######OpenITI# #META# URI: 1450CabdCazizBarakaSakin.ZawjMaratRasas.Hindawi84626202 #META# Tags: novels #META# ID: 84626202 #META# Title: زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة #META# AuthorID: 15049263 #META# Author: عبد العزيز بركة ساكن #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # هذا سفر الذي هو: جعفر محمد مختار‏ # هذا سفر الذي هو: محمد الناصر أحمد‏ # هذا سفر التي هي: مليكة شول‏ # هذا سفر الذي هو: ملوال‏ # هذا سفر الذي هو: رياك ...‏ # هذا سفر التي هي: ابنته الجميلة‏ # هذا سفر التي هي: سلمى‏ # سفر الخروج‏ # إهداء‏ # هذا سفر الذي هو: جعفر محمد مختار‏ # هذا سفر الذي هو: محمد الناصر أحمد‏ # هذا سفر التي هي: مليكة شول‏ # هذا سفر الذي هو: ملوال‏ # هذا سفر الذي هو: رياك ...‏ # هذا سفر التي هي: ابنته الجميلة‏ # هذا سفر التي هي: سلمى‏ # سفر الخروج‏ # | زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة # | زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة # تأليف # عبد العزيز بركة ساكن # أيها السيد المسيح. # بحق الجرح النازف في خاصرتك. # بحق قرنفلات دمك الزكي، عكر الليل على الجنود. # غارثيا لوركا # | إهداء # ستخافون مثلي من لجب العسكر، ستمزقكم كلاب الحراسة وأسئلة الصبيات، ولن تنجوا ~~إلا على راحة كفي. # إلى الشعراء: # الصادق الرضي، عاطف خيري وبابكر الوسيلة. # إلى: # شكيري توتوكوه ... # فالموت يا صديقي لا يعني أنك مت. # عبده بركه # | هذا سفر الذي هو: جعفر محمد مختار # لم تدر مقدار الرعب الذي أصاب أباك، عندما هتفت في وجهه في ذلك الصباح منفعلة: أبي، ~~لقد فقدت عذريتي بالأمس، فقدتها تماما. # وقبل أن يفيق من نوبة رعبه، أخذت تحكي التفاصيل، التفاصيل التي ما كان يسمعها، تذكر ~~جعفرا، جعفر مختار، أشعل سيجارة، أطفأها. # قلت: لقد ذهبنا للرحلة، أمي مليكة أيضا كانت هناك، ذهبنا للرميلة، حدث ذلك بالأمس ~~القريب، وكانت الرميلة كما هو معروف في مثل هذه الأيام - أيام العيد - مكتظة بالبشر من ~~المدينة، والمدن المقاربة: رطانيون، أعراب، بجا، طلاب جامعيون في رحلات جماعية، مساطيل ~~يدخنون البنقو تحت أشجار السنط، سكارى تفوح من أفواههم خمارات العرق، مستوحدون يبحثون عن ~~الرفقة، بائعات الفول والتسالي والشاي، عمال وضباط المحلية يتحصلون ألف جنيه عن كل زائر، ~~وخمسة آلاف جنيه عن كل عربة، عساكر الجيش المرابطون قرب الخزان على ضفاف البحيرة، يرفهون عن ~~أنفسهم بمعاكسة البنات والنساء والداعرات، رجال الشرطة ms01 ، وخلق لا أول له ولا آخر، يأكلون ~~ويشربون ويغنون ويرقصون، يلعبون الشطرنج على الرمال، يذبحون الخراف، يغتابون بعضهم بعضا، ~~يصلون، يتناسلون في العشب، يتوقعون جعفرا، يشعلون النار، يتذكرون أيامهم الجميلة، يلعنون ~~الحكومة، وكنت وزميلاتي نشوي لحما على النجيل تحت سنطات شائكات، وكنا كالعادة لا نفكر في ~~شيء يفسدنا، لكننا نعلق على الأولاد والرجال وبعض البنات اللائي يتصرفن في الظاهر بعفة ~~ونعلم ما يضمرن من خبث وفجور لئيم: على لبسهن، مشيهن، كلامهن، لبانهن، كعوبهن العالية، ~~أوجههن المقشورة بالمساحيق والمراهم الكيماوية الحارقة، عطورهن، تصفيف شعورهن، نظراتهن، ~~مناجاتهن، مصاحبتهن للأولاد، شذوذهن، أيديهن، سوقهن، وكيف يكن إذا اختلين بالأولاد ~~الأشقياء، أسرهن، كنا ماكينات تعليق وضحك ولا شيء يعجبنا أبدا، وكنا ساحرات وجميلات، وكلنا ~~نرتدي على الموضة الشائعة مناطيلنا الضيقة الساحرة، وبلوزات القطن ذات الأكمام القصيرة، ~~التي تلتصق بصدورنا، تلك الملابس التي اشتريتها لي يا أبي قبل أسبوعين، إنها آخر صيحة في ~~الموضة، لبستها رغم أنف رياك أخي، كنا أجمل البنات في الرميلة، كنا هادئات ولا نفكر في ~~أمور ملتوية، حتى رجل الشجرة ما كان يخطر ببالي في تلك اللحظات، لكن حدث الأمر كما يلي: ~~سمعنا جميعا نداء أحدهم، كان يقف على الشاطئ ويصيح بصوت أجش قوي قائلا: جعفر، جعفر محمد ~~مختار، سوف يظهر على الجزيرة الآن، الآن سوف يظهر جعفر على الجزيرة، جعفر مختار، وفي لحظات ~~قلائل تجمع كل الناس على الشاطئ المقابل للجزيرة، على الرمال البيضاء الباردة النقية ~~الشهية، رمال الشاطئ، كل الناس، حتى بائعات التسالي والفول السوداني والشاي، كل شيء، ~~الكلاب، والذباب، والأطيار، والبهائم، وحمير الأعراب الجربانة تفوح منها رائحة القطران، ~~الجمال، أطيار الرهو، الأعراب، وقد جاءوا مهرولين من منازلهم التي تقع خلف الأشجار، أطفالهم ~~خلفهم، نساؤهم خلف أطفالهم، في ثيابهن الزرقاء وأحذيتهن البلاستيكية القديمة، وعلى رءوسهن ~~شعورهن، في بحيرة من الزيت والودك، كلابهن، كل شيء، وكل شخص، تجمعوا على طول الشاطئ المقابل ~~للجزيرة، حيث أعلن أن جعفر مختار سيصل إليها بعد قليل، وهذا في ذاته، حدث يجب ألا يفوته ~~أحد، فذهبنا ms02 وتدافعنا على رمال الشاطئ، لكن جعفرا لم يصل الجزيرة، وغابت الشمس، وكنا ننتظر ~~قدوم جعفر، فأشعل الحطب للإضاءة وأتى بعض القرويين بفوانيس كيروسين، ووجه بعض السائقين ~~كشافات عرباتهم نحو الجزيرة الصغيرة، كنا ننتظر جعفرا، وكان قربي أحدهم، لم أنتبه لوجوده، ~~فكنت مثلي مثله، متشوقة لرؤية جعفر على الجزيرة الخضراء، لكنه تعمد أن يحتك بي، ثم تعمد أن ~~يقرصني على فخذي، ثم تعمد أن يقول لي: إلى متى أظل أجري خلفك؟ # عندها تعرفت عليه، كان أحد صعاليك المدينة المعروفين والمشتهرين بخداع الصبيات واللعب ~~عليهن، ومعروف عنه أيضا أنه بذيء، وأنه لا يوق، لا ينقطع ولا ينغسل، قلت له: هيا نذهب ~~بعيدا عن هؤلاء الناس. # وذهبنا يا أبي، اخترقنا غابة السنط الصغيرة، ذهبنا نحو بيوت الأعراب، كانت فارغة وأبوابها ~~مشرعة، لقد ذهبوا على عجل لرؤية جعفر مختار، وتركوا كل شيء كما هو، قدور على النار، صيجان ~~الكسرة تحتها الحطب، فوقها طرقات الكسرة تحترق، أطفال رضع على المراجيح، شيوخ مرضى على ~~فراش الموت، طعام موضوع على المناضد، ملابس على طست الغسيل، كل شيء ترك كما هو، تجولنا بين ~~حجراتهم، كنا نبحث عن حجرة بها سرير كبير، وملاءات نظيفة، ويا حبذا لو توافر لنا بعض العطر ~~البلدي، وفعلا وجدنا حفرة دخان مشتعلة، وينطلق منها دخان الطلح عطرا وشهيا دافئا ~~ومراودا، ربما جهزتها عروس وعندما سمعت نداء بأن جعفرا سوف يصل الجزيرة، تركتها موقدة، ~~وذهبت حيث جعفر، خلعت ملابسي وجلست على حفرة الدخان، وقام هو بمساعدتي بالالتفاف بشملة ~~الصوف الثقيلة، وأخذ ينتظرني إلى أن أنضج، كان كل شيء مدهشا في ذلك اليوم، وكل شيء ينتظر ~~ظهور جعفر على تلك الجزيرة الخضراء الرائعة، لم تحدثني أمي مليكة شول مادنق عن الدخان، ~~لماذا لم تقل لي: إنه شيء رائع زي دا، وإنه جميل، وإنه ساحر، وإنه شهي، وإنه يخترق المسام ~~في جنون بهيج، وإنه يفتح المسام وينعش الجسد ويحرره من الموت، لم تقل لي يا أبي ذلك. # كان أبوك لا يسمع شيئا، لا يعي، تذكر جعفرا، أشعل ms03 سيجارة، أطفأها، قال في نفسه: إنك ~~من جيل يجب أن يكون ورغم أنفه أيضا، قلت له: انتزعني من حفرة الدخان انتزاعا، وما كنت ~~أرغب أن أفارقها أبدا، كان نداء أن جعفرا سوف يحضر بعد قليل على الجزيرة الخضراء، يبدو ~~أكثر حماسا من قبل وأكثر تأكيدا، كان تصفيق الناس وصفيرهم قويا، ونداؤهم لجعفر أقوى، ~~قالوا له: أين تهرب منا الليلة؟ نحن هنا ساهرون وستأتي وسنلعب معك وسنسألك. # في حجرة الأعراب، شممت رائحة جعفر، نعم جعفر مختار، وسمعت صوته، نعم صوت جعفر مختار، ~~نعم يا أبي، عندها أحسست بالخجل، الخجل القاتل، الخجل الذي لم تعلمني إياه، لقد أحسست ~~به لزجا ومرا كالسم، وعندها نظرت إلى صعلوك المدينة، كان خائفا مرعوبا كفأر في كف ~~قط، كان يقف بعيدا عند الباب يرتجف، لم يمسسني هذا الجبان، أقسم لك يا أبي لم يمسسني بشيء ~~لكنني رأيت الدم ولمسته، الدم المختلط بالسائل الأبيض اللزج، لقد رأيته يسيل من تحتي يا ~~أبي، فعرفت أنني لم أعد عذراء، عندما يسيل الدم مختلطا بالسائل الأبيض اللزج، يا ~~أبي. # | هذا سفر الذي هو: محمد الناصر أحمد # مثل قطة منعمة أمك. # تمطيت، أشعلت سيجارة، أطفأتها، حدثت نفسك بأنها مسكينة مسالمة، حاولت أن تغفو قليلا، ~~حاولت أن تقول عكس ذلك، أي أن نهديها كدلو الجلد الفارغ، وأنها متيمة بأشياء كثيرة، وما ~~والدك من بينها. سألت ابنتك منى: ماذا قال لك رجل الشجرة؟ # قالت وهي تحملق في عينيك كأنها تبحث فيهما عن التعبير المناسب: لن أقول لك الآن، ولن أقول ~~لك غدا أيضا؛ لأنني أعلم أنك سألتني لا لكي تعرف ماذا قال رجل الشجرة لي، لكن لأنه ليس ~~لديك ما تسأل عنه، في هذه اللحظة بالذات، أليس كذلك يا أبي؟ # فقلت لها مستسلما: نعم، نعم يا منى، إذا كانت أمك حية، إذا ... # أيضا، لم تدر ماذا تريد أن تقول، هكذا تغيب عنك الأشياء، تخاصمك اللغة، حتى لغة ~~البنوة، لغة الدم واللحم والسقف الواحد. # أجهشت بالبكاء. # قوي إيمانك بأنه ما عادت الأشياء كما تريد ms04 ، إنها المشيئة الضد، أن تلتهم التنين ناره، ~~أن يجد المسيح نفسه يهوذا الأسخريوطي، أو بروتس، تذكرت جعفرا، جعفر مختار. # قلت لابنتك منى: تخيلينا الآن أنا وأنت في مقهى رفاعي - في ناصية الجامعة - نتفرس ~~الطلاب، لم تخف اهتمامك بالذباب، وصفته وهو يتجمع على حافة كوب الشاي الفارغ، شبهت ~~طنينه بأشياء شتى، منها ذكرى زوجتك الأولى نعمة بنت خالتك، تلك السيدة السمينة البيضاء. ~~منها أيضا ... ومنها جعفر. # تعرف أنت تماما أن ابنتك منى تمتلك سحرا أنثويا طاغيا لا يستطيع الرجال معه صبرا. ~~خلاسية جيداء يعانق ظهرها شعرها الأسود الكثيف في دلال وفوضوية، وتعرف أن جموح صدرها، دعج ~~عينيها وغموض نظراتها، طريقة لبسها، كل ذلك يثير عواصف كانت موقوتة في الشباب، وأنه هنالك ~~حتما من يقع في غرامها، لكنك ما كنت تدري حقيقة تفضيلات أبناء هذه الأزمنة، أو أطفال الريح ~~- كما يسميهم جعفر - قالت لك وقد تماهت تماما في التخيل: ذلك المقعي تحت شجرة ~~النيم. # كان متواضعا عاديا كصفقة العشر، فقيرا، وليس هنالك ما يميزه عن غيره، غير أنه يجلس ~~تحت شجرة، يتمعن بعمق وخصوصية، الفراغ. # أما أنت؟ # فما اخترت أمها مليكة شول مادنق، فتاة الدينكا الحسناء ذات الأرداف الخصبة، المشحونة ~~بالأطفال والأناشيد، ما اخترتها من تحت شجرة باباي، أو رأيتها تنحني لتجني ثمار البافرا ~~وهي تغرد بصوتها العذب فسحرتك فتزوجتها، لا، لكنك وأنت تمارس تفاهات الحياة وتجلو صدأ ~~أحزانك وجدتها، فتاة على هامش الخمارة بالعشش، ما كانت مليكة شول مادنق سكرى، ولم تك ~~بغيا، لكنها صبية على هامش الخمارة تقدم قداح المريسة، وكئوسها القرع للندماء، وما ~~كانت أيضا طفلة خالية من التجارب بريئة كقوس قزح، فلقد قالت لك فيما بعد: بعد الأسر ونحن ~~في الطريق إلى مدينة آمنة، كنا جميعا من النساء والصبايا، قتل الرجال أو فروا مع جيش ~~الغابة، أو انضموا إلى جيش الحكومة، عندما أدركنا الليل ونحن في الطريق اقتسمنا الجند، ~~كل خمسة من الجنود نصيبهم امرأة واحدة، إلا أنا، كنت صغيرة ولم أبلغ الحلم بعد، ولي جسد ~~هزيل، ولم ms05 تنم لي أثداء، قال الضابط لي: أنت صغيرة، سآخذك معي إلى الخيمة، حتى لا يلتهمك ~~الجند المسعورون. # وفي خيمته قال لي: أنت جميلة رغم صغر سنك، وستكونين امرأة ساحرة في المستقبل، وأنا ~~سأتزوجك على شرط ألا تصرخي هذه الليلة! سأكون معك في غاية اللطف. # وأرتك مليكة خرقا مدمية، لا تزالين تحتفظين بها أنت في دولابك الخاص، تخبئينها عن ~~أطفالك. # قالت ابنتك وهي تحملق في فراغات رجل الشجرة، البنيات يحببن الرجل الخاص، الخاص جدا، ~~قالت: إنه فقير وما عنصري، وعنده قلب كبير، أتدري يا أبي إنه في إمكان أية بنت أن تحب الرجل ~~الذي يحبها، فقط عليه أن يحبها بصدق، ورجل الشجرة هذا يحبني، يحبني بصدق. وابتسمت من عمق ~~في نفسها بعيدا. # وأخذت تحكي لابنتك المراهقة كيف أنكما اصطحبتما رجل الشجرة المنعزل العادي إلى المنزل، ~~بكامل خصوصيته وصدق مشاعره المتخيلة تجاه ابنتك منى، وأنك أخليت لهما البيت، وادعيت الذهاب ~~إلى السوق لشراء البرتقال، وقلت إنك ستتأخر قليلا؛ لأنه سيقابلك في الطريق جعفر، وطلبت ~~منها ألا تدع رجل الشجرة يدخل إلى غرفتها، وأن يظل مقعيا بالديوان، يجتر أحلامه ويغزل ~~أناشيد الشجرة، وطلبت منها ألا تطل من النافذة لتعاكس المارة، ألا تحدث الأغراب بالتلفون أو ~~تفكر في أمور ملتوية، لكنك أيضا لن تنكر كيف عدت وتخيلت أمامها بكل وقاحة وشوارعية، لكن ~~بما أمكن من سعة أفق، كيف أنها أغوت رجل الشجرة. # وألفت حوارا ذكيا، انتهى بها عارية في فراش رجل الشجرة، لتطفئ جموح شبقها، ~~تذكرت جعفرا، قلت لها: إن الرجل الحر يستطيع أن ينام جاريا، والمرأة الحرة تقدر وهي في ~~ذروة البؤس والألم أن تبكي بعين واحدة، وبالأخرى تبحث عن نشوة حقة. قالت: إنه أنت، وإنه ~~جعفر، جعفر مختار. # ثم أضافت: هل المرأة تحب الرجل أكثر مما هو يحبها؟ # قالت أيضا: لكن أمي مليكة تحبك وتبكي إذا تأخرت خارج المنزل لمنتصف الليل، وأنت لا ~~تهتم. # لكنك كعادتك تهرب من الأسئلة هروب الجندي الذكي من ميدان المعركة، وكم مرة تخفيت من ~~أسئلة زوجتك مليكة ms06 ، عندما حاصرتك بحقائق مرة وأخرجت رأسك من الرمال، ما رأيك في ~~الحرب؟ # قل لي الآن: هل أنت مع جيش الحكومة أم مع جيش الغابة؟ عشرات السنين وأنا أسألك نفس ~~السؤال. # فأخذت تحدثها عن الحب وأريتها ذكرك، حدثتها عن ابنيكما رياك ومنى، وقلت لها ~~المستقبل فيما يقررانه، وحاولت أن تضاجعها، وعندما تذكرت أنها حائض حدثتها عن الزواج ~~بفوضوية، وحصرته في نصيب الفرد من الدخل القومي وحرية اعتناق الأفكار، وعندما دخل عليكما ~~فجأة ابنكما رياك وضبطك ورأسك في الرمال خوفا من أسئلة زوجتك الملحة، صرخت فيه: أنت ~~سطحي وقشري وهش كرماد القصب. # تمطيت، أشعلت سيجارة، أطفأتها، تذكرت جعفرا، خرجت من المنزل، خرجت خلفك مليكة، خرج ~~خلفك رياك، كنت لا تدري إلى أين أنت ذاهب، لكنه الإحساس القوي الذي دائما يراودك بأنه ~~هنالك من ينتظرك، رجل لا تدري، امرأة لا تدري، قدر لا تدري أم شيطان! المهم أنه ينتظرك في ~~مكان ما، بشوق ما، بقلق ما، بصبر ما، بشيء، وعندما تأخرت عليه أو لم تصله، زهج منك، وصرخ ~~في انتظارك قائلا: صبرا ود الحرام. # فابتسمت في تفاهة نفاد صبر، وتخيلت أنك ناقشته في مسألة تخص ابنتك الجميلة منى، سكرتما ~~معا، تذكرتما جعفرا، جعفر مختار، فمرت في خاطرك وأنت تقذف كئوس الخمر بعيدا في عمق حلقك ~~أطياف شتى، أطياف لا تعرف لها اسما أو عنوانا، أطياف سوداء، سوداء كجسدك، كنت تبحث عن ~~مليكة بين المسافات الصغيرة التي تفصل ذرات السواد عن بعضها البعض، تجدها نائمة تحلم ~~بالعصافير، قرود الموز، أباب دير والأناناس، تقبلها، تنفلت من تفاهات أشواقك، تذوب في ~~موتها، تفاهات حياتها الأبدية، تعيدك أغنيات الكأس إليك، كنتما متفائلين كقردين في شجرة ~~باباي، تذكر أنه قال لك بوضوح: منى ابنتك شبقة هذه الجرو الصغير، وضحك كما لا يضحك ~~المساطيل. في عمقك بينك وبين ضميرك، تعرف أنك رجل صالح، رجل تقي، تحفظ أسماء الله الحسنى، ~~أسماء أطفال المدينة كلها وألقابهم، تكره الحرب، ولا تعرف كيف تستعمل سكينة المطبخ، لم ~~تنم وفي رأسك سؤال مقموع، تصلي ms07 في غرفتك، ممددا على التراب، مثلك مثل رجال شتى يعتقدون ~~أن الله لا يهتم بهم لتفاهتهم وضآلة وجودهم، أو لا أحديتهم، فأنت تقول عن نفسك: إنك لا ~~أحد. # بصقت على الأرض، كانت مليكة تصرخ خلفك دائما: اسمعني يا محمد الناصر ومت، اسمعني ~~ومت. # هذه الفتاة الدينكاوية الحسناء سوداء كقلب الأبنوس، أسنانها أقمار تائهة فيه، حدثتك عن ~~خطيبها الأول قبل الخروج مباشرة، دووت منقار، وكيف أنها قضت معه جلسة الونسة: جاءنا وكنت ~~أنتظره في كوخ هيأته لنا والدتي، وكالعادة كنت شبه عارية، وهو كذلك، تحدثنا كثيرا، تكلم ~~أكثر من اللازم، ليظهر لي براعته في الحديث ومقدرته على الإقناع، وحدثني عن مواقف له تنم عن ~~شجاعة لا نظير لها، وكرم ومروءة، وظل ساكنا ومؤدبا في شأن الجسد، حتى يظهر شهامته وعفته ~~وتأدبه، لم يمسسني بلغة فاضحة، أو يحاول أن يطفئ في جمرا ملتهبا كان يحرقه. # وأنت أنت! # كنت حزينا وهادئا كتمثال من عفن الخبز، كان جعفر فيك، جعفر مختار، تذكرته عندما تكلم ~~ابنك رياك بصوته الجهوري القوي، الذي حينما يتكلم كأنه يستعير طبولا مسحورة. # إذا لم تقف لن نمضي وراءك أكثر. # هذه الفتاة المخلوقة من ليل قدسي، الرشيقة كغزالة ترقص في الريح، كم أنت تحبها وتدللها! ~~ما كانت تخبئ عنك شيئا، إلا ما يجب إخفاؤه، كوله جارتها الحسناء آمنة بك، كسؤالها ~~الملح عن فحولتك، كقولها المباشر أو غير المباشر. # هل تهتم أنت بها؟ # قلت لابنتك منى ذات مرة وأنت في قمة تناقضك: لو كانت أمك حية لما أضافت لك شيئا. # وقلت لها أيضا: إن الرجل يحب ثلاثة أشياء في فتاته ... ولم تقل لها ما هي هذه الأشياء ~~الثلاثة، لكنها خمنت أحدها وقالته لنفسها: أن ترى أن أهم ما في هذا الكون هو الله؛ لأنه خلق ~~زوجها، هذا المتفرد الذي يحبها، وأهم ما يجعل زوجها متفردا وعظيما ولا شبيه له في الأزواج ~~هو حبه لها، أما الشيء الثاني، فلم تستطع منى تخيله، لكنها تخيلت الشيء الثالث وقالته ~~لنفسها أيضا في سرية كاملة: أن ms08 تصبح طفلته المدللة وأمه المدللة. # وأنت دائما لا تدري كيف استطاعت ابنتك منى أن تتعلم الحكمة منك، أو من جعفر، جعفر ~~مختار، وأنتما مثل كتابين مكتوبين بحبر مسحور، يعمي كل من يحاول أن يقرأه، تحدثت ابنتك منى ~~عن البساطة وعن أقوالك المعقدة أحيانا، والساذجة جدا أحيانا أخرى، عن خالها مجوك وجمجمة ~~جدها بدولاب أمها القديم المغلق منذ وفاتها، الدولاب الأسود المصنوع من قلب الأبنوس، جمجمة ~~جدها ماجوك المجني عليه، مخترقة بطلقة بندقية، حدثتك عن خالها وقوله: إنه فتر من حرب جيش ~~الحكومة، أو كما عبر عنه هو في رسالة سابقة: جيش أخي ملوال. # وأنت أنت. # لا تعرف، أتقف مع ماجوك، وهو الأخ الأصغر لزوجتك مليكة شول، وهو يحارب مع جيش الغابة، ضد ~~جيش الحكومة، أم تقف مع ملوال، وهو الأخ الأكبر لزوجتك مليكة شول، وهو يحارب مع جيش الحكومة ~~ضد جيش الغابة؟ أما مليكة فقد قالت لك بوضوح: أنا مع الاثنين، بنفس القلب، وبنفس الحب ~~والحقد، قلبها في الغابة مصوبا جحيما أبديا ضد ماجوك، وهو يحلم بالأطفال والخريف، أما ~~روحها فتحميه من رصاص جيش الحكومة، خاصة رشاشة أخيه، وقلبها جحيم مستعر ضد جيش الحكومة، ~~طالما كانت هي أخت الاثنين، والأمر ليس كما يبدو لك من التعقد والحيرة؛ الله واحد، ولا ~~نستطيع أن نقول: إنه يقف مع جيش الغابة وينصره، ويقف في ذات اللحظة وذات الصراع مع جيش ~~ملوال وينصره؛ وذلك لأنني أحب الاثنين؛ لأنه حيثما وجد نصر، توجد هزيمة، أن ينتصر أخي يعني ~~أن يهزم أخي، أن ينتصر الاثنان يعني أن يهزم الاثنان، فما أكبر الحزن! لكنك كما تعرف نفسك ~~لا تقتنع بالإجابات السهلة والأسئلة المجانية؛ لذا أجبتها بابتسامة غامضة، وأنت تحدد لها ~~بالدقة العلمية أنك لست المسئول، ولن يلومك أحد ولم يؤنبك ضمير؛ لأن ضميرك دائما في جانبك، ~~أو كما يقول جعفر، جعفر مختار: ضمير الرجل الحر، ضمير مسالم ووديع. # منى قد تحتقر خيالاتك وجنونك وعبثك، وهذا لا يعني أنها غير معجبة بك، أو تحتقرك في شخصك، ~~وحكاية رجل ms09 الشجرة ما كانت لتقنعها أو تشبع فيها شبقا، لولا أنها وجدت رجل شجرة في بيت ~~الجيران القريب، ولدا مدللا، لا يعرف شيئا عن الآلية، ولا الخطر النووي، أو الأسطول ~~السادس الأمريكي، لم يسمع به إطلاقا، أو يفهم في الاقتصاد، ولم يسمع عن كاتبة صينية تسمى ~~كان شو، مثلما تثرثر أنت معها، لا يعرف لكنه يستطيع أن يحبها، أن يخليها تلحس شفاهه، وهي ~~مسترخية مخدرة تحت صدره، قائلة في حلية رومانسية: أرجوك، أرجوك. صرخت زوجتك نعمة ابنة خالتك ~~قائلة: ما كانت حياتك كلها نساء، لكنك تعشقهن، تحلم بهن كثيرا وتحب أن تردد قول جعفر، جعفر ~~مختار: المرأة كالهواء، إذا حرمت نفسك منه اختنقت، كلما سنحت لك فرصة لقول ذلك، وترى من حق ~~كل شخص أن يشبع حاجاته من الجنس الآخر، في حدود الممكن وفي إطار حريته، وما زلت تبحث لابنتك ~~عن رجل حر يشبع جموح شهوتها، كما لو كان كل الرجال مثلك، تذكرت جعفرا، جعفر مختار، أشعلت ~~سيجارة، أطفأتها، رأيته ذات مرة ينام معلقا على فرع شجرة لالوب، أيقظته، مشيتما إلى قرية ~~عند حنية النهر، تجولتما بين الأكواخ الصغيرة القديمة الهشة، لعبتما مع شيخ عجوز السيجا، ~~حكى لكما عن شباب في القرية بعقلية الأطفال وأجساد الشيوخ وقال: ربما نحن الآن في آخر ~~الزمان، ضحك جعفر، جعفر مختار، وهو يؤكد له باختصار شديد أن ذلك في مصلحة الوطن في المدى ~~البعيد، وحاول أن يشرح له ذلك بشكل أوضح، لكن الشيخ لم يعره انتباها؛ لأنه كان على وشك ~~أن يهزم، كنت تجري في جدية ورعب نحو الذي ينتظرك، إلى الأمام، إلى الأمام، وكان صوت مليكة ~~يتبعك هاتفا: اسمعني، اسمعني ومت. # أما ابنك رياك فعاد أدراجه إلى المنزل ونام، دائما ما كانت الطرق السهلة مقفلة أمام ~~زوجتك مليكة، فلم تستطع يوم الكارثة أن تودع أمها، ولو بنظرة سريعة خاطفة، ولو بهمسة، أمها ~~العجوز، ولم تستطع أن تقبل خد والدها الأعجف وعظامه البارزة، لم تتمكن من تلبية ندائه: ~~اديني حقة التمباك. # لم تستطع أن تأخذ ms10 من جدتها العجوز ذات السن الواحدة آخر حكمة تخامر عقلها القديم، فكانت ~~القذائف كالصواعق، والرصاص كالمطر تنشد موسيقى الرعب في سماء القرية الوادعة الجميلة ~~النائمة على أحلام الغزلان والسناجب، المموسقة بتغريد الطيور وزقزقة العصافير. مليكة لم ~~تسمع في حياتها أروع من زئير أسد الأبقار، وما كانت تتخيل أن هنالك صوتا أكثر رعبا وعنفا ~~من زئير هذا الأسد الأحمر، جدها بونا لا يعلم أيضا أن في هذا العالم الذي يمتد من غابات ما ~~بعد الغابات إلى بلاد العرب، يمكن أن يوجد صوت أقوى وأعنف من زئير أسد الأبقار الأحمر ~~الغاضب في ليلة هادئة، وأنت تعرف جيدا أن مليكة شول انتزعت من ديار ما كانت تود مغادرتها، ~~لتصبح في حضنك دافئة مباركة، ولو أنك تعرف جيدا خلفية الصراع في الجنوب كنت تقنع نفسك ~~بأنها لا تنوي غير إرهابك، عندما كانت تريك جمجمة والدها الذي أرسلها لها ماجوك بعد حريق ~~القرية، وهو يحمل حربته ويدخل الغابة، كنت تمشي نحو الذي ينتظرك، وأنت موقن أنه هنالك، في ~~نهاية المسافة ينعس في انتظار طويل، أو يصرخ في وجهك الغائب: أيها الأبله! # ما كنت تدرك له وجها، جسدا أو علامة، وما كنت تستطيع أن تتخيله كشخص ما، أو شيء ما، لكن ~~أقل ما يمكن أن تصفه به أنه كطنين ذبابة تحلق في وجهك، عميقا كحلم مليكة شول مادنق، يجلس ~~على حجر بضفاف النهر، أو على ماء النهر، أو يطير كالغراب محلقا في السماء، أو يقبع في وكر ~~كيمامة، أو يجلس في ركن قصي في سجن مظلم رطب على أذنيه غراب أسود يبتسم، أو قملة، أشعلت ~~سيجارة، أطفأتها، سألت رجلا عجوزا له وجه قديم مهمل، قلت: هل رأيت يا شيخنا القديم، ~~الجميل وأنت تجلس هنا، هل رأيت امرأة، امرأة مرت بهذا الطريق قبل عام؟ أو رأيت رجلا، هل ~~رأيت شيئا ينتظرني؟ هل أنت تنتظرني؟ # فابتسم الشيخ العجوز القديم بعينيه؛ لأنه ما كان بإمكانه فتح فمه ليريك أسنانه المتآكلة، ~~وفمه ملآن باللالوب، وأخيرا عندما استطاع أن يبتلع حصاة ms11 ثلاث لالوبات، ويبصق واحدة، ~~بالتالي يصبح فمه فارغا، قال لك: أنت حزين يا بني ... # ثم حشا فمه باللالوب مرة أخرى، واندس في شيخوخته، كنت تعرف إجابته مسبقا، لكنك فقط كنت ~~تريد إثارة دهشته، أو كسب عواطفه، حقيقة أنك لا تدري، حقا لا تدري! لأنك لست في حاجة ~~لإثارة دهشة هذا الرجل العجوز، النائمة في ضوء أيامه السوداء، لست في حاجة لكي توقظ دهشته، ~~تلك الباردة الكسولة، من عهر وسنها، لكي تثبت لنفسك أنك موجود، وبإمكانك فعل شيء تجاه شيء ~~ما، ولو مجرد إثارة دهشة! دهشة صغيرة خرفة، كما أنك لست محتاجا لعاطفة هذا الشيخ الهرم، ~~الذي رغم قدم كتفيه وأدواته التناسلية ما زال يختلف إلى منزل جارته العانس ليحتسي وإياها ~~فنجانا من القهوة بالقرنفل أو الهبهان، يخطر بباله أن يراودها عن نفسها، لكنه دائما ما ~~يعدل عن رأيه في اللحظات الأخيرة الحاسمة، فيحدثها عن الرجال الإنجليز، حرب الصحراء الليبية ~~أو مجاعة «سنة ستة» يقول لها كيف أنه كان فحلا تعشقه النساء، يسألها: هل لديك عشاء؟ # يخرج وهو نعسان، ينام قرب معزاته وحماره المكادي، ليحلم بأطفاله الذين لا يدري وطنا لهم، ~~لكنه لا يزال بإمكانه أن يتذكر هيئتهم وأسماءهم، فهم بنتان وولدان، وخامسهم كلبهم، وهو جرو، ~~يذكر إلى الليلة كيف سرقه من أمه الشرسة، فأنت لست محتاجا إلى مثل هذه العاطفة الشائخة ~~المعقدة والمرهقة من جراء تجوالها في البلاد بحثا عن لحمة تخصها؛ لأن مليكة شول مادنق ~~أعطتك كل ما تمتلك من عاطفة، وما لا تملك أيضا، وباعترافك أنت وجعفر تأكد قولها. # قلب المرأة الجنوبية يمكنه أن يسع عشرة من الأفيال الأفريقية، وأن هذا القلب كله مملوء ~~بالحب لرجل واحد ووطن واحد، تذكرت جعفرا، جعفر مختار. # صليت، حاولت أن تشرب شيئا باردا، أو ليكن صاليا كالجحيم، أشعلت سيجارة، أطفأتها، ~~السماء كانت زرقاء، حاولت أن تحصي أكبر عدد من النجوم ممكن، ضحكت، تبولت تحت حائط هرم، ~~تذكرت قصة قصيرة لكاتب يقول في المقدمة إنه حداثي، وإن طرائق كتابته تحتاج إلى ثقافة وسعة ms12 ~~أفق وفهم لبعض مذاهب النقد الحديثة، بصقت. بصقت مرة أخرى، فكرت في العجوز الهرم القديم ~~الجالس أمام منزله المهمل، وجهه القديم الجاف، شاربه الكث الأبيض، فكرت فيه وقلت في نفسك: ~~لماذا لا يترك هذا الشيخ ما تبقى له من عمر قرب مربط حماره ويموت؟ لماذا يصر على الحياة؟ ~~لكنك لم تسأل نفسك: لماذا تصر أنت على الحياة أيضا؟ # لم تر ماجوك، لكن مليكة أرتك صورته، وأيضا الجمجمة التي أرسلها، جمجمة والده المثقوبة ~~بطلق ناري التي هي الآن بدولاب مليكة شول مادنق، الأسود المغلق منذ وفاتها، وكنت تتخيله ~~دائما ماسكا بجمجمة والده وهو يرقص رقصة شيطانية غاضبة، رقصة حرب حقيقية، هل يرعبك ماجوك؟ ~~قلت لها: تخيلي أن بحرا من دماء السحالي يمر من هذه الناحية، دماء سحالي بارد لزج ونقي، ~~تخيلي أن امرأة كانت تمر من هنا بهذا الطريق منذ مليون سنة، امرأة خصبة حرة، نقية كالخيال، ~~امرأة كالقرنفل، تخيلي أن جيشا من الدهشة سكن هذا الطريق، جيشا سيفه أعور، تخيلي أن بئرا ~~من العصافير ذات الأرياش الذهبية والغناء البنفسجي. عصافير ... # وغلبك الاسترسال في الاستعارة فأحسست بضآلتك وعقم روحك وقلت لها وأنت تبرد تدريجيا كريح ~~شتوية: إن أحدهم ينتظرني في مكان ما، زمن ما، شجر ما، ينتظرني حاملا بندقية صيد آلية أو ~~رشاشة توجه بالليزر أو حمامة مشوية، وفي فمها غصن زيتون ذابل. ربما ينتظرك وفي قلبه سلام ~~حقيقي لست تدري، كنت بليدا كالنائم، تعبا كلحظة الحزن، قصيرا كالدهشة، سكيرا إذا، كنت ~~تظن أن أمك تلك المرأة القصيرة البدينة الغنية الشحيحة هي السبب الأول والنهائي فيما أنت ~~فيه على كل حال، قابضة على لا وعيك، محركة وعيك بشيطانية كما لو كنت بيدق شطرنج بين أناملها ~~السمينة. أشعلت سيجارة، أطفأتها، حاولت مرات عديدة أن تتعلم التدخين لكنك حتى الآن لم تحدد ~~موقفا سلبا كان أم إيجابا. # وأنت تجري نحو الذي ينتظرك. تتذكر جعفرا، جعفر مختار، تشعل سجائرك وتطفئها وتقول لنفسك ~~كلاما أنت نفسك لا تفهمه، إلى أن أمسك بك رجلان، رجلان قويان ms13 بليدان، ولا تدري أن مليكة هي ~~التي استأجرتهما، ألقياك على الأرض، سحباك سحبا كجوال الفحم إلى منزلك، ومليكة هي التي ~~أوحت إليهما أن يربطاك، أنت تعي حقيقة أنك لست بالمجنون، ولا كنت تدعي الجنون في يوم ما، ~~لكن في الغالب أن علاقتك بأمك هذه العلاقة المشوهة هي محصلة ما أنت فيه، هي لا تحبك ولا ~~أحبتك في يوم من الأيام، حتى في أول نظرة ألقتها عليك وأنت طفل صغير، ترفس في الهواء ~~كالجرو، وتتلوى ما أحست أنك ابنها، جرو لكلبة ضالة بالته في زقاق مظلم وواصلت جريها نحو ~~الجيف المتقيحة، ولما لم تفق بعد أمك من آلام المخاض، صرخت في وجهك الصغير وعينيك ~~المغمضتين: أنت غلطة العمر، ثم أخذت تنادي: أبعدوا عني هذا المسخ، أبعدوه. # وكأنها ما حبلت بك ستة أشهر ويومين، عانت فيك ما عانت، كأنها ما هيأت فراش أبوك في أمسية ~~مثيرة، أغوته ببهاء الدلكة وعطر الصندل، أشعلت فيه نار الرغبة وهي تبدي له جموح جسدها في ~~ضوء الشموع الناعسة، كأنها ما صرخت حين اشتعال لحظة اللذة في أعماقها وغور اشتهائها، كأنها ~~ما نامت ليلتها تلك تحلم بك تكبر فيها، تنبت فيها، تحيا في دمها، أنت أيها المرفوض، ألم تقل ~~لك: ما كان أحد من آبائك يرغب فيك ... كلهم كانوا ينشدون اللذة، فقط اللذة لا أكثر، ~~إذا. # اذهب إليها واطلب منها أن تسامحك، أن تغفر لك خطيئة ميلادك، خطيئة أن تصر على الحياة وتظل ~~باقيا إلى الآن، قل لها: أعيديني نطفة دافئة في صلب من تظنين أنه أبي، قل لها: ابصقي على ~~وجهي ما يكفي من لعنات لكي أمسخ ذرة غبار فأهيم في فضاء لا نهائي، أو حدثها عن جعفر وأنت لا ~~تدري ماذا يعني جعفر لأمك، جعفر مختار، لكنك لا تستطيع أن تقول لها شيئا ولا تقدر على ~~مواجهتها بما تظن أنه الحقيقة، مدعيا أن لكل إنسان حريته الشخصية كاملة غير منقوصة، يكره ~~من يشاء، يعز من يشاء، ولا يسأل إلا في حالة واحدة: إذا لم يكن ms14 حرا بقدر حريته، إذا كان ~~عبدا في أعماقه، لكنك تحبها، تحبها جدا، وهذا حق شخصي لا تلام عليه، كما أنه من حقك ~~الشخصي أن تطلق نعمة بنت خالتك؛ لأنها لم تسعك - أو على حد قولك - رغم أن أنها سمينة ~~جدا، إلا أنها كانت أضيق من حلمي، وأنه أيضا من حقك الشخصي أن تتزوج مليكة شول مادنق، ~~فتاة الدينكا الحسناء التي يسع قلبها عشرة من الأفيال وخرتيتا واحدا، ومن حقك الشخصي أن ~~تتفاخر أمام الآخرين بأنه لا أب لك، أترى ما يقول الناس عنك في خلواتهم الخاصة، في مكاتبهم، ~~مدارسهم، بيوتهم، في أفراحهم وأتراحهم؟ إنه رجل فاجر، وأيضا ابنته الجميلة، وعندما ينظرون ~~إلى ابنك رياك يستعجبون قائلين: كيف لرماد أن ينجب جمرة؟ # ولم تتمكن من إقناعهم بأن لكل رجل أخلاقه الخاصة النابعة من ذاته، من وعيه بالوجود ونظرته ~~للعالم، وعيه بالعلاقة المعقدة لوحدات الزمن، وحدات المكان والإنسان، بفهمه لشفرات السلوك ~~البشري من خلال ثقافته الحرة وامتلاكه لحريته بإرادته، إذا أنت ترى نفسك أكثر البشر صلاحا ~~وتقوى، هل تريد أن تقول للآخرين قولك لابنتك منى: إن الداعرة امرأة فاضلة إذا كانت مقتنعة ~~في حقيقة وعيها بأنها لا تمارس شيئا رذيلا أو نابيا، إذا لم تتناقض مع نفسها في فضيلة ما ~~تفعل، هي إذا تؤسس لأخلاقها الخاصة جدا ويجب احترامها، هي إذا تؤسس لفضيلتها الإلهية، ~~ويجب أن ينظر إليها كفيلسوف، إذا مثل الشعرة من العجين تنسل نقية من خطايا المجتمع؛ لأن ~~خطاياه هي نتيجة نقضه لأخلاقه التي ارتضاها، أخلاقه التي أسسها، التي ليست أخلاقها، بالتالي ~~ليست ملزمة بها، وبهذا الفهم يا محمد الناصر تصبح فيلسوفا صغيرا رعديدا لكنك بلا شك بك ~~ما يكفي من الشجاعة لكي تصبح أول من يطبق نظريتك، وآخرهم أيضا؛ لأنه لا أحد يقبل أن يسمعك، ~~لا أحد سوى ابنتك الجميلة منى، أشعلت سيجارة، أطفأتها، تكوم رماد السجائر أمامك. # تذكرت جعفرا، جعفر مختار، احتسيت قهوة مرة، قفزت إلى ذاكرتك آخر لحظة قضيتها مع مليكة، ~~قبل موتها المفاجئ بالنسبة لك؛ لأنه ms15 أبدا لم يكن مفاجئا بالنسبة لمليكة ذاتها، أحسست بدفء ~~صوتها المبحوح، وهي تهمس في أذنك: سأظل أشتاق إليك، سأظل أجري خلفك لأعيدك إلى المنزل، وأنت ~~تجري بحثا عن الذي ينتظرك، سأظل أمطرك بالأسئلة، هل ستهرب من سؤالي أبدا بعد أن ~~أموت؟ # ولم تستطع أن ترد على همسها إلا بدمعات ساخنات قطرت من عينيك اللتين رأتا كثيرا من ~~تصدعات الإنسان، عاصرتا مليونا من أعاصير الموت وعذابات الضحك والمسخرة، ثم انفجرت ~~بالبكاء، مثل طفل جائع، ولم تتخيل نفسك أنه بإمكانك أن تبكي في يوم ما بهذا العمق، بهذه ~~الحرية، أنت لم تحب في حياتك غير مليكة شول، فتاة الدينكا الحسناء، ذات الأرداف المملوءة ~~بالأطفال والبافرا ولن تحب غيرها، حاولت أن تتذكر آخر لحظة حب قضيتها في فراشها، آخر قبلة، ~~آخر همسة، آخر آخر، كان الرجلان قد أحكما وثاقك بحبل متين، قلت لهما: اتركاني، قالت لك ~~مليكة: لا. # فتحدثت إلى ابنك رياك وابنتك منى بكل موضوعية فأفهمتهما حقيقة الإنسان أو الشيء الذي ~~ينتظرك دائما في مكان ما، في زمان ما، قالت مليكة بشكل مؤكد: أنت موهوم ... # هي تفهمك أكثر من نفسك وتعرفك عندما تريد شيئا وتقول غيره، وعندما لا تريد شيئا وتبدو ~~وكأنك تريد العالم كله، وأنت غامض بقدر وضوحك، مخبول بقدر عقلك، صغير بقدر كبرك، أنت قوي ~~بقدر ضعفك، لكنك لست بشأن ما تعتقد أن تكون ولا بفهم ما تعتقد، ولست ضئيلا بما يجب لكي ~~يتجاهلك الله. رأت منى في رجل الشجرة كثيرا ما كانت تفتقده فيك، وأهم ذلك الشجرة ~~ذاتها. # أن تكون رجل شجرة؛ لأنك عندما التقيت مليكة لست أكثر من رجل حانة، أو ذلك الجالس قرب ~~زجاجة العرق الزرقاء، هل تدري أن رجل الشجرة يفترش صدر ابنتك منى يوميا؟ نعم، أنت تعرف ~~ذلك لكنك تتجاهله، مثلما تجاهلت حبوب الحبل المختفية التي كانت تخص مليكة، مثلما تجاهلت ~~تساقط صدرها وارتخاء شفتيها وجفافهما وغيابها المتكرر عن المنزل، وكنت تختلق لها الأعذار، ~~هل سافرت مع صديقتها في سياحة قصيرة؟ ربما تأخرت الليلة في ms16 الاستذكار، كم تبقى لامتحانات ~~نهاية العام؟ # وتحت باب الحرية الشخصية أيضا طالبت بالبحث عن الذي ينتظرك، صليت على عجل، قرأت سورة ~~الكافرون. # تذكرت جعفرا، جعفر مختار، أشعلت سيجارة، أطفأتها، اعتذرت لك مليكة عما بدر منها من ~~استئجار رجال أشداء لاصطيادك وربطك، قالت لك: لأننا نحبك ولا نريد أن تضيع، ثم أقرأتك جواب ~~ملوال المرسل إليها من جبهة الحرب، ورأيت اسمك مكتوبا بخط ركيك لكنه واضح، يقرئك السلام ~~والتحية ويقول لك: احتفظ بسلبيتك بشأن الحرب؛ لأنها ما أضحت حربا بين بشر، إنها حرب ~~أشباح. # وكتب في موضع آخر: تعتبر الحرب بالنسبة لي انتهت، وما يحدث الآن هو مجرد قتال، قتال عنيف ~~لا فهم له. وكتب أيضا بين قوسين كبيرين لأخته مليكة: إن الله مع الجانبين. هل كان يخاف على ~~قلب أخته؟ استطعت أن تخفي ارتباكك ورماديتك وخوفك من عيني مليكة، سألك ابنك رياك عن أمور ~~شتى، بشجاعة وصدق وصبر عظيمين، رغم أنك لا تزال تعتبره ولدا ساذجا بسيطا مندهشا ~~بالظواهر، ولدا ورقيا ريحيا، منى يعجبها فيك أنك تحاول دائما أن تجد فهما للحياة ~~خاصا بك، فهما لا يستطيع ابتلاعه غيرك وجعفر، يعجبها فيك ثقافتك، حريتك وسعيك المتواصل ~~نحو نقطة أبعد عن مرمى البصر، تواضعك وأشياء أخرى تحبها لكنها لا تستطيع أن تقولها لك، وهي ~~تراقبك عن كثب وأنت، وأنت تلاحظ بدقة انكسار جموح نهديها، نموها العقلي، خربشة أظافر الآخر ~~على كتفها وظهرها، ذكاءها الاجتماعي ووعيها، تذكرت جعفر مختار، أشعلت سيجارة، أطفأتها، ~~حاولت أن تقرأ القصة القصيرة ذات المقدمة التنديدية، لاحظت أن اللغة فيها باردة ومملة ~~ومتعبة جدا، بصقت. # أنت تحب كتب الفلسفة والديانات، الباراسايكولوجي، تحب أن تجلس على شاطئ النهر وحيدا، ~~تقرأ الكون من حولك، وتحاول ما أمكن أن تقرأه نفسك، منذ أن ماتت مليكة شول مادنق، سبعة ~~أعوام وأنت لم تشته امرأة، حاولت مرة أن تعانق ضفائر سيدة عطرة، لكنك وجدت نفسك عاجزا عن ~~فعل شيء، كنت باردا كفحم في مخزن رطب مهجور، تذكرت قول مليكة لك: لن تستطيع أن ms17 تتزوج امرأة ~~بعدي. # قلت لها ضاحكا حينها: غير صحيح؛ لأن الرجل لا يهتم كثيرا بمسائل تبدو لكم معشر النساء ~~مهمة، فالرجال يتزوجون ويتزوجون، وقد لا يذكرون نساءهم الأول. # في الحق أنت لا تؤمن بما تقول، ربما في ذاتك كنت تود أن تقول عكس ذلك، لكن مليكة الجميلة ~~فهمت ما أردت أن تقوله بالضبط ولخصته لك في جملة واحدة. لأني أحبك يا مليكة، فأنا رجل أمامك ~~أنت فقط، رجل لك أنت وحدك، حية كنت أو ميتة. أشعلت سيجارة، أطفأتها، أطرقت تفكر في خطاب ~~الموازنة وإمكانية زيادة الدخل القومي بزيادة توظيف مدخلات الإنتاج وإيجاد حل سلمي للحرب أو ~~إسقاط النظام القائم، بل إسقاط كل التاريخ، وإسقاطك أنت نفسك في نوم ثقيل مرعب. دخل إليك ~~رجلان من الجيران، قال لك أحدهما: بالأمس مات رجل عجوز غريب، كان يجلس أمام بيت له قديم في ~~الحي، ويظن البعض أنه والدك؟ قلت لهما: وهل أنا أبحث عن أب؟ قال أحدهما: إذا عرفنا لك أبا ~~فربما استطعنا أن نستنطق البعض بأنهم شهدوا عقد قران أمك، بالتالي تصبح ابنا شرعيا. قال ~~الآخر: مسألة مجاهرتك بأنه لا أب لك وافتخارك بذلك يسبب لنا ولكل الجيران مأزقا أخلاقيا، ~~وأيضا لابنك الصالح رياك. فضحكت، حاولت أن تتبول، لكنك عدت من المرحاض كما ذهبت ~~إليه. # قلت لهما وأنت لا تزال تتفجر ضحكا: إذا قدما لي التعازي، لقد كان أبي بالتأكيد رجلا ~~صالحا أفنى عمره في حبه لكم. # ولا تدري لماذا ذهبت إلى والدتك في ذلك اليوم، حيث بادرتك قائلة وأنت تلج حجرتها: محمد ~~الناصر، ماذا جاء بك؟ # قلت لها وفي فمك ابتسامة صغيرة: لقد مات رجل عجوز غريب، كان يجلس أمام بيت له قديم في ~~الحي، ويظنه البعض والدي. قالت ولم تبرح مرقدها بعد: أنت تبحث عن أب؟ # فقلت لها: بل هم الذين يبحثون عن أب لي، يريدون شرعنتي، وإنهم يظنون أنفسهم موتى في مأزق ~~أخلاقي! # إذا ينتظرونك لكي تبعثهم، أو على الأقل إخراجهم من هذا المأزق الأخلاقي، إذا اذهب وقل ~~لهم ms18 : إن أباك هو الشيطان نفسه، الشيطان الذي يتبول في مناخيرهم كل ليلة وهم نيام، ويزني ~~بنسائهم وبناتهم، ألم أقل لك ذلك من قبل؟ ماذا تريد مني؟ اذهب واسأل جعفرا، جعفر مختار، ~~إذا شئت، ثم أضافت بكل برود: أنا حرة، لقد قالوا: إنك أيضا حر. # فقلت لها وتخنقك العبرات: هناك فرق دقيق جدا بين الحرية والعبودية، فالمسألة مسألة فهم ~~ووعي، الحرية في العقل، العقل يا أمي! # قالت بنفس برودها: أعلمك جعفر هذه الحكمة؟ فعندما تركتك ليس بإمكانك فعل شيء سوى الصراخ ~~وكثرة التبول! # أشعلت سيجارة، أطفأتها، تذكرت جعفرا، مثل هرة منعمة أمك، حادة الطبع ربما تعاني بطريقة ~~أو بأخرى من مرض عقلي، ثرية، لا تهتم بشيء سوى نفسها، ونفسها فقط، وأنت ابن غير شرعي، ابن ~~حرام، كما قال لك رجل صعلوك تشاجرت معه في خمارة في أيام المراهقة، المهم سفاحا أنجبتك من ~~صلب رجل ربما التقيت أنت به في زمان ما أو في مكان ما، ولا ذنب لك في ذلك، ليست أمك هي ~~المسئولة ولا حتى والدك، وأنت تختلق لهما الأعذار كعادتك، ولا تحب الخوض في هذا الشأن لأنه ~~شأنهما وليس شأنك، فأنت وجدت بطريقة ما في هذا الكون، تحمل على كتفك مسئولية أن تحيا، ~~وفلسفة أن تكون، ولا يهم بالنسبة لهذا الكون الكبير أن تكون ابنا شرعيا أو غير شرعي، قال ~~لك جعفر، جعفر مختار: أنت تكره التحدث عن علاقة ميلادك، فأنت رجل حزين ومصدر حزنك عقلك، وما ~~عليك إلا أن تعري نفسك أمام أفكارك، لتكون أكثر حرية وتجاوزا للأشياء، هذه الأشياء الصغيرة ~~جدا والتافهة. لم تصدق نعمة زوجتك وابنة خالتك أن أحدهم ينتظرك وتحدثك قائلة: هذا الشهر ~~كله دعنا نبحث عنه، فإذا لم نجده يجب عليك أن تعترف بسوء عقلك، ولا تقل لي مرة أخرى شيئا ~~من هذا القبيل. # أحدهم ينتظرني، أحدهم يفعلني، أحدهم، أحدهم، أو تجري في الشوارع تبحث عن شبح لا وجود له ~~في الواقع، سنمشي في كل الشوارع نبحث عنه. قلت لها: ربما يجيء بعد أن ms19 نغادر الشارع. # قالت: سنؤجر من يأتي خلفنا يبحث عنه حتى إذا جاء بعدنا وجده. # قلت: إذا جاء بعد هذا الأخير أيضا؟ # قالت: سنستأجر من يأتي بعد الاثنين، إذا ماذا تقول؟ # قلت: هب أنه وجده فكيف يعرف أن هذا الشيء هو الذي ينتظرني، الذي ينتظرني أنا بالذات؟ لأن ~~من ينتظرني ربما كان شيئا مفاجئا، يوجد حيث لا يتوقع، وربما يوجد الآن بيننا، ربما يجلس ~~خلف المنزل معطيا ظهره للحائط وهو يتبرز، أو يزرع بعض الفجل، ربما يقف الآن تحت الشمس ~~يتقاطر من جبينه العرق في موقف الأتوبيس يتوقع قدومي بعد كل لحظة، وعندما أتأخر عن المجيء ~~يلعنني في سره، أو يغني لحنا أجنبيا! ربما أكل الآن ما في جيبه من تسالي وآخر الأغاني ~~الرخيصة التي بجعبته، وملت شفتاه الصفير، وأصبح فارغا كوجه رجل مغيب عن حقيقة الصراع ~~اليومي والعلاقات أحيانا، كنت تظن أنه ينتظرك من أجل نفسه، لتجدد فيه قدمه وذكرياته، أيامه ~~المخبأة خلف غيمة من الوهم، يريدك أن تؤسس له حياة جديدة مستقبلا حقيقيا بوعي حاضر، أو ~~غير ما تعتقد! ربما كان نبيا مليئا بالأشياء الجميلة يحمل إليك بشارة وجودك، يجدد قدمك، ~~يحررك أكثر ويزكيك أمام الريح، يصقل تجاربك، إنه على كل في انتظارك، قد يكون بعيدا جدا، ~~بعيدا في آخر شبر من الكون، جالسا على كرسي يحتسي قهوة المساء، وحواليه بنيات حسان يعزفن ~~القيثارة ويغنين له عنك وعن الحرب وابنتك الجميلة منى، تذكرت جعفرا، جعفر مختار، أشعلت ~~سيجارة، أطفأتها، تمنيت لو كانت مليكة شول قربك الآن تضع الإفطار لابنيكما، وهي تغني ما لم ~~تسمعه من أغنيات أهلها، في غابات المانجو والباباي، كنت ستسألها: لماذا لم أتمكن من ~~الانفكاك منك، من شوقي إليك؟ وتخيلت ابتسامتها البسيطة المتواضعة العميقة، التي تظهر بياض ~~أسنانها وورد شفتيها، وكيف أنها ستمتلئ بالنشوة النسوانية المثيرة، سألت رجلين جاءا من الحي ~~وطلبا منك أن تقوم باستلام ما تركه الرجل العجوز؛ لأنك وريثه الوحيد. # من أين جاء هذا الرجل العجوز؟ ومن قال لكم إنه أبي؟ وكيف يوصي ms20 لي بممتلكاته وهو لم يرني ~~في حياته؟ # لكنك عندما أخذت تنقب حاجياته القديمة وجدت جواز سفر وبطاقة عسكرية بها اسم ربما شابه ~~اسما قالت لك أمك يوما: إنه اسم أبيك، سكرت، حاولت أن تنام، تذكرت جعفرا، جعفر ~~مختار. # | هذا سفر التي هي: مليكة شول # طالما لم تتزوج البنت، يا ابنتي مليكة، طالما لم تتزوج البنت فإنها ستظل قلقة إلى أن ~~تصطاد المحب، لكنها ستظل قلقة إلى أن يخطبها، لكنها ستظل قلقة إلى أن يتزوجها، من ثم يبدأ ~~هو مشوار القلق نيابة عنها، وهذه هي مشيئة دينق الرب الواحد الكبير، هكذا تكلمت جدتك ~~نياندنق: إن القلق امرأة وخلق دنق الرجل حمارا لحمل القلق عنها، لجامه الحب، عصاه الأطفال، ~~كلما كثر الأطفال كلما كثرت العصا التي تنهال على ظهره ضربا دافعة إياه على السير قدما، ~~وعلى ظهره امرأة أو القلق! وكلاهما واحد. # هكذا كانت تعلمك جدتك العجوز نياندق وتقول لك: غدا عندما يقع شاب في شباك جمالك ويعرف ~~قيمتك، سيحمل عنك هذا القلق الذي يحرق قلبك الآن. # ولو أن القلق الذي كنت تعانين منه لم يكن أبدا في شأن مستقبلك أو في شأن الرجل، كان ~~قلقا ينبع من غور قصي في ذاتك، فيك أصيل، وكأنه عضو خلقه الرب فيك، قلق لا فكاك منه، ومهما ~~قوي ظهر الرجل حمار قلقك الذي ينتظر، فإنه لا يستطيع معه صبرا أبدا. # جدتك نياندنق ذات السنوات التسعين والسن الواحدة، مات في حضنها خمسة رجال، ولا تزال حية ~~كساق المهوقني، قوية تزأر بصوتها الجهوري فتسمع القرية من الغابة إلى النهر، من التوج إلى ~~شجرة النمور الثلاثة، ما بعد المستنقع الكبير أباب دير، قيل إنها كلما مات أحد أزواجها ~~احتفظت بصوته، جدتك القاسية على نفسها، عاشقة الصبايا، زهور الموز، كما تسمي صبيات الدينكا ~~الحسناوات، ذوات السوق الطويلة الملساء، سوق الزرافات، أعناقهن الجميلة المحلاة بالعاج ~~والودع والخرز الملون، المجلوب من بلاد نيجيريا ويوغندا وأفريقيا الوسطى، المتوارث، ~~البنيات الراقصات الرقيقات، بأذرعهن المرسلة كأغصان أشجار المانجو، كانت تجالسهن، تحكي لهن ~~عن الماضي ms21 الغابر الجميل، عندما كانت تتحدث الأشجار والحيوانات مع البشر، وكانت الشمس ~~والقمر والسماء جميعا تسكن الأرض، قبل أن يطردهم الرب أو ينفيهم بعيدا في الفضاء. وكانت ~~تسقيهم العادات والتقاليد والقيم النبيلة في كئوس من الأحاجي والقصص، وأيضا الشعر ~~المغنى. كانت نياندنق عرابهم، فما كنت أنت مليكة شول مادنق التي أنشأتك جدتك على إيقاع ~~حكمة السلف، وعلم الأب الأكبر دينق، تحلمين في يوم ما بحياة مثل التي تعيشينها اليوم، حياة ~~صاخبة بجنون زوجك محمد الناصر، حيث لا ثابت! وأنت التي كنت تهيئين لأن تصبحي زوجة دينكا ~~مثالية، لدووت منغار، تقدسينه تحترمين زوجاته الأخريات، كاحترامك لأخواتك، تنجبين له كثيرا ~~من البنات، ذوات السيقان القوية الطويلة، بعض الأولاد، تحلبين أبقاره، تصنعين له السمن ~~والمريسة، عرق الموز في الأعياد والمناسبات الكبيرة، عند القيلولة، تنتفين شعر عانته ~~بالرماد، تقشرين له قصب العنكوليب، إذا آب للفراش تستجيبين لغزله، مثل دجاجة خجلة تنزلقين ~~من بين كتفيه الكبيرتين القويتين، ثم تستسلمين له طاعة، كلك رغبة وكلك تمنع، في هدوء القرية ~~ووداعتها، موسيقاها الاحتفالية، مهرجانات أباب دير المقدسة، بين أشجار الباباي والمهوقني ~~والمانجو تخلفين له أجيال الدينكا القادمة، تغزلين جلابيب الفجر بأغنيات الخلود، خلود الوطن ~~كله، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي سفنك، عندما أتى خبر الحرب مع رياح الخريف. # قال الشيوخ من بين أسنانهم القديمة الهرمة وهم يبصقون التمباك على الأرض: دعوه، فقد لا ~~تؤكده الأمطار. # فنمتم في فراغات الطمأنينة، تطردون الخوف مع ريحكم خارج الجسد، وعندما عاد خبر الحرب مرة ~~أخرى محمولا على قطرات المطر، باردا ومدهشا كالصقيع، قال الشيوخ وهم يضعون مرة أخرى عجين ~~التمباك بين شفاههم الغليظة ولثتهم الحمراء: دعوه فقد لا تؤكده الأعشاب التي ستنبت عندما ~~ترتوي الأرض. # لكن! # ما إن رفعت الشجيرات الصغيرة وعشيبات الخريف رءوسها من صدر التراب، حتى فرقعت السماء ~~بمدافع الهاون والراجمات، ولو أن الماجوك الكبير أكد. # لا يمكن أن ينزل الشيطان بقريتنا، فقد خصنا الرب دينق بالأمن والسلام، إلا أن الشيطان ~~الآن يتبول على رءوسكم حمما وشظايا من الحديد ms22 والنار لا عهد لكم بها فتدهشكم ولما تفيقون ~~من دهشتكم بعد تشردكم ولما ترجعون من تشردكم بعد، تقتلكم، وحتى الماجوك الكبير الذي بإمكانه ~~أن يتنبأ بكل حوادث التاريخ التي سوف تحدث منذ ميلاده إلى موته، الذي تنبأ بهجرة الأفيال ~~إلى بلاد بعيدة، وموت أسود الأبقار، وأيضا استطاع أن يعرف قبل وقت كاف من موت رث الشلك، ~~بأن رجلا عظيما سيسقط كما يأفل النجم، فاليوم يفاجأ مفاجأة كاملة ببول الشيطان المتدفق ~~من السماء حمما وشظايا، على مراقد أطفاله، مربط الأبقار، بول من النار ولم يدر هل يحمي ~~أطفاله، أم يحمي أبقاره، أم يحمي نساءه، أم يحمي بنيه، أم يحمي جيرانه، أم يحمي رعيته، أم ~~يحمي نفسه، وكيف؟ # بأي تميمة؟ بأي طوطم؟ بأي دعاء؟ أو بأي رقصة؟ # فقد تميمم، تطوطم، تدعى، أيضا رقص قبل أن تسقط على رأسه الأصلع القديم قذيفة هاون فتمزقه ~~إربا إربا، مليكة شول ما كنت تصدقين أن رب العرب جيرانكم، سيسري بهم في لياليكم المقمرة، ~~إلى أروقتكم الصغيرة البريئة فيحرقونها، وهم يصرخون بكلام لا تعرفونه: الله أكبر، الله ~~أكبر. # عندما عرفت معناه بعد أعوام سألت نفسك في براءة سلحفاة، هل نحن كفار؟ مثلنا مثل الشياطين ~~وأرواح الظلام، يرمي بنا في الحياة القادمة في النار! سألت أيضا زوجك محمدا الناصر: لماذا ~~حرقت القرية وقتل الماجوك، لكنه كالعادة أجابك بقبلة عميقة، امتص فيها شفتيك، كأنه يود ~~ابتلاعهما، لقد كنت تقدرين موقف أخيك ملوال، أخوك الأكبر عندما انضم لجيش الحكومة في 1982 ~~من أجل وحدة الوطن، من أجل أن تنام عصافير غابات المانجو في الجنوب، من أجل شتلات البرتقال ~~في الغرب، من أجل أن يرعى بعيرا بين أشجار الأراك في الشرق، من أجل أن تنضج ثمار الباباي، ~~لكي يفطر بها الأطفال، الأطفال السمر وهم يقبلون الشمس غدا، غدا القريب من أجل تمرة في ~~الشمال، تمرة يتقاسمها أطفال الخلاوي وهم يرتلون سلام الله، كان يرى - هذه وجهة نظره - أن ~~لا سبيل إلى الوطن الآمن إلا من خلال الجيش المركزي، جيش الحكومة! وهذا ms23 نفس ما كان يراه ~~أخوك الأصغر ماجوك، الذي انضم إلى جيش الغابة، من حقك أن تسألي محمدا الناصر، أو جعفرا ~~سؤالك لنفسك: لماذا يحارب جيش الحكومة باسم الله والدين؟ هل أخي ملوال - وهو يؤمن بالماجوك ~~وكجوره - الآن يحارب مع جيش الحكومة، هل هو يحارب باسم الدين أيضا، بأي دين؟ أم هو يحارب ~~باسم الماجوك، كيف؟ هب أن ملوال قتل في هذه الحرب، أيدخل الجنة، أم يدخل النار؟ هل يموت ~~شهيدا أم يموت كافرا؟ إذا ضد من يحارب ماجوك؟ إذا ضد من يحارب ملوال؟ ضد من يقف الله؟ ~~مع من يقف؟ وأنتما تعرفان أن أخي ماجوك الذي بجيش الغابة هو المسلم الوحيد بالأسرة كلها، ~~لكنك يا مليكة يا امرأة الرصاص والبافرا لا تجدين من يستمع لصرخات سؤالك غير رأس واحدة، ~~مدفونة بالرمال، رأس محمد الناصر أحمد، زوجك، أما جعفر مختار نفسه فإنه دائما ما يؤكد لك ~~أن أطلقي علي الرصاص، ولا تسأليني سؤالا لا إجابة له، تذكرت جعفرا، جعفر مختار، قلت ~~لنفسك: جعفر يعرف كل شيء، لكنه لا يفرط في سبيله لأحد، كان صوت محمد الناصر يأتيك من داخل ~~مكتبته: الشاي، الشاي يا مليكة. # ثم فاجأك كعادته: أريدك الآن! في هذا الآن بالذات. ~~- هل جننت؟ ~~- لماذا لا تذهبين معي للفراش؟ # قرأت من ذاكرتك خطاب ملوال، وأنت بين ذراعيه توقفت كثيرا عند عبارته: أنت تعرفين يا ~~مليكة أنني ما أزال في دين دينق، ومعي في الجيش الأرب، وهم مسلمون والأغلبية، ومعنا مسيحيون ~~وهم من قبائل النوبة والجنوب أيضا، لكن ما يحدث في هذه الحرب حيرني يا مليكة أختي، أهي حرب ~~للمسلمين ضد جيش الغابة؟ أهي للمسلمين ضد المسيحيين؟ أهي حرب للمسلمين والمسيحيين ضد ~~المسلمين والمسيحيين؟ أهي حرب ضد الغابة، ضد الصحراء؟ أهي حرب سياسية؟ أهي حرب؟ # حقيقة أنا محتار يا أختي مليكة، إن هذه الحرب غير مفهومة إطلاقا، أنا خائف، خوف لا أفهمه ~~أيضا، فاجأته وهو في ذروة نشوته: ما هو رأيك في الحرب؟ # فضمك بشدة إلى صدره، أصدر مواء باهتا، عرق ms24 قليلا ، قبلك، كان القذف عنيفا وقويا، ~~قعقعة الرشاشات لا تزال تضج في رأسك، تراخت ذراعاه، ثم نام. # عندما رأيته أول مرة قرب زجاجة العرق، في تلك الأمسية، ما كنت تصدقين حتى ولو همست في ~~أذنك عرافة قائلة: ذلك الرجل ذو البشرة الصفراء النحيف، بشعره الكث، المبعثر، نظراته ~~القلقة، سيجارته المطفأة دائما، سيكون زوجك، وستنجبين له بعد سنة من الزواج رياك، ثم بعد ~~عامين آخرين ابنة خلاسية جموحة أجمل من جداتها كلهن، شماليات كن أو جنوبيات، فاجأك قائلا: ~~هل تتزوجيني يا مليكة؟ # قلت بعفوية: لا، لا ... # قال لك وقد فاجأه عنف رفضك: لماذا؟ هل أنا قبيح إلى هذه الدرجة؟ # قلت كالمنومة لكن بصدق كبير: لا، لا. # أنت عرب ونحن دينكا. # نحن دينق وأنت محمد. # نحن جنوب وأنت شمال. # ضحك، ما زلت تتذكرين تلك الضحكة التي زعزعت إيمانك بكل ما تعلمته من جدتك ذات السن ~~الواحدة والأعوام التسعين، نياندنق، ضحكته التي تخافين منها وتعشقينها، في ذات اللحظة، ~~تهربين منه خلف بيوت الخيش والطين اللبن وأكواخ الصفيح، وتسلمينه مفاتيح لذتك، في ذات الوقت ~~الذي ما كنت تدرين فيه هل الذي أمامك الشيطان أم هو الملاك؟ أم مجرد ضحكة، ضحكة دمرت كل ~~الثابت والمعروف المعطى البديهي والمؤمن به؟ ضحكة شردت بلادة طمأنينتك وغربتك للأبد، أولا ~~كان الاختلاف: أين وكيف يتم عقد القران؟ في الكنيسة أم في الجامع، أم عند الكجوري الذي هو ~~راعي القبيلة بالمدينة؟ وكان رأيك واضحا: أنا لا أذهب إلى الكنيسة ولا إلى المأذون، أنا ~~ديني هو دينق. # لكنه كان ذكيا وخبيثا في ذات اللحظة، عندما أقنعك بأنه سيتزوجك مرتين: عند كبار ~~قبيلتكم وشيوخكم والكجوريين، ولو أنه أضاف: لكنني لا أستطيع أن آتيك ولو ببقرة واحدة، فأنا ~~فقير، لا أملك ديكا، ثم قال إنه سيتزوجك مرة أخرى عند المأذون زواجا إسلاميا بشريعة ~~محمد، فقبلت، قبل أقاربك الفكرة مؤكدين أنهم لا يتنازلون عن الأبقار، يعتبرونها دينا في ~~عنق محمد الناصر وفي عنق أبنائه من بعده إلى حين يتم دفعها. # فقال مبتسما: لا بأس ms25 أن يدفع الأحفاد نصيبهم من مهر جدتهم مليكة، هذا غاية العدل، في ~~الحق يا مليكة شول مادنق، كنت ستوافقين على الزواج من محمد الناصر بدون قيد أو شرط لأنه لا ~~وقت لديك للعقيدة، العادات والطقوس، فقد كنت فقيرة مشردة، لاجئة، تعلمت في هذا الواقع أن ~~بلدا غير بلدك، امش فيه عريان. # لا تنكرين أيضا، حبك الجنوني له، حتى إنه عندما قال لك: أنا لا أعرف لي أبا، وأمي امرأة ~~غنية ومجنونة تكرهني، ربما أنا أحبها ولا ألومها على شيء، لا أعرف عن حياتها شيئا غير ~~الهوامش، لم تتمكني من فهم قوله، أو ما كنت في حاجة لفهم ما يقول، طالما لا يوجد شيء يمنعه ~~من الزواج بك، عندما قال لك: أنا متزوج من امرأة سمينة بيضاء البشرة، أمها أخت أمي. # قلت له: الدينكا أيضا مزواجون، سأحترمها كأخت لي كبيرة، كما علمتني نياندنق سأطيع ~~أوامرها، وسأخدمها، إلا أنه عندما فاجأك ذات يوم قائلا: لقد طلقت اليوم نعمة زوجتي. # لا تنكرين فرحتك الكبيرة حينها، التي لا تحدها حدود الأخلاق أو التربية والتقاليد، فرحتك ~~التي تهدمت تحت مناكبها كلمات نياندنق، وآلاف الحكم التي تمجد امرأة الزوج الكبيرة، قلت في ~~نفسك: الآن، الآن أمتلك رجلا كاملا، رجلا لي وحدي، ثم قلت وبعينيك غنج حلو: هل ستتزوج ~~امرأة أخرى؟ # قال مسالما كحمل يشتم عشبة برية غريبة: أنت المرأة التي كنت أبحث عنها في النساء، حتى في ~~نعمة نفسها. # ثم حدثك عن جعفر، جعفر مختار، عن مدن كثيرة زارها، وجعفر في الشرق والغرب والشمال، أيضا ~~في الجنة، قال لك: لا يعرف أحد عمر جعفر بالضبط، لكنه يقول إن عمره يتجدد بشكل مستمر إذا ~~التقى امرأة جميلة أحس في قرارة نفسه أنه كان يبحث عنها، وعمره يتساقط بشكل مستمر إذا اكتشف ~~أن المرأة الجميلة التي التقى بها قبل قليل كانت المرأة الزيف، المرأة التي كان يهرب منها، ~~فقلت له بكبرياء وغرور: إذا عمرك سيتجدد الآن؟ # قال مندهشا: أحقا ما تقولين؟ # حدثك عن بلد لا نساء فيها، عن ms26 بلد كلها رجال، عن رجال ينجبون الأطفال، نساء لا يلدن، وقال ~~لك: هذه بلاد لا يحلم بها جعفر مختار، فتأكد لك أنه قد نعس، وحكى لك عن أشياء مما اعتبرتها ~~فيما بعد كراماته، وما يدل على أنه رجل صالح، قام، تبول، اكتفى بشبح ابتسامة وهو يقول لك: ~~ماذا يعجبك في؟ قلت له: الإنسان، قال لك: أتدري ماذا يعجبني فيك؟ قلت وأنت تضحكين من ~~أعماقك: أعرف. # لكنك فيما بعد وددت لو أنك قلت له: لا أدري. # حدثني بما يعجبك في، ربما كان ما يعجبه فيك أمرا مخالفا لما في رأسك، هل كنت تعرفين أن ~~هنالك شيئا بعينه يجذبه إليك؟ كانت جدتك نياندنق تقول لك دائما: رجل الدينكا يحب المرأة ~~ذات الساقين الطويلتين والأذرع الفروع اللينة، والعنق الطويل لأنها ستنجب له أولادا ~~أقوياء، لهم قامات مديدة كأشجار المهوقني، أقوياء يصرعون أقوى الثيران، بقبضات ~~أيديهم. # أشعل سيجارة، أطفأها، صلى المغرب، ذهبتما لسينما القصر حيث شاهدتما فيلم الشبح الأمريكي، ~~قال لك: جعفر رجل جميل، إنسان سيحبك كثيرا؛ لأنه بلا شك يعرف عنك الكثير. # لكني لم أره من قبل ولم يرني. # هذا ما يؤكد أنه يعرفك، فكلما كان عنك بعيدا هو قريب منك، بصورة لا تتصورينها، أنا أعرفه ~~جيدا؛ لذا أجهله جدا؛ لأنه صديقي فهو أغرب الناس عندي! # عندما بدأت تفهمينه صمت قليلا، ثم توضأ فصلى صلاة العشاء، كالعادة تناول النشا الذي ~~أعددته له من الذرة والعسل، ثم أخذ يصلي مرة أخرى، بعد أن فرغ من صلاته الأخيرة بدأ برنامج ~~تعليمك أصول الدين الإسلامي، كعادته كان حرا وهو يقول لك: ليس واجبا عليك أن تدخلي ~~الإسلام، أنا أعلمك من أجل ألا تجهلي شيئا مهما في حياتنا اليومية في هذا البلد، أما ~~معرفتي أنا بكجوركم لا يلزمني الإيمان بها واعتناقها، كنت تجلسين أمامه كتلميذة نجيبة تحب ~~معلمها وترهبه في الوقت نفسه، عندما سألته عن دين الأولاد؟ قال: دعيهم يكبرون أولا، يثقفون ~~أنفسهم، ثم يختارون دينهم أو ديانتهم، نحن أنجبنا أجسادهم، والله هو الروح، وهو الجسد أيضا ms27 ~~وله شأنهما، فلن نقيد أحدا بخياراتنا، دينهم لهم هم، ملكهم وهم ملك الله، ثم أضاف: إن ~~احترامنا لأنفسنا يحتم علينا احترامهم، ثم قال لك ذات يوم: هل تتحرجين إذا حدثتنا منى عن ~~فتاها رجل الشجرة؟ # ونادى ابنته منى، جلست قربه بأدب محاولة جذب فستانها القصير لأسفل بعض الشيء، وكان ~~بوجهها قناع أبيض من كريم لا تعرفانه، له رائحة قريبة جدا من رائحة الكبريت، وكانت نفاذة ~~وكريهة فسألها: ماذا بوجهك، هل هو كبريت؟ # قالت في دلال: إنه خلطة من كريمات كثيرة، من بينها الكبريت وبعض مراهم العيون ~~والفيتامين. ~~- إذا ما فائدتهما؟ # قالت بصراحتها المعهودة: كل البنات يفعلن ذلك، إنه يجعل الوجه أبيض وناعما وشجعني على ~~ذلك رجل الشجرة، رجل الشجرة نفسه، نعم يا أبي؛ لأنه أكد لي أن جمالي سيتضاعف إذا فعلت ذلك، ~~وأنه سيحبني أكثر. ~~- وهل ستواصلين في ذلك؟ # قالت وفي فمها ابتسامة صغيرة: لست أدري، دعني أرى النتائج ولو أن رائحته التي تشبه ~~الفساء تشعرني بالغثيان. # فقلت لها أنت: ماذا لو كانت بشرتك سوداء تماما كبشرتي هذه، هل كنت ستغسلين وجهك بحامض ~~الكبريتيك؟ # وحاولت أن تنصحيها بعدم فعل هذا، إلا أنه قال لك: دعيها، ولو أن لونها أصلا في تناسق تام ~~مع ملامحها، وأنها جميلة من غير كريمات، إلا أنه شأنها، والوجه وجهها، دعيها لتتعلم من ~~التجربة، ليس من حقنا حرمان أحد فرصة أن يجرب، أن يكتشف الأشياء بنفسه، وليس أيضا من حقنا ~~أن نسألها: ماذا عن يديها ورجليها؟ ماذا عن بقية جسدها أو من اشترى لها الكريمات؟ # ضحكت ابنتك الجميلة وهي تقول: أنا أشكرك يا أبي، ولو أنك تحاول أن تسألني، إلا أنك سألتني ~~الآن، وأنت تعرف معظم الإجابات، فقط أريد أن أقول لك: إن رجل الشجرة الذي اشترى لي هذه ~~الكريمات، ولو أنني أعرف أنك لا تمانع في شرائها لي، إلا أن رجل الشجرة طلب مني ألا آخذ منك ~~ثمنها، وأنه أبسط ما يقدمه لي من هدية هذا الكريم العفن، وإكراما له أنا أستخدمه ~~الآن. # حينما ثرت ms28 أنت واتهمت محمدا الناصر وجعفرا بأنهما أفسدا منى، أفسداها تماما، وقلت له ~~بشكل قاطع: ليس للأطفال حرية، فهم لا يعون شيئا ولا تجارب لهم، ولا يفهمون ولا يعرفون ما ~~يضرهم ويصلحهم، وأننا مسئولون عنهم، لكن رد عليك بكل ثقة: لذا دعينا نعطيهم الفرصة للمعرفة، ~~والتجربة هي سبيل المعرفة، ليس الكلام وليس الضرب، كما أن منى لم تعد طفلة، ولا حتى رياك ~~طفلا، تذكرت جعفرا، جعفر مختار، وكنت بحجرة النوم عندما كان هو وزوجك يلعبان الشطرنج ~~بالصالون، بين الحين والآخر تسمعين غناءهما، كان غناء حلوا، ولم تسمعي به من قبل، قلت ~~لنفسك: ربما ألفه جعفر ولحنه محمد الناصر، لكن في الحقيقة لم يؤلفه ولم يلحنه الاثنان، ~~لكن رجلا راعيا بقرب النهر، هو الذي قام بتأليفه وتلحينه أيضا، وسرقه منه جعفر وأتى به ~~إلى محمد الناصر، ولو أن محمدا الناصر رفض غناء اللحن في بادئ الأمر، مدعيا بعدم شرعيته ~~لأنه مسروق، إلا أن جعفرا أقنعه بأن الراعي نفسه قام بسرقته من أغنامه، قام جعفر بتحليل ~~نغمات اللحن ورجعها إلى أصولها التي لم تكن سوى ثغاء ونباح ونهيق حماره العجوز الأزرق، ~~مضافا إليه حفيف الريح وزقزقة ود أبرق، واقتنع محمد الناصر وغنى اللحن، ثم أخذا في الرقص، ~~وأيضا ما كان محمد الناصر يريد أن يؤدي رقصا مسروقا، لكن جعفرا حلل له الرقصة، أعاد ~~حركاتها إلى أصولها الأولى، ولم تكن سوى بصبصة ذيل كلب الراعي، ونوس غصن كان يظلله دائما، ~~ورفسات حماره بالجوز في الهواء، عندما يشبع من ثمار شجرة المسكيت، واقتنع محمد الناصر ورقص، ~~ثم أخذا في إنشاد الكلمات شعرا، وأيضا ما كان محمد الناصر يريد أن ينشد شعرا مسروقا، ~~لكن جعفرا أقنعه بالإنشاد، بعد أن قام بتحليل الكلمات وبنية النص، وردهما إلى أصولهما من ~~الطير والقرآن والماء، تذكرت جعفرا مرة أخرى، كان الوقت منتصف الليل عندما استيقظت على ~~إحساس بأن ماء رجل قد قذف فيك، وكان محمد الناصر نائما يشخر بانتظام، فتأكد لك أن ذلك من ~~فعائل جعفر، وقلت لنفسك لا بد ms29 أنه الآن يستمني في بيته؛ لأنك تدركين أن جعفرا إذا استمنى ~~على صورة سيدة ما، فإن ماءه سيدركها أينما كانت، فأيقظت محمدا الناصر، وأريته ماء جعفر ~~الذي ما زال يسيل منك، فضحك وهو يقول: خائن، سأنتقم منه غدا. # ثم نام ليعود إلى شخيره بعد لحظات وجيزة، كنت تعرفين أي نوع من الانتقام سيطبقه محمد ~~الناصر على جعفر، لا شيء، فقط سيجبر محمد الناصر جعفرا على غناء أغنية هابطة ورقص إيقاعها ~~المستهلك، ثم يذهبان إلى شاطئ النهر ليلتقيا بالراعي العجوز وأغنامه وولد ابنته المشاغب ~~الكسول، أو يلعبان الشطرنج وهما يغنيان لحنا مسروقا آخر، لقد كان جهدك عظيما يا مليكة ~~شول في أن تجعلي من ابنتك منى سيدة مجتمع فاضلة، مربية تربية قبلية محافظة، كنت تودين أن ~~تخلقي منها سيدة دينكاوية في ملامح شمالية، إلا أنها كانت دائما منجرفة خلف والدها محمد ~~الناصر، بجنون فعلي، إنها تحبه وترى فيه مثلها الأعلى، ولا ترى فيك غير سيدة قديمة من بقايا ~~عصور ما قبل التاريخ، ولو أنها تحبك أيضا لكن أبدا لم يقنعها أسلوبك في الحياة، ذلك ~~الأسلوب المحافظ. قلت لمحمد الناصر: ما هو رأيك في الحرب؟ # دفن وجهه بين نهديك يشمم عبقك الأنثوي القوي وهو يقول لك بصوت طائش ويتحسس بأنامله ~~الخرزات المنظومة حول خصرك: إن الله مع الجانبين، إنه على كل شيء قدير. # لكنك أيضا لم ترحمي ضعفه، فقصصت عليه قصة الجدي وأسد الأبقار الجائع، التي حكتها لك جدتك ~~نياندنق، كان أسد الأبقار العجوز يعاني من جوع مستطير لازمه ثلاثة أيام بلياليها الباردة ~~الطويلة، فكان تعبا ومرهقا ليس لديه أي مقدرة لمطاردة فرائسه، بل هو نفسه قد يصبح فريسة ~~لحيوان جبان، مثل الضبع، إذا علم بأن لا قدرة للأسد العجوز، فدعا الأسد العجوز ربه أن يرزقه ~~مأكلا، أثناء ما هو يجرجر أقدامه بين شجيرات الغابة، إذا به يرى جديا جريحا تحت شجرة، ~~فعندما نظر الأسد إلى الجدي، حاول الجدي أن يهرب، لكنه لم يستطع لأن قائمتيه الخلفيتين ~~مكسورتان، فدعا ربه دعاء سريعا ms30 بأن ينقذه من الأسد العجوز الجائع، ثم سألت جدتك: تخيلي ~~ماذا ستكون نهاية القصة؟ ولا تتسرعي في الحكم، متبعة العاطفة. # قلت: لا أعرف كيف تكون النهاية. # قالت لك وهي تبتسم ما أمكن: هذا ليس بامتحان للرب، لكن إما أن يكفر به الأسد إذا تمكن ~~الجدي من الهرب، رغم جرحه وقائمتيه المكسورتين، وإما أن يكفر الجدي إذا تمكن الأسد العجوز ~~من التهامه رغم دعواته الصادقة النابعة من رعب حقيقي ومؤكد، إذا بقدر كفر الأول يكون إيمان ~~الآخر، قال لك محمد الناصر: أرجوك لا تسأليني مرة أخرى، وإلا سأعتبر سؤالك لي عن الحرب ليس ~~سوى دعوى صريحة لمطارحتك الفراش، وهذا يتنافى مع تقليديتك ومحاولتك أن تظلي امرأة خجولة، هل ~~اتفقنا على ذلك؟ فقلت له بإصرار: لا. # قال: فلنعتبر ذلك إعلانا للحرب من جانب واحد، وإعلانا للحب من جانب آخر، فأعدك بأنني لن ~~أكسر بندقيتك، وأرجوك ألا تقتلي حمائمي. لم تهمتي كثيرا بقوله، أو لم يحرك فيك قوله ~~ساكنا، واعتبرت أن ذلك ليس إلا أسلوبا جديدا للهرب ودفن الرأس في الرمال. طلقة جيم ثلاثة ~~طائشة جرحت ماجوك في رأسه وكادت أن ترسله إلى سلفه، في حياتهم الأخرى تحت الأرض، إلا أن ~~أرواحهم المباركة دفعت به مرة أخرى نحو الحياة الدنيا فعاش، لكنه ظل طريح الفراش لشهرين ~~بمستشفى الميدان المتنقل تحت قعقعة الرشاشات، قذائف الهاون، ورعب الصمت الموقوت. # وعندما أرسل إليك طالبا أن تزوريه بالميدان؛ لأنه يريد رؤيتك أنت بالذات قبل أن يموت لم ~~تذهبي، فكنت خائفة من أن تتهمي بالتخابر مع جيش الغابة، وأيضا تخافين الموت، وأشياء أخرى ~~مخبأة فيك مدفونة في عمق سحيق، وما أكثر ما هو مدفون في صدرك الناهد يا مليكة شول مادنق، ~~حسناء الدينكا! # كان دائما ما يحكي لك عن جعفر، وفي الحق أنت لا تعرفين جعفرا جيدا، وما هو جعفر ~~بالنسبة لمحمد الناصر، هل هو صديقه أم هو أخوه، أم هو أبوه، أم ابنه؟ من ابن من؟ من منهما ~~أكبر عمرا؟ لأن لا أحد بإمكانه تقدير عمر جعفر، ms31 مجرد تقدير، غير أن جميع الناس يتفقون على ~~أنه ليس طفلا، وليس مراهقا، كما أنه ليس عجوزا هرما، قد بلغ من الكبر عتيا، لكنك كنت ~~متأكدة بما لا يدع مجالا للشك، أن محمدا الناصر زوجك، هو تلميذ وفي لجعفر، ولو أنه قال ~~لك ذات مرة: أنا تلميذه وأيضا أستاذه! # الساعة تشير إلى الواحدة صباحا، ولا أثر لرياك، فما كانت من عاداته أن يتأخر لهذه الساعة ~~من الليل، فكنت قلقة بشأنه، ولو أن محمدا الناصر كان يقول لك: البلد آمن، ولا يوجد آكلو ~~لحوم البشر بالمدينة، وحتى إذا وجدوا فإن ابنك رياك ليس من النوع الذي يؤكل هكذا بسهولة، ~~كقطعة موز مقشرة، فقد يكون في صالة للهو، أو مع أصحابه يغازلون النساء. # فقلت له نافية: أنت لا تعرف رياك جيدا، فإنه في الآونة الأخيرة أصبح أكثر أبناء الحي ~~استقامة، يكفي أنه يؤدي صلواته كلها في الجامع. # قال لك ضاحكا: الآن يبدو أنك أصبحت مسلمة، أليس كذلك؟ # فقلت له: ألم تعلماني أنت وجعفر أن أقيس كل فرد بسبيله التي ارتضاها، وأخلاقه التي أسسها ~~لنفسه؟ # إنه يشبه خاله ماجوك في تدينه، وأيضا في ملامحه، كما هي في صورته التي أرسلها لك مؤخرا ~~من يوغندا، حقيقة إنه دائما ما يذكرني بخاله، أخي ماجوك. # قال لك مداعبا: أخاف أن يهرب للغابة هو الآخر. ~~- لا أظن. # أما رياك فيميل إلى أفكار تنادي بها الحكومة، لقد حدثني بذلك هو نفسه، فإنه لا يرى في ~~خاله ماجوك سوى رجل خان وطنه. ~~- أحقا ما تقولين؟ # ولم يقل شيئا آخر في شأن رياك، وفضل أن يقول لك إنه - أي محمد الناصر - حاول أن يتعلم ~~تدخين السجائر، لكن لسوء حظه - أو لحسن حظه - فشل في أن يجذب نفسا واحدا إلى داخل رئتيه، ~~ولو أن جيبه لم يفرغ من علبة السجائر المملوءة، وإن كانت سيجاراتها جميعا مشعلة ومطفأة، ~~أشعل سيجارة، أطفأها، تذكر جعفرا، جعفر مختار، قال وكأنه تذكر شيئا مهما: أذكر أنني ~~وجعفرا كنا نسير بشوارع المدينة، عندما لفت انتباهنا - كما لفت ms32 انتباه الجميع - رجل وسيم ~~جدا، يصطحب امرأة في غاية القبح والدمامة، يمسكها من يدها ضاغطا على أناملها الغليظة، ~~بحنان فائق واضعا على شفتيه ابتسامة ساحرة، فقال لي جعفر: انظر هذا أكثر رجل أناني في ~~العالم. # قلت مندهشا: إلا أنه أكثر الناس تضحية، ألم تلحظ تلك المرأة القبيحة التي رغم وسامته ~~يصطحبها غامرا إياها بحنانه وإنسانيته وابتسامته، قال جعفر وفي فمه نصف ابتسامة: إنه ليس ~~وسيما، هذا هو السبب الذي جعله يمسك بهذه المرأة الدميمة، إنه يريد أن يبدو وسيما لا ~~أكثر، خذ عنه هذه المرأة وانظر إليه فإنك لن تجده أكثر وسامة من قرد الطلح! ~~- لكن لم نجرؤ على أخذها منه، له جسم رياضي قوي، كان في ريعان شبابه، مما جعلنا نخمن أنه ~~يجيد الكاراتيه وفنونا قتالية أخرى. # قلت له: هل تقصد أن ابننا رياك تبنى آراء الحكومة للتحسين من صورته هو؟ # فقال لك ناكرا: هذا حدث لنا بالفعل بالأمس القريب أنا وجعفر حقيقة، حاصرته بالسؤال: إذا ~~ما هي المناسبة التي دفعتك لقول هذا؟ # قال مبتسما: فقط كنت أود أن أحجيك، أحجيك لا أكثر، ألا تحبين الأحجيات؟ # حياتكم الخاصة لغز محير لدى جميع سكان الحي، بل المدينة جميعا، حتى جيرانكم الأقربين لا ~~يعلمون علم اليقين في مسألة ما تخصكم، حتى إبراهيم عبد الله ضابط الجيش جاركم الذي ما ~~داخلتكم أسرة من المدينة كما داخلتكم أسرته، خاصة ابنه عبد الله، الذي اكتشفت مؤخرا أنه ~~رجل الشجرة الحقيقي، حتى هو لا يعرف عن أسرتكم شيئا مؤكدا، ولا عن منى التي يحبها، غير ~~القشور: أسماءكم، أبوابكم ونوافذكم، ألوانكم، ملامح وجوهكم، ملابسكم، لكن اللباب فهو مجهول ~~وعصي الاستدراك، أنتم ثرثرة النساء في الأفراح والمستشفيات والمواصلات العامة: ما دينهم؟ ~~منى مسيحية، منى لا دينية، مليكة شول مادنق تعبد الكجور، محمد الناصر مسلم لكنه زنديق، ~~إذا كان هنالك خليفة مسلم لشنقه كما شنق الحلاج والأستاذ محمود محمد طه، أما رياك، كانوا ~~يقولون عنه يهودي، وذلك قبل انقلابه الأخير، الذي أسماه أهل الحي بعده ب: الإمام رياك ms33 رياك ، ~~نفس الأشخاص الذين حاولوا من قبل تزوير أب لزوجك محمد الناصر، حاولوا تزوير أب لابنك رياك؛ ~~لأنهم يرون أن محمدا الناصر الزنديق لا يصلح كأب لرياك التقي، فأسموه رياك رياك، ثم حاولوا ~~تغيير اسم رياك إلى اسم عربي، لكن رياك أقنعهم أن اسمه هو اسم عربي، وهو مشتق من كلمة ريا ~~التي تعني رائحة، والكاف ضمير، إذا ترجمة اسمه هي عبيرك أو عطرك، فأخذوا ينادونه: رياك ~~رياك، بدلا من رياك محمد الناصر، حتى تستريح ضمائرهم ويخرجون من مأزق أخلاقي آخر دفعهم ~~رياك إليه بسلوكه الديني القويم، وفهمه السياسي الذي يتماشى والخط الحكومي العام، قال البعض ~~عنك: مليكة شول جاسوسة، وليس كما يعرف أن محمدا الناصر التقطك من حانة بالعشش، كنت حينها ~~تقدمين كئوس المريسة للندماء. ~~- لا. ~~- لكنك كنت جاسوسة تعملين لحساب جيش الغابة، تسكنين بقشلاق الجيش، تنامين في استراحة ضباط ~~الجيش، وسكنات رجال الاستخبارات الحربية، يضاجعون جسدك، وأنت تناكحين أفكارهم، وذاكرتهم ~~وأدراجهم، ومع مائهم يدفعون إليك بالخطط العسكرية، وترحلين لتفعلي العكس، في معسكرات جيش ~~الغابة، فعلت ذلك عند حصار مدن توريت، والناصر، وجوبا، فكنت سببا في إبادة كتائب بأكملها ~~من جيش الحكومة. # فعلت ذلك في حامية فارينق، وكنت سببا في سقوطها في أيدي جيش الغابة، ومرة أخرى في ~~نملي. ~~- كذب كذب! ~~- وأنت يا مليكة شول مادنق، أيتها الدينكاوية الفارعة الطول كزرافة، ممتلئة الردفين ~~بأطفال خلاسيين، أيتها الزنجية الحسناء، ليس بقلبك الذي يسع عشرة من الأفيال الأفريقية غير ~~دينق، ثمار البافرا، والباباي، أباب دير، و... # محمد الناصر. # بقلبك الوطن، هذه البلاد الكبيرة، المخيفة. # بعد تلك اللحظة الحاسمة، لحظة سماعك انفجار القذائف في ساحات البيوت، في التوج واللواك، ~~في الأكواخ الصغيرة المبنية من أحطاب التك والخيزران، في أوعية السمن وخمارات العجين، بيت ~~الماجوك الكبير، في رأسه الأصلع القديم المشحون بالقيم والمثل والحكم، المشحون بجمال ~~الإنسانية، في صحاف اللبن، في قرع المريسة والكنومورو، في صدور الأطفال الصغيرة البريئة، في ~~قلوبهم، في تلك اللحظة هربت، هربت ومن تبقى من المجزرة إلى أمكم الغابة، ms34 لكن ما كان بوسع ~~أمكم التي استبيحت هي الأخرى في تلك الليلة، ما كان بوسعها أن تحميكم، فقد زيفت مخابئها، ~~خيرانها وأعشابها المتشابكة، إلى كمائن لاصطيادكم، وفعلا وأنتم تهربون نحو خور الخرتيت ~~الآمن، إذ تدخلونه فقد دخلتم مصيدة جيش الحكومة، فنقلتم في شاحنات كبيرة نحو مدن قيل لكم: ~~إنها آمنة، بالشمال حيث رأيت لأول مرة مساحة لا يحدها البصر من الأرض الرملية الصفراء، لا ~~نبات فيها غير عيدان شوكية لها أشكال مخيفة، وعرفت أنها تسمى الصحراء، وشاهدت غابات من ~~البرتقال والموز والمانجو محاطة بأسوار من السلك الشائك، سألت؟ قيل لك: إنها جناين. # وعندما سألت: لماذا محاطة بهذه الأسلاك، ألا توجد بها أفيال وزرافات قد تؤذيها هذه ~~الأسلاك الشوكية؟ فقيل لك: هنا لا حيوانات، حتى القرود لا توجد، وإذا وجدت فإنها تباع ~~للزينة والتسلية، نعم يا مليكة شول، هذه البلاد التي استقبلتك باغتصابك وأنت لم تبلغي الحلم ~~بعد، هذه البلاد الغريبة، هي أيضا امتداد لوطنك، امتداد لما بعد الغابات والأفيال ~~والزرافات، امتداد لما بعد الدينكا والشلك والنوير واللكويا، امتداد لما بعد جون وتابان ~~وأكول وتريزا وشول وأشول ودينق، امتداد لما بعد التوج واللواك وأباب دير، ليست هذه هي المرة ~~الأولى التي ترين فيها العرب، ولو أنها المرة الأولى التي هم فيها بهذه الأعداد الكبيرة، ~~والسحنات المختلفة المتباينة الغريبة، فقد رأيت في السابق المندوكرو، وهم يعملون بالتجارة، ~~وكان يعمل في خدمتهم أخوك ماجوك، وهم الذين أدخلوه في دينهم الإسلام، وكانوا يسكنون ~~بالمدينة الكبيرة، وهم طيبون ومسالمون ويحبون الناس ولا يؤذون نملة، يصلون ويشربون عرق ~~الموز وعرق الطعمية، يأكلونه باشتهاء، ويدخلون في دينهم من أراد، ولقد حدثك ماجوك عن دينهم ~~فقال: دينهم فيه محبة ولا فرق بين مندوكرو وأي مواطن آخر، لكنهم يقولون: إن شرب المريسة ~~والعرق حرام، ويصومون أياما كثيرة في السنة، وهذه أصعب الأشياء في دينهم، وليس هنالك ما ~~يفوقها صعوبة غير الطهارة، ولو أنهم كانوا يتزوجون منكم ويزوجونكم بناتهم، إلا أن الأمر في ~~هذه المدن الجديدة مختلف، فهنا أنت مواطنة ms35 من الدرجة السادسة ولا يمكن أن يتزوجك مواطن ~~محترم له مكانة ما، ويستحيل أن يرضى أحد سكان هذه المدن إعطاء ابنته كزوجة لأحد أبنائكم ~~مهما علا شأنه عندكم، ولو كان ابن ملك الدينكا، أو حتى ولو كان الماجوك نفسه، أو كان ثريا ~~يمتلك مراحات من الأبقار لا تعد، ولو استحم ببول عشر من الثيران وخضب رأسه به، هنا لا ~~يساوي شيئا. # قلت: ولو اتبع دينهم ولبس جلابيبهم وقرأ مدارسهم وعرف معرفتهم، وتطهر كما فعل أخي ~~ماجوك؟ # قيل لك: حتى ولو قشر جلده. # وعرفت أيضا أن بعض المتطرفين منهم يسمونكم علانية: عبيدا. # حقيقة أحسست حينها بالمرارة، مرارة الاغتصاب. # فقلت إذا: كيف يصبح هذا المكان الغريب امتدادا لبلدي؟ # مليكة شول مادنق، لقد رأيت بأم عينيك أتم - ابن زعيم قبيلتكم مشار - رأيته يعمل خادما في ~~المنازل، يغسل الملابس لرجال مثله ويكويها، بل يكنس الأرض وغرف النوم لنسائهم، يقشر البصل، ~~يغسل ملابسهم الداخلية، ثم ينام في المخزن مع الكلب والفئران. # أتم، الذي ما حلب في بلادكم بقرة لأطفاله، ما قشر قصبة عنكوليب لنفسه! # رأيت ثم رأيت. # ثم وجدت فجأة منفذا للفرح في هذا العالم الجديد، عالم العرب، فأنت الآن تجيدين لغتهم، ~~كتابة وقراءة، تحفظين سورا بكاملها من كتابهم القرآن الكريم. # أنت التي حينما سمعت لأول مرة بعضهم يتحدث لبعضهم قلت لنفسك: إنهم لا يعرفون ~~الكلام. # وبدأت في الحق تؤسسين لموتك، موت طويل وعميق، موت كله سلام، تزوجت محمدا الناصر، أنجبت ~~رياك، ثم منى، فتمازجت في دمك ريح الجنوب والشمال، لكن هذا لم يغير شيئا في نظرة المدينة ~~إليك، ويكفي موقف جارك ضابط الجيش إبراهيم عبد الله في مسألة زواج رياك من ابنته ياسمين، ~~وموقف نفس الرجل من مسألة زواج ابنه عبد الله من ابنتك الجميلة منى، لكن جعفرا أكد لك ~~قائلا: الإحساس والشعور بالمواطنة حق لا يعطيك إليه الآخرون، إنه مثل الحرية والعبودية، ~~أنت التي تحققين شرط مواطنتك وحرية ذاتك، وأنت التي تفرضين هذه الشروط على الآخر، الحرية ~~والمواطنة تنبع من الذات، من غور ms36 عميق في النفس، أبدا لا يستطيع أحد أن يوحد وجهات نظر ~~الآخرين تجاهه، لكنه بلا شك يستطيع أن يوطن نفسه، فارضا حريته على الآخرين مع اختلاف وجهات ~~نظرهم، فأنت في نظرهم خادم، وهم في نظرك ليس أكثر من جلابة. # وأنتم جميعا في نظر محمد الناصر: مصارعون خارج الحلبة، وأبطال خارج النص. # أنتم في نظر محمد الناصر: شماليون وجنوبيون، تحتاجون لجحيم يصهر عظامكم في عظامكم، ولحمكم ~~في لحمكم، ثم يستحيل هذا الجحيم غولا رحيما عطوفا كالأم، ليبذركم مرة أخرى في طول البلاد ~~الكبيرة وعرضها، يبذركم كأشجار الباباي، ذكر وأنثى. # مليكة شول مادنق! # تجدين نفسك بين الحين والآخر كغزالة بين رصاصتين: رصاصة أمامك في الغابة، رصاصة خلفك في ~~جيش الحكومة، أيتها انطلقت أصابت قلبك الكبير. # تخفين هذه الأحزان عن زوجك محمد الناصر، وتظهرين له في وجهك مسرة، هي في الأصل صرخة لجراح ~~في غور روحك عصية. # هي في الأصل حريق لغابات المهوقني، القرود الجميلة، الخراتيت الكسولة والبافرا. # هي في الأصل صدى ضد طلقة اخترقت جمجمة أبيك شول وأنهت تسعين عاما من حياة جدتك ذات السن ~~الواحدة. # هي في الأصل دخان حريق قريتكم الوادعة في حضن الغابات. # هي في الأصل موت لأباب دير، للتوج، للثيران الخاصة، للونسة، لحفلات البلوغ، لرقصة الثور، ~~لغناء شاب يريد الزواج، لمجالس شيوخ القبائل وحواراتهم الذكية. # هي في الأصل: موت لفتاة تزين نحرها بالخرز البهيج لتستقطب فتاها للفراش، موت للفراش ~~المهيأ. # هي في الأصل موت لأطفال يلعبون تحت ضوء القمر في الغابة المجاورة، وعندما جاعوا اقتنصوا ~~الأرانب البرية، أو لحسوا عسل القنطور، هي موت لعسل القنطور الأسود، موت للقنطور، ~~ابتسامة. # هي في الأصل لحظة تؤرخ لترح قادم، فرح عميق. # هي في الأصل وعد الله بالسلام الدائم في قلبك، هي موت للسلام الدائم في قلبك أيتها المرأة ~~السوداء الجميلة، قلب الآبنوس ذات العنق العاجي المزين بالصدف والخرز الملون، ذات الأرداف ~~الخصبة، المليئة بالأطفال الخلاسيين واللذة الموقوتة، يا امرأة الرصاصتين، لك الله. # لك فيل من القبلات. # ولك أيضا محمد الناصر الذي ms37 عندما قالوا له: إن زوجتك جاسوسة قال وهو يشعل سيجارة، ~~فأطفأها، ويتذكر بين الحين والآخر جعفرا، جعفر مختار: إنها قضيتها، ولها أن تحارب بما ~~شاءت، ومن حقها أن تتحمل نتيجة التزامها هي إذ ترى نفسها بطلة، ترونها خائنة! # فليس من حقكم أن تحكموا على الآخرين انطلاقا من ثوابت أخلاقكم الخاصة وفهمكم السياسي، ~~طالما كانت ليست أخلاقها وليس فهمها. # وكنت في ذلك الحين تضعين الكسرة لأبنائك وتثابرين على الاطلاع والكتابة. # كنت في الحق مشغولة بالغناء والرصاص، عن الغناء والرصاص، كنت مشغولة بصبحك الآتي عن ليلك ~~الحاضر، وعن ليلك الحاضر بصبحك الآتي، وأنت محتارة في أمرك، هل عندما تفكرين في ماجوك ~~تخونين ملوال؟ وهل عندما تفكرين في الاثنين معا تخونين الحكومة؟ وعندما لا تفكرين في أحد ~~هل تخونين الله؟ # تذكرت جعفرا، جعفر مختار، أحسست بحاجة للصلاة - أية صلاة كانت - صنعت لنفسك كوبا من ~~القهوة المرة، تركته مليئا ونمت. # | هذا سفر الذي هو: ملوال # من خندق واحد قاتلتم، يد ليد، طلقة لطلقة، قلب لقلب، فما ذنبك إذا وقعتم في كمين نصبه لكم ~~جيش الغابة فخسرتم المعركة؟ وما ذنبك إذا قفز نمر على عنق قائد الكتيبة من على شجرة تبلدي ~~فأرداه قتيلا، ما ذنبك؟ وما ذنب الشجرة؟ # لاحظت أنت ورفاقك حركة غير عادية في وسط جنود كتيبتك من جنود المليشيا الملحقين، ثم تشكلت ~~عبر همسات ووسوسات حركة عملية عبرت عن كرهها لكم بالشتائم، ثم وجهت إليكم الاتهامات مباشرة: ~~من منكم أيها الجنوبيون الخونة باع أسرار الكتيبة وخططها للمتمردين؟ # من بين أفراد الكتيبة كنتم عشرين جنديا من الجنوب، من الدينكا، من الشلك، من النوير، من ~~اللكويا، ومن الباريا، من بينكم ثلاثة مسلمون، عشرة مسيحيون، وسبع ديانات أفريقية، قال ~~قائلك: ليس فينا خائن أو جاسوس، فلقد حاربنا معكم عشرات المعارك، منذ هطول الأمطار في العام ~~الماضي، وإلى هطول الأمطار في هذا العام، مات منا من مات، عبد الله شول، توج مادنق، دنق ~~لوال، بيتر سعيد، خرتيت، أشول وورل، وغيرهم كثير، كثير، أنتم تعرفون ذلك بالتفصيل، وفي ms38 هذه ~~المعركة الأخيرة قتل الرجل الطيب أبونا: أيوم لادو لادو، واختطف المتمردون سامسون آرنستو ~~جوبا، ووجدتموه كما وجدناه معكم مذبوحا على القنطرة قرب النهر، فكيف نكون نحن الخونة؟ ~~أنخون أنفسنا؟! # قالوا: أحدكم جاسوس على الأقل، وكلكم متمردون، تحاربون معنا وقلوبكم هنالك في الغابة، ~~كالذئاب المستأنسة! # وجردتم من أسلحتكم وربطتم تحت شجرة تبلدي عملاقة، التي قفز منها النمر والتهم وجه قائد ~~الكتيبة، ثم أمطرتم بوابل من الرصاص، مطر من الجحيم، ثم حرقتم والشجرة، شجرة التبلدي ~~العملاقة، وكنت قد كتبت من قبل إلى أختك مليكة شول مادنق ما قاله لك جعفر يوما ما، عندما ~~التقيت به في ميدان المعركة ولا تدري من أين أتى وكيف: نفس البندقية التي تطلق النار إلى ~~الأمام، هي نفسها التي تطلق النار إلى الوراء، وبالجنب أيضا فانتبه، عسى أن ترتد رصاصات ~~بندقيتك إلى صدرك، فأنت رجل ميت طالما كنت تمسك بالبندقية، هيا ألقها ونم، وحينها قلت لأختك ~~في خطابك: إن ما قاله جعفر يخيفني، جعلني أتفحص بندقيتي عشرين مرة قبل أن أطلق ~~رصاصها. # لكنك أيضا لم تفهم جعفرا جيدا، فإذا كنت قد فهمته حقا لهربت إلى حبيبتك أببا الحبشية ~~أينما وجدت، اختبأت بين نهديها الدافئين، لكنك رجل بائس، رجل حزين، بائس، كنت وأنت تنضم ~~لجيش الحكومة لتدافع عن وحدة الوطن من الغابة للصحراء، هل حقا أنك التحقت بالجيش لكي ~~تدافع عن وحدة الوطن من الغابة للصحراء؟ هل حقا كنت تفهم ما هي وحدة الوطن؟ # هل كنت حقا تفهم ما هو الوطن؟ # بل هل كنت تدري أن الوطن يمتد غابات ما بعد الغابات إلى صحاري ما بعد الصحاري ~~والعرب؟ # ألم يحدثك قلبك أن وحدة الوطن والتراب لا تعني أحيانا أكثر من الحفاظ على حياة النظام ~~الحاكم؟ # ألم يقل لك جعفر: إن وحدة التراب قد تعني أن يضاجع رجل امرأتين في آن واحد، وبنفس العاطفة ~~والتشوق، لكنه لا يصل إلى نشوته أبدا؟ لكنك لا تفهم في الخبائث والسياسة، ولا أيضا في ~~الدين، كنت في 1982 في قمة بؤسك وقمل ms39 إبطيك، كنت جائعا مشردا بالمدينة الكبيرة، وكان ~~بإمكانك أن تفعل كما فعل دووت تابان، ولا يكلفك أن تحصل على المال جهد ما، فقط ما عليك إلا ~~أن ترتدي الجلابية، وكل يوم جمعة تصلي في أحد الجوامع، وبعد الصلاة تشهر إسلامك، فتنهال ~~عليك الجنيهات من المسلمين ذوي القلوب الرحيمة وهم يذرفون الدمع، وفي الجمعة القادمة تصلي ~~في مسجد آخر وبعد الصلاة تفعل، وهكذا، تسافر إلى المدن المجاورة والضواحي، القرى البعيدة ~~جدا، أينما تصلي جمعة تشهدك مشهرا إسلامك، ثم تفعل كما يفعل جوون تابان: يا كنيسة الرب، ~~اللي في القلب في القلب. # وطالما لم تكن مسيحيا في يوم ما فستحور القول إلى: يا كجور الرب اللي في القلب في ~~القلب. # ففي نهاية الأمر القلب واحد، والرب واحد، وأنت أنت، وهذه البلاد الكبيرة هي أمك الحقيقية، ~~لكنك رفضت أن تفعل فعل جوون تابان، لسبب واحد بسيط، هو - كما قلت لجوون - إذا ذهبت للجامع ~~سيخنقني الكجور بالليل وأموت، نحن كجورنا صعب. # وكان بإمكانك أن تعمل ببيع السجائر في أماكن تجمع السيارات وعند بوابات المصالح العامة ~~والشركات، وكان بإمكانك العمل كخادم في المنازل تغسل الأطباق، والملابس وتكويها وتقوم بكنس ~~الغرف، كان بإمكانك ... كان بإمكانك. لكنك فجأة تجد نفسك أمام القيادة العامة للقوات المسلحة ~~طالبا تجنيدك في المشاة، قائلا لنفسك: المرتبات مجدية والعسكري محترم ومهاب وله مكانة ~~اجتماعية، فلن يستوقفني رجل الشرطة لأن لا بطاقة شخصية لي، ولن أحمل في الكشة. تذكرت ~~جعفرا، جعفر مختار، كان يقول لك وأنت تحمل رياك الطفل الرضيع بين كفيك: هناك رجلان؛ رجل ~~حر، ورجل عبد، الحر من يبحث عن سبيله ويجدها، العبد من لا يبحث عن سبيله ولا يجدها. # كنتما تتمشيان بين أزقة المدينة، أنت وجعفر، ثم التقيتما صدفة بمحمد الناصر، وكان قلقا، ~~وهو يتلفت مهلوعا بحثا عن الذي ينتظره، حينما رآكما صاح فيكما هاتفا: هل كنتما في ~~انتظاري هنا؟ # قلت له: لا بالتأكيد. # قال: إذا اذهبا معي إلى النهر. # قال جعفر: أنا لا أستطيع أن أذهب معك إلى أي ms40 مكان كان . # وقلت له أنت أيضا ذلك. # وفي اللحظة التي هم فيها بمغادرتكم إذا برجل أنيق يمشي قربكم، وحوله عشرة من الشبان، ~~وكان واضحا أنهم من طبقة فقيرة، ويعملون بالأشغال اليدوية، وأن حظهم من التعليم متواضع، ~~أما هو فكان مظهره يوحي بعكس ذلك تماما، قلت أنت لجعفر: انظر، هذا الرجل المتواضع، تواضع ~~العلماء. # فضحك وقال إنه أكثر الناس تكبرا وافتراء وجهلا. # ثم شرح لك محمد الناصر بالتفصيل الحقيقة التي يرمي إليها جعفر في قوله، فتعجبت، وتبولت ~~واقفا تحت عامود النور، ثم مشيت مع محمد الناصر إلى النهر. # قالوا لك في الكتيبة: أنت هنا للدفاع عن وحدة التراب. # وفي الحقيقة هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها كلمة وحدة التراب، ولم تفهم ماذا تعني ~~هذه الكلمة إلا عندما استلمت بندقيتك الكلاشنكوف رقم 33400، ثم شحنت والآخرون على متن ~~طائرة حربية، توجهت بكم إلى غابة هي مسقط رأسك، لكن ما الذي جعلك تصر على حمل السلاح وقد ~~علمت أن بندقيتك لن تطلق النار إلا للوراء، للوراء جدا، للوراء الجميل، الذي هو أنت! ~~تذكرت جعفرا، جعفر مختار، ولو ... # إلا أنك لم تتوقف لحظة لتفهم جعفرا، فكنت أول المتقدمين للمعركة تلو المعركة وآخر ~~العائدين منها، أعواما قضيتها ما بين الرصاصة والرصاصة مطيعا للأوامر العليا، ما تحدث ~~قلبك بأمور ملتوية، حقيقة كنت تغامر أحيانا ببعض المال تختلف إلى بعض الداعرات، في أيام ~~السلم تستمني في الميدان، مثلك مثل بقية الجنود، وليس أكثر من ثلاث مرات سرقت لحظات حب مع ~~زوجة صديقك ماكير، تلك المرأة اللعوب. # كنت أميا يوميا لا تفهم حقيقة الصراع السياسي والحضاري والديني بين الجنوب والشمال، ~~وكنت لا تدري ماذا يعني أن يقبل قطب سياسي بالحكم الكونفدرالي، ويرفض قطب آخر، وكنت دائما ~~ما تعجز أيضا عن معرفة الفرق ما بين الحرب والجهاد؟ وكثيرا ما يدهشك تصرف أفراد المليشيات ~~المحلقين بكتيبتكم وهتافهم، هم نفس الأفراد الذين أمطروا قلبك بالرصاص، وهم يهتفون: الله ~~أكبر، تختلط في رأسهم المفاهيم بالحلم، بابتسامة مليكة شول مادنق، بحكمة جعفر وغموض ms41 محمد ~~الناصر أحمد، تختلط الغابة بالمجروس والنملة بحذاء جند سليمان، والصحراء بالعشب والنيل ~~والتمر هندي، وثمار البافرا بصراخ الجرحى ودماء الملغومين وأنانيتهم، وصفير الراجمات بنداء ~~البوم الليلي، وصوت أببا بالطين والخرتيت، الصبيات بالبافرا، والليل الطويل بالوطن الممتد ~~من غابات ما بعد الغابات إلى صحاري ما بعد الصحاري، والذئاب المفترسة بالبلاد الكبيرة، ~~بالنخيل، بالبهجة، بالحزن العميق الحلو، بالفجر، بنباح كلاب الحراسة، بالنصر والهزيمة ~~والفراش بالفراش. # بالنحلة الجميلة، بالموت، بالله، بالله ... بالله، السلام الحي المميت. # لم، لم تسأل نفسك: أهي حرب دينية؟ # حرب سياسية؟ # لم يكن في رأسك معنى للسياسة سوى ما قاله لك الضابط المحاضر: خداع ونفاق ولصوصية. # إذا، إذا كانت حربا سياسية، فمع من أنت تحارب؟ ومن أجل ماذا؟ # إذا، إذا كانت حربا دينية، فمع من أنت تحارب؟ ومن أجل ماذا؟ # إذا ضد من؟ لصالح من؟ # في الحق إنك لم تكلف نفسك عناء هذه الأسئلة، فكنت أول المتقدمين في القتال وآخر العائدين، ~~إذا! # كنت مثل مليكة شول، كنت تؤسس لموتك، كنت مشغولا بموتك عن موتك، مشغولا بالرصاصة عن ~~الرصاصة، لم تجد الوقت الكافي لكي تتخذ زوجة، بيتا أو ولدا يحمل اسمك، لقد كنت مشغولا ~~حقا بشئون موتك، مكتفيا بالعلاقات السريعة مع الداعرات واللاجئات ونساء الطريق، لكن أببا ~~كانت أبقاهن في حياتك أثرا، بغض النظر عن النهاية التي آلت إليها العلاقة، إلا أنك وجدت ~~فيها نفسك، نفسك المشردة ما بين الغابة والنهر. # إذا لم لم تر هذه الرصاصات الغادرة جمال قلبك قبل أن تخترقه؟ فكنت غريبا وبائسا ~~حيران، وأنت تموت مندهشا كطريق مهجور أضيء فجأة ثم أطفئ. # عاد محمد الناصر في ساعة متأخرة من الليل، وبدخوله الصالون وجد ابنته منى الجميلة جالسة ~~وحدها، تشاهد الفيديو وعلى وجهها قناع من الخليط العفن الذي بدأت تظهر على وجهها مفاعيله، ~~حيث أصبحت هامتها وأقواس خديها أكثر بياضا من بقية وجهها، خاصة الشفاه وتحتها قليلا ~~ومحاجر العين، كما أنه جعل وجهها يبدو أكثر نعومة ورقة، رغم عدد ألوانه، ولو أن لون وجهها ~~الأصلي كان حلوا ms42 في صفار المانجو البلدي؛ لذا كان يحلو لك أن تناديها: مندكورو شكل ~~منجة. # فبادرت والدها متسائلة: ما رأيك في وجهي؟ # قال وهو يحاول أن يعرف ما هو الفيلم الذي جعلها ساهرة إلى هذه الساعة من الليل: إنه كوجه ~~هندي أحمر في احتفال الحصاد كله ألوان. # فقالت له لائمة في رقة: حرام عليك يا بابا، بدلا من أن تشجعني؟ # قال ضاحكا: هل وجه الهندي في احتفال الحصاد قبيح؟ # لا تنس أنه احتفال بمناسبة الحصاد. # قالت له: أنت تعني المعنى البعيد، وهذا هو أقرب المعاني فحسب، لكنه غير مجرى ~~الحديث. # قائلا: من الذي أتى بهذا الفيلم العجيب؟ # قالت له: رياك. ~~- وما الذي يعجبه في الحرب، والحرب بالذات؟ # قالت: قال إنه ربما رأى خاله فيه، فهو مصور من ميدان المعركة. ~~- من من أخواله؟ # قالت: ملوال، فكما ترى أن الفيلم حكومي. # وكانت لا تدري منى ابنة أختك مليكة، أنك في هذه اللحظات روحا تهيم بين الأسلاف في ~~الحياة الأخرى، وفعلا رأتك وكنت تحمل رشاشة بيدك اليمنى ترفعها في الهواء محييا ~~الكاميرا، أقسمت أنها سمعت صوتك ضمن الهاتفين: الله أكبر، وأعادت اللقطة مرارا وتكرارا ~~بحضور محمد الناصر، ثم بحضور رياك أيضا الذي أكد أنه لا يستبعد دخولك في الإسلام؛ لأنك ~~جندي في حرب مقدسة ضد الكافرين، خاصة أن بصحبتك المجاهدين والدعاة الذين لا يكلون ولا يملون ~~من إلقاء المحاضرات والخطب الدينية، والدعوة للصراط المستقيم هي: ديدنهم. # وقال لأخته منى: كل الناس تجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله، إلا أبوك هذا وجعفر، فقالت له ~~وبفمها ابتسامة: وما رأيك في أنا؟ # قال وهو يحملق في عينيها: شأنك شأن ابنة الشيطان. # قالت مبتسمة: وما رأيك في حاج صالح الشجيرة، الرجل التقي صاحب الخلوة التي بجانب زريبة ~~المواشي، فهو أيضا لا يعترف بأن المشاركة في الحرب في الجنوب جهادا في سبيل الله؟ # قال وقد تضايق من سؤالها: إنه صوفي مخرف. # قالت: ما رأيك في خالي ماجوك وهو مسلم ملتزم، ويحارب الآن بجانب جيش الغابة؟ # قال: أنا لا أعرف ما ms43 بقلب العابد ، لكنه قد خدع أو قد يكون منافقا، أو أضله الشيطان، من ~~يدري؟ # عندما استيقظ محمد الناصر من نومه كان مرهقا وتعبا؛ لأنه لم ينم غير ساعتين، خرج من ~~الحمام، أشعل سيجارة، أطفأها، تذكر جعفرا، جعفر مختار. # ارتدى ملابسه على عجل، نظر إلى الساعة، قال في نفسه: ساعتان قبل ميعاد العمل، صلى، خرج، ~~ما ذهب إلى المصلحة، لكنه سلك أول طريق إلى اليمين، ثم أول طريق إلى جهة اليمين، ثم أول ~~طريق تقع إلى يمينه، وهكذا تاه في دوامة من الطرق المتجهة إلى جهة اليمين، دوامة في البحث ~~عمن ينتظره، دوامة الوهم الحقيقية. # كان يمشي بخطى سريعة خفيفة، كأنه محمول على بساط الريح، وكلما وجد طريقا مشرعة إلى يمينه ~~سلكها، إلى أن وجد نفسه أمام القيادة العامة للجيش، نفس المكان الذي تجندت فيه أنت قبل ~~أعوام مضت، قال لنفسه: سأسأل في مكتب المتابعة عن ملوال، فسألهم عنك: رقيب أول ملوال شول ~~مادنق رقم 199091 المشاة، الكتيبة 19660. # كانت مليكة تغسل الأطباق وهي تراقب بين الفينة والأخرى، بصلا يحمر على الزيت، منى تشعر ~~بتقلصات في الرحم، تبتلع قرص دواء، تبدي ضجرها وهي تستبدل منشفة دم الحيض بأخرى، كانت تود ~~أن تحكي حلما لوالدتها لكنها غيرت رأيها في اللحظات الأخيرة، حينما طلبت منها مليكة أختك ~~أن تعتني بحلة البصل، أو تغسل أواني الطعام، قالت منى إنها تعبانة ومرهقة ومريضة، كانت ~~مليكة تود أن تحكي لابنتها حلما، لكنها تراجعت في اللحظات الأخيرة لأن شكوى منى أجهضت ~~شهيتها للحكي، كما أن ظهور محمد الناصر الفجائي عند المطبخ - وهو أشعث أغبر - كان مثبطا ~~مساعدا، فإذا تجاوزنا الحلم والحيض وجعفرا، جعفر مختار! # وجد محمد الناصر اسمك مكتوبا وغيرك في لوحة الشهداء، التي دله إليها رجل الاستقبال، وعلق ~~عليكم بحبر أحمر مؤثر بأنكم ما بخلتم بدمائكم الغالية من أجل وحدة التراب، وأن لكم الجنة، ~~وأن الرصاصات الخائنة الغادرة التي أصابت أفئدتكم الطاهرة، سيثأر لكم منها إخوة لكم ساهرون، ~~ورقيتم جميعا إلى رتبة ملازم أول. # هكذا أغلق ملفك، ms44 وكأن الله لم يخلقك بعد، وكأنك ما زلت كلمة في الغيب تبحث عن معنى، معنى ~~بسيط وسهل. # مليكة أختك كانت قلقة جدا من أجلك؛ لأن حلمها كان يخصك، فتذكرت جعفرا، كان وجه ابنتها ~~قد بدأ ينتظم لونا واحدا هو أكثر إشراقا من لونها الأول، لكنه كان غريبا؛ لأن عنقها ~~الذي يحمل لون بشرتها الأساسي بدا مسودا بعض الشيء، قالت لرياك: اذهب للقيادة العامة، مكتب ~~المتابعة، اسأل عن خالك ملوال، رغم أن رياك كان مشغولا بأمور شتى، إلا أنه لم يمانع في ~~الذهاب، فكان برا بوالدته بالذات فلا يعصي لها أمرا. # وأضافت: لأن أخباره انقطعت عنا، حتى الخطابات التي كان يرسلها لنا كلما وجد من يمليه ~~إياها لم تعد تصلنا، في عودتك من الجامعة اغش مكتب المتابعة، لا تنس. # في تلك اللحظة هطلت أول قطرة من مطر الموسم الجديد، بعد أن ظلت السماء تحبل لأسبوع كامل ~~بالسحب السوداء الثقيلة والبرق، انفجرت بالريح الممطرة، كانت حبات المطر الكبيرة الدافئة ~~تغسل بقايا رمادك، من بين وريقات الأعشاب وشقوق الأرض لتأخذها إلى مستنقعات أباب دير ~~النائمة منذ آلاف السنين، ترضع الحيوانات والناس ماء الحياة، تشحن السماء بالسحب، ترسلها ~~بالريح إلى البلاد البعيدة، وكان ما تبقى من صبية في القرى الجائعة الحزينة الميتة يجرون ~~تحت السماء الممطرة وهم ينشدون. # وما زالت جدات لك شائخات أخطأتهن الرصاصات والشظايا، يذكرن أبناءهن الذين ولدوا في خريف ~~ما، في مثل هذه الأيام مع نزول المطر الأول ويحسبن أعمارهن وأعمار أحفادهن بعدد ما مر عليهن ~~من مطر، وعندما تمر السيول أمام عتبات بيوتهن يذكرن أبناءهن الميتين الذين ستحمل إليهم هذه ~~المياه المتدفقة المهاجرة في عمق الأرض في الحياة النائية أخبار ذويهم، أصدقائهم، بلادهم، ~~الحرب وانتصارات الأشباح وهزائم الريح، وستخبرهم بعدد شجيرات البافرا واليام التي أنبتتها ~~الأرض، وتحكي لهم كيف إذا دخل الجنود قرية أحرقوها وجعلوا أعزة أهلها أذلاء، فإنهم - أي ~~أبناءهم وأسلافهم - بلا شك مستيقظون، قلقون وهم ينتظرون أخبار الأهل والأحفاد. # إذا سيحمل لك رمادك أخبار مليكة شول مادنق وأحوال ms45 أخوك ماجوك بغاباته ، سألت مليكة أختك ~~زوجها، وهو يبحث عن مقعد بالمطبخ قرب ابنته الجميلة، التي كانت تمطره بالأسئلة عن أسباب ~~الدورة الشهرية عند المرأة، ولماذا لا تبدأ بعد الزواج؟ سألته مليكة قائلة: حلمت بملوال، ~~ألا تعرف شيئا عن أخباره؟ # قال وقد بدا عليه الإرهاق أثقل: أريد قهوة مرة، تذكرت جعفرا، تبولت، حدثها عنه، أنساها ~~كثيرا من أسئلتها الملحة، قال: إن جعفرا علمه ثلاثة أشياء أساسية، وهو علم جعفرا ثلاثة ~~أشياء غير أساسية، ثم أضاف هامسا في أذنها أنه يريدها الآن، في هذا الآن بالذات، قالت ~~مندهشة: البنت، البنت بالبيت، ورياك سيعود من الجامعة، وأنت تعب وأغبر وأنا مشغولة بطبخ ~~الغداء. # ضحك، أشعل سيجارة، أطفأها، حاول أن يتذكر جعفرا، حاول أن لا يتذكره، حاول أن يتذكر أمه، ~~حاول ألا يتذكرك وأنت مكتوب تحت اسمك بأن لك الجنة، حاول أن يتذكر الذي ينتظره، حاول أن لا ~~يتذكره، حاول أن يتبول، حاول ألا ينهض من مكانه وألا يقول لابنته منى: إن رجل الشجرة ~~العنصري، أعرفه جيدا. # حاول أن يقول لابنته منى: رجل الشجرة ما عنصري، لكن أبوه هو العنصري المتسخ بفكر ~~الشارع. # قال لأختك مليكة حبيبته: إذا أريد أن أفعل شيئا، أي شيء، ساعديني أرجوك، قالت له ~~مبتسمة: نم. # قال وبه حرقة النار: النوم ليس فعلا لشيء. # قالت: إذا غن، ولو لحنا مسروقا من خمارة بالعشش. # قال مبتسما ابتسامة مرهقة: هذا قد يبدو معقولا، لكن لماذا ترفضين الذهاب معي ~~للفراش؟ # قالت وقد أنهكها الحديث: أنت دائما تجاوب الأسئلة بأسلوب معقد وتسأل بأسلوب أكثر ~~تعقيدا. # مر العام كله، ورياك ووالده محمد الناصر يخفيان خبر موتك عن مليكة، لكل أسبابه الخاصة ~~جدا لكنهما يتفقان على نقطة واحدة على الأقل، وهي خوف أن تموت أختك من صدمة المفاجأة، فهي ~~مصابة بالسكر، ويحكى عنك عندما سمعت أول مرة أنها مصابة بهذا المرض قلت: ما الذي جعل مليكة ~~تصاب بمرض السكري؟ وقد عشت في الجنوب منذ الميلاد، إلى أن غدوت رجلا، لم أسمع مرة واحدة أن ~~أحدهم ms46 مريض بالقلب أو السكر أو السرطان، إلى آخر هذه الأمراض الغريبة، فردت إليك منى ~~قائلة: ربما مات الناس - وكثير منهم في الجنوب - بهذه الأمراض، ولا أحد يدري أنهم مصابون ~~بها. # قلت: نحن نعالج بالرماد والكجور وبعض الأعشاب، أحيانا الرقص، إذا أهي علاج هذه ~~الأمراض؟ # قال لك رياك: وعندما يموت المريض تقولون ببساطة: إن الأسلاف أحبوه، أرادوا أن يكون ~~قربهم! # كان ذلك في آخر إجازة قضيتها في الخرطوم، وهي الفترة التي التقيت فيها أببا، أقنعتها أن ~~تذهب معك إلى حيث مقر وحدتك العسكرية، وعدتها بالزواج إذا هي وافقت، فقبلت، لكنك - وهذا هو ~~طبعك - قلق كالنائم على حبل الغسيل، لا تطمئن على حال، بعد شهر كامل أقامته معك في قطية ~~بقشلاق الوحدة، سألتك ذات مساء أن تفي بوعدك، فسكرت جيدا، وعدت إلى البيت منتصف الليل ~~فأيقظتها، وقلت لها: لا أريد أن أسمع بموضوع الزواج مرة أخرى، سأذبحك إذا نطقت بهذه ~~الكلمة. # قالت لك: إذا، كدا. # لكنها لم تظهر غضبها أكثر، كعادة المرأة الحبشية، صبورة، لكنها لا تنسى، فذات مساء حملت ~~ما تقوى على حمله واختفت، ولم ترها بعد ذلك أبدا. # قالت لك أببا وهي تخبز كسرتها الحبشية ذات فرح وحلم: نستطيع أن نزرع معا في بلدنا أو ~~نبقى في الحدود بين بلدنا وبلدكم، فلا فائدة في الجيش يا ملوال، الجيش قاتل أو مقتول، ~~والقاتل مقتول يا ملوال. # فقلت لها: أنا لا أجيد أي عمل آخر، لم أمسك منجلا في حياتي، فقط أعرف رعي الأبقار، والآن ~~تعلمت إطلاق الرصاص، أما الأبقار فليس عندي منها غير الذكريات، فقد أكلتها الوحوش من جيوش ~~الغابة وجيش الحكومة، ابتلعها الرصاص واللغم، أما الرصاص فهو الخيار الأخير، ما تبقى أمامي ~~هو الرصاص. # إذا كنت تؤسس لموتك، أتذكر؟ قبل أعوام كثيرة وكنت تسير وجعفر ومحمد الناصر في الطريق إلى ~~انتصار طائش، إذ مر أمامكم موكب حاشد كبير يهتف ممجدا الحرب والانتصارات المتتالية، ~~مناديا بالموت للخائنين والساكتين، وذوي الآراء المخالفة للطرح العام والمعارضين، فضحكتم ~~كثيرا والموكب يقترب ليحاصركم من كل ms47 صوب وجهة، فقال جعفر: احملاني على كتفيكما، وسأهتف ~~هتافا قويا يمجد الحرب والتماسيح، يمجد البندقية، فحملتماه وما هي إلا هتافات قليلة من ~~جعفر، هتافات قوية ونافعة حركت حماسيات الموكب وجعلته يغلي كالمرجل حتى أخذه الهاتفون ~~المتحمسون الناشطون على رءوسهم وصعدوا به على ظهر شاحنة عالية وعلقوا على جيب سترته ~~ميكروفون وهم يرددون هتافاته خلفه، حتى إذا ذابوا في نشوة الهتاف أسكرهم الحماس، انتصب جعفر ~~ما أمكن على رءوسهم، أخرج ذكره عن طريق فتحة بنطلونه الأمامية، كان ذكرا أسود طويلا ~~ومنتفخا بالدماء والبول، بسم الله، أخذ يتبول على رءوس الهاتفين المنتشين وهو يهتف بقوة ~~أكثر: تحيا الحروب، تحيا تحيا، تحيا الحروب. # فيندفع البول أمامه عشرات الأمتار مطرا على الرءوس. # قالوا: إن بوله كان عفنا حارقا، ولا يمكن غسله إلا بالدماء. # قالوا ولم تر ذلك بأم عينيك، لكن أخبرك به محمد الناصر فيما بعد: إن كل من أصابته ولو ~~قطرة واحدة من بول جعفر، مسخ، فإذا كان شماليا مسخ إلى نفس جنسه ذكرا كان أم أنثى جنوبي، ~~وإذا كان من الجنوب مسخ إلى شمالي، وقال لك محمد الناصر: إنه كان يعرف رجلا من الشمال أصفر ~~البشرة، ناعم الشعر، قصيرا وممتلئا بالشحم، فعندما أصابته قطرات من بول جعفر، تحول إلى ~~رجل طويل أسود البشرة شعره قرقدي ناشف، وحتى لسانه أصبح لا يستطيع نطق الكثير من الكلمات ~~العربية واعتنق الدين المسيحي، فهل الفرق بين الجنوبي والشمالي قطرة بول؟ # قالت لك أببا: ستبلعك الحرب. # غضبت، حطمت الدولاب الفارغ، أطلقت طلقتين في الهواء، وعندما ذهبت مليكة أختك بنفسها إلى ~~القيادة العامة، مكتب المتابعة، دلها مكتب الاستقبال إلى لوحة الشهداء، استشهد قبل عام، قال ~~لها جندي سمين كان يبحث في اللوحة عن أسماء رفاق له، قدموا لها شهادة تفيد وتؤكد: إنك عشت ~~شجاعا ومت شجاعا في دفاعك عن الأرض والعقيدة، لكنها رفضت أن تأخذها قائلة: لكنه مات، ~~فماذا تفيد الشهادة؟ # قالوا: فخر لأبنائه. # قالت: ليس له أبناء. # قالوا: إن له مكافأة أيضا. # قالت وقد رفضت أن تأخذها: ms48 لكنه مات فماذا تفيد المكافأة؟ # قالوا: عون لأبنائه. # إذا ما ماتت مليكة أختك فجأة، كما اعتقد زوجها وبنتها وولدها، لكنها منذ أن كانت طفلة في ~~السادسة عشرة، كانت تؤسس لموتها وهي تكتم صرخاتها عندما اغتصبها الضابط أملا في الزواج ~~منها. # كانت تؤسس لموتها عندما كان يضاجعها أبناء عمومتها الجنوبيون في العشش. # كانت تؤسس لموتها وهي تستعطفهم أن لا يفعلوا ذلك بوحشية، مليكة شول مادنق أختك، ومثلما ~~تحيك العنكبوت خيوطها كانت تبني شبكة عدمها الخاصة بدقة وصبر، تزوجت من الناصر، أنجبت ~~رياك. # كانت تؤسس لموتها، أنجبت منى. # كانت تؤسس لموتها، أجهضت ثلاث مرات ثم استخدمت عقاقير منع الحمل أيضا. # كانت تؤسس لموتها لدرجة أنها عندما كانت تغني بقايا ما بذاكرتها من أغاني القبيلة التي ~~تغنى في مواسم الأعياد واحتفالاتهم الجنائزية وأفراحهم كانت تلتقط الكلمات الصغيرة ~~الواهنات الموغلة في القدم، الكائنة في خبايا أزقة الذاكرة. # وهي تؤسس لموتها عندما يختلط في لسانها لحن الأغاني الجنائزية بالألحان الفرحة ~~الرقصة. # كانت تؤسس لموتها وهي تحلم بسرب الغزلان الذهبية تهرب أمام ثلاثة نمور رقطاء، ثم تشتبك ~~النمور في معركة مع قرود التقل الشرسة، وما استطاعت العاصفة الممطرة المرعدة أن ~~تفضها. # كانت تؤسس لموتها وهي تبكي محتضنة جمجمة أبيها المثقوبة وتتذكر حكمة جدتها نيان دينق ذات ~~السن الواحدة: إذا لم تبك البنت أمام أبيها وزوجها وربها، فإنها لن تبكي إلا في نار الحياة ~~الأخرى، مليكة شول مادنق، أختك الصغيرة، أيها المقتول ملوال، برصاصات من قاتلت معهم خندقا ~~بخندق، يدا بيد، قلبا بقلب، طلقة بطلقة، وموتا لموت، أصدقاء الانسحاب والتقدم والكأس ~~ورغيف الخبز، والمرأة، تلك البنت الجميلة، ذات العنق العاجي، البنت التي أحبت الحياة مثلما ~~يعشق النيل ماءه، أو كما يتشبث القرد بشجرته الأخيرة تشبثت بالحياة، إلا أن ميلادها كان أول ~~طوبة في قلعة موتها، قلعة موتها الخالدة. # ماتت مليكة موتا كابوسيا طويلا، موتا مرسوما بفنية وبراعة، موتا دقيقا أنهى أطول ~~احتضار لإنسان، ثمانية وثلاثون عاما من الاحتضار، احتضار غني بالمفاجآت والأسئلة، غني ~~بالموت، غني بالابتسام. # غني ms49 بجعفر! # كان محمد الناصر في مدينة بعيدة، في أقصى الشمال، مبعوثا من قبل المصلحة في مهمة عاجلة، ~~وكان في اجتماع مع نفر من المهندسين يناقشون إمكانية قيام مشروع للطاقة، قوامه المخلفات ~~الآدمية، حينما نهض محمد الناصر فجأة من كرسيه قائلا: سأحدثكم عن جعفر، جعفر مختار. # وطالما كان هو مدير الجلسة وكبير مستشاري الطاقة المنتدب، قال له الجميع: حدثنا؛ فربما ~~أفادتهم تجارب جعفر في الإتيان بمصادر للطاقة أرخص أجود، ظنا منهم أن جعفرا عالم أو خبير ~~في هذا المجال. قال: جعفر، جعفر مختار، ثم استأذنهم في أنه يريد العودة لمنزله الآن في هذا ~~الآن بالذات؛ لأن هنالك ما ينتظره. # أتدري يا ملوال، إنه في هذه اللحظة بالذات ماتت أختك مليكة شول مادنق، ولو أن روحها ~~انتظرت مجيء محمد الناصر، إلا أنها ماتت كثيرا، ماتت جدا، أختك مليكة شول مادنق تجول ~~بشوارع المدينة، تسكع في المقاهي والمطاعم الشعبية والأندية الكسولة السطحية، والأزقة، كان ~~قلقا مزحوما بالأفكار والبؤس، لا يريد أن يصل إلى المنزل، تذكر جعفرا، جعفر ~~مختار. # كان يريد أن يلتقي الذي ينتظره، بأي ثمن وأينما كان، مختبئا بأكشاك السجائر، يضاحك ~~الباعة الجنوبيين، بين طلاب المدارس يشتري ساندويتشات الإفطار، والحلوى، نائما تحت أشجار ~~النيم قرب المحطة، متجولا في شوارع الله الفسيحة، يقتل الوقت في المواخير، يضاجع امرأة ~~رخيصة سكرانة، أو يحتسي عرق البلح، في النادي يلعب الورق وهو ينظر الفينة والأخرى لساعته، ~~يلعنه في سره أو يمل الانتظار في الجامع، يؤم المصلين لصلاة العشاء. # هكذا أطلق ساقيه في الدروب، سائبة مشاويره، كماء متسرب من جدول قديم، وجد نفسه عند باب ~~المستشفى العام، دخل، اتجه يمينا، في أول ممر اتجه يمينا نحو أول غرفة فلقي ابنه رياك، ~~ابتدأه متسائلا: هل كنت تنتظرني هنا؟ # قال له رياك: ألا تعلم أن أمي مريضة جدا؟ # قالت له مليكة أختك كلمتها المحفورة عميقا في غور نفسه: سأظل أشتاق إليك. # ثم ماتت تلك الدينكاوية الحسناء. ها هي الريح الخيرة يا ملوال تأتي بالسحابات الحبلى بماء ~~الحياة الدافئة، مرة ms50 أخرى بألحان الصبايا الحالمين، تنزل لتشربها الأرض العطشى فتجري السيول ~~أمام عتبات البيوت، فتحمل لك أخبار الجدات، الأصدقاء، أشجار التك، أسود الأبقار، المدن ~~الساقطة، تحمل إليك كسرة أببا حبيبتك، وهي في المدن البعيدة تنتظر مجيئك، حاملا منجلا ~~بدلا من البندقية، وأنت الآن في الحياة الأخرى تجالس أختك الجميلة الصبية السوداء، ربما لا ~~تتذكران جعفرا، جعفر مختار. # ربما لا تشتاقان لمحمد الناصر في حياتكما تلك، لكن بلا شك ستحمل إليكم مياه السيول أن في ~~المدن الحية مدن الحروب رجلا يصلي دائما من أجلكم، يصلي دائما. # | هذا سفر الذي هو: رياك ... # جئت ملتحيا غريبا، متفائلا بما تحمل، وعندما سألك والدك محمد الناصر: أين كنت؟ # قلت مزهوا: في معسكر المجاهدين! # ولو أن المفاجأة لم تكن مفاجأة تامة بالنسبة لوالدك إلا أنه ذهل ذهولا كاملا، فتذكر ~~جعفرا، جعفر مختار. # أحس بأكلان في خصيتيه، تململ قليلا، حاول أن يحك موضع الأكلان، حاول أن يأخذ نفسا ~~طويلا من الهواء، ممتدا لنصف الساعة، حاول أن يستشعر رطوبة الجو، وأن يغمض عينيه لثوان ~~ثم يفتحهما للأبد، حاول أن يتذكر ما إذا كان قد صلى صلاة العشاء ليلة البارحة، أم أنه تأخر ~~في انتظار جعفر بين أشجار المسكيت الخضراء قرب النهر، حاول أن يغني، حاول أن يبكي، حاول أن ~~يسمع نداء عصفور ود أبرق خلف النافذة على شجرة الأركويت، حاول أن يعطس لكنه أشعل سيجارة ثم ~~أطفأها، ونظر إلى ساعته ولم يرها، فقال في نفسه: لا بد أن تتزوج هذه البنت، فلقد كبرت منى ~~بما يكفي لكي تنجب أطفالا، أطفالا في جمال العصافير، ليروا جعفرا قبل أن يبتلعه الدهر، ~~فمن يعرف ماذا سيحدث غدا؟ فمن يعرف أين سيكون جعفر غدا؟ بل من يعرف أين يكون في هذه الآن، ~~هذه الآن بالذات؟ # ثم سأل وبصوته برود غريب: من أجل من تجاهد؟ # قلت بسرعة: من أجل الدين. # فناولك فنجانا من قهوته المرة فلم تستطع بلعها، أعدتها إليه. # سألك بعد أن حدثك عن أشعار جعفر الخمسة: أتعرف الفرق بين شرح سيد قطب ms51 للقرآن وأبي الأعلى ~~المودودي؟ # قلت: لا. # سألك: هل سمعت بنظرية الانفجار الكبير لجيمس هوكنج؟ # قلت: لا. # فسألك: أتعرف زرادشت ودينه، ولماذا وضعه البعض ضمن الأنبياء؟ ~~- لا. # فسألك: هل تدري أن كلمة آمين هي من اللغة العبرية وتعني نعم؟ # قلت: يقولون ذلك. # فسألك: هل قرأت كتاب وحيد الدين خان «نحو مدخل علمي للقرآن»؟ # قلت له: لكني قرأت كتاب مصطفى محمود «التفسير العلمي للقرآن» وهو كتاب جيد. # قال ضاحكا: ماذا تقول؟ # ثم ضحك مرة أخرى، ثم حاول أن يشعل سيجارة أو يتذكر جعفرا، لكنه سألك: أتدري ما هو رأي ~~أبي حنيفة في الخمر؟ # سألك: أتدري من أجل من مات محمود محمد طه؟ # سألك، سألك، سألك، قال: هل يستطيع الأعمى أن يختار سبيله من بين ثلاث سبل، ولو كانت ~~متباينة، وواضحة؟ الاختيار ليس للعميان لكن للمبصرين، للأحرار، والأحرار هم العارفون، أنت ~~عبد يا ولدي، أنت عبد للسائد والمعروف والبديهي، أنت عبد لخطب الجمعة وخطاب الرئيس وبرامج ~~الراديو والتلفزيون الموجهة، أنت عبد لخطيب الندوة السياسية وافتتاحية الجرائد الحكومية ~~والميكروفون، أنت عبد صغير كبيضة ذبابة في بياتها الشتوي! # فقلت له وقد خنقتك العبرات: الدين في خطر يا أبي! # كيف بقي هذه القرون الطويلة؟ هل بقي لأن الحكام كانوا يحمونه؟ إذا من عذب الإمام مالك ~~وشله؟ إذا من قتل الإمام أحمد بن حنبل؟ وشيخ الإسلام ابن تيمية، من قتله؟ ومن قتل الإمام ~~وموسى الصدر؟ من شنق الحسين بن منصور الحلاج؟ ومحمود محمد طه؟ إذا من قتل حسن البنا؟ ومن ~~يا بني قتل شيكيري توتو كوه؟ # يا ولدي رياك، اسمع ما قاله لك جعفر: إن دين الحاكمين هو البقاء في كرسي العرش، وربهم هو ~~أيضا المال، اقرأ، فكر، ابحث، أجهد عقلك، قارن، تعثر في سبلك الخاصة، لكنك اخترت الطرق ~~السهلة، الفكر الرخيص، فكر كلمة العدد، أسفا عليك! # حكى لك والدك عن جعفر مختار ثم سألك: أين ستبدأ جهادك؟ هل ستفتح أمريكا؟ أم الفلبين ~~أولا؟ هل ستفتح القاهرة أم تغزو جزر القمر؟ # لكنك أبدا لا تقل لي سأقاتل ms52 في الجنوب، لا ، فإذا قلت ذلك ستقتلني، ستقتلني يا بني رياك، ~~ستقتلني من الضحك! # وبقدر ما كنت مقتنعا برأيك لم تسمع كلمة مما قال أبوك محمد الناصر، فكنت ترى فيه رجلا ~~فاسقا خارجا عن تعاليم الدين ومضلا، لكنك لا تستطيع أن تنكر أنك كنت ترى نفسك حقيرا ~~ضئيلا أمام ثقافته ومعرفته، ولم تستطع للحظة واحدة إثبات ذاتك أمامه، ولو أنك كنت مؤمنا ~~إيمانا تاما بأنه على خطأ، فكان دائما ما يحطمك صارخا: أنت سطحي، أنت قشري هش كرماد ~~القصب! # وتعرف أنه كان بين الحين والآخر يدفعك ويحثك لكي تعرف، ويقول لك: الإنسان العارف هو ~~الإنسان الحر، أما الجاهل فهو عبد للسائد والمعروف، عبد للبديهي، كان يقول لك: اقرأ، غامر، ~~افشل، وحاول ... لكنه لم يعطك يوما كتابا قائلا لك: اقرأ هذا. # لكنه لم يدفعك لشخص قائلا لك تعلم منه، إنه ما كان يشكلك كما شكل هو، يريدك أن تبني نفسك ~~بمشيئتك ولو أنه كان يعلم أنه بذلك يغامر بمستقبلك إلا أنه يؤمن بالحرية، حرية الفرد في ~~المعرفة والاختيار. # قال لك يوما ما: هل تريد مساعدة ما مني؟ # قلت صادقا: عفوك ... فقط، أرجو ألا تغضبك الطرق التي اخترت، فكما أنت حر في نفسك أنا حر في ~~نفسي، وهذا ما علمتنا إياه وعلمنا جعفر أيضا، جعفر مختار. # قال مبتسما: طالما قلت ذلك فإنك حتما ستنتصر، ولا يعني أنك ستصبح مثلي أو مثل جعفر، بل ~~قد تكون عكسنا تماما وتكون حرا وعارفا، فما عليك إلا أن تستفتي نفسك ولا تتبع طرائق ~~الآخرين في التفكير. # صمت قليلا ثم أضاف: جعفر نفسه قد بدأ متعثرا، بدأ زاحفا على بطنه وفي فمه جرح غائر، ~~وبرأسه شيطان رجيم. # دخلت أختك الحجرة فجأة وكانت جميلة وبوجهها نعومة فائقة، فدهشت لمرآك وذقنك الصغيرة فقالت ~~ضاحكة: إنها تشبه ذقن بوب مارلي، إنها موضة قديمة. # ثم سألتك قائلة: أين اختبأت كل هذه الأشهر، هل كنت في مغامرة؟ أنا أحب المغامرات، لم لا ~~تصطحبني معك؟ حتى ياسمين إبراهيم لا تدري أين أنت، وسألتني ms53 عنك وداد بنت كلية الهندسة ~~كثيرا، فأين كنت؟ # شرب والدك قهوته المرة، أشعل سيجارة، أطفأها، تذكر جعفرا، قام تمشى في الحجرة، ابتسم، ~~قال لك: أرجوك ألا تغيب كثيرا من البيت، وكن نفسك، كن نفسك ولا تتهيب الطريق، أنا عاف منك ~~وأحبك جدا. # قالت منى وقد أثارها المشهد والرومانسية: أهو مسافر؟ # حقيقة كنت محتارا ولم تفهم موقف والدك، أهو معك؟ أهو عليك؟ لكنك أحسست بطمأنينة بالغة، ~~نظر إلى ساعته، قال إن أحدهم ينتظره، الساعة تشير إلى التاسعة والثلث مساء، قال لمنى: ~~تخيلي أننا في هذا الآن - هذا الآن بالذات - نقف أمامه وجها لوجه؟ # قالت أختك منى وهي تضع حقيبة كتب الجامعة على مقعد كان بقربها: سأسأله، لماذا لم يستطع ~~أن يجدك إلا اليوم؟ # ثم سألت والدك: أين تعرفت عليه أول مرة؟ # قال مبتسما: وجدته مع جعفر قرب النهر، يلعبان مع السلاحف المائية، وقد وعدني بأن نتقابل ~~مرة أخرى، لا أدري لماذا يريد أن يقابلني، وأنا لا أدري لماذا أصر على أن أجده؟ أقابله ~~وأراه، ألم تره؟ نعم لقد كانا يلعبان مع السلاحف المائية عندما جئت إلى الشاطئ هو وجعفر، ~~ورأيت جعفرا، وكان فرحا ومبتهجا، وعندما سألته عما سره؟ حدثني عنه وقال لي: إنه ذهب ~~بعيدا خلف السلاحف المائية وقال لك انتظره أو ابحث عنه، وهو بدوره سينتظرك أو يبحث عنك؛ ~~لأنكما لا بد أن تتقابلا، فلم أسأل جعفرا أي سؤال ملح عنه، لا عن جنسه أو نوعه أو حتى كيف ~~يتكلم؟ أيومئ برأسه أو بذيله، أو يتحدث بلسانه، أو أنه يرقص كلماته مثل زوربا ~~اليوناني؟ # خرج والدك، كان رجلا نشطا خفيفا كالريح، يمشي فتخاله يرقص في العاصفة، أخذت تحادث أختك ~~منى في شئون شتى، تذكرتما جعفرا، جعفر مختار، قلت لأختك: جعفر هو أساس ما نحن فيه من ألم، ~~وله دور خطير فيما يجري الآن، قالت لك خائفة: لا، لا تتحدث عن جعفر بهذا الأسلوب، إنه ~~يحبنا. # قال في حزن: أنا لا أنكر حبه لنا، ولا أنكر أنني أحبه أيضا، لكن هذا ms54 ما أحس به ! قالت لك: ~~تخيل حال والدنا محمد الناصر إذا لم يكن في حياته جعفر؟ # فقلت لها جادا: كان سيصبح رجلا بريئا عاديا وديعا، ولوفر علينا ما نحن فيه من هم، ~~حيرة، وأسئلة، ومأساة. # ثم حذرت أختك من عذاب يوم القيامة، وأيضا حذرتها من الإعجاب بوالدك، وقلت لها: إنه ~~سيضيعك، وأكدت لها أن والدك أفسدته المعرفة، وإنه عرف أكثر مما يجب، نضح أكثر مما يجب، ~~وضربت لها مثلا ثمرة الباباي، إذا أسرفت في النضج أكلها الطير أو تعفنت وسقطت على الأرض، ~~طعاما للديدان والنمل، وكادت أن تقول لك: وتقصد جعفر مختار أيضا؟ # إلا أنك قلت لها: أنا أعترف بأنني لا أعرف جعفرا جيدا، إنه معنا كل يوم وكل لحظة يلعب ~~معنا الشطرنج، وكثيرا ما أقرأني القرآن، إلا أنني دائما ما أحس بأنني لا أعرفه كأنما كان ~~هنالك جعفر آخر لا نراه، وجعفر مجسد أمامنا نعايشه، نؤاكله ونشاربه. # قالت لك ضاحكة: أحس أن جعفرا الذي نعرفه ليس هو الذي نعرفه. # ثم تغير مجرى الحديث فجأة إلى مبدئه وقلت لها: لماذا لا تواظبين على الصلاة؟ إنها لا ~~تكلفك شيئا. # قالت لك: أنت دائما لا تكف عن الوعظ، مرة عن وجهي، مرة عن علاقتي بعبد الله، مرة عن ~~السهر ومرة عن جعفر، مرة، مرة، ثم تشاجرتما، تشاجرتما كالعادة. # سافرت، سافرت إلى مدينة بعيدة، محاولا نسيان أيامك السابقات، تجاربك الماضية، أن تنسي ~~جعفرا، جعفر مختار، محمدا الناصر، منى، وحتى مليكة أمك الجميلة فتاة الدينكا الذكية، كنت ~~تحاول جاهدا نسيانها، فقط كنت تفكر في حبك الجديد: الله. # رسول الله محمد. # الإسلام. # ولا تستطيع أن تقول إنك كنت ممتلئا بذلك الجمال الإلهي الصوفي العميق، ولا تنكر أنك ~~حاولت أن تعيد النظر في مسألة فهمك للجهاد، لولا أن فكرة أن والدك أثر فيك وقفت دونك وأي ~~فهم أو فعل إيجابي، كنت في صراعك مع ذاتك تحارب في المقام الأول ما يمكن أن يعبر عن وجهة ~~نظر والدك، أو أن يخلق منك محمد ناصر آخر، وكخروج نهائي ms55 من جلد أبيك فكرت جادا في تغيير ~~اسم والدك نهائيا: رياك محمد، رياك جاك، رياك رياك. # وربما الفكرة التي أعطاك إياها الأشخاص الذين حاولوا تزييف أب لوالدك ورد اسمك إلى أصول ~~عربية، أو تغييره كلية هي التي أخذت تمتد وتسيطر عليك، وتوقفت كثيرا عند الاسم الذي أصلته ~~أنت، أسموك به، رياك، رياك. # قلت لنفسك: ما مصلحة هؤلاء في أن يكون أبي شخصا آخر غير محمد الناصر؟ وما مصلحتهم في أن ~~يكون اسمي عربيا؟ بل ما مصلحتهم في أن يكون هنالك أب محدد لأبي؟ وأيضا سألت نفسك سؤالين ~~قويين كالجرانيت، لكنك عندما عجزت في إيجاد إجابة مناسبة لهما صليت ركعتين وطلبت من ربك أن ~~يجنبك شر الأسئلة. # قال أبوك محمد الناصر لأمك مليكة شول مادنق: كانت ابنة خالتي نعمة زوجة غير ذكية؛ لأن ~~الزوجة الذكية - كما يقول جعفر - هي التي تحتفظ بزوجها إلى حين أن يتوفاه الله، وليس إلى أن ~~يتوفاها الله هي؛ لأن الزوجة الذكية أيضا لا تموت قبل زوجها؛ لأن زوجها دائما في حاجة ~~إليها حتى بعد موته، فإنه يحتاج إلى من يبكيه بدموع فيها اشتهاء حقيقي وخصوصية، ونعمة لم ~~تستطع أن تبقيني في شباكها لأنها لم تستطع أن تفهمني وأن تعي جنوني الخاص جدا، جنوني الذي ~~يجعل دمي حلوا وهو يسري في شراييني لترقص عليه الأحلام وهي تخامر الأسى، تخامر سحليات ~~الروح. # إذا ما كانت ستبكيني بدموع كلها اشتهاء، هي امرأة ليست لها مقدرة على الحلم، مثل الولد ~~رياك تماما، تريد واقعا جاهزا ومعطى. # فحاولت أمك أن تقارن بينك وبين نعمة لكنها لم تجد أوجها للشبه غير تلك التي في مخيلة ~~أبيك محمد الناصر، في وهم خوفه عليك، وخوفه منك! # كان يقول لها عنك: إنه مثل الصرصور الذي لا يمكنه أن يرى أبعد من قرني استشعاره صرصور ~~صغير وباهت. # ثم سألها سؤالا لم تستطع أن تسمعه لأن أنامله كانت تعبث بزغب ناعم في عنقها الطويل ~~الرشيق، محركة صمت اشتهائها في أقبيته النائمة فأحست بحاجتها إليه، حاجة ماسة وملحة، ms56 وكانت ~~تخافه أن ينهض فجأة هاتفا: أحدهم ينتظرني. # لذا عبرت عن رغبتها في سؤال تقليدي تعرف كيف يجاوب عليه أبوك: ما رأيك في الحرب ~~بالجنوب؟ # مثل تلك الاشتهاءات كنت وأختك ثمرة لها، فأبناء العاطفة الأصلية هم الأجمل والأبقى لأنهم ~~عصارة اللذة، وخطاب الوجود الصريح والأكثر عمقا، أو كما قال جعفر مختار. # السماء مسحبة بطيئة، مياه النهر ثقيلة كأنها الزيت، أشجار السيسبان العجوز تخشخش مرحة ~~عندما تقبلها الريح الصيفية، الجنوب غربية. # الريح الخيرة أبدا، فترسل ثمارها الذهبية المتطاولة إلى الأرض ليتقاسمها معزة، وحملان، ~~وطفل الراعي طفل صغير أعجف، رجل عجوز هو الراعي النائم تحت شجرة لالوب وارفة، عليها يمامتان ~~تتناشدان مرح القيلولة، وقربه على الأرض عصفور ود أبرق بين رياش ظهره، ريشة شديدة السواد، ~~يحجل نحو عشوشاي تظهر عدم الاكتراث به، وأيضا عدم الرغبة، صفرت الريح وهي تتخلل أشجار ~~الشاطئ، تنسل ما بين صخوره الرمادية القديمة وتعبث بذرات الرمال الذهبية الناعمة كزغب أميرة ~~مراهقة، يحاول طفل الراعي الأغبش ذو الشعر المنكوش أن يرضع المعزة لكنها تبعده عن ثدييها ~~بنطحة قوية تلقيه على ظهره، فتنطلق من بين فخذيه ضرطة لها صوت الريح عندما تمر بين أشواك ~~السيسبان الجافة، يتململ الراعي العجوز كما لو أنه يستيقظ، لكن شخيره تعالى بقوة، ينهض ~~الطفل، يمسك المعزة من وسطها ويعضها بغضب في أذنيها، تتألم المعزة في صمت، جعفر يمد رجليه، ~~يغرقهما في ماء النهر الساكن، يفكر بشكل جاد. # والدك ينظر بعيدا إلى الضفة الأخرى يراقب سربا من الأطيار، أطيار الرهو وهي تلتقط ~~الأسماك الصغيرة، بين أصابعه سيجارة مطفأة، قال جعفر فجأة: رياك. # فتحدث والدك كثيرا عنك، دافع عن موقفك، أكد على مبدأ الاختلاف وحرية الاعتقاد، ثم دافع ~~عنك جعفر بكلمة واحدة قائلا: من حقه. # هدأت الريح، حاول الطفل رضاعة المعزة مرة أخرى فنطحته، التقط كل ثمار السيسبان، أطعمها ~~للحملين ونفسه، حارما منها المعزة التي وقفت بعيدا تحملق في الحملين وهما يكرمشان ثمار ~~السيسبان بلذة، كانت مندهشة وحانقة، تحدث والدك عن الإعصار القادم حتما، وعن أجيال منفعلة ms57 ~~متفائلة لكنها جاهلة وسطحية، شديدة العاطفة لكنها ستغير الكثير في هذه البلاد وتهيئ الوطن ~~لثورة فعلية تقتلعهم أول ما تقتلع؛ لأنهم بتفاهتهم وعجالتهم سينضجون كل أمراض المجتمع ~~ويضعونها على السطح عارية يفوح منها عفن يدل عليها، فيقول المسيح: من ثمارهم تعرفونهم، إذا ~~... # سيرمي بهم وبسطحيتهم في جحيم المسافة، أي ما بين غاياتهم ووسائلهم، ما بين اندفاعهم ~~العاطفي غير المؤسس وحركة الواقع الفعلية، ما بين جهلهم ووعيهم الغائب. # ضحك جعفر، تثاءب، ثم خلع ملابسه ورمى بنفسه في النهر، فزعت أطيار الرهو في الضفة الأخرى، ~~طار بعضها لكنها حالما عادت مرة أخرى لتلتقط المسكيتات الصغيرة وهي تصيح: كعو، كعو، كعو، ~~استيقظ الراعي النائم، نادى الولد الصغير بصوت عذب رقيق: نور الله، نور الله. # كان نور الله يحرم المعزة ويأكل السيسبانات الذهبية، حينما سمع نداء الراعي بصق ما بفمه ~~من ثمرة، وجرى ملبيا النداء، أيضا ظهر كلب الراعي من مكان ما، فسبق الطفل لتلبية النداء ~~هازا ذيله بمرح. فطارت اليمامتان بعيدا في عمق السماء، ثم حلقتا على النهر، أما ود أبرق ~~وعشوشاي فطارا إلى شجرة سيسبان قريبة يرقبان الموقف عن كثب، سأل الراعي الطفل: أين بقية ~~الأغنام؟ # فأشار الطفل إلى النهر، قال الراعي: آتي بها. # فجرى الطفل وخلفه الكلب نحو النهر بين الأشجار قافزا على شجيرات المحريب والسنسنات ذات ~~الزهيرات الصفراء، وعلى الصخور القديمة والرمادية على الرمال الذهبية المفترشة عليها، كزغب ~~أنثى، أميرة مراهقة. # هش الراعي على الحملين والمعزة بعصاه كما كان يفعل موسى عليه السلام، فتساقط العلف ~~ليتخطفه الحملان والمعزة، فتكرمشه بلذة وامتنان، قال والدك لجعفر الذي كان يسبح مستمتعا ~~بمياه النهر الدافئة: ستمطر. # قال جعفر وهو يشير لأطيار الرهو الهادئة المطمئنة على الشط المقابل: ليس قبل ساعة، انظر ~~لهدوء الأطيار. # غطس جعفر عميقا في جوف النهر، خرجت خلفه مئات الفقاقيع وهي تبق، قبل أن تظهر على السطح ~~قطعة من الخراء كبيرة سوداء توقفت قليلا وكأنها تتفحص الاتجاهات ثم دارت حول نفسها مع ~~دوامة صغيرة، ثم سبحت في بطء شمالا في خيلاء ms58 مع تيار النهر الواهن، ضحك والدك، ضحك طفل ~~مختبئ وكلبه بين شجيرات المحريب، أشعل سيجارة، أطفأها، نظر إلى ساعته، فكر في قبلة سريعة ~~على فم مليكة شول مادنق، خرج جعفر من الماء، هز رأسه كخروف هطلت على صوفه أمطار، سأل والدك: ~~كم عام مضت منذ وفاة مليكة شول؟ # ثم عاد مرة أخرى للماء، ثم عاريا كما خرج آدم من الجنة خرج، صغيرا مبتلا كسحلية فقست ~~لتوها من البيضة، كانت أسنانه بيضاء وبكفه الصغيرة سمكة تصارع من أجل الفكاك. # قال مبتسما: شلباية! # تفحصها والدك ثم رمى بها في النهر، ضحكا معا في آن واحد، بلع الطفل ريقه من بين ~~المحريبات، تعانقا، غنى لحنا كان جعفر قد سرقه من ذات الطفل وذات الكلب وذات الراعي وذات ~~الأغنام وذات الريح وود أبرق واليمامات، والموج والرهو، والسيسبانات، وضرطة الطفل وذات ~~الراعي والشخير، اتسعت عينا الطفل دهشة، وهز الكلب ذيله القصير، أخرج والدك من بين ملابسه ~~الملقاة على رمل الشاطئ زجاجة صغيرة بها خمر، حاول ألا يشرب منها شيئا، حاول ألا يعيدها، ~~حاول أن لا يلقيها في النهر، صب كأسا ابتلعها في جرعة واحدة، خلع والدك ملابسه الداخلية، ~~فكر لحظة في مليكة أمك، فكر فيك، أشعل سيجارة أطفأها، رمى بنفسه في النهر، سبح بعيدا عبر ~~النهر نحو الشط الآخر، فطارت أسراب الرهو في بطن السماء المسحبة، اختفت تماما، رقد على ~~رمال الشاطئ الذهبية الباردة، تذكر جعفرا، جعفر مختار، بنى بيتا صغيرا من الرمل، نظر إلى ~~جعفر في الشط الآخر والذي كان يغني وهو يصطاد الأسماك الصغيرة اللامعة بكف ويعيدها بالأخرى ~~إلى الماء مبتهجا كطفل في روضة، يغني والدك، يعلو صوت جعفر بنفس الأغنية التي يغنيها أبوك ~~بشطه، لبس جعفر ملابسه، هرب طفل الراعي الصغير وكلبه إلى أجمة من أشجار السيسبان المتشابكة ~~فاقدا الأمل في السميكات الصغيرة التي كان جعفر يصطادها ويعيدها لمائها مرة أخرى. # ذهب جعفر بعيدا، مخلفا وراءه في ماء النهر عجينة خراء سوداء كبيرة تدور مع الدوامة، ~~تقرضها أسماك البلطي وهي تتجه شمالا، ms59 شمالا في خيلاء ، لقد فهمت فلسفة والدك وهو يحاول أن ~~يفهمك، إنك تافه لأنك أغضبته عندما صفعت أختك منى في وجهها؛ لأنها تأخرت خارج المنزل لوقت ~~متأخر من الليل، وعندما سألتها أجابتك: عليك بنفسك فحسب! # قال لك: لا أحد يسوى شيئا ولا أنت ولا خطايا منى، تقواك أنت أيضا لا تسوى شيئا، ولا ~~كلمة جعفر، كان يتحدث كالهامس رغم أن صوته كان ملء الغرفة كلها، انظر. هذا الكون الشاسع ~~الممتد. # انظر لضآلة درب التبانة مقارنة به. # انظر لضآلة المجرة الشمسية مقارنة بدرب التبانة. # ضآلة الأرض مقارنة بضآلة مجرتك. # ضآلة قارتك مقارنة بضآلة أرضك. # ضآلة وطنك مقارنة بضآلة قارتك. # ضآلة مدينتك مقارنة بضآلة وطنك. # ضآلة قريتك مقارنة بضآلة مدينتك. # ضآلة بيتك مقارنة بضآلة قريتك. # ضآلة مخدعك مقارنة بضآلة حجرتك. # ضآلة جسدك مقارنة بضآلة مخدعك. # ضآلة قلبك مقارنة بضآلة حلمك. # بالمقارنة بملايين المجرات! # فماذا تسوى أنت؟ # ماذا تسوى خطايا منى؟ # وكان يريد أن يقول لك بمعنى أقرب: ماذا يهم أن يقولوا عني صغير تافه ابن حرام زنديق ~~جعفري؟ ماذا يزن هذا بالنسبة لخلق الله غير المتناهي؟ # بالنسبة لفراغ الموجود الشاسع، قصة الخلق، بالنسبة لله، حيث لا يحيط به خيال؟ بالنسبة ~~للانفجار الكبير؟ ملايين الشموس وذرات الغبار المشعة، بلايين الشهب والنيازك، بلايين البشر ~~والحيوانات والفيروسات والبكتريا، قناطير وأطنان، بل محيطات الخراء الآدمي، أو يقول بأسلوب ~~ألطف: ألا تحس بأنك بك من الغرور الكثير المخجل عندما تظن نفسك وكل البشر بأنك اهتمام ~~الله؟ # وكان والدك يهمس في وجه المجرات: ماذا يعني أن تعشقني مليكة شول مادنق، وكلما ورطتني ~~بأسئلتها ضاجعتها فنامت، ماذا يعني هذا؟ هكذا. # كانت الهوة شاسعة بينك وبين أبيك محمد الناصر، كان ينزع الإجابة من الصخر وأنت تلحسها من ~~صحائف مذهبة، تلحسها كالعسل، كان يشكل الأسئلة من النار ثم يضمها لصدره إلى أن تنضجه ~~بلهيبها، أما أنت فكلما غازلتك الأسئلة أخفيت وجهك في الإجابات الجاهزة المعطاة، شتان ما ~~بين لا ونعم! # شتان شتان ما بين لا ولا، إذا، ما بين لا ولا، ms60 ونعم ونعم. # شتان ما بين أن تغرق في النهر وأن ترقص على طوق النجاة. # شتان ما بين أن تغني وأن تكون أنت الأغنية. # نظر إلى ساعته، أشعل سيجارة، أطفأها، تذكر جعفرا، قال لمليكة شول مادنق أمك الجميلة: ~~دعيني أحدثك عن روزا لكسمبورج أو نازك الملائكة. # لكنه عندما تحدث حكى لها عن طفلة جميلة لها أم أدمنت الحزن، أقمت في خلوتك في مدائنك ~~النائية تبحث عن سلام دائم وتام عبثا، عبثا، كنت بين نارين: الحقيقة ونار الجهل، لكنك ~~أبدا ما كنت بين الله والشيطان، فكان الله دائما في قلبك، وكما يقول جعفر: إذا أنت في ~~أول الطريق أول الأسئلة، هكذا، تبدأ أشجار الأسئلة الكبرى في النمو، تبدأ من الله وتتجه نحو ~~الشيطان؛ لأن السؤال كما يقول جعفر: انطلاق مقدس من اليقين المتخيل إلى الشك والإجابة، كما ~~يقول والدك محمد الناصر: هي عودة أخرى نحو اليقين الحقيقي. # ولن تنكر أنك آمنت أنه ليس غير الأحرار يمكنهم المشي في ظلمات المسافة المرة المقدسة، وهم ~~يتغنون مثل زرادشت، أو يرقصون مثل شيفا، أو يعشقون مثل محمد الرسول، هكذا تتذكر والدك، ~~وكلما حاولت الخروج من جلبابه وجدت نفسك تغوص في ثناياها تريد أن تكون نفسك رياك رياك، أو ~~كما أسماك البعض: رياك العربي. # لكنك حتى الآن لم تتحصل على المعرفة التي تحررك من ذاتك ووالدك ومن الكون كله، لا تحرر - ~~كما يقول جعفر - من غير معرفة، والمعرفة لا تأتي إلا لمن يبحث عنها، ابحث عنها، تذكرت ~~جعفرا، جعفر مختار. # نظرت عبر النافذة، الشارع بارد خال من المارة، وأيضا الكلاب الضالة والقطط، بعيدا في ~~المنحنى رأيت نسرا شائخا يحجل عابرا الطريق نحو جيفة لقط، بصقت، تخللت أصابعك المرتعشة ~~لحيتك الصغيرة السوداء، بالباب طرقات تصلك واهنة، علا صوت المؤذن، توضأت، أقمت الصلاة، قرأت ~~سورة الفاتحة ثم أخذت تتلو: # قل يا أيها الكافرون ~~، ~~تشككت في ترتيبك لآيات السورة، أعدت تلاوتها، صمت طويلا، قرأتها مرة أخرى، توقفت حيث الآية ~~الأولى، كبرت، انحنيت، أحسست بيقين خرافي يغمر نفسك، أحسست بأهميتك ms61 كإنسان يقف الآن أمام ~~ربه، أكملت صلاتك، تذكرت والدك وهو يحدثك عن ضآلة الأشياء وفقره أمام ضخامة الكون، لا تنكر ~~أنك معجب بأسلوبه الذكي في توصيل آرائه، وأنت كنت لا تؤمن بآرائه وتعتبرها خروجا عن الدين، ~~علا الطرق على بابك، قلت لنفسك: من أين لي بالسيف المبصر؟ # فتحت الباب، وجدت رجلين تعرفهما جيدا، تختلف معهما جيدا، تصارعهما جيدا، وتحبهما جيدا ~~أيضا، سألك جعفر: هل مر بهذا الطريق الذي يمر أمام كوخك ولد خلاسي اسمه رياك؟ كدت أن تقول ~~له: إنه أنا ... # منذ عام وأنت تجمع الأطفال ونساء الحي في خلوتك لتعلمهم أسرار القرآن، وأيضا لتتعلم ~~منهم؛ لأن جعفرا قال لك: كن تلميذا لما حولك تصبح أستاذا لما حولك. # عاشرت في غربتك خلقا مختلفا أجناسه وألوانه وسبل حياته، تعلمت لغات محلية وأسرارا، ~~ديانات لم تسمع بها من قبل، جالست الداعرات في الخمارات والبيوت الخاصة، عاشرت قوما ~~متدينين متسامحين وقوما متدينين متعصبين، وقوما لا دين لهم ولهم الأخلاق السامية، جعت ~~جوعا حقا، فسرقت لتأكل، وبعت حذاءك لتشرب وشحذت الناس لقمة خبز، خنت، تشردت، إذا دخلتك ~~مدرسة الحياة أذابت فيك ألوانها جميعا وكنت بين الحين والآخر تجد وقتا ولو صغيرا لتقرأ ~~كتابا، أو لتقف أمام شجرة تتأمل خلق الله، إذا كنت تبحث عن المعرفة، فتعلمت من براءة ~~الأطفال سر نفاق الآباء وتشوههم، وتعلمت من قصف الرعود سر رقة ألحان جعفر المسروقة، وتعلمت ~~من خجل الصبيات سر كتابة كان شو المعقدة، ولماذا ألحت عليك داعرتان بالعشق؟ نعم، لقد أصبحت ~~تلميذا نجيبا لما حولك، فكنت تشرح للقرويين بغربتك قول علي بن أبي طالب: القرآن حمال ~~أوجه. # تقول لهم: حاولوا أن تعرفوا جعفرا أكثر وأكثر؛ لأن هذا الرجل القصير ذا الابتسامة نصف ~~المنجزة يمتلك الكثير من أجلكم، تحدثهم عن العلاقة بين الرقص الأوكراني وانهيار الاتحاد ~~السوفيتي. # تسألهم: ما معنى أن يقول الحلاج: ما في الجبة إلا الله! # تناجي ربك ليل نهار بأن يلهمك معنى مناسبا لقول علي بن أبي طالب: ما اغتنى غني إلا ~~بإفقار فقير. ms62 # كنت تقول لهم : حل مشكلة الجنوب أن تلبس الجنوبيات الثوب، وأن تلبس الشماليات اللاوي، لكن ~~أيضا إذا اتفقن على ثوب به إغراء، الثوب وشعرية اللاوي، أيضا ستحل المشكلة. # عام وأنت تبحث بصدق وإخلاص عنك، تبحث عنك في الآخرين والأشجار وعصافير الود أبرق، تنحت ~~بأظافرك صخرتك الملساء الصلدة، لكي تتجاوز والدك، ثم تتجاوز نفسك وتمضي قدما، تعيد صياغة ~~الأشياء، ومثل مليكة شول مادنق أمك تؤسس لموت خاص بك، خاص بك شخصيا، موت يليق بلحيتك ~~الصغيرة السوداء وطيور الكلج كلج المغردة على أشجار حديقتك الصغيرة، يليق بطرق الشوك ~~والبرتقال، هكذا، ولأن الأشجار تموت واقفة، يموت موتك كالأشجار، يوم أن زارك جعفر ومحمد ~~الناصر خرج أبوك ولم يعد، فخرجتما للبحث عنه، وجدتماه في فلاة بعيد القرية، كان يحمل معولا ~~ويحفر به الأرض في حماس منقطع النظير وإصرار فأخذت أنت منه المعول، لكنه واصل الحفر بأظافره ~~وهو يرجوكما أن تتركاه وشأنه، فقلت له أنت مشفقا: لا يمكنك أن تجد الذي ينتظرك بهذا ~~الأسلوب، رفقا بنفسك. # قال لك جعفر: دعه، فالرجل الحر يعرف ما يريد، فلا نظلمه. # أعدت إليه المعول وأخذت وجعفر ترقبانه عن كثب وهو يحفر بكل جهد وهمة وبين وقت وآخر ينادي: ~~ماء باردا، قليلا من الجلوكوز، قليلا من ملح الطعام بالجلوكوز، غن لي يا جعفر، غن لي ~~يوم تبولت على الهاتفين، حدثني عن تلاميذك يا رياك، تلاميذك الذين هم أساتذتك! # إلى أن انتصب أخيرا، نتنفس الصعداء، كان وجهه غارقا في العرق وبفمه ابتسامة كاملة ~~مستديرة ودافئة، بيديه حجر مسطح مربع في حجم الصحيفة اليومية، مده إلى جعفر الذي نفض عنه ~~التراب ثم أخذا يتفحصانه بدقة وصبر وهما يتبادلان بعض العبارات من وقت لآخر، وجئت أنت ~~ورأيت، كان منحوتا على الحجر بلغة غريبة ومتداخلة، وبه رسومات لأشياء لم ترها في يوم ما، ~~أو لربما دفن في هذا المكان رجل حاولت أن تعرف، قال جعفر: ربما كانت هنا مدينة أثرية قديمة، ~~لربما تشهتني امرأة، امرأة عديدة. # ثم قام جعفر، نقش عدة كلمات في مساحة ms63 خالية من الحجر ، وكذاك فعل والدك، ثم تبولا على ~~الحجر بولا كثيرا، ضحكا، أشعل والدك سيجارة، أطفأها، أعاد الحجر إلى حفرته. # أهالا عليه التراب وهما يغنيان غناء غريبا يضحكان ويتقاذفان بالتراب والحصى كطفلين ~~شقيين. # | هذا سفر التي هي: ابنته الجميلة # تذكرت قول جعفر لك: المجتمع الحر هو الذي يوحد رؤية الرب والشيطان! # عندما قلت ذلك لعبد الله إبراهيم، قال لك ضاحكا: تعلمين يا منى بأني لا أفهم كلمات هذا ~~الرجل القصير الوسيم، أنا فقط معجب بابتسامته النصف، وطريقة مشيه، وأحيانا عندما أسمعه ~~يغني مع والدك، أحس برعب، رعب حقيقي يغزو قلبي، ثم أضاف في تعجب سائلا: أين بالله لقي ~~والدك هذا الشخص؟ # قلت له: بل أين وجد هذا الشخص أبي؟ # هذا هو السؤال الحقيقي، الذي يبحث عن إجابة، إجابة حقيقية. # قال لك: لقد تحدثت مع والدي بشأن الزواج، ولو أنه اعترض في بادئ الأمر بسبب أمك مليكة ~~مرة، ومرة أخرى بسبب نسب أبيك، إلا أن أمي استطاعت أن تقنعه بأنك جميلة ولا ذنب لك، وأقول ~~لك حقيقة أن أمي معجبة بشعرك، ولونك، ودائما ما تقول لي: «لقد اخترت امرأة حرة، أحر من ~~أمها، امرأة بنت عرب!» # ثم ألمح بأمور ما أصبحت تهمك، ليس لأنك كبرت، نضجت، وتجاوزت وهم المراهقة، لا. # لكن فهم أن يكون لك رجل خاص تجاوزته، ليس كحاجة امرأة، لا، لكن كحالة مفردة لها خصوصيتها، ~~خصوصية هي في الأصل تأسيس لموتك، مثلك مثل مليكة، مثل ماجوك. # كانت لك التجارب الثرة مع الجنس الآخر، بكل مستويات الإعجاب، العلاقة، همسات الأصابع ~~البريئة العطشى لاكتشاف ما بقبو الآخر، انتهاء بإشباع الفراش الكامل، ثم تكرار الممارسة، ثم ~~تكرار التكرار، ضجرها، ثم ما عاد الجنس يمثل لديك هاجسا، هكذا انفك جنونك من أسره، وكانت ~~التجربة مرة باستثناء علاقتك مع رجل الشجرة، عبد الله إبراهيم عبد الله، وذلك لأسباب لا ~~تدركين كنهها، كنت تخوضين معركة ذات فهم مقدس من جانبك، وفهم قسري لا يتعدى ممارسة الجنس من ~~الجانب الآخر، ولا أظنك تنسين ليلة أن ms64 سمعت أحد أصدقائك يقول عنك: إنها إباحية! # ثم تحدث بأسلوب وقح عن وقت قضاه معك في منزل صديق لكما، تذكرت حينها قول والدك: أطفال ~~الريح هؤلاء عبيد لا أكثر، ولا تكفي حريتك وحدها في العلاقة، وإلا كانت نوعا من الدعارة ~~وسوء السمعة، إذا! كيف استطاع أبوك أن يوحد رؤية الرب والشيطان؟ # كيف استطاع جعفر؟ # كيف لم تستطع أمك؟ # كيف لم تستطيعي أنت؟ # وهل استطاع رياك؟ # كيف استطاع جعفر أن يوحد رؤية الرب والشيطان؟ # سألك عبد الله إبراهيم: ما هي رؤية الرب؟ وما هي رؤية الشيطان؟ # بل ما هو جعفر، جعفر مختار. # حينما جلس قربك جعفر في تلك الليلة، ليلة الحلم الواقع تلك بالجبل كان بعريه شيء خاص، شيء ~~أكثر حرية مما لقنك إياه بطرائقه السرية، شيء كهطول الأمطار في فبراير، أو أكثر إدهاشا، ~~شيء كلا شيء، غير شيئيته ذاتها، وكنت تظنينه سيقوم بعد لحيظة أو أخرى بملامسة جسدك العاري، ~~أو يحاول أن يفكر في ملامسته، فلقد كنت مهيأة لحالة من الرفض كاملة، وكنت تعرفين أنه رجل حر ~~كحلم نورس لفنجستون، أيضا، كنت تدركين تمرحل حريتك، لكن الأمر دائما كما يقول والدك أكثر ~~تعقيدا مما نظن، وكما يقول جعفر أكثر بساطة مما نتوقع، الأمر دائما كرصد نمو زهرة، كرصد ~~ذبولها، كزهرة، لا أحد بإمكانه التنبؤ بسلوك جعفر؛ لأنه لا أحد يعرف جعفرا غير جعفر ذاته، ~~ولا أحد لا يعرف جعفرا غير الذين يعرفونه معرفة حقة، وأنت تدركين ذلك تماما؛ لذا كنت ~~تنتظرين اللحظة التالية بتشوق تام، ما بعد؟ ما بعد؟ هكذا كان يردد عريك، وصمت الترقب: ما ... ~~بع ... د؟ # الجسد أم اللغة؟ # فحاول جعفر ألا ... # وحاولت أنت أن ... # لا تدري منى متى أول مرة اختلفتما فيها بالرأي، مع عبد الله، ربما يوم أن اشتركتما في ~~مسابقة في بحث تموله منظمة تطوعية بالمنطقة، كان البحث عن الحرب، قال عبد الله: إنها مؤامرة ~~ضد الوطن؛ لأن وراء جيش الغابة إسرائيل وهيئة الكنائس الدولية وأظافر أمريكا، قلت أنت: إن ~~وراء جيش الحكومة إيران والعراق ms65 والصين وأمريكا، فاختلفتما وقمت بتمزيق البحث، وقام هو بحرق ~~مزق الأوراق، وتلك هي اللحظة التي أحس فيها بعاطفة جياشة تجاهك، وأحسست أنت بالحب نحوه، ~~لحظة احتراق الأوراق البيضاء بنار الاختلاف، أحسست بسريان الحب في قلبك كدبيب نملة تحمل حبة ~~ذرة بين فكيها تهبط قصبة، تصعد قصبة، تهبط قصبة، تصعد قصبة، في الطريق إلى البيت - حيث ~~إنكما جيران - كنتما تتقاذفان بألفاظ ليست بذيئة، لكنها أيضا ليست طيبة، وتضحكان. # إذا لقد اكتشفتما فجأة مخابئ منسية في ذات كل منكما، مخابئ للفرحة والتآلف، لم تعلما ~~بوجودها هنالك منذ زمن، منذ أن كنتما طفلا وطفلة تلعبان في الطريق بالحصى وعلب الصلصة ~~الفارغة، تلعبان عريسا وعروسا وأطباء وممرضين، بوليس وحرامية، أنتما الآن شخصان مختلفان ~~وغريبان عن بعضكما البعض، هكذا كان إحساسك في لحظة أن اكتشفت أنك تحبينه، أيضا كان إحساسه، ~~وكنت تحملقين في وجهه كأنك ترينه للمرة الأولى، تحاولين التعرف عليه من جديد، وما كان الأمر ~~يبدو غريبا، إذ فاجأته قائلة: ما هو اسمك يا هذا؟ من أين أنت؟ # إذا، لحظة احتراق الأوراق البيضاء بنار الاختلاف هي لحظة الميلاد الثانية، إذا، كيف ~~أصبح هو رجل الشجرة غير العنصري، ووالده هو إبراهيم ضابط الجيش ذلك العنصري؟! # وهو الولد اليومي الانطباعي الذي ليس له علم إلا ما علمه أبوه، بل كيف صار رجل ~~الشجرة؟ # في لحظة كان جعفر فيها بعيدا على شاطئ النهر، يصادق الرعاة نهارا، ويغازل الجنات ~~بالليل، وكان والدك يمشط الطرقات بحثا عن الذي ينتظره، وأمك مليكة شول مادنق خلف سور من ~~الحجارة والرمل تنعم بدفء الأرض، وحتى رياك - سادن الأخلاق والمثل - كان في غفلة تامة، ~~عندما قادتك قدماك ورجل الشجرة ذات مساء إلى الحدائق المجاورة، حدائق البرتقال، وأنت الآن ~~لا تحبين أن يذكر كيف سلمته نفسك؛ لأن تفاصيل ذلك لا تخصك وحدك، ولا تحبين أن يذكر كيف كان ~~منفعلا وخائفا وهو يفك أزرار بلوزتك الكبيرة، وأيضا كيف كانت أنامله غارقة في عرق بارد، ~~ونظراته خجولة رغم الشبق المتوحش الذي أعطى عينيه حمرة الأفوربيا، وهو ms66 يرفع عن فخذيك جيبة ~~الجينز ليكومها على صدرك، ويحملق برعب جنسي في عريك مندهشا، كيف لا تقاومين؟ كيف لا ترفض ~~أفخاذك الشحمة ثائرة متمنعة، وتمسك أناملك بالجيبة محاولة إبقاءها حرسا على السيد الجسد، ~~حرسا مسالما من القطن! # كيف لا تقولين له: ابتعد عني، دعني هذا عيب ... هذا حرام ... كيف تدعين جسدك يتوهج في عينيه ~~تحت ضوء القمر هكذا، سهلا ورائعا وطاغيا، أيضا لا تحبين أن يذكر أنه أخذ يرضع ثدييك كما ~~الطفل الجائع ثم ... ثم عضك، عضك بكل قسوة، إلى أن دوت منك صرخة مزقت حجب الليلة المقمرة ~~الساكنة بين أفرع شجيرات البرتقال ونواره الأبيض الذي تطن حوله النحلات، في ذلك الوقت، في ~~ذلك الوقت بالذات - آن تألمك - شعر برغبة الفعل، بلذة معالجة المرفوض المؤلم الممتنع، إلا ~~أنك رفسته بقدميك بعيدا قائلة في ألم: حرام عليك ... أنت قاس! # واشتعلت غضبا، واشتعل هو بدافع الفعل، في الحق افتقدت أنت الرغبة تماما في الاستسلام ~~الحلو المغبط، الذي حتما كان سيقودك إلى الاستشعار بلذة المفاعلة والاستمتاع بالفعل لحظة ~~بلحظة، إلى حين بلوغ النشوة لاكتمالها المقدس التام في ذاته، لحظة استسلام الروح لسلطان ~~الجسد، تذكرت جعفرا، جعفر مختار، قلت لعبد الله، رجل الشجرة: سنعود للبيت، قال وتخنقه ~~العبرة: يستحيل، يستحيل! # اعتذر، أكد، أصر، قال، تمسكت، تباكى، تلامس، تذكر، تقاوم، ثم استسلم لإرادتك بالعودة ~~للبيت، إذا كان هذا هو اللقاء الأول لك مع عبد الله إبراهيم، وفشله هو الذي أبقى علاقتكما ~~إلى اليوم، وفشله هو الذي قاده لطلب يدك من والدك، وفشله هو الذي مكنه من إقناع والده، فإما ~~أنت أو لا امرأة أخرى، إذا، كان فشل الفعل هو السبب للفعل المرتقب، في المستقبل، إذا، فشل ~~الفعل هو نجاح الفعل، وأنت لا تدركين ذلك أبدا - ولن تدركيه - ولا حتى رجل الشجرة يدركه، ~~لكن جعفرا أحس به، وقاله لوالدك، وذلك حين إصرار رجل الشجرة بالزواج منك، قال جعفر لأبيك: ~~إنه فشل في حبها. # وما كان يعلم رجل الشجرة أن هذا الجسد المحروم منه هو مستباح لرجل ms67 شجرة آخر بكل طواعية ~~واستسلام ورغبة، بذات سهولة غابة البرتقال التي لم تتبعه، وعندما كادت ... افتقدها. # أخوك رياك المتصوف يعشق ياسمين إبراهيم أخت رجل الشجرة الصغرى، وهي تعشقه، لكن والدها ~~يقول: إن رياك عبد أسود كالفحم، ولا يمكن أن يزوجه ياسمين إبراهيم ابنته، فإذا تجاوزنا ذلك ~~كله، أنت معجبة بوالدك محمد الناصر، بوعي أو دون وعي، متبنية لأفكاره ومواقفه كلها، دون ما ~~استثناء، معجبة بمقدرته في أن يكون حرا، وأن يضع أحلام الحرية من كوابيس الآخرين، ما كنت ~~تفهمين أن حريته تقف عند حدود الممارسة الشخصية كنتيجة للفهم الواعي للعلاقات: العلم ~~والتجربة، لا. # لكنه كان أيضا يسهب في القول عن حرية أن تحفر بئرا، وقيد أن تدفنها، حرية أن تمشي ورجل ~~طوال الطريق من الشلالات إلى الميناء النهري الصغير، تمران بالهضاب الصغيرة المسكونة ~~بالأفاعي والسلاحف القديمة الباردة، أن تقبليه وأنتما تنزلان إلى النهر مرة أخرى إذا أمكن ~~ذلك، أن تلاعبا قردا أو سلحفاة صغيرة لونها لون الحجر، زوجا من الإوز البري، أن تتسلق ~~الرمال البلورية البيضاء. أن تتذكرا جعفرا، جعفر مختار بحرية، أن تخرجا في مظاهرة تطالبان ~~بقفل الطريق التي تشق الغابة، فتلوثها وتقتل الغزلان والسناجب، لكن شريطة أن تشاركا في صنع ~~الطريق البديل، إذا كان والدك حرا حرية مشروطة بحدود الحرية ذاتها، كان حرا كفراشة ~~ترمي بنفسها في اللهب محاولة الالتحام بسر الضوء، أو التلاشي في الذات المشعة، معجبة به ~~وأنت تتبعين تعاليمه وتحسين إحباطاته، وعندما يحس أنك فهمت حريته فهما خاطئا كان يهتف ~~صارخا: ما تفعلينه دعارة وليس حرية شخصية. # ثم يسألك بوضوح: هل الآخر حر؟ # وما كنت تمتلكين إجابة لسؤاله، كان والدك حرا في قيد ما يوحي به عقله إليه، وتؤكده نفسه ~~أو جعفر، سيان الأمر، كان وجعفر بالصالون حينما أطل والدك عبر النافذة ليرى المارة يذهبون ~~في كل الاتجاهات، جماعات وفرادى، قال لجعفر سائلا: أين يذهب هؤلاء الناس في كل الاتجاهات ~~يمشون؟ أين يذهبون كل يوم، كل ساعة، الآن، في هذا الآن بالذات؟ # قال له جعفر: ms68 دعنا نتبعهم وحتما سنكتشف مذهبهم. # ارتديا جلبابين نظيفين، وضع كل منهما على رأسه عمامة، وحملا عصيهما بعد أن انتعلا ~~مراكيبهما، خرجا، توقفا للحظات في منتصف الشارع العام، إلى أن مر رجل شاب يحمل حقيبة يد، ~~يبدو أنه قد جاء من سفر شاسع لتوه، قال جعفر: أنا سأتبع هذا. # وبقي والدك، وما هي إلا لحظات قصيرات حتى قدمت امرأتان، إحداهن سيدة متزوجة، وعرف والدك ~~ذلك برؤيته لحناء قدمها، أما الأخرى فكانت فتاة بعد المراهقة تقريبا بعام أو أقل، تسيران ~~في الاتجاه المضاد لمسار رجل جعفر ذي حقيبة اليد، فقال والدك في نفسه: أنا سأتبعها لأعرف ~~أين يذهب المارة، وحينها سألتقي بجعفر، وإن ذهب هو للاتجاه المضاد سنلتقي عند مذهب ~~المارة. # ومضى خلفهما بزمن ومسافة قصيرين. # قال لك والدك: كنت أتجاهل تصرفك ليس لأجلك، لكن من أجل نفسي وحريتي أنا الذاتية، من أجل ~~معرفتي ووعيي، من أجل عشرات السنين التي قضيتها أعلم نفسي الأسماء، فما كنت آخذا ما أعطيتك ~~إياه من حرية بيدي اليمنى، ما كنت آخذه باليد اليسرى، لكن قال لك: يا بنتي منى، الحرية من ~~غير وعي ومعرفة عبودية، هي العبودية بعينها. # ناقشك جعفر في أمور شتى، منها الدين، اكتشفت فجأة أنك لم تفكري في أمره بجدية، ولو أنك ~~بين الحين والآخر تجدين نفسك تفكرين في الحريات السياسية والمدنية والشخصية وحظر ~~التجوال. # قال لك جعفر: الدين سبيل خيرة. # وابتسم نصف ابتسامة قبل أن يلحق بوالدك في الصالون، كان عبد الله دائما ما يلاحقك بمسألة ~~الزواج، يعجبه فيك جمالك فقط، الذي لم يعطه الفرصة للتفكير في محاسن فيك أخرى، وكان أبوه ~~يحذره في بادئ الأمر منك قائلا: احذر خضراء الدمن! # وكان يعرف أن معنى خضراء الدمن هي الحسناء في منبت السوء، تماما كما يرى والده فيك، لكن ~~فشل فشلا ذريعا في أن يوجه عاطفته نحو فتاة أخرى أجمل منك؛ لأنه وكما اقتنع والده أخيرا، ~~لا توجد فتاة أجمل منك، أو بالأحرى لم تقع عيناه على أجمل، أخواته ولا صبيات أعمامه ولا ms69 ~~غادات المدينة كلها ، كنت الجميلة بدون منازع، وأنت تعرفين ذلك؛ لذا ما كنت تتعجلين للزواج؛ ~~لأنه حتما سيأتي من يتزوجك يوما ما، أو كما يقول والدك: في آن ما. # لكن أيضا ملاحقته لك كانت تملؤك بالشعور بالرضا، وتشبع فيك غرور الأنثى، غرور أنك ~~مرغوبة، أنك محور تفكير ومحور اهتمام، وأنك جميلة، وأنك مغرية وجذابة، وأنك ساحرة، وأنك ~~إنسان لا يتكرر، وأنك ... وأنك، تملؤك زهوا وجمالا، كنت تحبينه، لكن من موقف القوي، وكان ~~يعشقك لكن من موقف الضعيف، وهو يعي ذلك جيدا ويقدره، عكس موقف أخيك رياك الذي كان هو ~~الجانب الضعيف في العلاقة، وياسمين هي الجانب القوي، وما ذنبه؟ إلا لأنه كان أسود كقلب ~~الأبنوس، في لون أمه مليكة شول، وكما يقولون: الولد خال، فهو نسخة من خاله ملوال، في الطول ~~والشفاه الغليظة والأذرع الطويلة القوية، والصوت الجهوري، حتى في تعصبه الديني وفي مشيته، ~~إذا، لقد كان وسيما بمقاييس الغابة، لكن من يقنع والد ياسمين بذلك؟ من يستطيع أن يؤكد له ~~بأن هذا الولد الذي تراه قبيحا هو أيضا وسيم! الذي تراه عبدا هو أيضا حر! الذي قد لا ~~تراه أبدا هو أيضا موجود، تضامنا مع أخيك رياك قلت بينك ونفسك: إذا لم تتزوج ياسمين رياك ~~لن أتزوج عبد الله إبراهيم. # ثم اتفقت مع ياسمين على هذه الرؤية التي أكدت لك: رغم أن أمي وأبي يرفضان هذه الزيجة إلا ~~أنها ستتم، إنهما لا يزالان يحتفظان بعقلية الماضي، عقلية جدهما بائع الرقيق بأعالي النيل، ~~ثم أخبرتك عن نسب والدها ووالدتها الذي ينتهي بالباشا الشهير بتجارة الرقيق في أزمنة ~~الاستعمار التركي للبلاد الكبيرة، فتذكرتما جعفرا، جعفر مختار، وقلت لها: لن يستطيع أحد أن ~~يسلبنا انتماءنا للبلاد الكبيرة، ثم أضافت: لكن ما يحيرني حقا هو: كيف توافق أمك ويوافقك ~~أبوك على زواجي من عبد الله، ويرفضان زواج رياك منك؟ فالدينكاوية مليكة شول مادنق، أمنا أنا ~~وهو، ومحمد الناصر الذي لا أب له، هو أبي وأبوه! # فقالت لك ببراءة وصدق: أنت تعرفين أن الأمر ms70 في هذه الناحية يختلف كثيرا، فعندما قصصت ~~لوالدك ذلك ضحك كثيرا، أشعل سيجارة، أطفأها، قال لجعفر، جعفر مختار: دعنا نذهب للنهر، ~~للراعي، لطفله، للأغنام وأشجار المسكيت. # كان الراعي العجوز عجوزا، وطفله النزق نزقا، وأغنامه الفرحة تثغو وتعر، وكلبه يجري ~~وراء الأرانب والفئران الكبيرة ينبح مبتهجا بشمس الصباح، ثم يقترب من سيده الراعي محييا ~~إياه، مبصبصا بذيله، وكأنه يشكره على هذا الصباح الجديد، هذا اليوم الذي وهبه إياه، وبينما ~~كانا يقتربان من طفل الراعي الذي كان يجري نحو النهر وخلفه حملان، إذ ناداهما الراعي العجوز ~~قائلا: اشربا معي القهوة. # فجلسا قربه تحت شجرة لالوب، سأله جعفر: أين بيتك؟ لأنا نراك ليل نهار قرب النهر، أو تحت ~~هذه الشجرة، شجرة اللالوب. # قال مبتسما وهو يعالج البن على المقلاة: بيتي هذه الشجرة، وهذه المخلاة. # سأله والدك مندهشا: أين ملابسك وحقائبك وأشياؤك؟ # فأشار للمزمار والمخلاة ومواعين القهوة، قال: هذا كل ما أمتلك من معدات وأشياء، أما ~~ملابسي فعلى جسدي، وتلك هي عصاي أتوكأ عليها، وأهش بها على غنمي! # فسأله جعفر مبتسما: ومن هذا الطفل؟ # قال: إنه ابن بنتي عائشة، وهي تعيش بالمدينة، لكنه أحب الإقامة معي، إنه مثل الأرنب ~~البري، يعشق المحريب والمسكيت، ومثل الورل يرضع الأغنام والنعاج، وكالبلطي يحب ~~الماء. # بعد أن شربوا القهوة جميعا، أخذ الراعي مزماره واصطحبهما للنهر، وهنالك ساعداه على غسل ~~فراء نعاجه وخرافه، ولعب الأربعة لعبة التمساح والفريسة، وكانوا يقومون برمي طفل الراعي ~~بعيدا في الماء، أو يغطسان به لقاع النهر، أو يورطانه في دوامه ويتركانه لكي يتصرف، ~~فدائما ما كان يعود ظافرا للشط، وهو يضحك في فوضوية، قال جعفر للراعي: علمنا العزف على ~~الناي. # قال بشكل نهائي: لا أستطيع. # قال والدك: إذا كيف تعزف أنت؟ # قال مبتسما: هكذا ومنذ صغري وجدت نفسي أمسك بالمزمار، أنفخ فيه فيخرج ما تسمعونه من ~~ألحان، أتعجبكم ألحاني؟ # ثم أضاف: خذوه وانفخوا في، جربوا، ربما عزفتم لحنا ما. # فأخذه جعفر ونفخ فيه لكنه لم يصدر سوى صوت واحد عاطل ومزعج، وكذلك فعل أبوك، ms71 نفخ. # قال له جعفر: إذا عقابا لك لأنك لا تعرف كيف تعلمنا العزف، سنحكي لك عن الحرب، سنحدثك ~~عن الجنوب، عن الموت، وسنقول لك كيف يموت الأطفال والغزلان والذئاب في الغابة والمدينة ~~والقرية بالألغام، بالجوع، بالقذائف، بجرائم الحرب. # وقالا له كل شيء عن الحرب، قال وقد ظهر على وجهه القديم الحزن والإرهاق: أين هو الجنوب؟ ~~أهو بعيد من هنا؟ # قال له والدك شارحا: إنه وراء، وراء، وراء الغابات الوراء النهر. # قال الرجل مندهشا: إذا أهو مسيرة عام كامل بالحمار؟ أم عامين؟ # قال: كيف ذهبتم إلى هناك وعرفتم هذا؟ لا بد أن ذلك كلفكم الكثير؟ # قال: كيف إذا جاء الجنوبيون إلى هنا؟ منذ عشرات ومئات السنين؟ # قال الراعي العجوز: سكنت في شبابي بالمشاريع الزراعية في قطية واحدة مع شخص من الجنوب، ~~كان طيبا ويغني دائما بالرطانة غناء رقيقا وحلوا، ولو أنني لا أعرفه، وكان أيضا يتكلم ~~بالرطانة؛ لذا لم أستطع أن أعرف منه كم يبعد الجنوب من هنا، ولماذا جاء؟ وكيف؟ # صمت للحظات، ثم سأل والدك وجعفر فجأة: لكن من الذي يقتلهم؟ # حدثهم: في موسم الأمطار يصنع قطية صغيرة من نبات المحريب وعيدان المسكيت وبعض الأعشاب ~~والطين، فهي تقيه العاصفة والمطر، وأيضا هوام الخريف، أما في الشتاء فيتغطى بشملة من صوف ~~الأغنام ووبر حماره، تقيه البرد، ويفترش دائما برشه القديم المصنوع من السعف سريرا ~~ولحافا له ولطفله. # قال الراعي: كان ولده يسبح بعيدا نحو الشط الآخر وخلفه يسبح كلبه، ابنتي اسمها عائشة، ~~عائشة سعيد، هل تعرفانها؟ # قال جعفر ووالدك في لحظة واحدة: نعم، كل المدينة تعرفها، إنها المغنية الماشطة وراسمة ~~الحناء التي تعلم العروس الرقص، وهي أيضا الخاطبة، وهي التي تقوم بتنظيف بشرة العروس من ~~الشعيرات الزائدة بالحلوى، وهي التي تدلكهن، وهي بائعة الدلكة وصانعتها، وهي الوداعية، وهي ~~الراملة، وهي العرافة قارئة الكف، وهي صاحبة الزار، وهي الطهارة، هي الداية، ابنتك عائشة هي ~~كل الحياة السرية للنساء. # تخطبهن، تزوجهن، تنظفهن، تقدمهن لأزواجهن في ليلة الدخلة بعد أن تعلمهن كيف يمانعن، ثم ms72 ~~يستسلمن، كيف يغتسلن ، يحلبن، يلدن. # وعندما يمتن أيضا، عائشة محمد سعيد هي التي تغسلهن وتقدمهن للملائكة طاهرات. # قال محمد الناصر - أبوك - مؤكدا: في الحقيقة لا يمكن أن ينجب عائشة غيرك. # ابتسم الراعي العجوز وهو يضع مزماره المخلد بين شفتيه القديمتين ويعزف لحنا عجوزا ~~دافئا، قال بعد أن أنهى آخر أنغامه: تعلمت هذا اللحن من ريح الخريف حين هطول الخرسان ~~المرعد وتصايح الأغنام في خوف. # قال جعفر: لقد لاحظت ذلك، لكن للكلب أيضا دورا لم تذكره. # قال ضاحكا: بالتأكيد أنينه كان واضحا في اللحن، فهو أيضا يخاف البرق. # فسرق أبوك هذا اللحن أيضا، وغناه جعفر فيما بعد، ثم اتخذا ركنا قصيا تحدثا فيه عن حال ~~الأسرة، فقال محمد الناصر أبوك: منى ابنتي تشعر بغربة قاتلة، إنها تحس بأنها دائما وحيدة، ~~فقدان أمها شيء لا يطاق، وهي التي تحتاج إليها دائما. # ثم قال: رياك أيضا هو الآخر يشكو من كونه يعامل في كثير من الأحايين كمواطن من الدرجة ~~الخامسة في وطنه، وهو غالبا ما يصنف مواطني البلاد الكبيرة كالآتي: شماليون، نساء شماليات، ~~غرابة، نساء غرابيات، جنوبيون، نساء جنوبيات. # فقال جعفر ضاحكا: يحتاج ابنك رياك لأمور أخرى لكي يدرك وعيه، فلقد علمته أكثر من حين ~~أن إحساسه بالمواطنة ليس هبة يعطيها إليه الآخرون، ليس منا، لكنه إحساس ينبع من ذاته ~~الواعية بحقيقة الصراع، ماذا يعني شمالي؟ وماذا يعني جنوبي؟ كلهم، كلهم غزلان وفئران هذه ~~البلاد الكبيرة. حاول أن يقول له: الجميع أطيار لها ريش مختلف ألوانه، ولها هيكل واحد، وقلب ~~واحد. # قال أبوك: ابني رياك يحتاج كما قلت لأمور أخرى، أمور جيدة، يجب عليه أن يتجاوز محنة ~~ياسمين إبراهيم، محنة رفض والديها، محنة إرثهم من السياط وزرائب الآدميين، عادا للراعي، ~~سألاه: هل أنت سعيد حقا بخلائك هذا؟ قال: فقط لو تزوجت ابنتي عائشة. # فنظرا معا في آن واحد للطفل الصغير الذي يلعب في الشاطئ الآخر مع أطيار الرهو والسلاحف ~~القديمة الباردة الذي غطس في جوف النهر! # كنت فرحة جدا بفكرة الرحلة، الرحلة الطويلة ms73 في نواحي البلاد الكبيرة، وكان والدك قد ~~اقترحها كبرنامج للمعرفة والترفيه في إجازة نصف العام، وكان المقترح واحدا من ثلاثة أمكنة: ~~الجبل في أقصى غرب البلاد الكبيرة، أو البحر في أقصى شرق البلاد الكبيرة، أو النيل في أقصى ~~شمال البلاد الكبيرة، فاخترت الجبل؛ لأنك تتشوقين دائما لزيارة غرب البلاد، بتعدد ثقافاته ~~واختلاف مدنه وطبيعته، خاصة الجبل، فكل ما سمعته كان يحفزك للذهاب، النوافير الطبيعية ~~والمياه الحارة، البحيرات العالية في القمة، الأنهر الصغيرة دائمة الجريان، غابات برتقال ~~اليوسفي والمانجو، والباباي والموز والأناناس والعنب، الأطيار الجميلة المهاجرة والعصافير ~~والزرازير، الحيوانات المتوحشة والجو المعتدل. # فقلت لوالدك: الجبل، فقط الجبل، أما رياك فقد تحفظ في بادئ الأمر قائلا: إن هنالك أشياء ~~أهم من الترفيه يجب عليه أن يقوم بأدائها، إلا أن جعفرا حثه على الذهاب؛ لأن للسفر فوائد، ~~فهو عبادة طالما كانت من ورائه أشياء خيرة ترجى، وأكد له: الدرس الذي يمكنك أخذه من السفر ~~لا تجده في آلاف الكتب، ثم ألمح إليه بأن السفر سيساعده في تخطي محنة ياسمين. # تبادلت قيادة العربة مع والدك، أما رياك فقد انتبذ ركنا بالعربة وغط في نوم عميق، ثلاثة ~~أيام وأنتم تخلفون وراءكم المدن الناعسة القديمة، تغرقونها بالأتربة والذهاب، وأنتم تمضون ~~غربا، غربا. # وبعد تعب وإرهاق استنفد كل طاقاتكم وجدتم أنفسكم أمام مدينة جبلية ساحرة ذات شلالات معلقة ~~في قمة الجبل، غارقة في ضباب كثيف فتبدو مياهها كما لو كانت منزلة من صدر السماء، أو مجلوبة ~~من أثداء السحابات الرمادية السابحة في سماوات الله تظل غابات المانجو والبرتقال، وهي ~~تغازل فتيات الريف الجميلات وهن يجنين اليوسفي، أو يردن الماء، أو يلعبن الحجلة، فكنت في ~~دهشة، تسألين والدك سؤالا تعرفين إجابته تماما: هل هذه أيضا بلادنا؟ # فطرتم تحت شجرة المانجو، شربتم قهوة عند كهف قديم. # قالت لكم صبية: نزل هنا أبو زيد الهلالي، بينما أخذت تحكي لكم عن صراع دار في هذه الأمكنة ~~بين أبي زيد الهلالي وأخيه أحمد المعقور، تهادى إلى مسامعكم صوت مزمار يأتي من موقع ms74 ما من ~~الجبل . # قال والدك لكما: فلنذهب إلى عمكما جعفر، جعفر مختار، نسمع منه بعض ما استطاع أن يسرقه من ~~الراعي العجوز من الألحان، كاد أن يغمى عليك أنت ورياك، صرختما في وقت واحد: جعفر، ما الذي ~~جاء به إلى هنا؟ ألم نتركه خلفنا في المدينة الكبيرة؟ قال أبوك محمد الناصر ضاحكا: طرق ~~كثيرة تؤدي إلى هذا المكان، بل كل الطرق. # أشعل سيجارة، أطفأها، قال إنه فنان يتعلم الأشياء بسهولة ويسر، إذا صعبت عليه سرقها، ~~حدثكم جعفر برحلته إلى هنا، وإنه كان في انتظاركم لساعات كثيرة، وإنه تحايل على الانتظار ~~بالناي، فعزف لكم لحنا جميلا، قال تعلمه من ود أبرق حط بنافذته ذات صباح، وطائر كلج كلج ~~اعتاد أن يرك في الظهيرة على غصن شجيرة قشطه بفناء داره. # قال: إن صوت الطائرين ولدا في إحساسا أبويا، إحساسا عظيما بالقلب، أمطرتما ~~جعفرا بالأسئلة، الأسئلة الملحة التي كانت تدور بذهنيكما، أنت وأخيك رياك، أسئلة معقدة ~~متداخلة، وأخرى سهلة بسيطة ساذجة، وقد أجابكم عنها بنصف ابتسامة وسعة أفق وصدر، حتى الأسئلة ~~الخاصة جدا التي لا تخص أحدا غيرك، كسؤالك له عن كيفية أداء العادة السرية والتبول في آن ~~واحد، وهو يهتف على أكتاف المتظاهرين الممجدين للحرب والانتصارات، وسأله رياك عن آلام الرأس ~~التي تصيبه كلما تحدث معه في شأن خاص، فأجابه وفي فمه ابتسامة كاملة، وحدثه عن رجل سيأتي في ~~آخر أزمنة وبداية أزمنة أخرى، رجل تقي وشاعر، يعرف لغات كل الأشياء، يعرف أسماءها، ويعرف ~~أيضا كيف تموت، سألته عن أمه، عن زوجته وأبيه، سألته عن أخته، عن أحلامه وبنيه، سألته عن ~~نفسه، عن بيته، وعن أبيك، أبيك أنت محمد الناصر، فأجابك: غنى، ثم نام. # وعندما ذهبت أنت ورياك إلى حجرتكما حاولتما استعادة إجاباته الواضحة الجريئة الخطيرة، فما ~~وجدتما في ذهنيكما غير الفراغ، الفراغ، تنام في برودته أسئلتكما دائخة مستسلمة حزينة ~~وباردة، ولا شيء إطلاقا من إجاباته، وكأنه ما فتح فمه الصغير وتكلم، هذا هو جعفر، لا ~~تعرفان عنه شيئا، ويعرفكما، فدخلكما الرعب ms75 وأنتما تسألان بعضكما البعض مندهشين: ما اسم ~~أمه؟ ما اسم أبيه، أخته، زوجته، بيته؟ ما اسم جدته؟ بل ماذا كان يقول لنا عن آلام الرأس، عن ~~الاستمناء، وكنت تدركين بشكل أو بآخر إدراكا تاما في ذاته متناهيا أنه في يوم ما كان كل ~~الناس يعرفون جعفرا، يعرفون كل شيء عنه، كل تفاصيل حياته وأسراره، ولم يكن مجهولا أبدا ~~لديهم، لكن الآن، وكما يقول والدك في هذا الآن بالذات، ما عاد أحد يعرف عن حياته شيئا، غير ~~اسمه جعفر، جعفر مختار، وما عدا أباك محمدا الناصر، فهو الشخص الوحيد الذي يدرك جعفرا؛ ~~لأن والدك كما يقول جعفر ذاته عرف ... # والمعرفة، كما يقول والدك: رؤية. # والرؤية كما يقول جعفر: إدراك. # والإدراك كما يقول والدك: يقين، لا شك فيه. # في صباح جميل بالجبل الجميل، وبينما كنتم أنت ورياك وجعفر ومحمد الناصر والدك، تتناولون ~~طعام الإفطار، كان جعفر يتحدث عن علم البحار والبارانويا وتاريخ قبائل الفور والنوبة ~~والإيكو والماساي عن حضارات سادت حول هذا الجبل، سادت ثم بادت، عن عدد الذكور في أيام حكم ~~علي دينار، عن أمراض النبات وعلم الجينات، عن نوعية الصخور وعمرها، وما تحتويه من معادن ~~وجدواها الاقتصادية وإمكانية تعدينها ذاتيا، ثم قال بكل ثقة: هذا الجبل سيصبح عاصمة ~~للبلاد الكبيرة في يوم ما. # قال والدك: بإمكاننا أيضا في المستقبل صناعة العرق من البرتقال وتصديره إلى ~~أوروبا. # ثم سألك فجأة جعفر سؤالا مباغتا: هل ستتزوجين عبد الله إبراهيم؟ ثم سألك أيضا: هل ~~استطاعت امرأة اليوم أن تتجاوز الرجل، أقصد هل عرفت أنها امرأة؟ # ثم أضاف والدك شارحا قصد جعفر: هل يمكنها القبول بحريتها، الحرية المطلقة؟ # قلت مبتسمة: الرجل مرحلة ممتعة، وليس على المرأة عبورها أو تجاوزها، لكن عليها الغرق في ~~هذه المرحلة، في الرجل. # اقترح رياك الذهاب إلى البحيرة، اقترحت أنت الذهاب أولا إلى سوق المدينة؛ لأنك نسيت أن ~~تحضري معك شيشتك التي ستدخنينها، وأدوات التجميل، منذ عامين أو أكثر، أي قبيل وفاة أمك بسنة ~~وشهرين، لكن والدك أكد لك أن ms76 هذه المدينة ليست سوى قرية كبيرة، ولا تستخدم فتياتها أي نوع ~~من أدوات التجميل، لكنك أصررت على الذهاب والبحث عن صيدلية، وفعلا ذهبت، وكانت بالمدينة ~~صيدلية واحدة فقط، وتماما كما قال والدك لم تجد بها غير زيت الزيتون وزيت الحبة السوداء ~~وكريم للشعر قديم، ونصحك الصيدلاني بالذهاب إلى المدينة الكبيرة، وهي تبعد زهاء الساعتين، ~~قال لك والدك: ماذا إذا لم تستخدمي هذا الخليط العفن في خلال هذا الأسبوع؟ # قلت له: ألا ترى كيف تأثرت بشرة وجهي خلال هذه الأيام الثلاثة، إنها ستسود، وربما ستظهر ~~عليها بعض البثور القبيحة. # قال لك والدك: إذا، لقد رهنت نفسك للمرض. # قلت: ماذا أفعل وكل البنات يتجملن؟ # عندما عرضت المشكلة لجعفر قام بإحضار بعض اللبن الرائب والليمون وعصارة نبتة الصبار، وخلط ~~الجميع بنسب محددة، وقال لك: استخدمي هذا، إنه كريم الطبيعة. # كانت البحيرة رائعة، فهي محاطة من إحدى جوانبها بالجبل وصخوره العشب النامي بينها، ~~وبالجانب الآخر غابات البرتقال واليوسفي، وعندما أردت السباحة قال لك رياك: من الأحسن أن ~~تذهبي بعيدا خلف تلك الأشجار، مشيرا لشجيرات عرديب تبعد عنكم كثيرا، أو ... # فقلت له مقاطعة: لماذا؟ أريد أن أستحم معكم وأسبح هنا، فإذا لم تشأ أنت اذهب خلف شجيرات ~~العرديب. # وعندما سمع والدك الحوار تدخل قائلا: إذا تعال معي، اسبح أنت وجعفر هنا وأنا وهي سنسبح ~~خلف العرديب. # قال جعفر ضاحكا وهو داخل ماء البحيرة: إذا، طالما كنت يا رياك تخشى من عيني فأنا الذي ~~يذهب خلف العرديب وابقوا أنتم. # قال رياك: حتى أنا وأبي لا يجب أن تستحم منى عارية، أو حتى بأي شكل آخر أمامنا، هذا عيب ~~وسلوك غير مسئول. # قال والدك ثائرا: أليس هذا جعفرا؟ فلتسبح قربنا كما شاءت، فلتسبح معنا، اذهب أنت خلف ~~العرديب أو خلف ما تشاء. # لكن جعفرا همس في أذن والدك فغطسا لزمن داخل البحيرة، ثم خرجا من الماء، ارتديا ملابسهما ~~وغادرا، وهما يتحدثان دون انقطاع، وبقيت أنت ورياك، وبدون استشارة أحدهم خلعت ملابسك وبقيت ~~بملابس السباحة، ثم قفزت في ms77 البحيرة، فوقف رياك مندهشا للحظات، ثم قفز هو الآخر في الماء، ~~وأخذتما تلعبان لعبة التمساح والفريسة، قال لك رياك: كنت فقط أريد أن أدخل أبي وجعفر في ~~موقف أخلاقي. # ثم قال: فلنذهب. # قلت وأنت ترتدين ملابسك: إلى أين؟ ~~- نحو غروب الشمس، أن نكتشف العالم من حولنا، ربما وجدنا مخدع الشمس، ثم سألك وهو يشير ~~بعيدا نحو غابات المانجو والبرتقال: أتدرين ماذا يوجد بعد غابات المانجو والبرتقال ~~تلك؟ # قلت: توجد غابات المانجو والبرتقال! ~~- وخلف غابات المانجو والبرتقال، الخلف غابات المانجو والبرتقال؟ # قلت بحماس: غابات المانجو والبرتقال! # قال وما زال يشير نحو البعيد: وخلف غابات المانجو والبرتقال، الخلف غابات المانجو ~~والبرتقال، البعد غابات المانجو والبرتقال؟ # قلت وكنت متأكدة مما تقولين: يوجد جعفر مختار، يغرس شتلة مانجو، أو يجني ثمرة برتقال، أو ~~يعاشق فتاة قروية، أو يسرق الألحان من حفيف أشجار المانجو والبرتقال، أو ينتظر محمدا ~~الناصر، لا فرق. # نعسة وتعبانة؛ لذا عندما استلقيت على السرير، غرقت في نوم عميق، ولا تدرين إلى هذا الآن، ~~أكنت في حلم أم في صحيان، لا تدرين عندما جلس قربك جعفر، جعفر مختار. # كان رياك يغط في نوم عميق، والحجرة مضاءة بحلمية، وتهب نسمات رقيقة عبر النافذة المطلة ~~على الفناء الواسع المزروع بشجيرات اليوسفي واللارنج، بيديه أوراق كثيرة مكتوب عليها بلغة ~~تشبه أشجار اللعوت، كما بدت لك عيناه الصغيرتان تشعان بأشياء غريبة ومعان غير مدركة، لم ~~يتحدث، لكنه بطريقة أو بأخرى كان يلقنك علما عظيما ولو أنه غير مفهوم لديك، على فمه ~~الصغير ابتسامة، بل نصف ابتسامة دائمة، كان قصيرا نحيفا أصفر البشرة، وسيما له أسنان ~~بيضاء دقيقة ووجه قليل، ملامحه ذكية، به براءة أطفال، وجدية العلماء، به طهارة الأنبياء ~~وخبث الصعاليك، تمدد على السرير قربك، قلب أوراقه، قلت له: ماذا لو أن روح أمي ملكية شول ~~مادنق الآن هنا، بهذه الحجرة؟ اكتشفت فجأة أنك عارية كالريح، لا يغلف جسدك غير الهواء، لكنه ~~على ما يبدو لم يهتم بذلك، وكنت تعلمين علم اليقين بأنه إذا استمنى جعفر ms78 ذاتيا على خيال ~~امرأة ما - أي امرأة - واستطاع أن يستحضر في مخيلته نهديها وساقيها وشفتيها وصوتها أيضا، ~~فإنها ستحس به أينما كانت، تحس بشيئه ولو كانت في حضرة شيء زوجها، وتظل تقاوم الفكاك منه في ~~حالة كابوسية تامة، وتحاول الصراخ لكنها لا تستطيع إلا بعد أن يدرك جعفر، جعفر مختار، ذروة ~~نشوته، وتتدافع أشياؤه كالنوافير فيها؛ إذا ليس جعفر في حاجة لعريك. # أخذ يقلب أوراقه، يتفحصها بعمق وهو يلقنك معرفته، اكتشف أيضا عريك فجأة، ارتبك قليلا، ~~أخفى نصف ابتسامته في النصف الآخر، قلت له: لا يمكنني أن أفهمك. # أضاف نصف ابتسامة للنصف الآخر وهو يتفحص آخر ورقة بيده، نهض وعلى فمه ابتسامة كاملة ~~مؤكدة، أخذ يتفرس الأوراق على جسدك العاري، مكفرا إياه من أنامل القدم إلى شعر رأسك، هل ~~كنت عارية حقا؟ لا تدرين، حدث نفسه قليلا، وخرج. # سافرتم جميعا إلى منطقة جبلية، ثم عدتم لترحلوا مرة أخرى، راجعين إلى المدينة الكبرى، ~~عاصمة البلاد الكبيرة، حيث الضجر والنميمة، حيث السؤال، حيث ... # ياسمين إبراهيم، جارتك الصديقة، كانت في نفس عمرك، أو تكبرك ببعض الأشهر، إلا أنها كانت ~~تحمل إليك مشاكلها الأسرية الصغيرة التافهة، وبتجاربك - تجاربك أكبر منك ومن طفولتك ~~ومعرفتك، التي أنضجتك مبكرا - كنت تقدمين إليها ما تحتاجه من حزن، حزن أصيل يدفع عجلة ~~الوجود أمامها، عجلة الوجود الصدئة، ويفتح لها نافذة على إمكان الفرح، مسرة تكيفها لتتجاوز ~~بحار آلامها، قلت لها: لا عليك، فالعنصرية القبلية تحتاج لزمن صعب آت، زمن من الانصهار ~~واللهب، فدعينا نفكر في مشكلة الآن، فليست المسألة مسألة لون؛ لأنهم لا يتزاوجون والحلب ~~والأعراب والفقراء أيضا، قلت لها: لست أدري، لكنك كنت تعلمين جيدا أن جعفرا بإمكانه ~~التحدث في مائة محاضرة بمائة لغة مختلفة وأسلوب، عن مسألة العنصرية القبلية وربطها بذكاء ~~بكثير من الأغاني الشائعة في تاريخ الغناء الإنساني، ويستطيع أيضا أن يضحك ملء فمه عليكم ~~جميعا، يتبول في وجوهكم ويمضي في المسافة. # | هذا سفر التي هي: سلمى # كتبت سلمى لمحمد الناصر عندما ألح علي المعرفة: إذا، ms79 طالما أردت ذلك فإنك لن تنجو من ~~الحقيقة، أرجو أن تلتهمك الحقيقة أو تقصيك عن نفسك، فلا تموت فيها، ولا تحيا، إذا سأقول ~~لك: إنني كنت أعرف جعفرا منذ أن كنت صبية في أيام مراهقتي الأولى، وكان هو طفلا رضيعا ~~جاءت به سيدة من ضواحي المدينة، وكنا جميعا نعرف اسمه، ولا ندرك اسمه، وكنا نعرف أهله، ولا ~~ندرك أهله، وكنا نراه وما نحس أن الذي نرى هو جعفر! كان دائما ما ينزلق من بين أصابع ~~ذاكرتنا كما انزلقت أنت من تحتي، إذا، لا تحدثني عن جعفر! # وأؤكد لك يا محمد الناصر أنك عندما بزرت في نطفة دافئة من رجل لا أستطيع أن أتذكر من ~~ملامحه شيئا، فقد رجوت الله ألا يخلقك في رحمي، إذا ما كنت أريدك أن تأتي أبدا سهلا ~~بلذة مسروقة يصعب الوعي بها، وأيضا الرجل الذي قذف بك في، هو الآخر ما كان يرغب فيك، فقد ~~كانت منتهى غايته هي اللذة، لا يريد أكثر من ذلك، لذة سهلة كتلك التي ينشدها جندي مغرب من ~~داعرة سوقية بائسة، والحق لم أكن داعرة إطلاقا، فقد كنت صبية لأسرة محافظة، عريقة في ~~تقاليدها، وأيضا لن أخاطبك عن ذلك أيضا؛ لأنني أعلم أنك لا تهتم كثيرا بمسائل «العراقة» ~~والتقليد، ومثلك ابنتك الجميلة الدينكاوية الساحرة، قابلتها في صيف مضى، عام بالضبط، إني ~~أعترف أنها شيء لم نعتد عليه، ولم يعتد عليه أحد في هذه البلاد الكبيرة، شيء متفرد في ~~غرابته وعاداته في ذات الوقت، أنا نفسي لم أعتد على مثل هذا النوع من الإنسان البسيط ~~المعقد! إنها بلا شك صنيعتك وجعفر، صنيع خبث مشترك ووسخ لا كابح له. # قلت لها: احترمي شيئا من عاداتنا ولو يسيرا! # فضحكت كثيرا ثم قالت: اخرجوا أنتم قليلا من جحوركم الرطبة، ثم مضت في طريقها ومعها ~~صبيات جميلات، يمشين كما تتراقص أغصان البان، الأبنوس، أقدامهن ترسم على تراب الظهيرة ~~تاريخا قادما متمردا، يبدو لمن ينظر إليه من على بعد كاف كأنه عاصفة من الرماد، قد لا ~~نفهم ms80 شيئا عنهن، لكنا أيضا قد لا نحيا لكي نتمكن من استيعابهن بشكل مريح، هل كذبت عليك ~~عندما قلت لك: إنك نتاج لذة مسروقة؟ هل كنت قاسية معك؟ طالما أردت أنت الحقيقة فلتحرقك ~~الحقيقة، وتقصيك عن نفسك، فلا تموت فيها، ولا تحيا، تزوجت أباك الأول قبل ثلاث سنوات من ~~التقائي بوالدك، أو ما يمكن افتراض أنه والدك، تزوجته كما يتزوج الناس في ذلك الزمان ~~وتزوجته وكفى؛ لأن المرأة خلقت للرجل، أي رجل، لا يهم من! هكذا تعلمنا من جداتنا وأمهاتنا، ~~كما لم تتعلم ابنتك من الشيطان، أبوك الأول رجل فارع كالسيال، أصفر البشرة، كثير الصلاة، ~~ولا أعني بكثرة صلاته أنه كان يصلي كثيرا، لا، لكنه كان يصلي اليوم كله ويصوم أربعة أيام ~~في الأسبوع، رجل لا يختلف اثنان في كونه من رجال الجنة، لكن به عيب واحد، وهو أنه عاجز عن ~~فعل مشبع لرغبات صبية جموح في السابعة عشرة من عمرها، هنا في الحياة الدنيا، في الأرض، ذات ~~صباح بعد سنتين من المعاشرة الفاشلة، قلت له: أريد الطلاق! # قال وقد أوقف تمتمة - لا شك في قدسيتها - فجأة ثم صمت للحظات كأنه يريد أن يستعيد صوت ~~تمتماته المنعكسة على جدران الفراغ: طلقانة. # وواصل تمتمته المقدسة بكل هدوء وبرودة أعصاب كالمنوم، لست أدري لماذا كنت أبكي بحرقة ~~وأنا ألملم حاجياتي من بيته استعدادا للرحيل لبيت أبي، أهي كانت صرخات السعادة ودموعها، أم ~~كانت صرخات هي إحساس المذلة التي تحسها المرأة عادة حين وقوع الطلاق؟ # حقيقة لست أدري، فقط أعرف أنني كنت أبكي بصدق تام ووعي مر، قالت أمي التي كانت تعرف ~~تفاصيل الحزن: ربنا يعطيك رجلا! # أما أبي فزمجر وهاج لكنه بكلمة من أمي - قالتها له في خلوة من الآخرين ومني - التزم ~~الصمت، الصمت الشبيه بموت الأفاعي، كانت الساعة الكبيرة تشير إلى الخامسة إلا ربعا عندما ~~استيقظت على وقع أقدام كانت تنتظم البيت كله، في البدء كانت هادئة وحذرة ثم صخبت، ثم علا ~~صوت «صباح الصغيرة» وهي تتشاجر و«ضحى»، انتهرتهما أمي فاطمة، حينها ms81 نهضت من السرير، وتوجهت ~~مباشرة إلى المرحاض. # كانت تغمرني سعادة بالغة، وفي عمقي تتلاقح الأغنيات مع ذكريات شتى وجعفر، ذلك الصبي ~~القصير ذو البشرة الصفراء، الذي يقفز دائما إلى مخيلتي كلما وجد فسحة من التناغم الروحي، ~~لقد التقيت به كثيرا جدا، وعرفته كثيرا جدا، كيف؟ لست أدري، لكن ليس لقاء جسديا ~~كما يتخيل إليك، أو تحاول أن تظن، لكن لقاء من صنف لا تسهل تسميته بكلمة واحدة، لكن ربما ~~فسرته قصة أو دل عليه مشوار طويل جدا. # كان فرق العمر بيني وجعفر محمد مختار ثلاثة عشر عاما، أنا أكبره، وهو نفس فرق العمر بيني ~~وبين أبيك الثاني، إذا أمكن أن نطلق لذلك الرجل هذا اللقب المقدس، لعله يصدف أن يكون هو ~~والدك الفعلي، وهو أيضا نفس فرق العمر بينك ومليكة شول مادنق الدينكاوية، إذا ليس جعفر هو ~~والدك، جعفر مختار، وربما أيضا أبوك الثاني ليس هو والدك بالضبط، ولا حتى الشيطان الذي كنت ~~أخاله جديرا بأبوتك، في العام الثالث من طلاقي من أبيك الأول، وحينما كنت وبعض الصديقات ~~نحاول اقتناص لذة سهلة بمشاركة بعض الأصدقاء الذين نلتقي بهم عرضا، في حفلات الأعراس أو في ~~باصات النقل العام، أو حتى في حديقة عامة، التقيت بأبيك الثاني، والحق أقول لك: إنني لم ~~أغرم به إطلاقا، ولو أنه ما كان يفتقر الوسامة، إلا أن المرأة دائما ما تحتاج لأشياء أخرى ~~في الرجل لجانب وسامته. # كنت ونايلة وسوسن نتمشى عند الشاطئ حينما رأيته جالسا وبيده كتاب كبير، بينما هو يحملق ~~في النهر أو الشط الآخر، لست أدري، جلسنا بالقرب منه، وما كنا قد تعمدنا ذلك لكنه حدث ~~عرضا، أو رتبته أقدار خارجة عما نعيه من إدراك للأشياء، طلبت منه نايلة أن يدعها تتفحص ~~الكتاب، فابتسم وهو يلقي به في كفها المبسوطة أمامه، ليست لنايلة في حقيقة الأمر أي ~~اهتمامات أدبية، وليست لي أنا أيضا مثل هذه الاهتمامات، ولا سوسن، ولم نقرأ في حياتنا غير ~~روايات بوليسية مترجمة عن الإنجليزية أو الفرنسية، وبعض الروايات السهلة ms82 التي يكتبها إحسان ~~عبد القدوس أو يترجمها خليل حنا تادروس، وهي تتميز - كما تعرف أنت - بالطابع الجنسي ~~المكشوف، ولا أظن أن لذلك علاقة بالأدب، كما أكد لي فيما بعد أبوك الثاني. # ألقيت نظرة سريعة على عنوان الكتاب الذي كتب بحبر ذهبي، وبخط متداخل أو «مشخبط» كما علقت ~~سوسن، استطعنا قراءته بصعوبة «كليلة ودمنة»، فهمست نايلة في أذني: إنها قصة حب مثل ليلى ~~وغيث، أو تاجوج وأوهاج، فأسرعنا في تقليب صفحاته علنا نجد بها بعض الصور المثيرة التي ~~تمثل العاشقين في أوضاع مختلفة، كما في روايات إحسان عبد القدوس، لكن لسوء الحظ، ولخيبة ~~أملنا لم نجد غير رسومات لحيوانات بخطوط ميتة باردة، كما لو رسمها أعشى سكران، أو طفل متخلف ~~عقليا، أسد وحمار وثعلب، ضبع وقرد، جرذ وغراب وحمامة، إلى آخر الرسومات التي لم تعجب أية ~~واحدة منا، قالت لي نايلة هامسة: إنه كتاب أطفال. # أضافت سوسن: أول مرة في حياتي أرى رجلا في عمره يقرأ كتاب أطفال، ثم أضافت بشكل حاسم: ~~إنه مجنون، ضحك ثلاثتنا في وقت واحد، مما جعله ينتبه ويحملق فينا بعينين مندهشتين كبيرتين، ~~مما أكد لنا أنه مصاب بمس، وتأكد ذلك أكثر عندما ابتدرنا سائلا: لا بد أن قصة الغيلم ~~والقرد قد أعجبتكن؟! # قلت له وبدون تفكير: بالتأكيد. # قال: إنها فلسفة عميقة، هنا فجأة شعرنا ثلاثتنا بتفاهة صلبة تتثاءب في داخلنا، فكلمة ~~فلسفة أعادتنا إلى مواقع نخشاها: أولا؛ لأننا لا نفهم معناها، وهي عندنا ليست سوى كلمة ~~غامضة تدل على أشياء عظيمة كبيرة غير مستدركة، وأمور متعلقة بالثقافة والجامعة، إذا قالت ~~نايلة: كنا سطحيين، لا بد أن الأسود والكلاب والحمير هذه تعني أشياء أخرى. # فضحكنا مرة أخرى ونحن نعيد إليه كتابه الغريب، قال: أنتن جامعيات؟ # قالت نايلة لسوسن: قولي له. # فأجبته أنا باختصار: لا. # قال: إذا، في مشوار للترفيه؟ # قلت له: الجو في البيت خانق جدا. # قال لي وهو يركز نظره في وجهي: هل رأيتك من قبل؟ # قلت لأبيك الثاني: لا أظن، أو ربما ... # اعلم يا بني ms83 محمد الناصر أن جعفرا لم يحدثك عن حقيقة علاقتي بأبيك الثاني، ولا حتى ~~علاقتي به، واعرف أنه ربما يكون قد همس الشيطان في أذنك قائلا: ربما تكون أنت الابن الشرعي ~~لجعفر، والابن غير الشرعي لأحمد، والابن الشرعي وغير الشرعي أيضا للشيطان! # قال لي أبوك الثاني مراوغا: المهم في الأمر، أنا سعيد جدا بلقائك. # قلت مغمغمة: ونحن أيضا سعداء بذلك. # قال ثم قال: أنا أعمل موظفا بفندق صحاري. # ثم أضاف وبسرعة: هل ستقومن بزيارتي في الفندق أثناء وقت العمل؟ # قالت نائلة: لسنا ندري بالضبط، لكن دع الدعوة مفتوحة. # قالت سوسن: أما أنا فمسافرة غدا للبلد. # قلت أنا، وبشكل محدد جدا: غدا سأزورك في الصباح. # وبذا انتهى كل شيء على ما أظن بشأن ميلادك. # مررت بعد أبيك الثاني بآباء لك شتى، آباء من جنسيات مختلفة، عادات مختلفة، واهتمامات ~~أيضا متباينة، فقط كان بهم قاسم مشترك واحد، وهو: أنهم لا يرغبون فيك، وكأنما كنت نائمة ~~طوال أعوام عمري الماضية، وفجأة أيقظني أبوك الثاني من هذا السبات الطويل، دق أجراس الحياة ~~في، ممزوجة بإيقاع الخطيئة، الخطيئة الكبرى، خطيئة أن أنجبتك أنت، لا أدري لم لم أكن ~~أحس وأنا ألتقي بأب لك تلو الأب، أنني أفعل شيئا مشينا إلا عندما أحسست بك تتحرك في، ~~في سكون ظلمات أحشائي، فانتبهت، أنا لست مثلك أخون روحي بأن أجد مبررا مقنعا لجرائمي، ولا ~~أسمي الأشياء بغير أسمائها، فالخطيئة هي الخطيئة، والفاحشة هي الفاحشة، كان الندم في ~~يستفحل يوما بعد يوم، وأشجار الخطيئة تمد أشواكها العنيدة في فراغات روحي، وأنا أذكرها ~~لآبائك جميعا - بمن فيهم الشيطان - يوما بعد يوم، وبعد كل خطيئة، وكلما أحسست بك كرهتك ~~أكثر، وكلما كرهتك أكثر كرهتك أكثر! ثم قال لي جعفر: ماذا لو عرف والدك، هل سيموت كمدا؟ ~~ألا تضعين اعتبارا لذلك؟ كان جعفر يصغرني بثلاثة عشر عاما، وأيضا كان يكبرني بسبعين سنة، ~~وسبعين بحرا وجبلا، وسبعين من أمور أخرى. كان عارفا وخبيثا، بينما كنت وجعفر تتمشيان ~~على الشاطئ، شاطئ النهر في صباح ما، ms84 إذا بأبيك الثاني يجلس على شاطئه وبيده كتاب، يتفحص ~~الشاطئ الآخر أو النهر، لا أدري، أو يصطاد البنيات بطرائقه الخبيثة، لا أدري فمنذ أن ~~افترقنا ذات حوار ساخن بشأن غيرته من آبائك الآخرين، لم نلتق، ومرت على ذلك شهور، قال له ~~جعفر: سلام. # ثم تخطيناه وعيناه الكبيرتان جاحظتان في غيرة ورعب حقيقيين، قال لي جعفر، جعفر مختار، ~~فجأة: لماذا لا أتزوجك؟ # قلت مقاطعة: من؟ أنت؟! # قال مبتسما: لا، لا كما تتوقعين، لكن من أجل الذي فيك، وكما تعرفين أنا وأنت لسنا دائما ~~رجلا وامرأة، وسنظل غريبين من هذه الناحية، وقريبين من ناحية أخرى مهمة، أقول لك أيضا: إن ~~والدك يعرف أنك سافح. هل تعلمين أنه يكرهك جدا؟ أتعرفين ذلك؟! # قلت مستسلمة: أعرف، أعرف. # قال: أتعرفين أنه كان يحبك حبا قويا؟ # قلت: لا تحدثني يا جعفر عن الماضي، تزوجني وافعل بي ما شئت، أنا رهن إشارتك. # إذا ما كنت تعرف أن جعفرا قد تزوجني زواجا شرعيا بمأذون وفاتحة وطقوسه الأخرى، وأنه ~~أسكنني بهذه المدينة، بعيدا عن أسرتي وأقاربي والآخرين، ولم تكن تعرف أن جعفر مختار هو ~~الذي فتح في وجهي آفاق الثروة والمال، وهو أيضا لم يكن يوما ما أبا من آبائك، وما شارك ~~آباءك الكثر أبوتك، هكذا ألقي عليك الحقيقة، فلتأكلك الحقيقة، فهل كنت أنت الحاجز ما بيني ~~والطهر، ما بيني وقلب أبي، أم كنت انتباهي للخطيئة؟ هل هذا هو ما دفعني على كرهك، أم هو ~~دواء الحبشي؟ قال جعفر: ليس هذا هو السبب الوحيد، لكن هنالك أسباب شتى، أهمها: قال ذلك وفي ~~فمه نصف ابتسامة مؤكدا أن أهمها أنه لم يكن أبا لك؟! لا أدري كيف تحصل جعفر على هذه ~~الحقيقة المشوهة؟ أولا قلت لنفسي ودون تردد: يجب أن أجهض. # وفعلا شرعت في ذلك، استعنت بطبيب من الأحباش، فسقاني محلولا أصفر كريه الرائحة، ثم ~~سقاني مرة أخرى محلولا أصفر كريه الرائحة، ثم سقاني مرة أخرى مشروبا أصفر كريه الرائحة، ~~ولم أجهض، فابتسم الحبشي وقال: هذا أول جنين في الدنيا ms85 لم يسقطه هذا المحلول الأصفر! # أدخل يده في، ألعب أصابعه قليلا ثم قال بكل ثقة: غدا سيسقط، غدا الفجر عندما يصيح ~~أول ديك. # وعندما عدت إليه بعد أسبوع بأكمله بادرني سائلا: هل تخلصت؟ # قلت: ليس بعد. # فوضع كفتيه على رأسه قائلا: من الذي أحبلك؟ # قلت: رجال كثيرون. # قال: لا بد أن يكون واحدا منهم فقط. # قلت: لقد كانوا في أزمنة متقاربة، فكل واحد منهم أحبلني قليلا قليلا إلى أن تكون هذا ~~الجنين. # قال ضاحكا مستسلما: هل من بينهم الشيطان؟ # قلت: زوجي هو جعفر. # قال: من هو جعفر؟ # قلت: جعفر مختار. # قال: من هو جعفر مختار؟ # قلت: الذي لم يكن أبا لهذا الجنين. # فسقاني محلولا أصفر كريه الرائحة، كاد أن يقتلني المحلول الحبشي الأصفر كريه الرائحة، ~~فالتهبت بشرتي مخرجة دمامل صفراء كبيرة، لها رائحة المرحاض، قال لي جعفر: إنك تتحررين من ~~عفنك، تتجهين نحو نقائك الكامل، قال لي: ربما كان هذا الحبشي هو إبليس نفسه. أتدري؟ # إلى اليوم السابع قبل ميلادك كنت أبحث عمن يجهضك، أبدا ما كنت أرغب فيك، ولا كان آباؤك ~~يهدفونك، ولكي لا أجحف في حقك إجحافا كاملا أقول حقيقة، وهي أنني كنت أحيانا أحس بسعادة، ~~سعادة مرة وأنا أتحسسك تعبث في، تنمو في داخلي، تقاوم المحاليل والعقاقير وأنامل الحبشي، ~~لقد كنت تصارعني صراعا خفيا جبارا لا هوادة فيه، وكنت أستعذب هذا الصراع، وقلت بيني ~~وبين نفسي: يوما ما سأنتصر عليه، سأهزمه، فلقد هزمني الآن، عندما أحسست بآلام المخاض في ~~الشهر السادس قلت: ها قد استسلم أخيرا، لكن كانت خيبة أملي كبير جدا عندما سمعت صراخك ~~فأفزعتني حينها، حقا، وانتصرت علي بشكل حاسم، أصابتني أنا هستيرية، وأخذت أصرخ في جنون: ~~خذوا عني هذا، لا أريد أن أراه، خذوه ...! # ولم أرضعك إطلاقا ولو مرة واحدة، إذا لم تكسب أنت المعركة تماما كما كنت أظن، إن هنالك ~~حلبات للصراع أخرى، وحلبات معارك جانبية لكنها أيضا حاسمة، حملك جعفر لمرضعة استأجرها ولم ~~أرك منذ ذلك الحين إلى أن بلغت الثالثة من ms86 عمرك، رأيتك صدفة مع جعفر والمرأة الحاضنة، ثم ~~رأيتك مرة أخرى وأنت في السادسة، أتى بك جعفر للبيت، قبل أن يقودك إلى المدرسة، ثم رأيتك في ~~التاسعة وأنت تتشاجر مع أحد التلاميذ، وقد ألقى بك على الأرض وأخذ يعضك بأسنانه، وحينها كنت ~~في طريقي إلى الورشة لتصليح فرامل سيارتي، فوجدتني أندفع نحوك، أرفع عنك التلميذ الذي كان ~~يكبرك سنا وحجما، أنفض عنك التراب ثم أتركك وأذهب إلى سبيلي، فمن أين أتت هذه العاطفة ~~الفجائية نحوك؟ لست أدري، لكن جعفرا قال لي فيما بعد: «الكلبة، حتى الكلبة تحرس ~~نطفتها.» # فتخاصمنا لزمن لا أعرف مقداره، ثم تصالحنا، صرنا أصدقاء مرة أخرى، هل كنت تعرف أن بإمكان ~~جعفر مختار أن يصير أحد آبائك؟ # أكنت ترغب في ذلك؟ # إذا أنت لا تعرف شيئا عن جعفر، لقد تعرفت عليه وأنا في مراهقتي الأولى، وكان هو طفلا ~~صغيرا هزيلا أتت به سيدة، فكيف اختصر جعفر مختار المسافة ما بيني وبينك، وبينك وبينه، ثم ~~ما بينك وبينك، هكذا ألقي عليك الحقيقة، فهل تميتك الحقيقة أم تقصيك عن نفسك، فلا تموت فيها ~~ولا تحيا؟ # | سفر الخروج # كان إبراهيم عبد الله يتحدث بثقة وقوة عن العلاقة الأزلية المقدسة بين الرجل والمرأة، قبل ~~أن يطلب منك رسميا يد ابنتك منى لولده عبد الله إبراهيم، فأشعلت سيجارة، أطفأتها، تذكرت ~~جعفرا، جعفر مختار، قلت له: أم منى هي أم رياك، دينكاوية سوداء كقلب الأبنوس، طويلة ~~كزرافة استوائية، وأنا والدها، والد رياك، وزوج مليكة شول مادنق، وأنت تعرف أنه لا أحد يعرف ~~لي أبا، فهل توافق على هذه الزيجة؟ # فهز كتفه بشيء من الزهو وهو يقول: المرأة على دين خليلها و... # فقاطعته قائلا: أتعرف ابني رياك؟ # قال: نعم، فهو ... # فقاطعته أيضا: إنه يحب ابنتك ياسمين، ويريد الزواج منها. # وقبل أن يرد دخل جعفر، جعفر مختار، وكنتما بالصالون تجلسان على مقعد كبير واحد، قرب قرب، ~~جلس بينكما، بعد أن كان جعفر يود أن يقول شيئا، شيئا خاصا جدا ومهما، إلا أنه آثر ~~الصمت، الصمت ms87 الموقوت. قال إبراهيم: إذا تريدون استبدال ابنتكم منى ببنتي ياسمين؟ # فقلت له ضاحكا: بل العكس، نريد استبدال ابنك عبد الله بابننا رياك. # قال وهو ينظر بعيدا: سأستشير أمها وأعمامها، وسأفكر، وخرج. # قال لك جعفر: أنا متعب، مرهق، نعس أريد أن أنام. # فما إن هيأت منى له مرقدا حتى ذهب في نوم عميق، ثم علا شخيره كالطاحونة، فسألتك ابنتك ~~منى: أليس لجعفر ...؟ # فقاطعتها قائلا بتأكد تام: بل له يا منى، له بالتأكيد. # حينها أيقنت ابنتك منى بأنك أيضا جعفر، في مدائن أخرى، مدائن بعيدة عن أخيلتها ~~وأحلامها، يسأل عنك الأطفال آباءهم، هل لمحمد الناصر؟ فيقاطعونهم قائلين: بل له، له ~~بالتأكيد، حينها يوقن الأبناء بأن آباءهم، أيضا محمد ناصر في مدائن أخرى، مدائن بعيدة عن ~~أخيلتهم وأحلامهم، يسأل عنهم الأطفال آباءهم، هل ل ...؟ فيجيبونهم مؤكدين: له، له بالتأكيد، ~~حدثتك ابنتك منى ذات مرة، لقد حلمت بجعفر مختار ذات نوم أو يقظة لست أدري، كان عاريا، أو ~~كنت عارية، وكان يقلب أوراقه جالسا في السرير قربي، ومثلما فعل جعفر من قبل أجبتها بكل ~~صدق وحكمة، لكنها ما إن غادرت بخطوة واحدة غادرتها إجاباتك وبقيت في ذهنها فقط أسئلتها ~~باردة، لزجة، تتكوم فوق بعضها، تحلم نيابة عن بعضها، تتثاءب ثم تغط في نوم بليد، قالت: ماذا ~~لو مات جعفر؟ # إنه دائما ما يموت، انظري إلى شجرة البان تلك، التي زرعتها أمك مليكة شول مادنق، وسط ~~المنزل، أطول الأشجار ساقا. أزكاها عطرا. # فإذا قطعت تلك الشجرة وأنت نائمة أخذت أحطابها بعيدا ونظفت مكانها من الأوراق، وعندما ~~استيقظت ذهبت لحوض المياه الكائن تحتها لتغسلي وجهك، إذا سيحدث، قالت لك: سأفتقدها. # قلت لها: إذا تحسين بوجودها. # قال: فراغ وجودها. # قالت: إذا تقصد يا أبي أنها دائما موجودة بهيئة ما. # قال: ربما أقوى وأشمخ. # ثم أخبرتها أن مليكة شول مادنق - أمها - كانت تعرف مقصدك عندما تتحدث عن شيء وأنت تريد ~~غيره، وقد لا تدري الشيئين، ما تتحدث عنه وما تريده أيضا، ضحكت، أضاءت أسنانك البيضاء ظلام ~~فمك، أشعلت ms88 سيجارة، أطفأتها ، تمشيت قليلا، نظرت عبر النافذة، كان بالشارع شحاذ أعمى يستبصر ~~الطريق، ينشد أبياتا من الشعر، يستبكي بها قلوب الناس الطيبين، ظهره قوس من الطمي، برأسه ~~عمامة ممزقة سوداء، وسطها تظهر طاقيته الخضراء، خضراء، بيده اليمنى مسبحة من اللالوب تهتز ~~بإيقاع أبيات الشعر، ينتعل رمل الطريق، جميلة عيناه الجاحظتان، خرجت متعجلا من المنزل ~~ومشيت خلفه كالمنوم، كان مشيه بطيئا: متفاعلن، متفا، علن، مت، فا، علن، متفاعلن، وكنت في ~~بادئ الأمر تجري خلفه، فعلن، فعلن، فعلن، فعلن، إلى أن قربت به، فثقلت خطواتك: متفاعلن، ~~متفاعلن، مت، فا، عل، ن، كان يمشي على أنغام بحر منشودته التي يستبكي بها الناس، ويستبكيك، ~~فطفت خلفه كل شوارع المدينة، أزقتها، بيوت محسنيها، بنوكها ودواوينها الحكومية، وعندما اتجه ~~خارج المدينة قاصدا الصحراء سألت نفسك ثلاث أسئلة قبل أن تواصل مشيك نحوه، جلست تحت شجرة ~~عجوز شامخة تبحث عن إجابة مناسبة ومرضية مقنعة لأسئلتك، أشعلت سيجارة، أطفأتها، تبولت تحت ~~الشجرة، ضايقتك عفونة خرائك، تفيأت شجرة أخرى غيرها، علك تلهم إجابة ممكنة سريعة، إلى أن ~~غابت الشمس. وما تبقى من ضوئها تلتهمه ببطء جيوش الظلمات التي هي امتداد لظلال منازل ~~المدينة وأشجارها الخضراء، امتداد لظلك، وعندما أجبت على سؤالك الأول كانت النجوم قد ظهرت ~~في قبة السماء تغازل الفراغ وترسل ضوءها للأكوان البعيدة، خطوت خلفه حتى لا يضيع أثره منك، ~~فعلن، فعلن، فعلن، فعلن، ف، ع، لن، فعلن، سريعا خطوت ... # ولما لم يعد يفصلك عنه غير مترين جلست على صخرة ملساء، تبحث عن إجابة تنجيك من سؤالك ~~الثاني لنفسك، تذكرت جعفرا، جعفر مختار، أول مرة تشهد موقفا جنسيا حقيقيا لجعفر، كان ~~ذلك في نهاية الخريف الماضي، أكتوبر، الفاتح من أكتوبر، الأعشاب النائمة الخضراء تفترش ~~الأرض الكسولة، وأطيار القطا، عام مضى، في ليلة ليست مثل هذه الليلة، تتجولون في مناطق ~~مفتوحة، أي لا تحدها سوى بقايا سحب الخريف البيضاء المتباعدة، التي تخبئ القمر المكتمل ~~للحظات قلائل، ثم تطلقه ينشد ضوءه للحظات أخريات، شمالا الغابات، جنوبا أيضا الغابات، ~~شرقا ms89 المدينة ساهرة ، غربا الصحراء، وبينما كنتما تتحدثان عن منسوب مياه النيل وحرب المياه ~~القادمة حتما، أو سعر الماء كما يحب أن يقول جعفر، سعر الماء القادم حتما، إذا بمخلوق ~~غريب لم يره أي منكما في حياته من قبل، حتى جعفر نفسه دهش لرؤيته، كان مخلوقا ضخما يمشي ~~نحوكما، ضحك جعفر وهو يقول: الأشياء تأتي إلينا، هل نخاف نحن الأشياء؟ # فقلت أنت معلقا: أمر مضحك حقا، تخيل نفسك تؤكل، أو تمزقك الأشياء! # بكى جعفر من الضحك، ولم يعد من نوبته إلا عندما قارب الشيء أن يلتصق بكما، وملأت أنفيكما ~~رائحة له قوية وغريبة، لم تستطيعا في حينها وصفها بالطيبة أم بالنتنة، وعلى ضوء القمر ~~تبينتما ملامحه، وهو يحملق بعينيه الكبيرتين في وجهيكما، فمه أقرب إلى فم القرد منه إلى ~~الإنسان، وكان مسالما أكثر مما يوحي به شكله، وتوحي به ضخامته وأذرعه الطويلة القوية، ~~المنتهية بأصابع ذات مخالب حادة وقوية، وعندما قاربكما جدا، مد قوائمه على الرمال، ورقد ~~في سلام تام، قال لك جعفر: هل رأيت مثل هذا الشيء من قبل؟ قلت: لا. # لكنه يشبه أشياء كثيرة رأيتها. # قال جعفر: إذا طالما كان محافظا على هدوئه دعنا نتفحصه جيدا ونتبين أسراره عن ~~قرب. # فأخرج جعفر من جيبه أداة القياس وقاس طوله، أطرافه، ارتفاع أنفه، ذراعيه وزاوية إبطيه، ~~فكانت كالآتي: # طوله 1,50 متر. # أذرعه 1,00 متر. # قوائمه الخلفية 1,20 متر. # نصف قطر عينيه 0,6 سم. # المسافة ما بين عنقه وملتقى الفخذين 1,05 متر. # وفجأة قال جعفر وهو يحملق في وجهك: إنها أنثى! أتعلم، إنه يصعب التفرقة ما بين ~~الإناث؟ # فهيأ جعفر نفسه للأنثى، وجدت الإجابة الممكنة للسؤال الثاني، نهضت من مكانك وجريت نحو ~~الرجل العجوز، كان قد قطع مسافة كبيرة متوغلا في عمق المكان، حتى إذا لم يفصلك عنه سوى قدم ~~واحد جلست على صخرة أخرى تفتش عن إجابة لسؤالك الأخير، لكن ما أسرع أن وجدت الإجابة فحزنت، ~~حزنت جدا، حزنت ... جدا، كدت أن تبكي بكاء حقيقيا لا تشوبه شائبة، فأصبحت بغير ما ms90 ~~تتوقع بين فكرتين: ~~(أ) # أن تحمله على كتفك إلى حيث يشاء، إذا كان حقيقة يشاء مكانا بعينه. ~~(ب) # أن تهرب بأسرع ما يمكن إلى منزلك، وتتأكد من أن النائم في بيتك هو جعفر، جعفر ~~مختار. # وبينما تستفتي نفسك بشأن الخيارين، توغل الليل في أزمنته الظلماء الساكنة، في بومة وطيور ~~السقدة، في عواء ذئابه، ضحكات نسائه وبكاء أطفالهن مع الليل، توغل شيخك في مسافاته، ولم يعد ~~يرى منه سوى نقطة ضوء بيضاء، تكبر كلما ابتعد، تكبر، تكبر إلى أن انفجر أخيرا قمرا ~~فضيا، تلاشى بين أقمار الله ونام في حضن المجرات الباردة، بكيت في نفسك وأنت تتخيل في نفس ~~اللحظة كيف أن الرجال يقتلون بعضهم البعض في غابات الجنوب فيجوع الأطفال، فيأكلون الأطفال، ~~تذكرت ماجوك، كل ما تبقى من أسرة مليكة شول مادنق، فأخذت تبحث في الأفق على شيخك القمري، ~~فأشعلت سيجارة، أطفأتها، تيممت برمل المسافة، كبرت، قرأت سورة الفاتحة، ثم # ما يعلم جنود ربك إلا هو ~~، كنت بالصالون تقرأ ~~أشعار جعفر الخمسة حينما دخل إليك رياك في صحبة أخته منى، قصائده التي كتبها في ثلاثين ~~عاما، طلبت منهما أن يستمعا إليك تقرأ الأسفار الخمسة المشهورات لجعفر، جعفر مختار، قالت ~~لك منى: لقد قرأنا من قبل قصيدته الأولى، قرأها لنا معلم الرياضيات عندما كنا في الصف ~~الثالث الثانوي. # قال لك رياك: لقد استمعت من قبل إلى قصيدته الأخيرة، قرأها علي إمام ... # سأقرأ الآن عليكما القصائد الخمس في مرة واحدة. # وكنت تعلم جيدا أن قراءة القصائد الخمس دفعة واحدة بغير تتابع عملية مرهقة للعقل، ولو، ~~إلا أنك لم تقرأها قصيدة قصيدة، لكنك قرأت الأشعار الخمسة في قصيدة واحدة، وهي في الحقيقة ~~أقصر من قصيدتين بقليل، ونتيجة لهذا التكثيف أصيب أبناؤك بالأحاسيس التالية: رياك كان يغمره ~~إحساس واحد، إحساس طاغ بأنه مقذوف به بعيدا في عمق سحيق لا غور له. # منى يمكن تشخيص حالتها وهي تستمع للأشعار الخمسة في قصيدة واحدة أقل بقليل من قصيدتين، ~~يمكن أن توصف بحالة بحار يركب البحر لأول ms91 مرة، إحساس بالمغامرة، بالخوف، بالثورة، بدوار ~~البحر ، حتى إذا قرأت آخر كلمة من القصيدة هي عبارة عن قوسين فارغين ( ) عادا لوعيهما، ثم ~~أخذا يتقيئان كما لو بلعا أسطولا من الذبابات المتقيحات، لا تلومهما، أيضا لا تلوم ~~جعفرا، أو نفسك لأنك كثفت القصائد الخمس في قصيدة واحدة قصيرة، وقرأتها بطريقة جعفرية لا ~~تخلو من الخبث والمؤامرة، ولؤم القطط، ولأن جعفرا يستطيع أن يمتلك اللحظة امتلاكا كاملا ~~مجردا إياها بذكاء واقتدار من فعالية المحيط وتأثيراته المتباينة، خاصة عندما يكتب حرفا ~~من قصائده الخمس، وبيتا كاملا فيما يقل من عام، فإنه ينعى نفسه محررا إياها من قوة الجسد ~~والمادة إلى أن تصبح: لا طعم، لا رائحة، لا أحد، لا ارتباطات إنسانية، أو حيوانية، أو شيئية ~~أخرى، إذا قصيدة جعفر تنفي روحه، روحه ذاتها وكمالها، وكنت تعرف عن جعفر أنه ينكر قصائده ~~بمجرد الانتهاء من كتابتها، ينكرها ثلاث مرات متتابعة، فهل كان جعفر شاعرا، أم كان حالة ~~قصيدية من هلام الكلام واللغة؟ فما كان لصبية مثل منى، أو صبي كرياك أن يحددا لجعفر إطارا ~~يعرفانه به، أو يستمعان إليه، أو يريانه، أو قل يغطسانه، وأنت لا تريد أن تقول لهما الحقيقة ~~المطلقة في شأنه، لكنك تحاول أن تحررهما تدريجيا إلى أن تكتمل حريتهما، ويستطيعان حينها ~~أن يقولا للشخص، حينها: جعفر هو! دون أن يشعرا بغثيان أو دوار بحر، ولا حتى صداع خفيف، مثل ~~الذي يصيب رياك كلما التقى جعفرا، أو ناقشه، فالمسألة مسألة حرية، أو كما كان يؤكد جعفر ~~مختار، إعادة صياغة وتأكد، للموجود المعطى، أي تثمين للمجان وتبخيس النفيس. # جاءك مرة أخرى عبد الله ووالده إبراهيم أيضا، ومن وجهيهما عرفت أنهما فرغا لتوهما من ~~مشاجرة أو مشاحنة ساخنة، فتحدثت مع الولد متجاهلا الوالد، ليس لأن الأب أضاع فرصة أن يكون ~~إنسانا فعليا، وقضى العمر في تفاهات الأكل والشرب والنكاح. لا، لكن لأنه بكل خبث وبلادة ~~ضيع الفرصة على أبنائه؛ لذا لم تحترمه وأنت تعرف أنه لا يحترمك؛ لأنك ابن حرام - على حسب ~~تعبيره ms92 - ولولا شغف ابنه بابنتك، وإلحاح الابن بالزواج ، لما وطئت قدمه عتبة بيتك، قال لك ~~بعد صمت طويل: ماذا بشأن البنت؟ # أيضا قلت موجها حديثك لعبد الله وأنت تضيء ظلمات، في الحق هي في ذهنك أنت، عصية. # حدثته عن أنثروبولوجيا الذكاء، تكلمت عن الذكاء الاجتماعي للدنكا، وقدراتهم الخطيرة على ~~العمل الجماعي النملي، والحس النملي أيضا تجاه الآخر - حيا أو ميتا - رقي التعامل ~~الإنساني، علاقات الحب، الزواج، الميلاد، الممات، طبيعة الجنوب وحلم الجنوبي وظمئه، ~~الأخطار، الأنهر، آبار البترول غير المعروفة لغير حركة الأرض السرية، عن السماء والأشجار، ~~أباب دير، الأفيال، المستنقعات، وغنيت لهم أغنية الصيد الوفير، قلت لهم: قلب المرأة ~~الجنوبية يسع مئات من الأفيال الأفريقية، وكل هذا القلب مليء بالحب لرجل واحد، ووطن واحد، ~~حدثتهم عن نعومة فخذيها السوداوين، وامتلائهما بالأطفال والأناشيد واللذة، عن زغب عنقها ~~ومقدرتها غير المتناهية على خلق نشوة جنسية خاصة بها هي وحدها، وقلت لهم كيف كانت تقبلك في ~~ذات الآن الذي تفكر فيه، في طول الطفل الذي ستلده، سعة عينيه، ذكائه، ومقدرته على الجري ~~ألفي متر دون أن تزداد دقات قلبه دقة واحدة، وعن رأيه في الحرب بالجنوب، هل سيقف مع جيوش ~~الحكومة كأخيه رياك، أم يقف مع جيش الغابة كخاله ماجوك، أم أنه يكون رأيا ضد الحرب بشكل ~~حاسم ونهائي مثلي أنا أبيه، ومثل جعفر، جعفر مختار، قلت لهم: تستطيع مليكة شول مادنق أن ~~تنجب عشرة أطفال دفعة واحدة، وتدير دولة، وبإمكانها أيضا أن تتذكر لعبتها المحبوبة بين ~~أنقاض قريتها المحترقة، حدثتهم كيف في إمكان مليكة شول مادنق أن تنيم طفلها الرضيع وهي تغني ~~له أغاني الحرب، وتحكي له عن مذبحة أطفال قريتها وشيوخها، وعن رحيل الأفيال والزرافات ~~والنمور بعيدا إلى بلاد أخرى آمنة، وعن جفاف أباب دير، قلت أيضا: من غير مليكة يمكنها أن ~~تنجب مثل طفلتك الجميلة منى؟ أو شخصا متناقضا كرياك؟ # قلت: ماتت مليكة وفي ردفيها أجمل الأطفال، وفي خاطرها مشوار، في عينيها وطن، وفي قلبها ~~رصاصة، قلت: كانت ترى أن الله ms93 يقف مع الجانبين في ذات المعركة، وذات الموقف، قلت: في مليكة ~~رقة الغزلان وذكاء النمور، خصوبة أباب دير وشراسة اللبوءة. # ثم قلت قبل أن تشعل سيجارة، وتطفئها: بمليكة شول مادنق امرأتان، مريم العذراء ومريم ~~المجدلية، ولا تنكر أنك تميزت من الغيظ عندما قال لك إبراهيم: نحن نريد منى، وليس مليكة ~~شول، من هي مليكة شول؟ # أهي زوجتك الجنوبية، أم اسم ابنتك برطانة زوجتك؟ # تذكرت جعفرا، جعفر مختار، عندما كانت منى صغيرة، كان جعفر يأخذها من كتفيها الصغيرين ~~ويقذف بها بعيدا في الهواء، يتلقاها، ثم مرة أخرى يقذف بها مرة أخرى، وكانت تضحك من قلبها ~~وقد أعجبتها اللعبة، وكان يقول لك: أبناء الريح هؤلاء في غاية الجمال، إنهم أجمل منا ~~جميعا، لكن من يأتي بعدهم هم أيضا أجمل منهم! وعيبهم الوحيد هو أنهم لا يعيشون حياتهم ~~بجدية، إنهم يخافون الحرية، حريتهم الذاتية، قلت لإبراهيم مستنكرا: ما هو عملك؟ # وكنت تعرف أنه يعمل بالجيش برتبة عميد، وتعرف بالتفصيل متى تجند ونمرته العسكرية، مرتبه، ~~علاواته، وكل صغيرة وكبيرة عن أسرته. سألته أيضا: هل كنت عربيدا سكيرا وداعرا عندما كنت ~~في جوبا؟ # سألته: كم جرائم الحرب التي ارتكبتها؟ # كم طفلا ذبحت؟ # فغضب غضبا شديدا وهتف في وجه ابنه: أترى، أي امرأة تريد أن تربطنا بها، أي أهل؟ # وهم بالخروج وكنت باردا كالثلج، ودخل جعفر فجأة، حياه وفي فمه ابتسامة، ثم خاطبه ~~قائلا: لا تغضب يا سيادة الجنرال، لا تغضب، اجلس. # فجلس وجلس ابنه أيضا، قال له جعفر: هل ابنتك ياسمين بخير؟ # قال بهدوء: بخير، إذا لا بأس أن تصبح زوجة لرياك في الخميس القادم. # قال بهدوء وأدب: كما تشاء. # قال جعفر: وغدا أيضا سنرسل لكم منى زوجا لابنك عبد الله؟ # قال بهدوء وبراءة: كما تشاء. # ثم سأله جعفر عن أحواله وأحوال أسرته وأحزان زوجته، وما إذا كانت لا تزال تحس بآلام في ~~المهبل إذا غاب عنها يومين. # ثم سأله إن كان قد غير رأيه في الحرب القائل بأن مشكلة الجنوب والشمال لا تحل إلا ms94 بإبادة ~~كل الجنوبيين وغاباتهم، وحيواناتهم، وتجفيف المستنقعات ، حتى تتفرغ الحكومة للتنمية واستخراج ~~البترول. # ثم قال لهما جعفر، جعفر مختار: تغديا معنا، لقد أحضرت بعض أسماك البلطي قبل لحيظات من ~~النهر، ثم قال جعفر لإبراهيم: حدثنا عن الحرب، عن خطط الحكومة المستقبلية وتوقعاتك لمجريات ~~الحرب في الخريف القادم، وهل هنالك حقا خريف قادم؟ # قال إبراهيم، الجندي القديم، قال وقد اعتدل في جلسته وبدا وجهه غريبا وشديد السواد: ~~سأحدثكم، سأحدثكم عن كل هذا، بحديثي عن رجل واحد، رجل قابلته اسمه جعفر، جعفر مختار. # ثم حاول أن يتذكر ملامحه أو أي شيء عنه، لكنه لم يستطع. # خشم القربة # 1 / 2 / 1997م ms95