######OpenITI# #META# URI: 1450CabdRahmanMajdi.KeynesMuqaddimaQasira.Hindawi24264742 #META# Tags: biographies #META# ID: 24264742 #META# Title: جون مينارد كينز: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 28158584 #META# Author: روبرت سكيدلسكي #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 28405095 #META# Translator: عبد الرحمن مجدي #META# Related_books: 1450RobertSkidelsky.KeynesShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - حياة كينز‏ # 2 - فلسفة الممارسة الاقتصادية لدى كينز‏ # 3 - المصلح النقدي‏ # 4 - النظرية العامة‏ # 5 - حسن الإدارة الاقتصادية لدى كينز‏ # 6 - ميراث كينز‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # 1 - حياة كينز‏ # 2 - فلسفة الممارسة الاقتصادية لدى كينز‏ # 3 - المصلح النقدي‏ # 4 - النظرية العامة‏ # 5 - حسن الإدارة الاقتصادية لدى كينز‏ # 6 - ميراث كينز‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # | جون مينارد كينز # | جون مينارد كينز # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # روبرت سكيدلسكي # ترجمة # عبد الرحمن مجدي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إلى ويليام # | شكر وتقدير # أود أن أتوجه بالشكر لكل من بيتر أوبنهايمر، وويليام هاليجان، وكلايف لينكس؛ على ~~تعليقاتهم المفيدة. وكل ما يشوب هذا العمل من نقص فهو مني. # | مقدمة # | كينز الإنسان والاقتصادي # تقوم رؤية كينز الأساسية على أننا لا نعلم ما سيحدث في المستقبل، ولا يمكننا التنبؤ به. ~~وفي ظل هذا الوضع تمثل النقود مصدر اطمئنان نفسي في مواجهة عدم اليقين. وحينما يشعر ~~المدخرون بالتشاؤم تجاه المستقبل، يمكنهم الاتجاه إلى الاحتفاظ بمدخراتهم بدلا من ~~استثمارها في الأعمال؛ لذا ليس ثمة ما يضمن إنفاق الفرد لدخله بالكامل. يعني هذا أنه لا ~~توجد نزعة فطرية لدينا لاستغلال جميع مواردنا المتاحة. يقول كينز في كتابه «النظرية العامة»: # لا يمكن تشغيل الناس عندما يكون الشيء المرغوب فيه (أي النقود) شيئا لا يمكن ~~إنتاجه (أي نوظف الناس لإنتاجه) ولا يمكن وقف الطلب عليه بسهولة. وليس هناك ~~حل إلا بإقناع الناس ببديل زائف للقمر يمكن تصنيعه وإخضاع من يصنعه (أي ~~البنك المركزي) لسيطرة الدولة. # حينما ذكر كينز النقود بدلا من السلع ووصفها بأنها «الشيء المرغوب فيه»، هل كان ذلك ~~سطحيا أم أنه قصد شيئا عميقا على نحو هزلي؟ وإلى أي مدى يمكن أخذ اقتراحه ~~بجعل النقود مثل «البديل الزائف للقمر» على محمل الجد؟ # لقد خضعت تلك المسألة للنقاش منذ ذلك الحين. فهل كان كينز مجرد متأمل لبعض الأفكار، أم ~~أنه مخلص يقدم للعالم المريض أملا أو حلا جديدا؟ كتبت الاقتصادية بياتريس ويب، ~~عضو الجمعية ms001 الفابية، تقول: «لم يكن كينز جادا بشأن المشكلات الاقتصادية؛ فهو يلعب معها ~~مباراة شطرنج في أوقات فراغه. والمجال الوحيد الذي اهتم به هو علم الجمال.» أما راسل ~~ليفنجويل - المسئول بوزارة الخزانة الأمريكية الذي تفاوض مع كينز في مؤتمر باريس للسلام ~~عام 1919 - فقد رأى أن كينز «فاسد وخبيث دائما ... وشاب ذكي يصدم معجبيه الأكبر سنا ~~بتشكيكه في وجود الرب والوصايا العشر!» لكن الاقتصادي جيمس ميد، الذي عرف كينز وهو طالب ~~في مرحلة الدراسات العليا بجامعة كامبريدج وموظف عام وقت الحرب، قال عنه: «لم يكن كينز ~~مجرد رجل عظيم جدا فحسب، بل كان رجلا رائعا كذلك.» وبالنسبة للاقتصاديين الأصغر سنا ~~على نحو عام، فقد مثل كتاب كينز «النظرية العامة» شعاع ضوء في عالم من الظلام ~~الدامس. وقال عنه ديفيد بينسوزان-بات، الذي أصبح أستاذا للاقتصاد بكلية كينجز كوليدج ~~بجامعة كامبريدج عام 1933: «لقد كان الكتاب بمنزلة رسالة سماوية في عصر الظلام. لقد جاءت ~~رأسمالية كينز المحسنة بكل ما كان يصبو إليه جيل الجمعية الفابية، بل أكثر، في ~~الاشتراكية؛ فقد نادت بالمساواة إذا نظرنا إليها من منظور أخلاقي، وأحسنت استغلال كل ~~شيء، وكانت سخية وبراقة ...» أما لوري تارشيس، وهو تلميذ آخر لكينز، فكتب يقول: «في النهاية ~~كان ما قدمه كينز حقا هو «الأمل»؛ الأمل في استعادة الرخاء والحفاظ عليه دون الحاجة إلى ~~معتقلات وأحكام إعدام واستجوابات وحشية ...» # استمر هذان الوصفان النمطيان حتى وقتنا هذا. فهؤلاء الذين يعارضون كينز يرون أنه ~~قدم فرضيات مبتكرة لكنها في النهاية مشتتة وغير صحيحة؛ أما مؤيدوه فيرون أنه قدم ~~أفكارا عميقة في مجال السلوك الاقتصادي، إلى جانب أدوات قيمة على نحو دائم للسياسات ~~الاقتصادية. وكلا الوصفين صحيحان، بيد أنهما ناقصان. فشخصية كينز لها جوانب عديدة؛ فيرى ~~الناس منه أوجها مختلفة. هذا بخلاف أنه تغير؛ ما يعني أن الأجيال المختلفة رأته بأشكال ~~مختلفة. ولقد كان كينز بالفعل يحب التلاعب بالأفكار بطريقة متهورة، لكن صديقه أوزوالد ~~فولك قال عنه: «بهذه الطريقة، ورغم الشواهد المضللة، كان أسرع في مواكبة سير الأحداث من ms002 ~~غيره.» وقد كان بارعا في صياغة عبارات قوية، وكان يستخدم الكلمات عن عمد لاستثارة الناس ~~وإخراجهم من حالة الكسل العقلي. لكن «حينما وصل إلى مكانة كبيرة في عقول الناس، لم يعد ~~الاستخدام الجمالي للغة مقبولا.» صحيح أنه ليس هناك مجال للشك فيما يتعلق بجدية نوايا ~~الرجل، لكن السؤال الأساسي يكمن فيما إذا كانت المفاهيم التي صاغها ونقلها إلينا هي ~~المفاهيم الصحيحة لفهم عالمه وعالمنا من بعده أم لا. # إن أفكار كينز تضرب بجذورها في زمانه ومكانه؛ فقد ولد عام 1883 وتوفي في عام 1946. كان ~~مولده في عالم افترض أن طريق السلام والرخاء والتقدم هو الطريق الطبيعي للعالم، وعاش ~~طويلا على نحو كاف حتى رأى تلك التوقعات وهي تنهار. فعندما اشتد ساعده، كانت بريطانيا ~~هي قلب إمبراطورية عظمى، في حين شهدت الأشهر الأخيرة من حياته استجداءها للولايات ~~المتحدة الأمريكية. ولم يعاصر في حياته انهيار الإمبراطورية البريطانية فحسب، بل شهد كذلك ~~الوهن وهو ينخر عظام الاقتصاد البريطاني. وشهدت حياته تحولا من اليقين إلى الشك، ومن ~~حديقة طفولته السعيدة إلى غابة سنوات نضجه حيث الوحوش الضارية. وفي عام 1940، كتب إلى مراسل ~~أمريكي يقول: «للمرة الأولى منذ أكثر من قرنين أصبحت رسالة هوبز إلينا أهم من رسالة ~~لوك.» # كان كينز نتاج تفكك تقاليد العصر الفيكتوري. وهذا ما جعل مشكلة السلوك الشخصي ~~والاجتماعي في قلب اهتماماته. لكن فيما قبل الحرب العالمية الأولى، غمر هذا التفكك كينز ~~ومعاصريه بفيض من السعادة؛ فقد رأوا أنفسهم أول جيل يتحرر من الخرافات المسيحية، ورأوا ~~في أنفسهم أيضا صانعي عصر تنويري جديد، والمستفيدين منه، والذين يمكنهم صياغة أفكاره ~~وقواعد سلوكه في ضوء العقل فقط. فكانت أفكارهم شخصية وجمالية؛ فالحياة العامة كانت محبطة ~~إلى حد ما؛ لأنه بدا أن معارك التقدم الكبيرة كلها قد باتت محسومة. وأصبحت التجربة ~~لغة العصر في الفنون والفلسفة والعلوم وفي أساليب الحياة بدلا من السياسة والاقتصاد؛ فقد ~~ولد دياجاليف عام 1872، وولد بيكاسو عام 1881، وجروبيس عام 1883، وجيمس جويس وفيرجينيا ~~وولف في عام 1882، وولد راسل في 1872، وجي إي ms003 مور عام 1873، وولد فيتجنشتاين عام 1889، ~~وأينشتاين عام 1880. وكان فرويد - أحد هؤلاء الذين شكلوا الوعي في أوائل القرن العشرين ~~- هو الوحيد الذي لا ينتمي لهذا الجيل؛ فقد كان ميلاده في عام 1856. # نشبت الحرب العالمية الأولى، وتغير بعدها كل شيء. وبعد عام 1914 برزت قضية إدارة ~~العالم الذي ننتمي إليه؛ وهو عالم اتضح أنه ينزلق إلى الفوضى. فكانت القضية هي قضية ~~السيطرة لا التحرر. واعترف كينز عام 1938 أن الحضارة «كانت مجرد قشرة رقيقة غير ~~مستقرة.» استولى رجال الحكم على مقاليد الأمور، عاقدين العزم على فرض تصوراتهم عن النظام ~~للقضاء على الفوضى؛ حيث ولد ستالين عام 1879، وموسوليني عام 1883، وهتلر عام 1889. وفقدت ~~الحداثة براءتها، وتراجع المرح مفسحا المجال للرعب. وبدأ كينز يتأمل عقيدته. وفي عام ~~1934 قال لفرجينيا وولف: «بدأت أعتقد أن جيلنا - جيلي أنا وأنت - يدين بشكل كبير ~~لدين آبائنا. فلن يخرج الصغار ... الذين لم يتربوا عليه بالكثير من الحياة. فهم تافهون ~~كالكلاب يجرون وراء شهواتهم. لقد فزنا بأحسن ما في العالمين؛ فقد انتصرنا على ~~المسيحية، لكننا مع ذلك فزنا بمزاياها.» لكن النقطة الأهم تكمن في أنه لم يستسلم قط ~~لسياسات اليأس الثقافي. فرغم كل شيء، بقيت لديه بهجة الحقبة الإدواردية. فالشك يمكن ~~مواجهته، ليس بالقوة الوحشية، وإنما بالعقول وتوظيف الذكاء، وعندها يمكن استعادة التوافق ~~مرة أخرى. كانت تلك عقيدته النهائية ورسالته، إن جاز التعبير، لعصرنا. # كان كينز مؤهلا جيدا لنقل تلك الرسالة؛ فقد كتب برتراند راسل يقول إن «عقل كينز كان ~~الأذكى والألمع بين كل من عرفتهم. فعندما كنت أجادله، كنت أشعر أنني أرى حياتي أمام ~~عيني، ولم أكن أشعر فيها قط بأني كنت أحمق إلا أمامه.» لكن ثمة آخرون شعروا أنه ~~استخدم عبقريته بشكل مفرط، ومن بين هؤلاء كينيث كلارك الذي قال عنه إنه: «لم يخفت اتقاد ~~ذهنه قط.» لكن تفكيره المتدفق هذا هو ما صدم معاصريه على نحو أساسي؛ فكانت لديه ~~نزعة - كما يقول كينجسلي مارتن - «للالتفاف حول العقبات التي تقف أمامه وتجاوزها بدلا من ~~التخلص منها. فهو مثل ms004 التيار يبدو عادة وكأنه يتحرك في اتجاهات متعاكسة.» ومن العبارات ~~الساخرة التي شاعت في حياة كينز أنه لا يجتمع خمسة من الاقتصاديين إلا وتجد ستة آراء؛ اثنان ~~منها لكينز. ويقول كينجسلي مارتن: «لكن الاتهامات التي وجهت إليه بالتقلب واتباع ~~النزوات، لم تعن شيئا سوى أن عقله يتعامل بسرعة وبشجاعة الفرسان على نحو ما مع الصعوبات ~~العملية، ليقدم حلا ممكنا تلو الآخر بشكل يرعب ويذهل أهل الحذر وجمود الفكر.» وتكمن ~~المفارقة - كما قال كيرت سينجر - في أنه يمكن لشخص «لا يجد ضالته إلا في الحركة ... والذي ~~يمكنه أن يبني ويهدم في يوم واحد عددا كبيرا من الفرضيات الفكرية الرائعة» أن يترك للعالم ~~«كتاب عقيدة جديدة». # مع ذلك فمن الخطأ أن نحكم عليه، كما حكم عليه لويد جورج، بأنه «نبتة بلا جذور»؛ فقد ~~ولد في العصر الفيكتوري، وظل يحتفظ بآثار «القيم الفيكتورية» طوال حياته. وورث كينز ~~حسا قويا بالواجب، رغم أنه - مثل سيدجويك - لم يجد مبررا لذلك من الناحية الفلسفية. ~~لقد آمن بهيمنة النخبة النبيلة أو الأرستقراطية الفكرية. وهذه الفكرة تخلط بين ما هو ~~اجتماعي وما هو فكري؛ مما يعكس صعود عائلة كينز، من خلال التفوق العقلي ونجاح الأعمال، إلى ~~دائرة النخبة الحاكمة في العصر الفيكتوري. وقد كان وطنيا فكريا، رغم أن وطنيته خلت من ~~أي أثر للتطرف. وقد آمن بشدة بفضائل حقبة السلام النسبي الذي ساد أوروبا والعالم بعد هيمنة ~~الإمبراطورية البريطانية على العالم، ولم يقتنع بوجود أي قوة أخرى يمكنها أن تتولى دور ~~بريطانيا العالمي. كما كان مؤيدا لألمانيا ومعارضا لفرنسا، وهو ما ورثه أيضا عن ~~القرن التاسع عشر. # كانت مخالفة العرف عاملا حاسما في تكوين شخصية كينز. وهو ما يظهر في أسلوبه المقتصد. ~~فقد رأى الناس أن متعه كانت «قليلة جدا»؛ ففي نهاية حياته ندم على أنه لم يشرب ~~المزيد من الخمر. وعلى الرغم من أنه قد أصبح فاحش الثراء، فإنه قد عاش باعتدال دون أبهة ~~أو بذخ. وبصفته اقتصاديا، شغل تفكيره على نحو كبير ميل الناس لكنز الأموال ms005 بدلا من ~~إنفاقها، وترجم هذا العيب الثقافي، أو النفسي، الموجود في سلوك الطبقة التي ينتمي لها إلى ~~تفسير مفعم بالمفارقة لاحتمال سقوط الاقتصاديات الرأسمالية. # انحدر كينز من عائلة من الوعاظ، وخاصة من ناحية الأم. وكان ضمن الجيل الأول ممن لم ~~يؤمنوا بالدين، والذين لم تزعجهم «الشكوك»، لكن اللاهوت كان يجري منه مجرى الدم، وكان ~~الحد الفاصل بين علم اللاهوت وعلم الاقتصاد أصغر مما هو عليه اليوم. لكن كانت لديه قدرة ~~كبيرة على مخالفة العرف والاعتراض مثل المنشقين البروتستانت؛ فقد كانت مقالاته ~~الاقتصادية بمنزلة مواعظ علمانية. إن «الفردية غير المسبوقة لفلسفتنا» التي أشار إليها عام ~~1938 قامت على الاعتقاد بأن الإنسان (على الأقل في إنجلترا) هذبته القيم الفيكتورية ~~أخلاقيا على النحو الكافي، وأصبح على استعداد «لأن يتحرر بأمان من القيود الخارجية للعرف ~~والمعايير التقليدية وقواعد السلوك الجامدة، وأن يترك - من الآن فصاعدا - لملكاته ~~العقلانية ودوافعه النقية وفطرته الخيرة السليمة.» # لم يحظ كينز بتعاطف اجتماعي كبير، رغم أنه نما بمرور الوقت؛ فقد بنت عائلته العصامية ~~نفسها بسواعدها، وعلى نحو عام توقع أن يفعل الآخرون نفس الشيء، بشرط توافر فرص العمل ~~التي تكفي الجميع. أما بالنسبة للباقين، فقد كانت هناك جمعية تنظيم العمل الخيري وغيرها من ~~الجمعيات النموذجية التي ظهرت في منتصف العصر الفيكتوري لمساعدة غير القادرين ومدمني ~~الخمر. لكن نزعة كينز الموروثة لمخالفة العرف انحسرت أمام القبول الاجتماعي؛ فقد انتقل إلى ~~كلية إيتون (وهي أفضل مدرسة في بريطانيا في ذلك الوقت)، ونما حبه لرفقة زملائه النابغين ~~الأكبر منه سنا. وقد أحب أيضا مرافقة الأغنياء وذوي النسب، رغم أنه لم يفرط في الاندماج ~~معهم. وعندما كبر كينز أصبح أكثر تحفظا، ليكون رائدا للاستمرارية والتطور؛ فقد كتب ~~في نهاية كتابه «النظرية العامة» أن النتائج الاجتماعية التي خرجت من أفكاره الاقتصادية ~~كانت «إلى حد ما متحفظة». ورأى أن الرأسمالية التي كان ينبذها أخلاقيا يمكنها أن تبقى ~~لكن في ظل إدارة محسنة. # أما ما لم يتغير منذ طفولة كينز، فكان عاداته في العمل؛ فقد كان يعمل ms006 كأكثر الآلات ~~كفاءة. وبهذا فرض نظامه الخاص على عالم فوضوي. وهو ما مكنه من أن يعيش حيوات عديدة، ~~وأن يستمتع ويتحمس لكل منها؛ فقد شغل كل لحظة في يومه بأنشطة وخطط متنوعة. وكان يؤدي ~~كل أعماله في سرعة مبهرة. وامتلك قدرة عجيبة على الانتقال من مهمة إلى أخرى؛ ورغم كل ما كان ~~يفعله، لم يبد عليه التسرع، وكان لديه وقت وفير للأصدقاء والتحدث وممارسة ~~الهوايات. # كان حماس كينز «الهائل والغريب للتاريخ والإنسانية» هو ما قربه من فيرجينيا وولف؛ حيث ~~كان «عقله يعمل باستمرار»، ويفيض «بأفكار غزيرة في موضوعات لا يطرقها إلا القليلون.» فقد ~~كان شغوفا بالعالم، ولم يدرس أي موضوع إلا وكون عنه نظرية ما، مهما كانت خيالية. وهناك ~~جملة مشهورة له تقول: «لم تكن إنجلترا مستعدة لاستقبال شكسبير إن ولد قبل مولده بخمسين ~~عاما.» وكانت عادته الجذابة هذه بالتطرق إلى ميادين تخشى العقول الأبطأ من عقله ~~دخولها، واعتماده على اختلاق الأفكار بسرعة للخروج من المآزق الصعبة؛ هما السبب في أغلب ~~الأحيان في هجوم الخبراء عليه واشتهاره بأنه هاو حتى في علم الاقتصاد. لكن هذا لم يقتصر ~~على محادثات ما بعد العشاء. كان كينز مهووسا باهتمامات فكرية تبدو بعيدة عن مجال عمله؛ ~~فقد حاول في بداية حياته أن يضع صيغة للتنبؤ بعمى الألوان بناء على قوانين مندل الوراثية؛ ~~وفي عشرينيات القرن العشرين استحوذ عليه على نحو متكرر مقال كتبه بعنوان «الجنون البابلي» ~~عن نشأة النقود؛ حيث كتب إلى ليديا لوبوكوفا في 18 يناير 1924 قائلا: «إنه مقال سخيف ~~تماما وعديم الفائدة إلى حد كبير، لكنه استحوذ علي مرة أخرى لدرجة الهوس ... والنتيجة ~~أنني أشعر بالجنون والبلاهة. مع تحيات، مجنون يغمره الجموح، مينارد.» # لكن كفاءة كينز لم تعفه من الإرهاق المستمر؛ فقد كان مجهدا على الدوام. وفي شبابه ~~ذهب ذات مرة ليقضي عطلة نهاية أسبوع هادئة مع برتراند راسل، وحدث أن وصل ستة وعشرون ~~ضيفا بشكل مفاجئ، معظمهم - حسبما ألمح راسل - جاء تلبية لدعوة كينز. ولاحقا أصبحت ~~الحقائب الممتلئة بالأوراق رفيقة ms007 دائمة له في عطلاته بالخارج. ولقد قضى سنوات فيما أسماه هو ~~نفسه ب «العذاب على الطريقة الصينية» في لجان المدرسة والجامعة، التي كان من السهل عليه ~~تفاديها؛ فقد كان دائم التساؤل: «هل هذا ضروري؟» «لم كل هذا الضجيج؟» «لماذا أفعل هذا؟» ~~فهل كان لكينز أي هوية وهو وحده؟ لم يبد أنه يعيش في سلام مع نفسه؛ فقد كان يظن أنه ~~قبيح، وكان يكره صوته. وشكا أصدقاؤه في مجموعة بلومزبيري من انعدام حساسيته الفنية، ~~وسخروا من ذوقه في الصور والأثاث. فكانت «الأقنعة» التي يرتديها مادية قبل أن تكون عقلية. ~~وتوارت العيون اللاهية والفم الجذاب خلف القشور التقليدية لأي رجل «ذي شأن»؛ الشارب ~~العسكري والبذلات السوداء والقبعات التي كان يرتديها حتى في نزهاته؛ فقد حاول إثبات هويته ~~من خلال تفوقه في العالم الخارجي. # أما سلوكه نحو الآخرين، فقد كان خليطا من الطيبة وعدم التسامح؛ فقد كان لديه في قلبه ~~متسع كبير لحب الآخرين، وعلى عكس زملائه من أعضاء مجموعة بلومزبيري، كان وفيا لأصدقائه ~~على نحو استثنائي. كما كان يقدر الألغاز والغرائب والهوس بكل ما يخص العقل؛ لأنه كان ~~غالبا ما يراها مصدرا غنيا للاحتمالات المشوقة. وكان يقدر كلمة # genius ~~، والتي تعني «عبقري»، لكنه استخدمها بمعناها ~~الأصلي وهو «الروح الطليقة». ومثل العديد من المفكرين، كان يحترم الخبرة العملية مهما كانت ~~متواضعة. ولم يكن صبورا، لكنه كان قادرا على تحمل قدر كبير من المشكلات في علاقاته ~~بأصدقائه ومن كان يرى أنهم يستحقون ذلك. # في الوقت نفسه كان من الممكن أن يتصرف أحيانا بطريقة غير مهذبة مطلقا، خاصة مع ~~أولئك الذين كان يرى أنهم ينبغي أن يعرفوه على نحو أفضل. وكان مصابا بلعنة أكسبريدج؛ ~~حيث كان مؤمنا بأن كل البراعة التي في العالم تكمن في جامعتي أكسفورد وكامبريدج وفي كل ~~ما ينتج عنهما. وبالتوازي مع ذلك، كانت نظرة كينز للعالم تعتبر إنجلترا في مركزه، وهي ~~نظرة كانت أكثر شيوعا وقتها من الآن. وكان عادة ما يفلت بسلوكه غير المهذب بسبب حضور ~~بديهته وإتقانه لأسلوب تسفيه ms008 الرأي الآخر. لكنه كان قادرا على إيلام الآخرين. وعن هذا، ~~كتب الاقتصادي الأمريكي والتر ستيوارت يقول: # في محادثاته، كان كينز بارعا في أغلب الأحيان، لكنه أحيانا يكون قاسيا أيضا. ~~فلم يكن بإمكانه مقاومة إغراء تحقيق نقاط على حساب الآخرين، وحينها كان ينظر فيمن ~~حوله من المستمعين ليرى هل كانوا قد لاحظوا تفوقه أم لا. وكان أحيانا يستخدم ~~سيف ذكائه ضد من لا يمكنهم الدفاع عن أنفسهم بسهولة، وحتى ضد الغائبين عن ~~المجلس. # لم يكن هذا الأسلوب ليروق لأحد. فلم يعجب قط الأمريكيين. فعلى سبيل المثال، بدا ~~«خطابه المفتوح» لروزفلت عام 1933 - كما يقول هيربرت شتاين - «مثل خطاب معلم لولي ~~أمر فاحش الثراء لتلميذ بليد جدا.» وفي مدينة سافانا، في مارس 1946، في الاجتماع ~~الافتتاحي لصندوق النقد الدولي، ألقى كينز خطابا تمنى فيه ألا تكون هناك أي ~~«جنية شريرة» إلا وقد دعيت إلى ذلك الاجتماع. كان ذلك إشارة لباليه تشايكوفسكي «الجمال ~~النائم»، لكن فريدريك فينسون وزير الخزانة الأمريكي أخذ العبارة على محمل شخصي، وصاح ~~قائلا: «لا أمانع أن أوصف بالشرير، لكني لا أرضى بأن أدعى جنية.» # أما كيرت سينجر، فيقدم صورة أفضل لسلوك كينز؛ حيث يقول عنه: «لقد جسد بالإشارة وبالنظرة ~~وبالكلمة ... صورة طائر ذي سرعة غير معقولة، يرسم دوائر على ارتفاعات شاهقة، لكن بدرجة عالية ~~في الدقة، ثم ينقض فجأة على حقيقة أو فكرة معينة، وهو قادر على نحت كلمات لا تنسى ~~لتعبر عما رآه، فيفرض غنيمته الفكرية بقبضة حديدية حتى على من يرفضونها.» # لم يكن من الواضح، من خلال خلفية كينز ولا من قدراته، أنه سيتخذ من علم الاقتصاد ~~مجالا للعمل؛ فقد كان والده اقتصاديا واختصاصيا في علم المنطق، لكن ما آلت ~~إليه حياته العملية لم يكن شيئا مبشرا بالنسبة لكينز؛ فقد آلت به الحال للعمل في ~~أعمال إدارية في الجامعة. أما كينز فكان عقله شديد الاتساع وروحه عالية الهمة بشكل ~~لا يمكنه من القيام بعمل أكاديمي شديد التخصص. ففي أثناء كتابته لعمله «بحث في ~~الاحتمال» استهلك كل اهتمامه الجدي ms009 بالمنطق؛ فقد كان المنطق أفقا ضيقا بالنسبة لعقله. ~~فيجب أن يكون الإنسان قادرا على استخدام عقله بشكل جمالي وعملي. كان كينز مولعا منذ وقت ~~مبكر بالجانب النفسي للتعاملات المالية والمراهنات في سوق الأوراق المالية، وكان من الممكن ~~أن تجعله مواهبه الإدارية موظفا عاما رفيعا، وكان أيضا كاتبا رائعا. وفي نهاية ~~المطاف كان قادرا على أن يجعل من علم الاقتصاد وسيلة لإشباع هوسه وصقل مواهبه، لكن ~~حالة عدم اليقين في عالم صدمته الحرب هي ما جعل علم الاقتصاد مجال عمله. # لكن ما الذي يميز كينز كاقتصادي؟ إن أهم ما يميزه هو مزيج المواهب الذي قدمه لهذا ~~المجال. ومن المستحيل أن تعتقد أنه لم يكن يقصد نفسه حينما كتب في مقاله عن ألفريد مارشال: # يجب على الاقتصادي المتمكن أن يمتلك مزيجا نادرا من الهبات ... يجب أن يكون ~~عالم رياضيات ومؤرخا ورجل دولة وفيلسوفا، بدرجة ما. عليه أن يفهم الرموز ~~ويتحدث بالكلمات. عليه أن يتأمل ما هو خاص في ضوء ما هو عام، وأن يتعامل مع ~~المجرد والمادي معا في نفس جولة التفكير. وعليه أن يدرس الحاضر في ضوء الماضي من ~~أجل المستقبل. ويجب ألا يخرج أي جزء من طبيعة الإنسان أو مؤسساته عن دائرة ~~اهتمامه بشكل كامل. وعليه أن يكون هادفا ونزيها معا؛ فينعزل ويتسامى عن الشوائب ~~مثل الفنان، لكن ينزل إلى أرض الواقع أحيانا مثل رجل السياسة. # وكتبت زوجة كينز - ليديا لوبوكوفا - إن كينز كان «أكثر من مجرد اقتصادي»؛ فقد رأى كينز ~~نفسه أن «عوالمه كلها» أثرت فكره الاقتصادي. فهو أشبه ما يكون بعالم الاقتصاد السياسي ~~- ذلك المفهوم القديم الذي يصعب تعريفه - وهو شخص يعتبر الاقتصاد فرعا من فروع إدارة ~~الدولة، لا علما منغلقا على ذاته له قوانينه الثابتة. ذات مرة سأله أحد محاوريه في لجنة ~~المالية والصناعة (لجنة ماكميلان): ألم تعطل مزايا الضمان الاجتماعي عمل «القوانين ~~الاقتصادية»؟ رد كينز بقوله: «لا أعتقد أن من بين القوانين الاقتصادية ما ينص على أن ~~تميل الأجور إلى الانخفاض أكثر من ميلها للارتفاع. إن ms010 الأمر يتعلق بالحقائق. والقوانين ~~الاقتصادية لا تصنع حقائق؛ بل تبين تبعاتها.» وفي منتصف عمره، كان دائم الشكوى من أن ~~الاقتصاديين الشباب لم يكونوا يتلقون تعليما مناسبا؛ فلم تكن لديهم ثقافة واسعة تمكنهم ~~من تفسير الحقائق الاقتصادية. وفي هذا إشارة لمشكلة علم الاقتصاد، وكذلك للثورة الكينزية؛ ~~فقد أشعل كينز نار الإبداع بين المختصين، لكنهم ظلوا مجرد مختصين؛ فقد استخدموا أدواته ~~لكنهم لم يضيفوا جديدا لرؤيته. # وزعم كينز في مقاله عن توماس مالتوس أن «رجل الاقتصاد الأول في كامبريدج» لديه «حدس ~~اقتصادي عميق»، و«مزيج غير عادي من انفتاح الذهن على الصورة المتغيرة للتجربة والتطبيق ~~المستمر لمبادئ التفكير المنهجي على تفسيرها.» وفي هذا ملخص لفلسفة كينز في الاقتصاد؛ فقد ~~أخبر روي هارود عام 1938 أن علم الاقتصاد «هو علم التفكير باستخدام النماذج ممزوجا بفن ~~اختيار النماذج المناسبة للعالم المعاصر ... فالاقتصاديون الأكفاء نادرون؛ لأن موهبة توظيف ~~«الملاحظة الواعية» لاختيار النماذج الجيدة ... تبدو غاية في الندرة.» وفي مقاله عن إسحاق ~~نيوتن، نقل كينز كلمات دي مورجان عنه: «إنه سعيد جدا بحدسه بحيث يبدو وكأنه يعلم أكثر ~~مما يمكنه إثباته.» وهذا الكلام ينطبق على كينز الذي كان يشعر بصحة النتيجة قبل أن يتمكن من ~~تقديم الدليل عليها. # كان كينز أكثر الاقتصاديين اعتمادا على الحدس؛ والحدس المقصود هنا هو الحدس «الأنثوي»، ~~وهو شعور باليقين بعيد كل البعد عن العقلانية. (ويرجع تشارلز هيسون، واضع إحدى سير ~~حياة كينز، إبداعه إلى مزيج من الحدس الأنثوي والمنطق الذكوري.) ويجب التفريق بين الحدس ~~بهذا المعنى والحدس الفلسفي الذي آمن كينز به أيضا، والذي ينص على أن المعرفة تنبع مباشرة ~~من التأمل الذاتي. كان كينز يتمتع بقدرة ثاقبة على إدراك الصورة الكلية في مجمل المواقف، ~~وكان لديه قدر كبير من الخيال العلمي الذي عزاه إلى فرويد، والذي «يمكنه أن يقدم سيلا ~~من الأفكار المبتكرة والاحتمالات المثيرة والفرضيات المفيدة، التي لها جميعها أساس كاف في ~~الفطرة والتجربة.» كما كانت الحقائق الاقتصادية أكثر ما يجذب تأملاته، عادة من الناحية ~~الإحصائية. وكان دائما ما يقول ms011 إن أفضل الأفكار التي خطرت بباله جاءته في أثناء «عبثه ~~بالأرقام ومحاولة اكتشاف مدلولاتها.» لكنه مع ذلك كان متشككا في علم الاقتصاد القياسي ~~المعني باستخدام الطرق الإحصائية لأغراض التنبؤ. كما طالب بتطوير علم الإحصاء، ليس من ~~أجل فهم أفضل لأمور مثل معامل الانحدار، ولكن ليعتمد عليه حدس الاقتصادي. # كان من أهم مصادر فهم كينز لمجال الأعمال انخراطه الشخصي في جني الأموال؛ فقد قال ~~عنه نيكولاس دافينبورت صديقه ورفيقه: «لقد كان فهم كينز لنزعة المراهنة هو ما جعل منه ~~اقتصاديا عظيما.» وأضاف: # الاقتصادي الأكاديمي لا يعلم حقا دوافع رجل الأعمال، ولم يفضل أحيانا أن ~~يراهن على مشروع استثماري، بينما يفضل في أحيان أخرى الاحتفاظ بالسيولة ~~النقدية. أما مينارد فقد فهم تلك الدوافع؛ لأنه كان نفسه مراهنا، وأدرك نزعتي ~~المراهنة والحفاظ على السيولة لدى رجل الأعمال. وفي مرة قال لي: «تذكر يا ~~نيكولاس أن الحياة دائما رهان.» # وغالبا ما كان يتعارض شغف التعميم عند كينز مع حسه الثاقب نحو الأشياء الخاصة ~~المهمة. فقد كافح دائما من أجل «أن يرى عالما كاملا في حبة رمل ... وأن يرى الدهر في ~~ساعة.» لقد كانت قدرة كينز على «أن يتعامل مع المجرد والمادي معا في نفس جولة التفكير» ~~ميزة باهرة ومحيرة في نفس الوقت لأفكاره الاقتصادية. ولم يكن الناس على علم قط بمستوى ~~التجريد في تفكيره. وقد شكا زميل كينز في جامعة كامبريدج، والذي يدعى بيجو، في أثناء ~~نقده لكتابه «النظرية العامة»؛ من رغبة كينز في «تحقيق مستوى عال من التعميم؛ بحيث تجب ~~مناقشة كل شيء في نفس الوقت.» وقال شومبيتر الكلام ذاته تقريبا؛ فقد قال إن كتاب كينز ~~«النظرية العامة» قدم «في ثوب من الحقيقة العلمية العامة، نصائح ... لا معنى لها إلا في ~~سياق المقتضيات العملية لموقف تاريخي مميز في زمان ومكان محددين»؛ فقد عرض الكتاب «حالات ~~خاصة منحها ذهن الكاتب وطريقة عرضه تعميما خادعا.» # وجاء من زميل آخر لكينز في جامعة كامبريدج، وهو دينيس روبرتسون، نقد ذو صلة يلخص في ~~عبارة «التأكيد المفرط المتتابع»، ms012 فقد قال في هذا الشأن: # يمكنني القول إنني - بقدرتي على التواصل المستمر مع جميع عناصر مشكلة ما بشكل ~~تقليدي غير مميز - مثل دودة براقة تنشر ضوءها الضعيف على جميع الأشياء المحيطة ~~بها؛ لكنك في المقابل - بفكرك الأكثر قوة - مثل منارة تسلط شعاعا أقوى بكثير، ~~وإن كان مشوها جدا أحيانا، على شيء واحد ثم الذي يليه. # انتقد ألفريد مارشال في جيفنز ما انتقده الكثيرون في كينز: «حتى أخطاؤه عززت نجاحه ... فقد ~~دفع الكثيرين للاعتقاد أنه يصوب أخطاء عظيمة، بينما كان ما يفعله حقيقة هو إضافة تفسيرات ~~هامة.» # من الواضح أن هناك مجالا للتساؤل عما إذا كان كتاب «النظرية العامة» لكينز - كما يقترح ~~كيرت سينجر - «لم يوضع ليلائم حالة خاصة جدا تحكمها التقلبات السياسية وتداعياتها النفسية ~~للفترة الصعبة فيما بين الحربين العالميتين؛ وعما إذا لم يكن كينز في الحقيقة يناقش ظاهرة ~~من غير الوارد أن تتكرر.» ويصعب على الجانب الآخر تفسير الانهيار الأمريكي عام 1929 في ضوء ~~ذلك؛ فقد كان مقدار الاكتئاب الذي أصاب الولايات المتحدة «بلا سبب»، هو الحقيقة ذاتها التي ~~سعى كتاب «النظرية العامة» لتفسيرها، كما سنرى. # في النهاية، لا يمكن فصل التحول من الاقتصاد «الكلاسيكي» إلى الاقتصاد «الكينزي» عن ~~التغيرات الكبرى التي عاصرها كينز في السياسة والشئون الدولية والعلوم والفلسفة وعلم ~~الجمال؛ فقد انعكست جميعها في عقله اللامع والغامض؛ فقد ظل إدواردي الفكر؛ بمعنى أن ~~معتقداته عن العالم تشكلت في السنوات الأولى من القرن العشرين. وطوع عقيدته للحقائق ~~البائسة اللاحقة. ولم يسع في أفكاره الاقتصادية للبحث عن الحقيقة، بل للوصول إلى فكرة ~~ممكنة ضرورية لسلوك البشر في عالم فقد كل مبادئه الأخلاقية. ولم يستسلم كينز لليأس ~~قط. بل تجاوز بتفاؤله أحلك اللحظات. وقبل وفاته بوقت قصير أثنى على دور علم ~~الاقتصاد ورجاله، قائلا إنهم «أمناء، ليس على الحضارة، بل على السبل المتاحة أمامها.» ولم ~~يكن ليختار هذه الكلمات الدقيقة إلا رجل يمتلك حسا لغويا مرهفا وحسا ~~إدوارديا تجاه الهدف من الحياة. # الفصل الأول # | حياة كينز # أخذ كينز على عاتقه ms013 إنقاذ ما سماه «الفردية الرأسمالية» من داء انتشار البطالة، الذي ~~رأى كينز أننا إذا أهملناه فسيجعل «أنظمة الحكم الاستبدادية» هي الأنظمة السائدة في ~~العالم الغربي. ولد كينز في الخامس من يونيو عام 1883 في حقبة مختلفة تماما من «الفردية ~~الرأسمالية»؛ حقبة كان التقدم الاقتصادي فيها أمرا بديهيا، وحكمت الدولة فيها نخبة ~~ليبرالية امتلكت الأراضي والأموال، وبدا أن بريطانيا أمنت لنفسها موقعها في قلب ~~النظام التجاري العالمي. ولم ير سوى قليلين أن هذه الحقبة تتجه نحو الأفول. وكانت شكوك ~~العصر الفيكتوري لا تزال دينية أكثر منها مادية، رغم الهواجس بشأن الأخطار التي تهدد النظام ~~الراسخ، والتي منها ظهور الديمقراطية في الداخل، وخطر ألمانيا في الخارج، وتراجع ~~الأهمية الاقتصادية، والتزايد المطرد في معدل التقلبات الصناعية. وظهرت كلمة «بطالة» ~~لأول مرة في «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» عام 1888، وهذه علامة على أشياء كانت وشيكة ~~الحدوث. # لم يكن جون مينارد كينز نتاج قصة نجاح فيكتورية غير مألوفة؛ فقد كان الأكبر من بين ~~ثلاثة أطفال لعائلة ميسورة الحال، عملت بالسلك الأكاديمي بجامعة كامبريدج، وسكنت في 6 ~~طريق هارفي. ويعود أصل عائلة كينز إلى فارس نورماني جاء مع ويليام الأول الملقب بويليام ~~الفاتح. لكن كان جد مينارد كينز من جهة الأب هو من أنقذ العائلة من الفقر، بعد أن جمع ~~ثروة صغيرة من امتلاكه لمزرعة خضراوات صغيرة يبيع ثمارها للناس في سولزبيري. وتمكن ولده ~~الوحيد، جون نيفيل، من الحصول على زمالة كلية بيمبروك في جامعة كامبريدج في سبعينيات القرن ~~التاسع عشر. كان فيلسوفا واقتصاديا، حيث كتب نصوصا صالحة للنشر في علم المنطق والمناهج ~~الاقتصادية، وأصبح لاحقا أمين سجلات الجامعة. وفي عام 1882 تزوج فلورنس أدا براون، ابنة ~~كاهن طائفة معروف شمال البلاد وناظرة مدرسة كرست حياتها لقضية تعليم المرأة. كان ~~نسب العائلتين يجمع بين «الدين والتجارة»، وكان انتقال العائلة إلى كامبريدج جزءا من ~~استيعاب الشذوذ الريفي في أثناء تأسيس إنجلترا الفيكتورية. # جسد والدا كينز القيم الفيكتورية في ~~صورة مرنة. فانغمس جون نيفيل كينز في مجموعة متنوعة من ms014 الهوايات. وورث عنه مينارد كينز ~~حدة الفكر وكفاءة الإدارة مع نزعة للمزاح، رغم أن القدر رحمه ولم يرث القلق من ~~أبيه. أما فلورنس كينز فقد تبنت «قضايا هامة»، لكن ليس على حساب أسرتها قط؛ فقد ~~مثلت - كما هو الحال بالنسبة لجميع أفراد عائلة براون التي تنتمي إليها - جانبي ~~«الوعظ وفعل الخير» فيما ورثه مينارد عن عائلته؛ كما أن عائلة براون كانت تتمتع ببعض ~~الخيال الفكري. كانت عبقرية كينز ذاتية، لكنه شعر أن هناك تقاليد اجتماعية وفكرية عليه ~~الالتزام بها. # كانت البيئة المحيطة بكينز على مستوى عقلي رفيع؛ فقد شملت دائرة كينز بعضا من أكبر ~~الاقتصاديين والفلاسفة في ذلك العصر؛ ألفريد مارشال وهيربرت فوكسويل وهنري سيدجويك ودبليو ~~إي جونستون وجيمس وارد. وعندما كان كينز شابا صغيرا كان يلعب الجولف مع سيدجويك، وكتب ~~عنه بدقة يشوبها المكر (لصديقه برنارد سويثينبانك في 27 مارس 1906): «لم يكن يفعل أي شيء ~~قط سوى التساؤل عما إذا كانت المسيحية حقيقة فيثبت العكس، ومع ذلك، يأمل أن تكون ~~حقيقة.» كانت كامبريدج أقل اهتماما بزخارف الحياة من أكسفورد. ورغم أن مينارد امتزج ~~بالعالم الدنيوي، فقد ظلت مبادئه سماوية. وطبق في الحكم على حياته وحياة الآخرين المعايير ~~الفكرية والجمالية. وفرض نفسه على العالم المادي بقوة الفكر والخيال، لكنه لم ينشغل به ~~قط. # تقبل كينز دون مناقشة القيمة الرفيعة التي رآها والداه في التفوق الأكاديمي. وفي ~~واقع الأمر، لم يتمرد قط على والديه رغم أن دائرة اهتمامه كانت أكبر. وكان منزل ~~الأسرة، الذي استمر نيفيل وفلورنس كينز في العيش فيه بعد وفاة مينارد، سببا في الاستقرار ~~والاستمرارية في حياته. وارتبط فكره الاجتماعي بظروف أسرته على نحو دقيق. ورأى نفسه عضوا ~~في الطبقة الوسطى «المفكرة». كما رأى أن الهروب من الفقر كان ممكنا دائما في أوروبا، فيما ~~قبل الحرب العالمية الأولى، «لأي رجل له القدرة أو الشخصية التي تتجاوز الحد المتوسط.» ~~ولم يفقد إيمانه قط بواجب النخبة الفاعلة صاحبة التفكير السليم في قيادة ~~الجماهير. # في عام 1897 فاز بمنحة دراسية للالتحاق ms015 بكلية إيتون، أعلى الكليات البريطانية. وكان ~~طالبا متميزا على نحو كبير؛ حيث فاز بعدد كبير من الجوائز، كما انتخب عضوا في النادي ~~الاجتماعي الحصري الخاص بالكلية الذي يسمى «بوب»، وكان يؤدي أداء مشرفا في لعبة ~~الحائط التي اشتهرت بها الكلية. وكان الشيء المميز هو النطاق المذهل لاهتماماته وقدراته. ~~كانت الرياضيات مادته المفضلة، لكنه تفوق أيضا في مادتي الأدب الكلاسيكي والتاريخ. وحقق ~~تقدما في دراسته بسرعة البرق. وحظي باحترام الأساتذة والزملاء معا، تماما كما تفوق ~~لاحقا على كل من علماء الاقتصاد ورجال الأعمال. وأدرك كينز منذ سن صغيرة أن الدهاء هو ~~الطريق إلى النجاح في التعامل مع البالغين؛ فقد كان الدهاء بديلا عن الاستسلام أو التمرد؛ ~~فمن خلاله يمكن للإنسان أن يستغل أي موقف لصالحه. كما كان من الملاحظ أن هناك نوعا من ~~عدم الاتساق بين قدراته واهتماماته؛ فقد كان يتحول إلى كينز عالم المنطق، الإحصائي، ~~الإداري، المتغطرس؛ لكنه في الوقت ذاته كان «مينارد»، كما عرفه أصدقاؤه المقربون، الذي ~~يتوق إلى الحب وينجذب إلى الكتاب والفنانين والحالمين، ويغرق في بحر شعر العصور ~~الوسطى أو التأمل العميق. ورأى لاحقا الفائدة العملية لعلم الاقتصاد باعتباره درعا واقيا ~~للحضارة من قوى الجنون والجهل. # وفي عام 1902، ذهب إلى كلية كينجز كوليدج في كامبريدج في منحة مفتوحة لدراسة الرياضيات ~~والأدب الكلاسيكي. لم يجد قط متعة كبيرة في دراسته للرياضيات - مادته المفضلة - فتخلى ~~عنها بطيب نفس بمجرد حصوله على درجة الشرف الأولى في الرياضيات من جامعة كامبريدج. وقضى ~~معظم الوقت قبل تخرجه في أشياء أخرى؛ مثل دراسة الفلسفة، وكتابة بحث عن عالم المنطق ~~بيتر أبيلارد الذي عاش في العصور الوسطى، وإلقاء الخطب في اتحاد جامعة كامبريدج (الذي ~~ترأسه عام 1905)، ولعب البريدج، وتكوين الصداقات. وفي عام 1906 جاء ثانيا بعد أوتو ~~نيماير في اختبار الخدمة العامة، والتحق بمكتب الهند. وبعد عامين من العمل الرتيب، كان ~~قد حصل معرفة جيدة بالنظام المالي للهند؛ وهو ما أدى لتعيينه عضوا في اللجنة الملكية ~~لشئون المالية والعملة بالهند في عام 1913. لكنه قضى ms016 معظم ساعات عمله في كتابة بحثه عن ~~الاحتمالات، الذي منحه في ثاني محاولة درجة الزمالة في كلية كينجز كوليدج عام 1909. وبقيت ~~جامعة كامبريدج بيته الأكاديمي لبقية حياته. # وبينما كان يؤسس بذلك لحياته العملية، حدث تغير في القيم، أدى به إلى تجاوز قيود ~~القيم الفيكتورية المرنة التي تربى وفقها على يد والديه؛ فقد كانت الأخلاق ~~الفيكتورية تدعمها معتقدات دينية آخذة في الانهيار. كان كينز وزملاؤه قبل التخرج ملحدين ~~على نحو واضح؛ لكن بالنسبة لهم - كما هو الحال مع الكثير من المفكرين المنشقين عن ~~الكنيسة - لم يغن تخليهم عن المعتقدات التي رأوها خاطئة عن الحاجة لمعتقدات ~~يرونها صحيحة. فبحثوا في الفلسفة الأخلاقية محاولين إيجاد وسيلة لعيش حياتهم. فوجدوا في ~~الفيلسوف جي إي مور ضالتهم لتبرير خرقهم للقواعد الاجتماعية والجنسية لآبائهم. وكان ~~كتابه «مبادئ الأخلاق» (1903) هو البيان التأسيسي لحقبة الحداثة بالنسبة لجيل كينز، والذي ~~وصفه كينز فيما بعد بأنه «السبيل إلى جنة جديدة على الأرض.» # وقع كينز تحت تأثير مور عندما انتخب - في الفصل الدراسي الثاني قبل تخرجه - عضوا ~~بجماعة «رسل كامبريدج»؛ وهي جماعة فلسفية نقاشية انتقائية وسرية (في ذلك الوقت). وكون ~~من خلال تلك الجماعة عددا من أفضل الصداقات في حياته، وخاصة مع ليتون ستراتشي، وفي نهاية ~~العقد الأول من القرن العشرين أصبح عضوا في مجموعة بلومزبيري، والتي تضم أعضاء جماعة ~~«رسل كامبريدج» وأصدقاءهم وأقاربهم من الرجال والنساء، وتوجد في لندن. كانت تلك المجموعة ~~تضم عددا من شباب الكتاب والفنانين الذين وجدوا في الحياة الأكثر تحررا في منطقة ~~بلومزبيري غير المعروفة الموجودة بلندن مهربا من الأعراف الضيقة الأفق لبيوت آبائهم. ~~ووجد كينز في هذه المجموعة الماكرة من الأصدقاء البارعين - الذين يبدون الإعجاب به تارة ~~ويهاجمونه تارة أخرى - موطنا عاطفيا له قبل زواجه. # أقنع مور أفراد تلك المجموعة بالقيمة السامية للتجارب الجمالية والصداقة الشخصية، ومحا ~~سوداوية الجيل السابق الذي لم يجد سببا وجيها للقيام بواجبه؛ فأعاد إدخال التفاؤل ~~والبهجة إلى النقاشات الأخلاقية، وهو ما فجر نقاشا جديدا للروحانيات على أساس من فلسفة ~~كامبريدج ms017 التحليلية. ولم يكن ذلك التحول ممكنا إلا لمن سمحت لهم ظروف الحياة بذلك، ~~وهؤلاء الذين كانت السياسة من أقل اهتماماتهم بحيث تعجز عن تعكير صفو «الحالات الشعورية ~~الجيدة »؛ وهو شيء انطبق بكل تأكيد على كينز قبل عام 1914، لكنه كان تحولا محطما ~~للقيود على نحو كبير. # كتب كينز في عام 1938 عن الأيام التي عاشها قبل الحرب العالمية الأولى: «كانت كبرى ~~غاياتنا في الحياة هي الحب والإبداع والاستمتاع بالتجارب الجمالية والسعي وراء ~~المعرفة. لكن الحب كان في مكانة أعلى بكثير من باقي تلك الغايات.» وكان الحب بالنسبة لكينز ~~وأصدقائه في جماعة «رسل كامبريدج» يعني الحب المثلي، بشكل روحي نوعا ما في البداية. ~~وكان رفيق كينز من عام 1908 حتى عام 1911 الرسام دانكان جرانت، ابن عم ليتون ستراتشي، ~~الذي «اختطفه» كينز من الأخير؛ وهو ما سبب اضطرابا شديدا في المجموعة. واستمر ارتباط ~~كينز العاطفي بالشباب الصغار حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. لكن كينز لم يكن متطرفا في ~~الحب كما كان في الاقتصاد أو السياسة. فلم تمنعه مثليته من إمكانية الوقوع في الحب ~~والدخول في علاقة جنسية سعيدة مع المرأة المناسبة؛ وكان موعد ظهورها في حياته بعد انتهاء ~~الحرب العالمية الأولى. # أما الجمال بالنسبة لكينز وأصدقائه، فكان يعني بالدرجة الأولى الرسم القائم على مذهب ما ~~بعد الانطباعية والباليه الروسي والأساليب الجديدة للفن الزخرفي التي تأثرت بكليهما. ~~فكانت لندن بالنسبة لمن يملكون المال والذوق والخدم المحليين (لم يكن من المكلف ~~استقدام خدم) مكانا مثيرا، وذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وكان التمسك الشديد ~~بالتقاليد البريطانية، الذي شكا منه ماثيو أرنولد من قبل، قد بدأ يتوارى أمام محاولات ~~التجديد الفني. ولم تخطر ببال أحد فكرة أن بإمكان بعض الأشخاص الأغبياء في وسط أوروبا أن ~~يهدموا الحضارة بسبب الطموح للقوة والسيطرة والعداوات العرقية؛ فقد كان عالما منفصلا ~~تماما عن الحياة البسيطة للناس الذين رأوا مع ذلك أن التقدم الاقتصادي سيؤدي إلى حياة ~~أفضل لهم. # كان السعي وراء المعرفة بالنسبة لكينز يعني الفلسفة وعلم الاقتصاد، والفلسفة ms018 على الأخص. ~~ووجه معظم طاقته الفكرية قبل عام 1914 إلى تحويل بحثه إلى كتاب تحت اسم «بحث في ~~الاحتمال»، الذي لم ينشر حتى عام 1921، وفيه حاول توسيع نطاق المناقشة المنطقية لتغطي ~~الحالات التي كانت نتائجها غير مؤكدة. وكان لهذا العمل تأثير مهم جدا في أفكاره ~~الاقتصادية. ألقى كينز محاضرات في كامبريدج عن النقود. وكان منظرا متعصبا لأفكار ~~مارشال المتعلقة بنظرية كمية النقود، ولم يبذل الكثير من الجهد في توسيع حدود هذا الموضوع، ~~رغم أن كتابه الأول (والوحيد الصادر قبل الحرب العالمية الأولى) المسمى «العملة والمالية ~~في الهند» (1913) كان محاولة واضحة لتطبيق النظرية النقدية القائمة من أجل إصلاح النظام ~~النقدي الهندي. وتميز الكتاب بالمعرفة الخبيرة بالعمل في المؤسسات المالية، وبإجازته ~~لمعيار صرف الذهب، وبدعوته لقيام بنك مركزي هندي. وقد تكشفت هذه التفاصيل لكينز من خلال ~~عمله عضوا في اللجنة الملكية لشئون المالية والعملة بالهند في العام نفسه. # لكن كينز كان مهتما كذلك بمشكلة المعرفة في علم الاقتصاد، ودخل في عام 1911 في جدال ~~حاد مع كارل بيرسون حول تأثير شرب الوالدين للكحوليات على حياة أولادهم. ورفض كينز ~~استخدام بيرسون للمنهج الاستقرائي لإثبات الحقائق الاجتماعية. وعكس ذلك تشككه الأعم في ~~فائدة الاستدلال الإحصائي، إلى جانب رفضه للنظرية الإحصائية أو التكرارية للاحتمال. فعلم ~~الاقتصاد لا يمكن أن يكون علما محكما؛ لأن عدد المتغيرات كبير جدا، ولا ضامن لاستقرار ~~المتغيرات عبر الزمن. وكما قال كينز لاحقا: من الأفضل أن تكون قريبا من الصواب عن أن تكون ~~مخطئا على نحو جازم. # كان كينز في الحادية والثلاثين من عمره حين اندلعت الحرب العالمية الأولى. وغيرت ~~الحرب أسلوب حياته وحياته المهنية وطموحاته، لكنها لم تغير قيمه الأساسية التي كان يؤمن ~~بها. وبعد أن لعب دورا مهما في تجنب انهيار معيار الذهب في أزمة البنوك في أغسطس عام ~~1914، عمل بوزارة الخزانة في يناير 1915، وبقي هناك إلى أن استقال في يونيو 1919. في يناير ~~1917 أصبح رئيسا لإدارة جديدة مختصة بتعاملات بريطانيا المالية الخارجية. وخلال تلك الفترة ~~ساعد في بناء ms019 نظام لمشتريات الحلفاء في الأسواق الخارجية، والتي كانت بريطانيا تمول ~~جزءا كبيرا منها. وأثبت كينز في الحقيقة أنه مسئول خزانة كفء؛ حيث تكيف بسرعة مع ~~نظام العمل في المؤسسات الحكومية البريطانية، وطبق أكثر من مرة بفاعلية المبادئ الأساسية ~~على المواقف الخاصة، وكانت لديه قدرة رائعة على إعداد مذكرات قصيرة وواضحة بسرعة البرق، وهي ~~ملكة لا تقدر بمال عند الوزراء المنهكين. كما أشبعت الحكومة جزءا من رغباته التي ~~طمحت إلى السيطرة على العالم المادي. استمتع كينز بعمله وسعد بصحبة العظماء وذوي النفوذ ~~التي أتاحها له عمله في وزارة الخزانة كموظف كبير، وعبقري، ووسيم، وعزب، وماهر في لعبة ~~البريدج، ويثير قوله الكثير من القيل والقال. # لكن تلك الصورة التي كشف عنها السير روي هارود في سيرته لكينز لم تكن إلا قناعا أخفى ~~وراءه كينز صراعا داخليا عميقا؛ فقد صدم كينز ورفاقه باندلاع الحرب التي قضت على ~~آمالهم في بناء «حضارة جديدة». ومع تطور الحرب ضعف إيمانهم بتلك الفكرة شيئا فشيئا. ~~لعب كينز الدور المطلوب منه في الحرب؛ ما جعله عرضة للانتقاد المتزايد من أعضاء مجموعة ~~بلومزبيري وأصدقائه من دعاة السلام، وزاد من شعوره بتأنيب الضمير. لكنه برر موقفه ~~بأشكال مختلفة. فبداية من صيف عام 1915 حتى يناير عام 1916، قدم لريجنالد ماكينا، وزير ~~الخزانة، مذكرات رصينة عن العواقب الاقتصادية للتجنيد الإجباري. وكانت فكرته التي عرضها في ~~تلك المذكرات هي أن بريطانيا عليها أن تركز على تقديم الدعم المالي لحلفائها من خلال ~~زيادة الإيرادات بالعملات الأجنبية، بدلا من تبديد الرجال والذخيرة على الجبهة الغربية. ~~كانت تلك الفكرة منطقية مبنية على مبدأ تقسيم العمل، لكن من ورائها كانت هناك كراهية ~~متنامية للحرب ورغبة في إبعاد نارها عن أصدقائه. كما أكسبته تلك الفكرة عداوة لويد جورج ~~الذي آمن بفكرة «الضربة القاضية»، والتي ترى بضرورة تقديم ضربة موجعة للأعداء للتخلص منهم ~~نهائيا. # وعندما فرض التجنيد الإجباري في يناير 1916، أراد كينز من ماكينا ورانسيمان وغيرهما من ~~قادة الليبرالية الأسكويثية أن يستقيلوا من الحكومة، واقترح انضمامه وإياهم للمعارضة. ~~وحينما ms020 بقوا في مناصبهم، بقي في منصبه هو الآخر، لكن بعد أن قدم طلبا بإعفائه من ~~الخدمة العسكرية بوصفه رافضا لها، وهي خطوة رمزية بما أنه كان معفى بالفعل بسبب عمله في ~~وزارة الخزانة. وفي الأشهر الستة التالية، استغل منصبه الرسمي ليساعد دانكان جرانت وغيره ~~في الحصول على الإعفاء من الخدمة العسكرية؛ إذ كان يشهد - كما قال - «على إخلاص أصدقائه ~~واستقامتهم وصدقهم.» لم يكن كينز ورفقاؤه من دعاة السلام بالمعنى المعروف، لكنهم كانوا ~~ليبراليين يؤمنون بأن الدولة ليس لها الحق في إجبار الناس على القتال. كما أنهم آمنوا بأن ~~هذه الحرب لم تستحق خوضها، وبأنه يجب بذل كل ما يمكن لإيقافها من خلال تسوية سلمية. وفي ~~ديسمبر عام 1916، أصبح لويد جورج رئيسا للوزراء في ظل أزمة مالية هددت بحرمان بريطانيا من ~~وسائل تمويل مشترياتها العسكرية من الولايات المتحدة. وكتب كينز لدانكان جرانت في 14 يناير ~~1917 يقول: «اللعنة عليه (قاصدا لويد جورج) ... إنني أصلي من أجل أن تحدث أزمة مالية ~~طاحنة، ومع ذلك أكافح في سبيل منعها؛ لذا فإن كل ما أفعله يتنافى مع كل ما أشعر ~~به.» # كان من بين عوامل زيادة كراهية كينز للحرب أنها كانت تجعل بريطانيا تعتمد على الولايات ~~المتحدة. ومع استنفاد موارد بريطانيا كان عليها أن تقترض من الولايات المتحدة لتساعد ~~حلفاءها، وخاصة روسيا. وفي 24 أكتوبر عام 1916، وفوق الأحرف الأولى من اسم ~~ريجنالد ماكينا وزير الخزانة، كتبت كلمات - ~~صاغها كينز بكل تأكيد - جاء فيها: «إذا استمرت الأمور على منوالها الحالي ... فسيصبح رئيس ~~الجمهورية الأمريكية في وضع ... يسمح له بإملاء شروطه علينا.» تلك الكلمات سجلت لحظة ~~انتقال الهيمنة المالية عبر المحيط الأطلنطي. وتكرر الموقف ذاته لاحقا في الحرب ~~العالمية الثانية. وزاد إدراك كينز أفول نجم بريطانيا (وأوروبا) في مقابل بزوغ نجم ~~الولايات المتحدة من إلحاحه في المطالبة بالتفاوض من أجل السلام، وشكل هذا جزءا كبيرا ~~من تفكيره فيما بعد الحرب. # في سبتمبر 1917 ذهب كينز إلى واشنطن ليشارك للمرة الأولى في مفاوضات القروض، ولم تعجبه ~~تلك ms021 التجربة. وكتب إلى دانكان جرانت يقول: «إن الشيء الوحيد الودود والأصيل حقا في ~~الولايات المتحدة هو الزنوج الرائعون.» ولم يعجب الأمريكيون بكينز كذلك؛ حيث خلف ~~«انطباعا سيئا عنه هناك بسبب وقاحته»، حسبما قال باسيل بلاكيت، وهو أحد ممثلي وزارة ~~الخزانة بالسفارة البريطانية. وكان ذلك بداية علاقة مضطربة استمرت حتى وفاة كينز. # وبنهاية عام 1917، اقتنع كينز، كما قال لوالدته، بأن استمرار الحرب معناه «انتهاء النظام ~~الاجتماعي الذي طالما عرفناه ... إن ما يرعبني هو فكرة «الفقر العام». ففي خلال عام من الآن ~~سنكون قد خسرنا ما نستحوذ عليه في العالم الجديد، وسيرهن هذا البلد للولايات المتحدة.» ~~تلخص هذه الكلمات المزاج الذي ساد كتابه «الآثار الاقتصادية للسلام»، الذي نشر في ~~ديسمبر من عام 1919، وهو رثاء لعصر ولى، كما أن فيه هجوما عنيفا على معاهدة فرساي. وفي ~~غضون ذلك، كانت روسيا قد استسلمت للثورة البلشفية، واندلعت الثورات في ألمانيا والمجر، ~~وساد التضخم، وعانت معظم دول أوروبا من الجوع. ومع ذلك، كان ما يشغل بال صانعي السلام هو ~~«الحدود والسيادة». وحاول كينز، بوصفه أحد كبار ممثلي وزارة الخزانة البريطانية في مؤتمر ~~باريس للسلام، أن يقنع لويد جورج بالموافقة على الحصول على مبلغ معقول كتعويضات من ~~ألمانيا. وعندما فشل في ذلك استقال في 7 يونيو 1919، وألف كتابه عن السلام في صيف عام ~~1919 في تشارلستون بساسيكس حيث تعيش فانيسا بيل ودانكان جرانت. # استنكر كتابه حمق صناع السلام الذين حاولوا أن ينتزعوا من ألمانيا تعويضا لا يمكنها ~~دفعه. وتنبأ كينز بأن محاولات إجبار ألمانيا على دفع التعويضات سيدمر الآليات ~~الاقتصادية التي اعتمد عليها رخاء أوروبا القارية قبل الحرب. كما توقع أن تشن ألمانيا ~~حربا انتقامية. وضم الكتاب صورا مميزة لكبار صناع السلام، من أمثال جورج كليمنصو ~~ووودرو ويلسون، إلا أن كينز استثنى صورة لويد جورج بناء على نصيحة أسكويث. # كانت اقتراحات كينز الرئيسية هي شطب كل الديون فيما بين دول الحلفاء، وتقليل التزامات ~~ألمانيا الخاصة بالتعويضات إلى مبلغ سنوي معقول يمكن دفعه لفرنسا وبلجيكا، ومساعدة ألمانيا ~~لتعود ms022 رائدة الاقتصاد في أوروبا القارية، وأن يعاد بناء روسيا «من خلال المؤسسات ~~والمشروعات الألمانية.» وكان الهدف من شطب الديون فيما بين دول الحلفاء بعد الحرب هو التحرر ~~من التمويل الأمريكي لأوروبا؛ فقد أيد كينز القروض الأمريكية لاستعادة الصناعة الأوروبية ~~لسابق عهدها ، ولدفع تكاليف واردات الغذاء الأساسية، والعمل على استقرار أسعار العملات. لكنه ~~عارض بشدة اقتراض الأوروبيين من الولايات المتحدة لخدمة أعباء الدين الثقيلة. # أصبح كتاب كينز أحد الكتب الأكثر بيعا على مستوى العالم، وكان له تأثير عميق في فكر ما ~~بعد الحرب، كما جعل كينز مشهورا في جميع أنحاء العالم. وسيكون تسطيحا للأمور أن نعتبر ~~الكتاب هو ما «خلق» مناخ التهدئة تجاه ألمانيا؛ فقد كان النفور من دعاية الحرب قد بدأ ~~فعلا. ولم يفعل الكتاب سوى أنه حول الانتباه من سياسات القوى العظمى إلى أسباب الرخاء ~~الاقتصادي. وضع كينز الاقتصاد في الصورة بالنسبة لعامة الجماهير المطلعة، وبقي ~~الاقتصاد في الصورة منذ ذلك الحين. كما بدأت فكرة الحاجة لإدارة الرأسمالية في الترسخ في ~~الأذهان. فلم يخرج كينز من الحرب اشتراكيا ولا بلشفيا. وأخذ يقول إن الاشتراكية وجدت ~~لظروف لاحقة؛ أي بعد حل المشكلة الاقتصادية، وفي ذلك صلة غريبة بالماركسية الكلاسيكية. وظل ~~كينز ليبراليا إلى أن مات. وكانت المهمة التي أخذها على عاتقه هي إعادة بناء النظام ~~الاجتماعي الرأسمالي على أساس من الإدارة الفنية المحسنة. # تسببت الحرب كذلك في إعادة ترتيب حياة كينز الشخصية؛ حيث تخلصت من صبغتها الجامعية التي ~~استمرت حتى عام 1914. وأصبح كينز الآن رجلا عظيما له وزنه في مسائل التمويل الدولي، ~~وتسبب كتاباته اضطراب العملات، ويسعى إلى مشورته رجال المال والسياسة والمسئولون في جميع ~~الدول. عاد كينز إلى كامبريدج في أكتوبر 1919، لكن كامبريدج لم تعد مركز حياته كما كانت؛ ~~فقد أصبح يقيم فيها وقت الدراسة فقط، وحتى مع ذلك اقتصرت الإقامة على نهايات الأسبوع ~~المطولة (عادة من مساء الخميس حتى صباح الثلاثاء)؛ حيث يجمع فيها كل تكليفاته التدريسية ~~القليلة ولجانه الجامعية وحياة اجتماعية تمحورت حول عائلته التي تعيش في ms023 بيته القديم ~~وبعض الأصدقاء المقربين من بين زملائه الأصغر سنا. وفي الفترة بين الحربين أصبح كينز ~~أمين صندوق ناجحا على نحو مذهل في كلية كينجز كوليدج؛ حيث زاد رأسمال صندوق الكلية من 30 ~~ألف جنيه استرليني عام 1920 إلى أكثر من 300 ألف جنيه بحلول عام 1945. # كان سكن كينز في لندن في 46 ميدان جوردون، الذي يعتبر «النصب التاريخي» لمجموعة ~~بلومزبيري. وكان يقضي هناك منتصف الأسبوع في وقت الدراسة والجزء الأول من كل عطلة. وازدحمت ~~حياته في لندن بأنشطة أكثر. ففي بعض الأوقات شغل كينز مناصب في مجالس إدارة ما لا يقل عن ~~خمس شركات استثمار وتأمين، كان أكبرها الشركة الوطنية للتأمين التعاوني على الحياة؛ حيث كان ~~رئيسا لمجلس إدارتها بين عامي 1921 و1937. وفي عامي 1923 و1931، كان أكبر مساهم ورئيس ~~مجلس الإدارة في جريدة «نيشان آند أثينيوم» الأسبوعية؛ حيث عمل عن قرب مع محررها هوبرت ~~هيندرسون. كما كان يحرر دورية «إيكونوميك جورنال» (1911-1937) من لندن أيضا. فكانت لندن ~~مهمة لكينز بوصفها منطلق نفوذه؛ إذ كان على اتصال مباشر مع رئيس الوزراء والوزراء في ~~معظم سنوات الفترة فيما بين الحربين. وفي عشرينيات القرن العشرين انطبعت أفكاره المطورة ~~عن السياسات الاقتصادية على الفكر الرسمي من خلال الاجتماعات الشهرية لنادي الثلاثاء، وهو ~~ناد لتناول الطعام للمصرفيين وموظفي الخزانة والاقتصاديين والصحفيين الاقتصاديين، أنشأه ~~سمسار الأوراق المالية أوزوالد فولك عام 1917، وفي الثلاثينيات سعى كينز للتأثير في السياسة ~~من خلال عضويته في المجلس الاستشاري الاقتصادي التابع لرئيس الوزراء. # في عشرينيات القرن العشرين كان أوزوالد ~~فولك شريك كينز الأول في استثماراته. وبدأ كلاهما المضاربة على العملات بمجرد انتهاء الحرب، ~~واستمرت مضاربتهما في السلع. وبالرغم من تعرض كينز لثلاث أزمات كبيرة - في عام 1920، وفي ~~عامي 1928 و1929، وفي عامي 1937 و1938 - فقد تمكن من زيادة قيمة صافي أصوله من 16315 ~~جنيها استرلينيا في عام 1919 إلى 411238 جنيها استرلينيا - وهو ما يساوي 10 ملايين ~~جنيه استرليني اليوم - قبل وفاته. وخلال سنوات ما بين الحربين، تغيرت فلسفته ms024 الاستثمارية ~~من المضاربة على العملات والسلع إلى الاستثمار في أسهم الشركات الممتازة مع تغير نظريته ~~الاقتصادية. وكان فشل نظريته الاستثمارية التي تقوم على فكرة «دورة الائتمان» في إدرار ~~أرباح عليه سببا في تحوله إلى نظرية «الغرائز الحيوانية» في السلوك الاستثماري في كتابه ~~«النظرية العامة»، وإلى فلسفة استثمارية شخصية تقوم على فكرة «الإخلاص». (فمن أجل التغلب ~~على تقلبات الاستثمار ، طالب كينز باعتبار العلاقة بين المستثمر وأسهمه مثل العلاقة بين ~~الزوج وزوجته.) وكانت الصحافة كذلك مصدرا كبيرا لكسب الأموال، وخاصة في أوائل العشرينيات. ~~وربح من ثلاث ضربات استثمارية موفقة بين عامي 1921 و1922، بجانب مكاسبه من الصحافة، ~~ما يعادل 100 ألف جنيه استرليني في يومنا هذا. ومكنه نجاحه في جمع الأموال من تمويل ~~أنشطته كمحب لجمع الصور والكتب النادرة، مسترجعا فكرته المثالية في شبابه عن الحياة ~~الطيبة. # كانت أكبر علامة على إعادة تنظيم حياته هي زواجه؛ فقد قابل راقصة الباليه ليديا لوبوكوفا ~~في أكتوبر عام 1918 عندما عادت عروض دياجاليف للباليه إلى لندن، وبدأ في التودد إليها في ~~نهاية عام 1921، عندما رقصت في رائعة تشايكوفسكي «الجمال النائم»، التي قدمها دياجاليف ~~ولم تنجح تجاريا على مسرح ألهامبرا. كانت ليديا - بضآلة جسمها وتألقها، وأنفها الأقنى، ~~ورأسها الذي ذكر فيرجينيا وولف ببيضة طائر الزقزاق - فنانة متميزة بذاتها، تتمتع بحس ~~فكاهي خليع، وعبقرية في صياغة الأفكار باللغة الإنجليزية (فقد تحدثت ذات مرة عن «تحريض ~~المسيح للماء كي تتحول إلى نبيذ في قرية قانا»)، وبديهة قوية واثقة تعبر عنها بشكل ~~مباشر. افتتن كينز بها، وتزوجا في 4 أغسطس 1925. ولم يكن من الممكن إلا لامرأة أجنبية ~~آتية من خارج البيئة الاجتماعية لكينز أن تأسر قلب رجل اتجهت عواطفه أساسا للرجال من ~~أبناء جنسه. ورغم تحذيرات ومخاوف مجموعة بلومزبيري، أثبتت ليديا أنها زوجة مثالية له؛ فقد ~~أدخلت على حياته الاستقرار العاطفي الذي كان ينقصه لسنوات عديدة، وهو ما وفر الخلفية ~~الضرورية لاستمرار جهده الفكري. وفي عام 1925 استأجر مزرعة تيلتون، وهي مزرعة في شرق ساسيكس ~~بالقرب من تشارلستون. وكان ms025 يقضي فيها مع ليديا عطلاتهما، وكان الأصدقاء والأقارب يأتون ~~إليهما، وفي مبنى رطب بعض الشيء ملحق بالمنزل الرئيسي كتب كينز الجزء الأكبر من عمليه ~~النظريين الكبيرين «بحث في النقود» و«النظرية العامة». # كان كينز مشغولا طوال الوقت. ففي سنوات ما بين الحربين تشتت جهده على أنشطة متنوعة ~~في اتجاهات مختلفة. وعرفه معاصروه بأنه رجل يحمل دائما حقيبة مليئة بالأوراق، يهرول من ~~مكان لمكان ومن اجتماع لآخر. وكانت تلك الأنشطة المتنوعة هي ما أثرت فكره، وهيأته ~~للكتابة وصرفته عنها في نفس الوقت. وكان فشله في كتابة عمل نظري كبير حتى عام 1930 - ~~حينما شارف على عامه الخمسين - هو الثمن الذي دفعه. لكن ربما كان ذلك من الأفضل لشخص مثله ~~في عشرينيات القرن العشرين أن يبقى مرنا فكريا، ولا يلتزم على نحو كبير بنظرية اقتصادية ~~معينة؛ فقد كانت النظريات الاقتصادية في حالة سيولة. وتطلب الأمر تعرض النظام الرأسمالي ~~لصدمات ما بين الحربين؛ لكي تتبلور المآخذ على التصورات القديمة عن السلوك الاقتصادي. كما ~~أسفر تنامي شهرة كينز وانشغاله بالشئون العامة عن ضيق دائرة صداقاته ونوعياتها. وفيما ~~سوى زواجه تضاءلت مساحة «اللحظات الشخصية». وكان ل «جودة الأداء» الأولوية على «جودة ~~الحياة الشخصية». لكنه لم يتخل قط عن مثل شبابه؛ فرغم أنه كان منشغلا دائما، فقد ~~أعطت السرعة والكفاءة، اللتان كان يؤدي بهما عمله، إيحاء بتميزه بالهدوء وعدم ~~العجلة. # كان الدافع وراء جهود كينز النظرية والعملية في الفترة بين الحربين هو خوفه من ~~المستقبل. وتوارت أفكار الحرية الاقتصادية والجنسية فيما قبل الحرب - التي ساعد على ~~ظهورها التطلع إلى التطور «التلقائي» - أمام الإحساس بهشاشة الحضارة الرأسمالية. وتعزز ~~ذلك الإحساس من خلال الكوارث التي وقعت فيما بين الحربين، خاصة فترة الكساد الكبير في ~~عامي 1929 و1933 ونجاح هتلر في ألمانيا. وحل محل الإيمان باستقرار نظام السوق ومرونته ~~اعتبار حقبة «الحرية الاقتصادية» في القرن التاسع عشر أنها حقبة استثنائية في التاريخ ~~الاقتصادي اعتمدت على ظروف خاصة لم تعد قائمة، وأنه رغم التقدم التقني فإن الإنسانية ~~كانت تعيش في خطر ms026 الانتكاس من حالة الرخاء والتحضر التي وصلت إليها في العصر الفيكتوري. ~~ومن طرق تفسير هواجس كينز هذه أنها رد فعل متأخر للخوف الذي ساد القرن التاسع عشر من ~~الحياة دون الرب. وفي عام 1925 - بعد زيارته للاتحاد السوفييتي - كتب كينز أن «الرأسمالية ~~الحديثة ملحدة تماما ... وعلى مثل هذا النظام ألا يكون ناجحا وحسب، بل ناجحا جدا كي ~~يصمد.» وكانت هذه هي الخلفية الروحية والنفسية للفكر الكينزي. # وفي السنوات اللاحقة للحرب ركز كينز على شيئين: الفوضى المالية الدولية التي ~~خلفتها الحرب وزادها إبرام معاهدة فرساي للسلام سوءا، وانهيار عوامل التوازن التجاري ~~بين أوروبا والعالم الجديد. وفي ضوء معدلات الإنتاج القائمة، كان على الأوروبيين أن يقبلوا ~~بمستوى معيشة أدنى مما كان قبل الحرب؛ إذ إن صادرات المنتجات الصناعية لم تعد تسمح إلا ~~باستيراد كميات أقل من المواد الغذائية والمواد الخام من الخارج من ذي قبل. ويمكن تتبع ~~هذه المخاوف في إسهامات كينز في ملاحق إعادة البناء بجريدة «مانشستر جارديان كوميرشال»، ~~التي حرر كينز أعدادها الاثني عشر في 1922 و1923. ولم تحظ صبغة «المالتوسية الجديدة» في ~~فكر كينز بالانتباه الكافي؛ فقد كانت في قلب حجته الخاصة بانخفاض قيمة العملات الأوروبية ~~الرئيسية أمام الدولار. # ورغم استقالته من وزارة الخزانة، والاستنكار الذي أثاره كتابه «الآثار الاقتصادية ~~للسلام» في بعض «الأوساط الرسمية»؛ لعب كينز دورا لا يمكن تجاهله أبدا في إصلاح ما ~~أفسده صناع السلام؛ فقد شارك بشكل مباشر في خطة الخزانة البريطانية لحل مشكلة ~~التعويضات الألمانية في نهاية عام 1922، ومن خلال صداقته مع المصرفي الألماني المولود في ~~هامبورج، كارل ملكيور، عمل كمستشار غير رسمي للحكومة الألمانية في عامي 1922 و1923، وهو ~~دور مثير للجدل ما زال محل بحث. # لم يكن كينز قبل عام 1923 مهتما بوجه خاص بمشكلات بريطانيا، التي بدت له تافهة ~~مقارنة بمشكلات دول أوروبا القارية. لكن ظهور مشكلة انتشار البطالة واستمرارها لفترة ~~طويلة جذب انتباهه لهذه السمة المميزة للوضع البريطاني. وأرجع كينز جل مشكلة ~~البطالة غير الطبيعية في بريطانيا خلال العقد الثاني ms027 من القرن العشرين إلى سوء الإدارة ~~النقدية؛ فقد أدى عدم الرفع السريع لسعر الفائدة البنكية أو عدم رفعه بالقدر الكافي إلى ~~خروج مشكلة الازدهار التضخمي في عامي 1919 و1920 عن السيطرة، وأدى أيضا خلال الفترة ~~اللاحقة التي انخفضت فيها الأسعار والناتج ومعدلات الإنتاج ونسبة التوظيف إلى تعميق مشكلة ~~الكساد بشدة عن ذي قبل. ذكر كينز أن الهدف من المرحلة الثانية من السياسة الاقتصادية ليس ~~فقط هو الرغبة في تقليل التضخم فيما بعد الحرب (وهو الأمر الذي كان يريده أيضا)، وإنما ~~أيضا في خفض مستويات الأسعار بشكل كاف؛ ليعود الجنيه الاسترليني على معيار الذهب إلى سعر ~~صرفه أمام الدولار قبل الحرب، عندما كان الجنيه الاسترليني يساوي 4,86 دولارات. وتوقع ~~كينز، مثل كل الاقتصاديين، أن تستعيد نسب التوظيف البريطانية معدلاتها «الطبيعية» (طبقا ~~لمقاييس ما قبل الحرب) عندما «استقرت» الأسعار في عام 1922. لكن نسبة البطالة لم تقل، ~~وظلت أعلى من 10٪. وكان عدم القدرة على خفض البطالة عن تلك النسبة حتى نهاية عشرينيات ~~القرن العشرين، هو ما نبه كينز لاحتمال أن تصبح تبعات حالة الانكماش القاسية فيما يتعلق ~~بالتوظيف أكبر من أن تكون «مؤقتة» في ظل سقوط الاقتصاد في فخ انخفاض نسبة التوظيف. وأصبح ~~تفسير كيفية إحداث «التوازن في حالة نقص التوظيف» هذا هو الهدف الأساسي من كتاباته ~~النظرية. # كان كتاب كينز «بحث في الإصلاح النقدي» (1923) محاولة من كينز لوضع ما يسمى الآن ~~«نظاما» نقديا من شأنه أن يتيح ثباتا معقولا في النشاط الاقتصادي. رفض كينز معيار ~~الذهب ولم يعتبره النظام النقدي المناسب. فلم يضمن شرط قابلية استبدال العملة المحلية ~~بالذهب بسعر ثابت رسمي ثبات مستويات الأسعار المحلية، وهو ما اعتبره كينز ضروريا ~~لاستقرار التوقعات الاقتصادية؛ لأن قيمة الذهب ذاتها كانت عرضة للتذبذب بوصفه سلعة عرضة ~~لأن تكون نادرة أو متوفرة. كذلك فإنه مع وضع التوزيع الفعلي والمحتمل لاحتياطيات الذهب ~~العالمية في الاعتبار، فإن العودة إلى معيار الذهب سيعني تسليم سيطرة بريطانيا على مستويات ~~الأسعار لديها لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن. ويجب أن تظل ms028 لدى بريطانيا حرية التصرف ~~في تحديد سعر الصرف حسب احتياجات اقتصادها المحلي. وقال كينز إن نظام السيطرة النقدية ~~المحلية هذا سيتماشى مع استقرار سعر الصرف على المدى القصير. لكن استقرار سعر الصرف هو ~~نتيجة استقرار الأسعار المحلية، وليس هدفا مستقلا للسياسة الاقتصادية. # وضع كتاب «بحث في الإصلاح النقدي» كينز في موقع الخصم الفكري الأول للسياسة ~~«الرسمية»، التي تتضمن إعادة الجنيه الاسترليني لمعيار الذهب عند سعر صرفه أمام الدولار ~~قبل الحرب. لكن مطالبته بوجود «إدارة» نقدية لم تلق ترحيبا كبيرا. وأعاد ونستون تشرشل، ~~وزير الخزانة، الجنيه الاسترليني إلى معيار الذهب عند سعر 4,86 دولارات في 20 أبريل 1925. ~~فهاجم كينز القرار فورا في كتيب مهم سماه «الآثار الاقتصادية لقرار السيد تشرشل». ~~وقال فيه إن إعادة تقييم الجنيه الاسترليني تتطلب تقليص تكاليف الأجور في بريطانيا بنسبة ~~10٪، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال «زيادة نسبة البطالة دون حدود». وكانت الفكرة ~~الضمنية لما قاله هي أن تكلفة التوظيف هي المؤثر الرئيسي في مستوى الأسعار، وفي ظل مفاوضات ~~الأجور التي تقودها الاتحادات العمالية في العصر الحديث، فإن تقليل كمية النقود أدى ~~بشكل مباشر إلى تقليل نسبة التوظيف. وتوقع كينز أن تنكمش السياسة النقدية الفعلية بسبب ~~محاولة استعادة التوازن بهذه الطريقة. فأسعار الفائدة ستظل مرتفعة على نحو كاف لجذب ~~رءوس الأموال الأجنبية للندن، لكنها لن ترفع أكثر للتغلب على معارضة الاتحادات ~~العمالية لتقليل الأجور النقدية للعمال. وستكون النتيجة اقتصادا منخفض نسبة التوظيف. ~~وهو ما حدث بالفعل. وعلى الرغم من إنهاء الإضراب العام عام 1926، فلم يسع أصحاب ~~الأعمال لتقليل الأجور النقدية التي ظلت ثابتة حتى نهاية العشرينيات، مع أن مستويات ~~الأسعار انخفضت. كان كينز أول من أدرك وأعلن بوضوح بأن العملة المبالغ في سعر صرفها هي ~~عملة ضعيفة وليست قوية. # أسفرت الأحداث المحيطة بالإضراب العام عن تحول ولاء كينز السياسي من أسكويث إلى لويد ~~جورج، كما زاد تعاطفه مع حزب العمال. وفيما بين عامي 1926 و1929، لعب كينز دورا ملحوظا ~~في صياغة سياسة حزب لويد جورج ms029 الليبرالي؛ فقد استعان لويد بكينز لإعداد برنامج اقتصادي ~~يؤمن لليبراليين على الأقل حصة في السلطة، ورأى كينز في لويد جورج وسيلة واعدة ل ~~«محاربة البطالة». ومثل اشتراك كينز في الاستقصاء الصناعي للحزب الليبرالي في عامي 1927 ~~و1928 ذروة اشتغاله بالسياسة. وكانت كذلك مرحلة من حياته تأمل فيها بعمق المشكلات ~~الهيكلية للصناعة البريطانية. ونتيجة لتلك المرحلة تبلورت فلسفته السياسية التي تعتمد ~~على فكرة الطريق الوسط، وظهرت لأول مرة في عمله «نهاية مبدأ الحرية الاقتصادية» ~~(1926). # قضى كينز المدة فيما بين عامي 1925 و1928 بشكل جزئي في تأليف كتابه «بحث في النقود»، ~~الذي بدأ في صورة تطوير لأفكاره في كتاب «بحث في الإصلاح النقدي». وكان رفيقه الفكري ~~الأساسي في ذلك الوقت هو دينيس روبرتسون، زميله في كلية ترينيتي، وهو رجل متقاعد لكنه ~~مجادل عنيد. لم يكن لكينز أي تلامذة في منتصف عشرينيات القرن العشرين، وذكر كيرت سينجر ~~أن كينز كان «شخصية وحيدة متمردة مثيرة للشفقة ومولعة بالسيطرة، لكنه لم يمتلك بعد ما ~~يمكنه من قيادة الآخرين.» لكن كان هناك جيل أصغر من الذين شاركوا في صناعة الثورة ~~الكينزية يمد جذوره في جامعة كامبريدج، مثل المهاجر الإيطالي بيرو سرافا، وجون، وأوستن ~~روبنسون، وقبلهم جميعا ريتشارد كان، الذي وصفه كينز بأنه «تلميذه المفضل». وكان أحد ~~تلاميذ كينز - إتش إم روبرتسون - يرى أنه «أشبه بسمسار أوراق مالية أكثر منه أستاذا ~~جامعيا»، ببذلاته ونميمته اللندنية. # كان كتاب «بحث في النقود» - الذي نشر عام 1930 - خير مثال على شغف كينز بالتعميم؛ فقد ~~بنى كينز بالأساس منظومة مفاهيم معقدة جدا؛ ليبين كيف يمكن لاقتصاد قائم على معيار ~~الذهب - تحت ظروف معينة - أن يسقط في فخ انخفاض نسبة التوظيف. فإذا منعت المؤسسة ~~النقدية من خفض سعر الفائدة الطويل الأجل لمستوى يتماشى مع توقعات المستثمرين، وإذا منعت ~~تكاليف الإنتاج المحلية تحقيق فائض تصديري يساوي ما يرغب الناس في إقراضه بالخارج، فستكون ~~النتيجة هي الإفراط في الادخار على حساب الاستثمار، وانخفاض سعر صرف العملة، وجمود ~~الاقتصاد. وكان هذا مصير بريطانيا في عشرينيات ms030 القرن العشرين. ونادى الفكر ~~الثوري - الذي ظهر بوضوح أكثر في كتاب كينز ~~«النظرية العامة» - بأنه ليس هناك آلية تلقائية في أي نظام اقتصادي حديث للموازنة بين ~~معدلي الادخار والاستثمار المستهدفين. وكما لاحظ «هايك» وحده، كان معنى هذا أنه ~~لا توجد آلية تلقائية في النظام الاقتصادي لضبط إجمالي الطلب مع إجمالي العرض. وكانت فكرة ~~عدم التناسب بين المدخرات المحلية والاستثمارات المحلية أو الأجنبية هي ما وفر لكينز أساس ~~برنامج لتمويل المشروعات العامة بالقروض لزيادة نسب التوظيف في ظل قيود نظام معيار ~~الذهب. # وكان أهم ما ميز إقرار كينز في أبريل عام 1929 بسياسة لويد جورج لتمويل المشروعات ~~العامة بالقروض في عمله «هل يمكن للويد جورج أن ينجح؟» - الذي كتبه بالاشتراك مع هوبرت ~~هيندرسون - هو زعمه أن الإنفاق على المشروعات العامة سيسفر عن موجة رخاء «تراكمية». ~~وسنحت له فرصة التأثير في سياسة حكومة رامزي ماكدونالد العمالية الثانية، لما عين في ~~لجنة ماكميلان التي تشكلت في نوفمبر 1929، وكذلك في المجلس الاستشاري الاقتصادي للحكومة ~~الذي أنشئ في يناير 1930. وكان عرضه الذي استغرق تسعة أيام لنظرية عمله «بحث في النقود» ~~وللحلول المقترحة لمشكلة البطالة أمام لجنة ماكميلان في مارس 1930؛ بمنزلة البداية ~~الحقيقية للثورة الكينزية في السياسة الاقتصادية. لكن اقتراحاته بخصوص المشروعات العامة ~~والحماية لم تلق قبولا في ذلك الوقت؛ فقد أدى انهيار الاقتصاد العالمي وفقدان الثقة ~~في مجال الأعمال إلى دعم الفكر المحافظ. وأدت الضغوط في سبيل خفض النفقات في مجال التمويل ~~العام إلى استبدال حكومة ائتلافية بالحكومة العمالية في 25 أغسطس 1931. وفي 21 سبتمبر أدى ~~الانهيار المالي في دول وسط أوروبا مع تفاقم عجز الحساب الجاري في بريطانيا إلى إنهاء ~~الارتباط بين الجنيه الاسترليني ومعيار الذهب. وفي ذلك الخريف بدأ كينز تأليف كتاب نظري ~~جديد للتأكيد على دور التغيرات في الناتج في التكيف مع وضع توازن جديد. # ورغم أن كينز لم يكتب إلا كتيبا واحدا عن السياسة الاقتصادية، وهو «الطريق إلى الرخاء» ~~في عام 1933، فإنه لم يقض معظم «وقت فراغه» فيما بين عامي 1931 ms031 و1935 في تقديم المشورة ~~للحكومات، بل في تأليف كتابه «النظرية العامة» الذي نشر في فبراير 1936. كما نشر له ~~كتابان عبارة عن مقالات مجمعة؛ وهما: «مقالات في الإقناع» (1931)، و«مقالات في السيرة ~~الذاتية» (1933). وضم الأول ما أطلق عليه كينز في مقدمته «نبوءات اثني عشر عاما؛ ~~نبوءات العرافة كاساندرا التي لا يصدقها أحد ولا يمكنها أبدا أن تؤثر على مسار ~~الأحداث الجارية». وكان من أهم خصائص الكتاب الثاني هو استغلال كينز لحياة العلماء ~~القصيرة ليتأمل ويرسم صورة للعبقرية العلمية. # وفي المدة ما بين عامي 1931 و1932، اشتغل كينز بكتابة مراسلات متقطعة لكنها قوية عن بعض ~~النقاط في نظريات هوتري وروبرتسون وهايك. كما ساعده أيضا مجموعة من الاقتصاديين الشباب ~~الذين سموا أنفسهم «سيرك كامبريدج» الذي قدم أبرزهم له، وهو ريتشارد كان، نظرية ~~«المضاعف». ولم يكن عمله «الطريق إلى الرخاء» هو العلامة الوحيدة على تقدمه في كتابة ~~عمله الأساسي، بل كانت هناك أيضا مسودات لفصول الكتاب وأجزاء من محاضرات ومجموعة كاملة من ~~الملاحظات التي دونها تلاميذ كينز في محاضراته من عام 1932 حتى عام 1935. وتحدث أحد ~~تلامذته هؤلاء - وهو إيه سي جيلبين - عن الجو العام في جامعة كامبريدج عام 1933 في خطاب إلى ~~والديه قائلا: # يبدو أن محاضرات علم الاقتصاد هذا العام بشكل أساسي عبارة عن توضيحات أو تفنيدات ~~للنظريات التي درسناها العام الماضي؛ فمارشال يهاجمه شوف، وبيجو يهاجمه كينز، ~~وروبرتسون يختلف مع كينز ويترك للحضور أن يقرروا من على صواب، وتحاول السيدة جون ~~روبنسون - وهي سيدة حادة - أن تشرح لنا سبب اختلافهم. الأمر شائق لكنه ~~مربك. # وفي المرحلة الأخيرة الخاصة بالبراهين في صيف عام 1935 قدم روي هارود لكينز بعض ~~الاقتراحات الهامة. # لم يكن كينز يقضي وقته في عمل شيء واحد. فبالإضافة إلى انشغاله بتأليف كتابه الأساسي، فقد ~~قضى معظم وقته في عامي 1934 و1935 في التخطيط والإشراف على بناء مسرح كامبريدج للفنون؛ ~~تحقيقا لحلمه فيما قبل الحرب بإثراء كامبريدج بمركز دائم للفنون المسرحية. أصبح كينز، ~~بوصفه أمين صندوق كلية كينجز كوليدج وبصفته «مالك ms032 ضيعة في تيلتون»، أكثر انشغالا بأعمال ~~الفلاحة. وانعكست تلك الأعمال في مقالين كتبهما عام 1933 للإشادة ب «الاكتفاء الذاتي ~~الوطني»، وهما اللذان حملا في طياتهما هجوما أخلاقيا على التقسيم الدولي للعمل، بحجة أن ~~«معظم عمليات الإنتاج الواسع النطاق الحديثة يمكن إجراؤها في معظم الدول والظروف المناخية ~~بنفس الكفاءة تقريبا.» زار كينز الولايات المتحدة مرتين عامي 1931 و1934. وفي زيارته ~~الثانية قابل روزفلت وأغلب الذين وضعوا «الصفقة الجديدة» بجانب عدد ممن انتقدوها. ~~واستخف كثيرون بتأثير حضور كينز وكتاباته في المرحلة الأولى من تنفيذ «الصفقة ~~الجديدة». # لقد غير كتاب كينز «النظرية العامة» طريقة فهم معظم الاقتصاديين لآليات عمل ~~الاقتصاد. وفي هذا السياق كان الكتاب ثوريا بشكل مباشر وناجحا. كما كان للكتاب تأثير ~~جذري في السياسات الاقتصادية. لم يكن التأثير آنيا، لكن في أعقاب الحرب العالمية الثانية ~~التزمت الحكومات الغربية بشكل صريح أو غير صريح بالحفاظ على معدلات توظيف عالية. وكان ~~الكتاب في حد ذاته رحلة استكشاف عميقة لمنطق السلوك الاقتصادي في ظل عدم اليقين المقترن ~~بنموذج قصير المدى لتحديد الدخل؛ حيث ركز على ضبط كمية النقود لا أسعار صرفها. وكانت ~~العلاقة الفضفاضة بين هذين العاملين سببا لمعظم الخلاف الذي حدث لاحقا حول «المعنى ~~الحقيقي» للكتاب بين من سماهم آلان كودنجتون الكينزيين «الأصوليين» والكينزيين ~~«المتساهلين»؛ فقد كان نموذج تحديد الدخل القائم على المضاعف، بجانب التطور اللاحق في ~~إحصائيات الدخل الوطني، هو ما جعل الاقتصاد الكينزي مقبولا لدى صناع السياسات؛ إذ إنه ~~وفر لهم طريقة آمنة في ظاهرها للتنبؤ والسيطرة على سير متغيرات «حقيقية» مثل الاستثمار ~~والاستهلاك والتوظيف. # جاءت محاولة كينز الأولى لتطبيق نظريته المعروضة في عمله «النظرية العامة» على السياسة ~~الاقتصادية في ثلاثة مقالات كتبها لصحيفة «ذا تايمز» في يناير 1937 حول كيفية تجنب ~~الكساد، وهي عبارة عن تقييم حذر لاحتمال تقليل البطالة إلى أدنى من مستواها في ذلك الوقت ~~البالغ 12٪ من خلال إيجاد «إجمالي طلب أعلى» في الاقتصاد. لم يتمتع كينز بصحة جيدة قط. ~~ففي مايو عام 1937؛ أي وهو في الثالثة والخمسين ms033 من عمره، عانى من جلطة في الشريان التاجي، ~~ولم يتعاف منها إلا ببطء. ولما قامت الحرب في 3 سبتمبر 1939 كان يانوس بليش، وهو طبيب ~~مجري، قد أعاد لكينز شيئا من حيويته السابقة. # وفي أعقاب نشر كتابه «النظرية العامة»، أصبح لكينز أكبر تأثير في السياسة الاقتصادية ~~البريطانية. وقد حقق ذلك بفضل قدراته العقلية وشخصيته، لا بفضل منصبه السياسي. ورغم ~~تلقيه عروضا كثيرة للترشح للبرلمان، فإنه لم يترشح. وفي يونيو 1940 أصبح عضوا في لجنة ~~استشارية شكلت لتقدم نصائح لوزير الخزانة بخصوص مشكلات الحرب، وعين في أغسطس في وزارة ~~الخزانة، وعمل سكرتيرا بدوام جزئي. ولم تكن لديه «واجبات روتينية ولا ساعات عمل محددة ... بل ~~كان عمله عبارة عن مفوض متنقل بجانب عضويته في لجان عليا عديدة، وهو ما سمح له بالدخول في ~~أي مكان ليقول ما يريد.» واستغل كينز وضعه الاستثنائي للتدخل، بشكل حاسم غالبا، في كل ما ~~يقع في نطاق العمل الاقتصادي، كبيرا كان أم صغيرا. فأصبح أكثر الموظفين الحكوميين نفوذا ~~في تاريخ الحكومة البريطانية؛ ولم يكن «موظفا لدى رؤسائه بقدر ما كان سيدا عليهم.» وكان ~~من الممكن أن يتيح دخوله في طبقة النبلاء عام 1942 بحمل لقب بارون تيلتون الفرصة أمامه ~~لدخول الحكومة، لكن ذلك لم يطرح قط؛ ربما لأنه كان أكثر نفعا في موقعه. لكن ذلك مكنه ~~من تمثيل الحكومة في بعثات عديدة للولايات المتحدة؛ حيث كان قد ترأس في آخرها (بالاشتراك ~~مع اللورد هاليفاكس) الوفد البريطاني لواشنطن في سبتمبر 1945 للتفاوض بشأن الحصول على قرض ~~أمريكي. # كانت أهم الخدمات التي قدمها كينز في الفترة الأخيرة من حياته هي المساعدة في وضع أسس ~~محلية ودولية للرأسمالية المحسنة التي أشارت إليها نظريته. وهناك ثلاثة من إسهاماته في ~~إدارة الشئون الاقتصادية فيما بعد الحرب تستحق الوقوف عندها. # ظهرت أولى تلك الإسهامات في سياق التمويل وقت الحرب. كان من بين التبعات المحتملة ~~للنظرية الكينزية أن ميزانية الحكومة ينبغي أن تستخدم لموازنة حسابات الأمة، لا الحكومة ~~فقط، لضمان تساوي إجمالي العرض والطلب ms034 في ظل وضع التوظيف الكامل. لم تكن المشكلة في وقت ~~الحرب تحقيق نسب التوظيف الكامل - التي تحققت عام 1940 - لكن في منع التضخم، الذي يرتفع ~~فيه إجمالي الطلب عن إجمالي العرض. وكانت المهمة المحددة للتمويل وقت الحرب هي التأكد من أن ~~الحكومة كانت السبب في الزيادة في الطلب الناتجة عن التوظيف الكامل، لا المستهلك الفردي. ~~وفي ثلاثة مقالات منشورة في صحيفة «ذا تايمز» في أكتوبر 1939، وأعيد نشرها في صورة كتيب ~~بعنوان «كيف تمول الحرب؟» قدم كينز مشروعا للادخار القسري أو «الدفع المؤجل»؛ حيث ~~يتلاشى فائض القوة الشرائية أمام الضريبة الإضافية التصاعدية على جميع الدخول (مع تقديم ~~تعويضات للفقراء في صورة إعانات أسرية)، ويعاد جزء منها في صورة أقساط بعد الحرب لمواجهة ~~الكساد المتوقع حدوثه. ورغم أن هذا المشروع لم يتم تبنيه إلا جزئيا، فقد أصبح مذهب ~~كينز التحليلي بجانب تقديرات الدخل القومي التي استخدمها لحساب حجم «الفجوة التضخمية» هما ~~الأساس لخطط الميزانية طوال فترة الحرب، بدءا من ميزانية كينجسلي وود عام 1941. لكن أهمية ~~النظام تتجاوز ذلك. ففي 1939 شك كينز في توافر إرادة «الديمقراطية الرأسمالية» لعمل ~~«التجربة الكبرى» التي ستثبت نظريته. وأجريت التجربة وقت الحرب وثبتت صحة النظرية. فكان ~~الاقتصاد يعمل بكامل طاقته ولم يكن هناك تضخم إلا بقدر قليل. وما يمكن تطبيقه وقت الحرب ~~أمكن تطبيقه وقت السلام، أو كان هذا ما يبدو على الأقل. # كان ثاني إسهامات كينز الكبرى لنظام ما بعد الحرب هو اشتراكه في تأسيس نظام بريتون وودز. ~~وكان هذا بقية عمل لم ينته خلفه انهيار النظام القديم. لم يكن كينز مؤيدا لتعويم ~~العملة حتى في عمله «بحث في الإصلاح النقدي»؛ فقد أراد نظاما «مدارا» لسعر الصرف يتماشى ~~مع الاستقرار «الفعلي» في أسعار الصرف لفترات طويلة. # وسمحت خطة كينز المشهورة، الخاصة بإنشاء «اتحاد المقاصة الدولي»، في عام 1942 بالربط بين ~~العملة المحلية وأصل احتياطي جديد سماه «بانكور». وتحتفظ الدول التي لديها فائض بأرصدة من ~~عملة بانكور في بنك اتحاد المقاصة الدولي، وتتاح للدول التي لديها عجز ms035 تسهيلات ائتمانية ~~على المكشوف بحيث لا تتجاوز إجمالي الفائض. وضعت الخطة لتشجيع الدول على عدم تراكم فوائض ~~ميزان المدفوعات لديها على نحو مستمر. ومع تبني الدول لتلك الخطة يمكن للدول المدينة ~~تلقائيا السحب من أرصدة الدول المدينة من عملة بانكور. ومع أن تلك فكرة انهارت أمام ~~مشروع هاري دكستر وايت البديل لاعتماد معيار صرف ذهب تدعمه آلية تعديل بسيطة (وهي صندوق ~~النقد الدولي)، فقد استمر كينز في السعي للتوصل إلى اتفاقية بريتون وودز وحشد الدعم لها في ~~بريطانيا؛ حيث شارك في جولتي مفاوضات شاقة في واشنطن عامي 1943 و1944. ومن خلال ذلك، لعب ~~كينز دورا حاسما في نقل بريطانيا (وأوروبا) إلى الجانب الليبرالي من النظام الاقتصادي ~~الدولي فيما بعد الحرب. # أما الإسهام الثالث لكينز فكان التفاوض بخصوص القرض الأمريكي في الفترة بين سبتمبر ~~وديسمبر من عام 1945. قدر كينز آنذاك أن عجز الحساب الجاري البريطاني سيصل مجمله إلى نحو ~~7 مليارات دولار في السنوات الثلاث الأولى بعد الحرب. وذهب كينز لواشنطن في سبتمبر 1945؛ ~~طلبا لمنحة «غير مشروطة» قيمتها 5 مليارات دولار. وعاد - بعد ثلاثة أشهر مليئة بالنزاعات ~~الشهيرة - بقرض قيمته 3,75 مليارات دولار، بشرط الالتزام بالسماح بتحويل الجنيه الاسترليني ~~للعملات الأخرى بعد عام من تفعيل الاتفاق. وكانت تلك على الأرجح أكثر تجارب حياته إذلالا؛ ~~فقد كان الاستجداء من الولايات المتحدة تجربة مريرة بالنسبة لشخص كان واحدا من المسئولين ~~الكبار في أكبر إمبراطورية في العالم. لكن كينز ابتلع مرارتها، وأقنع حكومة حزب العمل ~~الجديدة هي الأخرى بابتلاعها؛ لأنها - كما قال للورد هاليفاكس - كانت البديل لأساليب ~~«النازيين أو الشيوعيين». كما ألقى خطابا بليغا في مجلس اللوردات البريطاني دفاعا عن ~~الاتفاق. # لم يتعاف كينز تماما من الضغط العصبي الذي سببته مفاوضات القرض. وذهب إلى الولايات ~~المتحدة مرة أخرى، وتحديدا إلى مؤتمر سافانا في مارس 1946، لتدشين صندوق النقد الدولي. ~~وتورط كينز مرة أخرى في شجار مع الأمريكيين حول إدارة الصندوق. وكعادته كانت لديه ~~مسئوليات أخرى. ففي أثناء الحرب أضيف لمسئوليات كينز في وزارة الخزانة واجباته ms036 بصفته رئيس ~~مجلس تشجيع الموسيقى والفنون؛ إذ كان قد عين في عام 1945 أول رئيس لمجلس الفنون. وبعد ~~وصوله إلى نيويورك في أعقاب مؤتمر سافانا، رتب كينز لزيارة فريق الباليه الأمريكي لدار ~~الأوبرا الملكية بكوفنت جاردن، الذي قدم عرض «الجمال النائم» في إعادة افتتاح الأوبرا في ~~20 فبراير 1946، وذهب هو لمشاهدة العرض. وبعد شهرين - في 21 أبريل 1946 - توفي نتيجة ~~تجلط شديد في الشريان التاجي. وأقيم له حفل تأبين في كنيسة ويستمينستر آبي، إلا أنه اختار ~~قبل سنوات رثاءه الخاص عندما كان تلميذا في إيتون؛ حيث اقتبس مقطعا من قصيدة بيرنار ~~ناسك كلوني التي بعنوان «في ازدراء العالم»: # ليس فقط هؤلاء # الذين يسمعون أصداء حديث السماء بوضوح # هم من يستحقون الاحترام؛ فهم مباركون في جميع الأحوال . # لكن هؤلاء الذين يسمعون # بعض الأصداء الضعيفة الصافية وسط غفلة العوام، # ويرون من إبداع الرب في الطبيعة # ما لا يراه الناس، فهم، وإن لم يجدوا # لرؤاهم مكانا، من المباركين، # ولا يستحقون منا الرثاء. # الفصل الثاني # | فلسفة الممارسة الاقتصادية لدى كينز # كانت آراء كينز في الاقتصاد - بخلاف النظرية الكينزية في الاقتصاد - تحركها دوافع ~~فلسفية. وتأثرت بنظرته ل «الحياة الجيدة»؛ وتخللتها نظريته في الاحتمال. ترسخت الأسس ~~الفلسفية هذه لدى كينز في سنوات حياته الأولى؛ فقد جاءت الفلسفة قبل الاقتصاد، وجاءت فلسفة ~~الغاية عنده قبل فلسفة الوسيلة. # كانت فلسفة كينز نتاج جيل ملحد؛ فقد رأى كينز ومعاصروه أنهم يستبدلون ب «الخرافات» ~~المسيحية نظاما عقلانيا للأخلاق والسلوك. لكنهم استخدموا أدوات فكرية ورثوها عن الماضي ~~المسيحي (واليوناني)؛ حيث كان هيكل فكرهم ذا طابع ميتافيزيقي. # كانت نظرية كينز المعرفية المعتمدة على الحدس محورية؛ فقد اعتبر الحدس، لا التجربة ~~الحسية، أساس المعرفة، بما فيها المعرفة الأخلاقية، وهو تقليد يرجع إلى أفلاطون. فكان ~~تركيزه على التفكير الحدسي في الاقتصاد، إلى جانب رفضه لعلم الاقتصاد القياسي، مبنيا على ~~أسس فلسفية لا مجرد ميل. # واستمد كينز معتقداته الأخلاقية من كتاب جي إي مور «مبادئ الأخلاق»، الذي نشر عام 1903 ~~وكان ذلك عامه الثاني في ms037 الجامعة. وفي عام 1938 قال كينز: «لا أرى أي داع لتجاهل الحدس ~~الأساسي في كتاب «مبادئ الأخلاق».» وهناك ثلاثة أشياء تعلمها من مور تبدو ذات أهمية خاصة. ~~كان أولها استحالة تعريف الخير؛ فقد قال مور إن الخير كلمة تعبر عن صفة بسيطة غير طبيعية، ~~ومعروفة بالبديهة. أما الشيء الثاني؛ فهو أن الحالات الشعورية الجيدة أو السيئة تسبق فعل ~~الخير أو الشر؛ فالقيم تحدد الواجبات. والشيء الثالث هو أن «أثمن الأشياء التي نعرفها أو ~~يمكن أن نتصورها هي حالات شعورية معينة، والتي ربما تنحصر في الإحساس بلذة ممارسة الجنس ~~والاستمتاع بالأشياء الجميلة.» وآمن مور بأن تلك حقيقة بديهية. وأضاف كينز الشاب ~~المتأثر تأثرا شديدا بأفكار مور إلى هذين الشيئين حب المعرفة. # كانت أعمال الخير عند مور هي تلك التي تجلب حالات شعورية جيدة؛ فقد قال مور إن «هذين ~~الشيئين (لذة ممارسة الجنس والاستمتاع بالأشياء الجميلة) والحصول على أكبر قدر ممكن منهما ~~في وقت معين هما المسوغ الوحيد الذي يجعل أي شخص يقوم بأي واجب خاص أو عام، وإنهما ~~أسباب وجود الفضيلة، وهما يمثلان الغاية العقلانية للفعل البشري والمعيار الوحيد ~~للتقدم.» # ورأى كينز الشاب في ذلك مشكلتين؛ أولا: عجز مور - بحسب قول كينز - عن وضع أساس عقلاني ~~لسلوك الإيثار؛ فليس هناك «رابط واضح» بين الخيرية الفردية والعامة، ويعلل كينز ذلك قائلا: ~~«لأن الخيرية الفردية والخيرية العامة تفرضان علي متطلبات لا يمكن الجمع بينها ولا يمكن ~~المفاضلة بينها على ميزان واحد.» ويمكننا القول إن المتطلبات المتعارضة لدى كينز هي متطلبات ~~مجموعة بلومزبيري والحكومة البريطانية. # ثانيا: لأننا «لم تسنح لنا الفرصة قط للمعاينة المباشرة للمشاعر الخيرة للآخرين، ~~فإنه من المستحيل تحديد أنواع الأفعال التي تزيد الخيرية العامة ككل.» ويعد معيار مور ~~لتقييم الفعل العام أدنى مرتبة من معيار بنثام؛ إذ إنه من المستحيل باستخدام هذا المعيار ~~معرفة هل كان التقدم الأخلاقي يحدث أم لا. وبالأخص، لا تعتمد الحالات الشعورية الجيدة للناس ~~بأي نحو مباشر على صلاح أمر العالم. # بنى مور جسرا للإصلاح الاجتماعي بأفكاره ms038 عن الوحدة العضوية. وكان الهدف الرئيسي من ~~مبدئه، كما وصفه كينز، هو الحد من محاولات تحديد الخيرية بالرجوع فقط لحالات شعورية منفصلة. ~~بل ينبغي عند الحكم على خيرية وضع معين الرجوع إلى الزمن وعناصر التجربة. وحلل كينز ~~«الكليات المركبة» لمور إلى حالات عقلية خيرة في جوهرها، وإلى أشياء اعتبرها «مناسبة» أو ~~«مرغوبة». ولا تحتاج تلك الأشياء لأن تحمل قيمة أخلاقية في ذاتها. لكن قيمة التجربة ~~دونها أقل من قيمتها في وجودها. ويمكن للمصلح الاجتماعي الادعاء بأنه بتحسين جودة عناصر ~~التجربة تزيد الخيرية الأخلاقية في العالم. ويرى مور أن الخيرية تزداد، مع ثبات العوامل ~~الأخرى، بزيادة مقدار الجمال. وقد تصرف كينز تبعا لهذا الاعتقاد بوصفه محبا لخير ~~البشرية، ومؤسسا لمسرح كامبريدج للفنون، وكونه أول رئيس لمجلس الفنون. وفي ذروة الكساد، ~~أشار كذلك إلى أنه إذا وضع برنامجا للاستثمار العام مستوحى من مبادئ مور، فإنه سيسعى ~~لتزويد مدن بريطانيا «بكل أدوات الفن والحضارة» وجعلها «أعظم الإنجازات البشرية على مستوى ~~العالم». وقد يود كينز، كأحد تلامذة مور، العمل على رفع مستوى التعليم والرفاهية ما دام ~~أن هذا يحسن مستوى الذكاء ويزيد الوعي والجمال لدى الأمة. # لكن تظهر المشكلة مع ما صنفه مور ضمن فئة «الخير المختلط»؛ حيث تعتمد المشاعر الجيدة ~~على وجود نظيرتها السيئة؛ إذ يمكن القول إن مشاعر الشفقة والشجاعة والعدل التي تحمل قيمة ~~أخلاقية إيجابية تعتمد على وجود المعاناة والخطر والظلم. وقد يقلل الإصلاح الاقتصادي من ~~مجمل الخيرية الأخلاقية بقدر ما يخلص العالم من المشاعر السيئة. وربما يعتبر المصلحون ~~الاجتماعيون تلك الاعتبارات تافهة إذا ما قورنت بالمعاناة والاضطهاد اللذين يمكن التخلص ~~منهما. ويبين انتباه كينز لذلك أمانته الفكرية؛ كما يفسر ضعف حماسته تجاه الإصلاح ~~الاجتماعي. # كما ظهرت مشكلة أخرى في مناقشة مور لفكرة الواجب دفعت كينز، بحسب قوله، لقضاء «كل وقت ~~فراغه على مدار سنوات» في دراسة الاحتمال؛ فقد قال مور إننا يجب أن نتصرف بشكل يجلب لنا ~~أكبر قدر ممكن من الخيرية العامة. لكن معرفتنا بنتائج أفعالنا ستكون احتمالية في ms039 أحسن ~~الأحوال. وبما أنه من المستحيل معرفة الآثار المحتملة للأفعال الممتدة عبر الزمن إلى ~~المستقبل، فإن أقصى ما يمكننا عمله في معظم الأحوال، حسبما قال مور، هو اتباع القواعد ~~الأخلاقية المفيدة بشكل عام، والتي تمارس على نطاق واسع كما اقترح هيوم من قبل. وكان هذا ~~الاستنتاج غصة في حلق كينز الشاب؛ فقد استرجع عام 1938 قائلا: «قبل نزول وحي السماء، كنا ~~نزعم أننا القاضي الوحيد في قضيتنا.» وأخذ كينز يحاول اكتشاف أساس عقلاني للأحكام الفردية ~~للاحتمال. وقال في مقال قرأه على أعضاء جماعة «رسل كامبريدج» في 23 يناير 1904 إن مور ~~خلط بين معرفة الاحتمالات ومعرفة التكرار النسبي للحدوث؛ فقد كان مور يزعم أننا إن لم ~~نعلم بشكل مؤكد أن أي خير يمكننا عمله في المستقبل القريب لن يفوقه مقدار الضرر الناتج ~~عنه في المستقبل البعيد، فإنه ليس لدينا أساس عقلاني للحكم الفردي. لكن كينز قال إن هذا غير ~~صحيح. فكل ما نحتاجه هو «تلاشي أسباب الاعتقاد» بأن أي خير آني نفعله لن تفسده النتائج ~~بعيدة الأمد. فلم يكن الجهل عائقا أمام الحكم الفردي، بل كان وسيلة لتحييد المجهول. ~~وبتطبيق «مبدأ اللامبالاة» - أي تخصيص احتمالات متساوية لكل البدائل التي تتساوى لدينا ~~الأدلة عنها (بما في ذلك انعدام الأدلة) - يمكننا توسيع نطاق الأحكام الاحتمالية. وعلى نحو ~~أكثر عمومية، كانت المعرفة الاحتمالية نوعا من المعرفة المنطقية، بالنظر إلى «ارتباط ~~الأدلة» بالاستنتاجات؛ فقد ارتبطت بعقلانية الاعتقادات لا بظروف الأحداث. وكان بحث كينز في ~~الاحتمال الذي نشر أخيرا في عام 1921 نابعا من تلك الفكرة الجريئة. # كان السؤال الذي طرحه كينز هو: ما هي مبادئ الاختيار والفعل العقلاني عندما يكون المستقبل ~~مجهولا أو غير مؤكد؟ هذا يعني أن اهتمامه كان بعقلانية الوسيلة لا الغاية، رغم أن الحكم ~~بخيرية الفعل يعتمد على كلتيهما. وزعم كينز أن العقل يمكنه غالبا أن «يقلل» عدم اليقين ~~إلى احتمال؛ حيث يدله الحدس إلى أن بعض النتائج أكثر أو أقل احتمالا للحدوث من ~~غيرها؛ أو كما قال إنه «يدرك» علاقة ms040 احتمال بين الدليل (المقدمة) والنتيجة في مسألة ما. ~~ويسمح هذا الإدراك ب «درجة من تصديق» النتيجة. فالمنطق الذي يقترحه هو منطق الاستتباع ~~الجزئي. # اعتبر رأي كينز بأن الاحتمال عبارة عن «تبصر» منطقي هجوما على النظرية السائدة في ذلك ~~الوقت - وهي النظرية التكرارية - التي قالت إن الاحتمال حقيقة من حقائق الطبيعة؛ فإذا كان ~~واحد من كل عشرة مدخنين يموت بالسرطان، فإن احتمال وفاة المدخنين بسبب السرطان هي 10٪. كتب ~~كينز يقول إن المطابقة بين التكرار والاحتمال «هي انحراف شديد عن الاستخدام المعروف ~~للكلمات.» علاوة على ذلك، فإنها تفترض «الافتراض الاستقرائي» الذي لا يمكن اشتقاقه من ~~التكرار. # كانت النقطة التي أراد كينز - قبل كل شيء - أن يثبتها هي أن معرفتنا بالاحتمالات أوسع ~~من معرفتنا بالتكرار. وبنفس المنطق فإن معرفتنا بالاحتمالات جزئيا هي معرفة رقمية؛ أي ~~معرفة النسب. فالحدس المنطقي - عندما يقوم على دليل - لا يمكنه في معظم الأحوال إلا أن ~~يشير إلى أن نتيجة معينة أكثر احتمالا للحدوث من الأخرى دون القدرة على الإشارة إلى ~~نسبة احتمال الحدوث أو عدم الحدوث. فلدينا قدر محدود من التبصر الفردي تجاه طبيعة الكون. ~~وطرح كينز فكرة الاحتمالات المجهولة نتيجة استحالة المقارنة بين الاحتمالات في بعض الأحيان ~~بناء على أوجه مقارنة مختلفة. فعند اتخاذ قرار أخذ مظلة عند الخروج للسير، أي القرائن ~~التي ستدفعنا أكثر لذلك: هل كثرة الغيوم، أم ارتفاع قياس الضغط الجوي في البارومتر؟ وفي تلك ~~الحالة، «سيكون من المنطقي السماح لرغباتنا بتحديد قرارنا وتوفير الوقت الذي سيضيع في ~~النقاش.» مرة أخرى، لا يمكن اعتبار الجهل عائقا أمام الحكم العقلاني. # تتسم نظرية كينز في الاحتمال بالتفاؤل حيال قوة العقل البشري وبالتشاؤم حيال قدرة العقل ~~على كشف أسرار الكون. اقتبس كينز عن لوك قوله: «في الجزء الأكبر من دائرة اهتمامنا، أستطيع ~~القول إن الرب لم يقدم لنا سوى «شفق الاحتمال»، وهو ما يناسب - حسب ما اعتقد - الحالة ~~المتواضعة والبدائية التي أراد أن نكون عليها في هذه الأرض.» # وعند تحديد الشيء العقلاني حتى نفعله، علينا أن ننظر ms041 إلى اعتبارين آخرين لا علاقة لهما ~~بالاحتمال؛ وهما، بحسب كينز: «مدى أهمية القضية» و«المخاطرة الأخلاقية». ويقصد كينز بالأولى ~~قدر الدليل الذي يؤيد حكما احتماليا معينا. ولا يغير هذا من الاحتمال، وإنما قد يغير ~~قدر الثقة في حكمنا. ويلعب تفريق كينز بين عقلانية أي حكم نصدره وقدر الثقة التي من ~~المنطقي توافره فيه دورا محوريا في مناقشة الجانب النفسي للاستثمار في كتابه «النظرية ~~العامة». ويشير مبدأ المخاطرة الأخلاقية إلى أنه من المنطقي أكثر استهداف نوع أصغر من ~~الخيرية يزيد احتمال تحققه بدلا من استهداف نوع أكبر من الخيرية يقل احتمال تحققه، وذلك في ~~حالة تساوي احتمال وجود الخير في الحالتين. وعند تساوي العوامل الأخرى، «تؤدي زيادة ~~أهمية القضية وغياب المخاطرة الأخلاقية إلى زيادة الرغبة في القيام بفعل ما.» وتمثل هذه ~~الفكرة الأساس الفلسفي لرفض كينز للتغيير الثوري. # وفي أثناء إعداد بحثه في الاحتمال للنشر، أضاف كينز بعض الأقسام عن الاستقراء والاستدلال ~~الإحصائي. وكتب يقول إن العالم المتعمق في المذهب التجريبي لا يمكنه الاستفادة من ~~الاستقراء دون عدم اتساق؛ إذ إن استخدام المنهج الاستقرائي يتطلب تعيين احتمال مسبق لصحتها. ~~أما الصفحات التي تربو على المائة بقليل عن الاستدلال الإحصائي، فهي رائعة بسبب محاولة كينز ~~قصر نطاق صحة تلك الطريقة على مجموعات الحالات التي يتوافر فيها معدل التكرار الثابت ~~بدلا من المتوسط. وهذا مكمن اعتراضه على إساءة استخدام علم الاقتصاد القياسي. ومما لا شك ~~فيه أن اعتراض كينز الفلسفي على الاستقراء جعل آراءه الاقتصادية تنحرف بشدة عن المذهب ~~التجريبي، رغم مطالبته المستمرة بتحسين جودة البيانات. وبينما قصد اختيار نماذج قادرة على ~~تفسير «حقائق التجربة»، لم تشتق نماذجه من التجربة، بل من التأمل الذاتي. وفي هذا السياق ~~يعد منهجه أقرب لمنهج الاقتصاديين الكلاسيكيين من منهج نقادهم من أتباع الاقتصاد ~~«المؤسسي». # لم ينتشل تلامذة كينز كتابه «بحث في الاحتمال» من غياهب النسيان إلا مؤخرا. ويعد ~~ذلك جزءا من تنامي الوعي بأهمية نظرية كينز المعرفية في فهم نظريته في السلوك الاقتصادي. ~~هناك جدل حول وضع نظريته ms042 في الاحتمال. فهل كانت النظرية عبارة عن بنية منظر واقعي ~~كما يزعم رودريك أودونيل، أم أنها عبارة عن «منطق رأي» كما تقول آنا كارابيلي؟ يبدو أن ~~إصرار كينز على أن الاحتمال هو علاقة «موضوعية واقعية» وأن كل المعتقدات المنطقية تعتمد على ~~فرضيات صحيحة يدعم مذهب أودونيل، رغم أن كينز عدل رأيه لاحقا استجابة للنقد الذي ~~وجهه إليه فرانك رامزي. وهناك مسألة أخرى تتعلق بالاتساق المعرفي بين كتاب «بحث في ~~الاحتمال» وكتاب «النظرية العامة»؛ إذ يتساءل أثول فيتزجيبونز عن سبب تحول «شفق الاحتمال» ~~بحلول عام 1936 إلى «ظلام حالك» من عدم اليقين. وتقدم نقطة التحول المتمثلة في الحرب ~~العالمية الأولى الإجابة. لكن في النهاية هل يرى كينز - في كتاب «النظرية العامة» - في ~~السلوك الاستثماري سلوكا عقلانيا أم غير عقلاني؟ هنا يظهر الخلاف الجوهري بين من ~~يرون أن استراتيجية الاستثمار «التقليدي»، التي ذكرها كينز في «النظرية العامة»، هي ~~شكل «باهت» من العقلانية، ومن يقولون إن كينز كان يعتقد أن السلوك الاستثماري غير عقلاني. ~~ربما كان هذا حكما «تقليديا» غير قابل للجدال على الاحتمالات، والذي يحافظ على ثبات ~~معقول للاستثمار مع كون «الغريزة الحيوانية» هي السبب في دورته. # لم تكن تلك المناقشات مجرد اهتمام بالتاريخ؛ فقد كان كينز أول اقتصادي يضع عدم اليقين في ~~قلب المشكلة الاقتصادية، وهو ما أثار قضية نطاق العقلانية ومعناها في علم الاقتصاد. فهل ~~العقلانية ممكنة في عالم يتسم بعدم اليقين؟ وكيف يمكن تحديدها؟ ترتبط المسألة المتعلقة ~~بالسياسة الاقتصادية بالظروف التي ينبغي توفيرها؛ لئلا ترى العناصر الاقتصادية الفاعلة ~~هيكل الاقتصاد يتسم من الأساس بعدم اليقين. # وضعت نظرية كينز في السياسة ضمن الإطار المفاهيمي ذاته لفلسفته الأخلاقية والاقتصادية. ~~وكانت أقرب محاولاته لتقديم عرض منهجي هو المقال الذي كتبه في 100 صفحة خلال دراسته ~~الجامعية عن إدموند بيرك، الذي نجح في الحصول به على الجائزة الجامعية في المقال الإنجليزي ~~عام 1904، وهي نفس السنة التي كتب فيها أول مقالاته عن الاحتمالات. أبدى كينز تعاطفا شديدا ~~مع آراء مؤسس مبادئ التيار المحافظ البريطاني؛ ms043 فقد أيد فصل بيرك بين الأخلاق والسياسة، ~~بجانب تفضيله للمصلحة الحالية على المصلحة المستقبلية. لكن كينز انتقد بيرك لجبنه الشديد ~~بوصفه مصلحا ولاستخفافه بادعاءات الحقيقة؛ فقد انتقده بشكل عام لمبالغته في تحميل ~~الافتراضات المنطقية ما لا تحتمل. وقد كانت الآراء التي قدمها في مقاله هذا الذي كتبه خلال ~~الدراسة الجامعية، وكذلك في كتاباته الناضجة لاحقا، سابقة لعصرها. # تكمن «حكمة بيرك السياسية التي لا تضاهى» - طبقا لكينز - في أنه كان أول مفكر على ~~الإطلاق يضع نظرية سياسية تقوم على النفعية بدلا من الحقوق المجردة، رغم أن تلك النفعية ~~«اقترنت» بمبدأ المساواة القائل إن على الحكومات أن تتجنب التمييز المفتعل ضد أفراد أو ~~طبقات معينة. واقتبس كينز عن بيرك، مؤيدا له، قوله: «القضية بالنسبة لي لا تتمثل فيما ~~إذا كنت تمتلك حق إتعاس شعبك أم لا، وإنما إذا كنت ليست لديك الرغبة في إسعاده أم لا.» ~~وأضاف كينز: «ليست هذه الفكرة عميقة تماما، لكن يجب أن نقر، بفضل بيرك، بأنه أول من ~~عبر عنها بوضوح وثبات.» وكان أهم تبعات هذه الفكرة هو احتفاء بيرك بالنفعية بوصفها مبدأ ~~جوهريا في السياسة، وهو ما أيده كينز بالتأكيد. وقد قال كينز في أحد مقالاته في منتصف ~~عشرينيات القرن العشرين: «إنها لكارثة فادحة أن تتبنى حكومة رأسمالية أي مبادئ. بل ~~يجب عليها أن تكون انتهازية بكل معاني الكلمة وتعتمد على المواءمة وعلى التقدير السليم ~~للموقف. وأي حكومة، سواء كانت ملكية أم حكومة أثرياء أو غيرها، إن تبنت أي مبادئ ~~فستسقط في النهاية.» كان لدى كينز في صناعة السياسات ميل صريح، وإن كان غير متطرف، تجاه ~~حرية التصرف في مقابل القواعد الثابتة؛ وذلك لأسباب يمكن استنتاجها بسهولة من إعجابه ~~بأفكار بيرك. # لقد تقبل كينز الرأي الذي أرجع أصله لبيرك، والقائل إن هدف السياسة ليس جلب المشاعر ~~«الخيرة في ذاتها والمنفصلة عما سواها»، وإنما تيسير سعي أعضاء المجتمع نحو الأهداف ~~الأخلاقية، عن طريق ضمان توافر ظروف «الراحة البدنية والرفاهية المادية والحرية الفكرية». ~~وتتفق متطلبات الرفاهية ومتطلبات الخيرية الأخلاقية ms044 إلى حد ما. لكن كينز لم يعتبر قط ~~السياسة ملعبا لتحقيق أهداف أخلاقية، ولم يجعل للعواطف السياسية إلا قيمة أخلاقية ~~محدودة. # كما أقر كينز أحد مبادئ بيرك الجوهرية الأخرى؛ وهو أن السعادة أو المنفعة التي ينبغي أن ~~تسعى الحكومات لتعظيمها هي المنفعة قصيرة المدى، لا طويلة المدى. وكان هذا نتيجة لقبوله ~~معيار «المخاطرة الأخلاقية» لكل من مور وبيرك؛ إذ يقول: «طالما رأى بيرك - وكان على صواب ~~- أنه نادرا ما تصح ... التضحية بمنفعة حاضرة من أجل منفعة مستقبلية غير مؤكدة.» وكان ~~مفهوم المخاطرة الأخلاقية أحد المبادئ التي وجهت أعمال كينز السياسية. كما حصنه بنفس ~~القدر من الشيوعية وفكر التضحية الموجود ضمنا في معظم الأفكار الاقتصادية ~~التقليدية. # مع ذلك رأى كينز أن بيرك فسر معيار «المخاطرة الأخلاقية» على نطاق شديد الضيق؛ إذ انتقد ~~بيرك في مقاله عام 1904 «لتفضيله السلام على الحقيقة، ولتردده الشديد في قبول شر حال ~~من أجل تحقيق منفعة مستقبلية، ولإنكاره أن البشر يفعلون الصواب، إلا فيما ندر من الحالات؛ ~~لأنهم يحكمون على أفعالهم بالصواب.» فقد كان تشكك بيرك المعرفي هو ما أجبره للعودة إلى ~~التقاليد. أنكر بيرك قيمة السعي للوصول إلى الحقيقة على أساس أن ذلك ربما يفسد سلام الأمة ~~(أي خير حال) بغير وجود ضمانة لوجود منفعة أكبر. وكان هذا استنتاجا أراد كينز مقاومته. ~~فقد حاج - مستلهما فكر ميل - أنه «مهما كانت التبعات الفورية لحقيقة جديدة، فإن هناك ~~احتمالا قويا أن تلك الحقيقة ستؤدي إلى نتائج أفضل من نتائج الزيف على المدى البعيد.» ~~واتسق هذا مع هجومه على فكرة مور باتباع القواعد المتفق عليها على المستوى العام بدلا ~~من الحكم الفردي. لكنه خلص إلى أن «التحيز الحديث للحقيقة ربما يكون مبنيا على أسس غير ~~كافية إلى حد ما»؛ لذا يمكن اعتبار كتاب كينز «بحث في الاحتمال» ردا على كل من مور ~~وبيرك في هذه المسألة؛ فقد كانت العقلانية مبدأ هاما في فلسفة كينز السياسية. وكانت ~~فكرة السياسة التي توجهها العقلانية تتضمن أفقا مستقبليا متفائلا، وربما ثوريا ~~غير ms045 موجود في المذهب الكلاسيكي المحافظ. لقد كان إيمان كينز بقوة العقل وإمكانية تصرف ~~الحكام تبعا لما يمليه عليهم هو ما جعله يسمح بقدر كبير من الحرية للحكام في وضع ~~السياسات الاقتصادية. # يعد تناول كينز لآراء بيرك عن الملكية والديمقراطية في ضوء «قوانينه» السياسية ~~جديرا بالملاحظة الدقيقة؛ فقد دافع بيرك عن حقوق الملكية القائمة على أساس أن إعادة ~~توزيع الثروة لن تحدث أي فارق حقيقي للفقراء؛ إذ إن عددهم يفوق عدد الأغنياء بكثير، ~~بينما في الوقت ذاته «تقلل عدد من يمكنهم الاستمتاع بالمنافع المؤكدة للثروة، وتقلل عدد ~~من يمكنهم أن يجلبوا على الدولة المنافع التي يجلبها دائما وجود الأثرياء.» ورأى كينز أن ~~هذه الفكرة «تحمل أهمية كبيرة بلا شك ... ويجب أن تكون ضمن أقوى الردود على أي خطط تستهدف ~~تحقيق المساواة.» لكن تلك الفكرة لا تصح إن وجهت ضد «أي محاولة للتأثير على قنوات ~~تدفق الثروة» وضد مواجهة الجوع أو الفقر الشديد؛ فلا تصلح مثلا للاعتراض على ضرائب ~~التركات «التي يقصد منها تقليل تكدس الثروة»، ولا للاعتراض على مصادرة الملكيات الإقطاعية ~~في أثناء الثورة الفرنسية. فطالما اهتم بيرك بالدفاع عن «الأسوار الخارجية» لنظام ~~الملكية، لدرجة أنه لم ير أن ذلك ربما يعرض «قلب» النظام نفسه للخطر. # كانت تلك فكرة تقليدية عرضت بشكل تقليدي. لقد أصر كينز في عمله «بحث في الإصلاح ~~النقدي» (1923) على أن الحكومات يجب أن تكون لديها حرية مراجعة العقود بين الأحياء ~~والأموات؛ حيث إن «عواقب العوائد الربوية غير المنقطعة ضخمة جدا.» فبحسب قوله، إن «مؤيدي ~~ثبات عقود الدين هم آباء الثورة»؛ وهذا موقف يحمل طابع بيرك عن جدارة، رغم أن بيرك كان ~~يتجاهله أحيانا. # وسط أزمات ثلاثينيات القرن العشرين، تكون لدى كينز اعتقاد بأنه قد يكون من الضروري ~~القيام ببعض التدخلات بشأن «الأسوار الخارجية» أكبر من التي أشار إليها في عام 1904 للدفاع ~~عن قلب النظام؛ لذا فقد اقترح في «النظرية العامة» تنفيذ «القتل الرحيم في أصحاب الدخول ~~الربوية» من خلال عدم السماح بوجود فوائد ربوية على القروض، ms046 كما دافع عن قوانين العصور ~~الوسطى الربوية التي أرست حدا أقصى للفائدة. لكن عندما أوضح له مراسله الفرنسي مارسيل ~~لابوردير أن «استقرار الثروات واستمرار التوريث في العائلات التي تنتمي لطبقات اجتماعية ~~مختلفة هي أحد الأصول الاجتماعية غير المرئية التي تعتمد عليها جميع الثقافات بشكل أو ~~بآخر»؛ رد كينز على الفور بقوله: «أتفق تماما مع ما تقول، وأرجو أن تكون كلماتك كافية ~~لتأكيده بشكل كاف. وكلما كبرت أصبح أكثر اقتناعا بأن ما تقوله صحيح وهام. لكن يجب ~~ألا أسمح لك بتحويلي إلى محافظ متشدد.» # قال كينز إن قضية الديمقراطية تتضمن سؤالين منفصلين؛ أولا: هل للجماهير الحق في إدارة ~~حكومة ذاتية؟ ثانيا: هل من النافع والمفيد أن تكون الحكومة الجيدة حكومة ذاتية؟ كان بيرك ~~قد رد على كلا السؤالين بالنفي القاطع. وأيد كينز بيرك بشدة في إجابة السؤال الأول. ~~فالحكومة ما هي إلا «أحد ابتكارات الحكمة البشرية» من أجل «إشباع حاجات معينة، وهذا آخر ~~القول.» فللناس الحق في حكومة جيدة لا حكومة ذاتية، وهو مبدأ ينطبق بلا نقاش على مكتب ~~الهند. لكن المسألة الأصعب هي ما إذا كانت الحكومة الذاتية شرطا لوجود حكومة جيدة، وكان ~~كينز في هذه النقطة أكثر انفتاحا من بيرك؛ إذ إنه اتفق معه في أن «الناس» غير قادرين على ~~حكم أنفسهم، وأن على البرلمان أن يكون مستعدا دائما لمقاومة التحيز الشعبي تحت اسم ~~المساواة بين الأفراد والطبقات. إلا أنه انتقد حلم بيرك بوجود «طبقة ممثلي الشعب» وقال إنه ~~استخف بالقيمة التربوية للحكومة الذاتية. مع ذلك شك كينز في أن يجرؤ أي «كيان شعبي ~~عقلاني أو غير متحيز» على أن يجري التجربة في ظل المعاناة الموجودة في العالم ما لم يكونوا ~~«تحت تأثير الفكر الخاطئ القائم على الحقوق السياسية الطبيعية.» # لم يظهر في عصر كينز ما يشوب الديمقراطية؛ كان هذا لأن «قوتها الكاملة لم تكن قد دخلت ~~حيز التنفيذ»؛ فالنظام القائم كان نظاما نخبويا تحكمه قلة من الأثرياء، وليس نظاما ~~ديمقراطيا. وكان افتراض كينز استمرار النظام بهذا الحال مع ms047 إضافة بعض «الخبرة الفنية» ~~نقطة ضعف في نظريته السياسية. # زاوج كينز في فلسفته السياسية بين عنصرين جوهريين لمذهب بيرك المحافظ؛ وهما: الرضا بوصفه ~~هدفا، وتجنب المخاطرة بوصفها منهج الحكومة؛ وعنصرين جوهريين في إصلاح الليبرالية؛ وهما: ~~الالتزام بالحقيقة، والإيمان بإمكانية وجود حكم فردي عقلاني. ورفض كلا من المذهب ~~المحافظ غير المعتمد على العقلانية والاشتراكية الراديكالية. وكان هذا بشكل كبير هو مضمون ~~فكرة «الطريق الوسط» التي اعتنقها في فترة ما بين الحربين العالميتين. # لقد ثار قدر كبير من الجدل حول ماهية الليبرالية التي اتبعها كينز؛ إذ يراه بيتر كلارك ~~جزءا من الحركة «التقدمية» فيما قبل عام 1914 التي وحدت الليبراليين اليساريين ~~والاشتراكيين المعتدلين في برنامج ديمقراطي مشترك لإعادة توزيع الثروة. في حين يقول مايكل ~~فريدن إن كينز كان ليبراليا «وسطيا» صارما يطوع الحلول التكنوقراطية لمذهب فردي؛ فقد ~~تبرأ كينز من السمات المميزة لليبرالية «التقدمية» من خلال تقييد تدخل الدولة لملء ~~الفراغات التي يتركها القطاع الخاص، و«التخلي عن إعادة توزيع الثروة بوصفها مجالا واسعا ~~للسياسة الاقتصادية الاجتماعية»، و«نزع الديمقراطية» من صناعة السياسات لصالح سيطرة ~~الخبراء. # من الممكن إيجاد مبررات لكلا الطرفين. فمن الواضح أن ما جعل كينز بعيدا عن «التقدميين» ~~هو سلوكه تجاه العدالة الاجتماعية؛ إذ لم يعترض كينز - أو بالأحرى لم يعترض بالقوة الكافية ~~- على النظام الاجتماعي القائم على أساس أنه غير عادل أو غير منصف في توزيع الفرص، بل لأن ~~مبدأ الحرية الاقتصادية لم يحم «الأعراف» الاقتصادية والاجتماعية القائمة. فالظلم بالنسبة ~~لكينز يعني أي تغير عشوائي في الترتيبات الاجتماعية المستقرة، كتلك التي تسببها ~~التغيرات في قيمة النقود؛ فقد تعاطف بشدة مع عمال المناجم في أثناء إضرابهم العام سنة ~~1926؛ لأنه رأى أنهم ضحايا العودة لمعيار الذهب بسعر مبالغ فيه للجنيه، والذي تم في ~~العام السابق. وحول كينز مشكلة العدالة من الاقتصاد الجزئي إلى الاقتصاد الكلي؛ فأصبح ~~الظلم مسألة عدم يقين، والعدل مسألة توقع تعاقدي. ولعبت فكرة إعادة توزيع الثروة دورا ~~هامشيا في فلسفته الاجتماعية، ثم أصبحت مجرد جزء من آليات استقرار الاقتصاد ms048 الكلي، وليست ~~وسيلة لتحقيق غاية مثالية كالمساواة. # تظهر تلك الاتجاهات في مقاله «نهاية مبدأ الحرية ~~الاقتصادية» الذي قرأه لأول مرة في صورة محاضرة في جامعة أكسفورد عام 1924. وكانت شرور ~~النظام القائم مصدرها في الغالب «المخاطرة وعدم اليقين والجهل». وتطلب علاجها «السيطرة ~~المدروسة على العملة وعلى الائتمان من قبل مؤسسة مركزية»، و«جمع بيانات الأعمال ونشرها»، ~~و«القرارات الحكيمة المنسقة» فيما يخص إجمالي حجم المدخرات وتوزيعها بين الاستثمار ~~المحلي والأجنبي، ووضع سياسة سكانية «تهتم بالجودة الجوهرية ... مثل اهتمامها بالأرقام.» إن ~~ما كان يسعى إليه كينز - كما كتب لاحقا في عمله «النظرية العامة» - هو سد الفجوات في ~~«ليبرالية مانشستر». وقدم كينز معيارا لتدخل الدولة تمثل في فكرة الخدمة أو النشاط ~~«الاجتماعي من الناحية الفنية»؛ بمعنى أن الدولة هي الوحيدة القادرة على تقديمه. واقترن ~~بمجموعة النقاط تلك على نحو غير متناسق بعض الشيء منظور تطوري انحسرت بموجبه ~~الرأسمالية الفردية لشركات العائلات أمام الرأسمالية «الاشتراكية الطابع» للمنفعة العامة ~~والشركات الخاصة الكبيرة. وهكذا تنبأت التطورات الصناعية التلقائية ب «إضفاء الطابع ~~الاشتراكي على الاستثمار» الواعي الذي دافع عنه كينز في عمله «النظرية العامة» وجعلته ~~ممكنا. # ورغم رفض الليبراليين له، لم ينضم كينز إلى حزب المحافظين ولا حزب العمال. وتساءل في ~~مقال له في عام 1926 بعنوان «هل أنا ليبرالي؟» قائلا: «كيف يكون لي أن أصبح محافظا؟» ثم أضاف: # إنهم لا يوفرون لي الطعام ولا الشراب، ولا يقدمون أي تعزية فكرية أو روحية ... ~~فالتوجهات المحافظة لا تؤدي إلى أي شيء؛ فهي لا تحقق أي مثل، ولا تتفق ~~مع أي معيار فكري، وليست حتى آمنة أو حذرة بحيث يمكنها حماية ما وصلنا إليه من ~~الحضارة مما قد يفسدها. # كان حزب المحافظين بالنسبة لجيل كينز من الليبراليين عدوا تاريخيا، وظل كذلك طوال ~~سنوات ما بين الحربين رغم «سمو أخلاق» ستانلي بولدوين؛ فقد اعتبروا الحزب حزب الحماقة ~~والخرافات والتحيز؛ حزب الحماية الاقتصادية والوطنية الجوفاء. وكان المحافظون أنصار القواعد ~~الأخلاقية الرجعية التي ثار عليها جيل كينز. أدرج كينز ضمن أجندة الليبرالية «تحديد النسل ms049 ~~واستخدام وسائل منع الحمل وقوانين الزواج ومواجهة الجرائم والتشوهات الجنسية والوضع ~~الاقتصادي للمرأة والأسرة ... وقضايا المخدرات.» واتخذ المحافظون - على الأقل في العلن - من ~~كل تلك القضايا التي كانت ذات أهمية خاصة لجماعتي بلومزبيري وهامبستيد موقفا طالما وصفه ~~كينز بأنه متخلف يرجع للعصور الوسطى. # أرجع كينز حماقة التوجهات المحافظة لارتباطها بمبدأ التوريث. وفسر هذا أيضا عدم كفاءة ~~العديد من الشركات البريطانية؛ فقد سيطر أفراد من الجيل الثالث على الرأسمالية البريطانية. ~~واختفى احترام كينز الذي أظهره في البداية لقائد المحافظين ستانلي بولدوين سريعا؛ حيث كتب ~~في عام 1925: «كنت أشعر في البداية أن السيد بولدوين لا يمكن ألا يكون بارعا. لكنه ~~عندما وجدته دائما يستسلم لعواطفه ويتصرف بحماقة، زال هذا الشعور.» لكنه قال عنه في عام ~~1936 إنه «نموذج لرجل الدولة الذي يمكنه وضع نظام اشتراكي معدل إن سمح له حزبه ~~بذلك.» # إذا كان حزب المحافظين هو الحزب الأحمق، فقد كان حزب العمال هو الحزب السخيف. لكن كانت ~~معظم توجهاته على الأقل على الطريق الصحيح. وكان ما يحتاجه حزب العمال - حسبما أوضح كثيرا ~~كينز - هو محركا يقوده نحو برنامج لإصلاح الليبرالية. انشغل كينز في معظم كتاباته ~~السياسية بحوار مع ليبرالية حزب العمال. وتخلل ذلك أحيانا استخدام لغة شديدة الالتباس؛ ~~حيث حاول أن يفصل موقفه عن موقف الاشتراكية، وأن يؤكد في الوقت ذاته على التوافق بين ~~مجموعة من الطموحات الليبرالية والاشتراكية. ويجعل ذلك الالتباس - الذي بدا أن كينز رآه ~~جزءا ضروريا من جهوده الإقناعية - من الصعب معرفة مدى استعداد كينز لأن يسلك طريق ~~الاشتراكية. ولم يضطر كينز خلال حياته للاختيار الذي واجه الكثيرين في سبعينيات القرن ~~العشرين. # رفض كينز بشكل قاطع الاشتراكية باعتبارها علاجا «اقتصاديا» لمشكلات الرأسمالية. وطالما ~~قال إن الاقتصاديين الكلاسيكيين والاشتراكيين يؤمنون بقوانين الاقتصاد نفسها. لكن في الوقت ~~الذي اعتبرها الفريق الأول صائبة وحتمية، رآها الفريق الثاني صائبة ولا يمكن تحملها. ~~وحاول كينز أن يثبت خطأ تلك القوانين. وأضاف أن مجرد فكرة تحول الرأسمالية نحو ~~الاشتراكية تجعل الملكية العامة غير ضرورية. # عارض ms050 كينز الجانب الثوري للاشتراكية. وأدرك أن السواد الأعظم من أعضاء حزب العمال لم ~~يكونوا «بلشفيين يعقوبيين شيوعيين»، لكنه رأى أن مكر تلك المجموعات وحقدها أثر في الحزب ~~بالكامل؛ حيث تم الجمع بين الخبيث «وما هو مثالي من أجل بناء جمهورية اشتراكية حقيقية.» ~~وقال كينز في إحدى المناظرات مع الاشتراكي الاسكتلندي توماس جونستون عام 1929، إن حزب ~~العمال يجب أن «يظهر بمظهر المعارض لكل من هو أكثر نجاحا أو مهارة أو اجتهادا أو ~~أكثر نجاحا من المتوسط ... وذلك قمة الظلم والحمق؛ فهذا يدمر ما يجب أن يكون دائما هو ~~القطاع الأقوى من المجتمع ويلقي به في المعسكر الرجعي.» # عارض كينز صراحة الأساس الطبقي الذي تقوم عليه السياسة الاشتراكية. وقال في إحدى ~~ملاحظاته الأكثر اقتباسا: «حزب العمال هو حزب طبقي تختلف طبقته عن طبقتي. وإن سعيت يوما ~~لتحقيق مصالح فئوية، فعلي أن أسعى لتحقيق مصالحي ... من الممكن أن أتأثر بما قد يبدو ~~عدلا وحسن تقدير، لكن في «الحرب الطبقية» سأكون في جانب الطبقة البرجوازية «المستنيرة».» ~~فقد كان من أنصار المساواة برفع مستويات الطبقات الدنيا، لا بخفض مستويات الطبقات العليا. ~~وقال: «أريد أن أشجع كل الجهود والقدرات والشجاعة والشخصيات الاستثنائية. ولا أريد أن ~~أستعدي كل ما هو ناجح واستثنائي.» # وأخيرا رفض كينز معارضة حزب العمال للنخبوية. وشعر بأن العناصر المفكرة في حزب العمال ~~«لن تكون لديها أبدا السلطة الكافية، وسيتخذ من لا يفقهون شيئا على الإطلاق عما يتحدثون ~~بشأنه جل القرارات.» كان المحافظون أفضل حالا في هذا الجانب؛ حيث إن «الدائرة الداخلية في ~~الحزب يمكنها أن تحدد تفاصيل سياسة الحزب وآلياتها.» آمن كينز - كما تبين كتاباته الأولى ~~- بحكم الطبقة الأفلاطونية الحارسة التي تقيدها - ولا تهيمن عليها - الديمقراطية. # أعجب كينز بثلاثة أشياء في الاشتراكية، هي: شغفها بالعدالة، ومثل الخدمة العامة ~~الفابية، ومثاليتها المبنية على إلغاء دافع الربح. وكان لدى كينز مدينته الفاضلة كذلك، وهي ~~ما ألهم أعماله في الاقتصاد، والتي عبر عنها على نحو بارز في مقاله «الإمكانات الاقتصادية ~~لأحفادنا» المنشور عام 1930. في هذا المقال ms051 يشرح كينز تصوره لمجتمع ينعم بالوفرة ~~والرفاهية والجمال والفضيلة والتنوع، ويعتبر فيه «حب المال» مرضا عقليا. لكن تلك ~~المثالية كان منبعها كامبريدج أكثر من الفلسفة الاشتراكية (حيث ليس هناك فيها مكان واضح ~~للمساواة أو الأخوة أو الديمقراطية). هذا بخلاف أنها لا تتحقق إلا بعد حل المشكلة ~~الاقتصادية. في الوقت الراهن، كما قال كينز: «علينا أن نستمر في التظاهر بأن الجميل قبيح ~~والقبيح جميل؛ إذ إن القبيح نافع والجميل لا ينفع.» باختصار، عارض كينز الاشتراكية بوصفها ~~وسيلة، ولم يقرها بوصفها غاية إلا من خلال تصوره الذاتي. # قدم دميتري ميرسكي، المراقب الدقيق للثقافة البريطانية في فترة ما بين الحربين، تفسيرا ~~ماركسيا لفلسفة الممارسة لدى كينز في كتابه «مفكرو بريطانيا العظمى». فقال إن النخبة ~~الأرستقراطية المفكرة تعتبر نفسها خارج نظام الطبقات أو أعلى منه؛ نظرا لأنها لا تشارك ~~في عملية الإنتاج بشكل مباشر. فهي طالبت في مجال الاقتصاد بنظام، والذي أطلقت عليه ~~الاشتراكية، لكنها في الحياة الفردية أرادت مزيدا من الحرية، وهو ما ربطها ~~بالرأسمالية. # تبدو تلك الأطروحة المضادة أقل أهمية اليوم؛ فقليل من الناس الآن يعتقدون أن الاشتراكية ~~- بالشكل الذي رفضه كينز - مناسبة لمشكلاتنا الاقتصادية. لكن السؤال يكمن فيما إذا كان طريق ~~كينز الوسط لا يزال مفيدا أم لا. فقد توقع نمو العجز في إجمالي الطلب في الاقتصاديات ~~الرأسمالية الناضجة - في ظل تضاؤل فرص الاستثمار - لكن ستستمر عادات الادخار الملائمة ~~للعصر الفردي. وسيكون التدخل الحكومي ضروريا للحفاظ على الطلب على الاستثمار، وإعادة ~~توزيع الدخل على الفئات الأكثر استهلاكا، وإعادة تنظيم ظروف العمل والأجور من أجل زيادة ~~الاتجاه إلى الراحة بشكل تدريجي، مع تعزيز العلم لقدرات الإنتاج. وإلا فسيكون الكساد ~~الكبير فيما بين عامي 1929 و1932 - كما حذر - مجرد مقدمة لحالة شبه ركود دائمة. وقد وردت ~~أفكاره السياسية في سياق أفكاره الاقتصادية الموجهة لمواجهة انتشار البطالة في بريطانيا في ~~عشرينيات القرن العشرين، وهو ما سنتناوله في الفصل القادم. # الفصل الثالث # | المصلح النقدي # جاءت مناقشة كينز لمشكلة البطالة في بريطانيا في عشرينيات القرن العشرين ms052 في إطار نظرية ~~كمية النقود؛ إذ كان متأكدا من أن التقلبات في النشاط الاقتصادي يمكن منعها من خلال تطبيق ~~سياسة نقدية ملائمة. وكان منظرو نظرية كمية النقود في زمن كينز مصلحين نقديين أرادوا ~~استخدام نظريتهم لتحقيق استقرار النشاط الاقتصادي. وكانت تلك النظرية أول نظرية تسعى لتحقيق ~~استقرار الاقتصاد الكلي على المدى القصير. # وتعتبر تلك نقطة غريبة في ظاهرها؛ إذ إن نظرية كمية النقود هي نظرية تربط المعروض من ~~النقود ب «مستوى سعر» شراء السلع بدلا من «كمية» السلع المنتجة. لكن الواقع يشير إلى أن ~~التغيرات الخاصة بالنقود والأسعار كانت ترتبط بالتقلبات في كمية الناتج ومعدل البطالة، وهو ~~ما يحتاج إلى تفسير. وعلى مدار العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين أو نحو ذلك، حاول ~~الاقتصاديون - بما فيهم كينز - أن يستفيدوا مما سموه نظرية كمية النقود لتفسير ~~التقلبات في الناتج؛ وكان من أسباب ذلك هو ملاحظتهم للارتباط بين الأوضاع النقدية ~~والتقلبات في النشاط الاقتصادي، وكذلك لأن السياسة النقدية مثلت نطاق عمل واعد ~~للذين طمحوا لإدارة النظام الرأسمالي لا لتدميره. وفي الثلاثينيات تخلى كينز عن استخدام ~~نظرية كمية النقود في تفسير التقلبات قصيرة الأجل في الناتج. إلا أن النقود في كتاب ~~«النظرية العامة» لا تزال تحتفظ بقدرتها على إرباك الاقتصاد الحقيقي. لكن تأثيرها هذا نابع ~~من وظيفتها كمخزن للقيمة لا كوسيلة للتبادل. ويثير ذلك مسألة أخرى وهي إمكانية الاعتماد على ~~السياسة النقدية باعتبارها أداة للإدارة الاقتصادية. # لقد قامت نظرية كمية النقود على تناول النقود من منظور دورها في المبادلات؛ فالنقود ~~هي وسط للتبادل ووسيلة لتنفيذ عمليات شراء السلع والخدمات وبيعها. ليس للنقود وظيفة أخرى، ~~على الأقل في أي اقتصاد «حديث» في ظل وجود نظام قانوني وسياسي مستقر ونظام بنكي متطور. ~~وفي ضوء هذا، لا يمكن لحدوث تغير في كمية النقود (أو قيمتها) أن يربك المعادلة السابقة ~~إلا إذا أسفر عن تغيرات غير متناسبة في المخزونات النقدية لدى العناصر الاقتصادية الفاعلة. ~~وكان هذا بالفعل هو افتراض الذين استخدموا نظرية كمية النقود في تحليل التقلبات ms053 الاقتصادية. ~~وكان دائما ما يقال إن رفع الأسعار يخدم المستثمرين وأصحاب المشروعات على حساب المدخرين ~~والعمال؛ والعكس بالعكس. وقامت هذه المسألة على التمييز بين الأسعار المرنة والأسعار غير ~~المرنة؛ لذا افترض أن أسعار الأجور «ثابتة» أو على الأقل «متماسكة» على المدى القصير، وأن ~~أسعار البيع «مرنة». وفي الوقت نفسه تبدو عملية تثبيت مستويات الأسعار سهلة على نحو خادع، ~~وذلك عند التعامل مع النقود من منظور دورها في المبادلات. فهذا المنظور يعتبر النقود مجرد ~~وسيلة لإجراء المبادلات. طالما قال كينز قبل عام 1914 إن الناس يقبلون على الحصول على ~~النقود فقط ليصرفوها بأسرع ما يمكن. وكل ما كان يجب على السلطة المركزية عمله هو ضمان ~~وجود تدفق ملائم للنقود؛ وسيسير كل شيء على ما يرام. وكانت أعمال كينز منذ ما قبل الحرب ~~العالمية الأولى وحتى كتابه «بحث في النقود»، بما فيه كتابه هذا، تدور في فلك تلك الفكرة، ~~رغم أنها أصبحت في النهاية إشكالية بالنسبة له. # كانت هناك صيغتان مطروحتان لنظرية كمية النقود عندما بدأ كينز عمله في الاقتصاد؛ الأولى: ~~صيغة «المبادلات» لإرفينج فيشر، والثانية: صيغة كامبريدج ل «الأرصدة النقدية» التي وضعها ~~ألفريد مارشال الذي درس علم الاقتصاد لكينز. واستخدم كينز كلتا الصيغتين في محاضراته فيما ~~قبل عام 1914، قائلا إنهما «يصلان عمليا للنتيجة نفسها.» تنص معادلة فيشر للتبادل على ~~أنه في أي فترة محددة تساوي كمية النقود مضروبة في سرعة دورانها - وهي متوسط عدد مرات ~~إنفاق العملة في فترة محددة - متوسط سعر كل مبادلة مضروبا في الحجم الكلي للمبادلات. وكل ~~ما يعنيه هذا هو أن قيمة ما ينفق تساوي قيمة ما يشترى، وهي نتيجة ليست بجديدة. لكن لا ~~تزال هناك حاجة لثلاثة افتراضات أخرى لتتحول معادلة التبادل إلى نظرية خاصة بمستوى الأسعار؛ ~~أولا: هناك علاقة سببية بين النقود والأسعار. ثانيا: تتحدد سرعة دوران النقود، بغض ~~النظر عن المعروض من النقود، تبعا لمستوى الدخل وعادات الإنفاق في المجتمع، وهما عاملان لا ~~يتغيران إلا ببطء. ثالثا: يتحدد حجم التبادلات، بغض النظر عن كمية ms054 النقود، تبعا لقوى ~~«حقيقية». إن صحت تلك الافتراضات، فسيؤدي أي تغير في كمية النقود إلى تغير متناسب في ~~مستوى الأسعار. # أما صيغة «الأرصدة النقدية» من نظرية كمية النقود لمارشال، فتنص على أن كمية النقود ~~تساوي متوسط سعر كل مبادلة مضروبا في الحجم الكلي للمبادلات مضروبا في مقلوب سرعة دوران ~~النقود، وهو النسبة من الدخل أو الثروة (استخدم مارشال المصطلحين بالتبادل) التي يحتفظ بها ~~المجتمع في صورة سائلة في فترة معينة. لم تركز معادلة كامبريدج على إنفاق النقود، وإنما على ~~دور النقود باعتبارها مخزنا مؤقتا للقوة الشرائية فيما بين عمليتي البيع والشراء. ومهد ~~ذلك لوظيفة النقود بوصفها «مخزنا للقيمة» من خلال الإشارة إلى الدوافع الفردية للاحتفاظ ~~بالسيولة النقدية وافتراض إمكانية تحليلها هي الأخرى. # لم تشر تلك النظرية في هذا الاتجاه على نحو أكبر من وجهة نظر كينز قبل الحرب؛ إذ ~~اعتبرها، ليس فقط أنها مجرد تدريب على استعمال المنطق - من خلال عرضها للشروط اللازمة ~~لصحتها - وإنما أيضا مجموعة من الافتراضات الواقعية عن عالم الواقع. ورأى كينز بالتأكيد أن ~~هناك علاقة سببية بين النقود والأسعار، منتقدا «رجال الأعمال» و«الرأي الشائع» لاعتقادهما ~~عكس ذلك. واعتقد أيضا أن «سرعة الدوران» أو «الطلب على الأرصدة النقدية لكي يتم الاحتفاظ ~~بها» يتحدد بشكل مؤسسي، ولا يخضع للتغيرات العشوائية. كما أيد الافتراض الثالث، الذي ينص ~~على أن حجم المبادلات يتحدد وفق قوى «حقيقية». وبهذا يكون كينز قد أيد نظرية كمية النقود ~~بصيغتيها. كما أقر في الوقت ذاته بأن تقلبات الأسعار يمكن أن تكون لها آثار مؤقتة على ~~سرعة الدوران وحالة التجارة، رغم أن مناقشته لتلك النقطة لم تكن باهتمام كبير. # كانت رؤية كينز «لآلية التحول» من النقود إلى الأسعار مارشالية الطابع بامتياز؛ إذ إنه ~~اتهم فيشر بالعجز عن تحديد آلية في هذا الشأن؛ إذ تؤدي الزيادة في احتياطيات الذهب في ~~البنك المركزي إلى انخفاض أسعار الفائدة؛ ومن ثم يزيد اقتراض أصحاب المشروعات؛ ويعد ~~إنفاقهم لودائعهم الجديدة هو السبب في ارتفاع الأسعار، وهذا التأثير «ينتقل تدريجيا ~~لجميع جوانب ms055 المجتمع إلى أن تظهر الحاجة لكميات جديدة من الذهب لتمويل قدر جديد من ~~التجارة الفعلية ليس أكبر مما كان في السابق.» فمستوى الأسعار هو ما يوازن بين «الطلب على ~~السيولة النقدية» وبين «المعروض من النقود». لكن النقطة المهمة هي أن ضخ الأموال ~~يستغرق وقتا لتظهر آثاره النهائية على الأسعار، وبينما تتكيف الأسعار مع التغيرات في ~~المعروض من النقود تنشط حركة التجارة أو تقل. كما يترتب على ذلك أنه في ظل معيار الذهب ~~«يعتمد المعروض من القوة الشرائية على البنوك والذهب معا.» # سعى المصلحون النقديون قبل عام 1914 إلى الحد من تأثير الذهب على «المعروض من القوة ~~الشرائية». وتطلب استقرار مستوى الأسعار وضع كمية النقود تحت سيطرة السلطة النقدية ~~المركزية. لكن عندما تكون النقود الرسمية عبارة عن قطع نقود ذهبية، فستحدد قيمة النقود ~~على المدى البعيد طبقا للظروف غير المنظمة للعرض والطلب في سوق الذهب. وأرجع كثيرون انخفاض ~~مستوى الأسعار في أواخر القرن التاسع عشر، إلى حد كبير، إلى زيادة تكلفة استخراج الذهب من ~~مناجم كاليفورنيا وأستراليا التي نضبت، إضافة إلى زيادة معدل اكتناز الذهب في الهند. من ~~الناحية الفنية، لم تكن كمية النقود الذهبية تعد متغيرا خارجيا؛ فقد وضع المصلحون ~~خططا لتغيير كمية الذهب في النقود - ومن أمثلتها معيار مارشال الجدولي والدولار المعوض ~~لفيشر - بغرض تحقيق استقرار أكبر في مستوى الأسعار. أما الاقتصادي السويدي كنوت فيكسل، ~~فقدم اقتراحا جريئا؛ إذ قال إن المعيار الدولي المثالي هو المعيار الورقي، وهو ما يعطي ~~البنوك المركزية السيطرة الكاملة على المعروض من النقود. وقال فيكسل في كتابه «الفائدة ~~والأسعار» المنشور بالألمانية في عام 1898: «هناك سعر معين للفائدة على القروض يكون محايدا ~~بالنسبة لأسعار السلع، ولا يميل لرفعها ولا لخفضها.» وأطلق عليه سعر الفائدة «الطبيعي» ~~(أو سعر الربح). ويكمن جوهر ما في أفكاره المعارضة لمعيار الذهب في أنها تمنع البنك ~~المركزي من تعديل سعر الفائدة السوقي تبعا للتغيرات في سعر الفائدة «الطبيعي». ولم يتبن ~~كينز هذا التوجه حتى عام 1930. لكنه حتى قبل عام 1914 طالب ms056 مثلما طالب إرفينج فيشر ~~بمعيار «أكثر منطقية واستقرارا» من معيار الذهب. واقترح كينز في عمله «العملة والمالية في ~~الهند» (1913) خطة لإصلاح النظام المصرفي الهندي من أجل زيادة المرونة الموسمية لاحتياطي ~~الروبية، وتطلع إلى اليوم الذي تقتصر فيه العملات القائمة على الذهب على دولة أو دولتين، ~~يدير بنكها المركزي ما كان في الواقع معيارا دوليا ائتمانيا. وقال: «من غير المرجح ~~أننا سنستمر في ترك التعديلات الدقيقة في منظومتنا الاقتصادية تحت رحمة منقب عن الذهب ~~محظوظ، أو عملية كيميائية جديدة، أو تغير الأفكار في آسيا.» وأكد أيضا على أن «تفضيل ~~وجود عملة احتياطي ملموسة ... أصبح شيئا من الماضي؛ حيث كانت الثقة في الحكومات في مثل ~~تلك الأمور أقل منها الآن.» لكن خططه المتتالية التي قدمها، حتى خطة بريتون وودز من ~~أجل إقرار عملات مدارة، أبقت على دور «ملكي دستوري» للذهب باعتباره أساسا لنظام سعر صرف ~~مدعوم، وبوصفه خط الدفاع الأخير ضد التضخم. # ورغم أن الخطط «الدستورية» لإصلاح معيار الذهب قبل الحرب العالمية الأولى قد باءت ~~بالفشل، فإن هذا المعيار كان في طريقه للتحول إلى معيار «مدار» في ظل استخدام البنوك ~~مجموعة متنوعة من الأدوات لمعاوضة تدفقات الذهب أو تحييدها من أجل استقرار الأسعار ~~المحلية. وكان يعتقد أن آثار تدفق الذهب إلى الداخل أو الخارج تعتمد على نحو عام على ~~قدرة البنك المركزي على التصرف. وأدى ذلك إلى أن تؤكد النظرية النقدية قبل الحرب بشكل ~~متزايد على دور السياسة المصرفية في تحديد المعروض من النقود. وتحول الاهتمام من تأثير ~~حركة الذهب على الأسعار إلى تأثير تدفق الائتمان. كانت نظرية كمية النقود تتحول تدريجيا ~~إلى نظرية كمية الائتمان. قال كينز في مقال بعنوان «إلى أي درجة يتحمل المصرفيون ~~المسئولية عن تناوب الأزمات والكساد؟» - والذي قرأه على نادي الاقتصاد السياسي في ديسمبر ~~1913 - إن المصارف يمكنها أن تقرض أصحاب المشروعات دون أن تقترض المبلغ الذي أقرضته من ~~المدخرين؛ فخلق الائتمان يمكن أن يكون سببا مستقلا للتضخم؛ إذ عندما «يسبق» الاستثمار ~~الادخار، فيجب أن يحدث الكساد ms057 ليتمكن الادخار من «اللحاق» بالاستثمار. وعرض تلك ~~الأفكار مرة أخرى في منتصف العشرينيات. لكن ما دام البنك المركزي يمتلك وسائل تنظيم معدل ~~خلق الائتمان في البنوك التجارية، فإن وجود النقود الائتمانية لا يشكل أي خطر على قدرة ~~البنك على «السيطرة على المعروض من النقود». # كان معظم الجانب النظري والعملي لعملية الإصلاح النقدي قد تم التوصل له فيما قبل عام ~~1914، لكن تجربة الحرب وتوابعها على النقد أثرت نظرية كينز، وأعطت لمناقشته للسياسة ~~الاقتصادية أولوية لم تحظ بها قبل الحرب قط. قدم كينز المشورة لوزارة الخزانة في ~~أثناء الأزمة المصرفية فيما بين شهري يوليو وأغسطس من عام 1914؛ حيث فسر الأزمة في ضوء ~~«طلب غير معتاد على النقود» من جانب النظام المصرفي، وذلك بعد توقف التحويلات النقدية ~~الأجنبية وانهيار سوق الأوراق المالية. وتفادى بنك إنجلترا الأزمة بشرائه الأوراق النقدية ~~من السوق. وكان واجب البنك المركزي في التصرف بوصفه «المقرض الأخير» للنظام المصرفي جزءا ~~من نظرية عمله منذ أيام والتر باجيت، التي طرحها في كتابه الشهير «شارع لومبارد» (1870) ~~وأيدها كينز دون تردد. كما ساعدته خبرته التي اكتسبها من عمله في وزارة الخزانة أثناء ~~الحرب على الإشارة إلى أن التضخم آلية يمكن من خلالها للحكومات الفقيرة غير القادرة على فرض ~~ضرائب عادلة أن تحول الموارد الحقيقية إليها. وأنكر كينز في إحدى المراسلات وقت الحرب مع ~~إدوين كانان - أستاذ الاقتصاد بكلية لندن للاقتصاد - إمكانية التغلب على التضخم بمجرد ~~تقليل إصدار الأوراق المالية؛ فقد كتب إلى كانان في 28 يناير عام 1918 يقول: # إن الإفراط في إصدار الأوراق المالية وحجم التضخم - المرتبط بعملية الإصدار تلك ~~وبالزيادة في الائتمان المصرفي - يبدو لي أن سببهما هو تجاوز الإنفاق العام لقدرة ~~الحكومة على تحمله من خلال الضرائب والقروض ... وفي ظل هذا الوضع يصبح تنظيم إصدار ~~الأوراق المالية أمرا مستحيلا ... وأظن أنه من المنصف علميا إرجاع سبب التضخم ~~للإفراط في الإنفاق العام، واعتبار تقليص الإنفاق العام والخاص هو الحل الوحيد ~~لمواجهة هذا التضخم. # وعلى المستوى الأعم كانت القضايا التي شغلت مساحة ms058 متزايدة من الاهتمام، مقارنة ~~بنظيرتها السائدة قبل الحرب، هي تلك التي نشأت عن التضخم وقت الحرب وتقلبات العملة بعد ~~الحرب وعبء الديون وقت الحرب. وأرجع السبب في التضخم في أثناء الحرب وبعدها في ضوء ~~نظرية كمية النقود إلى التمويل الحكومي التضخمي. ولتفسير العلاقة بين تضخم الأسعار المحلية ~~وانخفاض أسعار الصرف، وضع الاقتصادي السويدي جوستاف كاسل نظرية «تكافؤ القوة الشرائية» ~~الخاصة بأسعار الصرف. وأثارت مسألة قدرة ألمانيا على دفع التعويضات مناقشة فنية حول ~~طبيعة «مشكلة التحويل». وكان لكينز دور نشط في كل تلك المناقشات. ومن الأشياء المهمة التي ~~قدمها في ذلك الوقت تحذيره من إمكانية حدوث تضخم. وفي كتابه «الآثار الاقتصادية ~~للسلام» اقتبس كينز ملاحظة تعود إلى لينين مقرا بما فيها تقول: «ليس هناك وسيلة لقلب ~~أسس المجتمع القائمة أدق وأقوى من إفساد عملته.» فقد شكل التقلب الشديد للأسعار ~~ولأسعار الصرف في الفترة التالية للحرب مباشرة، بجانب التغير في موازين القوى بين الولايات ~~المتحدة وأوروبا، المادة التاريخية لكتاب كينز «بحث في الإصلاح النقدي» (1923). # كان الهدف الصريح لكتاب «بحث في الإصلاح ~~النقدي» هو تحقيق استقرار الأسعار المحلية. فاستقرار الأسعار وحده كفيل بجعل النشاط ~~الاقتصادي مستقرا أو طبيعيا. وقد كتب كينز يقول: «إنني أعتبر أن استقرار الأسعار ~~والائتمان والتوظيف ذات أهمية قصوى.» ونصت فكرته على أن التقلبات في قيمة النقود تسبب ~~تقلبات على المدى القصير في النشاط الاقتصادي؛ لأنها تغير نصيب الطبقات من الدخل ~~وتخل بالتوقعات القائمة. ويقال إن انخفاض الأسعار يضر بنسبة التوظيف؛ لأن الأجور ~~النقدية تكون ثابتة على المدى القصير، ولأنه يحبط توقعات عوائد المبيعات. لكن كينز قال: ~~«سيكون من الأسوأ في عالم فقير زيادة نسبة البطالة بدلا من إحباط أصحاب الدخول ~~الربوية.» وكان هذا الجمع بين المسائل النظرية والمؤسسية من السمات المميزة لكينز. ويعد ~~ذلك أحد أسباب الخلافات الكثيرة بشأن مقصده الحقيقي. لكن النقطة المهمة التي أكدها هي أن ~~استقرار الأسعار كان ضروريا بالنسبة لإمكانية التنبؤ التعاقدية التي كانت ترتبط باستقرار ~~الاقتصاد. فكان الإصلاح النقدي ترياقا للثورة الاجتماعية. # هناك أربع ms059 نقاط لافتة للنظر في كتاب «بحث في الإصلاح النقدي»؛ أولا: أن كينز هاجم ~~السياسات الهادفة لاستعادة معيار الذهب. وخلال ذلك واجه استنتاجها المنطقي بالحجة الخاصة ~~بالمصلحين الاقتصاديين بأن استقرار الأسعار المحلية قد لا يتماشى مع استقرار أسعار الصرف؛ ~~فبدلا من ضبط الأسعار المحلية وفق سعر الصرف، ينبغي ضبط سعر الصرف وفقا لمستوى أسعار ~~محلية يتماشى مع نسبة توظيف «طبيعية» (أي كاملة على نحو معقول). وخصص كينز قسما رائعا ~~عن سوق الصرف الآجل؛ ليبين أن التجار يمكنهم «التحوط» من تقلبات سعر الصرف بشكل أسهل ~~من تحوط المنتجين لتقلبات الأسعار المحلية؛ لذا فإن «العقود والتوقعات الاقتصادية - التي ~~تفترض استقرار سعر الصرف - ربما تقل كثيرا حتى في الدول التجارية، مثل إنجلترا، عن ~~مثيلتها التي تفترض استقرار مستوى الأسعار المحلية.» # كان السياق المهم لتلك الحجة هو الهيمنة الصاعدة للولايات المتحدة؛ إذ قال كينز: «في ظل ~~التوزيع القائم للذهب على مستوى العالم، فإن العودة إلى معيار الذهب يعني حتما أن نسلم ~~إدارتنا لمستوى الأسعار وتعاملنا مع دورة الائتمان لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الخاص ~~بالولايات المتحدة.» وستضع السلطات النقدية الأمريكية سياستها النقدية تبعا لظروفها ~~الداخلية، لا وفق متطلبات الدول الأخرى مثل بريطانيا. وكان أفضل الحلول في هذا الشأن يتمثل ~~في تقسيم العالم إلى كتلتين بعملتين «مدارتين»؛ هما الجنيه الاسترليني والدولار. قال ~~كينز: «وما دام قد تمكن مجلس الاحتياطي الفيدرالي من الحفاظ على ثبات أسعار الدولار، ~~فسيتساوى هدف تحقيق ثبات أسعار الجنيه الاسترليني مع ثبات أسعار صرف الدولار أمام الجنيه ~~الاسترليني.» وسيعود الذهب وسيلة نهائية لتسوية الديون الدولية. # ثانيا: رأى كينز أنه يمكن تحقيق استقرار الأسعار من خلال السياسة النقدية وحدها. فلم ~~ير في ضغط الأجور عاملا معقدا للمشكلة. كما لم يشكك في مسألة مرونة الفائدة في ~~الاستثمار، رغم أنه أدرك وجود حدود توقعية للتغيرات في أسعار الفائدة الحقيقية، وهي فكرة ~~لم يستغلها إلا في كتابه «النظرية العامة». فالسيطرة على التضخم تكمن بالأساس في منع ~~التمويل الحكومي التضخمي. # ثالثا: كان كينز ينظر للنقود بمعناها الواسع، لا الضيق. وكانت ms060 السياسة السليمة تقتضي ~~«مراقبة عملية خلق الائتمان والسيطرة عليها والسماح بخلق العملة بناء على ذلك.» ويرجع هذا ~~إلى أن كمية السيولة النقدية كانت مؤشرا عكسيا؛ إذ يجب التصدي للارتفاع المستقبلي في ~~الأسعار، لا ارتفاعها في الماضي. ومهد الخلاف بين كينز وإدوين كانان وقت الحرب لظهور ~~الخلافات بين شكلي النظرية النقدية القائمين على النقود «بمعناها الواسع» و«بمعناها ~~المحدود» في ثمانينيات القرن العشرين. وطرحت مشكلة نوع النقود التي يجب تتبعها أو مراقبتها ~~للمرة الأولى. # وأخيرا فضل كينز الإدارة التفويضية، رافضا وضع قاعدة خاصة بالمعروض من النقود ~~باعتبارها غير مناسبة للسيطرة على دورة الائتمان. وقدم صيغة مبسطة من معادلة بيجو ~~النقدية؛ وهي أن كمية الأوراق النقدية وغيرها من صور السيولة النقدية المتداولة تساوي ~~الرقم القياسي لتكلفة المعيشة مضروبا في حاصل جمع القيمة الحقيقية للنقد الحاضر والقيمة ~~الحقيقية للودائع المصرفية، بما فيها عمليات السحب على المكشوف مضروبة في نسبة احتياطيات ~~النظام المصرفي إلى التزاماته. وقال كينز إن نظرية كمية النقود قامت على الافتراض القائل ~~إن «حدوث تغيير في كمية العملة لا يمكن أن يؤثر في المتغيرات الثلاثة الأخيرة في المعادلة ~~السابقة»؛ أي إن تلك المتغيرات تحدد على نحو مستقل بمعزل عن كمية الأوراق النقدية ~~وغيرها من صور السيولة النقدية المتداولة؛ ومن ثم إن حدث تغيير في صور السيولة النقدية ~~المتداولة، فسيؤدي إلى حركة مكافئة في الرقم القياسي لتكلفة المعيشة. وإذا تضاعفت كمية ~~النقود، فسيتضاعف مستوى الأسعار. قال كينز: # ربما يكون هذا صحيحا على «المدى الطويل» ... لكن هذا المدى الطويل هو مؤشر ~~مضلل للأوضاع الحالية. فعلى المدى الطويل سنكون موتى جميعا. وستكون مهمة ~~الاقتصاديين شديدة السهولة وبلا جدوى إن لم يستطيعوا عمل أي شيء سوى إخبارنا وقت ~~الأزمات أنه عند انتهاء الأزمة، ستنفرج الأمور وتتحسن مرة أخرى. # عندما ترتفع الأسعار، يقلل الناس «أرصدتهم الحقيقية» (أي القيمة الحقيقية للنقد الحاضر ~~ونسبة احتياطيات النظام المصرفي إلى التزاماته)، والعكس صحيح، وتغير البنوك المركزية شروط ~~احتياطياتها لمعاوضة تدفقات الذهب. # وفي ضوء عدم الاستقرار على المدى القصير لما نسميه الآن ms061 دالة «الطلب على النقود»، فإنه ~~ليست هناك علاقة مستقرة على المدى القصير بين المخزون النقدي والدخل القومي من النقود. رأى ~~كينز أن «المزاج العام ومزاج عالم الأعمال» يمكنهما التأثير بشكل منفرد على مستوى ~~الأسعار؛ فقد كان على السلطة النقدية - عند محاولة إحداث استقرار في الأسعار - أن تكون ~~مستعدة للتدخل فيما يتعلق بالمعروض من النقود والطلب عليها؛ وبلغة كينز، فإن واجبها يكمن ~~في «محاولة تثبيت القيمة الحقيقية للنقد الحاضر والودائع المصرفية، وفي حالة تعذر ذلك أو ~~استحالته، فواجبها التدخل لتغيير كمية الأوراق النقدية وغيرها من صور السيولة النقدية ~~المتداولة ونسبة احتياطيات النظام المصرفي إلى التزاماته من أجل موازنة التغير في العاملين ~~السابقين.» وقد جعل استخدام المعادلات الجبرية مهمة الإدارة النقدية تبدو سهلة جدا في ~~مجملها. ويمكن مواجهة أي اتجاه لحدوث زيادة في الأرصدة الحقيقية عن طريق خفض سعر الفائدة ~~البنكية؛ «حيث إن الإقراض السهل يبدد مزايا الاحتفاظ بهامش سيولة للطوارئ.» ويمكن للبنك ~~المركزي أن يغير كمية السيولة التي يتيحها للنظام المصرفي من خلال شراء سندات الدين ~~وبيعها. وما دمنا قد «تجنبنا التمويل التضخمي من ناحية، وتجنبنا العودة إلى معيار ~~الذهب غير المقنن من الناحية الأخرى»؛ فستئول السيطرة على المعروض من النقود، ومن ثم ~~مستوى الأسعار، إلى البنك المركزي. # لقد أقر كتاب «بحث في الإصلاح النقدي» ~~بأن الصدمات النقدية يمكنها أن تؤثر في النشاط الاقتصادي بسبب عدم اليقين بشأن الاتجاه ~~المستقبلي للأسعار. وكان منظرو نظرية كمية النقود يميلون للقول إن التغيرات «غير ~~المتوقعة» في مستوى الأسعار هي وحدها ما يسبب اختلالات في التناسب. لكن كينز تحلى بقدر ~~أكبر من الواقعية، وحاج قائلا إنه حتى إن كان ارتفاع الأسعار أو انخفاضها متوقعا؛ فإن ~~عدم اليقين بشأن مدى التغير يمكن أن يؤثر على السلوك الاقتصادي. لقد بين كينز الأهمية ~~المحورية لعدم اليقين، لكنه لم يحدد أي سعر أو مجموعة من الأسعار ترتبط به من أجل ~~تفسير إيقاعات حركة التجارة، وهي مسألة تناولها في كتابيه التاليين. # لكن لم يتم النظر في تلك المسائل العميقة بعناية ms062 عندما قرر ونستون تشرشل العودة ~~بالجنيه الاسترليني إلى معيار الذهب في أبريل 1925. وقد تناول كينز في كتيبه «الآثار ~~الاقتصادية لقرار السيد تشرشل»، المنشور في يوليو من نفس العام، ذلك القرار باعتباره صدمة ~~نقدية تسببت فيها الحكومة ومنيت بها الصناعة الوطنية. وكان رأيه أن إعادة الجنيه ~~الاسترليني إلى سعر صرفه أمام الدولار في فترة ما قبل الحرب - 4,86 دولارات للجنيه الواحد - ~~فيها مبالغة في قيمة الجنيه بنسبة 10٪؛ وهو ما يتطلب خفضا بنسبة 10٪ في تكلفة الإنتاج ~~النقدية إذا استمر حجم الصادرات البريطانية الحالي بنفس المستوى. وسيلاقي ذلك معارضة عمالية ~~قوية لا يمكن التغلب عليها - كما قال كينز - إلا «بتعزيز التوظيف» دون حدود. وقال كينز إنه ~~يمكن مواجهة هذا الأمر من خلال عقد «اتفاق وطني» لتقليل الأجور وغيرها من الدخول ~~بالاتفاق. لكنه مع ذلك أعرب عن شكه في أن تؤدي سياسة الحكومة فعلا إلى تجمد الاقتصاد ~~وانخفاض نسبة التوظيف. فستعزز الحكومة الانكماش بشكل يزيد البطالة ولا يعالجها، ~~وستقترض من الخارج لتعويض النقص في الصادرات. # وهذا هو ما حدث تقريبا؛ فبحلول عام 1928 كان كينز يضع ما سيصبح ملخصه النموذجي للمرحلة كاملة: # لقد خفضنا الأسعار من خلال رفع سعر صرف الجنيه الاسترليني ومن خلال السيطرة على ~~حجم الائتمان؛ لكننا «لم نخفض التكلفة» ... لقد حان الوقت لدفع ثمن أخطاء وزارة ~~الخزانة وبنك إنجلترا الفادحة، منذ البداية وحتى اعتقادهم بأنهم إن تولوا أمر ~~خفض الأسعار فستنخفض التكلفة من تلقاء نفسها. # بعد مرور أقل من عام على نشر كتاب «بحث في الإصلاح النقدي»، شرع كينز في تأليف كتاب جديد ~~أطلق عليه في البداية اسم «نظرية النقود والائتمان». وكان من المقرر أن يكون عبارة عن دراسة ~~لنظرية النقود في ضوء علاقتها ب «دورة الائتمان». كان كينز قد أناط بالسلطة النقدية في ~~كتابه «بحث في الإصلاح النقدي» مهمة معاوضة التقلبات في «الأرصدة النقدية». لكن تكوين ~~هذه الأرصدة وأسباب تقلبها لم تتناول بالتحليل. وخلال تناوله للمشكلة عاد كينز إلى ~~أفكار مقاله المنشور عام 1913؛ إذ يمكن للبنوك أن تمنح ائتمانا أكبر ms063 أو أصغر مما يريد ~~الناس ادخاره. ومهمة السياسة النقدية هي إبقاء الائتمان المصرفي في نفس مستوى المدخرات ~~المتوقعة. # تأثر كينز على نحو كبير في تحليل العلاقة بين «النقود المصرفية» والادخار بزميله في ~~جامعة كامبريدج، دينيس روبرتسون، الذي كان يؤلف وقتها كتابه «السياسة المصرفية ومستوى ~~الأسعار» المنشور عام 1926. وكان احتكاكه الفكري بروبرتسون في تلك المرحلة ذا أثر حاسم على ~~تطور أفكاره الخاصة؛ فقد كان روبرتسون، قبل كل شيء، منظرا لنظرية الدورة الاقتصادية؛ ~~حيث اتخذ المؤلفات الاقتصادية في أوروبا القارية أساسا لمعرفة أسباب تقلب نمو الثروة. ~~تأثر كينز على نحو دائم بجانبين في نظرية الدورة الاقتصادية؛ أولهما: اعتبار أن الدورة ~~الاقتصادية هي دورة استثمار تسببها تقلبات الربحية المتوقعة للسلع الرأسمالية. وثانيهما: ~~أن تلك الدورة «الحقيقية» تتضخم لدرجة الطفرة والكساد بسبب العوامل النقدية، وخاصة عجز ~~السياسة النقدية عن إبقاء الاستثمار في نفس مستوى الادخار. ورأى روبرتسون أن التقلبات ~~الاقتصادية «الحقيقية» لا يمكن فصلها عن التقدم. لكنه أراد استخدام السياسة النقدية لمنع ~~التقلبات «غير الملائمة» في النشاط الاقتصادي الحقيقي. وربما يستتبع ذلك، التخلي عن هدف ~~استقرار الأسعار. # بدأ كينز وروبرتسون بالإقرار بأن تضخم الائتمان أو انكماشه هو السبب الوحيد الذي يمكنه أن ~~يبعد مسار الاستثمار عن الادخار الاختياري. وقد خصص روبرتسون معظم كتابه «السياسة ~~النقدية ومستوى الأسعار» - بكل مصطلحاته الغريبة - ليبين كيف أن الصور المختلفة للإنفاق ~~والادخار القسريين يمكن أن تحدث نتيجة العمليات الائتمانية. وتضمن ذلك فكرة أن ~~التضخم المؤقت يوجد صندوق استثمار من خلال «إجبار» الناس على تقليل الاستهلاك؛ ومن ثم ~~زيادة «الادخار». وأعيد اكتشاف فكرة «الادخار القسري» الشهيرة، التي طرحها لأول مرة توماس ~~جوبلن بعد الحروب النابليونية، بعد ملاحظة الطريقة التي «صادرت» بها الحكومة دخول مواطنيها ~~دون فرض ضرائب عليها خلال الحرب العالمية الأولى؛ إذ تقتطع الحكومة بالأساس جزءا من الناتج ~~القومي عن طريق إنفاق كمية إضافية من النقود الجديدة المصدرة بناء على رغبتها من خلال ~~النظام المصرفي. ويؤدي هذا الإنفاق إلى رفع مستوى الأسعار العام (حيث تؤدي إلى زيادة الطلب ~~في ms064 ضوء مستويات الأسعار السابقة) وتجد العناصر الفاعلة الاقتصادية الخاصة نفسها في حاجة ~~(أو رغبة) للاحتفاظ بالنقود الجديدة المصدرة بدلا من إنفاقها؛ لأن ارتفاع مستوى الأسعار ~~يتطلب أرصدة نقدية اسمية أكبر تتناسب مع حجم المبادلات الفعلية. وستؤدي محاولات الحكومة ~~لتكرار تلك العملية إلى الدخول في دوامة تضخمية متسارعة في ظل توقع العناصر الفاعلة ~~الاقتصادية الخاصة أهداف الحكومة، ومحاولة التصدي لها من خلال تعديل معدل إنفاقها. # اتخذ كتاب كينز الجديد هذا المسار، لكنه تركه في النهاية. وكتب يشرح الأمر لروبرتسون في ~~عام 1931: # في أثناء تأليفك كتاب «السياسة النقدية ومستوى الأسعار» ومناقشتنا له، رأى كل ~~منا أن التفاوت بين الادخار ~~والاستثمار - بما حمله هذان المصطلحان ~~من غموض وقتها - لم يكن إلا نتيجة لما يمكن تسميته الدفع باتجاه التضخم أو ~~الانكماش من قبل النظام المصرفي. وقد تبنيت تلك الفكرة لوقت طويل، وتوصلت في ~~النهاية إلى أنها غير صحيحة؛ فنتيجة لظهور تعريفات أوضح، في رأيي، للادخار ~~والاستثمار، وجدت أن تلك الظواهر البارزة يمكن أن تحدث من دون أي فعل صريح من ~~جانب النظام المصرفي. # لقد تحدث روبرتسون عن أن المدخرات إما أن يتم استثمارها أو تجميعها. لكن كينز أكد على ~~اختيار ثالث؛ وهو ألا تستثمر المدخرات ولا تجمع، بل تستخدم لشراء أصول قائمة. وبذلك يمكن ~~للادخار أن «يسبق» الاستثمار (والذي يعني شراء تجهيزات رأسمالية «جديدة») من دون إبطاء ~~السرعة الكلية للدوران. وتأثرت تلك الفكرة بسوق المضاربة الصاعدة بسوق نيويورك للأوراق ~~المالية فيما بين عامي 1927 و1929. وبات كينز لا يؤمن بقدرة صيغة «التبادلات» لنظرية كمية ~~النقود على تفسير التقلبات الاقتصادية على المدى القصير. فلم يكن إجمالي المبادلات في فترة ~~ما هو الشيء المهم بالنسبة لنسب التوظيف، بل كان المهم هو ما إذا كان الدخل النقدي ينفق ~~على الناتج الحالي أم لا. # كما تأثر كينز في تمييزه بين «الاستثمار الأجنبي» و«الإقراض الأجنبي» في «بحث في ~~النقود» باشتراكه في الجدل الدائر حول التعويضات الألمانية؛ إذ إن إقراض المدخرات ~~البريطانية، والتي لا يتم استثمارها محليا، للخارج لم يكن ms065 يعني أن كل المدخرات يتم ~~استثمارها؛ لأن أي محاولة لزيادة الإقراض للخارج بسعر صرف ثابت بشكل يفوق الفائض التصديري ~~لبريطانيا ستؤدي إلى استنزاف الذهب، وتجبر على رفع سعر الفائدة البنكية في الداخل. وسيؤدي ~~ذلك إلى انخفاض معدل الاستثمار المحلي بمقدار يساوي الزيادة في الإقراض الأجنبي عن فائض ~~الحساب الجاري. # لقد كان كينز وروبرتسون يحاولان - دون تحقيق نجاح كبير - دمج تحليل الادخار والاستثمار ~~في نظرية النقود بدلا من الإبقاء على الفصل الموجود بينهما، والذي كان يميز المدرسة ~~الكلاسيكية أو مدرسة نظرية كمية النقود. # حاج على نحو مقنع بيتر كلارك في كتابه «الثورة الكينزية في طور التكوين» (1988) بأن ~~نشر «بحث في النقود» تأجل وتغير ما فيه من تحليل بسبب الحاجة لأن يطلع كينز على ما ~~يسمى ب «رؤية وزارة الخزانة»، التي ظهرت في عامي 1928 و1929، لدحض خطة لويد جورج لعلاج ~~البطالة من خلال برنامج المشروعات العامة الممولة بالقروض. وكان صاحب تلك الرؤية سيئة ~~السمعة هو رالف هوتري؛ فقد قال هوتري في مقال نشر في دورية «إيكونوميكا» في مارس 1925 إنه ~~في ظل ثبات المعروض من النقود، «سيزاحم» أي قرض حكومي للمشروعات العامة (بلغتنا اليوم) ~~قدرا مكافئا من الإنفاق الخاص. فلا يمكن زيادة نسبة التوظيف إلا بزيادة الائتمان؛ أي ~~بالاقتراض من البنوك. لكن زيادة الائتمان كانت أهم من المشروعات العامة التي أدانها هوتري ~~بوصفها «إحدى العادات الموروثة». وبدأت وزارة الخزانة منذ أواخر عام 1928 سيرا على، نهج ~~هوتري، تدعي أن «ما كان يقصده كينز بالطبع هو تضخم محدد في الائتمان»، وهو ما لم يتماش ~~مع الإبقاء على معيار الذهب. وأملي رئيس الوزراء ستانلي بولدوين هذه الكلمات: «علينا إما ~~أن نأخذ النقود الحالية أو نصدر نقودا جديدة.» ومع استبعاد الخيار الثاني بسبب معيار ~~الذهب، اكتسبت فكرة المزاحمة أرضية أكبر. ولم يكن كينز وقتها قد أعد تحليله الخاص بدالة ~~الاستهلاك/المضاعف ليدحض تلك الفكرة، وحتى لو أعده وطرحه وقتها لأصبحت القابلية ~~لتطبيقه في ظل غياب النقود الرخيصة محل شك. # اتخذ كينز خطوة تجاه إعداد هذا ms066 التحليل في عمله «هل يمكن للويد جورج أن ينجح؟» الذي كتبه ~~بالاشتراك مع هوبرت هيندرسون في مايو 1929. ورد كينز على مزاعم «رؤية وزارة الخزانة» ~~بأنه لا توجد مدخرات كافية لتمويل أي استثمار «إضافي» بأن تلك المزاعم افترضت التوظيف ~~الكامل لكل الموارد؛ فقد تضمنت الموارد غير المستخدمة المدخرات غير المستغلة بسبب ~~«التطلع إلى الرخاء». وكانت تلك طريقة غريبة في عرض المسألة. لكن الفكرة التي طرحها كينز ~~- بلغة عمله «بحث في النقود» - هي أن الخسائر الناتجة عن الركود تسببت في انخفاض المدخرات ~~القومية عن مستواها في حالة جني أصحاب المشروعات لأرباح «طبيعية». وكان مضمون ذلك هو أن ~~أي سياسة (بما في ذلك برنامج المشروعات العامة الممولة بالقروض) تنجح في استعادة مستويات ~~الدخول «الطبيعية» ستولد المدخرات المطلوبة لتمويل الاستثمار. # وبالتوازي مع ذلك، لن تقتصر آثار زيادة الإنفاق الحكومي لزيادة نسبة التوظيف على من ~~يتم تشغيلهم في المشروعات الحكومية فحسب ؛ ففي مقابل كل رجل يعمل في مد طريق أو بناء ~~منزل، هناك على الأقل رجل آخر سيجد عملا لإمداده بالمواد الضرورية. وعلاوة على ذلك ستنتج ~~القوة الشرائية الإضافية «قوة تراكمية» تحرك النشاط الاقتصادي؛ مما يجعل آثار التوظيف ~~لأي إنفاق رأسمالي معين أوسع بكثير من الآثار المباشرة وغير المباشرة المشار إليها ~~بالأعلى، رغم أنه «لا يمكن قياس آثار من هذا النوع على أي نحو دقيق.» وكان «مضاعف ~~التوظيف» الذي طرحه ريتشارد كان عام 1931 محاولة لقياس تلك الآثار «التراكمية». # إن المنظور الأكثر مباشرة لتحليل الناتج والتوظيف الذي أفرزه هجوم كينز على «رؤية وزارة ~~الخزانة» في عام 1929 جعل معظم ما ورد في كتاب «بحث في النقود» مجرد إسهاب - من وجهة نظر ~~كينز - حينما نشر في أكتوبر عام 1930. ومع ذلك فقد كان كتابا غنيا بالفهم المؤسسي ~~للأسواق المالية والنقدية، وببعض الأسس النظرية وببعض الأفكار النظرية الفضفاضة التي اتخذها ~~كينز لاحقا نقطة انطلاق له. # من الصعب تلخيص ما جاء في هذا الكتاب؛ لكن فرضيته النظرية الأساسية تقوم على أن الادخار ~~والاستثمار تقوم بهما شريحتان مختلفتان من الناس ms067 بدوافع مختلفة، ولا توجد آلية تلقائية في ~~اقتصاد النقود الائتمانية لإبقائهما عند مستوى واحد؛ فهناك سعر ربح على رأس المال (وهو ~~الذي سماه كينز سعر الفائدة «الطبيعي» تبعا لفيكسل)، وهناك سعر فائدة على القروض، وهو ~~سعر «السوق». لكن سعر السوق الذي يريده المقرضون قد يكون أعلى أو أدنى من سعر الربح ~~المتوفر للمستثمرين أو المتوقع من جانبهم؛ لذا تظهر إمكانية عدم إنفاق المستهلكين أو ~~المستثمرين لكل ما يجنونه من دخل. # ويكمن الاستنتاج العملي من كل هذا في أن الموازن الوحيد في اقتصاد النقود الائتمانية هو ~~«السياسة» المصرفية؛ ففي ظل معيار الذهب لم يسمح لبنك إنجلترا بخفض سعر الفائدة البنكية ~~بالقدر الكافي للسماح بمعدل استثمار يكافئ ما يرغب المجتمع في ادخاره، وكانت النتيجة هي ~~انتشار البطالة. وكان تحول كينز من التركيز على المخزون النقدي إلى تدفق الإنفاق حاسما ~~في هذا الشأن؛ فقد أدى عدم كفاية الإنفاق على الاستثمار الذي يرتبط بمعدل الادخار إلى ~~انهيار مستوى الأسعار وارتفاع نسبة البطالة. # كان خروج كينز عن النظرة الكلاسيكية للادخار باعتباره سبيلا تلقائيا للاستثمار أمرا ~~أساسيا من منظور علم النفس الاقتصادي. وقد استبعد نظرية «الإحجام» فيما يخص التقدم ~~الاقتصادي في فقرتين رصينتين: # أصبح من الشائع الاعتقاد أن الثروة المتراكمة في العالم قد جمعت بصعوبة نتيجة ~~الإحجام الاختياري للأفراد عن الاستمتاع الفوري بعملية الاستهلاك، وهو ما نسميه ~~الادخار. لكن يجب أن ندرك أن الإحجام فقط ليس كافيا في حد ذاته لبناء المدن أو ~~تطهير المستنقعات ... بل المشروعات هي التي تبني وتحسن ما يملكه العالم ... فإن سارت ~~المشروعات على نحو جيد، فستتراكم الثروة مهما كان ما يحدث للادخار؛ وإن توقفت، ~~فستتبدد الثروة أيا كان معدل الادخار. # لذا ربما يكون الادخار خادما للمشروعات أو لا. وهو على الأرجح لا يخدمها؛ إذ إن ~~العلاقة بين الادخار والمشروعات ليست مباشرة لكنها وثيقة جدا؛ فكثيرا ما يكون ~~الرابط الذي ينبغي أن يصل بينهما مفقودا. فالادخار ليس هو ما يحرك المشروعات وإنما ~~الربح. # لسوء الحظ، حاول كينز أن يصوغ تلك الأفكار المبهرة ms068 على هيئة «معادلات أساسية»، وهي التي ~~ظهرت أصولها في مرحلة سابقة لظهور الكتاب، عندما كان لا يزال يحاول استخدام نظرية كمية ~~النقود في تفسير تقلبات النشاط الاقتصادي. ويصطدم قارئ كتاب «بحث في النقود» بأفكار قديمة ~~وضعها كينز في أثناء تأليفه الكتاب. ومن أجل المواءمة بين الأفكار الجديدة والقديمة، تم ~~استخدام مصطلحات مثل «الدخل» و«الأرباح» و«الادخار» بطريقة خاصة. ورغم أن كينز كان يحاول ~~توضيح أن منع أسعار الفائدة من الانخفاض يمكن أن يؤدي إلى حدوث ركود واستمراره، فقد كان ~~تركيزه منصبا على إحداث تغيير في مستويات الأسعار لا في الناتج والتوظيف. # إن المجموعات الثلاث من التعريفات ذات الصلة هي: (أ) الدخل النقدي للمجتمع (أو الإيرادات ~~«الطبيعية»، أو إيرادات التوازن لعناصر الإنتاج أو تكاليف الإنتاج). (ب) الأرباح التي ~~تعرف بأنها الفرق بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، وتستبعد الإيرادات «الطبيعية» لأصحاب ~~المشروعات. (ج) الادخار، ويعرف بأنه ذلك الجزء من دخل المجتمع «الطبيعي» الذي لا ينفق على ~~الاستهلاك. وكان الهدف من استبعاد الأرباح والخسائر (التي سماها كينز أيضا المكاسب ~~المفاجئة) من الدخل هو فصل المتغير الذي يسبب زيادة الناتج أو انخفاضه. لكن تلك المحاولة ~~أفضت إلى تعريفات غير عملية للدخل والادخار اللذين كانا سببا في معظم الالتباس. فنحن ~~نتوهم أنهما يظلان ثابتين سواء كانت قيمة الأرباح بالإيجاب أم بالسلب. لكن مسألة «سبق» ~~الادخار الكلي للاستثمار أو «تخلفه» عنه، استندت بالكامل إلى تعريف الادخار ~~والاستثمار. # إن كتاب «بحث في النقود» يعد، من الناحية الشكلية، محاولة لوصف ديناميكيات أي ~~اقتصاد ينتقل من مستوى أسعار (المستهلك) إلى آخر من خلال مجموعة من المعادلات؛ إذ يطرح ~~الكتاب، من ناحية، مسألة تدفق النقود المكتسبة من جانب عناصر الإنتاج خلال عملية إنتاج ~~السلع الاستهلاكية والاستثمارية، ويطرح من الناحية الأخرى مسألة تقسيم تلك النقود لأجزاء ~~تنفق على شراء السلع الاستهلاكية وأجزاء تدخر. ويظل مستوى أسعار السلع الاستهلاكية ~~مستقرا، ما دامت نسب النقود المكتسبة خلال عملية إنتاج السلع الاستهلاكية والاستثمارية ~~بقيت مساوية لنسب النقود التي تنفق على الاستهلاك والادخار الحاليين. # وفي هذه ms069 الحالة، تتساوى تكاليف الإنتاج وأسعار بيع السلع الاستهلاكية، وتنعدم الأرباح، ~~ويتساوى الادخار مع تكلفة الاستثمار. لكن - من الناحية الأخرى - إذا أنفق الناس مبالغ أقل ~~على شراء السلع الاستهلاكية من التي اكتسبوها من إنتاجها، فستنخفض أسعار المستهلك. وفي هذه ~~الحالة، ستتجاوز التكاليف الأسعار وتقل الأرباح بالقدر ذاته، وسيسبق الادخار تكلفة ~~الاستثمار. # لقد وضع هذا المنظور المعقد ليؤكد نقطة جوهرية واحدة؛ وهى أنه إن أراد الناس أن يفوق ~~الادخار تكلفة الاستثمار، فسيصاب الاقتصاد ككل بالكساد ما لم يتسبب أي شيء بشكل ~~متزامن في رفع «قيمة» الاستثمار أو ربحيته. ولا يتم التحويل المطلوب للإنفاق من الاستهلاك ~~إلى الاستثمار بشكل تلقائي؛ إذ يعتمد حدوث ذلك على «مجموعة مختلفة من الاعتبارات»؛ وهي ما ~~إذا كانت الربحية المتوقعة للاستثمار في تزايد، أو ما إذا كان سعر الفائدة ينخفض، أو ~~كلاهما، في الوقت نفسه. # يحدث الكساد إن لم يكن الحافز لشراء أجزاء «جديدة » من التجهيزات الرأسمالية كافيا ~~لامتصاص معدل الادخار من الدخل «الطبيعي»؛ بعبارة أخرى، إذا قل سعر الربح المتوقع عن سعر ~~السوق الذي يحدده النظام المصرفي. ويطبق كينز تحليل عدم اليقين الذي بدأه في كتاب «بحث في ~~الإصلاح النقدي» على مجموعة محددة من الأسعار، وهي أسعار السلع الرأسمالية؛ فالتقلبات في ~~سعر الفائدة «الطبيعي» - نتيجة تقلب التوقعات - حول سعر السوق الذي تحدده الممارسات البنكية ~~هو ما يفسر الدورة الاقتصادية. # يتضمن كتاب «بحث في النقود» النقاش الأول من نقاشي كينز المشهورين للجانب النفسي ~~للمضاربة في أسواق الأوراق المالية، والذي تأثر كثيرا بانهيار «الصعود» الطويل لسوق ~~نيويورك للأوراق المالية في عام 1929. وتكمن الفكرة الرئيسية للنقاش في أن جزءا من ~~المدخرات «يحتفظ» به لأغراض المضاربة بسبب عدم اليقين بشأن القيمة المستقبلية للأصول ~~الرأسمالية. فإذا كان يتوقع ارتفاع سعر الأسهم في سوق الأوراق المالية، فستتحول المدخرات ~~إلى «أوراق مالية»؛ والعكس صحيح إذا كان من المتوقع انخفاض سعر الأسهم. وعندما يضارب معظم ~~المستثمرين يحدث صعود في سوق الأوراق المالية؛ وحينما لا يضارب معظمهم يحدث الكساد. وهكذا ~~فإن الاحتفاظ بالأرصدة النقدية بدافع المضاربة ms070 قد ورد في كتاب «بحث في النقود»، لكنه لم ~~يتحول إلى ما يعرف بنظرية تفضيل السيولة إلا في كتاب «النظرية العامة». # لم يكن لدى كينز أي شك في أن «الفجوة» بين الاستثمار و«الادخار» يمكن معالجتها عن طريق ~~خفض سعر الفائدة السوقية. لكن ذلك كان متعذرا بسبب معيار الذهب؛ فسعر الفائدة - في ~~اقتصاد مفتوح وفي ظل ثبات سعر الصرف - له وظيفتان قد لا تكونان متسقتين؛ هما: تنظيم ~~الاستثمار، وإدارة ميزان المدفوعات. فإذا تجاوزت رغبة مجتمع ما في إقراض مدخراته للخارج ~~صافي فائضه التصديري، فسيعني ذلك تصدير الذهب، وهو ما ينبغي للسلطة النقدية تعويضه برفع ~~سعر الفائدة؛ الأمر الذي يزيد من تكلفة رأس المال داخل الدولة. وستكون النتيجة النهائية ~~لارتفاع سعر الفائدة البنكية هي انخفاض «معدل كفاءة الأجور» (الدخل القومي)، وهو ما سيسمح ~~بزيادة الفائض التصديري. ويبين هذا مرة أخرى عدم التناسق في فرضية السياسة الاقتصادية ~~الواردة في كتابه «بحث في الإصلاح النقدي». ويظل عرض كينز لأسلوب عمل سعر الفائدة البنكية ~~نموذجيا؛ لكنه قصد نموذج تعديل مستوى الأسعار لا الناتج. # فهل رأى كينز في مرونة الأجور علاجا نهائيا لأي تغير في دالة الاستهلاك أو ~~الاستثمار؟ لقد أوحى أحد أجزاء كتاب «بحث في النقود» بذلك فعلا؛ ففي الكتاب الرابع، نجد ~~قصة كلاسيكية عن دورة الائتمان تعتمد على ضبط تأخر الأجور عن الأسعار؛ ففي مرحلة الصعود ~~الاقتصادي، يكون هناك تضخم سلعي (في الأسعار) وتضخم في الأرباح وتضخم في الدخل، ثم ينعكس ~~الأمر في مرحلة الانكماش؛ حيث تنخفض الأسعار وتنخفض الأرباح، وأخيرا تنخفض الأجور النقدية ~~كإجراء أخير في عملية الضبط. لكن في الباب الثالث يتحدث كينز عن «حكاية الموز المجازية» ~~الشهيرة التي لا تعالج فيها مرونة الأجور الاضطراب الأولي؛ لأنه إذا زاد معدل الادخار ~~المراد نتيجة حملة ادخار مع خفض أصحاب العمل للأجور، «فستقل قدرة الناس على الإنفاق بما ~~يساوي إجمالي تكاليف الإنتاج.» وإن ظلت أسعار الفائدة ثابتة، فلن يحدث التوازن إلا عندما ~~يتوقف الإنتاج كله ويموت الناس جوعا، أو عندما يؤدي الفقر المتزايد إلى ms071 تقليل المدخرات، أو ~~«ينشط الاستثمار بطريقة أو بأخرى»؛ من خلال المشروعات العامة الممولة بالقروض، على سبيل ~~المثال. # وإذا استبعد كل من ضبط سعر الفائدة والمشروعات العامة، فلن تبقى أي آلية ضبط ~~واقعية إلا الفقر. ويطلق كينز على ذلك اسم «علاج الطبيعة». لم يوضح كينز بالقدر الكافي أن ~~القصة الأولى (في الكتاب الرابع) تتعلق باقتصاد مفتوح يمكن أن يؤدي خفض التكاليف فيه إلى ~~زيادة الطلب على الصادرات، وأن القصة الثانية تتعلق باقتصاد مغلق ليس فيه قطاع تصديري. كما ~~عجز كينز عن بيان كيف أن «الادخار» يمكن أن يظل متفوقا على الاستثمار في أرض الموز في ظل ~~تراكم الخسائر الاقتصادية وانخفاض الدخل. وكان هذا أهم المشكلات الاقتصادية الفنية في كتاب ~~«بحث في النقود»، الذي نتج إلى حد كبير عن تعريف كينز غير العملي ل «الادخار». # ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي للسياسة النقدية القومية هو إقرار سعر فائدة يسمح بالتوظيف ~~الكامل على المدى الطويل في ظل مستوى أسعار معين بتبني أسلوب «كفاءة الأجور». ولا يمكن ~~ضمان استقلال سعر الفائدة هذا إلا عن طريق الضبط الدوري لسعر الصرف. قال كينز إن جمود ~~الأجور وقت الانكماش لا يتماشى مع «المرونة تجاه الإقراض للخارج»؛ لذا تشكك كينز فيما ~~إذا كان «من الحكمة العمل بنظام عملة ذي نطاق أوسع من النظام المصرفي والنظام الجمركي ونظام ~~الأجور.» لكن لم يتعارض هذا التصريح المتطرف عن القومية النقدية على نحو كامل مع فكرة ~~إقرار نظام نقدي دوري أكثر مرونة. # كان كينز محقا عندما اعتبر أن المعادلات الأساسية الواردة في كتابه «بحث في النقود» ~~صور من معادلتي المبادلات الخاصة بفيشر وكامبريدج. لكن التسلسل السببي فيها انعكس؛ فقد ~~كانت القوى المؤثرة في الطلب على الأرصدة النقدية - لا قرارات السلطة النقدية بتوفير تلك ~~الأرصدة - هي ما تتسبب في التغيرات في مستوى الأسعار. لكنه مع ذلك توقع أن تكون السلطة ~~النقدية قادرة على تحييد تأثير تلك القوى من خلال طرح كمية مناسبة من النقود. وكتب يقول: # إن الذين يرجعون السيادة للسلطة النقدية في إدارة ms072 الأسعار لا يزعمون بالطبع أن ~~الظروف التي تطرح خلالها النقود هي المؤثر «الوحيد» في مستوى الأسعار؛ إذ إن ~~الاعتقاد بإمكانية إبقاء الاحتياطي عند أي مستوى مرغوب فيه عن طريق ضخ كمية ~~كافية من النقود لا يتعارض مع الإقرار بأن مستوى الاحتياطي يعتمد على عوامل أخرى ~~عديدة بجانب مقدار النقود التي تم ضخها. # اعتمد كينز فيما بين عامي 1929 و1931 على نموذج عدم التوازن بين الادخار والاستثمار في ~~كتابه «بحث في النقود»، باعتباره أساسا لاستشاراته التي قدمها لحكومة رامزي ماكدونالد ~~العمالية حول السياسة النقدية، وذلك في ظل تأثرها بالمراحل الأولى للكساد العالمي. وقدم ~~كينز في لجنة ماكميلان - التي شكلها فيليب سنودن وزير الخزانة في حكومة العمال لاستشارتها ~~في شئون العملة والائتمان - ستة حلول ممكنة للكساد، والتي يمكن تطبيقها على حالة بريطانيا ~~وقتها. وقد استبعد إمكانية تخفيض قيمة العملة واعتبره الملاذ الأخير. كان هناك عدد من ~~الاقتراحات لتخفيض التكاليف المحلية للإنتاج، وكان أحدها - والذي ينص على الاتفاق على خفض ~~مستوى الدخول النقدية - مطابقا لما اقترحه عام 1925، ويمكن إعفاء الصناعات التصديرية من ~~الضرائب مثل اشتراكات التأمين الاجتماعي، أو تخفيض معدلاتها. أما الحلول الثلاثة الأخرى، ~~فكان الهدف منها زيادة نسبة التوظيف في ظل تكاليف الإنتاج القائمة؛ وكان أولها هو الحماية ~~التي «تقوم بما لم تقم به التجارة الحرة في ظل الظروف الحالية.» أما الثاني فتضمن ~~سياسته القديمة لتحويل المدخرات المهدرة في الخارج إلى برنامج المشروعات العامة الممولة ~~بالقروض. وتضمن حله الأخير تنسيق الجهود الدولية من أجل رفع مستوى الأسعار ~~عالميا. # قدمت مجموعة الاقتراحات تلك في شهري فبراير ومارس عام 1930. ورجح اقتراح الحماية ~~في ظل زيادة الكساد العالمي. وعين كينز في المجلس الاستشاري الاقتصادي الجديد الذي ~~شكله رئيس الوزراء حديثا في يناير عام 1930؛ وفي يوليو من العام ذاته عين رئيسا للجنة ~~فرعية من الاقتصاديين ليقدموا «تشخيصا موحدا ... وقائمة مسببة بالحلول الممكنة.» واستخدم ~~كينز في مذكرته المقدمة إلى اللجنة بتاريخ 21 سبتمبر 1930 لغة أنيقة للحديث عن العلاقة ~~بين الوضع الاقتصادي البريطاني الجامد ومكانتها الدولية المتراجعة؛ ms073 إذ عرف «التوازن ~~التجاري» بأنه ذلك الذي يسود «عندما تكون النسبة بين مستوى الأجور النقدية في الداخل إلى ~~مستواها في الخارج بحيث يتساوى الميزان الخارجي (أي ميزان الاستثمارات الأجنبية) مضافا ~~إلى حجم الاستثمار في الداخل، في ظل سعر الفائدة الذي تحدده الظروف الدولية ... مع حجم ~~المدخرات في الداخل.» كان أهم عوامل ارتفاع مستوى البطالة في بريطانيا اختلال التوازن ~~التجاري بالعودة إلى معيار الذهب عام 1925 دون خفض التكاليف النقدية للإنتاج. وأدت ~~المبالغة في تحديد قيمة الجنيه الاسترليني إلى تقليل الفائض التصديري المتاح للاستثمار ~~الأجنبي، مع رفع سعر الفائدة البنكية؛ وهو ما قلل من حجم الاستثمار المحلي. وبذلك انخفض ~~إجمالي الاستثمار مقارنة بالادخار في وضع التوظيف الكامل؛ وهو ما أدى لحدوث خسائر اقتصادية ~~وارتفاع مستويات البطالة. # كان من المفترض أن تواجه البدائل المتعلقة بالسياسة الاقتصادية المقترحة في هذا ~~التحليل اختلال التوزان التجاري بتقليل تكاليف الإنتاج (وخاصة الأجور النقدية) أو تحسينها ~~بتقليل ضغط الإقراض للخارج و/أو زيادة الميزان الخارجي في ظل ظروف تجارية معينة؛ وهو ما ~~يشير إلى مزيج من الحماية والاستثمار العام الممول بالقروض. تقبل كينز فكرة الانخفاض ~~الحتمي في مستوى المعيشة في بريطانيا، لكنه قال إن رفع الأسعار كان وسيلة أفضل لتحقيق ذلك ~~من تخفيض الأجور النقدية؛ حيث ستقل المعارضة الاجتماعية ويقع العبء على المجتمع بالكامل، ~~بما في ذلك طبقة أصحاب الدخول الربوية. # استخدم كينز للمرة الأولى في عرضه لفكرة الاستثمار العام الممول بالقروض صيغة بدائية من ~~نظرية المضاعف التي وضعها ريتشارد كان. طرحت فكرة الحماية الجمركية باعتبارها وسيلة لزيادة ~~الميزان الخارجي وزيادة الثقة الاقتصادية، وأيضا نظرا لأن «أي دولة صناعية ربما تكون ~~قادرة مثل نظيراتها على تصنيع الغالبية العظمي من المنتجات.» وكانت تلك الفكرة انتهاكا ~~جوهريا لفكر التجارة الحرة. وفي حال رفض الحكومة لمثل تلك السياسات، فمن المنطقي أنها ~~ستضطر إلى محاولة تحقيق التوازن التجاري بتفعيل خطط الانكماش. وسيكون التذبذب بين الجانبين ~~هو أسوأ اختيار. # دفع استبعاد تخفيض قيمة العملة بجانب أهمية «الثقة» الاقتصادية كينز إلى طرح دفاع مبني ms074 ~~على أسس نظرية عن سياسة الحماية؛ باعتبارها «علاجه» المفضل للكساد في الفترة التي انتهت ~~بتخلي بريطانيا عن معيار الذهب في سبتمبر عام 1931. وراع كينز في أثناء التوصل إلى تلك ~~النتيجة المتحفظة - وإن كانت راديكالية من الناحية النظرية - الحجج التي قدمها كل من ~~بنك إنجلترا ووزارة الخزانة إلى لجنة ماكميلان في وقت سابق من نفس العام؛ فقد أعرب بنك ~~إنجلترا عن شكه في اعتقاد كينز الخاص بالفاعلية المطلقة للسياسة النقدية؛ إذ قال المتحدث ~~باسم البنك إن خفض سعر الفائدة ليس كافيا لدفع المستثمرين للاقتراض إذا كانت احتمالات ~~الاستثمار سيئة؛ فذلك مثل الفرس الذي من الممكن توجيهه ناحية الماء لكن لا يمكن إجباره ~~على الشرب. وقال السير ريتشارد هوبكنز، أحد المسئولين بوزارة الخزانة، إن برنامج ~~المشروعات العامة الممولة بالقروض سيؤدي لمزاحمة «نفسية» للاستثمار الخاص إذا انتشر عدم ~~الثقة في المشروعات التي من المقرر إنفاق إيرادات القروض عليها، أو في تولي الحكومة عملية ~~الإنفاق؛ فقد كانت الحماية هي السياسة الوحيدة التي وعدت بتحقيق المتطلبات النظرية والثقة ~~المطلوبة للنجاح في ظل الظروف المحددة. # وأثرت تلك الاعتبارات في التطور اللاحق في نظرية كينز وكذلك في الثورة الكينزية في صناعة ~~السياسات الاقتصادية؛ إذ تضمن وضع نماذج نظرية «مناسبة» للعالم الواقعي وضع أدوات ~~متعلقة بالسياسات تناسب النطاق الواسع للظروف الواقعية؛ فكينز المنظر لم ينفصل قط عن ~~كينز مستشار السياسات الاقتصادية. # الفصل الرابع # | النظرية العامة # يشترك كتابا كينز «بحث في النقود» و«النظرية العامة للتوظيف والفائدة والنقود» في جوهر ~~فكري قوي واحد؛ إذ إن الفصل بين خطط الادخار والاستثمار، وعدم وجود أي «عملية ~~اقتصادية فعالة» (بحسب كلمات صامويلسون) للموازنة بينهما، وثبات الاستهلاك في مقابل تذبذب ~~الاستثمار، ووظيفة النقود باعتبارها مخزنا للقيمة؛ كلها أفكار وردت في كتاب «بحث في ~~النقود». وأضاف كتاب «النظرية العامة» آلية موحدة في صورة «مبدأ الطلب الفعال». وللمرة ~~الأولى يطرح كينز في حياته المهنية نظرية للعرض والطلب على الناتج ككل؛ فقد أوضح أنه إذا ~~قل الطلب عن العرض، فربما يقل الناتج ليعود التوازن بينهما مرة أخرى، ms075 وهو ما طرح ~~إمكانية «وصول الاقتصاد إلى حالة من التوازن المستقر ... في مستوى أدنى من التوظيف الكامل.» ~~وكان هذا هو الاكتشاف المهم بالنسبة للاقتصاديين الذين أرادوا تحسين أوضاع العالم؛ إذ فسر ~~أسباب الكساد وبين الخطوات المطلوبة للخروج منه. # لقد حول الكتاب الجديد - بحسب اعتقاد كينز - الانتباه من تحليل «أسباب» حدوث تغير في ~~مستوى الناتج إلى تحليل «توابع» هذا التغير، وهي نقطة تركت «ناقصة وملتبسة جدا» في ~~الكتاب السابق. وكان هذا أقرب ما يكون للقول إن كلا الكتابين ضروريان لفهم «الصورة الكلية» ~~للاقتصاديات الحديثة. أما من الناحية الفعلية، فقد أهمل كتاب «بحث في النقود»، بينما أصبح ~~كتاب «النظرية العامة» المرجع الأساسي بالنسبة للاقتصاديين ولرجال السياسة الذين ~~يستشيرونهم. # لولا انهيار الاقتصاد العالمي، لكان من المستبعد أن يهتم كينز أو غيره بالتركيز على ~~النتائج بدلا من الأسباب. فلم يكن ما يريد الجميع تحليله في ثلاثينيات القرن العشرين هو ~~العقبات المؤسسية أمام الانتقال من أحد أوضاع التوازن المرضي إلى وضع آخر، بل كان المراد ~~هو تحليل العوامل القادرة على إبقاء النشاط الاقتصادي عند مستويات منخفضة. كذلك كان المطلوب ~~من السياسة الاقتصادية ألا تمنع التقلبات في توازن التوظيف الكامل - وهو الهدف التقليدي ~~للمصلحين النقديين - بل أن ترفع مستوى توازن التوظيف. وقدم كينز كلا من النظرية والخطة ~~العملية للظروف الجديدة. وتحتل الجوانب النفسية ومبدأ التوقعات بؤرة تصوره التحليلي، ~~كما قدم مفاهيم ومصطلحات وأدوات جديدة تفيد صانع السياسة على نحو مباشر. # لقد تأثر فكر كينز على نحو مباشر بالكساد العالمي بطريقتين؛ أولا: بدد الكساد إيمانه ~~بقوة السياسة النقدية، وهو انحراف جذري عن ماضيه الشخصي. ورغم توافر النقود الرخيصة بعد ~~تخفيض قيمة الجنيه الاسترليني عام 1931، فقد كانت معدلات التعافي ضعيفة جدا. واستنتج كينز ~~أن «تدخل الدولة المباشر لتعزيز الاستثمارات الجديدة ودعمها» ربما يمثل «السبيل الوحيد ~~لتفادي الوقوع في حالة كساد طويلة، وربما دائمة.» # ثانيا: أدى الكساد لتحول تركيز كينز - أكثر من أي شيء آخر - من بريطانيا إلى الولايات ~~المتحدة؛ فقد كانت الإشكالية في كتاب «بحث في النقود» هي ms076 جمود اقتصاد مع وجود مبالغة في ~~تقييم سعر الصرف. أما الأجور والأسعار في أمريكا، فكانت أكثر مرونة بكثير من نظيرتها في ~~بريطانيا، وكان القطاع الأجنبي الأمريكي أصغر بكثير، ومع ذلك كان انهيار الناتج هناك أشد ~~وطأة. فحفزت الأحداث في أمريكا كينز على التفكير بصورة أعم في مشكلة الاقتصاديات الغنية. ~~كما أدت عمومية الكساد على مستوى العالم إلى استبعاد حلول تتضمن خفض قيمة العملة أو الحماية ~~أو غيرها من العناصر «الخارجية». حاول كينز في كتاب «النظرية العامة» تفسير إمكانية أن ~~يتسبب غلق باب الاستثمار مقترنا بالميل الكبير للادخار في حدوث بطالة متوطنة «قسرية» على ~~نطاق واسع في المجتمعات الغربية الغنية. ويمكن اعتبار كل من نموذج «الاقتصاد المغلق» في ~~كتاب «النظرية العامة» والمدرسة «المالية» الكينزية بمنزلة نتائج للكساد العالمي. # كما تأثرت إحدى المسائل الفنية المبكرة التي أثارها كتاب «بحث في النقود» بالوضع العالمي. ~~فالمعادلات الأساسية هي معادلات متعلقة بمستوى الأسعار . والتغيرات في الناتج وفي وضع ~~التوظيف ليست سوى أحداث - حتى وإن كانت أحداثا مطولة ومؤلمة - في سياق ضبط تكلفة إنتاج ~~الناتج وفقا للأسعار التي يمكن بيعه بها على نحو مربح. وبدت هذه الرؤية التحليلية - ~~المستمدة من كتاب سابق لكينز؛ وهو «بحث في الإصلاح النقدي» - ملائمة للكساد الذي حدث في ~~عامي 1920 و1921، حينما بدا أن انخفاض الناتج ونسبة التوظيف كان نتيجة لانخفاض الأسعار. ~~لكن تلك الرؤية تعارضت مع ما حدث في الكساد الذي وقع في عامي 1930 و1931 الذي ظهرت آثاره ~~الأولى وأشدها وأبقاها في الدول الصناعية على مستويات الناتج والتوظيف لا الأسعار. # وحتى قبل نشر كتاب «بحث في النقود» حاول رالف هوتري إقناع كينز بتحويل انتباهه من ~~التغيرات في الناتج إلى التغيرات في الإنفاق؛ إذ كتب هوتري لكينز في عام 1930 يقول: «إن ~~حدث أي شيء يؤثر في الطلب على السلع، فإن أول نتيجة ستكون الزيادة أو النقص في المبيعات ~~«في ظل الأسعار القائمة» ... فهناك دائما فاصل زمني قبل أن تضبط الأسعار، وربما يكون ~~الفاصل كبيرا.» وفي 28 نوفمبر 1930 أقر ms077 كينز أن التغيرات في الأسعار وفي الناتج ربما ~~تلعب دورا في ضبط الاقتصاد عند حدوث زيادة أو نقص شديد في الطلب، كما أقر أنه «ربما يكون ~~من الصعب منع النظرية النقدية ونظرية العرض قصير الأجل من العمل معا في المستقبل.» فقد رأى ~~كينز أن الآثار المباشرة للتغيرات في الإنفاق على الكميات تغطي على آثارها على التكاليف ~~والأسعار. # وأثار تحليل عدم التوازن في كتاب «بحث في النقود» مشكلة فنية مختلفة؛ إذ كيف افترض كينز ~~التعامل مع «زيادة الادخار على الاستثمار» إن لم يكن سعر الفائدة - لسبب أو لآخر - قابلا ~~للانخفاض؟ فقد رأى كينز في قصة الموز المجازية أن زيادة الفقر في المجتمع ستؤدي في النهاية ~~إلى استعادة التوازن بتقليل حجم الادخار. لكن هذه الصورة الهلامية لآلية ضبط الدخل أعاقتها ~~تعريفات الكتاب التي جعلت «زيادة الادخار عن الاستثمار» مساوية للخسائر الاقتصادية. وكان ~~هذا يعني أن الادخار سيكون دائما أكبر من الاستثمار في حالة انهيار الاقتصاد. وكان نقد ~~دينيس روبرتسون في سبتمبر عام 1931 حاسما في هذا الشأن؛ حيث قال: # من بين من يؤيدون الادعاء بأن الكساد سببه زيادة الادخار على الاستثمار ... كم ~~يبلغ عدد هؤلاء الذين يدركون أن جانبا كبيرا من المدخرات التي تكون وافرة جدا ~~في أثناء الكساد عبارة عن دخول أصحاب المشروعات التي لا تنفق، لسبب بسيط هو أنهم ~~لم يكتسبوها؟ # وإذا كانت خسائر رجال الأعمال تعتبر اقتطاعات من الدخل القومي، فقد اختفت «المدخرات ~~الزائدة». # وفي ملاحظة بتاريخ 22 مارس 1932 أظهر كينز الاحترام لروبرتسون (بالإضافة إلى هوتري وهايك) ~~باقتراح وضع تعريف ل «الدخل الإجمالي» ليشمل الخسائر والأرباح «غير العادية» لكي «يحدث ~~توازن بين الادخار والاستثمار بالضرورة في كل الأوقات.» وعندها «يضبط أي ادخار من الدخل ~~الإجمالي من نفسه ليتوافق دائما وبالضرورة مع الاستثمار ... فلم يعد الادخار هو الأساس بل ~~صار تابعا.» لذا كان بمقدور كينز بحلول 2 مايو 1932 أن يقول: إن «حجم التوظيف يعتمد على ~~حجم الاستثمار ... وإن أي شيء يزيد الأخير أو ينقصه سيزيد الأول أو ينقصه ms078 ~~بالتبعية.» # بدأت العناصر الأساسية التي يقوم عليها كتاب «النظرية ~~العامة» - وهي الاستهلاك والاستثمار والدخل ~~والناتج - في الظهور من بين حطام التعريفات الخاصة لكتاب «بحث في النقود». وتخضع تلك ~~العناصر للقياس الإحصائي؛ ومن ثم محاسبة الدخل القومي؛ ومن ثم أهداف محددة للسياسة ~~الاقتصادية. ~~«أيها السادة، إن تغيير عنوان هذه المحاضرات من «النظرية البحتة للنقود» إلى «النظرية ~~النقدية للإنتاج» هو تغيير ذو مغزى.» هذه هي الكلمات - كما يتذكر لوري تارشيس - التي افتتح ~~بها كينز في 10 أكتوبر عام 1932 «أولى محاضراته الثمانية، والتي أعلنت بالفعل عن انطلاق ~~الثورة الكينزية.» كان استفسار كينز هو: ما الذي يحدد حجم الناتج في اقتصاد نقدي؟ والإجابة ~~عن هذا السؤال كانت في كتاب «النظرية العامة»، لكن معظم الإجابة كان لا يزال كامنا في لغة ~~كتاب «بحث في النقود» ومفاهيمه. ومع ذلك برز الكثير من لبنات كتاب «النظرية العامة» ~~المألوفة. واتضحت أكثر في مجموعة المحاضرات التي ألقاها كينز في خريف عام 1933. # يتحدد حجم الناتج حسب إجمالي «الدفع» أو الإنفاق؛ فإذا نقص الإنفاق على الناتج الجاري عن ~~الدخل الجاري - أي، بلغة كتاب «بحث في النقود»، إذا قلت عوائد المبيعات للناتج الجاري ~~عن تكاليف إنتاجه - يجب أن ينخفض الدخل إلى مستوى الإنفاق من خلال انخفاض في الناتج ~~والتوظيف. ولتفسير كيف يمكن تقليل تكاليف الإنتاج بتقليل نسبة التوظيف بدلا من تقليل ~~الأجور، قدم كينز مسودة أولية للفصل الثاني من كتاب «النظرية العامة». واحتدم الجدال في ~~عام 1933 بسبب الفرضية القائلة إن الأجور الحقيقية تعتمد على حالة الطلب الفعال، لا على ~~مفاوضات الأجور النقدية («ربما لا مفر للعمالة من الحصول على أجور حقيقية مرتفعة في أثناء ~~الكساد») وبسبب ظهور مفهوم «البطالة القسرية» في المقابل. وفي ظل غياب إمكانية ضبط الأجور ~~الحقيقية، يصبح استناد النظرية الكلاسيكية على قانون ساي - الذي ينص على أن «العرض يخلق ~~الطلب المكافئ له» - للحفاظ المستمر على وضع التوظيف الكامل أمرا مؤكدا كذلك. # يتحدد الإنفاق - في الاقتصاد الحر - تبعا «للعوامل النفسية للسوق» وهي: حالة التفضيل ~~الزمني (والتي أطلق عليها ms079 دالة الاستهلاك لاحقا) التي تربط بين الادخار والدخل، و«أشباه ~~العوائد» المتوقعة أو الربحية المتوقعة للاستثمار (والتي أطلق عليها لاحقا الكفاءة ~~الحدية لرأس المال)، وحالة تفضيل السيولة التي تحدد إلى جانب كمية النقود سعر الفائدة. ~~وتنبئنا تلك المعاملات الخاصة بالاقتصاد النقدي، بجانب جدول إجمالي العرض و«استجابة ~~الأرباح» (للتكاليف في مقابل الأسعار) «بحالة الناتج المترتبة ... وكيفية التأثير في تلك ~~المعاملات للحصول على مستوى الناتج المرغوب.» وطرح هذا بشكل أوضح في عام 1933: «إن القوى ~~الأساسية في تحديد حجم التوظيف هي حالة الثقة والميل للاستهلاك وتفضيل السيولة وكمية ~~النقود. ويمكننا أن نسمي هذا «القانون العام للتوظيف».» وبذلك يكون قد سلط الضوء بقوة ~~أكثر على دور التوقعات وعدم اليقين. # أدرك كينز أن تحديد حجم الإنفاق الإجمالي من خلال «العوامل النفسية» ربما لا يكون كافيا ~~للحفاظ على وضع توظيف ناتج كامل، لكنه لم يذكر السبب بدقة في عام 1932. كان كينز مدركا ~~بالفعل أن سعر الفائدة يتحدد وفق الطلب على النقود لا الطلب على القروض. وبناء على ذلك ، ~~فإن سعر الفائدة «يثبت القيمة الحالية لأشباه العوائد المتوقعة.» لكنه لم يجهر صراحة ~~برأيه الأخير القائل إن صحة قانون ساي تعتمد على فاعلية الآلية الكلاسيكية لضبط سعر ~~الفائدة؛ إذ تمسك برأيه الوارد في كتاب «بحث في النقود» الذي يرى أن السلطة النقدية لها ~~السيطرة الكاملة على الأسعار على المدى القصير والطويل، وأن واجبها هو «إقرار سعر الفائدة ~~الذي يحقق مستوى الاستثمار الأمثل.» ولم يطرح كينز الفرضية القائلة إن الاحتفاظ بالنقود ~~بدافع المضاربة ربما يمهد الطريق لانخفاض سعر الفائدة بشكل واضح حتى عام 1933. # وتساءل كينز: كيف يمكن - في ظل غياب سياسة تحقق الاستقرار - منع الدخل والناتج من ~~الانخفاض «حتى يتوقف الإنتاج بشكل تام»؟ والإجابة المختصرة هي أنه بعد أي صدمة للاستثمار ~~ينخفض الإنفاق (الاستهلاك) بمعدل أقل من الدخل، وهذا ما يجعل «التوازن المستقر» ممكنا. ~~وذكرت هذه الإجابة هي الأخرى بشكل أوضح عام 1933 حينما قال كينز: «يجب أن يتساوى الادخار ~~والاستثمار، وسيضبط الدخل نفسه ليحقق هذا الشرط.» فلا يمكن زيادة ms080 الدخل وهو في مستوى ~~متدن ما لم يقل «الميل للادخار» أو يزيد حجم الاستثمار. وكانت الميزة التي قدمتها صيغة ~~كينز الأقل دقة المطروحة عام 1932 هي أنها احتفظت بالتحليل الدوري الوارد في كتاب «بحث في ~~النقود». فانخفاض الدخل يميل لإحداث انخفاض في أسعار الفائدة مع ارتفاع نسبة المخزون النقدي ~~إلى الدخل، وهو ما يسمح بزيادة الاستثمار. لكن في حال عدم خفض سعر الفائدة على نحو أكبر من ~~خلال السياسة المصرفية، «فربما لا تتم الزيادة في الاستثمار ... بنفس سرعة الزيادة في ~~المدخرات مع اتجاه الناتج للزيادة من جديد»، وهو ما يسبب توقف التعافي قبل الوصول إلى وضع ~~التوظيف الكامل. ويعطي هذا صورة لمفهوم كينز عن «التوازن» دون المستوى الطبيعي، والتي هي ~~أشمل مما نجح في بيانه في كتاب «النظرية العامة»، الذي صمم تحليله الثابت لإصلاح الاقتصاد ~~في وقت ما من أجل تحديد هدف دقيق أمام السياسة الاقتصادية. # وكان من بين أسباب عدم الدقة النسبية في محاضرات كينز عام 1932 أنه لم يستخدم نظرية ~~المضاعف لريتشارد كان؛ فقد عجز تماما مثل «كان» عن إدراك الصلة المنطقية بينها وبين ~~تحليل التوازن النقدي. # كتب ريتشارد كان مقاله «العلاقة بين الاستثمار الداخلي والبطالة»، المنشور في دورية ~~«إيكونوميك جورنال» في يونيو 1931، ليهاجم اعتراضات وزارة الخزانة البريطانية على برامج ~~المشروعات العامة الممولة بالقروض بوصفها علاجا للبطالة. وقد بنيت تلك الاعتراضات على ~~ضآلة حجم التوظيف الذي يوفره إنفاق نقدي معين والعبء الناتج على الميزانية وعلى فكرة ~~«مزاحمة» الاستثمار الخاص. وأكد كينز وهيندرسون في كتيبهما «هل يمكن للويد جورج أن ينجح؟» ~~الذي ظهر في عام 1929 أن برامج المشروعات العامة ستوفر، بجانب قدر يمكن حسابه من ~~التوظيف الأساسي، قدرا من التوظيف «الثانوي» الناتج عن إنفاق العاملين الجدد لأجورهم، لكن ~~هذا التوظيف الثانوي لا يمكن حسابه. وكان السؤال الذي طرحه كان هو: ما الذي قد يمنع ~~الزيادة في دخل فرد ما بمقدار جنيه استرليني واحد من زيادة دخل المجتمع على نحو لا نهائي؟ ~~الإجابة البديهية هي أن جزءا من الدخل ms081 الإضافي سيدخر في كل مرة يتم إنفاقه حتى يتبدد أثر ~~الزيادة. وإذا فرض معرفة حجم ذلك الجزء المدخر، فإن إجمالي الدخل الزائد أو التوظيف ~~الثانوي يمكن حسابه، وسيكون رقما محدودا يمكن التعبير عنه بنسبة أو مضاعف للاستثمار ~~الأولي أو للتوظيف الأساسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن قدر الاستثمار الإضافي سيخلق قدر ~~ادخار مكافئا من خلال رفع الدخول الإجمالية، وهذا يؤكد افتراض كينز أن «الاستثمار يجر ~~الادخار دائما ليسير بنفس الإيقاع»، كما يدحض ادعاء وزارة الخزانة بأن الاستثمار العام ~~الممول بالقروض سيسحب المدخرات من الاستخدامات القائمة بالفعل. ويعد ذلك جوهر نظرية ~~المضاعف. # ولم تكن نظرية كان صحيحة؛ إذ إنه حسب «تسربات» من تدفق الإنفاق الزائد بخصم ~~مدفوعات البطالة (أي ما ينفقه العاطلون بالفعل) وكذلك الإنفاق الإضافي على الواردات (الذي ~~لم يكن يزيد التوظيف الداخلي على نحو مباشر)، كما لم يدرك أن صيغته أقرت التساوي الضروري ~~بين الادخار والاستثمار. (ففي أي اقتصاد «مفتوح» لا يكون التساوي ضروريا بين الادخار ~~والاستثمار؛ بل بين الادخار والواردات من جهة، والاستثمارات والصادرات من الجهة الأخرى.) ~~طرحت فكرة تسرب الادخار «الشخصي» لأول مرة في أدبيات نظرية المضاعف في مقال للمتخصص ~~الدنماركي، ينس فارمنج، في دورية «إيكونوميك جورنال» في يونيو 1932. جمع فارمنج «بين ~~دالة ادخار شخصي مرتبط بالدخل على نحو حصري ومعادلات المضاعف الجبرية لكان من أجل وضع ~~آلية لضبط الدخل توازن الادخار مع التغير الأولي في الاستثمار.» رأى كينز بشكل شبه مؤكد ~~مقال فارمنج عندما قدم لأول مرة إلى دورية «إيكونوميك جورنال»؛ لذا فمن المرجح أن ~~التأثير النظري انتقل على نحو مباشر أكثر من فارمنج، وليس من كان، إلى كينز في تلك ~~المرحلة. وطرح كان - المتأثر هو الآخر بفارمنج - صيغة لنظرية المضاعف مشتقة من الميول ~~الحدية للادخار والاستيراد في بحثه في سينسيناتي بالولايات المتحدة في ديسمبر 1932. ~~وتضمن عمل كينز «الطريق إلى الرخاء» الذي نشر بعدها بثلاثة أشهر عرضا لتلك النسخة ~~المعدلة من نظرية المضاعف لكان، لدعم حجته بشأن برامج المشروعات العامة الممولة ~~بالقروض. # تعد نظرية المضاعف أبرز النقاط ms082 سيئة السمعة في الفكر الكينزي؛ فقد نشأت من قضية ~~الثقة (أو «المزاحمة») ومن مشكلة تمويل الميزانية. واعتمدت دقة مضاعف التوظيف - في مقابل ~~مضاعف الدخل - دائما على نقطة الثقة؛ حيث استندت إلى الافتراض العشوائي بشأن كيفية تقسيم ~~الإنفاق الإضافي بين زيادة الإنتاج وارتفاع الأسعار. ولم يحظ هذا الأمر باهتمام كبير في ~~بداية ثلاثينيات القرن العشرين حينما كانت الأسعار في انخفاض، إلا أنها أصبحت لها آثار ~~قاتلة بعد الحرب. ربما يؤكد كثير من أتباع المدرسة الكينزية بكل ثقة أن «الكميات هي التي ~~تتغير لا الأسعار». لكن تشكك كينز الشهير في فكرة «المستقبل الممكن تقديره» راح في ذلك ~~الوضع ضحية للدافع العاطفي لديه لتقديم أدوات عمل للحكومات. # ثار جدل واسع عن مسألة التوقيت الذي توصل فيه كينز على وجه التحديد إلى نظريته الجديدة ~~الخاصة بالعرض الفعال. لم يكن ثمة اختلاف أن ذلك حدث في عامي 1932 و1933. لكن ما عدا ذلك ~~يعتمد على اختبار فهمه لها. ربما من الأفضل أن تترك لكينز الكلمة الأخيرة في هذا الشأن، ~~رغم أن ذلك مستحيل؛ فقد أوضح في محاضرة له بتاريخ 6 نوفمبر 1933 أن الأفكار الجديدة تظهر ~~في البداية في صورة «كيان مخيف باهت غامض فوضوي» في عقل الإنسان، ثم «تأتي الصيغة اللغوية ~~الدقيقة عنها في مرحلة متأخرة من تطورها. فمن الممكن أن تفكر بدقة ووضوح قبل وقت طويل من ~~تمكنك - إن جاز التعبير - من التصوير الفعلي لأفكارك.» لقد عرف كينز أكثر مما استطاع ~~التعبير عنه في خريف عام 1932، لكنه كان أكثر ثقة فيما عرفه في العام التالي؛ لذا استطاع ~~أن يعبر عنه على نحو أفضل. # إن كتاب «النظرية العامة» المنشور في 4 فبراير 1936 هو عمل يتميز بسحر أبدي؛ فهو كتاب ~~بسيط ودقيق، غامض وعميق؛ فقد قدم طريقة منهجية للتفكير، ليس فيما يخص سلوك الاقتصاديات ~~المعاصرة وحسب، بل أيضا فيما يخص العقبات في الطريق إلى زيادة الثروة في كل الأزمان؛ فقد ~~جمع بين تصور لسلوك الاقتصاديات وبيان دقيق لإمكانية تحقيق التوازن في حالة نقص التوظيف. ms083 ~~ورغم أن صغار الاقتصاديين ذوي النزعة التأملية انجذبوا إليه، باعتباره يحوي حصيلة من ~~الأفكار الملهمة، فقد كانت فائدته العملية هي ما جذبتهم إليه في عالم يترنح بين ~~ديمقراطية آفلة وشمولية فتية. # ليس الكتاب على نفس الدرجة من سوء التنظيم كما يشاع عنه؛ فمن يبدأ الكتاب بقراءة الفصل ~~الثالث، ثم الفصول من الثامن وحتى الثالث عشر، ثم الفصل الثامن عشر، فسيكون تصورا ~~دقيقا لجوهر نظرية كينز. وتظهر الإشكاليات الأساسية عندما يحاول كينز الربط بين نظريته ~~وما يسميه «النظرية الكلاسيكية» عن طريق التعليق أو محاولة التوفيق بينهما أو النقد ~~الهدام، وهو الأسلوب الأكثر استخداما. وتزداد حدة الإشكاليات تحديدا في الفصل الثاني ~~وهو بعنوان «مسلمات علم الاقتصاد الكلاسيكي»، والفصلين الرابع عشر والخامس عشر اللذين ~~يتناولان النظرية الكلاسيكية لسعر الفائدة ونظرية كينز عن الفائدة في صورتها الأكثر ~~اكتمالا، وكذلك في الكتاب الخامس عن «الأجور النقدية والأسعار». ومن الأفضل قراءة الفصل ~~السادس عشر «ملاحظات متعددة عن طبيعة رأس المال» والفصل السابع عشر «الخصائص الجوهرية ~~للفائدة والنقود»، بجانب الكتاب السادس (الفصول من الثاني والعشرين وحتى الرابع والعشرين ) ~~باعتبارها أفكارا عامة تأملية حالمة نابعة من جوهر النظرية. كما يمكن تخطي الكتاب ~~الثاني «تعريفات وأفكار»، وهو ما يحدث في العادة. # لقد استخدم كينز في كتاب «النظرية العامة» تحليلا «قصير الأجل» خاصا بمارشال. فبما أن ~~رأس المال المساهم به ثابت، فإن السبيل الوحيد لضبط الاقتصاد مع زيادة أو نقص شديد في ~~الطلب هو الاستخدام المكثف بشكل أو بآخر للموجودات القائمة. وبدت هذه أداة تحليلية منطقية ~~وسط ظروف الكساد الكبير. لكنها استبعدت التغيرات في «هيكل الإنتاج» التي اعتبرها ~~اقتصاديو المدرستين النمساوية والسويدية أساسية في عملية الضبط، سواء كانت مصحوبة بالبطالة ~~أم لا. # هناك سمة أخرى لمنهج كينز التحليلي جديرة بالملاحظة؛ فقد تخلى عن المنطق الفالراسي ~~للتوازن العام لصالح التسلسل السببي المنطقي. وكان التسلسل التالي أساسيا في كتاب ~~«النظرية العامة»: بفرض الميل إلى الاستهلاك، يتحدد حجم التوظيف وفقا لحجم الاستثمار؛ ~~وبفرض توقع ربحية الاستثمار، يتحدد حجم الاستثمار تبعا لسعر الفائدة؛ وبفرض ms084 معرفة كمية ~~النقود، يتحدد سعر الفائدة حسب حجم تفضيل السيولة. ويستخدم هذا التسلسل السببي، كما سنرى، ~~لإثبات أنه إذا كان الدخل (عوائد المبيعات) الذي يتوقعه أصحاب المشروعات من تشغيل عدد ~~معين من الناس يتوقع أن يقل عن تكلفة تشغيل هذا العدد، فسينخفض الناتج ونسبة التوظيف حتى ~~تتساوى تكاليف التوظيف مع عوائد المبيعات المتوقعة. # يعيد كينز ترتيب الرؤية «الكلاسيكية» التي تقول إن البطالة القسرية مستحيلة في ضوء نفس ~~التسلسل السببي المنطقي لتأكيد اعتمادها على النظرية الكلاسيكية لسعر الفائدة. فبفرض معرفة ~~الأجور الحقيقية، تعتمد نسبة التوظيف على قانون ساي، الذي ينص على أن «العرض يخلق الطلب ~~المكافئ له»؛ وبفرض توقع ربحية الاستثمار، يعتمد قانون ساي على تحديد سعر الفائدة على نحو ~~حصري في سوق القروض. وإن لم يكن هذا صحيحا، فستنهار النظرية الكلاسيكية تماما. # وينبغي إيضاح ثلاث نقاط بخصوص تعريفات كينز (الكتاب الثاني) قبل أن نعرض للأفكار ~~الرئيسية؛ أولا: يتساوى الادخار والاستثمار طبقا للمعادلات التالية: الدخل = الاستهلاك + ~~الاستثمار، الادخار = الدخل − الاستهلاك، الادخار = الاستثمار. وهذا يطرح السؤال التالي: ما ~~الذي يمكن ضبطه في الاقتصاد لتكون المعادلة الأخيرة صحيحة؟ ثانيا: اقترح كينز تقليص ~~التغيرات في الدخل الاسمي من خلال أسعار الأجور - وهى المدفوعات النقدية لكل ساعة عمل - ~~وذلك من أجل قياس تأثير التغير في الطلب على التوظيف. وبافتراض معرفة متوسط أسعار الأجور، ~~فسيتغير حجم التوظيف بنفس حجم التغير في الدخل الاسمي. بدا هذا تبسيطا منطقيا قصير ~~الأجل، لكنه طرح السؤال عن كيفية مشاركة آثار عملية الضبط بين التوظيف والأجور في الظروف ~~الفعلية. وأخيرا: قدم كينز «منهج التوقعات» لتحديد التوازن قصير الأجل من خلال جعل ~~التوظيف قصير الأجل يعتمد بالأساس على توقعات الأرباح طويلة الأجل. # طرح كتاب «النظرية العامة» على نحو صريح فكرة لم ترد في كتابيه السابقين إلا ضمنا؛ ~~وهي أن النقود ليست فقط مجرد وسط للتبادل، بل هي كذلك مخزن للقيمة. والشرط الرئيسي ~~لوظيفة النقود تلك هو عدم اليقين؛ فالاحتفاظ بالنقود يقلل التعرض للمخاطر، وبذلك يخفف ~~التوتر. ومن سوء الحظ أن كينز لم ms085 يطرح فكرة «الطلب على النقود» في «تسلسله السببي» إلا في ~~جزء متأخر نسبيا من الكتاب؛ حيث إن جميع استنتاجات كينز - وسبب تأليفه للكتاب - تنبع من ~~إدراكه أنه حينما يزداد عدم اليقين على نحو كبير جدا، تمثل السيولة انسحابا من النشاط ~~الاقتصادي. ويواجه صاحب المشروع دائما الاختيار بين استخدام النقود بشكل أو بآخر أو عدم ~~استخدامها على الإطلاق؛ لذا تمثل حرية عدم الإنفاق لدى الناس في اقتصاد نقدي الجوهر ~~المنطقي لرفض كينز فكرة أن «العرض يخلق الطلب المكافئ له»، ولطرحه فكرة أن «الإنفاق يخلق ~~الدخل المكافئ له.» وتعد هذه الأفكار أساس «رؤيته». # يعد الكتابان الثالث والرابع - اللذان يتناولان الطلب على الاستهلاك والطلب على ~~الاستثمار وسعر الفائدة - هما اللب التحليلي لكتاب كينز؛ لأن تلك المتغيرات هي ما يحدد ~~حجم الناتج ونسبة التوظيف. ويمثل «الميل للاستهلاك» (ومن ثم للادخار) على المدى القصير ~~نسبة «مستقرة إلى حد ما» من الدخل الجاري. ويتيح شكل الدالة (أو الأجزاء المدخرة من ~~الدخل المتزايد أو المتناقص) حساب رقم محدد (عن طريق المضاعف) لحجم ضبط الدخل المطلوب ~~للموازنة بين خطط الادخار والاستثمار. وتمكن دالة الاستهلاك كينز من تفسير سبب عدم ~~استمرار الدخل والناتج، بعد حدوث زيادة أو نقص شديد في الطلب، في الانخفاض إلى الأبد (كما ~~في أرض الموز)، بل يصبحان في وضع من «التوازن في حالة نقص التوظيف»، كما تمكن الدالة ~~الحكومات من معرفة حجم النقود الإضافية الواجب أن تنفقها لتفادي «فجوة الناتج». وتعد ~~الدالة بجانب مضاعف الاستثمار أهم أدوات السياسة الاقتصادية التي قدمها كتاب «النظرية ~~العامة» لنا. # من المهم ملاحظة أنه بينما يتساوى الادخار والاستثمار «الفعليان»، فإنه ليس من الضروري أن ~~يتساوى الادخار والاستثمار «المخططان». وعندما لا يتساويان، فإن بعض الخطط على الأقل ستتحقق ~~وتفوق التوقعات أو تخيب. فإذا زاد الادخار المخطط عن الاستثمار المخطط، فسيتجه الاقتصاد ~~نحو الانكماش. وإذا زاد الاستثمار المخطط عن الادخار المخطط، فسيتجه الاقتصاد نحو ~~التوسع. # وبهذا يقلب كينز علم النفس الكلاسيكي رأسا على عقب؛ إذ يمدح الاقتصاديون الكلاسيكيون ~~«الاكتناز» أو «الادخار» بوصفه ms086 وسيلة لزيادة المعروض من رأس المال. وتضمنت فكرة كينز عن ~~«مفارقة الادخار» أن أي زيادة في الادخار المخطط يمكن أن تؤدي إلى حدوث انخفاض في ~~الادخار الفعلي بسبب انخفاض الدخل، ما لم يرتفع مستوى ربحية الاستثمار المتوقعة على نحو ~~مستقل. لكن وجود زيادة في الميل للادخار يمكن أن يأتي بنتائج عكسية على الاستثمار؛ إذ ~~يمكن أن يقلل توقعات أصحاب المشروعات للاستهلاك المستقبلي الذي تعتمد عليه ربحية الاستثمار. ~~هذا بخلاف أن مشكلة توفير القدر الملائم من الاستثمار - في ظل زيادة الميل الحدي للادخار ~~بزيادة الدخل - تميل إلى التفاقم بمرور الوقت. فلتحقيق مستوى التوظيف الكامل يحتاج المجتمع ~~الغني أن يستثمر نسبة أكبر من دخله، حتى إن انخفضت ربحية الاستثمار المتوقعة؛ لأن الفجوة ~~بين الدخل والاستهلاك ستزداد. # وبافتراض وجود «ميل للاستهلاك»، فإن حجم التوظيف يعتمد على معدل الاستثمار أو على الزيادة ~~في رأس المال المساهم به. كما يظهر «الحافز على الاستثمار» عندما يكون العائد المتوقع ~~للاستثمار أعلى من تكلفة القيام به؛ أي عندما تكون ما سماها كينز ب «الكفاءة الحدية لرأس ~~المال» إيجابية. وفي الفصل الثاني عشر الذي بعنوان «حالة التوقعات طويلة الأجل»، يبرز عدم ~~الاستقرار في الطلب على الاستثمار باعتباره السبب الأساسي في التقلبات الاقتصادية. والسبب ~~هو التذبذب في التوقعات المستقبلية بخصوص عائد الاستثمار. # ويمثل «إدراك عدم اليقين المفرط للأساس المعرفي الذي نبني عليه تقديراتنا للعائد ~~المتوقع» نقطة انطلاق كينز؛ فسوق الأوراق المالية تقلل مخاطر الاستثمارات بجعلها ~~سائلة أو حاضرة للأفراد، لكن هذا يجعل الاستثمار ككل أكثر تذبذبا؛ إذ يمكن للمستثمرين أن ~~يبيعوا ويشتروا في ظرف لحظة واحدة. ولا تعتمد أسعار الأسهم على احتمالات الاستثمار الحقيقي ~~- التي لا يمكن معرفتها في أغلب الأحيان - بل على الشعور السائد الذي يمكن أن يتذبذب بشدة ~~بسبب الأخبار اليومية؛ فعدم وضوح المعلومات التي تدعم التقييم التقليدي للأسهم هو ما يجعل ~~دالة الاستثمار معتمدة على نحو خاص على «الغريزة الحيوانية»، التي تعرف بأنها «دافع ~~تلقائي للفعل بدلا من اللافعل». # ويري معظم أتباع المدرسة الكينزية أن الفصل الثاني ms087 عشر يحتوي على «رؤية» كتاب «النظرية ~~العامة»، بل والثورة الكينزية، في كل من هجومها على أخلاقيات الرأسمالية - «عندما تصبح ~~تنمية رءوس الأموال في بلد ناتجا ثانويا لأنشطة أحد أندية القمار، فالعملية قد تكون لا ~~جدوى لها» - وكذلك رفضها لفكرة القدرة على التقدير في الأمور الإنسانية. وتؤدي المناقشة ~~إلى نتيجة طبيعية؛ وهي أن الدولة ينبغي أن تتحمل «مسئولية أكبر من ذي قبل في التنظيم ~~المباشر للاستثمار ... بنظرة بعيدة.» كما تقر المناقشة منطقية تفضيل السيولة - وهو ~~تفضيل الاحتفاظ بالسيولة النقدية بدلا من استثمارها - الذي يلعب دورا محوريا في نظرية ~~كينز عن سعر الفائدة. # يتحدد حجم الاستثمار تبعا لسعر الفائدة مع وضع حالة التوقعات في الاعتبار. ويؤمن كينز ~~بأن سعر الفائدة يتحدد في سوق النقود؛ إذ يعتبر أن الفائدة هي سعر التخلي عن السيولة، التي ~~تعني التحكم المباشر في المبالغ المالية. وقال في عام 1937 إن الفائدة هي «مقياس لدرجة ~~القلق لدينا.» فكلما زاد تفضيل الناس للاحتفاظ بمدخراتهم في صورة نقود، ارتفع سعر الفائدة ~~الذي سيطلبه الناس للتخلي عن نقودهم. وبذلك يكتمل التسلسل المنطقي لكتاب «النظرية العامة» ~~ببيان أن سعر الفائدة يمكن أن يظل في مستوى أكبر من «معدل العائد على رأس المال» الضروري ~~لتحقيق مستوى التوظيف الكامل. # إن «الشرط الأساسي» بل وأيضا «التفسير ~~الوحيد المعقول» لتفضيل السيولة هو «عدم اليقين تجاه مستقبل سعر الفائدة». إذ برهن كينز على ~~أنه إن لم يكن ذلك صحيحا، فسيتجه المستثمرون الراغبون في التخلص من السندات إلى شراء ~~الدين الحكومي، وسيؤدي هذا إلى رفع أسعار السندات وخفض عوائدها، وهو ما يزيد من ربحية ~~الاقتراض بغرض الاستثمار بالنسبة لرجال الأعمال. لكن إن رأى المضاربون أن سعر الفائدة ~~«شديد الانخفاض» - أي انخفض لأدنى من مستواه «التقليدي» أو المتوقع - فسيبيعون السندات ~~للحصول على مقابل نقدي؛ وبذلك يوقفون أو يعكسون اتجاه الانخفاض في سعر الفائدة. ولم يتناول ~~كينز ما الذي يجعل سعر الفائدة المتوقع على ما هو عليه، وهو ما فعله دينيس روبرتسون. # يمكن للسلطة النقدية التدخل عن طريق شراء السندات ms088 بنفسها (عمليات السوق المفتوحة). لكن ~~هذا يمكن أن يؤدي لمبيعات سندات مقابلة من قبل القطاع الخاص إذا اعتبرت السياسة النقدية ~~«غير حكيمة». ويمكن عندها السقوط في «فخ السيولة»؛ وهو عندما تعجز السياسة النقدية عن دفع ~~سعر الفائدة للانخفاض إلى أدنى من مستوى تحدده مخاوف التضخم أو العجز عن السداد. وكلما ~~انخفض سعر الفائدة انخفضت «عوائد عدم السيولة» المتاحة للحماية من مخاطر الخسارة في حساب ~~رأس المال. ويقول كينز إن هذه هي العقبة الرئيسية أمام انخفاض سعر الفائدة لمستوى شديد ~~التدني. فإذا كان سعر الفائدة لفترة طويلة 2٪ مثلا، فإنه «لا يبشر بالخير بقدر ما يثير ~~المخاوف، ويقدم في الوقت نفسه عائدا ثابتا لا يكفي إلا لتعويض جزء صغير جدا من ~~الخوف.» وربما يصبح تفضيل السيولة حينها «عاما تقريبا»؛ حيث يفضل الجميع تقريبا ~~الاحتفاظ بالسيولة النقدية على الاحتفاظ بالدين. إلا أن التحول للاحتفاظ بالسيولة ~~النقدية يمكن أن يحدث في ظل سعر فائدة أعلى، مثلما حدث في الولايات المتحدة عام 1932. وفي ~~هذه الحالة ستكون السلطة النقدية قد فقدت بالفعل السيطرة الفعالة على السعر الطويل الأجل ~~للفائدة. لكن السياسة النقدية التي تحظى بثقة الجمهور يمكنها أن تنجح فيما ستفشل فيه ~~السياسة التي يرى الناس أنها «ذات طابع تجريبي أو أنها عرضة للتغير بسهولة.» # وتصل مناقشة كينز لمشكلة سعر الفائدة إلى جوهر نظريته؛ إذ إن تأكيده على كون تفضيل ~~السيولة يمكن أن يبقي سعر الفائدة مرتفعا جدا بدرجة لا تسمح بالوصول لمستوى استثمار ~~يتحقق فيه التوظيف الكامل - من وجهة نظره - قد حسم هجومه النظري على مبدأ «العرض يخلق الطلب ~~المكافئ له». كما يقوض رفضه اعتبار الفائدة مكافأة على الادخار النظرة الكلاسيكية ~~للادخار باعتباره فضيلة في حالات الكساد؛ حيث إنه لا يؤدي إلى خفض سعر الفائدة؛ ومن ثم ~~لا يشجع الاستثمار. ويعزز عدم الفاعلية المحتملة للسياسة النقدية في ضمان النتيجة ~~نفسها من الحاجة لسياسة مالية لمواجهة الكساد. # يلخص ما سبق الجانب الإيجابي من «النظرية العامة» لكينز؛ فالأفكار الأساسية «شديدة ~~البساطة»، كما قال في المقدمة. ولا تظهر ms089 الصعوبات في محاولة فهم نظريته، بل في علاقة نظريته ~~بما سماه النظرية «الكلاسيكية». فلأي مدى لا تتفق نظريته مع الأفكار التقليدية؟ وإن لم ~~تكن متسقة معها، فلأي درجة كانت نظريته «أصح» أو «أعم» بحسب قول كينز؟ ليس هناك من ~~إجابة حاسمة على أي من هذين السؤالين. لقد وضع كينز نظريته في مقابل تصوره الخاص للنظرية ~~«الكلاسيكية» الذي نفى كثير من خصومه تبنيهم له. كما أنه من غير الواضح ما قصده كينز ~~بكلمة «أعم»؛ إذ فرق في الفصل الأول من الكتاب بينها وبين «الحالة الخاصة التي تفترضها ~~النظرية الكلاسيكية»، بينما قارن في مواضع أخرى بينها وبين «الحالة الجزئية» كما فعل في ~~أثناء هجومه على النظرية الكلاسيكية لتجاهلها العلاقات المترابطة بين العمالة وأسواق ~~السلع. # افتتح كينز عرضه بمهاجمة وجهة النظر «الكلاسيكية» القائلة إن التوظيف يتحدد وفق سوق ~~العمل؛ إذ قال في الفصل الثاني معتمدا على أفكار بيجو في كتابه «نظرية البطالة» (1933) إن ~~المنظرين الكلاسيكيين يرون أنه في ظل مرونة مثالية للأجور النقدية لا توجد أي عقبة ~~أمام تحقيق مستوى التوظيف الكامل، مهما كان وضع الطلب الاسمي. # ومن وجهة النظر «الكلاسيكية»، كما قال كينز، يعتمد حجم التوظيف على مسلمتين بشأن ~~الأجور «الحقيقية»؛ وهما: أن الأجور في حالة التوازن تتساوى مع الناتج الحدي للعمل، وأنها ~~تتساوى مع نقص المنفعة الحدية للعمل. فالمسلمة الأولى تقدم منحنى تناقصيا للطلب على ~~العمل يعكس انخفاض الكفاءة الحدية للعمل، بينما تقدم المسلمة الثانية منحنى تصاعديا ~~للعرض يعكس ارتفاع مستوى نقص المنفعة الحدية للعمل أو «الألم». وفي ظل الأجور المرنة على ~~نحو مثالي، يتحدد حجم التوظيف في المرحلة التي يصبح فيها نقص المنفعة (والأجر المدفوع) ~~لآخر ساعة عمل مساويا لقيمتها الربحية بالنسبة لصاحب العمل؛ أي عندما لا تكون هناك عقبات ~~أمام استمرار وضع التوظيف الكامل. وفي مثل هذا الوضع لا يمكن أن تظهر البطالة القسرية، ~~فقط ستظهر البطالة الاختيارية وبعض البطالة «الاحتكاكية». وتعد البطالة الاختيارية غير ~~قسرية؛ لأنه يمكن دائما للعاملين الخروج منها بمراجعة حساباتهم النفسية للذة والألم ~~وتقبل أي ms090 عمل إضافي يتاح أمامهم. (لم يكن من الواضح قط كيف يمكن ترجمة مفهومي ~~الكفاءة واللذة المرتبطين بساعات العمل إلى قدر من التوظيف في نظام يعمل بالأجور ~~الأسبوعية. وكان الحل المعتاد هو افتراض أن زيادة التوظيف تمتص العمال ذوي المهارة الأقل ~~والأكثر تفضيلا للبطالة الاختيارية.) # وقد تقبل كينز المسلمة الكلاسيكية الأولى، لكنه رفض الثانية؛ فقد رأى إمكانية تحقق ~~بعض الظروف التي يكون فيها عدد العمال الراغبين في العمل بأي أجر نقدي أكبر من عدد فرص ~~العمل المعروضة. وسيتخطى العمل من الناحية الإجمالية منحنى العرض الخاص به؛ وبذلك تحدث ~~«البطالة القسرية». والسبب هو أن اتفاقات الأجور تتم بلغة النقود. وإذا انخفضت على نحو ~~فوري الأجور والأسعار معا بعد حدوث نقص شديد في الطلب، فسيبقى الأجر الحقيقي كما هو. ~~ووقتها لن يحدث أي شيء من أجل تحسين ظروف الأعمال؛ لذا سيستمر معدل البطالة في الازدياد. ~~قال بيجو إن الأجور يمكنها في ظل المرونة التامة للأجور أن تنخفض بمعدل أكبر من دخول ~~(أرباح) أصحاب الأعمال - أي تكون التكاليف أعلى من الأسعار - فيقل الأجر الحقيقي ويسمح ~~ذلك بزيادة نسبة التوظيف. قلب كينز هذه الفكرة رأسا على عقب بوصف الدخول بالمتوقعة؛ إذ ~~يعتمد أثر انخفاض الأجور النقدية في التوظيف على أثره في توقعات الأرباح. وكما قال كينز على ~~نحو دقيق في عام 1933: «إن الدخل هو الشيء المتوقع الذي يغري أصحاب الأعمال بأن يؤسسوا ~~المشروعات.» # انقطعت مناقشة هذه القضية في الفصل الثاني لتستكمل في الكتاب الخامس بعد أن شرح كينز ~~نظريته الخاصة. وفي الفصل التاسع عشر بعنوان «التغيرات في الأجور النقدية»، يتناول كينز أثر ~~تقليل الأجور النقدية على محددات إجمالي الطلب؛ وهي: الاستثمار والادخار وتفضيل السيولة. ~~وكان استنتاجه الرئيسي هو أن التقليل العام للأجور النقدية يمكن أن يحسن مستوى التوظيف ~~على نحو غير مباشر في نظام مغلق بشرطين: (أ) إذا عزز انخفاض الأجور الثقة بالاقتصاد. (ب) ~~إذا أدى إلى انخفاض مستوى الأسعار؛ ومن ثم انخفاض الطلب على أرصدة المبادلات التي ~~تتناسب مع المخزون النقدي على نحو يسمح ms091 بانخفاض سعر الفائدة. لكن السياسة الأكثر ضمانا ~~لتحقيق الشرط الثاني هي زيادة المخزون النقدي الاسمي؛ حيث قال كينز: «لا يفضل سياسة ~~الأجور المرنة على السياسة النقدية المرنة ... إلا شخص أحمق.» وكما قال في الفصل الثاني: تظهر ~~البطالة القسرية حينما تؤدي الزيادة في الأسعار المرتبطة بأسعار الأجور إلى زيادة حجم ~~التوظيف. # وأضاف ديفيد تشامبرنون في نقده لكتاب «النظرية العامة» شرطا لسياسة كينز لرفع نسبة ~~التوظيف؛ وهو أنها لن تنجح إلا إذا امتنع العمال عن المطالبة برفع الأجور النقدية بعد حدوث ~~ارتفاع في الأسعار. وتنبأ بأن التضخم سيمنع قبولهم للنقص في الأجر الحقيقي وهو ما اكتشف ~~في النهاية أنه للأسف هو الواقع. وأدى ذلك لتوجيه الاتهام المتكرر لكينز بأن أساليبه الخاصة ~~بزيادة نسبة التوظيف تعتمد على «وهم النقود»؛ أي خفض قيمة النقود أملا في ألا يلاحظ ~~العمال انخفاض أجورهم الحقيقية. لكن لم يكن الاتهام منصفا؛ إذ إن ما قاله كينز لم يكن إلا ~~محاكاة للاعتقاد السائد بأن التعافي من الكساد يتطلب تعافي الأسعار وعودتها إلى مستوياتها ~~«الطبيعية» قبل الكساد؛ أي إنه افترض استمرار ثبات تكلفة المعيشة في ظل عدم تغيير أصحاب ~~الأجور لعقودهم للتكيف مع الاضطرابات المؤقتة. ولم يكن يقترح ضخ مزيد من النقود في اقتصاد ~~يتعرض بالفعل لضغوط تضخمية. # في الفصل الحادي والعشرين بعنوان «نظرية الأسعار»، أقر كينز بأن زيادة نسبة التوظيف ~~ستكون مصحوبة بارتفاع متوسط في الأسعار بعيدا عن أي تغير في متوسط أسعار الأجور؛ لأن ~~العمل غير متجانس، ولأنه من المحتمل حدوث أزمات في العرض، ولأن تكلفة رأس المال قد ترتفع ~~على نحو أسرع من تكلفة العمل. لقد تقبل كينز مثل هذا الارتفاع في مستوى الأسعار المرتبط ~~بأسعار الأجور باعتباره شرطا أساسيا لزيادة نسبة التوظيف، كما رأينا. لكن من المحتمل ~~كذلك أن يضيف التعافي ضغطا على الأجور النقدية؛ لذا من المحتمل ظهور حالات «شبه تضخم» لا ~~تصل لمستوى التوظيف الكامل. فعند تحقيق مستوى التوظيف الكامل تتحقق نظرية كمية النقود؛ حيث ~~تؤدي أي زيادة أخرى في الطلب على النقود إلى ms092 رفع الأسعار. ويبين الفصل الحادي والعشرون ~~أن الملخص التقليدي لرسالة كتاب «النظرية العامة»، وهو: «ضبط الكميات لا ضبط الأسعار»، غير ~~مكتمل على نحو كبير؛ فهذا الفصل لا يبين كيف تنقسم الزيادة (أو النقص في هذه الحالة) في ~~الطلب على النقود بين الأسعار والأجور والناتج، رغم أن كينز رأى أنه من المنطقي افتراض أن ~~«الزيادة المتوسطة في الطلب الفعال في وضع يتسم بانتشار البطالة يمكن ألا تصب في رفع ~~الأسعار إلا قليلا، وأن تصب بشكل رئيسي في زيادة نسبة التوظيف.» وفي عام 1939 أقنعه جيه ~~جي دانلوب وإل تارشيس جزئيا أن زيادة العوائد والمنافسة غير السليمة ستؤدي لخفض متوسط ~~تكاليف وحدات العمل في ظل زيادة نسبة التوظيف، وهو ما يبرز الحاجة إلى زيادة الأسعار ~~وانخفاض الأجور الحقيقية، ورأى كثير من أتباع الفكر الكينزي بعد الحرب أن هذا العامل سيكون ~~كافيا لتجريد سياسات التوظيف الكامل من أي مخاطر تضخمية. وكان ذلك هو الوهم ~~الحقيقي. # كانت نتيجة مناقشة كينز لمشكلة الأجور هي نقض الفكرة «الكلاسيكية» القائلة بعدم وجود ~~عقبات أمام الوصول إلى مستوى التوظيف الكامل عند أي مستوى للدخل النقدي في ظل المرونة ~~التامة لأسعار الأجور النقدية. بل أوضح أنه لا يوجد إلا مستوى واحد من الدخل النقدي (أو ~~إجمالي الطلب) يمكنه تحقيق أجر حقيقي يسمح بمستوى التوظيف الكامل؛ أي إنه في ظل نطاق واسع ~~من الظروف الفعلية لا يتحدد الأجر الحقيقي في سوق العمل، وإنما يتحدد وفق مجموعة من العوامل ~~التي تؤثر في مستوى الطلب على السلع في الاقتصاد. # ويطرح السؤال التالي نفسه: إلى أي مدى تعد نظرية كينز لسعر الفائدة مهمة في ظل ~~إنكاره لقانون ساي؟ تبدو آلية دالة الاستهلاك/المضاعف كافية لتفسير عملية ضبط الدخل. ~~ويعتبر الاستهلاك دالة للدخل؛ حيث يبين المضاعف حجم الدخل الواجب تغيره للموازنة بين خطط ~~الادخار والاستثمار. وإذا افترضنا أن الاستثمار لا يتأثر بالتغيرات الطفيفة في سعر الفائدة، ~~فسيصبح سعر الفائدة غير ضروري لتفسير أي شيء؛ فسيصبح «معلقا في الهواء» بحسب تعبير كينز. ~~لكنه وافق اتفاقا مع ms093 رأي روي هارود على وضع رسم بياني يعرض الادخار باعتباره دالة للفائدة ~~والدخل معا. لذا أصبح سعر الفائدة ضروريا لتحديد «توازن محدد». وطالما شعر أتباع كينز من ~~مؤيدي دالة الاستهلاك بالندم على هذا الاتفاق مع رأي هارود؛ لأنه يجعل الأهمية النظرية ~~لكتاب «النظرية العامة» معتمدة على وجود تفضيل للسيولة. فإذا أمكن إثبات أن كينز بالغ في ~~سيادة مبدأ تفضيل السيولة أو أنه لم يقدم نظرية كاملة عن الفائدة، فالطريق مفتوح لتعرض ~~البناء النظري الذي طرحة كينز لهجوم شديد. # ركز شريك كينز السابق، دينيس روبرتسون، على النقطة الثانية؛ فقد قال إن اعتبار سعر ~~الفائدة دالة للطلب على النقود «في المضاربة» لا يمثل نظرية كاملة للفائدة؛ لأن الانخفاض في ~~الطلب على النقود في المبادلات المرتبط بالمخزون النقدي سيقلل سعر الفائدة، ويعزز ~~الاستثمار (وهو ما اعترف به كينز). وزعم روبرتسون أن هذه النقطة أعادت إحياء نظرية ~~النقود القابلة للإقراض الكلاسيكية، والخاصة بارتباط سعر الفائدة بعاملي «الإنتاجية ~~والادخار». كما فسرت الحقيقة الواضحة المتمثلة في حدوث انخفاض في سعر الفائدة خلال ~~الكساد وارتفاعه في أثناء الانتعاش الاقتصادي . وتبع ذلك سلسلة من المقالات والتعقيبات ~~الغاضبة التي نشرت في دورية «إيكونوميك جورنال»، وهو ما اختتم باقتراح كينز طبع مذكرة ~~وردت فيها الكلمات التالية: «سمعت في اندهاش (من روبرتسون) أن أسلافنا رأوا ... أن زيادة ~~الرغبة في الادخار ستؤدي إلى تراجع في معدل البطالة والدخل، وستؤدي فقط إلى هبوط في سعر ~~الفائدة إذا ما استمر هذا الوضع.» وكتب كينز إلى روبرتسون في 25 يوليو 1938: «رأى أسلافنا ... ~~أن سعر الفائدة يعتمد على عرض الادخار. بينما تنص نظريتي على أنه يعتمد على المعروض من ~~النقود غير المستغلة. ولا يمكن التوفيق بين هذين الرأيين مطلقا.» # أما زميل كينز المشهور الآخر في كامبريدج والخصم الرئيسي المفتعل لكتاب «النظرية العامة» ~~آرثر بيجو، فقد هاجم كينز من جهة أخرى؛ إذ زعم بيجو في عدد ديسمبر من عام 1943 لدورية ~~«إيكونوميك جورنال» أن العجز في إجمالي الطلب سيؤدي إلى خفض الأسعار؛ ومن ثم زيادة ~~القيمة الحقيقية ms094 للأرصدة النقدية، وكذلك صافي الثروة، ما دام حجم الديون لم يصل إلى حجم تلك ~~الأرصدة. إن «تأثير بيجو» هذا يزيد من الاستهلاك؛ مما يؤدي إلى زيادة إجمالي الطلب في ~~النهاية إلى مستواه الطويل الأجل في ظل وضع التوظيف الكامل. # لقد دخل روبرتسون وبيجو معركة بائسة؛ لا ليظهرا أن الفكر الكلاسيكي أنكر إمكانية حدوث ~~«البطالة القسرية»، بل ليبينا أن هذه البطالة لا يمكن أن تكون جزءا من حالة توازن. ~~فتراجع الاقتصاد يحرك عوامل التعافي بغض النظر عن سياسة السلطة النقدية. ورغم الإقرار ~~بوجود تلك العوامل لاحقا، بالإضافة للحكم على هجوم كينز على النظرية الكلاسيكية بأن فيه ~~خللا منطقيا، فإن النظرية التقليدية لم يعد إحياؤها. واضطر منتقدو كينز للاعتراف ~~بأن تفعيل عوامل التعافي غير مؤكد أو مضمون بعد مرور مدة طويلة من النشاط الأقل من المستوى ~~الطبيعي؛ لذا لم تكن تلك العوامل على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للاقتصاديين أو الحكومات ~~التي رأت أن كينز قدم لها أدوات لمنع حدوث التقلبات الكبيرة في الطلب من البداية أو لقلب ~~تأثيرها سريعا إن حدثت. # أما معظم الجزء المتبقي من كتاب «النظرية العامة»، فكان يقصد أن تكون الأفكار الموجودة به ~~ملهمة لا قاطعة. فهي تضم نظرية للتاريخ الاقتصادي وردت فيها نقطة ضعف «إغراء الاستثمار» ~~النابعة من عدم اليقين باعتبارها مشكلة دائمة، كما اعتبر فيها القرن التاسع عشر «حالة ~~خاصة» ارتبطت فيها الميول النفسية لتحقيق «نسبة توظيف متوسطة مرضية على نحو معقول». هناك ~~أيضا «ملاحظات عن المركنتيلية» في الفصل الثالث والعشرين، والتي حاول فيها كينز أن يحدد ~~المسار التاريخي لاهتمامه بالطلب الفعال، وذلك في مقابل الفكر الاقتصادي السائد المبني على ~~فكر ريكاردو الذي يفترض أن علم الاقتصاد هو العلم الذي يبحث كيفية توزيع الموارد بين ~~الاستخدامات المختلفة. وهناك أيضا ما سماه بيجو بالتأملات الخاصة ب «يوم القيامة» فيما ~~يتعلق بمصير الاقتصاديات الرأسمالية الناضجة إن لم تتدخل الدولة لتعزيز الطلب القليل على ~~الاستثمار الخاص. أبهرت بعض الاقتصاديين على وجه الخصوص إحدى نسخ فرضية «الركود المزمن»، ~~التي وردت ms095 في الفصل السابع عشر بعنوان «الخصائص الجوهرية للفائدة والنقود». ويوحي كينز من ~~خلال شرحه المتميز لرؤيته الانكماشية أن الرغبة في اكتناز النقود يمكن أن تقضي على جميع صور ~~الإنتاج الأخرى في سبيل أن يبقى الأغنياء - مثل الملك ميداس - غارقين في بحر من الذهب. ~~ونجحت الحكومات بعد الحرب في «إفساد» النقود، وهو ما كان له تبعات توقعها كينز - في إطار ~~فكري آخر - عام 1933؛ حيث قال إن النتيجة هي «نظام قائم على المشروعات يكون عرضة لزيادة ~~الطلب والبطالة تماما مثلما أن نظامنا الفعلي عرضة لنقص الطلب والتوظيف.» # وربما ينظر للفصل الأخير بعنوان «ملاحظات ختامية عن الفلسفة الاجتماعية» باعتباره ~~تطويرا لأفكاره الخاصة بالطريق الوسط التي وضعها في العشرينيات، والذي طرحته نظريته ~~الجديدة. إذ يمكن التعامل مع الادخار المفرط من خلال إعادة توزيع القوة الشرائية على الذين ~~لديهم ميل أكبر للاستهلاك (العمال) ومن خلال تقليل مزايا الادخار بإقرار سعر فائدة منخفض. ~~وسيقضي ما سبق على فرصة المدخرين في الاعتماد على قيمة ندرة رأس المال؛ أي إن النتيجة ستكون ~~تنفيذ «القتل الرحيم في أصحاب الدخول الربوية». وبما أنه من المستبعد أن تتمكن السياسة ~~المصرفية من الإبقاء على «سعر الفائدة الأمثل»، فقد نادى كينز ب «تأميم شامل نوعا ما ~~للاستثمار»، وهي عبارة ملتبسة تحتاج للتفسير في ضوء إقرار كينز قبل عشر سنوات لنمو قطاع ~~المرافق العامة في الاقتصاد (انظر الفصل الثاني). ومع القضاء على عجز الطلب، ستفقد الفاشية ~~والشيوعية جاذبيتهما، وستتحقق مزايا «نظام مانشستر» ووعوده الكاملة؛ وهي: الكفاءة والحرية ~~والتنوع في الحياة في الداخل، والانسجام والسلام المشترك في الخارج. توقع كينز في ختام بليغ ~~لكتابه، والذي يعد من المقولات الأكثر اقتباسا، انتصاره الفكري بعد أن كتب أن «قوة ~~المصالح الخاصة مبالغ فيها جدا مقارنة بالطغيان المتدرج للأفكار.» # ولم ينتظر كينز طويلا؛ فقد حدث تحول فكري لدى جميع الاقتصاديين الشباب في بريطانيا ~~والولايات المتحدة بمجرد نشر كتاب «النظرية العامة»، واستخدمت السياسة المالية الكينزية في ~~الولايات المتحدة بدءا من عام 1940، وفي بريطانيا بدءا من عام 1941. # لكن لم يكن ms096 ما قبلته الأوساط الاقتصادية كله ميراث كينز فقط؛ فقد كان الاقتصادي ~~الإنجليزي جون هيكس - المنضم حديثا للثورة الكينزية - هو من وضع النموذج الكينزي ~~«المتنقل» عام 1937، وهو الذي درسه طلبة الاقتصاد منذ ذلك الحين. يحول هيكس التسلسل ~~المنطقي الذي طرحه كينز إلى مجموعة من المعادلات المتزامنة التي يوضحها بيانيا من خلال ~~منحنياته الشهيرة الخاصة ب «الادخار والاستثمار/تفضيل السيولة والمعروض من النقود». وترك ~~هذا النظام «التعميمي» مساحة لنظرية كينز الخاصة - التي تنص على أن الادخار يتحدد وفق ~~الدخل، وأن الاستثمار لا يتأثر إلى حد ما بتغير سعر الفائدة، وأن تفضيل السيولة يحكم ~~أسعار الفائدة - وأيضا على الأقل لبعض صور «رؤية وزارة الخزانة» التي ألف كينز كتابه ~~ليقوضها. ويعتمد الأمر برمته على اتجاه المنحنيات. وتظهر نظرية كينز والنظرية ~~الكلاسيكية بوصفهما «حالات خاصة» في «النظرية العامة» الحقيقية، مع افتراض أن حالة كينز ~~الخاصة هي الأكثر فائدة للسياسة الاقتصادية. لقد كان أداء هيكس متميزا بحق. # لم يعارض كينز، الذي سعى قبل كل شيء للتأثير في السياسة الاقتصادية، هذه الطريقة ~~التوافقية لنشر أفكاره ما دامت تجعل أفكاره أكثر قبولا وانتشارا بين شباب الاقتصاديين. ~~لكنه استغل الجدل الذي ثار بعد نشر كتاب «النظرية العامة» لتعديل نظريته عام 1937 بطريقة ~~بينت افتراضاته المعرفية بشكل أفضل من الكتاب. ويمثل المقال، الذي وضح فيه هذا والذي ~~نشر عام 1937 في دورية «ذا كوارترلي جورنال أوف إيكونوميكس»، بالنسبة لأتباع كينز الأصوليين ~~النص المقدس لموقف أستاذهم. # إن إعادة بيان كينز لجوهر كتاب «النظرية العامة» معني على وجه الخصوص بآثار عدم اليقين ~~في الاستثمار وسعر الفائدة؛ فقد اختار من الكتاب بالتحديد فكرة الفصل الثاني عشر «حالة ~~التوقعات الطويلة الأجل» التي تؤكد على تقلب الطلب على الاستثمار، وكذلك فكرتي الفصلين ~~الثالث عشر والسابع عشر اللتين تشرحان سبب أهمية السيولة أو النقود. فالرغبة في امتلاك ~~السيولة هي، قبل كل شيء، السبب الذي يجعل الاقتصاد غير المركزي القائم على المشروعات ~~غير مستقر، والذي يضمن أن تحدث تقلباته في مستوى نشاط أقل من الطبيعي. وتساءل كينز عن ms097 ~~سبب استخدام جميع العقلاء للنقود باعتبارها مخزنا للقيمة. والإجابة الوحيدة المناسبة هي ~~الشعور الجذري بعدم اليقين؛ وهي احتمالية استبعدها افتراض النظرية الكلاسيكية بأن المستقبل ~~«محدد وقابل للتوقع». ولم يرد في المقال المنشور عام 1937 أي دالة للاستهلاك ولا مضاعف ~~للاستثمار، وإنما عرض المقال معلومات غامضة وغير مؤكدة ومستويات الثقة المتذبذبة ومشاعر ~~الشجاعة والخوف والأمل، التي لا تقترن في أحسن الأحوال إلا ببعض الاستراتيجيات والتقاليد ~~التي يمكن أن تطيح بها التغيرات في «الأخبار». وقال كينز إن عدم اليقين هو سمة الحياة ~~البشرية. لهذا يتميز كتاب «النظرية العامة» - بحسب عبارة شاكل - ب «ارتباطه الوثيق ... ~~بالمشكلات المستعصية للإنسانية حبيسة الزمان.» # وفي التنقيح النهائي هذا لفكره، تبرز النقود - أو ما سماها كينز السيولة - قبل كل شيء ~~باعتبارها استراتيجية توفر الطمأنينة. وقد مر على كينز من الناحية الفنية وقت طويل منذ ~~أن كان مصلحا نقديا، إلا أن رؤيته لم تتغير كثيرا؛ إذ تمحورت أعماله - مثل ~~أعمال جيله من الاقتصاديين بالكامل - حول أثر النقود الخفي وقدرتها المبهرة على التأثير في ~~الاقتصاد الحقيقي؛ فقد أرادوا جميعا أن يجعلوا الاقتصاد النقدي يتصرف باعتباره اقتصادا ~~«تبادليا حقيقيا»؛ أي اقتصادا ليس فيه بطالة. أما السؤال العميق الذي تطرحه أعمال ~~كينز فهو: هل النقود هي السبب في انحراف سوء الأداء الاقتصادي؟ أم أن عدم اليقين هو السبب ~~في انحراف السلوك النقدي؟ وما بين هذين الرأيين لا تزال نظرية السياسة النقدية ~~تتأرجح. # الفصل الخامس # | حسن الإدارة الاقتصادية لدى كينز # كان كينز مبدعا في الإدارة مثلما كان مبدعا في نظريته؛ فقد كان لكل مشكلة اقتصادية في ~~جعبته «خطة كينزية» جاهزة، يعدها بسرعة البرق. والجانب المشترك بين هذه الخطط - التي ~~يعود أصلها إلى اقتراحه بإنشاء بنك مركزي في الهند عام 1913، وهو ما أثنى عليه مارشال ~~بوصفه «معجزة العمل البناء» - هو أنها لاءمت الترتيبات الإدارية القائمة، رغم أنها كانت ~~تسبق دائما التقاليد الفكرية السائدة. وهكذا يمكن القول إن كينز قد قدم تطورات ثورية ~~للممارسة الحالية. وكان الاستثناء الوحيد هو إقرار كينز عام 1929 لبرنامج للمشروعات ms098 ~~الحكومية مدار مركزيا، وهو ما تطلب إحداث ثورة في الإدارة الحكومية. لكن هذه كانت خطة ~~لويد جورج لا كينز؛ أما كينز ففضل توجيه الزيادة في الاستثمار عبر شركات المرافق العامة. ~~كما فضل السيطرة (المالية) غير المباشرة عن السيطرة (المادية) المباشرة على الاقتصاد؛ ~~وذلك من أجل الاحتفاظ بمزايا صنع القرار اللامركزي. وهو ما أوقعه في صراع مع الأساليب ~~الاشتراكية، إن لم يكن مع المثل الاشتراكية في بعض الجوانب. # فرض اندلاع الحرب مع ألمانيا في 3 سبتمبر عام 1939 ~~تحديا اقتصاديا لم يستطع كينز تجنبه، وقد ~~تجاوب معه من خلال مقالين؛ هما «تمويل الحرب» المنشور في صحيفة «ذا تايمز» في 14 و15 ~~نوفمبر، والمعاد نشره لاحقا مع بعض الإسهاب والتغيير في الصياغة في صورة كتيب بعنوان ~~«كيف تمول الحرب؟» المنشور في فبراير 1940، أي قبل خمسة أشهر من عودته لوزارة الخزانة. ~~ولقي هذا الكتيب ثناء كبيرا باعتباره أول تطبيق عملي للنموذج الاقتصادي في كتاب «النظرية ~~العامة» على السياسة الاقتصادية، وهو ما كان صحيحا. لكن الكتيب عكس أيضا الخبرة التي ~~اكتسبها كينز من خلال عمله بوزارة الخزانة في الحرب العالمية الأولى. # مع ضمان تحقق مستوى التوظيف الكامل من خلال الزيادة الكبيرة في الطلبيات الحكومية، ~~كانت المشكلة التي واجهت كينز عام 1939 هي تحويل الموارد إلى المجهود الحربي دون حدوث ~~تضخم لا مبرر له، أو فرض ضرائب تثبط الاقتصاد، أو فرض ضوابط بيروقراطية ترتبط بالتخطيط ~~المادي الشامل. ففي الحرب العالمية الأولى أدت زيادة المشتريات الحكومية إلى رفع الأسعار، ~~وأدى ارتفاع الأسعار إلى تقليل الدخول الحقيقية لأفراد الطبقة العاملة، أما القفزة في ~~أرباح أصحاب المشروعات فكانت تقتطعها الحكومة في صورة ضرائب وقروض. وكانت النتيجة اضطراب ~~القطاع الصناعي في المراحل الأخيرة من الحرب، وارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي - وهو ما ~~زاد عبء الدين بعد الحرب - وامتلاك الأثرياء للدين العام. # وضعت خطة كينز الجديدة للتغلب على تلك المشكلات. وكان أساسها مخططا للدفع المؤجل؛ إذ ~~تمتص الزيادة في القوة الشرائية بالنسبة للقطاع الخاص من خلال فرض ضريبة تصاعدية كبيرة على ms099 ~~جميع الدخول التي تزيد على حد إعفاء معين يحدد حسب الضرائب المباشرة والادخار القسري. ~~وتطرح المدخرات القسرية الموزعة على حسابات فردية في بنك الادخار البريدي في صورة أقساط ~~بعد الحرب لمواجهة الكساد المتوقع. وكما يقول البروفيسور موجريدج: «تمتع المخطط بإمكانية ~~تطبيقه في ظل الترتيبات القائمة الخاصة باشتراكات التأمين الاجتماعي.» وبعد الانتقادات التي ~~وجهت إلى الخطة الأصلية، اقترح كينز «توفير التمويل اللازم للاستهلاك المؤجل هذا دون ~~زيادة الدين العام من خلال فرض ضريبة عامة على رأس المال بعد الحرب»، كما اقترح حماية ~~الناس الأكثر فقرا عن طريق منح إعانات عائلية - 5 شلنات أو 25 بنسا في الأسبوع لكل طفل - ~~وعن طريق توفير غطاء تمويني من الاحتياجات الأساسية تباع بأسعار منخفضة وثابتة. ولتقدير ~~حجم «الفجوة التضخمية» - أي القدر الذي يجب تقليل الاستهلاك المدني به للسماح بتوجيه ~~الناتج إلى المجهود الحربي دون رفع الأسعار - قدم كينز في ظل غياب إحصاءات الدخل القومي ~~الرسمية، تقديرات مبنية على أعمال كولين كلارك للناتج القومي والدخل الخاضع للضرائب، ~~ولتقسيم الإنفاق العام بين الحكومة والقطاع الخاص، ولتوزيع الدخل، كل ذلك بأسعار عام 1939. ~~وأصبح بعد ذلك من السهل نسبيا حساب قدر «نفقات الجهات الخاصة» الواجب تقليله لاستيعاب ~~أي زيادة مرغوبة في «نفقات الحكومة» في ظل تلك الأسعار، بجانب التضحيات التي سيتحملها ~~كل قطاع من المجتمع. # لم تؤثر خطة كينز في ميزانية يوليو 1940؛ حيث كان عليه أن يستمر في حملته الإقناعية داخل ~~أروقة وزارة الخزانة. لكن ميزانية كينجسلي وود في أبريل 1941 اعتبرت أول ميزانية ~~«كينزية»، ليس لأنها تبنت المعايير المحددة التي اقترحها كينز (رغم أن الدفع المؤجل نجح ~~في البقاء في صورة مخطط متواضع للإعفاءات الضريبية بعد الحرب)، ولكن لأنها بنيت للمرة ~~الأولى على الإطار المحاسبي القومي الذي وضعه جيمس ميد وغيره على أساس مقترحات كينز. وليس ~~من المعروف هل كانت تلك الميزانية أول علامة للقبول العام للثورة الكينزية أم لا. ويمثل ~~إقرار خطة كينز على يد كبار معارضيه، مثل هايك، دليلا على شعبيتها عند الاقتصاديين ~~ومسئولي الخزانة؛ فقد ms100 اقترحت وسيلة لتقليل التضخم وقت الحرب. وكما قال جيم توملينسون: «لقد ~~مثلت التقديرات الكينزية الأساس المنطقي النظري ومعايير القياس للسياسات الاقتصادية، ~~والتي توافقت مع موقف وزارة الخزانة التقليدي من التمويل وقت الحرب بدلا من أن تتعارض ~~معها.» # أتاح الجدل الذي أثاره كتيب «كيف تمول الحرب؟» الفرصة لكينز ليربط أفكاره الاقتصادية ~~الجديدة بالأفكار السياسية الخاصة بالطريق الوسط، وهي الأفكار التي اعتنقها منذ عشرينيات ~~القرن العشرين. إن «الطريقة الطبيعية» (أي التضخم) لإعادة توزيع الدخل من العمال لأصحاب ~~المشروعات، ثم فرض ضريبة عليها، لم تعد تنفع - كما قال كينز - لأن ارتفاع الأسعار في ظل ~~الظروف الجديدة، وهي قوة الاتحادات العمالية، سيقابل بمطالب لزيادة الأجور بذات القدر؛ ~~وذلك إما أن يتحقق، وهو ما سيمنع تقليل الاستهلاك المدني؛ أو لا يتحقق، وهو ما سيتسبب في ~~اضطراب الصناعة. فاستقرار الأسعار كان نتاج تعاون الاتحادات العمالية؛ وهي فكرة تعود لأيامه ~~الأولى في عمله باعتباره مصلحا نقديا. فالهدف من خطته كان «اجتماعيا: وهو منع الأضرار ~~الاجتماعية للتضخم في الحاضر والمستقبل، وتحقيق ذلك بشكل يرضي الحس العام للعدالة ~~الاجتماعية، مع الحفاظ في نفس الوقت على دوافع كافية للعمل والاقتصاد»؛ لذا كانت أهمية ~~اقتراحات كينز مزدوجة؛ فقد سعت للتحايل على مشكلة التضخم الناتج عن ارتفاع التكاليف في ~~ظل مستوى التوظيف الكامل، وأناطت بالميزانية دورا في السياسة الاجتماعية يتجاوز ~~الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي. # من ناحية أخرى، كانت تلك الاقتراحات معاكسة للفكر اليساري؛ فقد رأى معظم ~~الاشتراكيين أن الحرب أتاحت الفرصة للتخطيط المادي لا المالي. فتوزيع الدولة للقوة البشرية ~~والموارد حسب «الضرورات القومية» سيقضي على «الفوضى» في السوق. كما كان لتحديد حصص ~~للمواد الغذائية والملابس جاذبية أكبر فيما يتعلق بالمساواة من «الادخار القسري». فكان ~~الاختلاف هو أن خطة كينز تركت التصرف في الدخول بعد الحرب للحرية الشخصية، بينما فرض ~~نظام الحصص أن ينفق الأفراد أموالهم على السلع وبالكميات التي حددتها الدولة. وكتب كينز ~~في صحيفة «ذا تايمز» في 18 أبريل عام 1940 يقول: «إنني أستغل الفرصة لطرح مبدأ في السياسة ~~الاقتصادية ms101 ربما ينظر إليه باعتباره الحد الفاصل بين الاقتصاد الشمولي والاقتصاد الحر.» ~~وبالمثل، فإن الاتجاه إلى الدفع المؤجل «عن طريق السماح للأفراد بأن يختاروا بأنفسهم ما ~~يريدون سيوفر على الحكومة وضع خطط شاملة للإنفاق (بعد الحرب) ربما لا تتفق كثيرا مع ~~الاحتياجات الشخصية.» مرة أخرى قدم كينز طريقا وسطا بين «بطلان الفكر اليساري الذي ~~فرغ العديد من القضايا الهامة من حكمتها وقوتها الداخلية» و«جمود» رد فعل اليمين على ~~أي عبث بالنظام القائم. لقد خسر كينز من الناحية العملية معركته مع المخططين المركزيين، ~~وحل تنظيم إجمالي الإنفاق في المرتبة الثانية بعد توزيع القوة البشرية والتوزيع المادي ~~للمدخلات وتحديد حصص السلع الاستهلاكية. # لكن دور كينز كان أصغر بكثير في الورقة البيضاء الشهيرة الخاصة بسياسة التوظيف القائمة ~~على الأفكار الكينزية، التي أصدرت في 26 مايو 1944 (قرار رقم 6527). وألزمت الجملة ~~الأولى منها - التي رأى كينز أنها «أهم مما جاء في باقي الورقة» - الحكومة ب «ضمان وجود ~~نسبة توظيف عالية ومستقرة بعد الحرب». لكن نص الورقة البيضاء كان حلا وسطا بين مؤيدي ~~كينز في القسم الاقتصادي من الحكومة، والمتشككين التقليديين في وزارة الخزانة الذين شعروا ~~بضرورة تقديم تنازلات نتيجة الضغوط السياسية. كان جزء كبير من تحليل الورقة لمشكلة ~~البطالة المتوقعة مخالفا لفكر كينز؛ إذ عكس وجهة نظر هوبرت هيندرسون، والتي ترى أن ~~مشكلات الاقتصاد البريطاني كانت من ناحية العرض لا الطلب. لكن لم ينتبه كثيرا إلى كيفية ~~تحقيق الشرطين الواردين في الورقة لتحقيق مستوى «توظيف عال» مستقر ودائم؛ وهما: ~~اعتدال سياسة الأجور (مسئولية أصحاب الأعمال والعمالة النقابية)، والمرونة الكافية لليد ~~العاملة. # كان الاقتصاد الدولي هو المستهدف من خطة كينز التالية؛ فنظام معيار الذهب/التبادل الحر ~~المتوارث يبدو أنه قد دمر بشكل يتعذر إصلاحه على يد الحرب العالمية الأولى والكساد ~~الكبير والسياسات الاقتصادية القومية في سنوات ما بين الحربين. وكان السؤال هو: هل يمكن ~~للاستمرار في العمل بالترتيبات الخاصة بالتفضيل الإمبريالي/منطقة الاسترليني التي وضعت في ~~ثلاثينيات القرن العشرين أن يضمن مستوى التوظيف الكامل في بريطانيا؟ أم أن ms102 الحرب ~~قدمت فرصة «لعملية خلق جديدة» كانت مستحيلة وقت السلم لإحياء النظام الليبرالي، لكن دون ~~أن تكون له نزعة تضخمية؛ تلك النزعة التي دمرت النظام القديم؟ شغل هذا السؤال جزءا كبيرا ~~من انتباه كينز وجهده المتناقص فيما بين عامي 1941 و1944. وكانت الإجابة لدى الولايات ~~المتحدة؛ حيث إن السياسة الأمريكية هي التي حددت شكل النظام بعد الحرب. # يوفر تعامل كينز مع الولايات المتحدة سياقا هاما لفهم أفكاره الاقتصادية؛ فهؤلاء ~~الذين يستقون معرفتهم بكينز فقط من نموذج «الاقتصاد المغلق» الوارد في كتابه «النظرية ~~العامة» يغفلون أن المشكلة التي أرقته طوال معظم حياته المهنية كان سببها آثار ~~الاستدانة غير المتوازنة من الولايات المتحدة على الاقتصاد البريطاني. وتركزت معظم خططه ~~الاقتصادية على محاولة تحديد طرق التغلب على هذا الخلل أو معاوضته. وكانت النتيجة تأسيس ~~نظام بريتون وودز عام 1944، والتفاوض على القرض الأمريكي عام 1945؛ وهو ما نتج عنه قبول ~~بريطانيا ضمنيا بدور هامشي في النظام الاقتصادي الدولي الذي تديره الولايات المتحدة. ~~لكن لم يكن أي من تلك النتائج نهائيا؛ إذ قضى كينز معظم حياته في استكشاف البدائل ~~بهمة. # في عشرينيات القرن العشرين أراد كينز، كما رأينا، أن يفصل النظام المالي البريطاني ~~(والأوروبي بشكل أوسع) عن النظام المالي الأمريكي. لكنه حتى في كتابه «بحث في الإصلاح ~~النقدي» لم يؤيد تعويم العملة؛ فقد أراد وضع نظام «مدار» لسعر الصرف؛ نظام لإحداث استقرار ~~في أسعار الصرف لفترات طويلة. وطالما تاق لنظام يتيح تثبيت سعر الصرف، مع صلاحيات وآليات ~~لإكسابه المرونة. وفي كل من أوائل عشرينيات القرن العشرين وأوائل ثلاثينياته، حينما حدث ~~تعويم لأسعار العملات بعضها مقابل بعض، اقترح كينز العودة إلى نظام معدل لمعيار الذهب ~~يقوم في أوقات مختلفة على نطاقات واسعة من الأسعار أو أسعار صرف قابلة للتعديل أو التعديل ~~التلقائي لحسابات الدائنين أو الأرصدة الاحتياطية الإضافية؛ فقد كان كينز مقتنعا أن أي ~~نظام لتثبيت سعر الصرف سينهار إذا استخدم باعتباره أداة لتحقيق الانكماش، وأنه سينجح في ~~وجود سياسات داعمة له تضمن التوظيف الكامل عبر الوقت. ms103 وستساعد أسعار الفائدة المستقرة ~~بدورها على الحفاظ على استمرار النمو العالمي، وستعمل باعتبارها أداة لمنع التضخم. # وكما قال كينجسلي مارتن، كانت استجابة كينز الفورية حيال التخلي عن معيار الذهب في عام ~~1931 مميزة حيث قال: «لقد استعادت بريطانيا بضربة واحدة هيمنتها المالية على العالم، ~~وكانت فرحتها فرحة صبي أطلق ألعابا نارية على شخص لا يحبه.» وأوحى الظهور ~~التلقائي لكتلة الاسترليني إلى كينز بفكرة وضع «نظام جيد للجنيه الاسترليني في ~~الإمبراطورية ... يديره بنك إنجلترا ويتمحور حول لندن.» وأشاد كينز بسياسة بنك إنجلترا ~~القومية ل «تعقيم» تدفقات الذهب لإبقاء الجنيه أدنى من قيمته أمام الدولار والفرنك اللذين ~~أبقيا على استخدام معيار الذهب، تماما كما أشاد بنفس السياسة التي اتبعها مجلس ~~الاحتياطي الفيدرالي في عشرينيات القرن العشرين. # لكن لم تدم هذه النشوة طويلا؛ فقد أنهى قرار روزفلت بتخفيض قيمة الدولار أمام الذهب ~~في 19 أبريل 1933 ميزة بريطانيا التنافسية القصيرة الأجل. واقترح كينز عندها أن تربط ~~بريطانيا والولايات المتحدة عملتيهما بمعيار ذهب معدل ما دام أنهما يطبقان سياسات ~~إنعاش اقتصادي على نحو مشترك. لكنه أعلن في 4 يوليو 1933 أن «الرئيس روزفلت كان محقا على ~~نحو رائع» عندما أفسد المؤتمر الاقتصادي العالمي بلندن برفضه كل خطط استقرار العملات ~~باعتبارها «أصنام من يسمون أنفسهم المصرفيين الدوليين». وأيد كينز ذلك قائلا: ~~«لتكن الشئون المالية قومية بالأساس.» # لا يمكن فهم هذه التغيرات إلا مع الانتباه إلى أن كينز كان يقدم النصيحة التي كان يرى ~~أنها تخدم بريطانيا على نحو أفضل؛ فقد رأى أن الجنيه والدولار يمكن الربط بينهما على نحو ~~آمن في حالة تحقق شروط معينة. ولخص موقفه في خطاب بعثه لمراسل ألماني في 13 أكتوبر ~~1936، جاء فيه ما يلي: ~~(1) # إنني أؤيد على نحو عام الأنظمة الوطنية المستقلة ذات أسعار الصرف ~~المتقلبة. ~~(2) # لكن ما لم تمر فترة طويلة، فلا يوجد داع لتقلب أسعار الصرف باستمرار من ~~الناحية العملية. ~~(3) # بما أن هناك مميزات معينة لاستقرار الأسعار ... فإنني أؤيد تماما الإجراءات ~~العملية لتحقيق الاستقرار الفعلي ما دام أنه ms104 لم تتوافر أسباب جوهرية لتبني ~~سياسة مختلفة. ~~(4) # بل إنني سأذهب إلى حد ... التأكيد على ضرورة وجود ضمانة لتقليل قدر التقلب ~~الذي يمكن السماح به على نحو طبيعي ... فما دام أنه لم يوجد أي تعهد فعلي، ~~أعتقد أن هامش 10٪ كاف تماما في ظل معظم الظروف التقليدية. ~~(5) # أؤكد على أن الفائدة من تحقيق الاستقرار تعتمد على: (أ) اتخاذ إجراءات من ~~شأنها التحكم في حركة رءوس الأموال. و(ب) ميل الحركات الكبيرة في الأجور ~~لأن تتساوى في الدول المختلفة ذات الصلة. # لكن موقف كينز تجاه الولايات المتحدة رق في ثلاثينيات القرن العشرين؛ فقد زارها مرتين ~~في عامي 1931 و1934. وفي زيارته الثانية، وهي الأهم، ذهب كينز لدراسة «الصفقة الجديدة» ~~وقابل روزفلت وشرح نظريته الجديدة عن العرض الفعال في كل من واشنطن ونيويورك. انبهر كينز ~~بشدة. وكتب إلى فيلكس فرانكفورتر في 30 مايو 1934 قائلا: «هنا، وليس في موسكو، يوجد مصنع ~~الاقتصاد العالمي. والشباب الذين يديرونه رائعون. إنني مذهول مما أراه من كفاءة وذكاء ~~وحكمة. ويمكنك أن تقابل اقتصاديا كلاسيكيا هنا أو هناك وتشعر وكأنه ألقي من ~~النافذة؛ لكن هذا ما حدث لمعظمهم بالفعل.» لقد كان التزام كل من الوزارة والجيل الصاعد من ~~العاملين بمجال الاقتصاد في أمريكا بسياسة توسع اقتصادي، مهما في إقناع كينز بأن قيادة ~~أمريكا للنظام الاقتصادي العالمي ربما لا تضر بمصالح بريطانيا بالقدر الذي تخوف منه ~~من قبل. # وتكمن المفارقة هنا في أن الصفقة الجديدة الخاصة بهتلر كانت أكثر تماسكا من تلك الخاصة ~~بروزفلت، ونجحت بدرجة أكبر في التخلص من البطالة. لكن باستثناء الإشارة المتحفظة لمميزات ~~النظام الشمولي في تخطيط الناتج والواردة في التصدير المكتوب بالألمانية لكتاب «النظرية ~~العامة»، لم يعلق كينز على نحو صريح على النظام الاقتصادي النازي سواء بالمدح أو بالذم. ~~إلا أنه أدان النازية بوضوح باعتبارها نظاما سياسيا وحشيا، واعتاد أن يطلق على ~~ألمانيا وإيطاليا «قوى قطاع الطرق». وكان السبب الرئيسي لامتناع كينز عن إبداء استحسانه ~~للنظام الاقتصادي الألماني هو بغضه للنظام السياسي. لكن كان هناك عامل آخر؛ ms105 وهو أنه لم ~~يكن من بين الاقتصاديين المهنيين في ألمانيا أو في أي دولة في أوروبا، باستثناء السويد، ~~من يمكنه أن يجاريه أو يدخل معه في مناقشات، على عكس الولايات المتحدة. فبغض النظر ~~عن مساهمة مدرسة ستوكهولم، كانت المناقشة الفنية المتخصصة التي تبعت نشر كتاب كينز ~~«النظرية العامة» مناقشة أنجلوأمريكية بحتة. ويعد هذا أحد الأسباب المتجاهلة التي ~~تبرر انجذاب كينز الفوري تجاه أمريكا ونفوره من أوروبا بعد انهيار ما كان يفترض أنه نظام ~~اقتصادي دولي ذاتي التنظيم في ثلاثينيات القرن العشرين. # على الجانب الآخر، رغم أن ألمانيا النازية لم تكن بأي شكل شريكا مناسبا لبريطانيا، ~~لم يطالب كينز قط بشن حرب وقائية لإيقاف ألمانيا. وأيد اتفاقية ميونخ رغم أنه عارض ~~وسائل هتلر في الوصول إليها، ورأى أن استيلاء هتلر على دانسيج من عدمه لا يهم على الإطلاق، ~~وكان سيسمح له بالاستيلاء على أوكرانيا إن استطاع. وكما بين البروفيسور كار، كانت هناك ~~أسباب معقدة لكل هذه المواقف، لكن تفادي حرب أخرى في غرب أوروبا وإتاحة المجال لألمانيا ~~للتوسع شرقا ضمن إعادة التوازن في أوروبا، التي نادى بها كينز في 1919 و1921، كانا أهم تلك ~~الأسباب. ولم تكد الولايات المتحدة تظهر في خططه لاحتواء «قوى قطاع الطرق». # لم تشارك الولايات المتحدة في البداية في الحروب الجارية في أوروبا وآسيا، كما تجاهلت ~~خطط جميع المتحاربين للنظام الاقتصادي فيما بعد الحرب الولايات المتحدة. وكان هذا ~~قائما على منطق الثلاثينيات، عندما حاولت بريطانيا وألمانيا واليابان إنشاء تكتلات ~~اقتصادية مضادة للولايات المتحدة؛ حيث شعرت كل منها بعدم إمكانية التعايش مع قوة ~~أمريكا التنافسية غير المتوازنة. وفي المقابل اتجهت الولايات المتحدة لزيادة تعاونها ~~الاقتصادي والسياسي مع الدول الأخرى، مع الدعاية الصاخبة من جانب وزير خارجية روزفلت، كوردل ~~هال، لحرية التجارة. وبمجرد دخولها الحرب، أصبح هدفها الأول من الحرب هو تفتيت التكتلات ~~المركنتيلية الجديدة التي أسسها المتحاربون. (وامتدت هذه الطموحات على نحو أكثر غموضا ~~إلى نظام الاتحاد السوفييتي الذي يتمتع بقدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.) كان من شأن ms106 هزيمة ~~ألمانيا واليابان أن تؤدي للقضاء على نظاميهما تلقائيا، لكن الولايات المتحدة يمكنها ~~أيضا أن تمارس ضغطا كبيرا على حليفتها المعتمدة عليها، بريطانيا. # وضعت أول خطة لما بعد الحرب في ألمانيا. وأعلن دكتور فولتر فانك وزير هتلر للاقتصاد عن ~~«نظام أوروبي جديد» في باريس يوم 25 يوليو 1940. ودعا هذا النظام لتكوين تكتل اقتصادي ~~أوروبي بأسعار صرف ثابتة واتحاد مقاصة مركزي في برلين، وأن تقوم العلاقات مع الولايات ~~المتحدة على أساس المقايضة. وكان الهدف من تلك الخطة استعادة ما سماه فانك «تقسيما ~~ذكيا للعمل» في أوروبا، مع حماية أوروبا من الآثار الانكماشية في حالة وجود معيار ذهب ~~دولي. # رأى كينز وهو في وزارة الخزانة البريطانية منفعة كبيرة في مقترحات فانك. وكتب إلى هارولد ~~نيكولسون في 20 نوفمبر 1940 يقول: «إذا نظرنا إلى خطة فانك من الناحية الظاهرة فسنجدها ~~ممتازة، وأنها ما ينبغي علينا فعله. وإن أردنا مهاجمتها فإن الوسيلة الوحيدة لذلك هي ~~التشكيك في نواياها.» وكان الأعجب من ذلك هو رد كينز الرسمي على الخطة الألمانية في 1 ديسمبر: # لا نرغب في أن نعكس الأدوار التي اقترحتها ألمانيا لنفسها ولجيرانها ... إذ يجب أن ~~يتوقع من ألمانيا وأن يسمح لها بتولي القيادة الاقتصادية التي تنبع على نحو ~~طبيعي من قدراتها وموقعها الجغرافي. صحيح أن ألمانيا هي أسوأ قائد عرفه العالم حتى ~~الآن، لكنها يمكن على أسس من المساواة أن تكون شريكا فعالا. # وفي 25 من أبريل عام 1941 تصور كينز نظاما يعتمد على الجنيه الاسترليني يشمل بعض الدول ~~الأوروبية يمكنه أن يفرض قيودا على السلع الأمريكية إذا ظلت الولايات المتحدة «في وضع ~~الدائن غير المتوازن». # تلقى كينز صدمة كبيرة عندما زار واشنطن في الفترة من 7 مايو إلى 29 يوليو 1941. فكما ~~كان الحال عام 1915، كانت بريطانيا تعتمد على مشتريات من الولايات المتحدة المحايدة، والتي ~~لم تكن قادرة على تسديد ثمنها. وفي ديسمبر عام 1940 أعلن روزفلت عن برنامج «الإعارة ~~والتأجير»، وهو برنامج لتقديم الإمدادات لبريطانيا ليس في مقابل الأموال المقترضة كما كان ms107 ~~الحال في الحرب العالمية الأولى، ولكن في مقابل لم يعلن عنه يدفع بعد الحرب. لقد أتى ~~كينز باعتباره مبعوث «أمة عظيمة ومستقلة يطلب ما اعتبره حقا وما لم يكونوا مستعدين ~~لتقديمه لنا إلا معروفا.» وفي 28 يوليو؛ أي قبل مغادرته لأمريكا بيوم، أعطي مسودة ~~وزارة الخارجية لاتفاقية الإعارة والتأجير التي كشفت - في المادة السابعة منها - عن المقابل ~~المطلوب؛ وهو: تعهد بريطانيا بتجنب فرض قيود على استيراد السلع الأمريكية؛ أي إن ~~بريطانيا تقايض نظام التفضيل الإمبريالي مقابل برنامج الإعارة والتأجير. وربما عجل كينز ~~المسعى الأمريكي لتوقيع تلك الاتفاقية بإخبار وزارة الخارجية الأمريكية في 25 يونيو أن ~~بريطانيا ربما تضطر إلى إقرار سياسات تجارية تمييزية للموازنة بين صادراتها ووارداتها ~~بعد الحرب. لكن عندما رأى كينز المادة السابعة، انفجر غضبا. وانتشر شجبه ل «مقترحات ~~السيد هال المجنونة» في جميع أنحاء واشنطن. بدا كل هذا تكرارا لتجربة الحرب العالمية ~~الأولى المريرة. لكن كينز كان أكبر سنا وأكثر حكمة في تلك المرة. كما أن بريطانيا لم يكن ~~لديها أي خيار واقعي إلا تنفيذ الطلبات الأمريكية في ظل انعدام الأمل في التفاوض على ~~السلام على عكس عام 1916؛ لذا عاد كينز إلى منزله الريفي بتيلتون في شهر أغسطس ليضع خطة ~~كينزية جديدة. وجاء فيها اقتراحه الشهير بإنشاء «اتحاد مقاصة» يشمل الولايات المتحدة هذه ~~المرة، والذي وقع عليه بالأحرف الأولى في 8 سبتمبر 1941. # كانت السمة الجوهرية في تلك الخطة هي أن الدول الدائنة لا يسمح لها بادخار فائضها أو ~~فرض أسعار فائدة عقابية على إقراضه؛ بل يتاح الفائض تلقائيا على هيئة تسهيلات ائتمانية ~~رخيصة على المكشوف للدول المدينة من خلال آلية عمل بنك اتحاد مقاصة دولي، مودعوه هم ~~البنوك المركزية لأعضاء الاتحاد. لكنه كان لا يزال مستعدا للتحول إلى بديل تكتل عملة ~~تحت قيادة بريطانيا تعززه «أدوات شاختية» إذا رفضت الولايات المتحدة الاشتراك في ~~الاتحاد. (وضع دكتور شاخت وهو وزير هتلر للاقتصاد في الثلاثينيات نظاما ناجحا لاتفاقات ~~التجارة الثنائية لموازنة حسابات ألمانيا الخارجية.) وأضافت مسودة أخرى، وقع عليها ms108 ~~كينز بالأحرف الأولى في 18 نوفمبر 1941، «الاقتراح الشديد الأهمية» الذي نص على أن عضوية ~~الاتحاد النقدي قد تكون في مجموعات تقوم بناء على «الوحدات السياسية والجغرافية» مثل منطقة ~~الاسترليني. واحتفظت تلك المقترحات بأهميتها باعتبارها نموذجا ممكنا للعودة التدريجية ~~إلى نظام سعر صرف عالمي ثابت كما في يومنا هذا. # أدلت الولايات المتحدة بشروطها صراحة بمجرد دخولها الحرب في ديسمبر 1941. وأصرت ~~الولايات المتحدة على أن تتعهد بريطانيا في مقابل المساعدات بأن تتخلى عن التمييز ~~التجاري فيما بعد الحرب. وأضيف هذا التعهد إلى المادة السابعة من اتفاقية الإعارة ~~والتأجير التي تم توقيعها في 23 فبراير 1942؛ أي بعد خمسة أيام من سقوط سنغافورة في يد ~~اليابانيين. أدرك كينز عندها أن خيار التكتل الاقتصادي لن يتحقق؛ إذ لن تسمح أمريكا بتمويل ~~الجهود الحربية البريطانية كي تبرز بريطانيا بعد ذلك وتكون على رأس نظام «شاختي» يفرض ~~قيودا على الصادرات الأمريكية. وكان على كينز أن يكرس نفسه لحل المعضلة الفكرية؛ وهي ~~كيفية المواءمة بين حاجة بريطانيا إلى أن تكون لها حرية إقرار سياسات تستهدف التوظيف ~~الكامل من جهة، ونظام التجارة الحرة الأمريكي من جهة أخرى. واضطر إلى تقبل فكرة أن ~~عالم ما بعد الحرب ستشكله القوة الأمريكية؛ أي ستحكمه المثالية الأمريكية والعقول ~~البريطانية. كما أنه لم يكن ليرقى لمكانته الشخصية ولأن يكون اقتصاديا وليبراليا، إن ~~لم ينشغل بإمكانية استغلال لحظة تاريخية فريدة كهذه لإعادة صياغة نسخة محسنة من النظام ~~الاقتصادي الليبرالي الذي انهار بعد الحرب العالمية الأولى. وأدرك كينز كذلك حقيقة ~~أخلاقية وجغرافية سياسية. فبافتراض هزيمة ألمانيا، فإن خيارات ما بعد الحرب ستنحصر فيما ~~بين «التوجه نحو روسيا أو الولايات المتحدة»؛ أي بين الرأسمالية العالمية والاشتراكية ~~القائمة على الاكتفاء الذاتي، دون أي خيار وسط. وكتب يقول: «أليس هناك الكثير ليقال عن ~~تجربة التوجه للولايات المتحدة أولا؟» # من جانبهم كان الأمريكان يفكرون أيضا في النظام الاقتصادي بعد الحرب؛ إذ وضع هاري ~~دكستر وايت، وهو مسئول بوزارة الخزانة الأمريكية، خطة في مارس 1942. واقترحت الخطة ~~معيار ذهب معدلا يلحق به ms109 آلية ضبط بسيطة في صورة صندوق لاستقرار أسعار الصرف، يمكن ~~للمشاركين فيه أن يسحبوا منه بحد أقصى يساوي مقدار مشاركتهم بنفس عملتهم؛ وهو مشروع ~~دعم من الناحية الفعلية المذهب التقليدي لضبط حسابات المدينين، وذلك بتحديده للاعتماد ~~على أمريكا. وكانت القيمة الإجمالية لآلية الضبط التي اقترحها وايت (5 مليارات دولار في ~~البداية ثم 8 مليارات) أقل بكثير من قيمة الآلية التي اقترحتها خطة كينز (26 مليار ~~دولار)؛ كما فرضت شروط صارمة على سحب الحصص. ولم يطلع كل من كينز ووايت على خطط الآخر ~~إلا في صيف عام 1942. وتحولت الخطتان إلى مواقف تفاوضية لدولتيهما. # لكن اتفاقية بريتون وودز، التي وقعت في 22 يوليو 1944 بعد جولتي مفاوضات شاقتين في ~~واشنطن، عكست وجهة النظر الأمريكية لا البريطانية، وعكست الخلافات بين الجانبين بشأن مسائل ~~مثل إدارة سعر الصرف والتعامل مع الاحتياطيات والسياسة الجمركية والمسئولية عن عملية الضبط ~~للمصالح الوطنية لكلتا الدولتين بعد أن نقحتها تجاربهما فيما بين الحربين وتوقعاتهما ~~للمستقبل. وانحصرت إنجازات بريطانيا التفاوضية في الحصول على ضمانات وإرجاء لدفع الديون ~~وتخفيف بعض الشروط في ظل الخطة الأمريكية. وكان النجاح الرئيسي لبريطانيا هو وضع بند ~~«للعملة النادرة» يسمح للدول المدينة بالتمييز التجاري ضد الدول الدائنة في ظروف ~~معينة. # وبحسب ما قال جيمس ميد وليونيل روبنز، ~~وهما عضوا فرق التفاوض البريطانية اللذان سجلا يومياتهما، كان أداء كينز في مؤتمري ~~واشنطن، في المدة من سبتمبر حتى أكتوبر 1943 ومن يوليو حتى أغسطس 1944، مزيجا من البلاغة ~~غير العادية، سواء في الألفاظ والمعاني، والوقاحة غير العادية في الحديث مع الأمريكيين ~~وعنهم. وفي أعقاب إحدى جلسات التفاوض قال هاري دكستر وايت لروبنز: «إن البارون كينز يشع ~~عبقرية.» وكتب روبنز في أعقاب جلسة أخرى يتحدث عن «نشوة الأمريكيين أمام منشد ساحر وموهوب ~~يغني في ضيافتهم وشعاع ذهبي يتلألأ حولهم.» من ناحية أخرى نقل ميد عن كارل بيرنستين، ~~الذي عمل في وزارة الخزانة الأمريكية، «المعاناة من أخلاق كينز المتدنية». (قال كينز في ~~إحدى مسوداته: «إن هذا لا يحتمل. إنه تلمود آخر.») ms110 عكست تصرفات كينز الخارجة، بوصفه ~~أحد المفاوضين، إرهاقه وتدهور صحته بلا شك، وعكست أيضا شعوره بالإحباط تجاه قلة حيلة ~~بريطانيا. كان هذا الشعور بالمثالية، الممزوج بإدراك أن الولايات المتحدة أصبحت في وضع ~~المهيمن، مسيطرا على جميع المفاوضين البريطانيين. وقال ليونيل روبنز في هذا الشأن: «في ~~عالم المستقبل سنضطر إلى الاعتماد بشكل أكبر على عقولنا.» لكن المشكلة كانت تكمن في ~~أن العقول كان يجب إسكاتها إذعانا للخوف الأمريكي من التسفيه والسخرية، «خاصة على يد ~~اللورد كينز البارع المخيف». # أثنى كينز في مجلس اللوردات في 23 مايو 1944 على الخطة البريطانية الأمريكية المتفق ~~عليها من منظوري المثالية والضرورة؛ إذ قال: «ما البديل المتاح أمامنا؟» فعلى عكس الحرب ~~العالمية الأولى، افتخر كينز الآن بأنه «بشن حرب دون حساب تكلفتها النهائية قد أثقلنا ~~كاهلنا - دون باقي دول الأمم المتحدة - بعبء ~~مديونية مؤجلة لدول أخرى، وهي التي سنرزح تحت قيودها.» على وجه الخصوص، أضاف أنه من ~~دون الإطار الجديد الذي أقرته تلك الخطة: # ستخسر لندن بالضرورة مكانتها الدولية، وستنهار تماما ~~... ترتيبات منطقة الاسترليني. ويبدو لي ~~أنه ضرب من الجنون افتراض أن نظاما قائما على الاتفاقيات والمقايضات الثنائية ~~دون أن يعرف من يمتلك الجنيه الاسترليني ما يمكنه فعله به ... هو الوسيلة المثلى ~~لتشجيع الدول التي كانت تابعة للإمبراطورية البريطانية على أن تتمحور أنظمتها ~~المالية حول لندن. # لم يتسق أسلوب الاهتمام بإنجلترا، لا الإمبراطورية البريطانية، مع تراث إنجلترا ~~الإمبريالي؛ «ففي ظل موارد بريطانيا المحدودة والمقيدة على نحو كبير، لا يمكن الحفاظ على ~~الثقة الضرورية في الجنيه الاسترليني إلا إذا كان في وضع دولي قوي.» وهكذا، فإن دعم القوة ~~والأموال الأمريكية - بشروط - للنظام الاقتصادي لبريطانيا القائم على موارد «محدودة ومقيدة» ~~هو الغاية النهائية من تلك «العلاقة الخاصة» التي فرضتها الحرب. # فشل خطة كينز لإنشاء اتحاد مقاصة دولي سلط الضوء على مشكلة تمويل عجز الحساب الجاري ~~المتوقع في بريطانيا بعد الحرب؛ إذ قدر كينز أن يصل العجز إلى ما بين 6 و7 مليارات ~~دولار خلال مدة «انتقالية» قدرها ثلاث ms111 سنوات. وفي 17 أغسطس 1945؛ أي بعد ثلاثة أيام من ~~استسلام اليابان، ألغت الولايات المتحدة اتفاقية الإعارة والتأجير بصورة مفاجئة. وأصبح على ~~بريطانيا عندها أن تدفع ثمن كل ما حصلت عليه من إمدادات، بما في ذلك ما طلبته بالفعل. ~~لقد صمم اتحاد المقاصة المقترح على نحو صريح ليجعل المساعدة الأمريكية في ميزان ~~المدفوعات بعد الحرب غير ضرورية؛ إذ كان بنك اتحاد المقاصة سيتيح «عمليات سحب على المكشوف» ~~على نحو تلقائي لسد «فجوة الدولار» في بريطانيا بعد الحرب. أما حصة بريطانيا في صندوق ~~النقد الدولي فكانت أصغر بكثير بحيث لا يمكن أن تفي بهذا الغرض، وفي كل الأحوال، لا يمكن ~~للدول أن تمارس «حقوقها في سحب الأموال» إلا إذا كانت ذات عملات قابلة للتحويل. واستبعد ~~تخفيض قيمة الجنيه الاسترليني؛ لأن فائض واردات بريطانيا كان كبيرا جدا، ولأن «التنصل» ~~من ديون بريطانيا بالجنيه الاسترليني (التي يصل إجمالي حجمها إلى 14 مليار دولار) كان من ~~شأنه أن يدمر منطقة الاسترليني. وفضل الانعزاليون اليمينيون واليساريون وضع قيود ~~صارمة على التجارة، لكن كينز سأل بيفربروك في 27 أبريل 1945 قائلا: # هل تفضل العمل بنظام تجارة يعتمد على المقايضة، وهو الذي يعني من الناحية ~~العملية شبه احتكار الدولة للواردات والصادرات على غرار روسيا؟ هل توافق على ~~الاستمرار الأبدي في فرض قيود صارمة و(ربما) نظام حصص أكثر قسوة؟ هل تتطلع إلى ~~تحولنا في الوقت الراهن إلى قوة من الدرجة الثانية ...؟ # لذا كانت المساعدة الأمريكية هي كل ما تبقى من خيارات. # تمنى كينز أن تكون مساعدة الولايات المتحدة في صورة منحة أو على الأقل قرض من دون فوائد. ~~وكتب هيو دالتون - وزير الخزانة العمالي - إن «عيني كينز كانتا حالمتين في أثناء حديثه مع ~~الوزراء قبل أن يغادر إلى واشنطن. لقد كان واثقا تمام الثقة ... أنه سيحصل على ستة مليارات ~~دولار على هيئة منحة لا ترد ... ولم يتحدث ... إلينا كثيرا عن «الالتزامات».» وقال ~~المصرفي روبرت براند: «عندما أستمع إلى اللورد كينز وهو يتحدث، أشعر أني أسمع رنين العملات ~~المعدنية الموجودة ms112 في جيبي.» وبعد وقت قصير من وصول كينز إلى واشنطن في 5 سبتمبر، بصفته أحد ~~رؤساء الوفد البريطاني، أدرك أن المزاج العام قد اختلف. فخلال مفاوضات شائكة جدا استمرت ~~ثلاثة أشهر تحولت المنحة التي لا ترد، التي قيمتها ستة مليارات دولار، إلى قرض قيمته ~~3,75 مليارات دولار بفائدة 2٪، مع الالتزام بالسماح بجعل الجنيه الاسترليني قابلا للتحويل ~~بعد عام من التصديق على الاتفاقية. وكلف هذا بريطانيا الحماية الانتقالية في ظل اتفاقية ~~بريتون وودز. وبعد أن كان كينز مبالغا في تفاؤله، قاد الحكومة العمالية المذهولة والغاضبة ~~خطوة بخطوة ناحية قبول شروط أقل ملاءمة. تدهورت صحته وساء طبعه. وفي النهاية استبدل به ~~السير إدوارد بريدجز الذي وافق على التسوية النهائية. # وضع دفاع كينز البليغ عن مشروعه في مجلس اللوردات في 18 ديسمبر؛ أي بعد اثني عشر ~~يوما من توقيع اتفاق القرض، المفاوضات في سياق الأحداث التي تكشفت منذ الحرب العالمية ~~الأولى؛ إذ ظهرت قضية الضرورة أولا؛ فقد كان البديل للقرض - كما قال - «هو إنشاء كتلة ~~اقتصادية منفصلة، تستبعد منها كندا، وتتكون من الدول التي ندين لها بالفعل بأكثر مما ~~يمكننا سداده، على أساس موافقتها على إقراضنا أموالا لا تمتلكها، وعلى أن تشتري منا فقط ~~أو من الدول الأخرى الأعضاء في الكتلة سلعا لا يمكننا إنتاجها.» أما القضية الثانية فكانت ~~الرغبة في إعادة إحياء مذهب ليبرالي قائم على الشراكة؛ حيث قال: # إن التكتلات الاقتصادية المنفصلة وكل ما يستتبعها من خلافات وخسارة للأصدقاء هي ~~تدابير ناجعة، ربما تضطر الدول إلى السعي إليها في عالم يتسم بالعداء ... لكن ~~من الجنون بالقطع تفضيل هذا الحل. فهذا الإصرار على تدويل التجارة وعلى تجنب ~~إنشاء تكتلات اقتصادية تحدد وتقيد التعاملات التجارية خارجها، هو قبل كل شيء ~~شرط أساسي لتحقيق أقصى أمنيات العالم، وهو التفاهم البريطاني الأمريكي ... لقد ~~تعلم بعضنا بالتجربة في مهام الحرب، ثم في مهام السلام في الفترة الأخيرة، ~~أن دولتينا يمكنهما التعاون معا. لكن من السهل علينا جدا أن نفترق. إنني ~~أناشد من ينظرون بارتياب إلى هذه ms113 الخطط أن ينعموا النظر ويتحلوا بالمسئولية ~~في اختيار طريقهم. # كان السياق المألوف لأفكار كينز الاقتصادية هو الكساد الكبير في الثلاثينيات الذي أدى ~~إلى انهيار الاقتصاد العالمي. لكن السياق الأبرز كان وضع الدائن غير المتوازن الذي تلعبه ~~الولايات المتحدة؛ فطوال السنوات العشر التي تلت الحرب العالمية الأولى انتعشت ~~الولايات المتحدة، بينما أصاب بريطانيا الكساد. ورأى كينز أن مشكلة البطالة في بريطانيا هي ~~مشكلة المبالغة في تحديد قيمة الجنيه الاسترليني أمام الدولار. ومن هذا المنظور كان كتابه ~~«النظرية العامة» بمنزلة إضافة - وليس تتويجا - لخط أفكاره؛ أي نظرية في الكساد العالمي ~~العميق؛ حيث يمكن أن يتحقق التوظيف الكامل إذا انعدم التلاعب بالنقود. # في أعقاب التخلي عن معيار الذهب عام 1931، انقسم العالم إلى تكتلات اقتصادية بناء على ~~العملات «الرئيسية». وقد دخلت بريطانيا الحرب مع ألمانيا عام 1939 بصفتها مديرة لنظام ~~المدفوعات الإمبريالي المعروف باسم «منطقة الاسترليني». # لقد عزز نشوب الحرب العالمية الثانية أمل كينز في إنشاء نظام مدفوعات تسيطر عليه ~~بريطانيا باعتباره الإطار النقدي للاقتصاد البريطاني. وضاع قدر كبير من المثالية ~~والمسئولية في التوصل إلى نظام بريتون وودز. إلا أنه أذن بنهاية الاستقلال النقدي ~~البريطاني؛ فنظام الجنيه الاسترليني لا يمكنه البقاء ما لم يدعمه الدولار. لقد شهدت فترة ~~حياة كينز التحول من السيطرة إلى التبعية. # الفصل السادس # | ميراث كينز # يجب أن يعكس أي تقييم لأعمال العباقرة الراحلين التوجه العقلي السائد في أزمنتهم. ~~وفي وقت تأليف هذا الكتاب (يوليو 1995) كانت سمعة كينز تتسم بأنها متذبذبة بعض الشيء. ومنذ ~~عشر سنوات كان يمكن القول إن الحقبة الكينزية قد ولت نهائيا. وقد قالها نايجل لوسون ~~وزير الخزانة البريطاني بالفعل؛ فقد أعلن في إحدى المحاضرات عام 1984 أن «محاربة التضخم ~~ينبغي ... أن تكون هدف سياسات الاقتصاد الكلي. أما خلق ظروف مشجعة على النمو والتوظيف ... ~~فينبغي أن يصبح ... هدف سياسات الاقتصاد الجزئي.» فليس هناك أي التزام نحو التوظيف الكامل، ~~بل كان الهدف هو تحرير الأسواق بأكبر قدر ممكن وتقبل مستوى النشاط الذي تحققه. واليوم ~~يظهر بعض الارتداد إلى أفكار ms114 كينز؛ لأن السياسات الانكماشية المتبعة على مدار الخمسة ~~عشر عاما الأخيرة خلفت مستويات عالية من البطالة الدائمة، وذلك كما توقع كينز ~~بالفعل فيما يتعلق بتلك السياسات. استمرت البطالة في الاتحاد الأوروبي في الارتفاع منذ ~~سبعينيات القرن العشرين، ووصلت إلى 10٪ من قوة العمل اليوم، ولم تنخفض كثيرا منذ التعافي ~~من الركود الذي حدث فيما بين عامي 1991 و1992. ويبدو الأمر وكأنما لا تنتج شعوب الدنمارك ~~وأيرلندا وسويسرا مجتمعين أي شيء على الإطلاق، وهو أبعد ما يمكن عن أن يكون إنجازا ~~لقوى السوق. # رغم أن النظرية النقدية عجزت عن الحفاظ على استقرار الأسعار وتحقيق مستويات مناسبة من ~~التوظيف، لم يعد إحياء السياسات الكينزية، كما عرفناها، من جديد؛ فمعظم الحكومات ترى ~~أن الحلول الكينزية للبطالة إما غير فعالة وإما ضارة، تماما مثلما حدث عندما بدأ كينز في ~~تقديمها والدفاع عنها. ومن ضمن ما يعكسه ذلك، الرأي القائل إن معظم البطالة في يومنا هذا ~~«هيكلية» لا كينزية؛ بمعنى أنها لا تعكس نقصا في الطلب، بل تعكس سوء هيكل رأس المال ~~والأجور المرتبطة به. علاوة على ذلك، ينتشر الاعتقاد أن سوء الضبط الهيكلي قد حدث (أو ترك ~~ليستمر كل تلك المدة) نتيجة للسياسات «الكينزية» التي توجد التوظيف أو تحافظ عليه ~~في وظائف غير منتجة أو تحقق خسائر. وحتى إن أقررنا - ولو جزئيا - أن البطالة القائمة ~~ترجع إلى العجز في إجمالي الطلب، فإنه يعتقد أن زيادة الطلب ستلغي كل المكاسب التي ~~تحققت على حسابها في ملف التضخم منذ عام 1979. # باختصار، تبرز السياسات الكينزية لنا اليوم وهى محاطة بتاريخ طويل من ارتفاع التضخم ~~والتمويل العام غير الحكيم وزيادة سلطات الدولة وانهيار التشاركية والانفلات العام، وهي ~~عوامل بدت كلها ملازمة للحلول الكينزية لعيوب المجتمع الصناعي. ونحن لن نطيق السير ~~في هذا الطريق مجددا. وبحلول ثمانينيات القرن العشرين، تحول كينز، الذي اعتبر منقذا ~~للعالم من الماركسية، إلى العبقري الكبير الذي فشل، تماما مثل ماركس. # تتطلب المسألة المتعلقة بكيفية إنتاج الحقبة الكينزية لتوقعات قوضت الثورة الكينزية ~~تفسيرا نظريا وتاريخيا على ms115 حد سواء. وربما يستطيع أحد المؤرخين كغيره أن يقدم لنا ~~تفسيرا ما. وسيكون شقا التفسير (النظري والتاريخي) أمرا شخصيا يرجع له؛ لأنه ما ~~من اتفاق بشأن «مكمن الخلل». لكن من يريد أن يعيد روح فكر كينز إلى الحياة عليه أن ~~يواجه نقاط فشل مذهبه بأمانة، دون محاولة تبرئة الأستاذ من أخطاء تلامذته. إن الثورة ~~الكينزية كانت في جوهرها ضحية الطموح المفرط - أو بالأحرى التغطرس - الذي يحركه عدم الصبر، ~~وتدعمه المزاعم غير المؤكدة بشأن المعرفة النظرية والعملية على حد سواء. كما كانت الثورة ~~المضادة القائمة على النظرية النقدية مجرد محاولة لاكتساب قدر أكبر من التواضع والثقة في ~~قوى السوق العشوائية. # من الصعب إيجاد مكان لكينز نفسه في الخلاف بين المذهب الكينزي والمذهب القائم على ~~النظرية النقدية؛ لأن كتابه «النظرية العامة» قصد به فهم عالم الثلاثينيات لا عالم ~~الستينيات أو السبعينيات من القرن العشرين. كما أنه من الممكن الخروج باستنتاجات نقدية ~~(صالحة) من كتاب «النظرية العامة» في ظل افتراضات معينة بشأن توقعاته، لكن هذا لم يكن ~~الهدف من تأليف الكتاب. ولفهم كثير مما قاله كينز عن النقود والائتمان وأسعار صرف ~~العملات وعن النظام المصرفي والأسواق المالية، يجب على القارئ أن يرجع إلى كتابي كينز ~~«بحث في الإصلاح النقدي» و«بحث في النقود». أما هؤلاء الباحثون عن الإلهام من كينز في الوقت ~~المعاصر، فعليهم الالتفات إلى ثلاث حقائق أخرى؛ أولها: أنه رغم أن كينز كان مفرط الثقة من ~~الناحية الفكرية - وهي سمة ورثها عنه تلامذته - فقد كان متواضعا على نحو لافت في ~~توقعه لما يمكن أن تحققه السياسات الاقتصادية في مجتمع حر، وهي نقطة نزع ~~مؤيدوه إلى تجاهلها. وثانيها: أن أهدافه الاجتماعية كانت - حسب قوله - «متحفظة ~~ومعتدلة»؛ فلم يدعم أي شيء في فلسفة كينز الاجتماعية، ولا في ليبرالية ذلك العصر، ~~التوسع المطرد في أنشطة الدولة الخاصة بالرعاية الاجتماعية، الذي ساهم بشكل كبير في ~~الأزمات المالية في السبعينيات. ثالثها وآخرها: أن كينز قد نادى بالنمو ليس لذاته، بل ~~باعتباره وسيلة لتحقيق الرفاهية وبناء حياة متحضرة. ms116 بل إن كينز في الحقيقة حاج في أواخر ~~عشرينيات القرن العشرين بأن البطالة الناتجة عن التقدم التقني كانت علامة على أن المشكلة ~~الاقتصادية في طريقها للحل. وكتب إلى تي إس إليوت في عام 1945 يقول: «إن سياسة التوظيف ~~الكامل عن طريق الاستثمار هي تطبيق واحد فقط من تطبيقات النظرية الفكرية. ويمكن تحقيق ~~النتيجة نفسها كذلك عن طريق زيادة الاستهلاك أو تقليل العمل ... فتقليل العمل هو الحل الأخير ~~لمشكلة البطالة.» # ازدهرت الثورة الكينزية لربع قرن بعد وفاة كينز. وتقبل معظم الاقتصاديين «الأفكار ~~الاقتصادية الجديدة» (حتى إن ميلتون فريدمان قال عام 1966: «لقد أصبحنا كينزيين جميعا ~~الآن»، وهي عبارة كررها ريتشارد نيكسون عام 1972)، والتزمت معظم الحكومات بتحقيق ~~التوظيف الكامل. لا شك أنه لم يقدس كل من اعتبروا أنفسهم «كينزيين» كتاب «النظرية ~~العامة». بل في الواقع، انحسر تأييد نظرية كينز. ونتيجة لعمل باتينكين (1956)، أعيد ~~تبني النظرية الكلاسيكية على نحو جزئي، من حيث إن ثبات الأجور النقدية كان ينظر إليه ~~بوصفه عقبة «أساسية» أمام الوصول إلى التوظيف الكامل، كما زعم آرثر بيجو دائما. وفي كتاب ~~ليونهوفود (1968) عن النظرية الاقتصادية لكينز، اعتبر «توازن البطالة» عند كينز وسيلة ~~بلاغية؛ فقد اعتبرت نظريته نظرية لاختلال التوازن تؤكد على أخطاء التنسيق، وهو منهج ~~أكد على ارتباط كتاب «النظرية العامة» بكتاب «بحث في النقود»؛ الأمر الذي قلل الفجوة ~~بينه وبين مؤيدي نظرية اختلال التوازن النقدي في ثلاثينيات القرن العشرين. لكن ثبات الأجور ~~النقدية المنخفضة بجانب الاحتمال القائم دائما بحدوث انهيار في الاستثمار الخاص جعلا ~~دور السياسة الحكومية ضروريا لضمان استمرار مستوى التوظيف الكامل. # بخلاف ما سبق، بدت جوانب ثلاثة لميراث كينز منيعة؛ أولا: تقبل كل الاقتصاديين من ~~الناحية العملية نموذج الاقتصاد الكلي الخاص بكينز؛ فقد ابتكر كينز فرعا جديدا لعلم ~~الاقتصاد؛ هو الاقتصاد الكلي المعني بدراسة سلوك النظام الاقتصادي ككل بدلا من دراسة ~~سلوك الأفراد أو الشركات أو الصناعات. وقد تعلم الطلاب في ستينيات القرن العشرين أنه من ~~الممكن تشكيل الاقتصاد وتشخيص حالة الطلب الفعال ووضع آليات مناسبة للتدخل المالي. ms117 ثانيا: ~~قدم كتاب «النظرية العامة» الأساس الفكري لإنشاء الحسابات القومية. وكان لنمو ~~الإحصائيات الاقتصادية السريع، الناتج عن ذلك، بالغ الأثر في تطور علم الاقتصاد ~~القياسي الذي قدم بدوره (كما يمكن أن يكون قد قيل حينها) أساسا آمنا للتنبؤ في سياسات ~~الاقتصاد الكلي. ثالثا: أعاد كينز الإيمان بالنظام الرأسمالي؛ فالاقتصاد الكينزي ساهم في ~~إخراج الفاشية والشيوعية وبعض صور الاشتراكية من تاريخ العالم المتقدم. # كما ساهمت النظرية الكينزية في ظهور علم اقتصاد التنمية المعني بدراسة النمو ~~الاقتصادي في الدول الفقيرة. ووسع روي هارود بالتحديد تفسير كينز للبطالة قصيرة الأجل ~~ليجعل منه نموذجا للنمو الذاتي، مع التأكيد على الدور المحوري للاستثمار المادي. وشهد ~~منتصف ستينيات القرن العشرين زيادة الإيمان بقدرة سياسات الاقتصاد الكلي على الوصول إلى ~~مستوى التوظيف الكامل، بل وتحقيق معدلات نمو عالية، وغيرها الكثير من الأهداف الاجتماعية ~~المرغوبة. # بعدها بعشر سنوات وصلت الثورة المضادة لنظرية كينز إلى أوجها؛ إذ ظهر أهم أبحاث ~~الاقتصاد الكلي في سنوات ما بعد الحرب عام 1968 على يد ميلتون فريدمان، وذلك بعد أن أعاد ~~الحياة لنظرية كمية النقود في عام 1956. وزعم ميلتون في هذا البحث أن محاولات الحكومات ~~لتقليل معدل البطالة لأقل من «المعدل الطبيعي» الذي تحدده مؤسسات السوق، أدت فقط إلى ~~تسريع وتيرة التضخم. وفي 1976 أعلنت نهاية الثورة الكينزية في السياسة الاقتصادية في ~~المكان الذي ظهرت فيه، عندما أعلن رئيس الوزراء البريطاني العمالي، جيمس كالاهان، أن خيار ~~«الإنفاق للخروج من الركود لم يعد مطروحا»، وأن هذا الخيار لم ينجح في الماضي إلا من ~~خلال ضخ «المزيد والمزيد من التضخم في الاقتصاد». وأصبح استقرار الأسعار بدلا من التوظيف ~~الكامل هو الهدف المعلن لسياسات الاقتصاد الكلي في جميع أنحاء العالم. # كذلك، شككت الثورة المضادة، المتمثلة في النظرية النقدية، في معظم الجوانب الأساسية ~~من ميراث كينز؛ فإذا كانت التغيرات الاسمية (التغيرات في النقود) تؤثر في الأسعار، لا ~~الناتج، على المدى الطويل - كما زعم فريدمان - فإننا لسنا بحاجة إلى الاقتصاد الكلي، بل إلى ~~نسخة محدثة من نظرية كمية ms118 النقود. وإذا كان الاقتصاد - كما زعم فريدمان - «بطبيعته أكثر ~~استقرارا في دوراته» مما افترض كينز، بينما تعد تدخلات الاقتصاد الكلي عرضة «لتأخيرات ~~مطولة ومتغيرة»، فإننا لسنا بحاجة لسياسات مضادة لدورات الاقتصاد وحسب، بل سيؤدي ذلك ~~لاختلال الاستقرار. وإن كنا في غنى عن تلك السياسات، فإننا لسنا بحاجة لنماذج مفصلة ~~للتنبؤ بالاقتصاد الكلي. وأخيرا، لم تحم سياسات كينز للاقتصاد الكلي الرأسمالية من ~~الاشتراكية، لكنها أدت إليها بافتراضها للحاجة لزيادة التدخل السياسي في الاقتصاد الجزئي ~~لإنجاح سياسات الاقتصاد الكلي. فبدلا من محاولة تحفيز الاقتصاد من خلال مزيج من الإنفاق ~~والتخطيط العامين، ينبغي على الحكومات أن تركز على السيطرة على التضخم وتحسين عمل نظام ~~السوق. # لقد حددت الأحداث مصير الثورة الكينزية، سواء وافق بعض الناس على ذلك أم اعترضوا؛ حيث ~~أدى الكساد في ثلاثينيات القرن العشرين إلى ظهورها، ويبدو أن فترتي الخمسينيات ~~والستينيات قد عززتها، بينما قضى عليها «الركود التضخمي» في السبعينيات (وهي حالة تجمع ~~بين ارتفاع مستويي البطالة والتضخم). أما ميراث الثمانينيات فهو ملتبس، وينبغي ألا يشار ~~إليه إلا في نطاق ضيق. # كانت فترة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين هي العصر الذهبي للرأسمالية؛ فوفق ~~المعايير التاريخية انخفضت البطالة إلى مستويات استثنائية، وتسارع النمو في الدخول ~~الحقيقية على نحو استثنائي، واستقرت الأنظمة الاقتصادية بشكل غير مسبوق؛ كل ذلك على حساب ~~تكلفة تضخمية متواضعة. وأرجع كثيرون تلك النجاحات إلى السياسات الكينزية التي استوحيت ~~من نظرية كينز. # ثم أخذ الرخاء في التراجع؛ فمن أواخر الستينيات بدأ التضخم والبطالة في الازدياد ، وأخذ ~~النمو في التباطؤ. وفي الدول الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ارتفعت أسعار ~~المستهلك بنسبة 10,5٪ في المتوسط سنويا في المدة بين عامي 1973 و1979، بعد أن كانت ~~ترتفع بنسبة 3,1٪ سنويا فيما بين عامي 1960 و1968. أما البطالة فقد زادت بنسبة 5,1٪ بعد ~~أن كانت تزيد بنسبة 3,1٪ لنفس الفترتين. وانخفض النمو في نصيب الفرد من الناتج المحلي ~~الإجمالي الحقيقي من 3,9٪ فيما بين عامي 1960 و1968 إلى 1,9٪ فيما بين عامي 1973 و1979. ms119 ~~وفي عام 1971 أدى الخلل المتزايد في التوازن في الاقتصاد الكلي (بما فيها ذلك الخاص ~~بالمدفوعات الخارجية) إلى انهيار نظام أسعار الصرف الثابتة، والقابلة للتعديل الذي أقر ~~في اتفاقية بريتون وودز عام 1944، وذلك حتى قبل وقوع الصدمة الأولى في أسعار النفط فيما بين ~~عامي 1973 و1974. # وبعد أن نسب الفضل إلى السياسات الكينزية في النجاح المتحقق، نسب إليها الفشل الذي ~~يليه. وكلا الاستنتاجين يحتملان الشك. فهل كان للأفكار الاقتصادية - الكينزية أو غيرها - ~~تأثير على ما فعلته الحكومات؟ وهل كان لسياسات الحكومات تأثير على ما حدث؟ والإجابة على ~~هذين السؤالين هي بالإيجاب بشكل شبه مؤكد، لكن التفاعلات بين العوالم الثلاثة للأفكار ~~والسياسات والأحداث على الأرض معقدة، لدرجة أنه من غير المرجح أن يحظى أي تفسير ~~للعلاقات بينها بالإجماع العام. لكن يمكننا على الأقل أن نميز بين الاستخدامات البلاغية ~~والفنية للأفكار الاقتصادية، وألا ننسب التمدد العام في نشاط الدولة بعد الحرب إلى ~~كينز، وألا نحمل السياسات الكينزية كل التبعات - الإيجابية والسلبية - لهذا التمدد. وكما ~~كتب كريستوفر ألسوب: «إن بناء دول الرفاهية والتدخل الصناعي وتنفيذ برامج الإنفاق العام ... ~~لا علاقة لها كثيرا ... بأفكار كينز الاقتصادية ... فمن الضروري ... ألا ننسى نقطة أساسية؛ وهي ~~أن رسالته الأصلية كانت وسطية في جوهرها.» وبعد ما سبق، من المهم أن نذكر أن كينز كان ~~ضد التضخم والتأميم والتخطيط والمساواة في الدخول وغير ذلك، حتى وإن لم يوجد سبب آخر سوى أن ~~الكثيرين ممن روجوا لتلك الأفكار فعلوا ذلك باسمه. # عند محاولة تقييم تأثير السياسة الكينزية على أحداث ما بعد الحرب، تظهر مشكلة أولية ~~تتمثل في فهم المقصود بالسياسة الكينزية؛ ففي فرنسا وإيطاليا - على سبيل المثال - ما يطلق ~~عليه الآن سياسات نشطة معنية بالطلب كان ينسب لكينز بالخطأ. ولتمييز السياسة الكينزية ~~على نحو أفضل، يمكن النظر إلى مدى الالتزام بالوصول إلى مستوى التوظيف الكامل والحفاظ ~~عليه؛ حيث لم يكن هذا الالتزام إلا في بريطانيا والولايات المتحدة، وقد كان ملتبسا؛ فقد ~~تعهدت الورقة البيضاء بشأن التوظيف في بريطانيا، التي ظهرت ms120 في عام 1944، بأن تلتزم ~~الحكومة بمستوى «مرتفع ومستقر» للتوظيف. فما المقصود بالمرتفع؟ وما المقصود ~~بالمستقر؟ # واقترح جيم توملينسون طريقة أخرى أكثر صرامة لتمييز السياسات الكينزية؛ قائلا إن الثورة ~~الكينزية «ينبغي أن تعرف في ضوء محاولة إضفاء الشرعية على عجز الميزانية باعتباره أداة ~~يمكن استخدامها لتحفيز الارتفاع في مستوى الطلب الإجمالي.» ويمكن عند ذلك القول إن السياسة ~~الكينزية هي عملية يحدث فيها عجز الميزانية بشكل متعمد من أجل رفع مستوى الناتج. وفي ~~ضوء هذه الطريقة، لم توضع أي سياسة كينزية في أثناء ذروة «العصر الذهبي»؛ لأن «الحكومة ~~البريطانية، وهي بعيدة كل البعد عن ضخ الطلب في الاقتصاد، طالما تمتعت بفائض كبير في الحساب ~~الجاري»، وذلك بحسب تأكيد آر سي أو ماثيوز في عام 1968. وكان ذلك هو الحال أيضا في ~~الولايات المتحدة حتى عام 1964. وكذلك لم توضع أي سياسات للإدارة النشطة للطلب في أنجح ~~اقتصاديات «العصر الذهبي»؛ وهما الاقتصاد الألماني والاقتصاد الياباني. والشاهد هو أن ~~عالم ما بعد الحرب لم يكن في حاجة لثورة كينزية في السياسة الاقتصادية ولم يقم بها من ~~الأساس. # تحدث كينز في كتاب «النظرية العامة» عن «حالة» سعيدة في القرن التاسع عشر سمحت بالوصول ~~إلى مستوى معقول من التوظيف الكامل دون تدخل الحكومة. وربما ينبغي النظر إلى «العصر ~~الذهبي» باعتباره نتيجة لحالة مشابهة. فكما أوضح كل من كرافتس ووودوارد، فقد أتيح في ~~جميع أنحاء العالم المتقدم «فرص كثيرة لتقليد التكنولوجيا الأمريكية وتقليل الزراعات ذات ~~الإنتاجية المنخفضة واستغلال الطاقة الرخيصة.» وأدت فرص المجاراة التكنولوجية لرفع ~~الإنتاجية الحدية لرأس المال؛ وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على الاستثمار الخاص. وسمح ~~ارتفاع نسبة نمو الإنتاجية بزيادة كافية في الدخول الحقيقية في سبيل إرضاء تطلعات العمال ~~مع الحفاظ على الاستقرار النسبي لتكاليف الوحدات. كما أنفقت الحكومات نسبة من الدخل ~~القومي أعلى بكثير من النسبة التي أنفقتها منه قبل الحرب. وكما قال جون هيكس في عام 1977: ~~«إن اقتران التقدم التقني السريع (وهي حقيقة مؤكدة) بالنزعات الاشتراكية التي زادت الطلب ~~على السلع العامة (وهي ms121 حقيقة أخرى مؤكدة) كان من شأنه أن يؤدي إلى هذا الانتعاش الاقتصادي ~~دون التحفيز الإضافي للسياسات الكينزية.» # وفي تلك الحالة السعيدة لعبت الولايات المتحدة دورا محوريا؛ فمن الناحية العملية ~~كانت الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تمتعت برفاهية «استقلال» سياسات الاقتصاد ~~الكلي لديها؛ ففي ظل نظام معيار صرف الذهب الذي أقر في اتفاقية بريتون وودز، كانت ~~الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي كانت تستخدم معيار الذهب، أما باقي الدول ~~فاحتفظت بمعظم احتياطياتها بالدولار. ووضعت الشروط النقدية لهذا النظام ككل حسب ~~السياسة المالية الأمريكية، بينما انحصرت سياسات الاقتصاد الكلي في الدول الأخرى في الحفاظ ~~على سعر صرف عملاتها أمام الدولار. وفي فترة حكم ترومان وآيزنهاور، اتسمت سياسة ~~الميزانية الأمريكية بالتحفظ، وكانت أسعار الفائدة منخفضة، وتحقق فائض في الميزان ~~التجاري. ومثلت الولايات المتحدة حتى منتصف ستينيات القرن العشرين مرتكزا آمنا ~~لمعظم الدول ضد التضخم، وقدمت لها في ذات الوقت سيولة كافية لمنع الآثار الانكماشية ~~المرتبطة بمعيار الذهب المنفرد. وسمح الاستقرار في النظام النقدي بالتحرير التدريجي ~~للمدفوعات وللنظام التجاري؛ وهو ما صب في صالح ارتفاع الدخول الحقيقية، كما كان يمكن أن ~~يتوقع آدم سميث. وأخيرا كانت ثمة عمليات ضخ موجهة للطلب من جانب الولايات المتحدة - ~~من خلال خطة مارشال وخلال الحرب الكورية - وهو ما كان له نفس الأثر التحفيزي الذي خلفته ~~اكتشافات الذهب في كاليفورنيا و«الحروب الصغيرة» في منتصف القرن التاسع عشر. باختصار كانت ~~حقبة السلام الأمريكية هي التي أمنت توازنا تقريبيا في الاقتصاد الكلي في جميع أنحاء ~~«العالم الحر» في أثناء العصر الذهبي، والتي كانت شبيهة جدا بحقبة السلام البريطانية في ~~القرن التاسع عشر؛ فقد جعل ازدهار الاقتصاد الدولي (على عكس ثلاثينيات القرن العشرين) ~~مشكلات الاقتصاد الوطنية أكثر قابلية للحل. # لكن إن عجزت السياسة الكينزية الموجهة عن تفسير العصر الذهبي، فإن الالتزام الصريح أو ~~الضمني بتفادي الانخفاض الشديد في الطلب - وكذلك ~~الاعتقاد بنجاح السياسة الكينزية عند الحاجة - ربما من شأنه أن يضمن تحقيق التوقعات (أي: ~~«حالة الثقة») الضرورية للحفاظ على انتعاش الاستثمار ms122 الخاص لمدة طويلة. وبدا أن المدرسة ~~الكينزية في الخمسينيات على وجه التحديد قد وضعت حاجزا قويا أمام تقدم الاشتراكية، ~~سواء كان ذلك من خلال الملكية العامة أو التخطيط القومي. وكان ربط السياسة الكينزية ~~اللاحق بنمو القطاع العام غير المتناسب المقترن بزيادة النضال العمالي عاملا حاسما ~~في تدمير الشق النفسي أو التوقعي للثورة الكينزية؛ وهو الاعتقاد أنها ستوفر عالما أكثر ~~أمنا للرأسمالية والرأسماليين. # من المهم أن نأخذ المقارنة مع القرن التاسع عشر إلى مدى أبعد قليلا؛ فالانتعاش الذي ~~حدث في الخمسينيات والستينيات من القرن التاسع عشر تبعه ركود من السبعينيات وحتى التسعينيات ~~من نفس القرن، وهو ما لم يكن كسادا بنفس صورة كساد ثلاثينيات القرن العشرين كما يقال ~~عادة؛ بل كان عبارة عن فترة جمعت بين الرخاء والركود، جرت فيها عملية إعادة هيكلة ~~تكنولوجية كبيرة مصحوبة بانتقال الدينامية التنافسية من بريطانيا إلى ألمانيا والولايات ~~المتحدة. ولا يختلف ذلك تماما عما حدث في سبعينيات القرن العشرين وما تلاها؛ حيث انتقلت ~~الميزة التنافسية هذه المرة إلى الدول المطلة على المحيط الهادئ. لكن الظاهرة التي ~~غابت عن الحقبة الأولى هي «الركود التضخمي»؛ فقد زادت البطالة بشدة في أغلب فترات ~~ثمانينيات القرن التاسع عشر لكن الأسعار انخفضت. وفي المقابل، هل أطالت السياسات الكينزية ~~الانتعاش الاقتصادي الذي حدث في خمسينيات وستينيات القرن العشرين على نحو «مصطنع»؟ # طبقا للنظرية الكينزية الأصلية، فقد انتهت فترة الانتعاش الاقتصادي الطويلة بوقوع صدمة ~~أسعار النفط في عامي 1973 و1974، رغم أنه جرى الإقرار بأن هذه الأزمة هي حصاد لأخطاء ~~السياسة الاقتصادية والأحداث «الاجتماعية» غير المبررة، مثل القفزة التي حدثت في الأجور ~~عام 1968. لكن انهيار أداء الاقتصاد الكلي اتضح من منتصف ستينيات القرن العشرين على الأقل. ~~وتزامن ذلك مع التحول إلى سياسات كينز النشطة. # عممت المدرسة الكينزية في الستينيات على مستوى العالم، وقد لاقت رواجا وتقديرا من ~~ناحيتين؛ إذ امتد استخدام السياسة المالية لموازنة الأنظمة الاقتصادية إلى فرنسا وإيطاليا ~~وألمانيا وإلى اليابان بدرجة أقل، وزاد نشاط السياسة المالية وطموحها مع عودة المخاوف ms123 من ~~حدوث ركود. بوجه عام، بينما انصب اهتمام كينز في البداية على ضمان الاستغلال الكامل ~~للموارد القائمة، حاولت المدرسة الكينزية في ستينيات القرن العشرين أن تضمن الاستغلال ~~الكامل للموارد المحتملة؛ أي نمو القدرة الإنتاجية للاقتصاد بهدف منع حدوث التضخم الناتج ~~عن ارتفاع التكاليف ومواجهة «المطالب الاجتماعية» المتزايدة المعلقة على الاقتصاد. وقد ~~ارتبط ما سماه ديفيد ماركواند، في كتابه الشهير الذي ظهر في عام 1988، الحقبة ~~الديمقراطية الاجتماعية في المدرسة الكينزية؛ باتجاه السياسة إلى التيار اليساري ~~وبالاستخدام الجاد لسياسات الميزانية للمرة الأولى من أجل نقل الطلب من القطاع الخاص ~~إلى القطاع العام. وأصبحت الميزانية أداة لإدارة الطلب ولتحقيق النمو والرخاء. وبداية من ~~ستينيات القرن العشرين بدأ نصيب الإنفاق العام في الناتج المحلي الإجمالي يزداد في كل مكان. ~~وكانت المرحلة الأهم في الاقتصاد الكلي، من وجهة النظر العالمية، هي مرحلة تخفيض الضرائب ~~في عهدي كينيدي وجونسون وإقرار برامج إنفاق «المجتمع الكبير» فيما بين عامي 1964 و1966. ~~وبالنظر الآن إلى تلك المرحلة - رغم أن ذلك لم يتضح وقتها - نجد أن ما سبق بجانب التمويل ~~التضخمي لحرب فيتنام تسبب في إنهاء دور الولايات المتحدة بوصفها المرتكز العالمي ضد ~~التضخم. # ويمكننا أن نحدد عدة أسباب منطقية للتحول من هدف التوظيف الكامل إلى النمو؛ ففي ~~الولايات المتحدة أدت النزعة الملحوظة لزيادة نسبة البطالة على نحو طفيف في ذروة كل دورة ~~اقتصادية في الخمسينيات (رغم أن متوسط نسبة البطالة في الخمسينيات الذي زاد بالكاد على 5٪ ~~كان قريبا على نحو كاف من النسبة المستهدفة وهي 4٪) إلى إثارة المخاوف الكينزية القديمة ~~من حدوث «ركود مزمن» في الاقتصاديات الناضجة؛ إذ أوحى هذا بوجود فجوة متزايدة في الناتج؛ ~~أي فجوة بين معدل نمو الناتج السنوي الفعلي والمتوقع. ورأى مجلس المستشارين الاقتصاديين ~~للرئيس - مع رفضهم لفكرة أن عوامل التقدم التكنولوجي قد تكون السبب في ارتفاع نسبة البطالة ~~- أن التوسع في الطلب يمكن أن يقلل البطالة إلى 4٪ دون حدوث تضخم «غير مقبول» في الأسعار؛ ~~حيث حاج جيمس توبين بأن أضرار «الارتفاعات الطفيفة في الأسعار» ms124 مبالغ فيها على نحو كبير. ~~وقد عزز الوعد الكينزي بأن التوسع في الطلب يمكنه تحقيق معدل نمو أسرع رغبة السياسيين في ~~دعم معدل النمو الأمريكي لتجنب خسارة الحرب الأيديولوجية (وكذلك سباق التسلح) مع الاتحاد ~~السوفييتي الذي كان يروج في خمسينيات القرن العشرين لمعدلات نمو هائلة وإنجازات ~~تكنولوجية مذهلة مثل القمر الصناعي سبوتنيك. # أما في دول أوروبا فكان اللجوء إلى تقليل التمويل سببه الخوف من أن يؤدي نقص العمالة ~~إلى تباطؤ النمو (فقد منع سور برلين الذي بني عام 1961 تدفق العمالة الرخيصة من ألمانيا ~~الشرقية إلى ألمانيا الغربية)؛ وكذلك الخوف من أن يؤدي فتح الاقتصاديات المحلية أمام ~~التجارة الحرة وتدفقات رءوس الأموال، على المستوى العالمي ونتيجة لإنشاء السوق الأوروبية ~~المشتركة في عام 1958، إلى جعلها عرضة أكثر للصدمات الخارجية؛ وكذلك الخوف من عودة الأحزاب ~~اليسارية التي ابتعدت عن السلطة كثيرا، مع تبنيها لأيديولوجيات حديثة (أي غير ~~ماركسية). لقد بدا أن سياسة النمو الكينزية هي الخيار الوحيد في ظل اختفاء العرض الوافر ~~وسياسات الحماية الاقتصادية والأيديولوجيات البالية من الصورة. وفي بريطانيا ذات معدل النمو ~~البطيء، أقرت سياسة النمو لتمكنها من «اللحاق» بالمنافسين الصناعيين مثل ألمانيا وفرنسا. ~~ولجأت اليابان إلى تقليل التمويل عام 1965 عندما بدأت تخسر أدوات جوهرية بعد الحرب، مثل ~~الجمارك والسيطرة على حركة رءوس الأموال. وانتشر في جميع الدول الاعتقاد بأن النمو السريع ~~ضروري لرفع سقف الأجور الحقيقية المتاح وللحصول على دعم الاتحادات العمالية لتحديد الأجور ~~بتوسيع نطاق برامج الرعاية الاجتماعية. # وفي ستينيات القرن العشرين اتجهت الدول ~~النامية - التي كان قد تحرر بعضها لتوه من الاستعمار - إلى التصنيع الحكومي لتتمكن من ~~اللحاق بالدول الغنية؛ إذ أمكنها تسريع وتيرة النمو بتوجيه العمالة الريفية غير المستغلة ~~جيدا إلى الصناعات الثقيلة. وطرح الاقتصادي الأرجنتيني راءول بريبيش، المتأثر بشدة بفكر ~~كينز، فرضية خاصة ب «معدل التبادل التجاري» للاستثمار العام في الصناعات البديلة ~~للاستيراد. وكانت النتيجة سلسلة من حالات الانتعاش في مجال الاستثمار العام في إطار ملكية ~~الدولة والتخطيط التوجيهي، والتي يمولها على نحو كبير ms125 الاقتراض من الخارج. # وكان توقع حدوث انخفاض في معدل تراكم رأس المال منطقيا، بعد أن بدأت إعادة ~~الإعمار بعد الحرب وخطط «اللحاق» بالدول المنافسة. وكان الأقل منطقية هو توسيع نطاق الفكر ~~الكينزي من المشكلة قصيرة الأجل الخاصة بضمان التوظيف الكامل للموارد المتاحة إلى مشكلة ~~زيادة نمو تلك الموارد. وبالنسبة لأنصار النمو من أتباع المدرسة الكينزية كانت إدارة الطلب ~~النشطة (بما في ذلك تقليل التمويل) غير ضرورية لمنع حالات الركود أو معاوضتها فحسب، وإنما ~~أيضا لتفعيل احتمالات النمو على المدى الطويل في الاقتصاد، وهي فكرة محيرة في مجملها. كان ~~كينز نفسه سيقول في هذا الشأن - بل قال بالفعل - إن أي ضخ خارجي للطلب في ظل مستوى ~~التوظيف الكامل سيؤدي إلى التضخم. وتلك هي «الحالة الخاصة» التي تنطبق عليها مبادئ المذهب ~~الكلاسيكي في علم الاقتصاد؛ حيث لا يمكن تحقيق نمو سريع في الناتج إلا من خلال زيادة ~~الإنتاجية وتحسين وسائل الإنتاج؛ وهما من الأمور التي لم يكن لدى كينز أي جديد ليقوله ~~عنها. لكن أنصار النمو من أتباع المدرسة الكينزية في المقابل قالوا إن زيادة الإنتاجية ~~تنتج عن عملية النمو نفسها؛ إذ يعتمد معدل نمو الناتج على معدل نمو الاستثمار؛ فكلما زادت ~~سرعة دفع الاستثمار من أجل النمو، زادت المكاسب من ناحية الإنتاجية نتيجة لأثر اقتصاديات ~~الحجم الضخمة الديناميكية؛ مما يؤدي إلى «دائرة مفرغة» من الزيادة في الإنتاجية والتنافسية ~~وسرعة النمو. وبافتراض توفر طلب إجمالي كاف، يمكن دائما دفع الناتج للزيادة على نحو ~~أكبر من مدخلات العمل؛ لذا فإن نسب التوظيف العالية لم تكن عقبة أمام التوسع الناتج عن ~~زيادة الطلب؛ أي إن النمو (بلغة الاقتصاد) كان رهنا بالطلب لا بالعرض. # سار التوسع في الطلب جنبا إلى جنب مع التخطيط التوجيهي؛ فقد تضمنت الخطة القومية ~~البريطانية لعام 1965 معدلات النمو المتوقعة لمدة خمس سنوات في كل قطاع لتحسين توقعات رجال ~~الأعمال. لكن المؤشر الأهم كان النمو المتوقع للإنفاق العام؛ فقد كان يبين للقطاعات ~~الصناعية حجم التمويل المطلوب لزيادة قدراتها الإنتاجية، ويضمن، في ms126 الوقت نفسه، شراء ~~الزيادة في الناتج؛ لذا برز الإنفاق العام باعتباره المحرك الحقيقي للنمو، وكانت تلك أزمة ~~مصيرية للاقتصاد السياسي الكينزي؛ فقد شجعت الحكومات كذلك اندماج الشركات للوصول إلى حد ~~أدنى من الكفاءة. وأضيف تخفيض قيمة العملة باعتباره أداة أخرى لمساعدة الأنظمة الاقتصادية ~~في تحقيق معدلات نمو أعلى بدلا من مجرد التغلب على حالات اختلال التوزان في ميزان ~~المدفوعات في إطار اتفاقية بريتون وودز. # وبالنظر الآن، سنجد أن كل الافتراضات المسبقة التي أكدت على الاتجاه إلى النمو - في ~~الدول المتقدمة والنامية على السواء - اتضح أنها غير مضمونة من الناحيتين الفكرية ~~والسياسية. ولم يتوصل أحد في واقع الأمر إلى وسيلة لتسريع وتيرة النمو الاقتصادي عبر الوقت ~~أكثر من المعدل الفعلي. السؤال الآن: هل كان نمو الإنتاجية سببا لنمو المخرجات أم العكس؟ ~~اختلف الاقتصاديون بهذا الشأن. مرة أخرى، كان الكينزيون متفائلين جدا بشأن آثار نمو ~~القطاع العام على نمو الإنتاجية وسلوك الأجور وتوقعات رجال الأعمال؛ فقد ظنوا أن القليل من ~~التضخم (الذي لم يحددوا مقداره) كان محفزا، ولم يلمحوا قط إلى وجود توقعات خاصة بالتضخم. ~~وأخيرا بالغوا بشدة في مدى البطالة الريفية «المقنعة» في الدول النامية؛ ومن ثم في ~~العائد بالنسبة للنمو الناتج عن تحويل هذه الموارد غير المكلفة ظاهرا إلى الإنتاج ~~الصناعي. وإن كانت هناك فكرة مشتركة تربط بين تلك الافتراضات المسبقة، فهي أن الدولة حكيمة ~~والسوق حمقاء. # يقر أتباع المدرسة الكينزية أنفسهم الآن أن الأهداف الاقتصادية والاجتماعية في ~~ستينيات القرن العشرين كانت مبالغا فيها؛ فالأرقام واضحة؛ إذ تضاعف معدل التضخم في ~~بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في ذلك العقد من 3٪ إلى 6٪ دون حدوث أي تحسن ~~في المتغيرات الحقيقية . لقد حدد التضخم المتزايد، الذي كان الناتج الحقيقي للأفكار ~~الكينزية الخاصة بالنمو في ستينيات القرن العشرين، مهمة مستحيلة لسياسات الاقتصاد الكلي ~~الكينزية في العقد التالي. وبمجرد خروج التضخم عن الحد، أضرت التدخلات الحكومية ~~بالاستقرار بصورة كبيرة؛ إذ تضمنت إما قبول نسب أعلى من البطالة لوقف ارتفاع الأسعار، ~~أو قبول نسب أعلى من ms127 التضخم لوقف ارتفاع معدلات البطالة. وأدى تذبذب السياسة ~~الاقتصادية بين هذين الخيارين إلى ارتفاع مؤشر التضخم والبطالة لمعظم فترة السبعينيات. ~~واكتسبت النظرية النقدية مزيدا من التأييد لقدرتها على تفسير الركود التضخمي المتزايد في ~~ضوء التفاعل بين سياسة الاقتصاد الكلي الكينزية «القائمة على السيطرة على الدورة ~~الاقتصادية» وسلوك الأجور الذي تكيف على نحو أسرع مع توقعات التضخم. # ومن الناحية الأعم، فقد أدى الضغط الشديد للطلب إلى ما قد يتوقعه أي اقتصادي كلاسيكي: ~~وهو الارتفاع الشديد في التكاليف بسبب نقص العرض. وقابلت القفزة التي حدثت في الأجور في ~~الغرب - التي بدأت في عام 1968 - زيادة في أسعار المواد الخام والطاقة، والتي بدأت في عام ~~1972 ووصلت إلى زيادة لأربعة أضعاف في أسعار النفط فيما بين عامي 1973 و1974؛ وهو ما أدى ~~إلى خفض سقف الأجور الحقيقية الذي يمكن تحقيقه في ظل التوظيف الكامل في الدول الصناعية. ~~وانهارت الضوابط المباشرة على الأجور (أي: «سياسات الدخول») مع اقتراب نهاية العقد؛ مما ~~أدى إلى تقييد الأرباح، وهو ما لا يمكن تعويضه إلا بضخ مزيد من النقود في القطاع العام. ~~وأصبحت الدول الغربية، بتعبير ذلك الوقت، «خارجة عن السيطرة». # وفي النهاية تراجعت الحكومات؛ إذ شددت الحكومات الغربية السياسة المالية والنقدية ~~لمواجهة الموجة الثانية لارتفاع أسعار النفط فيما بين عامي 1979 و1980؛ وهو ما أدى لأشد ~~كساد منذ ثلاثينيات القرن العشرين. أما الدول النامية التي حققت حالات انتعاش في ~~الاستثمارات العامة خاصتها في السبعينيات من خلال اقتراض أموال النفط بأسعار فائدة حقيقية ~~سالبة، فقد واجهت أعباء الديون الأجنبية المنهكة في ظل انهيار عوائد صادراتها، وارتفاع ~~أسعار الفائدة الحقيقية إلى مستويات عقابية وانكماش الاستثمار الأجنبي. فرض صندوق النقد ~~الدولي، في مقابل إعادة جدولة الديون وتقديم قروض جديدة، حزم إجراءات قاسية لتحقيق ~~الاستقرار الاقتصادي. وكان لسياسات النمو التي تقودها الدولة على مستوى العالم عكس ما كان ~~مرجوا منها تماما؛ فقد رفعت تكلفة إنتاج السلع والخدمات بدلا من أن تقللها، ~~وقللت قدرة الاقتصاديات على تحقيق ناتج قابل للتسويق بدلا من ms128 أن تزيدها. وكانت تلك هي ~~نهاية الحقبة الكينزية. # ورغم هذا، من الصعب تحميل السياسات الكينزية المسئولية عن هذه الكوارث دون الوضع في ~~الاعتبار المناخ الفكري العام والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت الحكومات ~~والاقتصاديات لأن تسير في الطريق الذي سلكته. لقد كانت المبالغة في تقدير قدرات أدوات ~~الاقتصاد الكلي مهمة بالتأكيد؛ لكن من المهم بالقدر نفسه القبول القدري من قبل ~~اليمينيين واليساريين بمستقبل جماعي وتشاركي فرضته - هكذا بدا - الزيادة في نطاق تنظيم ~~الأعمال ونمو جماعات الضغط وظهور الطلب على نطاق متزايد من الالتزامات الاجتماعية ~~والاقتصادية. وبعد الفترة الممتدة عبر عامي 1974 و1975، عندما فقدت الحكومات قدرتها ~~على «إدارة» اقتصادياتها، كان أسوأ ما يمكن أن يقال عن المذهب الكينزي هو أنه مثل حاجزا ~~أمام الأفكار الجديدة وأمام وضع استراتيجيات سياسية بديلة. كل ذلك لأنه في تلك المرحلة لم ~~تكن الثورة الكينزية قادرة عن تجديد نفسها؛ فقد سببت مشكلات لا تتأثر بما لديها من حلول، ~~ولم تعد لديها الموارد الفكرية ولا السياسية لفهم تلك المشكلات أو التعامل معها. ولا ~~يمكن إلقاء اللوم على كينز في حدوث هذا. غير أن بعض جوانب ميراثه الفكري ثبت أنها تسبب ~~مشكلات؛ حيث بدا أنها منعت أي نقد من داخل المعسكر الكينزي لأي محاولات لتوسيع نظريته ~~وتطبيقها على مشكلات ومواقف لم توضع من أجل التعامل معها. # أولا: فتحت عبارتان غير دقيقتين في كتاب «النظرية العامة» السبيل أمام الاعتقاد أن ~~الإنفاق العام أفضل من الإنفاق الخاص؛ فقد أدرك كينز أن الوصول إلى مستوى التوظيف الكامل ~~والإبقاء عليه ربما يتطلب «إضفاء شاملا نوعا ما للطابع الاشتراكي على الاستثمار»، كما ~~قال إنه إن استأجرت وزارة الخزانة الناس لحفر حفر ثم ردمها من جديد، فستقل ~~البطالة و«من المرجح أن يزيد الدخل الحقيقي للمجتمع وثروته الرأسمالية على نحو كبير عما ~~هو عليه.» ومع ذلك كان كينز منتبها دائما لأثر السياسة الاقتصادية في سيكولوجية الأعمال؛ ~~إذ أدرك أن إنفاق الدولة المفرط سيهدم الثقة في توجه السياسة الاقتصادية، وسيؤدي ~~لمشكلات في التمويل لدى الحكومة، وهو ms129 ما سيفسد مهمة الإبقاء على سعر فائدة حقيقي منخفض ~~لفترة طويلة. ولم يستطع أحد أن يلخص آلية «ضريبة التضخم» بطريقة أبلغ ولا أقصر من كينز ~~الذي قال عنها في عام 1923: «يمكن للحكومة أن تعتمد على هذه الآلية إن لم يتيسر لها أي ~~بديل؛ فهي أصعب ضريبة يمكن للناس التهرب منها، ويمكن حتى لأضعف الحكومات أن تفرضها عندما لا ~~يمكنها أن تفرض غيرها.» لقد أدرك أنه إن حكم على التمويل العام بأنه غير حكيم، فلن ~~يتمكن من تحقيق غايته الكينزية الفريدة؛ لأن العناصر الفاعلة الاقتصادية المستشرفة ~~للمستقبل ستتخذ خطوات لحماية نفسها من مخاطر تنصل الحكومة من ديونها أو تسييلها. لكنه لم ~~يناقش صراحة حجم الإنفاق العام الآمن أو الفعال الذي يمكن السماح به للدولة في مجتمع ~~حر. # ثانيا: لم يتضمن كتاب «النظرية العامة» أي إرشادات واضحة لما قصده كينز بالتوظيف ~~الكامل، لا مفاهيميا ولا إحصائيا. وإن وضعت أي «نظرية عامة» للتوظيف تغذي الاعتقاد ~~بأن مستوى التشغيل يتحدد بالكامل في سوق السلع لا في سوق العمل، فإن تسميتها مضللة. لقد ~~فرق بالفعل كينز في إحدى فقرات كتابه بين البطالة الاختيارية والقسرية، أو كما أطلق ~~عليهما لاحقا: البطالة «الكلاسيكية» والبطالة «الكينزية»، لكن هدفه البياني كان إنكار ~~التفسيرات الكلاسيكية للبطالة، وهو ما تجاهله أتباع كينز أيضا. وأقر ريتشارد كان بأن ~~«مفهوم البطالة الاختيارية لم يثر اهتمامي»، وأن التفرقة بين نوعي البطالة «لم تكن ~~لها أي أهمية عملية». والسبب أن كتاب «النظرية العامة» يمكن أن يفهم منه أنه إن ~~سيطرت الحكومة على تمويل الأجور وتخصيص العمالة، فسيمكن دائما تحويل البطالة ~~الاختيارية إلى بطالة قسرية وتقليل نسبة البطالة إلى الصفر، كما حدث بالفعل بالاتحاد ~~السوفييتي. لم يفكر كينز في الأمر بهذه الطريقة؛ بل كان ذلك فكر أتباعه الأكثر جماعية ~~الذين تأثروا بالتخطيط وقت الحرب، وليس هناك في كتاب «النظرية العامة» ما ينص صراحة على ~~أن البطالة الاختيارية هي خيار يمكن أو ينبغي التعامل معه في المجتمعات الحرة فقط عن طريق ~~تغيير حوافز سوق العمل. # لذا يجب ms130 أن نخرج من نطاق كتاب «النظرية العامة» لنكتشف رؤية كينز لطبيعة البطالة؛ فقد ~~اقتبس في كتاب «النظرية العامة» وصاغ باستخدام مصطلحات جديدة المقارنة القديمة بين ~~البطالة «الطبيعية» التي ترتبط بمؤسسات سوق العمل البطيئة التغير والبطالة «غير الطبيعية» ~~التي تنتج عن انكماش دوري. ورأى أن حجم البطالة «الطبيعية» في بريطانيا تغير كما يلي: فقد ~~كان حوالي 5٪ في المتوسط فيما قبل عام 1914، وأعلى بقليل من 5٪ في عشرينيات القرن العشرين، ~~واقترب من 10٪ في الثلاثينيات؛ ومن هنا تحولت البطالة الطبيعية إلى بطالة «غير طبيعية». ~~لذا بحلول 16 ديسمبر 1944 كتب كينز إلى بيفريدج يقول إنه «لا ضرر من استهداف أن تكون نسبة ~~البطالة 3٪، لكني سأفاجأ إن نجحنا في تحقيق هذا.» ويبدو أن كينز كان ينظر للبطالة ~~«الطبيعية» باعتبارها مستوى البطالة الذي تستقر عنده الأجور النقدية (والأسعار). فعندما ~~تزيد البطالة عن المعدل الطبيعي تقل الأجور النقدية، وحينما تقل عن المعدل الطبيعي تزداد ~~الأجور النقدية. ويشبه هذا الفكرة الكينزية الجديدة الخاصة بمعدل التضخم غير المتسارع ~~للبطالة؛ أي مستوى البطالة الذي يمكنه احتواء التضخم. لكن تلك الفكرة أتاحت لغير ~~الكينزيين أن يتوصلوا لاستنتاج أن الوسيلة الوحيدة الممكنة لخفض مستوى البطالة «الطبيعية» ~~(أو معدل التضخم غير المتسارع للبطالة) في مجتمع حر هي عمل إصلاحات في سوق العمل؛ فقد ~~ترك الهوس الكينزي بسياسات الدخول مسألة الدفاع عن الحرية التعاقدية لأصحاب النظرية ~~النقدية. # ثالثا: لم يترك كينز أي نظرية ملائمة للأسعار. لا يمكن اتهام كينز نفسه بالتساهل في ~~مسألة التضخم؛ إذ لم يحلل كينز بيانيا الآثار السلبية للتضخم على النظام الاجتماعي ~~للرأسمالية فحسب، بل إنه أيضا في 1920 - في ظل ارتفاع أسعار المستهلك في بريطانيا بنسبة ~~20٪ في العام (وهي النسبة نفسها التي كانت موجودة في عام 1975) - طالب بتطبيق شديد ~~لسياسة «النقود العزيزة» وتخفيض النفقات الحكومية على نحو كبير جدا باعتبارهما البديلين ~~الوحيدين لاشتراكية الدولة؛ حيث قال: «إنني أقترح هذا لأني أقدر الخطر الكبير في استمرار ~~العلل القائمة دون علاج حاسم ومر. وسأفعل هذا رغم معرفتي أني أخاطر بحدوث كساد وربما ms131 ~~أزمة.» كما كتب في عام 1940: «باستبعاد جميع وسائل السيطرة غير التقليدية (أي الاشتراكية) ... ~~أشعر بأنه ينبغي علي أن أعطي اليوم النصيحة نفسها التي أعطيتها وقتها.» فالتأخير ~~في فرض سياسة «النقود العزيزة» والالتزام بها في منتصف سبعينيات القرن العشرين زاد الوضع ~~سوءا عما كان من المفترض أن يكون عليه. # ويمكن تعميم تلك النقطة؛ ففي الحقبة السابقة على الحقبة الكينزية، انخفض مستوى الأسعار في ~~أثناء الكساد، وارتفع وقت الانتعاش الاقتصادي، وبقي على هذا الحال في المتوسط؛ لذا كان من ~~السهل على كينز أن يكون توسعيا وداعيا لاستقرار الأسعار؛ ففي الواقع يمكن إثبات أن ~~استقرار مستوى الأسعار تطلب زيادة الإنفاق عندما كانت الأسعار تنخفض. أما في الحقبة ~~الكينزية فقد استمرت الأسعار في الارتفاع وقت الكساد والانتعاش على حد سواء، حتى وإن ~~كان بمعدلات مختلفة. وكان إنجاز السياسة الكينزية في السبعينيات هو تغيير المفهوم الشائع أن ~~البطالة كانت تكلفة غير مقبولة للاقتصاد الحر، إلى إدراك أنها كانت تكلفة مقبولة لتقليل ~~التضخم. ولم يكن ذلك مجرد تحيز أيديولوجي؛ فالسياسة الكينزية للتوسع في التوظيف «لا يمكن ~~تطبيقها» إلا عند تبدد توقعات التضخم من النظام الاقتصادي؛ حيث إنه في حالة توقع ارتفاع ~~مستوى التضخم، فإن العمال ببساطة سيطالبون بأجور أعلى. # ولكن كيف حدث هذا الموقف الغريب؟ فرغم سمعة كينز في مواجهة التضخم، فإن النماذج ~~المستنبطة من «النظرية العامة» كانت نماذج أسعار ثابتة؛ إذ ركزت على الطلب غير الملائم ~~بدلا من الزائد. لكن «النظرية العامة» للنقود يجب أن تتضمن كلا الاحتمالين والمواقف ~~الوسط، ومن الصحيح أن كتاب «النظرية العامة» قبل بصحة نظرية كمية للنقود لكن عند الوصول ~~لمستوى التوظيف الكامل؛ حيث قال فيه: «إذا ما وجدت البطالة، فإن «التوظيف» سيتغير بنفس ~~نسبة التغير في كمية النقود ؛ وعند التوظيف الكامل ستتغير «الأسعار» بنفس تغير كمية النقود.» ~~وعلى نحو أكثر واقعية، أقر كينز بأن التضخم يمكن أن يبدأ قبل الوصول إلى مستوى التوظيف ~~الكامل - أشار إلى ما سماه «حالات شبه التضخم» عندما يواصل الناتج ارتفاعه مع ارتفاع أكبر ~~في الأسعار ms132 - وذلك بسبب الجمود الهيكلي (عدم التوافق المهاري والجغرافي) وقدرة «الاتحادات ~~العمالية» في ظل تضييق الخناق على سوق العمل على رفع الأجور على نحو أعلى من الإنتاجية. وفي ~~مثل هذا الوضع هل يعتبر إجمالي الطلب غير كاف؟ لم يجب كينز على هذا السؤال. فهل على ~~إدارة الطلب أن تستهدف الوصول إلى ما سماه أبا ليرنر «التوظيف الكامل المنخفض» وتحقيق ~~استقرار الأسعار، أم الوصول إلى «التوظيف الكامل المرتفع» ووضع ضوابط على الأجور والأسعار؟ ~~ولم يجب كينز على ذلك أيضا؛ فقد اقتصر على الإشارة إلى أن مهمة تقييد رفع الأجور كانت ~~«مشكلة سياسية وليست اقتصادية»؛ وكان «يميل إلى غض الطرف عن مشكلة الأجور في اقتصاد به ~~مستوى توظيف كامل.» # وبدلا من وضع نظرية للتضخم، ظهرت ملاحظة تجريبية تعود إلى عام 1958؛ وهي «منحنى فيليبس» ~~الذي يوضح أن هناك علاقة مستقرة عبر الزمن بين مستوى البطالة ونسبة التغير في الأجور ~~النقدية وكذلك الأسعار من خلال استنباط لاحق. تحولت منطقة كينز الرمادية الخاصة ب «شبه ~~التضخم» إلى «المنطقة الآمنة» لمنحنى فيليبس، التي قيل إنه تتوافر للحكومات فيها «قائمة ~~اختيار» بين درجات التضخم والبطالة. وأراد الكينزيون المحافظون إدارة الاقتصاد في ظل «هامش ~~طاقة غير مستغلة» أكبر قليلا من أجل تقليل التضخم. كانت هذه سياسة يمكن استنباطها من ~~نموذج كتاب «النظرية العامة»، لكنها تعرضت للانتقاد باعتبارها غير أخلاقية من قبل ~~أنصار النمو من الكينزيين، الذين أرادوا زيادة الطلب حتى يتم توظيف آخر عاطل يبحث عن عمل ~~في أي وقت باستخدام سياسة الدخول للسيطرة على التكاليف، إما بالاتفاق مع الاتحادات ~~العمالية أو من خلال التشريعات. لكن آلان كودنجتون لاحظ أن التقليد الكينزي في اعتبار ~~مركزية السلطة ناتجة عن حل مشكلات الإدارة الاقتصادية يغفل السؤال بشأن حجم السلطة التي ~~تمتلكها الحكومة بالفعل، أو التي ينبغي لها أن تمتلكها في مجتمع حر. ولم يؤد عجز ~~الكينزيين عن التقدير الجدي للقيود على العرض - وهو نتيجة لرؤية كتاب «النظرية العامة» ~~للكساد - إلى الإخلال فقط بالتوازن الفكري الذي حاول كينز نفسه الحفاظ عليه، وإنما ms133 أيضا ~~بالتوازن السياسي للثورة الكينزية. وبنهاية سبعينيات القرن العشرين بدأ محبو الحرية وهؤلاء ~~الذين يقدرون الكفاءة في مغادرة المعسكر الكينزي بأعداد كبيرة. # لم يكن كينز بهذا القدر من السذاجة السياسية الذي نعته به بعض خصومه - فقد ذكر ذات مرة ~~أن السياسيين يسمعون فقط ولا يرون - لكنه لم ينتبه كثيرا للعملية السياسية التي توضع ~~السياسة الاقتصادية في إطارها؛ ومن ثم أعطى في أغلب الأحيان انطباعا بأنه إن كان ~~جهاز الدولة مسلحا بالنظريات السليمة ويدار على يد مسئولين نزهاء، فإنه من الممكن ~~ائتمانه على سلطات تفويضية أكبر على السياسة الاقتصادية مما قد يعتبره الفيكتوريون حكيما ~~أو مرغوبا فيه. ومن السهل الاعتقاد أن كينز نفسه كان سيتصف بعقلانية وحذر أكبر في ~~الاستشارات والخطوات الخاصة بالسياسة الاقتصادية من الاقتصاديين والسياسيين الكينزيين ~~اللاحقين، لكن من الصعب أن نجد في كتاب «النظرية العامة» أو في أي من كتاباته الأخرى أي ~~مناقشة صريحة للحدود الضرورية الواجب وضعها للتفويض باتخاذ القرارات الاقتصادية؛ وذلك إما ~~لأن الأمراء كانوا فاسدين بالفطرة كما رأى الفيكتوريون، وإما من أجل الحفاظ على مصداقية ~~السياسات المتبعة أو الالتزامات المحددة. ولاحظ بعض الكينزيين، مثل كريستوفر دو، أن تدخلات ~~الحكومات البريطانية لضبط السياسة المالية والنقدية في خمسينيات القرن العشرين أدت إلى ~~اختلال الاستقرار الاقتصادي، لكنه أرجع ذلك لعدم الكفاءة، رغم أن بعض المراقبين الأكثر ~~استقلالا فكريا، مثل تيرينس هاتشيسون، رأوا أن الحكومات كانت تسعى إلى استغلال الاقتصاد ~~للفوز بالانتخابات (ونجحت أحيانا في ذلك). # الأكثر أهمية أن الكينزيين لم يشكوا في أن العملية السياسية ربما تكون سببا في التضخم؛ ~~إذ أرجعوا العواقب السيئة لفترة السبعينيات إلى انخفاضات أو ارتفاعات شديدة عشوائية في ~~الأسعار أو أخطاء يمكن تجنبها أو أنانية قيادات الاتحادات العمالية وغير ذلك. وترك ~~لمدرسة الاختيار العام الاقتصادية المعارضة للفكر الكينزي مهمة إثبات أن السياسيين كانوا ~~يسعون لتحقيق منفعة سياسية بدلا من تحقيق الرخاء الاجتماعي، وكانوا يسعون للقيام ~~بمحاولات لإخضاع صنع القرار الاقتصادي لقواعد دستورية أو غيرها. وسواء كان منظرو مدرسة ~~الاختيار العام الاقتصادية على صواب ms134 أم على خطأ في تحديدهم لدوافع السياسيين ~~والبيروقراطيين، فإن قضية المصداقية يجب أن تواجه في ظل عصر الأسواق المالية العالمية. ~~ولسوء الحظ أفقدت تجربة الإدارة الكينزية في السبعينيات الأسواق ثقتها في أي حكومة ~~لا تقيد نفسها بتعهدات حديدية لتخفيض معدل التضخم. # لم يكن النقد الأساسي الموجه لكينز هو أن نظريته عن الناتج ككل كانت «عامة» جدا ~~لدرجة أنه لم يكن من الممكن تطبيقها على أي نوع من المجتمعات، والتي تتراوح بين ~~الديمقراطية والشمولية - وهي مسألة أقر بها كينز صراحة في المقدمة الألمانية لكتاب ~~«النظرية العامة» - وإنما هو أنه لم يحدد قط أي أنماط التطبيق مناسبة للمجتمعات ~~الحرة وأيها غير مناسب. فمن الصعب معرفة هذا من كتاباته الاقتصادية والسياسية. ومن ~~المرجح أنه لم ير أنه من الضروري القيام بهذا، اعتمادا - بالطريقة الإنجليزية - على ~~القيود التلقائية لمجتمع «يفكر ويشعر على نحو سليم» من أجل أن يمنع الحكام من ارتكاب أشياء ~~مروعة باسمه. # في ضوء هذه الخلفية التي عرضت كل النقاط فيها على نحو مختصر جدا، يمكن معرفة أسباب ~~تعليق العمل بالسياسة الكينزية منذ نهاية السبعينيات، رغم البطالة الشديدة والدائمة. لقد ~~شاع فقدان عام للثقة في الأنشطة التي تقوم بها الدولة في مجال التنظيم والإدارة ~~والإنفاق. كما انحسرت الثورة الكينزية في «خطاب رد الفعل»، ووجهت بشكل غير شرعي تجاه ~~جميع أشكال سيطرة الدولة على الاقتصاد. كان المشروع السياسي الأساسي في الفترة القريبة ~~الماضية هو القضاء على التضخم في الاقتصاديات، واستعادة الأموال العامة، وتحرير العلاقات ~~الصناعية، وتقليل الإنفاق العام (إن أمكن)، وخصخصة الصناعات الحكومية. ونظرت الحكومات ~~الموجودة في السلطة للبطالة باعتبارها إما تكلفة حتمية لإتمام هذه الإصلاحات أو باعتبارها ~~مشكلة مؤجلة إلى ما بعد الانتهاء من تلك الإصلاحات. إن مثل هذه السياسات تعكس التوقعات ~~التي أفرزتها التجربة الكينزية. # لكن تبقى بعض الأسئلة المحيرة: هل كان من الممكن لنسخة أكثر تواضعا من السياسة ~~الكينزية في ستينيات القرن العشرين أن تمنع تكون التوقعات التي جعلتها غير ذات جدوى؟ ~~وهل كان كينز نفسه سيجرب طريق سياسات الدخول؟ ms135 لا سبيل لمعرفة الجواب. لكن من المهم ~~تذكر أن كينز لم يكن ليقبل بالاستمرار في السير في طريق بعد أن علم أنه خطأ، حتى لو ~~كان هو الذي اختاره. بل كان سيحاول تصحيح الجوانب الخاطئة في هذا الطريق مع الإبقاء على ~~الجوانب الصحيحة منه. # واليوم لا يمكن تبني السياسة الكينزية على نحو صريح، رغم أن الضغوط السياسية ربما تؤدي ~~إلى تبنيها على نحو خفي. فسياسات الاقتصاد الكلي نفعية وغير نظرية، وليس من الواضح كيف ~~تتطور، لكن هناك ملاحظتين تبدوان مرجحتين؛ فمع عولمة الأسواق، وخاصة الأسواق المالية، ~~انتهى عصر الإدارة الاقتصادية الوطنية الذي بدأ عام 1914. فالسياسات الكينزية - إن تم ~~تبنيها - عليها أن تكون عالمية أو على أقل تقدير إقليمية. كذلك فقد ولت حقبة إدارة ~~الطلب التفويضية. وأيا كان الإطار النهائي للسياسة الاقتصادية، فسيكون محكوما ~~بالقواعد أكثر مما كان عليه الحال في ستينيات أو سبعينيات القرن العشرين. ونظرة النظرية ~~الكينزية للحكومات باعتبارها جهات تسعى لتعظيم الرفاهية الاجتماعية صعبة التصديق بحيث لا ~~يمكن قبولها في الوقت الحالي. ومع ذلك لن تمكن الثقة في قواعد عرض النقود أو توازن ~~الميزانية إذا توقعت السوق أن الضغوط السياسية ستضطرها لكسرها. # والسؤال الأصعب في الإجابة عليه هو: ما مدى الحاجة للنظرية الكينزية للحفاظ على استقرار ~~الاقتصاد العالمي ورخائه في السنوات المقبلة؟ تعتمد الإجابة جزئيا على نتيجة التحول من ~~الشيوعية إلى الرأسمالية في الاتحاد السوفييتي السابق وفي الصين. فهل سيؤذن هذا التحول ~~ببداية عصر جديد من السياسة المضطربة، أم أنه سيعيد فتح الحدود التي ظلت مغلقة لوقت طويل ~~أمام التجارة ويعيد الثقة في التقدم والرخاء التي اختفت باندلاع الحرب العالمية الأولى؟ ~~إن طبيعة الموقف هي التي ستحدد الأفكار الحاكمة التي ستحتاجها الاقتصاديات الرأسمالية، ~~كما أن الأفكار ستحدد هي الأخرى طبيعة الموقف. ولا يمكن لنا التخلي عن هذا الاعتماد ~~المتبادل في الحياة الاجتماعية. وليس بجديد أن نعرف أن عقل كينز الخصب دائما كان ~~مصدرا غنيا للأفكار المرتبطة على نحو مباشر بمشكلات الاقتصاديات في فترات التحول. # السؤال الآن: ما الذي ms136 بقي من كينز؟ لقد أصر كينز دائما على أن النماذج الاقتصادية ~~يجب أن «تكون مرتبطة بالعالم المعاصر»، وقال عن حلوله التي طرحها إنها «على مستوى مختلف ~~عن تشخيصي للمشكلات ... ولم يقصد منها أن تكون نهائية، بل تخضع لجميع أنواع الفرضيات الخاصة ~~وترتبط بالضرورة بالظروف الخاصة بوقتها.» # واليوم لا يحظى أي نموذج بقبول عام، سواء للاقتصاد الكلي أو الاقتصاد الجزئي أو ~~العلاقة بينهما. فمن ناحية نجد نظرية ميلتون فريدمان النقدية المعارضة لمذهب كينز، ~~والاقتصاد الكلي «الكلاسيكي الجديد» الذي ارتبط اسمه بكل من روبرت لوكاس وتوماس ~~سارجنت - وهو «الجناح المتطرف من النظرية ~~النقدية» - اللذين أنكرا صحة النماذج الكينزية وقوة تأثير السياسات الكينزية (ربما باستثناء ~~تأثيرها السلبي). ويتفق علماء الاقتصاد الكلي «الكلاسيكي الجديد» مع أتباع النظرية النقدية ~~في أن سياسات الاقتصاد الكلي تؤثر في المتغيرات الاسمية لا الحقيقية، وأن البطالة ~~ستميل دائما باتجاه «المعدل الطبيعي» الخاص بها. كما يرى مثل أتباع النظرية النقدية ~~أن «المعدل الطبيعي» للبطالة يمكن تقليله عن طريق السياسات المعنية بالعرض المصممة ~~لتعزيز محفزات الاقتصاد، وتحرير أسواق السلع وأسواق العمل، وخصخصة الصناعات المملوكة ~~للدولة. ويتمثل الإسهام التحليلي الأساسي لعلماء الاقتصاد الكلي الكلاسيكي الجديد في فرضية ~~التوقعات العقلانية؛ إذ تستغل العناصر الفاعلة العقلانية كل المعلومات المتاحة ذات الصلة ~~في اتخاذ قراراتها، وتتوصل إلى تنبؤات صحيحة بشأن تأثيرات سياسات الاقتصاد الكلي الحكومية ~~المعلنة، وتبنى تلك التنبؤات (في معظم نماذج التوقعات العقلانية) على نظرية كمية النقود. ~~فسياسة الاقتصاد الكلي التوسعية (أو الانكماشية) ليس لها تأثيرات حقيقية حتى على المدى ~~القصير (منحنى فيليبس يكون رأسيا دائما)؛ حيث إن الأسعار تتغير فورا حسب الظروف النقدية ~~المتوقعة. والاستنتاج المتناقض هو أن الإجراءات الكينزية لخفض البطالة إلى أدنى من «المعدل ~~الطبيعي» لها لا يمكنها تحقيق نتائجها المرجوة إلا اعتمادا على المفاجأة، وهو ما لا ~~يصلح أن يكون أساسا لأي سياسة قابلة للتطبيق. وهذا يعزز الخلاف مع النظرية النقدية بشأن ~~وجوب اتباع سياسة الاقتصاد الكلي لقواعد ثابتة لتقليل الخطأ في التوقعات. # من الناحية الأخرى، يرى الكينزيون أن الطلب ms137 مهم، وأنه لا يزال هناك دور مهم للسياسات ~~الحكومية الهادفة لخفض البطالة. لقد أثبتت التجربة الأوروبية في ثمانينيات وأوائل ~~تسعينيات القرن العشرين صحة فكرة كينز أن الارتفاعات أو الانخفاضات الشديدة في الطلب - سواء ~~جاءت من القطاع الخاص أو الحكومة - يمكن أن تؤدي إلى بطالة دائمة. لكن ليس من الواضح سبب ~~هذا. فإن كان الأفراد يتخذون قراراتهم بصورة عقلانية، فكيف يمكن أن تستمر البطالة غير ~~المرغوبة عندما تتوافر فرص التجارة المربحة للجميع؟ لقد أدى هذا اللغز في وقت لاحق لوضع ~~برنامج بحثي كينزي نشط. وحاول «الكينزيون الجدد» فهم أسباب جمود الأجور والأسعار الذي ~~افترضه الكينزيون في الخمسينيات بوصفه من المسلمات. فوضعوا نماذج لتفسير التعديل غير ~~التام للأجور والأسعار للتوافق مع الارتفاعات والانخفاضات الشديدة في الطلب، والتي تقوم على ~~تكاليف المعلومات وأخطاء التنسيق وتكاليف تغيير الأسعار وفرضيات كفاءة الأجور، والتوازنات ~~الاقتصادية التي يعتمد فيها الناتج على متغيرات عشوائية خارجية، وارتفاع البطالة على ~~نحو دائم وغيرها. فقد وضعت هذه النماذج لتبين أنه حتى في حالة وجود التوقعات العقلانية ~~ربما لا يتضح وضع أسواق العمل. واستمرت مدرسة ما بعد الكينزية في التأكيد على ما ركز عليه ~~كينز من أهمية الوقت وعدم اليقين واستخدام النقود باعتبارها مخزنا للقيمة ونظرية «الغرائز ~~الحيوانية» في الاستثمار. ويعد السلوك التقليدي للرأسماليين أو العمال الذي يؤدي لنتائج ~~سلبية على الاقتصاد ككل نتيجة منطقية لعدم اليقين أو - طبقا لنسخة سرافا وكاليتسكي من ~~مدرسة ما بعد الكينزية - نتيجة لصراع الطبقات. # ورغم الاختلافات الموجودة بينها حول دور سياسات الاقتصاد الكلي، فإن هناك اتفاقا ~~متزايدا بين جميع المدارس - المؤيدة للنظرية الكينزية والمعارضة لها - على أن الإجراءات ~~المعنية بالعرض يمكنها خفض البطالة القائمة، إما بإزالة العقبات التي تواجه المعاملات ~~في السوق أو بإعادة بناء القدرات الإنتاجية أو كلتيهما. # إن السؤال المطروح بخصوص ما ينبغي للحكومة فعله «باستمرار» من أجل إبقاء النشاط ~~الاقتصادي في مستوى عال والمقدار الملائم منه لن يختفي. والإجابة تعتمد من جانب على رؤية ~~صاحبها للاقتصاد، ومن جانب آخر على رؤيته للحكومة. فإذا ms138 كان الاقتصاد غير المدار «بطبيعته ~~أكثر استقرارا في دوراته» مما ظن كينز، فإن الإجابة ستكون أن الحكومات ليس عليها أن تفعل ~~الكثير. وأقل ما يجب على الحكومات عمله هو ألا تزيد الأوضاع سوءا. ويرى فريدمان أن ~~الصدمات الأشد سياسية المنشأ؛ فالحكومات يغريها التلاعب بالمعاملات النقدية من أجل ~~ضمان الأهداف التي تخدمها في المدى القصير؛ لذا فإن صلاحياتها ينبغي أن تقيد وفق قواعد ~~معينة. فلقد آمن كينز أن الاقتصاديات غير المدارة متقلبة بذاتها، مع ميلها تجاه ~~مستوى نشاط أقل من الطبيعي، بحيث يمكن للسياسة الاقتصادية أن تلعب دورا كبيرا في ~~استقرار أدائها وزيادة كفاءته. كما رأى أن الحكومات يمكن ائتمانها على تنفيذ سياسة ~~معاكسة للدورات الاقتصادية بكفاءة ونزاهة. # من الصعب حل هذا السؤال على نحو تجريبي؛ إذ يمكن القول إن السياسة الكينزية (بكل ما ~~يشوبها من شوائب سياسية) قد زادت الأمور سوءا عما كان يتوقع أن تكون عليه بدءا من ~~منتصف ستينيات القرن العشرين. لكن التاريخ أثبت أن نشاط القطاع الخاص يمكن أن يكون متقلبا ~~بشدة. وعلاوة على ذلك، عجزت النظرية النقدية عن التنبؤ بمستويات البطالة العالية الدائمة في ~~أوروبا، والتي تبعت تطبيق السياسات المضادة للتضخم في أوائل الثمانينيات، كما عجزت عن ~~وضع أي قاعدة مالية قابلة للتطبيق. # يقودنا ما سبق إلى استنتاج أن علم الاقتصاد طالما روج لنفسه، باعتباره «دليلا ~~للفعل» بدلا من مجرد وسيلة منظمة لتأمل حالات الاقتصاد المختلفة وتقديم رؤى لبناء ~~مؤسسات قادرة على تحقيق الرفاهية بشكل يتجاوز أفعال حكومة معينة في مكان معين في زمن معين. ~~لكن لم يكن الاقتصاديون - كما قال كينز - مفيدين ولو بقدر أطباء الأسنان. ولا يمكن ألا ~~نفكر في أن عقد الستينيات من القرن العشرين - ~~حينما كانت سياسة الاقتصاد الكلي ذات الأسس النظرية مطبقة - كان بداية تحول الأمور ~~إلى الأسوأ، وأن عوامل التحيز والمؤسسات التي قيدت الاستخدام التفويضي للأدوات الكينزية في ~~الخمسينيات هي ما أبقت السياسة الاقتصادية متحفظة نسبيا. فكينزية آيزنهاور قدمت ما ~~هو أفضل من كينزية كينيدي. # وإذا أردنا أن نستخلص درسا ms139 من التجربة التاريخية بعد الحرب، فهو أن المذهب الكينزي سينجح ~~إذا اعتبر موردا تقديريا في إطار مبني على القواعد، يضع قيودا قوية على سلطات ~~الحكومات ويعزز رفاهية الشعوب من خلال أوسع إجراءات التجارة الحرة الممكنة. ومن المرجح ~~أن ينبهر الباحثون عن الإلهام عند كينز في يومنا هذا بمدى الاهتمام والتفكير الذي أولاه ~~لتصميم نظام بريتون وودز، والذي كان أكبر مما أولاه للوصفات الكينزية لعلاج الأمراض ~~المحددة للاقتصاديات الفردية. إننا نسعى - سواء عن وعي أم عن غير وعي - لاستعادة الحالة ~~السعيدة التي أفرزت «العصر الذهبي» التي هذبتها كثيرا تجارب الفترة البينية. وسيعتمد ~~نجاحنا، على نحو جزئي، على مدى حسن الإدارة الاقتصادية. # | خاتمة # النظرة من عام 2010 # عندما كتبت عن كينز منذ 15 عاما، كان نجمه آفلا. وهناك إجماع على أن العصر الكينزي ~~انهار بسبب الفوضى النظرية واضطراب السياسات، وكان ضحية تزامن التضخم والبطالة اللذين عجز ~~الاقتصاديون الكينزيون عن تفسيرهما وصناع السياسات الكينزيون عن السيطرة عليهما. وكان ~~هذا هو الوضع الذي عاد فيه بقوة علم الاقتصاد الكلاسيكي - وهو الذي بدا أن كينز قد قوض ~~أسسه - ورجعت الحكومات إلى السياسات التي كانت تتبناها قبل العصر الكينزي مع إجراء ~~بعض التعديل عليها. اعتبرت الأسواق ذاتية التنظيم على نحو مثالي، واقتصرت مهمة الحكومة ~~في الاقتصاد الكلي على الحفاظ على «النقود القوية»؛ أي كانت مهمتها بشأن الاقتصاد الجزئي ~~هي تحرير الأسواق من أجل خفض «المعدل الطبيعي للبطالة». وعزز على نحو كبير إحياء ~~الاقتصاد الكلاسيكي ونظريته في السياسة الاقتصادية انهيار الشيوعية في عام 1990. وأتاح ~~هذا للمرة الأولى منذ عام 1914 عودة اقتصاد العالم الواحد المبني على توزان ~~الميزانيات والتجارة الحرة وحركة رءوس الأموال غير المقيدة؛ والتي كانت وصفة النجاح ~~الاقتصادي فيما قبل عام 1914. وأطلق مصطلح «العولمة» على هذا الامتداد العالمي لنظام ~~السوق. # لقد تأثر حديثي عام 1995 عن إسهام كينز في الاقتصاد بهذه التطورات النظرية والأحداث التي ~~وقعت في عالم الواقع، لكن كان هناك بالنسبة لي الكثير الذي بقي من كينز؛ فقد كتبت ~~أقول: «إن السياسات الانكماشية ms140 المتبعة على مدار الخمسة عشر عاما الأخيرة خلفت مستويات ~~عالية من البطالة الدائمة، وذلك كما توقع كينز.» بعبارة أخرى، لم ترتد الأنظمة ~~الاقتصادية سريعا إلى مستويات التوظيف الكامل والنمو السريع بعد الصدمة. وقد أعادت ~~الأحداث التي تلت ذلك فكر كينز إلى الحياة. ومن المنظور المعاصر، فإن ما يسمى ب ~~«فترة الاعتدال الكبير» فيما بعد عامي 1997 و1998، التي بدت أنها حافظت على النظام ~~الجديد الذي تكون الأسواق فيه غير منظمة أو موجهة من قبل الحكومات، استمرت لأقل من ~~عشرة أعوام، وهي تشبه كثيرا «فترة العشرينيات الهادرة» التي سبقت الكساد الكبير فيما ~~بين عامي 1929 و1932. ومع انهيار الأوضاع المالية في عامي 2007 و2008، ثبت أن المدرسة ~~الكلاسيكية الجديدة أخطأت عندما اعتقدت - شأنها في ذلك شأن المدرسة الكلاسيكية القديمة ~~- بصحة فكرة أن الأسواق ذاتية التنظيم. # لقد تغيرت أفكاري عما ميز كينز وميراثه، ومن بين أسباب ذلك تغير العالم. وسأشير ~~فيما يلي إلى خمسة موضوعات متعلقة بكينز حظيت بأهمية كبرى لدي منذ نشر الطبعة ~~الأولى من الكتاب. # دور عدم اليقين # سأعطي الآن اهتماما بعدم اليقين في فكر كينز أكبر من اهتمامي به في 1995. ليس ~~السبب أنني لم أكن على دراية بأهمية هذا الأمر. في واقع الأمر، فإنني لن أغير كلمة ~~واحدة من الفقرة الأولى من الفصل الأول، لكني لن أجعل تلك الفقرة في قلب حديثي عن ~~نظرية كينز. ففي هذا الجانب، اتبعت الطريقة التقليدية للمعالجة؛ إذ كان الهدف من ~~كتاب «النظرية العامة» هو تفسير كيف يمكن للاقتصاد أن يخرج من فخ انخفاض نسبة ~~التوظيف، لا كيف وقع فيه. بعبارة أخرى، كانت النظرية هي نظرية توازن. # لقد بدا هذا النموذج الأمثل لعصره؛ لأن العالم أراد أن يعرف وسيلة للخروج من الفخ. ~~لقد بينت نظرية المضاعف حجم الطلب الإضافي المطلوب ضخه في اقتصاد يعاني من ~~الكساد لإعادته إلى مستوى التوظيف الكامل؛ لذا كان نموذج الدخل/الإنفاق أنسب ما قدمه ~~كينز لصانع السياسة، وقد كان هذا النموذج هو الصيغة الذي وردت بها النظرية في كتابه ~~المميز. ms141 # في كتاب «النظرية العامة» كانت التوقعات تعامل معاملة أمور مسلم بها؛ فلم يكن ~~إجمالي الطلب سوى دخل متوقع. ولم يفسر سبب توقع مستوى معين من الدخل بدلا من غيره. ~~إلا أن أي نظرية تسعى لتفسير «حركة» اقتصاد ما عبر الزمن تتطلب نظرية ~~للتوقعات. # وهنا يأتي دور نظرية كينز للتوقعات غير المؤكدة. فالسبب الذي يؤدي إلى انهيار ~~الاقتصاديات هو وجود توقعات «غير مؤكدة». يلعب عدم اليقين دورا ثانويا في القصة ~~الرئيسية لكتاب «النظرية العامة»؛ إذ لا يظهر إلا بعد عرض الجزء الإيجابي من نظريته، ~~الذي يفترض عمل توقعات. لكنه من الواضح، على ما أظن، أنه من دون التوقعات غير المؤكدة ~~ستنهار القصة بالكامل؛ إذ لن يحدث انهيار الاستثمار الذي يدفع الاقتصاد نحو الكساد، ولن ~~توازن أسعار الفائدة تلقائيا أي خلل بين الادخار والاستثمار المتوقعين، ~~وستصبح النظرية الكلاسيكية هي النظرية الوحيدة القابلة للتطبيق في كل الظروف. لكن ~~ما كان مجرد «استطراد» في كتاب «النظرية العامة» أصبح رسالته الجوهرية بعدما أعاد كينز ~~صياغة «الأفكار الأساسية البسيطة» التي أسست لنظريته في مقال بعنوان «النظرية العامة ~~للتوظيف»، الذي نشر في دورية «ذا كوارترلي جورنال أوف إيكونوميكس» في فبراير عام 1937. ~~وبنى اقتصاديون مثل شاكل (1967) ومينسكي (1975) وتشيك (1992) وديفيدسون (1972 و2007) ~~شروحهم لكينز على ذلك المقال. # قال كثير من المعلقين إن كينز لم يكن لديه سوى القليل ليقوله، أو لم يكن لديه ما ~~يقوله على الإطلاق عن عدم الاستقرار المالي. لكن هذا لم يكن صحيحا؛ فاضطراب الاستثمار ~~باعتباره سببا للأزمات فكرة مستمرة عبر كتاباته (انظر مثلا كتابه «بحث في النقود»)؛ ~~وكان سبب هذا الاضطراب - وهو عدم اليقين الحتمي بشأن المستقبل - محددا فيها بوضوح. ~~وبنفس القدر من الوضوح اعتبر كينز المعرفة بالمستقبل القابلة للتنبؤ بها افتراضا ~~ضمنيا ينبع من النظرية الكلاسيكية للسوق الذاتية التنظيم. فإن كنا نعلم ما سيأتي به ~~الغد، فلن تقع أبدا أي أزمات مالية أو اقتصادية؛ وذلك بافتراض منطقية ~~السلوك. # ربما يتعارض رأي كينز أن التوقعات غير المؤكدة هي السبب الأساسي للأزمات المالية مع ~~الرأي الشائع ms142 اليوم أن انهيار القطاع المصرفي فيما بين عامي 2008 و2009 نتج عن «الخطأ ~~في تقدير ثمن المخاطر». ويتضمن هذا فكرة أخرى؛ وهي أن المخاطر يمكن تقدير ثمنها بدقة، ~~لكن الذي يمنع الأسواق من تقدير الثمن الصحيح هو الخلل في المعلومات أو الحوافز؛ لذا ~~فإن السبيل إلى منع وقوع مزيد من الأزمات هو تحسين «إدارة المخاطر» من قبل المصارف ~~والسلطات النقدية؛ من خلال زيادة الشفافية ووضع نماذج مخاطرة أفضل، وقبل كل شيء تحسين ~~الحوافز للقيام بالتقييم الصحيح للمخاطر. ويبدو أن الجدل ينحصر بين من يرون أن ~~المخاطر تقدر ثمنها بدقة دائما - فرضية السوق الفعالة - ومن يسلمون بأن ~~المعلومات غير الدقيقة و/أو الحوافز غير المناسبة يمكنها أن تدفع أسعار السوق إلى ~~الانحراف عن الأسعار الصحيحة التي تحددها «الأساسيات». # وفي المقابل، فرق كينز بين المخاطرة وعدم اليقين؛ فالمخاطرة تكون عندما يمكن معرفة ~~الاحتمالات (أو قياسها)، أما عدم اليقين فهو عندما لا يمكن معرفة الاحتمالات (أو ~~قياسها). وكانت فكرته الأساسية هي أن النظرية الكلاسيكية للأسواق الذاتية التنظيم ~~قامت على الافتراض المعرفي بأن المشاركين في السوق لديهم معلومات كاملة؛ وهو ~~افتراض أعيد إحياؤه في نظرية التوقعات العقلانية. إذا سلمنا بذلك فستترتب فرضية ~~التوظيف الكامل، وإن لم نسلم به فستنهار؛ فاقتصاد كينز هو اقتصاد تكون فيه معرفتنا ~~بالمستقبل «محدودة وضئيلة جدا عادة»، وتخيب فيه التوقعات باستمرار. ويجعل هذا ~~تراكم الثروة «موضوعا غير مناسب بالمرة لمناهج النظرية الاقتصادية الكلاسيكية»؛ ~~فالنماذج التي تفترض أن لدينا احتمالات قابلة للحساب لكل ما قد يطرأ في ~~المستقبل من ظروف هي نماذج احتيالية بالأساس. # ما الذي جعل قدرا كبيرا من المستقبل عصيا على الحساب الاحتمالي؟ لقد ضرب كينز ~~مثل التفاحة التي منحت صفات «بشرية»؛ إذ تقول نظرية نيوتن في الفيزياء إنها ستسقط ~~دائما على الأرض، بسرعة تحددها القوة المبذولة عليها مقسومة على كتلتها. لكن لا ~~يمكن التنبؤ بهذا في حالة التفاحة «البشرية»: # فسيكون الوضع كما لو أن سقوط التفاحة على الأرض يعتمد على دوافع التفاحة، ~~وعلى جدوى وقوعها، وعلى ما إذا أرادت ms143 الأرض أن تسقط التفاحة عليها، وعلى ~~الحسابات الخاطئة للتفاحة ذاتها بشأن بعدها عن مركز الأرض. # ويمكن أن يرجع جزء من عدم اليقين بشأن سرعة سقوط التفاحة إلى أخطاء من جانب التفاحة ~~(أي: «حسابات خاطئة») يمكن تصحيحها من حيث المبدأ. لكن الصفات «البشرية» الرئيسية التي ~~يفترضها كينز في تفاحته هي «الدوافع» و«النوايا». فهذه الصفات هي ما يمثل الحد الفاصل ~~بين علم الاقتصاد وعلم الفيزياء، وهو ما يجعل الاقتصاد علما «أخلاقيا» والفيزياء ~~علما «طبيعيا». فما قصده كينز هو أن علم الاقتصاد «يهتم بالتأمل الذاتي ~~والقيم ... بالدوافع والتوقعات والشكوك النفسية.» ولا يمكن التنبؤ بالمستقبل لأنه عرضة ~~للتغير على نحو خارج عن التوقعات، وهذا يرجع في الغالب إلى أننا اخترنا أن يكون كذلك. ~~وتعني هذه الرؤية ضمنا وجود قيود كبيرة على قابلية علم الاقتصاد القياسي للتطبيق؛ إذ ~~اعتقد كينز أنه لا يمكن تطبيقه بشكل أساسي إلا في تلك المجالات التي يمكن فيها قياس ~~المخاطرة. ويستبعد ذلك كثيرا من مخاطر أسواق الاستثمار. # إن الوسيلة الأساسية التي نعتمد عليها ~~للتأقلم مع عالم يسوده عدم اليقين هي قياس المخاطرة بالأرقام، وهذا ما تقدمه نماذج ~~التنبؤ الرياضية باستخدام نسخة ما من نظرية بايز لتحويل الاحتمالات السابقة إلى ~~احتمالات لاحقة. ويوفر هذا الاطمئنان الضروري للاستثمار، لكنه اطمئنان زائف؛ ~~فبينما يسمح تكرار الرهان على الأحصنة بتحديث «الاحتمالات السابقة» خاصتك لتتفق مع ~~المستويات «الحقيقية» للأحصنة، ليس ثمة قدر من معلومات عن الأحداث الاقتصادية في ~~الماضي يقرب صاحبه من الاحتمالية الحقيقية لحدوث تلك الأحداث في المستقبل؛ لأن ~~المستقبل يختلف حتما عن الماضي، وما نفعله هو أننا نستخدم الرياضيات كي «نخترع» عالما ~~من الاحتمالات القابلة للحساب، ثم نعتمد عليه بصفته انعكاسا للعالم الواقعي. # ليس من الحماقة اعتبار المستقبل قابلا للقياس، بل إنه في الواقع هو الأساس المنطقي ~~الوحيد للتصرفات الفردية، كما أنه يتضمن - كما قال كينز - قدرا كبيرا من الاستقرار؛ ~~فالتنبؤات الرياضية يمكنها أن ترسم المستقبل الذي تزعم توقعه من خلال تشكيل توقعاتنا؛ ~~فهي قد تنتج ما يطلق الاقتصاديون عليه التوازنات «المتكررة»، وهي ms144 المسارات التي تتشكل، ~~ليس بسبب ما في العالم بالفعل ولكن بسبب تصوراتنا عنه؛ فالتنبؤات تعطي صورة للمستقبل ~~تبعث على الثقة، وذلك ما دام لم يحدث شيء يهز الثقة في الصورة. # لماذا ينهار الاستثمار؟ أجاب كينز بأن آلية تحويل عدم اليقين إلى مخاطرة يمكن ~~حسابها تقوم على الاعتقاد الشائع بأن «الأوضاع الحالية ستستمر إلى ما لا نهاية، إلا إذا ~~توافرت أسباب محددة لتوقع حدوث تغيير في المستقبل القريب ... ومن ثم فإننا نفترض ~~أن التقييم الحالي للسوق - مهما كان - صحيح تماما بالتناسب مع معرفتنا الحالية، وأنه ~~لن يتغير إلا بالتناسب مع وجود تغيرات في تلك المعرفة.» وهذا الاعتقاد باطل من الناحية ~~الفلسفية؛ «إذ لا تمثل معرفتنا الحالية أي أساس كاف للتوقعات الرياضية المحسوبة.» ~~إلا أنه بتبني هذا الاعتقاد فإن المستثمر يمكنه «أن يشجع نفسه بفكرة أن المخاطرة ~~الوحيدة التي يتعرض لها تتمثل في حدوث تغير حقيقي في الأخبار «في المستقبل القريب»»، ~~وهو أمر من غير المحتمل أن يكون كبيرا؛ لذا «فإن الاستثمار يصبح «آمنا» بدرجة ~~معقولة بالنسبة للمستثمرين الفرديين في الفترات القصيرة، ويصبح آمنا بالتبعية في سلسلة ~~متتابعة من الفترات القصيرة ... إذا استطاعوا الاطمئنان، إلى حد ما، إلى أنه لا يوجد ~~تحول في الأمر.» لقد رأى كينز أن «أكبر أسواقنا الاستثمارية ... بنيت على مثل هذه ~~العملية.» # يكمن عيب الطريقة السابقة في أنها تتجرد من عدم اليقين عن طريق افتراض أن المستقبل ~~يتكون من سلسلة متتابعة من الفترات القصيرة جدا التي من المتوقع أن يكون لدينا عن ~~كل منها معلومات موثوق فيها. ومن الناحية العملية، فإن العائد المنتظر (التدفق النقدي ~~المستقبلي المخصوم) لأي استثمار عبر عدد معين من السنوات عرضة لجميع أنواع المجهول؛ ~~فيما يتعلق بأسعار الفائدة المستقبلية، ومعدلات التضخم، وأسعار الصرف، واختيار أسعار ~~الفائدة للخصم وغيرها. إن فرضية السوق الفعالة القائلة إن كل المعلومات ذات الصلة عن ~~أسعار الأوراق المالية المستقبلية كامنة بالفعل في أسعارها الحالية؛ هي فرضية خاطئة ~~تماما مثل الاعتقاد أن التحليل الاقتصادي القياسي سيمدنا بمعلومات موثوق بها عن ~~المسار ms145 المستقبلي لمتغيرات الاقتصادين الكلي والجزئي؛ فالأولى تعجز عن تفسير كيف ~~يمكن للأسعار الحالية أن تختلف عما يسمى «القيم الحقيقية»، أما الثانية فتفترض ~~معرفة أشياء لا يمكن حساب احتمالاتها على أساس علمي. وعلى عكس الاعتقاد السائد بأن ~~التوقعات تتحقق في المتوسط، رأى كينز أنها تخيب في المتوسط؛ حيث تندر حالات ~~تحققها. كما رأى أن عدم اليقين أجبر الاستثمار المحترف على المضاربة؛ إذ إن سرعة ~~التبادلات مهمة لتفادي الخسارة. # إن التوقعات غير المعتمدة على أساس ثابت عرضة للزوال؛ لأنه - كما قال كينز - «ليس ثمة ~~سبب ثابت يدفع للإبقاء عليها»؛ أي التمييز بين المعلومات الجديدة ذات الصلة وغير ذات ~~الصلة. ويبدأ الجميع فجأة في إعادة النظر في حساباتهم. وأضاف موضحا: # إن التزام الهدوء والثبات النابعين من اليقين والأمان يختفي فجأة؛ فالمخاوف ~~والآمال الجديدة ستسيطر على السلوك البشري دون سابق إنذار، وقد تفرض قوى ~~التحرر من الوهم فجأة أساسا تقليديا جديدا للتقييم، وكل الآليات ~~المنمقة المهذبة التي وضعت لأجل سوق منظمة على نحو جيد وغرفة تحديد ~~أسعار مختارة بعناية ستصبح عرضة للانهيار. # وهذا بحسب ما أعرف تفسير نظري جيد للانهيار الاقتصادي الذي وقع في خريف عام ~~2008. # لكن هذا هو نصف القصة فقط؛ فالاستثمار يعتمد على ما أطلق عليه كينز الكفاءة الحدية ~~لرأس المال - أي معدل العائد المتوقع إلى التكلفة - في مقابل سعر الفائدة. فإذا كانت ~~الكفاءة الحدية لرأس المال أكبر من سعر الفائدة فسيحدث استثمار، وإذا قلت عنه فلن ~~يحدث. وفي ظل النظرية الكلاسيكية، يتم ضبط سعر الفائدة، وهو السعر الذي يوازن بين ~~الادخار والاستثمار، على نحو تلقائي وفق أي تغيير في الكفاءة الحدية لرأس المال. وافق ~~كينز على أن حجم الاستثمار يعتمد على سعر الفائدة، لكنه رفض أن يتم تحديد سعر الفائدة ~~في السوق من أجل الادخار والاستثمار؛ فهو يرى أن سعر الفائدة هو السعر الذي من أجله ~~يتخلى الناس عن النقود التي يدخرونها. تلك هي نظريته الخاصة بتفضيل السيولة المتعلقة ~~بسعر الفائدة. فتلعب النقود جزءا مهما في رؤية كينز لانهيار الاستثمار؛ فالاحتفاظ ms146 ~~بالنقود بديل لشراء الاستثمارات، وكان كينز أول اقتصادي يحدد على نحو واضح دور النقود ~~باعتبارها «مخزنا للقيمة»، وينشأ ما أطلق عليه «تفضيل السيولة» عندما ينهار الاعتقاد ~~المدعم للاستثمار. ويمكن أن يؤخر حدوث زيادة في تفضيل السيولة خفض سعر الفائدة ~~الضروري لاستعادة الاستثمار في مواجهة انخفاض الربحية المتوقعة. في واقع الأمر، إن ~~انخفاض الربحية المتوقعة للاستثمار والتحول للاحتفاظ بالنقود وجهان لعملة واحدة، وهذا ~~ما حدث بالفعل في عامي 2007 و2008؛ فقد انخفضت السيولة على نحو مفاجئ مع زيادة ~~البنوك لأرصدتها النقدية وإيقافها للإقراض. وقد لعبت الاستدانة دورا أكبر في حالة ~~الكساد مما فعلت في وقت الكساد الكبير، لكن الدافع الأساسي للتحول للاحتفاظ بالنقود - ~~وهو فقدان الثقة في المستقبل - كان واحدا. إن الزيادة في تفضيل السيولة عند انخفاض ~~الكفاءة الحدية للاستثمار هو التفسير الأساسي الذي قدمه كينز لعدم امتلاك السوق لآلية ~~تصحيح تلقائية. # إن طريقة التوازن التي قدمها كينز جعلته أيضا لا يقدم تفسيرا نظريا لكيفية ~~حدوث البطالة القسرية، والتي تعرف بأنها الحالة التي يكون فيها عدد أكبر من الناس ~~مستعدين للعمل بأجر حقيقي أقل لكنهم مع ذلك غير موظفين. السؤال هو: لماذا قللت ~~المنافسة بين العمال الأجور الحقيقية على نحو كاف بحيث لا يمكنهم جميعا إيجاد وظائف ~~لهم؟ أو لنضع السؤال بطريقة أخرى: كيف يمكن لطريقة كينز الخاصة بالتوازن في حالة نقص ~~التوظيف أن تمثل توازنا حقيقيا إذا كانت تحتوي على أسعار تؤدي لاختلال التوازن؟ ~~هناك خلل نظري كبير في النظريات الكينزية فيما بعد الحرب، والذي يتمثل في عدم قدرتها ~~على تفسير سبب حدوث البطالة الدائمة إلا فيما يتعلق بالأجور «المتماسكة»، والتي لم ~~تستطع أيضا تحديد سبب حدوثها. حاول أكسل ليونهوفود أن يملأ تلك الفجوة النظرية من خلال ~~نظرية (غير كينزية) للتوظيف الكامل على مدى فترة طويلة. فكما أشار، إن الأمر المبتكر ~~الأساسي في كتاب «النظرية العامة» كان إنشاء نموذج يتفاعل فيه النظام مع أي اضطراب من ~~خلال إدخال ضبط الناتج، لا الأسعار. وبعد حدوث صدمة، يتم ضبط كل من الناتج ms147 والأسعار. ~~لكن يتم ضبط الأسعار على نحو أبطأ من الناتج؛ لأن الناس لا يعرفون سعر التوازن الجديد؛ ~~لذا فهم يتعاملون بأسعار تؤدي لاختلال التوازن. فلا يوجد خبير مثمن لوضع «متجه لأسعار ~~المقاصة للسوق» قبل أن تبدأ عملية المبادلة. علاوة على ذلك، وعلى المدى الطويل جدا ~~فقط تحتاج أسعار الفائدة طويلة الأجل أن تتوافق مع الاحتمالات التحويلية المادية ~~الأساسية والتفضيلات الشخصية الزمنية. وهكذا، يمكن لعدم اليقين أن يجعل الأجور الحقيقية ~~وأسعار الفائدة طويلة الأجل لعدة أعوام أعلى من الأسعار المطلوبة للتوظيف ~~الكامل. # الجدل حول الحافز # عندما انهار النظام المالي في عام 2008، آخذا معه الاقتصاد الحقيقي، تدخلت ~~الحكومات في كل مكان ب «حزم تحفيزية» مكونة من مزيج من طباعة النقود، وتخفيض ~~الضرائب أو تقديم دعم للإنفاق الخاص، وزيادات كبيرة في الإنفاق العام الممول من خلال ~~القروض. تم كل هذا وفق الوصفة الكينزية. وحتى روبرت لوكاس، أحد رواد مدرسة شيكاجو ~~الاقتصادية، أقر قائلا: «إننا جميعنا كينزيون فكريا.» لكن علامات الانتعاش ~~الاقتصادي سرعان ما أدت إلى استعادة للجانب الفكري الطبيعي. فمعظم الاقتصاديين ~~والعديد من صناع السياسات يدعون لسحب سريع للحافز على أساس أنه سيؤدي إلى إفلاس ~~الحكومات أو التضخم أو كليهما. ما أظهره هذا التحول السريع هو أن نموذج الاقتصاد الذي ~~حاول أن يخرجه كينز من عقول الاقتصاديين في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين ما زال ~~مستقرا في مكانه. إنه يترنح فقط في لحظات الفزع، لكنه سرعان ما يثبت نفسه ~~ثانية. في واقع الأمر، إن الجدل الحالي حول الحافز هو إعادة للجدل الذي دار بين كينز ~~ومنتقديه في وقت الكساد الكبير. # في عام 1929، ومع وصول نسبة البطالة في بريطانيا إلى 10٪ من العمالة المؤمن عليها، ~~كتب كينز وهوبرت هيندرسون كتيبا بعنوان «هل يمكن للويد جورج أن ينجح؟» في هذا الكتيب، ~~اقترحا برنامجا كبيرا للمشروعات العامة، والتي سيتم تمويلها من خلال القروض لإحداث ~~«موجة رخاء تراكمية». وحاولت وزارة الخزانة البريطانية دحض بنود الاقتراح باستخدام ~~حجة طورها اقتصاديها الوحيد في ذلك الوقت؛ آر جي هوتري. ادعى هوتري أنه، ms148 في ظل ~~ثبات عرض النقود، «سيزاحم» أي قرض حكومي للمشروعات العامة قدرا مكافئا من الإنفاق ~~الخاص. ويمكن زيادة نسبة التوظيف فقط عن طريق التوسع في الائتمان، أو ما أطلق عليه ~~حينها التضخم. وأملي رئيس الوزراء، ستانلي بولدوين، هذه الكلمات: «يجب علينا أن نأخذ ~~النقود الحالية أو نصدر نقودا جديدة.» # رد عليه كينز على نحو لاذع قائلا: «لقد ابتكر السيد بولدوين الحجة الغريبة القائلة ~~بأنه يجب عليك ألا تقوم بأي شيء؛ لأن هذا يعني أنك لن تقدر على القيام بشيء آخر.» ~~غير أن حجة وزارة الخزانة في عام 1929 أعيد بيانها في عام 2009 بنفس الطريقة تقريبا ~~من قبل جون كوكرين، الأستاذ بجامعة شيكاجو: # إذا كانت النقود لن تطبع، فيجب أن تأتي من مكان ما. فإذا اقترضت الحكومة ~~دولارا منك، فهذا دولار لم تنفقه أو لم تقرضه لشركة لتنفقه على استثمار جديد. ~~فكل زيادة دولار واحد في الإنفاق الحكومي يجب أن يقابله نقص دولار واحد في ~~الإنفاق الخاص. والوظائف التي توجد من خلال الإنفاق المحفز تقابلها وظائف ~~فقدت بسبب انخفاض الإنفاق الخاص. فيمكننا بناء طرق بدلا من المصانع، لكن ~~الحافز المالي لا يساعدنا على بناء الاثنتين معا. # إن مردود تلك الحجة بالنسبة للسياسة هو أن الحافز المالي خطأ ويجب إيقافه بأسرع وقت ~~ممكن لإفساح المجال أمام الإنفاق الخاص. وتلك هي الدعوة التي يكاد يكون قد أجمع عليها ~~السياسيون والمعلقون المحافظون، والتي ستكون صحيحة إذا كان الاقتصاد في مستوى التوظيف ~~الكامل. لكن عندما يكون الوضع أن ينخفض الإنتاج والتوظيف بنسبة 5٪، فقد كان من الواضح ~~أن تلك الدعوة لا معنى لها؛ فالإنفاق الحكومي بتوظيفه للعمال الذين لا يعملون لا يأخذ ~~التوظيف من هؤلاء الذين يعملون بالفعل؛ فهو يضيف لحجم التوظيف. ومن الواضح على نحو ~~متساو أن الإنفاق الحكومي الإضافي سيتم تمويله في البداية بطباعة النقود؛ لأن أي ~~انخفاض في إجمالي الإنفاق سيؤدي إلى انهيار في عرض النقود. لكن مع إنفاق النقود ~~الجديدة، ستكون هناك دولارات إضافية كي تقترضها الحكومة دون أن تأخذها من ms149 مالكي ~~الدولارات الحالية. فسر كينز كل هذا على نحو واضح في عام 1937 عندما أشار إلى أن ~~القرار الخاص بالاستثمار يجب أن يتضمن «طلبا مؤقتا على النقود ... قبل أن يحدث الادخار ~~المقابل»؛ لذا، على الرغم من أن الاستثمار الإضافي (سواء العام أم الخاص) لا يمكن ~~تقليله بسبب «نقص الادخار»، فإنه يمكن أن يزيد عن عرض التسهيلات التمويلية «إذا كان ~~النظام المصرفي غير مستعد لزيادة عرض النقود والعرض من المالكين الحاليين للأرصدة ~~الراكدة غير مرن.» في تلك الحالة، يمكن للبنك المركزي أن يقوم على نحو دائم بإنشاء ~~التمويل اللازم للاستثمار الإضافي، سواء العام أم الخاص، من خلال طباعة المزيد من ~~النقود. وإذا حدث الاستثمار، فإن «المستوى الملائم من الدخول سيتم إنتاجه بحيث يكون ~~هناك قدر كاف من الادخار للقيام بالاستثمار الجديد.» # يرى أتباع هوتري المعاصرون أن طباعة النقود شرط ضروري وكاف لإحياء الإنفاق الخاص. ~~فلا توجد حاجة لإنفاق حكومي إضافي على المشروعات العامة ... إلخ. فعندما يشتري البنك ~~المركزي سندات الدين الحكومية والخاصة بالشركات، فإنه يضيف للاحتياطيات النقدية ~~للبنوك والشركات. وتمكن عمليات الشراء هذه البنوك من توسيع الودائع (القروض) ~~والشركات من توسيع استثماراتها. وهكذا، فإن «عمليات السوق المفتوحة»، التي يتم ~~القيام بها لأي مدى ضروري، ستكون كافية لإحداث انتعاش حتى من كساد شديد. # كان كينز يؤمن بالتأكيد بشيء مشابه لهذا عندما ألف كتابه «بحث في النقود» فيما ~~بين عامي 1929 و1930؛ فهو كان يرى أن السياسة النقدية ستكون كافية لإنقاذ أي ~~اقتصاد من الكساد، إلا في الوضع الاستثنائي الذي يقل فيه توقع الربحية عن الحد ~~الأدنى لأسعار الفائدة التي تكون البنوك على استعداد للإقراض بناء عليها. وبحلول عام ~~1932، اعتقد أن هذا الوضع كان موجودا؛ فقد قال في محاضرة له في 4 فبراير من عام 1932: # ربما يستمر المقرض، الذي ستفقده التجربة ثقته، في طلب أسعار فائدة ~~جديدة للشركات، والتي لا يمكن للمقترض أن يتوقع الحصول عليها ... إذا كان هذا ~~هو الوضع، فلن يكون هناك سبيل للخروج من كساد طويل، وربما لا ينتهي إلا ms150 من خلال ~~التدخل المباشر للدولة لتحفيز الاستثمارات الجديدة وتمويلها. # أدى الركود الياباني الطويل في تسعينيات القرن العشرين إلى بروز فكرة «فخ السيولة». ~~سأل كينز: لماذا يجب على شخص ما الاحتفاظ بالنقود لأي غرض غير الدوافع التحوطية ~~والمبادلات، في حين أنه يمكن أن يحصل على دخل باستثمار تلك النقود في سندات الدين؟ ~~وجد كينز أن الشرط الضروري لهذا الادخار القائم على المضاربة هو «وجود «عدم يقين» فيما ~~يتعلق بسعر الفائدة المستقبلي». فإذا كان بالإمكان توقع أسعار الفائدة التي ستسود في ~~المستقبل على نحو يقيني، «فسيكون من الأفضل دائما شراء سندات دين عن الاحتفاظ ~~بالنقود باعتبارها مخزنا للثروة.» لكن إذا كان هناك نوع من عدم اليقين بشأن أسعار ~~الفائدة المستقبلية، فقد تكون النتيجة مختلفة تماما. فإذا ارتفعت أسعار الفائدة، ~~فسيكون هناك فقد لرءوس الأموال، والذي سيزيد كلما زاد طول أجل سند الدين. حذر ~~كينز من أنه، بالنسبة لمستثمر يفكر في امتلاك سند دين أجله عدد معين من ~~السنوات، «... إذا احتاج لنقود سائلة قبل انقضاء تلك السنوات، فهناك خطر التعرض للخسارة ~~في حالة شراء سند دين طويل الأجل ثم تحويله إلى سيولة نقدية، مقارنة بالاحتفاظ ~~بالنقود.» وخلص كينز إلى أنه عندما يكون هناك عدد كاف من المستثمرين الذين يتوقعون ~~أن الحركة التالية في أسعار الفائدة ستكون باتجاه الصعود، سيدخرون على الأقل جزءا من ~~ثروتهم في شكل نقود سائلة، لا سندات دين. إنهم سيقومون بهذا حتى لو كانوا سيتخلون ~~عن دخل يمكنهم الحصول عليه في المستقبل القريب. على الجانب الآخر، عندما تنخفض عوائد ~~سندات الدين على نحو كبير بحيث يكون التوقع العقلاني الوحيد هو حدوث ارتفاع مستقبلي ~~في عائد السندات (أي يكون التوقع العقلاني الوحيد هو خسارة رءوس الأموال)، سيحتفظ ~~المستثمرون بأي أرصدة نقدية إضافية، والتي كان بإمكانهم ضخها في استثماراتهم. وسيقع ~~الاقتصاد حينها في فخ السيولة؛ حيث سيراكم الناس أرصدتهم النقدية دون حدود. ولن تستطيع ~~عمليات السوق المفتوحة إنقاذه. فقط السياسة المالية هي التي تستطيع إنقاذه. لا يعتقد ~~كينز أن فخ السيولة المجرد ms151 - بمعنى أن منحنى تفضيل السيولة وعرض النقود يكون مسطحا - ~~قد حدث من قبل، على الرغم من أن الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين قد ~~اقتربت من الوقوع فيه. لكن من الواضح أن أي تسطيح لهذا المنحنى، حتى لو كان بحيث ~~لا يبلغ الوقوع في الفخ، يقلل فاعلية السياسة النقدية. ولم يكن كينز قلقا بشدة بشأن ~~الفخ؛ حيث إنه إذا حدث بينما يتم تعطيل السياسة النقدية، فستكون الحكومة قادرة على ~~اقتراض مبالغ غير محدودة بسعر فائدة اسمي لإنفاقها الخاص. # إن مناقشة كينز لفخ السيولة تعرضت لنقد عنيف لكونها غير مكتملة من الناحية ~~التحليلية؛ فقد افترضت بديلين فقط؛ الاحتفاظ بالنقود وشراء سندات الدين. لكن ~~المدخرين قد يعبروا عن رغبتهم في ادخار السيولة بزيادة طلبهم على الأصول السائلة ~~الأخرى مثل الأوراق المالية. وإذا كان لدى المستثمرين الاختيار بين النقود وسندات الدين ~~والأوراق المالية، ويسمح بالزيادة في كمية النقود لتغيير توقعات التضخم، فإن فخ السيولة ~~الخاص بكينز سيتفكك. لكن يتراءى لي أن هذا لا ينقذ اعتقاد كينز بأن السياسة النقدية ~~علاج كاف للكساد؛ فالإنعاش الكمي لا شك أن له تأثيرا إيجابيا على الأسعار في سوق ~~الأوراق المالية. لكن أغلب هذا الإنعاش لم يتغلغل بعد (حتى تاريخ تأليف هذا الكتاب، ~~في فبراير عام 2010) إلى الاقتصاد الحقيقي. كما أن هذا يرفع فقط أسعار الأصول الحالية، ~~لكنه لا يشجع على أي استثمار جديد؛ لأن المقرضين لا يزالون يطلبون من المقترضين أكثر ~~مما يمكن أن يتوقعوا الحصول عليه. فالافتراض العام هو أن ظهور فقاعات الأصول، تماما ~~مثل التحول نحو الاحتفاظ بالنقود، يمكن أن يشير إلى قلة فرص الاستثمار. ويجب عدم ~~الخلط بين «الدافع القائم على المضاربة» عند كينز للاحتفاظ بالنقود، والرغبة في ~~الاحتفاظ بالسيولة نفسها. # حالات اختلال التوازن العالمي # تم تصميم خطة كينز التي وضعها في عام 1941 لإنشاء اتحاد مقاصة دولي للتغلب على حالات ~~اختلال التوازن العالمية في عصره؛ أي منع ضبط ميزان المدفوعات بسبب اتجاه الولايات ~~المتحدة لمراكمة احتياطيات الذهب؛ الأمر الذي أدى إلى حدوث انكماش ms152 في باقي دول ~~العالم. وقد شهدت السنوات الأخيرة بدء دول شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط لهذه ~~العملية الخاصة بمراكمة الاحتياطيات. # لقد تكونت رؤية كينز لحالات اختلال التوازن العالمية، ليس فقط من خلال الاضطرابات ~~التي حدثت في فترة ما بين الحربين، وإنما أيضا بقراءته للتاريخ النقدي؛ فقد اعتقد ~~أنه على مدار التاريخ كانت الرغبة في اكتناز المدخرات أقوى من الرغبة في استثمارها؛ ~~لأنه في كل الأوقات كانت هناك مخاوف غامضة تقبع تحت السطح، تحد من تفاؤلنا وتخلق ~~تحيزا دائما باتجاه الإبقاء على القيمة الحالية بدلا من إنشاء قيمة جديدة. كان هذا ~~هو تفسيره لسبب بقاء العالم فقيرا لفترة طويلة؛ فقد اعتقد أن الاستثمار يحدث بسبب ~~نوبات التفاؤل، والتي سماها «الغرائز الحيوانية». ويمكننا تتبع حالات الارتفاع الشديد ~~في الاستثمار هذه عبر التاريخ؛ بدءا من ازدهار قطاع السكك الحديدية في القرن التاسع ~~عشر، وحتى ازدهار قطاع شركات تكنولوجيا المعلومات الذي انتهى في عام 2000. لكن الناس في ~~الغالب يفضلون اكتناز نقودهم بدلا من استثمارها؛ أي إن هناك دائما مستوى أعلى من ~~تفضيل السيولة، والذي يفرض ضغطا دائما على أسعار الفائدة ويجعلها تتجه للزيادة. وهنا ~~يظهر السبب في دفاع كينز عن قوانين العصور الوسطى الربوية التي رآها باعتبارها محاولة ~~لمنع الناس من تكوين ثروات من خلال اكتناز النقود. # تأثرت نظرية التاريخ الاقتصادي عند كينز بوصف جيفنز الشهير للهند بأنها «مخزن المعادن ~~الثمينة»؛ فقد كتب كينز في كتابه «النظرية العامة» يقول: # لقد قدم تاريخ الهند في كل الأوقات مثالا لدولة فقيرة بسبب تفضيل للسيولة ~~تحول إلى رغبة شديدة جدا، لدرجة أنه حتى التدفق الدائم والكبير للمعادن ~~الثمينة لديها ليس كافيا لتخفيض سعر الفائدة لمستوى يتوافق مع نمو الثروة ~~الحقيقية. # اعتقد كينز أنه منذ العصور القديمة وحتى الآن، أدى ميل الشرق لاكتناز التدفقات ~~الخاصة بالمعادن الثمينة إلى وقوع الغرب في مشكلة انكماشية دائمة؛ فمشكلة نقص الذهب في ~~الغرب كانت تنفرج من وقت لآخر من خلال اكتشافات الذهب والفضة في العالم الجديد ومن خلال ~~استيلاء الغرب على أماكن ms153 وجود المعادن الثمينة في الشرق. # لذا كان كينز سيرى حالات اختلال التوزان العالمية في الوقت الحاضر باعتبارها إعادة ~~ظهور لنمط قديم، وإن كان بشكل حديث. # ففي نظام تكون فيه أسعار الصرف عائمة، يكون ضبط ميزان المدفوعات، من الناحية ~~النظرية، تلقائيا؛ فالحركات في أسعار صرف العملات تصحح أي حالة اختلال توازن في ~~تدفقات التبادلات. إن هذا صحيح بشأن معيار الذهب (حيث تكون العملات المحلية قابلة ~~للتحويل للذهب) كما هو الحال بالنسبة للمعيار الائتماني. يكون الوضع أكثر تعقيدا عندما ~~تلتزم الدول بالسماح لعملاتها بأن يتم تحويلها على نحو حر إلى الذهب بسعر ثابت. في ~~تلك الحالة، لا يمكن لدولة تعاني من عجز في الحساب الجاري أن تقلل من قيمة عملتها ~~في مقابل الذهب؛ فيكون عليها تخفيض أسعارها المحلية. في المقابل، يكون للدولة التي ~~يتدفق إليها الذهب الاختيار ما بين زيادة أسعارها المحلية و«اكتناز» (تعقيم) احتياطي ~~ذهبها وإقراض قروض أجنبية. هذا ما دفع كينز لأن يقول في عام 1941: # إن عملية الضبط تكون «إجبارية» بالنسبة للمدين و«اختيارية» بالنسبة للدائن. ~~فإذا لم يرد، أو يسمح، الدائن بأن يكون له دور في تلك العملية، فلن يعاني ~~من أي مشكلة؛ ففي حين أن احتياطي أي دولة لا يمكن أن ينخفض عن الصفر، فلا ~~يوجد سقف يمكن أن يحدد الحد الأقصى. ينطبق هذا أيضا حين تكون القروض الدولية ~~وسيلة للضبط. فيجب للمدين أن يقترض، أما الدائن لا يوجد ما يفرض عليه ... ~~الإقراض. # تخفض الدولة التي لديها عجز في الحساب الجاري من الأسعار المحلية (أو تكاليف ~~الإنتاج) خاصتها برفع أسعار الفائدة؛ مما يؤدي، كما يرى كينز، إلى البطالة؛ حيث إن ~~سياسة تقييد الائتمان لأسعار أقل، كما كتب في عام 1925، يمكن أن تحقق فقط الغاية ~~منها «من خلال الزيادة المتعمدة للبطالة». فالدولة الكانزة الكبرى في سنوات ما بين ~~الحربين كانت الولايات المتحدة، والتي أتاحت لها مكانتها التنافسية القوية، المدعمة ~~بسعر صرف أقل من قيمته، سحب الذهب من باقي الدول في النظام، بما في ذلك ~~بريطانيا. # تم تصميم خطة كينز الخاصة ms154 باتحاد المقاصة التي وضعها في عام 1941 للاحتفاظ (بحسب ~~رؤيته) بمزايا نظام سعر صرف ثابت، مع تجنب التكاليف المقابلة لعملية الضبط. وكما ~~أوضحت من قبل في الفصل الخامس، كانت السمة الجوهرية في تلك الخطة تتمثل في أن الدول ~~الدائنة لن يسمح لها بادخار فائضها أو فرض أسعار فائدة عقابية على إقراضه، بل يتاح ~~الفائض تلقائيا على هيئة تسهيلات ائتمانية رخيصة على المكشوف للدول المدينة من خلال ~~آلية عمل بنك اتحاد مقاصة دولي مودعوه هم البنوك المركزية لأعضاء الاتحاد. لكن ~~اعترضت الولايات المتحدة على الخطة، والتي لم تكن لتسمح بجعل فائضها «المكتسب ~~بصعوبة» على نحو تلقائي تحت تصرف الدول المدينة «التي تصرف دون حساب». بدلا من ذلك، ~~أدت اتفاقية بريتون وودز، التي أبرمت في عام 1944، إلى إنشاء صندوق النقد الدولي، ~~والذي كان الهدف منه تقديم المعاونة المالية القصيرة الأجل، بشروط، للدول التي ~~تمر بأزمات مؤقتة فيما يتعلق بميزان المدفوعات لديها. لكن العبء كان ما زال ~~ملقى على عاتق الدولة المدينة فيما يتعلق بتخفيض أجورها وأسعارها لاستعادة توازن ميزان ~~المدفوعات. # إن عدم إعادة إنتاج نظام سعر الصرف الثابت لنظام بريتون وودز، والذي استمر من عام ~~1949 وحتى عام 1971، للطابع الانكماشي للنظام فيما بين الحربين؛ كان يرجع بالكامل ~~للسياسات «المضادة للاكتناز» من جانب الولايات المتحدة، والتي أغرقت العالم ~~«الحر» بالدولارات، لدرجة أنها بحلول ستينيات القرن العشرين بدأت في المعاناة من عجز ~~في الميزان التجاري. لقد انعكس الوضع الآن، لكن فكرة أن على الدولة التي لديها عجز ~~تخفيض أسعارها المحلية تم الاحتيال عليها من خلال حقيقة أن الدولار أصبح الأصل ~~الاحتياطي الرئيسي في العالم. في كتاب «العملة والمالية في الهند» (1913)، اعتبر كينز ~~معيار صرف الذهب في طليعة عملية التطور النقدي. فعلى نحو عام، تطلع الكتاب إلى ~~اليوم الذي تستمر فيه دولة أو دولتان فقط في الاعتماد على معيار الذهب، مع احتفاظ باقي ~~دول العالم باحتياطياتها من عملاتها، والتي ستكون «جيدة تماما مثل الذهب» نظرا ~~لإمكانية تحويلها إلى ذهب. ومع أفول عصر الجنيه الاسترليني، أصبح ms155 الدولار العملة ~~«الرئيسية» الوحيدة على مستوى العالم. ومع اتساع العجز التجاري، طبعت الولايات ~~المتحدة كمية متزايدة من الدولارات لتغطية وارداتها غير المتبادلة. وقد راكمت ~~الدول التي لديها فائض التزاماتها بالدولار الأمريكي، والتي استثمرتها في سندات ~~الخزانة الأمريكية. لم يكن على الولايات المتحدة تقييد الائتمان المحلي برفع أسعار ~~الفائدة؛ حيث إن الدولارات التي طبعتها رجعت إليها. وفي غياب ما كانت ستكون قوة ~~انكماشية كبيرة، ازدهر الاقتصاد العالمي لمدة عشرين عاما. # إن المشكلة في هذا النظام، كما أوضحها تريفين الأستاذ بجامعة ييل، هي أن الزيادة في ~~التزامات الدولة صاحبة العملة الرئيسية أثارت الشكوك بشأن قدرتها على رد قيمة تلك ~~الالتزامات ذهبا؛ أدى هذا إلى الانهيار المتوقع لمعيار صرف الذهب، والذي حدث في ~~عام 1971. أصبح الدولار غير قابل للتحويل، وتم إنشاء عملة احتياطي دولية جديدة، وهي ~~حقوق السحب الخاصة التابعة لصندوق النقد الدولي. لكن على الرغم من وجود إمكانية لتحويل ~~الأرصدة الدولارية إلى تلك العملة الجديدة، فقد استمر الدولار في كونه عملة الاحتياطي ~~الرئيسية في العالم، في عالم به مزيج من أسعار الصرف العائمة والثابتة ~~والمدارة. # في تسعينيات القرن العشرين، ظهرت ثانية على نحو غير متوقع الحاجة لوجود ~~احتياطيات، بشكل أساسي للوقاية ضد حدوث حركات قائمة على المضاربة للنقود الساخنة التي ~~يمكن أن تدفع أسعار الصرف بعيدا عن قيم التوازن الخاصة بها. وبدءا من تلك الفترة، ~~أنشأت حكومات دول شرق آسيا مجتمعة «نظام بريتون وودز الثاني»، رابطة عملاتها ~~بالدولار، وجاعلة احتياطياتها النقدية بالدولار. أعاد هذا إنتاج المزايا التوسعية ~~لنظام بريتون وودز الأول، لكن على حساب وضع غير متوازن على نحو متزايد للاحتياطي، مع ~~حدوث مبالغة في تقدير قيمة الدولار على نحو تدريجي في مقابل المنافس الأكبر له؛ وهي ~~العملة الصينية الرنمينبي. # إن أي تحليل كينزي سيضع حالات اختلال التوزان العالمية في قلب الانهيار الاقتصادي ~~الحالي؛ فالبطالة بالنسبة لكينز تبدأ عند وجود اختلال في التوازن بين الادخار ~~والاستثمار، والذي يتم تسييله من خلال تخفيض الناتج. إن اختلال التوازن يمكن أن يبدأ ~~من خلال رغبة ms156 متزايدة في الادخار أو رغبة متناقصة في الاستثمار أو من مزيج من ~~الاثنتين. افترض أن الاقتصاد مغلق، كما فعل كينز في كتابه «النظرية العامة»، ثم ~~افترض الآتي: وجود رغبة متزايدة في الادخار (من قبل الصينيين) لا تقابلها رغبة ~~متزايدة من قبل الولايات المتحدة في الاستثمار يعرض الاقتصاد الأمريكي لضغط ~~انكماشي. تمت معاوضة هذا من خلال تدفق الدولارات المستثمرة في سندات الخزانة ~~الأمريكية، والتي مكنت آلان جرينسبان من الحفاظ على سعر فائدة أموال الاحتياطي ~~الفيدرالي عند مستوى منخفض على نحو غير طبيعي. لكن ما نتج من توسع في الائتمان لم ~~يؤد إلى حدوث ارتفاع كبير في معدل الاستثمار، وإنما أدى إلى إنشاء أصل خاص معتمد ~~على الديون وزيادة كبيرة في الاستهلاك. إن الموقف كان صعبا للغاية؛ لأنه لم يتم ~~إنشاء أي موارد جديدة لسداد القروض المحلية أو الأجنبية. وفيما بين يونيو 2004 ~~ويوليو 2006، رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، من أجل وقف التضخم وإعادة أسعار ~~الفائدة القصيرة الأجل لمستوى طبيعي أكثر، سعر فائدة أموال الاحتياطي الفيدرالي من ~~1٪ إلى 5,25٪، وأبقاها عند هذا المستوى حتى أغسطس من عام 2007. أدى هذا إلى انهيار ~~الازدهار الذي كان موجودا في القطاع العقاري، وأدت تبعات ذلك على الميزانية العمومية ~~للبنوك التي قامت بتقديم الرهونات العقارية أو توريقها إلى انهيار النظام المصرفي. ~~وكما أوضح كينز في تناوله للأزمة البنكية في بريطانيا في عام 1914: «إذا كان «أ» ~~يدين ل «ب» بنقود و«ب» ل «ج»، و«ج» ل «د» ... إلخ؛ فإن فشل «أ» في السداد قد يعني ~~أيضا فشل المجموعة كلها.» # يشبه هذا ما حدث في نهاية عشرينيات القرن العشرين؛ فبالحكم على أسعار السلع، وجد أنه ~~لم يكن هناك خطر حدوث التضخم في الولايات المتحدة في عام 1927؛ ومن ثم، برفع سعر ~~فائدة أموال الاحتياطي الفيدرالي الخاص بها من 3,5٪ إلى 5٪ في يوليو من عام 1928، كان ~~بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يفرض الانكماش على الاقتصاد الأمريكي. وفي هذا ~~الشأن، كتب كينز يقول في أكتوبر من عام 1928: # لا أستطيع منع نفسي من الاعتقاد أن ms157 هناك خطرا الآن يتمثل في حدوث انكماش ~~وكساد في الأعمال ... وإذا تمت محاولة أطول مما ينبغي لوقف وضع المضاربة من ~~خلال النقود العزيزة، فربما تؤدي تلك النقود، بوقفها للاستثمارات الجديدة، إلى ~~إحداث كساد عام في الأعمال. # هذا ما أعتقد أنه حدث في عامي 2007 و2008. # الاقتصاد السياسي عند كينز # في الوقت الحالي، تركز أجندة الإصلاح لتجنب الأزمات المستقبلية بالكامل على إصلاح ~~النظام المصرفي أو إعادة بنائه لمنع الإقراض غير الحكيم. وهذه الإصلاحات ضرورية جدا. ~~لكن هناك افتراضا شائعا وهو أنه بمجرد انتهاء الأزمة، يمكن أن تستمر السياسة الخاصة ~~بالاقتصاد الكلي كما كانت؛ أي بهدف واحد، وهو معدل التضخم. لكن ستستمر العديد من ~~المخاطر في الوجود، والتي لا يمكن التعامل معها على نحو ملائم لأنها غير قابلة للقياس؛ ~~لذا فإن جانبا من المهمة الخاصة بتقليل المخاطر يجب أن تضطلع به الحكومة. وهذا يعني ~~توسيع المهام الخاصة بالاقتصاد الكلي للحكومة. # تتمثل الوصفة الكينزية لاقتصاد تقل فيه نسبة عدم اليقين في ثلاثة عناصر أساسية؛ ~~وهي: اتخاذ إجراءات لتحفيز الاستثمار وأخرى لتحفيز الاستهلاك، هذا إلى جانب إصلاح ~~النظام النقدي الدولي لمنع انتقال البطالة من دولة لأخرى. # إن الواجب الأول للدولة هو ضمان وجود استثمار كاف في الاقتصاد للحفاظ على مستوى ~~التوظيف الكامل المستمر. وعلى الرغم من أن تخفيض الضرائب قد يعطي انتعاشا مؤقتا ~~للاستثمار، فسيكون له فقط تأثير ضعيف وغير مؤكد على توقعات الربحية. للسبب نفسه، شك ~~كينز في نجاح سياسة نقدية خالصة في الحفاظ على مستوى استثمار ذي نسبة توظيف كاملة. لقد ~~عرض من قبل أساس تلك الشكوك؛ فمحاولة السلطة النقدية تخفيض أسعار الفائدة الطويلة ~~الأجل لتكون أقل من السعر الذي تعتبره السوق (من خلال التجربة التاريخية) سعرا ~~«آمنا» أو «طبيعيا»، بحث الناس على بيع السندات في مقابل السيولة، «ربما تعد ~~العائق الأساسي أمام حدوث هبوط في سعر الفائدة لمستوى منخفض جدا.» من ثم ، فإن ~~مشكلة الحفاظ على مستوى التوظيف الكامل تنشأ من «الارتباط بين سعر فائدة طويل الأجل ~~مستقر نوعا ما ومعتاد، ms158 وكفاءة رأسمالية حدية غير مستقرة على نحو كبير ومتقلبة.» ~~يتمثل حل كينز للمشكلة في استخدام السياسة النقدية في فرض سعر فائدة طويل الأجل ~~منخفض على نحو دائم؛ فقد قال في هذا الشأن: «إن «أي» مستوى من الفائدة يعتقد ~~بدرجة كافية من الاقتناع أن من المرجح بقاءه لمدة طويلة «سيبقى» لمدة طويلة ...» لهذا ~~السبب، لم يرد استخدام أسعار الفائدة لإدارة الدورة الاقتصادية؛ وهو الشيء المعاكس ~~تماما للممارسة الحالية. لكنه اعتقد أنه «يبدو من المحتمل أن التقلبات في ... الكفاءة ~~الحدية لرأس المال ... ستكون كبيرة جدا، بحيث لا يمكن معاوضتها بإدخال أي تغييرات ~~عملية على سعر الفائدة.» ومن هنا، وبعيدا عن الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة ~~دائما، فيجب «إضفاء الطابع الاشتراكي» على الاستثمار. كتب كينز يقول: «أتوقع أن أرى ~~الدولة ... تتحمل مسئولية أكبر فيما يتعلق بالتنظيم المباشر للاستثمار»، و«لذلك أرى أن ~~إضفاء شاملا بعض الشيء للطابع الاشتراكي على الاستثمار سيثبت أنه الوسيلة الوحيدة ~~لضمان الاقتراب من مستوى التوظيف الكامل.» # لم يكن كينز يقصد ب «إضفاء الطابع الاشتراكي على الاستثمار» التأميم؛ فتلك العملية ~~لا تحتاج لاستبعاد «كل طرق التسوية والأدوات التي من خلالها ستتعاون السلطة العامة ~~مع القطاع الخاص.» تعكس تلك العبارة غير القاطعة في كتاب «النظرية العامة» تفكير ~~كينز بشأن «الشراكات بين القطاعين العام والخاص»، والذي نتج عن انخراطه في السياسات ~~الخاصة بالحزب الليبرالي في عشرينيات القرن العشرين. في واقع الأمر، سعى كينز لتوسيع ~~مكون المرافق العامة في الاستثمار لإعطاء استقرار أكبر للاستثمار. أما اليوم، فكان ~~سيرى المؤسسات الاستثمارية الكبرى مثل صناديق التقاعد باعتبارها داعما كبيرا ~~للاستقرار. ويمكن لتدفق منتظم من الاستثمار المدعم من الحكومة تقليل التقلبات ~~لمستويات متواضعة، الأمر الذي يمكن التحكم فيه بسهولة، إذا كانت هناك رغبة، وذلك ~~بتسريع أو إبطاء عناصر في برنامج الاستثمار. إن مثل هذا الاستثمار ليس من المفترض أن ~~يحقق بالضرورة أرباحا كبيرة. لكن في حالة تحقيقه لعوائد إيجابية، سيكون هذا مكسبا. ~~وإذا كانت لدى الأسواق معلومات كاملة، فسيكون الاستثمار العام غير فعال. لكن مع ~~وجود عدم ms159 يقين، سيكون هناك مكسب مقارنة بعدم وجود استثمار عام على الإطلاق، بسبب ~~الخسائر الناتجة عن عدم اليقين. # إن الاقتصاد السياسي عند كينز كان سيستخدم أيضا نظام الضرائب لتحفيز الاستهلاك ~~الخاص؛ حيث إن أي «زيادة في الميل المعتاد للاستهلاك ستعمل بوجه عام إلا في ~~حالات التوظيف الكامل على زيادة الحافز للاستثمار.» إن الأساس المنطقي لهذا هو أن ~~الفقراء ينفقون نسبة أعلى من دخولهم مقارنة بالأغنياء. فسر مارنر إيكلز، رئيس ~~مجلس محافظي بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، فيما بين عامي 1934 و1948 هذا الوضع ~~أفضل مما فعل كينز، وذلك على النحو التالي: # يجب أن يصاحب الإنتاج الواسع النطاق في أي اقتصاد استهلاك واسع ~~النطاق. ويتضمن هذا النوع من الاستهلاك بدوره توزيعا للثروة لإعطاء الناس ~~القدرة الشرائية. وبدلا من القيام بهذا النوع من التوزيع، قامت آلية سحب ~~كبرى بحلول عام 1929 بوضع نسبة متزايدة من الثروة المنتجة في ذلك الوقت في يد ~~أشخاص قليلين؛ أدى هذا إلى تراكم رأس المال. لكن بأخذ القدرة الشرائية من يد ~~المستهلكين على نطاق واسع، حرم المدخرون أنفسهم من الطلب الفعال على ~~منتجاتهم، والذي كان سيبرر إعادة استثمار رءوس أموالهم المتراكمة في مصانع ~~جديدة. نتيجة لذلك، وكما هو الحال في أي لعبة قمار، عندما تتركز الفيشات في ~~يد عدد قليل جدا من اللاعبين، فإن اللاعبين الآخرين لا يمكنهم الاستمرار ~~في اللعبة إلا من خلال الاقتراض. وعندما تتوقف قدرتهم على الاقتراض، تتوقف ~~اللعبة. # إن «آلية السحب» نفسها كانت عاملة في بريطانيا والولايات المتحدة في الفترة السابقة ~~على الأزمة التي حدثت في عام 2007؛ حيث تم اللجوء للاقتراض لتعويض عدم المساواة ~~المتزايدة بين الناس في الثروة والدخول. # وأخيرا، كان كينز سيريد القيام بإصلاح كبير في النظام النقدي الدولي. وستتمثل ~~الحاجة الأساسية في تقليل حجم الاحتياطيات العالمية. ففيما بين عامي 2003 و2009، زادت ~~الاحتياطيات العالمية القابلة للقياس من 2,6 إلى 6,8 تريليونات دولار، بنسبة زيادة ~~سنوية متوسطة تبلغ حوالي 15٪ في وقت كان فيه الناتج المحلي الإجمالي العالمي ينمو بمعدل ~~سنوي قدره 4,4٪. وفي ms160 عام 2003، وصل حجم احتياطيات الذهب العالمية لحوالي 7٪ من إجمالي ~~الاحتياطيات، وزاد هذا الرقم في عام 2009 إلى 12٪. # إن هذا التحول باتجاه السيولة يؤدي إلى زيادة كبيرة في الضغط الانكماشي؛ ~~فالاحتياطيات طريقة للتأمين ضد عدم اليقين، والمطلوب هو تقليل تكلفة هذا التأمين بتقليل ~~نسبة عدم اليقين، وستحتاج أي حزمة من الإجراءات منوط بها تحقيق هذا أن تتضمن تدويل ~~الاحتياطيات ووضع ضوابط على تدفقات الأموال الساخنة والاتفاق على أسعار الصرف. # اقترحت الصين إنشاء «عملة احتياطي فوق سيادية»، لكن دون إبداء أي تفاصيل. تتمثل ~~الخطوة الأولى في سبيل ذلك في إصدار حقوق السحب الخاصة لتمويل الأرصدة الدولارية ~~الحالية. وهناك سابقة في هذا الإطار، والتي تتمثل في اقتراح صندوق النقد الدولي تمويل ~~الأرصدة التي بالجنيه الاسترليني، وهو الاقتراح الذي رفضته بريطانيا في عام 1944، ثم ~~عادت لتقبله في عام 1978 في خطوة أدت إلى القضاء بالكامل على منطقة الاسترليني. ~~وستكون هناك حاجة للاتفاق على سعر للإنشاء المستقبلي لموارد صندوق النقد الدولي والشروط ~~التي على أساسها سيتم إقراضها. وإلى جانب فرض ضريبة «توبين» أو وضع ضوابط كمية على ~~المبادلات المالية القصيرة الأجل، فإن تلك الإجراءات ستقلل على نحو كبير الحاجة ~~للاحتفاظ بمثل هذه الاحتياطيات الكبيرة. لكن هناك حاجة أيضا للاتفاق على أسعار الصرف. ~~فتعد التقلبات الكبيرة في قيم العملات غير المبررة على نحو كبير بحدوث تغيرات في ~~الظروف التنافسية، السبب الرئيسي لعدم اليقين في عالمنا اليوم. باختصار، نحتاج للعودة ~~لعناصر خطة كينز التي تم رفضها في عام 1941. كان كينز سيقول إنه ما لم يكن النظام ~~النقدي العالمي ثابتا، فستكون هناك عودة للحماية وستنحسر العولمة. # نحو علم اقتصاد جديد # ادعى كينز أن نظريته كانت «عامة» أكثر من الاقتصاد الكلاسيكي؛ لأنها تضمنت ~~مجموعة متنوعة من الأوضاع الاقتصادية التي تقدم حالات مختلفة من المعرفة. السؤال ~~الآن: ما مدى محورية نظرية كينز؟ فإذا كان محرك النمو الرأسمالي معرضا لعدم اليقين ~~الوجودي الأصيل، فإن أداءه المتواضع وانهياراته المتكررة أمر مفهوم. أما ، على الجانب ~~الآخر، إذا كان عدم اليقين يمكن صياغته على ms161 نحو معقول باعتباره مشكلة خاصة بالمعلومات ~~يمكن التغلب عليها من خلال التعلم والمعالجة الأكثر فاعلية للبيانات، فنظرية كينز ~~سيتم تهميشها وستعود النظرية الكلاسيكية لتكون هي النظرية المحورية. وستتطلب عودة ~~الاقتصاد الكلاسيكي تهميش نظرية كينز وإعادة التأكيد على رؤيتها الخاصة بالسوق الذاتية ~~التنظيم، القائمة على «المعلومات الكاملة» باعتبارها النظرية العامة. إن انهيار فكرة ~~السوق الذاتية التنظيم فيما بين عامي 2007 و2008 يوحي لي بأن نظرية كينز هي النظرية ~~«العامة». لكن كيف سيبدو اقتصاد يأخذ عدم اليقين بمحمل الجد؟ # يتمثل الجانب الأساسي في دور الرياضيات في علم الاقتصاد؛ فقد استخدم الجيل الأقدم من ~~الاقتصاديين الرياضيات لغرض محدود جدا؛ وهو جعل بديهياتهم عن العالم الحقيقي أكثر ~~دقة، وليست إنشاء نظام بديهي تكمن ميزته في عدم واقعيته. لا بد أن تكون هناك عودة ~~لاقتصاد يترك مساحة للملاحظات المهمة للسلوك الاقتصادي الذي لا يمكن التعبير عنه من ~~خلال الرياضيات. كان كينز نفسه ضد الدقة المبالغ فيها؛ فسواء كان صاحب عبارة «من ~~الأفضل أن تكون قريبا من الصواب عن أن تكون مخطئا على نحو جازم»، فإن تلك العبارة ~~تلخص منهجه في هذا الشأن. وبقي صياغة تدريس الاقتصاد وإنتاج المراجع الاقتصادية ~~ووضع المعايير المهنية للدوريات الاقتصادية بحيث تعكس تلك المبادئ. # الخلاصة # تبرز نتيجة واحدة واضحة من تلك الخاتمة الموجزة؛ وهي الحاجة لدور أكبر من ~~جانب الحكومة في إدارة الاقتصاد. ويتطلب هذا بدوره إعادة التأهيل الفكري للدولة، بحيث ~~تصبح عنصرا فاعلا اقتصاديا عقلانيا في الغالب، بدلا من مجرد ساع وراء الأصوات ~~الانتخابية. مرت عقود عديدة دون أن يتحدث أحد، مثلما فعل كينز في عام 1936، عن كون ~~الدولة «في وضع يسمح لها بحساب الكفاءة الحدية للسلع الرأسمالية على المدى الطويل وعلى ~~أساس المنفعة الاجتماعية العامة.» نحتاج للتفكير في هيكل للدولة يسمح لها بالفصل بين ~~دورها الاستثماري والدوافع السياسية التي تحرك السياسيين. # نحن لسنا بحاجة لكينز جديد؛ بل بحاجة لكينز القديم، لكن معدلا على نحو ملائم، ~~والذي لن يكون مرشدنا الوحيد للمستقبل الاقتصادي، لكنه سيظل مرشدا مهما لا غنى ~~عنه. ms162 # | المراجع # الاختصارات المستخدمة في المراجع # Keynes’s economic writings, including all his books, many ~~of his published essays and articles, and a large proportion of his hitherto ~~unpublished correspondence, have been published in thirty volumes by Macmillan ~~in conjunction with the Royal Economic Society as # The ~~Collected Writings of John Maynard Keynes ~~(1971-89), ed. ~~Elizabeth Johnson and Donald Moggridge. Most of his private papers remain ~~unpublished and, together with the originals of the published materials in the # Collected Writings ~~, are deposited at ~~King’s College, Cambridge. The following abbreviations are used for Keynes’s ~~work: # CW: The Collected Writings of John Maynard ~~Keynes. # GT: The General Theory of Employment, ~~Interest, and Money. # KP: # Keynes Papers. # Rymes: Keynes’s Lectures, ~~1932-35: # notes of a representative student, ~~transcribed, edited, and constructed by Thomas K. Rymes ~~(1989). # مقدمة # CW # vii. ~~235. # CW # xxi. ~~244. # KP, PP/57, JMK to Sterling P. Lamprecht, 19 June ~~1940. # CW # x. 447. # CW # x. ~~173-4. # CW # xx. ~~83-4. # CW # x. 108. # CW # xiv. ~~296-7. # CW # x. 365. # CW # xvii. ~~392-3. # CW # xxix. ~~166-7. # The Diary of Beatrice ~~Webb, # ed. N. and J. McKenzie, iv (1985), 19 June 1936, ~~371. # Russell Leffingwell: Lamont Papers, Harvard University, File ~~103-15, Russell Leffingwell to Thomas Lamont, 29 August ~~1931. # J. Meade: in D. Worswick and J. Trevithick (eds.), # Keynes and the Modern World ~~(1983), ~~266. # D. Bensusan-Butt, # On Economic ~~Knowledge ~~(1980), 35. # L. Tarshis, 'The Keynesian Revolution: What it Meant in the ~~1930s’, unpublished. # O. T. Falk, 'The Tuesday Club’, 23 May 1950, ~~unpublished. # The Diary of Virginia ~~Woolf, # ed. A. O. Bell, iv (1982), 19 April 1934, ~~208. # B. Russell, # Autobiography ~~(1967), i. 72. # K. Clark, # The Other Half: A ~~Self-Portrait ~~(1977), 27. # K. Martin, in # New Statesman and ~~Nation ~~(28 October 1933). # K. Singer, 'Recollections of Keynes’, # Australian Quarterly ~~(June 1949), 50-1. # Diary of Virginia Woolf, # ed. Bell, iv, 12 August 1934, 236-7; iii, 21 April 1928, ~~181. # Walter Stewart: Clay Papers, Nuffield College, Oxford, Box ~~62, W. Stewart to J. Marshall, 16 ms163 May 1949. # H. Stein, # The Fiscal Revolution in ~~America ~~(1969), 147-8. # Singer, 'Recollections of Keynes’, 50. # N. Davenport, # Memoirs of a City ~~Radical ~~(1974), 50. Pigou and Schumpeter: see J. Cunningham Wood (ed.), # John Maynard Keynes: Critical Assessments, # ii (1983), 22, 125, respectively. # A. Marshall, Principles of ~~Economics ~~(8th edn. 1920), 85. # Singer, 'Recollections of Keynes’, 55-6. # الفصل الأول # CW # ii. 6. # CW # x. ~~436-7. # CW # ii. ~~186. # CW # ix. ~~267. # CW # xxi. ~~233-46. # CW # xxi. ~~384-95. # KP, W/1, JMK to Sheppard, 14 August 1940. # Singer, 'Recollections of Keynes’, 52. # H. M. Robertson, 'J. M. Keynes and Cambridge in the 1920s’, # South African Journal of ~~Economics ~~(September 1983), 407. # F. A. Hayek, 'A Rejoinder’, # Economica ~~(November 1931), 401. # Letter from A. C. Gilpin to author, 22 May ~~1993. # الفصل الثاني # KP, UA/26, 'Egoism’, 1906. # KP, UA/21, 'Miscellanea Ethica’, 1905. # KP, UA/35, 'On the Principle of Organic Unity’, 1910, ~~1921. # CW # xxi. ~~242. # CW # x. 445. # KP, UA/19, 'Ethics in Relation to Conduct’, ~~1904. # CW # viii. ~~32. # CW # viii. ~~356. # CW # viii. ~~348. # CW # x. ~~338-9. # KP, UA/20, 'The Political Doctrines of Edmund ~~Burke’. # KP, PS/6, 1925/6. # CW # ix. ~~272-94. # CW # ix. ~~296-7. # KP, PS/4. # CW # ix. ~~297. # KP, PS/4. # CW # ix. ~~295-6. # CW # ix. ~~321-32. # G. E. Moore, Principia ~~Ethica ~~(1903; paperback edn. 1959), 188. Ibid. ~~189. # Keynes’s paper read to the Apostles, 23 January 1904: date ~~supplied from the record of meetings of the Apostles by Geoffrey Lloyd, ~~then Fellow and Tutor of King’s College, Cambridge; subsequently ~~confirmed by Dr Roderick O’Donnell. # See R. M. O’Donnell, # Keynes: Philosophy, Economics, and Politics ~~(1989); A. M. ~~Carabelli, # On Keynes’s Method ~~(1988). ~~A. Fitzgibbons, # Keynes’s Vision ~~(1988). P. Clarke, 'The Politics of Keynesian Economics 1924-1931’, ~~in M. Bentley and J. Stevenson (eds.), # High and ~~Low Politics in Modern Britain ~~(1983), ~~177-9. # M. Freeden, # Liberalism ~~Divided ~~(1986), 166-71. # Keynes on Baldwin: # The Diary of ~~Beatrice Webb, # ed. N. and J. McKenzie (1985), 19 June ~~1936, 370-1; see also. # A. L. Rowse, # Mr Keynes and the Labour ~~Movement ~~(1936). # Cannan Papers, London School of Economics, Box ~~20c. # Bank ms164 of England spokesman: Macmillan Committee on Finance and ~~Industry, Minutes of Evidence, Cmd. 2897, vol. 2, Qs. ~~7690-7847. # Ibid. Qs. 5565, 5650, 5654, 5684-6, 6500-24. # الفصل الثالث # CW # xii. 701-2, ~~730-1. # CW # xii. ~~760. # CW # xii. ~~696. # CW # xii. 715-7, 730-1, ~~761. # CW # xi. ~~377. # CW # xii. ~~706-7. # CW # xii. ~~764. # CW # i. 71, ~~51. # CW # xiii. ~~2-14. # CW # ii. ~~148. # CW # iv. 36. # CW # iv. ~~126. # CW # iv. ~~139-40. # CW # iv. ~~147. # CW # iv. ~~158-60. # CW # iv. 146, ~~148. # CW # iv. 65. # CW # iv. 68. # CW # iv. ~~144. # CW # iv. 69. # CW # xix. ~~762. # CW # xiii. ~~273. # CW # ix. ~~115-25. # CW # vi. ~~132. # CW # v. 121. # CW # v, ch. ~~18. # CW # vi, 'Historical ~~Illustrations’. # CW # v. ~~158-60. # CW # vi. ~~299. # CW # vi. ~~304. # CW # xx. ~~99-132. # CW # xiii. ~~178. # Hawtrey Papers, Churchill College, Cambridge, 11/3, para. ~~22. # D. H. Robertson, # Economic ~~Journal ~~(September 1931), 407. # الفصل الرابع # CW # vii. ~~30. # CW # vi, p. ~~xxii. # CW # xxi. ~~59-60. # CW # xiii. ~~146. # CW # xiii. ~~275-6. # CW # xxix. ~~40. # Rymes, 50-3, 85-93. # Rymes, 126. # Rymes, 66-7, 70. # CW # xiii. ~~405. # Rymes, 123-7. # Rymes, 78. # Rymes, 122. # Rymes, 112-13. # CW # xxix. 57, ~~395-6. # CW # ix. ~~347. # Rymes, 102. # CW # xxix. 82; Rymes, ~~92. # CW # vii. ~~27. # CW # vii. ~~210. # CW # vii. ~~149. # CW # vii. 150, ~~161-3. # CW # vii. ~~163-4. # CW # xiv. ~~116. # CW # vii. 168, ~~201. # CW # vii. 202, 203, ~~207-8. # CW # vii. ~~268. # CW # vii. ~~15. # CW # vii. ~~300. # CW # vii. ~~394-412. # CW # vii. ~~180. # CW # vii. ~~181. # CW # vii. ~~263. # CW # xxix. 179, ~~180. # CW # vii. ~~307. # CW # xxix. ~~87. # Jens Warming: N. Cain, 'Cambridge and its Revolution’, # Economic ~~Record ~~(1979), 113. # D. Champernowne, in R. Lekachman (ed.), # Keynes’s General Theory: A Report of Three ~~Decades ~~(1964), 55-60. # D. H. Robertson, 'Some Notes on Mr. Keynes’ General Theory of ~~Employment’, # Quarterly Journal of ~~Economics ~~(November 1936); reprinted in J. Cunningham ~~Wood (ed.), # John Maynard Keynes: Critical ~~Assessments ~~(1983), 99-111. # J. R. Hicks, 'Mr. Keynes and the “Classics”: A Suggested ~~Interpretation’, # Econometrica ~~(April ~~1937); reprinted in Cunningham Wood (ed.), # Keynes: Critical Assessments, # 162-72. # الفصل الخامس # CW # ix. ~~379-80. # CW # xxii. ~~218. # CW # xxii. ~~122-3. # CW # xxii. ~~155. # CW # xxi. ~~17. # CW # xxi. ~~236. # KP, L/36. # CW # xxv. 2. # CW # xxv. ~~15. # CW # xxv. ~~17. # CW # xxv. ~~21-40. # CW # xxv. ~~55-7. ms165 # CW # xxv. ~~156. # CW # xxvi. ~~9-21. # CW # xxv. ~~69-70. # CW # xxiv. ~~330. # CW # xxiv. 620, ~~624. # D. Moggridge, # Maynard Keynes: An ~~Economist’s Biography ~~(1992), 631. # J. Tomlinson, # Employment Policy: The ~~Crucial Years 1939-1955 ~~(1987), 24. # C. H. Rolph, # Kingsley: The Life, ~~Letters, and Diaries of Kingsley Martin ~~(1973), ~~203. # Frankfurter Papers, Library of Congress, Reel ~~66. # W. Carr, 'Keynes and the Treaty of Versailles’, in A. P. ~~Thirlwall (ed.), # Keynes as a Policy ~~Adviser ~~(1982), 103-6. # For details of Walther Funk, see A. van Dormael, # Bretton Woods: The Birth of a Monetary ~~System ~~(1978), 6-7. # Keynes’s visit to USA: see E. Playfair to S. G. Waley, 16 May ~~1941, in Moggridge, # Keynes, # 657. # James Meade: S. Howson and D. Moggridge (eds.), # The Wartime Diaries of Leonel Robbins and James Meade ~~1943-1945 ~~(1990), 106, 159, 133. # H. Dalton, # High Tide and ~~After ~~(1960), 73-4. # الفصل السادس # CW # xxvii. ~~384. # CW # vii. ~~307. # CW # ix. ~~350. # CW # vii. ~~378. # CW # vii. ~~129. # CW # iv. 37. # CW # vii. 6. # CW # xxvii. ~~3. # CW # ii. ~~235-6. # CW # xvii. ~~184-5. # CW # vii. ~~296. # CW # vii. ~~302. # CW # xxvi. ~~38. # CW # xxvii. ~~385. # CW # vii, p. ~~xxvi. # CW # xxvii. ~~387-8. # CW # xviii. ~~394. # CW # xiv. ~~296. # CW # xiv. ~~122. ~~'Students in the 1960s’; D. Worswick and J. Trevithick ~~(eds.), # Keynes and the Modern World ~~(1983), 127. # Callaghan at the Labour Party Conference: see W. Grant and ~~S. Nath, # The Politics of Economic Policy ~~Making ~~(1984), 144. # Christopher Allsopp: in D. Helm (ed.), # The Economic Borders of the State ~~(1989), ~~182. # Tomlinson, # Employment Policy, # 108. # R. C. O. Matthews, 'Why Has Britain Had Full Employment since ~~the War?’, # Economic Journal ~~(September 1968); reprinted in Charles Feinstein (ed.), # The Managed Economy ~~(1983), 119. # N. F. R. Crafts and N. Woodward (eds.), # The British Economy since 1945 ~~(1991), ~~7-8. # J. R. Hicks, # The Crisis in Keynesian ~~Economics ~~(1974), 3. # J. Tobin, 'The Intellectual Revolution in US Economic Policy-Making’, University of Essex Noel Buxton Lecture ~~(1966). # Richard Kahn: in D. Worswick (ed.), # The Concept and Measurement of ~~Involuntary Unemployment ~~(1976), 23, 27. # A. Coddington, # Keynesian Economics: ~~The Search for First Principles ~~(1983), ~~42. # J. ms166 C. R. Dow, # The Management of the ~~British Economy 1945-1960 ~~(1970), 384. # T. Hutchison, # Economics and Economics Policy in Britain 1946-1966 ~~(1968), ~~121-2. # خاتمة # CW # xiv. ~~109-23. # CW # vi. ~~322-4. # CW # xiv. ~~112. # CW # vii. ~~293. # CW # vii. 194, ~~293-4. # CW # xiv. ~~113. # CW # xiv. ~~300. # CW # vii. ~~152-3. # CW # xiv. ~~114-15. # CW # vii. ~~15. # CW # xiv. ~~207-10. # CW # vi. ~~332-5. # CW # vii. ~~167-9. # CW # vii. ~~201. # CW # vii. ~~207-8. # CW # vii. ~~337. # CW # xxv. ~~28. # CW # ix. ~~220. # CW # xi. ~~241. # CW # xiii. ~~71-2. # CW # vii. ~~164. # CW # vii. ~~202. # CW # vii. ~~204. # CW # vii. ~~203. # CW # vii. ~~164. # CW # vii. ~~378. # CW # vii. ~~378. # CW # vii. ~~373. # CW # vii. ~~164. # CW # xxi. ~~60. # Axel Leijonhufvud, # Keynes and the ~~Classics ~~(1969). # John Cochrane, 'Fiscal Stimulus, Fiscal Inflation, or Fiscal ~~Fallacies?’, 27 February 2009: ~~( # http//:faculty.chicagobooth.edu/john.cochrane/research/Papers/fiscal2.htm ~~), ~~accessed 20 April 2010. # Robert Skidelsky, # The Economist as ~~Saviour ~~(1992, chapters 7 and 8). # Marriner Eccles, quoted in Sam Whister (ed.), # Reforming the City ~~(2009), p. ~~98. # | قراءات إضافية # السيرة الذاتية # There have been five biographers of Keynes: Roy Harrod, # The Life of John Maynard Keynes ~~(1951); Charles ~~Hession, # John Maynard Keynes ~~(1984); D. ~~Moggridge, # Maynard Keynes: An Economist’s Biography ~~(1992); Paul Davidson, # John Maynard ~~Keynes ~~(2007); and R. Skidelsky, # John ~~Maynard Keynes: Hopes Betrayed 1883-1920 ~~(1983), and # John Maynard Keynes: The Economist as Saviour ~~1920-1937 ~~(1992), and # John Maynard ~~Keynes, Fighting for Britain 1937-1946 ~~(2001). A single-volume ~~abridgment, # John Maynard Keynes: Economist, Philosopher ~~Statesman 1883-1946 ~~, was published in 2003. Skidelsky’s # Keynes: The Return of the Master ~~(2009) was a plea ~~for his relevance to understand, and prescribe for, the slump of 2008-9. Anand ~~Chandavarkar, # The Unexplored Keynes and Other ~~Essays ~~(2009) offers an engaging account of Keynes’s many-sided ~~genius. Justyn Walsh, # Keynes and the Market ~~(2008) shows how Keynes’s varied experience as an investor influenced his ~~economic theories. # النظرية # Only a tiny sample of a vast secondary literature can be ~~given here. Paul Krugman, # Introduction to Keynes’s The General Theory of Employment, ~~Interest and Money ~~(2006) is a scintillating account of Keynes’s ~~central theory from a ms167 'new Keynesian’ standpoint. Michael Stewart, # Keynes and After ~~(3rd edn. 1986), is the most ~~accessible introductory text. E. Eshag, # From Marshall to ~~Keynes: An Essay on the Monetary Theory of the Cambridge School ~~(1963), the classic account, needs to be supplemented by R. J. Bigg, # Cambridge and the Monetary Theory of Production ~~(1990). D. Patinkin, # Keynes’s Monetary Thought: A Study ~~of its Development ~~(1977), as well as his essay on Keynes in the # New Palgrave Dictionary of Economics ~~, ed. ~~J. Eatwell, M. Milgate, and P. Newman (1987), are standard technical accounts. ~~J. R. Hicks’s # Critical Essays in Monetary ~~Theory ~~(1967) has an illuminating 'Note on the Treatise (on ~~Money)’. Richard Kahn, # The Making of Keynes’s General ~~Theory ~~(1984), is important first-hand testimony; G. L. S. ~~Shackle, # The Years of High Theory: Invention and ~~Tradition in Economic Thought 1926-39 ~~(1967), is an excellent ~~account of the 'double revolution’ in Cambridge. Four stimulating ~~interpretations of Keynes’s theory are Tim Congdon, # Keynes, the Keynesians, and Monetarism ~~(2007); Gilles Dostaler, # Keynes and His Battles ~~(2007); ~~A. H. Meltzer, # Keynes’s Monetary Theory: A Different ~~Interpretation ~~(1988); and Murray Milgate, # Capital and Employment: A Study of Keynes’s ~~Economics ~~(1982). Victoria Chick, # On ~~Money, Method and Keynes: Selected Essays ~~, ed. Philip Arestis and ~~Sheila Dow (1992), and Hyman P. Minsky, # John Maynard ~~Keynes ~~(1975) are important interpretations from the ~~post-Keynesian standpoint. P. Clarke, # The Keynesian ~~Revolution in the Making 1924-1936 ~~(1988) is essential reading; ~~R. W. Dimand, # The Origins of the Keynesian ~~Revolution ~~(1988) covers some of the same ground from a technical ~~standpoint. P. V. Mini, # Keynes, Bloomsbury and The ~~General Theory ~~(1991) is a stimulating, off-beat essay. John ~~Williamson’s essay, 'Keynes and the International Economic Order’, in D. ~~Worswick and J. Trevithik (eds.), # Keynes and the Modern ~~World ~~(1983) is exemplary. Indispensable introductions to ~~Keynes’s epistemology are Anna M. Carabelli, # On Keynes’s ~~Method ~~(1988) and R. M. O’Donnell, # Keynes: Philosophy, Economics and Politics ~~(1989). Terence ms168 ~~Hutchison, # On the Methodology of Economics and the ~~Formalist Revolution ~~(2000) is an excellent account of how ~~economics came to be 'mathematicized’. Taleb Nassim, # The ~~Black Swan: The Impact of the Highly Improbable ~~(2007) shows up ~~the fraudulence of most mathematical forecasting models. # ميراث كينز # D. Patinkin, # Money, Interest and Prices: An ~~Integration of Monetary and Value ~~Theory ~~(1956), and the Hicks-Patinkin exchange which followed it ~~in the # Economic Journal ~~(June 1957 and ~~September 1959), were key to establishing the 'synthesis’ between the ~~neo-classical theorists and the policy Keynesians; an accommodation challenged ~~by A. Leijonhufvud, # On Keynesian Economics and the ~~Economics of Keynes ~~(1966). (See also Leijonhufvud’s essay, # Keynes and the Classics ~~(Institute of ~~Economic Affairs, 1969).) David Marquand, # The ~~Unprincipled Society ~~(1988) offers a lively interpretation of ~~'Keynesian social democracy’ in Britain; for the impact of Keynesian ideas in ~~the United States, H. Stein, # The Fiscal Revolution in ~~America ~~(1969) is the key text; for Keynes’s influence on other ~~countries, see Peter A. Hall (ed.), # The Political Power ~~of Economic Ideas: Keynesianism Across Nations ~~(1989). Eric Roll, # The World After Keynes: An Examination of the ~~Economic Order ~~(1968) is a standard offering from the 'golden ~~age’. The crucial monetarist text is Milton Friedman’s Presidential address to ~~the American Economic Association, 29 December 1967, on 'The Role of Monetary Policy’, published in the # American Economic ~~Review ~~(March 1968), 1-17. The main text of 'new Keynesianism’ is ~~N. G. Mankiw and D. Romer (eds.), # New Keynesian ~~Economics ~~(1991). Paul Davidson’s # Money ~~and the Real World ~~(2002 edition) is the statement of one of the ~~leading 'post-Keynesians’. Henry Hazlitt (ed.), # The ~~Critics of Keynesian Economics ~~(1960, 1977) is a collection of ~~anti-Keynesian and sceptical essays. Arjo Klamer, # The ~~New Classical Macroeconomics: Conversations with New Classical Economists ~~and Their Opponents ~~(1984) is an indispensable window into the ~~mindset of the Chicago School. Brian Snowdon and Howard R. Vane, # Modern ms169 Macroeconomics: Its Origins, Development and Current ~~State ~~(2005) charts the 'decline and fall’ of the original ~~Keynesian revolution, and the rise of 'new Keynesianism’ and the 'new classical ~~economics’, with interviews with some of the leading ~~participants. ms170