######OpenITI# #META# URI: 1450CabdFattahCabdAllah.RimalMughanniyya.Hindawi17537283 #META# Tags: novels #META# ID: 17537283 #META# Title: الرمال المُغنية #META# AuthorID: 17091369 #META# Author: جوزفين تاي #META# EditorID: 51613802 #META# Editor: محمد حامد درويش #META# TranslatorID: 73637907 #META# Translator: عبد الفتاح عبد الله #META# Related_books: 1371JosephineTey.SingingSands (TRANSL) #META#Header#End# # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الفصل الخامس عشر‏ # | الرمال المغنية # | الرمال المغنية # تأليف # جوزفين تاي # ترجمة # عبد الفتاح عبد الله # مراجعة # محمد حامد درويش # | الفصل الأول # كانت الساعة السادسة من صباح أحد أيام شهر مارس، وكان الظلام لا يزال ~~مخيما. أتى القطار الطويل يتهادى وسط أضواء الساحة المتناثرة، وينقر ~~برفق فوق فواصل القضبان. وأخذ يمر عبر وهج كابينة الإشارات ويخرج ~~منه مجددا. ثم يمر تحت اللون الأخضر الزمردي المنفرد بين الألوان ~~الحمراء الياقوتية على جسر الإشارات. وأخذ يتقدم نحو الرصيف الرمادي ~~المهجور الذي كان ينتظر وصوله تحت القباب المقوسة. # كان قطار بريد لندن في نهاية رحلته. # وخلفه امتدت في الظلمة خمسمائة ميل من القضبان وصولا إلى محطة ~~يوستن وليلة أمس. خمسمائة ميل من الحقول التي يضيئها القمر ومن القرى ~~الناعسة؛ خمسمائة ميل من البلدات السوداء والأفران التي لا تكل؛ من ~~المطر والضباب والصقيع، والثلوج الخفيفة والفيضانات، من الأنفاق ~~والجسور. والآن، في ظلام الساعة السادسة من صباح أحد أيام شهر مارس ~~كانت التلال قد انتصبت حول القطار، الذي كان قادما، في هدوء وسكينة، ~~بعد رحلة طويلة متعجلة. وشخص واحد فقط في كل طوله المزدحم لم يتنهد ~~بارتياح لإدراكه ذلك. # ومن بين أولئك الذين تنهدوا اثنان على الأقل تنهدا بسعادة كادت ~~أن ترقى إلى الهيام. كان أحدهما راكبا، والآخر موظفا في هيئة السكك ~~الحديدية. كان الراكب هو ألان جرانت، أما موظف هيئة السكك الحديدية ~~فكان موردو جالاتشر. # كان موردو جالاتشر يعمل مضيفا في عربات النوم في القطار، كما كان ~~أكثر مخلوق مكروه بين محطتي قطار بلدتي ثورسو وتوركاي. طيلة عشرين ms001 ~~عاما ظل موردو يرهب عامة المسافرين ليرضخوا له ويبتزهم من أجل ~~الحصول على شكر منهم. والمقصود هنا إكراميات مالية. كان شكرهم الشفهي ~~اختياريا. وبين ركاب الدرجة الأولى كان موردو معروفا لدى القاصي ~~والداني باسم يوجورت. («يا إلهي، إنه يوجورت العجوز!» كانوا يقولون ذلك ~~حين يظهر وجهه العكر في عتمة يوستن الضبابية.) أما ركاب الدرجة الثالثة ~~فكانوا يطلقون عليه أسماء متنوعة، وكانت كلها صادقة ووصفية. أما ما ~~كان يطلقه عليه زملاؤه في العمل فليس من شأن أحد. ثلاثة أشخاص فقط هم ~~الذين استطاعوا التغلب على موردو، وهم: راعي بقر من تكساس، وعريف بحري ~~في فوج مشاة الجيش «كوينز أون كاميرون هايلاندرز»، وامرأة ضئيلة الجسم ~~من سكان شرق لندن في الدرجة الثالثة، والتي هددته بأنها ستضربه على ~~رأسه الأصلع بقنينة ليمون. ولم تكن الرتب ولا الإنجازات تثير إعجاب ~~موردو؛ إذ كان يبغض الأولى ويستاء من الثانية، لكنه كان يخشى كثيرا ~~الألم الجسدي. # طوال عشرين عاما كان موردو جالاتشر لا يبذل من الجهد إلا أقل ~~القليل. كان قد سئم من وظيفته قبل أن يمر أسبوع من شغله لها، لكنه ~~وجد فيها مصدرا خصبا لكسب الكثير من المال فبقي فيها لينقب عنه. ~~إن حصلت على شاي الصباح من يد موردو، فسيكون الشاي خفيفا، وسيكون ~~البسكويت هشا، وسيكون السكر قذرا، وستكون صينية الشاي زلقة، ولن تجد ~~ملعقة، لكن حين يأتي موردو ليستعيد الصينية ستجد أن الاعتراضات التي ~~كنت تتدرب على إلقائها عليه قد خمدت على شفتيك. وبين الحين والآخر ~~كان أميرال أسطول في البحرية الملكية أو شيء من هذا القبيل يغامر ~~بإبداء رأيه قائلا إن الشاي مريع للغاية، لكن كثيرين كانوا يبتسمون ~~ويدفعون المال. طوال عشرين عاما كانوا يدفعون له؛ ضجرا ورهبة ~~وخضوعا لابتزازه. وكان موردو يأخذ المال. كان الآن يمتلك منزلا ~~ريفيا في بلدة دنون، وسلسلة متاجر أسماك مقلية في جلاسكو، ورصيدا ~~جيدا جدا في البنك. كان بإمكانه أن يتقاعد منذ سنوات، لكنه لم ~~يستطع أن يحتمل فكرة فقدانه لمعاشه بالكامل؛ لذا تحمل شعوره ms002 بالسأم ~~لفترة أطول قليلا، وسوى أموره بألا يكلف نفسه عناء إحضار الشاي ~~الصباحي إلا إذا طلبه الركاب بأنفسهم؛ وفي بعض الأحيان، إذا كان يشعر ~~بالنعاس بشدة، كان ينسى طلباتهم. كانت أساريره تتهلل عند نهاية كل رحلة ~~بالقطار بارتياح يشبه ارتياح رجل أمضى مدة عقوبته ولم يتبق له منها ~~إلا وقت قليل. # أما ألان جرانت، الذي كان يراقب أضواء الساحة وهي تمر أمامه من خلف ~~النافذة التي يغطيها بخار الماء، ويستمع إلى ذلك الصوت اللطيف لعجلات ~~القطار وهي تنقر فوق الفواصل، فكان سعيدا لأن انتهاء الرحلة يعني ~~انتهاء معاناة دامت طوال الليل. كان جرانت قد أمضى الليل بطوله في ~~محاولة عدم فتح الباب الذي يفضي إلى الممر. اضطجع على سريره الفاخر ~~وقد جافاه النوم وأخذ يتصبب عرقا لساعات. ولم يكن يتصبب عرقا لأن ~~المقصورة كانت حارة للغاية - فقد كان المكيف يعمل بأفضل ما يمكن - ~~لكن (يا للأسى! يا للعار! يا للإهانة!) لأن المقصورة كانت تمثل ~~«مكانا ضيقا مقفلا». لأي شخص طبيعي كانت المقصورة ستبدو مجرد ~~غرفة صغيرة أنيقة بها سرير للنوم، وحوض لغسل الوجه واليدين، ومرآة ~~ورفوف أمتعة بأحجام متنوعة، ورفوف قابلة للطي بحسب الحاجة، ودرج ~~صغير فاخر من أجل الاحتفاظ بأشياء المرء القيمة، وحامل للساعة التي ~~يفترض أن صاحبها لا يرتديها. لكن هذا الخبير، الحزين والمعذب، كان ~~يرى تلك المقصورة «مكانا ضيقا مقفلا». # كان الطبيب قد وصف حالته بأنها إرهاق ناتج عن الإفراط في ~~العمل. # قال له الطبيب، الذي كانت عيادته في ويمبول ستريت: «استرخ واسترح ~~قليلا»، واضعا إحدى ساقيه الرشيقتين على الأخرى معجبا بنفسه ~~لنجاحه في ذلك. # لم يستطع جرانت أن يتخيل نفسه مستريحا، وكان يعتبر الاسترخاء كلمة ~~بغيضة وفعلا تافها جديرا بالازدراء. الاسترخاء. إنه أمر يؤدي بالمرء ~~إلى السمنة. إشباع أحمق لرغبات حيوانية. استرخ، حقا! كان وقع ~~الكلمة على أذنيه بمثابة إهانة. كان يشبه صوت الشخير. # سأله الطبيب، ونظرة إعجابه بنفسه تستمر حتى حذائه: «ألديك أي ~~هوايات؟» # فقال جرانت باقتضاب: «لا.» ~~«ماذا تفعل حين تذهب في إجازة؟» ~~«أصطاد ms003 السمك.» # فقال الطبيب النفسي، بعدما جعله هذا الرد يتوقف عن نظرات الإعجاب ~~بنفسه: «أنت تصطاد السمك؟» وأردف: «ألا تعد ذلك هواية؟» ~~«نعم، بكل تأكيد.» ~~«ماذا تسميه إذن؟» ~~«شيء ما بين الرياضة والمعتقد.» # ابتسم طبيب ويمبول ستريت عند سماعه تلك الإجابة وبدا متفهما جدا؛ ~~وطمأنه قائلا إن شفاءه مسألة وقت لا أكثر. وقت واسترخاء. # في الواقع، لقد تمكن على الأقل من ألا يفتح ذلك الباب ليلة أمس. ~~لكن ثمن ذلك النصر كان غاليا. كان يشعر بالاستنزاف والخواء؛ فراغ ~~متجسد في صورة إنسان. كان الطبيب قد قال له: «لا تقاوم الأمر.» وتابع: ~~«إذا أردت أن تصبح في مكان مفتوح، فاذهب إلى مكان مفتوح.» لكن فتحه ~~للباب ليلة أمس كان سيصبح بمثابة هزيمة نكراء لدرجة أنه شعر بأنه ما ~~كان سيتعافى منها أبدا. كانت ستصبح استسلاما غير مشروط لقوى ~~اللامعقول. لذا ظل راقدا يتصبب عرقا. وظل الباب مغلقا. # لكن الآن، في الظلام الصباحي غير المرضي، في الظلمة المجهولة ~~الكئيبة، كان يشعر بأنه فاقد للقوة وكأنه قد انهزم. بذلك التجرد ~~الجوهري الذي كان طبيب ويمبول ستريت قد لاحظه وأقره، فكر في نفسه: ~~«أظن أن هذا هو الشعور الذي تشعر به النساء بعد مخاض طويل.» وتابع: ~~«لكنهن على الأقل يحظين بطفل مزعج نتيجة لذلك. فماذا لدي ~~أنا؟» # رأى أن ما كان لديه هو فخره. الفخر بأنه لم يفتح بابا لم يكن يوجد ~~سبب منطقي يدفعه لأن يفتحه. رباه! # فتح جرانت الباب الآن. بنفور، وتقدير لسخرية القدر التي ينطوي عليها ~~ذلك النفور. اشمئزاز من مواجهة الصباح والحياة. كان يتمنى لو كان بوسعه ~~أن يلقي بنفسه مرة أخرى على ذلك السرير المتغضن ويروح في نوم ~~عميق. # حمل الحقيبتين اللتين لم يعرض يوجورت أن يفعل حيالهما أي شيء، ودس ~~مجموعة المطبوعات الدورية غير المقروءة تحت ذراعه، وخرج إلى الممر. كان ~~الدهليز الصغير الموجود في نهاية هذا الممر يكاد يكون مسدودا حتى ~~السقف بأمتعة دافعي البقشيش الأكثر سخاء، بحيث كاد الباب أن يكون ~~مستترا؛ فتابع جرانت سيره ودخل العربة ms004 الثانية من عربات الدرجة ~~الأولى. كان الطرف الأمامي لتلك العربة أيضا مكدسا بعوائق مميزة ~~يصل ارتفاعها إلى الخصر، فبدأ يسير في الممر نحو الباب الموجود في ~~الطرف الخلفي للعربة. وبينما كان يفعل ذلك أتى يوجورت بنفسه من حجيرته ~~في الطرف البعيد للعربة ليتأكد من أن راكب المقصورة «بي 7» عرف أنهم ~~كادوا يصلون إلى المحطة النهائية. كان حقا معترفا به من حقوق راكب ~~المقصورة «بي 7»، أو أي راكب أيا كان رقم مقصورته، أن يغادر القطار ~~بتمهل بعد الوصول، لكن يوجورت بالطبع لم تكن لديه أي نية للانتظار ~~طويلا حتى يستيقظ أحد الركاب من نومه. لذا فقد طرق باب المقصورة «بي ~~7» بقوة ودلف إليها. # عندما وصل جرانت إلى الباب كان يوجورت يهز راكب المقصورة «بي 7»، ~~الذي كان راقدا بكامل ملابسه على السرير، من كمه ويقول في حنق وسخط ~~مكتومين: «استيقظ يا سيدي، انهض! كدنا أن نصل.» # رفع ناظريه حين سقط ظل جرانت على فتحة الباب وقال في اشمئزاز: ~~«إنه في حالة سكر شديدة!» # لاحظ جرانت أن رائحة الويسكي الكريهة في المقصورة كانت قوية لدرجة أن ~~المرء قد يصيبه الدوار ويحتاج للاتكاء على عصا وهو بداخلها. ~~بتلقائية، أمسك جرانت بالصحيفة التي كانت قد سقطت على أرضية المقصورة ~~نتيجة لهز يوجورت للراكب، وأصلح سترة الرجل. # وقال: «ألا يمكنك أن تتعرف على رجل ميت حين تراه؟» ووسط الضبابية ~~الناتجة عن إرهاقه سمع جرانت نفسه يقول: ألا يمكنك أن تتعرف على رجل ~~ميت حين تراه؟ كما لو كان أمرا تافها. ألا يمكنك أن تتعرف على زهرة ~~من زهور الربيع حين تراها؟ ألا يمكنك أن تتعرف على أعمال روبنز حين ترى ~~أحدها؟ ألا يمكنك أن تتعرف على نصب ألبرت التذكاري حين ...؟ # فقال يوجورت بنبرة تكاد تشبه العواء: «ميت! لا يمكن! يجب أن ~~أغادر.» # أدرك جرانت، مع شرود عقله، أن ذلك هو كل ما كان يهم السيد جالاتشر ~~اللعين. لقد قضى أحدهم نحبه، وغادر هذه الحياة، خرج من الدفء والشعور ~~والإدراك إلى العدم، وكل ما كان يهم جالاتشر ms005 اللعين أنه سيتأخر في ~~الانصراف من عمله. # قال يوجورت: «ماذا سأفعل؟ كيف كنت سأعرف أن أحدا قد سكر حتى الموت ~~في عربتي! ماذا سأفعل؟» # فقال جرانت: «أبلغ الشرطة، بالطبع»، وللمرة الأولى عاد إليه إدراكه ~~بأن الحياة مكان قد يشعر فيه المرء بالمتعة. شعر جرانت بمتعة ~~منحرفة رهيبة في أن يوجورت قد وجد أخيرا ندا له؛ الرجل الذي سيفلت ~~من إعطائه بقشيشا؛ وأن ذلك الرجل هو من سيتسبب له في إزعاج أكثر مما ~~نجح أي أحد من قبل في التسبب فيه طوال خدمته التي امتدت لعشرين ~~عاما في السكك الحديدية. # نظر مرة أخرى إلى الوجه اليافع الذي يعلوه الشعر الأسود الأشعث، ~~وابتعد ماضيا في الممر. لم يكن الموتى مسئوليته. لقد نال كفايته من ~~الموتى في شبابه، ومع أنه لم يتوقف مطلقا عن الشعور بانقباض في قلبه ~~من حقيقة أن الموت لا رجعة فيه، فإنه لم يعد يملك القدرة على أن ~~يصدمه. # توقفت العجلات عن النقر، وحل محله الصوت الطويل الخفيض الأجوف ~~الذي يصدره القطار حين يصل إلى محطة للسكك الحديدية. أنزل جرانت ~~النافذة وراح ينظر إلى الشريط الرمادي للرصيف يمر سريعا من أمامه. ~~ولطمه البرد لطمة مثل لكمة في الوجه فراح يرتجف لا إراديا. # ألقى بالحقيبتين على الرصيف ووقف مكانه (وهو يثرثر مثل قرد ~~بغيض، كما كان يظن)، وتمنى لو كان من الممكن أن يموت مؤقتا. في ~~تجويف أخير معتم في عقله كان يعرف أن الحقيقة الأساسية التي ستظل ~~صحيحة مهما حدث هي أن الارتجاف من البرد وتوتر الأعصاب على رصيف محطة ~~قطار في السادسة صباحا من يوم شتوي يمثل ميزة؛ فهو نتيجة منطقية ~~وطبيعية لكون المرء على قيد الحياة، لكن كم سيكون رائعا أن يموت المرء ~~مؤقتا ويعود إلى الحياة مرة أخرى في لحظة أسعد! # سأله الحمال: «إلى الفندق يا سيدي؟» وتابع: «أجل، سأتولى أمر متاعك ~~حين أنتهي من أمر حمولة هذه العربة.» # أخذ يتعثر في سيره وهو يصعد الدرج ويعبر الجسر. بدا صوت الخشب تحت ~~أقدامه كصوت قرع الطبول ms006 ومجوفا، وراحت دفقات كبيرة من البخار تتصاعد ~~حوله من أسفل، وأخذت أصوات الضوضاء تتردد وتتكرر آتية من القنطرة ~~المظلمة المتاخمة له. فكر قائلا في نفسه إن الناس مخطئون بشأن ~~الجحيم. ليس الجحيم مكانا لطيفا دافئا يشوى فيه المرء. الجحيم كهف ~~بارد كبير يتردد فيه صدى الأصوات وليس فيه مستقبل ولا ماض؛ مكان ~~منعزل مظلم تتردد فيه الأصداء. الجحيم خلاصة مركزة من صباح شتوي ~~بعد ليلة مؤرقة من كره الذات. # خرج إلى الساحة الخالية من الناس، وسكن الهدوء المفاجئ من روعه. ~~كانت الظلمة باردة لكنها صافية. وأنبأت مسحة رمادية في تلك الظلمة ~~بقدوم الصبح، وباحت نسمة ثلجية في صفائها ب «القمم العالية». بعد ~~برهة، حين يظهر ضوء النهار، سيأتي تومي إلى الفندق ويأخذه، وسيمضيان ~~بالسيارة إلى ريف منطقة المرتفعات الاسكتلندية الصافي الرحيب، بعيدا ~~في عالم المرتفعات الريفي الشاسع المستقر القنوع، حيث لا يموت الناس ~~إلا في أسرتهم، ولا يكلف أحد نفسه عناء أن يغلق بابه لأن في ذلك ~~مشقة كبيرة للغاية. # في غرفة الطعام في الفندق كانت المصابيح مضاءة في أحد طرفيها فقط، ~~وفي ظلمة المساحات غير المضاءة كانت توجد صفوف من طاولات بلا مفارش ~~يعلوها قماش جوخ. خطر على باله حينئذ أنه لم يسبق له من قبل أن رأى ~~طاولات بلا مفارش. كانت حقا أشياء رثة متواضعة للغاية مجردة من ~~دروعها البيضاء. مثل ندل من دون الجزء الأمامي من قمصانهم. # أطلت طفلة، ترتدي زي عمل عبارة عن فستان أسود ومعطفا صوفيا ~~أخضر مطرزا بالورد، برأسها من خلف ستارة، وبدا أنها ذهلت حين رأته. ~~سألها عن طعام الإفطار الذي يمكن تقديمه. فأخذت إبريقا زجاجيا من ~~خزانة جانبية ووضعته على القماش أمامه بمظهر يوحي بأنها على وشك أن ~~تبدأ عرضا مسرحيا. # قالت بلطف: «سأرسل ماري إليك»، واختفت خلف الستارة. # قال جرانت في نفسه إن الخدمة قد فقدت رسمياتها ورونقها. لقد أصبحت ~~ما تطلق عليه ربات البيوت خشنة جافة. لكن بين الحين والآخر كان ~~الوعد بإرسال ماري يعوض عن القمصان المطرزة والمآخذ ~~المماثلة ms007 . # كانت ماري مخلوقا سمينا هادئا، ولا شك في أنها كانت ستصبح مربية ~~أطفال لو لم يكن أمر مربيات الأطفال صيحة عفى عليها الزمن، وأثناء ~~خدمتها له شعر جرانت بنفسه يسترخي مثل طفل في حضور شخص خير. قال، ~~محدثا نفسه بمرارة، إن وضعه قد صار مزريا عندما يكون في حاجة ~~ماسة إلى الطمأنينة لدرجة أن نادلة فندق سمينة تستطيع أن تقدمها ~~له. # لكنه تناول ما وضعته ماري أمامه من طعام وبدأ يشعر بالتحسن. وبعد ~~قليل عادت النادلة، ورفعت من أمامه شرائح الخبز، ووضعت مكانها طبقا من ~~خبز الصباح الملفوف. # وقالت: «إليك بالخبز الملفوف.» وتابعت: «لقد وصل لتوه. إنه هزيل ~~هذه الأيام. فليس فيه أي حشو على الإطلاق. لكنه أفضل من ذلك ~~الخبز.» # دفعت المربى لتقربها أكثر من يده، ونظرت لترى إن كان في حاجة ~~للمزيد من الحليب، وغادرت مرة أخرى. أما جرانت، الذي لم يكن لديه نية ~~لتناول المزيد من الطعام، فوضع الزبد على واحد من الخبز الملفوف ومد ~~يده ليلتقط واحدة من الصحف غير المقروءة من الليلة الماضية. ما خرج في ~~يده كان صحيفة مسائية لندنية، فراح ينظر إليها بعدم تمييز متسم ~~بالحيرة. هل اشترى صحيفة مسائية؟ لقد قرأ الصحيفة المسائية بالطبع في ~~الوقت المعتاد، وهو في الرابعة من بعد الظهر. فلماذا يشتري صحيفة أخرى ~~في الساعة السابعة مساء؟ هل أصبح شراء الصحيفة المسائية فعلا لا ~~إراديا؛ تلقائيا كتفريش المرء لأسنانه؟ كشك كتب مضاء؛ إذن تشتري ~~الصحيفة المسائية. أكانت تلك هي الطريقة التي جرى بها الأمر؟ # كانت الصحيفة هي صحيفة «سيجنال»، وهي الإصدار المسائي لصحيفة ~~«كلاريون» الصباحية. نظر جرانت مرة أخرى إلى عناوين الأخبار التي كان ~~قد قرأها عصر يوم أمس، وراح يفكر في مدى ثبوتها من ناحية نوعيتها. ~~كانت صحيفة يوم أمس، لكنها بالمثل قد تكون من العام المنصرم، أو الشهر ~~التالي. إن العناوين دائما ما تكون هي العناوين نفسها التي كان ~~يطالعها الآن: الخلاف الحاد في مجلس الوزراء، جثة الفتاة الشقراء في حي ~~مايدا فيل، مقاضاة الجمارك، عملية ms008 السطو، وصول ممثل أمريكي، حادثة ~~الشارع. دفع جرانت بالصحيفة بعيدا عنه، لكن بينما كان يمد يده ليلتقط ~~الصحيفة التالية في المجموعة لاحظ أن المساحة الفارغة في قسم آخر ~~الأخبار بها خربشات بقلم رصاص. فقلب الصحيفة حتى يتمكن من رؤية ما ~~كان شخصا ما يحسبه. لكن بدا له أن الخربشة لم تكن في نهاية المطاف ~~تقديرا متعجلا لاحتمالات الفوز في أحد الرهانات أجراه بائع للصحف. ~~كانت محاولة من شخص ما لكتابة مقطع شعري. وبدا جليا أنه كان عملا ~~مبتكرا وليس محاولة لتذكر أبيات معروفة بالفعل، وذلك من خلال ~~الكتابة المتقطعة المفككة، ومن حقيقة أن الكاتب كان قد ملأ الشطرين ~~الناقصين بوضع علامات عددها يساوي العدد المطلوب من الكلمات للوزن ~~الشعري؛ وهي حيلة كان جرانت نفسه يستخدمها في الماضي حين كان أفضل كاتب ~~سونيتات في العامين الأخيرين من مرحلة التعليم الثانوي. # لكن هذه المرة لم تكن القصيدة إحدى قصائده. # وفجأة أدرك من أين جاءت ~~الصحيفة. لقد حصل عليها بتصرف أكثر تلقائية بكثير من شراء صحيفة ~~مسائية. لقد وضعها تحت ذراعه مع الصحف الأخرى حين التقطها بعد أن سقطت ~~على أرضية المقصورة «بي 7». كان عقله الواعي - أو ما تبقى واعيا منه ~~بعد ليلة أمس - منشغلا بالفوضى التي كان يتسبب فيها يوجورت لرجل ~~بائس. فكان الفعل الوحيد النابع من الإرادة الذي أتى عليه هو توبيخ ~~يوجورت بإصلاحه لسترة الرجل، ومن أجل ذلك كان يلزم أن تكون يده فارغة؛ ~~ومن ثم وضع الصحيفة تحت ذراعه مع بقية الصحف. # إذن فالشاب ذو الشعر الأسود الأشعث والحاجبين الجامحين كان ~~شاعرا، أكان كذلك؟ # راح جرانت ينظر باهتمام إلى الكلمات المكتوبة بالقلم الرصاص. لقد ~~وضع الكاتب قالبا لكتابته في شكل ثمانية سطور، أو هكذا بدا، لكنه لم ~~يكن قادرا على التفكير في السطرين الخامس والسادس. وهكذا كان نص ~~الكلمات: # الوحوش المتكلمة، # والأنهار الراكدة، # والأحجار السائرة، # والرمال المغنية، ~~... ~~... # التي تحرس الطريق # إلى الفردوس. # في الواقع، بأمانة شديدة، كان ذلك غريبا جدا. أهي ~~بدايات هذيان ارتعاشي؟ # من المفهوم أن صاحب ذلك ms009 الوجه المميز جدا لن يرى في أحلامه الناجمة ~~عن السكر شيئا عاديا للغاية مثل الهلاوس. كانت الطبيعة نفسها ~~ستنقلب رأسا على عقب في مخيلة الشاب ذي الحاجبين الجامحين. ماذا ~~كان ذلك الفردوس الذي كانت تحرسه أشياء غريبة ومريعة لهذا الحد؟ أهو ~~غياهب النسيان؟ لماذا كان الشاب في حاجة ماسة للنسيان حتى إنه كان ~~يمثل له الفردوس؟ حتى إنه كان مستعدا لأن يتعرض للأشياء المرعبة ~~المعروفة التي يواجهها عند الاقتراب منه؟ # أكل جرانت الخبز الملفوف الطازج اللذيذ الذي كان «من غير حشو ~~بداخله»، وراح يفكر مليا في الأمر. كان خط الكتابة غير منظم لكنه ~~لم يكن مهتزا على الإطلاق؛ إذ بدا كخط شخص بالغ يكتب بيد غير ~~ناضجة، وليس سبب ذلك أن توافقه كان سيئا، وإنما لأنه لم يكن قد تقدم ~~كثيرا في العمر. لأنه في الأشياء الجوهرية كان لا يزال ذلك التلميذ ~~الصغير الذي كان يكتب في الأساس بتلك الطريقة. تأكدت هذه النظرية لدى ~~جرانت من خلال شكل الأحرف الكبيرة، والتي كانت مكتوبة على شكل حروف ~~دفتر تعليم الكتابة بالضبط. من الغريب أن إنسانا مميزا لهذا الحد لم ~~يكن لديه أي رغبة في نقل هويته في شكل حروفه التي يكتبها. فقلة ~~قليلة من الناس فقط هم من لم يعدلوا شكل الحروف في دفتر تعليم الكتابة ~~إلى ما يناسب مزاجهم، أو إلى ما يناسب حاجتهم اللاواعية. # أحد اهتمامات جرانت الأكثر ~~اعتدالا لسنوات كانت مسألة خط اليد تلك، وقد وجد أن نتائج ملاحظاته ~~الطويلة مفيدة كثيرا في عمله. بين الحين والآخر، بالطبع، كان رضا ~~جرانت عن استدلالاته واستنتاجاته يتزعزع - فقد تبين أن أحد القتلة، ~~الذي ارتكب عدة جرائم قتل وكان يذيب ضحاياه في الحمض، كان يتمتع بخط ~~يد استثنائي فيما يتعلق فقط بمنطقه المتطرف؛ الأمر الذي ربما كان في ~~نهاية المطاف ملائما جدا - لكن عموما، كان خط اليد يقدم مؤشرا ~~ودليلا جيدا للغاية عن طبيعة المرء. وعموما، الرجل الذي يستمر في ~~استخدام شكل حروف خطه وهو تلميذ في المدرسة كان يفعل ذلك ms010 لأحد سببين: ~~إما أنه غبي، وإما أنه كان يكتب قليلا جدا بحيث لم تسنح الفرصة لأن ~~تنعكس شخصيته على خطه. # بالأخذ في الاعتبار درجة ذكائه العالية التي صيغت في كلمات ذلك الخطر ~~الكابوسي عند بوابات الفردوس، كان من الواضح أن بقاء خط يد الشاب في ~~مرحلة المراهقة لم يكن سببه افتقاره إلى الشخصية. إذ تحولت شخصيته - ~~بحيويتها واهتماماتها - إلى شيء آخر. # إلى ماذا؟ شيء حيوي، شيء منفتح. شيء تستخدم فيه الكتابة لتوصيل ~~رسائل من قبيل: «قابلني عند حانة كمبرلاند في السادسة وخمس وأربعين ~~دقيقة، يا توني»، أو من أجل ملء سجل ما. # لكنه كان منغلقا بما يكفي ليحلل بلاد القمر تلك ويصيغها في كلمات ~~وهو في طريقه إلى فردوسه. كان منغلقا بما يكفي لأن ينأى بجانبه وينظر ~~إليها، وأن يرغب في تسجيلها. # جلس جرانت في حالة استغراق دافئة ممتعة، وراح يمضغ الطعام ويفكر. ~~لاحظ قمم حروف n وm الملاصقة بضعها لبعض في إحكام. هل كان الشاب ~~كذابا؟ أم كان مجرد متحفظ كتوم؟ من الغريب أن تظهر هذه السمة ~~المتحفظة في خط رجل له هذان الحاجبان. كان غريبا مدى اعتماد ما تعنيه ~~ملامح المرء على حاجبيه. فتغيير واحد لدرجة الانحناء بهذه الطريقة أو ~~تلك يؤدي إلى تأثير مغاير تماما. كان أقطاب صناعة الأفلام يأخذون ~~الفتيات الصغيرات اللطيفات من بالهام وموسويل هيل ويزيلون حواجبهن ~~ويرسمون لهن حواجب أخرى، فيصبحن على الفور مخلوقات غريبة من أومسك ~~وتومسك. ذات مرة أخبره تراب، رسام الكاريكاتير، أن حاجبي إيرني برايس ~~كانا السبب في ضياع فرصته في أن يصبح رئيس وزراء. إذ قال تراب، وهو ~~يرمش بعينيه باستمرار كالبومة وهو ينظر إلى جعته: «لم يحبوا ~~حاجبيه.» وأضاف: «لماذا؟ لا تسألني. أنا أرسم فقط. ربما لأنهما كانا ~~يوحيان بأنه انفعالي وسريع الغضب. وهم لا يحبون الرجل الانفعالي السريع ~~الغضب. لا يثقون به. لكن ذلك هو ما أضاع عليه فرصته، صدقني. إنهما ~~حاجباه. لم يحبوا هذين الحاجبين.». ثمة حواجب تنم عن الانفعال، ~~وحواجب تنم عن الغطرسة، وحواجب تنم عن ms011 الهدوء، وحواجب تنم عن ~~القلق، الحاجبان هما ما يضفي على الوجه طابعه الرئيسي. وكان انحراف ~~حاجبي الرجل وميلهما هو ما أضفى على ذلك الوجه الأبيض النحيل على ~~الوسادة صفة الإهمال حتى في موته. # كان الرجل واعيا حين كتب تلك الكلمات، على الأقل كان ذلك واضحا. ~~ربما كانت غياهب النسيان التي غرق فيها ذلك السكير في المقصورة «بي ~~7» - الجو المكتوم، والأغطية غير المرتبة، والزجاجة الفارغة التي ~~تتدحرج على أرضية المقصورة، والكوب المقلوب على الرف - هي الفردوس الذي ~~سعى خلفه، لكنه كان واعيا حين كتب مخططا للطريق إليها. # الرمال المغنية. # كان تعبيرا غريبا لكنه جذاب بطريقة ما. # الرمال المغنية. هل حقا توجد رمال تغني في مكان ما؟ إن وقع ~~العبارة مألوف بطريقة مبهمة. الرمال المغنية. تصيح وتستغيث تحت ~~قدميك وأنت تسير عليها. أو إن الرياح هي الفاعلة، أو شيء آخر. امتد ~~أمامه ساعد رجل كمه مصنوع من قماش صوفي ذي مربعات، وأخذ خبزا ~~ملفوفا من الطبق. # قال تومي، وهو يسحب كرسيا ويجلس: «يبدو أنك تعتني بنفسك جيدا ~~جدا.» ثم شق الخبز الملفوف ووضع عليه الزبد. وتابع يقول: «لم يعد ~~الخبز الملفوف يحتوي على حشو هذه الأيام. حين كنت صبيا كنت أغوص ~~بأسناني فيه وأقضم قضمة كبيرة. كانت احتمالات أن تنفصل أسنانك أو قضمة ~~الخبز الملفوف متساوية. لكن إن ربحت أسنانك فقد حصلت حقا على ~~شيء يستحق. قضمة ملء فيك من الدقيق والخميرة تظل في فمك دقيقتين. لم ~~يعد له طعم على الإطلاق هذه الأيام، ويمكنك أن تطويه على نفسه وتضعه في ~~فمك دون أن تخشى أن تختنق به.» # نظر إليه جرانت في صمت وتأثر. كان يفكر أنه لا توجد علاقة حميمة ~~أكثر من العلاقة التي تربطك برجل شاركته مهجع مدرسة ابتدائية. لقد ~~تشاركا معا أيضا أيام مدرستهما الثانوية، لكن المدرسة الابتدائية ~~كانت هي ما يتذكره في كل مرة يلتقي فيها مجددا بتومي. ربما لأن ذلك ~~الوجه ذا اللون البني المائل للوردي، ذا العينين الزرقاوين البريئتين ~~بكل عناصره الأساسية، كان نفس الوجه الذي ms012 كان يعلو تلك السترة ~~الكستنائية المزررة بطريقة معوجة. كان تومي دائما يزرر سترته ~~بلامبالاة طريفة. # وكان من شيم تومي ألا يضيع وقتا أو جهدا في الأسئلة المعهودة عن ~~رحلته أو صحته. وكذلك كانت لورا بالطبع. كانا يتقبلانه كما هو، كما ~~لو كان معهما منذ بعض الوقت. كما لو أنه لم يغب عنهما قط وكما لو كان ~~لا يزال في زيارته السابقة. كانت العودة للانغماس في ذلك الجو مريحة ~~للغاية. ~~«كيف حال لورا؟» ~~«بأفضل حال. زاد وزنها قليلا. أو ذلك ما تقوله هي على الأقل. أما ~~أنا فلا أرى ذلك. لم أحب مطلقا النساء النحيفات.» # فيما مضى، حين كانا في العشرين من عمرهما، فكر جرانت في الزواج من ~~قريبته لورا، وكانت هي الأخرى تفكر في الزواج منه، كان واثقا من ~~ذلك. لكن وقبل أن تقال أي كلمة، تلاشى السحر بينهما وعادا إلى منزلة ~~الصداقة القديمة الوطيدة. كان ذلك السحر جزءا من النشوة الطويلة في ~~أحد فصول الصيف في منطقة المرتفعات الاسكتلندية. كان جزءا من أوقات ~~الصباح على التلال التي تفوح برائحة أوراق الصنوبر، ومن أوقات الغسق ~~المتواصلة المحلاة بشذى زهور النفل. كان جرانت يعتبر ابنة عمه ~~لورا دوما جزءا من سعادة العطلات الصيفية؛ إذ تدرجا معا من ~~التجديف السريع إلى الصيد بالصنارة لأول مرة، كما سارا معا للمرة ~~الأولى على تل لاريج ووقفا معا للمرة الأولى أيضا على قمة جبل ~~بريرياتش. لكن حتى ذلك الصيف الذي كان في نهاية مرحلة مراهقتهما لم تكن ~~السعادة قد تجسدت بعد في لورا نفسها، وتركز الصيف كله في شخص لورا ~~جرانت. كان لا يزال يشعر بانتشاء في قلبه حين يفكر في ذلك الصيف. كان ~~يتسم بالمثالية الرقيقة، وبهجة ألوان قوس قزح، اللتين تتسم بهما ~~فقاعة. ولأن كلمة واحدة لم تقل فإن تلك الفقاعة لم تنفجر قط. ظلت ~~رقيقة ومثالية وقزحية الألوان وهادئة كما تركت. كان كل منهما قد ~~تابع طريقه وانخرط في أشياء أخرى، ومع أشخاص آخرين. كانت لورا قد ~~تنقلت من شخص إلى التالي ms013 بلامبالاة طفل مرح يلعب الحجلة. ثم ~~اصطحبها إلى رقصة أولد بويز تلك. فالتقت بتومي رانكن. وكانت تلك هي ~~النهاية. # سأله تومي قائلا: «ما سبب الجلبة عند المحطة؟» واستطرد: «سيارات ~~إسعاف وما إلى ذلك.» ~~«مات رجل على متن القطار. أظن أن الأمر كذلك.» # قال تومي، منحيا الموضوع جانبا: «أوه.» ثم أضاف بنبرة مهنئة: ~~«ليست مشكلتك هذه المرة.» ~~«لا. ليست مشكلتي، حمدا للرب.» ~~«سيفتقدونك في إمبانكمنت.» ~~«أشك في ذلك.» # قال تومي: «يا ماري، أريد براد شاي ثقيل.». ثم راح ينقر بإصبعه ~~بازدراء على الصحن الذي يحتوي على الخبز الملفوف. وأضاف: «واثنين من ~~تلك الأشياء البائسة.» والتفت نحو جرانت بنظرته الطفولية الجادة وقال: ~~«لا بد أنهم سيفتقدونك. سينقصون واحدا، أليس كذلك؟» # أطلق جرانت أنفاسه على نحو كان أقرب ما وصل إليه مما يمكن أن يوصف ~~بضحكة منذ شهور. كان تومي يرثي لحال قيادة الشرطة، ليس لفقدها ~~لعبقريته، وإنما لافتقارها إلى حضوره. لقد كان أسلوبه «الأسري» يكاد ~~يصل حد التطابق مع ردة الفعل المهنية لرئيسه في العمل. إذ كان برايس قد ~~قال، وعيناه الشبيهتان بعيني صغير الفيل تستعرضان جسد جرانت البادي ~~الصحة وتعودان إلى وجهه باشمئزاز: «إجازة مرضية!» «حسنا، حسنا! إلى ~~أين سيئول الحال بقوة الشرطة؟! في أيام شبابي كنا نظل نعمل حتى نسقط من ~~شدة الإعياء. وكنا نستمر في تدوين الملاحظات حتى تأتي سيارة الإسعاف ~~وتحملنا من على الأرض.» لم يكن من السهل أن يخبر برايس بما قاله ~~الطبيب، ولم يجعل برايس الأمر أسهل. لم يكن برايس من النوع الذي تصاب ~~أعصابه بالتوتر؛ إذ كان قوة بدنية محضة يحركها عقل ماكر وإن كان ~~محدود الذكاء. لم يبد من جانبه أي تفهم أو تعاطف في تلقيه للأخبار ~~التي كان يحملها جرانت. في الواقع، كان ثمة إشارة خفية، مجرد تلميح، ~~إلى أن جرانت كان يتمارض. وأن ذلك الانهيار العصبي الغريب جدا الذي ~~خرج منه متمتعا بجسد بادي العافية والصحة ظاهريا له علاقة ما ~~بالجولة الربيعية في أنهار منطقة المرتفعات الاسكتلندية، وأنه قد جهز ~~بالفعل طعوم ms014 فراشات الصيد الصناعية قبل أن يذهب إلى عيادة الطبيب في ~~ويمبول ستريت. # سأله تومي: «ماذا سيفعلون لسد الفجوة؟» ~~«سيرقون الرقيب ويليامز، على الأرجح. فترقيته تأخرت كثيرا على ~~أي حال.» # لم يكن إخبار المرءوس المخلص ويليامز أمرا سهلا. فحين يبجلك ~~مرءوسك صراحة، وكأنك بطل، لسنوات، ليس مما يبعث على السرور أن تظهر ~~أمامه بمظهر كائن بائس مثقل بضغوط عصبية وواقع تحت رحمة شياطين لا ~~وجود لها. ويليامز، هو الآخر، لم يكن من النوع الذي تصاب أعصابه ~~بالتوتر. كان يتقبل كل شيء، بهدوء ودون تساؤل. لم يكن من السهل أن يخبر ~~ويليامز ويرى الإعجاب يتحول إلى قلق. أو إلى ... شفقة؟ # قال تومي: «ناولني المربى.» # | الفصل الثاني # بينما كانا يستقلان السيارة عبر التلال، تغلغل لدى جرانت إحساس ~~السلام الذي نجم عن تقبل تومي لوجوده باعتباره أمرا واقعا. لقد ~~تقبله هذان الاثنان؛ إذ وقفا في محبة متجردة، يرقبانه وهو يأتي في ~~هدوء معتاد. كان صباحا رماديا كئيبا وساكنا. وكانت الطبيعة ~~أمامهما منسقة مفتوحة. أحاطت جدران رمادية منسقة بحقول مفتوحة، ~~وامتدت أسوار مكشوفة بحذاء المصارف المنسقة. لم يكن أي شيء قد بدأ ~~ينمو بعد في هذا الريف المترقب. لم تظهر الحياة والخضرة في تلك ~~المناطق شبه العارية إلا في شجرة صفصاف هنا أو هناك بجانب قناة تصريف ~~صغيرة. # ستصير الأمور على ما يرام. كان هذا هو ما أحتاج إليه؛ هذا الصمت ~~الفسيح الممتد، وهذا الحيز، وهذه السكينة. كان قد نسي كم كان هذا ~~المكان ودودا، وباعثا على الراحة. كانت التلال القريبة مستديرة ~~وخضراء وودودة، وخلفها كانت توجد تلال أبعد، ملطخة بالزرقة من أثر ~~المسافة. وخلف كل ذلك كان متراس خط المرتفعات الاسكتلندية منتصبا، ~~أبيض اللون ونائيا في مواجهة السماء الساكنة. # قال جرانت، وهما ينزلان إلى وادي نهر تورلي: «منسوب النهر منخفض ~~جدا، أليس كذلك؟» واجتاحه شعور بالذعر. # كانت تلك هي الطريقة التي يحدث بها الأمر دوما. في لحظة يكون ~~إنسانا عاقلا حرا مالكا لزمام نفسه، وفي اللحظة التالية يصبح ~~مخلوقا عاجزا في قبضة اللامنطق والجنون. ms015 ضغط يديه إحداهما بالأخرى ~~ليمنع نفسه من فتح الباب على مصراعه للجنون، وحاول أن يستمع إلى ما ~~كان تومي يقوله. لم يهطل المطر منذ أسابيع. لم يكونوا قد حظوا بالمطر ~~منذ أسابيع. فليفكر في شح الأمطار. كان شح الأمطار أمرا مهما. ~~فقد أفسد الصيد. كان قد أتى إلى بلدة كلون من أجل الصيد. وإن لم تكن ~~السماء قد أمطرت فلن توجد أسراب أسماك. لن توجد مياه للأسماك. يا إلهي، ~~ساعدني ألا أجعل تومي يتوقف عن الكلام! لا يوجد ماء. فكر بذكاء في ~~الصيد. إن لم تكن السماء قد أمطرت منذ أسابيع، فلا بد أن المطر على وشك ~~الهطول، أليس هذا ضروريا؟ لماذا يمكنك أن تطلب من صديقك أن يوقف ~~السيارة ويدعك تتقيأ، ولكن لا تطلب منه أن يوقف السيارة حتى يتسنى لك ~~الخروج من حيزها الضيق؟ انظر إلى النهر. «انظر» إليه. تذكر أشياء ~~عنه. هناك اصطدت أفضل سمكة في العام الماضي. وهناك انزلق بات من على ~~الصخرة التي كان جالسا عليها وظل معلقا من مؤخرة بنطاله. # كان تومي يقول: «تلك السمكة كانت أفضل سمكة رأيتها على ~~الإطلاق.» # كانت أشجار البندق بجوار النهر تشكل بقعة بنفسجية براقة في ~~المستنقع ذي اللون الأخضر الرمادي. وبعد قليل، حين يحل الصيف، سيشكل ~~الصخب البارد لأوراقها لحنا مصاحبا لأغنية النهر، لكنها الآن كانت ~~تقف في حشد صامت مرتبك على امتداد ضفة النهر. # ناظرا إلى حالة الماء، لاحظ تومي أيضا أغصان البندق الجرداء، لكن ~~لكونه والدا لم يدفعه ذلك إلى أن يفكر في أوقات العصر الصيفية. ~~وقال: «لقد اكتشف بات أنه بصار.» # ذاك أفضل. فكر في بات. تحدث عن بات. ~~«تتناثر في المنزل أغصان من كل الأشكال والأحجام.» ~~«هل اكتشف أي شيء؟» إن استطاع أن يبقي ذهنه منشغلا ببات فقد تكون ~~الأمور على ما يرام. ~~«لقد اكتشف ذهبا تحت أرضية غرفة الجلوس، ومجموعة من المواد تحت ما ~~يمكن أن تطلق عليه مرحاض الطابق السفلي، وبئرين.» ~~«أين البئران؟» لا يمكن أن تكون المسافة المتبقية طويلة. بقيت خمسة ms016 ~~أميال حتى مقدمة الوادي الصغير وبلدة كلون. ~~«واحد تحت أرضية حجرة الطعام، والآخر تحت رواق المطبخ.» ~~«أفهم من ذلك أنكم لم تحفروا في أرضية مدفأة غرفة الجلوس.» كانت ~~النافذة مفتوحة عن آخرها. ما الذي يمكن أن يقلق بشأنه؟ لم تكن السيارة ~~حيزا مغلقا حقا، لم تكن حيزا مغلقا إطلاقا. ~~«لم نفعل. إنه منزعج من هذا كثيرا. وقال بأنني ولدت مرة ~~واحدة.» ~~«ولدت مرة واحدة؟» ~~«أجل. هذه هي آخر كلماته. إنها تعني أنني أدنى بدرجة من شخص كريه، ~~أو هكذا فهمت.» ~~«من أين أتى بالكلمة؟» سينتظر حتى يصلا إلى أيكة شجر البتولا تلك عند ~~الزاوية. حينها سيطلب من تومي أن يتوقف. ~~«لا أعرف. من امرأة متصوفة كانت تتحدث إلى المنظمة الدولية لمقاومي ~~الحرب، في الخريف الماضي، حسبما أظن.» # لماذا ينزعج من أن يعرف تومي؟ لم يكن يوجد شيء مخز في الأمر. لو ~~أنه كان مصابا بالزهري والشلل لقبل مساعدة تومي وتعاطفه. ما الذي ~~يجعله يرغب في أن يخفي عن تومي حقيقة أنه يتعرق رعبا بسبب شيء لا ~~وجود له؟ ربما بإمكانه أن يخدعه؟ ربما يمكنه أن يطلب من تومي أن يتوقف ~~قليلا حتى يبدي إعجابه بالمنظر؟ # ها قد وصلا إلى أيكة شجر البتولا. لقد صمد هذه المسافة على ~~الأقل. # سيصمد حتى ذلك الجزء من الطريق الذي يستوي فيه مع منحنى النهر. ~~حينها سيختلق عذرا بدعوى إلقاء نظرة على الماء. هذا مقبول أكثر من ~~النظر إلى المنظر الطبيعي. من شأن تومي أن ينظر بابتهاج إلى النهر، ~~ولكنه سينظر باحتجاج صامت إلى المنظر الطبيعي. # خمسون ثانية أخرى تقريبا. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة ... # الآن. # قال تومي، وهو يمر سريعا بمنحنى النهر: «لقد فقدنا زوجا من الغنم ~~في تلك البركة هذا الشتاء.» # فات الأوان. # ما الأعذار الأخرى التي يمكن أن يختلقها؟ لقد أصبح قريبا جدا من ~~بلدة كلون الآن بحيث لا يمكنه أن يجد أعذارا بسهولة. # إنه حتى لا يمكنه أن يشعل سيجارة في حال ما كانت يداه ترتعشان ~~كثيرا. # ربما لو فعل شيئا، مهما ms017 كانت تفاهته ... # أخذ حزمة الصحف من على الكرسي بجواره، وراح يعيد ترتيبها، منشغلا ~~بخلطها بدون هدف. ولاحظ أن صحيفة «سيجنال» لم تكن بينها. لقد كان ينوي ~~أن يأخذها معه بسبب تلك القصيدة التجريبية القصيرة الغريبة في قسم آخر ~~الأخبار، لكن لا بد أنه تركها في غرفة الطعام في الفندق. أوه، حسنا. ~~لم تكن مهمة. لقد أدت دورها بإضفاء الإثارة على إفطاره. ولا شك في أن ~~مالكها لم يكن يريدها مرة أخرى. لقد وصل إلى فردوسه، إلى غياهب ~~النسيان، إن كان هذا هو ما كان يريده. لم تكن تناسبه مزية اليدين ~~المرتعشتين والبشرة المتعرقة. ولا مزية التصارع مع الشياطين. لم يكن ~~يناسبه الصباح النقي، ولا الأرض الطيبة، ولا سحر خط أفق المرتفعات ~~الاسكتلندية في مواجهة السماء. # وللمرة الأولى خطر له أن يتساءل عن السبب الذي كان قد جعل الشاب يأتي ~~إلى الشمال. # من المحتمل أنه لم يسافر في مقصورة نوم من الدرجة الأولى لمجرد أن ~~يعاقر الشراب حتى يغيب عن الوعي. لقد كان يقصد وجهة معينة. كان لديه ~~مهمة وبغية. كان لديه غاية. # لماذا أتى إلى الشمال في هذا الموسم القاتم غير الجذاب؟ ليصطاد ~~السمك؟ ليتسلق التلال؟ إن المقصورة كما يتذكرها كانت تخلف انطباعا ~~بأنها خالية، ولكن ربما كانت أمتعته الثقيلة تحت السرير. أو ربما كانت ~~في عربة الحقائب. بمعزل عن التنزه والرياضة، ماذا كان مقصده؟ # أكان عملا رسميا؟ # ليس بذلك الوجه، لا. # هل كان ممثلا؟ فنانا؟ ربما. # هل كان بحارا في طريقه للحاق بسفينته؟ هل كان ذاهبا إلى قاعدة ~~بحرية بعد إنفرنيس؟ كان ذلك محتملا. كان الوجه سيبدو ملائما تماما ~~على برج قيادة سفينة. سفينة صغيرة، سريعة جدا، سفينة جهنمية في أي ~~بحر من البحار. # ماذا كان شأنه أيضا؟ ما الذي من شأنه أن يأتي بشاب داكن البشرة ~~نحيف الجسد ذي حاجبين جامحين وشهية كبيرة لاحتساء الكحوليات إلى ~~منطقة المرتفعات الاسكتلندية في بداية شهر مارس؟ إلا إن كان قد فكر ~~في أن يبدأ معمل تقطير غير قانوني في مثل هذه ms018 الأيام التي يشح فيها ~~الويسكي؟ # كانت فكرة باعثة على السرور. كم سيكون ذلك سهلا! ليس بسهولته في ~~أيرلندا؛ لأن الرغبة في الخروج على القانون كانت مفقودة، لكن بمجرد أن ~~تحققها فإن الويسكي سيكون أفضل بكثير. كاد يتمنى لو أنه استطاع أن يعرض ~~الفكرة على الشاب. ربما كان سيجالسه على العشاء ليلة أمس، ويراقب ~~الوميض وهو يظهر في عينيه بفعل فكرة ذلك الخرق الممتع للقانون. تمنى ~~لو أنه تمكن من الحديث معه بأي حال، وتبادل معه الأفكار، واكتشف ~~أمره. لو أن أحدا كان قد تحدث معه ليلة أمس لربما كان الآن جزءا من ~~هذا الصباح المفعم بالحياة، من هذا العالم السخي الرائع بما يحمله من ~~هدايا ووعود، بدلا من أن ... # قال تومي، مختتما قصة: «ثم نكزه بقضيب فأسقطه في البركة تحت ~~الجسر.» # نظر جرانت إلى يديه، فوجد أنهما كانتا ساكنتين. # لقد أنقذه الشاب الميت الذي لم يستطع أن ينقذ نفسه. # رفع ناظريه فرأى أمامه منزل بلدة كلون الأبيض. كان رابضا في أعلى ~~التلة الخضراء، وحيدا باستثناء غابة التنوب الكثيفة المصاحبة له ~~وتظلله، والملتصقة به وكأنها غزل بلون أخضر قاتم من الصوف على هذا ~~المنظر الطبيعي الأجرد. ومن المدخنة تصاعد عمود دخان أزرق متموج في ~~الجو الساكن. كان هذا المشهد بمثابة الجوهر البديع للسلام ~~والسكينة. # وبينما كانا يصعدان بالسيارة الدرب الرملي المتفرع من الطريق، رأى ~~لورا تخرج من الباب وتقف في انتظارهما. لوحت لهما، وبينما كانت ~~تنزل ذراعها التي كانت تلوح بها أعادت بيدها خصلة الشعر التي سقطت ~~على جبهتها. هذه الحركة المألوفة جعلت الدفء يسري في كيانه مبددا ~~فتوره. فهكذا بالضبط اعتادت أن تنتظره على رصيف بادنوخ الصغير في ~~انتظاره حين كانت طفلة؛ بنفس التلويح ونفس حركة إزاحة خصلة الشعر. خصلة ~~الشعر نفسها. # قال تومي: «تبا، لقد نسيت أن أرسل خطاباتها بالبريد. لا تذكر الأمر ~~أمامها إلا إذا سألت عنه.» # قبلته لورا على خديه، ونظرت إليه نظرة سريعة، ثم قالت: ~~«لدي طائر جميل مطهي من أجل غدائك، ولكنك تبدو وكأن قسطا ms019 ~~طويلا من النوم الهانئ سيكون أجدى لك. فلتصعد مباشرة إذن إلى الطابق ~~العلوي، ونم وانس أمر الطعام حتى تستيقظ. أمامنا أسابيع طويلة ~~لنتبادل فيها الأحاديث؛ لذا لا يتعين علينا أن نبدأ الآن ~~فورا.» # فكر جرانت أن لورا هي وحدها التي تستطيع أن تضطلع بدور المضيف الذي ~~يهتم باحتياجات ضيفه ببساطة وعناية. فلا تفاخر خفيا من جانبها ~~بالغداء الذي أحسنت إعداده؛ ولا ابتزازا مستترا. إنها حتى لم تصر ~~على أن تقدم لضيفها أكواب الشاي غير المرغوب فيها، ولم توص بوضوح ~~باستخدامه لمياه الاستحمام الدافئة التي لديها. إنها حتى لم تطلب إجراء ~~محادثة الوصول الصغيرة، ولا الجلوس لبرهة في كياسة وتهذيب. لقد أمدت ~~ضيفها من دون استجواب أو تردد بما كان في حاجة إليه. أمدته بسرير ~~لينام فيه. # تساءل هل بدا محطما أم إن الأمر كان ببساطة أن لورا كانت تعرفه ~~جيدا. وخطر له أنه لا يمانع أن تعرف لورا بشأن نوبات الذعر لديه. كان ~~غريبا أنه أحجم عن إظهار ضعفه أمام تومي بينما لم يعبأ بأن تعرف لورا ~~بأمره. كان ينبغي أن يكون الأمر عكس ذلك. # قالت وهي تسبقه على الدرج نحو الطابق العلوي: «لقد خصصت لك الغرفة ~~الأخرى هذه المرة؛ لأن الغرفة الغربية أعدت وما زالت رائحتها كريهة ~~بعض الشيء.» # لاحظ أن وزنها حقا زاد قليلا، لكن كاحليها كانا جميلين كعادتهما ~~دائما. وبهذه الموضوعية الفطرية التي لم يتخل عنها يوما، أدرك أن ~~افتقاره إلى أي رغبة في إخفاء نوبات الذعر الطفولية عن لورا كان دليلا ~~على أنه لم يعد يوجد ولو جزءا صغيرا في أعماقه لا يزال مغرما بها. ~~إن حاجة الذكر لأن يبدو بمظهر حسن في عيني محبوبته لم تكن موجودة في ~~علاقته بلورا. # قالت وهي تقف في منتصف غرفة النوم الشرقية، وتنظر إليها وكأنها لم ~~ترها من قبل: «يقول الناس دائما عن غرف النوم الشرقية إنها تتمتع ~~بشمس الصباح.» وتابعت: «كما لو كانت توصية ما. إنني نفسي أظن أنه ألطف ~~بكثير أن يكون بوسع المرء أن يطل على ms020 منظر طبيعي مشمس. وهذا ما ~~لا تستطيع فعله والشمس في عينيك.» ثم دست إبهاميها في حزام خصرها ~~وحررته قليلا إذ كان يزداد ضيقا. أضافت: «لكن الغرفة الغربية ستكون ~~صالحة للسكنى في غضون يوم أو يومين؛ لذا يمكنك عندئذ أن تنتقل إليها ~~إذا ما رغبت في ذلك. كيف حال عزيزي الرقيب ويليامز؟» ~~«في أحسن حال.» # على الفور خطر على ذهنه مشهد ويليامز وهو يجلس جامدا وخجلا إلى ~~طاولة الشاي في ردهة استراحة ويستمرلاند. كان في طريقه للخارج بعد جلسة ~~مع المدير، وصادف لورا وجرانت وهما يتناولان الشاي، فأقنعاه بأن ينضم ~~إليهما. كان قد ترك انطباعا جيدا لدى لورا. ~~«تعرف، كلما تمر هذه البلاد بإحدى فترات الفوضى المتكررة التي ~~تمر بها، أفكر في الرقيب ويليامز وأغدو واثقة تماما من أن كل شيء ~~سيكون على ما يرام.» # قال جرانت، وهو منشغل بفك أحزمة أمتعته: «أظن «أنني» لا أبعث في ~~نفسك أي قدر من الطمأنينة.» ~~«ليس بقدر ملحوظ. ليس بتلك الطريقة على أي حال. ستكون مبعث اطمئنان ~~إن «لم يكن» كل شيء يسير على ما يرام.» وبهذه العبارة المبهمة تركته. ~~واختتمت قائلة: «لا تنزل إلا حين تريد ذلك. لا تنزل على الإطلاق، إذا ~~اقتضى الأمر. فقط رن الجرس حين تستيقظ.» # أخذ وقع قدميها يبتعد في الممر، واجتاح الصمت المكان في ~~إثرها. # خلع جرانت ملابسه وألقى بنفسه على السرير من دون أن يكلف نفسه عناء ~~إسدال الستائر ليحجب الضوء. وبعد قليل فكر في نفسه: من الأفضل أن ~~أسدل تلك الستائر، وإلا فقد يوقظني الضوء مبكرا قبل الأوان. فتح ~~عينيه على مضض ليقيس مقدار الضوء، فوجد أن الضوء لم يعد يأتي من ~~النافذة على الإطلاق. لكنه كان بالخارج. فرفع رأسه من على الوسادة ~~ليفكر في هذا الأمر الغريب، وأدرك أنه حينئذ كان في ساعة متأخرة من ~~بعد الظهيرة. # استدار على ظهره في استرخاء واستمتاع ورقد يستمع إلى السكون. ذلك ~~السكون الموغل في القدم. استمتع به في ترف وعلى مهل. لم يكن يوجد ~~حيز مغلق بين هذا ms021 المكان ومضيق بينتلاند. بين هذا المكان والقطب ~~الشمالي، إذا وصل الأمر إلى هذا الحد. ومن خلال النافذة المفتوحة على ~~مصراعيها كان بوسعه أن يرى سماء المساء، التي كانت لا تزال رمادية ~~لكنها كانت مضاءة بإضاءة باهتة، وبها خط من سحب مستقيمة. لم تكن تلك ~~السماء تحمل أمطارا، لم تكن تحمل إلا صدى للسلام الذي لف العالم في ~~هذا السكون القرير. أوه، حسنا، إن لم يكن بوسعه صيد السمك فبوسعه ~~السير والتنزه. وفي أسوأ الأحوال يمكنه أن يصطاد الأرانب. # راح يرقب السحب المستقيمة وهي تزداد قتامة في مواجهة خلفيتها، ~~وتساءل في نفسه عمن ستقترح عليه لورا أن يتزوجها هذه المرة. كان مذهلا ~~أن كل النساء المتزوجات اتحدن معا لمواجهة حالة العزوبية لدى الرجال. ~~إن كانت النساء سعيدات في زيجاتهن مثل لورا، فإنهن كن ينظرن للزواج ~~على أنه الحالة المقبولة الوحيدة لشخص بالغ لا يعاني من أي عجز ملحوظ ~~أو عائق ذي صلة. وإن كن مستعبدات وغير سعيدات في زيجاتهن، فإنهن ~~عندئذ كن مفعمات بمشاعر الاستياء من أي شخص تمكن من الهروب من مثل ~~هذا العقاب. في كل مرة كان جرانت يأتي فيها إلى بلدة كلون، كان من عادة ~~لورا أن تقدم له أنثى فحصت بدقة من أجل أن يأخذ الزواج منها بعين ~~الاعتبار. لم يكن يقال أي شيء عن صفاتهن الجذابة، بالطبع؛ بل كن ~~يسرن أمامه جيئة وذهابا حتى يتسنى له رؤية مشيتهن. ولم يكن كذلك ثمة ~~أي إحساس بالندم في الأجواء حين لم يكن يظهر أي اهتمام بأي مرشحة ~~منهن، لم يكن ثمة أي إشارة إلى إلقاء اللوم عليه أو استنكار فعله. كل ~~ما كان يحدث هو أنه في المرة التالية كانت لورا تأتي بفكرة ~~جديدة. # ومن بعيد، كان صوت يأتي إما قرقرة كسولة لدجاجة أو قعقعة أكواب شاي ~~تجمع معا. راح يتسمع لبرهة قصيرة، آملا أن يكون صوت دجاجة، لكنه ~~توصل في أسف إلى أنه كان صوت تحضير الشاي. كان لا بد أن ينهض. سيعود ~~بات من المدرسة، وستستيقظ ms022 بريدجيت من قيلولتها. كان من شيم لورا ~~المعهودة أنها لم تطلب منه أن يبدي إعجابا بابنتها، لم يطلب منه أن ~~يبدي إعجابه بمدى نموها وذكائها وجمالها في العام الماضي. لم تذكر ~~بريدجيت على الإطلاق. كانت مجرد مخلوقة صغيرة في مكان ما بعيدا عن ~~الأنظار، مثل بقية حيوانات المزرعة. # نهض جرانت وذهب ليستحم. وبعد عشرين دقيقة كان ينزل الدرج وهو يعي أنه ~~جائع للمرة الأولى منذ شهور. # فكر في نفسه أن الصورة العائلية التي فتح عليها باب غرفة الجلوس ~~كانت تضاهي بالضبط إحدى لوحات زوفاني. كانت غرفة الجلوس في منزل بلدة ~~كلون تشغل تقريبا كامل مساحة ما كان بالأساس بيتا ريفيا وصار الآن ~~جناحا صغيرا في المبنى الرئيسي. ولأنها كانت فيما مضى مقسمة إلى ~~عدة غرف وليست غرفة واحدة، كان بها نوافذ أكثر مما هو معتاد في ~~مثيلاتها من الغرف، ولأن جدرانها كانت سميكة كانت دافئة وباعثة على ~~الشعور بالأمان، ولأنها كانت ذات طابع جنوبي غربي، كانت أبهى إضاءة من ~~معظم الغرف الأخرى. لذا كانت تحركات المنزل كله منصبة فيها، كما في ~~القاعة الأساسية في إحدى ضيعات القرون الوسطى. لم تكن الأسرة تستخدم أي ~~غرفة أخرى إلا وقت الغداء أو العشاء. كفلت مائدة مستديرة كبيرة ~~بجوار المدفأة وسائل الراحة المتاحة في وجبات «غرفة الطعام» وقت الشاي ~~والإفطار، وكان ما تبقى من الغرفة يمثل خليطا أنيقا ورائعا من ~~مكتب، وغرفة صالون، وغرفة موسيقى، وغرفة دراسة، ومشتل زجاجي. خطر ~~لجرانت أن يوهان زوفاني ما كان بحاجة إلى تغيير تفصيلة واحدة بها. كان ~~كل شيء موجودا بالفعل، حتى كلب الصيد الصغير الذي يستجدي الطعام بجوار ~~المائدة وبريدجيت الواقفة بساقيها منفرجتين على سجادة ~~المدفأة. # كانت بريدجيت طفلة شقراء صامتة، في الثالثة من عمرها، كانت تمضي ~~أيامها وهي تعيد بلا توقف ترتيب الأغراض القليلة نفسها في أنماط ~~جديدة. قالت لورا: «لا يمكنني أن أقرر ما إن كانت تعاني من قصور ~~عقلي أو عبقرية.» لكن جرانت رأى أن النظرة التي استمرت ثانيتين فقط، ~~التي حبته بها بريدجيت ms023 عند تقديمه ، بررت تماما الفرح في نبرة صوت ~~لورا؛ إذ لم يكن ثمة خطب في ذكاء «الطفلة»، كما كان باتريك يدعوها. ~~ولم تكن تلك الكنية التي كان بات يستخدمها تحمل أي معنى من معاني ~~الازدراء، ولا حتى أي تعال ملحوظ؛ كانت تؤكد فحسب على تضمينه في ~~المجموعة البالغة، الذي خوله إياه كبره عنها بست سنوات حسب ~~تقديره. # كان بات ذا شعر أحمر وعينين رماديتين كئيبتين متوعدتين. وكان ~~يرتدي إزارا اسكتلنديا من الصوف الأخضر المقلم، وجوربا بلون ~~أزرق باهت، وقميصا صوفيا بلون رمادي باهت أكثر. كانت تحيته لجرانت ~~عفوية، لكنها كانت فظة على نحو مطمئن. كان بات يتحدث بلكنة ~~«بيرثشاير معقدة» كما وصفتها أمه؛ لأن صديقه الحميم في مدرسة القرية ~~هو ابن الراعي، الذي كان ينحدر من كيلين. كان باستطاعته، بالطبع، أن ~~يتحدث الإنجليزية بطلاقة حين يريد ذلك، لكن هذه كانت دائما علامة ~~سيئة. فحين كان بات «يخاصمك»، كان دائما يخاصمك بإنجليزية سليمة ~~للغاية. # أثناء تناول الشاي، سأله جرانت إن كان قد حسم قراره بشأن ما يريد أن ~~يصبح حين يكبر، وكانت إجابة بات الثابتة على السؤال منذ كان في عمر ~~الرابعة هي «إنني أتمهل في قراري». وهي عبارة استعارها من والده قاضي ~~الصلح. # قال بات وهو يبسط المربى بيد سخية: «أجل.» وأضاف: «لقد اتخذت ~~قراري.» ~~«حقا؟ جيد. وماذا ستصبح حين تكبر؟» ~~«ثوريا.» ~~«آمل ألا أضطر يوما لإلقاء القبض عليك.» # قال بات ببساطة: «لن تستطيع.» ~~«ولم؟» # قال بات وهو يغمس الملعقة مرة أخرى في المربى: «سأكون صالحا، يا ~~رجل.» # قالت لورا وهي تأخذ المربى من ابنها: «أنا واثقة أن هذا هو المعنى ~~الذي قصدته الملكة فيكتوريا عندما استخدمت تلك الكلمة.» # لقد كان يحبها من أجل ذلك. ذلك التجرد الغريب المتألق الذي أصاب قوام ~~أمومتها في مقتل. # قال بات وهو يكشط المربى إلى أحد جوانب شريحة الخبز، بحيث تصل إلى ~~العمق المطلوب في نصف مساحة سطح الشريحة على الأقل: «عندي لك سمكة». ~~(ما قاله بالفعل كان: «إندي لك ثمكة»، لكن الصوتيات عند ms024 بات لم تكن ~~أكثر استساغة على العين مما هي على الأذن، ويمكن أن نتركها لمخيلة ~~القارئ.) وتابع: «تحت الحافة في بركة كادي. يمكنك أن تستعير طعمي، إن ~~شئت.» # وحيث إن بات كان يمتلك علبة صفيح كبيرة مليئة باختراعات متنوعة ~~للقتل، فإن «طعمي» في صيغة المفرد لا يمكن إلا أن يعني «الطعم ~~الاصطناعي الذي اخترعته». # فسأل حين كان بات قد غادر: «كيف هو طعم بات؟» # فقالت أمه: «يتعين أن أقول إنه فعال.» وأضافت: «إنه شيء ~~مخيف.» ~~«هل يصطاد به أي شيء؟» # قال تومي: «أجل، مع غرابة هذا.» وتابع: «أظن أنه يوجد حمقى في عالم ~~الأسماك أيضا مثلما في أي عالم آخر.» # قالت لورا: «تفغر المخلوقات البائسة أفواهها ذهولا لما تراه، وقبل ~~أن يتسنى لها الوقت لتغلق أفواهها يكون التيار قد سحبه إلى داخلها. ~~يوم غد هو السبت؛ لذا يمكنك أن تراه وهو يعمل. لكنني لا أظن أن أي شيء، ~~ولا حتى اختراع بات الشرير، سيستدرج تلك السمكة الكبيرة، التي تزن ستة ~~أرطال والموجودة في بركة كادي، للصعود إلى السطح إن ظل الماء في البركة ~~على ما هو عليه الآن.» # وكانت لورا محقة بالطبع. إذ ~~كان صباح يوم السبت مشرقا وغير ممطر، وكانت السمكة الكبيرة التي تزن ~~ستة أرطال فزعة كثيرا في بركة كادي جراء سجنها فيها، ومهووسة ~~كثيرا برغبتها في المضي في عكس مجرى النهر، فلم تكن تبدي اهتماما ~~بمصادر التشتيت على السطح. لذا اقترح أن يصطاد جرانت سمك السلمون ~~المرقط في البحيرة، وأن يكون بات مرافقا له. كانت البحيرة على بعد ~~ميلين في التلال، وكانت عبارة عن مسطح مائي منبسط على رقعة أرض ~~سبخة جرداء. حين يكون الجو عاصفا في بحيرة لوخان دهو، كانت الريح ~~تخرج خيط صنارتك من الماء بزوايا قائمة وتبقيه مشدودا كأنه سلك ~~هاتف. وحين يكون الجو هادئا وخاليا من الرياح يجعل البعوض منك وليمة ~~بينما تصعد أسماك السلمون المرقط إلى السطح وتضحك ملء فيها. لكن إن ~~لم يكن صيد السلمون المرقط فكرة جرانت عن الانهماك المثالي، ms025 فقد كان ~~من الواضح أن مرافقة بات لجرانت كانت فكرة الأول عن الفردوس. لم يكن ~~يوجد شيء ليس بمقدور بات فعله، من امتطاء الثور الأسود في دالمور إلى ~~طلب حلويات بقيمة ثلاثة بنسات من السيدة مير في مكتب البريد بالاستعانة ~~بنصف بنس والكثير من التهديد والوعيد. لكن متعة العبث في الأرجاء في ~~قارب كانت لا تزال شيئا لا يستطيع أن يتيحه لنفسه. إذ كان القارب عند ~~البحيرة مقفلا بقفل. # لذا انطلق جرانت على الدرب الرملي عبر نباتات الخلنج الجافة، وبات ~~بجواره ومتأخر عنه بخطوة واحدة وكأنه كلب صيد يتصرف على أفضل نحو. ~~وأثناء مسيره كان جرانت واعيا بممانعته هو نفسه، وأخذ يتساءل ~~بشأنها. # ما السبب الذي يمكن أن يستدعي وجود أي قيد أو شرط في سروره هذا ~~الصباح، في فرحه بالذهاب لصيد السمك؟ ربما لا تمثل أسماك السلمون ~~البنية المرقطة فكرته عن المنافسة الرياضية، لكنه كان مسرورا جدا ~~بأنه سيمضي يومه ممسكا بصنارة في يده حتى ولو لم يتمكن من اصطياد أي ~~شيء. كان مسرورا كثيرا لوجوده في العراء، مفعما بالحياة وخالي ~~البال، والحيوية المألوفة للتربة الخثية تحت قدميه، والتلال أمامه. ~~لماذا يوجد في خبايا عقله هذا القدر اليسير من النفور؟ لماذا أراد أن ~~يتسكع حول المزرعة، بدلا من أن يأخذ قاربا ويخرج به في بحيرة لوخان ~~دهو طوال اليوم؟ # كانا قد سارا مسافة ميل قبل أن يخرج السبب من غلاف عقله الباطن. ~~لقد كان يرغب في البقاء في منزل بلدة كلون اليوم ليتمكن من الاطلاع على ~~الصحيفة اليومية حين تصل. # كان يرغب في أن يحصل على معلومات عن راكب المقصورة «بي 7». # كان عقله الواعي قد أسقط راكب المقصورة «بي 7» من ذاكرته، مع معاناته ~~في الرحلة وذكرى إذلاله. لم يتذكره على نحو واع منذ اللحظة التي ~~ارتمى فيها على السرير عند وصوله حتى الآن؛ أي بعد ما يقرب من أربع ~~وعشرين ساعة. لكن راكب المقصورة «بي 7» كان لا يزال مصاحبا له، على ما ~~يبدو. # سأل بات، الذي كان لا يزال ms026 صامتا ويتصرف على أفضل نحو لديه ~~ومتأخرا عنه بخطوة واحدة: «متى تصل الصحيفة اليومية إلى كلون في هذه ~~الأيام؟» # فرد بات: «إن كان جوني هو من يحضرها فتصل في الساعة الثانية عشرة، ~~لكن إن كان كيني فغالبا ما تصل قرب الواحدة.» ثم أضاف بات وكأنه مسرور ~~لإدراج الحديث في نمط تلك الرحلة: «يتوقف كيني ليتناول كأسا من الشراب ~~في دالمور، شرقي الطريق. إنه يذهب إلى حانة ماكفادينز كريستي.» # قال جرانت لنفسه إن العالم الذي تنتظر فيه أخبار أحداث الأمة كيني ~~حتى يتناول كأسا من الشراب في حانة ماكفادينز كريستي هو عالم بهيج ~~جدا. لا بد أن هذا العالم كاد أن يضاهي الفردوس فيما قبل ظهور ~~الراديو. ~~«التي تحرس الطريق إلى الفردوس.» # الرمال المغنية. # الوحوش المتكلمة، # والأنهار الراكدة، # والأحجار السائرة، # والرمال المغنية ... # ما الذي كانت تعنيه هذه الكلمات؟ أكانت مجرد بلدة من ~~المخيلة؟ # هنا في العراء، في هذه الأرض البدائية، كان لهذا الكلام ملاءمة تقلل ~~بطريقة ما من غرابته. كان من الممكن أن يصدق هذا الصباح أنه توجد ~~أماكن على الأرض يمكن للأحجار فيها أن تسير. ألا توجد أماكن؛ أماكن ~~معروفة، حتى في منطقة المرتفعات الاسكتلندية يمكن لرجل وحيد وسط ضوء ~~الشمس الساطع أن يستولي عليه الشعور بإدراك وجود مراقبين له غير ~~مرئيين، فيملؤه خوف شديد ويهرع هاربا من المكان وقد اعتراه الذعر؟ ~~أجل، ومن دون أي مقابلات سابقة بأطباء نفسيين في ويمبول ستريت، أيضا. ~~في الأماكن «العتيقة» كان كل شيء ممكنا. حتى الوحوش المتكلمة. # من أين تحصل راكب المقصورة «بي 7» على فكرته عن الغرابة؟ # أطلقا القارب الخفيف من مدرجه الخشبي، وجدف جرانت نحو البحيرة، ~~وقصد الطرف الذي تهب منه الريح. كان الجو مشمسا للغاية، لكن كان ثمة ~~نفحة هواء تكاد ترقى إلى نسيم قوي بما يكفي لأن يصنع تموجا على ~~صفحة الماء. راقب بات وهو يجمع صنارته ويربط طعما في الخيط، وقال ~~في نفسه إنه إن لم يتمكن من أن ينال سعادة أن يكون له ابن من صلبه ~~فابن قريبته ms027 الصغير أحمر الشعر كان بديلا جيدا جدا. # سأله بات وهو منشغل بالطعم: «هل سبق أن قدمت باقة أزهار هدية، ~~يا ألان؟» نطق كلمة باقة «باكة». # أجاب جرانت بحذر: «لا أتذكر أنني فعلت.» وسأل: «لماذا؟» ~~«يريدون مني أن أقدم واحدة إلى فيكونتيسة ستأتي لافتتاح قاعة ~~دالمور.» ~~«قاعة؟» # قال بات بمرارة: «تلك السقيفة عند مفترق الطرق.» ثم صمت للحظة، كان ~~من الواضح أنه يفكر أثناءها في الأمر. وأضاف: «إن تقديم باقة من ~~الأزهار لهو فعل متخنث فظيع.» # راح جرانت، ملزما بواجبه نحو لورا الغائبة، يفكر ويفتش في عقله. ~~ثم قال: «إنه شرف عظيم.» ~~«إذن فليجعلوا «الطفلة» تحظى بهذا الشرف.» ~~«إنها لا تزال صغيرة على مثل هذه المسئولية.» ~~«حسنا، إن كانت لا تزال صغيرة جدا على هذه المسئولية فأنا أكبر ~~بكثير من مثل تلك الأفعال الصبيانية. لذا سيتعين عليهم أن يجدوا ~~عائلة أخرى لتفعل ذلك. هذا كله أمر لا طائل من ورائه على أي حال. ~~فالقاعة مفتوحة منذ أشهر.» # لم يجد جرانت إجابة على هذا الشعور بالازدراء المتسم بخيبة الأمل ~~تجاه تصنع البالغين. # راحا يصطادان وظهراهما ~~متقابلان، في وئام ذكوري جميل؛ فكان جرانت يلقي بخيطه في عدم اكتراث ~~وتكاسل، وبات يلقي بخيطه في تفاؤل دائم لا مثيل له. وبحلول الظهر ~~كانا قد انجرفا عائدين إلى موضع عمودي على الرصيف الصغير، فاستدارا ~~متجهين نحو الشاطئ ليعدا الشاي على الموقد الصغير في الكوخ ~~المتواضع. وبينما كان جرانت يجدف بالقارب مسافة الياردات القليلة ~~المتبقية لاحظ أن عيني بات كانتا مثبتتين على شيء ما على الشاطئ، ~~فاستدار ليرى ما تسبب في هذا النفور الملحوظ. وبعد أن نظر إلى الشخص ~~الذي كان يتقدم نحوهما بجسد مرتعش وعظمة غير متناسبة مع مظهره، سأل ~~بات عمن يكون. # فقال بات: «إنه وي آرتشي.» # كان وي آرتشي يستخدم عصا رعاة معقوفة، ما كان أحد من الرعاة ليحملها ~~ولو على جثته - كما علق تومي فيما بعد - وكان يلبس إزارا لم يكن أحد ~~من قاطني منطقة المرتفعات الاسكتلندية ليحلم أن يلبسه. كانت العصا تعلو ms028 ~~بنحو قدمين فوق رأسه، ويتدلى الإزار من فوق ردفيه الرفيعين بشدة ~~وكأنه تنورة نسائية داخلية متسخة. لكن كان من الواضح أن من يرتديه ~~لم يكن يحس بوجود أي نقص. وكان قماش الطرطان الصوفي المربع المصنوع منه ~~إزاره البائس الصغير صاخب كأنه طاووس؛ إذ كانت ألوانه تبدو غريبة ~~ودخيلة على ألوان الأرض السبخة. أما رأسه الصغير القاتم الذي كان يشبه ~~رأس الأنقليس، فكانت تتوجه قبعة اسكتلندية مستديرة ذات لون أزرق ~~باهت، وبها عصبة عليها رسومات على شكل مكعبات، والقبعة تتدلى على ~~جانبي رأسه بميل كبير بحيث غطى الجزء المتدلي منها أذنه اليمنى. ~~وعلى الجانب العلوي برزت نبتة كبيرة من مقدمة العصبة. أما الجوربان ~~اللذان كان يلبسهما في ساقيه اللتين كانتا تشبهان دبابيس الشعر فكانا ~~بلون أزرق لامع، وكان نسيجهما زغبيا جدا لدرجة أنهما كانا يوحيان ~~بنمو غير ملائم. وحول كاحليه النحيلين كانت سيور حذاء البروج ~~الجلدية المتقاطعة مشدودة بقوة لم تتمكن حتى شخصية مالفوليو (في ~~مسرحية شكسبير «الليلة الثانية عشرة») من أن تحققها. # سأل جرانت مندهشا: «ماذا يفعل في هذه الأنحاء؟» ~~«إنه يعيش في النزل في مويمور.» ~~«أوه. ما مهنته؟» ~~«إنه ثوري.» ~~«حقا؟ أتلك هي نفس فكرتك عن الثورة؟» # قال بات في ازدراء كبير: «لا!» وتابع: «أوه، أنا لا أقول إنه لم يضع ~~الفكرة في رأسي. لكن لا أحد يعير أمثاله أي اهتمام. إنه يكتب ~~القصائد.» ~~«أفهم من هذا أنه ولد مرة واحدة.» ~~«هذا! إنه لم يولد أصلا. إنه ... إنه ... إنه بيضة.» # خلص جرانت إلى أن الكلمة التي كان يريد بات قولها هي الأميبا، لكن ~~معرفته لم تصل إلى ذلك الحد. إن أدنى أشكال الحياة التي كان يعرفها كان ~~يتمثل في البيضة. # أتى «البيضة» يمشي بابتهاج نحوهما على طول الشاطئ الصخري، وذيل ~~تنورته يتأرجح بتبجح لم يكن ملائما لمشيته المترنحة على الصخور. ~~واقتنع جرانت فجأة أنه كان يعاني من كالوهات في قدميه. كالوهات في ~~قدمين ورديتين نحيلتين تتعرقان بسهولة. ذلك النوع من الأقدام الذي ~~يكتب الناس إلى الأعمدة الطبية بشأنه في ms029 الصحف. (اغسل قدميك جيدا كل ~~مساء وجففهما جيدا، لا سيما بين الأصابع. وانثر عليهما مسحوق التلك ~~نثرا جيدا، وارتد جوارب جديدة كل صباح.) # صاح الرجل، باللغة الاسكتلندية الغيلية، حين صار على مقربة منهم: ~~«كيف حالكما؟» # تساءل جرانت، هل كل الأشخاص الغريبي الأطوار تكون أصواتهم نحيفة ~~وخافتة أم إن تلك مجرد صدفة؟ أم إن الأصوات النحيفة الخافتة من سمات ~~أولئك الفاشلين والمحبطين، والفشل والإحباط يولدان الرغبة في التخلي ~~عن القطيع؟ # لم يكن قد سمع تلك العبارة الغيلية منذ كان طفلا، وأدى التكلف ~~فيها إلى فتور ترحيبه. فأشار إلى الرجل محييا أن صباح الخير. # قال وهو يتقدم نحوهما: «كان يجب على باتريك أن يخبرك أن اليوم مشمس ~~جدا بحيث لا يناسب الصيد.» لم يعرف جرانت أيهما أثار سخطه أكثر؛ ~~طريقة جلاسكو المنفرة في الكلام أم الرعاية غير المبررة. # توارى النمش على بشرة بات الفاتحة عندما توردت. وحارت الكلمات على ~~شفتيه. # فقال جرانت بسلاسة: «أظن أنه لم يرد أن يحرمني من متعتي»؛ وراقب ~~التورد يتراجع وتظهر ببطء أمارات تقدير وإعجاب. لقد اكتشف بات أنه ~~توجد طرق للتعامل مع الحمقى أكثر فاعلية من الهجوم الصريح عليهم. كانت ~~فكرة جديدة إلى حد ما، وكان يجرب طعمها وهو يقلبها على ~~لسانه. # فقال وي آرتشي بابتهاج: «أظن أنكما أتيتما إلى الشاطئ لتشربا شاي ~~الضحى.» واستطرد: «سيسرني أن أنضم إليكما إن لم يكن لديكما ~~اعتراض.» # وهكذا أعدا الشاي من أجل وي آرتشي الكالح الوجه المهذب. وأخرج هو ~~شطائره، وبينما كانوا يتناولون الطعام راح يلقي على مسامعهما محاضرة ~~عن مجد اسكتلندا؛ بماضيها العريق العظيم ومستقبلها الباهر. لم يكن قد ~~سأل عن اسم جرانت وانخدع بحديثه فظنه إنجليزيا. استمع جرانت ~~مندهشا إلى الحديث عن ظلم إنجلترا لاسكتلندا الأسيرة التي لا حول لها ~~ولا قوة. (سيكون من الصعب تخيل أي شيء أقل عبودية أو عجزا من اسكتلندا ~~التي كان يعرفها.) بدا أن إنجلترا مصاصة للدماء، تستنزف دم اسكتلندا ~~الطيب وتتركها ضعيفة وشاحبة. لقد كانت اسكتلندا تتألم تحت نير الاحتلال ~~الأجنبي، وتترنح ms030 خلف عربة المحتل، وتدفع الجزية للطاغية، وتسخر ~~مواهبها تلبية لاحتياجاته. لكنها كانت على وشك التخلص من نير العبودية ~~وفك أغلالها؛ كان الصليب الناري على وشك أن يبعث من جديد، وقريبا ~~ستضرم النيران في نباتات الخلنج. لم يبخل عليهما وي آرتشي بأي ~~عبارات مبتذلة. # راح جرانت يراقب الرجل باهتمام يوليه المرء لعمل فني جديد ضمن ~~مجموعة من الأعمال. وقرر أن الرجل كان أكبر سنا مما كان يظن. كان ~~في الخامسة والأربعين من عمره على الأقل، وربما كان يقارب الخمسين. لقد ~~كان أكبر من أن يمكن علاجه. لقد فاتته فرصة تحقيق النجاح الذي كان يرغب ~~فيه أيا كان، ولن يتبقى له أي شيء على الإطلاق سوى ملابسه الفاخرة ~~المثيرة للشفقة وعباراته المبتذلة. # نظر أمامه ليرى أي أثر خلفه هذا الانحراف في الروح الوطنية على ~~الفتى الاسكتلندي الصغير، وقد ابتهج لما رآه. كان الفتى الاسكتلندي ~~الصغير يجلس مواجها للبحيرة، وكأن مجرد النظر إلى وي آرتشي كان فوق ~~طاقته. كان يمضغ طعامه في انعزال عنيد، وذكرت عيناه جرانت بفلاري ~~نوكس: «عينان تشبهان جدارا صخريا يعلوه زجاج مكسور». سيحتاج ~~الثوريون إلى أسلحة أقوى من آرتشي ليخلفوا أي انطباع لدى ~~مواطنيهم. # تساءل جرانت عما يوفر لقمة ~~العيش لهذا المخلوق. «القصائد» لا توفر لقمة العيش. ولا العمل ~~صحفيا مستقلا؛ أو بالأحرى، نوعية الصحافة التي كان آرتشي يرغب في ~~كتابتها. ربما كان يقتات من «النقد». فقد كان النقاد الصغار ~~يستقدمون من صفوف غير الأكفاء. بالطبع كان ثمة احتمال قائم ~~دائما، وهو أنه كان يتلقى دعما؛ إن لم يكن من مواطن ساخط متعطش ~~للسلطة، فمن وكالة أجنبية لها مصلحة في تأجيج المشكلات. كان آرتشي من ~~نوعية مألوفة جدا لدى رجال فرع الأمن القومي؛ شخص فاشل، سئم من ~~الغرور الفاسد. # كان جرانت لا يزال يتوق إلى صحيفة الظهيرة التي كان على جوني أو كيني ~~أن يوصلها إلى بلدة كلون، ففكر في أن يقترح على بات أن يكتفيا بهذا ~~القدر ويتوقفا عن اجتذاب الأسماك التي لم يكن لديها أي نية في ms031 تلقف ~~الطعم . لكن لو انصرفا الآن فسيتحتم عليهما أن يعودا سيرا بصحبة ~~وي آرتشي، وكان ذلك شيئا يبغيان تجنبه. لذا استعد جرانت للعودة ~~إلى تجديفه الخامل في مياه البحيرة. # لكن بدا أن آرتشي كان متلهفا للانضمام إلى فريق الصيد. فقال إنه إن ~~كانت توجد مساحة لراكب ثالث في القارب فسيسره أن يكون ~~بصحبتهما. # حارت الكلمات مرة أخرى على شفتي بات. # وقال جرانت: «أجل، تعال معنا. يمكنك أن تساعدنا في العمل ~~المضني.» # فقال منقذ اسكتلندا وقد امتقع وجهه: «عمل مضن؟» ~~«أجل. فعروق القارب ليست جيدة جدا. إنه يسرب الكثير من ~~الماء.» # بعد إعادة النظر رأى آرتشي أن الوقت ربما يكون قد حان لأن يتابع ~~المضي في طريقه (لم يذهب آرتشي إلى أي مكان قط، بل كان دائما يتابع ~~المضي في طريقه) صوب مويمور. سيكون البريد قد وصل، وسيتحتم عليه أن ~~يتعامل مع الرسائل المرسلة إليه. بعد ذلك، وحتى لا يخطر على بالهما ~~أنه كان غير معتاد على ركوب القوارب، أخبرهما بمدى براعته في الإبحار ~~بالقوارب. فبفضل مهارته هو فقط في أحد القوارب تمكن هو وأربعة آخرون ~~من بلوغ أحد شواطئ الجزر الغربية الاسكتلندية أحياء الصيف الماضي. حكى ~~الحكاية بحماسة متزايدة أثارت شكا جذريا في أنه كان يختلقها وهو ~~ماض في سردها، وبعد أن انتهى غير الموضوع بسرعة، وكأنما يخشى من ~~تلقي أسئلة، وسأل جرانت إن كان يعرف الجزر الغربية. # قال جرانت، وهو يغلق السقيفة الصغيرة ويضع المفتاح في جيبه، إنه لا ~~يعرفها. وهنا أعفاه آرتشي، في سماحة وجود منه، من الحديث وأخبره ~~عنها. أساطيل الرنجة في جزيرة لويس، ومنحدرات جزيرة مينجولاي، وأغاني ~~جزيرة بارا، وتلال جزيرة هاريس، والأزهار البرية بجزيرة بنبيكولا، ~~والرمال، الرمال البيضاء الرائعة التي لا نهاية لها، في جزيرة ~~بيرنيراي. # قال جرانت واضعا حدا للتفاخر: «أظن أن الرمال لا تغني.» ثم دلف ~~إلى القارب ودفعه مبتعدا. # قال وي آرتشي: «لا، لا. إنها موجودة في كلادا.» # فسأله جرانت مذهولا: «ماذا تقصد؟» ~~«الرمال المغنية. حسنا، أتمنى لكما صيدا وفيرا، لكنه ليس ms032 يوما ~~مناسبا للصيد، كما تعلمان. فالضوء ساطع للغاية.» # وبهذه العبارات الرقيقة عاود وي آرتشي رفع عصا الراعي، وراح يتهادى ~~مبتعدا بمحاذاة الشاطئ نحو مويمور ورسائله. وقف جرانت بلا حراك في ~~القارب، يراقبه وهو يبتعد. وحين كاد يتجاوز مدى السمع ناداه فجأة ~~قائلا: ~~«هل توجد أي أحجار تسير في كلادا؟» # فقال آرتشي بصوته الرفيع القاصر: «ماذا؟» ~~«هل توجد «أي أحجار تسير في كلادا»؟» ~~«لا. إنها في لويس.» # وانطلق المخلوق الشبيه باليعسوب بصوته الشبيه بصوت البعوض مبتعدا في ~~الأفق البني. # | الفصل الثالث # عاد جرانت وبات إلى المنزل وقت تناول الشاي بخمس سمكات سلمون مرقط ~~متواضعة الحجم وشهية كبيرة. وأوضح بات، مبررا اصطياد سمك السلمون ~~المرقط الصغير، أنه في يوم كهذا لا يمكن للمرء أن يتوقع أن يصطاد أي ~~شيء سوى ما أطلق عليه «الأسماك الحمقاء»؛ فعقلية السمك الجدير ~~بالاحترام لا تسمح بأن يصطاد في طقس كهذا. وقد سارا نصف الميل الأخير ~~حتى بلدة كلون وكأنهما جوادان عائدان إلى الدار، فكان بات يتقافز بين ~~طبقات العشب وكأنه جدي صغير، وكان في أثناء ذلك طلق اللسان بقدر ما ~~كان صموتا عندما كانا في طريقهما للرحيل. كان العالم ونهر لندن يبدوان ~~له باتساع الفضاء النجمي البعيد، وكان جرانت في قمة السعادة. # ولكن، بينما كانا يكشطان القاذورات عن حذاءيهما عند المدخل المرصوف ~~لمنزل بلدة كلون، انتبه جرانت إلى نفاد صبره غير المعقول لرؤية تلك ~~الصحيفة. وبما أنه كان يكره صفة اللامنطقية في أي شخص ويمقتها في نفسه، ~~راح يكشط القاذورات من حذائه بعناية من جديد للمرة الثانية. # قال بات وهو يمسح حذاءه مسحا سطحيا على المكشطة الثنائية: «يا ~~إلهي، أنت دقيق للغاية.» ~~«من الفظاظة أن يدخل المرء منزلا وبحذائه طين.» # سأل بات، الذي، كما توقع جرانت، كان يعتبر النظافة تصرفا «متخنثا»: ~~«فظاظة؟» ~~«أجل. إنه فعل يشي بالقذارة وانعدام النضج.» # غمغم بات بدهشة: «هاه»؛ وراح خلسة يكشط القاذورات من حذائه مجددا. ~~ثم قال مؤكدا من جديد على استقلاليته: «إنه لبيت بائس ذلك الذي لا ~~يمكن أن يطيق ms033 القليل من الطين»، ثم مضى مقتحما غرفة الجلوس مثل جيش ~~غزاة. # في غرفة الجلوس كان تومي يقطر العسل على كعكة ساخنة، ولورا تصب ~~الشاي، وبريدجيت ترتب مجموعة جديدة من الأغراض بشكل معين على ~~الأرض، وكلب الصيد يدور حول الطاولة لينتهز أي فرصة للحصول على طعام. ~~كان المشهد هو نفس مشهد الليلة الماضية فيما عدا أن ضوء النهار قد ~~أضيف إلى ضوء المدفأة. وكان ثمة اختلاف واحد. ففي مكان ما في ~~الغرفة كانت توجد صحيفة يومية مهمة. # حين رأت لورا نظرة الاستقصاء في عينيه، سألته عما إذا كان يبحث عن ~~شيء ما. ~~«أجل، الصحيفة اليومية.» # فقالت: «أوه، إنها مع بيلا.» كانت بيلا هي الطاهية. وتابعت: «سآخذها ~~منها بعد تناول الشاي إن كنت تريد الاطلاع عليها.» # مرت عليه لحظة من لحظات نفاد الصبر اللاذع منها. كانت راضية عن ~~نفسها بإفراط. وكانت سعيدة للغاية، هنا في معقلها الآمن، مع طاولة ~~الشاي المحملة، وطبقة الشحم الصغيرة المكتنزة تحت حزامها، وطفليها ~~المتمتعين بالصحة، وزوجها اللطيف تومي، وشعورها بالأمان. سيكون من ~~المفيد لها أن تقاتل بعض الشياطين؛ أن تؤرجح في الفضاء وتكون معلقة ~~فوق حفرة بلا قرار بين الحين والآخر. لكن عبثيته أنقذته، وعرف أن ~~الأمر لم يكن كما تصوره. لم يكن ثمة رضا في شعور لورا بالسعادة، ~~ولم تكن بلدة كلون ملاذا من الحقائق. كان كلبا الرعي الصغيران، اللذان ~~كانا يرحبان بهم عند بوابة الطريق في عاصفة من جسدين باللونين الأبيض ~~والأسود وذيلين يهتزان بشدة فرحا، كانا فيما مضى يناديان موس أو ~~جلين أو تريم أو شيئا من هذا القبيل. اليوم، لاحظ أنهما استجابا ~~لاسمي تونج وزانج. منذ أمد بعيد كانت مياه نهر تشيندوين تتدفق لتصب ~~في نهر تورلي. لم تعد توجد أبراج عاجية. # قالت لورا: «لدينا صحيفة «ذا تايمز»، بالطبع، لكنها دائما ما تكون ~~طبعة الأمس؛ لذا ستكون قد طالعتها.» # سأل وهو يجلس إلى الطاولة: «من هو وي آرتشي؟» # قال تومي، وهو يقضم النصف العلوي من كعكته الساخنة، ويلعق ما تسرب ~~منها من عسل: ms034 «أقابلت آرتشي براون؟» ~~«أذاك اسمه؟» ~~«كان كذلك. ومنذ أن نصب نفسه بطل جايلدوم (المرتفعات والجزر ~~الاسكتلندية) وهو يطلق على نفسه اسم جيلسبوج ماك أبروثين. إنه مكروه ~~للغاية في الفنادق.» ~~«لماذا؟» ~~«كيف كنت ستدرج شخصا يدعى جيلسبوج ماك أبروثين في ~~سجلاتك؟» ~~«ما كنت سأرغب في أن يقيم في فندقي على الإطلاق. ما الذي يفعله ~~هنا؟» ~~«إنه يكتب قصيدة ملحمية باللغة الغيلية، على حد قوله. لم يكن يفقه ~~أي شيء عن اللغة الغيلية منذ زهاء عامين؛ لذا لا أظن أن تلك القصيدة ~~يمكن أن تكون ذات قيمة. كان الرجل ينتمي إلى المناطق التي تتحدث تلك ~~اللغة التي يسود فيها استخدام كلمات من قبيل كلييش-كلافرز-كلاتر. كما ~~تعرف، أولئك الذين يتكلمون اللغة الاسكتلندية. كان واحدا منهم لسنوات. ~~لكنه لم يحقق الكثير. كانت المنافسة حادة للغاية. لذا قرر أن اللغة ~~الاسكتلندية هي مجرد لهجة وضيعة ومستهجنة للغاية من لهجات اللغة ~~الإنجليزية، وأن لا شيء يضارع العودة إلى «اللغة القديمة»؛ إلى لغة ~~حقيقية. لذلك «لازم» صراف بنك في جلاسكو، شاب من يويست، واجتهد في تعلم ~~بعض اللغة الغيلية. إنه يأتي إلى الباب الخلفي ويتحدث إلى بيلا بين ~~الحين والآخر، لكنها تقول إنها لا تفهم أي شيء مما يقول. وتظن أنه ~~«مختل العقل».» # قالت لورا بحدة: «لا يوجد خطب في عقل آرتشي براون.» واستطردت: «لو لم ~~يكن يتمتع بالذكاء الذي مكنه من أن يبتدع هذا الدور لنفسه، لكان الآن ~~مدرسا في مدرسة في مكان بائس ناء، وما كان حتى مفتش المدرسة سيعرف ~~اسمه.» # قال جرانت: «إنه لافت للنظر بفجاجة على أرض سبخة، على أي ~~حال.» ~~«بل إنه أسوأ من ذلك على رصيف أي من الشوارع. إنه مثل واحدة من تلك ~~الدمى التذكارية المريعة التي يشتريها السياح ويعودون بها إلى ~~أوطانهم، وانتماؤه إلى اسكتلندا تقريبا بنفس قدر انتماء تلك الدمى ~~إليها.» ~~«أليس اسكتلنديا؟» ~~«لا. لا تسري في عروقه ولا حتى قطرة دم اسكتلندية واحدة. فوالده من ~~ليفربول، وأمه من أوهانراهان.» # فقال جرانت: «من الغريب أن جميع الوطنيين الأشد ms035 تعصبا أجانب.» ~~وأضاف: «لا أظن أنه سيحظى بتقدير كبير من كارهي الأجانب أولئك؛ أعني ~~الغيليين.» # فقالت لورا: «لديه عائق أسوأ من ذلك.» ~~«وما هو؟» ~~«لهجة جلاسكو التي يتكلم بها.» ~~«أجل. إنها منفرة بقدر كبير.» ~~«لم أقصد ذلك. أقصد أنه في كل مرة يفتح فيها فمه يتذكر مستمعوه ~~إمكانية أن يحكمهم أحد من جلاسكو: والموت أهون من ذلك المصير.» ~~«حين كان يتحدث عن جمال الجزر الغربية ذكر رمالا «تغني». هل ~~تعرفان أي شيء عنها؟» # فقال تومي بغير اهتمام: «يبدو لي ذلك.» وأردف: «إنها في بارا أو ~~بيرنيراي أو في مكان ما.» ~~«قال إنها في كلادا.» ~~«أجل، لعلها كلادا. أتظن أن ذلك القارب في بحيرة لوخان دهو سيصمد ~~موسما أو موسمين آخرين؟» # بعد أن التهم بات أربع كعكات صغيرة وقطعة من كعكة كبيرة بسرعة ~~وبراعة كلب رعي يلتهم قطعة مسلوبة من طعام شهي، سأل: «أيمكنني أن ~~أذهب وآخذ صحيفة «كلاريون» الآن من بيلا؟» # قالت أمه: «إن كانت قد انتهت من مطالعتها.» # قال بات: «ستكون قد انتهت منها بعد هذه المدة الطويلة.» وأضاف: «إنها ~~لا تقرأ سوى الأجزاء الصغيرة المتعلقة بالنجوم.» فتساءل جرانت، بينما ~~كان بات يغلق الباب خلفه: «نجوم؟ نجوم السينما؟» # قالت لورا: «لا. التنجيم؛ كوكبة الدب الأكبر وما إلى ذلك.» ~~«أوه. اليوم وفق ترتيبات نجوم الشعرى اليمانية، والنسر الواقع ~~والعيوق.» ~~«أجل. تقول إنه يتعين عليهم في جزيرة لويس أن يترقبوا التنبؤات ~~بالأحداث المستقبلية. إنه أمر مريح وجيد أن تعرف المستقبل من ~~الصحيفة كل يوم.» ~~«ماذا يريد بات من صحيفة «كلاريون»؟» ~~«قصة الرسوم الهزلية بالطبع. شيئان يسميان تولي وسنيب. لا أستطيع أن ~~أتذكر إن كانا بطتين أم أرنبين.» # لذا كان على جرانت أن ينتظر حتى انتهى بات من تولي وسنيب، وبحلول ذلك ~~الوقت كان كل من لورا وتومي قد انصرفا، الأولى إلى المطبخ والثاني ~~إلى خارج البيت؛ وبهذا ترك جرانت وحيدا مع الطفلة الصامتة الجالسة ~~على السجاد، التي تعيد دون توقف ترتيب كنوزها. وبطريقة رسمية أخذ من ~~بات الصحيفة المطوية بدقة، وبينما ms036 كان بات ينصرف فتحها جرانت بشغف ~~مكبوح. كانت طبعة اسكتلندية، وبخلاف «المقالات الخفيفة» كانت الصحيفة ~~تعج بأخبار تتسم بتركيز بالغ على الاهتمامات المحلية، لكن بدا أنها ~~لم تكن تحتوي على أي شيء من الحادث الذي وقع في محطة القطار أمس. راح ~~يتصفح الصحيفة، متنقلا وسط غابة من الأخبار غير المهمة، مثل كلب صيد ~~يخترق أجمة سرخس، وأخيرا وجد مراده؛ فقرة صغيرة في نهاية أحد ~~الأعمدة، بين حوادث الدراجات وأخبار المعمرين. كان نص العنوان المبهم ~~«رجل يلقى حتفه في قطار». وتحت العنوان كان يوجد بيان موجز، ~~نصه: # لدى وصول القطار السريع «فلاينج هايلاندر» إلى وجهته صباح ~~أمس، وجد أن أحد الركاب، وهو شاب فرنسي يدعى شارل مارتن، ~~كان قد وافته المنية أثناء الليل. من المسلم به أن الوفاة ~~كانت ناجمة عن أسباب طبيعية، ولكن بما أن الوفاة حدثت في ~~إنجلترا، فإن الجثة ستعود إلى لندن من أجل إجراء تحقيق. # قال جرانت بصوت عال: «فرنسي!» فرفعت بريدجيت ناظريها من على ~~ألعابها لتنظر إليه. # فرنسي؟ لا بالتأكيد! لا بالتأكيد! # وجهه، أجل. ربما كان كذلك. وجهه يرجح ذلك جدا. لكن ليس ذاك الخط. ~~ذاك الخط الإنجليزي الطفولي. # هل كانت الصحيفة لا تخص راكب المقصورة «بي 7» على الإطلاق؟ # هل أخذها فحسب؟ ربما وجدها في مطعم كان يتناول طعامه فيه قبل ركوب ~~القطار. فعادة ما تتناثر على كراسي غرف تناول الطعام في محطة القطار ~~الأوراق المهملة التي تخص أولئك الذين كانوا يتناولون طعامهم هناك. أو ~~حتى في بيته، أو في مسكنه، أو أيا كان المكان الذي كان يعيش فيه. ~~ربما يكون قد تحصل على الصحيفة بعدة طرق عرضية. # أو بالطبع ربما كان فرنسيا يتلقى تعليمه في إنجلترا، وبهذا حلت ~~الكتابة الدائرية المشوشة محل موروثه من الكتابة المتصلة المنمقة. ~~لم يكن هناك شيء يتعارض جوهريا مع كون راكب المقصورة «بي 7» مؤلف تلك ~~الكلمات المكتوبة بقلم رصاص. # ومع ذلك، كان الأمر غريبا. # وفي حالات الوفاة المفاجئة، مهما كانت طبيعية، تكون الأمور الغريبة ~~ذات أهمية. حين التقى أول مرة ms037 براكب المقصورة «بي 7» كان منفصلا ~~للغاية عن ذاته المهنية، وبمعزل عن العالم ككل، حتى إنه تعامل مع ~~الأمر كما سيتعامل معه أي مدني آخر مثقل بالنوم. حينئذ لم يكن ~~راكب المقصورة «بي 7» يمثل له سوى راكب شاب ميت في مقصورة مشبعة ~~برائحة الويسكي، كان مضيف عربات نوم نافد الصبر للغاية يعامله بخشونة. ~~والآن صار شيئا مختلفا تماما؛ صار «موضوع تحقيق». صار شأنا ~~مهنيا؛ شأنا تحكمه القواعد والنظم، شأنا يتعين المضي فيه بحذر، ~~وباللياقة المطلوبة ووفقا للقواعد المقررة. وخطر ببال جرانت للمرة ~~الأولى أنه إذا ما التزم بعين الصواب، فقد يعتبر استلابه لهذه ~~الصحيفة تصرفا مخالفا قليلا للقواعد. لقد كان استلابا غير مقصود ~~بالمرة؛ اختلاسا عرضيا. لكنه كان أيضا تبديدا للأدلة، إن اعتمد ~~المرء المنهج التحليلي حيال الأمر. # وفيما كان جرانت يتفكر في المسألة، عادت لورا من المطبخ وقالت: ~~«ألان، أريد منك أن تفعل شيئا لأجلي.» # وأخذت سلة خياطتها ووضعتها على كرسي بجواره. ~~«سأفعل أي شيء في مقدوري.» ~~«بات متردد في أمر ما عليه فعله، وأريد منك أن تقنعه به. أنت ~~بطله وسيستمع إليك.» ~~«لعل الأمر متعلق بتقديم باقة من الزهور؟» ~~«كيف عرفت؟ هل تحدث معك في الأمر بالفعل؟» ~~«بل أتى على ذكره فحسب هذا الصباح عند البحيرة.» ~~«لم تنحز إلى جانبه، أفعلت؟» ~~«بوجودك في خلفية المشهد! لا. بل أعربت عن رأيي قائلا إنه شرف ~~عظيم.» ~~«وهل اقتنع؟» ~~«لا. يظن أن الأمر برمته «هراء».» ~~«إنه كذلك فعلا. فالقاعة تستخدم بصفة غير رسمية منذ أسابيع. لكن ~~سكان الوادي أنفقوا الكثير من المال والجهد في إقامة تلك القاعة، ومن ~~الصواب أن تفتتح بطريقة «لافتة».» ~~«لكن أيتحتم أن يكون بات هو من يقدم باقة الزهور؟» ~~«أجل. إن لم يفعل، فسيفعلها ويلي ابن آل ماكفادين.» ~~«لورا، لقد صدمتني.» ~~«ما كنت لأصدمك لو أنك رأيت ويلي ابن آل ماكفادين. إنه يبدو كضفدع ~~مصاب بداء الفيل. وجوربه دائما ما يكون ساقطا. ينبغي أن تؤدي فتاة ~~صغيرة ذلك، لكن لا يوجد في الوادي طفلة في سن مناسبة. لذا ms038 فالأمر ما ~~بين بات وويلي ابن آل ماكفادين. وإذا نحينا جانبا أن مظهر بات ألطف، ~~فمن الصواب أن يتولى شخص من الوادي ذلك. ولا تقل لي «لماذا؟» ولا تقل ~~لي إنني أصدمك. عليك فقط أن تفعل ما بوسعك لتقنع بات بالأمر.» # قال جرانت وهو يبتسم لها: «سأحاول. من الفيكونتيسة التي سيقدم ~~إليها باقة الزهور؟» ~~«الليدي كينتالين.» ~~«الأرملة النبيلة؟» ~~«تقصد الأرملة. لا يوجد إلا واحدة، حتى الآن. وولدها لم يصل بعد إلى ~~سن تسمح له بأن يتزوج.» ~~«كيف وصلت إليها؟» ~~«كانت زميلتي في المدرسة. في مدرسة سانت لويزا.» ~~«أوه، ابتزاز. تسلط نابع من ذكرى أيام مضت.» # قالت لورا: «لا تسلط على الإطلاق. كانت مسرورة بقدومها والاضطلاع ~~بهذا العبء. إنها شخصية محبوبة.» ~~«أفضل طريقة لإقناع بات بأن يشارك في الأمر هي بجعلها تبدو جذابة في ~~عينيه.» ~~«إنها جذابة للغاية.» ~~«لا أقصد الأمر على ذلك النحو. ما أقصده هو أن تجعليها بارعة في شيء ~~يعجب به.» # قالت لورا بنبرة مترددة: «إنها خبيرة في صيد السمك بالطعوم ~~الصناعية، لكنني لا أعرف إن كان بات سيجد ذلك مثيرا للإعجاب. إنه يظن ~~أن أي شخص لا يستطيع صيد السمك هو شخص غير طبيعي.» ~~«لا أظن أنك تستطيعين إسباغ ميول ثورية عليها.» # فقالت لورا وقد التمعت عيناها: «ثورية! تلك فكرة جيدة. ثورية. لقد ~~كانت فيما مضى يسارية بعض الشيء. وكانت تقول إنها تفعل ذلك «لمضايقة ~~مايلز وجورجيانا». إنهما والداها. ولم تأخذ هذا الأمر بجدية كبيرة ~~مطلقا؛ فقد كانت جميلة للغاية ولم تحتج إلى أي شيء كهذا. لكن يمكنني ~~أن أبني شيئا على ذلك الأساس. أجل. يمكننا أن نجعل منها ~~ثورية.» # يا للمراوغات التي تلجأ إليها النساء! ذلك ما فكر فيه جرانت وهو ~~يراقب إبرتها وهي تخترق الجورب الصوفي الذي كانت ترتقه، ثم عاد إلى ~~التفكير في مشكلته. وكان لا يزال يفكر فيها حين أوى إلى الفراش. لكن ~~وقبل أن يخلد للنوم قرر أن يكتب إلى برايس في الصباح. في واقع الأمر ~~سيكون خطابا يفيد وصوله إلى هذه ms039 الأنحاء الملائمة للصحة وعن أمله في ~~أن تتحسن صحته في وقت أسرع مما حدده له الطبيب، لكن في سياق ذلك ~~سينتهز فرصة أن يصحح موقفه بأن يطلع من يهمهم الأمر على وجود صحيفة ~~الرجل الفرنسي معه. # راح في نوم عميق غير متقطع نجم عن الهواء العليل وصفو سريرته، ~~واستيقظ على صمت مطبق. لم يكن الصمت في الخارج فقط، بل كان المنزل ~~نفسه في حالة من الغشية. وتذكر جرانت فجأة أن اليوم هو يوم الأحد. ~~لن يخرج بريد من الوادي اليوم. سيتعين عليه أن يقطع بخطابه كامل ~~المسافة حتى بلدة سكون. # سأل تومي على الإفطار إن كان بإمكانه أن يستعير السيارة ليذهب إلى ~~سكون ليبعث برسالة مهمة، وعرضت لورا عليه أن تقله بالسيارة. لذا ~~ما إن انتهى الإفطار حتى عاد إلى غرفته ليكتب الرسالة، وفي النهاية كان ~~مسرورا جدا بها. أتى على ذكر مسألة راكب المقصورة «بي 7» في سياق ~~الرسالة بإتقان راف خفي يجعل قطعة لا تنتمي إلى النمط العام لثوب ~~تتواءم معه. قال إنه لم يستطع التخلص من ذكرى العمل بأسرع ما يمكنه؛ ~~لأن أول شيء واجهه في نهاية الرحلة كان جثة هامدة. وأضاف أن مضيفا ~~غاضبا من مضيفي عربات النوم كان يهز الجثة بعنف ظنا منه أن الرجل ~~كان نائما حتى يفيق من سكره فحسب. لكن ذلك لم يكن من شأنه، وحمدا ~~للرب على ذلك. كان دوره الوحيد في هذه المسألة هو أنه اختلس بغير قصد ~~صحيفة من المقصورة. إذ وجدها بين أوراقه حين كان يتناول الإفطار. كانت ~~صحيفة «سيجنال»، وكان سيعتبر أنه من المفروغ منه أنها تخصه لولا أنه ~~وجد أن شخصا ما كان قد خط على عجل بقلم رصاص محاولة شعرية في ~~الجزء الخاص بآخر الأخبار في الصحيفة. كان الشعر بالإنجليزية، وربما لم ~~يكن المتوفى هو من كتبه على الإطلاق. وقد نمى إلى علمه أن التحقيق يجري ~~في لندن. وإن رأى برايس أن لهذا المصدر الصغير للمعلومات أي أهمية ~~فيمكنه أن يسلمه إلى السلطات المعنية. # نزل الدرج ms040 ليجد أن أجواء يوم الأحد قد تبددت. كان المنزل يعج ~~بحرب وتمرد. كان بات قد اكتشف أن أحدهم ذاهب إلى بلدة سكون (التي ~~كانت تبدو لعينه الريفية، حتى في يوم الأحد، حاضرة ذات تنوع ممتع)، ~~فأراد أن يذهب هو الآخر إلى هناك. وعلى الجانب الآخر، كانت أمه مصرة ~~على أنه سيذهب إلى مدرسة الأحد كالمعتاد. # كانت تقول: «يجب أن تكون مسرورا بأننا سنوصلك، بدلا من التذمر بشأن ~~عدم رغبتك في الذهاب.» # فكر جرانت أن كلمة «التذمر» كانت غير ملائمة للغاية لوصف المعارضة ~~المستعرة التي اتقد بها بات كالشعلة. كان يهتز ويرتج من شدة ~~معارضته، كأنه سيارة متوقفة ومحركها يعمل. # ذكرته لورا قائلة: «لو لم نكن ذاهبين إلى سكون لكان سيتحتم عليك ~~أن تذهب إلى الكنيسة سيرا كالمعتاد.» ~~«هراء، من الذي يعبأ بالسير؟! نتبادل أنا ودوجي أحاديث شيقة ونحن ~~نسير.» كان دوجي هو ابن الراعي. واستطرد قائلا: «الذهاب إلى مدرسة ~~الأحد مضيعة للوقت حين يمكنني أن أذهب إلى سكون، وهذه حقيقة لا جدال ~~فيها. هذا ليس عدلا.» ~~«بات، لن أسمح لك بأن تشير إلى مدرسة الأحد بأنها مضيعة ~~للوقت.» ~~«لن تنعمي بوجودي على الإطلاق إن لم تكوني حذرة. سأموت من تدهور ~~صحتي.» ~~«أوه. ما الذي من شأنه أن يؤدي إلى ذلك؟» ~~«الافتقار إلى الهواء النقي.» # بدأت تضحك. وقالت: «بات، أنت مدهش!» لكن كان من الخطأ دوما أن تسخر ~~من بات. كان يأخذ الأمور المتعلقة به بجدية بالغة. # قال بمرارة: «حسنا، اضحكي! ستذهبين إلى الكنيسة في أيام الأحد لتضعي ~~أكاليل من الزهور على قبري، هذا ما ستفعلينه في أيام الأحد، وليس ~~الذهاب إلى سكون!» ~~«من المستحيل أن أفعل شيئا بهذا البذخ. كل ما ستحصل عليه مني هو ~~حفنة من أزهار أقحوان المروج بين الحين والآخر حين أكون مارة ~~بالمقابر. اذهب وأحضر كوفيتك؛ ستحتاج إليها.» ~~«سأحضر ربطة عنق! إننا في شهر مارس!» ~~«لا يزال الجو باردا. أحضر كوفيتك. ستساعد في حفظك من تدهور الصحة ~~ذاك.» ~~«يا لاهتمامك الكبير بتدهور صحتي، أنت وأقحواناتك. دائما ms041 ما كانت ~~عائلة جرانت حقيرة. حفنة من الحقراء البائسين. أنا مسرور جدا لأنني ~~أنتمي لعائلة رانكن، ومسرور جدا لأنني لست مضطرا لارتداء قماش ~~الطرطان الأحمر المريع الذي ترتديه عائلتكم.» كان إزار بات الأخضر ~~المهترئ بنقش عشيرة ماكنتاير، وهو ما كان يتماشى على نحو أفضل مع شعره ~~الأحمر من نقش عشيرة جرانت الزاهي الألوان. كان هذا النقش يعود لأم ~~تومي، وكونها عضوة صالحة في عشيرة ماكنتاير، كانت مسرورة لرؤية حفيدها ~~يرتدي ما أطلقت عليه «لباسا متحضرا». # سار بخطى متثاقلة إلى المقعد الخلفي من السيارة، وجلس وصدره يجيش ~~بمشاعر مكبوتة، وألقى «ربطة العنق» غير المرضي عنها متنصلا منها ~~فتكومت في أقصى طرف المقعد. # قال وهم يمضون ببطء بالسيارة على الطريق الرملي نحو البوابة، والحصى ~~يندفع من تحت الإطارات: «ليس من المفترض أن يذهب الكفار إلى ~~الكنيسة.» # فسألته أمه وتركيزها على الطريق: «من الكافر؟» ~~«أنا. أنا من أتباع محمد.» ~~«إذن أنت في حاجة ماسة للذهاب إلى كنيسة مسيحية من أجل هدايتك. ~~افتح البوابة يا بات.» ~~«لا رغبة لي في الهداية. أنا راض بحالي كما أنا.» وفتح البوابة ~~وأمسكها ليمرا ثم أغلقها خلفهما. وقال وهو يعاود ركوب السيارة: «أنا ~~أرفض الكتاب المقدس.» ~~«إذن لا يمكن أن تكون تابعا صالحا من أتباع محمد.» ~~«ولم لا؟» ~~«لديهم هم أيضا بعض من الكتاب المقدس.» ~~«أنا متأكد من أن داود ليس لديهم!» # سأله جرانت: «ألا توافق على داود؟» ~~«شخص بائس مثير للشفقة، يرقص ويغني كالمخنثين. لا يوجد شخص واحد ~~في العهد القديم أثق فيه بحيث أذهب معه إلى سوق بيع الأغنام.» # جلس منتصبا في منتصف المقعد الخلفي، مفعما بقدر كبير من التمرد؛ ~~فلم يستطع أن يسترخي، وكانت عيناه القاتمتان ترقبان الطريق أمامه في ~~غضب متسم بشرود الذهن. وخطر في ذهن جرانت أنه ربما كان هو الآخر يريد ~~أن ينزوي بعيدا عن الناس في استياء. سره أن قريبه هذا كان شعلة ~~فظة ومنتصبة من الاستياء وليس كومة صغيرة منهارة من التحسر على ~~الذات. # ترجل الوثني المتضرر من السيارة عند ms042 الكنيسة، وهو لا يزال ~~فظا ومنتصبا، وسار مبتعدا من دون أن ينظر خلفه لينضم إلى مجموعة ~~صغيرة من الأطفال بالقرب من الباب الجانبي. # سأل جرانت لورا، بينما كانت تعاود التحرك بالسيارة: «ها قد صار في ~~مدرسة الأحد، فهل سيحسن التصرف؟» ~~«أوه، أجل. إنه يحبها حقا. وبالطبع دوجلاس سيكون هناك: إنه مخلص له ~~كإخلاص يوناثان لداود. إن اليوم الذي لا يستطيع فيه أن يقضي جزءا منه ~~في توبيخ دوجي وإملاء الأوامر عليه هو بمثابة يوم ضائع. لم يعتقد ~~حقا أنني سأسمح له أن يأتي إلى بلدة سكون بدلا من الذهاب إلى مدرسة ~~الأحد. إنما كانت محاولة منه.» ~~«كانت محاولة مؤثرة للغاية.» ~~«أجل. يتمتع بات بمواهب تمثيلية رائعة.» # قطعا ميلين آخرين قبل أن تتلاشى أفكاره عن بات من ذهنه. عندئذ، ~~على نحو مفاجئ نوعا ما، وفي ظل الفراغ الذي خلفه رحيل بات، أدرك ~~أنه في سيارة. إنه محبوس في سيارة مغلقة. على الفور توقف عن كونه رجلا ~~بالغا يشاهد، في أناة واستمتاع، تصرفات طفل غير منطقية، وصار طفلا ~~يشاهد، في تلعثم وذعر، التقدم العدائي لعمالقة. # فأنزل النافذة التي على جانبه عن آخرها. وقال: «أعلميني إن كنت ~~تشعرين أن الهواء كثير جدا عليك.» # فقالت: «لقد أمضيت وقتا طويلا للغاية في لندن.» ~~«كيف ذلك؟» ~~«وحدهم الأشخاص الذين يعيشون في المدن هم من يكونون مدمنين للهواء ~~النقي. أما أهل الريف فيرغبون في جو فاسد لطيف باعتباره تغييرا من ~~الهواء الطلق اللامحدود.» # قال جرانت: «سأرفعها إن أردت»، رغم أن فمه كان متيبسا من الجهد ~~الذي بذله لينطق بهذه الكلمات. # فقالت: «لا، بالطبع لا»، وبدأت تتحدث عن سيارة كانا قد ~~طلباها. # وهكذا بدأت المعركة القديمة نفسها. نفس المجادلات والحيل والمداهنات. ~~إشاراته إلى النافذة المفتوحة، وتذكير نفسه بأنها مجرد سيارة ويمكن ~~إيقافها في أي لحظة، والرغبة في التفكير في موضوع يبعد كل البعد عن ~~الوقت الراهن، وإقناعه لنفسه بأنه محظوظ لأنه على قيد الحياة أصلا. ~~لكن مد شعوره بالذعر بدأ يرتفع منذرا بخطر وتهديد بغيضين. ~~مد أسود خبيث ms043 ، مزبد وهائج. كان الآن يحيط بصدره، ويضغط عليه ~~ويحبس أنفاسه، حتى إنه كان بالكاد يستطيع التنفس. والآن وصل إلى حلقه، ~~وشعر به يلتف حول قصبته الهوائية، ويقبض على رقبته كالكماشة. في لحظة ~~سيكون في فمه. ~~«لالا، توقفي!» # سألته في دهشة: «أوقف السيارة؟» ~~«أجل.» # أوقفت السيارة تماما، فترجل منها على قدمين مرتعشتين وانحنى على ~~الحاجز الحجري الجاف يشهق محاولا أن يستنشق أكبر قدر من الهواء ~~النقي. # فسألته لورا في قلق: «هل تشعر بتوعك، يا ألان؟» ~~«لا، إنما أردت أن أخرج من السيارة فحسب.» # فقالت بنبرة ارتياح: «أوه، أهذا كل شيء؟!» ~~«أهذا «كل شيء»؟» ~~«أجل؛ رهاب الأماكن المغلقة. كنت أخشى أن تكون سقيما.» # فقال في مرارة: «ألا تسمين ذلك سقما؟» ~~«بالطبع نعم. كدت أموت من الرعب مرة، حين أخذوني لرؤية كهوف شيدر. ~~لم أكن قد دخلت كهفا من قبل.» كانت قد أطفأت المحرك، وكانت حينئذ ~~جالسة على صخرة على جانب الطريق وتكاد توليه ظهرها. وتابعت: «عدا جحور ~~الأرانب تلك التي كنا نطلق عليها كهوفا في شبابنا.» رفعت لورا علبة ~~سجائرها إليه. واستطردت: «لم أكن قد ذهبت تحت الأرض من قبل، ولم يكن ~~لدي مانع من الذهاب على الإطلاق. بل ذهبت وأنا مفعمة بالحماسة ~~والسرور، وكنت على بعد نصف ميل من مدخل الكهف حين صدمني الأمر. كنت ~~أتعرق من شدة الذعر. هل يصيبك ذلك كثيرا؟» ~~«أجل.» ~~«أتعرف أنك الشخص الوحيد الذي ما زال يناديني لالا أحيانا؟ نحن ~~نتقدم بالعمر كثيرا.» # نظر حوله ثم نظر إليها، وكان التوتر يتلاشى من محياه. ~~«لم أكن أعلم أنك تعانين من أي مخاوف غير الجرذان.» ~~«أوه، أجل. لدي تشكيلة كبيرة منها. الجميع لديهم، على ما أظن. على ~~الأقل كل من ليس أحمق. إنني أحافظ على هدوئي لأنني أعيش حياة هادئة ~~وأزداد في الوزن. لو كنت أفرط في العمل على النحو الذي تفعله أنت، ~~لأصبحت مهووسة جامحة. كنت سأصاب على الأرجح برهاب الأماكن المغلقة ~~ورهاب الخلاء، وكنت سأحقق سابقة طبية تاريخية. بالطبع، سيجد المرء ~~سلوى كبرى في كونه موجودا ms044 في دورية «ذا لانسيت».» # ترك الاتكاء على الجدار وجلس إلى جوارها. وقال: «انظري»، ثم رفع يده ~~المرتعشة التي يمسك بها سيجارته لتراها. ~~«مسكين أنت يا ألان.» # فقال موافقا: «ألان مسكين بالفعل. لم ينتج ذلك عن كوني في الظلام ~~تحت الأرض على عمق نصف ميل، لكنه عن كوني راكبا في سيارة نوافذها ~~مفتوحة عن آخرها في ريف مفتوح صباح يوم أحد جميل وفي بلد ~~حر.» ~~«لم ينتج عن ذلك، بالطبع.» ~~«لم ينتج عن ذلك؟» ~~«نتج عن أربع سنوات من العمل المستمر المضني والتركيز المفرط. كنت ~~دائما داهية فيما يتعلق بالتركيز. يمكن أن تكون متعبا كثيرا. هل ~~تفضل أن تعاني من رهاب الأماكن المغلقة أم من سكتة دماغية؟» ~~«سكتة دماغية؟» ~~«إن كنت تعمل حتى تكاد تقتل نفسك، فعليك أن تدفع لقاء ذلك بطريقة أو ~~بأخرى. فهل تفضل أن تدفع بالطريقة الجسدية الأكثر اعتيادا كارتفاع ~~ضغط الدم أم إجهاد في القلب؟ من الأفضل أن تخاف من أن تكون في سيارة ~~مغلقة من أن تكون جالسا على كرسي متحرك. على الأقل سيكون لديك وقت ~~لا تكون فيه خائفا. إن كنت تكره فكرة معاودة ركوب السيارة بالمناسبة، ~~فيمكنني أن أتابع المضي إلى سكون بخطابك وأقلك لدى عودتي.» ~~«أوه، لا، سأتابع المضي.» ~~«كنت أظن أن من الأفضل ألا تقاوم الأمر، أليس كذلك؟» ~~«هل صرخت حين كنت على بعد نصف ميل تحت الأرض في كهوف شيدر؟» ~~«لا. لكنني لم أكن عينة مرضية تعاني من الإفراط في ~~العمل.» # ابتسم فجأة. وقال: «أمر غير عادي أن يشعر المرء بالراحة حين يوصف ~~بأنه عينة مرضية. أو بالأحرى، أن يدعى عينة مرضية بتلك النبرات ~~تحديدا.» ~~«أتذكر اليوم الذي أمضيناه في فاريسي حين أمطرت السماء وذهبنا إلى ~~المتحف ورأينا تلك العينات في الزجاجات؟» ~~«أجل، لقد أصبت بالغثيان على الرصيف بالخارج.» # فقالت على الفور: «لقد أصبت بالغثيان حين تناولنا قلوب الأغنام ~~على الغداء لأنك رأيتها وهم يحشونها.» # قال وقد بدأ يضحك: «لالا، يا عزيزتي. لم تكبري يوما واحدا.» # فقالت وهي غارقة في تلك ms045 الومضة من الطفولة: «في الواقع، من اللطيف ~~أنه ما زال بوسعك أن تضحك، حتى وإن كان فقط ضحكا مني. أخبرني حين تود ~~متابعة المضي.» ~~«الآن.» ~~«الآن؟ أأنت واثق؟» ~~«واثق جدا. أجد أن لتسميتي عينة مرضية خصائص علاجية ~~مدهشة.» # فقالت بطريقة عملية: «حسنا، في المرة القادمة لا تنتظر حتى تصل إلى ~~حد الاختناق.» # لم يعرف أي الأمرين وجده مطمئنا أكثر: إدراكها أن ما يخالجه كان ~~نوعا من الاختناق أم تقبلها للجنون كأمر واقع. # | الفصل الرابع # إن كان جرانت قد تخيل أن رئيسه في العمل سيكون مسرورا، سواء ~~بإمكانية تعافيه المبكر أو بدقته في أمر الصحيفة، فقد كان مخطئا. كان ~~برايس لا يزال غريما له أكثر من كونه زميلا. واحتوى رده على الكثير ~~من التوجيهات التي كانت مطابقة لشخصيته. وبعدما قرأ الرد، فكر جرانت ~~أن برايس هو الوحيد الذي يمكن أن يجمع بين الأمر ونقيضه بنجاح كبير. ~~ففي الفقرة الأولى وبخ جرانت على سلوكه غير المهني بأخذ أي شيء كان ~~موجودا في محيط حالة وفاة مفاجئة وغير مبررة. وفي الفقرة الثانية ~~فوجئ بأن جرانت فكر في إزعاج إدارة كثيرة المشاغل بأمر تافه كأمر ~~الصحيفة المختلسة، لكنه افترض أن انفصال جرانت عن بيئة العمل ساهم بلا ~~شك في افتقاره إلى الحكم الصحيح. ولم تكن توجد فقرة ثالثة. # ما استنتجه جرانت من هذه الورقة المكتبية النحيلة المألوفة كان ~~انطباعا قويا بأنه لم يقدر حق قدره، وإنما اعتبر دخيلا. كان ما ~~قاله الخطاب حقا هو: «لا يمكنني أن أتخيل لم تزعجنا يا ألان ~~جرانت سواء بأمر إبلاغك عن صحتك أو بأمر اهتمامك بعملنا. نحن لسنا ~~مهتمين بالأمر الأول، والأمر الثاني ليس من شأنك.» كان جرانت دخيلا. ~~كان منشقا. # والآن فقط، بعد أن قرأ الخطاب الزاجر وبعد أن أغلق الباب بكل عنف في ~~وجهه، أدرك أن وراء حاجته الواعية لتصويب الأمور مع إدارة الشرطة بشأن ~~الصحيفة المختلسة رغبة في التشبث براكب المقصورة «بي 7». إذ كان خطابه ~~وسيلة للحصول على المعلومات بقدر ما كان اعتذارا من جانبه ms046 . لم يعد ~~يوجد أمل في الحصول على معلومات من الصحافة. لم يكن راكب المقصورة «بي ~~7» يمثل خبرا جديرا بالاهتمام. كل يوم يموت الناس في القطارات. ولا ~~يوجد ما يثير اهتمام الناس في ذلك. وفيما يخص الصحافة كان راكب ~~المقصورة «بي 7» قد مات مرتين، مرة في الحقيقة ومرة باعتباره خبرا ~~جديرا بالاهتمام. لكنه أراد أن يعرف المزيد عن راكب المقصورة «بي 7»، ~~وكان يتمنى من دون إدراك منه أن يحدثه زملاؤه في العمل عن ~~الموضوع. # وفكر جرانت، بينما كان يمزق الورقة ويلقيها في سلة المهملات، أنه ~~ربما كان يعرف برايس على نحو أفضل. لكن، كان يوجد دائما الرقيب ~~ويليامز، وحمدا للرب على ذلك؛ ويليامز المخلص. سيتساءل ويليامز عن ~~السبب وراء اهتمام شخص في مثل رتبته وخبرته بجثة مجهولة رآها مرة ~~واحدة للحظات، لكنه كان على الأرجح سيرجع سبب ذلك إلى السأم. على أي ~~حال لن يكون ويليامز بخيلا في تبادل الحديث. لذا فقد كتب إلى ويليامز. ~~طلب من ويليامز أن يكتشف نتيجة التحقيق بشأن شاب، هو شارل مارتن، توفي ~~ليلة الخميس قبل أسبوع على متن القطار الليلي المتجه إلى منطقة ~~المرتفعات الاسكتلندية؛ وأي شيء آخر عن ذلك الشاب يمكن أن يكون قد ظهر ~~أثناء سير التحقيق. وقدم في النهاية أطيب التحيات إلى زوجته السيدة ~~ويليامز وأنجيلا وليونارد. # ولمدة يومين استرخى جرانت في نوع من السعادة المتسمة بالتلهف ~~انتظارا لرد ويليامز. تفقد نهر تورلي غير الصالح للصيد، بركة تلو ~~بركة، وجلفط القارب الموجود في بحيرة لوخان دهو بمادة عازلة للماء، ~~وعبر التل سيرا بصحبة جراهام الراعي وتونج وزانج في أعقابهما تقريبا، ~~واستمع إلى خطة تومي لإقامة ملعب جولف خاص ذي تسع حفر بين المنزل وسفح ~~التل. وفي اليوم الثالث عاد أدراجه وقت وصول البريد تحدوه لهفة لم ~~يعرفها منذ كان في التاسعة عشرة من عمره، وكان معتادا على إرسال ~~قصائده للمجلات. # ولم يكن عدم تصديقه المشدوه، حين لم يجد أي بريد له، أقل حدة مما ~~كان في سنوات الفتوة تلك. # ذكر نفسه بأنه ms047 يتصرف بطريقة غير عقلانية. (الخطيئة التي لا ~~تغتفر، دائما، في تقدير جرانت.) لم يكن التحقيق ذا صلة بالإدارة. ولم ~~يكن حتى يعرف أي شعبة تولت المهمة. سيتحتم على ويليامز أن يكتشف ~~ذلك. وقد كان لويليامز عمله؛ عمل يومي مدته أربع وعشرون ساعة. لم يكن ~~عقلانيا أن يتوقع منه أن يتخلى عن كل شيء من أجل أن يجيب عن ~~تساؤلات عبثية لزميل يقضي إجازته. # انتظر يومين آخرين، ثم جاءت الرسالة. # كتب ويليامز أنه يأمل أن جرانت لم يكن متلهفا على العمل. كان من ~~المفترض أنه في راحة، وكل من في القسم كانوا يأملون أنه يحصل على راحة ~~فعلا (ليس الجميع! كذلك فكر جرانت، متذكرا برايس) ويشعر بتحسن. ~~كانوا يفتقدونه بشدة. أما عن شارل مارتن، فلم يكن يوجد أي غموض بشأنه. ~~أو بشأن وفاته، إن كان ذلك هو ما كان جرانت يفكر فيه. لقد ارتطم مؤخر ~~رأسه بحافة حوض غسيل اليد المصنوع من البورسلين، ومع أنه استطاع أن ~~يزحف في الأرجاء قليلا على يديه وركبتيه وتمكن في النهاية من الوصول ~~إلى السرير، فإنه توفي جراء نزيف داخلي بعد فترة وجيزة جدا من ~~سقوطه. وحقيقة أنه سقط للخلف من الأساس كانت ترجع إلى كمية الويسكي ~~الصافي التي شربها. لم تكن تلك الكمية كافية لأن تجعله في حالة سكر، ~~لكنها كانت كافية لأن تجعله مشوش الذهن، وقد تكفل ميل العربة، وهي ~~تغير اتجاهها، ببقية الأمر. وكذلك لم يكن يوجد أي غموض بشأن الشاب ~~نفسه. فقد كان بحوزته حزمة الأوراق المعتادة التي تشير إلى هويته ~~الفرنسية، وأهله لا يزالون يعيشون في عنوان منزله بالقرب من مارسيليا. ~~لم يكن أهله قد رأوه منذ سنوات - إذ كان قد غادر المنزل بعد أن وقع في ~~مشكلة بسبب طعنه لفتاته في نوبة غضب ناجمة عن الشعور بالغيرة - لكنهم ~~أرسلوا المال لدفنه حتى لا يدفن في مقابر الفقراء. # أثارت هذه الرسالة شهية جرانت لمعرفة المزيد بدلا من أن ~~تشبعه. # وبحسب تقدير جرانت، فقد انتظر حتى استقر ويليامز برحابة صدر إلى ms048 ~~غليونه وصحيفته، بينما كانت السيدة ويليامز تصلح الثياب وأنجيلا ~~وليونارد يؤديان واجباتهما المنزلية، ثم اتصل به هاتفيا. كان يوجد ~~دائما احتمال أن ويليامز كان في الخارج يطارد الأشرار عبر الطرق ~~الملتوية لمساكنهم، لكن كان ثمة احتمال أيضا أنه كان في ~~البيت. # وقد كان في البيت. # وحين شكره جرانت، على النحو الواجب، على رسالته، قال: «قلت إن أهله ~~أرسلوا أموالا لدفنه. ألم يأت أي أحد للتعرف عليه؟» ~~«نعم؛ لقد تعرفوا على صورته الفوتوغرافية.» ~~«صورة فوتوغرافية له عندما كان حيا؟» ~~«لا، لا. صورة فوتوغرافية للجثة.» ~~«ألم يظهر أي أحد للتعرف عليه في لندن؟» ~~«ولا أحد، على ما يبدو.» ~~«هذا غريب.» ~~«ليس غريبا جدا إن كان شابا مخادعا. فالمخادعون لا يريدون ~~المشكلات.» ~~«هل كانت توجد أي إشارة تفيد أنه كان مخادعا؟» ~~«لا، لا أظن ذلك.» ~~«ماذا كان عمله؟» ~~«ميكانيكيا.» ~~«هل كان معه جواز سفر؟» ~~«لا. الأوراق المعتادة فحسب. وخطابات.» ~~«أوه، كان معه خطابات؟» ~~«أجل؛ الخطابان أو الثلاثة خطابات المعتادة التي يحملها الناس. كان ~~أحدها من فتاة تقول إنها ستنتظره. هكذا ستنتظره لبعض الوقت.» ~~«أكانت الخطابات بالفرنسية؟» ~~«أجل.» ~~«أي أموال كان يحملها؟» # فأجاب: «انتظر حتى أجد ملاحظاتي. حسنا. اثنان وعشرون، عشرة على ~~هيئة أوراق نقدية مختلطة؛ وثمانية عشرة وبنسان ونصف بنس من الفضة ~~والنحاس.» ~~«كلها إنجليزية؟» ~~«أجل.» ~~«بناء على عدم وجود جواز سفر والنقود الإنجليزية يبدو أنه كان في ~~إنجلترا لفترة طويلة. أتساءل لماذا لم يأت أحد ليأخذ جثته.» ~~«ربما لم يعرفوا بعد أنه مات. لم ينل الأمر الكثير من الضجة ~~الإعلامية.» ~~«ألم يكن له أي عنوان في بريطانيا؟» ~~«لم يكن يحمل عنوانا. ولم تكن الخطابات في مظاريف: فقط كانت في ~~محفظته فحسب. على الأرجح أن أصدقاءه سيظهرون فيما بعد.» ~~«أيعرف أي أحد إلى أين كانت وجهته؟ أو لماذا؟» ~~«لا، لا يبدو ذلك.» ~~«ما الأمتعة التي كان يحملها؟» ~~«حقيبة رحلات. قميص، وجورب، ومنامة وخف لغرفة النوم. ولا توجد ~~أدلة على غسلها.» ~~«ماذا؟ لماذا؟ هل كانت ثيابه جديدة؟» ~~«لا، أوه، لا.» بدا ويليامز مستمتعا بشك ms049 جرانت المفرط. وأردف: «بل ~~ارتداها كثيرا.» ~~«هل اسم صانع الخف مدون عليه؟» ~~«لا، إنه خف جلدي سميك مصنوع يدويا كالذي تجده في أسواق شمال ~~أفريقيا ومواني البحر المتوسط.» ~~«ماذا غير ذلك؟» ~~«في الحقيبة؟ العهد الجديد باللغة الفرنسية، ورواية ذات غلاف ورقي ~~أصفر، وهي باللغة الفرنسية أيضا. وكلاهما ليس جديدا.» # قال موظف مكتب البريد: «لقد انتهت دقائقك الثلاث.» # حظي جرانت بثلاث دقائق أخرى، لكنه لم يحقق أي تقدم نحو الوقوف على ~~توضيح بشأن راكب المقصورة «بي 7». وفيما عدا حقيقة أنه لم يكن له أي ~~سجل جنائي لا في فرنسا (حيث كانت واقعة الطعن مجرد حادثة عنف منزلي) ~~ولا في بريطانيا، لم يكن معروفا عنه أي شيء. كان نمطيا بالفعل أن ~~الأمر الإيجابي الوحيد حياله لا بد أن يكون أمرا قائما على ~~النفي. # قال ويليامز: «بالمناسبة، حين كنت أكتب نسيت تماما أن أجيبك على ~~التذييل الذي أوردته في خطابك.» # فسأله جرانت: «أي تذييل؟» ثم تذكر أنه كان قد كتب فكرة لاحقة ~~نصها ما يأتي: ~~«إن لم يكن لديك شيء أفضل لتفعله فيمكنك أن تسأل رجال فرع ~~الأمن القومي إن كان لديهم أي اهتمام على الإطلاق برجل يدعى ~~أرشيبالد براون. إنه وطني اسكتلندي. اسأل عن تيد هانا وأخبره ~~أنني من يسأل.» ~~«أوه، أجل، بالطبع. بشأن ذلك الوطني. هل كان لديك وقت لتفعل أي شيء ~~حيال الأمر؟ لم يكن بالأمر المهم.» ~~«في الواقع، بالصدفة، قابلت المرجع الذي أشرت إليه على متن حافلة ~~متجهة إلى وايت هول، يوم أول أمس. يقول إنه ليس لديه شيء ضد عصفورك، ~~لكنهم يرغبون كثيرا في معرفة هوية الغربان. هل تعرف عم كان ~~يتحدث؟» # قال جرانت مندهشا: «أظنني أعرف. سأبذل قصارى جهدي لأكتشف حقيقتهم. ~~أخبره أنني سأفعل ذلك كجزء من واجبي أثناء الإجازة.» ~~«رجاء، اصرف ذهنك عن العمل، وتعاف بما يكفي لأن تعود إلى هنا قبل ~~أن ينهار المكان في غيابك.» ~~«الحذاء الذي كان يرتديه: أين صنع؟» ~~«من الذي كان يرتديه؟ أوه. أجل. في كراتشي.» ~~«أين؟» ~~«كراتشي.» ~~«أجل، هذا ما ms050 ظننت أنك قلته. يبدو أنه كان يتجول. ولا يوجد اسم على ~~صفحة غلاف العهد الجديد؟» ~~«لا أظن ذلك. لا أظن أنني دونت أي ملاحظات عن ذلك حين قرأت الأدلة. ~~انتظر لحظة. أوه، أجل، لقد فعلت. لا يوجد اسم.» ~~«ولا يوجد أحد في قسم «المفقودين» يشبهه؟» ~~«لا. لا أحد. ولا أحد حتى يقترب منه في الشبه. إنه ليس «مفقودا» من ~~أي مكان.» ~~«حسنا، كان رائعا منك أن تتكبد كل هذا العناء من أجلي بدلا من أن ~~تخبرني أن أصطاد في غديري وألا أتدخل فيما لا يعنيني. يوما ما سأفعل ~~لأجلك مثلما فعلت لأجلي.» ~~«هل الأسماك الموجودة في غديرك تعض؟» ~~«لا يوجد أي غدير، والأسماك تختبئ خوفا في أعمق تجاويف البحيرات ~~المتبقية. ذلك هو السبب الذي يجبرني على الاهتمام بقضايا لا تستحق لمحة ~~اهتمام حقيقي في أماكن مزدحمة مثل المناطق الجنوبية الغربية.» # لكنه كان يعلم أن الأمر لم يكن على هذا النحو. لم يكن الملل هو ما ~~دفعه إلى هذا الاهتمام براكب المقصورة «بي 7». كاد أن يقول «هذا ~~الائتلاف». كان يشعر بشعور غريب من التماثل مع راكب المقصورة «بي 7». ~~ليس بمعنى وجود وحدة بينهما، وإنما بمعنى أن بينهما تماثلا في ~~الاهتمامات. وفي ضوء حقيقة أنه لم يره إلا مرة واحدة ولم يكن يعرف أي ~~شيء عنه، فإن هذا كان أمرا غير معقول للغاية. هل كان تفسير ذلك أنه ~~ربما كان يظن أن راكب المقصورة «بي 7» كان هو الآخر يصارع شياطينه؟ هل ~~بدأ الشعور بالاهتمام الشخصي، أو المناصرة، بهذا الشكل؟ # كان قد افترض أن فردوس راكب المقصورة «بي 7» هو غياهب النسيان. كان ~~قد افترض ذلك بسبب جو المقصورة الذي كان مفعما برائحة الويسكي. لكن ~~الشاب في نهاية المطاف لم يكن ثملا للغاية. بالفعل لم يكن في حالة ~~سكر شديد. إنما كان مخمورا قليلا. وسقوطه للخلف وارتطامه بكتلة ~~الحوض المستديرة الصلبة من الأمور التي يمكن أن تحدث لأي أحد. لذا فإن ~~فردوسه المحروس بطريقة غريبة جدا لم يكن في نهاية المطاف هو غياهب ~~النسيان ms051 . # ثم استعاد انتباهه لما كان يقوله ويليامز. ~~«ما الأمر؟» ~~«نسيت أن أخبرك أن مضيف عربة النوم يعتقد أن مارتن تلقى زيارة من ~~شخص ما في يوستن.» ~~«ولم تذكر هذا إلا في النهاية؟» ~~«في الواقع، أظن أنه لم يكن ذا نفع كبير على أي حال؛ أعني ذلك ~~المضيف. بدا أنه كان يتعامل مع الأمر برمته على أنه إهانة شخصية له، ~~هكذا قال الرقيب الذي كان هناك.» # بدا أن يوجورت العجوز كان يتصرف حسبما هو متوقع منه. ~~«ماذا قال؟» ~~«قال إنه حين كان يسير في الممر، في يوستن، كان مع مارتن شخص آخر في ~~المقصورة. رجل آخر. ولم ير الرجل لأن مارتن كان يقف في مواجهته، وكان ~~باب المقصورة مواربا؛ لذا فإن كل ما لاحظه هو أن مارتن كان يتحدث مع ~~رجل آخر. كانا يبدوان سعيدين وودودين. وكانا يتحدثان عن سرقة ~~فندق.» ~~«ماذا!» ~~«أترى ما أرمي إليه؟ لقد قال قاضي التحقيق «ماذا!» هو الآخر. قال ~~مضيف عربة النوم إنهما كانا يتحدثان عن «سرقة كالي»؛ وحيث إنه ليس ~~بمقدور أحد أن يسرق فريقا لكرة القدم، فلا بد أنهما كانا يقصدان ~~فندقا. يبدو أن كل الفنادق في اسكتلندا التي لا تسمى ويفرلي تدعى ~~كاليدونيان. والاسم الدارج لها هو «كالي». وقال إنهما لم يكونا جادين ~~في ذلك.» ~~«وذلك هو كل ما رآه وعرفه عن المودع؟» ~~«أجل، ذلك كل شيء.» ~~«ربما لم يكن مودعا على الإطلاق. ربما كان صديقا صادفه على ~~القطار. أو رأى اسمه في قائمة عربات النوم، أو لاحظه أثناء ~~مروره.» ~~«أجل، غير أنك ستتوقع أن يظهر هذا الصديق مرة أخرى في ~~الصباح.» ~~«ليس بالضرورة. خاصة إذا كان في نهاية القطار. كما أن رفع الجثة جرى ~~بتكتم شديد بحيث أشك أن أيا من الركاب علم بموت أحد على متن القطار. ~~وكانت المحطة خالية من الركاب قبل وصول سيارة الإسعاف بوقت طويل. أعرف ~~هذا لأن جلبة وصول سيارة الإسعاف كانت تحدث حين كدت أنتهي من تناول ~~إفطاري.» ~~«أجل. قال مضيف عربة النوم إنه اعتبر أن ms052 من المسلم به أن الرجل ~~الآخر كان مودعا لأنه كان واقفا مرتديا قبعة ومعطفا. ويقول ~~إنه في معظم الأحيان حين يذهب الناس لتناول القهوة على متن القطار ~~فإنهم يخلعون قبعاتهم. يقول إن أول شيء يفعلونه هو إلقاء قبعتهم على ~~حمالة. أقصد حين يصلون إلى مقصوراتهم.» ~~«بمناسبة الحديث عن الأسماء في قائمة عربات النوم، كيف حجزت مقصورة ~~النوم؟» ~~«بالهاتف، لكنه أخذ التذكرة بنفسه. أو على الأقل، أخذها رجل نحيل ~~داكن البشرة. وحجزت قبل أسبوع من موعد القطار.» ~~«حسنا. أكمل بشأن يوجورت.» ~~«بشأن من؟» ~~«بشأن مضيف عربة النوم.» ~~«أوه، حسنا. قال إنه حين كان يسير على متن القطار يجمع التذاكر، قبل ~~بلوغ يوستن بعشرين دقيقة، كان مارتن قد ذهب إلى المرحاض، لكن تذكرة ~~مقصورة النوم وقسيمة الذهاب من تذكرته إلى سكون كانتا جاهزتين على ~~الرف الصغير تحت المرآة. فأخذهما ووضع عليهما علامة في سجله، وبينما ~~كان يمر بالمرحاض طرق على الباب وقال: «هل أنت الذي في المقصورة «بي ~~7» يا سيدي؟» فرد مارتن بالإيجاب. فقال المضيف: «لقد أخذت تذكرتيك، ~~شكرا لك يا سيدي. هل سترغب في تناول الشاي صباحا؟» فقال مارتن: «لا، ~~شكرا لك، طابت ليلتك.»» ~~«إذن كانت معه تذكرة عودة.» ~~«أجل. كانت تذكرة العودة في محفظته.» ~~«حسنا، كل شيء واضح بما فيه الكفاية، على ما يبدو. فحتى عدم وجود ~~شخص يسأل عنه أو يطالب بجثته قد يكون لأنه انطلق في رحلة ولم يتوقع ~~الناس أن يسمعوا أخبارا عنه.» ~~«وإلى جانب ذلك عدم الإعلان عن الأمر. لا أظن أن أهله حتى كلفوا ~~أنفسهم عناء وضع إعلان عنه في صحيفة إنجليزية؛ فقد يعلنون عن الأمر ~~محليا فقط حيث كان يعرفه الناس.» ~~«ماذا قال تقرير تشريح ما بعد الوفاة؟» ~~«أوه، المعتاد. تناول وجبة خفيفة قبل ما يقرب من ساعة من موته، ~~وتوجد كمية كبيرة من الويسكي في معدته وكمية لا بأس بها في دمه. وهو ~~ما يكفي لجعله ثملا.» ~~«ألا توجد إشارة إلى أنه أسرف في الشراب؟» ~~«أوه، لا. لا توجد أي مشكلة من أي ms053 نوع. كانت إصابات الرأس والكتف قد ~~وقعت له في وقت أسبق، لكنه بخلاف ذلك كان يتمتع بصحة جيدة. ناهيك عن ~~كونه صلب العود.» ~~«إذن فقد حدثت له إصابات أسبق؟» ~~«أجل، لكن قبل وقت طويل. أقصد، ليست ذات صلة بهذه المسألة. في وقت ~~ما كان قد أصيب بشرخ في الجمجمة وكسر في الترقوة. هل سيكون سوء سلوك أو ~~فضولا من جانبي أن أسألك عن سبب كل هذا الاهتمام بحادثة ~~بسيطة؟» ~~«أقسم أيها الرقيب، لو كنت أعلم لأخبرتك. أظن أنه لا بد أنني أصبحت ~~أتصرف تصرفات صبيانية.» # قال ويليامز بتعاطف: «المرجح أكثر أنك تشعر بالضجر فحسب. لقد ~~ترعرعت في الريف ولم أكن يوما شخصية مملة تحب الرتابة. الريف مكان ~~مبالغ في تقديره. كل شيء بعيد للغاية. حين يبدأ غديرك ذاك يفيض ستنسى ~~أمر السيد مارتن. إنها تمطر بغزارة شديدة هنا؛ لذا من المرجح أنك ~~لن تنتظر طويلا حتى يأتي المطر.» # في واقع الأمر، لم تمطر تلك الليلة في وادي نهر تورلي، ولكن حدث شيء ~~آخر. حلت ريح خفيفة محل السكون البارد الأبلج. كانت الريح لطيفة ~~ودافئة، وبين هبات الريح كان الهواء رطبا ثقيلا، والأرض رطبة وزلقة، ~~ومن فوق القمم المرتفعة أتت المياه المثلجة تملأ مجرى النهر ما بين ~~ضفتيه. وعلى الماء البني المتسارع في جريانه أتى السمك يومض بألوان ~~فضية تحت الضوء، بينما يتقافز فوق حواف الصخور المكسورة ومع التيار ~~المتدفق المحدود بين الجلاميد. أخذ بات اختراعه الثمين من حقيبته التي ~~تحتوي على طعوم الصيد (حيث كان له مقصورة خاصة به)، وقدمه إلى جرانت ~~في دماثة رسمية لناظر مدرسة يقدم شهادة. وقال: «ستعتني به، أليس ~~كذلك؟ لقد استغرقت وقتا طويلا في صنعه.» كان الشيء، كما قالت أمه، ~~مخيفا. فكر جرانت أنه ربما كان نوعا ما يشبه شيئا يوضع في قبعة ~~امرأة، لكنه كان يدرك أنه اختص من بين الرجال بأن يكون المتلقي ~~الوحيد الجدير بمثل هذا الشرف، فقبل به بالامتنان الواجب. وضعه جانبا ~~في مأمن في حقيبته الخاصة، وكان يأمل أن بات ms054 لن يشرف على جهوده إلى ~~حد جعله يستخدمه. لكن في كل مرة كان يختار طعما صناعيا جديدا في ~~الأيام التالية، كان يلمح الشيء المخيف ويثلج صدره رضا قريبه الصغير ~~عنه. # أمضى أيامه بجوار نهر تورلي سعيدا ومسترخيا فوق المياه البنية ~~المتدفقة. كانت المياه صافية كشراب الشعير وزبدها أبيض رغويا؛ وقد ~~ملأت أسماعه بالموسيقى وأيامه بالبهجة. وبلل الهواء الرطب الخفيف ~~قماش سترته الصوفية بندى ناعم، وسقطت قطرات الماء من أغصان البندق على ~~مؤخرة عنقه. # وطيلة أسبوع تقريبا لم يكن يفكر إلا في السمك، ولا يتحدث إلا عنه، ~~ولا يأكل غيره. # ثم ذات مساء، أثناء جلوسه عند بركته المفضلة تحت الجسر المتأرجح، حدث ~~ما أذهله وأخرجه من حالة الرضا عن الذات. # رأى وجه رجل في الماء. # ارتعدت فرائصه طويلا قبل أن يدرك أن الوجه لم يكن تحت سطح الماء، ~~إنما في عينيه. كان الوجه الذي يراه هو ذلك الوجه الميت الشاحب ذو ~~الحاجبين الجامحين. # أطلق لعنة، وأطلق طعم جوك سكوت نحو أقصى البركة، مصدرا صفيرا ~~حادا. كان قد انتهى من أمر راكب المقصورة «بي 7». كان قد اهتم براكب ~~المقصورة «بي 7» في ظل سوء فهم تام للموقف. إذ كان قد ظن أن راكب ~~المقصورة «بي 7» تطارده الشياطين هو الآخر. وكان قد رسم لنفسه صورة ~~مغلوطة تماما عن راكب المقصورة «بي 7». اختزل فردوس ذلك السكير في ~~المقصورة «بي 7» إلى زجاجة ويسكي مقلوبة. زال عنه اهتمامه براكب ~~المقصورة «بي 7»؛ فهو شاب عادي تماما، يتفجر صحة وقوة إلى حد صلابة ~~العود، وكان قد أفرط في شرب الكحوليات أثناء رحلة ليلية، وأنهى حياته ~~بطريقة مهينة للغاية؛ حيث سقط على ظهره ثم راح يزحف على يديه وركبتيه ~~حتى توقف عن التنفس. # قال له صوت من داخله: «لكنه كتب تلك الأبيات عن الفردوس.» # فرد على الصوت قائلا: «لم يفعل. لا يوجد أدنى دليل على أنه فعل أي ~~شيء من هذا القبيل.» ~~«لدينا وجهه. إنه وجه غير عادي. كان الوجه الذي استسلمت له في ~~البداية. قبل أن تبدأ في التفكير ms055 في فردوسه من الأساس بوقت ~~طويل.» # فقال: «لم أستسلم. في عملي يهتم المرء بالناس بصورة ~~تلقائية.» ~~«حقا؟ أتقصد أنه لو كان شاغل تلك المقصورة التي تعج برائحة ~~الويسكي بائعا متجولا بدينا، ذا شارب يشبه سياجا لا يلقى العناية ~~الكافية، ووجه كحلوى بودنج مغلية، كنت ستظل مهتما به؟» ~~«ربما.» ~~«أيها الوغد الكاذب المخادع. كنت بطل راكب المقصورة «بي 7» في ~~اللحظة التي رأيت وجهه فيها ولاحظت الخشونة التي كان يوجورت يعامله ~~بها. لقد انتزعته من قبضة يوجورت وعدلت سترته كأم حنون تغطي وليدها ~~بشالها.» ~~«اخرس.» ~~«لقد أردت أن تعرف عنه المزيد ليس لأنك ظننت أنه كان ثمة شيء غريب ~~بشأن وفاته، وإنما لأنك، ببساطة شديدة، أردت أن تعرف عنه المزيد. كان ~~يافعا وميتا، وقد كان قبلها متهورا وعلى قيد الحياة. أردت أن تعرف ~~كيف كانت حياته حين كان متهورا وعلى قيد الحياة.» ~~«حسنا، كنت أريد أن أعرف. وأريد أيضا أن أعرف من سيركب جواد ~~لينكولنشاير المفضل، والسعر الذي وصلت إليه أسهمي في سوق اليوم، ~~ولوحة جون كاي التالية؛ لكن النوم لا يجافيني بشأن أي من هذه ~~الأمور.» ~~«صحيح، كما أنك لا ترى وجه جون كاي بينك وبين الماء.» ~~«ليس لدي أي نية لرؤية وجه أحد بيني وبين النهر. «لا شيء» سيحول ~~بيني وبين النهر. لقد أتيت إلى هنا من أجل صيد السمك، ولن يفسد أي شيء ~~علي ذلك.» ~~«لقد أتى راكب المقصورة «بي 7» إلى الشمال ليفعل شيئا هو الآخر. ~~ماذا كان ذلك يا ترى؟» ~~«كيف لي أن أعرف؟» ~~«لا يمكن أن يكون هذا الشيء هو صيد السمك، على أي حال.» ~~«ولم لا؟» ~~«لا يمكن لشخص يقطع خمسمائة أو ستمائة ميل من أجل صيد السمك ألا ~~تكون معه تجهيزات صيد من نوع ما. لو كان حريصا على ذلك بهذا القدر ~~فعلى الأقل كان سيحمل معه طعومه المفضلة، حتى ولو كان سيستأجر ~~صنارة.» ~~«أجل.» ~~«ربما كانت فردوسه هي «تير نان أوج» الأسطورية. كما تعلم: «تير نان ~~أوج» الغيلية. سيكون ذلك مناسبا.» ~~«كيف سيكون مناسبا ms056 ؟» ~~«من المفترض أن «تير نان أوج» تقع بعيدا نحو الغرب، خلف الجزر ~~الخارجية. أرض اليافعين. أرض الشباب الأبدي، تلك هي الفردوس الغيلية. ~~وما الذي «يحرس الطريق» إليها؟ جزر بها رمال تغني، على ما يبدو. جزر ~~بها صخور منتصبة تشبه رجالا يسيرون.» ~~«والوحوش المتكلمة؟ هل تجدها في الجزر الخارجية أيضا؟» ~~«أجل.» ~~«أجل؟ ما هي؟» ~~«الفقمات.» ~~«أوه، اغرب عن وجهي ودعني وحدي. أنا مشغول. إنني أصطاد.» ~~«ربما تصطاد، لكنك لا تمسك بأي شيء على الإطلاق. وربما أيضا يكون ~~طعمك عالقا في قبعتك. والآن ستصغي لي.» ~~«لن أصغي لك. فليكن، توجد رمال تغني في تلك الجزر! وتوجد أحجار ~~تسير! وتوجد فقمات تتحدث! لا شأن لي بذلك. ولا أظن أن راكب المقصورة ~~«بي 7» كان له شأن بذلك.» ~~«حقا؟ لماذا إذن كان متجها إلى الشمال؟» ~~«ليدفن أحد أقاربه، ليضاجع امرأة، ليتسلق صخرة! أنى لي أن أعرف؟ ~~ولماذا أهتم؟» ~~«كان سيمكث في فندق كاليدونيان في مكان ما.» ~~«لا أظن أنه كان سيفعل.» ~~«كيف تعرف المكان الذي كان سيمكث فيه؟» ~~«لا أعرف. ولا أحد يعرف.» ~~«لماذا تمازح أحدهما مع الآخر بشأن «سرقة كالي» إن كان سيمكث في أحد ~~فنادق ويفرلي؟» ~~«لو أنه كان ذاهبا إلى كلادا - وأراهن أنه لا يوجد نزل في كلادا ~~يحمل اسما كريها من أسماء البر الرئيسي كاسم كاليدونيان - لو أنه كان ~~ذاهبا إلى كلادا كان سيذهب عن طريق جلاسكو وأوبان.» ~~«ليس بالضرورة. فالرحلة من بلدة سكون قصيرة ومريحة بنفس القدر. ربما ~~كان يمقت جلاسكو. كثيرون يمقتونها. لماذا لا تتصل بفندق كاليدونيان في ~~سكون حين تعود إلى المنزل الليلة وتعرف ما إن كانوا يتوقعون قدوم نزيل ~~يحمل اسم شارل مارتن هناك؟» ~~«لن أفعل شيئا كهذا.» ~~«إن لطمت الماء بهذه الطريقة ستخيف كل سمكة في النهر.» # عاد إلى المنزل بحلول وقت العشاء في حالة مزاجية سيئة للغاية. لم ~~يكن قد اصطاد أي شيء، وفقد سلامه الداخلي. # وفي أثناء الصمت الداعي إلى النعاس الذي عم غرفة الجلوس بعد انتهاء ~~الأعمال اليومية وخلود الطفلين إلى فراشيهما، انتبه ms057 إلى عينيه وهما ~~تنتقلان عن كتابه إلى الهاتف في الجهة المقابلة من الغرفة. كان الهاتف ~~على مكتب تومي، يستفزه بإيحائه بوجود قوة كامنة فيه، وبوعوده ~~اللانهائية النابعة من وجوده الصامت. لم يكن عليه سوى أن يرفع تلك ~~السماعة ويمكنه أن يحادث رجلا على ساحل المحيط الهادي في أمريكا، أو ~~يمكنه أن يحادث رجلا في قفار المحيط الأطلنطي، أو يمكنه أن يحادث ~~رجلا يقبع في مكان على ارتفاع ميلين فوق سطح الأرض. # يمكنه أن يحادث رجلا في فندق كاليدونيان في بلدة سكون. # قاوم الفكرة مدة ساعة، مع شعور متزايد بالانزعاج. ثم ذهبت لورا ~~لتحضر مشروبات النوم، وذهب تومي ليخرج الكلاب، وبلغ جرانت الهاتف في ~~انقضاضة كانت أشبه باعتراض خصم في لعبة الرجبي من أي طريقة متحضرة ~~للسير نحو الجهة المقابلة من الغرفة. # كان قد رفع السماعة قبل أن يدرك أنه لم يكن يعرف الرقم. فأعاد ~~السماعة إلى مهدها وشعر بأنه نال الخلاص. واستدار ليعود إلى كتابه لكنه ~~أمسك بسجل الهاتف بدلا من الكتاب. لن يشعر بأي هناء أو سلام حتى يتصل ~~بفندق كاليدونيان في بلدة سكون؛ فتكلفة شعور المرء بالسلام زهيدة جدا ~~إن كانت مقابل أن يكون سخيفا بعض الشيء. ~~«سكون 1460 ... فندق كاليدونيان؟ أيمكنك أن تخبرني: هل حجز شخص يدعى ~~السيد شارل مارتن غرفة لديكم في أي وقت في الأسبوعين المنصرمين؟ ... ~~أجل، شكرا لك، سأنتظر ... لا؟ لا أحد بهذا الاسم ... أوه ... شكرا جزيلا ~~لك. آسف جدا على إزعاجك.» # فكر جرانت، وهو يضع السماعة من يده في عنف، أن هذه كانت نهاية ~~الأمر. بقدر ما كان يهمه الأمر، كانت هذه بكل تأكيد نهاية راكب ~~المقصورة «بي 7». # شرب شراب النوم اللطيف ~~المهدئ وذهب إلى الفراش، ورقد مستيقظا يحدق في السقف. ثم أطفأ ~~الأنوار وعاد إلى علاج الأرق الخاص به، وهو أن يتظاهر أمام نفسه أن ~~عليه أن يظل مستيقظا. لقد استنبط هذه الطريقة منذ فترة طويلة استقاء ~~من المبدأ البسيط القائل بأن الطبيعة البشرية تريد أن تفعل ما هي ~~ممنوعة من فعله. ms058 وحتى الآن لم تخذله هذه الطريقة. كل ما كان عليه فعله ~~هو أن يبدأ في التظاهر بأنه لم يكن مسموحا له أن ينام، وسرعان ما ~~يطبق جفناه. كان التظاهر يخلصه في خطوة واحدة من العائق الأكبر ~~أمام النوم؛ وهو الخوف من أن المرء لن ينام؛ وهكذا ترك الشاطئ خاليا ~~أمام أمواج المد الكاسحة. # الليلة أطبق جفناه كالمعتاد، لكن جرسا كان يدق في أرجاء عقله مثل ~~جرذ محبوس في قفص: # الوحوش المتكلمة، # والأنهار الراكدة، # والأحجار السائرة، # والرمال المغنية ... # ما الأنهار الراكدة؟ هل يوجد في الجزر الغربية شيء ~~يتوافق مع هذا؟ # لم يكن المقصود أنهارا متجمدة. كان يوجد القليل من الثلج أو البرد ~~في هذه الجزر. إذن، ماذا؟ الأنهار التي تجري حتى الرمال ثم تتوقف؟ لا. ~~هذا خيالي. الأنهار التي تتوقف عن الجريان. الأنهار التي تتوقف عن ~~الجريان؟ # ربما كان أحد أمناء المكتبات يعرف. لا بد أنه توجد مكتبة عامة لا ~~بأس بها في بلدة سكون. # قال الصوت: «كنت أظن أنك لم تعد مهتما بالأمر، فماذا ~~حدث؟» ~~«اذهب إلى الجحيم.» # كان ميكانيكيا. ماذا يعني ذلك بالفرنسية؟ «ميكانيسيان». كانت تندرج ~~تحت ذلك احتمالات لا حصر لها. # أيا ما كان يفعله، فقد كان ناجحا فيه بما يكفي لأن يتمكن من السفر ~~في عربات الدرجة الأولى في خطوط السكك الحديدية الإنجليزية. الأمر الذي ~~يجعل المرء عمليا من أصحاب الملايين في هذه الآونة. وكان قد أنفق كل ~~ذلك المال على ما كان زيارة سريعة للغاية، استنادا إلى حقيبة سفره ~~الصغيرة. # ربما كانت فتاة؟ الفتاة التي وعدت بأن تنتظره؟ # لكنها كانت فرنسية. # امرأة؟ ما من إنجليزي سيقطع خمسمائة ميل من أجل امرأة، لكن الفرنسي ~~قد يفعل. خاصة لو كان فرنسيا طعن فتاته بسكين لأنها سمحت لعينها بأن ~~تحيد عنه إلى غيره. # الوحوش المتكلمة، # والأنهار الراكدة ... # أوه، يا إلهي! ليس مجددا. جلست الآنسة مافن الصغيرة ~~على عشبة تأكل خثارة اللبن وشرشه. هيكوري ديكوري دوك. التقى سايمن ~~البسيط ببائع شطائر وهو ذاهب إلى السوق، فقال سايمن البسيط لبائع ~~الشطائر ms059 دعني أتذوق بضاعتك. امتط حصانا قويا إلى تقاطع بانبيري ... ~~لا بد من كبح جماح مخيلتك قبل أن تستعر فيك الرغبة في كتابة شيء. إن ~~كانت مخيلتك نشطة، فاذهب إلى المسرح حين تكون أسير فكرة ما. حين تصبح ~~«فكرة متسلطة». يمكن أن يبهجك تخيل جمال وزخرفة درجات معبد ما ~~فتعمل لسنوات من أجل أن تجمع المال وتحظى بوقت الفراغ الذي سيتيح لك ~~أن تذهب إلى هناك. وفي الحالات القصوى يصبح الأمر دافعا قسريا لا ~~يقاوم، فتتخلى عن كل شيء وتذهب إلى الشيء الذي استهواك مثل: جبل، أو ~~رأس حجري أخضر في أحد المتاحف، أو نهر مجهول، أو قطعة من قماش ~~شراع. # فإلى أي مدى عصفت مخيلة راكب المقصورة «بي 7» به؟ ما يكفي لترسله ~~يبحث؟ أم مجرد ما يكفي لحمله على كتابتها؟ # لأنه كان «قد» كتب تلك الكلمات المكتوبة بقلم رصاص. # بالطبع كتبها. # كانت تلك الكلمات تخص راكب المقصورة «بي 7» بقدر ما كان حاجباه. ~~بقدر تلك الأحرف الكبيرة المكتوبة بخط صبياني. # قال الصوت في رأسه بطريقة استفزازية: «تلك الأحرف «الإنجليزية» ~~الكبيرة؟» ~~«أجل، تلك الأحرف الإنجليزية.» ~~«لكنه كان من مارسيليا.» ~~«ربما تلقى تعليمه في إنجلترا، أليس كذلك؟» ~~«بعد قليل ستقول لي إنه لم يكن فرنسيا من الأساس.» ~~«بعد قليل سأفعل.» # لكن ذلك، بالطبع، كان يعني دخول عالم الخيال. لم يكن ثمة شيء غامض ~~بشأن راكب المقصورة «بي 7». كانت له هوية، ووطن وأهل، وفتاة تنتظره. ~~كما كان فرنسيا بوضوح، وحقيقة أنه يكتب شعرا إنجليزيا بخط يد ~~إنجليزي كانت أمرا عرضيا تماما. # قال في خبث للصوت: «ربما ذهب إلى مدرسة في كلابام»؛ وغط في النوم ~~في الحال. # | الفصل الخامس # في الصباح استيقظ وهو يشعر بآلام الروماتيزم في كتفه اليمنى. فظل ~~راقدا يفكر في هذا الأمر في اندهاش متسم بالتمهل. لا يوجد حد لما ~~يمكن أن يحققه عقلك الباطن وجسدك معا. يمكنهما أن يوفرا لك أي ذريعة ~~تريد. ذريعة جيدة وصادقة على نحو مثالي. عرف أزواجا كانت درجة ~~حرارتهم ترتفع وتظهر عليهم أعراض الإنفلونزا في كل ms060 مرة تكون فيها ~~زوجاتهم على وشك أن يغادرن لزيارة الأقارب. وعرف نساء كن يتسمن ~~بالصلابة لدرجة أنه كان يمكنهن أن يشاهدن عراكا بالموسى دون أن يرمش ~~لهن جفن، ومع ذلك كن يفقدن الوعي في إغماءات شديدة حين يطرح عليهن ~~سؤال محرج أو صعب. («هل انهارت المتهمة بفعل استجواب الشرطة لها لدرجة ~~أنها فقدت الوعي مدة خمس عشرة دقيقة؟» «لقد غابت عن الوعي بلا شك.» «لا ~~شك في أنها تظاهرت بفقدان الوعي، أليس كذلك؟ يقول الطبيب إنه رآها وقت ~~الواقعة، وكانت توجد صعوبة كبيرة في إفاقتها. وهذا الانهيار كان ~~نتيجة مباشرة لاستجواب الشرطة الذي كان ...» وما إلى ذلك.) أوه، أجل. لا ~~يوجد حد لما يمكن أن يدبره كل من عقلك الباطن وجسدك معا. واليوم ~~كانا قد دبرا شيئا سيبعده عن النهر. كان عقله الباطن يريد الذهاب ~~إلى سكون اليوم والتحدث مع أمين المكتبة العامة. وعلاوة على ذلك، كان ~~عقله الباطن قد تذكر أن اليوم هو يوم السوق، وأن تومي سيأخذ السيارة ~~إلى سكون. لذا فقد شرع عقله الباطن في العمل مع جسده المتملق دائما ~~ومعا حولا عضلات كتفه المتعبة إلى مفصل لا يعمل. # كم هذا دقيق! # نهض وارتدى ملابسه، وكان يجفل في كل مرة يرفع فيها ذراعه، ثم نزل إلى ~~الأسفل ليتسول توصيلة من تومي. حزن تومي على إصابته لكنه كان ~~مسرورا بصحبته، فكان كلاهما مغتبطا في هذا الصباح الربيعي الدافئ، ~~وكان جرانت مفعما بالسرور حتى إن استنباط المعلومات دائما ما كان ~~يكفيه، لدرجة أنهما كانا يمران بالسيارة عبر ضواحي سكون الخارجية قبل ~~أن يتذكر أنه كان في سيارة. إنه كان حبيس سيارة مغلقة. # كان في غاية السرور. # قطع وعدا بأن يلتقي تومي على الغداء في فندق كاليدونيان، وذهب يبحث ~~عن المكتبة العامة. لكن وقبل أن يبتعد واتته فكرة جديدة. كان قطار ~~«فلاينج هايلاندر» قد مر يطقطق فوق فواصل السكة في سكون قبل بضع ~~ساعات فقط. فكل أربع وعشرين ساعة من بداية العام وحتى نهايته، كان قطار ~~«فلاينج هايلاندر» يقوم بتلك ms061 الرحلة الليلية ويصل إلى سكون صباحا. ~~وحيث إن أطقم القطارات غالبا ما تكون عالقة في الرحلة نفسها، متناوبة ~~فيما بين أفرادها أيام العمل والإجازات، كان يوجد احتمال أن واحدا من ~~الطاقم الذي كان وصل إلى سكون على متن القطار «فلاينج هايلاندر» هذا ~~الصباح هو موردو جالاتشر. # لذا غير اتجاهه وذهب إلى المحطة بدلا من المكتبة. # سأل أحد الحمالين: «هل كنت في مناوبتك حين وصل قطار بريد لندن ~~هذا الصباح؟» # قال الحمال: «لا، لكن لاتشي كان في مناوبته.» ثم مط الرجل شفتيه ~~وأطلق صافرة كان من شأنها أن تكون مدعاة فخر لقطار، وأمال رأسه إلى ~~الخلف قليلا لينادي على زميل بعيد مستدعيا إياه، وعاد إلى قراءة ~~صفحة سباق الخيل في صحيفة «كلاريون». # مضى جرانت ليلتقي بلاتشي الذي كان يتقدم ببطء وطرح عليه السؤال ~~نفسه. # أجل، كان لاتشي في الخدمة. ~~«أيمكنك أن تخبرني إن كان موردو جالاتشر هو أحد المضيفين القائمين ~~على عربات النوم؟» # رد لاتشي بالإيجاب، وأن ذلك العجوز النكد كان على متن ~~القطار. # هل يمكن أن يخمن لاتشي مكان وجود ذلك العجوز النكد الآن؟ # رفع لاتشي ناظريه إلى ساعة المحطة. كانت قد تخطت الحادية ~~عشرة. # أجل، يمكن أن يخمن لاتشي مكانه. سيكون في حانة إيجل بار ينتظر أن ~~يبتاعه شخص شرابا. # وهكذا ذهب إلى حانة إيجل بار الواقعة خلف محطة سكون، ووجد أن لاتشي ~~كان مصيبا بالإجمال. كان يوجورت هناك بالفعل، يتوق إلى نصف كوب من ~~الجعة. فطلب جرانت مشروب ويسكي لنفسه ولاحظ أن يوجورت صر أذنيه ~~بانتباه شديد. # فقال ليوجورت بنبرة ودودة: «صباح الخير. لقد اصطدت خيرا وفيرا مذ ~~رأيتك آخر مرة.» وسر لرؤية إشراقة الأمل تتزايد على وجه ~~يوجورت. # وقال مدعيا بأنه يتذكر جرانت: «أنا مسرور لذلك يا سيدي، في غاية ~~السرور. أنت الذي ذهبت إلى نهر تاي، صحيح؟» ~~«لا، إلى نهر تورلي. بالمناسبة، ما الذي تسبب في وفاة ذاك الشاب؟ ~~ذاك الذي تركتك وأنت تحاول إيقاظه.» بدأ النفور يحل محل اللهفة ~~البادية على وجه يوجورت. فأضاف جرانت: ms062 «ألن تنضم إلي؟ أتريد ~~ويسكي؟» فهدأ يوجورت بالا. # بعد ذلك كان الأمر سهلا. كان الاستياء لا يزال يسيطر على يوجورت ~~بسبب تلك الحادثة المزعجة التي مر بها. كان يتحتم عليه حتى أن يحضر ~~التحقيق في وقت فراغه. فكر جرانت قائلا لنفسه إن الأمر سهل كالتعامل ~~مع رضيع تعلم الركض لتوه. كان الأمر يتطلب لمسة صغيرة فحسب من أجل ~~توجيهه في الاتجاه المطلوب. # لم يبغض يوجورت ضرورة حضور التحقيق فحسب، بل كان يبغض التحقيق نفسه ~~وكل شخص ذي صلة به. وبين بغضه للتحقيق وكأسين مزدوجتين من الويسكي ~~كان قد أمد جرانت برواية في غاية التفصيل عن كل شخص وكل شيء. كان ما ~~أدلى به يوجورت له هو أفضل مردود في مقابل أي مال دفعه جرانت من قبل. ~~لقد «ظل» يحكي المسألة كلها من بدايتها وحتى نهايتها، منذ أول ظهور ~~لراكب المقصورة «بي 7» في يوستن وحتى حكم محقق الوفيات. من ناحية كونه ~~مصدرا للمعلومات كان يوجورت المصدر الأكثر وثوقا، وكان يصب المعلومات ~~صبا وكأنه «صنبور جعة». # سأله جرانت: «هل سافر معك من قبل؟» # لا، لم يكن يوجورت قد رآه من قبل مطلقا، وكان مسرورا أنه لن يراه ~~مرة أخرى. # وهنا تحول فجأة شعور جرانت بالرضا إلى شعور بالتشبع. لو أمضى ~~نصف دقيقة أخرى مع يوجورت فسيصاب بالغثيان. دفع بنفسه بعيدا عن منضدة ~~حانة إيجل بار، وذهب يبحث عن المكتبة العامة. # كانت المكتبة مخيفة بما يفوق الوصف؛ إذ كانت شيئا ضخما قبيحا ~~أحجاره بلون الكبد، لكنها بعد يوجورت بدت زهرة الحضارة الجميلة. كانت ~~مساعدات المكتبة لطيفات فاتنات، وكان أمينها رجلا نحيلا صغير الحجم ~~أنيقا أناقة ذابلة، ويرتدي ربطة عنق ليست أعرض من الشريط الحريري ~~الأسود المعلقة فيه نظارته. كترياق لقضاء وقت أكثر من اللازم مع موردو ~~جالاتشر لم يكن يمكن أن يكون أفضل من ذلك. # كان السيد تاليسكر القصير اسكتلنديا من جزر أوركني - التي، كما ~~أوضح، لم تكن اسكتلندية على الإطلاق - وكان الرجل مهتما بالجزر ~~الغربية، وكذلك على معرفة واطلاع بها. كان يعرف ms063 كل شيء عن الرمال ~~المغنية في منطقة كلادا. وكان ثمة زعم بأنه توجد رمال مغنية أخرى ~~(فكل جزيرة كانت تريد أن يكون لديها ما لدى جيرانها بمجرد أن تسمع عن ~~وجود أي مقتنى جديد، سواء كان ميناء أو أسطورة)، لكن رمال كلادا ~~كانت هي الرمال الأصلية. تمتد تلك الرمال، مثل معظم رمال الجزر ~~الغربية، ناحية المحيط الأطلنطي، مواجهة المحيط الشاسع. ومطلة على ~~تير نان أونج. وهي، كما قد يعرف السيد جرانت، الفردوس الغيلية. أرض ~~الشباب الأبدي. كان من المشوق حقا أن كل شعب طور فكرته الخاصة عن ~~الفردوس، أليس كذلك؟ إحداها أنها مهرجان من النساء الجميلات، وأخرى ~~أنها غياهب النسيان، وثالثة أنها موسيقى متواصلة ولا عمل، ورابعة أنها ~~مناطق صيد جيدة. كان السيد تاليسكر يرى أن الغيليين قد كونوا الفكرة ~~الأفضل عن الفردوس. وهي أنها أرض الشباب الأبدي. # ما الذي كان يغني؟ سأله جرانت هذا السؤال مقاطعا ذلك التحليل ~~للمقارنات بين صور النعيم. # قال السيد تاليسكر إن هذه نقطة خلافية. يمكنك، بالطبع، أن تنظر ~~للأمر بإحدى طريقتين. فقد سار على تلك الرمال بنفسه. وهي أميال لا ~~نهائية من رمال بيضاء صافية على شاطئ بحر رائع. كانت الرمال «تغني» ~~بالفعل حين يطؤها المرء، لكن تاليسكر نفسه كان يرى أن كلمة «صرير» وصف ~~أفضل. وعلى الجانب الآخر وفي أي يوم تكون فيه الرياح ثابتة - ومثل هذه ~~الأيام لم يكن حدثا غير معتاد في الجزر الغربية - تجد الرمال السطحية ~~الناعمة، والتي تكاد تكون غير مرئية، تنجرف على طول الشواطئ الرحبة ~~بحيث «تغني» بالفعل. # ومن الرمال قاده جرانت إلى الفقمات (بدا أن الجزر الغربية كانت تعج ~~بالحكايات عن الفقمات، وتحويل الفقمات إلى الرجال والعكس؛ ولو صدقت هذه ~~الحكايات لكانت تجري في عروق نصف سكان تلك الجزر بعض دماء الفقمات)، ~~ومن الفقمات انتقل به إلى الحديث عن الأحجار التي تسير، وفي كل ~~المواضيع كان السيد تاليسكر ممتع الحديث غزير المعلومات. لكنه أخفق في ~~تلبية التوقعات أثناء الحديث عن الأنهار. بدا أن الأنهار هي الشيء ~~الوحيد ms064 في كلادا الذي يشبه تماما نظراءه في أي مكان آخر. وفيما عدا ~~أنها كانت تنبسط لتتحول إلى بحيرات صغيرة أو تغيض فتصير مستنقعا، ~~كانت الأنهار في كلادا مجرد أنهار؛ مياه تعكف على أن تكون منبسطة ~~مسطحة. # فكر جرانت، وهو يغادر للقاء تومي على الغداء، أنها كانت «تقف» ~~بطريقة ما. إذ تجري المياه لتصب في مياه راكدة؛ إلى مستنقع. ربما ~~يكون راكب المقصورة «بي 7» قد استخدم الكلمة لأنه كان في حاجة إلى ~~قافية. كان في حاجة لشيء تتناغم قافيته مع كلمة رمال. # استمع بشرود إلى حديث مربيي الأغنام اللذين أحضرهما تومي إلى ~~الغداء، وكان يغبطهما على أعينهما المطمئنة ومظهرهما الذي كانت تبدو ~~عليه الراحة غير المحدودة. لم يكن يوجد شيء يقلق هذين المخلوقين ~~الضخمين الهادئين. كان الجزء الأكبر من قطعان هذين الرجلين يهلك بين ~~الحين والآخر بفعل ضربات القدر، كالعواصف الثلجية الهائلة أو الأمراض ~~السريعة الانتشار. لكنهما كانا يظلان هادئين رزينين، كالتلال التي ~~تربيا عليها. كانا رجلين كبيرين بطيئين، زاخرين بالطرائف ~~الصغيرة، وتسعدهما أشياء بسيطة. كان جرانت واعيا جدا إلى أن هوسه ~~براكب المقصورة «بي 7» كان أمرا غير منطقي؛ أمرا شاذا، وأنه كان ~~جزءا من مرضه. وأنه في حالته العقلية المتزنة ما كان سيفكر مرة ~~أخرى بشأن راكب المقصورة «بي 7». كان مستاء من هوسه ومتعلقا به. ~~كان بلاؤه وملاذه في الوقت نفسه. # لكنه عاد مع تومي بالسيارة إلى البيت، وكان أكثر ابتهاجا مما كان ~~عليه حين غادر. لم يكن يوجد تقريبا أي شيء يخص التحقيق بشأن شارل ~~مارتن، الميكانيكي الفرنسي، لم يكن يعرفه. كان قد أصبح ملما بقدر ~~أكبر من المعلومات حول الأمر. وكان ذلك كثيرا. # بعد تناول العشاء نحى جانبا الكتاب الذي يتناول السياسات ~~الأوروبية، الذي كان قد شهد مع هاتف تومي ما كان يشغله في الأمسية ~~السابقة، وذهب يبحث على أرفف الكتب عن كتاب حول الجزر الغربية. # سألته لورا وهي ترفع ناظريها عن صحيفة «ذا تايمز»: «هل تبحث عن شيء ~~محدد يا ألان؟» ~~«أبحث عن شيء حول الجزر الغربية.» ms065 ~~«جزر هيبريديز؟» ~~«أجل. أظن أنه يوجد كتاب عنها.» # قالت لورا في سخرية ودهشة: «هاه! يوجد كتاب عنها! توجد مؤلفات ~~أدبية كاملة عنها يا عزيزي. الاستثناء في اسكتلندا ألا تكون قد كتبت ~~كتابا عن هذه الجزر.» ~~«هل لديك أي منها؟» ~~«لدينا الكتب كلها تقريبا. كل من أتى ليمكث هنا أحضر معه كتابا ~~عنها.» ~~«ولماذا لم يأخذوا الكتب معهم؟» ~~«ستعرف السبب حين تتصفحها. ستجد هذه الكتب على الرف السفلي. يوجد ~~صف كامل منها.» # بدأ يستعرض الكتب التي في الصف، مستخرجا موضوعاتها الرئيسية ~~بعينين متمرستين سريعتين. # سألته لورا: «لماذا هذا الاهتمام المفاجئ بالجزر الغربية؟» ~~«تلك الرمال المغنية التي تحدث عنها وي آرتشي عالقة في ~~ذهني.» ~~«لا بد أن تلك هي المرة الأولى التي يقول فيها وي آرتشي شيئا ويعلق ~~في ذهن أحدهم.» # فأضاف تومي من خلف صحيفة «كلاريون»: «أتوقع أن أمه لا تزال تتذكر ~~كلمته الأولى.» ~~«يبدو أن «تير نان أوج» تقع على بعد مسافة قليلة جدا غربا من ~~الرمال المغنية.» # قالت لورا: «وكذلك أمريكا. وهي أقرب كثيرا إلى تصور سكان الجزر ~~للفردوس من «تير نان أوج».» # فقال جرانت، مكررا كلام السيد تاليسكر عن التصورات المقارنة عن ~~الفردوس، إن الغيليين كانوا هم العرق الوحيد بين البشر الذي تخيل ~~الفردوس على أنها بلاد للشباب؛ الأمر الذي كان محببا من ~~جانبهم. # قالت لورا بنبرة جافة: «إنهم العرق البشري الوحيد المعروف الذي ليس ~~لديه في مفرداته اللغوية كلمة «لا». وتلك سمة مميزة كاشفة أكثر من ~~فكرتهم عن الخلود.» # عاد جرانت قرب المدفأة بملء ذراعيه من الكتب، وبدأ يستعرضها على ~~مهل. # فقالت لورا بعد تفكير: «من الصعب أن نتخيل عقلا لم يستنبط كلمة ~~بمعنى «لا»، أليس كذلك؟» ثم عادت إلى مطالعة صحيفة «ذا تايمز». # تنوعت الكتب ما بين العلمي والعاطفي والخيالي البحت. ومن تقليد حرق ~~عشب البحر إلى القديسين والأبطال. ومن مراقبة الطيور إلى الحج لخلاص ~~الروح. وكانت الكتب تتنوع أيضا ما بين المثير للإعجاب والممل في الوقت ~~ذاته، والسيئ على نحو لا يصدق. بدا أنه لا ms066 أحد ممن زاروا تلك الجزر ~~أحجم عن الكتابة عنها. وكانت قوائم المراجع الموجودة في الصفحات ~~الأخيرة من أكثر الكتب رزانة تنصف الإمبراطورية الرومانية. لكن ~~اتفقت جميع الكتب على شيء واحد: وهو أن هذه الجزر كانت ساحرة. كانت ~~الجزر الملاذ الأخير للحضارة في عالم أصيب بالجنون. كانت الجزر جميلة ~~جمالا يفوق التصور؛ عالم مفروش بزهور برية وحدوده بحر يفتت الياقوت ~~ويلفظه على شواطئ فضية. أرض نور شمسها ساطع متلألئ، وأهلها ~~يتسمون ببهاء الطلعة، وموسيقاها تنفذ إلى الروح. تنزلت الموسيقى ~~الجامحة والمحبوبة منذ بدء الزمان، منذ عصر كانت فيه الآلهة يافعة. وإن ~~أردت الذهاب إلى هناك، فانظر جدول مواعيد عبارات ماكبراين في الصفحة ~~الثالثة من الملحق. # أبقت الكتب جرانت منشغلا في سعادة حتى جاء وقت النوم. وبينما كانوا ~~يشربون مشروبهم الليلي قال: «أود أن ألقي نظرة على الجزر ~~الغربية.» # قال تومي موافقا إياه: «ضع خطة لفعل ذلك في العام المقبل. توجد ~~رحلات صيد جيدة جدا على جزيرة لويس.» ~~«لا، بل أقصد الآن.» # فقالت لورا: «تذهب الآن! لم أسمع مطلقا قولا بهذا الجنون.» ~~«لماذا؟ لا يمكنني أن أذهب للصيد إلا بعد أن يتعافى كتفي؛ لذا ربما ~~يكون من الأفضل أن أذهب للاستكشاف.» ~~«سيكون كتفك على ما يرام في غضون يومين بمعالجتي له.» ~~«كيف يذهب المرء إلى كلادا؟» # قال تومي: «من أوبان، على ما أظن.» ~~«ألان جرانت، لا تكن أحمق. إن لم تكن تستطيع الصيد ليوم أو اثنين ~~فتوجد مئات الأشياء الأخرى التي يمكنك فعلها بدلا من عبور مضيق منش ~~في قارب تعصف به الرياح في شهر مارس.» ~~«يقولون إن الربيع يحل مبكرا على الجزر.» ~~«لكنه لا يحل مبكرا على مضيق منش، صدقني.» # قال تومي، وهو ينظر في الموضوع كما ينظر في كل شيء يطرح أمامه، ~~برصانة متسمة باللطف: «يمكنك الذهاب بالطائرة بالطبع. يمكنك أن تذهب ~~بالطائرة في يوم وتعود في اليوم التالي، إن شئت. إنها خدمة نقل جيدة ~~جدا.» # ساد الصمت قليلا بينما التقت عينا جرانت بعيني قريبته. كانت تعرف ~~أنه لا يستطيع ms067 ركوب الطائرات، وكانت تعرف السبب. # فقالت بنبرة ألطف: «تخل عن الفكرة يا ألان. ثمة أشياء تفعلها ~~أفضل بكثير من أن تنقلب رأسا على عقب في منتصف مضيق منش في شهر مارس. ~~إن كنت تريد الابتعاد عن كلون لبعض الوقت فلم لا تستأجر سيارة - يوجد ~~مرأب جيد للغاية في بلدة سكون - وتذهب لاستكشاف البر الرئيسي لأسبوع ~~أو نحو ذلك؟ والآن إذ صار الجو ألطف ستحل الخضرة في الغرب.» ~~«ليس الأمر أنني أريد الابتعاد عن كلون. على العكس تماما. لو كنت ~~أستطيع أن آخذ كلون كلها معي لفعلت. كل ما في الأمر أنني لا أستطيع ~~التخلص من فكرة الرمال المغنية.» # رأى أن لورا بدأت تنظر إلى الفكرة من زاوية جديدة، وكان بإمكانه أن ~~يرى جيدا جدا فيم تفكر. إن كان هذا هو ما يريده عقله المريض، ~~فسيكون من الخطأ أن تحاول إثناءه. فاهتمامه بمكان لم يره من قبل لا ~~بد أن يكون رد فعل مثاليا على تأمل مهووس متواصل نابع من وعي ~~ذاتي. ~~«أوه، في الواقع، أظن أن دليل برادشو هو ما تحتاجه. لدينا واحد، ~~لكننا نستخدمه في الغالب عتبة للباب أو درجة للوصول إلى رف الكتب ~~العلوي؛ لذا فهو متقادم قليلا.» # قال تومي: «فيما يخص خدمات النقل إلى الجزر الغربية الخارجية، لن ~~يهمني تاريخه. فجداول مواعيد عبارات ماكبراين غير قابلة للتغيير ~~شأنها في ذلك شأن شرائع الميديين والفرس. وكما قال أحدهم، هي لا تتخطى ~~الأبدية بالضبط، لكنها تكاد أن تصمد أطول من الزمن.» # وهكذا وجد جرانت دليل برادشو وأخذه معه إلى الفراش. # وفي الصباح استعار حقيبة صغيرة من تومي، ووضع فيها الاحتياجات ~~الحياتية الضرورية للغاية التي تكفي مدة أسبوع أو نحو ذلك. كان يحب ~~دائما السفر بمتاع قليل، ودائما ما كان يسعده أن يخلو بنفسه بعيدا، ~~حتى عن الأشخاص الذين كان يحبهم (وهي صفة كان لها دور كبير في بقائه ~~أعزب)، وانتبه إلى نفسه فوجد أنه كان يصفر صفيرا خافتا وهو يضع ~~بضعة أشياء في الحقيبة الصغيرة. لم يكن قد صفر ms068 فيما بينه وبين نفسه ~~منذ امتدت عتمة الجنون وسلبته الإشراق والأمل. # كان على وشك أن يعود حرا طليقا بلا التزامات ولا قيود؛ حرا ~~طليقا بلا التزامات ولا قيود. كانت تلك فكرة جميلة. # كانت لورا قد وعدته بأن توصله إلى بلدة سكون في الوقت المناسب ~~للحاق بالقطار إلى أوبان، لكن جراهام كان قد تأخر في العودة بالسيارة ~~من قرية مويمور؛ لذا لم تكن مسألة لحاقه بالقطار محسومة على الإطلاق. ~~ونجحا في اللحاق بالقطار قبل ثلاثين ثانية فقط من تحركه، فدفعت له ~~لورا وهي تلهث بحزمة أوراق من نافذة القطار المفتوحة بينما كان القطار ~~يبدأ في التحرك، وقالت لاهثة: «استمتع يا عزيزي. فدوار البحر يصنع ~~الأعاجيب بالكبد.» # جلس وحيدا في المقصورة، تغشته حالة ذهول مختلطة برضا، والمجلات ~~مبعثرة إلى جواره على الكرسي. راح يشاهد منظر الطبيعة الجرداء الخالية ~~وهي تمر أمام ناظريه ويزداد اخضرارها شيئا فشيئا وهم ماضون نحو ~~الغرب. لم يكن لديه أدنى فكرة عن سبب ذهابه إلى كلادا. الأمر المؤكد ~~أنه لم يكن ذاهبا لجمع المعلومات بالمعنى الشرطي للكلمة. كان ~~ذاهبا من أجل العثور على راكب المقصورة «بي 7». كان ذلك هو أقرب تعبير ~~يمكن صوغه بالكلمات. كان يريد الذهاب لرؤية هذا المكان الذي كاد أن ~~يكون استنساخا للطبيعة الموصوفة في القصيدة. راح يتساءل، وهو منغمس ~~في سعادة يخالطها النعاس، عما إن كان راكب المقصورة «بي 7» قد تحدث ~~من قبل إلى أي شخص بشأن جنته هذه. تذكر خط اليد وقال في نفسه إنه لا ~~يظن أنه قد فعل. فحروف # m # و # n # المقنطرة بإحكام كانت توحي ~~بطبيعة دفاعية مفرطة تدل على أن من كتبها لم يكن كثير الكلام. على ~~أي حال، لم يكن مهما عدد أولئك الذين تحدث إليهم راكب المقصورة «بي ~~7» عن الأمر، ما دامت لا توجد طريقة للتواصل معهم. فلا يمكنه أن يضع ~~إعلانا في الصحف يقول: اقرأ هذه القصيدة وأخبرني إن كنت ~~تعرفها. # أو ... ولماذا لا يمكنه ذلك؟ # جفاه النوم وهو يفكر في هذه الزاوية الجديدة. # راح جرانت ms069 يفكر فيها طوال الطريق حتى أوبان. # وفي أوبان ذهب إلى فندق، وطلب مشروبا يهنئ به نفسه، وبينما كان ~~يتناوله كتب إلى كل الصحف اللندنية اليومية مرفقا شيكا وطالبا ~~منهم أن يضعوا نفس الإعلان في عمودهم المخصص لذلك. وكان نص ~~الإعلان: ~~«الوحوش المتكلمة، والأنهار الراكدة، والأحجار السائرة، ~~والرمال المغنية ... من يتعرف على هذه الكلمات يتواصل رجاء ~~بألان جرانت، عناية مكتب البريد، مويمور، كومريشاير.» # كانت الصحيفتان اليوميتان الوحيدتان اللتان لم يرسل إليهما هذا ~~الإعلان هما صحيفتا «كلاريون» و«ذا تايمز». لم يرد أن يظن الناس في ~~كلون أنه قد فقد عقله. # وبينما كان يسير نحو مقدمة القارب الصغير الذي سيعبر فيه مضيق ~~منش، فكر قائلا في نفسه: «سأكون مستحقا لما حدث لي لو أن أحدا ~~كتب لي يقول إن هذه الكلمات من أشهر الأبيات عن مدينة زانادو التي ~~ابتدعتها قريحة الشاعر كولريدج، وإنه لا بد أنني أمي لأنني لا ~~أعرفها!» # | الفصل السادس # كان ورق الحائط يتألف من أزهار ثقيلة للغاية تتدلى من تعريشة هزيلة ~~للغاية، وزاد من صفة التزعزع التي اتسم بها الشيء كله أن الورق لم يكن ~~معلقا بعيدا عن الحائط وحسب، بل كان يتحرك بفعل تيار الهواء. ولم ~~يكن المصدر الذي كان يأتي منه تيار الهواء واضحا تماما؛ لأن النافذة ~~الصغيرة لم تكن مغلقة بإحكام وحسب، وإنما كانت مغلقة بإحكام منذ ~~تصنيعها وتركيبها في هيكل المنزل منذ مطلع القرن. كانت المرآة ~~المتأرجحة الصغيرة الموضوعة على خزانة الأدراج تؤدي عملها على أكمل ~~وجه فيما يتعلق بالتأرجح وليس فيما يتعلق بوظيفتها كمرآة. كان يمكن ~~للمرآة أن تتأرجح في سلاسة تصل إلى حد الدوران بزاوية ثلاثمائة وستين ~~درجة، لكنها لم تكن تعكس أي شيء بأي درجة ملحوظة. وكبح تقويم للعام ~~الماضي، مصنوع من الورق المقوى المطوي أربع طيات، جماح مواهب ~~المرآة في الدوران حول المحور الرأسي، لكن لم يكن يوجد بالطبع ما يمكن ~~فعله لزيادة قدراتها على عكس الصورة. # كان يمكن فتح درجين من الأدراج الأربعة في خزانة الأدراج. أما ~~الثالث فلم يكن يفتح ms070 لأن مقبضه فقد، ولم يكن يمكن فتح الرابع لأنه ~~فقد الرغبة. وفوق المدفأة الحديدية السوداء بأهدابها المصنوعة من ورق ~~مجعد أحمر استحال لونه بنيا من أثر الزمن، كان يوجد نقش لفينوس شبه ~~عارية تهدهد كيوبيد العاري تماما. وفكر جرانت في نفسه أنه لو لم ~~يكن البرد قد تسلل بالفعل إلى عظامه لكانت هذه الصورة أدت تلك ~~المهمة. # أطل من النافذة الصغيرة على الميناء الصغير وقوارب الصيد المتنوعة ~~التي يضمها، وعلى البحر الرمادي الذي أخذ يلطم حاجز الأمواج برتابة، ~~وإلى المطر الرمادي وهو يقرع الحصى، وفكر في نار المدفأة في غرفة ~~الجلوس في منزل كلون. دارت في رأسه ~~فكرة أن الذهاب إلى الفراش هي أسرع طريقة للحصول على الدفء، لكن نظرة ~~ثانية على الفراش أثنته عن ذلك. كان السرير نحيفا كالصحن، وازداد ~~شبها بالصحن بفعل غطاء قطني نحيل أبيض على شكل قرص العسل. وفي آخر ~~السرير، كان يوجد لحاف قطني أحمر زاه يناسب عربة دمية، مطوي بإتقان. ~~وفوقه مجموعة لا نظير لها من مقابض السرير النحاسية التي كان من حظ ~~جرانت أن يجدها دائما. # فندق كلادا. بوابة جنة «تير نان أوج». # نزل الدرج ونكز النار التي ينبعث منها الدخان في غرفة الجلوس. كان ~~أحد ما قد كوم قشر البطاطا المتبقي من طعام الغداء على النار؛ لذا ~~لم تكن جهود جرانت ناجعة جدا. هب شعوره بالغضب لنجدته فراح يدق ~~الجرس بكل ما أوتي من قوة. صلصلت الأسلاك متراقصة بطريقة جنونية في ~~مكان ما في الجدران، لكن لم يدق أي جرس. فخرج إلى البهو حيث كان صوت ~~أنين الرياح يأتي من تحت الباب الأمامي وراح ينادي بصوت عال. لم يسبق ~~مطلقا أن استخدم جرانت صوته بمثل هذا الحماس والتصميم ليخرج بأي ~~نتيجة، حتى في أفضل حالاته حين كان في «الميدان». أتت إليه مخلوقة ~~يافعة من المناطق الخلفية وراحت تحدق فيه. كان وجهها يشبه نوعا ما ~~صورة السيدة العذراء وقد اكتست ملامحها بنظرة عملية، وسيقانها بنفس ~~طول جسدها. # وسألته قائلة: «هل كنت تصرخ؟» ~~«لا، ms071 لم أكن أصرخ. ذلك الصوت الذي سمعته كان صوت أسناني وهي يصطك ~~بعضها ببعض. في بلدي نار مدفأة غرفة الجلوس مصممة لتزودنا بالحرارة ~~وليس للتخلص من القمامة.» # أطالت الفتاة النظر إليه قليلا وكأنها تترجم حديثه إلى لغة مفهومة ~~أكثر، ثم تحركت من جانبه لتلقي نظرة على نار المدفأة. # وقالت: «يا إلهي، ذلك لن يجدي نفعا على الإطلاق. انتظر وسآتيك بجذوة ~~نار.» # ثم غادرت وعادت بما بدا أنه معظم نار المطبخ التي كانت تستعر على ~~رفش. وقبل أن يتمكن جرانت من إزالة بعض الخبث والخضراوات من المدفأة، ~~كانت قد ألقت بالكتلة المشتعلة فوق كل شيء. # وقالت: «سأحضر لك بعض الشاي ليدفئك. السيد تود عند الميناء ينظر فيما ~~آلت إليه الأمور على القارب. سيعود عما قريب.» # قالت ذلك بطريقة تنطوي على التطمين، وكأن وجود المالك سيشعره بالدفء ~~تلقائيا. وافترض جرانت أنها كانت تعتذر عن عدم وجود ترحيب رسمي بأحد ~~الضيوف. # جلس وراح يرقب نار المدفأة وهي تفقد جذوتها تدريجيا؛ إذ أدركت وجود ~~طبقة قشر البطاطا التي طرحت عليها. وقد بذل قصارى جهده من أجل إشعال ~~بعض من الكتلة السوداء الرطبة تحت النار من أجل توفير شيء جاف مشجع ~~على اشتعال النار، لكن كل شيء انتهى به الحال في مجرد كومة حزينة. ~~راقب وهج النار وهو يخبو حتى لم يتبق سوى توهج أحمر صغير دودي راح ~~يتردد جيئة وذهابا عبر سطح الفحم الأسود، بينما كانت الرياح المارة ~~تسحب الهواء من الغرفة إلى داخل المدخنة. فكر في ارتداء معطفه ~~المضاد للماء والسير تحت المطر؛ يمكن أن يكون السير تحت المطر شيئا ~~باعثا على السرور. لكن فكرة تناول الشاي الساخن جعلته لا يراوح ~~مكانه. # وبعد ساعة تقريبا ظل فيها يراقب النار، لم يأته أي شاي. لكن «السيد ~~تود؛ المالك» عاد من الميناء وبصحبته صبي يرتدي قميصا صوفيا أزرق ~~داكنا ويدفع عربة محملة بكراتين كبيرة من الورق المقوى، ودخل لتحية ~~ضيفه. قال إنهم لم يتوقعوا زوارا في هذا الوقت من العام، وظن حين ~~رآه يغادر القارب ms072 أنه سيمكث مع شخص ما من الجزيرة. ينظمان الأغاني، أو ~~شيئا من هذا القبيل. # كان ثمة شيء ما في الطريقة التي قال بها «ينظمان الأغاني» - نبرة ~~محايدة تكاد تكون تعليقا - جعل جرانت واثقا من أنه لم يكن من السكان ~~الأصليين. # وحين سئل، قال السيد تود إنه لم يكن ينتمي للمكان. كان يملك فندقا ~~تجاريا صغيرا في منطقة الأراضي المنخفضة، لكن هذا الفندق يروق له ~~أكثر. وعندما رأى أمارات الدهشة على وجه ضيفه أضاف قائلا: «أصدقك ~~القول يا سيد جرانت، كنت قد سئمت من الدقاقين على منضدة الاستقبال. ~~كما تعلم: إنهم أولئك الشبان الذين لا يطيقون الانتظار لدقيقة واحدة. ~~هنا لا يفكر أي أحد مطلقا في الدق على المنضدة. لا فارق بين اليوم ~~أو غد أو الأسبوع القادم لمن يعيش في جزيرة. الوضع يبعث على الجنون بعض ~~الشيء أحيانا، حين تريد إنجاز شيء ما، لكنه لا بأس به ومريح أغلب ~~الوقت. إن ضغط دمي منخفض كثيرا.» ثم لاحظ النار. «تلك النار التي ~~أعدتها لك كاتي آن رديئة. من الأفضل أن تأتي إلى مكتبي وتدفئ ~~نفسك.» # في هذه اللحظة أطلت كاتي آن برأسها من الباب، وقالت إنها استغرقت ~~كل هذا الوقت في غلي الماء في الغلاية لأن نار المطبخ انطفأت، وسألت إن ~~كان السيد جرانت يرى الآن أنه من الجيد أن يتناول الشاي ووجبة الشاي ~~دفعة واحدة وفي نفس الوقت. رأى جرانت بالطبع أن هذا أمر جيد، وبينما ~~كانت تغادر لتعد طعام تلك الأمسية طلب من مضيفه شرابا. ~~«لقد سحب القضاة الرخصة من المالك السابق لي، ولم أستعدها بعد. ~~سأستعيدها من محكمة إصدار التراخيص القادمة. لذا لا يمكنني أن أبيع لك ~~شرابا. لا يوجد مكان يملك رخصة لبيع الخمور على الجزيرة. لكن إذا ~~أتيت إلى داخل مكتبي فسيسرني أن أقدم لك الويسكي مجانا.» # كان المكتب عبارة عن مكان صغير للغاية، جوه استوائي بفعل حرارته ~~المكتومة. استمتع جرانت بالجو الدافئ كثيرا، وشرب الويسكي السيئ دون ~~تخفيف، كما قدم له. وجلس على الكرسي الذي ms073 أشير إليه أن يجلس عليه، ~~وفرد قدميه نحو النار. # وقال: «إذن أنت لست ذا سلطة على الجزيرة.» # ابتسم السيد تود. وقال بخبث: «أنا كذلك بطريقة ما. ولكن على الأرجح ~~ليس بالطريقة التي تعنيها.» ~~«إلى من ينبغي أن أذهب لأتعرف على المكان؟» ~~«في الواقع، يوجد شخصان لديهما سلطة هنا. الأب هيسلوب والقس السيد ~~ماكاي. وعموما ربما يكون الأب هيسلوب أفضل.» ~~«أتظن أنه الأكثر دراية؟» ~~«لا، إنهما متساويان تقريبا في هذه النقطة. لكن ثلثي سكان الجزيرة ~~من الرومان الكاثوليك. وإن ذهبت إلى الأب، فسيكون ثلث السكان فقط ضدك، ~~بدلا من أن يكون ثلثان ضدك. بالطبع الثلث التابع للكنيسة المشيخية ~~عبارة عن زبائن أسوأ في عداوتهم، لكن إذا كانت الأرقام تهمك فمن ~~الأفضل أن تذهب لمقابلة الأب هيسلوب. من الأفضل أن تذهب للأب هيسلوب ~~على أي حال. أنا ملحد؛ لذا فإنني منبوذ من كلتا الجماعتين، لكن الأب ~~هيسلوب مؤيد للحصول على رخصة لبيع الخمور، والسيد ماكاي يرفض ذلك رفضا ~~قاطعا.» ثم ابتسم مرة أخرى وأعاد ملء كأس جرانت. ~~«أظن أن الأب سيفضل أن يرى الشراب يباع علنا بدلا من أن يشربه ~~الناس سرا.» ~~«بالضبط.» ~~«هل سبق أن استقبلت زائرا أقام هنا اسمه شارل مارتن؟» ~~«مارتن؟ لا. ليس أثناء مدة إدارتي. لكن لو وددت أن تلقي نظرة على ~~سجل الزوار، فهو موضوع على الطاولة في البهو.» ~~«إذا لم يقم أحد الزوار في الفندق، فأين من المرجح أن يقيم؟ في ~~غرف للإيجار؟» ~~«لا، لا أحد يؤجر الغرف على الجزيرة. المنازل صغيرة للغاية على ~~ذلك. إما أن يمكث مع الأب هيسلوب أو في منزل القس.» # وبحلول الوقت الذي أتت فيه كاتي آن لتقول إن الشاي في انتظاره في ~~غرفة الجلوس، كان الدم قد عاد يتدفق بحرية عبر جسد جرانت، الذي كان ~~قبل قليل في حالة جمود وكان جائعا. كان يتطلع إلى وجبته الأولى في ~~«واحة الحضارة الصغيرة وسط عالم همجي» (انظر «جزر الأحلام» بقلم إتش ~~جي إف بينش-ماكسويل، بيل وباتر، 15 / 6). وكان يتمنى ألا يكون الطعام ms074 ~~إما سلمون وإما سلمون مرقطا؛ إذ كان قد اكتفى تماما من كليهما في ~~الأيام الثمانية أو التسعة الماضية. ما كان سيترفع عن قطعة سلمون مرقط ~~مشوية إن كانت كذلك. مشوية ببعض الزبد المحلي. لكنه كان يأمل في ~~سلطعون - إذ كانت الجزيرة تشتهر بالسلطعون - وإن تعذر ذلك فسمكة رنجة ~~من البحر، مقسومة ومقلية بعد غمسها في دقيق الشوفان. # تكونت وجبته الأولى في جزر البهجة من سمكتي رنجة مدخنتين ~~برتقاليتين لامعتين مملحتين تمليحا غير كاف ومخضبتين بوفرة في ~~أبردين، وخبز معد في جلاسكو، وكعك شوفان مخبوز في مصنع في إدنبرة ~~ولم يحمص منذ ذلك الحين، ومربى مصنوعة في دندي، وزبد مصنوع في ~~كندا. وكان المنتج المحلي الوحيد هو جبن كرودي مصفر على هيئة ~~بيضة؛ وهو منتج ثانوي أبيض مفتت لا رائحة له ولا طعم. # كانت غرفة الجلوس في ضوء المصباح غير المظلل أقل فتحا للشهية مما ~~كانت عليه في ضوء فترة ما بعد الظهيرة الرمادي، وهرب جرانت إلى حجرة ~~نومه الصغيرة الشديدة البرودة. طلب زجاجتي مياه ساخنة واقترح على ~~كاتي آن أن تأخذ الأغطية من جميع غرف النوم الأخرى في المكان وتضعها ~~تحت تصرفه بما أنه هو النزيل الوحيد. وفعلت ذلك بكل استمتاع كلتي ~~فطري بالأمور غير المعتادة، فكومت على سريره وسائل الترف المستعارة ~~وهي تختنق من الضحك. # رقد تحت خمس قطع محشوة هزيلة، يعلوها معطفه الخاص ومعطف واق من ~~المطر من ماركة بربري، وتظاهر بأن كل ذلك لحاف إنجليزي واحد جيد ~~محشو بزغب الطيور. وبينما كان شعوره بالدفء يزداد، صار واعيا لجو ~~الغرفة السيئ التهوية البارد. كانت هذه هي القشة الأخيرة، وفجأة راح ~~يضحك. كان راقدا في مكانه ويضحك كما لم يضحك منذ قرابة سنة. ضحك حتى ~~دمعت عيناه، وحتى أنهك تماما ولم يعد يقوى على المزيد ~~من الضحك، ورقد منهوك القوى خالي ~~البال سعيدا تحت مجموعة أغطية الفراش المتنوعة الرائعة. # فكر قائلا لنفسه إن ضحك المرء يصنع أشياء لا توصف بالغدد ~~الصماء، فيشعره بفيضان من الصحة يغمره بمد باعث على ms075 الحياة. وربما ~~بالأخص حين يكون ضحك المرء على نفسه. على سخافته وعبثيته الرائعة ~~المجيدة فيما يتعلق بالعالم. كان الانطلاق نحو أعتاب «تير نان أوج» ~~والوصول إلى فندق كلادا يتسم بعبثية شديدة. وإن لم تمنحه الجزر ~~الغربية شيئا سوى ذلك فسيعتبر أنه قد تلقى مكافأة مجزية. # توقف عن الاهتمام بأن تهوية ~~الغرفة سيئة وأن الأغطية غير مستقرة. تمدد ينظر إلى ورق الحائط ~~المثقل بالورود، وتمنى لو كان يستطيع أن يريه للورا. تذكر أنه لم ~~يكن قد نقل بعد إلى غرفة النوم المجددة حديثا في كلون، التي كانت ~~دائما، وحتى الآن، غرفته. هل كانت لورا تنتظر زائرا آخر؟ أيحتمل ~~أنها كانت ستستضيف أحدث اللواتي ترشحن له للزواج تحت سقف المنزل نفسه؟ ~~حتى الآن كان سعيدا وهو بمنأى عن مجتمع الإناث؛ كانت الأمسيات في ~~كلون أمسيات عائلية، هادئة وطويلة. فهل كانت لورا تساعده فحسب حتى ~~يتمكن من ملاحظة أهمية مسألة الزواج؟ كانت متحسرة لدرجة تثير الشك ~~بأنه كان سيفوت افتتاح القاعة الجديدة في مويمور. وهي مناسبة ما ~~كانت لورا في حالتها العقلية الطبيعية ستتوقع منه أن يحضرها على ~~الإطلاق. فهل كانت تنتظر ضيفا في الافتتاح؟ لا يمكن أن يكون الغرض من ~~غرفة النوم هو تجهيزها لليدي كينتالين؛ لأنها ستأتي من أنجوس وستعود ~~بعد ظهر اليوم نفسه. إذن من أجل من أعيد تجهيز هذه الحجرة وأبقيت ~~فارغة؟ # كان لا يزال يفكر في هذا السؤال البسيط حين غلبه النوم. ولم يخطر ~~على باله إلا في الصباح أنه كان يكره النافذة المغلقة لأنها جعلت ~~الغرفة سيئة التهوية وليس لأنها كانت مغلقة. # اغتسل بجالوني الماء الفاتر اللذين أحضرتهما كاتي آن ونزل إلى ~~الطابق السفلي مبتهجا. كان يشعر بأنه في غاية السعادة. تناول خبز ~~جلاسكو الذي ازداد عمره يوما آخر هذا الصباح، وكعك شوفان إدنبرة، ~~ومربى دندي، والزبد الكندي، إلى جانب بعض النقانق من وسط إنجلترا، ~~واستمتع بتناول كل ذلك. وبعد أن تخلى عن توقعاته عن البهاء البدائي، ~~كان مستعدا لتقبل الوجود البدائي. # سر عندما وجد أن آلام ms076 ~~الروماتيزم قد اختفت تماما على الرغم من الريح الباردة والسرير الخشن ~~المغطى بأغطية هزيلة؛ إذ لم يعد عقله الباطن بحاجة إليها لتمثل ~~ذريعة. كانت الريح لا تزال تعوي في المدخنة، والمياه تتفجر متصاعدة من ~~حاجز الأمواج، لكن المطر كان قد توقف. ارتدى معطف المطر وانعطف حول ~~مقدمة الميناء إلى المتجر. كان يوجد مكانا عمل فقط في صف المنازل التي ~~تحف بالميناء، وهما مكتب للبريد ومتجر لبيع المواد الغذائية. كان ~~هذان المكانان معا يمدان الجزيرة بكل ما تحتاج إليه. إذ كان مكتب ~~البريد يبيع الصحف أيضا، وكان متجر المواد الغذائية مزيجا من بائع ~~خضر، وخردواتي، وصيدلاني، وبائع أقمشة، ومتجر أحذية، وبائع تبغ، ~~وبائع خزف، وبائع لمستلزمات القوارب والسفن. كانت لفات القماش القطني ~~الأبيض المزين بأنماط ملونة، المستخدم لصناعة الستائر أو ~~الفساتين؛ موضوعة على الأرفف بجوار علب البسكويت، ولحم الخنزير ~~المدخن يتدلى من السقف وسط صفوف من الثياب التحتية المصنوعة من ~~نسيج متداخل. اليوم لاحظ جرانت أنه توجد أيضا طاولة خشبية كبيرة من ~~الكعكعات الرخيصة المخبوزة في أوبان، إن كانت الورقة التي تلتف بها ~~الكعكات الصغيرة صادقة. كانت تلك الكعكات رديئة ومبططة، وكأنها أخذت ~~تتقلب هنا وهناك في إحدى الكراتين المصنوعة من الورق المقوى، التي ~~كانت جزءا لا يتجزأ من الحياة على الجزيرة، وكان يفوح من الكعكات ~~رائحة خافتة جدا للبارافين، لكن جرانت افترض أن تلك الكعكات كانت ~~مختلفة عن خبز جلاسكو. # في المتجر كان هناك عدة رجال من قوارب الصيد في الميناء ورجل قصير ~~بدين يرتدي معطفا أسود واقيا من المطر لا يمكن أن يكون سوى قس. كان ~~هذا من حسن طالعه. إذ شعر أنه حتى الثلث التابع للكنيسة المشيخية لا ~~يملك أن يأخذ عليه لقاء وليد الصدفة في متجر عام. اقترب جرانت من ~~نيافته حتى صار بجواره وانتظر معه، بينما كان الصيادون يتلقون ~~الخدمات التي أتوا من أجلها. بعد ذلك كانت الأمور في غاية السهولة. ~~«تجاذب» القس معه أطراف الحديث ليتعارفا، وكان هناك خمسة شهود على ذلك. ~~وعلاوة على ذلك، ms077 أدخل الأب هيسلوب بلباقة صاحب المتجر، المدعو دنكان ~~تافيش، في المحادثة، ومن واقع أن الأب هيسلوب دعاه بالسيد تافيش وليس ~~دنكان، استنتج جرانت أن صاحب المتجر لم يكن أحد رعيته. وهكذا رأى بسرور ~~كبير أنه لم يحسب على أي من الطائفتين في الجزيرة، وما كانت ستدور ~~حرب ضروس للاستحواذ عليه. # ثم خرج إلى الجو المشوب بريح شديدة مع الأب هيسلوب، وسارا معا حتى ~~المنزل. أو بالأحرى صارعا الريح معا، فكانا يتقدمان بضع خطوات في كل ~~مرة، ويتعالى صوت أحدهما بالتعليقات للآخر حتى يعلو صوته فوق ضوضاء ~~ملابسهما التي ترفرف من فعل الرياح. وكان جرانت يحظى بميزة لم يحظ ~~بها رفيقه، وهي أنه لم يكن يرتدي قبعة، لكن الأب هيسلوب لم يكن أقصر ~~فحسب، وإنما كان يحظى بجسد يتسم بانسيابية مثالية للعيش وسط الريح ~~العاتية. لم تكن توجد أي زوايا في جسده. # كان من الجيد أن يأويا من العاصفة إلى دفء نار الخث والسكون. # صاح الأب هيسلوب باتجاه الطرف الأقصى من المنزل: «موراج! بعض الشاي ~~لي ولصديقي هنا. وربما كعكة، أيتها الفتاة الصالحة.» # لكن موراج لم تكن قد خبزت، شأنها في ذلك شأن كاتي آن. قدم لهما ~~بسكويت ماري، وكان طريا بعض الشيء بفعل رطوبة الجزيرة. لكن الشاي كان ~~رائعا. # ولأنه كان يعرف أنه محل فضول الأب هيسلوب، وكذلك كل من في الجزيرة، ~~فقد قال إنه كان يصطاد مع أقاربه في اسكتلندا، لكنه اضطر لأن يتوقف ~~جراء إصابة في كتفه. ولأن فكرة الجزر الغربية كانت تستحوذ عليه، ~~وخاصة الرمال المغنية في كلادا، فقد انتهز فرصة مجيئه لكي يراها، وهي ~~فرصة ربما لن تتاح له مجددا أبدا. وقال إنه يظن أن الأب هيسلوب على ~~دراية تامة بالرمال، أليس كذلك؟ # أوه، بلى، بالطبع كان الأب هيسلوب يعرف الرمال. لقد عاش على الجزيرة ~~خمسة عشر عاما. كانت على الجانب الغربي من الجزيرة في مواجهة المحيط ~~الأطلنطي. لم تكن المسافة عبر الجزيرة كبيرة. يمكن لجرانت أن يسير إلى ~~هناك عصر هذا اليوم. ~~«أفضل أن أنتظر ms078 جوا صحوا . سيكون من الأفضل رؤيتها في نور ~~الشمس، أليس كذلك؟» ~~«في هذا الوقت من السنة قد تنتظر أسابيع طويلة قبل أن تراها في ضوء ~~الشمس.» ~~«ظننت أن الربيع حل مبكرا على الجزر، أليس ذلك صحيحا؟» ~~«أوه، في رأيي أن هذه فكرة مصدرها الأشخاص الذين يؤلفون كتبا عن ~~تلك الجزر. هذا هو الربيع السادس عشر لي على جزيرة كلادا، ولم يحدث ~~بعد أن حل الربيع قبل موعده.» ثم أضاف بابتسامة خفيفة: «الربيع من ~~سكان الجزر هو الآخر.» # تبادلا الحديث عن الطقس، والعواصف الشتوية (التي تعتبر ريح اليوم ~~نسيما عليلا مقارنة بها، بحسب رأي الأب هيسلوب)، وعن الرطوبة التي ~~تخترق العظام، وعن أيام الصيف المثالية التي تأتي لماما. # كان جرانت يريد أن يعرف السبب الذي يجعل مكانا كهذا به معالم قليلة ~~يسلب لب الكثير من الناس. # في الواقع، يعود السبب من ناحية إلى أنهم رأوا الجزيرة في ذروة ~~الصيف، ومن ناحية أخرى إلى أن أولئك الذين أتوا وأصيبوا بخيبة أمل ~~أحجموا عن الاعتراف بخيبة أملهم، سواء لأنفسهم أو لأصدقائهم في الديار. ~~كانوا يعوضون أنفسهم بالتفاخر. لكن كان من وجهة نظر الأب هيسلوب أن ~~معظم من أتوا كانوا يهربون من الحياة بغير وعي منهم، ووجدوا ما أعدت ~~لهم مخيلتهم. لذا كانت الجزر الغربية جميلة في أعينهم. # فكر جرانت مليا في هذا، ثم سأله إن كان قد عرف من قبل أحدا ~~يدعى شارل مارتن كان مهتما بالرمال المغنية. # لا، لم يلتق الأب هيسلوب من قبل بشخص يدعى شارل مارتن، بحسب ما ~~يتذكر. هل أتى إلى كلادا؟ # لم يكن جرانت يعرف ذلك. # خرج جرانت إلى العاصفة، وظلت تدفعه عائدا إلى الفندق في هرولة ~~مهينة، مترنحا على أطراف أصابعه مثل عجوز سكير. كانت تفوح من بهو ~~الفندق الخاوي رائحة طعام ساخن لا يمكن تحديده، ويسمع فيها صوت ~~كأنه جوقة تغني؛ إذ أقبلت الرياح تصطرخ من تحت الباب الخارجي. لكنهم ~~كانوا قد تمكنوا من إعداد نار تبدو كالنار في غرفة الجلوس. وعلى صراخ ~~الريح في الممر ms079 وعوائها في المدخنة تناول لحما من أمريكا الجنوبية، ~~وجزرا معلبا في لينكولنشاير، وبطاطا مزروعة في موراي، وبودنج ~~الحليب المعبأ في شمال لندن، وفاكهة معبأة في وادي إيفيشام. والآن ~~إذ لم يعد جرانت مرهونا بالسحر، ملأ معدته بما يوضع أمامه شاكرا. ~~وإذا كانت كلادا قد حرمته البهجة الروحية فقد منحته شهية جسدية ~~رائعة. # قال جرانت حين كان يرتب موعد تناوله وجبة الشاي: «ألا تخبزين قريصات ~~الكعك مطلقا يا كاتي آن؟» # فقالت مدهوشة: «أتريد قريصات كعك؟ بالطبع أفعل، سأخبز لك بعضا ~~منها. لكن لدينا كعكات مصنوعة عند الخباز لتتناولها مع الشاي. وبسكويت، ~~وقطع الزنجبيل. أتفضل قريصات الكعك بدلا من ذلك؟» # تذكر جرانت «الكعكات المصنوعة عند الخباز»، فقال في حماسة إنه يفضل ~~قريصات الكعك، يفضلها بكل تأكيد. # فقالت بنبرة لطيفة: «حسن إذن، بالطبع، سأخبز لك قريصة ~~كعك.» # ظل جرانت يسير مدة ساعة على طريق رمادي مستو وقفار رمادية ~~ممتدة. على يمينه، بعيدا وسط الضباب، كان هناك تل، وكان المرتفع ~~الوحيد الذي يمكن رؤيته. كان الأمر برمته يحرك في النفس إحساس ~~المسير في هور في يوم من أيام شهر يناير الرطبة. وبين الحين والآخر ~~كانت الريح القادمة من جانبه الأيسر تخرجه عن الطريق تماما وهو يدور ~~جانبيا حول نفسه، فكان يجاهد للعودة إلى الطريق، يخالجه إحساس ~~باستمتاع مختلط بالسخط. وعلى مسافات بعيدة، كانت أكواخ غريبة تجثم ~~منكمشة على مقربة من الأرض، وكانت مصمتة وتشبه البطلينوس في هيئتها، ~~وليس فيها أي إشارة على وجود بشر. كان لبعض هذه الأكواخ حجارة تتدلى ~~بحبال من السقف لتعطي ثقلا للبناء في مواجهة الرياح المستمرة. لم يكن ~~لأي من تلك الأكواخ سور أو مبنى إضافي أو حديقة أو شجرة. كانت حياة ~~بدائية للغاية؛ بين أربعة جدران، وكل شيء بمنأى عن الأعين ومعد ~~لمواجهة مصاعب محتملة. # وفجأة صارت الريح برائحة الملح. # وفي أقل من نصف ساعة وصل إلى مبتغاه. وصل دون سابق إنذار، عبر أرض ~~قفر شاسعة مكسوة بعشب أخضر رطب، لا بد أنها تكون مرصعة بالأزهار ~~في فصل الصيف. ms080 لم يكن يوجد سبب واضح يفسر عدم امتداد هذه المستويات ~~الطويلة من الأرض العشبية بلا نهاية حتى الأفق؛ كان كل شيء جزءا من ~~هذا العالم الرمادي المنبسط من الأرض السبخة. كان قد استعد لمتابعة ~~السير حتى إلى الأفق؛ لذا فقد ذهل حين وجد أن الأفق يمتد لمسافة ~~عشرة أميال في البحر. كان المحيط الأطلنطي منبسطا أمامه، ومع أنه لم ~~يكن جميلا فقد كان مثيرا للإعجاب في امتداده وبساطته. كانت المياه ~~القذرة الخضراء - القذرة وغير المستوية - تزأر على الشاطئ وترتطم به ~~محدثة وميضا أبيض رهيبا. عن يمينه وعن شماله، كانت خطوط الأمواج ~~المتلاطمة الطويلة والرمال الشاحبة تمتد على مرمى البصر. لم يكن يوجد ~~شيء آخر في العالم سوى البحر الأخضر الهائج والرمال. # وقف في مكانه ينظر إلى البحر ويتذكر أن أقرب بر على الجانب الآخر ~~هو أمريكا. لم يكن قد اختبر من قبل ذلك الشعور العجيب الذي يتولد عن ~~المساحات غير المحدودة منذ وقف في صحراء شمال أفريقيا. ذلك الشعور ~~بالتضاؤل. # كان وجود البحر مفاجئا للغاية، وكان غضبه وامتداده غامرين، حتى إنه ~~وقف مكانه كأن على رأسه الطير لحظات طويلة قبل أن يدرك أن الرمال ~~التي أحضرته إلى حافة العالم الغربي في شهر مارس كانت موجودة هنا. كانت ~~هذه الرمال هي الرمال المغنية. # لم يكن هناك شيء يغني اليوم سوى الرياح والمحيط الأطلنطي. كانا معا ~~يحدثان جلبة كأنها موسيقى فاجنر، كانت تكاد تصدم المرء جسديا ~~مثلما تفعل العاصفة ورذاذ الموج. كان العالم أجمع ضجة جنونية من ~~اللونين الأخضر الرمادي والأبيض والضوضاء الجامحة. # سار على الرمال البيضاء ~~الناعمة إلى حافة المياه، وسمح لذلك الهدير أن يغشاه. من مسافة قريبة ~~كانت له ميزة لا شعورية بددت شعوره غير المريح بالتضاؤل وجعلته يشعر ~~بإنسانيته وتفوقه. أدار ظهره له على نحو يكاد يتسم بالازدراء، ~~مثلما يفعل المرء مع طفل غير مهذب تصرف بطريقة حمقاء أو محرجة ~~على مرأى ومسمع من الجميع. شعر بالدفء وبالحياة تدب في جسده وبأنه ~~سيد نفسه؛ شعر بأنه ذكي ذكاء مثيرا ms081 للإعجاب، وأنه واع على نحو ~~يثلج الصدر. عاد أدراجه سائرا على الرمال، وهو مغتبط غبطة غير ~~منطقية ومفرطة بأنه بشر وعلى قيد الحياة. حين أدار ظهره للرياح ~~المالحة الناضبة القادمة من البحر، كان الهواء الذي أتاه من اليابسة ~~لطيفا ودافئا. كان أشبه بالهواء الذي تلقاه حين انفتح باب المنزل. ~~تابع مسيره على الأرض العشبية من دون أن يلتفت خلفه مرة واحدة. لاحقته ~~الرياح على طول الأراضي السبخة المنبسطة، لكنها لم تعد في وجهه ولم ~~تعد رائحة الملح في أنفه. كان أنفه ممتلئا برائحة الأرض الرطبة ~~الطيبة؛ رائحة الأشياء التي تنمو وتزدهر. # كان سعيدا. # وحين وصل أخيرا أسفل المنحدر إلى الميناء رفع بصره إلى التل الواقف ~~وسط الضباب، وقرر أنه سيتسلقه غدا. # عاد إلى الفندق جائعا، وشعر ~~بالامتنان حين لم يقدم له في وجبة الشاي سوى شيئين من صناعة محلية. ~~أحدهما كان طبقا من قريصات الكعك أعدته كاتي آن، والآخر كان ~~«سليشاكس»؛ وهو طعام شهي كان يعرفه منذ زمن طويل. كان سليشاكس عبارة ~~عن بطاطا مهروسة ومقلية في شكل شرائح؛ ولا شك في أنها ساعدته في فتح ~~شهيته لما تبقى من اللحم البارد المتبقي من طعام الغداء، والذي كان ~~الطبق الرئيسي في الوجبة. لكن وبينما كان يتناول طبقه الأول ظلت ~~تداعب أنفه رائحة ذكرته بأيام منطقة ستراثسبي الخوالي، وكانت أكثر ~~إثارة للعواطف والذكريات حتى من طبق سليشاكس. كانت الرائحة حادة ~~وخفيفة في نفس الوقت، وكانت تجوب أرجاء ذهنه في نشوة مثيرة من الحنين ~~إلى الماضي. ولم يعرف ماهية تلك الرائحة إلا حين غرس سكينه في إحدى ~~الكعكات التي أعدتها كاتي آن. كان الكعك مصفرا بفعل الصودا وغير ~~صالح للأكل إلى حد كبير. وبتحية، متسمة بالحسرة، لكاتي آن من أجل ~~الذكرى التي أحيتها (طبق مليء بالكعك المصفر المشبع بالصودا، موضوع ~~على طاولة مطبخ المنزل الريفي لتناوله مع الشاي، أوه، «تير نان أوج»!) ~~دفن كعكتين من كعكات كاتي آن تحت الفحم الملتهب في المدفأة واكتفى ~~بخبز جلاسكو. # وفي تلك الليلة خلد جرانت إلى ms082 الفراش من دون أن ينظر إلى ورق الحائط ~~أو يتذكر النافذة المغلقة على الإطلاق. # | الفصل السابع # في الصباح تقابل مصادفة مع نيافة القس السيد ماكاي في مكتب البريد ~~وشعر بأنه يوزع أفضاله بنجاح كبير. كان السيد ماكاي في طريقه إلى ~~الميناء ليرى ما إذا كان طاقم قارب صيد سويدي قابع هناك يرغب في ~~المجيء إلى الكنيسة إن كانوا سيظلون موجودين حتى يوم بعد غد. وعرف أنه ~~توجد أيضا سفينة هولندية، يفترض أنها تتبع مذهب الكنيسة المشيخية. ~~وإن أظهروا أمارات على الرغبة في المجيء فسيقوم بإعداد عظة بالإنجليزية ~~من أجلهم. # تبادل مع جرانت حديثا عن الطقس السيئ. كان الوقت من العام لا يزال ~~مبكرا على المجيء إلى الجزر الغربية، لكنه رأى أن على المرء أخذ ~~إجازات حين تسنح له الفرصة لذلك. ~~«لعلك مدرس في مدرسة يا سيد جرانت.» # أجاب جرانت بالنفي، وقال إنه موظف حكومي. كانت تلك هي إجابته ~~المعتادة على الأسئلة بشأن مهنته. كان الناس على استعداد لتصديق أن ~~موظفي الحكومة هم كائنات بشرية، لكن لم يصدق أحد من قبل أن رجل ~~الشرطة كذلك. كانوا يتعاملون مع رجال الشرطة على أنهم شخصيات كرتونية ~~مرسومة ترتدي أزرارا فضية وتمسك بمفكرة. ~~«ستندهش إن رأيت الحال الذي تبدو عليه الجزر في شهر يونيو يا سيد ~~جرانت؛ إذ لم يسبق لك أن جئت إلى هنا. لا توجد غيمة واحدة في السماء، ~~يوما تلو الآخر، والهواء ساخن لدرجة أنك تراه يتراقص أمامك. والسراب ~~جامح كما هو حاله دوما في الصحراء.» ~~«هل ذهبت إلى شمال أفريقيا؟» # أجل، ذهب السيد ماكاي إلى شمال أفريقيا مع الاسكتلنديين. قال: ~~«وصدقني يا سيد جرانت، رأيت أشياء من نافذتي في منزل القس هناك أغرب ~~من أي شيء رأيته بين مدينتي العلمين وطرابلس. رأيت المنارة هناك تقف ~~في الهواء. أجل، في السماء. رأيت التلال هناك تغير أشكالها حتى بدت ~~كفطر عيش غراب عظيم. أما الأحجار على ساحل البحر؛ تلك الأعمدة الحجرية ~~العظيمة، فيمكنها أن تصير خفيفة وشفافة وتتحرك في الأرجاء وكأنها ~~تسير ms083 على نهج خطوات رقصة «لانسرز».» # فكر جرانت في ذلك باهتمام، وتوقف عن الإصغاء لبقية حديث السيد ~~ماكاي. وحين ترك السيد ماكاي بجوار قارب الصيد السويدي «آن لوفكويست» ~~من جوتبرج، أبدى أمله في أن يأتي جرانت إلى سهرة «كايلي» الليلة. ستكون ~~الجزيرة كلها هناك، وسيستمع إلى بعض الغناء الجميل. # وحين سأل مضيفه عن سهرة «كايلي» وعن مكان إقامتها، قال السيد تود ~~إنها ستشمل المزيج المعتاد من الغناء والحديث، وستنتهي بالرقصة ~~المعتادة، وإنها ستقام في المكان الوحيد الملائم على الجزيرة لمثل هذه ~~التجمعات؛ قاعة بيريجرين. ~~«لماذا اسم بيريجرين؟» ~~«ذاك هو اسم السيدة التي تبرعت بها. كانت معتادة على المجيء إلى ~~الجزيرة صيفا، وكانت تساند مساندة كاملة تحسين التبادل التجاري ~~وتحقيق الاكتفاء الذاتي لسكان الجزيرة؛ لذا شيدت كوخا طويلا جميلا ~~بنوافذ كبيرة وكوات في سقفه حتى يتسنى لسكان الجزيرة أن ينسجوا ~~الصوف برفقة بعضهم بعضا دون أن يتلفوا أعينهم على النول في غرف ~~صغيرة مظلمة. قالت إن عليهم أن يتعاونوا وينشئوا علامة تجارية خاصة ~~بجزيرة كلادا لأنسجة الصوف ويجعلوها مطلوبة كثيرا، كأنسجة هاريس. كان ~~بإمكان تلك المسكينة أن توفر على نفسها العناء والمال. فلا أحد من ~~ساكني الجزيرة على استعداد لأن يمشي ولو ياردة واحدة للذهاب إلى ~~العمل. إنهم يفضلون العمى على أن يخرجوا ويغادروا بيوتهم. لكن هذا ~~الكوخ مفيد جدا لتجمعات الجزيرة. لماذا لا تأتي اليوم وتلقي نظرة حين ~~يبدأ التجمع؟» # قال جرانت بأنه سيفعل ذلك، وغادر ليقضي بقية اليوم في تسلق تل كلادا ~~الوحيد. لم يكن ثمة ضباب اليوم رغم أن الرياح كانت لا تزال مشبعة ~~بالرطوبة، وفيما كان يصعد التل كان البحر ينبسط ويمتد من تحته، تتناثر ~~فيه الجزر ويتخلله المد والجزر. وفي مواضع مختلفة تجد خطا ~~منفردا، مستقيما استقامة غير طبيعية في نسق الطبيعة هذا، دالا على ~~مسار إحدى السفن. من أعلى كان عالم الجزر الغربية كله تحت قدميه. جلس ~~هناك يفكر في الأمر؛ ذلك العالم القاحل المحاط بالمياه، وبدا له أنه ~~أكثر العوالم عزلة. عالم انبثق، في جانب ms084 منه، من الفوضى، أرض خربة ~~وخالية. أطرق بعينيه إلى كلادا نفسها، وكان من المستحيل أن يميز ما ~~إذا كان ينظر إلى يابسة تعج بالبحيرات أم إلى بحر يعج بالجزر؛ ذلك ~~أن البحر واليابسة كانا مختلطين جدا. كان مكانا من الأفضل أن يترك ~~للإوز الرمادي والفقمات. # لكنه كان سعيدا في موقعه هناك بالأعلى؛ إذ كان يرقب الأنماط ~~المتغيرة على سطح البحر، بألوان الرمادي والأخضر والبنفسجي، ويراقب ~~طيور البحر التي تحلق لتتفقده، ورفرفة طيور الزقزاق الساكنة للأعشاش ~~في السهل. أخذ يفكر في السراب الذي تحدث عنه السيد ماكاي والأحجار ~~التي تسير. أخذ يفكر، ولم يتوقف قط عن التفكير لأي فترة من الوقت، في ~~راكب المقصورة «بي 7». هنا كان عالم راكب المقصورة «بي 7»، بحسب ~~المواصفات التي ذكرها. الرمال المغنية، الوحوش المتكلمة، والأحجار ~~السائرة، والأنهار الراكدة. ما الذي كان ينوي راكب المقصورة «بي 7» ~~فعله هنا؟ مجرد أن يأتي ويشاهد كما فعل هو؟ # انطلاق بسرعة البرق، مع حقيبة سفر صغيرة. كان ذلك بالتأكيد ينذر ~~بأحد أمرين؛ مقابلة أو تحقيق. ولأن أحدا لم يفتقده بعد، فلا يمكن أن ~~تكون تلك مقابلة. لذا كان هذا تحقيقا. ويمكن للمرء أن يتحقق من الكثير ~~من الأشياء؛ منزل، أو احتمالية ما، أو لوحة فنية. لكن إذا كان المرء ~~مدفوعا لكتابة الشعر وهو في الطريق، فالشعر إذن كان مؤشرا إلى الشيء ~~موضوع التحقيق. # فما الذي قيد راكب المقصورة «بي 7» بهذا العالم الكئيب؟ هل كان ~~يفرط في قراءة كتب إتش جي إف بينش-ماكسويل وأمثاله؟ هل نسي أن الرمال ~~الفضية والأزهار البرية والبحار ذات اللون الأزرق الياقوتي هي أشياء ~~موسمية تماما؟ # من على قمة التل في كلادا، بعث جرانت بتحية إلى راكب المقصورة «بي 7» ~~وترحم عليه. فلولا راكب المقصورة «بي 7» ما كان سيجلس فوق هذا العالم ~~المشبع بالمياه شاعرا وكأنه ملك. كان يشعر وكأنه ولد من جديد ~~وبأنه يملك زمام نفسه. كان الآن أكثر من مجرد مناصر لراكب المقصورة ~~«بي 7»: كان مدينا له. كان خادمه. # وبينما كان يغادر المأوى الذي وجده لنفسه ضربته ms085 الريح في صدره، فمال ~~للأمام مستقبلا إياها بصدره وهو ينزل التل كما اعتاد أن يفعل حين كان ~~صبيا، فكانت بمثابة دعامة له، وكان يمكن أن ينزل التل وهو يكاد يتردى ~~بطريقة مذهلة للغاية ويظل آمنا. # سأل جرانت مضيفه وهما يترنحان في الظلام بعد العشاء في طريقهما نحو ~~تجمع «كايلي»: «كم تدوم العواصف في هذا الجزء من العالم عادة؟» # قال السيد تود: «ثلاثة أيام على الأقل، لكن ذلك لا يحدث كثيرا. ففي ~~الشتاء الماضي ظلت العاصفة تهب طيلة شهر كامل. إنك تعتاد على ~~هديرها حتى إنه لو اختفى لحظة تحسب أنك أصبت بالصمم. من الأفضل لك أن ~~تعود بالطائرة حين تغادر بدلا من عبور مضيق منش في هذا الطقس. معظم ~~الناس يستخدمون الطائرات الآن، حتى كبار السن الذين لم يروا قطارا في ~~حياتهم. إنهم يثقون بالطائرات ثقة عمياء.» # فكر جرانت في أنه قد يعود بالطائرة بالفعل. وأنه لو انتظر عدة أيام ~~أخرى، إن تسنى له مزيد من الوقت ليزداد اعتيادا على سعادته التي ~~اكتشفها حديثا، فقد يستخدم الرحلة الجوية كاختبار. سيكون اختبارا ~~شديدا جدا؛ أشد اختبار يمكن أن يضع نفسه فيه. إن احتمالية أن يحشر ~~أي شخص مصاب برهاب الأماكن المغلقة في مساحة صغيرة ويعلق بلا حول ~~ولا قوة في الهواء هي بمثابة رعب محض. وإذا واجه ذلك من دون أن يجفل، ~~واجتازه من دون كارثة، فيمكنه أن يعلن أنه قد شفي. سيعود رجلا كما ~~كان. # لكنه سيتمهل قليلا؛ كان الوقت لا يزال مبكرا على أن يسأل نفسه هذا ~~السؤال. # كان تجمع «كايلي» قد بدأ منذ عشرين دقيقة حين وصلا، فوقفا مع بقية ~~الحضور من الرجال في الخلف. ولم يكن يجلس على الكراسي في القاعة سوى ~~النساء والعجزة. كان الحضور من الرجال يصطفون على الحائط في الخلف ~~ويتجمعون حول المدخل، عدا صف من الرجال يجلسون في المقدمة، حيث جلست ~~الشخصيات المهمة في الجزيرة (دنكان تافيش، التاجر الذي كان بمثابة ملك ~~غير متوج في كلادا، وممثلا الكنيستين، وبعض الشخصيات الأقل أهمية). ~~لاحظ ms086 جرانت أن هذا التجمع كان ذا طابع عالمي غير عادي، وذلك حيث كان ~~الحضور من خارج الجزيرة يفسحون لهما الطريق؛ وكان كل من السويديين ~~والهولنديين قد أتوا بأعداد كبيرة، وكان توجد لهجات تنتمي إلى ساحل ~~أبردينشاير. # كانت فتاة تغني بطبقة سوبرانو رفيعة. وكان صوتها عذبا وصادقا لكنه ~~خال من التعبير. كان أشبه بمحاولة شخص أن يمرر الهواء في ناي. تلاها ~~شاب واثق من نفسه تلقى تصفيقا وترحيبا، وأخذ يتباهى بذلك بطريقة ~~واضحة وصار الأمر مضحكا، حتى إن المرء لينتظر أن ينفش ريش صدره وكأنه ~~طائر. بدا أنه شخصية محبوبة كثيرا لدى الحضور من الغيليين المنفيين ~~على البر الرئيسي، وقد أمضى الجمهور وقتا في مطالبته بالغناء مجددا ~~أطول مما أمضى في حقله المهمل. غنى أغنية حماسية قصيرة بدرجة صوت ~~خشنة مرهقة وتلقى تصفيقا حادا. مما أدهش جرانت قليلا أن هذا ~~الشاب لم يكلف نفسه من قبل عناء أن يتعلم أساسيات الغناء. لا بد أنه ~~قد التقى أثناء رحلاته القصيرة إلى البر الرئيسي بمغنين حقيقيين ~~تعلموا كيفية استخدام أصواتهم؛ كان من المذهل حتى في حالة شخص مغرور ~~وتافه مثله أنه لم يفكر قط في تعلم أسس الفن الذي امتهنه. # غنت امرأة أخرى أغنية أخرى خالية من التعبير بمقام كونترالتو، ~~وقص رجل قصة طريفة. وعدا العبارات القليلة التي كان قد تعلمها من ~~المسنين في ستراثسبي حين كان طفلا، لم يكن جرانت يفهم اللغة الغيلية ~~مطلقا، وكان يستمع كما لو كان يستمع إلى شيء مسل بالإيطالية أو ~~التاميلية. كان الأمر كله مملا جدا، باستثناء البهجة التي وجدها ~~الناس أنفسهم في ذلك الأمر. كانت الأغاني متواضعة على الصعيد الموسيقي، ~~بل إن بعض الأغاني كانت سيئة إلى درجة مستهجنة. وإن كان هذا هو الشيء ~~الذي يأتي الناس إلى جزر هيبريديز ويتجمعوا لأجله، فإن الأمر لم يكن ~~يستحق التجمع. لقد جابت الأغاني الملهمة القليلة سائر أنحاء العالم ~~بأجنحتها الخاصة، شأنها في ذلك شأن كل ثمار الإلهام. لذا كان من الأفضل ~~أن تنبذ محاولات التقليد الضعيفة هذه حتى ms087 تخمد . # وطوال الحفل كانت ثمة حركة مستمرة من الدخول والخروج بين الرجال في ~~الجزء الخلفي من القاعة، لكن جرانت كان يعلم ذلك ويلاحظه فقط باعتباره ~~أمرا لا بد منه، إلى أن ضغط أحدهم على ذراعه وسمع في أذنه شخصا يقول ~~له: «أتود أن تحصل على بعض من الشراب؟» فأدرك أن ضيافة الجزيرة تعرض ~~عليه حصة من أندر سلعة في اقتصادها. وحيث إنه كان من غير اللائق أن ~~يرفض، شكر جرانت فاعل الخير، وتبعه إلى العتمة في الخارج. وعلى جدار ~~قاعة الاجتماع المدابر للريح كانت أقلية ممثلة لرجال كلادا تستند عليه ~~في صمت قانع. دفع أحدهم في يده بزجاجة مسطحة سعتها تعادل فنجاني ~~شاي. فقال: «في صحتك!» وأخذ منها جرعة كبيرة. استعادت يد أخرى ~~الزجاجة منه مسترشدة بعين متمرسة في الظلام أكثر من عينه، وتمنى له ~~صوت دوام الصحة. ثم تبع صديقه المجهول عائدا إلى القاعة المضاءة. ~~وبعد قليل رأى السيد تود أحدهم يضغط على ذراعه خلسة، فمضى السيد تود ~~أيضا إلى الخارج في العتمة ليحظى بشيء من تلك الزجاجة. فكر جرانت في ~~أن هذا لا يمكن أن يحدث في أي مكان آخر. عدا الولايات المتحدة أثناء ~~فترة حظر الكحوليات. لا عجب كثيرا في أن الاسكتلنديين كانوا حمقى ~~وماكرين ومتظاهرين بالخجل فيما يتعلق بالويسكي. (عدا في ستراثسبي ~~بالطبع، حيث يصنع الويسكي. في ستراثسبي كانوا يضعون الزجاجة في منتصف ~~الطاولة كما يفعل الإنجليز في واقع الأمر وإن كانوا يفعلون ذلك بقدر ~~أكبر قليلا من الفخر.) ولا عجب كثيرا في أنهم كانوا يتصرفون وكأن ~~الحصول على شراب الويسكي أمر يتسم بالجرأة، ناهيك عن وصفه بأنه مجازفة. ~~الأمر المثير للدهشة أن النظرة الخبيثة المتسمة بالدراية التي يشير ~~بها الشخص الاسكتلندي العادي إلى مشروبه الوطني لا يمكن إلا أن تأتي من ~~معرفة متوارثة بالحظر، إما من الكنيسة أو من القانون. # أخذ جرانت، مستدفئا بالشربة التي أخذها من الزجاجة المسطحة، يستمع ~~بأناة إلى دنكان تافيش وهو يتحدث بثقة ويسهب في الحديث باللغة الغيلية. ~~كان يقدم ضيفا ms088 أتى من مكان بعيد ليتحدث إليهم. ضيف لم يكن في حاجة ~~لتقديم منه أو من أي أحد؛ ضيف تتحدث إنجازاته عن نفسها. (ومع ذلك راح ~~دنكان يتحدث عنها مطولا.) لم تلتقط أذنا جرانت اسم الضيف باللغة ~~الغيلية، لكنه أدرك أن المارقين أتوا من الخارج متجمعين عند سماعهم ~~صوت التصفيق والهتاف الذي أعقب خطبة تافيش المنمقة. إما أن المتحدث هو ~~محور الاهتمام الحقيقي للأمسية وإما أن مفعول الويسكي قد تبدد. # راح يراقب في فضول يتسم بالسكون الجسد الصغير وهو ينفصل عن الصف ~~الأول، ويصعد بصعوبة على المسرح بمساعدة البيانو، ويخطو نحو ~~منتصفه. # كان الضيف هو وي آرتشي. # بدا وي آرتشي أكثر غرابة في كلادا مما كان عليه في أرض كلون السبخة؛ ~~فقد كانت قامته غير ملائمة أكثر، ومظهره البهي الشبيه ببهاء ببغاء ~~الكوكاتو أكثر مدعاة للنفور. لم تكن التنورة الاسكتلندية هي رداء سكان ~~الجزر الغربية، ووسط كل هؤلاء الذكور بالألوان الرصينة لملابسهم ~~السميكة الخشنة بدا وي آرتشي أكثر من ذي قبل مثل «دمية تذكارية». ومن ~~دون قلنسوته الجريئة ذات اللون الأخضر الفاقع بدا بطريقة ما عاريا، ~~كرجل شرطة من دون خوذته. كان شعره قليلا جدا ومسحوبا في شكل خيوط ~~رفيعة إلى أعلى رأسه ليخبئ به البقعة الخالية من الشعر. كان يبدو مثل ~~هدية رخيصة من هدايا عيد الميلاد. # ومع ذلك، لم يكن يوجد تصنيف للترحيب الذي حظي به. فباستثناء العائلة ~~المالكة، بصفة شخصية أو بكاملها، لم يستطع جرانت أن يفكر في أي شخص ~~يمكن أن يتلقى ترحيبا واستقبالا مكافئا لما كان وي آرتشي يتلقاه ~~الآن. حتى مع استقطاع تأثير تناول الشراب عند الجزء المدابر للريح من ~~المبنى، كان الأمر مثيرا للذهول. وكان الصمت الذي تبع هذا الترحاب، ~~حين بدأ حديثه، مثيرا للإطراء. تمنى جرانت لو كان بإمكانه رؤية ~~الوجوه. تذكر أن بيلا من جزيرة لويس لم تعجبها محاولاته لإقناعها ~~بفكره عند الباب الخلفي للمنزل، أما رأي بات رانكن فيه فغير قابل ~~للنشر. ولكن سكان الجزيرة هؤلاء، المعزولين عن العالم وعن التنوع ms089 ~~الذي يمكن له وحده أن يعلم الرجل كيف يفرق بين هذا وذاك، ما رأيهم ~~فيه؟ هنا كانت توجد المادة الخام لأحلامه؛ السذاجة والنهم والانشغال ~~بالذات والتبجح. لا يمكن تحويل سكان الجزيرة إلى حكم آخر؛ لأن أحدا ~~لم يحكمهم بأي معنى حقيقي للكلمة. من وجهة نظر سكان الجزيرة أن ~~الحكومة موجودة من أجل استنزاف منافعها وخداعها بعدم سداد مستحقاتها. ~~ولكن يمكن اللعب على طبيعتهم الانفصالية من أجل تنفيرهم من مشاعر ~~التعاطف؛ يمكن شحذ سمة الانتهازية لديهم بإغرائهم بالمنافع. في كلادا، ~~لم يكن وي آرتشي هو التافه المثير للخجل الذي كان عليه في بحيرة لوخان ~~دهو؛ في كلادا كان وي آرتشي مصدر نفوذ محتمل. كانت كلادا وكل الجزر ~~المصاحبة لها تمثل، في التقدير النهائي، قواعد غواصات، ونقاط تهريب، ~~وأماكن انطلاق، وأبراج مراقبة، ومهابط للطائرات، وقواعد دوريات. ماذا ~~كان رأي سكان الجزيرة في جيلسبوج ماك أبروثين وعقيدته؟ تمنى لو كان ~~باستطاعته رؤية وجوه الحاضرين. # أخذ وي آرتشي يتحدث إليهم مدة نصف ساعة بصوته الرفيع الغاضب، بحماسة ~~وحرارة ومن دون توقف، وأنصتوا له من دون صوت. ألقى جرانت نظرة على صفوف ~~المقاعد الموجودة أمامه، وفكر في أنها تبدو أقل امتلاء مما كانت ~~عليه في بداية الأمسية. وكان هذا الأمر مستبعدا جدا حتى إنه صرف ~~انتباهه عن وي آرتشي ليفكر فيه. ولمح حركة خفية فيما بين الصفين ~~الخامس والسادس فتتبعها بعينيه حتى وصلت نهاية الصف. انتصب الشخص صاحب ~~الحركة فظهر أنه كاتي آن. ومن دون إحداث جلبة، وبعينين جادتين ~~مثبتتين على المتحدث، تلاشت كاتي آن نحو الخلف عبر صفوف الرجال واختفت ~~في الخارج. # ظل جرانت يراقب لمدة أطول قليلا فوجد أن عملية الذوبان هذه مستمرة، ~~بين الجالسين من الجمهور وبين الواقفين حول الجدران. كان الجمهور ~~يتسرب خفية أمام ناظري آرتشي. كان هذا غير معتاد على الإطلاق - ~~فالجمهور الريفي سينتظر دائما حتى نهاية العرض مهما كان مملا - حتى ~~إن جرانت التفت إلى السيد تود وهمس سائلا: «لماذا يغادرون؟» ~~«إنهم ذاهبون لمشاهدة الباليه.» ~~«الباليه؟» ~~«التلفزيون. إنها متعتهم ms090 الكبرى . كل شيء آخر يرونه على التلفزيون ما ~~هو إلا نسخة من شيء رأوه بالفعل. المسرحيات والغناء، وكل شيء. لكن ~~الباليه شيء لم يروه من قبل. لن يفوتوا على أنفسهم مشاهدة الباليه ~~لقاء أي شيء أو من أجل أي أحد ... ما المضحك كثيرا في ذلك؟» # لكن جرانت لم يكن يضحك على شغف كلادا بالباليه. كان مبتهجا بالتجريد ~~المستبعد لآرتشي من فاعليته. مسكين آرتشي. مسكين ذلك المغرور الواهم ~~وي آرتشي. لقد تغلبت عليه وضعية «أرابيسك»، وأحبطته «وثبة تصالبية»، ~~وهزمته حركة «بلي». كان الأمر ملائما ومناسبا بصورة مذهلة. ~~«هل ذهبوا بلا عودة؟» ~~«أوه لا، سيعودون من أجل الرقص.» # وقد عادوا بالفعل بأعداد كبيرة. كان كل شخص على الجزيرة حاضرا في ~~الرقصة؛ فالعجزة كانوا يجلسون في حلقة، والمشاركون يصيحون في حماسة ~~بالغة. كان الرقص أقل رشاقة مما كان جرانت معتادا عليه في البر ~~الرئيسي، وأقل جمالا؛ كان المرء يحتاج في الرقص الخاص بمنطقة ~~المرتفعات إلى التنورة الاسكتلندية، والحذاء الجلدي الناعم الذي لا ~~يحدث أي صوت على الأرض، ويجعل الرجل يرقص كشعلة بين ذؤابات السيوف. ~~كان الرقص على الجزيرة يشبه كثيرا الرقص الأيرلندي؛ الكثير من الجمود ~~الأيرلندي المحزن الذي جعل الرقص مجرد حركات قدمين، وليس دفقة من ~~المرح تملأ الإنسان حتى نهاية أطراف أصابع يديه المرفوعتين لأعلى. لكن ~~إن كان الرقص نفسه يفتقر إلى الفن والابتهاج، فقد كانت توجد حالة فرح ~~جماعية رائعة في هذا الأداء الإيقاعي. كانت توجد مساحة كافية، مع بعض ~~الضغط، لثلاث مجموعات، كل واحدة منها من ثمانية أفراد، وعاجلا أو ~~آجلا انجرف الجميع، بمن في ذلك السويديون والهولنديون، في هذا الأداء ~~الجماعي. أطلق كمان وبيانو إيقاعا حرا جميلا (ولأن تلك الرقصة كانت ~~بحاجة إلى فرقة منضبطة، هكذا فكر جرانت وهو يرسل كاتي آن إلى ذراعي ~~رجل سويدي مسرور، كان المرء في حاجة إلى قرع طبول مزدوج ووقفة؛ قد ~~لا يكون هذا إيقاعا أصوليا، ولكنه كان فعالا بلا شك)، وكانت ~~تتزامن حركات أيدي أولئك المستريحين مع الموسيقى. أخذت الريح تعوي على ms091 ~~امتداد الكوات في السقف، وصرخ الراقصون، وعزف الكمان أنغاما شاذة، ~~وصدح البيانو بأصوات عالية، وقضى الجميع وقتا رائعا. # بما في ذلك ألان جرانت. # عاد إلى المنزل يترنح وسط ضربات البرد اللاذعة التي أحدثتها الرياح ~~الجنوبية الغربية التي لا ترحم، وارتمى على الفراش ثملا من المجهود ~~والهواء الطلق. كان يوما مبهجا. # كما كان مفيدا أيضا. سيكون لديه ما يحكيه لتيد هانا حين يعود إلى ~~البلدة. كان يعرف الآن من هم «غربان» آرتشي براون. # هذه الليلة لم ينظر جرانت إلى النافذة المغلقة بتوجس. وأيضا لم ~~ينسها تماما. بل نظر إلى النافذة المغلقة وكان مسرورا بها. لقد ~~استوعب وجهة نظر الجزيرة في وجود نافذة لتمنع وصول طقس الخارج إلى ~~الداخل. # تدثر في عشه القطني المحشو، بعيدا عن الرياح والعواصف، وغط في ~~سبات عميق خال من الأحلام. # | الفصل الثامن # رحل وي آرتشي صباح اليوم التالي حين أطلق «المركب» نداءه في طريقه ~~لنشر النور في كل الأماكن المظلمة الأخرى في مجموعة الجزر. كان قد مكث ~~لدى نيافة القس السيد ماكاي، كما اتضح، وتساءل جرانت عما سيظنه ذلك ~~الأب طاهر الذيل المبعوث إلى أحد أجزاء منطقة المرتفعات إن علم حقيقة ~~ما كان يأويه تحت سقف منزله. أم إن نيافة القس السيد ماكاي أيضا كان ~~مصابا بمرض آرتشي براون؟ # في العموم لم يكن جرانت يظن ذلك. # كان السيد ماكاي يتمتع بالسلطة التي يسعى إليها أي رجل فان؛ إذ كان ~~يحصل على ترضية لغروره صباح كل يوم أحد؛ لقد رأى العالم، ورأى الحياة ~~والموت، وأرواح الناس فيما يتعلق بكليهما، وكان مستبعدا أن يكون لديه ~~توق إلى أمجاد خفية. كان ببساطة مضيفا لشخصية اسكتلندية شهيرة. ~~ذلك لأنه في بلد صغير مثل اسكتلندا كان آرتشي يصنف شخصية شهيرة، ~~ولا شك في أن السيد ماكاي كان مسرورا للغاية باستضافته. # لذا استحوذ جرانت على الجزيرة لنفسه، وطيلة خمسة أيام في صحبة الرياح ~~الناعقة أقام في مملكته الموحشة. كان الأمر أقرب الشبه بالسير بكلب ~~مشاكس؛ كلب يهرع ويسبقك في الممرات الضيقة، ويقفز عليك ms092 بنشوة حتى ~~يكاد يسقطك على ظهرك، ويجرك بعيدا عن الاتجاه الذي تريد أن تسلكه. ~~أمضى أمسياته وقدماه ممدودتان نحو نار غرفة المكتب وهو يستمع إلى قصص ~~السيد تود عن امتلاك حانة في منطقة الأراضي المنخفضة. وكان يأكل ~~بشراهة. فازداد وزنه بصورة واضحة. وكان ينام بمجرد أن يضع رأسه على ~~الوسادة، ولا يستيقظ إلا في الصباح. وبحلول نهاية اليوم الخامس كان ~~مستعدا لأن يواجه مائة رحلة جوية ولا يمضي اثنتي عشرة ساعة أخرى ~~في هذا المكان. # وهكذا في صباح اليوم السادس وقف جرانت على مسطح واسع من الرمال ~~البيضاء في انتظار طائرة صغيرة تقله في طريق عودتها من ستورنواي. ~~وكان الشك الذي بدأ يدب في أعماق نفسه يختلف تمام الاختلاف عن شعور ~~التوجس المتغلغل الذي توقع أنه سيجتاحه في هذه اللحظة. وقف السيد تود ~~معه، وإلى جواره على الرمال كانت توجد حقيبته الصغيرة. وعلى العشب، حيث ~~ينتهي الطريق، كانت تقف سيارة فندق كلادا، الوحيدة على الجزيرة ~~والوحيدة في فئتها في أي مكان في العالم. وقفوا هناك، أربعة أشياء ~~ضئيلة قاتمة وسط الفراغ اللامع تراقب الشيء الصغير الذي يشبه الطائر ~~وهو يهبط عليهم من السماء. # فكر جرانت في أن هذا المشهد كان أقرب إلى الفكرة الأصلية التي ~~تواتي المرء في هذه الآونة حين يفكر في أمر الطيران. وكما كان شخص ~~ما قد أشار سابقا، حين راود حلم الطيران الإنسان للمرة الأولى، رأى ~~نفسه يرتفع بجناحيه الفضيين نحو القبة السماوية، لكن تبين أن ~~الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق. ففي البداية نقل بتثاقل إلى قاعدة ~~عسكرية، ثم أغلق عليه صندوق؛ فشعر بالذعر، ثم أصيب بالإعياء، ثم وصل ~~إلى باريس. كان التقاطه من على الرمال من على حافة العالم القريبة من ~~البحر بواسطة طائر يهبط هبوطا غير متقن أقرب ما يمكن أن يصل إليه ~~المرء لرؤية الإنسان الأصلية للتحليق الحر. # توقف الطائر الكبير أمامهم على الرمال، وشعر جرانت بالذعر للحظة. ~~كان الطائر عبارة عن صندوق في نهاية المطاف. فخ ضيق مغلق. لكن عفوية ~~كل ms093 شيء خففت من تيبس عضلاته تقريبا بمجرد أن بدأت تتصلب. ربما ~~كان الذعر سيتغلب عليه لو كان يمر بنظام وتعليمات المطار العملية حيث ~~يكون موجها ومجبرا. لكن هنا، على هذه المساحة المفتوحة من الرمال، ~~حيث يقف الطيار على الدرجة العلوية من سلالم الطائرة بينما كان جرانت ~~يتحدث إلى السيد تود، ووسط نعيق طيور النورس ورائحة البحر، كان الأمر ~~شيئا إما أن يقبل به المرء وإما أن يرفضه. لم يكن ثمة إجبار ~~يخشاه. # لذا حين حانت اللحظة وضع جرانت قدمه على الدرجة الأخيرة، ولم يكن ~~يعتريه شيء سوى تسارع خفيف في نبضات قلبه. وقبل أن يتمكن من تحليل ~~ردة فعله تجاه إغلاق الباب جذب شيء آخر انتباهه. فأمامه، في الجانب ~~الآخر من الممر، كان وي آرتشي يجلس. # بدا وي آرتشي وكأنه قد نهض من الفراش لتوه، وكأنه فعل ذلك أيضا ~~على عجل. كانت ملابسه غير المهندمة تبدو أكثر من ذي قبل، وكأنها ملابس ~~شخص آخر تماما. بدا وكأنه هيكل مهمل ملقى عليه بعض دعائم أحد ~~الاستوديوهات. حيا وي آرتشي جرانت كصديق قديم له، وتعالى عليه فيما ~~يتعلق بجهله بالجزر الغربية، ونصحه بتعلم اللغة الغيلية باعتبارها لغة ~~سيفيده تعلمها، ثم عاد إلى نومه. فجلس جرانت وأخذ ينظر إليه. # فكر في نفسه، يا لهذا الوضيع الضئيل. هذا الوضيع الضئيل ~~التافه. # انفغر فم آرتشي وهو نائم، ولم تعد خصلات الشعر تغطي المنطقة العارية ~~من رأسه. أما ركبتاه فوق الجورب السميك الملون فكانتا أشبه بعينات ~~تشريحية أكثر من أي آلية مصممة لتسيير كائن حي. لم تكونا ركبتين، ~~بل كانتا «مفصلي ركبة». كان التعبير عنهما باستخدام كلمة «شظية» ~~مثيرا للاهتمام بصورة خاصة. # ذلك الوضيع الضئيل الخبيث المختال. كانت لديه مهنة تكفيه كمصدر ~~للرزق، مهنة كانت ستجعله يحظى باحترام كبير، مهنة كان سيظفر من ورائها ~~بمثوبة روحية. لكن هذا لم يرض نفسه الأنانية. كان في حاجة لأن يكون ~~محط الأنظار. لم يكن آرتشي يهتم بمن يدفع لقاء دعوته ما دام بوسعه أن ~~يتبختر تحت الأضواء. # كان جرانت ms094 لا يزال يفكر في الدور الأساسي الذي لعبته الخيلاء والغرور ~~في صناعة المجرم حين تفتح تحته نمط هندسي وكأنه زهرة يابانية تتفتح ~~في الماء. فأبعد أفكاره عن الأمور النفسية من أجل أن يفكر في هذه ~~الظاهرة الهندسية الإقليدية في عالم الطبيعة، ووجد أنها كانت تحيط ~~بالمطار الموجود في البر الرئيسي. لقد استقل الطائرة عائدا من كلادا، ~~وبالكاد لاحظ وجودها. # نزل جرانت سلالم الطائرة إلى المدرج وتساءل عما سيحدث لو رقص رقصة ~~الحرب من الفرح في التو واللحظة. أراد أن يتجول في المطار راقصا ~~مبتهجا كطفل يمتطي جواده اللعبة للمرة الأولى. بدلا من ذلك، توجه ~~إلى أكشاك الهاتف واتصل بتومي سائلا إياه إن كان بإمكانه أن يقله ~~من فندق كاليدونيان في بلدة سكون بعد ما يقرب من ساعتين. كان ذلك في ~~وسع تومي، وكان سيفعل. # وكان مذاق الطعام في مطعم المطار مثل مذاق الطعام في مطاعم لوكاس ~~كارتون، وتور دا أرجنت، ولا كريميلير مجتمعة. لكن الرجل الجالس في ~~الطاولة المجاورة له كان يشتكي بشدة بشأن الطعام. لكنه بالطبع لم يكن ~~قد ولد من جديد بعد خمسة أشهر من المعاناة وبعد سبعة أيام مع كاتي ~~آن. # بدا وجه تومي المستدير الودود في استراحة فندق كاليدونيان أكثر ~~استدارة وودا مما بدا عليه وجهه من قبل. # لم تكن توجد رياح. # لم تكن توجد رياح على الإطلاق. # كان عالما جميلا. # فكر جرانت في أنه كم ستكون خيبة أمل بغيضة لو اجتاحه الذعر القديم ~~حين يستقل السيارة مع تومي. ربما كان الذعر ينتظره في السيارة وهو يلعق ~~شفتيه مترقبا. # لكن لم يكن ثمة شيء في السيارة. فقط هو وتومي والجو اللطيف الهادئ ~~لمحادثتهما المعتادة. مضيا بالسيارة عبر الريف، ريف أكثر خضرة بقدر ~~ملحوظ مما كان عليه قبل عشرة أيام، وكانت شمس المغيب ترسل أصابعها ~~الذهبية الطويلة المتمثلة في الضوء عبر الحقول الهادئة. # سأل جرانت قائلا: «ماذا حدث في مراسم مويمور؟ أعني تقديم باقة ~~الزهور.» # قال تومي وهو يقوم بحركات وكأنه يمسح جبهته: «أوه يا إلهي: تقصد ms095 ~~ذلك !» ~~«هل قدم الباقة؟» ~~«إن كان تركها تأخذ الباقة يكافئ تقديمها، فأظن أنه عمليا قد ~~قدمها. لقد سلمها لها مع خطبة ألفها بنفسه.» ~~«أي خطبة؟» ~~«أظن أنه كان يتدرب على إيجاد مخرج ما من هذا الموقف منذ أقنعناه ~~بالأمر بجعل زوي كينتالين متمردة من نوع ما. بالمناسبة، كانت هذه فكرة ~~لورا وليست فكرتي. ما حدث هو أنها حين انحنت لتأخذ منه باقة زهور ~~القرنفل الكبيرة - فهي فارعة الطول - أبعدها عن متناولها للحظة وقال ~~بحزم: «ليكن في علمك أنني أقدم لك هذه الباقة لأنك رفيقة ثائرة». ~~فأخذتها دون أن يرمش لها جفن. وقالت: «أجل بالطبع. هذا لطف كبير ~~منك»، رغم أنها لم يكن لديها أدنى فكرة عما كان يتحدث بشأنه. لقد تركت ~~فيه تأثيرا كبيرا بالمناسبة.» ~~«كيف ذلك؟» ~~«بالطريقة الأنثوية القديمة الناجعة. إن بات الآن يخوض غمار افتتانه ~~الأول.» # تطلع جرانت لرؤية تلك الظاهرة. # كانت كلون تمتد أمامه في سلام وسكينة في غورها الأخضر، فنظر جرانت ~~إليها مثل بطل ظافر في الحرب عائد إلى وطنه. آخر مرة استقل فيها ~~السيارة على ذلك الطريق الرملي كان عبدا، والآن صار رجلا حرا. لقد ~~ذهب يبحث عن راكب المقصورة «بي 7» فوجد نفسه. # خرجت لورا تقابله عند عتبة الباب وقالت: «ألان، هل امتهنت بيع ~~النصائح فيما يتعلق بسباقات الخيل مهنة جانبية؟» ~~«لا، لماذا؟» ~~«أم تكتب في أحد تلك الأعمدة التي تحمل أسماء مثل «القلوب الوحيدة»، ~~أو شيء من هذا القبيل؟» ~~«لا.» ~~«لأن السيدة مير تقول إنه يوجد ملء حقيبة كبيرة من الخطابات في ~~انتظارك في مكتب البريد.» ~~«أوه، وكيف عرفت السيدة مير أن تلك الخطابات لي؟» ~~«قالت إنك الوحيد الذي يدعى إيه جرانت في المنطقة. أفهم من هذا أنك ~~لم تنشر إعلانا تطلب فيه زوجة؟» # فقال وهو يدخل معها إلى حجرة الجلوس: «لا، طلبت بعض المعلومات ~~فحسب.» # في وقت مبكر من الغسق كانت الغرفة تعج بضوء نار المدفأة وبظلال ~~متمايلة. ظن أن الغرفة خالية حتى لاحظ أن شخصا ما كان يجلس على ~~الكرسي المنجد ذي ms096 الذراعين الكبير بجوار المدفأة. كان امرأة؛ طويلة ~~ورفيعة بحيث بدت رشيقة كالظلال، وتعين عليه أن ينظر مرة أخرى إليها ~~ليتأكد من أنها لم تكن في واقع الأمر ظلا. # جاء صوت لورا من خلفه يقول بنبرة تقديم: «الليدي كينتالين. لقد عادت ~~زوي إلى كلون من أجل صيد السمك لبضعة أيام.» # مالت المرأة إلى الأمام لتصافحه ورأى أنها كانت شابة صغيرة. # فقالت تحييه: «سيد جرانت، تقول لورا إنك تحب أن يناديك الناس بلقب ~~سيد.» ~~«أجل. أجل، أحب ذلك. فلقب «مفتش» غير جذاب في الحياة الخاصة.» # فقالت بصوتها الرقيق الناعم: «ومصطنع بعض الشيء أيضا. كشيء مأخوذ ~~من قصة بوليسية.» ~~«أجل؛ الناس يتوقعون من المرء أن يقول: «أين كنت في مساء ليلة معينة ~~من الشهر الحالي؟»» كيف يمكن لهذا المخلوق الملائكي أن يكون أما ~~لثلاثة أبناء أحدهم يكاد يكون كبيرا بما يكفي للانتهاء من المدرسة؟ ~~«هل صادفك حظ سعيد في النهر؟» ~~«اصطدت سمكة سلمون لا بأس بها صباح اليوم. ستتناولها على ~~العشاء.» # كانت تتمتع بذلك النوع من الجمال الذي يتيح لامرأة أن تفرق شعرها من ~~منتصف رأسها وينسدل عليها بسلاسة. رأس صغير داكن الشعر على رقبة ~~طويلة ممشوقة. # تذكر فجأة غرفة النوم التي كانت قد جددت حديثا. إذن كان ~~الدهان الجديد من أجل زوي كينتالين، وليس من أجل آخر مرشحات لورا له. ~~كان هذا مبعث ارتياح كبير. كان من السيئ جدا أن يواجه بالنساء ~~اللواتي كانت لورا ترشحهن للزواج، لكنه أن يشاطر سقف المنزل نفسه مع ~~آخر ترشيحاتها كان سيصبح أمرا شاقا، وهذا أقل ما يقال عن ~~ذلك. # قالت لورا معلقة على وصوله المبكر: «لا بد أن قطار أوبان وصل في ~~موعده لأول مرة.» # فقال تومي وهو يلقي بقطعة حطب أخرى في النار: «أوه، لقد عاد ~~بالطائرة.» قالها توم بعفوية، بغير إدراك مدى أهمية ذلك الحدث. # نظر جرانت إلى لورا، ورأى وجهها وقد أشرق من السعادة. أدارت رأسها ~~لتجده بين الظلال، ورأت أنه كان ينظر إليها، فابتسم. هل كان الأمر يعني ~~لها الكثير إذن؟ ms097 يا عزيزتي لالا. عزيزتي لالا الحنونة ~~المتفهمة. # شرعوا يتحدثون عن الجزر الغربية. وقص تومي قصة لطيفة عن رجل طارت ~~قبعته بينما كان يصعد على متن قارب في بارا، ووجدها تنتظره على رصيف ~~ميناء ماليج. وكانت لورا تلقي بالطرف حول استحالة الحديث بلغة لا ~~تحتوي على كلمات عمرها أقل من مائتي عام، وقدمت سردا تخيليا ~~لحادثة طريق. («كذا وكذا دراجة، كذا وكذا سبيند، كذا وكذا مكابح، كذا ~~وكذا محرك جر، كذا وكذا سيارة إسعاف، كذا وكذا نقالة، كذا وكذا ~~مخدرا، كذا وكذا عنبرا خاصا، كذا وكذا مخطط درجة حرارة، كذا ~~وكذا زهور الأقحوان، زهرة فريزيا حوذان النرجس القرنفل ...») كانت زوي قد ~~أقامت في الجزر الغربية وهي طفلة، وكانت عليمة بصيد السلمون؛ وهو فن ~~تعلمته على يد موهبة محلية تحت أعين مراقب الصيد الخاص ~~بمضيفها. # كان جرانت مسرورا؛ إذ إن وجود هذه الضيفة لم يعكر صفو الجو الأسري ~~في كلون بأي شكل من الأشكال. بدت المرأة غير مدركة لمدى جمالها، ولا ~~تتوقع الاهتمام من أحد. ولم يندهش جرانت أن بات أصبح مفتونا ~~بها. # ولم يذهب عقله إلى التفكير في حقيبة الخطابات التي تنتظره في مكتب ~~البريد في مويمور إلا حين أغلق عليه باب غرفته وأصبح وحيدا. حقيبة ~~من الخطابات! حسنا، في نهاية المطاف لم يكن ذلك مفاجئا بصورة لا يمكن ~~تحملها. إن حياة المرء في دائرة المباحث الجنائية كيفت المرء على ~~وجود هواة كتابة الخطابات. كان يوجد أشخاص أكثر ما يهمهم في الحياة هو ~~كتابة الخطابات. إلى الصحف، إلى الكتاب، إلى الغرباء، إلى مجالس ~~المدن، إلى الشرطة. لم يكن يهم كثيرا المرسل إليه الخطاب؛ إذ بدا ~~أن الرضا الناتج عن الكتابة هو كل ما يهم. سبعة أثمان تلك الكومة من ~~الخطابات ستكون نتاج أولئك الذين هوايتهم كتابة الخطابات. # لكن كان لا يزال هناك الثمن الأخير. # عم سيفصح الثمن الأخير؟ # في الصباح شاهد الضيفة وهي تجهز أدواتها من أجل الذهاب إلى النهر، ~~وتمنى لو كان ذاهبا معها، ولكن كانت رغبته في الذهاب إلى ms098 مكتب ~~البريد في مويمور أكبر. انطلقت من دون إثارة جلبة، مكتفية بذاتها ~~ومتوارية عن الأنظار، وحين كان جرانت يشاهدها وهي تسير على طول الطريق ~~فكر أنها كانت أشبه بصبي مراهق منها بأرملة نبيلة منتظرة. كانت ~~ترتدي بنطالا في غاية الأناقة وسترة قديمة بالية كتلك التي يرتديها ~~الحطابون، وعلق قائلا لتومي إنها إحدى النساء القلائل اللائي ~~يبدون جميلات حقا وهن يرتدين البنطال. # فقال تومي: «إنها المرأة الوحيدة في «العالم» التي تبدو جميلة وهي ~~ترتدي بنطال التخويض.» # وهكذا غادر جرانت للقاء السيدة مير في مويمور. كانت السيدة مير تأمل ~~في أن يكون لدى جرانت سكرتير، وقدمت له فتاحة خطابات. كانت ~~الفتاحة فضية رفيعة، وملطخة للغاية بحيث فقدت بريقها ولمعانها، ~~وكانت لها رأس شائك مصنوع من حجر الجمشت. وحين أشار إلى أن الفتاحة ~~مميزة وذات قيمة عالية في هذه الأيام، وأنه لا يمكنه أن يقبل هدايا ~~ثمينة من نساء غريبات، قالت له: ~~«سيد جرانت، ذلك الشيء موجود في متجري منذ خمسة وعشرين عاما. صنع ~~ليباع هدية تذكارية أيام ما كان الناس يقرءون. والآن كل ما يفعلونه ~~هو أنهم يشاهدون ويستمعون. وأنت أول شخص أقابله طوال ربع قرن يكون «في ~~حاجة» إلى فتاحة خطابات. بالتأكيد، عندما تنتهي من فتح كل الخطابات ~~الموجودة في تلك الحقيبة، ستكون في حاجة لما هو أكثر من فتاحة خطابات، ~~على ما أظن. على أي حال، هذه هي المرة الأولى والأخيرة في هذا المكتب ~~التي يصلني فيها حقيبة بريد مرسل لشخص واحد، وأريد أن أجعل هذه ~~المناسبة مميزة. لذا خذ الفتاحة الصغيرة!» # أخذها شاكرا، ورفع الحقيبة في السيارة وعاد إلى كلون. # فقالت في إثر مغادرته: «الحقيبة من ممتلكات مكتب البريد؛ لذا عليك أن ~~تعيدها!» # أخذ جرانت الحقيبة إلى غرفته الخاصة، وراح ينظف الفتاحة الصغيرة ~~حتى صارت تلمع، في سعادة وامتنان، وكأنها مسرورة أنها حظيت بالاهتمام ~~بعد كل تلك السنوات، ثم أفرغ جرانت محتويات الحقيبة على الأرض ودس ~~الفتاحة في أول خطاب تصل إليه يده. سألته صاحبة الخطاب الأول كيف ~~تجرأ ms099 على لفت أنظار العامة إلى الكلمات التي كتبتها، وسط الكثير من ~~الألم والتنقيب في النفس، في ربيع عام 1911، بأوامر من مرشدها الروحي ~~أزول. كان الأمر يشبه أن يتعرى المرء أمام العامة، أن ترى أبياتها ~~العزيزة مستباحة بهذا الطيش والاستهتار. # وفي ثلاثة عشر خطابا أخرى ادعى أصحابها أنهم هم من كتبوا هذه ~~الكلمات (بدون إرشاد روحي) وسألوا عن الأمر. وأرسل خمسة أشخاص القصيدة ~~الكاملة - خمس قصائد مختلفة - وادعى كل منهم أنه مؤلفها. واتهمه ~~ثلاثة بالتجديف والاستخفاف بالمقدسات، وقال سبعة إنه كان يسرق من سفر ~~رؤيا يوحنا اللاهوتي. وقال أحدهم: «أشكرك كثيرا على تسلية هذا المساء ~~أيها العجوز، وكيف هو حال الصيد في نهر تورلي هذا العام؟» ودله أحدهم ~~على كتب الأبوكريفا، وآخر على كتاب «ألف ليلة وليلة»، وثالث إلى كتب ~~رايدر هاجارد، ورابع إلى عقيدة التصوف، وخامس إلى الأخدود العظيم، ~~وخمسة آخرون إلى مناطق متفرقة من أواسط وجنوبي أمريكا. وأرسل إليه ~~تسعة أشخاص علاجات للإدمان على الكحول، كما أرسل إليه اثنان وعشرون ~~شخصا منشورات حول جماعات طائفية سرية. كما قدم له شخصان اشتراكات ~~في مجلات الشعر، وعرض عليه واحد تعليمه كيفية كتابة الشعر الرائج. ~~وقال أحدهم: «إن كنت إيه جرانت الذي جلست معه أثناء هبوب الرياح ~~الموسمية في بيشنوبور، فهذا هو عنواني الحالي.» وقالت إحداهن: «إن كنت ~~أنت إيه جرانت الذي أمضيت الليلة معه في الفندق في أمالفي، فإنني أرسل ~~هذا لألقي عليك التحية، وأتمنى لو كان زوجي يضاهيك.» وأرسل أحدهم ~~تفاصيل عن جمعية عشيرة جرانت. تسعة من تلك الخطابات كانت فاحشة وقذرة. ~~وثلاثة منها كانت غير واضحة ولا يمكن قراءتها. # كان يوجد مائة وسبعة عشر خطابا. # أما الخطاب الذي سره كثيرا فكان نصه: «لقد فهمت شفرتك، أيها ~~الخائن اللعين، وسأبلغ الاستخبارات بشأنك.» # لم يحتو خطاب واحد من تلك الخطابات على أي شكل من أشكال ~~العون. # أوه، حسنا. لم يكن حقا يأمل في ذلك. كانت تلك محاولة غير مضمونة ~~النتائج. # على الأقل حظي بشيء من الترويح والتسلية من خلال هذا الأمر. ms100 والآن ~~يمكنه أن يهدأ بالا ويتجه للصيد حتى نهاية إجازته المرضية. وتساءل عن ~~المدة التي ستمكثها زوي كينتالين. # كانت الضيفة قد أخذت معها بعض الشطائر ولم تظهر على الغداء، لكن في ~~الظهيرة أخذ جرانت صنارته وتبعها إلى النهر. من المحتمل أنها قد اصطادت ~~في كل أنحاء بحيرة كلون، لكن ربما لم تكن تعرف تلك البحيرة بقدر ما كان ~~يعرفها هو. ربما تسعدها بعض النصائح غير المزعجة. بالطبع لم يكن جرانت ~~ذاهبا إلى النهر من أجل سبب واحد فقط وهو التحدث إليها. كان ذاهبا ~~ليصطاد. لكن سيتعين عليه أن يجد أولا الجزء الذي تصطاد هي فيه. وبعد ~~أن يجدها، يمكنه أن يمر بها ويلوح لها بيده بطريقة عرضية. # بالطبع لم يمر بها مطلقا. إذ جلس على الضفة يراقبها وهي تلقي بطعم ~~جرين هايلاندر فوق تلك السمكة الكبيرة التي ظلت تسعى لصيدها بطعوم ~~مختلفة طوال الساعة المنصرمة. قالت المرأة: «هذه السمكة تستهزئ بي. ~~لقد أصبح الأمر شخصيا بيننا.» كانت المرأة تتعامل مع صنارتها بسهولة ~~كأنها تصطاد منذ نعومة أظفارها، وهي تكاد أن تكون في حالة من الشرود، ~~كما كانت لورا تفعل. كانت مشاهدتها تبعث على الكثير من الرضا. # اصطاد السمكة لها بعد ساعة، وجلسا معا على العشب وتناولا بقية ~~شطائرها. سألته عن عمله، ولم يكن سؤالها بداعي أنه كان أمرا مدهشا، ~~ولكن مثلما قد تسأل عنه لو كان مهندسا معماريا أو سائق قاطرة، ~~وأخبرته عن أولادها الثلاثة وما سيصبحون عليه في المستقبل. كانت ~~بساطتها راسخة، وعدم انشغالها بذاتها كان طفوليا في كماله. # قالت: «سيضطرب نايجل حين يعرف أنني كنت أصطاد في نهر تورلي.» قالتها ~~كما قد تقولها أي فتاة عن رفيق لها في المدرسة، واستنتج جرانت أن هذا ~~يصف علاقتها بأبنائها بدقة كبيرة. # كان لا يزال في النهار ساعات، لكن لم يقدم أي منهما على العودة ~~إلى النهر. جلسا هناك على العشب ينظران إلى المياه البنية ويتحدثان. ~~حاول جرانت أن يجد نظيرا لها في رقعة معارفه الواسعة، وأخفق في ذلك. ~~لم تكن ms101 أي من النساء الجميلات اللاتي قابلهن في حياته تتمتع بطابع ~~الأميرة الجنية الذي تتمتع به؛ مسحة الشباب الأبدي لديها. فكر في ~~نفسه أنها ضلت طريقها من «تير نان أوج». كان من المدهش أنها لا بد، ~~حين يفكر المرء في الأمر بعقلانية، أن تكون في نفس عمر لورا. ~~«هل كنت على معرفة وثيقة بلورا في المدرسة؟» ~~«لم نكن أصدقاء مقربين. كنت أشعر بمهابة هائلة منها.» ~~«مهابة؟ من لورا؟» ~~«أجل. كانت ذكية للغاية كما تعلم، وماهرة في كل شيء، ولم يكن بإمكاني ~~جمع اثنين زائد اثنين.» # وإذ كان جزء من ابتهاجه بها كان يتمثل في التباين بين طابعها الذي ~~يشبه رسوم حكايات هانس أندرسن وبين طبيعتها العملية، فقد خلص إلى أن ~~هذه كانت مبالغة منها. لكن ربما كان صحيحا أنها لم تكن تحظى بفروع، ~~إن جاز التعبير. لم يكن لديها أوراق كثيرة لتتنفس جو العالم. كان الجو ~~العام لذهنها يتسم بأنه غير ممحص. كما أن كلامها لم يكن يحتوي على ~~أي شيء من تعليقات لورا المليئة بالتلميحات، لم يكن يحتوي على أي شيء ~~من اهتمام لورا السريع وتحليلاتها. # قالت، حين كانا يتحدثان عن خبرات الصيد الأولى: «إننا محظوظون جدا، ~~أنت ولورا وأنا، أننا عرفنا منطقة المرتفعات حين كنا أطفالا. ذلك أقصى ~~ما أتمناه لطفل. أن ينعم بمناطق ريفية جميلة. حين قتل ديفيد - ~~زوجي - أرادوا مني أن أبيع منزل كينتالين. لم يكن لدينا كثير من المال، ~~كما بددت ضرائب التركات الاحتياطي الذي كان يجعل المكان قابلا ~~للسكن. لكنني أردت أن أتمسك به على الأقل حتى يكبر كل من نايجل ~~وتيمي وتشارلز. سيكرهون فقده، لكن على الأقل سيكونون قد حظوا بعيش ~~السنوات المهمة من حياتهم في ريف جميل.» # نظر إليها وهي تضع أدواتها بعناية في صندوق الأدوات بحرص طفل رصين ~~مهندم، وفكر في أن حل مشكلتها يكمن بلا شك في الزواج مرة أخرى. كانت ~~منطقة غرب لندن، التي يعرفها جيدا، منطقة حقيرة تعج برجال متأنقين ~~يقودون سيارات لامعة، ويمكنهم الإبقاء على كينتالين دون الحاجة ms102 إلى ~~بذل جهد أكثر مما يبذلونه في رعاية حديقة يابانية، والتي توجد في إحدى ~~الغرف التي يطلقون عليها اسم غرف جلوس. لكنه رأى أن الصعوبة تكمن في ~~أنه في عالم زوي كينتالين لم يكن المال مدخلا ولا إبراء. # تبددت أشعة شمس الربيع. وازداد سطوع السماء. وابتعدت التلال ~~واستلقت، كما قالت لورا ذات مرة وهي طفلة، واصفة في ثماني كلمات سهلة ~~المنظر والجو العام بأكمله لأمسية ذات طقس مستقر مبشرة بيوم جديد ~~رائع. # قالت زوي: «يجب علينا أن نعود.» # وبينما كان يحمل أدوات الصيد من على الضفة فكر في أن عصر اليوم على ~~ضفة نهر تورلي كان فيه سحر يفوق ما في كل تلك الجزر الغربية التي ~~يروج لها كثيرا. # قالت وهما يصعدان التل نحو كلون: «أنت تحب عملك، أليس كذلك؟ قالت لي ~~لورا إنه كان بإمكانك التقاعد قبل سنوات لو أردت ذلك.» # فقال بقليل من الاندهاش: «أجل، أظن أنه كان بإمكاني التقاعد. لقد ~~تركت لي خالتي إرثا. إذ تزوجت برجل ميسور الحال في أستراليا ولم ~~ترزق بأطفال.» ~~«ماذا ستفعل إن تقاعدت عن عملك؟» ~~«لا أعرف. لم أفكر في الأمر حتى.» # | الفصل التاسع # لكن في تلك الليلة حين ذهب جرانت إلى النوم، فكر في الأمر. ليس ~~باعتباره احتمالا، ولكن كضرب من ضروب التكهن. كيف سيكون الحال عند ~~التقاعد؟ أن يتقاعد وهو شاب بما يكفي ليبدأ شيئا آخر؟ وإن بدأ شيئا ~~آخر، فماذا سيكون؟ مزرعة خراف مثل تومي؟ ستكون تلك حياة طيبة. لكن هل ~~بإمكانه أن يحقق النجاح من عيشه في الريف؟ كان يشك في ذلك. وإن لم يكن ~~سيحقق النجاح، فماذا يمكنه أن يفعل غير ذلك؟ # راح يلعب بهذه اللعبة الجديدة اللطيفة حتى غلبه النوم وأخذها معه إلى ~~النهر في الصباح التالي. كانت إحدى أوجه اللعبة الساحرة حقا هي فكرة ~~وجه برايس حين يقرأ استقالته. لن يكون لدى برايس نقص في الطاقم لمجرد ~~أسبوع أو اثنين؛ سيجد نفسه محروما منه للأبد، وكذلك جميع المرءوسين ~~الأكثر قيمة له. كانت هذه فكرة ممتعة. ms103 # راح يصطاد في بركته المفضلة؛ تحت الجسر المتأرجح، وأجرى محادثات ~~ممتعة مع برايس. لأنه بالطبع سيكون ثمة محادثة. سيمنح نفسه الفرحة ~~التي لا توصف، المتمثلة في وضع تلك الاستقالة المكتوبة على المكتب أمام ~~عيني برايس؛ وضعها على المكتب بنفسه، بشخصه. ثم ستدور محادثة مرضية ~~حقا، وسيخرج إلى الشارع رجلا حرا. # حرا ليفعل ماذا؟ # ليكون نفسه، لن يكون طوع بنان أحد. # ليفعل الأشياء التي طالما أراد فعلها ولم يكن لديه متسع من الوقت ~~لها. ليعبث في الأرجاء في قوارب صغيرة، على سبيل المثال. # ليتزوج، ربما. # أجل، ليتزوج. بوجود وقت فراغ سيكون لديه متسع من الوقت ليشارك ~~حياته مع امرأة. متسع من الوقت ليحب ويحب. # أبقته هذه الفكرة سعيدا للغاية طيلة ساعة أخرى. # وقرب الظهيرة أدرك أنه لم يكن وحيدا. رفع ناظريه فرأى أن رجلا ~~كان يقف على الجسر يراقبه. كان يقف بعيدا عن الضفة ببضع ياردات فقط، ~~وحيث إن الجسر لم يكن يتحرك، فلا بد أنه كان هناك لبعض الوقت. كان ~~الجسر عبارة عن ممر أسلاك عادي أرضيته من ألواح خشبية، وله هيكل ~~خفيف جدا لدرجة أنه حتى الرياح كانت قادرة على تحريكه. كان يشعر ~~بالعرفان للغريب لأنه لم يمش إلى منتصف الجسر ويتأرجح به فيربك ~~الأسماك الموجودة في الجوار كلها. # أومأ إلى الرجل برأسه على سبيل التعبير عن استحسانه. # فسأله الرجل: «اسمك جرانت؟» # بعد الإسهاب والإطناب الملازمين لشعب يتصف بالمراوغة والمواربة؛ ~~بحيث لم يكن لديه في لغته كلمة مكافئة لكلمة «لا»، كان من السار ~~لجرانت أن يطرح عليه سؤال مباشر بلغة إنجليزية بسيطة. # فقال جرانت متحيرا بعض الشيء: «أجل.» بدا من لهجة الرجل أنه قد يكون ~~أمريكيا. ~~«أنت من نشر ذلك الإعلان في الصحيفة؟» # هذه المرة لم يكن لديه شك حيال جنسية الرجل. ~~«أجل.» # أزاح الرجل قبعته بأطراف أصابعه نحو الخلف من رأسه قليلا، وقال ~~بنبرة إذعان: «أوه، حسنا. أظن أنني أنا الآخر مجنون، وإلا ما أتيت ~~إلى هنا.» # هنا بدأ جرانت يستدرجه. ~~«ألن تأتي إلى هنا سيد ...؟» # ابتعد الرجل ms104 عن الجسر ونزل إلى الضفة نحوه. # كان شابا يافعا، حسن الملبس، لطيف المظهر. # قال: «اسمي كولين. تاد كولين. وأنا أعمل طيارا. إذ أطير بالبضائع ~~لصالح شركة أوه سي إيه إل. شركة أورينتال كوميرشال إيرلاينز ليمتد، كما ~~تعرف.» # كان يقال إن كل ما تحتاجه من أجل الطيران لصالح هذه الشركة هو شهادة ~~بأنك تستطيع الطيران، وألا تبدو عليك أي علامة من علامات مرض الجذام. ~~لكن تلك كانت مبالغة. بالفعل، كان هذا تشويها. كان يتعين أن تكون ~~ماهرا حتى تعمل طيارا في هذه الشركة. ففي خطوط طيران الركاب الكبيرة ~~المميزة، إن ارتكبت خطأ ستتعرض للوم والتوبيخ. أما في شركة ~~أورينتال كوميرشال، فإن ارتكبت خطأ فستطرد من العمل. كانت شركة ~~أورينتال كوميرشال تحظى بعدد هائل من الموظفين. ولم تكن الشركة تلتفت ~~مطلقا إلى مهارتك في التحدث بقواعد النحو، أو إلى لون بشرتك، أو ~~أسلافك، أو أخلاقك، أو جنسيتك، أو مظهرك؛ ما دمت تستطيع الطيران. يتحتم ~~على المرء أن يكون قادرا على الطيران في هذه الشركة. نظر جرانت إلى ~~السيد كولين باهتمام مضاعف. ~~«اسمع يا سيد جرانت، أعرف أن ذلك الإعلان - تلك الكلمات التي نشرتها ~~في الصحيفة - أعرف أنها كانت مجرد اقتباس من نوع ما كنت تريد معرفة ~~مصدره، أو شيئا من هذا القبيل. وبالطبع لا أستطيع أنا أن أحدد ~~مصدره. لم أكن بارعا قط فيما يتعلق بالكتب. لم آت إلى هنا لأكون ذا ~~نفع لك. بل في ظني أن الأمر على العكس من ذلك تماما. لكنني كنت قلقا ~~كثيرا، وفكرت حتى إن قطع مسافة طويلة كهذه قد يستحق المحاولة. لقد ~~ذكر بيل - وهو صديقي - كلمات كهذه في إحدى الليالي حين كان منتشيا ~~قليلا، وفكرت أنها قد تشير إلى مكان ما. أقصد أن الوصف قد يشير إلى ~~مكان بعينه. حتى ولو كان اقتباسا. أخشى ألا يكون ما أقوله ~~واضحا.» # ابتسم جرانت وأجاب بأنه ليس واضحا، حتى الآن، لكن اقترح أن يجلسا ~~معا ويسويا الأمر. «هل أفهم من هذا أنك أتيت إلى هنا بحثا ~~عني؟» ms105 ~~«أجل ، في الواقع أتيت ليلة أمس. لكن مكتب البريد كان مغلقا؛ لذا ~~حصلت على سرير في النزل. يطلقون عليه اسم مويمور. ثم ذهبت إلى مكتب ~~البريد هذا الصباح وسألتهم أين يمكنني أن أجد إيه جرانت الذي وصله ~~الكثير من الخطابات. كنت واثقا من أنك ستتلقى كثيرا من الخطابات، كما ~~ترى، بعد نشر ذلك الإعلان. وقالوا لي إنني إن كنت أريد السيد جرانت ~~فسأجده في مكان ما عند النهر. في الواقع، أتيت إلى هنا لأبحث، ولم أجد ~~أحدا آخر عند النهر سوى امرأة؛ لذا خمنت أنك لا بد أن تكون السيد ~~جرانت. كما ترى، لم يكن من المجدي أن أرسل لك خطابا لأنني حقا لم ~~يكن لدي شيء يبدو مستحقا لأن أخطه على الورق. أقصد، كان الأمر مجرد ~~أمل سخيف. ويمكنك ألا تتكبد عناء الإجابة على أي حال؛ أقصد أن الأمر ~~لم يكن له علاقة بك.». سكت الرجل لحظة، ثم أضاف بنبرة تنم عن التعلق ~~بالأمل وعدم الاعتماد عليه في الوقت ذاته: «ليس ملهى ليليا، ~~صحيح؟» # سأله جرانت مندهشا: «ما الذي ليس كذلك؟» ~~«ذلك المكان الذي على بابه وحوش متكلمة. والمشهد الغريب. بدا مثل ~~مدينة ترفيهية. كما تعلم: من نوعية الأماكن التي تمضي فيها عبر أنفاق ~~وأنت على متن قارب في الظلام، وترى أشياء سخيفة ومخيفة فجأة. لكن بيل ~~ما كان سيبدي اهتماما بمكان كهذا. لذا فكرت في أنه ملهى ليلي. ~~كما تعرف؛ أحد تلك الأماكن التي تصنع أشياء غريبة لإبهار الزبائن. ~~يبدو ذلك أقرب كثيرا إلى توليفة بيل. خاصة في باريس. وكنت سألتقي به ~~في باريس.» # للمرة الأولى ظهر شعاع أمل. ~~«أتقصد أنك كنت على موعد مع بيل هذا لتلتقيا؟ ولم يأت في ~~موعده؟» ~~«لم يأت على الإطلاق. وذلك ليس من شيم بيل على الإطلاق. إن قال بيل ~~إنه سيفعل شيئا، أو سيكون في مكان ما، أو سيتذكر شيئا، صدقني ~~إنه سينفذ ما قاله. ذلك هو السبب في شعوري بالقلق البالغ. ولم يترك أي ~~تفسير. لم يترك رسالة في الفندق ms106 أو أي شيء. بالطبع ربما يكونون قد نسوا ~~أن يسجلوا الرسالة؛ فهذه هي طبيعة الفنادق. لكن، حتى لو نسوا، كان بيل ~~سيتابع الأمر معهم. أقصد أنني إذا لم أبد ردة فعل، كان بيل سيتصل ~~هاتفيا مرة أخرى ليقول: ماذا ستفعل أيها العجوز كذا وكذا، ألم تصلك ~~رسالتي؟ لكن لم يكن يوجد أي شيء كهذا. الأمر غريب، أليس كذلك، أن يحجز ~~غرفة ولا يأتي ليشغلها ولا يرسل كلمة واحدة تفسر ذلك؟» ~~«غريب جدا بالفعل. وخاصة أنك تقول إن صديقك من النوع الذي يعتمد ~~عليه. لكن لماذا أبديت اهتماما بالإعلان الذي نشرته؟ أقصد: فيما ~~يتعلق ببيل؟ اسمه بيل ماذا، بالمناسبة؟» ~~«بيل كينريك. إنه طيار مثلي. يعمل لحساب شركة أورينتال كوميرشال. ~~نحن صديقان منذ عام أو عامين. لا أمانع أن أقول إنه أفضل صديق حظيت ~~به على الإطلاق. كان الأمر معي كالتالي يا سيد جرانت. حين لم يظهر، ~~وحين لم يبد أن أحدا يعرف عنه شيئا أو سمع بأخباره - ولم يكن لديه ~~معارف في إنجلترا يمكنني أن أكتب إليهم - فكرت في الطرق الأخرى ~~المتاحة للتواصل بين الناس. بخلاف مكالمات الهاتف والخطابات والبرقيات ~~وما إلى ذلك. وهكذا هداني تفكيري إلى ما تطلقون عليه عمود الشكاوى. في ~~الصحف كما تعلم. لذا حصلت على طبعة باريس من صحيفة «كلاريون» - أقصد ~~ملفاتهم في مكتبهم بباريس - واطلعت عليها ولم يكن يوجد أي شيء. ثم ~~حاولت مع صحيفة «ذا تايمز»، ولم أجد بها شيئا أيضا. كان هذا بعد مرور ~~بعض الوقت بالطبع؛ لذا اضطررت أن أراجع الملفات القديمة، لكن لم يكن ~~يوجد أي شيء. كنت على وشك أن أتخلى عن الأمر لأنني كنت أظن أن هاتين ~~هما فقط الصحيفتان الإنجليزيتان اللتان تصدران طبعات دورية لباريس، ~~لكن قال لي أحدهم لم لا أطلع على صحيفة «مورنينج نيوز». فذهبت إليها، ~~ولم يبد أن بها أي شيء من بيل، لكن كان بها إعلانك الذي ذكرني بشيء ~~ما. إن لم يكن بيل مفقودا، فلا أظن أنني كنت سأعيد التفكير في الأمر، ~~لكن إذ ms107 كنت قد سمعت بيل يتمتم بشيء ما يتماشى مع تلك الأبيات، لاحظت ~~الأمر وأصبحت مهتما. كما يقول بيل، هل أنت معي؟» ~~«معك تماما. أكمل. متى تحدث بيل عن ذلك المشهد الغريب؟» ~~«لم يتحدث عنه على الإطلاق. كل ما في الأمر أنه ثرثر في إحدى الليالي ~~حيث كنا ثملين قليلا. بيل لا يعاقر الكحوليات يا سيد جرانت. لا أريدك ~~أن تكون فكرة خاطئة. أقصد: يعتاد شرب الكحوليات. قلة من الرجال في ~~مجموعتنا يفعلون، أعترف بذلك، لكنهم لا يستمرون طويلا في الشركة. لا ~~يستمرون طويلا على أي حال. هذا هو سبب طرد شركة أورينتال كوميرشال ~~لهم. إن الشركة لا تمانع إن قتلوا أنفسهم، لكن البضائع التي ننقلها في ~~الصناديق غالية الثمن. لكننا نحظى بفرصة الخروج لليلة بين الحين والآخر ~~مثل الأناس الآخرين. وفي إحدى تلك الليالي التي خرجنا فيها أخذ بيل ~~يثرثر. كنا جميعا ثملين قليلا؛ لذا لا أتذكر أي شيء بالتفصيل. ~~أعرف أننا كنا نشرب أنخابا، وكانت مواضيع الحديث قد نفدت في ذلك ~~الوقت. فكنا نتناوب التفكير في نخب لأشياء غير محتملة. مثل: «الابنة ~~الثالثة لعمدة بغداد» أو «إصبع قدم جون كاي الأيسر الصغير». فقال بيل: ~~«نخب الفردوس!» ثم ثرثر بشيء عن وحوش متكلمة ورمال مغنية وما إلى ~~ذلك.» ~~«ألم يسأله أي أحد عن فردوسه هذا؟» ~~«لا! كان الشخص التالي ينتظر دوره ليدلي بدلوه. لم يكن أي أحد ينتبه ~~لأي شيء. لقد ظنوا فقط أن النخب الذي اقترحه بيل كان مملا. ما كنت ~~سأتذكره أنا نفسي لو لم أصادف الكلمات في الصحيفة حين كان ذهني مشغولا ~~على بيل.» ~~«ولم يذكره مجددا أبدا؟ لم يتحدث قط عن أي شيء كهذا في الأوقات ~~التي كان فيها واعيا.» ~~«لا. إنه ليس كثير الكلام غالبا.» ~~«أتظن أنه ربما كان سيحتفظ بالشيء لنفسه لو كان مهتما به اهتماما ~~كبيرا؟» ~~«أوه، أجل، إنه يفعل ذلك، يفعله بالفعل. إنه ليس منغلقا، إنما هو ~~حذر بعض الشيء. في معظم الأحوال هو أكثر شخص منفتح يمكنك أن تتخيله. ~~إنه كريم ms108 مع القريبين منه، ولا يبالي بأشيائه، وعلى استعداد لفعل أي ~~شيء لأي شخص. لكن في الأمور التي ... في الأمور الشخصية، إن كنت تعرف ما ~~أقصد، يغلق الباب في وجهك نوعا ما.» ~~«هل كان مرتبطا بفتاة؟» ~~«حاله لا يختلف عن حال أي منا في ذلك. لكن ذلك مثال جيد جدا على ~~ما أقصد. فحين يخرج بقيتنا من أجل قضاء أمسية، فإننا نرضى بما هو ~~موجود. لكن بيل سيذهب وحده إلى جزء آخر من المدينة حيث يكون قد حصل ~~لنفسه على شيء أقرب إلى ما يريد.» ~~«أي مدينة تقصد؟» ~~«أي مدينة نكون فيها. الكويت، مسقط، القطيف، المكلا. أي مدينة من ~~عدن إلى كراتشي، إن تطلب الأمر. فمعظمنا يطير في مسارات مجدولة، ~~لكن البعض يطير في رحلات غير منتظمة. يأخذ أي شيء لأي مكان.» ~~«أين كان ... أين يطير بيل؟» ~~«لقد طار في الأنحاء كافة. لكن مؤخرا كان يطير بين الخليج والساحل ~~الجنوبي.» ~~«تقصد شبه الجزيرة العربية.» ~~«أجل. إنه مسار كئيب ملعون، لكن يبدو أن بيل كان يحبه. أظن أنه ~~أمضى فيه وقتا طويلا. فإن أمضيت وقتا طويلا على مسار واحد تصبح ~~مبتذلا.» ~~«لم تظن أنه أمضى فيه وقتا طويلا؟ هل تغير بأي شكل؟» # هنا تردد السيد كولين. وقال: «ليس بالضبط. كان بيل الذي نعرفه، ~~لين العريكة ولطيفا. لكنه انغمس بحيث لم يستطع أن يرمي الأمر وراء ~~ظهره.» ~~«أتقصد يرمي عمله وراء ظهره؟» ~~«أجل. معظمنا - في الواقع، كلنا - يرمي العمل وراء ظهره حين نسلم ~~الطائرة إلى الطاقم الأرضي. ولا نتذكر عنها شيئا حتى نلقي التحية في ~~الصباح التالي على الميكانيكي المسئول. لكن بيل كان منغمسا في العمل ~~حتى إنه كان ينكب على خرائط المسارات وكأنه لم يطر الرحلة من ~~قبل.» ~~«في رأيك، ما سبب هذا الاهتمام بالمسار؟» ~~«في الواقع، ظننت أنه كان يحاول إيجاد طريقة لتجنب المناطق السيئة ~~الطقس. لقد بدأ الأمر - وبالأمر هنا أقصد اهتمامه بالخرائط - ذات مرة ~~حين وصل في ساعة متأخرة جدا بعد أن قذفه أحد تلك الأعاصير المرعبة، ~~التي تظهر ms109 من العدم في تلك البلاد، عن مساره. كنا قد كدنا نفقد الأمل ~~في عودته في ذلك الوقت.» ~~«ألا تطيرون على ارتفاعات أعلى من أحوال الطقس؟» ~~«في الرحلات الطويلة بالطبع نفعل. لكن حين تطير بطائرات الشحن فإنه ~~يتعين عليك أن تحط في أغرب الأماكن. لذا أنت دائما تحت رحمة الطقس ~~بطريقة أو بأخرى.» ~~«فهمت. وهل تظن أن بيل تغير بعد تلك التجربة؟» ~~«في الواقع، أظن أنها تركت فيه أثرا. كنت موجودا حين وصل. أقصد ~~بالطائرة. كنت أنتظره، في المهبط. وبدا لي مهزوزا بعض الشيء، إن كنت ~~تفهم ما أعنيه.» ~~«يعاني صدمة.» ~~«أجل. كان لا يزال يخوض تلك التجربة، إن كنت تعرف ما أقصد. لا يصغي ~~حقا لما يقال له.» ~~«وبعد ذلك بدأ يدرس الخرائط. ليخطط لمساره، كما تظن.» ~~«أجل. منذ تلك اللحظة وهذه التجربة هي الشغل الشاغل لذهنه بدلا من ~~أن تكون شيئا تصرف ذهنك عنه وأنت تخلع عنك ملابس العمل. بل إنه أصبح ~~معتادا على الوصول بالطائرة متأخرا. وكأنه خرج عن طريقه ليبحث عن ~~مسار أسهل.» توقف الرجل لحظة، وأضاف بنبرة تحذيرية سريعة: «أرجوك، ~~افهم يا سيد جرانت، أنا لا أقول إن بيل فقد شجاعته.» ~~«لا، بالطبع لا.» ~~«فقدانك لشجاعتك لا يأخذك في ~~هذا الطريق على الإطلاق، صدقني. بل تصبح على العكس تماما. لا تريد ~~أن تفكر في الطيران مطلقا. ويصبح مزاجك حادا، وتفرط في معاقرة ~~الشراب وفي أوقات مبكرة للغاية من اليوم، وتحاول أن تتحايل للحصول ~~على رحلات قصيرة، وتدعي أنك مريض بينما ليس بك أي خطب. لا يوجد ~~غموض بشأن فقدان الشجاعة يا سيد جرانت. بل إنه يعلن عن نفسه وكأنه اسم ~~على سرادق. لم يظهر على بيل أي شيء مشابه لذلك ... ولا أظن أنه سيظهر ~~أبدا. الأمر فقط أنه لم يستطع أن يترك الأمر وراءه.» ~~«أصبح هوسا لديه.» ~~«هكذا تقريبا، على ما أظن.» ~~«هل كانت لديه اهتمامات أخرى؟» # قال السيد كولين بنبرة آسفة، مثل شخص يعترف بشيء ذي غرابة ما في ~~صديق له: «إنه يقرأ الكتب، وقد ms110 ظهر هذا عليه حتى في قراءته ~~للكتب.» ~~«كيف ظهر؟» ~~«أقصد، بدلا من أن تكون الكتب هي الروايات القصصية المعتادة، كان من ~~المرجح أن تكون عن شبه الجزيرة العربية.» # قال جرانت وهو غارق في التفكير: «حقا؟» منذ أتى الغريب لأول مرة ~~على ذكر شبه الجزيرة العربية، كان جرانت «يتفق معه» تماما. كانت شبه ~~الجزيرة العربية تعني للعالم كله شيئا واحدا؛ الرمال. وعلاوة على ~~ذلك، أدرك أنه حين خالجه ذلك الشعور، في ذلك الصباح الذي قضاه في فندق ~~بلدة سكون، بأن «الرمال المغنية» موجودة بالفعل في مكان ما، كان ينبغي ~~عليه أن يربط بينها وبين شبه الجزيرة العربية. في مكان ما في شبه ~~الجزيرة العربية كانت توجد في الواقع رمال يزعم أنها تغني. # قال السيد كولين: «لذا كنت مسرورا حين أخذ «إجازته» في وقت أبكر ~~مما كان يريد. كنا قد خططنا للذهاب معا وقضاء إجازتنا في باريس. لكنه ~~غير رأيه وقال إنه يريد قضاء أسبوع أو أسبوعين في لندن أولا. فهو ~~إنجليزي. لذا رتبنا أن نلتقي في فندق سانت جاك في باريس. كان من ~~المقرر أن يقابلني هناك في الرابع من شهر مارس.» # قال جرانت: «متى؟» وسكن فجأة. سكن عقله وسكن جسده، وكأنه كلب صيد يرى ~~طريدته أمام ناظريه، وكأنه رجل هدفه أمام ناظريه. ~~«الرابع من مارس. لماذا؟» # كانت الرمال المغنية مبعث اهتمام أي أحد. إن الرجال الذين يطيرون ~~لحساب شركة أورينتال كوميرشال كانوا كثر. لكن المسألة المتشعبة ~~المبهمة غير المحددة المتعلقة ببيل كينريك، الذي كان مهووسا بالجزء ~~الجنوبي من شبه الجزيرة العربية ولم يأت في موعده إلى باريس، انحصرت ~~فجأة في نقطة مركزة واحدة. انحصرت في تاريخ. # في الرابع من مارس، حين كان ينبغي على بيل كينريك أن يظهر في باريس، ~~كان قطار بريد لندن قد أتى إلى سكون يحمل جثة شاب كان مهتما ~~بالرمال المغنية. شاب ذو حواجب جامحة. شاب كان يبدو من مظهره أنه ~~كان من المرجح جدا أنه كان سيصبح طيارا ماهرا. تذكر جرانت أنه ~~كان قد حاول ms111 في مخيلته أن يضعه على برج قيادة سفينة صغيرة؛ سفينة ~~صغيرة سريعة، جهنمية في أي بحر. بدا أنه ينسجم مع هذه الصورة. لكنه ~~سيبدو ملائما بالمثل أمام لوحة التحكم في طائرة. ~~«لماذا اختار بيل باريس؟» ~~«لماذا يختارها أي أحد؟!» ~~«ألم يكن هذا لأنه فرنسي؟» ~~«بيل؟ لا، بيل إنجليزي. حتى النخاع.» ~~«هل رأيت جواز سفره من قبل؟» ~~«ليس بحسب ما أتذكر. لماذا؟» ~~«ألا تظن أنه ربما كان فرنسي المولد؟» # لم يكن الأمر سينجح على أي حال. كان الرجل الفرنسي يدعى مارتن. إلا ~~إذا كانت تربيته الإنجليزية جعلته يتبنى اسما إنجليزيا؟ ~~«ألا يتصادف أنك تحمل صورة لصديقك؟» # لكن انتباه السيد كولين كان منصبا على شيء آخر. التفت جرانت ~~لينظر، ووجد أن زوي كانت قادمة نحوهما على ضفة النهر. فنظر إلى ~~ساعته. # وقال: «بحق الجحيم! لقد وعدت أن أشعل نار الموقد!» ثم التفت إلى ~~حقيبته وأخرج منها موقد الكيروسين. # سأله السيد كولين بصراحة غير معتادة: «أهي زوجتك؟» في الجزر ~~الغربية، كان الأمر سيتطلب محادثة مدتها خمس دقائق لاستخراج تلك ~~المعلومة منه. ~~«لا. تلك الليدي كينتالين.» ~~«ليدي؟ أهذا لقب؟» # قال جرانت وهو مشغول بالموقد: «أجل. إنها الفيكونتيسة ~~كينتالين.» # أخذ السيد كولين يفكر في ذلك في صمت لوقت قصير. ~~«أظن أنها كونتيسة من مستوى متدن نوعا ما.» ~~«لا. على العكس. إنها ذات مقام رفيع جدا. فهي عمليا ماركيزة. ~~اسمع يا سيد كولين، لنؤجل أمر صديقك هذا بعض الوقت. إنه أمر يثير ~~اهتمامي أكثر مما يمكنني أن أصف، لكن ...» ~~«أجل، بالطبع سأغادر. متى يمكنني أن أتحدث معك مرة أخرى بشأن هذا ~~الأمر؟» ~~«بالطبع لن تغادر! ستبقى وستتناول معنا شيئا من الطعام.» ~~«أتقصد أنك تريدني أن أقابل هذه الماركيزة، هذه ... الفيكونتيسة كما ~~تطلق عليها؟» ~~«ولم لا؟ إنها شخص من اللطيف جدا مقابلته. أحد ألطف الأشخاص الذين ~~أعرفهم.» ~~«حقا؟» ونظر السيد كولين باهتمام إلى زوي وهي تقترب. «من المؤكد ~~أنها بهية الطلعة جدا. لم أكن أعرف أن أعضاء طبقتها يتصفون بهذا. لقد ~~تخيلت بطريقة ما أن كل الأرستقراطيين ms112 لهم أنوف طويلة.» ~~«أظن أنهم حصلوا عليها خصوصا من أجل النظر إلى الناس ~~باستعلاء.» ~~«شيء من هذا القبيل.» ~~«لا أعرف إلى أي مدى على المرء أن يتعمق في التاريخ الإنجليزي من ~~أجل أن يجد أنفا أرستقراطيا لم ينظر صاحبه إلى أحد باستعلاء. أشك أن ~~المرء سيجد واحدا على الإطلاق. المكان الوحيد الذي تجد فيه أنفا لم ~~ينظر صاحبه إلى أحد باستعلاء هو الضواحي. فيما يعرف بالدوائر الدنيا ~~من الطبقة المتوسطة.» # بدا السيد كلوين متحيرا. «لكن الأرستقراطيين منعزلون وينظرون إلى ~~بقية الناس باستعلاء، أليس كذلك؟» ~~«لم يكن من الممكن قط في إنجلترا لأي طبقة أن تنعزل، على حد وصفك. ~~إنهم يتزوجون من طبقات أخرى على كل المستويات طيلة ألفي عام. لم توجد ~~قط طبقات منفصلة ومتمايزة - أو طبقة أرستقراطية على الإطلاق بالمعنى ~~الذي تقصده.» # فأشار السيد كولين قائلا، غير مصدق بعض الشيء: «أظن أن الكفات ~~آخذة في التوازن في هذه الآونة.» ~~«أوه، لا. إن هذه المسألة دائما ما كانت مائعة. حتى العائلة الملكية ~~لدينا. لقد كانت إليزابيث الأولى حفيدة لأحد حكام المدن. وستجد أن ~~الأصدقاء الشخصيين للعائلة الملكية لا يحملون ألقابا على الإطلاق؛ ~~أقصد الأشخاص الذين يتسنى لهم الاتصال بقصر بكنجهام. في حين أنه ربما ~~يكون البارون الأصلع الخبيث، الذي يجلس إلى جوارك في مطعم باهظ الثمن، ~~قد بدأ حياته كمصفح للصفائح المعدنية في السكك الحديدية. لا يوجد في ~~إنجلترا انعزال طبقي، وهذا فيما يتعلق بالطبقات الاجتماعية. لا يمكن ~~أن يحدث هذا. يمكن فقط أن تفعله السيدة جونز التي تستخف بجارتها ~~السيدة سميث وتقلل من شأنها؛ لأن ما تجنيه السيدة جونز في الأسبوع أكثر ~~بجنيهين مما تجنيه السيدة سميث.» # أشاح بجسده عن الأمريكي المتحير ليلقي التحية على زوي. «أنا آسف ~~حقا بشأن الموقد. أخشى أنني أوقدته متأخرا جدا وليس جاهزا. كنا ~~نخوض محادثة شيقة للغاية. هذا هو السيد كولين، وهو يطير بطائرات بضائع ~~لصالح شركة أورينتال كوميرشال.» # صافحته زوي، وسألته عن نوع الطائرة التي يقودها. # ومن نبرة صوته حين أخبرها، استنتج ms113 جرانت أن السيد كولين ظن أن زوي ~~إنما تبدي اهتماما متعاليا ليس غير. فالتعالي هو ما يتوقعه من شخص ~~«أرستقراطي». # علقت زوي بتعاطف: «إن التحكم في ذلك النوع من الطائرات صعب جدا، ~~أليس كذلك؟ كان أخي يقود واحدة حين كان في جولة أستراليا. كان دائما ~~ما يلعنها.» ثم بدأت تفتح أكياس الطعام. وتابعت: «لكن بعد أن أصبح يعمل ~~في مكتب في سيدني صار يمتلك طائرة صغيرة. من طراز بيمش 8. إنها طائرة ~~جميلة. كنت أطير بها حين اشتراها، قبل أن يأخذها إلى أستراليا. وكنا ~~نحلم أنا وديفيد - زوجي - بأن نمتلك واحدة أيضا، لكننا لم نستطع قط ~~أن نتحمل كلفتها.» # فبادرها السيد كولين: «لكن طائرة من طراز بيمش 8 لا تكلف سوى ~~أربعمائة جنيه.» # لعقت زوي أصابعها التي كانت بها آثار تسريب من فطيرة التفاح، وقالت: ~~«أجل، أعرف، لكننا لم نتمكن مطلقا من توفير أربعمائة جنيه.» # سعى السيد كولين للعودة إلى أرض صلبة بعد أن شعر وكأنه انجرف نحو ~~البحر. # فقال: «لا ينبغي أن أتناول طعامكما بهذه الطريقة. سيكون لديهم كثير ~~من الطعام لي في الفندق. يتعين علي العودة حقا.» # قالت زوي ببساطة أصيلة اخترقت دفاعات السيد كولين: «أوه، لا تذهب. ~~يوجد من الطعام ما يكفي عدة أشخاص.» # وهكذا مكث السيد كولين، وهو ما أسعد جرانت لأكثر من سبب. كانت زوي ~~غير مدركة أنها تقدم عرضا منقحا للجنس الإنجليزي الأرستقراطي في ~~أعين الولايات المتحدة، فأخذت تأكل كتلميذ مدرسة جائع، وتتحدث إلى ~~الغريب بصوتها الرقيق وكأنها تعرفه طيلة حياتها. وبحلول مرحلة تناول ~~فطيرة التفاح، كان السيد كولين قد تحرر من تحفظه. وبحلول الوقت ~~الذي كانوا يوزعون فيه على بعضهم الشوكولاتة، التي كانت لورا قد ~~وضعتها، كان قد استسلم بلا قيد أو شرط. # جلسوا معا تحت أشعة شمس الربيع، ممتلئي البطون ومسرورين. كانت زوي ~~مستلقية تسند ظهرها إلى الضفة العشبية وقدماها متقاطعتان، ويداها خلف ~~رأسها، وعيناها مغلقتان في مواجهة الشمس. وكان ذهن جرانت مشغولا براكب ~~المقصورة «بي 7»، وبالمعلومات التي ~~أمده بها تاد كولين. أما ms114 السيد كولين فقد جثم على صخرة ينظر بامتداد ~~النهر نحو بطن الوادي الأخضر حيث تنتهي الأراضي السبخة وتبدأ ~~الحقول. # وقال: «إنه بلد صغير جميل. إنه يروق لي. إن قررتم يوما ما أن ~~تحاربوا من أجل حريتكم، فأنا معكم.» # قالت زوي وهي تفتح عينيها: «حرية؟ حرية ممن أو من ماذا؟» ~~«من إنجلترا بالطبع.» # بدت زوي عاجزة عن الفهم، لكن جرانت راح يضحك. وقال: «أظن أنه لا بد ~~أنك قد تحدثت إلى رجل أسود ضئيل الحجم يرتدي تنورة ~~اسكتلندية.» # قال السيد كولين: «كان يرتدي تنورة اسكتلندية بالفعل لكنه لم يكن ~~أسمر البشرة.» ~~«لا، كنت أقصد أسود الشعر. لقد تحدثت إلى آرتشي براون.» # سألته زوي: «من هو آرتشي براون؟» ~~«إنه الرجل الذي نصب نفسه مدافعا عن اسكتلندا، وملكنا ومفوضنا ~~ورئيسنا المستقبلي وما إلى ذلك، حين تتحرر اسكتلندا من نير العبودية ~~الإنجليزية المهلك.» # قالت زوي بنبرة معتدلة وهي تتعرف على آرتشي في ذهنها: «أوه، أجل. ~~ذلك الرجل. إنه فاقد لصوابه بعض الشيء، أليس كذلك؟ أيعيش في الجوار ~~هنا؟» ~~«حسب فهمي إنه نزيل في الفندق في مويمور. يبدو أنه انخرط في أعمال ~~تبشير مع السيد كولين.» # ابتسم السيد كولين في خجل بعض الشيء وقال: «في الواقع، كنت أتساءل ~~عما إن كان يبالغ قليلا في التعبير عن الأمور. لقد قابلت في شبابي بعض ~~الاسكتلنديين ولم يبد لي أنهم من نوعية الأشخاص الذين يتحملون ~~المعاملة التي كان السيد براون يصفها. في الواقع، إذا سمحت لي يا سيد ~~جرانت، بدوا دائما من نوعية الأشخاص الذين يحصلون على أفضل ما يمكن من ~~الصفقة التي كانت تجري.» # فقال جرانت لزوي: «هل سمعت من قبل بوصف أفضل للاتحاد؟» # قالت زوي بارتياح: «لم أعرف مطلقا أي شيء عن الاتحاد، عدا أنه حدث ~~عام 1707.» # فسأل السيد كولين: «هل وقعت معركة حينها؟» # فقال جرانت: «لا، لحسن الحظ استقلت اسكتلندا عربة إنجلترا، وورثت كل ~~المنافع والاستحقاقات. المستوطنات، وشكسبير، والصابون، والسعة والغنى، ~~وما إلى ذلك.» # قالت زوي وهي شبه نائمة: «آمل ألا يذهب السيد براون في ms115 جولة لإلقاء ~~المحاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية.» # فقال جرانت: «سيفعل. سيفعل. كل الأقليات الصاخبة تسافر في جولات ~~لإلقاء المحاضرات في الولايات المتحدة الأمريكية.» # قالت زوي بلطف: «سيقدم لهم هذا أفكارا خاطئة، أليس كذلك؟» فكر ~~جرانت في أي جملة عنيفة كانت لورا ستستخدمها من أجل التعبير عن الفكرة ~~نفسها. «لديهم أغرب الأفكار. فحين كنت هناك أنا وديفيد، في العام ~~السابق لمقتله، كنا دائما ما نسأل عن سبب عدم توقفنا على فرض ~~الضرائب على كندا. وحين قلنا إننا لم نفرض قط الضرائب على كندا كانوا ~~فقط ينظرون إلينا وكأننا نكذب. ولم تكن حتى أكاذيب جيدة.» # من تعبيرات وجه السيد كولين استنتج جرانت أنه هو الآخر كانت لديه ~~أفكار «غريبة» حيال فرض الضرائب على كندا، لكن عيني زوي كانتا ~~مغمضتين. وتساءل جرانت عما إذا كان السيد كولين قد أدرك أن زوي غير ~~مدركة لأنه أمريكي لدرجة أنه لم يخطر ببالها أن تتأمل لكنته وجنسيته ~~وملابسه أو أي شيء شخصي عنه. لقد قبلته بهيئته على ما هي عليه كشخص. ~~كان مجرد طيار كأخيها؛ شخص ظهر في الوقت المناسب ليشاركهم نزهتهم، ~~وكان الحديث معه باعثا على السرور والمتعة. لم يخطر ببالها أن تصنفه ~~وتضعه في فئة خاصة. لو كانت متنبهة بأي حال لطريقة نطقه الضيقة لحرف ~~«إيه»، فلا شك أنها ستدرك أنه مواطن من الشمال. # نظر جرانت إليها وهي مغمضة عينيها تحت الشمس، وفكر في مدى ~~جمالها. ثم نظر إلى السيد كولين ورأى أنه أيضا كان ينظر إلى زوي ~~كينتالين ويفكر في مدى جمالها. التقت نظراتهما فتحاشيا أن يتبادلا ~~النظر. # لكن جرانت، الذي لم يكن يتخيل ليلة أمس أنه توجد سعادة أكبر من ~~الجلوس والنظر إلى زوي كينتالين، كان مدركا الآن أنه يعتريه شيء من ~~نفاد الصبر بشأن زوي، وقد صدمه هذا كثيرا حتى إنه أخرجه ليفحصه ~~بطريقته في التحليل الذاتي. ما العيب الذي يمكن أن يوجد في هذا المخلوق ~~السامي؟ ما نواقص أميرة القصص الخيالية هذه؟ # قال الصوت العاق بداخله: «أنت تعرف جيدا ما ms116 الخطب. تريدها أن تغادر ~~من هنا حتى يتسنى لك أن تكتشف أمر راكب المقصورة «بي 7».» # ولأول مرة لم يحاول جرانت أن يعارض الصوت. كان بالفعل يرغب بشدة في ~~أن «تغادر» زوي. زوي التي كان وجودها عصر يوم أمس قد حول اليوم إلى ~~شيء ساحر، كانت الآن تمثل عبئا وعائقا. راحت وخزات صغيرة للغاية ~~من شعوره بالسأم تطارد بعضها بعضا في عموده الفقري. هيا يا زوي ~~الجميلة البسيطة الرائعة. يا سر بهجتي وأميرة أحلامي، اغربي عن ~~هنا. # كان يتدرب على الجمل التي سيقولها من أجل أن يغادر، حين تنهدت ~~هي نصف تنهيدة وتثاءبت كالأطفال وقالت: «توجد أسماك تزن سبعة أرطال في ~~بركة كودي، التي لا بد أنها تجد الحياة مملة من دوني.» وكعادتها في عدم ~~إثارة جلبة أو حديث، أخذت أشياءها ورحلت في عصر اليوم الربيعي. # نظر إليها السيد كولين باستحسان، وانتظر جرانت تعليقا. لكن بدا أن ~~السيد كولين هو الآخر كان ينتظر مغادرة «الكونتيسة المنتقص من قدرها». ~~راح يشاهدها من بعيد ثم قال في الحال: ~~«سيد جرانت، لماذا سألتني إن كان لدي صورة فوتوغرافية لبيل؟ أيعني ~~ذلك أنك تظن أنك تعرفه؟» ~~«لا. لا. لكن من شأن هذا أن يستبعد الأشخاص الذين لا يمكن أن يكونوا ~~بيل.» ~~«أوه. أجل. حسنا، ليس لدي صورة معي في جيبي الآن، لكن لدي صورة ~~في الفندق. ليست صورة جيدة جدا، لكن من شأنها أن تعطيك الفكرة ~~العامة. أيمكنني أن أحضرها لك عما قريب؟» ~~«لا. سأسير معك إلى مويمور.» ~~«أحقا؟ بالتأكيد هذا لطف كبير منك يا سيد جرانت. أتظن أنك تعرف ~~شيئا عن هذا الأمر؟ لم تخبرني بماهية تلك الكلمات. ذلك الاقتباس أو ~~أيا كان. في الواقع ذلك ما أتيت أسألك عنه. أتساءل ما هو المغزى من ~~أمر الوحوش المتكلمة. إن كان مكانا كان شغوفا به، فربما يكون قد ذهب ~~إلى هناك، ويمكنني أن أذهب إلى هناك أيضا، وبتلك الطريقة يتقاطع دربي ~~مع دربه.» ~~«يهمك أمر بيل هذا كثيرا، أليس كذلك؟» ~~«في الواقع، نحن معا منذ ms117 وقت طويل نوعا ما، وعلى الرغم من أننا ~~مختلفان في معظم الأمور فإننا على وفاق حسن. حسن جدا. لا أحب أن يقع ~~أي مكروه لبيل.» # غير جرانت مسار الحديث وسأل تاد كولين عن حياته. وبينما كانا ~~يسيران على طول الوادي نحو مويمور أخبره عن المدينة الصغيرة النظيفة ~~التي كانا يعيشان فيها في الولايات المتحدة، وأنها بدت مكانا مملا ~~وكئيبا لشاب يمكنه الطيران، وأن الشرق بدا رائعا من بعيد، وغير ~~ممتع عن قرب. # قال السيد كولين: «فقط شارع رئيسي مع وجود بعض الروائح.» ~~«ماذا فعلت في باريس أثناء انتظارك الطويل لظهور بيل؟» ~~«أوه، جبت بعض الأماكن وتصرفت بجموح. لم يكن الأمر ممتعا كثيرا ~~من دون بيل. وقد قابلت شابين كنت أعرفهما في الهند، وذهبنا إلى بعض ~~الأماكن معا، لكنني طوال الوقت كنت أنتظر بفارغ الصبر أن يأتي بيل. ثم ~~انفصلت عنهما بعد قليل، وذهبت أبحث عن بعض الأماكن الواردة في ~~المنشورات السياحية. بعض تلك الأماكن القديمة رائع فعلا. من بينها ~~مكان مبني فوق الماء - أقصد قلعة - على أحجار مقوسة، بحيث يتدفق ~~النهر من أسفل. كان ذلك رائعا. وكان سيلائم الكونتيسة كثيرا. أتلك هي ~~نوعية الأماكن التي تعيش فيها؟» # قال جرانت وهو يفكر في الاختلاف بين شينونسو وكينتالين: «لا. تعيش ~~في منزل مقيت مسطح كئيب ذي نوافذ صغيرة وغرف غير أنيقة ودرج ~~ضيق وباب أمامي ضيق كمخرج أنبوب غسيل. وبه برجان صغيران على مستوى ~~الطابق الرابع، بجوار سطح المنزل، وهذا التصميم في اسكتلندا يجعل منه ~~قلعة.» ~~«يبدو كسجن. لماذا تمكث فيه؟» ~~«سجن! لن تأخذه أي لجنة من لجان السجون بعين الاعتبار ولو للحظة؛ إذ ~~ستطرح في الحال أسئلة في المجلس عن افتقاره إلى الإضاءة والتدفئة ~~والمرافق الصحية، وألوانه، وجماله، ومساحته، وما إلى ذلك. إنها تقيم في ~~ذلك المكان لأنها تحبه. لكني أشك أن بإمكانها أن تقيم وقتا أطول من ~~ذلك. فضرائب التركات كانت ثقيلة عليها جدا لدرجة أنها ستضطر إلى ~~البيع.» ~~«لكن هل سيشتريه أحد؟» ~~«ليس بغرض السكنى. لكن أحد المضاربين سيشتريه، ms118 وسيقطع الأشجار . ربما ~~يأتي الرصاص على سطحه بشيء من المال، وسيتحتم عليهم أن يزيلوا السطح ~~على أي حال ليتجنبوا دفع ضرائب على المنزل.» # علق السيد كولين قائلا: «هاه! أمور مماثلة لفترة قصعة الغبار في ~~الولايات المتحدة. ألا يتصادف أن هذا المنزل يحتوي على خندق مائي ~~حوله؟» ~~«لا. لماذا؟» ~~«لا بد أن أرى خندقا مائيا قبل أن أعود إلى شركة أورينتال ~~كوميرشال.» ثم قال بعد برهة من الصمت: «أنا قلق حقا على بيل يا سيد ~~جرانت.» ~~«أجل، الأمر غريب جدا بالتأكيد.» # قال السيد كولين فجأة ومن دون توقع: «كانت هذه لفتة طيبة ~~منك.» ~~«ماذا كانت؟» ~~«إنك لم تقل: «لا تقلق، سيظهر وسيكون على ما يرام!» إنني بالكاد ~~أتحكم في يدي مع الأشخاص الذين يقولون: «لا تقلق، سيظهر.» يمكنني أن ~~أخنقهم.» # كان فندق مويمور نسخة مصغرة من منزل كينتالين، من دون الأبراج. ~~لكن جدرانه كانت مطلية بالأبيض وباعثة على البهجة، وكانت الأشجار ~~خلفها على وشك أن تورق. وفي ردهة الدخول الصغيرة المرصوفة تردد ~~السيد كولين. ~~«ألاحظ في بريطانيا أن الناس لا يطلبون منك أن تصعد معهم إلى غرفتهم. ~~فهل قد ترغب في الانتظار في غرفة الجلوس؟» ~~«أوه، لا، سأصعد. لا أظن أن لدينا أي شعور حيال غرف النوم في ~~الفنادق. ربما الفكرة أن غرف الجلوس في فنادقنا قريبة جدا من غرف ~~النوم فلا يوجد داع للصعود؛ لذا لا نقترح ذلك. وحين تكون غرفة الجلوس ~~العامة على مسافة رحلة يوم من غرفتك، فأظن أن من الأسهل أن تصحب الضيف ~~معك. بهذه الطريقة تكونان في نصف الكرة الأرضي نفسه على الأقل.» # كانت غرفة السيد كولين أمامية، وتطل على الطريق المؤدي إلى الحقول ~~والنهر والتلال من خلفهم. ولاحظ جرانت بعين محترفة أن نار المدفأة ~~كانت مشتعلة، كما لاحظ أزهار النرجس على النافذة؛ كان لفندق مويمور بعض ~~المعايير، وكان ذهنه منشغلا بتاد كولين، الذي قطع إجازته وجاء إلى ~~براري كاليدونيا من أجل أن يعثر على صديق كان يعني له الكثير. ومع كل ~~خطوة كان يخطوها تجاه ms119 مويمور كان يتنامى بداخله نذير شؤم لم يستطع أن ~~يتخلص منه، والآن أصبح نذير الشؤم ذلك يملأ نفسه لدرجة كادت تصيبه ~~بالغثيان. # أخرج الشاب حقيبة خطابات من حقيبة سفره وفتحها على طاولة المزينة. ~~كانت الحقيبة تحتوي على كل شيء تقريبا عدا وسائل كتابة الخطابات. وبين ~~فوضى الأوراق والخرائط ومنشورات السفر وما إلى ذلك، كان يوجد شيئان ~~مغلفان بغلاف من الجلد؛ سجل عناوين ودفتر جيب صغير. ومن دفتر الجيب ~~أخرج الشاب بعض الصور وراح يقلب عبر الابتسامات الأنثوية حتى وجد ما ~~كان يبحث عنه. ~~«هاك هي. أخشى أنها ليست صورة جيدة جدا. إنها مجرد لقطة ~~فوتوغرافية. أخذت هذه اللقطة حين كان هناك حشد منا على ~~الشاطئ.» # أخذ جرانت، كرها تقريبا، قطعة الورق التي قدمها له. # كان تاد كولينز يبدأ حديثه قائلا: «ذلك ...» وهو يرفع ذارعه ليشير ~~به. # فقال جرانت موقفا إياه: «لا، انتظر! دعني أنظر إن كنت ... إن كنت ~~أستطيع التعرف على أحد.» # ربما كانت توجد دزينة من الشباب في الصورة، التي كانت قد التقطت على ~~شرفة أحد المنازل الشاطئية. كان الشباب مجتمعين حول الدرج ويلتفون حول ~~الدرابزين الخشبي المتهالك في درجات مختلفة من الاسترخاء. مر جرانت ~~بنظرة سريعة على وجوههم الضاحكة وشعر بارتياح كبير. لم يكن هناك أحد ~~سبق له أن ... # ثم رأى الشاب الجالس على الدرجة السفلية. # كان يجلس فاردا ساقيه على الرمال، ويضيق عينيه في مواجهة الشمس ~~وذقنه مائل إلى الخلف قليلا وكأنه كان يلتفت ليقول شيئا للرجل الذي ~~كان خلفه. كان رأسه ملتفتا بنفس الوضعية تقريبا التي كان بها على ~~الوسادة في المقصورة «بي 7» صباح يوم الرابع من شهر مارس. ~~«ماذا؟» # فقال جرانت وهو يشير إلى الرجل عند الدرجة السفلية: «أهذا ~~صديقك؟» ~~«أجل، هذا بيل. كيف عرفت؟ هل قابلته من قبل في مكان ما ~~إذن؟» ~~«أميل إلى الظن بأنني فعلت. لكن بالطبع، استنادا إلى الصورة، لا ~~يمكنني أن أقسم على ذلك.» ~~«لا أريد منك أن تقسم. فقط أعطني فكرة عامة عن الأمر. أخبرني فقط ~~أين ومتى رأيته ms120 ولو بالتقريب وسأقتفي أثره، ولا تشك في هذا على ~~الإطلاق. أتعرف أين قابلته؟ أقصد، هل تتذكر؟» ~~«أوه، أجل. أتذكر. رأيته في مقصورة - مقصورة نوم - في قطار بريد لندن ~~حين كان يدخل إلى سكون مبكرا في صباح يوم الرابع من مارس. كان هذا هو ~~القطار الذي أتيت إلى الشمال على متنه.» ~~«أتعني أن بيل أتى إلى «هنا»؟ إلى اسكتلندا؟ لماذا؟» ~~«لا أعرف.» ~~«ألم يخبرك؟ هل تحدثت معه؟» ~~«لا. لم أستطع ذلك.» ~~«ولم لا؟» # مد جرانت يده ودفع مرافقه برفق إلى الخلف حتى يجلس في الكرسي الذي ~~كان خلفه. ~~«لم أستطع لأنه كان قد فارق الحياة.» # ساد الصمت برهة. ~~«أنا آسف حقا يا كولين. أتمنى لو كنت أستطيع أن أتظاهر أمامك بأنه ~~قد لا يكون بيل، ولكن فيما عدا الوقوف على منصة الشهود تحت القسم أنا ~~على استعداد لأن أدافع عن اعتقادي بأنه هو.» # بعد برهة قصيرة أخرى من الصمت قال كولين: «لماذا مات؟ ماذا حدث ~~له؟» ~~«كان قد احتسى كمية كبيرة من الويسكي وسقط على مؤخرة رأسه على حوض ~~غسيل الوجه الصلب المصنوع من البورسلين. أدى هذا إلى تهشم ~~جمجمته.» ~~«من قال كل هذا؟» ~~«كانت هذه هي النتائج التي توصلت إليها محكمة التحقيق في الوفيات. ~~في لندن.» ~~«في لندن؟ لماذا في لندن؟» ~~«لأنه، طبقا لتشريح الجثة بعد الوفاة، مات بعد برهة قصيرة للغاية ~~من مغادرة يوستن. وبموجب القانون الإنجليزي، يجرى التحقيق في حالات ~~الموت المفاجئ بواسطة قاضي تحقيق وهيئة محلفين.» # فقال كولين وقد بدأ يصاب بفورة من الغضب: «لكن كل هذا مجرد ... مجرد ~~افتراضات. إذا كان بمفرده، فكيف يمكن لأحد أن يتكهن بما حدث ~~له؟» ~~«لأن رجال الشرطة الإنجليزية هم أكثر المخلوقات مثابرة وميلا إلى ~~الشك.» ~~«الشرطة؟ هل تولت الشرطة هذا الأمر؟» ~~«أوه، بكل تأكيد. تجري الشرطة التحقيق وترفع تقريرا علنيا إلى ~~محقق الوفيات ومحلفيه. وفي هذه القضية أجريت تحقيقات واختبارات ~~شاملة للغاية. وفي النهاية عرفوا كم شرب من الويسكي بالجرعات تقريبا ~~ومتى شربه قبل ... قبل وفاته.» ~~«وعن وقوعه على ظهره ms121 ... كيف يمكنهم أن يعرفوا ذلك؟» ~~«أخذوا يطوفون بالمجاهر. كانت آثار الزيت والشعر المتقصف لا تزال ~~موجودة على حافة الحوض. والجرح في الجمجمة كان متسقا مع سقطة على ~~الظهر على الحوض.» # هدأ كولين لدى سماعه هذا، لكنه بدا مرتبكا مشوشا. # ثم سأل في إبهام: «كيف تعرف كل هذا؟» ثم أضاف بعد أن تنامى شعور الشك ~~بداخله: «كيف رأيته على أي حال؟» ~~«حين كنت في طريق الخروج صادفت مضيف عربة النوم يحاول إيقاظه. ظن ~~الرجل أنه كان نائما من شدة ثمالته؛ لأن زجاجة الويسكي كانت قد تدحرجت ~~على الأرض، وبدت رائحة المقصورة وكأنه كان يتجرع الشراب طوال ~~الليل.» # لم ترض هذه الإجابة تاد كولين. فسأل: «تقصد أن تلك كانت هي المرة ~~الوحيدة التي رأيته فيها؟ رأيته للحظة واحدة راقدا ... ميتا في مكانه، ~~ويمكنك التعرف عليه من صورة فوتوغرافية - ليست جيدة جدا - بعدها ~~بأسابيع.» ~~«أجل. لقد تأثرت بوجهه. فالوجوه هي مجال عملي، ونوعا ما هوايتي. ~~ما أثار اهتمامي هو الطريقة التي أضفى بها انحراف الحاجب تعبير جموح ~~على وجهه حتى ... حتى حين كان وجهه لا يحمل أي تعبيرات حقيقية بأي شكل. ~~وقد زاد اهتمامي بطريقة عرضية إلى حد كبير.» ~~«لماذا؟» إذ لم يكن كولين يترك له أي مساحة. ~~«حين كنت أتناول طعام الإفطار في فندق المحطة في بلدة سكون، وجدت ~~أنني كنت قد أخذت عن طريق الصدفة صحيفة كانت قد سقطت من على السرير ~~حين كان المضيف يحاول إيقاظه، وفي المكان المخصص للأخبار العاجلة - تلك ~~المساحة الفارغة من الصحيفة، كما تعلم - كان أحد ما قد كتب بقلم رصاص ~~بضعة أبيات من الشعر. «الوحوش المتكلمة، والأنهار الراكدة، والأحجار ~~السائرة، والرمال المغنية ...» ثم كان مكانان شاغران لبيتين آخرين، ثم: ~~«التي تحرس الطريق إلى الفردوس».» # فقال كولين وقد ازداد تجهم وجهه في لحظة: «كان ذلك هو ما أعلنت ~~عنه. ما السبب الذي حملك على نشر إعلان عن هذا؟» ~~«أردت أن أعرف مصدر تلك الأبيات إن كان مصدرها كتابا. وإن كانت ~~أبياتا في طريقها لتصبح قصيدة، كنت ms122 أريد أن أعرف موضوعها.» ~~«لماذا؟ ما الذي يجعلك تهتم بهذا الأمر؟» ~~«لم يكن بيدي خيار في المسألة. كان الأمر يشغل ذهني كثيرا. أتعرف ~~أحدا يدعى شارل مارتن؟» ~~«لا، لا أعرفه. ولا تغير الموضوع.» ~~«لا أفعل، رغم غرابة الأمر. هلا تفضلت بالتفكير في الأمر بجدية ~~للحظة. هل سمعت من قبل أو عرفت في أي وقت من الأوقات شخصا يدعى شارل ~~مارتن؟» ~~«قلت لك لا! ليس علي أن أفكر. وأنت «بالطبع» تغير الموضوع! ما ~~علاقة شارل مارتن بهذه المسألة؟» ~~«طبقا لما أوردت الشرطة، الرجل الذي وجد ميتا في المقصورة «بي 7» ~~كان ميكانيكيا فرنسيا يدعى شارل مارتن.» # بعد لحظة قال كولين: «اسمع يا سيد جرانت، ربما لا أكون ذكيا ~~للغاية، لكن كلامك لا يبدو منطقيا. إنك تقول إنك رأيت بيل كينريك ~~يرقد ميتا في مقصورة قطار، لكنه لم يكن بيل كينريك على الإطلاق، بل ~~كان رجلا يدعى مارتن.» ~~«لا، ما أقوله هو أن الشرطة تعتقد أنه رجل يدعى شارل مارتن.» ~~«حسنا، أتوقع أن لديهم أسبابا قوية لاعتقادهم هذا؟» ~~«أسباب راسخة. كان يحمل خطابات، وأوراق هوية. بل الأكثر من ذلك أن ~~أهله قد تعرفوا عليه.» ~~«حقا! إذن لماذا كنت تتلاعب بي؟! لا يوجد أي شيء يشير إلى أن هذا ~~الرجل كان بيل! وإذا كانت الشرطة مقتنعة بأن الرجل كان فرنسيا يدعى ~~مارتن، فلماذا ترى، بحق السماء، أن الرجل ليس مارتن وإنما بيل ~~كينريك!» ~~«لأنني الشخص الوحيد في العالم الذي رأى الرجل في المقصورة «بي 7» ~~والذي في الصورة الفوتوغرافية.» أشار جرانت برأسه باتجاه الصورة التي ~~كانت موضوعة على الطاولة. # جعل هذا كولين يتوقف برهة. ثم قال: «لكن تلك صورة رديئة. ولا يمكن ~~أن تحمل الكثير لرجل لم ير بيل مطلقا.» ~~«ربما كانت صورة رديئة من ناحية كونها مجرد لقطة سريعة، لكن ~~التشابه كبير جدا بالفعل.» # فقال كولين ببطء: «أجل، إنه كذلك.» ~~«فكر في ثلاثة أشياء؛ ثلاث حقائق. أولها: أهل شارل مارتن لم يكونوا ~~قد رأوه لسنوات، ثم رأوا وجهه وهو ميت، إن قيل لك إن ms123 ابنك قد مات، ~~ولم يشر أحد إلى وجود أي شك حيال هويته، فسترى الوجه الذي توقعت أن ~~تراه. ثانيها: وجد الرجل المعروف باسم شارل مارتن ميتا على متن قطار ~~في اليوم نفسه الذي كان من المقرر أن تتلاقى فيه مع بيل كينريك في ~~باريس. ثالثها: في مقصورته كانت توجد قصيدة مكتوبة بقلم رصاص عن وحوش ~~متكلمة ورمال مغنية، وهو موضوع، بناء على قولك، كان يثير اهتمام بيل ~~كينريك كما أشرت.» ~~«هل أخبرت الشرطة بأمر الصحيفة؟» ~~«حاولت. لكنهم لم يكونوا مهتمين. لم يكن ثمة غموض في الأمر، كما ~~ترى. كانوا يعرفون هوية الرجل، وكيف مات، وذلك كان كل ما ~~يشغلهم.» ~~«ربما كانوا سيهتمون بأنه كان يكتب شعرا بالإنجليزية.» ~~«أوه، لا. لا يوجد دليل على أنه كتب أي شيء، أو على أن الصحيفة كانت ~~تخصه من الأساس. ربما أخذها من مكان ما.» # قال كولين بغضب وحيرة: «الأمر برمته جنوني.» ~~«إنه عجيب. لكن في قلب كل دوامة من العبث يوجد لب ثابت.» ~~«حقا؟» ~~«أجل. توجد مساحة ضئيلة خالية يمكن للمرء أن يقف فيها وهو يفكر ~~في الاحتمالات.» ~~«وما تلك المساحة؟» ~~«صديقك بيل كينريك مفقود. ومن بين مجموعة من الأوجه الغريبة، اخترت ~~بيل كينريك بصفته الرجل الميت الذي رأيته في مقصورة عربة النوم في سكون ~~صباح يوم الرابع من شهر مارس.» # فكر كولين مليا في حديث جرانت. ثم قال في حزن: «أجل. أظن أن ذلك ~~منطقي. أظن أنه لا بد أن يكون بيل. وأظن أنني كنت أعرف طوال الوقت بأن ~~خطبا؛ خطبا مريعا قد حدث. ما كان ليهجرني من دون خبر. كان سيبعث ~~لي بخطاب أو يهاتفني أو شيء من شأنه أن يعطي سببا لعدم مجيئه في ~~الموعد. لكن ما الذي كان يفعله على متن قطار متجه إلى اسكتلندا؟ ماذا ~~كان يفعل على متن قطار أيا كان؟» ~~«كيف: أيا كان؟» ~~«إن أراد بيل أن يذهب إلى مكان ما، كان سيستقل طائرة. ما كان ~~سيستقل قطارا.» ~~«معظم الناس يستقلون قطارا ليلا لأنه يوفر الوقت. فالمرء ms124 يسافر ~~وينام في الوقت نفسه. السؤال هو: لماذا استقل القطار بصفته شارل ~~مارتن؟» ~~«أظن أن هذه قضية تخص سكوتلانديارد؟» ~~«لا أظن أن سكوتلانديارد ستشكرنا.» # فرد كولين بنبرة لاذعة: «لا أطلب منهم شكرا. بل أطلب منهم أن ~~يبحثوا فيما حدث لصديقي.» ~~«ما زلت لا أظن أنهم سيهتمون بذلك.» ~~«من الأفضل أن يفعلوا!» ~~«ليس لديك أي دليل على أن بيل كينريك ليس متواريا من تلقاء نفسه، أو ~~أنه لا يقضي وقتا ممتعا بمفرده حتى يأتي وقت عودته إلى أورينتال ~~كوميرشال.» # فقال كولين بصوت كاد يشبه العواء: «لكنه وجد ميتا في مقصورة عربة ~~قطار!» ~~«أوه، لا. ذاك كان شارل مارتن. الذي لا يوجد حوله أي لغز أيا ~~كان.» ~~«لكنك تعرفت على مارتن بصفته كينريك!» ~~«يمكنني القول بالطبع إن من رأيي أن الوجه في الصورة هو الوجه الذي ~~رأيته في المقصورة «بي 7» صباح يوم الرابع من مارس. وستقول ~~سكوتلانديارد إنه يحق لي الإدلاء برأيي، لكنني بلا شك مضلل فيما ~~يتعلق بالشبه بينهما، حيث إن الرجل في المقصورة «بي 7» هو المدعو شارل ~~مارتن، وهو ميكانيكي، وموطنه مارسيليا، في الضواحي التي لا يزال والداه ~~يعيشان فيها.» ~~«أنت تتحدث بهدوء شديد فيما يخص سكوتلانديارد، أليس كذلك! ومع ذلك ~~...» ~~«ينبغي أن أكون كذلك. لقد عملت هناك لسنوات أكثر مما يمكنني أن ~~أتذكر. وسأعود إلى هناك في غضون أسبوع من يوم الإثنين، بمجرد أن تنتهي ~~إجازتي.» ~~«أتقصد أنك تنتمي إلى سكوتلانديارد؟» ~~«لا أنتمي إليها كلها. بل إلى أحد ركائزها الفرعية. والركائز هنا ~~تعني الدعم. أنا لا أحمل بطاقاتي في ملابس الصيد، لكن إن أتيت معي إلى ~~منزل مضيفي فسيشهد على صدقي.» ~~«أوه. لا. لا، بالطبع أصدقك يا سيد ... آه ...» ~~«محقق. لكننا سنكتفي بكلمة «سيد» لأنني خارج الخدمة مؤقتا.» ~~«آسف أنني حديث العهد بذلك. الأمر فقط أنه لم يخطر لي ... لا تتوقع أن ~~تلتقي بأحد أفراد سكوتلانديارد في الحياة الواقعية. هذا أمر تقرأ عنه ~~فحسب. فالمرء لا يتوقع منهم أن ... أن ...» ~~«أن يذهبوا للصيد.» ~~«لا، أعتقد أنكم لا تفعلون ذلك. ms125 فقط في الكتب.» ~~«حسنا، والآن وقد صدقت هويتي، وتعرف أن قولي عن ردة فعل دائرة ~~الشرطة ليس دقيقا فحسب بل من أكثر المصادر وثوقا، ماذا ~~سنفعل؟» # | الفصل العاشر # حين سمعت لورا في صباح اليوم التالي أن جرانت كان ينوي الذهاب إلى ~~سكون بدلا من قضاء اليوم عند النهر، شعرت بالسخط. # إذ قالت: «لكنني أعددت للتو وجبة غداء رائعة لك ولزوي.» ظل لدى ~~جرانت انطباع بأن استياء لورا كان منبعه سببا أكثر وجاهة من مجرد سوء ~~تقدير لوجبة غداء، لكن ذهنه كان مشغولا للغاية بأمور أكثر أهمية من ~~تحليل التفاهات. ~~«يوجد شاب أمريكي، يمكث في مويمور، أتى طالبا مساعدتي بشأن شيء ~~ما. رأيت أن بإمكانه أن يأخذ مكاني عند النهر إن لم يكن لدى أي أحد ~~اعتراض على ذلك. لقد مارس الصيد قليلا كما قال لي. ربما يحب بات أن ~~يعلمه كيفية الصيد.» # كان بات قد أتى إلى الإفطار في حالة من التألق الشديد حتى إن وهجه ~~بدا جليا عبر الطاولة. كان اليوم هو اليوم الأول من عطلة عيد الفصح. ~~وقد أبدى اهتماما حين سمع الاقتراح الذي قدمه قريبه. إذ لم يكن يوجد ~~كثير من الأشياء التي يستمتع بها بقدر أن يعلم أحدا ما ~~شيئا. # فسأل: «ما اسمه؟» ~~«تاد كولين.» ~~««تاد» اختصار لماذا؟» ~~«لا أعرف. ربما اختصار لاسم تيودور.» # همهم بات في ارتياب: «م ... م ... م.» ~~«إنه طيار.» # فقال بات وقد بدأ حاجباه ينفكان: «أوه، ظننت أنه باسم كهذا ربما ~~يكون بروفيسورا.» ~~«لا. إنه يطير إلى شبه الجزيرة العربية جيئة وذهابا.» # فقال بات: «شبه الجزيرة العربية!»، مشددا على حرف الراء، حتى ~~تألقت طاولة الإفطار الاسكتلندية المتواضعة بانعكاسات جواهر الشرق. ~~فبين وسائل النقل الحديثة وبغداد القديمة، بدا أن تاد كولين يتمتع ~~بوثائق اعتماد مرضية. «سيعلمه» بات بكل سرور. # قال بات: «بالطبع ستحصل زوي على أولوية اختيار أماكن الصيد.» # لو كان جرانت قد ظن أن إعجاب بات وافتتانه بزوي سيأخذان شكل الصمت ~~الخجل والهيام العبثي، فقد كان مخطئا. كانت علامة استسلام بات ~~الوحيدة ms126 هي الإقحام المستمر لجملة «أنا وزوي» في حديثه، ومع ذلك ينبغي ~~ملاحظة أن ضمير المتكلم كان يجيء أولا. # وهكذا استعار جرانت السيارة بعد الإفطار وذهب إلى مويمور ليخبر تاد ~~كولين أن ولدا صغيرا أصهب الشعر، ويرتدي تنورة اسكتلندية خضراء، ~~سيكون في انتظاره، ومعه كل الأدوات والمعدات اللازمة للصيد، عند الجسر ~~المتأرجح فوق نهر تورلي. وأنه سيعود من سكون لينضم إليهم عند النهر ~~في وقت ما من بعد الظهر، أو هكذا كان يأمل. # قال كولين: «أود أن آتي معك يا سيد جرانت. ألديك خيط تتبعه في هذا ~~الأمر؟ أهذا هو سبب ذهابك إلى سكون هذا الصباح؟» ~~«لا. بل أنا ذاهب لأبحث عن خيط أبدأ به. لا يوجد أي شيء يمكنك فعله ~~في الوقت الحالي؛ لذا يمكنك أن تقضي اليوم عند النهر.» ~~«لا بأس سيد جرانت. أنت القائد. ما اسم صديقك؟» # قال جرانت: «بات رانكن»، ثم انطلق بالسيارة نحو سكون. # كان قد أمضى جل الليلة الماضية مستلقيا وهو مستيقظ وعيناه ~~مثبتتان على السقف، تاركا الأنماط في ذهنه تتشكل وتتداخل بعضها في ~~بعض وكأنها خدع تصويرية في أحد الأفلام. كانت الأنماط تتجسد باستمرار، ~~وتتفكك وتتلاشى ولا تعود أبدا إلى نفس الشكل ولو للحظات قليلة. ~~استلقى وترك الأنماط تتراقص في تداخلها البطيء الذي لا نهاية له، دون ~~أن يتدخل بأي شكل في دورانها والتفافها بعضها حول بعض؛ فكان منفصلا ~~عنها وكأنها عرض لأضواء الشفق القطبي. # بتلك الطريقة كان عقله يعمل على أفضل نحو. وبالطبع كان يمكن لعقله أن ~~يعمل بالطريقة الأخرى. كان سيعمل بصورة جيدة للغاية. على سبيل المثال، ~~في المشكلات التي تشتمل على تسلسل مكاني وزماني. في الأمور التي ~~يفترض فيها أن «أ» كان في النقطة «س» في الساعة الخامسة والنصف من شهر ~~كذا الجاري، كان عقل جرانت يعمل بدقة آلة حاسبة. لكن في مسألة يكون ~~فيها الدافع هو أهم شيء، كان يستلقي ويطلق العنان لعقله في المعضلة. ~~وبعد قليل، لو ترك عقله يعمل كما يحلو له، فسيحصل على النمط الذي كان ~~يلزمه. ms127 # كان لا يزال لا يملك أدنى فكرة عن سبب سفر بيل كينريك إلى شمال ~~اسكتلندا، بينما كان ينبغي أن يسافر إلى باريس ليلتقي بصديقه، وكذلك لم ~~يكن يملك أدنى فكرة عن سبب سفره بأوراق رجل آخر. لكنه كان قد بدأ ~~يكون فكرة عن سبب تشكل اهتمام بيل كينريك المفاجئ بشبه الجزيرة ~~العربية. كان كولين قد فكر في ذلك الاهتمام من منطلق مسارات الطيران، ~~متأثرا في ذلك بنظرته إلى العالم من خلال المنظور المحدود لطيار. لكن ~~جرانت كان واثقا من أن هذا الاهتمام كان له منبع آخر. فاستنادا إلى ~~ما قاله كولين، لم يكن كينريك يبدي أيا من الإشارات المعتادة الدالة ~~على «فقدان الشجاعة». كان من المستبعد أن يكون لهوسه بالمسار الذي طار ~~فيه علاقة بالطقس بأي صورة من صوره. ففي مكان ما، وفي وقت ما، أثناء ~~إحدى تلك الرحلات على ذلك المسار «الكئيب الملعون»، وجد كينريك شيئا ~~أثار اهتمامه. وقد بدأ ذلك الاهتمام أثناء إحدى المرات حيث انحرفت به ~~العواصف الترابية، التي كانت تتكرر في المناطق الداخلية لشبه الجزيرة ~~العربية، عن مساره كثيرا. وكان قد عاد من تلك التجربة «مهزوزا». «لم ~~يكن يصغي إلى ما كان يقال له.» «كان لا يزال هناك.» # وهكذا في هذا الصباح كان جرانت ذاهبا إلى سكون ليكتشف ما الذي يمكن ~~أن يكون قد أثار اهتمام بيل كينريك في المناطق الداخلية لتلك المساحات ~~الضخمة الصخرية الكئيبة، في الصحراء وشبه القارة البغيضة التي تشكل ~~شبه الجزيرة العربية. ولهذا السبب بالطبع كان جرانت ذاهبا إلى السيد ~~تاليسكر. كان المرء يذهب إلى السيد تاليسكر، سواء كان سؤاله عن القيمة ~~التقديرية لأحد الأكواخ أو عن تكوين الحمم البركانية. # كانت المكتبة العامة في سكون مهجورة في هذه الساعة من الصباح، ووجد ~~جرانت السيد تاليسكر يتناول كعكة محلاة وكوبا من القهوة. وفكر ~~جرانت في أن الكعكة المحلاة تمثل خيارا طفوليا وواقعيا محببا ~~لرجل بدا أنه يعيش على بسكويت الويفر والشاي الصيني بالليمون. كان ~~السيد تاليسكر مسرورا للقاء جرانت، فسأله عن التقدم الذي ms128 يحرزه في ~~دراسته للجزر الغربية، واستمع باهتمام لحديث جرانت المتسم بالهرطقة ~~عن ذلك الفردوس، وكان ذا نفع في بحثه الجديد. شبه الجزيرة العربية؟ ~~أوه، أجل، لديهم في المكتبة رف كتب كامل عن تلك المنطقة. فعدد من كتبوا ~~كتبا عن شبه الجزيرة العربية يساوي تقريبا عدد من كتبوا كتبا عن ~~الجزر الغربية. وإن جاز للسيد تاليسكر قول هذا، فقد كانت توجد أيضا ~~لدى مناصري هذا الموضوع والمتحمسين له نفس النزعة تجاه جعله ~~مثاليا. ~~«لو لخصنا الأمر في حقائق بسيطة، فأنت تظن أن كلا المكانين مجرد ~~صحار عاصفة.» # أوه، لا، ليس بالكامل. كان ذلك تعميما ... بعض الشيء. لقد حظي السيد ~~تاليسكر بكثير من السعادة والجمال من الجزر الغربية. لكن النزعة تجاه ~~جعل شعب بدائي ما مثاليا كانت هي نفسها في كلتا الحالتين. وها هو ~~رف الكتب التي تتناول الموضوع، وسيترك السيد جرانت ليدرسها على ~~مهل. # كانت الكتب في غرفة المراجع، ولم يكن يوجد بها قارئ آخر غيره. ~~أغلق الباب فعم الصمت وبقي مع بحثه. تفقد رف الكتب بنفس الطريقة ~~تقريبا التي تفقد بها رف الكتب التي تتناول الجزر الغربية في غرفة ~~الجلوس في منزل كلون، مستخرجا الموضوعات الرئيسية لكل منها بعين ~~سريعة متمرسة. وكان النطاق هو نفسه تقريبا في الحالة السابقة؛ إذ ~~تراوح بين العاطفيين والعلماء. الفارق الوحيد أن بعض الكتب في هذه ~~الحالة كانت كلاسيكية، بما يتناسب مع موضوع كلاسيكي كهذا. # ولو أنه كان لدى جرانت بقية شكوك في أن الرجل الذي كان في المقصورة ~~«ب 7» كان بيل كينريك، فقد زالت حين عرف أن الجزء الصحراوي من جنوب شرق ~~شبه الجزيرة العربية كان يعرف باسم الربع الخالي. # كان ذلك إذن المقصود ب «سرقة كالي» (إذ كان نطق المقابل الإنجليزي ~~لتلك العبارة قريبا من نطق اسم هذا المكان)! # بعد ذلك كرس جرانت اهتمامه للربع الخالي، فأخذ يمسك بكل كتاب على ~~الرف، ويقلب الصفحات بحثا عن تلك المنطقة بعينها، ثم يعيد الكتاب إلى ~~مكانه ليمسك بالكتاب التالي. وسرعان ما استرعت إحدى العبارات انتباهه. ms129 ~~«تسكنها القرود ». قال له عقله، قرود. وحوش متكلمة. ثم رجع للصفحة ~~السابقة ليرى ما الذي كانت تتحدث عنه تلك الفقرة. # كانت تتحدث عن عبار. # بدا أن عبار كانت أطلانطس شبه الجزيرة العربية. مدينة عاد بن كنعاد ~~الأسطورية. في مرحلة ما بين الأسطورة والتاريخ، دمرت هذه المدينة ~~حرقا بسبب آثامها. وذلك لأنها كانت مدينة غنية وآثمة بما يفوق قدرة ~~الكلمات على التعبير. ضمت قصورها أجمل المحظيات، وضمت إسطبلاتها ~~أفضل الجياد في العالم، التي كان جمال أحدها لا يقل البتة عن جمال ~~الآخر. وكانت في بلاد خصبة، حتى إن المرء لم يكن عليه سوى أن يمد يده ~~ليقطف ما تجود به التربة من فواكه. وكان هناك كثير من الفراغ الذي سمح ~~بارتكاب خطايا قديمة وابتكار خطايا جديدة. لذا حل الدمار على ~~المدينة. جاء الدمار ليلا، بنيران مطهرة. والآن صارت عبار، هذه ~~المدينة الأسطورية، عبارة عن ركام وحطام، تحرسها الرمال المتحركة، ~~ومنحدرات صخرية تتغير أشكالها وأماكنها باستمرار، وتسكنها سلالة من ~~القرود وجن رجيم. لم يكن بمقدور أحد أن يقترب من ذلك المكان؛ لأن ~~الجن كانوا ينفخون عواصف ترابية في وجه الساعين إلى الوصول ~~إليها. # كانت تلك هي عبار. # ويبدو أن أحدا لم يجد أطلال تلك المدينة قط رغم أن كل مستكشف عربي ~~بحث عنها سرا أو علنا. ومن المؤكد أنه لم يتفق اثنان من المستكشفين ~~على أي مكان من شبه الجزيرة العربية كانت تشير إليه الأسطورة. فعاد ~~جرانت يطالع المجلدات المختلفة، مستخدما الكلمة السحرية، كلمة عبار، ~~ووجد أن كل كاتب خرج بنظرية خاصة به، وأن المواقع التي عليها جدال ~~كانت بعيدة بعضها عن بعض كبعد عمان عن اليمن. ولاحظ أن أيا من ~~الكتاب لم يحاول أن يستخف بالأسطورة أو يقلل من شأنها كوسيلة ~~تخفيف من وطأة فشله؛ كانت قصة هذه المدينة منتشرة في شبه الجزيرة ~~العربية وثابتة في شكلها، واعتقد العاطفيون والعلماء على حد سواء أن ~~للأسطورة أساسا في الواقع. كان حلم كل مستكشف أن يصبح هو مكتشف ~~عبار، لكن الرمال والجن والسراب ms130 كانوا يحرسونها جيدا. # كتب أحد أعظم الكتاب: «من المحتمل أن اكتشاف المدينة الأسطورية في ~~نهاية المطاف لن يكون نتاجا لبحث أو لحسابات أجريت، وإنما سيكون من ~~قبيل الصدفة.» # من قبيل الصدفة. # على يد طيار ابتعد كثيرا عن مساره بسبب عاصفة ترابية؟ # أكان ذلك ما رآه بيل كينريك حين خرج من تلك السحابة البنية ~~الرملية التي أعمته وقارعته؟ قصور فارغة وسط الرمال؟ أكان ذلك هو ما ~~خرج عن مساره ليبحث عنه - أو ربما ليشاهده - حين «بدأ يعتاد على الوصول ~~بالطائرة متأخرا»؟ # لم يقل شيئا بعد تلك التجربة الأولى. وذلك أمر يمكن تفهمه إن كان ~~ما رآه هو مدينة في الرمال. كان من حوله سيضايقونه بسبب هذا؛ كانوا ~~سيضايقونه قائلين إنه يتبع سرابا ويفرط في الشراب وما إلى ذلك. وحتى ~~إن كان أحد الطيارين في شركة أورينتال كوميرشال قد سمع بالأسطورة من ~~قبل - وهو ما كان غير مرجح في مجموعة تتسم بالتغير المستمر ~~واللامبالاة - فإنهم كانوا سيضايقونه لأنه تبع أفكارا نابعة من آماله ~~ورغباته. لذا فإن بيل - الذي كتب حروف # m # و # n # الملاصقة بعضها لبضع في إحكام، ~~وكان «فقط حذرا بعض الشيء» - لم يقل شيئا وعاد ليلقي نظرة أخرى. ~~عاد مرة تلو الأخرى. إما لأنه أراد أن يجد المكان الذي رآه أو لينظر ~~إلى مكان كان قد حدد موضعه بالفعل. # أخذ يدرس الخرائط. ويقرأ الكتب عن شبه الجزيرة العربية. ثم ...؟ # ثم قرر المجيء إلى إنجلترا. # كان قد رتب للذهاب إلى باريس برفقة تاد كولين. لكنه بدلا من ذلك ~~أراد أن يقضي بعض الوقت بمفرده في إنجلترا. لم يكن لديه أحد في ~~إنجلترا. ولم يأت إلى إنجلترا لسنوات طويلة، وطبقا لما ذكر كولين ~~فإنه لم يبد عليه قط أنه شعر بحنين إلى إنجلترا، ولا كتب لأحد هناك ~~بأي شكل من أشكال المراسلات المنتظمة. كان قد تربى على يد عمة له ~~عندما قتل والداه، وحاليا هي الأخرى متوفاة. حتى هذا الوقت لم يكن ~~لديه رغبة مطلقا في العودة إلى إنجلترا. # أسند جرانت ظهره ms131 للخلف وسمح للسكون من حوله أن يلفه. كان بإمكانه ~~تقريبا سماع الغبار وهو يحط على الأرض. طوال سنوات وسنوات أخذ الغبار ~~يتساقط في هدوء. مثل مدينة عبار. # أتى بيل كينريك إلى إنجلترا. وبعد ثلاثة أسابيع تقريبا، حين كان من ~~المقرر أن يلتقي بصديقه في باريس، ظهر في اسكتلندا باسم شارل ~~مارتن. # كان بإمكان جرانت أن يتوقع سبب رغبته في المجيء إلى إنجلترا، لكن ~~لماذا كان متخفيا؟ ولماذا هذه الزيارة السريعة إلى الشمال؟ # من الذي كان سيزوره بصفته شارل مارتن؟ # كان بإمكانه أن ينجز تلك الزيارة السريعة ويعود ليلتقي بصديقه في ~~الموعد المحدد في باريس لولا حادثة سقوطه؛ لأنه كان مخمورا. كان ~~بإمكانه أن يلتقي بشخص ما في منطقة المرتفعات، ثم يطير من بلدة سكون ~~ليلتقي بصديقه في فندق سان جاك على العشاء. # لكن لماذا كان سيفعل ذلك بصفته شارل مارتن؟ # أعاد جرانت وضع الكتب على رفها بتربيتة استحسان لم يضيعها قط على ~~مجموعة كتب الجزر الغربية، وذهب لزيارة السيد تاليسكر في مكتبه الصغير. ~~كان أخيرا قد عرف شيئا عن كينريك. عرف كيف يتتبع أثره. # سأل جرانت السيد تاليسكر: «في رأيك، من كان أعظم من كتب عن شبه ~~الجزيرة العربية في إنجلترا؟» # لوح السيد تاليسكر بنظارته الأنفية ذات الشريط وابتسم باستنكار. ~~وقال إنه يوجد ما قد يطلق عليه أنه حشد من خلفاء توماس وفيلبي ~~والأسماء العظيمة الأخرى، لكنه يظن أن هيرون لويد وحده هو من يصنف ~~بأنه خبير عظيم بحق. من المحتمل أن السيد تاليسكر كان متحيزا لصالح ~~لويد لأنه كان الوحيد في ذلك الحشد الذي كان يكتب بإنجليزية أدبية، ~~ولكن كان صحيحا أنه، بعيدا عن مواهبه في الكتابة، كان يتمتع بمنزلة ~~رفيعة ونزاهة وسمعة كبيرة. لقد أتم رحلات مذهلة في إطار رحلاته ~~الاستكشافية العديدة، وكانت له مكانة مهمة بين العرب. # شكر جرانت السيد تاليسكر وذهب ليلقي نظرة على «دليل الشخصيات ~~البارزة». كان يريد عنوان هيرون لويد. # ثم بعد ذلك ذهب ليتناول الطعام، وبدلا من أن يذهب إلى فندق ~~كاليدونيان، الذي ms132 كان ملائما ويحمل عددا كافيا من النجوم، أطاع ~~دافعا خفيا بداخله وسار إلى الطرف الآخر من البلدة ليتسنى له أن ~~يتناول الطعام في المكان الذي كان قد تناول فيه إفطاره مع شبح راكب ~~المقصورة «بي 7» في ذلك الصباح الكئيب من بضعة أسابيع فحسب. # لم يكن المكان شبه معتم اليوم؛ إذ كان مضيئا ومتألقا بالفضة ~~والزجاج والمفارش الكتانية. بل إنه كان يوجد نادل رئيس يتجول بالمطعم. ~~لكن أيضا كانت ماري هناك؛ هادئة ورصينة وبدينة كما كانت في ذلك ~~الصباح. تذكر جرانت كم كان في حاجة إلى من يهدئ من روعه ويطمئنه، ~~ولم يكد يصدق أن ذلك المخلوق المعذب والمنهك كان يمكن أن يكون ~~هو. # جلس جرانت إلى الطاولة نفسها بجوار الستائر أمام باب الخدمة، فأتت ~~ماري لتأخذ طلبه وتسأله عن أحوال الصيد في نهر تورلي في هذه ~~الآونة. ~~«كيف عرفت أنني كنت أصطاد في نهر تورلي؟» ~~«كنت مع السيد رانكن حين أتيت لتناول الإفطار، حين نزلت من ~~القطار.» # حين نزل من القطار. كان قد نزل من القطار بعد تلك الليلة المليئة ~~بالمعاناة والصراع؛ تلك الليلة البغيضة. قد نزل من على متن القطار ~~تاركا راكب المقصورة «بي 7» ميتا بعد أن نظر إليه نظرة عابرة ومر ~~به شعور عابر من مشاعر الأسى. لكن راكب المقصورة «بي 7» كان قد سدد ~~مقابل تلك اللحظة من التعاطف البسيط بمئات الأضعاف. كان راكب المقصورة ~~«بي 7» قد رافقه، وفي النهاية أنقذ حياته. كان راكب المقصورة «بي 7» هو ~~من أرسله إلى الجزر الغربية، في ذلك البحث المجنون وسط الرياح والصقيع ~~عن العدم. في ذلك المكان الغريب العبثي فعل جرانت كل تلك الأشياء التي ~~ما كان سيفعلها في أي مكان آخر؛ لقد ضحك حتى سالت دموعه، ورقص، وترك ~~نفسه حرا كورقة شجر تطير من أفق فارغ إلى آخر، وغنى، وجلس جامدا ~~يراقب وينظر. وعاد إنسانا مكتملا. كان مدينا لراكب المقصورة «بي 7» ~~بأكثر مما يمكن له أن يسدد في أي يوم من الأيام. # وأخذ يفكر في بيل كينريك وهو يتناول غداءه؛ ms133 ذلك الشاب الذي كان بلا ~~جذور. هل كان وحيدا في حياته المتحررة، أم كان حرا فحسب؟ وإن كان ~~حرا، أفكانت حريته كحرية طائر السنونو، أم كالنسر؟ أكانت سعيا إلى ~~العلا، أم تعاليا وتغطرسا؟ # على الأقل كان يتحلى بصفة كانت نادرة ومحببة في كل العصور ~~والأزمنة؛ كان رجل أفعال كما كان شاعرا بالفطرة. هذا ما يميزه عن حشود ~~موظفي أورينتال كوميرشال التافهين الذين كانوا يطيرون بطائراتهم عبر ~~القارات في غفلة كالبعوض. هذا ما يميزه عن حشود الساعة الخامسة في محطة ~~قطار لندنية، الذين كانت المغامرة عندهم عبارة عن ركوب قطار بنصف كراون ~~في أي من الاتجاهين. ولو لم يكن الشاب المتوفى في المقصورة «بي 7» مثل ~~سيدني ولا جرينفل، فعلى الأقل كان واحدا من نوعيتهم. # ومن أجل ذلك كان جرانت يحبه. # قال الصوت في داخله: «أتعرف، إن لم تأخذ حذرك فستتحرك «مشاعرك» ~~تجاه بيل كينريك.» # فقال جرانت مبتهجا: «لقد تحركت بالفعل»، فتراجع الصوت في صمت ~~منهزم. # منح ماري بقشيشا مضاعفا، وغادر ليحجز تذكرتين في طائرة الصباح إلى ~~لندن. كان لا يزال أمامه أكثر من أسبوع في إجازته، وكان نهر تورلي لا ~~يزال يعج بالأسماك؛ الأسماك الفضية المقاتلة الانسيابية الجميلة، لكن ~~كان أمامه مهمة أخرى. منذ ظهر يوم أمس لم يكن أمامه سوى مهمة واحدة؛ ~~بيل كينريك. # كان لديه شكوك وهواجس عن تلك الرحلة الجوية إلى لندن، لكنها لم تكن ~~جادة أو خطيرة جدا. حين نظر إلى حاله قبلئذ، لم يكد يستطع أن ~~يتعرف على ذلك المخلوق المرتاع الذي تملك منه شيطانه، والذي نزل على ~~رصيف محطة بلدة سكون من قطار بريد لندن قبل أقل من شهر. كل ما تبقى ~~من ذلك الكائن البائس كان خوفا طفيفا من أن يكون خائفا. أما شعور ~~الارتياع نفسه فلم يعد موجودا. # ابتاع حلوى من أجل باتريك ما يكفي لإبقائه مريضا لثلاثة شهور ~~متواصلة، وقاد السيارة عائدا إلى التلال. وكان يخشى من أن تغليف ~~الحلوى كان أكثر أناقة من أن تعجب باتريك أصلا - ربما كانت «مخنثة» ~~بعض ms134 الشيء؟ - لأن حلوى بات المفضلة التي أعلن عنها كانت شيئا في نافذة ~~السيدة مير يسمى «أعين أوجو بوجو». لكن لا شك في أن لورا ستوزع حلوى ~~سكون بمقادير ضئيلة على أي حال. # أوقف السيارة فوق النهر في منتصف الطريق بين مويمور وسكون، ونزل يسير ~~عبر الأرض الفسيحة ليبحث عن تاد كولين. كان الوقت لا يزال في أول فترة ~~ما بعد الظهيرة، ومن غير المحتمل أن يكون كولين قد انتهى بعد من ~~استراحة ما بعد الغداء على النهر. # لم يكن قد بدأها بعد. وعندما وصل جرانت إلى حافة الأرض السبخة ونظر ~~إلى الأسفل إلى غور النهر تحته مباشرة، رأى تحته في منتصف المسافة ~~مجموعة صغيرة من ثلاثة أشخاص، ساكنين مسترخين على ضفة النهر. كانت زوي ~~مستندة في وضعيتها المفضلة على صخرة، وعلى جانبيها عند مستوى ~~ساقيها المتقاطعتين كان تابعاها، بات رانكن وتاد كولين، ينظران إليها ~~بانتباه لا يتزعزع. وحين نظر إليهما جرانت، وهما مستمتعان ومستغرقان، ~~أدرك أن بيل كينريك كان قد قدم له خدمة أخيرة لم ينل التقدير عليها ~~بعد. لقد أنقذه بيل كينريك من الوقوع في حب زوي كينتالين. # كانت بضع ساعات أخرى معها ستؤدي به إلى ذلك. بعد بضع ساعات أخرى ~~برفقتها المستمرة، كان جرانت سيتورط في حبها بما لا يدع له مجالا ~~للتعافي منه. لقد تدخل بيل كينريك في الوقت المناسب تماما. # كان بات هو من رآه أولا، وأتى ليقابله ويصحبه إلى الجلسة كما يفعل ~~الأطفال والكلاب مع من يحبونهم. وأمالت زوي رأسها للخلف لتشاهده وهو ~~قادم وقالت: «لم تفوت على نفسك شيئا يا ألان جرانت. لم يصطد أحد ~~شيئا طوال اليوم ولو سمكة صغيرة. أتحب أن تأخذ صنارتي قليلا؟ ~~ربما من شأن تغيير في الوتيرة أن يجلب الأسماك.» # قال جرانت إنه يود ذلك كثيرا؛ فوقته الذي سيقضيه في الصيد كان ~~ينفد. # قالت زوي: «ما يزال أمامك أسبوع لتصطاد كل ما في النهر.» # تساءل جرانت كيف عرفت ذلك. ثم قال: «لا، سأعود إلى لندن صباح الغد»، ~~وللمرة الأولى ms135 رأى زوي تستجيب إلى أحد المؤثرات كما يفعل البالغون. ~~كانت أمارات الأسف الفورية التي بدت على وجهها واضحة بنفس القدر الذي ~~كانت واضحة به على وجه بات، لكن على عكس بات، سيطرت زوي على انفعالها ~~وأزالته. وعبرت بصوتها الهادئ اللطيف عن مدى أسفها، لكن وجهها لم يعد ~~يظهر أي انفعال. اكتسى وجهها ثانية بتعبير قصص الجنيات الخرافية؛ ~~كرسومات هانس أندرسن. # وقبل أن يستطيع التفكير فيما حدث، قال تاد كولين: «أيمكنني أن آتي ~~معك يا سيد جرانت؟ إلى لندن.» ~~«كنت أنوي أن تأتي معي. لقد حجزت تذكرتين على طائرة الصباح.» # في النهاية أخذ جرانت الصنارة التي كان تاد كولين يستخدمها - والتي ~~كانت احتياطية من منزل كلون - حتى يتسنى لهم السير معا مع تيار ~~النهر وتجاذب أطراف الحديث. لكن زوي لم تبد أي استعداد للاستمرار في ~~الصيد. # فقالت وهو تحل صنارتها: «لقد اكتفيت. أظن أنه ينبغي أن أعود إلى ~~كلون لأكتب بعض الخطابات.» # وقف بات متحيرا، ككلب ودود بين اثنين يدين لهما بالولاء، ثم قال: ~~«سأعود مع زوي.» # فكر جرانت أن بات قالها وكأنه كان يناصرها وليس مجرد رغبة في ~~مرافقتها، وكأنه انضم للتو إلى حركة مناوئة لإساءة معاملة زوي. لكن حيث ~~إن أحدا لم يفكر مطلقا في أن يسيء معاملة زوي، كان سلوكه هذا غير ~~ضروري بكل تأكيد. # ومن الصخرة التي جلس عليها جرانت مع تاد كولين ليطلعه على ~~المستجدات، راح يراقب الجسدين يتضاءلان شيئا فشيئا عبر الأرض ~~السبخة، وتعجب قليلا من ذلك الانسحاب المفاجئ، وجو الإحباط الذي كان ~~يغشى مسيرها. بدت مثل طفلة يائسة متعبة تجرجر قدميها نحو المنزل ~~في غير توقع. ربما غمرتها فجأة أفكار عن زوجها ديفيد. ذلك هو حال ~~الحزن؛ يتركك وشأنك شهورا حتى تظن أنك شفيت، وفجأة ومن دون سابق ~~إنذار يطمس نور الشمس. # كان تاد كولين يقول: «لكن ذلك لا يثير الحماسة كثيرا، أليس ~~كذلك؟» ~~«ماذا تقصد؟» ~~«تلك المدينة التي تتحدث عنها. هل يمكن لأي أحد أن يتحمس تجاهها كل ~~هذه الحماسة؟ أقصد تجاه حفنة ms136 من الأطلال. الأطلال لا تساوي شيئا في ~~هذا الزمان.» # قال جرانت، وقد نسي أمر زوي: «ليس هذه الأطلال، ليست كذلك. الرجل ~~الذي سوف يعثر على مدينة عبار سيدخل التاريخ.» ~~«حين قلت إنه وجد شيئا مهما ظننت أنك ستقول إنه وجد مصانع ذخيرة ~~في الصحراء أو شيئا من هذا القبيل.» ~~«ذلك شيء لا قيمة له حقا هذه الأيام.» ~~«ماذا؟» ~~«مصانع سرية للذخيرة. من يكتشف أيا منها لن يصبح مشهورا.» # انتصبت أذنا تاد. وقال: «مشهورا؟ تقصد أن الرجل الذي سيكتشف هذا ~~المكان يمكن أن يصبح مشهورا؟» ~~«لقد قلت ذلك بالفعل.» ~~«لا. قلت فقط إنه سيدخل التاريخ.» ~~«صحيح. صحيح جدا. لم يعد هذان التعبيران مترادفين. أجل، سيصبح ~~مشهورا. إن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون سيكون بلا قيمة مقارنة ~~بهذا.» ~~«وتظن أن بيل ذهب لمقابلة ذلك الرجل، الذي يدعى لويد؟» ~~«إن لم يكن قد ذهب إليه، فقد ذهب إلى شخص آخر في ذلك السياق. أراد ~~أن يتحدث إلى شخص سيأخذ ما يقوله على محمل الجد؛ أقصد شخصا لن يضايقه ~~ويزعجه حيال رؤيته لهذه الأشياء. كما كان يريد أن يلتقي بشخص لديه ~~اهتمام شخصي بأخباره ومتحمس لها. سيفعل ما فعلته أنا بالضبط. سيذهب ~~إلى متحف أو مكتبة أو ربما حتى إلى أحد أقسام المعلومات في أحد المتاجر ~~الكبرى، ويكتشف من هو أفضل كاتب ومستكشف إنجليزي لشبه الجزيرة ~~العربية. وعلى الأرجح أنه سيجد نفسه أمام خيارات عدة؛ فأمناء المكتبات ~~متحذلقون، وأقسام المعلومات تخضع لقانون التشهير، لكن لويد خارج ~~المنافسة مع الآخرين؛ لأن براعته في الكتابة تضاهي براعته في ~~الاستكشاف. إنه الاسم المألوف وسط أقرانه، إن جاز التعبير. لذا فإن ~~الاحتمال الأرجح للغاية هو في صالح أن بيل سيختار لويد.» ~~«إذن علينا أن نكتشف متى وأين التقى لويد ونتتبع أثره من تلك ~~النقطة.» ~~«أجل. علينا أيضا أن نعرف إن كان قد ذهب للقاء لويد بصفته شارل ~~مارتن أم باسمه الحقيقي.» ~~«ولماذا قد يلتقي به باسم شارل مارتن؟» ~~«من يدري؟ قلت إنه كان حذرا بعض الشيء. ربما كان ms137 يريد أن يخفي ~~صلته بشركة أورينتال كوميرشال. أهذه الشركة صارمة بشأن مساراتها وجداول ~~رحلاتها؟ ربما كان الأمر بهذه البساطة.» # جلس كولين في صمت قليلا، وكان في أثناء ذلك يرسم نمطا على العشب ~~بعقب صنارة الصيد. ثم قال: ~~«لا تظن يا سيد جرانت أنني أميل إلى المأساوية أو ... أو الحساسية أو ~~السذاجة، لكنك لا تظن أن بيل قتل، أليس كذلك؟» ~~«يمكن أن يكون قد قتل بالطبع. فجرائم القتل تحدث. حتى جرائم القتل ~~العبقرية. لكن احتمالات ذلك بعيدة جدا.» ~~«لماذا؟» ~~«مبدئيا لأن الأمر اجتاز تحقيقا شرطيا. وعلى عكس كل الروايات ~~البوليسية التي تقول بغير ذلك، تتمتع إدارة التحقيقات الجنائية بكفاءة ~~عالية حقا. وهي إلى حد بعيد - إن كنت ستتقبل رأيا متحيزا بعض ~~الشيء - أكثر المؤسسات كفاءة في هذا البلد في وقتنا الحالي، أو في أي ~~بلد آخر، في أي وقت من الأوقات.» ~~«لكن الشرطة كانت مخطئة بالفعل بشأن أحد الأمور.» ~~«تقصد بشأن هويته. أجل، لكن لا يمكن لومها على ذلك.» ~~«تقصد لأن الحبكة كانت مثالية. إذن ما الذي سيقوض الحبكة الأخرى؛ ~~إذ إنها مثالية كحبكة هوية شارل مارتن؟» ~~«لا شيء بالطبع. فكما قلت، جرائم القتل العبقرية تحدث. لكن تزوير ~~هوية أسهل بكثير من ارتكاب جريمة قتل دون عقاب. كيف حدث الأمر برأيك؟ ~~هل دخل عليه أحد وقتله بعد أن غادر القطار محطة يوستن، ودبر أن يبدو ~~الأمر وكأنه سقط؟» ~~«أجل.» ~~«لكن لم يزر أحد المقصورة «بي 7» بعد أن غادر القطار يوستن. لقد ~~سمعته راكبة المقصورة «بي 8» يعود بعد أن أتم المضيف جولته، وأغلق ~~بابه. ولم تجر أي محادثة بعد ذلك.» ~~«لا يستلزم ضرب رجل على مؤخرة رأسه محادثة.» ~~«لا، لكنه يستلزم فرصة. فاحتمالات أن يفتح القاتل الباب ويجد شاغل ~~المقصورة في الوضعية المناسبة لأن يضربه على مؤخرة رأسه تكاد تكون ~~منعدمة. فالمقصورة ليست مكانا يسهل فيه أن تضرب فيه شخصا، ولا حتى ~~اختيار التوقيت المناسب؛ فهي مقصورة للنوم. سيتعين على أي أحد ~~يبيت سوء النية أن يدخل إلى المقصورة؛ فلا يمكن توجيه ms138 الضربة من ~~الممر. ولا يمكن توجيه الضربة والضحية في السرير. وكذلك لا يمكن ~~توجيهها والضحية مواجه لك، كما أنه سيلتفت بمجرد أن يدرك أن أحدهم ~~موجود معه في المقصورة. وتقول راكبة المقصورة «بي 8» إنه لم تحدث أي ~~محادثة أو زيارة. وراكبة المقصورة «بي 8» من النوع الذي «لا يستطيع أن ~~ينام في قطار». إنها تقرر ذلك مسبقا، وكل صوت وصرير وقعقعة، ولو كان ~~ضئيلا، يسبب لها معاناة كبيرة. ومن عادتها أنها تغط في النوم بحلول ~~الثانية والنصف، لكن بيل كينريك كان قد مات قبل ذلك بوقت طويل.» ~~«هل سمعته يسقط؟» ~~«يبدو أنها سمعت صوت «ارتطام»، وظنت أنه كان ينزل إحدى حقائبه. ~~لكنه بالطبع لم يكن معه حقائب من شأنها أن تصدر صوت ارتطام وهو يتعامل ~~معها. بالمناسبة، هل كان بيل يتحدث الفرنسية؟» ~~«بما يكفي لأن يتدبر أمره.» # فقال جرانت بالفرنسية: «معي.» ~~«أجل. شيء كهذا. لكن لماذا؟» ~~«مجرد تساؤل. يبدو أنه كان ينوي أن يقضي ليلة في مكان ما.» ~~«تقصد في اسكتلندا؟» ~~«أجل. الكتاب المقدس والرواية الفرنسية. ومع ذلك لم يكن يتحدث ~~الفرنسية.» ~~«ربما كان الرجل الاسكتلندي الذي كان سيلتقيه لا يتحدثها ~~أيضا.» ~~«لا. فالاسكتلنديون لا يتحدثونها عادة. لكن إن كان قد خطط لقضاء ~~ليلة في مكان ما لما كان سيتمكن من لقائك في ذلك اليوم في ~~باريس.» ~~«أوه، ما كان بيل سيعبأ بأن يتأخر يوما. كان سيرسل لي برقية في ~~الرابع من الشهر.» ~~«أجل ... أتمنى أن أستطيع أن أجد سبب تخفيه.» ~~«تخفيه؟» ~~«أجل. أن يتلبس الشخصية بهذه المثالية. لماذا كان يريد أن يظن ~~أحدهم أنه كان فرنسيا؟» # فقال السيد كولين: «لا يمكنني أن أفكر في سبب يجعل شخصا ما يريد أن ~~يظن شخص آخر أنه فرنسي. ما الذي تأمل أن تحصل عليه من ذلك الرجل ~~المدعو لويد؟» ~~«آمل أن يكون لويد هو آخر من رآه في يوستن. لا تنس أنهما كانا ~~يتحدثان عن الربع الخالي. ما بدا لمسامع يوجورت العجوز مشابها تماما ~~لكلمة «سرقة كالي».» ~~«هل يعيش لويد في لندن؟» ~~«أجل. ms139 في تشيلسي.» ~~«آمل أن يكون في المنزل.» ~~«آمل ذلك حقا. والآن سأذهب لأقضي ساعة أخيرة عند نهر تورلي، وإن ~~كنت تطيق الجلوس والتفكير في المسألة لبعض الوقت، فربما يمكنك أن تأتي ~~إلى منزل كلون لتناول العشاء ومقابلة أسرة رانكن؟» # فقال تاد: «لا بأس بهذا. فأنا لم أودع الكونتيسة. لقد غيرت رأيي ~~فيما يتعلق بالكونتيسات. أيمكن أن تقول إن الكونتيسة مثال نموذجي على ~~طبقتكم الأرستقراطية، يا سيد جرانت؟» # رد جرانت وهو يسير بحذر نزولا من الضفة إلى الماء: «إن كان ~~المقصود امتلاكها لكل الصفات التي تؤهلها للانتماء إلى هذه النوعية، ~~فهي بالفعل نموذجية.» # وطفق يصطاد حتى نبهه خفوت الضوء إلى أن المساء قد حل، لكنه لم ~~يصطد شيئا. كانت تلك نتيجة لم تفاجئه ولم تصبه بخيبة الأمل كذلك. ~~إذ كان شاردا بأفكاره في مكان آخر. لم يعد يرى وجه بيل كينريك الميت ~~في الماء المتدفق، لكن شخصية بيل كينريك كانت تحيط به من كل جانب. لقد ~~استولى بيل كينريك على عقله. # ألقى جرانت بخيط صنارته في الماء للمرة الأخيرة وهو يطلق تنهيدة، ليس ~~بسبب حقيبته الفارغة من السمك أو وداعا لنهر تورلي، وإنما لأنه لم ~~يقترب من التوصل إلى سبب تخفي بيل كينريك تماما بهذا الشكل. # قال تاد بينما كانا يسيران نحو منزل كلون: «أنا مسرور لأنني حظيت ~~بهذه الفرصة لرؤية هذه الجزيرة. إنها ليست بالشكل الذي تخيلته على ~~الإطلاق.» # استنتج جرانت من نبرته أنه تخيلها تشبه عبار؛ مسكونة بالقرود ~~والجن. # فقال: «أتمنى لو كانت مناسبة رؤيتك لها أسعد. لا بد أن تعود يوما ما ~~وتصطاد في سلام.» # افتر ثغر تاد عن ابتسامة صغيرة علت وجها كساه الخجل وداعب شعره ~~المبعثر. وقال: «أوه، أظن أن باريس ستكون دائما وجهتي. أو ربما فيينا. ~~فحين تمضي أيامك في البلدات الصغيرة النائية تتطلع إلى الأضواء ~~الساطعة.» ~~«لدينا أضواء ساطعة في لندن.» ~~«أجل. ربما سأشعر في لندن بمذاق آخر. لا بأس بلندن.» # أقبلت لورا على الباب حين وصلا وقالت: «ألان، ما هذا الذي سمعته عن ms140 ~~...» ثم لاحظت وجود رفيقه . «أوه، لا بد أنك تاد. يقول بات إنك لا تصدق ~~أنه توجد أسماك في نهر تورلي. تشرفت بلقائك. سررت كثيرا بمجيئك. ~~ادخل وسيريك بات أين تتحمم، بعدها تعال وانضم إلينا لتناول شراب قبل ~~العشاء.» ثم استدعت بات، الذي كان يحوم في الجوار، وسلمت الزائر إلى ~~عهدته، معترضة بصرامة أي محاولة تقدم من قريبها. وحين تخلصت من ~~السيد كولين عادت مرة أخرى إلى هجومها. «ألان، «لن» تعود إلى المدينة ~~غدا، أليس كذلك؟» # فقال جرانت: «لكنني شفيت يا لالا»، ظنا منه أن ذلك ما كان ~~يزعجها. ~~«وماذا في ذلك؟ ما زال لديك أكثر من أسبوع في إجازتك، ونهر تورلي ~~الآن أفضل ما كان عليه طيلة عدة مواسم مضت. لا يمكنك أن تتخلى عن كل ~~هذا من أجل أن تخرج شابا من مأزق وضع نفسه فيه.» ~~«تاد كولين ليس في مأزق على الإطلاق. أنا لست شهما دونكيخوتيا، إن ~~كان هذا ما تظنين. سأذهب غدا لأن هذا هو ما أريد أن أفعل.» وكان ~~سيضيف: «لا أطيق صبرا على الذهاب»، لكن هذا كان سيؤدي إلى سوء فهم ~~حتى مع شخص مقرب مثل لورا. ~~«لكننا جميعا سعداء، والأمور كانت ...» ثم صمتت. وتابعت: «أوه، لا ~~بأس. لا شيء مما يمكن أن أقول سيثنيك عن قرارك. لا بد أن أعرف هذا. لم ~~ينجح أي شيء قط في جعلك تتحول قيد أنملة عن مسار تريده بمجرد أن ~~تقرر ذلك. لطالما كنت مثل قوة ساحقة لعينة لا يمكن إيقافها.» # قال جرانت: «يا له من تشبيه مريع! ألم يكن بوسعك أن تجعليها رصاصة ~~أو خطا مستقيما أو شيئا مماثلا من حيث الثبات لكنه أقل ~~تدميرا؟» # فتأبطت ذراعه بود وبعض المرح. وقالت: «لكنك مدمر يا عزيزي.» ~~وعندما بدأ يحتج على ذلك، استطردت: «بألطف الطرق التي يمكن تخيلها ~~وأكثرها إبادة. تعال لتتناول شرابا. يبدو عليك أنك في حاجة ~~إليه.» # | الفصل الحادي عشر # حتى جرانت الذي لا يعرف التردد كان يمر بالطبع بلحظات من عدم ~~اليقين. # إذ قال له صوته ms141 الداخلي، وهو يصعد على متن طائرة لندن في بلدة سكون: ~~«أيها الأحمق! تفرط في يوم من أيام إجازتك الثمينة من أجل مطاردة ~~سراب.» ~~«لا أطارد سرابا. أريد فقط أن أعرف ما حل ببيل كينريك.» ~~«وماذا يمثل بيل كينريك لك حتى تتخلى من أجله عن ساعة حتى من وقت ~~فراغك؟» ~~«أنا مهتم به. إن كنت تريد أن تعرف، فأنا معجب به.» ~~«أنت لا تعرف عنه شيئا. لقد صنعت لنفسك إلها على صورتك، وأنت مشغول ~~بعبادته.» ~~«أعرف كثيرا عنه. لقد استمعت إلى تاد كولين.» ~~«شاهد متحيز.» ~~«شاب لطيف، وهذا أهم. كانت لديه مجموعة واسعة من الأصدقاء ليختار ~~من بينهم في مؤسسة مثل أورينتال كوميرشال، واختار بيل كينريك.» ~~«كثير من الشبان اللطفاء اختاروا أصدقاء مجرمين.» ~~«على ذكر هذا، لقد عرفت أنا نفسي بعض المجرمين اللطفاء.» ~~«حقا؟ كم عددهم؟ وكم عدد الدقائق التي أنت على استعداد للتخلي عنها ~~من إجازتك من أجل أحد أصدقائك من فئة المجرمين؟» ~~«ولا حتى ثلاثين ثانية. لكن كينريك ليس مجرما.» ~~«ليس التزاما كبيرا للقانون أن تتجول بمجموعة كاملة من أوراق رجل ~~آخر، أليس كذلك؟» ~~«سأبحث في هذا الشأن قريبا. أما الآن فاخرس ودعني وشأني.» ~~«هاه! ارتبكت، صحيح!» ~~«اغرب عني.» ~~«تعرض نفسك للخطر من أجل شاب لا تعرفه وأنت في سنك هذه!» ~~«من الذي يعرض نفسه للخطر؟» ~~«لم يكن يتعين عليك السفر في هذه الرحلة بالطائرة على الإطلاق. كان ~~بإمكانك العودة على متن القطار أو بالسيارة. لكن لا، كان عليك أن ~~تتدبر أن توضع في صندوق مغلق. صندوق لا فيه نافذة ولا باب يفتح. ~~صندوق لا تستطيع أن تهرب منه. صندوق ضيق صامت مغلق موصد ~~...» ~~«اخرس!» ~~«هاه! أنفاسك تتلاحق بالفعل! ستصيبك الأزمة في غضون عشر دقائق. ~~ينبغي عليك أن تفحص دماغك يا ألان جرانت، بالتأكيد عليك أن تفحص ~~دماغك.» ~~«يوجد جزء واحد من أجهزة جمجمتي لا يزال يعمل على نحو ~~رائع.» ~~«وما هو؟» ~~«أسناني.» ~~«أتعتزم أن تمضغ شيئا؟ ليس هذا علاجا.» ~~«لا. أعتزم أن أصر عليها.» # قطع جرانت تلك الرحلة ms142 في سلام، سواء كان ذلك بسبب ازدرائه لشيطان ~~نفسه أو بسبب وقوف بيل كينريك بجواره طوال الطريق. أما تاد كولين فقد ~~استرخى على الكرسي إلى جواره وراح في غفوة من فوره. أغلق جرانت عينيه، ~~فجعلت الأنماط تتشكل في ذهنه ثم تتلاشى وتتبدد لتتكون من ~~جديد. # لماذا كان بيل كينريك متخفيا؟ # من كان يحاول أن يخدع؟ # لماذا كان من الضروري أن يخدع أي أحد؟ # وبينما كانت الطائرة تدور لتهبط بهم استيقظ تاد، ومن دون أن ينظر من ~~النافذة بدأ يعدل من ربطة عنقه ويسوي شعره. يبدو أن حاسة سادسة ~~في ذهن الطيار ظلت تحسب السرعة والمسافة والزاوية حتى وهو غير ~~واع. # قال تاد: «عدنا إلى أضواء لندن وويستمرلاند العتيقة.» # فقال جرانت: «لا يلزمك أن تعود إلى فندقك. يمكنني أن أعطيك ~~سريرا.» ~~«هذا لطف بالغ منك يا سيد جرانت، وأقدر لك ذلك. لكن لا يلزم أن ~~أرهق زوجتك ... أو ... أو أيا كان الشخص الذي ...» ~~«مدبرة منزلي.» ~~«لا يلزم أن أرهق مدبرة منزلك.» ثم قال وهو يربت على جيبه: ~~«لدي من المال الكثير.» ~~«حتى بعد - كم كانت المدة؟ - أسبوعين في باريس؟ أهنئك.» ~~«أوه، حسنا. لا أظن أن باريس كما اعتدناها أن تكون. أو ربما الأمر ~~فحسب أنني افتقدت بيل. على أي حال، لا أريد أن أرهق أي أحد بإعداد سرير ~~من أجلي، ومع ذلك شكرا لك. وإن كنت ستغدو منشغلا فلن ترغب في أن أكون ~~في الجوار. لكنك لن تستبعدني من هذا الأمر، أليس كذلك؟ ستبقيني «معك»، ~~كما يقول بيل. أقصد، كما كان يقول.» ~~«سأفعل بالتأكيد يا تاد، سأفعل بالتأكيد. لقد ألقيت طعما في فندق ~~في أوبان، واصطادك من بين جميع الناس في هذا العالم. وبالتأكيد لن ~~أتركك الآن.» # افتر ثغر تاد عن ابتسامة خفيفة. ثم قال: «أظن أنك تعرف ما تتحدث ~~عنه. متى ستلتقي بذلك الرجل لويد؟» ~~«هذا المساء إن كان في بيته. أسوأ ما في المستكشفين أنهم إن لم ~~يكونوا يستكشفون فإنهم يلقون محاضرات؛ لذا قد يكون في أي مكان بين ms143 ~~الصين وبيرو. ما الذي أجفلك؟» ~~«كيف عرفت أنني أجفلت؟» ~~«عزيزي تاد، إن محياك البشوش المرح لم يخلق من أجل البوكر ولا ~~الدبلوماسية.» ~~«لا، كل ما في الأمر فقط أنك اخترت مكانين كان بيل يختارهما ~~دائما. كان معتادا على أن يقول: «من الصين إلى بيرو».» ~~«أحقا كان يفعل ذلك؟ يبدو أنه كان يعرف الكاتب الذي يحبه حق ~~المعرفة.» ~~«الكاتب الذي يحبه؟» ~~«أجل. هذا اقتباس. من صامويل جونسون.» ~~«أوه. أوه، فهمت.» بدا تاد خجلا بعض الشيء. ~~«إن كنت لا تزال تشك بأمري يا تاد كولين، فمن الأفضل أن تأتي معي ~~الآن إلى سكوتلانديارد في إمبانكمنت ليشهد بعض زملائي لي.» # استحال شحوب وجه السيد كولين إلى تورد شديد. وقال: «أنا آسف. ~~للحظة ظننت ... بدا الأمر وكأنك كنت على معرفة ببيل. اغفر لي شكوكي يا ~~سيد جرانت. أنا مرتبك تماما، كما تعرف. فأنا لا أعرف أي أحد في هذا ~~البلد. ويتعين علي أن آخذ الناس بما يبدونه لي. أقصد ظاهريا. ~~بالطبع، أنا لست متشككا بشأنك. بل أنا ممتن لك كثيرا حتى إنني أعجز ~~أن أجد الكلمات المناسبة لوصف امتناني. صدقني في ذلك.» ~~«بالطبع أصدق ذلك. كنت فقط أمازحك، ولم يكن من حقي ذلك. سيكون غباء ~~منك ألا تكون متشككا. هاك عنواني ورقم هاتفي. سأهاتفك بمجرد أن ألتقي ~~بلويد.» ~~«ألا تظن أنه ينبغي أن آتي معك؟» ~~«لا. أظن أن وفدا من اثنين سيكون كثيرا بعض الشيء على مناسبة ~~تافهة كهذه. ما الوقت الذي ستتواجد فيه في ويستمرلاند مساء اليوم حتى ~~يمكنك أن تتلقى اتصالا هاتفيا؟» ~~«سيد جرانت، سأجلس ويدي على الهاتف حتى تتصل.» ~~«من الأفضل أن تتناول بعض الطعام. سأهاتفك في الثامنة ~~والنصف.» ~~«حسنا. الثامنة والنصف.» # كانت لندن عبارة عن لون رمادي ضبابي بزركشة قرمزية، فأخذ جرانت ~~يتطلع إليها بكثير من المودة. كانت ممرضات الجيش يرتدين تلك الأزياء ~~الخاصة؛ باللونين الرمادي والقرمزي. وبطرق ما كانت لندن تبث في نفس ~~المرء إحساس الحظوة والقوة نفسه الذي كان يتماشى مع هذا الزي الموحد ~~للممرضات الشبيه بزي الراهبات. ms144 أحاسيس الجلال، والعطف الكامن تحت ~~اللامبالاة السطحية، والجدارة بالاحترام التي تعوض عن الافتقار إلى ~~الزخارف الجميلة. أخذ جرانت يشاهد الحافلات الحمراء وهي تجعل اليوم ~~الغائم أكثر جمالا، وباركها. يا له من أمر سعيد أن تكون حافلات لندن ~~حمراء اللون! كانت الحافلات في اسكتلندا مطلية بأكثر الألوان بؤسا؛ ~~اللون الأزرق. لون بائس كثيرا، حتى إنه كان مرادفا للاكتئاب. لكن ~~الإنجليز، باركهم الرب، كان لديهم أفكار أكثر مرحا. # وجد السيدة تينكر تفرغ محتويات غرفة النوم الإضافية من أجل ~~تنظيفها. لم تكن توجد أدنى حاجة لأي أحد أن ينظف غرفة النوم ~~الإضافية، لكن السيدة تينكر كانت تحصل من تنظيف الغرف على المتعة نفسها ~~التي يحصل عليها الناس من كتابة سيمفونية أو الفوز بكأس في لعبة الجولف ~~أو عبور القنال الإنجليزي سباحة. كانت تنتمي لذلك الصنف الغفير الذي ~~وصفته لورا بإيجاز دقيق قائلة: «من نوعية النساء اللواتي ينظفن ~~عتبة المنزل كل يوم وشعرهن كل ستة أسابيع». # أتت السيدة تينكر إلى باب غرفة النوم الإضافية حين سمعت المفتاح يدخل ~~في القفل وقالت: «الآن جئت! ولا يوجد أي طعام في المنزل! لماذا لم ~~تعلمني بأنك ستعود من خارج البلاد قبل أن تأتي؟» ~~«لا بأس يا تينك. لا أريد طعاما الآن على أي حال. لقد عرجت فقط من ~~أجل أن أترك أمتعتي. أعدي شيئا من الطعام واتركيه لي حين تغادرين، ~~حتى يكون هناك شيء أتناوله الليلة.» # كانت السيدة تينكر تعود إلى ~~منزلها كل ليلة؛ من ناحية لأنه كان يتعين عليها إعداد وجبة العشاء لشخص ~~أشارت إليه باسم «تينكر»، ومن ناحية أخرى لأن جرانت كان يحب دوما أن ~~يكون وحده في شقته في المساء. لم يلتق جرانت «تينكر» هذا قط، ويبدو ~~أن صلة السيدة تينكر الوحيدة به كانت تتألف من مسألة إعداد وجبة العشاء ~~وبعض الأمور الزوجية. كانت حياتها الحقيقية في 19 تينبي كورت، المنطقة ~~البريدية الجنوبية الغربية 1. # سألها جرانت وهو يقلب في مفكرة الهاتف: «هل من مكالمات؟» ~~«اتصلت الآنسة هالارد لتطلب منك أن تتصل بها وتتناول معها ms145 الطعام ~~بمجرد أن تعود.» ~~«أوه . هل سارت أمور المسرحية الجديدة على ما يرام؟ كيف كانت ~~الملاحظات عليها؟» ~~«رديئة.» ~~«كلها؟» ~~«كل ما رأيت، على أي حال.» # في أيام كانت السيدة تينكر حرة، قبل وجود تينكر، كانت تعمل مساعدة ~~ممثلة في المسرح. وحقا، لولا طقس إعداد وجبة العشاء هذا لكان من ~~المرجح أن تظل تساعد شخصا ما في ارتداء ملابسه كل مساء في المنطقة ~~البريدية الغربية 1 أو الغربية الوسطى 2 بدلا من تنظيف غرف النوم ~~الإضافية في المنطقة البريدية الجنوبية الغربية 1. لذا كان اهتمامها ~~بأمور المسرح يعد اهتمام أحد الخبراء. ~~«هل شاهدت المسرحية؟» ~~«لم أشاهدها. إنها إحدى تلك المسرحيات التي تعني شيئا آخر. أنت تعرف ~~ما أقصد. إنها تبقي كلبا خزفيا على رف الموقد، لكنه ليس كلبا ~~خزفيا على الإطلاق، بل زوجها السابق، وحين ينكسر الكلب، إذ يكسره ~~صديقها الحميم الجديد، تصاب بالجنون. ليس أن تتصرف بجنون كما تعلم، بل ~~إنها تصاب حرفيا بالجنون. لكنني أظن أنها إن كانت تريد أن تصبح ~~سيدة نبيلة فعليها أن تمثل مسرحيات رفيعة المستوى الثقافي. فيم ~~كنت تفكر حين طلبت طعاما للعشاء؟» ~~«لم أكن أفكر في شيء.» ~~«يمكنني أن أعد لك بعض السمك الطيب المسلوق في ماء ساخن.» ~~«لا تعدي سمكا، إن كنت تحبينني. لقد تناولت من السمك في الشهر ~~الماضي ما يكفيني دهرا. لا أمانع تناول أي شيء ما دام ليس سمكا أو ~~لحم ضأن.» ~~«في الواقع، لقد تأخر الوقت الآن على إحضار كلاوي من السيد بريدجز، ~~لكن سأرى ما يمكنني فعله. هل كانت إجازتك جيدة؟» ~~«كانت إجازة رائعة للغاية.» ~~«هذا جيد. لقد امتلأت وزاد وزنك قليلا. وأنا مسرورة لرؤية ذلك. ~~ولست بحاجة أيضا لأن تربت على بطنك بهذا الشكل المريب. فقليل من ~~الوزن لا يضر أحدا. ليس من الجيد أن تكون نحيلا كقضيب حديدي. فليس ~~لديك مخزون كبير من الدهون.» # انتظرت السيدة تينكر بينما كان جرانت يبدل ملابسه ويرتدي أفضل حلة ~~لديه، وأخذت تفشي ببعض القيل والقال الذي تصادف أنه تناهى إلى سمعها. ms146 ~~ثم أشار إليها أن تعود إلى لذتها المتمثلة في تنظيف حجرة النوم ~~الإضافية، وتعامل مع أمور صغيرة كانت قد تراكمت أثناء غيابه، وخرج في ~~ساعة مبكرة من أمسيات شهر إبريل الهادئة. انعطف متجها نحو المرأب، ~~وأجاب عن أسئلة عما فعله في صيد السمك، واستمع إلى ثلاث قصص عن صيد ~~السمك كان قد استمع إليها قبل أن ينطلق إلى منطقة المرتفعات ~~الاسكتلندية قبل شهر، واستعاد سيارته الصغيرة ذات المقعدين التي كان ~~يستخدمها في شئونه الخاصة. # تطلب العثور على المنزل الكائن في 5 بريت لين بعض البحث. كانت كافة ~~أنواع التعديل والتهيئة قد أجريت في هذه الجمهرة من المنازل العتيقة. ~~إذ أصبحت الإسطبلات أكواخا، وتحولت أجنحة المطابخ إلى منازل، وأضحت ~~الطوابق الغريبة الشكل من البيوت شققا صغيرة. بدا أن المنزل الكائن في ~~5 بريت لين مجرد رقم على بوابة. وكانت البوابة في جدار من الطوب، وبدا ~~لجرانت أن أخشاب البلوط المعشقة بالحديد فيها متأثرة بعض الشيء ~~بامتداد بسيط من طوب لندن التقليدي. لكنها كانت متينة وعادية في حد ~~ذاتها، وكانت تفتح بسهولة عند محاولة ذلك. كانت تؤدي إلى ما كان باحة ~~مطبخ حين كان المنزل رقم 5 مجرد جناح خلفي لمنزل في شارع آخر تماما. ~~أما الآن فقد أصبحت تلك الباحة فناء صغيرا مرصوفا به نافورة في ~~المنتصف، وأما ما كان يوما ما جناحا فأصبح منزلا مسطحا صغيرا من ~~الجص يتكون من ثلاثة طوابق، مدهونة بلون أصفر شاحب، وبها نوافذ ~~مؤطرة بأطر خضراء. وبينما كان جرانت يقطع الفناء الصغير نحو الباب ~~لاحظ أنهم استخدموا بلاطات في عملية الرصف، وكان بعضها قديما لكن ~~أكثرها كان جميلا. كما كانت النافورة جميلة أيضا. أثنى جرانت في نفسه ~~على هيرون لويد لأنه لم يستبدل بالجرس الكهربائي اللندني الذي يعمل ~~بالضغط على زر جرسا فاخرا آخر أجمل؛ كان الجرس اللندني يوحي بذوق ~~طيب لم تكن البوابة غير المناسبة قد حسمته. # كان داخل المنزل أيضا يتصف بالعراء والمساحات الخالية التي تتصف ~~بها شبه الجزيرة العربية دون وجود ما ms147 يوحي بأن قطعة من الشرق قد ~~نقلت إلى لندن. تمكن جرانت أن يرى، وراء جسد الخادم الذي فتح له ~~الباب، الحوائط النظيفة والسجاد الفاخر؛ إذ كان الطابع العربي طرازا ~~متبعا، وليس ديكورا منقولا. وهنا تعاظم شعوره بالاحترام تجاه ~~هيرون لويد. # بدا الخادم عربيا؛ عربيا من الحضر، ممتلئ الجسد، ذا عينين ~~براقتين وأسلوب مهذب. استمع الرجل إلى استفسار جرانت وسأله ~~بإنجليزية لطيفة صحيحة للغاية إن كان لديه موعد سابق. فأجاب جرانت ~~بالنفي، لكنه لن يأخذ من وقت السيد لويد أكثر من بضع دقائق. إذ يمكن أن ~~يكون السيد لويد عونا في تقديم معلومات ذات صلة بشبه الجزيرة ~~العربية. ~~«هلا دخلت فضلا، وألتمس منك أن تنتظر لحظة.» # أرشد الرجل جرانت إلى حجرة صغيرة في الداخل بجوار الباب الأمامي ~~تماما، وبالنظر إلى مساحتها المحدودة وفرشها القليل قرر جرانت أنها ~~كانت تستخدم لغرض الانتظار فقط. افترض أن شخصا مثل هيرون لويد لا بد ~~أن يكون معتادا على ظهور الغرباء على عتبة منزله طالبين مساعدته أو ~~اهتمامه. أو ربما ليطلبوا توقيعه فحسب. هذا التصور جعل من تطفل جرانت ~~أمرا أقل استهجانا. # بدا أن السيد لويد لم يطل في الجدال بشأن ما إذا كان جرانت مرغوبا ~~فيه؛ إذ عاد الرجل في غضون لحظات. ~~«هلا أتيت من فضلك؟ سيسر السيد لويد كثيرا لرؤيتك.» # كانت تلك العبارة صيغة مكررة، لكنها صيغة لطيفة. بينما كان جرانت ~~يتبع الرجل على الدرج الضيق وإلى الغرفة الكبيرة التي كانت تشغل مساحة ~~الطابق الأول بأسره، فكر في أن الأدب والخصال الحميدة بالفعل ~~يلطفان الحياة. # قال الرجل، وهو يتنحى جانبا من أجل أن يسمح لجرانت بالدخول: ~~«السيد جرانت، «أيها الحاج».» وقعت الكلمة على مسامع جرانت وفكر في ~~نفسه: هذا هو أول مظاهر التصنع: من المؤكد أن الإنجليز لا يحجون ~~إلى مكة. # تساءل جرانت، وهو ينظر إلى هيرون لويد بينما كان يرحب به، عما إن ~~كان لويد قد فكر في البداية في الذهاب إلى صحراء شبه الجزيرة العربية ~~لأنه بدا عربيا بدويا، أم إنه أصبح ms148 يبدو عربيا بدويا بعد أن ~~أمضى سنوات في صحراء شبه الجزيرة العربية. كان لويد يبدو رجلا عربيا ~~بدويا إلى أبعد الحدود. فكر جرانت، متندرا، في أنه كان يبدو ~~عربيا كأولئك الذين تجدهم في كتب مكتبات تأجير الكتب. على صهوة خيول ~~عرب مثل هيرون لويد اختطفت ربات بيوت عفيفات من الشوارع الملتوية ~~والطرق والشوارع الصغيرة وحملن إلى مصير أسوأ من الموت. العينان ~~السوداوان، والوجه البني الهزيل، والأسنان البيضاء، والجسد الذي يشبه ~~السوط، واليدان الرقيقتان، والحركات الرشيقة؛ كان كل ذلك موجودا، ~~جليا وواضحا. كان على جرانت أن يذكر نفسه كرها بأنه يجب ألا ~~يصدر أحكاما بناء على المظاهر. # وذلك لأن هذا الرجل قام برحلات تاريخية في عالم الاستكشاف، وكتب ~~عنها بلغة إنجليزية، كانت تعد أدبية حتى ولو كانت مبالغة بعض ~~الشيء في التنميق (كان جرانت قد اشترى نسخة من أحدث كتبه في سكون ظهر ~~يوم أمس). لم يكن هيرون لويد شيخا من شيوخ الصالونات. # كان لويد يرتدي ثيابا لندنية تقليدية وكان أسلوبه يلائم ما يرتدي ~~من ثياب. لو لم يكن المرء قد سمع به من قبل كان سيراه لندنيا ينتمي ~~إلى الطبقات المهنية الميسورة الحال. أو ربما كان سينتمي إلى طبقة ~~أكثر تأنقا بقليل؛ ممثل أو ربما أحد مستشاري هارلي ستريت أو أنه ~~مصور مجتمعي، ولكن، مع أخذ كل شيء في الاعتبار، كان سيراه لندنيا ~~يمتهن مهنة تقليدية. # قال وهو يصافح جرانت: «سيد جرانت، يقول محمود إن بوسعي أن أقدم لك ~~خدمة.» # دهش جرانت من صوته. إذ كان بلا قوام، وكان ذا نبرة متبرمة بعض ~~الشيء لم تكن ذات صلة بفحوى الكلمات ولا بحالته وهو يقولها. أخرج علبة ~~سجائر من طاولة القهوة القصيرة وقدمها له. وقال إنه لم يكن يدخن؛ ~~لأنه كان قد اتبع التقاليد الإسلامية أثناء إقامته الطويلة في الشرق، ~~لكنه سيزكي هذه السجائر لجرانت لو كان يرغب في تجربة شيء طعمه خارج ~~نطاق المألوف. # أخذ جرانت السيجارة بشغف، كما كان يأخذ كل تجربة وإحساس جديدين، ~~واعتذر عن تطفله. كان يريد ms149 أن يعرف ما إن كان شاب يافع يدعى شارل ~~مارتن قد أتاه في أي وقت في العام المنصرم أو نحو ذلك طلبا لمعلومات ~~عن شبه الجزيرة العربية. ~~«شارل مارتن؟ لا. لا، لا أظن ذلك. يأتي أناس كثيرون، بالطبع، ~~لمقابلتي بشأن شيء أو آخر. ولا يمكنني دائما تذكر أسمائهم بعدها. ~~لكنني أظن أنني سأتذكر أي شخص يحمل هذا الاسم البسيط. أتحب هذا ~~التبغ؟ أعرف نصف الهكتار الذي زرع فيه. مكان جميل لم يتغير منذ أن ~~مر الإسكندر المقدوني من ذلك الطريق.» ثم ابتسم قليلا وأضاف: «عدا ~~بالطبع أنهم تعلموا كيف يزرعون هذا التبغ. أدرك أن التبغ يتماشى جيدا ~~جدا مع نبيذ الكرز غير المفرط الجفاف. وهذا شيء آخر من الملذات ~~الكبرى التي أتحاشاها، لكنني سأشرب عصير فاكهة لأونسك.» # قال جرانت في نفسه إن عادات الضيافة البدوية تجاه الغرباء فلا بد أن ~~تكون مكلفة بعض الشيء في لندن، حيث كان لويد شهيرا، وكان بوسع الجميع ~~دون استثناء أن يزوروه. ولاحظ جرانت أن الملصق على الزجاجة التي أمسك ~~بها لويد كانت تمثل ضمانة كما كانت تمثل إفادة. بدا أن لويد لم ~~يكن فقيرا ولا بخيلا. # فقال جرانت: «كان شارل مارتن معروفا أيضا باسم بيل كينريك.» # أنزل لويد الكوب الذي كان على وشك أن يملأه وقال: ~~«كينريك! لكنه كان هنا منذ بضعة أيام فحسب. أو بالأحرى، حين أقول منذ ~~بضعة أيام، فإنني أقصد قبل أسبوع أو أسبوعين. مؤخرا على أي حال. ما ~~الداعي لأن يكون له اسم مستعار؟» ~~«لا أعرف سبب ذلك. أنا أسأل عنه نيابة عن صديقه. كان من المقرر أن ~~يلتقي بصديقه في باريس مطلع شهر مارس. يوم الرابع من مارس على وجه ~~التحديد. لكنه لم يأت. وقد اكتشفنا أنه توفي جراء حادث في اليوم ~~نفسه الذي كان مقررا أن يلتقيا فيه في باريس.» # وضع لويد الكوب من يده ببطء على الطاولة. # ثم قال بتلك النبرة المتبرمة التي لم يكن يقصد بها أن يكون ~~متبرما: «ذلك إذن السبب في عدم عودته. يا ms150 له من مسكين! مسكين ذلك ~~الفتى.» ~~«أكنت قد اتفقت معه على مقابلته مجددا؟» ~~«أجل. وجدت أنه جذاب وذكي جدا. كان قد صار مهووسا بالصحراء! لكن ~~لعلك تعرف ذلك. كانت لديه أفكار عن الاستكشاف. ما زال يوجد قلة من ~~الشباب ممن لديهم مثل هذه الأفكار. ما زال يوجد مغامرون، حتى في هذا ~~العالم المسيج المزخرف. وهو أمر لا بد أن يكون المرء مسرورا به. ماذا ~~حل بكينريك؟ حادث سيارة؟» ~~«لا. سقط على متن قطار وكسرت جمجمته.» ~~«يا له من بائس مسكين! يا له من بائس مسكين! يا للخسارة! كان يمكن ~~أن أمد الآلهة الغيورة مكانه بدزينة أخرى من الأشخاص الذين يمكن ~~الاستغناء عنهم. يا لها من كلمة فظيعة؛ يمكن الاستغناء عنهم. التعبير ~~عن فكرة ما كانت حتى ستكون قابلة للاستيعاب قبل بضع سنوات. لقد قطعنا ~~شوطا طويلا في الدرب نحو همجيتنا المطلقة. لماذا تريد أن تعرف إن ~~كان كينريك قد أتى لزيارتي؟» ~~«أردنا أن نقتفي أثره. حين مات كان متخفيا تحت اسم شارل مارتن، وكان ~~معه مجموعة كاملة من أوراق ثبوتية باسم شارل مارتن. نريد أن نعرف في ~~أي مرحلة بدأ يكون شارل مارتن. ولأن الصحراء كانت قد صارت هوسا لديه، ~~كنا شبه واثقين من أنه سيأتي ليلتقي ببعض الخبراء في الموضوع في لندن، ~~وبما أنك، يا سيدي، أشهرهم فقد بدأنا بك.» ~~«فهمت. حسنا، من المؤكد أنه أتى لمقابلتي باسم كينريك، بيل كينريك ~~بحسب ما أظن. شاب ذو بشرة داكنة، جذاب جدا. كما كان صلبا، على ~~نحو لطيف. أقصد أن خصاله الحميدة كانت تخفي إمكانات غير معلومة. ~~وجدته مرحا مبهجا.» ~~«هل جاءك بخطط بعينها؟ أقصد، هل أتاك باقتراح محدد؟» # ابتسم لويد قليلا. ثم قال: «لقد جاءني بأحد أكثر الاقتراحات شيوعا ~~من بين ما يعرض علي في العادة. حملة استكشافية إلى موقع مدينة ~~عبار. أتعرف مدينة عبار؟ إنها مدينة شبه الجزيرة العربية الأسطورية. ~~إنها تمثل «مدائن السهول» في شبه الجزيرة العربية. يا لتكرار هذا النمط ~~في الأسطورة! إن الجنس البشري يشعر بذنب ms151 أبدي حين يشعر بالسعادة. لا ~~يمكننا حتى أن نعلق على صحتنا الجيدة من دون أن نلمس الخشب أو نجعل ~~أصابعنا متقاطعة أو أي طريقة أخرى تمنع غضب الآلهة من رفاهة البشر ~~الفانين. وهكذا لدى العرب مدينة عبار؛ المدينة التي دمرتها النار ~~بسبب ثرائها وآثامها.» ~~«وقد ظن كينريك أنه اكتشف موقعها.» ~~«كان واثقا من أنه اكتشف موقعها. يا للفتى المسكين، أتمنى أنني لم ~~أكن عصبي المزاج معه.» ~~«أتظن إذن أنه كان مخطئا؟» ~~«يا سيد جرانت، أسطورة عبار موجودة في كل مكان من البحر الأحمر عبر ~~شبه الجزيرة العربية حتى الخليج الفارسي، وتقريبا في كل ميل من تلك ~~المسافة يوجد موقع مزعوم مختلف لهذه المدينة.» ~~«ولا تعتقد أن أحدا ما يمكن أن يعثر عليه مصادفة؟» ~~«مصادفة؟» ~~«كان كينريك طيارا. من المحتمل أن يكون قد رأى المكان حين جرفته ~~الريح بعيدا عن مساره، أليس كذلك؟» ~~«هل تحدث إلى صديقه عن الأمر إذن؟» ~~«لا. لم يتحدث إلى أي أحد أعرفه. كان ذلك استنتاجا من جانبي. ما ~~الذي يمنع أن يجري الاكتشاف بتلك الطريقة؟» ~~«لا شيء، بالطبع، لا شيء؛ إن كان المكان موجودا من الأساس. لقد قلت ~~إنها أسطورة تكاد تكون منتشرة في العالم أجمع. لكن حين تتبع الناس ~~القصص عن الأطلال وصولا إلى مصادرها، كان يتبين دائما أن تلك ~~«الأطلال» شيء آخر. تشكل طبيعي للصخور، أو سراب، أو حتى تشكيلات ~~للسحب. أظن أن ما رآه كينريك المسكين كان فوهة نيزك. لقد رأيت ذلك ~~المكان بنفسي. اكتشفه أحد أسلافي حين كان يبحث عن عبار. بشكل لا ~~يصدق يبدو المكان هناك وكأنه من صنع بشر. فالأرض المنقوضة التي ~~تشكلت جراء سقوط النيزك لها قمم ومرتفعات مدببة تبدو خربة. أظن ~~أن لدي صورة له في مكان ما. ربما ترغب في إلقاء نظرة عليها؛ إنها ~~صورة مميزة.» ثم نهض وسحب للخلف لوحا في الجدار الخشبي المطلي العاري، ~~فظهرت رفوف من الكتب تمتد من الأرض وحتى السقف. تابع يقول: «ربما من ~~رحمة الرب بنا أن النيازك بأحجامها المختلفة لا ms152 تسقط على الأرض كل ~~يوم.» # التقط مجموعة صور فوتوغرافية من الأرفف التحتية، وعاد يسير عبر ~~الغرفة وهو يبحث عن المكان في مجموعة الصور. ومن دون سابق إنذار، ~~تملك جرانت إحساس بأنه التقى لويد في مكان ما من قبل. # نظر إلى الصورة التي وضعها لويد أمامه. كانت تبدو غريبة بلا شك. كانت ~~تبدو مثل محاكاة فنية ساخرة لمنجز بشري عظيم. لكن ذهنه كان مشغولا ~~باللحظة الغريبة تلك التي شعر فيها بأنه تعرف على لويد. # أكان الأمر فحسب أنه رأى صورة هيرون لويد في مكان ما؟ لكن لو كان ~~الأمر كذلك، لو كان مجرد أنه كان قد رأى وجه لويد كملحق لوصف ما ~~لرحلاته الاستكشافية، فإن هذا الشعور بأنه تعرف عليه كان سيأتيه ~~عندما دخل الغرفة لأول مرة ورآه. لم يكن الإحساس الذي اعترى جرانت هو ~~إحساسا بالتعرف بقدر ما كان إحساسا بأنه يعرف لويد من مكان آخر. في ~~ظروف محيطة أخرى. # كان لويد يقول: «أترى؟ حتى على الأرض، يتعين على المرء أن يقترب ~~منها قبل أن يتأكد من أن الأمر ليس من صنع البشر. فلا بد أن الأمر أكثر ~~تضليلا من الجو.» # وافقه جرانت قائلا: «أجل»، لكنه لم يصدقه. وذلك لسبب وجيه جدا. ~~من الجو كانت الفوهة ستبدو واضحة تماما. من الجو كانت ستبدو على ~~حقيقتها تماما؛ هالة دائرية تحيط بها أرض منقوضة. لكنه لم يكن سيخبر ~~لويد بذلك. فليدع لويد يتحدث. كان اهتمامه بلويد يتزايد. ~~«ذلك المكان يقع على مقربة شديدة من مسار كينريك عبر الصحراء، كما ~~وصفه هو، وأظن أن ذلك ما رآه.» ~~«أتعرف إن كان قد حدد المكان بدقة؟» ~~«لا أعرف ذلك. لم أسأله. لكنني أظن أنه فعل. الانطباع الذي كونته ~~عنه أنه شاب في غاية الذكاء والكفاءة.» ~~«لم تسأله عن تفاصيل؟» ~~«سيد جرانت، لو أخبرك أحدهم أنه اكتشف شجرة مقدسة تنمو في وسط ~~بيكاديلي في مواجهة نادي إن آند أوت مباشرة، فهل كنت ستبدي ~~اهتماما؟ أم كنت ستظن فحسب أن عليك أن تتحلى بالصبر معه؟ إنني أعرف ms153 ~~الربع الخالي مثلما تعرف أنت بيكاديلي.» ~~«أجل، بالطبع. إذن لم تكن أنت من ودعه في المحطة؟» ~~«سيد جرانت، أنا لا أودع «أي أحد» مطلقا. فالوداع هو خليط من ~~المازوخية والسادية لطالما شعرت تجاهه بالأسى. ودعته إلى أين، ~~بالمناسبة؟» ~~«إلى سكون.» ~~«إلى منطقة المرتفعات الاسكتلندية؟ فهمت أنه كان يتوق إلى بعض المرح. ~~لماذا كان ذاهبا إلى هناك؟» ~~«لا نعرف. هذا أحد الأشياء التي نحن في غاية التشوق لمعرفتها. لم يقل ~~لك شيئا يمكن أن يرشدنا إلى دليل؟» ~~«لا. لقد أشار إلى العثور على شخص آخر يدعمه. أقصد، حين تبين له ~~أنني لست بالعون المطلوب. ربما وجد شخصا آخر يدعمه، أو كان يأمل أن ~~يجده، وذلك الشخص يعيش هناك. لا يمكنني أن أتذكر أحدا الآن. يوجد ~~كينزي-هيويت، بالطبع. لديه صلات في اسكتلندا. لكنني أظن أنه في شبه ~~الجزيرة العربية في الوقت الراهن.» # في الواقع، على الأقل، قدم لويد أول تفسير منطقي للزيارة السريعة ~~للشمال التي أخذ فيها كينريك حقيبة سفر صغيرة. لكي يتحدث إلى أحد ~~الداعمين المحتملين. لقد وجد داعما له في اللحظة الأخيرة، تقريبا في ~~نفس الوقت الذي كان من المقرر فيه أن يقابل تاد كولين في باريس، فانطلق ~~شمالا للقائه. كان ذلك التفسير مناسبا جدا. كانوا يحرزون تقدما. ~~لكن لماذا كان ذاهبا بصفته شارل مارتن؟ # وكأن الفكرة قد انتقلت، إذ قال لويد: «بالمناسبة، إن كان كينريك ~~يسافر تحت اسم شارل مارتن، فكيف تعرفوا عليه باسم كينريك؟» ~~«لقد سافرت على متن ذلك القطار إلى سكون. ورأيته حين كان ميتا، ~~واسترعى انتباهي عدة أبيات شعرية كان قد كتبها.» ~~«كتبها؟ على ماذا؟» # فقال جرانت، وهو يتساءل ماذا يهم لويد فيما كان كينريك يكتب عليه: ~~«على مساحة فارغة من صحيفة مسائية.» ~~«أوه.» ~~«كنت في إجازة، ولم يكن لدي شيء آخر أفعله؛ لذا سليت نفسي ~~بالأدلة التي قدمت.» ~~«لعبت دور المحقق.» ~~«أجل.» ~~«ما هي مهنتك يا سيد جرانت؟» ~~«أنا موظف حكومي.» ~~«آه، كنت على وشك أن أقترح أنك في الجيش.» ثم ابتسم قليلا وأمسك ~~بكوب ms154 جرانت ليعيد ملأه. وأضاف: «برتبة عالية بالطبع.» ~~«ضابط أركان عامة من الدرجة الأولى؟» ~~«لا. ملحق دبلوماسي، على ما أظن. أو في المخابرات.» ~~«لقد عملت قليلا في المخابرات أثناء عملي بالجيش.» ~~«إذن فقد اكتسبت هناك ولعك بهذه الأمور. أو ميلك، إن جاز لي ~~التعبير.» ~~«شكرا لك.» ~~«لم تكن موهبة عادية تلك التي تعرفت بها على أن شارل مارتن هو بيل ~~كينريك. أم إنه كان يحمل أمتعة تخص كينريك مما جعل أمر التعرف على ~~شخصيته ميسورا.» ~~«لا. بل دفن على أنه شارل مارتن.» # توقف لويد للحظة بينما كان يضع الكوب المملوء من يده ثم قال: «ذلك ~~مألوف جدا من تلك الطريقة الاسكتلندية في التعامل مع حالات الوفاة ~~المفاجئة، التي تتسم بالإهمال. إنهم متعجرفون دائما بشأن افتقارهم إلى ~~التحقيقات. أظن شخصيا أن اسكتلندا تمثل مكانا مثاليا للإفلات من ~~عقوبة ارتكاب جريمة قتل. ولو حدث يوما أنني خططت لجريمة قتل، ~~فسأستدرج ضحيتي شمالا إلى ما بعد الحدود.» ~~«ثمة تحقيق أجري. إذ وقعت الحادثة بعد وقت قصير من مغادرة القطار ~~محطة يوستن.» ~~«أوه.» وأخذ لويد يفكر مليا في ذلك ثم قال: «ألا تظن أنه ينبغي ~~تبليغ الشرطة بهذا؟ أعني حقيقة أنهم دفنوا شخصا باسم غير ~~صحيح.» # كان جرانت على وشك أن يقول: «الدليل الوحيد لدينا على أن شارل مارتن ~~المتوفى كان كينريك هو أنني تعرفت عليه في صورة لم تكن ملتقطة جيدا.» ~~لكن شيئا ما أوقفه. وبدلا من ذلك قال: «نود في البداية أن نعرف ~~لماذا كان يحمل أوراقا باسم شارل مارتن.» ~~«أجل. فهمت. بالطبع هذا موضع شك بما فيه الكفاية. فالمرء لا يحصل على ~~أوراق شخص آخر من دون بعض الإجراءات التمهيدية. هل يعرف أحد من هو ~~شارل مارتن ... أو من كان؟» ~~«أجل. لقد ارتضت الشرطة بما توصلت إليه من نتائج حول هذا. لم يكن ~~ثمة غموض في الأمر.» ~~«الغموض الوحيد يتمثل في كيفية حصول كينريك على أوراقه. أفهم سبب ~~إحجامك عن الذهاب إلى المصادر الرسمية. ماذا بشأن ذلك الرجل الذي كان ~~يودعه؟ في ms155 يوستن. أيمكن أن يكون هو شارل مارتن؟» ~~«أظن أن ذلك ممكن.» ~~«أو ربما فقط استعار الأوراق. فبطريقة ما لم يبد لي أن كينريك ... ~~لنقل، من النوع الميال إلى الشر.» ~~«لا. استنادا إلى كل الأدلة المتوافرة، لم يكن كذلك.» ~~«الأمر برمته غريب جدا. هذه الحادثة التي تقول إنها وقعت له: ~~أظن أنه لا يوجد أي شك في أنها كانت حادثة، أليس كذلك؟ لم تكن توجد أي ~~دلائل على وقوع شجار؟» ~~«لا، كانت مجرد حادثة عادية. سقطة يمكن أن تحدث لأي شخص.» ~~«هذا أمر مفجع. كما قلت، قلة قليلة جدا من الشباب حاليا لديها ~~مزيج من الشجاعة والذكاء. يأتيني شبان كثيرون جدا، ويسافرون مسافات ~~طويلة حقا لمقابلتي ...» # وتابع الحديث، فيما جلس جرانت يشاهد ويستمع. # أكان من يأتونه كثيرين فعلا؟ بدا لويد مسرورا جدا بالجلوس مع ~~شخص غريب والتحدث إليه. ولم يكن يوجد ما يوحي بأن لديه ارتباطات في ~~المساء أو أنه ينتظر قدوم ضيوف على العشاء. لم يكن يوجد أي من ~~السكتات اللطيفة التي يتركها المضيف في المحادثة حتى يتسنى للزائر ~~العابر من خلالها أن ينصرف. جلس لويد وأخذ يتحدث بصوته الرفيع الحماسي ~~ويطيل النظر في يديه اللتين كانتا على فخذيه. كان يغير من وضعية ~~يديه باستمرار، ليس على هيئة إيماءات تأكيد على عبارة ما، بل كرجل ~~يقوم بعمل ترتيب جديد لديكور ما. وجد جرانت انشغاله شبه النرجسي هذا ~~باهرا. وأخذ يستمع إلى صوت الصمت في ذلك المنزل الصغير، الذي يقع ~~بعيدا عن المدينة وازدحامها. في تلك السيرة الذاتية التي كانت موجودة ~~في «دليل الشخصيات البارزة»، لم يكن يوجد أي ذكر لزوجة أو أطفال لديه؛ ~~وهي أشياء عادة ما يكون من يملكها فخورا بذكرها؛ لذا لا شك أن المنزل ~~كان يتألف من لويد وخادمه. فهل كان لديه من الاهتمامات ما يكفي لتعويض ~~الافتقار إلى رفقة بشرية؟ # كان آلان جرانت نفسه يملك منزلا، مثل هذا المنزل، يفتقر إلى الدفء ~~البشري، لكن حياته كانت مليئة بالناس لدرجة أن عودته إلى شقته الفارغة ~~كانت أمرا ms156 يمثل رفاهية ولذة نفسية له. فهل كانت حياة هيرون لويد ~~حافلة وهانئة؟ # أم إن نرجسيته لم تكن قط في حاجة لأي رفقة عدا ذاته؟ # تساءل جرانت عن عمر الرجل. لا شك في أنه أكبر مما كان يبدو عليه، كان ~~عميد مستكشفي شبه الجزيرة العربية. خمسة وخمسون عاما أو أكثر. ربما ~~أقرب إلى الستين. لم يقدم الرجل تاريخ مولده في تلك السيرة الذاتية ~~عنه؛ لذا كانت الاحتمالات تقول إنه يشارف على الستين. لا يمكن أن يكون ~~قد تبقى له كثير من سنوات الحياة الشاقة، حتى بالنظر إلى حالته ~~الجسدية الجيدة وظروف حياته. ماذا سيفعل الرجل في السنوات المتبقية له؟ ~~هل سيقضيها في تأمل يديه والإعجاب بهما؟ # كان لويد يقول: «الديمقراطية الحقيقية الوحيدة الموجودة في عالم ~~اليوم، ويجري تدميرها بواسطة الشيء الذي نطلق عليه الحضارة.» # مرة أخرى، راود جرانت ذلك الإحساس بالألفة، بأنه يعرفه. أكان الأمر ~~أن التقى بلويد من قبل؟ أم إن لويد كان يذكره بأحد ما؟ # إن كان يذكره بأحد ما، فبمن؟ # لا بد أن يبتعد ويفكر في الأمر. على أي حال، كان قد حان الوقت لأن ~~يستأذن في الانصراف. # سأل وهو يستعد للانصراف: «هل أخبرك كينريك أين كان يقيم؟» ~~«لا. كما تفهم، لم نحدد موعدا قاطعا للقاء آخر. طلبت منه أن يأتي ~~لزيارتي ثانية قبل أن يغادر لندن. وحين لم يأت اعتقدت أنه استاء، ~~وربما غضب، من غياب ... تعاطفي، إن كان يجوز قول ذلك؟» ~~«أجل، لا بد أن الأمر مثل صفعة له. وفي واقع الأمر، لقد أخذت ~~كثيرا من وقتك، وكنت معي صبورا حليما. أنا ممتن لك ~~كثيرا.» ~~«سررت كثيرا بأنني كنت عونا لك. وأخشى أن عوني لم يكن ذا قيمة ~~كبيرة جدا. إن كان يوجد أي شيء آخر يمكنني فعله في هذه المسألة، آمل ~~مخلصا ألا تتردد في أن تطلبه مني.» ~~«في الواقع ... يوجد شيء آخر، لكنك كنت لطيفا كثيرا بحيث أكره أن ~~أطلبه منك. خاصة أنه غير ذي صلة بعض الشيء.» ~~«وما ذاك؟» ~~«أيمكنني استعارة الصورة الفوتوغرافية؟» ms157 ~~«الصورة؟» ~~«صورة فوهة النيزك. لاحظت أن الصورة مدرجة ضمن ألبوم صورك، وغير ~~ملصوقة فيها. أود كثيرا في أن أريها لصديق كينريك. وأعدك بكل صدق أن ~~أعيدها. وبحالة ممتازة ...» ~~«بالطبع يمكنك الحصول على الصورة. ولا تزعج نفسك بإعادتها. لقد ~~التقطت هذه الصورة بنفسي، وأحتفظ معي بالصورة السالبة منها. يمكنني طبع ~~بديل لهذه الصورة في أي وقت بسهولة.» # أخرج لويد الصورة من مكانها في الألبوم بعناية، وسلمها إلى جرانت. ~~ونزل إلى الطابق السفلي مع جرانت ورافقه إلى الباب، ثم تحدث قليلا ~~عن الفناء الصغير حين أبدى جرانت إعجابه به، وانتظر في كياسة حتى وصل ~~جرانت إلى البوابة ثم أغلق الباب. # فتح جرانت صحيفة المساء التي كانت موضوعة على مسند السيارة، ووضع ~~الصورة بحرص وعناية بين طياتها. ثم قاد سيارته باتجاه النهر وعلى طول ~~منطقة إمبانكمنت. # فكر جرانت في نفسه أن هذا المكان القديم يبدو كالمعتاد؛ كومة شنيعة ~~من الركام غارقة في الغسق. وكذلك كان قسم البصمات حين وصل إليه. كان ~~كاترايت يطفئ سيجارة في صحن كوب شاي بارد كان قد شرب نصفه ويبدي ~~إعجابه بآخر أعماله؛ مجموعة كاملة من بصمات يد يسرى. # وقال وهو يرفع ناظريه عندما سقط عليه ظل جرانت: «رائعة، أليس كذلك؟ ~~ستؤدي هذه البصمات إلى شنق بينكي ماسون.» ~~«ألم يكن بينكي يملك ثمن زوج من القفازات؟» ~~«هاه! كان بإمكان بينكي أن يشتري شركة دينتس للقفازات بأكملها. كل ما ~~في الأمر أنه لم يصدق - بينكي الحاذق - أن الشرطة ستنظر في الواقعة ~~باعتبارها أي شيء آخر إلا حادث انتحار. القفازات لحثالة وصغار ~~المجرمين، كلصوص المنازل ومن على شاكلتهم، وليس لعقول مدبرة مثل ~~بينكي. أكنت مسافرا؟» ~~«أجل. ذهبت لصيد السمك في منطقة المرتفعات الاسكتلندية. إن لم تكن ~~مشغولا للغاية، فهل بإمكانك أن تقوم بشيء غير رسمي من أجلي؟» ~~«الآن؟» ~~«أوه، لا. لا بأس بغد.» # نظر كاترايت إلى الساعة. وقال: «ليس لدي شيء أفعله حتى ألتقي ~~بزوجتي عند المسرح. سنذهب لمشاهدة مسرحية مارتا هالارد الجديدة. لذا ~~يمكنني فعل ذلك الآن إن شئت. أهي ms158 مهمة صعبة؟» ~~«لا. بل في غاية السهولة. هاك، في الزاوية اليمنى السفلية من هذه ~~الصورة الفوتوغرافية، توجد بصمة إبهام جيدة. وأظن أنك ستجد على الوجه ~~الآخر مجموعة لا بأس بها من بصمات الأنامل. أريد أن أتحقق من وجود ~~تلك البصمات في الملفات.» ~~«حسنا. هل ستنتظر؟» ~~«أنا ذاهب إلى المكتبة. وسأعود.» # في المكتبة أخذ جرانت «دليل الشخصيات البارزة» وبحث عن كينزي-هيويت. ~~وكانت الفقرة المكتوبة عنه متواضعة جدا مقارنة بنصف العمود المكتوب ~~عن هيرون لويد. كان كينزي-هيويت يبدو رجلا أصغر في العمر بكثير، وكان ~~متزوجا ولديه طفلان، ويقطن في لندن. بدا أن «الصلة الاسكتلندية» التي ~~كان لويد قد أتى على ذكرها تتألف من حقيقة أنه كان الابن الأصغر لشخص ~~يدعى كينزي-هيويت، والذي كان يملك منزلا في منطقة فايف ~~الاسكتلندية. # في الواقع، الاحتمال قائم دوما بأنه كان حاليا، أو مؤخرا، في ~~اسكتلندا. فتوجه جرانت إلى أحد الهواتف واتصل بعنوانه في لندن. ~~فردت عليه امرأة جميلة الصوت وقالت إن زوجها لم يكن في المنزل. لا، ~~لن يكون في المنزل لبعض الوقت؛ كان في شبه الجزيرة العربية. وهو في شبه ~~الجزيرة العربية منذ شهر نوفمبر، وعودته ليست متوقعة حتى شهر مايو ~~على أقل تقدير. شكرها جرانت ووضع السماعة. لم يكن كينزي-هيويت هو من ~~ذهب إليه بيل كينريك. غدا، سيتعين عليه أن يبحث وسط الخبراء ~~المتعددين في شبه الجزيرة العربية، واحدا تلو الآخر، ويطرح عليهم ~~السؤال نفسه. # وبعد أن أمضى بعض الوقت بصحبة أصدقاء له كان قد التقى بهم مصادفة ~~في تلك الساعة، عاد إلى كاترايت. ~~«هل أحضرت الصورة أم إنني أبكرت في الحضور؟» ~~«لم أحضرها فحسب، بل بحثت عنها في الملفات من أجلك. الإجابة هي ~~لا.» ~~«لا، لم أظن حقا أنه سيكون ثمة شيء. كنت فقط أجري تصفية. لكن ~~شكرا لك على أي حال. سآخذ الصورة معي. ظننت أن عرض هالارد المسرحي ~~الجديد تلقى تعليقات سيئة.» ~~«أحقا؟ لم أقرأ تلك التعليقات قط. ولا بريل. إنها تحب مارتا هالارد ~~فحسب. وأنا أيضا، إن تطلب الأمر ذلك. ms159 فهي تملك ساقين طويلتين ~~رائعتين . طاب مساؤك.» ~~«طاب مساؤك، وشكرا مجددا.» # | الفصل الثاني عشر # قال تاد كولين، حين انتهى جرانت من إلقاء القصة على مسامعه عبر ~~الهاتف: «لا تبدو معجبا كثيرا بهذا الرجل.» ~~«حقا؟ ربما يكون الأمر فحسب أنه لم يصادف أن يكون ما نطلق عليه ~~نوعيتي المفضلة. اسمع يا تاد، هل أنت واثق تماما من أنه ليس لديك أدنى ~~فكرة، حتى ولو كانت في المنطقة الخلفية في عقلك، عن أين يمكن أن يكون ~~بيل قد أقام؟» ~~«ليس لدي منطقة خلفية في عقلي. لدي فقط مساحة أمامية صغيرة ~~ومحدودة أحتفظ فيها بكل ما هو مفيد لي. بضعة أرقام هواتف وبضع صلوات ~~للرب.» ~~«حسنا، أريد منك غدا أن تذهب في جولة إلى أكثر الأماكن بديهية، إن ~~شئت.» ~~«أجل، بالطبع. سأفعل أي شيء. أي شيء تقوله.» ~~«لا بأس. ألديك قلم؟ ها هي القائمة.» # أعطاه جرانت أسماء عشرين مكانا من الأماكن المحتملة، اعتمادا على ~~افتراض أن شابا يافعا من المساحات المفتوحة الواسعة والبلدات ~~الصغيرة سيبحث عن نزل كبير وكذلك بهيج وليس باهظ الثمن. وفقط لغرض ~~حسن التدبير أضاف بضعة من أشهر الفنادق الباهظة الثمن؛ فالشبان الذين ~~يتلقون رواتبهم بأثر رجعي يصل إلى عدة شهور كانوا يميلون إلى ~~الإسراف. # قال جرانت: «لا أظن أنني سأتطلع إلى أكثر من ذلك.» ~~«وهل يوجد أكثر من ذلك؟» ~~«إن لم يكن قد مكث في واحد من هذه الفنادق، فسنكون قد علقنا؛ لأنه إن ~~لم يكن قد مكث في أحدها فسيتعين علينا البحث في كل فندق من فنادق ~~لندن من أجل أن نجده، ناهيك عن البنسيونات.» ~~«حسنا. سأبدأ بالبحث في الصباح الباكر. سيد جرانت، أود أن أقول لك ~~إنني أقدر جدا ما تفعله لأجلي. أن تخصص وقتك من أجل شيء لا يمكن ~~لأحد آخر فعله؛ أقصد شيئا ما كانت الشرطة تتعرض له. لولا أنت ~~...» ~~«اسمع يا تاد، لست أفعل هذا من باب الإحسان. بل أفعله انغماسا في ~~لذة فعله وإرضاء لفضولي وإمتاعا لنفسي بأقصى درجة. صدقني، لو لم ~~أكن ms160 كذلك، لما كنت في لندن الآن. كنت سأخلد إلى النوم في كلون. لذا ~~طاب مساؤك ولتنم جيدا. سنقسم هذه المهمة بيننا.» # ووضع السماعة ثم ذهب ليرى ما تركته السيدة تينكر على الموقد من طعام. ~~بدا نوعا ما من فطيرة الراعي. فحملها إلى غرفة المعيشة وأكلها في ~~شرود؛ إذ كانت أفكاره لا تزال معلقة بلويد. # ما الذي كان مألوفا بشأن لويد؟ # راجع في ذهنه اللحظات القليلة التي سبقت إحساسه بأنه يعرفه. ماذا كان ~~لويد يفعل؟ كان يفتح دولاب الكتب. كان يفتحه بإيماءة تنم عن الكياسة ~~والشعور بالذات، وعن شيء من حب الظهور. ما الذي ينطوي عليه هذا الأمر ~~ليبث في نفسه إحساسا بالألفة؟ # وكان ثمة شيء أغرب. # لماذا قال لويد: «على ماذا؟» حين ذكر ما كتبه كينريك؟ # لا شك أن ردة الفعل تلك لم تكن طبيعية بالمرة. # ما الذي قاله للويد بالضبط؟ لقد قال إن كينريك استرعى اهتمامه بسبب ~~بعض أبيات شعرية كان يكتبها. والإجابة الطبيعية على هذا ستكون: «أبيات ~~شعر؟» كانت العبارة المؤثرة ونافذة المفعول في هذه الجملة هي أبياتا ~~شعرية. أما فعل الكتابة فهو تابع وإضافي. # وحين يكون رد فعل أحدهم على تلك المعلومة هو: «على ماذا؟» فيتعذر ~~تفسير ذلك أو تبريره. # عدا أن ردود الفعل البشرية تتسم بتعذر التبرير والتفسير. # كان جرانت يدرك بناء على خبرته أن الكلمات غير ذات الصلة وغير ~~المدروسة في أي قول هي الكلمات المهمة. فالاكتشافات المدهشة والمرضية ~~تكمن في الفجوة بين المجزوم به والمتضارب. # لماذا قال لويد: «على ماذا؟» # دخل إلى فراشه وهو يفكر في المعضلة، وراح في النوم وهو لا يزال يفكر ~~فيها. # في الصباح بدأ بحثه بين الخبراء في شبه الجزيرة العربية، وانتهى من ~~بحثه دون أن يندهش مطلقا من أن بحثه لم يسفر عن شيء. فمن يستكشفون شبه ~~الجزيرة العربية كهواية لهم نادرا ما يملكون المال ليدعموا به أي شيء. ~~بل على النقيض، كان هؤلاء في العادة يبحثون عن دعم لأنفسهم. وكانت ~~الفرصة الوحيدة تتمثل في أن يتبين أن أحدهم ms161 مهتم إلى الحد الذي ~~يجعله على استعداد ليشارك شخصا آخر فيما يتلقاه من دعم. لكن لم يسمع ~~أي منهم من قبل بشارل مارتن أو بيل كينريك. # كان وقت الغداء قد حل قبل أن ينتهي مما كان يفعله، فوقف قرب ~~النافذة ينتظر مكالمة تاد، ويفكر هل يخرج لتناول الغداء أم يجعل ~~السيدة تينكر تعد له عجة بيض. كان الجو اليوم رماديا، لكن كانت ~~توجد نسمة خفيفة ورائحة تراب ندي أثار فيه إحساسا غريبا بأنه في ~~الريف. علق في نفسه قائلا إنه يوم مناسب لصيد السمك. وتمنى للحظة ~~لو أنه كان الآن يسير على الأرض السبخة نحو النهر بدلا من نضاله مع ~~منظومة الهواتف في لندن. لا يتحتم حتى أن يذهب إلى النهر. كان ~~سيقنع بقضاء فترة بعد الظهيرة على بحيرة لوخان دهو في قارب مثقوب ~~بصحبة بات. # استدار إلى مكتبه، وبدأ يرتب الفوضى التي تخلفت من فتحه بريد هذا ~~الصباح. فشرع يلقي بالمظاريف الفارغة والأوراق الممزقة في سلة ~~المهملات، لكنه توقف في أثناء ذلك. # لقد واتاه الإلهام. # عرف الآن من الشخص الذي كان هيرون لويد يذكره به. # كان وي آرتشي. # وكان هذا الأمر مفاجئا كثيرا ومثيرا للسخرية حتى إنه جلس على ~~الكرسي إلى جوار مكتبه وأخذ يضحك. # ما الشيء المشترك بين وي آرتشي وذلك المخلوق الأنيق الرفيع الثقافة ~~الذي يدعى هيرون لويد؟ # الفشل والإحباط؟ لا بكل تأكيد. إنه كان أجنبيا في البلد الذي يحبه ~~كثيرا؟ لا، هذا احتمال مستبعد جدا. كان الشيء المشترك بينهما أعمق ~~من ذلك. # ذلك أن لويد هو الذي ذكره بوي آرتشي. لم يكن لديه شك في هذا الآن. ~~وكان جرانت يشعر بتلك الراحة التي لا تضاهى، والتي تتأتى حين ~~يتذكر المرء اسما استعصى عليه أن يتذكره. # أجل، كان يذكره بوي آرتشي. # لكن لماذا؟ # ما الذي كانت تتشارك فيه هاتان الشخصيتان المتناقضتان؟ # إيماءاتهما؟ لا. بنيتهما الجسدية؟ لا. صوتهما؟ أكان ذلك هو المشترك ~~بينهما؟ # فقال له صوته الداخلي: «غرورهما، أيها الأحمق!» # أجل، هذا صحيح. غرورهما. غرورهما المرضي. # جلس وكأن ms162 على رأسه الطير، يفكر في هذا، ولم يعد يضحك. # الغرور. الصفة الأساسية في الأفعال المشينة. والعامل الثابت في العقل ~~الإجرامي. # فقط بافتراض أن ... # تصاعد فجأة أزيز الهاتف الموضوع عند مرفقه. # كان المتصل هو تاد. قال إنه وصل إلى الرقم ثمانية عشر في القائمة، ~~وإنه أصبح خائر القوى، لكن دماء الرواد كانت تجري في عروقه، وإنه ~~سيكمل البحث. ~~«دعك من البحث قليلا وتعال نتناول الطعام معا في مكان ~~ما.» ~~«أوه، لقد تناولت غدائي. تناولت موزتين ومخفوق الحليب في ليستر ~~سكوير.» # قال جرانت: «أيها الرب الرحيم!» ~~«ما المشكلة في ذلك؟» ~~«النشويات؛ تلك هي المشكلة في ذلك.» ~~«لا بأس بالقليل من النشويات حين يكون المرء منهكا. ألم يحالفك ~~الحظ من جهتك؟» ~~«لا. إن كان ذاهبا شمالا للقاء شخص يدعمه، فإن هذا الداعم كان مجرد ~~هاو يملك المال، وليس أي من الأشخاص المنخرطين بفعالية في الاستكشاف ~~في شبه الجزيرة العربية.» ~~«أوه. حسنا. سأمضي في طريقي. متى أتصل بك ثانية؟» ~~«بمجرد أن تصل إلى نهاية القائمة. سأنتظر مكالمتك هنا.» # قرر جرانت أن يتناول عجة البيض، وبينما كانت السيدة تينكر ~~تحضرها أخذ يسير في أرجاء غرفة المعيشة تاركا عقله يحلق في سماء ~~التفكير والتكهن ثم يجذبه في الحال إلى أرض الواقع والمنطق، بحيث كان ~~عقله يشبه في مسلكه خطوط التلغراف خارج مقصورة عربة قطار؛ ترتفع ~~باستمرار وتهبط باستمرار. # ليتهما كانت لديهما نقطة بداية. ماذا لو وصل تاد إلى نهاية قائمة ~~الفنادق المحتملة ولم يصل لأي نتيجة؟ كانت مسألة أيام فقط قبل أن ~~يتحتم عليه أن يعود إلى العمل. توقف عن التفكير في الغرور ~~واحتمالاته، وبدأ يفكر في المدة التي قد تستغرقها تغطية الفنادق ~~الأربعة المتبقية من جانب تاد. # لكن قبل أن تنتهي السيدة تينكر من إعداد عجة البيض، كان تاد قد حضر ~~بشخصه. كان يبدو محمر الوجنتين ومظفرا. # وقال: «لا أعرف كيف واتتك فكرة الصلة بين ذلك المكان الضئيل الكئيب ~~المهمل وبيل، لكنك كنت محقا. لقد مكث هناك بالفعل.» ~~«وما هو ذلك المكان الضئيل الكئيب المهمل؟» ms163 ~~«فندق بينتلاند. كيف فكرت فيه ؟» ~~«يتمتع بسمعة عالمية.» ~~««ذلك» الفندق يتمتع بسمعة عالمية؟» ~~«ويستمر الإنجليز في الذهاب إليه جيلا بعد جيل.» ~~«ذلك ما يبدو عليه الأمر!» ~~«إذن بيل كينريك مكث هناك. إنه يروق لي الآن أكثر من أي وقت ~~مضى.» # فقال تاد بنبرة أكثر هدوءا: «أجل.» وتلاشت حمرة بهجته بالظفر عن ~~وجنتيه. ثم أضاف: «أتمنى لو أنك كنت تعرف بيل. أتمنى ذلك حقا. لا ~~أحد أفضل من بيل.» ~~«اجلس وتناول بعضا من القهوة لتعادل ما تناولت من مخفوق الحليب. أم ~~ترغب في شراب؟» # فأضاف بدهشة: «لا، شكرا، سأتناول القهوة. لقد سجل بيل خروجه في ~~اليوم الثالث من الشهر. الثالث من شهر مارس.» ~~«هل سألت عما كان يحمل من أمتعة؟» ~~«بالتأكيد. لم يكونوا مهتمين بالأمر في الفندق في البداية. لكنهم في ~~النهاية أخرجوا دفترا بحجم دفتر الأحكام القضائية، وقالوا إن السيد ~~كينريك لم يترك شيئا في غرفة المخزن ولا في الخزانة.» ~~«يعني ذلك أنه أخذ أمتعته إلى غرفة حفظ أمتعة - إلى غرفة أمانات - ~~لتكون في متناوله حين يعود من اسكتلندا. ولو أنه كان ينوي العودة ~~بالطائرة، فأظن أنه كان سيتركها في يوستن ليأخذها في طريقه إلى المطار. ~~ولو أنه كان ينوي الذهاب بحرا، فقد يكون أخذها إلى محطة فيكتوريا قبل ~~أن يذهب إلى يوستن. أكان يحب البحر؟» ~~«بين بين. لم يكن مولعا به. لكنه كان مهووسا بالعبارات.» ~~«العبارات؟» ~~«أجل. يبدو أن الأمر بدأ حين كان طفلا في مكان يدعى بومبي! أتعرف ~~أين ذلك المكان؟» فأومأ جرانت بالإيجاب. «وكان يقضي كل وقته على ~~عبارة أجرتها بنس.» ~~«كانت أجرتها نصف بنس.» ~~«حسنا، أيا كان.» ~~«إذن تظن أن عبارة القطارات ربما كانت ستثير اهتمامه. حسنا، لا ~~يسعنا سوى أن نحاول. لكن إن كان سيتأخر على لقائك، فأظن أنه كان ~~سيستقل الطائرة أثناء عودته. أيمكنك أن تتعرف على الحقائب لو ~~رأيتها؟» ~~«أوه، أجل. كنت أتشارك أنا وبيل في جناح صغير تابع للشركة. وساعدته ~~في حزم حقائبه. في الواقع واحدة منها تخصني. لم يأخذ معه سوى ms164 ~~حقيبتين. وقال إن اشترينا كثيرا من الأشياء فيمكننا أن نشتري حقيبة ~~...» ثم تلاشى صوت تاد فجأة ودفن وجهه في كوب قهوته. كان الكوب مسطحا ~~جدا، وعليه أنماط صفصاف بلون وردي، كانت مارتا هالارد قد أحضرته من ~~السويد لأجل جرانت لأنه كان يحب تناول قهوته في أكواب كبيرة، فأصبح ~~هذا الكوب حائلا جيدا يحجب انفعالات تاد. ~~«ليس لدينا أي إيصال لاستعادة تلك الأمتعة. ولا يمكنني استخدام ~~وسائلي الرسمية. لكنني أعرف معظم العاملين في صالات الوصول الكبرى، ~~وربما يمكننا أن نتحسس طريقنا دون علم أحد. وستكون مهمتك التعرف على ~~الحقائب. في رأيك، أكان بيل بطبيعته يفضل وضع الملصقات؟» ~~«أتوقع أنه كان سيضع ملصقات على الأشياء التي كان سيتركها هكذا. ~~لماذا، في رأيك، لم يضع إيصال الأمتعة المتروكة في محفظته؟» ~~«فكرت في أنه ربما يكون أحد ما قد أودع تلك الحقائب نيابة عنه. ~~الشخص الذي قابله في يوستن، على سبيل المثال.» ~~«الرجل الذي يدعى مارتن؟» ~~«ربما. إن كان قد استعار الأوراق التعريفية من أجل تخفيه الغريب، ~~كان سيتعين عليه أن يعيدها. ربما كان مارتن سيلتقي به في المطار، أو في ~~محطة فيكتوريا، أو في المكان الذي خطط أن يغادر إنجلترا منه أيا كان، ~~ومعه الحقائب ليأخذ منه أوراقه.» ~~«أجل. يبدو ذلك منطقيا. أظن أننا لا نستطيع طرح نوبة مفاجئة من ~~الإعلانات عن ذلك المدعو مارتن؟» ~~«لا أظن أن ذلك المدعو مارتن سيرغب في أن يجيب، بعدما أعار أوراقه ~~الخاصة من أجل عملية احتيال وكونه الآن من دون هوية.» ~~«لا. ربما تكون محقا. لم يكن من بين نزلاء ذلك الفندق على أي ~~حال.» # فسأله جرانت مندهشا: «كيف عرفت ذلك؟» ~~«اطلعت على السجل؛ دفتر التسجيل. حين كنت أتعرف على توقيع ~~بيل.» ~~«أنت تضيع مهاراتك في أورينتال كوميرشال يا تاد. ينبغي أن تأتي ~~للعمل معنا.» # لكن تاد لم يكن مصغيا. وقال: «ليس لديك أدنى فكرة عن الشعور الغريب ~~الذي انتابني حين رأيت خط بيل فجأة وبهذا الشكل، من بين كل تلك الأسماء ~~الغريبة. نوعا ما أفقدني ms165 ذلك القدرة على التنفس.» # أخذ جرانت صورة لويد الملتقطة للفوهة ووضعها على الطاولة. «هذا ما ~~يظن هيرون لويد أن بيل قد رآه.» # نظر تاد إلى الصورة باهتمام. «هذا غريب فعلا، أليس كذلك؟ تبدو ~~تماما كناطحات سحاب مدمرة. كنت أظن أن الولايات المتحدة هي من ابتكر ~~ناطحات السحاب حتى رأيت شبه الجزيرة العربية. لكن بعض تلك البلدات ~~العربية القديمة هي مجرد مبان مشابهة لمبنى إمباير ستيت لكن على نطاق ~~أصغر. لكنك تقول إن ما رآه بيل لا يمكن أن يكون هذا.» ~~«لا. من الجو لا بد أن تكون ماهيته واضحة تماما.» ~~«هل أخبرت لويد بذلك؟» ~~«لا. تركته يتحدث فحسب.» ~~«لماذا تبغض ذلك الرجل بهذا الشكل؟» ~~«لم أقل إنني أبغضته.» ~~«لا يتعين عليك أن تقولها.» # تردد جرانت، فكان مشغولا كالعادة بتحليل ما كان يشعر به ~~بالضبط. ~~«أجد الغرور بغيضا ومنفرا. إنني أمقته بصفتي إنسانا، وأرتاب منه ~~بصفتي رجل شرطة.» # فقال تاد بإيماءة خفيفة من كتفه تدل على التساهل: «إنها نقطة ضعف ~~غير ضارة.» ~~«هذا بالضبط ما أنت مخطئ فيه. إنه الصفة المدمرة تماما. حين تقول ~~الغرور، فإنك تفكر في النوعية التي تزهو بنفسها أمام المرآة وتشتري ~~الأشياء لتتأنق بها. لكن هذا مجرد خيلاء شخصي. الغرور الحقيقي شيء ~~مختلف تماما. مسألة تتعلق بالشخصية وليس بالشخص. يقول الغرور: «لا بد ~~لي أن أحصل على هذا لأنني أنا من أنا.» وهذا أمر مخيف لأنه غير قابل ~~للعلاج. لا يمكنك أن تقنع المغرور أبدا بأنه يوجد أحد آخر له أدنى ~~درجة من الأهمية، إنه لا يفهم ما تتحدث بشأنه. قد يقتل المغرور شخصا ~~من أجل أن يوفر على نفسه قضاء عقوبة مدتها ستة شهور في ~~السجن.» ~~«لكن هذا جنون.» ~~«ليس طبقا لطريقة تفكير المغرور. وليس بالمعنى الطبي بكل تأكيد. ~~الأمر كله يتلخص في أن المغرور يكون منطقيا. إن الغرور صفة مفزعة ~~كما ذكرت، وهي أساس كل الشخصيات الإجرامية. فالمجرمون - المجرمون ~~الحقيقيون، على النقيض من الرجل الضئيل الذي يغش في الحسابات في حالة ~~طارئة، أو رجل يقتل ms166 زوجته حين يجدها في الفراش مع رجل غريب - المجرمون ~~الحقيقيون يتباينون في مظهرهم وأذواقهم وذكائهم وطريقتهم تباينا ~~واسعا بقدر تباين بقية العالم، لكن لديهم سمة مميزة واحدة لا تتغير، ~~وهي غرورهم المرضي.» # بدا تاد وكأنه لا يستمع بانتباه لأنه كان يطبق هذه المعلومات على ~~شخص يعرفه شخصيا. فقال: «اسمع يا سيد جرانت، أتقول إننا لا ينبغي أن ~~نثق بذلك المدعو لويد؟» # فكر جرانت في ذلك مليا. # ثم قال أخيرا: «ليتني كنت أعرف. ليتني كنت أعرف.» # فقال تاد في تردد: «هذا يضفي بالتأكيد طابعا مختلفا على ~~الأمور.» ~~«لقد أمضيت وقتا طويلا جدا صباح اليوم أتساءل عما إذا كنت قد ~~رأيت كثيرا من الغرور في المجرمين لدرجة أنني بدأت أطور «حاسة» ~~بشأنه، بحيث أصبحت أرتاب منه بلا داع. في ظاهر الأمر لا عيب في هيرون ~~لويد. بل يتحلى بالكثير، إنه مثير للإعجاب. ولديه سجل حافل، ويعيش ~~حياة بسيطة، ويتمتع بذوق ممتاز؛ الأمر الذي يعني إحساسه الطبيعي بعلو ~~قدره، وقد أنجز الرجل ما يكفي فعلا ليشبع روحا أنانية.» ~~«لكن في رأيك، هل هناك خطب ما في مكان ما؟» ~~«أتذكر رجلا ضئيل الحجم في فندق مويمور أتاك للتبشير؟» ~~«اسكتلندا المضطهدة! الرجل الضئيل ذو التنانير الاسكتلندية.» # فقال جرانت بصورة تلقائية: «التنورة الاسكتلندية. لسبب ما أشعر ~~تجاه لويد بنفس الشعور الذي أشعر به تجاه أرتشي براون. هذا مناف ~~للعقل، لكنه شعور قوي. لديهما نفس ...» ثم أخذ يبحث عن كلمة ~~مناسبة. # قال تاد: «الرائحة.» ~~«أجل. تقريبا. لهما الرائحة نفسها.» # وبعد صمت طويل قال تاد: «يا سيد جرانت، هل ما زلت تؤيد الرأي القائل ~~بأن ما وقع لبيل كان حادثة؟» ~~«أجل؛ لعدم وجود دليل مناف لذلك. لكنني على استعداد لأن أعتقد ~~أنها لم تكن حادثة، إن رأيت سببا لذلك. أيمكنك أن تنظف ~~النوافذ؟» ~~«أيمكنني ماذا؟» ~~«أن تنظف النوافذ.» # قال تاد محدقا بذهول: «أظن أنني أستطيع أن أجرب إن ضغط علي ~~بشدة لفعل ذلك. لماذا؟» ~~«ربما سيتعين عليك ذلك قبل أن ينتهي هذا الأمر. لنذهب ونحصل على ~~تلك الحقائب. ms167 يحدوني أمل أن تكون كل المعلومات التي نحتاجها فيها. لقد ~~تذكرت للتو أن بيل حجز مقصورة النوم تلك إلى سكون قبل أسبوع من ~~سفره.» ~~«ربما لم يكن بوسع داعمه في اسكتلندا أن يقابله قبل الرابع من ~~الشهر.» ~~«ربما. على أي حال، كل أوراقه الثبوتية وأغراضه الشخصية ستكون في ~~واحدة من الحقائب، وآمل أن تشتمل على مفكرة يومية.» ~~«ما كان بيل ليدون يوميات!» ~~«ليس ذلك النوع. أعني المفكرة التي تستخدم لتدوين المواعيد ~~والملاحظات.» ~~«أوه، أجل، تلك النوعية. أتوقع أنه كانت ستكون لديه واحدة من ~~مفكرات المواعيد تلك إن كان سيطوف في أرجاء لندن بحثا عن داعم له. قد ~~تكون تلك هي كل ما نحتاجه، يا أخي!» ~~««ستكون» كل ما نحتاجه. إن كانت موجودة.» # لكن لم يكن يوجد أي شيء. # لا شيء على الإطلاق. # في بادئ الأمر، شرعا في تفاؤل كبير في البحث في الأماكن البديهية؛ ~~يوستن، المطار، محطة فيكتوريا؛ مسرورين بالأسلوب الذي أجدى نفعا ~~كبيرا. ~~«مرحبا أيها المفتش. كيف يمكنني أن أساعدك اليوم؟» ~~«ربما يمكنك أن تساعد صديقي الشاب من أمريكا.» ~~«أجل؟ أتريد تذكرة لقطار الساعة الثالثة والنصف؟» ~~«لدينا تذكرة لقطار الساعة الثالثة والنصف. يريد أن يعرف إن كان ~~صديقه ترك حقيبتين هنا. أتمانع في أن يلقي نظرة بالأرجاء؟ لا نريد ~~نقل أي شيء. نريد فقط أن نلقي نظرة.» ~~«حسنا، ذاك شيء لا يزال مسموحا به في هذا البلد أيها المفتش، صدق ~~هذا أو لا تصدق. هلا تبعتماني؟» # وهكذا تبعاه. في كل مرة كانا يتبعانهم. وفي كل مرة كانت الأمتعة ~~المتراصة تبادلهما النظر في ازدراء وانطوائية. بتجرد كما من شأن ~~أغراض الآخرين أن تنظر. # ومن الأماكن المرجحة انتقلا في قلق وترقب إلى الأماكن التي كانت ~~تشكل مجرد احتمال. كانا يأملان أن يجدا مفكرة يومية أو أوراقا ~~شخصية. لكنهما الآن على استعداد لأن يكتفيا بمجرد إلقاء نظرة واحدة ~~على تلك الحقائب. # لكن لم يكن هناك حقائب مألوفة على أي من الأرفف. # ذهل تاد كثيرا من هذا حتى إن جرانت وجد صعوبة في ms168 اقتياده بعيدا ~~عن النقاط التي توقفا فيها لاحقا. أخذ تاد يتجول في ذهول واندهاش مرة ~~تلو أخرى حول الأرفف المملوءة بالأمتعة. # وظل يقول: «لا بد أن تكون هنا. لا بد أن تكون هنا.» # لكنها لم تكن موجودة. # وحين خرجا إلى الشارع، في حيرة من أمرهما، وبعد أن ذهب رهانهما ~~الأخير أدراج الرياح، قال تاد: «أيها المفتش، أقصد يا سيد جرانت، في أي ~~مكان آخر كنت ستترك فيه أمتعتك بعد أن تغادر أحد الفنادق؟ هل لديكم ~~خزانات شخصية هنا؟» ~~«خزائن محدودة المدة فحسب. لمن يريد أن يترك حقيبته ساعة أو ساعتين ~~بينما ينجز أمرا ما.» ~~«إذن أين هي أغراض بيل، ولماذا ليست موجودة في أي من الأماكن ~~البديهية؟» ~~«لا أعرف. ربما تكون مع فتاته.» ~~«أي فتاة؟» ~~«لا أعرف. كان شابا ووسيما وعزبا؛ سيكون أمامه مجموعة واسعة من ~~الخيارات.» ~~«أجل، بالطبع. ربما كان ذلك ما فعله بأغراضه. وهو ما يذكرني بشأن ~~ما.» ثم اختفت أمارات السخط والوجوم عن وجهه. وألقى نظرة سريعة على ~~ساعته. كانت قد قاربت على وقت العشاء. واستطرد: «لدي موعد مع فتاة ~~في حانة الحليب.» ثم نظر في عين جرانت وبدا خجلا بعض الشيء. وأضاف: ~~«لكن يمكنني أن أؤجل الموعد إن كنت تظن أنني يمكن أن أعاونك.» # فصرفه جرانت ليلتقي بفتاته في حانة الحليب وقد اعتراه شعور طفيف ~~بالارتياح. كان الأمر أشبه بمرافقة جرو مفجوع هنا وهناك. وقد قرر ~~جرانت نفسه أن يؤجل العشاء قليلا، وأن يذهب ليلتقي ببعض أصدقائه ~~اللندنيين. # توجه إلى داخل قسم شرطة أستويك ستريت، فقوبل بالعبارة نفسها التي ~~كان يسمعها طيلة فترتي ما بعد الظهيرة والمساء: «مرحبا أيها المفتش، ~~كيف يمكننا مساعدتك؟» # قال جرانت إنه بوسعهم أن يخبروه بمن يتولى دورية بريت لين ~~الآن. # كان الرجل الذي يتولى الدورية هو بي سي بيثيل، وإن أراد المفتش رؤيته ~~فإنه في هذه اللحظة في المقصف يتناول النقانق والبطاطا المهروسة. ورقمه ~~هو 30. # وجد جرانت الرقم ثلاثين يجلس عند طاولة بمفرده في الطرف الأقصى من ~~المكان. وعلى دعامة أمامه ms169 كان يوجد كتاب عن قواعد اللغة الفرنسية. نظر ~~إليه جرانت وهو يجلس منهمكا، وفكر في أن رجال شرطة لندن قد ~~تغيروا من ناحية نوعيتهم في فترة زمنية قصيرة بلغت خمسة وعشرين ~~عاما. كان جرانت يعلم أنه هو نفسه يعد خروجا عن هذا النوع، وهي ~~حقيقة كانت ذات نفع كبير له في العديد من المناسبات. كان بي سي بيثيل ~~فتى نحيلا داكن البشرة من مقاطعة داون، ذا جلد شاحب غير أملس، يتحدث ~~ببطء بحديث ودي مطمئن. وبين لسانه البطيء وقواعد اللغة الفرنسية، ~~شعر جرانت أن بي سي بيثيل يتجه صوب أشياء عظيمة. # بدأ الفتى ينهض بعدما قدم جرانت نفسه، لكن جرانت جلس وقال: «ثمة ~~خدمة صغيرة أود أن تقوم بها من أجلي. أريد أن أعرف من ينظف نوافذ ~~المنزل الكائن في 5 بريت لين. يمكن أن تجري بعض التحريات حين ...» # قال الفتى: «منزل السيد لويد؟ ريتشاردز يتولى ذلك.» # أجل، بالطبع، وبالطبع كان أمام بيثيل مستقبل حافل ينتظره، ينبغي أن ~~يبقي انتباهه على بي سي بيثيل. ~~«كيف تعرف ذلك؟» ~~«أمضي وقت اليوم معه هنا وهناك أثناء دوريتي. إنه يضع عربته وأشياء ~~أخرى في ذلك المنزل الصغير الذي يوجد في أقصى بريت لين.» # شكر جرانت مشرف الشرطة الواعد وذهب يبحث عن ريتشاردز. بدا أن ~~ريتشاردز كان يعيش فوق حظيرته. كان جنديا سابقا عزبا، ذا ساق ~~قصيرة، ولديه قطة، ومجموعة أكواب خزفية، وولع بلعبة رمي السهام. لم ~~يكن هناك شيء في نطاق دوريته في لندن لا يعرفه بي سي بيثيل؛ الذي أتى ~~من مقاطعة داون من فترة ليست ببعيدة. # عند زاوية بريت لين كانت توجد حانة صن، حيث يلعب ريتشاردز لعبة رمي ~~السهام، فتوجه جرانت إلى هناك. كان هذا الترتيب غير رسمي بالمرة؛ لذا ~~كان يتطلب إجراء غير رسمي للشروع فيه. لم يكن جرانت يعرف حانة صن ~~ولا مالكها، لكن لم يكن عليه سوى أن يجلس ساكنا ويحسن التصرف، وسرعان ~~ما سيدعى ليلعب رمي السهام، ولم يفصل هذا عن التحدث مع ريتشاردز في ~~خصوصية ms170 سوى خطوة واحدة. # استغرقت تلك الخطوة ساعتين، كما تبين لاحقا، لكن في نهاية المطاف ~~كان ريتشاردز طوعه في زاوية ومعه مشروب. كان جرانت في أخذ ورد بينه ~~وبين نفسه حول ما إذا كان ينبغي عليه إخراج بطاقته التعريفية واستخدام ~~إثبات شخصيته الرسمي من أجل عمل غير رسمي، أو أن يجعل الأمر عبارة عن ~~خدمة يقدمها أحد الجنود السابقين إلى جندي سابق زميل له لقاء مبلغ ~~مالي صغير، حين قال ريتشاردز: ~~«لا يبدو عليك أن وزنك زاد بمرور السنوات يا سيدي.» # فسأله جرانت منزعجا بعض الشيء لأنه نسي وجهه: «هل التقينا من ~~قبل؟» ~~«كامبرلي. منذ سنوات أطول مما أود أن أفكر. ولا تقلق بشأن نسيانك لي. ~~لأنني أشك في أنك رأيتني من قبل. كنت طباخا. هل ما زلت في ~~الجيش؟» ~~«لا، أنا شرطي.» ~~«كفى مزاحا! مرحى مرحى. كنت سأقول إنك بكل تأكيد تعمل مع رئاسة هيئة ~~الأركان العامة للإمبراطورية. أرى الآن لم كنت تتوق لأن تنفرد بي في ~~زاوية. وأنا الذي كنت أظن أن طريقة رميي للأسهم هي ما لفت ~~انتباهك!» # فضحك جرانت. وقال: «أجل، يمكنك أن تنجز شيئا ما لأجلي، لكنه ليس ~~رسميا. هلا أخذت معك غدا تابعا لقاء مبلغ مالي صغير؟» # سأله ريتشاردز بعد أن فكر لحظة: «ليمسح نافذة بعينها؟» ~~«المنزل الكائن في 5 بريت لين.» # قال ريتشاردز باندهاش: «هه! سأدفع له من أجل أن ينظفها؟» ~~«لماذا؟» ~~«ذلك الوغد لا يرضى أبدا. لا شيء مشبوه حيال هذا الأمر، أليس ~~كذلك؟» ~~«لا شيء البتة. لن يؤخذ أي شيء من المنزل، ولن يعبث بأي شيء. أضمن ~~لك ذلك. وسأصوغ اتفاقا مكتوبا، إن كان هذا سيرضيك أكثر.» ~~«كلمتك تكفيني يا سيدي. ويمكن لرجلك أن يحظى بتنظيف نوافذ السيد لويد ~~اللعين دون مقابل.» ثم رفع كوبه الخزفي. وأضاف: «نخب أيام الجيش ~~الخوالي! في أي ساعة سيأتي فيها تابعك غدا؟» ~~«هل الساعة العاشرة مناسبة؟» ~~«اجعلها العاشرة والنصف. فصاحبنا يخرج من بيته قرب الحادية عشرة معظم ~~الأيام.» ~~«هذا تفكير مدروس من جانبك.» ~~«سأنهي نوافذي وألقاه ms171 في منزلي - الكائن في 3 بريت ميوز - في ~~العاشرة والنصف.» # لم يكن من المجدي محاولة الاتصال بتاد كولين مرة أخرى هذه الليلة؛ ~~لذا ترك له جرانت رسالة في فندق ويستمرلاند يطلب منه فيها أن يأتي إلى ~~الشقة بمجرد أن ينتهي من تناول إفطاره في الصباح. # ثم أخيرا تناول جرانت عشاءه، وخلد قانعا إلى الفراش. # وبينما كان يغفو قال له صوت في رأسه: «لأنه كان يعرف أنه لم يكن يوجد ~~شيء يكتب عليه.» # فقال وهو ينتبه: «ماذا؟ من الذي كان يعرف؟» # فقال الصوت: «لويد. لقد قال: «على ماذا؟»» ~~«حسنا. وبعد؟» ~~«قال ذلك لأنه كان مندهشا.» ~~«بدا متفاجئا بكل تأكيد.» ~~«لقد فوجئ لأنه كان يعرف أنه لم يكن يوجد شيء ليكتب عليه.» # رقد جرانت يفكر في هذا حتى راح في النوم. # | الفصل الثالث عشر # وصل تاد، نظيفا ومشرقا جدا، قبل أن ينتهي جرانت من تناول إفطاره. ~~لكن نفسه كانت مضطربة، وكان من المحتم أن يلاطفه جرانت ليخرجه من حالة ~~مزاجية متسمة بالندم («لا يسعني سوى الشعور بأنني غادرت وتخليت عنك يا ~~سيد جرانت») قبل أن يكون ذا عون لأي أحد. وابتهج تاد أخيرا حين عرف ~~أنه توجد خطط محددة سيضطلعان بها اليوم. ~~«تقصد أنك كنت جادا حيال تنظيف النوافذ؟ ظننت أنه ربما كان مجرد ~~كلام مجازي. كما تعرف، من قبيل: «سأبيع علب الثقاب لأكسب لقمة عيشي إن ~~استمر الحال هكذا». لماذا سأنظف نوافذ منزل لويد؟» ~~«لأن هذه هي الطريقة النزيهة الوحيدة لدخول المنزل. يمكن لزملائي أن ~~يثبتوا أنك لا تملك أي حق في قراءة عداد الغاز، أو اختبار الكهرباء، ~~أو الهاتف. لكن لا يمكنهم أن ينكروا أنك منظف نوافذ، وأنك تقوم بعملك ~~على نحو قانوني ومهني. ريتشاردز - رب عملك اليوم - يقول إن لويد يخرج ~~من منزله قرب الحادية عشرة كل يوم، وسيأخذك إلى هناك حين يكون لويد قد ~~غادر. سيبقى معك ويعمل معك بالطبع حتى يتسنى له تقديمك بصفتك مساعده ~~الذي يتعلم المهنة. بهذه الطريقة ستقبل دون شكوك وتترك ~~وشأنك.» ~~«إذن سأترك ms172 وشأني.» ~~«على المكتب في الغرفة الكبيرة التي تشغل معظم الطابق الأول يوجد سجل ~~مواعيد. سجل كبير غالي الثمن ذو غلاف جلدي أحمر. المكتب عبارة عن ~~طاولة - أقصد أنه لا يوصد - ويقع في مواجهة النافذة الوسطى.» ~~«وبعد؟» ~~«أريد أن أعرف مواعيد لويد يومي الثالث والرابع من شهر ~~مارس.» ~~«أتظن أنه ربما سافر على متن ذلك القطار؟» ~~«أريد أن أتأكد من أنه لم يفعل، على أي حال. إن عرفت ماذا كانت ~~مواعيده، يمكنني أن أكتشف بسهولة إن كان قد التزم بها أم لم ~~يفعل.» ~~«حسنا. ذلك سهل جدا. إنني أتطلع إلى مهمة تنظيف النوافذ تلك. ~~لطالما تساءلت عما يمكنني فعله حين أصبح أكبر في العمر من أن أتمكن من ~~الطيران. يمكنني أيضا البحث في مهنة تنظيف النوافذ. ناهيك عن النظر من ~~بعض النوافذ.» # وغادر تاد مبتهجا وقد نسي أن معنوياته قبل نصف ساعة كانت «في ~~الحضيض»، وراح جرانت يفتش في ذهنه عن أي معارف ربما يكونون مشتركين ~~بينه وبين هيرون لويد. ثم تذكر أنه لم يتصل بعد بمارتا هالارد ~~ليبلغها بعودته إلى المدينة. ربما كان من المبكر قليلا أن يقطع نوم ~~مارتا، لكنه سيجازف. # قالت مارتا: «أوه، لا، لم توقظني. كدت أنتهي من تناول الإفطار وقراءة ~~جرعتي اليومية من الأخبار. كل يوم أقسم أنني لن أقرأ الصحيفة اليومية، ~~وكل صباح أجد ذلك الشيء اللعين ينتظرني أن أفتحه، وبالفعل أفتحه كل ~~صباح. إن قراءة الأخبار تضر عصارتي الهضمية، وتصيب شراييني بالتصلب، ~~وتقضي على نعومة بشرتي، وتهدر ما قيمته خمسة جنيهات من خدمات عائشة ~~في خمس دقائق، لكن لا بد أن أتعاطى جرعتي اليومية من السم. كيف حالك يا ~~عزيزي؟ هل أنت أفضل حالا؟» # استمعت لإجابته دون أن تقاطعه. كانت إحدى صفات مارتا الساحرة هي ~~قدرتها على الاستماع. في حالة معظم صديقاته الأخريات كان الصمت يعني ~~أنهن عاكفات على تحضير حديثهن التالي، وينتظرن فقط اللحظة المناسبة ~~التالية كي يفصحن عنه. # حين سمعت بأمر كلون وتعافيه، قالت مارتا: «تناول العشاء معي الليلة. ~~سأكون بمفردي.» ~~«لنجعلها ms173 في بداية الأسبوع القادم؟ كيف تسير المسرحية؟» ~~«في الواقع يا عزيزي، ستسير على نحو أفضل كثيرا إن صعد روني على ~~المسرح بين الحين والآخر وحدثني بدلا من أن يتحدث إلى الجمهور. ~~يقول إن الوقوف عند أنوار المسرح والسماح للصفوف الأولى من الجمهور ~~بالشعور بدنوه الشديد منهم يؤكد على انفصاله عن الشخصية، لكنني أظن ~~أن هذا من أثر أيام عمله في قاعات الموسيقى.» # وأخذ جرانت ومارتا يتناقشان بشأن روني والمسرحية قليلا، ثم قال ~~جرانت: «بالمناسبة، أتعرفين هيرون لويد؟» ~~«رجل شبه الجزيرة العربية؟ لا، ما كنت لأقول إنني أعرفه. لكنني أعرف ~~أنه أناني مثل روني.» ~~«كيف ذلك؟» ~~«كان روري، ابن أخي، مهووسا حد الجنون بالسفر لاستكشاف شبه الجزيرة ~~العربية - رغم أنني لا أستطيع أن أتخيل سببا يجعل أي أحد يرغب في ~~الذهاب للاستكشاف في شبه الجزيرة العربية؛ فلا يوجد هناك سوى التمر ~~والرمل! على أي حال، رغب روري في الذهاب رفقة هيرون لويد، لكن يبدو أن ~~لويد لا يسافر إلا بصحبة عرب. ويقول روري، وهو طفل لطيف، إن هذا يرجع ~~إلى أن لويد أصبح عربيا جدا لدرجة أنه صار «ملكيا أكثر من ~~الملك»، لكنني أظن - لكونه شخصا منحط التفكير ومارقا ومتشردا - أنه ~~يعاني وحسب من المشكلة التي يعاني منها روني، ويرغب في المسرح كله ~~لنفسه.» # فسألها جرانت، وهو ينسل من الحديث عن هيرون لويد: «ماذا يفعل روري ~~الآن؟» ~~«أوه، إنه في شبه الجزيرة العربية. لقد أخذه الرجل الآخر. ~~كينزي-هيويت. أوه، أجل، ما كان روري يحبط من شيء تافه كازدراء أحدهم ~~له. أيمكنك أن تجعله يوم الثلاثاء؛ أقصد العشاء؟» # أجل، سيجعله يوم الثلاثاء. فقبل يوم الثلاثاء سيكون قد عاد إلى ~~العمل، ولا بد أنه سيكون قد تناسى مسألة بيل كينريك، الذي أتى إلى ~~إنجلترا تملؤه الحماسة عن شبه الجزيرة العربية، ومات بصفته شارل مارتن ~~على متن قطار متجه نحو منطقة المرتفعات الاسكتلندية. لم يكن أمامه سوى ~~يوم أو يومين آخرين. # خرج ليقص شعره، ويفكر في مثل هذا الجو المريح الباعث على ~~الاسترخاء في ms174 أي شيء تركاه دون أن ينتهيا منه . وكان تاد كولين يتناول ~~الغداء مع قائده. كان جرانت قد قال لتاد: «لن يقبل ريتشاردز بأي شيء ~~مقابل هذا؛ لذا اصطحبه إلى الغداء واطلب له وجبة رائعة، وسأدفع لك ~~ثمنها.» # فقال تاد: «سأصطحبه إلى الغداء بكل سرور، ولكن فلتحل علي اللعنة ~~إن تركتك تدفع لقاء ذلك. بيل كينريك كان صديقي أنا وليس صديقك.» # وهكذا جلس جرانت في صالون الحلاقة ذي الجو الدافئ العطر، مسترخيا ~~هانئا، وحاول أن يفكر في شيء لا يزال بوسعهما فعله ليجدا حقائب بيل ~~كينريك. لكن تاد الذي عاد من الخارج كان هو من قدم الاقتراح. # اقترح تاد نشر إعلان شخصي عن هذه الفتاة. ~~«أي فتاة؟» ~~«الفتاة التي معها أمتعته. ليس لديها أي سبب يجعلها تتوارى، إلا إذا ~~استولت على محتوياتها، الأمر الذي لن يكون مجهولا. لكن بيل يتصف ... كان ~~يتصف بأنه يحسن الاختيار أفضل من ذلك. لماذا لا نكتب بأحرف كبيرة ~~«بيل كينريك» - لكي نلفت النظر، أفهمتني؟ - وبعدها نقول: «أي صديق له ~~يتواصل عن طريق هذا الرقم»؟ هل يوجد ما يمنع ذلك؟» # لا، لم يستطع جرانت أن يفكر في أي شيء يمنع ذلك، لكن عينه كانت على ~~الورقة التي كان تاد يخرجها من جيبه. ~~«هل وجدت السجل؟» ~~«أوه، أجل. لم يكن علي سوى أن أنحني لأجده. إن ذلك الرجل لا يبذل ~~أي جهد للتحضير ودراسة الموقف، على ما يبدو. قائمة المواعيد هذه هي ~~الأكثر مدعاة للملل خارج أي من السجون. ولا يوجد بها أي شيء مبهج من ~~بدايتها إلى نهايتها. ولا نفع يرجى منها لنا على أي حال.» ~~«لا نفع منها؟» ~~«يبدو أنه كان مشغولا. هل أكتب ذلك الإعلان للصحف؟» ~~«أجل، اكتبه. يوجد ورق للكتابة في مكتبي.» ~~«إلى أي الصحف سنرسل هذا الإعلان؟» ~~«اكتب ستة إعلانات، ويمكننا أن نكتب العناوين المرسل إليها ~~لاحقا.» # نظر إلى نسخة المدخلات التي كتبها تاد بخط يد طفولي لمواعيد لويد. ~~مدخلات مواعيد يومي الثالث والرابع من شهر مارس. وبينما كان يقرؤها ~~اتضحت له عبثية ms175 شكوكه بأسرها. ما الذي كان يفكر فيه ؟ هل كان عقله لا ~~يزال عقل رجل مريض شديد التأثر؟ كيف له أن يتخيل بأي شكل أن هيرون ~~لويد يمكن أن يكون قد ارتكب جريمة قتل؟ لأن ذلك هو ما كان يفكر فيه، ~~أليس كذلك؟ أن لويد، بطريقة ما لم يتمكنا من تخمينها أو التفكير فيها، ~~كان مسئولا عن موت بيل كينريك. # نظر إلى المدخلات المهمة، وفكر أنه لو تمكن من إثبات أن لويد لم ~~يلتزم بتلك المواعيد بعينها، فسيكون من غير المألوف أن يستنتج من ذلك ~~الغياب أي شيء أكثر من التفسير الطبيعي؛ أن لويد كان متوعكا أو غير ~~رأيه. من الواضح أنه كان قد حضر عشاء في ليلة الثالث من الشهر. كان نص ~~المدخل كالتالي: «جمعية الرواد، نورماندي، السابعة والربع.» وفي ~~التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي كان من المقرر أن تصل وحدة تصوير ~~من مجلة «باثيه» إلى منزله الكائن في 5 بريت لين لوضعه على قائمة ~~مشاهير المجلة في سلسلتها الوطنية. يبدو أن هيرون لويد كان لديه شواغل ~~يفكر فيها أهم من طيار مجهول ادعى أنه رأى أطلالا في رمال شبه ~~الجزيرة العربية. # قال الصوت الذي بداخله: «لكنه قال: «على ماذا؟»» ~~«حسنا، قال: «على ماذا؟»! يا له من عالم ذلك الذي سيوضع فيه المرء ~~موضع الشبهات، أو ستصدر أحكام عليه، بناء على كل ملاحظة غير مدروسة ~~منه.» # كان رئيس الشرطة قد قال له ذات مرة: «أنت تتمتع بأثمن سمة من سمات ~~وظيفتك، وهي الموهبة الفطرية. لكن لا تدعها تسوقك يا جرانت. لا تسمح ~~لمخيلتك أن تتلاعب بك. اجعلها دائما في خدمتك.» # كان معرضا لخطر أن يسمح لموهبته بأن تشرد به. ينبغي له أن يتحكم ~~في زمام نفسه. # سيعود إلى حيث كان قبل أن يلتقي بلويد. سيعود إلى رفقة بيل كينريك. ~~سيعود من التخيلات الجامحة إلى الحقائق. الحقائق الواقعية المجردة ~~القاطعة. # نظر نحو تاد، الذي كان منكبا على الورق وأنفه يتبع قلمه عبر الصفحة ~~كأنه كلب صيد يتبع عنكبوتا على الأرض. ms176 ~~«كيف وجدت الفتاة التي التقيتها في حانة الحليب ؟» # فقال تاد في شرود، ودون أن يرفع عينيه عن عمله: «أوه، لا بأس بها، ~~لا بأس بها.» ~~«هل ستخرج برفقتها ثانية؟» ~~«آه. سألتقي بها الليلة.» ~~«أتظن أنها جديرة بأن تكون صديقة دائمة؟» # قال تاد: «ربما تكون كذلك»، ثم حين أدرك اهتمام جرانت غير المعتاد ~~رفع ناظريه وقال: «ما فائدة هذا؟» ~~«أفكر في أن أهجرك ليوم أو يومين، وأود أن أطمئن إلى أنك لن تشعر ~~بالسأم إن تركتك تفعل ما يحلو لك.» ~~«أوه. أوه، لا، سأكون على ما يرام. أظن أن الوقت قد حان لتأخذ ~~استراحة وتهتم بشئونك. ففي نهاية المطاف، هذه ليست مشكلتك. لقد فعلت ~~الكثير بالفعل.» ~~«لن آخذ استراحة. أخطط للسفر لزيارة أهل شارل مارتن.» ~~«أهله؟» ~~«عائلته. إنهم يعيشون على مشارف مرسيليا.» # عادت الحيوية إلى وجه تاد، الذي كان قد بدا للحظة مثل وجه طفل ~~تائه. ~~«علام تتوقع أن تجني منهم؟» ~~«لا أتوقع شيئا. إنما أحاول الإمساك بطرف خيط آخر. لقد وصلنا إلى ~~طريق مسدود فيما يخص بيل كينريك - إلا إذا استجابت فتاته المفترضة ~~لذلك الإعلان، وذلك لن يكون قبل يومين على أقل تقدير - لذا سنحاول ~~العمل على الطرف الخاص بشارل مارتن، ونرى إلى أين سنصل من ~~هناك.» ~~«لا بأس. ما رأيك في أن آتي معك؟» ~~«لا أظن ذلك يا تاد. أظن أن من الأفضل أن تبقى هنا وتشرف على أمر ~~الإعلان في الصحف. احرص على أن تنشر كل هذه الإعلانات وتسلم أي ردود ~~عليها.» # فقال تاد في استسلام: «أنت الرئيس. لكنني أرغب فعلا في رؤية ~~مارسيليا.» # فقال جرانت مبتسما: «ليست كما تتصورها على الإطلاق.» ~~«وكيف تعرف كيف أتصورها؟» ~~«يمكنني أن أتخيل ذلك.» ~~«أوه، حسنا، أظن أن بإمكاني الجلوس على كرسي الحانة والتطلع إلى ~~دافني. يا لها من أسماء طريفة تلك التي تسمى بها الفتيات في هذه ~~المنطقة! إنه أمر مرعب بعض الشيء، ولكن يمكنني أن أحصي المرات ~~القليلة جدا التي يعرب فيها الناس عن شكرهم للآخرين على تقديم ~~خدمة.» ~~«إن ms177 كنت تبحث عن الإثم فما ستجده منه على أرصفة ليستر سكوير بقدر ما ~~ستجده في كانيبير ستريت.» ~~«ربما، لكنني أحب آثامي بنكهة فرنسية.» ~~«ألا تتحلى دافني بنكهة فرنسية؟» ~~«لا. دافني مصطنعة جدا. ولدي شك فظيع في أنها ترتدي ثيابا ~~تحتية من الصوف.» ~~«إنها في حاجة لذلك في حانة حليب في ليستر سكوير في شهر أبريل. تبدو ~~فتاة لطيفة.» ~~«أوه، إنها لا بأس بها. لكن لا تطل مقامك بعيدا، وإلا فسيتبين ~~أن الذئب بداخلي قوي جدا، وسأستقل أول طائرة متوجهة إلى مارسيليا ~~لأنضم إليك. متى تخطط للسفر؟» ~~«صباح الغد، إن تمكنت من الحصول على مقعد. تحرك لكي أتمكن من ~~الوصول إلى الهاتف. فإن تمكنت من حجز رحلة مبكرة فيمكنني بقليل من ~~الحظ أن أعود في اليوم التالي. وإن لم يحدث، فسأعود يوم الجمعة على ~~أقصى تقدير. كيف سارت الأمور مع ريتشاردز؟» ~~«أوه، نحن الآن صديقان رائعان. لكنني أشعر بشيء من خيبة ~~الأمل.» ~~«بشأن ماذا؟» ~~«بشأن إمكانيات تلك الصنعة.» ~~«أليست مربحة؟» ~~«أتوقع أنها تؤتي ثمارها بعملات معدنية، لكن ليس بأي طريقة أخرى، ~~صدقني. وصدق أو لا تصدق، كل ما يمكنك رؤيته من خارج النافذة هو ~~انعكاسك أنت في الزجاج. ما أسماء تلك الصحف التي تريد مني أن أرسل هذه ~~الأشياء إليها؟» # أعطاه جرانت أسماء الصحف الست صاحبة أكبر نطاق توزيع، وأرسله في ~~بركة ورعاية الرب ليقضي وقته كيفما يحلو له حتى يلتقيا مجددا. # قال تاد مرة أخرى، بينما كان يغادر: «أتمنى حقا لو أنني أتيت ~~معك»، وتساءل جرانت في نفسه إن كانت رؤية جنوب فرنسا باعتباره مكانا ~~تجتمع فيه وسائل الترفيه الرخيصة أكثر عبثا من رؤيته على أنه شجرة ~~ميموزا مزهرة. وهو ما كانت تمثله مارسيليا له. # قالت السيدة تينكر: «فرنسا! وقد عدت لتوك من خارج البلاد!» ~~«ربما تكون منطقة المرتفعات الاسكتلندية في بلد آخر، لكن جنوب فرنسا ~~ما هو إلا امتداد لإنجلترا.» ~~«إنه امتداد مكلف جدا، كما سمعت. «مدمر». متى تتوقع أن تعود؟ ~~لقد أحضرت لأجلك دجاجة رائعة من قرية كار.» ms178 ~~«آمل أن أعود بعد غد. أو الجمعة على أقصى تقدير.» ~~«أوه، إذن ستبقى الدجاجة. أتريدني أن آتيك في وقت أبكر صباح الغد، ~~إذن؟» ~~«أظن أنني سأكون قد غادرت قبل أن تأتي. لذا يمكنك أن تأتي في وقت ~~متأخر صباح الغد.» ~~«المجيء في وقت متأخر من الصباح لن يناسب تينكر، لن يناسبه. لكن ~~سأنتهي من التسوق قبل أن آتي. والآن توخ الحذر واعتن بنفسك. لا ~~تحمل نفسك ما لا طاقة لها به، فتعود وقد ساءت حالتك عما كانت عليه ~~حين سافرت إلى اسكتلندا في البداية. آمل أن تسير أمورك على ما ~~يرام!» # فكر جرانت في نفسه، وهو يشرف إلى أسفل على خريطة فرنسا في صباح ~~اليوم التالي، أن الأمور على ما يرام بالفعل. من ذلك الارتفاع في هذا ~~الصباح النقي الصافي لم تكن فرنسا مجرد أرض وماء ومزروعات. بل كانت ~~جوهرة صغيرة في بحر لازوردي، وكأنها أحد إبداعات فابرجيه. لا عجب في ~~أن الطيارين، من ناحية كونهم نوعا من البشر، كانوا ينتهجون موقفا ~~متجردا تجاه العالم. ما أهمية العالم - بأدبه وموسيقاه وفلسفته ~~وتاريخه - بالنسبة لرجل كان يراه دائما على حقيقته؛ بعضا من هراء ~~فابرجيه؟ # لم تبد مارسيليا، من كثب، من إبداع صائغ مجوهرات. بل كانت ذلك ~~المكان المزدحم المألوف الذي يعج بضوضاء أبواق سائقي سيارات الأجرة ~~النافدي الصبر ورائحة القهوة القديمة؛ نفس تلك الرائحة الفرنسية التي ~~تسكن منازلها بأشباح عشرة ملايين طريقة لتحضير القهوة. لكن الشمس سطعت، ~~وراحت المظلات المخططة ترفرف قليلا بفعل النسيم الذي كان يهب من جهة ~~البحر المتوسط، فأخذت شجرة الميموزا تعرض زهورها الصفراء الشاحبة ~~الباهظة الثمن بأعداد كبيرة. وفكر جرانت في نفسه في أن مارسيليا، ~~باعتبارها صورة مرافقة للصورة الرمادية والقرمزية للندن، كانت مثالية. ~~وإن صار ثريا يوما ما، فسيكلف أحد أفضل الرسامين في العالم بأن ~~يضم الصورتين في لوحة واحدة له؛ التدرج بين الضوء والظلام في لندن ~~وتوهج مارسيليا الساطع المفعم بالإيجابية. أو ربما سيكلف رسامين ~~مختلفين بذلك. فقد كان من المستبعد أن يتمكن الرجل الذي ms179 سينقل صورة ~~لندن في يوم مكفهر من أيام شهر أبريل من أن يرسم روح مارسيليا ظهيرة ~~يوم ربيعي. # توقف عن التفكير في الرسامين، ولم يعد يرى مارسيليا متألقة ولا ~~إيجابية حين عرف أن عائلة مارتن غادرت الضاحية قبل أسبوع واحد فقط ~~إلى مكان غير معلوم. كان المكان الذي اتجهوا إليه غير معلوم لجيرانهم. ~~وبحلول الوقت الذي اكتشف فيه بمساعدة السلطات المحلية أن ذلك «المكان ~~غير المعلوم» كان مدينة تولون، كان قد أضاع وقتا ثمينا، كما أضاع ~~المزيد من الوقت الثمين أثناء الانتقال إلى تولون والبحث عن آل مارتن ~~بين سكانها الذين تعج بهم المدينة. # لكن في النهاية وجدهم واستمع إلى ما قالوه، وما قالوا إلا القليل. ~~قالوا إن شارل كان «ولدا سيئا»، بكل عداء الفرنسيين تجاه شخص ارتد عن ~~عبادة ذلك الإله الأسمى الذي يقدسه الفرنسيون، وهو العائلة. لطالما كان ~~جامحا عنيدا وكسولا (والكسل هو كبرى الجرائم عند الفرنسيين). كان ~~كسولا للغاية. كان قد رحل عن أسرته قبل خمس سنوات بعد مشكلة صغيرة ~~بسبب فتاة - لا، لا، كان قد طعنها فحسب - ولم يكلف نفسه عناء ~~مراسلتهم. ولم يصلهم أي أخبار عنه طوال كل تلك السنوات عدا أن صديقا ~~قابله مصادفة في بورسعيد قبل نحو ثلاث سنوات. قال الصديق إنه كان يعقد ~~صفقات لشراء سيارات مستعملة. فكان يشتري السيارات المتعطلة ويبيعها ~~بعد أن يعبث فيها قليلا. كان ميكانيكيا ماهرا للغاية، وكان من ~~الممكن أن يصبح رجلا ناجحا جدا، وأن يمتلك ورشة الإصلاح الخاصة به، ~~وأن يكون لديه أناس يعملون لحسابه، لو لم يكن كسولا جدا. في غاية ~~الكسل. كان كسله مستفحلا وهائلا. كان كسله مرضا. ولم يبلغ أسماعهم ~~المزيد عن أخباره حتى طلب منهم أن يتعرفوا على جثته. # وسألهم جرانت إن كان لديهم صورة لشارل. # أجل، كانت لديهم عدة صور، لكن بالطبع كانت لشارل حين كان أصغر في ~~العمر بكثير. # أروه الصور، وأدرك جرانت السبب في أن بيل كينريك، وهو ميت، لم يكن ~~بعيد الشبه كثيرا بشارل مارتن كما كانت أسرته ms180 تذكره. رجل نحيل داكن ~~البشرة، ذو حاجبين مميزين وخدين مجوفين وشعر أسود مسترسل، كان ~~يبدو قريب الشبه جدا من أي شاب يمتلك صفات مشابهة حين تنطفئ فيه ~~جذوة الحياة. لم يكن يتحتم حتى أن يكون لهما نفس لون العينين. يتسلم ~~أحد الآباء رسالة تقول: توفي ابنك جراء حادث مؤسف، فضلا تعرف ~~عليه وحدد أنه ابنك ورتب إجراءات دفنه. وتقدم أوراق ابن الرجل ~~المكلوم الثبوتية ومتعلقاته إليه، ويطلب منه أن يحدد إن كان صاحبها ~~هو ابنه. لا يتطرق الشك إلى عقله المتهيئ، فيتقبل ما يرى، وما يرى هو ~~ما توقع أن يراه، لن يخطر على باله أن يقول: هل عينا ذلك الرجل ~~زرقاوان أم بنيتان؟ # في نهاية المطاف، كان جرانت بالطبع هو من خضع للاستجواب. لماذا كان ~~مهتما بشارل؟ وأيا كان الأمر، هل ترك شارل شيئا من المال؟ هل كان ~~الأمر وما فيه أن جرانت كان يبحث عن الورثة الشرعيين؟ # لا، لقد قطع جرانت وعدا بأن يبحث عن شارل نيابة عن صديق له كان ~~يعرفه على ساحل الخليج الفارسي. لا، لم يكن يعرف ما الذي كان الصديق ~~يريده من شارل. ما فهمه هو أنه كانت توجد إشارة إلى شراكة ~~مستقبلية. # بحسب رأي عائلة مارتن كان الصديق محظوظا. # قدموا له شراب آرمنياك وقهوة وبعض البسكويت المغطى بسكر باث بن، ~~وطلبوا منه أن يزورهم مجددا إن أتى إلى تولون يوما ما. # وعلى عتبة الباب سأل إن كانوا يمتلكون أوراق ولدهم. فقالوا إنهم لا ~~يملكون سوى أوراقه الشخصية؛ خطاباته. أما أوراقه الرسمية فلم يكلفوا ~~أنفسهم عناء الحصول عليها ولم يفكروا في أمرها. ولم يكن يوجد شك في ~~أنها كانت لا تزال في حوزة شرطة مارسيليا، التي كانت قد تواصلت معهم ~~لأول مرة حين وقع الحادث. # وهكذا أهدر جرانت مزيدا من الوقت أيضا في عقد صداقات مع المسئولين ~~في مارسيليا، لكن هذه المرة لم يستنفد جهده في الأساليب غير الرسمية ~~التي يمليها عليه ضميره. بل قدم أوراق اعتماده وطلب استعارة ~~الأوراق. تناول عصير فاكهة مركزا، ms181 ووقع على إيصال. ولحق بطائرة ~~عصر يوم الجمعة المتجهة إلى لندن. # كان لا يزال أمامه يومان آخران. أو يوم واحد، ويوم أحد على وجه ~~الدقة. # كانت فرنسا لا تزال تتخذ شكل جوهرة حين طار فوقها في طريق عودته، لكن ~~بدا أن بريطانيا كانت قد اختفت تماما. إذ لم يكن يوجد شيء سوى محيط من ~~الضباب بعد خط ساحل غرب أوروبا المألوف. بدت الخريطة في غاية الغرابة ~~وغير مكتملة من دون الشكل المألوف لتلك الجزيرة المتفردة. وبافتراض أن ~~تلك الجزيرة لم تكن موجودة من قبل قط، كيف كان سيختلف تاريخ العالم؟ ~~كانت تلك فكرة مذهلة. يفترض أن أمريكا بأكملها كانت ستصبح إسبانية. ~~والهند كانت ستصبح فرنسية، كانت الهند ستصبح هي الهند من دون تمييز ~~عنصري، وسيحدث تزاوج بين أعراقها المختلفة حتى إنها كانت ستفقد هويتها. ~~وكانت جنوب أفريقيا ستصبح هولندية، وستحكمها كنيسة متعصبة. ماذا عن ~~أستراليا؟ من الذي كان سيكتشف أستراليا ويستعمرها؟ رأى جرانت أن هذا لم ~~يكن مهما؛ فأي عرق كان سيصبح، في غضون جيل واحد، طويلا ونحيلا ~~وصلبا، وحاد الصوت، ويتشدق في الكلام، ومتشككا، ولا يقهر. مثلما ~~بدأ الأمريكيون جميعهم في نهاية المطاف يبدون مثل الهنود الحمر، حتى ~~وإن كانوا قد دخلوا البلاد بصفتهم يتحدرون من عرق ساكسوني يتسم ~~بضخامة الجثة. # ثم هبطت الطائرة إلى خضم السحب، وظهرت بريطانيا مجددا. كانت ~~مكانا عاديا وموحلا ومملا للغاية بحيث كان من المتعذر تصديق أن ~~قد يكون قد غير تاريخ عالم بأسره. كان رذاذ مستمر يغمر الأرض وما ~~عليها. كانت لندن عبارة عن انعكاسات رمادية على لوحة مائية تتخللها ~~بقع زيتية قرمزية، حيث كانت الحافلات تقطر عبر الضباب. # كانت جميع الأنوار في قسم البصمات مضاءة مع أن ضوء النهار كان لا ~~يزال موجودا، وكان كاترايت جالسا مثلما رآه جرانت آخر مرة - كما كان ~~يراه دائما - وبجواره نصف كوب من الشاي عند مرفقه، ومنفضة السجائر ~~ممتلئة بأعقاب السجائر. # قال كاترايت: «هل ثمة شيء يمكنني فعله من أجلك في هذه الظهيرة ~~الربيعية الجميلة؟» ~~«أجل. ms182 يوجد أمر واحد أرغب بشدة في أن أعرفه . هل سبق لك أن شربت نصف ~~الكوب الآخر؟» # أخذ كاترايت يفكر في هذا. ثم قال: «بعدما فكرت في الأمر، لا أعرف ~~إن كنت قد فعلت من قبل. عادة ما تأتي بيريل وتأخذ كوبي وتعيد ملأه ~~بمشروب جديد. ألديك تعليق مرتجل آخر؟ أم إن هذه مجرد زيارة ~~اجتماعية؟» ~~«أجل، يوجد شيء آخر. لكنك «ستعمل» لأجلي يوم الإثنين؛ لذا لا تدع ~~سخاءك يخرج عن السيطرة.» ثم وضع أوراق شارل مارتن على الطاولة. وقال: ~~«متى يمكنك الانتهاء من هذه لأجلي؟» ~~«ما هذا؟ أوراق هوية فرنسية. ما الذي تحاول الوصول إليه؟ أم إنك ~~تريد أن تحتفظ بهذا لنفسك؟» ~~«إنما أضع رهانا أخيرا على جواد يدعى «الفطنة». إن آتى الأمر ~~ثماره فسأخبرك. سآتي لأخذ البصمات صباح الغد.» # نظر إلى الساعة ورأى أنه إن كان تاد «يواعد» دافني، أو أي امرأة ~~أخرى، الليلة، فلا بد أنه في هذه اللحظة يتأنق في غرفة فندقه. ترك ~~جرانت كاترايت، ومضى إلى هاتف يتسنى له أن يتحدث إلى من يهاتفه دون أن ~~يسمعه أحد آخر. # قال تاد بنبرة فرحة حين سمع صوت جرانت: «مرحى! من أين تتكلم؟ هل ~~عدت؟» ~~«أجل، عدت. أنا في لندن. اسمع يا تاد، تقول إنك لم تعرف من قبل ~~أحدا يدعى شارل مارتن. لكن هل من الممكن أنك كنت تعرفه باسم آخر؟ هل ~~كنت تعرف من قبل ميكانيكيا ماهرا وبارعا جدا مع السيارات، كان ~~فرنسيا، ويشبه بيل قليلا؟» # أخذ تاد يفكر في هذا. ~~«لا أظن أني عرفت من قبل ميكانيكيا فرنسيا. لقد عرفت ~~ميكانيكيا سويديا وآخر يونانيا، ولكن لم يكن أي منهم يشبه بيل ~~على الإطلاق. لماذا؟» ~~«لأن مارتن عمل في الشرق الأوسط. ومن المحتمل أن يكون بيل قد حصل ~~على تلك الأوراق منه قبل أن يأتي إلى بريطانيا أصلا. ربما يكون مارتن ~~قد باعه إياها. لقد كان مارتن - أو ما زال؛ فثمة احتمال أن يكون على ~~قيد الحياة - إنسانا كسولا، وربما كان يعاني الفاقة على فترات ~~متقطعة. ms183 هناك، حيث لا يعبأ أحد كثيرا بشأن الأوراق الثبوتية، ربما ~~يكون قد حاول بيعها مقابل المال.» ~~«أجل، ربما يكون قد فعل. فأوراق هوية شخص آخر عادة ما تكون أقيم من ~~أوراقك هناك. أقصد أن يسير بها المرء هنا وهناك. ولكن لماذا قد يبتاعها ~~«بيل»؟ لم ينتهج بيل طرقا مشبوهة قط.» ~~«ربما لأنه كان يشبه مارتن قليلا. لا أعرف. على أي حال، ألم يصادف ~~أن قابلت أحدا يشبه مارتن في الشرق الأوسط؟» ~~«ولا في أي مكان، حسبما أتذكر. علام حصلت؟ من آل مارتن. أهو شيء ~~ذو قيمة؟» ~~«يؤسفني أن أقول إنه ليس كذلك. لقد أروني صورا له؛ الأمر الذي أوضح ~~لي كثيرا كم كان مارتن يشبه بيل إن لم يكن على قيد الحياة. وهو شيء ~~كنا نعرفه بالفعل. وبالطبع إنه سافر إلى الشرق من أجل العمل. هل وردت ~~أي ردود على الإعلان؟» ~~«خمسة.» ~~«خمسة؟» ~~«كلها من أشخاص يدعون بيل كينريك.» ~~«أوه. يسألون ما الفائدة التي سيجنونها من الأمر؟» ~~«أصبت.» ~~«لم يردك أي شيء من أي شخص كان يعرفه؟» ~~«مطلقا. ويبدو أنه لا توجد نتائج من ناحية شارل مارتن أيضا. لقد ~~غرقنا، أليس كذلك؟» ~~«في الواقع، حتى آذاننا، إن جاز القول. لدينا شيء نافع ~~واحد.» ~~«حقا؟ ما هو؟» ~~«الوقت. لا يزال لدينا ثمان وأربعون ساعة.» ~~«أنت متفائل يا سيد جرانت.» # قال جرانت: «حري بك أن تكون في مهنتي»، لكنه لم يكن يشعر بتفاؤل ~~كبير. بل كان يشعر بالتعب والخواء. كان على وشك أن يتمنى لو أنه لم يكن ~~قد سمع ببيل كينريك من قبل. كان على وشك أن يتمنى لو أنه كان قد مشى ~~في ذلك الممر في القطار عند بلدة سكون متأخرا عشر ثوان فقط. ففي غضون ~~عشر ثوان إضافية، كان يوجورت سيدرك أن الرجل كان ميتا، وكان سيغلق ~~الباب وسيذهب طالبا العون، وكان جرانت سيسير في ذلك الممر الخالي، ~~وسيترجل إلى الرصيف دون أن يعي مطلقا بوجود شاب يدعى شارل مارتن. ~~ما كان سيعرف قط أن أحدا ما قد مات ms184 على متن القطار. كان سيستقل ~~السيارة مع تومي نحو التلال، وما كانت أي كلمات عن الرمال المغنية ~~ستعكر عليه إجازته. كان سيصطاد السمك في هناءة، وسينتهي من إجازته في ~~سكينة. # في سكينة أكثر من اللازم ... ربما؟ بالإضافة إلى قدر مفرط من الوقت ~~يتيح له أن يفكر في نفسه وفي استرقاق الجنون له. # لا، بالطبع لم يكن نادما على أنه سمع ببيل كينريك. سيظل مدينا لبيل ~~كينريك ما دام حيا، وإن استغرق الأمر منه حتى نهاية حياته كان سيكتشف ~~ما تسبب في تغيير بيل كينريك إلى شارل مارتن. لكن ليت بوسعه أن ~~يستجلي هذا الأمر قبل أن تطوقه تلك الحياة الكثيرة المتطلبات التي ~~كانت في انتظاره يوم الإثنين. # سأل عن دافني، وقال تاد إنها كانت تمتلك ميزة واحدة هائلة تميزها ~~عن جميع من عرفهن من قبل، وهي أنها تسعد بالقليل. إن أعطيتها باقة من ~~زهور البنفسج فإنها تسعد بها بقدر ما تسعد معظم الفتيات بزهور ~~الأوركيد. وكان الرأي الذي توصل إليه تاد بعد تفكير أنها لم تسمع من ~~قبل بزهور الأوركيد، وأنه شخصيا لم يكن يعتزم لفت انتباهها ~~إليه. ~~«تبدو من النوع المحب للبيت والأسرة. خذ حذرك يا تيد، وإلا فستصحبها ~~معك إلى الشرق الأوسط.» # فقال تاد: «ليس وأنا بكامل وعيي. لن تعود أي أنثى معي إلى الشرق ~~الأوسط. لن أسمح لأي امرأة بأن تحدث الفوضى في «منزلنا». أقصد منزلي ... ~~أقصد ...» وهنا تلاشى صوته. # أصبحت المحادثة متبلدة فجأة، وأغلق جرانت السماعة بعد أن قطع وعدا ~~بأن يهاتفه بمجرد أن يجد شيئا يبلغه به أو أي فكرة يشاركه ~~إياها. # خرج جرانت إلى الضباب الندي، وابتاع صحيفة مسائية، واستقل سيارة ~~أجرة إلى المنزل. كانت الصحيفة هي «سيجنال»، وأعاده مرأى الاسم المألوف ~~إلى ذلك الإفطار الذي تناوله في بلدة سكون قبل أربعة أسابيع. وفكر ~~مجددا في أن العناوين ثابتة من ناحية نوعها. الخلاف الحاد في مجلس ~~الوزراء، جثة الفتاة الشقراء في حي مايدا فيل، مقاضاة الجمارك، عملية ~~السطو، وصول ممثل أمريكي، حادثة الشارع. حتى ms185 عنوان «تحطم طائرة في ~~جبال الألب» كان شائعا بما يكفي ليصنف باعتباره من العناوين ~~الثابتة. ~~«شهد سكان الوديان المرتفعة لبلدة شاموني مساء أمس كتلة من اللهب ~~تندلع على قمة جبل مون بلان الجليدية ...» # كان أسلوب صحيفة «سيجنال» ثابتا أيضا. # الشيء الوحيد الذي ينتظره في المنزل الكائن في 19 تينبي كورت كان ~~خطابا من بات، يقول فيه: # عزيزي ألان، يقولون إنه لا بد أنك تمتلك فراشات صيد من نوعية ~~مارجون لكنني أظن أنها ليست ذات جدوى. التوفير يجنبك الحاجة. ~~هذه فراشة صيد صنعتها من أجلك. لم أكن قد انتهيت منها وقت ~~رحيلك. قد لا تكون ذات نفع في تلك الأنهار الإنجليزية، لكن من ~~الأفضل أن تحصل عليها على أي حال، قريبك المحب باتريك. # أسعد هذا الصنيع جرانت كثيرا، وبينما كان يتناول عشاءه راح يتنقل ~~بأفكاره بالتناوب بين الاقتصاد، من حيث رءوس الأموال، وكذلك الحدود ~~السعرية، والطعم الذي بداخل الخطاب. لقد تخطت هذه الفراشة الاصطناعية ~~في أصالتها حتى تلك الفراشة المدهشة التي كان قد استعارها في كلون. ~~قرر أن يستخدمها ذات يوم في نهر سيفرن حين «يأخذون» قربة ماء ساخن ~~من المطاط الأحمر، بحيث يمكنه أن يكتب لبات بصدق ويخبره أن فراشة آل ~~رانكن تمكنت من اصطياد سمكة كبيرة. # جعله التعصب الاسكتلندي التقليدي في جملة «تلك الأنهار الإنجليزية» ~~يأمل ألا تطيل لورا في انتظارها وتسارع بإرسال بات إلى مدرسته ~~الإنجليزية. إذ كان انتماؤه إلى اسكتلندا مفرطا للغاية، وينبغي ~~تخفيفه. باعتباره أحد مكونات شخصيته، كان مثيرا للإعجاب، ومع أنه كان ~~نقيا فقد كان منفرا كالنشادر. # ثبت جرانت الفراشة الاصطناعية فوق التقويم على مكتبه، حتى يتسنى ~~له استكمال التأمل في شموليتها ويسعد بتفاني قريبه الصغير، وارتدى ~~مسرورا منامته وفوقها روبا. كان يوجد على الأقل عزاء وحيد في كونه ~~الآن في المدينة وليس في الريف، وهو أن بإمكانه ارتداء روبه ووضع ~~قدميه على رف المدفأة وهو متأكد ومتيقن من أنه لن يتلقى اتصالا ~~هاتفيا من سكوتلانديارد ليزعجه في وقت فراغه وراحته. # لكنه لم يكن قد ms186 مضى عليه أكثر من عشرين دقيقة على هذه الحال حين جاءه ~~اتصال من سكوتلانديارد. # كان كاترايت هو المتصل. # أتاه صوت كاترايت يقول: «هل فهمتك على نحو صحيح حين قلت إنك راهنت ~~على الفطنة؟» ~~«أجل. لماذا؟» # فقال كاترايت: «لا أعرف أي شيء عن الأمر، لكنني أظن أن جوادك قد ~~ربح.» ثم أضاف بنبرة عذبة رقيقة جدا مثل مذيعة في الراديو: «طاب ~~مساؤك يا سيدي»، ثم أغلق الهاتف. # فقال جرانت: «مهلا!» وراح يهزهز زر الهاتف. «مهلا!» # لكن كاترايت قد أنهى المكالمة. ولن يكون من المجدي محاولة معاودة ~~الاتصال به ثانية الليلة. كانت هذه الممازحة اللطيفة هي رد كاترايت؛ ~~كانت ثمن قيامه بمهمتين دون مقابل. # عاد جرانت إلى كتاب رانيون الذي كان يقرؤه، لكنه لم يعد يستطيع أن ~~يركز انتباهه على تلك الشخصية القانونية الصارمة، شخصية القاضي هنري جي ~~بليك. سحقا لكاترايت ولمزحاته الصغيرة! سيتعين الآن عليه أن يذهب ~~باكرا إلى سكوتلانديارد. # لكنه في الصباح كان قد نسي أمر كاترايت تماما. # فبحلول الثامنة صباحا كان كاترايت قد غاص مجددا في بحر خضم من ~~الحوادث العرضية التي تحملنا من يوم إلى الذي يليه، والتي تكون عادية ~~في احتشاد عوالقها. # بدأ الصباح، كما يبدأ دائما، بصوت قعقعة الخزف وصوت السيدة تينكر ~~وهي تضع شاي الصباح الباكر. كان هذا الحدث هو التمهيد لأربع دقائق يرقد ~~جرانت خلالها ساكنا، ويكون فيها ناعسا أكثر منه مستيقظا، ويترك ~~الشاي يبرد قليلا، وكان صوت السيدة تينكر يأتيه من طرف نفق طويل ~~يؤدي إلى الحياة وضوء النهار، لكن لا حاجة لاجتيازه بعد. # جاء صوت السيدة تينكر يقول: «فقط استمع إلى هذا»، مشيرة فيما يبدو ~~إلى وقع المطر المنتظم. «قضبان تثبيت سجاد الدرج، مطر غزير، مستودعات. ~~شلالات نياجرا تنهمر أيضا. يبدو أنهم عثروا على شانجريلا. يمكنني ~~الاستفادة من موضع في شانجريلا هذا الصباح.» # أخذت الكلمة تطوف في ذهنه الناعس وكأنها عشبة في ماء ساكن. ~~شانجريلا. كلمة تبعث على النعاس. تبعث على النعاس جدا. شانجريلا. ~~مكان في أحد الأفلام. أو في رواية. فردوس ms187 لم تعبث به يد بشر. منعزل عن ~~العالم. ~~«حسبما يرد في هذه الصحف الصباحية، لا تمطر هناك أبدا.» # فقال: «أين؟» ليريها أنه مستيقظ. ~~«في شبه الجزيرة العربية، على ما يبدو.» # سمع الباب وهو يغلق، فغاص أكثر قليلا تحت سطح الأشياء لينعم بتلك ~~الدقائق الأربع. شبه الجزيرة العربية. شبه الجزيرة العربية. كلمة أخرى ~~تبعث على النعاس. لقد وجدوا شانجريلا في شبه الجزيرة العربية. إنهم ~~... ~~«شبه الجزيرة العربية!» # وبتدويرة واحدة كبيرة لأغطيته كان جرانت قد ذهب عنه النعاس، ومد ~~يده ليلتقط الصحف. كانت توجد صحيفتان، لكن صحيفة «كلاريون» هي التي ~~وصلت إليها يده أولا؛ لأن عناوينها الرئيسية كانت تمثل جرعة السيدة ~~تينكر اليومية من القراءة. # لم يتعين عليه أن يفتش عن مبتغاه. إذ كان في الصفحة الأولى. كان ~~أفضل مادة صحفية نشرتها أي صحيفة منذ قضية كريبن. ~~«شانجريلا موجودة بالفعل. اكتشاف مثير. كشف تاريخي في شبه ~~الجزيرة العربية.» # سريعا تصفح جرانت الفقرات المفعمة بالإثارة المبالغ فيها، ونحى ~~الصحيفة جانبا في نفاد صبر لكي يمسك بصحيفة «مورنينج نيوز» الأجدر ~~بالثقة. لكن صحيفة «مورنينج نيوز» كادت أن تكون مفعمة بالإثارة بقدر ~~صحيفة «كلاريون». إذ ورد فيها: «كشف كينزي-هيويت العظيم. أخبار مذهلة ~~من شبه الجزيرة العربية.» # قالت صحيفة «مورنينج نيوز»: «بفخر عظيم ننشر برقية بول كينزي-هيويت. ~~كما سيرى قراؤنا، تبرهنت صحة اكتشافه بواسطة ثلاث طائرات تابعة لسلاح ~~الجو الملكي، كانت قد أرسلت لتحديد المكان بعد وصول السيد ~~كينزي-هيويت إلى مكلة.» كانت صحيفة «مورنينج نيوز» قد أبرمت عقدا ~~مع كينزي-هيويت لنشر سلسلة مقالات عن رحلته الحالية، حين تنتهي تلك ~~الرحلة، وكانت الآن في حالة نشوة هائلة لما صادفته من توفيق غير ~~متوقع. # تجاوز جرانت حديث الصحيفة عما أحرزته من نصر، وانتقل إلى الكتابة ~~الأكثر رزانة للمستكشف الظافر نفسه. ~~«كنا في الربع الخالي في مهمات علمية ... لم يكن في أذهاننا أي تصور ~~عن التاريخ البشري سواء الواقعي منه أو الخرافي ... بلاد جرت فيها ~~استكشافات كثيرة ... جبال عارية لم يفكر أحد من قبل قط في تسلقها ... ~~وقت مهدر ms188 بين أحد الآبار، والذي يليه ... في أرض الماء فيها هو ~~الحياة لا يشرد أحد ليتسلق مرتفعات شديدة الانحدار ... استرعت الانتباه ~~طائرة جاءت مرتين في غضون خمسة أيام، وأمضت بعض الوقت تحوم في دوائر ~~على ارتفاع منخفض فوق الجبال ... ظننا أن طائرة قد تحطمت ... عملية ~~إنقاذ محتملة ... مؤتمر ... ذهبنا أنا وروري هالارد للبحث، بينما ذهب داوود ~~للبئر في زاروبا وأحضر حملا من الماء وعاد ليلقانا ... لا يوجد مدخل ~~ظاهر ... جدران تشبه جارب كوير على جبل بريرياك ... استسلمنا ... روري ... مسار ~~كانت حتى العنزات ستخفق في عبوره ... ساعتان حتى قمة الجبل ... واد رائع ~~الجمال ... خضرة تكاد تكون صادمة ... نوع من شجيرات الأثل ... طراز معماري ~~يذكرك باليونان أكثر مما يذكر بشبه الجزيرة العربية ... الأروقة ... ~~صنف فارسي ذو بشرة فاتحة وعينين جميلتين ... جمال وعظام صغيرة ~~لعرق ناتج عن زواج القربى ... ودودون جدا ... متحمسون كثيرا لظهور ~~الطائرة، التي يبدو أنهم ظنوها طائرا من نوع ما ... ميادين وشوارع ~~مرصوفة ... حضرية بصورة غريبة ... انعزال ليس بسبب صعوبات المسار الجبلي، ~~بل بسبب الافتقار إلى الدواب من الحيوانات لحمل الماء ... من الصعب عبور ~~الصحراء من دون ذلك ... في وضعية جزيرة صغيرة في بحر من الرمال ... كنا ~~غير مدركين لما يقبع خلف تلك الصحراء، أو إلى أي مدى يمكن أن تمتد كما ~~كان حال القدماء فيما يتعلق بما يقبع خلف المحيط الأطلنطي ... تقليد ~~كارثي، لكن بسبب الصعوبات اللغوية فهذا تخمين؛ لكونه ترجمة للغة ~~الإشارة وليس من ... الزراعة الشريطية ... إله على شكل قرد مصنوع من الحجر ~~... عبار ... اضطراب بركاني ... عبار ... عبار ...» # كانت صحيفة «مورنينج نيوز» قد أدرجت مخططا تفصيليا متقنا لشبه ~~الجزيرة العربية مع وضع علامات بخطوط متقاطعة هكذا «+» في المكان ~~المناسب. # استلقى جرانت وراح يحدق فيها. # كان «ذلك» إذن ما رآه بيل كينريك. # لقد خرج من قلب عاصفة هوجاء، من بين تيارات الرمال والظلام، وأطل ~~من طائرته على ذلك الوادي الأخضر المتحضر القابع بين الصخور. لا عجب ~~كثيرا في أنه عاد من هناك «مشوشا» وكأن عقله كان «لا يزال هناك». ~~لم ms189 يصدق هو نفسه ما رآه . فعاد ليبحث؛ ليفتش عن هذا المكان الذي لم ~~يظهر على أي خريطة، وينظر إليه. هذا - ذاك - كان فردوسه. # كان هذا هو ما كتب عنه في المساحة الفارغة في إحدى الصحف ~~المسائية. # كان هذا هو ما أتى إلى إنجلترا من أجله ... # أتى إلى هيرون لويد من أجل ... # أتى إلى «هيرون لويد» ...! # ألقى بالصحيفة وقفز من السرير. # ونادى قائلا: «تينك!» وهو يفتح صنبور حوض الاستحمام. «تينك، دعك من ~~أمر الإفطار. أحضري لي بعض القهوة.» ~~«لكن لا يمكنك الخروج في صباح كهذا ولم تتناول غير كوب من ...» ~~««لا تجادليني!» أحضري لي بعض القهوة!» # نزل الماء يهدر في حوض الاستحمام. ذلك الكذاب. ذلك الجبان اللعين ~~المتملق الأناني الكذاب. المغرور الشرير القاتل الكذاب. كيف ~~فعلها؟ # أقسم جرانت بحق الرب أنه سيعمل على أن يشنق جراء هذا. # قال صوته الداخلي بنبرة مهذبة شريرة: «استنادا على أي ~~دليل؟» ~~«اخرس! سأتوصل إلى الدليل حتى وإن تعين علي أن أكتشف قارة جديدة ~~بأكملها في سبيل ذلك! لقد قال عنه، وهو يهز رأسه أسفا على مصيره ~~المحزن جدا: «يا للفتى المسكين! يا للفتى المسكين!» بحق المسيح، ~~سأشنقه بنفسي إن لم أتمكن من قتله بأي طريقة أخرى!» ~~«اهدأ، اهدأ. ليست هذه حالة مزاجية تسمح لك باستجواب مشتبه ~~به.» ~~«لست أستجوب مشتبها به، سحقا لعقليتك البوليسية! سأخبر هيرون لويد ~~برأيي فيه. لن أعود شرطيا إلا بعد أن أتعامل مع لويد بصفة ~~شخصية.» ~~«لا يمكنك أن تلطم رجلا في الستين من عمره.» ~~«لن ألطمه. سأضربه ضربا يكاد يفضي إلى الموت. إن أخلاقيات ضربه أو ~~عدم ضربه لا تندرج ضمن هذا الأمر مطلقا.» ~~«ربما يستحق الشنق لكنه لا يستحق أن يطلب منك أن تستقيل ~~بسببه.» ~~«لقد قال بنبرة فيها لطف وتعال: «وجدته مرحا مبهجا.» ذلك ~~اللعين. ذلك الحقير القاتل المتكبر المتملق. ذلك ...» # من آبار خبرته استخرج جرانت ما يلبي حاجته من كلمات. لكن غضبه ظل ~~مستعرا بداخله كموقد مشتعل. # ثم انطلق من المنزل بعد أن تناول قضمتين ملء فيه ms190 من الخبز المحمص ~~وثلاث رشفات كبيرة من القهوة، وانعطف إلى المرأب بسرعة مضاعفة. كان ~~الوقت أبكر بكثير من أن يأمل في أن يجد سيارة أجرة؛ لذا كانت أسرع ~~طريقة هي أن يستخدم سيارته. # هل من الممكن أن يكون لويد قد قرأ الصحف بعد؟ # إن لم يكن من عادته أن يغادر المنزل قبل الساعة الحادية عشرة، فمن ~~المؤكد أنه لا يتناول الإفطار حتى الساعة التاسعة. ود جرانت كثيرا ~~أن يصل إلى المنزل الكائن في 5 بريت لين قبل أن يفتح لويد صحيفته ~~الصباحية. سيكون لطيفا، لطيفا ومعزيا، لطيفا ومرضيا، أن يشاهده ~~جرانت وهو يتلقى الأخبار. لقد قتل من أجل أن يبقي ذلك السر ملكا له، ~~ليضمن أن يكون المجد من نصيبه، والآن أصبح السر خبرا على الصفحات ~~الأولى في الصحف ونال غريمه كل المجد. أدعوك أيها الرب ألا يكون قد قرأ ~~الخبر بعد. # دق جرانت جرس باب المنزل الكائن في 5 بريت لين مرتين قبل أن يجيب ~~أحد، ولم يكن من أجابه هو محمود الودود، بل امرأة ضخمة ترتدي خفين ~~من اللباد. # سألها: «أين السيد لويد؟» ~~«أوه، السيد لويد ذهب إلى كمبرلاند ليوم أو يومين.» ~~«كمبرلاند! متى ذهب إلى كمبرلاند؟» ~~«عصر يوم الخميس.» ~~«متى تتوقعين عودته؟» ~~«أوه، سيغيبان ليوم أو يومين.» ~~«سيغيبان؟ أنت تقصدين أن محمود ذهب معه.» ~~«بالطبع محمود ذهب معه. لا يذهب السيد لويد إلى أي مكان دون أن يذهب ~~محمود معه.» ~~«فهمت. أيمكنك أن تعطيني عنوانه؟» ~~«لو كنت أعرفه لأعطيتك إياه. لكنهما لا يزعجان أنفسهما بأمر تغيير ~~العنوان حين يغيبان ليوم أو يومين فقط. هل ستترك له رسالة؟ أم لعلك ~~ستعرج مرة أخرى؟ من المرجح أنهما لن يعودا عصر اليوم.» # لا، لن يترك رسالة. سيعرج مرة أخرى. لم يكن مهما أن يخبرها ~~باسمه. # شعر جرانت بصدمة وكأنه شخص ضغط على مكابح سيارته فجأة واصطدم ~~بالزجاج الأمامي. وتذكر وهو في طريق خروجه إلى سيارته أن تاد كولين ~~سيقرأ ذلك الخبر في غضون بضع دقائق، إن لم يكن قد قرأه ms191 بالفعل. فعاد ~~إلى شقته حيث التقى في الردهة بالسيدة تينكر التي شعرت بارتياح ~~لرؤيته. ~~«حمدا للرب على عودتك. ذلك الفتى الأمريكي اتصل هاتفيا وهو يمر ~~بأمر مريع. لا يمكنني أن أفهم أيا مما يظن أنه يتحدث عنه. إنه غاضب ~~إلى حد الجنون. قلت له: سيتصل السيد جرانت بك لحظة وصوله، لكنه لم ~~يستطع أن يترك الهاتف. فما إن يضع السماعة من يده حتى يتصل مرة أخرى. ~~كنت أهرع جيئة وذهابا بين الحوض والهاتف مثل ...» ثم رن جرس الهاتف. ~~«تفضل! ها هو ذا يتصل مجددا!» # رفع جرانت السماعة. كان تاد بالفعل هو المتصل، وكان كما قالت السيدة ~~تينكر تماما. كان كلامه مفككا من شدة الغضب. # ظل يقول: «لكنه كذب! لقد كذب ذلك الرجل. «بالطبع» أخبره بيل بكل ~~ذلك!» ~~«أجل، بالطبع فعل. اسمع يا تاد ... اسمع ... لا، لا يمكنك أن تذهب وتبرحه ~~ضربا ... أجل، بالطبع يمكنك أن تعثر على منزله بنفسك، لا شك عندي في ~~هذا، لكن ... «اسمع» يا تاد! ... لقد «ذهبت» إلى منزله ... أوه، أجل، في ~~«هذه» الساعة من الصباح حتى. فأنا أقرأ الصحف في وقت أبكر منك ... لا، ~~لم أضربه. لم أستطع ... لا، ليس لأنني خائف، ولكن لأنه في كمبرلاند ... ~~أجل. منذ يوم الخميس ... لا أعرف. سيتعين علي أن أفكر في الأمر. ~~أمهلني حتى وقت الغداء. هل تثق في حكمي على الأمور عموما؟ ... حسنا، ~~سيتعين عليك أن تثق بحكمي في هذا الشأن. لا بد أن أحظى ببعض الوقت ~~لأفكر. لأتوصل إلى دليل بالطبع ... إنه إجراء معتاد ... سأقص قصتي ~~على شرطة سكوتلانديارد بالطبع، وبالطبع سيصدقونني. أقصد قصتي عن زيارة ~~بيل إلى لويد، وعما قاله لي لويد من أكاذيب. لكن إثبات أن شارل مارتن ~~كان بيل كينريك هو أمر مختلف تماما. حتى موعد الغداء سأكتب بيانا ~~لسكوتلانديارد وأرسله. تعال حوالي الواحدة ظهرا، ويمكننا أن نتناول ~~الغداء معا. لا بد أن أرفع الأمر برمته إلى السلطات عصر ~~اليوم.» # كره جرانت الفكرة. كانت هذه معركته وحده. كانت معركته وحده منذ ~~البداية. منذ تلك اللحظة ms192 التي نظر فيها عبر باب المقصورة المفتوحة إلى ~~وجه فتى ميت مجهول. وصارت معركته وحده ألف مرة أكثر منذ لقائه ~~بلويد. # كان قد بدأ يكتب حين تذكر أنه لم يأخذ بعد الأوراق التي تركها مع ~~كاترايت. فرفع سماعة الهاتف واتصل بالرقم، وطلب امتداد خط هاتف ~~كاترايت. هل يمكن أن يجد كاترايت مبعوثا يرسل معه تلك الأوراق؟ إذ كان ~~جرانت مشغولا للغاية. كان اليوم هو يوم سبت، وكان ينهي كل أموره ~~العالقة قبل العودة إلى العمل يوم الإثنين. سيكون شاكرا لذلك ~~كثيرا. # عاد إلى ما كان يكتبه، وأضحى منهمكا جدا حتى إنه لم ينتبه إلا ~~قليلا جدا إلى أن السيدة تينكر كانت قد أحضرت الصحيفة الثانية؛ ~~صحيفة الظهيرة. وعندما رفع ناظريه عن الورقة ليفتش في ذهنه عن كلمة ~~يكتبها، وقعت عينه على الظرف الذي كانت قد وضعته إلى جواره على المكتب. ~~كان ظرف فولسكاب، متينا وغالي الثمن، وممتلئا بما في داخله، ~~ومعنونا بخط يد رفيع مزوي متشنج، تمكن صاحبه أن يجعله دقيقا ~~ومزخرفا في الوقت نفسه. # لم يكن جرانت قد رأى خط يد هيرون لويد من قبل. فتعرف عليه من ~~فوره. # وضع قلمه بحذر، وكأن الخطاب الغريب كان قنبلة وستنفجر عند أدنى ~~اهتزاز لا داعي له. # مسح راحتي يديه بموضع الفخذ من بنطاله في حركة لم يفعلها منذ كان ~~طفلا، حركة صبي صغير يواجه ما لا ليس في حسبانه، ومد يده نحو ~~الظرف. # كان قد أرسل من لندن. # | الفصل الرابع عشر # كان الخطاب مؤرخا في صباح يوم الخميس. # عزيزي السيد جرانت # أم ينبغي أن أقول المفتش؟ أوه، أجل، أعرف ذلك. لم يتطلب مني ~~اكتشاف ذلك وقتا طويلا. فمحمود الرائع هذا هو محقق أفضل من ~~أولئك الهواة السذج الذين لديكم في مقر قيادة الشرطة في ~~إمبانكمنت. لكنني لن أخاطبك برتبتك؛ لأن خطابي هذا تواصل ~~اجتماعي. أكتب إليك بصفتي إنسانا مميزا يراسل إنسانا ~~مميزا آخر جديرا بأن يحظى باهتمامه. أضع بين يديك هذه ~~الوقائع إليك وليس للصحافة؛ لأنك بالفعل الإنجليزي الوحيد الذي ~~حرك ms193 بداخلي مشاعر إعجاب حتى ولو كانت لحظية . # وبالطبع لأنني متأكد من اهتمامك بالأمر. # تلقيت هذا الصباح خطابا من تلميذي بول كينزي-هيويت، يعلن ~~فيه عما حققه من اكتشاف في شبه الجزيرة العربية. وكان الخطاب ~~مرسلا من مكتب صحيفة «مورنينج نيوز» بناء على طلب منه، ~~ليستبق بذلك نشر الخبر صباح غد. وهي مجاملة أشعر بالامتنان ~~تجاهه من أجلها. مما يبعث على السخرية أن كينريك الشاب كان هو ~~الذي قدم إليه، هو الآخر، المعلومات التي تشير إلى وجود ~~الوادي. لقد عرفت الكثير عن كينريك الشاب حين كان في لندن، ولم ~~أجد فيه شيئا يجعله مستحقا لمصير عظيم هكذا. كان شابا ~~عاديا للغاية. لقد أمضى أيامه يطير في عدم اكتراث بآلة ~~ميكانيكية معقدة عبر صحاري اكتشفها الرجال بعد معاناة وإصرار. ~~كان مقتنعا تمام الاقتناع بخطة تقتضي أن أوفر له فيها وسيلة ~~الانتقال، وأن يقودني إلى اكتشافه. لكن ذلك كان عبثيا ~~بالطبع. لم أعش حياتي وأصنع لنفسي اسما عظيما في الصحراء ~~حتى ينتهي بي الحال إلى أن يقودني مراقب على آلة يتحدر من ~~أزقة بورتسموث إلى أحد الاكتشافات، أو أن أكون متعهد نقل، ~~أو مؤجر جمال، من أجل رجل آخر. لم يكن من الممكن تصور أن ~~شابا تصادف، من خلال حادثة مناخية ومصادفة جغرافية، أن عثر ~~على أحد أعظم الاكتشافات في العالم، أن يسمح له بأن يستفيد ~~من هذا على حساب رجال وهبوا حياتهم للاستكشاف. # وبقدر ما يسعني التقدير، كانت فضيلة الشاب الوحيدة (لماذا ~~تبدد شغفك على شخص ممل يوجد كثير من البشر مثله؟) هي قدرته ~~على كبح شهوته. في الحديث بالطبع، لا تسئ فهمي من فضلك. ومن ~~وجهة نظري كان من المهم ألا يتحرك ذلك اللسان، الذي كبح ~~جماحه بقدرة نادرة، بالقيل والقال. # كان قد رتب للقاء واحد آخر ممن هم على شاكلته في باريس في ~~الرابع من الشهر (لوتيتيا الجميلة البائسة، التي لطالما ~~اغتصبها الهمج)؛ ومن ثم كان أمامي أقل من أسبوعين لأخطط ~~لهذا. في الواقع لم أكن بحاجة إلى الأسبوعين. كان بوسعي ms194 تحقيق ~~غايتي في يومين إن لزم الأمر. # في إحدى المرات، أثناء سفري إلى اسكتلندا ليلا، ظللت ~~مستيقظا لأكتب بعض الخطابات وأرسلها إلى مدينة كرو حين يصل ~~القطار إلى محطته الأولى. فكرت حينها، بينما كنت جالسا أنظر ~~إلى الرصيف بعد أن تخلصت من خطاباتي، أنه من السهل للغاية أن ~~أغادر القطار من دون أن يلاحظ أحد ذلك. كان المضيف قد نزل من ~~القطار ليستقبل ركابا متأخرين، ثم ذهب بعدها ليقضي أمورا ~~تخصه. كان الانتظار طويلا على ذلك الرصيف المهجور الهادئ، ~~بينما كان يجري تحميل الأمتعة في العربات البعيدة. إن كنت قد ~~تمكنت من السفر دون أن يتعرف علي أحد كل هذه المسافة، ~~فيمكنني أن أغادر القطار دون أن يعرف أحد أبدا أنني كنت على ~~متنه. # كانت تلك الخاطرة هي أولى ركيزتين لإلهام خطتي. # أما الثانية فكانت وجود أوراق شارل مارتن في حوزتي. # كان شارل مارتن هو الميكانيكي الخاص بي. كان الأوروبي ~~الوحيد والفني الوحيد (يا لها من كلمة باعثة على الأسى بحق!) ~~الذي عينته. استخدمته في أقل حملاتي الاستكشافية نجاحا، ~~الحملة التي كانت شبه ميكانيكية؛ لأن العرب الذين كانوا يعملون ~~معي لم يكونوا مهرة في التعامل مع الآلات (رغم أنهم كانوا ~~يتعلمون بسرعة، مع الأسف!). كان مخلوقا منفرا، ولم يكن ~~يهمه شيء سوى الاحتراق الداخلي للمحركات وتجنب أداء حصته من ~~مهام المخيم، ولم أكن أشعر بالأسف حياله حين مات وسط ~~الصحراء. بحلول ذلك الوقت كنا قد اكتشفنا أن المركبات كانت ~~تمثل عبئا وليس عونا، وكنا قد قررنا التخلي عنها، وهكذا ~~كان مارتن قد عاش أكثر مما يرجى منه من منفعة. (لا، لم يكن لي ~~يد في موته؛ فهذه المرة تخلص الرب منه بالطريقة الطبيعية.) لم ~~يطلب أحد أوراقه، وحيث إن الرحلة قطعت شبه الجزيرة العربية من ~~أقصاها إلى أقصاها، فلم نعد قط إلى المدينة التي كنت قد ~~استأجرته فيها. كانت أوراقه في أمتعتي، وهو أمر لم يشغلني أو ~~يشغل أي أحد آخر، وعدت إلى إنجلترا وهي معي. # وتذكرت تلك الأوراق حين ms195 كان من الضروري إسكات الشاب ~~كينريك . بدا كينريك قريب الشبه بشارل مارتن. # كانت خطة كينريك أن يعود إلى عمله في شركة كارتر-باترسون في ~~الشرق حتى يأتي وقت انضمامي إليه هناك، بعدها ننطلق في رحلتنا ~~الاستكشافية معا. وكان يأتي لزيارتي كثيرا في منزلي في بريت ~~لين ليناقشني في أمر المسارات التي سنسلكها، ويمني نفسه ~~بالمستقبل الذي ينتظره، وكنت أستمتع برؤيته وهو جالس يثرثر ~~بهرائه حين حضرت له طريقة الموت الغريبة جدا. # كان قد رتب أن يذهب إلى باريس في الثالث من الشهر على متن ~~العبارة الليلية. يبدو أنه كان «مولعا» بالعبارات. كان من ~~شأنه أن يحيد أميالا كثيرة عن طريقه من أجل أن يعبر مسطحا ~~مائيا على متن قارب صغير، في حين أنه كان بإمكانه أن يعبر ~~جسرا على بعد بضع ياردات من موضعه. أظن أن عبارة دوفر كانت ~~ستصبح العبارة رقم مائتين التي يركب على متنها. وحين أبلغني ~~أنه حجز مقصورة نوم على متن عبارة القطارات، وما إن غادر حتى ~~اتصلت لأحجز مقصورة نوم إلى بلدة سكون باسم شارل مارتن في ~~الليلة نفسها. # وحين رأيته في المرة التالية اقترحت عليه، بما أنني كنت ~~ذاهبا إلى اسكتلندا في نفس الأمسية التي سيغادر فيها إلى ~~باريس، أنه ينبغي أن يترك أمتعته (لم يكن معه سوى حقيبتين) في ~~غرفة حفظ الأمتعة في محطة فيكتوريا، وأن يتناول معي عشاء ~~مبكرا في منزلي في بريت لين، وأن يودعني في محطة ~~يوستن. # كان يسره دائما أن ينفذ أي اقتراح أطرحه عليه باندفاع، ~~فوافق على ذلك، وكنت أعلم أنه سيفعل. تناولنا العشاء، الذي كان ~~طبق أرز وشرائح لحم ضلع ومشمشا كان محمود قد علم السيدة ~~لوكاس أن تعده (يتطلب هذا الطبق طهيا طويلا حتى يتشرب ~~بنكهة المشمش)، وقاد محمود السيارة بنا إلى يوستن. وفي يوستن، ~~أرسلت كينريك ليستلم تذكرة مقصورتي للنوم بينما مضيت قدما. ~~وبحلول الوقت الذي عاود فيه كينريك الانضمام إلي كنت قد وجدت ~~مقصورتي، وأنتظر عودته على الرصيف. وإن حدث وتساءل عن سبب سفري ~~باسم ms196 شارل مارتن كان مسوغي هو شهرتي، وأنني أريد السفر ~~متخفيا. لكنه لم يدل بأي تعليق. # شعرت بأن الآلهة كانت تساندني حين رأيت أن المضيف كان ~~العجوز يوجورت. أنت لا تعرف العجوز يوجورت. لم يعرف عنه ~~مطلقا طوال حياته المهنية أنه يبدي اهتماما بأي راكب أيا ~~كان؛ إذ كان هدفه الرئيسي حين يكون في مناوبته أن يعود إلى ~~مقصورته البغيضة في أبكر وقت ممكن لينام. # كان أمامنا أقل من خمس دقائق قبل الموعد المحدد لمغادرة ~~القطار. فوقفنا نتحدث قليلا، وكان الباب مواربا، وكينريك يقف ~~مواجها الممر. بعد قليل قال كينريك إن من الأفضل أن ينزل من ~~القطار، وإلا فقد يذهب إلى منطقة المرتفعات الاسكتلندية. فأشرت ~~إلى حقيبتي الصغيرة التي كانت موضوعة على السرير إلى جواره ~~وقلت: «إذا فتحت حقيبتي فستجد فيها شيئا لك. تذكار حتى نلتقي ~~مجددا.» # انحنى في حماسة شبه طفولية ليفتح القفلين. كانت وضعيته ~~ممتازة. فأخرجت من جيبي أفضل سلاح ابتكره الإنسان للقضاء على ~~عدوه وهو غافل. لم يكن الإنسان البدائي في البلاد الصحراوية ~~يمتلك سكينا ولا بندقية، لكنه جعل الرمال تؤدي الغرض. خرقة ~~وبضع حفنات من الرمال، وستنكسر الجمجمة مثل قشرة بيضة، ستنكسر ~~بدقة كبيرة من دون دماء أو فوضى. نخر كينريك نخرة صغيرة ووقع ~~على وجهه فوق الحقيبة. أغلقت الباب وأوصدته بالمزلاج، ونظرت ~~لأرى إن كان أنفه ينزف. لكنه لم يكن ينزف. فجررته من على ~~السرير وكومته تحته. كان هذا هو التقدير الخاطئ الوحيد الذي ~~ارتكبته. كان عائقا دائما يشغل نصف المساحة تحت السرير، ومع ~~نحافة كينريك وخفة وزنه لم أتمكن من دفع ركبتيه تحت السرير ~~بعيدا عن الأنظار. خلعت معطفي وألقيت به على السرير بحيث صار ~~متدليا وأخفى ساقيه. وبينما كنت أرتب الأغطية بحيث تخفي كل ~~ذلك، وفي نفس الوقت تبدو عفوية كما ينبغي، انطلقت الصافرة. ~~وضعت تذكرة الذهاب إلى سكون مع تذكرة مقصورة النوم على الرف ~~الصغير تحت المرآة حيث يمكن ليوجورت رؤيتها، وسرت في الممر ~~إلى المرحاض. لم يهتم أحد بأي شيء سوى لحظة ms197 المغادرة. أغلقت ~~المرحاض على نفسي وانتظرت. # بعد حوالي عشرين دقيقة سمعت إغلاقا متتابعا للأبواب، وهو ~~ما كان يعني أن يوجورت كان يقوم بجولاته. وحين سمعته في ~~المقصورة المجاورة بدأت أغتسل، في صخب. فطرق الباب بعد بضع ~~لحظات، وسأل إن كنت أنا راكب المقصورة «بي 7». فرددت بالإيجاب. ~~فقال إنه وجد تذكرتي وأخذهما. وسمعته يمضي إلى العربة ~~التالية ويبدأ في صفق الأبواب، وسرت عائدا إلى المقصورة «بي ~~7»، وأوصدت الباب على نفسي. # بعد ذلك كان أمامي ثلاث ساعات دون مقاطعة لجعل كل شيء ~~مثاليا. # إن أردت يوما ما أن تضمن أن تبقى في سلام دون مقاطعة يا ~~عزيزي السيد جرانت، فابتع لنفسك تذكرة نوم إلى شمال اسكتلندا. ~~لا يوجد في هذا العالم مكان يكون فيه المرء آمنا من المقاطعة ~~مثل أن يكون في مقصورة للنوم بمجرد أن يكون المضيف قد انتهى من ~~جولته. ولا حتى في الصحراء. # أخرجت كينريك من تحت السرير، وحككت رأسه بحافة حوض غسل ~~اليدين وأرقدته على السرير. ووجدت من فحصي لملابسه أنها كانت ~~تبدو عالمية النزعة، وهو ما كان مفرحا. وبدت ملابسه التحتية ~~مغسولة على يد عامل غسيل هندي، وكانت بدلته مصنوعة في هونج ~~كونج، وحذاؤه في كراتشي. أما ساعته فكانت ساعة معدنية رخيصة، ~~ولم يكن عليها اسم ولا أحرف أولى. # أفرغت محتويات جيوبه وأبدلتها بمحفظة شارل مارتن ~~ومحتوياتها. # كان لا يزال على قيد الحياة، لكنه توقف عن التنفس بينما كنا ~~نمر عبر مراعي مدينة رجبي. # ومنذ تلك اللحظة فصاعدا أعددت المشهد كما يقولون في المسرح. ~~ولا أظن أنني أغفلت أي شيء، أليس كذلك يا سيد جرانت؟ كانت ~~التفاصيل مثالية، حتى الشعر المسحوق في حوض غسل اليدين وراحتي ~~يديه المتربتين. وفي الحقيبة التي تركتها كانت توجد ملابس ~~قديمة تخصني، ارتديتها كثيرا، وكانت مغسولة، ومن نوع كان ~~معتادا على ارتدائه، وأعطيت الأشياء طابعا فرنسيا بقدر ما ~~تمكنت من أشيائي؛ رواية وكتاب مقدس بالفرنسية. وبالطبع كانت ~~الحقيبة تحتوي أيضا على الزجاجة الأهم. # كان رأس كينريك صلبا للغاية. وأقصد بذلك مسألة الشراب، ms198 ~~بالطبع، وليس عواقب ضربه بكيس الرمل. كنت قد أغريته بالويسكي ~~على العشاء، وقدمت له كأس وداع بحجم كان أي رجل آخر سيصفر ~~لونه من مجرد رؤيته. نظر بالفعل إلى نصف كوب الويسكي النقي ~~بقليل من الارتياب، ولكن، كما قلت، كان يتلهف دائما إلى ~~إرضائي فتجرعه دون اعتراض. وظل منتبها، أو هكذا بدا. لكن ~~دمه ومعدته سيكونان مشبعين بالويسكي حين يموت. # وكذلك كان حال مقصورته حين كنت قد انتهيت منها. فبينما بدأت ~~أنوار مدينة كرو تمر بنا كنت أضع اللمسة الأخيرة. إذ وضعت ~~الزجاجة نصف الممتلئة على الأرض ودحرجتها جيئة وذهابا على ~~السجادة. وبينما كانت سرعة القطار تتباطأ فتحت قفل الباب وخرجت ~~وأغلقته خلفي، وسرت في القطار مبتعدا حتى أصبح بيني وبين ~~المقصورة «بي 7» عدة عربات، فوقفت أنظر بطريقة عفوية واهتمام ~~إلى الازدحام على الرصيف، ثم ترجلت إلى الرصيف بطريقة عفوية ~~أيضا وسرت عليه. في قبعتي ومعطفي لم تبد هيئتي كهيئة ~~المسافرين، ولم يلاحظني أحد. # عدت إلى لندن على متن قطار منتصف الليل، ووصلت إلى محطة ~~يوستن في الثالثة والنصف، وكنت مبتهجا كثيرا حتى إنني سرت ~~حتى المنزل. كنت أسير وكأنني أطير في الهواء. فتحت باب المنزل ~~ودخلت، وكنت نائما في هناءة حين أتى محمود في السابعة والنصف ~~ليوقظني ويذكرني بأن لدي موعدا لاستقبال ممثلي مجلة ~~«باثيه» في التاسعة والنصف. # ولم أعرف بأمر الكلمات التي كتبت على الصحيفة التي كانت في ~~جيب معطفه حتى أتيت لمقابلتي. أعترف بأنني للحظة شعرت بالهلع ~~من أن أكون قد أغفلت أي شيء، لكن تلك الزلة كانت طفيفة؛ مما ~~أشعرني بالارتياح في الحال. إذ لم تنتقص بأي طريقة من إنجازي ~~المميز ولم تعرضه للخطر. كنت قد تركته يحتفظ بمعطفه البائس ~~البالي كجزء من إعداد المشهد. أما مسألة أنه ثبت أن الكلمات ~~المكتوبة على الصحيفة كانت بخط يد كينريك، فلم تكن أمرا يهم ~~السلطات التي قبلت بأن الشاب هو شارل مارتن. # وفي المساء التالي، في ساعة الذروة، قدت السيارة إلى ~~فيكتوريا، واستعدت حقيبتي كينريك من غرفة حفظ ms199 الأمتعة. ~~وأخذتهما إلى المنزل، وأزلت منهما كل علامات الصانع وكل ~~الأشياء التي يمكن التعرف عليها بسهولة، وحكتهما في قماش، ~~وأرسلتهما بمحتوياتهما إلى منظمة لاجئين في الشرق الأدنى. إن ~~أردت يوما ما أن تتخلص من أي شيء يا عزيزي السيد جرانت، فلا ~~تحرقه. بل أرسله بالبريد إلى جزيرة نائية في البحار ~~الجنوبية. # وبعد أن تأكدت من استمرار لسان كينريك الكتوم بصورة مثيرة ~~للإعجاب في كونه كتوما، كنت أتطلع للاستمتاع بثمار عملي. ~~وبالفعل تلقيت أمس تأكيدات بالدعم الكافي لحملتي الاستكشافية ~~الجديدة، وكنت قد خططت للسفر بالطائرة الأسبوع المقبل. بالطبع ~~غير خطاب كينزي-هيويت هذا الصباح كل ذلك. لقد حرمت من ثمار ~~إنجازي. لكن لا أحد يمكنه أن يحرمني الإنجاز نفسه. إن لم يكن ~~من الممكن أن أعرف بأنني مكتشف عبار، فسأشتهر بأنني منفذ ~~جريمة القتل المثالية الوحيدة التي ارتكبت على ~~الإطلاق. # لا يمكنني أن أبقى هنا لأكون شمعدانا يحمل شموع انتصار ~~كينزي-هيويت. كما أنني أصبحت أكبر سنا من أن أحظى بالمزيد من ~~الانتصارات الخاصة بي. ولكن «يمكنني» أن أشعل نارا ستجعل ~~الشموع على مذبح كينزي-هيويت تبدو صغيرة وخافتة وغير مهمة. ~~ستكون محرقتي الجنائزية منارة تنير أوروبا كلها، وسيكون ما ~~حققته من إنجاز في عملية الاغتيال موجة مد عارمة ستكتسح ~~كينزي-هيويت وعبار، وتلقي بهما في صناديق قمامة الصحافة ~~العالمية. # هذا المساء، عند الغسق، سأشعل محرقتي، على أعلى منحدر في ~~أعلى جبل في أوروبا. لا يعرف محمود بهذا. يظن أننا ذاهبان ~~بالطائرة إلى أثينا. لكنه كان معي طيلة سنوات كثيرة، وسيكون ~~حزينا كثيرا من دوني. لذا سآخذه معي. # عزيزي السيد جرانت، وداعا. يحزنني أن يضيع أحد في ذكائك ~~مواهبه في مؤسسة غبية كتلك الكائنة في إمبانكمنت. كانت مهارة ~~منك أن تكتشف أن شارل مارتن لم يكن شارل مارتن، وأنه كان شخصا ~~يدعى كينريك، وأحييك على ذلك. أما ما لم تكن ماهرا بما يكفي ~~لأن تكتشفه فهو أنه لم يمت جراء حادثة. الأمر الذي لن يكون أي ~~أحد ماهرا بما يكفي لأن يكتشفه هو أنني من ms200 قتله . # رجاء، اعتبر خطابي هذا تعبيرا عن تقديري ورسالة وداع. ~~ستنشر السيدة لوكاس هذا صباح يوم الجمعة. # إتش سي هيرون لويد # أدرك جرانت أن السيدة تينكر كانت تقود تاد كولين إلى داخل الحجرة، ~~وأنه لا بد أنها سبق أن دخلت عليه دون أن يلاحظ؛ لأن المظروف الذي أتى ~~من سكوتلانديارد كان بجواره على المكتب. # قال تاد، والغضب البالغ لا يزال باديا على وجهه: «والآن؟ ما الخطوة ~~التالية؟» # دفع جرانت بصفحات خطاب لويد إليه ليقرأها. ~~«ما كل هذا؟» ~~«اقرأه.» # رفع تاد الصفحات في تردد، وأخذ يبحث عن توقيع، ثم انغمس في قراءة ~~الخطاب. أما جرانت فثبت المظروف الذي أرسله كاترايت بإبهامه ~~وفتحه. # حين انتهى تاد من القراءة رفع ناظريه والصدمة بادية على وجهه، وأخذ ~~يحدق في جرانت. وحين تحدث أخيرا كان ما قاله: «أشعر ~~بالتقزز.» ~~«أجل. إنه شيء خبيث.» ~~«الغرور.» ~~«أجل.» ~~«كان ذلك هو حادث السقوط الذي ورد في الصحف المسائية ليلة أمس. ~~الطائرة التي اشتعلت على جبل مون بلان.» ~~«أجل.» ~~«إذن نجا بفعلته في النهاية.» ~~«لا.» ~~«لا؟ لقد فكر في كل شيء، أليس كذلك؟» ~~«لا يفكرون في كل شيء أبدا.» ~~«من؟» ~~«القتلة. لقد نسي لويد أمرا غاية في الوضوح؛ هو بصمات ~~الإصبع.» ~~«تقصد أنه فعل فعلته دون أن يضع قفازات؟ لا أصدق ذلك!» ~~«بالطبع كان يضع قفازات. لا شيء من الأشياء التي مسها في تلك ~~المقصورة سيحمل بصمته. الأمر الذي نسيه هو أنه كان يوجد في تلك ~~المقصورة شيء كان قد أمسك به من قبل.» ~~«وما هو ذلك؟» ~~«أوراق شارل مارتن.» نقر جرانت عليها بأنامله حيث كانت موضوعة على ~~المكتب. «إنها مغطاة ببصمات لويد. لا يفكرون في كل شيء أبدا.» # | الفصل الخامس عشر # قال الرقيب ويليامز بارتياح بالغ وهو يصافح جرانت بحرارة صباح يوم ~~الإثنين: «تبدو وكأنك عريس.» ~~«إذن، أظن أنه من الأفضل أن أذهب لكي يلقي الناس بالأرز علي. كيف ~~هو حال التهاب مفاصل الرجل العجوز هذا الصباح؟» ~~«أوه، لا بأس على ما أظن.» ~~«ماذا يدخن؟ غليونا؟ أم سجائر؟» ms201 ~~«أوه ، إنه غليون.» ~~«إذن من الأفضل أن أدخل عليه فيما لا يزال مؤشر الضغط ~~عاليا.» # وفي الممر التقى جرانت بتيد هانا. # سأله هانا بعدما حياه: «كيف تصادف أن قابلت آرتشي براون؟» ~~«إنه يكتب قصيدة ملحمية باللغة الغيلية في الفندق الذي يقع في ~~المكان الذي كنت أمكث فيه. بالمناسبة، «غربانه» هي قوارب صيد ~~أجنبية.» # قال هانا وقد جمد في مكانه من الاهتمام: «حقا؟ كيف عرفت ~~ذلك؟» ~~«اجتمعوا في حفلة. كانوا يستخدمون فيما بينهم الحيلة القديمة «خذ ~~سيجارة، لا لا، أبق علبة السجائر معك».» ~~«هل أنت واثق من أنها «لم تكن» سجائر؟» ~~«تمام الثقة. تمكنت من نشله أثناء إحدى جولات رقصة شعبية، ثم أعدت ~~ما نشلت في الجولة التالية.» ~~«لا تخبرني أنك كنت ترقص «الرقص الشعبي الريفي»!» ~~«ستندهش من الأشياء التي كنت أفعلها. أنا نفسي مندهش قليلا.» ~~«كيف كان «الخبز»؟» ~~«رزمة كاملة من أجمل الأوراق المالية «الكبيرة» التي رأيتها من ~~قبل.» # فقال هانا وهو يفكر بتمعن: «حقا؟» ثم تزايدت أمارات الاستمتاع ~~على وجهه حتى صارت ابتسامة عريضة. وتابع يقول: «أحدهم يبدد قدرا ~~هائلا من المال.» # فقال جرانت: «أجل. حمل في ثوب ذئب. وينبغي أن ترى ثيابه!» ثم تابع ~~مسيره نحو باب مكتب رئيسه في العمل. # قال هانا: «يبدو أن إجازتك كانت مفيدة لك. لم أرك بمثل هذه السعادة ~~البالغة من قبل. أنت تقرقر كالقطط من السرور.» # فقال جرانت: «كما يقولون في أقصى الشمال، أنا في قمة السعادة»، وكان ~~يعني ذلك حقا. # كان سعيدا، ليس بسبب التقرير الذي كان سيقدمه إلى برايس، ولا حتى ~~لأنه استعاد زمام نفسه مجددا، وإنما كان سعيدا بسبب شيء قاله له ~~كولين الشاب في المطار ذلك الصباح. # كان تاد قد قال له، وهو يقف منتصبا وفي غاية الجدية ويدلي بخطاب ~~وداع رسمي صغير كما يفعل الأمريكان المهذبون: «سيد جرانت، أريدك أن ~~تعرف أنني لن أنسى ما حييت ما فعلته من أجلي ومن أجل بيل. لم يكن بوسعك ~~أن تعيد لي بيل، لكنك فعلت شيئا أروع بكثير: لقد جعلته ms202 ~~خالدا .» # وبالفعل كان ذلك بالضبط ما فعله. فما دامت توجد كتب تكتب، وتاريخ ~~يقرأ، فسيظل بيل كينريك حيا؛ كان ألان جرانت هو من فعل ذلك. لقد ~~دفنوا بيل سحيقا في غياهب النسيان، لكن ألان جرانت نبش قبره ووضعه في ~~مكانته المستحقة باعتباره مكتشف عبار. # لقد سدد الدين الذي كان يدين به لذلك الشاب الميت الذي كان في ~~المقصورة «بي 7». # حياه برايس بود، وقال إنه يبدو بخير حال (وهو ما لم يكن ليؤخذ في ~~الحسبان؛ لأنه كان قد قال ذلك في آخر لقاء بينهما)، واقترح عليه أن ~~يذهب إلى هامبشاير استجابة لطلب من شرطة هامبشاير قد وصل ~~لتوه. ~~«إن كان الأمر متساويا لديك يا سيدي، فأريد أن أزيح أمر جريمة قتل ~~كينريك عن صدري أولا.» ~~«جريمة ماذا؟» # قال جرانت، وهو يضع أمام برايس حزمة منمقة من أربع ورقات كانت هي ~~نتاج قضائه يوم الأحد البهيج في منزله: «هذا هو تقريري المكتوب عن ~~المسألة.» # وبينما كان يضع حزمة الأوراق تذكر على نحو مبهم وباندهاش أن ما ~~كان قد خطط لأن يضعه أمام برايس هو استقالته. # يا للأفكار الغريبة التي تواتي المرء في الإجازة! # كان سيستقيل، ويصبح مربي خراف أو شيئا من هذا القبيل، ~~ويتزوج. # يا لها من فكرة مدهشة! يا لها من فكرة غاية في الإدهاش! ms203