ترك وطنه لاحقا ~~بصديقه مداح المداح في سوريا، فاحترف مداح الغناء واشتهر به، أما مايازوكوف احترف النحت ~~والتصوير وعمل أستاذا لفنون ما قبل التاريخ المرئية بجامعة اللاذقية. # | سألاني # سألاني عن علاقتي بنوار سعد؟ # سألاني عن علاقتي بنوار سعد، وهل هي عميقة جدا؟ ~~- إننا صديقتان. ~~- بالتأكيد أنت لا تعرفين كل شيء عنها. ~~- لحد ما؛ فهي لا تخبئ عني الكثير. ثم غير حافظ مجرى الحديث داخلا في الموضوع بوضوح ~~... ~~- هل اشتركت في المظاهرات الأخيرة؟ ~~- لا. ~~- لماذا؟ ألم تهزك الأحداث الأخيرة؟ ~~- لقد آلمتني كثيرا، ولكنني كنت بالمحراب لأن المختار مريض ولا أحد معه، فلم أستطع ~~تركه طوال أسبوع، ضف إلى ذلك لا أميل إلى السياسة، فأنا مسالمة ولا أرغب في سلطة أو جاه! ~~قالت سارة: ربما أثرت فيك نوار سعد، فقط لو كنت تقدسين فاسيلي كادنسكي وشاجال وأمور ~~أخرى. قلت محاولة أن أكون هادئة: لكل منا أسلوب حياته، فهي تقبلني كما أنا، وأنا أقبلها ~~كما هي! # والحرية كما يقول أستاذ البلاد الكبيرة محمود محمد طه: «لنا ولسوانا ...» # | في الحكاية # حدثتني نوار سعد فيما ... # حدثتني نوار سعد فيما بعد عن سارة وحافظ آدم قائلة: إنهم ينتمون لتنظيم سياسي ms31 محظور نشاطه ~~معارض للنظام القائم، ونصحتني أن أنتبه لدراستي، وأنا أصادقهم - كما تفعل هي - لأن بهم ~~أشياء جميلة مفيدة، وأنهم بشر «من نوع جيد»، ولكن يجب ألا أصير واحدة منهم، أبدا، قالت: ~~الأيديولوجيا ضد الحرية، والحرية فوق المصلحة الوطنية؛ لأن الوطنية ليست سوى عاطفة تثقلها ~~الكبرياء الزائفة. # | في الذهاب بعيدا # صوت المذيع المنفعل ... # صوت المذيع المنفعل يتحدث عن المؤامرة التي تقوم بها دولة أجنبية ضد شعب البلاد الكبيرة، ~~وكان يصف قادتها بالخونة، حينها فهمت جيدا لماذا طرد مايازوكوف من جنته كما تقتلع نخلة من ~~الأرض. # | رسالة # مزقها أمين قبل أن يرسلها ... # الليل أيتها المرأة. # الليل الموجع الحامض، حيث استعصت علي كتابة الشعر وقد هيأت له الذهن والمحبرة والنفس، ~~ولكن وجدتني أكتب إليك هذه الرسالة، منذ العاشرة مساء وأنا أقول إنني أحبك بمأساة، أحبك ~~بصمت قدر فارغة على النار. # بصمت حجر. # بصمت ضجيج العالم كله. # موسيقى جسدك الجنسية التي طهرت روحي من كل النساء. # باركت نقائي ... جسدك الذي حررني من طفولتي. # أطلقني نحو أبدية هي: ما لا يدرك ... ويدرك. # عندما أخرج من المنزل كنت أقول لنفسي: ليس بينك ونوار سعد سوى الطريق، عندما ألتهم الطريق ~~وألقاك أحس أني بيني وبينك ما كانت الطريق وحدها ... لكن ... # الصمت ... # الصمت ... # الخوف، البؤس ... # عندما أستمع إليك تتحدثين عن فاسيلي كادنسكي ومثلثاته وألوانه كان يعجبني تعبير جسدك، ~~انكسارات صوتك وأنت تعمقين سلطة اللون والضوء. # لكن بما بي من جبن يمنعني من أن أقول لك. # الليل أيتها المرأة ... # الليل الموجع الحامض حرمانه. # ليلك أنت. # وحدك لعذاباتي ... # لحظة واحدة كنت - وما أزال - أمني النفس بها ... ولأموت بعدها ... هي: أن ألمس ولو ظفرك ~~الإلهي، لمسة تجسد الشهوة بعمق. # لها سلطان الروح. # تسري بعروقي، ذرة ... ذرة. # تنتظم جسدي كله. # ثم تستقر عند سوداء القلب، لتحكي عن فاسيلي كاندنسكي وشاجال. # ما فائدة أن أكتب لك وأنت تنظرين إلي ولا ترينني ...؟ # تتحدثين إلي ولا تقولين شيئا؟ تشتاقين إلي ولا تشتهينني؟ # ما فائدة أن أقول لك منذ العاشرة أحبك بمأساة، هي أقرب لأذن ms32 فان جوخ منها إلى لوحة ~~«تاجر المواشي» لبروجيل الفلاح، ما فائدة ذلك وأنت لا تسمعين؟ # ضجيج فوران الدم في شراييني، عندما أبحث عنك فألقاك ولا أجدك ... # هذه الجميلة، هذه الحبشية سابا ... الحبشية التي تعرف كيف ترى وتسمع، تتهمني بالخبل، ليس ~~إلا، لأنني طلبت منها أن أمتلك قطعة من ملابسك الداخلية؟ # قطعة متسخة مرمية بسلة الملابس المتسخة بالحمام! # اسمعي، أيتها المرأة، نوار ... # أنا لا أحبك. # أنا لا أشتهيك ... # أنا لا أريد أن أقبلك! # آكل شفتيك! # أعتصر جسدك في صدري! # أتلاشى فيك للأبد، أنا أكرهك، أيتها القبيحة. # | رسالة # الليل هنا ... # الليل هنا. # كابوس طويل دونك، عزيزي خوان بيدرو. # دونك يا سيد مسرتي، أمير أمسياتي. # الليل هنا كابوس طويل. # | الحدأة تحلق عاليا صوب الحزن # وجدناه يرتدي ... # وجدناه يرتدي الجلباب الرمادي الغامق، جالسا على فراء من جلد العجل، ذهل في بادئ الأمر ~~عندما رأى نوار سعد، فما كان يتوقع قدومي بصحبة شخص ما، قدم لنا القهوة بلبن الماعز، ابتسم، ~~قدمت إليه نوار سعد، قال وفي فمه ابتسامة: بالتأكيد، لقد بحثنا عنها يوم مهرجان مداح ~~المداح ولم نجدها. # كانت نوار سعد تحملق في وجهه بشكل مرعب، ثم تنظر إلي كأنها تسألني، ثم همست في أذني: ~~إنه أشيب نحيف، هل لاحظت ذلك؟ # نعم، كنت أعرف أنه أشيب نحيف. # لكنني لأول مرة أدري أنه أشيب نحيف، لقد استيقظت فجأة، أدركت خطورة الموقف، فها هي ~~نوار سعد تجد فريسة جديدة لا يقاوم إغراؤها، ولو أنه من النوع المتعب، حسب تصنيف نوار ~~سعد للرجال. # قالت بمرح، وتفاؤل: أنا دائما عندما أسمع برجل ولم أره - وإن لم يوصف لي - أعتبره شخصا ~~نحيفا مثقفا أشيب، غالبا ما يصدق الحدس، فها هو المختار ... # قلت وكأنني أدفع عن نفسي: إنه رجل صعب، يعرف جيدا ما يريد. # قالت وفي فمها ابتسامة ماكرة: وأنا أيضا أعرف ما أريد. # ثم واصلت في القول دون اعتبار لما أبديته من ملاحظة، موجهة كلامها إلى المختار: هذا ~~العالم رغم صغره، هذه المدينة رغم ضآلتها، يوجد بها أشخاص ذوو أهمية ms33 بالغة ، لم نرهم أو ~~نقابلهم. # قال مبتسما: وقد لا تسمعين بهم. # ثم تحدث عن مزرعة المحراب قرب النهر، وكيف أنشأت، قبل أن تنفرد نوار سعد بدفة ~~الحديث، وتتكلم بلباقتها المعهودة، عن الفن البوذي وأسلوب النحت الخاص بسكان التبت في لا سا ~~وما حولها من جبال وأودية، عن إسبانيا بول كلي، جويا، سلفادور دالي، بيكاسو، ثم عن فنان ~~أعجبت به يعمل في متحف مسيو دل برادو كان - ولا يزال - يمارس معها الحب كلما التقى بها، ~~قالت: إن اسمه هو خوان بيدرو. # قالت: ممارسة الحب حق مشروع لكل من هو حري به. # قال بهدوء شديد: الحب غريزة لا يصح ابتذالها. # قالت منفعلة: نحن لا نبتذلها ولكننا نجعلها شيئا عاديا ... ~~- ولكنك تحدثت عنه بحماس عجيب! # قالت: إنه حماس طبيعي يليق بدفء الموضوع. # ثم أضافت بمكر: ألا تريان ذلك؟ # فهمت ما ترمي إليه، تمنيت لو صفعتها في وجهها، ولكني قلت لها بهدوء مفتعل: نحن لا ~~نمارس الحب، وأنا متزوجة كما تعرفين، أما هو فتخلص من هذه الرغبة منذ زمن مضى. # فضحكت نوار كما لم تضحك من قبل، ثم قالت بشبه هستيرية: هل أنتم ملائكة منزلون؟ إذن كيف ~~تظلان على قيد الحياة؟ ولماذا؟ # قال بهدوء: الحياة أكبر مما تحصر في هذا المكان الضيق. ~~- أنا لم أقل إنها مجرد ممارسة حب، لكن الحب أيضا يبقى عماد الحياة وسرا من أسرار ~~بقائها. ~~- لكن لا بد من التخلص منه لنقاء الروح. # | حدثتنا # حدثتنا نوار سعد عن ... # حدثتنا نوار سعد عن أسرتها المقيمة بعيدا في شمال البلاد الكبيرة، في قرية على ضفاف ~~النهر، يزرع والدها النخيل والبصل الأحمر ويربي الحمير والكلاب، وكان رجلا فقيرا ~~سكيرا وغير مسئول قبل أن تقوم هي بمده بالمال اللازم لشراء الأرض والنخيل والحمير، أما ~~الكلاب فكان غني بها منذ جدوده، كنا نأكل وجبتين أو وجبة واحدة، أو لا نأكل شيئا في ~~اليوم كله. قالت: درست بمدارس القرية، ثم انتقلت إلى الداخلية بالمدينة في المرحلة ~~الثانوية، ولو أنني وأختاي نورا ونور دخلنا المدرسة في يوم ms34 واحد ، إلا أنهما تزوجتا فور ~~إكمالهما للمرحلة المتوسطة وبقيتا ببيتهما، وكنت ذكية وقبلت بالجامعة الكبيرة، وفي ~~المدينة الجامعية خلقت للمرة الألف خلقت من الجوع الذي هو صديق الأسرة الوفي، ألم الجوع ألم ~~مر، ألم السائل المحتاج واليد السفلى، تخيلا أن يصبح الإنسان هو السائل المحتاج واليد ~~السفلى دائما. # قالت: لم تكن هنالك فائدة ترجى من وراء أبي، ولكن أخوالي، أخوالي أنفسهم الذين فررنا ~~إليهم أيضا عجزوا لفقرهم عن تلبية ما أحتاج إليه وأنا بالمدينة الجامعية؛ ثم أضافت وهي ~~تحسن من وضع ثوبها الأنيق غالي الثمن ذي الطاءوسات الثلاث المطرز عليه بالحرير الأصلي ~~وخيوط الذهب ثلاثة طواويس، يصعب تحديد لونها الحقيقي لأنها تأخذ لون المكان المحيط بها ~~مضافا الذهبي الخفيف، فهنا بالمحراب كان لونهم شجري ورملي عند النهر، وصخري عند مرسم ~~مايازوكوف المفتوح. # قالت: وعندما أخجل من سؤال الطالبات الصابون، كنت أستاك بعود من النيم، ولكن القمل، ولا ~~أنسى كيف كنت أقاوم جراحات الكبرياء وأنا أسأل زميلاتي الطالبات بعض الفازلين والجلسرين في ~~الشتاء، وكم أحرجت ... وكم. # بعد أربعة أعوام من التشوي بمقلاة العوز تخرجت في الجامعة، وعملت بمنظمة أجنبية وسافرت ~~لبريطانيا، وهناك تفتحت لي أبواب السماء واسعة، فأكملت دراسة الفنون ونلت درجة الدكتوراة؛ ~~وسافرت لإسبانيا، حيث حضرت في النحت الفرعوني والنوبي القديم، وأقمت بمدريد خمس سنوات، ~~عملت فيها كخبير مساعد في ترميم الآثار العربية، وفي إسبانيا اكتشفت ولهي بالجنس، وتعرفت ~~على الحضارة العربية الأندلسية التي سادت إسبانيا لقرون طويلة، ولم تحقق سوى كراهية العرب، ~~وبعض القصور والأشعار. تحدثت نوار سعد لساعات طوال، قالت: أنا لا أؤمن بالوطنية والوطن، فهي ~~مثاليات وعواطف، وطنك هو المكان الذي يحتويك؛ عندما عدت إلى البلاد الكبيرة لم أستطع أن ~~أتفاعل مع وحداته، وكأن الناس ليسوا أهلي، كانوا بعيدين وغريبين وغير مفهومين. # إلى أن التقيت مايازوكوف فلادمير وأصبحت صديقته، واستطاع أن يخلق لنا واقعا في بلادنا ~~عجزنا نحن أبناء التراب من ابتكاره، وكان ذلك يوم الأربعاء في فصل الخريف، جاء حزينا ~~مثقلا بأشياء فهمناها فيما بعد، وكان ms35 حرا وأبيض البشرة، خلال الاحتفال الذي أقامته له ~~الجامعة ترحيبا بحضوره لأول مرة، قال بلغة عربية فصيحة: أنا مايازوكوف فلادمير، روسي، ~~سوري. أو نحات ورسام. # فتعلقت به، كان ذلك الأربعاء لا أدري كيف ولماذا؟ اندفعت نحوه معرفة نفسي في آخر الحفل، ~~وقد انفردت به عند مدخل القاعة. ~~- اسمي نوار سعد، ناقدة ومحاضرة في تاريخ الفن المرئي. # ثم أضافت بسرعة وكأنه سيهرب إذا لم ... أنا أعرف كثيرا من الفنانين الروس: الإسكندر دينكا، ~~آنا تولي زفريف، ناتاليا نيستروفا، آنا تولي اسلبشيف. # وأنت أيضا، فقد شاهدت منحوتاتك ولوحاتك، وقرأت مقدمة كتبتها أنت لرسومات الإسكندر دينكا ~~بمجلة سوفيت لتريتشه في ربيع 1970م، وقابلت آنا أناتولي زفريف بإسبانيا قبل عامين في مسيودل ~~برادو، وكان له «ون مان شو»، وقد استمعنا لمحاضراته عن الفن الروسي في عهد استالين. # قال لي: أنا سعيد بالتعرف عليك، نادرا ما ألاقي من له معرفة بالفن الروسي الحديث، ~~وخاصة في مثل هذا الزمان وقد انهار كل شيء، فقد عصفت رياح الحرب الباردة بنا، دفنت لوحاتنا ~~ومنحوتاتنا في رمال من الثلج. # | في الإنسان # كان مايازوكوف يقول ... # كان مايازوكوف يقول ويؤكد: الإنسان هو الرب الفعلي لظروفه الموضوعية، وهو وحده القادر على ~~خلق مناخ وبيئة تمكنه من العيش بكرامة وحب، وعندما خلق مايازوكوف واقعه وجدنا أنفسنا فيه ~~وأصبح عالمه عالمنا. # إذن ... # استطاع مايا العزيز أن يسهل لنا الحياة في بلاد هي بلادنا بالفهم العاطفي؛ فأنشأ ~~المرسم المفتوح ونحت به تلك الكهوف العجيبة التي أصبحت ملاذا لنا عندما تعصف بتاريخ ~~الغربة، وبنى بيته؛ البيت، الغابة، الجبل، حديقة الأطيار والحيوان. # ومايا ذاته إبداع وعالم وحياة ... كما تعلمان. # | في الغابة # تجولنا بالغابة ... # تجولنا بالغابة زرنا مزرعتنا على الشاطئ، تحدثنا عن أشياء متنوعة ومتعددة، وعن الحب ~~والثورة والاستشراق وعن الهند وعن الجوعى والمشردين وظاهرة التسول بالعاصمة، وعن سعر ~~الدولار وهبوط قيمة صرف العملة الوطنية بشكل مخجل أمام كل عملات الدنيا، وكانت نوار سعد ~~بأناقتها ولباقتها وحريتها في التحدث؛ أكثرنا عطاء وثرثرة إلى أن اصطدمت أخيرا بالمختار، ~~ذلك عند ms36 منتصف الليل ، نهضت من فراشها، شعرت بها فسألتها: أتودين الذهاب إلى ~~المرحاض؟ # لأن المرحاض كان بعيدا بعض الشيء، وربما احتاجت إلي كي أوصلها، ولكنها قالت: سأذهب إلى ~~المختار ... ~~- ماذا تفعلين؟! هو نائم في هذه الأثناء. # قالت وهي تخرج: أريده ... أريده ... ألا تفهمين؟ # فتركتها وشأنها لأنني أعرف النتيجة مسبقا، ولكنني لم أستطع النوم إلى أن عادت وهي تجهش ~~بالبكاء. # وعند الفجر ذهبت. # | وداع الطائر # هذا اليوم لن ... # هذا اليوم لن ينساه واحد منا، نحن أصدقاء مايازوكوف وعصافير جنته، وهو يوم وداع الطائر ~~الجميل مايا العزيز. # قيل إنه استيقظ عند الفجر حينما خرج إلى حديقته ليودع أشجار التبلدي والعرديب والبابايات، ~~وأيضا أرانبه المنتشرة تحت أعشاب المحريب العطرية. # نعاماته وحباراته، سلاحفه المعمرة التي أتى بها من جبال أثيوبيا البعيدة، كان يحتضن ~~أشجار الباباي والعرديبات الباسقات، يقبل سوقهن كأنهن نساء حبيبات ... # ويبكي. # كان مايازوكوف رجلا عاطفيا وإنسانا رائقا كالنسيم، عاش عمره عازبا، ولكنه يمتلك كل ~~شيء ولا يمل، فقلبه شارع عام، وملك مشاع لا تحده جدران السياسة أو الفكر، وبيته كقلبه، بيت ~~لجميع الناس، أبوابه مشرعة. # | البنت الجميلة # كنت والمختار في ... # كنت والمختار في طريقنا إلى بيت مايازوكوف للمشاركة في حفل وداعه، حينما تذكرت قول نوار ~~سعد عن مايازوكوف وكيف كان يستوعبها كطفلة كبيرة مدللة، أو كقطة مفترسة متوحشة، قال ~~المختار: إنها جميلة كالعصافير. # قلت وبصوت حاولت أن يكون غير منحاز: هل أنت معجب بها؟ # قال: ماذا تقصدين بالضبط؟ # قلت - محاولة أن أكون موضوعية ما أمكن: أنت تعرف ماذا يعني أن تعجب بشخص، فهناك صفات ~~كثيرة تأسرك فيه. # ابتسم وكأنه فهم ما وراء القول، قولا لم أقله، ولكني أقصده وأعنيه وأخاف من نطقه؛ لذا ~~أضفت في ارتباك: أنا أيضا معجبة بها فهي صديقتي. # في الحق تأتي لحظات عابرات بحياتي أحس فيها أنني أحتاج أن أمتلكه تماما، وليس يعني ~~هذا أني أرغبه كزوج مثلا، ولكن أن يكون لي وحدي قلبه وفكره، وأن أكون أنا المرأة ~~المتكاملة في نظره ولا يجب عليه أن ينتبه - مجرد انتباه ms37 - لخصلة سيدة ولا لرقة أناملها ~~عندما تصافحه ولا حتى لجمال ثوبها؛ هذا الإحساس الأناني كثيرا ما يعذبني وهو يعرف، ~~وأظنه كان يعرف جيدا مقدار هذا الصراع، ولكنه يتكتم على معرفته، وربما هو الآخر يحس ~~بشيء تجاهي ولكنه يكبته، ما كنت سأمتنع لحظة واحدة إذا طلب فراشي، ربما لأنني أعرف أنه لن ~~يفعل، فالعلاقة بين وبينه هي علاقة - حتى هذه اللحظة - يمكن تسميتها بعلاقة روح، وهذا ما ~~اتفقنا عليه ضمنيا، أو ربما هذا ما لم نتفق عليه إطلاقا. # ولكننا كنا ننشد الخلاص، ولو أننا نعلم أنه مثال طوباوي لا كابح لفرسات خيالاته، ولكنا ~~على كل حال ماضون في سبيل الخلاص. # احتجت إليه كرجل أو لم أحتج إليه، تشهاني كأنثى أو لم يتشهني! # فأنا وهو آخر الأمر بشر من دم ولحم وأشجار في فناء محرابنا. # | أمين محمد أحمد # استقبلنا ماي ... # استقبلنا مايا العزيز عند البوابة، كان يحاول أن يظهر رابط الجأش متماسكا لا ينخره ~~سوس المصايب، راسما على فمه - من أجل ذلك - ابتسامة عريضة، إلا أنها فشلت في أن تخبئ جبل ~~الحزن في عينيه، ثم التقينا طلاب الفنون: آدم، سارة، موسى، الأخضر، فاطمة، نور الدين، منى ~~الصديق، الصادق حسين سلطان، وغيرهم، وكان هنالك أمين محمد أحمد، ولا أثر لنوار سعد، أو ~~الحبشية الجميلة سابا، سألته عن نوار قال: لم أرها منذ أيام فهي كثيرة التسفار، ولكن ~~صديقتها سابا بالمنزل، وهي لا تفارقها نادرا. قال له المختار: منذ زمن لم تحضر إلينا ~~بالمحراب، ولا نعرف أين أنت من كتابة الشعر اليوم؟ قال بتواضع: محاولات ... هي محاولات ~~للكتابة. # كان أمين في بداية حياته العملية شاعرا في مقتبل العمر؛ لذا كان دائما ما يحتاج لمن ~~يؤكد على شاعريته، ولو أنه انطلق في الطريق بقوة وعشق حقيقيين، وكان شابا هادئا ~~خجولا، ولو أن لسابا رأيا غير ذلك، وكان به خبث وإصرار أيضا به من العبط - كما تؤكد ~~نوار سعد - ما يتعب شعبا بأكمله، وفوق ذلك هو شخص تتمنى أن تلتقيه كل لحظة، وكل حدث في ~~حياتك. ms38 قرأ مايازوكوف قصيدة جميلة للشاعر الأمريكي شارلز بوكوفسكي # Don’t ~~come round # ثم نظر بعيدا نحو جبل المرسم مستغرقا في التأمل، قال: هذا ~~يكفي. # غدا سأنطلق إلى سوريا، وإذا عادت العلاقات الجميلة بين أقطار الوطن عدت. أهذا وعد حقيقي ~~أم أنني أدفع عن نفسي الانهيار؟ # سأل مايازوكوف عن نوار سعد ولم يستطع أحد أن يعطيه إجابة وافية، غير أنها لم تكن ~~بالجامعة منذ يوم الأربعاء السابق، وأنها ربما كانت في سفر، ويوم الأربعاء هو اليوم ~~الذي حضرت فيه معي للمحراب. # فقلت له ذلك. قال: إذن تمكنت أخيرا من زيارة المحراب فلقد كانت تحلم دائما بذلك، قلت ~~له: طلبت مني أكثر من مرة أن آخذها، وفعلت أخيرا تلبية لرغبتها. # قال مايا: كانت تظن أنها إذا زارت المحراب ستجد شيئا يغير مجرى حياتها، فهي لا تدري ~~كنه هذا الشيء ولكنها تؤمن به، إنها إنسانة غريبة، ألم تلحظا ذلك؟ ثم أضاف بعد لحيظات: ~~ماذا وجدت عندكم؟ # | شهوة # قال لي زوجي وهو يهيئ ... # قال لي زوجي وهو يهيئ نفسه للانبطاح على صدري وممارسة الفعل: أنا أفعل ذلك فقط لأؤكد حقي ~~فيك، فأنت امرأتي وترقدين تحتي، وأنا أضاجعك بقرف وبدون شهوة، ولا حتى ذرة من الميول، ~~أضاجعك بالقانون، هل يغيظك ذلك؟ # قلت من بين أسناني: بل يسرني جدا؛ لأنه يظهر مدى تفاهتك ويجعل الكلب أفضل منك. ~~- اسكتي أيتها الداعرة الذئبة، عندما كنت تنامين مع المختار في الماخور هل كان يبدو ~~ملاكا وأنت حورية من الجنة؟ # كان فظا معي وعنيفا، وكنت كالميتة في مواجهة فورانه، وكان ينهال علي بالضرب والركل ~~على جسدي. ~~- لست أول النساء ولا آخرهن ولا أجملهن، ولكني سأرغمك على الحضور وقتما شئت ... فأنت زوجتي ~~... ولكي تكونين على علم، إنني في غيابك ألتقي بهذا المنزل وفي هذا السرير يوميا بامرأة ~~... ~~- أنت حر. # قال مواصلا حديثه: وألبسهن قمصان نومك وأيضا أستعمل عطرك، وكل أشيائك كلها ... # قلت ببرود: لا شيء يهمني في هذا البيت، لا أنت ولا الأشياء ... # وكان قد فرغ تماما من خلع ملابسه، وقف عاريا ms39 وسط الحجرة كالتمثال وشيئه في انتصاب مرعب، ~~هتف في آمرا: اخلعي ملابسك ... # وكنت أعرف أن تمزيقها على جسدي إذا لم أفعل، فخلعت ورقدت على السرير بكل هدوء وبرود، أطفأ ~~النور ورقد علي بجسده كله في آن واحد، ثم أخذ يجهش بالبكاء. # أحضر إلى البيت بشكل منتظم مرة في الشهر، مرتين، مرات عديدة أبقى بالمنزل لأسبوع كامل أو ~~أكثر، وذلك في أيام غيابه، فهو كثير السفر لظروف عمله التجاري، وأحيانا يجلس في هدوء قربي ~~ويطلب مني بأدب ممزوج بالسخرية: أريدك أن تبقي هذا الأسبوع بهذا المنزل، ألديك مانع؟ فقط ~~غياب أسبوع من الجامعة. # وأحيانا كان يقول ساخرا: لماذا لا يقبلني المختار «حوارا» بالغابة؟ # إذن لا يستطيع أحد أن يتنبأ بسلوكه إطلاقا، ففي اللحظة التي يبدو فيها طيبا ووديعا، ~~وقد ترى الشرر يتطاير من عينيه، أما الثابت الوحيد في شخصيته هو السخرية التي لا تفرز عن ~~الجد. # | حزين وباهت # للاحتفال ... # للاحتفال الأخير طعم مغاير، طعم أخير حزين وباهت، للاحتفال الأخير طعم الهزيمة ~~الحنظل. # تحدث طلابه، قالوا: إنه أب لنا جميعا وصديق، وإنهم سيفتقدونه ... # تحدث زملاؤه قالوا: إن قدراته العلمية في النحت لا تحد، إنه ذو فلسفة خاصة، وإنه مرح ~~ومجنون ومشاكس ... # ثم انتقل الاحتفال من الجامعة إلى المرسم المفتوح الذي بناه مايا من ماله الخاص وأفكاره، ~~وكان يريد جامعة عالمية مفتوحة على الطبيعة، كجامعة طاغور بالبنغال، ودع مايا الحجارة ~~المنحوتة الملونة والكهوف، والمغارات الصناعية التي هي مشاريع تخرج طلابه، وزار نصب الحرية ~~المشيد أعلى الكهف الكبير الذي نحته بنفسه في شكل حدأة ضخمة، تحلق عاليا في الفضاء لها ~~جناحا فراشة، مخالبها أنامل امرأة رقيقة بفمها شفتا سيدة فرغت للتو من قبلة عميقة، استمع ~~المحتفلون للسيمفونية التاسعة لبيتهوفن بالكهف الكبير. # قال المختار: إنه يشبهني كثيرا؛ لذا يختلف عني كثيرا. # قال مايا: إن هذه الجامعة أمانة في أعناقكم. # قال: هل تلومون عصفورا إذا بنى عشا بأشجاركم؟ هل تهدمونه إذا طار؟ # ثم سأل عن نوار سعد، وقال إنه يريد أن يودعها قبل أن يغادر البلاد ms40 الكبيرة، ربما لن يأتي ~~مرة أخرى. قال للمختار: أنت أنا هنا، وأنا أنت هنالك، ولكن برقص مختلف، ولو أن الموسيقى ~~واحدة. # وابتسما ابتسامتين غامضتين، وفي نهاية الحفل قال مايا ... # مايا العزيز: لا أدري. # ولكني سأذهب بعيدا ... سأذهب عنكم. # | غونار الحليف # «يا من لديك قوة أن تستسلمي. # لا للرغبة. # ولا للوجود. # من لا يحبك؟ # أنت التي فككت إسارنا من الولادة، من الألم، من الموت؟!» # | أجيف # مر عام ... # مر عام بهذه البلاد أجيف بكل ما تحاول أن تعنيه هذه الكلمة من تفسخ ونتانة، بكل ما ~~تعنيه من موت وظلام. # سجن حافظ واختبأت سارة حسن من البوليس بكهوف مايازوكوف المهجورة، أما آدم فظل مطاردا ~~إلى أن تمكن من مغادرة البلاد الكبيرة إلى البلاد المجاورة. # جمد العام الدراسي بعد تظاهرات عمت البلاد كلها بعد فوضى اغتيالات، إعدامات سرية، ~~اختفاءات مفاجئة لمواطنين، بعد البندقية التي بقيت كشاهد القبر تعلن عن الموتى وتذكر ~~بالموت وبخجل تعلن عن ديمومتها، بخجل وانكسار طفيف. # الفصل خريف جاف، الريح سموم حارقة تهب من جهة الشمال، محملة بالأتربة والرمل الأبيض ~~الناعم، محملة بالنار. # إذن الفصل جحيم، القرى، المدن، الأطيار، هوام الأرض، الناس، الحيوانات، الغابات التي ~~كانت، النهر، العشب الموسمي، كل شيء يتوقع هطول الأمطار، وأن يتغير اتجاه الريح أن تهب من ~~الجنوب ولكن عبثا، الراديو يطمئن المواطنين الذين نفد صبرهم: «إن الريح الخيرة آتية، ~~المطر آت، وسينجح محصول الذرة نجاحا منقطع النظير، وسترعى الماشية وستسمن؛ لأن البرسيم ~~والتبر سينموان في فلوات الأرض كلها، حتى الجبال ستكسوها الخضرة، وسيصبح العام عام رخاء ~~بفضل الريح والخير الذي سيصب من الجنوب محملا بالسحابات المعطاءة ...» وفعلا تهب الريح ~~الشمالية، ريح جحيم ونار؛ فتيبس الأشجار هياكل الرماد الغبشاء الهشة التي تقاوم الريح ~~بالسقوط؛ الراديو يؤكد أن الأمطار آتية، فقط تأخر الخريف قليلا، في كل أنحاء العالم ~~يتأخر الخريف، حتى في أمريكا نفسها والبلاد الكبيرة، بلادنا ليست استثناء، والمؤمن ~~مصاب. # مجد المغنون نبالة الحاكم، مجده الشعراء وقالوا: إنه يستطيع أن يأتي بالمطر، أكلت ~~الأغنام العظام والجلود الجافة ms41 وأفرع الأشجار الناشفة، باضت العصافير على الأرض كأنعام، ~~نفقت الأبقار والضأن والحمير، نفق البشر. # الراديو يؤكد أن ... وأن الخريف ... تزايدت الأغاني الهابطة هبوطا، وعمت البلاد الكبيرة لغة ~~نيئة وخلق بليد. أرسل مايازوكوف خطابا بعد سنة كاملة من سفره إلى سوريا كتبت له في ~~الرد: أظنك تقصد بغابة العرديب أحطاب العرديب، عمال السكة الحديدية يطالبون بزيادة ~~الأجور، ترفض الحكومة مطالبهم فيضربون. # ماتت الأغنام، تراها متكومة على قارعة الطريق وعليها جيوش الذباب عند المزابل ~~والخيران. # وكان الأطفال يقومون بحرق الحيوانات النافقة، وإذا لم ينتبه لهم الكبار أكلوا منها، ~~الراديو يؤكد أن الأمطار آتية ثم تعزف الموسيقى العسكرية، أخذ الكبار يحرقون الحيوانات ~~النافقة، نفق الفقراء بالوا في سراويلهم، عملوا بالدعارة، سرقوا، كذبوا، جمد العام ~~الدراسي، سرح المعلمون والطلاب، فلاذ الأطفال بالنهر الضحل يصطادون الأسماك ~~والسلاحف. # زوجي نور الدين يحاول السفر لدولة غنية بالبترول وغنية بالعزلة، أخذ الكبار يحرقون ~~الحيوانات النافقة، وإذا لم يرهم الصغار أكلوا منها، اقتسم الصغار والكبار الجيف المحروقة، ~~الراديو يؤكد أن هيئات الإغاثة العالمية في طريقها للبلاد. # الريح الحارقة الصفراء تهب من الشمال كالجحيم، أرسل مايازوكوف خطابا: ماذا ~~تأكلون؟ # كتبت له: نحن لم نجع بعد، جاع الفقراء في الريف والمدينة أيضا، فما زلنا نستطيع شراء ~~الأطعمة المعلبة، كما أن لدينا شفاطا نسقي به مزرعتنا الصغيرة المتداعية مما تبقى من ~~مياه النهر، وما زال بإمكاننا شراء اللحوم والكتب، وبإمكاننا أيضا قراءة الشعر. # نوار سعد تظهر فجأة في المحراب، قالت: إنها كانت بقرية والدها الذي نفقت حميره ونفقت ~~كلابه، الذي مات بالتيفويد، قالت: لقد اشتقت إليكم وسأبقى معكم لأيام، وقد أذهب للبلاد ~~المجاورة، فهذه البلاد ما عادت تصلح وطنا لإنسان، ولا ندري ماذا بعد المجاعة؟ ولا ندري ~~ماذا بعد هذا القحط؟! # | الغاردينيا # كنا نستيقظ عند الفجر # كنا نستيقظ عند الفجر، نحتسي القهوة بلبن الماعز، ثم يختلي كل منا بنفسه لزمن يشاؤه ~~الفرد نفسه، ثم نرتدي ملابس العمل، ونخرج إلى المزرعة خلف المحراب على ضفاف النهر، نمشي فوق ~~العشب الجاف عبر الأشجار اليابسة ms42 الرمادية التي تموء في حزن عندما تصطدم بها فتسقط ~~فريعاتها الصغيرة على أكتافنا ورءوسنا، وما تبقى من أوراق صغيرة عجفاء لم تسقطها الريح، ~~وذلك كمقاومة أخيرة للصمت. # الأشجار والأعشاب على شاطئ النهر أحسن حالا، فبالإضافة إلى المسكيتات دائمات الخضرة ~~هنا، الآيلانسس أيضا التي لا تتحمل العطش أوراقها الخضر باهية، وعلى الطمي ينمو كذلك بعض ~~العشب وشجيرات أخرى. نقتسم العمل فيما بيننا؛ نوار دائما ما تفضل رش الأسمدة وإبادة ~~الآفات، أما المختار فسقاية النباتات وتشغيل الوابور الشفاط، أما أنا أفضل العمل في ~~تأهيل المجاري ونظافة الماكينة، وعند الثامنة نشرع جميعا في طهو الطعام وصنع الخبز، أنا ~~للطبيخ، نوار للفرن، هو غسل الأواني وإعداد الشاي والقهوة. أكلنا، ثم تحدثنا عن تجاربنا وعن ~~الزراعة، الجفاف، الزحف الصحراوي، والكساد الثقافي والسياسي، قال: إنه لمن المثير للتساؤل ~~أن توجد دولة في هذا الزمان ولا توجد بها مجلة أدبية واحدة! # قرأنا ... ثم اختلى كل بنفسه، احتارت نوار في اليوم الأول عندما طلبنا منها أن تختلي ~~بنفسها. ~~- ماذا أفعل؟ ~~- كوني مع نفسك، افعلي ما شئت، أو دعيها هي تفعل بك ما شاءت. ~~- قولي لي ماذا تفعلين أنت؟ ما هي تجربتك الخاصة؟ ~~- تجربتي الخاصة قد لا تفيدك كثيرا فاختلي أنت وستكتشفين أن ذاتك مخزن ~~للعجائب. # قالت نوار سعد: فاختليت بالمحراب، وقفت قرب الغاردينيا، كانت أزهارها بيضاء ونقية، عليها ~~نحلات صغيرات صفراوات، انحنيت لكي أشتم عطرها، كان عطرا حلوا، تفحصت منقولات المحراب، ~~ودولابكم الخشبي الصغير مغلق جيدا، وقربه جرة كبيرة من الفخار أدخلت يدي في جوفها بحذر ~~شديد، لم أجد شيئا، عندما كادت يدي أن تدرك القاع لقيت أناملي كيسا صغيرا تحسسته، لم ~~أجد في ملمسه ما يثير فضولي، أعدته إلى مكانه؛ في اتجاه النافذة الغربية سجادة أنيقة ~~مفروشة على البلاط، عليها مساند ناعمة وأثواب موضوعة بعناية تامة في أطراف السجادة، ~~مغطاة بقطعة من القطن ناصع البياض. # وفي الجانب الآخر يقع ما تسمونه المرقد، أول مرة أتفحص فيها مرقدكم هذا بعناية ودقة! ~~دائما ما يسرى بكم من هذا المرقد؟! ms43 ~~- إنه المكان المناسب، ولكن لا أحد يسري بنا، نحن نسري بأنفسنا عن طريق اليوجا. # أنا معجبة بأسلوب حياتكم وتفاصيلها، ولأقمت معكم العمر كله ولكن تنقصكم أشياء أراها ~~مهمة جدا، فالعالم ليس الروح وحدها ولكن الروح والجسد، فالروح تجريد عبثي وغير ~~منطقي، وبالتالي غير ممتع، والجسد وحده أيضا تجريد عبثي زائل. قلت لها: وكنا تحت شجرة ~~مسكيت: نحن نحاول التخلص من رغبات الجسد، لكي نقبل بوضعيته الأخيرة نقيا من ~~الرغائب! # لا أظن أن التخلص من رغبة الحب مثلا تجعل الجسد أكثر نقاء، ولكنها تجعله أكثر ~~حرية وخفة، فالمركب كلما خف حملها كلما كانت أكثر أمانا وأسهل حركة. # بالتأكيد لم يذكر أحدنا شيئا عن محاولات نوار الفاشلة في مجاسدة المختار؛ تعلمت نوار ~~كيف تستمتع بوجودها بالغابة، ثم تعلمت كيف تقضي فترة خلوتها، ولو أنها كانت تستثمرها في ~~كتابة مذكراتها الخاصة. # | الأشياء # كنا في تلك ... # كنا في تلك اللحظة بالمزرعة عندما رأيناه فجأة يخرج من بين الأشجار التي على الشاطئ، ~~أشجار الآيلانسس والمسكيت، كان يرتدي جلبابا أبيض، وعلى رأسه عمامة ويحمل عصا صغيرة بيده، ~~وقف بعيدا وألقى التحية، ثم شرع في الكلام مباشرة موجها حديثه للمختار: هل تقبل أن تبقى ~~زوجتك مع رجل آخر وأنت حيا تمشي على الأرض؟ # قال المختار بكل هدوء: ليس لي زوجة. # قال: إذا كانت لك؟ # قال المختار: دعنا لا نحكم على الأشياء بالفرضيات، قل ما تريد مباشرة. # قلت أنا: نحن مشغولون. # حملق في بعض الوقت قائلا: أريدك في المنزل. # قلت: ليس لدي مانع في الذهاب إلى المنزل، لكن ليس الآن. # قال في إصرار: أريدك الآن. # قلت: أنت ترى أننا مشغولون بأمر هذه المزرعة، ولكني وقتما فرغت سأوافيك بالمنزل. # قال آمرا: أنت زوجتي ومن حقي أخذك وقتما أشاء، وبدون أي اعتبار لأي نشاط تقومين ~~به. ~~- كونك زوجي لا تستطيع أن تصادرني كإنسانة لي أهداف مختلفة في هذه الحياة، لي أشيائي ~~الخاصة وحياتي الخاصة وأصدقائي بعيدا عنك، فأنت لم تتزوجني برغبتي ولا تعرف عني شيئا ~~إطلاقا، وبالتالي ليس بإمكانك مصادرتي. ms44 هل تفهم؟ # قال مفلسا: تزوجتك برغبتك ورغبة ولي أمرك وجميع أهلك. ~~- أنت كذاب، ولم تتزوجني برغبتي، إن والدي لا يملكني ولا أحد في الكون يملكني غيري ~~أنا، أنا إنسانة ولست كرتونة صابون! قالت نوار سعد ضاحكة: أنت رجل قديم، واسمح لي أن أقول ~~أن لا أخلاق لك. # نظر إلى نوار سعد كأنه لأول مرة ينتبه لوجودها، بصق سعوطه ثم قال وفي ابتسامة ساخرة: ~~أنت امرأة جميلة حقا، ولكن كيف استطاع هذا الرجل معاشرة امرأتين في آن واحد؟ وربما ~~سرير واحد، ألا تغاران؟ مجرد غيرة، أنتما تذكرانني بداعرات راسبوتين. ألك زوج؟ # قال له بأدب: أيها الرجل حاول بقدر الإمكان أن تكون محترما. # قال: بالتأكيد أنا رجل محترم، وإلا لما سمحت لذئب مثلك أن يدخل بيتي ويسرق امرأتي. # قالت له نوار: أنت رجل غريب، هل امرأتك هذه قطعة أساس حتى تسرق، أهي كرسي؟! # ثم ضحكت في مكر وهي تمضي داخل الحقل وعلى ظهرها طلمبة الرش ثم لحق بها المختار، وبقيت وهو ~~وحدنا. # قال بهدوء: سأفعل كل ما تطلبين إذا عدت إلى البيت الآن. # قلت: أنا لا أريد منك شيئا إطلاقا، فقط لو تطلقني. # قال وهو يحاول جاهدا أن يخبئ ابتسامة خبيثة كانت تحاول الإفصاح عن نفسها: ~~سأطلقك. ~~- أيضا لن أذهب معك. # وأخذنا في نقاش يبرد حينا ويحمر جمره حينا إلى أن عاد مرة أخرى المختار، وعادت معه ~~نوار، وحان وقت الرجوع إلى المحراب، قال المختار: أنا رجل قانون درست القانون أربع سنوات ... ~~ولم أر في حياتي كلها مثل هذه الفوضى. # قلت له: أنت تاجر، ليس أكثر من تاجر، وكل شيء فيك تاجر ... # وقالت نوار مقاطعة: لنفترض أنك حمورابي نفسه بعينه ولسانه، أنت خطأ، أنت خطأ. # قال: سأذهب ولكني غدا سأعود ومعي عربة شرطة وسأريكم كيف تحترمون القانون، وسآخذك - ~~مشيرا إلي - أنت بالقوة إلى بيت الطاعة. قلت: وستربطني في المطبخ بالجنزير؟ قال ساخرا: ~~لا، ليس في المطبخ، فأنت أرقى من ذلك، سأربطك في مكان آخر تعرفينه جيدا ... ثم أضاف مؤكدا: ~~غدا سترين كل ms45 شيء، وذهب. # | أبي # اكتست أشجار الغابة ... # اكتست أشجار الغابة باللون الرمادي إلا شجيرات المسكيت واللالوبات والآيلانسس، اللوسيان ~~والقولد مور، وبعض الأعشاب التي توجد على شاطئ النهير الصغير الواهن الذي ينخفض منسوب ~~مائه يوما بعد يوم، غير أشجار وأعشاب النهر لا شيء أخضر، فقد حرقت أشعة الشمس العشب حتى ~~أصبح مثل الرماد تحمله الرياح الشمالية، وترمي به ما بين الوديان وهياكل الأشجار، وعندما ~~يهب الإعصار يدور به في الفضاء كأنه يقبل بواسطته السحابات البيضاء المنتشرة في السماء، ~~كأنه يشهد الملائكة على القحط. # | جلسنا # بعد العمل بالمحراب ... # بعد العمل بالمحراب بدأنا في حكي تجاربنا، برنامج يومي افتتحت الحديث أنا موجهة قولي إلى ~~نوار سعد التي سألتني ذات مرة كيف تحولت من بنت سلبية تباع وتشترى إلى إنسانة تمتلك ~~قرارها وتستطيع أن تقول: لا؟ # قلت: إنها أفكار المختار التي زرعها في قبل أن يذهب ويتركني. أقصد بعد أن عالجني من ~~الخوف، وانقطع عن زياراتنا. # قلت: أولا طلبت من زوجي أن يسمح لي بمواصلة الدراسة لكنه رفض؛ حانثا بالوعد الذي كان، ~~فأخبرت أبي الذي قال لي بوضوح: أنت الآن زوجة رجل ولا يحق لي التدخل في شئونه، لقد كنت ~~ابنتي قبل الزواج؛ أما الآن فأنت زوجة نور الدين. فقلت لزوجي نور الدين: إذا لم تسمح لي ~~بالدراسة فإنني سأنتحر. # قال: لقد تركت المدرسة وأنت في المتوسطة، هل تلبسين ملابس بنيات المتوسطة وأصابعك مخضبة ~~بالحناء وتفوح منك رائحة الدخان والدلكة، هل يصح ذلك؟! # قلت مؤكدة: لن أتعطر، وسألبس التوب، ولن أضع الحناء، ولا شيء من هذا أبدا. قال: ولكني ~~أريد أن يكون لي أطفال يرثونني ويحملون اسمي، وبامتناعك عن الإنجاب ... تدمرين حياتك ~~الزوجية. # قلت: في الأصل لا توجد لدي حياة زوجية، فكلها خوف ومرض وبؤس، ولم يفعل شيئا غير أنه ~~وضع عجينة سعوط تحت شفته السفلى في قلق ثم خرج من المنزل إلى السوق، وعندما وجدني تناولت ~~عشرين قرصا من الأسبرين، مغمى علي وقد شارفت على الموت، حينها فقط استأجر معلم لغة ~~عربية ومعلم رياضيات ms46 وآخر للغة الإنجليزية، ومعلمين آخرين لتخصصات مختلفة، وأخذت أتلقى ~~دروسا في المنزل لمدة سنتين إلى أن جلست لامتحان الشهادة السودانية، وتحصلت على شهادة ~~تم بموجبها قبولي بكلية الطب كما ترين. # ثم أخبرتها كيف التقيت بالمختار للمرة الثانية، وكان قد زارني في المدينة الجامعية، ~~واقترح علي أن أزوره بمحرابه، الذي ما كنت أعلم به، فوجئت حين قال لي إنه شرع في تشييد ~~هذا المشروع قبل خمسة عشر عاما. # كان يتابع أخباري عن كثب، هنا تدخل المختار مازحا: هل تقصدين ...؟ قالت نوار سعد: ~~المقصود واضح ... إنك كنت مثل الولد روميو. قلت: إنني كنت أتوقع رؤيته دائما، بل في ~~الحق كنت أنتظره دون أي ميعاد مسبق. قالت نوار مقاطعة: كنت تحبينه، أليس كذلك؟ إنها حالة لا ~~أعرف لها اسما، أن تشتاق لشخص وتنتظره كل لحظات عمرك ولا تعشقه كزوج، أو ربما، في ~~الحقيقة لا أدري. قالت نوار جادة: ولكني أدري ... قال المختار وهو يحمل خطاه بعيدا عنا، وقد ~~بدا عليه بعض القلق: أنت يا نوار تحاولين أن تجعلي من علاقتنا هذه قصة حب رائعة. قالت في ~~انفعال: وإنها لكذلك. # وبعد أن مضى قالت لي نوار: قولي لي بكل صدق كيف كان لقاؤكما الأول بالمحراب؟ قلت ~~لها بصدق وعفوية: ارتميت على صدقه وأخذت أجهش بالبكاء ... بكيت ... ثم أحسست بالخجل من نفسي ~~لحين ... ولكنه قال لي بصوته الدافئ: أظننا لن نفترق منذ اليوم ... أحسست بقوة تسري في كياني، ~~أحسست بأني أطير، ثم أقمنا معا بشكل دائم، وعندما علم زوجي نور الدين وطلب مني عدم الذهاب ~~للمحراب، رفضت وهددني بأنه سيخبر أبي، وأخبره، فعلمت أن أبي رد له بوضوح: إنها زوجتك، ~~وتحت يدك وفي عصمتك، وبإمكانك قتلها إذن وصلبها بالشارع. ولا حق لي في التدخل بشئونكما ~~الخاصة. ~~- إن ما تفعله فضيحة للأسرة كلها. # قال أبي: طلقها ... أعيدها ... وأنا أعرف كيف أجعلها لا تفارق المطبخ إلا إلى المقابر أو بيت ~~رجل يقدر عليها. على ما أظن أن نور الدين أحس بالحرج وأراد واحدا من اثنين: إما أن ms47 ~~يسيطر علي سيطرة تامة، دائسا بحذائه على أحلامي وطموحاتي، أو إذا فشل ينتقم مني ولن ~~يطلقني أبدا. # قلت: أسعد يوم في حياتي يوم أن حملت حقائبي من الداخلية ووضعتها هنا في قطيتي، حقيقة كنت ~~أبحث عن مثل هذه الحياة، هذا المكان حياة مع رجل ليس هو زوجي، رجل صديق، حياة تحسين أنها ~~حياة ضد وأنها حياة مع، وأنها حياة لأجل. بيني وبينه اشتياق دائم، بيني وبينه سر لا فك ~~لطلسمه، بيني وبينه حب ليس كالحب. # قالت نوار - التي كانت تنظر إلي وهي دهشة وغير مصدقة لما تسمع أذناها وما ترى: إنكما ~~عاشقان واثقة من أنه في ذات يوم، في ذات لحظة ستمارسان الحب مثلي تماما وخوان ~~بيدرو. # وإذا لم تفعلي إنني أقول لك بصراحة: أنا التي ستفعل مع المختار، فهو رجل ... ورجل فحل، أنا ~~أعرف الرجل الفحل، أعرفه جيدا لأن له رائحة خاصة تدل عليه، ولا فرق بين صعلوك ونبي في ~~ذلك فقط ... حينها أرجو منك ألا تغيري عليه، وأن تتمسكي بمبدأ أن روحه لك ... روحه فقط، ولا شيء ~~غير روحه، هل توافقين؟ # وضحكت بمرح ملأني بالغيظ. في الحق حسدتها لكونها نوار سعد، ولأنني لا أريد أن أكونها ~~أبدا. # وعندما عاد المختار لمجلسنا مرة أخرى وجدنا قد غيرنا مجرى الحديث، حيث هيأت نوار القول ~~كله لأسرتها، قالت: سأحدثكم عن الجوع الكبير، ليس الجوع المقدس إلى المعرفة، لا، بل ~~الجوع الهمجي الذي هو نتاج العوز والفقر والفاقة، أن تكون بطنك خاوية وتثور أمعاؤك وتحتج، ~~وأنت عاجز عن فعل يشبعك. وكانت نوار سعد جميلة وأنيقة، مفرطة الحساسية في انتقاء ملبسها ~~ومنعلها، تسريحة شعرها، وحتى جلستها، كانت تجلس على سجاد من نبات المحريب العطري قرب ~~المختار في أدب جم، وكأنها قد فرغت للتو من الصلاة، وكان وجهها متوردا ومملوءا ~~بالضوء، وعيناها الصغيرتان مرحتان كزهرتي غاردينيا عليها فراشتان ذات صباح باكر. # كانت جميلة لأنها جميلة وحسب. # كنت أتساءل في أحيان كثيرة: كيف لامرأة بهذا الجمال لم تتزوج حتى الآن؟ في الحق سألتها ~~ذات مرة، ms48 فقالت: أنا لا أرفض الزواج ، ولكن لم يأت رجل ليخطبني، ليس هناك رجل عنده ما يكفي ~~من الشجاعة ليقول لي: أريد أن أتزوجك يا نوار. بالرغم من أن المئات منهم يعشقونني، ~~يعشقونني في صمت، كصمت البغال. قلت: أمين ... قالت مقاطعة: أنا قلت رجل وليس طفلا، رجل ... ~~أتعرفين معنى رجل ...؟ وكنت أعرف أن أمين يصغرها بعشرين عاما، على أقل تقدير. # | ثلاث بنات # قالت نوار ... # قالت نوار: كنا ثلاث بنات؛ نورا ونور، وكنت أنا أكبرهن، ونور هي أصغرنا، وكانت قصيرة ~~وسمينة وشرهة أكول، وهي الوحيدة في المنزل التي لا تجوع أبدا، وهي ذاتها الوحيدة التي لا ~~تشبع! وكان أبي يحبها جدا وكثيرا ما يصحبها مع كلابه إلى الإنداية، أو إلى مكان ~~العمل بالسواقي؛ حيث يعمل في مزارع الآخرين باليومية، وإذا أخذ أجره حملها على كتفه، إذا ~~كانت الشمس حارقة والأرض رمضاء؛ لأنها غالبا دون نعلين، أما إذا كان الجو معتدلا أو ~~باردا في الشتاء جرت خلفه تتبعها الكلاب إلى الإنداية، يأكلان أولا الكوارع بالشطة ~~والليمون، وهو بين الحين والآخر يمد إليها الكأس مشجعا: اشربي يا بت نور ... الله، اشربي يا ~~دكتورة. # وكانت لا تشبع إلا أن تنتفخ بطنها ويغلبها النعاس، وترقد قرب رجليه على الأرض متوسدة ~~مركوبه القديم، عليه بقايا عمامته المزيفة العجوز، حتى إذا انتبهت إليها صاحبة الإنداية ~~التي كانت دائما ما تنتبه، سبت أبا سعد وجده ديك إبليس، ثم أخذتها لترقدها في بيتها إلى أن ~~يكتفي سعد من المريسة أو يفرغ جيبه، يحمل بنته على كتفه وهي نائمة ويمضي بها مترنحا على ~~الطريق يرمقه السابلة فكهين معلقين، وأحيانا يتبعه الأطفال من بعيد، يناونه مغنين: السكران ~~... وينو. # وبينهم وبينه عشرات الأمتار؛ لأن كلابه لا تدع أحدا يقترب منه، حتى إذا سقط على الأرض ~~دائخا من الخمر، فإنها تحيط به ولا تترك إنسانا يرفعه أو يعينه ~~على المشي، وإذا نام حيث سقط ظلت تدور حوله إلى أن ~~يستيقظ أو يبلغ الخبر أمي في المنزل، فتأتي لتأخذ منه البنت، وتتركه على حاله على ms49 الأرض؛ ~~إذن ما كان أبي يعود من عمله بقطعة خبز واحدة، يأتي مخمورا وعلى كتفه نور وخلفه كلابه، ~~وإذا سألته أمي: أنت تسكر وأطفالك جوعى؟! # سبها بألفاظ بذيئة وحمل عصاه وحاول ضربها، فتحمل أمي عصاها، تحمل نور عصاها، أحمل عصاي، ~~أما نور فإنها لا تتردد في أن تعض أول من يلمس أباها، ولكن غالبا ما يحتكم أبي للعقل، ~~العقل المخمور فينام على أقرب عنقريب يجده واضعا عصاه تحته. # كنت ونور وأمي نذهب أيضا إلى العمل بسواقي الآخرين باليومية، حيث لا أرض لنا، نشتل البصل ~~أو نقلعه، نجني الطماطم والبامية والشطة الخضراء، أو ننظف الحقول من الحشائش المتطفلة، ~~وأحيانا نقوم برش الأسمدة والمبيدات، وكان العمل شاقا تحت الشمس والبطون شبه خاوية، ~~خاصة نورا لا تزال في عمر الطفولة، فتشق الأسمدة أصابعنا وتجعلها تنزف، وقد يجرحنا منجل أو ~~تلدغ أحدنا عقرب، هذا إلى جنب الآلام التي نحس بها في أطرافنا وعضلاتنا عندما نذهب للرقاد، ~~وكانت أمنا ترى وتعايش وتتألم ولكن في صمت. # وقد لا نعود من الحقل إلا عند العصر، أو قبيل المغرب حاملين ما تيسر من رزق حسب الموسم، ~~فإما لوبيا وفاصوليا وباميا أو بصل، وأحيانا لا شيء، ولكن بعض النقود نشتري بها الخبز، ~~يأكل أبي إذا جئنا بالطعام، وتأكل نور أكثر مما نأكل أنا ونورا، ولا يسأل كيف تحصلتم على ~~لقمة العيش هذه! فكان يعيش في عالم جامد خال من المسئولية، هادئا ومسالما طيبا، فقد ~~يثور فينقلب وحشا أو كلبا سعرانا، هذا إذا سئل عن المصروف، أو إذا رفضت أمي فراشه، فلا ~~يطاق ليل رفض فيه، فإذا احتجت أمي في أنه يأتي بأطفال لا يقدر على تربيتهم، قال: ربنا هو ~~الذي خلقهم وهو قادر على إطعامهم. وإذا صرخت فيه قائلة: أنت والدهم، وأنت أبوهم، وأنت من ~~يأتيهم بالخبز وليس الله! # قال غاضبا: أنت امرأة كافرة، ومن أجل كفرك هذا قطع الله عنا الرزق. # ويحمل عصاه ... # فتحمل عصاها ... # وقد يستيقظ الجيران وتفوح رائحة الفضيحة؛ لذا كانت أمي هي التي تتراجع، تخلع ms50 جلبابها ~~وتستلقي قربه لاعنة إياه في السماوات والأراضي السبع، وكل كرامات شيوخ البلاد الكبيرة، ~~وإذا غلبها الغيظ عضته في صدره أو كتفه إلى أن يصرخ من الألم، أو يشخر كالثور الذبيح، أو ~~... # بكت. # | الجارات الطيبات # تقيأت أمي في الفجر شيئا ... # تقيأت أمي في الفجر شيئا أصفر، ورغم ذلك أخذت مقلاع البصل والسلة الكبيرة، وقالت لي ~~ونورا: فلنذهب إلى العمل. # فقلت لها: ولكنك مريضة. # قالت: سأبلغ الصحة عندما نصل؛ آكل بصلة واحدة وأشرب عليها من ماء النهر، فضحكنا وتركنا ~~أبي نائما وقربه نور وحوله كلابه. # كانت أمنا تقوم بقلع البصل من الأرض بالمقلاع، وكنت ونور ننظفه من التراب العالق بالجذور ~~ونجمعه في كوم كبير إعدادا لتعبئته في الجوال، وبينما نحن في قلع وتنظيف وحلم بالأجر ~~المرتقب ومصارفه المحتملة إذا بأذان العصر ينادي، يعني هذا عندنا الكثير الكثير؛ يعني أن ~~يوم العمل انتهى وسيأتي بعده صاحب الجرف على حماره الأبيض الكبير؛ ليحسب الإنتاجية ويعطينا ~~ما نستحق من الأجر، وقد يتكرم - دائما ما يفعل - بأن يسمح لنا بحمل ما يكفينا من البصل ~~إلى البيت كرما. وكان - عندما أذن الأذان - قد بلغ التعب والإعياء بأمي أشده، ولكنها رغم ~~ذلك استطاعت أن تبتسم قائلة: إذا تم اليوم إذن سنستريح! وحاولت أن تنهض لتقف على رجليها ~~ولكنها تداعت، وهوت على الأرض كومة باردة من اللحم البشري، وأخذ وجهها يتصبب عرقا وأنفاسها ~~تعلو وتهبط كالموج، كان مشهدا مروعا؛ فأخذت وأختي نورا نصرخ في هلع إلى أن أتى صاحب ~~الجرف، فساعدنا على حملها إلى ظل شجرة سنط ضخمة، وطلب مني أن أذهب إلى بيته الذي يقع قرب ~~النهر، وأن آتي بملح طعام وقرض وكمون أسود وحلة صغيرة، ففعلت، كانت نورا قد أشعلت بعض ~~الأحطاب، فوضع صاحب الجرف عليه الماء إلى أن غلى، فسقاها مرة أخرى ثم ذهبنا، وفي الطريق ~~لقينا جارا لنا كان عائدا من جرفه فحملها على حماره إلى المنزل، وما هي إلا لحظات حتى ~~توافدت نساء الحارة إلى بيتنا زرافات ووحدانا، وامتلأ البيت بالجارات الطيبات وغير ms51 ~~الطيبات أيضا، وكل من التقطت الخبر من الريح مباشرة، أو من أطيار الكلج كلج. # أخذن يسألن عن حالها ويتأسين على ما حدث، ويتأسفن على تعب الحياة ومرارة البحث عن ~~الرزق، وهن يضعن تحت مخدتها وحدات صغيرة أو يضعن أمامها على المنضدة بعض السكر أو اللبن، ~~وقد جاءت إحداهن بويكة وبعض اللحم المجفف وقامت بطهوه بنفسها، أما جارتنا الحجة نفيسة ~~فصنعت لنا العصيدة من دقيق بيتها وحملتها إلينا للغداء، وعندما انصرفت دست تحت مخدة أمي ~~جنيها، إلى اليوم أذكره ويبرق في وجهي لونه الأخضر وعليه صورة وحيد القرن، والنوباوية كاكا ~~الكجورية حددت بكل دقة نوع المرض وعلاجه، قالت: أصابتها عين عند العمل، وكلما تعمل أكثر ~~كلما تعرضت لهذا المرض أكثر - هكذا قال الجماعة - وعلاج ذلك: كون أسود بالقرض يشرب بالريق ~~صباحا ومساء، ويصطحبه بخور بلبان (الجاولي) وبعض التمائم التي قامت بكتابتها، قالت لأمي ~~محذرة: عليك عدم الذهاب للعمل لسبعة أيام بلياليها، وفي اليوم الثامن لا تبقين قرب النهر ~~بعد أذان الظهر، ثم قالت بشأن العين: إذا كانت عين رجل؛ فإنها ستخرج سريعا، أما إذا كانت ~~عين امرأة فالمسألة تحتاج لبعض الجهد، وربما احتاجت لدم خروف أسود، ظلت أمي على فراشها ~~لبقية اليوم إلى أن حضر والدنا عند المساء، وهو سكران وعلى كتفه نور، وعندما وجد المنزل ~~مكتظا بالنسوة صاح: من الميت؟ أنتن يا نسوة لا يجمعكن إلا الشر، الموت أو المرض ... ~~تحدثن، من الميت؟ هل ماتت هي؟ قالت له امرأة عجوز: موت أنت يا سكران يا حيران، الله أكبر ~~عليك. # قال وهو يرمق المرأة بعينه المحمرة: يا حاجة، والله لو كانت واحدة غيرك لكسرت عصاي على ~~رأسها ولكن للأسف، وضع نور على عنقريب صغير وهي نائمة، ودخل الحجرة ليجد أمي راقدة باردة، ~~أخذ منها الإعياء كل مأخذ ... فانحنى عليها لزمن طويل ... حتى كاد أن يسيل رياله على وجهها ~~وكأنه يريد أن يتأكد من أن التي ترقد على فراش الموت ليست زوجته بنت الضوء أزرق، ثم قال ~~مخاطبا امرأتين قربها: هل ستموت ms52 اليوم؟ فردت له إحداهن: اذهب ونم قليلا فهي بخير ولن ~~تموت. # وعند الغد تحسنت صحة أمي قليلا، ولكنها لم تبرح فراشها، فأتيناها بالكمون والقرض ~~والبخور، ثم الماء والإفطار ... وهي لم تزل بالسرير. # أما أبي فكان خجلا ومحرجا، وقبل أن يغادر المنزل للعمل أعطاني خمسين قرشا قائلا: ~~اشتري بها دقيقا وخضارا. # ثم ابتلعه الطريق وكلابه. # أما نور فبقيت قرب أمي المريضة تدلك لأمي أطرافها، وتحكي لها عن المزارع التي صحبها ~~والدها إليها، وعن مغامراتهما بالإنادي وقصص السكارى وكيف يرقصون على إيقاع «التمتم» ~~و«السيرة» وعن أصدقاء والدها أبو كروك وفضل السيد، وصديقه بائع النيفة العجوز، عم محمد زين ~~برجليه المقوستين كالسفروق، وقالت: إنه يمشي كالحرباء ولكنه رجل طيب، وقالت: إنه أقربهم ~~لقلبها لأنه ما كان يبخل بآذان الخراف المشوية أو شوربة الكوارع، ثم حدثتها عن المرأة ~~العجيبة صاحبة الإنداية بت جادو، ثم سألتني: لماذا يا نوار لا تعملي لنا إنداية؟ نبيع فيها ~~أنا وأنت بدلا من العمل في الشمس، وقلع الفول والبصل، فصاحبة الإنداية عندها مال كثير ~~ويداها مملوءتان بالذهب وحتى أسنانها من الذهب. قالت نور: عندما تتحدث معي صاحبة الإنداية ~~بت جادو كنت أتمنى أن تقع منها سن واحدة لآتيك بها، تخيلي أن أسنانها كلها من الذهب، ~~قالت: ولماذا لا تكوني مثلها؟ لماذا لا تعملي لنا إنداية؟ فقالت لها والدتي: ولكن يا نوار ~~المريسة حرام، والسكر أيضا حرام، ويوم القيامة ربنا سيدخل بت جادو النار. فردت نور مضطربة: ~~كذب ... كذب ... كذب. # أنا شفت الفكي آدم نفسه بالإنداية يشرب في المريسة، ويأكل الكوارع بالشطة، ويبشر مع الناس ~~في الدلوكة، ويعرض ويرقص الصقرية، وقد قال لي بالأمس إن المريسة تجلب الدم وتحسن ~~الصحة. # | أبي # وعاد أبي مبكرا وواعيا يقظا ... # وعاد أبي مبكرا وواعيا يقظا، في يده كيس مملوء بالطعام، جلس قرب أمي وأخذ يسألها عن ~~حالها، ثم قص عليها قصص أصدقائه، وكأنه لأول مرة يلتقي بها في حياته؛ كان جادا، محترما، ~~وعندما سألته نور عما إذا كانت المريسة حرام، وأن بت جادو ستدخل ms53 النار؟ قال مندهشا: من ~~الذي قال لك ذلك؟ قالت: أمي. فحملها ووضعها على حجره، قبلها في خدها ثم همس في أذنها ~~قائلا: أمك مريضة، هل صنعت لها النشا؟ # | يدور فيه # وأيضا عاد في اليوم الثاني مستيقظا ... # وأيضا عاد في اليوم الثاني مستيقظا، أما في اليوم الرابع فلم يعد إلا بعد المغرب ~~ثملا وبائسا، ثم أخذ نور في اليوم الخامس ومضى في طاحونه القديم يدور فيه، قليلا قليلا ~~قلت زيارات النساء لبيتنا، قليلا قليلا قلت قريشاتهن التي يضعنها تحت وسادة أمي، ~~أما أمي فلم تنهض بعد من السرير. # وها هو الأسبوع الثاني. # وها هو الأسبوع الثالث. # وها هو الشهر. فجعنا. # جعنا جوعا حقيقيا. # فكانت أمنا بين الحين والآخر ترسلنا إلى إحدى جاراتها أو صديقاتها طالبة منهن قليلا من ~~البصل، قليلا من الحطب، قليلا من الزيت، قليلا من ... وعندما أحست أنها أثقلت عليهن قالت ~~لي: خذي فأس والدك وطوريته إلى السوق طالما هو لا يعمل بهما ... فلنأكلهما! # بعتهن بجنيهن، وجعنا، قالت لي: خذي وأختك عنقريب والدك إلى السوق، بعناه بجنيهات خمس، ~~وعندما عاد في المساء وعرف لم يقل شيئا، ولكنه نام في عنقريبي، ونمت أنا ونورا سويا، ثم ~~جعنا. # قالت لي أمي: خذي عنقريبك إلى السوق، وعندما عاد، نام في عنقريب نورا، ونمت أنا ونورا على ~~الأرض، ثم جعنا. # ثم جعنا ... # ثم جعنا ... # ثم جعنا ... ~~... جعنا. # إلى أن نمنا جميعا على الأرض، مفترشين جوالات الخشيش والملابس القديمة، وأشياء قد نجدها ~~هنا وهناك في ساحة المنزل، وراء القطية، في الشارع، أو في بيوت الجيران. # أصبح المنزل خاليا تماما من أشيائه: الزير، المنضدتين، أكواب الشاي، فناجين القهوة، ~~حذاء أمي الذي كانت تلبسه في المناسبات الحميمة والمآتم، أو تسافر به لإخوانها ووالديها ~~بالقرية، بعنا كل شيء إلا الجوع الذي سكن في عمق أحشائنا بقوة وعزيمة، وفي اليوم الأخير من ~~الشهر الرابع نهضت أمي من فراشها، شاحبة الوجه، عيناها مبيضتان كالقطن وفمها جاف وشفتاها ~~مبيضتان خاليتان من الدماء وميتتان، قالت لي: هيا نذهب إلى الجروف للعمل. ms54 # قلت: ولكنك مريضة. قالت بصوت واه ضعيف: سنذهب. # ولكنها سقطت عند الباب على مقلاعها وسلتها الكبيرة، وتجمع الجيران وجاء شيخ القرية، قالوا ~~بعد كلام كثير ولغة شتى: خذي أطفالك واذهبي إلى قرية والدك وإخوانك، فالبنات بحاجة إلى ~~رعاية وأنت مريضة، ولا تقدرين على شيء، أما زوجك ... # وكان الكلام مقنعا؛ لأنها لا تستطيع أن تصارع الموت، فالموت قديم ومخضرم ولا يؤذيه ~~سلاح ولا يقتله قاتل، ولا يسأم أو يتراجع، ولا ... أما هي، فبائسة، فقيرة، مريضة ومنهزمة ~~دون أن تدخل في صراع مع أي كان، منهزمة بالفطرة؛ وقد تعب منها المحسنون. هذا إذا عرف أن ~~كاكا النوباوية الكجورية همست لها قائلة: إن زوجك سعد مكتوب. # | تحكي # كانت نوار سعد تحكي كما ... # كانت نوار سعد تحكي كما لو كانت في حلم طويل مزعج، أما أنا والمختار ففي صمت نستمع، ~~وقد نسأل وقد نعلق، قالت: وكان يوما مشهودا؛ يوم أن تركنا القرية التي ولدنا بها ~~وتربينا بين أزقتها، وعلى ضفاف نهرها وتحت أشجار نبقها، ولالوبها وحكاياتها وأحزانها ~~وأفراحها، فكنا سعداء أن نغادرها، وكنا محزونين أيضا، وبنفس القدر. نور لا ترغب السفر بغير ~~والدها أبدا، وقال الجيران - بعض الجيران: خذوه معكم، ولكنه قال في كبرياء: سأبقى هنا. ومن ~~الأحسن أن تبقوا أنتم أيضا، وأضاف بطريقة أو بأخرى ما يعني أنه سيترك السكر وسيلتزم، بل ~~لمح تلميحا واضحا في أنه سيقيم الصلاة ويصوم شهر رمضان. ركبنا اللوري وانطلق بنا جنوبا ~~... جنوبا ... جنوبا. # رحب بنا أخوالنا وجدنا، وقالوا لائمين أمي: لماذا تأخرت كل هذه الشهور؟ فاشتروا لنا ~~ملابس جديدة، ألقينا تلك الرفيعة المهترئة بعيدا، اشتروا أحذية جديدة، ثم أدخلنا ~~المدرسة الابتدائية، كلنا في يوم واحد الفصل الأول. # كان عمري تسعة أعوام، نورا سبعة، نور في الخامسة من عمرها ولكنها ذكية ولماحة، ولها لسان ~~طليق كجناح نسر نزق، ثم تحدثت نوار عن سابا الحبشية - صديقتها - بحماس وحب، وعن مسيو دل ~~برادو، خوان بيدرو، وعن إسبانيا والفراعنة، قالت: إذا خلقني الله حبشية لاختصر علي مشاوير ~~طويلة علي أن أمشيها ms55 الآن. # | تحكي # استيقظنا في ... # استيقظنا في الصباح الباكر على جلب وأزيز عربة الشرطة، على وقع أحذيتهم الخشنة، قالت وهي ~~جالسة على الأرض تحكي بحماس عن ما أسمته بيوم الشرطة والكلب؛ خرج المختار لاستقبالهم، وكان ~~زوجك نور الدين تحت عرديبة القيلولة يدخن سيجارة بمتعة وتحد سأل الشرطي المختار: أين ~~سهير حسان زوجة نور الدين؟ قال: هل رأيتموها هنا؟ # قالوا: نحن نبحث عنها. # قال: إذن ابحثوا إذا شئتم ولا تسألوا. # قال لنور الدين بعد أن بحثوا في كل ركن بالبيت: لم نجد زوجتك هنا. وحتى الكلب البوليسي لم ~~يجد لها أثرا، وكل مباني المكان ... حتى المراحيض دخلناها، فصرخ مندهشا: أين إذن ~~سهير؟ # خرجت أنا من قطية المحراب وهي لصق العرديبة ويفتح بابها مباشرة على مجلس نور الدين، فصاح ~~في: أين اختبأت سهير؟ # ونظرت إليه نظرة معناها في السماء، وعدت للحجرة حيث المختار بالمحراب، أيضا قام الشرطيون ~~بالبحث عنك في أنحاء المحراب كلها بين أشجار الحديقة، عند المزرعة، سألوا أشجار الطلح ~~والهشاب الجافة ذات الأفرع الرمادية المحروقة بأشعة الشمس المحروقة بالعطش، سألوا الأرض، ~~النهر، الأغنام السوداء التي ترعى على سور المزرعة، أوراق اليوسفي والبرتقال الجافة ~~المتساقطة، سألوا الريح. وكان نور الدين زوجك يؤكد لهم بأنك موجودة في مكان ما، وكنت ~~والمختار داخل المحراب نقرأ بابيلو نيرودا. # | الغريب # قالت نوار سعد ... # قالت نوار سعد في إحدى جلسات تبادل التجارب: منذ اللحظة التي دخلت بيت مايازوكوف أحسست ~~أنه باستطاعتي البقاء بهذا البلد، بلادي كيف خلق مايا العزيز هذا الإحساس بالمواطنة في، ~~وأنا التي لا أعترف بالوطنية، وهو الغريب عن الدار؟ كيف هيأ لنا الدار؟ كان مايا دائما ما ~~يردد: إن الإنسان هو الرب الوحيد، الرب الواحد الخالق لظرفه الموضوعي، وباستطاعة الفرد ~~الواعي أن يشيد من قنطور للنمل قصورا للملوك، فقط عليه أن يعي حقيقة أنه ملك، وأنه في ~~حاجة إلى قنطور من النمل. # وعندما كنت أؤكد له رداءة واقع البلاد الكبيرة، وأنه لا قيمة لإنسان بها، كان يضحك ~~قائلا: فقط ينقصك الانتباه، انتبهي وستجدي قنطورك ms56 الذي هو قصرك. # ولأنه كان منتبها، ولأنه دائما ما يجد قنطوره استطاع أن يخلق الظرف الموضوعي الذي ~~يبقيه هنا، وببقائه بدأ الإحساس بالغربة في يزول تدريجيا، وأحسست أن حياتي بدأت تأخذ ~~مجراها الفني وعشت حياة راقية - في نظري - متحضرة في واقع متخلف رديء. # مع مايازوكوف الهم ... هم كوني، والمأساة عالمية، والفرحة لها طابع عام وممتد، والحب ... ~~أسطورة، كنت معه أحس أن هناك من يفهمني، لا يعني إذا رفضت الطعام أنني أعاني من عسر في ~~الهضم، أو أن الطعام لا يعجبني، أو لا شهية لي. وحينما أتحدث عن فاسيلي كاندنسكي لا ~~يعني أنني أكره جويا ومايكل أنجلو، أو لا أهتم بالزرافة المحترقة. وحينما أتشهى شخص ما، لا ~~يعني هذا أنني داعرة، أو امرأة لعوب، أو سيدة في شبق عابر، لا؛ ولكني أعبر عن رغبة جنسية ~~إنسانية عميقة في الجسد. # وحينما أمشي في طريق دون هدى، وحينما أشرب كأسا من الخمر، وحينما أبكي فجأة، وحينما ~~أغني، أرقص، أضحك، أسخر من نفسي حينما أقول لا. # حينما أتوقف عن مواصلة المحاضرة وأحكي للطلاب عن خواكين كورنين وأقول لهم خواكين أعظم ~~فلامنكو أنجبته إسبانيا، وأنه أجمل الغجر وأكثرهم بولا. ميسو دل برادو، خوان بيدرو ~~والخاندرو كازونا، خوانا كلية أو أمين محمد أحمد ذلك الطفل الشقي. # حينما أغني لطلابي بالأمهرة كما علمتني سابا، حينما أحس بالنعاس وحينما وحينما، دائما ما ~~كان يسعني مايا العزيز، دائما ما يسعني مايا، لقد أصبح لي وطنا ومنفى أيضا. # قالت كالمنومة دون أن تلقي انتباها لما قاله المختار، وقلته أنا تعليقا على جملتها ~~الأخيرة: إذا جئت بيته منتصف الليل وهو في فراش سيدة، كان يقول لي بكل هدوء: حسنا يمكنك ~~النوم بحجرة المرسم، أو العودة إلى منزلك، فالطقس في الداخل غير مؤات. # سافرت معه في هذا الوطن لأمكنة ما كانت تحلم بها عصافير مشردة أو بجعة، عرفت من خلاله ~~بلادي التي ولدت فيها، انتبهت من خلاله لنفسي، لذاتي المقموعة بتسلط اليومي. أقمنا في ~~مستنقعات من البعوض والحيات، صعدنا قمما جبلية عالية ms57 لنشارك الحدأة أحلامها، مشينا لقرى لم ~~يشاهد بها رجل أبيض من قبل، ولا امرأة سوداء تتحدث مع رجل أبيض؛ تجمعوا حولنا يتفرسون ~~ويموتون من التعجب والذهول ويضحكون. # مايازوكوف صديق وجدت فيه نفسي، وطني، كان متمردا شقيا، وكنت لا مبالية، كان حرا ~~كأغنية يمامة، غير مشروط. # وكنت حرة كروح درويش. # كالريح. # إذن، كنا ريحا وروحا ودراويش. # | في الخلاص # أقمنا صلاة الخلاص ... # أقمنا صلاة الخلاص من الرغبات والغرائز ... # من الحب، الجنس، الكراهية، الخوف، بني آدم، الامتلاك، الموت، المعرفة، الجهل، ~~المنافسة، اللذة، الجشع، الطمع، النصر، المال، وكالعادة هيأنا الصلاة كلها لرغبة واحدة ~~مؤكدين عليها وفاعلين، وشاءت المنافسة أن تكون هي موضوع الخروج. قالت نوار: دعوني وغرائزي ~~فأنا لم أقتنع بعد بأنني لست في حاجة لأي منها، حتى الحقد والكراهية فإنهما ضروريان لوجود ~~الحب. # كانت الصلاة تحت الدومة الكبيرة، جلسنا متوازيين جلسة اللوتس، وكنا في ملابس القطن ناصعة ~~البياض، ونفضلها دائما على البرتقالية في جلسات الخلاص، ربما لأننا نرغب في أن نصبح في ~~نقاء القطن. قال: هذا الشخص الذي في المختار، المختار الملآن بالرغبات، الغرائز، هذا ~~الشخص متسخ بالأشياء ... # هذه المرأة التي في، سهير حسان، هذه المرأة الملآنة بالرغبات والغرائز، هذه المرأة ~~متسخة بالأشياء. # هذا الشخص الذي في الملآن بالرغبات والغرائز المتسخ بالأشياء. # التي في الملآنة بالرغبات والغرائز المتسخة بالأشياء. # الذي ملآن بالرغبات والغرائز المتسخ بالأشياء. # التي ملآنة بالرغبات والغرائز المتسخة. # الذي ملآن بالرغبات والغرائز المتسخ. # التي ملآنة بالرغبات والغرائز المتسخة. # أنا متسخ ... # أنا متسخة ... # ثم أنشدنا لغة الاغتسال من كل الأشياء، ثم هيأنا الإنشاد للمنافسة بمبدأ أن النجاح متاح ~~للجميع، وأنه غير محدود، وأنه مشاع، وأنه طريق نقية يمكن للأعمى طرقها، هيأنا للخلاص ~~الصلاة كلها، هيأناها للمنافسة. # | في الريح # لا تزال السماء ... # لا تزال السماء تعلن عقرها فتحبل السحابات البيضاء بالريح والانتظار. # ولا تزال الأشجار الرمادية النائحة تصرخ عندما تحتك فروعها بفروعها بالريح. # الريح موسيقى العطش. # والريح لا تزال تأتينا من الشمال، وتحترق الغابة وتغلي المدينة فتعز مياه الشرب، يعلن ~~الراديو أن هيئات ms58 الإغاثة العالمية في طريقها إلى البلاد، تصحبها البواخر مشحونة بالقمح ~~الأمريكي الأحمر وزيت الحوت ... # النهير يتخور. # يعلن الراديو أن ... # تتعلق خراطيم وابور مزرعتنا الشفاط ما بين الماء والشط، عملنا لساعات طوال لإطالته. في ~~ذلك الصيف أنتجنا كما هائلا من البطيخ، شحنا «لوريين» إلى سوق المدينة، فتخاطفه الناس ~~الجوعى والعطشى، سألوا: أهو مستورد؟ ~~- أهي الباخرة الأولى القادمة من واشنطن؟ # غادرنا نوار سعد بعد شهر من التواصل الإنساني، تركت فينا أشياء اكتشفناها بعد أن ذهبت، ~~أشياء مهمة، قال المختار ذات يوم: هل بإمكاننا الخلاص بعد أن زارتنا نوار سعد؟ # | في السياسة # ونحن نقتلع أشجار ... # ونحن نقتلع أشجار البطيخ القديمة على الأرض، أطل علينا من بين رماد الأشجار، وجه تعب، ~~وجه مرهق، وجه سارة؛ فألقينا بمقلاعينا وجرينا نحوها، قد بلغ بها الإعياء والبؤس مبلغا، ~~فارتمت أمامنا على الأرض وهي تلهث؛ أسعفناها تحت ظل عرديبة كبيرة، كانت تتصبب عرقا، ~~سقيناها ماء الملح بقليل من السكر، أفاقت. # قالت: جئت من كهوف مايازوكوف، وكنت أختبئ هناك من البوليس السياسي منذ زمن، فقد هجرت ~~الكهوف - كما تعلمان - بعد أن ذهب مايا. # أخبرتنا نوار سعد بأنكم مطاردون، وأن آدم هرب لجهة لا يعلمها أحد، وأن حافظ بالسجن ~~الكبير. قالت في أسى: إنهم يقولون إنه هرب من السجن، ولكن معروف عن السجن الكبير ~~دقة إحكامه، ويقال الأطيار والفئران تجد صعوبة في الخروج من جدرانه، إنهم ربما قاموا ~~بقتله وأعلنوا هروبه، إنها حيلة قديمة يستخدمها البوليس السياسي النازي، ولكن نأمل في أنه ~~هرب فعلا ... لا نريد أن نعي فكرة أنه مات. # أن يموت حافظ يعني أن تخيم مليون سحابة سوداء عاقر هذه البلاد الكبيرة. # قالت: جئت ماشية على قدمي من المرسم المفتوح، سبع ساعات متواصلة عبر الشوك والخيران، صرير ~~الأشجار الجافة، ولقد ضللت الطريق مرات عديدة إلى أن أرشدني بعض الرعاة إلى طريق جانبية ~~تقود إلى مزرعتكم هذه. ~~- إذن لقد اكتشف البوليس السياسي مكانك؛ لذا هربت؟ قالت وفي فمها ابتسامة جافة: لا، مللت ~~البقاء مثل السحلية بالكهوف المهجورة. ~~- أين تذهبين ms59 ليلا؟ ~~- يأخذني الخفير إلى أسرته، إلى أن ينادي أذان الصبح فأعود إلى الكهف، سحلية، مللت، مللت ~~الوحدة. معكم أستطيع أن أحيا قليلا، الوحدة قبر. قالت: أهلي سيعرفون أنني معكم هنا؛ ~~سيخبرهم الخفير. # قالت: يظنون أننا نعمل لحساب دولة أجنبية بقيادة مايازوكوف! قالت: هل هنا آمن؟ إذن أريد ~~أن أنام قليلا، إنني مرهقة جدا وقدماي متورمتان؛ قال لي المختار: إنهم يبحثون عن طريق ~~وما أصعب الطريق! قال: يستحيل إيجاد السبيل عن طريق البحث الجماعي، فالطريق ذاتية والإنسان ~~دائما فرد، وإن كان فردا في سياق جماعي، يبحث وحده، يجد وحده، ويموت في لقيته وحده، قلت ~~وكان وجهها يبدو بريئا وحلوا وهي نائمة على فراش بالمحراب: إنها طفلة وجميلة وإنها تحلم ~~كما أنها لا تعمل لحساب شخص ما، أنا أعرف ذلك. قال: وأنا أيضا أعرف ذلك، إنها تحب وطنها ~~مثلها مثل أصدقائها، ولكنها ترى في الأيديولجيا التي تؤمن بها المخرج الوحيد لأزمات ~~الوطن. # | في الغضب # ارتفعت درجة حرارة الجو إلى ... # ارتفعت درجة حرارة الجو إلى «55» درجة، ونامت الأشجار البائسة، نام رماد العشب؛ لأن ~~الريح الشمالية التي كانت تلاعبه أثناء موته ذهبت في ثبات عميق، غطت السحب الرمادية قبة ~~السماء واشتد الحر، خرجت الثعالب العجفاء من أجحارها والثعابين تسلقت الأشجار الهرمة ~~الجافة، واشتد الحر، تراكمت السحب وأصبحت أكثر قتامة، ثم هطل المطر. # المطر، المطر، المطر. # مطر حقيقي وغزير، كأنما ثقبت السماء أو اندفقت مواعين الملائكة، مطر عنيف وقوي، أضأنا ~~المصابيح وجلسنا نستمع لهزيم الرعد وخرير المياه. وكلما فاجأنا البرق انكمشنا على أنفسنا، ~~حبسنا أنفاسنا وانتظرنا. # كان المطر مطرا. # استيقظت الريح وأخذت تقهقه في هستيريا وهي تفرك هامات الأشجار بأصابعها الهلامية، وتدغدغ ~~جنباتها كما يفعل الأطفال الأشقياء بالأطفال الأشقياء، قالت سارة حسن: يخيل إلي أن صهاريج ~~الماء المخزون بالسماء قد اندفعت اليوم. # خمس ساعات من المطر المتواصل من البرق والصاعقة، من الرعد، ولكنا أحسسنا بفرحة عميقة تغمر ~~دواخلنا، وتموسق ذواتنا العطشة، ولو أننا أحسسنا بالخوف، الخوف من البرق والصاعقة، والخوف ~~من السيل والرياح العاتية التي ms60 تصارع أفرع الأشجار الجافة في الخارج وتكسرها، لقد جاءنا ~~المطر بعد عطش دام قرابة العامين وأكثر؛ لأن الفصل المطير الذي سبق هذا الفصل الجاف هو ~~الآخر كان فصلا فاشلا، ولم يجد بغير مطيرات استمرت دقائق وغادرت، ولأن الفصل - الذي ~~كاد أن يكون مطيرا - السابق لهذا الفصل الأخير ... # قالت لي - ذات جلسة - عرافة كانت جارتنا في بيت أبي، وقد اعتدت أن ألوذ بخرافاتها ~~كلما تأزمت، قالت لي ذات مرة على هامش حديث طويل عن مستقبل البلاد: هذه البلاد ستعصف بها ~~حمم تحمل ريح السافل، وتعني بريح السافل الريح التي تهب جنوبا، سنة، ثم سنة ... ثم سنة. إلى ~~أن يشاء الله فتهب الرياح الجنوبية الغربية محملة بالسحابات، فتبرأ جراحات الأرض، هكذا تقول ~~الجماعة. # ثم توقف المطر وهدأت الريح؛ فخرجنا نتمشى بين الخيران التي صحت من ثبات العطش الطويل ~~والمجاري ذات الخرير الشجي، فقد صحت أزمنة المكان، صحت شقوق الأرض، استيقظ الزمن النائم في ~~حرقة الطقس. تزحلقنا على الطين، ابتلت ملابسنا واتسخت أيادينا ونحن كالأطفال نضحك ونجري ~~في البرك الصغيرة، أو نركب سوق الأشجار الضخمة الطافحة على مياه السيل، نجمع العصافير ~~الصغيرة المبتلة الأرياش المصقوعة بالبرد، ندفئها بين أكفنا أو نفرك أجنحتها فتسري فيها ~~الحياة. # وكانت سارة والمختار يغوصان بين أشواك الأشجار التي أسقطتها الريح على الأرض، ليأتيا ~~بصغار عصافير الجنة، وود أبرق، وسرو دمامي وبعض صغار أم قيردون وحواء زريقة والهدهد، وأتولى ~~أنا القيام بدور الممرضة والأم. قال: فلنذهب لنلقي نظرة على النهر والمزرعة. # كانت أشجار الفاكهة قد اغتسلت بالمطر، فبدا الليمون والبرتقال كأزهى ما يكون، أما أحواض ~~البصل فقد غرقت تماما وذابت الفواصل الترابية التي تفصلها عن بعضها البعض؛ فأصبحت حوضا ~~واحدا كبيرا غاطسا في الماء أو بحيرة صغيرة. # قال المختار وهو يتفحص حوض البصل الغريق: الملكية تشبه الأبوة، فإحساسي بالبصل الذي ~~يعاني الاختناق تحت مياه المطر إحساس لا يقل حميمية عن إحساس أب يرى ولده يختنق بالغاز، ~~ولكن فلتكن هذه المأساة صلاة من الألم مرفوعة لروح الملكية التي يجب علي ms61 التخلص منها ~~ونبذها. ~~- إذن أنت ضد الملكية الخاصة؟ قال: نعم، ولا؛ لأنني ضد كل أشكال الملكية على المستوى ~~الفردي كغريزة، فإننا نتحدث عن الغرائز والشهوات في إطار الذات الواحدة ... فليتملك الفرد ما ~~شاء لكن يجب ألا تكون هذه الملكية عاطفة وغاية في ذاتها، فإذا فقد الحطاب فأسه الوحيدة ~~فإنه لا يتحسر على فأسه التي كان يمتكلها، ولكن لأنه لا يستطيع أن يقطع الأحطاب التي عن ~~طريقها يحصل على خبز أطفاله، فإننا نريد أن نجرد الملكية من بعدها الغرائزي ونجعلها ~~وظيفة إجرائية فحسب. قالت سارة: ربما كان فكرك هذا نمطا من التجريد الوجودي ~~المثالي. ~~- قد تسمونه فكرا مثاليا، ولكنه أكثر واقعية على مستوى الروح، وأكثر واقعية وعملية ~~لأشخاص يؤمنون به. # قمنا بفحص الوابور الشفاط بحجرته الصغيرة المبنية من الطوب الأحمر، تفحصنا براميل ~~الجازولين، صفائح الشحم، والزيوت التي وجدناها غاطسة في مياه بنية يعلوها الزيت. # وعدنا. # | الطين # عندما ... # عندما أدارت سارة مؤشر الراديو للمحطة المحلية كان المذيع يعدد الخسائر: احتراق مجمع ~~البترول الكبير، انهيار ألف مسكن وسط المدينة، وكانت مبنية من الطوب اللبن. عدد الموتى ~~والمفقودين لم يتم حصره حتى الآن، والبحث جار لانتشال الجثث وإنقاذ المواطنين الأحياء تحت ~~الأنقاض، سقوط أعمدة الكهرباء والتلفون وانقطاع الاتصالات الخارجية ... تحطيم معمل ومختبر ~~كلية العلوم وسقوط معظم مباني الجامعة الكبيرة، قرى بأكملها تمحى من خارطة البلاد ~~الكبيرة. # سمعنا صوت المذيع يعلن الكارثة القومية، المدينة تغرق، الأطفال يغرقون في الطين ... أنقذوا ~~المدينة. # | في الموت # أرسلت نوار سعد خطابا تسأل ... # أرسلت نوار سعد خطابا تسأل فيه عن حالنا، وهل جرفنا والغابة إلى النهر أم لا نزال ~~متمسكين بالأرض وأشجار الدوم؟ قالت: في مدريد لا كوارث ولا أعاصير، ولا حتى انقطاع في ~~التيار الكهربي، كل شيء مخطط ومنظم ومعروف مسبقا؛ قالت: نادرا ما تفاجئنا الطبيعة ~~بثوراتها، قالت - وهي تكتب لنا بينما يعد صديقها خوان العشاء: كم يبدو وسيما ووديعا في ~~قبحه التام، إنه أجمل قبح في العالم. # وفي صفحتين كاملتين كانت تحدثنا عن: كيف استطاع بيدرو وبجهد متواصل ms62 لمدى عشرين عاما أن ~~يطور أساليب المجاسدة التقليدية العادية، وإنه في طريقه لإنشاء علم يختص بممارسة الجنس، ~~مثله مثل علوم الطبيعة والكيمياء وعلوم البحار ... ثم شرحت لنا بالتفصيل أكثر الأساليب ~~إمتاعا وإشباعا للرغبة الخالدة، وقالت إنها اهتمت بهذه التفاصيل رغبة منها في أن تنبهنا ~~إلى مواطن إسرفنا في إهمالها ... وعليها أن تثيرها. # قالت: سأسعد كثيرا إذا علمت أنكم قد تخلصتم من رهبانيتكم وزهدكم في الجسد، تخلصتم من ~~أوهام النيرفانا وانشغلتم بممارسة الحب، فهي قد تقربكم إلى الحقيقة أكثر مما تقربكم ~~النيرفانا. # كتبت أيضا أنها ذهبت إلى سوريا والتقت مايازوكوف وقالت: إنه حزين، وإنه يحاول العودة ~~عما قريب، وقالت: إن الشوق لأشجار العرديب والكهوف وأرانبه الأليفة، الشوق إلى البابايات ~~والناس يحرقه. # وقد تزوج مايا من مغنية سورية جميلة جدا ذات صوت شجي، قالت إنها تغار منها، إنها ~~تشعلها بالحقد وإنها كانت ترغب في أن تكون هي زوجة مايازوكوف، هي نفسها وليست تلك المغنية ~~لأنها تحس في ذاتها ألا أحد يفهم مايازوكوف خير منها، لا امرأة على وجه الأرض ... # إنها تعمل الآن خبيرة في النحت القديم تابعة لمنظمة اليونسكو، ثم كتبت: قريبا سأعود إلى ~~البلاد الكبيرة، فقد اشتقت إليكم، لأهلي، والأخبار التي تصلنا عن البلاد الكبيرة ~~تخيفنا. # | من # هل أصبحت ... # هل أصبحت البلاد الكبيرة بحيرة أسطورية من الطين؟ # | إذا شربوا ... # المطر موسيقى العطشى. # المطر موسيقى العطشى، ورعبهم إذا شربوا. # | ثلاثة رجال # نزل المطر مرة أخرى ... # نزل المطر مرة أخرى غزيرا وعنيفا، ذابت مساكن الطين الساقطة، مات الميتون وشبعوا موتا، ~~أقام الفقراء في العراء، ثم هطل المطر مرة أخرى غزيرا وعنيفا. قال البعض: إنه غضب الله ~~على البلاد الكبيرة. قال البعض: إنها رحمة من الله على البلاد الكبيرة. # وقمنا بزيارة المدينة، أنا والمختار تاركين سارة بالمحراب وحدها، فلم تك المدينة غير ~~مستنقع من مياه الأمطار تبيض عليه الضفادع، ويتكاثر فيه البعوض وأم مقص، وبه جثث الحيوانات ~~النافقة المجروفة مع السيل والقاذورات، وتذمر الشعب في الشوارع والتظاهرات. # الناس يتبرزون في العراء خوفا من أن ms63 تسقط بهم آبار المراحيض . # المدينة كوم خراء. # ولكي نتمكن من المشي على الطين قمنا بخلع أحذيتنا ومشينا حفاة؛ محاولين ما أمكن تجنب ~~شظايا الزجاج والأشواك والحصى الحادة أطرافه، ورغم ذلك وجدنا صعوبة بالغة في ولوج وسط ~~المدينة عن طريق الشارع العام، فلقد كان عبارة عن بحيرة طويلة مستطيلة مشحونة بالحيوانات ~~النافقة، الضفادع وأم مقص، فاتخذنا طريقا جانبيا، وعبر بعض الأزقة المحاطة بالمنازل ~~المتساقطة استطعنا دخول السوق لنفاجأ بالفوضى. # كان الناس الفقراء الجوعى كالحيوانات المتوحشة وهم يتعاركون بين بعضهم البعض، بينهم ~~وأفراد الاحتياطي المركزي والشرطيين، يكسرون المتاجر ويستولون على جميع ما فيها من بضائع أو ~~أثاثات، كانوا مسلحين بالعصي والفئوس وبعض البنادق التي أخذوها من أيادي الشرطيين، هناك ~~نهب للأفراد، وقد اكتشفنا ذلك مؤخرا عندما تقدم نحونا ثلاثة رجال، يمسك أحدهم بخنجر مسلول ~~في يده والآخران يحملان عصا غليطة، وطلبا من المختار أن يعطيهم ساعته وقميصه وحذاءه التي ~~يمسك بها في يده، فأعطى دون أي مقاومة أو اعتراض، ثم أخذوا ساعتي أيضا وحذائي ثم طلبوا منا ~~مغادرة المكان؛ لأنه قد يأتي من لا يقبل بأقل من اغتصابي، خاصة وأنه لم يعد لدينا ما ~~ينهب. # فتسللنا كفأرين بائسين عبر الأزقة عائدين إلى الطريق العام حيث استقللنا عربة أجرة إلى ~~غابتنا. # | ضد البعوض والفئران # تعاون الجيش مع الشرطة ... # تعاون الجيش مع الشرطة في إطفاء غضب الفقراء، فزجوا بهم في السجون، وقتلوا بعضهم، وأصابوا ~~البعض الآخر بالجروح والكسور، وذلك حسب ما أعلنه الراديو؛ لإتاحة الفرصة وتهيئة الجو لهيئات ~~الإغاثة العالمية للقيام بدورها، وزعت الأدوية، أقامت المراكز الصحية العاجلة، وزعت الطعام، ~~أقامت المراكز الغذائية للأطفال والعجزة، وحثت أفراد المجتمع للقيام بحملات ضد البعوض ~~والفئران. # | سارة # قالت سارة ... # قالت سارة: أسبوعان منذ بداية هطول الأمطار ولم أر واحدا من أهلي، فأنا قلقة عليهم، في ~~المدينة الكوليرا والملاريا، التيفويد، ولي إخوة صغار ولي أم. قال لها المختار: على ما ~~أعتقد أنه لا خوف عليك، فالحكومة مشغولة بغضب السماء ولا وقت لديها لغضبها الخاص، إن ~~بإمكانك الذهاب لرؤية ms64 أهلك. # | في الروح # طوال هذه الأعوام ... # طوال هذه الأعوام كان المختار يحاول أن يعلمني درسا واحدا لا غير، وهو: النقاء. # فالنقاء - كما يؤكد المختار - هو رسالة الإنسان إلى نفسه، وهو الطريق، كان يؤكد أيضا ~~أن النقاء صعب المسلك، طريق كأكل الجمر، مستحيلة فهي ممكنة بشكل أو بآخر، ومهمتي أن أكتشف ~~«الشكل الآخر»، فأستخدم اليوجا والصلاة والسفر والجوع والحرمان. أقلد الأشجار في حركتها ~~مع الريح والفيضانات، وتراه يقف لساعات تاركا نفسه للتعبير التلقائي محاكيا الدومة أو ~~العرديبة العملاقة، كان يقول: إن في الأشجار سرا، وربما الحقيقة ذاتها. # كان يمشي من المحراب إلى المدينة في أحيان كثيرة على رجليه القويتين في يومين كاملين، ~~يطعم عروق وبذور الأشجار وثمارها، كان لا يقتل مخلوقا أبدا، وكان لا يمرض، فقط بعض الحمى، ~~ولكنه اليوم يرقد منهكا منها لأول مرة في حياته. ~~- عمري ستون عاما ولأول مرة أرقد على فراش المرض، ألا يعني هذا؟ # تعالي وخذي قلما واكتبي، فالآن يمكنني الخلاص. # أشعلي الفوانيس ودعي الأطيار تستيقظ ... أرسليها ... أرسلي الهدهد إلى مايازوكوف ~~فلادمير. # وأخذ يهذي كالمجنون، تكلم عن أشخاص لا نعرفهم ولم نسمع بهم في حياتنا، ولأول مرة أيضا ~~قال شيئا عن أسرته، ولو أنها كانت هلوسة وهذيانا، قال إن أمه تنتظره في ماء النهر ~~وهي تحمل إبريقا من الفضة بيد وباليد الأخرى سراجا في هيئة عصفور ود أبرق. قال إن أمه ~~تنتظره عند البئر القديمة المهجورة قرب الخور، خلف مباني البيطري - الخور الكبير - وإنها ~~تنتظره في طريق طويلة، وإنها محاطة بالملائكة وطير الوروار، ثم فجأة جلس على السرير، ~~وكمن كان في كابوس مزعج تخلص منه للتو صاح: أين أنا، أين كنت؟ إنه مكان فظيع، خذيني بعيدا ~~... بعيدا عند الهواء ... كم الساعة الآن؟! أهي الرابعة صباحا؟ # ساعدته في الخروج من المحراب وجلسنا في الهواء الطلق، تأتينا رائحة الطين وبقايا ~~النباتات المتعفنة في مياه البرك ونقيق الضفادع، قال: لفي جسدي بثوب الدمور، وأريد كوبا ~~من عصير العرديب أو الليمون. وعندما شرب نصف كوب الليمون تنفس الصعداء وهو يقول: ms65 لقد ذهبت ~~إلى مكان ما كنت أظنني عائدا منه، قلت له مطمئنة: إنها الحمى. قال: قد تكون هي الحمى، ~~وقد تكون إشارة لأحداث ستقع، فقد كنت غارقا في النوم عندما أحسست فجأة أنني انزلقت في طريق ~~طويلة ملتهبة لا وصول لها، طريق ضيقة وحارقة، وكنت أمشي فيها حافي القدمين وعاريا تماما، ~~وكانت الأجراس النحاسية الضخمة تدق، تدق بعنف وكأنها عمالقة من الجن أصيبت بالجنون. # طريقة قاسية، ولست أحلم، ذلك لم يكن حلما، كانت هناك تفاحة ندية تبدو في الأفق البعيد، ~~تبدو كأبعد ما يكون البعد وكأقرب ما يكون القرب! وكنت أذهب نحوها وأهرب منها في آن ~~واحد! # والطريق تضيق وتلتهب نارا، إنه واقع، إذن لا أظن أنه بإمكاني الحياة بعد ذلك، يجب أن ~~أموت، إنها الإشارة وقد تلقيتها، لقد طهرتني النار. ~~- أنت لم تزل محموما. ~~- ليست هي الحمى، إنني محق وإنني الآن بكامل وعيي. # أخذ يحكي لي عن فشله في الحياة وإحباطاته، وأنه كان يريد أن يصبح صوفيا مثل ~~الحلاج، أو ابن عربي، ولكنه فشل في ذلك لأنه جاء في الزمن الخطأ؛ إذن ... إنه خطأ ~~ميلاده، قال لي: عندما حاولت نوار سعد الاقتراب مني في تلك الليلة، هل تذكرين؟ ~~- نعم، انتهرتها وطلبت منها مغادرة المحراب. ~~- لم أقل لك إنها في زيارتها الأخيرة للمرة الثانية، والثالثة، والرابعة كانت تفعل ~~ذلك، وفي كل مرة تحضر فيها للمحراب كانت تحاول ... وبكل ثقة وبكل قوة. هل كانت تعرف بصورة ~~خفية أنني ما أزال مستودعا للرغائب والشهوات، وأنني متسخ؟ بالفعل أنا كذلك، لقد حاولت ~~الخلاص - كما ترين - ولكنني لا أزال أحس بالرغائب تزحف في، تتظاهر وتنفعل وتثور، مثلي مثل ~~أي كلب، أو أية ضفدعة. أيضا أقول لك كم مرة تشهيتك فيها، تشهيت مشاطرتك الحب وفعله، وأنت ~~تنامين في قطيتك بملابس النوم، وحدث فعلا أن نهضت من فراشي وتسللت إلى حجرتك ذات ليلة ~~مقمرة، الملاءة التي تغطين بها جسدك منحسرة عن ساقيك وردفيك، في الحق، ما كانت تغطي غير ~~بعض صدرك ووجهك، تمكنت من خلال ضوء ms66 القمر أن أرى أشياءك الجميلة بكل وضوح، وتحرك في وحش ~~الرغائب أو سلطانها، وكدت أن أقبل مكانا ما في ساقيك، كان يشعلني بالحب والانتعاظ. ~~نعم لا تزال صورتك وأنت على تلك الحال تمر أمامي ناظري. # هل إذا تشهيتك زنيت بك؟ ماذا لو انتهزت تلك اللحظة؟ # قلت له: وهل أنا بما تتصوره من ضعف سأستسلم لك فقط لأنك تشهيتني؟ أو لكوني عارية؟ لكن ~~ماذا لو كانت نوار سعد في مكاني؟ قال مبتسما: لا أنكر أنني معجب بأسلوب نوار سعد في ~~الحياة، ذلك الأسلوب الواضح الشهواني، لكنني لا أزال أمني النفس بالنقاء، أمني النفس ~~بالعودة إلي، هل سأبقى متسخا وبروحي ضياع، وبقلبي ذلك الحلم الجميل؟ # | أما مايازوكوف # مايازوكوف أيضا ... # مايازوكوف أيضا حضر للبلاد الكبيرة وبطلب رسمي من الحكومة بأن يتولى عمادة كلية الفنون ~~الجميلة بالجامعة التي بناها بقلبه وأظافره، وقالوا له إنهم تأكدوا من نظافة اسمه وخلوه من ~~الشبهات، أما مايازوكوف، فقد كان يؤكد أن سبب رجوعهم هو أن العلاقة بين الدول ~~العربية كالعلاقة بين جندي وداعرة في زمان الحرب؛ تمر بلحظات قطيعة مفاجئة، ليس للجندي يد ~~فيها، وليست لها يد فيها أيضا، وتمر بلحظات تواصل قدري، ليست للجندي يد فيها ولا للداعرة، ~~الاثنان لا يدومان في التواصل ولا في القطيعة. # | وصف لها بلادا وجاء بها إلى أخرى # تحدث الناس ... # تحدث الناس عن استياء زوجة مايازوكوف عندما داهمها الذباب والبعوض، وهي تعبر شوارع ~~المدينة وزوجها إلى الجامعة في اليوم الأول، ولو أنهما استغلا عربة كانت في انتظارهما عند ~~المطار، إلا أن العربة كانت غير مكيفة الهواء، والجو حار؛ لذا كانت النوافذ مشرعة، لذا ~~عندما تنخفض سرعة العربة عند برك المياه ونتوءات الطريق؛ فإن رائحة الفضلات الآدمية ~~والحيوانية مصحوبة بجيوش الذباب لا مفر من معانقتها، وقيل إنها أحست بأن مايازوكوف قد ~~خدعها؛ لأنه وصف لها بلادا وجاء بها إلى أخرى. # في عودتهم من الجامعة إلى البيت، لم يعرف مايا المكان الذي توقفت عند بوابته القديمة ~~المتهالكة العربة، هو بيته الذي كان جنته، ولو ms67 أن أشجار العرديب الشامخة والدليبات بدأت ~~في الإيراق. لكن المكان كان موحشا تماما، نشفت النريم والورد الإنجليزي، حتى تمثال مداح ~~المداح أصابه العطب، فقد صرعته الريح الشمالية الحارقة القوية، وحينها أحس مايا بانقباض رغم ~~محاولته جعل زوجته أكثر تفاؤلا، مؤكدا لها أن النافورة التي كانت على زهرة لوتس الجبل ~~سيعيد لها حياتها، وحينها تستطيع أن تغني هذه البئر المهجورة التي سكنتها الوطاويط ~~والثعابين، وأن شجيرات الباباي التي تنمو قرب السور الذي كانت تحفه شجيرات الأركويت هي ~~الأخرى ستنبت مرة ثانية، وأن الأرانب ... وأن النعامات، وأن السلاحف، وأن طيور ود أبرق، ~~وأن المجانين ومدعي النبوة ... الداعرات ... وأن عرق العرديب وميادة الحناوي ... مداح ~~المداح. # وأن سارة حسن ... آدم وأمين. # وأن الرحلات إلى المدن البعيدة، وأن الكهوف وحدأة الحرية التي بجناحي فراشة وأنامل ~~سيدة جميلة ... # وأن كمنجة مداح المدفونة في الطين، وأن الطلاب ... # في اليوم الثاني في الصباح الباكر ذهب مايازوكوف للكهوف فوجدها بيتا للسحالي والعناكب ~~والثعابين وحمامات الجبل المتوحشات، وجدنا المطر قام بغسل ألوانها الزاهية وحطم الحجارة ~~المنحوتة، ما عدا كهفا واحدا كان نظيفا، وبه بقايا شموع وهو الكهف الذي اختبأت به سارة ~~حسن من قبل. قال لزوجته: العالم كله يسير إلى الأمام، وغده أجمل من يومه، إلا هذه ~~البلاد الكبيرة تسير للخلف ويومها فرصة لا تتوافر في الغد ... عالم غريب. # عندما شاءت الكلية أن تحتفل بعودته وعمادته لم يأت حتى القليل من أصدقائه لحضور الحفل. ~~أتت الشخصيات الرسمية، وهي وحدها من البشر الذين لا يحبهم مايا ولا يحب لغتهم المتكلفة ~~وبروتوكولاتهم العميقة ... أما المجانين: الطلاب والنساء الجميلات ... الحزبيون وغيرهم فقد ~~كانوا مشغولين بالملاريا والكوليرا والذباب ... أو أنهم ماتوا ... تحت الأنقاض أو غرقوا أو ~~يحتضرون. # الحفل كان باردا ورسميا لا طعم له غير طعم الكوكاكولا التي وزعت للمحتفين، ورائحة ~~دخان السجائر. قيل إن مايا سأل رجلا رسميا كان بقربه أثناء الحفل: أين نوار سعد؟ ~~- من هي نوار سعد؟ هل تقصد مسجلة الكلية السابقة؟ قال مايا: كانت أستاذة النحت بالكلية ~~قبل أربع سنوات. ms68 قال الرجل: لا، لا أعرفها. فسأله: هل تعرف أين المختار؟ أهو بغابته أم لا؟ ~~قال الرجل: لا، لا أعرفه. فقال لزوجته: إذن دعينا نعود للمنزل، أريد أن أذهب للمرحاض، قد ~~يكون ... # | زارنا في الغابة # زارنا ... # زارنا في الغابة، كان حزينا وبائسا، قال: إن سارة حسن زارتني بالمنزل وأخبرتني بمرض ~~المختار. وتحدث عن أشياء كثيرة، وقال إنه ربما لن يبقى هنا كثيرا، ثم سأل: أين نوار سعد؟ ~~فاحمر وجه زوجته السورية المغنية الجميلة، ثم اصفر، ثم قالت بثورة: شو تسأل عن نوار سعد ألف ~~مرة، شو تريد منها؟! # فضحكنا معطين المسألة طابعا هزليا متجاهلين بعدها المأساوي. # | في الخلاص # فتحت الجامعة ثم ... # فتحت الجامعة ثم أغلقت مرة أخرى عندما تفشى وباء الكوليرا في الداخليات، وثكنات أساتذة ~~الجامعة، وجند طلاب الطب والمعاهد الصحية، وكليات الصحة والمختبرات الطبية في حملة قومية ~~ضد الكوليرا والملاريا وغيرها من الحميات المتفشية في البلاد، ولكني لم أشارك في الحملة ~~نسبة لمرض المختار بالغابة الذي دخل في أسبوعه الثاني، حمى هذيان، عدم مقدرة على المشي، ثم ~~عودة للحياة الطبيعية بكل حيوية ونشاط لمدى يومين أو ثلاثة، ثم الانتكاس مرة أخرى، حمى، ~~هذيان، عدم مقدرة على المشي ... ورفض الذهاب إلى أخصائي باطنية، وهو صديق له بالمدينة، كان ~~يعمل كطبيب للسجن الكبير، مشهود له بالكفاءة. قال: أنا طبيب، ولكني لا أعترف بما يسمى ~~بالطب الحديث، فالإنسان طبيب نفسه، فإذا عجزت عيادته الذاتية عن علاجه؛ فكيف يعالجه ~~الأطباء وهم أقل معرفة به عن ذاته؟ # كان وضع المختار الصحي لا يحتمل الفلسفة، فذهبت للأخصائي صديقه بالسجن الكبير وحدثته بمرض ~~المختار؛ فصحبني للغابة بعربته وهو في غاية التأثر، قال لي إنه درس والمختار في الجامعة ~~الكبيرة، وإن المختار كان يسبقه بدفعة واحدة، ولكنه كان مشهورا بين التلاميذ ~~بخرافاته وصوفيته؛ وكان رئيسا لرابطة «البراسايكولوجست»، وسألته عن أسرة المختار؟ قال: ما ~~كان يحدثنا عن أسرته أبدا، إلا إذا أصيب بحمى يهذي، وهو أيضا نادرا ما يصاب بالحمى ~~أو بمرض عضال، ولكن الحمى تجعله يهذي كالمجنون ويتحدث ms69 عن أمه، أمه فقط . # | المستشفى # عندما فحصه جيدا، الأخصائي # ولمدى نصف ساعة قال: إنه يحتاج لفحص أدق عن طريق الأجهزة الحديثة، وهي بالعيادة ~~الحديثة في المدينة، ومن الأفضل أخذه إلى هناك، ولكن بالتأكيد رفض، رفض تماما فكرة الذهاب ~~إلى المدينة، وإلى المستشفى بالذات. # كان المحراب حزينا وبائسا تفوح منه رائحة الحمى والرطوبة، توقفنا تماما عن القراءة إلا ~~القليل، وذلك عندما يفيق من هذيانه فيقول: اقرئي علي شيئا من بدر شاكر السياب؛ فأقرأته ~~أنشودة المطر، وهكذا لا نقرأ سوى أنشودة المطر للسياب، سوى بعض الأبيات ثم نكررها، ودارت ~~الطواحين، طواحين اللحظات العصبية بطواحين الريح والشعر، وكادت أن تعم الفوضى حياتنا كلها، ~~كلما اشتد المرض بالمختار، كلما فقد التركيز في أمور الحياة. # كنت أذهب بين وقت وآخر للمدينة لإحضار بعض الفاكهة وضروريات أخرى، أما المزرعة؛ فقد ~~أهملتها تماما إلى أن حضرت ذات صباح نور سعد، وفي نفس اليوم وبعدها بلحظات حضر أمين، أمين ~~محمد أحمد، قالت إنها عادت لتوها من مدريد لتعلم بمرض المختار، وقالت: إن البلاد بعد رحيل ~~مايازوكوف لم يكن بالإمكان العيش فيها. قالت: لقد أعطانا مايازوكوف سمكة مشوية، ولكن لم ~~يعطنا صنارة ويعلمنا كيف نصطاد! قالت بعودته ربما ... ربما استطعت البقاء بالرغم ~~من الذباب والبعوض والكوليرا، الأغاني الهابطة، قلت لها: إن مايا نفسه لا يستطيع البقاء ~~في هذه المدينة؛ لأنه مستاء جدا. قالت: زوجته هي السبب والظرف ذاتي، ولكن إذا كان وحده ... ~~أنا متأكدة من أنه يستطيع أن يجد الواقع المناسب والظرف الذاتي الضروري لبقائه ... وقد التقيت ~~به قبل أن يأتيكم هنا ... وكان المختار نائما، أو بالأحرى في حالة غيبوبة وحمى، قال أمين: لم ~~أسمع بمرضه غير اليوم، لقد أخبرتني سارة حسن وقالت: إنها تواصلكم باستمرار. ~~- إنها تزورنا كثيرا. ~~- كيف أخبار المزرعة؟ هل تبقى منها شيء ما؟ أما زلت تكتب القصائد الجميلة؟ ابتسم أمين ~~وهو ينهض برشاقة ليمضي مع نوار سعد. # استيقظ المختار من غيبوبته، أخبرته بأن نوار سعد عادت إلى البلاد وهي الآن في المزرعة ~~مع أمين. قال: ms70 الولد الشاعر؟ ~~- نعم. ~~- هل أتى معها من المدينة؟ ~~- لا، كل أتى بمفرده، ولو أن فرق الزمن بين قدومهما لا يتعدى دقائق، ثم أضفت: لا تخف ~~عليه، فإن نوار سعد لا تحب الأطفال؛ ترعاه كأم لا أكثر، ربما أحست معه بالضجر ... ولو ~~أنها تعرف طبيعة شعوره تجاهها. قال: هل تذكرين قصة أمين والحبشية؟ ~~- وهل أنسى مثل ذلك الموقف؟ ذلك الحوار المجنون. قال مبتسما: إنه أخبث شخص خجول في ~~العالم. # | أعدته سابا # أعدت نوار سعد الإفطار الذي أتت به ... # أعدت نوار سعد الإفطار الذي أتت به من المدينة؛ ويتكون من السجق والزبادي وأنواع متعددة ~~من السلاطة، أشارت إلى واحدة منها قائلة: هذا الطبق أعدته سابا، وهي تقرئكم التحايا، وعما ~~قريب ستحضر، فهي الآن مشغولة بتعلم الكمبيوتر في مكتب خاص بالمدينة. # تناول المختار قليلا من الزبادي، صابا عليه عسل النحل، واعتذر عن أكل السجق ~~والسلاطة الحبشية، أما أمين فرفض في بادئ الأمر المشاركة في الأكل، ولكنه قبل تحت ~~إلحاح المختار، وكان صامتا وكأنه يفكر في أمر ما بكل ما يمتلك من طاقة، قلت في ~~نفسي: ماذا لو اكتشف أمين أننا نعرف أنه يعشق نوار سعد، وأننا استمعنا ذات مرة للحوار الذي ~~دار بينه وبين الحبشية سابا عن قطعة من ملابس نوار سعد الداخلية كان يحتفظ بها، وتريد ~~الحبشة استردادها؟! # طلبت منه أن يسمعنا قصيدة من شعره الذي كتبه مؤخرا، ولكنه اعتذر لأنه لا يحفظ ~~شعره، والكراسة التي يكتب بها ليست معه، ولكنه سيسمعنا مقاطع من قصيدة ... حكاية فاطمة، فأنشد ~~لغونار اكليف: # أناجيك # أناجيك # أناجيك # من أعماق ذاتي # وأعلم أنك لن تجيبي # وأنى لك أن تجيبي # والضارعون إليك كثر # أسألك، حسب # أن أقف هنا، منتظرا # وأن تهبيني من نفسي # شارة عن نفسك! # أنشدها كناسك يرتل صحائف مقدسة، كان منفعلا مع كل حرف وكلمة انفعالا عميقا ~~يتجسد في صوته وتقاسيم وجهه وحركة أنفاسه، وارتعاشة طفيفة في أنامله، كل ذلك يتجسد في حركة ~~شفتيه الجافتين الحزينتين، ثم استأذننا وانصرف. # كنا نرقبه من تحت شجرة الدوم، وهو ms71 يتلاشى بسرعة بين أشجار الغابة التي بدأت تكسوها ~~الخضرة. # شربنا القهوة ثم أخذت نوار تحدثنا عن أشيائها؛ قالت إنها قدمت من إسبانيا للاطمئنان على ~~أهلها، ولكن عودة مايازوكوف هي الأخرى كانت حاسمة في صنع القرار بالعودة إلى البلاد، قال: ~~أريد أن أتخلص من بعض الغرائز ... فقط بعضها، أريد أن أصير - ولو قليلا - منكم، فقط لو تحكمت ~~في نفسي، إن لدي نفسا جموحة، أريد أن أقترب مني ... أقترب مني أكثر، أكثر. أريد أن أعرف ~~ماذا أريد؟ # قال المختار بصوت واهن تعب: كلنا يود أن يلتصق أكثر بذاته، ثم أضاف وهو يتنهد بعمق: ~~لا، لست أدري، إن كنت قويا كما في الماضي ... هل يمكنني مقاومة الرغبة في الاستسلام؟ قالت ~~نوار مندهشة: الاستسلام! ~~- الاستسلام، نعم، الاستسلام لغرائزي وشهواتي ... لمخالب نفسي وشياطينها. ~~- ألم تتخلص من ذلك؟ قال في يأس وبؤس: لا، لم أتخلص من شيء، أخيرا وجدت نفسي في قفص ~~الألم، كانت معي دائما ولكني كنت أكبتها وأتستر عليها وأزجرها إذا دعا الأمر ... ولكني ~~أبدا ما كنت تقيا، أبدا، ثم قص علينا أشياءه ونام. # | وشرسة كنمرة # كانت نوار تحكي ... # كانت نوار تحكي عن زوجة مايا وهي لا تتمالك نفسها من الضحك من وقت لآخر. ~~- إنها جميلة وشرسة كنمرة غيورة كدجاجة بلدية ... # قالت أيضا: لقد ذهبت إلى زيارة مايا العزيز، ونسيت تماما مسألة زوجته المغنية سلام، ~~فعندما طرقت الباب خرج، ودون أن أشعر وجدت نفسي أحتضنه بلهفة وتشوق، ولكنني أحسست به باردا ~~كالثلج أو حذرا وخائفا، تعجبت! ولكن عندما انتبهت للمرأة الجميلة الغاضبة الواقفة خلفه ~~مباشرة متكئة على الباب؛ استدركت أن مايا العزيز لم يعد مايا العزيز، وانتابني إحساس ~~بالمرارة، وأيضا بالعار، لا أدري ... العار ... لماذا؟! # مددت لها يدي مصافحة، قالت وهي تمد يدا فاترة: لقد التقيتك من قبل. ألست أنت نوار ~~سعد؟ # | النهايات # التقيت مايازوكوف ... # التقيت مايازوكوف بالجامعة وكان تعبا ومرهقا كجواد يحمل جبلا من الرصاص كجواد يموت، ~~يلبس قميصا من القطن أبيض وبرأسه «كاب شمسي» وكان قصيرا ممتلئا باللحم والعصب، ومأساة ~~باردة ولكنها ms72 في أوج النضج، قال : إن ما قضاه من زمن بعيدا عن هذه البلاد الكبيرة كان ~~زمنا مشحونا بالحرقة والتشوق، ولكنه الآن وقد عاد إلى البلاد الكبيرة أيضا يملؤه ~~الإحباط والتشاؤم؛ ثم حدثني عن زوجته «سلام» وقال إنه تعرف عليها عن قرب في بيت صديق له في ~~عيد ميلاد زوجته، ثم التقاها مرة أخرى في بيته الخاص، ثم لم يفترقا منذ ذلك الوقت، قال: ~~إنها تشبه مداح المداح في كثير من الأوجه، يكفي أنها مغنية وأنها سورية تعشق الترحال، ~~ثم ابتسم وأضاف: إنها كانت إحدى عشيقات مداح المداح الألف امرأة، وإنها المرأة الوحيدة التي ~~كادت أن تنجب له طفلا. قلت مندهشة: هل أجهضت الطفل؟ قال: لا لم تجهضه؛ لأنها لم تحبل ~~في الواقع. فقط أحست هي برجولته، وفي أعماقها تحرك وحش لطيف اسمه الأمومة، ولكن مداح ~~المداح نفسه هو الذي اغتاله. هل فهمتي؟ لقد كان يضاجعها فحسب، وما كان يستطيع أن يعطيها ~~من وقته غير الفراش، فلقد كان مشغولا في كل الأوقات، قلت: أنت تعرف كل هذا الماضي، فكيف ~~تزوجتها بالرغم من علاقتها بمداح المداح صديقك؟! # قال ضاحكا وقد كنا في الكافتريا الخاصة بكلية الفنون حينها: كما ترين لم أك مشغولا مثل ~~مداح المداح، ثم قال وقد جاءه النادل بالقوة: أنا بشر، وأنت بشر وهي أيضا، كما مداح ~~المداح، ولسنا آلات صماء وضعت لأداء شيء بعينه، الحب والتواصل الإنساني الخفي، تحبين ~~المختار وتتزوجين غيره، وتحبين محمد آدم و... ألا تشعرين بوخز الضمير؟ قلت: أولا تعرفت على ~~المختار بعد الزواج ... والزواج ذاته لم يتم برغبتي، فلقد تزوجت وأنا في الرابعة عشرة من ~~عمري من رجل ما أزال أكرهه وأتهمه بقتل شخص عزيز لدي، طفل كنت أحبه. ~~- هل قتله بنفسه؟ ~~- لست أدري، ولكنه بطريقة أو بأخرى ولو كان بقلبه ... # حدثني مرة أخرى عن زوجته، وقال: إنه أخبرها وهما في سوريا عن هذه البلاد وعنا، والنهر، ~~والغابة، وبيته، وشجيرات الباباي، والعرديب، والكهوف الطبيعية الساحرة، والبشر ذوي الروح ~~المرحة الحرة، وعن التسامح الديني، عن الحفلات، ms73 عرق العرديب، وكانت دائما ما تقول: أشتاق ~~لكأس من العرديب، لا بد أن سكرته شيطانية! # قال: إنها سيدة ذات روح مرحة قبل أن تهبط بنا الطائرة في المطار، قبل أن نعبر شوارع ~~المدينة، النائمة في الوحل والقاذورات، المحصورة كجيش من الذباب ورائحة الفضلات، قبل أن ~~ترى البيت وقد توحشت حديقته، وماتت أزهار النريم والورد الإنجليزي وباباياته وخرست بئر ~~الموسيقى، وعطبت النافورة وبنى الوطواط في صالة الموسيقى، وفي الحمام، وغرف النوم أعشاشه ... ~~قبل أن ترى تمثال مداح المداح الغارق في التراب، وكمنجته المهشمة المدفونة هي الأخرى في ~~الأرض ... ومات حماسها وتشوقها، فأنت تدركين كم تبدلت البلاد كأنما تبول على مآذنها وبيوتها ~~وشوارعها وحش أسطوري مخلوق من اللعنة والتشرد ... أين الناس؟ أين الطلاب والكهوف الجميلة؟ أين ~~الله؟ فقد كنا نراه بين أزقة المدينة، في عيون أطفالها المشاغبين، وكنا نراه في شموخ ~~أشجار العرديب، وفي خصوبة الرياح الجنوبية الغربية المحملة بالماء الطيب والحنطة، ونراه ~~أيضا في سحر البنيات الخجولات ووضوح نوار! # أسفا على البلاد، على شارع الحرية الذي يربط بين المطار وطريق الغابة السريع، أسفا على ~~الناس. # | زوجته المغنية # قدم مايا ... # قدم مايا العزيز استقالته من عمادة كلية الفنون، حزم حقائبه على عجل، طلق زوجته ~~المغنية الجميلة سلام قبل أن تقلع به الطائرة إلى روسيا. # لم. # لم يودع مايا أحدا، ما من أحد ودعه مايا! # | الرسائل # رسالة ... # رسالة من أمين محمد أحمد إلى نوار سعد لم تحاول الرد عليها: # بالرغم من كلماتك القاسية عند المزرعة بالمحراب، إلا أنني ما زلت أجد نفسي ~~مندفعا إليك بقوة، ولو أنك قلت لا ترين في إلا طفلا كبر في ليلة وضحاها، إلا ~~أنني أؤكد أن هذه السنوات التي تفصل بيننا ليست إلا ضربا من الوهم، فالروح لا ~~تعرف هذه الفوارق المادية؛ السن، الوضع الاجتماعي والثقافي إلى آخر ما كنت تعتبرينه ~~حاجزا ما بين قلبي وقلبك، أنت تجرحين قلبي حين تقولين بسخرية: أمك في حاجة ~~إليك. # فأنا أحبك وأظل أضحي من أجلك بكل شيء. # | من ممكن # رسالة من ms74 ... # رسالة من أمين إلى نوار سعد لم تحاول الرد عليها: # لا يهم كم عدد الرسائل التي كتبتها إليك، أو كم عدد الرسائل التي أرسلتها إليك ~~بقدر ما يهم الزمن المتضايق الذي حرك صبرها بين أصابعي، عندما التقتيك ~~بالكلية يوم السبت عند عودتك من اليابان حاولت - وبكل ما لدي من ممكن - أن أجعلك ~~تحسين بحرقان الحب الذي أعانيه، وما محاولتي أن أسمعك آخر قصائدي التي كتبتها ~~بالرغم من الجو الماطر ونقيق الضفادع إلا في ذلك. ولو أنك أبديت الاهتمام والرغبة ~~في السماع وتحمست نحو عاطفتي، إلا أن ذلك ليس إلا من باب الأمومة والتبني كما كنت ~~تؤكدين، فأنا لا أريد عطفا، أو أمومة ورعاية، أنا أريدك أنت كامرأة ممتلئة ~~بالأنوثة ... لا يهم كم عمرك ... لا يهم كم عمري ... لا يهم ... هكذا بكل وضوح وعفوية، ~~وهناك نقطة يجب أن أؤكدها، وهي مسألة القديسة والمختار ورأيهما بشأني وشأنك، فليس ~~هناك فرق من أن يعرف أننا عاشقان فأين هي طريقنا الذاتية؟ أين هي الحرية التي ~~علمها محمود محمد طه لنا جميعا؟ كل إنسان له طاحونه الذي يزكيه لنار الحياة، ولي ~~طاحوني وهو أنت، ولك طاحونتك ... شئت أم أبيت ... الذي هو ... أنا. # | الخبز خير من الشعر # رسالة ... # رسالة من مايازوكوف إلى القديسة: # عزيزتي القديسة الجميلة، الساعة تشير إلى الواحدة صباحا، هنا في الحانة لا أدري ~~كم الساعة في الخارج؟ فلمالك المشرب ابن غريب مستهتر، لا يجعلنا نثق بشيء هنا ~~بالداخل، لا الخمر ولا الزمن ولا حتى عيني الساقية الحلوتين كعينيك، الساقية اسمها ~~أولغا التي قد يعني عندها كأس الويسكي زجاجة فودكا، أو كأس جعة، أو حتى خروف مشوي، ~~أو قد لا يعني شيئا غير فتاة ليل ... فإذا قلت لها كم الساعة الآن يا أولغا؟ تقول لك ~~وبدون تردد ودون أن تنظر إلى ساعتها: الواحدة تماما. # أعيش الآن في قرية صغيرة على ضفاف نهر لينا، حيث ولد جدي الأكبر «شميلوف» بعد أن ~~ضجرت موسكو ومن عليها، فالوضع هنالك قنبلة موقوتة، وشظايا المافيا الروسية، وتجار ~~المخدرات، وشبكات ms75 الرقيق الأبيض، وأسوأ ما في الحضارة الغربية، أقصد الخلاعة ~~والاستهتار بكل شيء. # دعيت مرة إلى ندوة بمعهد جوركي للآداب بعنوان «موت الواقعية الاشتراكية» وكان ~~عنوانا واضحا ومحددا؛ ولكنه كان غريبا بالنسبة لي كمثقف له رؤية خاصة في ~~الأشياء تجعله لا يفهم معنى لموت أي فكر إنساني، أو خلقه من العدم، ورغم ذلك ذهبت، ~~وأول ما أثارني شعار الندوة الذي عبارة عن لوحة فيها الأديب الروسي مكسيم جوركي ~~بالمايوه، وعلى رأسه طاقية من السعف، وهو يمشي نحو هاوية مرعبة ويسحب خلفه جثة دب ~~متقيحة يتطاير حولها الذباب وبيت من الشعر: # You fell like stone # I died beneath it. # كانت أبيات في سكولوف متناثرة كأنها ذبابات تحتفل بالقيح، أما تمثال مكسيم ~~جوركي المشيد في مدخل المعهد، فقد جلس عليه فتى يلبس الجينز ويدخن المارجونا وهو ~~يرحب بالقادمين صائحا: اي ... هاي ... ول كم بيبي. # ورغم ذلك انقسم المنتدون إلى أقسام كثيرة بشأن الواقعية الاشتراكية، فأكد أحدهم ~~أنها أسوأ ما أنتجه النظام الشيوعي السابق، وأنها خلقت أدبا ملتزما دعم ~~الشمولية ودكتاتورية إستالين، ولسبب، لست أدريه، سب المتحدث جورج لوكاتش واصفا ~~إياه باللواط الفكري. ورأي آخر يقول: إن الواقعية الاشتراكية فهم إنساني يستطيع أن ~~يواكب كل الأزمنة بتفهمه لمعطيات الواقع الجديد، وإنه يحمل شفرة تجدده ~~واستمراريته ... وهنالك رأي يقول: إن الواقعية الاشتراكية كانت مهمة في مرحلة ~~تاريخية محددة ولأسباب موضوعية خاصة بالتحرر والاستغلال، أما الآن فلا مكان لها. ~~أما الرأي الرابع فهو فهم يؤكد أن لا قيمة لشيء، لا للواقعية الاشتراكية ~~ولا لمدارس الفن من أجل الفن، ولا جدوى من الأدب فهو ترف برجوازي، وخير منه بعض ~~الحشيش، كأس ويسكي، سرير رخيص بفندق رخيص أو حتى بماخور، عشاء وامرأة رخيصة بعض ~~الشيء إن وجدت. # ومن الغريب أن يستشهد أحدهم بقول بول ايلوار: # الخبز خير من الشعر. # | أنا أيضا # رسالة ... # رسالة من مايازوكوف إلى القديسة والمختار: # صديقتي دوشكا تبلغكم التحايا، ودوشكا فتاة طيبة تعمل في مجال الصحافة، وتكتب بعض ~~المقالات بمجلة «اسبوتنك ورشان وومان» في السابق، ms76 وهي متخصصة في مجال السير ~~الذاتية، وتعد الآن كتابا عن رواد الفن التشكيلي الروسي في فترة حكم استالين، ~~تقيم الآن بمدينة لننجراد بشقة صغيرة، ولكنها تسعني أنا أيضا كلما شئت ذلك، أما ~~بشأني فليس لي شقة غير حقيبتي ورجلي، وأقيم بفندق عندما آتي من القرية، وكثير من ~~المرات مع الأصدقاء والصديقات، ولم ولن أفكر في أن أتخذ لي عنوانا، فريح السفر ~~ما زالت تعصف بقلبي، أعمل الآن كمحاضر لبعض الوقت بجامعة موسكو، ولكني على كل حال ~~قلق ووحيد. # | رسالة # رسالة من نوار ... # رسالة من نوار سعد إلى مايا لم ترسلها: # تخيل أن الطفل أمين، ذلك الشاعر، أتذكر؟ إنه غرقان في حبي إلى صوف رأسه بشكل ~~جنوبي وخطير، بالتأكيد أنا لا أحب الصبيان، ولكن يجبرني دائما على الفعل. # | رسالة # رسالة من دوشكا ... # رسالة من دوشكا تودروف إلى القديسة: # أخيرا كما ينزوي البؤس بأزقة الفرح، انزوى مايا العزيز ... # سافر مايازوكوف في رحلة الأبدية إلى الله عبر رصاصة أطلقها بنفسه على رأسه بحديقة ~~عامة في موسكو ... # جاءنا عند المساء في التاسعة وكان مخمورا ومرحا، قال إنه جائع، كانت والدتي - ~~غالبا - تحتفظ بشيء من الجبن والخبز بالمطبخ، وهذا متوارث في الأسرة منذ أيام ~~الحروب النازية، قال: إنها تذكره بأمه فكتوريا، وطلب بعض القهوة، ولم يكن بالبيت ~~شيء من اللبن، فأردت أن أنزل إلى السوبر ماركت، ولكنه أصر على صحبتي مؤكدا أن ~~صحبة امرأة بالليل تشعره بمتعة لا تقارن. # اشترينا القهوة واللبن وبعض اللحوم، وعندما شئنا أن نرجع قال لي: لا أستطيع ~~العودة معك، سأسافر. ~~- أين تسافر وقد اشترينا القهوة واللبن؟ قال: سأذهب إلى موسكو. ~~- ولماذا موسكو؟ ~~- لألحق بقطار العاشرة، فقط لكي ألحق بقطار العاشرة، ولا هدف لي غير ذلك! فقط ~~تحياتي لأمك. # وانزلق هاربا نحو محطة القطار، وفي الغد فاجأتنا جرائد الصباح بخبر انتحاره ... ~~لقد مات، مات بداء الغربة. # | رسالة # رسالة من ... # رسالة من أمين إلى القديسة قام بتمزيقها وحرقها بعد كتابتها مباشرة: # لقد تعبت من مطاردة هذه المرأة العنيدة، هل تستطيعين التحدث معها ms77 بشأني؟ أريد أن ~~أتزوجها. # | رسالة # رسالة من ... # رسالة من مايازوكوف إلى المختار تأخرت في البريد: # لقد قررت أخيرا أن أبقى للأبد، أن أعيش إلى ما لا نهاية، يعني هذا أن أقذف بنفسي ~~أفقيا فوق سطح الأرض بسرعة 11 كيلو مترا في الثانية، ماضيا حيث لا رجعة، أيعني ~~هذا الخلود أم العدم؟! أيعني هذا أنني أستطيع أن أتوافق مع هذا الواقع الجديد الذي ~~هو شرعي بالضرورة أم يعني أنني لم أستطع؟ أخبرني إذن. # كنت تعرف شيئا عن هذه المعادلة، وأنت في عزلتك الطوباوية ... الرجاء أن تكتب إلي ~~عن طريق دوشكا تودروف، فهي تستطيع دائما أن تجدني. # | سابا تخلي # تقيم نوار وصديقتها «سابا تخلي» بالحلة الجديدة ... # تقيم نوار وصديقتها سابا تخلي بالحلة الجديدة منذ أن استقرت نوار بالبلاد الكبيرة، ولو ~~أنه استقرار كاستقرار البجعة، وقد كانت دائما على سفر؛ وسابا لا يمكن أن يطلق عليها لقب ~~خادمة، ولا صديقة أيضا، فهي تشغل الوظيفتين بكل جدارة، إنها صديقتها، ومكمن أسرارها ~~وخبائثها الصغيرة، وسابا ذاتها لغز محير، فضائل لا حصر لها، وتفاهات يشيب لها رأس ~~الولدان! # فقد التقت المرأة الغريبة بالمرأة الأغرب بسجن صغير بنقطة تفتيش بالحدود الوطنية ~~الأثيوبية عندما حجزت نوار سعد ليوم واحد بسبب حملها لتحف أثيوبية نادرة، قيل إنها تخص ~~الملك منليك الأول، وبغير أوراق رسمية، فأدخلت غرفة الحبس، وهي حجرة صغيرة مفروشة بالبرش، ~~وفي ركن منها قلة ماء، ولا شيء آخر غير سيدة حبشية في مقتبل العمر جميلة في ملابس مهترئة ~~متسخة بعض الشيء، لها عينان قلقتان كبيرتان مستديرتان كعيني ثعلب، كانت تجلس في ركن الغرفة ~~منكمشة على نفسها وفي فمها مسواك صغير من الأراك عندما دخلت نوار الحجرة، وقبل أن ترد ~~تحية نوار قالت بسرعة: هل معك نيالا؟ # فردت عليها نوار قائلة: آسفة، فأنا لا أدخن. قالت: لي ثلاثة أيام لم أذق فيها طعما ~~للسجائر مما سبب لي صداعا دائما ... وأردفت: أنت لست حبشية؟ أليس كذلك؟ قالت نوار: أنا من ~~البلاد الكبيرة. ~~- ولكن بك ملامح أمهرا، خاصة جبهتك وشفتيك! ms78 حتى لونك الحبشي! # وجبة الإفطار مكونة من الانقيرا والدليخ فقط، طلبت نوار من الحارس أن يأتيها بخبز ولحم ~~لأنها لا تأكل الدليخ، وإذا لم يتوافر اللحم فقليل من الشيرو. ولكنه رد بشكل قاطع: هنا ~~فقط دليخ وانقيرا، ولا شيء آخر و... # قالت لي نوار سعد بالرغم من أنها كانت تتحدث معي بلغة عربية مكسرة إلا أنني استطعت أن ~~أفهمها، قالت: لا ... بل حملت معي بعض الصيني الذي قال عنه ضابط الجمارك إنه يخص الملك منليك ~~الأول، فهو بالتالي ثروة قومية، وطلب مني التنازل عنه فرفضت، فأدخلت في هذا المكان ~~... ~~- آه يبدو أنك امرأة خطرة، كيف توصلت إلى ممتلكات الملك منليك ونحن - الأثيوبيين - لا ~~ندري عنها شيئا؟! لا بد أنك تنتمين إلى عصابة دولية. ~~- لقد اشتريتها من مكان عادي بهرر، مكان عادي ومعروف مقام على منزل قديم، قيل إنه كان ~~سكنا لشاعر فرنسي اسمه رامبو. # قالت نوار: ولكن لدهشتي عندما قالت لي الحبشية ذات الرداء المهترئ المتسخ المقعية في ركن ~~من الحجرة تأكل الانقيرا بالدليخ: آرثور فرانسوا رامبو؟! هل تعنين آرثور رامبو؟! ~~- نعم. ~~- ماذا تقولين ...؟ إذن ... من أنت؟ هل تقرئين الشعر؟! قالت - ببساطة وبدون أن تتوقف عن الأكل ~~إلا لشرب قليل من الماء لتطفئ به حرقان الدليخ: اسمي سابا، سابا تخلي، من هرر، لا أقرأ ~~كثيرا من الشعر، ولكن فقط شعر آرثور رامبو. ~~- هل لأنه كان تاجرا في هرر؟ # قالت لي نوار سعد: كنت أمطرها بالأسئلة دون رحمة، كنت أود أن أكتشفها من جملة، وفي لحظة ~~واحدة أعرف عنها كل شيء؛ لذا كانت أسئلتي مركبة ومتعبة وغير مركزة، ولقد نبهتني بعربية ~~مكسرة ولكنة حبشية حلوة: براحة ... براحة، واحدة واحدة، دعيني آكل وسأقول لك كل شيء. ~~وأثناء ذلك عندما كانت تأكل كنت أفكر فيها بجدية، وكنت في نفسي أقول: لا بد أنها من مثقفات ~~وطنها، أو سياسية ومورس عليها قدر لا بأس به من التعذيب والتشريد، فأضحت بهذه الحال من ~~البؤس والاتساخ، ولقد تذكرت قول المهاتما غاندي الذي غالبا ما كان يردده ms79 حافظ: # إن الدولة الشريرة ليس لديها مكان للصالحين من رجالها ونسائها غير السجون . # وبعد أن أكلت، غسلت الأطباق ووضعتها جانبا قرب قلة المياه في أدب جم وكأنها تشكرها، ~~وكنت أعرف هذا الجانب في الأحباش، فهم أكثر الشعوب أدبا ونظافة ولا يفوقهم في الأدب - في ~~رأيي - غير الصينيين، وأبديت لها هذه الملاحظة فابتسمت وهي تشكرني، ثم أضافت مجاملة: وأنتم ~~أيضا مؤدبون محترمون. # ثم دخلنا في لغة شتى ففهمت أنها هنا في الحبس أكثر أمنا وطمأنينة من وجودها حرة في ~~بلدها، وأنه قبض عليها عندما كانت في طريقها للتسلل خارج الوطن إلى بلادنا الكبيرة، وقالت ~~إنها لا تستطيع العيش مع أهلها لوجود مشاكل أسرية معقدة قد تودي بحياتها، وعندما عرضت ~~عليها نوار سعد أن تأخذها معها لبلدها قالت: إذا طلبت منهم إطلاق سراحي سيوافقون، ولكنهم لن ~~يتركوني أذهب وحدي. # ثم شرحت لي كيف بإمكاني الخروج من هذا المكان قائلة: يمكنك رشوة ضابط الجمارك المسئول. ~~قلت مندهشة: هل يقبل الرشوة؟! قالت وفي فمها ابتسامة: لا أحد في أفريقيا يرفض الرشوة، إنها ~~ليست أكثر من تسهيلات. # كانت سابا تدعي أن آرثور عشيق جدتها الرابعة «برنيش»، وأنه أنجب منها طفلين ولكنهما ~~ماتا غرقا في حادث مؤلم، وجدتها أيضا ماتت بعد أن نقل إليها آرثور رامبو مرض الزهري، ~~وكان لهذه الجدة طفل أكبر من رجل آخر وهو جدها الذي أصله من قبيلة التجراي، وقد مات هذا ~~الجد بعمر يقارب المائة عام 1960م. وتقول إن أسرتها تحتفظ بأوراق مكتوبة بخط رامبو باللغة ~~العربية وأخرى بالفرنسية، وأيضا بسروال من الصوف كانت قد أرسلته إليه أخته «أزبيلا» من ~~«شارلفيل»، والغريب في الأمر أن سابا تحفظ قصيدة شعر مطولة بالأمهرا تقول إن رامبو نفسه ~~هو الذي ألفها، وكانت تعرف تفاصيل عن حياة رامبو لا أعرفها عن مولده، عن تجارته باليمن ~~وعلاقته بتجارة الرقيق التي كانت تنفيها سابا بشدة، وكنت بين مصدقة ومكذبة لما ~~أسمع. # | والحوار أيضا # وعندما رشوت ضابط ... # وعندما رشوت ضابط الجمارك أخذتها معي للبلاد الكبيرة. قالت لي نوار ms80 ضاحكة: وكانت سابا ~~تجيد الغناء والرقص والطباخة والحوار أيضا. # مع هذه الحبشية كانت تقيم نوار سعد في بيتها «بالحلة الجديدة» بقلب المدينة الكبيرة. وعن ~~طريق هذه الحبشية استطاع أمين أن يدخل حجرة نوم نوار سعد، وأن يرمي سرواله على سجادها ~~الفاخر. # | في الجسد # ما بين ذهول وإعجاب ... # ما بين ذهول وإعجاب وما بين غضب وحنق كانت نوار تحكي لي هذه التفاصيل، ولكنها في كلا ~~الحالتين كانت تكن لسابا احتراما عجيبا كذلك الاحترام الذي تكنه الشجرة للريح، فالريح ~~قد تقتلعها من أصلها، وقد تسقط أوراقها وتكسر فروعها، ولكنها بالرغم من ذلك تنحني في خشوع ~~أمام الريح معترفة بقوتها وفضلها عليها، حيث إنه لا ماء بغير الريح، قالت لي نوار وأخبرتني ~~بأن أمين ينتظرني بالصالون قبل ساعة وأنه يريد مقابلتي، قلت لها: قولي له إنني نائمة. ~~قالت بأدب: لقد قلت له ذلك ولكنه أصر بشدة، وحاول أن يأتي بنفسه إلى هنا. قلت لها: قولي له ~~إنني لا أريد مقابلته. ~~- لقد قلت له ولكنه قال سيبقى للصباح هنا. ~~- قولي له إننا قد نستعين بالشرطة. قالت: لقد قلت له ذلك، ولكنه قال لا بأس، فلتأت ~~الشرطة. قلت لها: ألا تدرين كيف التصرف معه؟! قالت: أنت تعلمين أنه عبيط، ويا ويل العبيط ~~إذا أحب، ويا ويل المحبوب منه. وعرفت أنها كانت تعني أنه أتعبها وأرهقها ولا مخرج منه، فقلت ~~لها دون تفكير: دعيه ... قولي له أن يأتي. قالت: ولكن ارتدي ملابسك، هل ستستقبلينه بهذه ~~الهيئة؟ شبه عارية. ~~- نعم، قولي له أن يأتي. # فخرجت في خطوات رشيقة وبعد قليل جاءني أمين داخلا، وكنت في ملابس النوم وشعري غير مصفف، ~~وعلى وجهي أثر النعاس، قال بصوت واهن مخنوق: سلام. ~~- رددت السلام، ثم سألته: ماذا تريد؟ # قال وبصوت فيه عبرة وهو يحاول أن يتجنب النظر إلي مباشرة: لا ... لا شيء، كنت أريد أن ~~أتحدث معك ... أنا أحبك. # قلت ببرود ومكر: تريد أن تقول إنك تحبني ... ها ... لقد سمعتها، ماذا بعد؟ هل تريد شيئا ~~آخر؟ ثم خلعت قميص النوم ms81 وبقيت عارية تماما وقلت له: اخلع ملابسك. وبأيد مرتعشة خلع ملابسه ~~ورمى بسرواله على السجاد ووقف كتمثال الجليد. قلت له ببرود: تعال ... افعل ما شئت، ألم تسع ~~لذلك؟ ألا تريد النوم معي؟ أنا هنا في انتظارك ... تعال ... # لكنه ظل واقفا وهو ينظر نحو عضوه بين الفينة والأخرى، وكان مرتخيا منكمشا وباردا ولا ~~حياة فيه، فضحكت قائلة: ماذا تنتظر؟ ألم أقل إنك لا تستطيع فعل شيء؟ أنت لا تزال طفلا ~~... # فنظر إلي نظرة كلها بؤس وحرمان، نظرة ما زلت أراها ماثلة أمامي كجوع مليون مشرد، ثم أخذ ~~يرتدي ملابسه بكل هدوء، وحينما أخذ طريقه للخارج - خارج الحجرة - أمسكت به، وكان طيعا ~~وهادئا كأرنب منوم مغناطيسيا ... وأخذت في خلع ملابسه مرة أخرى. # قطعة ... قطعة ... # وكانت أناملي ترتعش وقلبي يدق بشدة. # | الرسائل # رسالة من ... # رسالة من المختار إلى مايازوكوف فلادمير ردت عليها دوشكا تدروف فيما بعد: # لقد وصلتني رسالتك وعرفت منها أنك تعاني من الفشل الذريع في كل أضرب الحياة، ليس ~~لأنك مشحون بالقيم والأفكار العتيقة وحتى تمردك القليل لم ينقلك درجة للأمام في بحر ~~الجديد الهائج والموج المدمر، وأراك تود التقاعد أكثر من كونك تريد الانطلاق بسرعة ~~11 كيلو مترا في الثانية نحو الأبدية، إنك يا صديق قد شخت، وتبولت عليك أجيال ما ~~بعد الأيديولوجيا والقيم، أنت الآن أغرب من دب في شوارع نيويورك، وأخشى أن أكون ~~مثلك. # | إلى المصلى # رسالة من سكان ... # رسالة من سكان البلاد الكبيرة إلى السماء، وقد رفعت خلال صلاة الاستغاثة التي شملت ~~البلاد الكبيرة كلها، وقد أديت في المفازات وحول برك المياه الراكدة وحضرها الأطفال وهم ~~عراة وحفاة، وحضرها الشيوخ وهم جوعى ومرضى، حضرتها النسوة والصبيان وهن قلقات خائفات، ~~وجلبت الأغنام والدواجن والحمير إلى المصلى تضرعا وطلبا لرفع البلاء والأذى عنهم. ~~- يا الله! # | رسالة # رسالة ربما ... # رسالة ربما تكون من السماء إلى البلاد الكبيرة. # مزيد من الأمطار والطين ... مزيد من الكوليرا والبعوض ... مزيد من غضب الفقراء والجوعى على ~~... # | من # أعلنت ... # أعلنت الحكومة حالة الطوارئ وحظر التجوال، وطلبت ms82 من هيئات الإغاثة مزيدا من ... # | في الروح # عاد آدم من البلاد المجاورة حيث هرب من رصاصة السلطة وجدران سجنها الكبير، قضى بالبلاد ~~المجاورة ثلاثة أشهر بعد أن وصل إليها بجهد، واجه فيها موتا محققا طارده في الصحراء، ~~وكمن له في جحر الثعابين وظل مستيقظا يرقبه بين ثنايا الجبيلات الجيرية، ولمن استطاع أن ~~يهرب من بين مخالبه. قال آدم حينما زارنا هو وسارة بالمحراب: أنا أول من خدع الموت، لقد ~~جعلته في حيرة من أمره، مندهشا خلفته ورائي في الصحراء مع ذئابه وكوابيس الليل، عشرة أيام ~~بلياليها مشيتها على قدمي قبل أن أصل أول نقطة بالبلاد المجاورة. # وكنت متشوقة لمعرفة الكثير عن البلاد المجاورة ومنشآتها التاريخية، وعن مدينة التاريخ ~~التي قيل بها نصف آثار العالم، فقد أخبرتني نوار سعد عنها كثيرا، وقرأت أوديب لسفكوكليس ~~ورحلة هيرودت الشهيرة؛ فأصبت بداء الحنين إليها. # ولكن آدم كان مشغولا بموضوع صديقه ورفيق دراسته ونضاله، حافظ يس الذي تأكد أنه قتل ~~أثناء اعتقاله «بالسجن الكبير» وأشيع أنه هرب إلى جهة غير معلومة، بل وخصصت السلطات جائزة ~~مالية قيمة لمن يدلي بمعلومات تفيد القبض عليه. # قال آدم: أول ما أفعله هو البحث عن قبر حافظ، ولدي إحساس عميق في ذاتي بأني سأجده. ~~- ولكن قد يثير هذا الموضوع غضب السلطات. قال: انشغال السلطات في هذه الأيام بغضب الله ~~وغضب الناس ووجود المنظمات التطوعية التي تعمل في مجال حقوق الإنسان، أضف لذلك إحساس ~~السلطات بأنها كلما وسعت في رقعة المشاركة كلما استطاعت أن تتخطى محنتها، كل هذا قد يتيح ~~لنا فرصة عمل قلما تتوافر في ظرف آخر. # قلت له: هنالك سؤال يحيرني الآن: من الذي يقود الشارع؟ قال مبتسما: الشارع يقود نفسه. ~~فالجوع والظلم والمرض والتساقط والفساد السياسي، المحسوبية ... إلى آخره، هي المولد الحقيقي ~~لهذه الثورة الشعبية، أما القيادات العالمية والنقابية والسياسية فهي كما تعلمين إما ~~مشردة، إما خارج الوطن، إما مدفونة تحت ترابه، أو مقيدة في السجون ... ومنهم من باع، ~~ومنهم من خاف فصمت. # قال المختار: على كل ms83 باستطاعتي أن أقدم لك بعض العون في البحث عن قبر حافظ يس، فهنالك ~~من بإمكانه تزويدك بمعلومات جيدة، فهو قد لا يعرف أين دفن حافظ، ولكنه أيضا قد ~~يفيدك. ~~- هذا ما كنت أبحث عنه وجئتك بشأنه، وأظن من تتحدث عنه هو طبيب السجن الكبير، وهو نفسه ~~الذي أخبرتني عنه سارة، وهو زميل لك في الماضي بمستشفى الأمراض النفسية والعصبية بالمدينة، ~~وهو رجل يقال عنه إنه «نظيف». قال المختار: بالضبط ... ولكنه كثير المخاوف، فهو رئيس قسم ~~الأعصاب بالمستشفى وطبيب السجن الكبير، ولديه سبعة أطفال وأسرة فقيرة. قال آدم مبتسما: لقد ~~فهمت! لا بد أنه يريد أن يبقى في وظيفته. قال المختار وهو يكح: سأكتب لك مذكرة، كما أن ~~القديسة تعرفه، وأنه قد لمح لها من قبل بأن حافظ لم يهرب ولم يكن بالسجن ... وليس خارج ~~«البلاد الكبيرة»، وقد تصحبكم القديسة إليه. ~~- ولكنه قد لا يتعامل معنا؟ ~~- ربما ... فقط يقدم لكم ما يستطيع، أولا لأن الظروف السياسية في البلاد تذهب نحو زمن ~~جديد لا محالة آت، والرجل يفهم ذلك جيدا ولديه الرغبة في الاحتفاظ بكرسي وظيفته أطول ~~زمن ممكن. ~~- إذن هو من ذلك النوع؟ ~~- ليس من ذلك النوع تماما، ولكنه من ذلك النوع. # اسمه حافظ يس راشد، من شمال البلاد الكبيرة، ولد في القرية، وهي تقع على شاطئ النيل من ~~جهة الغرب، صغيرة يظللها النخيل والحراز. تعرفت عليه في باص العاشرة الذاهب إلى المرسم ~~المكشوف، أو كهوف مايازوكوف، مثله مثل آدم، مثل سارة حسن، مثل مايا ... مثل أمين محمد أحمد، ~~مثل نوار سعد، مثل الآخرين؛ كان عاديا بسيطا ومتواضعا كعشبة فصلية، وكان بارعا في نحت ~~الجرانيت، وله يد طولى في حفر أكبر الكهوف المايازوكوفية في سفح الجبل المرسم المفتوح، وهو ~~الذي نحت على صخرة صماء داخل الكهف الكبير مطرقة ومحراثا وثلاثة عمال أقوياء ذوي عضلات ~~مفتولة ووجوه بريئة كأوجه الأطفال، إلا أن ما بها من إصرار وقوة إرادة لا يمكن أن تخطئه ~~عين، وبالنحت أيضا امرأة تحمل طورية بيد، وبالأخرى تحمل مصحفا، ms84 وقد سمى مايازوكوف هذا ~~الرسم آية الخبز وأسماه حافظ الثائرين، وكان نحتا ذا قيمة فنية عالية وشديد الإتقان، ولو ~~أن نوار سعد علقت ذات مرة عليه قائلة: إنها منحوتات أيديولوجية رخيصة، ولو أنها متقنة ~~بأسلوب كلاسيكي بارع يذكرني بمايكل أو روفائيلو ... تماما لو أننا عبأنا السم في قوالب من ~~الذهب. أذكر أنه رد عليها قائلا: إن الأيديولوجيا نفسها هي التي أنهكت ملاحظاتك ~~النقدية، أيديولوجيا اليمين المتخشب، فكر السوق. # فابتسمت نوار سعد ابتسامة ساحرة، برقت خلفها أسنانها البيضاء المنتظمة وهي تقول: أنا لا ~~أومن بالأيديولوجيا. أية أيديولوجيا. لقد مات عصر الأفكار العظيمة والمرقعة في الحلم، ~~وانتهى عصر الأفكار والمفكرين العظماء، وانتهى عصر الثورات والثوار والأناشيد والملاحم؛ نحن ~~نحيا في عصر الرفاهية والفكر اليومي المريح، المريح جدا. # قال مبتسما في إشفاق: وهذا عين الأيديولوجيا، وهو فكر مؤسس له مفكروه الذين إلى الأمس ~~كانوا يصرخون بأن التاريخ قد انتهى، وتوقفت عجلة الزمان بجراج البيت الأبيض. # ما زلت أذكر ذلك بالتفصيل: كان حافظ يس نحاتا بارعا وشابا مفكرا مثقفا وحزبيا، ~~عكسي تماما، وإلى حد ما عكس نوار سعد، وأيضا مايازوكوف ... وكان المختار يختلف معه ~~اختلافا كثيرا إلا أنه كان يحبه ويحترمه قائلا: الاختلاف خطوة نحو الاتفاق. وكان ~~أسلوبه في التعبير عن أهدافه أسلوبا مباشرا حادا، فهو يحرض على التظاهرات بالجامعة، ~~بالجامع، بالسوق، وأينما وجد ووجد الناس. ويشارك في إصدار الأعداد السرية من الجرائد ~~الحزبية المحرمة بالقانون، ويتحدث وقتما وأينما وجد منبرا عن الفقر والجهل والأمية وعن ~~الحاكم، وهو يكتب المناشير ويوزعها في المدينة والمدن المجاورة والقرى، وهو الفاضح الخفي ~~لكل خبائث الوزراء وفضائحهم وأسرارهم، ومثله سارة ومثله ... لذا كانوا هدفا لمطرقة السلطة؛ ~~فسجن حافظ مرارا، وعذب وانتزعت أظفاره، ثم أخيرا ارتاح منه الجلادون وارتاح هو أيضا ~~منهم. # قالت سارة ونحن نركب الباص العام متوجهين إلى المدينة: لا أدري، هل أطلقوا عليه الرصاص أم ~~أنه مات تحت التعذيب. # | قال السجان # وعندما مر الباص أمام مبنى السجن الكبير ... # وعندما مر الباص أمام مبنى السجن الكبير نبهنا ms85 السائق بأننا نريد النزول فكبح العربة، ~~وكان السجن الكبير بسجانيه ذوي القلوب القاسية وهم مشهورون بالمعاملة الفظة والإساءة ~~المبالغ في وحشيتها تجاه المساجين، ويعرف هذا السجن بحراسته المحكمة، ونادرا ما يهرب سجين ~~من بين جدرانه حيا، بل يستحيل؛ ويقال إن هذا السجن قام ببنائه مهندس إنجليزي في عصر ~~الاستعمار. # دخلنا حجرة الاستقبال، سأل آدم عن الطبيب. قال السجان: إنه لا يأتي إلى السجن إلا في أيام ~~الأحد والثلاثاء والخميس من كل أسبوع، ولكنكم ستجدونه في هذه الساعة بالمستشفى، بقسم ~~الأعصاب. # ونحن نخوض الوحل نحو المستشفى نتجنب البرك الصغيرة المليئة ببيض الضفادع ويرقات البعوض، ~~كانت رائحة تعفن فضلات الماشية والحيوانات النافقة تزكم الأنوف، وبين الحين والآخر ~~يرى عمال الصحة العالمية والمنظمات التي تعمل في مجال صحة البيئة، يصبون زيتا أسود على ~~المياه الراكدة، أو يقومون بشفطها بواسطة عربات مزودة بصهاريج ضخمة، وأحيانا نراهم ~~يهيلون على البرك الحصى والأتربة والرمال التي يجلبونها من الصحراء خارج المدينة. # حافظ وسارة يتحدثان طوال الطريق عن أشياء تخصهما وأهلهما وأصدقاءهما، وقد يحزنان، وقد ~~أشاركهما الكلام. سألني فجأة ونحن نمر قرب شاحنة تحمل مواد إغاثة وعليها شعار الأمم ~~المتحدة: كما هي نوار؟ قلت: كما هي. كمن تذكر شيئا مهما ظل في طي النسيان لدهر ~~مضى. ~~- ألا تزال سارة الحبشية تقيم معها في المنزل؟ على ما أظن سيظلان معا إلى قيام الساعة. ~~أضافت سارة ضاحكة: توم آند جيري. سأل وفي شفتيه ابتسامة خبيثة: وأمين ... أين أمين؟ ~~- إنه يكتب الشعر ويعشق نوار سعد، وربما الحبشية أيضا، وفي ذات اللحظة يتمتع بقدر من ~~الخجل يحسد عليه. # | عندما يجف هذا العفن # سارة حسن ... # سارة حسن عمرها الآن ثلاثون عاما، سمراء، متوسطة الطول، لها وجه طفولي جميل على جسد ~~رياضي متناسق وساقين ممتلئين بالمشاوير، وهي وآدم في طريقهما للزواج، وإذا سألتهما: متى؟ ~~يقولان لك: قريبا، قريبا جدا، ودائما قريبا جدا منذ أن التقيت بهما بباص العاشرة ~~قبل ثلاثة أعوام، ولكنني عندما سألت آدم اليوم، قال في قرف: عندما يجف هذا العفن سنتزوج. ms86 ~~وأشار إلى المستشفيات التي ترقص في أعماقها الضفادع وأبو مقص، وتطفو على سطحها الجيف ~~المتقيحة . قلت: ومتى يجف هذا العفن؟ قالت سارة مبتسمة: ومتى يجف هذا العفن؟ # كان الطبيب رجلا يناهز الستين من العمر؛ أي في عمر المختار، له شعر رمادي ولحية بيضاء ~~ترقد على حلقه، وكان ثرثارا لا يصمت له فم، حديثنا عن جنون مرضاه وطرائفهم، وعن إمكانيات ~~المستشفى الضئيلة وعن أطفاله والسجن، وكل شيء دفعة واحدة، وعندما خطفت لحظة صمت من بين جمله ~~المتدفقة كالعاصفة. قلت: أريدك في موضوع هام جدا وسري للغاية. # وكما رغبت تماما؛ فإن كلمة سري جعلته يشد حبل كلماته السائب وينتبه فجأة، كما لو أنه ~~سمع صفارة إنذار. # | فتح # وعندما طرقنا الباب فتح ... # وعندما طرقنا الباب فتح، كانت سابا الجميلة ذات العينين الذكيتين تقف أمامنا وعلى وجهها ~~ابتسامة ترحيب دافئة بها سحر غابات البن وعبق الجنزبيل. قالت: تفضلوا، ثم أضافت بحرارة ~~متى جئت هنا يا آدم؟ سمعنا أنك بالبلاد المجاورة؟ متى حضرت للبلاد؟ # لم تكن نوار في ذلك اليوم بالمنزل، فكما أخبرتنا سابا كانت تبحث عن سائق لعربتها التي ~~اشترتها في بداية هذا الأسبوع، وأضافت: عربة لاندكروزر ربع نقل. قلت في تعجب: إن نوار سعد ~~تحتاج إلى عربة صالون رقيقة وليس شاحنة! ~~- لقد أبديت لها نفس الملاحظات، ولكنها قالت في بلاد شوارعها من الطين والحفر لا تنفع ~~فيها مثل هذه السيارة، كما أنها كثيرة الأسفار إلى مناطق الآثار بالصحراء والأماكن ~~الوعرة، المهم أنت تعرفين نوار سعد جدا عندما ترغب في شيء فإنها تلحق به كل محاسن ~~الدنيا؛ ثم أضافت: يبدو عليكم الإرهاق والتعب، الصالون بارد وهادئ ويمكنكم النوم إذا شئتم ~~إلى أن أعد لكم الغداء. قد تأتي نوار بين حين وآخر. # وقال آدم إنه يريد أن يستحم. قلت: سأساعدك في إعداد الطعام. ~~- إنه شبه جاهز. صمتت قليلا، ثم أضافت: لقد قمنا أنا وأمين بإعداده ... قال ثلاثتنا بصوت ~~واحد مما جعلها تنتفض رعبا: أمين! أين هو؟ قالت وهي تحاول أن تكون عادية: إنه في المطبخ، ms87 ~~لقد حضر قبلكم بساعة تقريبا أو أكثر قليلا، ولأنه ليس لديه ما يشغله في انتظار نوار ~~فاقترح أن يساعدني في صنع الغداء ... وقد قام بطبخ السمك، إنه طباخ ماهر! # كانت مفاجأة لنا بلا شك، ربما كانت مفاجأة سارة لنا، ولكنها قد تكون غير سارة بالنسبة ~~لسابا وأمين، ولكن عندما دخل «إلينا» أمين في الصالون بعد لحظات استطاع أن يقنعنا بأنها ~~مقابلة سارة بالنسبة له أيضا أن يجدنا هكذا كلنا كتلة واحدة ومعنا آدم، ثم أخذ يمطره ~~بالأسئلة. ~~- الحياة في البلاد المجاورة، الحرية في البلاد المجاورة، الشعر، البنيات، الدراسة ~~بكلية الفنون العريقة ... نساء وسط المدينة، الكتب، أمل دنقل، الشيخ إمام، درويش الأسيوطي، ~~كريمة ثابت، محمود مختار، الجماعات الإسلامية، محمد عبد المعطي حجازي، إدوارد الخراط، جامع ~~الحسيني، أبو الهول، سجن القلعة، ليمان طرة، سجن العامرية، روكسي، فتيات روكسي وهن في ~~الميني جيب والميني ماكس، وهن في الشادور والجينز، وهن في النقاب أو عاريات ... # هن يعشقن، هن يبكين، يعلبن الورق يعطين المواعيد، يذهبن لصلاة الجمعة، يغنين، يدخلن كنيسة ~~القديسة سانت ماريا بمصر الجديدة ... يذهبن للسينما أو حفلات نادية مختار، بنيات روكسي ~~الجميلات كيفما وأينما كن. قال أمين سائلا: متى ذهبت للبلاد المجاورة؟ ~~- لم أذهب إليها ~~أبدا، ولكنني قرأتها في رواياتهم وأشعارهم وأيضا لوحاتهم وقصصهم القصيرة. # استحم الجميع ونام آدم، أما سارة فالتقطت كتابا من مكتبة نوار عن أسلوب دفن الموتى في ~~مروى القديمة، وأخذت تقرؤه وهي راقدة على سرير مريح قرب النافذة، أنا وأمين استغرقنا في لعب ~~الشطرنج، بينما كان صوت الحبشية سابا يأتينا من المطبخ محمولا على رائحة الثوم والفلفل ~~بالأغنيات الحبشية الدافئة، مرحا وحلوا. # عندما دقت ساعة الحائط الكبيرة المعلقة بالصالون معلنة الثالثة تماما، توقفت عربة ~~اللاندكروزر أمام المنزل، وبعد لحظات دخلت نوار سعد الصالون، وعندما رأت ما رأت أخذت تصيح: ~~هل أنا في حلم؟! من أين تجمعتم اليوم، وكيف تجمعتم؟ ومتى حضرت يا أيها الآدم؟ استيقظ أريدك ~~صاحيا. # ثم أخذت ترمي بنفسها في أحضان الأصدقاء واحدا واحدا، وعندما جاء دور ms88 أمين نظرت إليه ~~بمكر قائلة: بالتأكيد، إنك لم تأت معهم؟ قال ضاحكا: بل هم الذين لم يأتوا معي. # بعد الغذاء قال آدم لنوار: وجدنا خيطا متينا إلى قبر حافظ، ونحتاج لخبرتك في التربة ~~وعرفنا للتو أن لديك عربة، هل فهمت؟ # | حافظ # منذ أن اختفى حافظ ... # منذ أن اختفى حافظ إلى اليوم؛ سنة كاملة وشهران. # بحثنا الأمر جيدا في اجتماع مصغر، ولو أن موضوع السجان الذي سيذهب معنا إلى مكان يعتقد ~~أن حافظ دفن فيه استغرق منا جانبا كبيرا من النقاش لخوفنا من أنه سيخدعنا، فهو ليس ~~أكثر من شخص مرتش ولا ولاء له لأي قضية، وقد دلنا إليه الطبيب بتحفظ شديد، ولو أنه أراد ~~أن يتعامل معنا بصدق فهو أيضا قد يخطئ موضع القبر؛ لأنه عندما شرحنا له الأمر قال: ولكنا ~~ذهبنا بالجثتين في منتصف الليل؛ فليس بإمكاني تحديد المكان بالضبط. # وعندما سألناه: من كان معك؟ ربما يفيدنا. # قال بأسلوب تهديدي سافر: هل تبحثون عن جثة، أم عن المتاعب؟ # | في الهواء # كانت نوار سعد تقود السيارة وأنا ... # كانت نوار سعد تقود السيارة وأنا وسارة نجلس على المقاعد الأمامية. أما أمين وآدم ~~والسجان فبصندوق العربة، إلى أن خرجنا من المدينة حيث تولى آدم القيادة وركب قربه السجان، ~~أما أنا وأمين وسارة ونوار أيضا فبصندوق العربة، كنا نجلس نثرثر عن الطين والمطر وثورة ~~الفقراء المقموعين، ونحن نعبر البرك الصغيرة في عرض الأسفلت ونقفز فجأة عندما يفاجأ آدم ~~بحفرة في الماء ما كان يتوقع وجودها، وتسقط العربة فيها سقوطا عنيفا، ثم تقفز كالغزالة في ~~الهواء فنطير معها ونهبط ونحن نلعب أو نضحك أو نخاف. # اتجهت العربة شمالا ... اتجهت شمالا ... لمدى ساعة وربع الساعة حيث تركت الطريق العام ~~متوغلة في الصحراء غربا، ثم توقفت قرب شجرة صبار ضخمة ونزل آدم والسجان وهما ~~يتشاجران. # سألتهما نوار عما حدث فأجاب منفعلا: هذا الشخص - مشيرا لآدم - له أخلاق ضيقة جدا، ~~والمسألة تحتاج لسعة صدر وصبر. وقلت له من قبل إنني لست متأكدا تماما من المكان، فلقد ~~اصطحبت ms89 من السجن إلى جهة الشمال ما يقارب الساعة سيرا بالعربة بسرعة جنونية ... ربما ~~بأقصى ما تستطيع عربة اللاندكروزر أن تسير ... ثم اتجهنا غربا لما يقارب ربع الساعة، ثم ~~جنوبا لبعض الوقت حيث أمرنا بحفر مطمورة ثم أمرنا بدفنهما فيها. قالت سارة لآدم: طول ~~بالك يا آدم. ثم سألت السجان: هل هناك أي معلم يدلنا على القبر؟ شجرة، قوز ... أو أي ~~شيء؟ # قال محاولا أن يكون هادئا: فقط شجرة صبار. # نزل الجميع من العربة وبدأنا البحث بقيادة عالمة الآثار وخبيرة التربة نوار سعد وجهازها ~~العجيب الذي يستخدم لمعرفة مدى التغيير في نوع التربة، بمعرفة عمرها تحت أشعة الشمس ~~المباشرة، وهذا مفيد جدا بالنسبة لنا؛ لأنه تم دفن الجثتين في حفرة؛ فبالتالي بإمكان ~~جهاز نوار سعد أن ينبهنا إلى أن هنالك رمالا عمرها أحدث من الرمال التي تجاورها. قالت ~~نوار: إنها عملية شاقة أن نقوم بمسح الصحراء كلها، ولو أن الجهاز يستطيع أن يفحص كيلو ~~مترا مربعا في كل دقيقة انطلاقا من موقع التشغيل. # قال آدم بإصرار: حتما سنجده. إن هذا الرجل - مشيرا إلى السجان - رغم عدم تأكده، إلا ~~أنه زودنا بمعلومات مهمة جدا وهي: سرعة العربة والزمن. أضاف أمين: والاتجاهات أيضا، ~~إنها مهمة. # أسبوع بأكمله ونحن نعانق رمال الصحراء بحثا وتنقيبا عن قبر حافظ، وقد سئمنا السجان وسئم ~~منا فأخذ أجره وغادرنا. # | نحن # نحن ... # نحن بالمحراب جميعا بعد أن عدنا من مستوصف المدينة بالمختار الذي أنهكته الحمى؛ استيقظ ~~المختار من غيبوبة طويلة، وأخذ فنجانا من منقوع القرض، بينما كنا نبحث في موضوع القبر قال ~~لنا فجأة: لماذا لا تتجهوا شرقا بعد مسيرة الساعة شمالا؟ قال آدم: ولكن السجان كان ~~يصر دائما على أن الاتجاه الصحيح هو الغرب وأظنه كان متأكدا. قال المختار بصوت ~~مبحوح وبثقة تامة: اتجهوا شرقا هذه المرة، عكس ما قاله السجان، ربما تشابهت عليه الاتجاهات ~~من الخوف وسرعة العربة. ربما. # | المرسم المفتوح # أكبر كهوف مايازوكوف بجبل المرسم ... # أكبر كهوف مايازوكوف بجبل المرسم هو الذي بني على ارتفاع عشرة ms90 أمتار؛ على بوابته نصب ~~الحرية الذي في شكل حدأة ضخمة لها جناحا فراشة وأظافر سيدة ، وأيضا فم امرأة، وبداخل نفس ~~الكهف نحت حافظ «سورة الغضب»، وبعد عودته الأولى إلى سوريا أهمل هذا الكهف كغيره من ~~الكهوف، كغيره من منشآت المرسم المفتوح، وهذا الكهف نفسه هو الذي اختبأت به سارة عندما كان ~~يلاحقها البوليس السياسي، وعندما عاد مايازوكوف للبلاد الكبيرة للمرة الثانية وأصيب ~~بالإحباط وترك البلاد للأبد هجرت الكهوف تماما وسكنتها الهوام والعناكب، وأصبحت موحشة ~~ومرعبة. وعندما ذهبت نوار سعد إلى إدارة الجامعة طالبة منهم التنازل لها عن الكهوف حتى ~~تتمكن من إعادة تأهيلها بحر مالها، لم تجد معارضة أو اعتراضا من السلطة، ولكنها دفعت ~~مبلغا كبيرا من المال كرشوة لمسئول كبير من الجامعة، ومثله لموظف حكومي، قبل أن تتمكن من ~~استلام مكتوب رسمي له قوة القانون موقعا من قبل هذين الموظفين مختوما بختم الدولة. # كانت أرضية الكهف عبارة عن صخرة كبيرة جيرية قديمة جدا، أكدت نوار سعد أن عمر هذه ~~الصخرة يقدر بملايين السنين. احتجنا في حفر القبر إلى معاول ومطارق وأيضا نفير من أصدقاء ~~حافظ وأسرته، وحتى أبوه نفسه شارك في نحت الصخرة الجيرية، وما كانت تستطيع المقاومة كثيرا ~~أمام خبرة نوار سعد وإصرار آدم وسارة. وبالرغم من كبر عدد الأفراد المشتركين في الحفر إلا ~~أن العملية كانت في غاية السرية؛ لأننا كنا متأكدين أنه إذا علمت السلطات بما نريد أن نفعل ~~بهذا الكهف لما سمحت لنا إطلاقا بالاقتراب منه، واحتاج الأمر منا لمال كثير ووساطات. كنا ~~نعد الكهف متحفا لمنحوتات حافظ ومايا. كنا نعده مستقرا أخيرا لرفات حافظ الذي أتينا ~~به من الصحراء. # أما بقية الكهف فقد نظفت واستأنست ووضعت لها بوابات من الحديد وأقفال صلدة، فقد كانت ~~تريدها نوار سعد لأغراض لم تفصح عنها. ولكني سمعتها ذات مرة تقول: سيأتي يوم يجيء فيه إلى ~~هنا من يبحث عن آثار مايازوكوف؛ فإنه ليس أقل أهمية من آرثور رامبو، تماما كما يبحث ~~الفرنسيون الآن عن بقايا وذكريات آرثور رامبو ms91 بين عدن وهرر ... سيجيء من يبحث عن مايا ~~العزيز. # كنا بمقهى الجامعة، الجامعة المغلقة منذ عدة أشهر، لكن طلبة الدراسات العليا بالمكتبة ~~الكبيرة يلخصون الأبحاث أو يؤلفون. جلسنا على المقهى نجتر الذكريات في انتظار نوار سعد، ~~تحدثنا عن مرض المختار الذي قال عنه أمين: إنه يحيرني. # ثم انزلق الحديث إلى جثة حافظ التي وجدناها تحت رمال الصحراء كاملة كأنها محنطة بحنوط ~~مسحور، ولو أننا جاملنا والديه بموافقتهم الرأي في تفسير ذلك بقولهم: نحن من أسرة الأشراف، ~~منحدرين من سلالة من الصالحين. # إلا أننا وجدنا أنفسنا مختلفين اليوم في التفسير، فآدم يؤكد أن هنالك أسبابا علمية واضحة ~~وراء ذلك، أنا كنت أومن بأن كل ما يحدث في هذا الكون له سبب، ولكن ليس بالضرورة سببا ~~علميا. أما أمين فقال: أنا سأقتنع بالتفسير الذي تقوله نوار سعد؛ فابتسمت سارة قائلة: ~~لماذا نوار سعد بالذات؟ هل لأنها خبيرة في التربة والآثار؟ فانفجرنا ضاحكين مما جعل أمين ~~ينظر إلينا بذهول. # وفي تمام العاشرة بالضبط حضرت نوار سعد كما وعدت، وكانت جميلة ورشيقة، وفي غاية الأناقة، ~~وهذا ما يشعل أمين بالغيظ والحب أيضا، وعندما استفتيناها في شأن جثة حافظ، قالت: هنالك نوع ~~من التربة يسمى بالتربة الحافظة، وهي تتكون من مركبات كيميائية تحفظ العضويات بداخلها من ~~عمليات التحلل، أو بالأحرى تجعل عملية التحلل بطيئة جدا. # كنا قد وجدنا القبر بعد تعب حقيقي، ولولا جهاز نوار سعد وخبرتها لضاعت مجهوداتنا عبثا؛ ~~وجدنا الجثتين في جوالين من الخيش، كانت جثة حافظ بكامل هيئتها ما عدا أثر طلق ناري في ~~الجمجمة، أما الجثة الأخرى فكانت ليست سوى كومة من اللحم الآدمي، حتى عظامه كانت مهشمة. ~~قالت سارة عندما رأته في غضب: هذا توحش. هل طحنوه بعجلات قاطرة؟! # ولكن تعبير أمين رغم بشاعته كان الأقرب، عندما سأل قائلا: هل مضغه أحدهم ثم قام ببصقه في ~~هذا الجوال؟! # المهم، أعدناه وجواله إلى قبره مرة أخرى بعد أن صلينا عليه صلاة الجنازة، ووضعنا معلما ~~للقبر حتى إذا حدث وأن تغير النظام ms92 السياسي دلنا إليه، فقد يعرفه أهله. # | في النهايات # وعندما توقفت عربة نوار سعد ... # وعندما توقفت عربة نوار سعد اللاندكروزر عند موقف الباص المركزي الغارق في بركة من الطين ~~اللزج الناعم الأسود؛ داهمتنا عصبة من الشحاذين؛ أطفال في ثيابهم الممزقة بأوجههم بقايا ~~النعاس ممزوجا ببقايا الفطور الذي هو - في الغالب - فضلات رواد المطاعم، شيوخ يدعون العمى، ~~شبان يزحفون على الطين لأن أرجلهم التهمتها الألغام وشظايا الدانات في الحروب ~~الأهلية. # وعدت نوار سعد بزيارتنا في المحراب وحملتني تحايا المختار وتمنياتها له بالشفاء، ودارت ~~عجلات عربتها لتحملها بعيدا تاركة إياي للشحاذين الذين سيأسلون حق الله، أو ينتزعونه ~~انتزاعا، وخاصة من امرأة ضعيفة مثلي لا حول ولا قوة لها، فعلا بينما كنت مشغولة بالبحث عن ~~موضع جاف لقدمي إذ بطفل طيني يخطف حقيبة يدي ويعبر بها بركة الطين نحو عمق السوق، خفيفا ~~كتمساح من الريح، فصرخت لهول المفاجأة وحاولت الجري خلفه حينما تعثرت قدمي على شحاذ مبتور ~~الساقين؛ فهويت على بركة الطين وأصبحنا قطعة طين كبيرة عفنة قبل أن ينجدني شابان قويان وهما ~~يلعنان المدينة. # أخذت عربة وعدت بسرعة إلى منزل نوار سعد، مرة أخرى. # | المريض # قضينا أسبوعا ... # قضينا أسبوعا مليئا بالزوار؛ من المدينة المغضوب عليها، من أصدقاء الجامعة وزملاء ~~الدراسة، من كل صوب ومن كل جهة، جاءوا ليروا المختار المريض، وفي اليوم الأول من الأسبوع ~~الرابع لمرضه شفي المختار، واستطاع المشي والقراءة، استطاع تسلق بعض الشجيرات القصيرة ~~والصلاة التأملية الطويلة شيئا. # استطاع التمشي إلى ما بعد النهر، تفحص الوابور الشفاط، نزلنا النهر، اغتسلنا بمياهه ~~الدافئة وعمت أنا، عبرت إلى الشط الآخر. أما هو فأخذ يبحلق في بعينين قلقتين متشوقتين، ~~قال إنه لا يمكن المقامرة بالعوم. ~~- أحس أن أعصابي متوترة. # كنا في الماضي القريب جدا إذا نزلنا النهر قفزنا معا بملابسنا في الماء، وتسابقنا نحو ~~الشاطئ، ثم قبل أن نلمس رمل الشط الآخر نلعب «الغطاس والتمساح». وكان بارعا جدا في ~~السباحة والغطس كبراعته في تسلق الأشجار الآيلاسنس والمهوقني العملاقة. أحس الآن بالألم في ~~عينيه ms93 والحسرة. # كنا في حمام الشمس بملابس النهر، الريح هادئة ودافئة، يتموج النهر في دلال وهو يستقبل ~~قبلات الريح، قلت له - وقد تذكرت لحظات عصبية عشناها ذات مرة: أتذكر يوم أن غطست بالماء ~~وكدت أن أغرق. قال مبتسما وهو يستعدل جلسته على الرمال: يوم كنت أعلمك العوم، هذا يوم لن ~~أنساه أبدا. # ثم أخذ في تفكير عميق كان يستدعي تلك الحادثة من أزقة الذاكرة الضيقة المظلمة المشحونة ~~بالأشجار والعفاريت، كأنه يسحبها سحبا، ثم أخذ يحكي لي كيف تعلم العوم، في نفس هذا النهر ~~وحده قبل أعوام كثيرة مضت بواسطة أنبوب ضخم ... حكى لي ذلك للمرة العاشرة أو أكثر: أربط نفسي ~~جيدا في الأنبوب، ثم أربط الأنبوب في شجرة العرديب تلك قرب الوابور الشفاط، ثم أتوكل على ~~الله والحبل، والأنبوب ألقي به في الماء وأضرب الماء بكفي وقدمي ورأسي. إنها طريقة عقيمة ~~ولكنها طريقة السلامة القريبة. # غسل رجليه للمرة الثالثة، قام، تمشى بين شجيرات المحريب والسنسة، ثم جلس على صخرة وطلب ~~مني أن أساعده على غسل ظهره حينما خطرت على بالي فكرة أن أداعبه قليلا، قلت: أصبحت أخاف، ~~أخاف منك بعد أن حكيت لي قصة شهواتك ورغائبك. # فانفجر بالضحك، ثم غرق في نوبة سعال حتى دمعت عيناه وبدأ يظهر عليه الإعياء. # المختار رجل يحب الضحك، وإذا ضحك كان يشرق وجهه بالنور، يضحك بعمق وانفعال حقيقيين ~~ومتعة، كان ضحكه فعلا ورؤية، ما كان يرهقه الضحك، ويعجبني فيه ضحكه. قلت مشفقة عليه: ~~هل أتعبتك؟ قال وبعينيه دموع: لا، لا، إنها موجة من السعال، فما عدت كما الأمس، فالمرض ~~اختبار الله للإنسان، وأيضا اختبار الإنسان للرب. قلت في تعجب: كيف ذلك؟! قال: للرب طريق ~~إذا أمنتها كأنك أمنت العاصفة، وإذا لم تأمنها كأنك كفرت بها، كأنك كفرت بإيمان الرب. ~~فالطريق هي هذا الجسد، هذا الفخ العظيم. # دلكت ظهره بنبات المحريب العطري، وأنا أغني أنشودة المطر. # كان يحدثني بصوت واه ضعيف عن أنه طوال عمره المديد هذا لم يقرب الخمر، ولا حتى السجائر ~~والتمباك أو المخدرات، ms94 ولم يناوم امرأة أبدا، ولا يعرف مقدار لذة الجنس إلا من خلال ~~الروايات والقصص والاحتلام ، ولكنه أضاف في حزن قائلا: ولكن السيد المسيح يقول: «من تشهى ~~امرأة فقد زنا بها.» وأنا تشهيتك من قبل أحيانا كثيرة، وتشهيت نوار سعد كما قلت لك، وأيضا ~~كنت ذات مرة أذهب للمدينة مشيا على قدمي حينما وجدت في عمق الغابة صبية حسناء أثارت في ~~غريزتين متناقضتين في آن واحد: غريزة الأبوة، وغريزة الجنس. # عدنا إلى المحراب، وكان الوقت عصرا والجو المطري المنعش يسري في مسامنا فيوقظ عظامنا ~~المعتصمة باللحم، ينبهنا للفرحة، والخضرة والعرديب. # | ابتسامة # ارتدى المختار ... # ارتدى المختار ملابس القطن البيضاء. # استاك جيدا بعود أراك. # قال إنه يريد كوبا من اللبن الدافئ. # شرب نصفه، ثم نام وعلى فمه ابتسامة مرهقة. # | وقد # وعندما وصلت الشارع العام، كنت ... # وعندما وصلت الشارع العام، كنت قد أنهكت تماما وغرق جسدي في بحيرة من العرق، وأصبح ~~باردا كالجليد وشاحبا، وكنت أرفع يدي المتعبتين المعروقتين عاليا ملوحة بهما للسيارات: ~~«أن توقفوا.» ولكن السيارات المنطلقة في الشارع كالسهام المجنونة لا تعيرني ~~التفاتا. # قد ينظر إلي الراكبون عبر النوافذ الزجاجية، وقد يعيرني السائق التفاتة سريعة ويمضي ~~وشأنه، وقد ... # إلى أن أتى الباص العام. # قلت للسائق: أبي قد مات بالغابة، أريد من يساعدني على دفنه. # | النهاية # وجدت نفسي وحيدة ... # وحدي فقط بالمحراب الصامت الكئيب ووحدي. # أحسست فجأة برهبة عميقة وأنا أبحلق في التراب المتكوم قرب شجرة أمام المحراب؛ بدا الأمر ~~وكأنه حلم، وكأنه كذبة، وكأنه عبث، أو كابوس مرعب. حالما أستيقظ سأجد المختار يرتل القرآن ~~بالمحراب، أو ... # يقرأ الشعر، يفسر لي الحلم، أو يقبلني هامسا ... # اللهم اجعله خيرا. # كانت الريح الغربية تراقص الدومات الباسقات وعليها أطيار الكلج كلج تنشد نشيدا صاخبا. ~~أطيار الكلج كلج الرمادية ذات الرءوس السوداء. # الجو المطري المنعش، يحاول عبثا بث الفرحة في، قليل من الفرحة، ولكني كنت أبكي بلا ~~دموع؛ نضبت بحيرات العين وأصبح بكائي جافا كالصرير ناشفا ومرا يخرج من الصدر كما ~~تتدحرج الحجارة من عل، كالرعد. # حينما ms95 شعرت بخطى تقترب مني، خطى ثقيلة وواثقة، وعندما سمعت الصوت تبينته وعرفته، ~~فهتفت فيه: ماذا تريد؟ قال بصوت مبحوح: عرفت من أحدهم كان بالباص أن المختار قد ~~مات. ~~- وماذا تريد أنت؟ # صمت لزمن طويل، خيل إلي أنه دهر من الحجارة الملساء الكبيرة تهطل على صدري فتطحنني ~~طحنا طويلا باردا، ثقيلا كالاحتضار، ثم قال: لا شيء. لا شيء. الدوام لله وحده. # كانت بصوته ريح باردة، وفرحة المنتصر. # خشم القربة # في 8 / 11 / 1995م # 10 / 8 / 1997م ms96