######OpenITI# #META# URI: 1450CabdRahmanMajdi.DamWaCadala.Hindawi38169130 #META# Tags: science :: history #META# ID: 38169130 #META# Title: الدم والعدالة: قصة الطبيب الباريسي الذي سطر تاريخ نقل الدم في القرن السابع عشر #META# AuthorID: 26242748 #META# Author: بيت مور #META# EditorID: 75847252 #META# Editor: سارة عادل #META# TranslatorID: 28405095 #META# Translator: عبد الرحمن مجدي #META# Related_books: 1450PeteMoore.BloodAndJustice (TRANSL) #META#Header#End# # ملحوظة عن المصادر‏ # شكر وتقدير‏ ~~«الشخصيات» والأسماء الواردة حسب ترتيب ~~الظهور‏ # 1 - سائل حيوي‏ # 2 - استكمال عمل هارفي‏ # 3 - التجارب الإنجليزية في حقن الدم‏ # 4 - المجتمع العلمي‏ # 5 - التجارب الإنجليزية في نقل الدم‏ # 6 - طريق دوني إلى القمة‏ # 7 - السبق والسجن‏ # 8 - اللحاق‏ # 9 - لغز موروا‏ # 10 - الجدل الكبير‏ # 11 - خطأ أم مكر أم قتل؟‏ # تسلسل زمني‏ # ملاحظات‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # ملحوظة عن المصادر‏ # شكر وتقدير‏ ~~«الشخصيات» والأسماء الواردة حسب ترتيب ~~الظهور‏ # 1 - سائل حيوي‏ # 2 - استكمال عمل هارفي‏ # 3 - التجارب الإنجليزية في حقن الدم‏ # 4 - المجتمع العلمي‏ # 5 - التجارب الإنجليزية في نقل الدم‏ # 6 - طريق دوني إلى القمة‏ # 7 - السبق والسجن‏ # 8 - اللحاق‏ # 9 - لغز موروا‏ # 10 - الجدل الكبير‏ # 11 - خطأ أم مكر أم قتل؟‏ # تسلسل زمني‏ # ملاحظات‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # | الدم والعدالة # | الدم والعدالة # | قصة الطبيب الباريسي الذي سطر تاريخ نقل الدم في القرن السابع عشر # تأليف # بيت مور # ترجمة # عبد الرحمن مجدي # مراجعة # سارة عادل # | ملحوظة عن المصادر # كل الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في صفحات هذا الكتاب مؤلفو أبحاث ورسائل كتبت في ستينيات ~~القرن السابع عشر - أو ذكروا فيها. ليس الهدف من هذا الكتاب أن يكون عملا بحثيا ~~تقليديا ينسب محتوى النص بالكامل إلى المراجع ذات الصلة، لكن كل المادة الوقائعية ~~المرتبطة بالتجارب التي أجريت على الدم والدورة الدموية مستمدة من المصادر الرئيسية ~~الواردة في قائمة المراجع في نهايته. # روعي في الاقتباسات من المصادر التي وردت خلال هذا الكتاب أن تكون مصوغة صياغة عصرية. ~~والهدف من ذلك هو الحفاظ على الأسلوب العام لهذه التسجيلات، وجعلها أيسر في قراءتها. # | شكر وتقدير # لا يوجد كتاب، على حد علمي، كتبه شخص واحد - دون الحصول على مساعدة من أحد - يستحق ~~القراءة؛ لذا يسرني أن أقر بأني لم أؤلف هذا الكتاب منفردا، وأني ممتن بشدة لمن ساعدوني ~~طوال مسيرة تأليفه. لقد أعطاني أستاذا التاريخ إيه روبرت هول وماري بواس جرعة ضرورية جدا ~~من التشجيع في منتصف رحلة تأليف الكتاب، كما منحاني كنز ms001 معرفتهما التاريخية، وأرشدني ~~الأستاذ ميشيل هنتر إلى بعض الخيوط القوية في بداية المهمة بجانب شرح بعض النصوص. وكذلك ~~ساعدني استشاري الدم الدكتور جون أميس على تشذيب فهمي لعلم استجابات نقل الدم. # تضمن البحث عن مادة هذا الكتاب العمل في عدد من المكتبات الأرشيفية، وأود بصفة خاصة ~~أن أشكر القائمين على مكتبة الجمعية الملكية؛ لمساعدتهم النابعة من الود في العثور على ~~وثائق قديمة. وأخيرا، قارئتي الأولى أديل ووكيلي ماندي ليتل، ومحررة التكليف سالي سميث، ~~والمراجعة كارولين إلربي، ومحررة الإنتاج إيمي جاكوفسكي تيبل، وباحث الصور بنيامين إيرل؛ ~~فقد عملوا جميعا في سبيل منحك أيها القارئ كتابا يستحق أن تتناوله ولا تبرح حتى تنتهي من ~~قراءته. شكرا. # | «الشخصيات» والأسماء الواردة حسب ترتيب ~~الظهور # الفصل الأول # جون باتيست دوني (1640-1704 تقريبا): # عالم رياضيات ~~وفلك وفيلسوف وطبيب بدوام جزئي. يذكره التاريخ باعتباره أول شخص يجري عملية نقل دم إلى ~~إنسان. # لويس الرابع عشر (1638-1715): ~~«ملك الشمس» الذي ~~تولى عرش فرنسا في الخامسة من عمره، وشهد مرحلة صاخبة من الحياة الفنية والأكاديمية ~~الفرنسية. # السيد لاموانيو: # ابن أول رئيس لبرلمان باريس، جيوم ~~دو لاموانيو (1617-1677) ومحامي دوني. # أونري لويس هابرت دو مونتمور (1600-1679 تقريبا): # ثري فرنسي وراع لجهود البحث العلمي المبكرة. # دوك دونيو: # وجيه فرنسي. # لويس شارل دالبرت دوق لوين (1620-1690): # كاتب متميز ~~مهتم بالفلسفة الطبيعية بجانب كونه من وجهاء فرنسا. # شارل دو شون (1625-1698): # وجيه فرنسي. # رينيه ديكارت (1596-1650): # فيلسوف وعالم رياضيات ~~فرنسي، عادة ما ينظر إليه باعتباره أبا الفلسفة الحديثة. # جيرار دوزاركه (1591-1661): # عالم رياضيات ~~فرنسي. # بيير جاسندي (1592-1655): # عالم رياضيات وفيزيائي ~~وفيلسوف ديني فرنسي كان مناصرا قويا للمذهب التجريبي في العلوم. وكان من أوائل نقاد ~~أفكار ديكارت. # بليس باسكال (1616-1662): # عالم رياضيات وفيزيائي ~~وفيلسوف فرنسي ورائد نظرية الاحتمالات. # جان شابلا (1595-1674): # شاعر وناقد فرنسي وعضو أصيل ~~في الأكاديمية الفرنسية، وجميع الأخبار تشير إلى رداءة شعره. # بول إميري (توفي عام 1690): # جراح عمل بصفته ~~الاختصاصي الفني لدى دوني في وضع أساليب جديدة لإجراء عمليات نقل الدم. ms002 # أنطوان موروا (1633-1668 تقريبا): # خادم منزلي ~~فرنسي يرجح أنه أصيب بالجنون بسبب مرض الزهري، وتوفي بعد نقل الدم إليه. # بيرين موروا: # زوجة أنطوان. # هومر (القرن الثامن قبل الميلاد): # شاعر ملحمي ~~إغريقي يعتقد أنه من ألف الإلياذة التي تحكي قصة سقوط طروادة وكذلك الأوديسة التي ~~تحكي جولات أوديسيوس اللاحقة. # قابيل وهابيل: # ابنا آدم وحواء المذكوران في سفر ~~التكوين، إذ قتل قابيل هابيل بعد أن صار ناقما عليه بسبب قبول الرب قربان هابيل الذي ~~قدمه من اللحم ورفض قربان قابيل الذي قدمه من الحبوب. # أسقليبيوس (القرن الثالث عشر قبل الميلاد): # طبيب ~~إغريقي وصل تبجيله إلى حد اعتباره إلها. وابنته هيجيا اشتق من اسمها لفظة # hygienic # التي تعني «صحي». # فيثاغورس (560-480 تقريبا قبل الميلاد): # عالم ~~رياضيات وفلك وزاهد ولد في جزيرة ساموس الإغريقية وأسس جماعة سرية في كروتونه جنوب ~~شرقي إيطاليا. # إمبيدوقليس (القرن الخامس قبل الميلاد): # فيلسوف ~~وشاعر إغريقي من صقلية عمل طبيبا وسياسيا. # أفلاطون (428-348 قبل الميلاد): # تلميذ سقراط، ~~ويعتبر الآن أحد أهم الفلاسفة على مدار التاريخ. # أبقراط (460-377 تقريبا قبل الميلاد): # طبيب إغريقي ~~عمل في جزيرة كوس، ويعد أبا الطب. وضع قواعد لمزاولة المهنة ليتمكن المشتغلون بالطب من ~~العمل بنحو أخلاقي - ويطلق عليها قسم أبقراط. # أرسطو (384-322 قبل الميلاد): # فيلسوف إغريقي أصبح ~~أحد أهم الأسماء المؤثرة في الفكر الغربي. # بوليبوس (205 -123 تقريبا قبل الميلاد): # يرجح ~~أنه زوج ابنة أبقراط ومؤلف «طبيعة الإنسان»، وهو كتاب قديم في الطب. # أنطوني فان ليفينهوك (1632-1723): # تاجر أقمشة ~~هولندي كان شغوفا بصنع المجاهر البدائية واستخدامها. وصنع 550 عدسة تقريبا، كان كثير ~~منها بجودة عالية. وانتخب زميلا للجمعية الملكية عام 1680. # كلوديوس جالينوس (130-201 تقريبا): # فيلسوف وعالم ~~تشريح إغريقي وضع في أثناء عمله في روما نموذجا يوضح ماهية الدم وآلية عمله. # ماركوس أوريليوس (121-180): # إمبراطور ~~روماني. # الفصل الثاني # ويليام هارفي (1578-1657): # ابن مزارع تزوج بابنة ~~طبيب الملك واكتشف أن الدم يمر في دورة عبر الجسم. # أندرياس فيزاليوس (1514-1564): # عالم تشريح فلمنكي ~~وابن لصيدلاني، أصبح بعد دراسته في ms003 لوفين وباريس وبادوفا مؤسس علم التشريح ~~الحديث. # جوهان ستيفان فون كالكار (1499-1546): # فنان ورسام ~~عمل مع أندرياس فيزاليوس. # ميجيل سيرفيت (الاسم المستعار ميجيل فيلينوف) ~~(1511-1553): # عالم لاهوت وفيزيائي إسباني، ولد في تطيلة لكن عمل معظم ~~حياته في فرنسا وسويسرا. وقع في مشكلات بسبب إنكاره الثالوث وألوهية المسيح وأحرق على ~~يد كالفن. # جون كالفن (1509-1564): # ولد في فرنسا وأصبح المصلح ~~الأول لجنيف، ويشتهر بتعاليمه عن السلطة المطلقة للرب. # ماتيو ريالدو كولومبو (1516-1559): # طبيب إيطالي وصف ~~تشريح القلب والأوعية الدموية الكبيرة التي تتصل به. وكان أول من أشار إلى أن صمامات ~~القلب كانت تسمح بالعبور في اتجاه واحد. # الملك جيمس الأول، ملك إنجلترا (1566-1625): # ابن ~~ماري ملكة اسكتلندا وأصبح الملك جيمس السادس ملك اسكتلندا في عام 1567، لكنه أصبح الملك ~~جيمس الأول ملك إنجلترا ابتداء من عام 1603. # الملك تشارلز الأول (1600-1649): # ابن الملك جيمس ~~الأول ملك إنجلترا، وأعدم بضرب عنقه بعد الحرب الأهلية الإنجليزية. # توماس هاورد، إيرل أروندل (1586-1646): # سياسي ~~إنجليزي، يعرف بأعماله الفنية، بما في ذلك مرمر أروندل الذي أهداه حفيده لجامعة ~~أكسفورد. # فيرديناند الثاني (1578-1637): # ولد في جراتس ~~بالنمسا، وصل إلى عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة في عام 1619. # جون أوبري (1626-1697): # قصاص وناقل أخبار سجل ~~آراء شخصية جدا عن المشاهير في كتابه «أعمار قصيرة». وأصبح زميلا للجمعية الملكية ~~في عام 1663. # يرونيموس فابريشيوس (1533-1619 تقريبا): # عالم ~~تشريح إيطالي مولود في أكوابندنتي، وأصبح أستاذا للتشريح في بادوفا. بني عمله بدرجة ~~كبيرة على التصورات الجالينوسية والأرسطية لآلية عمل الجسم. # روبرت بويل (1627-1691): # مهتم بصفة كبيرة بما ~~يعرف الآن بالكيمياء، وكان هذا الأيرلندي أحد الآباء المؤسسين للعلم الحديث. وانتخب ~~زميلا للجمعية الملكية في عام 1663. # جاليليو جاليلي (1564-1642): # عالم فلك وفيزيائي ~~إيطالي وضع عمله الدقيق في دراسة الكواكب والنجوم باستخدام منظاره معايير جديدة لدراسة ~~الكون وملاحظته، لكنه أدى أيضا إلى صراعه مع سلطات الكنيسة. # يوهانس فاليوس: # عالم تشريح هولندي ومؤسس علم ~~الفسيولوجيا التجريبي في أوروبا القارية. اتبع تجارب هارفي ووصفه للدورة الدموية وأضاف ~~إليه. كان فاليوس أكثر ms004 اهتماما بالجوانب الكيميائية للدم من هارفي. # كاسبر هوفمان (1572-1648): # طبيب ألماني عاش في ~~نورمبرج. اعتقد أن أرسطو قدم تفسيرا لطريقة عمل الجسم بصورة أفضل من جالينوس، وتبنى ~~آراء مشابهة لهارفي فيما يخص نظرته لطريقة عمل القلب. # مارتشيلو مالبيجي (1628-1694): # ولد بالقرب من ~~بولونيا، ودرس الطب وصار أستاذا في الطب النظري في بيزا. وكان محاضرا متميزا في الطب ~~النظري في بولونيا، وأول أستاذ للطب في ميسينا. وفي عام 1691، صار الطبيب الأول للبابا ~~إنوسنت الثاني عشر. وكان رائدا في استخدام المجهر، وأصبح زميلا للجمعية الملكية في ~~عام 1669. # هنري أولدنبرج (1619-1677): # مهاجر ألماني إلى ~~إنجلترا وأصبح أول أمين سر للجمعية الملكية. # الفصل الثالث # فرانسيس بوتر (1594-1674): # قس الكنيسة الإنجليزية ~~المتنسك والمبتكر الذي صار زميلا للجمعية الملكية في عام 1663. # بابليوس أوفيديوس ناسو (أوفيد) (43 قبل الميلاد-17 ~~ميلاديا): # بعد دراسته للقانون في روما، صب كل جهده على الشعر وكتب ~~أشعارا أكثر من أي شاعر لاتيني آخر. # رالف باتهورست (1620-1704): # رئيس كلية الثالوث في ~~أكسفورد ابتداء من عام 1664، وكان طبيبا للأسطول وكاهنا ملحقا بالبلاط. انتخب ~~زميلا للجمعية الملكية في عام 1663. # كريستوفر رين (1632-1723): # مهندس معماري مشهور بدأ ~~عمله في الفلك والتشريح، وهو عضو مؤسس في الجمعية الملكية. دفن في أكبر المباني التي ~~أنشأها: كاتدرائية القديس بولس في لندن. # جون ويلكنز (1614-1672): # أحد الأعضاء الأوائل في ~~الجمعية الملكية، وكان هذا القس مولعا بالرياضيات. # أوليفر كرومويل (1599-1658): # السيد حامي إنجلترا من ~~عام 1653 حتى وفاته عام 1658. # ريتشارد كرومويل (1626-1712): # خلف أباه لمدة قصيرة ~~في منصب السيد حامي إنجلترا لكنه أجبر على التنحي عام 1659. # جون كروس (حوالي 1620، وذاعت شهرته 1693): # مالك ~~منزل بويل في أكسفورد. # ويليام بيتي (1623-1687): # فيلسوف وفيزيائي إنجليزي ~~وعضو مؤسس في الجمعية الملكية، وأكثر ما يشتهر به إسهامه في علم الإحصاء. # روبرت وود (1621-1685 تقريبا): # طبيب أجرى أبحاثا ~~في بعض مجالات الرياضيات وانتخب زميلا للجمعية الملكية عام 1681. # هنري بييربوينت (1606-1680): # أول نبيل ~~لدورشستر. # تيموثي كلارك (1620-1672 تقريبا): # درس في كلية ~~بوليول في أكسفورد، وعمل طبيبا في لندن، ms005 وكان يقيم في سانت مارتين إن ذا فيلدز. وكان ~~زميلا أصيلا للجمعية الملكية. # ريتشارد لور (1631-1691): # انتخب لزمالة الجمعية ~~الملكية في عام 1667 بعد أن ساعد توماس ويليس في عمله وابتكاره لأساليب رائدة لنقل الدم ~~بين الحيوانات. # توماس ويليس (1621-1675): # طبيب، انتخب زميلا ~~للجمعية الملكية في عام 1663. # بيتر شتايل (...-1675): # كيميائي ألماني وصديق لروبرت ~~بويل. # صامويل بيبيس (1633-1703): # كاتب يوميات مشهور، عمل ~~في الخدمة المدنية وأصبح عضوا في الجمعية الملكية في عام 1665. # تشارلز الثاني (1630-1685): # بعد عودته من المنفى في ~~فرنسا، أصبح ملك اسكتلندا وإنجلترا في عام 1660. # أنطوني وود (1632-1695): # جامع تحف إنجليزي درس في ~~كلية ميرتون في أكسفورد من 1647 إلى 1652. # يوهان سيجيسموند إلشولتس (1623-1688): # طبيب ألماني ~~ألف كتابا يوضح كيفية حقن المحاليل في الدم. # الفصل الرابع # فرانسيس بيكون (1561-1626): # فيلسوف ورجل دولة، ~~ولد في لندن، ودرس في كلية الثالوث بكامبريدج قبل أن يدرس القانون في جراي إن في ~~لندن. أصر على ضرورة دعم القضايا بالحقائق الملموسة بدلا من الاستناد إلى موثوقية ~~المفكرين القدماء. # إسماعيل بوليالدوس (1605-1694): # عالم رياضيات وفلك ~~فرنسي. # بيريسك وبيير دوبوي: # مؤرخان أكاديميان فرنسيان في ~~القرن السابع عشر. # صامويل سوربيير (1615-1670): # قس وفيزيائي فرنسي، ~~تتلمذ على يد عمه صامويل بيتي في باريس، وأصبح موضع نقمة عندما انتخب زميلا للجمعية ~~الملكية الإنجليزية في عام 1663. # فرانسوا بيرنييه (1620-1688): # فيزيائي فرنسي، ~~ترجمت رسائله إلى الإنجليزية ونشرت في «أسفار عبر إمبراطورية المغول 1658-1668م». ~~ويقدم الكتاب نظرة للحياة الهندية في عهد المغول. # أورنكزيب (1658-1707): # إمبراطور هندي مغولي، أقصى ~~أفراد إمبراطوريته من الهندوس، وانتهى به المطاف في المنفى. # روبرت هوك (1635-1703): # ولد في جزيرة وايت، عمل ~~مهندسا معماريا وأجرى تجارب في الفيزياء. وهو أحد أوائل الأعضاء في الجمعية ~~الملكية. # توما الأكويني (1225-1274): # طالب وفيلسوف وعالم ~~لاهوت إيطالي وفق بين علوم أرسطو والعقيدة المسيحية. # جون واليس (1616-1703): # قس وعالم رياضيات كان من ~~الزملاء الأوائل للجمعية الملكية. # جوناثان جودارد (1617-1675 تقريبا): # طبيب كان على ~~صلة قوية بكرومويل وكان زميلا مؤسسا للجمعية الملكية. # روبرت موراي (1608-1673): ms006 # كان مجندا في الجيش خلال ~~فترة الحرب، وعمل وسيطا ودبلوماسيا. وفي الوقت نفسه أجرى بحوثا في الكيمياء ودرس ~~الفلزات والمعادن والتاريخ الطبيعي. وهو زميل مؤسس للجمعية الملكية. # جيل بيرسون روبرفال (1602-1675): # عالم رياضيات ~~فرنسي بدأ دراسته في الرابعة عشرة من عمره، وهو عضو مؤسس بالأكاديمية الملكية ~~للعلوم. # فولتير (1694-1778): # كاتب ساخر، أصبح عضوا في ~~الجمعية الملكية عام 1743. # الفصل الخامس # يوهان دانييل مايور (1634-1693): # طبيب ألماني تضمن ~~كتابه في الطب إرشادات لكيفية حقن المحاليل في أجسام المرضى. # دانييل كوكس (1640-1730): # مغامر بحكم عمله، لكنه ~~أجرى أيضا تجارب في الكيمياء والطب. انتخب زميلا للجمعية الملكية عام 1665 وحصل على ~~الزمالة الفخرية من كلية الأطباء الملكية عام 1680. # توماس كوكس (1615-1685): # بعد أن كان طبيبا في قوات ~~البرلمان، تحول ولاؤه، وفي عام 1665 صار طبيب الملك. من أوائل زملاء الجمعية ~~الملكية. # ويليام كرون (1633-1684): # ولد في لندن وعمل طبيبا ~~بالمدينة وكان من أوائل الزملاء بالجمعية الملكية. # توماس ميلنجتون (1628-1704): # عالم رياضيات في ~~أكسفورد وصديق لروبرت بويل. # جون بيل (1608-1683): # قس وكاهن يوفيل في سومرست بين ~~عامي 1660 و1682، وانتخب لزمالة الجمعية الملكية في عام 1663. # والتر تشارلتون (1620-1707): # ولد في شيبتون ماليت ~~في سومرست، وهو طبيب أجرى بحوثا في مجالي الطب والفلسفة الطبيعية. وهو عضو أصيل ~~بالجمعية الملكية. # ريتشارد زوش (1590-1662): # أكاديمي في ~~أكسفورد. # ليدي رانيلا (1614-1691): # أخت روبرت بويل. # جلبرت شيلدون (1598-1677): # انتخب زميلا للجمعية ~~الملكية في عام 1665 وعندها كان كبير أساقفة كانتربيري، وهو المنصب الذي شغله بين عامي ~~1663 و1677. # إليزابيث بيلنجز (1640-1669): # زوجة صامويل ~~بيبيس. # توماس شادويل (1642-1692): # كاتب مسرحي ساخر ألف ~~13 مسرحية كوميدية، وثلاث مسرحيات تراجيدية. وخلف جون درايدن كشاعر للبلاط في عام ~~1689. # إدموند كينج (1629-1709): # جراح لندني درس الكيمياء ~~وكان له اهتمام عابر بنقل الدم. # الفصل السادس # كلود بيرو (1613-1688): # طبيب باريسي مؤثر، وأحد ~~الأعضاء المؤسسين للأكاديمية الملكية للعلوم. في عام 1667 ترأس فريقا من الباحثين ~~وجهت لهم الدعوة لفحص سمكة قرش وأسد بحديقة الحيوانات الملكية. # لويس جايانت ms007 (توفي عام 1673): # جراح ~~باريسي. # إسحاق نيوتن (1642-1727): # عالم رياضيات وأحد فلاسفة ~~الطبيعة، وأصبح مرة أو مرتين عضوا في البرلمان عن جامعة كامبريدج، كما شغل منصب رئيس ~~دار سك العملة الملكية من عام 1699 وحتى وفاته، وانتخب زميلا للجمعية الملكية في عام ~~1672. # دوني دو سالو (1626-1669): # المحرر المؤسس للمجلة ~~الفرنسية: «جورنال دي سافونز». # ماتيوس جودفريد بورمان (1648-1711): # جراح، وكان أول ~~من أجرى عملية نقل دم إلى إنسان في ألمانيا، آخذا الدم من حمل. # يوهان سكلتيتوس (ذاعت شهرته عام 1682): # جراح وعالم ~~تشريح هولندي. # ليونارد لاندويس (1837-1902): # عالم فسيولوجيا ~~ألماني، بدأ يبحث عن تفسير علمي للاستجابات التي تحدث عندما يختلط الدم من حيوانات ~~مختلفة. # كارل لاندشتاينر (1868-1943): # عالم فائز بجائزة ~~نوبل لاكتشافه فكرة فصائل الدم. انتخب زميلا للجمعية الملكية عام 1941. # الفصل السابع # دوم روبرت دو جابتس (ذاعت شهرته عام 1667): # راهب ~~بندكتي زعم دوني أنه من أوحى له بفكرة نقل الدم. # هنري بينيت (1618-1685): # أول إيرل لأرلنجتون، درس ~~في مدرسة وستمنستر وكنيسة المسيح بأكسفورد. تقاعد في سافوك بعد توليه منصب كبير ~~الياوران. # أوزوالد موزلي (1896-1980): # سياسي إنجليزي استقال ~~من الحكومة العمالية ليصبح قائد اتحاد الفاشيين البريطاني. كان لديه رؤية فيما يتعلق ~~بوحدة أوروبا سياسيا واقتصاديا. # جون ميلتون (1608-1674): # شاعر إنجليزي درس في ~~كامبريدج. # ريتشارد جونز (1641-1712): # ابن أخت روبرت بويل الذي ~~أصبح أول إيرل لرانيلا. # دوروثي ويست (توفيت عام 1665): # زوجة أولدنبرج ~~الأولى. # دورا كاترينا (1652تقريبا-...): # زوجة أولدنبرج ~~الثانية. # جوزيف ويليامسون (1633-1701): # محام بالمحاكم ~~العليا ورجل دولة ومساعد لورد أرلنجتون، ومن أوائل زملاء الجمعية الملكية. # أونري جوستيل (1620-1693): # فرنسي بدل جنسيته ~~وأصبح إنجليزيا في عام 1687. وكان يراسل أولدنبرج وروبرت بويل باستمرار. انتخب ~~زميلا للجمعية الملكية في عام 1681. # سيث وارد (1617-1689): # أسقف ساليسبري، أجرى بحوثا ~~في الفلك، وهو من الزملاء الأوائل في الجمعية الملكية. # جون مارتن (ذاع اسمه عام 1680): # ناشر ~~أولدنبرج. # بارون بوند (...-1667): # نبيل سويدي مرض خلال زيارته ~~لباريس. # كريستينا واسا (1626-1689): # ملكة السويد من عام ~~1640 حتى تخليها عن العرش عام 1654. # بيير ميشو بوردولو (1610-1685): ms008 # طبيب فرنسي عمل ~~لمدة طبيبا للملكة كريستينا ملكة السويد. # الفصل الثامن # آرثر كوجا (حوالي 1645-غير معروف): # أول من أجري ~~له نقل دم في إنجلترا. # دانييل ويسلر (1619-1684): # طبيب درس في كلية ~~الثالوث بأكسفورد، وعمل في أكسفورد ولندن والسويد. من الزملاء الأوائل للجمعية الملكية ~~وتوفي جراء إصابته بالتهاب رئوي. # فيليب سكيبون (1641-1691): # انتخب زميلا للجمعية ~~الملكية في عام 1667، وهو مبدع ارتحل كثيرا برفقة جون راي. # جون راي (1627-1705): # قس وعالم نباتات وعالم ~~حيوانات وعالم حشرات إنجليزي، انتخب زميلا للجمعية الملكية في عام 1667. # البابا إنوسنت الثامن (1432-1492): # ولد في جيوفاني ~~باتسيتا تشيبو، مر خلال فترة شبابه بتقلبات، لكنه كان محبوبا بصفة عامة عندما تولى ~~منصب البابا. # أبراهام ماير من بالمز: # طبيب مغمور يبدو أنه قدم ~~مشورة طبية للبابا إنوسنت الثامن. # مارسيليو فيتشينو (1422-1499): # فيلسوف إيطالي وكان ~~رئيس الأكاديمية الأفلاطونية في فلورنسا. # الكونت فيرينسز ناداسدي: # زوج إليزابيث كونتيسة ~~باثروي. # إليزابيث كونتيسة باثروي (1575-1613): # امرأة شريرة ~~رأت أن التحمم في دماء العذارى سيحافظ على جمالها. # دوروتيا سينتيز ودارفولا: # اثنتان من خادمات ~~إليزابيث كونتيسة باثروي. # ليلونا جو: # ممرضة إليزابيث كونتيسة باثروي. # ماتياس الثاني: # ملك المجر فيما بين 1609-1619، ~~حرم كنسيا من كنيسة روما عام 1609. # أندرياس ليبافيوس (1546-1616): # كيميائي ~~ألماني. # باولي (باولو) مانفريدي (ذاعت شهرته عام 1668): # باحث إيطالي. # يوهانس كول (1558-1631): # أستاذ الطب في بادوفا ~~بإيطاليا. # فرانشيسكو فولي (1624-1685): # طبيب إيطالي. # جيورج أبراهام ميركلينو: # طبيب ألماني في القرن ~~السابع عشر أيد نقل الدم. # بالتاسار كاوفمان: # زميل جوتفريد بورمان. # لورنس هايستر (1683-1758): # جراح ألماني، عمل في ~~ساحات المعارك قبل أن يصبح أستاذا في التشريح والجراحة في جامعة ألتدورف في عام 1709، ~~وصار لاحقا أستاذا في الطب والنباتات. ترجم كتابه في الجراحة إلى لغات عدة بما فيها ~~اليابانية. # رينييه دي جراف (1641-1673): # عالم تشريح هولندي، ~~سميت باسمه جريبات جراف - وهي التجاويف الممتلئة بالسوائل التي تبقى في المبايض بعد ~~إطلاق البويضات. # يوهانس فان هورن (1621-1670): # طبيب هولندي عمل مع ~~جراف. كان والده أحد أوائل مديري شركة الهند الشرقية الهولندية، وبهذا ms009 تأثر بشدة ~~بالحروب مع إنجلترا. # فابريتيوس: # طبيب عمل في دانتسيج، إسبانيا. # كارلو فراكاساتي: # عالم تشريح إيطالي عمل في ~~بيزا. # جان دومينيك كاسيني (1625-1712): # محقق إيطالي، جرب ~~نقل الدم، وانتخب زميلا للجمعية الملكية عام 1672. # الفصل التاسع # دوني دودار (1634-1707): # طبيب باريسي من عائلة ~~ثرية. كان عمله الأساسي بعنوان «مذكرات في خدمة تاريخ النباتات» وطرح أفكارا عن كيفية ~~خروج الكلام من الفم. # بيير دي بورجيه (1698-1758): # فيزيائي فرنسي. # جيوم أويو فايو (1619-1678): # رجل كنيسة ~~باريسي. # السيد دو فو: # قس باريسي. # شتين فيلادسين (1944-...): # عالم دنماركي هو أول من ~~نجح في استنساخ حيوان ثديي. # السيد بونيه: # قس باريسي طالب بتقييم قدرات موروا ~~العقلية. # الفصل العاشر # هنري سامسون (1629-1700): # قس منشق اضطر لمغادرة ~~أبرشيته في فراملنهام بسان ميشيل بسبب رفضه إعادة ترسيمه بعد عودة الملكية. أرسل خطابا ~~إلى إدموند كينج في يناير 1668 ردا على أسئلة الأخير بخصوص نقل الدم. # لويس دو باسريل (القرن السادس عشر-القرن السابع ~~عشر): # طبيب باريسي. # كلود تاردي (ذاع اسمه عام 1667): # طبيب ~~باريسي. # لويس جادروا (1642-1678): # طبيب باريسي. # بيير مارتن دي لا مارتينيير (1634-1676): # معارض ~~صريح لنقل الدم قاد الهجوم على طريقة دوني، وألف كتيبات عديدة تهاجم دوني ~~وأعماله. # جورج (جيوم) لامي (1644-1683): # طبيب باريسي ومعارض ~~لدوني. # يان باتيست فان إلمو (1579-1644): # طبيب أثار جدلا ~~واسعا، بدأ يشكك في أنماط الفكر القديمة بخصوص ممارسة الطب. # باراسيلسوس (1493-1541): # عالم خيمياء ألماني مارق ~~وطبيب تحدى المعتقدات الراسخة، ويعتقد أنه لم يلق محاضرة إلا وكان شبه ثمل. كان ~~اسمه الحقيقي تيوفراشتوس بومباستوس فون هوهنهايم، لكنه غيره ليرمز ضمنا إلى أن عمله ~~تجاوز الطبيب الروماني سيلسوس. # جورج إنت (1604-1689): # عالم تشريح وطبيب من بين ~~الزملاء الأوائل للجمعية الملكية، وأصبح رئيس الكلية الملكية للأطباء في عام ~~1663. # الفصل الحادي عشر # أندريه دورميسو: # قاض باريسي. # الفصل الأول # | سائل حيوي # ضربت العصا الأرض ثلاث مرات للفت انتباه الحضور. فخفتت الأصوات لوهلة قصيرة، لكن الجلبة ~~عادت من جديد. مرة أخرى ضربت العصا على الأرضية الرخامية ثلاث ضربات كل ضربة أشد ms010 من ~~سابقتها. ونادى الحاجب بالفرنسية: «من فضلكم!» مستخدما تلك اللكنة ~~ذات الأصوات القصيرة السريعة التي تشف عن أنه من سكان باريس. نادى الحاجب من جديد: «من ~~فضلكم!» فاصلا الكلمتين ليتأكد من أن نداءه قد سمع. كانت القضية المنظورة خطيرة إذ ينبغي ~~عدم الاستهانة باتهامات القتل على أي حال، خاصة في ظل مثل تلك الظروف الاستثنائية؛ الزمان ~~هو السبت 17 أبريل 1668؛ والمكان هو مبنى لوجراند شاتيليه الذي يضم المحكمة المركزية في ~~باريس، وهو مبنى عظيم في قلب المدينة على ضفاف نهر السين. # وسط مجموعة صغيرة، وقف جون باتيست دوني أحد الأطباء ذوي العقلية العلمية الذين كانوا على ~~صلة بالملك لويس الرابع عشر. ولد دوني لأسرة كانت على اتصال بالأوساط الملكية، لكنها لم ~~تحظ يوما بمكانة تمنحها القبول التام بتلك الأوساط. كان والده كبير مهندسي الملك لويس ~~الرابع عشر، وقد طبقت شهرته الآفاق في مجال تصميم مضخات المياه وبنائها. في ذلك الوقت كان ~~دوني في السابعة والعشرين من عمره تقريبا، وكان يتمتع بعقل متألق، وكان قد حصل على درجة ~~البكالوريوس في اللاهوت قبل أن يتجه لدراسة الطب في مونبيلييه. كما كان قد حصل حديثا على ~~درجة الدكتوراه في الرياضيات، وعاد إلى مسقط رأسه باريس ليتولى منصب أستاذ في الرياضيات ~~والفلسفة الطبيعية حيث قسم وقته بين أكبر اهتمامين له: الرياضيات والفلك. واتخذ من البحث ~~في الطب هواية له. وككثير من الهواة، تمنى دوني أن تدر هوايته الأموال عليه. لكنها - على ~~النقيض - أتت به إلى قفص الاتهام؛ ليحاكم بتهمة القتل. # أما المحامون من حوله، فكانوا يرتدون عباءات سوداء وقبعات مربعة يتجه أحد أركانها إلى ~~الأمام، ملقية ظلا مثلث الشكل على وجوههم مثل منقار طير جارح. وكان من بينهم محامي دوني ~~السيد لاموانيون - الذي كان والده أول رئيس لبرلمان باريس. ارتدى دوني شعره المستعار المصفف ~~بإتقان، والذي تنتهي خصلاته بثنية ملفوفة بإحكام تبلغ تماما أعلى ياقة معطفه الطويل ذي ~~اللون البني الداكن وقميصه المكشكش قليلا؛ وهو الزي الذي ميز كونه رجلا متعلما. تجهم ~~منزعجا من ms011 رؤية رذاذ من الطين على سرواله الأبيض النظيف الذي يخرج من حذاء أسود شديد ~~اللمعان ذي كعب عال وحلي فضية مربعة. فقد كان اليوم فاصلا وأراد دوني ألا يخالج الرقيب ~~المكلف بنظر القضية أي شك تجاه ما يحظى به من مكانة. # إلى جوار دوني، وقف مجموعة من الأصدقاء ذوي النفوذ، من بينهم هنري لويس هابرت دو مونتمور - ~~أول مستشار لمجلس الدولة في عهد لويس الرابع عشر. كان ذوقهم في انتقاء الملابس بادي ~~الفخامة؛ إذ كانوا يرتدون شعورا مستعارة ضخمة تتدلى منها الخصلات المجعدة على القمصان ~~المكشكشة بعناية والمعاطف ذات الأكمام الضخمة المطرزة تطريزا منمقا. # وكان هناك رجل وامرأة يجلسان في البهو، حضر كل منهما ضمن الشهود. وكانا كلاهما من المرضى ~~الذين تلقوا العلاج الذي ابتكره دوني وكانا مصرين على أنه نجح في شفائهما. زعمت السيدة ~~أنها كانت تعاني من شلل جزئي قبل العلاج لكنها شفيت الآن؛ كان الدليل - البرهان الحي ~~- ضروريا. وكذلك كان حضور أصحاب المقامات الرفيعة مثل دوق دونيو ودوق لوين ودوق دو شون ~~ودائرتهم من الأصدقاء ورجال الحاشية . فحتى وإن بدت القضية ميئوسا منها، فإن ذلك الحشد ~~الباهر من الداعمين الذين اكتظت بهم القاعة كانوا يبثون أملا أكبر في الفوز ~~بالقضية. # دق الحاجب مجددا، لكنه هذه المرة كان يضرب سطح الطاولة، محدثا فيها شرخا عميقا. ~~خفتت جلبة الحضور متحولة إلى همسات، رغم سخرية بعضهم من محاولة الرجل فرض النظام. لكن عقل ~~دوني ارتج حين عاودته ذكرى الدقات الملحة على بابه في المساء قبل بضعة أشهر - تلك الدقات ~~التي أعلنت بداية هذه الأحداث المأسوية. # مقابلة موروا # كان الوقت متأخرا، وولى يوم الأحد أمام الساعات الأولى من الإثنين 19 ديسمبر 1667. ~~كان دوني - كعادته - جالسا في مكتبته ينظر في بعض من آخر ملاحظاته وحساباته حول حركة ~~الكواكب المختلفة عندما سمع صوت عربة تتوقف ببابه. كان دوني رجلا كئيب المظهر ينتمي ~~إلى طبقة النبلاء، وكانت وجباته الدسمة قد راحت تترك أثرها على خصره، ورغم أنه كان في ~~مرحلة الشباب، كان منتصف العمر ms012 يظهر على ملامحه في صورة شحم وفير حول فكه السفلي وفي ~~الثنيات الهلالية العميقة المحيطة بفمه. استمر دوني في العمل، وحك أنفه الأقنى، ~~مستغرقا في تركيزه حتى إنه نسي أمر زائره. وبعد دقائق معدودة، جاء خادمه مخبرا إياه ~~أن السيد دو مونتمور قد أرسل في طلبه في ذلك الوقت من الليل. ضيق دوني عينيه وقد ~~امتلأ بمزيج من الخوف والإثارة، محاولا تحديد السبب الذي يتطلب استدعاءه في هذا الوقت ~~من الليل. ففي النهاية، لم تكن شوارع باريس عام 1667 مكانا آمنا للتسكع بعد حلول ~~الظلام. إلا أن دو مونتمور لم يكن الشخص الذي يطلب طلبا إلا إذا كان ضروريا. # كان الأرستقراطي الفرنسي هنري دو مونتمور البالغ من العمر 67 عاما يتمتع بالاستقلال ~~المادي الشخصي، بدخل سنوي كان يبلغ 100 ألف جنيه فرنسي، وفائض كاف لممارسة الهوايات ~~المكلفة، التي كان أهمها بالنسبة إليه العلوم الجديدة. لقد أسس من ثروته أكاديمية ~~مونتمور عام 1657، التي أصبحت ملتقى للمواهب الفكرية بما في ذلك صديقه عالم الرياضيات ~~رينيه ديكارت؛ وجيرار دوزاركه أستاذ الرياضيات في الكلية الملكية في باريس؛ وبيير ~~جاسندي - عالم الرياضيات والفيزياء والفلسفة الدينية؛ وبليز باسكال، بالإضافة إلى آخرين ~~مثل الشاعر والناقد الفرنسي جون شابلان. كان هؤلاء الأعلام يجتمعون أسبوعيا في فندق ~~دو مونتمور الفخم الذي أصبح الآن رقم 79 طريق رو دو تيمبل الذي يبعد نصف ميل شمالي نقطة ~~التقاء النهر بكاتدرائية نوتردام التي تقع في الدائرة الإدارية الثالثة حاليا. # في بداية عام 1667، بدأ عقد هذه المجموعة ينفرط، وقد دعي بعض أعضائها للانضمام إلى ~~أكاديمية العلوم المنشأة حديثا، إلا أن مونتمور ظل يتمتع بنفوذ كبير في الأوساط ~~العلمية. ترك دوني عمله واستغرق بضع دقائق في إعادة ضبط هندامه، وارتدى شعره المستعار ~~فوق شعره القصير المقصوص بمساعدة خادمه. وبعد أن تفحص نفسه أمام المرآة جذب ياقة ~~قميصه وأعاد ضبط شعره المستعار، وبعد أن تأكد من أن كل شيء على ما يرام، خرج. شعر ~~بالارتياح عندما وجد أن رسول مونتمور جاء بعربة مغلقة؛ وما إن ms013 صعد إلى العربة، فوجئ ~~بوجود بول إميري، ذلك الجراح وأخصائي التشريح الموهوب الذي كان قد انضم للمجموعة ~~أيضا. وكان إميري مشهورا بأنه أحد أكفأ من علموا الجراحة والتشريح، وحيث إنه قد ~~ولد في سان كوينتين في باريس فقد أصبح رئيس جمعية الجراحين الباريسيين. بعد أن اكتشف ~~الرجلان أنهما لا يعلمان سبب استدعائهما، لاذ كلاهما بالصمت وسط ضجيج سير العربة على ~~أرضية الشوارع المرصوفة بالحجارة، مارة بفندق دو فيل قبل أن تتوجه شرقا عبر طريق رو ~~دو تيمبل. # انحرفت العربة إلى اليسار بحدة مجتازة البوابات، لتتوقف في ساحة مفتوحة، ونزل ~~راكباها متجهين إلى الباب. فور وصولهما، أرشدا إلى مكتبة مرتفعة السقف، حيث استقبلا ~~ببعض صيحات الترحيب. وكانت الغرفة المزخرفة مليئة بالفعل بالنبلاء ذوي الأزياء الأنيقة ~~الذين راحوا يتبخترون في أرجاء الغرفة ويجولون في أرجائها للفت الانتباه إلى ثيابهم ~~المبهرجة لإحداث أفضل أثر ممكن. وفي نهاية المكتبة، كان هناك رجل مقيد إلى كرسي، ~~شعره أشعث ومبتل، وفي وجهه خدوش، وعلى النقيض تماما ممن حوله في الغرفة، لم يكن ~~يرتدي أي ملابس. أحيطت كتفاه بعباءة، إلا أنها كانت تسقط على الأرض عندما كان يجاهد ~~لتخليص نفسه من القيود بين الحين والآخر. # كان الأسير هو أنطوان موروا ذا الأربعة والثلاثين عاما، وكان خادما يعيش في قرية ~~تبعد نحو 10 أميال عن قلب باريس. وطوال سبعة أعوام أو ثمانية، كان يعاني نوبات جنون، ~~كانت كل منها تستمر لعشرة أشهر أو يزيد. وفي أثناء تلك النوبات، كان يصير عنيفا، وكان ~~ينزع إلى الركض في الشوارع عاريا، وكان يشعل النار في البنايات إن استطاع. ولا عجب أنه ~~سرعان ما لحقت به السمعة السيئة في الحي الذي يقطن فيه. # وقبل نحو عام، بينما كان في إحدى فترات اتزانه العقلي، تزوج بيرين - وكانت شابة ~~صغيرة استطاع إقناعها بأن نوبات الجنون التي تعرض لها لم تكن سوى مرض عابر وانتهى ~~وأنه شفي الآن. بدا أن الزواج بدأ جيدا، لكن للأسف بعد بضعة أشهر تدهور سلوكه من ~~جديد. في البداية، تمكنت ms014 زوجته من احتوائه، ورغم أنها تعرضت للاعتداء في غير مرة، فقد ~~قيدته هي وبعض الأصدقاء من أجل الحفاظ على سلامته وسلامة من حوله. # كان هناك كثيرون ممن هم على استعداد لتقديم المشورة بشأن وسائل العلاج لحالة أنطوان. ~~فقد كان من الواضح أن هناك سببا وراء ذلك السلوك العنيف، ووفقا للمبادئ التي اتبعها ~~معظم الأطباء وقتها، فقد كان الاحتمال الأكبر هو أن دم أنطوان هو السبب. فربما كانت ~~لديه كمية زائدة منه، أو أن كمية الدم كانت مناسبة لكنه كان ملوثا. وفي كلتا الحالتين، ~~كان الخيار الأفضل هو التخلص من بعض دمه. # أجرى الأطباء والحلاقون المحليون عملية فصد دماء لموروا ثماني عشرة مرة مختلفة، وهي ~~طريقة كان يعتقد أنها تتخلص من الدم الفاسد وتعيد التوازن الصحي وتمكن من التعافي. ~~كما أعدوا له أربعين حماما أو أكثر، كانت خليطا من الأعشاب والمواد ~~الكيميائية وغيرها من العناصر النشطة. لكن شيئا لم يتغير. وفي أسلوب مشابه، ربطوا على ~~جبهته العديد من الوصفات العلاجية، لكن دون فائدة. وفي المقابل، كان أنطوان يتحرر من ~~قيوده ويفر هاربا من آن لآخر. # شكل 1-1: جون باتيست دوني. أعيدت طباعتها بإذن من متحف تاريخ الطب. # في تلك الليلة الشتوية الحالكة، كانت زوجة موروا تمشط الشوارع والأزقة والحقول والترع ~~بحثا عنه، أو حتى أملا في أن تجد أثرا يشي بمروره المخرب. لكنها لم تعرف مع ذلك ~~أنه قد وصل إلى قلب باريس وأن عسس الليل قد اعتقلوه. ولسبب ما، جذب هذا الرجل انتباه ~~مونتمور. لن نعرف أبدا إذا كان ذلك نابعا من الشعور بالشفقة أو الفضول، لكن مونتمور ~~بعدما لم يجد مكانا مناسبا له في أي مستشفى، اصطحبه إلى البيت وأرسل في طلب ~~أصدقائه. # كانت فكرة مونتمور بسيطة بقدر ما هي ثورية؛ فقد علم في الأشهر الأخيرة أن اثنين من ~~أعضاء أكاديميته - دوني وإميري - يجريان تجارب على فكرة نقل الدم فيما بين الحيوانات ~~المختلفة. ففي منتصف القرن السابع عشر، كانت أية أفكار تتعلق بالجسد تتمحور حول فكرة ~~مفادها أن دم ms015 الإنسان يحوي العناصر الحيوية لروحه. وقد أثار هذا احتمالية جديدة. فهل ~~يمكن لإفراغ دم الإنسان الفاسد وإحلال دم نقي طاهر من حيوان مستأنس محله أن يعالج سلوك ~~شخص جامح وخطير؟ هل يمكن لدم الحمل مثلا أن يغسل خطايا الإنسان فعليا؟ # ومع دخول دوني وإميري إلى الحجرة، تحولت إليهما كل الأنظار وخفتت المحادثات إلى ~~تمتمة. تقدم الرجلان وانحنيا تحية لمونتمور وأصدقائه المجتمعين وتقديرا لإيماءاتهم ~~وابتساماتهم المرحبة وقبعاتهم المرفوعة. اصطحبهما مونتمور إلى موروا، ووقف الثلاثة ~~معا ريثما أطلعهما مونتمور على تاريخ الحالة كما رآها. وكانت المهمة التي كلفهما بها ~~هي أن يقررا ما إذا كان موروا مرشحا ملائما لنقل الدم. # كانت المخاطرة كبيرة. وكان بين الحضور كثيرون بالتأكيد ممن يأملون أن تكون الحالة ~~مناسبة لنقل الدم من أجل أن يتمكنوا من شهود التجربة ورؤية قفزة سريعة إلى الأمام في ~~مجال الطب العلمي سريع النمو. أما الآخرون فكانوا متشككين أو ساخطين تماما. فإذا ~~حدث أي شيء للمريض، فستعرف باريس كلها بالخبر، وستكون حياة دوني العملية - وربما حياته ~~هو نفسه - على المحك. أما إن نجحت التجربة، فمن المؤكد أن دوني سيحفر اسمه في سجل ~~التاريخ. # اللعب بالنار # لكن ماذا لو فشلت التجربة؟ إذ إن نقل الدم من حيوان إلى إنسان في ذلك الوقت كان فكرة ~~شاذة من الأساس، وقد يرى كثيرون كذلك أنها غير أخلاقية من ناحية المخاطرة بالمريض، ~~واستخدام الحيوان المتبرع بالدم، الذي ربما ينزف حتى الموت خلال تلك العملية. لكن ~~لمعرفة أسباب هذا الخوف لدى دوني في ذلك الوقت، فإننا نحتاج لمعرفة مدى إجلاله لمكانة ~~الدم. # لم يكن دوني - شأنه شأن أغلب من كانوا في منزل مونتمور - واحدا من الدجالين الجهلة ~~أو المشعوذين الذين كانوا يعملون في الشوارع الخلفية القذرة في مدن أوروبا وقراها في ~~القرن السابع عشر. فقد علمته معرفته باللاهوت وحكمة العالم الإغريقي الروماني السحرية ~~أن الدم كان يلعب دورا أساسيا بوصفه وسيطا بين البشر والآلهة؛ فقد كان رمزا تذوب ~~فيه كل معاني الروحانية والخرافة والتعاليم المقدسة والتقاليد الشعبية. لم ms016 يكن أحد ~~ليستخف بالدم. # مع ذلك، لم يكن الدم مجرد رمز، بل كان هو الحياة ذاتها. فقد كان أي طبيب يتعامل مع دم ~~إنسان يملك في يده جوهر حياته. جاء هذا الاستنتاج من ملاحظة واحدة بسيطة؛ اقطع عنق أي ~~حيوان - أو إنسان في تلك الحالة - وراقب ما سيحدث له. فمع اندفاع الدم للخارج تخور قوى ~~الإنسان؛ إذ تنفد منه حيويته وروحه. وما إن تنفد دماؤه تماما، فلن تتبقى أي حياة في ~~جسده. فمن الواضح أن الحياة تخرج من الجسم مع الدم؛ لذا كان الدم يحمل في جزيئاته ~~الحياة. # مثل هذا المنطق جوهر عديد من أول الوقائع المؤرخة التي تعلقت بالدم أو تحدثت عنه ~~منذ القدم. وقد وردت إحدى تلك الوقائع في كتابات تنسب للشاعر الملحمي الإغريقي ~~هوميروس الذي تسرد ملحمته المؤلفة في القرن الثامن قبل الميلاد - الأوديسة - مآسي حرب ~~طروادة. ففي إحدى مراحل الكتاب يجد أوديسيوس - بطل ملحمة هوميروس - نفسه في مأزق، ~~فيستحضر روح الكاهنة تريسياس - عملا بنصيحة أسدتها له ساحرة. ويأمل أوديسيوس أن ~~تتمكن تلك الكاهنة المتنبئة من حل مشكلاته. ففي خطوة جريئة، يدخل أوديسيوس إلى عالم ~~هيدز ويعرض تقديم اللبن والعسل والنبيذ ودم أضحية - هي الحمل. ويكون الدم هو مفتاح ~~النجاح، وبينما تشرب أرواح الموتى هذا الدم الأسود الحار يسترجعون ذكرياتهم عن الحياة ~~على الأرض ويستعيدون أنفاسهم الحية للحظة قصيرة. فقد أعاد الدم الحياة لتريسياس على ~~الأقل مؤقتا. # بينما تميز القرنان السادس عشر والسابع عشر بمرحلة جديدة في الفكر البشري أرادت ~~التشكيك في المفاهيم الأسطورية، لم يزل معظم فلاسفة هذين القرنين يؤمنون بجدية ~~بالتعاليم الإنجيلية. وقد امتلأت النصوص الإنجيلية بتحذيرات من الاستهانة بالدم؛ فيما ~~يحتوي سفر اللاويين على تحريم مشدد لشرب الدماء «لأن حياة كل كائن تكمن في دمه.» وفي ~~رواية سفر التكوين لمقتل هابيل، يواجه الرب أخاه قابيل قائلا: «إن دم أخيك صارخ إلي ~~من الأرض.» لذا عززت دراسة دوني للاهوت إدراكه لضرورة الحذر. # هل كان دوني يفكر جديا في سكب دم حيوان في جسم إنسان؟ نعم ms017 لقد كان يفكر في ذلك ~~مقتنعا أن هذا القربان ربما يتيح الشفاء والتعافي. نظر دوني إلى موروا. وفحص جلده ~~بحثا عن أي علامات لمرض عضوي يمكن أن يجعل من العملية إجراء خطيرا. وانحنى زميله ~~إميري ليشارك في عملية الفحص. لم ينتم أي منهما إلى المدرسة القديمة التي كان أطباؤها ~~يجرون التشخيص عن بعد، بل أراد كلاهما أن يبنيا قراراتهما على أدلة دامغة. وتقدم ~~الحضور أنفسهم باحثين عن أي علامات قد تمكنهم من تشخيص حالة موروا ووضع استراتيجية ~~لعلاجه. وأفصح كثيرون منهم عن استنتاجاتهم بتبجح سافر. وربما يقول المتشائمون إنه من ~~السهل أن تثق بفاعلية علاجك عندما لا توجد أي طريقة لاختباره! # كانت نتيجة الفحص الأولي سارة؛ فقد بدا موروا معافى بدنيا، ولم يكن هناك أي ~~علامة ظاهرة على العلة أو المرض. وبدا أن روحه فقط هي التي كانت تعاني خللا. ومن ~~المؤكد أن خير علاج هو معالجة مكمن الروح، أي معالجة دمه. فعلى كل حال، كان الدم هو ~~الشيء الذي تسكنه شخصية الفرد؛ فقد كان الدم يحوي السبب الذي يحدد شخصيتك. فإن أصيبت ~~شخصيتك بالاضطراب، فليس أفضل من التخلص من بعض الدم وإحلال روح السكينة والنظام ~~محله. # بدت الاحتمالات واقعية جدا، لكن كذلك كانت المخاطر. مرة أخرى كانت المخاطرة كبيرة؛ ~~فهل من المقبول أخلاقيا استخدام علاج يغير طبيعة الشخص؟ إذا كانت شخصية الإنسان ~~وسماته قد وهبه إياها خالقه، فهل لدى أي طبيب سلطة أخلاقية للتدخل وتغيير تلك السمات؟ ~~لقد كان هذا السؤال يطرح كثيرا منذ بدء تطبيق العلم نظرياته على الكائنات الحية، ~~خاصة إذا كان البشر هم هذه الكائنات. بعبارة أكثر تحديدا، هل كانت التجربة المقترحة ~~«تدخلا في خلق الله»؟ # على الأرجح، كان ذلك الجدل يشبه الجدل الحالي حول المعالجة الجينية للنباتات ~~والحيوانات، وكذلك المواجهات المحتدمة التي صاحبت مناقشات إمكانية استنساخ البشر. ففي ~~كل هذه المواقف، يوجد ذلك التخوف من احتمال أن البشرية توظف العلم للسيطرة على جوانب ~~تتجاوز صلاحياتها. وساد بين مجتمع القرن السابع عشر الذي يخشى الرب قلق ms018 مطرد من أن ~~ثمة احتمالية لإرضاخ بعض القواعد القدرية أو كسرها. فمن غير الرب له سلطة تحديد شخصية ~~الفرد؟! # ولم يكن ما سبق ليمر كمسألة ثانوية، بل كان معضلة خطيرة. أليس الرب هو من خلق كل ~~شخص على حاله؟ إذا نجحت نظرية نقل الدم هذه، أفلن تغير طبيعة الشخص؟ ألن تغير ~~الشخص الذي خلقه الله؟ أليس هذا خارجا عن النطاق المسموح العمل به من قبل أي طبيب ~~يتمتع بالأخلاق؟ كان دوني سينتبه جيدا للمنتقدين الذين كانوا يسنون خناجرهم بالفعل. ~~كان الاحتمال الوارد أنه في موقف لن يخرج منه فائزا. فإذا فشل العلاج، فمن الممكن أن ~~يواجه اتهامات بالإهمال الخطير المهدد لحياة إنسان. وإن نجح فسيتهم بالاستيلاء على ~~سلطة الرب. فقد أكلت حواء التفاحة في الجنة وهي على علم بالخير والشر. والآن رأى كثير ~~ممن كانوا في تلك الحجرة كل الإشارات الدالة على أن الشر على وشك أن تكون له اليد ~~العليا. # كان يزعم أن الطب يمكنه علاج الأمراض، لكنه في هذه الحالة سيعالج السلوك المنفلت ~~من خلال تغيير طباعه. فقد كانت هذه محاولة لتغيير طبيعته ذاتها. وما كان سيسبب صدمة ~~أكبر هو أن هؤلاء الأطباء المجربين فكروا أن يفعلوا ذلك بإدخال كميات قليلة من دم عجل ~~في جهازه الدوري. وبعمل ذلك أرادوا أن يدخلوا روح العجل البريئة الطيعة الهادئة ~~والمحبوبة في مجملها في جسد هذا المشرد سيئ السمعة. لكن إذا نجحوا، فهل سيظل إنسانا أم ~~أنه سيصبح هجينا؛ نصف إنسان ونصف عجل؟ # المناقشة المماثلة لذلك في القرن الحادي والعشرين تدور حول نقل الجينات من أحد ~~الأنواع إلى نوع آخر، حيث تطرح سؤالا عن عدد الجينات التي يجب نقلها من خنزير إلى ~~إنسان قبل أن يصبح الإنسان نصف خنزير. أو العكس: كم عدد الجينات التي يجب نقلها من ~~إنسان إلى خنزير قبل منح الخنزير حقوق الإنسان؟ ثمة تشابه كبير بالفعل بين الحالتين؛ ~~نقل الجينات ونقل الدم. ففي القرن السابع عشر، كان دوني وزملاؤه يعتقدون أن الدم مكون ~~أساسي من ماهية الإنسان. ms019 أما العلم الحديث، فيعتبر التناسل عملية خلط للجينات. وفي ضوء ~~هذه الرؤية تصبح الجينات هي المكافئ الحديث للدم. # توازن الأمزجة # كانت تسوية الأمر من الناحية الأخلاقية لضمان درجة عالية نسبيا من الأمان من خطر ~~استنكار رجال الدين إحدى المشكلات التي واجهت دوني. لكن، كان عليه أن يعيد النظر أيضا ~~في طرق العلاج التي تبناها الأطباء وقتها. فقد كان إخراج الدم من الجسم هو ما يتقنونه ~~وليس إدخاله. وكان هذا عصرا ساده فن وحرفة الفصد. ومع أن كثيرا من أعضاء المجتمع ~~العلمي كانوا سيخسرون على الأرجح أسباب رزقهم إن نجحت أفكاره، لم يكن أي شخص على يقين ~~مما إذا كانت نظرية نقل الدم توافق - أو تعارض - نظرية الصحة والمرض والدم ~~القائمة. # لفهم الطبيعة الثورية لفكرة دوني، علينا أن نتوقف للحظة وننظر إلى التصور السائد عن ~~الدم. ففي منتصف القرن السابع عشر، كان الناس لا يزالون متأثرين بالعقلية الفلسفية التي ~~نشأت في بلاد الإغريق. وفي القرن الثالث عشر قبل الميلاد، علم الطبيب الإغريقي ~~أسقليبيوس تلاميذه أن كل الأمراض منبعها المشكلات الروحية، وأن علاجها يكون بالصلاة ~~وتقديم القرابين للآلهة. إلا أنه بحلول القرن السادس قبل الميلاد أخذت أفكار جديدة في ~~الظهور. # أما المفكرون من أمثال فيثاغورس والطبيب ورجل الدولة إمبيدوقليس فكانوا مولعين بالرقم ~~أربعة. فقد كانوا مقتنعين أن هذا الرقم يحوي قوة كبيرة لأن الكون كله كان مبنيا ~~بأجزاء مكونة من أربعة عناصر. وقد تغلغل مفهوم الأقسام رباعية الأجزاء هذا في عمل ~~أفلاطون. فقد اعتقد أن كل المخلوقات تنتمي إلى واحد من أربعة أنواع؛ أولا: هناك الآلهة ~~الأصلية، ثم أبناء الآلهة الذين خلقهم الصانع الأول. وثانيا: هناك رجال ونساء بسطاء ~~العقول لكن غير عدوانيين، وهؤلاء كانوا يتحولون إلى طيور. ثم هناك ضعاف الإدراك ~~العاجزون عن التفكير المعقد ويتحولون إلى حيوانات. رابعا: يتحول أشد الرجال والنساء ~~جهلا إلى سحال وثعابين، أما الأغبياء حقا فكانوا يتحولون إلى أسماك ومحار. لقد ~~استمرت هذه العقلية في الواقع؛ إذ نتحدث عن عصور الإنسان الأربعة، ونقسم السنة إلى ~~أربعة ms020 فصول، ونقسم الساعة إلى أرباع. # وافترض هؤلاء الفلاسفة الإغريق أنه بما أن البشر جزء من الكون أو العالم فإن جسم ~~الإنسان (العالم الصغير) يجب أن يعمل مثل كل ما سواه (العالم الكبير). ومن ثم شعروا أن ~~أي تفسير لكيفية عمل الجسم السليم يجب أن ينبني على نظام مادي مكون من أربعة أجزاء، وأن ~~مناقشة أي مرض يجب أن تضع في اعتبارها فهم المواد الأولية الأربعة؛ التراب والهواء ~~والنار والماء. # ورأى الفلاسفة من أمثال فيثاغورس وإمبيدوقليس أن هذه العناصر تمثل خصائص الحرارة ~~والبرودة والرطوبة والجفاف. فالأرض مثلا تكونت بخلط البرودة والجفاف، والنار ~~خليط من الحرارة والجفاف. علاوة على ذلك، فقد رأوا أن طبع الإنسان وذكاءه وإدراكه ~~الحقيقة كان يخضع لنسب التراب والهواء والماء والنار في جسمه. وعليه فقد كان هناك تصور ~~عن الصحة وممارسة الطب يقوم على فكرة معالجة اختلال التوازن المحسوس في تركيب ~~الإنسان. # وفي القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، دمج أبقراط وأتباعه من الأطباء الأبقراطيين ~~فكرة العناصر الأربعة الأساسية مع فكرة أخرى شائعة؛ وهي الأمزجة أو الأخلاط. فعندما ~~يؤكل الطعام فهناك عناصر فيه لا يمكن هضمها ولا يستفيد الجسم منها. وإذا لم يتم التخلص ~~من هذه «الأخلاط» فستتراكم وتسبب المرض. اعتقد الأبقراطيون في البداية بوجود خليطين؛ ~~العصارة والبلغم. ثم قسمت العصارة إلى نوعين: الصفراء والسوداء؛ لتصبح الأخلاط ثلاثة. ~~إلا أن الأخلاط إن وجدت فيجب أن تكون أربعة. وبعد كثير من التأمل والحيرة، قرر الأطباء ~~إضافة الدم إلى القائمة. وكان الدم مختلفا عن الأخلاط الثلاثة الأصلية في أنه - على ~~عكس العصارة السوداء والصفراء والبلغم - كان له تأثير إيجابي على الجسم. أما عن مصادر ~~كل منها داخل الجسم، فالبلغم كان مصدره الدماغ، بينما ينبع الدم من القلب، أما العصارة ~~السوداء فينتجها الكبد، والعصارة الصفراء ينتجها الطحال. # وهكذا بدأ الدم يلعب دورا أساسيا، ليس لأنه أحد الأخلاط الأربعة فحسب، بل لأنه ~~نسبت إليه أيضا مهمة الحفاظ على التوازن الحيوي للجسم؛ أي الحفاظ على الكميات ~~المناسبة من الهواء والماء والتراب والنار. وكان الدم ms021 يقوم بوظيفته عن طريق اتصاله ~~بالمسام التي اعتقد أنها موجودة على السطح الخارجي للجسم. فكانت هذه المسام تتيح ~~للعناصر الأربعة أن تنتقل من الدم وإليه، ثم يتحرك الدم بدوره داخل الأنسجة والأعضاء في ~~مركز الجسم ليعيد التوازن إلى أي منطقة تعاني من الخلل في ذلك الوقت. والأهم أن الدم ~~كان يضمن استمرار التوازن في محيط القلب؛ مركز تفكير الإنسان. # لقد كان الدم هو النسيج المثالي في الجسم. فقد كان حارا، وهو ما يعني أنه مفعم ~~بالحياة وأنه يلعب دورا في جميع جوانبها بداية من التنفس وحتى التغذية، ومن الهضم حتى ~~التفكير. وعرفت هذه الفكرة بالنظرة الدموية (المتمحورة حول الدم) للحياة. واتسق ذلك ~~تماما مع فكرة أرسطو أن العواطف كان مكمنها الدم، فقد كان الجبن - على سبيل المثال - ~~ناتجا عن فقر الدم، كما كانت برودة الدم أيضا مدعاة للقلق. # جرى المزيد من التنقيح لهذا المفهوم على يد بوليبوس - زوج ابنة أبقراط - الذي وضع في ~~كتابه «طبيعة الإنسان» نظاما من أربعة أجزاء شكل جوهر ممارسة الطب حتى القرن السابع ~~عشر وما تلاه. وقد لخص بوليبوس أفكاره في جدول بسيط : # الخليط # الفصل # الخصائص # الدم # الربيع # الحرارة والرطوبة # العصارة الصفراء # الصيف # الحرارة والجفاف # العصارة السوداء # الخريف # البرودة والجفاف # البلغم # الشتاء # البرودة والرطوبة # وكما تعلم زملاء دوني خلال دراستهم الطب، كان الجدول يمثل منهجية منظمة لعلاج ~~الأمراض. فإذا كان الشخص يعاني البرودة أو نقص الرطوبة فعليه أن يشرب النبيذ حيث كان ~~يعتقد أنه يساعد الإنسان على الشعور بالدفء، وهي الخاصية التي كانت تنبع من زيادة كمية ~~الدم. كما تضمن هذا المنهج الطبي «إخراج» الدم. فبينما يمكن التخلص من الدم في بعض ~~الحالات كوسيلة لتقليل حرارة الشخص المصاب بالحمى، اعتبر التخلص من الدم مفيدا لأنه ~~كان يتيح الفرصة للتخلص من الأخلاط الضارة التي تختلط بالدم. وكان أبقراط وأتباعه ~~مقتنعين بأن دم الحيض ونزيف الأنف وسيلة الجسم الطبيعية لاستعادة التوازن والحفاظ على ~~الصحة؛ لذا كان إخراج الدم - وليس إدخاله - وسيلة جوهرية لاستعادة التوازن في حالات ~~شديدة التفاوت. ms022 # سائل مرتبط بالحياة # كذلك، كان معظم فلاسفة القرن السابع عشر يعتقدون أن الدم مصدر حياة جديدة. وكان أرسطو ~~قد ابتكر فكرة أن الحياة الجديدة تبدأ عندما يلتقي الدم المنقى للرجل والمرأة؛ أي المني ~~والحيض. ولم يكن لدى دوني وزملائه أي دليل يدفعهم للتشكك في ذلك؛ فقد كانوا على بعد ~~بضعة عقود قبل أن يستخدم تاجر الأقمشة الهولندي أنطوني فان ليفنهوك مجموعته من المجاهر ~~المتطورة ويكتشف الأمشاج الذكرية في عينات المني. فكان أصدقاء دوني يعتبرون أن العبث ~~بالدم عبث بالمادة الحاملة للحياة ذاتها. # وزاد التأكيد على الرابط بين الدم والحياة بسبب التغير الجوهري الأخير في منظومة ~~المعتقدات التي ترسخت قبل القرن السابع عشر. وكان ذلك في القرن الثاني الميلادي على يد ~~الفيلسوف وأخصائي التشريح الإغريقي كلوديوس جالينوس - الذي درس الطب بمدينة برجاموم ~~التي تقع حاليا في المنطقة التي تعرف بغربي تركيا. وكان جالينوس كبير الأطباء ~~المعالجين للمصارعين في برجاموم، كما كان كاتبا غزير الإنتاج. فقد ألف نحو 500 كتاب ~~ورسالة في جميع مناحي الطب والفلسفة على مدار حياته المهنية. وكانت آراؤه تتسق تماما ~~مع معتقدات المسيحيين الأوائل، وأصبحت جزءا أصيلا من الأنماط الفكرية للثقافات التي ~~تسودها المسيحية طوال 1500 عام تالية. ووصل الأمر لدرجة أن من يشكك فيها كان يواجه أزمة ~~كبيرة؛ فقد كان ذلك يعد تشكيكا فعليا في الكنيسة. # انتقل جالينوس إلى روما بصفته طبيبا وصديقا للإمبراطور ماركوس أوريليوس. وكان عمله ~~مع المصارعين قد أتاح له كثرة التعامل مع الأجسام المصابة، كما أتاح له تطبيب المصارعين ~~ذوي الإصابات القاتلة في الكولوسيوم مشاهدة الدم مباشرة. وكان ذلك أمرا غير مألوف، ~~حيث إنه كان يرى رجالا أصحاء أصيبوا لتوهم، وليس أشخاصا يمرون بمراحل مختلفة من ~~المرض، ولا مصابي المعارك الذين قد يصلون إلى الطبيب بعد ساعات أو أيام من الإصابة. ~~ومن تلك المشاهدات توصل جالينوس لاستنتاج هام؛ إذ قال إن الدم نوعان: دم أميل إلى ~~الزرقة يسيل ببطء من الطرف المقطوع للأوعية الحاملة له، ودم شديد الحمرة يتفجر من ~~أوعيته. # ساعدت نظرية ms023 نوعي الدم هذه جالينوس على تكوين فكرة أكثر تعقيدا من الفكرة السائدة ~~حتى ذلك الحين. فقد استنتج أن الدم يتكون في الكبد. فعلى كل حال، كانت قطع الكبد تبدو ~~كالدم المتجلط، وعند هرسها ينساب منها سائل يشبه الدم. وكان هذا الدم يتكون مباشرة ~~من العناصر الناتجة من هضم الطعام، وبذلك كان الدم هو الوسيلة التي يجري بها توزيع ~~العناصر الغذائية عبر الجسم ونقلها في الأوردة. # أما الشرايين، على الناحية الأخرى، فكانت تنقل نوعا من الدم بعد تنقيته في القلب ~~الذي يشبه الفرن. ويحمل هذا الدم مادة جديدة، ليس لها وزن لكنها في غاية الأهمية هي ~~«العناصر الجوهرية الحيوية». مع ذلك لم تزل هناك إشكالية أخرى في هذه النظرية؛ وهي أن ~~بعض الدم الذي يحمل الروح كان يضخ إلى الدماغ. وهناك ينقى الدم ويتحول إلى ~~«العناصر الجوهرية الحيوانية»، التي تمكن من التفكير وتتوزع على الجسم عبر الأعصاب. ~~ولم تكن قيمة الدم النفيسة إلا لتزيد قلق معاصري دوني تجاه أي إجراءات طبية تشمل الدم ~~بأي حال. فبالتعامل مع الدم كان دوني يتعامل مع الحياة ذاتها. # نحو اتخاذ القرار # لم يكن نقل الدم في رأي دوني إلا مسلكا مختلفا لاستعادة التوازن الصحيح بين الأمزجة ~~أو الأخلاط. كما كان يتيح على حد علمه ميزة استعادة التوازن مع الحفاظ على كمية طبيعية ~~من الدم. وكانت خطته تقوم على التخلص من بعض الدم غير المتوازن من الشخص المريض؛ وإحلال ~~دم متوازن من حيوان سليم محله. وكان هذا يعني أن المريض لن يحرم من العناصر المغذية ~~في الدم، وسيتبقى له قدر كاف من الدم يمكن للقلب أن يدمغه بالخلاصات الحيوية ~~والحيوانية للشخص. # لقد كان من الواضح أن موروا لم يكن في حالة مزاجية جيدة. بدأت المجموعات الصغيرة من ~~الأطباء في المكتبة في الحث على فحص المريض، لكنهم كانوا يشعرون بالإحباط بوجه عام بسبب ~~نقص المعلومات. فلم يكن هناك أي مؤشر على أن الرجل كان باردا فسيولوجيا، وهو ما كان ~~يدل على زيادة نسبة البلغم، إلا أنهم لم ms024 يتوقعوا حدوث ذلك، عند شخص مجنون. من ناحية ~~أخرى، كان الحصول على عينة براز سيفيد. كان حدوث الإسهال علامة قوية على زيادة الصفراء، ~~وزيادة الصفراء - كما كان جميعهم يعلمون - ترفع درجة حرارة الدماغ، مسببة جميع صور ~~اختلال العقل. من الناحية الأخرى، كان وجود كتل سوداء في البراز الصلب يحتمل أن يدل ~~على زيادة العصارة السوداء. وكان المنتسبون لكلية الأطباء على يقين مما سيفعلون؛ كانوا ~~سيفصدون دماءه. من المؤكد أنه خضع للفصد من قبل، إلا أن الإجراء لم يكن بالشدة الكافية، ~~أو أن الدم لم يؤخذ من المكان الصحيح. على كل حال، هل كان هناك أي مؤشر على أن دماء ~~الرجل قد فصدت حتى فقد الوعي؟ من المحتمل جدا أن العديد من الأطباء كانوا في ذلك ~~الوقت، يداعبون بأصابعهم أقفال الصناديق الجميلة التي تحتوي مجموعات من أدوات الفصد ~~الحادة. # كانت هذه هي النظرة السائدة آنذاك في المجتمع الطبي في باريس، وكانت تهيمن على معظم ~~النقاش مع دخول الساعات الأولى من الصباح. كان دوني على وعي كامل بأن فكرته عن نقل الدم ~~لمريض، وأخذ الدم من حيوان وضخه في آخر، تمثل هزة للنظام الراسخ حينها. لكنه قال إنه ~~برغم كونها طريقة غير معهودة، كان من الممكن اعتبارها وسيلة لاستعادة توازن الشخص؛ إذ ~~تؤدي ذلك على نحو أكثر فعالية من الفصد وحده. كما أنها إن نجحت فستصير تلك الطريقة ~~علاجا عاما؛ فإن تعلمتها فربما يمكنك علاج أي مرض تقريبا. وفي ظل تلك المكافأة ~~المنتظرة، من يسعه أن يقف أمام من يحاول نقل الدم؟! # وبينما كان دوني وإميري ينظران إلى مريضهما المحتمل، كانا يقيمان فرضية أن يكون ~~مسار دمه بحاجة إلى تعديل. ولربما كانا يتساءلان في نفسيهما عما إذا كان جنون موروا ~~وعنفه سيهدآن بحقنه بجوهر ألطف كلية. وكانا يتساءلان عما إذا كانت تلك هي فرصتهما ~~لإبهار المتشككين وكتابة وتخليد اسميهما. # ما من سبيل إلى معرفة ما إذا كان قرار دوني سيختلف لو علم بتسلسل الأحداث التي كانت ~~ستؤدي إلى وفاة مريضه. لكن من ms025 المرجح أنه كان يراوده الشك في أن تلك الخطوة ستثير ذعرا ~~نابعا من الغيرة في أرجاء إنجلترا. لم يتردد أي رائد في مجاله أمام التحدي، وكان ~~بمقدور دوني في ذلك الحين أن يرى اسمه متصدرا عناوين الصحف الرئيسية؛ المجد قبل سن ~~الثلاثين؛ لقد كان ذلك صعودا صاروخيا نحو الشهرة لا يليق إلا بعبقري. # الفصل الثاني # | استكمال عمل هارفي # كان القرن السابع عشر الميلادي مثيرا ومحبطا في آن واحد. لقد أخذ دوني الحماس في ~~التشكيك فيما لم يخضع للشك من قبل؛ فقد كانت الثورة الفكرية هي سمة العصر. ومع ذلك، لم ~~يعرقله سوى حقيقة أن الطرق المعروفة لفعل ذلك كانت لم تزل في بداية ظهورها. # كانت القضية الرئيسية هي التقدم، وكان السؤال هو عن كيفية كسر الأغلال التي قيدت العقول ~~المستقصية في أنماط الفكر الأرسطي، حيث الأفكار والجدليات أهم من الملاحظات المادية. وقد ~~كان عصر النهضة هو الخطوة الأولى نحو هذا التقدم، لكنه إن كان قد قدم شيئا، فإنه لم يقدم ~~سوى مزيد من الاحترام للفكر القديم؛ فقد أعاد الناس بعث الفلسفة اليونانية، ووهبوها حياة ~~جديدة، وسمحوا لها بأن تلهم مرحلة فكرية جديدة. لكن هذا الفكر الجديد لم يزل قائما ~~على التنظير لا القياس العملي. ومن ثم لم يكن يوجد حيز كبير لتحصيل المعرفة القائمة على ~~التجربة. # والأسوأ من ذلك أنه كان هناك اعتقاد متزايد بأن الاستنتاجات القديمة كانت - في أحيان ~~كثيرة - خاطئة. فعندما كان الناس يجرون التجارب ويعتمدون على القياس ثم يحاولون فهم ~~النتائج، كانوا يكتشفون هم أيضا أن النظريات القديمة لم تكن سليمة. بينما رفض أنصار الفكر ~~الأرسطي هذا المذهب على أساس أن أي انحراف عن التعاليم القديمة سيؤدي إلى فهم خاطئ ~~بالتأكيد. أما من تمتعوا بالشجاعة الكافية لتجاوز قيود الفكر القديم، فرأوا ذلك دليلا على ~~ضرورة النظر للحياة بمنظور مختلف. # لذا كان القرن السابع عشر شاهدا على بزوغ فجر حرية جديدة، وأخذ «الفضوليون» - كما كان ~~ذلك الجيل من المفكرين يسمون أنفسهم - يحررون أنفسهم بحرص. ولم تكن المسألة تتمثل ms026 في التخلي ~~عن كل المعرفة القديمة تماما، بل كانت إصرارا على اختبار كل فكرة بالتجربة العملية. وزعم ~~الفضوليون أنهم يرحبون بالأفكار - قديمها وجديدها - لكن عندما تبنى على شواهد تجريبية لكل ~~نظرية. # لقد كانت روح الاستكشاف تلك إذن هي ما مهد الطريق لعمل دوني. فإن كانت النظريات الإغريقية ~~واللاهوت الإنجيلي هما المصادر الوحيدة للمعلومات، لم يكن من المرجح أن يعيد دوني النظر في ~~فكرة نقل الدم. وباستثناء بعض الأحداث الوهمية أو الأسطورية أو التاريخية، لم يكن لدى دوني ~~أي دافع للاعتقاد بأن محاولة نقل الدم لم تكن شيئا خطيرا وربما غير أخلاقي. لكن دوني كان ~~على اطلاع كذلك بعمل ويليام هارفي. ففي عام 1624، نشر هارفي - الطبيب والجراح الإنجليزي - ~~فكرة جديدة صادمة؛ إذ يستبعد كتابه «حركة القلب» - المكتوب باللاتينية - مفهوم جالينوس ~~لسريان الدم الذي استمر الاعتقاد فيه لقرون. لم يكن هارفي يرفض فكرة تحول الطعام إلى كيلوس ~~في المعدة، وأن هذا الكيلوس يتحول إلى دم عندما ينقل إلى الكبد؛ لكن اختلافه كان حول ما ~~يعقب ذلك. فقد قال جالينوس إن الدم يذهب بعدها إلى القلب حيث ينتقل بعض الدم من البطين ~~الأيمن إلى الرئتين بينما ينتقل الباقي عبر المسام الموجودة في الجدار الفاصل بين البطينين ~~إلى البطين الأيسر، ومنه ينتقل الدم إلى أجزاء الجسم التي في حاجة إليه ويستهلك. لكن ~~هارفي أوضح أن الدم يسرى عبر الجسم في دورة مستمرة. # مع ذلك، لم يكن هارفي يعلم السبب وراء دوران الدم باستمرار، وربما كان ينظر إلى الحجج ~~التي استخدمها لاستنباط ما توصل إليه على أنها غير دقيقة بل تكاد تكون مثيرة للضحك. لكن ~~حين قرأ دوني كتاب هارفي أدرك - شأن كثيرين غيره - أن الكتاب فتح الباب أمام طرق جديدة ~~لتعامل الأطباء مع الدم، وكان نقل الدم من بين هذه الطرق. # ولم يكن بيان أن الدم يجري في دورة إلا أحد سببين لأهمية كتاب هارفي. فقد كان السبب ~~الثاني هو أن هارفي أظهر في أثناء وضعه نظريته مدى التزامه بالتراث الإغريقي، لكنه في الوقت ms027 ~~ذاته سبر أغوارا جديدة لما أصبح فيما بعد يعرف بالعلم الحديث. ويستمر الخلاف في القرن ~~الحادي والعشرين حول ما إذا كان من القدماء أم من المحدثين. # ولد هارفي في الأول من شهر أبريل من عام 1578 في فولكستون بكنت، وكان الأكبر بين سبعة ~~أطفال. كان قصير القامة، ذا بشرة زيتونية اللون ووجه مستدير، وكان - بحسب جميع الروايات - ~~سريع الغضب. وكانت عيناه سوداوين صغيرتين، وهو ما جعله قصير النظر لحد ملحوظ؛ وكان اللون ~~الأبيض قد أخذ يزحف على شعره الطويل ذي اللون الأسود الداكن في شبابه؛ حتى إنه بلغ عامه ~~الستين وقد خلا رأسه من أي خصلات سوداء. ولأنه ولد لمزارع يملك أرضا يقوم على فلاحتها ~~بنفسه، فقد كان ميسور الحال لكنه لم يكن ثريا. ولأنه كان متقد الذهن، أرسلته أسرته ليدرس ~~الطب في كلية كيوس بكامبريدج. وفي إطار اتباع المسار الوظيفي النموذجي، راح يعمل لما يقارب ~~ثلاث سنوات بجامعة بادوفا في إيطاليا - وهي إحدى قلاع الطب في العالم. وكانت هذه التجربة ~~المختلطة ستمنحه معرفة استثنائية بتصور جالينوس عن الجسم، لكنها أتاحت له كذلك الاحتكاك ~~بهؤلاء الذين أخذوا يشككون في الاستنتاجات القديمة. # وفي بادوفا، تعرف هارفي طبيب عصر النهضة أندرياس فيزاليوس أحد أول من شككوا فيما لا ~~يقبل الشك. درس فيزاليوس - بلجيكي الأصل - الطب في باريس، حيث بدأ في إجراء تشريح الجثث ~~بعناية. ويقال إن أهم ما فعله كان نزوله عن كرسي التدريس والعمل بيديه؛ فحين بدأ دراساته ~~كان المحاضرون يميلون للجلوس عن بعد يقرءون التعليمات من كتاب دراسي، ويلوحون بعصا ~~طويلة في الاتجاه العام الذي توجد فيه الخصائص موضع الاهتمام في الجسم، بينما يجري من هم ~~أقل شأنا عملية التشريح الكريهة. ففي عصر كانت المظاهر فيه هي كل شيء، قليلون من ذوي ~~العلم والوقار كانوا على استعداد لتلويث أيديهم، أو الاقتراب من جثة متعفنة تفوح منها ~~الروائح الكريهة. علاوة على ذلك، كان لا يزال هناك ذلك الإرث الفكري الإغريقي الذي يرى أن ~~أهل الفكر لا ينبغي لهم أن يقوموا بالعمل ms028 اليدوي، الذي كان ينبغي أن يترك للطبقة الأدنى ~~من الفنيين والعمال. # وكان تعثره هذا هو السبب ذاته الذي أتاح له فرصة إلقاء نظرة جديدة أكثر تدقيقا على ~~الأفكار القديمة. وحاول قدر جهده أن يجد أي مسام في حجرات القلب، لكن كل محاولاته باءت ~~بالفشل. ولاحظ الأخاديد التي تحدث عنها جالينوس في الجدار الفاصل بين شقي القلب، لكنه ~~لم يتمكن من إنفاذ الدم - أو أي سائل آخر - من ناحية إلى أخرى. وقال: # لم أكن لأجرؤ على أن أحيد قيد أنملة عن رأي جالينوس حتى وقت قريب. لكن الجدار ~~الحاجز سميك ومكتنز وقوي كسائر القلب؛ لذا فإني لا أرى كيف يمكن حتى لأصغر جسيم أن ~~ينفذ عبره من البطين الأيمن إلى الأيسر. # 1 # هنالك ظهرت مشكلة؛ إذا لم يكن لتلك المسام وجود، فستنهار نظرية جالينوس. ~~ولتفادي ذلك، أخذ معظم الأطباء يفترضون أن الدم يمكنه أن يذوب عبر هذا الجدار الصلب، رغم أن ~~التجارب أظهرت عكس ذلك عندما كان أحد شقي القلب ممتلئا بالدم وتعرض للضغط. ومن ثم، ~~اعتقد فيزاليوس ضرورة وجود حل آخر للمشكلة، لكنه توفي قبل 60 عاما من حلها. لكنه ألف ~~بالتعاون مع مساعده جوهان ستيفان فون كالكار كتاب «تركيب جسم الإنسان»، وهو كتاب مليء ~~بالرسوم المعقدة التي تبين الأوعية الدموية في الجسم بالتفصيل - وقد مثل جزءا مهما من ~~تعليم هارفي. # ورغم أن هذا بدأ ينخر في أسس معتقدات جالينوس، ظلت توجد أسئلة كثيرة بلا إجابة. فكل ~~الأدلة مثلا أشارت إلى أنه يوجد نوعان من الدم؛ إذ كان الدم الأزرق الداكن يجري في الأوعية ~~ذات الجدر الرقيقة - الأوردة - بينما يجري الدم الأحمر القاني في الشرايين ذات الجدر ~~السميكة. ونحن نعرف الآن أن جدر الشرايين السميكة تتيح لها نقل الضغط الانقباضي عبر الجسم، ~~لكن هذا مبني على معرفتنا بعمل القلب باعتباره مضخة. لكن جالينوس ظن أن المرحلة النشطة من ~~عمل القلب كانت عند انبساطه؛ إذ اعتقد أن هذا الانبساط كان يعمل على سحب الدم إلى القلب. ثم ~~يسحب باقي الجسم بدوره ms029 الدم إليه لإشباع احتياجات الأعضاء المختلفة. ويشبه هذا المفهوم رؤية ~~الحبر يتسرب عبر منديل جاف، حيث تمتص الأجزاء الجافة الحبر. # من السهل القول إن قطع أي وعاء دموي ومشاهدة الدم ينساب أو يندفع إلى الخارج دليل كاف ~~على أن الدم يجري داخل الجسم. لكن، بينما لم يكن ثمة اختلاف بين فلاسفة عصر النهضة وكل من ~~سبقوهم من المفكرين حول انسياب الدم إلى الخارج، كانت مدرسة عصر النهضة ترى أن ذلك دليل على ~~أن الجهاز الدوري ممتلئ، ومن ثم فإنه مضغوط. فانسياب الدم خارج الجسم في حد ذاته لم يكن ~~دليلا على أن الدم يجري في دورة داخل الجسم؛ فعلى كل حال يمكن تحقيق نتيجة مشابهة عند ~~إحداث ثقب في جدار أنبوب ينقل الماء من مكان لآخر. # وربما لفتت المحاضرات والمناقشات التي كانت تدور حول موائد العشاء انتباه هارفي إلى شخص ~~آخر أيضا هو ميجيل سيرفيت، رغم أن القليلين الذين عرفوه كانوا يخفضون أصواتهم بعض الشيء ~~عند نطق اسمه. كان ذلك الطبيب الإسباني قد وصف تشريح القلب وأشار إلى الأوعية الدموية ~~الأربعة التي تخرج منه. كما أصاب في إشارته إلى أن عضلات القلب ترتخي مع امتلائه بالدم ~~وتنقبض مع خروجه منه. وكان هذا وحده اكتشافا ثوريا. # كما أجرى سيرفيت تجارب أولية لقياس تدفق الدم وتوصل إلى استنتاج آخر هو أن كمية الدم التي ~~تجري في الرئتين كانت أكبر بكثير مما تحتاجانه لتشبعان حاجتهما الغذائية. والأدهى أنه اعتقد ~~أن الدم يعود مرة أخرى من الرئتين للقلب، لكن في حين أنه دون ذلك في صورة رسم توضيحي في ~~نص لاهوتي، ليس هناك دليل على أنه أدرك دلالة اكتشافاته. # شكل 2-1: غلاف كتاب «تركيب الجسم البشري» (أندرياس فيزاليوس). نسخت بتصريح من قسم ~~المقتنيات الخاصة بمكتبة لين الطبية، جامعة ستانفورد. # ولسوء حظ سيرفيت، انجر إلى جدال مع عالم اللاهوت الفرنسي المتشدد جون كالفن حول طبيعة ~~الإله. لقد كان تحدي التعاليم المسيحية خطيرا، هكذا أعلن سيرفيت مهرطقا في كل من فرنسا ~~وإسبانيا وجنيف. وعندما حاول سيرفيت ms030 أن يثني كالفن عن اعتقاده أن المسيح ابن الرب، كان ~~بذلك قد وقع شهادة وفاته فعليا. ولم ينقذه الاختباء وراء اسم مستعار هو ميشيل فيلينوف؛ ~~إذ قرر أن يخاطب كالفن شخصيا وهو في طريقه من باريس إلى روما. وكان كالفن في ذلك الوقت ~~يسكن في جنيف، ولما كانت نواياه أبعد ما يكون عن مناقشة أي قضايا، فقد رتب للقبض على سيرفيت ~~فور وصوله. وكانت محاكمته سريعة حيث بلغت نيران حرقه على الخازوق عنان السماء. وكانت تلك ~~تذكرة - إن كانت توجد حاجة لذلك - بأن الأفكار يمكن أن توقع صاحبها في المشكلات. # وكان هارفي سيطلع على أعمال الجراح الإيطالي ماتيو ريالدو كولومبو - أحد معاصري ~~فيزاليوس - بعد أن خلفه في منصب أستاذ للجراحة في بادوفا عام 1554. وكان السبب الأول ~~وراء شهرة كولومبو هو اكتشافه أن الدم يمر خلال الرئتين ودون ذلك في كتاب دراسي ~~للتشريح. وورد في الكتاب أيضا أن القلب يعمل عمل المضخة، حيث يدفع الدم إلى الشرايين ~~الكبيرة. لقد كانت الفكرة صحيحة بالأساس، إلا أنها كانت شديدة الجموح والثورية لدرجة أن ~~قليلين هم من أخذوها على محمل الجد. على أي حال، كان كولومبو أستاذا في الجراحة ولم يكن ~~لدى الأطباء «الحقيقيين» وقت لمثل هؤلاء الفنيين وأعمالهم الخام. لقد كان كتاب كولومبو ~~مشهورا، لكنه كان يفتقر إلى الدليل الواضح الذي يدعم ما توصل إليه، ولم يستطع الاستفادة من ~~الأساليب العلمية التي ظهرت حديثا للدفاع عن حجته. ويثير هذا سؤالا: كم من مرة لا يلقى ~~المرء تقديرا لأن أفكاره تسبق عصره! # وعندما عاد هارفي إلى إنجلترا، في صيف عام 1602، استقر في لندن، وسرعان ما أصبح جزءا من منظومة الدولة. فقد ~~كان طبيب الملكة يبحث عن زوج لابنته إليزابيث براون؛ وكان هارفي خيارا مثاليا. كان الوضع ~~بالمجمل مفيدا لهارفي؛ إذ جاءته زوجته وبسبيل الوصول إلى الملك. وعليه لم يضطر هارفي أن ~~يجتهد كثيرا في عمله بالطب من أجل توفير نفقات المعيشة، وكان لديه وقت كبير للبحث العلمي. ~~وقد أدت علاقته القريبة التي توطدت بمرور ms031 الوقت مع الملك جيمس الأول ملك إنجلترا، ثم مع ~~الملك تشارلز الأول إلى قضائه جزءا كبيرا من حياته في الترحال بصفته دبلوماسيا. إلا أن ~~الملاحظة والاكتشاف كانا على رأس أولوياته. وفي إحدى رحلاته برفقة توماس هاورد - إيرل ~~أروندل - لمقابلة الإمبراطور فيرديناند الثاني حاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة - ~~نمساوي المولد - شكا من نقص مظاهر الحياة البرية التي يمكن دراستها، قائلا: # بالمناسبة نادرا ما نرى كلبا أو غرابا أو حدأة أو غدافا أو أي طائر أو أي ~~شيء يمكن تشريحه، ليس إلا بعض البشر البؤساء الذين تبقوا من الحرب والطاعون ~~والذين قد حللتهم المجاعة قبل أن آتي. # سافر هارفي مع الملك تشارلز في حملات عسكرية ضد الاسكتلنديين في أعوام 1639 ~~و1640 و1641، وعندما نشبت الحرب الأهلية لم يكن يترك جناب الملك إلا نادرا. ويروي التاريخ ~~أن هارفي حضر معركة إيدج هيل في أكتوبر عام 1642، وهي المعركة التي أذنت ببداية الأعمال ~~العدائية. وحتى مع تردد صدى طبول الحرب في أذنيه، لم يترك هارفي كتبه بسهولة، فبعد بداية ~~المعارك بوقت قصير اصطحب هارفي أمير ويلز البالغ من العمر 12 عاما ودوق يورك البالغ من ~~العمر 10 أعوام تحت شجيرة صغيرة قريبة، وأخرج من جيبه كتابا وراح يقرأ. لكن جون أوبري أحد ~~النمامين في القرن السابع عشر يقول إنه لم يمر وقت طويل قبل أن تنفجر قذيفة مدفع كبير على ~~الأرض بالقرب منه وهو ما دفعه إلى إيجاد مكان آخر. # 2 # وبعد المعركة غير الحاسمة، رافق هارفي الملك إلى قاعدته في أكسفورد رغم أن بيته وزوجته ~~كانا في كومب في سري. ومع ذلك - بحسب ما روى أوبري - لم يكن على وشك أن يحرم من الصحبة: # أذكر أنه احتفظ بخادمة صغيرة جميلة لترعاه - وأظن أنه كان يحتاجها من أجل ~~الائتناس كما كان يفعل الملك ديفيد - وأنه رعاها هي وخادمه باسم الملك. # 3 # لذا كانت تلك الظروف المتداخلة والتطورات السياسية المحلية هي ما جعل من أكسفورد مقرا ~~لكثير من جهود هارفي العلمية. كما كانت صداقته الوطيدة مع الملك ms032 هي التي أتت بالعائلة ~~المالكة إلى مركز البحث العلمي في إنجلترا، حيث كان تشارلز يحضر العروض التي يقدمها هارفي. ~~وأتاحت تلك الصداقة لهارفي كذلك الوصول إلى قطيع الأيل المملوك للملك، وهو ما ساعد على تقدم ~~عمله في السنوات التالية. # وبعد سنوات من التعليم النظامي، اقتنع هارفي بأن الجسم يعمل بناء على المبادئ نفسها التي ~~يعمل على أساسها باقي الكون؛ فالجسم عالم مصغر. فكما أن الشمس مركز المجموعة الشمسية ومصدر ~~الحياة للعالم، اعتقد هارفي أن القلب مركز الجسم وأنه مصدر الحياة فيه. وفي الملاحظات ~~الافتتاحية لكتاب «تمارين تشريحية على حركة القلب والدم في الحيوانات» (المشهور ب «حركة ~~القلب») وهو الكتاب الذي ألفه هارفي في النهاية ليفصل عمله زاد على تلك الفكرة؛ إذ لم ~~يكتف بتشبيه القلب بالشمس بل شبهه بولي نعمته الملك تشارلز الأول. وقد ورد في افتتاح أشهر ~~كتب هارفي ما يلي: # هو أبرز الملوك! إن قلب الحيوان هو أساس حياته وأهم أعضائه وهو شمس عالمه الصغير؛ ~~فعلى القلب يعتمد كل نشاطه، ومن القلب تنبع كل حياته وقوته. تماما مثلما أن الملك ~~هو مركز مملكته وشمس عالمه ومنه تنبع كل القوة وكل الشرف. # لكن كان السؤال: كيف كان القلب يضطلع بوظيفته؟ تجسدت أحد المصاعب التي واجهت هارفي ~~ومعاصريه في كيفية دراسة القلب. تمثلت إحدى المنهجيات في تشريح الحيوانات الميتة، لكنهم ~~حينئذ لا ينظرون إلا إلى قلب ساكن، فكان من الصعب بالتبعية تحديد وظيفته. أما البديل، ~~فكان شقهم صدور الحيوانات الحية، لكن علماء التشريح الرواد هؤلاء وجدوا أن القلوب كانت ~~تنبض بسرعة كبيرة لدرجة أعجزتهم عن تمييز حركاتها المنفردة. وشبه هارفي الموقف بمحاولة فهم ~~عمل البندقية؛ إذ تبدأ سلسلة الحركة بالضغط على الزناد، وتنتهي بخروج الطلقة من ماسورة ~~البندقية. لكن تسلسل الأحداث الفرعية التي تربط بين الحدثين الأساسيين يتم بسرعة كبيرة تجعل ~~تتبعه شبه مستحيل. فكان الأمل الوحيد هو إبطاء تلك العملية. # وفي سبيل تحقيق ذلك، ركز هارفي مشاهداته على قلوب الحيوانات المحتضرة - حيث ينبض القلب ~~ببطء شديد نتيجة لذلك، أو ms033 على قلوب الثعابين التي تكون معدل نبض قلوبها منخفضا دائما. ~~عندها استطاع أن يرى أن النبض في الشرايين يتبع انقباض القلب مباشرة. وصار متأكدا من أن ~~ذلك النبض كان ناتجا عن مرور الدم في الأوعية. # وبالملاحظة الدقيقة، وجد هارفي أن الدم يدخل إلى الشق الأيمن من القلب من الوريد الأجوف، ~~وهو الوريد الذي يجمع الدم من أعضاء الجسم بما فيها الكبد. وعندما ينقبض القلب فإنه يدفع ~~الدم إلى الرئتين. ثم يعود الدم إلى الشق الأيسر من القلب ومن هناك يضخ عبر الشريان ~~الأورطى إلى الشرايين في سائر أنحاء الجسم. # مرة أخرى تترك دراسة هارفي للفلسفة اليونانية القديمة بصمتها. فقد استنتج أرسطو أن هناك ~~كمية كبيرة من المياه تجري في أنهار الأرض. ومن دون أي حسابات لمعدلات التدفق أو حجمه قرر ~~الفيلسوف القديم أن العالم لم يكن يحتوي على كمية كبيرة من المياه تسمح بانسيابها من ~~قمم الجبال إلى البحر دون أن تعود من البحر إلى قمة الجبل مرة أخرى: # من الواضح أنه إن أراد أي شخص حساب كمية المياه المتدفقة في يوم واحد وتخيل ~~خزانا مائيا، فإنه سيجد أن ذلك الخزان يجب أن يكون في حجم الأرض كلها أو أقل ~~بقليل ليتمكن من استقبال كل المياه المتدفقة في عام كامل. # أدرك أرسطو أن طاقة الشمس تتسبب في تبخر مياه البحر؛ إذ يرتفع البخار في ~~الهواء ويبرد ويسقط في صورة أمطار على الجبال. وتتجمع هذه المياه في المجاري وتتدفق في ~~الأنهار وتندفع نحو البحار، فقد كانت دورة نشاط. # وأيقن هارفي - من خلال ملاحظاته - أن كمية الدم التي تمر عبر القلب أكبر من أن تفسر في ~~ضوء نظرية جالينوس عن جريان الدم في اتجاه واحد من الكبد إلى الأطراف. فقد اعتقد أنه ربما ~~كانت هناك دورة مشابهة للماء: # لكن لا يمكن تصور أن الدم يتكون من عصارة الطعام الذي يدخل الجسم دون أن تجف ~~الأوردة من ناحية وتنفجر الشرايين بسبب ضغط الدم من الناحية الأخرى إلا إذا كان ~~الدم ينتقل من الشرايين ms034 إلى الأوردة ومن ثم يعود إلى الشق الأيمن من القلب. لقد ~~بدأت أعتقد أن الدم لا يتحرك في حركة خطية بقدر ما يتحرك في دورة مغلقة. # 4 # لقد استمد هارفي إلهامه من العالم الكبير. فمثلما تسخن الشمس مياه البحار وتبخرها، من ~~المحتمل أن القلب يرفع حرارة الدم. وخلال جريان الدم في الشرايين، يوزع هذه الحرارة والمواد ~~الغذائية التي يحملها؛ لذا فإنه يبرد ويحتاج إلى العودة إلى القلب لتجديد طاقته. فإن كانت ~~هذه الدورة تحدث في العالم الكبير - في الطقس - فإنه من المنطقي افتراض إمكانية حدوثها في ~~العالم الصغير المتمثل في الجسم. وكان هارفي يرى أن الوريد الأجوف هو «منبع الدم ومخزنه ~~ووعاؤه». # شواهد التقديرات والتكهنات # أجرى هارفي من أجل إثبات نظريته سلسلة من الحسابات التقريبية العبقرية في الوقت ذاته. ~~فقد ذكر بناء على بعض المشاهدات أن البطينين يمكنهما استيعاب ما بين أوقية ونصف وثلاث ~~أوقيات من الدم. ثم قدر أن القلب عندما ينقبض فإنه يخرج كمية تتراوح بين ثمن حجمه ~~وثلثه. وفي النهاية قال إن القلب يخفق ما بين 1000 و4000 مرة في الساعة. وبمجرد توافر ~~الأرقام كان إجراء الحسابات سهلا. # حجم البطين الأيسر × نسبة الدم الخارج = حجم الدم المتدفق في النبضة ~~الواحدة . # حجم الدم المتدفق في النبضة الواحدة × عدد النبضات في نصف ساعة = حجم ~~الدم المتدفق عبر القلب في نصف ساعة. # كان استنتاج هارفي أن هناك 500 أوقية (نحو 16 كيلوجراما) على الأقل ~~من الدم تتدفق من القلب في نصف ساعة. لكن، تبين أن هذا الرقم أبعد ما يكون عن الدقة؛ إذ ~~إن حجم الدم المتدفق عبر قلب الشخص البالغ عندما يستريح أقرب إلى 4 كيلوجرامات في ~~الدقيقة (120 كيلوجراما في نصف ساعة). لكن حتى القيمة التي استنتجها هارفي كانت كافية ~~ليقتنع أن الجسم لا يحتوي على كمية كافية من الدم تسمح لهذا الأخير بالتحرك في اتجاه ~~واحد، بل لا بد أنه يمر عبر الجسم في دورة. # كان هذا في بداية القرن السابع عشر، ولم يكن المجهر قد ابتكر؛ ms035 لذا كان من المستحيل ~~على هارفي أن يرى الشعيرات الدموية التي تربط الشرايين بالأوردة. ورغم ذلك فقد زاد يقين ~~هارفي بأن الدم بالتأكيد يجري في دورة، وساعدت نتائج سلسلة من التجارب على تأكيد ~~قناعاته. بدأ بثعبان، شق جلده وضغط على وريده الأجوف، فاستحال لون القلب إلى الأبيض، ~~وانكمش، وبطؤ نبضه. كان من الواضح أن انسداد الوريد منع الدم من التدفق إلى القلب. لكن ~~ما إن رفع إصبعه عن الوريد، حتى استعاد القلب نشاطه ولونه. وعلى العكس، عندما ضغط هارفي ~~على الشريان الخارج من القلب رأى القلب ينتفخ ويتحول إلى اللون الأحمر القاتم. لقد منع ~~انسداد الشريان خروج الدم من القلب. وكان هذا دليلا آخر على اتجاه تدفق الدم من ~~القلب. # بعد ذلك أثبت هارفي أن الدم يتدفق عبر شرايين في الذراع. ولكي يفعل ذلك، عقد عصابة ~~محكمة حول ذراعه. فتلاشى النبض في المعصم. لقد قطع تدفق الدم، وفي المقابل ظهر نبض ~~منتظم في موقع العصابة وهو ما أرجعه هارفي إلى أن الدم «يحاول أن يتدفق عبر عقبة تعوق ~~مساره وأن يعيد فتح مجراه». # ثم أرخى هارفي العصابة قليلا، فتدفق الدم إلى الذراع لكنه لم يخرج منه، وامتلأت ~~الأوردة بالدم وبرزت. وكان أحد معلمي هارفي في إيطاليا - يرونيموس فابريشيوس من ~~أكوابندنتي - قد اقترح أن العقد التي تظهر في الأوردة هي صمامات، لكنه لم يتمكن من ~~تفسير وجودها. ذكر هارفي: # لم يدرك مكتشف هذه البوابات وظيفتها، وكذلك من قالوا إن الدم ينبغي أن ينزل ~~إلى الأسفل بفعل وزنه: إذ كان في الوريد الوداجي صمامات باتجاه الأسفل تمنع ~~صعود الدم إلى أعلى. # كان هارفي يجمع أدلة على أن الصمامات تضمن تدفق الدم في اتجاه واحد؛ إلى القلب؛ إذ ~~يجري الدم من الرأس إلى أسفل الوريد الوداجي عبر الصمامات المتجهة لأسفل بينما يصعد ~~الدم من الساقين وأسفل الجسم عبر الصمامات المتجهة لأعلى في باقي الأوردة. وكان هذا ~~مخالفا تماما للتوقعات. فالدم - على كل حال - كان من المفترض أن يتدفق من الكبد إلى ~~سائر الجسم ms036 عبر الأوردة، أي في الاتجاه المعاكس. ورأى هارفي أن التفسير الوحيد لما ~~اكتشفه هو أن الدم يجري في دورة عبر الجسم. # والتقى هارفي قبل وفاته بوقت قصير رائد الاكتشافات الأيرلندي شديد الثراء روبرت بويل ~~الذي سجل محادثتهما: # أذكر أنني عندما سألت هارفي رجلنا المشهور - في النقاش الوحيد الذي أتيح لي ~~معه (وكان قبل وفاته بفترة قصيرة) - عن ماهية الأشياء التي دفعته للتفكير في ~~جريان الدم في دورة؟ فأجابني بأنه عندما راقب الصمامات في الأوردة الموجودة في ~~مواضع عديدة من الجسم، لاحظ أنها في وضع يسمح بمرور الدم باتجاه القلب لكنها ~~تمنع مرور الدم الوريدي في الاتجاه المعاكس: لقد شجعه ذلك على تصور أنه ليس ~~هناك سبب أكثر حكمة من ذلك، لأن الطبيعة لم تصنع مثل هذه الصمامات الكثيرة دون ~~علة: وليس أفضل من ذلك علة، وحيث إن الدم لا يمكن ضخه عبر الأوردة إلى الأطراف ~~بسبب الصمامات التي تعترض مساره، فمن الواجب أن يضخ عبر الشرايين ويعود عبر ~~الأوردة التي لا تمنع صماماتها مرور الدم في هذا الاتجاه. # شكل 2-2: رسم ويليام هارفي للذراع والصمامات. نسخت بتصريح من قسم المقتنيات ~~الخاصة بمكتبة لين الطبية، جامعة ستانفورد. # عندما نشر هذا المفهوم الثوري انقسمت الآراء. إذا كان هارفي على صواب ، فذلك يعني أنه ~~قد تلزم مراجعة جميع نظريات الصحة والطب الأساسية. ومما لا يثير الدهشة، لاقى ذلك ~~معارضة كبيرة وصلت في بعض الأماكن إلى مقاومة صريحة. وهناك مؤشرات كثيرة على أن هارفي ~~أرجأ نشر أفكاره بضع سنوات ريثما تزداد ثقته. ولم يمر وقت طويل قبل أن تلقى الفكرة ~~قبولا واسعا. # كان هارفي مدركا لحجم عمله إدراكا واضحا؛ ففي الفصل الأول من كتاب «حركة القلب»، ~~ناقش هارفي بثقة الاكتشافات الهامة التي أقنعته بأن الدم يجري بالفعل من الأوردة إلى ~~الشرايين عبر القلب. أما في الفصل الثامن، فكان أكثر تحفظا. وعند اتجاهه إلى طرح تصوره ~~عن جهاز دوري، يعبر عن مخاوفه قائلا: # لكن ما تبقى ليقال عن كمية الدم الذي يمر وعن مصدره غير ms037 مألوف ولم يسمع به ~~لدرجة أنني لا أخشى الأذى بسبب حقد بعض الحاقدين فحسب، بل أرتعش رعبا من أن ~~أكسب عداوة البشرية جمعاء، أخشى ذلك بشدة حتى إن الممارسة والعادة تحولت إلى ~~طبع ثان في. إن المعتقدات بمجرد زرعها تضرب بجذورها عميقا، ويسيطر احترام ~~القديم على كل الناس. مع ذلك فقد قضي الأمر، وأنا أضع ثقتي في محبتي للحقيقة ~~وفي حيادية العقول المثقفة. # لقد كانت مخاوفه في محلها؛ فبعد نشر كتاب «حركة القلب» شكا هارفي من الانخفاض الملحوظ ~~في عدد المرضى الذين كانوا على استعداد للحصول على استشارته الطبية. وقد أخبر أوبري ذات ~~مرة بانتشار إشاعة بين العوام في البلدة أنه «مخبول»، لكنه كان شخصيا مقتنعا بأن ~~الأطباء كانوا ينشرون إشاعات مغرضة لأنهم شعروا بالغيرة من اكتشافاته. وللأمانة، قليلون ~~هم من أعربوا عن تقديرهم لمهاراته الطبية على أي حال؛ لذا لم يكن على الأرجح غيابه عن ~~ممارسة الطب خسارة كبيرة للمجتمع. # رغم أن العديد من العلماء رحلوا قبل أن تحظى أفكارهم الثورية بالقبول، فقد كان من حسن ~~حظ هارفي أنه جاء بفكرته في سن صغيرة وعاش حتى عامه الثمانين. وكان هذا وقتا كافيا ~~ليتأكد الآخرون من فكرته وتحظى بالقبول بين معظم المشتغلين بالعلوم والطب. # قديم أم محدث؟ # إذن هل كان هارفي مفكرا مؤمنا بالمعتقدات القديمة بنى عمله على جدليات فلسفية، أم ~~كان عالما عصريا يعتمد على التجربة والقياس الدقيق؟ بداية، استمد هارفي مبادئه ~~الإرشادية الرئيسية من معتقدين قديمين: الأول - كما رأينا - كان الاعتقاد بأن الجسم يعمل ~~كعالم صغير بالنسبة إلى باقي العالم. والثاني هو أن الجسم قد صمم بعناية؛ فكل جزء ~~في الجسم لم يكن ليوجد لولا أن خلقه الرب ووضعه في الجسم. ومثل كثيرين من أهل تلك ~~الحقبة، اعتبر هارفي التشريح فرعا من دراسة علم اللاهوت: # لطالما كان فحص الجسم مصدر سرور لي؛ ومن ثم طالما اعتقدت أنه بالإضافة إلى ~~قدرته على إمدادنا بفهم عميق لألغاز الطبيعة البسيطة، سنرى من خلاله صورة أو ~~انعكاسا لصورة الخالق القدير نفسه. # وفي ms038 كتاب «حركة القلب»، يعلق هارفي على الحجم الكبير نسبيا للبطينين ~~وللأوعية الدموية المتصلة بالقلب بأنه «بما أن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا، فإنها لم ~~تكن لتجعل حجمه كبيرا نسبيا دون هدف ...» # وتبين الطريقة التي وصل بها هارفي إلى استنتاجاته أنه لم يكن يهتم كثيرا بقياس أي ~~شيء بعناية؛ إذ لم ير هارفي - كما كان حال بقية معاصريه - أي فائدة من وراء القياسات ~~الدقيقة؛ فقد كانت تقديراته لمعدل تدفق الدم عبر القلب أبعد ما يكون عن الدقة، رغم أنه ~~ربما كان من السهل عليه أن يقيس الأحجام بدقة أكبر، ويراقب عدد ضربات القلب في الدقيقة، ~~محققا درجة كبيرة من الدقة. لقد اهتم هارفي بالقضية الفكرية أكثر من القياسات ~~التفصيلية، وبذلك توصل إلى الاستنتاجات الصحيحة بناء على بيانات خاطئة. # ربما لم يسبق هارفي عصره إلا ببضع سنوات فقط؛ فبينما كان يدرس القلب، كان جاليليو ~~جاليلي يطور وسائل لاستخدام القياسات والحسابات الدقيقة لدراسة الكون - العالم الكبير - ~~إلا أن جاليليو لم يكن قد نشر عمله بعد؛ لذا لم يكن هارفي في وضع يسمح له بتبني منهجيته ~~الدقيقة وتطويعها بما يتلاءم مع علم وظائف الأعضاء. # كان هارفي يعيش ويدرس عند مفترق طرق من الفلسفة. فقد كان يستخدم الجدل المنطقي لوضع ~~النظريات ثم يجري تجارب بدائية ليرى إذا كانت هذه النظريات توافق الواقع. لقد دحض ~~هارفي بشدة أي رأي يقول إنه ينتمي إلى أخوية الأطباء حديثة الظهور آنذاك، حيث قال إنه ~~مقارنة بأرسطو لم يكن هؤلاء المدعون سوى «حثالة». ومن منظور القرن الحادي والعشرين ~~يمكن اعتبار هارفي أحد آخر القدماء أو أحد أوائل المعاصرين أو - ما هو أفضل - جسرا ~~بينهما. # وعندما ننظر إلى عمل دوني سنجد أنه بينما زعم أنه جزء من عالم التساؤل والاكتشاف ~~الجديد، لم تكن له محاولات جدية للاعتماد على القياس؛ إذ بدا متراخيا فيما يتعلق ~~بتسجيل ملاحظات تفصيلية. لكن في حالة دوني - مع ذلك - يزيد احتمال وجود مؤشر على نزعته ~~المتعالية نحو التفصيل، بدلا من تأمل خاص للفلسفة التي ينبني عليها عمله. ms039 # حركة الدم بفعل الفوران # إذا كان الدم يجري في دورة عبر الجسم، فلا بد من شيء يحركه. لقد كان الرأي السائد هو ~~أن أي ضغط في الجهاز الدوري سببه «الفوران». ويستخدم مصطلح الفوران للإشارة إلى تمدد ~~اللبن أو العسل عند وضعه في إناء وتسخينه على الموقد. فبمجرد وصوله إلى نقطة الغليان ~~تتكون الرغوة فوقه، وإن لم يكن الشخص حذرا فإن السائل يرتفع إلى حافة الإناء ويفيض إلى ~~الخارج. وسيحدث الشيء نفسه مع إناء مملوء بالدم إن حاولت غليه. لقد اعتقد جالينوس ~~وهؤلاء الذين جاءوا من بعده أن وظيفة القلب الأساسية هي تسخين الدم. ويتسبب الفوران ~~الناتج في زيادة حجم الدم، فيجبره على الجريان في الشرايين. وكانت زيادة الضغط داخل ~~القلب هي ما يجعله يتمدد بانتظام. فطبقا لما قاله جالينوس، كان القلب غرفة ~~تسحب الدم، ثم تعمل كسخان. # أما وراء البحر، في فرنسا، فسرعان ما تبنى ديكارت فكرة هارفي القائلة إن الدم يجري ~~في شبكة من الأنابيب ضمن نظرته الميكانيكية للحياة. ورغم ذلك تمسك ديكارت ببعض النظريات ~~القديمة، حيث إنه ظل مؤمنا بأن تمدد القلب كان نتيجة فوران الدم بداخله. وبما أن دوني ~~كان متبعا للمدرسة الديكارتية، فإن كل الأسباب تدفعنا للاعتقاد بأنه كان يتبنى أيضا ~~هذا التصور للجهاز الدوري. # فكر هارفي كثيرا في تلك النقطة ثم أجرى تجربة؛ إذ أخذ عينتين متساويتين من الدم ~~إحداهما من شريان والأخرى من وريد، ووضعهما في إناءين متماثلين وراقب ما سيحدث، فتكونت ~~جلطات في كلتا الحالتين، وخلال دقائق معدودة تحول سطح العينتين إلى اللون نفسه. لكن ~~الأهم بالنسبة إلى هارفي هو أن دم الشريان ودم الوريد كليهما ظلا في الحجم نفسه. فلم ~~ينكمش حجم الدم الشرياني بعد انخفاض حرارته. فإذا كان الضغط في الشرايين عاليا، أو أن ~~الدم الشرياني يجري في الأوعية الدموية لأن حرارة القلب دفعته للفوران، فإنه يجب أن ~~ينكمش مع انخفاض حرارته. على كل حال، كانت رغوة اللبن المغلي تختفي عند إبعاده عن ~~الموقد. وبما أن مثل هذا التغير لم يحدث، ms040 استنتج هارفي أن الفوران لم يكن إلا من نسج ~~خيال الناس. لم يعرف رأي دوني في هذه التجربة، أو ما إذا اهتم بها من الأساس. فعندما ~~نظر إلى الجهاز الدوري، كان أكثر حماسا لفهم ما يمكن فعله به أكبر من حماسه لاكتشاف ~~آلية عمله. # وحاول آخرون - مثل يوهانس فاليوس عالم التشريح الهولندي - تجربة طرق أخرى لدمج فكرة ~~الدورة الدموية في التصور السائد أن القلب يسخن الدم. وتوصل فاليوس إلى أن الدم يدور ~~ليظل في حالة سليمة؛ حيث يدخل الدم الوريدي القاتم إلى الشق الأيمن من القلب، ويندفع ~~الدم الشرياني الأحمر القاني خارجا من الشق الأيسر. كان التفسير بسيطا في رأي فاليوس؛ ~~فقد كان الدم يسخن في القلب ثم «يكثف» حين يزداد تركيزه في باقي أجزاء الجسم. ~~لأنه - كما قال - ليس في الجسم ما هو أشد حرارة من القلب، وما هو أبرد من سطحه الخارجي. ~~وفتح هذا الباب - حسبما كان يرى - أمام احتمالية مرور الدم بعملية تنقية بالطريقة التي ~~ينقي بها الكيميائيون السوائل نفسها، من خلال غليها عدة مرات وتكثيف الأبخرة ~~الناتجة. # اكتمال الدائرة # أشار المتشككون في أفكار هارفي إلى ثغرتين في نظريته؛ أولا: لم يكن يوجد أي دليل على ~~وجود ما يربط بين الشرايين والأوردة. ثانيا: لم يكن هناك ما يوضح ما الذي يدفع الدم ~~إلى القلب مرة أخرى من الأطراف. وكما قال الطبيب كاسبار هوفمان من نوريمبرج بألمانيا: ~~كيف فسر هارفي الطريقة التي يعبر بها الدم من الشرايين إلى الأوردة؟ وحتى إذا كانت ~~هناك ممرات غير مرئية، فكيف فسر هارفي الحركة - ما هي القوة المحركة؟ # ولم يمض على وفاة هارفي (في عام 1661) أربعة أعوام حتى اكتشف عالم الفسيولوجيا ~~الإيطالي مارتشيلو مالبيجي الحلقة المفقودة، رغم أن الأمر استغرق عدة عقود بعدها ليكتشف ~~الناس أن ضغط العضلات على الأوردة هو ما يدفع الدم للعودة إلى القلب مرة أخرى. راح ~~مالبيجي - الذي ولد في العام ذاته الذي نشر فيه هارفي كتابه «حركة القلب» - يدرس ~~الفلسفة الأرسطية في جامعة بولونيا. لم تكن حياة ms041 مالبيجي مستقرة: إذ توفي كل من والده ~~ووالدته وجدته لأبيه وهو في سنوات دراسته، فاضطر من ثم إلى ترك الجامعة لعدة سنوات كي ~~يرعى أخواته الثلاث الصغيرات وينظم شئون الأسرة المالية. وبعد عامين عاد للاجتهاد، حيث ~~جمع في النهاية بين اشتغاله بالطب واهتمامه بالعلوم. # أثارت مساعي مالبيجي العلمية الجدل؛ فقد بدأ يشكك في جالينوس، وهو ما فوت عليه عدة ~~فرص للترقي، رغم أن عمله حظي بالتقدير، وأصبح صديقا شخصيا للبابا. كرس مالبيجي ~~كثيرا من عمله لاستخدام أول المجاهر التي عرفها العالم ورسم ما يراه. وفي عام 1661، ~~نشر أول كتبه الذي كشف - من بين أشياء أخرى - عن ملاحظته لشبكة من الأوعية الدقيقة في ~~رئتي الضفدع. وبعد أن سماها الشعيرات الدموية، اعتبر - وكان على صواب - أنها قد تكون ~~الحلقة المفقودة في دورة هارفي، أي الأنابيب التي تربط الشرايين بالأوردة. ودحض هذا ~~الاكتشاف في الأوساط العلمية فكرة تحول الدم إلى لحم عند أطراف الأوردة. مع ذلك، استغرق ~~الأمر عشرات السنين قبل أن ينتشر العلم والتسليم باندثار فكرة جالينوس في الأوساط ~~الطبية، بل استغرق الأمر وقتا أطول قبل أن يحظى باهتمام العامة بوجه عام. # جلب اكتشاف مالبيجي ما يشبه الجنسية الإنجليزية إليه. فقد كان العلماء في إنجلترا ~~شديدي الحرص على إنجازاتهم وأسباب شهرتهم، وكان أهمها دليل هارفي القاطع على صحة نظرية ~~الدورة الدموية؛ لذا كانوا حريصين على أن يكون أي عمل يضيف إلى اكتشاف هارفي على الأرض ~~الإنجليزية. فلم يكن من المثير للدهشة - بحلول عام 1667 - أن يبدأ هنري أولدنبرج أمين ~~عام كبرى المؤسسات البحثية في إنجلترا - الجمعية الملكية - في التواصل كتابيا مع ~~مالبيجي نيابة عن الرابطة؛ إذ كان من الواضح أن مالبيجي عالم، ومن ثم فإن اكتشافه ~~للشعيرات الدموية لن يكون إسهامه الوحيد على الأرجح في مجال العلوم والطب؛ لذا كانت ~~الطريقة المثلى أمام إنجلترا لإدخال عمله البحثي ضمن مجتمعها العلمي هي دعوته ليصبح ~~زميلا في الجمعية الملكية. فوافق وأضاف اسمه إلى القائمة المتنامية كأبرز الوجوه ~~العلمية في عام 1669. # وبذلك اكتشفت آخر قطعة ms042 في أحجية الدورة الدموية، على الرغم من ذلك لم يكن أحد يعرف ~~الوظيفة الفعلية للدم. لكن تلك الاكتشافات كانت كافية لتدفع كثيرين في أنحاء أوروبا إلى ~~شحذ عقولهم؛ والسعي لمعرفة وظيفة الجهاز الدوري. وعندما تناول دوني هذه القضية لم يكن ~~مهتما بالجانب الفسيولوجي من ورائها بقدر ما كان مهتما بمعرفة كيف يمكن لهذه ~~المعلومات الجديدة أن تؤثر في ممارسة الطب. # الفصل الثالث # | التجارب الإنجليزية في حقن الدم # أثارت فكرة الدورة الدموية الشكوك على مستوى جوهري في كل التصورات عن ماهية الدم ووظيفته. ~~وأخذ علماء أكسفورد يقيمون سبيلين محتملين للدراسة، وهما حقن الدم ونقله. وفي عام 1639 - أي ~~قبل مولد دوني بعام - بدأ فرانسيس بوتر العالم الأكسفوردي يدرس فكرة نقل الدم من حيوان ~~لآخر. وقال إن هذه الفكرة خطرت له بينما كان يفكر في حدث يدور في قصة جيسون والمغامرون ~~لبابليوس أوفيديوس ناسو. ففي قصة أوفيد، أعادت الساحرة ميديا الشباب لوالد جيسون العجوز ~~بإعطائه شرابا يجمع بين ضوء القمر والصقيع وقطع من طيور البوم والسلاحف والذئاب والظباء ~~والغربان. وسكبت ميديا شرابها في فمه بينما تركت دمه يسيل من جرح في رقبته. وطبقا ~~للأسطورة، استعاد العجوز شبابه على الفور؛ فعاد لشعره الأبيض لونه الأسود السابق، وامتلأت ~~أوردته بالدم، واستحال شحوب بشرته إلى نضارة. # وتساءل بوتر إن كان من الممكن استبدال الدم القديم والمستهلك. وكانت محاولته لعلاج المرض ~~المتكرر مسألة شخصية، حيث كان يعاني من نوبات صرع. وشهدت سنواته السبع والعشرون في كلية ~~الثالوث في أكسفورد حصار المدينة، كما شهدت تلك المرحلة تسجيله تعليقاته في مدوناته على عدد ~~المرات التي جاء فيها هارفي ليلقي نظرة على بيض الدجاج في حضانات الكلية. وكان ذلك لأن ~~هارفي تابع تطور أجنة الدجاج داخل البيض، كما كان يزور حجرة زميله رالف باتهورست بصفة شبه ~~يومية. وبحلول عام 1651، أصبح بوتر وهارفي صديقين حميمين، واستمتع كل منهما بتوسيع مدارك ~~الآخر. واتضح أن ذلك عاد بفائدة كبيرة؛ إذ لم يكن بوتر - على عكس هارفي - محبا للقراءة ~~إلى حد كبير. # وبمجرد ms043 انتهاء الحصار، انتقل بوتر إلى منزل كاهن الأبرشية في كيلمينجتون بمنطقة سومرست، ~~حيث ارتدى ملابس ناسك أو راع قديم وعاش وحيدا، سعيدا بخروجه من صخب المدينة المليئة ~~برجال الحاشية. كان بستانيا شغوفا، وكان وجهه الطويل الشاحب يرى من فوق الشجيرات ~~الطويلة المشذبة بعناية على شكل مربعات. كما أنشأ مختبرا خاصا، وأجرى فيه سلسلة من ~~التجارب. كان يحب اختراع الماكينات، فعمل نجارا وحدادا في آن واحد ليحول حلمه إلى ~~حقيقة. وكانت إحدى آلاته نظام بكرات مصمما خاصة لرفع أواني بحجم البراميل من بئر ~~غائرة العمق. وكان أوبري أحد أصدقائه الأقرباء القلائل، وكان منبهرا بتلك الآلة. كما كان ~~بوتر مهووسا بالدراسات اللاهوتية التي تهدف إلى إثبات أن البابا عدو للمسيح، وفي كتابه ~~الوحيد «تفسير الرقم 666»، سعى مثل كثيرين غيره لإيجاد تفسير رياضي لرقم الوحش في سفر ~~الرؤيا. # بدأ بوتر - في المنزل المخصص له في الأبرشية - السعي وراء هدفه الذي يرمي إلى سحب الدم من ~~دجاجة وحقنه في أخرى. لكنه واجه مشكلتين؛ الأولى: أنه واجه صعوبة في استخراج الدم، والثانية: ~~أن الدم كان يتجلط قبل أن يتمكن من نقله إلى أي حيوان آخر. ولم يكن إجراء التجربة على ~~الدجاج بالفكرة المثلى لأن الدجاج صغير في الحجم وكان إدخال الأنابيب إلى أوعيته الدموية من ~~الصعوبة بمكان. # وفي السابع من ديسمبر عام 1652، كتب بوتر إلى أوبري واصفا الموقف: # سيدي العزيز # يؤسفني أنني لا أستطيع أن أقدم لك الآن رواية أفضل للتجربة التي ترغب في معرفة ~~تطوراتها. إنني أشعر بالإحباط بداية (والمشكلة هي قلة خبرتي؛ حيث إنني لم أجر ~~مثل هذه التجربة على أي مخلوق من قبل) لأنه بالرغم من محاولاتي المتكررة، لا أستطيع ~~الوصول إلى الوريد وسحب الدم منه بقدر كاف. # لقد صنعت وعاء شفافا رقيقا قليلا من حوصلة دجاجة - هذا الوعاء يشبه المثانة ~~قليلا. وثبت أنبوبا عاجيا في أحد عنقيه. وقد أدخلت هذا الأنبوب في وريد في ~~أدنى مفصل في الساق. وهو وريد كبير وظاهر. إلا أنني لم أستطع استخراج أكثر من ~~قطرتين أو ms044 ثلاث من الدم عبر الأنبوب إلى الوعاء الذي يشبه المثانة. # كنت سأرسل الوعاء والأنبوب إليك مرفقين بخطابي، لكني خشيت ضياع الخطاب. في ~~المقابل، رسمت رسما تقريبيا لهما لترى ما أحاول فعله: ~~(أ) عنق الحوصلة الذي يصل إلى فمي لأتمكن من الشفط. ~~(ب) العنق الآخر الذي يصل إلى الأحشاء. ويمكن توصيل أنبوب آخر بطرفه وإدخاله إلى ~~وريد كائن حي آخر في الوقت ذاته. ~~(د) أنبوب عاجي منحن قليلا، وموصول بالحوصلة. ~~(ه) تجويف الوعاء أو الحوصلة. # سيدي، يسعدني أن أكون في خدمتك دائما، إليك خالص تمنياتي، مع كل المودة. # فرانسيس بوتر # كيلمانتون، 7 ديسمبر 1652 # رغم عدم النجاح، لم يستسلم بوتر بسهولة وتشجع على الاستمرار في المحاولة ~~عندما أرسل إليه أوبري مشرط جراحة. وبعد عام كتب إلى أوبري مرة أخرى ذكر فيها أنه حسن ~~طريقته وأنه يستخدم منفاخا صغيرا لجمع الدم. كما استعاض عن أنابيب العاج ب «القصبة ~~الهوائية لبعض الحيوانات الصغيرة»، ملمحا إلى أنه حقق نجاحا هامشيا في إدخالها إلى ~~أوردة حيوانين مختلفين ومبادلة دميهما. إلا أنه من غير المرجح أنه لاقى أي نجاح فعلي؛ ذلك ~~أنه لم يكن هناك أي فرق في الضغط ليدفع الدم من أحد الحيوانين للآخر، بل الأرجح أن الأنبوب ~~امتلأ ببطء ثم تجلط الدم به. # شكل 3-1: خطاب من فرانسيس بوتر إلى جون أوبري بتاريخ 7 ديسمبر 1652، مكتبة ~~بودليان، أكسفورد، مخطوطة أوبري 6/إف 61 آر، وبه مخطط للوعاء الذي يشبه ~~المثانة. نسخ بتصريح من مكتبة بودليان، جامعة أكسفورد. # كما تشير الطرق التي ذكرها خطاب بوتر أنه كان يحاول سحب الدم من الأوردة بينما كان يتجاهل ~~الشرايين. ربما يرجع ذلك إلى أن الوصول إلى الأوردة أسهل، ولم تكن تنفجر بالدماء عند قطعها. ~~ولسوء حظ بوتر فإن الأوردة التي تنقل الدم من الشعيرات إلى القلب ليس بها ضغط كبير يحرك ~~الدم، ومن ثم تنغلق هذه الأوعية بسهولة. فلو كانت تجري داخل العضلات، لكان من السهل أن ~~تنضغط وتنسد. أما جريانها على السطح تحت الجلد مباشرة فيبقيها مفتوحة. إلا ms045 أن سهولة انغلاق ~~الأوردة كان يمثل مشكلة لرواد نقل الدم الأوائل؛ فإذا حاولوا استخدام إبر الحقن لسحب ~~الدم من الوريد بسرعة كبيرة، انغلق الوريد نتيجة قوة الشفط. ومن هذا المنطلق، كان احتمال ~~النجاح أكبر لو سحب الدم من الشرايين التي تمتلئ بضغط أعلى، ومن ثم فإنها أقل عرضة ~~للانغلاق. # لم يكن رحيل بوتر نهاية التجارب في أكسفورد - بل كان الوضع أبعد ما يكون عن ذلك. لكن من ~~بقوا في أكسفورد، اتبعوا مسارا مختلفا بعض الشيء في الدراسة؛ إذ أخذوا في البداية ~~يجربون فكرة حقن محاليل داخل مجرى الدم. وكان بويل أحد أهم رواد المجال، الذي جاء إلى ~~أكسفورد حوالي عام 1656؛ ولطالما كان مندهشا من احتمال أن يؤدي تلوث الجرح إلى إصابة ~~الإنسان بالعجز. وتساءل كيف يمكن لخراج في اليد أو الساق أن يتسبب في معاناة الجسد بالكامل؟ ~~ربما كانت دورة هارفي هي التفسير. فربما كان الجرح يطلق سموما في الدم، فينشرها الدم بدوره ~~في جميع أجزاء الجسم. كان الوقت قد حان لإجراء التجارب. # أطعم بويل في البداية كلبا رأس أفعى وذيلها ومرارتها. وكانت هذه هي الأجزاء التي يعتقد ~~أنها تحتوي على سم الثعبان. مع ذلك لم يتأثر الكلب؛ وكان هذا لغزا محيرا؛ إذ كان بويل ~~مدركا تمام الإدراك أن عضة واحدة من الثعبان قاتلة؛ لذا لم تكن تلك الملاحظة منطقية عنده، ~~فإذا كان الطعام يتحول إلى دم مباشرة فإن إطعام السم للكلب ينبغي أن يكون له ذات تأثير حقنه ~~عن طريق أنياب الثعبان. وفي ذلك الوقت، كان هناك تصور ضئيل للغاية، إن وجد، عن عملية الهضم. ~~فكانت المعدة - على حد علم الجميع - تذيب الطعام وتطحنه حتى يتحول إلى عجين سائل. ولم يفكر ~~أحد في احتمال أن مكونات الطعام - التي نسميها اليوم الدهون والبروتينات والكربوهيدرات - ~~كانت تتفكك لتتحول إلى سائل من العناصر المكونة. وفي حالة السم، فإن الهضم يحوله إلى مادة ~~غير ضارة. # اتبع بويل - الذي لم يكن على دراية بما ذكرناه سابقا - مسارا استدلاليا مختلفا؛ إذ ~~فكر أنه لا بد ms046 أن هناك شيئا جوهريا في غضب الثعبان يجعل عضته قاتلة. فالجميع يعرف بأي حال ~~أنه عندما تصاب الكلاب المسعورة بنوبة غضب وتعض شخصا فإنها تصيبه بمرض خطير. ولم يكن هناك ~~أي علامة على أن الكلاب تفرز سما؛ لذا فإن من المؤكد أن هناك شيئا في الشعور بالغضب في ~~حد ذاته ينقل المرض. (وقد بتنا الآن نعلم أن ذلك ينتج عن البكتيريا المسببة لداء الكلب ~~الموجودة في أسنانه وتدخل إلى جسم المصاب عندما يغرس الكلب أسنانه في جسم الضحية. أو على ~~الأقل هذا هو فهمنا الحالي لما يحدث!) # خلص بويل في كتابه «اعتبارات بشأن أهمية الفلسفة الطبيعية التجريبية» الذي نشره عام 1663 ~~إلى أن خير طريقة لاختبار هذه الفكرة هي غمس إبرة ما في السم ثم غرسها في أوردة الكلب. ~~وسيؤدي ذلك إلى نقل السم وليس إلى الغضب. لكن ليس لدينا أي سجل يشير إلى أن بويل أجرى تلك ~~التجربة بالفعل، رغم أنه لو كان فعل لاكتشف أن السم قادر على القتل رغم انعدام الغضب في ~~الطريقة التي أدخل بها السم إلى جسم الكلب. ولو أنه كان أدخل الإبرة في الوريد لكانت أول ~~تجربة للحقن في الدم. # بدلا من ذلك، انضم بويل إلى فريق من أعضاء نخبة أكسفورد في ربيع 1656. وكان أحد أعضاء ~~الفريق الشاب الرائع كريستوفر رين الذي طرد من كامبريدج في وقت سابق بسبب أصوله الملكية. ~~وكان هذا هو الرجل نفسه الذي اشتهر لاحقا عندما أتاح له اهتمامه الثانوي فرصة العمر؛ ~~فبعد حريق لندن الكبير أوكلت إليه مهمة تصميم مبنى جديد لكاتدرائية القديس بولس. لكن في ~~تلك المرحلة العمرية كان هذا الشاب القصير ذو الشعر الأسود المنسدل أكثر ميلا ناحية شغفه ~~الذي لازمه طيلة حياته بالتشريح والفلك. كذلك كان من ضمن نخبة أكسفورد رجل الدين والعالم ~~جون ويلكنز الذي كان متزوجا لتوه من إحدى أخوات أوليفر كرومويل المترملات، والذي سينقل ~~بعد ذلك الوقت بثلاث سنوات إلى كامبريدج على يد ريتشارد كرومويل ليصبح عميدا لكلية ~~الثالوث. # لعدة سنوات كان تأييد ms047 عائلة كرومويل طريقا جيدا للنجاح؛ فقد أعدم الملك تشارلز الأول ~~بضرب عنقه قبل ذلك بست سنوات؛ وبدت استعادة الملكية غير محتملة. ومن أجل موازنة الرهان حرصت ~~عائلة بويل على تقسيم ولاء أفرادها بين المعسكرين الملكي والبرلماني. # التقى بويل ورين وويلكنز في يوم ما عند شقة بويل المفروشة في هاي ستريت بأكسفورد والمطلة ~~على كلية بريزنوز ولا تبعد كثيرا عن مكتبة بودليان المشهورة بالفعل. كانت الشقة فوق صيدلية ~~ميزها الهاون ويد الهاون المتدليان من أحد أعواد البلوط المتقاطعة التي تشكل سورا. فتح رين ~~وويلكنز الباب الخشبي الثقيل ورحب بهما مالك الصيدلية جون كروس وهو رجل بدين في أواخر العقد ~~الخامس من عمره يرتدي ذلك النوع من المعاطف ذات اللون البني الفاتح المقصوصة بإتقان التي ~~كانت شائعة بين التجار الناجحين. وكانت صيدليته معرضا للأوعية الزجاجية اللامعة التي تحتوي ~~على الصخور والمساحيق والأعشاب والتوابل؛ وكانت الأوعية مصفوف بعضها فوق بعض بعناية على ~~أرفف من خشب الأرز. # أرشدهما كروس إلى الطريق، لكن لم تكن الإشارة ضرورية؛ فقد كان رين وويلكنز يعرفان إلى أين ~~يذهبان؛ إذ لم تكن تلك الزيارة الأولى. عبر الاثنان الأرضية البلوطية ودلفا عبر باب وصعدا ~~الدرج. كان بويل في انتظارهما - متأهبا - فقد اشترى كلبا صغيرا من السوق ذاك الصباح. ~~وبعد عدد من المداعبات، شرع الثلاثة في العمل ، مرتدين مآزر فوق ملابسهم لتحميها من الرذاذ ~~الحتمي الوشيك. أخرج رين البالغ من العمر 24 عاما ومساعدوه أحد الأوعية الدموية الكبيرة من ~~الساق الخلفية للكلب، وربطوا حولها قطعة من الكتان. وأدى ذلك لغلق الوريد لكنه مكنهم من ~~إمساكه بإحكام. وبعد أن «تجاوزوا المصاعب التي سببتها مقاومة الكلب المتألم» أدخلوا إبرة في ~~الوريد وحقنوا مادة الأفيون بعد إذابتها في نبيذ أحمر. ويروي بويل ما حدث بعد ذلك قائلا إن ~~الدورة الدموية نقلت الجرعة سريعا لدماغ الكلب وباقي أجزاء جسمه. وكان التأثير سريعا ~~لدرجة أنهم لم يكادوا يفكون رباط قطعة الكتان حتى «بدأ مفعول الأفيون التخديري في الظهور، ~~وبمجرد وقوف الكلب على قوائمه أخذ يومئ برأسه ms048 ويترنح ويتعثر في مشيته.» وفقد الكلب اتزانه ~~لدرجة أن رين وبويل بدآ في المراهنة على كون الكلب سيبقى على قيد الحياة من الأساس. لقد ~~كانت تلك أول حالة مسجلة يجري فيها حقن جرعة زائدة من عقار تخديري. # لكن الكلب ظل على قيد الحياة بل صار بدينا، ربما لأن الشهرة التي اكتسبها أدت إلى عدم ~~توقف الناس عن إطعامه. لكن بويل يوضح في كتابته عن التجربة قائلا: «لكني لم أستطع مشاهدة ~~أثرها عليه طويلا؛ فما لبث أن سرق مني بعد تلك الشهرة التي حظي بها نتيجة هذه ~~التجربة.» # 1 # أحيانا ما يغتر الباحثون بأعمالهم، وأحيانا ما يشعرون بالخجل منها. أما رين فكان ~~متواضعا؛ فلم يذع كثيرا من المزاعم المؤكدة، بل كتب لمعلم التشريح السابق السير ويليام ~~بيتي الذي كان قد انتقل في وقت سابق إلى دبلن، فقد أرسل خطابا مع زميله روبرت وود الذي كان ~~مرتحلا إلى المدينة نفسها طلبا للثراء. لم يكن قد مضى على تعيين بيتي طبيبا للجيش في ~~أيرلندا وقت طويل، وكان رين متأكدا من أنه سيهتز طربا لمعرفة النجاحات التي حققها تلميذه. ~~ووصف رين في الخطاب العمل الشيق الذي يجري في أكسفورد، فتحدث عن المجاهر والمناظير التي ~~تتيح رؤية جديدة متميزة كاشفة للعمليات التي تدور في الكون بأكمله. وكتب عن تشريح الأسماك ~~والديوك ودراسة الكبد والمخ والأعصاب. لم يكن أي من ذلك بالنسبة إلى رين بنفس أهمية التجربة ~~الأكثر محورية التي جرى فيها حقن النبيذ والجعة في أوردة كلب. وكتب يقول: «لا يتسع المجال ~~لأخبرك بتأثير الأفيون ونبات المحمودة وغيرهما من المواد التي جربتها بالطريقة نفسها. إنني ~~مستمر في التجربة التي أرى أنها على أهمية كبيرة وأنها سيكون لها بالغ الأثر في نظرية الطب ~~وممارسته.» # 2 # كانت الفكرة الرئيسية هي أن الحقن يمكن أن يكون وسيلة فعالة لإدخال المواد العلاجية إلى ~~الدم. وكان من المعروف أن الأفيون مسكن فعال، وكان نبات المحمودة يشبه اللبلاب، وعند ~~غليه في الماء ينتج ملينا قويا للأمعاء. ولم يستغرق الأمر طويلا قبل ms049 أن يدرك العلماء أن ~~الأثر الفعال لم يكن قويا فحسب، بل إن التأثير نفسه كان ينتج من كميات أقل من اللازم ~~يتم تناولها بالطرق التقليدية. # أجرى رين وأصدقاؤه - والحماس يملؤهم - مزيدا من التجارب. أجري عدد من هذه التجارب في ~~منزل صديق قديم لهارفي هو هنري بييربوينت، أول نبلاء دورتشستر وأول زميل شرفي في الكلية ~~الملكية للأطباء. أتاحت تلك التجارب لأفراد الفريق أن يتقنوا الأسلوب الذي يتبعونه، وسرعان ~~ما استخدموا حوصلة مثبتة بإبرة بدلا من المحقن. وعلمتهم التجربة أن الكلب يجب أن يكون كبير ~~الحجم ونحيلا لكي يمكنهم العثور على الأوردة التي يريدونها، ويتمكنوا من إدخال الإبرة بها. ~~اندهش رين حينما وجد أنه بعد وهلة قصيرة من حقن «كمية كبيرة» من النبيذ والجعة في أوردة ~~الكلب «ثمل الكلب إلى درجة قصوى، لكنه سرعان ما تخلص من أثرها عن طريق البول». وفي مواقف ~~أخرى، ذكر رين أثر حقن أوقيتين من الزعفران، وهو صورة غير نقية من الأنتيمون يعمل عمل ~~الملين والمقيئ في آن واحد. وما لبث الكلب بعد تناول هذا المقيئ أن بدأ في التقيؤ بقوة ~~كبيرة جدا لدرجة أنه لفظ أنفاسه الأخيرة ومات. # باستعراض تلك التجارب في ضوء ما نعتبره الآن أخلاقيات القرن الحادي والعشرين، يتضح لنا ~~فورا أن مسألة حقوق الحيوان لم تكن قضية ذات شأن في إنجلترا في القرن السابع عشر. ومع ذلك، ~~كان الباحثون يميلون إلى استئناس أي حيوانات تنجو من التجارب، والعجيب أنه روي أن بويل كان ~~قلبه يرق للحيوانات الخاضعة للتجارب. # لقد كان هناك ولع شديد بالتجارب العلمية، وفي بعض الأحيان، كان الناس يجلبون حيواناتهم ~~المريضة ليتمكن «الفضوليون» من تجربة آخر أفكارهم عليها. وإن نجحت فقد تستعيد الحيوانات ~~حيويتها وصحتها مرة أخرى، ويمتلك أصحابها تحفة ثمينة؛ أما إن فشلت فقد استمتعوا على الأقل ~~برؤية العلم يأخذ مجراه. وكانت فائدة ذلك للعلم هي مشاهدة العامة تلك المحاولات الجديدة ~~مباشرة، إلا أنها من السهل أن تتدنى إلى مستوى عرض سيرك ترفيهي. وبعد مرور ثلاثمائة وخمسين ~~عاما، لم يحدث ms050 تغيير كبير. فمعظم التغطية الإعلامية التي أحاطت بالنعجة دوللي، والمناقشات ~~اللاحقة التي تناولت تكنولوجيات الاستنساخ العلاجي لم تبذل جهدا كبيرا لترفع مستوى ~~الإدراك العلمي لدى عامة الناس. على العكس، كانت هذه المحافل العلمية تعتبر في بعض الأحيان ~~فرصة للترفيه «الغريب والمدهش» أو وسيلة لتوليد الرعب والصدمة. وفي كلتا الحالتين، كان ~~العلم ولا يزال أداة للترفيه، وكان من الصعب جعل أي شخص ينظر إلى القضايا الكامنة ~~بجدية. # كانت حقوق الإنسان ترى هي الأخرى في القرن السابع عشر من منظور مختلف عن يومنا هذا؛ إذ ~~كانت عقوبة الإعدام تطبق على نطاق واسع للقضاء على المجرمين اتباعا للحكم الإنجيلي ~~الوارد في العهد القديم. وأكسب هذا حياة الإنسان قيمة عالية، وكان ذلك يعني أن قتل شخص بريء ~~عمل خطير، بل كان الشخص المدان بارتكاب جريمة شنعاء مثل القتل يحرم مما نسميه اليوم ~~«حقوق الإنسان». وانطبق هذا بصفة خاصة على أصحاب الطبقات الاجتماعية الدنيا. # لكن القتل لم يكن الجريمة الوحيدة التي كان من الممكن أن توقع مرتكبها في مشكلات خطيرة. ~~فقد كان ذلك عالما يرى في اعتناق الآراء الدينية أو السياسية الخاطئة ما يخرج صاحبها من ~~عناية الرب وحبه، وكان ضحايا العدالة في بعض الأحيان يحرقون أو يشنقون ويسحلون ويقطعون ~~إربا. وبالمقارنة بهذا، كان من الممكن أن يبدو الاشتراك في التجارب العلمية أمرا يسيرا ~~بالتأكيد. # لذا، لا بد أن اتجاه العلماء إلى تجربة حقن الخمور في دم الإنسان فور نجاحهم في حقنها في ~~دماء الحيوانات لم يثر كثيرا من الدهشة. وكان أول من خضع لتلك التجربة خادم دوق بوردو، ~~وهو السفير الفرنسي الذي كان يعيش بلندن. ويعلق بويل قائلا إن الرجل كان خادما وضيعا ~~«استحق الشنق»؛ # 3 # وبذلك ينفي عن نفسه أي اتهام بسوء الممارسة الطبية. جرت التجربة في خريف عام ~~1657، أي بعد بضعة أشهر من وفاة هارفي حيث كان رين قد انتقل إلى لندن في وقت سابق ليتولى ~~وظيفة أستاذ في علوم الفلك بكلية جريشام. وحقن رين بمساعدة زميله والطبيب الرائد تيموثي ~~كلارك مستخلص ms051 الزعفران في جسم الرجل المسكين. وبمجرد أن بدآ الحقن فقد الرجل الوعي وسقط ~~أرضا - إما على نحو مصطنع أو بحق. وقرر العالمان إيقاف التجربة خشية قتل الخادم؛ إذ لم تكن ~~هناك محاكم عديدة ستسبب لهما إزعاجا لمجرد إجرائهما تجربة على شخص مؤذ، لكنهما كانا ~~سيقعان في مأزق لو قتلا الرجل. فما لم تدن المحكمة الشخص، كان من الممكن اعتبار موته ~~جريمة قتل دون ريب، وهذا يعني بالطبع تطبيق عقوبة الإعدام. # كانت لدى رين فكرة أخرى إلى جانب دهشته من الآثار الفعالة لحقن المواد المخدرة أو السامة ~~في مجرى الدم؛ إذ هل كان من الممكن حقن المواد الغذائية مباشرة في الأوعية الدموية، ~~متجاوزين الحاجة إلى هضم أي شيء؟ لقد أدرك أنه في حالة نجاح الفكرة سيكون بمقدوره صناعة ~~جهاز طبي كبير يمكن الأطباء من إبقاء المرضى ذوي الحالات الحرجة على قيد الحياة حتى ~~يتحسنوا بدرجة كافية ليعاودوا تناول الطعام من جديد. وبالتعاون مع كلارك حاول رين حقن أجسام ~~الكلاب بكل أنواع السوائل التي تحوي العناصر الغذائية بما فيها المرق واللبن ومصل اللبن ~~وحتى الدم ذاته. وكان واضحا أن لمعظمها آثارا ضارة على الحيوانات، لكنها لم تكن خطرة ~~بدرجة تكفي لدفعهما لإيقاف تقصي الاحتمالات. # كانت إقامة رين في لندن قصيرة، حيث عاد بعد ثلاث سنوات - في عام 1660 - إلى أكسفورد ~~ليتولى كرسي سافيل في الفلك. وبذلك عاد وسط تطورات جديدة في دراسة الدم هناك. ورغم أن ~~التاريخ يعتبره «أول من أجرى تجربة حقن الخمر في أوردة الحيوانات التشريحية العظيمة»، فإن ~~دراسات علم الأحياء التي أجراها يبدو أنها كانت تدور حول اكتشاف تركيب الجهاز العصبي ~~ووصفه. # التقدم الذي أحرزه لوور # بينما كان قليلون آخرون يطرحون أفكارا عن حقن السوائل في الدم، شرع شاب من كورنوول ~~يدعى ريتشارد لوور في تحقيق تقدم ملموس. ويلخص الأستاذان الأمريكيان إب وفيبي هوف ~~شخصية لوور في إحدى ترجماته في القرن الثامن عشر بأنها مثال فريد للقوة والعناد ~~المنتظرين من شخص نشأ في كورنوول: «يبدو من المنطقي أن يكون ms052 رجل في عبقرية لوور قد قدم ~~من كورنوول. فأهل كورنوول شعب عريق؛ وحتى في يومنا هذا تذكر أعينهم الداكنة التي ~~يكسوها الغموض ووجوههم الرقيقة في الأساطير الغريبة التي انتشرت عنهم منذ عهد ~~الفينيقيين الأوائل وما قبله إلى المهربين وناهبي السفن الغارقة من المتأخرين. فقد ~~جمعوا بين الخيال المشرق والمثابرة الدءوبة التي اكتسبوها بعد سنوات من الكفاح مع الأرض ~~الصخرية والبحر اللجاج. فهم رجال يتسمون بالشجاعة البالغة والدهاء الشديد والمزاج ~~الغريب.» # 4 # ولد لوور عام 1631 في عصر ساده التغيير والشك. كان تشارلز الأول على عرش إنجلترا، ~~وكانت الاضطرابات السياسية والدينية تعم البلاد. وكان كثير من الناس يتركون إنجلترا، ~~مستقلين السفن ليسافروا عبر الأطلسي في رحلة محفوفة بالمخاطر، أملا في حياة وحريات ~~جديدة في إقليم نيو إنجلاند في أمريكا. وفي سن الرابعة عشرة، صحب لوور أباه إلى لندن ~~والتحق بمدرسة ويستمنستر. ونظرا لموقع المدرسة على بعد مئات الأمتار من كنيسة ~~ويستمنستر وقاعة ويستمنستر التي تمثل مقر الحكومة، فقد نشأ لوور في وسط فريد أتاح له أن ~~يكون على دراية بمجريات الأحداث التاريخية. كان كرومويل في الوقت ذاته يبني جيشه ~~النموذجي الجديد، كما ألقي القبض على تشارلز الأول الذي لم يلبث أن فر من الأسر، ~~ليلقى القبض عليه ثانية بعد سنة ويعدم بضرب عنقه في 30 يناير عام 1649، وهو العام ~~الذي أعلن فيه كرومويل أن الإنجليز ليسوا رعية للتاج بل هم مواطنون في اتحاد ~~الكومنولث. # انتقل لوور في العام ذاته إلى أكسفورد للدراسة في كنيسة المسيح. وليس هناك مؤشر على ~~أن تلك الخطوة وراءها دوافع سياسية، لكن أكسفورد كانت تضم عددا من الشخصيات البارزة ~~التي تتمتع بالجرأة الكافية للتمسك بالتوجه الملكي. # لم يمض وقت طويل على وصول لوور إلى أكسفورد، حتى التقى بالطبيب وعالم التشريح ~~والكيمياء الإنجليزي توماس ويليس. كان الاثنان على وفاق وألهم كل منهما عمل الآخر. فكان ~~ويليس يولد الأفكار، بينما كان لوور يطور مهارات تشريح ساعدت على اختبار تلك الأفكار. ~~في الواقع، كان ويليس من أول من أقروا أنه ms053 لولا لوور لما وصل كثير من أفكاره إلى أي ~~شيء. ففي كتابه «تشريح الدماغ» يقول: # لكن في سبيل إتمام هذه المهمة، لم يكن لدي الوقت الكافي وربما لم تكن لدي ~~القدرة الكافية؛ لذا لم أتحرج من أن أطلب العون من الآخرين. فاستعنت بمساعدة ~~ريتشارد لوور؛ وهو طبيب واسع الاطلاع، وعالم تشريح فائق المهارة. وأعترف أن حدة ~~مشرطه وحدة ذكائه مكنتاني من دراسة كل من التكوين والوظائف في الجسم الذي كانت ~~أسراره غير معروفة من قبل. # وفي 17 فبراير عام 1653 نال لوور درجة البكالوريوس، وفي يونيو التالي ~~نال درجة الماجستير. وكان ذلك هو العام نفسه الذي أعلن فيه كرومويل نفسه سيدا حاميا ~~لإنجلترا. # استغل لوور الشغوف بالتعلم الفرصة ليوسع نطاق معارفه بالدراسة مع الكيميائي بيتر ~~شتايل عندما نزل بأكسفورد عام 1659. وكان بويل قد دعا بيتر - الذي كان يعيش في ~~ستراسبورج في مملكة بروسيا قبل ذلك - ليأتي إلى أكسفورد، وذلك رغم اعتقاد كثيرين بأن ~~الكيمياء لم تكن سوى ضرب من السحر ليس في جعبتها كثير لتقدمه للعلم الحقيقي. آنذاك كان ~~مجال الكيمياء لا يزال مرتبطا في رأي كثيرين بالخيمياء ارتباطا وثيقا. لكن بويل ~~اختلف معهم، حيث اعتقد أنه إذا مورست الكيمياء كما ينبغي، فستصبح فرعا من الفلسفة ~~الطبيعية، وإذا مورست جيدا، فمن الممكن أن تكون أساس كل الجهود العلمية. وكان يتشوق ~~بلا شك لمعرفة تطور المجال في القرن اللاحق. # كما بدأ لوور بتشجيع من رين وبويل في دراسة الحقن، ومع توجيه بويل صار لوور متحمسا ~~لإمكانية أن يحل الحقن في الدم محل تناول الطعام. وفي عام 1662، كرر تجربة بويل السابقة ~~حيث حقن ربعي جالون من مياه آبار تانبريدج ويلز في كلب. وفي ذلك الوقت، كان الطلب على ~~المياه الجوفية كبيرا نظرا لخصائصها العلاجية. وبعد فترة قصيرة «تبول الكلب» وأصبح ~~لوور مقتنعا بأنه قادر على إبقاء الكلب حيا «بدون اللحم، من خلال حقن كمية مناسبة من ~~المرق مضاف إليها النترات لتكون حامضية الطعم مثل الكيلوس باستخدام إبرة في ~~الوريد». # وكتب لوور لبويل ms054 في 18 يناير 1662 مقترحا أنه ربما من الممكن زرع أنبوب دائم يمكن من ~~خلاله إدخال السوائل إلى جسم المريض، ليتخلى بذلك عن الحاجة لفتح جرح جديد في كل مرة ~~يحتاج فيها إلى العناصر الغذائية. وبذلك حلم لوور بالإجراء الذي أصبح فيما بعد جزءا ~~أساسيا من العلاج في وحدات العناية المركزة؛ وهي عملية جرى تحسينها ويطلق عليها اسم ~~التغذية الكاملة بالحقن. # وفي عام 1664، تقدم لوور بأفكاره خطوة إلى الأمام بحقن نصفي لتر لبن في كلب؛ لكن ~~الكلب مات في غضون ساعة. وعند فحصه عن كثب، اكتشف لوور أن العروق انسدت «بالدم المختلط ~~باللبن وكأنهما تخثرا معا». وكان استنتاج لوور هو أن الاختلاف كبير بين الدم واللبن، ~~وأنه يجب أن يستخدم سائلا أقرب شبها بخصائص الدم من أجل نجاح هذه التجربة. # لم يكن هناك سائل أشبه بالدم من الدم ذاته. إلا أن الدم ليس بالسائل الذي يسهل ~~التعامل معه. فكل الفلاسفة والعلماء الذين عكفوا على دراسته اصطدموا بمسألة تغير ~~طبيعته في غضون دقائق من استخراجه من الجسم؛ سواء أكان جسم إنسان أم جسم حيوان. في داخل ~~الجسم يظل الدم سائلا، لكن بمجرد خروجه من الجسم يتحول إلى كتلة حمراء متجلطة وسط كمية ~~من سائل بلون القش أو اللون الوردي الباهت. # وحسبما ذكر أبقراط، كان هذا دليلا واضحا على أن الدم حتما يفسد عند إخراجه من ~~الجسم، واتفق معه معظم أطباء القرن السابع عشر، بل أضافوا أن هذا التلوث كان سببه ~~فقدان الحرارة وفقدان الحياة؛ إذ إن إبقاء الدم دافئا باستخدام لهب شمعة أو شعلة نار ~~صغيرة لم يمنع التجلط، فكان من الواضح أن جسم الحيوان الحي يمنح الحرارة الضرورية بنحو سحري؛ إنها حرارة القلب الغامضة. # ظل لوور منشغلا بعمليات التشريح والتجارب ودراسة الكيمياء معا، وفي عام 1665 - مع ~~اجتياح الطاعون للندن وجنوبي إنجلترا - نشر كتابه الأول «أصل الحمى». وفيه ذكر اكتشافه ~~المثير؛ وهو أن لون الدم يتغير عند مروره في الرئتين والقلب. بعدها انتقل إلى قضية مهمة ~~أخرى طرحها هارفي؛ إذ ms055 كيف كان نوعا الدم - الدم الوريدي الأزرق والدم الشرياني الأحمر ~~- هما الشيء ذاته؟ # شكل 3-2: ريتشارد لوور (1631-1691) عالم التشريح. وهذه لوحة زيتية رسمها جيكوب ~~هوسمانس. نسخ بتصريح من مكتبة الصور الطبية التابعة لمؤسسة ويلكوم ~~تراست. # سيدهشك أن ترى كيف أن الظنون كانت توجه كثيرا الملاحظات. فمنذ نشر كتاب هارفي ~~الشهير، اجتهد كثيرون في شرح دور القلب. ولم يزل معظم العلماء يؤمنون أن دوره الرئيسي ~~هو إكساب الدم الحرارة وأن هذه الحرارة التي تحمل الحياة كان يعتقد أنها ستكون تفسير ~~التغيرات التي تطرأ على طبيعة الدم. كان هذا الاعتقاد منطبعا في ذهن لوور وهو يفحص ~~القفص الصدري في حيوانات مختلفة، محاولا فهم ما يجري بها. ولم تكن المهمة سهلة. ~~فبداية، تتمدد الرئتان مع تكون فراغ جزئي بين الرئتين والغشاء الداخلي للقفص الصدري؛ ~~غشاء الجنب. ويحدث ذلك مع كل نفس؛ حيث تنقبض العضلات بين الضلوع لتوسع القفص الصدري، ~~وينقبض الغشاء العضلي المكون للحجاب الحاجز ويسحب نفسه للأسفل. وما إن شق لوور القفص ~~الصدري، سمح للهواء بدخول تلك الفجوة وقضى على ذلك الفراغ، ومن ثم منع الرئتين من ~~التمدد. # ومع عدم دخول الهواء إلى الرئتين، تنخفض قدرة الدم على التزود بالأكسجين؛ لذا لا ~~يتغير لون الدم الذي يدخل إلى الرئتين عن الدم العائد إلى القلب كثيرا. وكثيرا ما ~~يواجه العلماء هذا التحدي؛ إذ بمجرد أن يحاولوا قياس شيء، ينتهي بهم المطاف على نحو شبه ~~دائم إلى إفساده. ولم يكن ذلك بالشيء السيئ إذا كانوا على علم بالمشكلة؛ إذ يمكن توفير ~~البدائل لها. لكن لوور إذ لم يكن مدركا وظيفة الرئتين لم يكن في وضع يسمح له بحل ~~المشكلة. فالحصول على قياسات صحيحة دائما ما يكون في غاية الصعوبة، ولم يتمكن لوور من ~~إجراء التجربة على نحو صحيح إلا بعدما بدأ يستخدم منفاخا لضخ الهواء إلى الرئتين في ~~أثناء التجارب. # أما المشكلة الأخرى التي كان على لوور - مثل غيره من علماء التشريح - أن يتجاوزها فهي ~~أن الأعضاء في منطقة الصدر كانت متزاحمة، وكان ms056 الجزء العلوي من القلب متواريا خلف فصوص ~~الرئتين. وتلك هي المنطقة التي يتصل فيها أربعة أوعية دموية كبيرة بالقلب. والأوعية ~~الدموية في هذه النقطة قصيرة وقابلة للتمزق إذا جرى جذبها أو التعامل معها بخشونة. ~~وواجه لوور صعوبة كبيرة في رؤية تلك الأوعية الدموية في حيوان على قيد الحياة رغم أنه ~~كان على أتم الاستعداد لإجراء تشريح هو الأشنع للكلاب البائسة التي ساقها سوء حظها ~~إليه. # لذا أجرى لوور التجربة دون أن يضع في اعتباره ملاحظة تغير لون الدم في أثناء مروره ~~عبر الرئتين، وعليه لم يكن من المستغرب كثيرا أنه لم يلاحظه. وفي المقابل لم يلاحظ ~~تغير لونه إلا بعد خروجه من البطين الأيسر للقلب. ويبين هذا أنه غالبا في ميدان ~~العلم يمكن ألا ترى أوضح الأشياء إن لم تبحث عنها. # وفي ضوء ذلك، بدا أن ملاحظات لوور الدقيقة تقدم دليلا جديدا يدعم النظرية القائلة ~~بدور القلب في تغير الدم من حالته الوريدية إلى حالته الشريانية، رغم أنها لم تفسر ~~الطريقة العلمية لتغير اللون. وكتب لوور إلى بويل في 24 يونيو 1664 - وهو سعيد بهذا ~~الاكتشاف - قائلا إنه كان ينوي معرفة «السبب في اختلاف لون الدم بين اللون الأحمر ~~الوردي والقرمزي واللون القاتم الأميل إلى السواد». واستغرق الأمر عدة سنوات أخرى ~~ليتمكن لوور من حل هذا اللغز. # القليل من النجاح في لندن # كان ثمة آخرون في لندن يتحدثون عن قضيتي الحقن ونقل الدم في غير جدية. فقبل شهر سجل ~~صامويل بيبيس كاتب اليوميات المشهور أنه كان قد حضر عرضا خاصا تمكن فيه كلارك ~~وزملاؤه في الجمعية الملكية من قتل كلب عن طريق حقن الأفيون في قائمته الخلفية. لكن لم ~~يبد أن بيبيس كان منبهرا ببراعتهم الفنية: # 16 مايو 1664 # أجبرت على النهوض من أجل الذهاب إلى رؤية دوق يورك في سانت جيمس حيث أدينا ~~عملنا المعتاد؛ وبعدها زرنا منزل السيد بيرس الجراح تلبية لدعوته، حيث قابلت ~~زوجته التي لم أقابلها لعدة أشهر ... ولم يمض وقت طويل حتى شاهدنا تجربة لقتل ms057 ~~كلب عن طريق حقن الأفيون في قائمته الخلفية. وقد فشل هو والدكتور كلارك فشلا ~~ذريعا في إصابة الوريد، ومن ثم لم ينجحا في التجربة بعد محاولات كثيرة؛ لكن مع ~~الكمية الصغيرة التي تمكنا من إدخالها نام الكلب فورا وظل راقدا إلى أن ~~شرحه. وكان هناك كلب آخر صغير جعلاه يبتلع الأفيون فترنح في البداية، وفقد ~~وعيه، وظل نائما؛ ولا أعلم ما إذا كان قد أفاق بعد مغادرتي أم لا؛ لكن هذا كان ~~تأثيرا غريبا ومفاجئا. # يقدم بيبيس باعتباره مراقبا ذكيا ومهتما عرضا قيما للطريقة ~~التي نظر بها العامة إلى تلك المساعي العلمية. كان يشعر بحماسة واضحة لعديد من التجارب ~~التي شهدها، ورأى أنها كانت أفضل أوقات الترفيه في أسبوعه. إلا أن تدويناته المختلفة ~~التي تتناول تجارب علمية في مذكراته تبين أن بيبيس كان مهتما بالعرض أكثر من اهتمامه ~~بالمبادئ الأساسية التي يقوم عليها. ومثل عديدين من متابعي التجارب العلمية منذ ذلك ~~الوقت فصاعدا، كان مهتما بما يمكن للعلم فعله في ضوء التكنولوجيا القابلة للاستخدام ~~أكثر من التفاصيل المعرفية الدقيقة التي تشكل أساسا لها. # الخطوات الأولى # ظل مركز إنجلترا السياسي والفكري بين الدول يتغير خلال العقود القليلة السابقة، وفي ~~عام 1665 وقعت البلاد في الفوضى مرة أخرى. فلم يكد تشارلز الثاني يعلن نفسه ملكا في ~~لندن حتى ضرب الطاعون المدينة وفر الناس. وسرعان ما وجد لوور أن أعدادا متزايدة من ~~الأكاديميين وأعدادا كبيرة من الحاشية الملكية تتوافد إلى أكسفورد. # وصل بويل إلى أكسفورد في منتصف يونيو مباشرة بعد انتهائه من اجتماع في الجمعية ~~الملكية طرح فيه ويلكنز فكرة حقن الدم. وفي ظرف أيام كان قد اجتمع مع لوور لبحث كيفية ~~إجراء نقل الدم بين الحيوانات. # زعم لوور أن فكرة نقل الدم خطرت بباله عندما كان يحقن محاليل مختلفة في أجسام ~~الحيوانات خلال اجتماعات عقدت في أكسفورد، وسجل سلسلة الأحداث التي تلت ذلك في الفصل ~~الرابع من كتابه «علاج القلب» الذي نشر لأول مرة عام 1671. وقال إنه «رغم أنه لا يوجد ~~عذر ms058 يبرر القفز إلى استنتاجات من تجربة واحدة، إلا أنه وبينما كنت أدخل سوائل غذائية ~~مختلفة، لاحظت أن دم الحيوانات المختلفة يختلط بسلاسة ... وخطرت الفكرة ببالي. فتساءلت إن ~~كان من الممكن خلط كمية أكبر من الدم من حيوانات مختلفة دون تغيير حالته بأي ~~شكل.» # كان لوور أكثر إدراكا من أغلب الناس بقدر سرعة تجلط الدم بمجرد خروجه من الجسم: «بدا ~~أنه ربما يكون من الأفضل نقل الدم غير المتجلط من حيوان حي يتنفس إلى حيوان آخر». كما ~~أدرك أنه إذا قطع الوعاء الدموي الصحيح فإن كل الدم في جسم الحيوان سيندفع إلى الخارج ~~في لحظات. وقال: «في أولى محاولاتي لنقل الدم، استخدمت أنبوبا رفيعا لتوصيل الوريد ~~الوداجي من كلب بالوريد نفسه لدى كلب آخر. لكن التجربة باءت بالفشل؛ فالدم يسيل من ~~الأوردة ببطء؛ لذا فقد تجلط فورا في الأنبوب وسده.» # 5 # عند هذا الحد تنتهي تقريبا قصة نقل الدم في إنجلترا. وخلال فصل الصيف، أخذ لوور ~~ونديمه أنطوني وود يبحثان احتمال زواج لوور بالسيدة اتش - وهي أرملة في البلدة. وكانت ~~السيدة اتش تسكن في جارسينجتون القريبة، وكتبت في 8 أغسطس 1665 رسالة تعرب فيها عن ~~رفضها عرض لوور للزواج. من غير المرجح أن يكون قلب لوور قد انفطر، لكن المؤكد أن آماله ~~بالتخلي عن العزوبية وإيجاد زوجة ثرية قد تحطمت مؤقتا. فكان الحل أمامه هو العودة إلى ~~موطنه، إلى كورنوول. وبعد يومين من تلقي لوور الرفض التقى هو ووود وعدد من الأصدقاء في ~~قلعة تافرن وشربوا نخب لوور متمنيين له التوفيق في مسعاه. # وقد أحبط ذلك بويل إحباطا شديدا. فقد كانت خبرة لوور ضرورية لأي عمل يتعلق بالحقن ~~أو نقل الدم، ومن ثم توقفت التجارب بمغادرته. وزاد شعوره بالإحباط من عدم القدرة على ~~مواصلة هذا العمل في 25 سبتمبر 1665 عندما وصل الملك وحاشيته إلى أكسفورد ومعهم نسخة من ~~كتاب ألماني نشر مؤخرا. وتضمن كتاب «الحقن الحديث» الذي كتبه يوهان سيجيسموند إلشولتس ~~وصفا مفصلا لحقن محاليل مختلفة في أجسام المرضى. كان ms059 من الواضح أن ثمة آخرين في أرجاء ~~القارة مشتغلون بدراسة هذه القضية، وكانت إنجلترا معرضة لخطر فقدان مكانتها الريادية ~~في البحث في مجال الدم. # مع ذلك - على المدى القصير - لم يكن بإمكان بويل فعل الكثير إزاء هذا الشأن. إضافة ~~إلى ذلك، خلق قدوم الملك إلى أكسفورد مشكلة جديدة تتمثل في رجال الحاشية. فقد كانوا في ~~كل مكان، بل الأسوأ - عند بويل - أنهم عكفوا على زيارته. ربما لم يكن لديهم ما يفعلونه ~~طوال اليوم، لكن بويل كان لديه عمل سيؤديه. وكان عليه طلب العلم. وفي النهاية سئم ~~المقاطعة المستمرة لعمله ففر من المدينة في منتصف نوفمبر، وانتقل إلى ستانتون سانت ~~جون، وهي قرية تقع على بعد ثلاثة أميال شمال شرقي أكسفورد. وهناك نسي كل أفكاره حول ~~نقل الدم، وانشغل بتدوين الاكتشافات التي توصل إليها جراء سلسلة من التجارب الهادفة إلى ~~فهم الضغط الجوي والهيدروستاتيكا أو علم توازن السوائل. # الفصل الرابع # | المجتمع العلمي # لم يضيع جون باتيست دوني وقتا طويلا بعد وصوله إلى باريس عام 1664 ليصبح خيطا من نسيج ~~الحياة الأكاديمية. وبحلول عام 1665، كان قد نصب لنفسه مكانة بوصفه أستاذا جامعيا، ~~وتعرف إلى دائرة المفكرين الديكارتيين. كان صغيرا لامع الذكاء ومتشوقا للدخول إلى لب ~~القضايا الجدلية الهامة وحفر اسمه في تلك المدينة المزدهرة. # لا بد وأن «الموقع ثم الموقع ثم الموقع» - وهو على ما يبدو العامل الجوهري والأكثر ~~تأثيرا عند افتتاح أي متجر، كان على رأس ما وضعه دوني في اعتباره عند بحثه عن منزل. ووقع ~~اختيار هذا الشاب الطموح على شقة في بناية من أربعة طوابق تطل على طريق أوجستين (طريق جراند ~~أوجستين في يومنا هذا) وهو الطريق المحاذي لضفة نهر السين على الجهة المقابلة لبلاس دو ~~دوفين في جزيرة إيل دو لا سيتي، حيث برج كنيسة سانت شابيل المذهل يكاد يلامس عنان السماء. ~~كان من السهل الوصول إلى ذلك المكان الذي يقع بالقرب من نهاية جسر بونت نوف وفي نهاية ~~الطريق القادم من جسر سانت ميشيل. كما كان المكان ms060 ساحرا؛ فبالنظر إلى اليسار من النوافذ ~~الممتدة من الأرضية حتى السقف ترى واجهة اللوفر المحاذية للنهر؛ أما إلى اليمين، فتستحوذ ~~كنيسة نوتردام على المنظر. # كان اختيار دوني للموقع جزءا من خطته لتحقيق الشهرة من خلال إلقاء المحاضرات؛ وقد نجحت ~~بالفعل. فقد امتلأت محاضراته بالحضور، ولمع نجمه، ولم يستغرق الأمر طويلا قبل أن يدعوه ~~مونتمور إلى الانضمام إلى دائرته. فرحب دوني بالدعوة أشد ترحيب؛ إذ لم يكن الأمر يقتصر على ~~الاحتكاك بمجموعة من المفكرين، بل كان من المعروف عن مونتمور كذلك أنه يعطي المال مكافأة ~~لمن يجرون عملا مثيرا للاهتمام. ربما كانت الشهرة هدف دوني بعيد الأمد، لكن في ذلك الوقت ~~كانت النقود تشكل له منفعة كبيرة. # لقد كانت مجموعة مونتمور ذاتها نتاجا لثورة هادئة في الأنماط الفكرية. وبينما يستحيل ~~تحديد اللحظة التي بدأت فيها تلك الثورة، إلا أنه يصح القول إن الفيلسوف ورجل الدولة ~~الإنجليزي فرانسيس بيكون هو من دفع عجلة التغيير. تخلى بيكون عن المنطق الأرسطي لصالح مذهب ~~يبحث عن الدليل المادي لبناء النظريات - متنكرا بذلك للقرون السوالف. وأصر على تفسير جميع ~~الشواهد في التجارب وعدم تجاهل أي بيانات يمكن ألا تتواءم مع نظرية مفضلة. # كانت هذه المنهجية الجديدة المتمثلة في التشكيك في أنفسنا وفي العالم من حولنا تتطلب ~~منهجية جديدة متمثلة في مناقشة الأفكار ونشر المعرفة. فشرع المهتمون بالفلسفة في جميع أنحاء ~~أوروبا يتجمعون في عدد من النوادي غير الرسمية. وفي عام 1603، أنشأ الفلاسفة الإيطاليون ~~أكاديمية دي لينشيي في روما ، وما لبث الفرنسيون أن أنشئوا أكاديمية فلوريمونتان دانيسي في ~~عام 1606. والهولنديون لكيلا يشذوا عن الجميع أنشئوا الأكاديمية الهولندية في أمستردام عام ~~1617، وفي العام نفسه بدأت جماعة فروخت برينجنده الألمانية في الاجتماع. في واقع الأمر، ~~كانت كل أكاديمية تضم في الغالب مجموعة من الأصدقاء المحليين الذين اهتم بعضهم بالتواصل مع ~~أعضاء النوادي الأخرى. وفي عام 1635، أنشأ الفرنسيون أكاديمية وطنية: الأكاديمية الفرنسية، ~~وتمنى مؤسسوها أن تصبح نقطة التقاء لجميع المفكرين في فرنسا. # كانت المشكلة أن هذه الأكاديميات كانت تتأسس على ms061 يد الأشخاص المرموقين؛ بمعنى أصح أهل ~~الثروة وأهل النفوذ. فبينما كانوا يتكلمون عن التحرر، كانوا يميلون بشدة لفعل ذلك فحسب: أي ~~الكلام لا شيء غيره؛ لذا لم يكن هناك أي محاولة كبيرة لإجراء التجارب التي تخيلوها في أوقات ~~فراغهم وناقشوها بصورة مطولة في عروضهم. # وخلال عقد من الزمان، انفصل عدد كبير من الأعضاء الأحدث سنا الذين كانوا مهتمين أيضا ~~بالفلسفة والعلوم عن الأكاديمية الفرنسية لما سئموا الخطابات المطولة المضيعة للوقت التي ~~كان يلقيها أساتذتهم الذين قضوا معظم وقتهم يتجادلون حول التفاصيل الدقيقة للكلمات الملفوظة ~~بدلا من محتواها الواقعي. وغالبا ما يقتصر الأمر على قراءتهم أبحاثا شكلية مطولة تاركين ~~وقتا قصيرا للتفاعل. وتلخص طبيعة الخلاف المتزايد على نحو رائع في خطاب عالم الفلك ~~وعالم المكتبات اللامع إسماعيل بوليالدوس إلى عالمي التاريخ بيريسك وبيير دوبويس: # 14 أكتوبر 1645 # كنت أحب أن أرى هذه الشوارب التي تتحدثان عنها في تلك المخطوطات لكي أؤنب ~~أصحابها. فهؤلاء الحثالة ذوو الكلمات المنمقة يسعون إلى الحكم على ما لا يفهمون. ~~سوف تريان أن هذه الأكاديمية ستصبح حاضنة للهمجية وستكبت بكل إمكانياتها علوم ~~اللغات والحروف؛ ذلك لأن من هم على استعداد لتحمل مشقة الدراسة قلة. وسيقتصر تعليم ~~المفكر وقدراته على كتابة علامات الترقيم وكتابة قصائد الروندو. إنهم يستغرقون ~~ثلاثة أسابيع أو شهرا في تناول شيء تافه يمكن حسمه في طرفة عين، ويحبون استعراض ~~أنفسهم في صالونات سيدات باريس اللاتي يعجبن بالمظاهر. وإن خير نصيحة كانت ستسدى ~~لرئيس هذا التجمع الشهير (المستشار سيجير ) هي فض هذا التجمع، حينئذ سيكون فعله ~~مبررا، وسيصيبه سخط كبير بعد أن أنفق كل ما أنفق، وبعد إرساله خادما مخصوصا ~~لاستعادة كتب قد تكون أنفع للعوام من أي شيء خرج من أيادي أولئك المفكرين. # وبعد هذا الاتهام بأن الأكاديمية كانت في الأساس مجموعة من ~~الأشخاص المغرورين عديمي الفائدة، يخشى بوليالدوس من أن يكون قد تمادى في الإساءة ويتابع: # لكن كل هذا يقبع تحت غطاء السرية، ولا أستثني أصدقائي في اللجنة. فلا أريد أن ~~يروا ما ms062 أكتب إليكما، بل سيكون من دواعي أسفي الشديد أن يطلع السيد دي لا موتيه ~~الذي أوقره وهو اللبيب الذي يتذوق الأدب على هذا الجزء من خطابي. ولست أتحدث عنه ~~ولا عن دابلانكورت. # 1 # سرعان ما برز أحد أسماء الذين سخطوا على الوضع القائم، وهو هنري لوي هابرت دو مونتمور. ~~فقد اجتمعت فيه الخصال الأساسية لمجدد القرن السابع عشر. لقد كان ثريا وعلى علاقة ~~بالدوائر الملكية، ويحب الاختلاط بأهل الفضول، وفوق ذلك امتلك منزلا في وسط باريس ~~كان بمثابة ملتقى رائعا. # اكتسب مونتمور نفوذا بسبب كرم ضيافته، وكان هذا وحده كفيلا بتلقيه الثناء برغم وجود بعض ~~الشكوك حول كونه ألمع عقول أهل الأرض؛ إذ ذكر أحد المعلقين أنه كان يتمتع ب «ذوق في ~~الخطابات» وهو ما يوحي بأنه كان يعتمد على الإسهاب الذي كان مزعجا. كما اتهم كذلك ~~بمواجهة صعوبة في التعبير عن نفسه وبأنه كان بطيئا وطيعا ولم يكن يعبأ كثيرا ~~بواجباته. # لكن أحد معاصريه الآخرين كان أكثر لطفا، حيث ذكر أن مونتمور كان يحب قضاء الوقت مع أهل ~~الأدب والعلم، وأنه كان ألمعيا وكتب عددا من المقالات المهمة باللاتينية. # 2 # لكن الإطراء انتهى عند هذا الحد؛ إذ استطرد المعلق قائلا إن أعمال مونتمور ~~فشلت لأنه حار أمام دقائق الجدل وأحاط الغموض وعدم الوضوح بموضوعاته: # لم نر أيا من كتاباته مطبوعة، برغم ما قيل من أن كثيرا من أعماله بدأت بصبغة ~~فلسفية. هو يدرس المنهج الديكارتي، وتقول الشائعات إنه لم يؤسس أكاديمية في منزله ~~إلا ليرسخ هذا المنهج الجديد وينسف المنهج الأرسطي الذي وجد فيه متناقضات ~~جوهرية. # 3 # القواعد والأسبقية والحقيقة # بغض النظر عن أي نقاط ضعف شخصية، وجد مونتمور نفسه في طليعة الثورة الفكرية، ويمكن ~~اعتبار مجموعة مونتمور من جوانب عدة بداية رعاية المؤسسات للعلم. فقد أتاحت ثروة ~~مونتمور له أن يستقطب البارعين حتى وإن كانت مواردهم المالية قليلة، بدلا من أن يقصر ~~العضوية على هؤلاء الشغوفين والأثرياء في الوقت ذاته. وعلى هذا النحو، انضم أمثال دوني ~~وإميري إلى ms063 هذا الملتقى تحت الرعاية المباشرة لمونتمور. # وخلال سنوات التوسع 1653-1664، كانت تلك المجموعة تجتمع بانتظام - في البداية مساء كل ~~جمعة، لكن مع زيادة الاهتمام، باتوا يلتقون في أمسيات الثلاثاء أيضا. دعي دوني ~~للانضمام عام 1664 ليشهد نشاط المجموعة قبل أن يبدأ في الخفوت. وكان هدف المجموعة ~~واضحا: فقد أراد مونتمور أن يضطلع بدور ورغب في أن يشارك في جهود استكشاف آلية سير ~~العالم الذي خلقه الرب. وفي سبيل ذلك أراد مونتمور أن يهيئ بيئة للجدال المنهجي لا ~~يعرقلها المهتمون بالجدل على حساب تحقيق تقدم في موضوعات المناقشة. ولوقاية المجموعة من ~~الوقوع في فخ المناهج القديمة، وضعت مجموعة من القواعد لتحكم عمل جلسات ~~المناقشات: # القاعدة الأولى # يجب ألا تتحول الملتقيات إلى استعراض للقدرات العقلية يضيع وقت الجميع في مناقشة ~~تفاصيل لا داعي لها، بل ينبغي للمناقشة أن تهدف على الدوام لكشف «أوضح التصورات عن ~~خلق الرب». وينبغي أن يعزز هذا التصور القدرة على ممارسة الآداب والعلوم بخلاف ~~تحصيل المكاسب العملية. # القاعدة الثانية # على العضو الذي يترأس أي جلسة أن يحدد موضوع الجلسة التالية. وبعدها يطلب من ~~عضوين محددين أن يعرضا رأييهما. ويقع الاختيار عليهما لكونهما واسعي الاطلاع في ~~مجال المناقشة. ويمكن لباقي الحضور في المجلس أن يعرضوا آراءهم. # القاعدة الثالثة # تقرأ البيانات جهرا، وتدون كتابة كذلك. وتكتب التقارير باختصار قدر الإمكان ~~دونما إسهاب أو اقتباس للمصادر بغير ضرورة. وبمنع الاقتباس من المصادر، منعت ~~القواعد الأعضاء من بناء الأجزاء غير المثبتة في نظرياتهم على مصدر سابق غير قابل ~~للنقاش؛ وبذلك طعنت المنهج الأرسطي بهدوء. وهكذا، إذا طرحت فكرة، فعليك أن تدعمها ~~بالحجة والدليل. # القاعدة الرابعة # يبدأ العضوان المتناظران بقراءة أوراقهما دون مقاطعة. # القاعدة الخامسة # بعد انتهاء كلا المتحدثين من قراءة إسهامه، يعرض كل منهما تعليقاته أو نقده أو ~~إقراره لما قدمه نظيره. وبعد ذلك يقفل باب النقاش في هذا الموضوع في تلك الليلة ما ~~لم يأذن الرئيس علنا باستمرار المناقشة. # القاعدة السادسة # يمكن لمن لا يستطيع الحضور أن يسلم رأيه في الموضوع ms064 المقترح كتابة. # القاعدة السابعة # يشجع الملتقى أعضاءه على مراسلة المتعلمين في فرنسا وخارجها للاستفادة منهم بخصوص ~~الأعمال الجارية أو بخصوص الأعمال المنشورة في الآداب والعلوم. ويبلغ الملتقى بهذه ~~المسائل في نهاية جلساته. # القاعدة الثامنة # بمجرد عقد الملتقى لا يجوز انضمام أي عضو جديد ما لم يوافق على انضمامه ثلثا ~~الحاضرين بعد أن يقدم إليهم طلبا بانضمامه. # القاعدة التاسعة # لا يسمح بدخول غرفة الاجتماع التي تستضيف المناقشة إلا للأعضاء. ويقتصر الملتقى ~~على المهتمين بالعلوم الطبيعية والطب ما لم يكن هناك سبب معين للسماح بحضور ضيف ~~شرف. # لذا فبحلول القرن السابع عشر، ضمت باريس فريقين من الفلاسفة: فلاسفة المجتمع القديم ~~الذين كانوا يلتقون برعاية سفير البندقية، وعرفوا بسلوكهم الحسن وبيئتهم المتجانسة، ~~وفي المقابل عرف فريق مونتمور بحدة نقاشهم. ففي الفريق القديم، اقترنت الوجاهة ~~بالمنصب، أما في فريق مونتمور، فكانت الوجاهة نابعة من الإقرار بأنك أول من قدم فكرة ~~جديدة. وفي بعض الأحيان، كان الصراع على التقدير يتدنى بمستوى الجدل حيث يحاول أحد ~~الأعضاء أن يهدم فكرة آخر لمجرد تخوفه من أن يكون منافسه على وشك إعلان رأي في مسألة ~~يعمل هو فيها. فكان كل فرد يرغب في التوصل وحده إلى الحقيقة، ولم يرد أن يشارك المجد مع ~~غيره. # وعبر حكاية القرن السابع عشر تلك، نرى أن اللاعبين المحوريين بنوا أفكارهم على ما ~~نسميه اليوم الاستدلال المغلوط بجلاء. إلا أن هذا الأساس بدا منطقيا وقتها. وفي حالة ~~دوني ثبت أن الفهم الخاطئ لطبيعة الدم يشكل خطرا كبيرا على كل الأشخاص الذين ارتبطت ~~أسماؤهم بهذا الموضوع؛ وفي بعض الأحيان كانت النتائج صادمة. # منافسون في كل مكان # لم يقتصر التنافس على صالونات باريس. ففي الوقت ذاته الذي كان يناقش فيه مونتمور ~~ودوني وأصدقاؤهما علمهم، جرى نشاط مماثل في إنجلترا. في الواقع، كان التماثل كبيرا ~~لدرجة أن الفرنسيين زعموا أن النادي الإنجليزي اتبع نموذج أكاديمية مونتمور. وكان ذلك ~~حقا رأي الطبيب الفرنسي صامويل سوربيير الذي زار لندن في عام 1663: # إن ملتقى مونتمور هو أصل كل النوادي ms065 التي تأسست من بعده في المملكة، وفي ~~إنجلترا، وفي هولندا، والتي تهدف مثلنا إلى النهوض بعلم الطبيعة وتحسين الفنون ~~الحرة وعلم الميكانيكا. فوفقا للخطة التي وضعت هنا عام 1657، أو جزء منها، ~~يجري هذا العمل في أماكن أخرى؛ من المؤكد أن منسق ملتقانا اللامع كان أول من ~~شجع على الدراسات التي نضطلع بها والفضول لمعرفة المزيد عن خلق الرب، والرغبة ~~في الارتقاء بمستوى اجتهاد البشر، وهما الفكرتان اللتان غفل عنهما كثير من رجال ~~الفكر ومعظم رجال الأدب وكل رجال المنصب تقريبا حتى ذلك الحين. # 4 # وكتب الشاعر والناقد الفرنسي جون شابلان - بأسلوب مشابه - إلى صديقه فرانسوا بيرنييه ~~الذي أصبح فيما بعد طبيبا للإمبراطور المغولي الهندي سيئ السمعة أورنكزيب. وعلق شابلان ~~قائلا إن هناك «عددا كبيرا من سادة ديجبي وموراي وغيرهم من سادة الإنجليز ذوي ~~النفوذ» كانوا يجتمعون في لندن على نحو مشابه لملتقى مونتمور. وبالإضافة إلى ذلك، أشار ~~إلى أن الملك نفسه كان يدعم المشروع الإنجليزي وأن أعضاءه كلفوا بإجراء تجارب تساعد ~~على اكتشاف العالم المادي وفهم العالم السماوي بدرجة أشمل. لقد كان يتحدث عن الجمعية ~~الملكية المؤسسة حديثا. # عندما وصلت تلك الأفكار إلى شمال القنال الإنجليزي عم الشعور بالغضب. وثار أحد ~~الأعضاء المؤسسين لهذه الجماعة الإنجليزية - وهو روبرت هوك - عندما علم تلك التصريحات ~~وغضب من الادعاء بأن الإنجليز كانوا مجرد مقلدين للفرنسيين: «ذلك الكاتب مخطئ فيما ~~يتعلق ببدايات الجمعية الملكية ونشأتها، وهو ما كان سيعرفها معرفة أفضل إن لاحظ ما قيل ~~عنها. لكن ذلك - على ما يبدو - لم يكن يناسب نيته أن ينسب السبق للفرنسيين.» # 5 # إذن لم تقتصر المنافسة على النجاح منذ بداية البحث العلمي المنظم على المشاحنات بين ~~أعضاء ناد أو ملتقى بعينه، بل كانت تزداد حدتها عندما يكون أطرافها أعضاء في مجموعات ~~مختلفة، بل تحتدم إن كانت تلك المجموعات في بلاد مختلفة. ولما كانت البلاد المعنية هي ~~إنجلترا وفرنسا فقد بلغت الخصومة منتهاها. # إلا أن الوقائع الفعلية أكثر تعقيدا؛ حيث قضى أحد أهم أعضاء المجتمع الإنجليزي هنري ms066 ~~أولدنبرج بعض الوقت يتجول في فرنسا في منتصف خمسينيات القرن السابع عشر، ومن المؤكد أنه ~~انضم إلى أكاديمية مونتمور قبل عودته إلى إنجلترا. وبما إنه أصبح عضوا مؤسسا في نادي ~~العلوم الإنجليزي، فيبدو منطقيا أنه ساهم بأفكار عن أساليب العمل استمدها من تجربته ~~في القارة الأوروبية. # نظرة جديدة للقوة # حتى ذلك الوقت كانت صراعات القوة في أوروبا تحت هيمنة الكنيسة والدين المنظم. وكان ~~وضع أساس للعلوم المنهجية إحدى وسائل كسر قيود الماضي والتقدم نحو الأمام. وبينما أجبرت ~~الفلسفة في السابق على الركوع أمام مذبح الكنيسة، تجرأ الناس في ذلك الوقت على تصور ما ~~لا يمكن تصوره. فمنذ عهد الباحث والفيلسوف وعالم اللاهوت الإيطالي توما الأكويني، تبنت ~~الكنيسة الرومانية الكاثوليكية مذهب أرسطو. ومن ثم أصبحت تعاليم أرسطو على درجة من ~~القداسة تقارب الإنجيل نفسه. كان التشكيك في الأفكار الراسخة لا يزال مكافئا للتشكيك ~~في العقيدة، وقد علق كثيرون على الأوتاد وأحرقوا بسبب جريمة الهرطقة المشينة تلك. ~~لكن ذلك لم يمنع أهل المغامرة من توسيع حدود المعرفة، لكنه أجبرهم على الحذر من الكنيسة ~~للتأكد من أنهم لم يستنفدوا صبرها. # لا يعني هذا أن العلماء الأوائل أرادوا هجر الدين والكفر بالرب؛ بل العكس تماما. فقد ~~كان كثيرون منهم شديدي الإيمان بالدين تحركهم الرغبة في نقل معرفتهم بالرب إلى العالم ~~أجمع. فقد آمنوا بأن خدمة الرب على خير وجه كانت بالدراسة الدقيقة لخلقه. # الفكر الإنجليزي # من بين الأسباب التي دفعت هوك للامتعاض من الإيحاء بأن الإنجليز قلدوا الفرنسيين هو ~~أن العلوم الإنجليزية كان لها تاريخها . ففي عام 1645، بدأت مجموعة من الفلاسفة في عقد ~~اجتماعات في لندن. وكان من بينهم شخصيات من أمثال ويلكنز وجون واليس وجوناثان جودارد. ~~وكان اشتراك جودارد على وجه الخصوص في المجموعة مفيدا حيث إنه كان أحد أطباء أوليفر ~~كرومويل، وفي ظل سلطة كرومويل في البلاد، كان من المفيد استقطاب أحد رجاله إلى جانبك. ~~وكانت المجموعة تعقد لقاءاتها أحيانا في منزل جودارد في وودستريت بلندن، وأحيانا في ~~شارع تشيبسايد وفي بعض ms067 الأوقات في كلية جريشام. وفيما بين عامي 1648 و1649، تفرقت ~~المجموعة؛ إذ أدت عوامل السياسة القومية وارتفاع مستويات معايشهم الشخصية إلى انتقالهم ~~للعيش في أكسفورد أو كامبريدج أو أيرلندا. # وكان على الفريق - شأنه شأن نظيره الفرنسي - أن يحدد موقفه بالنسبة إلى أرسطو. فقد ~~عانى الفريق الأمرين في سبيل التأكيد على أنهم لم يسعوا إلى التقليل من شأن أرسطو، حيث ~~إن أعماله كانت تدرس في المدارس على مدار قرون وكان لها أفضل الأثر. وذكر ويليس ~~باعتباره أحد الأعضاء المؤسسين أن أرسطو كان رجلا عظيما وباحثا فريدا في أمور ~~الطبيعة، لكن - ولا بد من «لكن» - الحياة تطورت من بعده. واتفق الأعضاء على أنه من ~~المستحيل أن تجتمع كل المعرفة لدى شخص واحد، ولا حتى أرسطو؛ لذا كان أمامهم ما يقدموه، ~~وكذلك من سيأتون بعدهم. # كانت الحياة في إنجلترا في ذلك الوقت معقدة جدا. فبجانب المشاركة في الثورة الفكرية ~~الأوروبية كان أمام كل من عاش على تلك الجزيرة بالتحديد التعامل مع ثورة فعلية. فقد ~~اندلعت الحرب الأهلية الإنجليزية في أغسطس عام 1642، وانتهت باستسلام الملك تشارلز ~~الأول في المقر الملكي بأكسفورد؛ وشهد العام 1649 إعدام تشارلز الأول وإعلان إنجلترا ~~جمهورية. وبعد بضع سنوات أصبح كرومويل السيد الحامي ودخل الإنجليز في حرب مع ~~الهولنديين، وتورطوا في صراع مع الإسبان، وكانوا تارة يدخلون في مناوشات مع الفرنسيين ~~وتارة يعقدون معهم تحالفات، واستخدموا القوة ليفرضوا السيطرة على أيرلندا. # كان العمل والقتال يسيران جنبا إلى جنب. وفي عام 1657 ذهب رين، وهو عضو محوري من ~~النخبة، إلى محل عمله ذات صباح ليكتشف أنه لا يستطيع الدخول: # بالأمس، الذي كان أول يوم في الفصل الدراسي، كنت عازما على إجراء تجربة [في ~~مجمع جريشام]. لكن رجلا ببندقية أوقفني عند البوابة وأخبرني بأنه ممنوع الدخول ~~لهذا الغرض؛ إذ تحولت الكلية إلى ثكنة عسكرية. # 6 # وفي عام 1660 تبدلت الأحوال السياسية مرة أخرى، واعتلى الملك تشارلز الثاني - ابن ~~تشارلز الأول المنكوب - العرش. وعادت الملكية الإنجليزية من جديد. وحان الوقت لهؤلاء ~~الذين قدموا ms068 الدعم المخلص للملكية لأن يتنفسوا الصعداء وأن يستفيدوا ما استطاعوا من ~~الوضع الجديد، كما حان الوقت ليغير من ناصروا كرومويل ولاءهم وأن يغيروه بسرعة. وقد جلب ~~البلاط الذي استعاد الملكية لإنجلترا معه الأزياء الفرنسية، وسرعان ما بث ذوقا جديدا ~~في الألوان والمرح في المشهد الاجتماعي البيوريتاني الذي اعترته الرتابة. وسرعان ما ~~عرف تشارلز بحبه للترفيه وكان يتواجد في بيوت الدعارة ذات المستوى الرفيع بقدر وجوده ~~في مقر البلاط الملكي. # وبعد أن أصبحت لندن أكثر أمنا أخذت مجموعة جديدة في الظهور. وعقدت هذه المجموعة ~~لقاءاتها أيام الأربعاء في كلية جريشام وكان من بين المجتمعين أشخاص من أمثال رين، الذي ~~أصبح اسما مألوفا خلال فترة قصيرة. وبحلول عام 1660، بدأت المجموعة تتخذ طابعا ~~رسميا، وطلب من الأعضاء الأربعين المساعدة في التمويل، حيث يدفع كل فرد رسم انضمام ~~قدره 10 شلنات ثم يدفع شلنا واحدا في الأسبوع لتدبير النفقات المستمرة. # وفي 28 نوفمبر1660، بعد إحدى محاضرات رين المنتظمة أيام الأربعاء في كلية جريشام، ~~اجتمع 14 رجلا وشكلوا نواة منظمة جديدة. وحدث التقدم الكبير بعد عدة أسابيع عندما جاء ~~السير روبرت موراي في الخامس من ديسمبر بنبأ معرفة الملك بالجمعية ورغبته في المساعدة. ~~إلا أن الملك لم يمنح المجموعة لقب الجمعية الملكية إلا في 15 يوليو 1662. وبدت القائمة ~~المعلنة للعاملين بها من أصحاب المقام الرفيع مبهرة ودالة على طبيعة الجمعية. وبينما ~~كانت تسعى بثبات إلى الاكتشاف العلمي، فقد كانت إدارتها تتم بطريقة بريطانية بحتة؛ إذ ~~كانت طبقة النبلاء هي التي تتولى إدارتها. وإذا كان شابلان مخطئا بشأن التأثير الفرنسي ~~للجمعية فقد كان محقا بشأن الطبيعة الأرستقراطية لأعضائها . # صاحب السمو الملكي # إننا نحن رعاياك الذين ندين لكم بالولاء، والذين اجتمعوا على ميثاق جلالتكم ~~وتشرفوا باسم الجمعية الملكية، نتقدم إليكم بصفتكم مؤسس الجمعية المذكورة بخالص ~~الشكر؛ إذ إنها الوسيلة الوحيدة حاليا التي يمكننا بها أن نعرب لسموكم عن ~~الامتنان والعرفان لفضلكم، ونؤكد إجلالنا الدائم لشخصكم الموقر وإخلاصنا في خدمة ~~جلالتكم وعزمنا الراسخ على السعي بكل إخلاص نحو ms069 الغاية التي من أجلها أسستم هذه ~~الجمعية وعلى تحقيق التقدم في معرفة أمور الطبيعة وجميع الآداب النافعة من خلال ~~التجارب؛ وهو منهج معروف عن جدارة بعظمته ومجده ويشتهر بتحقيقه النفع للبشرية، وهو ~~الذي زاد من الإعجاب بكم والثناء عليكم بعد إقراره؛ وهذه الجمعية قد ذاع صيتها ~~بالفعل وعرفت في كل بقاع أوروبا المستنيرة؛ ولا شك أن صيتها سيزداد ذيوعا مع ~~الوقت باستمرار أفضالكم وبجهود الجمعية المكللة بالنجاح بما يرفع قدركم ويعرف ~~برجاحة عقلكم التي دفعتكم لوضع حجر الأساس لأعظم تطور في العلوم والفنون - التي يسع ~~أعضاء الجمعية الوصول إليها - وهو ما لم يفعله أحد من قبل؛ وذلك كي لا يشكو أحد من ~~افتقار مثل هذا المشروع الذي يؤمل دوامه إلى مساعدة وفضل ملك قدير. # مولانا، إن ما يكفل لنا عطاء سموكم ومساعدة جلالتكم التي تزيد إصرارنا وتتعلق بها ~~آمالنا هو أننا في الوقت المناسب سنتمكن من أن نقدم لمعاليكم هدية تختارونها ونجري ~~تجارب مفيدة، وننفذ خطتكم الجليلة؛ إذ تحركنا دوافع قوية عديدة نحو تلك ~~الغاية. # وفي الوقت نفسه، سندعو كل يوم أن يعمكم الرب بفضله وأن ينزل عليكم كل البركات ~~بقدر سعة قلبكم ورفعة شأنكم وثقل حملكم وتعدد فضائلكم وبقدر آمال رعيتكم المخلصين ~~وأمنياتهم. # 7 # كانت استمارة التسجيل ورقة واحدة. وكان في صدارتها اتفاق بسيط بلغة قانونية ~~نموذجية يحدد نطاق التزامات كل عضو. وتتصدر الصيغة نفسها أول كل صفحة مع قبول الأعضاء ~~الجدد، حتى في القرن الحادي والعشرين: # نلتزم نحن الموقعين أدناه، كل بنفسه، بالاجتهاد في سبيل تعزيز مصلحة ~~الجمعية الملكية في لندن، والنهوض بالمعارف الطبيعية، والسعي نحو الغايات التي ~~تأسست من أجلها الجمعية؛ وأن نحضر اجتماعات الجمعية بقدر استطاعتنا وخاصة في ~~الانتخابات السنوية، وفي المناسبات الاستثنائية؛ وأن نلتزم بقوانين الجمعية ~~المذكورة وقواعدها، وفي حال قدم أينا للرئيس في أي وقت إفادة مذيلة بتوقيعه ~~بأنه يرغب في الانسحاب من الجمعية فهو في حل من هذا الالتزام في ~~المستقبل. # 8 # وبعد بضعة أشهر، في 29 أغسطس، أرسلت عريضة رسمية إلى الملك ms070 تشارلز الثاني كتبت بلغة ~~تعتبر متذللة في يومنا هذا، إلا أن الملك لم يكن يتوقع شيئا غير ذلك. ورغم أن تشارلز ~~كان حريصا على وجود جمعية علمية في إنجلترا، فقد كان شديد الانشغال بالحفلات والسعي ~~وراء الترفيه بما لم يمكنه من حضور لقاءاتها. # جمعية ملكية فرنسية # بينما كان دوني متحمسا لدعوته للانضمام إلى جماعة مونتمور، إلا أن هذه الدعوة سرعان ~~ما فقدت جانبا كبيرا من جاذبيتها. ولم يكد دوني يحضر اللقاءات حتى أصبحت اللقاءات ~~متقطعة وغير منتظمة. فقد كانت أكاديمية مونتمور في مرحلة الانهيار. وقد كانت الأكاديمية ~~على شفا الانهيار من قبل في عام 1658 عندما شكك جيل بيرسون دو روبرفال في ذكاء السيد ~~ديكارت، ليضرب سبب وجود الأكاديمية في مقتل. ويبدو أن روبرفال اتهم بأنه قال إن شهرة ~~أكاديمية مونتمور كانت بسبب ثروته ونفوذه، وليس لأن لديه أي فكر يقدمه. # إلا أن الأكاديمية صمدت، لكنها في ذلك الحين كانت تواجه مشكلة جديدة. فقد ألقى ~~الأكاديمي الفرنسي فولتير الضوء لاحقا على هذه الحقبة التاريخية في أحد خطاباته التي ~~حملت عنوان «خطابات عن الأمة الإنجليزية» وكتبت عام 1733. فأوضح أنه في عام 1666 شعر ~~الفلاسفة الفرنسيون بالغيرة من الجمعية الملكية؛ تلك المنظمة الجديدة التي أشار إليها ~~فولتير باسم «ذلك المجد الجديد»؛ إذ أرادوا أن يكون لهم منظمتهم الخاصة بتكليف ملكي، ~~وأقنعوا لويس الرابع عشر بمنحهم الإذن لافتتاح أكاديمية للعلوم. وبعد أربع سنوات من بدء ~~الجمعية الملكية عملها، افتتحت الأكاديمية الملكية للعلوم في فرنسا. # أما بخصوص نشأتيهما فقد ذكر فولتير بعض التعليقات البارعة على أوجه الشبه والاختلاف ~~بين المنظمتين قائلا إن النسخة الفرنسية كانت أقوى لأنها تعلمت من أخطاء سابقتها ~~الإنجليزية. كما طبقت الأكاديمية الملكية الفرنسية للعلوم قواعد أكثر شمولا تحكم ~~أنشطتها؛ كانت الجمعية الفرنسية منظمة كما لو كانت جيشا عالي التدريب، ومن ثم رأى ~~فولتير أن إنجازاتها أرفع مجدا من نظيرتها الإنجليزية التي تفتقر إلى التنظيم ~~الجيد. # لكن الأهم من ذلك هو ما أشار إليه فولتير من أن عضوية الأكاديمية الفرنسية كان ms071 لها ~~امتيازات كبيرة. فكان العضو يتلقى راتبا، وهو ما يعني أن الأكاديمية تقدم الدعوة بناء ~~على الكفاءة وحدها. في المقابل، كانت الجمعية الملكية الإنجليزية تحصل رسوم عضوية من ~~أعضائها لتتحول إلى ناد يجتمع فيه من يتوافر لديهم الوقت والمال. ورأى فولتير أن أي ~~شخص قادر على تحمل نفقات الجمعية الملكية كان يمكنه الانضمام إليها، بينما كانت عضوية ~~الأكاديمية الفرنسية تعتمد على الكفاءة والتعلم فقط. # وبينما كان ذلك بمثابة هدية للبحث العلمي في فرنسا، فقد كان إيذانا باندثار أكاديمية ~~مونتمور، حيث بدل عدد كبير من أعضائها المحوريين ولاءهم. وكان هذا مصدر انزعاج ~~لمونتمور في البداية، لكن الانزعاج سرعان ما استحال غضبا. فعلى الرغم من أنه قدم في ~~سبيل رعاية عالم علمي باريسي جديد ما لم يقدمه غيره، لم تقدم له الدعوة للانضمام إلى ~~النادي الملكي الجديد. فلم يكن هذا تجاهلا غير مقصود؛ بل كان إقصاء متعمدا. وأثر سوء ~~الحظ المضاعف هذا في دوني كذلك؛ إذ لم يدع - كما لم يدع راعيه - للانضمام إلى النخبة ~~الجديدة. وتلقت آماله في الصعود السريع على سلم الشهرة والثراء ضربة قاصمة. وكان من ~~الضروري اتخاذ إجراء حاسم وبسرعة إذا أراد دوني أن يمنع أحلامه من الانهيار. # وعندما أراد دوني أن ينهض من عثرته، كان من الواضح أنه ينبغي أن يتوصل إلى اكتشاف ما ~~أو يخترع شيئا ولم يكن كنه الاكتشاف أو الاختراع ضروريا ما دام نافعا سليما ~~ولافتا للانتباه. وكان عليه أن ينكب على سلسلة من التجارب التي كان من شأنها أن تهز ~~العالم ... أو تهز باريس على الأقل. # الفصل الخامس # | التجارب الإنجليزية في نقل الدم # لو استمرت مجموعة مونتمور في عقد لقاءاتها آنذاك، لسمع دوني على نحو شبه مؤكد بالأحداث ~~التي جرت في إنجلترا خلال العامين 1665 و1666. فقد جرت نقاشات حول العمل الجاري في إنجلترا ~~وقتها خلال الاجتماعات القليلة التي حضرها. لكن مع تراجع نشاط تلك المجموعة قل احتكاك دوني ~~بمجالس القيل والقال المتعلقة بالأوساط العلمية، ومع عدم قدرته على قراءة الإنجليزية بنفسه ~~لم ms072 يكن لديه أدنى فكرة عن زيادة الاهتمام بتجارب الحقن في الدم ومحاولات نقل الدم على الضفة ~~الأخرى من القنال الإنجليزي. كذلك ليس ثمة سبب للاعتقاد بأنه كان مهتما بتلك التطورات على ~~أي حال؛ فعلى كل كان المجال البحثي الرئيسي لدوني هو الرياضيات. # أما في إنجلترا، فقد كانت الدراسات حول الدم تجري على قدم وساق. وقد زاد من وتيرتها في ~~الواقع إبلاغ أولدنبرج الجمعية الملكية بأن يوهان دانييل مايور، وهو طبيب ألماني، قد نشر ~~كتابا يدافع فيه عن حقن المواد الكيميائية مباشرة في الأوعية الدموية. فقد كان ذلك ~~العالم الألماني ملما بدرجة واضحة بتلك المسألة، فلاح خطر أن يصبح مايور هو رائد ذلك ~~المجال على مستوى العالم. وكان الاعتزاز الوطني يملي ضرورة اتخاذ خطوات فورية. فبمجرد معرفة ~~الجمعية الملكية بالخبر قرر عدد من الأعضاء أن ينزلوا بأنفسهم إلى هذا الميدان. وتسجل دورية ~~الجمعية الملكية تسلسل الأحداث التي تلت ذلك: # 17 مايو 1665 # اقترح الدكتور ويلكنز إمكانية إجراء تجربة لحقن دم كلب في وريد كلب آخر. # 24 مايو 1665 # كلف كل من الدكتور ويلكنز والسيد دانييل كوكس والسيد توماس كوكس والسيد هوك ~~بتولي تجربة حقن دم كلب في أوردة كلب آخر؛ وطلب من السيد توماس كوكس تحديدا ~~محاولة تبديل جلد الكلبين. # وروى السيد توماس كوكس أنه قد أجرى في السابق تجربة حقن دم حمامة في وريد حمامة أخرى، ~~وذلك من خلال فتح وريد الأولى وتركها تنزف حتى كادت تلفظ أنفاسها؛ ثم استخرج دم حمامة أخرى ~~وحقنه في الحمامة المحتضرة، وبذلك أبقاها على قيد الحياة لمدة نصف ساعة، نفقت بعدها كما ~~نفقت الحمامة الأخرى وإن كان بعد فترة من الوقت. # 31 مايو 1665 # طلب أن تجرى تجربة حقن دم الكلب في أوردة آخر صباح اليوم التالي؛ وهو ما اقترح ~~الدكتور كرون أن يتم باستخدام أنبوب عادي لكلا الكلبين من أجل أن يسحب الدم من أحد ~~الكلبين إلى الآخر. # ويعكس القول بأن الحيوان المستقبل «سيسحب» الدم وجهة النظر السائدة آنذاك أن ~~أطراف الجسم تسحب ms073 الدم؛ وسيذكر العلماء اللاحقون أن الدم يضخ إلى الأطراف عن طريق القلب. # 7 يونيو 1665 # أعد الدكتور ويلكنز تقريرا بالتجربة التي جرت تحت إشرافه، وهي فتح بطن كلب ~~واستخراج الدم من الوريد الأجوف بمقدار 5 أو 6 أوقيات في حوصلة يخرج منها أنبوب ~~نحاسي صغير مثل أنبوب الحقنة الشرجية ينتهي طرفه في وريد في قدم كلبة، وجرى ضخ نحو ~~أوقيتين من الدم في ذلك الوريد بالضغط على الحوصلة المذكورة، لكن لم يلحظ أي تغير ~~ملموس على الأنثى. # من الصعب فهم السبب في اعتبار هذه التجربة نجاحا ساحقا، لكنه كان بالنسبة ~~إلى المشاركين فيها خطوة إلى الأمام على الأقل. ولم يحدث شيء آخر في لندن ذلك العام؛ فقد ~~اجتاح الطاعون المدينة في عام 1665. # محاولة أخرى # عاد لوور إلى أكسفورد وقد ضمن زوجة أخرى محتملة؛ وحاول أن يستكمل ما بدأه؛ حيث التقى ~~وود لتتناول شرابا معه، لكن هذه المرة في مطعم بلو بور في وسط أكسفورد في 24 فبراير ~~1665 (أو 1666) (من الصعب تتبع التواريخ في هذه الفترة من التاريخ؛ نظرا لاستخدام ~~تقويمين في ذلك الوقت. فعلى مدار الجزء الأكبر من القرن السابع عشر، ظلت إنجلترا ملتزمة ~~بالتقويم اليوليوسي (الأسلوب القديم)، في حين غيرت بقية القارة إلى التقويم الجريجوري ~~(الطراز الجديد). ويختلف كلا التقويمين في المكان الذي يضعان فيه السنة الجديدة. ففي ~~التقويم اليوليوسي، كانت السنة الجديدة تبدأ بنهاية مارس، بينما تبدأ السنة الجديدة في ~~التقويم الجريجوري مع بداية شهر يناير. ومن ثم، حين يكتب الرجل الإنجليزي «فبراير 1665» ~~فإننا نفهم أنه يتحدث عن فبراير 1666. في هذا الوقت، كان الإنجليز - المعروفون ببطئهم ~~في تبني أي أفكار جديدة تأتيهم من أوروبا - قد شرعوا في بدء العام من شهر يناير بدلا ~~من مارس، وكثيرا ما استخدموا طريقة كتابة العامين هذه للتعبير عن السنة. ومن ثم، فإن ~~فبراير 1665 (أو 1666) يدل على ما يدل عليه في القارة كلها 1666). وعلى الأرجح ظلت حياته ~~الاجتماعية نسبيا كما هي، لكن العمل صار أصعب. فعلى الرغم من عودة البلاط إلى ms074 لندن في ~~يناير، لم يعد بويل من خلوته في الريف، فكان لوور مجبرا على الاستمرار وحده. وذكر في ~~كتابه «علاج القلب»: # لاقت محاولتي التالية نجاحا أكبر. وكنت قررت أن أقلد الطبيعة فيها على نحو ~~أدق. فالطبيعة تجبر الدم على الانتقال من الشرايين إلى الأوردة؛ لذا فإن توصيل ~~شريان حيوان ما بوريد حيوان آخر لم يكن سوى تمديد للدورة الدموية ~~للأول. # وضع لوور خطته، وجمع أدواته وحدد نهاية فبراير تاريخا. ولاعتقاده أن الحدث كان على ~~قدر من الأهمية، فقد أرسل مجموعة من الدعوات تطلب من أمثال واليس ودكتور توماس ميلنجتون ~~ومختلف أعضاء النخبة الطبية في أكسفورد حضور «احتفاله». لم يتغيب سوى القليل، ووجد لوور ~~نفسه محاطا بحشد من المفكرين والأكاديميين المتحمسين وواحد أو اثنين من مروجي ~~الأقاويل. وكتب لاحقا يقول: # كانت التجربة التي أجريتها مذهلة؛ إذ انتقيت كلبا متوسط الحجم وبعد أن شللت ~~حركته أفرغته من معظم دمه. في البداية نبح الكلب بشدة، لكن سرعان ما خارت قواه ~~وأخذ يتشنج ويرتعش. ومن أجل إنقاذ هذا الحيوان من فقدان الدم الكبير، فقد قيدت ~~كلبا أكبر بجانبه وثبت أنبوبا يصل بين الشريان في رقبته ووريد الكلب ~~الأصغر. # استعاد الكلب الأصغر وعيه وواصل صراعه ليتحرر. ربما أعطيته كثيرا من الدم. ~~على أي حال، فقد ربطت الشريان في الكلب المانح ليتوقف نزيفه، وفرغت الدم من ~~الكلب المستقبل مرة أخرى، وذلك قبل أن أعيد ملء عروقه بالدم من كلب كبير ~~آخر. # وبانتهاء التجربة عقدت الوريد الوداجي في الكلب الصغير وفككت قيده ونظرت ماذا ~~سيحدث. فقفز الكلب من فوق المنضدة وبدا أنه لا يشعر بأي إصابة إطلاقا. وجرى ~~الكلب إلى صاحبه ثم تقلب على العشب لينظف الدم غير شاعر بالألم على ما يبدو كما ~~لو كان ألقي في مجرى مائي وحسب. # كانت الاتصالات بين أكسفورد ولندن سريعة، حيث يمكن أن يصل خطاب إلى لندن في غضون يوم ~~واحد إذا أحضر إلى مكتب بريد أكسفورد. بيد أن الخطاب يمكن أن يستغرق خمسة أيام ليصل ~~إلى باريس. لكن لم ms075 يكن ثمة اختلاف، فقد بدا أن لوور لم يكن في عجلة من أمره ليخطر ~~الجمعية الملكية رسميا بالتطورات في عمله. ومن المحتمل أن ممانعته للنشر رجعت إلى ~~سببين؛ الأول: هو أن العلماء كانوا يخشون أن يجعلوا من أنفسهم مثارا لسخرية أقرانهم ~~بنشرهم أي شيء بناء على تجربة واحدة ثبت أنه لا يمكن تكرارها. والثاني: هو أن النشر ~~يعني الكشف عن الأسرار والخفايا المهنية على الملأ، وسيمكن لأي عالم حول العالم أن ~~يستغل الفرصة ومن ثم يفوز في سباق الاكتشافات المستقبلية. # ومع ذلك، كان لوور يطلع بويل على تقدمه في العمل أولا بأول بطبيعة الحال. ولم يكد ~~بويل يعلم النبأ حتى كتب إلى عالمين آخرين، هما جون بيل، وهوك طالبا رأييهما. ورد ~~بيل من منزله في الريف الغربي معبرا عن حماسه للفوائد العلاجية المحتملة التي قد ~~يقدمها هذا العمل، بينما كتب هوك من لندن مقدما بعض الاقتراحات بشأن طرق جديدة لصناعة ~~الأنابيب النحاسية وإعدادها في سبيل تحقيق قدر أكبر من النجاح في تلك التجارب. # كانت النزاهة من الأهمية بمكان لدى بويل، فعندما طلب منه في 18 أبريل 1666 خلال لقاء ~~بالجمعية الملكية أن يتحدث عن آخر تطورات تجارب نقل الدم، لم يعط سوى جواب شديد ~~الغموض؛ إذ كان كل ما قاله هو أنه جرى التعامل مع الصعوبات التي واجهت تلك العملية على ~~حد علمه، وأن الأرجح أن الدكتور لوور في أكسفورد سيكون أول من ينجح فيها. # واستمر اللقاء بطرح والتر تشارلتون احتمالية أن تكون سيولة الدم وحيويته راجعة إلى ~~التخمر الذي لا يحدث إلا داخل الأوعية الدموية. وفي هذه الحالة، فإن أي تجربة يخرج فيها ~~الدم من هذه الأوعية ستفشل بالتأكيد؛ إذ إن الدم سيفسد. وفي المقابل، إن كان الدم يفقد ~~حيويته عند تعرضه للهواء ، فإن التجارب يمكن أن تنجح إذا أمكن إبقاء الدم بمعزل عن ~~الهواء. ومن المؤكد أن هذا الطرح قد قوبل بكثير من التمتمات والإيماءات المرحبة من قبل ~~ذوي الشعر الطويل وأصحاب الشعر المستعار الذي يرتديه هؤلاء المرتبطون ms076 بصلات ~~وثيقة مع البلاط الملكي. # لكن في الواقع، لم تستمر الجمعية الملكية في حالة الترقب هذه طويلا؛ إذ لم يستطع كل ~~من كشف لوور حجاب السرية عنهم الكتمان، وبعد أربعة أشهر من تجربة لوور التي أجراها في ~~فبراير، كشف واليس السر في لقاء للجمعية بلندن. وبحسب ما ذكر أوبري، كان واليس معروفا ~~بخبثه، حيث نجح في إيجاد طريقه وصولا إلى منصب رفيع في جامعة أكسفورد عن طريق نشر ~~شائعات كيدية عن منافسه على المنصب. ويقول أوبري إن الحيلة كانت إشاعة أن ~~الشخص الأقرب للفوز بالمنصب - ريتشارد زوش - قد هاجم كرومويل صراحة؛ وهو اتهام خطير لم ~~ترد الكلية أن تبدو متساهلة معه. # ولم تكن تلك هي الرذيلة الوحيدة لواليس عند أوبري؛ إذ يتهمه أوبري كذلك بحضور مناقشات ~~مع رين وهوك وغيرهما من الأكاديميين في أكسفورد، وكتابة الأفكار الرئيسية في صحيفته ثم ~~نشرها باعتبارها أفكاره. ربما سبب له هذا بعض المشكلات لكنه أدى لنشر الأفكار؛ فلو ~~انتظر العالم رين ليقترب حتى من تسجيل تلك الأفكار لظل منتظرا إلى الآن؛ لذا إن كان ~~أوبري صادقا فلن يبدو من الغريب أن يكون واليس هو من وقف في أحد لقاءات الجمعية ~~الملكية في يونيو وقدم تفاصيل عمل لوور. وفي ضوء معرفتنا بشخصيته، فإن فعلته تلك تفتح ~~الباب أمام احتمال محاولته تقديم تلك المعلومات باعتبارها خاصة به. # إذا كان الأمر كذلك، فقد كان من حسن حظ لوور أن بويل كان حاضرا الاجتماع. فمع طول ~~قامته الذي كان يبلغ ستة أقدام، ومع مشيته منتصب القامة دائما، لم يكن أحد ليغفل عن ~~حضوره خلال الاجتماعات. وكان يسافر باستمرار في عربته الخاصة إلى لندن، ويبيت عند أخته ~~ليدي رانيلا في منزلها في بول مول. وأبقته تلك الزيارات على اطلاع دائم بالحياة في ~~المدينة ، كما مكنته من الاستمرار في العمل في المعمل الذي أنشأه في منزل ليدي رانيلا ~~حيث كان يعين عديدا من الخدم والغلمان للاستمرار في تجاربه أثناء غيابه. حين تحدث ~~واليس، كانت دراية بويل بمجريات الأمور في أكسفورد ms077 تعني أنه فكر فورا في لوور. فأسرع ~~بإرسال خطاب إلى أكسفورد، يطلب فيه بأدب لكن بكل حسم تفاصيل تجاربه. وكان على لوور أن ~~يكتب، وأن يكتب سريعا، إذا كان له أن يعرف برائد في هذا المجال: # لندن، 26 يونيو 1666 # لقد كنت حاضرا يوم الأربعاء الماضي (سيدي العزيز) لقاء الجمعية الملكية ~~المذكور الذي عقد في كلية جريشام. وهنا سمعت من الدكتور واليس أنك نجحت أخيرا ~~(بحضوره) في إجراء تجربة شديدة الصعوبة لنقل دم من أحد كلبين إلى الآخر. ورأيت ~~أن هذا الحدث يستحق فعلا أن يبلغ إلى هذا الجمع الموقر؛ لذا اقترحت أن ~~يطلبوا من السيد الموقر أن يقدم بيانا بالطريقة التي أجريت بها التجربة. ولم ~~يكن وصفه بالذي يرفع من قدرك لدينا. لكنه عندما سئل عن التفاصيل المتنوعة ~~لتجربة غير عادية انقطع عنها الرجاء، رد بأن الأفضل أن ترد أنت كتابة على ~~النقاط الفردية بدلا من أن يحاول هو سردها شفاهة؛ لذا أعلنت أنك كنت قد ~~وعدتني، قبل فترة، أنك ستشرح لي التجربة ... وقد فعلت هذا دون أي ممانعة لعلمي ~~أن من مصلحتك أن يعرفك هذا الجمع الموقر في هذه اللحظة الملائمة. فهناك كثير من ~~بين أعضائه يقدرونك حق قدرك وهم أصدقاؤك لكن ليس أكثر من ذلك. # تحياتي # روبرت بويل # يسلم إلى # أعز أصدقائي # ريتشارد لوور، الدكتور في الطب، أكسفورد # بالنظر إلى أن لوور أحاط عمله بالسرية لأربعة أشهر أو يزيد، فقد رد على بويل بسرعة ~~كبيرة وتفصيل شديد. فمهما كانت دوافع واليس لهذا الكشف، فالأرجح أن لوور سر بمعرفة ~~أن عمله كان محل نقاش في مقر العلوم الإنجليزية. # أكسفورد، 6 يوليو 1666 # صديقي ~~العزيز # لقد وصلني خطابك، واستجابة لطلبك، أقدم لك شرحا مختصرا للطريقة الكاملة ~~لنقل الدم. فلتختر كلبا أو حيوانا ترغب في استخدامه كمانح لإمداد حيوان آخر ~~من النوع نفسه أو من نوع مختلف بالدم، واكشف شريانا في الرقبة وافصله عن العصب ~~الثامن، واكشف منه ما يقرب من طول الإصبع. # رد لوور دون إضاعة وقت في الديباجات ms078 وتناول الموضوع مباشرة. وكان العرق ~~الذي تحدث عنه في خطابه هو الشريان السباتي، أما العصب المحاذي له الذي يطلق عليه الآن ~~العصب المبهم فيعرف بالعصب القحفي العاشر. بعد ذلك، تابع لوور وصف الطريقة التي ~~استخدمها عدد لا نهائي من علماء الفسيولوجيا التجريبية على مدار قرون تالية لإدخال ~~أنبوب دقيق إلى الشريان أو الوريد: # اربط حبلا بإحكام حول طرف الشريان من ناحية الرأس؛ لن تحتاج إلى فكه في أي ~~مرحلة من العملية. واربط خيطا آخر على الشريان على مسافة نصف إصبع أسفل الأول، ~~واعقده عقدة متغيرة يمكن تضييقها وتوسيعها حسب الحاجة. وأحدث قطعا صغيرا ~~في الشريان بين الخيطين باستخدام مشرط حاد وأدخل قصبة باتجاه القلب تاركا ~~طرفها معلقا بحرية كقضيب خشبي. ثم أحكم الخيط الثاني وأضف إليه خيطا آخر ~~لضمان الإحكام. # وتابع هذا الجراح الناشئ ليقدم وصفا مفصلا للطريقة التي استخدمها ~~لوضع القصبة في الوريد الوداجي في الحيوان المستقبل للدم. وكان الاختلاف هذه المرة في ~~أنه وضع قصبتين واحدة باتجاه الرأس والأخرى باتجاه القلب. وكانت الفكرة هي أن يفرغ الدم ~~من الدماغ ويدخل الدم الجديد إلى القلب. بعد ذلك يوضع الكلبان معا بحيث تكون رقبتاهما ~~متقاربتين لتقليل المسافة بين القصبتين قدر الإمكان. ووصف لوور عندئذ تجربة التفريغ ~~وإعادة الملء وانتهى محذرا: # لكن لدي تنبيه يا صديقي العزيز وهو أن تثبت القصبات في الأوعية الدموية ~~بأربطة محكمة قبل توصيلها معا، وإلا فإنها ستخرج مع مقاومة الحيوانين وسيتعين ~~عليك أن تبدأ من جديد. # من الواضح أن التجارب التي ذكرها لوور بالتفصيل مجرد بعض من محاولاته، ~~وأن الكثير من المحاولات الأخرى انتهت بفشل ذريع: # مع اكتسابي مزيد من الخبرة، صنعت مؤخرا أنبوبا فضيا لا يمزق الوعاء ~~الدموي عند إدخاله، وله حلقة أو امتداد بارز عند طرفه. ويتيح لي هذا الأنبوب ~~تثبيته بإحكام أكثر. ويمكن توصيل الأنبوبين باستخدام قطاع من شريان يؤخذ من ~~بقرة أو حصان. ولهذا الشريان الوسيط مزايا عدة؛ إذ إن مرونته تجعله أقل عرضة ~~لأن ينتزع عندما يقاوم الحيوانان. كما أنه إن ms079 انسد بجلطة يمكنك أن تضغط عليها ~~لتخرجها إلى الحيوان المستقبل فيتدفق الدم من جديد. ويقدم هذا الخطاب ~~المعلومات إلى الجمعية الموقرة وأثق أنها لن تجد فيها نقصا من أي ~~ناحية. # خالص تحياتي # ريتشارد لوور # مرسل إلى الصديق الأعز # روبرت بويل، في لندن # على مدار الأشهر القليلة التالية، كرر لوور التجربة عدة مرات ونقل في كل ~~مرة الدم بين كلبين. إلا أنه رغب في توسيع نطاق تجاربه ليرى ما سيحدث إن استخرج الدم من ~~عدة كلاب في الوقت نفسه، لكنه شكا لأصدقائه من أن قلة الوقت والكلاب المتاحة ثبط عزمه. ~~ودفع هذا النقص لوور في ضوء شعوره بالفضول إلى إجراء التجربة بين خروفين، وبعدها وفي ~~لحظة أصعب، حاول نقل دم خروف إلى كلب. «وجرت التجارب بنجاح ملموس» حسبما سجل. # وبعد بضعة أشهر، كتب بويل إلى لوور رسالة أخرى وضع فيها هذه المرة قائمة من 16 مقترحا ~~لتجاربه رأى أن على لوور أن ينفذها. وكان بويل مولعا بإرسال مثل تلك القائمة إلى ~~الأشخاص حيث تظهر أنه قادر على التفكير في إجراء تجارب أكثر مما يتسع وقته لإجرائه ~~بنفسه: ~~(1) # هل يغير نقل الدم من طبيعة الحيوان؟ فماذا يحدث مثلا إذا نقلت الدم من ~~كلب مستأنس إلى كلب متوحش، أو العكس؟ ~~(2) # هل يظل الكلب الذي استقبل الدم قادرا على تمييز صاحبه ويتصرف كما كان من ~~قبل؟ ~~(3) # هل يفقد كلب الصيد الذي يمكنه تحديد الفريسة قدرته على ذلك إذا نقل إليه ~~دم من كلب لا يمتلك تلك القدرة؟ ~~(4) # ماذا يحدث لكلب مدرب على أداء خدع مثل إحضار العصا؟ هل يتسبب نقل الدم ~~في فقدانه القدرة على أداء الحيل التي تدرب عليها؟ ~~(5) # هل من علامات على أن نقل الدم يغير نبض الحيوان أو بوله أو غيره من ~~الفضلات؟ ~~(6) # إذا أخذ الدم من كلب تناول مؤخرا وجبة دسمة وأعطي إلى كلب جائع، فهل ~~يفقد الكلب الجائع رغبته في الأكل؟ كان المنطق هنا أن الكلب إذا أكل لتوه ~~فإن دمه سيكون غنيا بالكيلوس. ورغم أن بويل قبل مفهوم ms080 هارفي عن الدورة ~~الدموية، فقد ظل معتمدا على فكرة تكون الدم من الطعام مباشرة. ~~(7) # هل من الممكن إبقاء كلب على قيد الحياة عن طريق حقن الكيلوس باستمرار من ~~كلب آخر؟ ~~(8) # هل يمكن علاج كلب باستبدال دم حيوان آخر سليم بدمه؟ أو هل يمكن في تلك ~~النقطة أن يصاب الحيوان السليم بمرض غير معد بإعطائه دما من حيوان ~~مريض؟ ~~(9) # ماذا يحدث إذا أعطيت كلبا عجوزا دما من كلب يافع؟ هل يؤثر ذلك على ~~حيويته وبلادته وحساسيته وما إلى ذلك؟ ماذا لو تم العكس؛ أي إعطاء دم ~~العجوز لليافع؟ ~~(10) # إذا أعطيت كلبا صغير الحجم دما من كلب ضخم، فهل يبدأ حجمه في الزيادة ~~على نحو مفاجئ؟ ~~(11) # هل يمكنك حقن الخمر المخلوط بمواد علاجية مع الدم؟ وهل يختلف الأثر عندما ~~يجري حقن الخمر وحده أو عند تناول الدواء عن طريق الفم؟ ~~(12) # يمكن إجراء سلسلة من التجارب لمعرفة ماذا يحدث إن أعطيت مادة مسهلة ~~لحيوان ثم نقلت دمه إلى حيوان آخر. ~~(13) # هل يمكنك تبديل الدم بين حيوانين من نوعين مختلفين مثل الكلب والعجل؟ ~~وماذا يحدث إن أخذت الدم من سمكة أو ضفدع أو سلحفاة ذات دم بارد وأعطيته ~~لحيوان من ذوي الدم الحار؟ ~~(14) # هل يغير نقل الدم من لون شعر الحيوان أو ريشه ليتحول إلى لون ~~المانح؟ ~~(15) # إذا نقلت الدم بين نوعين مختلفين على نحو متكرر فهل يتغير نوع الحيوان؟ ~~فهل يمكن مثلا أن يتحول الكلب الرمادي الأيرلندي إلى كلب رمادي ~~عادي؟ ~~(16) # هل يمكنك نقل الدم إلى الكلبة الحامل، وما أثر ذلك على جرائها؟ # شكل 5-1: رسم يوضح القنية (الكانيولا) في كتاب «علاج القلب» (ريتشارد ~~لوور). نسخ بتصريح من قسم المقتنيات الخاصة بمكتبة لين الطبية، جامعة ~~ستانفورد. # اقترح بويل كذلك تحديد وزن المانحين والمستقبلين قبل نقل الدم وبعده ~~باعتبار ذلك وسيلة لتحديد كمية الدم التي جرى نقلها بنجاح. # كما لفت إلى نقطة أخرى كذلك، وهي التأكيد على أن النتائج السلبية كانت على نفس أهمية ~~النتائج الإيجابية. فغالبا عندما يفشل شيء، فإن العلماء يتجاهلونه ويواصلون ms081 عملهم، ولا ~~يهتم الناشرون من جانبهم بذكره في دورياتهم؛ لأن الاكتشافات السلبية ليست مثيرة جدا ~~للاهتمام. وكانت لدى بويل ثقة داخلية في مصداقية العلماء الذين عمل معهم. وبغض النظر عن ~~أي شيء فإن اكتشافاتهم السلبية ستدع الوسط العلمي يدرك أن مواصلة البحث في منطقة معينة ~~من المستبعد أن تكون مثمرة. # المداولات الفلسفية # قبل عام، أي في عام 1665، كان أولدنبرج قد بدأ مشروعا سيربط على نحو مؤكد بين ~~ما يجري في إنجلترا وجهود دوني في باريس. ففي تلك المرحلة، لم يكن أولدنبرج يتقاضى ~~أجرا من الجمعية الملكية نظير خدماته المكتبية، وكان يسعى لتوفير مصدر للدخل. وكان ~~رأس ماله يكمن في قدرته على القراءة والكتابة بجميع اللغات الرئيسية المستخدمة في ~~الأوساط العلمية الأوروبية؛ وكان طليقا على نحو خاص في اللغات الألمانية والفرنسية ~~والإيطالية. كما كانت لديه دائرة واسعة من أصدقاء المراسلة الأوروبيين. ومع اهتمام بويل ~~بجمع الأفكار من الدول الأخرى وامتلاكه الثروة التي تمكن من دفع مقابل تلك الأفكار، صار ~~مصدر دخل ثمين، إذ كثيرا ما كان يستعين بأولدنبرج كمترجم ومصدر للأخبار والآراء ~~العلمية. # لكن أولدنبرج كان يطمح للمزيد. فهل يوجد شيء أفضل من أن يسجل كل الأفكار المذهلة ~~وينشرها في دورية ترسل إلى القراء الذين يدفعون المال؟ لقد كان موقعه متميزا من ~~الناحية الجغرافية؛ إذ كانت تجارة الكتب في ازدهار وكانت لندن أحد أكبر مراكز النشر في ~~أوروبا. # بصفة أولدنبرج أمين سر الجمعية الملكية، كان يشغل منصبا مثاليا مكنه من الاطلاع ~~أولا بأول على آخر الأعمال. وكان يأمل أن تجمع هذه الدورية كل الأفكار والمفاهيم ~~الهامة التي كانت تتولد لكنها كانت عرضة للضياع. وكان حلمه أن تعرف دوريته على مستوى ~~العالم إن اضطلع الناشرون بتوزيعها عبر أوروبا، وتحول هذا الحلم تدريجيا إلى حقيقة. ~~ومكنت الدورية الباحثين في البلاد البعيدة من الاستفادة من الاكتشافات الإنجليزية. كما ~~كان أولدنبرج يأمل - مع تنامي شهرة الدورية - أن يعترف بأنها منشور يمكن للعلماء من ~~خلاله إثبات أنهم أول من أجروا تجربة ما أو وضعوا نظرية ما. ms082 فعلى عكس واليس ومشاريعه في ~~النشر، كان أولدنبرج حريصا على أن ينسب الفضل إلى أهله. # كانت رؤية أولدنبرج هي أن تكون الدورية خاصة به وليس بالجمعية الملكية وأن تنشر أبحاث ~~الأعضاء في الجمعية وغير الأعضاء. وبما أنه كان أمين سر الجمعية الملكية، فقد كان يحمل ~~على عاتقه مسئولية يومية متمثلة في تسجيل ما يقال في اللقاءات، بل تلقي الخطابات ~~والتعليقات من أنحاء العالم. كما كان يكتب المراسلات بمعدل كبير، وكان يزعم أنه لم يكن ~~يفتح خطابا إلا وفي يده قلم لكتابة الرد. ومما ساعد أولدنبرج في دوره بوصفه مراسلا ~~دوليا أن ميثاق الجمعية الملكية جعل من تلك المراسلات الدولية إحدى السمات الرئيسية ~~للجمعية. وكانت قدرات أولدنبرج اللغوية تساعده نسبيا في ترجمة الخطابات والدوريات ~~الأجنبية واختيار أكثرها تشويقا لينشرها في دوريته. # وكان الهدف من الدورية مذكورا في عنوانها: «مداولات فلسفية: عرض للأبحاث والدراسات ~~والأعمال الجارية على يد العباقرة في مختلف أنحاء العالم». ومع ذلك، كان بعضهم لا يزال ~~يظن أنها نشرة الجمعية الملكية؛ لذا وفي العدد الثاني عشر المنشور في 7 مايو 1666، ذكر ~~أولدنبرج صراحة انتماء الدورية إليه: # بعد ملاحظة أن أشخاصا عدة يقنعون أنفسهم بأن هذه «المداولات الفلسفية» تابعة ~~للجمعية الملكية ... فقد رأى كاتبها أنه من المناسب أن يعلن أن هذا الاقتناع - إن ~~كان له وجود فعلي - هو محض خطأ، وأنه بدأ، ويواصل، كلا من كتابة الدورية ~~ونشرها على نفقته الخاصة. # لقد كان العدد الأول من الدورية هو العدد الذي اشتمل على وصف لوور ~~لطريقته في نقل الدم بالكامل. والوصف المنشور خطاب لوور إلى بويل بجانب وثائق ~~إضافية تشير إلى أن بويل شاهد عمل لوور مباشرة. # أصبح خطاب لوور إلى بويل علامة بارزة في التاريخ، ووضع لوور في بؤرة اهتمام الجمعية ~~الملكية الجليلة. ويلخص لوور فيه أفكاره حتى حينه بجانب رأيه الذي مفاده أن أكبر ميزة ~~لتجربته هي إمكانية «أن يعيش حيوان على دم حيوان آخر». وكانت تبعات ذلك أنه يمكن التبرع ~~بالدماء الجديدة لأي حيوان يحتاج إلى مزيد من ms083 الدم وأن استبدال «الدم الفاسد» بدم سليم ~~يمكن أن يعالج كثيرا من الحيوانات المريضة. # لم يكن نشر التجربة يعني أن طريقة لوور سجلت في الدورية المعروفة وحسب، بل كان يعني ~~أن تفاصيل إجراء تجربة ناجحة قد انتشرت عبر أنحاء إنجلترا، بخلاف إرسالها إلى العلماء ~~المشهورين وذوي المقام الرفيع في مختلف بقاع أوروبا. وأصبح من الممكن لكل من يرغب أن ~~يجري التجربة ما دام يستطيع أن يقرأ الإنجليزية. وسرعان ما شمل ذلك كلا من دوني ~~وإميري. # في بعض الأحيان، يمكن أن تصاب بالإحباط من مجرد رؤية الآخرين يكررون عملك، ولا ~~سيما عندما يستخدمون معلوماتك ليسبقوك إلى الخطوة التالية من الاكتشاف. لكن التأكد من ~~إمكانية تكرار التجربة مبدأ أساسي في البحث العلمي. فالصدفة والملاحظة الفريدة قد تكون ~~مذهلة، لكنها لن تكون ذات قيمة إذا لم يمكن تكرارها. ومن ثم، من أهم واجبات العالم ~~أن يعرض وسائله ونتائجه بوضوح، بحيث تسمح للآخرين بالاختبار للتأكد من أن النتائج ~~متطابقة. ويمكن لمقارنة الاستنتاجات المختلفة أن تبين أي النتائج كانت صدفة كما تمنع ~~المبالغة أو الاحتيال. # النار وشعلة العمل # في غضون أسبوعين من الإعلان عن عمل لوور، كان الباحثون في لندن يحاولون نقل الدم ~~بأنفسهم ويطلبون من أصدقائهم الحضور للمشاهدة. وفي ذلك الوقت، قبل ويليس وظيفة لدى ~~جلبرت شيلدون - رئيس أساقفة كانتربيري - واستقر في شارع سانت مارتنز لاين، الذي تفصله ~~مسافة قصيرة عن مسكن بويل في لندن في بول مول. ولأن ويليس لم ينس الرجل الذي مكنته ~~مهاراته من النجاح في عمله، فقد ضغط على الجمعية الملكية لتدعو لوور إلى الانتقال إلى ~~لندن والعمل كمسئول التشريح لديها. وقبل لوور - مسرورا هذه الفرصة الجديدة - ووجد ~~مكانا يقيم فيه في هاتون جاردن قبل أن ينتقل إلى كوفنت جاردن في قلب المدينة ~~الصاخبة. # كان ذلك عام 1666، وكان الكثيرون يتحسبون من سوء الطالع؛ فالرقم 666 يرمز في الإنجيل ~~إلى الوحش، وهو الرقم الذي أقلق بوتر كثيرا. بينما كان الآخرون يواسون أنفسهم؛ فقد ~~تجاوزوا لتوهم أسوأ موجات الطاعون التي عرفتها البشرية، ms084 وهؤلاء الذين نجوا كان مقدرا ~~لهم النجاة. فما الأسوأ من ذلك؟! لكن عندما اندلع الحريق في الثاني من سبتمبر وظل ~~مشتعلا إلى السابع من سبتمبر وجدوا الإجابة. وبدا من الثابت للكثيرين أن الشيطان كان ~~يصب جام غضبه على المدينة. # في مساء الأول من ديسمبر، خلد سكان لندن إلى النوم كالمعتاد. كانت الفوضى تضرب ~~أطنابها في المدينة، ورغم وجود قانون يقضي بأن تبنى البيوت من الحجارة ويكون لها أسقف ~~من ألواح صخرية فقد كان كل شبر في المدينة مليئا بالبيوت المبنية بالعوارض الخشبية ~~والقش. وأدت الرغبة في بناء بيوت أكبر على مساحات أصغر من الأرض إلى أن وضع الحرفيون ~~المهرة طريقة يبرز فيها كل طابق مسافة قدم أو اثنين عن الطابق الذي أسفله، مما أدى إلى ~~اتساع الطوابق العليا وإظلام الشوارع وتعفنها. وفي أماكن عديدة، لو صعدت الدرج في منزل ~~إلى الطابق الثالث - بل إلى الطابق الرابع في بعض البيوت - كان يمكنك أن تفتح النافذة ~~وتصافح جارك في المنزل المقابل. ربما وفر هذا طريقة لاستغلال كل الفراغ المتاح، لكنه ~~كان طريقة مؤكدة لانتقال الحرائق من منزل إلى آخر. # وبحسب ما كتب بيبيس، اندلع الحريق في الليل بعد موجة طويلة حارة وجافة: # 2 سبتمبر 1666 # كان بعض الخادمات مستيقظات حتى وقت متأخر من الليلة الماضية للإعداد للوليمة ~~التي نقيمها اليوم؛ أيقظتنا جين في حوالي الثالثة فجرا لتخبرنا أنهن رأين ~~حريقا هائلا في المدينة؛ لذا نهضت وارتديت ثياب المساء وذهبت لنافذتها، وظننت ~~أن الحريق عند أقصى نهاية شارع ماركيلين؛ لكني ومع عدم اعتيادي على الحرائق على ~~النحو الذي أعقب ذلك، فقد رأيت أنها بعيدة بما يكفي؛ لذا عدت إلى الفراش وواصلت ~~النوم. # وتحولت هذه الاستهانة إلى ذهول، عندما أخبرته خادمته في السابعة صباحا ~~أن 300 منزل احترقوا في أثناء الليل. وزاد ضيق بيبيس عندما ركب قاربا في نهر التيمز ~~واكتشف حجم الحريق. وعندما التقى صديقه ملازم برج لندن، اكتشف بيبيس أن الحريق بدأ في ~~منزل خباز الملك في بودينج لين. وفي منتصف فترة ms085 ما بعد الظهيرة، بدأ جنود الجيش في ~~تفجير المنازل لعزل الحريق، ونجحوا في منع الحريق من الوصول إلى البرج. وبعد خمسة أيام ~~ملأ الدخان نهارها وأضاء اللهب ليلها، أمكن السيطرة على الحريق، لكن ليس قبل أن تحترق ~~كنيسة القديس بولس ومعها 13 ألف مبنى تضمنت 97 أبرشية وبضائع قدرت وقتها ب 3,5 ~~ملايين جنيه استرليني دمرت تماما. ومن اللافت أن الحريق توقف قبل مسافة قصيرة من منزل ~~بيبيس. # ورغم أن ستة أشخاص فقط هم من لقوا مصرعهم على إثر الحريق مباشرة، فقد اجتاح الناس ~~موجة من رهاب الأجانب؛ وهي صورة مبكرة تقريبا من التطهير العرقي. وانتشرت شائعة عن أن ~~الحريق نتج عن مؤامرة خسيسة، وقتل عدد كبير من الأجانب، خاصة من الهولنديين، دون ~~محاكمة. # لم يشهد لوور هذا الدمار، حيث كانت لديه مشاغل أخرى ليهتم بها - بالتحديد بحثه عن ~~زوجة - وهو ما تطلب رحلة أخرى إلى كورنوول. وخلال غيابه، اقترعت الجمعية الملكية في 17 ~~أكتوبر لقبول انضمامه زميلا للجمعية، وفي 17 نوفمبر، تزوج إليزابيث بيلينجز - وهي سيدة ~~كانت تمتلك أرضا. هكذا، بات يتمتع بصيت أكاديمي ذائع، ودعم مادي من الأملاك ~~بالقرب من تريميير في كورنوول؛ لذا كان عائدا إلى ما تبقى من لندن أواخر ذلك العام ~~بشعور بالانتصار الكبير. # ونظرا لتدمير ستة من بين كل سبعة منازل داخل أسوار المدينة، خلق حريق لندن أزمة سكن. ~~فيما نجت كلية جريشام، التي كانت في موقع البرج 42 الآن (والمعروف سابقا ببرج ~~ناتويست)، من الحريق وأصبحت من الأصول القيمة؛ بل ربما كانت قيمتها أكبر من أن تشغل ~~الجمعية الملكية مساحة كبيرة منها. ومع تحول مبنى سوق الأوراق المالية إلى أنقاض، انتقل ~~هذا القلب المالي للمدينة إلى ذلك الموقع طاردا العلماء خارجه ما بين عشية وضحاها. لكن ~~برز متبرع جديد، وهو هنري هاورد الذي أصبح لاحقا الدوق السادس لنورفولك؛ إذ لم يمس ~~الحريق ممتلكاته هو الآخر، فدعا الجمعية الملكية للانتقال إلى أرونديل هاوس - المتفرع ~~من طريق ستراند، وهو الموقع الذي تقع فيه كلية الملك ms086 (كنجز كوليدج) في الوقت ~~الحالي. # أتاح أرونديل هاوس للجمعية موقعا جيدا لعقد اللقاءات والمناقشات، إلا أنه لم يكن ~~مناسبا لأي أعمال تشريح؛ لذا استأجرت الجمعية غرفة صغيرة وقريبة تقع في مواجهة نهر ~~التيمز، وكانت مكانا مناسبا لأن يجري لوور فيها تجاربه في التشريح. # شكل 5-2: كلية جريشام. حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية. # شكل 5-3: أرونديل هاوس. حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية. # وفي ظل سعي نخبة لندن نحو الترفيه، فقد كانوا يطلبون إجراء التجارب، وسرعان ما أصبح ~~نقل الدم حديث المدينة. ولم يمر وقت طويل حتى عاد بيبيس للكتابة عن تطوراته وذلك مع ~~عودة العلوم للخروج من وراء حجبها إلى المجال العام: # 14 نوفمبر 1666 # أخبرني الدكتور كرون هنا في بيت بوبهيد العام أن هناك تجربة رائعة أجريت في ~~لقاء بكلية جريشام الليلة # 1 ~~(وهو ما يبدو أنه يعقد من جديد حاليا كل أربعاء) جرى فيها إفراغ ~~دم كلب (إلى أن مات) في جسم كلب آخر كان ينزف دمه من الناحية الأخرى. مات ~~الأول في مكانه، والثاني حالته جيدة، ومن المرجح أن يظل في حالة جيدة. وفتح هذا ~~الباب أمام أمنيات عديدة مثل نقل الدم من دجال إلى أسقف وغير ذلك. لكن وكما ~~يقول الدكتور كرون، إذا نجحت العملية فستكون ذات فائدة كبيرة لصحة الإنسان ولعلاج ~~الدم الفاسد بالاستعانة بالدم من جسم أصح. # زيارة للمسرح # كان أعضاء الجمعية الملكية الأساسيون يعتبرونها مكانا للتعلم الجاد. فقد كانت مؤسسة ~~يسلط فيها الضوء على الاكتشافات الجديدة، حيث يمكن طرح الأفكار الجديدة وتحديها، ويمكن ~~عرض التجارب المثيرة للاهتمام. أما العامة، فكانوا يرونها لغزا ومصدرا للتسلية ~~التامة؛ وكانوا يستوعبون النظرة المعاصرة للعلماء باعتبارهم أشخاصا مصابين بشيء من ~~الجنون، يرتدون سترات بيضاء وتثير اهتمامهم الشديد تفاصيل لا يمكنها أن تلفت انتباه ~~الأشخاص «الطبيعيين». ويشكو العلماء المعاصرون من أنهم نادرا ما يؤخذون على محمل الجد، ~~ويبدو أنهم يظنون أن تراجع مكانتهم في أوساط العوام شيء جديد. لكن حالة قلة تبجيل ~~العلماء تلك قديمة قدم العلماء أنفسهم. وقد كتب ms087 بيبيس في إحدى المناسبات أنه قضى يوم 1 فبراير 1663 (أو 1664) ساعة أو اثنتين ممتعتين ساخرا من السير ويليام بيتي، وهو يحاول عرض ~~أفكار جديدة عن القوارب. وذكر بيبيس أن الملك شارك ضحك ساخرا من أن أعضاء الجمعية ~~قضوا معظم وقتهم منذ إنشائها محاولين قياس وزن الهواء؛ وهي مهمة من الواضح أنه رآها ~~مضيعة للوقت! # وبعد عشر سنوات، سخر الكاتب المسرحي توماس شادويل من نقل الدم في مسرحيته «الباحث». ~~وحضر الملك تشارلز الثاني أحد العروض الأولى لفرقة الدوق المسرحية عندما قدمت إلى مسرح ~~جلالته الملكي في 25 مايو 1676، واستمتع تماما بالطريقة التي سخرت بها المسرحية من ~~الجمعية الملكية بصفة عامة، ومن بعض التجارب المعينة بصفة خاصة. وتعكس أسماء الشخصيات - ~~السير فورمال ترايفل (وتعني السطحي التافه) والسير صامويل هارتي (وتعني الحماسي ~~المتقلب) وسنارل العجوز (وتعني المزمجر) وشخصية السير نيكولاس جريمكراك المحورية (وتعني ~~الشق المظلم) - نظرة شادويل للجمعية. ويشبه اسم جريمكراك كلمة «جيمكراك» الإنجليزية ~~التي تعني البهرجة أو الحلية عديمة الفائدة، حيث كانت الشخصية لرجل هاو يعبث بالأفكار ~~والأشياء عديمة القيمة. وهذه الشخصية على الأرجح تتلقى الإلهام من بويل وتقضي أغلب ~~الجزء الأول للمسرحية منشغلة بقياس وزن الهواء. ويتهكم شادويل من الفكرة بإعطاء ~~جريمكراك قبوا مليئا بزجاجات النبيذ تحوي كل منها هواء من أماكن مختلفة؛ وإن أراد ~~جريماك أن يغير المشهد من حوله فليس عليه إلا أن ينزع السدادة ويسكب ما في ~~الزجاجة. # وتركيزا للنص على العمل الجاري في الجمعية الملكية، يتابع شادويل المسرحية ليتناول ~~نقل الدم ويقدم تجربة أجراها توماس كوكس في 4 مارس 1667، وقرأها على الجمعية بعد شهر. # السير نيكولاس جريمكراك: ... كما أنني وإن لم أكن أول من ابتكر نقل الدم فقد ~~حققت نتائج مذهلة بأداء هذه التجربة؛ وذلك بنقل دم حيوان إلى آخر. # السير فورمال ترايفل: أشهد أنه نهض بنقل الدم إلى قمة الكمال وسبق كل ~~الباحثين في تلك النقطة. لقد رأيته وهو يحقق نتائج مذهلة على حيوانين: أحدهما ~~حيوان مستأنس من نوع البولدوج السليم. فلتتكرم سيدي بنشر الخبر. ms088 # السير نيكولاس جريمكراك: إليكم السبب يا سيدي في جعل كلا الحيوانين مانحا ~~ومستقبلا في الوقت نفسه؛ فبعد أن ربطت الضمادات بأقصى إحكام ممكن (حذرا من ~~أن يختنق الحيوانان) من أجل أن يتضخم الوريد الوداجي، فتحت الشرايين السباتية ~~والأوردة الوداجية في كليهما وجعلتهما يتبادلان الدم. # السير فورمال ترايفل: لقد كان ما تلا العملية معجزة؛ إذ شفي الكلب السبنيلي ~~المصاب بالصفراء وأصيب الكلب البولدوج بالصفراء. # السير نيكولاس جريمكراك: ليس هذا وحسب أيها السادة؛ فقد استحال الكلب ~~السبنيلي كلب بولدج وتحول البلودج إلى كلب سبنيلي. # السير فورمال ترايفل: وهو ما يستحق أن يكون من العجب بالنظر إلى السلوك ~~المهذب والذكي للكلب السبنيلي وتعليمه مقارنة بالطبيعة البربرية القاسية وغير ~~المدربة لكلب البولدوج. # بروس: إنها تجربة تستحق أن يبنى لك بها تمثال. # 2 # عند هذه المرحلة، لم يكن الجمهور يعرفون أيضحكون أم يبكون؛ أيسعدون ~~بالنتيجة المذهلة أم يخافون من أن يفكر أي شخص في إجراء تلك التجربة. لقد كان كثيرون ~~على دراية بتجارب الجمعية الملكية لكن التفاصيل كانت ضبابية لديهم. ولم يكن من السهل ~~معرفة الحد الذي انقلبت عنده الحقيقة إلى سخرية. لكن كوكس في الواقع ذكر أن الكلب ~~السليم لم يتأثر بنقل الدم، وأن الكلب المصاب بالصفراء شفي خلال 10 أيام من ~~العملية. # تجارب إدموند كينج # في 18 أبريل 1667، قرأ إدموند كينج تقريرا على الجمعية الملكية. وفصل كينج في هذا ~~التقرير آخر تطورات نقل الدم، زاعما أنه وجد طريقة أكثر أمانا لإجراء تلك العملية. ~~كان كينج طبيبا ناشئا في الثامنة والثلاثين من عمره وكان حديث الزواج. وكان قدره ~~يزداد رفعة لدى كثيرين، وسرعان ما أصبح ضمن دائرة الملك من الأطباء الشخصيين. في ~~الواقع، جاء السبب الرئيسي لشهرته بعد بضع سنوات عندما هرع إلى فراش الملك وقرر أن يجري ~~له الفصد قبل وصول أي طبيب آخر ليعطي استشارات أخرى. ونجا تشارلز الثاني، وصار إدموند ~~كينج بطلا، وقد منحه مجلس بريفي (وهو مجلس استشاري) مكافأة قدرها 1000 جنيه استرليني. ~~وبالنظر إلى موارد تشارلز المالية المحدودة لم ms089 يكن من الغريب أن إدموند لم يتلق ~~المكافأة. # أجريت التجربة، حسبما شرح كينج للأعضاء المجتمعين، في 29 مارس 1667. فبعد أن دفع 50 ~~شلنا مقابل عجل متوسط الحجم و33 شلنا وأربعة بنسات لشراء أكبر خروف رآه، أخذ كينج ~~الحيوانين إلى منزله. وكانت فكرته هي العودة إلى نقل الدم من الوريد للوريد. كان لذلك ~~ميزتان؛ الميزة الأولى: هي أن الأوردة يسهل الوصول إليها دون الحاجة إلى جراحة كبيرة. ~~والميزة الثانية: هي أن الدم لا يتدفق في كل مكان في حالة ارتكاب خطأ على عكس ما يحدث في ~~حالة الشرايين. # وبدأ كينج بتفريغ 49 أوقية من دم الخروف. وعند هذا الحد، ظن المراقبون جميعا أن ~~الحيوان الضعيف قد فقد وعيه. وكان كينج يأمل أن يتسبب إحداث هذا النقص في امتصاص الخروف ~~الدم من العجل بمجرد توصيل أوردتهما معا. وبعد وضع الأنبوب الموصل انتظر لخمس دقائق ~~أملا في أن يكون هذا وقتا كافيا لنقل كمية أكبر من الدم من الأوقيات التسع والأربعين ~~التي فقدها الخروف. بعدها نهض الخروف وتحرك وبدا أنه سليم. # ربما لفتت التجربة إلى طريقة أكثر أمانا لنقل الدم، لكنها لم تنفع الخروف. وبعد ~~انتهاء تلك المرحلة من التجربة، أراد كينج أن يرى ماذا يحدث إذا أفرغ دم الخروف كله. ~~وكما هو متوقع نفق الخروف. لكن كينج أخبر الجمعية الملكية «أن الخروف بدا لونه أبيض ~~جميلا وكان لحمه ألذ من المألوف بحسب رأي كثيرين ممن أكلوا لحمه.» # وبعد أن تخلص كينج من الخروف، التفت إلى العجل. كان العجل في حالة غير مستقرة حيث كان ~~نصف دمه قد فقد أو نقل إلى الخروف. وصعب ضغط الدم المنخفض على كينج استخراج مزيد ~~من الدم من الوريد. يقول كينج: «عندها فتحت الشريان السباتي». كانت الفوضى الناتجة ~~كبيرة، حيث اندفع الدم في جميع أركان الغرفة. وبرغم أن العجل قد قيد بإحكام، فإنه ~~كان يقاوم، مرسلا كل دفقة دم إلى موضع مختلف. مع ذلك، ذكر كينج أنه تمكن من جمع 25 ~~أوقية من الدم قبل أن ينفق ms090 العجل. على الناحية الأخرى، كان لحم العجل شاحبا وأبيض، ~~تماما مثلما كان الحال مع الحمل، وكان كل من اجتمعوا لفحص الجثة على يقين أن اللحم كان ~~أكثر بياضا عما ينتج عن طرق الذبح العادية. # ولم تشمل التجربة التالية التي وصفها كينج سوى كلب ماستيف عاثر الحظ. ففي 4 أبريل ~~1667، أفرغ كينج 18 أوقية من دم الكلب، وأراد عندها أن يحقنه بالقدر نفسه من اللبن ~~الدافئ المذاب فيه بعض السكر. ومن الواضح أن كينج كان يعمل تبعا لفرضية أن دور الدم هو ~~توزيع المواد الغذائية على الجسم؛ وهي فكرة منطقية جدا وكانت صحيحة جزئيا على ~~الأقل. إلا أن التجربة لم تجر كما خطط لها. بداية، انتشر اللبن في جسم الحيوان بنحو ~~أسرع مما أراد كينج. وبعدها أصبح الكلب أكثر اضطرابا وكافح ليتحرر من قيوده. وبعد مرور ~~بضع دقائق هدأ الكلب، بعد أن استنفدت طاقته على الأرجح لتخور قواه سريعا، وهو ما ~~مكن كينج من حقن اللبن المتبقي. # انتهت التجربة، وحل كينج قيود الكلب الذي قفز من فوق الطاولة ومر بخفة من جانب كينج. ~~لكن لم يدم هذا النجاح طويلا؛ إذ «مرض الكلب بشدة وقصرت أنفاسه لدرجة أني خشيت أن ~~يموت. لكن بعد أن تقيأ مرة أو اثنتين خرج فيهما بعض الدم، استعاد نشاطه.» وبأخذ عينة من ~~دم الكلب لمعرفة ماذا يجري بالداخل، وجد كينج أن الدم واللبن لم يختلطا، رغم أنه ظن ~~أنهما سيختلطان مع الوقت. بعد سبع ساعات، فوجئ كينج بأن الكلب فقد السيطرة على أطرافه، ~~لكنه استجاب عند التحدث إليه بلطف. وبعد ثلاث ساعات أخرى، دخل الكلب في غيبوبة، وكانت ~~حركته الوحيدة هي التنفس. وفتح كينج فمه وأعطاه مقدار كوب جعة من الطعام المفيد السائل، ~~بعدها انتهت معاناة الكلب وفارق الحياة. # وقتها كانت الساعة العاشرة مساء، وكان الظلام دامسا فلم يستطع كينج أن يقوم إلى ~~الكلب ليرى ما حدث داخل جسمه؛ لذا قرر أخذ قسط من الراحة والنوم ثم تشريح جثة الكلب في ~~الصباح التالي. لكن بحلول الصباح، واجه ms091 كينج مشكلة كبيرة؛ وهي ظهور رائحة نتنة شديدة. ~~لقد كانت الفضلات البشرية وكل أشكال الفضلات الأخرى تتجمع في برك متعفنة في شوارع لندن ~~وتتدفق بكميات كبيرة في بالوعات الصرف الصحي المفتوحة. لكن تلك الرائحة كانت أشد من ~~رائحة هذه الفضلات. لقد فر حارس منزل كينج - وهو رجل كان قد اعتاد على الروائح النتنة ~~والمشاهد القبيحة - من الحجرة، مصابا بالغثيان. قرر كينج أن يجلس وينتهي من فحصه. ~~وخلص إلى أن الدم واللبن لم يختلطا جيدا، وأنه إذا جرى الحقن باللبن، يمتلئ القلب ~~بالدم المتجلط، ويفشل الدم في الوصول إلى الرئتين على نحو صحيح. وكانت المثانة فارغة، ~~رغم أنها كانت منقبضة إلى أقصى درجة. وكان أي طبيب شرعي في القرن الحادي والعشرين سيقول ~~إن الخليط أنتج جلطات دموية كبيرة سدت مسار الشعيرات الدموية الدقيقة، وهو ما أصاب ~~الكلب بسكتة دماغية وأزمة قلبية حادة. # وبينما كان أعضاء الجمعية الملكية يستمعون لرواية الأحداث المدعمة بالرسوم كان كثيرون ~~منهم مقتنعين بأن حقن الطعام سيكون صعبا لكن حقن الدم هو الطريق المتوقع نجاحه. وبدا ~~واضحا أن كينج كان يرى ذلك، حيث إنه وبعد تسعة أيام - في 14 أبريل - أجرى محاولة ~~أخرى. # هذه المرة عاد كينج إلى نقل الدم، وأجريت التجربة على خروف وعجل آخرين. مرة أخرى ~~في منزله، بدأ كينج بإخراج الدم من الخروف. وسارت العملية على نحو جيد لدرجة أن كينج ~~تمكن سريعا من استخراج 45 أوقية من الدم، وتيقن المتابعون أن حالة الخروف لم تعد قابلة ~~للشفاء، لكن لم يكن ذاك هو الحال؛ إذ تمكن كينج - كالساحر - من إعادة الحيوية إلى ~~الخروف بنقل الدم إليه من العجل، ثم ترك الخروف ينزل عن الطاولة. عندها عم الاضطراب؛ إذ ~~كان أحد الحضور قد أحضر كلبه معه؛ وقررت الشاة أن تهاجمه «ونطحت الكلب ثلاثا أو أربع ~~مرات، غير عابئة على ما يبدو بما مرت به خلال التجربة.» لقد كانت الشاة حالة نادرة لدى ~~كينج؛ إذ إنها ظلت على قيد الحياة، وكان مسرورا برؤيتها حية جيدا. # وفي 30 ms092 مايو 1667، كان كينج مستعدا لتجربة أخرى؛ وكانت التجربة هذه المرة بين خروف ~~وكلب. إلا أن الأمور لم تجر على نحو جيد في هذه المرة. فعندما نقل دم الكلب إلى ~~الخروف، لم يفعل الخروف سوى أن رقد في معاناة وصلت شدتها لدرجة أن كينج وجميع ~~المشاهدين من أصدقائه ظنوا أنه على وشك النفوق. وكان استنتاجهم أنهم أعطوا الخروف جرعة ~~زائدة من الدم تفوق ما يمكنه تحمله. ظلوا يشاهدون، وينتظرون، ثم عاد معظمهم إلى بيته. ~~ومع قدوم اليوم التالي كان الخروف قد تعافى وراح يأكل التبن، رغم أنه بدا غير راغب في ~~قضاء الوقت مع غيره من الخراف في الحظيرة. وبعد ثلاثة أيام نفق. أما تفسير الموت، فكان ~~من الواضح - كما قال كينج - أن الخروف لم يكن بحالة جيدة قبل التجربة، رغم أنه رأى أن ~~الكلب نفسه لم يكن في أحسن حال بسبب تجربة أخرى كان قد أجراها عليه في اليوم ~~السابق! # رغم عدم النجاح، أصبح كينج أسيرا للفكرة، وكان حريصا على إعادة المحاولة في أقرب ~~فرصة. وقد حدث ذلك في 9 يونيو 1667. ويبدو أن اتجاه دراسات كينج كان يفتقر إلى المنطق؛ ~~إذ إنه بدلا من العمل على تحسين تقنيته، أدخل في دراساته نوعا آخر من الحيوانات، وكان ~~ثعلبا. كانت فكرة نقل الدم من الحمل إلى الثعلب مثيرة لدرجة أن بويل حضر التجربة. كان ~~الثعلب ضعيفا منذ البداية؛ لذا لم يخرج كينج منه كمية كبيرة من الدم قبل نقل الدم ~~إليه. ولم تتحسن صحة الثعلب كثيرا بعد نقل دم الحمل إليه، وعندما أطلق سراحه جلس على ~~نحو بائس على الأرض، وكان يرفع رأسه ويجأر ويعض العصي التي وضعت بالقرب منه وحسب. وبعد ~~يوم مات الثعلب «وخرج من أنفه بعض الدم بعدما مات». # كشف تشريح الجثة أن التجويف الصدري والبطني للثعلب ممتلآن بسائل دموي، مما حدا بكينج ~~إلى أن يتساءل عما إذا كان الاختلاف بين دم الحمل والثعلب كبيرا لدرجة تفاعلهما معا ~~فأصبح الدم قليل التركيز. ولم يتمكن الدم الخفيف من الإبقاء على ms093 «روح» الثعلب ومن ثم ~~ذهبت حياته. ربما لم يكن النجاح حليفا للفضوليين في إنجلترا، لكنهم كانوا على يقين من ~~أن تجاربهم جعلتهم بلا شك أصحاب الريادة العالمية في ذلك المجال البحثي. وفي الوقت ~~ذاته، كان كينج يأمل لعمله أن يجعله أحد منارات البحث العلمي في إنجلترا، ولربما تمنى ~~أن ذلك كان يتيح له الانضمام إلى الجمعية الملكية المرموقة. لكن للأسف رغم كل تلك ~~الجهود الحثيثة لم يحقق أي تقدم، ولم ينتخب زميلا للجمعية قط. # الفصل السادس # | طريق دوني إلى القمة # كانت التواصل بين إنجلترا وفرنسا جيدا، وتتوافر لدينا جميع الأسباب التي تدفع للاعتقاد ~~بأن العلماء الفرنسيين كانوا على علم بتجارب نقل الدم التي كان يجريها لوور وأصدقاؤه. وقرر ~~الفرنسيون في سبيل العلم أنه إذا كانت هذه الطريقة جيدة كما يبدو فإن عليهم أن يجربوها ~~بأنفسهم. # كانت محاولتهم الأولى في الأسبوع الأخير من ديسمبر عام 1666، عندما ترأس الطبيب الباريسي ~~كلود بيرو فريقا صغيرا وجرب نقل الدم بين كلبين. وفي 22 يناير 1667، أجروا محاولة أخرى. ~~وكان ذلك بعد سنوات قليلة من بدء بوتر ولوور أبحاثهما في أكسفورد وما حولها، لكن قبل أشهر ~~قليلة من بداية كينج تجاربه في لندن. وتجمع في هذه المناسبة عدد من أعضاء الأكاديمية ~~الملكية للعلوم المنشأة حديثا في مكتبة الملك وأحضروا معهم كلبين. وجرى تقييد الكلبين ~~جيدا بطاولتين في محاولة لنقل الدم من شريان في ساق أحدهما إلى وريد في ساق الآخر. وبعد ~~القليل من العبث والتلطخ بالدماء تماما، تراجع العلماء عن المحاولة ملقين باللوم على ~~أدواتهم؛ إذ شكوا من أن القنيات (الكانيولات) لم تكن مصنوعة بالضبط كما طلبوا من الحرفي ~~ومن ثم لم يكن لديهم أدنى فكرة عما إذا كان الدم يتدفق خلالها أم لا. # ولئلا يتم إرجاء التجربة اجتمع الأعضاء من جديد يوم 24 هذه المرة في منزل لويس جايانت وهو ~~جراح باريسي مشهور. وكانت الأنابيب الجديدة لديهم أفضل بكثير، ونجحوا في توصيل الشريان ~~السباتي في رقبة أحد الكلبين بالوريد الوداجي في رقبة الآخر. وتحقق الاتصال ms094 هذه المرة بوضوح ~~حيث وجدوا الوريد الوداجي ينبض مع ضخ الدم الشرياني. ونفق الكلب المستقبل للدم في الحال، ~~وعندما فتح صدره لدراسة السبب، وجد أن القلب والأوردة الرئيسية مليئة بالجلطات. # التقى أصحاب العقول المتسائلة مرة أخرى بعد يومين في مكتبة الملك من أجل إجراء محاولة ~~جديدة. واستنتجوا أن الكلب المستقبل ساءت حالته على نحو أكبر من المانح، حتى مع فقدان ~~المانح لكمية كبيرة من الدم بسبب «حادث» خلال العملية؛ ولا يحتاج الأمر لجهد كبير لتصور ~~حجم الفوضى. وبالنظر إلى أن معظم أطباء باريس قضوا حياتهم المهنية في علاج الناس بالفصد، ~~ليس من الغريب أنهم ظنوا أن الكلب المانح كان بحال أفضل من المستقبل. والأرجح في الواقع ~~أن كلا الكلبين كان في حالة سيئة في النهاية؛ أحدهما بسبب رد الفعل العكسي للدم الغريب ~~والآخر نتيجة فقدان الدم الحاد. # أجري آخر أربع محاولات لنقل الدم في منزل جايانت في 28 فبراير و3 و15 و21 مارس. ولم ~~ينبهر منفذو التجربة كما لم ينبهروا قبلها. فقد كان الدم يميل إلى التجلط في أوردة ~~المستقبل، ولم تكن الحيوانات في حالة جيدة بعد العملية إلا التي تلقت كمية صغيرة جدا ~~من الدم. # وفي التجربة النهائية، أضيفت لمسة علمية لطيفة على خطواتها. فقد جرى قياس وزن الحيوانات ~~قبل نقل الدم وبعده، وأي فضلات خرجت كان يجري جمعها وقياس وزنها. ومن ثم، أمكن التأكد من ~~نقل أوقيتين من الدم من أحد الكلبين إلى الآخر. وأعيدت التجربة ونقلت أوقيتان أخريان من ~~الدم، لكن مع تفريغ ثلاث أوقيات من الدم خوفا من ملء الكلب بكمية زائدة من الدم. ونفق ~~الكلب المستقبل في اليوم التالي. # في ضوء تلك النتائج السيئة، ليس من الغريب ألا يشعر أعضاء الأكاديمية بالحماس البالغ تجاه ~~نقل الدم. ومع ذلك، لم يستسلموا تماما، وتساءلوا عما إذا كان من الممكن استخدام أنبوبين ~~ونقل الدم في الاتجاهين في آن واحد. وكانت الفكرة هي السماح باختلاط الدم في كلا الكلبين ~~واتحادهما، إلا أنه رؤي أن المشكلات الفنية لإجراء ذلك على ms095 الحيوانات الصغيرة مثل الكلاب ~~كانت كبيرة. # وكانت النتيجة أن الأمل في نجاح نقل الدم صار ضئيلا، رغم أنه ربما لم يزل مفيدا في ~~العلاج المبني على استعمال جرعات الدم. ونصت إحدى الملاحظات الختامية على ما يلي: # لكن هذه الأفكار عند فحصها لم تدعم الاعتقاد بأن هناك أساسا قويا للآمال التي ~~علقت على تبديل الدم، وتبدو الطريقة التي استخدمتها ميديا لإعادة الشباب إلى ~~حماها أكثر واقعية وأقل خرافية، حيث لم تدع الجراحة الحكيمة تجديد دم آيسون ~~بمجرد حقن السوائل العلاجية في أوردته التي سحبت منها الدم القديم، لكنها اعتمدت ~~في الجزء الأساسي للعلاج على دواء أعطته إياه عن طريق الفم. # دوني يخطو خطوته # إذن، كيف تخطر الأفكار الجيدة للمرء؟ أحيانا يستطيع الناس تسجيل اللحظة التي جاءتهم ~~فيها الفكرة، لكن في الغالب تستغرق تلك العملية بعض الوقت. فحتى تلك الحكايات التي ~~تروى عن سقوط التفاحة على إسحاق نيوتن ووضع نظرية الجاذبية الأرضية يعتقد أنها ملفقة. ~~من المؤكد أنه لا يوجد أي سجل يوضح لماذا ترك دوني الرياضيات لبعض الوقت، وتحول اهتمامه ~~لنقل الدم. ومن الواضح أنه سمع بمحاولة الآخرين نقل الدم، وبما أنه كان قد تعاون مع ~~إميري فقد رأى في ذلك فرصة لمواصلة عمله. فأول من ينجح في علاج مريض من خلال نقل الدم ~~سيحظى بأهمية كبيرة. ولم يكن هناك كثير من الوقت ليضيعه. # لذلك ذات مساء في بدايات مارس 1667، جلس دوني ليكتب أول منشور له يتناول عمله في بحث ~~نقل الدم. وكان هدفه أن ينشر ما كتبه في دورية «جورنال دي سافونز». واكتسبت هذه ~~الدورية الحديثة نسبيا قاعدة كبيرة من القراء في باريس، وأخذ القراء على مستوى العالم ~~يشتركون فيها كذلك. وكان العدد الأول للدورية التي أسسها قاضي باريس دوني دي سالو قد ~~صدر في 5 يناير 1665. وكانت الدورية بالأساس مخصصة لمقالات نقدية، لكنها أحيانا كانت ~~تنشر بعض الأبحاث في العلوم والطب والتكنولوجيا. # نشر مقال دوني في عدد 14 مارس 1667 من الدورية، وهو ما أسعده كثيرا، وتضمن تفاصيل ~~محاولاته ms096 الأولية مبينا أن المحاولة الأولى جرت في 3 مارس ذلك العام، وهو اليوم نفسه ~~الذي جرت فيه تجربة جايانت الخامسة. وجرى في التجربة نقل الدم من كلب يشبه الثعلب وكلبة ~~سبنيلي. وابتسم دوني لدى تقليبه صفحات إحدى نسخ الدورية عندما قرأ التقرير الذي كتبه عن ~~التجربة الثانية لنقل الدم التي أجراها هو وإميري في 8 مارس. وكان هذا مرضيا بوجه خاص ~~حيث نجحا في نقل الدم من المستقبل في التجربة الأولى إلى كلب ثالث. وتضمنت ~~التجربة تفصيلة مهمة هي أنهما أبقيا الغرفة دافئة؛ إذ لم يرغبا أن يبرد الدم في أثناء ~~مروره في الأنابيب الموصلة؛ فكان هذا سيفقد الدم حرارته الحيوية. وظهرت سعادة دوني ~~بتلك الخطوة في وصفه للعملية بأنها كانت أقل خطرا مما توقعا. فالدم دخل أجسام ثلاثة ~~كلاب في خلال أسبوعين فقط وبدت جميعها في صحة جيدة وفي كامل قوتها وفي حالتها ~~المستأنسة. وانبهر أحد الأطباء الذين شهدوا الحدث، قائلا إنه لم يكن ليظن أبدا أن ما ~~حدث ممكن إن لم يره بنفسه. # سيشعر أي عالم معاصر بالغيرة من حقيقة أن تلك التجارب نشرت على ما يبدو في دورية ~~خلال أسبوع من إجرائها. من السهل الوقوع في خطأ الاعتقاد أن التكنولوجيا تعجل من ~~إيقاع الأحداث حتما. لكن مع كل الشروط الإضافية المفروضة في يومنا هذا من أجل العرف ~~ومن أجل التدقيق، يستغرق النشر في دورية أكاديمية عادة من ستة أشهر إلى سنة على الأقل ~~من تاريخ الانتهاء من التجربة. # مرة أخرى، كتب دوني خطابا في مجال دراسته. وكان الخطاب هذه المرة موجها إلى راعيه ~~مونتمور، مبينا تسلسل دراسات دوني في نقل الدم حتى تاريخه. وكما كان معتادا وقتها، ~~استهل دوني خطابه بنسبة جزء كبير من الفضل في نجاح عمله إلى مونتمور؛ وذلك اعتمادا على ~~أن الفكرة نوقشت لأول مرة في منزله وأكاديميته. وكان من الواضح حرص دوني على الثناء على ~~راعيه، وحرصه في الوقت نفسه على أن يدافع عن نفسه أمام اتهامه بالطيش الذي كان منتشرا ~~في أوساط ms097 العامة: # لقد سمعت بالمحاولة التي أجريناها قبل أربعة أشهر على كلبين لنقل الدم من ~~الشريان الفخذي لأحدهما إلى الوريد الوداجي للآخر. ومع سرورنا بنجاح تلك ~~العملية من المحاولة الأولى ... تشجعنا على تكرارها عدة مرات على الملأ وسرا، ~~وأضفنا ظروفا عديدة لطريقة إجرائها دفعتنا سهولة التجربة لعدم تجاهلها، بل ~~ساعدتنا على الخروج بمشاهدات وفيرة قد تفيد في ممارسة تلك العملية. # 1 # وتابع دوني ليشرح كيف جرب هو وإميري أساليب مختلفة. فأحيانا كانا يأخذان ~~الدم من شريان في جسم المانح وينقلاه إلى وريد المتلقي، وفي أحيان أخرى، جربا نقل الدم ~~من الوريد إلى الوريد. كما استخدما في التجربة كلابا ضعيفة وأخرى قوية، وكلابا كبيرة ~~وأخرى صغيرة. وفي الحقيقة كانت الكلاب في وسط باريس عرضة للخطر ذلك الصيف! # وبينما لم ينفق كلب واحد بين كل تسعة عشر، في المقابل نرى نتيجة مفاجئة كما ~~لو تلقت الكلاب دماء جديدة، فإننا تيقنا من أن نقل الدم ليس له أي تبعات ~~خطرة كما أشار بعضهم. # 2 # وبعد أن أوقد النجاح حماسهما، ذكر دوني أنه أراد أن يوسع أفق التجربة ~~ويجري تجارب لنقل الدم من نوع إلى آخر. واستمر دوني وإميري دونما توقف. وجرى في ~~المحاولة الأولى نقل دم عجل إلى كلب، وكان ذلك مساء سعيدا؛ إذ لم تنجح التجربة وحسب، ~~بل كان مونتمور يشهد هذا النجاح: # قمنا في حضورك بنقل دم العجل إلى أوردة الكلب في 28 مارس، وهو ما نفعله في كل ~~التجارب اللاحقة التي أجريناها من وقتها، مع عملنا الدائم على إتقان العملية ~~إلى حد ما. # وأصبحت تلك المرة الأولى من ثلاث مرات نقل فيها دوني الدم من العجول إلى ~~الكلاب. وكان شغله الشاغل في كل مرة أن يرى ماذا يحدث عندما يختلط دم قوي لحيوان كبير ~~بدم أضعف قطعا لكلب صغير. وفي جميع تلك التجارب، كان دوني يزعم أنهما لم يلاحظا أي ~~مشكلات على الكلاب. فقد كانت الكلاب تبدو دوما بصحة جيدة كما كانت قبل التجربة. كما ~~كان دوني سعيدا بأنه طور هو ms098 وإميري طريقة أبسط لنقل الدم تضمنت غرس الأنابيب عبر الجلد ~~في العروق. ويبدو ذلك شبيها بالإبر تحت الجلدية المعروفة في يومنا هذا، وقد وفرت هذه ~~الطريقة بكل تأكيد إحداث جرح كبير. ولو كانا علما بالأمراض المنقولة عن طريق الهواء ~~لأدركا أن الإبقاء على الجلد مغلقا يقلل كذلك بشدة من خطر انتقال العدوى. # أول إنسان # بعد ذلك خطا العالم أولى أهم خطواته في تاريخ نقل الدم. ففي 15 يونيو، تعرف كل من ~~دوني وإميري على فتى في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره - لا تعرف سنه بصورة ~~مؤكدة - وكان من الشائع ألا يعرف الناس سنهم. وكان هذا الفتى يعاني طوال شهرين من ~~حمى شديدة أوهنت قواه. واستقدم أقاربه الأطباء الذين أجروا له فصد دم حتما. كانت ~~الحمى تعتبر علامة على أن أخلاط الشخص اختلت وأن الجسم يحتوي على كمية كبيرة من الدم ~~المولد للحرارة. وكان إخراج نحو نصف لتر من الدم سيحل المشكلة. # لكن الفصد لم يعالج الحمى لدى هذا الفتى تحديدا؛ لذا عاد الأطباء وكرروا العلاج. ~~وعلى مدار شهرين، فصدت دماء الفتى عشرين مرة؛ لذا لم يكن غريبا أن الفتى عاثر الحظ ~~قد وهنت قواه، وتبلد عقله، وضعفت ذاكرته، وثقل جسده، وكان النعاس يغالبه باستمرار؛ إذ ~~كان ينام لمدة 12 ساعة كل ليلة، وكان إيقاظه في الصباح يتطلب جهدا كبيرا؛ حتى إنه كان ~~ينام حتى وهو يتناول الإفطار. وكان هذا تناقضا كبيرا مع الروايات التي ذكرت أنه قبل ~~الحمى كان يتمتع باللياقة البدنية والرشاقة. # كان استدعاء طبيب أمرا مكلفا، بل كان خطرا؛ إذ لم تعد المشكلات التي يعاني منها ~~الشاب في هذه المرحلة نتيجة للمرض الأصلي بقدر ما كانت نتيجة العلاج الذي كان يتلقاه. ~~من المحتمل جدا أن يكون السبب الأصلي للحمى قد انتهى خلال شهرين وأن إرهاق الفتى كان ~~نتيجة معاناته من فقر الدم الناتج عن فصد الدم المفرط؛ فقد كان النزيف الشديد لعشرين ~~مرة كافيا لجعل أي جسم في غاية الوهن. # وعندما وصل دوني، برزت احتمالية تحول ms099 الموقف من سيئ إلى أسوأ. فحص دوني المريض واستمع ~~إلى قصته. وبعدما ناقش المشكلة مع إميري توصل كلاهما إلى أن جسم الفتى يحوي كمية قليلة ~~جدا من الدم، وأن الكمية القليلة المتبقية قطعا كانت مليئة بكمية مركزة من الحمى. ~~ومع نقص الدم من جسم يخف مستوى الحمى. هذا بخلاف أن قلة كمية الدم كانت تعني أن الحرارة ~~الطبيعية في جسم المريض لم تكن كافية لقتل العوامل المسببة للحمى. وظنا أن الدم بدلا ~~من أن يجري عبر الجسم كان في الأغلب يرقد في برك ساكنة داخل الأوعية الدموية، فلا يحمل ~~ما لديه من القوة المانحة للحياة إلى الأعصاب والعضلات. # وكانت هناك طريقة واحدة للتأكد من صحة نظريتهما، وهي فتح أحد أوردة الشاب ورؤية ما ~~يخرج منها. ومرة أخرى خسر الشاب بعضا من دمه الثمين. وباستخدام أدوات فصد الدم ~~الشائعة، فتح دوني وإميري أحد الأوردة ورأيا كمية صغيرة من الدم تخرج منه، وكان الدم ~~داكن اللون كثيفا لدرجة أنه لم يكد يخرج من الوريد، لقد كان الشاب في حالة سيئة بلا ~~شك. # كان الحل واضحا لهما، لكنه كان حلا ثوريا في رأي المراقبين. كان الحل إعطاءه ~~مزيدا من الدم. هنا كان الوقت قد حان لإرسال شخص للبحث عن متبرع وبدت الخراف حلا ~~جيدا كغيرها من الحيوانات الأخرى. # كان الانتقال من مجرد التصور - عبر التجارب الأولية على الحيوانات - إلى أولى التجارب ~~على البشر سريعا للغاية. وليس هذا بالشيء المسموح به حاليا، حيث توجد الضمانات ~~التنظيمية واللجان الأخلاقية من أجل حماية المرضى من تصرفات الممارسين ذوي الحماس ~~الشديد؛ إذ ربما توافق إحدى اللجان الأخلاقية في الغرب لعالم أن يجرب فكرة على حيوان ~~وهي تعلم أن الحيوان لن ينجو من التجربة، لكنها تصر على ألا تجرى أية تجارب على إنسان ~~إلا إذا توافر دليل قوي على أن الشخص سيستفيد من الإجراء. ويقودنا هذا إلى التفريق بين ~~العلماء الذين يجرون «التجارب» على الحيوانات، والأطباء الذين يجرون «الاختبارات» على ~~البشر. والآن يمثل إعلان هلسنكي لعام 1964 أساسا ms100 للطريقة التي ينبغي أن يتواصل بها ~~الأطباء والمرضى، مع الإصرار على أن مصلحة المريض هي الهدف الأساسي لأي علاج. ففي ~~البحوث الطبية ، ينبغي أن تسبق سلامة الإنسان الذي يخضع للاختبار اهتمامات العلم أو ~~المجتمع. ويبدو أن دوني تصرف بنزاهة ملحوظة في هذا السياق، حتى بمقاييس القرن ~~الحادي والعشرين. ولم يكن من المعتاد أن تكون صحة المرضى وسلامتهم هي الشاغل الأساسي ~~للأطباء. # أصبح كل شيء جاهزا في الخامسة صباحا. فتح دوني أحد الأوردة في ذراع الشاب وأخرج ~~ثلاث أوقيات من الدم. فقد أراد أن يخرج بعض الدم ليتأكد من وجود مجال لدخول الدم ~~الجديد؛ إذ لم يكن دوني يعارض المنطق السائد القائل بأن زيادة الدم خطر. ثم انتقلا إلى ~~الحمل، فعندها كان دوني وإميري قد أدخلا أنبوبا رفيعا إلى الشريان السباتي للحمل، ~~وهو ذلك الشريان الموجود في الرقبة الذي يحمل الدم من القلب إلى الدماغ. يتمتع هذا ~~الشريان بعدة مميزات تتجسد في أنه يسهل نسبيا تحديد موضعه في جانب الرقبة، وما إن ~~عثرا عليه، كان لديهما وعاء دموي يمتد بطول 10 سنتيمترات يمكن كشفه بسهولة. # وسرعان ما أدخل إميري أنبوبا في وريد الشاب ووصلها بالأنبوب المتصل بالحمل. وانتظرا ~~كلاهما وظلا يحسبان الوقت. فقد كان هدفهما أن ينقلا إلى الشاب ثلاثة أضعاف ما أخرجوه ~~من دمه. وكان هذا سيعوض الخسارة، ويخفف تركيز الحمى، ويوفر كمية كافية من الدم لاستعادة ~~الحرارة الضرورية. وعندما شعرا بأن عملية النقل قد انتهت سحبا الأنبوبين، ومنعا نزف ~~الدم عن طريق عقد رباط صغير بإحكام حول الجرح الموجود في ذراع المريض. # بعدها لم يكن أمامهما سوى الانتظار والمشاهدة. وأمطر دوني المريض بالأسئلة، واكتشف ~~أنه شعر بحرارة شديدة في ذراعه في أثناء العملية. وبخلاف ذلك، لم يكن هناك كثير ليعرف ~~على مستوى النتائج الفورية. لكن الشاب ذكر أنه في المساء الذي سبق العملية كان قد سقط ~~من فوق درج مكون من 10 درجات وأصيب في جنبه، إلا أن الألم قد اختفى منذ نقل الدم. وفتح ~~هذا الباب أمام الاحتمال ms101 المثير للاهتمام المتمثل في أن فائدة نقل الدم قد لا تقتصر على ~~علاج الحمى بل تتجاوزه إلى جميع أنواع الآلام والأوجاع الجسدية. # بحلول العاشرة صباحا، وبعد خمس ساعات فقط من العملية شعر الشاب بالبهجة وتساءل إن ~~كان من الممكن أن ينهض. ولم ير دوني أي سبب لمنعه، وسر لما رأى المريض يقضي باقي ~~يومه وهو يأكل ويشرب ويعيش حياة طبيعية تماما. وبعد الظهيرة، في حوالي الساعة الرابعة ~~عصرا نزفت أنف الشاب قليلا، وظن دوني أنه نزف ثلاثة أو أربعة قطرات من الدم. شعر أن ~~هذا غريب، لكنه شعر أيضا أنهما ربما أعطياه كمية من الدم زائدة قليلا وكانت النتيجة ~~مثل أنبوب فاض في خزان للمياه. # شكل 6-1: «من الحمل إلى الإنسان» (بورمان، 1705). نسخت بتصريح من المكتبة ~~الوطنية الأمريكية للطب. # مر وقت بعد الظهيرة في سلام؛ لذا حث دوني مريضه على تناول وجبة عشاء غنية ثم الخلود ~~إلى النوم. وفي الساعة التاسعة، رقد الشاب في الفراش، وفي العاشرة كان قد نام. وعلى ~~النقيض التام من الأيام السابقة التي لم يكن يقدر فيها على الاستيقاظ، وجد الشاب صعوبة ~~في النوم واستيقظ في الثانية فجرا. وبحلول الساعة الرابعة شعر بالملل وقرر أن يبدأ ~~يومه. لقد كانت بداية لبقية حياته. وعلق دوني: # في اليوم التالي نام لمدة أطول قليلا، ومنذ ذلك الحين استطاع بسهولة أن ~~يتغلب على الشعور بالنعاس، بعد أن كان يحاول النوم من قبل دون جدوى؛ والآن لا ~~يفوته الاستيقاظ مبكرا من تلقاء نفسه. وهو ينفذ ما يطلب منه بمنتهى الخفة ~~مهما كان، ولم يعد يعاني من بلادة الروح ولا ثقل الجسد، اللتين جعلتاه في حال ~~لا تمكنه من فعل أي شيء. وزاد وزنه بوضوح، وباختصار، أصبح مثارا لدهشة كل من ~~يعرفه ويعيش معه. # أزكى النجاح البادي لهذه التجربة حماس دوني لتلك الطريقة. فبقدر ما كان ~~يرى، فقد بدا أن نقل الدم مقدر له الاستمرار. دعا دوني الفتى ليأتي إلى منزله خادما - ~~سواء بدافع الإحسان أو بدافع الفضول. وبالنظر إلى الحادث، متمتعين ms102 بميزة مرور أكثر من ~~300 عام إضافي على علم الطب، يبدو أن التفسير الأرجح لتعافي الشاب لم يكن بسبب نقل الدم ~~بل كان بسبب توقف فصد الدم. إن نزيف الأنف يشير إلى أن الشاب ربما استجاب استجابة عكسية ~~لدم الحمل، لكنها لم تكن قوية لدرجة تسبب له ضررا دائما. # شكل 6-2: «من الكلب إلى الإنسان» (سكالتيتوس، 1693). نسخت بتصريح من المكتبة ~~الوطنية الأمريكية للطب. # نقل الدم يتحول إلى واقع # لقد مر 200 عام قبل أن يبدأ الأطباء في اكتشاف التعقيدات التي تدخل في عملية نقل ~~الدم، وعندئذ كشفوا عن مدى خطورة تلك العملية في حقيقة الأمر؛ إذ ثبت أن الدم لم يكن ~~سائلا أحمر بسيطا، بل هو عضو حي يتكون من عدة أنواع مختلفة من الخلايا التي يؤدي كل ~~منها دورا مختلفا في جميع أجزاء الجسم. فخلايا الدم الحمراء تنقل الأكسجين من الرئتين ~~إلى الأنسجة، وتمكن الدم من نقل ثاني أكسيد الكربون في الاتجاه المعاكس. وتحارب ~~خلايا الدم البيضاء الأمراض، بينما تؤدي الصفائح الدموية دورا حيويا في تجلط الدم. ~~وتسبح هذه الكتل الصلبة في سائل البلازما. وسرعان ما وجد العلماء أنه عند السماح للدم ~~بالتجلط، ظهرت لهذا السائل خواص مختلفة بعض الشيء عن البلازما، فسموه مصل الدم. # وفي عام 1875، استخرج عالم الفسيولوجيا الألماني ليونارد لاندويس، الذي كان يعمل في ~~جرايفسفالد، خلايا دم حمراء من دم الحملان، وخلطها بأمصال مأخوذة من دم حيوان آخر، ~~كالكلب مثلا، وأبقى الخليط في حرارة الجسم الطبيعية. وعندما نظر في المجهر، وجد أن ~~خلايا الدم الحمراء انفجرت خلال دقيقتين تقريبا. كان من الواضح أن ما حدث لن يكون ~~أمرا جيدا إن تم داخل جسم الإنسان. فخسارة خلايا الدم الحمراء تعني صعوبة انتقال ~~الغازات إلى أجزء الجسم المختلفة. كما كان لاندويس يعلم أن هلاك الخلايا الحمراء كان له ~~أثر آخر. فخلايا الدم الحمراء غنية بالبوتاسيوم، ومن ثم سيسبح هذا الأيون في مجرى الدم. ~~فعلى الرغم من أن البوتاسيوم أحد العناصر الحيوية للجسم، فإن التركيز العالي للبوتاسيوم ~~في الدم ms103 ذو أثر قاتل ويمكنه أن يمنع عضلات القلب من الانقباض. سيشعر الشخص عندئذ بآلام ~~في الذراعين والصدر، ويعاني فعليا من سكتة قلبية. # في ضوء هذه المعلومة، يبدو أمرا عجيبا أن يظل أي فرد على قيد الحياة بعد نقل الدم ~~إليه من نوع مختلف، رغم أن لاندويس عندما راجع كل الحالات المسجلة لنقل دم الحيوانات ~~إلى الإنسان، وجد أنه في نحو ثلث الحالات لم يعان الشخص من أضرار طويلة المدى. ~~والتفسير الأرجح هو أنهم لم يتلقوا كمية كبيرة جدا من الدم، ومن ثم تمكن الجسم من ~~احتمال التأثير. ومع ذلك، ظل بعض الأطباء يدافعون عن نقل الدم من الحيوان إلى الإنسان ~~حتى عام 1928. # وبعد ربع قرن من اكتشاف لاندويس، دفع النمساوي كارل لاندشتاينر هذا العلم خطوة أخرى ~~إلى الأمام؛ إذ بدأ لاندشتاينر يدرس استجابة الدم المأخوذ من أشخاص مختلفين عندما ~~يختلط في تركيبات مختلفة. وكانت عيناته الأولى مأخوذة من 22 شخصا كانوا يعملون معه في ~~معمله. وفي بعض الحالات، وجد أن كرات الدم الحمراء تتكتل عندما يخلط مصل دم من شخص ما ~~مع الدم الكامل لشخص آخر. وفي تركيبات أخرى، لم يحدث مثل هذا التلاصق. لقد حقق هذا ~~الرجل الطويل النحيل وقتئذ اكتشافا شكل أساسا لما صار لاحقا صناعة نقل الدم. فقد ~~رأى أنه من الممكن تصنيف الناس في ثلاث مجموعات تبعا لفصيلة دمهم؛ وسمى تلك المجموعات # A # و # B # و # C ~~. لم يكن مزج الدم بين الأشخاص الذين ينتمون ~~للمجموعة نفسها يسبب ضررا، بينما كان مزج الدماء التي تنتمي إلى مجموعات مختلفة ~~ضارا. فكان مصل دم المجموعة # A # يسبب تكتل دم المجموعة # B ~~، وكان مصل دم المجموعة # B # يسبب تكتل دم المجموعة # A ~~. وكانت المجموعة # C # مختلفة، من حيث إن مصل دم أفرادها يسبب تجلط دم ~~أفراد المجموعتين # A # و # B ~~. ~~وبعدها بعام، اكتشف أحد تلاميذ لاندشتاينر مجموعة رابعة؛ وهي مجموعة نادرة لم يسبب مصل ~~الدم لدى أفرادها تجلط دم أفراد المجموعتين # A # و # B ~~. فقد اكتشف نظام فصائل الدم ms104 # ABO ~~. # وفي عام 1919، اقتنص لاندشتاينر وعرض عليه منصب رفيع في معهد روكفلر للبحوث الطبية ~~في نيويورك، حيث واصل عمله ليثبت أن الحياة أكثر تعقيدا من ذلك وأن هناك عديدا من ~~فصائل الدم الأخرى. فقد اكتشف مثلا الفصائل # M # و # N # و P # من خلال حقن ~~الدم البشري في الأرانب، حيث تسبب المزج بين دماء أنواع بيولوجية مختلفة في تلك المرة ~~في رد فعل أعنف. وكان اكتشاف هذه المجموعة من استجابات الدم تلك ومفهوم فصائل الدم ~~سببا في فوز لاندشتاينر بجائزة نوبل في الفسيولوجيا أو الطب. # نقل الدم غير المتوافق # يمكن لأحد ثلاثة احتمالات أن يقع عند نقل فصيلة دم غير مناسبة: فأحيانا لا يحدث شيء؛ ~~إذ لا يتعرف الجسم في تلك الحالة على هذا الهجوم من الخلايا الغريبة ومن ثم لا يعطي ~~استجابة دفاعية. # أما الاحتمال الثاني فهو تحطم كرات الدم الحمراء المنقولة بنحو فوري ومهدد للحياة. ~~ويحدث هذا عندما ترصد خلايا الدم في جسم المريض خلايا دم غريبة ويستثير ما يعرف ~~بالجهاز المناعي المتمم. والمتمم هو جزيء يلتصق بخلايا الدم الحمراء ويسبب ثقوبا في ~~أغشيتها. وبما أن تركيز المواد الكيميائية داخل الخلايا أعلى من تركيزها في الدم، فإن ~~الماء يندفع عبر الثقوب فتتضخم الخلايا وتنفجر، وتخرج محتوياتها إلى مجرى الدم. عندها ~~يواجه الجسم مهمة كبيرة تتمثل في إزالة هذا الحطام. وعلاوة على ذلك، يمكن لآلية التجلط ~~في الدم أن تخرج عن السيطرة، فتسبب نزيفا حادا من أي نقاط ضعيفة. ويطلق على هذا ~~الوضع التخثر المنتثر داخل الأوعية الدموية المعروف اختصارا باسم دي آي سي. يمكن أن ~~يكون النزيف داخليا فلا يلاحظ، أو يمكن أن يحدث من خلال الجروح القديمة أو في ~~الممرات الأنفية، مما ينتج عنه نزيف الأنف. ويمكن لصدمة الجهاز المتمم أن تكون شديدة ~~وغامرة. لكن في الحالات الأقل سوءا يمكن ألا يستثار الجهاز المتمم بالكامل ولا يفقد ~~الدم سوى ثلث خلايا الدم الحمراء في الساعات الأربع والعشرين الأولى. وفي هذه الحالة ~~يستقر وضع الشخص المتأثر ويتعافى ببطء. ms105 # وأما الاحتمال الثالث فهو أن تزال خلايا الدم الحمراء الغريبة على نحو بطيء من مجرى ~~الدم. ولا يتدخل في هذه العملية نظام التعرف على فصائل الدم، بل تضطلع بها خلايا دم ~~بيضاء موجودة خاصة لرصد الخلايا المهاجمة وإزالتها. وفي هذه الحالة، يجري تدمير خلايا ~~الدم المتبرع بها خارج مجرى الدم، إما في الكبد أو في الطحال. وربما يشعر الشخص ~~بالتوعك، لكن الوضع لا يشكل خطرا على حياته. # من حين لآخر، تحدث حالات نقل دم بين فصائل متباينة في البيئات الطبية الحديثة، لكن ~~ذلك لا يحدث إلا في حالات الأخطاء المطبعية فيعطى الشخص دما من فصيلة غير مناسبة. # المؤشرات السريرية # تعد الحمى أكثر أعراض عدم التوافق في نقل الدم شيوعا؛ إذ يستجيب الجسم للمواد ~~الكيميائية التي تصب في مجرى الدم. ويمكن للوضع أن يسوء إذا كان الدم المنقول يحمل عدوى ~~بكتيرية أو كانت الأدوات المستخدمة غير معقمة، ومن ثم تنقل البكتيريا إلى المتلقي. ربما ~~كان دوني ومعاصروه ينظفون الأنابيب التي يستخدمونها، لكن بما أنهم لم يكتشفوا وجود ~~البكتيريا لم يكن هناك أي أمل في أن تكون الإبر التي تدخل في العروق معقمة. ومن ثم زاد ~~احتمال أن تدخل الميكروبات المسببة للأمراض مع الدم إلى الدورة الدموية. # كما يمكن للمرضى أن يشعروا بألم في الصدر حيث يعاني القلب من ارتفاع نسب البوتاسيوم ~~في الدم. وفي تجربة دوني، ربما كانت السكتة القلبية الناتجة أحد أسباب شكوى الفتى من ~~الألم في ذراعه مع دخول الدم الجديد، رغم أن نسبة كبيرة من الألم الحاد كانت تعود على ~~الأرجح إلى الحساسية المفرطة في استجابة الجسم في ظل اختلاط الدم الأصلي والدم الجديد ~~داخل الوريد. # ومع الصعوبة التي تواجه عمل القلب، ينخفض ضغط الدم لدى المريض ويظهر لديه الشعور ~~بالغثيان ويتقيأ. ويمكن لضغط الدم المنخفض في ظل وجود ملايين التجمعات الصغيرة لخلايا ~~الدم الحمراء أن يشل الكليتين بسهولة ما يزيد المشكلات تعقيدا. فمع توقف الكليتين يصعب ~~على الجسم تنظيف الدم، وإن لم تحل المشكلة يصبح المريض عرضة ms106 للوفاة نتيجة التسمم ~~الداخلي. # وتؤدي الوسائط أو الرسل الكيميائية التي تطلق في الدم إلى ارتخاء الشرايين الدقيقة، ~~ويسمح هذا بتسرب السوائل منها إلى النسيج المحيط بها. ويؤدي هذا الأثر المركب إلى ~~انخفاض ضغط الدم على نحو أكبر. وفي محاولة لاستعادة ضغط الدم الطبيعي، يتم إفراز ~~هرمونات أخرى تسبب غلق بعض الأوعية الدموية. ويتأثر أحد تجمعات الأوعية الدموية على وجه ~~التحديد وهو ذلك الموجود في الكلى. ونتيجة انخفاض ضغط الدم يصعب على الكلى تنقية الدم ~~من الشوائب. وفوق كل ذلك، تتعطل آلية التنقية في الكلى بسبب الانسداد الناتج عن الجلطات ~~الصغيرة التي تسبح في الدم، وتبدأ الأوعية التي تمد الكلى بالدم في الانغلاق. وإذا ~~استمر هذا الوضع، تعجز الكلى عن أداء وظيفتها وتموت خلاياها مع استنفادها الأكسجين ~~الضروري للحياة. # لكن في حالة مريض دوني، يبدو أن الكليتين تمكنتا من الاستمرار في عملهما. إلا أنه في ~~حالات مرضى لاحقين، سجل دوني أن أجسامهم أخرجت كميات وافرة من البول الأسود؛ ويرجع ~~اللون الأسود إلى احتوائه على نواتج تكسير خلايا الدم الحمراء. كما شكا المرضى من ألم ~~شديد في الظهر، وهو عرض ربما يرتبط بالفوضى الدائرة في الكليتين. # كما ظهرت على مريض دوني أعراض واضحة لإصابته بالتخثر المنتثر داخل الأوعية الدموية. ~~وبدلا من أن يثير ذلك مشاعر القلق لدى دوني، عرف دوني في أثناء تعلمه الطب أن النزيف ~~كان جزءا لا يتجزأ من العلاج الطبيعي لذا اعتبر ذلك علامة صحية؛ فعلى كل حال كان ينظر ~~للحيض على أنه الوسيلة التي يستعيد بها جسم المرأة توازنه الداخلي بصورة طبيعية ~~شهريا. فكانت تلك الاستجابة لنقل الدم علامة في رأي دوني على أن الجسم يحل مشكلاته ~~بنفسه. وبدلا من القلق من نزيف الأنف عندما حدث في المرضى اللاحقين، قرر دوني أن يشجع ~~تلك العملية بقطع أحد الأوردة والتخلص من مزيد من الدم. # المضي قدما # على حد علم دوني، كانت عمليات نقل الدم التي أجراها ناجحة؛ لكن ماذا كانت الخطوة ~~التالية؟ لقد كان هناك الكثير من المرضى في ms107 باريس، إلا أن إجراء التجارب على المرضى كان ~~محفوفا بالمشكلات. فإذا توفي المريض بعد نقل الدم إليه، فكيف سيمكن تحديد ما إذا كانت ~~الوفاة ناتجة عن مرضه أم أنها بسبب حقن الدم؟ لذا ولدراسة العملية على نحو أشمل، كان ~~عليه أن يجربها على شخص سليم . ويحفل تاريخ علم الطب بأمثلة لعلماء جربوا الوسائل ~~الجديدة على أنفسهم، لكن في هذه الحالة، قرر دوني أن يبحث عن متطوع، مما أسفر عن إجراء ~~ثاني عملية نقل دم للبشر في العالم. # ومثلما كان يوجد كثير من المرضى، كان يوجد كثير من الفقراء؛ هكذا وبعد أيام قليلة ~~استقدم دوني عاملا بالغا من العمر 45 عاما. وكان ضخما وسليما وقويا، وكانت ~~حسابات دوني تقضي بأنه سيحتاج لنقل كمية أكبر من الدم إليه ليتمكن من رؤية ~~الاستجابة. # بدأت التجربة بداية سيئة، حيث وجد دوني وإميري صعوبة في إخراج دم العامل من أوردته. ~~وفي النهاية، لم يتمكنا إلا من استخراج ما لا يزيد عن 10 أوقيات. وباستخدام الطريقة ~~نفسها التي استخدموها مع الشاب، وصلا العامل بحمل؛ لكنهما في تلك المرة أخذا الدم ~~من الوريد الفخذي الأكبر في ساق الحمل. وظلا يحسبان، منتظرين هذه المرة حتى رأيا أنهما ~~نقلا إلى الرجل 20 أوقية من الدم. # يبدو أن الرجل احتفظ بحس الفكاهة لديه عبر التجربة، وهو ما كان أمرا جيدا، حيث تسرب ~~الدم لاحقا على نحو متوقع من الأنابيب المستخدمة وانتشر الدم عبر أنحاء الغرفة وغطى كل ~~المشاركين في العملية. كما أنه من المستبعد أن يكون الحمل قد اشترك في تلك التجربة في ~~استكانة. فرغم أنه قيد بإحكام ولم تتح أي فرصة لأن يتحرك أو أن يفعل أي شيء سوى ~~إصدار صيحة اعتراض مكتومة، فإن ذلك لم يمنعه من إغراق المكان ببوله من وقت لآخر. # مرة أخرى، ذكر المتلقي الحرارة الشديدة التي شعر بها في ذراعه مع تدفق الدم الجديد ~~إليه. ويصف دوني ما حدث بعدها، قائلا إن العملية عندما انتهت نصحوا العامل بالاستلقاء ~~والراحة لكن مع شعوره بالنشاط تجاهل ms108 توجيهاتهم. وعلى العكس، قرر العامل أن يذبح الحمل ~~معللا ذلك بأنه تعلم الجزارة في شبابه. ويبدو في الحقيقة أن العامل أحسن ذبح الحيوان ~~وسلخ صوفه. بعدها قال إنه سيعود إلى منزله وأكد أنه سيطهو حساء مغذيا وأنه سيستلقي ~~ويرتاح بقية اليوم. # أما دوني فقد شعر بالإحباط؛ إذ كان ذلك يعني أنه لن يتمكن من أخذ ملاحظات مستمرة على ~~استجابة العامل لنقل الدم، لكن لم يكن أمامه خيار على أية حال. مع ذلك، ظل دوني مصرا ~~على أن يرتاح العامل. وانصرف العامل، وذهب دوني وإميري ليحصلا على قدر من الراحة بينما ~~عكف الخدم على تنظيف المنزل. وبعدها ذهبا إلى منزل العامل ليكتشفوا أنه لم يعد إلى ~~المنزل قط. ولم يكتشفا ما فعل إلا عندما صادفاه في الشارع في اليوم التالي. # من الواضح أن العامل تلقى أجرا نظير خدماته، رغم أن المبلغ الذي حصل عليه ليس ~~معروفا. وبينما كان هذا مألوفا في ذلك الوقت إلا أنه عمل مستهجن في يومنا هذا؛ إذ ~~يعني تلقي الشخص للمال بهذه الطريقة أنه لم يعد متطوعا بل يتخذ من جسمه وسيلة لجني ~~المال. ويمكن أن يقال عن الشخص أنه يبيع جسده؛ وهو ما يكاد يقترب من العبودية. # لم يكد العامل يغادر منزل دوني حتى صادف مجموعة من أصدقائه، ونظرا لحيازته المال ~~الذي جناه لتوه، وسعادته بأحداث يومه، ذهب مع أصدقائه لتناول مشروب في أقرب حانة، ~~وسرعان ما نسي كل شيء عن الذهاب للمنزل والراحة: # مع شعوره بعد الظهيرة بالنشاط (إما بسبب الدم الجديد الذي تلقاه قبل ست ساعات ~~أو بسبب كمية النبيذ التي شربها) انكب على عمل شديد الإجهاد لجسمه بالكامل ~~لدرجة قد تتعب فرسا؛ وقضى طيلة وقت ما بعد الظهيرة على هذا النحو. # غضب دوني عند سماعه ذلك؛ إذ عرض سلوك الرجل تجربته للخطر، والأسوأ من ~~ذلك كما ذكر، أنه لم يتمكن من تسجيل الملاحظات اللازمة. فعلى كل حال، قد تلقى الرجل ~~مالا نظير خدماته، وكانت مرحلة الملاحظات بقدر أهمية مرحلة نقل الدم نفسها للتجربة. ms109 ~~هذا تذكير حي بأن إحدى مشكلات إجراء التجارب على البشر هي أنهم يميلون للنهوض والمغادرة ~~بعد نصف التجربة. مرة أخرى: يكرس إعلان هلسنكي هذه الفكرة في الوقت الحاضر؛ وهي فكرة أن ~~«صحة مريضي ستكون أول اعتباراتي»، ويحسب لدوني أنه اختار أن يمنح العامل حريته بدلا من ~~أن يسعى لتقييده بينما كان يؤدي عمله. # وزعم الرجل في دفاعه عن نفسه أنه كان من المستحيل عليه أن يفكر في الراحة بينما كان ~~مفعما بالطاقة. وأوضح أنه لم يشعر بأي ألم، وأنه أكل وشرب ونام جيدا، وأنه شعر بقوة ~~لم تكن لديه من قبل. لقد كان متحمسا لنتائج عملية نقل الدم لدرجة أنه عرض تكرارها ~~وقتما يريد دوني وإميري؛ مضيفا أنه سوف يتصرف هذه المرة على نحو أفضل ويستلقي كما ~~أمره دوني. # ليس هناك ما يدل على أن دوني طلب هذه الخدمة من هذا الرجل مجهول الاسم مرة أخرى، لكن ~~ليس هذا آخر ما سنسمعه عنه. # الفصل السابع # | السبق والسجن # أتت نهاية يوليو عام 1667 على دوني حاملة معها بشرى تقديره؛ إذ كان الفارق كبيرا بين أن ~~يسجل عمله وينشره في نشراته الخاصة - وهو ما كان يفعله دوني طوال الصيف - وأن ينشر بعضها ~~في دورية «جورنال دي سافونز» - التي كانت جديدة لكنها بالغة التأثير - والتي كان رئيس ~~تحريرها صديقا شخصيا لدوني. إلا أن رؤية أعماله تترجم إلى الإنجليزية وتنشر في دورية ~~أولدنبرج «مداولات فلسفية» كان تتويجا لنجاحه. # ففي العدد 27 من «مداولات فلسفية» توالت الصفحات عن أعمال دوني وأفكاره، حيث طبعت ووزعت ~~على كل قلاع العلم في أوروبا. فكان ذلك اعترافا بدوني في واقع الأمر. ودفع ذلك نقاده للتفكير. فقد ~~كانت إنجلترا على كل حال هي موطن اكتشاف الدورة الدموية. فإذا رأى أهلها أن عمل دوني يستحق ~~الذكر فمن عساه أن يعترض؟ # ومع عدم إلمام دوني بالإنجليزية، لم يتمكن من تحليل ما نشر كاملا ليتأكد من أن أفكاره ~~نجت من أخطاء الترجمة، لكن الفحص العرضي أظهر أن كثيرا من النقاط الرئيسية كان موجودا. ms110 ~~فعلى سبيل المثال، وردت في البداية جملة تشير إلى أن دوني كان يدرس احتمالات نقل الدم لعشر ~~سنوات منذ سمع عنه في أكاديمية مونتمور. وكان حدثا عظيما أن يذكر ذلك كتابة، لأنه عندها ~~يتأكد سبقه في ذلك المجال. وعندما يشيع نقل الدم عبر أنحاء العالم ستطبق شهرته الآفاق، ~~وسيجني ثروات طائلة من وراء ذلك. # شكل 7-1: «مداولات فلسفية» العدد رقم 27 (أولدنبرج، الطبعة الأولى). حقوق الطبع ~~محفوظة للجمعية الملكية. # أورد المقال بالتأكيد حالتي نقل الدم اللتين أجراهما دوني إلى الشاب ثم إلى العامل؛ إذ لم ~~يجرب أي شخص في العالم شيئا بمثل هذه الجرأة. ومع الاعتراف الدولي به، أليس من المؤكد أن ~~تعرض عليه الأكاديمية الملكية الفرنسية للعلوم عضويتها المرموقة؟ فكيف ترفض ذلك؟! فكل ما ~~كان يحتاج إليه في ذلك الوقت هو قليل من التجارب الناجحة ومزيدا من التغطية رفيعة ~~المستوى. # استمرت هذه الفترة المثالية من حياة دوني المهنية شهرا واحدا، وربما زادت بضعة أيام. ثم ~~بدأت الأزمة في أغسطس؛ إذ أنكر أولدنبرج العدد المذكور من دوريته واستبدل به نسخة جديدة. ~~فتحول الثناء والضغائن اللذان أحاطا بدوني في الأسابيع الأخيرة إلى قهقهات وضحكات ساخرة. ~~وكان الفارق الرئيس بين النسختين - فيما يخص دوني - هو أن خطابه المطول قد حذف واستبدل ~~به مقال قصير يصب نقده اللاذع لادعاء دوني السبق. # استدعى دوني صديقا لترجمة النسخة الجديدة، وجلس دافنا رأسه بين كفيه، ينصت إلى الهجوم ~~الشرس على أقواله وعلى مصداقيته: # إعلان بشأن ابتكار نقل الدم # إن مؤلف هذه الدورية إذ عاد الآن إلى أنشطته السابقة التي اضطر لقطعها رغما عنه ~~لبضعة أشهر، يرى من الأنسب أن يجمع مداولات جميع الأشهر المحذوفة في منشور واحد، ~~يجب عليه في بدايته أن ينبئ القارئ بأنه وإن نشر ذلك الخطاب القادم من الخارج في ~~آخر يوليو «بشأن طريقة جديدة لعلاج الأمراض العديدة بنقل الدم» والمرسل إلى السيد ~~دو مونتمور وآخرين من جون دوني أستاذ الفلسفة وآخرين، فقد كان عليه أن يلتفت - كما ~~يفعل الآن - إلى ما تم ms111 التأكيد عليه في ذلك الخطاب عن الزمان والمكان اللذين نفذت ~~فيهما تلك الطريقة لنقل الدم. # كان هذا تغيرا واضحا في نبرة الحديث؛ فبدون الاستمرار في القراءة اتضح أن ~~دوني تحول من بطل إلى غاصب. تابع صديقه القراءة، وكان المقال قصيرا، لكنه ذكر بوضوح أن ~~الإنجليز وليس الفرنسيين هم أول من توصلوا إلى الفكرة معلنا أن الفائزين في هذا السباق ~~بالتحديد هم لوور وكينج. وما زاد الطين بلة هو أن المقال أتبع مباشرة بعرض لباحث إيطالي ~~كان يفكر هو الآخر في احتمالية التحكم في مجرى الدم. # شكل 7-2: «مداولات فلسفية» العدد رقم 27 (أولدنبرج، الطبعة الثانية). حقوق الطبع ~~محفوظة للجمعية الملكية. # وبعد شهر، استحال الضيق لدى دوني يأسا. ففي أواخر أكتوبر صدر العدد الثامن والعشرون من ~~«مداولات فلسفية»، وجاء فيه مقال مطول. # 1 # واستغرق دوني بعض الوقت ليفهم عنوانه: # بيان # من بين مزيد من تجارب نقل الدم، مصحوبة ببعض الاعتبارات التي ترتبط بالأساس ~~بتطبيقها الواعي على الإنسان؛ بجانب دفاع آخر عن هذا الاختراع من مغتصبيه. # هذه التجربة إذ أثارت خلافات بين أهل الفضول هنا وفي الخارج ... # لقد حان الوقت للاستعانة بمترجمه مرة أخرى. لم يعد المقال مجرد نقل لمقاله، ~~لكنه استقى مادته من عدة مصادر. فقد ذكر أفكار الآخرين الذين يشارفون على النجاح في نقل ~~الدم، وحذر بشدة من أنه في حال تنفيذها يجب ألا تنفذ إلا بحرص شديد، وعلى يد الأشخاص ~~المناسبين. وكان ثمة إيحاء ضمني بأن كلا الشرطين السابقين لم يتحققا من قبل. # أدرك دوني أن أحلامه بتحقيق الشهرة والثراء السريع قد تلقت ضربة قاصمة؛ إذ لم يكتف ~~المقال بالسخرية من عمل دوني بل ألقى بظلال الشك على ذلك المجال البحثي بأكمله. # وبينما لم ينتقد الجزء الأول من المقال دوني إلا ضمنا، فإن الجزء الأوسط منه لم يقف عند ~~ذلك الحد؛ ففيه تناول المؤلف تناولا مباشرا ادعاء دوني السبق: # قبل أن ننتهي من هذه المسألة، هناك شيء ينبغي ذكره عن سبب حذر «الفضوليين» في ~~إنجلترا من إجراء هذه التجربة ms112 على الإنسان. فقد أطلع العبقري سابق الذكر السيد ~~دوني العالم على تجاربه في باريس وأخبرنا عن مدى نجاحها. كما نشر عمله في «جورنال ~~دي سافونز» وابتهج لأن الفرنسيين أحرزوا تقدما على صعيد هذا الابتكار - من ناحية ~~تجربته على البشر - قبل أي إنجليزي. # وبينما نقر فعلا بأنهم حسب علمنا أول من اتخذ تلك الخطوة، وأجرى عملية نقل ~~الدم على إنسان، فأذنوا لنا أن نخبر العالم بأن الفلاسفة في إنجلترا كان بإمكانهم ~~أن يجروا تلك العملية على الإنسان قبل وقت طويل إن لم يكونوا حريصين أشد الحرص على ~~ألا يضروا بحياة الإنسان. فهدفهم دائما هو الحفاظ على الحياة وإنهاء المعاناة. كما ~~أنهم يشعرون بخوف مبرر من أنه حال فشل التجربة ووفاة المريض، من الممكن أن يعرضوا ~~أنفسهم لعقوبة قانونية. وينبغي الوضع في الحسبان أن عقوبات القانون في إنجلترا أشد ~~من نظيرتها في دول أخرى عديدة. # لكن ذلك لا يعني أن الإنجليز لم يفكروا بهذا الأمر. ويؤكد الناشر بكل إخلاص أنه ~~قبل عدة أشهر رأى بأم عينيه الأدوات جاهزة للاستخدام وشهد الطريقة التي اتفق عليها ~~ورئي أنها مناسبة للتطبيق على الإنسان. وللإمعان في إثبات ما سبق، سنورد الطرق ~~الكاملة التي وضعها العبقري الدكتور إدموند كينج لأجل ذلك الغرض وذكرها في خطاب له. ~~وهذا هو السبق الحق؛ إذ لم ير السيد دوني ملائما وصف الطريقة التي استخدموها في ~~فرنسا على الإنسان، ولا غيره بحسب ما نعرف. # جلس دوني وقد أسكتته الصدمة بينما تابع صديقه قراءة وصف طريقة لنقل الدم بين ~~الحيوانات تشبه كثيرا ما نشر من قبل. ولم يستطع أن ينتقد الطريقة، ولم يكن لديه سبب ~~لينتقدها؛ فقد كانت هي الطريقة نفسها التي استخدمها هو: # إننا لم نكن لنعلق على هذا الموضوع في هذا الوقت إن لم يكن من الواجب علينا تصحيح ~~خطأ وجد في إحدى أحدث الدوريات الفرنسية التي تؤكد بثقة أن الفرنسيين هم من منح ~~الإنجليز أولى الأفكار عن هذه التجربة. ولماذا؟ لأنهم (كما يزعمون) كانوا شهودا ~~على أن أحد الرهبان البندكتيين ms113 وهو دوم روبرت دو جابتس ناقش الفكرة في منزل السيد ~~دوني قبل عشر سنوات. ومن المؤكد أن كل العباقرة يقرون بأن الطريقة الوحيدة لحسم مثل ~~هذه الخلافات هي وجود سجل علني مكتوب أو مطبوع. ويجب أن يرد فيه الزمان والمكان ~~اللذان اقترح فيهما الابتكار للمرة الأولى وكذلك شرح للطريقة وحالات النجاح. وكل ~~هذا ينطبق على إنجلترا. # صاح دوني: «أنا أول من نشرها. أنا أول من نشرها.» وقفز من مقعده وأخذ يجوب أرجاء الغرفة ~~وهو يلوح بنسخة من الطبعة الأولى لدورية «مداولات فلسفية». وصرخ قائلا: «انظر، هنا، ها هو ~~ذا مطبوع. سجل مادي للتاريخ. لقد كنت الأول إلى أن قرروا شن هجومهم لهدمي في محاولة لإعادة ~~كتابة التاريخ»، وتقطع صوته من فرط السخط: «هل علي أن أصدر دورية خاصة بي لتصل أفكاري ~~إلى القراء؟» اقترح صديق دوني عليه أن يجلس ويسمح له بمتابعة القراءة. لكن دوني رفض ووقف ~~محدقا عبر النافذة ناظرا إلى المحاكم الواقعة على الجهة الأخرى من نهر السين. وكان سؤال ~~«أين العدالة؟» هو كل ما كان يجول بخاطره. وتابع صديقه: # وتعرفنا المداولة السابعة (المطبوعة بتاريخ ديسمبر 1665) بعدد السنوات التي مرت ~~منذ أن اقترح الدكتور كريستوفر رين تجربة نقل الدم إلى الأوردة. وكانت تلك إشارة ~~كافية لدى الجمعية الملكية لترى إمكانية التحول من الحقن إلى نقل الدم في مرحلة ما ~~في المستقبل. في الواقع، عندما عقدت الجمعية اجتماعا علنيا في 17 مايو 1665، ~~أوصت بإجراء هذه التجربة. وإن ساورك الشك في ذلك، يمكنك الرجوع إلى العدد المناسب ~~في الدورية الصادرة عن الجمعية، حيث سجلت التجربة على يد أمناء السر الملتزمين ~~بميثاق الأمانة. # ولم تحقق التجارب في ذلك الوقت تقدما كبيرا؛ بسبب عدم كفاءة التجهيزات وعدم ~~وجود منهجية متفق عليها. إلا أن الطبيب المطلع وخبير التشريح ذا الخبرة الدكتور لوور ~~قد جاء بعد ذلك، وقد أتقن منهجية معينة ونشرها في العدد رقم 20 من هذه الدورية. ~~وكان قد استخدم تلك المنهجية في أكسفورد قبل نشرها كما استخدمها آخرون في ~~لندن. # لذا ms114 يبدو من الغريب أن يظهر هذا الابتكار المفاجئ في فرنسا كما يقولون منذ عشرة ~~أعوام ويظل في مكمنه لمدة طويلة إلى أن أعلنت من لندن طريقة إخراجه إلى النور. ~~ناهيك عن الخلاف الدائر على ما يبدو حول الأب الروحي الفرنسي لهذا الابتكار؛ إذ ~~يقول السيد دو جوريي إنه أبوت بورديلو، لكن كاتب الخطابات في دورية «جورنال دي ~~سافونز» يزعم أنه راهب بندكتي. # لكن أيا من كان صاحب هذا الابتكار، فليس هذا دليلا ماديا؛ حيث إن على جميع ~~من يدعون ملكيتهم لهذا الابتكار أن تتضافر جهودهم ليطوروه في سبيل خدمة البشرية، ~~إذا كان يبشر بذلك. وهذا هو الهدف الرئيسي الذي يرمي إليه هذا المجال. ولا يهدف ~~ما كتب إلى مهاجمة أحد بل إلى إعطاء كل ذي حق حقه قدر المستطاع في ضوء ما يتبين ~~للناشر. # عندها بلغ غضب دوني أقصاه. راح يحدق في الفراغ بينما خرج صديقه من الغرفة بهدوء، وأخبر ~~الخدم بالمنزل أنه من الأفضل ألا يستقبلوا أي ضيوف خلال فترة ما بعد الظهيرة في ذلك اليوم. ~~وكان كل ما أجاب به على تساؤلاتهم هو أن دوني تعرض لصدمة. # كان إنكار ادعاء الفرنسيين أنهم أول من فكروا في نقل الدم كالطعنة التي تركت جرحا ~~عميقا، بينما لم تفعل الفقرات الأخيرة شيئا سوى زيادة الأمر سوءا. فقد ذكر أولدنبرج أنه ~~نظرا لأن الإنجليز هم من سبقوا إلى التفكير في الحقن، فإنهم يمتلكون الحق في زعم السبق إلى ~~أي عمل تال يتعلق بإدخال أي مادة في الدم. ودافع عن ذلك بالرجوع إلى أفكار دونها بنفسه ~~في وثائق لا توجد إلا في الجمعية الملكية. فما هي الأفكار التي كان يمكنهم المطالبة بحقهم ~~فيها أيضا عن طريق الاستشهاد ببند مختصر في دفاتر ملاحظات كدليل؟ # مع ذلك كان هناك شيء واحد مؤكد لدى دوني؛ رغم أنه لم يشعره بارتياح كبير على عكس ~~المتوقع. كان دوني هو الوحيد الذي نقل الدم من حيوان إلى إنسان؛ ولو كان الإنجليز قد فعلوا ~~ذلك لذكره خادمهم الأمين أولدنبرج بكل ms115 تأكيد، وادعى أن للإنجليز السبق في هذا أيضا. # قصص الأبراج # لكن كان هناك سؤال آخر في ذهن دوني: لماذا تكبد أولدنبرج كل هذا العناء والتكلفة ~~بالتخلص من طبعة من دوريته وإصدار طبعة جديدة؟ إن كان يريد النكاية بالفرنسيين فلم لم ~~يفعل من البداية؟ كانت الإجابة بالنسبة إلى دوني بسيطة؛ فمن الواضح أن الدورية أثارت ~~جلبة بين علماء إنجلترا الذين أرادوا الهيمنة على هذا المجال البحثي. من المؤكد أنهم ~~أجبروا أولدنبرج على سحب دوريته وإعادة طباعتها. # يبدو هذا التفسير هو الأرجح، لكنه تبين - في الحقيقة - أنه كان مخطئا تماما. وكما ~~هو الحال في معظم الأحيان، كانت الحقيقة أغرب من الخيال. # شكل 7-3: هنري أولدنبرج. حقوق الطبع محفوظة للجمعية الملكية. # بدا صباح يوم 20 يونيو 1667 كغيره من الأيام. كان أولدنبرج قد قضى الأيام السابقة ~~يعمل في مقر الجمعية الملكية، حيث كان يكتب بعض الخطابات لأشخاص في الهند الشرقية، وكان ~~يستعد هذا الصباح ليذهب إلى عمله كالمعتاد، عندها دق الباب، وما إن فتح الباب حتى دلف ~~ضابط في سرعة، وبدلا من أن يقدم بطاقة تعريف، قدم مذكرة توقيف: # إذن بضبط هنري أولدنبرج بشخصه وإحضاره إلى البرج بتهمة المخططات والممارسات ~~الخطيرة. # أرلنجتون # 2 # ودون كثير من الرسميات، نقل أولدنبرج إلى عربة، ووجد نفسه ينقل بسرعة عبر لندن ~~برفقة ستة جنود. ومع وصولهم إلى برج لندن سيئ السمعة، أخرج الضابط المجهول من جيبه ~~مذكرة ثانية وسلمها للحراس: # مذكرة إلى ملازم البرج لاستلامه [أولدنبرج] والتحفظ عليه في الحجز ووضعه تحت ~~الحراسة المشددة. (20 يونيو 1667) # أرلنجتون # 3 # كانت التجربة مرعبة، فرغم تراجع دور البرج باعتباره سجنا حكوميا مقارنة بالقرن ~~السابق، لم يكن البرج مخيما سياحيا، كما كانت هناك حالات كثيرة لأشخاص دخلوا على ~~أرجلهم وخرجوا في توابيت. لقد كانت خسارة تشارلز الأول للبرج وللندن بالكامل عاملا ~~مهما في هزيمته، ولم يكن ابنه ليكرر الخطأ نفسه، لذا فقد حول البرج إلى ثكنة شديدة ~~التحصين؛ فقد زود بمجموعة رهيبة من المدافع موزعة على الأسوار تدعمها ترسانة ~~كبيرة. # اقترن ms116 الخوف بالحيرة لدى أولدنبرج. لماذا أنا؟ ماذا فعلت؟ ما التهم الموجهة إلي؟ ~~ردد أولدنبرج هذه الأسئلة طوال رحلته رغم أنه أدرك سريعا أن لا أحد سيجيبه. فهؤلاء ~~كانوا ينفذون الأوامر، وليسوا أصحاب القرار وربما لم تكن لديهم فكرة عن هويته، ولا ~~السبب في القبض عليه. مع ذلك ازداد قلق أولدنبرج عندما لم يكن أي ممن في البرج يعرف هو ~~الآخر؛ ولم يسمح له بقلم أو ورقة. لم يكن لديه أي وسيلة للاتصال بالأصدقاء في الخارج، ~~وبدا الأفق معتما. # بينما كان العلماء يقضون حياتهم في الاختراع والدراسة، كانت إنجلترا عام 1667 في حرب، ~~وفي هذا الوقت لم يكن أي شيء على ما يرام. فقد اندلعت الحرب مع هولندا فعليا في صيف ~~عام 1664، رغم أنها لم تعلن رسميا إلا في ربيع عام 1665. كان أصل المشكلة هو التجارة ~~الدولية، حيث كانت هولندا وإنجلترا تتصارعان حرفيا على الهيمنة وعلى الحق في جلب ~~البضائع من البلاد الأجنبية إلى أوروبا. وكان البرلمان البريطاني قد أقر عام 1660 ~~قانونا بحريا يفرض على أي تاجر إنجليزي أن يسجل سفنه التي بنيت بالخارج في لندن، ~~وفرض البرلمان قيودا تجارية بتحديد السلع التي لا يمكن استيرادها من قارة أوروبا إلا ~~في سفن إنجليزية. وأقر قانون آخر عام 1663 ليضاف إلى سابقه؛ إذ أجبر قانون السلع ~~الرئيسية المستعمرين الإنجليز على عدم استيراد أي سلع إلا من إنجلترا، وحتى في هذه ~~الحالة، يجب نقل البضائع في سفن إنجليزية. وكانت تتمة الأمر في مارس 1664 عندما منح ~~تشارلز مدينة نيو أمستردام - التي صارت نيويورك لاحقا - إلى أخيه جيمس دوق يورك. ولم ~~تفاجأ هولندا؛ لقد كانت الحرب قادمة لا محالة. # كانت هذه هي الحرب الثانية لإنجلترا مع هولندا. وكانت الأولى قد انتهت لصالح إنجلترا، ~~ولم يتوقع كثيرون أن تختلف الأمور هذه المرة. سجل بيبيس أولى المعارك البحرية الكبرى ~~قبالة سواحل لوستوفت في 3 يونيو 1665 في نشوة كبيرة: # اشتبك الفريقان في ذاك اليوم - وتجاهل الهولنديون الأفضلية التي كانت لهم ~~علينا بسبب الرياح - وهو ما ms117 أفقدهم ميزة سفن النار التي لديهم. وقتل ماسكري ~~إيرل فالماوث والسيد بويل على متن سفينة الدوق - رويال تشارلز - بقذيفة واحدة. ~~وتطاير دمهما ودماغاهما على وجه الدوق؛ واصطدمت رأس السيد بويل بالدوق وأسقطته ~~كما يقول البعض. # على كل حال، يقول بيبيس إن الإنجليز بنهاية اليوم قتلوا وأسروا ما بين 8 آلاف إلى 10 ~~آلاف رجل ولم يخسروا سوى 700 رجل؛ «لم يعرف العالم انتصارا أعظم من ذلك.» لكن الحال ~~انقلب، وفي معركة كارثية وقعت فيما بين 1 إلى 4 يونيو 1666، دمرت 20 سفينة إنجليزية ~~وعلى متنها 8 آلاف رجل. ومع قضاء الطاعون والحريق الكبير على معظم تجارة لندن، قلت ~~الموارد المالية، وبحلول يناير 1667 أصبح تشارلز مستعدا لعقد مباحثات سلام مع ~~الهولنديين. وفي ظل انخداع الأسطول الحربي بإحساس زائف بالأمان، وقف عاجزا عن حماية ~~سفنه بينما رست في ميناء كاثام، وتركها فريسة سهلة لهجوم خاطف. ففي 11 يونيو، قدم ~~الهولنديون وأضرموا النيران في المنازل والحظائر في جزيرة كانفي، وهاجموا شيرنس وجزيرة ~~شيبي، وسقطت شيرنس في أيديهم. وفي اليوم التالي، شق الهولنديون طريقهم بالقوة عبر ~~دفاعات ميدواي وأبحروا على طول النهر، وأحرقوا عددا من خيرة سفن الأسطول الإنجليزي ~~واستولوا على كبرى سفن البحرية الإنجليزية: رويال تشارلز. ورغم أن الهولنديين لم يصلوا ~~لأبعد من ذلك، فقد أحدثوا ضررا كبيرا وسببوا إهانة عظيمة. # انتشر الخوف والفزع في البر في أعقاب الهجوم. وترددت شائعات عن إحراق كاثام وكوينبورو ~~وهارويش وجريفسيند وكولتشستر ودوفر. وقال البعض إن الملك نفسه اختفى، وانتشر الهمس ~~بوجود مؤامرات خيانة. وعم الخوف بر إنجلترا عندما شوهد أسطول معاد من 50 إلى 60 ~~سفينة قبالة سواحل لاندز إند، وهو الطرف الغربي لمقاطعة كورنوول. وكانت السلطات تبحث عن ~~جواسيس وأفراد يكونون كبش فداء. ويبدو أن اسم أولدنبرج ورد في إحدى قوائم المشتبه ~~بهم. # لكن كلما سأل أولدنبرج أي شخص عن التهمة الموجهة إليه قوبل بالصمت. فإما أنه ما ~~كان أحد ليخبره، أو أنه لم يكن أحد يعلم. ومن الصعب جدا إظهار براءتك، إذا لم ms118 تكن ~~تعلم بالتهمة الموجهة إليك. إلا أنه في أوقات الحرب يكون من المغري جدا للسلطات ~~الحصول على صلاحيات تتيح لهم إلقاء القبض على أي شخص دون أي تهمة رسمية، واحتجاز سجناء ~~إلى أجل غير مسمى. وكانت المذكرة الصادرة بحق أولدنبرج قد صدرت في وقت سابق بموجب ما ~~يسمى الآن «اللائحة 18ب» لقانون الصلاحيات في حالات الطوارئ (الدفاع) لعام 1939 - وهو ~~قانون استخدم في وقت أحدث لاعتقال سير أوزوالد موزلي وثمانية من زملائه ~~المقربين. # كان أولدنبرج هدفا سهلا. فقد ولد في بريمن بألمانيا عام 1618 تقريبا، وبدأ مسيرته ~~مثل كثير من الأكاديميين بدراسة اللاهوت. وخلال أربعينيات وخمسينيات القرن السابع عشر، ~~كان أولدنبرج المبعوث الرسمي من بريمن إلى كرومويل، كما عمل لمدة طويلة في ألمانيا ~~وهولندا. وكان قد تعرف على آل بويل عند زيارته لكرومويل، ربما من خلال تقديم الشاعر جون ~~ميلتون له. وتعرف أولدنبرج على وجه التحديد بليدي رانيلا وأخيها روبرت بويل. وتحولت ~~علاقة الصداقة إلى رعاية، وذلك عندما طلب من أولدنبرج عام 1657 أن يكون معلما خاصا ~~لريتشارد جونز ابن ليدي رانيلا وقضى السنوات الأربع التي تلت يجوب قارة أوروبا ويعرف ~~ريتشارد الصغير بجوانب أدق من الحياة الأوروبية. # وفي حين بدأ أولدنبرج حياته متجولا ومع عدم وجود صلات كثيرة تربطه بمكان واحد، فقد ~~استقر في إنجلترا وقت عودة الملكية إليها، ووثق زواجه عام 1663 بدوروثي ويست ارتباطه ~~بالمكان. وزادت قوة الارتباط عندما صار الزوجان مسئولين جزئيا عن اليتيمة ذات الأحد ~~عشر ربيعا دورا كاترينا وهي وريثة لأطيان في كنت. وللأسف ماتت دوروثي بعدها ~~بعامين. # وخلال أسفار أولدنبرج في أنحاء أوروبا، كون قائمة مهمة من المعارف والزملاء، ونما ~~افتتانه ببيئة العلم الناشئة. وجعلته درايته بالمشهد العلمي الدولي - بجانب علاقته ~~ببويل - خيارا واضحا لشغل منصب أول سكرتير للجمعية الملكية عندما تأسست بصفة ~~رسمية. # وكان من بين ميثاق الجمعية الملكية مادة تحث بوضوح على المراسلات مع الخارج، واستغل ~~أولدنبرج هذا الامتياز بصورة كاملة. لم تكن الجمعية تدفع له أي راتب، ودمر الحريق ~~الكبير ms119 تجارة الكتب في لندن؛ لذا لم تكن دوريته تدر الدخل الذي كان ينتظره. ولكي يشغل ~~وقته - ويكسب المال - بدأ أولدنبرج باستغلال مهاراته اللغوية في العمل لصالح جوزيف ~~ويليامسون وهو زميل بالجمعية الملكية ومساعد وزير الدولة اللورد أرلنجتون؛ وهو نفسه ~~أرلنجتون الذي ذيل توقيعه مذكرة القبض على أولدنبرج. # وبقراءة ما بين سطور التاريخ، ساورت الشكوك أرلنجتون في أن هذا الأجنبي الذي له باع ~~في المكر والالتفاف قد زرع نفسه في قلب الحكومة الإنجليزية، وأنه - وإن لم يسبب أي أذى ~~حتى الآن - لم يكن محل ثقة. ومن الأرجح أن ما أثار هذه الشكوك هي مراسلات أولدنبرج ~~المتكررة مع فرنسا وهولندا، بجانب استخدامه لصندوق البريد الموجود في مكتب أرلنجتون. ~~فبإرسال البريد الوارد، كان المكتب يتحمل رسوم البريد ويوفر على أولدنبرج أموالا ~~كثيرة. ولإخفاء هذا، كان يجعل خطاباته الواردة توجه إلى السيد جروبنول وهو عبارة عن ~~إعادة ترتيب ساذجة لحروف اسمه. وكان معظم تلك الخطابات يسلم لأولدنبرج ولم يفتح، ~~وفي مقابل هذه الحرية، كان أولدنبرج يسرب أي معلومات سياسية حساسة في ردوده على ~~ويليامسون. # ففي 24 مارس 1665 (أو 1666) - على سبيل المثال - كان قد تلقى خطابا من المراسل الباريسي ~~أونري جوستيل: # لقد تسلمت كل خطاباتك، فمنذ آخر خطاب تفضلت بكتابته إلي علمت بطبول الحرب ~~التي تدق في إنجلترا. ويبدو أن الحال نفسه سائد هنا؛ فقد استولى الإنجليز على ~~بعض سفننا، وقيل لي إن الملك أخبر الملكة الأم لإنجلترا أن هذا سينتهي بإجباره ~~على إعلان الحرب على إنجلترا. # وبعدها في تلك السنة كتب جوتسيل مرة أخرى يقول: # لم يكن لدي شك قط في أن البرلمان سيوفر وسائل استمرار الحرب؛ لكني أيضا على ~~يقين بأن إنجلترا ستعاني الويلات بسببها. فلا يزال من الممكن أن يقع حدث مزعج ~~لا يمكن لأحد توقعه، والأعداء غير واضحين إطلاقا؛ ومهما بلغت شجاعة المرء، ~~فعندما يواجه مقاومة قوية وعنيدة سيعاني منها. أعترف بأننا خسرنا سفينة قوية؛ ~~لكن لسوء الحظ لم يكن بإمكانها مقاومة سبع من سفنكم هاجموها؛ لم يكن هذا هجوما ms120 ~~حاسما - علينا أن ننتظر نهاية الحرب. # 4 # ويبين خطاب كتبه أولدنبرج وهو في رحلة إلى باريس كيف كان نشيطا في إرسال الأخبار إلى ~~أعلى مناصب في البلاد. كان الخطاب موجها إلى ويليامسون ومكتوبا بالفرنسية، ربما يكون ~~بهدف تقليل عدد القادرين على قراءته في إنجلترا: # لقد دخل التتار بولندا، ودمروا كل شيء بالنار والسيف. ووصلوا إلى لفيف، ومن ~~المقرر أن يجتمع المجلس التشريعي مرة أخرى خلال ثلاثة أشهر. ويخطط مايكل عباسي ~~لشن الحرب على راجوتسكي الصغير. وسوف يمده الأتراك بالجنود. وستكون هذه الحرب ~~مصدر إلهاء وستسهل غزو تلك المقاطعة بمنع الإمبراطور من إرسال جنود إلى فلاندر. ~~«وهنا لا يدور حديث إلا عن السلام والجميع يؤمن بأنه سيتحقق. # شئونك في أمريكا ليست بحال جيدة، ومهما قلت فلتصحبك السلامة. لا يعتقد أحد ~~أنك ستستطيع أن تنفذ حساباتك في أيسولا.» # 5 # كان هذا التواصل البريدي إجراء مريحا، لكن من السهل تصور كيف يمكن أن ~~يثير شكوكا في أن أولدنبرج ربما يسرب معلومات في الاتجاه الآخر كذلك. وفي الأوقات ~~المحمومة في هذه الحرب، بدأ أرلنجتون بالتحفظ على بريده وقراءته. ويبدو أن أولدنبرج قال ~~شيئا «حساسا» في أحد خطاباته. # وكان للذين عرفوا أولدنبرج آراؤهم الخاصة فيما إذا كان قد ظلم أو لا. كان هوك ~~المساعد العلمي لبويل وزميل الجمعية الملكية معروفا بسلاطة لسانه وقدرته على تكوين ~~الصداقات ثم إفسادها. كان الموقف واضحا لديه: لقد دخل أولدنبرج عالم الاستخبارات ~~الموحل وكان السجن جزاءه. # حتى إذا كان أولدنبرج قد تجاوز الحدود، كان بيبيس منزعجا من فكرة إرسال رجل إلى ~~البرج كان قد قضى وقته في العيش في قلب الحكومة وتسجيل تفاصيل التاريخ والعلم. وكان ~~الموقف سيصبح أكثر واقعية بالنسبة له حيث لم يكن يفصله سوى بضع مئات الياردات عن ذلك ~~المعلم الشهير. وفي 25 يونيو علق قائلا: # قيل لي بالأمس إن السيد أولدنبرج أمين سرنا في كلية جريشام قد أودع البرج ~~لكتابته أخبارا إلى عالم في فرنسا كان يتراسل معه بانتظام حول أمور فلسفية؛ ~~والكتابة أو فعل أي ms121 شيء تقريبا في هذا الوقت أمر غير آمن. # وفي يوم في أوائل يوليو، لاحت لأولدنبرج أول بارقة أمل؛ خطاب من صديقه وزميله ~~ويليامسون. ربما سيكتشف الآن السبب الذي دفع رئيسهما المشترك أرلنجتون للتوقيع على ~~المذكرة. كانت الأمور تتحسن: # سيدي # في هذه الأزمة التي ألمت بك لا أعرف ما يمكنني تقديمه إليك بجانب تأييد ~~منطقك وفلسفتك اللذين يقضيان بالتحلي بالصبر. آمل أن تتحسن الأمور في وقت قصير، ~~وسأكون سعيدا بتقديم ما أستطيع. # إن أردت فسأرسل إليك ما قد يرد إليك من أي مكان، وأعتقد أن علي أن أفتح ~~البريد القادم من فرنسا وأبقيه معي. أرى أن قانون لويس أرسل إليك مرتين، ثمة ~~طرود وصلت بالفعل. أتمنى لك السعادة بكل إخلاص وألا يطول أسرك. # سيدي # خادمك المتواضع # جوزيف ويليامسون # 6 # لم يكن أولدنبرج ليلام على قراءة الرسالة عدة مرات محاولا أن يفهم ما كان يقصده ~~ويليامسون بالضبط. لكن مضمون الرسالة كان واضحا. لقد شعر ويليامسون بالأسف تجاهه، لكن ~~لم يكن يستطيع فعل أي شيء. ولم تكن هناك أي إشارة إلى أنه علم حتى سبب احتجاز أولدنبرج، ~~وبدا اقتراحه إرسال خطاباته الواردة من الخارج إليه غريبا. # كان أولدنبرج من الناحية الرسمية تحت «السجن المشدد»، وهو مصطلح كان يعني لإدارة ~~السجن أنه لا يتمتع بامتيازات كثيرة، ولا يحق له بالطبع الحصول على ورقة وقلم؛ فإن كان ~~متآمرا، فآخر شيء تقبله السلطات هو أن يتمكن من استكمال مهمته من داخل سجنها. لكن يبدو ~~أن أولدنبرج قد استخدم مهاراته الدبلوماسية في التفاوض ونجح في كتابة رسالة قصيرة ~~بالقلم الرصاص على الجهة الخلفية من خطاب ويليامسون. # سيدي # أشكرك على خطابك الودود: وأرجو استكمالا لفضلك إن استطعت، وفي الوقت الذي ~~تراه مناسبا أن تقدم تحياتي للسيد أرلنجتون وأن تخبره أنني آمل من سعادته أن ~~يدرك في الوقت المناسب - عندما ينتهي سوء التفاهم هذا - إخلاصي وحماسي لخدمة ~~جلالة الملك والأمة الإنجليزية وسعادته بكل ما أوتيت من قوة. وفي الوقت الراهن، ~~أرجو منك عندما تسنح الفرصة أن تتحدث عن ضيق ms122 حالي وطول إقامتي في مكان مشئوم ~~كهذا البرج. كذلك ما ترى من المناسب إرساله إلي من الخطابات التي تصلك من ~~بريدي الوارد سيكون مصدر ترويح أرحب به. # سيدي # خادمك المخلص والمتواضع # أولدنبرج # ملحوظة # أرجو أن توفر لي - إن تيسر - إمكانية أن أرى صديقا من وقت لآخر؛ إذ لا يتاح ~~لي استخدام القلم والأوراق، إلا هذه الرسالة فقط كتبتها بمعروف من ~~الملازم. # 7 # كان تعليق أولدنبرج عن طول إقامته في مكان مشئوم طريقة مهذبة لقول ما كان كل شخص ~~يعرفه في ذلك الوقت؛ فالطريقة الوحيدة التي يمكن بها للمرء أن يمر بتجربة أبعد ما تكون ~~عن السرور في السجن هو تحمل تكاليفه. فالأكل والاستحمام كانا مقابل المال، وحتى عندها ~~يجب تسيير الأمور بدفع المال للحراس. # يبدو أن خطاب أولدنبرج لم يحقق فائدة كبيرة. والأسوأ أنه بدأ يسمع أن أصدقاء سابقين ~~جاءوا لزيارته في السجن، لكن بعد رؤية مذكرة الاعتقال التي تقول إن احتجازه كان بسبب ~~«التصاميم والممارسات الخطيرة» غادروا سريعا. فحتى إن كان أولدنبرج بريئا، كان من ~~الواضح أن التعامل معه كان صعبا وخطيرا. كما أنه لم يكن لديه أي سلطة؛ لذا لم يكن ~~هناك سبب يدفع أي شخص ليتحمل عناء مساعدته. فأولدنبرج ليس في موقع يسمح له برد الجميل. ~~والأسوأ كذلك، أن كثيرين من معارف أولدنبرج قد نشروا على ما يبدو شائعة كونه جاسوسا، ~~وسرعان ما جف نبع زائريه. # إلا أن أولدنبرج استقبل في الواقع زائرا آخر، رغم أنه لم يرغب في الكشف عن هويته. ~~وتمكن أولدنبرج من إملاء خطاب كتبه الزائر المجهول بعد مغادرته قبل أن يرسله إلى سيث ~~وارد، وهو زميل بالجمعية الملكية وأصبح الآن أسقف ساليسبري. وبين الخطاب أن أولدنبرج ~~لم يسمح له بقلم وحبر، لكنه كان يأمل أن يتمكن هذا الصديق الحميم من إثبات براءته. من ~~الواضح أن أولدنبرج لديه الآن فكرة عن الاتهام الموجه إليه، لكن نتيجة لطبيعة احتجازه ~~لم تسنح له الفرصة للدفاع عن نفسه: # قضيتي هي ما يلي. أنا متهم بمخططات وممارسات خطيرة؛ ms123 وعلى حد فهمي، فقد ~~استنتج من بعض خطاباتي وكلماتي أنها تحتوي على تعبيرات تجسد هذا. هذا كل ما ~~أعلم بشأن اتهامي، وهو ما سأرد عليه بكل صراحة وصدق يرجى، وأمام الرب الذي يرى ~~كل شيء، بما يلي. # 8 # وتابع أولدنبرج ليبين أنه إن كان ينتقد الإنجليز في الحرب، فإن ذلك لم يكن إلا لأنه ~~أراد أن يكون أداؤهم أفضل. ولا يمكن بأي حال أن ينظر إلى ذلك باعتباره إهانة للملك أو ~~شعبه. كما أنه أكد أن كتابته للخطابات قدمت ميزة كبيرة للملك من خلال الحصول على ~~معلومات مفيدة من الدول المختلفة التي راسلها . وختم دفاعه بنداء أنه على استعداد لتحمل ~~العقاب الكامل إن كان هناك أي ذنب ارتكبه. وتوسل إلى قارئ الرسالة أن يفعل كل ما في ~~استطاعته ليحوز رضا أرلنجتون والملك؛ لكيلا يترك في السجن لتتدهور حالته وتسوء. # تشير كل الدلائل إلى أن هذا الخطاب لم يتخط أسوار البرج. والأرجح أنه عثر عليه ~~بحوزة الزائر وصودر، وهو الآن في مكتب السجلات الحكومية. (من المنطقي أن نفترض أنه لو ~~كانت الفرصة سنحت لأولدنبرج، لكتب إلى بويل أيضا؛ ولو أن بويل تسلم الخطاب لحرقه ~~لإخفاء أي دليل على وجود اتصال بأولدنبرج.) # وفي 20 يوليو نجح أولدنبرج في تهريب خطاب آخر عبر أسوار البرج التي لا تخترق. وهذه ~~المرة كان الرجاء مباشرا؛ إذ كتب إلى اللورد أرلنجتون يسأله أن يلتمس له عفو الملك: # فخامتكم! # بعد أن حصلت على قلم وحبر وورقة في إطار التزام حارس جلالته في البرج ~~بأوامركم من أجل تقديم عريضة متواضعة إلى جلالته بجانب شفاعة سعادتكم، لا يسعني ~~إلا أن أبدأ بالإعراب عن امتناني لمعاليكم على منحي هذه الحرية، وأن أطلب في ~~الوقت ذاته أن تصل هذه العريضة إلى جلالته على يديكم وبفضل إحسانكم بهدف أن ~~أقدم لجلالته كما قدمني إليكم ربما بعض أولئك الذين يعرفونني حق ~~المعرفة. # 9 # لم يؤثر حبس أولدنبرج لشهر كامل في قدرته على كتابة عبارات افتتاحية ~~منمقة ومتذللة. إلا أنه لا يوجد ما يشير ms124 إلى أن أي شخص خاطر بالدفاع عنه وعرض قضيته. ~~فحتى بويل لم يكن مستعدا على ما يبدو لأن يتخذ تلك الخطوة ويستخدم نفوذه. # لم يعرف أولدنبرج أنه في الوقت الذي كان يكتب فيه الخطابات محاولا استعادة حريته، ~~كان هناك شخص ما - ربما يكون ويلكنز - ينشر النسخة التالية من دوريته؛ وهي النسخة ~~الأولى من العدد 27 المثير للجدل من دورية «مداولات فلسفية». من المتوقع أن الدافع وراء ~~ذلك كان الحفاظ على بقاء دورية أولدنبرج واستمرارها - هي ودخلها - ليجد صاحبها عملا ~~يعود إليه عند إطلاق سراحه. من ناحية أخرى، ربما كان الشخص الذي تدخل - أيا كان - ~~يسعى للاستيلاء على الدورية وادعاء ملكيته إياها أو جعلها جزءا لا يتجزأ من الجمعية ~~الملكية. من الصعب أن نعرف، لكن من دون علم أولدنبرج أو موافقته نشرت النسخة ووزعت ~~على قائمة المشتركين الذين يدفعون رسومها. # وفي 5 أغسطس، كتب أولدنبرج مجددا إلى أرلنجتون. تغيرت نبرته وكان الخطاب مختصرا ~~ومباشرا. إن لم يطلق سراحه قريبا فسيفلس ويرسل إلى سجن المديونين. ربما كان لهذا ~~الخطاب بعض الأثر، أو الأرجح أن الخطوة التالية كانت نتيجة انتهاء الحرب بين إنجلترا ~~وهولندا بتوقيع معاهدة سلام في بريدا في 31 يوليو. وأيا يكن السبب، فقد تلقى ملازم ~~البرج رسالة بسيطة في السادس والعشرين من أغسطس: # أولدنبرج. إفراج للسجين أولدنبرج من البرج. 26 أغسطس 1667. # 10 # لا بد أن الاحتجاز في زنزانة كان أمرا محبطا على نحو يفوق الوصف. لكن ~~إطلاق سراحه جلب مزيدا من الخطر. فمن الذي يمكن لأولدنبرج أن يثق فيه؟ هل يأمن عودته ~~إلى منزله في لندن، أم أنه يقتل على يد جماعة من الغوغاء لا يميزون الرجل البريء ~~عندما يرونه؟ لقد أعدم كثير من الأجانب في الشوارع دون محاكمات في أعقاب الحريق ~~الكبير، وكان أهل لندن معروفين بأن شكوكهم سرعان ما توصلهم إلى استنتاجات بشعة. لم يعرف ~~أولدنبرج كثيرا عن الحالة المزاجية العامة في لندن بعد انتهاء الحرب. # ربما كان أولدنبرج يرتعد خوفا أثناء سيره، لكنه لم يكن جبانا. لقد ms125 أراد أن يقف أمام ~~الشخص الذي تسبب توقيعه في سجنه، ولو لإثبات أنه لم يكن لديه ما يخشاه. انطلق أولدنبرج ~~على قدميه وسار نحو ميل من البرج إلى منزل أرلنجتون في وسط المدينة، وكما أخبر بويل ~~لاحقا: «حضر إلى لورد أرلنجتون معلنا عن خضوعه التام له.» وأعرب عن ولائه وإخلاصه ~~للملك والبلاد وتصالح مع المدعي. # ربما تصالح أولدنبرج، لكن قليلين من الناس في الشارع هم من علموا بذلك. فالأفضل ألا ~~يلفت الأنظار وأن يخرج من لندن؛ ولو لبضعة أيام. فسيستغرق الأمر بعض الوقت لينتشر ~~الحديث عن إطلاق سراحه، والأمل في أن تنتشر الشائعات نفسها عن براءته. ولم يكن منزله في ~~بول مول يوفر له قدرا كبيرا من الأمن؛ لذا انصرف بأقصى سرعة متوقعة من رجل يحمل ~~قليلا من المال - إن لم يكن لا يملك مالا على الإطلاق - إلى الريف، إلى كريفورد في ~~كنت، ربما إلى منزل دورا - تلك الفتاة القاصر التي تحت وصايته. # كان هواء الريف عليلا، لكن لم يكن لدى أولدنبرج أي وسيلة لجني المال بعيدا كل هذا ~~البعد عن لندن. وبعد أن استعاد أولدنبرج عافيته وتناول بعض الطعام الجيد، قرر أن يعود ~~إلى لندن ليرى إن كان من الممكن أن يستأنف نشاطه من حيث توقف. وسرعان ما أدرك أن هذا ~~الأمر لن يكون سهلا. وفي 3 سبتمبر 1667، كتب إلى بويل - الذي كان يقيم في أكسفورد ~~وقتها - وتمنى أن يكون بخير واعتذر عن غيابه. وكتب إلى كثيرين من أصدقائه السابقين ~~الآخرين، وشعر بخيبة الأمل من عدم تلقيه أي رد إلا من بويل وبيل؛ ولم يكن ذلك بأفضل ~~ترحيب بعودته إلى الديار. # لندن، 12 سبتمبر 1667 # سيدي! # رغم مرور أكثر من أسبوعين منذ أن أعلمت أصدقائي الذين أتراسل معهم بعودتي إلى ~~سابق عهدي، لم أتلق أي رد إلا منك ومن الدكتور بيل (وامتناني إليك أكبر)، الأمر ~~الذي يجعلني أخمن أن الأجانب، وخاصة في المناطق المجاورة ربما يتحرجون من ~~مواصلة نشاطهم السابق الذي اعتادوا عليه وهو قضاء الوقت معي، بدافع الرفق ms126 بي ~~وخوفهم على سلامتي التي قد يظنون أنها تتعرض للخطر نتيجة كتابتهم إلي بقدر ~~كتابتي إليهم. لكنني أنوي أن أريحهم من مخاوفهم إن وجدت أنها تسيطر عليهم، وذلك ~~بقصر مراسلاتي على الأمور ذات الطبيعة الفلسفية، أو من المجاملات اللطيفة ما لا ~~يساء فهمه أو يثير شكا في أي نوايا خبيثة. # 11 # كان أولدنبرج قد تغيب لبضعة أشهر وكان عليه أن يتوقع بعض المفاجآت في كومة البريد ~~التي تنتظره. لقد انتابه الفضول حتما لفتح نسخة مما ادعي أنه دوريته. والأرجح أنه ~~قلب صفحاتها ووضعها جانبا. كان على وشك اكتشاف من الذي استكمل إصدار صحيفته بمجرد ~~فتحه باقي البريد. # شكل 7-4: ترجمة أولدنبرج لخطاب من دوني. حقوق الطبع محفوظة للجمعية ~~الملكية. # من ضمن بريده كان هناك بضع خطابات تشكو من الطبعة المذكورة لدوريته، مشيرة إلى أنه ~~أفسح المجال لانتشار الادعاءات الفظة لفرنسي مغمور بالسبق. ربما نجا أولدنبرج من ~~اتهامات بخيانة التاج، لكنه الآن يواجه نداءات بالخيانة من داخل الوسط العلمي. تصفح ~~أولدنبرج نسخة الدورية مجددا، لكن بعناية أكبر هذه المرة. ووجد النسخة المترجمة من ~~المقال الفرنسي. وتذكر ترجمته المقال قبل يوم فقط من اعتقاله أو نحو ذلك، ووضع الترجمة ~~ضمن كومة من الأوراق المجهزة للعدد التالي. من الواضح أن ادعاء السبق في هذا المقال كان ~~مبالغا فيه، وكان يخطط دائما لأن يستغل صلاحيته كمحرر في إضافة معلومات توازن الأمر ~~على نحو سليم. إلا أن المقال نشر بالكامل دون أي تعديلات. # وبحلول الثالث والعشرين من سبتمبر، كان أولدنبرج قد أعاد كتابة النسخة الجديدة ~~وطبعها، ووزعت 500 نسخة في أنحاء أوروبا. وبالنظر إلى أن النسخة الأصلية لم يتبق ~~منها إلا طبعات قليلة، يبدو أن معظم الناس تخلصوا من الأولى وأبقوا النسخة الجديدة. لم ~~يكن الاختلاف ملموسا لدى كثيرين إن لاحظوه أصلا. أما بالنسبة إلى القلة المهتمة بنقل ~~الدم اهتماما شغوفا - الذين كانت المكانة الرفيعة في هذا المجال إلزامية في حيواتهم ~~المهنية - فقد كانت تلك الأحداث كارثية. # كان هذا وقت بذل مزيد من الجهد لمواجهة ms127 الأزمة. ففي 24 سبتمبر، كتب أولدنبرج إلى ~~بويل من جديد، وذكر أن النسخة المعدلة من العدد السابع والعشرين في المطبعة، وأنها ~~تضمنت تنصلا من المسئولية عن النسخة الأولى. كما ذكر أن لوور طلب مقابلته وأن الفرصة ~~قد سنحت ليشرح له ما حدث. وختم أولدنبرج خطابه بشكوى من أن ناشره السيد جون مارتن قد ~~عدل مستحقاته، وأن الدورية لن تدر عليه في الأرجح أكثر من 30 فلورين هذا العام. كان ~~هذا درسا قويا في عالم الأعمال القاسي؛ من الصعب أن تجني الأموال من بيع المعرفة ~~العلمية في أحسن الأحوال. # خريف مضطرب # في مجمل الأمر، كان الخريف وقتا عصيبا على دوني وكارثة على أولدنبرج. لكن الأشهر ~~التالية كانت على وشك أن تزخر بأحداث كثيرة لكلا الرجلين. فخلال ذلك العام، تزوج ~~أولدنبرج من دورا القاصر التي تحت وصايته ذات الأربعة عشر ربيعا. وبذلك آلت له أملاك ~~دورا في كنت؛ مما عزز موقفه كثيرا، ولو لم يوفر له الاستقلال المالي. أما دوني فقد ~~ظلت الأشهر التالية صعبة عليه، حيث ظهرت المشكلات مع مريضه التالي البارون بوند. في ~~الواقع، انتقلت أخبار الموقف بسرعة إلى أولدنبرج لدرجة أنه تمكن من التعليق عليها في ~~مقاله في شهر أكتوبر الذي شكك فيه في ادعاءات دوني. # كان البارون بوند ابن أول وزير دولة لملك السويد. وكان يقضي الوقت على اتصال وثيق ~~بالملكة السابقة كريستينا - وهي امرأة متألقة أعلنت عام 1655 تحولها من العقيدة ~~البروتستانتية إلى الكاثوليكية وتخلت عن عرشها. وكان والدا كريستينا يرغبان في إنجاب ~~ذكر؛ وتنبأ المنجمون بأن الطفل سيكون ولدا وأعلن الأطباء في البداية، أن كريستينا ~~ذكر. ولما أدركت أمها أنها في الواقع أنثى تعاني من تشوه في الحوض، رفضتها. وقرر ~~والدها أن يربيها لتكون أميرا؛ وهو ما لم يكن بداية جيدة لحياتها. وتحسنت الأمور بعض ~~الشيء عندما قتل والدها في معركة عام 1632، وتوجت كريتسنيا ذات الأعوام الخمسة ~~ملكة على السويد من بعده. # وعلى الفور، خضعت كريستينا لبرنامج تدريبي قاس يتضمن 12 ساعة من الرياضة والدراسة ~~لستة ms128 أيام أسبوعيا. وفي الخامسة عشرة من عمرها، كانت تتحدث خمس لغات بطلاقة، وبدأت ~~تدير شئون البلاد بالفعل، ولم تكن تنعم إلا بثلاث أو أربع ساعات من النوم كل ليلة. وكان ~~الترويح في صورة ركوب الخيل واصطياد الدببة. وكان حماسها للاستيقاظ باكرا وبالا على ~~ديكارت؛ فقد كانت كريستينا قد عينت ديكارت ليعلمها الفلسفة، لكن أصابه الإرهاق من ~~استمرار مطالبته بالاستعداد لتقديم دروس في الخامسة من صباح كل يوم؛ إذ كان يفضل ~~أسلوبا باريسيا أكثر راحة يمكنه من الاستيقاظ الساعة الحادية عشرة. في عام 1650، ~~أصيب بالتهاب رئوي، ومات ودفن في استوكهولم. # لذا لم يكن من المفاجئ أن تتدهور صحة كريستينا بعد وفاة ديكارت بعام. وأوصى أطباؤها ~~بوصفات علاجية كثيرة، لكن كريستينا أرسلت في طلب صديق ديكارت الطبيب الفرنسي بيير ~~بوردولو. وعند قدومه استبعد كل الأطباء وتخلص من وصفاتهم، وبدلا من ذلك، أوصاها ~~باللهو واللعب؛ بالراحة والاستجمام. لا بد أن ذلك كان صادما بكل تأكيد لهذه الفتاة ~~المفعمة بالحيوية على نحو استثنائي، لكنها سرعان ما تعافت وأشرقت ملامحها أمام هذه ~~الحرية الجديدة. وباستغلال هذا الإحساس الجديد بالاستقلال، تخلت كريستينا عن العرش ~~وانتقلت إلى روما. # عاد بوردولو إلى باريس محملا بالهدايا، وظل هو وكريستينا يتواصلان بالخطابات. لقد ~~كانت المراسلة هي الوسيلة التي سمعت بها كريستينا عن نقل الدم. كان من الواضح أنها ~~انبهرت بالفكرة، لكنها قالت في ردها على بوردولو: # أعتقد أن ابتكار حقن الدم جيد جدا، لكنني لا أرغب في أن أجربه بنفسي، فقد ~~أتحول إلى خروف. فإن كنت سأمر بتحول، فإني أفضل أن أصبح لبؤة، لكيلا يتمكن ~~أحد من التهامي؛ أنا بحال جيدة ... لكن إذا احتجت هذا العلاج، فقد قررت أن أحقن ~~بدم ألماني، لأن الحيوان الألماني أقل شبها بالإنسان من أي حيوان ~~أعرفه. # 12 # لم ترق الحياة في روما إلى توقعات كريستينا، وسرعان ما اكتسبت عداوات علية القوم. ~~وبعد فشل محاولة تحرير نابولي من حكم الإسبان قررت العودة إلى السويد في عام 1666. وفي ~~خريف عام 1667 سمعت أن مستشارها السابق البارون ms129 بوند أصيب بوعكة شديدة. وبالمصادفة كان ~~البارون في باريس حيث أحدث التكنولوجيا الطبية: نقل الدم. على الأرجح أن كريستينا أرسلت ~~إلى بوردولو، وعلى إثر ذلك، أرسل في طلب دوني وإميري. # كان البارون بوند مريضا لدرجة أن كلا الطبيبين كانا ممانعين التعامل معه في البداية؛ ~~فمعالجة شخص قبل وفاته مباشرة تنطوي على احتمال كبير بالاتهام بالإهمال. وكان البارون ~~يعاني على مدار ثلاثة أسابيع من مرض في الكبد والطحال، وإسهال صفراوي وحمى شديدة بحسب ~~تشخيص دوني. ومع وصول دوني وإميري، كان قد فحصه أربعة أطباء آخرون، وقد أجرى جميعهم ~~للبارون فصد دم، آملين في التخلص من الدم المصاب. هكذا، أصبح المريض في غاية الوهن، ~~عاجزا عن الحركة أو الكلام، وكان فعليا غائبا عن الوعي ؛ كانت العلامة الرئيسية على ~~الحياة أنه كان يتقيأ بشدة بمجرد إعطائه أي طعام أو ماء. # أرسل أقارب البارون في طلب خيرة الأطباء كإجراء أخير، لكن دوني لم يكن متحمسا جدا؛ ~~فنقل الدم - كما بين - لا يصلح لعلاج الأجزاء الصلبة (في مقابل الأجزاء السائلة) من ~~جسم الإنسان، وكان واضحا من الأعراض أن المريض يعاني من غرغرينا بالأمعاء. كان على ~~قناعة بأنه لو كان أقارب المريض اتصلوا به قبل ذلك لاختلف الأمر كثيرا. وكان على يقين ~~من أنهم لو كانوا أجروا له نقلا للدم، بدلا من فصده لكانت لتلك الطريقة فائدة ~~كبيرة. # ومع ذلك، قال أقارب المريض إن الاستسلام الآن يعني التخلي عن أمل الرجل الأخير. وفي ~~النهاية تراجع دوني عن قراره. لكن حتى عند ذلك كان راغبا في إبراء نفسه؛ إذ أصر على ~~إقرار الأطباء الذين عالجوا المريض قبله بفشل علاجهم، وأنه من المقبول تجربة هذا العلاج ~~التجريبي. # وفي صباح اليوم التالي، ومع انتهاء الإجراءات الشكلية، عاد دوني وإميري ومعهما عجل. ~~كان المريض في حالة خمول ويعاني تشنجات. وكان نبضه بطيئا وضعيفا. وبمجرد نقل كمية ~~صغيرة من الدم إلى أوردة بوند، تسارع نبضه وزاد قوة، وتوقفت التشنجات وبدأ يتكلم بعدة ~~لغات. وبعد دقائق غلبه النعاس. وانتظر دوني وأقارب بوند ms130 ليروا ما الذي سيحدث. # وبعد ثلاثة أرباع الساعة، استيقظ بوند وتمكن من تناول عدة أطباق من الحساء على مدار ~~اليوم، وظل هادئا، وهو ما اعتبر تحسنا. وتوقف الإسهال للمرة الأولى منذ أسابيع. لكن - ~~للأسف - بعد 24 ساعة خارت قوته وضعف نبضه وهزل بدنه مجددا. وبطلب من أصدقاء ~~البارون، أوصل إميري المريض بالعجل وأعطاه جرعة دم جديدة. مرة أخرى تعافى المريض قليلا ~~لكنه توفي في الخامسة بعد ظهر ذلك اليوم. # تجمع عدد من الأطباء في عملية تشريح مريعة ليشهدوا الفحص ويقدموا تعليقاتهم. واكتشفوا ~~أن أمعاء الرجل المسكين كانت متعفنة، وكان البنكرياس متصلبا والقناة البنكرياسية - ~~التي تحمل العصارات الهاضمة إلى القناة الهضمية - مسدودة. وكان طحاله مكتنزا بشدة ~~وكبده متضخما وعليه علامات مرض واضحة في بعض الأماكن. وكان دوني مهتما بحالة القلب. ~~فقد كان «جافا جدا كما لو كان محترقا». كما لفت انتباهه أن الوريد الذي حقنوا الدم ~~فيه لم يعد أكثر امتلاء من سائر الأوردة، فقد بدت كل الأوعية فارغة. # وكما يروق للجراحين كثيرا، أعلن دوني أن عملية نقل الدم نجحت، لكن سوء حالة المريض ~~الصحية بشدة لم يسمح لعملية نقل الدم بأن ترد له عافيته. كان دوني جريئا؛ فقد كانت ~~الطريقة سليمة، لكن ما كان يحتاج إليه في ذلك الوقت هو مريض سليم بدنيا، لكن مصاب ~~بمرض آخر. وكانت هذه الحالة المثالية لبيان مزايا علاجه الجديد. # الفصل الثامن # | اللحاق # في الوقت الذي عبست فيه الحياة لدوني، كان لوور أوفر حظا. ويبدو أنه كان راضيا عما ~~اعتبره تقدما بطيئا لكن منتظما في نقل الدم للحيوانات، وأنه كان متطلعا لفهم تفاصيل ~~الدم وتعقيدات نقله أكثر من تحويله إلى علاج طبي. إلا أن لندن كانت تستحثها أخبار التطورات ~~في القارة الأوروبية. وكانت الأخبار هي خطاب دوني هذه المرة. ربما كتب أولدنبرج مقالا يشكو ~~فيه تجاهل دوني للتفوق الإنجليزي في هذا المجال، لكن لا يسعه إنكار أن دوني سبقهم خطوة ~~بإخراج نقل الدم من المعمل إلى ميدان الطب. فحسبما يقول دوني، كانت عمليات نقل الدم ms131 ناجحة ~~وكل الدلائل تشير إلى أنه سيستمر ويكرر ذلك. وكانت إنجلترا تواجه مخاطر التأخر في سباق ~~النجاحات الطبية. # كان التحرك ضروريا؛ وبسرعة. كان زملاء الجمعية الملكية بحاجة لشخص فقير بدرجة كافية ~~ليجد في مبلغ صغير من المال إغراء كافيا للمشاركة في تجربتهم، لكن ليس فقيرا لدرجة عدم ~~حصوله على تعليم؛ إذ كان الاحتمال أضعف في حالة الشخص غير المتعلم أن يعطيهم بيانا دقيقا ~~بما يشعر به مع نقل الدم إليه، ومن ثم فلن يمكن تدوين سجل دقيق لأي من آثار العملية. كانوا ~~بحاجة لشخص غير معتل بدنيا، حيث إن تلك العلة في حد ذاتها قد تفسد التجربة، إلا أنه لن ~~يكون ممكنا رؤية أي آثار إيجابية في شخص سليم تماما. # وفي النهاية وجدوا شابا يعاني درجة طفيفة من الجنون. كان حاصلا على بكالوريوس اللاهوت ~~من جامعة كامبريدج. اعتبرت حرارة مخه «مرتفعة قليلا»، كان يدعى آرثر كوجا وتحدد أجره ب ~~20 شلنا. مرة أخرى كان الحضور يثرثرون كعادتهم وكان قلم بيبيس يسجل: # 21 نوفمبر 1667 # خرجت وركبت العربة إلى أرونديل هاوس حيث انفض اجتماع كلية جريشام (الجمعية ~~الملكية)؛ لكنني بعد أن قابلت السيد كريد هناك ذهبت معه إلى الخان الواقع في ساحة ~~كنيسة سانت كليمنتس. # كانوا يتحدثون مثل غيرهم عن رجل مضطرب قليلا أشبه بقس، ويقول الدكتور ويلكنز إنه ~~قرأ له في كنيسته، وأن هذا الرجل الفقير الفاسد الذي استعانت به كلية جريشام لقاء ~~20 شلنا سينقل إليه بعض الدم من خروف؛ ومن المقرر أن يتم ذلك السبت القادم. وقد ~~اقترحوا أن ينقلوا إليه 12 أوقية؛ وهو ما قدروا أنه سيدخل إليه خلال فترة تحسب ~~بالساعة. وهم يختلفون في رأيهم عن آثار العملية؛ إذ يرى البعض أنه سيكون لها أثر ~~جيد عليه بصفته مضطربا بتبريدها لدمه، بينما يرى البعض الآخر أنها لن تؤثر ~~إطلاقا. لكن الرجل يتمتع بالصحة، وبهذا سيكون قادرا على التحدث عن أي تغيير يجده ~~في نفسه إن وجد، وهو ما قد يكون مفيدا ... # وبدون توقف، انتقل بيبيس إلى ms132 ظروف أخرى كانت موضعا للنقاش بينما جلسوا في ~~الخان. وتكشف المفارقة عن مسار تفكيرهم؛ فقد كانت الأسئلة التي خطرت بأذهانهم أقل ارتباطا ~~بأي بيانات علمية عن الدم، بل انصب اهتمامهم على أمور أكثر روحانية وغموضا. فقد كان ~~الاعتقاد العام أن أي سائل ينشأ عن الإنسان يجب أن يصطبغ بروحه. وإن دخل إلى إنسان آخر، فهم ~~يتوقعون ظهور أثر ما على روح المتلقي: # وبهذه المناسبة روى الدكتور ويسلر قصة جميلة حكتها مافت - وهي مؤلفة جيدة - عن ~~الدكتور كايوس الذي أنشأ كلية كي. تقول القصة أنه حين تقدم به العمر، كان يعيش في ~~تلك الفترة على لبن النساء وحده، وكان يتناول لبن سيدة حانقة عبوس، فكان هذا حاله ~~أيضا؛ وبعدها نصح بتناول لبن امرأة حليمة جيدة الطباع، فصار كذلك هو الآخر، وهو ~~ما يختلف عن الطباع المعتادة لسنه. وهكذا لاحظوا أن وفرة التغذية قد تؤدي ~~الغرض. # وفي 23 نوفمبر 1667، وقف لوور وكينج أمام الأعضاء الذين وقع عليهم الاختيار من الجمعية ~~الملكية في أرونديل هاوس. وكان هدفهم هو مواكبة دوني ونقل الدم إلى البشر. ووصف أولدنبرج ~~التجربة ونشر التفاصيل في عدد دورية «مداولات فلسفية» الصادر في 6 ديسمبر 1667: # عن تجربة نقل الدم، التي أجريت على رجل في لندن # أجريت هذه التجربة في 23 نوفمبر 1667، على السيد آرثر كوجا في أرونديل هاوس بحضور ~~عديد من الوجهاء والنبهاء وتحت إشراف الطبيبين العالميين واختصاصي التشريح ~~البارعين الدكتور ريتشارد لوور ودكتور إدموند كينج، وقد ألقى الثاني البيان التالي ~~للتجربة: # لقد أجرينا تجربة نقل الدم إلى وريد إنسان بهذه الطريقة. فبعد تجهيز الشريان ~~السباتي في خروف صغير، أدخلنا أنبوبا فضيا في الإبر لنسمح للدم بالجريان من ~~خلالها إلى صحن. وخلال دقيقة تقريبا، انساب نحو 12 أوقية من دم الخروف عبر الأنبوب ~~إلى الصحن؛ وهو ما أرشدنا إلى كمية الدم التي سيجري نقلها إلى الرجل. بعد ذلك، ~~عندما أخذنا نجهز الوريد في ذراع الرجل، كان الوريد أصغر من الأنبوب الذي كنا ننوي ~~إدخاله فيه؛ لذلك استخدمنا أنبوبا آخر أصغر ms133 بنحو الثلث عند الطرف. بعدها شققنا ~~الوريد اتباعا للطريقة المنشورة سلفا في العدد 28؛ وهي الطريقة التي اتبعناها دون ~~أي تغيير إلا في شكل أحد الأنابيب الذي رأينا أنه أنسب لأداء الغرض الذي نريده. ~~وبعد فتح الوريد في ذراع الرجل بالقدر نفسه من السهولة المعهودة في طريقة الفصد ~~التقليدية، أخرجنا نحو 6 أو 7 أوقيات من الدم. ثم زرعنا أنبوبنا الفضي في الشق ~~المذكور، وأدخلنا الإبر بين الأنبوبين اللذين أدخلا بالفعل إلى الرجل والخروف لنقل ~~الدم الشرياني من الخروف إلى وريد الرجل. لكن هذا الدم استغرق نحو دقيقة خلال مروره ~~في الأنبوبين والإبر إلى الذراع، ثم تدفق بحرية إلى وريد الرجل في خلال دقيقتين ~~على الأقل؛ لذا شعرنا بنبض في الوريد المذكور في الجزء المجاور لطرف الأنبوب الفضي؛ ~~رغم أن المريض قال إنه لم يشعر بالدم، لكن (كما ذكر عن المريض في التجربة ~~الفرنسية) هذا يعزى إلى طول الأنابيب التي يعبر الدم من خلالها، حيث يفقد كثيرا ~~من حرارته ليصبح متلائما مع الدم الوريدي. أما كمية الدم التي دخلت وريد الرجل فقد ~~قدرنا أنها من 9 أو 10 أوقيات تقريبا، لأن هذا الأنبوب أقل من نظيره الذي مرت عبره ~~12 أوقية في دقيقة واحدة من قبل، فقد افترضنا أنه سيستغرق دقيقتين لنقل نفس كمية ~~الدم إلى الوريد، كما نقل الأول الكمية إلى الصحن في دقيقة واحدة؛ بافتراض أن الدم ~~مع كل ذلك لم يتدفق بقوة في الدقيقة الثانية كما كان في الأولى ولا في الثالثة كما ~~كان في الثانية إلخ. لكن الدم تدفق طوال الدقيقتين، ونستنتج ذلك بسبب شعورنا بنبض ~~خلال هذا الوقت. وكذلك لأنه بعد تعبير الرجل عن اكتفائه سحبنا الأنبوب من وريده ~~وفاض دم الخروف خلالها سائلا؛ وهو ما لم يكن ليحدث إن كان هناك ما يوقفه من قبل ~~خلال هاتين الدقيقتين؛ نظرا إلى أن الدم يميل بشدة إلى التجلط في الأنابيب مع أي ~~توقف، ولا سيما في حالة الأنابيب الطويلة بطول ثلاث إبر. # شعر الرجل بعد هذه العملية ms134 - وكذلك في أثنائها - أنه على ما يرام، وروى ما يحدث ~~له حرفيا، مسهبا في الحديث عن الفائدة التي عادت عليه - كما يظن - منها بدرجة ~~تتعدى ما نراه مناسبا في الوقت الحالي. وطلب منا أن نكرر إجراء هذه التجربة عليه ~~في خلال 3 أو 4 أيام. لكننا رأينا أنه من الأفضل أن نؤجلها لمدة أطول. وفي المرة ~~المقبلة، نأمل أن نكون أكثر دقة، خاصة في قياس وزن الحيوان المانح، قبل العملية ~~وبعدها، لتتوفر لنا معرفة أفضل بكمية الدم التي فقدها. # تبدو التجربة في رأي أولدنبرج ناجحة وإن كانت مملة إلى حد ما؛ فقد نجا الرجل لكنه لم ~~يتغير، وليس من المؤكد ما إذا كان كوجا قد تلقى كمية كبيرة من الدم؛ نظرا لاهتمامهم بطول ~~الأنبوب الموصل بينه وبين الخروف، والعلامات الأولية على تثاقل حركة الدم عبره حتى قبل ~~إدخاله إلى ذراع كوجا. علاوة على ذلك، لم يذكر كوجا أي شيء عن إحساسه بأي حرارة؛ وهي ملاحظة ~~تكررت في التجارب الفرنسية وعرض يظهر على الأغلب نتيجة استثارة الدم الغريب لرد فعل شديد ~~في دم المتلقي مع دخوله إلى الأوعية. # من الصعب تحديد الأثر الحقيقي لعمليات نقل الدم إلى كوجا. ومن المؤكد أن بيبيس كان ~~إيجابيا بدرجة كبيرة، رغم أنه لم يذكر أن كوجا ربما كان يعاني من اختلال عقلي بسيط، وبذلك ~~يصعب التأكد من أي نتيجة: # سررت لرؤية الرجل الذي أخذ منه دمه؛ إنه يتحدث جيدا، وقدم للجمعية تعليقا ~~على التجربة باللاتينية، قائلا إنه يشعر بتحسن من بعدها، وإنه صار رجلا جديدا، ~~إلا أنه يشعر بصداع خفيف في رأسه رغم أن كلامه منطقي وجيد جدا. لم يتقاض سوى 20 ~~شلنا لقاء الخضوع لتلك التجربة، ومن المقرر أن يخضع لذات التجربة مرة أخرى؛ هو أول ~~رجل سليم يخضع لها في إنجلترا، لكننا نسمع عن آخر في فرنسا. # لذ اتفق مجموعة العلماء، بعد انبهارهم بأدائهم الأول، على تكرار التجربة. مع ~~اطمئنانهم إلى أن محاولتهم الأولى بينت أنهم لم يكونوا على شفا كارثة. ففتحوا الأبواب ms135 ~~أمام مجموعة أكبر من المشاهدين، وبعد أقل من شهر، في الرابع عشر من ديسمبر 1667، أجرى لوور ~~وكينج ثاني تجربة لنقل الدم أمام الجمعية بالكامل، ومعها - كما أخبر أولدنبرج بويل - «حشد ~~غريب من المحليين والأجانب». # لكن هذه المرة، لم ترد عملية نقل الدم في «مداولات فلسفية». والسبب؟ من الممكن جدا أن ~~يكون ذلك بسبب أنها كانت عادية جدا. في الواقع، كتب السير فيليب سكيبون إلى جون راي - ~~عالم البيئة الرائد وعالم اللاهوت وقتئذ - قائلا: «لم تر آثار نقل الدم؛ فقد تكفلت ~~المقاهي بإفساد أخلاق الرجل، ومن ثم بإحراج الجمعية الملكية وجعل التجربة سخيفة.» # 1 # من الواضح، أن الحضور المهمهم قد أصيب بخيبة أمل لأنهم لم يروا علاجا ولا ~~شخصا معتوها، وطردوا الرجل المصاب ببعض الخرف. # وأتت الكلمة الأخيرة تقريبا عن هذا العلاج الخاضع للتجربة في خطاب للجمعية الملكية من ~~أجنوس كوجا، وهي إما والدة المريض أو زوجته، ولم تكن متفائلة بالمسألة بجملتها. وباستنباط ~~مضمون الرسالة، يبدو أن آرثر قد أصبح في فقر مدقع، ومحتقرا إلى حد ما، وعاجزا عن ~~الحصول على عمل. يمكن أن ينظر لهذا باعتباره «خطاب استعطاف» تقليديا يتوسل للحصول على ~~المال، لكن بالنظر إلى الحالة المالية المزرية للجمعية الملكية، لم يكن هناك ما يؤدي ~~لاعتقاد قدرة الجمعية على إرسال المال: # إلى علماء الجمعية الملكية وكل أعضائها الموقرين، إليكم خطاب أجنوس كوجا ~~المتواضع # إن كائنكم (إذ إنه كان إنسانا قبل أن تحوله تجربتكم إلى نوع آخر) من بين ~~التغييرات التي وجدها وقد طرأت على حالته، والتي تتبدى واضحة عليه، يجد جيوبه ~~بالية كما بلي جسده، واستجماع قواه يعني إجباره على فقدان أعصابه - والأمر نفسه ~~ينطبق على المال - سواء كان هادئا أو مضطربا. إنه لمن البؤس أن تجرده الحاجة إلى ~~حرارة طبيعية من حرارته الظاهرية كذلك: لكن تلك هي حالته؛ فلمداواة جروحه (جروحكم؛ ~~لأنكم من أوجدها) يرهن ملابسه؛ لقد اشترى بثمن باهظ دم خروفكم؛ إذ خسر سلامة وعائه ~~الدموي الذي دمره دم الخروف؛ لقد باع لكم نفسه ليشتري منكم الصوف ms136 الذهبي - مثلما ~~فعل أرجوس. لقد كان يرى أنه من الضروري لمعاليكم - من أجل التحول الكامل - أن ~~تغيروه من الخارج كما غيرتموه من الداخل. وإن أجبرتموه على ذلك، فلا يزال في أوعيته ~~بعض من دماء تحت إمرتكم، بشرط أن يكون دمه كي تكون التضحية أنبل. # خادمتكم المتواضعة # أجنوس كوجا. # 2 # وكما هو الحال في أغلب الأحيان، كانت الكلمة الأخيرة للطبيب، وتعطي كلمات ~~لوور في كتابه «علاج القلب» انطباعا عن خيبة أمله في كوجا. فمن وجهة نظر لوور تلقى كوجا ~~تعويضا سخيا لخدماته، خاصة بالنظر إلى أنه تلقى المال لقاء تلقي علاج رائد. من الواضح أن ~~لوور أراد تكرار نقل الدم عدة مرات أملا في علاج الجنون الطفيف لدى كوجا تدريجيا، لكن ~~كوجا على الجانب الآخر «راجع غريزته بدلا من مصلحته الصحية، وخيب توقعاتنا بالكامل». وبهذا ~~نزل كوجا عن مسرح التاريخ، ولم يسجل أي شيء آخر عن حياته. # عند هذه المرحلة توقفت أبحاث نقل الدم في إنجلترا هي الأخرى. في الواقع، لم يكن هناك أي ~~مجهود حقيقي في هذا الصدد إلا حين بدأ الطبيب الإنجليزي جيمس بلانديل تجاربه لنقل الدم بين ~~الكلاب فيما بين عامي 1817 و1818 قبل أن يبدأ نقل الدم إلى 10 مرضى كانوا قد عانوا من نزوف ~~حادة. إلا أن الفجوة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر كانت ناتجة بصفة رئيسية عن ~~الاضطراب الذي كان على وشك الانفجار في باريس. # الادعاءات الأوروبية # أوحت الطريقة التي كتب بها دوني عن عمله بأنه ما من أحد غيره قد سبق وفكر في نقل ~~الدم قط، لكن من الصعب الاعتقاد بأنه تصور ذلك فعلا. فقد كان هو وإميري متحمسين جدا ~~لتحدي المعتقدات القديمة عن الكيفية التي يعمل بها الجسم، لكن لا بد أن دراستهم للطب قد ~~جعلتهم يصادفون حتما بعض الكتب التي عرفوا منها أن هناك آخرين في أوروبا قد دونوا ~~أفكارا مشابهة كتابة. علاوة على ذلك، وخلافا للادعاءات في إنجلترا، يبدو من المدهش ~~أن بويل كثير الأسفار بجانب أصدقائه رين ولوور قد ms137 عجزوا عن استيعاب أهمية بعض النصوص ~~التي يعود تاريخها إلى بداية ذلك القرن. لكن يتضح من ذلك أنه لم يكن هناك أي وسيلة ~~رسمية لنشر المعرفة في أنحاء أوروبا في ذلك الوقت، ووجد كثيرون أنفسهم يعملون في عزلة. ~~وحدها مزية كوننا ننظر إلى الأمر برمته بعد قرون من حدوثه، تسهل لنا تكوين صورة أفضل ~~عمن فعل ماذا أولا. # بداية، كانت هناك محاولة غريبة لنقل الدم في روما؛ مرض البابا إنوسنت الثامن؛ إذ كان ~~يعاني سكتة دماغية، ورغم أنه كان قد تحسن قليلا، لكنه لم يستعد كامل عافيته مرة أخرى، ~~بل إن صحته سرعان ما أخذت تتدهور؛ حتى ظن أحد مساعديه في يوم من عام 1490، أنه قد مات. ~~لكنه قاوم، وفي العامين التاليين تولى طبيب يهودي (ذكرت بعض الروايات أن اسمه أبراهام ~~ماير من بالمز) الإشراف على حالته، واقترح علاجا. كان اقتراح الطبيب أن ينقل كل الدم ~~القديم في جسم الكهل إلى شاب، وفي المقابل ينقل دم الشاب إلى البابا البالغ من العمر ~~58 عاما؛ من المفترض أن يعيد هذا التبديل للبابا عافيته بتجديد دمائه تماما بجرعة من ~~دم يافع. # يحتمل أن يكون هذا الطبيب قد بنى فكرته على عمل نشر عام 1489 للفيلسوف الإيطالي ~~ورئيس الأكاديمية الأفلاطونية في فلورنسا مارسيليو فيسينو. كان فيسينو أحد أبرز الأسماء ~~التي قادت النهضة، كذلك أشار إلى أن شرب دم الشباب اليافعين الأصحاء قد يكون طريقة جيدة ~~للتخلص من الوهن والأمراض المرتبطة بالتقدم في السن. # أما ما حدث بعد ذلك بالضبط، فقد ضاع عبر السنين، لكن هناك أدلة قوية تشير إلى استدعاء ~~ثلاثة صبية في العاشرة من عمرهم، وإعطاء كل منهم دوكات (العملة في ذلك الوقت) وأخذ كمية ~~كبيرة من دمائهم، إلا أن أيا من الروايات المعاصرة لا تبين إذا كانت قد أجريت أية ~~محاولة لنقل هذا الدم إلى البابا، سواء بخلطه بوصفة علاجية، أو بإدخاله في أوردته، لكن ~~النتيجة كانت واضحة. فقد مات الصبية الثلاثة وكذلك البابا، وهرب الطبيب اليهودي لينجو ~~بحياته. لم تمر ms138 الحادثة بسلام في الجوار، حيث أثير الشغب والاضطرابات بعد أن أخذت ~~الشائعات عن وفاة الصبية الثلاثة في الانتشار. ربما لم تحقق هذه المحاولة النجاح، لكنها ~~لم تقض على كل التفكير في هذا الشأن. # لكن قبل أن نفزع، علينا أن نذكر أنفسنا بالتصور المعاصر عن الدم. فإن الدم الوريدي ~~لم يكن إلا سائلا مغذيا يفرزه الكبد، فمن المنطقي الاعتقاد بإمكانية إخراجه من شاب ~~أو صبي وبأنه سرعان ما سيفرز كمية أخرى. سيكون الصبي سليما معافى؛ إذ سيتناول وجبة ~~دسمة، وربما يأخذ فترة راحة قصيرة لكيلا يجهد نفسه بينما يهضم الطعام الذي سينقل ~~إلى الكبد، ومنه إلى القلب حيث يمكن تحويله إلى دم. وكان إخراج الدم الشرياني للشخص ~~خطوة أكثر جرأة؛ إذ إن هذا سيستنفد جوهره الحيوي بشده ويمكن لهذا أن يهدد حياته. كان كل ~~ذلك يجري بالطبع قبل قرن من أن يثبت أي شخص أن الدم الوريدي والشرياني هما شيء واحد، ~~وقبل نحو قرنين من معرفة أن الدم لا يقتصر على توزيع العناصر الغذائية على الجسم بل ~~والأكسجين كذلك. في الواقع، لم يكن أحد يعلم في ذلك الوقت بوجود الأكسجين ~~أساسا. # وكأن حادثة البابا لم تكن مريعة بالقدر الكافي، فالتاريخ يسجل الأسوأ؛ إذ شهدت ~~المجر عام 1560 مولد فتاة تزوجت في 8 مايو 1575 من الكونت فيرينسز ناداسدي وأصبحت ~~تعرف بإليزابيث كونتيسة باثوري. تقول الأسطورة إنه ذات يوم جذبت خادمة شعر الكونتيسة ~~بغير قصد؛ فكان رد إليزابيث أن صفعتها بقوة لدرجة أنها نزفت. وبعد انتهاء الحادثة، صارت ~~الكونتيسة مقتنعة بأن الجزء الذي غطاه الدم من بشرة الخادمة قد لان؛ فقد كان أكثر نعومة ~~ورقة. بالنسبة إليها، كانت الخصائص السحرية لهذا السائل قوية جدا. # لسوء الحظ، أدى هذا الاستنتاج إلى سلسلة من الأحداث البشعة؛ فقد استدرجت إليزابيث ~~الفتيات القرويات الصغيرات إلى قلعة تشاختيتسة بحافز الحصول على وظيفة وكسب المال. ~~وكانت ثلاث من المتواطئات مع الكونتيسة وهن دوروتيا سينتيز ودارفولا وممرضتها ليلونا ~~جو يستخرجن دم هؤلاء الفتيات ويستخدمن هذا السائل الدموي لتجهيز حمامات ms139 لسيدتهن. يبدو ~~أن إحدى الضحايا المحتملات تمكنت من الهرب، وذهبت إلى ملك المجر ماتياس الثاني الذي أمر ~~بالتحقيق. وفي 30 ديسمبر 1610، اقتحم الجنود القلعة، وخلال المحاكمة التي تلت، اعترفت ~~إليزابيث بقتل نحو 650 فتاة من أجل «حمامات تجميلها». # كانت العقوبات مقززة بقدر الجرائم ذاتها وهو طابع ميز هذا العصر؛ فقد تعرضت المساعدات ~~للتعذيب، وقطعت رءوسهن، وحرقت جثثهن. أما الكونتيسة نفسها، فاعتبرت أرقى من تلك ~~المعاملة، وحبست بدلا من ذلك في غرفتها التي أغلقت عليها بجدران حجرية ليس بها إلا ~~فتحة صغيرة يمكن من خلالها إدخال الطعام، وماتت بعد ثلاثة أعوام. # جاء أول ذكر جدي لنقل الدم على لسان الكيميائي الألماني المولد أندرياس ليبافيوس ~~الذي نشر في عام 1615 وصفا دقيقا للطريقة التي رأى أنه ينبغي استخدامها. وذكر في ~~كتابه «ملحق الطريقة الغامضة اللازمة للخيميائيين» باللاتينية وما يلي ترجمة تقريبية: # ائت بشاب سليم قوي غني بالدم الزاخر بالحياة، وكهل واهن لا قوة له يمكنه ~~بالكاد أن يتنفس. فإن أراد الطبيب أن يعيد للثاني حيويته فعليه أن يصنع أنبوبين ~~فضيين يمكن إدخال أحدهما في الآخر، ثم يفتح شريان الشاب السليم ويدخل أحد ~~الأنبوبين فيه ويثبته في الشريان. ثم يمكنك بعد ذلك فتح شريان الشخص المريض، ~~وتثبيت الأنبوب الآخر ذي الطرف الغائر به. بعدها يمكن توصيل الأنبوبين أحدهما بالآخر. ~~وسيرى عندها أن الدم الشرياني للشاب السليم وهو حار ومفعم بالروح يندفع إلى ~~الكهل المريض ويمده فورا بنبع الحياة ويذهب عنه الوهن. # 3 # وبالدراسة الواعية لما ورد، نجد أن هناك علامات واضحة تذكر بأن ليبافيوس كتب ذلك قبل ~~انتشار أي معرفة بأفكار هارفي عن الدورة الدموية. فهو، على كل حال، قد كتب ما سبق قبل ~~أكثر من عقد على نشر هارفي لفكرته عن دوران الدم في أرجاء الجسم في كتابه «حركة القلب». ~~مع ذلك كان هذا هو الوقت الذي كان هارفي سيبدأ فيه مناقشة أفكاره مع كثيرين وتنتشر ~~أفكاره في الأوساط الأوروبية. # كانت فكرة ليبافيوس هي توصيل شريانين معا. لكن لماذا شريانين؟ كان ليبافيوس ms140 يعمل على ~~وضع نظرية ترى أن هناك نوعين من الدم: الوريدي والشرياني. من الواضح أنه لم يهتم ~~بالتعويض الغذائي للكهل، بل أراد أن ينقل خلاصة الحياة للشاب إلى هذا المريض الذي شاخ. ~~وكانت النظرية القديمة تقول إن الروح كامنة في الدم الشرياني. (من الممكن أن ليبافيوس ~~كان سيوصي بتوصيل وريدي الرجلين إن أراد أن ينقل المواد الغذائية.) ولا يوجد دليل على ~~أن ليبافيوس قد جرب هذه الخطوة قط، ولا سبب يدعو إلى افتراض نجاحها إن كان قد فعل؛ إذ ~~إن الضغط في شرايين كلا المريضين سيتعادل، ليمنع الدم من التدفق عبر الأنبوب. ولم يكن ~~ليبافيوس ليعلم بهذه المشكلة المحتملة، بل كان سيتوقع أن يسحب جسم الكهل الفقير الدم من ~~الشاب المتمتع بالصحة الوافرة. # رغم اهتمام بويل بالكيمياء، ورغم الاتصالات المتقدمة نسبيا في أوروبا، لم يعترف أي ~~شخص في إنجلترا بمعرفته بأفكار ليبافيوس إلى أن كتب مراسل إيطالي - باولي مانفريدي - ~~إلى أولدنبرج وأشار إلى الكتاب في عام 1668. لكن من الممكن أن يكون السبب هو أنهم ~~استبعدوا أي شيء فيما قبل هارفي باعتباره غير ذي صلة على أساس أن أي أفكار غير مبنية ~~على فكرة الدورة الدموية كانت معيبة من الأساس. # كتب الأستاذ يوهانس كول في أثناء عمله في بادوفا بإيطاليا كتابا يطرح وسائل جديدة ~~لإطالة العمر. وذكر كتاب كول الذي بعنوان «الطريقة السهلة في إعداد علاج جديد آمن» ~~والذي نشر بعد عمل مانفريدي ببضع سنوات فكرة نقل الدم بالفعل، وإن لم يرد فيه أنه جرب ~~تلك الطريقة فعلا. # كما زعم كل من العلماء الفرنسيين والإنجليز عدم علمهم إطلاقا بمزاعم الطبيب الإيطالي ~~فرانشيسكو فولي هو الآخر؛ إذ أكد فولي أنه في 13 أغسطس 1654، وبحضور الدوق العظيم ~~فرديناند الثاني، استخدم جهازا مصنوعا من أنبوب فضي وجزء من شريان وأنبوب مصنوع من ~~قطعة عظم لنقل الدم بين الحيوانات. # وفي عام 1680، نشر فولي كتيبا زعم فيه أنه مبتكر نقل الدم: # لقد أشرت إلى هذا في كتيبي عن ثقافة الحياة الذي لم أنشره إلا لأعرف ~~الجميع ms141 أنني مبتكر نقل الدم بنهاية عام 1654، وشرحته لمعالي فرديناند الثاني ~~دوق توسكانا العظيم صاحب الذاكرة التي لا تشيخ. وقد سرته حداثة الفكرة أو ~~عبقريتها الباهرة أو شرحها التجريبي اللافت. # 4 # على عكس ليبافيوس، تمتع فولي بميزة الاطلاع على عمل هارفي، وبنى ادعاءه ~~لاستحقاق الشهرة على أنه لما قرأ «حركة القلب» عام 1652، خطر بباله على الفور المزايا ~~المحتملة لنقل الدم. وزادت قوة الفكرة بملاحظته لتوءمين ملتصقين يشتركان في الكبد ~~ومتصلين عند الأمعاء. وكما هو الحال في أغلب الأحيان، كان أحد التوءمين مشوها بشدة ~~وغير قادر على تناول الطعام أو الشراب، ومن ثم كان معتمدا على توءمه لإمداده بالغذاء ~~والسوائل. لقد كان هذا في ذهن فولي المحب للاستطلاع مثالا «طبيعيا» على نقل ~~الدم. # ودفعه حماسه إلى القول إن الأطباء عليهم أن يعدوا قوائم تضم 20 شابا يمكنهم أن ~~يكونوا سلسلة من المتبرعين، حيث يعطون جرعة يومية من الدم لمستقبل. ويعرض كتابه صورا ~~للأدوات المصنعة من الأنابيب الفضية والذهبية وأقماعا مصنوعة من معادن أقل تكلفة تتصل ~~بشرايين مأخوذة من عنزة. لكن السؤال هو: لماذا لم يعرف أحد بهذه التجربة إذا كانت مثيرة ~~وناجحة إلى هذا الحد؟ والأرجح على ما يبدو أن فولي ناقش إمكانية إجراء مثل هذه العملية ~~مع ضيفه الكريم لكنه لم ينفذها قط؛ إذ لم يرد الحدث في أي سجل للبلاط. يقدم فولي ~~تفسيرا بديلا: # لم أعرض فكرتي على أحد آخر؛ إذ رأيت أنه إن كان هذا الابتكار ناجحا فالملوك ~~وحدهم هم من يستحقونه. # وحتى في توضيحه هذا لرغبته في السرية، يوجد أكثر من تلميح بأنه لم يتمكن ~~من إتمام العملية بصورة كاملة، حيث تطلع إلى وقت يكون فيه «هذا الابتكار ناجحا». ~~لكنه في نهاية الكتاب يعترف بكل شيء. # في النهاية، أعرف أنني ذكرت كثيرا من التفاصيل عن طريقة إجراء العملية وليس ~~عن إجراء التجربة ... لكنني أجريتها وحدي حتى يمكن لأي شخص - مهما كان بسيطا أو ~~جاهلا - أن يفهم وأن يتحمس وأن يجري التجربة بأقل كلفة ممكنة، ولهذا السبب ~~وحده كتبت ms142 باللغة العامية. # بجانب هذه الكتب التي حاولت ادعاء السبق، شهد القرن ظهور بضعة كتب طبية ~~تناولت نقل الدم كما لو كان جزءا طبيعيا من الطب المتقدم. فقد سجل يوهان سيجيسموند ~~إلشولتس الطبيب الألماني الخاص ببارون براندنبرج تجاربه في كتيبه «الطريقة الحديثة ~~لحقن الأدوية في الدم». وأورد فيه رسوما تشريحية لتكميل الوصف الوارد في النص، لكي ~~يتمكن القراء من نقل الدم من قدم خروف إلى ذراع إنسان، أو نقل الدم بين ذراعي شخصين ~~بدلا من ذلك. # شكل 8-1: يبدو أن دوني كان يشارك فولي تصوره عن التوائم الملتصقة كما يبدو من ~~هذا الرسم المبين في التقارير المنشورة عام 1672 عن اجتماعاته في ~~باريس. نسخت بتصريح من مكتبة كليندينينج لتاريخ الطب، المركز الطبي ~~لجامعة كانساس. # وطبقا لإلشولتس، كان الأمل الأكبر معقودا على قدرة نقل الدم على علاج الأمراض ~~الناتجة عن اختلال الأخلاط. فإن كان الشخص مصابا بمرض لا أمل من شفائه، ينبغي للطبيب ~~أن يعطيه دما من شخص ذي مزاج مرح . بالمثل، من المفترض أن تلقي دم بلغمي (بارد ~~الطبع) يعالج شخصا صفراوي المزاج (سريع الغضب). كما يقول إلشولتس إن نقل الدم ينبغي له ~~أن يحل الخلافات الزوجية. فمشكلة الزيجات التي تفشل - على حد قوله - هي أن الزوجين ~~مختلفا الطبع. وبما أن طبيعة الإنسان موجودة في دمه، فإن الحل واضح؛ ألا وهو خلط دم ~~الزوجين. أراد إلشولتس أن يجري تجارب نقل دم تبادلي بين الأزواج والزوجات، لكن لا دليل ~~على أن الفرصة أتيحت له ليجرب هذه الطريقة الثورية في تقديم النصائح الزوجية. # نشر كتاب إلشولتس عام 1667 - وهو العام الذي تمت فيه تجربة دوني - وكان أكثر ~~اهتماما بحقن السوائل العلاجية من اهتمامه بنقل الدم؛ ويحق أن يقال إنه أول كتاب يحتوي ~~على رسومات توضيحية للحقن باستخدام إبرة طبية. وكانت تعليقاته على نقل الدم مبنية بدرجة ~~أكبر على الأمل والحس التنبئي من الواقع العملي، رغم أنه زعم أنه أجرى نقل الدم مرة ~~واحدة على الأقل. # ثمة طبيب ألماني آخر اتبع المنهج الفكري نفسه؛ ms143 ففي عام 1679، نشر جيورج أبراهام ~~ميركلينو كتابه «العلاج الطبي وغرائب بزوغ وأفول نقل الدم» الذي تضمن رسوما توضيحية ~~تبين مدى بساطة نقل الدم من كلب إلى إنسان أو فيما بين البشر. # 5 # شكل 8-2: أول رسم توضيحي للحقن بالإبر. نسخت بتصريح من المكتبة الوطنية ~~الأمريكية للطب. # ونشر سكلتيتوس كتابه «العلاج الجراحي» بعد 26 عاما. وعرض هو الآخر كيفية نقل الدم، ~~لكن هذه المرة بربط الحيوان المتبرع بحبل مشدود يمتد من الأرض إلى السقف. ويذكر الكتاب ~~بالكاد الفوضى التي تنجم عن مثل هذه العملية. وكذلك كتاب جوتفريد بورمان المنشور عام ~~1705 «إكليل الغار أو طب الجروح». # وتضمن الكتاب - الذي نشر في فرانكفورت - رسما لحمل يجلس في هدوء ~~على منضدة بينما يتبرع بدمه الحي في كرم لمتلق يجلس مستسلما هو الآخر؛ وهو شخص يجلس ~~بارتياح على كرسي. ويزعم بورمان أن أفكاره قد خطرت له بعد أن شهد نقل الدم من حمل إلى ~~شاب في فرانكفورت عام 1668، لكنه لم يذكر من أجرى العملية ولا نتائجها. # ويزعم بورمان أنه في أثناء عمله مع بالتاسار كاوفمان قد عالج السيد فيلسلاين من ~~الجذام بنقل الدم إليه من حمل سليم، لكنه فشل في علاج «جنديين مصابين بالإسقربوط» ~~وصياد يعاني من «طفح جلدي متفش». لكن، بصفة عامة، استنتج بورمان أن نقل الدم لا يؤثر ~~كثيرا في المتلقي عادة؛ ربما لأن جهاز نقل الدم لم يكن فعالا بدرجة حالت دون حصول ~~الشخص على كمية كبيرة من الدم. # كان انعدام الفائدة الملموسة يعني أنه مع أوائل القرن الثامن عشر لن يكون هناك في ~~أوروبا من يواصل إجراء تجارب نقل الدم. إلا أن هذا لم يمنع الناس من وصف كيفية إجرائه ~~في كتاباتهم. ففي عام 1763 - مثلا - أورد الجراح الألماني لورنس هايستر - الذي لم ~~يكن قد ولد إبان تجارب نقل الدم في القرن السابع عشر - سلسلة من الرسومات في كتابه ~~بعنوان «الجراحة». # وفي هولندا - عام 1668 - أجرى الطبيبان رينييه دي جراف وفان هورن تجارب نقل الدم ~~باستخدام حيوانات، لكنهما لم يتحمسا ms144 للتقنية، وسرعان ما تخليا عنها. # وعلى مسافة أبعد، حيث إسبانيا، وردت روايات تقول إن الدكتور فابريتيوس طبيب دانتزيك كان ~~يدرس إمكانية حقن سوائل طبية في أوردة البشر. ففي رسالة ترجمها أولدنبرج إلى الإنجليزية ~~ونشرت في «مداولات فلسفية» في 9 ديسمبر 1667 وصف فابريتيوس ثلاث محاولات أجريت على ~~ثلاثة أشخاص مختلفين. كان الأول «جنديا شهوانيا» أصيب بعدوى خطيرة لمرض تناسلي ~~وظهرت لديه «نتوءات خطيرة في عظام ذراعيه». وبحقن ملين في أوردة ذراعيه، شكا الجندي ~~من ألم شديد وتورمت أوردة ذراعيه إلى حد بالغ. وبعد أربع ساعات من التدليك بعناية، ~~اختفى الورم من أوردته، وفي اليوم التالي تبرز خمس مرات بكمية جيدة - وهو ما يعد ~~دائما علامة على الصحة الجيدة. علاوة على ذلك، اختفى المرض التناسلي والتكتلات التي ~~كانت في ذراعه دون مزيد من العلاج. # أما عمليتا الحقن الأخريين فكانتا لامرأتين؛ كانت الأولى متزوجة وبالغة من العمر 35 ~~عاما، والثانية خادمة شابة في العشرين من عمرها. وكانتا تعانيان من نوبات صرع طوال ~~حياتيهما، وقد فقدتا الأمل في إيجاد علاج. حقنهما فابريتيوس بملين مذاب في «محلول ~~روحي مضاد للصرع». تغوطت السيدة ذات الأعوام الخمسة والثلاثين برازا لينا بعد الحقن ~~مباشرة، ومنذ ذلك الحين قلت لديها حدة نوبات الصرع وتكرارها، لتختفي تماما في ~~النهاية؛ لقد شفيت المرأة. أما الفتاة فكان علاجها أقل نجاحا. فقد تبرزت أربع مرات ~~بعد العملية، وهو ما أتاح لفابريتيوس أن يستنتج ضمنا أن العملية أصابت قدرا من ~~النجاح. إلا أنها خرجت بعدها وأصيبت ببرد وعجزت عن الالتزام بنظامها الغذائي. وأدت ~~النتيجة الإجمالية لهذه الأحداث إلى موتها. # وفي ختام تقريره يقول فابريتيوس: «من اللافت أن القيء مباشرة بعد العملية وبشدة ~~وبصفة متكررة كان عاملا مشتركا في الحالات الثلاث؛ ويترك للأطباء العباقرة تحديد ~~السبب وراء ذلك.» لقد أصبحنا نعلم الآن أن حقن كثير من السموم في مجرى الدم يمرض ~~الإنسان بشدة. # بالعودة إلى إيطاليا، حيث أجرى سنيور فراكاساتي أستاذ التشريح في بيزا سلسلة من ~~التجارب عام 1667، بحقن السوائل في الأوردة. في البداية، ms145 حقن ماء النار (حامض النيتريك) ~~في كلب، فنفق، وكشف تشريح الجثة عن أن عديدا من الأوعية في الرئتين قد تلفت. ووجد ~~فراكاساتي أن الدم كان متجلطا، واستنتج أن أي شيء يذيب الجلطات قد يكون علاجا لأمراض ~~معينة. # وأدى حقن خلاصة الزاج (حامض الكبريتيك) في كلب آخر إلى نوبات صرع، وسبب له معاناة ~~كبيرة قبل نفوق الكلب المسكين. وبفحص الكلب من الداخل، اكتشف فراكاساتي أن الدم كان ~~«متصلبا في الأوردة ومتخثرا ويشبه السناج». أما زيت الكبريت (يشبه حامض الكبريتيك) ~~فلم يكن له أثر مميز، وإن سبب زيت الطرطير (أحد مكونات مساحيق الخبز) الشعور بألم قبل ~~أن يقتل الكلب. # وبين مقال نشر في «مجلة الأدباء» - وهي النظير الإيطالي لدورية أولدنبرج - أن ثمة ~~تجارب نقل دم كانت تجرى في جنوب القارة. ففي 8 مايو 1667، نقل سنيور كاسيني الدم من ~~الشريان السباتي لحمل إلى الوريد الوداجي لحمل آخر. وكان قد أخرج من الحمل المتلقي ~~قبلئذ كمية كافية من الدم ليفسح مجالا للدم الجديد. وبانتهاء العملية كان قد ربط ~~الوريد الوداجي وقطب الجرح وترك الحمل ينزل من فوق المنضدة. تعافى الحمل وراح ينمو ~~طوال ثمانية أشهر إلى أن نفق فجأة في 5 يناير 1668. من الواضح أنه مر بعملية نقل الدم ~~بسلام، وليس من المرجح على ما يبدو أن موته كان نتيجة مباشرة للتجربة. # وكما كان الحال في إنجلترا، أثارت أخبار عمليات نقل الدم الاهتمام، وسرعان ما استدعي ~~كاسيني لعلاج كلب سنيور جريفوني السبنيلي الأصم البالغ من العمر 13 عاما. وكان هذا ~~الكلب متوسط الحجم، ومصابا بالصمم قبل ثلاثة أعوام، وكان شبه كسيح. وعندما رأى الكلب ~~سيده بعد نقل الدم، قفز عن المنضدة، وجرى إلى خارج الحجرة بحثا عن سيده. وبعد مرور ~~يومين كان الكلب قادرا على المشي وخلال شهر لم يعد أصم. ولا يبدو أن هناك تفسيرا ~~منطقيا لهذا الشفاء المذهل. # في مجمل الأمر، يبدو أنه ليس هناك شك في أن دوني وإميري من أوائل الناس الذي أجروا ~~نقل الدم إلى إنسان، وأن الإنجليز كانوا ms146 أول من أجرى العملية بين الحيوانات. وكذلك كان ~~العلماء الألمان والإيطاليون أول من فكر جديا في الفكرة. ودائما ما يقال إنه لا تتم ~~تجربة على نحو جيد من المرة الأولى! # المعارضة الفرنسية # كما يبدو أن هناك قاعدة تاريخية أساسية تقول إن الناس إما يقبلون التكنولوجيا الجديدة ~~على مضض أو يعارضونها بقوة. ففي أغلب الأحيان، لا يمكن الحكم على السلامة والمصداقية في ~~الادعاءات والادعاءات المضادة للفريق «المناصر للتغيير» أو فريق «بقاء الحال على ما هو ~~عليه» إلا بالنظر إلى الوراء على الموقف بأكمله والمزية المعتادة للنظر إلى الأمور بعد ~~حدوثها بسنوات. # في الوقت الذي كان فيه بعض الأطباء الذين يؤلفون الكتب يعبثون بفكرة نقل الدم، ارتعدت ~~فرائص الغالبية العظمى للعاملين بالمجال الطبي بسبب الفكرة. لسوء حظ دوني، كانت إحدى ~~أكثر المجموعات المعارضة له تأثيرا هي كلية الطب في باريس. وجاء الهجوم في صورة خطابات ~~وكتيبات مطبوعة أخذت تظهر بحلول عيد الميلاد عام 1667. ورد مؤيدو دوني، إلا أن أطباء ~~باريس كانوا يتمتعون بنفوذ سياسي كبير؛ رغم أن حججهم كانت عن غير علم ومخطئة في التقدير ~~إلى حد كبير، وكانت الحياة تزداد صعوبة على دوني. ففي وقت ما كان ممتنا لمونتمور ~~وأصدقائه على رعايتهم له، والآن أصبح في حاجة إليهم ليحموه. # الفصل التاسع # | لغز موروا # نعود من جديد إلى مكتبة مونتمور في ليلة 19 ديسمبر 1667. ما سر البعض وأصاب البعض الآخر ~~بصدمة أن دوني وإميري أعلنا أن موروا - مريضهما المرتقب - على حد علمهما كان في حالة مستقرة ~~ويتمتع بصحة جيدة بوجه عام. لقد كان مرشحا مثاليا لتلقي علاجهم الثوري. نعم سيكون هو ~~ثاني مريض يتلقى بعض الدم المنقول. ولتفادي أي تدهور محتمل، ينبغي إجراء العملية في أسرع ~~وقت ممكن. وكان ذلك - كما ذكروا - تجربة لفكرة. ولم يكن ليبدو عليهما أي شعور زائد بالثقة ~~في ادعاء اليقين بأن العملية ستعالج الرجل المسكين، وإن كانا يأملان بالتأكيد أن يحدثا ~~معجزة. لقد كان ظهور الحذر عليهما، ثم إعلان نجاحهما الباهر بعد أيام قليلة هو نهج العمل ms147 ~~المفضل لديهما قطعا. # كان شعورهما بالتردد مبررا بأسباب عملية؛ إذ إنهما لم يسبق أن أجريا العملية على رجل ~~سليم بدنيا يعاني من سلوك مختل. وكان أفضل تخمين لديهما هو أن عليهما استخدام دم عجل ~~لأن «لينه وقوته قد تهدئ الحرارة والغليان في دمه.» تحدد موعد للعملية - في السادسة من ~~مساء ذلك اليوم - وانفض الجمع وسط جلبة كبيرة وتحيات مطولة. # وسرعان ما خلت الغرفة إلا من العالمين، ومضيفيهما وراعيهما مونتمور، وسيئ الحظ موروا؛ إذ ~~لم يكن استمرار وجوده تطوعيا تماما بما أنه كان لا يزال مقيدا إلى كرسيه؛ وقد أخذ يشكو ~~من جديد في مرارة. كالعادة، كان مونتمور هو المسئول، فاستدعى مجموعة من الخدم وبدأ في ~~التحضير لنقل «المريض» إلى منزل آخر، حيث كانت فكرة الاستماع لصراخه طوال اليوم صعبة جدا ~~عليه. كما أن منزله كان في منطقة راقية من باريس، ولم يكن مونتمور يرغب في أن يسيء إلى اسمه ~~ومنزله، باتهام الجيران له بأن ثمة شغبا على وشك الحدوث في منزله. # من الأرجح أن مونتمور ودوني قد خططا لباقي تفاصيل اليوم، حيث ناقشا المكان الذي سيحصلان ~~منه على متبرع بالدم والمستوى المقبول لأجر كل المشاركين، فقد رأيا أن تلك فرصتهم لإبهار ~~العالم والانضمام إلى الأكاديمية الملكية للعلوم المنشأة حديثا. فكونهما أول من يعالج ~~الأمراض العقلية في العالم لا يمكن أن يضر بطلبهما العضوية بأي شكل. # وذكر دوني - مسجلا الأحداث التي تلت في خطاب أرسل في البداية إلى مونتمور وأرسلت نسخة ~~منه إلى أولدنبرج في لندن - أنهم نقلوا موروا إلى «منزل خاص»، كان على الأرجح منزل دوني في ~~كيه دي أوجستين. كما أرسل مونتمور ودوني في طلب عامل قوي البنية ليعمل لديهم «حمالا». ~~لقد كانا في حاجة إلى احتواء موروا لكن دوني أراد كذلك أن يطمئنه. فلطالما كان العمل مع ~~المرضى الهادئين أسهل وأقرب إلى تحقيق نتائج جيدة. فأي مرشح لوظيفة الحارس والسجان هذه ~~خير من رجل استفاد شخصيا من نقل الدم؟ هكذا، لم يختاروا أي رجل مفتول العضلات على نحو ms148 ~~عشوائي، بل اختاروا الرجل الذي كان دوني قد نقل إليه دم حمل قبل ثمانية أشهر؛ الرجل الذي ~~قال دوني إنه كان يتوق لتلقي جرعة ثانية. # طيلة اليوم أخذ الناس يتوافدون، وسر دوني لما رأى بينهم أطباء ومترددين على الكنائس. ~~لقد كان هؤلاء الشهود أناسا يتفهمون ما كان يفعله، هذا بالإضافة إلى أفراد من العامة الذين ~~يتمتعون بسمعة طيبة. وبحلول المساء جاء العالمان ومعهما عجل. وجاء في ترجمة أولدنبرج ~~لكلمات دوني نفسه: «لقد استعملنا ما بوسعنا من مهارات لنقنع خيال مريضنا بالرغبة في الخضوع ~~لنقل الدم.» وهذا تحوير جيد للعبارة التي من الممكن أن تكون ترجمتها: «لقد قيدنا المريض ~~وربطناه بإحكام في منضدة ثابتة بوسط الحجرة.» وربما كمموه لتقليل عويله وصراخه. # كان دوني وإميري عازمين على ألا ينفد الدم منهما في منتصف العملية؛ لذا كان العجل خيارا ~~جيدا حيث كان ضخما بدرجة معقولة. كما سيكون طيعا بصورة نسبية. لكن حتى في تلك الحالة، من ~~المنطقي افتراض أن العجل في هذه الواقعة المحددة قد ربط بإحكام إلى منضدة بنحو لا يسمح ~~له بالحركة. # خفتت الأحاديث فلم يكن يسمع إلا همس، بينما كان إميري يقطع الجانب الداخلي من فخذ العجل ~~وهو تحت ضوء عدد من المصابيح وكشف شريانا قرمزيا منتفخا. احتشد المشاهدون بهدوء للحصول ~~على موقع أفضل، يريد كل منهم الاقتراب لكنهم في الوقت ذاته حريصون على أن يبقوا خارج نطاق ~~الخطر؛ لأن جميع من في الغرفة - باستثناء موروا ربما - كانوا على دراية بأن أي انزلاق صغير ~~في سكين إميري سيفجر سيلا مندفعا من في أنحاء الغرفة. # بعد الكشف عن عرق العجل وتجهيزه ليعطي ما به من الإكسير، جاء دور المريض. وقف إميري ~~مائلا عليه ليحدث قطعا في ذراعه اليمنى، وكشف عن وريد أسفل المرفق مباشرة. أعاق عمله ~~مقاومة المريض، وفي الوقت الذي تم فيه القطع، كان موروا قد تمكن من التكور في وضع يشبه وضع ~~الجنين، وهو فعل غريزي ليحمي نفسه. إلا أن ذراعه كانت لا تزال مقيدة بإحكام في إحدى أرجل ms149 ~~منضدة وكان القطع والوريد مكشوفين في تناسق. # وتبعا للتعليمات، جرى تقريب المنضدتين الحاملتين للعجل ولموروا استعدادا لنقل الدم، لكن ~~إميري أراد أولا أن يفسح مجالا في جسم المريض لمزيد من الدم. هذا يعني أن بعض الدم يجب ~~أن يخرج قبل البدء في العملية. فحز الوريد المكشوف وشاهد الدم يتدفق إلى وعاء. وانتظر حتى ~~حسب دوني أن نحو 10 أوقيات من الدم قد خرجت، ثم أدخل طرف الإبرة إلى الوريد. وبسرعة قطع ~~شريان العجل وأدخل فيه إبرة أخرى وشاهد الدم يتناثر من طرفها. وفي براعة مدهشة أوصل هو ~~ودوني الصنارتين بسلسلة من الإبر لتكون أنبوبا كاملا. كان إميري منفعلا، وراح يمدد ~~أصابعه ليخفف من توتره؛ لقد كان كل شيء يجري على ما يرام. # بدأ دوني يحسب كم من الزمن يلزم لإدخال 10 أوقيات من الدم واستبدالها بالكمية المفقودة في ~~الفصد. لكن سرعان ما اتضح أن الأمور لم تكن تجري بسلاسة تامة. ففي خضم الحماس لرؤية الحدث، ~~اندفع الجمهور إلى الأمام للحصول على رؤية أفضل. كان من المستحيل تماما على كل من إميري ~~ودوني أن يقتربا من المريض لبضع لحظات. كما أن قواعد اللياقة صعبت على هذين الخبيرين ~~المنتميين للطبقة المتوسطة أن يأمرا الأشخاص الأعلى مقاما بالتراجع، لكن الضرورة فرضت ~~نفسها واضطرا لشق طريقهما من جديد لمركز الحدث. # وكانت مقاومة موروا ستؤدي حتما إلى عدم رقوده بالنحو المناسب، وعدم تدفق الدم عبر ~~الأنبوب. وفي الوقت الذي عاد فيه المتخصصون لتولي زمام الأمور، كان عدم تدفق الدم قد جعله ~~يتجلط في الأنابيب ومن ثم لم يعد ينتقل من العجل إلى الرجل. وتناثر خيط الدم العرضي عبر ~~الغرفة بينما كانا يحاولان على نحو هيستيري وضع إبر جديدة واستعادة جزء من تدفق ~~الدم. # وفي هذه المرحلة كان المريض يشكو من الشعور بحرارة شديدة في ذراعه إلى أسفل إبطه مباشرة. ~~وعلق دوني قائلا: «لما رأينا أنه يفقد الوعي أوقفنا تدفق الدم إليه فورا، وأغلقنا الجرح.» ~~وانتهت العملية وفق تقدير دوني فإن موروا تلقى ما يعادل خمس ms150 أو ست أوقيات من الدم. # تنفس دوني الصعداء؛ فقد نجحت عملية نقل الدم، لكن الجزء المهم الآن هو إبقاء المريض تحت ~~الملاحظة لمعرفة ما سيحدث بعدئذ. رأى بعض الضيوف أن هذا هو الوقت المناسب للمغادرة والبحث ~~عن مصدر متعة أكثر مرحا في مكان آخر لبقية الأمسية. أما البعض الآخر فقد اتخذوا مجالسهم، ~~وانتظروا محدقين في الرجل كما لو كانوا يتساءلون عما إذا كان سيخور كالعجل أو تنمو له قرون ~~وحوافر. # لم تقع أحداث كثيرة في الساعات القليلة التالية. فقد غفا موروا في مقعده لبضع ساعات، ~~وبعدها طلب بعض الطعام؛ وهي علامة جيدة. قدمت له المساعدة تحت أعين دوني المراقبة في ~~الذهاب إلى غرفة بها فراش حيث أبقوه تحت الملاحظة. كانت تلك الليلة كغيرها عند موروا؛ إذ لم ~~ينل أي قسط من النوم على مدار أسابيع، ولم تختلف تلك الليلة: «لقد أمضى الليلة في الغناء ~~والصفير وغيرهما من التصرفات الصاخبة التي اعتاد عليها» بحسب ما كتب دوني. # ومع بزوغ فجر يوم الثلاثاء، كان موروا أكثر سكينة بل أكثر هدوءا. فبينما يشخص العلم ~~في القرن العشرين أنه كان يعاني من فقر دم حاد، لم يرصد دوني سوى أن المريض صار أقل عنفا؛ ~~من الواضح أن نقل الدم كان له بعض الأثر. كان من المنطقي تكرار العملية، وجرى التخطيط ~~لتكرار العرض في اليوم التالي. مرة أخرى تحدد الموعد في السادسة من ذلك المساء، وهو موعد ~~يكون فيه معظم رجال الأعمال وموظفي البلاط غير منشغلين. # سرت أخبار عملية نقل الدم الأولى في الأوساط العلمية، وهذه المرة حضر جميع المشاهير ~~والشخصيات البارزة. ضم الجمهور - كما يقول دوني - عدة أطباء مثل بوردولو ودوني دودار ~~والطبيب بيير بورجيه ورجل الكنيسة جيوم أويو فايو. # لم يكن موروا هذه المرة في حال تسمح له بالمقاومة. علاوة على ذلك، كان على دراية بأن ~~سلوكه يتجه نحو الوضع الطبيعي؛ لذا كان أميل للسماح بتلك العملية الثانية. ومن ثم رقد في ~~«وضعية ملائمة» وهو ما سهل العملية كثيرا. وبسبب ضعف موروا، رأى ms151 دوني أن من الحكمة ألا ~~يسحب منه أكثر من أوقيتين أو ثلاث أوقيات من الدم قبل بدء العملية. # جهز إميري في هذه المرة ذراع المريض اليسرى، وقدر الطبيبان أنهما نقلا رطلا من الدم إلى ~~موروا. ولما كانت كمية الدم المنقول أكبر، كانت النتيجة أبلغ من ناحية الاستمرارية والحدة. ~~بمجرد أن بدأ الدم في الدخول، ذكر موروا شعوره بحراره شديدة في ذراعه، وزاد نبضه وأخذ في ~~التعرق بغزارة. ثم أخذ نبضه في الاضطراب، وشكا من آلام رهيبة في أسفل ظهره، وقال إنه أحس ~~بوعكة في معدته، وأخذ الهلع يسيطر عليه، وشعر أنه على وشك الاختناق، وتوسل إليهم ليوقفوا ~~العملية. # وبينما كانا يخرجان الأنبوب من ذراعه تقيأ بشدة، ليتخلص من لحم الخنزير والدهن الذي ~~تناولهما قبل ساعة، وهو ما أثار جدلا كبيرا بين المشاهدين عما إذا كان لحم الخنزير ~~فاسدا. وسرعان ما رغب في التبول والتغوط. وكانت الصدمة أن بوله كان وقتها أسود اللون؛ أسود ~~كسخام المداخن. وتشنج وتقيأ لساعتين تقريبا وأخيرا غلبه النوم في العاشرة ليلا وواصل ~~نومه حتى الثامنة من صباح اليوم التالي. لقد كانت تلك أول مرة ينام فيها منذ أسابيع، وهو ما ~~شجع دوني كثيرا على أن يعتبر العملية ناجحة. # وعندما استيقظ موروا كانت النتائج أكثر إرضاء؛ إذ كان موروا خاملا، لكنه كان هادئا، ~~صافي الذهن. وبغض النظر عما كان قد شعر به من آلام شديدة في معدته وذراعه، وبغض النظر أنه ~~كان واهن البدن وأن بوله كان شديد السواد، فقد رأى دوني أنه بدا بحال أفضل! # جاء يوم الخميس وانقضى، وظل موروا في الفراش لا يتحدث كثيرا، وكان كلما طلب دوني منه أن ~~يصف له أي أعراض، كان يطلب موروا منه أن يتركه وشأنه. إلا أنه مع علمه بأن عيد الميلاد لا ~~يفصله عنه سوى يومين، فقد رأى موروا أنه وقت مناسب ليتوب إلى الرب خالقه، وسأل إن أمكن ~~إيجاد قس ليأتي ويسمع اعترافه. وأتى السيد دو فو في الموعد واستمع لما قاله الرجل الذي كان ~~مجنونا ms152 فيما سبق. واندهش قائلا إن اعترافه كان جليا بدرجة تكفي لتلقيه السر المقدس، لكن ~~إن استمرت مسيرته. # في يوم الجمعة، 23 ديسمبر 1667، نزف موروا من أنفه نزيفا حادا، وظل يخرج كميات كبيرة ~~من البول الأسود طوال الوقت. مر يوم آخر وحلت عشية عيد الميلاد، وأتى معها قس آخر. كان ~~السيد بونيه هذه المرة. استمع القس إلى اعتراف موروا وأعلن في تلك المرة أنه عاقل. فكان ~~مرحبا بحصوله على القربان المقدس‬، وأقام القس مراسم القربان المقدس دونما تأجيل. # إن أراد دوني تأكيدا على نجاح نقل الدم، فهو لم يكن بحاجة لأكثر من ذلك. فقد أعلن القس - ~~وهو رجل الكنيسة الموقر وممثل الرب - أن المجنون قد شفي الآن؛ وكان هذا شاهد عيان مستقلا ~~من أثقل عيار وأكبر ثقة للعامة. # كان ذلك هو الوقت الذي وصلت فيه بيرين موروا إلى المنزل. لم يفكر أحد في أن يخبرها بمكان ~~زوجها، وكانت قد قضت الأيام السابقة تبحث عنه بلا جدوى. من المثير للاهتمام التكهن بما إذا ~~كان هذا سهوا من جانب دوني فعلا أم كتمانا متعمدا؛ فلقد كان آخر ما أراده هو أن يظهر ~~أحد الأقارب المتطفلين ويطلب اصطحاب قريبهم المحبوب إلى بيته؛ فذلك كان سيفسد ~~التجربة. # فرح أنطوان بالتئام شمله مع زوجته، وبدأ فورا يحكي ما حدث طوال الأسبوع السابق، منذ أن ~~كان يجري عاريا في شوارع باريس إلى أن وصل إلى الموقف الحالي حيث تلقى القربان المقدس من ~~قس. كانت بيرين سعيدة بالقدر نفسه، وأخبرت الأطباء الذين كانوا يترددون عليهم كيف تحول من ~~«مخبول تماما» إلى هذا الرجل الهادئ أمامهم. # شعر دوني وإميري بالزهو. لكن لم تكن لديهما أدنى فكرة عما إذا كان هذا هو السكون الذي ~~يسبق العاصفة. # مقارنات حالية # لا يستغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن تبدأ الألسنة في الثرثرة. فسرعان ما بدا أن كل ~~رجل وامرأة وطفل في باريس يبدون آراءهم في هذا العلاج المذهل؛ إذ أصر بعضهم على أنها ~~معجزة، بينما رأى البعض الآخر أن هذه التجربة اتسمت بكل ms153 سمات الشيطان نفسه متجسدة في ~~صورة ملاك من نور. لقد أثارت التجربة بالتأكيد موضوعا جديدا في محادثات عيد ~~الميلاد. # وبينما تحدث الناس عن موروا واتزانه من جديد، فقد أخذوا يطرحون الأسئلة، وهو ما كشف ~~عدة مفاجآت؛ إذ لم تكن هذه أول عملية نقل دم يجريها دوني؛ بل كانت الأولى التي تحظى ~~بهذا المستوى من الاهتمام والمتابعة من العامة. لقد بدا أن العلماء كانوا يعملون وراء ~~الستار ويدبرون مؤامرة سرية، والآن يفرضون ما توصلوا إليه على المجتمع؛ ذلك المجتمع ~~الذي شعر بأنه لم يحظ بفرصة لمناقشة القضايا أو يبدي رأيه فيما إذا كان يدعم هذا ~~التطور الجديد. # في المقابل كان الموجودون في قلب الوسط العلمي يعرفون أن «الفضوليين» كانوا مشتغلين ~~بالفكرة لعدة سنوات على أقل تقدير؛ إذ ناقشوا أفكارهم في اجتماعات، ووصل الأمر إلى نشر ~~بعض الفضوليين لعدد من مناهجهم والنتائج التي توصلوا إليها في الدوريات المعروفة التي ~~ظهرت حديثا. وكانوا سينفون أي محاولة عمدية لإخفائها عن العامة، فحتى ذلك الوقت لم يكن ~~هناك اهتمام كبير بهذا المجال ومن ثم لم تتحول إلى قضية عامة من قبل . # وقد وقع موقف مشابه في القرن العشرين مع مولد العنزة دوللي المستنسخة في يوليو 1996. ~~فإن سألت معظم الناس فسيخبرونك بأن دوللي هي أول كائن مستنسخ في العالم. وهي لم تكن ~~كذلك، بل أبعد ما تكون عن ذلك؛ إذ كان الاستنساخ يجري طوال عقود في المعامل في مختلف ~~أنحاء العالم. فأول حيوان مستنسخ - وهو ضفدع نمري شمالي - كان يتقافز في أرجاء المعمل ~~الذي شهد مولده في فيلادلفيا في عام 1952. وفي عام 1977، زعم عالم ألماني أنه استنسخ ~~فأرا، رغم أن هذا الزعم كان محلا للجدل وقتها. وورد أول التقارير المؤكدة عن ثدييات ~~مستنسخة في عام 1984 عندما نجح العالم الدنماركي شتين فيلادسين في استنساخ خروف من ~~خلايا جنينية أثناء عمله في المجلس البريطاني للبحوث الزراعية. وسرعان ما توالت محاولات ~~الآخرين، وفي عام 1986 استنسخ فريق بقيادة نيل فرست في جامعة ويسكونسن بالولايات ~~المتحدة بقرة. وكلاهما أدهش ms154 الوسط العلمي لكن أثار بعض الاستهجان بين العامة. وفي ~~السنوات القليلة التالية، أنتج العلماء أعدادا كبيرة من الفئران والضفادع والماشية ~~المستنسخة. # يرجع جزء من السبب وراء هذا الغموض إلى أنه فيما كان يأمل قليل من العلماء في وضع ~~طريقة جديدة لتخليق قطعان من الحيوانات المتماثلة، كانت معظم الاستنساخات تخلق في ~~تجارب تسعى لكشف وظائف الحيوانات، ووجه عديد منها نحو اكتشاف أسرار التكوين؛ إذ سعت ~~إلى أن تفهم تماما كيف يكون الحيوان أعضاء متنوعة كالعضلات والبشرة والعظام ~~والأعصاب والدم من بويضة مخصبة؛ وهي خلية بدائية واحدة. ولم يحظ هذا العمل بقدر ~~كبير من انتباه العامة لبعده الشديد عن مجريات الحياة اليومية. # في الواقع لم يكن مولد دوللي ذاته في اسكتلندا هو ما استحوذ على اهتمام الإعلام، بل ~~كان نشر بحث عن أصولها ومولدها في المجلة العلمية البارزة «نيتشر» بعدها بسبعة أشهر في ~~27 فبراير 1997 هو الذي أثار ضجة إعلامية؛ إذ عرف البحث العالم باستنساخ حمل جديد من ~~خلال اتحاد خلية مأخوذة من ضرع نعجة بالغة مع بويضة معالجة طبيا قبل تحفيزها بنبضة ~~كهربية صغيرة. وكان البحث مكتوبا بلغة معقدة وغامضة تماما، ويمكن أن تتغاضى عنه ~~وسائل الإعلام على مستوى العالم. وعلى المنوال نفسه كان نشر خطاب دوني - وليس الحدث ~~ذاته - هو ما أثار رد فعل وأحاديث بين العامة عن نقل الدم في باريس وأكسفورد ولندن في ~~القرن السابع عشر. # لكن ما سبب هذه الجلبة حول دوللي؟ بالرغم من أنها لم تكن أول مستنسخ، فقد كانت خطوة ~~جديدة في مسيرة العلم؛ لأن كل التجارب التي سبقتها استخدمت خلايا من أجنة، بينما هذا ~~الحمل الصغير جاء إلى الحياة وهو خلية مأخوذة من حيوان بالغ. كان من الممكن أن ينظر ~~لذلك باعتباره مجرد تطور فني آخر، لكن إمكانية استخدام الخلايا البالغة باعتبارها خلايا ~~جينية مانحة لحيوان مستنسخ كانت لها تداعيات كثيرة. كما أن دوللي كانت نعجة، والنعجة من ~~الثدييات. وكان هذا يعني أنها من الناحية البيولوجية شبيهة نسبيا بالإنسان العاقل. ~~وبالإضافة لما سبق، ms155 فقد أثار هذا شبح احتمال استنساخ البشر لأنفسهم. مرة أخرى كانت خطوة ~~دوني بتطبيق نقل الدم على البشر هو ما أثار الجدل. فحينما كان نقل الدم مقصورا على ~~تجارب الحيوانات، لم يكن كثيرون من الناس يهتمون بها. # وما إن انصب اهتمام الإعلام على النعجة الاسكتلندية الصغيرة، حتى كان الإحساس ~~المتنامي بعدم الارتياح يعني أن الجدل لن ينتهي. كان معظم الجدل عن غير دراية كافية ~~وكان انفعاليا جدا. نشرت الصحف مقالات تناقش خطر وجود نسخ متعددة من الطغاة، وتحدث ~~الباحثون في الأخلاقيات عن الامتهان المحتمل للكرامة الإنسانية. واتخذ بعض العلماء ~~موقفا دفاعيا قائلين إنهم لم يروا أن دوللي حيوان مستنسخ على الإطلاق؛ بينما قال ~~آخرون إنها حتى إن كانت مستنسخة فهم ليس لديهم النية في استعمال هذه التكنولوجيا. واتخذ ~~الساسة ردود أفعال بلا تفكير تطالب بحظر هذه التكنولوجيا، دون النظر إلى إمكانية ~~تطبيقها عمليا أو ما إذا كانت مفيدة للعلم أو ضرورية لحماية البشرية. لقد بدا أن ~~المزاج العام معارض لهذه التكنولوجيا، وكان من السهل السباحة مع التيار وإعطاء ~~الانطباعات بتولي زمام القيادة. # وبينما تتكشف لنا قصة دوني ومحاولاته لنقل الدم ، نكتشف نمطا مماثلا من رد الفعل ~~الهيستيري والجدل بغير دراية والتسرع في اتخاذ القرار. من الممكن القول إن القرارات ~~المتخذة كانت القرارات الصحيحة، لكن المنطق وراءها يبدو مثيرا للشكوك في أحسن ~~الأحوال. # عملية نقل الدم الثالثة # لو كان دوني قد أعاد موروا إلى منزله ولم يره بعدها، لاختلف الوضع كثيرا. لكن الحال ~~لم يكن كذلك؛ كان دوني حريصا على متابعة موروا لأطول مدة ممكنة لمعرفة الآثار المحتملة ~~لنقل الدم وللتعلم من التجربة. لكن زوجة موروا كان لها رأي آخر على ما يبدو؛ فقد - كانت ~~حسبما ذكر دوني - تتوق إلى استئناف علاقتهما الزوجية والاستمتاع برفقة زوجها. وعندما ~~روى دوني الفصل التالي في هذه القصة، زعم أنها دخلت إلى المسكن الذي أعده لموروا، وفي ~~مخالفة لرأيه اصطحبت زوجها إلى منزله. وفي ذلك الوقت كان قد تلقى جرعتي دم وبدا أنه ~~استعاد اتزانه ms156 العقلي. لكن بعودته إلى المنزل، ورغم اعتراضات الأطباء، أخذت هذه المرأة ~~العنيدة تطعمه البيض والحساء، وهو مزيج من المواد الغذائية كان دوني على يقين من أنه ~~سيرفع حرارة دمه بالتأكيد، وهو ما يؤدي على الأرجح إلى عودته إلى حالة الجنون. وكأن هذا ~~لم يكن ضررا كافيا، فقد اصطحبته إلى فراشها، ليس مرة ولا اثنتين ولا ثلاثا؛ بل أربع ~~مرات على الأقل. وزعم دوني أن زوجها كان يمانع المشاركة في ذلك لكنه كان يستسلم ~~لإغرائها وإقناعها. وكان متيقنا كذلك من أن النشاط الجنسي الحميمي يرفع من حرارة دم ~~الإنسان. # لذا لم يفاجأ دوني بأنه خلال أيام ارتفعت درجة حرارة جسد الرجل بشدة، وعاد إلى ~~عاداته القديمة بزيارة الملاهي والانغماس في الخمر والنساء. كانت تلك علامة سيئة. كما ~~روى الجيران أن الزوجين قد بدآ يتشاجران. ورغم مرض موروا، ضربته زوجته عدة مرات. وذات ~~مرة ضربها هو الآخر، مسددا لها لكمة في أذنها. فكان ردها أن صرخت قائلة إن عليه أن ~~يعتذر فورا وإلا فليواجه الموت. # انزعج دوني بشدة من هذا الاستخفاف المتعجرف بالتعليمات الصحية؛ إذ لم يشعر بأن ذلك من ~~شأنه أن يضر المريض وحسب، بل الأهم أنه أضر بسمعته. لقد كان على يقين بأن أفعال زوجة ~~موروا المتهورة ونتائجها الواضحة الجلية تجعل استمرارية أي علاج محل شك. كما أنه كان ~~قلقا من أن مثل هذا السلوك المعربد قد يهدد صحة الدم النقي الجديد الذي يجري في عروق ~~موروا الآن. فقد بذل قصارى جهده في سبيل نقل دم من حيوان لا يمكن أن يتورط في أي أفعال ~~إباحية، والآن صار كل ذلك الحرص في مهب الريح. ورغم الشكوك التي تساوره، لم يكن بيده ~~شيء، فقد انتزع الرجل من رعايته، ورغم اقتناعه هو شخصيا بالفوائد الجمة لنقل الدم ~~فقد بلغت المعارضة لعمله في المدينة درجة جعلت الوقت غير مناسب لملاحقة مريضه. # وبلغت الأمور ذروتها عندما لاقت زوجة موروا دوني في الطريق ذات يوم، وطلبت منه أن ~~يجري عملية نقل دم ثالثة. فرفض دوني. ms157 وظهرت مرة أخرى بعد أيام قليلة. فقال دوني إن ~~السبيل الوحيد لأن يجري العملية هو حصولها على إذن بالعملية من النائب العام. وبالنظر ~~إلى الرأي السائد في الدوائر الرسمية في باريس، فقد شعر دوني بأن السلطات في الأغلب لن ~~تمنح هذا الإذن. # كان دوني في مأزق. فمنذ بدأ يشتغل بنقل الدم أصبح مقتنعا حقا بإمكانياته، وكان ~~يتوق لإجراء العملية كلما أمكن كي يستطيع إثبات فائدتها في الطب. فعلى كل حال، اقتضت ~~مهنته أن يستخدم مهاراته في إنقاذ حياة الإنسان وعلاج الأمراض؛ ألم يكن ذلك حتما ~~واجبه؛ أن يقدم العون كلما أمكن؟ # على الجانب الآخر، كان دوني متخوفا من اتهامه بالتسرع المفرط؛ لذا فقد رأى أن الأفضل ~~ألا يفعل أي شيء. فاسترخى وتابع حياته وانتظر أن تتكشف الأحداث. فتكشفت بالفعل؛ فقد ~~جاءت زوجة موروا للمرة الثالثة، وزارته هذه المرة في منزله ذات صباح، وكان دوني بالخارج ~~وقتها، لكن خادمه - وهو على الأرجح أول مريض ينقل إليه الدم - تلقى الرسالة من السيدة ~~المتوترة: «رجاء أخبر سيدك عندما يعود بأني رتبت للقاء في منزلي هذا المساء لمناقشة ~~الموقف وسيكون من المفيد كثيرا أن يحضر، فأنا واثقة من أن مشاركته ستكون قيمة. أرجوك ~~لا تمتنع هذه المرة.» # تلقى دوني الرسالة عندما عاد إلى المنزل، وبدافع الفضول وحده قرر الحضور. لكنه لما ~~وصل، وجد نفسه أمام عجل مقيد في الحجرة وزميله الجراح يعد سكاكينه وحباله وأنابيبه. ~~وبمجرد دخوله وقف دوني بلا حركة وقد اعترته صدمة شديدة. لقد أقنعت زوجة موروا السيد ~~إميري بطريقة ما بإجراء عملية نقل الدم الثالثة. وزعم لاحقا أنه استدرج مباشرة إلى ~~فخ. # زادت صدمة دوني عندما رأي مريضه؛ فقد كانت آخر مرة رآه فيها في عيد الميلاد عندما جلس ~~في فراشه، وتلقى السر المقدس من القس المحلي. لقد بدا وقتها شاحبا متعبا، إلا أن كل ~~السمات الطبيعية للإنسان العاقل كانت بادية عليه. ووقتها تحدث حديثا مرضيا واحتضن ~~زوجته بدفء. لقد كانت حالته هذه المرة على النقيض تماما من سلوكه المتقلب قبل ms158 أيام ~~قليلة. فكان موروا في المجمل نموذجا لإنسان أعيد من جديد إلى الإنسانية؛ رجل انتزع من ~~براثن الجنون بمعجزة الطب الجديد القائم على العلم. # أما هذه المرة، فلم يكن من الممكن تمييز موروا إلا بصعوبة؛ إذ كان نموذجا ممزقا ~~وهمجيا للإنسانية. كانت بشرة وجهه مشدودة، وغطت بعض قطرات الدم الجافة ذراعيه ويديه في ~~المواضع التي ضرب بها بعض الأشياء - والأشخاص - خلال نوبات غضبه. كان متسخا ولم يجلس ~~في سكون إلا لأنه قيد من جديد بحبل غليظ إلى كرسي، وكان الكرسي مربوطا بأحد أعمدة ~~المنزل الخشبية. # كان أول ما خطر ببال دوني هو أن يوليهم دبره ويهرب. فلم يكن هذا مكانا مناسبا ~~لممارسة فن الطب المتقدم، وكان من الواضح أن المريض لم يكن قادرا على استقبال مثل هذا ~~العلاج الثوري. كانت العربة التي استأجرها لتقله في انتظاره بالخارج؛ وكان بإمكانه أن ~~يغادر بكلمة واحدة ولا يسمع منه سوى قعقعة حوافر الخيل. لقد ظل دوني لبقية حياته يتمنى ~~لو أنه نفذ هذه الفكرة. لكن ما حدث أنه تردد. وفي غضون لحظة، كان الأوان قد فات؛ فقد ~~نزلت زوجة موروا على قدميه ولفت ذراعيها حول ساقيه. وبكت وهي راكعة على الأرض الحجرية ~~وتوسلت إلى الطبيب من أجل الرحمة. حاول دوني في تلقائية أن يتراجع، وكاد أن يقع في ~~عثرته على الأرض. لم تكن السيدة على استعداد لإطلاق سراحه، ولم ترد تركه يخرج من ~~الباب. # ارتبك دوني من المفاجأة؛ فقد كانت فرصة رؤية المريض شيئا مهما، لكن أن يدخل إلى ~~غرفة كان من الواضح أن الاستعدادات فيها قد تمت لعملية نقل دم كان أبعد ما يكون عن ~~تفكيره ومخالفا لما يراه صحيحا. من الواضح أن إميري قد اقتنع بضرورة إجراء عملية نقل ~~دم ثالثة وكان عازما على المضي قدما؛ إذ كان يفحص مشرطه ويشحذه على حجر استعدادا ~~للعملية. # في نهاية المطاف شعر دوني بأنه لا خيار أمامه، لكن ما إن حرر نفسه من زوجة موروا ~~المتشبثة حتى أعلن رأيه بأن هذا لم يكن مسارا ms159 جيدا للأحداث. وبعد قوله ذلك تمنى في ~~نفسه أن تسير الأمور على ما يرام وأن تكون العملية مفيدة حقا. # مع ذلك، ربما تبدد حماس دوني بالسرعة نفسها التي زاد بها. فقد كانت إضاءة الحجرة ~~سيئة. كان ذلك في شهر يناير وكانت الشمس قد غابت وراء الأفق منذ وقت طويل؛ ولم ير دوني ~~مدى تدهور موروا إلا عندما اقترب. فحينها أدرك أن موروا كان مصدر الرائحة العفنة التي ~~ملأت الغرفة، لتؤكد على مدى تدهور حالة الرجل المسكين على مدار الأسابيع القليلة ~~السابقة. # تابع دوني وإميري تقييد ذراع موروا قدر الإمكان بحيث لا يمكن تحريكها وبحيث تكون ~~أوردته مكشوفة. وأدخل إميري إبرة عبر جلد المريض إلى أحد الأوردة. لكن قبل نقل الدم ~~إليه، كانا بحاجة لإفساح مساحة في أوردته. وسرعان ما قيدت ساقه بحيث لا يمكن تحريكها. ~~لم يكن موروا في مزاج يجعله يتعاون، لكنه كان أضعف من أن يستمر في المقاومة كثيرا. ~~بعد لحظة واحدة، غرس إميري مشرطه في أحد الأوردة البارزة في الجزء العلوي من قدم موروا، ~~وأمسك دوني بوعاء ليجمع فيه السائل الأرجواني. # قال دوني «وبهذا انتهت العملية. ففي غضون لحظات من بدء خروج الدم من قدمه، استولت على ~~موروا رعشة عنيفة وتشنجت ذراعاه وساقاه بحدة.» توقف خروج الدم من الشق الذي أحدثاه في ~~الوريد بقدمه، ربما لأن ضغط الدم في جسم الرجل المسكين انخفض بشدة، وانتزع إميري الإبرة ~~من ذراع موروا لئلا تنكسر ذراعه أو تجرح. # أما ما حدث بعدئذ، فعليه ستار من الغموض، فقط كان هناك شيء واحد أكيد؛ بطلوع شمس ~~اليوم التالي، كان دوني وإميري قد عادا إلى منزليهما، ووجدا موروا جثة هامدة. # الفصل العاشر # | الجدل الكبير # بينما انتشر الحديث عن تجارب دوني على البشر وعن وفاة موروا، حاول كل من جهال أوروبا ~~وكبار مفكريها على حد سواء أن يفهموا حقيقة ما كان يحدث. فرأى البعض أن هذا مثال على أن ~~العلم الحديث سيعيد حتما تشكيل نظرتهم للعالم ولأنفسهم، أما البعض الآخر فقد اعتبروه نذير ~~سوء ms160 بأن هذه النظرة الجديدة إلى الحياة محكوم عليها بنهاية كارثية. فقبلئذ آمن الناس بذلك ~~الواقع الذي كشفت عنه الحجج المنطقية لأرسطو وأمثاله والذي حفرته الكنيسة (حرفيا) على ~~الحجر. لقد كانت الكاتدرائيات أماكن لشهود عظمة الرب المهيبة، لا للتشكيك في التصورات ~~الموجودة واكتشاف الجديد. لقد كانت نصبا لا يمكن تحريكها، مما جعل الناس يرون ما يشبه ~~التصور الثابت لعالم غير متغير. وكان العلم الحديث يحطم الثوابت؛ إذ كانت الحجج ~~المنطقية مهمة لكن ليس وحدها. فالخبرة والتجربة قد صارا الحكم الجديد على الحقيقة. # كانت النقاشات التي تثار عن أي موضوع تقريبا عبارة عن مزيج لافت من الجهل والبصيرة ومن ~~التقبل والتحيز المسبق، ولم يكن نقل الدم استثناء. فما إن انتشر الحديث عن أن دوني عالج ~~رجلا مختلا حتى اعتبره البعض مقاتلا باسلا ضد المرض واعتبره البعض الآخر شابا ~~متحمسا لا ينصاع للأعلى منه شأنا. ولم يزد موت موروا نار النميمة إلا اشتعالا. # وعلى مدار عامي 1667 و1668، اشترك كثيرون في أنحاء أوروبا في الجدل الدائر في صورة خطابات ~~وكتيبات منشورة. وانضم معظمهم إما للمعسكر المؤيد لدوني أو المعسكر المعارض له، وإن أبدى ~~قليلون انفتاحا . وبالنظر إلى صعوبات السفر والطبيعة غير الواضحة للسياسة الأوروبية، لم ~~يلتق كثيرون منهم ببعضهم قط، لكن هذا الكتاب على وشك أن يزيل هذه العقبة؛ فخلال عشر سنوات ~~بعد تلك الأحداث، اشتهر دوني بعقد المؤتمرات، وقد سمحت لنفسي هنا بأن أعقد مؤتمرا لم يكن ~~ليعقد على أرض الواقع وقتها. ورغم أن اللقاء ربما يكون من الخيال، إلا أن هذه الحجج هي ما ~~ساقه كل من شارك في هذا الجدال. ~~••• # تنعقد اجتماعات دوني في منزله في كيه دي أوجستين، ويجلس قرابة 20 مشاركا ومراقبا في ~~مقاعد أنيقة بمساند مرتفعة تنتظم في شكل بيضاوي داخل الغرفة. في هذه المناسبة، جلس الفريق ~~الإنجليزي في جانب، وفيه هنري أولدنبرج وروبرت بويل وريتشارد لوور وتوماس ويليس وصديق ~~لإدموند كينج يحمل اسم هنري سامبسون. كان في مواجهة الفريق مجموعتان من المشاركين ~~الفرنسيين. فقد جاء لويس ms161 دي باسريل وكلود بيرو وكلود تاردي ولويس جادروا بعقلية تتسم ~~بالفضول الحذر، بينما أتى بيير مارتين دي لا مارتينيير وجورج لامي وحلاق وطبيب أسنان زميل ~~وهم ينسبون نقل الدم إلى الشيطان معارضين هذا الإجراء بإصرار. ويجلس في ركن الحجرة الأقرب ~~إلى أولدنبرج وبيرو مضيفهم جون باتيست دوني وإلى جانبه زميله بول إميري. # كان أولدنبرج هو أول المتحدثين، وقف يعدل من هندام العروات البيضاء الممتدة من ياقته ~~على سترته السوداء؛ وكانت ثيابه تذكر على نحو خفي كل من لا يعلم بأنه قد تلقى تعليما في ~~اللاهوت: «فلنتذكر سبب وجودنا هنا؛ إن اجتماعنا يدور حول اكتشاف تم على يد من هم أكثر ~~عباقرة العصر ذكاء وفضولا. إنهم موهوبو الجمعيات الملكية في لندن وباريس. الوضع كالتالي: ~~حبة الكرز أو الوردة التي لا تنضج مع بقية الفاكهة على الشجرة ثمينة، ليس لأنها تحمل أي ~~قيمة في حد ذاتها، بل لأنها نادرة. فهذا التميز وحده يجعل منها هدية مقبولة للأمراء. ~~وبالصورة نفسها أيها السادة، فإن تجارب العلاج بنقل الدم جديدة ومثيرة للفضول معا. آمل أن ~~تلقي تأملاتنا الضوء على المواضع الغامضة والشاذة في الطبيعة، لكي نكتشف ربما بعض خفاياها، ~~خاصة فيما يتعلق بالجسم البشري. لكني أرجو حيثما أمكن أن نتحاشى استخدام الألفاظ الصعبة ~~الغامضة. نعم، توجد مواضع لا بديل فيها وتضطر إلى استخدام المصطلح المتخصص للتعبير عن ~~أفكارك، لكني أناشد الجميع أن يبذلوا كل ما في وسعهم لشرح أي اصطلاحات. وذلك ممكن، فعلى كل ~~حال تصير هذه الطريقة أبسط من تلك الطرق التي يطرحها العلماء الرحالة الذين يجنون المال ~~لقاء بيع الأفكار الجديدة. # من المثير حقا أننا مجتمعون هنا لنناقش علما ربما هو الأهم بين العلوم البشرية، وهو ~~البحث عن وسائل توفير الراحة والحفاظ على الصحة. فقد سعت إليها كل الحضارات القديمة، ورأى ~~الكثير من الملوك في الطب قيمة أكبر من المجوهرات. ورغم أن جهل الكيميائيين الزائفين ~~وتفاخرهم الجامح أدى تقريبا إلى ازدراء المجال في هذا العصر، فلا شك أن بعض رواد الطب ~~مؤخرا مثل ms162 يان باتيست فان هيلمونت وباراسيلسوس تمكنوا من قهر كل الأمراض التي ظن أهل الطب ~~الجالينوسي أنها بلا علاج.» # يدرك أولدنبرج وهو يتابع حديثه أن هذا سيكون اجتماعا ساخنا. فقد زاد ذكر فان هيلمونت ~~وباراسيلسوس من سخونة الجلسة، حيث كان لا يزال عدد من الأطباء المجتمعين يعارضون أي شخص ~~يتحدى مفاهيم الطب الجالينوسي. من الواضح أن الوقت قد حان لينهي أولدنبرج حديثه: «لكن عمل ~~السيد دوني أيها الأصدقاء المثقفون قد أدى لعقد هذا الاجتماع، وأتاح لنا الفرصة لنطرح ~~ملاحظاتنا المتعلقة بالصحة وإطالة العمر. فمن دواعي سروري أن أعلن بدء الاجتماع. # قبل أن ننشغل بالتفاصيل الدقيقة لهذا العلاج المرتقب، فإن لي أنا أيضا رجاء.» كانت ~~الكلمات لبيرو. كان بيرو - مثل رين - قد بدأ مسيرته بالتركيز على الأبحاث البيولوجية ~~والطبية، لكن اهتمامه بعد أن تقدم به العمر تحول من الكائنات الحية إلى الاشتغال بالعمارة. ~~إلا أن هذا لم يمنعه من الاشتراك في النقاش حول نقل الدم؛ إذ كان مهتما بفهم العلم المبني ~~عليه، وبمعرفة تسلسل الأحداث التي انتهت بدوني في قاعة المحكمة: «لقد جعلت همي في الأشهر ~~الماضية أن أقرأ وأدقق في كل الأخبار والكتيبات ذات الصلة التي نشرها المجتمعون هنا اليوم، ~~وأنا أتحقق حاليا من معلومات واردة في خبر ستنشره الأكاديمية الملكية للعلوم عام 1688. ~~ولدي رسام في هذه اللحظة يشتغل بلوحتين مائيتين رائعتين تصوران طريقة نقل الدم. ورجائي ما ~~يلي: التزموا بالحقيقة دونما مبالغة أو انحراف، فهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق أي ~~تقدم.» # توقف لبرهة، وأخذ يتفقد الحضور ممررا نظراته بين وجوههم ومتحديا أيا منهم أن يختلف ~~معه. لم ينبس أحد ببنت شفة. لم يرد أحد - خاصة في عهد العلم الحديث ذاك حيث ينظر إلى ~~الملاحظات المسجلة بعناية باعتبارها شيئا ثمينا - أن يعترض على هذه النقطة. # يتابع بيرو: «نحن أمام خطر داهم يتمثل في قلب الرأي العام ضدنا. ستنتهي محاكمة دوني ~~قريبا، ويعم اللغط بالفعل بين الناس الذين لديهم الرغبة من جديد لأن يرووا تعطشهم للفضائح ~~والمؤامرات بالافتراء والتشهير الوفيرين. وتزخر الملتقيات ms163 بأحاديث عن الرشوة والفساد، وأن ~~دوني على وشك رفع دعاوى مقابلة ضد خصومه، وكلهم أطباء أكفاء. وهذا يكسب مهنة الطب سمعة ~~سيئة.» # ينادى أولدنبرج: «صحيح تماما.» # يستكمل بيرو: «ليس الأمر كما لو كنا قادرين على تحمل هذا الهجوم! من السهل أن تنجرفوا مع ~~عملكم الحماسي في المعامل والمكتبات وتنسوا أهمية استمالة المعرفة والرأي العام إلى جانبكم ~~في الوقت ذاته. فكل معرفتكم الرائعة قد حجبت رؤيتكم، فلا تدركون أن الناس لا يزالون يفضلون ~~الذهاب إلى الدجالين الهواة على الذهاب إلى الأطباء المدربين. قد تظنون الأمر غريبا، لكن ~~منطقهم يبدو سليما لأول وهلة؛ فالرأي العام يقول إن الناس يموتون على أيدي الأطباء أكثر من ~~الدجالين. وقد يكون ذلك صحيحا. لكن فكروا في الأمر؛ فالأطباء لا يستدعون إلا من أجل ~~الحالات المرضية الحرجة. إن هذا يشبه قولنا إن علينا أن نتخلص من البحارة لأن معدل غرق ~~السفن يكون أعلى إن كان على متنها بحار، دون الأخذ في الاعتبار أنه يتم الاستعانة ببحار فقط ~~إذا كانت تبحر في أمواج عاتية. أجل، إن نقاش اليوم يتمحور حول العلم. لكن القضية الأوسع ~~نطاقا هي مهنتنا؛ فلنحافظ على العلم نقيا كي يتسنى للطب أن ينتصر على الرأي ~~العام.» # 1 # ينتفض دوني واقفا ويقول: «إن سمحتم لي بالرد، توحي تعليقات السيد بيرو، بأنني بالغت ~~وربما كذبت. وأنا أرفض هذا الادعاء بشدة؛ فلم أفعل، وعملي الأولي كان ناجحا جدا، وقد ~~بذلت كل ما في وسعي لوصف حالة المرضى بالتفصيل. تذكروا القول المأثور: لا شيء أجمل من ~~الحقيقة، والحقيقة وحدها تكفي.» # من القرن السابع عشر، وحتى القرن العشرين، لم يغضب العلماء شيء أكثر من اكتشاف أن ~~زملاءهم قد بالغوا أو حتى زيفوا تقاريرهم. وفي حال اكتشاف أي أكاذيب فهناك فضيحة، تدمر ~~وظائف في أغلب الأحيان، وتترك المؤسسات تقاتل في حملة علاقات عامة عصيبة. وهناك نقطة أخطر. ~~فالتقارير المزيفة تدمر العلم أيضا، لأن الباحثين الآخرين يبنون أعمالهم على أرضية غير ~~صلبة في أحسن الأحوال. وفي مجال الصحة يمكن للتأثير أن يكون ms164 فوريا؛ إذ تؤثر التقارير ~~المغلوطة في القرارات العلاجية. وقد يصل الأمر لأن يكون البحث المزور لشخص ما حكما ~~بالإعدام على آخر. # كان دوني قلقا كذلك من أن يشكك أحد في صدق كلمته. فقد كان بحاجة لأن تكون صورته أنقى من ~~النقاء إن أراد أن يفوز بالقضية القادمة. # إلا أنه كان من الواضح أن بيرو كان مهتما ببعض التقارير عن عمليات نقل الدم: «توجد أسباب ~~كثيرة تدفع للاعتقاد بأن عمليات نقل الدم لا يمكن أن تنجح لدرجة تفرض عليك التشكيك في حقيقة ~~بعض الروايات وخاصة تلك الواردة من إنجلترا.» # وجاء دور بويل ليرد، فصاح وقد انفجر غاضبا في لحظة: «إن لدينا بيانات تدعم كل ما ~~نقول.» # قال بيرو: «آه ... ربما ربما»، وقد بدا عليه أنه يفكر فيما يقال بجدية: «إن مشكلتي إذا ~~سمحت لي هي أنني أجريت تجارب مشابهة، وخرجت بنتائج ناجحة قليلة جدا. فحتى الحيوانات التي ~~تلقت الدم وظلت حية، كانت أضعف وأتعس وأكثر اكتئابا من الحيوانات التي أعطت الدم. وأؤكد لك ~~أن هذا ليس لأن التجارب أجريت بصورة سيئة.» # فيسأل دوني مشيرا بسبابته نحو بيرو: «لكنك لم تستخدم أنابيب نقل دم دافئة، أليس ~~كذلك؟» # ويرد بيرو، وقد نفد صبره: «إنني لا أظن فعليا أن ربط الأنابيب بقطع دافئة من القماش يمكن ~~أن يحدث فارقا. فانظر على سبيل المثال إلى التقرير الذي كتبه دوني إلى الجمعية الملكية بعد ~~أن توفي مريضه. # 2 # إليكم ما ورد عنه في تقريره: «لقد نجح نقل الدم لدرجة أن المريض شوهد بعد شهرين ~~من العمليات في حالته السليمة وفي صحة ممتازة.» لكن كيف ذلك وقد توفي المريض بعد أن مر أكثر ~~من الشهر بقليل على عملية نقل الدم الثانية. من الواضح أن دوني يبالغ في مزاعمه للنجاح، ولا ~~يلتزم بالمتطلبات الصارمة للتسجيل الدقيق الضروري في العلم الحديث.» # سادت موجة هرج عامة في أرجاء الغرفة مع صياح الموفدين كل برأيه حول هذا الأمر. # وقف بيرو رافعا يده إلى أن عاد الهدوء. وقال مدافعا عن وجهة نظره: ms165 «ربما تكونون مقتنعين ~~شخصيا بأثر هذه الطريقة، لكن المشكلة أنكم لن تقبلوا النصح؛ النصح بالتزام الحذر.» # قال دوني وصوته يتقطع بعض الشيء: «الحذر! لست بحاجة إلى الحذر الزائد؛ إن نتائجنا كانت ~~مقنعة لدرجة أن إميري وأنا سنكون مخطئين إن لم نؤكد للعامة أن نقل الدم آمن وفعال. وإن لم ~~نفعل فسنكون كاذبين. وسيترك الأمر للآخرين في البلاد الأجنبية ليتولوا زمام القيادة.» # رد بيرو «فعلا. من الخطأ فعلا أن نلوم دوني وحده، لأن هناك غيره، وخاصة من الأجانب» ~~وانتقلت عيناه من دوني إلى بويل ولوور اللذين جلسا متجاورين على الجانب المقابل من الطاولة ~~«ممن واصلوا تجارب نقل الدم. لكن من المخزي أن أولى التجارب لم تجر بعناية ودقة أعلى. ~~فمثلا، من المستحيل معرفة كمية الدم الذي انتقل من حيوان لآخر فعلا. ونتيجة لذلك عندما ~~يموت الحيوان نظل نختلف حول ما إذا كان قد تلقى كمية زائدة أم ناقصة من الدم. ولا يقتصر ~~التسرع على الإيقاع الذي تجرى به التجربة، بل يصل إلى غياب العناية بالتفاصيل التي ستكون ~~مفيدة جدا عند استرجاع الأحداث. ربما لم تكن لتصل إلى قاعة المحاكمة، لو كنت حللت هذه ~~المشكلة في الحيوانات قبل الانتقال إلى التجارب على الإنسان.» # 3 # تحدث دوني ببطء وبقوة ليظل مسيطرا على انفعاله: «لم نر إطلاقا أننا كنا متسرعين في ~~الاستمرار والانتقال إلى التجارب على الإنسان. لقد قاومنا في الواقع الضغط الذي تعرضنا له ~~من بعض الناس لنعمل بسرعة أكبر، بل إن البعض اقترح استخدام مجرم مدان لإجراء أول تجربة ~~عليه. لقد كانت فكرة مثيرة للاهتمام، لكنها لم تكن فكرة جيدة. فكر فيها للحظة. فحالة ~~المدان ستكون مضطربة بالفعل بسبب الخوف من الموت. ومن الممكن أن ينظر إلى هذه التجربة ~~باعتبارها صورة أخرى من الموت، وهذه المقارنة البعيدة ربما تفقده الوعي أو تقتله. وعندها ~~سيشير الناس بأصابع الاتهام إلى نقل الدم بأنه أضر به وهو ما سيكون مؤسفا وغير صحيح. إن ~~من شأن إدانتنا بقتل شخص أن تعرضنا للخطر، وهذا سيزعج حتما جلالة ms166 لويس الرابع عشر الذي كان ~~يتابع عملنا باهتمام بالغ.» # عم الضحك المتحفظ مع استيعاب الحاضرين للتصريح الملطف؛ إذ إن إزعاج الملك يعني التوقيع ~~على الحكم بالإعدام. # وفور أن عاد الحضور إلى الإنصات مجددا قال دوني: «بعد النظر في كل الآراء، كنا أميل إلى ~~إجراء التجربة أولا على شخص يثق فينا وفي نظرياتنا. كان هذا يعني أن علينا الصبر قليلا ~~لكن النتيجة تستحق؛ لذا وفي هذا الإطار تم تعريفنا بالشاب المريض ذي الخمسة عشر ربيعا الذي ~~يعرفه كثيرون منكم جيدا لأنه استعاد صحته الآن ويخدم في منزلي. فكما ترون كنا حذرين، ولم ~~نتعجل، بل انتظرنا اللحظة المناسبة.» # أولدنبرج: «نحن أيضا كنا حذرين ونحن نجري التجارب على البشر، بل إن حذرنا هذا هو ما أتاح ~~الوقت لدوني لاقتناص الجائزة بإجراء أول عملية نقل دم إلى إنسان.» # وختم بيرو: «رغم مخاوفي، أتطلع إلى فعاليات اليوم آملا أن توضح الأمور. وأظن فيما يخصني ~~أن غياب النجاح يمكن أن يضع حدا لعمليات نقل الدم وليس للمعارضة العامة للعلاج. ولفهم ~~السبب في ذلك، عليكم أن تبدءوا بالتخلص من أي تحيز مسبق سببه السعادة بإمكانية إيجاد علاج ~~طبي بهذه القوة.» # ظل قلق بيرو من أن الدعاية لا ينبغي أن تسبق الواقع يثير المشكلات. وفي عصر أحدث، اختلف ~~العلماء والساسة حول الاستمرار في البحث في مجال «الاستنساخ لأغراض العلاج». فإن نجحت ~~الطريقة، فسيؤدي ذلك إلى أخذ خلية من المريض ودمجها في بويضة بشرية مجهزة تجهيزا خاصا. ~~وفي ضوء الظروف المناسبة، يمكن أن تنمو في صورة جنين - مستنسخ من المريض. وتكمن الفكرة في ~~التدخل في نمو الجنين ليتمكن العلماء من استخراج خلايا مفردة، بدلا من تركها لتنمو مكونة ~~طفلا. وإن كنت تصدق أكثر العلماء حماسة، فهذه الخلايا يمكنها أن تعالج كل الأمراض المزمنة ~~تقريبا وكذلك إصلاح الأضرار العصبية التي يمكن أن تنتج من الحوادث القوية، مثل كسور الظهر. ~~وكالحضور في غرفة دوني، يحتاج صناع القرار في الوقت الحاضر إلى التمييز بين الدعاية المبالغ ~~فيها والأمل الصادق، وهي مهمة ازدادت ms167 صعوبة لأن العديد من مقدمي المعلومات لهم مصالح راسخة؛ ~~إذ يأمل بعضهم - مثل دوني - أن يستفيدوا على الصعيد المهني والمادي من العمل. أما الآخرون - ~~مثل أعضاء كلية الطب - فيسعون إلى حماية المبادئ القائمة منذ وقت طويل؛ وفي حالة الاستنساخ ~~العلاجي فإن المبادئ المدافع عنها هي حق الإنسان في الحصول على الحماية، منذ أن يكون جنينا ~~في بطن أمه إلى موته. # إلى يسار دوني مباشرة، جلس لويس دي باسريل وهو طبيب من خارج المدينة وقد تنحنح قائلا: ~~«هل لي أن أعبر عن مدى سروري بأن دعيت إلى هذا المحفل وأن أستغل الفرصة لأشكر السيد دوني ~~على استضافته لهذا المؤتمر في منزله الرائع؟ فمشهد نهر السين خلاب. مع ذلك أثق أننا لن نضيع ~~وقتا كبيرا في المناقشات المملة المتعلقة بحالة موروا المسكين. فأنا من ناحية منزعج من ~~هؤلاء الذين يقضون وقتهم محاولين بدافع الغيرة أو الجهل أن يثبطوا عزم الرواد من أمثال ~~السيد دوني. فلنلق نظرة على الذامين للحظة، فما الصورة التي نراها لعملهم؟ لقد حاولوا أن ~~يستخدموا الكلمات الواهية بدلا من الحجج الواضحة ليفوزوا في هذا السجال، وكان هدفهم الدفاع ~~عن كلية الطب بدلا من السعي لتحقيق الاكتشافات الجديدة أو تقييمها. ويبدو أنهم يظنون أنهم ~~أفضل وأن رؤيتهم أبعد من كل المتعلمين المجتمعين هنا اليوم.» # ترددت الأعين فيما بين دي باسريل وثلاثة أعضاء من الكلية قدموا إلى الجلسة. ولم يكن ~~جلوسهم في أطراف متقابلة من الغرفة بالأمر المثير للدهشة. # تابع باسريل: «لذا أرى أنه من المحزن أن الكلية لم تر من المناسب أن توفد عضوا رفيع ~~المرتبة، بل اختارت أن تتخفى وراء حلاق ينتزع الأسنان، بجانب الدكتور جورج لامي ودكتور بيير ~~مارتين دي لا مارتينيير وهما اسمان تألفونهما إن تابعتم سلسلة الكتيبات المسيئة التي كتبت ~~مؤخرا. اسمحوا لي بأن أذكركم قبل أن تبالغوا في أخذهم على محمل الجد بأن الدكتور لامي هنا هو ~~طالب يدرس الطب يبلغ من العمر 20 عاما جاهد ليجتاز اختباراته، وبأن دي لا مارتينيير، وإن ~~حمل لقب ms168 طبيب الملك، فإنه أكثر شهرة بين رعاع بو نيف منه في أي صرح تعليمي. آسف أيها ~~السادة، لكن مجرد نطق أسمائهم يخلف أثرا كريها في فمي. على كل حال نحن نرحب بكم؛ فربما ~~تتعلمون شيئا.» # كانت الاتهامات قاسية جدا، لكن المنطق كان يتراجع أمام البيان. # انحنى دي باسريل انحناءة ساخرة في اتجاههم. # قال الطبيب الباريسي جادروا الذي شارك مؤخرا في كتابة بحث مع دوني: «هل تنتظر الكلية ~~فعلا أن نصدق أن لامي الصغير هنا هو أحد أفضل مفكريها؟ لا أظن.» # انتفض الثلاثة واقفين. فقال دي باسريل ملوحا لصديقيه في هدوء ليجلسا متصنعا سيماء ~~السلطة: «سنتجاهل هذه الفورة حاليا.» وتابع كالمحامي الذي يترافع في قضية: «يا سيد بيرو، ~~لقد ذكرت الحقيقة قبل قليل. أرى أن هؤلاء «الفلاسفة»، قد سلموا أنفسهم لحواسهم وهم غير ~~مهتمين أبدا بالحقيقة في حد ذاتها. فقد أعلنوا أنفسهم عدوا لدودا لكل من يكتشف الجديد، ~~أو هم بالأحرى أناس سلموا أنفسهم لحواسهم ولا يبالون بالحقيقة.» # طبيعة الدم # قال لوور مقاطعا الجدل الدائر: «قبل أن ننسى سبب عقد هذا الاجتماع، لنتذكر أننا جئنا ~~إلى هنا اليوم لنتحدث عن العلم والتطبيقات المحتملة لنقل الدم. نعم، لقد كانت أفعال ~~دوني المتهورة وما تلاها من مشكلات شخصية جزءا من الحافز، لكن لنحاول أن ننحيها جانبا ~~إن أمكن. هل لي أن أقترح أن نبدأ باستعراض ما نعرفه عن الدم؟ فهو محوري في هذه القضية ~~على ما أظن، أليس كذلك؟» # أومأ الحاضرون برءوسهم في إشارة إلى إمكانية المتابعة، لكن دوني جلس محدقا ببيرو. ~~وكان قد جلس بالقرب منه، منتظرا أن يحظى بدعمه، وانزعج من أن الشخص الذي رآه محايدا ~~في الجدال، سرعان ما اندفع إلى توجيه النقد. # كان لوور يتحدث في موضوعه المفضل: «أرجو أن يكون بمقدورنا افتراض أن كل من في الغرفة ~~مقتنع الآن بوجود نوع واحد من الدم في الجسم، وهو ما أقصد به أن الدم الشرياني ~~والوريدي متماثلان.» فقد كان في خضم عملية تأليف كتابه عن الدم والقلب الذي بعنوان ~~«علاج ms169 القلب»: «وبذلك، يصبح السؤال الذي يجب أن نطرحه عما يكسب الدم الشرياني لونه ~~الأحمر القاتم. تبين تجاربي الأخيرة أن هذا يجب أن يعزى بالكامل إلى الرئتين. فقد ~~وجدت أن الدم عندما يدخل الرئتين يكون دما وريديا تماما ولونه داكنا؛ وعندما يعود ~~منهما يكون دما شريانيا زاهيا. وكذلك بينت أن وجود الهواء في الرئتين هو ما يؤدي ~~إلى ذلك التغيير. ولدي أدلة على هذا الاستنتاج، وليس مجرد حجة جدلية. وينبع الدليل من ~~تجربتين: في الأولى، منعت الهواء من الدخول إلى رئتي الكلب. وبالنظر إلى داخل صدره رأيت ~~أن الدم الذي يغادر الرئتين قد ظل على لونه الوريدي؛ وتحول إلى الأحمر الزاهي في اللحظة ~~نفسها التي سمحت فيها للهواء بالدخول مجددا إلى الرئتين. أما التجربة الثانية، فقد ~~شققت فيها عن صدر الكلب ووخزت الرئتين بإبرة لأسمح للهواء بالدخول من خلالها. وبعدها ~~أخذت أضخ الهواء باستمرار إلى الرئتين باستخدام زوجين من الأكيرة متصلين بالقصبة ~~الهوائية. وعندما قطعت الوريد الرئوي بالقرب من النقطة التي يدخل فيها إلى القلب، وجدت ~~الدم الذي يتدفق منه ذا لون أحمر زاه. فلم يعد دما وريديا، بل أصبح دما شريانيا. ~~وإن أوقفت ضخ الهواء يظل الدم وريديا داكن اللون. لدينا الآن دليل واضح على أن ~~الدمين الأزرق الداكن والأحمر هما الشيء نفسه كما يتضح. وقد بين لنا هارفي أن الدم يجري ~~في دورة، والآن نعرف أن لونه يتغير. وقد صدقت في مرحلة ما النظرية التي تقول إن ~~تغير اللون يحدث في القلب، لكنني الآن أعلم أنه يحدث في الرئتين؛ وأعلم ذلك لأني ~~رأيته.» # 4 # قال بويل وهو ينهض واقفا ومسرورا لأن الحوار انتقل إلى العلم الجاد: «نعم لكن لا ~~تزال طبيعة الدم غير واضحة أمامنا. فأنا من أول من أقروا بأن العديد من الأطباء قد ~~بينوا بقدر كبير من المعرفة والمهارة محاسن الدم. فمن الواضح أنهم يبينون أن الدم ~~سائل رائع وممتاز، لكني أستميحهم عذرا، لأني أخشى أن تكون كتاباتهم قد تغنت بمحاسن ~~الدم دون أن تقدم أي شيء ms170 يبين لنا طبيعة الدم. مؤكد أن الفضول المعاصر قد عرفنا ~~بأشياء عدة لم يكن يعرفها القدماء، إلا أن المعروف بصفة عامة عن دم الإنسان، إن لم أكن ~~مخطئا، لا يزال ينقصه الكثير، وهو يقوم على ملاحظات أكثر مما يقوم على التجارب. فنحن ~~لا نعلم سوى ما جادت به الطبيعة من تلقاء نفسها، ولدينا قليل من المعلومات المستمدة من ~~تجارب تهدف إلى اكتشاف خواص هذا السائل التي اختارت الطبيعة أن تبقيها خفية. # سأقول إن خبراء التشريح - وإن كانت عباراتي قاسية - يركزون في الغالب على الأجزاء ~~الصلبة من الجسم، وينسون دراسة سوائله، وخاصة الدم. وهذا، يا أصدقائي، يشبه تاجر خمر ~~يهتم ببنية براميله الخشبية لكنه يتجاهل النبيذ الذي تحويه. ورغم استبعاد إطلاقي لهذا ~~الاتهام، انظروا على أي حال إلى أهمية الدم في جسم الإنسان؛ فعندما يكون الدم سليما ~~ويتحرك بانتظام ينقل الغذاء والطاقة في مختلف أجزاء الجسم. فهو يحرك الجسم، ويوزع - ~~باختصار - الصحة على بقية الآلة الحية. وأي تلوث أو اختلال في هذا الدم يقف وراء معظم ~~الأمراض، ويعتمد علاج المريض بالدرجة الأولى على تنقية الدم. ومن ثم، دفعني النظر إلى ~~أهمية الدم إلى إدراك أن نقص معرفتنا إهمال كبير ؛ وهو إهمال أخذت في معالجته. فبداية، ~~هل علمتم أن الدم أثقل من الماء؟ لن تستنتجوا ذلك من الفلسفة لأن القياس الدقيق وحده هو ~~ما يمكنه كشف معلومات مهمة كتلك.» # شجعه لوور قائلا: «إذن أخبرنا ...» # لم ينتظر بويل الطلب، وتابع حديثه قائلا: «لحسن الحظ كنت في وضع سمح لي بتجميع ~~الكمية الكلية لدم إنسان واحد سليم. وكانت كمية وفيرة لكنني تمكنت من إيجاد وعاء زجاجي ~~كبير بدرجة كافية لاستيعابها. وبعد رج الدم وتركه يستقر لتفريغه من فقاعات الهواء حفرت ~~علامة على الزجاج باستخدام قطعة ألماس عند مستوى الدم ووزنتها بعناية. وبانتهاء هذه ~~الخطوة، فرغت الوعاء من الدم وغسلته ووزنته مرة أخرى. وأعطاني طرح الوزن الأخير من ~~الأول وزن الدم. ثم أعدت ملء الوعاء بالماء حتى بلغ مستوى العلامة التي وضعتها سابقا ~~ووزنته للمرة ms171 الثالثة. وعندها تمكنت من حساب وزن الماء، وجدت أن الدم أثقل من الماء ~~بنسبة 1 / 25 وهي ملحوظة هامة، لكن العلم السليم يقتضي تكرار الملاحظة.» # بينما لم ير كثيرون أهمية معرفة وزن الدم بالنسبة إلى الماء، إلا أن أغلب الحاضرين ~~أومئوا برءوسهم ليظهروا بمظهر الأذكياء. ومع انطلاق بويل في حديثه، لم يكن هناك ما ~~يوقفه. ~~«لكن الأهم بالنسبة إلى كثيرين منكم هي التجارب التي أجريتها لاختبار حرارة الدم.» ~~توقف بويل. وكان محقا، فقد برز الجالسون من مقاعدهم، حيث إن حرارة الدم قضية ترجع إلى ~~العصور الإغريقية القديمة، فهو شيء يعرفونه جميعا ويفهمونه: «ولدراسة هذه القضية وضعت ~~كرة مقياس حرارة الطقس في مجرى دم يتدفق من شابة ومن كهل. وفي كلتا الحالتين، ارتفع ~~مستوى الكحول في المقياس فوق العلامة القصوى. فقط تفكروا في الأمر. هذا يعني أن الدم ~~أعلى حرارة من أي درجة حرارة مسجلة للطقس. وكان هذا في أشخاص أصحاء، وليس أشخاصا ~~مصابين بالحمى الناتجة عن المرض.» # صاح الحلاق طبيب الأسنان: «إذن ما سبب تلك الحرارة؟ هل يمكن لعلمك أن يلقي الضوء على ~~هذه النقطة؟» # رد بويل متطلعا لشرح مزيد من عمله: «أظن أن ذلك ممكن. لا يزال القلب يبدو لي المصدر ~~الأرجح لحرارة الدم، لكن الدم نفسه يحتوي على زيت؛ لذا فهو مفعم بطاقة قابلة ~~للاشتعال.» استحوذ بويل على اهتمامهم، وكان مستمتعا بذلك: «لقد جففته وطحنته ووضعته ~~على شمعة. فاشتعل بلهب أصفر و«طقطق» كملح البحر الملقى على النار. كما أخذت ورما ~~ووضعته وسط قطع فحم ساخنة. فاحترق بلهب أصفر وتحول إلى مخلفات سوداء. وتسبب نفخ الدم ~~المطحون نحو النار في انفجار. وكانت النتيجة عجيبة جدا لدرجة أني جربتها عدة مرات، ~~وكان الشيء نفسه يحدث في كل مرة. ربما لا يحتاج الدم أي مصدر خارجي للحرارة، فمن الواضح ~~أنه يحتوي على مادته الخاصة لتوليد الحرارة.» # الصبغة الفردية ~~«رائع، رائع.» هكذا جاءت كلمات بيرو «لكنني أقترح أن نركز على نقل الدم. وأرغب أنا ~~أيضا - مثل السيد بويل صديقنا من أعالي البحار ms172 - أن أبين ما تعلمناه من الطبيعة ثم ~~أطرح أسئلة إضافية.» # صاح السيد مارتينيير: «لقد علمتنا الطبيعة والتجربة كلتاهما بالتأكيد أن نقل الدم عمل ~~مقيت. فالسيد دوني متحمس للحديث عن مرضى نجوا بحياتهم، لكن تذكروا الوجيه السويدي؛ ~~إذ توفي بعد ساعات من تلقي الدم. والآن موروا. فهل نحتاج لدليل آخر على أن تلك عملية ~~شنعاء؟» # تابع بيرو: «العلم الجيد يبدأ غالبا بالفشل أيها الشباب. فلننظر إلى الجنين، لأنه ~~بالتأكيد وضع يتم فيه نقل الدم. وأريد أن أسأل: لماذا إن كان نقل الدم بهذه البساطة ~~توجد المشيمة لدى الجنين في رحم الأم؟ أليس من المؤكد أن دم الأم يمكن أن يمر إلى الطفل ~~النامي دون الحاجة إلى العبور من هذا العضو الضخم؟» # كان الرأي المستنير يقول إن القلب يضفي صبغته على الكيلوس ويحوله إلى دم. وهذا يعني ~~أن دم الأم مصطبغ بقلبها، لكن بيرو ذكر أن الجنين يحتاج إلى دم يحمل صبغة قلبه هو. ~~وبينما يبدو دم الأم ودم الجنين متشابهين، قال بيرو إن من المؤكد أنهما مختلفان قطعا؛ ~~لذا يجب أن توجد آلية لإزالة صبغة الأم واستبدال بصمة الجنين بها. وكان اقتراح بيرو أن ~~الإجابة تكمن في المشيمة. فهذا العضو لا يوجد إلا في أثناء الحمل، وهو غني بالأوعية ~~الدموية؛ لذا من المنطقي أن أوعيتها الدموية المتخصصة «تعيد الدم إلى طبيعته»، قبل أن ~~يتدفق إلى الجنين. واختتم بيرو: «إذن تستطيع الأوعية الدموية الخاصة الموجودة بالمشيمة ~~أن تجعل دم الأم آمنا للجنين، لكن في نقل الدم لا توجد أي مشيمة، ومن ثم لا يمكن لنقل ~~الدم أن يتم. فهذا الدم المنقول لا يمكن أن يكون آمنا للمتلقي. ومن هذا أستنتج أيضا ~~أنه إذا كان دم الأم بحاجة إلى أن يتغير ليصبح متوافقا مع طفلها، فما من سبيل لنجاح ~~نقل الدم بين الحيوانات المختلفة في النوع أبدا.» # 5 # قال دي لا مارتينيير: «لكن هذا التشبيه غير موفق، لأن الأم والجنين هما في النهاية ~~لحم واحد.» # فرد دوني: «غير صحيح. ففي كثير من الأحيان ms173 تغلب بذرة الأب نصيب الأم. ومن ثم يكون ~~تركيب الطفل مختلفا كثيرا عن الأم، حتى وإن تغذى الطفل على دم الأم.» # كان هذا طرحا مشوقا وأقنع كثيرا من الحاضرين. واللافت أنه كان صحيحا لكن لأسباب ~~مختلفة. فدم الأم غريب تماما عن دم طفلها الذي ينمو، بل إن دم الاثنين لا ينبغي أن ~~يختلط أبدا. فالمشيمة لا تحيد دم الأم، بل تمثل حاجزا يفصل بين دم الأم ودم الجنين ~~تماما ويسمح للغازات والمواد الغذائية بالمرور من الأم إلى الجنين. وإن اختلط الدم ~~فهناك خطر حدوث رد فعل شديد على التنافر الدموي. # سأل بويل: «أفكار رائعة، لكن هذا حدس وطرح لأفكار؛ فأين الدليل المادي القاطع؟ أين ~~البيانات التي تبين أن الدم من شخصين لا يكون متوافقا؟» # فرد بيرو: «إن أردت دليلا، فانظر إلى كل التجارب التي ورد فيها تجلط الدم في أوردة ~~الحيوان المتلقي؛ أليس هذا دليلا على أن الدمين متنافران؟» # 6 # أطبق بويل شفتيه واتسعت مقلتاه وأومأ ببطء: «ربما ... ربما.» # شارك جايانت في النقاش قائلا: «إن لدي دليلا آخر.» وأخبر أعيان العلم المجتمعين ~~بأنه ذات مرة أفرغ ثلاثة أطباق من دم كلب قبل أن ينقل الدم إليه من كلب آخر. ورغم نجاته ~~من العملية، فقد مات الكلب المتلقي بعد خمسة أيام. وهذا كما أوضح يرجع إلى كبر كمية ~~الدم التي نقلت في عملية واحدة. وكان جوهر قضيته أن الدم يحتوي على «جوهر الحياة»، وأن ~~هذا الجوهر أودع في الكلب الذي كان يجري الدم في عروقه. ومن ثم ارتبط الحيوان ودمه ~~برباط جوهري. وعندما نقل الدم إلى حيوان آخر، تمزق هذا الرباط، وكان الأمر سيستغرق بعض ~~الوقت ليتكون رباط جديد في الحيوان المتلقي: «فالدم فصل عنه جوهر الحياة في الحيوان ~~المانح لكنه لا يزال يخلو من الصبغة اللازمة ليحيا حياة الحيوان المتلقي. وفي هذه ~~الحالة، نقل كثير من الدم في آن واحد بحيث لم يتوافر للكلب وقت كاف ليستعيد رباط ~~الحياة قبل أن يموت.» # قال الحلاق الجراح: «أليس الاحتمال الأوضح أن الكلب ms174 مات بسبب الجرح الذي أحدث في ~~رقبته؟ فهذه مشكلة كبيرة للكلب لأنه لا يستطيع لعق رقبته ومن ثم لم يكن لديه سبيل ~~لمساعدة جرحه على الالتئام.» # رد جايانت «أختلف معك؛ فقد أجريت عمليات أكثر قسوة على رقبة الكلاب دون أن أراهم ~~يموتون في الأيام التالية.» # 7 # أطرق بويل للحظات قبل أن يقود المناقشة من جديد: «وهناك بالتأكيد قضية أخرى. فكل ~~عمليات نقل الدم التي أجريت حتى الآن أخذت الدم من الحيوانات ونقلته إلى الإنسان. فهل ~~لدى أي شخص دليل على أن هذا النقل من نوع إلى آخر يسبب أي مشكلات أخرى؟» # كان أول من رد على هذا السؤال هو سامبسون، وهو صديق جيد لأخصائي نقل الدم إدموند ~~كينج. كان سامبسون قسا مستقلا غادر إنجلترا بعد عودة الملكية في 1660 ودرس الطب في ~~مونبيلييه وبادوفا ولايدن في هولندا: «أخشى أن نقل الدم لن يكون له استخدام عملي لصعوبة ~~الحصول على دم شرياني بشري. فلن يبلغ كرم أحد بجاره العجوز المريض إلى أن يقطع شريانه. ~~فقد يقدم دما وريديا لكنه لن ينفع، لأن فائدته قد ضاعت في تغذية أعضاء الجسم التي مر ~~بها. وفي النهاية لا أومن بأن دم الوحوش يناسب جسم الإنسان.» # دوني: «كثيرون بالتأكيد لديهم هذا الرأي. فبعض الذين شهدوا تجاربنا لنقل الدم في ~~الحيوانات بجانب العديد ممن سمعوا عنها وحسب كانوا مقتنعين أنها إن نجحت على الحيوانات ~~فستفشل على البشر، لكن ...» # قاطعه دي لا مارتينيير. فقد كان واضحا لديه أن دم الإنسان السليم يختلف كثيرا عن دم ~~الإنسان المريض؛ فالأول نقي والأخير ملوث. ولا يمكن أن يؤدي خلط الاثنين إلى إنتاج دم ~~نقي. فالاثنان في الواقع متضادان، ومحاولة خلطهما ستولد حرارة: «والنتيجة ستكون ~~بالتأكيد تدمير الحالة التي تلقت هذا الخليط المشئوم»؛ قال دي لا مارتينيير كلماته هذه ~~مقتنعا أنه وجه ضربة قاضية. # رد دوني في حسم: «لكنك يا سيدي بكل تأكيد تبدي جهلك بقولك هذا؛ إذ لا أرى أي سبب يمنع ~~الدورة المستمرة التي يمر بها الدم بصورة متكررة ms175 على الحرارة المنقية في بطيني القلب من ~~أن تطهر المزيج، وتزيل أي خواص ضارة للدم.» # صاح بويل «الدليل يا سادة، أين الدليل؟» # رد دوني «لدي تجارب تدعم وجهة نظري في هذا الجدل. فلقد رأيتها تنجح، رأيت الامتزاج ~~يحدث. فقبل بضعة أيام فقط حقنت ربع لتر من اللبن في أوردة حيوان. وعندما سحبت دما من ~~الحيوان بعد ساعات لم يكن للبن أي أثر. فمن الواضح أن اللبن امتزج بالدم ونقي في ~~القلب. وإن تأثر الدم فقد صار أفضل من المعتاد لأنه زاد سيولة وأصبح أقل عرضة ~~للتجلط.» # لم يتوقف دي لا مارتينيير وشن هجوما آخر: «إذا اختلط الدم النقي بالدم الملوث، فإن ~~الدم النقي سيفقد نقاءه. فبمجرد وصول الدم النقي المنقول حديثا إلى الكبد، سيجرد من ~~كل مميزاته ويتحول في لحظة ليكون كباقي الكتلة الفاسدة في الشخص المريض. فالكبد على كل ~~حال هو عضو تكوين الدم الأكبر، فهو المكان الذي يكتسب فيه الدم كل خصائصه. وفقدان صفات ~~الدم سيجعل العملية عديمة الفائدة.» # رد دوني: «فكرة لافتة، لكنها مغلوطة جدا. فأنت تزعم أن الدم يتكون في الكبد، لكننا ~~علمنا من التجارب الأخيرة أن الدم يتكون في الجنين وهو ينمو قبل وقت طويل من ظهور أي ~~علامة على وجود الكبد أو الكيلوس. فالواضح أن الدم يتكون في عدة أماكن أخرى من الجسم. ~~وعليه فلا أعتقد أن هذه النقطة تستحق مزيدا من المناقشة.» # قال بيرو: «أنا متيقن أن هذا رائع، لكنني بدأت أتساءل وأنا جالس هنا عما إذا كنا ~~نبالغ في قيمة الدم؟ إن صح أنه يمكنك التخلي عن دمك وتلقي بعض الدم من متبرع، فسيمكنك ~~أن تقول إن الدم ليس سائلا مهما. فهو يشبه من عدة أوجه القميص الذي يمكنك تغييره ~~وقتما شئت، بل هو في الحقيقة ليس بأهمية القميص، لأن هناك مواقف يمكن أن تموت فيها إذا ~~كنت بدون قميص، لكنك يمكن أن تعيش وقد فقدت بعض دمك!» # 8 # لم يرد أحد. # وسأل أولدنبرج معيدا المناقشة إلى موضوعها: «أليس أبقراط هو من ms176 قال إن الدم يفسد ~~حتما إن خرج من العروق؟» # رد دوني: «إن خير طريقة للدفاع عن شرف هذا الرجل العظيم هي فهم المعنى المقصود من ~~وراء كلماته بدلا من حملها على معناها السطحي. لقد أشار أبقراط إلى أن الدم يفسد لأنه ~~عندما يخرج من الأوعية الدموية يفقد حرارته وطاقته الحركية الطبيعية، والدم يحتاج هذا ~~المزيج من الحرارة والحركة لينقي نفسه باستمرار. نعم، إن وضعت دمك في طبق فستتوقف حركته ~~ويتجلط. وبعد عدة دقائق يتغير تركيبه. وهذه عملية شهدناها عدة مرات. لكن على عكس القول ~~إنه «أيا كان ما يفسد فهو يفسد عند نقله من شخص لآخر» يمكن للدم أن يفسد حتى داخل ~~أوعيته. فلتمنع تدفق الدم داخل وريد وانظر ما سيحدث؛ سيتجلط الدم بسرعة.» # كان دوني يستمتع بوجوده في بؤرة الاهتمام ولم يكن ليستسلم: «في نقل الدم، يتحرك الدم ~~بعملية طبيعية من حيوان لآخر. أعترف أن الأنابيب التي يمر الدم من خلالها غير طبيعية، ~~لكن إن أبقيناها دافئة ومنعنا فقاعات الهواء من دخولها فلن تسبب أي تغير في الدم أكثر ~~من الذي يحدث في الشرايين أو الأوردة. إن وقتي لا يتسع لمن يقولون إن العملية تسبب ~~الجلطات حتما وإن هذه الجلطات بمجرد وصولها إلى القلب تسبب خفقانا مميتا، لأنني لم ~~أر هذا يحدث أبدا. قد تكون الفكرة مثيرة للاهتمام من الناحية النظرية، لكن ليس لها ~~أساس في الواقع العملي. وإن شئتم، يمكنني أن أريكم حيوانات وأشخاصا كثرا جرى نقل ~~الدم لهم ولا يزالون على قيد الحياة.» # تدخل بيرو مرة أخرى: «حتى مع افتراض أن الدم لا يفسد من الناحية المادية عندما يدخل ~~جسما غريبا، فإن من المؤكد أن عنف التغيير وفجائيته وحركة الأخلاط والخلاصات المصاحبة ~~أشد مما يتحمله الجسم. فالطبيعة لن تسمح بذلك. فهي تحمي حقها في الإشراف على أي تغير في ~~الأخلاط ولن تتحمل أن يحاول أي شخص الاستيلاء على سلطتها. إن كنت تشك في ذلك فانظر إلى ~~المشاعر التي يمكن أن تقتل صاحبها؛ إذ تتسبب الأزمة في اضطراب ms177 حركة القلب الطبيعية ما ~~يؤدي إلى حدوث اختلال في الأخلاط وبذلك تحدث الوفاة، لأن أسس الحياة والصحة قد ~~اختلت.» # 9 # هب لامي للمشاركة في الحوار قائلا: «أتساءل عما إذا كان المرض أو التقدم في العمر ~~يضر بشرايين الإنسان وأوردته وقلبه ضررا لا يمكن إصلاحه. ففي هذه الحالة ستنقل هذه ~~الأوعية والأعضاء المتضررة على الأرجح صفات خبيثة إلى أي دم يجري في داخلها. وأعجب من ~~أن الفكرة تؤيدها أمثلة مناظرة من التجارب. فالمثال الذي أحسن استخدامه بالطبع هو ~~البرميل الصغير الذي كان يحوي الخل. فأي سائل يوضع به في أي وقت مستقبلا سيتأثر ~~بحموضته. والدليل التجريبي أعقد، إلا أنه يتضح في خير صورة في التجربة الإنجليزية التي ~~أجراها توماس كوكس والتي نقل فيها الدم من كلب أجرب إلى كلب سليم. وأدى إدماء الكلب ~~الأجرب إلى شفائه، لكن الكلب السليم لم تصبه العدوى.» # قال أولدنبرج محاولا إعادة بعض النظام إلى الاجتماع: «لنتناول كلا منها على حدة. ~~وأقترح أن تكون البداية ببرميل الخل.» # قال بيرو: «إنها حقيقة. وقد أشار عدد من الفلاسفة فعلا إلى أن بعض الحاويات لا تقتصر ~~على حفظ المواد بل تحسنها كذلك في بعض الحالات. لكن الدم يتغير بصورة نشطة مع مروره ~~في الأوردة أو الشرايين. في بعض الحالات يمكن أن يكون التغير مفيدا، وفي البعض الآخر، ~~يكون ضارا. وفي حين أن أبقراط كان أول من قال إن الدم يفسد دائما عندما يخرج من ~~الجسم، يقول الفلاسفة إن الدم قد يفسد وهو لا يزال داخل الجسم. فانظروا مثلا إلى أوردة ~~الدوالي. ففيها نجد الدم الفاسد والمتجلط داخل الوعاء.» # 10 # قال دوني: «أولا لا أعتقد أن الدم قد يفسد بسبب المرض لدرجة لا يمكن بعدها إصلاحه. ~~وإن كان هذا يحدث فهو نادر بالتأكيد فليس علينا أن نقلق بشأنه. وسيتطلب الشيء غير ~~المعتاد منا أن نبحث عن وسائل علاج جديدة لحل المشكلة، وأتطلع للبحث عنها. أما وجهة ~~النظر المقابلة فهي أن الفساد الإجمالي هذا شائع جدا. والمشكلة التي أواجهها هي إيجاد ~~أي ms178 فائدة من ذلك؛ إذ يشوه التشبيه على أي حال تصورنا كله عن آلية عمل الجسم.» # قال بيرو: «أنا أيضا أشك في صحة التشبيه لكنني أردت أن أعرف آراءكم. فأي فكرة تقول ~~إن طبيعة الدم تتغير عندما يدخل جسم حيوان آخر غير صحيحة بالتأكيد. فنحن جميعا نعلم - ~~على أية حال - أن الماء لا يتحول إلى نبيذ بمجرد سكبه في برميل ممتلئ بالنبيذ. فليس ~~أبعد عن الفلسفة الحقيقية من فكرة إمكانية تحويل الأشياء بطرق لا تعرفها الطبيعة. فتغير ~~الدم بعد نقله خرافة ترقى لقصص تحول القمح إلى عشب ضار أو تحول الحبل الشوكي إلى حية أو ~~الرصاص إلى ذهب أو تحول الإنسان إلى ضفدع. فالماء لا يتحول إلى نبيذ إلا إذا عالجته ~~الكرمة. وكذلك الكيلوس يحتاج إلى أن يعالج داخل جسم الحيوان المستهدف لكي يتحول إلى ~~الدم المناسب.» # 11 # جفل بويل الذي أنفق كثيرا من الوقت والمال على الخيمياء مع قرار بيرو بجمع كل مفاهيم ~~التحول معا في فئة مذمومة، لكنه اختار ألا يلتقط الطعم. # خيم الصمت على المشاركين لوهلة. فقد كانت قدرة الدم على تغيير طبيعته موضع تساؤل. ~~ووجد دوني نفسه أمام حجج متعارضة. فإن كان بإمكان الدم أن يغير صبغته فإن الدم الجديد ~~يمكن أن يفسد في العروق وسيصبح نقل الدم عديم الفائدة. أما إن لم يمكنه التغير، إذن فلا ~~يمكن أبدا للدم المنقول أن يتوافق مع جسم المتلقي. كما سيكون غريبا ومن غير المحتمل ~~أن يؤدي وظيفته بكفاءة. # وبعد أن فكر دوني للحظة، رد بفكرة حاولت حل الإشكاليتين معا. فقد أمل بحقنه الدم في ~~الوريد الوداجي أن يتفادى المشكلة، لأن هذا الدم سيمر مباشرة بالقلب. وبذلك يتفادى كل ~~الأوعية الملتفة التي يمكن أن يفسد الدم فيها، ويصطبغ فورا ب «جوهر» الجسم ذاته. ولا ~~يمكن للدم المرور عبر باقي أجزاء الجسم إلا بعد تطبيعه. # وتابع دوني: «أرى أن عديدا من الأطباء يتفقون معي في هذه النقطة. وحتى إن لم يتفقوا، ~~فإن فكرة «برميل الخل» لن تغير رأيي؛ إذ إن الحموضة ms179 هي آخر صفة يتصف بها النبيذ، ولأن ~~حلاوته الأولى لا يمكن استرجاعها فإن هذا التغير يعني فساد حالته. لا يمكنني أن أرى أي ~~تغير يمكن حدوثه في الدم ولا يمكن معالجته. فالدم يمكن تنقيته دائما إلا - حسبما أفترض ~~- في عدد صغير من الأمراض الاستثنائية التي ليس منها شفاء، ولسنا في حاجة لأن ~~نتناولها الآن.» وأطرق للحظة. ثم تابع: «لكن النبيذ يمكن أن يكون مثالا جيدا. فكلنا ~~يعلم أنه من الممكن تحلية أشد أنواع النبيذ اللاذعة، وتنقية أكثرها تلوثا وتركيز ~~أضعفها وإزالة الدهون من أكثرها شحوما. بصفة عامة، إن كنت على دراية بما تفعله، يمكنك ~~أن تضيف الكحوليات المناسبة إلى النبيذ لتحل أي مشكلة تقريبا. بالصورة نفسها، من ~~المنطقي الاعتقاد بأن خلط الأنواع المناسبة من الدم باستغلال فن نقل الدم يمكن أن ~~يحسن ويخفف الدم ذا الكثافة الزائدة أو يرفع حرارة الدم شديدة الانخفاض.» # وحتى في هذه الحالة أوضح دوني أنه لا يتوقع أن يفيد نقل الدم المرضى الذين أصبح دمهم ~~«فاسدا أو ملوثا بصورة كبيرة أو ... مشبعا تماما بخمائر وسموم غريبة». فهو لم يتوقع ~~أن ينجح العلاج في شفاء أي شخص قد تناول السموم أو تلوث جسمه وأنهكه مرض الإسقربوط أو ~~الزهري أو الجذام أو غيرها من الأمراض المزمنة التي توهن الأنسجة. فقد كانت المشكلة لدى ~~دوني أنه مع تكرار دورة الدم الملوث عبر الجسم تفسد ردود الأفعال الحية التي تحدث في ~~الأعضاء المفردة. وأي دم جديد سيصيبه الضرر من هذه البيئة المسمومة قبل أن يتاح له ~~الوقت الكافي لإعادة الأمور إلى طبيعتها. # 12 # إن استبعاد دوني لقدرة نقل الدم على علاج الزهري رأي طريف في ضوء النظرة المعاصرة ~~لحالة موروا. فمن بين أعراض الزهري الجنون الشديد، وتاريخ موروا الذي تضمن زيارات ~~متكررة لبيوت الدعارة يتماشى مع الموقف. ونعلم الآن أن مرض الزهري يسببه نوع معين من ~~البكتيريا الحلزونية - البكتيريا اللولبية الشاحبة - ومن بين الآثار المدمرة لهذا ~~الميكروب المنقول جنسيا أنه يسبب تلف الدماغ؛ إلا أنها تتأثر كثيرا بالحرارة؛ لدرجة ms180 ~~أن المريض أحيانا يمكن علاجه بوضعه في غرفة بخار لبضع ساعات في المرة الواحدة؛ لذا ~~يبرز احتمال أن تكون الحمى التي تلت عمليتي نقل الدم اللتين أجريتا لموروا في منزل ~~دوني قد قتلت البكتيريا وعالجته من مرضه الأساسي، وأنهت جنونه. ومن ثم يمكن لنقل الدم ~~أن يعالج الزهري، لكن تلك كانت طريقة خطرة جدا للعلاج. # تدخل لامي الذي لم يكن ليجلس في هدوء مستمعا للأكبر منه سنا وقال: «المشكلة ~~الثانية كما أرى هي انخفاض التركيز؛ فأي كمية منقولة من الدم تجري عبر الوريد الوداجي ~~ستلتقي بكتلة الدم في الوريد الأجوف وتضيع وسطها قبل أن تدخل إلى القلب. سوف تفقد ~~بالتأكيد نقاءها قبل أن يكون لها أي فائدة. انظر إلى حجم الوريد الوداجي مقارنة ~~بالأوردة الأخرى. إنه أحد الأوردة القليلة التي تصب في قناة مشتركة قبل الدخول إلى ~~القلب. سوف تستنتج - دون خوف من التناقض - أن الكمية الصغيرة المنقولة من الدم ينخفض ~~تركيزها أمام كمية دم المريض الكبيرة.» # مسألة الجرب # سأل أولدنبرج «والكلب الأجرب؟ هل من أخبار عن هذه التجربة التي أجراها صديقي الغائب ~~توماس كوكس؟» # تطوع دوني بالرد: «نعم. لست مقتنعا بأن دم الكلب الأجرب كان فاسدا بالضرورة في ~~عروقه؛ ربما نقي الدم في جسم الكلب لأنه أخرج كل ما يلوثه عبر مسام الجلد. وتظهر هذه ~~السموم في صورة جرب على جلد الكلب، لكن الدم ظل من ثم نقيا. أليس من المؤكد دائما أن ~~وجود الجرب في أثناء المرض علامة جيدة، لأن هذه علامة على أن كل السموم تخرج من الجسم ~~ولا تستمر في الدورة الدموية حيث يمكنها أن تضر بأحد أجزاء الجسم «الثمينة» وتسبب ~~أضرارا شديدة؟» # وقف أولدنبرج من جديد قائلا: «أنا أيضا كنت أتساءل كيف أنه عندما حقن كوكس الدم من ~~الحيوان الأجرب إلى السليم شفي الكلب الأجرب دون نقل المرض إلى الكلب السليم. لكن ~~عندئذ تكون التجربة محيرة أكثر لأن الكلبين لم يكونا من النوع نفسه. فالأمر يتطلب ~~مزيدا من الدراسة، لكني أعتقد أن السيد دوني قد ms181 أخطأ؛ فهو يتساءل عما إذا كان دم الكلب ~~الأجرب قد تعفن وفسد في أوردته، وكأن تعفن الدم بالضرورة هو السبب وراء المرض. إلا أن ~~هذه الفكرة تتعارض مع المعروف في التشريح وهو أن الدم لا يتعفن في العروق حتى بعد الموت ~~بعدة أيام. ويقل احتمال تعفن الدم في عروق الحيوان الحي، لأن الدوران المستمر للدم يمنع ~~التجلط وهو ما نعرف جميعا أنه بداية التعفن.» # بدا على دوني أنه على وشك الرد، لكن أولدنبرج رفع يده طالبا السكوت. وتابع: «أما ~~المرض ذاته فيبدو لي أن الجرب إخراج لنوع من الأملاح الحمضية من الدم. وإخراج هذا الملح ~~إلى الجلد لا يكون في صورة متطايرة لذا يبقى ويتحول إلى جرب. يبدو لي أن الكلب السليم ~~سيكون أكثر عرضة للإصابة بالمرض إن ظل متصلا بالكلب الأجرب لمدة تكفي لفرك بعض الملح ~~عما إذا تلقى كمية ضئيلة من الدم.» # قاطع دوني متجاهلا كل ما قاله أولدنبرج: «أختلف معك؛ فحتى إن كان دم الكلب الأجرب ~~فاسدا، هل نضمن انتقال المرض إلى الكلب المتلقي؟ لا، مرة أخرى أؤكد أنني لا أظن ذلك. ~~فماذا يمنع الدم المتضرر من أن ينقى عند اختلاطه بالدم السليم للكلب المتلقي؟ من ~~السهل أن نرى كيف للحرارة المعتدلة في الكلب الثاني أن تلطف الحرارة العالية التي ~~سببت ظهور الجرب في الكلب المريض. وعندها لن يتفشى المرض.» # شن أولدنبرج هذه المرة هجوما لطيفا: «لكن حتى بمنطقك، من الأرجح أن تبريد هذا الدم ~~الحامل للمرض سيقتل الكلب. فحجتك هي أنه - في عملية أشد من النار - تكون حرارة الدم ~~ضرورية لإضعاف العناصر الضارة وإجبارها على الخروج عبر مسام الجلد. وإن انعدمت الحرارة ~~انعدمت التنقية، وإن انعدمت التنقية انعدم الشفاء. يجب أن يضع كلامك كل الدلائل في ~~الاعتبار.» # تابع دوني وقد جعل التوتر صوته جافا جدا: «إذا كنت متهما بعدم وضعي كل التفاصيل ~~في الاعتبار، فأود أن أشير إلى الدليل الناقص في رواية كوكس لتجربته. فما الدليل على أن ~~المرض لم ينتقل إلى الكلب السليم؟ لم يرد ms182 في الرواية أي شيء يقول إن من أجروها فتحوا ~~جسم الكلب ليلقوا نظرة على أعضائه بعد نقل الدم؛ لذا لا أرى أنه يمكنهم إثبات ادعائهم ~~بأن نقل الدم لم ينقل المرض للكلب المتلقي.» # تطعيم النباتات # قال لوور مستأنفا الاجتماع بعد استراحة لمدة خمس دقائق: «إنني أتطلع لأن أعرف آراءكم ~~بخصوص مثال آخر. فقد ذكر بعض المراقبين أن حقن الدم يشبه تطعيم أشجار الحمضيات بالفروع. ~~ففرع شجرة البرتقال المطعم به ساق ينتج البرتقال، بينما ينتج فرع الليمون في الساق ~~ذاتها ثمار الليمون. فالساق في هذه الأشجار تصفي العصارة التي تستمدها من الجذور ~~لتنتج الثمرة المناسبة.» # وخز بويل صديقه لوور وسأله: «ما رأيك؟» # رد لوور وقد أخذ على غرة «أنا؟ لا أرى أي عملية «ترشيح» مكافئة يمكنها تصفية الدم ~~والسماح بتغير طبيعته. يبدو من المنطقي افتراض أن حقن الدم لن يغير طبيعة الحيوان ~~المتلقي، وإن كان الأمر يستحق الاختبار من خلال بعض التجارب التي تجرى بعناية.» # سأل بيرو: «ولكن ألا يمكننا أن نتعلم من الطبيعة؟ فالأشجار على كل حال تقبل التطعيم ~~بطبيعتها، وروى بعض الناس مواقف جرت فيها خياطة أجزاء مبتورة من الجسم والبقاء على قيد ~~الحياة. فالطبيعة دائما ما ترنو إلى الكمال ومن المشكوك فيه حتما أنها قد ترفض هدية ~~قيمة مثل نقل الدم.» # 13 # سأل أولدنبرج: «هل تتحدث عن المزاعم الإيطالية المبالغ فيها بزراعة الأنوف والآذان ~~والأسنان؟» # رد بيرو: «لا، لكن الناس الذين يصعب عليهم تصديق تلك الروايات سيصعب عليهم تصديق أن ~~هناك أي شيء حقيقي في الأحاديث القائلة إن الطبيعة ستسمح بنقل الدم.» # 14 # نفث لوور الهواء من بين شفتيه في تعبير عن الضيق وسأل «الطبيعة الطبيعة! ما هذه ~~الطبيعة؟» # تدخل أولدنبرج قائلا: «يشعر بعض الناس بالقلق من الفرق الشاسع بين تكوين الدم من خلال ~~تناول اللحم، والحصول على الدم من خلال نقله؛ إذ يقولون إن الطبيعة رتبت الأمور بحيث ~~يتغير الدم المتكون من اللحم ليناسب كل حيوان، لكن إذا جرى نقله فلا يمكن أن يحدث له ~~هذا التحول.» ms183 # صاح دي لا مارتينيير: «هذا مربط الفرس؛ فنقل الدم شيء يثير الاشمئزاز، فهو يعادل أكل ~~لحوم البشر. فأصله من الشيطان.» # وأضاف لامي ساخرا: «بحسب ما أرى ذهب كتيب السيد دوني لما هو أبعد من ذلك؛ إذ يذكر ~~قولا خياليا باحتمال وجود ميزة لاستقبال الدم الغريب على تكوين الجسم للدم من خلال ~~هضم الطعام. فهذا العلاج الصناعي - كما يريدنا أن نصدق - خير من الطبيعة ذاتها.» # رد دوني «هذا صحيح؛ فتحول الطعام إلى دم طريق محفوف بالمصاعب، وسيقي نقل الدم من بعض ~~أسباب فساده. لنكن صرحاء، يحمل الدم المنقول المواد الغذائية مباشرة من جسم لآخر، ويوفر ~~على جسم المتلقي عناء تحويل الطعام إلى دم. فاللحم على كل حال يحتوي على عصارات ضارة ~~كما يحتوي على عصارات مفيدة، لذلك يلزم وجود العصارات الحمضية في المعدة لتنقية الخليط ~~كي يدفع الكيلوس المنقى وحده إلى العروق. إن نقل الدم ما هو إلا وسيلة بسيطة لإعطاء ~~مزيد من الدم لشخص، وتفادي كل هذه العمليات التي تستهلك الجهد والوقت.» # قال بيرو: «يقول بعض الناس إن تصنيع الدم يستهلك كثيرا من حرارة الجسم ومعنوياته. ~~فمن المنطقي افتراض أنه من الأفضل استغلالهما لدى الشخص الضعيف في أجزاء أخرى من الجسم؛ ~~لذا يمكن لاستبدال الدم السليم بالدم الرديء أن يؤدي إلى استغلال طاقات الجسم على نحو ~~أفضل.» # 15 # في هذه المرحلة بدأ دوني يسترخي قليلا. ربما كانت بداية بيرو عدائية، لكن اتضح أنه ~~كان على الأقل مستعدا للتفكير في تلك المسألة. وزاد هذا من احتمال أن يقدم رواية ~~متوازنة عندما ذهب بعدها إلى الأكاديمية الملكية للعلوم في فرنسا. # وقف أولدنبرج بهيئته المهيبة مرة أخرى قائلا: «لمعرفة مآلات هذه القضايا علينا أن ~~نفهم أن في الجسم ثلاث عمليات أساسية للهضم: تتم الأولى في المعدة وهي العملية الصغرى. ~~وتحول العمليتان الأخريان هذه المادة المهضومة إلى الكيلوس والدم، وتجريان في الأغلب ~~في الكبد والقلب على التوالي. ويفيد المثال الذي سقناه المتعلق بالتطعيم في توضيح هذه ~~المشكلة؛ فانظروا إلى الأشجار: إن عصارات الأشجار فيها ms184 خليط من عصارات الأرض والجذر ~~والجذع، لكن الثمرة التي تنتجها الشجرة تعتمد على الفروع التي تمر بها العصارات في ~~النهاية، فإن تم تطعيمها بفرع شجرة تفاح فستتخلل العصارات الألياف الصغيرة في هذا الفرع ~~لتنتج التفاح. وإن تم تطعيمها بجزء من شجرة كمثرى فستتخلل العصارات ذاتها لكي تنتج ~~الكمثرى هذه المرة. أما في حالة نقل الدم من الحيوان إلى الإنسان، فمن الصحيح أن الدم لن ~~يخضع لعملية الهضم الأولى، إلا أنه سيجري في دورته في الجسم ويصفى ويتحول في الكبد ~~والقلب إلى مادة بشرية. فالمرحلة النهائية - التي تناظر التخلل في الفروع المطعمة - ~~هي التي لها أكبر الأثر.» # قاطع بيرو قائلا: «لكن مثال الأشجار لا يجدي؛ فمن الممكن أن السوائل في النباتات ~~المطعمة تمتزج جيدا، لكن هناك فارقا كبيرا بين النباتات والحيوانات؛ فليس ثمة ~~مبرر لافتراض اشتراك النباتات والحيوانات في هذه الصفة إلا إذا افترضنا أن الخيول لها ~~نفس ذكاء البشر. وهناك قاعدة واضحة تقول إن الطبيعة تولي رعاية أكبر للحيوانات مقارنة ~~بالنباتات؛ فالتغذية في النباتات - على سبيل المثال - أقل إتقانا من الحيوانات؛ إذ ~~تعمل الجذور في النبات عمل الفم والمعدة، وربما القلب كذلك. لكنها تستبدل بسهولة، فإن ~~قطعت فرعا وغرسته في الأرض فستنمو له جذور جديدة. لكن هذا لا يمكن عمله في الحيوان؛ ~~فعملية التغذية في الحيوانات متقنة جدا بحيث إن تلف شيء يكون إصلاحه أصعب كثيرا. ~~وقياسا على ذلك، يمكنك أن تبني كوخا باستخدام أحجار متناثرة أو بحجارة من مبنى آخر ~~متهدم، لكن إن أردت أن تبني قصرا فستحتاج لأحجار مقطعة بعناية لكل منها دور محدد. ~~وبالمثل، لا يمكن للحيوان أن يتغذى إلا عن طريق الدم المخلوق خاصة لتغذية هذا النوع ~~البيولوجي، أو الأرجح أن الحيوان لا يمكن أن يتغذى إلا من خلال دمه الذي كونه جسمه. ~~فنقل الدم سيكون مثل إعطاء مهندس معماري أحجارا قطعت لبناء جدار مائل بينما قد طلب ~~أحجارا لبناء جدار قائم دون اعوجاج.» # تابع بيرو قائلا: «إذن هذه هي الصورة البديعة التي يحيا بها الحيوان. ms185 فأعضاء الجسم ~~المختلفة تعمل معا بكل الصور داخل كل فرد لتحقق فائدتها العامة وتتضافر لتكون ~~شخصية كل فرد؛ فليس من الممكن أن يلبي عضو تكون في فرد ما احتياجات شخص آخر؛ فالقلب ~~يمكن أن يطبع روحه على الكيلوس ويجعله نافعا لجسمه، لكنني لا أزال مقتنعا؛ لن يكون ~~الدم الذي أعده القلب ذا فائدة كبيرة لجسم حيوان آخر.» # 16 # تدخل دوني في الحديث قائلا: «أتفق تماما.» أراد أن يبقي بيرو في صفه قدر الإمكان: ~~«يتعين للدم أن يكون متوائما مع الفرد خاصة، وسيكون نقل الدم خطرا إن وضع دم غريب ~~في عروق هذا الفرد، وعجز عن تحويله ليناسب احتياجاته الفردية. من المرجح أن يستغرق هذا ~~التحول بعض الوقت، وأسلم بأنه لا تتوافر الشجاعة الكافية لدى أحد ليستبدل دم شخص ما ~~بالكامل في عملية واحدة، بل ينبغي لنا أن نجري عمليات نقل دم جزئية، وعندها لن نجريها ~~إلا إذا كان جسم الشخص قويا بدرجة كافية. فنقل الدم الجزئي يتيح لروح المتلقي ودمه أن ~~يتغلبا على الدم المنقول ويحولانه إلى طبيعتيهما من خلال الغليان الخفيف.» # تابع دوني: «من المعلوم أنه إذا زاد التوافق بين المتبرع والمتلقي قل المجهود الذي ~~يبذله الدم ليصبح متوافقا مع المتلقي. رغم أني واثق بأننا سنكتشف مادة يمكن نقلها دون ~~الحاجة لتحويلها. وسيكون هذا الدم الصناعي إعجازا بحق.» # لكن وبينما اكتشف الناس بعد عدة قرون كيفية نقل الدم بأمان وإعطاء سوائل صناعية ترفع ~~من مستوى الدم، فإن تعقيد الدم يعني أن الإحلال الكامل له هدف بعيد المنال إلى يومنا ~~هذا. # دماء مختلفة # قال دوني: «مع احترامي، سيد بيرو، لا أظن أن مخاوفك تضيف كثيرا، لكن اسمح لي بأن ~~أطرح عليك أحد أقوى الأسباب التي سمعتها للتشكيك في نقل الدم. يقول بعضهم إن خصائص الدم ~~تتباين لدى الحيوانات المختلفة لدرجة أن الدم يكون ساما إذا نقل إلى حيوان آخر. ~~وأنا أقر باحتمال وجود خصائص مختلفة للدم، لكن إن وصل بنا الأمر أن نعتبر الدم ساما، ~~فإن هذه مبالغة بكل تأكيد. ms186 فإن تبنينا هذه الفكرة فسندين اللحم كذلك. فالدم على كل حال ~~هو جوهر أو خلاصة هذا اللحم، وإذا كان مصدر اللحم حيوانا مختلفا، فمن المفترض أن ~~ينتج دما لا يناسب الشخص الذي يأكله. وفي المقابل، نعلم أنه يمكننا استخدام اللحوم ~~المبردة وأدوية معينة لمنع الدم من الغليان في العروق، أو استخدام الطعام الساخن ~~وعلم الطب لنزكي شعلة الحيوية لدى كبار السن أو المرضى. إن اللحوم ليست سموما بل هي ~~مفيدة لك؛ لذا فإذا كان خلط اللحوم صحيا فمن المنطقي افتراض أن خلط الدماء مفيد للصحة ~~حتما. فلم لا يؤدي نقل الدم الساخن إلى تقوية شخص قد برد دمه؟ # إنني لا أشك في أن ثمة اختلافات شديدة بين الدماء التي ترجع لحيوانات مختلفة وأنها لن ~~تختلط بسهولة؛ إلا إذا خضعت للتخمر.» # صاح لوور: «التخمر؟ الدكتور ويليس، أظن أن هذا اختصاصك؛ هل ترى أن التخمر يوفق بين ~~الدماء المختلفة؟» # رد الدكتور ويليس - صديق لوور وزميله المدرس السابق - وهو ينتصب واقفا وينفض بعض ~~الغبار من فوق عباءته الزرقاء: «لم أتناول مسألة نقل الدم في كتابي «التخمر».» كان ~~متوسط الطول، يشوب شعره الأحمر القاني بعض الخصلات الرمادية، وكان يتلعثم في حديثه: ~~«لكن لنفكر في العملية وننظر إذا ما أمكن ذلك. فالتخ... التخ... التخمر محور الوجود. وفهم ~~التخمر ضروري لفهم أي عملية فسيولوجية، بما في ذلك حياة الدم وأثار نق... نقله من حيوان ~~إلى آخر. # بالعودة إلى الأساسيات في بعض الوقت، نجد أن كل شيء يتكون من جسيمات صغيرة، ويمكن ~~تقسيم هذه الجسيمات إلى خمس فئات. فهي إما روح أو كبريت أو ملح أو ماء أو تراب. ولغرض ~~مناقشة اليوم سنركز على الطبيعة الملتهبة للجس...» توقف برهة وأخذ نفسا واستنطق الكلمة ~~التالية: «للجسيمات الكبريتية، لأن هذه الجسيمات هي ما يتحكم فيما نسميه عرضا ~~بالحرارة. فإن كانت الجسيمات الكبريتية في مادة تتحرك بسرعة، فستظهر عليها الحرارة. وإن ~~زادت سرعتها فسيشتعل الجسم. أما عندما تتحرك ببطء فستنضج الم... المادة وتصبح ~~«سائغة».» # استطرد ويليس في شرحه لنظريته عن ms187 تغير طبيعة المواد عندما تجتمع الجسيمات التي تنتمي ~~لفئات مختلفة. فالملح قد يصبح متطايرا إن اختلط بالكبريت أو الروح، والملح نفسه يمكن ~~معالجته إن اتصل بجسيم ترابي. إذن، وضح هذا التصور البدائي كيف يتغير لون الدم من ~~الأزرق القاتم في الأوردة إلى الأحمر الزاهي في الشرايين. فالسبب كان «عملية تخمر» ~~تختلط فيها الجسيمات الكبريتية في الدم بجسيمات الملح والروح لتنتج ملحا أكثر تطايرا. ~~كانت هذه هي العملية التي تصبغ الدم بصبغة الحياة والطاقة والتمايز الفردي. # سأل ويليس وهو ينظر حوله ليرى إن كان يحظى باهتمام الحاضرين: «وأين يحدث هذا التخمر؟ ~~في القلب، بالطبع، هذا العضو الن... النبيل الذي يعطي الدم الحياة والحرارة. ففي القلب ~~يصنع الدم في عملية اختمار تكوين الدم الكبرى تلك. أدرك تماما أن أخصائي ~~الفسيولوجيا والتشريح الإنجليزي جورج إنت يعتقد أن حرارة القلب سببها أن جسيمات ملح ~~البارود في الهواء تذكي لهبا داخل ألياف القلب، وأن ديكارت قبل موته السابق لأوانه قد ~~خلص إلى أن هذه الحرارة تنتقل إلى الدم. لكني أعتقد أن القلب هو الوعاء الذي يحتوي ~~العملية وليس مصدر الحرارة ذاتها. وفي بطيني هذا العضو العظيم تتحرك الجسيمات الروحية ~~والكبريتية لتملأ الدم بالحرارة؛ تلك الحرارة التي تنقل بعدئذ في مختلف أجزاء ~~الجسم.» # سأل دوني قائلا: «وما التطبيقات العملية لهذه النظرية؟» # فاختتم ويليس بقوله إن النظرية أدت إلى فهم المرض من ناحية أن الأمراض التي تسبب ~~الحمى هي التي يكون فيها التخمر زائدا وتكون فيها الجسيمات الكبريتية أو الروحية في ~~حركة عنيفة. وبالطريقة نفسها التي ينظم بها صانع النبيذ الخبير عملية التخمر في برميل ~~النبيذ الخشبي، يجب على الطبيب أن يكون قادرا على التحكم في التخمر الذي يحدث في دم ~~مرضاه. وقال: «المطلوب هو الفهم الأشمل للطبيعة الكيميائية للد... للدم لكي نكون في وضع ~~أفضل يسمح بالسيطرة على سلوكه.» وشعر بالارتياح بانتهائه من الحديث. # وتوقف عن الكلام بعدما لفت صوت صرير كرسي على الأرض انتباهه. وجاءت كلمات لوور الذي ~~وقف: «أتذكر كتابك جيدا يا صديقي العزيز ms188 وأقر أنني حتى وقت قريب كانت لي الأفكار ~~ذاتها. لكن كما قلت قبل قليل، لقد علمتني التجربة أن أفكر مرة أخرى؛ إذ إنه من الواضح ~~لي أن طبيعة الدم لا تتغير في القلب، بل في الرئتين. فإن كان التخمر هو ما يتم، فهو ~~يحدث في الرئتين بالتأكيد.» وأومأ بويل الجالس على يساره بحكمة قائلا: «إن الرئتين ~~وليس القلب هما المكان الذي يتعرض فيه الدم للهواء ليتغير من اللون الوريدي القاتم إلى ~~اللون الشرياني الزاهي. فإن كان التخمر هو ما يتم، فإنه يحدث في الرئتين.» # رد ويليس قائلا: «إنني على دراية تامة بتجاربك سيدي الفاضل، وأتابعها باهتمام. ربما ~~تكون على صواب.» وأومأ كل منهما بابتسامة نحو الآخر. # فوائد نقل الدم # سأل أولدنبرج محركا وقائع الاجتماع: «هل لنا أن ننتقل من النظرية إلى ~~التطبيق؟» # رد لوور: «سأسرد بإيجاز بعض أنواع المرضى الذين يمكن إفادتهم من نقل الدم. فإن فقد ~~شخص معافى كمية كبيرة من الدم فإن تعويضه من مصدر آخر قد يؤدي إلى فوائد واضحة. علاوة ~~على ذلك، أرى أن نقل الدم قد يفيد مرضى التهاب المفاصل والمصابين باختلال عقلي ما دامت ~~أجسامهم سليمة بالدرجة الأولى ولم تتضرر أدمغتهم ولم يتعفن الدم. وعلى كل حال، لنقل ~~الدم فرصة في العلاج كما الحال مع فصد الدم.» # 17 # دوني: «بحسب ما أرى، يبدو أن الأطباء ينتمون لواحدة من ثلاث فئات. فهناك الذين يؤيدون ~~الاختراع، ويرون أنه يمكن وصفه لعلاج مجموعة كبيرة من الأمراض. وينظر آخرون إليه ~~باعتباره بدعة لا نفع منها، بينما لم يحسم الفريق الثالث موقفه بعد ويقول إنه ينتظر ~~المزيد من الشواهد بطريقة أو بأخرى. أما أنا فلا أرى غضاضة في أن أنسب نفسي للفريق ~~الأول. فأنا مقتنع بفوائد نقل الدم ومنافعه. فالكل يعرف أن فقدان الدم والنزيف يسببان ~~وفاة كثيرين ويحكمان على آخرين بالشيخوخة المبكرة. فنقل كمية معقولة ومعتبرة من الدم ~~يمكن أن يطيل حياة كثير من هؤلاء المرضى. وبالإمكان التنبؤ بقدرة هذه الوسيلة الرائعة ~~على رفع المعاناة عن كاهل المصابين ms189 بالتهاب الجنبة والجدري والجذام والسرطان والتقرح ~~والحمرة والجنون والخرف وغيرها من الأمراض التي يجري فيها الخبث في الدم. أتوقع تماما ~~ظهور دليل على هذا في المستقبل القريب.» # أضاف لوور: «ربما يكون لنقل الدم دور في دعم شخص مريض جدا بإعطائه بعض الوقت ~~ليشفى. ففي بعض تجاربي لنقل الدم أوضحت أنه إن أردت حقن دم شرياني قرمزي زاه في حيوان ~~يلهث في حاجة إلى الهواء فإن الحيوان المختنق يسترخي وتتوقف معاناته في التنفس. فالواضح ~~أن الدم الجديد ينعش الحيوان بما أنه أمد بدم مشبع بالفعل بالهواء.» # وبهذا القول، تنبأ لوور بما يطلق عليه الآن جهاز أكسجة الأغشية من خارج الجسم، وهو ~~جهاز طبي يستخدم في جراحات المجازة يمكنه تزويد الدم بالأكسجين وتنقيته في الوقت ~~ذاته من ثاني أكسيد الكربون. # دوني: «هناك احتمال جيد أن يكون حقن هذا الدم المفعم بالحيوية أفضل من الفصد. فلا ~~يمكن أن ينكر أي طبيب يحضر معنا هنا أن الدم محوري في معظم الأمراض. ونعلم على أي حال ~~أن الكثير من الحالات - إن لم يكن معظمها - يعالج بفصد الدم. لكن عليكم الاعتراف بأنه ~~بينما قد يؤدي الفصد إلى التخلص من الدم الفاسد فهو يضعف المريض. ربما تعالج الحمى ~~لكن العملية قد تترك المريض عرضة للإغماء.» # صاح لامي: «لكن لا يمكنك معالجة الحمى بنقل الدم - بالقطع - إن أخذت الدم من شريان؛ ~~فالدم الشرياني محمل بالحرارة، وبدلا من إنعاش دم المريض أعتقد أنه سيرفع حرارته ~~بدرجة أكبر. هذا بالتأكيد السبب الذي جعل الرجال الذين استقبلوا الدم يشعرون بحرارة ~~شديدة في أذرعهم.» # استطرد دوني متجاهلا مقاطعة الشاب الصغير: «يمكن للإدماء الزائد أن يسبب الوفاة. ومن ~~ثم يلتزم العديد من الأطباء بالحذر المفرط في استخدام هذه الطريقة. لكن الذين يجرون ~~فصد الدم سيجدون نقل الدم مفيدا لأنه سيمكنهم من استبدال الدم السليم بالدم المتضرر ~~المفقود على الفور، أما من لديهم مخاوف من فصد الدم فسيجدون أن نقل الدم وسيلة فعالة ~~لتقوية المريض بدم جديد.» ~~«أتفق مع هذه النقطة.» قالها لوور الذي ms190 بين أنه طالما شعر بأن نقل الدم على الأرجح ~~سيستخدم بحيث يمكن للحيوانات التي تحتاج للدم أو التي فسد دمها أن تحصل على الدم من ~~غيرها. ورأى أن تلك العملية ربما كانت أقل فعالية مما يمكن لأن الدم القديم المريض ~~اختلط بالدم الجديد السليم، لكن حتى في هذه الحالة يوجد حل ممكن. ماذا عن نقل الدم من ~~اثنين أو ثلاثة حيوانات إلى المستقبل، مع سحب دمه في الوقت ذاته؟ ذلك سيطرد الدم ~~القديم ويترك الدم الجديد وحده. # سأل دي باسريل الذي بدأ يلين للإمكانيات التي أتاحها نقل الدم: «لكن السؤال عندها ~~سيكون: ما أفضل مصدر للدم؟» # فرد دوني: «من المنطقي في البداية استخدام دم الحيوانات؛ وهو يحتوي على شوائب أقل من ~~الإنسان لأن الحيوانات لا تمارس البغاء أو الأكل والشرب غير المنتظمين. كذلك فإن ~~المشاعر والعواطف مثل الحزن والحسد والغضب والكآبة والقلق تفسد مادة الدم لدى الإنسان، ~~بينما حياة الحيوانات أكثر انتظاما وتمر بقدر أقل من المآسي الناتجة عن خطيئة آدم في ~~الجنة. إن التجربة تبين أنه كما من النادر جدا أن نجد دما رديئا في الحيوانات، فمن ~~النادر أيضا أن نجد دم إنسان غير ملوث. فحتى الرضيع لا يخلو من النقص من بعض الأوجه، ~~لأنه بتغذيه على لبن أمه يمتص منها المفاسد مع امتصاصه الغذاء.» # قال إميري، الذي ظل صامتا حتى تلك اللحظة، مقاطعا: «كما يمكننا أن نكون أكثر جرأة ~~في استخدام حيوان. فهناك أدلة جيدة على أن الدم الشرياني أقل عرضة للتلوث وأنه يمر ~~بانسيابية أعلى في الأنابيب من حيوان لآخر. لكن فتح الشريان في الإنسان خطر؛ فهو كما ~~نعلم يمكن أن يؤدي دون قصد إلى نزيف المتبرع حتى الوفاة. ولن يسبب هذا مشكلة إذا كان ~~المتبرع حيوانا.» # قال دوني: «للحيوانات ميزة أخيرة، فنحن نسيطر عليها ويمكننا أن نتحكم فيما تأكله قبل ~~أيام من نقل الدم. ونعلم أن لحم العجول يختلف مذاقه عند العناية بتربيتها، وأن من ~~الممكن التأثير في مذاق اللبن وصفار البيض بإعطاء الحيوانات طعاما معينا. ms191 ومن المنطقي ~~افتراض أن تغذية الحيوانات تنتج دما أغنى يناسب غرض نقل الدم بصورة أكبر.» # جهر بيرو بأفكاره، وقد أصبح يسعى بصورة نشطة لإيجاد حلول لبعض المشكلات، قائلا: ~~«أتساءل عما إذا كان من الممكن أن تكون الوفاة والآثار المرضية في بعض العمليات سببها ~~نقص كمية الدم المستنزف من الحيوان قبل إجراء العملية؟» # رد إميري: «هذا مبعث قلق دائما.» # استطرد بيرو: «هل يحل المشكلة استخدام أنبوبين؟ في هذه الحالة يمكن لكل حيوان أن ~~يتدفق دمه إلى الآخر ويمتزج دمهما ويتحدان بطريقة طبيعية أكثر.» # اتفق إميري: «وارد جدا، لكنه غير ممكن إلا في الحيوانات الكبيرة؛ بسبب الصعوبات ~~الفنية التي تعوق وضع أنابيب كافية في مساحة ضيقة.» # الخوف # قال أولدنبرج وهو يقلب في بعض خطابات كانت قد وصلته: «يوجد اعتراض يرتبط مباشرة ~~بعملية نقل الدم التي أجريت للرجل الباريسي؛ إذ يقول بعض الناس إن الخوف من العملية هو ~~السبب وليست العملية ذاتها هي ما أفاقته من حالة البلادة.» فكان الادعاء هو أن القلق ~~أثار روحه وجعلها تندفع سريعا لدرجة أنها أزاحت كل ما كان يعترض مسارها حول الجسم. فقد ~~كان تنظيف الممرات الروحية وليس نقل الدم هو ما عالج الفتى. # لم يترك دوني أي وقت ليجيب غيره قبل أن يرد قائلا إن الفكرة لم ترق للدراسة . فإن ~~كان القلق والخوف سببين رئيسيين في علاج الشاب فمن المفترض أن يكون قد شفي قبلها بيوم. ~~والسبب هو أنه قبل لقائه بدوني بيوم سقط الرجل من فوق الدرج ولا بد أن هذا أخافه. أضاف ~~دوني قائلا: «لقد كان الصبي أبعد ما يكون عن القلق لدرجة أنه بدا على غير دراية أصلا ~~بأننا كنا ننقل الدم إليه، بل لقد ظن على ما يبدو أن الحمل موصل به ليكون بمثابة علقة ~~ضخمة تسحب الدم منه.» # الفلسفة أم التجربة؟ # قال بيرو: «بالنظر في المسالة برمتها، أتساءل فعلا عما إذا كان أي من عمليات نقل ~~الدم تلك قد تم بالفعل.» قال ذلك متراجعا إلى الخلف في كرسيه وراح يحك صدغيه ms192 علامة ~~على التفكير: «فانظر مثلا إلى الكلب الذي رقد على ظهره طوال ساعة بينما يفرغ من دمه ~~ويحل محله دم من كلب آخر. من المفترض أن نصدق أن الكلب بعد عملية نقل دم كبيرة اكتفى ~~بتحريك أذنيه ولم يعان بعدها. يدهشني أن التفسير الأرجح هو أنه بمجرد بدء العملية تجلط ~~الدم في الوريد مانعا دخول أي دم آخر. واستفاد الحيوان على الأرجح من فقدان بعض دمه ~~لأن جسمه كان به دم زائد من البداية. للأسف، لم يكن هناك أي محاولة جدية - إن وجدت - ~~لقياس كمية الدم التي مرت من أحد الكلبين للآخر بدقة؛ لذا فما من سبيل للتأكد من ~~الرواية الأصلية ولا التفسير البديل.» # أولدنبرج: «إنني حزين - وإن كنت غير مندهش - من عودة نقاشنا اليوم إلى الفلسفة بهذه ~~الدرجة بدلا من أن يقوم على أسس الأدلة التجريبية. فكثيرا ما يفند معارضو نقل الدم ~~التجارب باستخدام المنطق وبمنظومة من الحجج المعدة بعناية التي تدرس في المدارس ~~الأكاديمية، معتقدين كما يتضح أن هذا هو كل ما هو ضروري لصياغة جدل يؤيد أو يعارض أي ~~أفكار. لكن التجارب خير من أي جدال، وينبغي أن يترك للبيانات الحكم والكلمة الأخيرة، ~~خاصة في مسائل الفلسفة الطبيعية والطب.» # 18 # دي باسريل: «فعلا. وعلى زميلنا المتعلم أن يسترجع شيئا من التاريخ . فمثلا منذ مائة ~~سنة اكتشفت كلية الطب أن بعض المواد الكيميائية تسبب المرض وأدرجتها ضمن ~~السموم.» # سأل أولدنبرج: «هل تقصد الأنتيمون؟» # رد دي باسريل: «نعم، والزئبق والراوند. لكن بعدها شفي الملك باستخدام الأنتيمون، وعليه ~~أصدر مرسوما ملكيا معارضا للكلية يقول فيه إنه علاج فعال وإنهم تسرعوا في ~~استبعاده.» # تولى أولدنبرج زمام المناقشة: «والآن يعد ملينا فعالا وحلا في جعبة الطبيب. ولا ~~يقتصر الأمر على سماح الكلية باستخدامه، بل إنهم يصفونه كدواء. فما السبب في تغير تلك ~~النظرة؟ البيانات. فعندما رؤي أنه عالج كثيرين، بمن فيهم الملك الأشد التزاما ~~بالمسيحية، اقتنع الجميع، ورفضت كل الحجج البارعة في العالم التي تخالف ما سبق. وكذلك ~~الحال مع العلاجات التي ms193 يستخدمها الأطباء. ففي مراحل مختلفة حظر باقي أهل المهنة واحدا ~~منها. إن الإنسان العاقل هو الذي يسترشد بالتجربة. # لكن نقل الدم شيء جديد، وحسبما نعلم لم يجر في العصور السابقة. وفي هذه الحالة لا ~~يمكن للعباقرة وللراغبين في رؤية البشرية في رخاء إلا أن يقدموا قليلا مما يعرفونه لكي ~~يتمكن غيرهم من الأطباء الكرماء غير المتحيزين من تجربته. وبهذه الطريقة نبني خبرتنا ~~وسنكون في موضع أفضل، يسمح لنا بأن نحكم بما إذا كانت تناسب جسم الإنسان. لكن الوضع ليس ~~بهذه البساطة؛ فمن ناحية يقول الناس إنه بما أن الأمر يرتبط بالصحة وحياة البشر فلا ~~يمكن لأي قدر من الدراسة أن يزيد عن الحد. ومن الناحية الأخرى يرفض هؤلاء المتكبرون ...» ~~وأشاح أولدنبرج بنظره في اتجاه ممثلي الكلية الثلاثة «... أي حقيقة أو برهان لم يفكروا هم ~~فيه. فخير الناس هو من لا يأتي بحكم مسبق، بل يجري التجارب الكثيرة بعناية ويكون ~~رأيه. ولهذا السبب أطلب ممن في السلطة أن يأمروا عددا من الأطباء والجراحين ~~المنفتحين والموثوق فيهم بإجراء تجارب كثيرة تهدف إلى معرفة الإمكانيات الحقيقية لهذه ~~الطريقة.» # 19 # بيرو: «لكن لا تتجاهل أيا منهما؛ فالمنطق والتجربة يتضافران معا كأداتين ثمينتين، ~~ولا يسلم كل منهما من الخطأ. فعليك أن تصحح التجربة بالمنطق وتصحح المنطق بالتجربة. هذا ~~يتطلب دقة وتطبيقا أعظم - في رأيي - مما استخدمه هؤلاء الذين لا يشكون مطلقا في ~~الفوائد التي يجلبها نقل الدم من حيوان لآخر؛ إذ يمكنك من التجارب الموجودة حتى الآن ~~استنتاج أن نقل الدم مفيد، لكن في الوقت ذاته من الخطأ - على الأرجح - أن نصف تلك ~~التجارب بالبغيضة أو الخبيثة. على كل حال، يبدو من الأرجح أن الحيوانات تتحمل معاناة ~~نقل الدم لا أنها تتعافى بمساعدته. ربما تصل الحيوانات للنتيجة نفسها إذا جرى حقنها ~~بماء كدر أو سائل غريب آخر.» # قال لامي آملا في تلخيص رأيه قبل انتهاء الاجتماع: «أيها السادة، إن نقل الدم اختراع ~~جديد تماما. فإذا نجح فسيشرف قرننا باكتشاف وسيلة بسيطة وسريعة للتخلص من الأمراض ms194 ~~المستعصية التي تؤرق مضاجعنا وتمنعنا من الاستمتاع بطيب الحياة. للأسف، لا أزال مقتنعا ~~بأننا إذا نظرنا لنقل الدم جيدا فسنجد أن فوائده قليلة. فربما ينتهي بنا المطاف بقتل ~~الناس بدلا من علاجهم.» # قال دوني وعيناه تجوبان الغرفة بحثا عن الإلهام ومحاولا أن يستشف ما إذا كان هذا ~~اليوم سيخدم أم يمنع وقوفه المرتقب أمام القاضي: «لا يمكنني أن أتفق معك.» كان دوني ~~سعيدا نسبيا على المستوى العام؛ إذ لم ينقض المفكرون الذين امتلأت بهم الغرفة تصوره؛ ~~لذا فلن تكون المحكمة قادرة على توجيه أي ضربات له: «لا شيء مما سمعت أو رأيت يثنيني عن ~~أن أرى أن نقل الدم وسيلة نافعة، بل ربما تشكل العلاج المطلق لكل الأمراض.» # ضغط بيرو: «لكن يجب عليك يا صديقي العزيز أن تقر بوجود مساحة للشك، أليس كذلك؟ فبعض ~~هذه المزاعم يصعب جدا تصديقه. فلتنظر مثلا إلى علاج الجنون؛ فإذا كان الدم السليم أو ~~الدم الفاسد يمنح أو يسلب الإنسان عقله وقواه العقلية، فإن إعطاء دم عجل لشخص لا بد وأن ~~يورثه غباء هذا الحيوان!» لم يشارك دوني في الضحكات التي تلت هذه الكلمات. # 20 # فقال دي باسريل: «لكن لا يمكنك كذلك أن تستبعد فائدته تماما. فهناك عديد من الكلاب ~~الآن عاشت لسنة أو أكثر بدم منقول. فهناك الكلب الذي تلقى دما من غزال واستعاد شهيته، ~~وازدادت حيويته بعد ثمانية أيام. وبجانب الرجال الذين تلقوا الدم، أخبرني دوني مؤخرا ~~عن امرأة شفيت من الشلل الذي أصاب الشق السفلي من جسمها، وهي نتيجة مذهلة تماما. وما ~~ينبغي لنا هو أن نحذو حذو زملائنا الإنجليز ونوصي بسلسلة من التجارب تجرى بعناية ~~وتسجل بحرص؛ وعندها قد نرى صورة أوضح للحقيقة. مع ذلك، أرجو من السيد دوني ألا يستسلم ~~لأن لديه أعداء. فلطالما سمعت أن حسد الناس لك خير من الشفقة عليك. إنني أشيد به باسم ~~كل الذين يتشوقون لاستمرار اجتماعاته ومشاركة الجماهير البيانات الجديدة التي يكتشفها ~~كل يوم في المسائل الأخرى، وسأظل من جانبي أحد المستمعين الذين يدافعون ms195 عن مشروعية ~~اهتمامه بالمواقف من كل الأنواع.» # عند هذه النقطة، بدا إنهاء الاجتماع مناسبا. # الفصل الحادي عشر # | خطأ أم مكر أم قتل؟ # ضربت العصا على الأرض مرة أخرى، فانقطعت الأحاديث هذه المرة. دلف رئيس المحكمة - ملازم ~~القضايا الجنائية السيد دورميسو - إلى القاعة، فنادى الحاجب: «سوف تنعقد اليوم السبت الموافق ~~السابع عشر من أبريل من عام ألف وستمائة وثمانية وستين ميلاديا محكمة لو جراند شاتليه في ~~باريس»، وقد سره أن الناس قد أعاروه بعض اهتمامهم أخيرا. استغرق دورميسو بعض الوقت وهو ~~يتخذ جلسته وانتظر الحاضرون؛ إذ لم يكن هناك أي طائل من امتلاك السلطة إن لم تتعد على وقت ~~الآخرين وحرياتهم. وعندما تهيأ أخيرا أشار بإيماءة عامة في اتجاه الوجهاء من داعمي دوني ~~المجتمعين في الشرفة حانيا رأسه لهم، قبل أن يلتفت إلى المحامي الموقر وأومأ برفق. ~~وأخيرا أشار إلى حاجب ليتلو التهمة. ~~«التهمة الموجهة للسيد دوني: أنه في الأيام الأخيرة من يناير من هذا العام قتل هو وشريكه ~~مريضا - وهو السيد أنطوان موروا - في مخالفة للقانون. والتهمة هي أنه، رغم اعتراضات السادة ~~المتعلمين في كلية الطب، أجرى سلسلة من التجارب غير الطبيعية بنقل الدم من العجول إلى عروق ~~المجني عليه. ولم يفعل ذلك مرة واحدة، بل ثلاث مرات. والاستنتاج واضح. لقد قتل دوني ~~موروا.» # قال السيد لاموانيو - محامي دوني - وقد وقف وانحنى للقاضي أولا ثم لمن في الشرفة: «سيادة ~~القاضي، اسمحوا لي أن أتقدم بالدفاع عن المتهم.» ربما لم تكن هناك هيئة محلفين، لكن طالما ~~كانت استثارة رد الفعل الصحيح من الجمهور تساعد على الفوز بالقضية، وكانت الكياسة ناجحة إلى ~~حد بعيد. ~~«إنكم - كما أتيقن - على دراية بالفصول الافتتاحية للموقف الحالي، بالعلاج الفريد الذي ~~أعطي للرجل الذي لفت جنونه أنظار كل سكان مدينة باريس الكبيرة. لقد أدى التخلص من بعض دم ~~الرجل الملوث، وإنعاش جسمه بدم بارد بريء من عجل طيع إلى تحوله، لدرجة أن سلطات الكنيسة ~~أعلنته سليم العقل في غضون أيام وسمحت لموروا بالمشاركة في الشعائر المقدسة. وإن ms196 رغبت ~~المحكمة، فأنا على أتم استعداد لاستدعاء القسيسين اللذين زاراه قبل أيام من عيد الميلاد ~~ليشهدا على سلامة عقله.» # لم يبد على القاضي الاهتمام. # استطرد المحامي: «إنني على قناعة بأنكم تتهمون الشخص الخطأ بجريمة القتل هذه. وأود أن ~~أعرض القضية، وأورد القرائن التي تدين فردا آخر من العامة ينبغي أن يكون حاضرا بين هذه ~~الجدران بحسب ما تحتم الضرورة، لكنه يبدو غائبا.» ضاقت عينا لاموانيو، وجالت بين الشرفات، ~~وكأنها تبحث عن جاسوس: «إنني أرى أن السيدة موروا ينبغي أن تحضر وتسأل عن أفعالها، فهي كما ~~يبدو مسئولة عن كثير. على الأقل ينبغي أن تتحمل مسئولية تقصيرها في اتباع النصيحة ~~السليمة.» # رد القاضي قائلا: «قد يكون هذا صحيحا، لكن الاتهام موجه حاليا للسيد دوني، وهناك ~~أسئلة عليه أن يجيب عنها. إنك تشكو من تجاهل السيدة السافر للنصح، لكن أليس صحيحا أن دوني ~~هو الآخر لم يلتفت، أو تجاهل نداءات الحذر من أهل الطب؟» ~~«إن كنتم تميلون إلى الشك في حذره وممانعته فاعلموا ما يلي. لم يكن دوني هو من سعى وراء ~~موروا، لكن زوجته هي من أزعجته وتوسلت إليه. وإن كنتم تقصدون أنه تجاهل من هم أرفع مقاما ~~فهذا أيضا غير صحيح؟ فلقد جاءت دعوات وقف هذه الطريقة من كلية الطب الباريسية، لكن دوني ~~درس في مونبيلييه . فلم عليه أن يتقيد بعقول باريس الجامدة؟» # قال القاضي في إصرار: «لكن يا سيد دوني، أليس من المنصف أن نقول إنك كنت ستسعى في تلهف ~~لإجراء التجربة إن سنحت الفرصة؟» ~~«إنني أؤمن بنفعها؛ لذا أبحث بالطبع عن الأوقات المناسبة لاستخدام هذه الطريقة؛ إلا أن ~~هذه المرة لم تكن واحدة من الأوقات المناسبة.» ~~«لكنك تابعت عملك ونقلت الدم!» # رد دوني: «لا يا سيادة القاضي. لقد امتلأت الليلة بالفوضى، لكننا لم نصل قط في أي لحظة من ~~العملية إلى فتح شريان العجل وتوصيله بالإبرة التي في ذراع السيد موروا. لقد دخل الرجل في ~~نوبات صرع عنيفة بمجرد أن حاولنا بدء العملية، فاضطررنا إلى التوقف. فما من ms197 سبيل لكي نتمكن ~~من نقل الدم في هذه الحالة. كان من الممكن أن ننقذ حياته لو فعلنا، لكن في ضوء حالته الصحية ~~المزرية لم نكن في وضع يسمح لنا بالاستمرار. فقد كانت حياته بين يدي الرب وكان من الواضح ~~أنه تجاوز ما يمكن لأي فن من فنون الطب أن يقدمه.» # استطرد القاضي: «هل أنت متأكد من هذا؟» ~~«تماما.» ~~«هل لديك شهود؟» ~~«ليس في هذه الواقعة. فكل الحاضرين كانوا أنا وإميري والسيد موروا وحرمه.» ~~«ونعم الشهود!» قالها القاضي ودون شيئا على عجل: «ولم يجر أي فحص للجثة كذلك؟» # تدخل محامي الدفاع: «لم يكن هذا ذنب موكلي، سيادة القاضي. فالخطوة التالية كانت واضحة ~~أمام السيد دوني؛ إذ كان بحاجة ليجري تشريحا للجثة، وبسرعة. وكان حريصا على هذا لسببين؛ ~~أولهما: أن تلك كانت مسألة تتعلق بالعلم؛ فقد أجريت عمليتا نقل دم، وكان موكلي حريصا على ~~البحث عن آثار دخول دم العجل. والثاني: أنه أراد أن يبحث عن أي أعراض تسمم، نعم تسمم. فقد ~~كانت هناك شائعات تقول إن زوجة موروا إذ يئست جراء العنف الزائد هددت في عدة مواقف بقتله ~~حالما تسنح الفرصة. وكانت تلك الكلمات وقتها تؤخذ على محمل الدعابة السوداء، لكن الطبيب ~~الجيد ينظر في كل احتمال قبل أن يكون تشخيصا.» # تدخل دوني: «لذا ولكي يمكن الوثوق في كلمتنا جمعنا سبعا أو ثمانية أطباء ليكونوا شهودا ~~واتجهنا لمنزل موروا. وعلى النقيض تماما من الزيارة السابقة، لم أتلق أي ترحيب، بل أصرت ~~الأرملة على ألا ندخل بيتها. وكانت مصممة على ألا نفحص جثة زوجها. ألا ترى هذا غريبا؟ ~~فقبلها بيوم جررت إليه جرا؛ والآن أنا ممنوع. وطبقا للجيران، فقد قضت بقية اليوم بمجرد ~~أن غادرنا في سعي محموم لتنهي ترتيبات دفنه، لكنها لم تتمكن من إتمام المهمة في ذلك اليوم. ~~ستدرك السرعة التي انتشر بها خبر الواقعة في مقاهي باريس وملتقياتها؛ لذا ليس من الغريب ~~سماع أحد أشهر أعضاء كلية الطب بباريس بخبر وفاة موروا ذلك المساء. لم يكن مؤيدا لعملي ~~ورأى ms198 في ذلك فرصة لإقامة الحجة علي. فأرسل جراحين لفحص الجثة، لكن أرملة موروا رفضت ~~أيضا السماح لهم، بل كذبت في تلك المرة قائلة إن الدفن قد حدث بالفعل. # بعد ذلك، قررت أنا والطبيب - في اتفاق نادرا ما يحدث بين أفكارنا - أن الشيء الوحيد الذي ~~يمكن عمله هو أن نذهب معا إلى منزلها ونأخذ الجثة بالقوة. واتفقنا على أن نقوم بهذه ~~المغامرة في الصباح، لكن بحلول هذا الوقت اكتشفنا أنها أتمت الدفن بالفعل قبلها بساعات في ~~جنح الظلام وقبل الفجر بقليل.» # كان من الممكن - حسبما تابع قصته - أن تكون هذه نهاية التجربة بكل بساطة وآخر ما يسمع عن ~~هذين الزوجين البائسين. وبالفعل، قرر الطبيب أن يستسلم وألا يقول أي شيء آخر. لكن سرعان ما ~~أصبح هذا خيارا غير متاح؛ لأن «أعداء التجربة» فرحوا بهذا التسلسل المؤسف للأحداث وسعوا ~~لاستغلال الموقف. وكانت أولى خطواتهم هي نشر كتيب يشجب فكرة هذا العلاج بالكامل. قال دوني: ~~«وعندما التزمت الصمت، أشاعوا أن صمتي كان بسبب اتفاقي معهم وأنني لم أعد أريد مزاولة هذه ~~المهنة.» # سأل دورميسو - رافعا بيده في الهواء حزمة من الخطابات والدوريات - قائلا: «هل تشير كما ~~أفترض إلى تلك؟ لنلق نظرة سريعة عليها لو سمحتم. في البداية، هناك هذا الخطاب من الفيلسوف ~~المعروف يوتسيل إلى زميله الإنجليزي السيد أولدنبرج بتاريخ الثالث من فبراير. من الواضح أنه ~~يرى أن أعمالك طائشة غير مدعومة لا ببراهين فلسفية ولا بأدلة من العلم الحديث. فلنقرأ بعض ~~كلماته: «وهذا سيبين خطأ نقل الدم، ولن يجرؤ أحد على تنفيذه على إنسان.» أظن أنه من ~~الممكن أن نقول إنه كان متشككا على ما أظن. بعد ذلك، يوجد هذان الخطابان اللذان كتبهما ~~جورج لامي. وفيهما يعبر عن احتقاره لعملك ويبدو أنه يتصور أن الشقاء حال أي مريض خضع ~~للعملية. ويمكننا أن نضيف لذلك عديدا من المقالات الواردة من مارتين دي لا مارتينيير الذي ~~يؤمن بأن عملك فضيحة غير أخلاقية.» # قال المحامي محاولا أن يستعيد السيطرة مجددا: «يسرنا أن نوضح ذلك. من ms199 الواضح أن هناك ~~اختلافا في الرأي. إن الرأي الرسمي يشكك في نقل الدم، ويرى أن هؤلاء الرواد يتورطون في ~~المضايقات أو المواقف لاعبين دور الأشرار منعدمي الأخلاق. لكنهم يثيرون اللغط دون أن ~~يشتغلوا بالتجارب والملاحظة. فإن استمعت إليهم لن تتجاوز الفهم الذي ترسخ في بلاد الإغريق ~~القديمة. لكن بالإضافة إلى ذلك، أود أن أقدم أدلة على أن من بين هؤلاء السادة المتعلمين من ~~هم على استعداد لتغيير مسار العدالة لتحقيق أهدافهم. أسأل عدالتكم أن تستمعوا لرواية السيد ~~دوني للفصل التالي في هذه القصة.» # تولى دوني زمام الحديث مرة أخرى: «تصوروا اندهاشي عندما اكتشفت أن السيدة موروا بعد شهرين ~~من هذه الوفاة السابقة لأوانها تتعرض لمضايقات من ثلاثة من هؤلاء الأطباء. فهل كانوا ~~يحاولون مساعدتها في مصيبتها؟ لا أظن. تبين أنهم كانوا يعرضون عليها المال، مقابل شهادتها ~~في المحكمة بأني بإجراء عملية نقل الدم قتلت زوجها. # إن هذه الواقعة لا تلقي بظلال الشك على نزاهة خصومي، بل تكشف شيئا جديدا عن شخصية ~~السيدة موروا. فأي ملتزم بالقانون سيرى الظلم والشر وراء الرشوة ويرفض العرض فورا. لكنها ~~ليست من هذا النوع، بل إنها حتى لم تأخذ المال وتذهب كيهوذا للمحكمة لتسلم رجلا بريئا؛ ~~لكنها أتت إلي في السر. في البداية بدا عليها أنها أتت بدافع الكرم وبنية حماية اسمي ~~وسمعتي فقط. وأسهبت في الحديث عن الخدمة الجليلة والإحسان اللذين أبديتهما تجاه زوجها ~~الراحل، معترفة بأنني قد أعطيته أفضل علاج يتيحه العلم الحديث لأي إنسان، ومن ثم عرضت أن ~~تشهد لصالحي عند الحاجة. إلا أن نبرتها في هذه المرحلة تبدلت، وأصبح من الواضح أن العرض لم ~~يكن مجانيا. وبعكس أعمالي الكريمة التي قدمتها لها ولأسرتها دون تكلفة، طلبت السيدة موروا ~~مبلغا لقاء خدماتها في المحكمة. والسعر الذي طلبته؟ كان كل المطلوب أن أعرض مبلغا أكبر من ~~الذي عرضه خصومي. وكان هدفها الوحيد - كما زعمت - هو أن توفر مبلغا كافيا لتعود إلى مسقط ~~رأسها وتبدأ حياة جديدة. # لا أعلم ما إذا كنت تصرفت بدافع ms200 من المهانة أم الغضب. فقد طردتها ببساطة قائلا إن هؤلاء ~~الأطباء وكذلك هي نفسها في حاجة لنقل الدم أكثر مما احتاجه زوجها من قبل، وإنني من جانبي لا ~~أعبأ بتهديداتهم. فأنا على يقين من أن كل الأدلة المقامة ضدي مبنية على معلومات مغلوطة ~~ضخمتها الغيرة والرغبة في تحويل مسار العدالة.» # ثلاثة شهود # قال لاموانيو: «لدينا شهود، سيادة القاضي.» وأشار لدوني بالجلوس. # تقدم في هذه اللحظة شاهدان، كان أحدهما يدعم قصة دوني وقال إن السيدة موروا حاولت ~~فعلا ابتزاز الطبيب الشريف. وزعم الثاني أن طبيبا عرض عليه 12 عملة ذهبية إذا جاء إلى ~~المحكمة ليقول إن موروا توفي أثناء عملية نقل الدم الثالثة ذاتها؛ وهو اتهام قد يجعل من ~~دوني قاتلا ويتركه في صراع للحفاظ على حياته. # سأل لاموانيو وهو ينحني قليلا: «يوجد شاهد آخر أود أن أستدعيه، فهل تسمح عدالة ~~المحكمة؟» وأومأ دورميسو بالإيجاب. فاستطرد لامونيو قائلا: «أود أن أستدعي جارة السيدة ~~موروا.» # كانت الشاهدة جالسة تنتظر، ثم هبت واقفة كما لو كانت صاعقة كهربية قد سرت في جسمها. ~~كانت تعبث طوال الوقت بخاتم في إحدى أصابعها وبدت غير مرتاحة وسط أجواء المحكمة الرسمية. ~~سرت همهمة في القاعة مع تبادل الناس الأفكار وثرثرتهم محاولين التنبؤ بالمعلومات التي ~~كانت على وشك الإفصاح عنها. # سأل المحامي بعد أن هدأت القاعة من جديد: «لقد رأيت بعض المواقف المقلقة، أليس كذلك؟ ~~وقد بدأت عندما سمعت شيئا، صحيح؟ أخبرينا.» ~~«لقد كان ذلك قبل أسبوع - أو ربما أسبوعين - من وفاة موروا» ثم سكتت قليلا وتلفتت ~~حولها في توتر. # قال دورميسو: «تابعي.» ~~«حسنا، سيدي، لقد سمعت شجارا.» تلعثمت السيدة من جديد ونظر دوني إلى الأرض. كانت ~~الدلائل تشير إلى أن شاهدته الرئيسية على وشك الفشل. # استحثها لاموانيو: «شجار؟ بين من؟» ~~«بين موروا وزوجته بالطبع.» بدا عليها الذهول من السؤال، وعندها نزل عليها الإلهام ~~فجأة وانطلقت تسرد باقي القصة: «أقصد أنه لم يكن ذلك شيئا غير معتاد. فمنزلانا ~~متجاوران، والجدران رقيقة جدا ونسمع كل شيء، بل يمكننا أن ms201 نرى عبر الجدران في بعض ~~المواضع بسبب الشروخ. وقد تعمق أحد الشروخ كثيرا بعد أن ضرباه في إحدى مشاجراتهما. ~~وطلبت منهما كثيرا أن يصلحاه. فإن حدثت مشكلة - كما ترى - كنا نعلم كل شيء عنها. وقبل ~~أسبوعين - كما قلت - كان صوت الشجار أعلى من المعتاد؛ فالخلافات والمشاجرات كانت جزءا ~~اعتياديا من حياتهما. ولطالما كان هذا حالهما. لكن في هذه المناسبة كان السيد موروا ~~يشكو من الطعام. وكان يقول إن الطبيب أمره ألا يأكل شيئا يرفع حرارة دمه، لكن كل ما ~~تقدمه له كان مشروبات وحساءات ثقيلة. وقد صاح بها ذات مساء قائلا: «قد يظن أي أحد أنك ~~تحاولين أن تسمميني؛ يمكنك أن تضيفي الزرنيخ إلى هذا الحساء ولا أعلم بذلك أبدا.» ربما ~~تظن أنه من الغريب أن يقول شيئا كهذا، لكن زوجته كانت تخلط أكياس مساحيق غريبة بحسائه. ~~وقالت إنها وصفات من الصيدلية، ولإثبات صدقها تناولت أمامه ملعقة من الحساء.» # سأل دورميسو: «وكيف عرفت بذلك؟ هل كان بإمكانك أن تسمعي صوت ارتشافها للحساء أم كنت ~~واقفة تنظرين عبر شرخ الحائط الذي وصفته على نحو رائع؟» سرت موجة من الضحك في أرجاء ~~القاعة إثر سؤال دورميسو. # ردت قائلة: «لا يا سيدي» وقد ذاب توترها «ففي تلك المرحلة كنت قد خرجت لأشاهد الموقف ~~عبر النافذة.» ~~- «إذن فهي تناولت ملعقة من الحساء؛ فما أهمية ذلك؟» ~~- «لا يا سيدي، لم تفعل. هذه هي المسألة. لقد تظاهرت بشربها، وبعد لحظة رأيتها تسكبها ~~من الملعقة على الأرض.» # تساءل القاضي: «إذن لم يتناول أحد رشفة الحساء تلك؟» # قالت المرأة: «لم يتناولها إنسان، نعم. لكنها لم تبق على الأرض كثيرا، حيث رأيت قطة ~~تلعقها.» ~~«رائع»، قالها القاضي المتثائب وهو يمدد ذراعيه وعاد بظهره إلى الوراء ليبدي أكثر ~~وأكثر عدم اهتمامه بهذه الشاهدة المنتمية لطبقة متدنية. أثار رد فعله همهمة بين الحضور، ~~وتجاوب شخص أو اثنان بالتثاؤب اللاإرادي. بدأ البعض يتحدثون وبدأ دوني يشعر بالرعب من ~~أن يضيع الجزء الأهم من الشهادة. ~~«لكن القطة نفقت.» ~~«كل القطط تنفق؛ من طبيعة ms202 القطط أن تنفق.» ~~«ليس بعد تناول حساء مسكوب. فهي لا تنفق في منزلي بعد تناول حسائي، أؤكد لك ذلك.» ~~خيم الصمت على القاعة على غير العادة: «تلك القطة كانت صغيرة وسليمة وقت الظهيرة، ثم ~~نفقت في منتصف الليل، وجدت متكورة على نفسها في وضع ملتو في بركة من القيء والإسهال ~~المشوبة بالدم. لم يكن ذلك نفوقا طبيعيا.» # سقط دبوس، فسمع جميع الحضور صوت رنينه على الأرض. # شكل 11-1: نسخة من الصفحة الأولى من صحيفة فرنسية تورد حكم المحكمة في ~~شاتيليه. ~~«شكرا»، جاءت الكلمة من لاموانيو بعد وقفة مناسبة الطول، وصرف الشاهدة بانحناءة ~~عميقة وجليلة أخجلت تواضعها. وتابع بهدوء وانضباط وقد التفت ببطء إلى دورميسو: «كما ~~ترون، عدالتكم، لدينا مشتبه به آخر في هذه الجريمة. شخص عرف الضحية جيدا ولديه الدافع ~~والفرصة لارتكاب هذا الفعل. شخص عانى من عنف الضحية في الماضي وهدد بالانتقام مؤخرا. ~~شخص ظاهره زوجة راعية تبحث عن علاج لزوجها، لكن لديها الدوافع الخفية لزانية تسعى ~~للتحرر من الزواج الذي عقدته قبل بضع سنوات فقط. أشير بالطبع إلى السيدة موروا. إن ~~سلوكها منذ وفاة زوجها يزيد الشبهات حولها.» # بعد أن انسحب دورميسو لينظر في الأدلة ونتائج أي حكم قد يحكم به، عاد مرة أخرى ورفع ~~الجلسة بإصدار حكم مكتوب. كان بالحكم مساوئه؛ لكنه على الأقل سمح لدوني بأن يخرج ~~حرا. # معركة ناجحة، وحرب خاسرة # غادر دوني ورفاقه المحكمة، وعبروا نهر السين من فوق جسر بونت نوف متجهين إلى منزله في ~~طريق جراند أوجستين لمناقشة الحكم. لم يكن من الغريب أن يسرعوا في مشيهم، ليبعدوا ~~أنفسهم عن المحكمة. لكن حتى اللحظة كانت الشمس ساطعة والجو معتدلا؛ وكان يوما رائعا ~~يقضونه على قيد الحياة، فكان سيرهم متهاديا. وانقشعت غيوم الشتاء، مفسحة المجال ليوم ~~ربيعي مثالي وكانت الشوارع مليئة بجموع البشر. # في أي يوم عادي، كانت بو نيف دائما مزدحمة طوال الوقت، إذ كان بعض الناس يتدافعون في ~~طريقهم بينما يقف البعض الآخر محدقا في قصر اللوفر البديع، وشرفات المباني المبهرة، ms203 ~~ومئات القوارب التي تشق طريقها في حذر متداخلة في النهر المزدحم. كان هذا هو الجسر ~~الوحيد على النهر الذي لم تكن تحده المنازل، وهو ما أتاح مشهدا خلابا لمجرى النهر ~~المتدفق الذي أعطى باريس روحها. كان الجسر في ذلك اليوم ممتلئا على غير العادة. # كان ذلك أحد الأيام الأخيرة لمعرض سان جيرمان، وهو احتفال يمتد لشهر، بدأه الرهبان ~~قبل قرن إيذانا بفترة الصوم الكبير التي تسبق عيد الفصح لكن تحول في السنوات الأخيرة ~~إلى احتفال بما هو غيبي. كان الجسر والطرق الواقعة أمام هذه المجموعة مباشرة مليئة ~~بالجنود والمتسولين، وبالحراس والعاهرات. كان المهرجان بوتقة للحياة الباريسية، وحدثا ~~مطولا يجمع بين أروع البغايا وأجمل الفتيات وأبرع النشالين. كان النبلاء يتجولون مع ~~وصفائهم، وكان اللصوص يجالسون الشرفاء ويشربون معهم. تزاحم الموظفون وأصحاب المحال ~~والخدم والطلاب والحمالون. كان المهرجان لدى الأرستقراطيين النبلاء فرصة لكسر الرتابة ~~الشديدة للحياة الرسمية وفرصة للسخرية من فظاظة القرويين ودونيتهم. بالمثل، وجد البسطاء ~~أنفسهم فجأة على قدم المساواة مع أسيادهم؛ إذ مد الكل أعناقهم ليشاهدوا الحدث. وكان ~~المعروض كثيرا. # ومع الإبداء المتعمد للانزعاج، مر دوني ورفاقه بخيمة فيها رجل يتحدث عن عجائب العلم، ~~لكنه كان في الحقيقة مخادعا تحايل بخفة اليد والدخان والمرايا على جمهور ساذج ليظن أنه ~~يؤدي مهارات عجيبة. ربما كانت النتيجة امتلاء جيوبه بالنقود ، لكنها، بالنسبة إلى دوني، ~~أدت للتقليل من قيمة العلم الحقيقي، وكانت تزيد مهمة إقناع العامة والقضاء المتشككين ~~في قيمة عمله صعوبة. لقد أكد العرض في نطاق الجدل العام فكرة أن العلم والسحر شيء واحد. ~~وبما أن أكثر من ثمانية بالمائة من أهل باريس أميون، كان دوني يعرف بكل أسى أنه ليس من ~~السهل رفع الأمة إلى عصر تنوير. # كان السائرون على الحبال والبهلوانات والمهرجون وآكلو النار أكثر إمتاعا، حيث تبارى ~~كل منهم مع غيره ليؤدي عروضا أكثر إذهالا. وكلما ازدادت صعوبة العرض كثر الجمهور. جثم أحد الاستعراضيين في وضعية ملتوية على الأرض، ثم قفز في حركة واحدة مفاجئة ~~على سارية طولها ثمانية ms204 أقدام. وتحدى سائر على الحبل الجاذبية، عازفا الكمان وهو في ~~حالة غيبوبة حقيقية. وكانت هناك طفلة من المفترض أنها في الثانية من عمرها تدور حول ~~نفسها بينما صوبت سيوف حادة من حولها إلى عينيها وحلقها وبطنها؛ انزلاقة واحدة قد ~~تحدث ضررا كبيرا. # لكن لم يكن هذا الاستعراض للقدرات البشرية الممتازة والمصقولة هو ما لفت انتباه دوني. ~~ففي كل مرة يتجول فيها عبر المهرجان كان ينجذب إلى مظاهر التشوه؛ فأصحاب الأصابع ~~الزائدة في أيديهم لم يثيروا اهتمامه إلى حد كبير، لكن أصحاب الرءوس شديدة التشوه أو ~~الأجسام ذات العيوب الكبيرة كان لهم سحرهم الخاص؛ إذ كان هناك الأقزام الذين لم يتعد ~~طولهم قدمين بجانب العمالقة الذين بلغت أطوالهم ثماني أقدام، وصبي بلا ذراعين أو ساقين، ~~لكنه كان قادرا على حمل عصا في فمه والقرع على طبلة. جلس كثيرون منهم مغتمين. بينما ~~بدا على آخرين الاستعداد لفعل شيء، مما أجبر القائمين عليهم على تقييدهم في الأغلال أو ~~حبسهم في أقفاص كبيرة تعزز الإحساس بالخوف منهم، وتثير أسئلة عن الحد الفاصل بين ~~الإنسان وغيره من الدواب التي تسير على ظهر الأرض. # وخلال نظر دوني إلى المشوه الذي كان يعرض وهو يرتدي الحد الأدنى من الملابس لإبراز ~~الشعر الذي يغطيه، جال سؤال في خاطره. ما الكمية اللازم نقلها من دم الخراف إلى إنسان ~~ليتحول إلى نصف خروف؟ وعندها ظهر سؤال آخر مواز: كم من الدم يلزم نقله من إنسان إلى ~~خروف ليصبح بحالة لا تقل عن حالة هذا الرجل المسكين؟ # بدا السؤال أكثر تعقيدا عندما نظر إلى القفص المجاور الذي يحوي قردا كبيرا يجلس ~~وكأنه يسأله باهتمام كبير وذكاء ظاهري على الأقل. وفي المربع الذي أضاءته أشعة الشمس ~~من ورائه، أدى قرد شمبانزي رقصة المينيويت، وأدى تدريبات عسكرية، رغم أن الدب الذي حلق ~~شعره وارتدى ملابس تاجر باريسي كان محاولة أكثر بؤسا لطمس أي فرق بين بني آدم وباقي ~~مخلوقات الرب البديعة. # باريس تتولى المسئولية: حان وقت التغيير # استغرقت مسيرة الدقائق العشر ساعة كاملة، ms205 وخلالها «انخرط» كثيرون من رفاق دوني ~~جدا بالتسلية لدرجة أنهم لم يصلوا إلى منزل دوني. أما الذين وصلوا فقد دخلوا سريعا ~~في جدال حول تبعات الحكم الصادر في الصباح. # جلسوا وقرءوا الحكم الذي ورد فيه أنه: # توجد أسباب كافية لاستجواب هذه السيدة للإجابة على عدد من الأسئلة: من أين ~~جاءت بتلك المساحيق؟ ولم أعطتها لزوجها؟ وبتعليمات ممن؟ ولم كذبت في سبيل ~~إعاقة تشريح الجثة؟ ولتنفيذ ذلك، أمر دورميسو بأن تحتجز خلال فترة التحقيق في ~~هذه المسائل. # وأنه فيما يتعلق بالأطباء الثلاثة الذين عرضوا عليها المال نظير ملاحقة ~~الأطباء الذين أجروا العملية قضائيا، والذين شوهدوا معها، طلب تحديد موعد ~~ليمثلوا بشخوصهم أمامه. # وأخيرا، أنه في ضوء نجاح عملية نقل الدم مع الحالتين الأوليين، وأنه لم ~~تجر الثالثة إلا بإلحاح من السيدة (التي تجاهلت في غير هذا الموقف تعليمات من ~~أجروا العملية الذين اشتبه في تسببهم في وفاة زوجها) طلب إلغاء قرار مثول دوني ~~أمام المحكمة - وأنه بريء من التهم الموجهة إليه ويخلى سبيله. # وعليه تقرر مثول أرملة موروا بشخصها في يوم محدد، وخضوعها للاستجواب بخصوص ~~الأقوال المزعومة؛ وأن تقدم مزيد معلومات عن مضمون شكوى السيد دوني؛ وألا تجرى ~~في المستقبل أي عملية لنقل الدم في جسم إنسان من دون موافقة أطباء الكلية ~~الباريسية. # ساد ارتياح عام وراح رفاق دوني يربتون في حماس على أظهر بعضهم بعض بعد ~~أن سقطت التهمة الموجهة لدوني؛ فأي حكم ضده كان سيفتح الباب أمام كثير من الشكاوى ضده. ~~في الواقع، كان نقل الدم غير مألوف، لكنه من عدة أوجه كان أقل حدة من فتح ثقوب في رءوس ~~البشر أو غيرها من أشكال العلاج الخاضعة للدراسة حاليا. كان بعض الناس يطرحون أسئلة ~~حذرة عن أصول الشهود الذين وجدوهم لكن لم يكن من بينهم من كان على استعداد كبير لتتبع ~~هذه التفاصيل؛ فكل هذا ستتناوله جلسة الاستماع المقبلة في المحكمة. # رغم المودة والزمالة أجبر دوني على الخضوع؛ فقد كسب المعركة لكنه خسر الحرب على ~~الأرجح؛ إذ كانت المشكلة ms206 الكبرى تكمن في جملة القاضي الختامية: «وألا تجرى في المستقبل ~~أي عملية لنقل الدم في جسم إنسان من دون موافقة أطباء الكلية الباريسية.» فقد كان منح ~~كلية الطب الباريسية حق النقض بمثابة حظر لنقل الدم. فقد أبدت الكلية معارضتها له ~~بصراحة وسيسرهم أن يتعزز وضعهم وقدرتهم على التحكم في الأنشطة الطبية هكذا. # ومع أن دوني كان طبيبا، فإنه لم يكن عضوا في الكلية الباريسية. فأصوله الطبية ~~وانتماؤه المستمر كانا لكلية الطب في مونبيلييه، وكثير ممن حضروا في القاعة كانوا من ~~تلك المجموعة أو من الكلية المنافسة في رانس. وكلاهما كان غاضبا؛ فالحكم بالصورة التي ~~كان عليها ينطبق على فرنسا كلها. فإن لم يطعن فيه أحد، فذلك يعني أن الأطباء الباريسيين ~~تولوا فجأة دور الحكم على كل أعمالهم. وتساءلوا: «لماذا ينبغي علينا أن نخضع لأي طبيب ~~باريسي؟» # انصرف زملاء دوني بحلول الظلام، وجلس هو منكبا على مكتبه يسجل أحداث يومه في خطاب ~~كتبه إلى زميله في إنجلترا: السيد أولدنبرج: ~~... وفي هذه الأثناء، إذا اجتمعت كلية الأطباء الباريسيين ليناقشوا الأمر، لا ~~أعتقد أنهم سيتصرفون بتسرع. في الواقع، سيكون علينا أن ننتظر البرلمان ليفصل في ~~الأمر، ولا أظن أنهم يرغبون في حظر هذا العلاج، إلا إذا ظهرت فجأة دلائل جديدة ~~من التجارب المستقبلية تشير إلى أن هذا الإجراء خطير. # وفيما يخص الكلية الباريسية، علينا أن نتذكر واقعة الأنتيمون. فقد أدرجوه ضمن ~~السموم في الوقت الذي نصح زملاء آخرون باستخدامه كعلاج. وبعد أن نجح في علاج ~~الملك، بدل الباريسيون رأيهم وبدءوا هم أنفسهم يطالبون باستخدامه على نطاق ~~أكبر. # هذا المثال وحده سيجعلهم يتصرفون بحذر أكبر. بخلاف أننا نعيش في عصر يشجع ~~الاكتشافات الجديدة. فبرغم الانشغال بإدارة المملكة، فإن الملك نفسه مهتم ~~بتشجيع المتعلمين والباحثين. ففي الوقت الذي يرسل فيه الملك الأموال والعطايا ~~حول العالم لتحصيل العلم، لا أعتقد أن قاضيا سيدين رجلا لا جريرة له سوى ~~تركيز كل اهتمامه وعمله على تقدم المعرفة وتطورها. # سأطلعك بكل تأكيد على أي تطورات تطرأ في هذا الشأن. ms207 # في الوقت الحالي أطلب منك أن تصدقني. # وتفضلوا بقبول وافر الاحترام. # المخلص # دوني، جيه بي # حصافة أم تحامل؟ # لم تسر الأمور كما تمنى دوني. فقد رأى أن شهرته وثراءه المستقبليين مرتبطان بنقل ~~الدم، لكن ذلك لم يحدث. لكن لم يكن هناك إقبال عام على اختبار العلاج، وسرت شائعات بأن ~~بعض المحاولات التي أجريت في الأشهر القليلة التالية انتهت بالمريض في تابوت على عمق ست ~~أقدام تحت الأرض. ومع ازدياد شكوك السلطات الفرنسية، وقع البابا مرسوما في عام 1675، ~~يجرم الإجراء، وفي عام 1678، تدخل البرلمان الإنجليزي ليمنع إجراء نقل الدم في ~~إنجلترا. ومر 150 عاما قبل أن ينشط نقل الدم ثانية ليصبح تلك الصناعة التي تقدر ~~بمئات الملايين من الجنيهات في بلدان عديدة في يومنا هذا. # تلفت قرارات الحظر تلك الاهتمام باعتبارها من ضمن أولى الأمثلة على تعليق النشاط الذي ~~يفرض على جانب من جوانب الجهد العلمي. ففي هذه الحالة، وجد المشرعون أنفسهم غير ~~مستعدين للفصل في المسألة وردوها إلى الوسط الطبي ليفصل هو فيها. وكانت النتيجة حظرا ~~فعالا، إلا أن العلماء لم يحزموا حقائبهم ويهجروا العلم، بل وجهوا اهتمامهم إلى ~~مجالات أخرى، مع شعورهم الملح بأنه بمجرد إتمام الأبحاث الأساسية الأخرى، قد يعودون هم ~~أو خلفهم إلى هذه المنطقة. # إن أصداء دعوات حظر البحث المبني على الاستنساخ الجاري حاليا لافتة للانتباه هي ~~الأخرى. فبالعودة إلى نقل الدم، من السهل الآن أن نرى كم من القرارات كان مبنيا على ~~معلومات قليلة. فلم يكن لدى لوور ولا دوني ولا بويل ولا بيرو أي فكرة عن المسائل ~~الحقيقية التي كان يتحتم تناولها قبل أن يصبح نقل الدم واقعا. لقد كانوا بعيدين عن ~~صياغة لغة تعبر عن فصائل الدم والتلازن، ولم يكونوا يعرفون أن الدم عبارة عن كتلة ~~متدفقة من الخلايا الحية تسبح في سائل. وكان الحذر مفروضا عليهم من قبل ولاة أمرهم ~~الذين كانوا يجهلون ما وصل إليه العلم وقتها، ومن ممارسي الطب الذين كانوا يخشون فقدان ~~مصدر رزقهم إذا نجح نقل الدم. # يفيد ms208 هذا الموقف كتذكرة للعلماء بأنهم إذ يعملون على توسيع حدود المعرفة فإنهم يخطون ~~إلى المجهول. فجهلهم بالآليات الحقيقية التي تكمن وراء ما وصلوا إليه من نتائج كان - ~~وسيظل - كبيرا. # انتهى حلم دوني بتحقيق الشهرة والثراء، لكن الحياة لم تتوقف. لقد بدا أنه فقد حماسه ~~للاستمرار في الأبحاث الطبية وعاد اهتمامه إلى أكثر المجالات أمنا؛ الرياضيات والفلسفة والفلك، ~~وأضاف إلى سجله من خلال عقد المؤتمرات العلمية العامة. إلا أن الطب ظل جزءا من ~~حياته، حيث نجده في عام 1673 يسير في شوارع لندن بعد أن تلقى دعوة من الملك تشارلز ~~الثاني ليتحدث عن خبرته في نقل الدم ويقدم رأيه في علاجات أخرى. وبدا آنذاك رجلا يعيش ~~جيدا مستفيدا من مذكراته بدلا من أن يكون باحثا يخطو نحو اكتشافات جديدة. لم يبد ~~دوني أي علامة على تحدي التعميم القائل إن معظم العلماء لا تأسرهم إلا فكرة كبيرة واحدة ~~في حياتهم. من اللافت أن نرى عدد الأشخاص الذين يمرون بمرحلة ابتكارية من حياتهم، في ~~أثناء إعداد رسالة الدكتوراه وفي السنوات الأولى لأبحاث ما بعد الدكتوراه، لكن نجاحهم ~~الدائم يعتمد على جمع فريق من العقول اليافعة حولهم. فإن سار الأمر على ما يرام، فإنهم ~~يضطلعون بدور المعلم والموجه ويستمتعون بتجوالهم في سلك المؤتمرات الدولية ليقدموا ~~أعمال أعضاء فرقهم؛ لذا لم يكن فشل دوني يتجسد في أنه لم يأت بفكرة أخرى مزلزلة بقدر ~~ما تجسد في عدم بنائه لفريق. # وماذا عن زوجة موروا؟ في الحقيقة تحولت القضية إلى مواجهة بين الشهود ومقارنة بين ~~أنصار كل طرف. ويحيط بنتائج هذه المواجهة بالتحديد جو من غياب العدالة. ففي جهة كانت ~~هناك فلاحة فقيرة ترملت مؤخرا وتحاول جمع ما يكفي من المال لتبدأ حياة جديدة. لم تكن ~~في المحكمة ذلك اليوم، لكن من المرجح أنها عند الاستماع لحجتها كانت قاعة المحكمة ~~خالية؛ فلم يكن لديها كثير من الأصدقاء وليس لديها أي دعم مالي. وفي الجهة المقابلة، ~~كان هناك رجل له أصدقاء ذوو نفوذ وتدعمه مجموعة كافية من الشهود. ms209 في الواقع، بدت مجموعة ~~الشهود مناسبة جدا بدرجة تثير الشك في أن دوني استخدم الحيلة نفسها التي تضرر منها ~~كثيرا على يد أطباء كلية الطب. هل من الوارد أنه عرض على شهوده بعض الحوافز؟ # لا دليل على تقديم أي رشوة، لكن ما هي الاحتمالات الحقيقية لأن يرى شخص ملعقة من ~~الحساء تنسكب على الأرض وتتناولها بعدئذ قطة ماتت نتيجة لذلك؟ يا لحظ دوني أن يعثر على ~~شهود قد عرضت عليهم رشوة وتمكنوا من أن يشهدوا بأن زوجة موروا هي الأخرى عرضت عليها ~~رشوة. لكن اللافت هو تعدد الروايات التي قدمها دوني عن الليلة الأخيرة لموروا؛ إذ تقول ~~سجلات المحكمة إنه لم يصل إلى فتح شريان العجل قبل أن يدخل موروا في نوبة صرع. إلا أنه ~~في خطاب دوني لأولدنبرج يقول إن الإبرة أدخلت لكن لم تنقل أي دم. لكن مع إدخال الإبرة، ~~يكون الأرجح أن بعض الدم عبر إلى جسم المريض. وكما رأينا من قبل، كان دوني ميالا ~~للمبالغة في طول المدة بين أول عمليتين لنقل الدم وتلك الواقعة الأخيرة، وهي مبالغة ~~تعني أن العملية بدت أفضل مما هي عليه في الواقع. # علاوة على ذلك، أبدى دوني تجاهلا عاما للتفاصيل. فالخطاب الذي كتبه إلى مونتمور ~~الذي أثار غضب الإنجليز كان بتاريخ 25 يونيو. لكن هذا خطأ حتما؛ إذ كان أولدنبرج قد ~~تسلمه وترجمه عندما ألقي القبض عليه في 20 يونيو. ويعتمد ادعاء دوني السبق في عمله في ~~نقل الدم على قوله إنه سمع الراهب البندكتي دوم روبرت دو جابتس يتحدث عنه في أحد ~~اجتماعات أكاديمية مونتمور قبل 10 سنوات. على الرغم من أن عام 1657 شهد ذروة نشاط ~~مجموعة مونتمور، لم يكن دوني يتجاوز السابعة عشرة في ذلك الوقت، والأرجح أنه لم يحضر ~~الاجتماع. وأذكر كذلك القواعد التي نصت على أن الأعضاء وحدهم هم من يمكنهم الحضور؛ إذ ~~لا يسمح للمراقبين بالحضور. وتوجد نقاط تضارب أخرى. # وأيا كان ما حدث ذلك المساء، لم تكن رواية دوني للأحداث متسقة تماما، وبدا ms210 أنها ~~قد خضعت لبعض التنقيح لتخدم أهداف تبرئة اسمه. لكن يبدو من المنطقي جدا أن دوني حاول ~~فعلا إتمام عملية نقل الدم الثالثة، وأن كمية الدم الصغيرة التي دخلت جسم موروا كانت ~~كافية لترجح كفة الموت على الحياة. لقد كان موروا رجلا مريضا، وكان أي رد فعل عكسي ~~آخر أكبر مما يتحمله. ويبدو أن زوجته لم يكن أمامها وقت كاف لتحضر الحساء القاتل ~~المزعوم حتى وإن أرادت. لقد مات المريض بعد محاولة دوني الثالثة مباشرة. وللأسف لم يترك ~~الحريق الذي دمر المحكمة وكل سجلاتها أي سبيل لمعرفة ما قالت زوجة موروا في هذا ~~الشأن. # وكذلك لا نعرف مصيرها. فبينما كانت محاكمة دوني محل اهتمام في إنجلترا ومن ثم سجل ~~أولدنبرج وقائعها، فإنه لم يهتم بأي مما حدث بعد ذلك. لم يكن قرار السيدة موروا بدفن ~~الجثة في أقرب وقت ممكن غير معتاد تماما، ورغم أنه قرار ربما قد شجعته عروض الأموال من ~~الوسطاء المنتمين لمهنة الطب. على كل حال، يبدو أنه ليس هناك كثير في قصتها - بخلاف ~~الشهود «الملائمين» - يدينها بجريمة القتل. لكن بالنظر إلى المعاملة القاسية للسجناء ~~الذين لم يكن لديهم دعم رفيع المستوى أو ثروة، وكذلك قسوة العقاب في باريس في القرن ~~السابع عشر، من المشكوك فيه أن حياتها استمرت بعد ذلك. # إذن، هل كان دوني قاتلا؟ الإجابة أقرب يقينا إلى النفي . يبدو من المرجح أن علاجه ~~أضعف موروا. لكن الجريمة تتطلب دليلا على وجود نية القتل، وهذا آخر ما كان يريده دوني. ~~إذن هل ارتكب القتل بغير عمد؟ من الوارد جدا أن تلك التهمة كانت ستلصق به إن كانت تلك ~~الجريمة موجودة وقتها. # في جميع أنحاء العالم، ينقذ نقل الدم الآن حياة الملايين كل سنة، ومن المنصف أن نقول ~~إن دوني أدى دورا صغيرا في بدء هذه المسيرة. لقد كان على هذه الطريقة أن تتعطل حتى ~~يصل العلم إلى النقطة التي تحول فيها حلمه إلى حقيقة. أما في حياته، فقد حقق جزءا ~~صغيرا من الشهرة التي كان ms211 يتمناها، لكن من المؤكد أنه كان سيتحمس لنتائج عمله بعيدة ~~الأمد. فإن فتحت أي كتاب تقريبا ستجد بلا شك ذكرا لعمله المغامر في موضع ما في ~~الفقرات الافتتاحية. وكما هو الحال دائما، أعطى التاريخ لدوني تقديرا يفوق ذلك الذي ~~أعطاه له أقرانه. # لقد انطوت الواقعة الكاملة التي سردت عبر دفتي هذا الكتاب على قليل من العلم ~~وكثير من الدم، لكن هل حصل أي شخص في هذه الأحداث على العدالة فعلا؟ # | تسلسل زمني # الأحداث المتعلقة بنقل الدم # حدث عالمي # ديسمبر 1620 # أوائل المهاجرين ينشئون أول مستعمرة في بليموث، إنجلترا الجديدة # هارفي ينشر كتابه «علاج القلب» # 1624 # مارس 1625 # وفاة جيمس الأول وتولي تشارلز الأول عرش إنجلترا # أغسطس 1642 # اندلاع الحرب الأهلية الإنجليزية # 1643 # تولي لويس الرابع عشر العرش وهو في الخامسة # يناير 1649 # إعدام تشارلز الأول # مايو 1652 # بداية الحرب الإنجليزية الهولندية في القرن السابع عشر # فرانسيس بوتر يكتب إلى جون أوبري عن محاولاته لنقل الدم # 7 ديسمبر 1652 # أبريل 1654 # معاهدة ويستمنستر تنهي الحرب الإنجليزية الهولندية # سبتمبر 1654 # كرومويل يؤسس أول برلمان وصاية # رين وويلكنز وبويل يحقنون الكلاب بالأفيون ومواد كيميائية أخرى # 1656 # رين وكلارك يحقنان جسم خادم بمستخلص الزعفران # خريف 1657 # سبتمبر 1658 # وفاة كرومويل # 1659 # صلح البرانس يؤدي إلى حلول فرنسا محل إسبانيا باعتبارها القوة العظمى في ~~غرب أوروبا # مايو 1660 # عودة الملكية في إنجلترا وتتويج تشارلز الثاني ملكا # 1660 # لويس الرابع عشر يتزوج ماريا تيريزا ابنة ملك إسبانيا # تأسيس الكيان السابق على الجمعية الملكية رسميا # 28 نوفمبر 1660 # 10 مارس 1661 # تولى لويس الرابع عشر السلطة المطلقة على فرنسا # 1661 # إنجلترا تضم بومباي وتزيد تجارتها مع الهند # سبتمبر 1661 # القبض على نيكولا فوكيه في فرنسا، مما أزال أي تحديات سياسية لسلطة لويس ~~الرابع عشر # لوور يبدأ تجارب حقن الدم في أكسفورد. وكلارك يجري تجارب مشابهة في ~~لندن # 1662-1664 # دوني ينتقل إلى باريس ويتلقى دعوة للانضمام إلى أكاديمية مونتمور # 1664 # أولدنبرج يبدأ نشر دورية «مداولات فلسفية» # 1665 # فبراير ms212 1665 # بداية الحرب الإنجليزية الهولندية الثانية # 1665 # الطاعون العظيم يضرب لندن # ريتشارد لوور وجون ويلكنز ينقلان الدم بين كلبين صغيرين # 1665 # أولى محاولات لوور لنقل الدم تحقق نجاحا واضحا. أجريت التجربة بين ~~كلبين، وتمت في أكسفورد # فبراير 1666 # 1666 # تأسيس الأكاديمية الملكية للعلوم في فرنسا # 1666 # موليير ينشر مسرحيته الكوميدية الساخرة «عدو المجتمع» # بيبيس يسجل تجارب نقل الدم في لندن # 26 يونيو 1666 # 1-6 سبتمبر 1666 # حريق لندن الكبير # نشر طريقة لوور في «مداولات فلسفية» # 17 ديسمبر 1666 # بيرو يبلغ الأكاديمية الملكية للعلوم بأنه أجرى أولى تجارب نقل الدم في ~~فرنسا # 31 ديسمبر 1666 # دوني يجري أولى تجاربه لنقل الدم بين الحيوانات # 3 مارس 1667 # يونيو 1667 # الهولنديون يهاجمون الأسطول الإنجليزي في ميدواي # دوني يجري أولى تجارب نقل الدم على الإنسان - على صبي مراهق # 15 يونيو 1667 # دوني ينقل الدم إلى عامل سليم # يونيو 1667 # احتجاز أولدنبرج في برج لندن # 20 يونيو 1667 # نشر النسخة الأصلية ل «مداولات فلسفية» العدد 27 # يوليو 1667 # يوليو 1667 # معاهدة بريدا تنهي الحرب الإنجليزية الهولندية # إطلاق سراح أولدنبرج من برج لندن # 26 أغسطس 1667 # نشر النسخة الثانية من العدد 27 من «مداولات فلسفية» # سبتمبر 1667 # أول عملية نقل دم من حمل إلى آرثر كوجا في لندن # 23 نوفمبر 1667 # ثاني عملية نقل دم إلى آرثر كوجا # 14 ديسمبر 1667 # أول عملية يجريها دوني لنقل دم عجل إلى أنطوان موروا # 19 ديسمبر 1667 # ثاني عملية يجريها دوني لنقل دم عجل إلى أنطوان موروا # 21 ديسمبر 1667 # ثالث لقاء لدوني بالزوجين موروا # يناير 1668 # محاكمة دوني في شاتيليه، باريس # 16 أبريل 1668 # مارس 1672 # بداية الحرب الإنجليزية الهولندية الثالثة # تشارلز يدعو دوني للقدوم إلى إنجلترا # 1673 # البابا يحظر عمليات نقل الدم # 1675 # | ملاحظات # الفصل الثاني: استكمال عمل هارفي # الفصل الثالث: التجارب الإنجليزية في حقن الدم # الفصل الرابع: المجتمع العلمي # الفصل الخامس: التجارب الإنجليزية في نقل الدم # الفصل السادس: طريق دوني إلى القمة # الفصل السابع: السبق والسجن ms213 # الفصل الثامن: اللحاق # الفصل العاشر: الجدل الكبير # | المراجع # أبحاث نشرت في دورية «مداولات فلسفية» ~~'An Account of the rife and attempts, of a ~~way to conveigh Liquors immediately into the mass of blood’, Philosophical Transactions ~~(1665) 1: 128-30. # Lower, R., 'The method observed intransfusing the bloud out ~~of one animal into another’, Philosophical Transactions ~~(1666) 1: 353-58. # Boyle, R., 'Trials proposed by Mr Boyle to Dr Lower to be ~~made by him, for the improvement of transfusing blood out of one live ~~animal into another; promised Numb 20 p 357’, Philosophical Transactions ~~(1666) 1: 385-88. ~~'An account of an easier and safer way of transfusing ~~blood: An experiment of bleeding a mangy into a sound dog; an extract of a ~~letter written by a French philosopher concerning the same subject of ~~transfusion’, Philosophical Transactions ~~(1667) 2: ~~449-53. # Denis, J. B., 'A letter concerning a new way of curing ~~sundry diseases by transfusion of blood, written to Monsieur de Montmor, ~~Counsellor to the French King, and master of requests. By J: Denis Professor of philosophy and mathematicks’, Philosophical ~~Transactions ~~(1667) 2: 489-504. [Retracted ~~version]. ~~'An advertisement concerning the invention of the ~~transfusion of blood and an account of some experiments of injecting ~~liquors into the veins of animals, lately made in Italy by Signor ~~Fracassati, Professor of Anatomyat Pisa’, Philosophical Transactions ~~(1667) 2: 489-91. ~~'Of more trials of transfusion accompanied with some ~~considerations thereon, chiefly in reference to its circumspect practice ~~on man; together with a farther vindication of this invention from ~~usurpers’, Philosophical Transactions ~~(1667) 2: 517-25. ~~'An account of the experiment of transfusion, practised on ~~a man in London’, Philosophical Transactions ~~(1667) ~~2: 557-59. ~~'A relation of some trials of the same operation lately ~~made in France’, Philosophical Transactions ~~(1667) ~~2: 559-64. ~~'Of injecting medicated liquors into veins, together with ~~the considerable cures perform’d thereby’, Philosophical Transactions ~~(1667) 2: 564-65. ~~'Of a letter written by J. Denis, Doctor of Physic, ms214 and Professor of philosophy and the mathematicks at Paris, touching a late ~~cure of an inveterate phrensy by the transfusion of blood’, Philosophical Transactions ~~(1667) 2: 617-24. ~~'Of a printed letter, addressed to the publisher, by Jean ~~Denis D. of physick and prof of the mathematics at Paris, touching the ~~differences risen about the transfusion of bloud. Including an extract ~~of the sentence, given at Chastelet, by the Lieutenant in Criminal ~~causes, April 17, 1668, in Paris’, Philosophical Transactions ~~(1668) 3: 710-15. ~~'Out of the Italian Giornale de letterati, about two ~~considerable experiments of the transfusion of the blood’, Philosophical Transactions ~~(1667) 3: 840-41. # سجل الجمعية الملكية # Lower, R., Boyle, R., King, E. and Cox, T., 'Blood ~~transfusion’, # Register Book of the Royal ~~Society # 1666, copy II. # منشورات في المكتبة البريطانية (رمز الرف # 23.g.783 ~~) ~~'Lettre ecrite a Monsieur **** ~~par J. Denis docteur en medecine, & professeur de philosophie ~~& de mathematique. Touchant une folie inveterée, qui a esté ~~guérie depuis peu par la transfusion du sang’, 12 ~~January 1667. ~~'Lettre ecrite a monsieur sorbiere docteur en medecine, par ~~Jean Denis aussi docteur en medecine; Touchant l’origine de la ~~transfusion du sang, & la maniere de la pratiquer sur les hommes. ~~Avec le recit d;une cure faire depuis peu sur une personne paralitique’, ~~2 March 1667. ~~'Sentence rendue au chastelet par Monsieur le Lieutenant ~~Criminel le 17. Avril 1668’, 15 May 1667. ~~'Copie d’une lettre escrite a Monsieur de Montmor, ~~conseiller du Roy en ses conseils, & premier maistre des ~~requestes. Par I. Denis professeur de philosophie & de ~~mathematique. Touchant une nouvelle maniere de guarir plusieurs maladies ~~par la transfusion du sang, confirmée par deux experiences faites sur ~~des hommes’, 25 June 1667. ~~'Lettre escrite a monsieur Moreau, docteur en medecine de la ~~Faculté, conseiller, medecin, lecteur & professeur ordinaire du ~~Roy, par G. Lamy, maistre aux arts en l’Université de Paris; Contre les ~~pretenduës utilitiés de la transfusion du sang ms215 pour la guerison des ~~maladies, avec la réponse aux raisons & experiences de Monsieur ~~Denis’, 8 July 1667. ~~'L’ombre d’apollon, decouvrant les abus de cette pretenduë ~~maniere de guerir les maladies par la transfusion du sang. Ensemble. Une ~~lettre servant de response à la premiere & seconde lettre de ~~Monsieur Denis & Gadroys. Par le Sieur de la Martiniere, medecin ~~chymique & operateur ordinaire du Roy’, 15 ~~September 1667. ~~'Lettre ecrite a monsieur l’abbe Bourdelot, docteur en ~~medecine de la Faculté de Paris, premier medecin de la Reine Christine ~~de Suede, á present auprés de Monsegneur le Prince á Chantilly, Par ~~Gaspard de Gurye Ecuier Sieur de Montpolly, Lieutenant au Regiment de ~~Bourgongne; sur la transfusion du sang, contenant des raisons & ~~des experiences pour & contre’, 16 ~~September 1667. ~~'Lettre escrite a monsieur l’Abbe Bourdelot Docteur en ~~medecine de la facultè de Paris, & premier medecin de la Reine de ~~Suede, Par C. G. pour servir de rèponse au Sr Lamy, & confirmer ~~en meme temps la transfusion du sang par de nouvelles experiences’, 8 ~~August 1667. ~~'Lettre escrite a Mr Moreau docteur en medecine de la ~~Faculté de Paris, conseiller, medecin, lecteur & professeur ~~ordinaire du Roy; Par G. Lamy: Dan laquelle il confirme les raisons ~~qu’ilavoit apportées dans sapremiere lettre, contre la transfusion du sang, en ~~répondant aux objections qu’on luy a faites’, 26 ~~August 1667. ~~'Reflexions de Louis de Basril-advocat en parlement, sur ~~les disputes qui se sont à l’occasion de la ~~transfusion’, 1667. ~~'Euthyphronis philosophi et medici, de nova curandorum ~~morborum ratione per transfusionem sangvinis, dissertatio ad ~~amicum’, 1667. ~~'Lettre ecrite a monsieur Oldenburg gentilhomme anglois, ~~& secretaire de l’academie Royalle d’Angleterre. Par Jean Denis ~~docteur en medecine, & professeur éz mathematiques. Touchant les ~~differents qui sont arrivez à l’occasion de la transfusion du ~~sang’, 1667. ~~'Physical reflections upon a letter written by J Denis Professor of Philosophy and the mathematicks, to Monsieur de ms216 Montmor ~~Counsellor to the French King and Master of Requests. Concerning a new ~~way of curing sundry diseases by transfusion of ~~blood’, 1668. ~~'Relatione dell’esperienze fatte en Inghilterra, Francia, ~~ed Italia. Intorno alla celebre,e famosa transfusione del sangue’, ~~1668. ~~'Discours de Monsieur de Sorbiere, touchant diverses ~~experiences de la transfusion du ~~sang’, 1 December 1668. ~~'De nova et inavdita medico-chyrvrgica operatione sangvinem ~~transfundente de individvo ad individuum; Prius in Brutis, & ~~deinde in homine Roma experta. Opusclum singulare avctore avlo Manfredo ~~Lucense ex camaiore philosopho & medici Romano, & in vrbis ~~archilyceo medicine practica professore ~~extraordinario’, 1668. # منشورات في المكتبة الوطنية الفرنسية ~~'Discours de Monsieur de Sorbiere, touchant diverses ~~experiences de la transfusion du sang à Monsiegneur le Duc de Chaulnes, ~~pair de France, cheualier des ordres du Roy, & son ambassadeur ~~extraordinaire auprés de sa sainteté’, 1 December ~~1668. ~~'Lettre escrite a monsieur le Breton docteur Regent en la ~~faculté de medecine de Paris & medecin ordinaire de monsigneur le ~~prince, par M. Claude Tardy aussi docteur Regent en la mesme Faculté. Pour confirmer les utilitez de la transfusion du sang, & ~~responder á ceux qui les estendent trop’, 30 October ~~1667. ~~'Lettre ecrite a monsieur l’abbe Bourdelot, Docteur en ~~Medecine de la Faculté de Paris, Premier Medecin de la Reine Christine ~~de Suede, á present auprés de Monsegneur le Prince á Chantilly, Par ~~Gaspard de Gurye Ecuier Sieur de Montpolly, Lieutenant au Regiment de ~~Bourgongne; Sur la Transfusion du sang, Contenant des Raisons & ~~des Experiences pour & contre’, 16 September ~~1667. ~~'Traité de l’ecoulement du sang d’un homme dans les veines ~~d’un autre et de ses utilitez, par M. C. Tardy’, 12 ~~June 1667. # دورية «جورنال دي سافونز» (المكتبة الوطنية الفرنسية) ~~'Extrait du journal d’angleterre. Contenant la maniere de ~~faire passer le sang d’un animal dans un autre’, # Journal des Sçavans, # Monday 31 January 1667; 1: ~~31-36. # Translation into French of Lower’s ~~method of transfusing ms217 blood from the carotid artery of one dog into ~~the vein of another. ~~'Extract d’une letter de M. Denis Professor de philosophie ~~et de mathematique á M. *** touchant la transfusion ~~du Sang. Du 9 Mars 1667’, # Journal des ~~Sçavans, # Monday, 14 March 1667; 4: ~~69-72. ~~'Extrait d’une letter de M. Denis professeur de philosophie ~~& mathematique, á M. *** touchant la ~~transfusion du sang. Du 2. Avril 1667’, # Journal ~~des Sçavans, # Monday 25 April 1667; 8: ~~96. ~~'Lettre de M. Denis Professeur de Philosophie et de ~~mathematique, á M. deMontmor premier Maitre des Requestes; touchant deux ~~experiences de la transfusion faites sur des hommes. Jn 4’, # Journal des Sçavans, # Monday 28 June 1667; ~~11: 134-36. ~~'Extrait du journal d’angleterre, contenant quelques ~~nouvelles experiences de L’infusion des medicamens dans les veines’, # Journal des Sçavans, # Monday 23 ~~January 1668; 1: 10-12. ~~'Diverses pieces touchant la Transfusion du ~~sang: ~~• Lettre de G Lamy a M. Moreau, Docteur en ~~Medecine de la Faculté de Paris, contre les pretenduës utilitez de ~~la transfusion. ~~• Lettre de C. Gadroy a M. L’abbe Bourdelot ~~Docteur en Medec. De la Faculté de Paris, pour servir de Response ~~à la lettre écrite par M. Lamy contre la ~~Transfusion. ~~• Seconde lettre ecrite a M. Moreau Docteur en ~~medecin de la faculté de Paris par G. Lamy, pour confirmer les ~~raisons qu’il a apportées dans sa premiere Lettre contre la ~~Transfusion. ~~• Lettre de G. de Gurye Sr De Montpolly à M. ~~l’Abbé Bourdelot Docteur en Medecin de la Faculté de Paris, touchant ~~la transfusion. ~~• Eutyphronis Philosophi et medici de nova ~~curandorumm ratione per transfusionem sanguinis ~~dissertatio. ~~• Lettre de M. Tardy Docteur en la Faculté de ~~Medecin de Paris, à M. le Breton Docteur en la mesme Faculté, ~~touchant l’usage de la transfusion. ~~• Extrait du journal d’angleterre, contenant ~~quelques experiences de la Transfusion. ~~• Lettre de J Denis Docteur en medecin & Professeur de Philosophie & de mathematique, touchant une ~~folie ms218 inveterée qui a été guerie par la transfusion du ~~sang’. # Journal des Sçavans, # Monday 6 February 1668; 2: 13-24. ~~'Relatione dell’esperienze fatte in Inghilterra, ~~Francia, ed Italia intorno la transfusione del sangue in Roma’, # Journal des Sçavans, # Monday 2 ~~July 1668, pp. 50-52. ~~'Extrait du Journal d’Angleterre contenant le succez ~~des experiences faites á Dantzic, de l’infusion des medicamens dans ~~les veins de quelques personnes maladies’, # Journal des Sçavans, # Monday 12 November 1668, p. ~~108. ~~'Extrait du journal d’Italie contenant deux experiences ~~de la transfusion du sang’, # Journal des ~~Sçavans, # Monday 19 November 1668, p. ~~117. # كتب # Harvey, W., # On the motion of the heart and blood ~~in animals, # 1628 (English translation of # De Motu ~~Cordis ~~). # Boyle, R., # Usefulness of experimental ~~philosophy, # 1663. # Lower, R., # Tractatus de Corde, # 1670. # Boyle, R., # Memoirs for the Natural History or ~~Humane Blood, esp. the spirit of that liquor ~~(London: ~~Samuel Smith), 1684. Pepys, S. # The diary of Samuel Pepys, # 1660-1699. # Hall, A. and Hall, M., # The correspondence of ~~Henry Oldenburg, volumes 1-13, ~~(London: Taylor and ~~Francis), 1986. # Hall, M., # Henry Oldenburg: shaping up the Royal ~~Society, ~~(Oxford: Oxford University Press), ~~2002. # | قراءات إضافية # Shadwell, Thomas, # The Virtuoso, # ed. ~~Marjorie Hope Nicholson and David Stuart Rodes (Lincoln and London: ~~University of Nebraska Press), 1966. # Aseventeenth-century play that discusses the Royal ~~Society and blood transfusion. Pears, Iain, # An Instance of the Fingerpost ~~(1997), (London: Vintage), 1998. # A novel involving blood transfusion and many of the ~~characters in this book. # Coward, Barry, # The Stuart Age-England ~~1603-1714 ~~(London: Longman Group UK Limited), 2nd edn, ~~1994. # An accessible introduction to this period of English ~~history, with comments on the rise of science and medicine within ~~English society. # Loux, François, Pierre-Martin de la Martinière, un ~~médecin au XVII # e # siècle ~~(Paris: ~~Imago) 1988. # Abiography of one of Denis’ most vocal ~~detractors-chapter 5 looks specifically at his stance against ~~transfusion. ms219