######OpenITI# #META# URI: 1450CabdFattahCabdAllah.WajhWaQinac.Hindawi38290520 #META# Tags: literature #META# ID: 38290520 #META# Title: الوجه والقناع #META# AuthorID: 80635283 #META# Author: روبرت بار #META# EditorID: 86352036 #META# Editor: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 73637907 #META# Translator: عبد الفتاح عبد الله #META# Related_books: 1330RobertBarr.FaceAndMask (TRANSL) #META#Header#End# # امرأة من الحجر‏ # كيمياء اللاسلطوية‏ # الخوف‏ # هيئات جونسون التنكرية‏ # إصلاح جو هولندز‏ # خطاب الآلة الكاتبة‏ # هلاك لندن‏ # مأزق دي بلونفيل‏ # مادة متفجرة جديدة‏ # لغز بيجرام الكبير‏ # سيأتي الموت عاجلا أو آجلا‏ # رهانات كبيرة‏ ~~«حين يكون الجهل نعمة»‏ # رحيل الفتى ماكلين‏ # القاطرة العتيقة رقم ستة وثمانين‏ # اللعب بورق موسوم‏ # تودد الملاكم‏ # مداهمة ميليش‏ # رد الصاع‏ # قرار كراندال‏ # خذلان برادلي‏ # تحول رينجامي‏ # نزيل غامض‏ # المقعد السادس‏ # امرأة من الحجر‏ # كيمياء اللاسلطوية‏ # الخوف‏ # هيئات جونسون التنكرية‏ # إصلاح جو هولندز‏ # خطاب الآلة الكاتبة‏ # هلاك لندن‏ # مأزق دي بلونفيل‏ # مادة متفجرة جديدة‏ # لغز بيجرام الكبير‏ # سيأتي الموت عاجلا أو آجلا‏ # رهانات كبيرة‏ ~~«حين يكون الجهل نعمة»‏ # رحيل الفتى ماكلين‏ # القاطرة العتيقة رقم ستة وثمانين‏ # اللعب بورق موسوم‏ # تودد الملاكم‏ # مداهمة ميليش‏ # رد الصاع‏ # قرار كراندال‏ # خذلان برادلي‏ # تحول رينجامي‏ # نزيل غامض‏ # المقعد السادس‏ # | الوجه والقناع # | الوجه والقناع # تأليف # روبرت بار # ترجمة # عبد الفتاح عبد الله # مراجعة # هبة عبد المولى أحمد # | امرأة من الحجر # كانت لورين فتاة جميلة، ورشيقة، في الثامنة عشرة من عمرها. وكانت تعمل بوظيفة جيدة في ~~صيدلية سيام في شارع سانت أونوريه. ولم يكن هناك من تعوله؛ ولذا كان كل ما تجنيه من ~~أموال ملكا لها وحدها. وربما كان فستانها مصنوعا من قماش زهيد الثمن لكن تصميمه كان ~~قمة في الأناقة والرقة، وهو ما كان هبة طبيعية حبيت بها الفتاة الباريسية؛ ومن ثم لم ~~يكن الناظر إليها ليفكر في رخص ثمن الفستان، وإنما كان سيعجب بتأثيره الساحر. وكانت ~~تعمل في الصيدلية مسئولة عن الحسابات ومساعدة عامة، وتقيم في غرفة صغيرة في الضفة ~~المقابلة لنهر السين في شارع ليل. وكانت تعبر النهر مرتين كل يوم؛ مرة في الصباح حين ~~تكون الشمس مشرقة، وأخرى في المساء حين تتلألأ الأنوار البراقة المنعكسة عن ضفة النهر ~~وكأنها درر في عقد طويل. وفي كل صباح كانت تسير في حديقة تويلري بعد عبورها الجسر الملكي، ~~لكنها لم تكن تمر عبر الحديقة في طريق عودتها مساء؛ ذلك أن الحديقة في ms001 الصباح تختلف عنها ~~في المساء. وفي طريق عودتها كانت دائما ما تسير في شارع تويلري حتى تصل إلى الجسر. وكانت ~~نزهتها الصباحية عبر الحديقة مصدر سعادة لها؛ لأن شارع ليل ضيق وغير متألق بالأضواء؛ ~~ولذا كان من الممتع لها أن تسير تحت الأشجار الخضراء وأن تشعر بالحصى المتغضن الهش تحت ~~أقدامها، وأن تشاهد التماثيل البيضاء اللامعة تحت أشعة الشمس ومياه النافورة المستديرة ~~المتلألئة التي كانت تجلس إلى جوارها في بعض الأحيان. وكان تمثالها المفضل تمثالا لامرأة ~~يستند على قاعدة بالقرب من شارع ريفولي. كانت ذراع المرأة تمتد فوق رأسها، وترتسم على ~~الوجه الرخامي ابتسامة غامضة. كانت تلك الابتسامة تسحر الفتاة حين ترفع نظرها إلى التمثال، ~~وبدا الأمر كأنها تحية الصباح ليومها الحافل بالعمل في المدينة. وكانت الفتاة تقبل أطراف ~~أصابعها حين لا تكون على مرأى من أحد - وهو ما كان عليه الحال غالبا في الثامنة صباحا - ~~وتلقي التحية على التمثال بابتهاج، وكانت المرأة الحجرية تبادلها التحية دائما بتلك ~~الابتسامة الغريبة التي كانت تشير فيما يبدو إلى أنها تعرف عن هذا العالم وأساليبه أكثر ~~مما تعرفه تلك الفتاة الباريسية الصغيرة التي كانت تنظر إليها كل يوم. # كانت لورين سعيدة بالطبع، أليست باريس جميلة دوما؟ أليست الشمس تشرق متألقة؟ أليس ~~الجو صافيا دائما؟ ما الذي يمكن لفتاة يافعة أن تأمله أكثر من ذلك؟ ربما كان هناك شيء ~~واحد ينقصها فعلا، لكن في النهاية تحقق لها ما كانت تريد؛ وهكذا لم يكن في باريس ~~كلها فتاة أسعد من لورين. كادت تفصح لتمثالها المفضل في صباح اليوم التالي بما حدث؛ ~~ذلك أن ابتسامة التمثال بدت لها وكأنها ازدادت اتساعا منذ آخر مرة مرت عليه صباح ~~أمس، وشعرت وكأن المرأة المنحوتة من الحجر خمنت سر الفتاة المخلوقة من لحم ~~ودم. # لاحظته لورين لعدة أيام وهو يحوم حول الصيدلية، وكان ينظر إليها بين الحين والآخر، رأت ~~كل شيء، لكنها تظاهرت بأنها لم تر شيئا. كان شابا وسيما يافعا ذا شعر مجعد ~~ويدين طويلتين نحيلتين وبيضاوين وكأنه ms002 لم يكن معتادا على العمل اليدوي الشاق. وذات ~~ليلة تبعها حتى الجسر، لكنها تابعت سيرها بسرعة، ولم يستطع اللحاق بها. ولم يدخل الشاب ~~إلى الصيدلية قط، لكنه كان يتسكع في الأرجاء وكأنه يتحين الفرصة ليتحدث إليها. لم ~~يكن لدى لورين أحد تأتمنه على سرها سوى تلك المرأة الحجرية، وبدا من ابتسامتها أنها ~~تفهم ما تريد قوله بالفعل، وأنها ليست في حاجة لأن تخبرها بأن الشاب الذي ساقه إليها ~~القدر قد أتى. وفي المساء التالي تبعها لمسافة فوق الجسر، ولم تسرع لورين في سيرها هذه ~~المرة. إن الفتيات في مثل وضعها لا يفترض لهن أن يتعرفن إلى محبيهن بالطريقة ~~المعتادة، فكن يعتمدن في ذلك بصفة عامة على التعارف العشوائي، رغم أن لورين لم تكن ~~تعلم ذلك. وتحدث إليها الشاب على الجسر، وبينما هو يحدثها رفع قبعته عن رأسه ذي ~~الشعر الأسود. # كان كل ما قاله لها: «طاب مساؤك!» # فأشاحت بنظرها عنه خجلا لكنها لم تجبه، واستمر الشاب في السير إلى جوارها. # وقال: «أنت تسلكين هذا الطريق كل مساء، كنت أراقبك. هل يزعجك ذلك؟» # فأجابته بصوت يكاد يكون همسا: «لا.» # فسألها: «إذن، هل يمكنني أن أسير معك حتى منزلك؟» # فأجابته: «يمكنك أن تسير معي حتى زاوية شارع ليل.» # قال الشاب: «شكرا لك.» وسارا معا تلك المسافة القصيرة، وعند المكان المحدد تمنى ~~لها ليلة طيبة، بعد أن طلب منها أن تأذن له بلقائها عند زاوية شارع سانت أونوريه وأن يسير ~~معها في طريق عودتها إلى المنزل في مساء اليوم التالي. # فقالت له: «لا تأت إلى الصيدلية.» # فأجابها وهو يومئ إيجابا بأنه سيحقق لها ما تريد: «أتفهم ذلك.» وأخبرها أن اسمه ~~جان دوريه، وبمرور الوقت صارت تدعوه جان وصار هو يدعوها لورين. والآن لم يعد الشاب ~~يأتي إلى الصيدلية أبدا، لكنه كان ينتظرها عند زاوية الشارع، وذات يوم أحد أخذها في نزهة ~~صغيرة في النهر، وهو ما استمتعت به كثيرا. وهكذا مضى الوقت، وكانت لورين في غاية السعادة. ~~وكان التمثال يبتسم لها ابتسامته الساحرة ms003 ، رغم أنها شعرت بما بدا وكأنه تحذير غامض في ~~ابتسامته حين كانت السماء غائمة. ربما كان ذلك بسبب أنهما تشاجرا الليلة الماضية. بدا جان ~~لها فظا وغير متسامح. كان قد سألها إن كان بإمكانها أن تحضر له بعض الأشياء من ~~الصيدلية، وأعطاها قائمة بثلاث مواد كيميائية، كتب أسماءها في ورقة. # وقال لها: «يمكنك الحصول عليها بسهولة. إنها أشياء موجودة في كل صيدلية، ولن يلاحظ ~~أحد اختفاءها.» # قالت الفتاة في ذعر: «لكن هذا ضرب من السرقة.» # ضحك الشاب. # وسألها: «كم يدفعون لك هناك؟» وحين أخبرته ضحك مرة أخرى وقال: ~~«يا إلهي، لو كنت أحصل على هذا القدر الضئيل من المال لأخذت كل يوم شيئا من الأرفف ~~وبعته.» # نظرت إليه الفتاة في دهشة، فنظر إليها في غضب واستدار عنها وانصرف تاركا إياها. اتكأت ~~بذراعها على حاجز الجسر ونظرت إلى المياه المظلمة بالأسفل. لطالما كان النهر في المساء ~~يثير إعجابها، وكانت في كثير من الأحيان تقف لتلقي نظرة على النهر وهي تعبر الجسر، وفي ~~أثناء ذلك كانت تشعر برجفة تسري في أوصالها. بكت قليلا حين فكرت في رحيله المفاجئ، ~~وتساءلت في نفسها إن كانت فظة معه. ففي النهاية، لم يكن يطلب منها فعل الكثير، وكانوا ~~في الصيدلية يدفعون لها مبلغا ضئيلا بحق. وربما كان عشيقها فقيرا، ويحتاج إلى تلك ~~الأشياء التي طلب منها إحضارها. وربما كان مريضا ولم يخبرها بشيء. ثم شعرت بلمسة على ~~كتفها. فالتفتت على إثرها. كان جان يقف إلى جوارها، لكن عبوس وجهه لم يكن قد تلاشى. # فقال على نحو مفاجئ: «أعطيني تلك الورقة.» # ففتحت يدها وأخذ الورقة منها، واستدار مبتعدا عنها. # فقالت: «انتظر! سأحضر لك ما تريد، لكنني سأضع ثمنه بنفسي في درج النقود.» # وقف الشاب في مكانه، وأخذ ينظر إليها للحظة، ثم قال: «لورين، أعتقد أنك حمقاء بعض ~~الشيء. إنهم يدينون لك بأكثر مما ستدفعين بكثير. ولكن، لا بد لي من الحصول على تلك ~~الأشياء.» ثم أعطاها الورقة محذرا إياها: «احرصي على ألا يرى أحد ذلك، وتأكدي جيدا ms004 من ~~إحضار الأشياء الصحيحة.» ثم سار بصحبتها حتى زاوية شارع ليل وسألها قبل أن يفترقا: «لست ~~غاضبة مني، أليس كذلك؟» # فردت عليه هامسة: «سأفعل أي شيء لأجلك!» ثم قبلها وتمنى لها ليلة طيبة. # ثم أخذت هي المواد الكيميائية حين كان صاحب الصيدلية في الخارج، وربطتها بإحكام كعادتها ~~بعد أن دستها في سلتها الصغيرة التي كانت تحمل فيها غداءها. وكان صاحب المكان رجلا ~~يقظا حاد البصر يعتني بمتجره ومساعدته الجميلة الصغيرة اعتناء كبيرا. # وقد سألها وهو يأخذ الإناء ويرمقها بنظرات حادة: «من ذا الذي يريد هذا الكم من ~~كلورات البوتاسيوم؟» # ارتجفت الفتاة وقالت: ~~«كل شيء على ما يرام، هذا هو المال في درج النقود.» # فقال لها: «بالطبع، لم أكن أتوقع منك أن تبيعيه دون مقابل. من الذي اشتراه؟» # أجابته الفتاة وهي ما زالت ترتجف: «رجل عجوز!» لكن صاحب الصيدلية لم يلاحظ ارتجافها؛ ~~إذ كان يعد النقود ووجد أنها مضبوطة. ~~«أتساءل ماذا سيفعل بهذا الكم الهائل. إذا أتى مرة أخرى، فانظري إليه وأمعني النظر ~~وأخبريني بأوصافه. الأمر يبدو مثيرا للريبة.» لم تعلم لورين لم يبدو الأمر مثيرا ~~للريبة، لكنها مرت بوقت عصيب حتى أخذت السلة في يدها وذهبت للقاء عشيقها عند زاوية شارع ~~بيراميد. وكان أول سؤال طرحه عليها هو: ~~«هل أحضرت لي الأشياء؟» # فأجابته: «أجل، هل ستأخذها هنا، الآن؟» # فعاجلها برده قائلا: «ليس هنا، ليس هنا.» ثم سألها في قلق: «هل رآك أحد وأنت ~~تأخذينها؟» ~~«لا، لكن صاحب الصيدلية يعرف أنها كمية كبيرة؛ ذلك لأنه عد النقود.» # سألها جان: «أي نقود؟» ~~«ثمن هذه الأشياء. أتظن أنني كنت سأسرقها؟» # ضحك الشاب وسحبها نحو زاوية هادئة في حديقة تويلري. # وقال لها: «لن يكون أمامي متسع من الوقت لأذهب معك إلى شارع ليل الليلة.» # فسألته في قلق: «لكنك ستأتي غدا كالعادة، أليس كذلك؟» # فأجابها وهو يخفي العبوات بسرعة في جيوبه: «بالتأكيد، بكل تأكيد.» # في مساء اليوم التالي كانت الفتاة واقفة تنتظر عشيقها بصبر عند زاوية الشارع التي ~~اعتادا اللقاء عندها، لكنه لم يأت. كانت ms005 تقف تحت أحد أعمدة الإنارة المضيئة حتى يراها في ~~الحال. وأثناء وقوفها هناك تحرش بها الكثير من الناس، لكنها لم تجب أحدا، وكانت تنظر ~~أمامها مباشرة بعينين ثابتتين، وكانوا يتركونها ويغادرون بعد التردد للحظة. وفي ~~النهاية رأت رجلا يجري بسرعة من الجهة الأخرى من الشارع، وحين مر أمام إحدى النوافذ ~~المضاءة بأنوار براقة، أدركت أنه جان. وكان يأتي نحوها مسرعا. # فصاحت وهي تجري نحوه: «ها أنا!» ثم أمسكت به من ذراعه وهي تقول: «أوه، جان، ما ~~الأمر؟» # فتملص منها بوقاحة، وصاح فيها: «دعيني، أيتها الحمقاء!» لكنها تمسكت به، حتى رفع ~~قبضته وصفعها على وجهها. هوت لورين على الحائط، وهرع جان. وكان هناك رجل مقدام قوي ~~البنية قد حاول التقرب إلى لورين قبل بضع دقائق، ولكنه لم يفهم صمتها فوقف عند أحد الأبواب ~~بالجوار يراقبها، وقد هرع الرجل نحوها حين رأى الاعتداء عليها، وألقى بعصاه بين قدمي ~~الرجل الذي يجري، فأرسل الأخير على وجهه إلى الرصيف. وفي اللحظة التالية كان يضع قدمه على ~~رقبة جان مثبتا إياه على الأرض وكأنه ثعبان. # وصاح فيه: «أيها الحقير! كيف تجرؤ على ضرب امرأة؟» # كان جان يرقد على الرصيف مذهولا، وهرع شرطيان نحو المكان. # فقال الرجل: «لقد اعتدى هذا الوغد على امرأة لتوه. لقد رأيته.» # قال أحد الشرطيين في عبوس: «لقد فعل ما هو أكثر من ذلك.» وكأن ضرب امرأة والاعتداء ~~عليها لم يكن خطبا جللا. # وأوثقا رباط الشاب وجراه معهما. فهرعت نحوهم الفتاة وقالت وهي مضطربة: ~~«الأمر كله سوء تفاهم، كانت حادثة. لم يكن يقصد فعل ذلك.» # فسألها أحد الشرطيين: «أوه، حقا، وكيف عرفت ذلك؟» # قال جان للفتاة وهو يجز على أسنانه: «أيتها الغبية، الأمر كله غلطتك.» # وأسرع به الشرطيان. # قال أحدهما: «في رأيي، كان ينبغي لنا أن نلقي القبض على الفتاة؛ فقد سمعت ما ~~قالته.» # قال الآخر: «أجل، لكن تحقق لنا ما يكفي الآن، إذا ما عرف الملأ من هو.» # فكرت لورين أن تتبعهم، لكنها كانت مذهولة من الكلمات التي قالها لها عشيقها ms006 أكثر من ~~الصفعة التي وجهها لها، حتى إنها استدارت في حزن نحو الجسر الملكي وذهبت باتجاه ~~غرفتها. # وفي صباح اليوم التالي، لم تذهب إلى عملها عبر الحديقة كعادتها، وحين دخلت صيدلية سيام ~~صاح مالكها: «ها هي، تلك الماكرة! من كان سيعتقد أنها السبب وراء ذلك؟ أيتها الحقيرة، ~~لقد سرقت عقاقير الصيدلية لتعطيها ذلك الوغد!» # قالت لورين بكل شجاعة: «لم أسرقها، لقد وضعت النقود في الدرج ثمنا لها.» # قال صاحب الصيدلية: «اسمعا! إنها تعترف!» # تقدم نحوها الشرطيان المتخفيان وألقيا القبض عليها بتهمة التواطؤ مع جان دوريه ~~الذي كان قد ألقى أمس قنبلة في شارع الأوبرا المزدحم. # وسرعان ما رأى القضاة الفرنسيون المتحيزون أن الفتاة كانت بريئة ولم تكن تضمر أي ~~نية شريرة، وأنها كانت ضحية ذلك الوغد الذي يحمل اسم جان دوريه. وقد حكم عليه بالسجن ~~مدى الحياة، بينما أخلي سبيلها. وقد حاول إلقاء اللائمة عليها كالجبان؛ وذلك ليحمي ~~امرأة أخرى. وكان هذا هو ما أدمى قلب لورين. ربما كانت ستحاول أن تجد عذرا لجريمته، ~~لكنها أدركت أنه لم يهتم لأمرها قط، وأنه كان يستغلها كأداة في يده ليحصل على المواد ~~الكيميائية التي لم يجرؤ على شرائها. # وتحت زخات المطر الخفيف المتساقط خرجت من سجنها معدمة، متعبة الجسد ومحطمة الروح. ~~مرت من أمام صيدلية سيام الصغيرة لكنها لم تجرؤ على دخولها. وأكملت سيرها تحت المطر على ~~طول شارع بيراميد، وعبرت إلى شارع ريفولي، حتى دخلت حديقة تويلري. كانت قد نسيت أمر المرأة ~~الحجرية، لكن خطواتها كانت تقودها إليها من دون وعي منها. ورفعت نظرها إلى التمثال في ~~دهشة، غير مدركة له في البداية. لم يعد التمثال لامرأة مبتسمة. كانت رأس التمثال ملقى ~~للخلف وعيناه مغلقتان، وكانت آخر نزعات الموت مرسومة على وجهه. كان التمثال على درجة كبيرة ~~من البشاعة والفظاعة. وكانت الفتاة متحيرة للغاية من التغير الذي اعترى التمثال، حتى ~~إنها نسيت لبعض الوقت ما حل على حياتها من خراب. ورأت أن الوجه المبتسم لم يكن ~~سوى قناع مثبث في مكانه ms007 بفعل انحناء الذراع اليسرى عليه. وقد أدركت الفتاة الآن أن ~~الحياة ما بين مأساة وملهاة، وأن من لا يرى سوى وجهها المبتسم، فإنه لم ير سوى نصف ~~الحقيقة. أسرعت الفتاة في سيرها نحو الجسر وهي تنشج في صمت بينها وبين نفسها، ونظرت إلى ~~الأسفل نحو مياه النهر الكئيبة. لم يعرها المارة أي اهتمام، وتساءلت في نفسها لم كانت ~~تفكر في النهر على أنه بارد وقاس ولا يرحم؟ إنه موطن المشردين الوحيد، والعشيق الذي ~~لا يتغير ولا يتبدل. ثم استدارت نحو أعلى الدرج الذي كان يؤدي إلى الأسفل حيث ~~حافة المياه. ونظرت نحو حديقة تويلري لكنها لم تستطع أن ترى تمثالها بسبب الأشجار التي ~~حالت بينهما، فقالت في نفسها وهي تنزل الدرج بسرعة: «سأصبح أنا أيضا امرأة من ~~حجر.» # | كيمياء اللاسلطوية # قيل في الصحف اللندنية إن تفكك منظمة سوهو اللاسلطوية كان سببه نقص الموارد ~~المالية. والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك؛ فالمنظمة اللاسلطوية ليست في حاجة إلى ~~الموارد المالية، وما دام هناك من الأموال ما يكفي لشراء الجعة فإن وجود المنظمة سوف ~~يستمر لا محالة. وقد أخبرني صحفي شاب بالحقيقة وراء فض منظمة سوهو، وقد كان هو ~~رئيس الجلسة في آخر اجتماعات المنظمة. # لم يكن ذلك الشاب من دعاة اللاسلطوية وأنصارها، رغم أنه كان يتعين عليه أن يدعي أنه ~~كذلك خدمة لمصالح جريدته؛ ومن ثم فقد انضم إلى منظمة سوهو حيث ألقى بعض الخطب الحماسية ~~التي لاقت استحسانا كبيرا. وفي النهاية، أصبحت الأخبار التي تتناول موضوع اللاسلطوية ~~سلعة كاسدة في السوق، وقد تلقى مارشال سيمكنز الشاب أوامر من رئيس تحرير الجريدة التي ~~يعمل بها تفيد بأنه يتعين عليه الآن أن يحول انتباهه إلى العمل البرلماني؛ ذلك أن ~~رئيس التحرير لن ينشر المزيد من أخبار اللاسلطويين في جريدته. # ربما يتراءى للمرء أن سيمكنز الشاب سر بالتخلص أخيرا من عمله مع اللاسلطويين؛ ~~حيث لم يكن لديه أي شغف تجاه هذه القضية. وقد سر الشاب فعلا لذلك، لكنه وجد صعوبة في ~~إرسال استقالته من ms008 المنظمة. ففي اللحظة التي تحدث فيها عن الاستقالة، بدأ أعضاء ~~المنظمة ينظرون إليه بعين الريبة. كان دائما ما يرتدي ملابس أفضل من الآخرين، فضلا ~~عن أن احتساءه الجعة كان أقل منهم. وإذا كان هناك من يرغب في أن يحظى بمكانة جيدة في ~~تلك العصبة، فعليه ألا يتأنق في ملبسه وأن يشرب ما لا يقل عن جالون من الجعة في ~~الاجتماع الواحد. ولم يكن سيمكنز يحتسي من الجعة سوى «ربع جالون» فقط، وكان هذا الأمر يشي ~~به طوال الوقت لولا الحماسة الزائدة التي كانت تغلب على خطاباته. وفي الكثير من المناسبات ~~تجمع حوله الكثير من اللاسلطويين المخضرمين والتمسوا منه أن يحيد عن نواياه ~~العدائية والشريرة نحو مباني البرلمان. # ذهب الأعضاء الأقدم إلى أن محو المجالس البرلمانية أمر مرغوب ولكن الوقت غير موات ~~بعد لذلك. وقد أشاروا إلى أن إنجلترا هي المكان الوحيد الذي يمكن للاسلطويين أن ~~يعيشوا فيه ويتحدثوا من دون تدخل في شئونهم؛ ومن ثم على الرغم من أنهم كانوا ~~يتلهفون شوقا أن يذهب سيمكنز ويقوم ببعض التفجيرات في فيينا أو برلين أو باريس، فإنهم ~~لم تكن لديهم الرغبة في أن يبدأ بلندن. وكانت تهدئة سيمكنز في الغالب عملية صعبة للغاية، ~~وفي النهاية وبعد أن همس لنفسه «جبناء!» مرتين أو ثلاثا، اختتم حديثه قائلا: «أوه، ~~حسنا، أنتم أكثر دراية مني؛ فأنا مجرد عضو شاب، لكن اسمحوا لي على الأقل أن أفجر جسر ~~ووترلو، أو أن أزرع قنبلة في شارع فليت، لكي نبرهن فقط أننا موجودون وعلى أهبة الاستعداد ~~للعمل.» # لكن اللاسلطويين ما كانوا ليوافقوا على هذا. إذا كان يريد تفجير الجسور، فيمكنه أن ~~يبدأ بتفجير الجسور التي تمتد على نهر السين. وقد اتخذوا قرارهم بأنهم لن يقوموا بأي ~~تفجير في لندن ما دامت إنجلترا تشكل لهم ملاذا ومأوى. # صاح سيمكنز في غضب: «لكن انظروا إلى ميدان ترافلغار؛ فلا يسمح لنا بالاجتماع ~~هناك.» # فقال رئيس الجلسة: «ومن يريد الاجتماع هناك؟ إن الاجتماع في هذه الغرف يوفر لنا ~~قدرا أكبر من الراحة ms009 ، كما أنه لا توجد جعة في ميدان ترافلغار.» وقال بضعة أعضاء آخرين: ~~«أجل، أجل. لم يحن الوقت لذلك بعد.» وهكذا هدءوا من حماسة سيمكنز، وسمح بصب الجعة ~~مرة أخرى في هدوء، في حين أن واحدا من دعاة اللاسلطوية الأجانب، والذي لم يكن مسموحا ~~له بأن تطأ قدمه أرض بلاده، كان يقف متحدثا بإنجليزية ركيكة عن الأشياء الرائعة التي ~~يمكنهم القيام بها باستخدام الديناميت. # لكن عندما أرسل سيمكنز استقالته تغيرت نظرتهم إليه، ورأى في الحال أنه صار مشتبها ~~به. وقد نصحه رئيس الجلسة هامسا بأن يسحب استقالته. ومن ثم، وقف سيمكنز الفطن ~~متفهما حدة طباع الجمع وقال: ~~«لا نية لدي للاستقالة، لكنكم لا تفعلون شيئا سوى الكلام، وأريد أن أنتمي إلى جمعية ~~لا سلطوية تطبق مقولة «أفعال لا أقوال».» ولم يحضر الاجتماع التالي لذلك، وحاول أن ~~يتخلص منهم بهذه الطريقة، لكن زارته إحدى لجان المنظمة في مسكنه، وظنت مالكة المنزل ~~أن سيمكنز الشاب قد تورط في أمور سيئة حين رأت أولئك الرجال ذوي المظهر الخبيث الماكر ~~وهم يزورونه. # وضع سيمكنز في مأزق، ولم يستطع أن يتخذ قرارا بشأن ما يتوجب عليه أن يفعل. وبات ~~واضحا أنه لن يستطيع التخلص من مجموعة اللاسلطويين هؤلاء. فعاد إلى رئيس التحرير طالبا ~~مشورته بشأن الوضع، لكن لم يستطع هذا الرجل أيضا أن يجد أي مخرج من هذا ~~المأزق. # فقال له: «كان عليك أن تكون أذكى من ذلك، بدلا من الانخراط مع أولئك الأشخاص.» # سأله سيمكنز في سخط وغضب: «ولكن أنى لي الحصول على الأخبار؟» فهز رئيس التحرير ~~كتفيه. ولم يكن هذا الأمر يعنيه؛ ولو أن اللاسلطويين اختاروا أن يعكروا صفو حياة ~~الشاب، فليس ثمة ما يسعه فعله. # وكان زميل سيمكنز في السكن طالبا يدرس الكيمياء في لندن، ولاحظ أن الصحفي قد أصبح ~~هزيلا واهنا من الجزع. # قال له سيدليتز ذات صباح: «تبدو منهكا ومهموما يا سيمكنز، ما خطبك؟ هل أصابك سهم ~~العشق، أم أن هناك دينا يثقل كاهلك؟» # فأجابه سيمكنز: «لا هذا ولا ذاك.» # قال ms010 سيدليتز: «ابتهج إذن. إن كان لا هذا ولا ذاك، فأي شيء آخر من السهل ~~علاجه.» # أدركه سيمكنز: «لست واثقا من ذلك.» ثم جلس وأخبر صديقه ما كان يزعجه. # قال سيدليتز: «آه، هذا يفسر ما رأيت إذن. كان هناك همجي أشعث يتجول في الأرجاء ~~ويراقب المنزل. إنهم يتتبعونك يا صديقي وحين يكتشفون أنك صحفي ومن ثم خائن، فقد ~~يقبضون عليك في إحدى الليالي المظلمة.» # قال سيمكنز وقد دفن رأسه بين يديه: «كم هذا مشجع.» # سأله سيدليتز: «هل يتسم هؤلاء اللاسلطويون بالشجاعة، وهل هم على استعداد للمخاطرة ~~بحياتهم في سبيل أي شيء؟» ~~«أوه، لا أعلم. إنهم يتحدثون كثيرا، لكنني لا أعلم ما يمكن لهم القيام به. لكن ~~يمكنهم فعلا القبض علي في أحد الأزقة المظلمة.» # قال سيدليتز: «اسمع، لنفترض أنك ستسمح لي بتجربة إحدى الخطط. دعني أحاضرهم عن كيمياء ~~اللاسلطوية. إنه موضوع جذاب.» ~~«وما النفع الذي قد يعود من ذلك؟» ~~«أوه، انتظر حتى تسمع المحاضرة. إذا لم أجعل شعر بعضهم ينتصب رعبا، فإنهم عندئذ ~~أشجع مما نتخيل. لدينا حجرة كبيرة في حانة كليمنت، حيث نتقابل نحن الطلاب لأداء بعض ~~التجارب ولتدخين التبغ. إن نصف المكان ناد، ونصفه قاعة محاضرات. والآن أقترح أن نحضر ~~هؤلاء اللاسلطويين إلى هناك، وأن نوصد الأبواب، وأن نخبرهم شيئا عن الديناميت وغيره ~~من أنواع المتفجرات. وستقول أنت إنني أمريكي من دعاة اللاسلطوية. أخبرهم أن الأبواب ~~ستوصد لمنع دخول الشرطة، وأنه سيكون هناك برميل من الجعة. ويمكنك أن تقدمني بصفتي ~~رجلا من أمريكا حيث يعرفون هناك عن اللاسلطوية في عشر دقائق ما يعرفونه عنها هنا في عشر ~~سنوات. وأخبرهم أنني قضيت حياتي في دراسة المتفجرات، وسيكون علي أن أضع بعض المساحيق ~~على سبيل التنكر، لكنك تعرف أنني ممثل هاو ضليع، ولا أعتقد أنه ستكون هناك مشكلة في هذا ~~الشأن. وفي النهاية عليك أن تخبرهم أن لديك موعدا وأنك ستتركني لأذهلهم لبضع ~~ساعات.» # قال سيمكنز: «لكنني لا أرى نفعا من كل ذلك، وإن كنت قد أصابني اليأس وعلى استعداد ~~لفعل ms011 أي شيء. لقد فكرت في تفجير نفسي في أحد اجتماعاتهم.» # وحين حل مساء يوم الجمعة الذي سيعقد فيه الاجتماع، امتلأت القاعة الكبرى في حانة ~~كليمنت عن آخرها. ورأى المجتمعون هناك منصة في أحد أطراف المكان، وبابا يؤدي منها ~~إلى حجرة في مؤخرة القاعة. وكانت هناك طاولة على المنصة، وعليها صناديق وأجهزة ~~كيميائية وأدوات علمية أخرى. وفي تمام الساعة الثامنة، ظهر سيمكنز الشاب واقفا وحده أمام ~~الطاولة وقال: ~~«زملائي اللاسلطويين، أنتم تعرفون جيدا أنني سئمت الأحاديث الكثيرة التي نخوض فيها، ~~وسئمت كذلك قلة ما نأتي به من أفعال بعدها. وكنت محظوظا بما يكفي لأن أحصل على تعاون ~~أحد دعاة اللاسلطوية الأمريكيين، الذي سيحدثكم عن تلك القضية هناك. لقد أوصدنا ~~الأبواب، والأشخاص الذين يحتفظون بالمفاتيح يجلسون الآن بالأسفل أمام مدخل الحانة، ~~حتى يستطيعوا إخراجنا بسرعة إذا ما وقع حريق. لا يوجد خطر كبير من اندلاع حريق، بيد ~~أننا ينبغي أن نحصن أنفسنا جيدا من تدخل الشرطة ومقاطعتها. والنوافذ - كما ترون - ~~مغلقة ومزودة بقضبان، ولا يمكن لشعاع ضوء أن ينفذ من هذه الغرفة إلى الخارج. وحتى ~~تنتهي المحاضرة، لا أحد بوسعه أن يغادر الغرفة، كما أن لا أحد بوسعه الدخول إليها، ~~وهذا إمعانا في تحقيق الغرض. # لقد كرس صديقي البروفيسور جوزايا بي سليفرز حياته لدراسة كيمياء اللاسلطوية، وهذا هو ~~عنوان المحاضرة اليوم. وسيخبركم عن بعض الاكتشافات المهمة، التي سيكشف عنها الآن ~~لأول مرة. ويؤسفني أن أقول إن البروفيسور ليس في حالة صحية جيدة جدا؛ وذلك بسبب ~~السلبيات والعوائق التي تعتري خط الحياة الذي انتهجه. لقد فقد عينه اليسرى في انفجار ~~سابق لموعده أثناء إجرائه بعض التجارب. كما أنه أصيب بإعاقة مستديمة في ساقه اليمنى. ~~وستلاحظون أن ذراعه اليسرى معلقة في حمالة كتف، وذلك جراء إصابته في حادثة صغيرة ~~وقعت في مختبره حين قدم إلى لندن. وكما سترون، فإنه رجل كرس روحه وجسده لخدمة ~~القضية؛ ولذا آمل أن تنصتوا إليه جيدا وتعيروه آذانا مصغية. ويؤسفني أنني لن ~~أتمكن من البقاء معكم الليلة؛ وذلك لأنني ms012 مشغول بمهام أخرى ملحة يتوجب علي ~~القيام بها. ومن ثم إذا سمحتم لي، فسأغادر من المدخل الخلفي بعد أن قدمت البروفيسور ~~إليكم.» # في تلك اللحظة سمع صوت وقع قدم خشبية، ورأى الحضور أمامهم رجلا يسير بعكاز، ~~وإحدى ذراعيه معلقة في حمالة كتف ويلف إحدى عينيه بضمادة، وقد نظر إليهم بعينه ~~الأخرى بود. # قال سيمكنز: «زملائي اللاسلطويين، اسمحوا لي أن أقدم لكم البروفيسور جوزايا بي ~~سليفرز من الولايات المتحدة.» # وهنا انحنى البروفيسور وصفق الحضور. وبمجرد أن بدأ التصفيق، رفع البروفيسور ذراعه ~~السليمة وقال: «أيها السادة، أستميحكم عذرا ألا تصفقوا.» # فيما يبدو، جرى العرف في أمريكا على مخاطبة جميع الرجال من كل الفئات والأنواع ب: «أيها ~~السادة.» # وأكمل البروفيسور حديثه: «في حوزتي بعض المتفجرات الشديدة الحساسية للغاية حتى إنها ~~لتنفجر عند أقل اهتزاز؛ ولذا فإنني أطلب منكم أن تستمعوا في صمت إلى ما سأقول. ~~وعلي أيضا أن أطلب منكم تحديدا ألا تضربوا الأرض بأقدامكم.» # وقبل أن يختتم البروفيسور كلامه، كان سيمكنز قد انسل خارجا من المدخل الخلفي، ~~وبطريقة ما خلف فراره هذا تأثيرا مكدرا على الرفاق الذين نظروا إلى البروفيسور ~~المبتلى بعيون يملؤها العجب والتوجس. # سحب البروفيسور نحوه أحد الصناديق وفتح غطاءه. ثم وضع يده السليمة في الصندوق ~~ورفعها وترك شيئا مثل نشارة الخشب المبللة ينسل من بين أصابعه وقال في ازدراء ~~شديد: «هذا أيها السادة هو ما يعرفه العالم باسم الديناميت. ولا شيء لدي أقوله ضده. ~~ففي عصره كان الديناميت وسيلة فعالة للغاية لتوصيل أصواتنا إلى آذان العالم أجمع، إلا ~~أن عصره هذا قد ولى وانقضى. إنه الآن مثل العربة التي تجرها الجياد في مقابل القطار، ~~أو مثل الخطابات في مقابل البرقيات، أو مثل السفينة الشراعية في مقابل السفينة البخارية. ~~وسيكون من دواعي سروري الليلة أن أقدم لكم مادة متفجرة شديدة القوة والفتك، وبعدما ~~ترون ما يمكن أن تفعله تلك المادة لن يسعكم سوى الاستهزاء بالمركبات البسيطة وغير الضارة ~~كالديناميت والنتروجلسرين.» # ثم نظر البروفيسور إلى الحضور أمامه في تعاطف ولطف بينما ms013 كان الخليط الأصفر ينسل ببطء ~~من بين أصابعه إلى الصندوق مرة أخرى. ثم راح البروفيسور يكرر تلك الحركة مرات ~~ومرات. # وتبادل أنصار اللاسلطوية الموجودون في الغرفة فيما بينهم نظرات تنم عن القلق ~~والاضطراب. # ثم استطرد البروفيسور قائلا: «لكن، سيكون من المفيد لنا أن ننظر في أمر هذه المادة لبضع ~~دقائق، وذلك بغرض المقارنة ليس إلا.» ثم قال وهو يدس يده في صندوق آخر ويخرج أمام ~~أعينهم حجرا أصفر اللون: «هاك هو الديناميت في صورته المنضغطة. يوجد هنا ما يكفي لتدمير ~~هذا الجزء من مدينة لندن. يمكن لهذا الحجر الصغير أن يحول كاتدرائية القديس بولس إلى ~~خراب؛ ولذا مهما بدا أن الديناميت قد عفا عليه الزمن، فعلينا دوما أن ننظر إليه بإجلال ~~واحترام، تماما كما ننظر إلى المصلحين من القرون السابقة الذين هلكوا في سبيل إعلاء ~~آرائهم، وإن كانت آراؤهم اليوم متأخرة كثيرا عن ركب آرائنا الآن. وسأسمح لنفسي ~~بإجراء بعض التجارب باستخدام حجر الديناميت هذا.» وبقوله هذا، أمسك البروفيسور بحجر ~~الديناميت بيده السليمة وأطاح به على طول الممر حيث سقط على الأرض فأصدر صوتا مكتوما ~~بغيضا. فوثب الحضور كل عن مقعده وتراجعوا للخلف بعضهم فوق بعض. وانطلقت في الهواء ~~صرخات الذعر، لكن البروفيسور نظر في هدوء إلى الجمع المضطرب أسفل منه وعلت وجهه ~~ابتسامة شامخة وقال: «أستميحكم عذرا أن تعودوا إلى مقاعدكم، ولأسباب شرحتها لكم بالفعل، ~~أثق أنكم لن تستحسنوا أيا مما أقول لكم. لقد جسدتم الآن إحدى الخرافات الشهيرة بشأن ~~الديناميت، وقد برهنتم بأفعالكم هذه كيف أن هذه المحاضرة مهمة للغاية للوصول إلى ~~استيعاب أفضل من جانبكم للمادة التي عليكم التعامل معها. إن هذا الحجر غير ضار ~~بالمرة؛ لأنه مجمد. إن الديناميت في حالته المجمدة لا ينفجر، وهي حقيقة يعرفها جيدا ~~من يعملون في المناجم وجميع من يتعاملون معه، والذين يفضلون بصفة عامة تفجير ~~أنفسهم إلى أشلاء في محاولة إذابة الثلج عن هذه المادة أمام اللهب. هلا أحضرتم لي هذا ~~الحجر من فضلكم، قبل أن يذوب الثلج عنه بفعل ms014 حرارة الغرفة؟» # تقدم أحد الرجال بحذر شديد وحمل الحجر وهو يمسك به بعيدا عن جسده، وسار على أطراف ~~أصابعه نحو المنصة ووضعه بحذر شديد على المكتب أمام البروفيسور. # قال البروفيسور بنبرة لطيفة: «شكرا لك.» # شهق الرجل شهيقا عميقا ينم عن شعوره بالارتياح بينما كان يعود إلى مقعده. # واستطرد البروفيسور قائلا: «هذا هو الديناميت المجمد، وهو كما قلت غير ضار من الناحية ~~العملية. والآن، سيكون من دواعي سروري أن أجري أمامكم تجربتين مذهلتين على الديناميت ~~وهو غير مجمد.» وحين انتهى من هذه الجملة قبض على حفنة من الغبار المبلل الأشبه بنشارة ~~الخشب ورشه على سندان صغير من الحديد كان موضوعا على الطاولة. وقال: «ستستمتعون بهذه ~~التجارب؛ لأنها ستريكم كم من السهل التعامل مع الديناميت. ومن الأخطاء الشائعة أن ~~الديناميت ينفجر بفعل الصدمات. يوجد ما يكفي من الديناميت هنا لتدمير هذه القاعة وإرسال كل ~~من فيها إلى غياهب النسيان، لكنكم سترون بأنفسكم إن كانت الصدمات تؤدي إلى تفجير ~~الديناميت أم لا.» ثم أمسك البروفيسور بمطرقة وهوى على المادة الموجودة على السندان مرتين ~~أو ثلاثا، في حين وثب من هم أمامه من مقاعدهم واندفعوا بعنف تجاه زملائهم من خلفهم، ~~وقد سرت القشعريرة في أجسادهم. توقف البروفيسور عن طرقه وحدق فيهم بنظرة فيها ~~توبيخ لهم، ثم بدا أن شيئا على السندان قد جذب انتباهه. فانحنى عليه وراح ينظر بدقة ~~إلى سطحه الحديدي. ثم انتصب في وقفته مرة أخرى وقال: ~~«كنت على وشك أن أوبخكم على ما قد يبدو لأي رجل آخر دليلا على الخوف، لكنني أدركت ~~خطئي. كنت على وشك أن أرتكب خطأ فادحا. لقد عانيت بنفسي بين الحين والآخر من أخطاء ~~مشابهة. لقد لاحظت على السندان بقعة شحم صغيرة، ولو تصادف أن طرقت على تلك البقعة ~~بالمطرقة لكنتم جميعا الآن تتلوون في سكرات الموت تحت أطلال هذه البناية. لكن لن يمر ~~الدرس المستفاد هنا مرور الكرام. إن بقعة الشحم تلك هي من النتروجلسرين الحر الذي نضح ~~به الديناميت. وربما كان هذا هو مصدر ms015 الخطر الوحيد في التعامل مع الديناميت. وكما أوضحت ~~لكم، يمكنكم أن تسحقوا الديناميت على سندان دون خطورة، ولكن إذا تصادف أن وقعت المطرقة ~~على بقعة من النتروجلسرين الحر، فسينفجر الديناميت في لحظة. وأستميحكم عذرا أن تغفروا لي ~~إهمالي اللحظي العابر.» # هنا نهض رجل في منتصف القاعة، ومر بعض الوقت قبل أن يستجمع شتات نفسه ليتحدث، ذلك ~~أنه كان ينتفض وكأنه مصاب بالشلل. وفي النهاية، قال بعد أن بلل شفتيه بلسانه عدة ~~مرات: ~~«أيها البروفيسور، إننا نتوق إلى أن نستمع إلى ما لديك حيال تلك المادة المتفجرة. ~~وأعتقد أنني أتحدث باسم زملائي ورفاقي جميعا هنا. إننا ليس لدينا أدنى شك حيال ما ~~تعلمنا إياه، ونود كثيرا أن نستمع إلى ما سوف تقول عن موضوع المحاضرة، ولا نريد منك ~~إهدار المزيد من الوقت الثمين على التجارب. إنني لم أستشر زملائي قبل حديثي هذا، لكنني ~~أعتقد أنني أنطق هنا بصوت المنطق لديهم.» فدوت صيحات «هذا صحيح، حقا.» في جميع أرجاء ~~القاعة. فنظر إليهم البروفيسور مرة أخرى بنظرة ود وامتنان. # وقال لهم: «ثقتكم في مؤثرة بالفعل، لكن إلقاء محاضرة كيميائية من دون إجراء التجارب ~~هي كجسد من دون روح. إن التجارب هي روح البحث العلمي. ويتعين علينا في مجال الكيمياء ~~ألا نسلم بأي شيء جدلا. لقد أريتكم كيف أن الكثير من الأخطاء الشائعة قد ظهرت ~~فيما يتعلق بالمادة التي نتعامل معها. وما كان من الممكن إبراز كل تلك الأخطاء الشائعة ~~لو أن كل شخص قد أدى التجارب بنفسه؛ وعلى الرغم من أنني أشكركم على ثقتكم التي ~~منحتموني إياها، فإنني لا أستطيع أن أحرمكم المتعة التي ستحصلون عليها من إجراء تجاربي. ~~وهناك خطأ شائع آخر مفاده أن النار تؤدي إلى تفجير الديناميت. وهذا ليس بصحيح أيها ~~السادة.» # أشعل البروفيسور عود ثقاب على بنطاله وأشعل المادة الموجودة على السندان. فاحترقت المادة ~~بلهب أزرق شاحب، وراح البروفيسور ينظر إلى الرفاق اللاسلطويين حوله في نظرات تنم عن ~~انتصاره. # وفيما كان الجمهور المرتعد يشاهد اللهب الأزرق الباهت في انفعال ms016 شديد، انحنى ~~البروفيسور فجأة ونفخ فيه فأطفأه. فانتصب في وقفته مرة أخرى وقال: «ينبغي لي أن أعتذر ~~إليكم؛ لأنني نسيت أمر بقعة الشحم الصغيرة. لو أن النار وصلت إلى بقعة النتروجلسرين ~~لانفجرت المادة، كما تعلمون. إن المرء حين يركز تفكيره على أمر بعينه، فإنه يكون عرضة ~~لنسيان أمر آخر. لن أجري مزيدا من التجارب على الديناميت.» ثم قال موجها حديثه إلى ~~مرافقه المرتعش: «هاك يا جون. خذ هذا الصندوق بعيدا، وحركه بحرص شديد؛ لأنني ~~أرى أن النتروجلسرين ينضح منه. وضعه بحرص بالغ في الغرفة المجاورة وكأنك تضع صندوقا من ~~البيض.» # وعندما توارى الصندوق عن أعين الحضور، راح الجميع يتنفسون الصعداء في أنفاس شهيق عميقة ~~تنم عن شعورهم بالارتياح. # ثم قال البروفيسور: «والآن أيها السادة، نأتي إلى المادة التي ستذهل أولي الألباب.» ~~وعدل شعره براحة يده السليمة في حركة تنم عن شعوره بالرضا عن نفسه وراح يبتسم لمن ~~حوله ابتسامات لطيفة. ~~«إن المادة التي أنا على وشك أن أحدثكم عنها هي من اختراعي، وهي للديناميت كشرب حمض ~~البروسيك في مقابل شرب الحليب الطازج.» ثم دس البروفيسور يده في جيب سترته وأخرج ما بدا ~~وكأنه علبة من الحبوب. ثم أخذ حبة منها ووضعها على السندان وبينما تراجع إلى الخلف ~~بضع خطوات على أطراف أصابعه راح يبتسم لها في حنو بالغ. «وقبل أن أبدأ بالحديث عن هذه ~~المادة أريد أن أحذركم مرة أخرى من أنها ستنفجر وستحول لندن من هنا حتى تشارينج ~~كروس إلى خراب وأطلال، وهذا إذا ما ضرب أي امرئ بقدمه على الأرض أو تحرك من مكانه، ~~اللهم إلا إذا كان ذلك على أطراف قدميه. لقد قضيت عشرة أعوام من حياتي في إتمام هذا ~~الاختراع. إن هذه الحبوب التي تساوي العلبة منها الملايين في مقدورها أن تشفي كل ~~الآلام التي يعاني منها الإنسان.» # ثم قال وهو يلتفت نحو مرافقه: «أحضر لي يا جون حوضا من الماء!» ثم وضع حوض الماء ~~أمامه على الطاولة في حذر شديد، وأفرغ البروفيسور كل الحبوب فيه ms017 ، ثم أخذ أيضا الحبة ~~التي كانت على السندان ووضعها في الماء مع الأخريات. # ثم قال بعد أن تنهد تنهيدة عميقة: «والآن، يمكننا أن نلتقط أنفاسنا. يمكن أن يضع ~~المرء إحدى هذه الحبوب في قنينة ماء صغيرة، ويضع القنينة في جيب سترته، ويذهب إلى ميدان ~~ترافلغار ويخرج الحبة من القنينة، ويرمي بها في منتصف الميدان وستدمر كل شيء في نطاق ~~دائرة نصف قطرها أربعة أميال، وسيحصل هو بنفسه على شرف الاستشهاد في سبيل القضية. وقد ~~أخبرني الناس أن هذا هو أحد سلبيات اختراعي، لكنني أميل إلى الاختلاف معهم في الرأي. ~~إن من يستخدم هذه الحبة لا بد أن يعقد عزمه على مشاركة من هم حوله في مصائرهم. ~~ويمكنني القول إن هذا هو التتويج العظيم لاختراعي. فهذا الاختراع يضع اهتمامنا بقضيتنا ~~العظيمة موضع اختبار لحظي. أحضر لي يا جون بحذر شديد الآلة ذات الوصلات الكهربائية من ~~الغرفة المجاورة.» # وضعت الآلة على الطاولة، وقال البروفيسور وهو يمسك بشيء خفي بين طرفي إصبعيه ~~السبابة والإبهام: «هذه هي أدق إبرة مصنوعة من خامة الكامبريك، وسأضع على طرفها جزءا ~~ضئيلا من المادة التي تحدثت عنها.» وهنا انتقى بحذر شديد حبة من الحبوب الموجودة في ~~حوض الماء، وبنفس درجة الحذر وضع الحبة على الطاولة حيث أخذ منها ذرة متناهية الصغر ~~ووضعها على طرف الإبرة وقال: «هذا الجزء ضئيل للغاية بحيث لا يمكن رؤيته إلا باستخدام ~~المجهر. والآن سأضع الإبرة وما عليها في الآلة وسأمرر إليها تيارا كهربيا.» وبينما ~~كانت يده تتجه نحو زر التشغيل تعالت صيحات الجمهور قائلين: «توقف! توقف!» لكنه حط ~~بإصبعه على الزر فوقع انفجار هائل في الحال. شعر الحضور أن البناية اهتزت من أساسها، ~~وتكونت سحابة كثيفة من الدخان في سماء القاعة فوق رءوسهم. وحين تمكن البروفيسور من ~~الرؤية مرة أخرى من خلال الدخان المنقشع، نظر حوله باحثا عن جمهوره. كان الجميع تحت ~~المقاعد، وجاءت تأوهاتهم من جميع أرجاء القاعة. فقال البروفيسور بنبرة تنم عن القلق: ~~«آمل أن أحدا لم يتأذ. أخشى أنني أخذت ms018 الكثير من المادة على طرف الإبرة، لكن هذا يجعل ~~في مقدوركم تخيل التأثير الذي تحدثه كمية أكبر منها. من فضلكم اجلسوا في مقاعدكم مرة ~~أخرى. هذه هي تجربتي الأخيرة.» # جلس الجمهور كل في مكانه مرة أخرى، فأطلق الجميع تنهيدة ارتياح أخرى. سحب ~~البروفيسور كرسي رئيس المجلس نحوه وجلس فيه وهو يمسح جبهته. # وفي الحال نهض رجل وقال: «أود أن نشكر جميعا البروفيسور سليفرز على تلك التجارب ~~الشيقة.» # رفع البروفيسور يده وقال: «لحظة واحدة، لم أنته بعد. لدي اقتراح أقدمه لكم. أترون ~~سحابة الدخان التي تحلق فوق رءوسنا؟ في غضون عشرين دقيقة سيترشح هذا الدخان ويختلط بجو ~~القاعة. أنا لم أخبركم إلا بنصف مزايا هذا الانفجار الهائل. حين يختلط هذا الدخان بجو ~~القاعة سيصبح سما قاتلا. يمكننا جميعا أن نظل على قيد الحياة في أمان تام على مدى ~~التسع عشرة دقيقة القادمة، ولكننا سنموت جميعا مع أول نفس نستنشقه بعد ذلك. إنها لميتة ~~مريحة. لن يكون هناك ألم، ولن تكون هناك معاناة أثناء الموت، غير أنهم سوف يعثرون علينا ~~في الصباح متصلبين وجامدين في مقاعدنا. إنني أقترح أيها السادة أن نعلم لندن الدرس ~~المهم الذي تحتاج إليه بشدة. لا توجد قضية بلا شهداء يبذلون أرواحهم في سبيلها. لنكن نحن ~~شهداء قضية اللاسلطوية العظيمة. لقد تركت في حجرتي أوراقا توضح كيف متنا وأسباب ذلك. ~~وستوزع هذه الأوراق بحلول منتصف الليل على كل الصحف في لندن، وغدا ستذاع أسماؤنا ~~النبيلة في كل أرجاء العالم. والآن سأطرح هذا الاقتراح إلى التصويت. فليرفع كل من ~~يؤيده يده اليمنى كالمعتاد.» # وكانت يد البروفيسور اليمنى هي اليد الوحيدة المرفوعة. # قال البروفيسور: «والآن كل من لديه رأي معارض ...» وهنا رفع الجميع يده. # قال البروفيسور: «إذن ربح المعارضون.» لكنه لم يكن يبدو عليه أي استياء حيال ذلك. ~~فاستطرد قائلا: «أيها السادة، أرى أنكم خمنتم اقتراحي الثاني - كما تخيلت أنكم ~~ستفعلون - وعلى الرغم من أنه لن تكون هناك صحف في لندن بحلول الغد لكي تسجل ما حدث، ~~فإن صحف العالم ms019 أجمع ستقص أنباء تدمير هذه المدينة اللعينة. أرى من النظرة التي تعتلي ~~وجوهكم أنكم تؤيدونني في هذا. إن اقتراحي الثاني - وهو من أكثر الأمور التي خطط لها ~~بطشا - هو أن نفجر كل تلك الحبوب الموجودة في الحوض. ولكي نحرص على ذلك، فقد أرسلت ~~إلى عميل في مدينة مانشستر القصة الكاملة لكل ما دار هنا، وكذلك القرارات التي خرجنا بها ~~من هذا الاجتماع، والتي ستقبلونها بلا أدنى شك. # أيها السادة، فليعبر كل من يؤيد تدمير لندن عن ذلك بالطريقة المعتادة.» # قال الرجل الذي كان قد تحدث سابقا: «أيها البروفيسور، قبل أن تضع هذا القرار موضع ~~تصويت أريد أن أقترح تعديلا. هذا اقتراح في غاية الجدية والخطورة وينبغي عدم التعامل معه ~~باستهانة. ولذا فإنني أقترح كتعديل أن نرجئ هذا الاجتماع ونعقده في مقرنا في سوهو، ~~وأن ننفذ التفجير من هناك. كما أن لدي عملا بسيطا يجب أن أنجزه قبل أن نشرع في ~~تنفيذ هذا المشروع الضخم.» # قال البروفيسور حينها: «أيها السادة، يأخذ هذا التعديل الأولوية. لقد تقرر إرجاء هذا ~~الاجتماع حتى يمكنكم دراسة المشروع في مقركم في سوهو.» # قال خمسة عشر رجلا من الحضور وهم يهبون واقفين على أقدامهم: «وأنا أؤيد هذا ~~التعديل.» # قال البروفيسور: «وفي غياب رئيس المجلس الدائم، من واجبي أن أضع التعديل موضع تصويت. ~~كل من يؤيد هذا التعديل يرفع يده اليمنى.» # فرفع الجميع يده. «أيها السادة، موافقة بتمرير التعديل. يسرني جدا أن ألقاكم غدا ~~مساء في مقركم، وسأحضر معي كمية أكبر من متفجراتي. فضلا يا جون، اذهب وأخبر الرجل ~~أن يفتح الأبواب.» # وحين ذهب سيمكنز وسليفرز في مساء اليوم التالي إلى مقر الاجتماع الدائم لأنصار ~~اللاسلطوية، لم يجدوا أي إشارة على وجود اجتماع من أي نوع، ومنذ تلك المحاضرة لم تعقد ~~منظمة سوهو اللاسلطوية أي اجتماع لها، فقد انحلت على نحو غامض. # | الخوف # كان البحر قد اكتفى منه. وكان هو قد كافح بكل ما أوتي من جهد لينقذ نفسه، لكن الإجهاد ~~تمكن منه في النهاية، وبعد أن أدرك ms020 عبثية المزيد من النضال، استسلم وتخلى عن المقاومة. ~~فجاءت أعلى موجة في البحر - وهي الموجة الأعتى في ذلك التسلسل الصاخب العنيف الذي ينطلق ~~من الحطام وحتى الشاطئ - وأخذته في قبضتها القاسية ورفعته إلى السماء لحظة وقلبته رأسا على ~~عقب، وقذفت به بعنف على الرمال غائبا عن الوعي، وفي النهاية دحرجته مرات ومرات ككائن ~~عاجز لا حول له ولا قوة حتى ألقت به على الشاطئ الرملي. # تبدو الحياة البشرية غير ذات أهمية حين نفكر في الأشياء البسيطة التي تلعب دورا ~~فارقا في هلاك المرء وفنائه أو نجاته واستمرار حياته. فلو كانت الموجة التي حملت ستانفورد ~~أقل ارتفاعا، لكان قد سحب إلى البحر مرة أخرى بفعل الموجة التي تليها. ولو أن عدد ~~المرات التي انقلبها - ككائن عاجز لا حول له ولا قوة - قد زاد مرة واحدة أو نقص لكان قد ~~ارتطم بوجهه في الرمال ولقي حتفه في الحال. ولكن، ما حدث أنه يرقد الآن على ظهره ~~وذراعاه ممتدتان إلى جانبيه، وفي إحدى قبضتيه حفنة من الرمال تتسلل من بين أصابعه. كانت ~~الأمواج المتلاحقة أحيانا ما تمسه، لكن البحر تركه وشأنه، حيث يرقد ووجهه الأبيض في ~~مقابل السماء. # ليس للإغماء تقويم زمني؛ فهو حالة تستوي فيها اللحظة والأبدية. وحين عاد إليه وعيه ~~شيئا فشيئا، لم يكن يعرف ولا يهتم بمعرفة كيف مر عليه الوقت. لم يكن واثقا إلى حد ~~كبير إن كان على قيد الحياة، لكن الوهن - وليس الخوف - هو ما منعه أن يفتح عينيه ليكتشف ما ~~إذا كان العالم الذي سيبصره بهما هو العالم نفسه الذي كان قد أغمضهما عليه لآخر مرة. ~~لكن ما جذب انتباهه سريعا هو صوت يتحدث الإنجليزية. كان ستانفورد لا يزال في حالة من ~~الدوار الشديد حتى إنه لم يتمكن من التفكير في الأمر، ونذكر أيضا أنه كان قد انجرف ~~إلى جزيرة مجهولة في البحار الجنوبية، لكن مغزى ما سمعه من كلام أذهله. ~~«لنكن شاكرين. لا شك أنه قد مات.» كان هذا هو ما قيل بنبرة تنم عن ms021 شعور كبير ~~بالارتياح. # ثم بدا أن هناك غمغمة تنم عن السرور إزاء إعلان هذا، وكانت تلك الغمغمة صادرة عن ~~أناس برفقة المتحدث. فتح ستانفورد عينيه ببطء، متسائلا في نفسه من هؤلاء الهمجيون ~~المسرورون لوفاة غريب انجرف على شواطئهم ولم يمسسهم بسوء. ثم رأى جمعا من الناس ~~يقفون حوله، لكن انتباهه تحول بسرعة وأصبح منصبا على وجه واحد. في رأيه أن صاحبة ~~ذلك الوجه لم تكن تتخطى حاجز التسعة عشر عاما، وكان وجهها هو أجمل وجه وقعت عليه ~~عيناه يوما، أو على الأقل هكذا بدا لستانفورد في تلك اللحظة. كان الوجه يحمل تعبيرات تدل ~~على السرور الفاتن وذلك حتى التقت عيناها بعينيه، هنا تلاشت البهجة على وجهها وحلت ~~مكانها نظرة فزع. بدت الفتاة وكأنها تلتقط أنفاسها في حالة من الهلع، وملأت الدموع ~~مقلتيها. # وقالت وهي تبكي: «أوه، سينجو.» # وغطت وجهها بيديها وراحت تنشج. # أغلق ستانفورد عينيه من شدة الإجهاد وقال في نفسه: «لا بد أنني فقدت صوابي.» ثم بعد أن ~~فقد إيمانه بواقعية ما يحدث حوله، فقد وعيه أيضا، وحين استرد وعيه مجددا وجد ~~نفسه يرقد على سرير في حجرة نظيفة لكنها لا تحتوي على الكثير من الأثاث. ومن النافذة ~~المفتوحة تنامى إلى سمعه صوت زمجرة البحر وأيقظ صوت تلاطم الأمواج العنيفة الصاخبة ~~في ذهنه ذكرى ما مر به. كان يعلم أن تحطم السفينة وصراعه وسط الأمواج هما حدثان حقيقيان ~~قد وقعا له، لكنه كان يعتقد الآن أن ما دار على الشاطئ لم يكن سوى وهم من نسج خياله بسبب ~~الحالة التي كان عليها وقتئذ. # ثم فتح الباب في هدوء، وقبل أن يدرك دخول أحد، كانت هناك ممرضة ذات وجه هادئ تقف ~~إلى جوار سريره وتسأله عن حاله. ~~«لا أدري. على الأقل أنا على قيد الحياة.» # تنهدت الممرضة وأشاحت بعينيها. تحركت شفتاها لكنها لم تنطق بشيء. نظر إليها ~~ستانفورد في فضول، وتسلل إليه شعور بالخوف من أنه سيظل معاقا لبقية حياته، وأنه يفضل ~~الموت على العيش في حالة من الإعاقة التامة ms022 . شعر أنه مرهق على الرغم من أنه لم يكن يتألم، ~~لكنه كان يعلم أنه كلما زادت بشاعة الإصابة واستعصاؤها على الشفاء كان شعور المصاب بها أقل ~~في البداية. # فسألها: «هل كسرت أي من عظامي، هلا أخبرتني؟» ~~«لا، أنت مصاب بكدمات، لكن إصابتك ليست بالغة. ستتعافى عما قريب.» # قال ستانفورد وقد أطلق تنهيدة تنم عن الارتياح: «آه!» ثم أضاف في اهتمام مفاجئ: ~~«بالمناسبة، من تلك الفتاة التي كانت تقف إلى جانبي حينما كنت أرقد على الشاطئ؟» ~~«كان هناك عدة فتيات.» ~~«لا، لم يكن هناك سوى واحدة. أقصد تلك الفتاة صاحبة العيون الجميلة وهالة الشعر التي ~~تعلو رأسها وكأنها تاج ذهبي مجيد.» # قالت الممرضة بنبرة حادة: «نحن لا نتحدث عن نسائنا بهذه الطريقة. ربما تقصد روث، صاحبة ~~الشعر الأصفر الكثيف.» # ابتسم ستانفورد وقال: «الكلمات لا تهم كثيرا.» # فأجابته الممرضة: «لا بد أن نكون معتدلين في كلامنا.» ~~«يمكننا أن نكون معتدلين من دون أن نقلع إقلاعا تاما عن الغزل. كان أصفر وكثيفا ~~بالفعل! لقد راودني حلم سيئ بخصوص من وجدوني. اعتقدت أنهم ... لكن ذلك لا يهم. على ~~الأقل، ليست الفتاة من نسج خيالي. هل تعرفين ما إذا كان هناك ناجون آخرون؟» ~~«أشعر بالامتنان لأن أخبرك بأن الجميع قد غرقوا.» # انتفض ستانفورد والذعر في عينيه. فمنعته الممرضة الرزينة بنبرة رقيقة ودية لكيلا ~~يرهق نفسه، فغاص مرة أخرى في وسادته. # ثم صاح بنبرة واهنة: «اخرجي من الغرفة. اتركيني، اتركيني.» ثم أشاح بوجهه تجاه الحائط، ~~فيما غادرت المرأة الغرفة في صمت كما دخلتها. # انسل ستانفورد من السرير حين خرجت المرأة، عازما أن يذهب إلى الباب ليوصده. كان يخشى ~~من أن أولئك الهمجيين الذين يتمنون موته سيتخذون التدابير ليقتلوه حين يرون أنه ~~سيتعافى. وبينما كان يتكئ على السرير، لاحظ أن الباب ليس به قفل. كان هناك مزلاج ضعيف لكن ~~لا يوجد به قفل أو لسان. وكان أثاث الغرفة عثا غير متقن الصنع. فترنح باتجاه النافذة ~~المفتوحة وأطل منها إلى الخارج، فهبت عليه بقايا تلك العاصفة المشئومة وبثت ms023 فيه روحا ~~جديدة، كما كانت من قبل تنذره بالموت. ورأى أنه كان في قرية تتكون من أكواخ صغيرة، وكل ~~كوخ مشيد على قطعة من الأرض خاصة به. كان من الواضح أن القرية تتكون من شارع واحد، وعلى ~~أسطح الأكواخ المواجهة له رأى في الأفق أمواج البحر البيضاء. ولكن ما استرعى اهتمامه أنه ~~رأى كنيسة ذات قمة مستدقة في نهاية ذلك الشارع، كنيسة خشبية كالتي رآها في المستوطنات ~~الأمريكية النائية. كان الشارع خاليا من المارة، ولم تكن هناك أي إشارة على وجود حياة في ~~تلك الأكواخ. # قال في نفسه: «لا بد أنني سقطت في مستعمرة من المختلين. ترى إلى أي بلد ينتمي ~~هؤلاء؟ أتصور أنهم ينتمون إلى إنجلترا أو الولايات المتحدة، وإن كنت لم أسمع قط بمثل ~~هذا المجتمع في أسفاري.» # لم تكن هناك مرآة في الحجرة، فكان من المستحيل أن يعرف الهيئة التي يبدو عليها. وكانت ~~ملابسه جافة وبها بعض الملح. فعدل ملابسه قدر ما أمكنه، وانسل من المبنى من دون أن ~~يلحظه أحد. وحين وصل إلى ضواحي القرية وجد أن ساكنيها من الرجال والنساء يعملون في ~~الحقول على مسافة بعيدة. وكانت هناك فتاة آتية باتجاه القرية وتحمل في كل يد وعاء من ~~الماء. وكانت تغرد بمرح وكأنها قبرة حتى رأت ستانفورد، وهنا توقفت عن الغناء والسير. ~~ولأن ستانفورد لم يكن يوما خجولا مترددا، فقد تقدم نحوها، وكان على وشك أن يحييها ~~حين أدركته قائلة: ~~«أنا حقا حزينة أنك استرددت عافيتك.» # تجمدت كلمات الشاب على شفتيه وقطب جبينه. وحين رأت روث أنه منزعج - رغم أنها لم ~~تكن تعرف السبب - أسرعت لتحسين الأمور بأن أضافت: ~~«صدقني، ما أقوله حقيقي. أنا حقا حزينة.» ~~«حزينة أنني على قيد الحياة؟» ~~«حزينة كل الحزن.» ~~«من الصعب تصديق هذه الجملة من شخص في غاية ... أقصد منك.» ~~«لا تقل ذلك. لقد اتهمتني ميريام بالفعل بأنني فرحت لأنك لم تغرق. وسيؤلمني ذلك كثيرا ~~إن كنت تعتقد أيضا كما تعتقد هي.» # نظرت إليه الفتاة بعينين حائرتين، ولم يعرف الشاب ms024 بم يجيب. وأخيرا قال: ~~«هناك خطأ فادح. ولا يمكنني أن أستوضح الأمر. ربما كان لكلماتنا معنى مختلف، مع إنها ~~هي الكلمات نفسها على ما يبدو. اجلسي يا روث، أريد أن أطرح عليك بعض الأسئلة.» # رمقت روث العمال بنظرة وجلة، وغمغمت بشيء عن عدم توفر الكثير من الوقت أمامها، ~~لكنها وضعت وعاءي الماء على الأرض وجلست فغاصت في العشب. ثم ألقى ستانفورد بنفسه على ~~العشب عند قدميها، لكن حين رأى أنها انكمشت وتراجعت، سحب نفسه للخلف قليلا واستقر في ~~موضع يسمح له بالنظر إلى وجهها. # كانت عينا روث مسبلتين، وكان ذلك حتميا؛ لأنها شغلت نفسها بسحب أوراق العشب ~~الورقة تلو الأخرى، وكانت في بعض الأحيان تجدل الأوراق معا. كان ستانفورد قد أخبرها بأنه ~~يريد أن يطرح عليها بعض الأسئلة، لكن يبدو أنه نسي ما كان ينتويه؛ ذلك أنه بدا وكأنه ~~مرتاح تماما لمجرد النظر إلى وجهها. وبعد أن استمر الصمت برهة بينهما، رفعت عينيها لحظة ~~وطرحت هي السؤال الأول. ~~«من أي أرض أتيت؟» ~~«من إنجلترا.» ~~«آها! تلك جزيرة أيضا. أليس كذلك؟» # ضحك من كلمة «أيضا» وتذكر أن لديه بعض الأسئلة التي يريد طرحها. ~~«أجل، إنها جزيرة ... أيضا. والبحر يقذف بحطام السفن على جوانبها الأربعة، لكن لا توجد ~~على شطآنها قرية وثنية بحيث لا يفرح قاطنوها بنجاة أحدهم إذا ما طرحه البحر وتمكن من ~~الهروب من بين براثن الموت.» # نظرت إليه روث والدهشة تملأ عينيها. ~~«إذن، ألا يوجد أي دين في إنجلترا؟» ~~«دين؟ إنجلترا هي أكثر دولة متدينة على وجه الأرض. هناك من الكاتدرائيات والكنائس ودور ~~العبادة في إنجلترا ما يزيد عنه في أي دولة أخرى. نحن نرسل البعثات التبشيرية إلى كل ~~البلدان الوثنية. والحكومة نفسها تدعم الكنيسة.» ~~«أتخيل إذن أنني أخطأت في فهم ما تقصد. كنت أعتقد من حديثك أن الناس في إنجلترا ~~يخشون الموت، ولا يستقبلونه بالحفاوة والترحاب ولا يفرحون حين يموت أحدهم.» ~~«إنهم لا يخشون الموت، وهم لا يفرحون حين يأتي. الأمر بعيد كل البعد عن هذا. إن ~~الجميع ms025 بدءا من الرجل النبيل حتى المتسول يكافحون الموت قدر ما أمكنهم؛ فالرجل الطاعن ~~في السن يتمسك بالحياة بنفس حماسة الصبي في التمسك بها. وما من امرئ إلا وينفق آخر ما ~~يملك من قطع ذهبية من أجل أن يدرأ عن نفسه القدر المحتوم ولو لساعة.» ~~«قطعة ذهبية، ماذا تكون؟» # دس ستانفورد يده في جيبه وقال: ~~«آه! هناك بعض العملات المتبقية. هاك هي قطعة ذهبية.» # أخذتها الفتاة وتفحصتها باهتمام بالغ. # وقالت وهي تقلب العملة الصفراء في راحة يدها الرقيقة: «أليست جميلة؟» ثم رفعت نظرها ~~إليه. ~~«هذا هو الرأي العام حيالها. ولكي يجمع المرء عملات نقدية كهذه، سيكذب ويغش ويسرق، ~~أجل، ويكدح كذلك. وعلى الرغم من أن المرء على استعداد لأن يتخلى عن آخر قطعة ذهبية في ~~حوزته لإنقاذ حياته والعيش لسنوات أطول، فإنه يخاطر بحياته نفسها من أجل جني المزيد من ~~الذهب. إن كل عمل في إنجلترا هدفه الأساسي هو جمع قطع معدنية كتلك التي في يدك، ~~والشركات ذات الأعداد الغفيرة من العاملين تهدف إلى جمع هذه القطع المعدنية بكميات أكبر. ~~ومن يمتلك أكبر قدر من الذهب يحوز القدر الأوفر من السلطة ويحظى عموما بالقدر الأوفر ~~من الاحترام، والشركة التي تجني أكبر قدر من المال هي الشركة التي يتوق الكثيرون إلى ~~العمل لديها.» # استمعت إليه روث وقد ملأت عينيها نظرات الحيرة والعجب. وأثناء حديثه كانت ترتجف، ثم ~~تركت العملة الصفراء تسقط من يدها على الأرض وقالت: «لا عجب أن أمثال هؤلاء يخشون ~~الموت.» ~~«ألا تخافينه؟» ~~«كيف ونحن نؤمن بالجنة؟» ~~«لكن ألن يحزنك أن يموت شخص تحبينه؟» ~~«كيف لنا أن نكون أنانيين إلى هذه الدرجة؟ أكنت لتحزن إن حاز أخوك أو شخص تحبه ~~الشيء الذي تقدره في إنجلترا أيا كان هذا الشيء، وليكن - مثلا - كمية كبيرة من هذا ~~الذهب؟» ~~«بالطبع لا. لكنك ترين إذن ... حسنا، شتان بين الأمرين. إن مات شخص تهتمين لأمره ~~فإنك تنفصلين عنه، و...» ~~«لكن هذا الانفصال لا يدوم إلا لفترة قصيرة، وهذا يعطينا سببا آخر للترحيب بالموت. من ~~المستحيل ms026 على ما يبدو أن يخشى المسيحيون دخول الجنة. بدأت أفهم الآن لماذا ترك أجدادنا ~~إنجلترا، ولماذا لا يخبرنا معلمونا بأي شيء عن الناس هناك. وأتساءل لماذا لا ترسل ~~البعثات التبشيرية إلى إنجلترا لتعليمهم الحقيقة، ولمحاولة تهذيب الناس هناك ~~وتنويرهم؟» ~~«سيكون هذا حتما كمن يبيع الماء في حارة السقائين. أحد العمال قادم.» # صاحت الفتاة وهي تهب من مكانها: «إنه أبي. أخشى أنني تأخرت. لم أفعل ذلك من ~~قبل.» # كان الرجل القادم ذا مظهر صارم عابس. # قال الرجل: «روث، العمال عطشى.» # ومن دون أن تجيبه الفتاة، رفعت الوعاءين ورحلت. # قال الشاب وقد تحول لونه بعض الشيء: «كنت أتلقى بعض الدروس فيما يتعلق بمعتقدكم. ~~كنت متحيرا بشأن بعض الأمور التي سمعتها ووددت لو أطرح بعض الأسئلة بشأنها.» # قال الرجل بنبرة باردة: «الأفضل أن تتلقى الدروس مني أو من بعض الراشدين بدلا من أن ~~تتلقاها من واحدة من صغرى الفتيات في هذا المجتمع. وحين تتعافى بالقدر الذي يسمح لك بأن ~~تستمع إلى شرح وتوضيح لأفكارنا وآرائنا، فإنني آمل أن أسوق إليك البراهين التي ستقنعك أنها ~~أفكار صائبة وآراء سديدة. وإن حدث ووجدت أنها غير مقنعة، فإنه يتعين علي حينها أن ~~أطلب منك ألا تتواصل مع من هم دون منا سنا. إذ يتعين عدم إفسادهم بهرطقات ~~العالم الخارجي.» # نظر ستانفورد إلى روث وهي تقف بجوار البئر الخاصة بالقرية. # وقال: «يا سيدي، أنت تقلل من شأن قدرات من هم دون سنكم على المناقشة والإقناع. ~~وهناك كتاب يتعلق بهذا الموضوع، وأنا في غنى عن أن أذكرك به. إنني مقتنع ~~بالفعل.» # | هيئات جونسون التنكرية # قضيت بضعة أسابيع في مدينة جميلة في تيرول والتي يمكن أن أسميها شويندلبورج. لا ~~أريد أن أذكر اسمها الحقيقي؛ لأنها تفرض ما يسمى بضريبة زائر، وهي ضريبة باهظة، وقد ~~حصلت مني هذه الضريبة عن طريق فاتورة الفندق. كما أن هذه المدينة جعلتني أدفع ~~مقابل الاستماع إلى الفرقة الرائعة التي كانت تعزف خلال فترتي الصباح والظهيرة في متنزه ~~كوربارك. تغطي الكثير من المنتجعات الصحية الأوروبية ms027 نفقاتها من خلال فرض ضريبة على ~~الزائرين، وهي ممارسة لا تلجأ إليها أي مدينة إنجليزية؛ ومن ثم فإنني أرى أن فرض مثل ~~تلك الضريبة هو ضرب من الابتزاز والخداع، وأحجم عن صنع دعاية لأي مكان يطبقها. صحيح أنك ~~إذا مكثت في مدينة شويندلبورج أقل من أسبوع فإنهم لا يفرضون عليك ضريبة، لكنني لم أكن أعلم ~~ذلك، ولم يقدم لي موظف الفندق - كونه حصيفا بين أبناء جيله - الفاتورة إلا بعد انقضاء ~~هذا الأسبوع بيوم؛ ومن ثم وجدت نفسي مضطرا إلى دفع ضريبة الزائر وكذلك رسوم الاستماع ~~إلى الفرقة الموسيقية قبل أن أعرف بالأمر. وهكذا يكتسب الأحمق الحكمة من خلال سفره إلى ~~الخارج. مكثت في ذلك المكان الرائع، أستمع إلى الفرقة الموسيقية كل يوم، محاولا ~~الحصول على قيمة لقاء أموالي. وكنت أنوي الانفراد بنفسي؛ إذ كنت مشغولا ببعض الأعمال، ولا ~~أريد التعرف إلى أحد، لكن استهوتني جاذبية جونسون؛ ومن ثم كسرت القاعدة. فما فائدة أن ~~تضع لنفسك قاعدة إذا لم تحظ بمتعة كسرها؟ # وأعتقد أن أول ما جذبني إلى جونسون كان إهماله التام فيما يتعلق بمظهره الشخصي. فحين ~~ترجل من حافلة الفندق، بدا وكأنه متشرد شبه جدير بالاحترام. كان يرتدي قميصا أزرق من ~~الصوف من دون ياقة أو رابطة عنق. وكان يرتدي كذلك قبعة مترهلة دون أن يتكلف وضع ريشة ~~على غرار سكان تيرول. وكان من الواضح أنه لم يهذب لحيته الكثيفة منذ أسابيع، وكان يرتدي ~~بنطالا إحدى رجليه مطوية لأعلى. ولم يكن يمسك بعصا التسلق الألبية، وكان في ذلك أيضا ~~ميزة مستحسنة. ولذا قلت في نفسي: «هذا رجل متحرر من تقاليد المجتمع. وإذا كنت سأتعرف ~~إلى أحدهم، فسأتعرف إليه.» # وجدت أن جونسون كان أمريكيا من مدينة غربية تدعى شيكاغو وكنت قد سمعت بها، ثم ~~«أصبحنا صديقين.» كان جونسون مولعا بالموسيقى وكانت الفرقة في متنزه كوربارك رائعة؛ ~~ولذا كنا نذهب إلى هناك معا مرتين يوميا، وكنا نتجاذب أطراف الحديث في طريق ذهابنا ~~وعودتنا على الممرات المفروشة بالحصى. كان الرجل قد سافر إلى ms028 أماكن كثيرة، ويعرف الكثير ~~عنها؛ وكان الحديث معه ممتعا. وفي غضون أسبوع تقريبا كنت قد أحببت جونسون، وأعتقد أنني ~~كنت أروق له. # وذات يوم في طريق عودتنا معا إلى فندق بوست، مد يده إلي. # وقال: «سأغادر غدا. سأذهب إلى مدينة إنسبروك. ولذا فإنني أودعك. وإنني سعيد للغاية ~~أن التقيت بك.» # فأجبته: «يؤسفني سماع ذلك، لكنني لن أودعك الآن، سأذهب معك غدا إلى ~~المحطة.» ~~«لا، لا تفعل ذلك. سأكون قد غادرت قبل أن تستيقظ. سيودع أحدنا الآخر هنا.» # وفعلنا، وحين كنت أتناول الإفطار صباح اليوم التالي، وجدت جونسون قد غادر في قطار ~~الصباح الباكر. ظللت أتجول عبر الحديقة في صدر ذلك النهار وأنا حزين لمغادرة جونسون. بدا ~~المكان موحشا من دونه. وفي فترة الظهيرة رحت أسير في الممرات الجانبية للمتنزه وعزف ~~الفرقة يتهادى إلى مسامعي، وفي أثناء ذلك رأيت صديقي الذي غادر لتوه أمام ناظري فجأة ~~وعلى نحو أدهشني كثيرا. # صحت قائلا: «مرحبا يا جونسون! اعتقدت أنك غادرت صباح اليوم.» # نظر إلي الرجل من دون أن يبدو على وجهه أنه يعرفني. # وقال: «عذرا، اسمي بومجارتن.» # وحين نظرت إليه عن كثب أكثر، رأيت في الحال أنني كنت مخطئا. كنت أفكر في جونسون في تلك ~~اللحظة، وربما كان هذا هو سبب التباس الأمر علي. ومع ذلك، كان وجه الشبه بينه وبين ~~جونسون لافتا للنظر، بيد أن الرجل كان حليقا. كانت له سوالف جانبية وشارب مهذبان ~~بعناية، فيما كان لجونسون لحية كثيفة. وكانت قبعته الدائرية جديدة، وملابسه لا غبار ~~عليها، بل كانت ذات أكمام أيضا. وبالإضافة إلى ذلك كان يمسك في يده بعصا، وكان من ~~الواضح أن لديه الكثير من نقاط الضعف التي كان جونسون متفوقا عليه فيها. اعتذرت عن ~~خطئي وكنت على وشك أن أرحل عنه حين أبدى بومجارتن رغبته في التعرف إلي. # فقال: «لقد وصلت لتوي، ولا أعرف أي شيء عن المكان. هل قدمت إلى هنا منذ فترة ~~طويلة؟» # فأجبته: «أسبوعين تقريبا.» ~~«آها! إذن أنت نزيل هنا. هل توجد مناطق تسلق جيدة ms029 هنا في الجوار؟» ~~«لم يخبرني أحد بوجود أماكن للتسلق. وعن نفسي فإنني لا أمارس التسلق، اللهم إلا من ~~خلال القطار المعلق. ويسعدني دائما النظر إلى الآخرين وهم يتسلقون المرتفعات. فأنا أرى ~~أن الفائدة الوحيدة للجبال هي النظر إليها والاستمتاع برؤيتها.» # ثم شرع بومجارتن في سرد شيق عن الأخطار التي تعرض لها في الجبال. وقد وجدت أنه ~~ممتع الحديث، تماما كما كان جونسون. وأخبرني أنه من هانوفر، لكنه تلقى تعليمه في ~~بريطانيا العظمى، وكان هذا سبب طلاقته في الإنجليزية. # فسألني بينما توقفت الفرقة عن العزف: «في أي فندق تمكث؟» # فأجبته: «في فندق بوست، وأنت؟» ~~«في فندق أدلر. ينبغي أن تأتي لتناول العشاء معي ذات مساء، وسأردها لك بأن آتي لتناول ~~العشاء معك. ومن ثم يمكننا أن نقارن قوائم المطعم.» # استطاع بومجارتن تحسين مستوى التعارف بيننا على الرغم من إسرافه في التأنق والاهتمام ~~بمظهره وثيابه. وكدت أنسى أمر جونسون حتى ذكرني به بومجارتن ذات يوم وهو يقول: «سأغادر ~~الليلة إلى إنسبروك.» ~~«إنسبروك؟ إن جونسون هناك. ينبغي لك أن تلتقي به، إنه صاحب شخصية جذابة للغاية. ولا ~~يعيبه سوى أنه لا يعتني كثيرا بثيابه وأناقته.» ~~«حري بي أن أقابله. إنني لا أعرف أحدا في إنسبروك؟ هل تعرف اسم الفندق الذي يمكث ~~فيه؟» ~~«لا. إنني حتى لا أعرف اسمه الأول. لكنني سأكتب لك رسالة تعريف على ظهر البطاقة خاصتي، ~~وإذا التقيت به فأبلغه تحياتي.» # أخذ بومجارتن البطاقة وشكرني عليها، ثم افترقنا. # وفي اليوم التالي، حيث كان الجو دافئا، جلست إلى مقعد في الظلال أستمع إلى الموسيقى. ~~والآن وقد رحل بومجارتن، جلست أفكر في الشبه الغريب بينه وبين جونسون، وأتذكر ما دار ~~من أحداث. جلس شخص بجواري، لكنني لم أعره انتباها. ثم قال أخيرا: «يبدو أن هذه ~~الفرقة الموسيقية رائعة للغاية.» # دهشت حين سمعت صوته، ونظرت إليه فملأني الذهول ولم أستطع أن أرد عليه. # كان له شارب، لكن لم تكن له سوالف، وكان يرتدي قبعة خضراء من اللبد وبها ريشة على غرار ~~ما يشتهر به ms030 سكان تيرول. وعلى المقعد بجواره استندت عصا التسلق الألبية، وكان طرفها ~~الحديدي المدبب يلامس الحصى. وكان الرجل يرتدي سروالا قصيرا فضفاضا، وفي الواقع، كان ~~مظهره بالكامل يوحي بأنه سائح تقليدي من هواة تسلق الجبال. ولكن الصوت! وتعبيرات ~~العينين! ~~«ماذا قلت؟» ~~«قلت بأن الفرقة الموسيقية رائعة للغاية.» ~~«أوه، أجل. إلى حد ما. إنها باهظة الثمن؛ ومن ثم ينبغي أن تكون رائعة. إنني أدفع ~~مقابل ذلك. بالمناسبة، أظنك قد وصلت صباح اليوم، أليس كذلك؟» ~~«بل وصلت ليلة البارحة.» ~~«أوه، حقا. وسترحل في غضون عدة أيام إلى إنسبروك؟» ~~«لا، سأذهب إلى سالزبورج حين أغادر من هنا.» ~~«واسمك ليس جونسون ... أو ... أو بومجارتن، بأي حال؟» ~~«لا، ليس كذلك.» ~~«ولم تأت من شيكاغو أو هانوفر؟» ~~«لم أذهب إلى أمريكا قط، ولا أعرف هانوفر. هل من شيء آخر؟» ~~«لا، لا شيء. لا بأس. بالطبع لا دخل لي بذلك.» ~~«لا دخل لك بماذا؟» ~~«لا دخل لي من تكون.» ~~«أوه، ليس هذا بسر. إنني روسي. واسمي كاتزوف. أو على الأقل، هذان هما أول مقطعين ~~من اسمي. إنني لا أستخدم اسمي الكامل أثناء سفري؛ فهو في غاية التعقيد.» ~~«شكرا لذلك. ولكن كيف تفسر إجادتك للغة الإنجليزية؟ أفترض أنك تلقيت تعليمك في ~~إنجلترا، أليس كذلك؟ لقد تلقى بومجارتن تعليمه هناك.» ~~«نعم، لم أتلق تعليمي هناك. نحن الروسيين نجيد اكتساب اللغات حسبما تعلم.» ~~«أجل، لقد نسيت ذلك. لنعد الآن إلى حيث بدأنا. الفرقة الموسيقية ممتازة، وهي على وشك أن ~~تعزف واحدة من أربع معزوفات مفضلة، سيد كاتزبورج.» ~~«اسمي كاتزوف. وأما عن المعزوفات، فأنا لا أعرف الكثير عن الموسيقى لكنني أحب ~~المقطوعات الشهيرة.» # انسجمت أنا وكاتزوف على نحو رائع، وإن كان لم يرق لي فيما يبدو مثلما كان جونسون ~~وبومجارتن. وقد رحل إلى سالبزبورج من دون أن يودعني. وذات يوم شعرت أني أفتقده، فذهبت ~~إلى فندق إنجليتير، وأخبرني الحارس أنه قد غادر. # وفي اليوم التالي بحثت عنه، وكنت أتساءل عن الهيئة التي سأجده عليها. مررت به مرتين ~~بينما كان يجلس على المقعد ms031 ، لكنني لم أكن متأكدا بما يكفي لأن أدنو منه وأبادره ~~الحديث. كان اختفاء شاربه قد أحدث اختلافا ملحوظا. وقد بدا أصغر عشر سنوات على الأقل ~~بوجهه الحليق تماما. وكان يرتدي قبعة حريرية طويلة، ومعطفا صباحيا طويلا أسود ~~اللون. ولم يسعني أن أحول ناظري عن الغطاء الذي وضعه على كل كاحل من قدميه والذي ~~كان يغطي حذاءه اللامع على نحو جزئي. كان يقرأ جريدة إنجليزية؛ ومن ثم لم يلحظ ~~تحديقي إليه. فدنوت منه. # وقلت: «اسمع يا جونسون، هذه هيئة رائعة. أظنك إنجليزيا هذه المرة، أليس كذلك؟» # رفع الرجل نظره في اندهاش واضح. ثم راح يتحسس الجزء الأمامي من معطفه لبرهة، ~~فوجد خيطا حريريا أسود اللون، فسحبه وأمسك في يده قرصا زجاجيا صغيرا. فوضع ذلك ~~القرص الزجاجي على إحدى عينيه ولوى قسمات وجهه بعض الشيء لكي يتمكن من تثبيته. وتلاشى ~~يقيني بأنه جونسون للحظة، لكنني تجرأت وواجهته. ~~«وتلك النظارة الأحادية لفتة غير مسبوقة يا جونسون. إنها تدهشني حقا، بالإضافة إلى ~~أغطية الكاحل تلك. وإذا كنت استخدمتها في شخصية بومجارتن، فلا أدري هل كنت سأتعرف عليك ~~وقتها. جونسون، ما قصتك؟» # فقال في النهاية: «يبدو أنك تعاني ضربا من الذهان. اسمي ليس جونسون. أنا اللورد ~~سومرسيت كامبل، إن كان يهمك أن تعرف.» ~~«أحقا؟ أوه، حسنا إذن، لا بأس. أنا دوق أرجيل؛ ولذا لا بد أننا أقارب. الدم لا يصير ~~ماء أبدا يا كامبل. اعترف. من قتلت؟» # قال سعادته بترو: «علمت أن أكبر مصحة للأمراض العقلية في تيرول قريبة من هنا، لكنني ~~لم أكن أعلم أنهم يسمحون للمرضى أن يتجولوا في متنزه كوربارك.» ~~«لا بأس يا جونسون. لكن ...» ~~«كامبل، إذا سمحت.» ~~«لا أسمح. لقد تماديت في لعبة التنكر هذه بما يكفي. ما الجريمة التي ارتكبتها؟ أم أنك ~~مع الفريق الآخر؟ هل تعمل كمحقق؟» ~~«يا عزيزي، أنا لا أعرفك، وفضولك الصلف هذا يثير استيائي. يوما طيبا ولتذهب ~~إذن.» ~~«لن أذهب يا جونسون، لقد زاد الأمر عن حده. لقد تلاعبت بمشاعري، ولن أحتمل المزيد. ~~سأذهب إلى السلطات ms032 وأقص عليها ملابسات ما حدث. وهي مفعمة بالشك بما يكفي لأن ...» # سأل جونسون وهو يجلس مرة أخرى: «أيهما؟ السلطات أم الملابسات؟» ~~«كلاهما يا عزيزي، كلاهما وأنت تعلم ذلك. والآن يا جونسون، أرح فضولي ولن أشي ~~بك.» # تنهد جونسون وسقطت النظارة عن عينه. ثم نظر حوله في حذر وقال: «اجلس.» # فصحت في شيء من التهلل والغبطة: «إذن أنت جونسون.» # بدأ جونسون يقول: «ظننت أنك لست موقنا من ذلك. لكن الأمر لا يهم الآن، وينبغي لك أن ~~تربأ بنفسك عن استخدام التهديد. كان هذا أسلوبا وضيعا منك.» ~~«أرى أنك من شيكاغو. أكمل.» ~~«إن الأمر كله بسبب ضريبة الزائر اللعينة. إنني لا أريد دفع هذه الضريبة. ومن ثم، ~~أمكث في أي فندق أقل من أسبوع، ثم أستقل حافلة إلى المحطة، وحافلة أخرى إلى فندق آخر. ~~وبالطبع، كان الخطأ الذي ارتكبته هو التعرف إليك. لكنني لم أعتقد قط أنك ستمكث هنا ~~شهرا.» ~~«لكن لماذا لم تخبرني بذلك؟ إنني أتعاطف كثيرا مع ما ارتكبت من مخالفة. ولم أكن ~~لأبوح بأي شيء.» # هز جونسون رأسه. ~~«لقد وثقت بأحدهم ذات مرة. وقد أسر بما أخبرته به إلى صديق له، وظن صديقه أنها نكتة ~~طريفة، فقصها، وكانت القصة تتناقلها الألسن مشفوعة بهذا القسم في كل مرة. فألقت ~~السلطات القبض علي قبل أن ينتهي الأسبوع، وفرضوا علي غرامة باهظة، بالإضافة إلى تحصيل ~~الضريبة.» ~~«لكن ألا تتساوى أجرة الحافلة وتكلفة تغيير الملابس وكل ذلك من أمور مع قيمة الضريبة ~~المفروضة؟» ~~«أعتقد أنها كذلك. وأنا لا أعترض على دفع المال، إنما أعترض على المبدأ نفسه.» # وكان هذا الحديث هو الأخير الذي دار بيني وبين جونسون. وبعد أسبوع تقريبا قرأت في قائمة ~~الزوار أن اللورد سومرسيت كامبل - الذي كان نزيلا في فندق فيكتوريا (وهو الفندق الأفخم ~~في المكان) - قد غادر من شويندلبورج إلى إنسبروك. # | إصلاح جو هولندز # كانت الحانات في طريق بورويل - وهي كثيرة وممتدة على طول الطريق - تفخر بجو هولندز. ~~كان نموذجا مثاليا للأشخاص الذين تفرزهم بيئة الحانات. كان جو على ms033 الأرجح هو السكير ~~الأكثر مثابرة على طول هذا الطريق، وكان مشهد الشرطة وهي تلقي القبض عليه هو أحد المشاهد ~~المألوفة في الشارع. كان الكثير من مرتادي تلك الحانات يحتاجون إلى رجل شرطة واحد لاقتيادهم ~~إلى القسم، ويحتاج البعض إلى رجلين، لكن جو كان يحتاج في المتوسط إلى أربعة من رجال ~~الشرطة لاقتياده. وعرف عن جو أنه يتفاخر أن الأمر تطلب ذات مرة سبعة من رجال الشرطة ~~لاقتياده إلى القسم، إلا أن ذلك كان قبل أن تدرس الشرطة حالة جو وتقرر حجم القوة ~~الصحيح المكافئ لقوته. كان رجال الشرطة الآن يطرحونه أرضا؛ حيث يمسك أحد رجال الشرطة ~~بإحدى قدميه العصية ويمسك آخر بالقدم الأخرى، فيما يتولى الشرطيان المتبقيان أمر الجزء ~~العلوي من جسده. وهكذا حملوه، وتبعهم الحشد المتعجب، وأخذ السكارى الآخرون يشاهدونهم ~~وقد تملكتهم الغيرة؛ إذ لم يكن الأمر يتطلب معهم سوى شرطي واحد حين يتعرضون لموقف ~~مماثل. وكان جو يتمكن أحيانا من تسديد ركلة مؤثرة للغاية إلى بطن رجل الشرطة، وحين ~~ينزوي الشرطي على نفسه بعيدا عنه كان القتال يستأنف في غضون بضع لحظات، ويكون القتال ~~صامتا من جانب رجال الشرطة وصاخبا مجلجلا من طرف السكير الذي يتمتع بلسان سليط لا ~~يكف عن السباب. ثم يستمر الموكب مجددا، وكان من غير المجدي تماما أن يوضع جو في ~~عربة الإسعاف التابعة للشرطة؛ ذلك أن الأمر كان يتطلب ركوب شرطيين معه لكبت حركته ~~والسيطرة عليه أثناء نقله، والعربة غير مصنوعة لتتحمل مثل هذا الحمل. # وبالطبع، كانت عربة الإسعاف تقوم بواجبها حين يخرج جو مترنحا من الحانة ويسقط في ~~القذارة، فكان يدفع بمجهود إلى مكان سكنه، لكن المرح الحقيقي حدث عندما ألقي القبض على ~~جو أثناء المرحلة الثالثة من نوبته. اجتاز جو المرحلة الخطابية، ثم المرحلة العاطفية أو ~~الشعورية، ومنها انتقل إلى مرحلة الاشتباك والشجار التي عادة ما يلقى به في الشارع ~~خلالها؛ حيث يبدأ على الفور في إثارة الصخب في أرجاء المدينة وتلوين شوارعها بالدماء. ~~وعندئذ، تدوي صفارة الشرطة وتدرك الشرطة أن ms034 جو متحفز للقتال وأن نداء الواجب يدعوهم ~~إلى ساحة الوغى. # كان يعتقد في الحي أن جو خريج جامعي، وكان هذا يعلي شأنه لدى معجبيه. فكانت فصاحته ~~وبلاغته أمرا مفروغا منه، بعد تناوله بضع كئوس من الشراب تختلف في عددها تبعا لقوة ~~تأثير ما تحتويه من شراب، وكان من يستمع إلى كبار المتحدثين السياسيين في تلك الفترة ~~يقر بأن أحدا من هؤلاء لا يضاهي جو حين يتحدث في أمر مظالم العمال وطغيان صاحب رأس ~~المال واستبداده. ومن المفهوم بصفة عامة أن جو كان في مقدوره أن يصبح أي شيء يريده، ~~وأنه لم يكن عدو أحد سوى نفسه. كما ألمح إلى أن في وسعه أن يسدي النصائح إلى كبار ~~الشخصيات إذا ما استشاروه وسألوه رأيه في شئون الدولة. # وذات مساء حين كان جو يتقدم ببطء كالمعتاد نحو قسم الشرطة؛ حيث كان يصطحبه العدد ~~اللازم من رجال الشرطة وقدمه مرفوعة في الهواء وهو يخطب في الحشد أثناء ذلك ملهبا إعجابهم ~~به، وقفت امرأة وظهرها ملاصق للجدار الحجري وكانت مرعوبة من هول ما ترى. كان وجه المرأة ~~شاحبا وصافيا وترتدي ثيابا سوداء. وكانت مهمتها التي فرضتها على نفسها محصورة في هؤلاء ~~الناس، لكنها لم تكن قد رأت جو من قبل وهو يقتاد إلى قسم الشرطة، وكان المشهد الذي تراه ~~صادما بالنسبة إليها، رغم أنه كان مسليا بالنسبة إلى الحي. فتساءلت عن أمر جو وسمعت ~~القصة المعتادة بأنه لم يكن عدوا لأحد إلا لنفسه، وإن كانوا إحقاقا للحق قد أضافوا ~~أنه كان عدوا للشرطة. إلا أنه نادرا ما كان ينظر إلى رجال الشرطة على أنهم آدميون في ~~هذا الحي. أطلعت السيدة جونسون لجنة الرابطة الاجتماعية على القضية، وطلبت مشورة أعضائها. ~~وعندئذ، عقد العزم على إصلاح جو هولندز. # تقبل جو السيدة جونسون في إجلال مكبوت وسلوك دل بكياسة على معرفته بسمو منزلتها ~~عنه وتدني قدره. كان يعلم كيف ينبغي التعامل مع امرأة حتى ولو كان سكيرا، وذلك طبقا ~~لما أخبر به المقربين منه بعد ذلك. وكان ms035 جو على استعداد تام لترويضه وإصلاحه. فحتى هذه ~~اللحظة من حياته، لم يكن أحد قد مد إليه يد العون. كان ما يحتاجه جو هو التعاطف الإنساني، ~~ونادرا ما كان يحظى به. كان ما تلقاه ذلك الرجل الفقير في حياته من الركل والرفس يفوق ~~بكثير ما معه من مال. ولم يكن الأثرياء يكترثون بما يحل بالفقراء؛ فلم يلقوا بالا ~~لهؤلاء، وهي مسألة كانت السيدة جونسون ترفضها بشدة. # كان أحد مبادئ اللجنة أن يمد الأغنياء يد العون إلى الفقراء متى كان ذلك ممكنا. ومن ~~ثم، عقد العزم على أن يحصل جو على ملابس لائقة وأن يبحث له عن مكان يعمل فيه ~~ليتمكن من مساعدة نفسه. وكانت السيدة جونسون تجوب الحي وتجمع التبرعات لعملية الإصلاح. ~~وكان معظم الناس يرغبون في مساعدة جو، وإن كان يرى بصفة عامة أن الشارع سيبدو أقل ~~إمتاعا حين يقلع جو عن الشراب. ولكن، في إحدى الغرف في الحي، لم تستطع السيدة جونسون ~~الحصول على المال الذي كانت تسعى في طلبه. # قالت المرأة التي كان ابنها الشاحب الضعيف يتعلق بذيل تنورتها: «لا يمكننا أن ندخر ~~ولو بنسا واحدا. لقد سرح زوجي مؤخرا من العمل مرة أخرى، ولم يكن قد مضى على عمله ~~سوى أربعة أسابيع هذه المرة.» # جالت السيدة جونسون بنظرها في أرجاء الغرفة وعرفت السبب وراء عدم وجود الأموال. كان من ~~الواضح تماما أين ذهبت أموال الزوج. # كانت الغرفة مفروشة على نحو أفضل بكثير من الغرف العادية في الحي؛ فقد كانت هناك مجموعتان ~~من الأطباق حيث كانت مجموعة واحدة فقط ستكفي. وعلى رف الموقد والجدران كان هناك العديد من ~~الأشياء غير الضرورية التي تكلف أموالا. # لاحظت السيدة جونسون كل ذلك لكنها لم تقل شيئا، رغم أنها قررت أن تخبر اللجنة بما ~~رأت. ففي الاتحاد قوة، وتكمن الحصافة في كثرة التشاور. وكانت السيدة جونسون تؤمن إيمانا ~~شديدا بحكمة اللجنة وحنكتها. ~~«كم مر على تسريح زوجك من العمل؟» ~~«بضعة أيام ليس إلا، لكن الظروف عصيبة وهو يخشى ألا يجد وظيفة ms036 أخرى قريبا.» ~~«وماذا يعمل؟» ~~«نجار، وهو عامل ماهر ورصين ولا يعاقر الشراب.» ~~«إذا أعطيتني اسمه فسأضعه على قوائمنا. ربما يمكننا مساعدته.» ~~«اسمه جون موريس.» # دونت السيدة جونسون اسمه في دفترها، وحين غادرت، شعرت الزوجة بالكاد بالامتنان لما ~~يمكن أن يأتيهم من مساعدة. # أبلغت وقائع الحالة إلى اللجنة، وجرى تفويض السيدة جونسون لتقديم النصح إلى السيدة ~~موريس بشأن إسرافها وتبذيرها. ووضع اسم جون موريس في الدفاتر بين أسماء أشخاص آخرين ~~عاطلين عن العمل. ثم طرحت قضية جو هولندز وأثارت حماسا كبيرا. فقد اشتريت ملابس ~~لائقة بجزء من المال الذي جمع له، وتقرر الاحتفاظ بما تبقى منه في شكل وديعة بحيث ~~يدفع له منه متى ما اقتضت الحاجة. # وحملت اثنتان من السيدات اللاتي لهن القدرة على الإقناع على عاتقهما مسئولية البحث له ~~عن عمل في أحد المصانع إذا ما أمكن ذلك. # شعر جو بأنه غير مرتاح نوعا ما في ملابسه الجديدة، ويبدو أنه كان يرى أن ما أنفق من ~~أموال ليس إلا تبديدا. كما شعر بخيبة أمل حين عرف أنه لن يأخذ المال الذي جمع له دفعة ~~واحدة. وقد قال بأنه لا يعبأ بأمر المال، إنما كان يعبأ أكثر بانعدام الثقة الواضح. لو ~~كان الناس يثقون به أكثر من ذلك، لربما غدا أفضل حالا. فما كان ما يحتاجه جو هو أن يحظى ~~بالثقة والتعاطف الإنساني. # ناشدت السيدتان - بما لهما من قدرة على الإقناع - السيد ستيلويل وهو صاحب مصنع صغير ~~لصنع الصناديق. وقالوا له إنهما واثقتان أن حال هولندز سيتغير إلى الأفضل لو أنه حظي ~~بالفرصة. وأجابهما ستيلويل بأنه لا يوجد لديه مكان شاغر. فقد كان لديه من العمالة ما يكفي ~~بالفعل. كانت صناعة الصناديق تعاني كسادا، وكان هو يرد كل يوم المتقدمين الذين ~~كانوا عمالا أكفاء ولم يكونوا في حاجة إلى الإصلاح. لكن السيدتين كانتا على درجة ~~كبيرة جدا من الإقناع، وليس بمقدور أي رجل أن يرفض مناشدة امرأة حسناء، ناهيك عن ~~امرأتين. فوعدهما ستيلويل أن يعطي هولندز فرصة، وقال بأنه سيستشير ms037 رئيس العمال ~~لديه، وأنه سيعلم السيدتين بما يمكن القيام به. # لم يتلق جو هولندز أخبار فرصته هذه بالحماس المتوقع. كم من رجل كان يجوب أنحاء ~~لندن بحثا عن عمل ولا يجده؛ ولذا فحتى السيدتان اللتان كانتا حريصتين على صلاح أمر جو ~~وسعادته ظنتا أنه ينبغي أن يكون ممتنا لحصوله على العمل من غير سعي منه. وكل ما كان ~~من جانب جو أن قال بأنه سيبذل قصارى جهده، وحين تفكر في ذلك تجد أن هذا ما نستطيع ~~أن نتوقعه من أي امرئ. # وبعد ذلك ببضعة أيام تقدم جاك موريس إلى السيد ستيلويل من أجل الحصول على وظيفة، بيد ~~أنه لم تكن لديه لجنة فرعية من النساء المقنعات لمناشدة السيد ستيلويل باسمه. كان جاك على ~~استعداد للعمل بنصف دوام أو ربعه؛ فقد كانت لديه زوجة وابن يعولهما. واستطاع أن يبرهن ~~على أنه عامل ماهر وأنه لم يكن يعاقر الشراب. وهكذا أخذ موريس يعدد ما لديه من مؤهلات ~~على مسامع ستيلويل - صانع الصناديق - العازف عن سماعه. وحينما غادر المكان مخذولا برفض ~~آخر، صادفه جو هولندز. وكان جو محبا لإخوته في الإنسانية ويأبى أن يرى أي شخص خائب ~~الأمل مخذولا. وكان لديه حل واحد مؤكد لعلاج الحزن ووهن العزيمة. ولما كان جو قد طرد ~~لتوه من العمل، فإنه كان يتمتع بمعنويات مرتفعة؛ وذلك لأن توقعه بأنه شخصية لا تقبل ~~الإصلاح قد تحقق للتو، هذا إذا كان العمل شرطا من شروط الإصلاح. # صاح جو وهو يربت على كتف موريس: «ابتهج يا رجل! ما خطبك؟ تعال وتناول معي شرابا. ~~لدي المال هنا.» # قال موريس الذي لم يكن يعلم ذلك السكير تمام المعرفة ولم يكن يعبأ بتوطيد معرفته به: ~~«لا، أريد العمل، لا أريد الجعة.» ~~«كل حسب ذوقه. لماذا لا تسأل عن عمل في مصنع الصناديق؟ يمكنك أن تحصل على وظيفتي ~~وسأكون مرحبا بذلك. لقد طردني رئيس العمال للتو، قال بأنني لا أعمل وأنني أصرف ~~انتباه بقية العمال عن العمل. ويعتقد أنني أتحدث كثيرا عن رأس المال ms038 وشئون ~~العمال.» ~~«أتعتقد أن بإمكاني الحصول على وظيفتك؟» ~~«من الوارد جدا. لن تخسر شيئا بالمحاولة. وإذا لم يوظفوك، تعال إلى حانة ريد ~~لايون - سأكون هناك - واحتس شرابا. سيسري ذلك عنك بعض الشيء.» # توسل موريس إلى رئيس العمال دون جدوى. وقال بأن لديهم الآن فائضا من العمالة في ~~المصنع. ولذا، ذهب موريس إلى حانة ريد لايون، حيث وجد هولندز مستعدا للترحيب به. ~~تناولا بعض الشراب معا، وأخبره هولندز بجهود الرابطة الاجتماعية في خط الإصلاح وعن شكوكه ~~بشأن نجاحهم في نهاية المطاف. كان هولندز فيما يبدو يعتقد أن سيدات الرابطة مدينات له ~~كثيرا؛ لأنه يمدهم بموضوع جيد بشأن عملية الإصلاح. وفي تلك الليلة وصلت مسيرة جو ~~المهنية إلى أوجها؛ ذلك أن رجال الشرطة الأربعة اضطروا إلى مناشدة المارة المتفرجين ~~لمساعدتهم باسم القانون. # ذهب جاك موريس إلى منزله دون أن يساعده أحد. فهو لم يتناول الكثير من الشراب، لكنه ~~كان يعلم أنه كان ينبغي أن يتجنب معاقرة الشراب كلية؛ ذلك أنه عرف تأثيره من خلال ~~تجربة مر بها في شبابه. ومن ثم، كانت حالته المزاجية تميل إلى النزاع والشجار، وكان ~~على استعداد لأن يلقي باللائمة على أي شخص إلا على نفسه. # وجد زوجته تبكي، ورأى السيدة جونسون جالسة هناك، وكان من الواضح أنها بائسة ~~للغاية. # قال موريس متسائلا: «ما الأمر؟» # جففت زوجته عينيها، وقالت لا شيء. كانت السيدة جونسون تعطيها بعض النصائح وكانت هي ~~ممتنة لها. حدق موريس إلى زائرته. # وسألها بفظاظة ووقاحة: «ما بك وشأننا؟» أمسكته زوجته من ذراعه، لكنه أطاح بيدها في ~~غضب، ونهضت السيدة جونسون من مكانها وقد تملكها الخوف. ~~«ليس لك من شأن هنا. لا نريد أيا من نصائحك. دعينا وشئوننا.» ثم أضاف في نبرة ~~تنم عن نفاد صبره موجها حديثه إلى زوجته التي كانت تسعى إلى تهدئته: «اصمتي، هلا ~~صمت؟» # كانت السيدة جونسون تخشى أن يضربها وهي تمر بجواره متجهة نحو الباب، لكن كل ما ~~هنالك أنه وقف في مكانه وراح يتبع خروجها مقطب الجبين. # قصت المرأة المرعوبة ms039 على مسامع عضوات اللجنة المتعاطفات معها ما مرت به. كانت قد ~~تحدثت إلى السيدة موريس عن تبذيرها في شراء الكثير من الأشياء غير الضرورية حين كان ~~زوجها يعمل. ونصحتها بأن توفر المال. ودافعت السيدة موريس عن إنفاقها المبذر ظاهريا ~~بأن قالت إنه لم تكن هناك إمكانية لتوفير المال. فقد اشترت أشياء مفيدة، وعندما سرح ~~زوجها من العمل استطاعت دائما أن تحصل على جزء كبير من قيمتها على سبيل القرض مقابل ~~رهنها. وشرحت وهي تبكي إلى السيدة جونسون أن مكتب الرهونات هو بنك الفقراء الوحيد. وبالنسبة ~~إلى السيدة جونسون كانت فكرة مكتب الرهونات بوصفه بنكا وليس بوصفه مكانا يوصم بالخزي ~~والعار هي فكرة جديدة عليها، لكن قبل أن يقال المزيد كان الزوج قد جاء. وقد أكدت لها ~~إحدى عضوات اللجنة التي كانت تعرف بأمر الحي أكثر مما تعرف السيدة جونسون أن ثمة سببا ~~للقول بأن مكتب الرهونات هو بنك الفقراء. واتفقت اللجنة بالإجماع على أن سلوك موريس كان ~~شائنا، ولكن على الرغم من الإساءة التي تعرضت لها إحدى العضوات، فإن اللجنة لم تكن ~~لتشطب اسم رجل من قوائم العاطلين عن العمل لديها، حتى إن كان غير جدير باهتمامها. # انشغلت اللجنة بعد ذلك بانتكاسة جو هولندز المحزنة. كانت الغرامة المقررة عليه قد ~~دفعت، وعبر هو عن بالغ حزنه إزاء زلته. ولو أن رئيس العمال كان أقل صرامة معه ~~وأعطاه فرصة، لاختلفت الأمور. فتقرر إرسال جو إلى شاطئ البحر لكي يحظى بفرصة تحفيز جسمه ~~لمقاومة المغريات. واستمتع جو برحلته إلى البحر. كان يحب دوما مناوشة مجموعة جديدة من رجال ~~الشرطة غير المعتادين على طرائقه. وقد نشط جسمه كثيرا في اليوم الأول له على الشاطئ، حتى ~~إنه أمضى الليلة في السجن. # وشيئا فشيئا، كانت الممتلكات والمنقولات في منزل موريس تختفي وتذهب إلى مكتب ~~الرهونات. وكالعادة، لا تأتي المصائب فرادى. مرض الصبي وبدا موريس نفسه عاجزا عن مقاومة ~~إغراءات حانة ريد لايون. وأخذت المرأة التعيسة ولدها إلى طبيب الأبرشية، الذي كان في غاية ~~الانشغال، لكنه ms040 اهتم بحالة الصبي قدر استطاعته. وقال بأن كل ما يحتاجه الصبي هو طعام ~~مغذ والتعرض لهواء الريف العليل. تنفست السيدة موريس الصعداء، وقررت أن تأخذ الصبي ~~الصغير إلى المتنزه مرات أكثر، لكن الطريق كان طويلا، وكان تعب الصبي ووهنه يزداد ~~يوما بعد يوم. # وفي النهاية نجحت في إقناع زوجها بالانتباه إلى حالة الصبي الصغير. ووافق على أخذ الصبي ~~إلى الطبيب بصحبتها. # قالت السيدة موريس متذمرة: «لا يبدو أن الطبيب يلقي بالا إلى ما أقول. ربما سيولي ~~الاهتمام إلى رجل مثله.» # لم يكن موريس بطبيعته عبوسا نكد المزاج، لكن خيبة الأمل سرعان ما كانت تحوله إلى ~~ذلك. لم يقل موريس شيئا، لكنه أخذ الصبي بين ذراعيه وذهب إلى الطبيب وتبعته ~~زوجته. # قال الطبيب محاولا أن يبرهن على أنه أولى حالة الصبي اهتماما أكبر مما يخيل إلى ~~السيدة موريس: «جاء هذا الصبي هنا من قبل. وقد ساءت حالته كثيرا. عليك أن تأخذه إلى الريف ~~وإلا فسيموت.» # سأله موريس متجهما: «كيف يمكنني أن أنقله إلى الريف؟ أنا عاطل عن العمل منذ عدة ~~شهور.» ~~«ألديك أصدقاء في الريف؟» ~~«لا.» ~~«أليس لدى زوجتك أي أصدقاء في الريف يمكنهم أن يستقبلوها والصبي لشهر أو نحوه؟» ~~«لا.» ~~«ألديك أي شيء لترهنه؟» ~~«القليل جدا.» ~~«أنصحك إذن أن ترهن كل ما تملك، أو بعه إذا أمكنك، وخذ الصبي على ظهرك واذهب به ~~إلى الريف ولو سيرا. من المحتمل أن يكون حصولك على وظيفة هناك أسهل منه في المدينة هنا. ~~وإليك عشرة شلنات على سبيل المساعدة.» # قال موريس بنبرة صارمة: «لا أريد مالك، إنما أريد عملا.» ~~«ليس لدي فرصة عمل لك؛ ولذا أعطيك ما معي من مال. وليس لدي الكثير منه. لا تكن أحمق ~~وترفض ما يأتيك من رزق.» # ومن دون أن يجيبه موريس، أخذ ابنه بين ذراعيه ورحل. # قال الطبيب إلى السيدة موريس: «إليك زجاجة دواء مقو من أجل الصغير.» # ووضع قطعة النقود التي تساوي عشرة شلنات على الزجاجة بينما كان يعطيها إياها. شكرته في ~~صمت بعينيها الدامعتين، آملة ms041 أن يأتي الوقت الذي تستطيع فيه أن ترد إليه ماله. كان لدى ~~الطبيب ما يكفي من الخبرة لكي يصنفهما ضمن زائريه غير الاعتياديين. ولم يكن من عادته أن ~~يمنح العملات الذهبية جزافا. # كانت رحلة كئيبة وحزينة، وكان الزوجان قد قضيا وقتا طويلا ينفضان عن نفسيهما أغلال ~~المدينة الكبيرة التي كانت تلفهما وكأنها أقدام أخطبوط، والتي كانت في كل عام تمتد ~~أكثر وأكثر وتزحف على الريف، وكأن المدينة كانت تعيش على استهلاك الحقول الخضراء وإبادتها. ~~مضى موريس والصبي على ظهره، وتبعته زوجته. لم يتحدث أي منهما ولم يتذمر الصبي المريض. ~~وبينما كانا يقتربان من إحدى القرى، تدلت رأس الصبي على كتف أبيه. أسرعت الأم في مشيتها ~~حتى اقتربت منهما وراحت تقلب رأس ابنها النائم. وفجأة، أطلقت صرخة مكتومة وأخذت الصبي بين ~~ذراعيها. # سألها موريس وهو يلتفت نحوها: «ما الأمر؟» # لم تجبه، لكنها جلست على جانب الطريق وابنها على حجرها، وراحت تؤرجح جسدها ذهابا ~~وإيابا على الصبي، وكانت في أثناء ذلك تعول وتنوح. لم يكن موريس في حاجة إلى ردها. وقف ~~على الطريق وقد تجمدت ملامحه، ونظر إلى زوجته وابنه من دون أن ينبس ببنت شفة. # تدبر أهالي القرية الكرماء أمر جنازة الصغير، وحين انتهت وقف جاك موريس وزوجته مرة ~~أخرى على الطريق. # فتوسلت إليه قائلة: «جاك، يا عزيزي. لا تعد إلى ذلك المكان المريع. نحن ننتمي إلى ~~الريف، والمدينة قاسية ومتحجرة.» ~~«سأعود أنا، ولك أن تفعلي ما تشائين.» ثم أضاف بعد أن لان قليلا: «لم أجلب لك الكثير ~~من حسن الحظ يا فتاتي.» # كانت تعلم أن زوجها رجل عنيد، وانطلق هو في طريقه؛ ولذا من دون أن تبدي اعتراضا، ~~تبعته عائدة كما كانت قد تبعته خارجة، وتعثرت مرارا؛ ذلك أن عينيها لم تكونا تبصران ~~الطريق في كثير من الأحيان. وهكذا عاد الزوجان إلى منزلهما الخاوي. # ذهب جاك موريس للبحث عن عمل في حانة ريد لايون. وهناك التقى برفيقه الكريم جو هولندز، ~~الذي كان قد صلح حاله، كما كان قد ارتد عن ms042 الطريق القويم مرتين منذ تقابل هو وجاك من ~~قبل. ولكن كان من المنصف أن يعترف جو أنه لم يكن متفائلا يوما بشأن صلاح أمره، لكن بما ~~أنه كان رجلا محبا للمساعدة حتى حين كان غير ثمل، فقد كان على استعداد لأن يعطي ~~الرابطة الاجتماعية كل فرصة ممكنة. وكان جاك شديد الحزن على وفاة ولده، رغم أنه لم ينطق ~~بكلمة لزوجته تظهر مدى حزنه. ومن ثم، تطلب الأمر أن يعاقر كمية شراب أكثر من المعتاد ~~ليصل إلى درجة الثمالة التي تسيطر على كل رفقائه في حانة ريد لايون. وحين غادر موريس وجو ~~الحانة في تلك الليلة، كان الأمر يتطلب خبيرا لتحديد أيهما أكثر ثمالة من الآخر. كان ~~الرجلان في حالة متأهبة للشجار، وفي حالة مزاجية دفعتهما إلى الدعابة والعربدة في الشارع. ~~أما رجال الشرطة الذين اعتقدوا أن جو كان وحده، فقد تفاجئوا بوجود عنصر جديد في الشجار، ~~الأمر الذي لم يفسد حساباتهم العددية فحسب، وإنما أصابهم أيضا بالانزعاج. وكان انتصار ~~الثملين مجيدا، وعندما لاذا بالفرار في أحد الشوارع الجانبية، حث موريس هولندز لكي ~~يأتي معه؛ ذلك أن ممثلي القانون والنظام دائما يتلقون تعزيزات من شأنها غالبا أن ~~تحول النصر إلى هزيمة نكراء. # قال هولندز وهو يلهث: «لا يمكنني أن آتي معك. لقد آذاني أولئك الأوغاد.» ~~«تعال معي، أعرف مكانا حيث سنكون آمنين.» # ورغم كونه في غاية الثمالة، استطاع جاك أن يجد فجوة في الجدار جعلته يعبر إلى بقعة شاغرة ~~خلف مصنع الصناديق. ورقد هولندز في مكانه وهو يتأوه، وهناك غط موريس في النوم لما كان ~~عليه من ثمالة. وفي النهاية، ثأرت الشرطة لنفسها أخيرا. # حين استيقظ موريس على ضوء النهار الباهت وإدراكه مشوش لا يعرف أين يكون، وجد رفيقه ~~ميتا بجواره. كان يغشاه خوف من أن يحاكم بتهمة القتل، لكن لم يحدث ذلك. فمنذ اللحظة التي ~~سقط فيها هولندز وضرب رأسه على الرصيف، تخلت عنه العناية الإلهية التي تعتني ~~بالسكارى. # ولكن حدث شيء جيد على إثر هذه الحادثة، وهو أنها جذبت ms043 انتباه الرابطة الاجتماعية إلى جاك ~~موريس، وهم يحاولون الآن إصلاحه. # وسواء نجحوا في ذلك أم لا، فإن جاك موريس كان رجلا في حاجة بكل تأكيد إلى ~~الإنقاذ. # | خطاب الآلة الكاتبة # حين يكون المرء في صراع مع الفقر طيلة حياته، حين يخشى الفقر وهو يحاربه، حين يشعر أنه ~~يخنق الفقر من رقبته الصغيرة، ويخشى طيلة الوقت أن تأتي اللحظة التي يتغلب فيها الفقر عليه ~~ويخنقه، فقد نتخيل حين يعلم هذا المرء أنه أصبح ثريا أنه سيتلقى الخبر بمرح بالغ. عندما ~~أدرك ريتشارد دينهام أنه أصبح ثريا غدا عقلانيا أكثر من المعتاد، وأخذ شهيقا عميقا ~~وكأنه كان يجري في سباق وقد ربحه أخيرا. ولم تكن لدى الرجل الذي جاءه بتلك الأخبار أدنى ~~فكرة عن أنه أخبر دينهام بشيء جديد. # لم يقل الرجل سوى: «أنت الآن رجل ثري أيها السيد دينهام، ولن يعرف الفقر إليك طريقا بعد ~~الآن.» # لم يكن ينادى دينهام من قبل بالرجل الثري، وحتى تلك اللحظة، لم يكن يرى أنه ثري. حرر ~~دينهام الشيك المطلوب منه، وغادر زائره ممتنا له، تاركا التاجر مع شيء ليتأمله. كان ~~دينهام مندهشا من حدوث الأمر على هذا النحو المفاجئ كما لو أن شخصا قد ترك له إرثا. فحتى ~~الآن كان المال كله من جنيه هو، لكنه كافح بشدة ولم يكن يراوده أدنى أمل في التغلب على ~~فقره يوما، حتى إنه ظل يبذل كل ما أوتي من طاقة كعادته، حتى بعدما هزم عدوه ~~بفترة طويلة، مثلما حدث تماما مع القوات في نيو أورلينز حين خاضت معركة شرسة دون أن ~~تحيط علما بأن الحرب قد وضعت أوزارها. كان دينهام يتحدر من عائلة فقيرة معدمة، تعيش ~~في فقر مدقع لا أمل في الخروج منه. كان الفقر هو إرثهم الذي تناقلته العائلة عبر الأجيال. ~~كان الفقر هو الإرث الثابت الذي يتركه الأب لابنه في عائلة دينهام. وكان جميع أفراد العائلة ~~يتقبلون مصيرهم وقدرهم باستسلام وخنوع، حتى قرر ريتشارد أن يحاول على الأقل أن يكافح في ~~سبيل تغيير ذلك ms044 الوضع. والآن، صار النصر حليفه. جلس دينهام في مكتبه يحدق إلى ورق الحائط ~~الرث لفترة طويلة حتى أطل روجرز - وهو مدير المكتب - برأسه إلى داخل مكتبه وقال بنبرة ~~تنم عن الاحترام ومراعاة رغبات الآخرين: ~~«أتريد مني أي شيء آخر الليلة أيها السيد دينهام؟» # اندهش دينهام من السؤال وكأنه لم يكن يطرح على مسامعه وبنفس النبرة مساء كل ليلة لمدة ~~أعوام طويلة. # فصاح به قائلا: «ما هذا، ما الأمر؟» # ذهل روجرز لكنه استطاع أن يخفي ذهوله. ~~«أتريد مني شيئا آخر الليلة أيها السيد دينهام؟» ~~«آها، حسنا. لا يا روجرز، شكرا لك. لا شيء.» ~~«طاب مساؤك أيها السيد دينهام.» ~~«ماذا؟ أوه، أجل. طاب مساؤك يا روجرز، طاب مساؤك.» # وحين غادر السيد دينهام مكتبه وخرج إلى الشارع بدا له كل شيء بمظهر مختلف. راح ~~يقطع الشارع من دون أن يبالي بوجهته. نظر إلى البيوت الفخمة وأدرك أنه ربما يحصل على منزل ~~فخم إذا ما أراد. ورأى عربات جميلة؛ ربما يحصل لنفسه على واحدة أيضا. لكن شعور الارتياح ~~الناجم عن تلك الأفكار كان قصير الأمد. فما فائدة أن يحصل على منزل فخم أو عربة جميلة؟ لم ~~يكن يعرف أي شخص يمكن أن يدعوه إلى المنزل أو يركب معه العربة. بدأ يدرك كم هو وحيد ~~تماما في هذا العالم. لم يكن لديه أصدقاء، أو حتى معارف؛ فالكلب الذي يجري وهو يدس ~~أنفه في الأرض لا يرى أي شيء من حوله. كان بالطبع يعرف بعض الأشخاص فيما يتعلق بشئون ~~العمل، وكل منهم له منزله في أطراف المدينة وضواحيها، لكنه لا يستطيع أن يجر رجل أعمال ~~من كتفيه ويقول له: «ادعني إلى منزلك؛ أنا وحيد، وأريد أن أتعرف إلى أناس ~~آخرين.» # إنه لم يكن يعرف هو نفسه ماذا سيفعل إذا تلقى مثل تلك الدعوة. كانت حجرة العد ولغتها ~~مألوفة له، أما غرفة الصالون فكانت أرضا غير مستكشفة ولغتها مجهولة له. لقد فوت على ~~نفسه شيئا وهو في طريقه إلى الثراء، وكان الأوان قد فات الآن كي يعود ms045 لتعويض ما فوته. ~~لقد سمع أمس أحد الموظفين، الذي لم يكن يعلم أنه على مسمع من السيد دينهام، وهو يشير ~~إليه ب «الرجل العجوز». شعر دينهام بأنه لطالما كان في ريعان شبابه، لكن تلك الجملة وعلى ~~الرغم من أنها قيلت على محمل الهزل تماما، جعلته يشهق ألما. # وبينما كان يسير الآن عبر المتنزه، وبعيدا عن الشوارع المزدحمة، خلع عنه قبعته ومرر ~~أصابعه في شعره الأشيب، ونظر إلى يديه بعد أن فعل ذلك، وكأن شيبته ستخرج في يده وكأنها ~~صبغة لم تجف بعد. تذكر فتاة كان يعرفها ذات يوم، والتي كانت ربما ستتزوج به لو أنه ~~طلب منها الزواج؛ حيث كان يشعر بنزعة نحو ذلك. لكن كانت تلك هي غلطة آل دينهام دائما. ~~لقد تزوجوا جميعا وهم في سن صغيرة، عداه هو، وهكذا غاصوا أكثر في مستنقع الفقر ~~الموحل، واستبدت بهم الضغوط بفعل ذريتهم المتزايدة بسرعة. وتذكر أن تلك الفتاة قد ~~تزوجت بخباز. أجل، كان ذلك منذ زمن طويل. ولم يكن الموظف مخطئا حين قال بأنه رجل عجوز. ~~وفجأة ظهرت أمام مخيلته فتاة أخرى، وهي فتاة عصرية، تختلف تماما عن الفتاة التي تزوجت ~~بالخباز. كانت تلك هي المرأة الوحيدة في العالم التي يوجد بينهما مجال للحديث، وكان ~~يعلمها فقط لأن أناملها الرقيقة والرشيقة كانت تعزف مقطوعة العمل الوحيدة ذات الوتيرة ~~الواحدة على الآلة الكاتبة الموجودة في مكتبه. كانت الآنسة جيل جميلة بالطبع، كحال كل ~~الفتيات اللائي يكتبن على الآلة الكاتبة، وكان من المعروف عنها في المكتب أنها تتحدر من ~~عائلة ثرية ساء حالها. وكان مظهرها الذي يوحي بالاستقلالية يعزز من تلك القناعة لدى ~~الجميع، وجعل موظفي المكتب لا يجرءون على الاقتراب منها، فظلوا على مسافة منها. كانت ~~فتاة رشيدة أدركت أن الآلة الكاتبة تدر مالا أكثر من البيانو؛ ومن ثم حولت مهارة ~~أناملها البيضاء إلى الآلة الكاتبة. جلس ريتشارد دينهام على مقعد في المتنزه وسأل نفسه: ~~«لم لا؟» لم يكن من سبب يمنعه من ذلك سوى أنه شعر أنه لم يكن ms046 يملك الشجاعة. ومع ذلك، اتخذ ~~قرارا يائسا. # في اليوم التالي، سار يوم العمل كالمعتاد. جرى الرد على الخطابات، وحان الوقت الذي تدخل ~~فيه الآنسة جيل لكي ترى إن كانت هناك أوامر أخرى اليوم. تردد دينهام. وشعر إلى حد ما ~~أن المكتب ليس بالمكان المناسب لعرض زواج، لكنه كان يعلم أنه سيكون في وضع غير مؤات في ~~أي مكان آخر. ففي المقام الأول، لم يكن لديه عذر منطقي يجعله يدعو الشابة إلى منزله، ~~وفي المقام الثاني، كان يعلم أنه حتى لو اصطحبها إلى المنزل فسوف يصيبه صمت مطبق؛ ومن ~~ثم، لا بد أن يحدث هذا في المكتب وإلا فلن يحدث في أي مكان على الإطلاق. # وأخيرا قال: «تفضلي بالجلوس يا آنسة جيل. أردت أن أستشيرك بشأن أمر ما ... أمر يخص ~~العمل.» # جلست الآنسة جيل، وبتلقائية أخرجت الدفتر الصغير ووضعته على ركبتها لتدون تعليماته. ~~ورفعت نظرها إليه في انتظار ذلك. فمرر دينهام أصابعه بين شعره بطريقة تنم عن ~~الارتباك. # بدأ دينهام حديثه قائلا: «أفكر في الحصول على شريك. فالعمل مزدهر الآن. وفي ~~الواقع، كان كذلك منذ فترة طويلة.» # قالت الآنسة جيل بنبرة استفهام: «حقا؟» ~~«أجل، أعتقد أنني يجب أن أحصل على شريك. وهذا هو ما أردت أن أحدثك بشأنه.» ~~«ألا تعتقد أن من الأفضل أن تستشير السيد روجرز؟ إنه على دراية بشئون العمل أكثر مني. ~~لكن ربما تريد أن يكون السيد روجرز شريكا لك؟» ~~«لا، ليس روجرز. هو رجل صالح. لكنه ليس روجرز.» ~~«إذن، أعتقد أن في أمر مهم كهذا كان السيد روجرز، أو شخص يضاهيه في الإلمام التام بشئون ~~العمل، سيتمكن من إسدائك نصائح قيمة.» ~~«إنني لا أنشد النصيحة على وجه التحديد. لقد اتخذت قراري بأن أتخذ لي شريكا، إذا كان ~~الشريك لديه الرغبة في ذلك.» # مسح دينهام جبينه. كان الأمر يزداد صعوبة أكثر مما توقع. # سألته الآنسة جيل وهي تتلهف لمساعدته: «إذن، هل تتعلق المسألة برأس المال الذي سيقدمه ~~شريكك؟» ~~«لا، لا. لا أريد رأس مال. لدي ما يكفي لكلينا ms047 . والعمل مزدهر للغاية آنسة جيل، و... ~~ولطالما كان.» # رفعت الشابة حاجبيها تعبيرا عن اندهاشها. ~~«من المؤكد أنك لا تنوي أن تتقاسم أرباحك مع شريك لن يقدم أي رأس مال في العمل، ~~أليس كذلك؟» ~~«بلى، بلى، لا أنوي ذلك. فأنت ترين - كما قلت - أنني لست بحاجة إلى المزيد من رأس ~~المال.» ~~«أوه، إذا كانت المسألة كذلك، فإنني أرى أنك ينبغي أن تستشير السيد روجرز قبل أن تلزم ~~نفسك بشيء.» ~~«لكن روجرز لن يفهم.» ~~«أخشى أنني لا أفهم أيضا. يبدو لي أن من الحماقة أن تفعل ذلك، هذا إذا كنت تريد ~~نصيحتي.» ~~«أوه، أجل، أريدها. لكن الأمر ليس بهذه الدرجة من الحماقة كما تعتقدين. كان ينبغي لي أن ~~أتخذ شريكا منذ وقت طويل. هذا هو الخطأ الذي وقعت فيه. ولقد عقدت العزم على ~~ذلك.» ~~«إذن لا أرى أن في مقدوري أن أفيدك، إذا كنت قد عقدت العزم بالفعل.» ~~«أوه، بل يمكنك أن تفيديني. ولكن أخشى قليلا أن عرضي لن يحوز القبول.» ~~«من المؤكد أنه سيحوز القبول لدى أي رجل رشيد. لا يمكن أن تخشى من رفض عرض كهذا! مثل ~~هذه العروض لا تقدم كل يوم. سيحوز القبول.» ~~«أتعتقدين ذلك حقا آنسة جيل؟ يسعدني أن يكون هذا هو رأيك. والآن، ما أريد أن ~~أستشيرك بشأنه هو صيغة العرض. أريد أن أصوغه بأسلوب رقيق، حسنا، وحس مرهف، كما ~~تعلمين، حتى لا يقابل بالرفض، ولا يمثل أي إساءة.» ~~«فهمت. تريد مني أن أكتب له خطابا؟» # صاح دينهام بشيء من الارتياح: «بالضبط، بالضبط.» لم يكن قد فكر في إرسال خطاب من قبل. ~~والآن، تساءل لم لم يفكر في ذلك من قبل. كان من الواضح أن هذه هي أفضل وسيلة للخروج من ~~هذا الموقف المحرج للغاية. ~~«هل تحدثت إليه في هذا الشأن؟» ~~«تحدثت إليه؟ من؟» ~~«إلى شريكك المستقبلي، بشأن هذا العرض.» ~~«لا، لا. أوه، لا. لم أتحدث إلى أحد سواك.» ~~«وأنت عازم على ألا تتحدث إلى السيد روجرز قبل أن تكتب عرضك؟» ~~«بكل تأكيد. لا شأن لروجرز ms048 بذلك.» # قالت الآنسة جيل باقتضاب وهي تنكب على دفترها: «أوه، حسنا إذن.» # كان من الواضح تماما أن رأيها في حكمة دينهام وحصافته يتراجع على نحو مطرد. ثم رفعت ~~نظرها فجأة. ~~«وكم أذكر بشأن الأرباح السنوية؟ أم أنك لا تريد أن تذكر ذلك؟» ~~«لا، لا أعتقد أنني سأذكرها. لا أريد أن يبنى هذا الترتيب على أساس مالي - ليس في ~~مجمله.» ~~«على أي أساس إذن تريد أن يبنى؟» ~~«حسنا، لا أستطيع وصفه على وجه التحديد. ربما على أساس شخصي. إنني أفضل أن تكون لدى ~~الشخص - أي شريكي - الرغبة في مشاركتي.» # سألته الآنسة جيل دون أن ترأف لحاله: «أتقصد بصفة ودية؟» ~~«بالتأكيد. بصفة ودية قطعا، وربما أكثر من ذلك.» # رفعت الآنسة جيل نظرها إليه في يأس أكيد من قدرته على التعبير. ~~«لم لا تكتب رسالة تدعو فيها شريكك المستقبلي لزيارتك هنا، أو في أي مكان آخر ملائم، ~~ثم تناقشان الأمر؟» # بدا دينهام خائفا. ~~«فكرت في ذلك، لكنني لن أفعل. لا، لن أفعل. أفضل أن نتفق على كل شيء ~~بالمراسلة.» ~~«أخشى أنني لن أستطيع صياغة خطاب يلائمك. يبدو أن هناك الكثير من الصعوبات. إنه أمر غير ~~اعتيادي.» ~~«هذا صحيح، ولهذا السبب أعرف أنك الوحيدة التي في إمكانها مساعدتي يا آنسة جيل. وسيسرني ~~هذا كثيرا إذا كان يسرك.» # هزت الآنسة جيل رأسها، لكن بعد لحظات قالت: «كيف سنبدأ؟» ~~«عزيزي السيد ...» # صاح دينهام: «انتظري لحظة، تبدو هذه الافتتاحية في غاية الرسمية، أليس كذلك؟ كيف سيكون ~~وقعها لو قلنا: «صديقي العزيز»؟» ~~«لا بأس إن كانت هذه رغبتك.» ثم شطبت كلمة «السيد» وبدلت بها الكلمة المقترحة. ثم ~~قرأت: # صديقي العزيز، كنت أرغب منذ مدة أن أتخذ لي شريكا، ويسرني إذا فكرت في هذه ~~المسألة ووافقت على الانضمام إلي في هذا العمل. إن العمل مزدهر الآن، ولطالما ~~كان كذلك منذ بضع سنوات، وبما أنني لن أطلب منك تقديم أي رأس مال، أرى أنك ستجد ~~عرضي مؤاتيا كثيرا. وسوف ... # قال دينهام في شيء من التردد: «أنا ... لا أظنني أريد صياغته ms049 على هذا النحو. يبدو الأمر ~~وكأنني أقدم كل شيء، وأن شريكي ... أنت تفهمين ما أرمي إليه.» # قالت الآنسة جيل في جرأة: «هذه هي الحقيقة.» ~~«من الأفضل صياغة الخطاب بصفة ودية كما اقترحت قبل قليل.» ~~«لم أقترح أي شيء أيها السيد دينهام. ربما كان من الأفضل أن تملي علي الخطاب كما ~~تريده بالضبط. كنت أعرف أنني لن أستطيع صياغة خطاب يسرك.» ~~«إنه يسرني كثيرا، لكنني أفكر في شريكي المستقبلي. إنك تبلين بلاء ممتازا، أفضل ~~مما يمكنني فعله. لكن كل ما عليك أن تصوغي الأمر بصفة ودية.» # وبعد لحظات قرأت: ~~... الانضمام إلي في هذا العمل. إنني أقدم لك هذا العرض من منظور ودي بحت، ~~وليس من منظور مالي، آملا أنني أروق لك بما يكفي لتوافق على مشاركتي. ~~«أي شيء آخر سيد دينهام؟» ~~«لا. أعتقد أن هذا يغطي كل شيء. سيبدو الخطاب مقتضبا ومنسوخا بالآلة الكاتبة، ~~أليس كذلك؟ ربما أضفت شيئا يوضح أنني سأصاب بخيبة أمل كبيرة لو أن عرضي قوبل ~~بالرفض.» # قالت الآنسة جيل: «لا داعي للقلق بشأن ذلك، لكنني سأضيف ما تريد على أي حال. ~~«المخلص» أو «المخلص جدا»؟» ~~«يمكنك أن تختمي الخطاب ب «صديقك».» # جاء صوت النقر السريع على الآلة الكاتبة من الغرفة المجاورة لبضع دقائق، ثم خرجت الآنسة ~~جيل وفي يدها نص الخطاب كاملا. # وسألته: «هل أطلب من عامل المكتب أن ينسخه؟» # أجابها السيد دينهام في هلع واضح: «أوه، باركك الرب؛ لا!» # قالت الشابة في نفسها: «إنه لا يريد للسيد روجرز أن يعرف بالأمر، ولا عجب في ذلك. إنه ~~طلب لا علاقة له بالعمل بالمرة.» # ثم قالت بصوت مسموع: «هل ستحتاجني اليوم مجددا؟» ~~«لا آنسة جيل، وشكرا جزيلا لك.» # في صباح اليوم التالي جاءت الآنسة جيل إلى مكتب السيد دينهام وعلى وجهها ابتسامة. # وقالت بينما تخلع عنها دثارها: «لقد ارتكبت خطأ طريفا ليلة أمس أيها السيد ~~دينهام.» # سألها بانتباه شديد: «أحقا؟» ~~«أجل، لقد أرسلت الخطاب على عنواني. واستلمته هذا الصباح. وقد فتحته لأنني اعتقدت ~~أنه لي وأنك ربما لم ms050 تكن بحاجة إلي اليوم. لكنني أدركت في الحال أنك وضعت الخطاب في ~~المظروف الخطأ. فهل تريدني اليوم؟» # كاد يقول: «أريدك كل يوم.» لكن كل ما فعله أنه مد يده ليأخذ الخطاب، ونظر إليه ~~وكأنه لا يجد تفسيرا لإرساله إلى الوجهة الخطأ. # جاءت الآنسة جيل في اليوم التالي متأخرة، وبدت مذعورة. وبدا واضحا أن دينهام كان يفقد ~~رباطة جأشه. وضعت الآنسة جيل الخطاب أمامه وقالت: ~~«لقد أرسلته إلي للمرة الثانية أيها السيد دينهام.» # ارتسمت على وجه دينهام أمارات القلق المضني مما زاد شكوكها. وشعر دينهام أن عليه أن ~~يصارحها الآن وإلا فلن يصارحها أبدا. # فقال بصوت أجش: «إذن لم لا تردين عليه يا آنسة جيل؟» # تراجعت إلى الخلف بضع خطوات. # ثم رددت كلمته بصوت خافت: «أرد عليه؟» ~~«بالتأكيد. لو أنني تسلمت خطابا واحدا مرتين، لرددت عليه.» # صاحت قائلة، ويدها على مقبض الباب: «ماذا تقصد؟» ~~«ما يقوله الخطاب تماما. أريدك شريكة لي. أريد أن أتزوجك، و... بالنسبة إلى الاعتبارات ~~المالية ...» # صاحت الآنسة جيل بعد تنهيدة طويلة مرتجفة: «أوه!» لا شك أنها كانت مصدومة من الكلمة التي ~~نطق بها، فهرعت إلى مكتبها وأغلقت الباب خلفها. # جاب ريتشارد دينهام الغرفة ذهابا وإيابا لبضع لحظات، ثم نقر على باب مكتبها نقرا ~~خفيفا، لكن لم يأته رد. فارتدى قبعته وخرج إلى الشارع. وبعد أن سار مسافة طويلة هائما ~~على وجهه بلا هدف، وجد نفسه مرة أخرى عند مقر عمله. وحين دخل قال له روجرز: ~~«لقد غادرت الآنسة جيل يا سيدي.» ~~«أحقا؟» ~~«أجل، وقد تركت إخطارا. وقالت بأنها لن تعود يا سيدي.» ~~«حسنا إذن.» # دلف حجرته ووجد على مكتبه خطابا معنونا ب «شخصي». فمزع المظروف ليفتحه وقرأ في ~~حروف منمقة منسوخة على الآلة الكاتبة: # لقد استقلت من وظيفتي ككاتبة على الآلة الكاتبة، حيث تلقيت عرضا أفضل. لقد ~~تلقيت عرض شراكة في منزل ريتشارد دينهام. وقد قررت أن أقبل العرض، ليس بسبب ~~المغريات المالية الكثيرة بقدر ما هو بسبب أنني يسرني - بصفة ودية - الارتباط ~~بالرجل الذي ذكرت اسمه ms051 . لماذا وضعتني تحت هذا الضغط الكبير في كتابة هذا الخطاب ~~الأحمق، في حين أن بضع كلمات قليلة كانت ستوفر الكثير من العناء؟ من الواضح ~~أنك تريد شريكا. وسوف يسعد أمي كثيرا أن تلتقي بك في أي وقت. لديك العنوان، ~~صديقتك. # مارجريت جيل # صاح دينهام مبتهجا: «روجرز!» # أجابه الرجل المحترم وقد أطل برأسه إلى داخل الغرفة: «أجل يا سيدي.» ~~«انشر إعلانا عن حاجتنا إلى موظفة آلة كاتبة أخرى يا روجرز.» # قال روجرز: «أمرك سيدي.» # | هلاك لندن # (1) خيلاء القرن العشرين # أثق بأنني ممتن كثيرا أن طال بي العمر حتى أشهد أروع حقبة في تاريخ العالم، وهي ~~حقبة منتصف القرن العشرين. ولا فائدة لأي إنسان في أن ينتقص من قدر الإنجازات ~~الهائلة التي تحققت في الخمسين عاما المنصرمة، وعندما أقدم على لفت الانتباه إلى ~~الحقيقة، التي من الواضح أنها أضحت منسية، وهي أن الناس في القرن التاسع عشر ~~نجحوا في إنجاز الكثير من الأمور البارزة، فلا بد ألا يتصور أنني أعتزم من ذلك ~~الانتقاص بأي درجة من شأن الاختراعات المذهلة للعصر الحالي. ويميل الناس دوما ~~إلى أن ينظروا باستنكار وازدراء إلى أولئك الذين عاشوا خمسين عاما أو مائة عام ~~قبلهم. ويبدو لي أن هذه هي نقطة الضعف البارزة للعصر الحالي؛ إنها إحساس عام ~~بالخيلاء وهو ما ينبغي أن يبقى في الخلفية قدر الإمكان إذا ما وجد. وسيندهش ~~الكثيرون حين يعرفون أن هذا كان أيضا أحد أوجه الخلل لدى من عاشوا في القرن التاسع ~~عشر. لقد تخيلوا أنفسهم يعيشون في عصر التقدم، وعلى الرغم من أنني لست بالقدر ~~الكافي من الغباء لكي أحاول إثبات أنهم قاموا بأشياء تستحق الإشارة إليها وتسجيلها ~~حقا، فعلى أي باحث غير متحيز أن يعترف بأن اختراعاتهم كانت على الأقل هي حجر ~~الأساس لاختراعات هذا العصر ونقطة انطلاقها. ولكن مع أن الهاتف والتلغراف، وكل ~~الأجهزة الكهربائية الأخرى، لا تقبع الآن سوى في المتاحف القومية أو في المجموعات ~~الشخصية لهواة جمع اختراعات القرن الماضي، فإن دراسة علوم الكهرباء التي أصبحت الآن ms052 ~~عتيقة الطراز أدت إلى الاكتشاف الحديث للأثير المهتز الذي يساعد اليوم على إنجاز ~~الأعمال كافة في العالم وعلى نحو مرض جدا. لم يكن الناس في القرن العشرين ~~أغبياء، وعلى الرغم من أنني أعي تماما أن هذه الجملة ستقابل بالازدراء حيثما لفتت ~~الانتباه إليها على أي حال، فمن في وسعه أن يقول إن التقدم خلال فترة نصف القرن ~~القادمة لن يكون على القدر نفسه من الروعة الذي كان عليه في الفترة التي انتهت الآن؛ ~~وإن الناس في القرن القادم ربما لا ينظرون إلينا بالازدراء نفسه الذي نشعر به تجاه ~~من عاشوا قبل خمسين عاما؟ # ورغم كوني رجلا عجوزا، وربما كنت شخصا متقاعسا يعيش في الماضي بدلا من ~~المستقبل، فما زلت أرى أن مقالا كالذي نشر في مجلة «بلاكوود» بقلم البروفيسور ~~الموهوب موبيري من جامعة أوكسفورد ما هو إلا مقال غير مبرر على الإطلاق. يحمل المقال ~~عنوان: «هل استحق الشعب اللندني مصيره؟» وفيه يحاول البروفيسور توضيح أن المحو ~~المتزامن لملايين البشر كان حدثا مفيدا، وأننا ما زلنا ننعم بنتائجه الجيدة حتى ~~الآن. وهو يرى أن الشعب اللندني كان في غاية التخلف والغباء، وغير قادر على إحراز ~~أي تقدم، ولا يهتم مطلقا إلا بجمع المال؛ ومن ثم فإن فناءه عن بكرة أبيه هو ~~الشيء الوحيد الذي كان سيفي بالغرض، بل إن هلاك لندن سيكون محض نعمة وليس فاجعة ~~مروعة. وعلى الرغم من الاستحسان الكبير الذي حظي به هذا المقال في الصحافة، فإن ~~لدي تحفظاتي وأرى أن مثل هذا المقال لا مبرر له، وأن هناك ما ينبغي أن يقال عن ~~لندن في القرن التاسع عشر. ~~(2) السبب وراء عدم استعداد لندن، رغم تحذيرها # إن الاستياء الذي شعرت به عندما قرأت المقال المشار إليه للمرة الأولى ما زال ~~يلازمني، وقد دفعني إلى أن أكتب هذه الكلمات، موضحا الأمر الذي ما زلت أرى أنه أفظع ~~كارثة حصدت أرواح الكثير من البشر، على الرغم من استخفاف العصر الحالي واستهزائه ~~تجاهها. إنني لن أحاول أن أقدم لمن يقرءون كلماتي ms053 هذه أي بيان أو تقرير عن ~~الإنجازات المتعلقة بالفترة الزمنية محل النقاش. لكنني أود أن أقول بضع كلمات حيال ~~الغباء المزعوم للشعب اللندني فيما يتعلق بعدم القيام بأي استعدادات إزاء كارثة كانوا ~~يتلقون تحذيرات مستمرة ومتكررة بشأنها. لقد وضعوا في مقارنة مع سكان بومباي ~~الذين كانوا يمرحون عند سفح بركان. بادئ ذي بدء، كان الضباب أمرا مألوفا للغاية في ~~لندن، لا سيما في فصل الشتاء، حتى إن أحدا لم يكن يوليه اهتماما كبيرا. كان ~~الجميع ينظر إلى الضباب على أنه مصدر إزعاج كبير، يعطل حركة المرور وذو تأثير ضار ~~على الصحة، لكنني أشك إن كان أحد قد فكر أن من الممكن أن تتحول سحابة من ~~الضباب إلى وسادة كبيرة خانقة تضغط على مدينة بأسرها، كاتمة للحياة فيها وكأن ~~المدينة كانت تعاني من داء الكلب العضال. لقد قرأت أن الضحايا الذين عضتهم ~~الكلاب المسعورة كانوا في السابق يجدون حدا لمعاناتهم بتلك الطريقة نفسها، على ~~الرغم من أنني أشك كثيرا إن كانت تلك الأشياء تحدث فعلا، على الرغم من تهم ~~الهمجية والوحشية التي تطلق الآن ضد من عاشوا في القرن التاسع عشر. # ربما كان سكان مدينة بومباي معتادين كثيرا على ثوران بركان فيزوف لدرجة أنهم لم ~~ينتبهوا مطلقا إلى احتمالية أن تدمر مدينتهم بفعل عاصفة من الرماد وفيضان من الحمم ~~البركانية. كان المطر يهطل باستمرار على لندن، وإذا استمر هطول المطر فترة طويلة ~~بما فيه الكفاية، فمن المؤكد أن الأمر كان سيحدث فيضانا يغرق المدينة، لكن لم ~~تتخذ تدابير استباقية إزاء فيضان يأتي من السماء. إذن لماذا نتوقع من الشعب اللندني أن ~~يستعد لكارثة سببها الضباب، خصوصا أننا لم نسمع بمثل هذا في تاريخ العالم كله؟ كان ~~الشعب اللندني أبعد ما يكون عن نماذج الحمقى البطيئي الاستجابة التي يصفهم بها ~~كتاب العصر الحديث ويريدون منا تصديقهم. ~~(3) المصادفة التي وقعت أخيرا # الآن وقد انقشع الضباب عن كل من الأرض والبحر، ولم تر إلا فئة قليلة من الجيل ~~الحالي هذا الضباب، قد يكون الحديث ms054 عن الضباب بصفة عامة - وعن ضباب لندن بصفة خاصة - ~~في أسطر قليلة أمرا في محله، حيث يختلف ضباب لندن عن الضباب عموما من خلال بعض ~~السمات الخاصة المحلية. الضباب هو ببساطة بخار ماء يرتفع من سطح الأرض السبخة أو من ~~البحر، أو هو ما يتكثف على هيئة سحابة من الغلاف الجوي المشبع. وفي شبابي، كان ~~الضباب يشكل خطرا كبيرا في البحر، ذلك أن الناس وقتها كانوا يسافرون بالسفن ~~البخارية التي كانت تبحر على سطح ماء المحيط. # كانت لندن في نهاية القرن التاسع عشر تستهلك كميات هائلة من الفحم الحجري الناعم ~~لغرض تدفئة الحجرات وإعداد الطعام. وفي الصباح وأثناء النهار، كانت سحب من الدخان ~~الأسود تتدفق من آلاف المداخن. وعندما كانت كتل البخار الأبيض ترتفع ليلا كانت ~~سحب الدخان تلك تسقط على الضباب، فكانت تضغط عليه للأسفل، وتتسرب ببطء خلاله وتضيف ~~كثافة إلى كثافته. وكانت الشمس ستبدد الضباب لولا طبقة الدخان الكثيفة التي كانت ~~تستقر على البخار مانعة أشعة الشمس من الوصول إليه. وعندما أصبحت تلك الظروف هي ~~الحالة السائدة، لم يكن من شيء ينقي جو لندن سوى نسمة ريح تهب من أي اتجاه. كانت ~~لندن في الغالب تقبع في الضباب لمدة سبعة أيام، وفي بعض الأحيان يكون الجو هادئا لمدة ~~سبعة أيام، لكن هاتين الحالتين لم يتزامنا قط حتى العام الأخير من القرن المنصرم. ~~كان هذا التزامن يعني - كما يعلم الجميع - الموت، وهو موت بالجملة لم تكن حتى أسوأ ~~حرب شهدتها الأرض لتخلف وراءها هذا الكم من القتلى. ولكي نفهم الوضع، علينا فقط ~~أن نتخيل أن الضباب يحل محل الرماد في مدينة بومباي، وأن دخان الفحم هو الحمم ~~البركانية التي كانت تغطيه. وفي كلتا الحالتين كانت النتيجة متشابهة تماما فيما ~~يتعلق بسكان المدينتين. ~~(4) الأمريكي الذي كان يريد البيع # كنت في ذلك الوقت سكرتيرا خاصا في شركة «فولتون آند بريكستون وشركائهما»، وهي شركة ~~في شارع كانون وتعمل بصفة رئيسية في مجال الكيماويات والأجهزة الكيميائية. لم ألتق ~~فولتون قط؛ فقد مات قبل ms055 انضمامي إلى العمل في الشركة بوقت طويل. أما السير جون ~~بريكستون فكان رئيسي في العمل، وأعتقد أنه حاز لقب «سير» أو «فارس» نظير خدمات قدمها ~~إلى حزبه، أو لأنه كان مسئولا رسميا في المدينة أثناء فترة شهدت بعض التقدم ~~الملكي فيها؛ ولقد نسيت أي السببين كان صحيحا. كانت غرفتي الصغيرة مجاورة ~~لغرفته الكبيرة، وكانت مهمتي الأساسية هي التأكد دائما من أن أحدا لا يلتقي ~~بالسير جون في مقابلة شخصية إلا إذا كان شخصا مهما أو لديه شأن مهم. كان من الصعب ~~مقابلة السير جون، وكان من الصعب التعامل معه عند مقابلته. فلم يكن يكن الكثير من ~~الاحترام لمشاعر غالبية الناس، ولم يكن يكن أي احترام لمشاعري. وإذا سمحت لأحد ~~بدخول غرفته وكان ينبغي أن يتعامل معه أحد صغار الموظفين بالشركة، لم يكن السير جون ~~ليبذل أي جهد ليخفي رأيه فيما صدر مني. وذات يوم في خريف العام الأخير من القرن، ~~دخل رجل أمريكي إلى غرفتي. وأبدى الرجل إصرارا شديدا على مقابلة السير جون بريكستون. ~~أخبرته أن ذلك مستحيل؛ لأن السير جون كان مشغولا للغاية، وأنه إذا أخبرني بما ~~يريد فإنني سأعرض الأمر على السير جون في أقرب فرصة تسنح لذلك. اعترض الأمريكي على ~~ذلك، لكنه في النهاية رضخ لاقتراحي الذي لا مفر منه. قال إنه اخترع آلة من شأنها أن ~~تغير ملامح الحياة في لندن تغييرا جذريا، وأنه يريد أن تصبح شركة «فولتون آند ~~بريكستون» وكيلا له. كانت الآلة، التي كان يحملها معه في حقيبة يد صغيرة، مصنوعة من ~~معدن أبيض، وكانت مركبة بحيث إذا أدرت مؤشرا فيها فإنها تخرج كميات متفاوتة من ~~غاز الأكسجين. وكان الغاز - حسب ما فهمت - معبأ في داخلها في صورة سائل تحت ضغط ~~هائل، ويدوم لمدة ستة أشهر - إذا كنت أذكر ما قاله لي وقتها جيدا - من دون الحاجة إلى ~~إعادة ملء الآلة وشحنها به. كما كان بها أنبوب مطاطي متصلة به قطعة توضع في الفم، ~~وقال الأمريكي بأن المرء إذا استنشق منها عدة مرات ms056 في اليوم، فإنه سيحظى بنتائج ذات ~~نفع له. ومن هنا، أدركت أن عرض الآلة على السير جون لم يكن يجدي نفعا على ~~الإطلاق؛ لأننا كنا نعمل في مجال الأجهزة البريطانية القديمة، وليس في أي من ~~الاختراعات الأمريكية الجديدة. وبالإضافة إلى ذلك، كان السير جون متحيزا ضد ~~الأمريكيين، وبت متأكدا من أن ذلك الأمريكي سيثير سخطه؛ ذلك أنه كان نموذجا ~~شديد الشحوب من العرق البشري، وكان يصدر من أنفه خنينا عاليا، ومخارج الحروف عنده ~~يرثى لها، وحديثه مليئا باللغة العامية، كما كانت تصدر عنه عادة بعض السلوكيات ~~العصبية تجاه الأشخاص الذين كان هو بالنسبة إليهم شخصا غريبا تماما. ومن ثم، كان ~~من المستحيل بالنسبة إلي أن أسمح لرجل كهذا أن يدخل إلى السير جون بريكستون، وعندما ~~عاد بعدها ببضعة أيام شرحت له - وآمل أنني فعلت ذلك بكياسة ولطف - أن رئيس الشركة ~~آسف للغاية لعدم قدرته على النظر في عرضه بشأن الآلة. ويبدو أن حماسة الأمريكي لم ~~تتأثر مطلقا بهذا الرفض. وقال بأنني لم أستطع أن أشرح إمكانيات الآلة للسير جون ~~بطريقة ملائمة؛ فقد كان يقول بأنها اختراع عظيم، وقال بأنها تمثل ثروة لأي شخص يحوز ~~على حق الوكالة عنها. وألمح إلى أن هناك شركات أخرى مرموقة في لندن متحمسة للحصول ~~على هذا العرض، لكنه - لسبب ما - لم يذكر أنه كان يفضل التعامل مع شركتنا نحن. ثم ~~ترك بضعة كتيبات مطبوعة بخصوص آلته، وقال بأنه سيعرج مرة أخرى. ~~(5) الأمريكي يقابل السير جون # لطالما فكرت في أمر ذلك الأمريكي المثابر، وتساءلت إن كان قد غادر لندن قبل وقوع ~~الكارثة، أم أنه كان ضمن الآلاف الذين دفنوا في مقابر مجهولة دون معرفة هوياتهم. ولم ~~يكن ليتبادر إلى ذهن السير جون حين طرده من مكتبه بشيء من القسوة أنه كان يرفض ~~عرضا يساوي حياته، وأن الكلمات القاسية التي استخدمها كانت في واقع الأمر بمثابة ~~حكم بالإعدام أصدره بحق نفسه. ومن جانبي، فإنني نادم على أنني انفعلت على ~~الأمريكي وقلت له بأن أساليبه في العمل لم ms057 تكن تثير إعجابي. ربما لم يشعر هو بقسوة ~~تلك الكلمات؛ فأنا متأكد من أنه لم يتأثر؛ ذلك أنه ~~أنقذ حياتي من دون أن يعلم هو ذلك. لكن، أيا كان الأمر، لم يبد الرجل استياء من ~~جانبه، بل دعاني على الفور إلى تناول شراب معه، وهو عرض كنت مجبرا على رفضه. لكنني ~~أسبق أحداث قصتي الآن. في الواقع، عدم اعتيادي على الكتابة يجعل من الصعب علي أن ~~أسرد الأحداث في تسلسلها الصحيح. زارني الرجل الأمريكي عدة مرات بعد أن أخبرته أن ~~شركتنا لا يمكنها العمل معه. ثم اعتاد الرجل على زيارتي من دون سابق إعلان منه، وهذا ~~أمر لم أكن أحبذه كثيرا، لكنني لم أعطه أي توجيهات بشأن تطفله؛ لأنني لم ~~تكن لدي أدنى فكرة عن مدى السوء الذي يمكن أن يصل إليه تصرفه ورد فعله حيال ذلك. ~~وذات يوم، وبينما كان يجلس بالقرب من مكتبي يقرأ جريدة، استدعاني السير جون لفترة ~~وجيزة إلى غرفته. وعندما عدت اعتقدت أنه رحل وأخذ آلته معه، لكن بعد لحظة صدمت ~~حين سمعت خنينه العالي يأتي من حجرة السير جون ويتناوب مع صوت رئيسي الرخيم، الذي كان ~~من الواضح أنه لم يكن يثير في نفس الأمريكي أي شعور بالجفول أو الوجل مثلما كان يحدث ~~لدى من اعتادوا سماعه. دخلت حجرة السير جون في الحال، وكنت على وشك أن أشرح له أن ~~الأمريكي قد دخل إليه من دون تواطؤ من جانبي، حين طلب مني رئيسي أن ألتزم الصمت، ثم ~~استدار إلى زائره وطلب منه في فظاظة أن يكمل حديثه المثير للاهتمام. لم يكن ~~المخترع بحاجة إلى دعوة ثانية ليفعل، فاستطرد حديثه العفوي، فيما كان عبوس السير جون ~~واحمرار وجهه يزيدان تحت حدود شعره الرمادي. وعندما انتهى الأمريكي من حديثه، أمره ~~السير جون في فظاظة أن يغرب عن وجهه ويأخذ معه آلته اللعينة. وقال بأنه من المهين ~~لرجل طاعن في السن يكاد يقترب من نهايته أن يحضر ما يطلق عليه اختراعا صحيا إلى ~~رجل قوي لم يصبه ms058 المرض يوما، ولا أعلم لم استمع مطولا إلى الأمريكي على الرغم ~~من أنه كان قد اتخذ قراره منذ البداية ألا يتعامل معه، اللهم إلا إذا كان الهدف من ~~ذلك هو معاقبتي على أنني سمحت لهذا الأمريكي من دون قصد أن يدخل إليه. ضايقتني كثيرا ~~هذه المقابلة، حيث كنت أقف عاجزا، وأنا أعلم أن السير جون يزداد غضبا مع كل كلمة ~~ينطقها ذلك الأجنبي، ولكن نجحت في النهاية في سحب المخترع وآلته إلى غرفتي وأغلقت ~~الباب. كنت أتمنى بكل صدق ألا أرى ذلك الأمريكي مرة أخرى، وتحققت أمنيتي. فقد ~~أصر على تشغيل آلته ووضعها على رف في حجرتي. وطلب مني أن أدسها في غرفة السير ~~جون ذات يوم يعج بالضباب وأن ألاحظ التأثير. وقال الرجل بأنه سيأتي مرة أخرى، لكنه ~~لم يفعل قط. ~~(6) كيف ضغط الدخان على الضباب # هبط علينا الضباب ذات يوم وكان يوم جمعة. كان الطقس جميلا للغاية حتى منتصف شهر ~~نوفمبر من ذلك الخريف. ولم يبد أي شيء غريب بشأن الضباب. لقد شهدت الكثير من ~~نوبات الضباب التي تفوق ذلك سوءا. ولكن، بمرور الأيام، أصبح الجو أكثر كثافة وقتامة، ~~وأعتقد أن ذلك كان سببه الحجم المتزايد من دخان الفحم الذي كان يستقر على طبقات ~~الضباب. وكان الغريب بشأن تلك الأيام السبعة هو سكون الهواء التام. لقد كنا تحت مظلة ~~تمنع الهواء، وكنا نستهلك الأكسجين واهب الحياة حولنا ببطء وثبات، وكنا نستبدل به ~~غاز حمض الكربونيك السام، ولكننا لم نكن نعلم ذلك حينئذ. ومنذ ذلك الوقت، أوضح ~~العلماء أن عملية حسابية بسيطة كانت تخبرنا متى بالضبط ستستنفد آخر ذرة أكسجين من ~~الجو، لكن من السهل أن تتحلى بالحكمة بعد وقوع الكارثة. عثر على جثة أفضل عالم ~~رياضيات في إنجلترا على الساحل. وكان قد وصل ذلك الصباح قادما من كامبريدج. وأثناء ~~فترة الضباب، كانت هناك دائما زيادة ملحوظة في معدلات الوفاة، وفي هذه المرة، لم تكن ~~الزيادة أكبر من المعتاد حتى اليوم السادس. وفي صباح اليوم السابع كانت الصحف تعج ms059 ~~بإحصاءات صادمة، لكن لم يكن هناك من يدرك الدلالة الكاملة لتلك الأرقام المقلقة ~~أثناء نشرها في الصحافة. ولم تكن المقالات الافتتاحية في الجرائد الصباحية خلال اليوم ~~السابع تتضمن أي تحذير بشأن الكارثة التي كانت ستعقب ظهورها بسرعة بالغة. كنت في ~~تلك الفترة أعيش في إيلنج، وهي ضاحية غربي لندن، وكنت آتي كل صباح إلى شارع كانون ~~بالقطار في موعد محدد. ولم يكن الضباب يسبب لي أي إزعاج حتى اليوم السادس، وكنت ~~مقتنعا تماما أن ذلك يرجع إلى حد كبير إلى عمل الآلة الأمريكية الذي لم يكن ~~يفطن إليه أحد. # وفي اليومين الخامس والسادس لم يأت السير جون إلى المدينة، لكنه كان في مكتبه في ~~اليوم السابع. كان الباب بين حجرته وحجرتي مغلقا. وبعد أن تجاوزت الساعة العاشرة ~~بقليل سمعت صرخة في حجرته وتبعها صوت ارتطام شديد. فتحت الباب ورأيت السير جون ~~ممددا على الأرض ووجهه للأسفل. وبالإسراع نحوه، شعرت للمرة الأولى بالتأثير القاتل ~~للهواء الخالي من الأكسجين، وقبل أن أصل إليه سقطت أولا على ركبتي ثم على وجهي. ~~شعرت أن حواسي كانت تفارقني، فزحفت بدافع غريزي نحو غرفتي حيث انقشع عني ضيق ~~صدري في الحال، ووقفت مرة أخرى على قدمي أشهق. أغلقت باب حجرة السير جون حيث ~~ظننت أنها كانت مليئة بالأبخرة السامة، وقد كانت كذلك بالفعل. صحت طالبا المساعدة، ~~لكن لم ألق ردا. وحين فتحت باب المكتب الرئيسي وجدت مجددا ما اعتقدت أنه أبخرة ~~سامة. وعندما أغلقت الباب بسرعة، ذهلت من الصمت المطبق الذي صار يغلف المكتب ~~الذي لطالما كان يعج بالصخب دائما، ورأيت أن بعض الموظفين كانوا يرقدون بلا ~~حراك على الأرض، وآخرين يجلسون إلى مكاتبهم ورءوسهم منكبة عليها وكأنهم نيام. وحتى ~~في تلك اللحظة المرعبة، لم أدرك أن ما أراه كان يشمل لندن بأسرها، وأنه ليس كارثة ~~محلية كما تخيلت تسبب فيها كسر في بعض الدمجانات في السقف. (كانت تلك الدمجانات ~~مملوءة بأنواع شتى من المواد الكيميائية، التي لم أكن على دراية بخصائصها؛ حيث كنت ~~أعمل مع ms060 محاسب الشركة ولم يكن لي دخل بالجانب العلمي فيها.) ثم فتحت النافذة الوحيدة ~~في حجرتي وصحت مرة أخرى طالبا المساعدة. كان الشارع ساكنا ومظلما في ذلك ~~الضباب القابع المشئوم، والشيء الذي تجمدت له أوصالي من الرعب في تلك اللحظة كان ~~أنني وجدت نفس الهواء الخانق والقاتل الذي كان قابعا في الأرجاء. وفي أثناء سقوطي ~~أغلقت النافذة، فحجبت الهواء السام. عدت للحياة مرة أخرى، وبدأت أستعيد كامل وعيي ~~وأدرك حقيقة الأشياء من حولي رويدا رويدا. # كنت في واحة ملأى بالأكسجين، وتكهنت في الحال أن الآلة الموجودة على الرف هي ~~المسئولة عن وجود هذه الواحة وسط صحراء شاسعة من الغاز المميت. أنزلت الآلة الأمريكية ~~عن الرف، وقد تملكني الخوف من أنني قد أوقف عملها إذا ما حركتها. ثم وضعت ~~القطعة المخصصة للفم بين شفتي ودخلت حجرة السير جون، من دون أن أشعر هذه المرة ~~بأي آثار سلبية. كان رئيسي المسكين قد تخطى مرحلة الإنقاذ بكثير، وباتت حالته ميئوسا ~~منها تماما. وكان من الواضح أنه لا يوجد أحد على قيد الحياة في البناية سواي. وفي ~~الشارع كان كل شيء ساكنا وقاتما. كان انبعاث الغاز قد خمد، لكن في المتاجر ~~المنتشرة هنا وهناك كانت المصابيح المضيئة لا تزال تتوهج على نحو غريب، معتمدة في ذلك ~~على المراكم وليس على الطاقة المباشرة للمحركات. توجهت تلقائيا نحو محطة شارع ~~كانون وكنت أعلم طريقي إليها حتى ولو كنت معصوب العينين، وكنت أتعثر في الجثث ~~المنتشرة على الرصيف، وأثناء عبوري الطريق اصطدمت بحافلة متوقفة وكانت تبدو في الضباب ~~وكأنها شبح، والجياد نافقة عند مقدمتها بينما يتدلى لجامها من يد السائق الميت ~~الواهنة. وكان الركاب الشبيهون بالأشباح لا يحركون ساكنا مثلهم، يجلسون معتدلين ~~في جلستهم، أو معلقين على حافة المقاعد بأوضاع جسمانية بشعة ومثيرة للرعب. ~~(7) القطار ذو العربة المليئة بالموتى # لو كانت قوى التفكير والمنطق يقظة ومنتبهة لدى المرء في مثل ذلك الوقت (وأعترف ~~أنها لدي كانت في سبات عميق) لعرف أن من غير الوارد أن يوجد أي قطار ms061 في محطة ~~شارع كانون؛ ذلك أنه إذا لم يكن يوجد من الأكسجين في الجو ما يكفي لكي يبقى المرء ~~على قيد الحياة، أو لكي يظل المحرك النفاث الغازي قيد التشغيل، فمن المؤكد أنه ~~ما كان ليوجد ما يكفي من الأكسجين لتظل نار المحرك متقدة، حتى ولو كان العامل لديه ~~من الطاقة ما يكفي لإنجاز مهمته. ولكن في بعض الأحيان تكون السليقة أنفع من العقل، ~~وقد ثبت ذلك في هذه الحالة. كانت القطارات القادمة من إيلنج في تلك الأيام تسير تحت ~~المدينة في نفق عميق. وربما يبدو أن غاز حمض الكربونيك في ذلك الممر النفقي قد ~~يجد له مكانا يستقر فيه وذلك بفعل وزنه، لكن لم يكن هذا هو واقع الحال. أتصور أن ~~تيارا من الهواء جاء عبر النفق من المناطق النائية حاملا معه هواء نقيا نسبيا ~~حافظ على الحياة لبضع دقائق بعد وقوع الكارثة. وأيا كان الأمر، كانت الأرصفة الطويلة ~~في محطة شارع كانون النفقية تمثل مشهدا يبث الرعب في النفوس. كان هناك قطار يقف ~~على الرصيف السفلي. وكانت المصابيح الكهربائية تنير على نحو متقطع. كان الرصيف ~~يعج برجال يحارب بعضهم بعضا كالشياطين، من غير سبب واضح على ما يبدو؛ لأن ~~القطار كان مليئا بالناس بالفعل بقدر ما يمكنه أن يحمل. كان المئات قد لقوا حتفهم ~~تحت الأقدام، وكانت تأتي بين الحين والآخر هبة من الهواء الفاسد عبر النفق وعندئذ ~~يرخي مئات آخرون من الناس قبضتهم ويذعنون للموت. وعلى جثثهم كان الناجون يتصارعون ~~بأعداد تتناقص باطراد. بدا لي أن معظم من كانوا على متن القطار الواقف ميتون. وفي ~~بعض الأحيان كانت مجموعة يائسة من المتناحرين يتدافعون بعنف فوق أكوام الجثث ويفتحون ~~الباب ويلقون بالركاب الموجودين بالداخل فيأخذون أماكنهم وهم يلهثون. ولم يظهر ~~من كانوا في القطار أي مقاومة، فكانوا يرقدون بلا حراك حيث يقعون، أو حيث يتدحرجون ~~بلا حول منهم ولا قوة تحت عجلات القطار. شققت طريقي على طول الجدار قدر ما أمكنني ~~متجها إلى القاطرة حيث يوجد المحرك، وكنت ms062 في ذلك أتساءل لم لم يتحرك القطار. كان ~~العامل يرقد على أرضية مقصورته وكانت نار المحرك خامدة. # والاعتياد هذا أمره غريب؛ فقد كان الغوغاء المتصارعون الذين يتناحرون فيما بينهم ~~بصورة متوحشة من أجل الحصول على أماكن لهم في عربات القطار معتادين على وصول القطارات ~~ومغادرتها بحيث بدا من الواضح أن أحدا منهم لم يفكر أن عامل القطار كان بشرا مثلهم ~~وأنه كان يتعرض للأحوال الجوية نفسها التي يتعرضون هم لها. وضعت قطعة الفم بين ~~شفتيه الأرجوانيتين، وبينما كنت أحبس أنفاسي مثل غواص، نجحت في إنعاشه. وقال ~~الرجل بأنني إذا ما أعطيته الآلة فإنه سيأخذ القطار إلى أبعد نقطة يمكن أن يحمله إليها ~~البخار الموجود في المحرك بالفعل. ورفضت فعل ذلك، لكنني دخلت إلى غرفة المحرك معه ~~وقلت بأن الآلة ستحافظ على حياتنا معا حتى نصل إلى مكان يكون الهواء فيه أفضل. وافق ~~على مضض وشغل محرك القطار، لكنه لم يكن نزيها. فقد كان في كل مرة يرفض أن يعطيني ~~الآلة حتى أوشكت على الإغماء من شدة حبسي لأنفاسي، وفي النهاية أوقعني على أرضية ~~العربة. ويتراءى لي أن الآلة تدحرجت وسقطت إلى خارج العربة حين وقعت على الأرض ~~وأنه قفز خلفها. واللافت للنظر هنا أن كلينا لم يكن في حاجة إلى الآلة؛ ذلك أنني ~~أذكر بعد أن بدأنا نتحرك بالقطار أنني رأيت نار المحرك تستعر من جديد من خلال ~~باب حديدي مفتوح، رغم أنني في ذلك الوقت كنت في حالة شديدة من الحيرة والرعب بحيث لم ~~أتمكن من فهم ما يعنيه ذلك. ثم هبت نسمة هواء غربية، وكانت متأخرة في توقيتها ~~بمقدار ساعة من الزمن. وحتى قبل أن نغادر شارع كانون كان الناجون لا يزالون آمنين ~~نسبيا، ذلك أن مائة وسبعة وستين شخصا أنقذوا من بين جثث الموتى المتراكمة على ~~الرصيف، وإن كان الكثير منهم قد ماتوا في غضون يوم أو يومين بعد ذلك، ولم يستعد آخرون ~~رشدهم قط. وحين استعدت وعيي بعد الضربة التي وجهها إلي العامل، وجدت نفسي وحيدا ms063 ~~والقطار ينطلق سريعا عبر نهر التيمز بالقرب من كيو. حاولت أن أوقف المحرك لكنني ~~لم أنجح في ذلك. لكن أثناء محاولاتي، تمكنت من تشغيل المكابح الهوائية، الأمر الذي ~~أبطأ من سرعة القطار بدرجة ما، وخفف من حدة التصادم في محطة ريتشموند الأخيرة. ~~قفزت من العربة على الرصيف قبل أن يصل المحرك إلى مخففات الاصطدام بالمحطة ~~النهائية، ورأيت فيما يشبه الكابوس قطارا من الموتى يمر أمامي. كانت معظم الأبواب ~~متأرجحة مفتوحة على مصراعيها، وكانت كل عربة تعج بالبشر، رغم ما عرفته لاحقا عن أن ~~الجثث كانت تتطاير على طول الطريق مع كل منحنى يتخذه القطار أو تمايل يصيبه. ولم ~~يكن التصادم الذي وقع في ريتشموند قد أثر على الركاب. ولم يخرج من ذلك القطار أحد ~~على قيد الحياة إلا أنا واثنان آخران، وكان أحدهما قد تمزقت ملابسه من جهة ظهره أثناء ~~العراك وقد أخذ إلى إحدى المصحات حيث لم يستطع قط أن يعرف من يكون؛ وعلى حد ~~علمي، لم يكن يزعم أحد معرفته به. # | مأزق دي بلونفيل # تختلف هذه القصة عن الأخريات في أنها تحوي مجموعة متنوعة من الدروس الأخلاقية. ~~ولمعظم القصص درس أخلاقي واحد، أما هنا فهناك العديد منها. ويظهر الدرس الأخلاقي عادة ~~في نهاية القصة، ولكن في هذه القصة تذكر بضعة دروس في البداية، حتى نوليها اهتماما أكبر ~~بينما نتقدم في قراءة القصة. أولا: حري بالمرء - لا سيما إذا كان شابا - أن يولي ~~اهتماما كبيرا بعمله. ثانيا: عندما يقدم المرء على التخطيط لحياته في المستقبل القريب، ~~فسيكون من الخطأ ألا يخصص نسبة عشرة في المائة على الأقل لذلك الجزء المجهول، وهو ~~المرأة. ثالثا: من المفيد أن نتذكر أن من النادر أن يعرف امرؤ واحد كل شيء. ولا شك ~~أن المزيد من الدروس الأخلاقية ستظهر فيما بعد، وفي نهاية القصة قد يتفكر الشخص ~~الميال نحو التهكم والسخرية في القول المأثور الذي يتحدث عن المطرقة والسندان أو ~~الرمضاء والنار. # كان الشاب الباريسي إم دي بلونفيل يتمتع بوضع يحسد عليه. كان لديه ms064 كل ما يحتاج ~~من المال، وشتان بين ذلك وبين القول بأنه كان لديه كل ما يريد من المال. كان على مستوى ~~جيد من التعليم، ويتحدث ثلاث لغات، بمعنى أنه كان يتحدث لغته الأم بطلاقة واللغتان ~~الأخريان يتحدثهما على نحو رديء، ولكن لكونه رجلا يفخر بنفسه لما يستطيع القيام به ~~ولو بأدنى الدرجات، كان دي بلونفيل يتخيل نفسه عالم لغة يتقن لغات عديدة. وكانت شجاعته ~~في التحدث بالإنجليزية أمام الإنجليز وبالألمانية أمام الألمان تظهر على أقل تقدير أنه ~~رجل يتسم بالشجاعة. كان دي بلونفيل يتمتع بالكثير من الخير، بل ومن الموهبة أيضا. وقد ~~ذكرت هذه الجملة في البداية لأن كل من يعرف دي بلونفيل سيعارضها في الحال ومن دون ~~تردد. كان من يعرفونه يرون أنه من أكثر الشخصيات البغيضة والمكروهة في باريس، وكان ~~ضباط البحرية عادة ما يتلفظون بألفاظ نابية لا مبرر لها حين يذكر اسمه. وكان هذا كله ~~بسبب ما يتمتع به دي بلونفيل من مكانة، الأمر الذي كان له مساوئه رغم كونه مدعاة ~~للحسد. # كانت رتبته في البحرية لا يمكن أن تعطيه أي ثقل أو اعتبار أيما كان، لكن لسوء الحظ، ~~كان لدى بلونفيل بحكم شعبيته وشهرته أسلوبه في فرض مقترحاته. كان والده رجلا مهما ~~للغاية في الحكومة الفرنسية. وكان من الأهمية بمكان بحيث يمكن له أن يرسل توبيخا إلى ~~قائد سرب في البحرية ولا يجرؤ القائد على الرد عليه. يتطلب هذا الأمر رجلا يتمتع ~~بأهمية كبيرة حقا، وهذا ما كان يتمتع به دي بلونفيل الأب من قدر ومكانة. لكن كان من ~~المعروف آنذاك أن دي بلونفيل الأب رجل هادئ يحب الراحة، ولم يكن يكترث بأن يزعج نفسه ~~كثيرا بأمر البحرية الموضوعة تحت سلطته وتصرفه؛ ومن ثم عندما كانت تظهر مشكلة، يكون ~~دي بلونفيل الابن هو المتسبب فيها؛ ومن ثم، لم يكن الضباط في البحرية يكنون له ~~الحب. # وغالبا ما كانت تصرفات دي بلونفيل الابن الطائشة والغبية تضفي مصداقية على تلك الشكوك. ~~على سبيل المثال، هناك حادثة تولون الشهيرة ms065 . ففي خضم جدال محتدم، زعم دي بلونفيل الابن ~~أن نيران المدرعات الفرنسية كانت رديئة، وأن الأسطول الفرنسي بأكمله لم يكن ليصمد ~~أمام مدفعية عشرة من البحرية الإنجليزية. وبعد ذلك بفترة ما، عرف الضباط البحريون أن ~~الحكومة في باريس غير راضية تماما عن تدريبات البحرية غير الدقيقة على السلاح، كما أعربت ~~الحكومة عن آمالها في أن ينظر قائد البحرية في أمر تحسين ذلك. لم يستطع الضباط بالطبع ~~فعل أي شيء سوى الكز على أسنانهم، ومحاولة إطلاق النار على نحو أفضل، آملين في أن يحين ~~الوقت الذي تخرج فيه الحكومة الحالية من نطاق السلطة، وأن يجدوا حجة ملموسة لكي يشنقوا ~~دي بلونفيل الابن على عارضة الصاري. # كل هذا لا يؤثر كثيرا على هذه القصة، لكننا نأتي الآن على ذكر أمر سيحدد مصير ~~القصة من نجاح أو فشل. كان لدى بلونفيل سر، ولم يكن سرا كتلك الأسرار الشائعة في الحياة ~~الباريسية، وإنما كان سرا جديرا بالتصديق من جانبه. وكان السر يتعلق باختراع يهدف إلى ~~زيادة كفاءة الجيش الفرنسي. تحول اهتمام دي بلونفيل بطبيعة الحال إلى الجيش الذي هو إحدى ~~وسائل الدفاع عن وطنه، والذي لم تكن هناك أي علاقة بين دي بلونفيل وبينه. وقد تحدث عن ~~اختراعه ذلك ذات مرة إلى صديق له، وهو ملازم في الجيش. وكان يتوقع الحصول على بعض ~~المقترحات العملية. لكنه لم يأت على ذكره مرة أخرى لأي أحد. # قال دي بلونفيل لصديقه: «إنه مبني على مبدأ المظلة. بل، في واقع الأمر، المظلة هي ~~ما أوحت إلي بفكرته. وإذا أمكن صناعته ليكون خفيفا بحيث لا يضيف عبئا كبيرا على ~~الجنود الذين يواجهون الكثير من العوائق في الوقت الراهن، فإنني أرى فيما يبدو أنه ~~سيكون مفيدا بدرجة فائقة. وبدلا من أن يكون مستديرا كالمظلة، لا بد أن يكون ~~مستطيلا وذا أطراف حادة مستدقة. ولا بد أن يصمم بحيث يمكن فتحه وغلقه بسهولة، ~~وسيكون القماش المستخدم فيه رقيقا، لكنه سيكون غير نفاذ للماء. وعندما يصل الجيش إلى أحد ~~الأنهار، يمكن لكل ms066 جندي أن يفتحه ويضعه في الماء ويدخله ببعض الحذر ثم يجدف بنفسه ~~باستخدام نهاية عقب البندقية أو حتى بمجداف خفيف إن كان حمل المجداف لن يضيف إلى الوزن ~~كثيرا؛ ومن ثم سنوفر عناء بناء الجسور المؤقتة. يبدو لي أن مثل هذا الاختراع سيكون ~~مفيدا للغاية أثناء الزحف المتواصل للجنود. ثم يمكن استخدامه في الليل كخيمة، أو يمكن ~~أن يشكل مأوى مؤقتا أثناء هطول الأمطار الغزيرة. ما رأيك في الفكرة؟» كان صديقه يستمع ~~إليه بعينين شبه مغلقتين، يغالبهما النعاس. فنفث بعض دخان سيجاره من فتحتي أنفه ~~وأجابه: ~~«إنه رائع يا دي بلونفيل.» قالها ببطء وتراخ ثم أضاف: «إمكاناته متعددة، أكثر حتى ~~مما تتخيل. وسيكون مفيدا للغاية أيضا في فيلق جبال الألب.» ~~«يسرني أنك تظن ذلك. لكن لماذا هناك؟» ~~«اسمع، إذا بلغ الجيش قمة عالية تطل على واد سحيق، لا يمكن بلوغه إلا من فوق جرف ~~يتعذر اجتيازه، فكل ما سيكون على الجيش فعله هو نشر اختراعك الرائع واستخدامه ~~كمظلة باراشوت. وسيكون مشهد الجيش الفرنسي وهو يتحرك بسلاسة هابطا نحو الوادي مثيرا ~~للرعب كثيرا في نفوس دول أوروبا، حتى إنني أتصور أن أي عدو لن ينتظر حتى تطلق ~~نيران البندقية. إن اختراعك يا دي بلونفيل سيخلد اسمك واسم الجيش الفرنسي.» # لم ينتظر دي بلونفيل الابن ليسمع المزيد، وإنما استدار وانطلق مبتعدا. # دفعت هذه المحادثة دي بلونفيل الابن إلى اتخاذ قرارين؛ الأول هو ألا يذكر مشروع ~~اختراعه هذا إلى أحد، والثاني أن يدأب على إتمام اختراعه وإتقانه؛ ومن ثم يتسبب في ~~إرباك الساخرين منه وإصابتهم بالحيرة والتخبط. وكان هناك العديد من القرارات الفرعية التي ~~تعتمد على هذين القرارين. لن يدخل إلى ناد أبدا، وسيتجنب التجمعات، ولن يتحدث ~~إلى امرأة، باختصار، سيكون ناسكا حتى يزيح الستار عن اختراعه على مرأى من أنظار العالم ~~المندهش. # كل هذا يوضح أن دي بلونفيل الابن لم يكن ذلك المتأنق الدخيل المتغطرس كما يظن من ~~يعرفونه. لكنه في القرارات الكبيرة والصغيرة لم يقتطع نسبة العشرة في المائة الخاصة بالجزء ms067 ~~المجهول. # أين؟ كان هذا هو السؤال. راح دي بلونفيل الابن يذرع أرضية غرفته جيئة وذهابا ويفكر ~~في الأمر. كانت هناك خريطة كبيرة لفرنسا مبسوطة على الطاولة. وبدا واضحا أن من المستحيل ~~أن يلجأ إلى باريس وضواحيها. كان في حاجة إلى مكان للعزلة. كان بحاجة إلى مكان به مساحة ~~ممتدة من الماء. إذن أين ستكون البقعة التي ستأتي الأجيال القادمة وتشير إليها وتقول: ~~«هنا، وفي هذا المكان، أتم دي بلونفيل بإتقان اختراعه الشهير الذي يتخذ شكل الخيمة ~~والقارب والباراشوت.» # لا، ليس الباراشوت. تبا للباراشوت! كانت تلك الكلمة من الكلمات الساخرة للملازم. ~~توقف دي بلونفيل لبرهة ليلعن ائتمانه أي رجل عسكري على أسراره. # كان هناك ما يكفي من الماء حول الساحل الفرنسي، لكن كان الجو في غاية البرودة في ذلك ~~الفصل من العام بحيث لن يتمكن من اختبار اختراعه في الشمال والشرق. ولم يتبق سوى ~~البحر المتوسط. فكر سريعا في العديد من المناطق المبهجة على طول الريفييرا - كان، وسانت ~~رافائيل، ونيس، ومونت كارلو - لكن كل تلك الأماكن كانت عامة للغاية ومزدحمة كثيرا ~~بالزوار. ثم تبادر إلى ذهنه فجأة اسم المكان الذي سيختاره، وبينما توقف عن سيره جيئة ~~وذهابا، تساءل دي بلونفيل لماذا لم يخطر ذلك المكان على باله منذ البداية. هييريس! يبدو ~~أن تلك المنطقة قد صممت في العصور الوسطى من أجل إنجاز مثل هذا الاختراع وإتمامه. كانت ~~المنطقة تقع على بعد ميلين أو ثلاثة أميال من البحر، وطقسها ممتاز، ولا يوجد بها ~~موكب للبحرية، وشاطئها منعزل، والخليج فيها محاط بالجزر. كانت تلك بقعة ~~مثالية. # استطاع دي بلونفيل أن يحصل بسهولة على إذن تغيب؛ فأبناء الآباء الذين يعتلون ~~مناصب عالية في الخدمة في الدول المقرة بالجميل نادرا ما يتكبدون أي عناء في شيء ~~يسير كهذا. اشترى دي بلونفيل تذكرة على متن ذلك القطار المترف المتأني، الذي يطلق ~~عليه الفرنسيون بحسهم الفكاهي السائغ اسم «السريع»، وفي الوقت المحدد وجد نفسه ومعه ~~متعلقاته المختلفة واقفا على رصيف المحطة في هييريس. # قليل منا من يتحلون ms068 بالشجاعة كما نعتقد في أنفسنا. وقد جفل دي بلونفيل حين حانت ~~اللحظة الكبرى، وربما كان هذا هو السبب وراء عقاب الآلهة له. قرر أن يذهب إلى أحد ~~الفنادق الريفية الصغيرة في بلدية كاركيران على الساحل، لكن هذا القرار كان نابعا من رغبته ~~في الانتصار لنفسه حين سخر الملازم من مشروعه. أما الآن، وفي لحظة أكثر هدوءا، فكر دي ~~بلونفيل في مأكولات كاركيران فارتعد. هناك تضحيات لا يمكن لأي امرئ أن يتحملها؛ ~~ولذا تردد ضابط البحرية، وفي النهاية وجه تعليماته إلى الحمال بأن يضع أمتعته على ~~متن «حافلة» فندق كوستبيل. سيكون هناك الكثير من الناس في الفندق، هذا صحيح، لكن في وسعه أن ~~يتجنبهم، في حين أنه لو ذهب إلى النزل الريفي فما كان ليتمكن من تجنب الطعام ~~هناك. وهكذا أخمد ضميره المتقد. بدا أن تناول الغداء في فندق كوستبيل يمثل ~~مبررا لاختياره لمكان إقامته. وكانت الأجواء المحيطة بالفندق جذابة وآسرة على نحو ~~خطير بالنسبة إلى شخص نزاع بطبيعته إلى المرح والتراخي. كان المكان يبعث على ~~«الاسترخاء وإيقاظ الروح» كما يقول والت ويتمان. كان بلونفيل هناك متخفيا - حيث أسقط كلمة ~~«دي» من اسمه مؤقتا - وكان يمشي باتجاه البحر في وقت الظهيرة، فكان يبدو كرجل لا يشغل ~~باله شيء. ولم يكن من يراه حينها ليظن بأنه هو إديسون المستقبلي بالنسبة إلى فرنسا. ~~وعندما وصل إلى الشاطئ عند أطلال المحطة البحرية الرومانية البائدة التي تدعى بومبونيانا، ~~راح يضرب على فخذيه من الفرحة. كان قد نسي أن في تلك البقعة ظهر عدد من البيوت الخشبية ~~الصغيرة، التي كان حجمها أكبر من كوخ السباحة وأصغر من الكوخ العادي، وكان سكان هييريس ~~يستخدمون تلك البيوت في الصيف، أما في الشتاء، فإنها تكون خاوية ومهجورة. وكان أكبر هذه ~~البيوت مناسبا له تماما، وكان يعرف أنه لن يواجه صعوبة في استئجاره لمدة شهر أو ~~شهرين. فهنا يمكنه أن يحضر اختراعه غير المكتمل، وهنا يمكنه أن يعمل على إتمام اختراعه ~~طوال اليوم من دون مضايقة أو إزعاج من أحد ms069 ، وهنا يمكنه أن يختبر قدراته على الإبحار من ~~دون أن يشاهده أحد. # سار بلونفيل على الطريق، وأشار إلى الحافلة القديمة التي تسير ببطء بين مدينتي تولون ~~وهييريس على طول الطريق الساحلي؛ وركب بجوار السائق، وسرعان ما حصل على معلومات عن مالك ~~تلك الأكواخ في بومبونيانا. # كما توقع بلونفيل، لم يواجه صعوبة في ترتيب الأمر مع المالك لاستئجار أكبر كوخ بين تلك ~~الأكواخ الصغيرة، لكنه اعتقد أنه لاحظ انخفاضا طفيفا في الجفن الأيمن للرجل بينما كان ~~يعطيه المفتاح. فهل شك المالك في غرضه من استئجار ذلك المكان؟ كان يتساءل في نفسه في ~~قلق، بينما كان عائدا يستقل العربة من المدينة إلى فندق كوستبيل. مستحيل. لكنه شعر ~~بأنه لا يستطيع أن يكون كتوما للغاية بشأن نواياه. لقد سمع بمخترعين سبقهم غيرهم إلى ~~اختراعاتهم في اللحظة نفسها التي كانوا فيها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق النجاح. # طلب بلونفيل من السائق أن ينتظر، ووضع في العربة حمولته التي تتكون من اختراعه نصف ~~المكتمل والأدوات اللازمة لإتمامه. ثم انطلق بالعربة نحو الشاطئ، وبعد أن وضع الحمولة ~~على الأرض، دفع للرجل أجرته وصرفه. وحين غابت العربة عن الأنظار، حمل أمتعته إلى الكوخ ~~وأغلق عليها. وفي طريقه إلى الفندق صعد التل، مما ضاعف من لذة مذاق العشاء الفاخر الذي ~~قدم له هناك. # وفي صباح اليوم التالي، استيقظ مبكرا ليباشر عمله، وسرعان ما بدأ يدرك أنه قد نسي ~~الكثير من الأدوات الضرورية في باريس. كان يأمل أن يستطيع شراء تلك الأدوات من هييريس، ~~لكنه تذكر محدودية الموارد في المدينة فأصابه الشك نوعا ما. وكانت النوافذ الصغيرة على ~~جانبي الكوخ بالكاد ما تمده بما يكفي من الضوء، لكنه لم يفتح الباب؛ خوفا من فضول أي شخص ~~يتصادف مروره. فلا يسع المرء إلا أن يتوخى الحذر الشديد عند العمل على إتمام مشروع عظيم ~~كهذا. # استغرق بلونفيل في العمل نحو ساعة ونصف الساعة، عندما سمع امرأة تغني، وكان الغناء ~~عذبا للغاية. كانت تغني بحرية واستمتاع من لا يشك في أن ms070 هناك من يسمعه. راح صوت ~~الغناء يقترب أكثر فأكثر. وقف بلونفيل مذهولا، وأسقط الأدوات من يده، وانسل نحو ~~النافذة الصغيرة المحجوبة بعض الشيء. رأى جمالا فاتنا يرتدي ثوبا لم ير له مثيلا من ~~قبل. كانت تسير على الضفة بخطوات خفيفة وسريعة حتى وصلت إلى الكوخ المجاور، وأخذت مفتاحا ~~كان معلقا في حزام ترتديه، وفتحت به الباب. وللحظة، انخفض صوت الغناء لكنه لم يتوقف، ثم ~~خرج من باب الكوخ نصف قارب جعل بلونفيل يشهق حين رآه. لم ير بلونفيل مثيلا لهذا القارب ~~من قبل، كما هو الحال مع زي الفتاة. كان شكل القارب هو نفسه الشكل الذي صممه بلونفيل ~~لاختراعه، وكان مصنوعا من مواد خفيفة للغاية؛ ذلك أن الفتاة الرشيقة الرقيقة في زيها غير ~~المألوف استطاعت أن تدفع بالقارب من دون حتى أن تتوقف عن غنائها. وفي اللحظة التالية، ~~خرجت هي بنفسها وراحت تعدل غطاء رأسها الأحمر. سحبت الفتاة القارب نحو الماء، وأخرجت منه ~~مجدافا خفيفا لونه فضي ثم صعدت في رشاقة على متن القارب، واستقرت في مكانها فيه بمظهر يدل ~~على خفتها. لاحظ بلونفيل في ذهول أن القارب لم يكن يحتوي على مقعد. وكان البحر في غاية ~~الهدوء، وبضربات قليلة من المجداف غابت الفتاة وقاربها عن الأنظار. تنهد بلونفيل بعمق من ~~فرط دهشته. كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها الزي الخاص بركوب القوارب في نهر ~~التيمز والقارب المخصص لذلك. # إذن كان هذا هو السبب وراء غمزة عين الرجل حين كان يعطيه المفتاح. كان بلونفيل في حيرة ~~من أمره. هل يكشف عن نفسه حين تعود الفتاة؟ لم يبد له من الصواب أن يعلم الفتاة أنها ~~لم تكن وحيدة على الشاطئ في الوقت الذي كانت تعتقد فيه ذلك. لكن كان عليه أن يفكر في ~~أمر اختراعه. كان قد أقسم يمينا بالولاء لاختراعه والإخلاص له. جلس يفكر ويتأمل الفتاة ~~في ذهنه. كان من الواضح أنها فتاة إنجليزية. ولم تكن لديه أدنى فكرة أن الفتيات ~~الإنجليزيات فاتنات إلى هذا الحد، ثم تراءى ms071 إلى مخيلته ذلك الزي! كان الزي أخاذا. لقد ~~علق في ذاكرته ذلك البنطال الأبيض بطياته الأنيقة الناعمة الذي كان غاية في الكمال رغم ~~بساطته الفائقة. لكن، ما سبب وجوده هنا؟ إنه اختراعه بكل تأكيد. ثم تذكر فجأة سخرية ~~الملازم منه واستهزاءه به. لم تكن تلك الفتاة التي استأجرت الكوخ المجاور له - أيا كان ~~اسمها - تعني له شيئا؛ بالطبع لم تكن كذلك. أزاح بلونفيل الفتاة عن ذهنه، وعاد إلى ~~مباشرة عمله. لقد أضاع الكثير من الوقت بالفعل؛ ولن يضيع المزيد. # وعلى الرغم من أنه كان مسلحا بهذا القرار البطولي، فإن مهمته الآن وبطريقة ما لم ~~تعد تبدو مثيرة للاهتمام كما كانت من قبل، ووجد نفسه يستمع بين الحين والآخر إلى أغنية ~~الفتاة التي ظهرت أمامه فجأة وكأنها جنية ماء. وتخيل في نفسه مواقف خيالية، وهو أمر ~~دائما ما يكون ذا أثر سيئ على أداء المرء لمهامه العملية. تراءى له أن القارب الهش ~~يتحطم أو ينقلب في الماء، وتخيل نفسه وهو يصارع الأمواج بكل شجاعة لينقذ الفتاة الحسناء ~~ذات الملابس البيضاء. ثم تذكر مع تنهيدة أطلقها أنه ليس بسباح ماهر. وربما هي أكثر ~~مهارة منه في التعامل وسط تلك الأمواج. يبدو أن أولئك الإنجليز على هذه الدرجة من الألفة ~~والمهارة في ركوب البحر. # وفي النهاية، أخبره حدسه وليس سمعه أن الفتاة قد عادت. فسار على أطراف أصابعه نحو ~~النافذة الصغيرة. وكانت الفتاة تسحب القارب الخفيف من الماء. وكبح رغبته في عرض المساعدة. ~~وعندما قفزت الفتاة بخفة ورشاقة على الضفة، تنهد بلونفيل وخلص إلى أنه قد عمل بما ~~يكفي لهذا اليوم. وحين وصل إلى الطريق، لاحظ من بعيد أن صاحبة الزي الأبيض لم تسلك طريق ~~الفندق، بل اتجهت نحو أحد الأكواخ المجاورة. # وفي فترة الظهيرة، عمل بلونفيل على اختراعه مطولا، وأحرز تقدما. ثم عاد سيرا ~~إلى فندقه وهو يشعر بالرضا عن نفسه، وهو ما يشعر به الكسالى في تلك المرات النادرة حين ~~يعملون بكد ودأب. عمل بلونفيل بلا انقطاع، واتخذ قرارات عنترية مرة ms072 أخرى. فما حدث ~~في ظهيرة ذلك اليوم يمكن أن يتكرر في ظهيرة كل يوم. ولن يفكر مرة أخرى فيما يتراءى ~~له في مخيلته ولن يزاول العمل على اختراعه إلا بعد الغداء؛ ومن ثم لن يضطر إلى الكشف عن ~~نفسه أو إلى مراقبة ما تقوم به الفتاة من دون أن تراه. وبالطبع، كانت الفتاة دائما ما تأتي ~~في الصباح؛ ذلك أن الإنجليز أناس منظمون ويحبون السير وفق منهج، وكان بلونفيل عليما ~~بأساليبهم حتى إنه كان واثقا من أن ما يفعلونه في أحد الأيام هو ما سيفعلونه في اليوم ~~التالي. قال بلونفيل في نفسه وهو يهز كتفيه بأن الإنجليز شعب استثنائي، لكن بالطبع، لا ~~يمكن لنا جميعا أن نكون فرنسيين. # من المؤسف أن يتدخل الإغواء حين يكون المرء قد عقد العزم على ألا ينحرف عن مسار ~~سلوكي مستقيم بعينه. كان من المقرر أن يقام حفل راقص في تلك الليلة في الفندق الكبير. وقد ~~استنكف بلونفيل أن تكون له أي صلة بهذا الحفل؛ فقد هجر توافه الأمور في الحياة. فقد كان ~~هناك بغرض الراحة والهدوء والدراسة. وكان متمسكا بهدفه إلى حد التعنت. وفي ذلك ~~المساء، عرضت عليه الدعوة مرة أخرى، والواقع أنه كان هناك نقص في أعداد الشباب، كما هو ~~الحال دوما في مثل تلك المناسبات. وكان بلونفيل على وشك أن يبدي اعتراضاته من جديد على ~~حضور مثل تلك المناسبات التافهة حين لمح عبر الباب المفتوح اثنين من الضيوف الذين وصلوا ~~وهم يصعدون السلم. كانت الفتاة ترتدي معطفا أوبراليا طويلا مزغبا من حول رقبتها ~~ويتدلى على مقدمة جسدها. ويستقر على شعرها الأشقر الجميل شريط رقيق للزينة. كانت تلك هي ~~الفتاة صاحبة القارب، وكانت في أبهى صورة لها. اضطرب بلونفيل كثيرا وشعر بالحيرة، ثم هرع ~~إلى غرفته وارتدى ملابس الحرب. وقل ما يحلو لك، لكن ملابس السهرة تجعل المرء يبدو في ~~مظهر أحسن. وبالإضافة إلى ذلك، عاد بلونفيل إلى استخدام اسمه كاملا مع كلمة «دي»، وأصبح ~~ظهره أكثر استقامة بكل تأكيد. لقد بدا دي ms073 بلونفيل في أحسن هيئة له. # وسرعان ما تعرفا بالطبع. لقد تولى دي بلونفيل أمر ذلك، وكان المسئول عن الحفل الراقص ~~ممتنا له كثيرا لحضوره ولظهوره بأفضل صورة. وفي الواقع كان مظهر دي بلونفيل يوحي ~~بالتميز. وقد علم دي بلونفيل أن الفتاة هي صاحبة الشرف والمقام مارجريت ستانسبي. وسيكون من ~~المستحيل، بل ومن غير المنصف أيضا، أن نسرد محادثتهما؛ إذ كان هذا يبدو كقراءة جزء من ~~تمارين أولندورف الفرنسية الإنجليزية. وكما قلنا، كان دي بلونفيل فخورا للغاية بلهجته ~~الإنجليزية، ولسوء الحظ، كانت صاحبة المقام مارجريت تتحلى بحس الدعابة. وقد أطرى عليها ~~دي بلونفيل بأن قال بأنها تتحدث الفرنسية أفضل مما يتحدث هو الإنجليزية، الأمر الذي لم ~~يكن أفضل تعليق لبق ليقوله دي بلونفيل، وإن كان صحيحا بلا أدنى شك في ذلك. كان من ~~الصعب أن يستمع المرء إلى جملته تلك وهو يقولها بالإنجليزية ويكبح الضحك. ولكن مارجريت ~~أحرزت نصرا كبيرا ولم تضحك. مرت الأمسية على نحو لطيف من وجهة نظر مارجريت، أما بالنسبة ~~إلى بلونفيل، فقد مرت الأمسية على نحو غاية في البهجة. # كان من الصعب بعد هذا أن يعود دي بلونفيل إلى العمل غير الممتع الخاص بإتمام القارب ~~الخيمة المصنوع من القماش، لكنه ظل مثابرا وهذا يحسب له. وقد قابل السيدة الشابة في ~~عدة مناسبات، لكنه لم يقابلها قط على الشاطئ. وكلما توثقت معرفتهما وتوطدت، زادت رغبته ~~في أن يحظى بامتياز إنقاذها من خطر مميت، لكن تلك الفرصة لم تأت قط. إنه أمر من النادر ~~أن يحدث، اللهم إلا في الكتب، وكان هذا هو الرأي الذي أبداه إلى نفسه بمرارة. كان البحر ~~هادئا على نحو مثير للغضب، وكانت الآنسة مارجريت ماهرة فيما تقوم به، وهكذا هن الكثير ~~من النساء الفاتنات. فكر دي بلونفيل في شراء منظار ومراقبتها؛ ذلك أنها كانت قد أخبرته ~~أن أحد الأمور التي تبهجها هو مراقبة تقدم السفن المدرعة بالمنظار من الشرفة في ~~مقدمة الكوخ. # في النهاية، وعلى الرغم من المشتتات الكثيرة التي صرفت انتباهه، أضاف دي ms074 بلونفيل ~~اللمسات النهائية إلى اختراعه المهم، ولم يبق سوى أن يضعه موضع الاختبار العملي. واختار ~~لذلك يوما لم تكن فيه البحرية الفرنسية التي ترسو في هييريس على مرمى البصر؛ ذلك أنه لم ~~يرد أن يصبح على مرأى من المنظار في شرفة الكوخ. فقد شعر بأنه لن يكون في أفضل صورة له ~~وهو يجدف بقاربه الجديد غير المألوف. وبالإضافة إلى ذلك، قد يغرق به القارب. # لم يكن هناك ولو شراعا واحدا على مرمى البصر حين انطلق في اختبار قاربه. فحتى قوارب ~~الصيد في كاركيران كانت قابعة في مرساها. وكان البحر في غاية الهدوء، والشمس ساطعة في كبد ~~السماء. وقد وجد دي بلونفيل شيئا من الصعوبة في الجلوس في القارب، لكنه ابتهج حين وجد أن ~~اختراعه قد لبى كل التوقعات. وبينما كان يتقدم في البحر، لاحظ عوامة كبيرة تطفو على ~~مسافة بعيدة منه. فأغوته عبقريته الشريرة أنه سيكون من الأفضل لو جدف باتجاه العوامة ثم ~~عاد. فيمكن للكثيرين أن يعاقروا الشمبانيا ولا يدخلون في حالة السكر، لكن قلة من ~~الرجال فقط من يستطيعون أن يذوقوا طعم النجاح ويحتفظون بحصافتهم واتزانهم. والأطوار ~~الغريبة التي قد تعتري الكتاب البارزين تثبت صدق هذا. كان دي بلونفيل مخمورا، ولكنه ~~لم يظن ذلك قط. وقد ساعده المد، الذي قلما تجده في البحر المتوسط، وكذلك النسيم ~~اللطيف الذي يهب من اتجاه الشاطئ. وقد راودت دي بلونفيل بعض الشكوك فيما يخص حصافة ما ~~أقدم على فعله، وذلك قبل أن يصل إلى العوامة الحمراء الكبيرة، لكنه ارتعد حين تلفت حوله ~~ورأى المسافة المرعبة بينه وبين الشاطئ. # كانت العوامة الكبيرة مصنوعة من الحديد، أو على ما يبدو من ألواح الغلايات الفولاذية، ~~وكانت هناك حلقات من الحديد مثبتة إلى جانبها. وكانت العوامة تتخذ شكل ثمرة الكمثرى، ~~رأسها في الماء، ومربوطة إلى سلسلة لا شك أنها تؤدي إلى مرساة. وتساءل دي بلونفيل عن سبب ~~وجود هذه العوامة. وحين رفع نظره كانت العوامة قد تحركت بفعل تيار غير مرئي من الماء ~~وانقلبت وكأنها كانت ms075 عازمة على تدمير قاربه. فنسي دي بلونفيل نفسه وقفز ليبعدها عن ~~قاربه، وسرعان ما خطا بإحدى قدميه على القماش المضاد للماء الذي كان يغطي جانبي قاربه ~~والجزء السفلي منه. ووجد دي بلونفيل نفسه يصارع في الماء تقريبا قبل أن يدرك ما حدث. وبعد ~~أن حرر نفسه من العقدة التي كانت تهدد بسحبه إلى الأسفل، نظر من خلال الماء فوجد ~~اختراعه يستقر ببطء تحت المياه الخضراء الصافية. فمد يده وأمسك بإحدى الحلقات المربوطة ~~بالعوامة وتعلق بها برهة لكي يلتقط أنفاسه ويفكر في موقفه. وسرعان ما أدرك أنه لم يكن ~~في موقف محمود، لكن الأكثر من ذلك أنه أدرك أيضا صعوبة خروجه منه. إن محاولة السباحة نحو ~~الشاطئ ستكون بكل بساطة ضربا من الانتحار. وكان من الواضح أن أفضل شيء يقوم به هو الصعود ~~على سطح العوامة، لكنه أدرك أنه إذا حاول رفع نفسه على الحلقات المعدنية فإن العوامة ~~ستتدحرج فوقه. لكنه تفاجأ حين وجد أن هذا لم يكن ما عليه الحال في الحقيقة. فهو لم يلتفت ~~إلى تأثير كل من حجم العوامة ووزنها. # جلس دي بلونفيل على العوامة والتقط أنفاسه بصعوبة بعد ما بذل من جهد، وراح يحدق ~~لبضع لحظات في المساحة الشاسعة للمياه الزرقاء المتلألئة. كان المنظر جميلا، لكنه كان ~~مثبطا. لم يكن هناك على مرمى البصر ولو قارب صيد واحدا، وكان كل ما حوله يبعث على ~~السرور، لكن كان هو وحده في وضع ميئوس منه. وكانت تلك الجزيرة الحديدية الكبيرة تتسم ~~بعادة غير مريحة ما بين الحين والآخر؛ وهي أنها تميل بشكل ما على إحدى جوانبها؛ ومن ثم ~~كان على دي بلونفيل أن يزحف بهذا الاتجاه أو ذاك ليتجنب السقوط عنها. وخيل إليه أن ~~حركاته تلك تفتقر إلى الوقار. بدأت الشمس الحارقة تجفف ملابسه من جهة ظهره، وأحس بأن شعره ~~قد أصبح هشا ومتموجا بفعل ملوحة المياه. وتذكر أن السباحة في هذه المياه ستكون سهلة؛ ~~ذلك أنه كان في أشد البقاع ملوحة في البحر الأكثر ملوحة في العالم. ثم ms076 انتقل ببصره ~~نحو الأراضي المنبسطة المحيطة بليه سالينز، حيث تدخل الإنسان بالطرق الاصطناعية بحيث ~~تغطي مياه البحر المتوسط مساحات شاسعة من تلك الأراضي حتى تبخر الشمس تلك المياه ~~تاركة الملح الخشن الذي يستخدمه الصيادون على ذلك الشاطئ. لم يكن دي بلونفيل يشعر حتى الآن ~~بالجوع، لكنه تأسى على ذلك العشاء الطيب الذي سيقدم في الفندق في ذلك المساء، والذي لن ~~يحضره هو على الأرجح. # التفت دي بلونفيل حوله وراح يجول بنظره على جزر الذهب البعيدة، لكن فرص حصوله على ~~المساعدة من ذلك الاتجاه كانت تعادل فرص حصوله على المساعدة من البر الرئيسي. وبعد أن أصبح ~~أكثر اعتيادا على تأرجح الكرة الكبيرة، وقف منتصبا. كم كان أحمق ليقطع كل تلك ~~المسافة، وكز على أسنانه ونطق بكلمات فرنسية بدت مقتضبة ومؤكدة على ذلك. لكن التفكير ~~بتلك الطريقة لم يكن مجديا كثيرا. ها هو في تلك البقعة، وسيظل بها، كما قال رئيس دولته ~~ذات مرة. كانت قسوة الموقف الذي هو فيه وعجزه قد بدآ ينهكان أعصابه، وراح يصيح من أجل أن ~~يحدث شيء - أي شيء - بدلا من أن يجلس هكذا ويقاسي ما يقاسيه. # ثم حدث شيء. # من بين الجزر، ظهرت سفينة حربية فرنسية حديثة وكبيرة شيئا فشيئا، وكانت السفينة صغيرة ~~بفعل المسافة الكبيرة بينها وبينه. أشرق وجه دي بلونفيل أملا. لا بد أن تلك السفينة ~~ستمر على مسافة قريبة منه بما يكفي لكي يرى المراقبون عليها إشاراته. يا رباه! كم كانت ~~تتحرك ببطء! ثم ظهرت سفينة حربية ثانية بعد الأولى، وأخيرا ظهرت سفينة ثالثة. تقدمت ~~السفن الثلاث ببطء في موكب مهيب. خلع دي بلونفيل معطفه وراح يلوح به ليجذب الانتباه ~~إليه. وكان حثيثا في ذلك حتى إنه كاد يفقد توازنه، وحين أدرك أن السفن الحربية كانت لا ~~تزال بعيدة كثيرا عنه، كف عن فعله. جلس دي بلونفيل وجذوة حماسه تخبو، وراح يرقب ~~تقدمها البطيء. ثم بدا له أنها قد توقفت، فمال إلى الأمام وظلل على عينيه بيده، ~~وراح يرقبها في لهفة. لكن السفن ms077 كانت لا تزال تتحرك، وهذا هو كل شيء. # وفجأة، ارتفعت سحابة من الدخان الأبيض من أحد جوانب السفينة الأولى فحجبت المداخن ~~والصواري عن الرؤية، وراح الدخان يتلاشى في السماء الزرقاء فوق الصواري العلوية. وبعد أن ~~مرت فترة بدت طويلة، جاءه صوت مدفع كان منخفضا ومكتوما، وتبعه صداه في التلال المرتفعة ~~على الجزيرة، ثم كان صداه الثاني الأضعف الذي تردد في جنبات الجبال على البر الرئيسي. ~~أصاب هذا الأمر دي بلونفيل بالحزن؛ وذلك لأن تلك السفن إذا كانت في الخارج بهدف التدريب ~~فإن الدخان الصادر عنها سيحجب إشارته وسيكون من المستبعد أن تراه، ثم إن هذا الجزء من ~~الأسطول سيعود أدراجه مرة أخرى، تاركا إياه في محنته. ومن السفينة الحربية الثانية خرجت ~~سحابة من الدخان مشابهة للأولى، لكن في هذه المرة، وعلى مسافة كبيرة من ميسرته، اندفع بقوة ~~جزء من ماء البحر على شكل نافورة، فارتفع في الهواء على شكل عمود للحظة، ثم تساقط على سطح ~~العوامة وكأنه أمطار ثقيلة. # كانت العوامة هدفا للتصويب. # وحين أدرك دي بلونفيل فيم كانت تستخدم العوامة، شعر برجفة في فروة رأسه، وهو ما نطلق ~~نحن عليه انتصاب شعر الرأس من شدة الخوف. نفث المدفع الثالث سحابة دخانه، وجحظت عينا دي ~~بلونفيل لما رآه. كانت هناك قذيفة مدفع تتجه نحوه مباشرة، وكانت تطير فوق الماء وكأنها ~~حصاة ألقاها أحدهم. لم يكن يعرف من خلال خبرته في البحرية - في باريس - أن مثل هذا الأمر ~~ممكن. انبطح دي بلونفيل على سطح العوامة، حتى لامست ذقنه الحديد، وانتظر لحظة الارتطام. ~~وعلى بعد مائة ياردة منه، غاصت القذيفة في الماء واختفت. ووجد دي بلونفيل أنه حاول أن يغرز ~~أظافره في اللوح المعدني، حتى التهبت أطراف أصابعه وصارت تؤلمه. وقف دي بلونفيل وراح ~~يلوح بذارعيه، لكن السفينة الأولى أطلقت قذيفتها مرة أخرى، وجاء أزيز القذيفة فوق رأسه ~~تماما حتى إنه انحنى لا إراديا. واتته فكرة، مثل نزغة مفاجئة من الألم الجسدي، أنه هو ~~من حرض على استهجان دقة تصويب تلك السفن ms078 الحربية. لا شك أنهم رأوا شخصا على العوامة، ~~لكن بما أن وجود أي شخص في هذه البقعة لا يعد مبررا، فإن قتله باستخدام قذيفة مدفع ~~سيكون دليلا دامغا على دقة تصويبهم. وسيكون التحقيق الذي سيلي مقتله مفخرة للضابط ~~المسئول، أيا كان الحكم الذي ستقرره المحكمة. وتوقع دي بلونفيل - في شيء وكأنه ~~تنهيدة - أن موته السابق لأوانه لن يلقي بظلال الحزن والكآبة على الأسطول. # حسنا، الإنسان لا يموت سوى موتة واحدة؛ ولذا من غير المجدي كثيرا أن يحدث الإنسان جلبة ~~حول وقوع القدر المحتوم. سيلاقي دي بلونفيل قدره بهدوء وكما ينبغي لرجل فرنسي أن يفعل، ~~ووجهه صوب المدافع. شعر بشيء من الندم لعدم وجود أحد ليشهد على بطولته. فمن السار ~~دوما في مثل تلك الأحداث أن يوجد مراسل حربي أو صحفي على الأقل. ومن الأفضل أن يحافظ على ~~هدوئه قدر الإمكان تحت أي ظرف؛ ولذا جلس دي بلونفيل على الكرة العائمة وجعل قدميه ~~تتدليان في الماء. ولسبب ما راحت العوامة الكبيرة تتأرجح حتى أصبحت متاخمة للسفن الحربية ~~بجانبها. ولم تكن أي من القذائف التالية قريبة منها بدرجة القرب نفسها التي كانت عليها ~~القذائف الأولى، وربما كان ذلك بسبب الدخان الكثيف. وظلت ملامح جديدة للموقف تتجلى أمام ~~دي بلونفيل بينما كان جالسا هناك. استمر إطلاق النيران لبعض الوقت قبل أن يفكر دي ~~بلونفيل في أن العوامة ستمتلئ بالماء وتغرق لو أن إحدى القذائف أصابتها فأحدثت فيها ~~ثقبا. ربما كانت الأوامر التي تلقوها هي إطلاق النار على العوامة حتى تختفي. وشعر بشيء ~~من الارتياح في هذا الاقتراح. # كان إطلاق النار قد توقف لبضع دقائق قبل أن يلاحظ دي بلونفيل تلك الحقيقة. واستقرت ~~حفنة من الدخان المتلاشي على سطح الماء بين العوامة والسفن الحربية. ورأى دي بلونفيل ~~السفن وهي تتحرك بتثاقل عبر تلك الحفنة من الدخان وتتحول لتقف عرضا بنفس الترتيب ~~السابق مرة أخرى. راح دي بلونفيل يشاهد تلك التحركات وهو يريح ذقنه على يديه، ولا ~~يدرك أن اللحظة قد حانت لكي يطلق إشاراته ms079 . وحين طرقت الفكرة ذهنه الشارد بعض الشيء، هب ~~واقفا على قدميه لكن فرصته كانت قد ضاعت. ارتفع دخان المدفع الأول في الهواء، وكان هناك ~~صوت قعقعة ناتج عن تصادم الحديد ببعضه، ووجد دي بلونفيل نفسه يدور في الهواء، ثم يغوص في ~~الماء. وبعد أن خرج إلى السطح لاهثا، رأى العوامة وهي تدور ببطء، ثم مالت على مقدمتها ~~واختفت في الماء، فظهر المكان الذي أصابته القذيفة. ولم تطلق السفينة الثانية قذيفتها، ~~فأدرك دي بلونفيل أنهم كانوا يفحصون العوامة بمناظيرهم. فسبح إلى الجهة الأخرى، وهو ~~ينوي أن يمسك بحلقة معدنية مما يجعل العوامة تسحبه إلى مكان يمكن لهم رؤيته فيه. وقبل ~~أن يصل إلى ذلك المكان، كانت العوامة قد استقرت مرة أخرى، وحين صعد على سطحها وقد ~~أنهكه التعب إنهاكا شديدا، فتحت السفينة الحربية الثانية نارها. تمدد دي بلونفيل على ~~سطح العوامة وقد خارت قواه تماما، وأمل إن كانت السفن ستصيب العوامة أن يحدث ذلك ~~سريعا. لم تكن الحياة تستحق أن يعيشها في ظل تلك الظروف. شعر بالشمس الحارقة على ~~ظهره، وراح يسمع صوت المدافع وكأنه في حلم. ذهب عنه الأمل، وتساءل في نفسه لم لا ~~يكترث بمصيره بدلا من أن يعيره اهتماما حقيقيا. فكر دي بلونفيل في نفسه بأنه شخص ~~آخر، وشعر بشفقة غامضة وغير واضحة. وراح ينتقد إطلاق النار العشوائي، وظن أن ~~الإصابة التي وقعت قبل قليل لم تكن إلا ضربة حظ ومحض مصادفة. وحين جف ظهره تدحرج في ~~تكاسل على ظهره ورقد ووجهه يحدق في السماء الصافية من السحب. ولكي يحصل على قدر ~~أوفر من الراحة، وضع يديه تحت رأسه. تلاشى مظهر السماء، واعترته لحظة من غياب ~~الوعي. # صاح وهو يهز نفسه: «لن يجدي هذا نفعا. إذا ما غبت عن الوعي فسأسقط في ~~الماء.» # اعتدل دي بلونفيل في جلسته مرة أخرى، وكانت مفاصله متيبسة بفعل الماء الذي يغمره، ~~وراح يشاهد السفن الحربية البعيدة عنه. ورأى باهتمام فاتر قذيفة مدفع وهي تضرب الماء، ~~وتأخذ مسارا جديدا ثم تعود وتغوص في ms080 البحر على مسافة كبيرة من ميمنته. وجال في خاطره ~~أن تقلبات قذائف المدفعية في الماء ستكون موضوع دراسة مثيرا للاهتمام. # صاح به صوت واضح من خلفه: «هل أصبت؟» # صاح الشاب في هلع جم وهو يهب على قدميه: «يا إلهي!» # وكما لو كان منقذه في حاجة لأن يعتذر: «أوه، أستميحك عذرا. كنت أعتقد أنك السيد دي ~~بلونفيل.» ~~«أنا دي بلونفيل.» # فقالت السيدة في همس ينم عن الرهبة: «شعرك أشيب.» ثم أضافت: «ولا عجب في ~~ذلك.» # فأجابها الشاب المكروب وهو يضع يده على صدره: «يا آنستي، لا داعي لأن أنكر أنني ~~تملكني الخوف، لا أنكر ذلك. لكنني لا أعتقد أنني نادم، لا أعتقد ذلك فعلا. الأمر غاية ~~في التكلف، إنني في غاية الحزن.» ~~«رجاء لا تتحدث أكثر من ذلك. تعال بسرعة. أيمكنك أن تنزل إلى متن القارب؟ ضع قدميك ~~في منتصف القارب بالضبط. كن حذرا؛ فمن السهل أن يتمايل القارب، واجلس في الحال. لقد فعلت ~~ذلك بإتقان.» ~~«يا آنستي، اسمحي لي على الأقل أن أجدف بالقارب.» ~~«إنه تجديف، وأنت لا تعرف هذا القارب. أما أنا، فأعرفه. رجاء لا تتحدث حتى نخرج عن ~~مرمى إطلاق النار. إنني خائفة حد الرعب.» ~~«أنت في غاية الشجاعة والإقدام.» ~~«هشش.» # أمسكت الآنسة ستانسبي بالمجداف المزدوج الريشة واستخدمتهما ببراعة ربما يحسدها عليها ~~الهنود الحمر. وحدث أن أطلقت صرخة أنثوية صغيرة حين غاصت قذيفة مدفع في الماء خلفهما، لكن ~~ما إن ابتعدا عن العوامة حتى بدا أن من كانوا على متن تلك السفن الحربية قد بدءوا ~~يلحظون وجود قارب في مرمى نيرانهم، فتوقف إطلاق النيران. # ثبتت الآنسة ستانسبي نظرها على الشاب الرصين الجالس أمامها، ووضعت مجدافها بعرض القارب، ~~وانحنت عليه، وراحت تضحك. رأى دي بلونفيل ردة فعلها تلك وقال في تعاطف: ~~«آه، يا آنستي، لا تفعلي ذلك، أرجوك. أعتقد أن الخطر قد زال.» # فصاحت وهي ترمقه بنظرات تنم عن التحدي، وقد نسيت اعترافها بخوفها قبل لحظات: «لست ~~خائفة، لا تظن بي ذلك. كان أبي أدميرالا. إنني أضحك على خطئي ms081 . إنه الملح.» # سألها الراكب المذهول: «ما هذا؟» ~~«في شعرك.» # مرر أصابع يده بين شعره، وراح الملح يتساقط على أرضية القارب. وجاءت ضحكته وهي تحمل ~~شيئا من شعوره بالارتياح. ~~••• # كان دي بلونفيل دائما ما يعتقد أن الضباط على متن السفن الحربية كانوا يعرفون بأمره. ~~وعندما عرف في باريس أنه سيتزوج من ابنة أدميرال إنجليزي، والتي تقول الشائعات إنه أنقذها ~~من موت وشيك، علق ملازم الجيش أنها لا يمكن أن تكون قد سمعته وهو يتحدث الإنجليزية، ~~وهو أمر غير صحيح كما نعرف. # | مادة متفجرة جديدة # جلس وزير الحربية الفرنسي في كرسيه الوثير في مكتبه الرسمي الخاص، وراح يفكر في أمر ~~خطاب كان قد تسلمه. ولكونه وزير الحربية، كان الرجل بطبيعة الحال الأكثر دماثة وإنسانية ~~والأقل عدوانية بين أعضاء مجلس الوزراء. يتلقى وزير الحربية الكثير من الخطابات التي يكون ~~مصيرها - بالطبع - في سلة المهملات الخاصة به، لكن هذا الخطاب على وجه التحديد نجح بطريقة ~~ما أن يجذب انتباهه. وعندما يصير المرء وزيرا للحربية، فإنه يعرف للمرة الأولى أن ~~السواد الأعظم من البشر ينكبون على صنع أو اختراع البندقيات والبارود والآلات بكل أنواعها ~~المصممة خصيصى لتدمير بقية العالم. # في صباح ذلك اليوم، كان وزير الحربية قد تلقى خطابا نما إلى علمه أن كاتبه قد ~~اخترع مادة متفجرة مروعة حتى إنه يتضاءل أمامها تأثير كل المواد المتفجرة المعروفة ~~أمامها. ولكون كاتب الخطاب فرنسيا؛ فقد قدم عرضه الأول بخصوص اكتشافه إلى الحكومة ~~الفرنسية. وقال كاتب الخطاب أيضا إن الوزير لن يخسر شيئا لكي يجري اختبارا يثبت ~~ادعاءاته المذهلة حول تلك المادة، وإن اللحظة التي سيجري فيها هذا الاختبار هي اللحظة التي ~~سيعرف فيها أي رجل ذكي حقيقة أن الدولة التي تمتلك سر ذلك المركب التفجيري ستكون في ~~موقف حصين وسط عالم متنازع ومتناحر. # وقد عرض كاتب الخطاب أن يحاول بنفسه إثبات صحة ادعاءاته تلك إلى الوزير، شريطة أن يذهبا ~~إلى بقعة بعيدة لا يمكن لتأثير الانفجار أن يحدث أي أذى، وحيث سيكونون في مأمن من ~~التجسس ms082 . واستطرد الكاتب بأن قال بصراحة شديدة إن الوزير إذا استشار عملاء الشرطة فإنهم ~~سيرون في تلك الدعوة من فورهم فخا لاحتمال اغتيال الوزير. لكن المخترع تذرع بأن الوزير ~~بحسن إدراكه وتمييزه للأمور سيعلم أن لا أحد يرغب في قتله. ذلك أنه لم يعين في منصبه ~~ذلك إلا حديثا، وأنه لم يمض وقتا كافيا ليصنع له أعداء. وكانت فرنسا في حالة سلم مع ~~العالم كله، وقد حدث هذا قبل مظاهرات دعاة الفوضوية في باريس. واستكمل كاتب الخطاب حديثه ~~بأنه من المنصف أن يحصل الوزير على ضمانات على حسن نية المخترع. ولذا فقد أعطاه اسمه ~~وعنوانه، وقال بأن الوزير إذا ما استفسر عنه لدى الشرطة، فلن يجد في سجلاتهم شيئا ضده. كان ~~المخترع طالبا، ولسنوات طويلة، لم يكن انتباهه منصبا على شيء سوى المتفجرات. ولكي يثبت ~~أكثر أنه لم يكن أنانيا في هذا الأمر، أضاف المخترع بأنه لم تكن لديه أي رغبة في تحقيق ~~ثراء شخصي من وراء اكتشافه. كان للمخترع دخل شخصي يكفي احتياجاته إلى حد كبير، وكان ينوي ~~إعطاء سره هذا إلى فرنسا وليس بيعه لها. وكان الشرط الوحيد الذي وضعه هو أن يقرن اسمه ~~باسم ذلك المركب المروع، الذي قال بأنه سيؤمن السلام الدائم في العالم بأسره؛ ذلك ~~أن أي أمة لن تجرؤ على محاربة أخرى بعد أن تنتشر خصائص تلك المادة ويذيع صيتها. وقال ~~في خاتمة الخطاب إن الطموح الوحيد الذي يرنو إليه المخترع هو أن يتصدر اسمه قائمة أسماء ~~علماء فرنسا البارزين. أما إذا رفض الوزير التعامل معه فإنه سيقدم عرضه إلى الحكومات الأخرى ~~حتى تأخذه إحداها، لكن الحكومة التي ستحصل عليه ستحتل من فورها موقع الصدارة بين بقية ~~الدول. ومن ثم، ناشد الوزير باسم وطنه بأن يجري ولو اختبارا واحدا على الأقل لتلك ~~المادة. # وكما قلت، كان هذا قبل وقوع أحداث انفجارات باريس، ولم يكن الوزراء متشككين حينها كما ~~هم الآن. وقد استفسر الوزير عن ذلك العالم الذي كان يعيش في ضاحية صغيرة من ضواحي باريس ms083 ، ~~ووجد أنه لا يوجد شيء ضده في سجلات الشرطة. وأظهر البحث أن كل ما قاله عن ثروته الخاصة ~~كان صحيحا. ولذا، فقد كتب الوزير إلى المخترع وحدد ساعة سيقابله فيها في مكتبه ~~الخاص. # حانت الساعة وجاء الرجل. كان الوزير يشك قليلا في رجاحة عقله، لكن الخطاب كان مكتوبا ~~على نحو صريح للغاية، وكان مظهر الرجل يوحي بأنه طبيعي وذكي وهادف للنفع بحيث تبددت كل ~~الشكوك لدى المسئول الرسمي. # قال الوزير: «تفضل واجلس. نحن بمفردنا تماما، ولن يسمع أحد ما ستقول عداي.» # أجابه المخترع: «أشكرك سيدي الوزير على ثقتك تلك؛ لأنني كنت أخشى أن ما قلته في الخطاب ~~بدا غير عادي تماما بحيث يجعلك تتردد قبل أن تحدد موعدا للقائنا.» # ابتسم الوزير وقال: «أفهم ذلك. إنه الحماس الذي يشعر به المخترع حين يحقق النصر، وعلى ~~هذا فقد كنت متشككا بشأن ما ذكرت في خطابك، رغم أنني لا أشك في أنك توصلت إلى اكتشاف ~~قد يكون ذا فائدة لوزارة الحرب.» # تردد المخترع وهو ينظر نظرات جادة إلى المسئول الكبير الجالس أمامه. # ثم قال أخيرا: «من منطلق ما تقول، أخشى أن خطابي قد ضللك؛ ذلك أنني كنت مضطرا على ~~جعل ادعاءاتي دمثة حتى إنني أخطأت في الانتقاص منها بدلا من المبالغة فيها؛ وذلك كله ~~خشية ألا تصدقها. إن المادة المتفجرة هنا في جيبي.» # صاح الوزير وقد شحب وجهه وانتفض عن كرسيه: «آه! كنت أظن أنني قلت لك في رسالتي ~~ألا تحضرها معك.» ~~«سامحني على عدم إطاعتي الأمر. إنها غير ضارة تماما وهي في حالتها هذه. وهذه هي ~~إحدى الخصائص - المميزة إن جاز لي قول ذلك - لتلك المادة الشديدة الفاعلية. يمكن ~~التعامل معها بأمان تام، لكن تأثيرها محتوم كالموت.» وبقوله ذلك أخرج من جيبه زجاجة صغيرة ~~ورفعها في الضوء وكانت الزجاجة ممتلئة بسائل صاف لا لون له وكأنه ماء. # قال المخترع: «يمكنك أن تصب هذا على النار من دون أن يحدث أي شيء سوى أنها ستطفئها. ~~ويمكنك أن تضعها تحت مطرقة بخارية فتسحق المطرقة ms084 الزجاجة سحقا، لكن المادة لن تنفجر ~~أيضا. إنها غير ضارة تماما في حالتها هذه وكأنها مياه.» # قال الوزير: «إذن كيف تتعامل معها؟» # تردد الرجل مرة أخرى. # وقال: «أخشى أن أخبرك ذلك، كما أنني إذا لم أستطع أن أبرهن لك بما يبدد أي شك ~~داخلك على صحة ما أقول، فسيكون ما أقوله ضربا من الحماقة. إنني إذا أخذت هذه الزجاجة ~~وأحدثت شقا في سدادة الفلين، وسرت بها وهي مقلوبة بطول شارع دي إيتالينز، تاركا ~~السائل ليتساقط قطرة بقطرة على الرصيف، فيمكنني أن أسير بهذه الطريقة وأنا في أمان في كل ~~شوارع باريس. وإذا أمطرت السماء في ذلك اليوم فلن يحدث شيء. وإذا ما أمطرت في اليوم الذي ~~يليه أو ظلت تمطر أسبوعا فلن يحدث أي شيء، لكن في اللحظة التي ستشرق فيها الشمس ~~وتجفف الرطوبة، فإن أخف خطوة من قدم قطة على أي رصيف مررت به سوف تتسبب في تدمير ~~باريس كلها وتحولها إلى أطلال.» # صاح الوزير وقد علت وجهه تعابير الذعر: «هذا مستحيل!» ~~«كنت أعرف أنك ستقول ذلك. ولذا أطلب منك أن تأتي معي إلى الريف، حيث سأثبت لك حقيقة ما ~~أدعي. إنني أحمل هذه الزجاجة معي بتلك الطريقة المستهترة على ما يبدو؛ لأنها مسدودة بقطعة ~~من الفلين كما ترى وبإحكام شديد. فلا بد ألا تترك أي قطرة على قطعة الفلين أو على ~~الزجاجة. لقد مسحت الزجاجة وسدادة الفلين بحرص شديد، وحرقت قطعة القماش التي استخدمتها ~~في ذلك. ولا تتسبب النار في انفجار تلك المادة حتى ولو كانت جافة، لكن أقل لمسة لها ~~ستتسبب في تفجيرها. يتحتم علي أن أكون غاية في الحرص وأنا أصنعها، حتى لا تتسرب ~~أي قطرة دون الانتباه إليها في أي مكان يمكن أن تتبخر فيه.» # راح الوزير يتأمل لبضع دقائق في السقف وقد ضم أطراف أصابعه إلى بعضها، وكان يفكر في ~~تلك الجملة المذهلة التي سمعها. # ثم قال في النهاية: «إذا كان ما تقوله صحيحا، ألا تعتقد أن الأكثر إنسانية هو أن تمحو ~~كل أثر ms085 لكل التجارب التي اكتشفت هذه المادة من خلالها وألا تبوح بسرها لأحد؟ إن الدمار ~~الذي يمكن أن تخلفه مثل هذه المادة إذا سقطت في أيدي أشخاص عديمي الضمير يفوق حدود الخيال ~~رعبا.» # قال المخترع: «لقد فكرت في ذلك، لكن من المؤكد أن شخصا آخر سيصل إلى ذلك الاكتشاف، ~~وقد يكون ذلك خلال وقت طال أو قصر. وكما قلت في خطابي فإن ما أطمح إليه هو أن يقترن اسمي ~~بهذا الاكتشاف. أريد أن يطلق على هذا الاكتشاف اسم متفجرات لامبيل. وسيكون السر في مأمن ~~مع الحكومة الفرنسية.» # رد عليه الوزير: «لست واثقا تماما من هذا. قد يصبح أحد الرجال العديمي الضمير وزيرا ~~للحربية وقد يستخدم معرفته لتنصيب نفسه ديكتاتورا. إن رجلا عديم الضمير وفي حوزته سر ~~كهذا سيكون شخصا لا يقهر.» # فرد عليه المخترع: «إن ما تقول حقيقي بلا أدنى شك، لكنني عازم على أن يسجل التاريخ ~~اسم لامبيل مقترنا بأكثر الاختراعات التي عرفها أو سيعرفها العالم تدميرا. وإذا ما ~~شيدت لي الحكومة الفرنسية بناء حجريا منيعا كالحصن فسأحتفظ بالسر، لكنني سأملأ ذلك ~~البناء بزجاجات كهذه، وحينها ...» # قال الوزير: «لا أرى أن هذا سيقلل الخطر إذا امتلك ذلك الرجل العديم الضمير الذي أتحدث ~~عنه مفاتيح ذلك المكان؛ وبالإضافة إلى ذلك، فإن حقيقة أن سرا كهذا كان موجودا بالفعل من ~~شأنها أن تجعل مخترعين آخرين يسلكون الدرب نفسه، ولا شك أن أحدا ممن هم أقل حبا ~~للخير منك سيتوصل إلى الاكتشاف. لقد اعترفت بنفسك قبل قليل أنه من الوارد جدا أن ينجح ~~أحد العلماء المستقبليين في الوصول إلى التركيبة الصحيحة، حتى من دون أن يعرف أن مثل هذه ~~المادة المدمرة كانت موجودة بالفعل. فانظر كيف سيكون ذلك باعثا ومحفزا إلى المخترعين في ~~كل أرجاء العالم، إذا عرف أن فرنسا تمتلك في حوزتها مادة مدمرة كهذه! إن أي حكومة لم ~~تنجح من قبل حتى الآن في إخفاء سر المسدس أو البارود.» # قال لامبيل: «ما تقول حقيقي وصحيح بكل تأكيد، لكن من الوارد أيضا ms086 بكل تأكيد أن يكون كل ~~ما قلت قد قيل إلى مخترع البارود؛ ذلك أن البارود حينها كان رائعا على غرار هذا ~~الآن.» # ضحك الوزير فجأة بصوت مرتفع. # وصاح قائلا: «إنني أتحدث عن هذا الأمر معك بجدية وكأنني أصدق فيه فعلا. يمكنني ~~بالطبع أن أقول إنني لا أصدق ذلك بتاتا. أعتقد أنك قد سيطرت علي بعينيك الهادئتين ~~فصرت كالمنوم مغناطيسيا؛ ومن ثم أقنعتني بتصديق حديثك ولو للحظات قليلة.» # قال المخترع في هدوء: «يمكنك التأكد من صدق كل ما أقول غدا. حدد لي موعدا في الريف، ~~وإذا تصادف أن كان الجو هادئا ومشمسا فلن تشك بعد ذلك فيما ستراه عيناك من ~~أدلة.» # فسأله الوزير: «أين تريد أن تتم التجربة؟» ~~«لا بد أن تجرى في منطقة نائية مقفرة، ويفضل أن تكون على قمة تل. وينبغي أن توجد بها ~~إما أشجار وإما مبان قديمة يمكن تدميرها، وإلا فلن نستطيع تقدير تأثير الدمار ~~كاملا.» # قال الوزير: «لدي مكان في الريف ناء ومقفر وغير ذي جدوى. وهناك بعض المباني الحجرية ~~العديمة النفع، وهو ليس على قمة تل، ولكنه على حافة محجر لا يعمل منذ سنوات طويلة. ولا ~~يوجد عمران أو سكان على مدى بضعة أميال حوله. فهل ستكون مثل هذه البقعة ملائمة؟» ~~«ستكون ملائمة تماما. ما الوقت المناسب للذهاب إلى هناك؟» # قال الوزير: «سنرحل معا الليلة، ويمكننا أن نمضي اليوم كله غدا في إجراء ~~التجارب.» # أجابه لامبيل وهو ينهض: «جيد جدا.» وذلك بعد أن حدد الوزير محطة القطار التي سيلتقيان ~~فيها وساعة ذلك. # وفي مساء ذلك اليوم، وبينما كان الوزير يقود عربته باتجاه المحطة في موعد القطار، وجد ~~لامبيل ينتظره ويمسك بسلسلة مقيد بها كلبان يبدو عليهما الحزن. # فسأله الوزير: «أتسافر بهذين الكلبين؟» # قال لامبيل والندم باد في صوته: «وجود الكلبين البائسين ضروري لتجاربنا. وسيكونان ~~قد تحولا إلى ذرات بحلول هذا الوقت غدا.» # وضع الكلبان في شاحنة القطار، وأحضر المخترع معه حقيبة سفره إلى العربة الخاصة ~~المحجوزة للوزير. # كان المكان - كما قال وزير الحربية - مقفرا ونائيا ms087 بما يكفي. وكانت المباني الحجرية ~~الموجودة بالقرب من حافة المحجر المهجور سميكة وقوية، رغم أنها كانت خربة بصورة ~~جزئية. # قال لامبيل: «لدي هنا في حقيبتي سلك كهربائي طوله بضع مئات من الأمتار. سأربط أحد ~~الكلبين بهذا الطوق وسنحرره منه من بعيد عن طريق الضغط على هذا الزر الكهربائي. وفي ~~اللحظة التي سيهرب فيها الكلب سيفجر المادة بلا أدنى شك.» # مد السلك المعزول على الأرض على ارتفاع بعيد. وربط الكلب بالطوق الكهربائي، وسلسل ~~إلى عمود باب أحد البنايات. ثم أزال لامبيل وبكل حذر سدادة الزجاجة، وأمسك بها على طول ~~ذراعه. ونظر الوزير باهتمام بالغ بينما كان لامبيل يقطر السائل من الزجاجة في شكل خط ~~شبه دائري حول الكلب المربوط. ثم أعاد المخترع السدادة بحذر إلى الزجاجة ومسحها بعناية ~~بقطعة قماش كانت معه ثم ألقى بتلك القطعة في أحد المنازل المهجورة. # وانتظرا بالقرب من المكان حتى جفت البقع التي تسبب بها السائل على الرصيف أمام المنزل ~~واختفت. # قال لامبيل: «بحلول الوقت الذي سنصل فيه إلى التل، سيكون السائل قد جف تماما تحت هذه ~~الشمس الملتهبة.» # وحيث كانا يغادران باتجاه التل، عوى الكلب البائس حزنا، وكأنه كان يشعر بمصيره. # قال المخترع حين وصلا إلى الجهاز الكهربائي: «أعتقد أن علينا الانتظار لمدة نصف ساعة ~~حتى نتأكد تماما من جفاف السائل.» # أشعل الوزير سيجاره وراح يدخن في صمت، وكانت تدور في عقله رحى معركة غريبة. وجد ~~الوزير نفسه يصدق المزاعم الغريبة التي يقولها المخترع، وراح يفكر في الاحتمالات ~~المرعبة التي يمكن أن تتسبب بها تلك المادة المتفجرة. # سأله لامبيل بنبرة هادئة: «هلا ضغطت على الذراع الكهربائية؟ تذكر أنك بهذا تفتح أبواب ~~حقبة جديدة.» # ضغط الوزير على المفتاح، ثم وضع نظارته الميدانية على عينيه ورأى أن الكلب قد تحرر، لكن ~~الكلب جلس في مكانه يحك أذنيه بيده. ثم بعد أن أدرك الكلب أنه قد تحرر، راح يشم ~~السلسلة قليلا. وفي النهاية، رفع الكلب رأسه وجعل ينبح، رغم أن المسافة بينه وبينهما كانت ~~بعيدة بحيث لا يستطيعان ms088 سماع صوت نباحه. ثم جرى الكلب في الاتجاه نفسه الذي سلكه الرجلان، ~~لكن قبل أن يخطو ثلاث خطوات، ارتاع الوزير لرؤية المباني وهي تتفتت إلى تراب، ثم بعد لحظات ~~قليلة، جاءهم هدير الأحجار المتساقطة في المحجر المهجور. لقد سقطت الحافة كلها وطرحت ~~أرضا في الصدع. ولم يكن هناك دخان، لكن كانت هناك غيمة من الغبار تعلو البقعة. # صاح الوزير: «يا إلهي! هذا فظيع!» # قال لامبيل بنبرة هادئة: «أجل، لقد وضعت على الرصيف أكثر مما كان ينبغي. كانت بضع قطرات ~~قليلة ستكفي، لكنني كنت أريد أن أتأكد تماما، وأنت كنت متشككا للغاية.» # نظر الوزير إليه وقال: «أتوسل إليك أيها السيد لامبيل، لا تبح بالسر إلى الحكومة ~~الفرنسية أو إلى أي حكومة أخرى. لنجازف بفكرة أن يكتشف السر في المستقبل. ألتمس منك أن ~~تعيد التفكير في مقصدك من هذا. إذا كنت تريد المال، فسأحرص على أن تحصل على ما تريد من ~~الصناديق السرية.» # هز لامبيل كتفيه. # وقال: «ليس لدي رغبة في المال، لكن ما رأيت يبرهن لك أنني سأكون أشهر عالم في هذا ~~القرن من الزمان. سيخلد اسم لامبيل حتى نهاية العالم.» # قال الوزير: «لكن، يا إلهي يا رجل! ستحل نهاية العالم في اللحظة التي سيعرف فيها أحد ~~غيري وغيرك بأمر سرك هذا. سيكون هذا السر بمأمن معك ومعي، لكن من يعرف فيم سيفكر ~~من يخلفوننا؟ أنت تضع قوى القدير بين أيدي البشر.» # احمر وجه لامبيل فخرا حين قال الوزير الشاحب الوجه كلامه هذا. # وصاح قائلا: «أنت تقول الحقيقة! هذه هي القدرة المطلقة.» # توسل إليه الوزير قائلا: «إذن، أعد التفكير في قرارك.» # قال لامبيل: «لقد عملت بجهد ولفترة طويلة ولن يمكنني أن أضيع فرصة انتصاري ونجاحي. ~~أرى أنك اقتنعت في النهاية. والآن إذن أخبرني: بصفتك وزيرا في الحكومة الفرنسية، هل ستؤمن ~~لبلدك هذا الاختراع الأعظم؟» # أجاب الوزير: «أجل، يجب ألا تحصل أي قوة أخرى على هذا السر. هل دونت أسماء مكونات ~~هذه المادة؟» # فأجابه لامبيل: «أبدا.» ~~«أليس من الممكن لأي أحد أن ms089 يشك في حقيقة الاختبارات التي كنت تجريها؟ إذا دخل إلى ~~معملك أحد - عالم ما - ألا يمكن أن يحصل على السر مما قد يراه؟» # قال لامبيل: «سيكون هذا مستحيلا. كنت حريصا للغاية أن أحافظ على هذا الشرف لنفسي، فلم ~~أترك أي أثر يمكن أن يشير ولو من بعيد إلى ما كنت أعكف عليه.» # قال الوزير وهو يتنهد تنهيدة عميقة: «كنت حصيفا في فعلك هذا، والآن لنذهب وننظر في ~~الحطام.» # وبينما كانا يقتربان من البقعة المدمرة، كان اندهاش المسئول الرسمي وذهوله يتضاعفان ~~أكثر وأكثر. كانت الصخور متصدعة ومتشققة وكأنه من فعل زلزال؛ وذلك على امتداد مئات ~~الياردات. # قال الوزير: «أنت تقول إن هذا السائل آمن تماما حتى يتبخر.» # أجابه لامبيل: «تماما، وكما قلت لك، ينبغي على المرء بالطبع أن يكون حريصا في التعامل ~~معه. لا بد وألا تسقط أي قطرة على ملابسك، أو تتركها في أي مكان خارج الزجاجة لكيلا ~~تتبخر.» ~~«دعني أر هذه المادة.» # أعطاه لامبيل الزجاجة. ~~«هل لديك المزيد من هذا في معملك؟» ~~«ولا قطرة واحدة حتى.» ~~«إذا أردت أن تتخلص من هذه الزجاجة، فكيف ستفعل ذلك؟» ~~«سأفرغ محتوياتها في نهر السين. وسيتدفق ماء النهر في البحر، ولن يتسبب ذلك في أي ~~ضرر.» # قال الوزير: «انظر إن كان هناك أي أثر للكلب. وسأنزل أنا عن الحافة إلى المحجر وسأنظر ~~هناك.» # قال لامبيل في ثقة: «لن تجد شيئا.» # ولم يكن هناك سوى ممر واحد يمكن النزول منه إلى أسفل المحجر. ونزل عليه الوزير حتى غاب ~~عن أنظار الرجل في الأعلى، ثم سرعان ما أزال سدادة الزجاجة، وترك السائل يتقطر على أكثر ~~المناطق ضيقا في الممر والتي كانت في مواجهة الشمس المستعرة. ثم أعاد السدادة إلى الزجاجة، ~~ومسحها بحرص بالغ بمنديله ثم كوره وألقى به في المحجر. ثم عاد إلى السطح مرة أخرى وقال ~~إلى العالم الدمث المحب للخير: «لا يمكنني أن أجد أي أثر للكلب.» # قال لامبيل: «ولا أنا أيضا، بالطبع حين لا تجد أي علامة على وجود المبنى فلا يمكن ms090 أن ~~تتوقع أن تجد أي أثر للكلب.» # قال الوزير: «لنذهب إذن إلى التل ونتناول الغداء.» ~~«هل ترغب في إجراء تجربة أخرى؟» ~~«أود أن أجري تجربة أخرى ولكن بعد أن نتناول شيئا من الطعام. كيف سيكون الأثر حين ~~تفرغ الزجاجة كلها في المحجر وتفجرها؟» # صاح لامبيل: «أوه، سيتعذر تخيل ذلك! سيتحول هذا الجزء من الريف بأكمله إلى فتات. ~~وفي الواقع، لست واثقا من أن الهزة الأرضية الناتجة عن ذلك لن تصل إلى باريس. يمكنني أن ~~أدمر المحجر كاملا باستخدام قطرات قليلة فقط.» ~~«حسن إذن، سنجرب ذلك بعد تناول الغداء. لدينا كلب آخر لا يزال هنا.» # وحين مرت ساعة، كان لامبيل يتوق إلى تجربة تدمير المحجر. # وقال: «بعد حين لن تكون الشمس ساطعة على المحجر، وسنكون حينها قد تأخرنا ~~كثيرا.» ~~«يمكننا أن ننتظر حتى يوم غد، إلا إذا كنت في عجلة من أمرك.» # فرد عليه المخترع: «لست في عجلة من أمري. كنت أعتقد أنك كذلك، فهناك الكثير ~~لتفعله.» # قال المسئول الرسمي: «كلا، لا شيء أقوم به خلال فترة وزارتي أكثر أهمية من هذا.» # فأجابه لامبيل: «يسرني سماع ذلك منك، وإذا ما أعدت الزجاجة إلي فسأسقط بضع قطرات ~~على الجزء المشمس من المحجر.» # فأعطاه الوزير الزجاجة، وكان مترددا في ذلك على ما يبدو. # وقال: «لا زلت أعتقد أنه سيكون من الأفضل كثيرا أن تترك هذا السر يموت. لا أحد يعرفه حتى ~~الآن سواك. وسيكون هذا السر في مأمن معك أو معي كما قلت، لكن فكر في الاحتمالات المريعة ~~التي يمكن أن تحدث إذا ما أفشي أمره.» # قال لامبيل بنبرة صارمة: «لكل اختراع عظيم مخاطره. ولن يثنيني شيء عن التمتع بثمرة ~~عمل حياتي. لا يمكن لأي إنسان أن يتحمل ذلك.» # قال الوزير: «حسن، لنتأكد إذن من الحقائق. أريد أن أرى أثر هذه المادة المدمرة على ~~المحجر.» # قال لامبيل وهو يرحل عنه: «ستفعل.» # قال الوزير: «سأنتظرك هنا وسأشعل سيجارة لأدخنها.» # وحين وصل المخترع إلى المحجر والكلب أمامه، ارتعشت يد الوزير بحيث لم يعد قادرا على ms091 ~~الإمساك بنظارته الميدانية. واختفى لامبيل أسفل الممر. وفي اللحظة التالية اهتزت الأرض ~~حتى في البقعة التي كان الوزير يجلس فيها، وارتفعت كومة من الغبار فوق المحجر ~~المدمر. # مرت لحظات كان الوزير الشاحب الوجه يراقب فيها أثر الدمار على المحجر، لكن لم يكن ~~هناك أثر لأي بشر في تلك البقعة عداه. # فغمغم في نفسه قائلا: «لم يسعني أن أفعل سوى ذلك. كان التهديد بالغ الخطورة ولا يمكن ~~المجازفة بالتنفيذ.» # | لغز بيجرام الكبير # (مع الاعتذار إلى الدكتور كونان دويل وصديقنا المشترك الراحل شيرلوك هولمز.) # مررت بصديقي شيرلو كومبس لأسمع منه رأيه حول لغز بيجرام، كما أطلق عليه في الصحف. وقد ~~وجدته يعزف على آلة الكمان وقد علت وجهه أمارات الهدوء والسكينة، وهذا شيء لم ألحظه من ~~قبل على محيا من كانوا على مسمع مني. وكنت أعرف أن تعابير الهدوء الشديد هذه تشير ~~إلى أن كومبس كان غاضبا بشدة من شيء ما. وقد ثبت أن الأمر كذلك بالفعل؛ ذلك أن إحدى ~~الصحف الصباحية كانت تحتوي على مقال يمدح ويمجد تأهب سكوتلاند يارد وجدارتها بصفة ~~عامة. وكان غضب شيرلو كومبس من سكوتلاند يارد شديدا حتى إنه لم يكن قط ليزورها أثناء ~~إجازاته، ولم يكن ليعترف أبدا بأن الرجل الأسكتلندي يصلح لأي شيء سوى الخروج من ~~البلاد. # وقد وضع آلة الكمان من يده في حركة لطيفة منه؛ ذلك أنه كان يحبني كثيرا، وحياني ~~بطريقته اللطيفة المعتادة. # وبدأت حديثي بأن تطرقت في الحال إلى الأمر الذي كان يشغل ذهني فقلت: «لقد أتيت لأسمع ~~رأيك حول لغز بيجرام الكبير.» # رد في هدوء قائلا: «لم أسمع عن ذلك.» كما لو أن لندن كلها لا تتحدث عن هذا الشأن. ~~كان كومبس يجهل بعض الأشياء إلى حد يثير الفضول، وكان عليما بأشياء أخرى على نحو غير ~~طبيعي. فقد وجدت، على سبيل المثال، أن من المستحيل أن أجري معه نقاشا سياسيا؛ لأنه ~~لم يكن يعرف من هما ساليزبري وجلادستون. وقد جعل هذا صداقته هبة ونعمة كبيرة. ~~«لقد حير لغز بيجرام حتى ms092 جريجوري نفسه في سكوتلاند يارد.» # قال صديقي في هدوء: «أصدق ذلك فعلا. إن الحركة الدائبة، أو تربيع الدائرة، يمكن أن ~~يصيب جريجوري بالحيرة. إنه لا يزال مبتدئا حقا.» # كان هذا هو أحد الأمور التي أحببتها دوما بشأن كومبس. لم يكن يشعر بالغيرة المهنية، ~~كما يفعل الكثيرون غيره. # ملأ صديقي غليونه، وألقى بنفسه في كرسيه العميق، ووضع قدميه على إطار المدفأة، ~~وشبك يديه خلف رأسه. # وقال في بساطة: «أخبرني عنه.» # فبدأت حديثي قائلا: «كان باري كيبسون يعمل مضاربا في المدينة. وكان يعيش في بيجرام، ~~وكان من عادته أن ...» # صاح كومبس من دون أن يغير من وضعيته: «ادخل!» لكنه قال ذلك بطريقة مفاجئة أصابتني ~~بالذهول. فلم أكن قد سمعت أي طرق على الباب. # قال صديقي وهو يضحك: «عذرا. دعوتي الرجل للدخول كانت سابقة لأوانها بعض الشيء. كنت ~~مهتما بسردك للأحداث حقا، حتى إنني تحدثت من دون أن أفكر أولا، وهو أمر ينبغي للمحقق ~~ألا يفعله أبدا. الحقيقة أن هناك رجلا سيدخل في غضون لحظات وسيخبرني عن هذه الجريمة؛ ~~ومن ثم فلن تبذل أنت المزيد من الجهد في ذلك الصدد.» # فقلت وأنا أقف من جلوسي: «آه، لديك موعد إذن. لن أتطفل عليك في هذه الحالة.» ~~«اجلس، ليس لدي موعد. لم أكن أعرف أنه آت حتى تحدثت.» # حدقت إليه في دهشة. وعلى الرغم من أنني كنت معتادا على موهبته الاستثنائية، كان الرجل ~~يفاجئني دوما. وأكمل صديقي تدخينه في هدوء، لكنه كان بلا شك مستمتعا بشعوري ~~بالذهول. ~~«أرى أنك مندهش. الأمر بسيط للغاية حقا، لكن من موضعي هذا في مقابل المرآة، يمكنني أن ~~أرى انعكاس الأشياء في الشارع. لقد وقف رجل ونظر في بطاقة لي كانت في حوزته، ثم مرق ~~عبر الشارع. وقد عرفت أن البطاقة تخصني؛ لأنها - كما تعرف - ذات لون قرمزي. وإذا كانت ~~لندن كلها تتحدث عن هذا اللغز كما تقول، فمن الطبيعي أن أستنتج أن هذا الرجل سيحدثني عنه، ~~ومن المحتمل أنه يريد أن يستشيرني بشأنه. يمكن لأي شخص أن يرى ذلك ms093 ، بالإضافة إلى أن هناك ~~دوما ... ادخل!» # كان هناك طرق على الباب هذه المرة. # دخل شخص غريب. ولم يغير شيرلو كومبس من وضعيته المسترخية. # قال الغريب وقد دخل إلى نطاق رؤية المدخن: «أريد أن أرى السيد شيرلو كومبس، ~~المحقق.» # فقلت، في النهاية، حيث كان صديقي يدخن غليونه في هدوء وبدا وكأنه ناعس: «هذا هو السيد ~~كومبس.» # فأكمل الغريب وهو يبحث عن بطاقة له: «اسمح لي أن أقدم نفسي.» # قال كومبس: «لا داعي لذلك. أنت صحفي.» # قال الغريب وقد بدا مذهولا بعض الشيء: «أنت تعرفني إذن.» ~~«لم أرك أو أسمع عنك من قبل في حياتي.» ~~«إذن كيف بحق السماء ...؟» ~~«هذا أمر في غاية البساطة. أنت تكتب لإحدى الصحف المسائية. وقد كتبت مقالا تنتقد فيه ~~كتاب صديق لك. سيشعر هو بالسوء حيال ذلك، وستواسيه أنت. ولن يعرف هو من طعنه في ظهره ~~ما لم أخبره أنا بذلك.» # صاح الصحفي: «يا إلهي!» وهو يغوص في كرسي، ويمسح جبهته وقد شحب وجهه. # قال كومبس متشدقا في حديثه: «أجل، من المخزي فعل هذه الأشياء. لكن ماذا عساك أن ~~تفعل؟ كما نقول في فرنسا.» # وحين استفاق الصحفي من نوبة الذهول الثانية، حاول أن يستجمع نفسه بعض الشيء وقال: «هلا ~~أخبرتني كيف تعرف هذه التفاصيل عن رجل تقول بأنك لم تلتقه من قبل قط؟» # قال كومبس في رزانة وهدوء شديدين: «إنني نادرا ما أتحدث عن هذه الأشياء. لكن بما أن ~~قوة الملاحظة عندما تكون عادة قد يساعدك ذلك في مهنتك؛ ومن ثم فإنه سيفيدني بدرجة ~~محدودة في جعل صحيفتك أقل مللا، فإنني سأخبرك. إن إصبعيك الأول والثاني ملطخان ~~بالحبر، مما يعني أنك تكتب كثيرا. وهذه الفئة من الأصابع الملطخة بالحبر تتضمن فئتين ~~فرعيتين: كاتبي الحسابات أو المحاسبين، والصحفيين. وينبغي لكاتبي الحسابات أن يكونوا ~~منمقين في عملهم. وفي حالتهم تكون لطخات الحبر طفيفة. أما أصابعك فهي ملطخة كثيرا ~~وبطريقة تنم عن الإهمال؛ ومن ثم فإنك صحفي. ولديك صحيفة مسائية في جيبك. وقد يحمل أي ~~شخص أي صحيفة مسائية، لكن ms094 الصحيفة التي تحملها هي طبعة خاصة، والتي لن توزع وتنتشر في ~~الشارع إلا بعد نصف ساعة من الآن. ولذا، لا بد أنك قد حصلت عليها قبل أن تغادر مكتبك، ~~ولكي يتم ذلك لا بد أن تكون أحد أفراد طاقم العمل. وهناك إشعار كتاب يحمل علامة مصنوعة ~~بقلم رصاص أزرق اللون. ودائما ما يستخف الصحفي بكل مقال في صحيفته لم يكتبه بنفسه؛ ومن ~~ثم فإنك كتبت المقال الذي ميزته بوضع تلك العلامة، ولا شك أنك تنوي إرساله إلى مؤلف ~~الكتاب المشار إليه. وصحيفتك متخصصة في الإساءة إلى كل الكتب التي لم يكتبها أحد أفراد ~~طاقم عملها. أما عن كون مؤلف الكتاب صديقا لك، فهذا محض تخمين مني. وليس هذا سوى مثال ~~بسيط على الملاحظة العادية.» ~~«إنك حقا أيها السيد كومبس أروع الرجال وأكثرهم خرقا للعادة على وجه الأرض. أنت تضاهي ~~جريجوري، حقا أنت كذلك.» # تقطب وجه صديقي عبوسا بينما وضع غليونه على النضد بجواره وسحب مسدسه الدوار ذا ~~الطلقات الست. ~~«أتقصد إهانتي يا سيدي؟» ~~«لا ... أنا ... أنا لا أقصد ذلك بكل تأكيد. أنت تستحق أن تتولى شئون سكوتلاند يارد من الغد ... ~~أنا جاد في ذلك، بالفعل، أنا جاد يا سيدي.» # صاح كومبس وهو يرفع يده اليمنى ببطء: «ليرحمك الرب إذن.» # فهببت واقفا بينهما. # وصحت قائلا: «لا تطلق النار! ستفسد السجادة. وعلاوة على ذلك يا شيرلو، ألا ترى أن ~~نية الرجل سليمة. إنه يظن حقا أن هذا ضرب من الإطراء!» # علق المحقق قائلا: «ربما أنت على حق.» ووضع مسدسه باستهتار بجوار غليونه مما أشعر ~~الطرف الثالث بالارتياح كثيرا. ثم التفت نحو الصحفي وقال بدماثته المعهودة: ~~«أردت مقابلتي، أعتقد أنك قلت ذلك. كيف يمكنني مساعدتك سيد ويلبر سكريبنجز؟» # أصيب الصحفي بالدهشة. # ولفظ لاهثا: «كيف عرفت اسمي؟» # لوح كومبس بيده في إشارة عن نفاد صبره. ~~«انظر إلى داخل قبعتك إذا كنت تشك في اسمك؟» # ثم لاحظت للمرة الأولى أن اسم سكريبنجز واضح داخل الجزء العلوي للقبعة، والتي كان الرجل ~~يمسكها مقلوبة في يديه. ~~«لا ms095 شك أنك قد سمعت بلغز بيجرام ...» # صاح المحقق: «صه! أرجوك، لا تصف ما حدث بأنه لغز. لا وجود للألغاز. ستكون الحياة أكثر ~~قبولا لو أن هناك بها ما يسمى باللغز. لا شيء يحدث للمرة الأولى. كل شيء حدث من قبل. ~~ماذا عن أمر بيجرام؟» ~~«فلنسمها قضية إذن. لقد حيرت قضية بيجرام الجميع. إن صحيفة إيفننج بليد تريد منك أن ~~تحقق في القضية، حتى يتسنى لها نشر نتائج تحقيقك. وستدفع لك الصحيفة مبلغا كبيرا. فهل ~~تقبل بهذه المهمة؟» ~~«ربما أفعل. أخبرني عن تلك القضية.» ~~«كنت أعتقد أن الجميع يعرف بأمر تفاصيلها. كان السيد باري كيبسون يعيش في بيجرام، وكان ~~يحمل معه تذكرة موسمية درجة أولى بين محطة بيجرام والمحطة الأخيرة في الخط. وكان من عادته ~~أن يغادر إلى بيجرام في قطار الخامسة والنصف كل مساء. وقبل عدة أسابيع، أصيب السيد ~~كيبسون بالإنفلونزا. وفي زيارته الأولى للمدينة بعد شفائه منها، سحب ما يقرب من 300 جنيه ~~إسترليني وغادر المكتب في الوقت المعتاد ليلحق بقطار الخامسة والنصف. وعلى حد علم العامة، ~~فإنه لم ير على قيد الحياة مرة أخرى. لقد عثر عليه في محطة بروستر في عربة الدرجة ~~الأولى على متن قطار سكوتش إكسبريس، الذي لا يتوقف بين لندن وبروستر. كانت هناك رصاصة في ~~رأسه وقد اختفى ماله، مما يشير بكل وضوح إلى وقوع جريمة قتل وسرقة.» ~~«وهل لي أن أسأل، أين وجه الغموض في ذلك؟» ~~«هناك العديد من الأمور المستعصية على التفسير بشأن هذه القضية. أولا: كيف صعد على متن ~~القطار سكوتش إكسبريس، الذي يغادر في تمام الساعة السادسة ولا يتوقف في محطة بيجرام؟ ~~ثانيا: كان مفتشو التذاكر في المحطة الأخيرة من الخط سيحولونه عن وجهته لو أنه أظهر ~~لهم تذكرته الموسمية؛ وكل تذاكر قطار سكوتش إكسبريس التي بيعت يوم الحادي والعشرين قد ~~أحصيت وقدم بيان بها. ثالثا: كيف تمكن القاتل من الهروب؟ رابعا: لم يسمع الركاب ~~في كلتا العربتين اللتين تقع بينهما العربة التي عثر فيها على الجثة أي شجار أو ms096 أي ~~صوت لإطلاق النار.» ~~«هل أنت واثق أن قطار سكوتش إكسبريس في يوم الحادي والعشرين لم يتوقف بين لندن ~~وبروستر؟» ~~«الآن وقد سألت عن ذلك، فقد توقف بينهما فعلا. لقد توقف عند إحدى الإشارات خارج ~~مدينة بيجرام تماما. وكان زمن وقوفه بضع لحظات حتى أبلغ بأن الخط أمامه خال، وقد أكمل ~~القطار رحلته مرة أخرى. وهذا يحدث كثيرا؛ حيث إن هناك خطا فرعيا بعد مدينة ~~بيجرام.» # راح السيد شيرلو كومبس يفكر بضع لحظات وهو يدخن غليونه في صمت. ~~«أعتقد أنك تريد حل هذه القضية من أجل جريدة الغد، أليس كذلك؟» ~~«لا، ليس كذلك بالطبع. يعتقد محرر الجريدة أنك إذا طورت نظرية في غضون شهر فلا بأس ~~بذلك.» ~~«سيدي العزيز، إنني لا أتعامل مع النظريات، وإنما مع الحقائق. إنك إذا عرجت علي في تمام ~~الثامنة من صباح الغد، فسأمدك بكل التفاصيل في وقت مبكر بما يكفي لإدراك الطبعة الأولى. ~~فلا معنى في إهدار وقت طويل على أمر بسيط كقضية بيجرام تلك. طاب مساؤك سيدي.» # كان السيد سكريبنجز مذهولا للغاية بحيث لم يستطع أن يرد التحية. وقد غادر واجما صامتا ~~غير قادر على الحديث، ورأيته يتحرك في الشارع وقبعته لا تزال في يده. # عاد شيرلو كومبس إلى حالة استرخائه ويداه مشبكتان خلف رأسه. وراح الدخان يخرج من بين ~~شفتيه في نفحات سريعة في البداية، ثم بعد ذلك على فترات أطول. أدركت أنه كان يتوصل في ~~تلك اللحظة إلى استنتاج ما؛ ولذا فلم أقل شيئا. # ثم تحدث أخيرا بطريقته الشديدة الغموض: «لا أريد مطلقا أن أبدو وكأنني أستعجل ~~الأمور يا واتسون، لكنني سأذهب الليلة على متن القطار سكوتش إكسبريس. فهل تريد ~~مرافقتي؟» # صحت قائلا وأنا أنظر إلى الساعة: «يا إلهي! ليس أمامك وقت، لقد تخطت الساعة الخامسة ~~الآن بالفعل.» # فغمغم من دون أن يغير من وضعيته: «متسع من الوقت يا واتسون، متسع! سأعطي نفسي ~~دقيقة ونصفا لأغير نعلي وثوب النوم وأرتدي حذاء طويلا ومعطفا، وثلاث ثوان لأرتدي ~~القبعة، وخمسا وعشرين ثانية لأخرج إلى ms097 الشارع ، واثنتين وأربعين ثانية في انتظار العربة، ~~ثم سبع دقائق في المحطة قبل أن ينطلق القطار. سأكون مسرورا كثيرا لو رافقتني.» # كنت سعيدا للغاية لحصولي على شرف مرافقته. كان من المثير للاهتمام كثيرا رؤية عقل فذ ~~كهذا وهو يعمل. وبينما كنا نسير بالعربة تحت السقف الحديدي المرتفع للمحطة، لاحظت تعابير ~~الانزعاج على وجهه. # علق قائلا وهو ينظر إلى الساعة الكبيرة: «جئنا قبل موعدنا بخمس عشرة ثانية. لا أحب أن ~~أقع في خطأ حسابي كهذا.» # كان القطار سكوتش إكسبريس الكبير يقف على الرصيف مستعدا لرحلته الطويلة. وربت ~~المحقق على كتف أحد الحراس. ~~«أعتقد أنك سمعت بما يسمى بلغز بيجرام، أليس كذلك؟» ~~«بكل تأكيد يا سيدي. لقد وقعت الحادثة على متن هذا القطار نفسه.» ~~«أحقا؟ وهل لا تزال العربة التي وقعت بها الحادثة موصولة بالقطار؟» # فأجابه الحارس وهو يخفض صوته: «أجل يا سيدي لا تزال. لكن، يا سيدي، علينا بالطبع أن ~~نتكتم على ذلك. وإلا فلن يسافر الناس فيها يا سيدي.» ~~«لا شك في ذلك. هل تعرف إن كان هناك من يشغل العربة التي عثر فيها على ~~الجثة؟» ~~«رجل وسيدة يا سيدي، لقد أوصلتهم إليها بنفسي يا سيدي.» # قال المحقق وهو يدس نصف جنيه ذهبي في يد الحارس: «هلا صنعت لي معروفا آخر بأن تذهب ~~إلى نافذة تلك العربة وتخبر الرجل والمرأة بطريقة عفوية عابرة أن الحادثة وقعت في تلك ~~العربة؟» ~~«بكل تأكيد يا سيدي.» # تبعنا الحارس، وفي اللحظة التي نقل إليهما الأخبار أتت صرخة مكتومة من العربة. وفي ~~الحال خرجت سيدة منها، وتبعها رجل متورد الوجه وقد عبس هذا في وجه الحارس. ثم دخلنا ~~العربة التي أصبحت الآن شاغرة، وقال كومبس: «نود أن نكون بمفردنا حتى نصل إلى ~~بروستر.» # فأجابه الحارس: «سأتولى أمر هذا يا سيدي.» ثم أوصد الباب خلفه. # وحين غادر الحارس، سألت صديقي عما يتوقع أن يجده في العربة وقد يكشف بأي حال عن ~~ملابسات القضية. # فرد باقتضاب: «لا شيء.» ~~«إذن لماذا أتيت؟» ~~«لكي أتأكد فقط من الاستنتاجات التي ms098 توصلت إليها بالفعل.» ~~«وهل لي أن أسألك عن تلك الاستنتاجات؟» # فأجاب المحقق وفي صوته شيء من فتور وتراخ: «بكل تأكيد، أعرني انتباهك. أولا: فيما ~~يخص حقيقة أن هذا القطار يقف بين رصيفين، ويمكن أن يدخله المرء من أي من جانبيه. ~~وأي رجل يعرف هذه المحطة على مدى سنوات سيكون مدركا لهذا الأمر. وهذا يوضح كيف دخل ~~السيد كيبسون القطار قبل أن يغادر المحطة مباشرة.» # فحاولت إبداء اعتراضي قائلا: «لكن الباب موصد من هذا الجانب.» ~~«بالطبع، لكن كل من يحمل تذكرة موسمية يحمل معه مفتاحا. وهذا يفسر عدم رؤية الحارس ~~له، ويفسر كذلك عدم وجود التذكرة. والآن سأذكر لك بعض المعلومات عن الإنفلونزا. ترتفع ~~درجة حرارة المريض بضع درجات عن معدلها الطبيعي؛ ومن ثم يصاب بحمى. وحين يشتد المرض ~~عليه، تنخفض درجة الحرارة عن معدلها الطبيعي بمقدار ثلاثة أرباع الدرجة. أتصور أن هذه ~~الحقائق لا تخفى عليك لأنك طبيب.» # فأقررت بذلك. ~~«حسنا، وهذا الانخفاض في درجة حرارة الجسم يجعل عقل المريض يتجه إلى التفكير في ~~الانتحار. وهذا هو الوقت الذي ينبغي لأصدقاء المرء أن يتولوا رعايته فيه. ولكن أصدقاء ~~السيد كيبسون لم يقوموا على رعايته عندما حان الوقت لذلك. أنت تذكر يوم الحادي والعشرين من ~~الشهر بالطبع، أليس كذلك؟ كان اليوم مثيرا للاكتئاب بدرجة كبيرة. كان الضباب يلف كل ~~الأرجاء وكان الطين يملأ الشوارع. جيد جدا. وهنا يقرر الرجل الانتحار. وتتملكه ~~الرغبة في ألا يتمكن أحد من الاستدلال على هويته، إن أمكن، لكنه ينسى تذكرته ~~الموسمية. وبحكم خبرتي فإن المرء حين يكون على وشك ارتكاب جريمة ما فإنه دائما ما ينسى ~~شيئا.» ~~«لكن كيف تفسر اختفاء المال؟» ~~«ليس للمال أي علاقة بهذا الأمر. إذا كان الرجل حصيفا وعلى دراية جيدة بغباء سكوتلاند ~~يارد، فمن المرجح أنه أرسل المال إلى عدو له. وإذا لم يكن الأمر كذلك، فربما يكون قد ~~أعطى المال إلى صديق له. ولا شيء أبلغ دليلا على أن الرجل كان يعتزم تهيئة العقل لعملية ~~تدمير ذاتي من مشهد رحلة ms099 ليلية على متن القطار سكوتش إكسبريس، كما أن المنظر من نافذة ~~القطار وهو يعبر الأجزاء الشمالية للندن يبعث بوضوح على الأفكار الانتحارية.» ~~«وماذا عن السلاح المستخدم؟» ~~«تلك هي النقطة التي أريد أن أحسم الشك حيالها. أستميحك عذرا للحظة.» # سحب السيد شيرلو كومبس النافذة الموجودة على الجانب الأيمن من القطار ففتحها، ثم راح ~~يفحص الجزء العلوي من إطار النافذة بدقة باستخدام عدسته المكبرة. ثم سرعان ما تنفس ~~الصعداء، وسحب مصراع النافذة لإغلاقها. # ثم علق قائلا وقد بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أكثر مما بدا أنه يحدثني: «تماما كما ~~توقعت. هناك انبعاج بسيط على الجزء العلوي من إطار النافذة. ويشبه هذا الانبعاج في هيئته ما ~~يتسبب فيه زناد المسدس الذي يسقط من يد واهنة مرتخية الأعصاب لشخص منتحر. كان ينوي أن ~~يلقي بالمسدس خارج النافذة، لكنه لم يكن يقوى على ذلك. ومن الممكن أن يسقط المسدس داخل ~~العربة. ولكنه، في الواقع، ارتد مبتعدا عن السكة الحديدية واستقر وسط العشب على مسافة ما ~~يقرب من عشر أقدام وستة إنشات خارج الخط الحديدي. ولا يبقى الآن سوى سؤال وحيد، وهو أين ~~ارتكب الرجل فعلته، مع أن الموضع الحالي الدقيق للمسدس يقدر على بعد أميال من لندن؟ ~~ولكن لحسن الحظ أن هذا الأمر أبسط من أن يكون في حاجة إلى تفسير.» # فصحت قائلا: «يا إلهي يا شيرلو! كيف تدعي أن ذلك أمر بسيط؟ يبدو لي من المستحيل حساب ~~ذلك.» # كنا في تلك اللحظة نمر سريعا عبر الجزء الشمالي من لندن، فأرجع المحقق الشهير ظهره إلى ~~الخلف في إشارة عن شعوره بالملل والسأم، ثم أغلق عينيه. ثم تحدث في النهاية بضجر ~~قائلا: ~~«الأمر بسيط حقا يا واتسون، لكنني على استعداد دائما لأتفضل على صديقي بالتفسير. ومع ~~ذلك، سأشعر براحة كبيرة لو تمكنت من حل ألغاز التحقيق بنفسك، رغم أنني لا أمانع أبدا ~~أن أساعدك بكلمات من أكثر من ثلاثة مقاطع صوتية. بعد أن قرر كيبسون الانتحار، كان من ~~الطبيعي أن يعتزم فعل ذلك قبل أن يصل ms100 إلى بروستر؛ وذلك لأن التذاكر يجري فحصها مرة أخرى ~~عند تلك المحطة. وحين بدأ القطار يتوقف عند الإشارة بالقرب من بيجرام، ظن خطأ أنه ~~يتوقف عند محطة بروستر. وحقيقة أن طلقة الرصاص لم يسمع صوتها تفسيرها أن صوت صرير ~~الفرامل الهوائية قد حال دون سماعها، بالإضافة إلى صوت الضوضاء الذي يحدثه القطار. ~~وربما كانت الصافرة قد انطلقت في تلك اللحظة نفسها. وكونه قطارا سريعا، فإنه كان سيتوقف ~~عند أقرب نقطة من الإشارة. والفرامل الهوائية توقف القطار في مسافة مقدارها ضعف طولها، ~~ولنقل في هذه الحالة إنها أوقفته في مسافة قدرها ثلاثة أضعاف طوله. حسنا. من عمود الإشارة ~~باتجاه لندن وعند مسافة قدرها ثلاثة أضعاف طول هذا القطار مطروحا منها نصف طوله - حيث إن ~~هذه العربة تقع في منتصف القطار - ستجد المسدس.» # صحت قائلا: «مذهل!» # فغمغم قائلا: «ملاحظة مبتذلة.» # وفي تلك اللحظة، دوت الصافرة في الأرجاء، وشعرنا بصرير الفرامل الهوائية. # صاح كومبس بنبرة تكاد تصل إلى الحماسة: «إشارة بيجرام مرة أخرى. هذا من حسن الحظ ~~بالتأكيد. سنغادر القطار الآن يا واتسون ونختبر الأمر.» # وحين توقف القطار، خرجنا من الناحية اليمنى لخط السكة الحديدية. وقف القطار يلهث ~~بفارغ الصبر تحت الإشارة الحمراء، والتي تغيرت إلى اللون الأخضر حين رفعت نظري إليها. ~~وعندما انطلق القطار بسرعة متزايدة، أحصى المحقق عدد العربات، ودون عددها. كان ~~الظلام قد حل، وكان القمر هلالا رفيعا يتدلى في السماء ويلقي بضوء سحري خافت على ~~الحديد اللامع. اختفت الأضواء الخلفية للقطار عند أحد المنحنيات، وعادت الإشارة إلى اللون ~~الأحمر المميز مرة أخرى. وكان سحر الليلة الليلاء في ذلك المكان الغريب يثير إعجابي ~~كثيرا، لكن المحقق كان عمليا أكثر مني. فقد وقف وظهره إلى عمود الإشارة وراح يسير على ~~طول الشريط الحديدي بخطوات متساوية، وكان في أثناء ذلك يحسب خطواته. سرت إلى جانبه صامتا ~~وبخطوتي المعهودة. ثم توقف في النهاية وأخرج من جيبه شريط قياس وراح يلفه حتى علامة ~~عشر أقدام وستة إنشات، وأخذ يتأكد من الأرقام تحت ضوء الهلال ms101 الخافت . وبعد أن أعطاني طرف ~~الشريط، وضع ركبتيه على شريط السكة الحديد، وأشار إلي أن أتحرك نحو ضفة السكة. رحت ~~أمد الشريط، ثم وضعت يدي على العشب لكي أضع علامة على تلك البقعة من الأرض. # وصحت مذهولا: «يا إلهي! ما هذا؟» # قال كومبس في هدوء: «إنه المسدس.» # وقد كان! ~~••• # لن تنسى صحف لندن سريعا الضجة التي تسببت فيها تحقيقات شيرلو كومبس، والتي نشرت ~~مفصلة في صحيفة إيفينيج بليد المسائية في اليوم التالي. كنت آمل أن تنتهي قصتي هنا. ولكن، ~~للأسف! سلم كومبس المسدس بازدراء إلى سكوتلاند يارد. وجد المسئولون المتطفلون - مدفوعين ~~في ذلك بشعورهم بالغيرة حسب ما أعتقد دوما - اسم بائع المسدس مدونا عليه. فتحروا ~~الأمر. وشهد البائع بأن المسدس لم يكن قط في حوزة السيد كيبسون على حد علمه. بل ~~بيع إلى رجل تطابق أوصافه مجرما كانت الشرطة تراقبه لفترة طويلة. وألقي القبض ~~عليه، فتحول إلى شاهد ملك وشهد ضد شريكه في الجريمة على أمل أن يشنق الشريك. ومن ~~ثم، بدا الأمر وكأن السيد كيبسون، الذي كان رجلا متجهما قليل الكلام، وعادة ما ~~يعود بمفرده إلى حجرة صغيرة يقيم فيها - وهكذا يهرب من المراقبة - قد قتل في الزقاق الذي ~~يؤدي إلى مسكنه. وبعد أن سرقه الجانيان، فكرا في التخلص من الجثة، وهو أمر دائما ~~ما يشغل بال المجرمين المحترفين قبل ارتكابهم الجريمة. وقد اتفقا على وضع الجثة على السكة ~~الحديدية، فيدهسها قطار سكوتش إكسبريس، وكانا على وشك فعل ذلك حينها. لكن قبل أن يصلا ~~بالجثة إلى ضفة السكة كان القطار قد وصل وتوقف عند الإشارة. وقد خرج الحارس وسار على ~~طول الجهة الأخرى ليتحدث مع السائق. وعلى الفور، جاءتهما فكرة وضع الجثة في عربة فارغة ~~من عربات الدرجة الأولى. ففتحا الباب بمفتاح القتيل. ومن المفترض أن المسدس قد سقط منهما ~~وهما يرفعان الجثة إلى العربة. # لم تجد مراوغة الشاهد نفعا، وأهانت سكوتلاند يارد صديقي شيرلو كومبس بكل خسة ~~وبعثت إليه بتصريح ليشاهد شنق الجاني وشريكه. # | سيأتي الموت عاجلا أو ms102 آجلا # كان آليك روبينز هو من أطلق على العاجز لقب الهيكل العظمي الحي، وربما كان تأنيب ~~ضميره على إعطائه مثل هذا اللقب الوصفي الدقيق هو ما تسبب في أن يكون صداقة مع الهيكل ~~العظمي الحي، الذي كان رجلا ليس لديه أي أصدقاء فيما يبدو. # لم ينس روبينز محادثتهما الأولى قط، وقد حدثت كالآتي. كان من عادة الهيكل العظمي ~~الحي أن يغادر فندقه في كل صباح في تمام العاشرة - إذا كانت الشمس مشرقة - وأن يمشي ~~متثاقلا بدلا من السير بصورة طبيعية على طول الشارع المفروش بالحصى وحتى شارع النخيل. ~~وهناك، كان ينتقي مقعدا تفترشه أشعة الشمس، فيجلس عليه، ويبدو وكأنه ينتظر أحدا لا ~~يأتي أبدا. وفي ذلك، كان يرتدي وشاحا حول رقبته وقلنسوة من القماش الناعم على رأسه. كانت ~~كل عظام وجهه بارزة بحيث يبدو وكأن وجهه خال من اللحم، وكانت ملابسه تنسدل فضفاضة على ~~جسده وكأنها تنسدل على هيكل عظمي. ولم يكن الأمر يتطلب نظرة ثانية إلى الهيكل العظمي ~~الحي لكي يدرك المرء أن ما تبقى من عمره هو أيام أو ساعات معدودة، وليس أسابيع أو ~~شهورا. بدا الرجل وكأنه لا يمتلك من الطاقة ما يكفي حتى لكي يقرأ، وهكذا جلس روبينز إلى ~~جواره ذات يوم على المقعد وقال في نبرة تنم عن التعاطف: ~~«آمل أن تشعر اليوم أنك أفضل حالا.» # التفت نحوه الهيكل العظمي وضحك ضحكة خفيضة وخافتة لا روح فيها، ثم قال بصوت أجوف ~~ذاهل وكأن رئتيه لم تكونا مصدره: «لقد اكتفيت من الشعور بأنني أفضل أو أسوأ.» # قال روبينز: «أوه، أثق أن الأمر ليس بهذا السوء. إن الطقس هنا سيجعلك جيدا، أليس ~~كذلك؟» # ضحك الهيكل العظمي مرة أخرى ضحكة صامتة، وبدأ روبينز يشعر بالارتباك. كانت عينا الهيكل ~~العظمي واسعتين وبراقتين، وكانتا مثبتتين على روبينز على نحو زاد من شعوره بالارتباك، ~~وجعلتاه يفكر بأن الهيكل العظمي كان يعرف أنه قد أطلق عليه هذا الاسم. # قال الهيكل العظمي: «لم أعد مهتما بالطقس، إنما أعيش لأنني اعتدت على العيش لسنوات؛ ms103 ~~أعتقد أن هذا هو التفسير؛ لأن رئتي قد هلكتا تماما. إن سبب مقدرتي على الكلام أو ~~التنفس يعد لغزا بالنسبة إلي. هل أنت واثق تماما من أنك تستطيع سماعي؟» # قال روبينز: «أوه، إنني أسمعك بوضوح إلى حد ما.» ~~«حسنا، لو أن الناس لا يخبرونني بأنهم يستطيعون سماعي، لما أيقنت أنني أتحدث ~~فعلا؛ لأنني - كما ترى - ليس لدي ما يمكنني التحدث به. أليس شكسبير هو القائل بأن ~~الإنسان يموت حين يغيب عقله؟ لقد رأيت بعض الأشخاص الذين يجعلونني أعتقد أن شكسبير كان ~~مخطئا في تشخيصه، لكن من المفترض عموما أن الإنسان يموت حين تهلك الرئتان. ولأصدقك ~~القول، أنا ميت من الناحية العملية. أتعرف القصة الأمريكية القديمة عن الرجل الذي كان ~~يتجول ليوفر نفقات الجنازة، حسنا، لا أرى الأمر كذلك، بيد أنني أستطيع أن أشعر بما ~~كان يشعر به الرجل. إنني ما زلت شديد الاهتمام بالحياة، وإن كنت ربما لا تعتقد ذلك. كما ~~ترى، ليس أمامي الكثير من الوقت؛ سوف أموت بحلول الساعة الثامنة في اليوم الثلاثين من شهر ~~أبريل. الثامنة مساء، وليس في الصباح، بعد العشاء تماما.» # صاح روبينز في ذهول: «سوف ماذا!» ~~«سوف أموت في ذلك اليوم. إن الأمور معي على خير ما يرام كما ترى حتى إنني أستطيع أن ~~أموت في أي وقت أريد. يمكنني أن أموت هنا والآن، إذا أردت ذلك. ولو كانت ستعود عليك أي ~~فائدة من موتي لفعلت الآن، وسأبرهن لك أن ما أقول حقيقي. أنا لا أكترث كثيرا - كما ترى - ~~رغم أنني قد حددت الثلاثين من أبريل موعدا للنهاية. ومن ثم، لا يهم كثيرا أن أموت ~~الآن، إن كان هذا سيكون في صالحك بأي حال.» # قال روبينز بانزعاج كبير: «أرجوك، لا تحاول أن تجري أي تجربة من أجلي. إنني على ~~استعداد تام لأن أصدق أي شيء تقوله حيال هذا الأمر، وينبغي أن تعرف ذلك بالطبع.» # أجابه الهيكل العظمي الحي بنبرة حزينة: «أجل، أعرف ذلك. لقد عانيت بما يكفي مع الأمل ~~والخوف، لكن كل هذا الآن ms104 جزء من الماضي، كما تفهم جيدا. والسبب في أنني قد حددت الثلاثين ~~من أبريل موعدا لي هو الآتي: أنني ليس لدي من المال سوى مقدار محدود، ولا أدري لم ~~ينبغي أن أخفي الأمر. لدي اليوم 240 فرنكا بالضبط، بالإضافة إلى 100 فرنك أخرى ~~نحيتها جانبا وخصصتها لغرض آخر. وأنا أدفع ثمانية فرنكات في اليوم في فندق جولدن ~~دراجون؛ وهذا سيبقيني هناك لثلاثين يوما بالضبط؛ ومن ثم أنوي أن أموت بعدها.» # ضحك الهيكل العظمي مرة أخرى، فتململ روبينز على المقعد من الاضطراب. # وقال في النهاية: «لا أعرف ما الذي يضحكك في ظل هذه الظروف.» ~~«لا أعتقد أن هناك الكثير ليضحكني، لكن هناك شيئا آخر أعتقد أنه مثير جدا للضحك، ~~وسأخبرك به إذا احتفظت به سرا. إن جولدن دراجون نفسه ... إنني دائما ما أطلق على صاحب ~~الفندق اسم جولدن دراجون، كما تطلق أنت علي اسم الهيكل العظمي الحي.» # تلعثم روبينز قائلا: «أوه، أنا ... أنا ... أستميحك عذرا. أنا ...» ~~«لا يهم ذلك على الإطلاق. أنت محق تماما، وأعتقد أنه اسم مناسب وملائم للغاية. ~~حسنا، إن جولدن دراجون نفسه يجني مبلغا كبيرا من المال عن طريق سرقة الموتى. لم تكن ~~على علم بهذا، أليس كذلك؟ كنت تعتقد أن الأحياء هم من يدرون عليه المال، والرب ~~يعلم أيضا أنه يسرقهم حين تسنح له الفرصة لذلك. وأنت مخطئ كثيرا في هذا. عندما يموت ~~المرء في جولدن دراجون، فإنه يتعين عليه أن يدفع لقاء ذلك بسخاء، أو على الأرجح أصدقاؤه هم ~~من يتعين عليهم ذلك. إن دراجون يحاسبهم على إعادة تأثيث الحجرة. إنه يأخذ منهم المال ~~لقاء كل قطعة أثاث، وورق الحائط، وما إلى ذلك. وفي ظني أنه من اللائق تماما أن يطلب الرجل ~~شيئا من المال نظير ذلك، لكن دراجون لا يقنع بما هو لائق. إنه يعلم بأنه خسر نزيلا ~~للأبد؛ ولذا فإنه يحاول أن يحقق منه أقصى استفادة ممكنة. وهكذا، فإن دراجون لا يعيد ~~تأثيث الحجرة التي دفع المال من أجلها، ولا يجدد ورق الحائط، ورغم ms105 ذلك لا يخفض من ~~فاتورته بناء على هذا. حسنا، لقد استفسرت من تاجر الأثاث الكائن في الشارع خلف الفندق عن ~~ثمن ذلك، وقد كتب لي على ظهر بطاقته تكاليف المرتبة والملاءات والوسائد وما إلى ذلك، ~~وتكلفة ذلك كله تكاد تصل إلى 50 فرنكا. وقد وضعت في مظروف ورقة مالية بخمسين فرنكا، ~~ومعها بطاقة تاجر الأثاث. ثم كتبت رسالة إلى حارس الفندق أخبره فيها بما ستتكلفه عملية ~~إعادة التأثيث بالضبط، وأشرت بأن يعطي دراجون بطاقة تاجر الأثاث الذي أخبرني بالتكلفة. ~~وقد كتبت على هذا المظروف عنوان دراجون، وسيصله حين أموت. وتلك هي الخدعة التي حكتها أنا ~~والموت على مضيفنا، وأسفي الوحيد أنني لن أكون موجودا لأستمتع بالنظر إلى ملامح وجهه وهو ~~يقرأ خطابي الأخير إليه. وقد نحيت مبلغا آخر من المال جانبا - وهو في أيد أمينة لن ~~تستطيع يد دراجون أن تمتد إليه - وخصصته لتكاليف جنازتي، وهكذا أكون قد طويت صفحتي ~~مع هذا العالم. ولست بتارك أحدا خلفي لأخشى عليه بعد رحيلي، كما أن ليس هناك من ~~يكترث لأمري أو يأسف علي حين أكون في حاجة إلى الاهتمام أو الشفقة، ولست في حاجة إلى ~~هذا أو ذاك. ولهذا السبب أضحك، وآتي إلى هنا وأجلس على هذا المقعد في أشعة الشمس، وأستمتع ~~بالخدعة التي ستنفذ بعد موتي.» # لم يكن روبينز فيما يبدو يرى مجالا للدعابة في هذا الموقف بالقدر نفسه الذي يراه بها ~~الهيكل العظمي الحي. وفي لقاءات أخرى بعد هذا اللقاء، عرض روبينز على الهيكل العظمي أن ~~يعطيه المزيد من المال إذا ما أراد، حتى يتسنى له أن يطيل أمد حياته قليلا، لكن الهيكل ~~العظمي كان دائم الرفض. # ونشأت صداقة من نوع ما بين روبينز والهيكل العظمي الحي، أو على الأقل صداقة من النوع ~~الذي يمكن أن يكون بين الأحياء والموتى؛ ذلك أن روبينز كان شابا فتيا لا يحتاج لأن ~~يعيش في الريفيرا من أجل صحته، وإنما كان يعيش هناك فقط بسبب كرهه للشتاء الإنجليزي. ~~وبالإضافة إلى ذلك - ورغم أنه أمر ms106 لا دخل لأحد به في الحقيقة - يمكن أن نقول إن فتاة ~~لطيفة ووالديها كانوا يعيشون في هذه المنطقة على وجه التحديد من الجنوب الفرنسي. # خرج روبينز ذات يوم في نزهة صغيرة بالعربة إلى تولون. وقد دعا تلك الفتاة اللطيفة إلى ~~صحبته، لكن في ذلك اليوم تحديدا لم تكن تستطيع الذهاب معه؛ فقد كان هناك حدث خيري كبير، ~~وكانت إحدى الفقرات الأساسية فيه تملق الناس من أجل الحصول على المال؛ ولذا فقد أخذت الفتاة ~~اللطيفة على عاتقها القيام ببعض ذلك. # كانت الفتاة ماهرة في هذا الأمر، بل إنها كانت تفتخر وتتباهى بذلك؛ فهي فتاة لطيفة ~~جدا وجميلة أيضا، وكان من الصعب على الناس أن يقابلوا طلبها بالرفض. وفي مساء ذلك ~~اليوم، كان من المقرر أن يقام حفل راقص في الفندق الرئيسي للمكان، وهذا أيضا في إطار ~~ذلك الحدث الخيري المحبب جدا. وقد ذهب روبينز إلى تولون وحيدا وعلى مضض منه، لكنه عاد ~~في الوقت المناسب لحضور الحفل الراقص. # وقال للفتاة: «حسنا، كيف كان حظك في جمع المال اليوم؟» # فردت عليه في حماسة: «أوه، يا له من حظ رائع. أتعرف من الشخص الذي جمعت منه أكبر مبلغ ~~من المال؟» ~~«ليس لدي أدنى فكرة بكل تأكيد، ذلك الدوق الإنجليزي العجوز، لا شك في أنه يمتلك ~~الكثير من المال.» ~~«لا، ليس هو مطلقا؛ إنه آخر شخص يمكن أن تتوقعه، إنه صديقك، الهيكل العظمي ~~الحي.» # صاح روبينز منزعجا: «ماذا!» ~~«أوه، لقد وجدته على المقعد حيث يجلس كعادته، في شارع النخيل. وقد أخبرته عن الحدث ~~الخيري وعن مدى نفعه وضرورة إقامته، وأخبرته أننا حري بنا جميعا أن نتبرع بالمال قدر ~~استطاعتنا، فراح يبتسم لي بطريقته الغريبة وقال هامسا: «أجل، أعتقد أننا حري بنا جميعا ~~أن ندعم هذا الحدث الخيري؛ سأعطيك ثمانين فرنكا.» أليس هذا بكرم زائد منه؟ ثمانون ~~فرنكا، كان ذلك عشرة أضعاف ما تبرع به الدوق، وبينما كان يعطيني المال نظر إلي وقال ~~بنبرته الهامسة المريعة: «عدي هذا المال بحرص حين تعودين إلى المنزل، وانظري ms107 إذا ما كان ~~بإمكانك أن تعرفي ما أعطيتك إياه أيضا بخلاف المال. إن هذا أكثر من ثمانين فرنكا.» ~~ثم بعد أن عدت إلى المنزل، وجدت ...» # لكن، توقفت الفتاة اللطيفة هنا عن الحديث حين نظرت إلى وجه روبينز الذي كانت تتحدث ~~إليه. كان وجهه شاحبا بصورة مروعة، وكانت عيناه تحدق إليها لكنه لم يكن يراها. # كان يهمس في نفسه وقد بدا وكأنه يقوم بعملية حسابية في عقله: «ثمانون فرنكا.» ثم قال حين ~~لاحظ نظرات الفتاة المليئة بالدهشة إليه: ~~«وهل أخذت المال؟» # فقالت: «بالطبع فعلت. لم لا أفعل؟» # صاح روبينز لاهثا: «يا إلهي!» ومن دون أن ينطق بكلمة أخرى التفت وهرع بعيدا، ~~تاركا الفتاة اللطيفة وقد تسمرت في مكانها من الدهشة وحدقت إليه أثناء رحيله وقد حمل ~~وجهها الجميل أمارات العبوس. # سألت الفتاة نفسها: «ماذا يقصد من فعل ذلك؟» لكن روبينز كان قد اختفى من بين الحشد ~~المجتمع في حجرة الفندق الكبيرة، وهرع على السلم وانطلق على الأرصفة الضيقة نحو ~~فندق جولدن دراجون. كان مالك الفندق يقف في الردهة ويداه خلف ظهره، وكان هذا مألوفا من ~~قبل دراجون. # سأله روبينز لاهثا: «أين السيد؟ السيد ...» ثم تذكر أنه لم يكن يعرف اسم الرجل «أين ~~الهيكل العظمي الحي؟» # فأجابه دراجون: «لقد ذهب إلى غرفته، لقد عاد مبكرا هذه الليلة، أعتقد أنه لم يكن على ما ~~يرام.» ~~«ما رقم غرفته؟» # قال مالك الفندق: «رقم 40.» ثم رن جرس ذو صوت مرتفع، فجاءت على إثر ذلك إحدى الخادمات. ~~فقال: «اصطحبي السيد إلى الغرفة رقم 40.» # سبقت الفتاة روبينز على السلم. ثم نظرت خلفها وقالت هامسة: «هل هو في حال ~~سيئة؟» # فأجابها روبينز: «لا أعلم. هذا هو ما أتيت لأعرفه.» # عند الحجرة رقم 40، توقفت الفتاة، وطرقت الباب برفق. لم يكن هناك رد. فطرقت مرة ~~أخرى بصوت أعلى، لكن لم يكن هناك رد أيضا. # قال روبينز: «افتحي الباب.» # قالت الفتاة: «أخشى فعل ذلك.» ~~«لماذا؟» ~~«لأنه قال إذا كان نائما فإن الباب سيكون موصدا، وإذا كان قد مات فسيكون الباب ~~مفتوحا.» ms108 ~~«متى قال ذلك؟» ~~«قال ذلك عدة مرات يا سيدي؛ وكانت آخر مرة قبل أسبوع تقريبا.» # أدار روبينز مقبض الباب، ولم يكن موصدا. كانت الغرفة مضاءة إضاءة خافتة، لكن كان ~~هناك ستار خلف الباب يمنع رؤية الحجرة. وعندما عبر الستار، رأى شمعة مشتعلة على الجزء ~~المربع المصنوع من الرخام والموضوع عند رأس السرير، وكان ضوء الشمعة ساقطا على وجه الهيكل ~~العظمي الذي غابت عنه علامات الحياة، والذي كان يحمل ابتسامة باهتة على شفتيه، وفي ~~يده المقبوضة كان يمسك برسالة موجهة إلى مالك الفندق. # لقد تبرع الهيكل العظمي الحي بأكثر من ثمانين فرنكا إلى ذلك الحدث الخيري الجدير ~~بذلك. # | رهانات كبيرة # كان الثلج يتساقط رويدا تحت النور الأبيض الساطع للمصباح الكهربائي عندما كان بوني رويل ~~يزرر معطفه ويغادر فندق ميتروبوليتان، وكان ذلك الفندق هو منزله. كان بوني رويل شابا ~~لا يتخطى عمره الثلاثين عاما، وكان وجهه ملفتا للنظر. كان حليقا مستدق الملامح. وقد ~~يتراءى للناظر أنه يشبه وجه ممثل أو رجل من رجال الدولة. فوجه الممثل له قدرة معينة ~~على إظهار التعابير والانفعالات نتيجة الشخصيات التي يؤديها الممثل عادة وتكون مختلفة ~~اختلافا شاسعا. إنك حين تنظر إلى وجه رويل عن كثب، تجد أنه قد اعتاد على كبت التعابير ~~والانفعالات لا على إظهار مشاعر أو انفعالات من أي نوع. وقد تجعلك نظرة عابرة على وجه ~~بوني رويل تعتقد أن وجهه سيخبرك بشيء، ولكن إذا تفحصته بعناية فستجد أنه لن يخبرك ~~بأي شيء. وكانت عيناه رماديتي اللون ذواتي نظرة حادة ثاقبة حتى إنهما تبدوان وكأن بمقدورهما ~~قراءة أفكار الغير، فيما تخفيان أفكاره بفعالية. وكان من المعروف عن بوني رويل أنه رجل لا ~~يخل بوعده. وكان مقامرا محترفا. # في ذلك المساء تحديدا، كان بوني رويل يسير في الشارع في أريحية رجل يحظى بوقت فراغ طويل ~~وليس لديه ما يشغله. وقد تردد للحظة أمام ممر مضاء بإضاءة خافتة يقع في منتصف بناية ~~كبيرة في شارع جانبي، ثم دخل الممر وصعد الدرج. وطرق طرقا خفيفا على أحد ms109 الأبواب. ~~أزيح مزلاج بالباب ونظر إليه للحظة رجل من الداخل. ثم فتح الباب في الحال؛ ذلك أن ~~وجه بوني كان معروفا لدى كل أندية المقامرة في المدينة. وكان لا يزال أمامه باب آخر يمر ~~به وعليه حارس؛ ذلك أن أي مالك أصيل لأحد أندية القمار لا يمكن أن يعرف أبدا اللحظة ~~التي قد تستعر فيها الأخلاق فجأة لدى الشرطة فتجعلها تجتاح المكان وتداهمه، ومن الأفضل ~~أن يكون أمامه بعض الوقت ليخفي أدوات القمار وتجهيزاته. وكان نادي ميليش للقمار معروفا ~~لدى الشرطة بقدر ما هو معروف لدى بوني رويل، لكن ميليش كان يعرف أنه لن يتعرض لإزعاج ~~من قبل الشرطة ما لم يحدث العامة جلبة بشأنه. # كان ميليش رجلا حريصا، وكان لا بد من التحقق جيدا من هوية مرتادي نادي القمار ~~الخاص به قبل أن يسمح لهم بالدخول. ولم تقع قط أي مشكلات في نادي ميليش للقمار. وكان ~~من المعروف عنه أنه دائما ما ينصح المقامر الصغير بالتوقف عن اللعب حين يدرك أنه لن ~~يتحمل الخسارة، ورويت بعض الأحداث التي كان فيها ميليش نفسه مقرضا لرجل تملكه ~~اليأس. كان الجميع يحب ميليش؛ ذلك أن سخاءه لم يكن له حدود، وحديثه مقنع للغاية. # وداخل الغرفة التي دلف إليها بوني رويل، كانت هناك طاولة روليت تدور، ولعبة فارو ~~تلعب في موضع آخر من الغرفة. وعلى طاولات صغيرة كان هناك عدد كبير من مرتادي ~~المكان يستمتعون بلعب البوكر. # صاح بيرت راجستوك: «أهلا يا بوني. هل ستمنحني فرصة الثأر منك الليلة؟» # أجاب بوني في هدوء ورباطة جأش وهو يشعل سيجارة جديدة: «أنا على استعداد دوما لأن ~~أعطي أي شخص فرصته في الثأر.» ~~«حسن إذن، تعال واجلس هنا.» ~~«لن ألعب الآن. أريد أن أنتظر بعض الوقت.» ~~«دعك من ذلك. إنني أنتظرك منذ فترة طويلة بالفعل. اجلس.» ~~«ينبغي أن تكون قد عرفت الآن يا بيرت أنني حين أقول شيئا فإنني أعنيه حقا. لن أمس ~~أي ورقة حتى تدق الساعة الثانية عشرة. حينها سأكون معك.» ~~«أف يا بوني، ms110 ينبغي أن تكون أسمى من هذا. تلك خرافات يا رويل. وأنت رجل على قدر كبير ~~من الذكاء يجعلك لا تلقي بالا إلى ساعة حظ بعينها تلمس فيها ورق اللعب. هيا.» ~~«لا بأس بكل هذا، لقد حدثت نفسي بذلك، وسألعب عند منتصف الليل وإلا فلن ألعب.» # أومأ المقامرون القدامى في المكان بالموافقة على هذا القرار. كان من الطبيعي لبيرت ~~راجستوك أن يسخر من الخرافات؛ لأنه لم يكن مقامرا حقيقيا. وإنما كان يأتي إلى نادي ميليش ~~للقمار في المساء لأن البورصة لم تكن تفتح أبوابها ليلا. ومن الغريب القول بأن ~~راجستوك كان رجل أعمال جيدا ومقامرا ذكيا. وكان يتحسر على القدر الذي جعله ثريا ~~بحيث لا يكون للمقامرة عليه تأثير مبهج كان من الممكن أن يشعر به لو كان يلعب وهو ~~فقير. # حين دقت الساعة معلنة عن منتصف الليل أخذ بوني رويل مجموعة ورق اللعب وبدأ ~~يخلطها. # وقال: «والآن أيها الرجل، إنني ألعب من أجل الفوز. أريد الفوز بمبلغ كبير ~~الليلة.» # صاح بيرت في حماسة قائلا: «صحيح. وسأقف إلى جوارك طالما بقيت الأشكال على ~~الورق.» # ومع خيوط الصباح الأولى، عندما كان الجميع قد غادر وكان ميليش نفسه يتثاءب، كان ~~الرجلان لا يزالان يلعبان. كان المقامر المحترف قد فاز بمبلغ كبير من المال، وهو أكبر ~~مبلغ يفوز به على الإطلاق. ومع ذلك، لم يكن تبدو في عينيه المتحمستين أي علامة من ~~علامات النصر. أما بيرت، فقد بدا وكأنه هو الفائز من الانفعال البادي على وجهه. كان الرجلان ~~متكافئين، وكانا يستمتعان باللعب معا. # صاح بوني في النهاية: «ألم تكتف بعد؟ الحظ ليس في صالحك. لو كنت مكانك لما ظللت أضرب ~~برأسي في جدار طوب.» ~~«عزيزي بوني، كم مرة أخبرتك أنه لا يوجد شيء اسمه الحظ. لكن لأصدقك القول، إنني أشعر ~~بالتعب وسأذهب إلى المنزل. تأجل موعد الثأر. متى سألتقي بعدوي مجددا؟» # راح بوني رويل يخلط ورق اللعب في تراخ وفتور لبضع لحظات من دون أن يجيب أو يرفع نظره ~~إليه. ثم قال في النهاية: ms111 ~~«في المرة القادمة التي ألاعبك فيها، ستكون على رهانات كبيرة.» ~~«يا إلهي، ألم تكتف بالرهانات التي لعبنا عليها الليلة؟» ~~«لا. أريد أن ألعب معك على رهان سيقف له شعر رأسك. فهل ستخوض ذلك؟» ~~«بكل تأكيد. متى؟» ~~«لا أستطيع أن أخبرك بذلك الآن. أنا مشغول الآن بأمر كبير. سأقابل رجلا الليلة بهذا ~~الشأن، وكل ما أريد أن أعرفه هو أن تعدني بأنك ستلعب.» ~~«هذا أمر يكتنفه الغموض يا بوني. أعتقد أنك تخشى أن أتهرب منك. ولكنني على استعداد ~~لأن ألعب معك تحت أي شرط وعلى أي رهان.» ~~«هذا يكفي. سأطلعك على بعض التفاصيل بمجرد أن أعرف كل ما أريد. طابت ليلتك.» # قال بيرت بينما كان ميليش يساعده في ارتداء معطفه الطويل: «بل طابت ليلتك أنت. لقد ~~فزت بالمال كله: لقد سرقت رجلا فقيرا وجردته من ماله الذي كد في كسبه!» ~~«أوه، الرجل الفقير ليس في حاجة إلى المال بقدر حاجتي أنا إليه. وعلاوة على ذلك، سأعطيك ~~فرصة لاسترداد كل شيء وزيادة.» # عندما غادر راجستوك، كان بوني لا يزال جالسا على الطاولة يخلط الورق وهو شارد ~~الذهن. # قال ميليش وهو يضع يده على كتفه: «لو كنت مكانك لأخذت ذلك المال ووضعته في البنك ~~ولتوقفت.» # سأله بوني بعد أن رفع نظره إليه مبتسما: «بنك الفارو؟» ~~«لا، كنت لأقلع عن القمار تماما لو كنت مكانك. سأفعل ذلك يوما ما.» ~~«أوه، كلنا يعرف ذلك. طوال العشرين عاما المنصرمة، كنت على وشك الإقلاع عن القمار ~~تماما. وسأفعل أنا ذلك أيضا، لكن ليس الآن. وبالطبع هذا هو ما يقوله الجميع، لكنني أعني ~~ذلك حقا.» # سار بوني رويل في هذا الشتاء الباكر والقارس باتجاه فندق ميتروبوليتان ثم خلد إلى ~~النوم. وفي الثالثة من عصر ذلك اليوم أتى الرجل الذي كان على موعد معه للقائه. # بدأ الزائر حديثه قائلا: «كنت تريد لقائي بشأن وثيقة تأمين.» فوكلاء التأمين دائما ~~ما يكونون على استعداد لأحاديث العمل. «هل كنت تفكر في نظام الوقف، أم فكرت في نظام ~~سندات التأمين الجديد لدينا؟ يبدو ms112 أسلوب الدفع على عشرين دفعة رائجا للغاية.» # قال بوني: «أريد أن أسألك بضعة أسئلة. إذا أمنت على حياتي لدى شركتك ثم انتحرت، فهل ~~سيلغي هذا صلاحية وثيقة التأمين؟» ~~«ليس بعد عامين؛ ففي شركتنا، تكون وثيقة التأمين لا نزاع فيها بعد عامين.» ~~«عامين؟ لن ينفعني هذا. ألا تستطيع أن تجعلها عاما واحدا؟» # قال وكيل التأمين وهو يخفض صوته: «سأخبرك بما سأفعل. يمكنني أن أكتب الوثيقة ~~بتاريخ سابق، وبذلك سوف تنتهي مدة العامين في الوقت الذي تريده، ولنقل بعد عام من ~~الآن.» ~~«رائع جدا. إذا استطعت أن تفعل هذا بطريقة قانونية بحيث تنتهي مدة العامين خلال عام ~~واحد من الآن، فسأؤمن لدى شركتك بمبلغ مائة ألف دولار.» # اتسعت عينا وكيل التأمين حين ذكر المبلغ. ~~«لا أريد وقفا أو سندات، لكن أرخص أنواع التأمين على الحياة لديكم، و...» ~~«إذن، تأمين مدى الحياة هو ما تريد.» ~~«فليكن هذا إذن، وسأدفع لك مقدما مقدار عامين، أو لنقل مقدار عامين ونصف؛ وذلك حين ~~تحضر الوثائق إلي.» # وهكذا، أمن بوني رويل على حياته بمائة ألف دولار كجزء من المال الذي ربحه في ~~المقامرة، وبجزء آخر من ذلك المال دفع مقابل إقامته الكاملة في فندق ميتروبوليتان لعام ~~قادم. # أما الجزء المتبقي من المال، فقد احتفظ به للمقامرة. # وفي أثناء العام التالي لذلك، ظل يرفض أن يلعب مع بيرت راجستوك، وكادا يتشاجران مرة أو ~~مرتين، وتلك كانت هي المرة الأقرب التي كاد بوني يقع فيها في شجار مع أي شخص؛ ذلك أن ~~التشاجر لم يكن أسلوبه قط. ولو كان بوني يعيش في مجتمع أقل تحضرا من هذا المكان ~~فلربما اتخذ من التشاجر أسلوبا له، لكن بما أن الشجار لا يسفر عن شيء، فإنه لم يكن ~~ينخرط في أي من ذلك. # قال بيرت متذمرا: «أمر عام منذ آخر لقاء بيننا؟ يا له من هراء أن أنتظر كل هذه ~~المدة. أنت تلعب مع الآخرين، لم لا تلعب معي؟ فكر في الفرص التي نخسرها.» # فأجابه رويل: «إذن سنحظى بفرصة لعب ستعوض عن ms113 كل هذا الانتظار.» # وأخيرا جاء الموعد السنوي، وحين دقت الساعة معلنة عن ذلك، جلس بوني رويل وبيرت ~~راجستوك في مواجهة أحدهما الآخر، مستعدين لاستكمال ما بدآه كالمعتاد. # قال بيرت وهو يفرك يده: «آه، الجلوس أمامك مجددا يشعرني بشعور جيد. أنت مغرور يا ~~بوني. كنا سنحظى بمائة فرصة كهذه للعب طوال العام الماضي، لو لم تكن ممن يؤمنون ~~كثيرا بالخرافات.» ~~«ليس بمثل هذه المرة. هذه هي المرة الأخيرة التي سألعب فيها، وإما الفوز أو الخسارة. وأنا ~~أخبرك بذلك الآن لأنه لن يكون هناك أي حديث عن الثأر إذا ما فزت أنا.» ~~«أنت لا تعني ذلك حقا! لقد سمعت مثل هذا الحديث من قبل.» ~~«لا بأس. لقد حذرتك. والآن أعتقد أن هذه لعبة تعتمد تماما على الحظ. لدينا ~~مجموعة جديدة من الورق، اخلطها، واقسمها، ثم تسحب أنت ورقة وأسحب أنا أخرى. ورقة الآس هي ~~العليا. وصاحب الورقة العليا هو من يربح المال كله. والأفضل هو من يسحب أعلى ~~ورقتين من بين ثلاث. أتوافق على ذلك؟» ~~«بالطبع. كم سيكون مقدار المال؟» ~~«مائة ألف دولار.» ~~«أوه، أنت تحلم.» ~~«أليس بكاف؟» ~~«تبا لذلك! أنت لم تر هذا المبلغ من قبل.» ~~«ستحصل على المال إذا ما خسرت.» ~~«هذا مبلغ كبير حقا يا بوني. مائة ألف دولار! يا إلهي! كم عدد رجال الأعمال الذين ~~يتوقعون أن تؤخذ كلمتهم بأنهم سيدفعون مائة ألف دولار على محمل الجد لمجرد أنهم ~~قالوا ذلك؟» ~~«أنا لست برجل أعمال. أنا مقامر.» ~~«صحيح، صحيح. هل المال معك الآن؟» ~~«لا، لكنه سيدفع لك. إن مالك ليس هنا في المكان. ولكنني أثق بك، ألا تستطيع أن تثق ~~بي؟» ~~«الأمر ليس سيان يا بوني. سأثق بك ثلاثة أضعاف ما تحمل الآن من مال، لكن عندما تتحدث ~~عن مائة ألف دولار فأنت تتحدث عن مال كثير.» ~~«إذا استطعت أن أقنع ميليش بأنك ستحصل على مالك، فهل ستلعب؟» ~~«يمكنك أن تقنعني بنفس السهولة التي ستقنع بها ميليش. فما فائدة جره في هذا ~~الأمر؟» ~~«يمكنني أن أقنعك في غضون ms114 دقيقة، لكنك قد تستمر في رفض اللعب. والآن، لا بد أن ألعب هذه ~~المرة، ولا يمكنني أن أتحمل أي مخاطر. وإذا لم تكن كلمتي وكلمة ميليش كافيتين ~~كإثبات لك على الدفع، فقل ذلك.» # صاح بيرت: «حسنا، إذا استطعت أن تقنع ميليش بأنك ستدفع المال إذا خسرت، فسألعب ~~معك.» # انسحب رويل وميليش إلى حجرة داخلية ثم خرجا بعد عدة دقائق. # وكان وجه ميليش أحمر حين دخل، أما الآن فقد أصبح وجهه شاحبا قليلا. # قال ميليش: «لا يعجبني هذا الأمر يا بيرت، وأعتقد أن من الأفضل أن يتوقف الأمر عند ~~هذه النقطة.» ~~«إذن، فأنت لست مقتنعا بأنني واثق من وجود أموالي؟» ~~«بلى، أنا مقتنع بذلك ولكن ...» ~~«وهذا كاف بالنسبة إلي. أحضر مجموعة الأوراق الجديدة.» # قال بوني عندما رأى أن مالك المنزل كان على وشك أن يتحدث: «لقد أعطيتني كلمتك يا ~~ميليش. لا تنطق بأكثر من ذلك.» # فأضاف بيرت: «إن ورقتين من بين ثلاث سيكون سريعا جدا بالنسبة إلى هذا المبلغ. ~~فلنجعلها خمسا من بين تسع ورقات.» ~~«لا بأس بذلك.» # ثم أحضرت مجموعة الورق الجديدة ومزق غلافها. # قال رويل: «اخلط أنت الأوراق أولا، وسأقسم أنا.» وقد بدت شفتاه جافتين فراح ~~يرطبهما بين الحين والآخر، وكان هذا الأمر غير عادي بالنسبة إلى مقامر هادئ مثله. ~~وراح ميليش يتململ في أرجاء المكان مقطب الجبين. خلط بيرت الأوراق دون اكتراث وكأنه ~~يلعب على ورقة من فئة خمسة دولارات. وعندما سحب كل منهما ورقة، كان في يد بيرت ورقة آس، ~~وفي يد بوني ورقة الشايب. ثم خلط بوني الأوراق وسحب ورقة مرقمة، بينما سحب خصمه ورقة ~~البنت. ابتسم بيرت وراحت قطرات العرق تظهر على جبين بوني رغم محاولاته الجاهدة للسيطرة ~~على نفسه. ولم ينبس اللاعبان ولا المتفرجون ببنت شفة. وبعد التوزيعة التالية للورق، خسر ~~بوني مرة أخرى. وبدا أن رباطة جأشه قد غابت عنه. فلملم الأوراق من فوق الطاولة وهو ~~يتلفظ وقال بصوت أجش: «أحضروا مجموعة ورق أخرى.» # ابتسم بيرت إليه على الجانب الآخر من الطاولة. لا ms115 شك أنه كان يفكر أنهم يقامرون على ~~مبالغ متساوية. # لم يكن باستطاعة ميليش أن يتحمل أكثر من ذلك. فدلف إلى إحدى الغرف الداخلية. أما ~~التوزيعة الأولى لمجموعة الورق الجديدة، فقد كانت في صالح بوني وبدا كأنه يشعر بأن حظه ~~قد تغير، لكن التوزيعة التي تلتها كانت في غير صالحه وكذلك المجموعة التي تلتها. # قال رويل وهو يدفع بالورق باتجاه خصمه: «إنه دورك في خلط الأوراق.» لم يمس بيرت ~~الورق، لكنه راح يبتسم في وجه المقامر الآخر. ~~«ما خطبك؟ لم لا تخلط الأوراق؟» # قال بيرت في هدوء: «لست مضطرا لفعل ذلك. لقد فزت في خمس توزيعات.» # وضع رويل يده على جبينه المتعرق وحدق إلى الرجل الجالس قبالته على الطاولة. ثم بدا ~~كأنه قد استجمع شتات نفسه. # وقال: «إذن فقد فزت، لم ألحظ ذلك. عذرا. أعتقد بأنني سأذهب الآن.» ~~«اجلس حيث أنت ولنلعب على شيء أبسط من ذلك. أنا لا آبه بشأن ذلك البذخ وأعتقد أنك لا ~~تأبه به كذلك ... والآن.» ~~«شكرا، لا. لقد أخبرتك أن تلك هي آخر مرة لي. أما بالنسبة إلى البذخ، فلو كنت أمتلك ~~المال لحاولت اللعب مرة أخرى عن طيب خاطر. وللعبت مرارا وتكرارا.» # وعندما أتى ميليش ورأى أن اللعبة قد انتهت سأل عن بوني. # فأجابه بيرت: «أعتقد أنه عرف بأنه قد اكتفى بهذا الحد. لقد ذهب إلى منزله.» # قال ميليش: «ادخل هنا يا بيرت. أريد أن أتحدث إليك.» # وعندما كانا وحدهما التفت ميليش نحوه. ~~«أعتقد أن بوني لم يخبرك من أين سيأتي المال، أليس كذلك؟» ~~«لا، لقد أخبرك أنت وكان هذا كافيا بالنسبة إلي.» ~~«إذن، لا سبب يحول دون أن تعرف ذلك الآن. لقد وعدته أن ألتزم الصمت حتى تنتهي ~~اللعبة. لقد أمن على حياته بمبلغ مائة ألف دولار وسينتحر من أجل أن تحصل أنت على ~~المال.» # صاح بيرت: «يا إلهي! لم تركتنا نواصل اللعبة؟» ~~«لقد حاولت إيقافها، لكنني كنت قد أعطيت كلمتي، وأنت ...» ~~«حسنا، لن نقف هنا ونثرثر. إنه في فندق ميتروبوليتان، أليس كذلك؟ إذن ms116 هيا بنا. ارتد ~~معطفك بسرعة.» # كان ميليش يعرف رقم غرفة رويل ومن ثم لم يضيعوا وقتا في الاستعلام عند مكتب ~~الاستقبال. وحاول ميليش فتح الباب، لكنه كان موصدا كما توقع. # جاء صوت يصيح من الداخل: «من بالباب؟» ~~«إنه أنا ... ميليش. أريد أن أتحدث إليك للحظة.» ~~«لا أريد أن أقابلك.» ~~«يريد بيرت أن يقول لك شيئا. إنه أمر مهم. دعنا ندخل.» ~~«لن أدخلكما. اذهبا من هنا ولا تحدثا جلبة. لن يجدي الأمر. يمكنكما أن تدخلا بعد عشر ~~دقائق من الآن.» # قال بيرت بنبرة حادة: «اسمع يا بوني افتح هذا الباب فورا، وإلا فسأحطمه. أتسمعني؟ أريد ~~أن أراك للحظة، ثم يمكنك بعدها أن تفعل ما تريد.» # وبعد أن تردد للحظة، فتح رويل الباب ودخل الرجلان. كان نصف السجادة مرفوعا من مكانه ~~وكانت أرضية الغرفة مفروشة بجرائد قديمة. وعلى الطاولة كان هناك مسدس دوار وأدوات كتابة ~~وخطاب لم يكتمل بعد. أما بوني فكان يرتدي قميصا ولم يبد عليه السرور بتلك ~~المقاطعة. # فسأل باقتضاب: «ماذا تريدان؟» # قال بيرت: «اسمع يا بوني. لقد اعترفت إلى ميليش وقد أتيت لأعترف إليك. أريدك أن ~~تتساهل معي وتتكتم على الأمر. لقد غششت. كان الورق جاهزا معي.» # قال رويل وهو ينظر في عينيه مباشرة: «أنت كاذب.» # صاح راجستوك وقد شد على قبضته: «لا تكرر قول ذلك. قليل من الرجال من أتقبل منهم ~~تلك الكلمة.» ~~«كنت تجهز الورق لي؟ لا يستطيع أحد فعل ذلك معي!» ~~«كنت متحمسا ولم تلحظ الأمر.» ~~«أنت لست بكاذب فقط، بل إنك غير بارع في الكذب. لقد خسرت المال وسأدفع لك. كان المال ~~سيكون جاهزا الآن، إلا أن هناك خطابا يتحتم علي أن أكتبه. لقد أخبرك ميليش عن وثيقة ~~التأمين ووصيتي المرفقة بها. هاك هما. إنهما لك. لست بغشاش، كما أنني أميز جيدا ~~متى يكون اللعب منصفا.» # أخذ بيرت الوثيقة ولا شك أنه كان ينوي أن يمزقها، في حين أومأ إليه ميليش بعينيه ~~وراح يتسلل شيئا فشيئا ليحصل على المسدس. قرأ راجستوك الاسم المكتوب بأحرف كبيرة ms117 في ~~رأس الصفحة وكان منقوشا بخط جميل. وهنا اتسعت عيناه ثم غاص في كرسي وراح يضحك ~~بصوت مرتفع. فنظر إليه الرجلان الآخران في ذهول. # سأله ميليش: «ما الأمر؟» ~~«الأمر؟ كان هذا الأمر سيكون خدعة لبوني. من الجيد لكل منكما أن تعرفا شيئا عن ~~الموضوع كما تعرفان عن المقامرة. لقد أفلست شركة هاردفاست للتأمين على الحياة قبل ستة ~~أشهر. هذه هي الحقيقة يا بوني، حتى لو لم أكن قد جهزت الورق بنية الغش في اللعب. من ~~الأفضل أن تجري بعض الاستعلامات في دوائر الأعمال والأوساط التجارية قبل أن تحاول الحصول ~~على أي أموال من تلك الشركة. والآن يا بوني، اطلب لنا بعض المشروبات، إذا كان هناك ما ~~يمكن أن تطلبه في مثل تلك الساعة المتأخرة. نحن ضيوفك؛ ومن ثم يتوقع منك أن تكون ~~مضيفا كريما. لقد حصلت على ما يكفي من الإثارة لليلة واحدة. سنعتبر أننا متعادلان ~~وسنبدأ من جديد.» # | «حين يكون الجهل نعمة» # غادرت السفينة البخارية المهيبة «أدامنت» من نيويورك في رحلتها لشهر فبراير في ظل ظروف ~~مواتية. وكانت هناك عاصفة تجتاح المحيط لكنها انتهت توا؛ ولذا كانت كل الفرص سانحة ~~أمامها للوصول إلى ليفربول قبل حلول العاصفة التالية. # وقد واجه الكابتن رايس مشكلة اجتماعية بسيطة كان عليه حسمها في بداية الرحلة، لكنه ~~لطف الأمور وهدأها بلباقته المعهودة. كان على متن السفينة سيدتان - وهما زوجتان ~~لمسئولين رسميين - من واشنطن، وكان الكابتن - وهو رجل إنجليزي عجوز وبحار ماهر ~~ومتمرس - دائما ما يواجه مشكلة فيما يتعلق بحق الأولوية للسيدات من واشنطن. ولم ~~يكن الكابتن رايس ينزعج مطلقا من الأرستقراطية البريطانية؛ لأن حق الأولوية كله ~~مسجل في «مجلد بيرك للنبلاء»، الذي كان يحتفظ به في مقصورته؛ ومن ثم لم تكن هناك أي ~~صعوبة في التعامل مع الأمر. لكن، من المفترض في أي دولة ذات نظام جمهوري ألا تتدخل ~~في حق الأولوية. ولم تكن الدولة لتفعل ذلك أيضا لولا النساء. # حدث أن السيدة براونريج، زوجة مساعد المدعي العام بمجلس الشيوخ، أتت إلى مضيف ~~السفينة ms118 وقالت بأنها لا بد أن تجلس على ميمنة الكابتن، وذلك حسب الترتيب الطبقي للجميع ~~على متن السفينة. وبعد ذلك جاءت السيدة ديجبي، زوجة المساعد الثاني لرئيس الأركان في ~~وزارة الحربية، إلى الموظف الحائر وقالت بأنها لا بد أن تجلس إلى ميمنة الكابتن لأنها ~~في واشنطن تحظى بالأولوية على جميع من هم على متن السفينة. فأسر المضيف الحائر ~~بمحيرته إلى الكابتن الذي قال بأنه سيهتم بالأمر. ~~ومن ثم، أجلس السيدة زوجة مساعد رئيس الأركان في وزارة الحربية إلى يمينه وسار على ~~سطح السفينة مع السيدة زوجة مساعد المدعي العام وقال لها: ~~«أريدك أن تسدي إلي معروفا أيتها السيدة براونريج. لسوء الحظ، أنا أعاني من ~~صمم طفيف في أذني اليمنى وأعتقد أن سببه هو الاستماع الدائم إلى بوق الضباب عاما بعد ~~الآخر؛ ومن ثم، فإنني دائما ما أجلس أكثر السيدات اللائي أريد محادثتهن إلى يساري على ~~الطاولة. فهلا تفضلت علي وجلست في ذلك المقعد هذه الرحلة؟ لقد سمعت عنك أيتها ~~السيدة براونريج، رغم أنك لم تسمعي بي من قبل قط.» # أجابته السيدة بروانريج: «بكل تأكيد أيها الكابتن. إنني أشعر بإطراء بالغ.» # قال الكابتن المحترم: «وأؤكد لك سيدتي أنني لن أفوت على نفسي سماع كلمة واحدة ~~منك» إلى آخر ذلك. # وهكذا نسق الأمر سلميا بين السيدتين. وهذا كله ليس له أي علاقة بالقصة. إنما ~~هي مجرد حادثة أذكرها لأوضح ما كانت تتسم به شخصية الكابتن رايس من دبلوماسية فطرية ~~استمرت معه حتى اللحظة. ولا أعرف أي قبطان حاز ألفة وقبولا أكثر منه بين النساء، ~~كما أنه من أفضل البحارة الذين عبروا المحيط. # يوما تلو الآخر، كانت السفينة الرائعة تشق طريقها نحو الشرق، وقد أجمع الركاب ~~أنهم لم يكونوا على متن رحلة بحرية أفضل من هذه في مثل هذا الوقت من العام. كان الطقس ~~دافئا على سطح السفينة حتى إن الكثير منهم قد جلسوا على الكراسي للاستمتاع بأشعة الشمس، ~~وفي الأسفل كان الطقس معتدلا لدرجة أن المرء قد يخيل له أنه يبحر في المناطق ms119 ~~الاستوائية. ورغم ذلك كانوا قد غادروا نيويورك في عاصفة ثلجية وكانت درجة الحرارة تحت الصفر ~~بعدة درجات. # قال سبينر الشاب الخبير بكل شيء: «هذا هو تأثير تيار الخليج الدافئ.» # ومع ذلك، عندما نزل الكابتن رايس لتناول الغداء في اليوم الرابع كان وجهه شاحبا ~~ونظرته تنم عن القلق. # قالت السيدة زوجة مساعد المدعي العام: «تبدو كأنك لم تغف ليلة أمس أيها ~~الكابتن.» # فرد عليها الكابتن: «بل نمت نوما هانئا. شكرا لك سيدتي. إنني دائما ما أحصل على ~~قسط وافر من النوم.» ~~«إذن، آمل أن حجرتك كانت مريحة أكثر من حجرتي. يبدو لي أن الجو في حجرتي حار ~~للغاية حتى إنني لا أستطيع فعل أي شيء فيها. ألا تعتقدين ذلك أيتها السيدة ~~ديجبي؟» # أجابت السيدة الجالسة على ميمنة الكابتن التي كانت تعتقد في العموم أنها ينبغي أن ~~تتبنى موقفا معاكسا للسيدة على ميسرته: «أعتقد أنها لطيفة كثيرا.» # قال الكابتن: «إننا، كما تعرفين، لدينا الكثير من النساء الرقيقات والأطفال الصغار على ~~متن السفينة ومن الضروري أن نحافظ على درجة الحرارة. ومع ذلك، ربما أفرط في رفعها العامل ~~المسئول عن الحفاظ على درجات الحرارة. سأتحدث إليه.» # ثم دفع الكابتن عنه الطعام الذي لم يكن يشعر بمذاقه وصعد إلى برج القيادة، ورفع نظره ~~عاليا إلى الإشارة التي ترفرف على قمة الصاري طالبة المساعدة في صمت من الأفق الفارغ ~~حولها. # قال الكابتن: «أليس هناك شيء على مرمى البصر يا جونسون؟» ~~«لا شيء على الإطلاق يا سيدي.» # مسح الكابتن خط البحر والأفق بنظارته، ثم وضعها عن عينيه وهو يتنهد. # قال جونسون: «ينبغي لنا أن نتوصل إلى شيء عصر اليوم يا سيدي، نحن في إثرهم تماما يا ~~سيدي. لا بد أن السفينة فلودا موجودة في مكان ما في الأرجاء.» # أجابه الكابتن: «أخشى أننا بعيدون كثيرا في الشمال عن السفينة فلودا.» ~~«إذن يا سيدي، ينبغي أن نرى السفينة فولكان قبل حلول الليل يا سيدي. كان الطقس جيدا وفي ~~صالحها منذ غادرت كوينزتاون.» ~~«أجل. واصلوا الرصد الثاقب يا جونسون.» ~~«أمرك ms120 يا سيدي.» # راح الكابتن يذرع برج القيادة نكدا مطأطئ الرأس. # وحدث نفسه قائلا: «كان ينبغي لي أن أعود أدراجي إلى نيويورك.» # ثم نزل إلى غرفته وحاول تجنب الركاب قدر استطاعته، وطلب من الخادم أن يحضر له ~~مرق لحم البقر. فحتى الكابتن لا يمكنه أن يتابع حياته وهو يشعر بالقلق. # صدح صوت المراقب عند مقدمة السفينة قائلا: «أرى سفينة عند مقدمة سفينتنا يا سيدي.» ~~وكان للمراقب بصر حاد؛ ذلك أن بحارا غرا لم يكن ليرى شيئا. # صاح جونسون محدثا البحار الواقف خلفه: «أسرع وأخبر الكابتن.» لكن عندما استدار ~~البحار تنفيذا للأمر ظهر رأس الكابتن أعلى السلم. أمسك الكابتن بنظارته ونظر ~~مطولا إلى نقطة محددة في الأفق. # ثم قال في النهاية: «لا بد أنها السفينة فولكان.» ~~«أعتقد ذلك يا سيدي.» ~~«أدر الدفة عدة درجات إلى اليسار وابذل كل ما في وسعك للحاق بها.» # أعطى جونسون الأوامر اللازمة وبدأت السفينة الكبيرة تنحرف. # صاح سبينر الذي كان على سطح السفينة: «هاي! هناك سفينة بخارية. لقد وجدتها. إنها ~~لي.» # ثم حدث تهافت من الركاب عند جانب السفينة. كان الصوت يصدح قائلا: «هناك سفينة على ~~مرمى البصر!» وعندئذ فقدت كل الكتب والمجلات أهميتها وتشويقها على الفور. وحتى ذلك ~~الرجل الإنجليزي الهادئ المبجل الذي كان صموتا ومتحفظا نهض عن كرسيه وأرسل ~~خادمه ليرى له ما الأمر. وحملت الأمهات أطفالهن وأخبروهم أن يكونوا حذرين بينما كانوا ~~يحاولون مشاهدة خيط الدخان الواهن الظاهر على مسافة بعيدة منهم. # صاح سبينر الشاب العارف بكل شيء: «الحديث عن المسارات البحرية محض هراء. أترون؟! ~~إننا نتجه نحوها مباشرة. فكروا كيف كنا لننجح في تتبعها وسط الضباب! المسارات ~~البحرية! بل هذا ما أسميه محض حظ.» # سألته السيدة الشابة من بوسطن بلطف: «هل سنرسل إليها إشارة سيد سبينر؟» # أجابها سبينر الشاب: «أوه، بكل تأكيد. أترين، تلك هي إشارتنا ترفرف الآن على قمة ~~الصاري. تلك الإشارة توضح لهم المسار الذي نتبعه.» # قالت السيدة الشابة: «يا إلهي! كم هو مثير هذا الأمر. لا بد أنك عبرت المحيط ms121 كثيرا ~~أيها السيد سبينر .» # أجابها سبينر المتواضع: «أوه، إنني أعرف الطريق تماما.» # ظل الكابتن ينظر في نظارته وكأنها قد التصقت بعينيه. وفجأة، كادت النظارة تسقط ~~منه. # وصاح قائلا: «يا إلهي! جونسون!» ~~«ما الخطب يا سيدي؟» ~~«إنها ترفع إشارة استغاثة أيضا!» # اقتربت السفينتان البخاريتان من بعضهما ببطء، وعندما أصبحتا متحاذيتين يفصلهما ميل ~~واحد تقريبا، دق جرس السفينة «أدامنت» معلنة أنها ستتوقف. # قال سبينر الشاب إلى الفتاة من بوسطن: «هاك، أترين، إنها ترفع الإشارة نفسها التي ~~نرفعها نحن على صارينا.» ~~«إذن، فهي تتبع نفس مسار سفينتنا؟» # أجابها سبينر الواثق بنفسه أكثر مما ينبغي: «أوه، بكل تأكيد.» # صاحت الفتاة المتحمسة من إنديانابولس التي كانت تعتزم دراسة الموسيقى في ألمانيا: ~~«أوه، انظروا! انظروا! انظروا!» # رفع الجميع نظرهم إلى قمة الصاري ووجدوا خطا طويلا من الرايات المتعددة الألوان ~~المتصلة ببعضها وهي ترفرف. وظلت تلك الرايات في مكانها لعدة دقائق، ثم أنزلت مرة أخرى ~~ليرفع مكانها خط مختلف من الرايات. وكان الأمر نفسه يحدث على متن السفينة البخارية ~~الأخرى. # قالت زوجة مساعد رئيس الأركان: «أوه، هذا الأمر مثير للاهتمام كثيرا. إنني أتوق إلى ~~معرفة ما يعنيه كل هذا. لقد قرأت كثيرا عن هذا الأمر لكنني لم أره مطلقا من قبل. ~~أتساءل متى سينزل الكابتن.» ثم سألت الخادم على سطح السفينة: «ما معنى كل هذا؟» ~~«إنهم يتبادلون إرسال الإشارات إلى بعضهم يا سيدتي.» ~~«أوه، أعرف هذا. لكن ما معنى تلك الإشارات؟» ~~«لا أعرف يا سيدتي.» # صاحت الفتاة من إنديانابولس وهي تصفق بيدها من البهجة: «أوه، انظروا! انظروا! السفينة ~~الأخرى تستدير.» # كان هذا صحيحا حقا. كانت السفينة الكبيرة تضرب الماء بمروحتها، وأصبحت الصواري شيئا ~~فشيئا بمحاذاة أحدها الآخر، ثم توجهت مقدمتها نحو الشرق مرة أخرى. وعندما تم هذا ~~ببطء، دق الجرس على متن السفينة «أدامنت» معلنا أنها ستتقدم بأقصى سرعة، ثم نزل ~~الكابتن بخطوات وئيدة على السلم الخشبي الخارج من برج القيادة. ~~«أوه، أيها الكابتن، ماذا يعني كل هذا؟» ~~«هل ستعود السفينة أدراجها أيها الكابتن؟ آمل ألا يكون ms122 هناك خطب ما.» ~~«ما هذه السفينة أيها الكابتن؟» ~~«إنها تسلك نفس مسارنا، أليس كذلك؟» ~~«لم تعود السفينة أدراجها؟» # قال الكابتن في هدوء: «إنها السفينة فولكان، وهي تنتمي إلى بلاك بولينج لاين، وقد ~~غادرت كوينزتاون بعد وقت قصير من مغادرتنا نيويورك. وقد وقع لها حادث. يعتقد أنها ~~اصطدمت بحطام سفينة ما جراء العاصفة الأخيرة. على أي حال، هناك ثقب في جسم السفينة، ~~ويعتمد نجاحها في التقدم نحو كوينزتاون، في جزء كبير منه، على الطقس حولنا وكذلك على ~~مدى صمود حواجزها. وسنكون إلى جوارها حتى نصل إلى كوينزتاون.» ~~«أتعتقد أنها تقل الكثير من الركاب على متنها؟» # أجاب الكابتن: «هناك سبعة وثلاثون في المقصورة، وأكثر من ثمانمائة من ركاب الدرجة ~~الثالثة.» ~~«لم لا تأخذهم على متن سفينتنا أيها الكابتن وتبعدهم عن الخطر؟» ~~«آه، يا سيدتي، لا داعي لأن نفعل ذلك. سيؤخرنا هذا، والوقت هو العامل الأهم في مثل ~~هذه الحالات. وبالإضافة إلى ذلك، سيتلقون إنذارا مبكرا إن كانت ستغرق، وسيكون لديهم ~~متسع من الوقت لإنزال الجميع في قوارب النجاة. كما أننا سنكون إلى جوارهم كما ~~تعرفين.» # قالت زوجة مساعد المدعي العام المتعاطفة معهم: «أوه، أولئك المساكين. فكر في موقفهم ~~المرعب. قد يغرقون في أي لحظة. أتصور أنهم الآن جاثون جميعا في مقصوراتهم. ولا بد ~~أنهم ممتنون كثيرا لرؤية السفينة أدامنت.» # كان التعاطف عميقا من جميع الأطراف مع الركاب أصحاب الحظ العسر على السفينة فولكان. ~~فقد شحبت الوجوه لمجرد تخيل الكارثة التي قد تحدث في أي لحظة على متن السفينة ~~الأخت. وكان ذلك درسا عمليا حقيقيا على الخطر المحدق دوما في البحر. وبينما كان ~~الركاب على سطح السفينة ينظرون باهتمام بالغ إلى السفينة الأخرى التي تندفع في البحر ~~بمحاذاتهم وعلى بعد ميل منهم، انسل الكابتن بعيدا عنهم وذهب إلى غرفته. وبينما كان ~~جالسا هناك سمع طرقا على بابه. # صاح الكابتن: «ادخل.» # دخل الرجل الإنجليزي الصموت في هدوء. # وسأله قائلا: «ما الخطب أيها الكابتن؟» ~~«أوه، السفينة فولكان بها ثقب كبير وقد بعثت إشارة ...» ~~«أجل، أعرف ms123 ذلك بالطبع، لكن ما الخطب بنا؟» # ردد الكابتن كلمته مشدوها: «بنا؟» ~~«أجل، ما الخطب في سفينتنا أدامنت؟ ما الذي حدث في اليومين أو الثلاثة المنصرمة؟ أنا لا ~~أتحدث كثيرا، ولست بخائف أكثر منك، لكنني أريد أن أعرف.» # قال الكابتن: «بكل تأكيد، من فضلك أغلق الباب يا سيد جون.» ~~••• # في تلك الأثناء كان هناك صخب ونشاط بالغ على متن السفينة فولكان. وفي الصالة الكبيرة ~~كان الكابتن فلينت يقف واضعا يديه على الطاولة. # صاح آدام كيه فينسنت، عضو الكونجرس، قائلا: «والآن ما معنى هذا كله بحق ~~السماء؟» # كان هناك حشد من النساء الخائفات يقفن في الأرجاء، وكان الكثير من الركاب على شفا ~~الإصابة بنوبة هستيرية. وكان الأطفال بوجوههم الشاحبة يتعلقون في ملابس أمهاتهم من شدة ~~الخوف، ولا يعرفون مم يخافون. واحتشد الرجال وقد بدا القلق على وجوههم، وفي مواجهتهم ~~جميعا وقف كابتن السفينة العجوز الصريح الحازم. ~~«معنى ماذا يا سيدي؟» ~~«أنت تعرف جيدا. ما معنى استدارتنا؟» ~~«معناه يا سيدي أن السفينة أدامنت بها خمسة وثمانون من ركاب الدرجة الأولى وما يقرب ~~من خمسمائة من ركاب الدرجتين الثانية والثالثة، وجميعهم يواجهون خطرا كبيرا. لقد ~~اشتعلت النيران في القطن الموجود في مخزن السفينة، وهم يكافحون النار ليل نهار. وقد يندلع ~~حريق هائل في أي لحظة. وهذا يعني يا سيدي أن السفينة فولكان ستقف إلى جوار السفينة ~~أدامنت وتساعدها.» # علا نحيب النساء الخائفات بسبب المصير المرعب الذي قد ينتظر الكثير من البشر ~~الموجودين على مقربة منهم، فاحتضنوا أطفالهم أكثر وشكروا الرب أن مثل هذا الخطر لا ~~يتهددهم ومن يحبون. # صاح عضو الكونجرس: «تبا يا سيدي. أتعني أن تخبرنا أنك ستعود بنا عكس رغبتنا إلى ~~كوينزتاون، من دون حتى أن تستشيرنا؟» ~~«هذا هو ما أقصد قوله يا سيدي.» ~~«حسنا، أقسم أن هذه إساءة لنا، ولن أسكت عليها يا سيدي. لا بد أن أكون في نيويورك ~~بحلول السابع والعشرين من الشهر الحالي. لن أسكت على ذلك يا سيدي.» ~~«أنا في غاية الأسف يا سيدي إن كان هناك ms124 من سيتأخر على مواعيده .» ~~«يتأخر؟ تبا لذلك، لم لا تأخذ الآخرين على متن سفينتنا وتذهب بهم إلى نيويورك؟ ~~إنني أحتج على هذا. سأرفع دعوى قضائية ضد الشركة يا سيدي.» # قال الكابتن بنبرة حازمة: «أيها السيد فينسنت، اسمح لي أن أذكرك أنني قبطان هذه ~~السفينة. طاب مساؤك يا سيدي.» # غادر عضو الكونجرس الصالة الكبيرة وهو يستشيط غضبا ويتلفظ بالتهديد والوعيد باتخاذ ~~الإجراءات القانونية ضد الشركة وضد الكابتن بصفة شخصية، لكن وافق معظم الركاب على أن ~~التخلي عن السفينة أدامنت وتركها وحدها وسط المحيط في مثل تلك الظروف المريعة سيكون ~~عملا غير إنساني. # سألت زوجة الجنرال ويلر: «لم لم يعودوا أدراجهم أيها الكابتن فلينت؟» ~~«لأن لكل لحظة قيمتها في مثل تلك الحالة يا سيدتي، ونحن أقرب إلى كوينزتاون منا إلى ~~نيويورك.» # وهكذا راحت السفينتان تشقان طريقهما نحو الشرق في قلق وجنبا إلى جنب، فكانتا دوما ~~على مرمى البصر من بعضهما أثناء النهار، وكانت أضواء المصابيح في كل منهما ظاهرة ~~للأرواح المتعاطفة في السفينة الأخرى أثناء الليل. وفي إحداهما كان الرجال يصبون الماء ~~في المخزن، وفي الأخرى كانت المضخات تدفع بالماء خارج المخزن، حتى وصلوا إلى ~~كوينزتاون. ~~••• # وعلى متن سفينة الخدمات التي أخذت الركاب إلى الشاطئ في كوينزتاون من كلتا السفينتين، ~~التقت سيدتان مذهولتان. ~~«يا إلهي! زوجة الجنرال ويلر؟! هل كنت على متن السفينة فولكان المشئومة!» ~~«بحق الرب! زوجة المساعد بروانريج! أهذا أنت فعلا؟ يا للمفاجأة! هل قلت مشئومة؟ ~~أعتقد أنك كنت محظوظة جدا. ألم تكوني خائفة حد الموت؟» ~~«أجل، لكن لم تكن لدي أدنى فكرة عن وجود أحد أعرفه على متن السفينة.» ~~«لقد كنت على متن السفينة بنفسك. كان هذا كافيا لأموت رعبا.» ~~«على متن السفينة بنفسي؟ ماذا تقصدين؟ لم أكن على متن السفينة فولكان. هل غفت عيناك قط ~~بعد أن عرفت أنكم قد تغرقون في أي لحظة؟» ~~«يا إلهي، يا جين، عم تتحدثين؟ نغرق في أي لحظة؟ أنتم من كنتم على وشك الغرق في أي ~~لحظة، أو الأسوأ من ذلك، ربما ms125 كنتم ستحترقون حتى الموت إن اشتدت حدة النيران. أتقصدين ~~أنك لم تكوني على علم بأن النيران كانت مضطرمة في السفينة أدامنت طوال الرحلة؟» ~~«السيدة ويلر! هناك خطأ فادح. قال الكابتن إن السفينة فولكان كانت في خطر كبير، وإن ~~كل شيء يعتمد على صمود حواجزها. كان هناك ثقب كبير يشبه باب الحظيرة في السفينة فولكان. ~~وكانت المضخات تعمل ليل نهار.» # نظرت زوجة الجنرال إلى زوجة المساعد بينما بدأت كل منهما تدرك حقيقة الموقف. # قالت: «لم تكن تلك إذن هي المحركات، بل كانت المضخات.» # صاحت زوجة المساعد: «ولم يكن ذلك دخان المحرك، بل كان دخان النيران. أوه، يا له من ~~قبطان كاذب، كنت أعتقد أنه رجل لطيف أيضا. أوه، أكاد أصاب بنوبة هستيرية، أكاد أصاب بها ~~حقا.» # قالت زوجة الجنرال المتعقلة بما كانت تتحلى به من سعة الأفق: «لم أكن لأفعل لو كنت ~~مكانك. كما أن الأوان قد فات كثيرا على ذلك. نحن جميعا بمأمن الآن. أعتقد أن كلا ~~القبطانين كانا حصيفين للغاية وتعاملا مع الموقف بعقلانية شديدة. ولا شك أن كليهما ~~متزوج.» # وكان هذا صحيحا تماما. # | رحيل الفتى ماكلين # لن يصدقني أحد بالطبع حين أقول إن ميليش كان مواطنا مثاليا ورجلا طيب القلب؛ ~~وذلك على كل الأصعدة باستثناء صعيد واحد. كان الرجل سخيا حد الإسراف، وكم من رفيق ~~شاب أعطاه ميليش مبلغا كي يبدأ به حياته حين يكون في حاجة إلى بعض المال أو بعض الكلمات ~~المشجعة. وكان يعاقر الشراب بالطبع، لكنه كان خبيرا فيما يتعلق بأمور الشراب، ~~والخبراء لا يسرفون أبدا في تناول الشراب. وقليل هم من يمكنهم أن يقصوا قصة ~~ظريفة بطريقة شيقة كما يفعل ميليش، وكان نادرا ما يقع في المآزق. وأي رجل يتحف ~~أصدقاءه بقصة قديمة، ويقول لأحد معارفه إنها حدثت، ويدعي أنها حدثت في اليوم السابق؛ لا ~~يمكن لمثله أن يكون سيئا بكليته. # وإذا أردت أن أكتب مقالا يفطر القلب عن مساوئ القمار والمقامرة، فإن ميليش هو الرجل ~~الذي سأذهب إليه من أجل الحصول على الحقائق ms126 وعلى الدرس الأخلاقي لقصتي . لقد قضى الرجل ~~حياته في إقناع أصدقائه بألا يقامروا. وحسبما قال، فإنه لم يقامر هو نفسه قط. لكن ~~إذا لم يكن أحد يولي اهتماما إلى نصيحته، فلم إذن كان يزود المقامرين بأندية القمار ~~الأكثر عزلة وفخامة في المدينة؟ كان من المفترض أن ميليش يقف في صف الشرطة، وهو ما كان ~~بالطبع محض كذب وافتراء. فكرة أن حماة المدينة يقفون في صف مقامر أو ناد للقمار! إن ~~هذه الجملة عبثية وسخيفة في ظاهرها. وإذا سألت أي شرطي في المدينة عن مكان نادي ميليش ~~للقمار، فسرعان ما ستدرك أن أحدا منهم لم يسمع حتى باسم هذا المكان من قبل. وهذا كله ~~الغرض منه هو توضيح كيف أن الناس سيتحدثون دائما بكلام شائن، وإذا كان نادي ميليش ~~للقمار بعيدا عن مداهمات الشرطة، فهذا لحسن حظ ميليش ليس إلا. وعلى أي حال، في نادي ~~ميليش للقمار، يمكنك أن تلعب القمار في هدوء وعلى مستوى رفيع وعلى رهانات كبيرة بقدر ما ~~يمكنك، وأنت واثق تماما أن أحدا لن يحدث جلبة حول الأمر وأن اسمك لن يظهر في الصحف ~~صباح اليوم التالي. # ذات ليلة بينما كان ميليش يجول بنظره في الغرفة الرئيسية الممتلئة عن آخرها لاحظ فتى ~~غريبا يجلس إلى طاولة الروليت. كان ميليش يتمتع بنظر حاد وثاقب فيما يتعلق ~~بالتعرف على الغرباء، وكان عادة ما يتمكن من معرفة شيء عنهم بأسلوب غير متطفل. ~~فالغرباء في أندية القمار يجلبون معهم إحساسا معينا بالخطر إلى رواد المكان. # همس ميليش إلى ساقي الحانة قائلا: «من ذلك الفتى؟» وكان ساقي الحانة هذا ملاكما ~~محترفا سابقا، ويعرف عموما باسم سوتي، وهو رجل من الخطر التعامل معه إذا وصل ~~الأمر إلى حد المشاكل والأزمات. وكان من النادر أن تحدث مشكلة أو أزمة في ذلك المكان، لكن ~~سوتي كان إلى حد ما هو الرمز الصامت للقوة الجسدية، فكان ظهيرا لمعايير ميليش ~~الأخلاقية الدمثة المعروفة. # أجابه سوتي: «لا أعرفه.» ~~«مع من دخل إلى هنا؟» ~~«لم أره وهو يدخل. لم ms127 ألحظه حتى الآن.» # نظر ميليش إلى الفتى بضع لحظات. كان للفتى وجه نضر صحي رقيق، وكأنه وجه صبي ريفي، ~~وخلافا للعادة بدا أنه غير متكيف مع المكان في ظل الأجواء الساخنة في تلك الغرفة، تحت ~~وهج المصابيح الغازية. تنهد ميليش وهو ينظر إليه، ثم التفت إلى سوتي وقال: ~~«أبعده عن هنا في هدوء واذهب به إلى حجرة البوكر الصغيرة. أريد أن أتحدث إليه ~~قليلا.» # أما سوتي، الذي كان يشعر بازدراء كبير لمشاعر رب عمله الإنسانية، فلم ينبس ببنت شفة ~~لكن كانت هناك نظرة ازدراء تعتلي ملامحه المتوردة بينما كان ذاهبا لتأدية مهمته. ولو ~~كان الأمر بيده، لما أفلت أحدا من الشباك مهما كان. لقد عرف أن ميليش حاول كثيرا ~~إقناع بعض الشباب الصغار بمغادرة المكان والعودة إلى منازلهم، وذلك بإعطائهم الكثير من ~~المال، كما أعطى الأوامر على الأبواب المزدوجة للمكان بعدم إدخالهم مرة أخرى. # نهض الفتى من مكانه وقد بدا على وجهه شيء من الخوف وتبع سوتي. حدث ذلك في هدوء، ~~وكان كل من حولهم منهمكين في اللعب حتى إنهم لم يولوا الأمر اهتماما كثيرا. # قال ميليش حين كانوا وحدهم: «اسمع يا فتى، من جاء بك إلى هذا المكان؟» # قال الفتى وقد بدت على وجهه أمارات الامتعاض: «أعتقد أنني في سن تسمح لي أن أذهب إلى ~~أي مكان أريده من دون أن يصحبني أحد.» # قال ميليش في دبلوماسية وهو يعرف أن الكثير من الفتيان لا يحبون أن يتهموا بأنهم ~~حديثو السن: «أوه، بكل تأكيد، بكل تأكيد. لكنني أحب أن أعرف كل زوار هذا المكان. ولا ~~يمكنك أن تدخل إلى هنا إلا إذا كنت مع شخص معروف لدى حارس الباب. من يضمنك هنا؟» # قال الفتى في غضب: «اسمع أيها السيد ميليش، ما الذي ترمي إليه؟ إذا كان حراس بابك لا ~~يعرفون كيف يؤدون أعمالهم، فلم لا تذهب وتتحدث إليهم بهذا الشأن؟ هل ستأمر بطردي خارج ~~المكان؟» # قال ميليش محاولا تلطيف الأجواء، وهو يضع يده بطريقة أبوية على كتف الفتى: «لا شيء ms128 ~~من هذا القبيل. لا تخطئ فهم مقصدي. حقيقة وجودك هنا تثبت أن لديك كل الحق لتكون هنا. لن ~~نتحدث في هذه النقطة أكثر من هذا. لكن خذ نصيحتي وأقلع عن المقامرة هنا والآن. كنت ~~أقامر من قبل أن تولد أنت، لكنني لم أعد أقامر الآن. خذ بنصيحة رجل خبير بالأمور. لا ~~طائل من ذلك ولا جدوى ترتجى.» ~~«يبدو أن الأمر حقق جدواه تماما معك.» ~~«أوه، أنا لا أنفي ذلك. إن للقمار مميزاته وعيوبه كأي عمل آخر. ومع ذلك، فإن الأمر ~~لم يحقق جدواه كثيرا كما يهيأ لك، ويمكنك أن تثق في كلامي حين أقول لك إن الأمر لن ~~يجديك نفعا إطلاقا على المدى الطويل. كم معك من مال؟» # قال الفتى في فظاظة: «ما يكفي لأسدد إن خسرت.» ثم أضاف في نبرة أكثر تهذيبا حين رأى ~~نظرة الألم التي ارتسمت في مرور عابر على وجه ميليش: ~~«معي ثلاثمائة أو أربعمائة دولار.» ~~«إذن، خذ نصيحتي وعد إلى منزلك. ستكون في حال أفضل إن ظل المال معك في ~~الصباح.» ~~«ماذا! ألا تلعبون هنا بإنصاف؟» # رد ميليش في سخط قائلا: «بالطبع نلعب بإنصاف هنا، أتظن أنني أتبع سبل ~~الغش؟» ~~«بل إنك تبدو واثقا تماما من خسارتي، فكنت أتساءل ليس إلا. والآن، يمكنني أن أتحمل ~~خسارة كل ما لدي من مال ولا أشعر بالندم. فهل ستسمح لي بأن ألعب، أو أنك ستأمر بإخراجي من ~~هنا؟» ~~«أوه، يمكنك أن تعلب إذا أردت. لكن لا تأت إلي شاكيا باكيا حين تخسر. لقد ~~حذرتك.» # قال الفتى: «لست بشكاء بكاء. إنما أتجرع هزيمتي كالرجال.» # قال ميليش متنهدا: «صحيح.» وقد أدرك أن الفتى ربما واقع في الرذيلة أكثر مما يبدو ~~عليه لحداثة سنه، وكان يعلم أنه لا جدوى من النصيحة في مثل هذه الحالة. دخل ميليش ~~والفتى إلى الغرفة الرئيسية معا، فترك الفتى طاولة الروليت وبدأ يلعب عند إحدى طاولات ورق ~~اللعب برهانات آخذة في التزايد. وظل ميليش يتابعه بعض الوقت. وكان الصبي يتمتع بحظ ~~المبتدئين. فقد لعب لعبا متهورا، ms129 لكنه فاز بسرعة كبيرة . وبينما كان أحدهم يكتفي من ~~اللعب وينهض من مكانه، كان يجلس آخر مكانه في حماس بالغ، لكن انتصارات الفتى لم تعرف فترة ~~توقف أو استراحة. # كان بوني رويل دائما ما يصل متأخرا إلى أندية القمار. وفي تلك الليلة دخل المكان ~~بأسلوبه الهادئ الرفيع المعهود، وكان يرتدي ملابس نزيهة. وكان من المعروف عن هذا المقامر ~~المحترف أنه لا يفقد رباطة جأشه أبدا. وكان يصير أكثر هدوءا عن ذي قبل حين يغضب، هذا لو ~~أمكن لأحد أن يغضبه. وكانت الإشارة الوحيدة على غضبه الداخلي هي علامة تشبه جرحا قديما، ~~تمتد من صدغه الأيمن، حيث تبدأ من فوق العين وتختفي بين شعره القصير خلف أذنه. وعندما ~~كانت الأمور تئول إلى ما لا يرضيه، تتحول تلك العلامة إلى اللون الأحمر من الغضب، فتبرز ~~من شحوب وجهه العام. وتحدث رويل بصوت خفيض إلى ميليش قائلا: ~~«ما الشيء المثير عند الطرف الآخر من الغرفة؟ يبدو أن الجميع يحتشدون هناك.» # فأجابه ميليش: «أوه، إنه فتى ... غريب ... وهو يتمتع بحظ المبتدئين الوافر. وسيكون ~~دماره في هذا الأمر.» ~~«أيقامر على مبالغ كبيرة؟» ~~«كبيرة؟ يمكنني القول بأنها كبيرة. إنه يلعب بطريقة متهورة تماما. ولكن ستأخذ ~~الأمور معه منعطفا عنيفا وسيأتي إلي ليقترض المال كي يرحل عن المدينة. لقد رأيت ~~تذبذب حال كهذا من قبل.» # قال بوني في هدوء: «في تلك الحالة، لا بد أن أذهب إليه. أحب أن ألاعب الشباب في أولى ~~فورات النجاح والمكسب لهم، لا سيما إذا كانوا شبابا مندفعين ومتهورين.» # أجابه ميليش: «ستحظى بفرصتك سريعا؛ فحتى راجستوك يعرف متى يكون قد نال كفايته. وسيهب ~~واقفا في غضون دقيقة. أنا أعرف أمارات ذلك.» # وبمظهر رجل نبيل يتمتع بوقت فراغ كبير ويبدو عليه أنه سئم نوعا ما من تفاهات هذا ~~العالم، سار رويل في بطء باتجاه الحشد المجتمع. وبينما كان ينظر من خلفهم إلى الفتى، ~~لمعت عيناه الثاقبتان بطريقة غريبة، وضغط على شفتيه، رغم أنه في الغالب يسيطر عليهما ~~سيطرة تامة. بدأت العلامة الحمراء تبرز ms130 بينما شحب وجهه. وكان من الواضح تماما أنه لا ~~ينوي أن يتحدث وأنه كان على وشك أن يبتعد مجددا، لكن يبدو أن جاذبية نظرته ~~الثاقبة قد أزعجت اللاعب الذي رفع بصره فجأة ونظر من فوق كتف خصمه فالتقت عيناه بنظرة ~~رويل العابسة. # فعل الفتى ثلاثة أشياء. وضع ورق اللعب على الطاولة ووجهه للأسفل، ووضع يده اليمنى على ~~كومة المال، وحرك كرسيه إلى الوراء. # صاح راجستوك: «ماذا تعني بفعل ذلك؟» # تجاهل الفتى سؤاله، وكان لا يزال يثبت عينيه على رويل. # وسأله: «هل تحتج؟» # قال بوني: «أحتج.» مهما كان معنى السؤال وإجابته. ثم صاح رويل، رافعا صوته قليلا حتى ~~يستطيع الجميع سماعه: ~~«هذا الرجل هو الفتى ماكلين، وهو أشهر غشاش محترف ولص وقاتل في الغرب. ولا يمكنه اللعب ~~بإنصاف، حتى لو حاول ذلك.» # ضحك ماكلين. وقال: «أجل، وإن أردتم أن تشاهدوا علامتي المسجلة، فانظروا إلى وجه ~~جريجز.» # نظر الجميع إلى بوني، وقد علموا للمرة الأولى أنه كان يعيش باسم آخر لفترة من ~~حياته. # وأثناء ما حدث من إلهاء مؤقت، أخذ ماكلين كل المال الموجود على الطاولة ووضعه في ~~جيوبه. # صاح راجستوك، وقد بدا عليه أنه لم يفهم الموقف بعد: «انتظر، أنت لم تفز هذه المرة ~~بعد.» # ضحك ماكلين مرة أخرى. ~~«كنت سأحرز النتيجة نفسها في غضون عشر دقائق.» # ثم هب واقفا، وقد تناثر الحشد من خلفه. # صاح بوني: «أغلقوا الأبواب. لا تدعوا هذا الرجل يخرج.» # واجه ماكلين الحائط بظهره. ومن تحت معطفه سحب مسدسين دوارين وأمسك بكل منهما ~~في يد. # وقال: «ينبغي أن تكون قد عرفتني أفضل من ذلك يا جريجز. أتريد مني أن أطلق النار عليك ~~مرة أخرى؟ لن يخيب تصويبي هذه المرة. ألق بهذا.» # وقد أعطى أمره الأخير هذا بصوت رنان جذب انتباه الجميع نحو سوتي. كان قد أمسك ~~بمسدس دوار من مكان ما خلف المشرب، وخرج به في يده. بدت عينا ماكلين وكأنهما تلتقطان ~~كل حركة تحدث في أرجاء الغرفة، وسرعان ما وجه أحد مسدسيه إلى ساقي الحانة بينما ms131 كان ~~يصدر أمره. # قال ميليش: «ألق به. لا مجال لإطلاق النار هنا على الإطلاق. يمكنك الذهاب في هدوء. لن ~~يعترضك أحد.» # قال ماكلين ضاحكا: «من الأفضل لك بكل تأكيد ألا يفعلوا ذلك.» # وأضاف ميليش: «أيها السادة، سيتحمل المكان الخسارة. إنني وإن سمحت لمحتال أن يدخل إلى ~~هنا فمن الصائب تماما أن أتحمل أنا وحدي عاقبة ذلك. والآن أبعد مسدسيك ~~وارحل.» # زمجر ماكلين قائلا: «يا لك من عجوز طيب يا ميليش. ينبغي لك أن تدير مدرسة ~~دينية.» # وعلى الرغم من حصول ماكلين على الإذن بالانصراف ومغادرة المكان، فإنه لم يخفف من ~~احتياطاته ولو للحظة واحدة. فراح يكشط الجدار بكتفه وهو يتحرك شيئا فشيئا نحو الباب. ~~وظل موجها المسدس في يده اليسرى نحو بوني، في حين كان المسدس اللامع في يمينه يجول ~~باستمرار في كل أرجاء الحجرة، مما أثار الذعر في نفوس الكثير من الأشخاص المحترمين الذين ~~راحوا يرتعدون وهم في مرمى مسدسه. وعندما وصل ماكلين إلى الباب قال موجها حديثه ~~إلى بوني: ~~«آمل أنك ستعذرني يا جريجز، لكن هذه فرصة سانحة للغاية ولا يمكنني أن أفوتها. سأقتلك ~~وأنت واقف في مكانك.» # قال بوني وهو يضع يده خلف ظهره ولا يزال واقفا في مكانه فيما كان من حوله يحاولون ~~الابتعاد: «هذا هو حجمك الطبيعي. أنا لا أحمل سلاحا؛ ولذا سيكون قتلي آمنا تماما. ~~وستضمن ألا يقبض عليك سريعا.» ~~«اذهب تحت الطاولة إذن، وسأخلي سبيلك.» # عرض عليه بوني أن يتخذ السماء مسكنا مستقبليا له. # ضحك الفتى كثيرا مرة أخرى، ثم أنزل فوهة مسدسه. وبينما كان يرتدي قبعته الناعمة، ~~رأى ميليش - الذي كان الأقرب إليه - أن شعر صدغيه كان رماديا. ويبدو أن خطوط القلق قد ~~ارتسمت على وجهه الفتي بينما كان يكشط الجدار بكتفيه نحو الباب. # وصاح بهم وهو على الدرج: «طابت ليلتكم جميعا.» # | القاطرة العتيقة رقم ستة وثمانين # وقف جون ساجرت في زاوية مظلمة من المحطة، بعيدا عن أشعة المصابيح القوسية اللامعة، ~~وراح يرقب القاطرة رقم ستة وثمانين. كان السائق يزودها بالزيت، وفي ms132 العربة كان الوقاد ~~- وهو يفتح باب بيت النار ويضع الفحم فيه - يقف في مقابل الظلام خلفه وكأنه لوحة حمراء ~~رسمها رامبرانت. وبينما كان السائق يجول بحرص حول محرك القاطرة وعلبة الزيت في يده، مسح ~~جون ساجرت عينيه بكمه وشعر بغصة في حلقه. كان يعرف كل قطعة ومسمار في ذلك المحرك ~~العتيق العنيد؛ فهو أعتى الوحوش الحديدية وأكثرها مشاكسة على الطريق، ومع ذلك إذا جرى ~~التعامل معه بأسلوب صحيح، فإنه سيكون أحد أسرع الآلات وأقواها في الشركة؛ وذلك بصرف النظر ~~عن التحسينات الكثيرة التي أجريت على القاطرات منذ أن غادرت القاطرة رقم ستة وثمانين ~~مصنعها. # وبينما كان ساجرت يقف في مكانه هذا، راح يفكر في السنوات السبع التي قضاها على مدوسة ~~القاطرة العتيقة رقم ستة وثمانين، وفي الخدع الكثيرة التي لعبتها عليه أثناء تلك الفترة. ~~وكما يقول الشاعر، إذا أصبح السجين والسلاسل التي يكبل بها صديقين من خلال ارتباطهما ~~معا لفترة طويلة، فلك أن تتصور مقدار ما يكنه الرجل من مشاعر تجاه آلة يفهمها تماما ~~ويحبها، آلة هي رفيقه اليومي طوال سنوات، في حالات الخطر وفي غيرها. لقد مر جون مع هذه ~~القاطرة بالكثير من المواقف العصيبة معا، ويبدو في هذه اللحظة أن الرجل قد نسي أن الكثير ~~من تلك المواقف كان سببها مشاكسة القاطرة نفسها، وتذكر فقط أنها كانت تقوم بما عليها ~~بكل شجاعة في مرات عديدة حين يكون الموقف بالغ الخطورة. # دوت الصيحة «ليصعد الجميع على متن القطار» في أرجاء المحطة وكان مصدرها سقف المحطة ~~المقوس المرتفع، فتنهد جون وانسحب من أفكاره حول القاطرة وذهب ليأخذ مقعده في العربة. ~~كان القطار طويلا وبه عربات نوم كثيرة في نهايته. كان السائق قد وضع من يده علبة الزيت، ~~واتخذ موضعه في القاطرة، ووقف مستعدا ليبدأ رحلته الطويلة في اللحظة التي سيحصل فيها ~~على إشارة ذلك. # صعد جون ساجرت إلى عربة التدخين في الجزء الأمامي من القطار. ووجد مكانا في أحد ~~المقاعد الأمامية، فغاص فيه وقد انتابه إحساس غامض بعدم الارتياح لكونه ms133 داخل القطار وليس ~~على متن القاطرة. راح يحدق خارج النافذة ورأى الأضواء الكهربائية البراقة وهي تنساب ~~ببطء خلفه، ثم بسرعة أكبر، رأى الأضواء الحمراء والخضراء والبيضاء الخاصة بمصابيح ~~الإشارة، ثم في النهاية راحت نوافذ المدينة المضيئة تمر بسرعة كبيرة من جانبه، مما يدل ~~على أن المدينة لم تخلد إلى النوم بعد. وفي النهاية دلف القطار السريع إلى الريف، فوضع ~~ساجرت وجهه على زجاج النافذة البارد، وكان في ذلك غير قادر على أن ينفض عن نفسه إحساسه ~~بالمسئولية، رغم معرفته بوجود رجل آخر يتولى أمر دواسة الوقود. # وانتبه من لحظة استغراقه هذه على لمسة خفيفة على كتفه وطلب مقتضب يقول: «التذكرة من ~~فضلك.» # أخرج من جيبه تذكرة، والتفت ليعطيها إلى المحصل الذي كان يقف إلى جانبه ويحمل على ~~ذراعه مصباحا مطليا براقا من الزجاج البلوري. # صاح المحصل بمجرد أن رأى وجهه: «مرحبا يا جون، أهذا أنت؟ يا إلهي، لم تكن بحاجة إلى ~~تذكرة لتسافر معي يا رجل.» # قال ساجرت بنبرة حزينة: «لقد أعطوني إياها لتوصلني إلى المنزل، وربما لا تفيدني تلك ~~التذكرة. ولكنني لا أريد أن أسبب لك المشاكل.» # قال المحصل وهو يضع مصباحه على الأرض ويجلس بجوار السائق: «أوه، كنت لأخاطر بوضع نفسي ~~في المشاكل إن آلت الأمور إلى ذلك. لقد سمعت بما حدث لك اليوم. الأمر في غاية السوء. إن ~~ثمل رجل أثناء تأدية عمله - كما نعرف أنا وأنت أن هناك من يفعلون ذلك - فلم يكن الأمر ~~ليبدو بهذا السوء، أما ما حدث بأسوأ أبعاده فكان سوء تقدير وفهم ليس إلا، كما أنه لم يحدث ~~شيء حقا. والقاطرة رقم ستة وثمانين العتيقة تستطيع عادة تحمل الكثير والخروج بنفسها ~~من الخطر. أعتقد بأنك مررت بها بمواقف أسوأ من ذلك، ولم يتحدث أحد ولو بكلمة عن ~~الأمر.» # قال جون: «أجل، لقد مررنا بالكثير من المواقف السيئة معا، لكن لن يكون هناك المزيد من ~~ذلك. الأمر صعب كما تقول. لقد عملت لدى الشركة على مدى خمسة عشر عاما، وعملت سبع سنين ~~على ms134 القاطرة رقم ستة وثمانين العتيقة، والأمر في بدايته جلل. لكن أعتقد أنني ~~سأعتاده.» # قال المحصل وهو يخفض صوته ليأتمنه على ما سيقول: «اسمع يا جون. إن رئيس السكة الحديد ~~يسافر معنا الليلة؛ وعربته الخاصة هي العربة قبل الأخيرة على متن القطار. ما رأيك أن ~~تتحدث إليه؟ إذا كنت تخشى أن تفاتحه بالحديث، فسأحدثه بشأنك وسأخبره بجانبك أنت من ~~القصة.» # هز جون ساجرت رأسه. # وقال: «لن يجدي الأمر نفعا. لن يلغي ما فعله أحد مرءوسيه، ما لم يكن هناك ظلم بين ~~في الأمر. إنه المدير الجديد كما تعلم. ودائما ما تأتي المتاعب مع قدوم مدير جديد. إنه ~~يجري تغييرات جذرية. وأعتقد أنه يظن أنه سيخيف بقية السائقين بطرده واحدا من أقدم ~~السائقين على الخط.» # قال المحصل: «حسنا، نحن لا نكن له الكثير من التقدير فيما بيننا. أتعلم ماذا فعل ~~الليلة؟ لقد عين سائقا جديدا على القاطرة رقم ستة وثمانين. إنه سائق من أحد الخطوط ~~الفرعية ولا يعرف الطريق. أشك بأنه قد قاد قطارا على السكة الرئيسية من قبل. والآن، أنا ~~قلق بما يكفي على أي حال بشأن هذا القطار السريع وهذه الرحلة، فمؤشر الحرارة عند صفر ~~درجة مئوية، والسكة زلقة كالزجاج، وأود أن يكون هناك سائق يمكنني الاعتماد عليه.» # قال جون وهو متجهم الوجه: «من السيئ بما يكفي أن يكون السائق جاهلا بالطريق، لكن ~~الأسوأ من ذلك أن يكون جاهلا بالقاطرة رقم ستة وثمانين العتيقة. ستتحول القاطرة إلى وحش ~~كاسر لو عرفت بذلك.» # قال المحصل: «لا أعتقد أن هناك قاطرة غيرها يمكنها أن تجر هذا القطار وتصل إلى ~~وجهتها في الموعد المحدد.» # أقر ساجرت الذي لم يستطع أن يخفي حبه للقاطرة حتى وهو يلقي عليها باللوم: «لا! ~~إنها ستقوم بعملها على خير وجه فقط إذا لاطفتها.» # قال المحصل وهو ينهض من مكانه ويرفع مصباحه: «إذن، ربما لا بأس بهذا السائق، لكنني ~~سأشعر بأمان أكبر إذا تركت عربة التدخين وجلست في مقدمة القطار. آسف يا جون لأنني لا أستطيع ~~أن أعرض عليك ms135 مضجعا الليلة، لكن العربات كلها ممتلئة عن آخرها حتى مؤخرة القطار. ولا يوجد ~~حتى كرسي واحد فارغ في الجزء الأمامي من القطار.» # قال ساجرت: «أوه، لا يهم ذلك، لا أستطيع النوم على أي حال. إنني أفضل الجلوس هنا ~~والنظر عبر النافذة.» # قال المحصل: «حسنا، الرحلة طويلة. سأذهب الآن وأعرج عليك مرة أخرى في ~~الليل.» # أشعل ساجرت سيجاره وحدق في الظلام. كان يعرف كل بوصة من الطريق، كل الأجزاء العلوية ~~والسفلية من الطريق وكل تفاوتات الارتفاع والمناسيب. بل كانت معرفته بالطريق في الليل ~~الحالك أفضل بكثير منها في وضح النهار الساطع. وبين الحين والآخر كانت تمر أمام ناظريه ~~للحظة كتلة سوداء ضخمة لحظيرة ما أو مجموعة من الأشجار، فيقول ساجرت في نفسه: «عليه الآن ~~أن يغلق بوابة البخار بمقدار بوصة واحدة.» أو «ينبغي أن يفتح بوابة البخار الآن على ~~مصراعيها.» توقف القطار بضع مرات، لكنه رأى أنهم كانوا يهدرون الوقت. من الوارد جدا ~~أن القاطرة رقم ستة وثمانين كانت مستاءة. وبسبب تفكيره في القاطرة تحول ذهنه إلى ~~التفكير في مصيره هو. لا يوجد إنسان في هذا العالم مهم لدرجة أنه لا يمكن الاستغناء عنه، ~~ففي النهاية، في اللحظة التي يتنحى فيها، يكون هناك دوما إنسان آخر على استعداد لأن ~~يحل مكانه. كان الرجال الحصيفون في المدينة الذين استمعوا إلى دفاعه يعرفون تماما أن ~~القاطرة ما هي إلا مزيج من الحديد والصلب والنحاس، وأن عددا معينا من أرطال البخار ~~سيجعلها تسير عددا معينا من الأميال في عدد معين من الساعات، وقد ابتسموا إليه تعبيرا عن ~~عدم تصديقهم حين قال لهم إن لكل قاطرة نوبات غضبها، وأخبرهم بأنها في بعض الأحيان تكون ~~بحاجة إلى التدليل كأي امرأة أخرى. وحتى عندما يبذل الرجل قصارى جهده، فهناك بعض الأحيان ~~التي لا يسعه فيها أن يفعل شيئا ليهدئ من ثورتها؛ ومن ثم كان لا بد من وقوع مشاكل، ~~ولكن لكي يكون منصفا، فقد أضاف بأن القاطرة دائما ما كانت تندم على فعلتها في النهاية. ~~وبسبب هذه ms136 الملاحظة الأخيرة، تحولت ابتسامتهم إلى نوبة ضحك، مما أصابه بالحيرة ~~والارتباك. # تساءل عما تظنه الآن القاطرة رقم ستة وثمانين بشأن السائق الجديد. ليس الكثير، على ما ~~يبدو؛ ذلك أنها كانت تهدر الوقت، وهو أمر لا دخل لها به في هذا القطاع من الطريق. ومع ~~ذلك، ربما يكون خطأ السائق الجديد أنه لا يعرف متى يضغط عليها ليزيد سرعتها إلى أقصى درجة ~~ومتى يتمهل. كل هذه العوامل تدخل في مسألة الوقت. لكن كان من المرجح كثيرا أن ~~القاطرة رقم ستة وثمانين العتيقة كانت تتعجب كثيرا - مثلما فعل حصان جيلبين - مما يفعله ~~هذا الشخص الذي يمتطي صهوتها. تمتم جون في نفسه: «سيكون في مأزق، حين تدرك القاطرة ما ~~يحدث.» # أتى المحصل مرة أخرى وجلس إلى جوار السائق. لم يقل شيئا، لكنه جلس في مكانه وراح ~~يفرز التذاكر بينما راح ساجرت يحدق خارج النافذة. وفجأة، هب السائق واقفا وقد اتسعت ~~عيناه من الدهشة. كان القطار يتمايل من جانب إلى آخر وينطلق بسرعة هائلة. # رفع المحصل نظره إليه مبتسما. # وقال: «من الواضح أن القاطرة رقم ستة وثمانين ستعوض ما فاتنا من وقت.» # أجابه السائق: «لا بد أن تبطئ من سرعتها لعبور تقاطع جي آند إم.» ثم صاح بعد لحظة: ~~«يا إلهي! لقد انتقلنا إلى سكة جي آند إم بسبب تلك القفزة القوية.» # انتفض المحصل واقفا. كان يدرك خطورة هذا الأمر. فحتى أكثر القطارات سرعة ينبغي أن ~~يتوقف تماما قبل العبور إلى سكة حديدية أخرى. هذا هو القانون. ~~«ألا يعرف ذلك الأحمق في مقدمة القطار أن عليه التوقف عند التقاطع؟» # قال ساجرت: «ليست المشكلة في هذا. إنه يعرف ذلك تماما. فحتى عمال القطار يعرفون ذلك. ~~لقد جمحت القاطرة رقم ستة وثمانين. إنه لا يستطيع أن يكبح جماحها. أين ستمر بالقاطرة ~~رقم ستة الليلة؟» ~~«في بوينتسفيل.» # قال السائق: «إنها على مسافة ستة أميال فقط، وبناء على هذه السرعة سنكون معها على ~~السكة نفسها بعد خمس دقائق. إن القاطرة رقم ستة تتأخر دائما، ولن تكون على السكة ms137 ~~الجانبية. ينبغي أن أصل إلى مقصورة القيادة بالقاطرة رقم ستة وثمانين.» # وبسرعة تقدم ساجرت عبر عربة الأمتعة، وقفز على الفحم في عربة الوقود. ثم نظر على ~~السكة الحديدية ورأى الأضواء الأمامية للقاطرة رقم ستة وهي تومض من بعيد وكأنها نجم ~~خافت. وبالنظر إلى القاطرة، أدرك جون الموقف في الحال. كان السائق يلقي بحمولة جسمه كله ~~على مقبض الفرامل، وكان الخوف يبدو على وجهه وقطرات العرق تتصبب على جبينه، وكان ~~الوقاد يساعده. قفز ساجرت على أرضية القاطرة. # وصاح قائلا: «تنحيا جانبا.» وكان في صوته نبرة آمرة واثقة جعلت كلا الرجلين ~~يطيعانه في الحال. # أمسك ساجرت بمقبض الفرامل وبدلا من أن يحاول أن يغلق بوابة البخار فتحها على ~~مصراعيها. اهتزت القاطرة رقم ستة وثمانين وقفزت إلى الأمام. وغمغم جون من بين أسنانه ~~قائلا: «أيتها المشاكسة العتيقة!» ثم دفع المقبض فأعاده إلى مكانه، وقد انزلق المقبض في ~~ذلك بكل سهولة وكأن شيئا لم يكن يعوقه. أغلقت بوابة البخار، لكن أضواء بوينتسفيل ~~كانت تلمع بجوارهم وكانت السكة الجانبية الخالية على يسارهم، وكانوا ينطلقون الآن بسرعة ~~كبيرة على نفس السكة الفردية وأضواء القاطرة رقم ستة تزداد سطوعا أمامهم. # صاح السائق الآخر وقد بدا الخوف في صوته: «اعكس حركتها، اعكس حركتها!» # قال ساجرت: «لن أعكس شيئا. ستنزلق لعشرة أميال إذا ما فعلت. اقفز من القاطرة إذا كنت ~~خائفا.» # فقفز السائق الآتي من السكة الفرعية على الفور. # قال ساجرت إلى الوقاد: «انج بنفسك. سيقع تصادم حتما.» # قال الوقاد الذي كان يعرفه: «سأبقى بجانبك سيد ساجرت.» لكن يده كانت ترتعش. # كانت مكابح الهواء تحدث صريرا في عجلات القطار الطويل على السكة وارتجافة خوف عبر ~~الأشجار المحيطة، لكن السكة كانت زلقة بفعل الصقيع وكانت سرعة القطار لا تزال كبيرة. وفي ~~اللحظة المناسبة، عكس ساجرت اتجاه القاطرة فتطاير الشرر من ناقلات الحركة فيها، فبدت ~~وكأنها عجلة دوارة من الألعاب النارية. # صاح ساجرت قائلا: «على رسلك. القاطرة رقم ستة تتراجع، حمدا لله.» # وفي اللحظة التالية وقع التصادم. تهشم مصباحان من المصابيح ms138 الأمامية، وكذلك عربتان ~~من المقدمة، ووقف القطاران بمواجهة أحدهما الآخر، لكن لم تقع أي خسائر فادحة، باستثناء ~~الهرج البالغ الذي حدث جراء فزع الكثير من الركاب وذعرهم. # أما السائق الضخم للقاطرة رقم ستة، فقد قفز عنها وتقدم إلى الأمام، وهو يتلفظ بكل ~~أنواع السباب. ~~«بحق الجحيم، ماذا تعني بسيرك على السكة في موعدنا بهذا الشكل؟ أهذا أنت يا ساجرت؟ كنت ~~أظن أن هناك سائقا جديدا الليلة. لم أكن أتوقع ذلك منك.» ~~«لا بأس يا بيلي. لم يكن هذا خطأ السائق الجديد. لقد وقع في الخلف وأعتقد أن ساقه قد ~~كسرت بسبب الطريقة التي قفز بها من القطار. إن اللوم يقع على القاطرة رقم ستة وثمانين ~~العتيقة. لقد كانت في حالة هياج. واستغلت وجود سائق جديد لا يعرف كيف يشد ~~لجامها.» # أتى محصل التذاكر مسرعا. # وصاح قائلا: «كيف الحال؟» ~~«كل شيء على ما يرام. لقد كسرت القاطرة رقم ستة وثمانين أنفها، ونالت جزاءها، هذا ~~كل ما في الأمر. أخبر الركاب أنه ما من خطر هناك، واطلب منهم أن يصعدوا على متن ~~القطار. سنعود أدراجنا إلى بوينتسفيل. ومن الأفضل أن نرسل عمال المكابح ليأتوا بالسائق ~~الآخر. الأرض صلبة الليلة بفعل الصقيع، ومن المحتمل أنه قد أصيب.» # قال محصل التذاكر بنبرة حادة: «سأذهب لأتحدث إلى رئيس السكة. إنه في حالة ذهنية ~~تسمح له بأن يستمع إلى صوت العقل، كما استشففت من النظرة العابرة التي ألقيتها على ~~وجهه عند باب عربته قبل لحظات. إنه إن لم يعدك إلى وظيفتك مرة أخرى، فسأذهب لتحصيل ~~التذاكر في إحدى عربات النقل العام. أنه أمر يثير أعصابي كثيرا وفائق عن ~~الحد.» # وكانت مقابلة محصل التذاكر مع رئيس السكة مرضية على ما يبدو، ذلك أن القاطرة العتيقة ~~رقم ستة وثمانين تحاول أن تؤدي عملها على نحو أفضل تحت توجيهات جون ساجرت. # | اللعب بورق موسوم # قال ميليش في الصباح الباكر لأحد الأيام محدثا المقامر المحترف بوني رويل: «يزعجني ~~أمر ذلك الشاب اليافع.» ~~«لماذا؟» ~~«إنه يأتي إلى هنا الليلة تلو الأخرى، ms139 وأرى أنه يخسر من المال أكثر مما يمكنه أن ~~يتحمل. ولا دخل لديه - حسبما استطعت أن أجمع من معلومات عنه - إلا ما يتقاضاه كراتب ~~له، والأمر يتطلب راتبا أكبر بكثير مما يتقاضاه لكي يتمكن من تحمل وطأة الضغط المادي ~~الذي يضعه على نفسه.» ~~«وماذا يعمل؟» ~~«إنه صراف في بنك ناينث الوطني. ولا أعلم مقدار ما يتحصل عليه من المال، لكن لا يمكن ~~أن يكون كافيا ليسمح له بالمضي قدما على هذا النحو.» # هز بوني رويل كتفيه. ~~«إن كنت مكانك يا ميليش، فلا أعتقد أنني كنت سأدع أمره يزعجني.» ~~«لكنه يزعجني على أي حال. لقد نصحته بأن يتوقف عن المقامرة، لكن لا فائدة من ذلك. ~~وإذا أمرت حارس الباب ألا يدخله، فإن كل ما هنالك أنه سيذهب إلى مكان آخر لا يكون ~~صاحبه مدققا مثلي.» ~~«ينبغي أن أعترف بأنني لا أفهمك يا ميليش، وذلك بقدر معرفتي الطويلة بك. لو كنت مكانك ~~الآن، لهجرت أمرا من اثنين: إما امتلاك صالة قمار وإما الاتجاه نحو الإصلاح الأخلاقي. لم ~~أكن لأحاول امتطاء صهوة جوادين مختلفي الطباع في آن واحد.» # قال ميليش بنبرة توبيخ في صوته: «لم أحاول قط إصلاحك أخلاقيا يا بوني.» ~~«لا، أقر لك بالفضل في حصافة ما فعلت.» ~~«لا بأس مع أشخاص محنكين مثلي ومثلك يا بوني، لكن بالنسبة إلى شاب في مقتبل حياته، ~~فالأمر مختلف. والآن خطر لي أنك ربما تستطيع أن تساعدني في هذا الأمر.» # قال رويل وهو يدس يديه عميقا في جيبي بنطاله: «أجل، هذا هو ما اعتقدت أنك ترمي ~~إليه. تذكر أنني لست بمبشر. ماذا تريدني أن أفعل؟» ~~«أريدك أن تلقنه درسا قاسيا. ألا تستطيع أن تعلم مجموعة من الأوراق وتجعله ~~يقامر بمبالغ كبيرة؟ وبعدها، عندما تأخذ كل ما لديه من مال ويصبح مدينا بدين ثقيل، ~~ترد إليه ماله إذا قطع على نفسه عهدا بألا يعود إلى المقامرة مجددا.» # أشاح رويل بنظره نحو الشخص موضوع محادثتهما. وقال: «لا أظنه ماهرا للدرجة التي تجعلني ~~في حاجة إلى تمييز أوراق ms140 اللعب. سأكتسحه إذا ما أردت. لكن، لن يجدي الأمر نفعا يا ~~ميليش. انظر إلى عينيه. إن الولع بالمقامرة واضح فيهما. كنت أعتقد أنني إذا حصلت ~~يوما على مائة ألف دولار فسوف أتوقف عن المقامرة. والآن أنا ناضج بما يكفي لأعلم بأنني ~~لن أتوقف أبدا. سأظل أقامر حتى ولو كنت أملك مليون دولار.» ~~«لقد توقفت عن القمار بعد أن أصبحت في عمرك.» ~~«أوه، أجل يا ميليش، أنت الاستثناء الفاضل الذي يثبت القاعدة. لقد توقفت عن القمار بنفس ~~الطريقة التي تدير بها النساء المتقدمات في العمر إحدى الحانات.» ثم جال رويل بنظره في ~~الغرفة التي تعج بالرجال. # ابتسم ميليش ابتسامة متجهمة نوعا ما ثم أطلق تنهيدة وقال: «أتمنى لو أنني كنت ~~بعيدا عن هذا الأمر تماما. لكن، فكر فيما كنت أحدثك بشأنه على أي حال، وفيما إذا كنت ~~تستطيع أن تلقنه الدرس القاسي الذي أريد.» ~~«حسنا، سأفعل، لكنني سأفعل ذلك لكي أريح ضميرك المرهف يا ميليش، ليس إلا. وصدقني أن ~~الأمر لن يجدي نفعا. فحين تلدغ الأفعى لدغتها، يكون ضحيتها هالكا لا محالة. والقمار ليس ~~بشيء بسيط كإدمان الأفيون.» ~~••• # نهض صراف البنك ريجي فورم أخيرا من مقعده على طاولة الروليت. وكان يغمره إحساس ~~الفوز، ذلك أن المبلغ الذي أتى به قد زاد زيادة كبيرة الآن. وقد أطرى على نفسه بأن ذلك ~~الفوز كان نتيجة النهج الذي درسه جيدا. # ولا شيء يستدرج المرء أسرع إلى الهلاك من نهج يمكن إثباته رياضيا. فهذا النهج يضفي ~~على المقامرة طابعا مهنيا، وهو أمر مريح لضمير شخص نشأ على دراسة الإحصاء. ومثل هذا ~~النهج عادة ما يعمل على نحو جيد في البداية، ثم ينزلق أحد التروس فتجد نفسك عالقا في ~~الآلة قبل أن تعرف أين موضعك. ندما غادر فورم الشاب طاولة الروليت، شعر بيد على كتفه، ~~فالتفت ليجد بوني رويل ينظر إليه نظرة هادئة. # وعلق المقامر المحترف بنبرة هادئة قائلا: «أرى أنك حديث العهد بالأمر.» # فسأله الشاب: «لماذا تعتقد ذلك؟» وقد تغير لونه؛ ذلك أن المرء يحب ms141 أن ينظر إليه ~~الآخرون على أنه مخضرم، لا سيما حين يكون غير محترف. ~~«لأنك تهدر وقتك على طاولة الروليت. تلك لعبة للصبيان والنساء. هل لديك الشجاعة والثقة ~~الكافيتان لكي تخوض لعبة حقيقية؟» ~~«وما هي تلك اللعبة الحقيقية؟» ~~«لعبة ورق في حجرة خاصة على مبالغ أكبر من نصف دولار.» ~~«أكبر من كم؟» ~~«هذا حسب ما تملك من مال. كم تملك من المال؟» # تردد الصراف لحظة وأشاح بنظره بعيدا عن عين رويل الحازمة الهادئة، التي بدت ~~وكأن لديها عادة مزعجة وهي النظر في أعماق المرء وبواطنه. ~~«يمكنني أن أحضر ألف دولار مساء يوم السبت.» ~~«حسنا. سيكون هذا كافيا كبداية. أهذا موعد إذن؟» ~~«أجل، إذا أردت ذلك. في أي وقت إذن؟» ~~«إنني آتي في الغالب متأخرا، لكن يمكنني أن أقوم باستثناء من أجلك. ما رأيك في العاشرة ~~مساء؟» ~~«سيناسبني هذا.» ~~«حسنا، إذن. لا تبدد أموالك أو رباطة جأشك حتى آتيك. ستكون في حاجة إلى كليهما.» ~~••• # بدأ المقامر المحترف والشاب الهاوي سلسلة جولات من اللعب بعد بضع دقائق من تمام العاشرة ~~في حجرة خاصة صغيرة. وزاد شعور الشاب بالإثارة مع استمرار لعبهما معا. أما بالنسبة إلى ~~بوني، فقد كان هادئا في ظل أي ظروف. وقبل أن تنقضي ساعة على ذلك، تحول مبلغ الألف دولار ~~من ملكية فورم إلى جيب المقامر المحترف، وبحلول منتصف الليل كان الشاب يدين لرويل بألف ~~دولار أخرى. # قال رويل بنبرة هادئة: «ليس من عادتي أن ألعب مع رجل إلا إذا كنت أرى المال في حوزته. ~~وقد منحتك استثناء في ذلك؛ إذ لم يكن الحظ في صالحك الليلة، لكن أعتقد أن هذا يكفي. ~~يمكنك أن تحضر لي مبلغ الألف دولار الذي تدين لي به في أي يوم خلال الأسبوع القادم. لست ~~في عجلة من أمري، كما تعلم.» # بدا الشاب اليافع مذهولا. مسح بيده على جبهته وقال بنبرة آلية وكأنه استمع إلى تعليق ~~خصمه للتو: ~~«لست في عجلة من أمرك؟ حسنا. الأسبوع القادم. بكل تأكيد. أظن أنني سأذهب إلى المنزل ~~الآن.» # غادر ms142 فورم المكان، تاركا رويل جالسا إلى الطاولة الصغيرة يخلط الورق بفتور وعدم اكتراث. ~~وفي اللحظة التي اختفى الشاب فيها اختفى فتور رويل وتلاشى. هب رويل من مكانه وارتدى معطفه ~~ثم انسل من المخرج الخلفي إلى الشارع. كان قد تخيل ما سيقوم به فورم تماما. وقد ~~تتبعه ذهنيا من غرفة المقامرة إلى النهر، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك فتخيل أنه ~~سيسلك شوارع بعينها في طريقه إلى هناك. ولا يكون المقامر مقامرا إذا لم يكن يؤمن ~~بالخرافات؛ ولذا لم يفاجأ رويل على الإطلاق عندما رأى الشاب وهو يخرج من السلم المظلم، ~~ويقف مترددا للحظة بين الاتجاهين السانحين أمامه، وفي النهاية يختار الاتجاه الذي توقع ~~المقامر أنه سيسلكه. كانت الشوارع الباردة خالية من المارة؛ ومن ثم واجه رويل ~~صعوبة أكبر في تعقبه عما لو كان يتعقبه في وقت سابق من المساء. وظن الرجل لمرات ~~عديدة أن الشاب قد أدرك أن هناك من يتعقبه؛ ذلك أن فورم توقف ونظر حوله؛ بل إنه ~~في مرة من ذات المرات عاد أدراجه ليسلك شارعا آخر وكأنه يحاول أن يضلل الرجل الذي ~~يتعقبه. ~~••• # بدأ رويل يدرك صعوبة المهمة التي أوكلها إلى نفسه، ونظرا لأنه لم يكن يؤمن بها على ~~أي حال، بدأ يشعر بالانزعاج وبدأ يلعن رقة قلب ميليش. وإذا تبادر إلى ذهن الشاب أن ~~هناك من يتعقبه، فقد يفلح في الفرار من متعقبه وتضليله، وحينها سيجد رويل نفسه غبيا، ~~والأسوأ من ذلك كثيرا بالنسبة إليه أنه سيجد في حوزته ألف دولار فاز بها بأسلوب غير عادل. ~~وقد جعلته تلك الفكرة يلعن ميليش من جديد. كان اللعب بورق موسوم أمرا على غير رغبته ~~تماما، لكن ميليش كان قد أصر على ألا يخاطرا بأي شيء، وكان المقامر المخضرم يعلم ~~تماما احتمالات خوض لعبة عادلة حيث ينبغي إعطاء درس موضوعي. وكما قال ميليش، فإنهما كانا ~~سيظهران كما لو كانا مغفلين، إذا فاز فورم بالمال. وقد رد عليه رويل بأنهما مغفلان ~~على أي حال، لكنه في النهاية استسلم لرغبة ms143 ميليش، ذلك أن الأمر برمته كان من تدبير ~~ميليش من البداية. وفيما كان رويل يفكر في كل تلك الأشياء في مرارة وأسى، انصرف انتباهه ~~عن الأمر الذي يقوم به. فقليل هم من يستطيعون تتبع مسار معين من الأفكار وشخص بعينه في ~~آن واحد. أدرك رويل فجأة أن فورم الشاب قد هرب منه. وقف رويل وحيدا في الشارع الساكن ~~ذي الإضاءة الخافتة وراح يسب غباءه ويلعنه في صمت. ثم فجأة، صدح صوت رجل من أحد ~~المداخل المظلمة. ~~«لماذا تتعقبني بحق السماء؟» # قال بوني في هدوء: «أوه، هذا أنت، أليس كذلك؟» ~~«هذا أنا. والآن ماذا تريد مني؟ ألم تقنع بما فعلت الليلة؟» ~~«بالطبع لا، وإلا فما كنت ذلك الأحمق الذي يتعقبك في مثل هذه الساعة.» ~~«إذن أنت تقر بأنك كنت تتعقبني؟» ~~«لم أنكر ذلك قط.» ~~«ماذا تريد مني؟ هل أنا حر نفسي أم أنك تظن أنك تملكني؛ لأنني أدين لك ~~بالمال؟» # تشدق رويل بكلامه قائلا: «أنا واثق من أنني لا أعرف إجابة ذلك. ولكنني أشك بأن رجال ~~شرطة المدينة، الذين يندرون في مثل هذه الساعة، هم من سوف يريدونك أولا. ماذا أريد ~~منك؟ أريد أن أطرح عليك سؤالا. من أين حصلت على المال الذي لعبت به الليلة؟» ~~«هذا ليس من شأنك.» ~~«أعتقد أن لا شأن لي بذلك. ولكن، بما أنه لا يوجد شهود على هذه المحادثة المثيرة ~~للاهتمام، سأتجرأ وأقول بأنك سرقت البنك.» # تقدم الشاب خطوة إلى الأمام، لكن بوني ظل في مكانه وأشعل سيجارة أخرى. ~~«سأتجرأ أنا أيضا يا سيد رويل وأقول بأن المال دخل جيبي بكل إنصاف كما دخل إلى ~~جيبك.» ~~«ليست هذه هي الإجابة الكاملة. غير أنني لدي أفضلية عليك؛ لأن النقاط التسع في صالحي. ~~وأنا من أملك المال.» ~~«إذن لماذا تتعقبني؟ لكي تشي بي؟» ~~«إذن، أنت تعترف بالسرقة.» ~~«أنا لا أعترف بأي شيء.» ~~«لن يستخدم الأمر ضدك. وكما قلت لك، ليس هناك شهود. سيكون من الأفضل لك أن تصارحني. من ~~أين حصلت على المال؟» ~~«من حيث يحصل عليه ms144 الكثيرون. من البنك.» ~~«هذا ما كنت أعتقد. والآن يا فورم، أنت لست غبيا كما يبدو عليك من هيئتك، أو تصرفك. أنت ~~تعرف إلى أين سيؤدي بك هذا الأمر. ليس لديك أي فرصة. كل قواعد اللعبة تقف ضدك. وليس لديك ~~فرصة أكبر من تلك التي حصلت عليها الليلة. لم لا تعيد المال إلى البنك قبل فوات ~~الأوان؟» ~~«من السهل عليك أن تتحدث على هذا النحو ومالي في جيبك.» ~~«لكن هذه قاعدة أخرى من قواعد اللعبة. إن أموال اللص لا بد أن تذهب حتما إلى جيب ~~شخص آخر. وأيا كان من ينعم بالمال في النهاية، فإن اللص لا ينعم به أبدا. والآن، إذا ~~أصبح المال في حوزتك مرة أخرى، فماذا ستفعل؟» ~~«سأعود إلى نادي ميليش للقمار، وأجرب حظي مجددا.» # قال رويل بنبرة ود للمرة الأولى: «أصدقك.» أدرك رويل وجود تشابه بين روح ذلك الشاب ~~وروحه. ثم قال: «لكن سيكون من الغباء فعل هذا. أمامك خياران. يمكنك أن تصبح مقامرا مثلي ~~وتقضي حياتك في أندية القمار. أو يمكنك أن تصبح ما يطلق عليه رجل أعمال محترم. لكن لا ~~يمكنك أن تصبح الاثنين معا في آن واحد. وخلال وقت قصير للغاية، لن يكون الخياران ~~متاحين أمامك. سيكتشف أمرك وحينها لن يسعك سوى أن تكون مثلي، وربما لن تكون ناجحا ~~مثلي. وإذا أضفت سرقة البنك إلى إنجازاتك الأخرى، فسيكون مصيرك إذن إلى السجن، أو ربما ~~الأسوأ من ذلك، إلى كندا. والآن، أي النجدين تختار؟» ~~«فلنتحدث بصراحة ووضوح. إلام ترمي بكل حديثك هذا؟ إذا قلت إنني سأتوقف عن ~~المقامرة، فهل تعني أنك ستعيد إلي الألف دولار ولن تطالبني بالألف الأخرى؟» ~~«إذا أعطيتني كلمة شرف بأنك ستتوقف عن المقامرة.» ~~«وإذا لم أفعل، فماذا ستفعل إذن؟» ~~«إذن، سأذهب يوم الإثنين إلى البنك وأعطيهم المال وأبلغهم أن يبحثوا في حساباتك.» ~~«ولنفترض بأن حساباتي صحيحة، ماذا إذن؟» # هز رويل كتفيه. وقال: «لو حدث هذا الاحتمال، وهو احتمال بعيد، فسأعطيك الألف دولار ~~وسألعب معك عليها مرة أخرى.» ~~«فهمت. وهذا يعني أنك ms145 غششت الليلة.» ~~«صحيح، إذا كنت ترغب في تسمية الأمر هكذا.» ~~«وماذا إذا اتهمتك بأنك غشاش معترف على نفسه؟» ~~«لن يعنيني ذلك كثيرا. ولن أزعج نفسي حتى بمحاولة إنكار ذلك. لن يصدقك أحد.» ~~«أنت تتمتع بثقة نفس كبيرة يا بوني، وأنا معجب بوقاحتك. ولكن، هناك بعض الصفات السخيفة ~~التي تتحلى بها.» ~~«أوه، أتقصد محاولتي إصلاحك؟ لا تخطئ الظن في ذلك. إنها فكرة ميليش. أنا لا أومن بك قيد ~~أنملة.» # ضحك الشاب. وراح يفكر للحظات، ثم قال: «سأقبل عرضك. أعد إلي المال وسأعدك ألا ~~أقامر مرة أخرى بأي حال من الأحوال.» ~~«وهل ستعيد المال إلى البنك إذا أعدته إليك؟» ~~«بكل تأكيد. سيكون أول شيء أفعله صباح يوم الإثنين هو إعادة المال.» # قال رويل وهو يسلمه لفافة المال: «إذن، هاك مالك.» # أخذ فورم المال في حماسة ووقف تحت الضوء يعده، في حين نظر إليه رويل في صمت وقد ~~ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. # قال الشاب: «شكرا لك. أنت رجل صالح يا رويل.» ~~«أنا ممنون لرأيك هذا. آمل أنك وجدت المال مضبوطا؟» # قال فورم خجلا بعض الشيء: «مضبوط تماما. آمل أنك لم تمانع فعلي ذلك. إنما هي عادة ~~لدي بحكم عملي، كما تعلم.» ~~«إذن، ثابر في عملك يا سيد فورم. طابت ليلتك.» # سار رويل في نشاط وحيوية إلى منزل ميليش. وتوجه فورم نحو محطة السكة الحديد ووجد ~~قطارا متجها إلى شيكاغو في الرابعة صباحا. كان أمامه يوم واحد بطوله وجزء من اليوم ~~التالي قبل أن يلحظ أحد غيابه، وقد ضاع كل أثر له فيما بعد في تلك المدينة الكبيرة. وجد ~~البنك أن مبلغا من المال مفقود وقدره ستة آلاف دولار. وبعد مرور عامين، وصلت أخبار ~~تفيد بأن فورم أردي قتيلا بالرصاص في إحدى صالات القمار جنوبي تكساس. # قال رويل إلى ميليش: «نحن أحمقان من الدرجة الأولى، ومن جانبي لست فخورا بما حدث؛ ومن ~~ثم فلن نتحدث مرة أخرى عن هذا الشأن. كان هوس القمار يجري في دمائه. والقمار ليس ~~ذنبا أو رذيلة؛ إنما هو ms146 مرض يكمن فينا جميعا .» # | تودد الملاكم # فيما كان الملاكم الشمالي يجلس في كرسيه في الزاوية وهناك من يهوي عليه، قرر ~~أنه سينهي القتال في الجولة التالية. كانت مهارة خصمه الفائقة تكاد تغلبه، وعلى الرغم من ~~أنه كان شابا يتمتع بقوة كبيرة، فإن يقظة يوركشير تشيكن وبراعته حتى تلك اللحظة ~~أصابتاه بالحيرة، ومنعتاه من تنفيذ إحدى ضربات كتفه القوية. لكن، على الرغم من أن ~~المهارة تغلبت على القوة حتى هذه اللحظة، فإن تشيكن لم ينجح تماما في الدفاع عن نفسه، ~~وكان في حالة وصفه فيها الحشد الصارخ بأنه «مترنح». # وحين دق الجرس نهض الملاكم من مقعده بسرعة. لم يكن يرتسم على وجهه المظهر البغيض ~~الواضح على وجه خصمه، لكنه كان يعلم جيدا بحكم خبرته أن الضربات التي تلقاها على جسده ~~قد أثرت على وعيه وقدرته على التحمل، وأن تشيكن على الرغم من مظهره المروع بفعل ~~تورم شفتيه وخديه وعينيه شبه المغلقتين كان في حالة أفضل لاستكمال القتال من حالته هو ~~نفسه. # تقدم تشيكن نحو العلامة بسرعة أقل من غريمه الضخم، لكن سواء أكان هذا بسبب الوهن أم ~~عدم وضوح الرؤية لديه، فقد بدا متذبذبا في حركاته، فانقبضت قلوب مشجعيه حين رأوه يترنح ~~إلى مكانه بدلا من أن يسير إليه في اعتدال. # وقبل أن يستفيق ذهن تشيكن ويدرك الموقف إدراكا تاما، اندفع الملاكم إلى الأمام ~~وسدد إليه ضربة على صدغه كافية لأن تذهب بوعي رجل في حال أفضل من حال تشيكن. سقط ~~الرجل من يوكشير في مكانه وكأنه قطعة من الخشب بلا حراك. ثم علم الملاكم درسا دب ~~الرعب في نفسه. واكتسا الوجه الأرجواني للرجل الذي سقط على الأرض بالشحوب الشديد. لقد ~~توقع الملاكم أن يدافع تشيكن عن نفسه، كما أن الضربة الفظيعة كانت أشد مما كان يريد. ~~تهامس الجمهور فيما بينهم: «لقد قتله»، وسرعان ما تفرق الحشد الصامت في هدوء. في هذا ~~الموقف، كان كل شخص مسئولا عن نفسه قبل أن تأتي السلطات وتتدخل في الأمر. # وقف الملاكم يترنح يمنة ويسرة ms147 وكانت نظراته مثبتة على الرجل المتمدد. رأى نفسه ~~متهما بجريمة قتل وينتظر الإعدام نظير ذلك، فأقسم أنه لن يدخل الحلبة مرة أخرى إذا ما ~~تعافى تشيكن من هذا. كانت تلك هي إحدى مراحل الملاكمة التكسبية التي لم تكن لديه أي خبرة ~~بها على الإطلاق. صحيح أنه أردى بعض خصومه بالضربة القاضية في مواقف عدة، وقد أردي هو ~~نفسه بالضربة القاضية مرة أو مرتين، لكن تشيكن كان يقاتل ببسالة حتى الجولة الأخيرة لدرجة ~~جعلت الملاكم يضع في ضربته قوة أكبر من التي كان يعتزم أن يسددها إليه، والآن أصبحت ~~حياة الرجل معلقة بخيط واه في وضع خطر. # حمل الملاكم الفاقد الوعي إلى غرفة مجاورة. كان هناك طبيبان يعتنيان به، كانت ~~تقاريرهما متشائمة كثيرا في البداية، لكن مع بزوغ فجر اليوم التالي علم الملاكم أن ~~احتمالات النجاة كانت في صالح خصمه، فشعر بالارتياح. # وقد استحث البعض الملاكم على الهروب، لكنه كان رجلا عاقلا وحصيفا للغاية، وكان ~~يفهم تماما عدم جدوى هروبه. كان وجهه وهيئته مشهورين كثيرا في كل أرجاء البلاد. وربما ~~كان من المستحيل له أن يتمكن من الهرب، حتى لو حاول ذلك. # عندما استفاق يوركشير تشيكن، سخر أصدقاء الملاكم من قراره بالتوقف عن القتال، لكنهم ~~لم يستطيعوا أن يزعزعوا عزيمته. كان المال الذي ربحه في قتاله الأخير بالإضافة إلى المال ~~الذي جمعه من قبل - ذلك أنه كان مقتصدا - كافيا ليعول به نفسه لبقية حياته، وقد قرر ~~أن يعود إلى بلدة بوردر حيث مسقط رأسه، والتي لا شك أن سمعته قد سبقته إليها. # وضع الملاكم المال في حزام حول خصره، وأمسك بعصا قوية في يده وغادر لندن متوجها نحو ~~الشمال. كان الملاكم شابا فتيا، ولم يسمح لنفسه بأن ينغمس في الملذات، كما فعل ~~الكثير من الملاكمين المرتزقة من قبله وكما سيفعلون مجددا. كان الملاكم يكره أن يكون ~~محصورا في كرسي ضيق لعربة تجرها الخيول. وكان يحب هواء المرتفعات العليل وهدوء ~~الوديان وسكونها. # كان ذلك في أيام قطاع الطرق، ولم يكن السفر بالعربة ms148 التي تجرها الخيول آمنا إلى ~~حد كبير. ولم يكن الملاكم يخشى أحدا على وجه الأرض إذا واجهه في العراء وفي يده عصا أو ~~معه أسلحة الطبيعة، لكنه كان يخشى فوهة المسدس حين تكون موجهة إلى رأسه في الظلام ~~ويمسك بها رجل مقنع. ولذا فقد شد حزاما إلى خصره يحوي كل ما يملك من ذهب، وحمل ~~معه اسمه الذي كاد ينساه - وكان اسمه آيبل ترينشن - ثم وجه ظهره إلى الشمس ووجهه إلى ~~رياح الشمال، ثم سافر سيرا على الأقدام على طول الطريق الملكي السريع. وكان يتوقف أثناء ~~الليل في الحانات الموجودة على جانب الطريق ويتخذ منها مأوى له قبل أن تغرب الشمس ثم ~~يغادر في وضح النهار في صباح اليوم التالي. وكان يجادل بشأن حسابه في الحانة وكأنه رجل ~~لا يملك الكثير من المال، ولم يشك أحد أن ذلك المسافر القوي يحمل ثروة حول جسده. # وبينما كان وجهه متجها ناحية الشمال راح يفكر في بلدة بوردر التي قضى فيها طفولته. ~~كان والداه قد توفيا، وكان يشك الآن في أن أحدا يتذكره هناك أو أن أحدا سيكون ~~بانتظاره للترحيب به. ومع ذلك، لم تكن هناك على وجه الأرض بقعة أحب إليه من تلك البلدة، ~~وكان يعتزم دوما أن يعود إلى تلك البلدة الصغيرة الهادئة حين يستقر به الحال ~~ويتزوج. # رحب به الطقس على الأقل ترحيبا حارا. ففي اليوم الأخير من الرحلة عصفت الريح وهطلت ~~الأمطار، لكنه كان رجلا لا يكترث كثيرا بأمر العواصف، فحنى جسده في وجه العاصفة وراح ~~يتقدم في قوة وثبات. وكان المساء قد حل حين بدأ يتعرف على بعض الأشياء المألوفة ~~له والموجودة على جانب الطريق، وقد تفاجأ حين رأى أن التغيير الذي شهده المكان لم يكن ~~كبيرا بعد مرور كل تلك السنوات على غيابه. توقف الملاكم عند إحدى الحانات لتناول وجبة ~~العشاء، وبعد أن استعاد نشاطه، قرر أن يكسر القاعدة التي وضعها لنفسه طوال الرحلة. ~~قرر أنه سيستمر في مسيره أثناء الليل، وأنه سيبيت ليلته في قريته الأم. ms149 # أصبحت العاصفة أكثر قسوة بينما تقدم هو، ووجد نفسه يتعاطف مع تلك المخلوقات البائسة ~~التي كانت مجبرة على الوجود في الخارج في ظل تلك العاصفة، لكنه لم يكن يشعر بذلك تجاه ~~نفسه. # كانت الساعة قد قاربت على منتصف الليل حين رأى برج الكنيسة الراسخ وهو يقف معتما مقابل ~~السماء المظلمة، وعندما بدأ ينزل الوادي الذي كانت البلدة تقع على الجانب الآخر منه، ~~استحوذ عليه الخوف وسرت قشعريرة في جسده حيث تذكر ما كان قد نسيه لفترة طويلة، ~~وهو أن هذا الوادي مسكون، وأنه مكان خطر ولا سيما في مثل تلك الساعة المتأخرة من ~~الليل. ولكي يحول أفكاره عن هذا الأمر بدأ يفكر في المرأة التي سيتزوج بها. لا شك أنها ~~الآن نائمة في هدوء في القرية أعلى التل، ولا تعلم بقرب وصول حبيبها وزوجها. ولم يستطع أن ~~يخفي عن نفسه حقيقة أن من شأنه أن يتخذ لنفسه زوجة مناسبة كثيرا إذا عرف الناس بأمر ~~ثروته؛ ذلك أنه سيكون أثرى رجل في القرية على الأرجح، باستثناء الإقطاعي هناك. لكنه قرر ~~أن يكتم أمر ثروته هذه، حتى لا تنشغل الفتاة التي سيتزوجها بالسعة ورغد العيش اللذين ~~ينتظرانها. وراح يضحك بصوت مرتفع وهو يفكر في السعادة التي سيشعر بها وهو يخبر زوجته عن ~~حسن حظها، لكن توقفت تلك الضحكة فجأة حين رأى - أو خيل إليه أنه يرى - شيئا يتحرك ~~خلسة على طول السياج النباتي. # كان الملاكم الآن في أعماق الوادي وفي أكثر بقاعه وحشة ورهبة. كانت الأشجار العملاقة ~~على كلا الجانبين تشكل ما يشبه قوسا يغطي الطريق ويحميه جزئيا من المطر. # تسمر الملاكم في مكانه وتمسك بعصاه وصاح في شجاعة: «من هناك؟» # لم يكن هناك أي رد، لكن في الصمت الذي تبع ذلك ظن الملاكم أنه سمع صوت امرأة ~~تنشج. # فصاح قائلا: «اخرجي إلى الطريق، وإلا فسأطلق النار.» # كان خوفه من المسدسات كبيرا حتى إنه توقع أن الجميع سيشعرون بالرعب من التهديد ~~باستخدامها، لكنه لم يسبق له في حياته أن امتلك مسدسا أو ms150 حمله معه. # ومن قلب الظلام جاء صوت مرتعش يبكي قائلا: «أرجوك، أرجوك لا تطلق النار. سأفعل ما ~~تمليه علي.» وهنا تحرك الجسم نحو الطريق. # حدق إليه ترينشن وسط الظلام، لكنه لم يستطع أن يتبين ما إذا كان امرأة متقدمة في ~~السن أم امرأة شابة. لكن صوتها كان يدل على أنها شابة. # قال ترينشن بنبرة عطوفة: «أيتها الفتاة، ما الذي تفعلينه هنا في مثل هذه الساعة من ~~الليل؟» # فقالت وهي تبكي وتنشج: «واحسرتاه! لقد طردني أبي من المنزل، وقد فعل ذلك من قبل ~~كثيرا، لكن الليلة كان الأمر سيئا للغاية، ولم يكن هناك مكان أذهب إليه؛ ولذا أتيت إلى ~~هنا لكي أحتمي من المطر. سينام بعد قليل، ونومه ثقيل. ربما يمكنني التسلل عبر نافذة ما، ~~وإن كان في بعض الأحيان يوصد النوافذ.» # صاح ترينشن غاضبا: «يا إلهي! من عساه أن يكون هذا الأب المتوحش؟» # ترددت الفتاة ثم تحدثت وكأنها تبرر له فعله، لكن ترينشن سألها عن اسمه ~~مجددا. ~~«إنه حداد القرية، واسمه كاميرون.» # قال ترينشن: «إني أذكره. هل أمك متوفاة؟» # فأجابته الفتاة وهي تبكي مجددا: «أجل. لقد ماتت قبل خمس سنوات.» # قال ترينشن: «كنت أعرفها حين كنت صبيا. وكنت أعرف أباك أيضا، وأكن له الضغينة، ~~رغم أنني نسيت ما فعله بي. لكنني أشك أنني كنت مخطئا بحقه حين كنت صغيرا كما أخطأ هو ~~بحقي، رغم أنه كان قاسيا معنا جميعا، والآن يبدو أنه قاس في معاملته لك. اسمي ترينشن. ~~وأشك أن أحدا في القرية يتذكرني الآن، لكنهم ربما سمعوا بي من لندن.» قال تلك الجملة ~~في فخر وكان يأمل أن تؤكد الفتاة ظنه. لكنها هزت رأسها. # وقالت: «لم أسمع باسمك من قبل.» # تنهد ترينشن. كانت تلك إذن هي الشهرة! # قال ترينشن: «آه، حسنا. هذا ليس مهما؛ سوف يسمعون عني كثيرا فيما بعد. سأذهب معك ~~إلى منزل أبيك وسأطلب منه أن يدخلك ويعاملك معاملة حسنة.» # لكن الفتاة تقهقرت إلى الخلف وقالت باكية: «أوه، لا، لا! لن يجدي هذا نفعا. إن والدي ~~رجل ms151 قاس ومن الصعب أن تعارضه. ولا يوجد في القرية كلها من يجرؤ على مجادلته.» # قال ترينشن بنبرة واثقة: «ربما، لكنني لا أخشاه. هيا أيتها الفتاة، وانظري ما إذا كنت ~~أستطيع أن أتذكر منزل والدك بعد مرور كل تلك السنوات. هيا، يجب ألا تظلي هنا طويلا؛ ~~المطر يهطل مجددا، وعلى الرغم من كثافة تلك الأشجار، فإنها ليست سوى مأوى ضعيف. من الشائن ~~أن تهيمي على وجهك في تلك العاصفة، بينما يرقد والدك المتوحش محتميا في منزله. لا، ~~لا تخافي من والدك ولا مني؛ أما عنه فلن أعاقبه إلا إذا أردت أنت ذلك.» ثم سحب يد ~~الفتاة في يده وسار بها رغما عنها ومن دون توجيه منها، وسرعان ما أصبحا أمام منزل ~~الحداد. # فقال بنبرة المنتصر: «أترين؟! عرفت المكان، رغم أني لم أر القرية منذ سنوات ~~طوال.» # طرق ترينشن على الباب طرقا عاليا بعصاه الثقيلة، فراح صدى الطرقات يتردد في أرجاء ~~المنزل الساكن. انكمشت الفتاة خلفه من الخوف، وكانت ستهرب، لولا أنه أمسك بها من معصمها ~~بقبضة قوية. # وقال: «لا، لا. صدقيني لا داعي للخوف. سأحرص على ألا يمسك بسوء.» # وبينما كان يتحدث، فتحت النافذة فوقهما على مصراعيها، فانصب عليهما سيل من ~~السباب، وهنا حاولت الفتاة أن تخلص معصمها من قبضة الملاكم، إلا أن ترينشن كان يمسك ~~به برفق، لكن بقبضة كالحديد. # أطل الرجل العجوز الضخم برأسه من النافذة المفتوحة. # وصاح قائلا: «لعنة الرب عليكما! يا زوج الأغبياء، أنتما تريدان أن تتزوجا بشدة حتى ~~إنكما خرجتما في مثل هذه الليلة. حسنا، اغربا عني ودعاني لأنام. باسم قانون اسكتلندا، ~~أعلنكما الآن زوجا وزوجة. هاكما، من شأن هذا أن يربط غبيين مثلكما كلا منهما ~~بالآخر وكأن رئيس الأساقفة نفسه هو من نطق بهذه الكلمات. ضعا المال على الدرج. لا أحد ~~يستطيع أن يمس المال طالما أنه ملك لي.» وبهذه الكلمات أغلق النافذة. # قال ترينشن: «أهو مجنون أم مخمور؟» # بكت الفتاة وانتحبت وقالت: «لا! لا! إنه ليس بمجنون أو مخمور. إنما هو معتاد على ~~تزويج ms152 من يأتون من إنجلترا ويمرون بقرية بوردر حتى إنه لم يعرف أن ابنته هي من معك، ~~بل ظن أننا اثنان نرغب في الزواج، وقد زوجنا. أنا زوجتك.» # أطلق الرجل المذهول معصمها من قبضته، فوضعت هي يدها على وجهها وراحت تبكي. # صاح ترينشن: «متزوجان! نحن زوجان!» # نظر إلى الفتاة في اهتمام، لكنه لم يستطع أن يرى منها شيئا في هذا الظلام. وكان المطر ~~المنهمر يضرب عليهما بغير انقطاع. # ثم تردد وهو يقول: «هل من ... هل من عشيق آخر، حيث إنك تبكين؟» # هزت الفتاة رأسها وقالت: «لا أحد يقترب منا. إنهم يخشون والدي.» ~~«إذن، إذا كان هذا صحيحا، فلم تبكين؟ أنا لست برجل سيئ إلى هذا الحد.» ~~«أنا لا أبكي على نفسي، إنما أبكي عليك؛ لأنك وقعت في هذا الفخ بسبب طيبة قلبك. صدقني، ~~لم أكن أقصد أن يحدث ذلك.» ~~«يا فتاتي، من صوتك الذي أسمعه، وإن كانت أمك هي السيدة التي كنت أعرفها، والتي أذكرها ~~جيدا وأعتقد أنك تشبهينها كثيرا، فإن هذا فخ لا أريد الخروج منه. لكن ها أنت تبكين ~~مرة أخرى وأنا أقف وأثرثر. سأوقظ حماي من جديد.» # وبقوله هذا، طرق على الباب مرة أخرى بعصاه. # فانفتحت النافذة مجددا، وأطل منها رأس العجوز الغاضب. # صاح الحداد الحانق قائلا: «اغربا من هنا!» لكن قبل أن يقول أي شيء آخر صاح فيه ~~ترينشن قائلا: ~~«ابنتك هنا تنتظر. افتح الباب أيها العجوز اللعين، وإلا فسأحطمه وأطردك من المنزل كما ~~فعلت في ابنتك.» # وقف الحداد، الذي لم يكن أحد قد تحدث إليه بهذه النبرة أو بتلك الكلمات من قبل، ~~مذهولا حتى إنه لم يستطع أن يتحدث أو يفعل شيئا، لكن الباب اهتز بعنف بفعل ركلة قوية ~~من الملاكم عليه، فرأى أن ركلة أخرى كفيلة بأن تهشمه وأن الرجل سيقتحم منزله، فترك ~~الحداد النافذة مفتوحة حتى يستطيع الملاكم وابنته أن يسمعا سبابهما، ونزل وسحب ~~مزلاج الباب وفتحه ووقف على عتبته ليمنع دخولهما. # صاح به ترينشن وهو يضع يده على صدر الرجل الآخر برفق: «ابتعد ms153 عن طريقنا.» لكنه دفعه ~~دفعة واحدة جعلت الرجل يترنح إلى داخل المنزل. # سحب الشاب الفتاة إلى داخل المنزل بعد أن دخل هو وأغلق الباب. # وهمس لها: «أنت تعرفين الطريق. أشعلي لنا شمعة.» # أشعلت الفتاة شمعة، وبينما كان الضوء يشرق على وجهها، تنهد ترينشن تنهيدة عميقة على ~~إثر ما شعر به من سعادة وارتياح. فلم يكن في القرية بأسرها فتاة يمكن أن تكون أجمل ~~منها. # وقف الحداد قابضا على يده جراء ما شعر به من غضب وحنق، لكنه نظر في تردد واحترام ~~إلى جسد الملاكم القوي، ومع ذلك لم يجفل العجوز. # صاح الحداد: «ألق بعصاك، وإلا فانتظر حتى أحضر واحدة لي.» # ألقى ترينشن بعصاه إلى إحدى الزوايا. # صاحت الفتاة وقد شبكت يديها معا تعبيرا عن استجدائها: «أوه! أوه! ينبغي ألا ~~تتقاتلا.» لكنها كانت تستجدي زوجها وليس والدها، الأمر الذي تسبب في شعور الشاب بشيء من ~~الرضا في أعماقه. # التفت الأب إليها وصاح بقوة قائلا: «اخرجي من هذا المنزل.» # قال ترينشن وهو يتقدم نحوه: «لا تتحدث إلى زوجتي بهذه الطريقة.» # صاح الحداد في دهشة قائلا: «زوجتك؟» # فرددها الشاب للتأكيد عليها قائلا: «زوجتي. إنهم يقولون أيها الحداد إنك رجل قوي، ~~وأنا أعرف أنك رجل صارم، لكنني أشك في قوتك. تعال واختبر قوتك.» # اندفع الرجل العجوز نحوه، فأمسك به الملاكم من مرفقيه فأصبح الرجل عاجزا في يده ~~وكأنه طفل. ودفع الملاكم الرجل إلى الحائط وضم مرفقيه معا وأمسك بهما بإحدى يديه ~~العملاقتين. ثم وضع يده الأخرى على كتف الحداد وحمل عليه بوزنه كله فجثا الحداد ~~على ركبتيه عاجزا لا يملك سوى السباب. # صاح الملاكم به وهو ينحني عليه: «والآن، أيها الآثم القاسي، استجد ابنتك وأنت على ~~ركبتيك من أجل أن تحظى بملاذ لهذه الليلة في المنزل. استجدها وإلا فسأسحق وجهك ~~الجبان في الأرض.» # تعلقت الفتاة بذراع زوجها الجذاب وتوسلت إليه ألا يؤذي والدها. ~~«لن أوذيه إذا ما تحدث. وإذا نطقت شفتاه بشيء من السباب، فسأجعل شفتيه تقبلان ~~الأرض من تحته. تحدث أيها الحداد: ماذا ms154 لديك لتقول؟» # قال الرجل المهزوم: «أرجو أن تؤويني في المنزل الليلة.» # فأطلق الملاكم سراحه في الحال. # وقال: «اخلد إلى النوم.» فانسل العجوز مبتعدا. # قال آيبل ترينشن فاتحا ذراعيه: «يا زوجتي، لقد قطعت الطريق كله من لندن إليك. لم أكن ~~أعرف حينها لم توجهت إلى الشمال، لكنني أعرف الآن أن هناك من هو أكثر حكمة مني ~~وأنه قاد خطواتي إلى هنا. وبقدر ما يعد الرجل الضال، فإني أعدك أنك لن تندمي أبدا على ~~خروجك الليلة في هذه العاصفة.» # | مداهمة ميليش # تختلف بعض الجرائد عن غيرها. وإحدى الخصال الغريبة بشأن جريدة آرجوس هو وتيرة تغير ~~الرجال فيها. كان رئيسو التحرير يأتون من أجل إحداث ثورة في العالم وبالتبعية في جريدة ~~آرجوس، لكنهم كانوا يختفون ويفسحون المجال لغيرهم الذين اختفوا أيضا بدورهم. ولم يكن ~~الصحفيون في ذلك الجزء من البلاد ليظنوا في أنفسهم أنهم أصبحوا كاملي الأهلية إلا حين ~~يحصلون على منصب رئيس تحرير في جريدة آرجوس. وإذا سألت عن رئيس تحرير جريدة آرجوس، ~~فالإجابة تكون على الأرجح: «في الواقع، كان فلان هو رئيس التحرير صباح اليوم. لكنني لا ~~أعرف من أصبح رئيس التحرير في الظهيرة.» # ربما كانت أكثر الفترات غرابة في تاريخ جريدة آرجوس حين استقدم ملاك الجريدة رجلا ~~غريب الأطوار من بيتسبرج وعينوه رئيس تحرير محليا، ليترأس بذلك فريق الصحفيين العاملين ~~في المدينة. كان الرجل في تلك الفترة يدعى ماكراسكي، وكان اسمه عند التعميد أنجوس أو آرشي؛ ~~لقد نسيت أيهما كان اسمه. في الواقع، لطالما كان اسمه عند التعميد هو ما يشكل نقطة ~~خلاف؛ فكان بعض الصحفيين يقولون بأنه أنجوس، بينما كان البعض الآخر يقولون بأنه آرشي، ~~ولم يكن أحد بالشجاعة الكافية ليسأله. على أي حال، كان الرجل يوقع باسم إيه ماكراسكي. ~~كان رجلا صالحا وقد وجد الصحفيون هذا الأمر غريبا وحيرهم كثيرا. فقد كان معظم من ~~سبقوه في هذا المنصب يختلفون كثيرا عن بعضهم، إلا أنهم كانوا يتشابهون جميعا في شيء ~~واحد؛ وهو التلفظ بالألفاظ النابية. فكانوا يعبرون عن رفضهم ms155 بلغة تنكمش من وقعها ~~المنشفة في يد عامل الطباعة داخل غرف التنضيد، فما بالك بوقع تلك اللغة على العامل ~~نفسه. # كانت وجهة نظر ماكراسكي الرائعة تقتضي أن الإصدار المحلي من الجريدة ينبغي أن يكون له ~~تأثير أخلاقي قوي في المجتمع. فقد أذهل المحرر الرياضي حتى إنه وقف معقود اللسان حين ~~قال له بأن الجريدة لن تنشر تقارير عن الملاكمة التكسبية بعد الآن. فعاد مورين المسكين ~~إلى حجرته وجلس إلى طاولته ودفن رأسه بين يديه. كان كل فرد في فريق الصحفيين المحليين ~~يعتقد بطبيعة الحال أن الجريدة تنشر في الأساس من أجل أن يحظى قسمه بفرصة للظهور، وكان ~~مورين يرى أن القتال حتى النهاية هو أمر يهتم به العالم أكثر من اهتمامه بالانتخابات ~~الرئاسية. وقد حاول بقية زملائه أن يروحوا عنه. فقال مورين في مرارة: «الوضع حساس ~~ودقيق. فكروا في مباراة الأسبوع القادم بين كاليفورنيا دافر وبيجون بيلي ولا تقرير ~~ينشر عنها في الآرجوس! تخيلوا الانتصار السهل للصحف الأخرى. بحق السماء، ما الذي يريد ~~الناس في رأيه أن يقرءوه؟» # لكن كانت هناك مفاجأة أخرى تنتظر الصحفيين. جمعهم ماكراسكي جميعا في حجرته وأطال ~~الحديث معهم. ثم طرح سؤالا فجأة على الصحفي الجنائي، وكان السؤال مباغتا حتى إن تومبسون ~~كاد يدلي بالحقيقة وهو مأخوذ على حين غرة. ~~«أتعرف عن وجود أي أندية قمار في المدينة؟» # التقط تومبسون أنفاسه ورمق مورين بنظرة سريعة. # ثم قال في النهاية: «لا، لا أعرف أيا منها، لكن ربما يعرف المحرر الديني. من الأفضل ~~أن تسأله.» # ابتسم المحرر الديني ونزع غليون الذرة من فمه. # وقال: «ليس هناك أندية للقمار. ألا تعلم أن إدارة ناد للقمار أمر مخالف للقانون في هذه ~~الولاية؟ أجل يا سيدي!» ثم أعاد غليون الذرة إلى مكانه. # كان ماكراسكي مسرورا حين رأى أن الشبان الذين يعملون تحت رئاسته لا يعرفون الكثير عن ~~بشاعة مدينة كبيرة كهذه، بيد أنه كان هناك ليعطيهم بعض المعلومات؛ ولذا قال في ~~هدوء: ~~«من المؤكد أن هذا الأمر مخالف للقانون، لكن هناك ms156 الكثير من الأشياء المخالفة للقانون ~~تزدهر في مدينة كهذه. والآن أريد أن تعرفوا قبل انقضاء الأسبوع عدد أندية القمار ~~وأماكنها. وحين تتحققون من صحة ما تجدون، سننظم حملة لمداهمة تلك الأماكن وستكون الأخبار ~~حصرية على الأرجح، ذلك أن المداهمة ستكون في ساعة متأخرة من الليل وقد لا تسمع بها ~~الصحف الأخرى.» # قال المحرر الديني وقد تلألأت عينه بينما كان ينزع غليون الذرة من فمه مرة أخرى: ~~«لنفترض - بزعم أن مثل هذه الأماكن موجودة - أنك وجدت ممثلين عن الصحف الأخرى هناك؟ إنهم ~~أناس سيئون، أولئك الذين يعملون في الصحف الأخرى.» # قال المحرر المحلي: «إذا وجدوا هناك، فسيزج بهم في السجن.» # قال مورين في تجهم: «لن يمانعوا ذلك، إذا كان في مقدورهم أن يكتبوا شيئا عن الأمر.» ~~وكان في رأيه أن صحيفة آرجوس كانت في طريقها نحو الهلاك والفشل. # قال ماكراسكي: «والآن يا تومبسون، ينبغي لك كصحفي جنائي أن تكون على معرفة بالكثير من ~~الرجال الذين يمكنهم أن يزودوك بتفاصيل لكتابة مقال ممتاز عن مساوئ القمار وشروره. ~~جهز مقالا عن هذا الموضوع لطبعة يوم السبت، سوف تخصص لك مساحة عمود ونصف، وأريد ~~عناوين ترويعية. ينبغي أن نؤسس للرأي العام.» # وحين عاد الصحفيون إلى حجرتهم من جديد، جلس مورين وقد دفن رأسه بين يديه، فيما اتكأ ~~تومبسون للخلف في كرسيه وراح يضحك. # وقال: «نؤسس للرأي العام. من الأفضل لماك أن يؤسس لمعرفته بشوارع المدينة، وألا ~~يلبس ثوب الشجاعة والجرأة كما فعل صباح اليوم.» # كان المحرر الديني يحضر التبغ من الدرج الخاص بمورين حين سأل تومبسون: «هل ستخبر ~~ميليش بالأمر ليأخذ حذره؟» # قال تومبسون: «لا أعرف بعد ماذا سأفعل على وجه التحديد. هل تعرف أنت؟» # أجابه المحرر الديني قائلا: «سأفكر في الأمر. يا له من تبغ سيئ ذلك الخاص بك ~~يا مورين. لم لا تشتري قطع التبغ؟» # قال المحرر الرياضي من دون أن يرفع رأسه: «لست مضطرا لأن تدخن منه.» ~~«بل أنا مضطر حين ينفد مني التبغ، والزملاء الآخرون يوصدون أدراجهم.» # ذهب تومبسون إلى ms157 ميليش صاحب نادي القمار الضخم ليستشيره بشأن المقال الذي سينشر في ~~طبعة يوم السبت. وقد أبدى ميليش اهتماما كبيرا بالأمر، ورأى أنه سيكون ذا تأثير جيد. وذكر ~~ميليش إلى تومبسون طواعية عدة حالات أدت فيها هذه الآفة إلى دمار شبان واعدين. # قال ميليش متأملا: «كل الناس يقامرون بشكل أو بآخر، فهناك من يقامر على هذا ~~النحو وهناك من يقامر على نحو آخر. المقامرة متأصلة في الطبيعة البشرية، مثل الخطيئة ~~الأولى. وبداية كل عمل تجاري هو ضرب من المقامرة. فإذا كنت أملك ثلاثين ألف دولار ~~فسأفضل أن أجازف بمضاعفة هذا المبلغ على هذه الطاولة بدلا من أن أفتتح جريدة جديدة أو ~~أن أضع المال في أسهم السكك الحديدية على سبيل المثال. خذ مثالا على ذلك ازدهار الأراضي، ~~كما حدث في كاليفورنيا أو وينيبيج ... إن الفارق بين وضع مالك في شيء كهذا والتوجه ~~الصريح إلى القمار هو أنك في الحالة الأولى تكون واثقا من أنك ستخسر أموالك، بينما في ~~الحالة الثانية لديك فرصة للفوز. وأنا أومن بأن كل أشكال القمار سيئة، إلا إذا كان في ~~إمكان المرء أن يتحمل بسهولة خسارة ما يقامر عليه. المشكلة تكمن في أن القمار يؤثر في ~~بعض الناس كتأثير الشراب عليهم. كنت أعرف رجلا ذات مرة ...» لكن يمكنك أن تقرأ المقال ~~كاملا إذا راجعت الأعداد القديمة من جريدة آرجوس. # أخبر تومبسون ميليش بشأن ماكراسكي. كان ميليش مهتما كثيرا بهذا الشأن وأعرب عن رغبته ~~في مقابلة رئيس التحرير المحلي. كان ميليش يعتقد بأن الصحف يجب أن تولي اهتماما أكبر مما ~~توليه في الواقع إلى حظر أوكار القمار، وقال بأنه يريد أن يرى كل أوكار القمار تتوقف ~~عن مزاولة نشاطها بما في ذلك ناديه الخاص. وأضاف قائلا: «يمكنني أن أغلق نادي القمار ~~الخاص بي، لكن هذا يعني بكل بساطة أن هناك شخصا آخر سيفتح ناديا آخر، ولا أظن أن هناك ~~من أدار مكانا مثل هذا بنفس الأسلوب العادل الذي أدير به مكاني.» # ذهب ماكراسكي إلى رئيس الشرطة وقدم نفسه ms158 بصفته رئيس التحرير المحلي لجريدة ~~آرجوس. # قال رئيس الشرطة: «أوه، هل رحل جورمان إذن؟» # قال ماكراسكي: «لا أعلم بشأن جورمان، كان الرجل الذي خلفته يدعى فينيجان، وأعتقد أنه في ~~سينسيناتي الآن.» # عندما علم رئيس الشرطة بمغزى زيارة رئيس التحرير المحلي أصبح أكثر رسمية ومتحفظا ~~في كلامه نوعا ما. كان رئيس الشرطة يظن بأن هناك أندية للقمار في المدينة، وإن صح ~~ظنه، فإنها هادئة جدا ولا تتناهى إلى سمعه أي شكاوى. وقال بأن هناك الكثير من ~~الأشياء التي من المستحيل حظرها، وأن محاولة فعل ذلك ستجعل الشر يمعن في العمل خفية. ~~وبدا أن رئيس الشرطة يفضل أن ينظم الأمر أكثر من تفضيله محاولة تحقيق المستحيل، ومع ~~ذلك إذا أتاه ماكراسكي بأدلة دامغة على أن هناك ناديا للقمار يزاول نشاطا، فسيرى أن من ~~واجبه مداهمته. وقد نصح ماكراسكي بأن يتكتم كثيرا في سعيه هذا، ذلك أن للمقامرين بلا ~~شك أصدقاء كثرا سيشون لهم بما سيحدث ومن ثم يحبطون المداهمة، وربما يزجون بكبش فداء ~~ليتحمل عنهم تبعات ما حدث. وقال ماكراسكي بأنه سيتوخى الحذر. # لعب الحظ دوره مع ماكراسكي حين «أتاه» رجل لم يكن يبالي كثيرا بما يفعل عندما دخل إلى ~~حجرة رئيس التحرير المحلي. دخل جوس هامرلي - وهو فتى مترف ومن مشاهير المجتمع - إلى مكتب ~~جريدة آرجوس في ساعة متأخرة ذات ليلة ليبلغ المحرر الرياضي أخبارا عن «حدث» ما. كان ~~خبيرا بمكتب الجريدة، وعندما وجد أن مورين لم يكن موجودا، ترك المعلومات على مكتبه. ثم ~~تجول إلى غرفة رئيس التحرير المحلي. كان كل الصحفيين العاملين في الجريدة يحبون ~~هامرلي، وقد حصلوا منه من قبل على العديد من المقالات الجيدة. ولم يشوا به قط، ورأى ~~أنهم لم يخب أملهم ولم يتخل عنهم، كما هو الحال الدارج بينهم. ~~«مساء الخير، أعتقد بأنك رئيس التحرير المحلي الجديد. لقد تركت بعض المعلومات على مكتب ~~مورين، أعتقد بأنه لم يأت من مباراة المصارعة بعد. اسمي هامرلي. الجميع هنا يعرفونني وقد ~~عرفت أربعة عشر رجلا من سابقيك؛ ولذا ms159 أريد أن أتعرف عليك أيضا. سمعت أنك من ~~بيتسبرج.» ~~«أجل، اجلس يا سيد هامرلي. أتعرف بيتسبرج؟» ~~«أوه، أجل. إن بوردن العجوز، الذي يدير وكر القمار في شارع كذا، صديق قديم لي. أتعرف ~~كيف هي أحواله؟» ~~«أجل، لقد داهمت الشرطة وكره وأغلقته.» ~~«يا لحظه العسر! الأمر نفسه حدث في مدينة كنساس.» ~~«بالمناسبة، سيد هامرلي، أتعرف أي أندية للقمار في هذه المدينة؟» ~~«يا إلهي، ألم يأخذك الشباب في جولة بعد؟ حسنا، هذا ليس من حسن الضيافة. إن نادي ~~ميليش للقمار هو المكان الأفضل في المدينة. إني ذاهب إلى هناك الآن. وإذا ما أتيت معي، ~~فسأعطيك جواز الدخول عند الباب ولن تواجه مشكلة بعد ذلك.» # قال ماكراسكي وهو يمد يده إلى قبعته «سأذهب معك.» وهكذا قاد هامرلي الساذج الحمل ~~إلى عرين الأسد. # كان ماكراسكي غير معتاد على المشهد؛ ولذا فقد كان مذهولا من سرعة اللعب. كانت هناك ~~طاولة شبه دائرية، وعلى الإطار الخارجي لها يجلس عدد من الرجال في أريحية تامة. وأما ~~في الجزء الداخلي من الطاولة، فكان هناك رجل يوزع أوراق اللعب. كان يعطي كل لاعب ~~ورقة لعب بحركة سريعة، وكان وجه الورقة للأسفل، كان يفعل ذلك بسرعة ومهارة أذهلت ~~ماكراسكي. ثم أعطى لكل لاعب ورقة لعب أخرى وجهها للأعلى، وكان الرجال يضعون مبالغ من المال ~~بجوار أوراقهم بعد النظر فيها. ثم تجري عملية توزيع أخرى وهكذا، لكن الرجل الغريب وجد ~~أن من المستحيل له فهم هذه اللعبة أو تتبعها. لقد رأى المال يغترف غرفا ويدفع ~~بسرعة، ورأى لياقة رسمية في التعامل لم يكن مستعدا لرؤيتها. فقد توقع أن يسمع السباب ~~من اللاعبين وأن يسحبوا مسدسات بعضهم في وجوه بعض. # قال هامرلي الساذج: «هاك يا ميليش، اسمح لي أن أقدمك إلى رئيس التحرير المحلي الجديد ~~لجريدة آرجوس.» ثم قال هامسا: «لم أعرف اسمك.» ~~«اسمي ماكراسكي.» ~~«السيد ماكراسكي؛ هذا هو السيد ميليش. إنه مالك هذا المكان، وستجد أنه رجل من الطراز ~~الأول.» # قال ميليش بنبرة هادئة: «يسرني لقاؤك. إن أي صديق من جهة ms160 هامرلي مرحب به هنا . ~~تصرف وكأنك في بيتك.» # وبعد أن ابتعد عن الرجلين، همس ميليش سريعا إلى سوتي النادل: «اذهب وأخبر حارس ~~الباب أن يحذر تومبسون أو أيا من بقية من يعملون في جريدة آرجوس أن رئيسهم في ~~العمل موجود هنا.» # وفي الساعة الثانية عشرة صباحا في تلك الليلة كان رئيس التحرير المحلي يجلس في غرفته، ~~وقد صاح حين سمع صوت وقع أقدام: «أهذا أنت، يا تومبسون؟» # أجابه تومبسون وهو يدخل عليه: «أجل يا سيدي.» ~~«أغلق الباب يا تومبسون. لدي مهمة كبيرة لك الليلة، لكن ينبغي للأمر أن يتم في هدوء. ~~لقد اكتشفت وكرا للقمار يعج بالنشاط. وستداهمه الشرطة الليلة في تمام الثانية صباحا. ~~وأريدك أنت ومورين أن تكونا في مسرح الحدث؛ فهل ستحتاج إلى أي شخص آخر؟» ~~«يتوقف هذا على مدى رغبتك في نشر هذا الأمر.» ~~«أريد أن أجعله المقال الرئيسي لعدد الغد من الجريدة. أعتقد بأن ثلاثتنا كاف لهذا ~~الأمر، لكن يمكنك أن تحضر المزيد من الزملاء إذا أردت. يدير المكان رجل يدعى ميليش. ~~والآن، لو كنتم يقظين أيها الشباب لأصبحتم على دراية أكبر بما يجري في مدينتكم.» # قال تومبسون في تواضع: «لا يحظى معظمنا بميزة التدرب على ذلك في العاصمة.» ~~«سأذهب إلى هناك برفقة الشرطة. ومن الأفضل أن تكون أنت ومورين هناك، لكن لا تذهبا إلى ~~هناك في وقت مبكر، ولا تثيرا الشكوك حولكما حتى لا يأخذوا حذرهم. هاك هو العنوان. من ~~الأفضل أن تدونه.» ~~«أوه، سأجد المكان ...» ثم فكر تومبسون للحظة وتمالك نفسه وقال وهو يدون اسم الشارع ~~ورقم المنزل بعناية: «شكرا لك.» # توقفت قوة من الشرطة أمام المكان قبل أن تحل الثانية ببضع دقائق. كانت الشوارع ~~خالية من المارة، وكانت قوة الشرطة هادئة للغاية حتى إن صوت وقع أقدام أحد ~~المارة المتأخرين على الرصيف الحجري في شارع بعيد ليدوي عاليا في سكون ~~الليل. # قال ماكراسكي محدثا الرجل المسئول عن قوة الشرطة: «هل أنت واثق أنه لا يوجد مدخل ~~خاص في مكان ما؟» # فجاءه الرد بنفاد ms161 صبر من الرجل: «بكل تأكيد هناك مدخل خاص. والرقيب ماكولم وأربعة ~~من الرجال برفقته يتمركزون في الشارع الخلفي. نحن نعرف عملنا تمام المعرفة يا سيد.» # ظن ماكراسكي أن هذا ازدراء من قبل مسئول الشرطة، وقد كان محقا في ذلك. وراح ينظر ~~حوله في الظلام بحثا عن رجاله الصحفيين. فوجدهم يقفون معا أمام أحد الأبواب في الجهة ~~المقابلة من الشارع. # فهمس لهم: «أتقفون هنا منذ وقت طويل؟» # كان مورين متجهما ولم يجب. ونزع المحرر الديني غليون الذرة من فمه وقال في ~~اقتضاب: «منذ عشر دقائق تقريبا يا سيدي.» كان تومبسون يحدق باهتمام بالغ في المبنى ~~المظلم على الجهة المقابلة من الشارع. ~~«هل رأيتم أحدا يخرج؟» ~~«لا أحد. على العكس، لقد دخل ستة أشخاص وصعدوا هذا الدرج.» # سأل تومبسون بسذاجة الحملان التي كان عليها الصحفي الجنائي: «أهذا هو المكان يا ~~سيدي؟» ~~«أجل، في الطابق العلوي منه.» # قال المحرر الديني: «ألم أخبرك؟ كان تومبسون يصر على أنه المبنى المجاور.» # قال ماكراسكي: «هيا، الشرطة تتحرك أخيرا.» # دق جرس كبير في الحي دقتين بطيئتين، وراحت الساعة تدق في كل أرجاء المدينة ~~بدرجات مختلفة من النغمة والسرعة. ثم دوت صافرة في الأرجاء، وجاء الرد عليها بصافرة ~~مثلها من بعيد. تحركت الشرطة بسرعة وهدوء على الدرج. # سأل الرجل على الباب في أدب: «أتحملون التذاكر أيها السادة. هذا ملأ خاص.» # قال رقيب الشرطة في اقتضاب: «إنها الشرطة، تنح جانبا.» # لم تكن وجوه رجال الشرطة لتوضح أي اندهاش حتى لو أذهلهم المشهد الذي رأوه أمام أعينهم. ~~أما ماكراسكي، فلم يكن يسيطر على ملامح وجهه، فبدا مصعوقا. كانت الحجرة هي نفسها بلا أدنى ~~شك، لكن لم ير أي أثر ولو لورقة لعب واحدة. لم تكن هناك طاولات، وحتى المشرب اختفى. ~~وكانت الكراسي مرتبة جيدا ومعظمها مشغولا. وفي الجهة المقابلة من الغرفة وقف بوني ~~رويل على منصة أو على صندوق أو شيء مرتفع، وكان وجهه الشاحب الجاد يشع بحماسة المتحدث ~~العام. كان يقول: «أيها السادة، تتوقف حياة الحزب على نزاهة الاقتراع. ms162 وفي رأيي أن كل ~~من يسمع كلماتي الآن يرغب في أن يحصل كل امرئ على حق الاقتراع من دون تدخل أو مضايقة ~~من أحد، ويرغب كذلك في احتساب كل صوت في نزاهة تامة.» (ثم جاء تصفيق حاد تمكن بوني ~~خلاله أن يرتشف رشفة من كوب أمامه ربما كان يحتوي على ماء.) # وقد دخلت الشرطة المكان في هدوء تام بحيث بدا أن أحدا لم يلحظ دخولهم، عدا ميليش، ~~الذي هرع نحوهم ليرحب بالمقتحمين. # سألهم ميليش قائلا: «هلا جلستم؟ إننا نستمع إلى خطاب سياسي صغير من السيد رويل أيها ~~الرقيب.» # قال الرقيب في تجهم: «إنها ساعة متأخرة بعض الشيء يا سيد ميليش.» # أقر ميليش بذلك وكأنه لم يكن يعرف ذلك بحق: «إنها حقا متأخرة بعض الشيء!» # انتشر رجال الشرطة الذين دخلوا من المدخل الخلفي عند الجهة الأخرى من الغرفة، وبات ~~واضحا أن خطاب رويل قد أنهي في غير أوانه. وقد بدا على بوني أنه حزين ومستاء، لكنه لم ~~يقل شيئا. # قال الرقيب: «نريد أن نفتش المقر يا سيد ميليش.» # قدم لهم ميليش في ذلك كل مساعدة ممكنة، لكن الشرطة لم تجد شيئا. # وبينما كان الرجال الأربعة يسيرون معا عائدين إلى مكتب جريدة آرجوس، كان ماكراسكي في ~~غاية السخط والغضب. # قال ماكراسكي: «سنفضح أمر الشرطة غدا. لا شك أنهم سربوا معلومة إلى ميليش.» # قال تومبسون: «لا أعتقد ذلك. لن نذكر شيئا عن الأمر.» ~~«لقد نسيت نفسك يا سيد تومبسون. أنا من أملك الاختصاص لكي أقول ما سيحدث في العدد ~~المحلي من الجريدة، وليس أنت.» # قال تومبسون بحزن واغتمام: «أنا لا أنسى نفسي، إنما تذكرت للتو. لقد عينني أمس ~~أعضاء مجلس إدارة جريدة آرجوس في منصب رئيس التحرير المحلي. ألم يخبروك بالأمر؟ هذا من ~~شيمهم. لقد نسوا أن يذكروا إلى كوربن أن هناك من خلفه في المنصب، وقد ذهب المدير في ~~رحلة صيد بعد أن عين جونسي في المنصب نفسه؛ ولذا أصبح لدينا رجلان في منصب رئيس التحرير ~~المحلي لمدة أسبوع، وكان هذا الأسبوع ms163 فظيعا. أتذكره يا مورين ؟» وبدا من غمغمة مورين أن ~~ذكريات تلك الفترة لم تكن سارة على الإطلاق. # وتمتم المحرر الديني لكن من دون أن يخرج غليون الذرة من فمه هذه المرة: «وإذا كنت ~~تشك في الأمر، فأطع أوامر الرجل الجديد فيما يتعلق بأمر جريدة آرجوس. إنني معك أيها ~~الزميل تومبسون. متى حدث ذلك؟» # قال تومبسون بنبرة تكاد تكون مختنقة: «بعد ظهر أمس. سيصرفونني عن منصبي في غضون شهر؛ ~~ولذا فإنني أشعر بالأسف. كنت أحب العمل في جريدة آرجوس ... كصحفي. ولم أبحث قط عن مثل هذا ~~الحظ العاثر في الترقي. لكن جميعنا لديه مشاكله، أليس كذلك يا ماك؟» # لم يجب ماكراسكي. وهو الآن يعمل في جريدة ما في مدينة تكساس. # | رد الصاع # كان جورج ستريتر في باريس لكونه كان يأمل أن يلتقي بألفريد ديفيسون هناك وينتظر أن ~~يحدث ذلك. كان يعلم أن ديفيسون سيمكث في باريس لمدة أسبوعين على الأقل، وكان يرغب في ~~لقائه في شوارع تلك المدينة وليس في شوارع لندن لسبب معين. # كان ستريتر مؤلفا شابا نشرت له عدة كتب، وكان يمضي في ذلك بأفضل ما يمكن أن ~~يتوقع منه، حتى تعثر فجأة. ولم تكن تلك العثرة بعثرة حقيقية إلا فيما يتعلق ~~باعتداده بنفسه؛ ذلك أن تلك العثرة لم تعق مبيعات آخر كتبه، بل بدا أنها تزيدها. وكانت ~~تلك العثرة غير متوقعة، ذلك أنه تلقى صفعة حيث كان يتوقع تربيتا. وكانت الصفعة قوية ~~للغاية وفي محلها حتى إنها أذهلته في البداية. وبعدها أصبح غاضبا دون سبب معقول. ثم ~~قرر أن يرد الصاع. # كان المقال النقدي الذي نشر عن كتابه في جريدة آرجوس لاذعا للغاية، وربما ما جعله ~~يستشيط غضبا أكثر من أي شيء آخر هو أنه فطن إلى حقيقة النقد الموجه إلى كتابه رغم ~~اعتداده بنفسه. فلو أن كتبه أقل نجاحا، أو لو أنه وافد جديد في معترك الكتاب ~~والمؤلفين، فلربما أعطى نفسه فرصة الاستفادة من الضربات الشديدة الموجهة إليه من قبل ~~جريدة آرجوس. ولربما تذكر أن الشاعر تينيسون ms164 أزال من إصداراته اللاحقة كل أوجه الخلل ~~والقصور التي أشار إليها كريستوفر نورث المبتذل، رغم أن تينيسون قد رد الصاع إلى ~~كريستوفر حين نعته بأنه قديم الطراز وفظ ومبتذل. # قرر ستريتر أن يرد الصاع بشيء ملموس أكثر من مجرد بيت شعر ساخر. وقد أقر - حتى ~~أمام نفسه - أن للناقد كل الحق أن ينتقد الأعمال الأدبية؛ فتلك هي مهمته، لكنه تذرع بأن ~~الرجل الذي يتظاهر بأنه صديق المؤلف ويمدح كتبه أمامه ليس له أدنى حق في أن يجيء من وراء ~~ظهره ويكتب عنه مقالا نقديا لاذعا كالذي ظهر في جريدة آرجوس؛ ذلك أن ستريتر علم ~~أن ألفريد ديفيسون قد كتب النقد المنشور في جريدة آرجوس وأنه يدعي بأنه صديقه، كما ~~ادعى أنه يكن إعجابا شديدا لما يؤلف ستريتر من كتب. # وبينما كان ستريتر يسير في شارع دي إيتاليانز، رأى الرجل الذي كان يأمل أن يلتقيه ~~جالسا أمام أحد المقاهي؛ وبالإضافة إلى ذلك، كان مسرورا حين وجد أن الرجل جالس مع أحد ~~أصدقائه. التقت أعينهما، فكان التعارف بين المؤلف والكاتب متبادلا. # قال ديفيسون: «مرحبا يا ستريتر. متى وصلت إلى هنا؟» # أجابه ستريتر: «غادرت لندن البارحة.» # قال ديفيسون بنبرة ودية: «اجلس إذن وتناول شيئا معنا.» ثم تابع حديثه قائلا: «هذا ~~صديقي هارمون يا ستريتر. إنه منفي ويقيم في باريس؛ ومن ثم فإنه يحب أن يلتقي ببني ~~جلدته.» # قال ستريتر: «في هذه الحالة، فإنه على الأرجح يعرف عادات المكان؟» # أجابه ديفيسون: «حق المعرفة! لقد أصبح فرنسيا بدرجة كبيرة، لقد تسممت أفكاره ~~وفسدت أخلاقه كثيرا، إن كان بإمكاني تعريف الأمر على هذا النحو، حتى إنه أصبح مؤخرا إما ~~مسئولا عن إحدى المبارزات أو شاهدا عليها. بالمناسبة يا هارمون، أيهما كان ~~دورك؟» # أجابه الآخر: «شاهدا ليس إلا.» # أضاف ديفيسون: «أنا لا أحبذ المبارزة، إنها تبدو لي عادة حمقاء وغير ذات جدوى على ~~الإطلاق.» # أجابه ستريتر باقتضاب: «لا أوافقك الرأي. ليس هناك سبب يجعل التبارز غير ذي جدوى، ويبدو ~~أن هناك الكثير من الأسباب التي تحتم خوض ms165 المبارزات. فهناك الكثير من الأشياء التي ~~توجد في البلدان المختلفة والتي تكون أسوأ من الجرائم، لكن ليس لها حل أو علاج سوى ~~الدعوة إلى التبارز؛ إنها مخالفات - إن جاز لي التعبير - لا يدركها القانون، كالخيانة - ~~على سبيل المثال - حين يدعي المرء أنه صديق لآخر، ثم يطعنه في ظهره في أول فرصة تسنح ~~له.» # أومأ هارمون بالإيجاب على هذا الرأي، فيما قال ديفيسون بنبرة مرحة: ~~«أوه، لست عليما بذلك! في رأيي أن مثل هذه الأشياء، التي لا أشك أبدا في وجودها، لا ~~تستحق أن نضفي عليها أهمية كبيرة بالالتفات كثيرا إليها والاكتراث بها. ماذا ستشرب ~~يا ستريتر؟» # قال ستريتر محدثا النادل الذي كان واقفا ليأخذ طلبه: «أحضر لي مشروب ~~البراندي.» # وحين عاد النادل بكوب صغير سكب فيه مشروب البراندي ببراعة رجل فرنسي بحيث ملأ الكوب ~~إلى درجة أنه لا يمكن إضافة قطرة أخرى إليه، ولكن من دون أن يسمح للمشروب أن يفيض من ~~الكوب، وهنا أخرج ستريتر محفظة نقوده. # صاح ديفيسون قائلا: «لا، لا! لن تدفع مقابل هذا المشروب؛ أنت تشرب بصحبتي.» # قال ستريتر بأسلوب فظ: «أنا أدفع ثمن مشروباتي.» # احتج الناقد قائلا: «ليس عندما أدعوك لتناول المشروب معي. سأدفع حساب هذا ~~البراندي.» # قال ستريتر وهو يرفع الكوب الصغير ويلقي بمحتوياته في وجه ديفيسون: «حسن، خذه ~~إذن.» # فأخرج ديفيسون منديله. # سأله ديفيسون وقد احمر وجهه: «ماذا تعني بتصرفك هذا بحق الجحيم؟» # أخرج ستريتر بطاقته المصنوعة من الورق المقوى وكتب عليها كلمة أو اثنتين. # وقال: «هاك، هذا هو عنواني في باريس. إذا لم تكن تعلم ماذا أعني بتصرفي هذا، فسل ~~صديقك، يخبرك هو بذلك.» # وبهذا نهض المؤلف، وانحنى أمام الرجلين ثم رحل. # وعندما عاد إلى فندقه، بعد أن تجول في الشوارع ذات الإضاءة البراقة، وجد السيد ~~هارمون ينتظره ومعه رجل فرنسي. # قال ستريتر: «لم تكن لدي أدنى فكرة أنك ستأتي بهذه السرعة، وإلا فما جعلتك تنتظر ~~كثيرا.» # أجابه هارمون: «لا بأس؛ لم ننتظر طويلا. مثل هذه الأمور تستدعي تصرفا فوريا. ~~والإهانة لا ms166 تدوم إلا لأربع وعشرين ساعة، وصديقي هنا - وهو المسئول أيضا عن المبارزة - لا ~~يرغب في أن يحمل عليك بمشقة تكرار تصرفك هذا المساء. نحن متأكدون أن لديك صديقا على ~~استعداد للتصرف بالنيابة عنك؛ ذلك أن تصرفك بدا متعمدا.» # فأجابه ستريتر: «أنت محق بعض الشيء؛ لدي صديقان سيسرني أن أقدمك إليهما. لتأت ~~معي من هذا الاتجاه، إذا سمحت.» # وسرعان ما جرى الترتيب للإجراءات التمهيدية، وحدد موعد اللقاء في صباح اليوم التالي ~~للتبارز بالمسدسات. # الآن وقد جرى تدبير كل شيء، لم يبد الأمر سارا كثيرا بالنسبة إلى ستريتر كما بدا له ~~حين غادر لندن. لم يطلب ديفيسون أي تبرير أو تفسير، لكن بالطبع يمكن تبرير هذا بأن ذلك ~~الناقد الغادر يعرف تماما سبب إهانته. ومع ذلك، كان ستريتر يتوقع أنه سيتظاهر بأنه يجهل ~~سبب الإهانة، وأنه سيتجنب لقاءه للاعتذار له حين يعرف السبب. # على أي حال، قرر ستريتر أن يمضي ليلته على أكمل وجه. فترك أصدقاءه ليدبروا أمر ~~العربة وكل ما هو ضروري، فيما ارتدى هو زيه الرسمي وذهب إلى جمع كان قد دعي إليه ~~وسيلتقي فيه بالكثير من الرجال والنساء من أبناء وطنه في أحد الأحياء الراقية في ~~باريس. # وبدت مضيفته مبتهجة للغاية حين رأته. # فقالت: «لقد تأخرت كثيرا، كنت أخشى أن يكون قد وقع لك خطب ما يمنعك من الحضور ~~كلية.» # قال ستريتر: «لا شيء يمكن أن يمنعني من الحضور حين تكون السيدة وودفورد هي ~~مضيفتي!» # أجابته السيدة: «أوه، هذا لطف كبير منك يا سيد ستريتر! لكنني لن أقف هنا وأتحدث إليك ~~هكذا؛ فقد وعدت الآنسة نيفيل بأنني سأقدمك إليها، وهي تتطلع كثيرا إلى لقائك. إنها ~~معجبة كثيرا بك، وقد قرأت كل كتبك.» # قال ستريتر ضاحكا: «كتبي ليست كثيرة إلى هذا الحد، لكنني آمل أن يكون رأيها فيها أفضل ~~من رأيي.» # فردت عليه مضيفته وهي ترشده إلى من ستقدمه إليها: «أوه، جميعنا يعرف تواضع ~~المؤلفين!» # كانت الآنسة نيفيل شابة بارعة الجمال، ولا شك أنها كانت مسرورة جدا للقاء المؤلف ~~الشاب ms167 الصاعد. # قالت الآنسة: «كنت أريد لقاءك منذ فترة طويلة، لأتحدث معك بشأن كتبك.» # قال ستريتر: «هذا لطف كبير منك، لكن ربما ينبغي لنا أن نختار موضوعا أكثر نفعا كي ~~نتحدث بشأنه؟» ~~«لست واثقة من هذا. لا شك أنك اعتدت على سماع الأشياء اللطيفة التي يقولها الناس عنك. ~~هذا هو الحظ العاثر الذي يواجه الكثير من المؤلفين.» # أجابها ستريتر: «إنه حظ عاثر.» # ثم أضاف قائلا: «إن ما يحتاجه المؤلف هو شخص يصدقه القول ويخبره برأيه ~~بصراحة.» # قالت الآنسة نيفيل: «آه! هذا شيء آخر لست واثقة جدا بشأنه. أعتقد أن السيدة وودفورد ~~أخبرتك بأنني قرأت كل كتبك، أليس كذلك؟ فهل أضافت إلى قولها ذلك بأنني أمقتها؟» # لم يستطع ستريتر نفسه أن يخفي ما تسبب به ذلك التعليق من شعور بالدهشة. فضحك ~~باضطراب، وقال: ~~«على العكس، لقد جعلتني السيدة وودفورد أعتقد بأنك أحببتها.» # اتكأت الفتاة للخلف في كرسيها، ونظرت إليه بعينين شبه مغلقتين. # وقالت: «السيدة وودفورد لا تعرف ذلك بالطبع. ليس من الوارد أن أخبرها بأنني أمقت كتبك ~~وقد طلبت منها أن تقدمني إليك. لقد سلمت جدلا بأنني أعتزم أن ألقي على مسامعك ~~إطراءات وتعليقات سارة، في حين أنني اعتزمت أن أقول عكس ذلك تماما. لا أحد سيكون في ~~مثل صدمة السيدة وودفورد إذا عرفت أنني سأتحدث معك بكل صراحة، إلا لو كان هذا الشخص ~~أنت.» # قال الشاب بنبرة جادة: «لست مصدوما. فأنا أعرف أن هناك الكثير من أوجه القصور في ~~كتبي.» # قالت الآنسة الشابة الصريحة: «أنت لا تعني ذلك بالطبع؛ لأنك لو كنت تعنيه لما كررت ~~الأخطاء نفسها في كتاب تلو الآخر.» # قال ستريتر: «لا يسع المرء سوى أن يبذل قصارى جهده.» وقد زاد شعوره بالانزعاج رغما ~~عنه؛ ذلك أن المرء لا يستطيع أن يتحدث بلطف مع صديقه الصريح. ثم أردف قائلا: «لا ~~يسع المرء سوى أن يبذل قصارى جهده، كما قال هوبرت الذي شن جده حربا على ~~هاستينجز.» # أجابته الآنسة نيفيل: «بلى، لا يسع المرء سوى أن يبذل قصارى جهده، وإن ms168 كان ينبغي لنا ~~أن نتذكر أن الرجل الذي قال هذه الجملة قد قالها قبل أن يهزم مباشرة. يراودني الشعور ~~بأنك لا تبذل قصارى جهدك، وأنك لن تبذل قصارى جهدك حتى يأتي شخص بغيض مثلي ويتحدث معك ~~حديثا صريحا مفيدا.» # قال ستريتر: «ابدئي الحديث الصريح؛ فأنا مستعد وأتوق إلى سماعه.» ~~«هل قرأت المقال النقدي الذي نشر في جريدة آرجوس عن كتابك الأخير؟» # قال ستريتر وهو مذهول بعض الشيء: «هل قرأته؟» وقد جالت بخاطره فكرة اللقاء المرتقب ~~الذي كان قد نسي أمره للحظة. ثم أضاف: «أجل، لقد قرأته؛ وحظيت بشرف لقاء الشخص الذي ~~كتبه هذا المساء.» # انتفضت الآنسة نيفيل في كرسيها حتى إنها كادت تقفز عنه. # وقالت: «لم أكن أريد أن تعرف بذلك! من أخبرك؟ كيف عرفت أنني أكتب مقالات نقدية ~~لجريدة آرجوس؟» # صاح ستريتر وهو مشدوه: «أنت! أتعنين أنك أنت من كتبت ذلك المقال النقدي؟» # غاصت الآنسة نيفيل في كرسيها وهي تتنهد. # وقالت: «هاك، وكما يقول الأمريكيون، لقد كشفني اندفاعي. في النهاية، لم تكن تعلم أنني ~~الكاتبة؟!» ~~«كنت أعتقد أن ديفيسون هو كاتب المقال. لقد عرفت ذلك من أرفع المسئولين.» # قالت الآنسة نيفيل ضاحكة: «مسكين ديفيسون! إنه أحد أفضل أصدقائك وأكثرهم إخلاصا، وأنا ~~كذلك، ولهذا السبب أرى في الحقيقة أنني صديقتك أكثر من السيد ديفيسون؛ ذلك أنني أومن أن ~~باستطاعتك أن تبلي بلاء حسنا، في حين أن السيد ديفيسون غبي بما يكفي ليعتقد بأنك ~~تبلي بلاء حسنا بالفعل.» # وعندما بلغ الحديث بينهما هذا المبلغ، نظر ستريتر في ساعته على عجل. # قالت الآنسة نيفيل: «آه! أرى أن المحادثة لا تروقك. ستتذرع بأن لديك موعدا، ~~وكأن الوقت مناسب لأي موعد في هذه الساعة المبكرة من الصباح.» # قال ستريتر: «لكنني لدي موعد بالفعل؛ ولا بد أن أودعك الآن. لكنني أؤكد لك أنني ~~قد أبصرت حقائق الأمور الآن، وأنني تعلمت الليلة درسا لن أنساه. وآمل أن تمنحيني ~~شرف لقائك مرة أخرى واستكمال هذا الحديث. ربما حينها أخبرك بسبب رحيلي الآن.» # وجد ستريتر أصدقاءه في انتظاره. ms169 كان يعلم أن محاولة الالتقاء بديفيسون قبل هذا اللقاء ~~لم تكن بمجدية. فقد كان أمامهم طريق طويل ليقطعوه، وحين وصلوا إلى نقطة اللقاء كانت خيوط ~~النهار الأولى قد لاحت في الأفق، وقد وجدوا الفريق الآخر في انتظارهم. # أخذ كل رجل مكانه والمسدس الذي أعطي إياه. وحين صدحت كلمة «أطلق!» أنزل ستريتر ~~يده إلى جانبه. ووقف ديفيسون ومسدسه لا يزال مشهرا في وجه ستريتر، لكنه لم يطلق ~~النار. # قال ديفيسون: «لماذا لم تطلق النار يا جورج؟» # عنف هارمون صديقه في تلك اللحظة، وقال بأنه يجب ألا يتكلم مع الخصم الآخر إلا من ~~خلال شاهد المبارزة. # قال ديفيسون في نفاد صبر: «أوه! أنا لا أفهم قواعد هذه اللعبة السخيفة!» # تقدم ستريتر خطوة نحو الأمام. # وقال: «إنما أردت أن أمنحك فرصة إطلاق النار علي إذا كنت تريد أن تفعل ذلك، والآن ~~أريد أن أعتذر منك لما بدر مني من تصرف في المقهى. أتصور أنه يمكنني القول بأنني ~~فعلت ما فعلت نتيجة سوء فهم من جانبي، وأنا على استعداد لفعل أي شيء لتعويضك عن ~~ذلك.» # قال ديفيسون: «أوه، لا بأس! لست في حاجة لقول المزيد. أنا راض تماما الآن. لنعد ~~إلى المدينة؛ فالجو بارد نوعا ما هنا.» # قال هارمون وهو يتنهد: «ولا يزال الإنجليز لديهم من الجرأة والوقاحة ما يجعلهم ~~يتحدثون عن المبارزات الفرنسية!» # | قرار كراندال # جلس جون كراندال إلى مكتبه وفكر في الموقف. كان الجميع قد غادروا وبقي هو في المكتب ~~وحيدا. كان كراندال يشعر بالتعب والنعاس؛ ولذا فقد كان ميالا لأن يرى الأمور بنظرة ~~متشائمة وكئيبة. ولم يكن ذلك لوجود مشكلة ما في عمله؛ إذ كانت أعماله في الواقع في حالة ~~جيدة حتى هذه اللحظة، لكنها لم تمض قدما بالقدر الكافي، كان هذا هو ما يفكر فيه جون ~~وهو يمعن التفكير في شئونه. كان يجني المال بالطبع، لكن كانت المشكلة أنه لا يجنيه ~~بالسرعة الكافية. # وبينما كان جون يفكر في هذه الأمور، خلد إلى النوم تدريجيا وعلى نحو غير محسوس، وفي ~~أثناء ms170 نومه راوده حلم ما . سيكون من السهل كثيرا أن نتظاهر بأن السيدتين اللتين ~~أتيتاه في حلمه دخلتا مكتبه فعلا وأنه ظن أنهما من زبائنه المعتادين أو شيء من هذا ~~القبيل، في حين أن في نهاية القصة - حين أصاب الذهول الجميع - يمكن توضيح الأمر كله ~~بالإفصاح عن حقيقة أن الأمر برمته كان مجرد حلم، لكن بما أن هذه الرواية صادقة ~~وحقيقية، فلن نستخدم أي خدعة، وسنعترف منذ البداية أن جون كان ضحية حلم رآه. # في هذا الحلم، تقدمت منه سيدتان في غاية الجمال. كانت إحداهما ترتدي ثيابا فاخرة ~~وتتزين بمجوهرات براقة. وكانت الأخرى ترتدي ملابس عادية. في البداية، ظن السيد ~~كراندال في حلمه - أو حلم بأنه ظن - أن السيدة التي ترتدي ملابس فاخرة كانت هي الأجمل ~~بينهما. لا شك أنها كانت تتمتع بجاذبية كبيرة، لكن حين اقتربت منه أكثر، تصور جون ~~أن الجزء الأكبر من جمالها كان اصطناعيا. وقال في نفسه إنها ربما كانت تتزين ~~بالمساحيق بطريقة بديعة، لكنها وعلى أي حال كانت تفرط في الزينة. # أما عن الأخرى، فلم يكن من خلاف بشأنها. كانت جميلة حقا، وما حازته من حسن وبهاء كان ~~عطية إلهية وليس بمساعدة صانع المساحيق. وكانت هي من تحدثت أولا. # قالت المرأة في أعذب صوت سمعه: «سيد كراندال، لقد أتينا هنا معا لكي تختار من بيننا. ~~فأيا منا ستختار؟» # قال كراندال وهو مندهش من هذا العرض المتبجح حتى إنه كاد يستيقظ من نومه: «يا إلهي، يا ~~إلهي، ألا تعرفان بأنني متزوج؟» # فأجابته السيدة الشابة الجميلة بأبهى ابتسامة رآها يوما: «أوه، لا يهم ذلك.» # قال السيد كراندال: «لا يهم ذلك؟ لو حظيت بشرف لقاء السيدة كراندال لعرفت بأن هذا ~~مهم كثيرا ... كثيرا جدا في الحقيقة.» ~~«لكننا لسنا ببشر، نحن أرواح.» # فأجاب السيد كراندال: «أوه، أحقا؟ جيد جدا، هذا يحدث فارقا بالتأكيد.» وقد شعر ~~بارتياح كبير؛ ذلك أنه من منطلق المنعطف الذي اتخذته تلك المحادثة بدأ يخشى أن يكون في ~~حضرة اثنتين من كتاب الروايات المعاصرة. # واصلت المتحدثة الأولى ms171 حديثها قائلة: «هذه السيدة هي روح الثروة. وإذا اخترتها فستصبح ~~رجلا ثريا قبل أن تموت.» # صاح كراندال: «أوه، حقا! هل أنت واثقة من ذلك؟» ~~«واثقة تماما.» ~~«حسنا، إذن لن أطيل في اتخاذ قراري. سأختارها هي بالطبع.» ~~«لكنك لا تعرف من أنا. ربما حين تعرف، قد ترغب في عكس قرارك.» ~~«أعتقد بأنك روح القوة أو الشهرة أو شيء من هذا القبيل. أنا لست بشخص طموح؛ تحقيق ~~الثروة يكفيني.» ~~«لا، أنا روح الصحة. فكر جيدا قبل أن تتخذ قرارك. لقد رفضني الكثيرون، وبعد ذلك، ~~عرضوا أن يتخلوا عن كل ما يملكون دون جدوى، وذلك في سبيل أن يجتذبوني إليهم.» # قال السيد كراندال في شيء من التردد: «آها، إنك شخص من المبهج جدا أن يكون موجودا ~~في أرجاء المنزل. لكن لم لا يسعني الحصول على كلتيكما؟ كيف تجدين ذلك؟» ~~«أنا آسفة للغاية، لكنني غير مسموح لي أن أعطيك حرية اختيار كلتينا.» ~~«ولم ذلك؟ يسمح للكثيرين أن يختاروا كلتيكما.» ~~«أعلم ذلك، لكن لا يزال علينا أن نتبع التعليمات.» ~~«إذن، إذا كان الأمر كذلك، أعتقد بأنني سأستقر على خياري الأول، ولا أرغب بذلك أن ~~أسيء إليك على الإطلاق. إنني أختار الثروة.» # وحين قال ذلك، تقدمت نحوه السيدة الأخرى وابتسمت ابتسامة تعبر عن الانتصار بينما ~~مدت يدها إليه. أمسك كراندال بيدها فتنهدت الروح الأولى. وحين كانت روح الثروة على وشك ~~أن تتحدث بشيء، اهتز باب المكتب، ورأى السيد جون كراندال الروحين وهما يتلاشيان. ~~فرك عينيه وقال في نفسه: «يا إلهي! كنت نائما. يا له من حلم أشبه بالحقيقة.» # وبينما كان يتثاءب ويمط ذراعيه فوق رأسه، جاءه صوت ارتجاج الباب مخبرا إياه أن ~~هذا الصوت على الأقل لم يكن جزءا من الحلم. # فنهض الرجل من مكانه وفتح الباب. # وقال بينما دخل ذلك الرجل القوي البنية: «مرحبا سيد بوليون. لقد تأخرت عن ~~موعدك.» ~~«وأنت أيضا. لا بد أنك كنت منهمكا في حساباتك، وإلا سمعتني قبل ذلك. ظننت أنني لا بد ~~أن أهشم الباب كي تفتح لي.» ~~«أنت تعلم ms172 أن رجل الشرطة يحاول أحيانا أن يفتح الباب وظننت في البداية أنه هو. هلا ~~جلست.» ~~«أشكرك! لكن لا بأس. هل أنت مشغول الليلة؟» ~~«لقد انتهيت لتوي من العمل.» ~~«حسنا، كيف تسير الأمور؟» ~~«أوه، ببطء كالمعتاد. الأمور تسير ببطء؛ لأننا ليس لدينا ما يكفي من المرافق، لكننا ~~نؤدي كل العمل بقدر ما نستطيع.» ~~«وهل تجني ثمار ما تؤدي من عمل؟» ~~«بكل تأكيد. إنني لست بفاعل خير كما تعرف.» ~~«لا، لم أفترض أنك كذلك. والآن، انظر يا كراندال، أعتقد بأن عملك واعد وأنه سينمو ~~ويزدهر ليصبح شركة كبيرة إذا ما جرى توسيعه.» ~~«أعلم ذلك. لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ من الناحية العملية، ليس لدي رأس مال يمكنني ~~من توسيع عملي، ولا أريد أن أرهن ما لدي وأدفع نسبة فائدة كبيرة مع احتمالية أن نواجه ~~أزمة تجارية في لحظة حاسمة فأخسر حينها كل شيء.» ~~«صحيح تماما؛ صحيح، وهو مبدأ آمن وسليم. وفي الواقع، هذا هو ما أتيتك بشأنه. كنت ~~أراقبك أنت وهذا المصنع عن كثب منذ فترة. والآن، إذا كنت تريد رأس مال فسأمدك به شريطة ~~أن يأتي محاسب من جهتي ويفحص سجلاتك ويجد أن كل شيء يبشر بعائد مجز لتوسيع عملك. ~~إنني أثق بالطبع فيما قلته عن أن الأمور تسير على ما يرام، لكن العمل يبقى عملا كما ~~تعلم، وبالإضافة إلى ذلك، فإنني أريد أن أحصل على رأي خبير بشأن مدى التوسع الذي يمكن أن ~~نقوم به. أعتقد أن بإمكانك بكل سهولة أن تتدبر أمر مصنع أكبر من هذا بعشرة أو عشرين ~~ضعفا.» # قال السيد كراندال: «إلى حد كبير.» ~~«إذن ما رأيك في أن أعرج عليك غدا في التاسعة ومعي المحاسب الذي حدثتك ~~عنه؟» ~~«لا بأس بذلك.» # وسار السيد جون كراندال إلى منزله في تلك الليلة وهو في غاية الابتهاج. ~~••• # قال المريض بصوت واهن كثيرا: «حسنا أيها الطبيب، ماذا ترى!» ~~«كما قلت من قبل. سيتحتم عليك أن تأخذ قسطا من الراحة. وكما تعلم، فقد تنبأت بهذا ~~التداعي.» ~~«ألا يمكنك أن تعطيني شيئا ms173 يحسن من حالتي مؤقتا ؟ من الضروري بدرجة كبيرة أن أظل ~~في العمل هذه الفترة.» ~~«ذلك ضروري بالطبع. لقد ظلت الحال على هذا المنوال طوال السنوات الخمس المنصرمة. أنسيت ~~أنك في تلك الفترة كنت تحسن من حالتك عدة مرات لفترات مؤقتة. والآن، سأضعك قيد ~~الملاحظة حتى يمكنك السفر في غضون عدة أيام، وأصر على أن تكون رحلتك بحرية أو أن ~~تقضي وقتا هادئا في مكان ما على هذه القارة. سيتحتم عليك أن تتوقف كلية عن التفكير ~~في شئون العمل. لا مجال لأي حجج أو استثناءات هذه المرة.» ~~«اسمعني أيها الطبيب. لا أعرف كيف سأغادر في الوقت الحالي. لقد ساءت حالتي على هذا ~~النحو لمرات كثيرة من قبل. أنت تعلم هذا. وأنا أكدح كثيرا وحين أعود إلى مكتبي يمكنني أن ~~أتعامل مع الأمور بسهولة أكبر. وكما تعلم، نحن على وشك إبرام صفقة كبيرة مع أمريكا ~~الجنوبية وأشعر بقلق شديد حيال الأمر. إنه مشروع جديد، كما تعلم.» ~~«أعتقد بأنك تستطيع أن تحرر شيكا بمبلغ كبير من المال يا سيد كراندال.» ~~«أجل، أستطيع. إذا كانت الأموال ستساعد في رأب الصدع، فسأتدبر ما يلزم.» ~~«في الواقع، لا يستطيع المال فعل ذلك. ما أردت قوله هو أنك إذا بالغت في السحب من حسابك ~~بقدر ما يستطيع البند أن يقدم لك - بدلا من زيادة حجم إيداعاتك - فهل ستستغرب لو رفض ~~شيك لك؟» ~~«لا، لن أستغرب ذلك.» ~~«إذن، هذه هي حالتك الجسدية. لقد أفرطت في السحب من حساب صحتك. ينبغي لك أن تجري إيداعا. ~~لا بد أن تأخذ إجازة.» ~~«في أي وقت آخر أيها الطبيب. سآخذ إجازة بالتأكيد، لكن بمجرد أن ننتهي من إبرام تلك ~~الصفقة. أعدك بشرفي أنني سأفعل. لست في حاجة لأن تهز رأسك رافضا. إن أخذ إجازة الآن لن ~~يساعد إلا في تفاقم الأمر. لن أنعم بدقيقة واحدة من السكينة وراحة البال وأنا أعرف أن مشروع ~~أمريكا الجنوبية قد يكون عرضة للفشل. سيستبد بي القلق حد الموت.» ~~••• # كانت جنازة السيد كراندال بلا شك هي أحد ms174 أكثر المشاهد المهيبة التي شهدتها المدينة حتى ~~اليوم. وقد تحدثت الصحف كلها عن صفات رجل الصناعة الراحل، الذي كان ازدهار عمله مؤشرا ~~يقاس به ازدهار المدينة نفسها. كما تحدث الوزير المفوه عن الأقدار الإلهية الغامضة في ~~اقتطاف رجل في أوج عزه وذروة نفعه وغنائه. # | خذلان برادلي # يضحك المتزلج بخفة وينزلق، # غير مدرك أن تحت الجليد، # الذي ينحت فيه بزلاجته، # جثة متجمدة ترقد في صمت وتنزلق. ~~••• # تحدق الجثة إليه وهو يتزلج فوقها، # وأصابعها الزرقاء الباردة المتيبسة # تتحرك في إثره وتتبعه. # تهيم بقربه وتهيم بعيدا. # قصيدة مجهولة # قال برادلي: «لو أني أمتلك الشجاعة.» بينما كان ينظر من فوق الحاجز ~~الحجري لضفة نهر التيمز إلى المياه المظلمة وهي تتلألأ لوهلة تحت بريق مصباح الغاز ثم تختفي ~~في ظلام الليل وتعود لتتلألأ من جديد في أسفل النهر. # واستطرد يتمتم لنفسه: «إنني على الأرجح سأكافح من أجل الخروج مرة أخرى في اللحظة ~~نفسها التي سأقفز فيها.» ثم استدرك قائلا: «لكن إذا لم تأت المساعدة، فسينتهي كل شيء في ~~غضون دقيقة. أو ربما دقيقتين. أقسم أن تلكما الدقيقتين ستبدوان وكأنهما دهر. وخلالهما ~~سأرى مئات الطرق لكسب القوت، لو تمكنت فقط من الخروج من المياه مرة أخرى. فلم لا ~~أستطيع الآن أن أجد طريقة لكسب قوتي بينما لا أزال خارج المياه. لقد انتحر والدي، فلم لا ~~أقدم أنا على فعل ذلك؟ أعتقد أن الأمر متوارث في العائلة. يبدو أن هناك لحظة يكون فيها ~~الانتحار هو المخرج الوحيد. ترى هل تردد قبل انتحاره؟ إنني جبان، وتلك هي ~~المشكلة.» # وبعد لحظة من التردد تسلق الرجل إلى قمة الجدار الحجري ثم توقف مرة أخرى. ثم نظر ~~إلى مياه النهر المظلمة وهو يرتعد. # وصاح بصوت عال: «سأفعلها.» وكان على وشك أن يقفز حين أمسكت به يد من ذراعه وجاءه صوت ~~يقول: ~~«ماذا ستفعل؟» # وفي ضوء مصباح الغاز رأى برادلي وجه رجل بدا مألوفا له، ورغم أنه تساءل في نفسه سريعا: ~~«أين رأيت هذا الرجل من قبل؟» فإنه لم يستطع أن يتذكر. ms175 # فأجاب برادلي متجهما: «لا شيء.» # فرد الرجل: «هذا صحيح. لم أكن لأفعل شيئا من هذا القبيل لو كنت مكانك.» ~~«بالطبع لم تكن لتفعل ذلك. أنت تملك كل ما ينقصني؛ المأكل، والملبس، والمأوى. لم تكن ~~لتفعل ذلك بكل تأكيد. ما الذي قد يدفعك إلى فعل ذلك؟» ~~«ما الذي قد يدفعك أنت إلى فعل ذلك، ما دمنا تطرقنا إلى هذا الأمر؟» ~~«لأن عشرة شلنات تقف بيني وبين حصولي على وظيفة. هذا هو السبب إذا كنت تريد أن تعرف. ~~إن أجرة السكة الحديد ثمانية شلنات، وشلن لأشتري شيئا آكله الليلة، وشلن آخر أشتري به ~~شيئا آكله في الصباح. لكنني ليس معي عشرة شلنات. هذا هو السبب.» ~~«إذا أعطيتك عشرة شلنات، فما الذي يضمن لي أنك لن تذهب وتشتري بها شرابا تثمل ~~به؟» ~~«ليس كذلك على الإطلاق. إنني لم أطلب منك عشرة شلنات، ولم أطلب منك شلنا واحدا حتى. ~~كل ما هنالك أنني أجبتك عن سؤالك.» ~~«هذا صحيح. سأعطيك جنيها إذا قبلت به، وبذلك إذا أنفقت نصفه في الترويح عن نفسك، ~~فسيتبقى لك ما يكفي لتحصل على الوظيفة. ما هي تلك الوظيفة؟» ~~«إنني أعمل نجارا.» ~~«إذن لك الجنيه.» ~~«سآخذه بكل سرور. لكن، دعني أذكرك، أنا لست بمتسول. سأقبل بالجنيه إذا أعطيتني ~~عنوانك، حتى أتمكن من رده إليك حين أجنيه من عملي.» # وعند هذا كان برادلي قد نزل إلى الرصيف. وضحك الرجل الآخر ضحكة هادئة. ~~«لا يمكنني أن أوافق على ذلك. يسرني أن تأخذ المال. ويمكنني أن أزيدك إذا أردت. ~~إنما عرضت عليك ضعف المبلغ من أجل تغطية تكاليف أي شيء لم تذكره.» ~~«لن آخذ المال، إلا إذا سمحت لي أن أعيده إليك.» ~~«أنا واثق تمام الثقة من صدقك. ولو لم أكن واثقا فيك، لما عرضت عليك المال. لا ~~يمكنني أن أعطيك عنواني، أو بالأحرى، لن أعطيك عنواني. أما إذا دفعت الجنيه في عمل خيري ~~أو أعطيته إلى شخص محتاج، فسأكون راضيا تماما. إنك إذا أعطيته إلى الشخص المناسب وطلبت ~~منه أن يعطيه هو أيضا ms176 إلى الشخص المناسب، فإن هذا الجنيه سيكون ذا نفع أكبر مما لو كان ~~في جيبي أو لو أنفقته أنا بطرقي المعتادة.» ~~«لكن كيف تعرف أنني سأفعل ذلك؟» ~~«إنني شخص يجيد الحكم على الناس. وأنا واثق من أنك ستفعل ما أقول.» ~~«سآخذ المال إذن. وأشك إن كان في لندن كلها من يحتاج هذا المال الليلة أكثر من حاجتي ~~إليه.» # ثم راح برادلي ينظر إلى الرجل الذي أصبح صديقه وهو يتوارى عن نظره بعيدا. # وقال في نفسه: «لقد رأيت هذا الرجل في مكان ما من قبل.» لكنه كان مخطئا في ذلك. إنه ~~لم يره من قبل. ~~••• # إن الثروة موزعة على نحو متفاوت وغير منصف للغاية. كلنا يقر بهذا، لكن قلة منا ~~فقط من يتفقون على سبل إصلاح ذلك. لقد ناضل أفضل المفكرين في هذا القرن من أجل فهم هذه ~~المسألة، لكن دون جدوى. تبدو آية «لأن الفقراء معكم في كل حين.» حقيقية وصحيحة الآن كما ~~كانت قبل 1800 عام. وحين يستبد الشك بالكثير من الناس، فربما يكون من الراحة والسلوى أن ~~تقابل رجالا يتمتعون بيقين كبير فيما يتعلق بالقضية وسبل علاجها. وتقابل هذا الجمع ~~من الرجال في غرفة خلفية على مسافة من ميدان سوهو. # قال رئيس الجلسة بينما كان النجار يأخذ مكانه بعد أن أغلقت الأبواب: «نحن في انتظارك ~~يا برادلي.» وكان برادلي يبدو بمظهر أفضل مما كان عليه قبل عام على ضفة نهر التيمز. ~~«أعلم أنني تأخرت، لكن لا حيلة لي في ذلك. إنهم يستعجلون الكثير من الأمور في أرض ~~المعارض. والوقت ضيق الآن، وقد بدءوا يشعرون بالقلق خشية ألا يكون كل شيء جاهزا في ~~موعده.» # قال رجل من الجمع الصغير: «هذا صحيح. إننا عبيد وينبغي أن نصل مبكرا أو نغادر متأخرا ~~حسب ما يراه أسيادنا المزعومون.» # قال برادلي مبتسما وهو يجلس: «أوه، هناك أجر إضافي.» # قال رئيس الجلسة وهو يقرع على المكتب: «أيها الرفاق، سنتطرق الآن إلى أمر الأعمال. لقد ~~انعقدت اللجنة السرية واتخذت قرارا. بعد سحب القرعة ستكون مهمتي ms177 هي إبلاغ الرجل ~~المختار بتفاصيل المهمة. ومن المستحسن أن يعرف قلة فقط - حتى من بيننا - من هو هذا ~~الرجل الذي سحب الورقة الموسومة. وربما يكون من حسن حظي أن أكون الرجل المختار. إن أحد ~~تلك الأوراق يحمل علامة خطين متصالبين. وأيا كان الرجل الذي سيسحب تلك الورقة، فإنه ~~سيأتي إلي في غرفتي في غضون يومين. وينبغي أن يأتي وحده. لقد أصدرت أوامري إلى اللجنة ~~بألا ينظر أحد في ورقته إلا بعد أن يغادر هذه الغرفة، وأن النظر في الورقة لا بد أن يتم ~~سرا. وكل رجل ملتزم بقسمه ألا يخبر أحدا في أي وقت سواء كان هو الرجل المختار أو ~~لا.» # وضعت الأوراق في قبعة وسحب كل رجل في الغرفة ورقة. وضع رئيس الجلسة ورقته في ~~جيبه، وهكذا فعل الآخرون. ثم فتحت الأبواب وذهب كل رجل إلى منزله، إن كان لديه ~~منزل. # وفي مساء اليوم التالي، عرج برادلي على غرفة رئيس الجلسة وقال له: «ها هي الورقة ~~الموسومة قد سحبتها ليلة أمس.» ~~••• # كان مبنى المعرض يزهو بالكثير من الرايات ويصدح بأصوات إحدى الفرق الموسيقية. وكانت ~~الآلة التي لن تكف عن العمل لمدة ستة أشهر لا تزال ساكنة؛ ذلك أن صاحب السمو كان سيفتتح ~~تشغيلها في غضون ساعة. وكان صاحب السمو وحاشيته لم يصلا بعد، لكن المبنى كان يعج بحشد ~~من الضيوف المدعوين المتأنقين، الذين كانوا هم الأفضل في البلاد من حيث الشهرة والألقاب ~~والثروة. وتحت المنصة الكبيرة التي من المقرر أن يقف عليها صاحب السمو والضيوف الرفيعو ~~الشأن ليلقوا كلماتهم والتي منها سيضغط صاحب السمو زر التشغيل الكهربائي، كان برادلي يسير ~~في الأرجاء مضطربا، وقد اعتلته النظرة نفسها التي كانت على وجهه في تلك الليلة التي ~~فكر فيها أن يقفز في نهر التيمز. كانت المنصة من الأسفل عبارة عن شبكة كثيفة ومتداخلة من ~~العوارض والدعامات. وكان صندوق الأدوات الخشبية الخاص ببرادلي موضوعا على الأرض بجوار أحد ~~عروق الخشب. وقد أتى رئيس العمال وراح يضرب دعامة هنا أو عارضة هناك. # وقال ms178 مخاطبا برادلي: «كل شيء على ما يرام. لن تكون هناك مشكلة، حتى لو أن هذه ~~المنصة نصبت على عجل، وعلى الرغم من الحمل الثقيل الذي ستحمله الليلة.» # لم يكن برادلي واثقا كثيرا بهذا الشأن، لكنه لم ينطق ببنت شفة. وحين تركه رئيس العمال ~~وحده، فتح بحذر غطاء صندوق أداوته وأزاح مئزره الذي كان يغطي شيئا تحته. كان ذلك ~~الشيء صندوقا صغيرا يحوي جهازا به ساعة ومطرقة صغيرة مرفوعة تتدلى على غطاء نحاسي ~~صغير وكأنها سيف دموقليس. ألقى برادلي بالمئزر عليه مرة أخرى وأغلق غطاء الصندوق وجلس ~~إلى أحد عروق الخشب وطوى ذراعيه منتظرا. # ثم سرعان ما جاء صوت هتاف هائل وبدأت الفرقة الموسيقية عزفها. قال برادلي في نفسه وهو ~~يطبق شفتيه بإحكام أكبر: «إنه آت.» ثم صاح به رجل شرطة، وهو يطل برأسه من الباب الخشبي ~~الصغير أسفل المنصة، قائلا: «أيها النجار، تعال إلى هنا بسرعة. يمكنك أن تحظى برؤية ~~أوضح لصاحب السمو وهو يسير في الممر.» سار برادلي إلى الفتحة وحدق إلى الموكب المهيب ~~وهو يتجه نحوه. ثم فجأة، أمسك بذراع الشرطي كالمنجل. ~~«من هو ذلك الرجل الذي يتقدم الموكب في ردائه المميز؟» ~~«ألا تعرفه؟ إنه صاحب السمو.» # راح برادلي يلهث. أدرك أن صاحب السمو هو الرجل الذي قابله عند ضفة النهر. # فقال لرجل الشرطة: «شكرا لك.» ونظر إليه الشرطي في فضول. ثم دلف إلى تحت المنصة ~~الكبيرة بين الدعامات والعوارض واستند إلى أحد العروق الخشبية مقطبا جبينه. # وبعد لحظات قليلة خطا نحو صندوقه، وأزال المئزر وأخرج الآلة بحذر كبير. وبهزة ~~سريعة أزال المطرقة الصغيرة وألقى بها بعيدا عنه. راحت الآلة تطن من الداخل للحظة وكأنها ~~وقت يشارف على الانتهاء. ثم فتح الصندوق الصغير وهزه فأخرج منه على المئزر مادة وكأنها ~~نشارة خشب جافة. ثم بدا متحيرا للحظة ما عساه أن يفعل بها. وأخيرا أخذها إلى الخارج ~~ونثرها على تقاطع للسكة الحديد ينمو عليه العشب. ثم عاد برادلي إلى صندوق عدته وأخرج ~~منه إزميلا وراح يتحسس حافته بإبهامه وهو ms179 متجهم. ~~••• # أقر الجميع أن صاحب السمو لم يلق في حياته من قبل خطابا أبلغ من الذي ألقاه أثناء ~~حدث افتتاح ذلك المعرض. كان صاحب السمو قد ألمح بقدر يسير إلى موضوع الرخاء المنقطع النظير ~~في البلاد، الذي كانت إحدى دلالاته تلك المجموعة الفنية الرائعة التي تحويها تلك الجدران. ~~كما أشار إلى جو الاطمئنان والرضا العام الذي ساد بين الطبقات التي يرجع الفضل إلى ما ~~أنجزته أياديهم في تلك الأمثلة الرائعة المعروضة للمهارة البشرية. وقد عبر صاحب السمو عن ~~امتنانه للسلام والطمأنينة التي سادت على الأرض السعيدة وعن أمله في استمرارهما. ثم كان ~~هناك عدد لا بأس به من اللمسات الفكاهية في حديثه، ومثل هذه اللمسات تكون باعثة كثيرا على ~~السرور حين تأتي من أناس يتقلدون مناصب رفيعة. وفي الواقع، قال رئيس الجلسة في الاجتماع ~~الذي انعقد بعد ذلك (وانعقد سرا بالطبع) إن الرجل الذي كتب خطاب صاحب السمو قد تفوق ~~على نفسه. ~~••• # نشرت الصحف تقارير كاملة ومفصلة عن افتتاح المعرض في صباح اليوم التالي لذلك، وربما ~~لأن تلك المقالات المصورة كانت تحتل مساحة كبيرة في الصحف، لم تكن هناك مساحة كبيرة ~~للإعلان عن الرجل الذي انتحر. لم تقل الصحف أين وجدت الجثة، إلا أنها كانت بالقرب من ~~مبنى المعرض، ولم يعرف صاحب السمو قط أنه ألقى بذلك الخطاب الرائع مباشرة على جثة رجل ~~ميت. # | تحول رينجامي # جلس السيد جون رينجامي - المؤلف - في مكتبته يحدق في تراخ وفتور إلى خارج النافذة. ~~كان المنظر أمامه مبهجا للغاية وباعثا على السرور، وأبرزت شمس الصباح الباكر خضرة ~~الأشجار الوارفة على نحو لافت للغاية. كان السيد رينجامي رجلا كثير الانشغال فيما مضى، ~~أما الآن، فلعله يأخذ الحياة على محمل هين - إن هو أراد هذا؛ ذلك أن كتبا قليلة ~~قد تناولت النجاح الباهر لآخر أعماله. كان السيد رينجامي يفكر في هذا الشأن حين فتح ~~الباب ودخل من حجرة مكتبه الملحقة بالمكتبة شاب طويل البنية يبدو عليه أنه مثقف. ~~وضع الشاب على الطاولة مجموعة من الخطابات كانت ms180 في يده، وبعد أن سحب كرسيا، فتح ~~دفتر ملاحظات فارغا كان يحوي بين طياته قلما رصاصا كلا طرفيه مشحوذان. # قال المؤلف وهو يقرب كرسيه أيضا من الطاولة: «صباح الخير سيد سكريفر.» وقد ~~تنهد المؤلف أثناء فعله ذلك؛ ذلك أن المشهد الربيعي الخلاب من نافذة المكتبة كان ~~أكثر جاذبية من مهمة الرد على عدد كبير من المراسلات. ~~«هل لدينا الكثير من الرسائل اليوم يا سكريفر؟!» ~~«هناك الكثير فعلا يا سيدي. لكن أغلبها مجرد رسائل صغيرة تتطلب توقعيك.» ~~«الطوابع مرفقة بها، أليس كذلك؟» ~~«معظمها كذلك يا سيدي، وتلك التي لم يكن مرفقا بها الطوابع ألقيتها في سلة ~~المهملات.» ~~«أحسنت صنعا. أما عن التوقيعات، فيمكنك أن تعمل عليها بعد ظهر اليوم، إذا كان لديك ~~متسع من الوقت.» ~~«لقد عملت عليها بالفعل يا سيدي. فحتى أقرب أصدقائك لا يستطيع أن يفرق بين نسختي من ~~توقيعك والنسخة الحقيقية منه، وهو أمر أمتدح نفسي بشأنه.» # وبينما كان يقول جملته تلك، دفع الشاب نحو المؤلف برسالة كتبها هو، فنظر إليها ~~السيد رينجامي بعين ناقدة. ~~«جيد جدا يا سكريفر، جيد جدا حقا. في الواقع، إن استدعيت إلى منصة الشهود فلست ~~بواثق من قدرتي على القسم بأن هذا التوقيع ليس توقيعي. ما الذي ذكرته في متن الرسالة ~~عن الأفكار والآراء الخاصة؟ آمل ألا تكتب عني رأيا خاصا. حذار يا فتى، فأنا لا أريد ~~للصحف أن تحصل على أي شيء يمكن أن يحولوه إلى أضحوكة أو سخرية. إنهم يميلون كثيرا ~~ليفعلوا ذلك إذا ما سنحت لهم نصف فرصة.» # قال الشاب: «أوه، أعتقد أنك ستجد أن لا بأس بذلك. إلا أنني فكرت أن من الأفضل ~~أن أطرح الرسالة عليك قبل أن أرسلها. إن السيدة صاحبة الرسالة أنشأت «نادي رينجامي» في ~~كالامازو، وهي تطلب منك أن تكتب لها رأيا خاصا أو فكرة خاصة بخط يدك حتى يمكن لهم أن ~~يتخذوها شعارا لناديهم. ولذا، كتبت لها جملة «ينبغي لكل فئات العمال أن تحصل على أجور ~~متساوية.» وإذا لم تكن هذه الجملة مناسبة لك، ms181 فيمكنني أن أغيرها بسهولة.» ~~«أوه ، إنها تناسبني تماما، إنها ممتازة.» ~~«إنها بالطبع هراء شنيع، لكنني ظننت أن العقلية الأنثوية ستسر بمثل هذه ~~الجملة.» ~~«شنيع، ماذا قلت يا سيد سكريفر؟» ~~«حسن، إنه شيء على سبيل الترضية، إذا كان من الأنسب وصفه بذلك. أنت بالطبع لا تؤمن بأي ~~من تلك التفاهات.» # عبس وجه السيد جونسون رينجامي وهو ينظر إلى سكرتيره. # ثم قال في النهاية: «لا أعتقد بأنني أفهمك.» ~~«حسن، انظر يا سيد رينجامي، إنني لا أتحدث الآن بصفتي موظفا يتحدث إلى رب عمله، ~~وإنما ...» ~~«إنني لا أتحدث معك بهذه الصفة يا سكريفر. إن فكرة رب العمل وموظفه ليست مطروحة ~~بيننا. ينبغي ألا تكون مثل هذه الفكرة مطروحة بين أي شخصين. فالبشر جميعا أحرار ~~ومتساوون.» ~~«إنهم كذلك نظريا، ومن وجهة نظري أيضا، كما يمكنني القول إذا أردت أن أجعل الجملة ~~معبرة أكثر.» ~~«يا سكريفر، لا يمكنني أن أحييك على لغتك المعبرة، إن جاز لي أن أسميها كذلك. لكننا ~~نجنح عن حديثنا. كنت ستقول إنك تتحدث بصفتك ... حسن، أكمل.» ~~«كنت سأقول إنني أتحدث إليك بصفتي رجلا عاقلا يتحدث إلى رجل عاقل مثله، من دون ~~لغو أو تضليل، ألا تعتقد أنه محض هراء أن يعتقد المرء بأن كل فئات العمال ينبغي أن ~~تحصل على أجور متساوية. أنتحدث بصراحة الآن؟» # أرجع المؤلف ظهره إلى الوراء في كرسيه وراح يحدق في سكرتيره. ثم قال في ~~النهاية: ~~«عزيزي سكريفر، لا يمكنك أن تعني حقا ما تقول. أنت تعلم أنني أومن أن كل فئات ~~العمال ينبغي أن تحصل على أجور متساوية تماما. عامل المنجم، والحداد، والواعظ، وموظف ~~البريد، والمؤلف، والناشر، وصاحب المطبعة ... أجل، ينبغي أن يحصل الرجل الذي ينظف ~~المكتب أو الذي يلمع الأحذية على أجور متساوية إذا كان للعالم أن يسير بالطريقة التي ~~ينبغي له أن يسير بها، أو التي سيسير بها فعلا. ومن المؤكد يا سكريفر أنك لم تقرأ كتابي ~~...» ~~«أقرؤه؟ أحقا! لقد كتبته.» ~~«هل كتبته؟ أحقا! لطالما كنت أعتقد أنني أنا المؤلف ...» ~~«هذا صحيح فعلا. لكن ms182 ألم أدونه كله بالاختزال، وأضرب بجد على الآلة الكاتبة، ~~ألم أراجع معك مسودة الطبع. ومع ذلك، تسألني إن كنت قد قرأت الكتاب؟!» ~~«أوه، أجل، أنت محق تماما في هذا، أرى ما ترمي إليه. لكنك إذا أوليت اهتماما للحجج ~~المذكورة في الكتاب بقدر ما أوليت إلى عملية نسخه الآلية، فأعتقد أنك لم تكن لتسأل إن ~~كنت أعني حقا ما قلت.» ~~«أعتقد بأنك - بطريقة ما - كنت تعني ذلك كله نظريا. ربما، لكن ...» ~~«يا سيدي العزيز، اسمح لي أن أقول إن النظرية التي لا تتسم بأنها عملية ليست بنظرية من ~~الأساس. إن النجاح الكبير لكتاب «النظر للأعلى» يعود إلى حقيقة أنه كتاب عملي للغاية. ~~إن إضفاء الطابع القومي على كل شيء ليس مجرد شأن نظري وحسب. إن الأفكار التي ينادي ~~بها الكتاب يمكن أن تراها واقعا أمامك في أي وقت. انظر إلى الجيش، وانظر إلى مكتب ~~البريد.» ~~«أوه، لا بأس بذلك، أن تنظر إلى الأشياء في مجملها. لكن لنتطرق إلى التفاصيل العملية. ~~فالتفاصيل هي المحك الحقيقي لأي نظام. لنتناول كتاب «النظر للأعلى». هل لي أن أسألك كم ~~جنيت من هذا الكتاب حتى هذه اللحظة؟» ~~«أوه، لا أعرف تحديدا. في حدود 20 ألف جنيه إسترليني.» ~~«جيد جدا. والآن لننظر إلى الطريقة التي أنتج بها هذا الكتاب. كنت تذرع هذه الغرفة ~~جيئة وذهابا ويدك خلف ظهرك، وكنت تملي علي الفصل تلو الآخر، وجلست أنا إلى هذه ~~الطاولة أدونه بالاختزال. ثم كنت تخرج أنت وتتنسم الهواء بينما كنت أضرب بجد على ~~الآلة الكاتبة.» ~~«أتمنى أن تتوقف عن قول «أضرب بجد» هذه يا سكريفر. لقد استخدمت هذه الكلمة مرتين ~~حتى الآن.» ~~«لا بأس، خطأ مطبعي ... ذلك أن «أضرب بجد» تفهم بأنها «أعمل بمهارة». ثم كنت ~~تمر بعينيك سريعا على الصفحات المطبوعة على الآلة الكاتبة، وكنت أمسح أنا وأضيف إليها، ~~ثم أخرج في النهاية بنسخة مثالية. والآن لقد عملت بجد مثلك - وربما أكثر منك - لكن نجاح ~~هذا الكتاب يعود إليك وحدك، وليس لي شيء فيه. ولذا، من الإنصاف ms183 جدا أن تحصل أنت على مبلغ ~~العشرين ألف جنيه إسترليني وأحصل أنا على جنيهين أسبوعيا. أليس كذلك؟ إنني أتحدث ~~كرجل عاقل.» ~~«وأنا أتحدث أيضا كرجل عاقل تماما وأقول إن هذا ليس من الإنصاف في شيء. لو كان ~~العالم يسير بقواعد سليمة ومنصفة لكان أجر المؤلف هو مثل أجر سكرتيره بالضبط.» # أجابه السكرتير: «أوه، حسنا، الآن وقد تطرقت إلى هذا الأمر، فليس لدي ما ~~أضيفه.» # ضحك المؤلف، وكرس الرجلان طاقاتهما ليفرغا من المراسلات. وحين انتهوا من المهمة، ~~قال سكريفر: ~~«أريد أن أحصل على إجازة لعدة أيام يا سيد رينجامي. فهناك أعمال خاصة علي أن أوليها ~~اهتمامي.» ~~«متى يمكنك أن تعود لتباشر العمل؟» ~~«سأرسل إليك في صباح يوم الخميس.» ~~«حسن إذن. لا تتأخر عن يوم الخميس. أعتقد بأنني سآخذ إجازة أنا أيضا لبضعة ~~أيام.» ~~••• # وفي صباح يوم الخميس، جلس السيد جونسون رينجامي في مكتبته وراح يطل من النافذة، لكن ~~اليوم لم يكن باعثا على البهجة كآخر مرة نظر فيها إلى التلال والغابات والحقول ~~الخضراء. ذلك أن عاصفة ربيعية هوجاء ضربت المظهر الطبيعي أمامه، وراحت قطرات المطر تضرب ~~على النافذة. انتظر السيد رينجامي لبعض الوقت ثم فتح باب مكتبه ونظر بداخلها. كانت ~~الغرفة الصغيرة خالية. دق الجرس، فحضرت إليه الخادمة. ~~«ألم يجئ السيد سكريفر بعد؟» ~~«لا يا سيدي، لم يجئ بعد.» ~~«ربما منعه سقوط المطر.» ~~«قال السيد سكريفر إنك حين تعود ستجد خطابا على الطاولة بانتظارك.» ~~«آه، هذا هو إذن. شكرا لك. يمكنك الانصراف.» # فتح المؤلف الخطاب وقرأ التالي: # عزيزي السيد رينجامي، لقد أقنعتني تماما حجتك في ذلك اليوم بأنك محق، وأنني ~~كنت مخطئا (تمتم المؤلف في نفسه: «آه! كنت أعرف أنها ستقنعك».) ومن ثم، ~~فقد اتخذت خطوة نحو تطبيق نظرياتك ووضعها حيز التنفيذ. إن النظام يعد قديما ~~في الحياة التجارية، لكنه لا يزال حديثا في تطبيقه الحالي، حتى إنني أخشى أن ~~الأمر لن يجد نصيرا له سواك أنت، وأثق أنني الآن وأنا بعيد كل البعد (صاح ~~المؤلف: «يا إلهي! ماذا يعني هذا؟») ms184 أنك ستبرهن لكل المشككين أنني تصرفت ~~بناء على المبادئ التي ستحكم العالم حين توضع نظريات كتاب «النظر للأعلى» موضع ~~التطبيق. وخشية أن الجميع لن يوافقوك الرأي في الوقت الراهن، فقد اتخذت الحيطة ~~وذهبت إلى ذلك البلد غير المكتشف، الذي لا توجد فيه معاهدة تسليم مجرمين تجبر ~~المسافر على العودة. لقد ذهبت إلى إسبانيا المشمسة. وقد قلت إنك لا تستطيع أن ~~تفرق بين تقليدي لتوقيعك وتوقيعك الحقيقي. ولم يستطع صراف البنك حتى أن ~~يفرق بينهما. لقد مكنني تقليدي الدقيق لتوقيعك من سحب مبلغ 10 آلاف جينه ~~إسترليني من حسابك البنكي. إنها نصف الأرباح كما تعلم. ويمكنك أن ترسل المستحقات ~~المتراكمة مستقبلا على عنوان بوست ريستانت، مدريد، إسبانيا؛ ذلك أن الكتاب ~~سيواصل مبيعاته. # آدم سكريفر # وفي الحال وضع السيد رينجامي القضية بين أيدي المحققين، حيث لا تزال على حالها. # | نزيل غامض # عندما نزل جون أرمسترونج من القطار في محطة يونيون في تورنتو بكندا وسار إلى خارجها، ~~اقترب منه صبي صغير. ~~«أتريد أن أحمل حقيبة سفرك عنك يا سيدي؟» # قال السيد أرمسترونج: «لا، شكرا لك.» ~~«هل أحملها مقابل عشر سنتات يا سيدي؟» ~~«لا.» ~~«هل أحملها مقابل خمس سنتات يا سيدي؟» ~~«هلا ابتعدت عن طريقي؟» # ابتعد الصبي عن طريقه، وحمل جون أرمسترونج حقيبة سفره بنفسه. # كان في الحقيبة نصف مليون دولار تقريبا؛ ولذا ظن السيد أرمسترونج أن من الأفضل أن ~~يحمل هو الحقيبة لنفسه. ~~••• # في نافذة بارزة لأحد أجمل البيوت في روتشستر بمدينة نيويورك، جلست الآنسة ألما تيمبل ~~تنتظر والدها لدى عودته من البنك. كان السيد هوراس تيمبل أحد الرجال الأقوياء ماديا في ~~روتشستر، وكان يعمل رئيس بنك تيمبل الوطني. ورغم أن الوقت كان لا يزال في بداية شهر ديسمبر، ~~كان الشتاء ينذر بأنه سيكون هو الأقسى منذ عدة سنوات، فكان الجليد يغطي الشوارع بطبقات ~~صلبة، لكنه لم يكن بالصلابة الكافية ليسمح للناس بالتنقل باستخدام زلاجة الجليد. كان الجو ~~في غاية البرودة. وفجأة، ابتعدت الآنسة ألما عن النافذة وقد تورد وجهها سريعا، ومن ~~المؤكد ms185 أن ذلك لم يكن سببه مجيء والدها . كان هناك شاب أنيق يتقافز على الدرج في ~~خفة، ثم ضغط الشاب على الزر الكهربائي عند الباب. وحين دخل الشاب إلى الحجرة بعد لحظة، ~~كانت الآنسة ألما تجلس بالقرب من نيران المدفأة في رزانة. تقدم الشاب نحوها بسرعة، وأخذ ~~كلتا يديها الممدودتين في يديه. ثم حياها برقة وحنان، وهو ينظر خفية في جميع أنحاء ~~الغرفة، حياها بطريقة لا يرى راوي هذه الأحداث أنه ملزم بسرد تفاصيلها. لكن، ربما يكون ~~جديرا بالذكر أن المقاومة التي ظنت الآنسة الشابة أنها ملائمة لهذا الموقف كانت ~~مقاومة واهنة وغير ذات جدوى، وهكذا نفهم - منذ البداية - أن هذا الشاب وتلك الشابة كانا ~~على درجة كبيرة من التفاهم فيما بينهما. # بدأ الشاب حديثه قائلا: «تبدين متفاجئة لرؤيتي.» ~~«في الواقع يا والتر، لقد فهمت أنك غادرت آخر مرة بعد أن أفصحت عن عزمك في حماسة كبيرة ~~بأن ظلك لن يطأ عتبتنا مرة أخرى.» ~~«حسنا، أنت تعرفين يا عزيزتي أنني أكون متسرعا في بعض الأحيان؛ وفي الواقع، الطقس غائم ~~كثيرا هذه الأيام، وبأي حال، لن يحدث ذلك فارقا إن أتيت ووطئ ظلي عتبة بابكم مرة ~~أخرى، ففكرت أن آتي وأجازف بذلك.» ~~«لكنني فهمت أيضا أن أبي جعلك تقطع وعدا، أو أنك قطعت الوعد من تلقاء نفسك، بألا تراني ~~مرة أخرى من دون إذن منه؟» ~~«ليس من تلقاء نفسي. بل كان الأمر بعيدا كل البعد عن ذلك. كنت مكرها، أؤكد لك. ~~لكنني لم آت لكي أراك. أنت مخطئة في ذلك. إن رؤيتك الآن مجرد صدفة، وقد بذلت قصارى ~~جهدي لكي أتجنب وقوعها. هذا حقيقي! لقد قالت الخادمة: «هلا دخلت إلى غرفة الصالون.» ~~وهكذا فعلت بطبيعة الحال. ولم أكن أتوقع أن أجدك هنا. ظننت أنني رأيت سيدة شابة بجوار ~~النافذة بينما كنت أصعد إلى هنا، لكن نظرتي كانت خاطفة حتى إنني اعتقدت أنني كنت ~~مخطئا.» ~~«إذن سأتركك ولن أقاطع ...» ~~«لا تفعلي. إنني أرجوك الآن ألا تغادري بسببي يا ألما. تعلمين أنني ما كنت ms186 لأتسبب ~~لك في أي مشكلة.» ~~«أنت عطوف جدا يا سيد براون، أنا واثقة من هذا.» ~~«بالفعل أنا كذلك آنسة تيمبل. وكل أصدقائي يقرون بهذا. لكن، بما أنك هنا الآن ... ~~بالمناسبة، لقد جئت لرؤية السيد تيمبل. أهو بالمنزل؟» ~~«إنني أتوقع وصوله في أي لحظة.» ~~«أوه، حسنا، لقد خاب أملي، لكنني أعتقد بأني سأنتظره بعض الوقت ... حتى يصل إلى ~~المنزل.» ~~«كنت أعتقد أن آخر لقاء بينكما لم يكن سارا كثيرا بحيث تطلب لقاءه مرة أخرى بهذه ~~السرعة.» ~~«الحقيقة يا ألما أن كلينا فقد أعصابه بعض الشيء، ومردود هذا لا يكون جيدا أبدا. لا ~~يمكن للمرء أن يبرم الصفقات في وقت الغضب كما تعلمين.» ~~«أوه، إذن طلبك يد ابنته كان صفقة ... مجرد عرض عمل، أليس كذلك؟» ~~«حسنا، أقر بأنه فسر الأمر على هذا النحو، وبقوة أيضا. وبالنسبة إلي كان الأمر ~~سيخالطه السرور لو وافق، لكنه لم يوافق. اسمعي يا ألما، أخبريني بصراحة بوجه اعتراضه علي ~~على أي حال (لقد حدثك والدك في هذا الأمر دون شك).» ~~«أتصور أنك ترى نفسك شابا مرغوبا فيه كثيرا حتى إنه ليدهشك كثيرا حين يبدي أحد ~~اعتراضا عليك؟» ~~«أوه، بحقك يا ألما، لا تمعني في جرحي بينما أنا في موقف سيئ كهذا. إن زهوي بنفسي ~~وخيلائي لا يزيدان عما لدى أي شاب عادي، لكن، على الجانب الآخر، لست بأحمق - على الرغم ~~من ظاهر الأمر - لكيلا أعرف أن بعض الناس يرونني شخصا لديه مؤهلات ومرغوبا فيه. وفي ~~رأيي أنني لا أتصف بصفات سيئة كثيرة. فأنا لا أعاقر الشراب؛ ولا ... أوه، يمكنني أن أصنع ~~لك قائمة بالأشياء السيئة التي لا أفعلها.» ~~«لا شك أنك صريح بما يكفي، أيها الشاب ذو المؤهلات. ومع ذلك، يجب ألا تنسى أن أبي ~~يعد حموا ذا مؤهلات أيضا، إن كان الأمر يتعلق بذلك.» ~~«بالطبع، أقر بذلك. كيف يمكن له ألا يكون كذلك وهو أب لابنة فاتنة مثلك؟» ~~«تعرف أنني لا أقصد ذلك يا والتر. كنت تتحدث عن الثروة وكنت أقصد أنا ذلك. ربما من ~~الأفضل ms187 أن نتطرق إلى موضوع آخر.» ~~«بالمناسبة، هذا يذكرني بما أتيت لرؤيتك بشأنه. ماذا ...» ~~«لرؤيتي؟ كنت أظن أنك أتيت لرؤية أبي.» ~~«أوه، أجل ... بكل تأكيد ... أتيت لرؤيته، بالطبع، لكن في حالة أنني رأيتك، فكرت في أن ~~أسألك عن المزيد من التفاصيل في القضية. لقد طرحت عليك السؤال لكنك راوغت في الإجابة. ~~لم تخبريني لم هو متحيز ضدي. لماذا عاملني بطريقة فظة حين تحدثت إليه عن ~~الأمر؟ إن طلب يد ابنة من أبيها ليس عملا إجراميا. أؤكد لك أنه ليس كذلك. لقد بحثت ~~في القانون عن هذا الأمر، ويقول أحد أصدقائي - وهو يعمل محاميا - إن القضية المقدمة لا ~~ينطبق عليها نص قانوني. فقانون ولاية نيويورك لا ينظر إلى فعلي على أنه ضد سلام الولاية ~~وازدهارها. وفي الواقع، عاملني الرجل وكأنني ضبطت متلبسا في سرقة بنك. والآن أريد أن ~~أعرف وجه اعتراضه. سأسمع ...» ~~«صه! ها قد حضر أبي الآن.» # غادرت الآنسة ألما الحجرة ولقيت والدها في الردهة. ووقف السيد براون وقد وضع يده في ~~جيبه وأعطى ظهره إلى المدفأة. وسمع صوت السيد تيمبل الفظ وهو يقول فيما بدا أنه رد ~~على معلومات قالتها له ابنته: «أحقا؟ ماذا يريد؟» # ثم ساد الصمت لحظة، وبعدها قال الصوت نفسه: ~~«حسن إذن، سألتقيه في غرفة المكتبة بعد بضع دقائق.» # وبطريقة ما تلاشت شجاعة السيد براون الشاب حين سمع صوت المصرفي، أما المعلومات التي كان ~~قد قرر أن يطلبها في غرور وخيلاء؛ فقد رأى أنه قد يطلبها بلطف أكثر. # ثم أضاء وجه السيد براون حين انفتح الباب، لكن لم تكن الآنسة ألما هي من فتحته. قالت ~~له الخادمة: ~~«السيد تيمبل في غرفة المكتبة يا سيدي. فهلا تبعتني!» # تبعها الرجل ووجد السيد تيمبل جالسا إلى الطاولة في غرفة المكتبة والتي كان قد وضع ~~عليها لتوه بعض الأوراق التي تبدو ذات صبغة قانونية، وكانت الأوراق مربوطة إلى بعضها ~~برباط مطاطي سميك. كان من الواضح أن عمله في البنك لم ينته حين غادر البنك. ولاحظ براون ~~الشاب أن السيد تيمبل بدا ms188 مهموما ومنهكا، وأن أسلوبه كان مختلفا كثيرا عما كان عليه ~~في آخر لقاء بينهما. ~~«طاب مساؤك سيد براون. يسرني حضورك. كنت أريد أن أكتب إليك، لكن موضوع حديثنا في تلك ~~الليلة قد أنساني إياه انشغالي بأشياء أخرى أكثر أهمية.» # فكر السيد بروان الشاب على نحو يصعب قبوله أنه ينبغي ألا تكون هناك أمور مهمة لأي ~~أب أكثر من سعادة ابنته، لكنه كان يتحلى بمنطق سليم يمنعه من قول ذلك. ~~«لقد تحدثت إليك في تلك الليلة بأسلوب من الصعب تبريره، وأريد أن أعتذر منك على ذلك. ~~كان من الممكن أن أقول ما قلت بأسلوب يراعي مشاعرك أكثر من ذلك.» ~~«إذن، آمل يا سيد تيمبل أنك غيرت رأيك في ...» ~~«لا يا سيدي. لا زلت ملتزما بما قلت حينها - بفحوى ما قلت وليس بطريقة قولي ~~إياه.» ~~«هل لي أن أسأل عن وجه اعتراضك علي؟» ~~«بالطبع. اعتراضي عليك هو نفس اعتراضي على معظم الشباب في الوقت الحالي. إذا سألت ~~عنك، فماذا سأجد؟ أنك مجدف بارز ... أنك بلا وظيفة ... وأن مميزاتك في الجامعة تنحصر في ~~أنك كنت كابتن فريق كرة القدم، و...» ~~«لا، لا، فريق البيسبول.» ~~«الأمر سيان في رأيي.» ~~«بل مختلف تماما، أؤكد لك يا سيد تيمبل.» ~~«الأمر سيان بالنسبة إلي على أي حال. والآن، في زمني كان الشباب يواجهون صعابا ~~أكثر، وكانوا يتغلبون عليها. إنني كما يقولون رجل عصامي، وربما كان حكمي على الشباب ~~في هذا الوقت أقسى مما ينبغي. لكنني لو كان لدي ابن لسعيت أن أعلمه كيفية إنجاز ~~شيء ما، ثم أتحرى أنه أتمه.» ~~«إنني ممتن لك لأنك أبديت وجه اعتراضك يا سيد تيمبل. لقد تخرجت في كلية هارفرد ~~للقانون، لكنني لم أزاول المهنة قط لأنني - كما قال الصبي الصغير - لست في حاجة إلى ~~ذلك. ربما لو تحدث إلي أحدهم بالطريقة التي تحدثت بها إلي لكنت شمرت عن ساعدي ~~وبدأت العمل. ولم يفت الأوان بعد. هلا منحتني الفرصة؟ بوظيفة الصراف في البنك لديك، ~~على سبيل المثال؟» # كان وقع تلك الكلمات الساذجة ms189 في ظاهرها على السيد تيمبل مذهلا. فقد هب الرجل واقفا ~~وهوى بقبضته على الطاولة في عنف مما جعل السيد براون الشاب ينتفض في مكانه. ثم صاح ~~بنبرة حازمة قائلا: «ماذا تقصد يا سيد؟ ماذا تقصد بقولك هذا؟» # راح براون يتلعثم قائلا: «أنا ... أنا ... أقصد ...» لكنه لم ينطق بالمزيد. كان يعتقد ~~أن الرجل العجوز قد فقد صوابه فجأة. كان الرجل يحدق إلى براون على الجانب الآخر من ~~الطاولة وكأنه على وشك أن يطبق على رقبته في أي لحظة. ثم بدا الشحوب على وجهه مرة أخرى، ~~ومرر يده على جبينه، ثم غاص في كرسيه وهو يغمغم. # قال براون وهو يقترب منه: «سيدي العزيز، ما الأمر؟ هل هناك شيء يمكنني ...» # أجابه المصرفي بنبرة حزينة: «اجلس من فضلك. آمل أن تتجاوز عن ذلك، إنني أعاني من مشكلة ~~كبيرة. لم أرد أن أتحدث عن الأمر، لكني أدين لك بتفسير. في غضون شهر من الآن، وإذا ~~كنت من النوع الذي عليه أكثرية أبناء جيلك، فلن ترغب في الزواج من ابنتي. فهناك احتمال ~~كبير أن توصد أبواب بنكي في غضون تلك الفترة.» ~~«أنت تدهشني يا سيدي. كنت أظن ...» ~~«أجل، وهكذا يظن الجميع. إنني في حياتي قلما منحت ثقتي أناسا لا يستحقونها، لكنني ~~وثقت في الشخص الخطأ هذه المرة، ويبدو أن هذا الخطأ سيمحو كل ما نجحت في تحقيقه طوال ~~حياة مليئة بالعمل الجاد.» ~~«إذا كنت أستطيع مساعدتك ماديا، فسيسرني هذا كثيرا.» ~~«كم المبلغ؟» ~~«في الواقع، لا أعلم ... خمسون ألف دولار ربما، أو ...» ~~«لا بد أن يكون معي مائتان وخمسون ألف دولار قبل نهاية هذا الشهر.» ~~«مائتان وخمسون ألفا!» ~~«أجل يا سيدي. إن السيد ويليام إل ستيبلز - وهو صراف البنك لدي - موجود الآن في ~~كندا ومعه نصف مليون من أموال البنك. ولا أحد يعلم بهذا إلا أنا واثنان من المديرين. ومن ~~المعلوم عموما أنه ذهب إلى واشنطن لقضاء إجازة هناك.» ~~«ألا يمكنك أن ترسل محققين في إثره؟» ~~«بالطبع يمكنني. لكن حينها سيذاع أمر السرقة على الملأ في الحال. ms190 ستعج الصحف بأخبار ~~عن ذلك. وربما يواجه البنك هروبا من المستثمرين، وسيتحتم علينا أن نغلق أبوابنا في ~~اليوم التالي. إن إرسال المحققين في إثره لا يعني إلا أننا نجلب بالكارثة فوق رءوسنا. ~~إن ستيبلز في مأمن كبير، وهو يعلم ذلك. وبفضل معاهدة دولية غبية، فإنه الآن حر ~~طليق لا يخشى خطر القبض عليه في كندا، كما لا تخشى أنت القبض عليك هنا. ومن المستحيل ~~تسليمه إلينا كمجرم متهم بالسرقة.» ~~«لكن أظن أن هناك قانونا بشأن إدخال أموال مسروقة إلى كندا.» ~~«ربما. لكن هذا لن يساعدنا في الوقت الراهن. لا بد أن ندخل في مساومة معه، إذا ~~استطعنا أن نجده في الوقت المناسب. وحتى إذا أغلق البنك أبوابه، فإننا بالطبع سندفع كل ~~الأموال حين يكون هناك وقت لتدارك الأمر. لكن ليست هذه هي المشكلة. هذا الأمر يعني وقوع ~~كارثة ومواجهة متاعب كثيرة، وسيتسبب على الأرجح في إخفاقات أخرى، وكل هذا بسبب احتيال ~~شخص واحد ونذالته.» ~~«إذن لا يبقى سوى حل واحد. لا بد أن نجد ستيبلز في هدوء ونتفاوض معه. سيد تيمبل، دعني ~~أتولى أمر إيجاده وأمر التفاوض معه أيضا، إذا أردت أن تضع ثقتك بي.» ~~«أتعرفه؟» ~~«لم ألتق به في حياتي.» ~~«إليك صورته. من السهل أن تتعرف عليه من خلالها. لن تخطئ في التعرف عليه. من المرجح ~~أنه يعيش في مونتريال تحت اسم مستعار. وربما يكون قد أبحر إلى أوروبا. أنت لن تخبر أحدا ~~بهذا الأمر، أليس كذلك؟» ~~«لن أفعل بكل تأكيد. سأغادر في قطار الليلة إلى مونتريال، أو في أول قطار يتجه إلى ~~هناك.» # دس السيد براون الصورة في جبيه وسلم على المصرفي. وبشكل ما تسببت ثقته في نفسه ~~وانتباهه الجيد في بث شعور بالأمل في نفس الرجل العجوز أكثر مما أظهر؛ ذلك أنه - بصفة عامة ~~- كان يزدري الشباب العادي. ~~«كم المدة التي يمكنك التكتم فيها على الأمر إذا ما لم يكتشف على الملأ؟» ~~«شهرا على الأقل؛ وربما شهرين أو ثلاثة.» ~~«إذن، لا تتوقع أن أراسلك قريبا. لن أخاطر ms191 بمراسلتك. وإذا كان هناك شيء لنتواصل بشأنه ، ~~فسآتي بنفسي.» ~~«إنه لكرم منك أن تحمل عبء مشاكلي على كاهلك بهذا الشكل. أنا ممتن لك ~~كثيرا.» # فأجابه براون الشاب: «أنا لست بفاعل خير يا سيد تيمبل.» ~~••• # وحين نزل السيد براون الشاب من القطار في المحطة المركزية في تورنتو، دنا منه صبي صغير ~~وقال: ~~«أتريد أن أحمل عنك حقيبة سفرك يا سيدي؟» # قال براون وهو يسلمها إليه: «بكل تأكيد.» # ثم سأله عندما وصلا إلى ردهة الفندق: «بكم أدين لك؟» # قال الصبي على الفور: «خمسة وعشرين سنتا.» ثم حصل على ما طلب. # سجل براون نفسه في سجلات الفندق تحت اسم جون إيه ووكر من مونتريال. ~~••• # لم يحدث قط في حياته أن شعر السيد والتر براون من روتشستر بأنه مثبط العزيمة كما شعر ~~في تلك اللحظة التي سجل فيها الكلمات «جون إيه ووكر من مونتريال.» في سجل الفندق. كان قد ~~بحث في مدينة مونتريال من أقصاها إلى أقصاها، لكنه لم يجد أي أثر للرجل الذي كان يبحث ~~عنه. ومع ذلك، من الغريب أن نقول إنه حين رفع عينيه عن السجل رأى وجه السيد ويليام إل ~~ستيبلز الصراف السابق. كان من حظ براون أن ستيبلز كان ينظر إلى الكلمات التي كتبها، ولم ~~يكن ينظر إليه هو، وإلا كان قد لاحظ نظرة الذهول التي بدت تلقائيا على وجه براون ~~وتورد وجهه من السعادة. وكان من الغريب أيضا أن السيد براون كان قد رسم في ذهنه خططا ~~كثيرة للتعرف على ستيبلز حين يلقاه، ومع ذلك فإن الخطوة الأولى كانت من جهة ستيبلز ~~نفسه. # قال السيد ستيبلز، واسمه المستعار جون أرمسترونج: «أنت من مونتريال.» # قال السيد براون: «إنها مدينتي ومسقط رأسي.» ~~«كيف هو ذلك المكان في الشتاء؟ أهو مفعم بالحيوية؟» ~~«أوه، أجل. إن مونتريال مدينة شتوية بدرجة كبيرة. ماذا تبغي منها، عمل أم ترفيه ~~وتسلية؟» ~~«كلاهما في الواقع. وعموما، فحيثما يكون العمل يكون هناك الكثير من الترفيه ~~والتسلية.» # قال براون مؤيدا حديثه: «أجل، هذا صحيح.» لم يرغب براون في ms192 أن يطيل المحادثة. فقد ~~كانت لديه بعض الخطط التي عليه وضعها؛ ولذا تبع حقائبه حتى غرفته بالفندق. كان من الواضح ~~أن عليه أن يتصرف سريعا. فقد كان ستيبلز قد بدأ يسأم من تورنتو. # وبعد يومين كان براون قد أتم وضع خططه. وقابل ستيبلز ذات مساء في غرفة المدخنين في ~~الفندق. # سأله براون قائلا: «هل تفكر في الذهاب إلى مونتريال؟» ~~«فكرت في ذلك فعلا. لكنني لست واثقا بعد. هل لديك أعمال تقوم بها هناك؟» ~~«أجل. إنك إذا ما ذهبت إلى مونتريال فسأعطيك بعض خطابات التعريف للكثير من الأصدقاء ~~الذين سيرشدونك إلى أماكن الترفيه والتسلية، هذا إذا كنت تحب السير بأحذية الثلج، أو ~~التزحلق على الجليد، وما إلى ذلك.» # قال ستيبلز: «لم تستهوني الرياضات يوما.» # فرد عليه براون: «لا يستهويني أنا أيضا بذل الجهد. إنما آتي إلى هنا كل عام من أجل ~~ركوب زوارق الجليد. تلك هي فكرتي عن اللهو والتسلية. إنني أمتلك أحد أسرع الزوارق الجليدية ~~في هذه المنطقة. هل جربت الخروج على متن أحدها يوما؟» ~~«لا، لم أفعل. لكنني رأيت مثلها كثيرا. سيكون الخروج في أحدها في مثل هذا الطقس صعبا ~~للغاية، أليس كذلك؟» ~~«لا أعتقد ذلك. أتحب الخروج معي في أحدها غدا؟» ~~«حسنا، لا بأس بذلك.» # وفي اليوم التالي لذلك واليوم الذي يليه راحا يجوبان المنطقة على متن الزورق الجليدي. ~~وحتى ستيبلز الذي بدا ضجرا من كل شيء تقريبا، راقت له سرعة الزورق وما شعر به على متنه ~~من غبطة. # وفي ظهيرة أحد الأيام، دلف براون إلى المشرب الخاص بالفندق حيث وجد ستيبلز واقفا ~~إليه. # صاح براون به وهو يربت على كتف الرجل: «اسمع يا أرمسترونج، أتود الخروج للهو ~~قليلا؟ الليلة مقمرة ولطيفة، وسأخرج على متن الزورق إلى هاملتون للقاء بعض الرفاق، ~~ويمكننا أن نعود على متنه أيضا، أو أن تظل أنت هناك ثم تعود على متن القطار إذا ما ~~ارتأيت أن الوقت قد تأخر بك.» ~~«إلى هاملتون؟ إنها تقع أعلى البحيرة، أليس كذلك؟» ~~«بلى، إنها ليست ببعيدة عن ms193 هنا. هيا، فأنا أعول على حضورك.» # وبعد مرور ساعة كانا يتزلجان على سطح البحيرة المتجمد. # قال براون: «حاول أن تنعم ببعض الدفء بأردية جلد الثيران فهي مصنوعة لأجل ذلك. لا بد لي ~~أن أوجه الزورق؛ ولذا يتحتم علي البقاء في الخارج. لو كنت مكانك لدثرت نفسي بتلك ~~الأردية وخلدت إلى النوم. سأوقظك حين نصل إلى هناك.» # أجاب ستيبلز: «حسنا، هذه ليست بفكرة سيئة.» # قال براون الشاب في نفسه: «الجنرال جورج واشنطن! هذا قرار سريع وسهل في مجمله. سأقود به ~~عبر البحيرة كحمل ساذج. وقبل أن يستيقظ من نومه سنكون قد عبرنا البحيرة المتجمدة، ~~وسيجد نفسه في الولايات المتحدة مرة أخرى ما إن يفتح عينيه. الشيء الوحيد الذي علي ~~تجنبه الآن هو الجيوب الهوائية والتلال الثلجية، وسيكون كل شيء على ما يرام.» # كان براون قد قطع هذا المسار من قبل وكان يعرف تماما ما يقع أمامه. كانت الرياح تهب ~~بشدة من جهة أعلى البحيرة، وكان الزورق يتحرك في صمت، وفي سرعة أكبر من قطار سريع، ~~فكان يبتعد عن كندا ويطوي المسافة نحو الشاطئ الأمريكي. # صاح ستيبلز وهو يوقظ نفسه وينشطها: «أخبرني عن حالك يا ووكر.» أجابه براون: «بأفضل ما ~~يمكن. سرعان ما سنصل إلى هناك يا ستيبلز.» # كادت زلة لسانه المشئومة تلك تكلف السيد براون حياته. كان براون يفكر في أمر الرجل ~~باسمه الحقيقي، وقد نطق به من دون وعي منه. ولم يلحظ براون أنه فعل ذلك في الوقت ~~المناسب حتى يتدارك نفسه، وفي اللحظة التالية كان اللص قد اندفع نحوه وضغط برأسه على ~~الذراع الحديدية المسئولة عن توجيه دفة القيادة، وقد فعل ذلك بقوة كبيرة حتى إن ~~الدفة ظلت في مكانها وأكمل الزورق تقدمه السريع على طول الجليد من دون أن ~~ينحرف. # زأر سارق البنك قائلا: «أيها المحتال! أهذه خطتك إذن؟ أقسم أنني سألقنك درسا ~~قاسيا في أمور التحري!» # وعلى الرغم من أن براون الشاب كان قويا، فإن الهجوم المباغت وحقيقة أن ستيبلز كان يحكم ~~كلتا قبضتيه حول رقبته ويرتكز ms194 بركبتيه على صدره، كل ذلك شل حركة براون وجعله عاجزا ~~تماما. وحتى تلك اللحظة لم يدرك براون كيف خمن السارق ترتيبه. # لهث براون قائلا: «بالله عليك، دعني أنهض! سنخوض في جيب هوائي وسنغرق على ~~الفور.» ~~«سأخاطر بذلك أيها الكلب! حتى أجعلك تلفظ آخر أنفاسك.» تملص بروان برأسه بعيدا عن ~~الذراع الحديدية، آملا أن يتسبب ذلك في انحراف الزورق، إلا إنه ظل محافظا على مساره. ~~وأدرك أن عليه أن يتصرف بسرعة إذا أراد أن ينجو بحياته. شعر براون أن لسانه ينتفخ ~~ويتورم في حلقه الجاف. خارت قواه وكانت رقبته في قبضة حديدية شريرة. فراح يضرب بقدميه ~~بقوة وتسببت إحدى الركلات المواتية بتحريك الدفة بزوايا قائمة تقريبا. # وفي الحال انقلب الزورق وأصبح في مهب الريح. وحتى لو كان المرء مستعدا لحدث كهذا، ~~فإن الأمر يتطلب كل قوة منه وصلابة لكي يظل على متن الزورق الجليدي. ولم يكن ستيبلز ~~مستعدا. فطار برأسه أولا في الجو ثم راح ينزلق لمسافة طويلة على الجليد الصلب. وطار ~~براون على الجليد أيضا ورقد في مكانه برهة ليلتقط أنفاسه. ثم استجمع براون نفسه ودس ~~يده تحت معطفه وأخرج مسدسه الدوار. وقد ظن براون في البداية أن ستيبلز كان يتظاهر ~~بأنه فاقد الوعي، لكنه حين فحصه عن قرب وجد أن سقوطه على الجليد أفقده وعيه. # كان هناك شيء واحد فقط كان السيد براون يتوق إلى معرفته. كان يريد أن يعرف مكان المال. ~~وكان قد لعب دور المحقق الخاص في ترونتو بطريقة جيدة - بأفضل الطرق الفرنسية - وبحث في غرفة ~~ستيبلز أثناء غيابه، لكنه كان يعرف جيدا أن المال لم يكن فيها ولا في حقيبة سفره. كما كان ~~يعرف جيدا أن الأموال كانت في إحدى مؤسسات الإيداع التي تؤجر خزانات إيداع في المدينة، ~~لكنه لم يستطع أن يكتشف مكانها تحديدا. وكان قد عقد العزم أيضا أن يلعب على مخاوف ~~ستيبلز من دخول السجن بمجرد أن يتمكن من أخذه إلى الجانب الآخر آمنا. أما الآن، بما ~~أن الرجل فقد وعيه، قال لنفسه ms195 إن الوقت موات ليجد ما إذا كان ستيبلز يمتلك في جيبه ~~مفكرة يدون فيها مكان الإيداع. ولم يجد مثل هذه المفكرة في جيبه. لكنه سمع أثناء ~~بحثه صوت خشخشة أوراق وكان من الواضح أن مصدرها بطانة معطفه. ثم لاحظ أن سمك بطانته كبير. ~~وفي لحظة كان قد مزق بطانة المعطف، فنظر فيها فإذا بها مربوطة بوثاق. وكان المعطف ~~والسترة التحتية كلاهما مبطنين بهذه الطريقة، كانت السترة التحتية ممتلئة بأوراق ~~نقدية من بنك إنجلترا؛ ولذا كانت الاحتمالات تقول بأن ستيبلز قد جاب أوروبا في جولة. كان ~~من الواضح أن السارق لا يثق في خزائن الإيداع ولا في البنوك. قلب براون اللص على وجهه، ~~وبعد أن فك أزرار المعطف والسترة التحتية خلعهما عن ذراعيه. ثم خلع براون معطفه، وبصعوبة ~~جعل الرجل الفاقد الوعي يرتديهما ثم ارتدى هو ملابس ذلك الرجل الجشع. # قال براون في نفسه: «هذا هو ما أسميه التقلب في الثراء.» ثم أقر بأنه يشعر بشعور ~~أفضل كثيرا بعد أن غير ملابسه، وذلك رغم برودة الجو. # وبعد أن أغلق براون أزرار ملابسه على جسد الرجل المنبطح، وضع قارورة من الشراب على ~~شفتيه وسرعان ما أعاده إلى وعيه. وجلس ستيبلز على الجليد مصابا بالدوار، ومسح جبهته ~~بيده. وتحت بصيص ضوء القمر البارد وجد فوهة مسدس براون الدوار «تغشاه». ~~«لقد انتهى كل شيء يا سيد ستيبلز. اصعد إلى متن الزورق الجليدي.» ~~«إلى أين ستأخذني؟» ~~«سأخلي سبيلك حين نصل إلى الشاطئ إذا أخبرتني عن مكان المال.» # قال السيد ستيبلز، وكان من الواضح أنه يريد بذلك أن يكسب بعض الوقت: «أنت تعلم أنك ~~متهم بجريمة الاختطاف؛ ومن ثم فأنت تحت طائلة القانون الآن.» ~~«هذه مسألة يمكن أن نناقشها فيما بعد. لقد أتيت بطوع إرادتك، لا تنس ذلك. أين ~~المال؟» ~~«إنه في خزينة إيداع في البنك التجاري.» ~~«إذن، هاك ورقة وقلم، وإذا لم يكن الحبر قد تجمد ... لا، إنه على ما يرام ... فحرر ~~شيكا بسرعة بالمبلغ يدفع إلى حامله. أسرع، وإلا تجمد الحبر.» # وكانت هناك ابتسامة ms196 تنم عن الارتياح على وجه ستيبلز وهو يحرر الشيك. # ثم قال في تنهيدة مزيفة: «هاك. ذلك هو المبلغ.» # كان الشيك محررا بمبلغ 480 ألف دولار. # وحين وصلا على مشارف الساحل الأمريكي، أمر براون راكبه أن ينزل عن الزورق. ~~«يمكنك الوصول بسهولة إلى اليابسة من هنا، وسيفيدك السير في استعادة عافيتك. سأكمل طريقي ~~أعلى البحيرة.» # وحين كاد ستيبلز يصل إلى اليابسة صدح صوته خلال جو الليل الصافي قائلا: «لا تنفق ~~المال ببذخ حين تحصل عليه يا ووكر.» # فرد عليه براون الشاب وهو يصيح: «سأنتبه إليه يا ستيبلز.» ~~••• # هرع السيد براون الشاب على درج منزل السيد تيمبل في مدينة روتشستر، وضغط على الزر ~~الكهربائي. # ثم سأل الخادمة: «هل ذهب السيد تيمبل إلى البنك بعد؟» ~~«لا يا سيدي. إنه في غرفة المكتبة.» ~~«شكرا لك. لا تزعجي نفسك. أنا أعرف الطريق.» # التفت السيد تيمبل حين دخل الشاب الحجرة، وحين رآه، هب واقفا على قدميه وقد علت ~~وجهه نظرة ترقب أليمة. قال السيد براون وهو يضع رزمة على الطاولة: «هذه هدية صغيرة لك. ~~أربعمائة وثمانية وسبعون ألفا؛ أوراق مالية من بنك إنجلترا وسندات من الولايات المتحدة.» ~~قبض الرجل العجوز أصابع يده وجاهد أن يتحدث، لكنه لم يقل شيئا. ~~••• # تساءل الناس عن سبب ذهاب السيد والسيدة براون إلى تورنتو في رحلة زفافهما في أوج فصل ~~الشتاء. كان أمرا غريبا جدا وغير مألوف، ألا تعرفون؟! # | المقعد السادس # كانت هي جادة ومخلصة، ولم يكن هو كذلك. وفي ظل هذا الوضع القائم، يمكن أن يحدث أي ~~شيء. ربما كان ما حدث اعتياديا، أو هزليا، أو مأساويا، يتوقف ذلك على طباع المرأة ~~وخبراتها. وفي هذه الحالة، لم يكن ما حدث سوى لقاء بينهما، التزم كل منهما بحضوره. # جاء هيكتور ماكلين إلى باريس بقرار عصامي، ونظرية في الألوان، ومبلغ صغير من المال. وقد ~~دمرت باريس كل ذلك. كان هيكتور خاطبا فتاة لطيفة في موطنه، وكانت تلك الفتاة تعتقد أن ~~قدره أن يصبح رساما عظيما؛ وكان هذا وهما يشاركها هيكتور فيه. # دلف ms197 هيكتور إلى حياة طالب الفن الباريسي بروح معنوية عالية، لكن بطريقة ما لم تتساو ~~خبرته بما كان لديه من توقعات. إن ما قرأه في الكتب - الشعري منها والنثري - كان قد ~~صنع هالة حول الحي اللاتيني؛ ومن ثم كان يشعر بخيبة الأمل حين افتقد وجود تلك الهالة. ~~كانت الهالة الرومانسية تتسم بالأنانية والجشع، وبعد أشهر قليلة من انغماسه فيها صار ~~يتوق إلى شيء أفضل. # يمكنك أن تحصل على كل شيء تقريبا في باريس، عدا ذلك الشيء الأفضل. ومثل هذا الشيء ~~موجود بالطبع، لكنه نادرا ما يصادف طلاب الفن المعدمين عادة. لكن ما حدث هو أن هيكتور ~~وجد ذلك الشيء الأفضل حين تخلى عن البحث عنه؛ إذ لم يكن الحظ يقف ضد ذلك الشاب. # كانت نظرية ماكلين تفيد بأن الفن قد أصبح كئيبا للغاية. كان العالم بالنسبة إليه ~~يهرع خلف الأشياء ذات الألوان الخافتة. كان يريد أن يمتلك القدرة على رسم الأشياء ~~كما هي في الواقع، ولم تكن عزيمته تنثني إذا أطلقت صفة ~~البهرجة على رسوماته. وقد حصل ماكلين على الإذن لأن يضع حامل الرسم الخاص به في كنيسة ~~نوتردام، وفي ظل الضوء الخافت هناك، حاول أن ينقل على قماش الألوان الخاص به شيئا من ~~زهاء الألوان التي كانت تتسلل عبر النافذة الضخمة التي كانت تعلوه بمسافة كبيرة وتتخذ ~~شكل الوردة. شعر ماكلين بالإحباط حين رأى كيف أن الألوان على قماش الرسم كانت معتمة ~~مقارنة بتدرجات الألوان الشفافة المنبعثة من النافذة الكبيرة. وبينما كان يتكئ بظهره ~~إلى الخلف مطلقا تنهيدة تنم عن انهزامه، وقعت عيناه الحائرتان للحظة واحدة على شيء أكثر ~~جمالا من الزجاج المعشق، وذلك حيث إن صنع الرب ينبغي أن يكون دوما أجمل من صنع ~~الإنسان. كانت اللمحة العابرة لعينين رقيقتين داكنتين واضحتين، حين التقتا بعينيه ~~احتجبتا على الفور، ثم أطال ماكلين النظر في الوجه المليح الذي تنتميان إليه. كان من ~~الواضح أن الفتاة الشابة تكن إعجابا بعمله، وكان هذا أكثر مما يأمل الشاب في الحصول ~~عليه من البروفيسور في ms198 مزاد جوليان. # لم يكن هناك من يعتبر - حتى ولو كان أعز أصدقائه - أن انعدام الأمان وافتقاد ~~الطمأنينة من بين إخفاقات ماكلين. نهض ماكلين عن كرسي الرسم، وانحنى وسأل الفتاة إن ~~كانت تمانع الجلوس لدقيقة؛ بحيث يتسنى لها أن ترى اللوحة على نحو أفضل بكثير. لم تجبه ~~الفتاة، لكنها رمقته بنظرة خوف وهربت تحت جناح وصيفتها الراكعة، التي لم تكن قد انتهت من ~~صلاتها بعد. لا شك أن صلاة الفتاة كانت أقصر من صلاة الوصيفة المسنة التي كانت تقوم ~~على رعاية الفتاة. فالصلاة تقصر كلما اشتدت الضائقة. وحظي ماكلين بلمحة عابرة أخرى على ~~تلكما العينين الداكنتين بينما كان يمسك بالباب المتأرجح مفتوحا لهما. ثم غادرت المرأة ~~الكنيسة دون إدراك منها لما دار ومعها الفتاة التي عاشت كل ما جرى. # وهكذا كانت البداية. # كانت لوحة النافذة الملونة لكنيسة نوتردام تشغل كل الوقت المتاح لدى هيكتور ماكلين. ~~وما من عمل عظيم يمكن إنجازه من دون التحلي بمثابرة لا تفتر. وكان من اللافت للنظر أن تلك ~~الحقيقة تجلت إليه بمجرد أن قرر أن يهجر العمل على تلك المهمة. وقبل أن يسمح للباب ~~المتأرجح أن ينغلق، كان قد قرر أن يستكمل دراسته للألوان. ومن ثم فقد تصادف أن رأى ~~الفتاة الشابة مرة أخرى، في الساعة نفسها دائما، ومع المرأة نفسها التي تصطحبها. وذات مرة ~~نجح - من دون أن تلحظه المرأة المسنة - أن يدس رسالة صغيرة في يد الفتاة، وقد شعر ~~بالسعادة والإطراء حين رأى الفتاة تحتفظ برسالته وتخفيها. وذات يوم آخر حظي بمتعة التهامس ~~معها بعدة كلمات في ظل أحد الأعمدة العملاقة. وبعد ذلك، كان إحراز التقدم سهلا ~~نسبيا. # علم ماكلين أن اسمها إيفيت، وتعجب كثيرا حين عرف أن مخلوقة بريئة مثلها ~~استطاعت بمهارة الخبراء أن تراوغ يقظة المرأة المسنة المسئولة عنها. وعادة ما كانت ~~اللقاءات المختلسة بينهما تدور في الحديقة الصغيرة التي تقع خلف نوتردام. كانا يجلسان ~~في تلك الحديقة في مواجهة النافورة، أو كانا يسيران جيئة وذهابا على الحصى المتهشم ~~تحت الأشجار. وفي ms199 الظهيرة كانا يسيران في الجزء المنعزل من الحديقة ، تحت ظل الكنيسة ~~الكبيرة. وكان من عادتها أن ترسل إليه رسائل صغيرة وأنيقة تخبره فيها متى ستذهب إلى ~~الحديقة وتعطيه رقم المقعد؛ ذلك أنها لم يكن باستطاعتها أن تراوغ وصيفتها في بعض ~~الأحيان، فكانت حينها تجلس إلى جانب إيفيت. وفي تلك المرات، كان على ماكلين أن يرضى بمجرد ~~النظر إليها من بعيد. # كانت الفتاة جادة ومخلصة للغاية حتى إن الشعور بالقلق والاضطراب قد سيطر على ضمير ماكلين. ~~فكر ماكلين في الفتاة اللطيفة في موطنه، وتمنى بصدق ألا يصل إلى مسامعها أي شيء ~~عما يحدث. وبصرف النظر عن مدى الحذر الذي قد يتسم به المرء، فإن الصدفة غالبا ما تلعب ~~حيلا دنيئة. تذكر ماكلين بعض اللحظات بينهما وشعر بالحزن لصغر هذا العالم. وفي بعض ~~الأحيان كان جسد ماكلين يرتجف حين يصيح أحد المارة على الرصيف في الخارج لأحد معارفه بداخل ~~الحديقة من خلال القضبان الحديدية. وطلاب الفن يعتادون عادة غير مريحة وهي التجول في ~~كل مكان، وكانوا صاخبين حين ينادون على أحد يعرفونه. بالإضافة إلى ذلك، كان طلاب الفن ~~يتحدثون كثيرا، وخاف ماكلين من أن تتحول علاقته بالفتاة إلى أضحوكة المدرسة. وفي أي ~~لحظة، قد يذهب أحد طلاب الفن غير المرغوب فيهم إلى الحديقة ليرسم النافورة أو الممرضات ~~والأطفال أو مؤخرة الكاتدرائية في أحد أطراف الحديقة أو حتى واجهة المشرحة المخيفة ~~والكئيبة في الطرف الآخر لها. # كان ماكلين شابا لين العريكة، يكره المشكلات، وربما لأنه كان يعرف أن يوم الحساب ~~المحتوم سيأتي لا محالة كان ضميره يستيقظ متأخرا نوعا ما. # وفكر في بعض الأحيان أنه قد يكون من الأفضل أن يغادر باريس من دون أي تفسير، لكنه ~~تذكر أن الفتاة تعرف عنوانه في باريس - ذلك أنها كثيرا ما راسلته - وأنها بذهابها إلى ~~المدرسة ستعرف عنوانه في موطنه بكل سهولة. ولذلك، إذا كان من المحتم أن تنفجر غضبا ~~وتثور ثائرتها، فمن الأفضل كثيرا أن تكون في باريس، وليس في مكان سكناها. # وكثيرا ما شجع ms200 ماكلين نفسه ليقدم للفتاة تفسيره وينهي تلك العلاقة ، لكنه كان ~~يؤجل الأمر كلما أتت اللحظة المنتظرة. لكن المحتوم يقع في النهاية. واجه ماكلين صعوبة ~~في البداية في محاولة أن يجعلها تفهم الموقف بوضوح، لكنه حين نجح في ذلك في النهاية لم يكن ~~هناك اعتراض من جانبها. ولم يكن منها سوى أنها ثبتت عينيها على الحصى وسحبت يدها في هدوء ~~من يده. ولدهشته لم تبك الفتاة، ولم تجبه حتى، لكنها راحت تسير في صمت جيئة وذهابا ~~وعينها مثبتة على ظل الكنيسة. قال ماكلين بأن أحدا لن يحتل المكانة التي احتلتها ~~هي في قلبه. كان خاطبا للفتاة الأخرى، لكنه لم يعرف معنى الحب حتى التقى بإيفيت. وكان ~~مرتبطا بالفتاة الأخرى بخيوط لا يستطيع هو أن يقطعها - وكان هذا صحيحا - لأن الفتاة ~~اللطيفة كانت ابنة رجل غني. ثم رسم لها صورة بائسة عن الحياة الخالية من الحب التي سوف ~~يحياها في المستقبل، فخالجه شعور غامر بالشفقة على الذات حتى اهتز صوته أثناء ~~حديثه. وشعر ماكلين بالاستياء حين رضيت الفتاة بالافتراق بتلك الطريقة غير العاطفية. فحين ~~يحصل المرء على منتهى مبتغاه يظل شعور بعدم الرضا يلازمه. كانت تلك بالضبط هي الطريقة ~~التي أمل أن تتقبل بها الأمر. # ولكل شيء نهاية، حتى التبريرات. # قال ماكلين وهو يمد يده: «إذن، الوداع يا إيفيت.» ترددت هي لحظة، ثم من دون أن ترفع ~~نظرها، وضعت كفها الصغير في كفه. # وقفا على هذه الحال برهة تحت الأشجار، بينما راحت النافورة بجانبهما تقطر وتهدر بصوت ~~موسيقي. وكان ظل الكنيسة يزحف نحوهما في بطء على الحصى. وكانت الحديقة مهجورة إلا من ~~وجودهما. حاولت الفتاة أن تسحب يدها من يده برقة، لكنه ظل ممسكا بها. # سألها ماكلين وفي صوته نبرة من العتاب: «أليس لديك ما تقولينه لي يا إيفيت؟» # لم تجبه. أمسك بأصابعها وكانت تنسل من قبضته، ولامس الظل قدميها. ~~«إيفيت، هلا قبلتني قبلة الوداع على الأقل؟» # سحبت يدها سريعا من يده، وهزت رأسها واستدارت مبتعدة. # راح يرقبها حتى ابتعدت عن الأنظار، ms201 ثم سار ببطء نحو منزله في بوليفارد سان جيرمان. ~~لم يكن في أفكاره ما يواسيه. كان قد خاب أمله في إيفيت. كانت الفتاة ماهرة للغاية ~~وذكية، وكان يتوقع أنها ستقول شيئا جارحا وهو يعرف أنه يستحق ذلك. لكن لم تكن لديه أدنى ~~فكرة أنها قد تكون متحجرة القلب على هذا النحو. ثم تحولت أفكاره نحو الفتاة اللطيفة في ~~موطنه. كانت تلك الفتاة أيضا تمتلك صفات في شخصيتها تذهل شابا صادقا مثله. وكانت ~~خطاباتها ولفترة طويلة غير منتظمة وغير مرضية. لم يكن من الممكن أن يكون قد تناهى إلى ~~سمعها أي شيء. لكن، ليس هناك شيء أسهل من الإنكار التام، وسينظر هو في هذا الأمر حين يصل ~~إلى وطنه. # وكان هناك تفسير لذلك ينتظره في حجرته في بوليفارد. كان هناك طابع أجنبي على مظروف ~~الخطاب، وكان الخطاب من الفتاة اللطيفة. كتبت إليه أنه كان هناك خطأ ما، لكنها سعيدة ~~باكتشافه سريعا قبل فوات الأوان. وأخذت تلوم نفسها في مرارة على مدى ثلاث صفحات، وفي ~~الصفحة الرابعة فهم أنها ستكون قد تزوجت بحلول الوقت الذي سيصله فيه الخطاب. بدا أنه ~~ليس هناك شك في أن الفتاة اللطيفة أدركت تماما كيف أنها عاملت بدناءة شابا موهوبا ~~كادا في عمله وطموحا وواثقا في نفسه، لكن إدراك ذلك لم يؤجل أجراس الزفاف ولو لثانية ~~واحدة. # جعد ماكلين الشاب الخطاب في يده وتلفظ بكلمات بذيئة، وكان في ذلك محقا. ~~وأطلق ضحكة جادة عالية على ما تتمتع به المرأة من شيم الغدر. ثم تحولت أفكاره نحو ~~إيفيت. لم تكن الفتاة ثرية يا للأسف! لقد أدرك ماكلين مثل الكثير من الرجال النبلاء ~~الموهوبين أنه لا يستطيع أن يتزوج امرأة فقيرة. ثم فكر في أن إيفيت يمكن ألا تكون ~~فقيرة. وكلما أطال التفكير في الأمر ازداد ذهوله لكونه قد أخذ فقرها كشيء مسلم به. ~~كانت الفتاة ترتدي ملابسها كالأثرياء، وتلك الملابس تكلف الكثير من المال في باريس. ~~وتذكر أنها كانت ترتدي ساعة مرصعة بالجواهر في تلك المرة التي رآها ms202 فيها للحظة ~~واحدة. تمنى ماكلين لو أنه أجل تبريره لها يوما واحدا، لكن ذلك شيء يمكن علاجه ~~بسهولة. سيقول لها إنه تخلى عن الفتاة الأخرى لأجلها. وآلمه فجأة أنه تذكر أنه لا ~~يعرف عنوانها ولا حتى اسم عائلتها. لكن كان من المؤكد أنها ستأتي إلى الحديقة مرة أخرى، ~~وأنه سيمكث في تلك الحديقة حتى تأتي. كما أن مكوثه في الحديقة سيزيد من مصداقية حبه ~~المتفاني. على أي حال، لا شيء يمكن أن يفعله هذه الليلة. # وفي الصباح كان مسرورا للغاية حين تسلم خطابا من إيفيت، وكان مسرورا أكثر حين قرأ ~~ما تحويه. كانت في خطابها تطلب أن تقابله للمرة الأخيرة خلف الكنيسة. # لم أستطع اليوم أن أعبر لك عن كل ما شعرت به. ستعرف بذلك غدا، إذا ما ~~قابلتني. لا تخش أن ألومك. ستتلقى هذا الخطاب في الصباح. وبحلول الثانية عشرة ~~سأكون بانتظارك على المقعد السادس في الصف الواقع جنوبي النافورة ... المقعد السادس ... ~~وهو الأبعد عن الكنيسة. # إيفيت # ابتهج ماكلين كثيرا وغمره شعور بالسعادة لحظه الحسن. وشعر بأنه لا يستحق حسن حظه ~~هذا. ذهب ماكلين إلى المكان مبكرا، وجلس على آخر مقعد في الصف المواجه للنافورة. لم تكن ~~إيفيت قد وصلت بعد، لكن كانت لا تزال هناك نصف ساعة قبل حلول موعد اللقاء. قرأ ماكلين ~~جريدة الصباح وجلس ينتظر. وفي النهاية، دقت جميع الأجراس حوله معلنة عن تمام الساعة ~~الثانية عشرة. لكنها لم تصل. كان هذا غريبا، لكنه كان محتملا. ربما لم تفلح في التملص من ~~وصيفتها. مرت ربع ساعة ثم نصف ساعة قبل أن يدرك ماكلين أنه كان ضحية مزحة سيئة. صرف عن ~~باله تلك الفكرة؛ فمثل هذا الأمر ليس من شيمها أبدا. راح يسير في أرجاء الحديقة ~~الصغيرة، آملا أن يكون قد أخطأ في صف المقاعد. لكنها لم تكن قد أتت. قرأ ماكلين الخطاب ~~مرة أخرى. كان واضحا بما يكفي أنه المقعد السادس. راح يعد المقاعد وبدأ بأقربها إلى ~~الكنيسة. واحد ... اثنان ... ثلاثة ... أربعة ... خمسة. كان هناك خمسة ms203 مقاعد في الصف. # وبينما كان يحدق في المقعد في بلاهة قال له رجل بجانبه: «هذا هو المقعد يا ~~سيدي.» # صاح ماكلين وهو يستدير نحوه وقد تملكه الذهول من تعليقه: «ماذا تقصد؟» ~~«عثر في ذلك المقعد على الفتاة الشابة ميتة هذا الصباح ... يقولون إنها ماتت ~~مسمومة.» # حدق إليه ماكلين ثم قال بصوت أجش: ~~«من ... من هي؟» ~~«لا أحد يعلم بعد. لكننا سرعان ما سنعرف، ذلك أن الجميع يذهبون إلى المشرحة كما تعرف. ~~إنها الوحيدة على المقعد اليوم. ومن الأفضل أن أذهب قبل أن يزداد الحشد. لقد دخلت ~~مرتين.» # غاص ماكلين في مقعده ومسح جبهته بيده. # كان يعلم أنها تنتظره في المقعد السادس ... الأبعد عن الكنيسة! ms204