######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010183 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: النووي #META# 010.AuthorNAME :: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى : 676هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 676 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: شرح الأربعين النووية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الحديث النبوي الشريف وتراجم الرواة :: كتب الشروح #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: شرح الأربعين النووية #META# 030.LibURI :: JK_010183 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # الحمد لله رب العالمين ................................................ # قيوم السموات والأرضين. مدبر الخلائق أجمعين. باعث الرسل - صلواته وسلامه ~~عليهم - إلى المكلفين لهدايتهم وبيان شرائع الدين، بالدلائل ~~القطعية،............وواضحات البراهين. أحمده على جميع نعمه. وأسأله المزيد ~~من فضله وكرمه. # وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار. الكريم الغفار............وأشهد ~~أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله أفضل المخلوقين، المكرم بالقرآن ~~العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين ~~المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين..................صلوات الله وسلامه ~~عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين. # " أما بعد " ، فقد روينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله ابن مسعود ومعاذ ~~بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وانس بن مالك وأبي هريرة، وأبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنهم من طرق كثيرات بروايات متنوعات أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه ~~الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء " . وفي رواية: " بعثه الله ~~فقيها عالما " . # وفي رواية أبي الدرداء: " وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا " . # وفي رواية ابن مسعود قيل له: " أدخل من أي أبواب الجنة شئت " وفي رواية ~~ابن عمر " كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء " . # واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف كثرت طرقه. وقد صنف العلماء رضي الله ~~عنهم في هذا الباب ما لا يحصى من المصنفات فأول من علمته صنف فيه هو عبد ~~الله بن المبارك، ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن ~~سفيان النسائي، وأبو بكر الآجري، وأبو محمد بن إبراهيم الأصفهاني، ~~والدارقطني، الحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد ~~الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو بكر ~~البيهقي، وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين، وقد استخرت الله تعالى ~~في جمع أربعين حديثا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام. # وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال. # ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، ms01 بل على قوله صلى الله عليه وسلم في ~~الأحاديث الصحيحة: " ليبلغ الشاهد منكم الغائب " . وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها " . # ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين، وبعضهم في الفروع، وبعضهم ~~في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها ~~مقاصد صالحة رضي الله عن قاصديها. # وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثا مشتملة على جميع ~~ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين قد وصفه العلماء بأن مدار ~~الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك. # ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ~~ومسلم، وأذكرها محذوفة الأسانيد، ليسهل حفظها، ويعم الانتفاع بها إن شاء ~~الله تعالى، ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها. # وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث، لما اشتملت عليه من ~~المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات وذلك ظاهر لمن تدبره، ~~وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق ~~والعصمة. # شرح المقدمة لابن دقيق العيد أي باسم المعبود بحق، الواجب الوجود، المبدع ~~من أثر الكرم والجود أؤلف مستعينا باسم الله إلخ. والرحمن العام الرحمة ~~لجميع البرية، والرحيم الخاص الرحمة للمؤمنين، وأصل " الرحمة " انعطاف ~~القلب والرقة، وهي في حقه سبحانه وتعالى إرادة الخير لمن يستحقها، أو ترك ~~العقوبة لمن يستوجبها. # وافتتح المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه هذا بالتسمية والتحميد تأسيا ~~بالكتاب المجيد، وعملا بالحديث الصحيح المفيد " كل أمر ذي بال - أي شأن ~~وحال - لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، وبالحمد لله، أو بحمد الله أو ~~بذكر الله، فهو أجذم أو أقطع أو أبتر " روايات متعددة مؤداها أن متروك ~~التسمية قليل البركة، أو مقطوع الزيادة، ورواية " بذكر الله " أعم. ~~PageV01P001 وأكثر العلماء أجمعوا على أن لفظ الجلالة اسم الله الأعظم، فهو ~~علم على الذات الأقدس المستحق لجميع المحامد. ولذا قال: " الحمد لله " أي ~~الثناء ms02 الجميل يستحق لله " رب " أي مالك، وخالق، ومدبر، وسيد " العالمين " ~~جمع عالم - بفتح اللام - وفيه تغليب العاقل على غيره، إذ هو اسم لما سوى ~~الله تعالى، غير أنه لا يطلق على المفرد، فلا يقال: زيد عالم إلا مجازا، " ~~قيوم السموات " معناه القائم بالتدبير والحفظ قال الله تعالى: (إن الله ~~يمسك السموات والأرض أن تزولا) " والأرضين " بفتح الراء وقد تسكن - جمع ~~أرض. " مدبر الخلائق " أي مصرف أمور الخلائق، جمع " خليقة " بمعنى مخلوقة. ~~إذ هو العالم بعواقب أمورهم. " باعث " أي مرسل. وقوله: " إلى المكلفين " ~~متعلق بباعث، وجملة الصلاة والسلام معترضة بينهما إنشائية المعنى. أي اللهم ~~صل وسلم، وفي بعض النسخ " صلاته " بالإفراد، وهي من مادة الصلة. فهي من ~~العبد: طلب الاتصال والقرب من الله، وصلاتنا على الرسول: طلب الصلة اللائقة ~~والمنحة الإلهية العظيمة له من الله على النعمة التي أسبغها الله علينا ~~بسببه صلى الله عليه وسلم ويقال: إنها من الله الرحمة المقرونة بالتعظيم " ~~وسلامه " أي تحيته التي تليق بجنابهم العظيم. وقوله: " لهدايتهم " أي ~~دلالتهم الناس على سبيل الهدى متعلق أيضا بباعث. " شرائع " جمع شريعة، من ~~شرع بمعنى: بين، وهي والدين والملة بمعنى واحد وتختص بالاعتبار؛ فالأحكام ~~من حيث إننا ندين، أي ننقل لها، وندان: أي نجاز عليها، دين، ومن حيث أن ~~الملك يمليها للرسول والرسول يميلها علينا: ملة؛ ومن حيث شرعها لنا، أي ~~نصبها وبينها: شرع وشريعة. والدين: وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم ~~المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات. " بالدلائل " متعلق ببيان،جمع دلالة - ~~مثلث الدال بمعنى الدليل، و " القطعية " ما تقطع جدال الخصم، لكونها عن ~~الله " وواضحات البراهين " من إضافة الصفة للموصوف، أي البراهين الواضحة، ~~وهي الحجج وعطفه على الدلائل من عطف الخاص على العام؛ لأن البرهان لا يكون ~~إلا مركبا من تصديقتين، متى سلما لزمهما لذاتهما قول ثالث، كقولك: العدل ~~متغير، وكل متغير حادث، فإنه ينتج العالم حادث، وأما الدليل فهو ما يلزم من ~~العلم به العلم بشيء آخر. سواء كان مركبا كهذا المثال. أو منفردا كقولك: ~~هذه ms03 المخلوقات دليل على وجود الله تعالى " أحمده " أي أثني عليه ثانيا في ~~مقابلة النعم. فأتى بالحمد أولا في مقابلة الذات الأقدس المتصف بجميل ~~الصفات، وثانيا في مقابلة جميع النعم المتعاقبات، وخص الأول بالجملة ~~الأسمية المفيدة للاستمرار والدوام، والثاني بالجملة الفعلية المفيدة ~~للتجدد والتعاقب، لمناسبة ما يليق بكل مقام. " المزيد " أي مزيد النعم، فأل ~~عوض عن المضاف إليه، و " من فضله " الفضل: هو العطاء عن اختيار. لا عن ~~إيجاب، أي حصول بالطبع، بدون اختيار، كما تقول الحكماء، ولا عن وجوب كما ~~تقول المعتزلة، والكرم إعطاء الكثير لغير علة. " وأشهد " أي أتحقق وأذعن " ~~أن " أي أنه، فهي مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف " لا إله " أي ~~لا معبود بجميع أنواع العبادة بحق " إلا الله " برفع لفظ الجلالة، على أنه ~~بدل من الضمير المستتر في خبر " لا " المقدر بمستحق الإلهية، ويجوز نصبه ~~على الاستثناء " الغفار " من الغفر، أي الستر للعيوب " محمدا " هو مشتق من ~~الحمد، لكثرة خصاله المحمودة " عبده " قدمه لكونها أشرف المقامات، ولذلك ~~ذكره الله بهذا اللقب في أسنى المقالات " فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ~~" وقال: " وأنه لما قام عبد الله يدعوه " فإن العبد الحقيقي لربه من يكون ~~حرا عن هوى قلبه، والذل والخضوع لغيره، ولذا قيل: # أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتأي طلعة حر # " وحبيبه " فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، فهو المحب المحبوب " وخليله " ~~من الخلة - بالضم - أي صفاء المودة وتخللها في القلب، كما قيل في ذلك: # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا PageV01P002 " ~~بالقرآن " مصدر قرأ بمعنى جمع، لجمعه السور، أو ما في الكتب المنزلة و " ~~العزيز " من عز يعز - بكسر العين - إذا لم يكن له نظير؛ أو بضمها إذا غلب، ~~فهو الغالب المعجز لفصحاء العرب بما فيه من البلاغة " وبالسنن " أي ما سنه ~~النبي، أي شرعه من الأحكام، فرضا أو نفلا، إذ هو المشرع صلى الله عليه وسلم ~~" للمسترشدين " أي الطالبين الرشاد، وهو ضد الغي. " بجوامع الكلم " أي ~~بالكلم الجوامع، بمعنى أنه يجمع المعاني ms04 الكثيرة في اللفظ القليل " وسماحة ~~الدين " أي سهولته، قال الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) بخلاف ~~الأمم السابقين، فإن بعضهم لم تكن تقبل توبته إلا بقتل النفس، كما قال الله ~~تعالى عن قوم موسى: (فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) . " صلوات الله " ~~إلخ أتى بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم امتثالا لما في الكتاب العزيز " ~~وعلى سائر " أي باقي أو جميع، الأول من السؤر بالهمزة، بمعنى البقية من ~~الماء ونحوه. والثاني من سور المدينة المحيط بها، وفي مسند الإمام أحمد " ~~أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وخمسة ~~عشر، وكل أسمائهم وذواتهم أعجمية، إلا محمدا، وهودا، وصالحا، وشعيبا، ~~فأسماؤهم وذواتهم عربية،وأما إسماعيل فذاته عربية، واسمه أعجمي، ولا يجب ~~الإيمان نفصيلا إلا بخمسة وعشرين من الأنبياء المرسلين، وهم المذكورون في ~~سورة الأنعام في قوله تعالى: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) ~~الأيات، كما جمعهم بعضهم في قوله: # حتم على كل ذي التكليف معرفة ... بأنبياء على التفصيل قد علموا # في " تلك حجتنا " منهم ثمانية ... من بعد عشر؛ويبقى سبعة وهم: # إدريس هود شعيب صالح. وكذا: ... ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا # وأولوا العزم منهم مجموعون في قول بعضهم: # محمد إبراهيم موسى كليمه ... فعيسى فنوح أولوا العزم فاعلم # وهم في الفضل على هذا الترتيب " وآل كل " أي كل واحد من النبيين. ~~والمرسلين. أي أقاربه المؤمنين به. والمراد هنا كل مؤمن. لأنه الأنسب بمقام ~~الدعاء " وسائر الصالحين " أي القائمين بحقوق الله وحقوق عباده. فدخل ~~الصحابة وغيرهم ممن اتصف بذلك. " روينا " بصيغة المعلوم. أي نقلنا عن ~~غيرنا. وجملة - أن رسول الله - إلخ مفعولة. " وأبي هريرة " تصغير " هرة " ~~كناه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حين رآه حاملا لها في كمه. " من طرق ~~كثيرات " متعلق بروينا " بروايات متنوعات " أي مختلفة الألفاظ. " من حفظ " ~~أي نقل. وإن لم يحفظ اللفظ، ولم يعرف المعنى، إذ به يحصل الانتفاع للمسلمين ~~بخلاف حفظ ما لم ينقل إليهم، كذا نقل عن المصنف. " على أمتي " أي لأجلها، ms05 ~~شفقة عليها، فعلى: بمعنى اللام؛ والأمة جمع ممن لهم جامع، من دين أو زمان ~~أو مكان، والمراد هنا أمة الإجابة لا الدعوة. " من أمر دينها " أي مما ~~يتعلق بأمر دينها أصولا وفروعا. " في زمرة " أي جماعة، و " العلماء " عطف ~~عام، لتخصيص الفقهاء بالفروع الفقهية، و " شهيدا " أي شاهدا له بالكمال، و ~~" الشهداء " جمع شهيد، أي قتيل المعركة، التي شهد الله وملائكته له بالجنة، ~~ويجمع بين هذه الروايات بأن حفاظ الأربعين مختلفوا المراتب، فمنهم من يحشر ~~في زمرة الشهداء، ومنهم من يحشر في زمرة العلماء، ومنهم من يبعث فقيها ~~عالما، وإن لم يكن في الدنيا كذلك، ومنهم غير ذلك. # والحكمة في تخصيص عدد الأربعين: أنه أول عدد له ربع عشر صحيح، فكما دل ~~حديث الزكاة على تطهير ربع العشر للباقي، فكذلك العمل بربع عشر الأربعين، ~~يخرج باقيها عن كونه غير معمول به، وقد كان بشر الحافي رضي الله عنه يقول: ~~يا أهل الحديث، اعملوا من كل أربعين حديثا بحديث " واتفق الحفاظ " أي ~~أكثرهم " على أنه ضعيف " هو ما يكون بعض رواته مردودا لعدم عدالته، أو ~~لروايته عمن لم يره، أو سوء الحفظ، أو تهمة في العقيدة، أو عدم المعرفة ~~بحال من يحدث عنه، أو غير ذلك مما هو مبين في كتب مصطلح الحديث. ~~PageV01P003 " وإن كثرت طرقه " جمع طريق. وهم الرواة عن الرواة عن الصحابي ~~وإن سفلوا. يقال هذه رواية أبي هريرة من طريق البخاري مثلا، فالرواة طرق ~~يتوصل بها إلى المتن، ولا يخلو طريق من طرق هذا الحديث من أن يكون فيه ~~مجهول أو مشهور بالضعف، فوصف الحديث بالضعف أو غيره عن الصحة والحسن إنما ~~هو باعتبار سنده، أي رجاله الذين رووه، فالحديث الذي اتصل إسناده، وكان ~~رواته عدولا: حديث صحيح، والحديث الضعيف ما عدا ذلك، وهو أقسام كثيرة، كما ~~أشار إلى ذلك كله صاحب البيقونية في مصطلح الحديث بقوله: # أولها الصحيح وهو ما اتصل ... إسناده، ولم يشذ أو يعل # يرويه عدل ضابط عن مثله ... معتمد في ضبطه ونقله # والحسن المعروف ms06 طرقا وغدت ... رجاله لا كالصحيح اشتهرت # وكل ما عن رتبة الحسن قصر ... فهو الضعيف وهو أقساما كثر # " في هذا الباب " أي باب الأربعينات " ما لا يحصى " الإحصاء في الأصل: ~~العد بالحصى، والمقصود بذلك المبالغة في الكثرة، أي فله بهم أسوة و " ~~الطوسي " قرية من قرى بخارى " الرباني " أي الذي أفيضت عليه المعارف ~~الربانية، وربي الناس بعلمه، " سفيان " مثلث السين " النسائي " وفي نسخة ~~النسوي بالواو وفتح النون والسين، نسبة إلى " نسا " بلد بخراسان قلبت ألفه ~~واوا، كما يقال في النسبة إلى فتى: فتوى، ولكن الهمز في استعمال المحدثين ~~أكثر وأشهر. " الآجري " بفتح الهمزة الممدودة وضم الجيم وشد الراء، نسبة ~~إلى الآجر، وهو الطوب المحروق لبيعه أو عمله، كان عالما ثقة. " الأصفهاني " ~~بالفاء والباء مع كسر الهمزة وفتحها، والفتح أفصح، نسبة إلى أصفهان بلدة من ~~بلاد فارس، " والدارقطني " بفتح الراء، نسبة إلى دار القطن، محلة كبيرة ~~ببغداد. " السلمي " بضم السين وفتح اللام، نسبة إلى سليم قبيلة مشهورة. " ~~وأبو سعد " في نسخة: وأبو سعيد بالياء، وهو موافق لما في كتاب الأنساب ~~للسمعاني، والذي في طبقات الحفاظ، وتاريخ الخطيب البغدادي، ومعجم البلدان: ~~أبو سعد، بدون ياء، وهو الأصح: لأن الأنساب غير مصححة تصحيحا يعتمد عليه، " ~~الماليني " نسبة إلى مالين، قرى مجتمعة من أعمال هراة، يقال لجميعها: ~~مالين، كان ثقة متقنا، صنف وحدث ورحل إلى مصر فمات بها. " الصابوني " نسبة ~~إلى عمل الصابون. " الأنصاري " وفي نسخة: زيادة الهروي، كان ثقة عارفا، ~~توفي بهراة، " والبيهقي " نسبة إلى بيهق، قرية من ناحية نيسابور. " وقد ~~استخرت الله " أي طلبت من الله أن يرشدني لما هو خير من الإقدام أو ~~الإحجام، فإنه ربما كان مشغولا بما هو أهم من جمع الأربعين من العبادات، ~~فإن الاستخارة كما تكون في الأمور المباحة تكون في الأمور المندوبة، لترجيح ~~بعضها على بعض وكيفيتها أن تصلي ركعتين وتدعو بالدعاء المشهور الذي علمه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، ولا تتوقف هذه الاستخارة على نوم بل ~~تتوجه إلى ما ينشرح له صدرك. # وفي الحديث الذي ms07 رواه الطبراني في الأوسط عن أنس: ما خاب من استخار ولا ~~ندم من استشار، ولا عال من اقتصد، " والأعلام " جمع على بفتحتين، وهو ما ~~يهتدي به إلى الطريق من جبل أو غيره على حد قول الخنساء في أخيها صخر: # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # قوله: " في فضائل الأعمال " أي لأنه إن كان صحيحا في نفس الأمر، فقد أعطى ~~حقه من العمل به. وإلا فلم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم؛ وشرط ~~جواز العمل به: أن لا يشتد ضعفه، بأن لا يخلو طريق من طرقه من كذاب أو متهم ~~بالكذب، وأن يكون داخلا تحت: أصل كلي، كما إذا ورد حديث ضعيف بصلاة ركعتين ~~بعد الزوال مثلا، فإنه يعمل به لدخوله تحت أصلي كلي؛ وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر " . رواه ~~الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، أي خير شيء وضعه الله تعالى " ومع هذا " ~~أي ما ذكر من جواز العمل به " الشاهد " أي السامع لما أقول، والخطاب ~~للصحابة، ثم لمن بعدهم، وهلم جرا، فيجب التبليغ وجوب كفاية على أهل العلم، ~~وكل من تعلم مسألة فهو من أهل العلم بها، فيجب عليه تعليمها لغيره. وإلا ~~وقع في الإثم، إن لم يقم بها غيره، و " نضر " بفتح الضاد المعجمة، روى ~~مخففا ومشددا، وهو الأكثر من النضارة، وهي حسن الوجه وبريقه، كما قال ~~بعضهم: PageV01P004 من كان من أهل الحديث فإنه ... ذو نضرة في وجهه نور سطع # أن النبي دعا بنضرة وجه من ... أدى الحديث كما تحمل واستمع # " امرءا " : أي رجلا، وليس بقيد، وإنما خصه نظرا للشأن والغالب؛ وإلا ~~فالمرأة كذلك. " فأداها " أي باللفظ أبو المعنى، لجواز رواية الحديث ~~بالمعنى بشروطه " ثم من " وفي نسخة - إن من العلماء - " أصول الدين " جمع ~~أصل وهو ما يبني عليه غيره، والمراد هنا الإلهيات والنبوات، والحشر والنشر. ~~" في الفروع " أي المسائل الفقهية. " في الجهاد " أي في فضل قتال الكفار. " ~~في الزهد " أي في فضل ms08 ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا. " في الآداب " بالمد ~~جمع أدب، أي الخصال المحمودة، فتشمل مكارم الأخلاق الموصلة إلى الكريم ~~الخلاق. " في الخطب " أي التي كان يخطب بها النبي صلى الله عليه وسلم في ~~نحو جمعة وعيد، وعند نزول الأمور المهمة، فهي مشتقة من الخطب - بفتح الخاء ~~المعجمة - لأن العرب كانوا إذا نزل بهم خطب، أي أمر صعب، خطبوا له ليجتمعوا ~~ويحتالوا في دفعه. " جمع أربعين " مفهوم العدد لا يفيد حصرا، فلا يردانه ~~زاد حديثين؛ ومن زاد زاد الله في حسناته. " قاعدة " أي أصل من أصول الدين. ~~" مدار الإسلام " أي غالب أحكامه يدور عليه كحديث - إن الحلال بين - " أو ~~هو نصف الإسلام أو ثلثه " كحديث - إنما الأعمال بالنيات - فإن أبا داود ~~قال: إنه ضعيف الإسلام، كما سيأتي، أي لأن الدين: إما ظاهر، وهو العمل، أو ~~باطن، وهو النية، والشافعي رضي الله عنه قال إنه ثلثه، أي لأن كسب العبد ~~إما بقلبه أو بلسانه أو بجوارحه، والنية أحدها. ومما نسبه السعد للإمام ~~الشافعي رضي الله عنه قوله. # عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية # اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس بعينك واعملن بنية # " أو نحو ذلك " بالرفع كالربع، كحديث " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما ~~يحب لنفسه " فإن قيل فيه، إنه ربع الإسلام. " صحيحه " أي غير ضعيفة، فتشمل ~~الحسن " وأذكرها " بالرفع عطفا على " ألتزم " وبالنصب على تكون " الأسانيد ~~" ، جمع إسناد، وهو حكاية طريق المتن، والسند الطريق، فقولك: أخبرنا فلان ~~عن فلان، إسناد، ونفس الرجال سند، والمتن: ألفاظ الحديث، " ليسهل حفظها " ~~أي الأحاديث، فإن الأسانيد لا فائدة في ذكرها لكثير من الناس بعد أن علمت ~~صحتها. " ثم أتبعها " بالرفع من الإتباع. " خفي ألفاظها " من إضافة الصفة ~~للموصوف. أي ألفاظها الخفية. وقد أتينا على جميعها بالتوضيح الكافي، فلله ~~الحمد. وحينئذ فلا حاجة لإتباعها في هذا الباب، فإنه نزر يسير بالنسبة لما ~~ذكرناه، والله أعلم بالصواب. " من المهمات " وهي بيان العقائد الدينية، ~~وأصول الشرائع الإلهية. " وعلى الله " في نسخ زيادة - الكريم ms09 - " تفويضي " ~~هو رد الأمر إلى الفاعل المختار سبحانه. " وبه " في بعض النسخ، وبيده ~~التوفيق، وهو خلق القدر في العبد على الطاعة، " والعصمة " هي فيض إلهي يقوي ~~به العبد على تحري الخير وتجنب الشر، وطلبها جائز لجوازها، إذ المختص ~~بالأنبياء وقوعها لهم ووجوبها في حقهم. # إنما الأعمال بالنيات # 1 - " عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ~~ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . رواه ~~إماما المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن ~~بردزبة البخاري وأبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في ~~صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة " . # ...................................................... # هذا حديث صحيح متفق على صحته وعظيم موقعه وجلالته وكثرة فوائده رواه ~~الإمام أبو عبد الله البخاري، في غير موضع من كتابه، ورواه أبو الحسين مسلم ~~بن الحجاج في آخر كتاب الجهاد، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، ~~قال الإمام أحمد، والشافعي، رحمهما الله " يدخل في حديث الأعمال بالنيات ~~ثلث العلم " قاله البيهقي، وغيره. وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه ~~وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة. PageV01P005 وروي عن الشافعي رضي الله ~~تعالى عنه أنه قال يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه، وقال جماعة من ~~العلماء هذا الحديث ثلث الإسلام. # واستحب العلماء أن تستفتح المصنفات بهذا الحديث، ومن ابتدأ به في أول ~~كتابه الإمام أبو عبد الله البخاري، وقال عبد الرحمن بن مهدي، ينبغي لكل من ~~صنف كتابا أن يبتدئ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية. # وهذا حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله لأنه لم يروه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولك يروه عن عمر، ~~إلا علقمة بن أبي وقاص ولم يروه عن ms10 علقمة إلا مجمد بن إبراهيم التيمي، ولم ~~يروه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اشتهر بعد ذلك ~~فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة. # ولفظة " إنما " للحصر تثبت المذكور وتنفي ما عداه وهي تارة تقتضي الحصر ~~وتارة تقتضي حصرا مخصوصا يفهم ذلك بالقرائن كقوله تعالى: (إنما أنت منذر) ~~فظاهر الحصر في النذارة والرسول لا ينحصر في ذلك بل له أوصاف كثيرة جميلة ~~كالبشارة وغيرها وكذلك قوله تعالى: ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) فظاهره ~~والله أعلم الحصر باعتبار من آثرها وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد ~~تكون سببا إلى الخيرات ويكون ذلك من باب التغليب فإذا وردت هذه اللفظة ~~فاعتبرها فإن دل السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص فقل به ~~وإلا فاحمل الحصر على الإطلاق ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما ~~الأعمال بالنيات " والمراد بالأعمال الأعمال الشرعية ومعناه لا يعتد ~~بالأعمال دون النية مثل الوضوء وا؟لغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة ~~والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات، فأما إزالة النجاسة فلا تحتاج إلى ~~نية لأنها من باب التروك والترك لا يحتاج إلى نية، وذهب جماعة إلى صحة ~~الوضوء والغسل بغير نية. # وفي قوله: " إنما الأعمال بالنيات " محذوف واختلف العلماء في تقديره ~~فالذين اشترطوا النية قدروا صحة الأعمال بالنيات، والذين لم يشترطوها قدروا ~~كمال الأعمال بالنيات. # وقوله: " وإنما لكل امرئ ما نوى " قال الخطابي يفيد معنى خاصا غير الأول ~~وهو تعيين العمل بالنية، وقال الشيخ محيي الدين النووي: فائة ذكره أن تعيين ~~المنوي شرط فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة ~~بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرهما ولولا اللفظ الثاني لاقتضى ~~الأول صحة النية بلا تعيين أو أوهم ذلك والله أعلم. # وقوله: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله " ~~المتقرر عند أهل العربية أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد أن ~~يتغايرا وههنا قد وقع الاتحاد وجوابه " فمن كانت هجرته ms11 إلى الله ورسوله " ~~نية وقصدا " فهجرته إلى الله ورسوله " حكما وشرعا. # وهذا لحديث ورد على سبب لأنهم نقلوا أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ~~ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس لا يريد بذلك فضيلة الهجرة فكان يقال له ~~مهاجر أم قيس والله أعلم. # بيان الإسلام والإيمان والإحسان # 2 - " عن عمر رضي الله عنه أيضا قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد ~~الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا ~~محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن ~~تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ~~وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له أن ~~يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته، ~~وكتبه، ورسله، واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: ~~فأخبرني عن الساعة.قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال فأخبرني عن ~~أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء ~~الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر، أتدري من ~~السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " رواه ~~مسلم " . # ...................................................... PageV01P006 هذا ~~حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم ~~الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه لما تضمنه من جمعه علم السنة فهو ~~كالأم للسنة كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن. # وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء ~~والفضلاء والملوك فإن جبريل أتى معلما للناس بحاله ومقاله. # قوله: " لا يرى عليه أثر السفر " المشهور ضم الياء من يرى مبنيا لما لم ~~يسم فاعله ورواه بعضهم بالنون المفتوحة وكلاهما صحيح. # قوله: " ووضع ms12 كفيه على فخذيه وقال يا محمد " هكذا هو المشهور الصحيح ~~ورواه النسائي بمعناه وقال: " فوضع يديه على ركبتي النبي صلى الله عليه ~~وسلم فارتفع الاحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم فإنه قال فيه: " فوضع كفيه على ~~فخذيه " وهو محتمل. # وقد استفيد من هذا الحديث أن الإسلام والإيمان حقيقتان متباينتان لغة ~~وشرعا وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة وقد يتوسع فيهما الشرع فيطلق ~~أحدهما على الآخر على سبيل التجوز. # قوله: " فعجبنا له يسأله ويصدقه " إنما تعجبوا من ذلك لأن ما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته وليس هذا السائل ممن عرف ~~بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالسماع منه ثم هو قد سأل سؤال عارف ~~محقق مصدق فتعجبوا من ذلك. # قوله: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه " الإيمان بالله هو التصديق بأنه ~~سبحانه موجود موصوف بصفات الجلال والكمال منزه عن صفات النقص وأنه واحد حق ~~صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيما يشاء ويفعل في ملكه ما يريد. # والإيمان بالملائكة هو التصديق بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهو ~~بأمره يعملون. # والإيمان برسل الله هو التصديق أنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى ~~أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن الله رسالاته وبينوا ~~للمكلفين ما أمرهم الله به وأنه يجب احترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم. # والإيمان باليوم الآخر هو التصديق بيوم القيامة وما اشتمل عليه من ~~الإعادة بعد الموت والحشر والنشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار ~~وأنهما دار ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين إلى غير ذلك مما صح من النقل. # والإيمان بالقدر هو التصديق بما تقدم ذكره وحاصله ما دل عليه قوله تعالى: ~~(والله خلقكم وما تعملون) (إنا على كل شيء خلقناه بقدر) ونحو ذلك. ومن ذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على ~~أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وأن اجتمعوا على أن ~~يضروك بشيء لم يضروك إلا ms13 بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف " ~~. # ومذهب السلف وأئمة الخلف أن من صدق بهذه الأمور تصديقا جازما لا ريب فيه ~~ولا تردد كان مؤمنا حقا سواء كان ذلك عن براهين قاطعة أو عن اعتقادات ~~جازمة. # وقوله في الإحسان: " أن تعبد الله كأنك تراه " الخ حاصله راجع إلى إتقان ~~العبادات ومراعاة حقوق الله تعالى ومراقبته واستحضار عظمته وجلالته حال ~~العبادات . # قوله: " فأخبرني عن أماراتها " بفتح الهمزة، والأمارة العلامة، والأمة ~~ههنا الجارية المستولدة، وربتها سيدتها وجاء في رواية بعلها، وقد روي أن ~~أعرابيا سئل عن هذه الناقة قال: أنا بعلها ويسمى الزوج بعلا، وهو في الحديث ~~ربتها بالتأنيث، واختلف في قوله: " أن تلد الأمة ربتها " فقيل المراد به أن ~~يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها ~~بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء ~~المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح والتسري، وقيل معناه أن تفسد أحوال ~~الناس حتى يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر تردادهن في أيدي المشترين فربما ~~اشتراها ولدها ولا يشعر بذلك فعلى هذا الذي يكون من أشراط الساعة غلبة ~~الجهل بتحريم بيعهن، وقيل معناه أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد ~~أمه معاملة السيد أمته من الإهانة والسب. # " والعالة " بتخفيف اللام جمع عائل وهو الفقير. PageV01P007 وفي الحديث ~~كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤجر ابن آدم في كل شيء إلا ما وضعه في هذا ~~التراب " ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضع حجرا على حجر ولا لبنة ~~على لبنة أي لم يشيد بناءه ولا طوله ولا تأنق فيه. # قوله: " رعاء الشاء " إنما خص رعاء الشاء بالذكر لأنهم أضعف أهل البادية ~~معناه أنهم مع ضعفهم وبعدهم عن أسباب ذلك بخلاف أهل الإبل فإنهم في الغالب ~~ليسوا عالة ولا فقراء. # وقوله: " فلبثت مليا " قد روي بالتاء يعني لبث عمر رضي الله عنه وروي ~~فلبث بغير ms14 تاء يعني أقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه وكلاهما ~~صحيح المعنى، وقوله: " مليا " هو بتشديد الياء أي زمانا كثيرا وكان ذلك ~~ثلاثا هكذا جاء مبينا في رواية أبي داود وغيره. # وقوله: " أتاكم يعلمكم دينكم " أي قواعد دينكم أو كليات دينكم قاله الشيخ ~~محيي الدين في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم. # أهم ما يذكر في هذا الحديث بيان الإسلام والإيمان والإحسان ووجوب الإيمان ~~بإثبات قدرة الله تعالى وذكر بيان الإسلام والإيمان كلاما طويلا وحكى فيه ~~أقوال جماعة من العلماء، منها ما حكاه عن الإمام أبي الحسين المعروف بابن ~~بطال المالكي، أنه قال: مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن ~~الإيمان قول وعمل يزيد وينقص بدليل قوله تعالى: (ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم) ونحوها من الآيات، قال بعض العلماء نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص ~~والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، قالوا: ~~وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وبين أصل وضعه في اللغة ~~وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق ~~يزيد بكثرة النظر بظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان المصدقين أقوى من إيمان ~~غيرهم بحيث لا يغريهم السفه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم ~~منشرحة منيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال فأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ~~فليسوا كذلك وهذا لا يمكن إنكاره ولا يشك في نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه أنه لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في صحيحه: " ~~قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل ~~وميكائيل عليهما السلام " وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه ~~عند أهل الحق ودلائله أكثر من أن تحصر قال الله تعالى: (وما كان الله ليضيع ~~إيمانكم) أي صلاتكم وحكي عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح في قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " الإسلام ms15 أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وتقيم الصلاة إلى آخره " ثم فسر الإيمان بقوله أن تؤمن بالله تعالى ~~وملائكته إلى آخره، وقال رحمه الله هذا بيان أصل الإيمان، وهو التصديق ~~الباطن، ويبان أصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الإسلام ~~في الظاهر ثبت في الشهادتين، وإنما أضاف إليها الصلاة والزكاة والصوم الحج، ~~لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها. وبقيامه بها يصح إسلامه. # ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات ~~لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان ولهذا لا يقع اسم المؤمن ~~المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على ~~الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بنية وكذلك جاز اطلاق نفيه عنه ~~في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق ~~السارق حين يسرق وهو مؤمن " . # واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول ~~أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام قال فخرج بما ذكرناه أن الإيمان والإسلام ~~يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وقال هذا التحقيق ~~واف بالتوفيق ونصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما ~~غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لمذهب جماهير العلماء من أهل ~~الحديث وغيرهم والله أعلم. # أركان الإسلام PageV01P008 3 - " عن أبي عبد الرحمن - عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنهما - قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان " رواه البخاري ومسلم " . # ...................................................... # قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى يعني أن هذه الخمس أساس دين ~~الإسلام وقواعده التي عليها بني وبها يقوم وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر ~~معها الجهاد مع أنه يظهر الدين ويقمع عناد الكافرين لأن هذه الخمس فرض دائم ~~والجهاد من فروض ms16 الكفايات وقد يسقط في بعض الأوقات. # وقد وقع في بعض الروايات في هذا الحديث تقديم الحج على الصوم وهو وهم، ~~والله أعلم لأن ابن عمر لما سمع المستعيد يقدم الحج على الصوم زجره ونهاه ~~عن ذلك وقدم الصوم على الحج وقال: " هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " . # وفي رواية لابن عمر: " بني الإسلام على أن تعبد الله وتكفر بما سواه ~~وإقام الصلاة " إلى آخره، وفي رواية أخرى " أن رجلا قال لعبد الله بن عمر ~~ألا تغزو فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الإسلام بني ~~على خمس " وقع في بعض الطرق على خمسة بالهاء وفي بعضها بلا هاء وكلاهما ~~صحيح. # وهذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده فإنه قد جمع أركانه. # الأعمال بخواتيمها # 4 - " عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: " أن أحدكم يجمع خلقه في بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ~~يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، ~~وعمله، وشقي أم سعيد. فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل ~~الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " رواه البخاري ~~ومسلم " . # ...................................................... # قوله: " وهو الصادق المصدوق " أي الصادق في قوله المصدوق فيما يأتيه من ~~الوحي الكريم. # قال بعض العلماء معنى قوله: " إن أحدكم يجمع في بطن أمه " إن المني يقع ~~في الرحم متفرقا فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، ~~وقد جاء عن أبن مسعود في تفسير ذلك " أن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد ~~الله تعالى أن يخلق منها بشرا طارت في بشر المرأة تحت ms17 كل ظفر وشعر ثم تمكث ~~أربعين ليلة ثم تصير دما في الرحم فذلك جمعها وهو وقت كونها علقة " . # قوله: " ثم يرسل إليه لملك " يعني الملك الموكل بالرحم. # قوله: " وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة " إلى آخر ظاهر الحديث أن هذا ~~العامل كان عمله صحيحا وأنه قرب من الجنة بسبب عمله، حتى بقي له على دخولها ~~ذراع، وإنما منعه من ذلك سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة فإذا الأعمال ~~بالسوابق لكن لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة جاء في الحديث: " ~~إنما الأعمال بالخواتيم " يعني عندنا بالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص ~~وفي بعض الأحوال، وأما الحديث الذي ذكره مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة " فيما ~~يبدو للناس وهو من أهل النار فإنه لم يكن عمله صحيحا في نفسه وإنما كان ~~رياء وسمعة فيستفاد من ذلك الحديث ترك الالتفات إلى الأعمال والركون إليها ~~والتعويل على كرم الله ورحمته. # وقوله قبل ذلك: " ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله " هو بالباء الموحدة ~~في أوله على البدل من أربع كلمات. # وقوله: " شقي أو سعيد " مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره وهو شقي أو ~~سعيد. PageV01P009 وقوله صلى الله عليه وسلم: " فوالذي لا إله غيره إن ~~أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة " إلى قوله: " فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها " ~~المراد أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم وذلك من لطف الله ~~سبحانه وسعة رحمته فإن انقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير وأما انقلابهم ~~من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ولله الحمد والمنة على ذلك، وهو تجوز، ~~وقوله: " إن رحمتي سيقت غضبي " وفي رواية: " تغلب غضبي " . # وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة وأن جميع، الواقعات ~~بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها. قال الله تعالى: (لا يسئل ~~عما يفعل وهم يسئلون) ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء. قال ms18 ~~الإمام السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوفيق من الكتاب والسنة دون محض ~~القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوفيق منه ضل وتاه في مجال الحيرة ولم ~~يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله ~~تعالى ضربت دونه الأستار اختص سبحانه به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، وقد ~~حجب الله تعالى علم القدر عن العالم فلا يعلمه ملك ولا نبي مرسل، وقيل إن ~~سر القدرة ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل ذلك. # وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل اتكالا على ما سبق من القدر بل ~~تجب الأعمال والتكاليف متى ورد بها الشرع وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على ~~غيره فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل ~~الشقاوة يسره الله تعالى لعمل أهل الشقاوة، كما في الحديث، وقال الله ~~تعالى: (فسنيسره لليسرى... فسنيسره للعسرى) قال العلماء: وكتاب الله تعالى ~~ولوحه وقلمه كل ذلك مما يجب الإيمان به، أما كيفية ذلك وصفته فعلمه إلى ~~الله تعالى لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء والله أعلم. # إبطال المنكرات والبدع # 5 - " عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " رواه ~~البخاري ومسلم: وفي رواية لمسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " . # ...................................................... # قال أهل اللغة الرد هنا بمعنى المردود أي فهو باطل غير معتد به وقوله: " ~~ليس عليه أمرنا " يعني حكمنا. # هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين وهو من جوامع الكلم التي أوتيها ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل بدعة وكل مخترع ويستدل به ~~على إبطال جميع العقود الممنوعة وعدم وجود ثمراتها، واستدل به على ~~الأصوليين على أن النهي يقتضي الفساد. # وفي الرواية الأخرى وهي قوله: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ~~صريح في ترك كل ms19 محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها فإنه قد يحتج به بعض ~~المعاندين، إذا فعل البدعة فيقول ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بهذه الرواية، ~~وهذا الحديث مما ينبغي العناية بحفظه وإشاعته واستعماله في إحداث المنكرات ~~فإنه يتناول ذلك كله. فأما تفريع الأصول التي لا تخرج عن السنة فلا ~~يتناولها هذا الرد ككتابة القرآن العزيز في المصاحف وكالمذاهب التي عن حسن ~~نظر الفقهاء المجتهدين الذين يردون الفروع إلى الأصول التي هي قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكالكتب الموضوعة في النحو والحساب والفرائض وغير ~~ذلك من العلوم مما مرجعه ومبناه على أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأوامره فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث. # الحلال بين والحرام بين # 6 - " عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما ~~أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ~~وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن ~~يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله. وإذا فسدت فسد الجسد كله: ألا وهي القلب " ~~رواه البخاري ومسلم " . # ...................................................... PageV01P010 هذا ~~الحديث أصل عظيم من أصول الشريعة قال أبو داود السجستاني: الإسلام يدور على ~~أربعة أحاديث ذكر منها هذا الحديث وأجمع العلماء على عظيم موقعه وكثير ~~فوائده. # قوله: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات " يعني أن الأشياء ~~ثلاثة أقسام فما نص الله على تحليله فهو الحلال كقوله تعالى: (أحل لكم ~~الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ~~ونحو ذلك، وما نص الله على تحريمه فهو الحرام البين مثل قوله تعالى: (حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم) الآية: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وكتحريم ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن وكل ما جعل الله فيه حدا أو ms20 عقوبة أو وعيدا ~~فهو حرام، وأما الشبهات فهي كل ما تتنازعه الأدلة من الكتاب والسنة ~~وتتجاذبه المعاني فالإمساك عنه ورع. # وقد اختلف العلماء في المشتبهات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الحديث فقالت طائفة: هي حرام لقوله استبرأ لدينه وعرضه قالوا ~~ومن لم يستبرء لدينه وعرضه فقد وقع في الحرام، وقال الآخرون هي حلال بدليل ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: " كالراعي يرعى حول الحمى " فيدل على ~~أن ذلك حلال وأن تركه ورع، وقالت طائفة أخرى المشتبهات المذكورة في هذا ~~الحديث لا نقول إنها حلال ولا إنها حرام فإنه صلى الله عليه وسلم جعلها بين ~~الحلال البين والحرام البين فينبغي أن نتوقف عنها وهذا من باب الورع أيضا. # وقد ثبت في حديث الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: " اختصم سعد ~~بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة ~~بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا ~~رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله فرأى شبها بينا ~~بعتبة، فقال: " هو لك يا عبد زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه ~~يا سودة " فلم ترد سودة قط. فقد حمك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالولد ~~للفراش وأنه لزمعة على الظاهر وأنه أخو سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنها بنت زمعة وذلك على سبيل التغليب لا على سبيل القطع ثم أمر سودة ~~بالاحتجاب منه للشبه الداخلة عليه فاحتاط لنفسه وذلك من فعل الخائفين من ~~الله عز وجل إذ لو كان الولد ابن زمعة في علم الله عز وجل لما أمر سودة ~~بالاحتجاب منه كما لم يأمرها بالاحتجاب من سائر اخوتها عبد وغيره. # وفي حديث عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي عليه ~~فأجد معه على الصيد كلبا آخر قال: " لا تأكل إنما سميت على كلبك ولم ms21 تسم ~~على غيره " فأفتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشبهة أيضا خوفا من أن ~~يكون الكلب الذي قتله غير مسمى عليه فكأنه أهل لغير الله به وقد قال الله ~~تعالى في ذلك: (وإنه لفسق) فكان في فتياه صلى الله عليه وسلم دلالة على ~~الاحتياط في الحوادث والنوازل المحتملة للتحليل والتحريم لاشتباه أسبابها ~~وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " . ~~وقال بعض العلماء: المشتبهات ثلاثة أقسام: منها ما يعلم الإنسان أنه حرام ~~ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا كالذي يحرم على المرء أكله قبل الذكاة إذا ~~شك في ذكاته لك يزل التحريم إلا بيقين الذكاة والأصل في ذلك حديث عدي ~~المتقدم ذكره. # وعكس ذلك أن يكون الشيء حلالا فيشك في تحريمه كرجل له زوجة فشك في طلاقها ~~أو أمة فيشك في عتقها، فما كان من هذا القسم فهو على الإباحة حتى يعلم ~~تحريمه والأصل في هذا الحديث عبد الله بن زيد فيمن شك في الحدث بعد أن تيقن ~~الطهارة. # القسم الثالث أن يشك في شيء فلا يدري أحلال أم حرام ويحتمل الأمرين جميعا ~~ولا دلالة على أحدهما فالأحسن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في التمرة ~~الساقطة حين وجدها في بيته فقال: " لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة ~~لأكلتها " . # وأما إن جوز نقيض ما ترجح عنده بأمر مرهوم لا أصل له كترك استعمال ماء ~~باق على أوصافه مخافة تقدير نجاسة وقعت فيه أو كترك الصلاة في موضع لا أثر ~~فيه مخافة أن يكون فيه بول قد جف أو كغسل ثوب مخافة إصابة نجاسة لم يشاهدها ~~ونحو ذلك فهذا يجب أن لا يلتفت إليه فإن التوقف لأجل ذلك التجويز هوس ~~والورع منه وسوسة شيطان إذ ليس فيه من معنى الشبه شيء والله أعلم. ~~PageV01P011 وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يعلمهن كثير من الناس " أي لا ~~يعلم حكمهن من التحليل والتحريم وإلا فالذي يعلم الشبهة يعلمها من حيث أنها ~~مشكلة لترددها ms22 بين أمور محتملة فإذا علم بأي أصل تلتحق زال كونها شبهة ~~وكانت إما من الحلال أو من الحرام وفيخ دليل على أن الشبهة لها حكم خاص بها ~~عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس. # وقوله: " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " مما يشتبه. # وأما قوله: " ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام " فذلك يكون بوجهين ~~أحدهما: أن من لم يتق الله وتجرأ على الشبهات أفضت به إلى المحرمات ويحمله ~~التساهل في أمرها على الجرأة على الحرام كما قال بعضهم الصغيرة تجر الكبيرة ~~والكبيرة تجر الكفر وكما روي " المعاصي بريد الكفر " . # الوجه الثاني أن من أكثر من مواقعة الشبهات أظلم عليه قلبه لفقدان نور ~~العلم ونور الورع فيقع في الحرام وهو لا يشعر وقد يأثم بذلك إذا تسبب منه ~~إلى تقصير. وقوله صلى الله عليه وسلم: " كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ~~" هذا مثل ضربه لمحارم الله عز وجل وأصله أن العرب كانت تحمي مراعي ~~لمواشيها وتخرج بالتوعد بالعقوبة لمن قربها فالخائف من عقوبة السلطان يبعد ~~بماشيته عن ذلك الحمى لأنه إن قرب منه فالغالب الوقوع فيه لأنه قد تنفرد ~~الفاذة وتشذ الشاذة ولا ينضبط فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة ~~يأمن فيها وقوع ذلك وهكذا محارم الله عز وجل من القتل والربا والسرقة وشرب ~~الخمر والقذاف والغيبة والنميمة ونحو ذلك لا ينبغي أن يحوم حولها مخافة ~~الوقوع فيها. # " ويوشك " بكسر الشين مضارع أوشك بفتحها وهي من أفعال المقاربة، و " يرتع ~~" بفتح التاء معناه أكل الماشية من المرعى وأصله إقامتها فيه وبسطها في ~~الأكل. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد ~~كله " الحديث. # المضغة: القطعة من اللحم وهي قدر ما يمضغه الماضغ يعني بذلك صغر جرمها ~~وعظيم قدرها، وصلحت رويناه بفتح اللام والقلب في الأصل مصدر وسمي به هذا ~~العضو الذي هو أشرف الأعضاء لسرعة الخواطر فيه وترددها عليه وأنشد بعضهم في ~~هذا المعنى. # ما سمى القلب إلا ms23 من تقلبه ... فاحذر على القلب من قلب وتحويل # وخص اله تعالى جنس الحيوان بهذا العضو وأودع فيه تنظيم المصالح المقصودة ~~فتجد البهائم على اختلاف أنواعها تدرك به مصالحها وتميز به مضارها من ~~منافعها ثم خص الله نوع الإنسان من سائر الحيوان بالعقل وإضافة إلى القلب ~~فقال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان ~~يسمعون بها) وقد جعل الله الجوارح مسخرة له ومطيعة فما استقر فيه ظهر عليها ~~وعملت على معناه إن خيرا فخير وإن شرا فشر فإذا فهمت هذا ظهر قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله ألا وهي القلب " نسأل الله العظيم أن يصلح فساد قلوبنا، يا مقلب ~~القلوب ثبت قلوبنا على دينك يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. # الدين النصيحة # 7 - " عن أبي رقية تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه - " أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ~~ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم " رواه مسلم " . # ...................................................... # ليس لتميم الداري رضي الله عنه غير هذا الحديث. والنصيحة كلمة جامعة ~~معناها إرادة جملة خير حيازة لحظ المنصوح له. وهي من وجيز الأسماء ومختصر ~~الكلام وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه ~~الكلمة، كما قالوا في الفلاح ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا ~~والآخرة معا. # ومعنى قوله " الدين النصيحة " أي عماد الدين وقوامه النصيحة كقوله: " ~~الحج عرفة " أي عماده ومعظمه. # وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقال الخطابي، وغيره من العلماء: ~~PageV01P012 النصيحة لله تعالى معناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه ~~وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه عن جميع ~~النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته والحب فيه والبغض فيه وجهاد من كفر ~~به والاعتراف بنعمته والشكر عليها والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى ~~جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف بالناس. قال الخطابي: وحقيقة ~~هذه الأوصاف راجعة إلى العبد ms24 في نصحه نفسه فإن الله سبحانه غني عن نصح ~~الناصح، وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى فبالإيمان بأنه كلام الله تعالى ~~وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الناس، ولا يقدر على مثله أحد من الخلق ثم ~~تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروف في ~~التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين، والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه ~~وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواضعه، والتفكر في عجائبه، والعمل ~~بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا ~~من نصيحته. # وأما النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم فتصديقه على الرسالة، والإيمان ~~بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من ~~عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، ~~وإجابة دعوته، ونشر سنته ونفي التهمة عنها، واستئثار علومها والتفقه في ~~معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعليمها، وإعظامها وإجلالها، والتأدب ~~عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال أهلها لانتسابهم ~~إليها؛ والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته، وأصحابه، ومجانبة ~~من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك. # وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق، وطاعتهم وأمرهم به ~~وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، وتبليغهم من حقوق ~~المسلمين، وترك الخروج عليهم بالسيف، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم والصلاة ~~خلفهم، والجهاد معهم، وأن يدعوا لهم بالصلاح. # وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمر، فإرشادهم لمصالحهم في ~~آخرتهم ودنياهم، وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار ~~عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص ~~والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، ~~وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، ~~والذب عن أموالهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على ~~التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، والله أعلم. # والنصيحة فرض كفاية إذا قام بها من يكفي سقط عن غير وهي لازمة على قدر ~~الطاقة. # والنصيحة في اللغة ms25 الإخلاص يقال نصحت العسل إذا صفيته وقيل غير ذلك والله ~~أعلم. # حرمة المسلم # 8 - " عن ابن عمر رضي الله عنهما: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى " رواه البخاري ومسلم " ~~. # ...................................................... # هذا حديث عظيم وقاعدة من قواعد الدين وقد روى هذا الحديث أنس وقال: " حتى ~~يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن ~~يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم ~~وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين " . وجاء في ~~حديث مسلم من رواية أبي هريرة: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي ~~وبما جئت به " وذلك موافقة لرواية ابن عمر في المعنى. PageV01P013 وأما ~~معاني هذا الحديث فقال العلماء بالسير: لما توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده، وكفرمن كفر من العرب عزم ~~أبو بكر على قتالهم، وكان منهم من منع الزكاة ولم يكفر وتأول في ذلك، فقال ~~له عمر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قالوا لا إله إلا الله وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله " إلى آخر الحديث فقال الصديق إن الزكاة حق المال، وقال: والله لو ~~منعوني عناقا وفي رواية عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقتالهم على منعه فتابعه عمر على قتال القوم. # قوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله ~~إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله " . قال الخطابي ~~وغيره: المراد بهذا أهل الأوثان ومشركو العرب ومن لا يؤمن دون أهل الكتاب، ~~ومن يقر بالتوحيد فلا يكفي في عصمته بقوله: لا ms26 إله إلا الله إن كان يقولها ~~في كفره وهي من اعتقاده، وكذلك جاء في الحديث الآخر " وإني رسول الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " . وقال الشيخ محيي الدين النووي ولا بد مع ~~هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في ~~الرواية الأخرى لأبي هريرة: " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي ~~وبما جئت به " . # ومعنى قوله: " وحسابهم على الله " أي فيما يسترونه ويخفونه دون ما يخلون ~~به في الظاهر من الأحكام الواجبة، ذكر ذلك الخطابي قال: وفيه أن من أظهر ~~الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر أهل العلم. وذهب ~~مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل وهي رواية عن الإمام أحمد. # وفي قوله: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا ~~بي وبما جئت به " دلالة ظاهرة لمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن ~~الإنسان إذا اعتقد دين الإسلام اعتقادا جازما لا تردد فيه كفاه ذلك ولا يجب ~~عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بها، خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا ~~في نحو أهل القبلة وهذا خطأ ظاهر فإن المراد التصديق الجازم وقد حصل ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به ولم يشترط المعرفة ~~بالدليل وقد تظاهرت بهذا أحاديث في الصحيح، يحصل بمجموعها التواتر بأصلها ~~والعلم القطعي والله أعلم. # التكليف بما يستطاع # 9 - " عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به ~~فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم ~~على أنبيائهم " رواه البخاري ومسلم " . # ...................................................... # لفظ هذا الحديث في كتاب مسلم عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " يا أيها الناس قد فرض الحج عليكم فحجوا فقال رجل أكل عام ~~يا رسوا الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه ms27 وسلم لو ~~قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان ~~قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما ~~استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه " . والرجل الذي سأله هو الأقرع بن حابس، ~~كذا جاء مبينا في غير هذه الرواية. # واختلف الأصوليون في الأمر، هل يقتضي التكرار؟ فاختار أكثر الفقهاء ~~والمتكلمين أنه لا يقتضي التكرار، وقال آخرون لا يحكم باقتضائه ولا منعه بل ~~يتوقف فيما زاد على مرة على البيان وهذا الحديث قد يستدل به من يقول ~~بالتوقف، فإنه قد سأل فقال أكل عام؟ ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه ~~لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: " لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم " ~~بل ولم يكن حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا وأجمعت الأمة على أن ~~الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بأصل الشرع. # وأما قوله: " ذروني ما تركتكم " فهو ظاهر في أن الأمر لا يقتضي التكرار ~~ويدل هذا اللفظ أيضا على أن الأصل عدم الوجوب وأنه لا حكم قبل ورود الشرع ~~وهو الصحيح عند كثير من الأصوليين. # وقوله: " لو قلت نعم لوجبت " دليل للمذهب الصحيح في أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام، وإنه لا يشترط حكمه أن يكون بوحي. ~~PageV01P014 قوله صلى الله عليه وسلم: " وما أمرتكم به فأتوا منه ما ~~استطعتم " هذا من قواعد الإسلام المهمة ومما أوتيه صلى الله عليه وسلم من ~~جوامع الكلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة إذا عجز عن بعض ~~أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء غسل ~~الممكن وكذلك إذا وجبت فطرة جماعة ممن يلزمه نفقتهم وكذلك أيضا في إزالة ~~المنكرات إذا لم يمكنه إزالة جميعها فعل الممكن وأشباه ذلك مما لا ينحصر ~~وهو مشهور في كتب الفقه وهذا الحديث كقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) ~~، وأما قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ms28 تقاته) فقيل منسوخة ~~بقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم) ، قال بعضهم: والصحيح أنها ليست بها، بل ~~هي مفسرة لها، ومبينة للمراد منها، قالوا: وحق تقاته هو امتثال أمره ~~واجتناب نواهيه، والله سبحانه لم يأمر إلا بالمستطاع، فإن الله تعالى قال: ~~(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج) . # وأما قوله عليه الصلاة والسلام: " وما نهيتكم عن شيء فاجتنبوه " فهذا على ~~إطلاقه لكن إن وجد عذر يبيحه كأكل لميتة عند الضرورة ونحوه فهذا لا يكون ~~منهيا عنه في هذه الحال. وأما في غير حال العذر فلا يكون ممتثلا لمقتضى ~~النهي حتى يترك كل ما نهى عنه ولا يخرج عنه بترك فعل واحد بخلاف الأمر وهذا ~~الأصل إذا فهم فهو مسألة مطلق الأمر: هل يحمل على الفور أو على التراخي، أو ~~على المرة الواحدة أو على التكرار، ففي هذا الحديث أبواب من الفقه والله ~~أعلم. # وقوله: " إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " ~~وذكر ذلك بعد قوله: " ذروني ما تركتكم " أراد لا تكثروا السؤال فربما يكثر ~~الجواب عليه فيضاهي ذلك قصة بني إسرائيل لما قيل لهم: (اذبحوا بقرة) فإنهم ~~لو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ وبادروا إلى ذبح أي بقرة كانت اجزأت ~~عنهم لكن لما أكثروا السؤال وشددوا شدد عليهم وذموا على ذلك فخاف النبي صلى ~~الله عليه وسلم مثل ذلك على أمته. # الاقتصار على الحلال الطيب # 10 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر ~~به المرسلين، فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) ~~وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل ~~يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ~~ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له " رواه مسلم " . # ...................................................... # وهذا الحديث أحد الأحاديث التي ms29 عليها قواعد الإسلام ومباني الأحكام، وفيه ~~الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وأن المأكول ~~والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن يكون حلالا خالصا لا شبهة فيه وإن من ~~أراد الدعاء كان أولى بالاعتناء بذلك من غيره، وفيه أن العبد إذا أنفق نفقة ~~طيبة فهي التي تزكو وتنمو وأن الطعام اللذيذ غير المباح يكون وبالا على ~~آكله ولا يقبل الله عمله. # وقوله: " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر " إلى آخره معناه والله ~~أعلم. يطيل السفر في وجوه الطاعات: الحج وجهاد، وغير ذلك من وجوه البر ومع ~~هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حرام فكيف بمن هو منهمك في ~~الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير. # وقوله: " يمد يديه " أي يرفعهما بالدعاء لله مع مخالفته وعصيانه، وقوله: ~~" وغذي بالحرام " هو بضم الغين المعجمة، وتخفيف الذال المكسورة. وقوله: " ~~فأنى يستجاب له؟ " وفي رواية: " فأنى يستجاب لذلك؟ " يعني من أين يستجاب ~~لمن هذه صفته، فإنه ليس أهلا للإجابة، لكن يجوز أن يستجيب الله تعالى له ~~تفضلا ولطفا وكرما والله أعلم. # التورع عن الشبهات # 11 - " عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب - سبط رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وريحانته - رضي الله عنهما - قال: " حفظت من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " رواه الترمذي والنسائي، وقال ~~الترمذي: حديث حسن صحيح " . PageV01P015 قوله: " يريبك " بفتح الياء وضمها ~~والفتح أفصح وأشهر ويجوز الضم يقال رابني الشيء وأرابني ومعناه: اترك ما ~~شككت فيه واعدل إلى ما لا تشك فيه وهذا راجع إلى معنى الحديث السادس وهو ~~قوله: " الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات " وقد جاء في حديث آخر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى ~~يترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس " . وهذه درجة أعلى من ذلك. # ترك ما لا يعني المسلم # 12 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه، ms30 قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " حديث حسن رواه الترمذي ~~وغيره هكذا " . # ...................................................... # وقد رواه قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وصحح ~~طرقه ثم قال في هذا الحديث هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة ~~في الألفاظ القليلة ونحو ذلك قول أبي ذر في بعض حديثه: " ومن حسب كلامه من ~~عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه " . # وذكر مالك أنه بلغه أنه قيل للقمان: " ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل " ~~فقال: " صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني " . # وروى عن الحسن قال: " من علامة أعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله ~~فيما لا يعنيه " . # وقال أبو داود أصول السنن في كل فن أربعة أحاديث وذكر منها هذا الحديث. # كمال الإيمان # 13 - " عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه - خادم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه " رواه البخاري ومسلم. # ...................................................... # هكذا جاء في صحيح البخاري لأخيه من غير شك وجاء في صحيح مسلم حتى يحب ~~لأخيه أو لجاره على الشك. # قال العلماء: يعني لا يؤمن من الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن ~~لك يكن بهذه الصفة. # والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في ~~رواية النسائي: " حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه " . قال الشيخ أبو ~~عمرو ابن الصلاح، وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك، إذ معناه لا ~~يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك ~~يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء ~~من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل ~~عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين. # وقال أبو الزناد ظاهر هذا الحديث التساوي وحقيقته التفضيل لأن الإنسان ~~يجب أن ms31 يكون أفضل الناس فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين ~~ألا ترى أن الإنسان يجب أن ينتصف من حقه ومظلمته؟ فإن أكمل إيمانه وكان ~~لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى إنصافه من نفسه وإن كان عليه فيه مشقة. # ويحكى أن الفضل بن عياض، قال لسفيان بن عيينة إن كنت تريد أن يكون الناس ~~مثلك فما أديت الله الكريم النصيحة فكيف وأنت تود أنهم دونك؟ . # وقال بعض العلماء في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس ~~الواحدة فينبغي أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث إنهما نفس واحدة كما جاء في ~~الحديث الآخر " المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر ~~الجسد بالحمى والسهر " . # حرمة دم المسلم وأسباب إهداره # 14 - " عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، ~~والتارك لدينه المفارق للجماعة " رواه البخاري ومسلم " . # ...................................................... # وفي بعض الروايات المتفق عليها " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا ~~الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث " فقوله: " يشهد أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله " كالتفسير لقوله " مسلم " وكذا قوله: " المفارق للجماعة " ~~كالتفسير لقوله: " التارك لدينه " وهؤلاء الثلاثة مباحوا الدم بالنص ~~والمراد بالجماعة " المسلمون " وإنما فراقهم بالردة عن الدين وهي سبب ~~لإباحة دمه. # وقوله " التارك لدينه المفارق للجماعة " عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ~~ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام. PageV01P016 قال العلماء ~~ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو غيرهما والله أعلم. # والظاهر أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه، فيباح قتله في دفع أذاه، وقد ~~يجاب عن هذا: بأنه داخل في المفارق للجماعة، ويكون المراد لا يحل تعمد قتله ~~قصدا إلا في هؤلاء الثلاثة والله أعلم. # وقد استدل بعضهم على أن تارك الصلاة يقتل لتركها لأن تاركها يسمى من هذه ~~الثلاثة وفي هذه المسألة ms32 خلاف بين العلماء منهم من يكفر تارك الصلاة ومنهم ~~من لا يكفره واستدل بعض من يكفره بالحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " قال فوجه الدليل أنه وقف العصمة على مجموع ~~الشهادتين، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والمرتب على أشياء لا يحصل إلا ~~بمجموعها وينتفي بانتفائها وهذا إن قصد به الاستدلال بالمنطوق وهو قوله: " ~~أمرت أن أقاتل الناس ... " إلخ فإنه يقتضي الأمر بالقتال إلى هذه الغاية ~~فقد ذهل وسها لأنه فرق بين المقاتلة على الشيء والقتل عليه فإن المقاتل ~~مفاعلة يقتضي الحصول من الجانبين، ولا يلزم من وجوب المقاتلة على الصلاة ~~وجوب القتل عليها إذا تركها من غير أن يقاتلنا والله أعلم. # وقوله: " الثيب الزاني " هو المحصن ويدخل فيه الذكر والأنثى وهو حجة على ~~ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني الرجم بشروطه المذكورة في أبواب ~~الفقه. # وقوله: " النفس بالنفس " موافق لقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس) ويعني به النفوس المتكافئة في الإسلام والحرية بدليل قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا يقتل مسلم بكافر " وكذلك الحرية شرط من المكافأة عند مالك، ~~والشافعي، وأحمد. وذهب أصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي وأن الحر ~~يقتل بالعبد وقد يستدلون بهذا الحديث، والجمهور على خلاف ذلك. # آداب إسلامية # 15 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " ~~رواه البخاري ومسلم " . # ...................................................... # قوله: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر " يعني من كان يؤمن الإيمان ~~الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوان الله " فليقل خيرا أو ليصمت " ~~لأن من آمن بالله حق إيمانه خاف وعيده ورجا ثوابه واجتهد في فعل ما أمر به ~~وترك ما نهي عنه وأهم ما عليه من ذلك ms33 ضبط جوارحه التي هي رعاياه وهو ~~المسؤول عنها كما قال تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا) ، وقال تعالى: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وآفات اللسان ~~كثيرة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وهل يكب الناس في النار على ~~مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " . وقال: " كل كلام ابن آدم عليه إلا ذكر الله ~~تعالى وأمر بمعروف ونهي عن منكر " . فمن علم ذلك وآمن به حق إيمانه اتقى ~~الله في لسانه فلا يتكلم إلا بخير أو ليسكت. # قال بعض العلماء جماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث ذكر منها قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ~~" . قال أهل اللغة: يقال صمت يصمت بضم الميم صمتا وصموتا وصماتا. # وقال بعضهم في معنى هذا الحديث إذا أراد الإنسان أن يتكلم فإن كان ما ~~يتكلم به خيرا محققا يثاب عليه فليتكلم وإلا فليمسك عن الكلام سواء ظهر أنه ~~حرام أو مكروه أو مباح فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورا بتركه مندوبا ~~إلى الإمساك عنه مخافة أن ينجر إلى المحرم أو المكروه وقد يقع ذلك كثيرا ~~قال الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) . # واختلف العلماء في أنه هل يكتب على الإنسان جميع ما يلفظ به وإن كان ~~مباحا أو لا يكتب عليه إلا ما فيه الجزاء من ثواب أو عقاب وإلى القول ~~الثاني ذهب ابن عباس وغيره، فعلى هذا تكون الآية الكريمة مخصوصة، أي(ما ~~يلفظ من قول) يترتب عليه جزاء. PageV01P017 وقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~فليكرم جاره - فليكرم ضيفه " فيه تعريف لحق الجار والضيف وبرهما وحث على ~~حفظ الجوارح وقد أوصى الله تعالى في كتابه بالإحسان إلى الجار، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: " ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ~~سيورثه " والضيافة من الإسلام وخلق النبيين والصالحين. وقد أوجبها بعض ~~العلماء وأكثرهم على أنها من مكارم الأخلاق. وقال صاحب الإفصاح في هذا ~~الحديث من ms34 الفقه: أن يعتقد الإنسان إن إكرام الضيف عبادة لا ينقصها أن يضيف ~~غنيا ولا بغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسير مما عنده، فإكرامه أن يسارع إلى ~~البشاشة في وجهه، ويطيب الحديث له، وعماد أهل الضيافة إطعام الطعام فينبغي ~~أن يبادر بما فتح الله من غير كلفة، وذكر كلاما في الضيافة، ثم قال: وأما ~~قوله: " فليقل خيرا أو ليصمت " فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت ~~والصمت خير من قول الشر وذلك أنه أمره بلام الأمر بقول الخير وبدأ به على ~~الصمت، ومن قول الخير الإبلاغ عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتعليم المسلمين والأمر بالمعروف عن علم والنهي عن المنكر عن علم ~~والإصلاح بين الناس وأن يقول للناس حسنا، ومن أفضل الكلمات كلمة حق عند من ~~يخاف ويرجى في ثبات وسداد. # النهي عن الغضب # 16 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: أوصيني قال: " لا تغضب " فردد مرارا قال: " لا تغضب " رواه البخاري " ~~. # ...................................................... # قال صاحب الإفصاح من الجائز أن النبي صلى الله عليه وسلم علم من هذا ~~الرجل كثرة الغضب فخصه بهذه الوصية وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الذي ~~يملك نفسه عند الغضب فقال: " ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك ~~نفسه عند الشدائد " . ومدح الله تعالى: (الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) ~~. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من كظم غيظه وهو يستطيع ~~أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من ~~الحور ما شاء " . # وقد جاء في الحديث: " إن الغضب من الشيطان " ولهذا يخرج به الإنسان من ~~اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويرتكب المذموم وينوي الحقد والبغضاء وغير ذلك ~~من القبائح المحرمة، كل ذلك من الغضب أعاذنا الله منه. وقد جاء في حديث ~~سليمان بن صرد " أن الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم تذهب الغضب " وذلك ~~إن الشيطان هو الذي يزين الغضب وكل ما لا تحمد عاقبته، ms35 فإن الشيطان يغويه ~~ويبعده عن رضى الله عز وجل فالإستعاذة بالله منه من أقوى السلاح على دفع ~~كيده. # الأمر بإحسان الذبح والقتل # 17 - " عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قال: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا ~~القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " رواه ~~مسلم " . # ...................................................... # " القتلة " بكسر القاف هي الهيئة والحالة، " والذبحة " بكسر الذال ويضم، ~~وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث " فأحسنوا الذبح " بغير هاء، وهو بالفتح ~~مصدر والكسر الهيئة والحالة. # وقوله: " وليحد أحدكم شفرته " هو بضم الياء من حد يقال أحد السكين وحدها ~~واستحدها. # قوله: " فأحسنوا القتلة " عام في القتل من الذبائح والقتل قصاصا أو في حد ~~ونحو ذلك. # وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد كثيرة ومعنى إحسان القتل أن ~~يجتهد في ذلك ولا يقصد التعذيب. وإحسان الذبح في البهائم أن يرفق بالبهيمة، ~~ولا يصرعها بغتة ولا يجرها من موضع إلى موضع وأن يوجهها إلى القبلة ويسمي ~~ويجهد ويقطع الحلقوم والوجدين، ويتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى ~~بالمنة والشكر على نعمه فإنه سبحانه سخر لنا ما لو شاء لسلطه علينا وأباح ~~لنا ما لو شاء لحرمه علينا. # حسن الخلق # 18 - " عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله ~~عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اتق الله حيثما كنت، وأتبع ~~السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " رواه الترمذي وقال حديث حسن. ~~وفي بعض النسخ: حسن صحيح " . # ...................................................... PageV01P018 ~~مناقب أبي ذر كثيرة أسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أمره أن يلحق ~~بقومه فلما رأى حرصه على المقام معه بمكة وعلم أنه لا يقدر على ذلك قال له ~~صلى الله عليه وسلم: " إتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها " ~~وهذا موافق لقوله تعالى: (أن الحسنات يذهبن السيئات) وقوله: " وخالق الناس ~~بخلق حسن " معناه عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به واعلم ms36 " أن أثقل ما ~~يوضع في الميزان الخلق الحسن " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا " وحسن الخلق من ~~صفات النبيين والمرسلين وخيار المؤمنين لا يجزون بالسيئة، بل يعفون ويصفحون ~~ويحسنون مع الإساءة إليهم. # احفظ الله يحفظك # 19 - " عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: " كنت خلف ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله ~~يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد ~~كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه ~~الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، ~~وفي رواية غير الترمذي " احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء ~~يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. وما أصابك لم يكن ~~ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا " ~~" . # ...................................................... # مناقب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر وقد دعا له النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " " ودعا له ~~بأن يؤتى الحكمة مرتين " وثبت عنه: " أنه رأى جبريل مرتين " وهو بحر هذه ~~الأمة وحبرها وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلا للوصية مع صغره ~~فقال له: " احفظ الله يحفظك " ومعناه كن مطيعا لربك، مؤتمرا بأوامره، ~~منتهيا عن نواهيه. # وقوله: " احفظ الله تجده تجاهك " أي اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته ~~فإنك تجده تجاهك في الشدائد كما جرى للثلاثة الذين أصابهم المطر فآووا إلى ~~غار فانحدرت صخرة فانطبقت عليهم فقالوا انظروا ما عملتم من الأعمال الصالحة ~~فاسألوا الله تعالى بها فإنه ينجيكم، فذكر كل واحد منهم سابقة له مع ربه، ~~فانحدرت عنهم الصخرة فخرجوا يمشون وقصتهم مشهورة في الصحيح. ms37 # وقوله: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله " أرشده إلى ~~التوكل على مولاه وأن لا يتخذ إلها سواه ولا يتعلق بغيره في جميع أموره ما ~~قل منها وما كثر. وقال الله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) فبقدر ما ~~يركن الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أو بقلبه أو بأمله فقد أعرض عن ربه ~~بمن لا يضره ولا ينفعه وكذلك الخوف من غير الله وقد أكد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك فقال: " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ~~ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك " وكذلك في الضر وهذا هو الإيمان بالقدر ~~والإيمان به واجب خيره وشره وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله ~~والاستعانة به وكذلك إجابة الخليل عليه الصلاة والسلام جبريل عليه السلام ~~حين سأله وهو في الهواء " ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا " . # وقوله: " رفعت الأقلام وجفت الصحف " هذا تأكيد أيضا لما تقدم أي لا يكون ~~خلاف لما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل. # قال: " واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا " ~~فنبهه على أن الإنسان في الدنيا ولا سيما الصالحون معرضون للمصائب لقوله عز ~~وجل " (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ~~وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وقال تعالى: (إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) . # الحياء من الإيمان # 20 - " عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ~~الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت " رواه البخاري " . # ...................................................... PageV01P019 ~~معنى قوله: " من كلام النبوة الأولى " إن الحياء لم يزل ممدوحا مستحسنا ~~مأمورا به لم ينسخ في شرائع الأنبياء الأولين. # وقوله: " فاصنع ما شئت " فيه وجهان أحدهما أن يكون خرج بلفظ الأمر على ~~معنى الوعيد والتهديد ولم يرد به ms38 الأمر كقوله: " اعملوا ما شئتم " فإنه ~~وعيد لأنه قد بين لهم ما يأتون به وما يتركون. وكقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " من باع الخمر فليشقص الخنازير " ، لم يكن في هذا إباحة تشقيص ~~الخنازير. والوجه الثاني أن معناه أئت كل ما لم يستحيا منه إذا ظهر فاعله، ~~ونحو هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " الحياء من الإيمان " معناه إنه لما ~~كان يمنع صاحبه من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه ~~من ذلك ويحمله على الطاعات صار بمنزلة الإيمان لمساواته له في ذلك والله ~~أعلم. # قل آمنت بالله ثم استقم # 21 - " عن أبي عمرو - وقيل أبي عمرة - سفيان بن عبد الله رضي الله عنه، ~~قال قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: ~~" قل آمنت بالله ثم استقم " رواه مسلم. # ...................................................... # معنى قوله: " قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك " أي علمني ~~قولا جامعا لمعاني الإسلام واضحا في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك ~~أعمل عليه وأتقي به فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله: " قل آمنت ثم استقم " ~~. # هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم فإنه جمع لهذا السائل ~~في هاتين الكلمتين معاني الإسلام والإيمان كلها فإنه أمره أن يجدد إيمانه ~~بلسانه متذكرا بقلبه وأمره أن يستقيم على أعمال الطاعات والانتهاء عن جميع ~~المخالفات إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الإعوجاج فإنها ضده وهذا كقوله ~~تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) الآية أي آمنوا بالله وحده، ~~ثم استقاموا على ذلك، وعلى الطاعة إلى أن توفاهم الله عليها. قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: " استقاموا والله على طاعته ولم يروغوا روغان الثعلب ~~" . ومعناه اعتدلوا على أكثر طاعة لله اعتقادا وقولا وفعلا. وداموا على ~~ذلك، وهذا معنى قول أكثر المفسرين، وهي معنى الحديث إن شاء الله تعالى. # وكذلك قوله سبحانه: (فاستقم كما أمرت) قال ابن عباس ما نزل على رسول الله ~~صلى الله ms39 عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشق عليه من هذه الآية. ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: " شيبتني هود وأخواتها " . # قال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى؛ " الاستقامة درجة بها ~~كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ومن لم يكن مستقيما في ~~حال سعيه ضاع سعيه وخاب جده " . قال وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر ~~لأنها الخروج عن المعهودات. ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله ~~تعالى على حقيقة الصدق ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " استقيموا ولن ~~تحصوا " وقال الواسطي: الاستقامة الخصلة التي بها كمال المحاسن، وبفقدها ~~قبحت المحاسن، والله أعلم. # الاقتصار على الفرائض يدخل الجنة # 22 - " عن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: أن ~~رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، ~~وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل ~~الجنة؟ قال: نعم " رواه مسلم. ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته. ومعنى أحللت ~~الحلال: فعلته معتقدا حله " . # ...................................................... # هذا الرجل السائل هو النعمان بن قوقل بقافين مفتوحتين، قال الشيخ أبو ~~عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: الظاهر إنه أراد بقوله: " وحرمت الحرام " ~~أمرين أحدهما: أن يعتقد كونه حراما، والثاني: أن لا يفعله بخلاف تحليل ~~الحلال، فإنه يكفي فيه مجرد اعتقاده حلالا. PageV01P020 قال صاحب المفهم لم ~~يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للسائل في هذا الحديث شيئا من التطوعات على ~~الجملة وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة لكن من تركها ولم يعمل ~~شيئا فقد فوت على نفسه ربحا عظيما وثوابا جسيما، ومن داوم على ترك شيء من ~~السنن كان ذلك نقصا في دينه، وقدحا في عدالته، فإن كان تركه تهاونا ورغبة ~~عنها، كان ذلك فسقا يستحق به ذما. قال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطئو على ~~ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا، ولقد كان صدر الصحابة رضي الله عنهم ومن ~~بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض ولم يكونوا ~~يفرقون بينهما ms40 في اغتنام ثوابها. # وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة ~~وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وإنما ترك النبي ~~صلى الله عليه وسلم تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلا وتيسيرا لقرب عهده ~~بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيرا له، وعلى أنه إذا تمكن في ~~الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره، أو لئلا يعتقد أن السنن ~~والتطوعات واجبة فتركه لذلك. # وكذلك في الحديث الآخر: " أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الصلاة فأخبره أنها خمس فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، ثم سأله ~~عن الصوم والحج والشرائع فأجابه ثم قال في آخر ذلك: والله لا أزيد على هذا ~~ولا أنقص منه " فقال: " أفلح إن صدق " . وفي رواية: " إن تمسك بما أمر به ~~دخل الجنة " . # وإنما شرعت لتتميم الفرائض. فهذا السائل والذي قبله، إنما تركهما النبي ~~صلى الله عليه وسلم تسهيلا عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه، والحرص ~~على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما. # وهذا يسمى بمحافظته على فرائضه وإقامتها والإتيان بها في أوقاتها من غير ~~إخلال بها فلاحا كثير الفلاح والنجاح - وياليتنا وقفنا - كذلك ومن أتى ~~بالفرائض وأتبعها بالنوافل كان أكثر فلاحا منه. # الإسراع في الخير # 23 - " عن أبي مالك - الحارث بن عاصم - الأشعري رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ ~~الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، ~~والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل ~~الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " رواه مسلم " . # ...................................................... # هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقد اشتمل على مهمات من قواعد الإسلام ~~والدين. # أما الطهور فالمراد به هنا الفعل وهو بضم الطاء على المختار، واختلف في ~~معناه فقيل: إن الأجر فيه ينتهي إلى نصف أجر الإيمان وقيل: المراد بالإيمان ~~هنا الصلاة قال تعالى: (وما كان الله ليضيع ms41 إيمانكم) والطهارة شرط في صحة ~~الصلاة فصارت كالشطر ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفا حقيقيا وقيل غير ذلك. # وأما قوله: " والحمد لله تملأ الميزان " فمعناه: أنها لعظم أجرها تملأ ~~ميزان الحامد لله تعالى، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال ~~وثقل الموازين وخفتها. # وكذلك قوله: " وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء ~~والأرض " وسبب عظم فضلها ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى والافتقار ~~إليه. # وقوله: " تملآن أو تملأ " ضبطه بعضهم بالتاء المثناة فوق وهو صحيح فالأول ~~ضمير مثنى والثاني ضمير في هذه الجملة من الكلام. وقال بعضهم: يجوز تملآن ~~بالتذكير والتأنيث أما التأنيث فعلى ما تقدم وأما التذكير فعلى إرادة ~~النوعين من الكلام وأما تملأ فيذكر على إرادة الذكر. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " والصلاة نور " فمعناه إنها تمنع من ~~المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء ~~به، وقيل معناه أن يكون آخرها نورا لصاحبها يوم القيامة وقيل إنها تكون ~~نورا ظاهرا على وجهه يوم القيامة ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء ~~بخلاف من لم يصل، والله أعلم. PageV01P021 وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~الصدقة برهان " فقال صاحب التجريد: معناه أنه يفزع إليها كما يفزع ~~للبراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت له صدقاته ~~براهين في جواب هذا السؤال فيقول: تصدقت به، وقال غيره: معناه أن الصدقة ~~حجة على إيمان فاعلها لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها فمن تصدق ~~استدل بصدقته على قوة إيمانه والله أعلم. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " والصبر ضياء " فمعناه الصبر المحبوب في ~~الشرع وهو الصبر على طاعة الله تعالى والصبر عن معصيته والصبر أيضا على ~~النائبات وأنواع المكاره في الدنيا والمراد أن الصبر محمود لا يزال صاحبه ~~مستضيئا به ومهتديا مستمرا على الصواب. قال إبراهيم الخواص: الصبر هو ~~الثبات على الكتاب والسنة. وقيل الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. ~~وقال أبو علي الدقاق رحمه الله ms42 الصبر أن لا يعترض على المقدور فأما إظهار ~~البلاء على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في حق أيوب عليه ~~السلام: (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) مع إنه قال: " إني مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين " والله أعلم. # وأما قوله: " والقرآن حجة لك أو عليك " فمعناه ظاهر أي تنتفع به إن تلوته ~~وعملت به وإلا فهو عليك. # وقوله: " كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " معناه أن كل ~~إنسان يسعى لنفسه فمنهم من يبيعها لله بطاعته له فيعتقها من العذاب كما قال ~~تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ومن ~~يبيعها للشيطان والهوى بإتباعها فيوبقها أي يهلكها اللهم وفقنا للعمل ~~بطاعتك وجنبنا أن نوبق أنفسنا بمخالفتك. # تحريم الظلم # 24 - " عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، ~~وجعلتع بينكم محرما، فلا تظالموا. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ~~فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. ~~يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم. يا عبادي إنكم تخطئون ~~بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، ~~إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ~~ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب ~~رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك ~~مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم ~~أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك ~~فلا يلومن إلا نفسه " رواه مسلم " . # ...................................................... # قوله: " إني حرمت ms43 الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما " قال بعض العلماء ~~معناه لا ينبغي لي ولا يجوز علي كما قال تعالى: (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ~~ولدا) فالظلم محال في حق الله تعالى. قال بعضهم في هذا الحديث: لا يسوغ ~~لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق لقوله سبحانه: " ~~إني حرمت الظلم على نفسي " فهو سبحانه لا يظلم عباده فكيف يظن ظان أنه يظلم ~~عباده لغيره. # وكذلك قال: " فلا تظالموا " المعنى المظلوم يقتص له من الظالم وحذفت إحدى ~~التائين تخفيفا أصله فلا تتظالموا. # وقوله: " كلكم ضال إلا من هديته وكلكم جائع إلا من أطعمته وكلكم عار إلا ~~من كسوته " تنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن ~~يعيننا الله سبحانه على ذلك وهو يرجع إلى معنى لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~وليعلم العبد أنه إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين ~~عليه شكر الله تعالى وكل ما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى. ~~PageV01P022 وقوله: " فاستهدوني أهدكم " أي اطلبوا مني الهداية أهدكم ~~والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو هداه قبل ~~أن يسأله لم يبعد أن يقول أنما أوتيته على علم عندي وكذلك كلكم جائع إلى ~~آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعا حتى ~~يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة ~~أن الرزق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه ~~أيضا أدب للفقراء، كأنه قال لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين ~~تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم فاستطعموني أطعمكم وكذلك ما بعده. # وقوله: " إنكم تخطئون بالليل والنهار " في هذا الكلام من التوبيخ ما ~~يستحي منه كل مؤمن وكذلك إن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعبد بالإخلاص حيث ~~تسلم الأعمال فيه غالبا من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن ms44 لا ينفق ~~الليل والنهار في الطاعة، فإنه خلق مشهودا من الناس فينبغي من كل فطن أن ~~يطيع الله أيضا، ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة، وكيف يحسن بالمؤمن أن ~~يخطئ سرا أو جهرا، لأنه سبحانه وتعالى قد قال بعد ذلك: " وأنا أغفر الذنوب ~~جميعا " فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف، وأكدها بقوله: " جميعا " ~~وإنما قال ذلك قبل أمره إيمانا بالاستغفار، لئلا يقنط أحد من رحمة الله ~~لعظم ذنب ارتكبه. # قوله: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم " إلى آخره فيه ما يدل ~~على أن تقوى المتيقن رحمة لهم وإنها لا تزيد في ملكه شيئا. # وأما قوله: " لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد " إلى ~~آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب ولا يقتصر سائل ~~ولا يختصر طالب فإن ما عند الله لا ينقص وخزائنه لا تنفذ فلا يظن ظان إن ما ~~عند الله يغيضه الإنفاق كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر " يد ~~الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق ~~السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه " وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد ~~دائما لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى. # وقوله: " إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر " هذا مثل قصد به التقريب ~~إلى الأفهام بما نشاهده، والمعنى أن ذلك ما ينقص مما عنده شيئا، والمخيط ~~بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء هو الإبرة. # وقوله: " إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله " يعني لا ~~يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ~~ذلك. # وقوله: " ومن وجد غير ذلك " لم يقل ومن وجد شرا يعني ومن وجد غير الأفضل ~~فلا يلومن إلا نفسه، أكد ذلك بالنون، تحذيرا أن يخطر في قلب عامل أن اللوم ~~تستحقه غير نفسه والله أعلم. # ذهل أهل الدثور بالأجور # 25 - " عن أبي ذر رضي الله عنه أيضا: " أن ms45 ناسا من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله، ذهب أهل ~~الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول ~~أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون: إن لكم بكل تسبيحة صدقة، ~~وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ~~ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا ~~شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ ~~فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر " رواه مسلم " . # ...................................................... # الدثور بضم الدال جمع دثر بفتحها وهو المال الكثير. # وقوله: " أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون " الرواية بتشديد الصاد ~~والدال جميعا ويجوز في اللغة تخفيف الصاد. # وفي هذا الحديث فضيلة التسبيح وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وإحضار النية في المباحات وإنما تصير طاعات بالنيات الصادقات. # وفيه دليل على جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى عليه من الدليل إذا علم ~~من حال المسؤول إنه لا يكره ذلك ولم يكن فيه سوء أدب وذكر العالم الدليل ~~على بعض ما يخفى من المسائل. PageV01P023 وقوله: " وأمر بالمعروف صدقة ونهي ~~المنكر صدقة " إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر آكد منه في التسبيح وما ذكره بعده لأن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية وقد يتعين بخلاف الأذكار التي تقع ~~نوافل، وأجر الفرائض أكثر من أجر النفل كما دل عليه قول عز وجل: (وما تقرب ~~إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) رواه البخاري، قال بعض العلماء ~~يزيد ثواب الفرض على ثواب النفل سبعين درجة واستأنس له بحديث. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " في بضع أحدكم صدقة " وهو بضم الباء ~~ويطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه وكلاهما يصح إرادته ها هنا، وقد تقدم أن ~~المباحات تصير بالنيات طاعات فالجماع يكون عبادة إذا نوى به الإنسان ms46 قضاء ~~حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف أو طلب ولد صالح أو إعفاف نفسه أو زوجته أو ~~غير ذلك من المقاصد الصالحة. # وقولهم: " يا رسوا الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر قال: أرأيتم ~~لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر " إلى آخره فيه جواز القياس وهو مذهب ~~العلماء ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ~~ذم القياس فليس المراد به القياس الذي يعهده الفقهاء المجتهدون، وهذا ~~القياس هو قياس العكس واختلف الأصوليون في العمل به والحديث دليل لمن عمل ~~به. # فضل الإصلاح بين الناس # والعدل بينهم وإعانتهم # 26 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين ~~اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه ~~صدقة. والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى ~~عن الطريق صدقة " رواه البخاري ومسلم " . # ...................................................... # قوله: " سلامى " بضم السين المهملة وتخفيف اللام وهي المفاصل والأعضاء ~~وقد ثبت في صحيح مسلم إنها ثلاثمائة وستون، قال القاضي عياض وأصله عظام ~~الكف والأصابع والأرجل ثم استعمل في سائر عظام الجسد ومفاصله. قال بعض ~~العلماء المراد صدقة ترهيب وترغيب لا إيجاب وإلزام. # قوله: " تعدل بين اثنين صدقة " أن يصلح بينهما بالعدل، وفي حديث آخر من ~~رواية مسلم " يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة فكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة ~~وتهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة يجزئ ~~من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى " أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ~~ركعتان فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد فإذا صلى فقد قام كل عضو بوظيفته ~~والله أعلم. # البر حسن الخلق # 27 - " عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: " البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " ~~رواه مسلم، وعن وابضة بن ms47 معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم. قال: " استفت قلبك، البر ما ~~اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في ~~الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك " حديث حسن رويناه في مسندي الإمامين أحمد ~~بن حنبل والدارمي بإسناد حسن " . # ...................................................... # قوله: " البر حسن الخلق " يعني أن حسن الخلق أعظم خصال البر كما قال: " ~~الحج عرفة " . أما البر فهو الذي يبر فاعله ويلحق بالأبرار وهم المطيعون ~~لله عز وجل. والمراد بحسن الخلق الإنصاف في المعاملة والرفق في المحاولة ~~والعدل في الأحكام والبذل في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين الذين ~~وصفهم الله تعالى فقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) ~~إلى قوله: (أولئك هم المؤمنون حقا) ، وقال تعالى: (التائبون العابدون ~~الحامدون) إلى قوله: (وبشر المؤمنين) وقال: (قد أفلح المؤمنون) إلى قوله: ~~(أولئك هم الوارثون) (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا) إلى آخر ~~السورة فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات فوجود جميعها علامة ~~حسن الخلق وفقد جميعها علامة على سوء الخلق ووجود بعضها دون بعض يدل على ~~البعض دون البعض فليشتغل بحفظ ما وجده وتحصيل ما فقده. PageV01P024 ولا يظن ~~ظان أن حسن الخلق عبارة عن لين الجانب وترك الفواحش والمعاصي فقط وإن من ~~فعل ذلك فقد هذب خلقه بل حسن الخلق ما ذكرناه من صفات المؤمنين والتخلق ~~بأخلاقهم. # ومن حسن الخلق احتمال الأذى فقد ورد في الصحيحين: " أن أعرابيا جذب بردى ~~النبي صلى الله عليه وسلم حتى أثرت حاشيته على عاتق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم ضحك وأمر له بعطاء " . # وقوله: " الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس " يعني هو الشيء ~~الذي يورث نفرة في القلب وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر: أن الإثم ~~ما يحيك في الصدر ms48 ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس والله ~~أعلم أماثلهم ووجوههم، لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم. # وجوب لزوم السنة # 28 - " وعن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: " وعظنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. ~~فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله عز ~~وجل، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا ~~كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، ~~وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال ~~حديث حسن صحيح " . # ...................................................... # وفي بعض طرق هذا الحديث " أن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا قال تركتكم ~~على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك " قوله " موعظة بليغة " ~~يعني بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا ووجلت منها القلوب. أي خافت وذرفت منها ~~العيون كأنه قام مقام تخويف ووعيد. # وقوله: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة " يعني لولاة الأمور وأن تأمر ~~عليكم عبد وفي بعض الروايات عبد حبشي. قال بعض العلماء العبد لا يكون واليا ~~ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن كقوله صلى الله عليه وسلم: " من ~~بنى لله مسجدا كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة " ومفحص قطاة لا يكون ~~مسجدا ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك. ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد، فإذا كانت ~~فاسمعوا وأطيعوا تغليبا لأهون الضررين وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ~~ولايته لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة. # وقوله: " وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا " هذا من بعض معجزاته صلى ~~الله عليه وسلم أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر وقد ~~كان عالما به على التفصيل ولم يكن بينه لكل أحد إنما حذر منه على العموم ~~وقد بين ذلك لبعض الآحاد كحذيفة وأبي هريرة وهو دليل على عظم محلهما ~~ومنزلتهما. ms49 # وقوله: " فعليكم بسنتي " السنة: الطريقة القويمة التي تجري على السنن وهو ~~السبيل الواضح، " وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " يعني الذين شملهم الهدي ~~وهم الأربعة بالإجماع أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. # وأمر صلى الله عليه وسلم بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين: ~~أحدهما التقليد لمن عجز عن النظر. # والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة. # وقوله: " وإياكم ومحدثات الأمور " إعلم أن المحدث على قسمين: محدث ليس له ~~أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم. # ومحدث يحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ المحدث ولفظ ~~البدعة لا يذمان لمجرد الإسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ~~ولا يذم ذلك مطلقا فقد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) ~~وقال عمر رضي الله عنه " نعمت البدعة هذه " يعني التراويح. # وأما النواجذ فهي آخر الأضراس والله أعلم. # ما يدخل الجنة PageV01P025 29 - " عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، قال: ~~قلت يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد ~~سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه: تعبد الله لا تشرك ~~به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ~~ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء ~~النار، وصلاة الرجل في جوف الليل. ثم تلا (تتجافى جنوبهم عن المضاجع ... ~~حتى بلغ: يعملون) ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: ~~بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه ~~الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ ~~بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ ~~فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم ~~- إلا حصائد ألسنتهم " رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح " . # ...................................................... # قوله صلى الله عليه وسلم: " لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره ~~الله ms50 عليه " يعني على من وفقه الله له، ثم أرشده لعبادته مخلصا له الدين. ~~يعبد الله لا يشرك به شيئا، ثم قال: وتقيم الصلاة: إقامتها الإتيان بها على ~~أكمل أحوالها. # ثم ذكر شرائع الإسلام من الزكاة والصوم الحج. # ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ " الصوم جنة " المراد بالصوم هنا: غير ~~رمضان لأنه قد تقدم ومراده الإكثار من الصوم، والجنة المجن أي الصوم سترة ~~لك ووقاية من النار. # ثم قال: " الصدقة تطفئ الخطيئة " أراد بالصدقة هنا غير الزكاة. # ثم قال: " وصلاة الرجل في جوف الليل " ثم تلا: (وتتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع) إلى قوله: (يعملون) معناه: أن من قام في جوف الليل وترك نومه ~~ولذته وآثر على ذلك ما يرجو من ربه فجزاؤه ما في الآية من قوله: (فلا تعلم ~~نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) وقد جاء في بعض ~~الأخبار " أن الله تعالى يباهي بقوام الليل في الظلام يقول: انظروا إلى ~~عبادي وقد قاموا في ظلم الليل حيث لا يراهم أحد غيري أشهدكم أني قد أبحتهم ~~دار كرامتي " . # ثم قال: " ألا أخبرك برأس الأمر " إلى آخر جعل الأمر كالفحل من الإبل ~~وجعل الإسلام رأس هذا الأمر ولا يعيش الحيوان بغير رأس. # ثم قال: " وعموده الصلاة " عمود الشيء: هو الذي يقيمه، ولا ثبات له في ~~العادة بغير عمود. # وقوله: " وذروة سنامه الجهاد " وذروة كل شيء أعلاه وذروة سنام البعير طرف ~~سنامه والجهاد لا يقاومه شيء من الأعمال، كما روى أبو هريرة قال: " جاء رجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد قال: لا ~~أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ~~ولا تفطر قال: ومن يستطيع ذلك؟ " . # وقوله: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله قال: فأخذ ~~بلسانه ثم قال: كف عليك هذا إلى آخره. حضه أولا على جهاد الكفر، ثم نقله ~~إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس وقمعها عن الكلام فيما ms51 يؤذيها ويرديها، ~~فإنه جعل أكثر دخول الناس النار بسبب ألسنتهم حيث قال: " ثكلتك أمك يا معاذ ~~وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ ~~" وقد تقدم في الحديث المتفق عليه من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليصمت وفي حديث آخر " من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن ~~له الجنة " . # حقوق الله تعالى # 30 - " عن أبي ثعلبة الخشني - جرثوم بن ناشر - رضي الله عنه، عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد ~~حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير ~~نسيان فلا تبحثوا عنها " حديث حسن رواه الدارقطني وغيره " . # ...................................................... # قوله: " فرض " أي أوجب وألزم. PageV01P026 وقوله: " فلا تنتهكوها " أي ~~فلا تدخلوا فيها وأما النهي عن البحث عما سكت الله عنه فهو موافق لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم ~~واختلافهم على أنبيائهم " قال بعض العلماء: كانت بنو اسرائيل يسألون ~~فيجابون ويعطون ماطلبوا حتى كان ذلك فتنة لهم وأدى ذلك إلى هلاكهم. # وكان الصحابة رضي الله عنهم قد فهموا ذلك وكفوا عن السؤال إلا فيما لا بد ~~منه وكان يعجبهم أن يجيء الأعراب يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيسمعون ويعون. # وقد بالغ قوم حتى قالوا لا يجوز السؤال في النوازل للعلماء حتى تقع، وقد ~~كان السلف يقولون في مثلها دعوها حتى تنزل إلا أن العلماء لما خافوا ذهاب ~~العلم أصلوا وفرعوا ومهدوا وسطروا. # واختلف العلماء في الأشياء قبل ورود الشرع بحكمها هل هي خطر أو الإباحة ~~أو الوقوف؟ على ثلاثة مذاهب وذلك مذكور في كتب الأصول. # الزهد الحقيقي # 31 - " عن أبي العباس - سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه قال: " جاء ~~رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا ~~عملته أجبني الله وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ms52 ~~فيما عند الناس يحبك الناس " حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة " ~~. # ...................................................... # اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حث على التقلل من الدنيا والزهد ~~فيها وقال: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " وقال: " حب الدنيا رأس ~~كل خطيئة " . وفي حديث آخر: " إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه في الدنيا ~~والآخرة والراغب في الدنيا يتعب قلبه في الدنيا والآخرة " . # واعلم أن من في الدنيا ضيف وما في يده عارية وأن الضيف مرتحل والعارية ~~مردودة " الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر " وهي مبغضة لأولياء الله ~~محببة لأهلها فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه. # وقد أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل إلى تركها بالزهد فيها ~~ووعده على ذلك حب الله تعالى وهو رضاء عنه فإن حب الله تعالى لعباده رضاه ~~عنهم، وأرشده إلى الزهد فيما في أيدي الناس إن أراد محبة الناس له والمال ~~حب الدنيا فإنه ليس في أيدي الناس شيء يتباغضون عليه ويتنافسون فيه إلا ~~الدنيا. # وقال صلى الله عليه وسلم: " من كانت الآخرة همه جمع الله شمله وجعل غناه ~~في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه شتت الله شمله وجعل ~~فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له والسعيد من اختار باقية ~~يدوم نعيمها على بالية لا ينفذ عذابها " . # لا ضرر ولا ضرار # 32 - " عن أبي سعيد - سعد بن سنان - الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " لا ضرر ولا ضرار " حديث حسن رواه ابن ماجه ~~والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن ~~أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعض ~~" . # ...................................................... # اعلم أن من أضر بأخيه فقد ظلمه والظلم حرام كما تقدم في حديث أبي ذر " يا ~~عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم ms53 عليكم حرام " . # وأما قوله: " لا ضرر ولا ضرار " فقال بعضهم هما: لفظان بمعنى واحد تكلم ~~بهما جميعا على وجه التأكيد، وقال أبي حبيب: الضرر عند أهل العربية الإسم ~~والضرار الفعل فمعنى " لا ضرر " أي لا يدخل أحد على أحد ضررا لم يدخله على ~~نفسه. ومعنى لا ضرار لا يضار أحد بأحد، وقال المحسني: الضرر هو الذي لك فيه ~~منفعة وعلى جارك فيه مضرة وهذا وجه حسن المعنى، وقال بعضهم الضرر والضرار ~~مثل القتل والقتال فالضرر أن تضر من لا يضرك والضرار أن تضر من أضر بك من ~~غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق وهذا نحو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك " . وهذا معناه عند بعض ~~العلماء لا تخن من خانك بعد أن انتصرت منه في خيانته لك كأن النهي إنما وقع ~~على الابتداء وأما من عاقب بمثل ما عوقب به وأخذ حقه فليس بخائن وإنما ~~الخائن من أخذ ما ليس له أو أكثر مما له. PageV01P027 واختلف الفقهاء في ~~الذي يجحد حقا عليه ثم يظفر المجحود بمال للجاحد قد ائتمنه عليه أو نحو ذلك ~~فقال بعضهم: ليس له أن يأخذ حقه من ذلك لظاهر قوله أد الأمانة ولا تخن من ~~خانك، وقال آخرون: له أن ينتصر منه ويأخذ من تحت يده واحتجبوا بحديث عائشة ~~في قصة هند مع أبي سفيان وللفقهاء في هذه المسألة وجوه واعتلالات ليس هذا ~~موضع ذكرها. والذي يصح في النظر أنه ليس لأحد أن يضر بأخيه سواء ضره أم لا ~~إلا أن له أن ينتصر ويعاقب إن قدر بما أبيح له بالحق وليس ذلك ظلما ولا ~~ضررا. إذا كان على الوجه الذي أباحته السنة. # وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله أسند الدارقطني هذا الحديث من ~~وجوه مجموعها يقوي الحديث ويحسنه وقد نقله جماهير أهل العلم واحتجوا به فعن ~~أبي داود قال: الفقه يدور على خمس أحاديث وعد هذا الحديث منها. قال الشيخ ~~فعد أبي داود له من ms54 الخمسة وقوله فيه يشعر بكونه عنده غير ضعيف، وقال فيه ~~هو على مثال ضرار وقتال وهو على ألسنة الكثير من الفقهاء والمحدثين لا ضرر ~~ولا إضرار بهمزة مكسورة قبل الضاد ولا صحة لذلك. # البينة على المدعي واليمين على من أنكر # 33 - " عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة ~~على المدعي واليمين على من أنكر " حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه ~~في الصحيحين " . # ...................................................... # الذي في الصحيحين من هذا الحديث قال ابن أبي مليكة كتب ابن عباس رضي الله ~~عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه " وفي ~~رواية: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ~~رجال دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه " . قال صاحب ~~الأربعين: روى هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما مرفوعا من رواية ابن ~~عباس وهكذا رواه أصحاب كتب السنن وغيرهم وقال الأصيلي: لا يصح رفعه إنما هو ~~من قول ابن عباس، قال المصنف إذا صح رفعه بشهادة الإمامين فلا يضر من وقفه ~~ولا يكون ذلك تعارضا ولا اضطرابا. # وهذا الحديث أصل من أصول الأحكام وأعظم مرجع عند التنازع والخصام ويقتضي ~~أن لا يحكم لأحد بدعواه. # قوله: " لادعى قوم أموال قوم ودماءهم " واستدل به بعض الناس على إبطال ~~قول مالك في سماع قول القتيل فلان قتلني أو دمي عند فلان. لأنه إذا لم يسمع ~~قول المريض: له عند فلان دينار أو درهم فلا يسمع دمي عند فلان بطريق ~~الأولى، ولا حجة لهم على مالك في ذلك لأنه لم يسند القصاص أو الدية إلى قول ~~المدعي بل إلى القسامة على القتل لكنه يجعل قول القتيل دمي عند فلان لوثا ~~يقوي بينه المدعين حتى يبرؤوا بالإيمان كسائر أنواع اللوث. # قوله: " ولكن اليمين على المدعى عليه " أجمع العلماء على استحلاف المدعى ~~عليه في الأموال واختلفوا في غير ذلك فذهب بعضهم إلى وجوبها ms55 على كل مدعى ~~عليه في حق أو طلاق أو نكاح أو عتق أخذا بظاهر عموم الحديث فإن نكل حلف ~~المدعي وثبتت دعواه. وقال أبو حنيفة رحمه الله يحلف على الطلاق والنكاح ~~والعتق وإن نكل لزمه ذلك كله، قال ولا يستحلف في الحدود. # النهي عن المنكر من الإيمان # 34 - " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ~~فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم " . # ...................................................... PageV01P028 ~~أورد مسلم هذا الحديث عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد ~~قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل فقال الصلاة قبل الخطبة فقال قد ترك ما ~~هناك فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " من رأى منكم منكرا فليغيره " إلى آخره. في هذا الحديث دليل ~~على أنه لم يعمل بذلك أحد من قبل مروان. فإن قيل كيف تأخر أبو سعيد عن ~~تغيير هذا المنكر حتى أنكره هذا الرجل. قيل يحتمل إن أبا سعيد لم يكن حاضرا ~~أول ما شرع مروان في تقديم الخطبة وأن الرجل أنكره عليه ثم دخل ابو سعيد ~~وهما في الكلام ويحتمل أنه كان حاضرا لكنه خاف على نفسه إن غيره حصول فتنة ~~بسبب إنكاره فسقط عنه الإنكار ويحتمل أن أبا سعيد هم بالإنكار فبدره الرجل ~~أبو سعيد والله أعلم، وقد جاء في الحديث الآخر الذي اتفق عليه البخاري ~~ومسلم وأخرجاه في باب صلاة العيدين أن أبا سعيد هو الذي جذب بيد مروان حين ~~أراد أن يصعد المنبر وكانا جميعا فرد عليه مروان بمثل ما رد هنا على الرجل ~~فيحتمل أنهما قضيتان. # وأما قوله: " فليغيره " فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق الكتاب ~~والسنة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أيضا من النصيحة التي ~~هي الدين. وأما قوله تعالى: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) ~~فليس مخالفا ms56 لما ذكرناه. لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية ~~الكريمة إنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله: (ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى) وإذا كان كذلك فمما كلف به المسلم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك فإنما عليه ~~الأمر والنهي لا القبول والله أعلم. # ثم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قان به من يكفي سقط ~~عن الباقي وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر. # ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو أو لا يتمكن من ~~إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو ولده أو غلامه على منكر ويقصر. # قال العلماء ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يقبل في ~~ظنه. بل يجب عليه فعله. قال الله تعالى: (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) وقد ~~تقدم أن عليه أن يأمر وينهى، وليس عليه القبول، قال الله تعالى: (وما على ~~الرسول إلا البلاغ المبين) . قال العلماء: ولا يشترط في الآمر بالمعروف ~~والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال، ممتثلا ما يأمر به. مجتنبا ما ينهى ~~عنه. بل عليه الأمر. وإن كان مرتكبا خلاف ذلك لأنه يجب عليه شيئان: أن يأمر ~~نفسه وينهاها. وأن يأمر غيره وينهاه. فإذا أخذ بأحدهما لا يسقط عنه الآخر. # قالوا ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولاية بل ذلك ~~ثابت لآحاد المسلمين وإنما يأمر وينهي من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه، ~~فإن كان من الأمور الظاهرة مثل الصلاة والصوم والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك ~~فكل المسلمين علماء بها وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال وما يتعلق ~~بالاجتهاد ولم يكن للعوام فيه مدخل فليس لهم إنكاره بل ذلك للعلماء. # والعلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن ~~على أحد المذهبين إن كل مجتهد مصيب وهو المختار عند كثير من المحققين. وعلى ~~المذهب الآخر ms57 أن المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا والإثم موضوع عنه لكن ~~على جهة النصيحة للخروج من الخلاف، فهو حسن مندوب إلى فعله برفق. ~~PageV01P029 قال الشيخ محيي الدين رحمه الله: واعلم أن من باب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة ولم يبق منه في ~~هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدا وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه وإذا ~~كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن ~~يعمهم الله بعذاب، قال الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم) فينبغي لطالب الآخرة، والساعي في تحصيل ~~رضى الله عز وجل أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم. لا سيما وقد ذهب معظمه ~~ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته فإن الله تعالى قال: (ولينصرن الله ~~من ينصره) واعلم أن الأجر على قدر النصب ولا يتركه أيضا لصداقته ومودته فإن ~~الصديق للإنسان هو الذي يسعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه ~~وعدوه من يسعى في ذهاب آخرته أو نقصها وإن حصل بسببه نفع في دنياه. # وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون من ذلك برفق ليكون أقرب ~~إلى تحصيل المقصود فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: من وعظه أخاه سرا فقد ~~نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وعابه. # ومما يتساهل الناس فيه من هذا الباب ما إذا رأوا إنسانا يبيع متاعا أو ~~حيوانا فيه عيب ولا يبينه فلا ينكرون ذلك ولا يعرفون المشتري بعيبه وهو ~~مسؤولون عن ذلك فإن الدين النصيحة، ومن لم ينصح فقد غش. # قوله صلى الله عليه وسلم: " فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فأن لم ~~يستطع فبقلبه " معناه فلينكره بقلبه، وليس ذلك بإزالة وتغيير لكنه هو الذي ~~في وسعه. # وقوله: " وذلك أضعف الإيمان " معناه والله أعلم أقله ثمرة. وليس للآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر البحث والتفتيش والتجسس واقتحام الدور بالظنون ~~بل إن عثر على منكر غيره، وقال ms58 الماوردي ليس له أن يقتحم ويتجسس إلا أن ~~يخبره من يثق بقوله إن رجلا خلا برجل ليقتله أو امرأة ليزني بها. فيجوز له ~~في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا ~~يستدركه. # وقوله: " وذلك أضعف الإيمان " قد ذكر أن معناه أقله ثمرة. وقد جاء في ~~رواية أخرى: " وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " أي لم يبق وراء ذلك ~~مرتبة أخرى. والإيمان في هذا الحديث بمعنى الإسلام. # وفي هذا الحديث دليل أن من خاف القتل أو الضرب سقط عنه التغيير وهو مذهب ~~المحققين سلفا وخلفا وذهبت طائفة من الغلاة إلى أنه لا يسقط وإن خاف ذلك. # أخوة الإسلام # 35 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع ~~بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ~~ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى ههنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات ~~- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه ~~وماله وعرضه " رواه مسلم " . # ...................................................... # قوله: " ولا تحاسدوا " الحسد تمني زوال النعمة وهو حرام وفي حديث آخر " ~~إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو العشب " فأما ~~الغبطة فهي تمني حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه. وقد يوضع الحسد ~~موضع الغبطة لتقاربهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا حسد إلا في ~~اثنتين " أي لا غبطة. # قوله: " ولا تناجشوا " أصل النجش الختل وهو الخداع ومنه قيل للصائد ناجش ~~- لأنه يختل الصيد ويحتال له. # قوله: " ولا تباغضوا " أي لا تتعاطوا أسباب التباغض لأن الحب والبغض معان ~~قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ولا يملك التصريف فيها كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا ~~أملك " يعني القلب. # والتدابر: المعاداة وقيل المقاطعة لأن كل واحد يؤتي صاحبه دبره. ms59 # قوله: " ولا يبع بعضكم على بيع بعض " معناه: أن يقول لمن اشترى سلعة في ~~مدة الخيار أفسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله أو أجود بثمنه أو يكون ~~المتبايعان قد تقرر الثمن بينهما وتراضيا به ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه ~~أو يعطيه بأنقص وهذا حرام بعد استقرار الثمن وأما قبل الرضى فليس بحرام. ~~PageV01P030 ومعنى " وكونوا عباد الله إخوانا " أي تعاملوا وتعاشروا معاملة ~~الأخوة ومعاشرتهم في المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير مع ~~صفاء القلوب والنصيحة بكل حال. # قوله: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره " والخذلان: ترك ~~الإعانة والنصرة ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم أو نحوه لزمه إعانته ~~إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي. # قوله: " ولا يحقره " هو بالحاء المهملة والقاف أي لا يتكبر عليه ويستصغره ~~قال القاضي عياض: ورواه بعضهم بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء أي لا ~~يغدر بعهده ولا ينقض إيمانه والصواب المعروف هو الأول. # قوله صلى الله عليه وسلم: " التقوى ها هنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات " ~~وفي رواية " إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم " . معناه أن الأعمال الظاهرة لا تحصل التقوى وإنما بما يقع في ~~القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته، ونظر الله تعالى أي رؤيته محيطة ~~بكل شيء. ومعنى الحديث والله أعلم مجازاته ومحاسبته وإن الاعتبار في هذا ~~كله بالقلب. # قوله: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " فيه تحذير عظيم من ذلك ~~لأن الله تعالى لم يحقره إذ خلقه ورزقه ثم أحسن تقويم خلقه وسخر ما في ~~السموات وما في الأرض جميعا لأجله وإن كان له ولغيره فله من ذلك حصة ثم إن ~~الله سبحانه سماه مسلما ومؤمنا وعبدا وبلغ من أمره إلى أن جعل الرسول منه ~~إليه محمدا صلى الله عليه وسلم فمن حقر مسلما من المسلمين، فقد حقر ما عظم ~~الله عز وجل وكافيه ذلك فإن من احتقار المسلم للمسلم أن لا يسلم عليه إذا ~~مر ولا ms60 يرد عليه السلام إذا بدأ به، ومنها أن يراه دون أن يدخله الله الجنة ~~أو يبعده من النار. # وأما ما ينقمه العاقل على الجاهل، والعدل على الفاسق، فليس ذلك احتقار ~~للمسلم، بل لما اتصف به الجاهل من الجهل. والفاسق من الفسق. فمتى فارق ذلك ~~راجعه إلى احتفاله به ورفع قدره. # فضل الاجتماع على تلاوة القرآن # وعلى الذكر # 36 - " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله له كربة من كرب يوم القيامة، ~~ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره ~~الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن ~~سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في ~~بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم ~~السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ ~~به عمله لم يسرع به نسبه " رواه مسلم بهذا اللفظ " . # ...................................................... # هذا حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب فيه فضل قضاء ~~حوائج المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة ~~أو نصيحة أو غير ذلك. ومعنى تنفيس الكربة إزالتها. # قوله: " من ستر مسلما " الستر عليه أن يستر زلاته والمراد به الستر على ~~ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد وهذا في ستر معصية وقعت وانقضت ~~أما إذا علم معصيته وهو متلبس بها فيجب المبادرة بالإنكار عليه ومنعه منها ~~فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر إن لم يترتب على ذلك مفسدة فالمعروف بذلك ~~لا يستر عليه لأن الستر على هذا يطمعه في الفساد والإيذاء وانتهاك المحرمات ~~وجسارة غيره على مثل ذلك بل يستحب أن يرفعه إلى الإمام إن لم يخف من ذلك ~~مفسدة وكذلك القول في جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والأوقاف ~~والأيتام ونحوهم فيجب تجريحهم عند الحاجة ولا ms61 يحل الستر عليهم إذا رأى منهم ~~ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة. # قوله: " والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " هذا الإجمال لا ~~يسع تفسيره إلا أن منه أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه ينبغي أن لا يجبن ~~على إنفاذ قول أو صدع بحق إيمانا بأن الله تعالى في عونه، وفي الحديث فضل ~~التيسير على المعسر وفضل السعي في طلب العلم والمراد العلم الشرعي ويشترط ~~أن يقصد به وجه الله تعالى وإن كان شرطا في كل عبادة. PageV01P031 قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ~~ويتدارسونه بينهم " هذا دليل على فضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد. ~~" والسكينة " ها هنا قيل المراد بها الرحمة وهو ضعيف لعطف الرحمة عليها ~~وقال بعضهم السكينة الطمأنينة والوقار وهذا أحسن، وفي قوله: " وما اجتمع ~~قوم " هذا نكرة شائعة في جنسها كأنه يقول أي قوم اجتمعوا على ذلك كان لهم ~~ما ذكره من الفضل كله فإنه لم يشترط هنا صلى الله عليه وسلم فيهم أن يكونوا ~~علماء ولا زهادا ولا ذوي مقامات. ومعنى " حفتهم الملائكة " أي حافتهم من ~~قوله عز وجل (حافين من حول العرش) أي محدقين محيطين به مطيفين بجوانبه. ~~فكأن الملائكة قريب منهم قربا حفتهم حتى لم تدع فرجة تتسع لشيطان. # قوله: " وغشيتهم الرحمة " لا يستعمل غشي إلا في شيء شمل المغشي من جميع ~~أجزائه، قال الشيخ شهاب الدين بن فرج والمعنى في هذا فيما أرى أن غشيان ~~الرحمة يكون بحيث يستوعب كل ذنب تقدم إن شاء الله تعالى. # قوله: " وذكرهم الله فيمن عنده " يقتضي أن يكون ذكر الله تعالى لهم في ~~الأنبياء وكرام الملائكة والله أعلم. # فضل الله تعالى ورحمته # 37 - " عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: " إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم ~~بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم ms62 يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها ~~فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم ~~بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها ~~الله سيئة واحدة " رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف. # فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى وتأمل هذه ~~الألفاظ. وقوله: " عنده " إشارة إلى الاعتناء بها. وقوله: " كاملة " ~~للتأكيد وشدة الاعتناء بها. وقال: في السيئة التي هم بها ثم تركها: كتبها ~~الله عنده حسنة كاملة، فأكدها بكاملة. وإن عملها كتبها سيئة واحدة، فأكد ~~تقليلها بواحدة ولم يؤكدها بكاملة، فلله الحمد والمنة سبحانه لا نحصي ثناء ~~عليه. وبالله التوفيق " . # ...................................................... # قال الشراح لهذا الحديث: هذا حديث شريف عظيم بين فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم مقدار تفضيل الله عز وجل على خلقه بأن جعل هم العبد بالحسنة وإن لم ~~يعملها حسنة وجعل همه بالسيئة وإن لم يعملها حسنة وإن عملها سيئة واحدة فإن ~~عمل الحسنة كتبها الله عشرا وهذا فضل عظيم بأن ضاعف لهم الحسنات ولم يضاعف ~~عليهم السيئات. وإنما جعل الهم بالحسنة حسنة لأن إرادة الخير هو فعل القلب ~~لعقد القلب على ذلك. فإن قيل فكان يلزم على هذا القول أن يكتب لمن هم ~~بالسيئة ولم يعملها سيئة لأن الهم بالشيء عمل من أعمال القلب أيضا، قيل ليس ~~كما توهمت فإن من كف عن الشر فقد فسخ اعتقاده للسيئة باعتقاد آخر نوى به ~~الخير وعصى هواه المريد للشر فجوزي على ذلك بحسنة وقد جاء في حديث آخر " ~~إنما تركها من جراي " أي من أجلي وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: " على كل ~~مسلم صدقة قالوا فإن لم يفعل قال فليمسك عن الشر فإنه صدقة " . ذكره ~~البخاري في كتاب الآداب فأما إذا ترك السيئة مكرها على تركها أو عاجزا عنها ~~فلا تكتب له حسنة ولا يدخل في معنى هذا الحديث. PageV01P032 قال الطبري وفي ~~هذا الحديث تصحيح مقالة من قال أن الحفظة تكتب ms63 ما يهم به العبد من حسنة أو ~~سيئة وتعلم اعتقاده لذلك ورد لمقالة من زعم أن الحفظة إنما تكتب ما ظهر من ~~أعمال العبد أو سمع والمعنى أن الملكين الموكلين بالعبد يعلمان ما يهم ~~بقلبه ويجوز أن يكون جعل الله تعالى لهم سبيلا إلى علم ذلك كما جعل لكثير ~~من الأنبياء سبيلا في كثير من علم الغيب وقد قال الله في حق عيسى عليه ~~السلام إنه قال لبني إسرائيل (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) ~~ونبينا صلى الله عليه وسلم قد أخبر بكثير من علم الغيب فيجوز أن يكون قد ~~جعل الله للملكين سبيلا إلى علم ما في قلب بني آدم من خير أو شر فيكتبانه ~~إذا عزم عليه وقد قيل إن ذلك بريح تظهر لهما من القلب، وللسلف اختلاف في أي ~~الذكرين أفضل ذكر القلب أو ذكر العلانية هذا كله قول ابن خلف المعروف بابن ~~بطال وقال صاحب الإفصاح في كلام له وإن الله تعالى لما صرم هذه الأمة ~~أخلفها على ما قصر من أعمارها بتضعيف أعمالها فمن هم بحسنة احتسب له بتلك ~~الهمة حسنة كاملة لأجل أنها همة مفردة وجعلها كاملة لئلا يظن ظان أن كونها ~~مجرد همة تنقص الحسنة أو تهضمها فبين ذلك، بأن قال حسنة كاملة وإن هم ~~بالحسنة وعملها فقد أخرجها من الهمة إلى ديوان العمل وكتب له بالهمة حسنة ~~ثم ضوعفت يعني إنما يكون ذلك على مقدار خلوص النية وإيقاعها في موضعها. # ثم قال بعد ذلك " إلى أضعاف كثيرة " هنا نكرة وهي أشمل من المعرفة فيقتضي ~~على هذا أن يحسب توجيه الكثرة على أكثر ما يكون ثم يقدر ليتناول هذا الوعد ~~الكريم بأن يقول إذا تصدق الآدمي بحبة بر فإنه يحسب له ذلك في فضل الله ~~تعالى إنه لو بذرت تلك الحبة في أزكى أرض وكان لها من التعاهد والحفظ والري ~~فيما يقتضيه حالها ثم استحصدت، فظهر في حاصلها، ثم قدر ذلك الحاصل يدرس في ~~أزكى أرض وكان التعاهد له على ما تقدم ms64 ذكره، ثم هكذا في السنة الثانية، ثم ~~في السنة الثالثة والرابعة وما بعدها، ثم يستمر ذلك إلى يوم القيامة، فتأتي ~~الحبة من البر والخردل والخشخاش أمثال الجبال الرواسي، وإن كانت الصدقة ~~مثقال ذرة من جنس الإيمان، فإنه ينظر إلى ربح شيء يشتري في ذلك الوقت، ~~ويقدر أنه لو بيع في أنفق سوق في أعظم بلد يكون ذلك الشيء فيه أشد الأشياء ~~نفاقا، ثم تضاعف ويتردد هذا إلى يوم القيامة، فتأتي الذرة بما يكون مقدارها ~~على قدر عظم الدنيا كلها وعلى هذا جميع أعمال البر في معاملة الله عز وجل، ~~إذا خرجت سهامها عن نية خالصة وأفرغت في نوع قوس الإخلاص. # ومن ذلك أيضا فضل الله تعالى يتضاعف بالتحويل في مثل أن يتصدق الإنسان ~~على فقير بدرهم فيؤثر الفقير بذلك الدرهم فقيرا آخر هو أشد منه فقرا فيؤثر ~~به الثالث رابعا والرابع خامسا وهكذا فيما طال فإن الله تعالى يحسب للمتصدق ~~الأول بالدرهم عشرة فإذا تحول إلى الثاني انتقل ذلك الذي كان للأول إلى ~~الثاني فصار للثاني عشرة دراهم وللأول عن عشر مئات، فإذا تصدق بها الثاني ~~صارت له مائة وللثاني ألف وللأول ألف ألف وإذا تصدق بها صارت له مائة ~~وللثاني عشرة آلاف فيضاعف إلى ما لا يعرف مقداره إلا الله تعالى. # ومن ذلك أيضا إن الله سبحانه وتعالى إذا حاسب عبده المسلم يوم القيامة ~~وكانت حسناته متفاوتة فيهن الرفيعة المقدار وفيهم دون ذلك فإنه سبحانه ~~بجوده وفضله يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا لأن جوده جل جلاله ~~أعظم من أن يناقش من رضي عنه في تفاوت سعر بين حسنتين وقد قال جل جلاله: ~~(ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) كما إنه " إذا قال العبد في سوق ~~من أسواق المسلمين لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره رافعا بها ~~صوته كتب الله له بذلك ألفي ألف حسنة، ومحى عنه ألفي ألف سيئة، وبنى له ~~بيتا في الجنة " على ما جاء في الحديث وهذا الذي ذكرناه إنما ms65 هو مقدار ~~معرفتنا. لا على مقدار فضل الله سبحانه وتعالى. فإنه أعظم من أن يجحده أحد ~~أو يحصره خلف. # العبادة لله وسيلة القرب والمحبة PageV01P033 38 - " عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى قال: " ~~من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما ~~افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي ~~يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه " رواه البخاري " . # ...................................................... # قال صاحب الإفصاح في هذا الحديث من الفقه إن الله سبحانه وتعالى قدم ~~الأعذار إلى كل من عادى وليا إنه إنه قد آذنه بأنه محاربه بنفس المعاداة، ~~وولي الله تعالى هو الذي يتبع ما شرعه الله تعالى فليحذر الإنسان من إيذاء ~~قلوب أولياء الله عز وجل ومعنى المعاداة أن يتخذه عدوا. # ولا أرى المعنى إلا من عاداه لأجل ولاية الله، وأما إذا كانت الأحوال ~~تقتضي نزاعا بين وليين لله محاكمة أو خصومة راجعة إلى استخراج حق غامض فإن ~~ذلك لا يدخل في هذا الحديث فإنه قد جرى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما خصومة ~~وبين العباس وعلي رضي الله عنهما وبين كثير من الصحابة وكلهم كانوا أولياء ~~الله عز وجل. # قوله: " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه " فيه إشارة ~~إلى إنه لا تقدم نافلة على فريضة وإنما سميت النافلة نافلة إذا قضيت ~~الفريضة وإلا فلا يتناولها إسم النافلة ويدل على ذلك قوله: " ولا يزال عبدي ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " لأن التقرب بالنوافل يكون بتلو أداء الفرائض ~~ومتى أدام العبد التقرب بالنوافل أفضى ذلك به إلى أن يحبه الله عز وجل ثم ~~قال: " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به " إلى آخره ~~فهذه علامة ولاية الله، لمن لم يكن قد أحبه، ومعنى ذلك أنه لا يسمع ما ms66 لم ~~يأذن الشرع له بسماعه ولا يبصر ما لم يأذن الشرع له في إبصاره ولا يمد يده ~~إلى شيء ما لم يأذن الشرع له في مدها إليه، ولا يسعى برجله إلا فيما أذن ~~الشرع في السعي إليه، فهذا هو الأصل إلا أنه قد يغلب على عبد ذكر الله ~~تعالى حتى يعرف بذلك فإن خوطب بغيره لم يكد يسمع لمن يخاطبه حتى يتقرب إليه ~~بذكر الله غير أهل الذكر توصلا إلى أن يسمع لهم وكذلك في المبصرات ~~والمتناولات والمسعى إليه، وتلك صفة عالية نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. # قوله: " ولئن استعاذني لأعيذنه " يدل على أن العبد إذا صار من أهل حب ~~الله تعالى لم يمتنع أن يسأل ربه حوائجه ويستعيذ به ممن يخافه والله تعالى ~~قادر على أن يعطيه قبل أن يسأله وأن يعيذه قبل أن يستعيذه ولكنه سبحانه ~~متقرب إلى عباده بإعطاء السائلين وإعاذة المستعيذين. وقوله: " استعاذني " ~~ضبطوه بالنون والباء وكلاهما صحيح. # قوله في أول الحديث: " فقد آذنته بالحرب " بهمزة ممدودة أي أعلمته فإنه ~~محارب لي. # التجاوز عن المخطئ والناسي والمكره # 39 - " عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه " ~~حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما " . # ...................................................... # وقد جاء في التفسير في قوله عز وجل: (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله) إن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة رضي الله عنهم ~~فجاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل في أناس إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه ~~بما لا يحب أن يثبت في قلبه وإن له الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل " سمعنا وعصينا " قولوا " سمعنا وأطعنا ~~" واشتد ذلك عليهم ومكثوا حولا فأنزل الله تعالى الفرج والرحمة بقوله: (لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها ms67 لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا) قال الله: قد فعلت إلى آخرها فنزل التخفيف ونسخت الآية ~~الأولى. PageV01P034 قال البيهقي قال الشافعي رحمه الله: قال الله جل ~~ثناؤه: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وللكفر أحكام فلما وضع الله عنه ~~سقطت أحكام الإكراه عن القول كله لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو أصغر منه ثم ~~أسند عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن ~~الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وأسند عن عائشة ~~رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: " لا طلاق ولا عتاق في ~~إغلاق " وهو مذهب عمر وابن عمر وابن الزبير وتزوج ثابت بن الأحنف أم ولد ~~لعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فأكرهه بالسياط والتخويف على طلاقها في خلافة ~~ابن الزبير فقال له ابن عمر لم تطلق عليك ارجع إلى أهلك وكان ابن الزبير ~~بمكة فلحق بع وكتب له إلى عامله على المدينة أن يرد إليه زوجته وأن يعاقب ~~عبد الرحمن ابن زيد فجهزتها صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر وحضر ~~عبد الله بن عمر عرسه والله أعلم. # الدنيا وسيلة ومزرعة للآخرة # 40 - " عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل " وكان ابن عمر رضي ~~الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر ~~المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك. رواه البخاري " . # ...................................................... # قال الإمام أبو الحسن علي بن خلف في شرح البخاري قال أبو الزناد معنى هذا ~~الحديث الحض على قلة المخالطة وقلة الاقتناء والزهد في الدنيا قال أبو ~~الحسن: بيان ذلك أن الغريب قليل الانبساط إلى الناس مستوحش منهم إذ لا يكاد ~~يمر بمن يعرفه ويأنس به ويستكثر من مخالطته فهو ذليل خائف، وكذلك عابر ~~السبيل لا ينفذ في سفره إلا ms68 بقوته عليه، وخفته من الأثقال غير متشبث بما ~~ينفعه من قطع سفره، وليس معه إلا زاد وراحلة يبلغانه إلى بغيته من قصده، ~~وهذا يدل على إيثاره الزهد في الدنيا ليؤخذ البلغة منها والكفاف كما لا ~~يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره كذلك لا يحتاج المؤمن في ~~الدنيا إلى أكثر مما يبلغه. # وقال العز علاء الدين بن يحيى بن هبيرة رحمه الله: في هذا الحديث ما يدل ~~على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض على التشبه بالغريب لأن الغريب إذا ~~دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم ولا يجزع أن يراه على خلاف عادته في ~~الملبوس ولا يكون متدابرا معهم وكذلك عابر السبيل لا يتخذ دارا، ولا يلج في ~~الخصومات مع الناس يشاحنهم، ناظرا إلى أن لبثه معهم أيام يسيرة: فكل أحوال ~~الغريب وعابر السبيل مستحبة أن تكون للمؤمن في الدنيا. لأن الدنيا ليست ~~وطنا له. لأنها تحبسه عن داره وهي الحائلة بينه وبين قراره. # وأما قول ابن عمر: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر ~~المساء " فهو حض منه على أن المؤمن يستعد أبدا للموت. والموت يستعد له ~~بالعمل الصالح. وحض على تقصير الأمل. أي لا تنتظر بأعمال الليل الصباح. بل ~~بادر بالعمل، وكذلك إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وتؤخر أعمال الصباح ~~إلى الليل. # قوله: " وخذ من صحتك لمرضك " حض على اغتنام صحته فيجتهد فيها خوفا من ~~حلول مرض يمنعه من العمل. وكذلك قوله: " من حياتك لموتك " تنبيه على اغتنام ~~أيام حياته لأن من مات انقطع عمله وفات أمله. وعظمت حسرته على تفريطه ندمه. ~~وليعلم أنه سيأتي عليه زمان طويل وهو تحت التراب لا يستطيع عملا ولا يمكنه ~~أن يذكر الله عز وجل فيبادر في زمن سلامته فما أجمع هذا الحديث لمعاني ~~الخير وأشرفه. # وقال بعضهم قد ذم الله تعالى الأمل وطوله وقال: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل فسوف يعلمون) وقال علي رضي الله عنه " ارتحلت الدنيا مدبرة ~~وارتحلت الآخرة مقبلة ولكل ms69 واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا ~~تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. ~~PageV01P035 وقال أنس رضي الله عنه: " خط النبي صلى الله عليه وسلم خطوطا ~~فقال هذا الإنسان وهذا الأمل وهذا الأجل، فبينما هو كذلك جاءه الخط الأقرب ~~" وهو أجله والمحيط به وهذا تنبيه على تقصير الأمل واستقصار الأجل خوف ~~بغتته ومن غيب عنه أجله فهو جدير بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال ~~غرة وغفلة فليرضى المؤمن نفسه على استعمال ما نبه عليه ويجاهد أمله وهواه ~~فإن الإنسان مجبول على الأمل. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رآني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أطين حائطا لي أنا وأمي، فقال: ما هذا ~~يا عبد الله؟ فقلت: يا رسول الله قد وهى، فنحن نصلحه. فقال: " ما أرى الأمر ~~إلا أقرب من ذلك " نسأل الله العظيم أن يلطف بنا وأن يزهدنا في الدنيا وأن ~~يجعل رغبتنا فيما لديه وراحتنا يوم القيامة إنه جواد كريم غفور رحيم. # علامة الإيمان # 41 - عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت ~~به " حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. # ...................................................... # هذا الحديث كقوله سبحانه وتعالى؛ (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم) الآية وسبب نزولها " أن الزبير رضي اله عنه كان بينه وبين رجل ~~من الأنصار خصومة في ماء فتحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~اسق يا زبير وسرح الماء إلى جارك يحضه بذلك إلى المسامحة والتيسير فقال ~~الأنصاري إن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ~~يا زبير احبس الماء حتى يبلغ الجذر ثم سرحه " وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان أشار على الزبير بما فيه مصلحة الأنصاري، فلما أحفظه ~~الأنصاري بما قال أي أغضبه استوعب للزبير ms70 حقه الذي يجب له فنزلت هذه الآية. # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر إنه قال: " والذي نفسي ~~بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين " قال ~~أبو الزناد هذا من جوامع الكلم لأنه قد جمع في هذه الألفاظ اليسيرة معاني ~~كثيرة لأن أقسام المحبة ثلاثة محبة إجلال وعظمة كمحبة الوالد ومحبة شفقة ~~ورحمة كمحبة الولد ومحبة استحسان ومشاكلة كمحبة سائر الناس فحصر أصناف ~~المحبة. # قال ابن بطال ومعنى الحديث والله أعلم أن من استكمل الإيمان علم إن حق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضله آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس ~~أجمعين لأن بالرسول صلى الله عليه وسلم استنقذه الله عز وجل من النار، ~~وهداه من الضلال. # والمراد بالحديث بذل النفس دونه صلى الله عليه وسلموقد كانت الصحابة رضي ~~الله عنهم يقاتلون معه آباءهم وأبناءهم وإخوانهم، وقد قتل أبو عبيدة أباه ~~لإيذائه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعرض أبو بكر رضي الله عنه يوم بدر ~~لولده عبد الرحمن لعله يتمكن منه فيقتله. فمن وجد هذا منه فقد صح إن هواه ~~تبع لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. # سعة مغفرة الله تعالى # 42 - " عن أنس رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " قال الله تعالى: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما ~~كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني ~~غفرت لك. يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك ~~بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح " . # ...................................................... # في هذا الحديث بشارة عظيمة وحلم وكرم عظيم وما لا يحصى من أنواع الفضل ~~والإحسان والرأفة والرحمة والامتنان، ومثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم بضالته لو وجدها " . # عن أبي أيوب رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال: كنت ق ms71 كتمت عنكم شيئا ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول: " لولا أنكم تذنبون ~~لخلق الله خلقا يذنبون فيغفر لهم " . وقد جاءت أحاديث كثيرة موافقة لهذا ~~الحديث. PageV01P036 قوله: " يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني " هذا موافق ~~لقوله: (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) . وقد جاء " أن العبد إذا ~~أذنب ثم ندم فقال أي ربي أذنبت ذنبا فاغفر لي ولا يغفر الذنوب إلا أنت قال ~~فيقول الله تعالى علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم إني قد ~~غفرت له ثم يفعل ذلك ثانية وثالثة فيقول الله عز وجل في كل مرة مثل ذلك. ثم ~~يقول اعمل ما شئت فقد غفرت لك " . يعني لما أذنبت واستغفرت. # واعلم أن للتوبة ثلاث شروط: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات، ~~والعزم على أن لا يعود، وإن كانت حق آدمي فليبادر بأداء الحق إليه والتحلل ~~منه، وإن كانت بينه وبين الله تعالى وفيها كفارة فلا بد من فعل الكفارة ~~وهذا شرط رابع فلو فعل الإنسان مثل هذا في اليوم مرارا وتاب التوبة بشروطها ~~فإن الله يغفر له. # قوله: " على ما كان منك " أي من تكرار معصيتك، " ولا أبالي " : أي لا ~~أبالي بذنوبك. # قوله: " يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك " أي ~~لو كانت أشخاصا تملأ ما بين السماء والأرض وهذا نهاية الكثرة ولكن كرمه ~~وحلمه سبحانه وعفوه أكثر وأعظم وليس بينهما مناسبة ولا التفضيل له هنا مدخل ~~فتتلاشى ذنوب العالم عند حلمه وعفوه. # قوله: " يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك ~~بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " أي أتيتني بما يقارب مثل الأرض. # قوله: " ثم لقيتني " أي مت على الإيمان لا تشرك بي شيئا ولا راحة للمؤمن ~~من دون لقاء ربه وقد قال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء) وقد قال صلى الله عليه وسلم: " ما أصر من ms72 استغفر وإن عاد في ~~اليوم سبعين مرة " وقال أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " حسن الظن بالله من حسن عبادة الله " . PageV01P037 ms73