######OpenITI# #META# URI: 1450CabdRahmanMajdi.MushilatMacaGhuraba.Hindawi37269084 #META# Tags: philosophy :: social.sciences #META# ID: 37269084 #META# Title: مشكلات مع الغرباء: دراسة في فلسفة الأخلاق #META# AuthorID: 30406272 #META# Author: تيري إيجلتون #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 28405095 :: 73586958 #META# Translator: عبد الرحمن مجدي :: مصطفى محمد فؤاد #META# Related_books: 1450TerryEagleton.TroubleWithStrangers (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # الجزء الأول: إلحاح النظام الخيالي‏ # تمهيد: طور المرآة‏ # 1 - العاطفة والإحساس‏ # 2 - فرانسيس هتشسون وديفيد هيوم‏ # 3 - إدموند بيرك وآدم سميث‏ # الجزء الثاني: سيادة النظام الرمزي‏ # تمهيد: النظام الرمزي‏ # 4 - سبينوزا وموت الرغبة‏ # 5 - كانط والقانون الأخلاقي‏ # 6 - القانون والرغبة في مسرحية «الصاع بالصاع»‏ # الجزء الثالث: سطوة النظام الواقعي‏ # تمهيد: الرغبة المحضة‏ # 7 - شوبنهاور وكيركجارد ونيتشه‏ # 8 - النظام الواقعي في الأعمال الأدبية‏ # 9 - ليفيناس ودريدا وباديو‏ # 10 - ابتذال الخير‏ # خاتمة‏ # تمهيد‏ # الجزء الأول: إلحاح النظام الخيالي‏ # تمهيد: طور المرآة‏ # 1 - العاطفة والإحساس‏ # 2 - فرانسيس هتشسون وديفيد هيوم‏ # 3 - إدموند بيرك وآدم سميث‏ # الجزء الثاني: سيادة النظام الرمزي‏ # تمهيد: النظام الرمزي‏ # 4 - سبينوزا وموت الرغبة‏ # 5 - كانط والقانون الأخلاقي‏ # 6 - القانون والرغبة في مسرحية «الصاع بالصاع»‏ # الجزء الثالث: سطوة النظام الواقعي‏ # تمهيد: الرغبة المحضة‏ # 7 - شوبنهاور وكيركجارد ونيتشه‏ # 8 - النظام الواقعي في الأعمال الأدبية‏ # 9 - ليفيناس ودريدا وباديو‏ # 10 - ابتذال الخير‏ # خاتمة‏ # | مشكلات مع الغرباء # | مشكلات مع الغرباء # | دراسة في فلسفة ~~الأخلاق # تأليف # تيري إيجلتون # ترجمة # عبد الرحمن مجدي # مصطفى محمد فؤاد # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إهداء إلى روح تشارلز سوان # رجل الإحسان المطلق والشجاعة اللامتناهية. # | تمهيد # إن فكرة هذا الكتاب مباشرة إلى حد كبير، وهي تتلخص في فرضية ترى أن معظم النظريات ~~الأخلاقية يمكن تصنيفها ضمن أحد نظم أو مستويات التحليل النفسي الثلاثة لجاك لاكان؛ الخيالي ~~والرمزي والواقعي، أو مزيج ما من الثلاثة. وباستخدام هذه النظم على نطاق أوسع نسبيا، ~~أحاول تحديد نقاط القوة والضعف في كل من نظريات الفكر الأخلاقي هذه، ومقارنتها بالجانب ~~الأخلاقي الأكثر ثراء في نظري للاشتراكية والعقيدة اليهودية المسيحية. # سينزعج بعض أصدقائي وقرائي لرؤيتي أضيع وقتي مرة أخرى في تناول اللاهوت. صحيح أن ~~الدين ثبت أنه من أكثر المنظومات المضرة بالعقل في تاريخ البشرية، إلا أن ذلك السرد ~~الجدير بالازدراء عن الاضطهاد والخرافة مستبعد من نسخة المسيحية المطروحة في هذا الكتاب. ~~ومن مفارقات عصرنا أنه بينما يغذي الدين أشكالا مختلفة ومقيتة من الأصولية الدينية، ~~فقد ms001 أفرز كذلك تيارا من الفكر اللاهوتي الراديكالي؛ تيارا يمثل - للمفارقة - أحد الجيوب ~~القليلة الباقية للفكر المادي في هذه الأيام المضطربة سياسيا، ويعد في الغالب أكثر تمردا ~~في تداعياته السياسية من معظم الفكر العلماني اليساري. وربما من المحزن في هذه الأيام أن ~~يكون علم الدين - دون غيره - هو ما ينبغي أن نلتفت إليه فيما يخص مثل تلك الأفكار التي ~~تقلب الموازين؛ لكن لا داعي لأن نرفض الدين كلية بسبب سلبياته. # يقول لودفيج فتجنشتاين: «إن أتيح لرجل أن يؤلف كتابا في الأخلاق يكون بحق كتابا عن ~~الأخلاق، فسينسف هذا الكتاب كل ما عداه من الكتب في العالم نسفا.» # 1 # يؤلمني أن أقول إنني عندما رفعت عيناي عن آخر جملة كتبتها في كتابي هذا، ~~ظلت المراجع الموجودة في أرفف مكتبتي حول نفس الموضوع لم يمسسها سوء. وأثق مع ذلك أن ~~هذا العمل يقدم إسهاما جديدا في تناول نظرية الأخلاق، حتى وإن كان السبب هو أن قليلا من ~~تلك الأعمال يتناول كلا من هيوم وليفيناس، وبيرك وباديو. وآمل ألا يعجب الكتاب الفلاسفة ~~الأنجلوساكسونيين بسبب أخذه الباريسيين على محمل الجد، وأن يزدريه الباريسيون بسبب ~~عثوره على بعض الجوانب القيمة في الفكر الإنجليزي. وكما هو الحال دوما، أنقذني أساتذتي ~~في الفلسفة، بيتر ديوز وسايمون كريتشلي وبيتر سيجويك وسلافوي جيجك، باعتباري رجلا مبتدئا ~~في هذا المجال، من بعض زلاتي وأخطائي المعتادة، وأنا أقدر لطفهم وما تحملوه من عناء ~~في سبيل ذلك. # وفي حال ظن أي شخص أن كبار الكتاب في مجال الأخلاق الذين تثار حولهم الشكوك فيما يتعلق ~~بأخلاقهم، هم وحدهم المخولون بالكتابة عن الأخلاق، فلا يسعني سوى أن أستحضر تعليقات ~~ماركس على أعماله - بعد إدخال التعديلات اللازمة - عندما قال إنه لم يكتب رجل عن المال بقدر ~~ما كتب هو، ونال من المال أقل مما نال هو. # تيري إيجلتون # دبلن، 2007 # | هوامش # الجزء الأول # | إلحاح النظام الخيالي # | تمهيد: طور المرآة # يبدو أنه لم يخل أي عمل نقدي ثقافي يساري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين من ~~إشارة إلى ms002 نظرية جاك لاكان الخاصة بطور المرآة، وهي لحظة في نمو الطفل الصغير يسر ~~فيها وهو يتأمل صورته في المرآة من التوافق السحري بين حركاته وحركات الصورة المقابلة له. # 1 # إن التوافق السحري والتشابه الإعجازي هما المادة الخام للأسطورة، وإذا كان ~~مقال لاكان الذي بعنوان «طور المرآة» قد تناول هذه الأسطورة، فقد صار المقال سريعا ~~أسطورة في ذاته؛ فحدود الحقيقة والوهم - كما يقول لاكان - مشوشة في هذه المرحلة ~~المبكرة؛ فالأنا التي هي نافذتنا على ما يسمى بالعالم الحقيقي هي في الواقع نوع من ~~الخيال؛ حيث يتعامل الطفل الواقف أمام المرآة مع صورته باعتبارها حقيقية، مع أنه يعلم ~~أنها وهمية. وهناك لبس مماثل في كلمة «الخيالي» التي تعني عند لاكان «المرتبط بصورة» ~~وليس غير الواقعي أو غير الحقيقي، والتي مع ذلك تتضمن إيهاما وخداعا (مثل نظرية ~~الأيديولوجيا التي اشتهر لوي ألتوسير باستنباطها منه). # وعلى نحو مماثل، أصبح ارتباط أطروحة لاكان بالخيال في مقابل الواقع محل تساؤل، فهل ~~كان يقصد بطور المرآة أنه حقيقي أم مجازي؟ وهل كان هذا الرجل الأكثر تأثيرا من بين ~~المفكرين الفرنسيين يتحدث فعلا عن شيء تجريبي مربك بقدر الأطفال الصغار؟ كيف لنا أن ~~نعرف بحق ما قد يمر به الطفل في هذا الموقف؟ وماذا عن المجتمعات التي لم تتمتع بميزة ~~امتلاك مرايا (وهو ما يثير الاعتراض البديهي الذي لا يمكن أن يطرحه سوى الإنجليز)؟ هل ~~تعوضها البرك أو الأنهار؟ أم أن المرآة الحقيقية للطفل هي والده أو ولي أمره الذي ~~يبني - بتوظيف أجزاء مختلفة من جسمه (كالوجه والفتحات وغيرهما) بدرجات متفاوتة من الشدة - ~~صورة ذاتية جسدية للطفل؟ هل تتشكل رؤيتنا لأجسادنا - مثل رغباتنا - على يد الآخرين؟ وكم ~~من الغريب - على أي حال - أن تنبني نظرية محورية كتلك على أكثر الأنشطة الإنسانية ~~اتصافا بالخيال والبساطة؛ اللعب والتقليد! التقليد بالتأكيد وكذلك اللعب؛ إذ إن الطفل ~~الذي يبتهج بمحاكاة حركاته الخاصة في المرآة هو مقلد، وساحر صغير يمكنه تغيير الواقع ~~بمجرد رفع يده، وممثل يؤدي دوره أمام جمهور ممتن مكون من ms003 فرد واحد، وفنان صغير ~~جدا يستمتع بشدة بقدرته على تشكيل منتجه وتحويله بنقرة إصبع أو إدارة رأس. ~~فالتمثيل أمام المرآة يتضمن ارتدادا غير متناه أو تقعيرا من نوع ما، حيث ينعكس الشكل ~~الكلي الموجود في المرآة موافقا جهود الطفل، ومن ثم يحفز ابتسامته، التي تستتبع ~~بدورها مظهرا تشجيعيا آخر من مظاهر السرور في الصورة المنعكسة، وهكذا. وسنرى شيئا ~~في نفس هذا الإطار لاحقا في الفلسفة الأخلاقية للقرن الثامن عشر. # لم يكن الأمر - بالتأكيد - وكأن المنظرين الثقافيين وقتئذ كانوا مهتمين بموضوع ~~تطور الطفل على نحو خاص؛ فأهمية محاضرة لاكان كانت تكمن في توضيحها للنظام الخيالي؛ ذلك ~~العالم الغريب للنفس الإنسانية، الذي يبدو فيه أن الذوات والأشياء (إن كان بإمكاننا أن ~~نتحدث عن هذا التقسيم في هذه المرحلة المبكرة من الكتاب) يتبادلان باستمرار الأماكن، ~~ويعيش كل منهما حياة الآخر. وخلال عملية الإسقاط والانعكاس هذه، يبدو أن الأشياء تدخل ~~وتخرج بعضها من بعضها دون وسيط، ويشعر كل منها بالآخر من الداخل بنفس الصورة الحسية المباشرة ~~التي تدرك بها دواخلها، فكأنك تستطيع أن تضع نفسك في ذات المكان الذي ينظر إليك منه، ~~أو ترى نفسك في ذات الوقت من الداخل والخارج. وعلم النفس ليس إلا في بداية الطريق فيما ~~يتعلق بفهم الآليات العصبية التي يقلد بها الطفل الصغير جدا وهو يلهو، تعبيرات وجه ~~شخص بالغ، في مجموعة معقدة من الانعكاسات من الخارج إلى الداخل ثم إلى الخارج مرة أخرى. # 2 # وفي هذا الشأن كتب موريس ميرلو-بونتي يقول: # يفتح الرضيع البالغ من العمر خمسة عشر شهرا ثغره إن داعبته بوضع أحد ~~أصابعه بين أسناني والتظاهر بأني أعضه. إلا أنه نادرا ما ينظر إلى وجهه في ~~مرآة، ولا تشبه أسنانه أسناني بأي نحو. والحقيقة هي أن فمه وأسنانه، كما يشعر ~~بهما من داخله، هما في نظره وبصفة مباشرة أداة للعض، وفكي، كما يراه الطفل ~~من الخارج، قادر في نظره مباشرة على الفعل ذاته. # 3 # إن النظام الخيالي هو عالم تعيد فيه الأشياء نفوسنا إلينا، إن كانت ms004 لدينا ذات عازمة ~~بدرجة كافية على تقديره؛ فهو مجال نقي تكون فيه المعرفة سريعة وقاطعة كالإحساس. # وفي هذا التكوين المميز للفضاء النفسي حيث لا يوجد بعد أي ذات أو مركز للوعي ~~واضح التنظيم، لا يمكن أن تكون هناك أي غيرية حقيقية، فمكنوني «موجود بالخارج» ~~نوعا ما باعتباره ظاهرة من بين غيرها من الظواهر، بينما يرتبط ما هو بالخارج برابطة ~~حميمية معي، وهو جزء من مكنوناتي الداخلية. لكنني أشعر أيضا بأن حياتي الداخلية ~~غريبة ومنفصلة، كما لو أن جزءا من كينونتي وقع أسيرا لصورة وتجسد على يديها. ويبدو أن ~~هذه الصورة قادرة على التأثير في ذاتي تأثيرا ينبع من نفسي ولا ينبع منها في الوقت ~~ذاته. إذن، ففي نطاق النظام الخيالي ليس من الواضح إن كنت أنا أم كنت شخصا آخر، ~~إن كنت داخل نفسي أم خارجها، إن كنت خلف المرآة أم أمامها. قد يتصور أي شخص أن ~~هذا يجسد جزءا من تجربة الرضيع الذي ترضعه أمه والذي يستخدم ثدييها كما لو ~~كانت أحد أعضائه؛ لكنها كذلك - كما هو حال الأشياء الملتبسة التي بداخلنا وخارجنا - ~~مسألة تتعلق ب «الأشياء الجزئية»، أي أجزاء الجسم المنبثقة إلى العالم الخارجي (البراز ~~ولبن الرضاعة وما شابه)، وهي التي تصفها ميلاني كلاين بأنها أشياء انتقالية بين النفس ~~والآخر، بين الذات والشيء، والتي يقول لاكان نفسه عنها إنها نفس الأشياء التي تبطن ~~الذات البشرية أو يتصور أنها تملؤها. # وهذا هو السبب في أن النظام الخيالي يتضمن ما يعرف من الناحية المتخصصة بالعبورية، ~~التي فيها - في رابطة تعاطف بسيطة - قد يبكي الطفل عندما يرى طفلا آخر يتعثر، أو يدعي ~~أنه هو نفسه قد ضرب عندما يضرب أحد أقرانه. ولقد حازت هذه الظاهرة على اهتمام ~~فيلسوف ظهر في القرن الثامن عشر وهو آدم سميث؛ إذ تحدث في كتابه «نظرية العواطف ~~الأخلاقية» عن كيف أننا «عندما نرى ضربة موجهة وعلى وشك أن تصيب ساق أو ذراع شخص ~~آخر، فإننا بطبيعتنا ننكمش ونسحب ساقنا أو ذراعنا.» فالعبورية مجرد مثال واضح ~~للمحاكاة ms005 المتعاطفة في حد ذاتها، وهو ما يظل إلى حد ما مسألة جسدية حتى لدى هؤلاء الذين ~~نجحوا في التحرر من إغواءات طور المرآة. وهذا هو السبب في أن الابتسام معد، أو السبب ~~- كما يشير سميث - في أن: «المتفرجين عندما يشاهدون راقصا يمشي على حبل متراخ ~~يلوون أجسامهم ويوازنونها كما يرونه يفعل، وكما يشعرون أن عليهم فعله في هذا الموقف.» # 4 # ويبدو أن سميث يفترض أن هذه المحاكاة التلقائية هي نتيجة لما يسميه لاكان ~~التبادل الخيالي؛ حيث نتخيل إسقاط أنفسنا في جسد الراقص. لكن هؤلاء المشاهدين هم سحرة ~~مستقبليون يسعون لا إراديا للتحكم في حركات الساحر من خلال تمايلهم المتعاطف، ~~مثلما يسيطر الطفل في طور المرآة بصورة كبيرة على صورته المنعكسة في ذات اللحظة التي ~~يخضع فيها لسيطرتها؛ فالجمهور عند سميث يبقى بشخصه في نفس اللحظة التي يتقلد فيها ~~هوية شخص آخر، وهذا الامتزاج مميز للنظام الخيالي. # فالعبورية إذن هي نوع من انطباق أو تناغم الأجسام، فأصحاب التركيب الحساس - حسبما ~~يشير سميث - يشعرون بعدم الارتياح أو بالرغبة في الحك عندما يرون تقرحات في جسم ~~متسول، بينما من الأرجح أن النظر إلى عينين متقرحتين لشخص آخر سيجعل عينيك تفيضان ~~حنانا. وفي النهاية، فإن التصور الوحيد المرضي لهذه الحالة هو وجود جسدين اتحدا معا ~~في جسد واحد، مثلما كان كليم يوبرايت وأمه في رواية توماس هاردي «عودة المواطن» يتحدثان ~~معا كما لو أن «أحاديثهما كانت ... تجري بين اليد اليمنى واليد اليسرى لنفس الجسم.» ~~ويحقق جود فولي وسو برايدهيد في رواية هاردي «جود الغامض» «هذا التفاهم المشترك التام ~~الذي تكون فيه لكل لمحة وكل حركة نفس فاعلية الكلام في نقل المعلومات بينهما، ~~وتجعلهما تقريبا كجزأين لكل واحد.» والرابطة العاطفية بين والتر شاندي والعم توبي في ~~رواية لورنس ستيرن - وهي علاقة تقوم على الإيماءات والبديهة والتواصل غير اللفظي - مثال ~~آخر على ذلك. وستتاح لنا الفرصة للعودة إلى فكرة الجسد باعتباره لغة، لاحقا في هذا ~~الكتاب. # على نحو ما، يمكن النظر إلى الصداقة باعتبارها نسخة البالغين ms006 من النظام الخيالي؛ ففي ~~الصداقة - حسبما يشير أرسطو في كتاب «الأخلاق» - يكون الآخر هو أنت وليس أنت؛ بحيث يعيد ~~هذا الامتزاج والتداخل في الهويات صناعة طول المرآة لكن على مستوى أعلى. وكما ~~كتب ميشيل دي مونتين في مقاله الرائع عن الصداقة: «الشيء الوحيد الذي يسعدني في أن يكون ~~لي صديق هو أن ما ليس لي صار لي.» # 5 # ويضيف أن علاقته بأعز أصدقائه لم تترك لأي منهما شيئا يخصه؛ فلا شيء يخص ~~صديقه أو يخصه هو. ويعلق قائلا: «إن اضطررت لأقول سبب حبي له، فأشعر أن إجابتي ~~الوحيدة يمكن أن تكون: «بسببه، بسببي ...» فمثل هذه الصداقة ليس لها نموذج إلا هي ذاتها، ~~ولا يمكن مقارنتها إلا بنفسها.» # 6 # فالنظام الخيالي يقاوم ترجمته بصورة عقلانية أو مقارنة. بعكس الرمزي الذي ~~فيه - كما سنرى - التبادل والتناسب هما الأهم، وكل عناصره مميزة بصورة لا يمكن ~~اختزالها. # على العموم، لم يستحضر اليسار الثقافي في سبعينيات القرن الماضي النظام الخيالي إلا ~~كي يشيطنه؛ فمن ناحية لم تكن أطوار ما قبل اللغة محور تركيز المنظرين، الذين ~~أصبح الخطاب شاغلا كبيرا لديهم أكثر من الأطفال الرضع. ومن ناحية أخرى، كان النظام ~~الخيالي متمحورا حول الاتحاد والثبات، والتشابه والتوافق، والاستقلال والمحاكاة، ~~والتصور والتناغم، والوفرة والكلية، ولا يمكن أن توجد مفاهيم أقل شيوعا من هذه ~~المفاهيم لدى طليعة كلماتها الأساسية هي الافتقار والغياب، والاختلاف والصراع، ~~والانقسام والتشتت، والتشرذم والتباين. فيسار ذلك العصر لن يقبل فكرة التصور إلا إن ~~كانت وسائل التصور وظروفه متوفرة معه، وكل هذا مكبوت في طور المرآة للأسف. # 7 # والأسوأ أن التصور محل الجدل تصور زائف؛ فالصورة المنعكسة من المرآة نسخة ~~موحدة زائفة لجسم الطفل الحقيقي غير المتسق، وفرحته بها تنبع من مقارنة هذا الكل ~~المثالي بحالة جسمه المختلة، فالمرآة تتيح له استقلالا لا يتوفر له في الواقع. ويمكننا ~~التكهن بأنه يقارن كذلك بين هذا الشكل المتماسك على نحو مرض ببعض التخيلات الكلاينية ~~لجسده بوصفه ممزقا ومشوها ومقطعا إلى أجزاء. # إذن، فالبراءة التي تسبق الأنوية في ms007 طور المرآة بدت مهيأة للتدمير، اعتمادا ~~على ما كان في الحقيقة مفهوما نموذجيا للهوية. فهذه المرآة هي لوح من زجاج لا نرى ~~فيه، بحسب تعبير سان بول، إلا رؤية قاتمة. إن الطفل المفتتن بصورته في المرآة مثال على ~~الإدراك الذاتي الزائف بقدر الفكرة القائلة إن كل دال - كالأيقونة مثلا - يتقيد ~~برابطة داخلية مع مدلول واحد يمكن القول إنه يمثل معناه، ففي المرآة - كما يقول جون ~~لابلانش وجيه بي بونتاليس - «ثمة نوع من الالتحام بين الدال والمدلول.» # 8 # والموضع الآخر الذي يفترض أن يحدث فيه هذا هو الشعر الذي يبدو فيه هذان ~~الجانبان من الدلالة - من خلال نوع من الخداع اللفظي - غير قابلين للانفصال. # 9 # لكن لن يجدي كذلك النظر للكلمات والمعاني على نحو منفصل، طالما أن الفرد ~~لا يزال يتخيل أنهما نفس الشيء تقريبا، «فالكلمة هنا والمعنى هناك» كما يقول لودفيج ~~فتجنشتاين متهكما، «وكذلك البقرة والمال الذي يمكنك أن تشتريها به؛ لكن عليك التفريق ~~بين المال واستخدامه.» # 10 # فالكلمة عند فتجنشتاين تكتسب معناها من استخدامها؛ وهذا يتضمن الدخول في ~~علاقات خاضعة لقواعد مع الدلالات الأخرى في شكل معين من أشكال الحياة. وهذه، كما يمكن ~~أن نقول، هي نسخته مما سيسميه لاكان بالنظام الرمزي. والفارق أن لاكان يبين أن ما يسري ~~على الدلالات يسري على الذوات البشرية أيضا، فالطفل الذي يتخيل أن صورته في المرآة هي ~~التجسيد الملموس لكينونته هو شخص لم يبلغ مرحلة الإدراك البنيوي ولم يستوعب بعد أن ~~الهوية الإنسانية - كالدلالات - مسألة تفاضلية؛ أي أنها مسألة شغل موضع ما في نظام ~~رمزي، نظام من الأدوار والعلاقات التي تكون فيها وظيفة قابلة للاستبدال وليس حيوانا ~~حيا متميزا لا يمكن استبداله؛ فالطفل إذ يسره وهم أنه متسق كليا مع ~~ذاته، سيدرك مع ذلك أنه - كما يعلق فتجنشتاين في كتابه «تحقيقات فلسفية» - لا يوجد ~~افتراض عديم الفائدة بقدر افتراض تطابق الشيء مع نفسه؛ فالطفل الصغير قد سقط فريسة، إن ~~جاز التعبير، لخطأ فلسفي وهو أن ثمة نوعا من اليقين وإمكانية الوصول فيما ms008 يتعلق ~~بالكينونة الإنسانية. # لذا فإن إدراك الطفل لذاته في دائرة النظام الخيالي هو إدراك خاطئ في الحقيقة؛ ~~إدراك يمهد للنسخة الأهم نسبيا من الإدراك الخاطئ التي سيمر بها الطفل في النظام ~~الرمزي. وهويته مستلبة «مغتربة» كذلك؛ حيث تخلط الأنا الناظرة - أو الذات - بين كيانها ~~المراوغ وكيان الأنا المنظورة، التي هي شيء محدود في مرآة انعكاسها الذاتي. ومن ثم ~~تستعصي عليها معرفة حقيقة الذات؛ أي - كما أعاد لاكان صياغة كلمات ديكارت بصورة براقة - ~~«أنا أفكر حيث لا أكون، إذن فأنا موجود حيث لا أفكر.» فالطفل سيدرك أن الذات التي ~~تتطابق مع نفسها ليست ذاتا على الإطلاق؛ فالكينونة التي يعتبرها الطفل النرجسي ~~الصغير الذي في طور المرآة ثابتة ومحدودة هي في الحقيقة منقسمة وغير كاملة، وهي مثل ~~عملية الدلالة نفسها يحركها عدم اكتمالها. # إن معارضة النظام الخيالي، الذي يعتمد فيه كلا الطرفين (الطفل والصورة) اعتمادا ~~تكافليا على الآخر، يجب أن تتحقق في النهاية عنوة أو بإدخال طرف ثالث يمكن أن ~~يتوسط بين الطرفين. وهذه في نظر لاكان هي اللحظة الأوديبية؛ فالنظام الخيالي المغلق ~~يجب أن ينفتح أمام الاختلاف والغيرية؛ فالطفل الصغير عليه أن يكسر مرآة إدراكه ~~الخاطئ ليخرج إلى النطاق البين-ذاتي حيث لا يسعه وحده أن يصل إلا لأجزاء صغيرة ~~جدا من الحقيقة. والتحول في نظر هيجل - الذي استمد منه فكر لاكان الكثير - من حالة ~~إلى أخرى له بعد أخلاقي. فالذات يجب فطامها من الوقوع في خطأ اعتقاد نفسها كيانا ~~مستقلا وأن تبدأ بدلا من ذلك في الاعتراف باعتمادها على الآخرين في النطاق ~~البين-ذاتي، وهو مجال يسميه هيجل الروح، ويطلق عليه لاكان الآخر الكبير أو النظام ~~الرمزي. وكما قال لاكان، يتضمن هذا في أكمل صوره «القبول الكامل للذات من الذات الأخرى.» # 11 # ولم يكن ذلك أحد مثل المعاملة بالمثل لدى البشر التي كان ليحتفظ بها ~~طويلا؛ إذ علينا أن نتوقف عن استمداد صورتنا الذاتية من الآخر كما نفعل في النظام ~~الخيالي، ونستمدها من الآخر الكبير (عالم الاجتماعية ككل) كما نفعل في النظام ms009 الرمزي. ~~ويرى هيجل أن أكثر أشكال الحياة الإنسانية بدائية تتضمن انغماسا غير تأملي في نظام ~~اجتماعي مغلق لا يختلف كثيرا عن مفهوم النظام الخيالي عند لاكان. وحين يتجرأ الفرد على ~~التبادلات البين-ذاتية الخاصة بالنظام الرمزي، عندها فقط يصير مدركا لنفسه باعتباره ~~فردا؛ لكن سنرى لاحقا أن هذا الإنجاز في نظر لاكان لا يبعد كثيرا عن الكارثة. # كان هذا التحول في النظم الأنطولوجية بالنسبة للطليعة الثقافية في سبعينيات القرن ~~العشرين تحولا سياسيا أكثر منه أخلاقيا؛ إذ لم يكن الهدف تعزيز الذات البرجوازية ~~من خلال إلقاء الضوء على رضاها عن نفسها، بل إدخالها في أزمة دائمة؛ فالتحول الأول ~~مرتبط بالأيديولوجيا بينما الآخر مسألة تتعلق بممارسة ثقافية ثورية؛ فالأمور التي ~~تجعلنا ما نحن عليه - أي النقص والنظام الواقعي والكبت والخصاء وقانون الأب والقوانين ~~الخفية للتكوين الاجتماعي - تتجاوز التصور تماما، فهي الشروخ والنقاط العمياء في مرآة ~~الوعي، وهي ظاهرة عادة ما يتم تصورها هي ذاتها في سياق المرآة («الانعكاس»، ~~و«التبصر»، و«التأمل»). وكما يقول إيرل شافتسبري: «أي كائن عاقل أو مفكر قادر ~~بطبيعته على رؤية عقله وأفعاله، وامتلاك تصورات لنفسه ومكنوناته الداخلية وهي تمر أمامه ~~باستمرار وتتضح له وتدور في عقله.» # 12 # فالتأمل الذاتي بهذا المعنى نظام خيالي داخلي على نحو ما؛ أي مسألة تأمل ~~لذاتنا في مرآة عقلنا، ذلك المسرح العقلي الذي نظهر فيه كممثلين أمام نظرتنا المتفرجة ~~كما لو كنا شخصا آخر. إن هذا الانغلاق الذاتي النرجسي نسبيا هو ما رأى اليسار ~~الثقافي أن من الضروري تحطيمه، وأن تصبح الذات الخيالية غير متمركزة، إذا أردنا أن ~~ينكشف أي شيء من المحددات الحقيقية لوجودنا. # وكتب فتجنشتاين في كتابه «تحقيقات فلسفية» يقول: «الصورة تأسرنا، ولا يمكننا الخروج ~~منها؛ لأنها تكمن في لغتنا، واللغة على ما يبدو تكررها لنا بلا هوادة.» # 13 # إن كان الطفل عند لاكان رهن أسر صورة أو أنا مثالية، ومضللا مثل العامل ~~المغترب عند ماركس بفعل قوة ما لا يعرف أنها تخصه، فإن البالغ الذي سحرته اللغة عند ~~فتجنشتاين قد وقع فريسة ms010 لبنى قواعدنا اللغوية المجسدة بطبيعتها التي تكون هويات زائفة ~~مما لا يتعدى في حقيقته نسيجا من الاختلافات. وكان رأي فريدريك نيتشه مماثلا إلى حد ~~كبير؛ حيث كتب عن الفكر باعتباره أسيرا ل «سحر وظائف لغوية معينة.» # 14 # فهذه عند فتجنشتاين هي صورة مزمنة من الوعي الزائف حيث تكون اللغة أداة ~~إحداث التجانس فيها، مثلما أن النظام الخيالي عند لاكان ليس مجرد طور يمكن أن نتجاوزه ~~مثل مص الأصابع، بل هو عين الهيكل الداخلي للأنا، وبهذا يكون بعدا غير قابل للمحو ~~للتجربة الإنسانية، فهذا التبجح والزهو الطفولي أمام المرآة يستمر في كل جهودنا ~~الشهوانية اللاحقة، حيث نتماهى مع الأشياء التي تحمل شبها مطمئنا بأنفسنا. فكما يقول ~~لاكان: «إن كل الأشياء الموجودة في العالم «الإنساني» تنتظم وتتركب حول الظل المتجول ~~لأنا الطفل.» # 15 # فما يحتاجه الطفل في طور المرآة كي يتحول إلى شخص هو ما نحتاجه نحن ~~البالغين المنخدعين لغويا أيضا، وهو احتياج يلخصه اقتباس من مسرحية «الملك لير» رأى ~~فتجنشتاين أن يستخدمه كاستشهاد في مطلع كتابه «تحقيقات فلسفية»: «سأعلمك ~~الفروق.» # إن العلاج الكلامي المطرد الذي عرفه فتجنشتاين باسم الفلسفة هو ما يمكننا من ~~تحطيم أصنام المعاني؛ فالفلسفة في نظره نوع من العلاج يمكننا من تحرير تلك الدوال ~~الجامدة المنعزلة غير الواضحة التي التصقت بنا كالعديد من أعراض الاضطرابات العصبية ~~وإعادتها إلى ملعب الاختلافات الذي يشكل صورة ما من صور الحياة، أو إخراجنا من غياهب ~~الضباب إلى الشمس الساطعة، كما يقول فتجنشتاين في موضع آخر؛ إذ يقول: «عندما يأتي ~~الفلاسفة بكلمة ما - «معرفة» أو «كينونة» أو «شيء» أو «أنا» أو «قضية» أو «اسم» - ~~ويحاولون الوصول إلى «جوهر» هذا الشيء، فعلى الإنسان أن يسأل نفسه دائما: هل تستخدم ~~هذه الكلمة فعلا على هذا النحو في سياق اللغة الذي تنتمي إليه؟ فما نفعله هو إعادة ~~الكلمات من استخدامها الميتافيزيقي إلى استخدامها اليومي.» # 16 # بالتأكيد ثمة فارق رهيب بين تأملات فتجنشتاين البسيطة - التي لا تتجاوز في أدنى ~~أحوالها التركيز على المألوف - والتأملات المنمقة والمعقدة للاكان. ms011 إلا أن هدف المحلل ~~النفسي كذلك أن يستعيد المدلولات الضائعة عند هؤلاء الذين أصبحوا في أزمة والذين صار ~~خطابهم من ثم جامدا ومكررا؛ ففك عقدة أحد الاضطرابات العصبية وكشف مدلول ~~مجسد ليسا شيئين مختلفين، بل قد يشكلان في مجال التحليل جانبين لعملية واحدة؛ فمن بين ~~وظائف التحليل النفسي تحريرنا من أي وهم أو تكرار قهري يصيبنا، وتحويل هذا المأزق أو ~~حجر العثرة الكامن في قلب كيان الفرد إلى حجر أساس لشكل جديد من الحياة. # 17 # فطور المرآة إذن لم يكن مطلقا حالة من البراءة الفردوسية الخالصة، ~~بل على العكس، يمكن اعتباره لمحة من عملية السقوط من الفردوس وهي تحدث. فمن ~~ناحية، تتضمن النرجسية ذاتها بعض الاشمئزاز والإيذاء الذاتيين، ومن الناحية الأخرى، فإن ~~الحدود المشوشة بين الذوات تغذي المنافسة بقدر ما تغذي التناغم؛ فهي تشبه الجمع بين ~~الهوية والعداء الذي يمكننا ملاحظته في حالات جنون الارتياب التي يكون فيها الطرف ~~المضطهد هو الشخص نفسه وأنا بديلة هلامية. وهي ما يطلق عليه كيركجارد «التعاطف ~~المتنافر» في كتابه «مفهوم الهلع»؛ فالجار - كما يشير فرويد في كتابه «مشروع سيكولوجيا ~~علمية» ويقصد على الأرجح الأخ/الأخت - هو أقرب شخص صديق وعدو لنا في نفس الوقت. فبعض ~~ملامح هذا الشخص (الوجه، على سبيل المثال) كما يقول فرويد ستكون غريبة ومفعمة بالتهديد؛ ~~لكن البعض الآخر - كحركة اليد مثلا - تستدعي التشابه. ومن اللافت في هذا الصدد أن كلمة ~~«يباري» تعني كلا من: «ينازل» و«يحاكي»، «يشبه» و«ينافس». وكما يقول لاكان مقتبسا ~~كلمات أوسكار وايلد دون أن يدري: «الشخص الذي تحاربه هو أكثر من يحوز على إعجابك.» # 18 # فالأنا المثالية، وهي الصورة التي يرتسم بها انعكاس الطفل أمامه، هي ما ~~ينبغي عليك قتله. # ويسعى الطفل الغارق في هذا التواطؤ اللاعقلي مع صورته والأشياء المحيطة بها إلى كسر ~~حالة الجمود تلك من خلال العدوان. ويمكن تصور الطفل إذ يخضع لسطوة العبورية، وهو ينتقل ~~دون توقف من دور الصياد إلى دور الضحية أو يؤدي كلا الدورين في الوقت ذاته. # 19 # ويتحدث ماكس هوركايمر ms012 وتيودور أدورنو في كتاب «جدل التنوير» عن الرغبة في ~~المحاكاة للاندماج مع العالم؛ لكن يتحدثان أيضا عن الخوف من الوقوع تحت سيطرة قوى ~~خارجية قد تولدها هذه الرغبة. وفي فقرة غريبة ومشئومة إلى حد ما، يكتب مارتن هايدجر عن ~~كيف كان الجنود في الحرب العالمية الأولى من كلا طرفي النزاع قادرين على مواجهة بعضهم ~~لبعض وجها لوجه على الجبهة، فصار بعضهم يتماهى مع بعض، «ممتزجين في جسد واحد» ~~(بتعبير إرنست يونجر). # 20 # ويتحسر هايدجر قائلا إن مثل هذه المواجهة الخيالية لم تكن ممكنة في ~~المواجهة الآلية في الحرب العالمية الثانية؛ فموقع يجري فيه قتال تلاحمي بالأيدي مشهد ~~تكافلي مرض بقدر أكبر من القتل المجرد الخسيس من عن بعد. # يرى لاكان أن طور المرآة يؤشر لأول ظهور للأنا، وهي وظيفة تعد صورة من صور الاغتراب ~~الذاتي؛ فالوعي ذاته هو بنية من الإدراك الخاطئ؛ إذ يصير انعكاس الطفل المرتسم في ~~المرآة نموذجا لكل الإدراكات الذاتية النرجسية اللاحقة التي تصنع الأنا. في هذا الشأن، ~~يقول لاكان: «إن الأنا التي نتحدث عنها يستحيل تماما فصلها عن الأشياء الخيالية التي ~~تكونها من الألف إلى الياء.» # 21 # وهذه «البنية الجامدة» - بوصفها قريبة منا لكن خارجة عنا كالدرع المزرد - ~~هي سراب للوحدة والتضامن، وهي بذلك تؤدي إلى إخفاء حقيقة أن الذات يغلب عدمها على ~~وجودها؛ فالنظام الخيالي، باختصار، هو نوع من الأيديولوجيا. # هذا هو النحو الذي يرى من خلاله الفيلسوف الماركسي لوي ألتوسير - أشهر من فشل لاكان ~~في علاجه - النظام الخيالي، مستخدما المصطلح بالمعنى الواسع الذي سنتبناه في هذا الكتاب. # 22 # فالأيديولوجيا عند ألتوسير هي نوع من الإدراك الخيالي الخاطئ الذي يبدو فيه ~~الذات والشيء، أو النفس والعالم، معدا خصوصا كل منها للآخر. ويبدو العالم في تآلف معنا ~~بدلا من أن يكون غير مكترث تماما بغاياتنا، فيتوافق طواعية مع رغباتنا ويتبع حركاتنا ~~في طاعة بقدر ما يفعل انعكاس الإنسان في المرآة؛ لكن بما أن هذه الصورة متماسكة بقدر ~~مرض، كما الحال في الطفل عند لاكان، يقع خطأ ms013 في إدراك كل من الذات والواقع الاجتماعي ~~في نفس الوقت. وتعتبر الذات الإنسانية من الجانب النظري كيانا غير متمركز تماما مثل ~~الطفل الفوضوي الواقف أمام المرآة، أي مجرد شيء مرتبط بهذه البنية الاجتماعية أو تلك ؛ ~~لكن بما أن تلك المخلوقات الفوضوية لن تكون قادرة على العمل الهادف، فإن نظام ~~الأيديولوجيا الخيالي يتدخل ليمنحها إحساسا بالوحدة والاستقلال؛ وبذلك فقط تتحول إلى ~~عناصر فاعلة تاريخية، أيا كان تبعيتها السياسية. ومن هذا المنطلق فإن الثورة ~~البلشفية تتضمن دائرة الأيديولوجيا بقدر الاحتفال بيوم القديس باتريك. # إن وصف ذات الأيديولوجيا بأنها «خيالية» يعني الزعم بأنها - كالطفل أمام مرآة لاكان - ~~تشعر بأن العالم جزء من تكوينها الداخلي، وأنه متمحور عليها، وأنه خاضع لها تلقائيا، ~~وأنه يرتبط بها برباط داخلي؛ فالأيديولوجيا من هذا المنطلق هي نوع بليد من المركزية ~~الأنثروبولوجية. وتكتب جورج إليوت في روايتها «ميدل مارش»: «نولد جميعنا في حالة من ~~الغباء الأخلاقي، معتبرين العالم ثديا يرضع ذواتنا السامية.» فالأيديولوجيا تعيد صياغة ~~النظام الخيالي على مستوى المجتمع ككل عند الأشخاص المكتمل تطورهم الذين ربما يدركون ~~بشيء من التخوف المفاجئ أن العالم لا يدين لهم بأسباب المعيشة، وأنه لا يبالي بهم بقدر ~~ما يبالي بالطقس. وفي ضوء هذا الوهم المريح، يمكن أن تطمئن الذات إلى أن المجتمع سيدعي ~~انتماءها له بنحو خاص ويخصها بتميز وفرادة ويناديها باسمها، إن جاز التعبير. إن الذات ~~العليا للأيديولوجيا؛ إذ تجذبنا من بين حشود المواطنين المجهولين حولنا، وإذ تطل ~~علينا بوجهها الحميد، تغرس فينا إيمانا يبعث على السرور بأن الواقع يمكن ألا يستمر ~~من دوننا، وأنه سيضطرب حزنا إن اختفينا من الوجود، تماما كما نتصور الرضيع وهو ~~يؤمن بأحد الأوهام البيركلية بأنه إذا اختفى، فسيتلاشى معه كل ما سواه في طرفة ~~عين. # هناك بعض المشكلات الشائكة في نظرية ألتوسير؛ لكنني لا أنوي أن أتناولها هنا، # 23 # بل أريد أن أستكشف أوجه الشبه بين هذه الأفكار الحديثة الخاصة بالتحليل ~~النفسي وما يمكن أن نسميه بالأخلاق الخيالية عند بعض فلاسفة الأخلاق الإنجليز في القرن ms014 ~~الثامن عشر؛ لكن قبل ذلك علينا أن نأخذ جولة سريعة في موضوع المذهب العاطفي في القرن ~~الثامن عشر. # | هوامش # الفصل الأول # | العاطفة والإحساس # من الشائع في يومنا هذا الإقرار بأن القرن الثامن عشر كان عصر ~~العاطفة بقدر ما كان عصر العقل. ومن المؤكد أنه شهد قدرا كبيرا من الصراخ ومشاعر ~~النشوة والألم والاعتراض والإثارة والتوهج والذوبان. # 1 # فالإحساس - وهو مصطلح ذلك العصر الرئيسي - يمثل نوعا من بلاغة الجسد، ~~ومنظومة سيميائية اجتماعية تقوم على الخجل والخفقان والنحيب والإغماء وما شابه. كما أنه ~~رد ذلك العصر على الثنائية الفلسفية الروح والجسد؛ ففي أيديولوجية العاطفة يكون الجسد ~~والروح في انسجام معا كسترة ضيقة وبطانتها. والإحساس في القرن الثامن عشر - باعتباره ~~نوعا من المادية الأولية - هو خطاب الألياف والنهايات العصبية، والأبخرة والسوائل، ~~والنبضات والذبذبات، ونوبات الاستثارة والتهيج. يقول ويكيسيموس نوكس إن «المشاعر هي ~~كلمة أنيقة ورائجة حلت محل العمليات الذهنية وتسوغ قدرا كبيرا من المادية.» # 2 # إن كلمة «الشعور» ذاتها - التي تحمل معنيي الإحساس المادي والدافع ~~العاطفي، كاللمس باعتباره فعلا والإحساس به باعتباره حالة - تقدم للعصر رابطا بين ~~إثارة الألياف العصبية وتفاعلات النفس الخفية. # تتحسر الروائية الأيرلندية سيدني أوينسون (ليدي مورجان) في مذكراتها على ما سمته ~~«تركيبي المادي غير السعيد، هذه الحساسية العصبية لكل انفعال يدور في جسمي ويلهب ~~الجسد كله»؛ # 3 # لكنها في الحقيقة ليست إلا تباهي بما تتمتع به من إحساس. وكتب زوجها السير ~~تشارلز مورجان رسالة في الفسيولوجيا، ربما متأثرا بملاحظة زوجته الشديدة الحساسية. وينظر ~~كتاب إسحق نيوتن «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية» - تماما مثل عمل الأسقف بيركلي ~~الغريب «الحلقات» - إلى الوجود في مجمله باعتبار أنه يمتلئ بروح الأثير الخفية، التي ~~تخلق الإحساس بذبذبة الأعصاب؛ فالإحساس هو ملتقى الجسد والعقل، والآن يعد الجهاز ~~العصبي وليس الروح هو ما يتوسط بين العالمين المادي وغير المادي؛ فالأخلاق مهددة بأن ~~يحل محلها علم الأعصاب. ويسخر لورنس ستيرن من العاطفة باعتبارها نوعا من الباثولوجيا ~~الاجتماعية في روايته «رحلة عاطفية»، على الرغم من نشره هو للكثير منها ms015 في الرواية. ~~ويرى نقاده الكثيرون أن الافتتان بالعاطفة علامة تميز المهذبين المصابين بوهن الأعصاب، # 4 # فالرجل الحساس كبجعة أخلاق تتغذى على عواطفها المرهفة. # وبعكس ترفع النبلاء البارد، ظهر عند الطبقة الوسطى افتتان راسخ بالشفقة والخير ~~والمشاركة الوجدانية. يكتب ريتشارد ستيل : # إننا بتأثير سحر خفي نحزن مع الشقي ونفرح مع السعيد؛ إذ يستحيل على القلب البشري أن ~~ينفر من أي شيء يميز الإنسان؛ لكن ملامح السعداء والأشقياء ذاتها تأخذنا إلى حالتهم؛ ~~وبما أن السعادة تنتقل من شخص لآخر، فمن المنطقي أن يكون الحزن كالعدوى، وكلاهما يرى ~~ويحس بنظرة، فعينا الإنسان نافذة لغيره على قلبه. # 5 # لدينا هنا بعض العناصر الأساسية للنظام الخيالي: إسقاط أو انتقال خيالي إلى ~~داخل جسم آخر، والمحاكاة المادية المذكورة في «ملامح «الآخر» ذاتها تأخذنا إلى حالته»، ~~و«قابلية العدوى» التي يتشارك من خلالها شخصان نفس الحالة الداخلية، والآنية البصرية ~~التي تنتقل من خلالها حالة الآخر الداخلية؛ فيبدو الداخل منقوشا على الخارج، وتبادل ~~المواقع أو الهويات («فعينا الإنسان نافذة لغيره على قلبه»). # أو انظر لهذه الكلمات من مواعظ جوزيف باتلر: # إن البشرية بطبيعتها متحدة تماما؛ إذ ثمة توافق بين الأحاسيس الداخلية لشخص ما ~~ونظيرتها عند شخص آخر، فيصير الخزي مكروها كالألم الجسدي، ويصبح التمتع بالاحترام ~~والحب مرغوبا كأي مكسب مادي ... يوجد مبدأ طبيعي يجذب الإنسان إلى أخيه الإنسان الذي ~~يصبح - بعد أن سلك الاثنان نفس الطريق وتنفسا نفس الهواء، وهما بالكاد مولودان في نفس ~~الضاحية أو المنطقة - فرصة لتكوين المعارف والأشياء المشتركة بعد عدة سنين ... فالناس إلى ~~حد كبير كالجسد الواحد، وهم على نحو خاص يتعاطف بعضهم مع بعض، ويتشاركون مشاعر الخزي ~~والخطر المفاجئ والبغض والشرف والرخاء والبؤس ... # 6 # مرة أخرى يقدم إلينا بعض المكونات الرئيسة للنظام الخيالي: التوافق، ~~وتبادل الأحاسيس الداخلية، واندماج الجسدين، ومبدأ الجاذبية الشبه السحري، بجانب تجاهل ~~جماعي نوعا ما للاختلاف يفترض أن دواخل الآخرين كدواخل الشخص. إن مثل تلك المشاعر ~~الرقيقة - كما يرى كتاب أرسطو «الأخلاق النيقوماخية» - تعزى للنفس بقدر ما تعزى ~~للآخرين؛ فأصحاب النزعة ms016 المحبة لأنفسهم وحدهم - كما يقول أرسطو - هم من يمكنهم ~~حقا أن يحبوا الآخرين، بينما الذين لا يحملون أي حب لأنفسهم «ليس لديهم وعي حساس ~~بمسراتهم وأحزانهم.» # 7 # والنتيجة اللازمة لمعاملة الآخرين كمعاملة النفس هي معاملة النفس كالآخر. ~~والحالة التي تتم فيها كل منهما من منظور الآخر تعرف عند أرسطو بالصداقة. # لكن قبل أن نغوص أكثر إلى أعماق فكرة باتلر عن التوافق الداخلي، علينا أن نستقصي ~~سياقها الاجتماعي بقدر أكبر قليلا؛ ففي ثقافة العاطفة تسعى فضائل التهذيب وحب الزوجة ~~وتحرر النفس من القلق لإزاحة قيم الطبقة العليا الأكثر بربرية، المتمثلة في النزعة ~~العسكرية والصلف الذكوري. # 8 # وهي موجهة بنفس الدرجة نحو تزمت البيوريتانيين من طبقة البرجوازية ~~الصغيرة. ويشير آدم سميث إلى أن «فضيلة الود الإنسانية تتطلب إحساسا يتخطى الإحساس ~~البذيء السوقي الذي لدى البشرية.» # 9 # إن رقة جهازك العصبي صارت مؤشرا موثوقا بقدر معقول للمكانة الاجتماعية. ~~وصار نوع جديد من البطولة المضادة للأرستقراطية - بطولة تتمحور حول الرجل الوديع والزوج ~~العفيف ورجل الأعمال المهذب - هو السائد؛ ليصل إلى ذروته في شخصية الرجل الشديد ~~الالتزام بالمبادئ وقواعد السلوك المتمثل في السير تشارلز جرانديسون - الذي يعد من أهم ~~شخصيات صامويل ريتشاردسون، والذي يشبه المسيح لكن يرتدي البنطال الذي يصل للركبتين ~~المميز لهذا العصر. ويوجد تحول عام نحو البرجوازية في الفضيلة؛ إذ يقدم فرانسيس ~~هتشسون الشخصيات المحمودة التي لا تقتصر على الأمير ورجل الدولة والجنرال، بل تتضمن ~~«التاجر النزيه والصديق الوفي والناصح المخلص الحصيف والجار الكريم المضياف والزوج ~~الحنون والأب العطوف والصاحب الرزين والمرح معا.» # 10 # فهي بتعبير رايموند ويليامز «مواجهة الشفقة بالأبهة.» # 11 # فاللين والبسالة والمرح أسلحة تستخدم ضد المنشقين ذوي الأوجه القاسية ~~والهمجيين المولعين بالقتال الذين يشبهون الإقطاعيين القدامى. يعتبر آدم سميث المصلحة ~~الذاتية الاقتصادية نوعا من الإزاحة أو التسامي عن الشهوة ونهم السلطة والطموح العسكري ~~للنظام القديم، بينما يميز فرانسيس هتشسون رغبة «هادئة» في الثروة عن الأهواء الأكثر ~~اضطرابا. ويتحدث إيرل شافتسبري بلطف مذهل عن حيازة الثروة باعتبارها «تلك الرغبة ~~المرموقة باعتبارها ms017 «لافتة» على نحو خاص.» # 12 # بينما يحمل مونتسكيو - الذي يعد كتابه «روح القوانين» مصدر قدر كبير من ~~فلسفة «التجارة الناعمة» هذه - إيمانا مؤثرا بالقوة المهذبة للحوالات ~~المالية. # يتذكر المرء كذلك ملحوظة صامويل جونسون الشهيرة التي تقول إن الإنسان لا يشتغل ~~أبدا ويؤمن أذاه بقدر اشتغاله وهو يجني المال، وهو تعليق يبين أن المغالطة التي تتسم ~~بحجية كافية تبدو عكس ذلك فور قولها. وبقدر ما يخص الحياة الاقتصادية، يصل الفيلسوف ~~التنويري الاسكتلندي جون ميلر إلى حد محاولة دمج طبقة البروليتاريا في المشروع العاطفي؛ ~~إذ يضعهم في نظام حسي اجتماعي أو مجتمع عاطفي واحد، فعندما يتجمع العمال معا في نفس ~~العمل و«نفس مجال التواصل»، بحسب تأكيده، فهم «يمكنون بسرعة كبيرة من التعبير عن كل ~~أحاسيسهم ورغباتهم» وبذلك ترسى دعائم التضامن العامي. # 13 # وسيثبت للطبقات الوسطى الإنجليزية في حقبة تاريخية لاحقة أن هذا التضامن ~~مصدر توتر أكثر منه مصدر تهذيب. # وفي ظل تسيد تأنيث الثقافة الإنجليزية هذا، أصبحت الشفقة والمسالمة شعارين لطبقة ~~برجوازية بدا أن اللياقة الاجتماعية والسكون السياسي هما أفضل ما يضمن أهدافها ~~التجارية؛ فالإحساس من ضمن أشياء أخرى كان ردا على الطائفية الدموية في القرن ~~السابق، التي ساعدت على صياغة الوضع السياسي القائم، والتي بعد أن أنجزت عملها الهدام ~~صارت كغيرها تراثا ثوريا ينبغي محوه من الذاكرة وإلقاؤه في اللاوعي السياسي. وفي ظل ~~نظام أبوي لم يزل مستبدا، كانت هناك دعوات لتعميق الروابط العاطفية بين الرجل ~~والمرأة، بالتوازي مع إبراز أهمية «الطفولة» وتمجيد الارتباط الروحي في إطار الزواج. # 14 # وكانت الثقة المتفائلة في العناية الإلهية المسيحية في طريقها لأن تحل محل ~~الجبرية الوثنية القديمة. وصيغ نمط من الاعتدال المهذب على يد الكتاب الاجتماعيين مثل ~~جوزيف أديسون وريتشارد ستيل، نمط بدا للأجيال اللاحقة جوهر الهوية الإنجليزية ~~ذاتها. وأتاح الانغماس كما ينبغي في العاطفة للفرد أن يكون متقد المشاعر أو مبتهجا، ~~مرحا أو بكاء، من دون أي خرق للأعراف. إن هذا هو ما لم تتعلمه بعد ماريان ~~داشوود، الشخصية المشوشة عاطفيا في رواية ms018 جين أوستين «العقل والعاطفة». # وفي عالم الأفكار، سعى مذهب تجريبي مغوار إلى تشويه الأنظمة العقلانية المتبلدة، ~~متبنيا في المقابل الجوهر الفطري للحس الذاتي، فكانت المفاهيم تتأصل جذورها في أرض ~~التجربة العملية الثابتة حيث يشعر الرجل النزيه بألفة أكبر مقارنة ببساط التأمل ~~الميتافيزيقي المضطرب. لقد كان ذلك أسلوبا للتفلسف يناسب عصرا شهد ظهور الرواية؛ ~~فالإدراك والحس - بل جسم الإنسان ذاته - كانا مصدر كل تأملاتنا الأوضح. في الوقت ذاته ~~شعر الكثيرون من النخبة المثقفة الذين شجعهم رخاء الأمة الاقتصادي وانتصاراتها السياسية ~~بإمكانية بناء ثقة متفائلة في خيرية الطبيعة البشرية. وغمر جو من الخيرية والإحسان ~~يسوده الرضا عن الذات النوادي والصحف والمقاهي. وعلى الرغم من شيوع الخبث والحقد ~~والمنافسة في المجتمع، فلم يزل الفيلسوف الاسكتلندي آدم فيرجسون مؤمنا بأن «الحب ~~والحنان [كانا] أقوى المبادئ الكامنة في داخل الإنسان.» # 15 # كان الإحساس والعاطفة - إن جاز التعبير - يمثلان التحول الفينومينولوجي المميز للقرن ~~الثامن عشر؛ المكافئ في عالم المشاعر للتحول إلى مسألة الفردية التملكية والنزعة ~~الداخلية البروتستانتية. وفي المجلات فريدة التأثير مثل «تاتلر» و«سبيكتيتور»، اتخذ ~~الإحساس صورة منهجية حيث يسلم القارئ العادي نفسه لدورة تعليمية مكثفة في اللياقة. ~~مثل هذا الضرب من الصحافة، بمزجه البارع بين الفضيلة والجدية، صورة جديدة من السياسة ~~الثقافية؛ إذ علم عن وعي الجمهور القارئ فضائل اللين والبساطة والاحترام ونبذ العنف ~~والشهامة والحب في إطار الزواج. ويكتب ستيل في العدد الأربعين من مجلة «سبيكتيتور»: ~~«لطالما راودني طموح بجعل كلمة «زوجة» أكثر الأسماء في الطبيعة قبولا وإدخالا ~~للسرور.» لكنه لم يكن نموذجا للفضيلة؛ إذ كان يفرط في شرب الخمر، وقتل رجلا في ~~منازلة، وسجن بسبب الدين، وتزوج أرملة لمالها، واتهم بالتحريض على العصيان، ~~ومثل أمام مجلس العموم. لكن نطاق سلطته الثقافية هو وأديسون امتد من الحديث عن تهذيب ~~الملبس إلى المواعظ التي تنهى عن المنازلة، ومن تناول أنماط الحديث المهذب إلى مدح التجارة. # 16 # وتضمن معرضهما الصحفي للنماذج الاجتماعية المواطنين ومستنشقي التبغ ~~وكانسي أوراق الشجر والمفكرين الأحرار وذوي الجمال وذوي الجمال الفائق. # كانت ms019 الأعراف الأخلاقية تكتسب صبغة جمالية، وتمارس باعتبارها أسلوبا في ~~المعيشة، ومكمنا للفضيلة والذكاء، ومنبعا للخفة والوجاهة، وتجسيدا للصراحة والرشد ~~والعبقرية، ومدعاة لخفة الدم وحب الرفقة والحرية والتباسط وإنكار الذات. ويدرج فرانسيس ~~هتشسون في كتابه «تحقيق عن الخير والشر الأخلاقيين» ضمن القيم الشبه الأخلاقية؛ «الثوب ~~المهندم، والوقار الممزوج بالرحمة، والفرح بإدخال السرور على الآخرين» بجانب اللطف واللين ~~والمرح والرقة وبعض التكلف والتناغم و«صفات يصعب تحديدها.» # 17 # إن هذه دعوة تختلف تماما عن الفلسفة الأخلاقية لأفلاطون أو كانط. كما هو ~~الحال في روايات ريتشاردسون أو أوستين، يمكن للتفاصيل الملحوظة المفردة أن تكون ذات وزن ~~أخلاقي، فبانحناءة إصبع أو طريقة فتح صديرية يمكن أن تنكشف نزعات الخير أو الشر، وهو ~~مفهوم كان من شأن لايبنتس أن يعتبره سخيفا؛ فالجسد - والوجه بالتحديد - يعتبر عند ~~هتشسون معبرا بصفة مباشرة عن الوضع الأخلاقي لصاحبه، فتصير المكنونات الداخلية ~~والمظاهر الخارجية - كما في النظام الخيالي - سهلة الانعكاس ومتواصلة سلسة. وفي ظل هذا ~~الاتحاد بين السلوك والأخلاق، تصير حالات الوعي أقرب ما يكون للأمور المادية؛ إذ تظهر ~~منقوشة على لوحة السلوك البشري، وتتجسد في مشية ممعنة في التذلل أو في إمالة رأس ~~متكبر. وسيرث ديكنز هذا المذهب المضاد لثنائية الروح والجسد. وتكشف أكثر شخصيات جين ~~أوستين المحبوبة عن حس داخلي باللياقة الخارجية؛ لتنقض التعارض بين الحب والقانون وبين ~~التلقائية والأعراف الاجتماعية. # 18 # فاللياقة تشمل كل شيء؛ فقواعد الذوق لا تقتصر على عدم البصق في الإناء ~~وحسب، بل تعني أيضا تجنب الفجاجة والغرور وعدم المراعاة الشعورية. # لقد كان الافتتان بالعاطفة هو عامل الرضا في أمة تجارية ناجحة؛ لكنها كانت إحدى ~~القوى الاجتماعية بجانب كونها حالة عقلية؛ فالشعور يمكن أن يدفع عجلات التجارة، وهو ما ~~أتاح للشاعر والروائي الأيرلندي المولد هنري بروك أن يكتب بحماس عن كيف أن التاجر «يجلب ~~أقصى البقاع إلينا ويدخلنا في حوار مع أهلها ... وهو بذلك يجمع في عائلة واحدة ويغزل في ~~شبكة واحدة الألفة والأخوة بين البشرية جمعاء.» # 19 ~~(بالنظر إلى أن بروك كان شخصية مرتزقة ms020 جشعة ألفت كتيبات مؤيدة ~~للكاثوليكية من أجل الربح، على الرغم من آرائه المناهضة للكاثوليكية؛ فقد علم بعض ~~الأشياء عن السوق.) وهنا تبرز - باختصار - أيديولوجية ما يسمى بالإنسانوية التجارية ~~التي تعتبر أن انتشار التجارة وزيادة التعاطف الإنساني يثري كل منهما الآخر. # 20 # ويستخدم لورنس ستيرن عبارة «التجارة العاطفية» مع أخذ المعنى الاقتصادي في ~~الاعتبار تماما؛ فالعلاقات الاقتصادية بين الناس تعمق تعاطفهم المتبادل وتهذبهم وتزيد ~~قنوات الاقتصاد سلاسة وفاعلية؛ فالتجارة باعتبارها صورة مادية من الحوار المتحضر تجعل ~~الفرد أكثر انصياعا وأكثر اتفاقا مع الجماعة، وهي عقيدة قد يجد المرتبطون بشخصية مول ~~فلاندرز لديفو أو شخصية السيد باوندربي صعوبة في الإيمان بها؛ فالثروة التجارية ~~بصفتها ذات طبيعة انتشارية متقلبة تتوافق مع تقلبات التعاطف الإنساني، وتمثل نفس هذه ~~الخاصية الزئبقية ثقلا كبيرا يوازن عجرفة السلطة الأوتوقراطية. # إلا أن شعائر القلب هذه كان لها جانب مثالي بالإضافة للجانب الأيديولوجي؛ فالإحساس - ~~دون غيره - كان ربما أثرى نقد لعقلانية التنوير التي تمكنت الثقافة البريطانية فيما قبل ~~الرومانسية من تكريسها. ربما دفع الشعور عجلات التجارة لكنه هدد كذلك بإخراج المشروع ~~برمته عن المسار تحت شعار رؤية متمحورة على الذات وأقل بلادة للمجتمع الإنساني. ~~تعلق جانيت تود قائلة: إن الرجل العاطفي «لا يدخل النظام الاقتصادي الذي يدينه؛ ويرفض ~~العمل في سبيل تحسين نفسه أو المجتمع.» # 21 # فثمة مسحة من التسكع البنياميني فيما يتعلق بالرجل الحساس الذي يتعارض ~~إحساسه الغزير ورفضه المعتد أو العاطفي للتفكير مع النظام النفعي البليد، فتجاهله ~~المختال للتناغم - وكذلك اعتياده العطاء في سبيل ذلك تماما - يمثلان هجوما ضمنيا ~~على عقيدة قيمة التبادل بصورة تشبه كثيرا المبالغات اللاحقة لأمثال أوسكار وايلد. وفي ~~الوقت ذاته فإن تجاهل التناغم كان بالضبط ما لم يتمكن نقاد المذهب العاطفي من تحمله، ~~فالإفراط في الإحساس يعني العجز عن تمييز الأساسي من الهامشي؛ حيث إن «الشعور» ذاته لن ~~يقدم لصاحبه أي دليل على تلك الفروق الجوهرية، فالمذهب العاطفي - والأدب الذي نتج عنه - ~~يميل نحو الغرابة والاستطراد والتفرد، حيث يفضل البريق الباهت لزهرة الثلج ms021 على قضية ~~كإصلاح السجون، فهو نظام أخلاق مترف من جميع النواحي. # إلا أنه ثمة حاجة لمثل هذه «العلاقة» العاطفية في نظام اجتماعي لم يعد يحفظ ~~تماسكه دولة مستبدة، فالمجتمع الفردي يحتاج لإطار من التضامن كي يحتوي نزعاته ~~الفوضوية، وإلا فإن هذه النزعات تمثل خطرا يؤدي لتخريب المؤسسات التي تسمح لها ~~بالازدهار؛ لكنه مع ذلك تضامن يزداد تحقيقه صعوبة نظرا إلى تعرض العلاقات الاجتماعية ~~لخطر اختزالها إلى علاقات عقدية بحتة، والسلطة السياسية إلى مجرد أداة، والأفراد ~~أنفسهم إلى وحدات معزولة. ويقارن آدم فيرجسون على نحو متشائم في عمله «مقال عن تاريخ ~~المجتمع المدني» بين التضامن في الثقافة القبلية والأفراد «المنفصلين والمنعزلين» في ~~الحياة المعاصرة الذين «انقطعت لديهم روابط العاطفة». وفي ظل هذه الظروف، ليس من الغريب ~~أن يلجأ الرجال والنساء إلى العواطف الطبيعية ليضمنوا لأنفسهم درجة من الرفقة في ضوء ~~توفرها المتضائل في العالم الاجتماعي، فما لا يمكن أن نجده في الثقافة الإنسانية يجب ~~الآن إيجاده في الطبيعة الإنسانية. # في ظل نظام اجتماعي يقوم على المصلحة الذاتية، من المنتظر أن تبدو مكامن الفضيلة ~~العامة غامضة. فكما قال آلاسدير ماكنتاير، لم يعد من الممكن في مثل هذه الظروف تناول ~~القواعد والعلاقات الاجتماعية بطرق تشير ضمنيا إلى الالتزامات والمسئوليات الأخلاقية. # 22 # وعليه تترك مثل هذه الالتزامات معلقة، تماما مثلما تحررت المشاعر - عند ~~العاطفيين الأكثر إفراطا - من الأشياء التي من المفترض أن ترتبط بها لتصير كيانات ~~غريبة قائمة بذاتها شبيهة بالأشياء. وبما أنه لا يوجد في بنية المجتمع ما قد يدفع ~~أفراده إلى المساعدة والعاطفة المتبادلة، فإن القدرة التعاطفية يجب أن تنقل إلى داخل ~~كل رجل وامرأة، وأن تطبع كغريزة تشبه الجوع أو حماية النفس؛ فالإنسان يسر بالخير ~~بقدر ما يستمتع برائحة عطر، أو يشعر بالغثيان بسبب رائحة نتنة. ومن هذا المنطلق يمثل ~~عصر العقل - الذي تزداد فيه أهمية المنفعة والتكنولوجيا والتفكير العقلاني - أيضا ~~ثقافة تنصب على القلب، على البكاء والحنان. وفي مملكة الفردية التملكية، يضطر الحب ~~والخيرية إلى الانتقال من الدائرة الخاصة الداخلية ms022 ليصيرا مجازين ذوي مغزى أعم ~~وأشمل. وعلى أكثر التقديرات المتشائمة، العاطفة - تلك الطريقة السريعة الغريبة غير ~~اللفظية في تبادل الإشارات أو الحدس - ربما هي الصورة الوحيدة المتبقية من السلوك ~~الاجتماعي في عالم من الأفراد المنعزلين البائسين. # إن التحول إلى الذات خطوة حكيمة؛ لكنها في الوقت نفسه خطيرة؛ إذ إن تثبيت المجتمع ~~السياسي على دعائم العواطف الطبيعية يعني بوجه ما إمداده بأقوى أساس يمكن تصوره، وتركه ~~من وجه آخر عرضة للخطر على نحو مقلق، فالمجتمع الإنساني عند ديفيد هيوم يظل متماسكا ~~في النهاية بسبب عادات الشعور، وإذا لم يوجد ما هو أشد قسرا من الناحية الروحية فليس ~~هناك ما هو أكثر استعصاء على الإثبات العقلاني؛ فأهمية المشاعر سببها أنها تقدم دوافع ~~للسلوك بشكل قد لا يمكن للقواعد العقلانية وحدها فعله. وكذلك الحال مع العقلانية في ~~الوقت الحاضر، فكما يشير جيه إم بيرنشتاين، فإن الأخلاق التواصلية لدى يورجين هابرماس ~~تجريدية تماما، لكن إن أريد تجسيد قواعدها العامة في صورة دوافع مقنعة، فيجب أن ~~يعاد ربطها بالممارسات اليومية. # 23 # والعقبة هي أنه قد لا يوجد الآن أي تفسير عقلاني للرحمة أو الكرم، كما كان ~~الحال مع سبينوزا؛ فليس ثمة أساس منطقي براجماتي وراءها؛ إذ من المرجح أن رقة القلب هذه ~~- كما توحي أعمال هنري فيلدنج - ستنتهي بصاحبها بالتعرض لمأزق شديد بدلا من أن توفر له ~~الفوز بضيعة أو بمنصب وزاري في الحكومة. وهذا هو السبب في أن فيلدنج يثني على فضيلة ~~أبطاله بينما يتهكم عليها ساخرا في الوقت نفسه؛ حيث إنها في مثل هذا المجتمع الوحشي لن ~~تبدو إلا ساذجة. # لكن كذلك لا يوجد أي تفسير عقلاني لتذوق ثمرة خوخ أو استنشاق عبير زهرة، وهي تجارب ~~يبدو أنها (كنوبة شفقة أو نفور أخلاقي مفاجئة) تحمل تفسيراتها في ذاتها؛ إذ هي فورية لا ~~تقبل الجدل. وإذا لم يمكننا أن نؤسس للفضائل بأساس منطقي - مثلما سعى الفلاسفة ~~الأخلاقيون أمثال صامويل كلارك وويليام وولاستون - فربما يرجع ذلك إلى أنها أساسية في ~~ذاتها، وجزء لا يتجزأ من ms023 الجسم كالكبد والبنكرياس. ربما تشبه من هذا المنطلق الذوق ~~الجمالي أو شيء لا يمكن وصفه لم نعد بحاجة لأن نعرف المزيد عنه؛ فربما يحمل الذوق ~~والحكم الأخلاقي - مثل الرب والأعمال الفنية - أسباب وجودهما في ذاتهما. بالتأكيد يبدو ~~أن فرانسيس هتشسون قد اعتقد ذلك؛ فإن سئل، بحسب قوله، عن السبب في استحساننا للخير ~~العام، فسيجيب: «أتصور أننا لن يمكننا أن نجد «أي سبب» في هذه الحالات أكثر مما يمكننا ~~أن نجده في حبنا لأي فاكهة لذيذة.» # 24 # فالتفسيرات - كما يعلق فتجنشتاين - يجب أن تنتهي في مرحلة معينة؛ فهي ~~بالنسبة لهتشسون تصل إلى طريق مسدود، بتعبير فتجنشتاين، عندما تصل إلى فكرة معنى أخلاقي ~~هو جزء من طبيعتنا المادية بقدر العطس أو الابتسام. # في كل الأحوال، يبدو أن «جيد» و«سيئ» كلمتان لهما حد، بمعنى أننا إذا استطعنا أن ~~ندعم مثل هذه الأحكام بأسباب غير أخلاقية - كما يزعم العقلانيون أنه واجب علينا - فقد ~~يظل من الممكن دائما أن يزحزح السؤال خطوة أخرى ليكون عن السبب الذي يجعل هذه ~~الأسباب بدورها أسبابا وجيهة، أو لماذا يظن من الجيد الاقتداء بها. فالسؤال يتعلق ~~جزئيا بالدافع، كما قد يوحي أصل كلمة حب الخير باللغة الإنجليزية # Benevolence ~~، ~~فهتشسون وهيوم وزملاؤهما يخاطبون حضارة ترى أن ما تظنه حقيقيا هو بوجه عام ما يتم ~~الشعور به من خلال النبضات أو العينين، وتشعر بالتبعية بشك طبيعي في التصرف وفقا لمبدأ ~~مجرد. يقول هيوم عن صور الفضيلة القديمة: «إن الفضيلة التي تفصلها عنا تلك المسافة ~~كالنجم الثابت الذي رغم أنه قد يبدو لعين العقل لامعا كما الشمس بعد توسطها في كبد ~~السماء، فإنه على نحو لا متناه أبعد من أن يؤثر في الحواس سواء بالضوء أو بالحرارة.» # 25 # فمثل تلك المثل الباهرة الخالية من المشاعر تعوزها القوة النفسية. وفيما ~~يتعلق بالدوافع، فإن فلسفة هتشسون وأدب ديفو ينتميان لنفس الوسط الثقافي، فإن أراد أحد ~~أن يجري استقصاء للدوافع الإنسانية بكل تعقيداتها البراجماتية، استقصاء يغوص في ~~أكثر خبايا النفس عمقا، فسينتهي به الحال على ms024 الأرجح بكتابة رواية. # كما أنه في ظل مجتمع تبدو فيه الفضيلة شحيحة، ولا يكاد ما بقي منها يتمتع بأي سحر ~~(حسن التدبير والحكمة والعفة والانضباط الذاتي والطاعة والزهد والمواظبة والاجتهاد ~~وغيرها)، فإن الأرجح أن الرجال والنساء في حاجة إلى دافع لحسن التصرف أقوى نوعا ما من ~~الحرص العقلاني على تناغم النظام الكوني؛ فبمجرد أن يتحول حسن الخلق إلى تقليد اجتماعي ~~رتيب، يحتاج الإنسان لمزيد من الحوافز من أجل الالتزام به. على أي حال، ما معنى الزعم ~~بأن أسباب الفضيلة التي يقدمها العقلانيون تتمتع على نحو خاص بقوة أخلاقية؟ ما المبهر، ~~على سبيل المثال، في الاتفاق مع طبيعة الكون؟ تصور الكثير من الأخلاقيين أن الحياة ~~السعيدة تكمن في القيام بالعكس تماما. # يوظف هتشسون نفسه هذا المنطق في كتابه «مقدمة قصيرة للفلسفة الأخلاقية» قائلا إن ~~المذهب العقلاني يفترض مقدما عين المعنى الأخلاقي الذي يسعى لتفسيره. وهذه أزمة مألوفة ~~بدرجة كافية في النظرية الأخلاقية الحديثة؛ فإما أن نتمسك - كما فعل هتشسون وجي إيه مور ~~- بمفهوم بدهي أو لا طبيعي عن الخير، وعندها يمكننا أن نتبنى أساسا من المبادئ على ~~حساب غموضها التام، أو يمكننا أن نترجم فكرة الخير إلى مجموعة من الصفات الطبيعية، وهو ~~ما يبسط المفهوم على حساب فتح المجال أمام تقديم تفسير للتفسير؛ ومن ثم تجريده ~~تماما من عين الدور الذي من المفترض أن يؤديه كأساس. # إن ما يسمى بالحس الأخلاقي عند شافتسبري وهتشسون - وهو ما سنرى بعد قليل أنه نوع من ~~التكهن العفوي بالخير والشر - هو إقرار على نحو ما بالفشل الفلسفي، فهذا الحس ~~الأخلاقي الذي يشبه الشبح - الذي وصفه هتشسون نفسه بأنه «صفة سحرية» والذي اعتبره ~~إيمانويل كانط دون مواربة «غير فلسفي» - ما هو إلا نوع من الافتراض المؤقت لأساس أخلاقي ~~أكثر تماسكا، أو قيمة مبهمة تملأ فراغا ما في المسألة. إن طرح هذا الحس - وهو نوع من ~~إحاطة أعضاء الإدراك الأكبر لدينا بغيمة من الغموض - باعتباره مصدرا للحكم ~~الأخلاقي، يعد على وجه ما بمنزلة القول إن مثل هذه ms025 الأحكام لا يمكن تفسيرها على ~~الإطلاق، فهو يصادر على المطلوب بقدر «القوة المنومة» عند موليير. ويبدو أننا لا ~~يمكننا إنكار حقيقة هذا الحس كما لا يمكننا إنكار مذاق البطاطس؛ لكن من المحير معرفة ~~مكمن الأول بقدر تحليل الأخير؛ فالحس الأخلاقي هو نوع من الأشياء التي لا يمكن وصفها - ~~مثل الملكة الجمالية - والتي لا تقبل الجدل بقدر ما لا تقبل التفسير. فالعقل عند هيوم ~~وهتشسون يجب أن يوجه الحس الأخلاقي؛ لكنه لا يمكن أن يؤسسه. وليس هذا غريبا بالنظر إلى ~~أن العقل يفقد كثيرا من مصداقيته عندما يخضع للتعريف على نحو أداتي في عصر من عصور ~~العقل، فإذا كان الحس الأخلاقي سابقا على العقل، فذلك يرجع جزئيا إلى أن العقل الآن ~~يسيطر عليه بنحو كبير أولئك الذين يرون أنه لا يمكن أن تكون له علاقة بالغايات ~~الأخلاقية. وبذلك يصل كل هذا إلى الإقرار بأن الحب والكرم والتعاون المشترك رغم أنها ~~حقا ألمع الفضائل الإنسانية، فلم يعد من الممكن معرفة السبب وراءها. # 26 # لكن لماذا ينبغي علينا أن نعرف هذا في المقام الأول؟ أليست تلك سوى علامة ~~على أننا وصلنا للقاع ولا مجال لمزيد من الهبوط؟ # مع ذلك، وكما أدرك العقلانيون في القرن الثامن عشر، ثمة أسباب تدعو للقلق. صحيح أن ~~تفسير الدوافع الأخلاقية في ضوء التجربة المحسوسة من وجه ما يوفر لها أساسا أبعد ما ~~يكون عن الشك، ووحدها تلك المزاعم التي تخاطب النوازع الإيمانية والعواطف هي التي ~~يؤمل أن تكون مقنعة، كما أدرك أشهر فلاسفة الهيمنة في القرن الثامن عشر إدموند بيرك في ~~الدائرة السياسية؛ فأكثر رعايا السلطة ولاء هو الشخص العاطفي، بالمعنى الشائع في القرن ~~الثامن عشر، إلا أن ربط هذه المزاعم بالذات يعني كذلك المخاطرة بإخضاعها لتقلبات الحظ ~~والنزوات والعرف والأوهام والتحيز؛ إذ كيف يختلف النفور من التعذيب عن النفور من ~~الكرنب؟ وما السمة الأخلاقية تحديدا في مثل هذ النفور؟ وإن لم نسبغ صفة القانون الكوني ~~على النفور من الكرنب، فلم قد نفعل في حالة التعذيب؟ لذا فالفكرة ms026 أن السير جون هوكينز ~~- في خضم رحلة من الإعجاب الساخر - يمكنه اتهام العاطفيين بجعل الأخلاق ذاتية: «إن ~~أفكارهم الزاخرة تحل محل الالتزام كله؛ فهي في ذاتها قانون، فامتلاك «قلب طيب» وكثرة ~~«التعاطف مع الآخرين» فوق تلك الاعتبارات التي تلزم الناس بقواعد السلوك التي وضعت في ~~ضوء إحساس بالواجب.» # 27 # وينزعج هوكينز من المروجين للحس الأخلاقي بنفس الصورة التي يرى بها ~~الديونتولوجيون (علماء أخلاق الواجب) المحدثون شيئا فضفاضا فيما يتعلق بأخلاق ~~الفضيلة. وسجل سورين كيركجارد نفس الرأي لاحقا حيث كتب في دورياته: «دعونا لا نتحدث من ~~الناحية الجمالية [عن الأخلاق] كما لو كانت المسائل الأخلاقية مكرمة سعيدة.» # 28 # كان كولريدج على نفس القدر من الارتباك؛ إذ يشكو في كتابه «معين على التأمل» ~~من أن ستيرن والعاطفيين قد ارتكبوا إثما أكبر بكثير من هوبز والماديين. واتهم أوليفر ~~جولدسميث - وهو نفسه خبير بالشفقة والرقة - زميله إدموند بيرك ب «بناء فلسفته على ~~مشاعره الذاتية الخاصة.» # 29 # فالحركة الهادفة لزرع القيم الأخلاقية في الذات الإنسانية هي ذاتها ما قد ~~يقوضها. كما أنه بمحاولة إضفاء الطابع الديمقراطي على الأخلاق (بما أن كل الناس ~~يمكنهم الشعور بالتعاطف التلقائي) هناك خطر بيلاجياني بجعل الفضيلة سهلة وفطرية أكثر ~~مما يجب، فتكون كالتنهد أكثر من كونها صراعا، فهذا الصلاح اليسير هو رد أرستقراطي على ~~القيم غير المحبوبة للبيوريتانيين في الطبقة الوسطى الدنيا بإصرارهم الراسخ على ~~الانضباط الذاتي والهمة؛ فالنبيل لا يصارع ضميره كما لا يصارع خادمه؛ لكن الطبقة الوسطى ~~البروتستانتية لا يرضيها مثل هذا التساهل الأخلاقي، فكما أشارت الكاتبة إليزابيث كارتر ~~في القرن الثامن عشر بحدة: «إن مجرد الشعور بموجة مفاجئة من التعاطف عند رؤية شيء في ~~محنة لا يعد ضربا من الخير أكثر من التعرض لنوبة نقرس.» # 30 # لا شك أن كارتر وكيركجارد لهما وجهة نظر؛ وجهة نظر ربما تبناها أيضا (كما سنرى ~~لاحقا) شايلوك الشخصية التي صنعها شكسبير؛ فقضية الأخلاق أهم كثيرا من أن تترك ~~لطيبة القلب المتقلبة للقادرين على أن يكونوا لطفاء؛ فالضعفاء يحتاجون إلى رباط مادي ms027 ~~أو قواعد للالتزام لتحميهم؛ أي، نص محدد يمكن أن يلوحوا به عندما ينقلب عليهم الكبار. ~~فالقيم المحكومة بقواعد قد تبدو أقل قبولا مقارنة بتلك التي تنتج عن نزعة داخلية، إلا ~~أن المقصود منها هو أن عليك التعامل بإنسانية مع الآخرين مهما كان ما تشعر به، كما أن ~~المقصود منها هو أن الأخلاق تتعلق بالفعل لا بالشعور، والتعاطف غير المصحوب بوهج متقد ~~يظل تعاطفا. لكن المؤمنون بالثنائية الأخلاقية وحدهم يزعمون أن قلوبهم تمتلئ ~~بالحب وهم يشوون الحمل على النار. ~~••• # ترتبط الأخلاق الخيالية التي يشملها مذهب «الحس الأخلاقي» الخاص بالقرن الثامن عشر ~~بالفكرة القديمة المبتذلة المشكوك فيها بأن الإيثار قد لا يعدو كونه انحرافا عن ~~الأثرة، فكما أنه من الصعب في سياق النظام الخيالي تحديد أي المشاعر تنتمي للنفس وأيها ~~للآخر، فكذلك من الصعب - ربما من المستحيل في النهاية - معرفة ما إذا كان سرور النفس ~~بسرور الآخر يرتبط بالآخر أم بالنفس، فمنظومة الأخلاق التي تعتبر التعاطف مع الآخرين هي ~~نوع شبه حسي من إرضاء الذات يجب أن تطرح السؤال عما إذا كان هدفها الحقيقي هو التعاطف ~~المنكر للذات أم إرضاء الذات الأناني، فماذا إن كنت مسرورا بإحساني - باعتباره نسخة ~~مثالية من نفسي - كما يفتتن الطفل بصورته في المرآة المتماسكة ظاهريا؟ يذكرنا ~~هذا بشخصيات ديكنز المخيفة الفاعلة للخير بداية من براونلو حتى بوفين التي تخفي ~~مظاهرهم الفجة قلوبا رقيقة، والتي تثير فيهم صرامتهم العاطفية إثارة أقرب لأن تكون ~~جنسية. يشبه ريتشارد ستيل الروح العطوفة التي تذوب شفقة على أخرى بالعاشق الذي «يرق» ~~للجمال. وفي ثناء لورنس ستيرن العاطفي على «الشهوة المهيبة لفعل الخير»، هل كان ~~التأكيد على «الشهوة» أم على «الخير»؟ # يرى الفيلسوف سي إس بيرس أن هذه في الحقيقة إشكالية وهمية؛ فالقول إننا نفعل ما نفعل ~~من أجل اللذة في رأيه لا يختلف عن القول إننا نرغب في فعل ما نفعل. # 31 # ويرى توماس هوبز - في تهكم مميز - الشفقة على الآخرين من منظور أناني بحت ~~باعتبارها «تخيلا أو تصورا لكرب مستقبلي يصيبنا، ms028 نابعا من الشعور بكرب إنسان آخر.» # 32 # فهي تذكير لأصحاب الاتجاه الرومانسي بأن الخيال ليس ملكة خيرة بالكامل ~~بأي حال. ويكتب معلق آخر أقل تهكما هو أمارتيا سن قائلا: «من الممكن القول إن السلوك ~~المبني على التعاطف من ناحية مهمة أناني، لأن الفرد يسر لسرور الآخرين ويتألم ~~لألمهم، وبذلك قد تتيسر منفعة الشخص من خلال التعاطف.» # 33 # إن منظومة الأخلاق الخيالية في القرن الثامن عشر ، كما سنرى، تتمحور حول ~~الأثرة؛ لكن النظام الخيالي عند لاكان يكمن في أصل الأنا على وجه التحديد. # ربما يكون التمييز بين مذهب الخير والمذهب العاطفي مفيدا هنا، وإن كان الفرق ~~ضبابيا، فبوجه عام، كان الخير في القرن الثامن عشر قضية مرتبطة بإنكار الذات بينما ~~كانت العاطفة شأنا أكثر ارتباطا بالنفس. فالخير طارد، أما العاطفة فهي جاذبة. فأصحاب ~~مذهب الخير من أمثال جولدسميث وهتشسون وسميث وبيرك أعينهم على الآخر، بينما العاطفيون ~~من أمثال ستيل وستيرن مستهلكون للمشاعر الرقيقة على نحو واع، وغارقون في عواطفهم ~~الخاصة الودودة. # 34 # فالمؤمن بمذهب الخير يفعل الخير لكن ليس لمجرد عمل الخير، أما دافع ~~العاطفي، فهو رضا النفس، فما يشعر به الفرد في الحالة الأخيرة لا يرتبط بسراء الآخر ~~أو ضرائه بقدر ما هو اندماج معه و«ذوبان» فيه. وتعج خطابات ستيل لزوجته بصرخات ~~ألم ونشوة مهذبة ومنزهة، فزوجته هي «مخلوقه المفضل» و«حاكمه المحبوب» و«أعز كائن على ~~الأرض»؛ وهو يقسم لها: «أموت شوقا من أجلك» رغم أنه لا يملك أقل نية لمغادرة عشاء ~~مع شخصية هامة. # 35 # لقد صار الآن من الأدب التجرد من الرجولة؛ فالعاطفة هي تدفق الشعور بما ~~يفوق الموقف، فتمر من الشيء كالرغبة الفرويدية لتلتف على نفسها وتعود إلى الذات من ~~جديد؛ أما الخير في المقابل فهو شعور متناسب مع الشيء. يوضح هتشسون هذه النقطة عندما ~~يتحدث في كتابه «بحث حول أصل أفكارنا عن الفضيلة والخير الأخلاقي» عن أننا لا نحب بسبب ~~أن ذلك يسرنا أو ينفعنا، بل لأن شعورنا ينبع من «الشيء المناسب» له. # لقد هنأ جوشوا رينولدز ms029 أوليفر جولدسميث على «الشعور بدقة»، وصحيح أن جولدسميث نفسه - ~~وهو من أنصار مذهب الخير لا المذهب العاطفي - وجد شيئا تنظيريا مزعجا عند المفتتنين ~~بالشعور الذي أحاط به، فوحده الإنسان الذي استمد أفكاره من الكتب - كما رأى - «يأتي ~~إلى العالم وقلبه يرق لكل محنة متصورة.» # 36 # وعادة ما يرى جولدسميث - وهو نفسه مهاجر أيرلندي - العاطفة باعتبارها نوعا ~~من الاستبداد «الاستعماري»: فهناك سمة تسلطية خفية في الكرم الجامح الذي هو طريقة ماهرة ~~لتحميل الآخرين بالجميل، فهو كما يرى صورة محرفة من الأنانية التي فيها ما يبدو أنك ~~تمنحه لغيرك يقدم خلسة لنفسك؛ فالسخاء - عندما يزيد عن الحد - يعتبر الآخرين مجرد ~~أشياء ملائمة، كما يتضح من خلال مسرحية «تيمون الأثيني»، فهو يسلب من الآخرين غنيمة ~~عاطفية ليشبع نهمه الشره. اعتبر جولدسميث - بصفته أحد أنصار حزب المحافظين ~~المعروفين - أن الوفرة كالواردات الأجنبية التي تضعف الاقتصاد المحلي. وبالمثل، لا ~~ينبغي لإنجلترا أن تستنزف اقتصادها العاطفي باستيراد البضائع العاطفية من الفرنسيين. ~~ورغم أنه كان من مؤيدي حزب المحافظين؛ فقد اتفقت نظريته عن الأصول التاريخية للوفرة على ~~نحو مميز مع نظرية المادية التاريخية. # 37 # وفي مقال بعنوان «العدل والجود» يصر جولدسميث على أن الجود الحقيقي ليس مجرد نزوة من ~~الشعور الجيد بل واجبا يحمل في طياته صرامة القانون بكاملها، فهو قانون يفرضه علينا ~~العقل «الذي ينبغي أن يكون القانون الحاكم للكائن المفكر.» # 38 # إن اللغة الكانطية كاشفة؛ إذ يريد جولدسميث أن يهدم التناقض بين الحب ~~والقانون بتحويل الأول إلى التزام، وهو في هذا يتفق مع العهد الجديد الذي فيه الحب أمر ~~لا اختيار؛ فالحب في العقيدة المسيحية اليهودية لا علاقة له بشعور الآخر، فإن اعتمدت ~~على عواطفك فسيؤدي ذلك بك إلى عدم الرحمة إلا مع الذين يتصادف أنك تهتم لأجلهم أو فقط ~~عندما تشعر برغبة في ذلك. إن الأخلاق المسيحية اليهودية التي قد يكون المحبوب فيها ~~غريبا أو عدوا من هذا المنظور ليست - كما سنرى - ذات طبيعة خيالية؛ فالخصومة ~~المتأصلة في العهد الجديد تجاه العائلة تتوافق مع ms030 انحيازه المضاد للنظام الخيالي. وهذا ~~لا شك أحد أسباب النجاح الساحق لرواية دان براون «شفرة دافنشي»، وهي تحفة أدبية لعينة ~~الأسلوب يتزوج المسيح فيها مريم المجدلية وينجب طفلا. إن نظرة العهد الجديد الفضفاضة ~~تماما تجاه الجنس - بما يتعارض مع رؤى معظم الورعين المتمسكين به على مر العصور - ~~فاضحة بكل وضوح في نظر عصر ما بعد الحداثة المهووس بالجنس. وعليه، كان من الواجب إدخال ~~سرد جنسي مثير في النص، إن أريد له أن يحظى بأقل درجات الاهتمام المعاصر. # يأمل أنصار مذهب الخير ألا يستمروا في شعورهم بعدم الارتياح للشفقة بسبب الذهاب ~~لمساعدة الضحية التي سببت هذا الشعور، أما العاطفيون فهم أقل تطلعا للتخلي عن أحاسيسهم ~~السادية المازوخية المريحة من خلال تضميد جروح الآخرين. يشير شافتسبري إلى أن الشفقة ~~المفرطة قد تمنعنا فعلا من مساعدة الآخر؛ # 39 # إذ يرى أنه من الممكن الإفراط في الحب، أو الحب الجنوني، وهو مفهوم كان ~~سيراه ريتشارد ستيل فظا بلا شك. ويكتب الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد فورديس عن أن ~~العاطفي يجد «نوعا من الألم اللذيذ» في بؤس الإنسان، ألم يتحول إلى «سرور ورضا عن الذات». # 40 # فكما لا يرجى من الرغبة في وضع نظرية نفسية تحليلية سوى الاستمرار في ~~الرغبة، فإن أكثر ما يشعر به العاطفي هو الحاجة للشعور. وقد اعتبر بعض المحسنين ~~المعاصرين أن الفقر والتعاسة والفروق الطبقية وما شابه هي فرص نزلت من السماء لممارسة ~~الإحسان؛ فالشفقة والمواساة هما دائما استجابتان لاحقتان تشيران إلى أن الفاجعة قد ~~وقعت فعلا. وهذا بلا شك مكمن القوة السياسية لبيت ويليام بليك الشعري العاطفي بالغ ~~الافتعال «ذرف الدموع لرؤية دموع طفل» في مجموعته الشعرية «أغاني التجربة». فالعالم ~~ثابت، وحريتنا تكمن فقط في الاستجابة السلبية لجوانبه الغير المتغيرة. أما عند فلاسفة ~~الحس الأخلاقي الذين يرون أن التعاطف شيء لا إرادي، فحتى استجابتنا لبؤس الإنسان ليست ~~اختيارية. # في غالب الأمر، يتعلق الخير بالضحك بينما تتعلق العاطفة بالبكاء، فالعاطفة هي في ~~الحقيقة تعاطف الشخص مع فعل التعاطف لديه، وهي علاقة آكلة لذاتها، ms031 يختزل فيها ~~العالم إلى كمية كبيرة من المادة الخام لشهوة الإحساس لدى الفرد، أو إلى مناسبات عديدة ~~لإظهار سماحة الفرد الأخلاقية. ولذلك يمكنك أن تستبدل الأشياء التي تتعلق بعواطفك من ~~لحظة لأخرى مع الالتفات بالكاد لقيمتها؛ فهي نوعية الشعور الملائمة لغير الغارقين في ~~العاطفة في الحياة اليومية؛ ومن ثم لا يسعهم إلا تقديم صورة مسرحية مبالغ فيها ~~منها في المواقف النادرة التي تستدعي إظهارهم إياها. وهذا لا شك أحد الأسباب وراء نشيج ~~الساسة الأمريكيين لا إراديا على الملأ؛ فالعاطفي يتباهى بمشاعره الجذابة مثل غيرها ~~من الأشياء التي يمتلكها؛ فهي مثل دخله السنوي أو أطيانه جزء مما يؤمن له نافذة على ~~المجتمع الراقي. ويشير جون مولان ببراعة إلى أن «حدة أي تجربة شعورية خاصة كانت ~~بديلا (في القرن الثامن عشر) لمشاعر التعاطف الشائعة والسائدة.» # 41 # وكما الطفل في طور المرآة يختال بانعكاس صورته المثالي، ينخدع العاطفي في صورة مفخمة ~~لنفسه في ذهابه لمساعدة شخص آخر، فالآخر ما هو إلا مرآة لسروره الذاتي؛ فشخصية يوريك في ~~رواية ستيرن «رحلة عاطفية» - بعبارة بايرون عن كيتس - يستثير خياله على الدوام متصورا ~~مواقف أليمة ليتلذذ بنشوة الشفقة. وفي الوقت الذي لا يرى فيه أنصار مذهب الخير سوى ~~الشيء الذي يستهدفه إحسانهم، فإن العاطفيين ينظرون في فعلهم على استحياء إلى استجابة ~~الآخرين التي تنم عن الإعجاب بهم، فهم رجال ذوو ثروة عاطفية كبيرة يستثمرون مشاعرهم ~~النبيلة آملين، كالمضارب في سوق المال، في الحصول على عائد سخي. # 42 # وهم من هذا المنطلق يشبهون النرجسيين في الوقت المعاصر - الموجودين في ~~الغالب في الولايات المتحدة - الذين يتعاملون مع أجسادهم بكل اليقظة والحرص، كمن تحمل ~~معها تحفة تبلغ من القيمة وإثارة الاشمئزاز والهشاشة ما لا يمكن وصفه. ويذكر هذا ~~بشخصية ديكنز المنافقة: السيد بيكسنيف الذي يدفئ يديه بالنار بنفس الحرص كما لو كانت ~~يدي شخص آخر؛ فالنرجسية - كالنظام الخيالي - تتضمن معاملة النفس كمعاملة الآخر، ~~وكذلك معاملة الآخر كمعاملة النفس. # | هوامش # الفصل الثاني # | فرانسيس هتشسون وديفيد هيوم # في معظم الكتابات التي ms032 تناولت فلسفة القرن الثامن عشر، ليس لفرانسيس هتشسون مكانة ~~كبيرة مثل الفيلسوف العظيم ديفيد هيوم، # 1 # إلا أن هذا الرجل القادم من أولستر الذي يعد أبا الفلسفة الاسكتلندية علم ~~هيوم كثيرا مما عرف، كما كان له عميق الأثر في الكتابات قبل النقدية لإيمانويل كانط، ~~كما اعتنق تلميذه آدم سميث مذهبه الاقتصادي، وهو ما ساعد على وضع أسس العالم الحديث. ~~وبوصفه جمهوريا من أتباع هارنجتون حتى النخاع تبنى اتجاها ليبراليا راديكاليا ~~يقف في صف المقهورين للإطاحة بالسلطة الظالمة؛ فقد كان له تأثير كبير في توماس جيفرسون، ~~وبذلك أصبح مشاركا فكريا رياديا في الثورة الأمريكية. وكان كتابه «مقدمة قصيرة عن ~~الفلسفة الأخلاقية» يصدر بانتظام إلى أمريكا عشية الثورة، ونشرت نسخة أمريكية من ~~النص في عام 1788. # أعيد تصدير أفكار هتشسون إلى موطنه أيرلندا في أفكار جمعية الأيرلنديين المتحدين ذات ~~النزعة التمردية. وربما تأثر إدموند بيرك هو الآخر ببعض كتاباته، وهو ما يجعله رائدا ~~من بعيد للقومية الرومانسية، إلا أنه كان من كبار من حملوا شعلة التنوير في أولستر، وهي ~~أكثر الثقافات الراديكالية ثراء من بين ما شهدته أيرلندا، بمزيجها القوي من مذهب لوك ~~العقلي والمذهب الجمهوري الكلاسيكي والمذهب المشيخي الراديكالي والليبرتارية السياسية. ~~قال هتشسون، باعتباره غريما عنيدا لتوماس هوبز، إن حالة الطبيعة كانت أميل للحرية ~~أكثر من الفوضى. ونادى بالمساواة الطبيعية بين كل البشر، وكان إنسانويا مدنيا ذا ~~صبغة تقليدية، وآمن بأن المصلحة العامة هي أسمى غاية أخلاقية؛ إلا أن أكثر ~~إنجازاته تجديدا هو ترجمته للغة المذهب الجمهوري الكلاسيكي - بحديثها عن الواجب وروح ~~الخدمة العامة والمسئولية السياسية - إلى الخطاب المختلف تماما، الخاص بالأخلاق وعلم ~~النفس في القرن الثامن عشر. وناصر حقوق المرأة والطفل والخدم والعبيد والحيوانات، وتحدث ~~عن الزواج باعتباره علاقة شراكة متكافئة، وذكر أن «السلطات الممنوحة للأزواج بموجب ~~القوانين المدنية في عدة بلاد سلطات وحشية.» # 2 # فالحس الأخلاقي - كما يؤكد في كتابه «نظام الفلسفة الأخلاقية» - ملكة ~~ديمقراطية توجد لدى البالغين والأطفال والأميين والمثقفين على حد سواء. وهناك قاسم ~~من العاطفة الأخلاقية التي ms033 تكسر حواجز الفروق الاجتماعية، كما كشف على نحو مميز عن سلوك ~~مستنير تجاه الثقافات غير الغربية، باحثا «عن مظاهر للعاطفة والاحترام والحس الأخلاقي ~~عند أهل المستعمرات البريطانية الذين اعتبروا همجا في السابق.» # 3 # وعلى الرغم من كل هذا فإن ذكرى المائة الثالثة من ميلاده التي كانت منذ عدة ~~أعوام، مرت دون اهتمام يذكر. # ولد هتشسون في مقاطعة داون عام 1694 حفيدا لرجل اسكتلندي، وبما أنه ليبرالي أو من ~~أتباع المشيخية الجديدة، فقد تعلم في بلفاست وجلاسجو، ودرس لبعض الوقت في أكاديمية ~~منشقة في دبلن؛ حيث أصبح واحدا من زمرة المفكرين التقدميين الذين التفوا حول النبيل ~~والتاجر والدبلوماسي الليبرالي روبرت مولزوورث الذي هو تلميذ لجون لوك. وقد جذبت ~~الليبرالية الدينية لمولزوورث انتباه إيرل شافتسبري التي شكلت كتاباته في الأخلاق ~~والجمال فيما بعد محاور بحث أعمال هتشسون. وفي النهاية، عاد هتشسون إلى جلاسجو ليتولى ~~منصب أستاذ الفلسفة الأخلاقية. كما شغل منصب كاهن لفترة قصيرة في مقاطعة أرما، رغم أن ~~رعيته المشيخية الملتزمة رأت أن مذهبه في اللاهوت أكثر تحررا مما يمكنهم قبوله، وشكا ~~رجل ساخط من تلك الرعية، كان قد هرب من جرعته الأسبوعية من الحديث عن الجحيم والعذاب في ~~ظل الحرمان، من أن هتشسون كان رجلا «خسيسا سخيفا»، وكان «يثرثر» أمامهم طوال ساعة عن ~~رب محسن كريم دون أي كلمة عن المعتقدات القديمة «المعتادة» عن الاختيار الإلهي والرفض ~~الإلهي والخطيئة الأولى والموت. # 4 # وهذا الخسيس اعتقل مرتين في أثناء تدريسه في أكاديميته بدبلن حيث عمل إلى ~~جانب ابن ويليام درينان، أحد مؤسسي جمعية الأيرلنديين المتحدين. كما حوكم مرة بتهمة ~~الهرطقة في أثناء تدريسه بجلاسجو. # كان شافتسبري - الذي خالف منطق جزء كبير من الفكر الأخلاقي في القرن السابع عشر - هو ~~من استمد منه هتشسون فكرة الحس الأخلاقي؛ رغم أن ما جاء تأكيدا عند الأول أصبح قضية ~~فلسفية متكاملة عند الأخير. كما كان شافتسبري هو من أنقذ مفهوم السرور أو الإحساس ~~باللذة بالمخالطة الاجتماعية بدلا من المصلحة الشخصية، فليس هناك ما هو أحب ms034 إلينا - ~~كما يقول - من حالة العقل «تحت تأثير مشاعر حب أو امتنان أو سماحة أو سخاء أو شفقة أو ~~مساعدة أو غيرها من المشاعر ذات الطبيعة الاجتماعية أو الودودة.» # 5 # وتمثل قضية شافتسبري خط دفاع أرستقراطيا أخيرا أمام أخلاق حب الذات ~~البرجوازية، وكذلك أمام النقد الأفلاطوني الجديد للمذهب التجريبي، فحتى الفاسق - كما ~~يزعم وقد تسلل إليه بعض اليأس - لا يزال به قدر ما من المودة؛ فالفاسق إذن خير من ~~السكير؛ إذ إن الأول على الأقل يشرب حتى الثمالة وهو في صحبة. # إن الفضيلة عند شافتسبري شأن حواري؛ أي مسألة انعكاس متبادل للأفعال، فنحن نستمتع ~~بالخير «بتلقيه، كما لو كان بالانعكاس أو عن طريق المشاركة في نفع الآخرين.» # 6 # فالمحاكاة مسألة تبادلية أو جدلية؛ فأفعالنا الكريمة هي سبب الاستحسان عند ~~الآخرين الذين يزيد تقديرهم لتلك الأفعال سرورنا نحن. في الحقيقة، إن سلوكنا ~~موجه دائما تقريبا نحو الآخر، وبذلك يتحول إلى واقع: «إن هذا الشعور المريح ~~بالأمل في الصداقة وتوقعها هو ما تتعلق به كل أفعالنا.» # 7 # إلا أن أثمن أوجه الصداقة ليس مع الآخر بمعنى فردي بل مع الآخر الكبير؛ أي ~~الآخر بمعنى جماعي؛ إذ يتساءل: «أي ثقة يمكن أن توجد في مجرد الهوى العابر أو الانجذاب ~~المتقلب؟ ومن يمكنه الاعتماد على صداقة ليست مبنية على أي قاعدة أخلاقية بل موجهة لشخص ~~مفرد أو جزء صغير من البشرية لا يشمل المجتمع والكل؟» # 8 # فالأخلاق العاطفية أكثر من مجرد وهم عابر أو نزوة خاصة. وفي النهاية فإن ~~التقدير الذي نسعى إليه ليس تقدير أي شخص منفرد بل تقدير الآخر الكبير أو النظام ~~الاجتماعي ككل. ~~••• # إن كل كتابات هتشسون هي هجوم مركز على الأنانية الفلسفية؛ إذ يعترض في كتابه ~~«تأملات في الضحك» قائلا إن هوبز «أغفل كل ما هو كريم وسمح في بني البشر، ويقدم ~~الناس من وجهة نظر وغد بحق أو جبان يشك في أن كل روابط الصداقة أو الحب أو ~~العواطف الاجتماعية هي نفاق أو مصلحة شخصية أو خوف.» # 9 # والكتاب ms035 نفسه - بعنوانه الباختيني - يقصد به مواجهة نظرة هوبز للضحك ~~باعتباره علامة على المكانة؛ إذ لم تكن الأبحاث التي تتناول الضحك أكثر أنواع الأبحاث ~~انتشارا بين المشيخيين في أولستر. ومن الصعب بنفس الدرجة أن نتصور ديكارت أو فريجه ~~يجري مثل هذه الدراسة، فالفضيلة عند هتشسون ليست متعلقة بحساب مصلحة النفس؛ حيث إنها ~~ليست مسألة حسابية على الإطلاق، بل توجد ملكة خاصة في داخلنا - الحس الأخلاقي - تقر ~~الأفعال الإيثارية وتنكر الأفعال القاسية تلقائيا من دون أدنى إشارة إلى مصلحتنا أو ~~منفعتنا الشخصية. فهناك - كما يقول - «شيء غريزي سابق على العقل المبني على المصلحة ~~يدفعنا لحب الآخرين.» # 10 # إذن؛ فالحس الأخلاقي - ذلك السرور الفوري المتقد المنكر للذات الذي ~~نجنيه من رؤية فعل فاضل - يعمل عمل ما قبل الفهم عند هايدجر، فهو الشيء الذي يكون ~~موجودا بالفعل بمجرد أن نبدأ في التفكير، ذلك الذي لا يمكننا باعتبارنا عناصر فاعلة ~~أخلاقية أن نعود لما قبله؛ حيث إنه يعرف ما نعتبره استجابة أخلاقية في المقام الأول. ~~وقد جرت محاولات مؤخرا لإعادة إحياء هذه الفكرة وبنائها على أسس تبدو أكثر علمية. # 11 # يقول هتشسون: «إننا بقوة الطبيعة ذاتها، السابقة على أي تفكير أو تأمل، نسعد برخاء ~~الآخرين ونحزن معهم في محنهم ... من دون أي نظر لمصلحتنا الشخصية.» # 12 # ويعد الدكتور بريمروز - بطل رواية «قس ويكفيلد» لجولدسميث - متلقيا خبيرا ~~يقدر لفتات الآخرين السخية. أو مرة أخرى: # بمجرد أن نرى أي فعل ينبع من الحب والإنسانية والإحسان والرحمة والنظر في نفع ~~الآخرين والسرور بسعادتهم، حتى وإن كان في أقصى بقاع الأرض أو في زمن قد خلا، ~~فإننا نشعر بلذة بداخلنا ونعجب بالفعل الجميل ونثني على صاحبه. وفي المقابل فكل ~~فعل ينبع من البغضاء والتلذذ بمعاناة الآخرين أو الجحود يثير الاشمئزاز والنفور. # 13 # تتضمن تلك النظرة الأخلاقية نوعا من الأثر الانعكاسي؛ حيث إن إحساسنا المنزه عن ~~المصلحة بالألم أو السرور يعكس مشاعر الفاعل الذي نشاهده؛ فالتجرد مع الشخص الآخر يؤدي ~~إلى إعادة تجسيده في أنفسنا، فيربع قيمته إن جاز التعبير، ms036 فهالة الرضا لدينا التي ~~تنتج من مشاهدة إحسان شخص آخر هي أحد مظاهر عين الإحسان الذي أمامها؛ إذ يوجد نوع من ~~المحاكاة الطبيعية أو التجاذب المغناطيسي بين النفوس؛ محاكاة سابقة على العقل مثل ~~عالم النظام الخيالي ذاته. ومن دون هذه الاستجابة، لا يرقى الفعل عند هتشسون لأن يكون ~~أخلاقيا على الإطلاق. إن ما نشعر به حيال تصرف معين هو ما يساعد على تحديد ما إذا كان ~~تصرفا فاضلا أم لا، مثلما قد يساعد الراصد على وقوع أحداث معينة في عالم فيزياء الكم، ~~فربما لا يعتبر الفعل غير المرصود فعلا فاضلا كالشجرة التي تسقط دون صوت في غابة ~~مهجورة، فما يجعل فعلا ما ذا سمة أخلاقية هو علاقته بالمشاعر والعواطف وليس مجرد ~~تصرف مادي. كما هو الحال بالنسبة لبعض فلاسفة الأخلاق الآخرين في القرن الثامن عشر، فإن ~~هذه أخلاق تعتمد على المشاهد بقدر ما تعتمد على الصورة المرصودة؛ إذ ينظر هتشسون ~~للفضيلة والرذيلة في ضوء استجابتنا لسلوك الآخرين وليس في ضوء سلوكنا نحن في المقام ~~الأول، فقضية الأخلاق عنده لا تعنى ب «ما يجب أن تفعله» بقدر ما تعنى ب «ما تشعر به ~~حيال فعلك أنت.» # يتمنى الرجال والنساء السعادة بطبيعتهم؛ وبما أن ملذات الفضيلة العامة في نظرة هتشسون ~~تمثل أكبر سعادة يمكن نيلها، فلا يمكن أن يوجد أي تمييز على شاكلة تمييز كانط بين ~~الرغبة الشخصية والالتزام الاجتماعي. بل يربط الحس الأخلاقي هاتين الدائرتين معا؛ حيث ~~إن أنماط السلوك النافعة على المستوى الاجتماعي وحدها هي التي تسبب أكبر مشاعر ~~بالسعادة الشخصية، إلا أننا لا نتصرف باسم المتعة الشخصية؛ إذ يكتب هتشسون قائلا: «إن ~~إحساسنا بالسرور سابق على المنفعة أو المصلحة، وهو الأساس الذي تنبني عليه.» # 14 # وبذلك يفصل مفهوم السرور أو اللذة عن أتباع مذهب اللذة الشخصية، فالخير ~~ليس في مجرد ما يشعرني بالرضا وإن كان الشعور بالرضا أصيلا فيه. # هتشسون إذن هو المثال الأكثر جاذبية لفيلسوف الأخلاق، الفيلسوف الذي يدرك، مثل أرسطو ~~أو توما الأكويني، أن الخطاب الأخلاقي هو ms037 استقصاء لكيفية العيش الممتع المتسم ~~بالسعة مع تحقيق أصدق الرغبات التي توجد لدينا. لكن من بين اختلافاته الرئيسية عن ~~أرسطو هو إيمانه بأن الفضيلة نزعة محلها القلب وليس العمل؛ إلا أن ما قاله جاك لاكان عن ~~اللذة عند أرسطو - من أنه «نشاط يشبه التورد الناتج عن نشاط الشباب، فهو إن شئت أن تقول وهج» # 15 ~~- يمكن قوله عن هتشسون هو الآخر؛ فالفضيلة عند هذا الفيلسوف المشيخي ذي ~~الفكر المتحرر مسألة ذوق وسماحة واستقامة معيشة كبيرة، لدرجة أن أقرب تشبيه لها هو ~~حضور حفل عشاء ناجح لأبعد حد ، فالفرد يتلذذ بطيبة قلب شخص آخر كما يلتهم صحنا كبيرا ~~من الجمبري اللذيذ. فكما هو الحال بالنسبة لستيرن، الفضيلة نوع من الكوميديا، فهي روح ~~احتفالية تقي من البيوريتانية الجافة، فالكوميديا تبشر بعالم مستقبلي أكثر بهجة، ~~وهي نوع من العلاج عند تحققه. ويبدو أن بعض مفكري القرن الثامن عشر يولون البهجة ~~نفس التقدير الذي يولونه للخير، ويرون بالتأكيد تشابها بينهما، فالضحك عند ~~هتشسون - مثل ميكائيل باختين - نمط من أنماط التضامن الإنساني؛ حيث إننا «نسر بإدخال ~~البهجة على الآخرين ... في الوقت الذي نستمتع فيه بمحادثة سارة منتعشة ببعض الضحك.» # 16 # فالضحك نموذج من الفضيلة لأسباب ليس أقلها أن الضحك يتم للضحك؛ فنوبات ~~المحادثات هي حالات من انتشار عدوى الفضيلة والنشاط الاجتماعي المفعم بالحيوية، لذة في ~~حد ذاته، في حين أن الفيلسوف الساخر ماندفيل يرى أن الناس يحبون الصحبة من أجل الترويج ~~للذات والمتعة الأنانية. # هذا ربما ما يسوء هتشسون في نظرية هوبز عن الضحك؛ إذ لم يقتصر الأمر على كونها سادية ~~بغيضة - حيث إننا نتهكم على أولئك الأقل حظا منا - بل إنها أيضا تخدم السلطة وليست ~~غاية في ذاتها. ويكتب هتشسون ساخرا في رده على هوبز: «إنه لشيء مؤسف أنه ليس لدينا دار ~~مسنين أو مستشفى للمصابين بالجذام نلجأ إليه في الطقس الغائم لنقضي النهار في الضحك على ~~هذه الأشياء الدونية ...» # 17 # وبالنظر إلى ما يقوله أتباع هوبز، يتساءل هتشسون: لماذا لا يجمعون الكائنات ~~الأدنى ms038 كالبوم والقواقع والمحار «ليضحكوا عليها»؟ ويمكن الزعم بأن هتشسون يرد على هوبز ~~كما قد يشعر الإنسانوي المعاصر حيال كتاب فرويد عن النكات. كما أنه بأسلوبه ~~الجمهوري يعتبر الضحك نوعا من فضح الزيف وتفريغ لفقاعة العظمة الزائفة أو السقوط ~~الاحتفالي من الأسمى إلى الأدنى، فهو يعتبر - كما هو الحال بالنسبة لسلسلة مبجلة من ~~الكتاب الأيرلنديين من سويفت إلى بيكيت - أن ما هو كوميدي هو الهزلي قبل كل شيء. لكن ~~المزحة أو الفكاهة الظريفة إن قيلت فهي أيضا علامة على النظام الخيالي، على ذلك البعد ~~من الحياة الإنسانية الذي يكون فيه التواصل مع الآخرين مباشرا وبدهيا دون أي جهد ~~إدراكي مضن الذي هو عبء العقل، فالفكاهة هي صدى مملكة الرب في الأرض. # إن الإنسان الخير نوع من المبتهج الروحاني لدرجة يصعب معها التمييز بين الإحسان ~~والمخالطة الاجتماعية؛ فهناك سمة هيلينية مبتهجة في تلك المنظومة الأخلاقية، سمة ~~مقيدة ومغرية معا، فمن السهل مشاركة مشاعر شخص آخر إن كنت تتردد معه على نفس ~~المقهى. لكن هتشسون يتجاوز بكثير مرحلة الإنسان الاجتماعي القانع؛ إذ يرد على الذين ~~يتهمون الأخلاق العاطفية بأنها ليست إلا نوعا من الخيال الأخلاقي الطريف مصرا على ~~أن ما يجعل الشخصية فاضلة ليس «بعض التحركات العارضة للعاطفة» بل «إنسانية ثابتة أو ~~رغبة في المصلحة العامة للجميع». # 18 # وإن كان الحس الأخلاقي الغامض يقترب من الملكة الجمالية، فليس السبب في ~~ذلك أن الفضيلة مسألة ذوق؛ بل لأنه - كالفن - يحمل قيمته في ذاته وليس في قضية عقاب ~~أو ثواب أو التزام أو مصلحة شخصية أو تشريع إلهي. وفي الحقيقة قد تصح هذه المقارنة على ~~نطاق أوسع؛ إذ إن الفضيلة والفن كلاهما يتضمن ملكة تتجاوز نطاق المنطق البحت، ~~وكلاهما يتعلق بالسرور والإشباع الذاتي. وكلا النشاطين يتعاملان مع الحس والإدراك (وهو ~~المعنى الأصلي لكلمة # Aesthetic # أو جمالي في الإنجليزية)، وكلاهما يستحضر الخيال ~~المنزه عن المصلحة أو المتعاطف. # يكتب هتشسون قائلا: «يستحسن الناس الخير الذي يكون دون مقابل أو مصلحة أيما استحسان.» # 19 # فيقول إنك لو كنت ms039 تسعى فعلا للمتعة، فدعك من رضاك الشخصي وانصهر في ~~اتحاد خيالي مع الحياة العاطفية للآخرين. وستكون النتيجة شعورا باللذة أقوى مما عداه ~~طالما فهم أن التعاطف مع الآخرين من أجل تحصيل السرور الناتج عنه وحده يأتي ~~بنتائج عكسية، فهذا يشبه شرب الخمر لمجرد السكر، وهو ما سيذهب على الأرجح ~~لذتك به على المدى الطويل؛ فالفضيلة باختصار تخلو من العائد وتحقق رضا النفس وتحمل ~~غايتها في ذاتها وتتخطى حدود العقل، وهي العدو اللدود للمصلحة الشخصية. وهي بذلك تمثل ~~نقدا للنظام الاجتماعي الذي ترجح فيه كفة النفع على المتعة، ويعتبر فيه التفكير عملية ~~حسابية ، وتكاد اللذة تكون إثما، وتسود فيه المصلحة الشخصية ولا يكاد يفعل فيه شيء ~~لذاته، فمثل هذا المجتمع لا يدرك أن انعدام الغرض - كما قد يقول أوسكار وايلد - ~~ضرب من التقوى. إلا أن علينا أن نضيف أن الفضيلة إن كانت هي المكافأة في ذاتها فهي إذن ~~عقيدة غاية في الملائمة تحظى بإجلال أخلاقي؛ حيث إنها من المرجح أنها تجني جزاء ثمينا ~~آخر في العالم الذي صنعناه؛ فهي كالمتشردين الذين ينتهي بهم الحال في مناصب وزارية، ~~فحصول الصالحين والطالحين كل على جزائه الذي يستحقه يزيد الآن اقتصاره على الرواية، ~~وحتى الرواية غالبا ما تأتي بمفارقة مناسبة حيالها. صحيح كذلك أن النظرية القائلة إن ~~الفضيلة يجب أن تحقق المنفعة صدمت الفكر الأرستقراطي نوعا ما في القرن الثامن عشر ~~باعتبارها نظرية سوقية لا سبيل إلى تقويمها. # إن التنزه عن المصلحة - ذلك الوحش المرعب لدى اليسار الثقافي المعاصر - تحول لشكل من ~~أشكال المقاومة لعالم التجارة على يد هتشسون؛ فالفردية التملكية لا يمكنها تفسير ~~«الأفعال الأساسية التي تشكل أركان الحياة البشرية؛ كالصداقة والعرفان والعواطف الطبيعية ~~والكرم وروح الخدمة العامة والرحمة.» # 20 # إذ يبين هتشسون أنه في المشاريع المشتركة بين التجار تقاطع للمصالح لكن لا ~~عاطفة بالضرورة؛ فالتاجر عندها لا يعنى بسلوك أقرانه إلا لأن مصالحه نفسها محل اعتبار. ~~أما بين الآباء والأبناء في المقابل فتوجد عاطفة لكن لا تقاطع للمصالح؛ فالأبوان لا ~~يسقيان أولادهما ms040 ليرويا عطشهما هما؛ فالتنزه عن المصلحة ليس صورة من التجرد الزائف، بل ~~مسألة إسقاط للنفس بقوة الخيال التعاطفي في احتياجات الآخرين ومصالحهم. وبوصفه شأنا ~~أخلاقيا وإدراكيا معا، # 21 # فهو يعني عدم المبالاة بالاهتمامات الشخصية وليس اهتمامات الآخرين؛ إذ يتضمن ~~- كما يحدث مع الراوي الذي يعلم كل شيء في الروايات الأدبية - تنحينا الممتع عن ~~التركيز على ذواتنا والدخول في الدوائر الذاتية المنغلقة ظاهرا لدى الآخرين من حولنا، ~~فهو ملكة خيالية بمنظور لاكان. فالأخلاق - كالمحاكاة الفنية - تتضمن تقمص الحالة ~~الداخلية للآخرين أو تمثيلها، كما تمثل نوعا من الحب باعتبارها رغبة إيثارية في ~~فائدتهم. واستحسان وجود نزعة خالية من المصلحة يعني أن نحب من يحب. يقول هتشسون في عمله ~~«تحقيق عن الخير والشر الأخلاقيين»: «إن كلمة الخير الأخلاقي ترمز إلى فكرتنا عن ~~صفة ما تتضح في الفعل تؤدي إلى الشعور بالاستحسان والحب تجاه صاحبه لدى من لا يعود ~~عليهم أي نفع من الفعل.» # 22 # ويقصد من العبارة الأولى في الجملة أن تكون ردا على مذهب الذاتية؛ إذ لا ~~يزعم هتشسون كما عند أنصار المذهب الانفعالي أنه لا يوجد شيء صحيح أو خطأ، ولكن الشعور ~~هو ما يجعله ذاك أو ذلك. # إن هذه البراءة السمحة في رؤية هتشسون الأخلاقية هي ما نتذكره؛ لكن نظرته ~~للإنسانية لم تكن مفرطة التفاؤل على الإطلاق؛ فقد تحدث - كما ينبغي لمشيخي ملتزم - عن ~~الجنس البشري واصفا إياه بأنه «فاسد ومنحط أخلاقيا» تحظى «شهوانيته ومساعيه الأنانية ~~الخسيسة بانتشار أكبر.» # 23 # إلا أن كتابات هتشسون تحتوي على ما يكفي للاعتقاد بأنه اعتبر الطبيعة ~~البشرية خيرة في أصلها. إنه لعمل شجاع من رجل مشيخي أن يضع اسم رجل ربوبي سيئ السمعة ~~ومتفائل إلى أقصى حد كشافتسبري في صفحة عنوان أحد كتبه؛ إذ يقول إن «عقولنا» تنحاز بشدة ~~«نحو الخير والعطف والإنسانية والكرم واحتقار المصلحة الخاصة ...» # 24 # وتبدو الرذيلة في عمله «مقالا عن الطبيعة وسلوك العواطف والمشاعر» مجرد ~~إفراط: «فكل عاطفة بمقدارها المعتدل عاطفة بريئة، وكثير منها ودود بصفة مباشرة وصالح أخلاقيا.» # 25 ms041 # وإن لم تكن إفراطا، فليس هناك أفظع من زيادة حب النفس عن الحد، ويؤكد: ~~«فلنزل العقبات التي يضعها حب النفس وسترشدنا الطبيعة ذاتها إلى الخير.» # 26 # وهذا ضرب من الهرطقة البيلاجيانية الخطيرة عند رجل مشيخي وإن كان ينتمي ~~للجناح الليبرالي من الكنيسة. إن الحس الأخلاقي عند هتشسون هو - من بين أشياء أخرى - ~~نسخة لا دينية من خطاب الإنجيل الموجه للشعور الداخلي؛ لكن الاختلافات أوضح من التشابهات؛ # 27 # إذ يؤمن هتشسون في سذاجة غريبة قليلا بأن تعذيب الأطفال للحيوانات ليس عن ~~تعمد للأذى، بل ما هو إلا جهل بألمها وفضولا لرؤية أجسامها تلتوي، فهو ليبرالي من ~~النوع رقيق الفكر الذي قد يثير بشدة غضب صحف الإثارة التي تصدر اليوم، فهو يرجع ~~السبب في شعبية قتال المجالدين في روما القديمة ليس إلى إعجاب الجماهير بالشجاعة ~~والبطولة وحسب، بل إلى فرصة الشعور بالتعاطف التي تتاح لهم. ويقر أستاذه شافتسبري - ~~وهو أكثر واقعية منه بقليل - بوجود أشخاص يشعرون ب «متعة وحشية» برؤية الدم والمصائب ~~والمحن لدى الآخرين؛ لكن حتى شافتسبري لا يمكن أن يتقبل فكرة وجود أي إنسان ينقصه ~~كليا الشعور بالتعاطف مع أبناء جنسه. # في هذا الإقرار الأليم بوجود مثل هذه «المتعة الوحشية» - وهو تعبير يمكن أن نعتبره ~~نسخة شافتسبري الخاصة من ترجمة سلافوي جيجك ل «المتعة» عند لاكان ب «اللذة الفاحشة» - ~~يدق شافتسبري أبواب لحظة حرجة تتعلق بما يمكننا أن نسميه النظام الواقعي؛ أو بالرغبة، ~~كما يكتب، «في التغذي نوعا ما على الموت والتلذذ بسكراته.» # 28 # إن من حدود أي مذهب أخلاقي خيالي أن مازوخية «ثاناتوس» أو دافع الموت، ~~وكذلك فكرة الحقد الخالي تماما من أي دوافع، يكاد يستحيل تصورها، إلا في تلك النسخة ~~المنمقة لما نعرفه بالتراجيديا؛ فالشخصيات التي تشبه دي ساد وإياجو في هذا العالم ~~غريبة عن دائرة النظام الخيالي. ويحرص شافتسبري على أن يلفت إلى أن مثل هذه المتع ~~المرضية لا مكان لها في مكان يحكمه «التحضر ودماثة الأخلاق»، وأن هؤلاء المنغمسين ~~فيها بائسون لأقصى درجة. ويرى هتشسون هو ms042 الآخر أن الطبيعة البشرية نادرا ما تطيق ~~«الكراهية الخبيثة التي لا غرض منها» ولا يمكنه تصور أن أي شخص قادر على التلذذ ببؤس ~~الآخرين من دون أي فائدة تعود عليه. وليس فريدريش نيتشه عاطفيا إلى هذا الحد؛ إذ يكتب ~~في عمله «جينيالوجيا الأخلاق» أن «رؤية المعاناة تشعرك بلذة، أما التسبب فيها، فتشعرك ~~بالمزيد من هذه اللذة ... فحتى في العقاب يوجد شيء شديد البهجة!» # 29 # تردد إنكار هتشسون للشر الخالي من الدافع مجددا على لسان ديفيد هيوم الذي يرى أن ~~«الشر المجرد الذي بلا سبب والخالي من الهدف لا مكان له - ربما - في صدر أي إنسان.» # 30 # وتنم كلمة «ربما» عن تردد لافت. ويتبنى نفس الرأي جوزيف باتلر الذي يقول في ~~مواعظه إنه لا أحد يؤذي غيره لمجرد الأذى. لكن كلمات باتلر تحمل تذكيرا جاء في حينه ~~لأتباع هتشسون في هذا العالم بأن انعدام الهدف ليس محمودا دائما؛ إذ يكتب: «إن أقصى ~~انحطاط يمكننا تصوره في خيالنا هو القسوة التي بلا هدف.» # 31 # لكن باتلر أصاب في إدراكه أن الشر بطريقته الخاصة يخلو من الهدف بقدر ما ~~تخلو منه الفضيلة، # 32 # فالأشرار حقا أعداء للمنفعة بقدر الملائكة، فليس من المصادفة أن يكون ~~الشيطان في السابق ملاكا. فلم يفكر النازيون في كلفة مجهودهم الحربي في إنشاء معسكرات ~~الاعتقال. لكن أي مذهب أخلاق خيالية يجب أن تلتزم الحذر عند الاقتراب من النظام ~~الواقعي، فهو يحطم أنماط عالم يعكس فيه حزن الإنسان أو بهجته شعور غيره طواعية كما لو ~~كانت مرآة لمرآة، فتحصيل اللذة من ألم الغير نقيض النظام الخيالي الأخلاقي. # إن النظرة الإيجابية للطبيعة البشرية في جانب كبير من فلسفة «الحس الأخلاقي» تعكس ~~تفاؤلا قديما بين الطبقة الوسطى، تحول لاحقا - كما سنرى - إلى نظرة أقل إشراقا ~~بكثير. لكن إن كان على هتشسون أن يجعل الحس الأخلاقي جزءا من تكويننا ذاته؛ فذلك ~~لأسباب من بينها أنها الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للفضيلة أن تصمد أمام ضراوة مجتمع ~~جشع. ويرى هنري فيلدنج - الذي تبنى تقريبا ms043 نفس نظرية الفضيلة التي تبناها هتشسون - ~~أن مجال الأخلاق لا يمكن التخلي عنه مقابل شيء هش ومزعزع كالثقافة؛ إذ يشدد هتشسون على ~~أن النفور من الرذيلة والنزوع إلى الفضيلة راسخان في طبيعتنا «بحيث لا يمكن لتعليم أو ~~مبادئ زائفة أو عادات فاسدة أن تنزعهما تماما.» # 33 # وقد تلقت شخصية توم جونز التي ابتكرها فيلدنج بعناية نفس التربية التي ~~تلقتها شخصية بيلفل البغيضة؛ لإثبات وجهة النظر المعارضة لفكرة الثقافة هذه، رغم أنه في ~~حالة فيلدنج تعد هذه أيضا ضربة من محافظ للتقدميين المثاليين الذين أيدوا التطبع ~~على الطبع. # إن كانت هذه أخلاقا مادية على طريقتها الخاصة، فهذا يرجع إلى أن الاستجابات ~~الأخلاقية - كما رأينا بالفعل - متأصلة في الجسد؛ الجسد الذي سيفرض نفوره واستحسانه ~~الفطري على سلوكنا الاجتماعي، ويمكنه من ثم أن يعمل عمل الحكم المثالي عليه. ~~يعلق بيرك - الذي كان رجلا جماليا بالمعنى الأصلي عند الفينومينولوجيين اهتم بوضع ~~خريطة للحياة الحسية في الجسد - قائلا: «الجسم ... أكثر حكمة (من العقل) بطريقته الخاصة البسيطة.» # 34 # فقبل أن نبدأ التفكير المنطقي، توجد بالفعل ملكة فينا تجعلنا نشعر بمعاناة ~~الآخرين مثلما نشعر بالجرح وتدفعنا للاستمتاع بفرحتهم دون أدنى قدر من الفرح بمصيبة ~~الغير. لكن غرس الحس الأخلاقي في طبيعتنا الجوهرية - بمصطلح ماركس - لا يحميه إلا على ~~حساب تفريغه من مضمونه؛ فإن كانت مشاعر النفور والاستحسان لدينا تلقائية فعلا كما ~~الفعل المنعكس - مثل سحب أصابعنا من اللهب - فهي إذن ليست قضية مميزات شخصية. من المؤكد ~~أنها استجابات لأفعال الآخرين الإرادية؛ لكن هناك محمل ما تجعل فيه فلسفة «الحس ~~الأخلاقي» مشاعرنا أقل جدارة بالثناء في نفس الوقت الذي تجعلها أكثر طبيعية؛ إذ يبدو من ~~خلالها أننا لم يعد بإمكاننا الامتناع عن التعاطف مع المكروبين كما لا يمكننا عدم ~~ملاحظة الأشياء الضخمة التي تكون في نطاق نظرنا. # تجعل هذه الفلسفة إبداء التعاطف مع الآخر أكثر استحسانا وإقناعا عما هو الحال إذا ~~تضمن الإرادة، لكن إن كان هذا هو الحال، فلماذا يوجد الكثير من الأشرار من حولنا؟ هذا ~~ما ms044 يمكننا تسميته مفارقة فيلدنج؛ فالخير طبيعي، لكن هناك نقصا شديدا فيه على نحو غريب ~~في المجتمع. وإن كان الخير غريزة طبيعية، وكذلك يصعب نسبيا مصادفته في الواقع، فسيجد ~~الفاضلون أنفسهم - كما في روايات فيلدنج - أقلية ترزح تحت حصار مستمر من دون أن يتسلحوا ~~بالمكر واليقظة اللازمين لصد هؤلاء الأشرار. # 35 # وهذا ما يجعلهم مضحكين بقدر ما يجعلهم محل إعجاب. لكنهم يمثلون خطرا كذلك؛ ~~لأنهم من الممكن أن يكونوا سببا في رذيلة الآخرين. وإن تأهبوا لحماية أنفسهم، فسيصبح ~~من الصعب التوفيق بين هذه الشدة وبراءتهم، فكلما اضطررت إلى الدفاع عن طبيعتك ~~الخيرة، قل نصيبك منها؛ لكن جون ميلتون كان ليصر على أن البراءة التي لم ~~تختبر ليست براءة فاضلة على الإطلاق. # يمكن وضع هذه النقطة في سياق أكثر اتصالا بالسياسة؛ فعندما يشعر المنتمون للطبقات ~~الوسطى بالرضا المعقول عن أنفسهم تبدو الفضيلة وافرة كمداد البحر؛ لكن ليس عليهم سوى أن ~~ينظروا حولهم إلى الحضارة الأنانية المخيفة التي أقاموها ليدركوا أن هذا لا يمكن أن ~~يكون هو الواقع الفعلي؛ فمن المنظور الأيديولوجي يجب أن يكون الحب والإحسان ~~جذريين؛ أما من المنظور التجريبي فمن الواضح أنهما أبعد ما يكون عن ذلك. وكذلك ~~القول إن الحس الأخلاقي بديهي واضح في ذاته كالصفعة على الوجه، ويصعب تحديد كنهه ~~كرائحة القهوة، هو طريقة أخرى لتأكيد هذه المفارقة. وباعتبار هتشسون تجريبيا بارعا، ~~فيبدو أنه كان عليه الاتفاق مع آدم سميث على أن الحواس «لم ولن تأخذنا لأبعد من شخصنا ~~ذاته، والخيال وحده هو ما يمكننا من تكوين أي تصور عن المشاعر (الخاصة بالآخر).» # 36 # إذ إن ما يحول بيننا وبين وعي الآخرين هو أجسادنا؛ لذا فبفضل النظام ~~الخيالي وحده - من خلال المحاكاة أو التكرار في داخلنا لما نظن أن الآخرين يشعرون ~~به - يمكن تعزيز التعاطف الإنساني. ولا يختلف الحس الأخلاقي عند هتشسون عن الخيال عند ~~سميث؛ إلا أن هتشسون بدعوته لإضافة «الحس» الأخلاقي للحواس الخمس المعروفة فهو يظل داخل ~~حدود المذهب التجريبي بينما يقلبه على عقبيه، فالحديث عن ms045 حس أخلاقي يضيف للحواس ~~الخمس في المذهب التجريبي صورة شبحية منها، وهو ما قد يضفي بدوره على المفاهيم ~~الأخلاقية قطعية اللمس أو التذوق التي لا جدال فيها؛ فيؤدي الحديث عن الحواس لإنقاذ ~~القيم الأخلاقية. كذلك - ونظرا لعدم إمكانية الاعتماد على الحواس - يجب أن نلجأ لهذا ~~النوع من البديهة الحسية؛ ففي عالم تجريبي، يمكن دائما للغة والإدراك والعقلانية أن ~~تنحرف عن مسارها، كما تبين رواية «تريسترام شاندي» بشكل كوميدي، وتأتي الاستعانة بالحس ~~الأخلاقي للتعويض جزئيا عن هذا القصور. وبمجرد أن تتعرض النفس البشرية لخطر الوقوع ~~الذاتوي في أسر أحاسيسها الخاصة، سيكتشف هتشسون في هذه الحواس بالتحديد مفتاح التآلف ~~الاجتماعي؛ ليجد في ملكة خاصة الطريق الذي يفتح الباب أمامنا إلى عالم الآخرين. # إلا أن فكرة العاطفيين المنقوصة عن الجسد وحدها هي ما يجعلهم في حاجة لإمداده بهذا ~~الملحقات الخيالية. لقد عرف القرن الثامن عشر طريقة لتجاوز حدود الحواس - بل تمزيقها ~~إربا إربا - هي السمو؛ لكنها لم تكن جيدة في هذا التجاوز لحدود الجسد هذه، الذي ~~هو الجسد ذاته؛ إذ لم تكن تنظر إلى الجسد باعتباره مشروعا للتسامي الذاتي، بل اعتبرته ~~شيئا كالأرائك والمكاتب لا يختلف عنها إلا في حمله لجوهر متحرك اسمه الروح. لكن صمت ~~الجسم البشري ليس كصمت المكتب؛ فحتى عندما لا تفعل أي شيء سوى النظر إلي، فإنك لست ~~حاضرا أمامي كما إبريق الشاي مثلا؛ إذ يعجز التجريبيون عن استيعاب أن الحديث عن ~~الروح ما هو إلا أسلوب تجسيدي في محاولة تعريف ما يميز الأجساد المتحركة الذاتية ~~التنظيم كالدبابير أو كبار موظفي الخدمة المدنية مقارنة بقطع الأثاث. وقد تكون ~~تبعات هذا من بين الأسباب التي تجعلنا عندما نسمع كلمة «جسد» نفكر في الجثة. فالحواس ~~عند لوك وهيوم مستقبلات سلبية وليست وسائل للتواجد والتفاعل مع العالم. والجسد عند ~~سميث وأمثاله شيء مادي في المقام الأول وليس صورة من صور من الممارسة ومركز ينتظم حوله ~~عالم كامل. فهم لا يرون أنه شيء «خارج» أنفسنا لا يمكننا أبدا أن نفهمه، بل شيء نتجسد ms046 ~~في نشاطه التعبيري كما يتجسد المعنى في لفظ. # وفي ضوء هذه النظرة للجسد، لا يمكن للذوات الأخرى أن تمنح وجودها الواقعي إلا بما ~~يناظر الذات. وهذه تقريبا هي النقطة التي طرحها إدموند هوسرل الذي يرى أن الذوات ~~الأخرى بالأساس مخفية عن ذاتي لكنها تجسد في سلوكها ما يمكنني أن أعتبره جزءا من ~~تجربتي الذاتية الداخلية، فالآخر ليس حاضرا أمامي بصورة كاملة أبدا، بل يعرف ~~باعتباره انعكاسا لذاتي. ويرى هوسرل في كتابه «تأملات ديكارتية» كل «أنا» من منظور ~~خيالي باعتبارها كائنا أحاديا يعكس ويحتوي كل الذوات الأخرى مع ما يتأتى من ذلك من ~~إمكانية التناغم والتعاطف والمشاركة والمبادلة فيما بينها. فكما يشبه موريس ~~ميرلو-بونتي الوضع: «أرى استخداما محددا من الناس للأدوات المحيطة بي، (و) أفسر ~~سلوكهم بالتناظر مع سلوكي أنا ومن خلال تجربتي الذاتية، التي تعلمني مدلول الإشارات ~~المدركة ومقصدها.» # 37 # إذ أدرك - عند هذا الحد - الذوات الأخرى في ضوء نموذج «الأنا»، أي في ضوء ~~عين ما يميزني عنها؛ وبهذا لا يمكنني أبدا أن أحرر ذاتي منها. ويقول ميرلو-بونتي عن ~~هذه النظرية: «إن جسد الآخر - كجسدي - ليس مسكونا وإنما هو شيء موجود أمام الوعي الذي ~~يفكر فيه أو يكونه ... فهناك نوعان من الوجود، وهما اثنان فقط: الوجود في ذاته أو ~~اللاواعي وهو وجود الأشياء المتراصة في المكان، والوجود لذاته أو الواعي وهو ‏الوجود‏ ~~‏الإنساني‏ ‏الواعي ‏بذاته.» # 38 # إلا أن الجسد على وجه التحديد - تلك الظاهرة مزدوجة الطبيعة التي ليست مجرد ~~شيء له «وجود لا واع» ولا «وجود واع» على نحو واضح - هو نفسه ما يهدم هذه القطبية ~~السارترية، فجسد الآخر حاضر أمامي بما يسبق الفكر باعتباره شيئا له «وجود لا واع» أو ~~شيئا في نطاق رؤيتي يعبر في جوهره عن شيء له «وجود واع»؛ أي كيان ذي إرادة يحدث حركة ~~تجاه العالم بدلا من أن يظل جمادا كامنا داخل حدوده. فأنا أدرك إرادتك من حركات ~~جسدك وليس من خلال عملية غير مرئية تتخفى وراءها. بنفس القدر، فإن جسدي «يجعلني كالآخر ~~من ms047 دون اغتراب» كما يقول إيمانويل ليفيناس؛ # 39 # إذ توجد - كما يرى ميرلو-بونتي - «رابطة داخلية» بين جسدي وجسدك تماما كما ~~توجد بين جسدي و«وعيي». أو رابطة، كما قد نضيف، بين سلسلة من الأصوات ومجموعة من ~~المعاني. ذلك لأن جسدي لا يمكن أبدا أن يكون وجوده عندي كساعة يدي، وكذلك جسدك. فخلال ~~رؤية الأشياء من منظوري الفريد، فمما أدركه هو أن نفس الأشياء حاضرة أمام جسدك من منظور ~~مختلف؛ أي أن كيانينا متداخلان، وأن تلك المساحة المشتركة تشكل المجال المشترك الذي ~~يمكن فيه تأسيس ما يمكننا تسميته بالموضوعية، فعجزي عن «تحويل جسدك إلى شيء» بصورة ~~كاملة، وهو هذا الكيان المزدوج الطبيعة، مرتبط بفكرة أن جسدك أصل عالم يتداخل مع ~~عالمي . # تتخذ هذه الأرضية المشتركة صورة اللغة؛ فالحديث المفرط عن «الذوات الأخرى» افترض أن ~~هذه الكيانات لا تتحدث ولا تنصت. وفي عملية الخطاب كما يقول ميرلو-بونتي «تنشأ بيني ~~وبين الآخر أرضية مشتركة؛ حيث يتداخل فكري وفكره في نسيج واحد ... ويدخلان معا في عملية ~~مشتركة لم يبدأها أي منا، فوجودنا هنا ثنائي، حيث لا يكون الآخر بالنسبة لي مجرد سلوك ~~ما في فضائي السامي ولا العكس؛ فكلانا شريكان في حلقة تبادلية تامة.» # 40 # وتمس العبارة الأخيرة ما نسميه على نحو فضفاض بالنظام الخيالي. ويتابع ~~ميرلو-بونتي ليصل إلى الحديث عن العملية الشبه السحرية التي يتوقع فيها كل طرف في هذا ~~الحوار أفكار الآخر، أو «يعير» نفسه للآخر؛ إذ يكتب: «إن إدراك الآخرين والعالم ~~البين-ذاتي لا يمثل مشكلة إلا للبالغين، فالطفل يعيش في عالم يؤمن دون أدنى تردد بأنه ~~مفتوح على كل ما حوله.» # 41 # فالطفل الصغير كما يقول ميرلو-بونتي لا يعرف أي واقع ينقسم بين وجهات نظر، ~~ولا يملك وعيا بأن الذات يجب أن تتقيد بواحدة منها. فالطفل - كما في النظام الخيالي - ~~قد يشغل كل المواقع في الوقت ذاته، متحررا من كل قيود النظام الرمزي. وكما لا يميز ~~الطفل في نموذج لاكان بين ما هو داخلي وما هو خارجي، إلى حد أن تكتسب المشاعر وجودا ms048 ~~ملموسا شبه مادي، فكذلك النظرات الإنسانية للطفل الصغير عند ميرلو-بونتي «لها وجود ~~يكاد يكون ماديا، لدرجة أن الطفل يتساءل كيف لا تنكسر هذه النظرات عندما تلتقي ببعضها.» # 42 # يقترب هتشسون من المعنى الفينومينولوجي للجسد أكثر من آدم سميث؛ إذ تستحوذ عليه فكرة ~~الوجه البشري المتكلم أو ذي الدلالة الذي نستجيب له دونما تفكير، من دون الحاجة إلى ~~«الاستنتاج» أو «الاستدلال على» نوع العاطفة التي تحركه. إن هذه السمة التعبيرية ~~المتأصلة في الجسد - أي أن جسم الإنسان نفسه ذو دلالة - هي ما يبشر بحل لثنائية سميث ~~اليائسة نسبيا، فإن افترض سميث أننا لا يمكننا الوصول إلى الآخرين إلا من خلال ملكة ~~خاصة، فهذا لأنه يتصور أن الحالة الذهنية للآخرين لا يمكن إدراكها في الوضع الطبيعي، ~~حيث تستتر وراء أجسادهم، فشعوري بالغضب مثلا يكمن في أعماقي، أما اللمحات التي يمكنك ~~أن تراها منه فعلا - كإضرامي النار في شعري مثلا تعبيرا عن الغضب الممزوج بالإحباط - ~~ما هي إلا العلامات الظاهرية على حالة داخلية خاصة، فما تراه ليس الواقع. وكذلك كلماتي ~~ما هي إلا إشارات ظاهرية تدل على معان على نفس القدر من خصوصية عواطفي؛ وذلك لأنها صور في ذهني؛ لذا فمن الصعب - بل ربما من المستحيل - معرفة ما إذا كنا نشعر أو ~~نقصد بحق الشيء نفسه، وهي حالة مزمنة من تقاطع الأغراض التي تستخرج منها رواية ~~«تريسترام شاندي» جوهرها الكوميدي الغني. ويقر آدم سميث في عمله «نظرية العواطف ~~الأخلاقية» أنه يستحيل علينا أن نعرف على وجه التحديد ما يشعر به شخص آخر، كما لو كنا ~~بالضرورة سنتعاطف معهم على نحو أكبر إن استطعنا ذلك، فإن تعذر علينا إدراك ما بالآخرين، ~~فمن الصعب إذن إيجاد أساس واع للتناغم الاجتماعي؛ لذا يصبح الميل قويا لتحديد ملكة ~~ما صعبة المنال - كالتقمص العاطفي والحدس والخيال والحس الأخلاقي - تحل محله. # وغني عن القول إن حاجاتنا لتخيل ما يشعر به الآخرون لا تحظى بقبول أكثر من فكرة أن ~~علينا تخيل ما يقصدونه. من المؤكد أن إلين سكاري أخطأت في ms049 زعمها أن الخيال ضروري ~~للتعاطف الإنساني؛ # 43 # فالتفهم لا يتعلق بإسقاط أنفسنا من منظور متعاطف في الأغوار الروحية ~~للآخرين، التي يفترض أن محتوياتها تتمتع بالخصوصية في جوهرها؛ فالآخرون يمكنهم بالتأكيد ~~إخفاء مشاعرهم عنا أو تحريف معانيهم عن عمد؛ لكن ذلك يتطلب منهم آليات أكثر تعقيدا بعض ~~الشيء، وهذه الآليات تكتسب دائما في المجال العام؛ فنحن ندرك أنفسنا بنفس الطريقة ~~التي ندرك بها الآخرين؛ فالاستبطان المطلق لا طائل منه هنا؛ إذ لا يمكن بالاستبطان ~~وحده أن أدرك ما إذا كنت أشعر بالحقد أو الخوف مثلا. # يكتب ميرلو-بونتي: «إن إمكانية أن يكون شخص آخر واضحا بذاته تتوقف على أنني لست ~~واضحا أمام نفسي وأن ذاتي تلقي جسدها وراء ظهرها عند استيقاظها ... فالشخص الآخر ليس ~~كائنا شخصيا أبدا، هذا إن كنت أنا كذلك، وإن كنت أرى نفسي بينة واضحة بذاتها.» # 44 # وسيبدو الآخرون مبهمين حتما إن كنا مضللين بالقدر الكافي لنعتقد أننا ~~واضحون تماما لأنفسنا. ~~••• # لم يشارك ديفيد هيوم فرانسيس هتشسون ثقته في كرم القلب الإنساني الفطري؛ فقد كان على ~~أية حال محافظا متشككا وليس ليبراليا جمهوريا يعتقد أن حب الذات هو القوة ~~الأساسية المحركة للشئون الإنسانية، فإن كانت العدالة ضرورية بأي شكل - حسبما رأى - فهي ~~ما يوازن سعينا الجامح نحو المكاسب والمصلحة الشخصية. إلا أنه تبنى أيضا فكرة أنه رغم ~~أن معظم الناس يحبون أنفسهم أكثر من حبهم للآخرين، فإن عواطفهم الإنسانية في مجملها ~~تغلب أنانيتهم. إن هيوم في مزجه بين الدماثة واللطف من ناحية والدهاء العملي من ناحية ~~أخرى معتدل بكل معاني الكلمة، فهو ليس متشائما كهوبز ولا هو متفائلا كشافتسبري؛ إذ ~~يكتب في مرحلة لم تزل فيها الطبقة الوسطى - التي كانت قد ظهرت حديثا فيما قبل ~~التصنيع - منبهرة ببريق الأرستقراطية بما يكفي لتبحث عن موائمة بين التجارة والتحضر، ~~وهي موائمة سيزداد تحققها صعوبة في العصور الصناعية الرأسمالية اللاحقة. # يكتب هيوم في عمله «رسالة في الطبيعة الإنسانية»: «إن العادة والعلاقات تجعلنا نغوص ~~بعمق في عواطف الآخرين، وأيا يكن ما نفترض أنه ms050 أصابهم فهو يتجسد أمامنا عن طريق ~~الخيال، ويحدث أثره كما لو كان أصابنا في الأصل.» # 45 ~~(إن الإشارات اللاحقة لأرقام الصفحات من عمل هيوم هذا ستوضع بين قوسين بعد ~~الاقتباسات المعروضة منه.) من الصعب تحديد ما إذا كان هذا إيثارا أم أثرة، على الأقل ~~في حالة المشاعر الأكثر قبولا. لكن في العموم فإن هيوم مؤمن شجاع بأن الخير واقع، حيث ~~يزعم على طريقة هتشسون أن هذه «الرغبة التي تقترن بالحب هي رغبة في سعادة المحبوب ~~وتجنبه للشقاء» (430)؛ إذ يقر بوجود مجال رحب لمشاعر التعاطف الإنساني، وهو ما يضعه - ~~مثلما فعل هتشسون - فيما قد نسميه عامة بالقالب الخيالي. صحيح أن سرور شخص آخر يسبب لنا ~~الألم عندما نقارنه بما نمر به من بؤس، تماما مثلما يؤدي شقاء شخص آخر إلى شعورنا ~~بالسعادة عن طريق استحضار حالنا الجيدة. لكن في كلتا الحالتين تختلط الأنانية بالتعاطف ~~الصادق، فإن وجد شيء من التنافس في النظام الخيالي هنا، فيوجد كذلك شيء من التقمص ~~العاطفي. وكما أن التنافس والمحاكاة لا ينفصمان في النظام الخيالي، فكذلك حالهما في فكر ~~هيوم الأخلاقي: فنحن نسر بسرور الآخرين؛ لكننا في الوقت ذاته نشعر ببعض التنافسية ~~غير المريحة. # يشير هيوم في رسالته في الطبيعة البشرية إلى أن أكثر الأشياء امتلاء بالحياة هو ~~«كائن عقلاني ومفكر مثلنا ينقل إلينا كل ما يدور بعقله، ويطلعنا على أعمق مشاعره ~~وعواطفه، ويسمح لنا بأن نرى كل العواطف التي تنتج عن أي شيء في نفس لحظة نشوئها» (402). ~~والمهم في هذا الاتحاد الروحي هو الآنية التي يتحول بها الداخلي إلى الخارجي؛ الطريقة ~~التي لا تظل بها مشاعر شخص آخر مدفونة داخل جسده بل تظهر بوضوح على واجهته الخارجية. ~~ويكتب هيوم: «ما يرتبط بنا أيا يكن يتم إدراكه بصورة مفعمة بالحياة من خلال التحول ~~اليسير من أنفسنا إلى الشيء ذي الصلة» (402). ويتم هذا التحول بالمشابهة والمطابقة: ~~«فأصحاب الأمزجة المرحة يحبون بطبعهم ما هو مرح؛ مثلما يميل الجادون إلى ما هو جاد ~~... فالناس يستحسنون - دون تفكير - الصفة التي هي ms051 أقرب إلى صفتهم» (403، 654). أو كما قد ~~يصيغها فرويد على نحو أقل قبولا، تميل اختياراتنا من بين الأشياء لأن تكون نرجسية، ~~فمجتمع الرجل، كما النظام الخيالي، هو عالم من العدوى والتشابهات السحرية، فهو عالم ~~مجرد من الاختلافات بدرجة كبيرة. فإن كانت خفة الروح واللين يدخلان ضمن القيم ~~الاجتماعية التي يستحق اكتسابها، فمن الأسهل ممارستها مع النفوس المتشابهة والأصدقاء ~~المقربين من ممارستها مع الغرباء، الذين قد يتطلب الاستئناس بهم بعض الجهد، فصحبة ~~الغرباء - كما يرى هيوم - غير مستحسنة لنا إلا لفترات زمنية قصيرة. # يكتب هيوم: «من أجل بناء علاقة مثالية بين شيئين، لا يلزم فقط أن ينقل الخيال من ~~شخص لآخر عن طريق التشابه أو العدوى أو السببية، بل أيضا أن يعود من الثاني إلى الأول ~~بنفس السلاسة والسهولة» (405). فنحن ما زلنا في دائرة النظام الخيالي حيث توجد دائرة ~~مغلقة - كالتي بين الطفل وانعكاسه - أو حركة سير مزدوجة بين الشيئين المعنيين. ويضيف ~~هيوم: «إن الحركة المزدوجة هي رابطة مزدوجة نوعا ما، وتربط شيئين ببعضهما بأقرب ~~الروابط وأكثرها حميمية» (405). ففي نطاق ما يمكن تسميته بالنظام الخيالي الاجتماعي، ~~أجد نفسي منعكسا فيمن أمامي في ذات الوقت الذي أجده منعكسا في نفسي، وقد تزيد هذه ~~الرابطة المشتركة عمقا إلى حد ألا يمكن التفريق بين الذاتين في نهاية الأمر، وأن ما ~~ينعكس ما هو إلا فعل التطابق الثنائي في حد ذاته. إن هذا الافتتان - عند هيوم كما عند ~~لاكان - بالثنائيات والتشابهات والمقارنات يظل عنصرا في كل تجاربنا الأكثر نضجا؛ إذ ~~يرى هيوم أننا لا نخضع للعقل كثيرا، لدرجة أننا «دائما ما نحكم على الكثير من الأشياء ~~بالمقارنة وليس بقيمتها الجوهرية» (420). # إلا أن هذا المنظومة المتناغمة تضطرب بمجرد دخول عنصر ثالث إلى المشهد، فكما يتابع ~~هيوم: «لأنه بافتراض ارتباط الشيء الثاني - بجانب علاقته التبادلية مع الشيء الأول - ~~بعلاقة قوية مع شيء ثالث، فإن الفكرة في هذه الحالة إذ تنتقل من الشيء الأول إلى الثاني ~~لا تعود إلى منشئها بنفس السهولة رغم أن العلاقة تظل كما هي؛ ولكنها ms052 تنقل بسهولة إلى ~~الشيء الثالث ... لذا فإن هذه العلاقة الجديدة تضعف الرابطة بين الشيئين الأول والثاني» ~~(405). ليس من الصعب تفسير مقصد هيوم في سياق أوديبي؛ حيث إن «الصلة» الثنائية أو ~~الخيالية بين الأم وطفلها تتخذ شكلا ثلاثيا بدخول الأب إلى المشهد، فما يصوره هيوم ~~هنا - باختصار - هو الانتقال من النظام الخيالي إلى النظام الرمزي، فوجود ثلاث ذوات ~~أكثر كثيرا من وجود ذاتين. # ولئلا يظن أن هذه قراءة خاطئة مبالغ فيها لفقرة تتناول فعلا ترابط الأفكار، تجدر ~~الإشارة إلى أن عمل «رسالة في الطبيعة الإنسانية» يتناول بعدها مباشرة الأمهات والآباء ~~والأبناء: # إن الزواج الثاني للأم لا يكسر الرابطة بين الابن وأمه، وهذه الرابطة تكفي لنقل خيالي ~~إليها بمنتهى السهولة واليسر. لكن بعد أن يصل الخيال إلى هذه المحطة، فإنه يجد أن هدفه ~~محاط بكثير من الروابط الأخرى، وهو ما يتحدى وضعه؛ حيث إن الخيال لا يعرف أيها يفضل، ~~وتتفرق به السبل محاولا إيجاد شيء آخر يرتبط به، فروابط المصلحة والواجب تربط الأم ~~بعائلة أخرى وتمنع ارتداد الخيال منها إلي، وهو الشيء الضروري لتعزيز الاتحاد بيننا. ~~ولم تعد الفكرة تمتلك القوة المحركة الضرورية لتستقر ويتعزز ميلها للتغيير، فهي تذهب ~~بسلاسة؛ لكنها تعود في صعوبة، وتجد مع هذه الإعاقة أن الرابطة ضعفت كثيرا عنها إن ظل ~~الطريق مفتوحا سلسا في الاتجاهين. (405) # يدخل هيوم - الذي وضع نفسه في موضع الابن - في رابطة غير مستقرة مع الأم نتيجة ~~علاقتها بالأب (الثاني)؛ فالرابطة بين الابن والأم أصبحت غير متماثلة، ولم تعد متينة ~~سوى من جانب واحد فقط؛ وذلك لأن الأم ينظر إليها باعتبارها محصورة في النظام الرمزي، ~~منتمية من خلال زوجها الثاني لنسب بعيد تماما عن الابن نفسه. إن الهدف من مثال الزوج ~~الثاني هو بيان الطريقة التي تظلم فيها الروابط الأسرية بكل انغلاقها «الخيالي» وتتحول ~~إلى انتماءات إلى غرباء أو من ليسوا أقارب الدم، وهي انتماءات تتفاعل بدورها مع الرابطة ~~الأولى بين الأم والابن وتؤدي إلى فكر الارتباط حتما. إن هذا هو ما يدفع الابن ms053 على ما ~~يبدو لتحسس طريقه والتردد (إذ «تتفرق به السبل محاولا إيجاد شيء آخر يرتبط به») فيما ~~قد يعتبر نوعا من العقدة الأوديبية. ويبدو الزعم بأن تتبع تسلسل ترابط الأفكار من الأم ~~للابن أكثر صعوبة في هذه الحالة من العكس طريقة مموهة للشكوى من أنها لم تعد تحبه ~~كما يحبها، فتغير مجال الحديث من الأوديبية إلى الإبستمولوجيا. # يرى ألتوسير أن دائرة الأيديولوجيا الخيالية لا يمكن اعتبارها عقلانيا صحيحة أو ~~خطأ، فهي مجال لا ينطبق عليه مثل هذه الأحكام؛ حيث إن الأيديولوجيا لا تتعلق في الأساس ~~بالقضايا الصحيحة والخاطئة، # 46 # فالطريقة التي «يعيش» بها الإنسان شعوره بالحقد والتمرد والخضوع وغير ذلك ~~لا تتعلق بالدقة الإدراكية، فهناك فجوة عند ألتوسير بين النظرية (نطاق الحقيقة) ~~والأيديولوجيا (نطاق التجربة)، والقلة المحظوظة المطلعة على المعرفة العلمية في المجتمع ~~- بما أنهم لا يزالون مواطنين عاديين في الوقت ذاته - يعيشون في عالمين منقسمين ~~ومختلفين، هما النظام الرمزي والنظام الخيالي. وبنفس الشكل يوجد عند هيوم فاصل ~~إبستمولوجي أو «تعارض كامل» بين العقل والعاطفة؛ فالعواطف «لا يمكن أبدا أن تخضع ~~للعقل» و«من المستحيل أن يقال إنها صحيحة أو خاطئة» (510). ولا معنى عند هيوم لوصف ~~العواطف بالعقلانية أو اللاعقلانية، بعكس توما الأكويني أو سبينوزا؛ إذ لا معنى من أن ~~نسأل ما إذا كان لنا أن نشعر بما نشعر به؛ فالعاطفة عند هيوم «وجودها أولي»، كما عند ~~نيتشه. (فيفترض نيتشه في كتابه «ما وراء الخير والشر» أنه «لا شيء «مسلم» بأنه حقيقي ~~غير عالم العواطف والدوافع الخاصة بنا ...») فالعواطف، كما يرى هيوم، لا تتجاوز العقل ~~فحسب بل تأبى أيضا أن تتقيد بفرد واحد. ويعلق هيوم: «إن العواطف شديدة العدوى لدرجة ~~أنها تسري بكل سهولة من شخص لآخر، وتسبب حركات متماثلة داخل الناس جميعا» (655). إذ ~~يوجد شيء سحري في هذه العدوى العاطفية، كما لو كان شعورك بالخوف أو الغيرة سيصيب أحشائي ~~أنا بالعدوى، ويسري كنوع من الفيروس العاطفي من جسدك إلى جسدي، والطفل الصغير يسهل عليه ~~الخيال بنفس القدر. # إن التعاطف عند ms054 هيوم لا يقتصر على كونه المصدر الرئيسي للفضيلة، بل هو مبدأ من نوع ما ~~يحرك بصورة مغناطيسية كيان الحيوان بكامله، وهو قوة شبه مادية أو وسط متقلب ل «نقل ~~العواطف بسهولة من كائن مفكر إلى آخر» (412). فهو لوحة التحكم الكبرى في نفوس البشر، ~~وهو يكمن في قلب كل عاطفة يمكن أن نشعر بها، وهو أيضا ما يجعل للحياة قيمة: «فلتجتمع ~~كل قوى الطبيعة وعناصرها على خدمة إنسان واحد وطاعته؛ لتشرق الشمس ولتغرب بأمره، ~~لتمج البحار وتجر الأنهار بمشيئته، ولتنبسط الأرض تلقائيا بما قد يفيده أو ~~يسره. إن هذا الإنسان سيظل بائسا، إلى أن تعطيه إنسانا آخر ليشاركه سعادته ويستمتع ~~بتقديره وصحبته» (412). وفي هذا الاستغراق الخيالي، يسخر العالم لنا تلقائيا، ~~فيصبح بأعجوبة رهن أمرنا كما تتبع صورة المرآة حركات الطفل، إلا أن هذه الذات الأخرى هي ~~التي يجب أن يتم معها هذا الاتحاد في النهاية. # يعلق هيوم: «إن عقول الناس مرايا لبعضها بعضا» (414). وفي حركة جدلية، يضيف: «يبعث ~~السرور الذي يحصله الغني من ممتلكاته بانتقاله إلى الرائي على الشعور بسرور وتقدير، ~~وهي مشاعر تؤدي بدورها في ظل إدراكها والتعاطف معها إلى زيادة سرور المالك، ويصير ~~الأخير - إذ ينعكس مرة أخرى - أساسا جديدا للسرور والتقدير في نفس الرائي.» فالنظام ~~الخيالي، بانعكاسه من مرآة على مرآة أخرى، هو مجتمع يقوم على الإعجاب المتبادل الذي ~~يولد فيه كل انعكاس - في نوع من التغوير - انعكاسا آخر الذي يولد بدوره ثالثا ~~وهكذا. وتمثل حلقة العواطف الدائرة هذه الزمن الدائري للنظام الخيالي بدلا من التطور ~~الخطي للنظام الرمزي. إنه نوع من التبادلية العميقة التي نجدها في البعد الخيالي لعلاقة ~~ووردزوورث بالطبيعة؛ حيث - وفي استجابة قد تكون لا متناهية - يتعاظم حب الشاعر للأشياء ~~الطبيعية من حوله نتيجة الأحاسيس التي أودعها إياها في الماضي، وهذه الأحاسيس بدورها ~~تحولت من خلال المنظور البعيد للحاضر. # يكتب هيوم: «إن الأفكار لا تقبل أبدا الاتحاد الكلي؛ لكنها تكتسب نوعا من الحصانة ~~التي في ضوئها يقصي بعضها بعضا ... في المقابل، تسمح الانطباعات والعواطف بالاتحاد ms055 ~~الشامل، وقد تمتزج تماما كما الألوان، لدرجة أن كلا منها قد يفقد كنهه، ولا يتعدى ~~دورها سوى التنويع في ذلك الانطباع الموحد، الذي ينتج من المزيج الكلي» (414-415). ويضيف إن «بعض أغرب ظواهر العقل البشري» تنبع من هذه الحالة؛ ففي النظام الخيالي السابق ~~على التفكير، لا تحظى «الأفكار» بنفس أهمية الأحاسيس الملموسة المباشرة؛ لدرجة أنه من ~~الممكن وجود التحام مشترك للعناصر لا يعهده النظام الرمزي الذي يشمل التفكير أو اللغة، ~~والذي يقوم على التأمل والتمييز والفصل؛ فحتى السببية عند هيوم توجد شكلا من أشكال ~~النظام الخيالي، يغرينا فيها الخيال بإرساء تداخل أو رابطة داخلية بين السبب والنتيجة، ~~وهي روابط يعرف العقل نفسه أنها بلا أساس. وينطبق هذا بدرجة كبيرة على الملكية الخاصة، ~~وهي عين المركز الذي يدور في فلكه النظام الرمزي، فهنا أيضا تقنعنا العادة والخيال ~~بإدراك وجود رابطة واجبة بين الشيء المملوك والمالك التي ليس لها - هي الأخرى - أي أساس ~~عقلاني. لكن كما هو الحال عند سبينوزا وألتوسير، يوجد فاصل إبستمولوجي بين «العيش» في ~~العالم وحقيقته كما تعرفها الفلسفة؛ لذا يدرك هيوم أنه من منظور العقل، فإن الكثير من ~~افتراضاتنا المنطقية ببساطة بلا أساس. وهي حقيقة يرى أنها مقلقة بشدة؛ بالنظر إلى إيمان ~~أقرانه بأن الفلسفة ينبغي أن تتسق مع النظم الشائعة بدلا من أن تهدمها، فالاستقصاء ~~الأخلاقي ينبغي أن يكون مسعى ذوي العقول المتحضرة، لا العرافين كثيفي الشعر الذين ~~يعوون في البرية. # لقد رأينا كيف أن النظام الخيالي عند لاكان لا ينتهي بانتهاء طفولتنا. ويرى هيوم أنه ~~يستمر في حياة الراشدين بمعنى أنه «لا يوجد شيء في نظر الحواس، ولا صورة في الخيال، إلا ~~ويصاحبه عاطفة ما أو حركة روحية ما تتناسب معه» (421). فالحال في عالم النظام الخيالي ~~السابق على التفكير كما لو أننا ندرك الأشياء بصورة مباشرة من خلال أحاسيسنا، كما لو ~~صار جسدنا ومشاعرنا وسيلة اتصال دقيقة، دون التدخل المتخبط للغة أو التفكير. ويزعم هيوم ~~أنه من دون تلك العواطف والانطباعات «فكل شيء في الطبيعة محايد ms056 تماما في نظرنا» (547-548). وهو حياد يشكل، كما سنرى لاحقا، أحد جوانب النظام الرمزي، إلا أن العادة تجعلنا ~~ننسى أن فكرنا يصطبغ بالعواطف ويسير على وقع المشاعر، مثلما يتناسى العقل عند هايدجر ~~الحالة النفسية التي تتخلله دائما. ويتبدد أثر النظام الخيالي هذا من الصورة عندما ~~تطفو العقلانية على السطح، فتجرد فكرنا ليصير ملكة محايدة ظاهرا. لكن هذه العواطف ~~والأحاسيس عند هيوم تبقى مع ذلك باعتبارها تيارا فينومينولوجيا يجري من تحت كل ~~أفكارنا العاطفية. # ليس من الصعب تصور الطفل أمام المرآة المنخدع في صورته باعتبارها شيئا ينتمي لعالم ~~مستقل عن نفسه، غير مدرك أنه ليس إلا إسقاطا لجسده هو. ذلك، كما يرى هيوم، هو النهج ~~الذي يتبناه أكثر الناس غير المفكرين تجاه قضية الأخلاق؛ إذ يؤمنون بأن القيم الأخلاقية ~~جزء من محتويات العالم المادي، فهم لا يدركون أن تلك القيم في حقيقتها خيالية، بمعنى ~~أنها من صنع الذات؛ فالخير والشر الأخلاقيان «ينتميان فقط لعمل العقل» (516)؛ فهما ~~يرتبطان - كالطفل وصورته - بالعلاقة بين الذات والشيء، وليس (حسبما يظن الواقعيون أو ~~العقلانيون) بالعلاقة بين الأشياء في ذاتها. ففي النظام الرمزي وحده تعتبر الأشياء ~~كيانات محددة ترتبط معا في علاقات بينية موضوعية، في ظل إزاحة الذات المكونة «من ~~المركز» أو إبعادها عن المشهد. ويصر هيوم على أن المصطلحات الأخلاقية لا تنطبق على ~~«الأشياء الخارجية إذا كانت في مقابل أشياء خارجية أخرى ... فالأخلاق لا تكمن في أي ~~علاقات تخضع للعلم» (516، 520). فالقتل من منظور هذه الرؤية الانفعالية للأخلاق ليس ~~شرا في ذاته، بل بسبب الشعور بالإنكار الذي يثيره بداخلنا: «فهو شيء شعوري، ولا ينتمي ~~للعقل» والقيمة الأخلاقية «تكمن في نفسك لا في الشيء» (520)؛ «فالأخلاق إذن ينبغي أن ~~تكون إحساسا لا حكما» (522). والحس الأخلاقي عند فرانسيس هتشسون - على فطريته الغريبة ~~- هو على الأقل استجابة للصفات الملازمة للأفعال؛ لكن هيوم يأخذ هذه النقطة إلى مرحلة ~~أبعد؛ إذ يزعم أن «امتلاك حس الفضيلة لا يتعدى «الإحساس» بالرضا من نوع معين نتيجة تأمل ~~شخصية ما» (523)، وهو زعم ما كان هتشسون ليتفق ms057 معه. وكما يصوغ شافتسبري المسألة: «إن لم ~~يوجد صلاح أو فساد «حقيقي» في الأفعال الأخلاقية، فهما على الأقل موجودان في «الخيال» ~~بصورة قوية.» # 47 # يقول هيوم إننا نشعر بالتعاطف الإنساني عند «تأمل شخصية ما» تستحقه؛ لكن بأي درجة من ~~الحرفية يمكننا أن نفسر هذه العبارة؟ إذ هل يجب أن يكون الذين نتعاطف معهم حاضرين ~~ماديا أمام أعيننا؟ إن هذا سؤال أهم مما يبدو؛ حيث إنه يطرح قضية ما إذا كان يمكن ~~للأخلاق الخيالية أن تكون شاملة. لقد رأى فرانسيس هتشسون أن من الطبيعي أن نحب من هم ~~أقرب إلينا بصورة أعمق من البعيدين عنا؛ لكنه كان حريصا - كما رأينا - على تشجيع ~~التقارب مع الثقافات الغريبة عنا، بل كتب على نحو غريب عن مد جسور الخير إلى الكائنات ~~العاقلة على الكواكب الأخرى، إن وجدوا. ويعلق بنبرة لينة كنبرة سفير بالأمم المتحدة: ~~«لن تنفك تمنياتنا الحسنة تصل إليهم، وسنسر لسعادتهم.» # 48 # قد يكون هتشسون من منظور معين فيلسوفا للنظام خياليا؛ لكن لم تكن نظرته ~~ضيقة الأفق، فعلى عكس مواطنه إدموند بيرك لم يكن رومانسيا متبنيا للمذهب الخصوصي ~~بل تنويريا متبنيا للمذهب العمومي، اهتمامه ينصب على رفاهة البشرية كلها. لقد كان هو ~~في واقع الأمر من ابتكر الشعار النفعي «أكبر سعادة ممكنة لأكبر عدد ممكن.» # 49 # وبمزج هذه النظرة العمومية بنظرية عاطفية، يمثل فكره نقطة التقاء مثمرة ~~بين الحركتين التنويرية والرومانسية. لقد أقر هتشسون بأن الروابط البعيدة أضعف من ~~الروابط الحميمة؛ فقوة الخير - كما الجاذبية - تتبدد ببعد المسافات «وتبلغ أقصى قوتها ~~عندما تتقارب الأجساد.» # 50 # ومع ذلك فقد آمن بإمكان وجود «درجات أضعف من الحب» وبأن الخير «يمتد إلى ما ~~وراء الجيران أو المعارف.» # 51 # يشير هتشسون - في خطوة لم تكن غريبة على ليبرالي أيرلندي في القرن الثامن عشر - إلى ~~حب الوطن باعتباره مثالا لهذه العاطفة الممتدة، فالأمة ليست - بتعبير بينيدكت أندرسون ~~الشهير - مجتمعا تخيليا فقط، بل خياليا كذلك يرى فيه كل مواطن مخلص - كما في فضاء ~~ما مغلق لا يخضع للزمن - نفسه ms058 منعكسا في تناغم في نظرة رفاقه المواطنين، بينما يتمتع ~~كل منهم في الوقت ذاته باعتراف ذلك الرمز السامي الموقر؛ الأمة ذاتها. وهذا بصورة كبيرة ~~هو الحلم السياسي لجان جاك روسو؛ أن تشكل الأمة المجال الخيالي الذي يسلم فيه كل مواطن ~~نفسه - بخضوعه للقوانين التي وضعها بحرية مع زملائه من المواطنين - لإرادتهم الجماعية، ~~ليس إلا ليحصل على فرديته من جديد، يعززها ألف مرة تناغمها مع فرديتهم، فكل مواطن يتأمل ~~صورته الخاصة في ظل نفس السلطة التي تنقل إليه صورة المواطنين الآخرين. يتحدث الجمهوري ~~الأيرلندي توماس كيتل عن القومية باعتبارها ارتقاء المشاعر الفردية لمستوى المبدأ ~~السياسي، ويطرح هذا الشكل الجديد باعتباره مؤشرا على إعادة التأهيل العامة تلك للمشاعر. # 52 # ولا تعرف سردية الأمة - كما الزمن في النظام الخيالي - بداية ولا نهاية. ~~كما أن المبدأ الروحي للأمة - بداية من القرن الثامن عشر وما تلاه - انصهر مع المفهوم ~~السياسي للدولة، ليعلن مولد بنية جديدة تماما من النظامين الخيالي والرمزي؛ إذ لا ~~تعترف الأمة باعتبارها مجتمعا خياليا بأي اختلافات أو فروق داخلية؛ حيث يجد كل عضو ~~نفسه منعكسا في جميع من سواه؛ لكن لكي تظهر بذاتها على الساحة الدولية، فإن كيانها ~~الأفلاطوني يجب أن يتنازل ليتجسد في التاريخ المادي فيطرح نفسه في البنى الرمزية ~~للقانون والأيديولوجيات الأخلاقية والمؤسسات السياسية وما شابه. إن كانت الدولة الأمة ~~ابتكارا ناجحا جدا من صنع الحداثة؛ فذلك لأسباب ليس أقلها أنها تخضع أكثر العواطف ~~«خيالية»، التي يكون الرجال والنساء باسمها مستعدين للتضحية بحياتهم، للنظام الرمزي ~~الموضوعي للقانون والتجارة والعدالة والمواطنة. # مع ذلك فإن النظام الأخلاقي المبني على الأرضية المشتركة بين الذوات والانتقال السريع ~~لعدوى المشاعر يعاني بوضوح من مشكلة مع تناقص العلاقات المباشرة؛ إذ يعلق هتشسون بأن ~~الطبيعة فرضت علينا أن نحب الأقرب إلينا، وهذا في نظره نوع من التدبير الإلهي العاطفي، ~~فهو يمنعنا من تبديد عواطفنا على جموع بعيدة لا نعرف مصالحها الحقيقية حتما والتي هي ~~أبعد عنا من أن نساعدها. لكن يظل هناك «فرض عام للإحسان على البشرية، ms059 حتى تجاه الأجزاء ~~الأبعد منها.» # 53 # كما أنه من الممكن، كما يرى، صياغة قواعد ومبادئ قد تساعد على الخير العام، ~~وهي مهمة كانت جزءا من تراثه الذي تركه لأتباع بنثام؛ فالذين يبنون الأخلاق بنسبة ~~كبيرة على المشاعر من أمثال هتشسون كانوا يحذرون من التحول الزائد إلى النظام الرمزي ~~الذي تشكل فيه الأخلاق مسألة قوانين عامة والتزامات محضة؛ إذ إن مجرد ذكر تلك الواجبات ~~المجردة إساءة لدوافع القلب العفوية. لكن إن أردنا التعميم بحق، فمن الصعب تصور كيف ~~يمكن تجنب الحديث عن مثل هذه القواعد؛ وبذلك نتعدى على نطاق الفلسفة الكانطية أو ~~البنثامية، فلا تكفي المشاعر لتشكيل مجتمع عام مكون من أفراد ملتزمين أخلاقيا. وما ~~بين شافتسبري وبنثام، يريد هتشسون التمسك بفكرة الطبيعة الخيرة الفطرية مع الإقرار في ~~الوقت ذاته بأن الأخلاق العامة التي يوصي بها يجب أن تحكمها القواعد. # أما ديفيد هيوم فهو أقل اقتناعا بكثير من هتشسون بحقيقة الخير العام. صحيح أنه تحدث ~~في عمله «بحث في مبادئ الأخلاق» عن «حس أو شعور داخلي (بالخير والشر) عممته الطبيعة في ~~النوع البشري كله.» وتحدث عن الخير باعتباره وسيلة لتحقيق مصالح الإنسانية ككل. # 54 # لكن إن كانت مؤسسات العدالة لازمة؛ فهذا لأن الناس ليسوا «متشربين بالصداقة ~~والكرم؛ بحيث يحنو كل إنسان على سائر الناس ولا يهتم بمصالحه أكثر مما يهتم بمصالح أقرانه.» # 55 # تبدو رؤية هيوم للعدالة شبيهة جدا برؤية ماركس؛ فهي فضيلة واجبة في حالات ~~الوفرة المحدودة التي علينا فيها أن نختلف حول ما يملكه كل فرد؛ لكنها لا تنطبق على ~~حالات العوز الشديدة؛ حيث يمد الرجال والنساء أيديهم لما يطالون. ويرى ماركس أن ~~العدالة لا تنطبق كذلك على مجتمع ينعم بالوفرة المادية المفرطة التي لا داعي فيها ~~للعدالة بسبب عدم الحاجة لتوزيع محكوم للسلع. وغني عن القول أن هيوم يظل عن وعي غير ~~خاضع لإغراء هذه المثالية. # في عمله «رسالة في الطبيعة الإنسانية»، يستبعد هيوم بالتحديد فكرة الحب العام؛ إذ ~~يكتب على طريقة سويفت: «عامة قد يتأكد انعدام وجود ms060 عاطفة في أذهان البشر كحب البشرية، ~~هكذا بذاتها دون سمات شخصية أو خدمات تحصل عليها أو علاقات ترتبط بأفرادها» (231). إن ~~حدود الكرم الإنساني - ما يسميه «الخير المقيد» - هو ما يسعى هيوم لإلقاء الضوء عليه ~~هنا، فهذه العاطفة في رأيه نادرا ما تمتد إلى ما وراء أسرة الفرد وأصدقائه، «فنحن نحب ~~أبناء بلدنا وجيراننا والمشتغلين بنفس المهنة أو الحرفة وحتى من يشاركوننا الاسم» ~~(401)، ولا يسعنا إلا أن نفضل صحبة حتى أقل أصدقائنا توافقا معنا على صحبة الغرباء، ~~فهي أخلاق المقهى. اتفق فرويد قلبا وقالبا مع هذه العاطفة الحصيفة؛ إذ لم يوجد في ~~نظره هذا القدر من الرغبة الذي يستحق الإشباع، فسعي الإنسان من أجل حب الجميع - كما ~~يقول في «قلق في الحضارة» - نوع من الظلم؛ حيث إنه يبدد على من لا يستحق عاطفة ينبغي أن ~~يدخرها «لمعارفه». ويتابع قائلا إن الغرباء أولى بكراهيتنا وعداوتنا من عطفنا. ~~فالجار عند فرويد عدو في السر، وهذا صحيح على نحو آخر في المسيحية أيضا. وهذه هي ~~السابقة التي يشبه فيها حب شخص لجاره حبه لعدوه، فكل إنسان يمكنه أن يحب صديقا، فيمكن ~~لأي شخص أن يحب صديقا له. وإن كان الجار مصدر أذى للإنسان - كما أدرك فرويد - فذلك ~~يرجع جزئيا (كما لم يتفهم فرويد تماما) إلى أن بعض الأنشطة الإنسانية تكون أكثر ~~بغضا وتطلبا وجحودا وفتكا من الحب. يروج كتاب «قلق في الحضارة» لصراع مباشر بين ~~الجنس والمجتمع؛ فالعدد المثالي للأول هو اثنان، بما أن وجود ثالث - كما يقول فرويد ~~الرافض بتشدد لممارسة الجنس بين ثلاثة أشخاص - إما مخل أو زائد عن الحاجة، أما ~~المجتمع ككل فيتضمن وجودنا مع عدد كبير من الأفراد، وبذلك يخاطر بتوزيع عواطفنا ~~وإفقادها قوتها؛ إذ يخلط فرويد بطابع حديث متميز بين الحب بمعنى «العشق» والحب بمعنى ~~«المحبة» أو الإحسان. # يرى هيوم أن مثل هذه العصبية العاطفية أصلها في طبيعتنا؛ فهناك حدود مشددة الحراسة ~~تفصل بين الأصدقاء والغرباء، حدود ترتبط بدرجة ما مع الفروق الطبقية (بما أن الأصدقاء ~~في الغالب مهذبون ms061 بقدر الفرد نفسه) وكذلك الفروق بين النظامين الخيالي والرمزي. ~~فالمجتمع عند هيوم يتكون من دوائر متحدة المركز متمددة باطراد لما يسميه هتشسون «الحب ~~الضعيف»، وتقل كثافة العاطفة كلما ابتعدنا عن ذوي أرحامنا: «فالفرد بطبيعته يحب أولاده ~~أكثر من أولاد إخوته، وأولاد إخوته أكثر من أبناء عمومته، وأبناء عمومته أكثر من ~~الغرباء ...» (535). ويزعم هيوم - كما لو كان يتتبع صعودا متدرجا بدقة من طبقات الجو ~~السفلى إلى طبقات الجو العليا - أن عواطفنا تجاه من هم أقرب إلينا «أكثر خفوتا» من ~~حبنا لذاتنا، بينما تعاطفاتنا مع البعيدين عنا «أكثر خفوتا» بدورها. ويبدو أنه لم يخطر ~~بباله أن الرجل قد يحب زعيما سياسيا لم يقابله وجها لوجه قط حبا أعنف من حبه ~~لزوجته. # هناك سبل لتعويض انحياز تعاطفنا الضيق؛ إذ يمكننا إجراء تعديلات أخلاقية - إن جاز ~~التعبير - لعدم مبالاتنا بالغرباء، مثلما يمكننا أن ندرك إذا تفكرنا أن الأشياء البعيدة ~~ليست صغيرة كما تبدو. كما أننا «نقابل كل يوم أشخاصا في موقع مختلف عن موقعنا، ولا ~~يمكن أن يتناقشوا معنا بأي صورة معقولة إن بقينا في ذلك الموقع ووجهة النظر التي هي ~~خاصة بنا» (653). فبتعديل منظورنا بهذا الشكل فإننا نكون تقييمات لأقراننا أكثر ~~موضوعية منها إن بقينا مختبئين في محرابنا الاجتماعي الخاص. إلا أن المذهب التجريبي ~~الذي يرى أن الحقيقة - بوجه عام - هي ما يمكن إدراكه بالحواس من الأرجح أنه سيواجه ~~إشكالية مع العلاقات الاجتماعية المجهولة الهوية، ومن ثم مع السياسة؛ إذ يكتب سلافوي ~~جيجك إن «الشفقة هي عجز قوة التجرد»، # 56 # ويرى هيوم أن القانون والسياسة هما نتاج فشل الخيال. وبالنظر إلى أن مصالح ~~البعيدين عنا من الصعب وضعها في الاعتبار بوضوح، فمن الواجب إحالتها إلى الآليات ~~المجردة كمؤسسات العدالة. # يؤمن هيوم بكل تأكيد بأن كل البشر مرتبطون بعضهم ببعض بالتشابه؛ لذا فإن طبيعتنا ~~المشتركة تمثل معادلا لحب الذات؛ إذ يمكننا الشعور بالشفقة تجاه الغرباء «بمعنى الذين ~~لا نعنيهم» ولو بسماعهم وهم يذكرون مصائبهم أمامنا. إلا أنه يرى أن الرحمة «تعتمد في ~~جانب كبير ms062 منها على التماس مع الشيء والرؤية الواضحة له» (418). وهو أحد الأسباب التي ~~دفعته للانتقال في نفس الفقرة إلى موضوع التراجيديا؛ فالهدف من الفن التراجيدي هو تقديم ~~صور ملموسة للشخصيات التي تستحق الشفقة التي لا نعرفها، وهذا هو السبب في أن موت ~~كورديليا (في مسرحية «الملك لير») يمكن أن يؤثر فينا كموت صديق؛ فالتعاطف عند هيوم ~~يتوقف بنحو كبير على التصوير؛ فالغرباء الذين يمكننا أن نرتبط بهم هم الذين نسمع عنهم، ~~فالأخلاق والإبستمولوجيا متلازمان على الأقل في هذا الإطار، بحيث إنه من دون العقل الذي ~~يصنع الصورة فإن مشاعرنا المتعاطفة ستظل خاملة وهامدة. # يتحدث هيوم في موضع آخر في عمله «رسالة في الطبيعة الإنسانية» عن تقديم المساعدة لشخص ~~غريب تماما على وشك أن تدوسه الخيول بحوافرها؛ لكن النقطة تكمن في أن الغريب المذكور ~~حاضر ماديا، وهو أمر في نظر هيوم محفز للعواطف أقوى بكثير من تصور ضبابي للخير العام؛ ~~إذ يرى أنه يوجد فعلا مثل هذا التعاطف العام بمعنى أن كل شخص أيا يكن يمكنه من حيث ~~المبدأ أن يثير تعاطفنا؛ لكن مشاعرنا - كلعاب كلب الحراسة - لا تتدفق بحق إلا إن كان ~~الآخر ملموسا ممثلا موجودا في المحيط إما عن طريق الخيال أو الواقع. يكتب هيوم: «ما ~~من إنسان، ولا أي كائن عاقل، لا تؤثر سعادته أو شقاؤه - بقدر ما - علينا عندما يقترب ~~منا» (533). لكن العبارة الأخيرة هي ما يميز الحالة التي ذكرها عن حب البشرية عامة، ~~وهي عقيدة (رغم النزعة الشاملة لاهتماماته الثقافية) يتبرأ منها في هذا الموضع ~~بالتحديد. # يتحدث هيوم في موضع آخر في عمله «رسالة في الطبيعة الإنسانية» بنفس الصورة عن الشعور ~~بالتعاطف تجاه «أي شخص حاضر أمامنا» (432)؛ بينما يقول في عمله «بحث في مبادئ الأخلاق» ~~إننا «على استعداد أكبر بالتأكيد للخوض في بحر العواطف التي تماثل تلك التي نشعر بها كل ~~يوم؛ لكن لا يمكن ألا نبالي بعاطفة إن كانت متمثلة لنا بوضوح ...» # 57 # مرة أخرى يأتي التأكيد على العرض الحي، كما في المسرح؛ إذ يجب على ms063 الآخرين ~~أن يستحوذوا على تخيلاتنا إن أرادوا استثارة تعاطفنا، والخيال بالمعنى قبل الرومانسي ~~الذي استخدمه هيوم أكثر تأثرا على نحو كبير بالقريب من البعيد. تتسم مثل هذه الأخلاق ~~التجريبية بالخصوصية الأخلاقية، التي تعكس ضيق الأفق العاطفي لعضو في حزب المحافظين، ~~فكأن هناك أخلاقا محددة تشكل امتدادا لإبستمولوجيا محددة، قد يصل الخجل من التجريد ~~المفاهيمي والإصرار على ما يمكن قياسه ماديا إلى اقتناعنا بأن الغرباء ليسوا جيرانا ~~في الحقيقة؛ إذ يؤمن هيوم بأن الأشياء التي تمسنا في الزمان والمكان لها «قوة وحيوية ~~خاصة» تفوق أي تأثير آخر (474). فمن الغريب إذن أن بريطانيا في القرن الثامن عشر يبدو ~~أنه قد شغفها الاهتمام بإمبراطوريتها؛ أي أن تشغل مجموعة من الأمم البعيدة عواطفها ~~الخيالية بالقوة التي كانت عليها. # لقد كان التحول إلى الرومانسية محاولة - من بين أشياء أخرى - لتصحيح قصور الرؤية ~~الأخلاقية هذا. وبينما كان الخيال بمنظور القرن الثامن عشر هو الملكة التي تولد صورا ~~مرئية لما يظهر أمام أعيننا، تمثلت مهمة الخيال الرومانسي بصورة كبيرة في استحضار ما هو ~~غائب عنا مؤقتا أو مكانيا؛ ومن ثم تكوين شبكة من العواطف العامة حية وباقية ~~بقدر العواطف المحلية. وبمجرد تحول الخيال إلى ملكة عامة، كما في الرومانسية، يفقد منطق ~~التجريبي الكثير من قبوله. # إن هناك أسسا مميزة لما أسميته - بشيء من المفارقة - الأخلاق الخيالية. (وهي مفارقة ~~في التسمية لأن النظام الخيالي اللاكاني في الحقيقة سابق على الأخلاق.) فهذه الأخلاق من ~~عدة أوجه نسخة علمانية من التناغم والانسجام والتوافق التي أرسيت جميعا مسبقا - إن ~~جاز التعبير - في الفردوس، أو في عوالم فلاسفة العصور الوسطى أو في الكون المتناغم عند ~~الأفلاطونيين الجدد. وبحلول زمن هتشسون فقدت هذه الرؤى العظيمة اعتبارها على نحو ~~كبير؛ لكن نتيجة لوجود طوفان من الفردية الهادمة الآن ظهرت حركة لإعادة إنتاج هذه الرؤى ~~في شكل دنيوي ملائم؛ إذ يجب إعادة الروابط الإنسانية إلى عالم محروم منها تقريبا. وفي ~~ظل ثقافة العقود والالتزامات القانونية الجامدة، فإن إصرار أصحاب مذهب الخير على الحب ~~والرحمة والكرم ms064 يتسم بدفء عاطفي مقبول. ويسيء لهذه القضية - كما سيبين كانط لاحقا - أن ~~يكون البديل الوحيد للالتزام الأخلاقي هو التصرف الذي يخدم اللذة الأنانية الخاصة ~~للفرد. إن هذا يستحضر مجال اللذة كله من البيوريتانيين المتزمتين، ويعيده إلى مكانه ~~المركزي في الفكر الأخلاقي. لقد كانت علامة الإنسان الفاضل، كما يرى ديفيد هيوم، أن ~~يحصل السرور من الرحمة والإنسانية. ويقر فلاسفة مذهب الخير بطريقتهم الخاصة - في ~~كلمات برنارد ويليامز - بأن «الخط الفاصل بين الاهتمام بالذات والاهتمام بالغير لا يتفق ~~بأي نحو مع الخط الفاصل بين الرغبة والالتزام.» # 58 # يوجد شيء من الشرف والجمال في هذه الرؤية الخيالية التي قد تبدو بجانبها الأخلاق ~~الرمزية التي سنتناولها بعد قليل فقيرة وبغيضة. لقد أصاب الفلاسفة الأخلاقيون الذين ~~عرضنا لهم في رأيهم أن الأخلاق تتعلق بالإشباع الإنساني، وكذلك بشأن القيم المهمة ~~حقا، بصرف النظر عن مدى خطئهم بشأن التأصيل لها، فعلى عكس أرسطو الذي يبدو الإنسان ~~الفاضل في نظره أحيانا كقطب إعلامي متمتع بنجاح باهر، وبالتأكيد منافق متغطرس، فإن ~~الأخلاق لا ترى الرجال والنساء مكتفين بذواتهم، بل في حاجة مستمرة للحنان والدعم. وبخلاف ~~إرث مهم من الطوعية الأخلاقية، فهي تقر بالقيمة المناسبة للحظة الأخلاقية السلبية؛ ~~بمعنى التحرك والتقيد والحث والدفع التلقائي نحو الفعل. صحيح أنها ترى الأفراد غير ~~قادرين على تقرير مصيرهم، وتعتبرهم مفرطين في الحرص على المحاكاة والتكيف، يرزحون تحت ~~نير آراء أقرانهم. وهذا، من بين أشياء أخرى، انعكاس للسياق الاجتماعي لهؤلاء ~~المنظرين الذين تشاركوا باعتبارهم منتمين لطبقة اجتماعية واحدة إلى حد ما نفس الآراء ~~من دون التمعن فيها كثيرا. كما أنهم انشغلوا كثيرا بسمعتهم، وهو أحد الأسباب التي ~~تجعل نظرة الآخر شديدة الأهمية عندهم. # إن كان من المحتم أن تكسر دائرة النظام الخيالي في النهاية؛ فذلك لأن الرجال ~~والنساء لا يحققون استقلالهم - على هشاشته - إلا في النظام الرمزي، وإن حدث فالثمن ~~غال. مع ذلك، يكمن الجانب الإيجابي لهذا التجانس الاجتماعي في قابلية المشاركة ~~الاجتماعية الإنسانية لنظام أخلاقي خيالي، نظام يرفض نزع القيم الأخلاقية من قلب ms065 الحياة ~~اليومية. إن هذا الاحترام للحياة اليومية - الذي يظهر جليا في الأدب الواقعي كذلك - ~~هو ما يميز مجلات القرن الثامن عشر ذات التأثير الكبير مثل «تاتلر» و«سبكتيتور». # على الرغم من ذلك تبدو هذه الأخلاق منغلقة ومعزولة بصورة خطرة، فالحب والتعاطف ~~ينسحبان بطريقة مجردة على الإنسانية جمعاء؛ لكن الجار الحقيقي هو ابن العمومة أو الزميل ~~وليس شخصا مجهولا محبا للخير مثلا. وترى هذه الرؤية الأخلاقية القائمة على الجسد ~~أن الوجود الاجتماعي فيما يتجاوز الأصدقاء والأقارب ليس امتدادا لأجسادنا؛ ومن ثم ~~فهو عرضة لأن يختفي من أفقنا الأخلاقي، فدوائر التعاطف متحدة المركز تتراكم في سلسلة ~~ذات تدرج دقيق من البيت الدافئ إلى المجهولين القابعين في ظلمة الخارج. # صحيح أن قواعد السلوك وضعت باعتبارها وسيطا أو منطقة بينية تجمع الأصدقاء والغرباء؛ ~~أي وسيلة لتهذيب النفس تتسم باللطف من دون مودة والتهذيب من دون ألفة. لقد رأى برتولت ~~بريخت أن مثل هذه المنطقة البينية - بين ما هو مثير للعاطفة أو مألوف من ناحية وما هو ~~غريب مجهول من الناحية الأخرى - هي عرف أساسي في أي ثقافة اشتراكية، فكلمة «الرفيق» - ~~إن جاز التعبير - تتوسط بين كلمتي «عزيزتي» و«سيدتي». يكتب تيودور أدورنو في كتابه ~~«الأخلاق الصغرى» عن «الذوق» باعتباره هذا الوسيط في بدايات مجتمع الطبقة الوسطى، وهي ~~ملكة يخشى أنها قد ضمرت منذ أمد بعيد. ويكتب: «[البرجوازي] بما أنه حر ووحيد فهو ~~مسئول عن نفسه، بينما أشكال الاحترام والتقدير الهرمي التي شكلتها السلطة المطلقة - ~~والتي جردت من قاعدتها الاقتصادية وقوتها الخطيرة - لا تزال حاضرة بصورة كافية لتجعل ~~العيش المشترك في ظل وجود جماعات تتمتع بامتيازات ممكنا.» # 59 # لكن أي نظرية أخلاق خيالية تخشى أن الدخول في دائرة القوانين والواجبات ~~العامة معناه التخلي عن العواطف والمشاعر الخاصة، وتعني قراءة كتابات كانط الأخلاقية ~~الاتفاق مع ذلك. من الناحية الأخرى، يبدو تيار الفكر الأخلاقي هذا برمته في نظر ~~مناصري المبادئ الجليلة أو القوانين السائدة أو أهوال النظام الواقعي غامرا بالدفء ~~والألفة، وكذلك مفتون بشدة بتلك المفاهيم العاطفية كتحقيق السعادة. ms066 فالشفقة والتعاطف ما ~~هما إلا الوجه المستعطف الذي توليه الرأسمالية ذات الوجهين لضحاياها. والسعادة - التي ~~هي مهمة المسئول في الحكومة البريطانية اليوم - هي المخدر العجيب الذي يساعدهم على ~~الاستمرار في العمل. # مع ذلك قد يكون الاختيار بين الحب والقانون وهميا، فما يعجز العاطفيون الأخلاقيون ~~عامة عن استيعابه هو أن القانون الأخلاقي الوحيد الموثوق به هو قانون الحب؛ لكنه ليس ~~على الإطلاق نوع الحب الذي يمكن التعبير عنه في إطار الإحساس؛ فالحب الوحيد الذي يهم هو ~~الحب «القانوني» لا «العاطفي»؛ ففي رفضه القاسي اللاإنساني لتفضيل احتياجات إنسان على ~~آخر، هو أقرب لمرسوم من غريزة. فهذا النوع من الحب يتميز باللامبالاة المتحجرة تجاه ~~أشخاص معينين في النظام الرمزي، كما أن هذه اللامبالاة رهن خدمة انتباه «خيالي» ~~للاحتياجات الخصوصية الفريدة لأي شخص أيا يكن ، فهي ليست قضية خير عام، قضية «حب ~~للجميع» في موجة نقية من الحب السخي، وهو ما يشبه حب مفهوم اللون الأرجواني أو فكرة ~~الاقتراع الفردي القابل للتغيير. من الحكمة أن استبعد هيوم هذا التصور؛ إذ ينبغي ~~التعامل مع الحب العام باعتباره المفهوم الديمقراطي للشعب، فهو ظاهرة خرافية، من ~~الناحية الحرفية. إلا أنه يشير إلى أن أي فرد يمكن أن يكون فاعلا اجتماعيا يكافئ في ~~قدره من هم سواه. # من هذا المنطلق يتفق الحب الصادق مع منطق «ليس الكل» عند لاكان، فهي ليست قضية «يجب ~~علي أن أحب كل الناس» - وهي فرضية فارغة إن كانت فرضية من الأساس - بل «لا يوجد من ~~يجب علي ألا أحبه.» فالحب العام مسألة تخص السياسة الدولية لا النداءات الفضفاضة ~~للتضامن الكوني. وهذا فيما يخص الأفراد يعني حب الجميع بمعنى حب أي شخص يظهر في المحيط. ~~وبذلك يرفض التمييز بين الصديق والغريب، ليس لأنه جامد في مواجهة العواطف الشخصية، بل ~~لأنه لا يعتبر أن الحب يتعلق بمثل تلك الأشياء، فليس على المرء أن يشعر على الأقل بالحب ~~ليكون قادرا على الحب. # في إنجيلي مرقس ومتى، تعني كلمة «الجار» ببساطة الشخص الآخر سواء أكان صديقا أم ms067 ~~معرفة أم عدوا أم غريبا. وغني عن القول إن هذه ليست عقيدة قدمتها المسيحية لأول ~~مرة؛ فكل الناس عند الرواقيين القدماء مواطنون في العالم، وكل البشر جيران. ويرى لوقا - ~~المؤمن بعقيدة العهد القديم التي ترمز فيها كلمة «الجار» إلى اليهود الغامضين الأدنى ~~اجتماعيا الذين هم في حاجة ماسة للحماية - أن حب الجار يتجسد على وجه التحديد في ~~الاهتمام بالمحتاجين والمعدمين؛ فالجار هو أول من تقابله وهو في محنة. أما كتاب الحكمة ~~ورسلها، فكلمة «الجار» تعني قبل كل شيء الفقراء، وعمم يهود الشتات الكلمة لتشمل كل البشر. # 60 # لقد أصاب هيوم وهتشسون في أنه من الطبيعي أن نحب أطفالنا أكثر مما نحب مديرنا البنكي ~~مثلا؛ لكنهم ينظرون إلى الحب بمعناه الشخصي أو العاطفي، وهو ليس معناه الأساسي؛ إذ ظهر ~~قدر كبير من الإشكال في الفلسفة الغربية من الخلط بين الحب بمعناه العاطفي أو الغريزي ~~بالمحبة أو الإحسان العام. وقد رأينا أن فرويد وقع في بعض الأحيان في هذا الخطأ. ويرجع ~~هذا الخلط جزئيا إلى الذبول التدريجي لما هو سياسي، وهو بدوره ما يجعل فكرة الحب ~~السياسي تبدو مناقضة لذاتها على نحو شديد. لكن عند الاختيار ما بين ذبح ولدي وإطلاق ~~النار على مديري البنكي؛ فالأخلاق الرمزية وحدها دون الخيالية هي ما يفيد، فالحب ~~بمعنى شعوري تجاه ولدي لا يصلح معيارا لتحديد أي الفعلين أخلاقي. في الواقع ليس أي من ~~الفعلين أخلاقيا؛ حيث إن حياة مدير البنك لها حق علي بقدر حياة ولدي. ولا يؤثر كرهي ~~لمدير البنك - وأنني ربما حاولت خنقه بنفسي مرة أو مرتين من قبل - في هذه الحقيقة ~~الأولية؛ إذ يجب علي أن أعامل مدير البنك كما أعامل نفسي، وهو ما لا يعني أن يتورد ~~وجهي حمرة لرؤيته في الطريق، أو أن أضمر له نفس الدفء الحاني الذي أضمره لابنتي، أو ألا ~~أتردد في سرقة بنكه تحت ضغط ظروف مادية معينة، أو ألا يسرني أن أراه بائعا جائلا ~~عندما تتحول البنوك إلى ملكية عامة. يذكرنا كوامي أنتوني أبياه بأن ms068 «القول إن علينا ~~التزامات تجاه الغرباء لا يعني القول أنهم يستحوذون على عواطفنا بقدر من هم أقرب ~~إلينا وأعز علينا.» # 61 # فهي ليست قضية معاملة الغرباء كالجيران بل معاملة النفس كالغريب؛ أي ~~الإدراك في صميم القلب بحاجة ماسة تتسم بالغموض في نهاية المطاف وهي الأساس الحقيقي - ~~فيما وراء المرآة - الذي يمكن أن يبني البشر عليه لعلاقتهم. هذا هو ما يسميه هيجل ~~الروح، ويعرفه التحليل النفسي بالنظام الواقعي، وتطلق عليه العقيدة المسيحية اليهودية ~~حب الرب. وعلى الطيبة المثيرة للإعجاب في الأخلاق الخيالية؛ فالرعب والروعة هما ما يكمن ~~فيما وراء إدراكها المحدود. # من بين علامات المحدودية هذه عجز أمثال ديفيد هيوم عن رؤية فضائل الزهد باعتبارها أي ~~فضائل بخلاف التنسك وإنكار الحياة، في فهم خاطئ للمسيحية يستمر إلى اليوم. فهيوم الذي ~~ألف كتاب «بحث في مبادئ الأخلاق» يرفض التبتل وإنكار الذات والتوبة والتنسك ~~باعتبارها ضلالات كابحة للنفس؛ إذ يرى أن مثل هذه الممارسات المؤدبة للنفس تعيق الفهم ~~وتقسي القلب وتعكر صفو المزاج. ومن هذا المنطلق فإن البرجوازيين في القرن الثامن عشر ~~يستوون مع الليبراليين المشجعين على الحياة في يومنا هذا. من المؤكد أنه لا سبب يدفع ~~مناصرا للتنوير في القرن الثامن عشر لئلا يعتبر هذه القيم همجية. لم يكن هيوم مقاتل ~~حرب عصابات في العصر الحديث قد يقدر الحاجة لعدم التقيد بالروابط العائلية وعدم حيازة ~~أي أملاك والاعتياد على مواجهة المصاعب الشخصية في سبيل مصلحة الآخرين. كما لم يكن ~~ناسكا يشهد على القيمة الكبيرة للجنس وحياة الوفرة المادية من خلال الهجر المؤقت لهذه ~~الملذات في سبيل إيجاد مساحة مستقبلية للحق والعدل. فهناك فقط - كما يعتقد المتبتل ~~المتدين - سيتوفر هذا الترف للجميع. فهذا التبتل يتضمن تضحية، وهو ما يعني أنه يعتبر ~~الجنس ورغد العيش من القيم التي يعتز بها. # لا ينتظر من برجوازي أنيس المعشر كديفيد هيوم أن يدافع عن عمل تضحية غير أنانية؛ ~~تضحية تتضمن القيم المؤلمة المميتة الأكثر قسوة لكنها تتم باسم إرساء حياة أكثر وفرة في ~~كل مكان. فهو ممثل ms069 للنظام الخيالي وليس مناصرا للنظام الحقيقي؛ إذ لا يري أننا يجب ~~علينا أحيانا أن نفعل ما ينبغي لنتمكن من فعل ما نريد، فكل هذا يبدو له كئيبا ~~ومازوخيا كما تبدو الحكمة الليبرالية التقليدية في يومنا هذا. صحيح أن الحياة السعيدة ~~تتمحور حول الفضل واليسر والرفاهية، كما فهم مفكرو عصر التنوير هؤلاء على طريقتهم بنفس ~~الوضوح الذي فهمها به أرسطو أو توما الأكويني. لكن ما لم يروه من موقعهم التاريخي ~~ذي الأفضلية هو أن تحقيق هذا الوضع يتطلب من وقت لآخر قيم التضحية والانضباط الكئيبة ~~الثورية. وتلك حقيقة مؤسفة وإن كان لا مفر منها. لم يكن هذا ليكون بجديد على جون ~~ميلتون؛ لكن الثورة، التي أتت بمن رأوا ديفيد هيوم متحدثا رائعا عنهم، قد انحسرت ~~موجتها الآن عبر أفق التاريخ بما يكفي لينسى أن القيم الزاهدة - وإن كانت كريهة حقا ~~وبعيدة عن زخرف الحياة السعيدة - فهي ضرورية للأسف. إنها ضرورية لنيل الفضيلة والعدل ~~عمليا، وكذلك باعتبارها (كما في حالة المتبتل المتدين) شاهدا على الإمكانية الثابتة ~~لتحققهما من خلال الرفض العام لرفاهيات الحاضر. ووحدهم الذين يستمدون راحتهم من ~~التضحيات المفروضة على الآخرين هم القادرون على تجاهل هذه الحقيقة. # | هوامش # الفصل الثالث # | إدموند بيرك وآدم سميث # ماذا لو لم يكن الشعور الداخلي والمبدأ العام هما الخياران الوحيدان في المسألة ~~الأخلاقية؟ ماذا لو كان هناك قواعد سياسية تحكم التعاطف؟ لقد رفع إدموند بيرك - أحد ~~أبلغ المتحدثين عن القيمة الثمينة للإخلاص الداخلي - القبعة احتراما للمبادئ العامة؛ ~~لكنه نادرا ما تحمس لها؛ فالسياسة في نظره يمكن أن تسير بالتعاطف الخيالي بقدر التعاطف ~~الشخصي؛ ففي واقع الأمر، لولا أن حدث ذلك وبشيء من السرعة، فمن الأرجح أننا كنا سنشهد ~~نكبات أخرى تضاهي خسارة أمريكا والعصيان المسلح في أيرلندا وإرهاب اليعاقبة في باريس ~~ونهب شركة الهند الشرقية. ولتفادي هذه الكوارث، يجب - كما يرى بيرك - أن يوجد «مجتمع له ~~مصالح مشتركة، وتعاطف من ناحية المشاعر والرغبات فيما بين من يسيرون الأمور باسم ~~الشعب، أيا كان وصفه من ناحية، وبين ms070 الشعب نفسه من الناحية الأخرى.» # 1 # فالسلطة في نظر بيرك يجب أن يكون أصلها الحب، وهي فكرة نطلق عليها اليوم اسم الهيمنة. # 2 # إذ يقول في عمله «المصالحة مع المستعمرات» إن «القوة والسلطة أحيانا ما ~~يكتسبان بالود؛ لكنهما لا يستجديان أبدا كالصدقة من خلال عنف ضعيف مهزوم.» # 3 # فالنظام السياسي عند بيرك يقوم على أساس خيالي من التبادلية والتقارب؛ حيث ~~يزعم في عمله «الخطاب الأول عن سلام مع الإدارة الفرنسية القاتلة لملكها» أن «الناس لا ~~تربطهم بعض الأوراق والأختام، فهم ينقادون إلى الارتباط القائم على التشابه والتوافق ~~والتعاطف، فلا رابطة وئام بين أمة وأخرى أقوى من التشابه في القوانين والتقاليد والآداب ~~والعادات الحياتية؛ إذ تملك في ذاتها قوة أكبر من المعاهدات، فهي التزامات محفورة في القلب.» # 4 # إذن، فالقضية عند بيرك ليست قضية التمييز بين العواطف الداخلية القوية والعواطف ~~السياسية الهزيلة كما عند هيوم، ولا هي مسألة تخصيص لحظة ما للمحاكاة «الخيالية» ~~واللحظة التالية للخير العام كما عند هتشسون، بل إن رغبة بيرك هي إعادة تشكيل المجتمع ~~السياسي ذاته ليتفق مع الجوانب الداخلية. في أيرلندا ما قبل الحداثة التي جاء منها، بكل ~~ما فيها من زعماء جماعات محلية وروابط قبلية تقليدية، لم يكن الفاصل بين الجانبين ~~السابقين واضحا على الإطلاق، وكان هدفه هو «وضع النزعات الحسنة في الحياة الخاصة في ~~خدمة الأمة البريطانية.» # 5 # ومن الأرجح بذلك أنه كان سيعترض على زعم جوبال بالاكريشنان أن كلا من ~~الأديان والأمم «ترتكز على تصورات للدخول فيها تلغي العوامل القدرية الأولية الخاصة ~~بالمولد والقرابة والعرق.» # 6 # فكما هو حال «محكمة الضمير المستقلة عن الفرمانات والمراسيم»، # 7 # تمثل الأسرة نموذجا مقنعا للالتزامات من دون القوانين، وهي مثال على قوة ~~الهيمنة لا قوة القسر. وكتب ريتشارد ستيل الذي ينتمي أيضا لأيرلندا كتيبا بعنوان ~~«الأسرة والأمة» يقارن فيه بين صياغة سياسة مالية للدولة وتوفير قوت الأبناء. # 8 # ويحذر بيرك من أن المذهب العاطفي في فرنسا «يهدم مبادئ الصدق والأمانة ~~الداخلية التي تمثل ضوابط الحياة الاجتماعية.» # 9 ms071 # وفي مفارقة غريبة فإن الافتتان المغالي بالعاطفة لا يضر بالمنطق، بل ~~بالشعور بمعناه الأدق، الشعور بوصفه أساس روابط الإخلاص والحب المجربة والمسلم بها، التي ~~تعد الأسرة أكبر نموذج لها، والتي توفر أصح نموذج للوجود الاجتماعي ذاته؛ فالشعور ~~ممارسة تقليدية وليس أداء مسرحيا. # مع ذلك فإن بيرك بعيد تماما عن توسيع نطاق هذه العواطف الاجتماعية لتشمل الجنس ~~البشري بكامله. وهو يشبه في هذا هيوم الذي كتب «رسالة في الطبيعة الإنسانية» أكثر مما ~~يشبه مواطنه الأيرلندي فرانسيس هتشسون؛ إذ يمكن مد حدود النظام الخيالي لتشمل ثقافة ~~وطنية؛ لكن لا يمكننا فعلا تبادل الهويات أو مشاعر التعاطف مع من ينتمون لحياة ~~مختلفة كليا؛ فالغرباء بالنسبة إلى بريطانيا، إن جاز التعبير، يبدءون من مدينة كاليه، ~~بينما في كاليه وباريس يستبعد الفرق بين الغرباء والأقرباء برغم كتابات بيرك، وهو ما ~~أثار غضبه المعارض للخيرية العامة؛ إذ يحمل بيرك كرها شديدا لمفهوم الخير عند جودوين ~~الذي يساوي بين حب الأهل وحب الغرباء. (جعل سويفت، مواطن بيرك الذي شاركه بغضه للإحسان ~~العام، شخصية جاليفر المخبولة مبالغا فيها بدرجة أكبر؛ حيث ازدرى أهله ووقع في حب ~~كائنات غريبة تمشي على أربع.) # يرى بيرك - كما هيوم - أنه من الطبيعي أن نحب من هم أقرب إلينا، ويرى فكرة التعاطف ~~العام زائفة؛ فالخيرية العامة تؤدي إلى الطغيان الثوري. ويمثل روسو - الذي يعتبر الشفقة ~~مثل هتشسون غريزة سابقة على أي تفكير - المحل الأول لكراهية بيرك الشديدة؛ فهو يسخر منه ~~قائلا إنه محب لجنسه لكن كاره لأهله؛ «فالإحسان إلى النوع البشري كله» كما يؤكد بيرك ~~«ونقص التعاطف مع كل فرد يقابله هؤلاء الأساتذة يمثلان طابع الفلسفة الجديدة.» # 10 # يتفق بيرك مع روسو في أن العواطف لها قوة أكبر من العقل، ويرى كلاهما أنه ~~إن كنا نعتمد على شيء هش ومزعج كالعقلانية لحثنا على التصرف الإنساني، فلربما وصل النوع ~~البشري لطريق مسدود منذ زمن بعيد. كما يعتقد بيرك - مثل توما الأكويني - أن الصداقة قد ~~تمثل تمهيدا لأشكال من العلاقات أقل خصوصية. لكن من يسعون ms072 إلى مد هذه العواطف إلى ~~ما وراء حدودها الطبيعية لا ينجحون إلا في خلعها من جذورها الموجودة في تربة غنية ~~وقطع الغذاء عنها؛ إذ تتحول المشاعر إلى كماليات تستهلك على المستوى الخاص، ولا يمكن أن ~~تكون قوة اجتماعية رابطة بعد ذلك، ويخرج الإحساس من دائرة السياسة. # مع ذلك فقد مارس بيرك نسخته من الخير العام. ويخفي الذين يتذكرون مقولته الشهيرة، ~~التي تقول إن المبدأ الأول للحب هو حب «العصبة الصغيرة» المكونة من الأصدقاء والأهل، ~~عبارة «المبدأ الأول» بصفة عامة. ويتابع بيرك قائلا إن روابط الولاء المحلية هذه تمثل ~~أول حلقة في سلسلة تبلغ ذروتها في حب الوطن والبشرية. فهو - على كل حال - ليس من ~~متبعي المذهب الخصوصي القليلي التبصر كما يبدو؛ إذ يؤكد عند استدعاء وارين هيستنجز ~~أمام مجلس العموم أن سلوك هيستنجز الخسيس في الهند يجب أن يقيم في ضوء المعايير ~~الأخلاقية السائدة في الوطن، فلا ينبغي قبول أي استثناء، كما طالب المتهم نفسه مخادعا، ~~بسبب اختلاف السياق الثقافي؛ فالمعايير الأخلاقية عند بيرك لا تتأثر بالتغير في الموقع ~~الجغرافي؛ إذ يجب أن يسود الشعب الهندي نفس ميزان العدل والحرية كما هو الحال بالنسبة ~~للشعب البريطاني. ويكتب بيرك في عمله «ملاحظات على سياسة الحلفاء»: «ثمة بعض النقاط ~~الأساسية التي لا تتغير فيها الطبيعة «البشرية»؛ لكنها قليلة وواضحة وترجع للأخلاق لا السياسة.» # 11 # لم يؤمن بيرك بأن روابط الحب يمكن أن تمتد إلى أبعد من العصبة المحيطة ~~بالفرد؛ لكن المبادئ التي أدان بها السلب الاستعماري في أيرلندا أو الهند مبادئ عامة، ~~فخلق التعاطف يمكنه أن يعبر بك حدود المنزل إلى المجتمع السياسي؛ لكنه لا يمكن أن ~~يخرج بك كليا للبشرية جمعاء؛ فلهذا تحتاج مذهبا أخلاقيا ذا طابع أكثر شمولية. ~~ورغم أن بيرك تبنى ضمنيا منظومة مشابهة في مناصرته للهنديات المغتصبات والمتمردين ~~الأيرلنديين المعذبين والثوار الأمريكيين، فقد فعل ذلك مع كامل الحذر من افتراضاتها ~~الفلسفية بالنسبة لفيلسوف أخلاقي يؤمن بأن الأقربين أولى بالمعروف، ونادرا ما ~~يتجاوزه لغيرهم. # إن ما يحفظ تماسك المجتمع ms073 في رأي بيرك هو المحاكاة؛ إذ يكتب: «إن المحاكاة - بدرجة ~~أكبر بكثير من القواعد - هي ما يعلمنا كل شيء، ومن ثم فما نتعلمه لا نكتسبه بطريقة ~~فعالة فقط بل بطريقة سارة أيضا. وهي تشكل سلوكنا وآراءنا وحياتنا؛ فهي واحدة من أقوى ~~روابط المجتمع، وهي نوع من الإذعان المشترك، يسلم فيه كل الناس بعضهم لبعض دون قيود، ~~ويشعر فيه الجميع بالإطراء الشديد.» # 12 # وكتب تيودور أدورنو لاحقا عن كيف «ترتبط الإنسانية بشدة بالتقليد؛ ~~فالإنسان لا يكون إنسانا إطلاقا إلا بتقليد غيره من البشر.» ويكمن نوع من الزيف ~~الممكن في رأيه في أصل الهوية. # 13 # فالمحاكاة المتبادلة ليست فقط ممتعة لأننا نستمتع بالتكرار بالفطرة، بل ~~أيضا لأننا نتقمص صبغة الآخرين تلقائيا ودون عناء، بمجرد مشاركتهم أسلوب حياتهم، ~~وهو ما يكسب المحاكاة شيئا من السمة السابقة على التفكير التي تميز النظام الخيالي. ~~فنحن - بحسب عبارة بيرك نفسه - نتعامل هنا مع دائرة من «الإذعان المشترك» التي يبدو ~~فيها أن كل فرد ينحرف عاطفيا عن داخله - إن جاز التعبير - إلى فلك عواطف غيره، ~~فالمجتمع يسير على نحو أشبه بالسجع. ويكتب برتولت بريخت أن «الفرد ينسى بسهولة أن ~~التعليم البشري يتم في إطار تصويري مسرحي جدا. إن الطفل يعلم السلوك بطريقة ~~تصويرية تماما، ولا تأتي القضايا المنطقية إلا لاحقا ... فالإنسان يقلد الإشارات ~~والإيماءات ونبرات الصوت.» # 14 # فالقواعد الأخلاقية تنتمي للعالم الرمزي للواجب والتفكير والقيم العامة؛ ~~لكن اكتساب قواعد السلوك المتحضر قضية مرتبطة بالاقتداء بسلوك الآخرين، الذين يفعلون ~~ذلك أيضا، فكل هذا إذن هو ما يسميه بيرك «الجمال» ويعني به دائرة التعاطف المشترك: ~~«عندما يعطي ... الرجال والنساء لنا شعورا بالسرور والفرحة لرؤيتهم (وكثير منهم كذلك)؛ ~~إذ يثيرون مشاعر الحنان والحب تجاه شخوصهم، فنحن نحب قربهم منا وندخل طوعا في نوع من ~~الارتباط معهم ...» # 15 # فالجمال هو الاسم الذي أطلقه بيرك على الصلات الخيالية التي تؤدي إلى ~~التماسك الاجتماعي. # أين إذن تنتهي غابة المرايا هذه؟ يبدو الوجود الاجتماعي عند بيرك سلسلة لا نهائية من ~~صور الصور، سلسلة بلا ms074 أساس أو بداية. وتتسم هذه العملية المرآتية بانطواء محير على ~~الذات قد يكتب الموت للتاريخ والتنوع والصراع والمنافسة إن لم يتم منعه. ويكتب ~~بيرك: «رغم أن المحاكاة إحدى أعظم الأدوات التي تستخدمها العناية الإلهية في الاقتراب ~~بطبيعتنا نحو كمالها، فإن الناس إن تركوا أنفسهم تماما للتقليد واتبع كل منهم الآخر، ~~وهكذا في دائرة لا تنتهي، فمن الواضح أنه قد لا يكون هناك أي تطور بينهم أبدا.» # 16 # إن نفس الظروف التي تضمن التناغم الاجتماعي تهدد كذلك بوقف المشروع ~~الإنساني. أو لنصغ القضية بأسلوب ماركسي كلاسيكي: فإن أساس الدينامية الاقتصادية ~~والبنية الفوقية للأعراف الاجتماعية كل منهما منحرف عن الآخر بنحو خطر. ومع الانغماس في ~~هذا الانغلاق النرجسي تصبح العواطف في تخمة وفحش، ويصير أصحاب الأعمال في وهن ~~وضعف. والمطلوب لكسر هذا الجمود هو لمسة من خطر وتنافس وجهد مضن ونفحة من الموت ~~واللامحدودية، وهي ما تتصل جميعا - كما سنرى لاحقا - بما يسميه اللاكانيون النظام ~~الواقعي. إن هذا المثير وحده هو ما اكتشفه بيرك وسط أهوال السمو المزينة. وقد يجد ~~الماركسي السوقي - المهووس على نحو موحش بالطبقة الاجتماعية - في هذا جهدا للتوفيق بين ~~ثقافة نبيلة تقوم على الشرف والتحضر وبين طاقات الفوضى والسلب عند طبقة وسطى متشكلة ~~حديثا. # لقد رأينا أن النظام الخيالي مرتبط بالمحاكاة والتنافس معا؛ لكن هذين المفهومين في ~~الجماليات السياسية عند بيرك هما الجمال والسمو على الترتيب، فالسمو بقيمه الرجولية ~~الخاصة بالمبادرة والطموح والمنافسة والتحدي يقتحم سياجا بقوة نطاق النظام الخيالي ~~الاجتماعي لكنه لا يقتحمه إلا ليعيد بناءه، فهو نوع من «التورم» القضيبي، حسب تعبير ~~بيرك؛ أي نفي لنظام مستقر من دونه يضعف مثل هذا النظام وينتهي. وهو إذ ينقلنا من ~~المحاكاة المبالغ فيها للجمال إلى دائرة الطاقة والطموح الأوسع يوجهنا إلى النظام ~~الرمزي، إلا أن - كما ذكرنا - ثمة لمسة من النظام الواقعي في هوة السمو المميتة التي ~~ترفض - كما النظام الواقعي - كل محاولات الإيقاع بها في شباك اللغة. ومثل النظام ~~الواقعي، يكمن السمو فيما وراء التصوير، فهو نقطة ms075 الصدع الداخلي في بنية الجمال، والشرط ~~اللااجتماعي للنشاط الاجتماعي كله. # إذن؛ فالسمو هو القوة الرجولية المتمردة التي تحثنا على الخروج من الانعكاسات ~~المتبادلة المرضية في المجتمع المدني، وتقذفنا من خلال ذلك إلى منطقة خطر قاتل حيث ~~نراقص الموت أملا في أن نبعث من جديد. ليس من الصعب أن نرى في هذا التحول من الجمال ~~إلى السمو عبورا من النظام الخيالي إلى النظام الرمزي، تماما مثلما يمكن اعتباره ~~انتقالا من الأنوثة إلى الرجولة. لكن من الممكن كذلك رصد تحول من عاطفة تراجيدية ~~تقليدية، وهي الشفقة، إلى عاطفة أخرى وهي الخوف. فالشفقة هي ما يربطنا بالآخرين، بينما ~~الخوف منشؤه خطر انحلال الرباط الاجتماعي. # 17 # وإن كانت الشفقة خيالية، فالخوف واقعي. إلا أنها عاطفة تميز النظام الرمزي ~~بنفس القدر، كما تهدد الذوات المستقلة المتصادمة بتدمير كل منها للآخر، كما يوجد خوف ~~خاص بالنظام الخيالي يتعلق بالجوانب الأكثر اتصافا بالارتياب والتنافسية في تلك ~~الحالة ، فالخوف من التراجيديا ينشأ من بين أشياء أخرى عن تخيل أننا قد نبتلى مثل البطل ~~التراجيدي، وبهذا فهو يحمل لمسة من المصلحة الشخصية كما عند هوبز. فالفاصل بين ~~العاطفتين - كما يقر أرسطو في «الخطابة» - دقيق على نحو ملحوظ، ويمكن القول إنه دقيق ~~بقدر الفاصل بين التعاطف والتنافس في النظام الخيالي. وتتحول الشفقة - بحسب تعليق أرسطو ~~- إلى خوف عندما يكون المشفق عليه قريبا جدا منا لدرجة أن معاناته تبدو معاناتنا، ~~فهي حالة أخرى من الالتباس بين النفس والآخر الذي رأيناه يميز النظام الخيالي. ~~••• # يصوغ آدم سميث - شأنه شأن بيرك - بعض أجزاء نظريته الأخلاقية على أساس النوع، فكما ~~يرى بيرك أن النساء يتصفن بالجمال والرجال بالسمو، يرى سميث أن النساء يتسمن بالإنسانية ~~بينما يتسم الرجال بكرم الأخلاق. والإنسانية في نظره مسألة ترتبط بالحنان والتعاطف ~~الرقيق، وهو ما يسمح لنا (صارت الفكرة أكثر من مألوفة الآن) بالدخول إلى نطاق مشاعر ~~الآخرين كما لو كانت مشاعرنا. تتصف النساء بفضيلة التعاطف هذه؛ لكنهن لا يعرفن بالكرم. ~~يقول في كتابه «نظرية العواطف الأخلاقية»: «إن ندرة تبرعات ms076 النساء الكبيرة ملحوظة من ~~ملحوظات القانون المدني.» # 18 ~~(إن الإشارات اللاحقة لأرقام الصفحات من عمل هيوم هذا ستوضع بين قوسين بعد ~~الاقتباسات المعروضة منه.) ويرجع هذا إلى أن الكرم يتضمن الفضائل الرجولية للتضحية ~~بالذات وضبط النفس وإنكار الذات، وهي مفاهيم وسطية نادرا ما تجد لها سبيلا إلى عقول ~~السيدات الصغيرة الطائشة. وقد يمثل الجندي الذي يضحي بحياته دفاعا عن حياة قائده ~~مثالا على هذا الكرم، فالأفعال المتسمة بسعة الصدر وحب المصلحة العامة حكر على ~~الرجال؛ إذ يرى سميث مثل بيرك أن هناك حاجة لضبط حلاوة التعاطف بقليل من التستوستيرون، ~~فالقيم النسائية كلها في محلها تماما؛ لكنا بحاجة لمعرفة الخيط الفاصل بين رقة القلب ~~وانعدام الرجولة. # لم يكن آدم سميث أحد فلاسفة «الحس الأخلاقي» بالمعنى المعروف؛ # 19 # إذ استبعد فكرة هتشسون عن وجود ملكة أخلاقية خاصة، إلا أنه اتفق مع ~~شافتسبري وهتشسون وهيوم في أننا نعنى في غير أنانية بمصائر الآخرين ونعتبر سعادتهم ~~ضرورية لسعادتنا. «إن هذا السرور - كما هو الحال مع ألم الشعور بحزن شخص آخر - آني ~~جدا لدرجة أنه لا يكاد يوجد أي وقت لتدور عجلة المصلحة الشخصية. وفي ظل وجود تعاطف - ~~سواء مع صديق أو مع غريب - فإننا ندخل بصورة ما إلى جسمه ونتحد بدرجة ما مع ذاته» ~~(258). وتعج عبارة «بدرجة ما» دون شك بالمشكلات، كما سنرى بعد قليل. مرة أخرى، تكمن ~~الأخلاق حقيقة في المحاكاة؛ فعندما نواجه صديقا أو غريبا في كرب، «نتبادل الأماكن ~~مع المكروب في الخيال» (258)، وهو مكافئ أخلاقي نوعا ما للعبورية. # وبالعكس: «لا يسرنا أكثر من أن نرى في الآخرين تعاطفا مع كل المشاعر التي تختلج في ~~صدورنا» (264)؛ إذ يتطلب الشعور الأخلاقي الصادق شيئا يشبه الروافد الخيالية عند ~~الكاتب الروائي؛ حيث علينا أن نسعى لتصور وضع الشخص الذي نقابله في أذهاننا بكل ما فيه، ~~وصولا إلى التفاصيل الأكثر دقة. يكتب سميث: «يجب على الشخصية المتعاطفة أن تتبنى قضية ~~من معها بكل تفاصيلها الصغيرة، وتسعى قدر الإمكان لتتصور تبادل المواضع الذي ينبني عليه ~~تعاطفها» (275). فالتبادل ms077 العاطفي عند هذا الاقتصادي الأخلاقي والسياسي معا هو سبب في ~~الازدهار مثل تبادل السلع. صحيح أن سميث الاقتصادي السياسي يشتهر باعتقاده أن حب النفس ~~- وليس الخير - هو ما يدفع الجزار وصانع المشروبات والخباز لتوفير الطعام والشراب لنا، ~~إلا أن السوق في رأيه له قوة تهذيبية؛ إذ لا يوجد أي صراع جوهري في هذه المرحلة المبكرة ~~من الحياة البرجوازية بين التجارة والعاطفة، كما هو الحال عند ديكنز وراسكين مثلا. # مع ذلك، فإن «التبادل الخيالي للمواضع» يشبه في النهاية المقامرة، فبالنظر إلى أننا ~~نعجز عن الوصول إلى خلجات الآخرين العاطفية بسبب جدران أجسادهم المنيعة، فإن التصور ~~العاطفي لحالتهم الذهنية لا يسعه إلا أن يكون تقريبيا، ففي الأحوال العادية لا يمكننا ~~تكوين تصور مرئي تماما لما يشعر به الآخرون، ولا يمكننا تكوين أي فكرة عن كيفية تأثرهم ~~بالمواقف التي يمرون بها، وهو ما يجعل التحول الخيالي ضروريا. ومهما بدا ذلك كريما ~~فإن هذا التقمص العاطفي في حقيقته وسيلة لتعويض اغترابنا الطبيعي عن بعضنا، فهذا ~~التماثل كما يرى سميث يستحيل تمامه، وإن كان ثمة تعاطف خارجي كاف لضمان التناغم ~~الاجتماعي: «رغم استحالة التطابق التام فالتوافق الجزئي ممكن، وهذا هو كل المطلوب أو ~~الضروري» (276). # مع ذلك لا يزال سميث وزملاؤه بحاجة لمنع السرور الذي نشعر به عند رؤية السعادة لدى ~~شخص آخر من أن يبدو مهتما بالمصلحة الشخصية بدرجة مشينة. ومن الضروري بالقدر نفسه ~~مواجهة الفكرة الأنانية القائلة إننا لا نضمد جراح الآخرين الروحية إلا لتجنب الشعور ~~بالانزعاج عند رؤيتهم. أو لأن خيالنا يرسم صورة جلية للألم الذي سنشعر به في موضعهم، ~~فالخيال عند هؤلاء المفكرين الذي في عصر ما قبل الرومانسية يمكن استغلاله لصالح قضية ~~المصلحة الشخصية بنفس السهولة التي يمكن بها استغلاله لخدمة قيمة الإيثار. فالنفس ~~والآخر، والأثرة والإيثار، وسرور النفس وألمها بسرور الآخر، وسرور الآخر وألمه لألمي، ~~كل هذا يساهم في حميمية النظام الخيالي واغترابه. # يطرح سميث القضية التي صارت مألوفة الآن، وهي أن التعاطف يجب أن ينشأ عن تخيل الإنسان ~~لوجوده ms078 موضع شخص آخر. ويرى كذلك - كما أشرنا منذ قليل - أن هذه العملية لا يمكن أن تكون ~~كاملة، فمشروع تحول النفوس الكلي ينهار على صخرة حب النفس، فمن الحتمي أن يكون شعوري ~~بسعادتك وحزنك أقل من شعورك، ببساطة بسبب حبي لنفسي. فإن كنا نشعر بعواطف صديقة بصفة ~~أضعف من شعورها هي بها، فستوجد إذن مشكلة أكبر في التعاطف مع الغرباء. فالرجل إن كان ~~سيفقد إصبعه الصغير غدا - كما يلفت سميث - فلن ينام ليله؛ لكنه سيتذمر إن جاءته أخبار ~~عن زلزال ابتلع الصين كلها وأودى بملايين لا تحصى من إخوانه من البشر مثلا، أو سيتذمر ~~على الأقل - كما يصر سميث - إن لم ير الحدث بأم عينه. وكما الحال عند هيوم، فإن ~~الصور الحية للظواهر البعيدة هي صاحبة الأثر. والأخلاق تعتمد في النهاية على الحواس؛ ~~فالقضية متعلقة في الحقيقة بالتصوير. # يسعى سميث لأن يتجنب الاتهام بأن السرور لسرور شخص آخر معني بالمصلحة الشخصية في ~~الباطن من خلال طرح نظرية غريبة بعض الشيء عن التعاطف، فعندما نتصور أنفسنا مكان شخص ~~آخر فإننا لا نشعر بما يشعر به بشخصه إن جاز التعبير، بل هي مسألة الشعور كما لو كنا ~~موضع الآخر. إن هذه الافتراضية العاطفية أو تبدل الموقف الخيالي «ليس من المفترض أن ~~يحدث لي بذاتي وصفتي بل بذات الشخص الذي أتعاطف معه» (323). ويكتب روسو بصورة مشابهة في ~~عمله «إميل» عن «انتقالنا إلى خارج أنفسنا وتماثلنا مع المكروب تاركين ذواتنا - إن جاز ~~التعبير - لنتقمص ذاته ...» # 20 # تقوم الأخلاق عند هذا الفيلسوف السويسري كما عند فلاسفة العاطفة ~~البريطانيين على النزعة للشفقة والتعاطف السابقة على النزعة الاجتماعية والعقلانية، فهو ~~شأن شعوري لا عقلي؛ إذ ليست القضية - كما يتابع سميث - أن أنظر إلى ما قد أشعر به في ~~موضعك، وهو موقف يفتح باب المخاطرة بالتحول لأنانية، بل أن أحل محلك تماما «متبادلا ~~شخصي وصفتي» معك فتصير تجربتي متوقفة كليا على تجربتك، «فحزني إذن لا يرجع إليك ~~كليا، ولا يرجع إلي إطلاقا. إذن، فهو ليس أنانيا على الإطلاق» (323). وهذا ms079 ربما ~~ما يقصد بالتقمص العاطفي لا التعاطف، وإن كان الفارق أبعد ما يكون عن الوضوح. # من الصعب مع ذلك أن نرى كيف لهذا الطرح أن يكون محكما؛ إذ إنني إن انتقلت إليك ~~كاملا فلن يبقى هناك «أنا» باقية لتشعر بما تشعر به، فحزني لا يمكن أن يرجع إليك كلية ~~حيث إنني لا يبقى لدي أي حزن، فتبادل الهوية معك لن يمنحني مدخلا لتجربتك، فإن ~~صرت أنا أنت تماما، فليس من المنطقي أن أزعم أني أشعر بما تشعر به. قد نفترض حالة ما ~~ترتبط فيها ذاتان معا فتشعر كلاهما بأحاسيس الأخرى بالضبط. ويخطر بالبال تصور ~~فتجنشتاين الساخر لتوصيل شخصين سلكيا بآلة ليشعر كلاهما بنفس الألم. (لكن بأي شكل ~~يكون نفس الألم؟) إلا أن طرح سميث كان طموحه أبعد من ذلك؛ لأنه إن تقمص فرد شخصية فرد ~~آخر بصورة كاملة فإننا لن يمكننا أن نتحدث بعدها عن ذاتين اثنتين مختلفتين مهما كانتا ~~متقاربتين، فمفهوم التعاطف ينهار بالكلية عند المبالغة فيه إلى الدرجة القصوى. إنه لغز ~~طرحته قصيدة «قصيدة إلى عندليب» التي نظمها كيتس التي فيها ينتفي الفرق بين كائنين حيين ~~عبر تقمص عاطفي يبلغ في حدته أن يتصور إغراء عدم الاكتراث بالموت. # إن الجهد المنطقي المبذول في طرح سميث خانته التناقضات العديدة الموجودة في عرضه؛ إذ ~~يكتب: «رغم أن التعاطف يقال - على نحو صحيح - إنه ينشأ عن التبادل الخيالي في المواقف ~~مع الشخص المعني في الأصل، فإن هذا التبادل الخيالي ليس من المفترض أن يحدث لي بذاتي ~~وصفتي بل في ذات الشخص الذي أتعاطف معه» (323). لكن كيف يمكن لشخص أن يصبح شخصا آخر ~~دون المعاناة من ذاك التحول الكبير الذي هو تصفية النفس؟ ويتابع سميث الذي لم توقفه تلك ~~العقبة ليصر على أنه «من أجل أن أدخل في حزنك فإنني لا أنظر إلى ما سأعانيه وأنا ~~بشخصيتي ومهنتي إن كان لدي ولد وهو على وشك أن يموت بكل أسف، بل أنظر إلى ما سأعانيه ~~إن كنت حقا مكانك ...» (323). إذن لا تزال ثمة ms080 «أنا» منفصلة يدور الحديث عنها هنا، إلا ~~أنها لا تكاد تظهر إلا وتختفي من جديد: «فأنا لا أتبادل الظروف معك فحسب، بل أتبادل ~~الذات والشخصية» (323). فتأملي لما سأعانيه - إن كنت مكانك - ليس كأن أسكن شخصيتك. ماذا ~~إذن عن التحذير من أن أي تطابق تام مع مشاعر شخص آخر يفوق قدراتنا؟ # ثمة مفارقة تتسم بها فكرة التعاطف؛ حيث إنها تتضمن الدخول في تجربة شخص آخر مع ~~الاحتفاظ بقدر كاف من القدرة العقلانية الخاصة بالفرد نفسه لتقييم ما يجده فيها، ~~فالمسافة الإدراكية التي تتطلبها مثل هذه الأحكام تتعارض مع جوهر الأخلاق الخيالية. لا ~~يمكن للتعاطف أن يكون تلقائيا بالكامل؛ إذ يحتاج لمعرفة حيثيات الشيء الموجه إليه، ~~فيبدو أنه يقسم النفس إلى اثنين، حيث يدخل نصف في الشيء الآخر بينما يبقى النصف الآخر ~~في الخلف ليقيم النتيجة. إلا أن هذا طرح فاتر جدا بالنسبة إلى سميث الذي يتصور كما ~~رأينا شكلا أكثر تشددا من التجرد الذاتي ؛ إذ يقر بأن الفكر والقدرة على إصدار الأحكام ~~يؤديان دورا حيويا في عملية التبادل العاطفية كلها، فمن دونهما لن نتمكن من التعرف ~~على الآخر من الأساس فضلا عن تسمية ما يشعر به. لكن هذا يبدو غير متسق مع حلمه ~~بالتعاطف الكامل الذي تبدو فيه قدراتنا العقلية ممحوة. يتميز هيوم - الذي رأى أن ~~فكرة الإسقاط الذاتي الخيالي في شخص آخر لا أساس لها - بالفطنة أكثر من سميث بكثير في ~~هذه المسألة؛ إذ يشير إلى أنه حتى إن كان الإسقاط الذاتي هذا ممكنا، «فلا يمكن للخيال ~~أيا كانت سرعته أن يعيدنا فورا إلى أنفسنا ويجعلنا نحب الشخص ونقدره باعتباره شخصا آخر.» # 21 # كما يجب أن يوظف الفكر من البداية؛ بمعنى أن التعاطف الحقيقي يتطلب بعض المعرفة ~~بالسياق، فعندما نقول «أعرف شعورك» فإننا نقصد عادة «أدرك أن عاطفتك هذه عاطفة امتعاض ~~شديد.» كما أننا نشير ضمنا إلى أننا نعرف شيئا عن الظروف التي سببت هذا الشعور في ~~المقام الأول، وربما نقول إنه شعور مبرر. يعلق سميث بأننا عند رؤية إنسان ms081 آخر في كرب ~~فإننا «نشعر بنفوره واشمئزازه من الشيء الذي سبب كربه» (288). إلا أنه يصر في موضع ~~لاحق على أننا لا نتعاطف مع قاتل يقف أمام المشنقة. وليس صحيحا - كما يزعم العاطفيون ~~عادة - أن سرور الآخرين يشعرنا دائما بالرضا، أو أن كربهم مصدر ألم دائم لنا في كل ~~الأحوال، فالمسألة ليست مجرد الفرح لمصيبة الغير، بل هي أيضا مسألة تتعلق بالظروف. وهي ~~نقطة أدركها سميث بصورة أكبر من زملائه؛ فقد نظن أن بؤس شخص ما مستحق أو أن حسن حظه غير ~~مستحق بدرجة تثير الغضب، أو أن حزنه فيه استعراض مشين؛ فالأحكام الأخلاقية تتعلق برفض ~~تعزيز الحالة العاطفية للآخرين بقدر الإسراع لتدعيمها؛ فالتعاطف لا يحمل قيمة في ذاته، ~~فليس ثمة مكافأة لمن يتعاطفون مع لذة مرتزقة غارقين في نوبة قتل. ولم يكن هيوم وهتشسون ~~ليتصورا وجود هذه المكافأة؛ فالأفعال النافعة عندهم هي ما تثير الاستحسان والابتهاج ~~لدينا. لكن ثمة تحيز لصالح الاستجابات التلقائية في ضوء هذه الأخلاق الخيرية، وهو ما ~~يتسم بالعاطفية بالمعنى الحديث للكلمة؛ إذ لا يمكننا مدح الحالات النفسية أو ذمها قبل ~~أن نعرف أسبابها وسياقها، وفي سبيل هذا نحتاج لما هو أكثر من حدس داخلي. # يولي سميث أهمية كبيرة لنظرة الآخر، فهو مولع بنظرتي لما يراني عليه الآخرون، وهو ما ~~قد نسميه من الناحية المتخصصة الأنا المثالية، تماما مثلما يسعى الآخرون لأن ينظروا ~~إلينا بأعيننا، تصير أعينهم مرايا تعكس لنا مشاعرنا من جديد. ويرتبط هذا التبادل ~~للنظرات بما يسميه فالتر بنجامين بالهالة، وهي تشمل من بين أشياء أخرى الإحساس بالأشياء ~~وهي ترد إلينا نظراتنا. وهي تتعارض بهذا المحمل مع حقبة الإنتاج الميكانيكي التي لا ~~ترتد فيها نظرتنا إلينا عادة: «إن ما يعتبر لا إنسانيا بالضرورة - بل الأقرب إلى ~~الموت - في التصوير الداجيري» كما كتب «هو الإمعان (المطول) في آلة التصوير، حيث تسجل ~~آلة التصوير مظهرنا من دون أن ترجع لنا نظرتنا. لكن النظر إلى شخص يحمل في طياته توقع ~~لأن يبادلنا من ننظر إليه النظر. وعندما يتحقق ms082 هذا التوقع ... فإننا نلمس هذه الهالة إلى ~~أبعد مدى.» # 22 # فالأشياء ذات الهالة، كما الورد في «الرباعيات الأربعة» لتي إس إليوت، تتخذ ~~شكل الأشياء المنظور إليها. ويجد موريس ميرلو-بونتي أعمق معاني النرجسية في إحساس ~~الرسام بأنه ينظر إليه من خلال الأشياء التي يرسمها. # 23 # وظل الفيلسوف فيشته طوال حياته أسيرا لفكرة النظرة التي ترى نفسها. ويكتب ~~بول فاليري عن المدركات في الأحلام قائلا: «إن الأشياء التي أراها تراني بقدر ما أراها.» # 24 # ينطبق هذا أيضا عند بنجامين على السلع التي تبادل نظرة كل زبون محتمل في حب بينما ~~تحتفظ بلا مبالاة باردة تجاههم جميعا، فهي تكشف - شأنها شأن كل الأشياء ذات الهالة - عن ~~التداخل بين الغيرية والحميمية؛ إذ تخلط بين إغراء ممثلات الإغراء الشهيرات بعيدات ~~المنال وتوفر العاهرة الفوري. ويعلق بنجامين قائلا: «كلما زادت المسافة التي يجب على ~~النظرة أن تقطعها، زادت قوة السحر المنبعث منها.» # 25 # لقد رأى برتولت بريخت - الذي نأى بنفسه تماما عن مثل هذه المفاهيم ~~الخيالية - أن هذه الفكرة شديدة البغض؛ إذ يكتب في يوميات عمله: «إن بنجامين هنا ... ~~يقول: عندما تشعر بنظرة موجهة إليك، وإن كانت من وراء ظهرك، فإنك تبادلها (!) ... فهي ~~روحانية مطلقة في وضعية تنافي الروحانية، إن تلك هي الصورة التي يتبلور بها المفهوم ~~المادي للتاريخ! إنه لأمر شنيع.» # 26 # ولا شك أن بريخت رأى أن بنجامين إما أطال صحبة صديقه القبالي جريشوم شولم ~~أو أنه بالغ قليلا في تجاربه على مخدر الحشيش. # إن سياج النظرات الخيالي عند لاكان به صدع يرجع لنقص ما، وهو حقيقة أنني لا يمكنني أن ~~أنظر إلى الشخص من حيث ينظر هو إلي. # 27 # وبذلك تصير النظرة تفاعلا بين النور والظلمة، تلطخ فيه شفافية النظام ~~الخيالي بتدخل النظام الرمزي بعلاقاته اللاتبادلية المجهولة؛ إذ تخون غموض الجمهور ~~الحضري عند بودلير الذي ليس فيه كما يعلق بنجامين «من هو شفاف تماما ولا من هو معتم ~~تماما أمام الآخرين كلهم.» # 28 # ويشير بنجامين إلى أنه في شعر بودلير «التوقع الذي ينشأ ms083 عن نظرة العين لا ~~يتم إشباعه»، وهو ما يعني أن النظرة - التي تنتظم من جديد حول نقص جوهري - تقطع كل ~~المسافة عبر الشيء المنظور في هذا السعي المضني نحو وفرة مفقودة وهي الرغبة. إن رغبتنا ~~في لغة لاكان ليست في الآخر وإنما في الآخر الكبير، وكما يشير بنجامين على طريقة لاكان: ~~«اللوحة التي ننظر إليها تعكس لنا ما لا تشبع منه أعيننا أبدا.» # 29 # إن تبادل النظرات الذي شغف به آدم سميث له طابع خيالي، إلا أنه يعد أيضا نوعا ~~معينا من عدم التماثل؛ وحيث إن الآخرين - كما رأينا - أقرب لأن يكونوا أقل حزنا أو ~~فرحا بمشاعرنا منا، فنظرتهم المنعكسة يمكنها أن تلطف من مشاعرنا نحن، فتسرب إليهم ~~نوعا من السكينة. فنحن نرى أنفسنا - كما في النظام الخيالي - من الداخل ومن الخارج في ~~آن واحد، وإن لم تكن الرؤيتان متطابقتين تماما. ونحكم على أنفسنا من خلال أعين ~~الآخرين أو الأنا المثالية؛ لذا يظهر على سلوكنا دائما خليط ما من الغيرية. ويمثل ذلك ~~أصل الأخلاق ذاته؛ فالإنسان الوحيد تماما - كما يلمح سميث - لن يملك أي مشاعر أخلاقية ~~بالمرة؛ حيث إنه لن يتمكن من رؤية صفاته من الخارج أكثر من إمكانه رؤية وجهه. (وهو ~~يتحدث على الأرجح عن إنسان «همجي» وليس عن ناسك لديه مرآة جيب.) ثم يضيف: «ضعه في مجتمع ~~وستتوفر له فورا المرآة التي أرادها من قبل» (298). إن هذا في المقابل، عين ما يراه ~~جان جاك روسو مرعبا. إن «الهمجيين» في نظر روسو يتمتعون باكتفاء ذاتي يثير الإعجاب، ~~بينما المتحضرون يعتمدون على الآخرين اعتمادا يثير الاشمئزاز. إن كون رغبتنا هي رغبة ~~الآخر الكبير - أي أننا لا نعيش إلا تحت ناظري أقراننا - هو ما يراه روسو عين الضعف، ~~فالحياة الاجتماعية عنده علامة على ضعفنا، والأخلاق هي النتيجة المضنية لعدم وجودنا ~~بمفردنا، ومثل الجحيم عند سارتر؛ فالأخلاق هي الآخرون. # يكتب سميث: «إن كل ملكة لدى الفرد هي المقياس الذي يحكم به على الملكة المشابهة في ~~غيره ...» حيث إننا نقيس «ملاءمة مشاعر الآخرين ms084 أو عدم ملاءمتها باتفاقها أو اختلافها مع ~~مشاعرنا» (271)؛ لذا يبدو أن الحكم الأخلاقي ذا طابع دائري مقلق؛ حيث إنني أحكم عليك ~~مقارنة بنفسي وأنت تحكم على نفسك بحكمك علي. وسيبدو كل شخص - إذا اتبعنا الأسلوب ~~السفسطائي - مقياسا لكل الأشياء. ولإيقاف هذا الخلل النسبوي، يقول سميث إن «ملاحظاتنا ~~المستمرة لسلوك الآخرين يقودنا دون وعي إلى أن نضع لأنفسنا قواعد عامة معينة فيما يخص ~~ما هو يصح ويليق فعله أو تجنبه» (303). إذن، فالقواعد العامة لها موضع محدد، طالما أنها ~~استنباطات من سلوكنا المعتاد، وليست - على نحو عقلاني - مبادئ بديهية يمكن منها استنتاج ~~السلوك الخاطئ أو الفاضل. هذه القواعد ما هي في الحقيقة إلا تنقيح ل «مشاعر الإنسانية ~~المتكررة» (305)، إلا أنها تمارس علينا قوة كبيرة مع ذلك، فهي تعمل عمل الآخر الكبير ~~المحايد، أي حكم مثالي على سلوكنا الذي نعيه دوما. # إذن، فأفعالنا عند سميث - كما عند لاكان - هي دائما على مستوى ما رسالة موجهة إلى ~~الآخر الكبير. والفكرة أن هذا الحوار في رأي لاكان لا يمكن اختزاله أبدا في التبادلات ~~الخيالية عند سميث الذي يرى أن كلا منا يحيا تحت بصر العين الكريمة للآخر الجمعي؛ إذ ~~كيف لنا أن نعرف أننا معروفون؟ هذه ليست مشكلة في أي نظرية أخلاق خيالية، التي يكون ~~التعرف فيها فوريا وبديهيا كمذاق المشمش. لكن في النظام الرمزي، فإن الوسيط الأساسي ~~لعلاقاتنا مع الآخرين هي اللغة. وتثير اللغة عند لاكان احتمال سوء الفهم في هذه ~~التبادلات، فالوسيط الذي يجمعنا يفرقنا كذلك، فالدوال التي ندرك من خلالها احتياج كل ~~منا لأن نعرف، يستحيل خلوها من اللبس كما قد نأمل. وكذلك - في هذا الصدد - ~~الإشارات المادية في النظام الخيالي السابق على اللغة، كالمناجاة الصامتة لوالتر وتوبي، ~~الشخصيتين اللتين ابتكرهما ستيرن، التي تهدف لتحقيق تبادل أقل شرا من تلك المبنية على ~~الكلمة؛ إذ إن الإشارات هي الأخرى تحتاج إلى تفسير، ومن ثم لا تتفادى علامة ~~الدال، فلا يمكن تفادي التباس الدال مثلا بقبض اليد أو هز عصا. # يحلم مناصرو النظام الخيالي ms085 بدال واضح مفرد، علامة سحرية تختزن جوهر الفرد وتنقله ~~بتمامه وكماله إلى فرد آخر في لمح البصر. أحيانا ما اتخذت هذه العلامة ذات المميزات ~~الشاملة اسم الرمز الرومانسي، وإن كان اللاكانيون يفضلون تسميتها بالفالس (القضيب)؛ ~~ولكن لأن النظام الرمزي هو نظام للمعنى، ولأن المعنى يميل لئلا يتفق مع علامته، فإن ~~احتمال الخطأ المشترك في التعرف جزء من النظام في الأساس. إن انعدام وجود الفالس هو ~~السبب في إمكانية وجود التراجيديا، بل في وجود التاريخ أيضا. كذلك فإن هويتي إن ~~ارتبطت بهويتك، وارتبطت هويتك بهوية شخص آخر، وهكذا في شبكة لا متناهية من ~~الارتباطات، فكيف لي أن أعرف ما إذا كانت نظرتك المستحسنة هي نظرتك أنت وليست أثرا ~~مطموسا لأنفس أخرى؟ إذن، تجد أخلاق النظام الخيالي العاكسة نفسها مضطربة على يد الآخر ~~الكبير المعتم؛ فالتبادلية الخيالية تفسح المجال للاتبادلية الرمزية. ومثلما لا يوجد ~~وجه خارجي للنظام الخيالي الذي يلتف على نفسه بنحو يشبه الفضاء الكوني، فليس هناك ~~جانب خارجي للنظام الرمزي هو الآخر. وبالاصطلاح اللاكاني لا يوجد آخر كبير للآخر ~~الكبير؛ أي لا لغة واصفة تمكننا من النظر في المعاني البين-ذاتية من موقع أفضل فيما ~~وراءها؛ حيث إن هذه اللغة تحتاج بدورها إلى أن تفسرها لغة أخرى. والقول إننا أثر ~~للدال يعني أنه لا أساس خارجي لخطابنا المشترك، مثلما يرى آدم سميث أنه لا أساس ~~لعالمنا فيما وراء «المشاعر البشرية المشتركة»؛ فالنظام الرمزي ينقصه الأساس بالضرورة. # يعرف «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» التقمص العاطفي بأنه قوة «اتحاد الإنسان ~~عقليا مع الشخص أو الشيء محل التأمل (وفهمه الكامل بالتبعية)». لكن الاتحاد والفهم ~~ليسا متلازمين بالضرورة كما قد توحي تلك الكلمات؛ إذ لا يمكنني أن أفهم نابليون بأن ~~«أصير» نابليون. ولا يقتصر السبب، كما شرحنا، على أنه لن يبقى شخص ليقوم بالفهم، بل إن ~~هذا يبدو افتراضا بأن نابليون قد فهم نفسه، وهو ما يفترض فيه شفافية ذاتية مستحيلة. قد ~~يكون الفهم فعلا هو الدخول إلى عقل شخص آخر؛ لكنه وسيلة للفتح والدخول لهذا ms086 العقل ~~اسمها اللغة، فالفهم ليس قضية الامتزاج على نحو سحري بجسد الآخر، فحتى إن حققت هذا ~~الإنجاز فكيف كنت سأعرف ما وجدت هناك؟ فقط لأني أمتلك اللغة في المقام الأول، وهو ما ~~كان سيوفر علي عناء هذا الاقتحام الخيالي، فالتعاطف والتفهم لا يتطلبان تصورات ذهنية ~~للحالات العاطفية عند الآخرين، فهذه الحالات من ناحية ليست خفية من حيث المبدأ. ومن ~~ناحية أخرى يمكنك أن تتعاطف مع إضاعتي لمخطوطة من العصور الوسطى لا تقدر بثمن دون أن ~~تتبادر إلى الذهن أي صورة محددة للوثيقة، ودون بذل الجهد لاستنساخ ما يجري في خلجاتي ~~العاطفية. # من الممكن بالطبع أن أتعاطف مع تجارب لم تخضها فحسب، بل مع تجارب لا يمكن أن ~~تخوضها. ومثال سميث هو تعاطف الرجل مع المرأة أثناء الولادة، بل إنه من الممكن أن تشعر ~~بسعادة شخص أو بكربه بدرجة أشد مما يشعر هو، وهو ما يمثل خللا من نوع ما في حلم ~~التبادلية الكاملة. كما أن التعاطف مع ألم شخص لا يعني بالضرورة الشعور به؛ إذ هناك فرق ~~بين أن آسف عليك وأن أشعر بحزنك. كما يمكن لحزنك أن يغمرني دون أن أشعر بأي استجابة ~~أخلاقية معينة تجاهه، تماما مثلما يمكنني أن أشعر بالغضب دونما أن أفكر فيما إذا كان ~~الغضب مبررا أم لا. # عادة ما يكون الذين يهرعون لمساعدة ضحايا حادث سير مثلا مشغولي البال بصورة لا تدع ~~مجالا لأن تكون لديهم صور ذهنية لأحاسيس الضحايا المفترضة. وعلى العكس، يمكننا أن ~~نتخيل صورا متحركة لأحاسيس الآخرين دون أدنى ميل للقدوم لمساعدتهم. ويكتب ~~الفينومينولوجي ماكس شيلر: «من المفهوم تماما أن أقول: «يمكنني أن أتصور مشاعرك لكني ~~لا أشفق عليك».» # 30 # ويحب الساديون أن يشعروا بأحاسيس ضحاياهم، فكما يشير نيتشه، إن القسوة ~~تتطلب قدرا من الإحساس، أما الوحشية فلا تتطلب ذلك. وربما يمانع المازوخيون في مساعدة ~~من يشعرون بالألم لأنهم يستمدون سرورا خاصا من التوحد مع آلامهم، وربما يعارضون لنفس ~~السبب أن ترفع معاناتهم هم على يد الآخرين؛ فالقدرة المحضة على الشعور ms087 بما يشعر به ~~شخص آخر لا ترتبط بالأخلاق أكثر من ارتباط موهبة تقليد لكنته بإتقان. كما يوجد فرق ~~بين التعاطف بمعنى الإشفاق، والتعاطف بمعنى مشاركة شخص آخر حالته العاطفية. فإن كان لنا ~~أن نعطي بعض التقدير للمعنى الأول فيمكننا أحيانا أن نعطي قليلا منه للأخير؛ فالكثير ~~من الناس شديدو الحساسية وأنانيون بشعون في نفس الوقت. ~~••• # باستثناء شافتسبري، لم يكن أي من فلاسفة الأخلاق الذين تناولناهم إنجليزيا، بل إن ~~الإنجليز قليلون وسط هذه المجموعة كما حالهم وسط ما يسمى بالحداثة الأدبية الإنجليزية. ~~وكل المفكرين الذي كنا نناقشهم تقريبا نشئوا من التخوم الغيلية للأمة الحضرية، وهي ~~حقيقة قد تكون بلا أهمية؛ فالغيليون من أمثال بيرك وهيوم وهتشسون وسميث وفورديس ~~وفيرجسون، بجانب الرموز من أمثال جولدسميث وستيل وبروك وستيرن الذين ولدوا في أيرلندا ~~أو لأصل نصف غيلي، كانوا لا شك أكثر ميلا للافتتان بالمشاعر والخير من نظرائهم ~~الأنجلوساكسونيين. وليس هذا لأن الغيليين أكثر ودا من الناحية الوراثية من الإنجليز، ~~بل لأن كلا من اسكتلندا وأيرلندا تمتعتا بتقاليد ولاء راسخة تجاه العشيرة أو ~~المجتمع. # صحيح أن علاقات القرابة والعادات الملزمة والالتزامات غير المكتوبة وما يسمى ~~بالاقتصاد الأخلاقي، ظلت طويلا في كلتا الأمتين رهن قيود نظام من العلاقات العقدية ~~والفردية التملكية فرضه الاستعمار. لكن بعض الجوانب من هذه الحياة التقليدية بقيت بنحو ~~غير مستقر إلى جانب المؤسسات الحديثة، وفي ظل الاشتباك السياسي من جانب صغار مستأجري ~~الأراضي والمنازل والعمال بذلت مقاومة شرسة لهذه الحداثة خلال عصر العقل. وتشير جلاديس ~~بريسون في دراستها لعصر التنوير في اسكتلندا إلى أن «كثيرا من العاطفة والولاء في ~~المجتمع القائم على الروابط الشخصية الأقدم انتقل (من خلال عملهم) إلى المجتمع القائم ~~على الروابط اللاشخصية ... ونجد في كل كتاباتهم اهتماما كبيرا بالتواصل والتعاطف ~~والمحاكاة والعادات والتقاليد ...» # 31 # ويوجد مثال معاصر على هذه الشواغل ذات الطابع الغيلي في أعمال الفيلسوف ~~آلاسدير ماكنتاير، وهو فيلسوف انتقل خلال سعيه وراء هذه القيم في حياته من المسيحية إلى ~~الماركسية ومن الماركسية إلى الكاثوليكية والجماعاتية؛ إذ ms088 ينتمي نقد ماكنتاير لعمومية ~~التنوير إلى تراث ما يمكننا أن نعتبره الخصوصية القومية في كل من اسكتلندا وأيرلندا؛ أي ~~إصرار المفكرين القوميين على الخصوصيات التاريخية لهذه الثقافات، ومقاومتهم لعقلانية ~~معينة لا تهتم بالمكان، ورفضهم للتكيف مع مبدأ مفترض كوني (لكنه ببساطة حضري في الغالب). # 32 # ربما نظن أن تشكك ماكنتاير في المبادئ الكونية التنويرية، إلى جانب اعتياده ~~رد المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية إلى سياقاتها التاريخية، لهما نكهة غيلية ~~معينة. # يقول جون دواير إن الرغبة الاسكتلندية في بناء اقتصاد حديث، التي كان مشاهير من أمثال ~~هيوم وسميث من مؤيديها الواضحين، كانت حريصة مع ذلك على الاحتفاظ بدرجة من السلامة ~~الوطنية، واحتفظت بتشكك تقليدي تجاه النظام التجاري غير المقيد؛ إذ يكتب: «كانت النزعة ~~الاجتماعية، وليست الفردية، هي العنصر المحوري في التعريف الاسكتلندي للإحساس؛ حيث يصير ~~مفهوم الإحساس الكلي بديلا لنظام اجتماعي مبني على المصلحة الشخصية.» # 33 # ويرى توماس بارتليت أن «من بين السمات المميزة للحياة الريفية الأيرلندية، ~~بدءا من العقد السابع للقرن الثامن عشر، كان بروز ظاهرة النزعة الاجتماعية، والضغط ~~المتزايد للاندماج الاجتماعي لأغراض متنوعة.» # 34 # وأدت النظرية السياسة القائمة على العاطفة، والمعروفة بالقومية، دورا ~~محوريا في هذا التضامن الريفي؛ حيث طوع المنشقون السريون المسلحون الحانات والأعياد ~~والحانات غير المرخصة والمعارض والأسواق وتقاطعات الطرق لخدمة أهدافهم الهدامة. # قد يزعم أحدهم أن الخير والحس الأخلاقي يمثلان نوعا من المجتمع القائم على الروابط ~~الشخصية للروح التي لا تزال تترعرع في مجتمع الحياة التجارية اليومية القائم على ~~الروابط الرسمية. فعلى أي حال، كانت الحياة في مقاطعة كيري أو أبردينشير النائية نوعا ~~ما أمرا مجهول الإدارة أقل عقلانية من نظيرتها في العاصمة الإنجليزية. يقول آلاسدير ~~ماكنتاير: إن إيمان عصر التنوير في اسكتلندا بوجود مخزون من المبادئ الأولى البديهية له ~~أصل في النبع المشترك للمعتقدات المسلم بها في الأنظمة الاجتماعية فيما قبل الحداثة. # 35 # فالمجتمع الإنساني عند المنورين الاسكتلنديين شيء طبيعي بالنسبة للأفراد، ~~فهو يعد امتدادا لقرابة الأهل، وهو معتقد مقبول بدرجة كافية في المجتمعات التي تكون ~~العلاقات ms089 الشخصية والجنسية والاجتماعية والاقتصادية فيها أصعب في التمييز منها في ~~المناطق الحديثة؛ فالزواج والنشاط الجنسي مثلا لا يزالان مرتبطان في مثل هذه الأحوال ~~بالممتلكات والقدرة على العمل والمهر والمعتقد الديني والميراث والهجرة والرفاهة ~~الاجتماعية. وربما السبب في ذلك أن الأسرة في أيرلندا لم تكن منعزلة تماما عن المجتمع ~~بحيث استطاعت رموز مثل بيرك - الذي التحق بمدرسة ريفية بسيطة في مقاطعة كورك في صغره - ~~تقديمها باعتبارها صورة للوحدة القومية إلى إنجلترا التي كانت ترعبها فكرة الثورة. ومن ~~هذا المنطلق صار المجتمع الغيلي القائم على الروابط الشخصية يخدم أهدافا مدنية. # ليس غريبا إذن أن ثقافة الإحساس ينبغي أن تتسرب إلى الأمة الاستعمارية بصفة أكبر من ~~تخومها الأقل حداثة؛ فالإنجليز - كما في حماسهم غير العادي لكلمات توماس مور المعسولة - ~~يستحضرون الشعور الحزين أو المشوق أو السوداوي من امتداداتهم الاستعمارية؛ حيث يوجد ~~فعلا الكثير مما يسبب الشعور بالسوداوية. قد تكون فكرة الالتزامات غير المكتوبة طريقة ~~لوصف حقوق المستأجرين مثلا في أيرلندا في القرن الثامن عشر؛ لكنها تساعد كذلك على ~~تصوير الأفكار الأخلاقية للمدرسة العاطفية التي تكمن القوانين بالنسبة لها في آداب ~~الشعور وأساليبه، ولا تحتاج للتصريح الفظ بها. وكذلك الحال بدرجة كبيرة عند شافتسبري ~~الذي كان يحارب - باعتباره أرستقراطيا ينتمي للتقليد الأفلاطوني الجديد - الانحطاط ~~الأخلاقي للإنسان البرجوازي. وفي ظل اتصاله بهتشسون، يتحد الشريف الإنجليزي مع الغريب ~~الغيلي معا في جبهة واحدة ضد أيديولوجيات العقلانية منعدمة الشعور، مثلما كان أوسكار ~~وايلد نبيلا إنجليزيا وغريبا غيليا في جسد واحد. # كان أعظم فلاسفة القرن الثامن عشر الأيرلنديين، الأسقف بيركلي، إنجليزيا أيرلنديا ~~وليس غيليا أيرلنديا؛ إلا أن فكره يدين بصورة شبه مؤكدة لعالم الميثولوجيا السلتية، ~~برؤيتها للكون على أنه نوع من الخطاب الروحي العظيم ومجموعة من القوى أو التجليات ~~التي يعرف بها الرب نفسه لمخلوقاته من خلال الإشارات والصور. وقد كتب بيركلي: «إن ~~ظواهر الطبيعة لا تقتصر على كونها آية رائعة، بل تمثل أيضا خطابا يتسم بأقصى درجات ~~الوضوح والإمتاع والتوجيه ...» # 36 # فنحن باكتشافنا للعلاقات بين الأسباب والنتائج ms090 مثلا نتعلم لغة الطبيعة، ~~فالكون كله نوع من الإشارة السيميائية الإلهية، فالأشياء في نظر بيركلي دالة على الرب، ~~وشأنها شأن أي لغة فهي لا تسكن إلا في إدراك الإنسان؛ فهي تتحد في طور خيالي مع حضورها ~~أمام مدركيها؛ فالشيء والدال عنده متطابقان، مثلما يوجد اتحاد بين الدال والمدلول في ~~النظام الخيالي. # من اللافت في هذا الصدد أنه عندما يأتي فريدريك جيمسون لوصف النظام الخيالي عند لاكان ~~يستخدم تلقائيا لغة بيركلي؛ حيث يتحدث عن «انعدام الفرق بين جوهر «شيء» وصورته ~~المدركة التي ليس لها مدرك.» # 37 # فالأشياء في عالم بيركلي المتمحور حول الإنسان لا توجد إلا إذا كانت ~~(بعبارة هايدجر) «بين أيدينا»، مقدمة إلينا، متمركزة بلا حيلة حول البشر. وينغمس في ~~مقال خارج نطاق عمله بعنوان «اللذات، الطبيعية والخيالية» في تصور طريف بأن العالم خلق ~~من أجله هو شخصيا: «إن الأشياء المختلفة التي يتألف منها العالم تكونت بصورة طبيعية ~~لتمتع حواسنا ... لذا، فمن المألوف لدي أن أعتبر نفسي ذا ملكية طبيعية لكل شيء يسبب لي ~~السرور ... فإن لي ملكية في الجزء الزاهي من كل العربات المذهبة التي أراها، التي ~~أعتبرها ملذات صنعت لتمتع عيني ...» # 38 # وفي نوع من المحاكاة الساخرة المسلية لنظريته المعرفية، فإن كل الأشياء ~~يكمن جوهرها في تلذذه هو بها، كما قد يتصور عنها عند الطفل أمام ثدي أمه. # يصمم بيركلي، شأنه شأن عدد من علماء اللاهوت الأيرلنديين في القرن الثامن عشر، على ~~معارضة التبعات اللاهوتية لمذهب التشكيك التجريبي، وهو مذهب تشكيك هدد بهدم مذهب كنيسة ~~أيرلندا التي كان هو نفسه أسقفا لامعا فيها؛ ومن ثم السلطة الاستعمارية الأنجلو ~~أيرلندية التي كان عضوا فيها هي الأخرى. ورده الفلسفي على هذا الخطر هو نسخة براقة من ~~المثالية التي مثلت التيار الرئيسي للفلسفة الأيرلندية من جون سكوتس إريجينا حتى ويليام ~~باتلر ييتس. ولم يكن للعقلانية والتجريبية الإنجليزية أكثر من وجود سطحي في الجزيرة ~~المجاورة، لعوامل ليس أقلها تراثها اللاهوتي، فإن كان مذهب لوك التجريبي يصنع فجوة بين ~~الشيء والمفهوم تتعرض فيها ms091 المعرفة الحقيقية لخطر الاندثار، فإن بيركلي يسعى لرأب هذا ~~الصدع بإعادة تعريف الظواهر ذاتها بأنها ليست سوى عقد من البيانات الحسية. إذن، فليس ~~المقصود بهذه المثالية إنكار وجود الأشياء بل إعطاءنا سبيلا إليها لا عائق أمامه. ~~وخلال ذلك، يدفع بيركلي بمنطق التجريبيين إلى حده الأقصى الذي ينهار عنده؛ فهؤلاء ~~الفلاسفة الإنجليز بينما يزعمون أننا يمكن أن نعرف جوهر الأشياء، فهم يؤكدون في الوقت ~~ذاته أن المعرفة كلها مجرد بيانات حسية، والبيانات الحسية علامة على جوهر الشيء وليس ~~الشيء نفسه. # إن السر الكبير الذي يكشفه بيركلي بزهو، كما الطفل الذي يعلن في سذاجة عن تعري ~~الإمبراطور في قصة هانز كريستيان أندرسون «ملابس الإمبراطور الجديدة»، يكمن في أن ما ~~تخفيه مظاهر الأشياء هو حقيقة أنه لا شيء وراءها؛ لذا فهي من ثم ليست مظاهر على ~~الإطلاق، وأن هذا القلب الجامد الذي نسميه «الجوهر» واه كما الخيال. فإن كان الرب ~~موجودا في قلب كل شيء، وإن لم يكن الرب (عند بيركلي بقدر إريجينا) ذاتا على الإطلاق ~~بل مجالا ساميا غير محدود من العدم المطلق، إذن فإن ما يوجد الظواهر هو نوع من ~~اللاوجود أو العدم اللامتناهي؛ فالعالم - كما عند القديس أوجستين - يمتلئ بالعدم من ~~أقصاه إلى أقصاه. فالقول إن الأشياء عديمة الجوهر يعني القول إنها عبارة عن الشكل ~~البليغ للإله؛ فالرب - العدم المطلق - له نفس أصلها، فالشيء الصغير المراوغ المعروف ~~بالجوهر ما هو إلا شيء وهمي يملأ فضاء النظام الواقعي، وهو ما يعني عند بيركلي الوجود ~~الذي لا يطاق للرب. وبما أن الرب لن يكون له وجود ملموس على الأرض من دون فك رموز ~~خطابه المتمثل في عملية الإدراك الإنساني، فوجودنا ذاته ضروري على النحو الموجود في ~~النظام الخيالي، ومحتمل في النظام الرمزي، فنحن والعالم موثقان معا، وإن في ~~تجربتنا الحسية المباشرة، كما عند الطفل الصغير، يتشكل هذا الوثاق. ومن هذا المنطلق، ~~تعد رؤية بيركلي رؤية خيالية بصفة كبيرة؛ لذا ليس من الغريب، في ظل ما قلناه بالفعل عن ~~هذا الموضوع، أن يظهر ms092 بيركلي في بحثه «نظرية جديدة في الرؤية» كمفكر فينومينولوجي قبل ~~ظهور المصطلح، منشغل بشدة مثل مواطنه بيرك بالجسد والبديهة الحسية والتناسب بين أعضاء ~~الحس. ورصد بعض المعلقين في تجنب كلا المفكرين للأفكار المجردة ولعا غيلي الصبغة ~~بالتحديد بما هو مادي. # لم يصمد مفهوم الخير الذي كان سائدا في القرن الثامن عشر أمام ظهور جيريمي بنثام؛ ~~فمع دخول مجال العاطفة بالتدريج إلى نطاق الملكية الخاصة، فقد القدرة أكثر وأكثر على ~~توفير نموذج للمجال العام، بل هجر مفهوم الخير الفلسفة الأخلاقية وسكن في ذلك المبحث ~~الأخلاقي الذي نعرفه بالأدب الواقعي. ولن نبالغ إذا ادعينا أن الوريث الأكبر لشافتسبري ~~وهتشسون هو تشارلز ديكنز. كانت الرواية وقتها تمثل أقوى ترياق للأنانية البشرية، ~~بهيئتها المتعددة الأصوات بقدر محتواها الإنساني، فإنجلترا الصناعية الرأسمالية أكثر ~~تشابكا وعتمة من ملهى في مدينة وايتهول؛ لكن الرواية أداة ذات حساسية لا مثيل لها ~~لسبر أغوار العلاقات الباطنة والروابط المحيرة. أو أداة لإبراز تجربتنا وتوسيع ~~اتصالنا بأقراننا من البشر فيما وراء حدود حياتنا الشخصية، وذلك كما تقول جورج إليوت ~~في مقالها «التاريخ الطبيعي للحياة الألمانية»؛ فهي إذن ترياق للنظام الخيالي وللمصلحة ~~الشخصية. إن الرواية - قبل كل شيء - هي ما يمكننا من خلالها أن نسبغ صورة خيالية على ~~تلك المناطق المغمورة من الحياة الاجتماعية التي تمتد فيما وراء تجربتنا الشخصية، وأن ~~نستحضر خلال ذلك إحساسا بالألفة مع الآخرين المجهولين لنا. والعدوان اللدودان ~~لهذا الجنس الأدبي هما الأنانية والهوية المجهولة؛ إذ توجد أسباب ملحة سياسيا ~~وأسباب إنسانية تثير الإعجاب وراء إثراء العواطف هذا، فالمجتمع الذي لم يعد قادرا ~~على فهم نفسه باعتباره مجتمعا من المشاعر عرضة لخطر الصراع والانقسام. # لكن - ومع إبعاد العاطفة بصورة متزايدة عن المجال العام، وإعادتها إلى الدائرة الخاصة ~~ليكون محلها وسط مجموعة من غريبي الأطوار الطيبين والشواذ اللطفاء - بدأت تنمو بصورة ~~غير صحية ومستهلكة للذات. ليست مصادفة أن يبلغ تيار العاطفة أوجه وسط طواحين ~~الفيكتوريين الشيطانية المظلمة؛ فالرحلة الشاقة من براونلو الكريم في رواية «أوليفر ~~تويست» إلى المتأنق هارولد ms093 سكيمبول في رواية «البيت الموحش» هي رحلة من دفاع مؤثر عن ~~الشعور إلى إدراك محبط بأنه قد يكون جزءا من المشكلة بقدر ما هو جزء من الحل. # | هوامش # الجزء الثاني # | سيادة النظام الرمزي # | تمهيد: النظام الرمزي # يعد الانتقال من النظام الخيالي إلى النظام الرمزي انتقالا من الدائرة المغلقة للأنا ~~وأشيائها إلى المجال البين-ذاتي المفتوح. # 1 # إن الأخير هو الذي يمنحه لاكان اسم الآخر الكبير، فالإنسان، بعد نزعه من ~~حالة الارتباط بالآخر/الأم مع ظهور الاختلاف في صورة اسم الأب، يجب أن يتخلى عن ~~استمتاعه بجسد الأم في ظل ألم الإخصاء، فعليه أن يدفن هذه اللذة القهرية، من أجل أن ~~يحتل مكانه في بنية الأدوار والعلاقات التي يسميها لاكان بالنظام الرمزي. من الممكن ~~القول إن وظيفة النظام الرمزي، مثل سر التناول المسيحي، هي تحويل اللحم والدم إلى رمز، ~~فالذات يفترض بها الآن أن تتطابق مع مكانها ذي الدلالة في إطار الشبكة المسبقة ~~للعلاقات الاجتماعية. # ولكن - وبما أن مصدر الإشباع صار محرما على الذات الآن - فسيصيبها الفراغ نتيجة هذا ~~المنع، وتتحول إلى اللاوجود الدائم الذي نعرفه بالرغبة. وفي بحثها عن الإشباع، تنقسم ~~الذات وتتشتت، وتتعثر في رمز أو شيء تلو الآخر، في سعي مصيره الفشل نحو اكتمال للوجود ~~مستعص دائما، اكتمال ليست هذه الرموز أو الأشياء في ظله سوى بديل. وبما أنه لا يوجد ~~دال فوقي - أي لا كلمة تعبر في كشف إعجازي ما عن كينونة الذات ككل - فإن الذات تتفلت ~~من خلال الفجوات بين الدوال المختلفة؛ فالذات قد تعي هذا المعنى المحدد أو ذاك؛ لكن على ~~حساب خسارة كارثية لكينونتها؛ إذ يمكنها أن «تعي» معنى ما؛ لكن ليس إلا على حساب تلاشي ~~وجودها «الكامل» من خطابها ذاته، فلا يوجد دال يمكن أن يمثل على نحو ملائم الذات التي ~~تستخدم الدوال ولا المكان الذي يفعل هذا منه. # إذن، فالذات مستبعدة من سلسلة الدلالة وممثلة فيها في نفس الوقت؛ فلأنها لا يمكن أن ~~تكون حاضرة بالكامل أمام نفسها، فلم يعد من الممكن أن تعرف ms094 بصفة مباشرة أفضل من ~~مصطلح كانط سيئ السمعة «الشيء في ذاته»، فلا يمكن رصد وجودها إلا سلبا، أي في النقص ~~الذي يكمن في قلب اللغة. ومن هذا المنطلق فإن دخول الذات إلى النظام الرمزي هو نوع من ~~السقوط السعيد؛ إذ لا يمكنها أن تثبت هويتها من سبيل مختلف، إلا أن الثمن الذي ~~يجب أن تدفعه مقابل هذه الهدية الثمينة يشوهها لبقية حياتها كما هو حال أوديب، فعليها ~~أن تبحث عن هويتها لا في مرآة نفسها، بل في ظل اختلاف، في ظل حقيقة أن كل موضع في ~~النظام الرمزي (الأب والجدة والأخ والأخت وغير ذلك) تشكله علاقاته مع المواضع الأخرى، ~~كالكلمة التي لا تكمن أهميتها سوى في موضعها في سلسلة من الاختلاف. لا يعني هذا أن عالم ~~النظام الخيالي قد هجر تماما، فالذات - على العكس - صارت منقسمة بين الأنا، بكل ~~روابطها النرجسية بالأشياء، وحقيقتها - باعتبارها كائنا دالا - التي تكتسبها من خلال ~~تسليم نفسها إلى الآخر الكبير، أو مجال اللغة في مجمله، فعليها تقبل أن حقيقتها تكمن ~~في إبقاء الآخر الكبير، لا فيما تؤكده في تضليل عن نفسها. وبما أن الوصول الكامل إلى ~~الآخر الكبير متعذر، فكذلك الحال مع حقيقة هويتها الخاصة؛ إذ لا يمكنها أن تتأكد من ~~أن كينونتها أمام نفسها تتفق مع كينونتها أمام الآخر الكبير. إن اللاوعي يولد في هذا التفاوت أو اللبس؛ فكينونتي ستظل تتجاوز حدود إدراكي. # لا يحدث أي من هذا دون عناء، فوجود الذات يعني كذلك أن نتشكك في مكاننا في نظام الآخر ~~الكبير، وأن نجد أنفسنا غير منسجمين معه، وأن نرفض أن ننخدع بالرسائل المبهمة المشوهة ~~المعقدة التي يرد بها على تساؤلاتنا الملحة («من أنا؟» و«ماذا أفعل؟» و«ماذا تريد ~~مني؟») فنحن لا نألف تماما هذا النظام المجهول الهوية، و«الفائض» بداخلنا الذي ~~يعجز الآخر الكبير عن استيعابه هو نفسه جوهر ذاتيتنا، فالنظام الذي يكون الذات ~~يقصيها كذلك؛ لذا فإن ما نمر به عندما نصل إلى ما نحن عليه هو نوع من الاغتراب الذاتي. ~~لكن إن كان ms095 جوهر الذات غريبا ومستغلقا جدا، فهنا بالتحديد تجد الذات نفسها متماثلة ~~مع نظام الآخر الكبير غير المفهوم هو الآخر. # لا يقتصر النظام الرمزي على الاختلاف بل يتعداه إلى الإقصاء والمنع، فلا يمكنك مثلا ~~أن تكوني ابنة وزوجة لنفس الرجل، فهو عالم من القواعد والتشريعات، على عكس طبيعة النظام ~~الخيالي المتعددة الأشكال؛ فروابط النظام الخيالي المباشرة تفسح المجال للقوة اللاشخصية ~~للقوانين الكونية، بينما تفسح المعرفة البديهية المجال للمعرفة غير المتوقفة على الذات ~~وهي العلم أو النظرية، «فالمضمون» - جسم الأم - عند الطفل الأوديبي يجب أن يأتي ثانيا ~~بعد «الشكل»، قانون أبوي لا يتمثل إلا في منع أجوف؛ لكن فقط بالخضوع لقانون الإخصاء هذا ~~أو الأنا العليا يمكن للفرد أن يحتل مكانا ذا دلالة في نظام القرابة؛ ومن ثم يصبح ~~ذاتا؛ فالعقدة الأوديبية تعاد صياغتها في إطار سيميائي؛ إذ إن الذات لا يمكنها أن تكون ~~مستقلة باعتبارها كائنا متحدثا فاعلا مستقلا في الظاهر إلا من خلال وضع قيود ~~صارمة على نفسها وكبت رغبتها المحظورة وهجر متعتها في شعور بالذنب. فالمتعة أو ~~الاستمتاع بجسم الأم - كما يبين لاكان - محرم على الذات؛ فالذات منقسمة إذن بين القانون ~~والرغبة، وإن كان يتوارى في قلب النظام الخيالي، كما سنبين لاحقا، جدل معلق بين ~~الاثنين يعرف بالنظام الواقعي. # إن دخول النظام الرمزي يعني الخضوع للنفي نوعا ما، فعلاقتنا بالعالم لم تعد تتمتع ~~بفورية الخيالي «الزائفة» بل يتوسطها الدال من كل الجوانب. وهذا يتضمن استنزافا ~~معينا للواقع؛ حيث إن الدال نوع من الإخصاء، نصل قاطع يفصلنا عما هو واقع. فبدلا ~~من تصور إحكام قبضتنا على الأشياء الفعلية، علينا أن نرضى بمدلولاتها الوسيطة التي ~~تعرف باللغة، فالرمز - كما يبين لاكان - هو موت الشيء؛ حيث إن سيادة الدال تفرض ~~«تلاشي» الذات الكاملة. فالتكلم - وهو ما لا يعدو إلا انتقالا أجوف من دال إلى آخر ~~- يعني من هذا المنطلق انتظار الموت، حيث يمثل لا وجود الذات نذيرا بفنائها في نهاية ~~المطاف. وربما يكون ذلك أحد معاني عبارة القديس بولس: إنا نموت في ms096 كل لحظة. إن الدوال ~~قاصرة في جوهرها؛ فحيث إن المعنى ناتج عن الاختلاف، يتوجب وجود دالين اثنين على ~~الأقل لإنتاج معنى واحد. وبما أن هذين الدالين يتضمنان دوال أخرى عديدة، فإن ~~العملية كلها معقدة، ولا يمكن حصرها شأنها شأن الرغبة ذاتها. # كما أن هذه ليست علامات أو أصوات ابتدعناها بأنفسنا؛ فلكي تعبر الذات عن معنى، عليها ~~أن تبني على المخزون أو المستودع الهائل للرموز والقواعد والدوال الذي يسميه لاكان ~~بالآخر الكبير؛ لذا فهي لا تعبر عن معنى إلا بعد فترة وبوجود وسيط، باستخدام الدوال ~~التي تبلورت من مقاصد الكثير من الآخرين المجهولين. فكل دال كاللوح المكتوب عليه أكثر ~~من مرة، فحاجتي إلى أن يعترف بتميزي كذات تتداخل مع وسيط ليس لأي منا ملكية له، وله ~~منطقه الخاص بصفة مستقلة عن إرادتنا، و«يعبر» عني أكثر مما أعبر عنه؛ فالدال هو ما ~~يصنع الإنسان وليس العكس. إذن، فوهم السيطرة لدى الطفل في طور المرآة، إلى جانب ~~هويته الذاتية الزائفة، يتبددان بالتبعية، فالآخر الكبير الذي أستعير منه كلامي لا ~~يكتفي بإخباري بما قد أقوله، بل يخبرني بما قد أرغبه؛ لدرجة أن جوهر وجودي الصميم تصنعه ~~روابطي بما يختلف عني. # إذن، نحن مقدر علينا أن نعبر عن أنفسنا بلسان غريب عنا دائما، فحتى إن أمكنني ~~التعبير عن رغبتي فعلي أن أعبر عنها باستخدام وسيط - هو الآخر الكبير أو المجال ~~البين-ذاتي بكامله - وهو الذي لا يمكن التعبير عنه؛ إذ ليس ثمة آخر بالنسبة للآخر ~~الكبير، ولا يوجد منظور يمكن من خلاله رؤية هذا الفضاء بمجمله؛ حيث إن هذه العملية ~~تحتاج للدلالة عليها من داخله؛ ومن ثم تعجز عن تجاوزه، فما يسميه لاكان بالفالس ~~(القضيب) كما رأينا هو دال سحري يمكن الفرد من الفهم الكامل لخطابه في الوقت الذي ~~يقضي فيه على غموض حديث الآخر؛ لكن القضيب كاذب. ويعرف هذا الالتباس للدوال التي أتقيد ~~باستخدامها، والطريقة التي طالما تتجاوز بها آثارها الملتبسة مقاصدي، باللاوعي. فالذات ~~تنقسم بين الأنا واللاوعي، وهو ما يعني أنها تنقسم بين خطابها ms097 وموقع هذا الخطاب ودلالته ~~في إطار الآخر الكبير أو الشبكة الكلية للدوال التي لا يمكنها أن تدركها على نحو سليم. ~~فاللاوعي هو إذن أداء وليس مكانا، فالإنسان كالرسول العبد في العصور القديمة «الذي ~~تكتب على رأسه الوصية التي تحكم عليه بالموت «لكن» لا يعرف معنى الرسالة ولا اللغة ~~التي كتبت بها ولا يعرف حتى أنها كتبت على رأسه المحلوقة وهو نائم.» # 2 # فتجرد النظام الرمزي عن الأشخاص عند لاكان يرتبط ارتباطا كبيرا بمجهولية ~~الموت. # وإن كان لاكان قد سمى نظامه ب «الرمزي» فذلك لأن محل الجدل هنا هو المواقع ذات ~~الدلالة وليس الأفراد الذين من لحم ودم، فنحن لا نصير أشخاصا «حقيقيين» إلا باتخاذ ~~موقع أو آخر من هذه المواقع الرمزية، مثلما لا نصبح أشخاصا إلا عندما نتعلم الكلام. ~~وليس هذا الحال في النظام الخيالي حيث لم تتم الدلالة الرمزية بعد، فموضوع النظام ~~الرمزي، كما يقول فريدريك جيمسون، «يتحول إلى تمثيل لذاته.» # 3 # إذا فنحن نتعامل مع بنية شكلية بحتة، يوزع الأفراد بداخلها ويوضعون ~~في مكانهم بقانون حاكم يطبق بحيادية عليهم جميعا، فما يهم هو العلاقات، التي يمثلها ~~دور كدور «الأب»، وليس الأفراد الواقعيين الذين تقوم بينهم هذه العلاقات، فسلوكي ~~المداعب مع ابن عم والدي مثلا يرجع لأنه قريبي وليس لأنه شخص ظريف بالضرورة؛ فتبجيل ~~الإنسان أباه لأنه ذكي، كما يقول كيركجارد، ضرب من العقوق. ويفرق كتاب باسكال «خواطر» ~~بين المتشكك الذي يعرف حقيقة السلطة والسذج من العامة الذين يعتبرونها أمرا مقدسا، ~~وفريق ثالث يحترم السلطة لكن ليس لأنها ذات قيمة في ذاتها؛ لذا فإن النظام الرمزي نوع ~~من الخيال؛ فنحن نعلم مثلا أن حكامنا السياسيين مهلهلون أخلاقيا من كل الجوانب ~~مثلنا؛ لكن اعتبارهم حكاما بالدرجة الأولى تعليق لهذه النظرة السالبة للقوة. إذا ~~فالأماكن في هذا النظام مفاهيمية أو رمزية، وهي بهذا قد تجتمع أو تتبدل تبعا لقواعد ~~صارمة معينة. أو بالأحرى، يسمح القانون بتغيرات معينة بينما يمنع أخرى (كزنا المحارم ~~على سبيل المثال). # يوجد فارق هنا بين التبادل «الخيالي» ms098 و«الرمزي»، فعمليات التبادل الخاصة بالنظام ~~الخيالي كما رأينا تتضمن طمسا للحدود بين النفس والآخرين؛ بحيث يبدو أن الأجسام تمتزج ~~في سلاسة ببعضها، فيعيش كل منها حياة الآخر ويلتحم كل منها بالآخر. هذا إذا تبادل حرفي ~~للذات لأقصى درجة متصورة. أما التبادل الرمزي فيقوم على التجريد؛ إذ يمكن لشيء أن يحل ~~محل شيء آخر؛ حيث إن الأمر لا يتوقف على طبيعته الخاصة بل على موقعه المحدد في النظام، ~~فهو كالسلعة غير موجود بذاته بل بحركته مع أمثاله. ويمكننا أن نزعم على الطريقة ~~الماركسية بأن النظام الرمزي قضية مرتبطة بقيمة التبادل، بينما يعد النظام الخيالي، ~~الذي نقدر فيه السمات الملموسة للآخر في حد ذاتها، حالة من قيمة الاستعمال. وكما يقول ~~كيركجارد عن النوع الإنساني في كتابه «المرض طريق الموات»: كل فرد «أملس كالحصاة، يمكن ~~تداوله كالعملة الرسمية لدولة ما.» # 4 # إن كنت أنا وأنت مرتبطين بوسيط (الآخر الكبير) يتخطى كلا منا، فهذه حقيقة لها ~~تبعات تتعلق بفرص الفهم المشترك بيننا؛ فالآخر الكبير - باعتباره مكانا أسطوريا ~~يرقد فيه كثير من المعاني المجهولة المتشابكة - غامض وملتبس؛ وبما أنه هو المكان الذي ~~نستمد منه أنا وأنت الحديث الذي نتواصل به، فإن كلا منا يصير غامضا أمام الآخر ~~بدوره. أو بلغة لاكان المبهمة فإن الآخر يصير الآخر الكبير. (مثال حقيقي: سألني صديق ~~أخطأ في سماع موضوع هذه الدراسة فظنه عن مقاطعة إسيكس # Essex ~~، بدلا من الأخلاق # Ethics ~~، عما إذا كنت قد ذكرت كولتشستر. وقضيت عدة أيام في قلق ~~متسائلا عما إذا كان كولتشستر فيلسوفا أخلاقيا كان ينبغي أن أعرفه أم لا.) لكن ~~المسألة أعمق من مجرد اللبس اللفظي، فهل يرمز الثدي إلى الحب، كما نتصور الطفل الصغير ~~وهو يتساءل، أم إلى دفع الجوع وحسب؟ هل هو استجابة لاحتياجه للاعتراف به أم استجابة ~~لحاجته وحسب؟ يمكننا أن نتصور الطفل الذي تنهمر عليه الرسائل الملتبسة المعاني من الآخر ~~الكبير، وقد قض مضجعه لغز ما يريده الآخر الكبير منه. وإلى هذا الحد، فإن الطفل في نفس ~~موقف البروتستانتي الخائف، ms099 غير قادر على فك شفرة الرسائل المستمرة لكن غير المسموعة لرب ~~يحجبه الظلام؛ فالآخر الكبير هو رب خفي، أوامره غامضة لكنها ملزمة. # إذن لا يمكن أن يوجد أي منفذ للوصول للآخرين بلا عائق؛ حيث إنهم يقبعون مثلنا خلف ~~جدار اللغة، فإن ما يتيح لك التعرف علي هو نفسه ما يعزلك عني. ولم يعد هناك أي ~~تناقض صارخ - كما كان عند ديفيد هيوم - بين الأقرباء والغرباء. والآن وفيما يتعلق ~~بنظرية التواصل المتشائمة تلك، فحتى الأكثر حميمية غريب بالضرورة، فكل الجيران غرباء، ~~وحتى الحديث الحميمي لا خصوصية فيه. إن فكرة وجود نظام اجتماعي يجري فيه الأشخاص ذوو ~~الإرادة الحرة تبادلات شفافة متماثلة مع أشخاص آخرين على نفس القدر من الشفافية قد ~~انكشف زيفها. ولنا أن نقول إنها خرافة مجتمع الطبقة الوسطى. # ثمة شيء محزن في هذه الرؤية جرت الإشارة إليه كثيرا، ففي مفارقة مقلقة، عندما يبدو ~~العالم وقد بلغ اتصافه بالإنسانية أقصاه - عندما ينسجه الدال من البداية للنهاية - نجد ~~أنفسنا وقد شعرنا بأقصى درجات الاغتراب. فقد يكون الدال وسيلة لاستحواذ بعضنا على بعض بدرجة أكبر من المخلوقات غير المتكلمة؛ لكنه يعبر عن خسارة لا يمكن تعويضها، فنحن ~~نحصل على إنسانيتنا مما هو غير إنساني بالكلية، العلامات والآثار والأصوات والبصمات ~~والنقوش. وفي ظل النقص الذي تزرعه اللغة في الذات مثل الفيروس، فإن الذات يمكنها أن ~~تتعلق بالشيء السامي الذي ترغبه فقط في صورة بديل جزئي له، قطعة شاردة من فضلات أو ~~بقايا يسميها لاكان «موضوع الرغبة المستحيل أو الآخر الصغير». وتتمزق الرابطة الخيالية ~~بين الذات وعالمها لتترك جرحا نفسيا متقيحا يعرف بالذاتية. # يدير الواقع ظهره إلينا كحبيب سابق يرفض الآن الاعتراف بوجودنا. وتفرغ الذات ~~الإنسانية بأسلوب كوبرنيكي أو دارويني من مركزيتها الخيالية؛ فالعالم لم يعد يدين ~~لها بالمعاش، ولن يموت بالتأكيد كزوج يعتمد عليها عاطفيا يوم وفاتها هي؛ إذ يجب علينا ~~الآن أن نفكر في إطار عالم من الذوات المنفصلة التي توجد - بعبارة إيمانويل ليفيناس - ~~جنبا إلى جنب وليس وجها لوجه، وكلها عناصر ms100 متغيرة لكيان لا يتمركز على أي شيء، ولا ~~حتى نفسه. فإن كان فضاء النظام الخيالي ولادا، فإن فضاء النظام الرمزي مجال مسطح لكنه ~~متغاير. إن هذا الفضاء هو ما نتعرض إليه في الفروع الرئيسية للأخلاق الرمزية: الفلسفة ~~الكانطية والليبرالية والنفعية. ويمكن لنا أن نميز بين الانغلاق الذاتي في النظام ~~الخيالي والانفتاح اللانهائي الذي يتميز به الآخر الكبير؛ لكن هناك نوعا مكافئا من ~~الانغلاق الذاتي في النظام الرمزي لا يتلقى أي صدى لخطابه من العالم فيما وراءه، فأي ~~صدى من هذا النوع عليه أن يمر من خلال الدال المراوغ؛ وبذلك لن يمثل أي جزء من ~~«الخارج» إطلاقا، فالنظام الرمزي هو عالم من الاحتمال المحض لا أساس له، فأي أساس للغة ~~يجب أن يكون قابلا للتعبير عنه باللغة؛ وبهذا يكون جزءا من المشكلة وليس الحل. ليس ~~ثمة دال فوقي. # إذن هل هذا ما يعنيه ما يسمى بالنضج والتنوير؛ أن نحرم من الراحة والتعزية من غير ~~مصادرنا، وأن يعزلنا عن الواقع عين الوسيط (اللغة) الذي من المفترض أن يفتح أبوابه ~~أمامنا؟ سيبدو أن تحررنا هو اغترابنا الذاتي في الوقت نفسه؛ فاستقلالنا يقوم على قمع ~~اعتمادنا على الغير؛ فقد استبدلنا بالاعتماد على الطبيعة إدمانا للرغبة؛ فالجرح ~~الموجود في ذاتنا الناتج عن تمزق اتحادنا الفطري مع العالم لن يلتئم أبدا، إلا أنه من ~~دون هذه الخطيئة الأولى لن يكون هناك تاريخ ولا هوية ولا اختلاف ولا حب. # لقد مثلت فكرة النظام الرمزي مشكلة عند اليسار الثقافي في عصر سابق؛ فقد بدا مفهوما ~~طليعيا لامعا، بحديثه عن النقص والرغبة والاختلاف والغيرية والتشتيت وهشاشة الهوية ~~وسيادة الدال، فعلى عكس النظام الخيالي بتصوراته الطفولية واستثماراته النرجسية، يتمتع ~~النظام الرمزي بلمسة من الواقعية الناضجة وإن كانت حزينة أو انهزامية. لكن من زاوية ~~أخرى، فإن ما يمثله النظام الرمزي ليس إلا الوضع السياسي الراهن، فإن كان هذا النظام ~~مرتبطا بالنقص والرغبة فهو مرتبط كذلك بالقانون والتماثل والتنظيم. هل كنا إذا نوجه ~~نقدا ل «النظام الخيالي» للأيديولوجيا من رحم هذه الأزمة؟ ms101 # لذا أصبح المنظرون في حاجة إلى مفهوم أو آخر يضمن تجاوز خطابي النظامين الخيالي ~~والرمزي كليهما معا، فخرج جاك دريدا بمفهوم الاختلاف، وجوليا كريستيفا ب «النظام ~~السيميائي»، وميشيل فوكو بفكرة السلطة، وجون-فرانسوا ليوتار في بداية مسيرته بنظرة خاصة ~~للفورات الشهوانية. إن الرغبة التي يمجدها جيل دولوز وفيليكس جوتاري لا تخضع لشيء ~~مقيد كالنظام الرمزي، ولا تتحمل شيئا مهينا كالنقص والإخصاء، فالنظام الرمزي عند ~~كل هؤلاء المفكرين ينبغي تفكيكه؛ لكن ليس بالرجوع إلى النظام الخيالي. في الحقيقة، كما ~~سنرى، كان لدى لاكان طريقته في تحقيق هذه الغاية تعرف بالنظام الواقعي. وبفضل هذا ~~المستوى المبهم أصبح من الممكن تطويق كل من النظام الخيالي والنظام الرمزي والتغلب ~~عليهما معا في آن. # | هوامش # الفصل الرابع # | سبينوزا وموت الرغبة # دفع كوبرنيكوس ثمن زحزحة الإنسان من مركز الكون، وكذلك فعل مكافئه الفلسفي بينيدكتوس ~~دي سبينوزا، فقد طرد سبينوزا - ابن الرجل اليهودي الشرقي البرتغالي الذي هاجر إلى ~~هولندا هربا من الاضطهاد الديني - من معبده في أمستردام بتهمة الهرطقة، وسافر بصحبة ~~مسيحيين منشقين، وأطلق عمله الرائع المنادي بالتسامح الديني والسياسي، «رسالة في ~~اللاهوت والسياسة»، الذي استنكر باعتباره عملا «أتى به من الجحيم يهودي مارق ~~وشيطان.» والكتاب كذلك نقد تاريخي وعلمي للكتاب المقدس يهدف إلى نسف الخرافات التي ~~يتغذى عليها الاستبداد. # لقد كان هذا المناصر الكبير للتحرر العقلاني مؤيدا على طريقته لما يمكن أن نسميه ~~نظرية للأخلاق الرمزية. لم يكن ذلك بالتأكيد بنفس درجة الاكتمال التي سنراها في كتابات ~~إيمانويل كانط؛ إذ يرى، بعكس كانط، أن النظام الرمزي للمجتمع يحظى بدعم الطبيعة، أي إن ~~الطبيعة والإنسانية مرتبط كل منهما بالأخرى ارتباطا لا فكاك منه، بل إنهما وجهان لنظام واحد ~~تحكمه قوانين كلية يطلق عليها سبينوزا في عمله «الأخلاق» أحيانا اسم الرب؛ فالقوى التي ~~تسبب سقوط ورق الشجر هي نفسها القوى التي تشكل عواطفنا، إلا أن الطبيعة لا اهتمام لها ~~بنا نحن البشر وهي لا غرض لها؛ فلكي تواجه الذوات بعضها بعضا في النظام الخيالي يجب ~~عليها أن تدخل في ms102 مواجهة بعضها بعضا، حتى وإن كانت لا تفعل ذلك إلا لتتسلل إلى داخل ~~بعضها. لكننا عند سبينوزا لم نعد مدعوين لرؤية العالم من داخل الباطن الباهر للذات، ~~بل ينظر للرجال والنساء بصورة طبيعية من الخارج بنفس الموضوعية التي ينظر بها عالم ~~الحشرات لإحدى الحشرات؛ فهم عناصر نظام شامل، نظام تعتبر قوانينه في غالب الأمر مستعصية ~~عليهم كما تخفى البنية العميقة لأسطورة ما على أتباع ليفي-ستروس. يقر سبينوزا، الذي ~~يؤمن بأن الفكر الحقيقي كله يتطلع لكمال الهندسة، في عمله «الأخلاق» بأنه سيبدو من ~~الغريب على قرائه أن «يتناول رذائل الناس وزلاتهم بأسلوب هندسي، وأن يتطلع لأن يبين ~~بمنطق راسخ تلك الأشياء التي يشكون منها باعتبارها منافية للمنطق ولا طائل منها وسخيفة ~~ومقززة.» مع ذلك فإن تبني روح الهندسة هذه هو في النهاية باسم الحب والتسامح، وهو في ~~نظر سبينوزا أجدى من أي نوبة عاطفة قصيرة. # كما أن الرجال والنساء عند سبينوزا ليسوا فواعل مستقلة، كما هو حالهم عند كانط ~~والمفكرين «الرمزيين» - هابرماس ورولز - الذين يمجدون تيار الأخلاق هذا في زماننا ~~الحاضر، بل هم على العكس ضحايا للسببية لا حول لهم ولا قوة مثل مريض السرطان. لكن هذه ~~الاستقلالية في رأي لاكان - على الأقل في أكثر مراحله اتصافا ب «البنيوية» - وهمية على ~~أية حال في معظم الأحيان؛ فاعتقاد الأنا بأنها سيدة نفسها يخفي وراءه اعتمادها على ~~قانون الدال، أو - كما في رأي سبينوزا - على قوانين الطبيعة. والحرية عند العوام من ~~الناس - مقابل المتخصصين الذين يدرسون سلوكهم - هي الجهل بالضرورات. إن غفلتنا عن أسباب ~~أفعالنا هي السبب في إمكانية امتلاك الوهم المعروف بالحرية. يبين تي إس إليوت في واحدة ~~من أكثر الفقرات اقتباسا في النقد الإنجليزي مفهومه السلبي المستنكر للخيال الإبداعي ~~بأن كتب كيف أن العقل الشاعري يربط تلقائيا أحاسيس مثل الوقوع في الحب وسماع صوت ~~الآلة الكاتبة وشم رائحة الطعام وهو يطهى وقراءة أعمال سبينوزا. إن العامل المشترك ~~بين الأمثلة الثلاثة الأولى هو خلوها من الإرادة، اللهم إلا إن كان شم رائحة ms103 الطعام ~~المذكور تشمما؛ لذا من الملائم جدا أن الفيلسوف الذي خطر ببال إليوت لم يؤمن بمثل ~~هذه الملكة، وإن خطر اسم سبينوزا على ذهن إليوت تلقائيا فقد تكون الفقرة مثالا على ~~ما تقوله. # حتى الرب عند سبينوزا، الذي لا يحبنا ولا يكرهنا، ليس حرا في فعل ما يحلو له، فهو ~~حر بمعنى أنه يقرر مصيره، يحركه ما تمليه عليه طبيعته الإلهية؛ لكن لا يمكنه أن يكون ~~مثلنا ويظل إلها. وهذه النظرة في إطار هذا السياق نظرة راديكالية سياسيا؛ فالرب ليس ~~ملكا مستبدا متقلبا يحكم بأحكام اعتباطية، وهو ليس مدللا ونزويا كمطرب مشهور. ~~وعلينا أن نحترس أشد الاحتراس، كما يحثنا سبينوزا في كتاب «الأخلاق»، من الخلط بين سلطة ~~الرب وسلطة الملوك؛ فبعكس الطغاة، على الرب أن يحترم قوانين الكون. إن قوانين الكون هي ~~ما نعنيه بالرب، الذي هو كامن في الطبيعة وليس فوقها؛ فالعالم، باختصار، هو جسد الرب، ~~وإن اختلف عما هو عليه فلن يكون الرب ربا مثلما سأكون شخصا آخر إن سكنت جسدا ~~مختلفا كلية . وبما أن كل أفعال الرب مسألة ضرورة، فإن من المستحيل أن يخلق العالم ~~خلقا مختلفا، وهي فكرة تعد في نظر سبينوزا حافزا قويا على مذهب الرواقية. سينظر ~~الحكماء إلى الزلات والكوارث الإنسانية كما ينظر الإنجليز إلى الطقس: فهي أشياء غير ~~مقبولة؛ لكن هناك عزاء في أنها لا يمكن أن تتغير. كما أن هناك كذلك إمكانية أن نصبح ~~نحن شبيهين بالرب، تحرك أفعالنا الضرورة المحضة في طبيعتنا الخاصة من دون أي إلزام ~~خارجي. إن هذا هو ما عرفه سبينوزا - استباقا لكانط - بالحرية؛ فالحرية ليست انعدام ~~الجبرية، بل هي المشروع الشاق المتمثل في تقرير الذات. # إن الحقيقة القائلة أن لا شيء يمكن أن يكون بخلاف ما هو عليه لا تتوافق بالطبع مع ~~الحكمة التقليدية للعامة؛ إذ يرى لوي ألتوسير - الذي اعتنق شكلا من الماركسية المصطبغة ~~بفلسفة سبينوزا - أن كلا من الضرورة والحرية سمة من سمات الأيديولوجيا؛ ضرورة لأننا ~~تحت تأثير الأيديولوجيا نتصور أن وجودنا الفردي ضروري بصورة ms104 ما للمجتمع ككل وأننا خرجنا ~~إلى العالم مرتبطين به كما يرتبط الأطفال بآبائهم؛ والحرية لأن النظام الخيالي ~~الأيديولوجي يمدنا - من خلال «وضعنا في المركز» بهذا الشكل - بقدر كاف من الوضوح ~~والإحساس بالاستقلالية لنتصرف باعتبارنا فواعل لها غايات. ويدرك الجزء الأكثر ظلمة من ~~النظرية أن وجودنا باعتبارنا أفرادا محتمل تماما؛ أي أن النظام الرمزي متعلق بمواضع ~~معينة، وأن ما يشغلها مسألة ثانوية بحتة. لكن النظرية تعي كذلك وجود ضرورة لوجودنا ~~اليومي باعتبارنا «حاملين» لقوانين التاريخ التي نجهلها في الأغلب، فالعقل التقليدي عند ~~سبينوزا يفترض أن الأشياء في عالم الأيديولوجيا - أي عالم التجارب اليومية المحير بشدة ~~- حرة، ووجودها محتمل وتحركها الصدفة والعمل، بينما تدرك الفلسفة أنها جامدة لا تتغير ~~كالصخر. فإن كانت الذات عند لاكان منقسمة بين النظام الخيالي والنظام الرمزي، فالمثل ~~ينطبق عند سبينوزا على المجتمع الإنساني نفسه، الذي ينقسم بين الرعاع المضللين ~~وحاملي المعرفة الحقيقية؛ فنظرية سبينوزا الأخلاقية من هذا المنطلق طبقية بقدر تلك ~~الخاصة بأرسطو. # إذا ينتمي سبينوزا لتيار فلسفي - يمتد من أفلاطون مرورا بشوبنهاور وماركس وصولا إلى نيتشه ~~وفرويد وليفي-ستروس - يرى التجربة موطن الوهم. وفي هذا أعظم تناقض مع العالم القائم على ~~البديهة عند هتشسون وسميث، وهما رجلان يتمتعان بإيمان راسخ بما يمكن لمسه والإحساس به. ~~وتعتبر جذور ذاتيتنا في ضوء هذا التراث التشككي مجهولة إلينا، ومجهولة بالضرورة (عند ~~معظم المفكرين المتشككين). إننا لا يمكننا أن نكون أنفسنا إلا من خلال كبت محددات ~~وجودنا الحقيقية أو نسيانها أو التعمية عليها؛ فنحن نتحدث لغة العالم بطلاقة؛ لكن ~~قواعدها عصية علينا. # يعد الوعي التقليدي من منظور سبينوزا مرتكزا على الإنسان تلقائيا؛ فالأيديولوجيا ~~التي نسقط فيها عند مولدنا هي نوع من الإنسانوية التلقائية، فالرجال والنساء «خياليون» ~~أو منشغلون بالذات بالفطرة، حيث يعتبرون أن الواقع يقدم إليهم ويصاغ حسب أهدافهم. وهم ~~عاجزون عن إدراك أن وجود الأشياء - مثلما هو الحال مع النظام الرمزي عند لاكان - يقوم ~~تماما على النسبة بين بعضها وبعض، من دون جوهر ذاتي تقوم عليه. إن فكر سبينوزا معارض ms105 للاهوت ~~بشدة؛ لكن العامة يفترضون أن العالم خلق لحكمة، وأن هذه الحكمة تبلغ أقصاها بتحقق ~~رفاهتهم، فكل فرد يثق بأن الرب «خلق كل شيء من أجل الإنسان» وأن «الرب يمكن أن يحبه ~~أكثر مما سواه ويسخر الطبيعة كلها لإرضاء طمعه الأعمى وجشعه الذي لا ينتهي.» # 1 ~~(الإشارات اللاحقة لأرقام الصفحات من عمل هيوم هذا ستوضع بين قوسين بعد ~~الاقتباسات المعروضة منه.) كما يؤمن العامة السذج بأن العواصف والأمراض والكوارث ~~الطبيعية وما شابه قد أرسلت لعقابهم؛ فالوعي الزائف هو عدم القدرة على هجر سيادة ~~الإنسان الوهمية إلى حقيقة الواقع المحزنة. إن العامة في الحقيقة، رغم أنهم سيفاجئون ~~بهذا، نفعيون أخلاقيون مقتنعون بأن الخير هو أي شيء يفضي إلى تحقيق رغباتهم وأن الشر ~~هو ما يقف في طريقها؛ ف «الخير» عندهم يعني «ذلك الذي يحقق النفع/المتعة لي أو لنا»؛ وهو ~~ما يعني أن العامة أتباع لديفيد هيوم وهم لا يعلمون. ونتيجة هذا التركيز على الإنسان هي ~~النسبية، حيث يصدر كل فرد أحكامه «تبعا لنزعات عقله هو » (36). # إذا فإن أي نظرية أخلاق خيالية ثمرة لأنانية العامة المتبلدة؛ فكل الأشياء المخلوقة ~~عند سبينوزا هي غاية في ذاتها، والسبب الوحيد في وجودها هو الحفاظ على كيانها ذاته، أما ~~العامة فيرون أن الأشياء تتيح لهم سبيلا مناسبا لتحقيق رخائهم، فمن المؤكد - كما ~~يفترضون - أن هناك «مدبرا أو مدبرين، يتحلون بالحرية الإنسانية، اعتنوا من ~~أجلهم بجميع الأشياء وصنعوا الأشياء من أجل أن تستخدم» (32). والرجال والنساء ~~العاديون «يعتقدون أن كل الأشياء صنعت من أجلهم، ويحكمون على طبيعتها بالخير أو الشر، ~~أو بأنها سليمة أو فاسدة تبعا لتأثرهم بها» (36)؛ لذا فإن العامة غير قادرين على رؤية ~~أنفسهم في إطار النظام الرمزي، فهم عاجزون عن تأمل حياتهم من منظور الطبيعة المحايد؛ أي ~~باعتبارها مجموعة واحدة من الظواهر التي تحكمها السببية في عالم لا تعدو فيه المادية ~~والذاتية كونهما جانبين متبادلين من عقل الرب، فهم لا يفهمون أن «كل الأسباب النهائية ~~ما هي إلا من ابتداع البشر» (33)، بل يلجئون إلى مخاطبة ms106 إرادة الرب، «وهي ملاذ الجهل» ~~(34)، فهم يتصورون شأنهم شأن الأعداء المعاصرين لداروين أن جسم الإنسان ظاهرة أعقد من ~~أن تكون نتيجة شيء سوى إبداع خارق للطبيعة؛ فالإنسانية إذن «ملزمة بالعاطفة والرأي ~~والخيال بإنكار طبيعتها الخاصة.» # 2 # بهذه الطرق كلها فإن العامة «يخلطون بين الخيال والمنطق» (35)، وهو تمييز أعاد لوي ~~ألتوسير صياغته لاحقا تحت مسمى الأيديولوجيا والنظرية. فالمعرفة العامة لا تخبرنا بأي ~~شيء عن الواقع بل تخبرنا بالكثير عن بنية النظام الخيالي العام؛ إذ يؤمن الناس العاديون ~~مثلا بأن العالم محكم النظام؛ لكن هذا في رأي سبينوزا لا يعني إلا أن «الأشياء، عندما ~~تكون شديدة التنظيم، بحيث عندما تظهر لنا من خلال حواسنا يمكننا تصورها ومن ثم ~~تذكرها بسهولة، يمكن أن نصفها بأنها محكمة التنظيم» (35). والأشياء التي نتخيلها بسهولة ~~نجدها ممتعة. لكن النظام في الطبيعة من منظور سبينوزا هو لا شيء «إلا فيما يتعلق ~~بخيالنا» (35)، وهي مسألة كان ديفيد هيوم سيقرها دون تردد. # إذا فإحداثيات المعرفة الشائعة هي نفسها إحداثيات النظام الخيالي؛ المتعة والعواطف ~~والحواس والتمثيل والخيال والأنانية وأوهام الترابط. إن الخيال ليس زائفا بدرجة أكبر ~~من الأيديولوجيا في نظر ألتوسير، فنحن لا نرى الشمس أقرب مما هي عليه منا؛ لكن ~~«المعرفة» الحسية من هذا النوع لا يمكن الاعتماد عليها أبدا، وتتعارض مع حكم العقل ~~المطلق، ف «الأشياء المثالية» كما يكتب سبينوزا مهاجما «ما هو سوقي»، «لا تقاس إلا ~~بطبيعتها وقوتها، فكمال الأشياء لا يزيد أو ينقص لأنها تسر الحواس البشرية أو ~~تؤذيها، لا لأنها نافعة للطبيعة البشرية أو ضارة بها» (37). ففلسفة السعادة وفلسفة ~~المنفعة يبطلهما ضرب من العقلانية لا يرى في أخلاق العامة سوى نوع من الأنانية الجماعية ~~المتوحشة، فالسوقيون لا يمكن أن يرقوا لمستوى تحدي النظر إلى العالم كما لو كانوا لا ~~ينظرون إليه؛ فالخطاب الأخلاقي من الناحية المباشرة قائم على خطأ، فهو نتيجة الخطأ في ~~معرفة الأسباب والطبيعة الحقيقية للأشياء؛ إذ يطلق أحكاما على أفعال منفصلة - مثلا - ~~ولا يستوعبها باعتبارها أجزاء مكونة لكل، وهو يشترك إلى الآن في ms107 نقاط كثيرة مع ما ~~يعرف في الماركسية بالفلسفة الأخلاقية. # 3 # ولا تعادي النظرية الماركسية الخطاب الأخلاقي - الذي تعد هي ذاتها نموذجا ~~واضحا له - بل الحكم الأخلاقي قصير النظر الذي يجرد الشيء محل التقييم من سياقه ~~التاريخي. وليس من الغريب أن بليخانوف أثنى على سبينوزا معتبرا إياه أبا المادية ~~الإلحادية. # وكما يعلق ستيوارت هامبشير فإن «النصائح والرسائل الموجهة للعاطفة والرغبة بلا جدوى ~~وغير ذات صلة (عند سبينوزا) في الفلسفة الأخلاقية كما في الفلسفة الطبيعية.» # 4 # ويستبعد مجمل نظرية «الحس الأخلاقي» مقدما؛ فالمصطلحات العاطفية مثل ~~«اللذة» و«الاستنكار» وغيرها لا تقدم سوى تناسق زائف لنطاق مجموعة كبيرة من ~~الاستجابات. ويمكننا الثناء على الآخرين أو توجيه اللوم لهم تبعا لأذواقهم وحساسياتهم، ~~كما هو الحال مع أفعالهم «الأخلاقية». «فكل ما يراه (شخص ما) مزعجا أو سيئا» كما يكتب ~~سبينوزا «وكذلك كل ما يراه فاسدا أو مريعا أو ظالما أو مشينا سببه أنه يرى هذه ~~الأشياء بأسلوب مختل ومشوه ومشوش» (187). وينطبق نفس الأمر على قراءة الكتاب ~~المقدس؛ فالجاهل يأخذ العبارات العاطفية مثل «غضب الرب» بمعناها الحرفي بدلا من فهمها ~~باعتبارها مجازا لحقائق أزلية، «فالمشكلات الأخلاقية» كما يقول هامبشير «هي في الأساس ~~مشكلات مرضية.» # 5 # إن تلك الرؤية الأخلاقية التي خطها قلم مهرطق يهودي مطارد ~~باهرة بقدر ما هي فاسدة؛ فلم يكن سبينوزا ليعتبر الغضب أو الامتعاض استجابة ملائمة ~~لاضطهاده؛ إذ لم يعتبر الأخلاق قضية عاطفية في المقام الأول؛ فالحب والكره البشريان ~~ينبعان من جهودنا أو سعينا الفطري للبقاء؛ وبذلك فهي لا تخضع لسيطرتنا مثلما الحال مع ~~اللاوعي عند فرويد أو نمط الإنتاج الرأسمالي. يجب علينا أن نتبنى مذهبا تأويليا ~~متشككا في أحكامنا، وأن نمحو باستمرار أي إشارة للذات، وأن نعتبر حديث الفرد عن ~~مشاعره ودوافعه عرضا (بالمعنى الفرويدي) أو تبريرا (بالمعنى الفرويدي الماركسي). ~~فالحقيقة لا ترتكز على تجربة الفرد بل تكمن في الأسباب الطبيعية والمادية التي تشكل ~~حالات الوعي تلك، ولا يمكن معرفتها أبدا تحت مظلتها، فكون الذات ذاتا يعني إساءة ~~التفسير. # يصعب التهوين من شأن ms108 التأثير الثوري لهذه النظرة؛ فقد رأى لوي ألتوسير أن سبينوزا ~~«أشعل ثورة نظرية غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، ربما كبرى الثورات الفلسفية في كل العصور.» # 6 # فهذه الأفكار الهدامة بصورة كبيرة - التي أعلنها صانع عدسات طبية مغمور ~~يتمتع بمنزلة القديس وسط الفلاسفة - تقوض عقائد أخلاقية كاملة وتهدم نطاقات كاملة من ~~التحيز الإنساني؛ فالتجارب اليومية - وهي عين مكمن الأخلاق عند لوك وهتشسون وهيوم - ~~مضطربة وغير عقلانية وسابقة على العلم الحديث وتهتم بالذات تلقائيا، فكلمات مثل ~~«شرير» و«فاضل» - وهي كالأحكام الجمالية عند كانط - لا تشير للخصائص الموضوعية للأشياء ~~بل لموقف المتحدث منها؛ فالمصطلحات الأخلاقية لا تنطبق على البشر؛ إذ إنهم لا يتمتعون ~~بحرية أكبر مما تتمتع به سمكة الزينة، والنفس لا تستعبدها السببية بصورة أكبر إلا عندما ~~تظن أنها حرة؛ فالرجال والنساء أشياء طبيعية تحكمها السببية، وفي تعلم هذه الحقائق ~~وتقبلها يكمن الطريق إلى الورع والخلاص. # إن القادرين على التنزه عن المصلحة والرغبة وحدهم يمكنهم تقبل هذه العقيدة ~~الحكيمة القائمة على كشف الوهم، ويعني سبينوزا ب «التنزه عن المصلحة » شيئا يختلف عما ~~يقصده الفلاسفة العاطفيون في القرن الثامن عشر، فهم - كما رأينا - يرون أن التنزه ~~عن المصلحة لا يعني ممارسة نوع من اللامبالاة المعتدلة بل الشعور بالتعاطف مع شخص آخر ~~عندما لا يكون هناك عائد من ذلك. أما في فلسفة سبينوزا فهذا الشعور بجسد شخص آخر من ~~الداخل ليس نوعا وافيا من المعرفة؛ حيث إن معرفتنا بالأشياء التي تؤثر فينا من خلال ~~أجسادنا - وهو ما يتضمن معرفتنا بالآخرين - معرفة من نوع «مشوش ومشوه». وكذلك لا ~~يمكننا أن نحصل معرفة وافية عن أجسادنا، وهو ما يدق مسمارا في نعش أعمال الفلاسفة ~~العاطفيين؛ فالعواطف صورة مشوهة من الإدراك، وعلى الفكر أن يسمو فوقها. (ورغم ذلك يشير ~~سبينوزا بصفة عارضة - وهو بالشيء الغريب - إلى أنه لا يمكن للسرور أن يكون زائدا عن ~~الحد.) فاللغة المستخدمة يوميا غامضة بقدر حياتنا العاطفية؛ حيث يحكمها الخيال بدلا ~~من أن تحكمها أفكار مميزة وواضحة، فنحن نعيش في عالم من ms109 المعاني الهلامية والأشياء ~~الملتبسة، لا أمل في الخلاص منه إلا بجهود الفلسفة والرياضيات واللاهوت مجتمعة. # لذا فما اعتبره أنصار مذهب الخير عين منبع الأخلاق - الشعور - رأى سبينوزا أنه ينبوع ~~الإدراك الزائف، فهو يتفق معهم في أن الشعور كله أساسه في الصور الخيالية؛ لكنه يرفض ~~اعتباره مصدرا للمعرفة الأصيلة. # 7 # وهذا لأن الإدراك الحقيقي للأشياء غير ممكن إلا «عند الرب»؛ فهو معرفة ~~مطلقة وخالدة، شأنها شأن النظرية عند ألتوسير لا تاريخ لها. فالرؤية السليمة للعالم ~~تعني رؤيته من منظوره الذاتي إن جاز التعبير، وهذا يتضمن تحولا من النظام الخيالي - ~~الذي تحرف فيه الرغبة المعرفة - إلى النضج الأخلاقي للنظام الرمزي؛ إذ يجب علينا أن ~~نتوقف - بكلمات القديس بولس - عن النظر من عدسة معتمة، وأن ننظر بدلا من ذلك بعين الرب ~~الخاصة بنا، مطمئنين بمعرفة أنه لا يمكن لنا أو لأي شيء آخر في الكون أن يكون على غير ~~ما هو عليه. # إن هذا عند سبينوزا هو ما يمثل الحكمة والفضيلة الحقيقيتين، فقد مارس انعزالا قاسيا ~~في حياته مؤمنا (على عكس معاصره لايبنتس العظيم والطموح) بأن الفلسفة لا ينبغي أن ~~يعوقها تطوير الذات وسلطة الدولة. وكان هذا هو السبب في رفضه عرضا بالحصول على كرسي ~~الأستاذية في هايدلبرج، مفضلا العيش عاملا يدويا بسيطا؛ فهو يؤمن إيمانا ذا صبغة ~~متعلقة بالتحليل النفسي بأن الرغبة هي «عين جوهر الإنسان» (125)، وهو يعني بالرغبة ~~«أيا من مساعي الإنسان وبواعثه وشهواته واختياراته التي تختلف تبعا للتكوين المختلف ~~لهذا الإنسان وتتعارض في أغلب الأحيان مع بعضها نتيجة لانجذاب الإنسان في اتجاهات ~~مختلفة وعدم معرفته لأيها يلتفت» (126). # والحب الإنساني في هذا النطاق الوجودي المتقلب حب خيالي محاك. يقول سبينوزا: «إن ~~الذي يتخيل أن ما يحبه سيتأثر بالسرور والألم سيتأثر هو نفسه بالسرور والألم ... وإذا ~~تصورنا أي شيء يدخل السرور على ما نحب فإننا يغمرنا الحب تجاهه ...» (98). فهو كما رأينا ~~نوع من العدوى العاطفية ستعتبره فلسفة القرن الثامن عشر الأخلاقية مصدرا قويا ~~للترابط الاجتماعي، إلا أنه في نظر سبينوزا يمثل نوعا ms110 منحطا من الحب مقارنة بذلك ~~«الحب الفكري للرب» الذي يمثل عنده أفضل الخير الإنساني. في واقع الأمر، إنه يؤمن بأن ~~الشفقة عاطفة «مخنثة» تستوجب التوبيخ، وهكذا شعوره تجاه التعاطف إلى حد كبير؛ إذ يجب ~~علينا - كما عند كانط - أن نتصرف تبعا لحكم العقل وليس تحت تأثير دافع عاطفي عابر. # وفي نوع من التسامي الذاتي، يجد صداه بدءا من بوذا حتى الرواقيين وشوبنهاور، يعلق ~~الفرد الحر حقا رغبته لتحقيق نوع من الرضا الصافي؛ فالفرد الحر سيرفض إلقاء اللوم على ~~الآخرين أو على الكون جراء المصائب التي تحل بنا؛ حيث إن هذه المعايب الظاهرية - ~~الاغتصاب والتعذيب والمذابح وما شابه - ما هي إلا ضرورات إلهية يساء فهمها باعتبارها ~~عيوبا. إن هذا نوع من الانعكاس التهذيبي؛ إذ لو كان الآخرون في ظل العالم الحتمي لا ~~يمكنهم منع أنفسهم من الغش أو الكذب أو تقطيعنا إلى أشلاء، فإن إدراكنا لهذه الجبرية قد ~~يثمر عن فضائل التسامح واللين والغفران والحلم والصبر والرصانة بجانب التعافي المحمود ~~من الحسد والبغض والسخط؛ فالفضلاء يردون البغض بالحب ولا يفكرون كثيرا بالموت. ~~فالجبرية إذن تفضي إلى مرتبة القديسين وليس السوداوية أو اليأس. ويؤيد المنطق ~~والموضوعية والتنزه عن الغرض الحب والرحمة لا السلطة والتحيز. إن الضرورة في العالم هي ~~ما تجعله عالما غير مأساوي؛ إذ لو كان لا شيء صدفة فلا معنى للحزن عليه أو مقاومته، ~~فأولئك المصرون على أننا إن لم نقاوم ما هو حتمي فلن نعرف مدى حتميته من الأساس، ~~يمكن أن يطمئنوا إلى أنه حتمي أزلا ومن ثم يوفرون جهدهم. # يتطلب بالتأكيد التفكير بهذا الشكل أن يكون المرء قديسا أو عقلانيا بلا جسد، إلا ~~أن سبينوزا ببساطة لا ينكر الجسد؛ فهو مثل هيجل وشيلر وماركس يؤمن بضرورة إعادة تهذيبه. ~~ويلفت إلى أن «استغلال الأشياء والاستمتاع بها قدر الإمكان ... هما من الأمور التي يقوم ~~بها الإنسان الحكيم» (170). فالمقصود ليس تحاشي العواطف بل الاستعانة بالعقل ليسيطر ~~عليها، ليكشف عن محددات وجودنا الخفية كما يفعل المحلل، فسبينوزا رجل ديمقراطي وجمهوري ~~يريد تنوير ms111 العامة، لا أن يحجب عنهم حقيقة العالم المرة على طريقة ليو ستروس ~~الاستراتيجية. على أي حال يؤمن سبينوزا - على عكس هوبز - بأن رغباتهم لينة بدرجة تسمح ~~بتطويعها، فالفلسفة نقد للرغبة وليست تأكيدا لها (مثل بعض الفكر ما بعد الحداثي)؛ لذا ~~فهي ذات أجندة ناشطة سياسية وأخلاقية، يمكن إقناع العامة بالفضيلة، وبذلك وفي ضوء كونهم ~~مخلوقات تعتمد على العادة لا التفكير يمكنهم فعل الخير تلقائيا. وفي تلك الحالة ~~سيتطلبون انضباطا وسيطرة أقل، وهي حقيقة ستجعلهم أقل حقدا ومن ثم أكثر استعدادا ~~للخضوع لولاة أمرهم. إن سبينوزا - شأنه شأن بيرك وشيلر - منظر مبكر لما سيسميه ~~جرامسكي لاحقا بالهيمنة. # وبذلك فإن هدف الفرد الفاضل عند سبينوزا أن يصبح حر الإرادة، لا يسمح لنفسه بالانسياق ~~وراء شيء عرضي غير مهم كالعاطفة. وتستبق هذه القضية فكر إيمانويل كانط، وتوجد استباقات ~~أخرى مماثلة بكتابات هذا الفيلسوف الهولندي؛ فهو يقول إن الرجال والنساء العقلانيين لا ~~يرغبون لأنفسهم شيئا لا يرغبونه لبقية العالم كذلك، فالتصرف تبعا للعقل يتمثل في ~~اتباع طبيعتنا كغاية في ذاتها، والحرية هي تحقيق ذلك؛ إذ يجب علينا أن نحب أنفسنا؛ لكن ~~في سعينا لتحقيق الأفضل لأنفسنا فإننا نخلق كذلك مقومات الجمهورية الحقيقية؛ أي مجتمع ~~يسوده السلام والصداقة والتناغم الاجتماعي. لن يكون في هذه الجمهورية أي رقابة على ~~التعبير أو الكتابة. ويرجع هذا من بين أشياء أخرى إلى أن هذه الحرية في نظر سبينوزا ~~ضرورية لعمل العقل ومن ثم كشف الحقيقة. إلا أن من بين ما تعلمنا إياه الحقيقة هو ~~أنه لا وجود للحرية، على الأقل بالصورة المتصورة على المستوى العام. مع ذلك فإن حقيقة ~~انعدام الحرية في ذاتها تحررنا. # ورغم إخلاص سبينوزا المتشدد للنظام الرمزي فإن نظرته للعالم تعد رؤية خيالية من ~~نوع غريب، فتصوره عن المجتمع العادل - المجتمع الذي يتجاوز العقيدة الليبرالية التي كان ~~مناصرا كبيرا لها - هو مجتمع «يجمع كل العقول كما لو كانت عقلا واحدا، ويجمع كل ~~الأجساد كما لو كانت جسدا واحدا ...» (153). وتتوازى هذه العلاقة التبادلية مع الاتحاد ~~بين العقل ms112 والطبيعة، التي يعكس فيها كل منهما الآخر انعكاسا متناغما؛ ففي أعلى درجات ~~الحكمة، تتماثل الأفكار التي تكون العقل مع تلك التي تكون عقل الرب، فهناك نوع ~~«أعلى» من النظام الخيالي محل الجدل في هذا الجانب شبه الصوفي في فكر سبينوزا، الذي ~~يدفع إلى تحقيق الذات النهائي للروح التي تحدث عنها هيجل. فروح العالم عند هيجل بعد ~~شرودها في النظام الرمزي القائم على الخسارة والسلبية والاختلاف والاغتراب ترتد في ~~النهاية إلى ذاتها في صورة سامية من النظام الخيالي. فالهدف من المعرفة كما يقول هيجل ~~هو «تجريد العالم الموضوعي من غرابته، وأن نشعر بالألفة معه، وهو ما لا يعني سوى ربط ~~العالم الموضوعي بالفكر - بأعماق ذاتنا.» # 8 # فالروح تجد صورتها السعيدة منعكسة في التاريخ والطبيعة التي صنعتهما، مثلما ~~يرى الرب نفسه في المسيح ابنه المحبوب الذي يسر به على الدوام. # | هوامش # الفصل الخامس # | كانط والقانون الأخلاقي # رأينا أن أنصار مذهب الخير في القرن الثامن عشر كانوا مؤيدين لفكرة الحب مع إدراك قوي ~~بأوجه قصورها؛ فالعواطف شأنها شأن الذاكرة تفتر كلما ابتعدت أكثر عن الشيء الذي ~~يحركها. وعلى أي حال فإن العاطفة في الأنظمة الاجتماعية التي تسودها المصلحة الشخصية ~~في شح مزمن. ولا يعني هذا أن العواطف لا يمكن أن تكون عامة. وقد أشار ريتشارد سينيت ~~إلى مفارقة في إنجلترا في القرن الثامن عشر، وهي أن العواطف الخاصة اعتبرت طبيعية - ~~بعكس زيف الثقافة العامة - ومن ثم كانت تعتبر عامة. ويكتب سينيت: «لقد كان ~~العام ابتكارا بشريا؛ أما الخاص فكان حالة بشرية.» # 1 # لقد كانت أكثر الكيانات خصوصية - العائلة - هي التي كانت «مهد الطبيعة»؛ حيث ~~مثلت بيئة ديمقراطية للقلب. إن هنا - كما يقول سينيت - يجد الفرد باختصار ما سيعرف ~~لاحقا بالحقوق الطبيعية. # من هذا المنطلق يمكن للخاص بأن يصدر أحكاما على العام. يكتب سينيت: «بتعريف ~~عمليات نفسية معينة بأنها لا يمكن التعبير عنها في السياق العام، وبأنها ظواهر شبه ~~دينية متجاوزة لا يمكن لترتيبات العادة خرقها أو تدميرها أبدا، بلور [مواطنو القرن ~~الثامن عشر] ms113 لأنفسهم طريقا واحدا - وليس الطريق الوحيد - لكنه طريق ملموس يمكن أن ~~تتجاوز فيه الحقوق الطبيعية استحقاقات أي مجتمع بعينه.» # 2 # فنحن غير متروكين لثقافة أو عادات يجب أن تظل فيها مصادر النقد الاجتماعي ~~الراديكالي غامضة. بل إننا - كما هو حال منظري الحس الأخلاقي - نتمتع بموقع حكم راسخ ~~في الطبيعة ذاتها. إلا أن تلك العواطف - وهي التي «لا يمكن التعبير عنها في السياق ~~العام» - محيرة بقدر ما هي جياشة. # توجد إشكالية أخرى تقترن بهذه النقطة، وقد أشرنا إليها مسبقا؛ إذ رغم أن العواطف ~~الطبيعية عامة في جوهرها فهي كما رأينا لا تفعل إلا على المستوى الخاص. وهذا يؤدي ~~إلى المشكلات مع الغرباء، مع هؤلاء - كما يقول سينيت - المنتمين ل «مجموعة الغرباء»، ~~وهي المدينة في القرن الثامن عشر، الذين يصعب جدا فهمهم من إشاراتهم السيميائية ~~الخارجية. ويقول سينيت إن القرن الثامن عشر «كان عصرا يبذل الناس فيه جهودا كبيرة ~~لتجميل علاقاتهم بالغرباء وتعريفها، المهم أنه كان عليهم بذل جهد.» # 3 # ولا تزال الفكرة الحديثة لحشد من الآخرين المجهولين تحظى بمعارضة، إلا أنها ~~أيضا تتجاوز باطراد حدود المجتمع المعروف؛ إذ يمكن للفرد أن يحيي غريبا في ~~الشارع طالما لم يفهم أن هذا يدل على استحقاق ملح عليه. إن هذه التحيات ليست أكثر ~~«صدقا» من كلمات الممثل، إلا أن هذا لا يعني أن الفرد غير مرتبط عاطفيا بالموقف محل ~~النقاش كما في المسرح. لقد كانت الاستعارات المنمقة تستخدم في تحية الآخرين لكن بطريقة ~~لا تمييز فيها، بما يدل على عدم معرفة بتاريخ حياة الآخر ولا بظروفه المادية. وقد وفرت ~~الطبقة الاجتماعية ما يمكن أن نسميه ألفة غير شخصية، كما هي أحيانا في يومنا هذا؛ ~~فالنبلاء يعرف بعضهم بعضا حتى من بعيد. لكن مع تكاثر درجات الطبقة الوسطى في المدن ~~الحضرية الجديدة زادت حدة مشكلة الهوية المجهولة. # إذن ثمة حاجة للتعويض عن عيوب الشعور الطبيعي، ومن بين أشكال هذا التعويض القانون؛ ~~فالقانون، أو بالأعم النظام الرمزي الذي ينبني عليه، طريقة رئيسية نضبط من خلاله سلوكنا ms114 ~~تجاه من لا نعرفهم، فهو آلية مثل السوق لتنظيم تعاملنا مع الآخرين المجهولين لنا، تضمن ~~(وهنا يتجلى التشبيه بالسوق) أنه إن لم نفتتن بهم أو ننجذب إليهم جنسيا فعلى ~~الأقل سنتعامل معهم بعدل. وهذا بالتأكيد دافع أقل قبولا للفضيلة من الود؛ لكنه أكثر ~~إنصافا وجدارة بالثقة. يحقر هيجل في كتابه «فلسفة الحق» من تلك النظريات الرومانسية ~~التي «تلغي الفكر وتلجأ بدلا منه إلى الشعور والحماس والقلب.» # 4 # فالقانون في العصور الحديثة - باعتباره منبر القضاء الذي نقف أمامه سواسية ~~- عدو الامتيازات، وهي كلمة تعني «القانون الخاص». كذلك ولأن القانون والعقل والنظام ~~الرمزي يتجاوزون المصالح والرغبات الشخصية، فمن الممكن أن يقدموا نقدا لها، وهو ما لا ~~ينطبق على النظام الخيالي؛ إذ يمكننا مثلا أن نسأل عما إذا كانت رغبة معينة منطقية أم ~~لا، وهو سؤال لم يكن ليحظى بشرعية عند هوبز أو هيوم أكبر من عند جيل دولوز. # ولأن القانون يجب أن يكون وسيطا بين أفراد كثيرين، وكل منهم له مصالحه ورغباته ~~الخاصة، فعليه أن يتحلى بفضيلة التحفظ مستهدفا أن يقول أقل ما يمكن. فأولئك الساعون ~~للالتزام به يغرقون من ثم في توتر عصبي بشأن ما إذا كانوا يلتزمون به أم لا، وكيف ~~يعرفون ذلك على أي حال، وما إذا كان هذا تصورا منطقيا من الأساس أم لا؛ فالقانون إن ~~صح التعبير يشمل تحت مظلته الكثير من الرجال والنساء لذلك يجب أن يكون محتواه عاما، ~~فكلما قل محتواه تحديدا، زادت قدرته على تحقيق هدفه. ومن هذا المنطلق تشبه القوانين ~~الأخلاقية القوانين الفيزيائية التي ما هي إلا علاقات رياضية يمكن التعبير عنها بقدر ~~قليل من المعلومات. # 5 # فلكي يمثل القانون أساسا للوحدة الإنسانية يجب أن يتغاضى على نحو منهجي عن ~~اختلافاتنا؛ فنحن - عند الأرسطيين والتوماويين - نتمتع بطبيعة عقلانية مشتركة، لكن هذه ~~الطبيعة عند أنصار مذهب الخير تقلصت إلى مجموعة من المشاعر التي نتشاركها، الخالية من ~~أي أساس عقلي. أما عند الكانطيين، فقد زاد تقلص النطاق الإنساني المشترك إلى مجموعة من ~~الإجراءات الشكلية المشتركة، ms115 بينما لا يرى بعض الحداثيين وما بعد الحداثيين سوى ~~الاختلاف بين البشر. # ولكي يكون من الممكن وجود جماعة من الأفراد في مجتمع ممزق فيجب أن يتجرد القانون عن ~~أي شيء يخص من هم تحت حكمه. وميزة ذلك أن القانون لا يستجيب لهؤلاء الذين يسعون ~~لتأكيد سلطتهم واستغلالها؛ لكن الخطورة هي أن يئول الحال إلى تكوين مجموعة كبيرة من ~~الرموز الكودية، فيبدو الأمر وكأنما يجب محو الناس واستنساخهم إن أردنا أن تتحقق ~~المساواة والعمومية فعلا، فكل فرد يعد فريدا ومستقلا؛ ولكن لأن جميع الأفراد يثنى ~~عليهم بهذه الصورة دون تمييز، فإن هذه القيمة تظل على شفا مناقضة ذاتها، فالكل سواسية؛ ~~لكن ذلك كما سيبدو ليس إلا لأنهم اختزلوا في خيالات مآتة مفرغة من مضمونها. # مع ذلك فإن مفهوم القانون هذا وسيلة عبقرية لتحقيق العمومية في وقت تتعثر فيه الوسائل ~~التقليدية لتحقيق ذلك - كفكرة الطبيعة البشرية المشتركة على سبيل المثال - لأسباب ليس ~~أقلها الرحالة المتحدثون عن التنوع الإنساني، إلا أن هذا يعني أننا الآن بحاجة للتفكير ~~والتعقل من أجل وضع الآخرين في الاعتبار، فقد ضاعت سمة العفوية أو اللامبالاة ~~البرجوازية المبكرة بلا رجعة. ومع دخول الطبقة البرجوازية في أوروبا لعصر تراكم رأس ~~المال الصناعي، بما فيه من العمال المجهولين والمنافسين غير المعروفين والصراعات ~~الطبقية المحتدة، تراجعت فكرة النبل لتفسح المجال أمام ساحة القضاء أو السياسة ~~باعتبارها نموذجا للخطاب الأخلاقي. # هذا هو القانون الأخلاقي الشهير لإيمانويل كانط، الذي يخضع له كل الناس بنفس الصورة، ~~والذي يتمتع بقوة الأمر الإلهي الكاملة بينما يظل شأنا دنيويا خالصا، فهذا القانون، ~~مثل الرب، من المسلمات؛ فلا يمكن اختزاله إلى أي مبدأ أكثر أولية وهو لا يخضع ~~للتفسير المنطقي. فنحن لا نكون أفرادا عند لاكان، كما رأينا، إلا تحت حكم قانون يحقق ~~التكامل بين وجودنا ووجود الآخرين. وبينما نتجه إلى دواخل النفس إن جاز التعبير في ~~النظام الخيالي، فالآن يلتفت كل منا إلى الخارج باتجاه سلطة تربطنا جميعا معا ~~بهويات مجهولة. يرى كانط أن الفرد لا يكون إنسانا ms116 حقا - حرا وعقلانيا ~~ومستقلا - إلا بالخضوع لسيادة قانون ينظم ويوفق بين أهداف الفرد وأهداف الكائنات ~~الحرة العاقلة الأخرى. والفرق بين الفيلسوفين في هذا الصدد هو أن كانط يرى أن هذه ~~الحرية موجودة على النطاق الباطن، في مستوى حدسي لا يمكن للعقل الواعي الوصول إليه، ~~بينما يرى لاكان أننا في هذا النطاق الباطن أو اللاواعي نتمتع بأقل قدر من الحرية. لكن ~~أيا كان الاختلاف فإننا دخلنا إلى منطقة نعرف فورا أنها حديثة؛ ثقافة العلاقات ~~العقدية والمصلحة الذاتية المستنيرة والقواعد الأخلاقية والقوانين العادلة وتعظيم ~~المنفعة واحترام استقلال الآخرين والمعايير التوافقية والإجراءات المنطقية، فهو نظام ~~بعيد كل البعد عن الآنية الحسية للنظام الخيالي؛ لكنه كذلك - كما سنرى لاحقا - هو عين ~~ما يدافع عن أكثر منظومة أخلاقية يرفضها النظام الواقعي. # لقد عبر كانط في أوائل حياته العملية عن إعجابه بطريقة البحث الأخلاقي عند شافتسبري ~~وهتشسون وهيوم واصفا هذه الرؤية الأخلاقية بأنها «أفضل اكتشافات عصرنا». إن ما أبهره ~~في هؤلاء الفلاسفة الأخلاقيين (وهي مفارقة كبيرة بالنظر إلى رفضه لاحقا للأخلاق ~~الأنثروبولوجية) هو انشغالهم بما يحدث وليس بما يجب حدوثه ؛ أي إنهم لم ينطلقوا من ~~الفرضيات المجردة بل من الطبيعة الإنسانية. # 6 # لكن يحذر كانط في عمله «نقد العقل الخالص» من أنه لا شيء أكثر استحقاقا ~~للوم من السعي لاستخلاص القوانين التي تحدد ما يجب أن يكون مما هو قائم بالفعل، ففي ~~نظام اجتماعي يتميز بالفردية الأنانية لا شك أن هذا حذر حكيم. إن هلع كانط من التجريبية ~~هو تعليق ضمني، من بين أشياء أخرى، على محيطه الاجتماعي، فإن حاول الفرد استخلاص القيم ~~من الحقائق في هذا السياق فقد ينتهي به الحال بالقيم الأقل استساغة، فالقيم يجب أن ~~تفصل عن العالم - حيث إنها أبعد ما يكون عن الوصف المجرد له - لأسباب منها (في ~~المجتمع عامة إن لم يكن عند كانط خاصة) أن تتمكن من تقنينه. # لم يكن كانط بكل تأكيد ليبني على الأرضية غير المتماسكة للنظرية الأخلاقية ~~البريطانية، رغم أنه تأثر كثيرا بفكرة شافتسبري القائلة إن ms117 المبادئ الأخلاقية الأساسية ~~لا يمكن أن تكون مسألة تعتمد على التفضيلات الذاتية، بل يجب أن تكون ملزمة على نحو ~~عام؛ إذ يؤمن كانط، شأنه شأن شافتسبري، بأن الأخلاق تتضمن المشاعر، والتي هي في رأيه ~~الاحترام والغضب والحصافة والتضجر والتقدير والندم وما شابه، فنحن لدينا القدرة على ~~الشعور بالسرور لتحقيق واجبنا الأخلاقي. في واقع الأمر، إن هذا الإحساس بالرضا مشروع ~~ومرغوب معا لكن هذه العواطف لا يمكن أن تمثل دافعا لأفعالنا. وقد اعتقد هيجل نفس ~~الشيء؛ فالرغبة لا يمكن أن تكون عاملا في فعل الصواب، بل إن ما نشعر به في هذه الظروف ~~هو الألم قبل كل شيء؛ فالقانون الأخلاقي يعترض بصرامة على ميولنا الطبيعية، وهذه طريقة ~~أدركنا بها وجوده الجليل. كما يفسح كانط بعض المساحة في فكره الأخلاقي للسعادة؛ لكن رغم ~~أن السعادة هي جزاء الفضيلة في الحياة الآخرة - إن لم يكن في الحياة الدنيا في أغلب ~~الأحيان - فلا يمكنها أن تكون الدافع المحرك نحوها. فالسعادة ما هي إلا فكرة تجريبية ~~وليست قيمة مثالية عند العقل، وهي لا تقوم على مبادئ؛ فعلى الفرد أن يكافح من أجل الرضا ~~العام؛ لكن الرضا الذي يرتبط ويتسق مع أطهر المبادئ الأخلاقية، فهو لا يؤمن بأن المبادئ ~~الأخلاقية يمكن أن تنبني على الإحساس أو العاطفة أو السعي نحو الرفاهة؛ فالحواس لا تتيح ~~لنا الوصول إلى حقيقة أنفسنا ولا إلى جوهر الأشياء برغم ما قد يزعمه أنصار مذهب الخير ~~عن الاتحاد البدهي بين روحين من أصل واحد. فالإحساس ليس أساسا للمعرفة الذاتية، ~~فالكائن الأخلاقي ينتمي لعالم المعقول لا عالم المحسوس؛ إذ يجب علينا ألا نضع مبدأ ~~السعادة في الاعتبار عندما يتعلق الأمر بالواجب؛ فحس الفضيلة يجب حتما أن يكون أكثر من ~~التشوق للرضا. فعلى الإنسان أن يتصرف تبعا لمبدأ وليس ما يسميه كانط باحتقار «التعاطف ~~المؤثر». وهو في هذا يختلف مع تيودور أدورنو الذي يكتب أن «الأساس الحقيقي للأخلاق ~~موجود في الشعور الجسدي، في التماهي مع الألم الذي لا يحتمل.» # 7 # بل إن كانط بلغ ms118 به الأمر أن رفض هذا الجهد البريطاني في الفكر الأخلاقي باعتباره ~~محاولة فاشلة لاستخلاص مفهوم الفضيلة من التجربة؛ فالتجربة عنده كما هي عند سبينوزا ~~أساس أكثر تغيرا واحتمالية من أن يبنى عليها الحكم الأخلاقي، تماما مثلما أنها أساس ~~هش في ذاته لمعرفة الحقيقة بموضوعية، فهي كما يقول كانط «شيء بشع ملتبس» تعارض كل صيغة ~~منتظمة. فالإحساس مرشد لا يعتمد عليه إطلاقا، والأخلاق أسمى من الطبيعة ولا يمكن أن ~~يكون مصدرها الجسم أو أحواله التجريبية، فالمشاعر والنزعات والميول لا يمكن أن توصلنا ~~إلى أي مبادئ موضوعية. يشير كانط باستخفاف - ويقصد هتشسون - في عمله «أسس ميتافيزيقا ~~الأخلاق» إلى «حس مزروع» أو «حاسة خاصة مفترضة» ساخرا من أن «هؤلاء الذين لا يمكنهم ~~«التفكير» يظنون أنهم يمكنهم مساعدة أنفسهم بالشعور.» # 8 # ويصر، وهو يقصد نفس المذهب الأخلاقي، على أن المحاكاة لا مكان لها ~~إطلاقا في قضايا الأخلاق. # إلا أنه يقر بأن نظرية الحس الأخلاقي، وإن كانت مضللة، فهي تولي الحياة الأخلاقية ~~احتراما يليق بها، فكأن هؤلاء الفلاسفة طيبي القلب - وإن كانوا مضللي الفكر - ~~يشعرون في حضور الآخرين بالسرور والتقدير اللذين ينبغي عند كانط ادخارهما للقانون ~~الأخلاقي عامة. إذا فهذه العواطف ليست غير لائقة بقدر ما هي في غير محلها. ويقر بأن ~~هناك أرواحا «في غاية التعاطف والانسجام لدرجة أنها، بلا أي دافع من الكبر أو المصلحة ~~الشخصية، تشعر بالرضا الداخلي في نشر السرور من حولها وتسعد برضا الآخرين طالما أنه من عملها.» # 9 # إلا أن مثل هذا التعاطف في نظر كانط لا يمت للأخلاق بصلة، شأنه شأن ~~اشتهاء رشفة من خمر؛ فالأفعال التي تؤدى في سبيل القانون هي وحدها التي يمكن ~~اعتبارها أخلاقية؛ فالإنسان عليه أن يكون خيرا بدافع الواجب لا التعاطف؛ إذ يجب ~~الامتناع عن فعل الأشياء فقط لأنك تريد فعلها، ويخبرنا بأن الاحتياجات والنزعات لها ~~«سعر سوقي» لكن ما هو ثمين في ذاته لا يقدر بثمن. # ابتكر ألكسندر بومجارتن في منتصف القرن الثامن عشر علما جديدا غريبا يسمى علم ~~الجمال، كان الهدف ms119 منه بلورة حياتنا الحسية وتنظيمها واختزال عالمنا الجسدي إلى نظام ~~شبه قانوني نوعا ما؛ فالحواس - التي نبذتها في فظاظة بعض مدارس العقل التنويري - أخذت ~~تتسلل من جديد من الباب الخلفي متنكرة في صورة علم للإدراك. لكن هذه الدراسة المنهجية ~~لحياتنا الحسية لا يمكنها أن تفضي بنا إلى العالم الأخلاقي؛ فطيبة القلب ليست قضية ~~أخلاقية شأنها في ذلك شأن مفهوم التثليث. وكتب كانط في «نقد العقل العملي»: «إنه لشيء ~~جميل أن نفعل الخير للناس بدافع حبهم وبدافع حسن النية المتعاطفة، أو بدافع من حب ~~النظام، لكن ليست هذه هي القاعدة الأخلاقية الحقة.» # 10 # فالشفقة والرحمة ورقة القلب كلها سمات جيدة، لكنها إن كانت السبب وراء ~~أفعالنا بدلا من فكرة الواجب فإنها تصير، بحسب كلمات كانط، عبئا على أصحاب التفكير ~~السليم الذي يرغب بالتبعية في التخلص منها، وأن يخضع لقانون العقل وحده، فهذه ~~المشاعر مثال على ما يسميه «الحب المرضي». ويصر جاك لاكان هو الآخر، متحدثا عن ~~النظام الواقعي وليس النظام الرمزي، على أن «المشاعر خادعة باعتبارها دليلا للنظام الواقعي.» # 11 # فإن جردنا الأخلاق من كل العواطف - بحسب زعمه - فسينتهي بنا الحال إلى رؤية ~~رجل مثل كانط، أو رجل مثل ساد، في هذا الخصوص. لا يرى كانط أن فعلي التنازل ~~والمثالية يمكن أن يكونا هما ذاتهما مصدرا للذة شهوانية كامنة. إننا لا نواجه من ~~يجردوننا من متعتنا بغير عاطفة بغض. # إذا تتمتع الرؤية الأخلاقية البريطانية بسحر جمالي معين، لكنها خيار عاطفي بصورة ~~زائدة. يرى كانط أن الخير ما هو إلا نزعة؛ فهو لديه حذر بروتستانتي من القيم التي ~~تكتسب بسهولة من دون الصراع الداخلي والانتصار على النفس. وينظر كانط بعين الإعجاب ~~لقلق البرجوازيين من ذوي الفكر الذين يصارعون ضمائرهم وليس التلقائية المرحة ~~للأرستقراطيين، فهو لا يعجبه عدم الاكتراث الجريء المتعجرف الراقي الذي عرف في عصر ~~النهضة باللامبالاة؛ فالأشياء الثمينة هي التي تجهد في طلبها؛ لذا فالطبيعة الرحيمة ~~التلقائية حقيقة وراثية - وليست أخلاقية - عن البشر. وبينما يرى أرسطو أن أولئك الذين لا ~~يحصلون ms120 الرضا من الأفعال الفاضلة هم في الحقيقة ناقصو فضيلة، ويصر ديفيد هيوم على ~~أن هذه المتعة عين الدليل على الفضلاء، يرى كانط أن أولئك المتصفين بالبرود، ويتمكنون ~~رغم ذلك من فعل الخير، يتمتعون بالحظ الأوفر من الأخلاق. فكلما زادت مجاهدتنا للنزعات ~~التلقائية لدينا أصبحنا أكثر جدارة بالثناء أخلاقيا؛ فالمتعة دافع دوني في نظرته ~~الناقدة القاسية، بعكس شافتسبري وهتشسون. وحيث إن نوبات التعاطف المفاجئة هذه لا تشمل ~~أفعالا إرادية فهي لا تعتبر استجابات أخلاقية على الإطلاق، فالإحساس يعد بصورة كبيرة ~~عدوا لما هو أخلاقي، وما لا يستلهم من الواجب يجب أن يفعل بدافع المتعة الخالصة ~~حتما. إنها رؤية حياتية قائمة على الصرامة، إن لم تكن مؤذية، فهي لا تفيد. فكما هو ~~الحال مع السجائر، من الأفضل في المجمل ألا تجد السلوك الفاضل ممتعا بصورة زائدة عن ~~الحد. # قضت أطروحة كانط المضادة على قدر كبير من المساحة البينية المشتركة بين النزعة ~~الطبيعية والالتزام. ومن بين ما استبعد كان المفهوم الأرسطي الخاص بالنزعة الأخلاقية ~~التي ليست مسألة خاصة بالواجب المجرد ولا بالدافع الشعوري ولا العادة التلقائية ولا ~~الفعل الإرادي الشاق؛ فالنزعات تتضمن عواطف ؛ لكنها عواطف مقترنة بأحكام وموجهة نحو فعل ~~محتمل، وليست نوبة أو وخزة داخلية تغذيها النزعة العاطفية لذاتها؛ فلكي نحسن التصرف ~~فعلا، علينا أن نمتلك أحكاما ومشاعر ومواقف سليمة؛ لكن ما يهم في النهاية هو حسن ~~التصرف. بهذه الصورة فإن الدافع الأخلاقي العقلي البحت عند كانط يقدم تصورا ناقصا عن ~~الفضيلة بقدر تصور أنصار مذهب الخير البدهي البحت، الذي يبدو أنه لا يترك سوى مساحة ~~قليلة للتقييم العقلاني؛ فالنزعات ليست نوبات عمياء من الشعور التلقائي، بل هي حالات ~~يجب بذل الجهد لاكتسابها وتهذيبها وممارستها ومراقبتها إلى أن تصير الأفعال التي تدفعنا ~~إليها سهلة واعتيادية. فالرحمة والعطف والرغبة في العدل ليست مجرد مسائل تتعلق بالتفكير ~~المفاهيمي، ولا هي تتبع وخزة جوع أو نوبة حسد مفاجئة، بل هي تشمل كلا من العقل ~~والعاطفة، والفكر والشعور. كما لا يمكن لهذه الملكات أن ترتبط بتعاملاتنا ms121 مع من ~~نعرفهم ومن لا نعرفهم، فنحن نتأثر بمصائب الغرباء ونحزن بدافع قربنا ممن حولنا. لقد ~~أصاب كانط في رؤيته أن أنصار مذهب الخير يخاطرون بعزل أنفسهم عن الأخوة العامة؛ لكنه ~~أخطأ في تصوره أن التفكير المجرد وحده يمكن أن يأخذنا لما هو أبعد من عواطفنا ~~الداخلية. # يقول أرسطو في عمله «الأخلاق النيقوماخية» إن حسن النية أو الإرادة الخيرة تشبه ~~الصداقة لكنها لا تماثلها تماما، حيث يمكن أن تكنها لمن لا تعرفهم. أما مفهوم حسن ~~النية عند كانط - في بحثه عن مبدأ جماعي يتجاوز الأمور الشخصية عند أسلافه البريطانيين ~~- فينبغي أن يؤدي دورا محوريا جدا. لكن من الخطر الاعتماد الزائد في الأمور ~~الأخلاقية على قضايا الدافع والإرادة؛ وحيث إن الفعل الصالح عرضة للشك في دوافعه فإن ~~كانط أخطأ في افتراض أن الإرادة لها اليد العليا في المسائل الأخلاقية؛ فالأهم في مثل ~~هذه المسائل هو ما تفعله وليس ما تريده أو تنويه، فإعطاء بعض النقود للمشردين في ~~الطرقات بهدف إراحة ضميرك أفضل بكثير من إعراضك عنهم. كما أن فكرة كانط، التي اعتبرها ~~حقيقية، عن الإرادة تبدو بعيدة كل البعد عن أن تحظى بالاستحسان مقارنة - مثلا - بمفهوم ~~الإرادة عند توما الأكويني. فالإرادة عند الأكويني ليست دافعا عقليا غير مشروط، بل هي ~~نوع من التوجه الأولي في وجودنا، ونزعة داخلية إلى الخير أو الطبيعي موجهة نحو صلاح ~~المعيشة؛ فبالنظر إلى وجودنا الجسدي فنحن لدينا رغبة في الخير ليست اختيارية في حد ~~ذاتها؛ فمسائل الاختيار كما رأى الأكويني تعتمد في النهاية على تكوين أجسادنا المادي؛ ~~فهو مفهوم للإرادة يتمتع بقبول أكثر من معظم نظائره الحديثة. # 12 # يقع كانط في خطأ جوهري في كتاباته الأخلاقية، وهو افتراض أن الفرق الأخلاقي المهم هو ~~الفرق بين النزعة الطبيعية والالتزام. وكذلك - كما سنرى لاحقا - حال بعض أنصار ~~النظريات الأخلاقية الخاصة بالنظام الواقعي في يومنا الحالي الذين يظلون من هذا المنطلق ~~كانطيين منغلقين. فإن لم تكن فاعلا عقلانيا، فإنك إذن أناني همك تحصيل اللذة. لكن لم ~~يكن كانط ليقبل ms122 بأن الرغبة في فعل شيء - بشرط ألا يكون مؤذيا - سبب جيد تماما ~~لفعله. على أي حال، فحتى الحيوانات يمكن أن تتصرف بدافع أكثر من مجرد اللذة الخالصة من ~~وقت لآخر، حتى وإن كانت تواجه صعوبة في استيعاب الأمر أو الواجب المطلق. إن كانط قبل ~~غيره هو من وضع الفكر الأخلاقي على الطريق الذي أدى إلى المساواة الزائفة بين الأخلاق ~~والواجب، وهو مزيج نجد آثاره تمتد حتى إيمانويل ليفيناس وجاك دريدا. (إلا أنه لا توجد - ~~كما يذكرنا بيرنارد ويليامز - كلمة يونانية قديمة ل «الواجب».) # 13 # يفترض كانط أن الأخلاق تشمل قيمة ما غير مشروطة، شأنه في ذلك (كما سنرى) ~~شأن فلاسفة الأخلاق اللاكانيين، وإلا فسنكون عرضة - في نظر كانط إن لم يكن عند لاكان ~~كذلك - للوقوع في فخ النسبية الأخلاقية. ولا يبدو أن من يقدمون هذا الطرح يدركون أن ~~المؤمن بالمذهب النسبي عادة ما يكون الوجه الآخر للسلطوي، الابن الأوديبي الثائر على ~~الأب الخارق للطبيعة. فالذين يؤمنون بأن القيمة الأخلاقية يجب أن تكون مجردة، يرون أن ما ~~يقصر عن الحالة المجردة سيكون حتما كالفوضى المرعبة، فهم لا يرون أن العقلانية ~~والفوضى متلازمان، وتكون الفوضى في أغلب الأحوال هي ما يستبعده النظام العقلاني. # من الصعب المبالغة في تصوير النتيجة الراديكالية العجيبة لطرح كانط؛ فأن تعيش حياتك ~~مثل نيلسون مانديلا مثلا يحركك الغضب والشفقة من أجل تغيير حال الملايين غير المعروفين ~~لك شيء جيد تماما؛ لكنه ليس بأي حال أفضل من التأكد أن امتناعك عن سرقة ثمرة خوخ لا ~~يكون بدافع خوفك من بائع الفاكهة بل لأنك تلتزم بفعلك بقانون يمكن أن يلزم كل السارقين ~~المحتملين كذلك. إن في هذا الفعل - وليس في إعطاء كسرة خبز لسائل بدافع الشفقة - يكمن ~~الجمال الأخلاقي الحقيقي، أو ما قد يسميه كانط السمو الحقيقي (لأن القانون الأخلاقي مثل ~~الرب يتجاوز التمثيل التصويري). هذه الفكرة مدهشة بقدر ما هي قاسية. فهي تضمن - في أكثر ~~صورها تطرفا - إطلاق الحكم السار الجاف الذي أصدره بيرنارد ويليامز على العقلاني ~~المتطرف ويليام ms123 جودوين «برفضه العقلاني الصارم احترام أي اعتبار يراه الإنسان العادي قهريا.» # 14 # كم من الغريب أن نتصور - كما فعل كانط - أننا إن حركنا الحب أو الرحمة فإننا غير ~~أحرار! يمكننا الزعم بأن رؤيته للإنسانية سامية جدا ووضيعة جدا في آن واحد. أو ~~بعبارة ميلان كونديرا، ملائكية جدا وشيطانية جدا في نفس الوقت؛ # 15 # إذ توجد الاثنتان بصفة عامة جنبا إلى جنب؛ فعندما يكون الوجود الاجتماعي ~~«شيطانيا» تحكمه الشهوات والمصالح الشخصية، ستظهر عامة حاجة موازية لأيديولوجيا ~~«ملائكية» لتعطي الشرعية لهذه الحقيقة، فالقيمة الأخلاقية ستحتاج للاحتكاك بأقل قدر ~~ممكن مع الحقيقة التجريبية. وهذا أحد الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة، وهي أحد ~~المجتمعات التي تموج بالمادية، يستحوذ عليها أيضا خطاب عام جاد أخلاقي سام ~~بصورة هزلية. ثمة رؤية أقل سموا بعض الشيء عن رؤية كانط تخلط بين الضمير والعاطفة، ~~يطرحها الفيلسوف الإنجليزي جوزيف باتلر، الذي تحظى عنده العاطفة التلقائية بالاستحسان، ~~لكنها تزداد قيمة عندما تستقر في مبدأ ثابت. # إلا أن رؤية كانط أكثر جمودا من هذا؛ إذ لا يمكن استخلاص قانون عام حقيقي من الرغبة ~~المشتركة في تحقيق السعادة؛ حيث إن كل شخص يرغب في تحقيق السعادة بطريقته الشخصية ~~الخاصة؛ ومن ثم يظل المنطق الأخلاقي أسيرا للخصوصية العمياء، فيجب أن يكون ثمة ~~أساس أكثر إطلاقا وعمومية للأخلاق من هذا، صورة علمانية نوعا ما للرب المطلق الذي ~~شأنه شأن كل القيم المطلقة أن يحمل مقوماته بالكامل في ذاته. فكما أن الرب هو السبب ~~الأبدي في وجود ذاته، كذلك القانون الأخلاقي عند كانط الذي هو غاية الجميع بالضرورة ~~لأنه غاية في نفسه، فهو كل ما يمكن أن ترنو إليه إرادة البشر، بعيدا عن تطلعاتهم ~~وميولهم وهو بالتبعية ما يمكنهم كذلك أن يريده بعضهم لبعض. من هنا يأتي الأمر المطلق ~~المشهور: لا تتصرف إلا تبعا لقاعدة يمكن اعتبارها قانونا عاما، فإن كانت بشريتك ~~تعني أن تكون عقلانيا، إذن فالتصرف العقلاني حتما هدفه إلزام سائر من سواي بطريقتي ~~في التصرف؛ فالحرية هي تحرير النفس من كل الأشياء ms124 والرغبات المحتملة، وكل ما يسمى ~~بالمصالح «المرضية» في سبيل عدم التصرف إلا تبعا لقانون يضعه الفرد لنفسه، قانون ~~واضح تحيط به هالة تجعله هدفا في ذاته من دون أي اعتبار للطبيعة المميزة لهذا الفرد أو ~~ذاك؛ ومن ثم تجعله يطبق تطبيقا عاما. ولأننا نفرض هذا القانون على أنفسنا فهو ~~يمثل أساس حريتنا؛ حيث إن الحرية مرادفة لتقرير الذات. سينتاب الأجيال اللاحقة شك ~~أكبر في هذا الادعاء؛ حيث سيشكون في أن القوانين التي نفرضها على أنفسنا هي عامة ~~الأكثر قسرية وصرامة من غيرها. ثمة بعض القسر - كما يرى تيودور أدورنو - في حرية كانط ~~التي من المفترض أنها غير مرضية في ظل القانون، وهو ما سيسميه فرويد الأنا ~~العليا. # إن هذا في واقع الأمر هو الجانب الخفي البغيض لنظرية أخلاق كانط التنويرية. فلأنه لا ~~يمكننا أبدا تبرير أفعالنا أمام القانون، فهو ينمي فينا إحساسا دائما بالقلق أو ~~الغربة، وهو ما لا يقل عن الإحساس بأننا خاضعون؛ فالقانون الأخلاقي إله قاس، فهو - في ~~أقصى درجات ساديته القاسية - يختزلنا بترهيبه عديم الحس لنا إلى كائنات معدومة الوجود، ~~وأشياء لا أهمية لها، وأجزاء من المادة لا معنى لها؛ فالمعادل للقانون الأخلاقي السامي ~~هو الإنسان باعتباره بقايا وفضلات وكتلة من السلبية الخالصة. فالذات إذ تمر بانعدام ~~الإحساس القاتل هذا - لأن القانون خال تماما من المادة - تعاني من كارثة أو انهيار ~~للمعنى، انهيار يمثل حالة طوارئ دائمة وليس نوبة ذعر مؤقتة. ومن هذا المنطلق، يحتوي ~~القانون الرمزي في جوهره على ما سيسميه لاكان النظام الواقعي، أي الحالة التي نكون فيها ~~معدمين، منتزعين من مكاننا، واقعين في هاوية اللامعنى، يسحقنا جوهر قاتل من انعدام ~~المعنى أقرب إلينا من أنفاسنا. # ثمة توتر في لب الفكر الأخلاقي بين العام والخاص؛ فالسلوك الأخلاقي شأن مادي، يرتبط ~~باحتياجات الإنسان الفاني ورغباته، وهو جزء من تواصلهم التعبيري أو الرمزي؛ ومن ثم ~~فهو بالضرورة خاص؛ لكنه من المفترض أن يمتد إلى ما وراء هذه الخصوصية، إلى فضاء أكثر ~~عمومية. وسيبدو من الغريب أن نقول ms125 إن التعذيب مباح لي لكن غير مباح لك، أو أن نساوي بين ~~عبارات مثل «اقتلاع العين حرام» وتعبيرات تخص الذوق الشخصي مثل «الكرنب مقزز»، فالأخلاق ~~شأنها شأن اللغة واسعة في عموميتها ومتناهية في خصوصيتها، فهي تتضمن مفاهيم خاصة كما ~~تتضمن مفاهيم عامة. يفرق جيه إم بيرنشتاين بين «الأخلاق» - أي ما يسميه المبادئ العامة ~~«المركزية» - وتلك المفاهيم «الأخلاقية» الوصفية أو التقييمية السابقة منطقيا على هذه ~~القيم العامة التي إن كانت ضرورية فهي هزيلة. # 16 # لقد أدرك ما عرف لفترة قصيرة في ستينيات القرن العشرين ب «الأخلاق ~~الموقفية» - وهي تيار من اللاعمومية الأخلاقية يفضله بعض المسيحيين ذوو الفكر المتحرر - ~~مشكلة أنه ما من موقف إنساني يمكن تحديده بدقة، وأن كل موقف يتمتع بخصائص هي أبعد ما ~~تكون عن أن تميزه. كذلك إن كان معنى كلمات مثل «الحب» و«العدل» لا يمكن فهمه إلا في ~~مواقف لا يمكن مقارنة كل منها بالآخر، فإن هذه الكلمات تفرغ من التطبيق العملي كله ~~لها تاركة إيانا تائهين في بحر من الاسمية الأخلاقية. وإن لم يكن ثمة علاقة لازمة بين ~~فكرة العدالة ونمط سلوك ثابت عبر مختلف المواقف، فإن أي نمط سلوك - بما في ذلك قطع رأس ~~كل من يتجاوز سن الستين مثلا - يمكن القول إنه يتفق معها. على الجانب الآخر، فإن أي ~~نظرية أخلاقية تنحي جانبا سياقات محددة جملة واحدة لا تستحق الوصف بأنها أخلاقية. ~~سنعود لهذه المعضلة بعد قليل، عندما نتناول رؤية شكسبير لها. # تعد الأخلاق في رؤية كانط شأنا فرديا وعاما، وبهذا فهي تشبه الأحكام الجمالية؛ ~~فالفعل الأخلاقي هو فعل يخصني حصريا وكليا، إلا أن اللحظة التي أكون فيها نفسي بلا ~~منازع هي نفسها اللحظة التي لا أكون فيها سوى ممثل لقانون عام. ومن المهم للفرد أن يكون ~~حيوانا عاما، ونحن نكون في أفضل حالاتنا عندما نتصرف على هذا الأساس؛ فثمة شيء غير ~~بشري أو غير شخصي يكمن في أعماق الذات يجعلها على ما هي عليه. ورغم أن هذه القوة ~~السامية المستحيل فهمها عند أوجستين ms126 والأكويني هي الرب، وعند أتباع فرويد هي الرغبة، ~~فإن كانط يسميها القانون الأخلاقي؛ فهناك إذن مسار مباشر عنده من الفردي إلى العام، رغم ~~أنه مسار لا يمكن أن نسلكه إلا على حساب الخصوصية الملموسة. # إذا فالعمومية المجردة والخصوصية المتناهية وجهان لعملة واحدة، فالأفراد هم القوة ~~المحركة لهذه الحضارة لكن تجردهم من كينونتهم القوى المجردة التي يصدرونها؛ فالحرية ~~تعني عدم فرض أي مبدأ لا يشرع للنفس، إلا أن تقرير الذات ذلك في حد ذاته يهدد ~~باختزال الفرد إلى طوطولوجيا عديمة المعنى. إن الأمر راجع للرجال والنساء ليمنحوا ~~أنفسهم قيمة لا أن يجدوها - كما في النظام الخيالي - مقدمة من العالم أو من الآخر، ~~فالنظام الرمزي الذي يقدمه لنا كانط قائم بذاته تماما؛ إذ لا يقوم لا على الطبيعة ولا ~~على ما وراء الطبيعة، فحتى الأوامر الإلهية يجب أن تمر على العقل البشري ليستبعد ~~الأخطاء المنطقية منها. يبدو الأمر وكأننا لا نرتكز الآن إلا على أنفسنا، وإن كانت هذه ~~من سمات نضجنا الأخلاقي؛ إذ نتخلى عن اعتمادنا الخيالي الطفولي على الآخرين وعلى الكون، ~~فهي كذلك علامة على اغترابنا عن الطبيعة التي لم يعد لها أي علاقة بشيء سام مثل ~~القيمة بعد أن اختزلت في مجرد حقيقة أولية؛ لذا فإن المبدأ المعاصر الشهير «قيمتي ~~أستمدها من نفسي وحدها!» لا تفصله سوى شعرة عن أنين القائل: «أشعر بوحدة شديدة ~~في هذا العالم!» # إذا فالتصرف الأخلاقي لا يوجهه سوى العقل والواجب الذي يحدده، وليس مجموعة الدوافع ~~المختلطة (المتعة والرغبة والسعادة والمنفعة والرفاهية وغيرها) التي نكتسبها من الآخرين ~~أو من العالم من حولنا أو من شهواتنا الفطرية والتي لا تليق من ثم بالبشر الذين ~~مصائرهم في أيديهم بالكامل. فالفعل الأخلاقي الحقيقي لا علاقة له بنتيجته، وهو افتراض ~~أخلاقي غريب بالتأكيد؛ ففي طوطولوجيا متسامية، علينا أن نتحلى بالأخلاق؛ لأنه من الصحيح ~~أخلاقيا أن نفعل هذا. إن ما يجعل الفعل أخلاقيا، شأنه شأن ما يجعل شيئا ماديا ~~سلعة، هو شيء يجسده هذا الفعل يعلو ويتخطى أي سمة مميزة يتسم ms127 بها، وهو اتساقه المقصود ~~مع قانون يمكن تعميمه، فالإنسانية لا سبيل لها إلى الكيانات الغيبية المشئومة مثل الخير ~~الأسمى، وهي التي تستعصي عليها مثل الآخر اللاكاني الكبير، فلا يبقى بديل ممكن لهذا ~~الشيء المفقود - بالنظر إلى أنه يجب أن يكون مطلقا تماما - سوى الصورة المطلقة من ~~القانون الأخلاقي؛ فالقانون إذا يملأ فراغا - أي غياب الخير الأسمى أو جسد الأم - ~~بفروضه الأبوية؛ ومن هذا المنطلق فإننا نتحدث عن تحول من النظام الخيالي إلى النظام ~~الرمزي. # إن الأخلاق أو العقل العملي شأنه شأن العمل الفني مستقل وقائم بذاته، فهو يحمل الغرض ~~منه في ذاته ويرفض كل منفعة ويزدري كل نتيجة ولا يقبل أي جدل. وكما الحال عند سبينوزا، ~~تتدنى المصطلحات الرئيسية للمذهبين الخيري والعاطفي في القرن الثامن عشر - المتعة ~~والعاطفة والبديهة والإحساس والإشباع والخيال والتصوير - غالبا إلى درجة اللاأخلاقية. ~~(يمكننا أن نقول إن هذه الكلمات تنتمي كذلك إلى لغة علم الجمال.) إذا فنحن نتحدث عن ~~نظرية أخلاقية تتجاوز مبدأ المتعة؛ فالفعل الأخلاقي لا علاقة له بتوفير صور حية للخيال، ~~ففكرة هيوم عن أننا نحتاج لمثل تلك الصور الحية لتحفيز تصوراتنا الأخلاقية الخاملة ~~مرفوضة دون جدال. وفي المقابل يرى كانط أن هذه «الصور والأدوات الطفولية» ليست فقط غير ~~لائقة بالمخلوقات العاقلة مثلنا، بل يرى أيضا أنها تقلل من عظمة وسمو القانون ~~الأخلاقي ومن ثم تضعف قوته الهائلة. من الممكن ألا توجد صورة محفورة للعقل أو ~~الحرية الإنسانية؛ فالغموض الكلي للحرية - كما يرى كانط المتمرد في كتابه «نقد ملكة ~~الحكم» - يجعل التصوير الإيجابي كله مستحيلا، فهي ظاهرة حدسية خالصة يكون إدراكها على ~~المستوى العملي وحده وليس بالصور الحسية؛ فنحن نعلم أننا أحرار لأننا نرى أنفسنا ~~نتصرف بحرية بجانب أعيننا؛ لكن هذه الحرية شأنها شأن شبح الآخر الذي يسير إلى جانبك في ~~قصيدة تي إس إليوت «الأرض الخراب» تختفي تماما إن حاولت النظر إليها مباشرة. # يثير هذا بالتأكيد مشكلة في نظام اجتماعي قائم على طبقة وسطى تعتبر الحرية فيه ~~محورية؛ فالقيمة الأثمن تنفلت الآن من ms128 شبكة التصوير لتصبح نوعا من الرمز الكودي الموحي ~~أو مجرد أثر للسمو؛ فالذات - التي هي المبدأ الأساسي للقضية كلها - تتملص من تصنيفاتنا ~~ولا تظهر ضمنها إلا مجرد شيء يشبه التجلي الصامت أو الصمت الموحي، أي حضور يصطدم دون ~~صوت بحدود فكرنا؛ إذ لا يمكن الإحساس بها إلا باعتبارها نوعا من الزيادة الفارغة أو ~~سمو شيء دقيق. إذا فالإنسان البرجوازي وهو في ذروة قوته يعمى عن ذاته؛ حيث إن حريته - ~~التي هي جوهر تفرده - بطبيعتها لا يمكن تحديدها. فكل ما يمكننا زعمه عن الذاتية - ذلك ~~الفراغ الغريب الذي يكوننا - هو أنها أيا كانت فهي ليست مثل الشيء على الإطلاق؛ ومن ~~ثم فهي تحير الإدراك؛ فالعارف والمعروف لا يتشاركان نفس النطاق، فمشروع العلم ممكن ~~بصفة كبيرة، لكن العالم باعتباره ذاتا لا ينتمي للمجال الذي يدرسه، فحتى الأشياء التي ~~يدرسها العالم لا يمكنه أن يدركها إلا بصورها المشاهدة؛ لذا فإن اللاهوت السلبي ~~للإنسان - إن جاز التعبير - هو وحده الممكن. # إذا يبدو الأمر وكأن الذات تطرد من عين النظام التي تحفظ تماسكه باعتبارها كانت ~~أصله ومكمله يوما ما، فهي أصل النظام بكامله، وكذلك هي ثقب أسود في مركزه . فالقوة التي ~~لا يمكن تصورها هي سلبية مطلقة في الوقت ذاته. ومحاولة رسم شكل محدد لهذا الطيف كمحاولة ~~القفز على ظلنا؛ فالذات لا يمكنها أن تكون «جزءا» من العالم إلا بقدر ما تمثل العين ~~جزءا من مجال الرؤية، فالذات عند كانط ليست ظاهرة بداخل الواقع بل هي نقطة فوقية مطلة ~~عليه. وهي، عند كانط في ثورته الكوبرنيكية، ما يسعى من خلالها لإعادة العالم المادي ~~إلينا؛ لكن الذات «في جوهرها» خلال تلك العملية تنزلق من فوق حدود المعرفة وتغرق في ~~الكيانات المدفونة المعروفة بالحدسيات التي لا يمكن الحديث عنها. فالذات ليست بشيء يخضع ~~للإدراك، شأنها شأن الملائكة الحارسة أو المثلثات المربعة مثلا؛ إذ تجد الطبقة ~~البرجوازية نفسها وهي في أوج قوتها أن نفس النظام الاجتماعي الذي وضعته، قد أقصاها ~~لتعلق بين الذات المستعصية على الاختراق من ناحية ms129 وبين الشيء غير المعلوم من الناحية ~~الأخرى. # إن الذات البشرية؛ إذ هي محددة بصرامة من الخارج لكن حرة الاختيار من الداخل، حرة ~~ومغلولة معا. ويرى سبينوزا أن هذين الجانبين من وجودها متلازمان؛ فالحرية تكمن في ~~معرفتها أنها مقيدة، وهي ثمرة كفاح الإنسان المترتب عليها ليصبح حر الإرادة، فهي تعني ~~التوقف عن اعتبار النفس كائنا معزولا واعتبارها جزءا من نظام يقوم على الضرورة. ~~ويؤيد كانط تلك الحتمية عند سبينوزا - مجردة من أسسها الميتافيزيقية - بل يضيف إلى ~~عليات الطبيعة الراسخة مجالا ساميا للروح. وهو بذلك يحفظ الحرية على حساب ~~إمكانية فهمها، فهي في نظر سبينوزا أمر خيالي أو خرافي. أما في نظر كانط فهي فرضية ~~ضرورية؛ فالحكمة في رأي الفيلسوف الهولندي تكمن في تأمل هويتنا في الطبيعة. أما ~~نظيره الألماني فيرى أنها قضية ترسيخ استقلالنا عنها. ~~••• # إذن فكانط - في خطوة جريئة - ينقل قضية الأخلاق بكاملها من النظام الخيالي إلى النظام ~~الرمزي، وهذا يعني كذلك الانتقال من المضمون إلى الشكل، أو من الموضوعي إلى الإجرائي. ~~ويتضمن هذا انتقالا من القدرة على دعم أخلاقك بشيء يتخطاها - كالرب والطبيعة والتاريخ ~~- إلى الفوائد غير المؤكدة للتحرر الأبدي من أي أساس مماثل. ويعلن كانط في عمله «أسس ~~ميتافيزيقا الأخلاق» أن الفلسفة الأخلاقية يجب أن تطهر من المحتوى التجريبي ~~والأنثروبولوجي بالكامل. وبما أن أي فعل من أفعال الإرادة التي تحفزها ميول أو أشياء ~~تجريبية هي أفعال «مرضية»، فإن فعل الخير الأسمى الوحيد هو الإرادة الخالصة للخير ~~نفسه. وإرادة الخير ليست إرادة شيء محدد، بل أن يتصرف الإنسان بما يتفق مع القانون ~~الأخلاقي؛ لذا فإن هذا القانون لا يقدم شيئا سوى الإعلان عن نفسه، فهو - كما كتب ~~كافكا إلى صديقه جريشوم شولم - يتمتع «بشرعية لكن لا مدلول له». فالوسط إن جاز التعبير ~~هو ذاته الرسالة، فتعاليم القانون الأخلاقي مطلقة لكنه لا يبين لنا ماذا نفعل، فمثل ~~ناظر مدرسة متحرر الفكر يسعى لتعزيز المبادرة الشخصية بين تلاميذه، هو يوضح لنا السمات ~~العامة التي ينبغي أن تميز أفعالهم لكنه لا يبين ms130 عمدا محتواها؛ فالمتنورون لا يحتاجون ~~لأن يتم إعطاؤهم قائمة بالأوامر الأخلاقية من موضع سلطة عليهم. إن الذين يحتاجون لهذه ~~الأوامر غير قادرين للسبب نفسه على أن يفهموا مغزاها أو ينفذوها؛ إذ إن المرء يتردد في ~~قبول الطعام من طباخ يحتاج إلى تعليمات مفصلة عن كيفية التعرف على حبة قرنبيط مثلا. # قد يبدو القانون الكانطي في فراغه أو طوطولوجيته مختلفا عن أوامر الرب غير المشروطة ~~التي يحل محلها، باعتباره معبودا يملي أوامره بصيغة دقيقة غير مريحة، إلا أنه من ~~ناحية أخرى لا يكاد يختلف عنه إطلاقا؛ إذ إن ما يسمى بالوصايا العشر ما هي إلا طريقة ~~يهوه في قول: «هكذا تكون محبتي.» فطلب الرب الأساسي ليس امتناع الإنسان عن السرقة ~~أو الزنا بل أن ندعه يحبنا لكي نتمكن بفضل نعمته تلك من أن نبادله الحب. إذا ~~فطوطولوجيا القانون الرمزي - «يجب أن تطيع؛ فالقانون في النهاية هو القانون والواجب هو ~~الواجب» - هي طوطولوجيا حب عبثي وفراغ سمو مطلق، فإن كان للقانون محتوى محدد ~~فسيمكن دائما مساومته وتملقه وتقديم الإذعان المطيع لقاء جزاء كبير. ولكن لأن شريعة ~~موسى هي قانون الحب، فيجب على مضمونها أن يتخطى شكلها . إن ما يحبط فريسيي هذا العالم هو ~~صمت هذه الفضاءات السرمدية. # إذن فالأمر الإلهي - شأنه شأن الأمر المطلق عند كانط - يخلو تماما من المضمون، فهو ~~كعبارة القديس أوجستين «أحب وافعل ما شئت.» فهو يشير باقتضابه إلى سمو الرب ~~عما هو بشري، فمن السمو ألا يفرض الرب أوامر مقيدة على مخلوقاته كما تفعل الأنا ~~العليا السادية المبالغة في عدم واقعيتها لأنه لا يحتاج إليها. فحبه - باختصار - خال ~~من الرغبة. إن هذه - وليس القانون الأخلاقي عند كانط - هي الصورة الحقيقية لعدم ~~المشروطية؛ فالحب الإلهي يعني عدم انتظار مقابل؛ ولهذا تكون مشاركتنا في هذا الحب في ~~أعمق صورها عندما نتمكن من أن نحب دون شكر أو من طرف واحد. فإن كان يهوه في العقيدة ~~المسيحية اليهودية ليس هذا المستبد المتعالي الذي يفرض قيودا شديدة الثقل على كاهلنا؛ ~~فذلك يرجع ms131 من بين أسباب أخرى إلى أنه لا يحتاج إلى العالم؛ وهو ما يعني أنه خلقه دون أن ~~ينتظر مقابل، بدافع الحب لا الاحتياج؛ فالخلق هو الفعل المجاني الأول، فهي مسألة ~~«متعة»؛ وهو ما يعني أنها مسألة لذة «لا طائل منها» بعبارة لاكان، فالوجود هبة وليس ~~قدرا؛ فلا ضرورة عند الرب لخلق أدق جسيم مادي، بل إنه بعد إعادة النظر الناضجة في ~~الأمر ربما يندم على فعلته هذه أشد الندم. وإن كان الآخر الكبير عند لاكان ذا رغبة في ~~ذاته، فإن الرب في العقيدة المسيحية اليهودية ليس كذلك؛ وحيث إنه بالتبعية ليس لديه ~~احتياجات عصابية فهو لا يأمر بأن نتقرب إليه بالقرابين التي تأكلها النار أو الأوامر ~~المتعلقة بالطعام والشراب أو السلوك المعصوم أخلاقيا، بل علينا أن ننحي جانبا هذه ~~المساومات الرديئة ونتقبل الحقيقة التي لا تحتمل، وهي أنه يغفر لنا دائما. فلسنا ~~بحاجة إلى الانغماس في القلق البروتستانتي من أجل استيضاح ما يأمرنا به؛ إذ إنه لا ~~يأمرنا بشيء أكثر من الحب. ولأن الحب أمر عملي ومحدد فيجب أن يكون بالإمكان صياغته ~~صياغة قانونية، إلا أن الذين يعرفونه بتلك الصيغ يخطئون بقدر الذين يجعلونه ~~مفهوما مجردا. # لا تنبع القيمة الأخلاقية - عند كانط شأنه شأن سبينوزا - من تأمل بعضنا بعضا في إطار ~~خيالي، ناظرين إلى الآخرين من خلال ثنايا الذات المتقدة، بل تعتمد على النظر إلى النفس ~~من الخارج، من المنظور اللاعاطفي للقانون الأخلاقي نفسه؛ وهو ما يعني النظر إلى النفس ~~باعتبارها ذاتا عامة؛ ومن ثم معاملة النفس كمعاملة الآخرين. يرى كانط أنه لا يوجد ~~فرق واضح بين الغرباء والأقرباء. فإن تعاملت مع الآخرين كما لو كانوا مكاني، فأنا أنظر ~~لنفسي باعتباري غريبا نوعا ما. ومن الناحية الأخلاقية، فإننا أصدق ما نكون على ~~حقيقتنا عندما نتصرف كما لو كنا أي شخص. إنني عندما أنقسم إلى شخصين وأنظر لنفسي من ~~موقع النظام الرمزي نفسه، متفحصا ذاتي بنظرة الغريب المحايدة، عندها فقط أكون مطابقا ~~لنفسي حقا. وهذه الرؤية أبعد ما يكون عن الرؤية ms132 الأخلاقية العاطفية عند هيوم أو سميث، ~~وإن كان كل منهما مثاليا على طريقته الخاصة. إن لمح أنصار مذهب الخير في حالات ~~التعاطف نعيما يعد كعيد حافل مثالا للمدينة الفاضلة، فإن بعضا من خلفائهم الأقل ~~توهما عند مواجهتهم نظاما اجتماعيا مفككا لا يشجع التواصل الاجتماعي اضطروا ~~إلى النزول بمدينتهم الفاضلة إلى مستوى أكثر عمقا حيث منطقة البديهة الغائمة التي ~~هي الوطن المثالي للذوات العاقلة الحرة ولغاياتهم المتكاملة المتناغمة. # بل إنها تتشكل على مستوى أعمق من هذا، فإن كان كانط الذي هو متشائم في المجمل تجاه ~~الإنسانية يحتاج إلى فكرة الرب؛ فذلك لأسباب ليس أقلها أن احتمال اجتماع الفضيلة ~~والسعادة في العالم الآخر أكبر بكثير من هذا العالم، إلا إن كنا ننظر إلى عالم الرواية ~~الذي برز حديثا؛ فالفجوة بين ما هو مثالي وما هو واقعي تتضح في تعليقه بأن الأمر ~~المطلق يظل ملزما حتى وإن لم ينجح أي شخص في الالتزام به. في حقيقة الأمر، إن نجاح أي ~~شخص في الالتزام فعلا به من عدمه يظل مسألة غير محسومة، فكيف يمكننا التأكد أصلا من ~~أن تصرفاتنا كانت من دون أدنى قدر من الدافع «المرضي»؟ فهل نحن غير مذنبين أمام الرب؟ ~~إن القانون الأخلاقي - كما يعلم كانط - شيء مستحيل، وهي سمة يشترك فيها، كما سنرى، مع ~~النظام الواقعي عند لاكان. # تتشابك المتعة والقيمة الأخلاقية، وحب الذات والتعاطف، والتجريبي والمثالي في كتابات ~~هتشسون وهيوم. أما مع كانط فيجب إبعاد المدينة الفاضلة أكثر وأكثر عن عالم دنيوي حسي ~~لدرجة تظل معها كيفية تحقيق المدينة الفاضلة فيه - أي كيف للوجود البديهي أن يحل محل ~~الوجود الحسي - شيئا غامضا. يبدو الأمر وكأنه يجب حماية القيمة المطلقة من شرور ~~النظام الواقعي بإبقائها مدفونة دائما. إذا فمن المفارقة أن القانون الأخلاقي - الذي ~~ينظر للرجال والنساء باعتبارهم أفرادا يمكنهم التعامل بتجرد فيما بينهم - يقوم في ~~معظمه على الواقع التجريبي؛ على عين مجتمع السوق الذي ينتقده بشدة، فالفعل الأخلاقي ~~حقا - كالسلعة - هو نموذج للتبادل؛ لكن هذا في السياق الأخلاقي يعني ms133 معاملة النفس ~~والآخرين باعتبارهم غاية في ذاتهم، وهي عقيدة تختلف كل الاختلاف مع منطق السوق، ففي ~~مقابل المصلحة الذاتية التي تحكم المعاملات التجارية، يقدم أنصار مذهب الخير ~~البريطانيون العاطفة والشعور. أما الفيلسوف الألماني فهو يقلب منطق السوق على ~~عقبيه. # تتشابه الرؤية الأخلاقية المتجردة لكانط - بكل تقشفها المرهق - من بعض النواحي مع ~~المفهوم المسيحي للحب أكثر مما تتشابه مع عالم شافتسبري وهتشسون المتناغم؛ إذ يصر كانط ~~على أن عمل الخير حيثما أمكن واجب لا اختيار. وقد أصاب في رؤيته أن الحب ليس قضية ~~عاطفية بالأساس؛ أي إننا إن اعتمدنا على مثل هذه الرغبات الطارئة فنحن على الأرجح نقيد ~~عملنا الخيري بدائرة ضيقة كثيرا. وفي المقابل يتحدث - وهو يستحضر العهد الجديد في ذهنه ~~- عن «الحب الذي يمكن السيطرة عليه» ويفرق بينه وبين هذا الحب المنعدم الأساس الذي هو ~~تلقائي و«مرضي». ويستبعد سورين كيركجارد بالمثل الحب المبني على نزعات الحنان الطارئة ~~لصالح حب يتمتع بالثبات الأبدي للقانون. ويكتب «لما يصبح الحب واجبا، عندها فقط يأمن ~~الحب كل تغير إلى الأبد ...» # 17 # ويميز القديس بولس بين القانون والنعمة، مهاجما الأول، لكنه يفرق كذلك بين ~~النعمة باعتبارها قانون الرب - الذي يرضيه - وقانون الخطيئة. ويقوم إنجيل مرقس على ~~التصور اليهودي العام لقانون الرب باعتبار أنه يتحقق بحب الإنسان لرفاقه. وعند متى - ~~الذي ألف إنجيله بالقرب من مرقس - فكل الوصايا أساسها حب الإنسان لجاره. أما عند يوحنا ~~- إذ يكتب عن تقليد الحكمة - فحب الجار هو القانون كله. ويظهر الحكمدار في مسرحية ~~شكسبير «الصاع بالصاع» - وهي المسرحية التي سنتناولها بعد قليل - فهما إنجيليا ~~تقليديا للعلاقات بين القانون والحب عندما يتحدث عن أنه «ملزم بعمل الخير». # وفيما يتعلق بالحب باعتباره قانونا، يقدم كانط الإجابة الصحيحة الأكثر تطرفا على ~~السؤال الذي يؤرق فلاسفة الخير البريطانيين: «كيف نتعامل مع هؤلاء الملايين من ~~المجهولين لنا فيما وراء نطاق عواطفنا؟» بإنكار أن العاطفة هي العامل الفاصل هنا من ~~الأساس، فالأمر المطلق كما رأينا لا يميز بين الغرباء والجيران. إن عدم أهمية هويتك ~~مطلقا ms134 عند كانط - عندما يتعلق الأمر بالأخلاق - يمثل من ناحية ثغرة في طريقته المجردة ~~في التفكير، ويمثل من ناحية أخرى نقطة قوة كبيرة. ففي المسيحية، على نحو مشابه، ليست ~~الصلات المحلية ولا الهوية الثقافية العامل الأهم؛ فالمعتقد الديني لا يتعلق بالنسب ~~ولا العادات الضيقة ولا الطقوس الغذائية الخاصة ولا المعبودات المنزلية ولا التراث ~~الوطني ولا الهويات التقليدية؛ فالإنجيل هو نقد لسياسة الهوية من قبل أن يظهر هذا ~~المصطلح. # لا يعنى هذا إنكار أن العهد الجديد يمنح أحيانا أفضلية خاصة لحب «الإخوة» المسيحيين ~~بعضهم بعضا. لكن بما أن ذلك لا يسعه سوى دعم مهمتهم الكونية، فليس له أن يتعارض بشدة ~~مع حب الغرباء؛ فالخط الفاصل بينهما ضبابي، يتوارى كما لو كان وراء أقنعة تلبس في حفل ~~كبير، والتي - كما تقول باربرا إرينرايك - «تذيب الفوارق بين الغريب والقريب، لتحيل ~~القريب غريبا لبعض الوقت ولا يكون الغريب أجنبيا أكثر عمن سواه.» # 18 # بالمثل فإن الجماعات السياسية الراديكالية التي يتمكن أفرادها من بناء ~~علاقات ألفة فيما بينهم ومع من ينتمون للجماعات المماثلة - وهو إنجاز نادر في تاريخ ~~أحزاب اليسار - تتمتع بفرصة أكبر لتحقيق الفاعلية السياسية من تلك التي لا تفعل . لقد ~~رأى أرسطو أنه لا يمكنك أن تصادق إلا من تعرف، واعتبر أن خداع الصديق أكثر استحقاقا ~~للوم من خداع الغريب؛ فعدم مساعدة الأخ كان عيبا أكبر في نظره من عدم مساعدة إنسان ~~مجهول لك، إلا أنه لاحظ كذلك تشابها بين الصداقة والعلاقات السياسية؛ إذ تحدث في عمله ~~«الأخلاق» عن المواطنين باعتبارهم أصدقاء. وتتشابك الواجبات العامة والعواطف الشخصية في ~~الروابط والجماعات التي تشكل المدينة الدولة؛ فالدول السياسية التي يحقق مواطنوها قدرا ~~من الانسجام المتبادل تمثل نسخة عامة من الصداقة الشخصية. # أما كانط على العكس فيقلل من قيمة الصداقة؛ إذ ليس ثمة من يحرص على سعادة إنسان خير ~~من نفسه؛ والتبادلية الكاملة بين النفوس - التي يكون تمني الإنسان الخير للآخر أساسا ~~لحبه الخير له - ليست غير محتملة وحسب، بل على الأرجح تقسي القلوب على من هم ms135 خارج ~~هذه الدائرة السحرية، # 19 # ففي الأمور الأخلاقية يرى كانط أننا يجب أن «نتجرد من الفروق الشخصية بين ~~الكائنات العاقلة.» # 20 # وما لا يدركه هو أن العمومية الحقيقية لا تعني تجاهل اختلاف الآخرين بل ~~الالتفات إلى الاحتياجات الخاصة لأي شخص يتصادف قربه. إن هذا هو الوجه الذي يمكن من ~~خلاله أخيرا التوفيق بين الهوية والاختلاف، فالأمر ليس حب كل إنسان، بل حب أي إنسان ~~تصادف وجوده بالقرب منك. وهذا هو مغزى حكاية السامري الصالح؛ حيث يعتبر اليهود الأكثر ~~تعصبا في ذلك الوقت السامرية أدنى أشكال الحياة، كما هي - على نحو أكثر عمومية - أدنى ~~صور مفهوم العمومية المسيحي. وهي بذلك تمثل رابطا صادقا بين ما هو شخصي وما هو عام. ~~وقد اعتبر كيركجارد - الذي رأى بطريقة متزمتة أن حب الإنسان لأصدقائه تساهل مع النفس - ~~أن الجار هو أي شخص تصادفه عندما تخرج من باب بيتك. # من هذا المنطلق، فإن كانط أبعد عن المفهوم المسيحي للحب من هيجل الذي يجتمع الرجال ~~والنساء في رؤيته العلمانية للخلاص في عمومية الروح بكل خصوصياتهم الحسية. كما أنه ~~يختلف عن المفهوم المسيحي للحب بافتراضه أن التضحية التي لها قيمة فعلا هي التضحية ~~بالنفس في سبيل القانون وليس في سبيل خدمة الآخرين غير الأنانية. كما يختلف كانط مع ~~العهد الجديد في عدم رؤيته أن الحب في العقيدة المسيحية قضية وجود فائض وزيادة تتخطى ~~القياس وليس مسألة متعلقة بعمليات التماثل المنمقة لقيمة التبادل. # 21 # فهي شكل من أشكال العطاء غير المجدي، عطاء يرفض السعي لتحصيل عائد ~~لاستثماره، ليس لأن هذا هو حال العالم لكن لأنه من غير المحتمل بتاتا أن يتلقى عائدا. ~~فالعهد الجديد - من بين أشياء أخرى - معارض شديد للمحاسبة؛ إذ يخل الحب بالتوازنات ~~المقدرة بدقة في النظام الرمزي برفضه الاحتفالي لحساب التكلفة وتصفية الحسابات ورد ~~الشيء بالمثل. # سنرى لاحقا أن النظام الواقعي اللاكاني محصلته مشابهة؛ إذ يشير جاك دريدا إلى أن ~~النبي إبراهيم «في حالة غير تبادلية مع الرب»، # 22 # وهو الحال الذي لا ينطبق على ms136 النبي إبراهيم وحده. يوصي ما يسمى العهد ~~الجديد، الذي لا يهتم بإمكانية الحساب، بأنه إن صفعك رجل على خدك فأدر له الآخر، ~~وأنك إن أجبرك أحد أن تسير ميلا، فسر اثنين؛ وأنه إن أراد أحد أن يحاكمك ليأخذ ~~ثوبك، فدعه يأخذ رداءك أيضا. فهذه الوصايا مثلها مثل عمل «أمثال الجحيم» لويليام بليك ~~مبالغ فيها عمدا بما يفوق الحدود، وتهدف إلى الهجوم على البرجوازية الصغيرة الضيقة الأفق ~~في كل عصر. إلا أن تلك الوصايا الأخروية - التي تسعى لتحرير المسيحيين من منطق ~~«الوضع القائم» في ضوء نهايته المنتظرة - لا ينبغي أن يفهم أنها تفرغ المطالبة بتحقيق ~~العدل من معناها، فجاك دريدا نفسه يلتف حول هذه الإشكالية بجعل العدالة هي الأخرى مسألة ~~التزام لا متناه بدلا من إعطاء الحقوق لأصحابها، ففي المسيحية، ينعكس الحب الذي هو ~~عطاء فائض أو مجاني بوضوح في فضائل الرحمة والتسامح، وهو ما يطيح بمفهوم عدالة رد الشيء ~~بالشيء العين بالعين المنتظرة، فحب الإنسان لأعدائه عار على مفهوم قيمة التبادل. # كل هذا - بعبارة القديس بولس - هراء عند الأغيار، باختصار عند هؤلاء الذين يسعون مثل ~~كانط لبناء اقتصاد أخلاقي أو رمزي حسن الإدارة. هناك بالتأكيد جانب مظلم لهذا التهور ~~الخلاق المعروف بالانتقام الذي يمكن أن يكون مفرطا وهداما بكل الأشكال السلبية؛ ولهذا ~~لا يمكن غض الطرف ببساطة عن العدالة القائمة على رد الصاع بالصاع - وكذلك عن ~~النظام الرمزي الذي تنتمي إليه - كما يفضل بعض مناصري النظام الواقعي. يأمرنا العهد ~~القديم بأن نتبع سياسة العين بالعين، وهي أمر مستنير تماما في هذا السياق. فهي ليست ~~(كما تراها الحكمة الشائعة) تفويضا مطلقا للثأر الشنيع، بل محاولة لتحديد الجزاء بقدر ~~الإساءة، فعلينا أن نأخذ العين بالعين، وليس الجسد كله. ليس تجاوز هذا الحد محبذا ~~دائما. وهذا هو ما تعجز عن إدراكه أي نظرية أخلاقية للنظام الواقعي، وذلك كما سنرى ~~لاحقا. # لا يناصر كانط القانون بسبب حبه للتشريع؛ فالفوضويون والأرستقراطيون وحدهم هم من ~~يرفضون التسليم للقانون. لكنه يناصر القانون لأنه يؤمن بأن القانون ينبغي ms137 حبه واحترامه ~~لذاته وليس لما يأمر به؛ فالفعل السليم أخلاقيا لا يجب أن يقتصر على الالتزام ~~بالقانون بل يجب أن يكون في سبيل القانون ذاته. إن القانون عند كانط في الحقيقة لا ~~يلزم بأي شيء على الإطلاق إلا أن تتخذ أفعالنا صورة معينة، فهو معلم سلوك أكثر منه ~~واعظ لعقيدة. في المقابل يرى القديس بولس أن القانون نظام يناسب الأطفال أو حديثي العهد ~~بالأخلاق؛ المستجدين الذين يحتاجون التوجيه في ظل وصاياه قبل أن ينضجوا على نحو كاف ~~ليستوعبوا معناها الحقيقي، فهم كالأطفال الذين يجب أن يتحملوا ملل تعلم جداولهم عن ~~ظهر قلب إن أرادوا أن يصيروا علماء رياضيات مشهورين. فالقانون وسيلة لا غاية في ~~ذاته؛ فهو بالتأكيد نموذج أولي ضروري للحياة الجيدة، لكنه ليس كذلك بالنسبة للذين بلغوا ~~النضج الأخلاقي، الذين لا أحد منا من بينهم. إن الذين في حاجة للقانون باعتباره كتيب ~~الإرشادات بالنسبة للعامل الفني لا يزالون في طفولتهم الأخلاقية، كالمتحدث الجديد ~~للعربية مثلا الذي يحتاج للرجوع إلى المعجم باستمرار. وعندما يستطيع هؤلاء التخلي عن ~~هذا القانون سيرون العالم على الوجه السليم. ولكن لأن الطفولة الأخلاقية هي حالة ~~إنسانية مزمنة فإن القانون لسوء حظنا وجوده دائم مثل دوام وجود الفقراء. # يرى القديس بولس أن الفضيلة هي الاعتياد التلقائي لفعل الخير الذي يؤدي إلى نقش ~~القانون على القلب بدلا من ألواح الحجر. ويبدو أنه يعتبر القانون الأخلاقي - مثل كبش ~~الفداء أو الفارماكوس - جيدا وسيئا في نفس الوقت لأسباب من بينها أنه ينبهنا دون قصد ~~إلى احتمالية الخطيئة، كمقال بإحدى صحف الإثارة يخبئ شهوانيته وراء ستار السخط ~~الأخلاقي، وكذلك لأنه يوجهنا إلى الخير دون أن يكون خيرا في ذاته. إذا يمكن للقانون ~~وهو إذ يضعنا على الطريق الصحيح أن يحول دائما بيننا وبين ما يدعو إليه، فيصبح هو ذاته ~~ما تتعلق به رغبتنا، وهذا ما يجعل القانون بوجهين من الناحية الأخلاقية؛ إذ يمكننا ~~دائما أن نقع في حب القانون بدلا مما يمليه، مثلما قد نجد أنفسنا مفتونين بالمدرب ~~وليس من ms138 محبي اللعبة. ومن بين الذين يقعون في حب القانون لذاته - ناظرين للشكل على حساب ~~المضمون - الفيتيشيون أو الفريسيون الذين لا يمكنهم تحمل سلبية الرب السامية ~~ويسعون لملء فراغ الغيرية غير المحتمل بصورة واضحة للرب. إن الفيتيشية هذه هي التي ~~حرمتها الوصية الأولى من الوصايا العشرة؛ حيث إن الصورة الوحيدة الحقيقية ليهوه ~~هي الصورة البشرية. # بعبارة أخرى فإن الوصية موجهة ضد عالم النظام الخيالي، ضد الذين يفخرون بعلاقتهم غير ~~المتكلفة مع الرب والذين لا يعتبرونه إرهابيا عنيفا في سبيل الحب كما هو بل يرونه ~~مخلوقا متحضرا يشبههم هم أنفسهم. وكما يقول لاكان بوضوح فريد: «إن الإنسان باعتباره ~~صورة مثير للانتباه بالنظر إلى الفراغ الذي تتركه هذه الصورة؛ بسبب أن الفرد لا يرى في ~~الصورة - فيما وراء ظاهرها - فراغ الرب المفترض أن ينكشف. ربما يرجع لذلك لاكتمال ~~الإنسان، لكن الرب كذلك يترك فراغا في داخل الإنسان.» # 23 # فالقول إن الرجال والنساء خلقوا على صورة الرب يعني من بين عدة أشياء أنهم ~~في بحر من اللاوجود؛ حيث إن الرب لا يرى باعتباره ذاتا من أي نوع؛ لذلك فإن فراغ ~~النظام الواقعي وليس اكتمال النظام الخيالي، وعزلة الدين وليس عزاء الوثنية، هي التي من ~~خلالها يكون ظهور الرب المتأخر كثيرا بين الناس. # إن تخليص النفس من القوة القسرية للقانون لا يكون بجعله أمرا داخليا، وهو ما لن ~~يؤدي إلا إلى تعميق القسر المرضي الناتج عنه، فالتحرر من هذا الفرض الخبيث والحميد ~~معا لا يعني تثبيته بداخل أنفسنا في صورة أنا عليا مستبدة من أجل أن نرضخ لأوامره ~~بتلقائية تحاكي عادة التحلي بالفضيلة ظاهرا. وهذا تقريبا هو رد شيلر على كانط: ~~فالقانون يظل ذا سيادة لكن يجب تلطيف صرامته بغرسه تماما في الحواس. # 24 # وكما الحال عند بيرك، فإننا لن نلتزم به حقا إلا بعد صبغه بصبغة جمالية، ~~فهذا إن جاز التعبير تحول من السلطة المطلقة إلى نوع من الهيمنة. كذلك فإننا لا ننقض ~~سيادة القانون - كما يفعل جيل دولوز - بغمس هذا النظام المقيد بكامله ms139 في فورة من ~~الليبرتارية المتمردة، متطلعين في المقابل إلى آلية «الرغبة» الثورية في جوهرها، فنحن ~~لا نتحرر من القانون الأخلاقي إلا عندما ندرك أن ما يفرضه هو خير في ذاته وليس خيرا ~~لأنه مفروض. إذا يظل كانط سجينا للقانون الأخلاقي؛ حيث إنه يرى كما شاهدنا أن القانون ~~لا يفرض إلا نفسه. صحيح أن كانط من أحد الأوجه محطم للأوثان التقليدية وليس مقدسا ~~لها عندما يتعلق الأمر بالقانون؛ إذ يصر على استحالة تصويره السامي؛ إلا أنه، إذ ~~يؤمن بأن فعله لا يتسم بالسلامة الأخلاقية إلا بتجسيده صورة معينة تطابق القانون، عرضة ~~- إن جاز التعبير - لأن يفتتن بمدرب اللعبة لا باللعبة ذاتها. كما أنه في خطر ~~الوقوع في الشطط كما في البروتستانتية الراديكالية، فالتيار الرئيسي للمسيحية يعلمنا أن ~~الأشياء لا تكون خيرا لأن الرب يأمر بها، وهو ما يجعل الرب يبدو مستبدا متقلبا؛ مما ~~يجعله في مرمى نيران سبينوزا. لكن الرب يريد ما هو خير في ذاته، والإقرار بذلك علامة ~~على النضخ الأخلاقي، فهي خطوة سهلة للانتقال من الادعاء بأن الخير هو أيا ما يفرضه ~~قانون متغير ما إلى الاعتقاد مثل كانط بأن الخير يوجد في شكل القانون ذاته. # إننا نتحرر من القانون عندما ندرك قبل كل شيء أنه قانون العدل والرحمة وليس فرمانا ~~يستبد بالمنع والتحريم. إن هذا هو الدرس المستفاد من صلب المسيح؛ حيث يقلب موت المسيح ~~الصورة الشيطانية أو الفريسية ليهوه باعتباره «نوبودادي» (بحسب عبارة بليك) أو أنا ~~عليا أو طاغية متعطش للدماء لكشف حقيقة القانون باعتباره دعوة للحب والعدل، وهي دعوة ~~من المرجح أن تودي بحياة من يؤمنون بها على يد الدولة السياسية. إن اتفاق المسيح ~~مع قانون الرب المحرر هذا - مع أنه، كما يقولون، «ابن» الرب - هو ما أدى إلى ~~تعذيبه وقتله؛ فالقانون في حد ذاته هو المتجاوز. # مع ذلك فإن القانون الأخلاقي الكانطي راديكالي تحديدا فيما يتعلق بمجهولية ~~الهوية فيه، فإن كان له بعض جوانب منطق السلعة، فقد فعل ذلك بروح مستنيرة ومستبدة ~~في الوقت عينه. ms140 وحتى السلعة عند ماركس - الذي يرى أن التاريخ يسير بوجهه السيئ - لها ~~جانب إيجابي، فهي بوصفها لغة عامة تساعد على تجاوز أشكال الخصوصية «السيئة»، وتطيح ~~بالحدود التي نصبها النظام القديم، وتجذب الرجال والنساء إلى تواصل قابل لأن يكون ~~عاما بعضهم مع بعض، ومن ثم فهي تضع أسس الاشتراكية الدولية. يكتب تيودور ~~أدورنو: «هذه الشكلية (الخاصة بالقانون الكانطي) تمنع في رحمة إساءة استخدام الاختلافات ~~الكيفية للأشياء في سبيل التميز والأيديولوجيا، فهي تضع شروط العرف القانوني العام؛ ~~ومن ثم - ورغم تجردها ونتيجة له - يبقى بداخلها شيء ذو أهمية هو قيمة المساواة.» # 25 # لهذا فإن كانط - وهو أعظم مناصر للتنوير الليبرالي - يسير بوجهه السيئ، إن جاز ~~التعبير؛ إذ صار حقك في الحرية والاحترام والحقوق المتساوية مع أقرانك لا يرجع إلى أن ~~والدك نبيل أو سيد إقطاعي، بل لأنك تنتمي للجنس البشري. إن الجرأة التي تميز هذا ~~القول مذهلة. وكذلك القوة الثورية للتجريد والعمومية، خلافا لما يراه ما بعد ~~الحداثيون. كما أنه بمجرد أن تترسخ هذه العقيدة فسيتمكن المجتمع البرجوازي من قياس ما ~~هو قاصر عنه حتما من مثلها المثيرة للإعجاب. قد تكون الأخلاق الرمزية متنافرة غير ~~متآلفة؛ لكنها تنبئ بقدوم عصر الذات المقررة لنفسها. وبذلك فهي تفتح بابا يتجاوز ~~الجوانب الأقل جاذبية لما يسميه هيجل بالنظام الأخلاقي؛ الامتثالية الثقافية، والعادات ~~غير الانعكاسية والإلزامية العمياء للتقاليد. لكن بما أنها تحثك في الوقت ذاته على ما ~~يتجاوز الجوانب الأكثر الإيجابية للنظام الأخلاقي هذا - القرابة والمشاركة والفضيلة ~~الاعتيادية والعواطف الخاصة - تصير هذه النقطة نقطة قوتها ونقطة ضعفها في آن ~~واحد. # ليس كانط الليبرالي الذي يقنع بترك الآخرين لشئونهم طالما لم يتدخلوا في شئونه. ~~على العكس، فهو يقترب بقدر ما يستطيع الليبرالي من مفهوم الخير العام والعلاقة ~~التبادلية بين الذوات؛ إذ ليس من الكافي التعايش مع الآخرين في ظل اتفاق متحضر على ~~عدم التدخل، بل إن السعي تجاه المجتمع العادل يعني دعم الغايات الأخلاقية للآخرين على ~~نحو نشط مثل أهداف الشخص نفسه. يتحدث آلان وود عن رؤية ms141 كانط الأخلاقية باعتبارها رؤية ~~للغايات «التي تدعم بعضها بعضا.» # 26 # لكن كما يوجد فارق بين القانون الأخلاقي الكانطي ومفهوم الحب في المسيحية ~~فهناك فارق ذو صلة بين ليبرالية كانط والفكر السياسي لهيجل وماركس. ويدعم مناصرو مذهب ~~الخير البريطانيين - كما رأينا - العلاقة التبادلية بين الناس، لكن الطريق مزدوج ~~الاتجاه بين الناس يظل أسير شباك النظام الخيالي؛ إذ يتقيد بصورة كبيرة بالعلاقات ~~المباشرة مع الناس. وبصفة عامة فإن هذه الرؤية ترتكب الخطأ المألوف بإحلال النبيل ~~الإنجليزي محل البشر على مستوى العالم. # من ثم فإن الأخلاقيين من هذا النوع، كما أشرنا من قبل، لديهم مشكلة نوعا ما مع ~~الغرباء والنماذج المختلفة الذين تقل إمكانية إظهار الخيال لعواطفهم. أما كانط فيرحب في ~~المقابل بالغريب عن طريق القانون الأخلاقي؛ لكنه إذ يفعل هذا يقلل من منزلة الصداقة ~~والتعاطف الحساس. فبما أن الناس عليهم أن يكافحوا من أجل دعم غايات بعضهم بعضا فهم، من ~~وجهة نظر كانط، بعيدون عن أن يكونوا كالبدو الفرادى؛ إلا أنه طالما وضعت هذه ~~الغايات على يد كل فرد لنفسه بدلا من أن تبنى بصفة مشتركة من خلال الممارسة المشتركة، ~~فيظل كانط في نطاق المذهب الليبرالي؛ إذ إن الحب يعني أن يجد الإنسان غايته في الآخر ~~وليس مجرد أن يناصر الغاية التي وضعها لنفسه. وكما هو متوقع، فكانط عاجز أيضا عن فهم ~~أن مناصرة الفرد لغاية الغير على نطاق واسع ليست ممكنة إلا في ظل نظام اجتماعي غير ~~منقسم بنيويا. # إن ما تحتاجه النظريتان الخيالية والرمزية هنا هو مفهوم المنظومة، فالمنظومات التي ~~يبدو أنها ذات قيمة عند هيوم وهتشسون وزملائهما هي العائلة والنادي. من المؤكد أن ~~القانون والملكية قضيتان شغلتا هيوم بقوة؛ إلا أنه يتعامل معهما في أغلب الأحيان على ~~نحو تصوري؛ أي باعتبارهما مفهومين لا باعتبارهما واقعا اجتماعيا. أما عند كانط ~~وتابعيه فالقانون الأخلاقي بالتأكيد منظومة بالمعنى الواسع؛ إلا أن المعطى الأخلاقي ~~الأساسي عندهم هو الفرد، الذي يعامل في معظم الوقت باعتباره معزولا عن أي سياق ~~اجتماعي، فهل يمكن إذن أن ms142 توجد صورة من التبادل الإنساني تختلف عن العلاقة المباشرة ~~وجها لوجه، التي هي باختصار رمزية وليست خيالية؟ يجيب هيجل وماركس عن هذا التساؤل ~~بالإيجاب، تماما مثلما فعل روسو من قبل، فالدولة في نظره يجب أن تبنى بحيث تترجم ~~اهتمامنا الفطري تجاه احتياجات الآخرين إلى مراعاة واعية للخير العام. # يرى هيجل أن تركيز كانط على الحرية والعمومية ضروري لكنه أحادي الجانب؛ إذ اشترى ~~حريته الأولية على حساب فراغ اجتماعي وسياسي معين. ولا يمكن لهذه الحرية أن تزدهر حقا ~~إلا عندما تمارس في ظل النظام الأخلاقي الهيجلي، من خلال مشاركة الذات في الصورة ~~المادية للحياة الاجتماعية. إن التجريد الشكلي لفلسفة كانط الأخلاقية - التي ترفض بعناد ~~أي تناول لواقع العالم - يجب أن يرد إلى عالم العلاقات الاجتماعية التجريبي؛ إذ يجب أن ~~يتجسد القانون في نزعاتنا وثقافتنا العامة. ويمكن اعتبار أن هذا يمثل - تقريبا - ~~انصهارا للنظامين الخيالي والرمزي معا، للسياق الاجتماعي الذي نجد فيه انعكاس أنفسنا ~~فيمن حولنا وعالم القانون الأخلاقي العام. إن الوجود الأخلاقي عند هيجل - كما عند أرسطو ~~- هو قضية ترتبط بالسياسة، وقبل كل شيء بالدولة التي تجسد عند هيجل صورة معينة من ~~الحياة، وتمثل روح العقل العام. وإلى هذا الحد يمكن دمج الفردي والعام ، والحرية ~~والمجتمع، والحق المجرد والفضيلة الملموسة. وبعكس كانط، يقر كل من هيجل وماركس بأن ~~الذات وغاياتها تقومان على علاقات الذات مع الآخرين؛ فهما يريان أنها ليست مجرد ~~قضية أفراد منفصلين يتصرفون على الطريقة الكانطية ليحققوا التناغم بين غاياتهم ~~المختلفة، ساعين إلى جعل هذه الغايات متسق بعضها مع بعض، مع تعزيز قدرة بعضهم بعضا ~~على تحقيقها. إن ما يمكن هيجل وماركس من التفكير بهذا الأسلوب هو مفهوم التنظيم ~~المؤسسي، فهيجل بالدرجة الأولى هو من يدرك أن الأخلاق يجب أن تكون مسألة تنظيم اجتماعي ~~وليس مجرد رغبات فردية منعزلة؛ فالمؤسسات هي الوسيلة التي يمكن للآخرين من خلالها أن ~~يكونوا جزءا منا حتى وإن كانوا غير معروفين لنا؛ فهي وسيلة للجمع بين الغرباء تماما ~~في مشروع واحد. وهي تمثل إلى ms143 هذا الحد حلا فريدا لمشكلة النظامين الخيالي والرمزي؛ ~~فالأول تبادلي لكنه مقيد، والثاني عام لكنه مفكك. # فلتنظر مثلا إلى فكرة التعاون المستقل، على النحو الذي تصور ماركس ازدهاره في ظل ~~الاشتراكية. فأعضاء هذا المشروع لا يدعمون أهداف بعضهم بعضا إراديا، بل تكون هناك ~~صورة من التبادلية مدمجة في بنية المنظومة نفسها. وهي منظومة تنجح تماما عندما يكون ~~أعضاؤها المتعاونون غرباء عن بعضهم بقدر ما تنجح عندما يتصادف العكس؛ فالمنظومة إذ تسهم ~~بجهودها المميزة في الكيان كله تضمن أن كل عضو فرد له دور في نفس الوقت في تعزيز تطور ~~زملائه، فتجرد النظام الرمزي يستغل لتحقيق التضامن بين الأشخاص، تضامن يتمتع بلمسة ~~رقيقة من النظام الخيالي. إن هذا - وليس مفهوم كانط عن الفضيلة الأخلاقية باعتبارها ~~شركة مساهمة - هو الأساس الأخلاقي الذي تنبني عليه الاشتراكية، فتحقيق هدف كل فرد يصير ~~شرط تحقيق هدف الجميع، ومن الصعب التفكير في نظام أخلاقي أكثر قيمة من هذا. ~~••• # وحتى كانط المنكر لذاته بشدة لا يمكنه إنكار إغراءات النظام الخيالي جملة واحدة، ~~فالعالم ليس ضدنا؛ لكنه، بقدر ما يمكننا الحكم عليه، ليس في صفنا كذلك. ولا يشعر الفرد ~~بأن الواقع يشجعنا. مع ذلك توجد طريقة للتوفيق بين العقل والطبيعة، وهذه هي دائرة ~~العالم الجمالي. ورغم أننا لا يمكننا أبدا الإجابة على الأسئلة الميتافيزيقية ~~المستعصية مثل ماهية الواقع في ذاته، فيمكننا مع ذلك أن نسمح لأنفسنا بأن نتصور أنه ~~محكوم بغايات إيجابية وينظمه نوع من القانون؛ ومن ثم فطبيعته مثل طبيعتنا. إن هذا ~~النوع من التخيل الاستكشافي هو ما نستخدمه عندما نصدر أحكاما جمالية على الطبيعة، ~~عندما يدهمنا إحساس بأن صورها تتوافق مع قانون معين، وإن كنا غير قادرين تماما على أن ~~نحدد ماهيته. لا يتضمن الشيء الجمالي عند كانط أي فعل إدراكي؛ لكن يبدو أنه يخاطب ما ~~يمكننا أن نسميه قدرتنا على الإدراك بصفة عامة؛ ليكشف لنا بصورة تشبه مرحلة «ما قبل ~~الفهم» عند هايدجر عن أن العالم هو المكان الذي يمكننا فهمه من حيث المبدأ؛ إذ ms144 يلائم ~~بحاله هذا عقولنا ملائمة رائعة حتى قبل وقوع أي فعل معرفي. # إذا فجزء من متعة العالم الجمالي تنبع من الإحساس بأننا نألف مكاننا في العالم على ~~نحو يبدو مناقضا لاستنتاجات العقل، فنحن نرى الشيء خلال إصدار الحكم الجمالي كما لو ~~كان ذاتا تبدي الوحدة والإرادة والحرية التي نتمتع نحن بها. بهذا الشكل فإننا نشعر ~~بانسجام ممتع بين العالم وبين ملكاتنا الخيالية والفكرية، كما لو كان المكان مصمم ~~بصورة غامضة ليناسب غاياتنا، فالشيء يفصل من شبكة الوظائف العملية التي يعلق بها ~~عادة، ويمنح بدلا من ذلك شيئا من حرية الإنسان واستقلاله. وبفضل هذه الذاتية ~~الخفية، يبدو الشيء كما لو كان يتحدث حديثا مفهوما لمن يدركونه، فيحرك فيهم أملا بأن ~~الطبيعة ليست غير عابئة كليا بغاياتهم. # إن كان العقل والقانون الأخلاقي يخرجانا إذن من عالم النظام الخيالي؛ فالعالم الجمالي ~~يعيدنا إليه من جديد؛ فالذات والآخر يلتفت كل منهما للآخر بلطف. ويبدو أن الواقع ~~يقدم إلينا تلقائيا، مثل شيء يتسلل إلى راحة أيدينا كما لو كان تصميمه يراعي ~~قدرتنا على الإمساك؛ ففي العالم الجمالي يمكننا أن نبتعد قليلا عن موقع الأفضلية الخاص ~~بنا ونستدير إلى أنفسنا ونتأمل التوافق التام ظاهريا بين قدراتنا الإدراكية والعالم ~~ذاته . عندها نجد أنفسنا في موقف علماء الفيزياء المعاصرين الذين يعجبون من أن ~~أذهاننا، وهي نتاج التطور الأعمى، قادرة على اكتشاف البنى الأساسية للكون، دون أي ~~فائدة عملية ظاهرة. ويرى كانط أن الشيء الجميل يتمتع بوضع فريد لكن عام؛ إذ يبدو أنه ~~يقدم تماما إلى الذات ويخاطب ملكاتها، فهو «يشبع رغبة» ويبدو مطابقا للذات بنحو ~~معجز؛ ورغم أنه يعطينا إحساسا بالإشباع، فهو لا يستثير فينا أي استجابة شهوانية. ~~وربما ليس من الوهم أن نجد في هذه الصورة المادية المثالية - التي تنتزع منها كل ~~الرغبة والشهوة الحسية - ذكرى لجسد الأم كما ترى في النظام الخيالي. # في ظل هذا السياق تبدو الطبيعة متفقة مع الفهم الإنساني، وليس التمسك بوهم أنها ~~مصممة لتتلاءم مع فهمنا هو الآخر خطوة عظيمة عن كانط. ms145 ويمكننا - إذ نستند بهذه ~~الطريقة إلى ما يحيط بنا - أن نحلم بأن أعين الكون لا تتجاهلنا كما نخشى، أن نحلم بأن ~~الكون نفسه توقع قدومنا ويشاركنا بعض أهدافنا. ويكتب هربرت جيمس باتون، أحد المعلقين ~~على كانط، يقول: # إنه لحافز كبير للعمل الأخلاقي، وداعم قوي للروح الإنسانية، إن استطاع الناس ~~الإيمان بأن الحياة السليمة أخلاقيا أكثر من مجرد مشروع فان يشترك فيه الإنسان مع ~~أخيه الإنسان وفي خلفيتهما كون أعمى غير مبال إلى أن يمحى هو والجنس البشري من ~~الوجود إلى الأبد. فالإنسان لا يمكن أن يتجاهل احتمال أن جهوده الضعيفة نحو بلوغ الكمال ~~الأخلاقي قد تتفق - رغم ما يظهر - مع الحكمة من وجود الكون ... # 27 # يبدو الأمر كما لو أن توماس هاردي - برفضه العنيد لفكرة تواطؤ الكون الحميد ~~- قد اتفق أخيرا مع بابا الفاتيكان. وفي النهاية فإن رؤية العالم الخالي من المعنى ثبت ~~أنها مستفزة أيديولوجيا جدا لكانط، وبالتأكيد لهربرت جيمس باتون، الذي نشرت شروحه ~~لأفكار كانط في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ويبقى احتمال وجود تواطؤ له حكمة بيننا ~~وبين الكون - أي تناغم مسبق بين الذات والشيء - مجرد فرضية؛ إلا أنها فرضية تمنحنا على ~~الأرجح «حافزا كبيرا للعمل الأخلاقي»؛ وذلك بعبارة باتون. فالرجال والنساء يواجهون ~~صعوبة في تقبل أن القيم الأخلاقية ليس لها أصول إلا في أنفسهم، وربما يعانون من انهيار ~~يصحبه هلع إلى العدمية نتيجة لهذا الإدراك. إن ما يخبرنا به العقل - أو النظام الرمزي - ~~ليس تماما ما تقبله الأيديولوجيا أو النظام الخيالي؛ فالعالم الجمالي هو ذكرى باهتة ~~للاتحاد العضوي في عصر عقلاني وأثر باهت للسمو الديني. فالتناغم أكثر أهمية في المجتمع ~~الفردي من ذي قبل؛ لكنه يوجد في مجتمع يسوده الإحساس أو بنية مشتركة تقوم على العاطفة ~~وليس في كيانات سياسية أو اقتصادية. # عندما يتأمل الطفل الصغير في طور المرآة جسمه، فهو ينسب لنفسه تماسكا يرجع في ~~الحقيقة للصورة. إن هذا في واقع الأمر هو مصدر متعته. وعندما يشاهد الرائي عند كانط ~~شيئا جميلا، فهو يجد فيه وحدة ms146 وتناغما، هما في الحقيقة نتيجة لقدراته العقلية ~~الخاصة. وفي كلتا الحالتين، يقع خطأ إدراكي خيالي، وإن كان بمبادلة معينة بين الذات ~~والشيء في كلتا النظريتين، فالذات الكانطي القائمة بالحكم الجمالي هي من بين أشياء أخرى ~~الطفل اللاكاني المبتهج النرجسي. # 28 # لكن في حال أن صرنا متقوقعين بتعجرف داخل حبنا لذاتنا فإن ~~السامي عند كانط جاهز ليخرجنا من قصورنا الذاتي. فهو موجود ليذكرنا بأننا بلا ~~مأوى وباللامحدودية العصية على الفهم التي هي ملجؤنا الحقيقي الوحيد. فعلينا - ~~كما يرى بيرك - أن نتعرض للتوبيخ والتملق، ونتعرض للجمال والسمو، والاتفاق والاختلاف، ~~والأنوثة والذكورة؛ إذ يجب أن يبدو العالم مكانا حاضنا لنا لكي نسعى داخله لتحقيق هدف ~~ما؛ لكن يجب علينا أيضا أن نستسلم للتخويف من جانبه من وقت لآخر، فننتزع من ذاتية ~~تتمحور حول الرضا إن أردنا أن نسعى لبلوغ حدود قدراتنا. # | هوامش # الفصل السادس # | القانون والرغبة في مسرحية «الصاع بالصاع» # يحدد شكسبير بقدرته التنبؤية المعتادة مميزات وعيوب نظرية الأخلاق الكانطية في ~~مسرحيته «الصاع بالصاع». # 1 # فالمسرحية - كما يوحي عنوانها - تتناول فكرة رد الشيء بالشيء أو قيمة ~~التبادل؛ لكنها تتناول أيضا المشكلات التي قد يواجهها منطق المعادلة هذا، ففي افتتاح ~~المسرحية، يكون القانون في وضع مزر؛ فيسمح حاكم فيينا المفرط في التحرر - الدوق ~~فينسنتيو - للمدينة بأن تسقط في وحل الخزي والعار، ويعين العنيف أنجيلو ليعيد فرض ~~السيطرة. والدوق «منحه رهبته وألبسه محبته» (1، 1: 20)، وهو ما يعني أنه منح نائبه ما ~~يعتبره بيرك الجانبين السامي والجميل من القانون؛ ومن ثم سلطته على القسر ~~والإقناع. # أما أنجيلو «الدقيق» - وهو رجل «لاذع في نقده مشدد في تقشفه» «يتكون دمه من الثلج ~~المنصهر» ويقال إن بوله يتكون من الثلج الشديد الصلابة - فيلتزم بفصل صارم بين ~~الأفراد الذين هم من لحم ودم وبين النظام الرمزي. وهذا هو السبب في قدرته على الحلول ~~محل الدوق بسهولة ظاهرة؛ حيث إن المسألة تتعلق بتغيير رمزي لا عملي. بل لا يبدو هناك أي ~~فرق بين أنجيلو الفرد وموقعه الرمزي، بين ميوله الخاصة وأفعاله العامة. ms147 يقول لإيزابيلا: ~~«لا أريد ما لا أستطيع» (2، 2: 52)، فهو ينظر لنفسه من المنظور الفوقي للنظام الرمزي ~~ذاته، باعتبار أنه ما هو إلا حامل محايد لسلطته المحايدة. «إن القانون - ولست أنا - من ~~يدين أخاك» هكذا يبلغ إيزابيلا المفجوعة عندما يحكم على أخيها كلاوديو بالموت بتهمة ~~الزنا. ويضيف: «إن كان قريبي أو أخي أو ابني، فالأمر سيان» (2، 2: 80-82). # يتسم القانون المطلق العدالة بشيء لا إنساني بالضرورة، بإغفاله المؤكد للتحزب ~~والخصوصية؛ فبروده الظاهر علامة على سمته اللاإنسانية. وأنجيلو - إن صح التعبير - مثال ~~جيد على صاحب المذهب الكانطي العمومي، الذي يبغض تماما هذا التحيز لصالح الأصدقاء ~~والأقارب الذي يميز أتباع ديفيد هيوم. ولكيلا يصير القانون ملكا لعصبة الطبقة الحاكمة ~~الفاسدة، فيجب أن يساوي بدقة في معاملته للغرباء والأقارب. ويقول الحكمدار ذو القلب ~~الطيب الذي لا يتمتع بأي من برود أنجيلو إنه لن يتعاطف مع قاتل وإن كان أخاه. ويقول ~~أنجيلو بأسلوب لبق إنه بتصرفه من دون تفضيل ورفضه السماح بالاستثناءات فهو يظهر ~~رحمة بأولئك الذين تسيء إليهم أو تضرهم مثل هذه الأفعال. كما يشير أيضا إلى أنه ~~بإعدام مجرم فهو يحمي ضحايا آخرين محتملين؛ فالعدالة ليست عدو الرحمة، بل شرط مسبق ~~لازدهارها؛ إذ لا يوجد تعارض حقيقي بين ما هو رمزي وما هو عاطفي، فإن تنازل القانون ~~لصالح الإنسان فهو يخاطر بأمن كل الناس الذين يطلبون حمايته. # وتقول إيزابيلا، إذ تتوسل إلى نائب الملك القاسي ليبقي على حياة أخيها: «إن كان ~~مكانك وكنت أنت مكانه لزللت مثله ...» (2، 2: 64-65)، وهذه حجة بعيدة عن كونها ~~دامغة، فكل ما تثبته هو أنه إن كان أنجيلو محل كلاوديو لتصرف مثل كلاوديو. وإن طبقنا ~~هذه الرؤية على مستوى أبعد، فسيكون كل فرد مقياس نفسه، وهو موقف مستبد على طريقته ~~بقدر عدالة أنجيلو التي لا ترحم. فكون الإنسان قانون نفسه يوازي الخلط بين الألفاظ ~~(«محترم» ب «متهم» وغير ذلك) الذي تفعله الشخصية الكوميدية الفرعية إلبو، فالخلط بين ~~الألفاظ نوع من اللغة الخاصة التي تقرر أنت فيها ما تعنيه، تماما مثلما يعني ms148 المقابل ~~الإنجليزي لكلمة امتياز ( Privilege ~~) «قانونا خاصا»، وهو وضع فوضوي يصبح فيه كل فرد القانون الخاص بنفسه. # وتأخذ إيزابيلا نفسها اتجاها استبداديا في قولها: «الحقيقة تظل الحقيقة إلى آخر ~~مدى» (5، 1: 45-46)؛ في الحقيقة، إن هذه هي المرة الوحيدة التي تشبه فيها للمفارقة ~~أنجيلو الذي تمقت حكمه على أخيها. لكنها تجبر مع اشتداد الجدال على تبني رؤية للعدالة ~~أكثر استنادا للسياق وهو ما توضحه بمثال لغوي: «وما نعتبره كلمة غضبى إذا قاله القائد، نعده إلحادا وزندقة إذا قاله الجندي» (2، 2: 130-131). وهي تقصد أن القانون ينبغي أن ~~يراعي تغير السياق كما تراعيه اللغة. ربما ينبغي له ذلك؛ لكن الخطر في هذه الحالة - إن ~~حدثت المبالغة - هو أن ينتهي بنا الحال مثل إلبو، نشرع لأنفسنا معاني متضاربة ~~لكلماتنا. إن العلاقة بين استخدامين مختلفين للفظ الواحد عند شكسبير نفسه يشبه العلاقة ~~بين الهوية واللاهوية المتزامنتين، التي تربط بين الدوق ونائبه أنجيلو. فهي ليست ~~مجرد قضية اختلاف كما تقول إيزابيلا. وتبرز بعض الصور المجازية العابرة في المسرحية ~~التي تطعم التعليقات العابرة والصور الخيالية الجانبية مفهوم الثبات أو التناسق، وهو ~~ما يمكن تمييزه مع ذلك عن الهوية الذاتية الصارمة. # إن الحالة التي تتلمسها إيزابيلا هي أننا من وجه ما نتبادل أماكننا بسبب نقصنا ~~الأخلاقي المشترك؛ فثمة مساواة في الإنسانية البحتة مثلما هناك مساواة في القانون ~~المجرد. فإن كان كل إنسان يدين جميع من سواه في دائرة لا تنتهي، فلماذا لا ننقض هذه ~~الاتهامات المتبادلة التي لا طائل منها بالتسامح، فنكسر هذه الدائرة وندشن نظاما ~~أخلاقيا من نوع جديد؟ إلا أن أنجيلو صد هذه الخطوة بشيء له منطقه الخاص، فيخبر ~~إيزابيلا أنه إن كان مكان كلاوديو فسيتوقع أن يعامل بنفس القسوة: # إنك لا ينبغي أن تلتمس العذر لجريمته # بأن لدي مثلها، الأخلق بك أن تقول: # إنني، أنا الذي أصدرت الحكم، حين أرتكب جريمة مثلها، # علي أن أجعل ذلك الحكم الذي أصدرته يقرر إعدامي، # ولا يسمح بالمحاباة. ~~(2، 1: 27-31) # إن تلك هي النتيجة الحتمية لمعاملة الآخرين بما تحب أن ms149 يعاملوك به، فضعفي الأخلاقي لا ~~يمنعني من الحكم على العمل المشين أخلاقيا عند الآخرين، مثلما لا يمنعني عجزي عن ~~الغناء من أن أعرف الغناء الرائع عندما أسمعه. # إن الرحمة في عين أنجيلو شأنها شأن العاطفة مجردة بصورة خطيرة، فهي تغفل مدى حسن ~~أو سوء الفعل، فتضحي بهذا الحكم من أجل دافع ذاتي خالص. ومن هذا المنطلق فإن الرحمة - ~~للمفارقة - تتسم باللامبالاة تجاه خصوصية القانون ذاته التي تسعى لتلطيفه. إلا أن ~~أنجيلو مخطئ في تصوره أن الرحمة نوع من البقعة العمياء الإدراكية، فعبارة هاملت التي ~~يوبخ فيها بولونيوس: «لو عاملت كل امرئ بموجب استحقاقه، فمن ينجو من الجلد بالسياط؟» ~~لا تعني أنه لا ينبغي للإنسان تسجيل الخطأ بل أن يغفره. وتقع إيزابيلا هي الأخرى في هذا ~~الخطأ؛ إذ تطلب من أنجيلو بأسلوب بلاغي: «كيف يكون حالك، لو أن الرب - وهو قمة العدالة ~~- كان ليحكم عليك، كما أنت؟» (2، 2: 75-77). لكن الفرق هو أن الرب لا ينظر للرجال ~~والنساء بما هم عليه، فهو ينظر إليهم في ضوء خوفهم وضعفهم وهو ما يسهل مسامحته لهم. ~~فالحب والعلم، كما يشير الدوق ضمنا، متلازمان بالطبيعة. والحب الصادق - كما يقول ~~لاكان - هو حب الآخر على نقصه، فالرحمة والواقعية رفيقان متلازمان. # كذلك فإن القانون العادل لا يتجرد من المواقف العملية التي يحكم عليها، فيتغاضى في ~~عجرفة عما يميزها بل يطبق قواعده العامة على هذه المواقف بدرجة من الكياسة، أو الحكمة ~~العملية (كما يقول أرسطو)، فيراعي حالتها وهيئتها الخاصة. وبذلك تكون الأحكام القانونية ~~مثل المنطوقات؛ أي تطبيقات محددة لا تقبل الاختزال لأعراف معينة شديدة العمومية. فإن لم ~~يكن القانون يجرد ويساوي فستكون لدينا قوانين بعدد المواقف، وكل موقف منها سيكون ~~مستقلا حينها (فعليا، قانونا في حد ذاته) ومن ثم يكون مطلقا؛ إذ لا جدال مع ~~الشيء الذي يماثل نفسه، فالشيء الذي يماثل نفسه لا يمكن قياسه، وهو أحد الأسباب التي تجعل ~~مسرحية «الصاع بالصاع» مليئة بالطوطولوجيات. إن تلك الاسمية القانونية - رغم شغفها ~~الشديد بالخصوصية - ستكتب شهادة وفاة العدالة. لكن ms150 القانون - باستمداده الهوية من ~~الاختلاف - كاللغة، لا يعيش إلا في إطار سياقات إنسانية محددة لا يمكن إغفالها أمام ~~مبادئه الأساسية. إن الوسيط بين العام والخاص في حالة القانون واللغة هو التأويل، ~~فالدوق عندما يزور السجن يطلب أن: «يعرف طبيعة جرائمهم؛ حتى أعظهم بما ينبغي» (2، ~~3: 6-8). فعمل الخير لا يفرق، رافضا بعكس العقيدة الإنجليكانية الفيكتورية التفريق ~~بين من يستحقونه ومن لا يستحقونه؛ لكنه دقيق مع ذلك في التمييز بين أنواع الاحتياج ~~المختلفة، فهو شأنه شأن أي قانون فعال يتسم بالعمومية والخصوصية معا. # لكن المشكلة تتعلق بكيفية الاتصاف بالعدل أو بالرحمة دون الدخول في حالة اللامبالاة ~~الباردة عند لوشيو الذي يهدد غروره بقدرته على التعامل في المواقف الصعبة بتدمير فكرة ~~القيمة في ذاتها؛ فإن كان أنجيلو - كما يوحي اسمه باللاتينية - ملائكيا، فلوشيو ~~شيطاني. فبينما يعرف الملائكيون - كما يقول ميلان كونديرا - بخطابهم «الطيب» على نحو ~~خاص وبلاغتهم الجافة وعاطفتهم المهذبة، فإن الشيطانيين لا يرون من حولها سوى التردي؛ ~~فالكهنة والسياسيون ملائكيون، بينما الصحفيون بصحافة الإثارة شيطانيون، فالشيطانيون ~~ليسوا أشرارا؛ إذ إن الشر يستلزم الإيمان بالقيمة الأخلاقية حتى وإن كان من أجل ~~مخالفتها. فإبليس في شعر ميلتون ليس شيطانيا بينما شيطان توماس مان في مسرحية «دكتور ~~فاوستس» شيطاني. أما لوشيو فهو مؤمن بالمذهب الطبيعي الأخلاقي، لا يرى شيئا حقيقيا ~~سوى الرغبة، ويعتبر كلمة «إنساني من لحم ودم» تصنيفا وصفيا لا معياريا، فموقفه ~~اللامبالي من القانون يظهر في رد صديقه بومبي المتسم بالاحترام المصطنع على خبر حظر ~~بيوت الدعارة في فيينا: «هل سعادتك تقصد إخصاء كل شبان المدينة؟» (2، 1: 136). «قليل من ~~التسامح مع الفسق» (3، 2: 53) هي السياسة البديلة التي يقترحها لوشيو بدافع المصلحة على ~~أنجيلو، فسعة أفقه بحق ضرب من السخرية، فالشيء المطلق الوحيد الذي يقره هو الشهوة، أما ~~القوانين والألقاب والقيم والشعارات فما هي إلا واجهة ثقافية براقة. # إن الساخر هو شخص لا يؤمن إلا بواقعية المتعة، معتبرا الآخر الكبير أو النظام الرمزي ~~معتقدا زائفا فارغا يستخدمه ليحقق غايته. ومن هذا المنطلق فإن السخرية محاكاة تهكمية ms151 ~~قاسية للكوميديا، وهي فن يثق بالقيمة الأخلاقية لكنه ينظر إليها من زاوية المفارقة ~~والسخرية في ضوء عجزنا الحتمي عن مجاراتها، فهي برفضها مطالبتنا بالكثير علاج لمن هم ~~تحت نير الأنا العليا الذي لا يرحم. فالكوميديا تمجد القيمة الإنسانية بوعي ظريف ~~لاعتباطية تقاليدنا ووجودنا الذي لا أساس له، فهي بهذا المعنى - وليس لأنها تبشير ~~بمستقبل متناغم - فن يوتوبي، فتتيح وفرتها وغزارتها سموا لحظيا عن دنيا التاريخ ~~المميتة. # لا يمكن للوشيو أن يتحدث عن القيمة الأخلاقية، كما لا يستطيع المحار أن يتقن قواعد ~~علم الجبر. إن تسامحه مع الرذيلة تهكم على التسامح الحقيقي، لأسباب ليس أقلها أنه لا ~~يكلفه شيئا، فهو تسامح بلا قيمة لأن ثمنه بخس. من هذا المنطلق، وكما يمكن أن توجد ~~عدالة جامحة (الانتقام)، يمكن أن توجد رحمة عديمة القيمة. فكما يشير الدوق، «فالرذيلة ~~إذا أشفقت اتسعت الرأفة حتى ليصادف الخاطئ حبا في الخطيئة» (4، 2: 88-89). وتميز ~~إيزابيلا بين ما تسميه «الرحمة القانونية» و«الرحمة الشريرة» التي تسامح من أجل كل ~~الأسباب الخاطئة أو بدافع التسيب الأخلاقي، فصفة الرحمة ليست مقيدة كما تعلن بورشيا ~~في مسرحية «تاجر البندقية» لكنها ليست رخصة أو كرما غير محدود كذلك؛ إذ يجب عدم السماح ~~بالسخرية من العدالة أو من قيمة الأشياء الجوهرية، فيمكن لصرامتك أن تزيد عن الحد كما ~~عند أنجيلو؛ لكن من الممكن أن تبالغ في تقديرك بصورة تقضي على كل الفروق وتخلط كل ~~المواقف الإنسانية خلطا مشوشا في موقف واحد. ومسرحية «الملك لير» هي مسرحية أخرى ~~لشكسبير تركز كثيرا على الشعرة الفاصلة بين الزائد عن الحد والأقل من اللازم، بين ~~الوجود والعدم، بين الوفرة القاتلة والوفرة التي تمنح الحياة. # 2 # تتوازى «اللاعاطفية» الأخلاقية عند لوشيو في مسرحية «الصاع بالصاع» مع القصور الروحي ~~الملحوظ عند المجرم بارناردين، وهو سيكوباتي شبيه بموزيل لا يأبه بالحياة والموت، ~~لدرجة أنه لا يعترض على إعدامه إلا لأنه يتعارض مع نومه. إن بارناردين ميت فعلا بصورة ~~ما، فهو يتوقع الموت المحتوم فلا يهابه، ويعيش في غيبوبة أخلاقية مرضية، وهو ms152 إذ يغرق ~~في بلادته الروحية يقف بالفعل عند نقطة النهاية التي تكون فيها كل الاحتمالات متساوية، ~~فالموت يبدو أنه يؤكد ما يشك به هو ولوشيو، وهو أن كل القيم واحدة في النهاية، فهما لا ~~يدركان أن هناك سبيلا أقل سخرية لتساوي الاحتمالات، وهو التسامح؛ فالتسامح انكسار بلا ~~سبب لدائرة المساواة الصارمة، دائرة رد الصاع بالصاع؛ ومن ثم فهو يبشر بالموت في ~~ظل أنماط الحاضر المنتظمة. # يصير بارناردين منيعا بالضرورة بعد أن قهر الموت بهذا الشكل، فالذين يتقبلون مصيرهم ~~عن وعي يسمون عليه بعين هذا القبول، فيتحول إلى حرية. إن هذا التلازم هو ما يميز ~~أزلا البطل التراجيدي؛ إذ يعلن كلاوديو: «إذا لم يكن من الموت بد، فسألقى ظلمته ~~كعروس، وآخذها بين أحضاني» (3، 1: 91-93). وفي ظل هذا التلازم بين القدر والحرية، ~~يقدم الحدث التراجيدي حلا فريدا للصراع بين اللامضمون والمضمون، بين الحرية والقيود، ~~بين المشروعية والمنع، الذي تتناوله المسرحية. فالدولة يجب أن تؤجل موت بارناردين إلى ~~أن يقبل الأمر عن اقتناع، فما دام لم «ينفذ» بطريقة ما وفاته ليحولها إلى فعل صادق ~~يخصه، فلن تكون حدثا في حياته، وهو ما سيشوه صورة السلطة التي حكمت به عليه، فموته ~~يجب أن يكون ممارسة واعية وليس مجرد حدث بيولوجي. وفي أصدق لحظات وجودنا - ونحن على شفا ~~الفناء - يجب علينا أن نثبت أننا فاعلون بالمعنى الكامل. يقول الدوق للحكمدار: «أقنع ~~هذا الشقي أن يقبل على الموت» (4، 3: 49). وثمة طرق قليلة أكثر فاعلية لمقاومة السلطة ~~من اللامبالاة الصادقة تجاهها، فهذا الرجل المتوحش الميت الحي يفهم بطريقته أن السلطة ~~لا تكمن إلا في رد الفعل التي تسببه فيمن يخضعون لها. وهكذا - كما حدث - أدرك ديفيد ~~هيوم عندما قال إنه عندما يتعلق الأمر بالسيادة فإن المحكوم له اليد العليا دائما. # إن الفوضى والاستبداد في المسرحية - كما يتضح - ليسا بأي حال نقيضين كما يبدو. فمن ~~جهة، الإباحية تولد القمع، فإن سمحت للقانون - كما فعل الدوق - بأن يسقط في مستنقع ~~العار، فأنت تمهد الطريق لظهور سلطوي شبيه بأنجيلو في المستقبل. ms153 وتعج المسرحية بصور ~~لاستراتيجيات فاشلة وأفعال ذات نتائج عكسية. يعلق كلاوديو: «فكما أن الإفراط في الطعام ~~يؤدي إلى الصيام، كذلك الحرية إذا أفرطت في استخدامها، تحولت إلى قيد» (1، 2: 76-78). ~~وبصفته رجلا زج به في السجن بتهمة ممارسة الفحشاء، فمن المفترض أنه على علم بذلك. ~~ومن ناحية أخرى فإن القانون - كما في التحريم الأوديبي - هو ما يغذي الرغبة في المقام ~~الأول. لذا فإن أنجيلو - إذ يواجه إيزابيلا العفيفة عصية المنال - يقع فريسة لرغبة ~~تخرج عن السيطرة، ويعرض عليها أن يعفو عن أخيها إن مارست معه الرذيلة. فمن خلال عرض ~~إيزابيلا مبدأ مجردا أمام أنجيلو بنفسها، تكتشف للأسف أنها أغوته بنفسها لا بالمبدأ. ~~ففضيلة الحاكم يتضح أنها مثل وصف لوشيو لعظام زبون عاهرة مصاب بالجدري: «كالأشياء ~~الجوفاء» (1، 2: 57). فإن كان أنجيلو يجسد القانون الأخلاقي فهو يمثل وجهه القبيح، ~~فالقانون أو المنطق الذي هو مثل أنجيلو «لا يحس أبدا بوخزات الحس الحقيقية أو حركته» ~~(1، 4: 58-59) غريب على الجسد، ومن المرجح أنه سيؤخذ على حين غرة على يد رغبة تفاجئه ~~بتمردها. # لقد عجز أنجيلو باختصار عن استيعاب الدرس الذي أراد شيلر أن يعلمه لكانط في كتابه «عن ~~التربية الجمالية للإنسان»، الذي مفاده أنه إن أراد العقل أن يضمن سيطرته على الرغبة ~~فعليه أولا أن يخترق صفوف الحواس بصفته طابورا خامسا، فيوجهها من الداخل بدلا من ~~أن يظل غير مبال، في معزل عن الشهوة. وينطبق الشيء ذاته على قضية السيادة السياسية على ~~الشعوب. ومن ثم تبرز الحكاية الخيالية الخاصة بالملك الذي يتحرك متخفيا بين ~~العامة، والذي ما كان دوق مسرحية «الصاع بالصاع» إلا مثال واحد لشكسبير عليها. إن القوة ~~السياسية الفعالة لا هي طاغية ولا هي متساهلة في إهمال، بل هي مهيمنة. إن مشكلة القانون ~~هي ما قد نسميه «معضلة الأمير هال وفالستاف»: كيف تكون على دراية بالضعف البشري تكفي ~~لتفهمها من الداخل بينما تفصل بينها وبين نفسك لتحكم عليها دون تحيز؟ إن أمثال الدوق ~~فينسنتيو في هذا العالم يجب أن يتعلموا مع أمثال لوشيو دون ms154 أن يصيروا منفذين لرغباتهم. ~~فعلى القانون أن يحقق المعادلة الصعبة بأن يكون ملازما للبشرية ومتساميا فوقها في آن؛ ~~كما الرب السامي في ضوء السياق الفرعي المسيحي للمسرحية الذي يغفر الخطيئة وهو في نفس ~~الوقت الابن البشري الذي أوصلته الخطيئة للموت. لكن إن كانت الرحمة منبعها التعاطف ~~الداخلي مع الخطيئة فسيبدو الاتصاف بالرحمة والتحلي بالفضيلة معا متناقضين قليلا. ~~فمتى يتحول التعاطف إلى تواطؤ؟ # إن حوار أنجيلو مع إيزابيلا لم يكن أولى مواجهاته مع قوة الرغبة المدمرة، مهما كان ما ~~يظنه بنفسه. بل على العكس، فإن الأفعى كانت في الحديقة متربصة به منذ البداية. وقد ~~أصابه سمها بالفعل في صورة رغبته المرضية في الهيمنة، الذي كان فرويد بلا شك سيرصد فيها ~~شبح دافع الموت. كما يمثل أنجيلو الافتتان بالأنا العليا بغضبها العاصف المدمر ~~الساعي للنظام، وخوفها العصابي من أنه لولا التعريفات الدقيقة والأسس الصلبة فسينهار ~~العالم في حالة من الفوضى. فنفس القوى التي تسعى للسيطرة على الفوضى تحبها سرا؛ لأن ~~المحرك الخفي لها هو دافع الموت؛ فالدافع وراء النظام في داخله فوضوي، فهو مستعد ~~لإخضاع العالم للعدمية المطلقة؛ فالأنا العليا - كما أوضح فرويد - تستمد قوتها ~~الانتقامية المخيفة من الهو الجامح. # لهذا يمكن أن ينهار أنجيلو دون عناء يذكر من السلطوي الزاهد إلى المعتدي الشهواني. ~~نفس الأمر ينطبق على القانون، أو بالأحرى أي نظام للتبادل الرمزي؛ فلأن هذه الأنظمة ~~التبادلية الرمزية صارمة التنظيم فهي تميل للاستقرار؛ لكن لأن القواعد التي تحكمها يمكن ~~أن تستبدل أي شيء بآخر دونما مراعاة لطبيعتيهما الخاصة فمن الممكن أن تنتج حالة من ~~الفوضى يشوش فيها كل شيء على الآخر دون تمييز، ويبدو النظام كما لو كان منشغلا ~~بالمعاملات لأجلها في ذاتها. فهناك شيء ما في بنية الاستقرار نفسها يهدد بتدميرها. وهذا ~~هو الحال مع النظام الرمزي الذي من أجل أن يؤدي دوره بكفاءة، يجب أن يتيح تبديلات مرنة ~~بين أدواره المختلفة؛ ومن ثم لا يمكنه تجنب الاحتمالية الدائمة لوقوع زنا المحارم، ~~فمن دون هذا الخطر المرعب في قلب ms155 النظام فلن يتمكن من أداء دوره. # تمتلئ مسرحية «الصاع بالصاع» بأعمال التبادل الرمزي، مع حركة الأجساد بلا توقف، ~~فأنجيلو يمثل الدوق، وتمثل إيزابيلا التماس أخيها لرحمته، في الوقت الذي يمثل الدوق ~~نفسه من خلال تحركه وسط الناس متخفيا. ويريد أنجيلو أن ينال جسد إيزابيلا مقابل جسد ~~كلاوديو، لكن ينتهي به الحال مع ماريانا التي تحل محل إيزابيلا في فراشه. وترمز رأس ~~بارناردين المقطوعة لرأس كلاوديو، لكن بما أن بارناردين متبلد بدرجة أكبر من أن يعدم ~~تستبدل برأسه رأس راجوزين في اللحظة الأخيرة. ويستخدم أنجيلو كلاوديو كمثال لكل ~~الآثمين المحتملين الآخرين، وبذلك يحوله إلى رمز عام، وهو الذي «جعل خطية» - كالمسيح - ~~من أجل الآخرين. # ويكون التوزيع النهائي للأجساد في مواضعها الصحيحة في مناسبة الزواج، الذي به - كما ~~يناسب الكوميديا - تنتهي المسرحية. فالأجساد نوع من اللغة، يمكنها أن تخدع (كما في حيلة ~~الفراش مع ماريانا) أو تساعد، كالكلمات، باعتبارها وسيلة سلسة للتواصل. تتعلق المسرحية ~~بحقيقة الكلام وحقيقة الجسد، فالاقتران السليم للأجساد في الزواج يوازي الارتباط ~~المتناغم بين الكلمات والأشياء. ومن هذا الوجه يعد أنجيلو صورة مرعبة في خستها للدوق، ~~بينما يظهر إلبو الاقتران غير الملائم الذي تتيحه اللغة بين الدوال والمدلولات. ~~فكما نشعر بقوة القانون من خلال انتهاكه، لا يمكن أن يكون هناك صدق من دون الاحتمال ~~الدائم للكذب أو الخطأ في الحديث، فتمثيل الآخر يتضمن نوعا من قيمة التبادل؛ ومن ~~ثم يتضمن الاختلاف والتطابق معا؛ في حقيقة الأمر، المسرحية غنية بصور لشخص يتقمص أو ~~يتلبس أو يتشبه بشخص آخر. فكما أن العدالة يجب أن تضبطها الرحمة، فدائما ما سيكون هناك ~~بعض الانحراف أو الفجوة بين الصورة والشيء المصور، ففي المرحلة التي يمكن أن نسميها ~~مرحلة ما قبل السقوط - كما رأينا - يقترب أنجيلو من إغلاق تلك الفجوة، حيث يرى أنه ليس ~~إلا حاملا لراية القانون. لكن التفاوت بين الرجل ودوره جاء في حالته بدرجة شديدة، ~~فالحالة الوحيدة للتطابق التام بين صورة الشيء والشيء تكون في تمثيل الذات، والذي يعد ~~المكافئ السياسي له ms156 هو الديمقراطية. # وهذا سبب آخر يفسر ولع مسرحية «الصاع بالصاع» الشديد بالطوطولوجيات («النعمة هي ~~النعمة» و«الحقيقة هي الحقيقة» وغيرها) حيث إنها تتملص من قيمة التبادل، وإن كان ~~بطريقة لا قيمة لها. إن هذا التشوش أو بقايا الاختلاف بين عناصر التبادل هو ما يفسح ~~المجال للرحمة، فبينما كان أنجيلو في البداية متطابقا تماما مع دوره العام، يعلم ~~الدوق أن الذاتية لا يمكن أن تتطابق مع مضمونها؛ إذ ثمة فجوة بين الدور الرمزي ~~للقاضي والفرد الذي يؤديه، وهي حالة خلاقة من عدم التطابق تسمح للرحمة بأن تلطف صرامة ~~القانون. إن انعدام التطابق الحقيقي في التبادل يتضح بقدر كاف في ختام المسرحية واضح ~~التكلف، الذي يعد فيه توزيع الأجساد بالزواج غير ملائم، حتى إن شكسبير يزوج إيزابيلا ~~للدوق، فيما يبدو أنها نزوة للكاتب أكثر منها منطقا دراميا. # ترى النظرية اللاكانية أن النظام الخيالي والنظام الرمزي والنظام الواقعي تتداخل ~~وتتشابك معا، فبعض أشكال طور المرآة على سبيل المثال ترى أن الاختلاف الرمزي ينتهك ~~فعلا التطابق الخيالي في صورة الأم، التي يراها الطفل إلى جانبه في المرآة. علاوة على ~~ذلك رأينا بالفعل أنه يوجد رعب صادم في لب النظام الرمزي، وهو ليس زنا المحارم بل هو ~~الحضور الشبحي للنظام الواقعي. ليس من الغريب إذا أن كانط - المناصر والممثل بامتياز ~~للأخلاق الرمزية - كان ينبغي أن يعتبر أيضا فيلسوفا أخلاقيا للنظام الواقعي، وذلك ~~كما سنرى في الجزء القادم. # | هوامش # الجزء الثالث # | سطوة النظام الواقعي # | تمهيد: الرغبة المحضة # كان النظام الواقعي في العقدين السابع والثامن من القرن الماضي - على الأقل في ~~النظرية الثقافية الإنجليزية - بدرجة كبيرة العنصر الأقل تقديرا في ثلاثية لاكان، ~~والأقل حظا من الفهم بالتأكيد. ولم تظهر الأهمية المتزايدة لهذا النظام في فكر لاكان ~~إلا في العقود الأخيرة فقط خاصة من خلال عمل ممثل لاكان على ظهر الأرض: سلافوي جيجك. # 1 # وكما يقال إن النظام الواقعي نفسه دائما ما يعود إلى مكانه، فكذلك يفعل في ~~كتابات جيجك الطويلة، التي بالنظر إلى تعدديتها البراقة المتسمة بقليل من ms157 الهوس تعود من ~~جديد في أسلوب تكراري ساخر من الذات إلى هذا الكيان الغامض، فتدور باستمرار في فلك شيء ~~ناقص تأمله لكنها تعجز عن التعبير عنه. إن كتب جيجك - كما في مفهوم فرويد عن الشيء ~~العجيب - مألوفة وغير مألوفة معا، مدهشة في تجديدها ومقروءة في الوقت ذاته، مليئة ~~بالأفكار الجديدة الخلابة لكنها إعادة إنتاج بعضها لبعض. فإن كان جيجك يقرأ عمل لاكان ~~باعتباره سلسلة من المحاولات للتركيز على نفس اللب الثابت الصادم، فيمكن قول الشيء نفسه ~~عن أعماله هو، التي تنبثق فجأة في صورة جديدة مع شيلنج أو هيتشكوك أو الشغب العرقي أو ~~ألعاب الكمبيوتر، لكنها لا تنفك تركز على نفس المشهد المخيف والرائع. # 2 # إن قدوم هذا التلميذ المخلص للاكان من العالم الشيوعي السابق على الأرجح أمر ذو صلة ~~في هذا السياق، فمن الغريب أن يجد جيجك ورفاقه من أتباع لاكان في مدرسة ليوبليانا ~~للتحليل النفسي أنفسهم منجذبين في العهد الستاليني الجديد إلى نظرية تهدم السلطة ~~الزائفة لما يسمى بالدال الأكبر. لا شك أنهم كانوا متحمسين بنفس القدر للإصرار على ~~غموض الذات البشرية وتدهور هويته، في ظل نظام اجتماعي سادت فيه الشفافية الزائفة ~~وعقيدة الفردية الجوهرية. في الوقت ذاته، بدا أن نقص الشفافية الفعلي في النظام ~~اليوغوسلافي وغموضه المعقد قد أديا دورهما في جعل الفكر اللاكاني ذا صلة . كما أنه ~~في دول البلقان المتسمة بالنزعة القومية والانقسام العرقي، المنطقة التي طالما مثلت ~~آخر كبيرا مهددا في أوروبا، يمكن للتحليل النفسي - وهو علم يدرس كيفية تكوين ~~الذاتية الإنسانية - أن يكون ذا صدى سياسي أكبر مما هو الحال في روما أو نيويورك. فإن ~~كان الهروب من المسئولية والتأليه والانقسام والانغلاق والتنصل والإسقاط والأمثلة ~~آليات نفسية مألوفة بالقدر الكافي، فهي أيضا مادة النزاع العرقي والصراعات ~~العسكرية. # يرى جيجك وزملاؤه لاكان باعتباره المناصر المتأخر للنظام الواقعي المتصلب أكثر منه ~~ذلك الرجل الباريسي العصري المتبني لما بعد البنيوية الذي يرى أن العالم يمكن تحليله ~~إلى خطاب («بنيوية الاسباجيتي» كما يسميها جيجك بازدراء)، وهذه النزعة ms158 مفهومة بقدر ما ~~في ظل ظروفهم السياسية، فليس من العجيب أن الذين يكتبون وتحيط بهم صراعات قاتلة هم أكثر ~~استجابة لما يقاوم الترميز أكثر من نظرائهم في جامعتي كورنيل وكنيسة المسيح. إنه ~~هذا التضارب بين دائرتهم المهنية - اللغة، في المجمل - وما يتجاوزها مما يحتمل أن ~~يخطر بذهن المفكرين في المواقف المضطربة سياسيا. وليس من العجيب أن يمثل النظام ~~الواقعي أهمية كبيرة لأصحاب الهدف السياسي الساعين لهزيمة الكل، بصرف النظر عن كيفية ~~إلزام السلطة المستبدة إلزاما ساديا لضحاياها بتقبل أغلالهم، فكل هذا يمكن بالتأكيد ~~النظر إليه في ضوء هذا الحظر الجماعي للرغبة التي كانت الشيوعية البيروقراطية. # ثمة تشابه بين هؤلاء والمهرطق الأوروبي الشرقي الآخر الذي يدعى ميلان كونديرا، ~~فقد رأينا من قبل كيف أن كونديرا يستخدم مصطلحي «الملائكي» و«الشيطاني» بأسلوب ذي ~~صلة بالأخلاق؛ لكن يمكن تطبيقهما بنفس القدر على السياسة؛ إذ يرى في روايته «كائن لا ~~تحتمل خفته» الدول الشمولية دولا «ملائكية»، خائفة من الغموض، وعازمة على ألا يفلت ~~أي سلوك إنساني من شباك الفهم، وواضعة كل شيء في إطار من الدلالة اللامعة والوضوح ~~الآني. وفي طرفة ساخرة، تحكي الرواية كيف يقترب مواطن من سكير تشيكي يتقيأ في وسط ~~براغ في العهد الستاليني الجديد فيهز رأسه ويتمتم: «أعرف تماما ما تقصده.» وفي عالم ~~الوضوح المباشر هذا المصاب بجنون الارتياب ، فإنه حتى القيء يجب أن يحمل دلالة معينة. ~~أما ما يصفه كونديرا ب «الشيطاني» في المقابل فيتميز بثرثرة ساخرة تثور على مخططات ~~الطغيان المنظمة، وترتع في مستنقع فراغ الأشياء من معناها. ليس من الصعب رؤية نظام ~~لاكان الرمزي في الوضع الأول ونظامه الواقعي في الوضع الآخر، أو استيعاب السبب في أن ~~احتمالية النظام الواقعي المطلقة - اعتياده قصم الأنظمة الرمزية المغلقة ببقايا الرغبة ~~التي لم يتم إشباعها - كان لها أن تتمتع بجاذبية وتلهف عند مفكري أوروبا الشرقية في ~~حقبة الحرب الباردة. إن ما سنراه بعد قليل باعتباره أمرا أخلاقيا عند لاكان - ~~التوصية بعدم تخلي الفرد عن رغبته مهما بدت مستحيلة - يشبه البيان الرسمي ms159 لحركة التضامن ~~البولندية في أحلك الأوقات التي مرت بها. # إن العلاج المتعلق بالتحليل النفسي من وجهة النظر اللاكانية ليس مختلفا عن تحقيق ~~الاستقلال السياسي، وهو ما قد يكون سببا آخر في أن البلقان ثبت أنه بيئة شديدة الخصوبة ~~لمجال التحليل النفسي. إن المريض الذي يخرج «بنجاح» من التحليل اللاكاني هو مريض ~~تعلم ألا يرضى أبدا، تعلم أن يقر بأن رغبته لا يدعمها الآخر الكبير ~~وأن أساسها ذاتي بالكلية؛ ومن ثم فهي مطلقة وسامية في كل جوانبها تماما كما أشيع ~~عن الرب لبعض الوقت. إن كانت الرغبة متعدية - أي إن كان لها شيء تتعلق به أمام ~~ناظريها - فسيمكننا أن ندرس السياقات التي تغذي مثل هذه التطلعات؛ ومن ثم لن ~~تعود الرغبة جذرية. إن انعدام وجود هدف حقيقي للرغبة فيما وراءها هي في حد ذاتها هو ما ~~يجعلها أساسا لا يمكن الغوص إلى مستوى أعمق منه. فمثلما يمثل الروح القدس سرور الرب ~~الأبدي بصورة نفسه التي هي ابنه، لا تتوقف الرغبة أبدا عن تأمل صورتها الذاتية ومطاردة ~~ذاتها، مزدرية الأشياء التافهة التي تخطف الأنظار، والتي توجد هنا وهناك لتحقق لها ~~الإشباع الفوري. وبما أن الرغبة - مثل الرب - هي أرضية بلا قاع؛ ومن ثم ليست ~~أساسا على الإطلاق، فإن الخاضع للتحليل النفسي يجب أن يفترض احتمالية وجوده، فيتخلى عن ~~المسعى غير ذي الجدوى لإيجاده، وقد صدق عليه آخر كبير يعتبر وجوده على أي حال سرابا. ~~إن كان هذا يشبه قليلا الخروج من تحت سيطرة حاكم قمعي، فهو يحمل أيضا أكثر من مجرد ~~شبه بالقديس. ولا شك أن هذا من بين الأسباب التي تجعل العلاج بالتحليل النفسي مسألة ~~مطولة بصفة عامة، في الواقع طويلة بالقدر الكافي لتحقق مجموعة كبيرة من الشعوب الصغيرة ~~استقلالها. # وبرغم شروح جيجك الواضحة على نحو يثير الإعجاب للنظام الواقعي، يظل هذا النظام ~~مفهوما غامضا، وكذلك متناظرا (بلغة الأكويني)؛ إذ يعمل على عدة مستويات بصورة متزامنة. ~~ومن العلامات على مراوغته أن ناقدا بقدر ذكاء فريدريك جيمسون يخلط بينه وبين التاريخ ~~الفعلي، ms160 وهو آخر ما قد يكون. يكتب جيمسون: «ليس من الصعب أن نحدد ماذا يقصد لاكان ~~بالنظام الواقعي، إنه ببساطة التاريخ نفسه ...» # 3 # وعلى هذا فلا يسعنا إلا التعليق برد خاطف بأنه بالفعل من الصعب جدا تحديد ~~المقصود بهذا النظام، وأنه، أيا كان، لا علاقة له إطلاقا بالتاريخ من منظور لاكان، ~~وأنه دائما يعود إلى نفس النقطة تماما ولا يتفكك كما لا يذوب الصخر في الماء. وهذا من ~~بين الأسباب التي تجعل المفهوم بالكامل فضيحة في نظر ما بعد الحداثيين الذين يفضلون أن ~~يكون واقعهم أكثر طواعية ولينا. # إن النظام الواقعي لا يقتصر على أنه غير مرادف للواقع المعتاد أو التقليدي، بل إنه ~~يكاد يكون عكسه. # 4 # صحيح أنه في كتابات لاكان الأولى ربما يرى البعض أن المصطلح استخدم في بعض ~~الأحيان ليدل على تمرد العالم المادي أو الدوافع الجسدية التي لا يمكن تصويرها أو ~~المتعة التي تتجاوز النظام القضيبي أو الآثار غير اللفظية للرغبة التي تنفلت من النظام ~~الرمزي. وفي أعماله المتأخرة يتمتع المفهوم بنفس القدر من التقلب، فهو قد يشير إلى ~~الاستحالة المفترضة للعلاقة الجنسية أو الإخلاص غير المشروط للقانون الخاص بوجود الفرد، ~~بصرف النظر عن غموض هذا القانون أمام العقل، الذي هو الأساس لكل الرؤى الأخلاقية الحقة. ~~وفي الحالة الأخيرة نتحدث عما يسميه لاكان أخلاق الدافع بدلا من أخلاق الرغبة، وهي ~~أخلاق تشق طريقها عبر التصورات التي تغذي الرغبة لتظهر في صورة أقل إبهاما على الجانب ~~الآخر. في المقابل، فإن النظام الواقعي هو ما يسميه ميلان كونديرا في روايته «الخلود» ~~«الفكرة الرئيسية» لهوية الفرد؛ أي مرضية الرغبة غير القابلة للاختزال التي ~~تميز كل إنسان، فإن كان دافع الحياة (إيروس) ودافع الموت (ثاناتوس) عامين، فإنهما مع ~~ذلك يتركان أثرا فريدا على كل فرد. # مع ذلك - وبالرجوع إلى جيمسون - فإن مساواة الواقعي بالواقع التاريخي ببساطة هي قراءة ~~خاطئة بكل تأكيد؛ فالواقع عند لاكان مجرد مكان ذي مستوى أدنى للتصور وظيفته حمايتنا من ~~هوة النظام الواقعي، كملجأ نوعا ما للنفس. فالتصور ms161 هو ما يملأ الفراغ في وجودنا لكي ~~تتمكن مجموعة القصص التي أهلكها تداولها الكبير، والتي نسميها الواقع، من الظهور. كما ~~يرى لاكان، أن في الحلم - وليس في المكان المبهرج الذي نسميه الواقع - يكون اقترابنا من ~~النظام الواقعي لرغباتنا. فالنظام الواقعي هو ما يخلخل هذه الصور الجميلة؛ ليخرج الذات ~~من حالتها السليمة ويخرج النظام الرمزي من وضعه الصحيح. فهو نقطة فشل الذات وطريقها ~~المسدود، والطريقة التي تعجز بها الذات عن الاتساق مع نفسها، والجرح الأصلي الذي أصابنا ~~بطردنا من الجنة فيما قبل الأوديبية، وهو الإصابة البالغة في وجودنا حيث ننتزع من جسد ~~الأم وتتدفق منها الرغبة دون توقف. # إنها تلك الصدمة الأولى - ذلك التحريم الأبوي المروع، وسيف الإخصاء الذي بيد ~~القانون، وعذاب الانفصال، والشيء المرغوب المفقود إلى الأبد، والواجب الذي تفرضه الأنا ~~العليا للانغماس في إحساسنا بالندم - هي ما تبقى كنوع من اللب الصلب المروع داخل ~~الذات. وفي ظل السجال المميت بين القانون والرغبة ننقاد لنمارس الجلد القهري ~~والمرضي للذات الذي يمارسه الأموات الأحياء. ومثلما يرى شوبنهاور أننا جميعا نحمل ~~دائما في داخلنا وحوشا، وأن القوة الخبيثة التي سماها الإرادة هي التي تظهرنا في ~~صورة إنسانية، فإن النظام الواقعي على نحو ما جسم غريب مغروس بداخلنا. إنه ذلك الشيء ~~الذي بداخل الذات الذي يزيد على الذات، إنه فيروس قاتل يغزو جسدنا لكنه - كما يقول ~~الأكويني عن الرب - أقرب إلينا من أنفسنا. # ليست الرغبة شخصية إطلاقا، فهي - كما أدرك جون راسين - بلاء كامن بانتظارنا منذ ~~البداية؛ سيناريو تراجيدي نرثه ممن يكبروننا؛ بيئة مشوهة نغرق فيها عند الولادة. ~~إنها «الشيء الذي في الذات» الذي يجعلنا ما نحن عليه؛ فهي وتد غريب مغروس في جوهر ~~وجودنا. غير أنها أيضا، كما سنوضح فيما بعد، وسيلة محتملة للخلاص. إن النظام الواقعي ~~هو الشيء الأكثر اضطرابا دائما فينا، وهو الأكثر ارتباطا بجوهرنا. وفي هذا الوضع ~~الملتبس يظهر باعتباره نوعا من «السقوط السعيد»، والعيب أو النقص في تطابقنا مع الذات ~~الذي يضمن أن نظل غير منطبقين مع ذواتنا ms162 دائما؛ لكن من دونه لن نتمكن من أن نكون على ~~حقيقتنا؛ فهو كالسمو، وهو نسخة معاصرة منه، مغر وبغيض في الوقت ذاته، هو مصدر لرعب لا ~~يوصف؛ لكنه (كما سنرى بعد قليل) ذلك المصدر الخفي لوجودنا الذي يجب علينا أن نؤمن به ~~بأي ثمن. # إن النظام الواقعي صادم وغامض وقاس وفاحش وفارغ بلا معنى وممتع على نحو مروع، فهو في ~~غموضه صورة من الشيء في ذاته الذي لا يمكن معرفته في فكر كانط، وما يتجاوز معرفتنا في ~~النهاية هو الإنسانية نفسها. وبتطويع ملحوظة فتجنشتاين عن الأخلاق، فإن النظام الواقعي ~~يتضمن الاصطدام بحدود اللغة، والإصابات الناتجة عن هذا الصدام هي الشواهد الحية على ~~فنائنا. لا يمكننا أن نستوعب هذه الظاهرة الغريبة إلا بتحليلها على نحو عكسي - إن جاز ~~التعبير، من نتائجها - من وجودها عائقا أمام خطابنا، مثلما لا يستطيع الفلكيون أحيانا ~~أن يتعرفوا على جرم سماوي إلا من خلال التأثير الانحنائي الذي يسببه للفضاء من حوله؛ ~~إذ إن اتخاذ النظام الواقعي شكلا ملموسا، وظهوره في الواقع ذاته، هو قدر المصاب ~~بالذهان الذي انهارت قدرته على الترميز، فالنظام الواقعي هو مشهد الافتتاح، ورمانة ~~الميزان، والشيء المجرد فيما وراء العلامة أو العنصر المجرد في أي نظام سيميائي وظيفته ~~الدلالة على الحقيقة بحيث لا يمكن تجميعه؛ فمن منظور معين، يعني هذا الرمز الكودي الذات ~~الإنسانية نفسها، الفراغ الذي يوجد بقلب النظام الرمزي. وهذا الفراغ هو الشرط المسبق ~~لكي يعمل هذا النظام بكفاءة، لكنه لا يمكن تصويره فيه بصورة كاملة. # يرفض النظام الواقعي، باعتباره ثغرة في بنية النظام الرمزي، الدلالة الرمزية عليه، ~~فهو نوع من الفائض أو الفضلات يظل باقيا عندما يتشكل الواقع بالكامل. إنه المرحلة التي ~~تتحول فيها صناعتنا للدوال إلى انعدام للترابط، وتبدأ فيها معانينا في الانكشاف من ~~أطرافها؛ وبذلك فهو لا يسجل نفسه بصورة مباشرة، بل يرسم الحد الخارجي لخطابنا أو للصمت ~~المنقوش داخله. فهو يمثل لبا صلبا أو فراغا شاسعا في قلب نظامنا الرمزي (التشبيهان ~~المتناقضان سليمان) إن منعا من الامتزاج ms163 التام مع أنفسنا ففي ذلك انهيار للكل وتخريب ~~لكل المعاني المفهومة. إنه الفراغ الخالي على نحو مطلق من المعنى الذي نجد صداه في ~~حديثنا المنطوق، والعقدة في وجودنا التي لا يمكن لأي قدر من العمل الروحي المضني أن ~~يفكها؛ ففي قاع المعنى - كما في الشعر - يظل دائما ثمة بقية من اللامعنى. # إن ظل النظام الواقعي هذا هو ما شعرت به الرسامة ليلي بريسكو بالقرب من نهاية رواية ~~فيرجينيا وولف «إلى المنارة»؛ إذ تحاول إنهاء إحدى اللوحات، وفي نفس الوقت تحاول فهم ~~العالم من دون مركزه المشرق، محبوبتها السيدة رامساي. ومع الانسحاب المفاجئ لهذا الجسد ~~الأمومي الحاضن تشعر ليلي «وكأن ذلك الرابط الذي يربط عادة الأشياء ببعضها قد انقطع، ~~وهي تسبح هنا وهناك، مبتعدة، بأي صورة. وفكرت، وهي تنظر إلى فنجان القهوة الفارغ ~~خاصتها: كم كان هذا عبثا، كم كان فوضويا، كم كان غير حقيقي!» وبينما يطلق السيد ~~رامساي صرخاته المفككة المفجوعة («وحيد»، «هالك»)، تشعر ليلي بأنها إن تمكنت فقط من ~~تجميع هذه الدوال المروعة معا و«وضعها في جملة واحدة فسيمكنها حينها أن تصل إلى حقيقة ~~الأشياء ... إن ما تمنت أن تمسك به هو عين المصدر المسبب للإزعاج، الشيء ذاته قبل أن يكون ~~أي شيء.» والحداثة بصفة عامة تتسم بهذا الشغف بالمواجهة المباشرة مع النظام الواقعي، ~~فلا تجد سوى ما يسوءها، وهو توسط الدال بينهما. وهذا - يمكننا أن نقول - هو مكمن ~~انتصارها وجزعها في الوقت ذاته. لكن النظام الواقعي في رواية وولف هو أيضا سبب ~~الانحراف، وهو العقبة؛ فالجهاز البشري الخاص بالرسم - والإحساس - «دائما ما يتعطل في ~~اللحظة الحاسمة، ويجب على الإنسان ببسالة أن يجبره على الاستمرار.» تفتش ليلي عن كلمات ~~تعبر عن فراغ الموت الذي يقبع في جسدها، والإحساس بوجود «مركز الفراغ التام» الذي يبدو ~~أن مصدره ليس موت السيدة رامساي بقدر ما هو الإحساس المطلق بالتوق في ذاته، وهو جوهر ~~الرغبة المطلق غير المقيد. إن كانت ليلي غير قادرة على استكمال لوحتها، فذلك لأسباب ليس ~~أقلها أنه في كل ms164 مرة يظهر لها نذير الموت الهزيل، السيد رامساي، برغبته الجهرية في ~~التعاطف «يقترب الخراب، وتقترب الفوضى» في هذا «المنزل المليء بالعواطف غير ~~المترابطة». # ورغم شفقة رامساي الذاتية الصبيانية، فإنه في النهاية يثبت قدرته على تجاوز دائرة ~~الشفقة والتعاطف الخيالية إلى «منطقة أخرى ... منطقة خارج متناول الإنسان»؛ حيث ينزل ~~أخيرا بالمنارة كبطل استعاد رجولته المدمرة بمعجزة. وتسأل ليلي نفسها: «ما الذي بحث ~~عنه بهذا الإصرار وهذا التصميم وهذا الصمت؟» في تلك الأثناء، وبينما يسافر رامساي إلى ~~حدود رغبته في الوقوف أمام المنارة المنعزلة، تشعر ليلي بأنها «غير راغبة في الثرثرة، ~~غير راغبة في الحياة، غير راغبة في الاجتماع بالناس في وجود عدوها القديم المرعب، هذا ~~الشيء الآخر، هذه الحقيقة، هذا الواقع الذي سيطر عليها فجأة بعد أن ظهر جليا من خلف ~~المظاهر واستحوذ على انتباهها. لقد كانت منقسمة بين عدم الرغبة والامتناع، فلماذا ~~دائما يطول الأمر ويبتعد؟» # لكن هذا الاستدعاء الهام للنظام الواقعي هو كذلك إحساس بعدم التناسب الجذري للأشياء ~~- أي اضطرابها أو ظهورها فجأة بصورة غريبة كل دقيقة - كتجهم مفاجئ أو شبح على وجه جميل: ~~«لقد نسي المرء نوبات الانفعال اللطيفة - الفورة والشحوب والتشوش الغريب، الضوء أو الظل ~~- التي تجعل الوجه غير واضح لوهلة، ومع ذلك تضيف سمة له يراها الإنسان بعد ذلك إلى ~~الأبد.» ثمة رهبة وكذلك نشوة في الشعور بالمخاطرة والانكشاف الشديدين بما يتخطى العادات ~~الوقائية للنظام الرمزي: «ألم يكن هناك أمان؟ ولا معرفة كبيرة بقوانين العالم؟ ولا مرشد ~~ولا ملجأ، بل كان كل شيء معجزة، وقفز من أعلى برج في الهواء؟ هل يمكن - حتى عند من هم ~~أكبر سنا - أن تكون تلك هي الحياة؟ هل يمكن أن تكون مدهشة وغير متوقعة ومجهولة؟» سنرى ~~لاحقا كيف كان هذا الفرق بين العادة والمعجزة موضوع أعمال بعض فلاسفة الأخلاق ~~المعاصرين المتناولين للنظام الواقعي. # ومع تحول «الأشياء الخارجية» إلى عالم اللاواقعية، يسكن لوحة ليلي غير المنتهية حس ~~وجود هو في نفس الوقت «خفيف بحيث لا تضطرب له أنفاسك، وثقيل بحيث لا ms165 يمكنك إزاحته ~~بمجموعة من الخيول.» وتستمر - وهي لا تزال تتأمل حال الموتى - في «مواجهة صعوبة في ~~رسمها» إلى أن يخطر ببالها أن ترسم خطا يمثل شجرة في وسط اللوحة، وحينها تشعر بابتهاج ~~عظيم؛ فلقد تخطت الآن - مثل السيد رامساي - حاجزا غير مرئي، وقفزت فيما وراء قانون ~~الجسد المحب والقمعي في نفس الوقت الذي مثلته السيدة رامساي لها، مدركة في نوبة من ~~الحرية عدم الحاجة للخضوع لهذا القانون من خلال زواجها. لقد تحول السيد رامساي نفسه إلى ~~الأعزب الذي كان من قبل، سائرا بخطى خفيفة كشاب إلى داخل المنارة، «كما لو كان يقفز ~~في الفضاء» بحثا «عن العالم كله ... كما لو كان يقول: «ما من إله.»» إن كان قد صار ~~ملحدا في لحظة الكشف اللامعة الغامضة تلك؛ فذلك لأن النظام الواقعي لرغبته اتضح أن ~~أصله في ذاته لا يستمد أي دعم مما سواه. وفي الوقت نفسه ترسم ليلي - إذ تدفعها مغامرة ~~لوحتها المحفوفة بالمخاطر إلى أقصى حدود قدراتها - خطا فجأة في وسط اللوحة، بينما ~~تنتهي الرواية باقتباس من كلام المسيح على الصليب: «لقد اكتمل الأمر، لقد انتهى.» وفي ~~ضوء هذا التصوير الفني للنظام الواقعي، ليس من الغريب أن ترى في قلب رائعة وولف الأخرى ~~«السيدة دالوواي» الموت والذهان وتفكك المعنى. ~~••• # إن النظام الواقعي من ناحية هو أثر الاحتمالية المادية غير المفهومة التي لا يسع ~~النظام الرمزي أن يستوعبها بالكامل أبدا، والقوة التي تعطل دافع ليلي بريسكو الفني نحو ~~النظام. أما من ناحية أخرى فهو نظام مقترن بشدة بالدوافع الجسدية التي هي في حالتها ~~النقية أو الفعلية غامضة بالنسبة إلينا بقدر مفهوم كانط «الشيء في ذاته»، والتي يجب أن ~~تمر عبر شوائب الدال من أجل أن تدخل إلى الوعي الإنساني. وكما لو لم يكن ما سبق ~~كافيا، يمكن تعريف النظام الواقعي بأنه - كما في رواية «إلى المنارة» - الشيء الذي هو ~~دائما في غير محله، ومع وجود هذا الشيء المرغوب الممنوع والمستحيل الذي هو جسد الأم، ~~عرف السعي المحموم إليه في مجال التحليل ms166 النفسي بأنه مسار التاريخ الإنساني. فإن تمت ~~استعادة هذا الفردوس المفقود، فإن التاريخ - الذي ما هو إلا الفشل المتكرر في الوصول ~~إليه - سيتوقف. وفيما يتعلق بجسد الأم، يمثل النظام الواقعي محل «متعة» مفقودة، تلك ~~اللذة المنتشية للآخر الكبير التي تبدو ملذات النظام الرمزي بجانبها ضئيلة ~~للغاية. # إلا أن هذه «المتعة» أو تلك النشوة الشديدة تحمل أيضا بصمة الأنا العليا ~~المهددة، بصمة القانون الذي يأمرنا بالرضا في سعادة بخضوعنا، مع انتزاع حياة محمومة ~~من الشيء المريع المتمثل في الوصول بأنفسنا إلى الموت. # 5 # إنها صورة مروعة وضارية من المتعة نحصد فيها الإشباع من الطريقة التي يطلق ~~فيها القانون أو الأنا العليا وحش ساديته المختلة علينا. إنه قانون فارغ من المعنى، ~~كعبارة النادل الأمريكي السطحية اللازمة: «بالهناء والشفاء!» إننا في وجود النظام ~~الواقعي دائما ما نكون في ظل الموت، أو بعبارة أدق، ما علمنا فرويد أنه دافع الموت ~~الذي نشتهي نتيجة حكمه السادي هلاكنا. إن هذا المأزق بين القانون والرغبة قبل كل شيء - ~~تلك الجدلية المتوقفة التي يعزز بها كل منا قدرة الآخر على التعامل مع الموت - هي ما ~~يمكن من خلاله الإحساس بوجود النظام الواقعي. # إلا أن ثمة وجها مخلصا للنظام الواقعي، مثلما له وجه مدمر. إن الشيء الأكثر ~~واقعية فينا من وجهة نظر المحلل النفسي هو الرغبة، والإخلاص لرغبتنا يعني من ثم ~~الإخلاص لأنفسنا. لكن هذا حتما إخلاص للفشل؛ حيث إن الرغبة لا توقفها الطبيعة، والذين ~~يمتلكون الشجاعة الكافية لتقبل هذه الحقيقة هم الأبطال الحقيقيون، مثلما ينتزع البطل ~~التراجيدي الكلاسيكي النصر من مخالب الهزيمة، فعين الشجاعة التي تسمح له بالاستسلام ~~لقدره هي كذلك قوة تتخطاه. إن الشخصيات الأدبية التي سنتناولها في الفصل المقبل - ~~الذين يفضلون السير بشمم نحو الموت، على التخلي عن رغبتهم المطلقة في الشرف أو العدل ~~أو العفة أو التقدير - هم الذين أصبح هدف إنساني ما عندهم كناية عن الرغبة في ذاتها، ~~كناية عن ذلك الذي بداخلهم، الذي يتخطى كل الأهداف المنطوقة. إنهم لهذا السبب يتمسكون ~~بالأشياء التي ms167 يتوقون إليها بهذه القوة الشديدة. # الأخلاق عند لاكان إذا تتخطى ما هو جيد ونافع وفاضل وممتع، وتكمن في نطاق الرغبة ~~المقنن بشدة، فالمؤثرون الذي يسعون جاهدين لخدمة الآخرين وإشباع احتياجاتهم ~~وتعزيز رفاهتهم، لا يفعلون ذلك إلا لأن الصورة الحقيقية للذة التي هي المتعة - وهي ~~اللذة التي «لا طائل منها» - قد خذلتهم بكل أسف. أما المصلح النفعي أو السياسي فهو ~~الشخص غير القادر على الاستمتاع من دون غاية منظورة، فهؤلاء الذين يصادرون على الخير - ~~كما يزعم فلاسفة الأخلاق الواقعية - يفترضون بأسلوب ضمني استبدادي أنهم على علم بما فيه ~~خير الآخرين، بينما لا يقع المحلل المحب لمريضه فريسة لهذه الافتراضات المسبقة. # من ثم فإن سياسة الخير تتضمن نزعة أبوية بيروقراطية، نزعة تعرف الخير بأسلوب ~~حزبي، وتدافع عنه ضد منافسين أقوياء معينين في سوق الأخلاق، وتحدد توزيعه وتنظيم أموره. ~~ويمكن الرد على هذا بأن المحب الصادق ليس الذي يعطي تعليمات لآخر عن طبيعة الخير بل ~~الذي يكون هو نفسه سببا فيه. إن هذه التبادلية هي التي ينكرها فيلسوف واقعي مثل جون ~~راجمان؛ إذ يكتب أن التحليل النفسي «يطرح مسألة وجود رابطة شهوانية غير قائمة على ~~التشارك أو التبادل أو المساواة بل تقوم على «الأشياء» المفردة التي يكنها كل منا ~~للنظام الواقعي.» # 6 # فالتحليل النفسي باختصار ما هو إلا صورة من التجرد السياسي؛ وذلك كما يره ~~الماركسيون السوقيون، لأسباب أكثر تعقيدا هذه المرة. فمسألة الروابط الاشتراكية أو ~~المتبادلة التي تقوم على الواقعي ببساطة تنحى جانبا، فهي كما سنرى مسألة يسعى ~~اللاهوت - الذي يرى أن المجتمع الخالد هو مجتمع لا يقوم إلا على الحب العنيف المقترن ~~بالتضحية - لطرحها؛ رغم أن راجمان بعد أن ذكر في دراسته الرائعة أن المسيحية أحد ~~العوامل التي أثرت في كتابات لاكان إلا أنه يعجز في صمت واضح عن تناول هذه المسألة مرة ~~أخرى. # فالرغبة إذن باعتبارها الشيء العام الوحيد في الأخلاق تتعارض من منظور لاكان مع ~~الخير؛ لكن الاثنين ليسا كذلك إطلاقا عند مفكر مثل توما الأكويني الذي يرى أن ms168 الخير هو ~~ما لا يسعنا سوى أن نرغبه. فالرغبة عند الأكويني ما هي إلا صورة للخير الأسمى بداخلنا؛ ~~أي الطريقة التي بها أصبح جزءا من جسدنا والتي يستحوذ بها علينا بعيدا عن الإرادة ~~المجردة. ففي كتابه «الخلاصة اللاهوتية» يتنبأ الأكويني بمعتقد لاكان أن الرغبة هي ما ~~يصنع ما نحن عليه، وهذه الرغبة التي تعمل بصفتها المبدأ الحاكم لكل أفعالنا عبارة عن ~~تطلع إلى ما يسميه «السعادة». فمن الطبيعي أن نرغب في السعادة، لكن من الطبيعي أيضا ~~ألا ننالها باعتبارنا كائنات منقسمة على ذاتها مزقها الزمن وعاجزة عن التوافق مع ~~نفسها. فالرغبة عند الأكويني لا نهائية، مثلما هو حالها عند أتباعه المحللين النفسيين، ~~فعدم الرضا هو حالتنا الطبيعية، والكمال الذي نسعى إليه يؤشر بنهاية بشريتنا. إن الرؤية ~~الأكوينية لحال البشر تشبه إلى حد مدهش مثيلتها اللاكانية وإن كانت مجردة من بعدها ~~التراجيدي؛ إذ إن الرغبة التي تستنفدنا إلى العدم في رؤية الأكويني تتم بحب الرب الذي ~~هو سببها وهدفها معا. # 7 # والخير في رؤية لاكان الأكثر غرابة هو ما يدافع عنا ضد متعتنا المميتة؛ ومن ثم ~~يمثل أثرا للتحريم الأبوي. إذا فالتحليل النفسي - الذي هو دراسة عجزنا عن إيجاد الرضا ~~ومقاومتنا المنحرفة لاحتمالية السعادة ذاتها - يدشن في نظر لاكان ثورة تنقض كل الفكر ~~الأخلاقي السابق. إن وجود هذا الشيء في شهوتنا الذي يخالف جوهريا سعادتنا (النسخة ~~الفرويدية من الخطيئة الأولى إن جاز التعبير) هو السبب في أننا لم يعد بإمكاننا أن ~~نرضى بنظام أخلاقي قائم على الفضيلة أو السعادة، نظام يكون أكثر ملائمة للسياسيين ~~والعاملين بالمجال الاجتماعي من أولئك المتمردين على الروح البشرية من أمثال لاكان ~~نفسه. وكما يعبر عنه راجمان في حدة: «يرى فرويد أن الحب متعارض مع الأخلاق.» # 8 # فهناك قانون العدالة والخير الأسمى في المدينة، متجسدا في شخص كريون في ~~مسرحية سوفوكليس «أنتيجون»، وهناك قانون آخر يتجسد تماما في أنتيجون المنشقة نفسها، ~~قانون غير مكتوب وغير معروف يتجاوز بعناده القاتل مبدأ المتعة ومبدأ الواقع معا، ولا ~~يبالي في ms169 إصرار بتقاليد البرجوازية الصغيرة للمدينة. # لو كان بوسع لاكان أن يتخذ موقفا غير متردد من هذا القانون الأخير؛ فذلك لأسباب من ~~بينها أنه غير سعيد بالرؤية السياسية للمدينة العادلة، ففرويد نفسه - كما يرى لاكان - ~~لم يؤمن يوما بالتقدم الاجتماعي ولا بالسياسة الثورية، وكان محقا تماما في رفضه مثل ~~هذه الأوهام المسكنة. وينتمي الفكر اللاكاني من هذا المنطلق إلى عهد ما بعد الثورة، ~~عهد لا يتحمس على نحو ملحوظ للطاقات الجماعية أو الحلول السياسية. وينبغي فهمه، من بين ~~أشياء أخرى، في إطار فساد الاشتراكية وبزوغ الفاشية. لكن سوفوكليس الذي يكن له ~~لاكان إعجابا شديدا لا يتفق كثيرا مع فكره السياسي المتشكك؛ فالانتقال من «أنتيجون» ~~أو «أوديب ملكا» إلى «فيلوكتيتس» أو «أوديب في كولونوس» يعني مصادفة ضرب مختلف تماما ~~من السياسة، ضرب يغلب فيه أخيرا إصرار من هم مثل أنتيجون؛ حيث تستغل القوى المتعنتة ~~لنفي الذات في مهمة إصلاح المدينة؛ إذ يقع ثاناتوس - بتعبير فرويد - في صورة متسامية ~~تحت وطأة مشروع إيروس الذي يخضع الحياة، كما هو الحال في نهاية مسرحية إسخيلوس ~~«أوريستيا»؛ فباحتضان المدينة لرموز الموت والمرض والفوضى - سواء أكانت في صورة ~~الفيوريس المنتقمة أم فيلوكتيتس الغارق في صديده أم أوديب الملعون - تعي بفضل الرب ~~الوحشية القابعة في قلبها، وفي هذه المواجهة المريعة مع النظام الواقعي تطلق القوة ~~العليا لتحمي وتعيد تشكيل نفسها. # 9 # فالمسألة على أي حال ليست مواجهة بين متمردين متجهمين نافرين من الحياة ~~الاجتماعية ومدينة توافقية جامدة، إلا أن هذه المقارنة التي تحمل طابع ألبير كامو قد ~~تروق لعصر انهزامي من الناحية السياسية. ربما لم يدرك كريون رغبة أنتيجون، لكن هذا لا ~~ينطبق على ثيسيوس الذي يرحب بين أسواره أيما ترحيب بالبطل الفاسد الخائف في «أوديب في ~~كولونوس». ربما يعامل بنثيوس - حاكم طيبة في «الباكوسيات» ليوريبيدس - ديونيسيوس ورجاله ~~بقمع يحمل طابع قمع كريون؛ لكن لا ضرورة عنده للتصرف بعنف مريع تجاه هؤلاء الأشخاص ~~الفوضويين المحبين للموت، الذين يرمزون لمتعة النظام الواقعي الفاجرة. وفي واقع الأمر، ~~قد نصح سريعا ms170 بألا يفعل. ليس من الضروري أن تكون السياسة والرغبة دائما ~~متعارضتين. لقد كان ويليام بليك أكثر حكمة في هذه النقطة من جاك لاكان؛ إذ يرى الأخير ~~أنهما لا يمكنهما تدشين تلك المواجهة الحيوية التي تعرف بإعادة التهذيب السياسي ~~للرغبة، وهو عمل يبدو أن الواقعيين لا يمكنهم تخيله إلا في صورة إخصاء غادر. # إن ادعاء لاكان إدخال الجديد في الأخلاق هش بالتأكيد؛ فالمسيحية، كما رأينا، تضع ~~الرغبة (التوق الإنساني للرب) في بؤرة تفكيرها الأخلاقي، وكذلك تفعل العقيدة السابقة ~~عليها، اليهودية. وعلى نفس القدر من الهشاشة تأتي قضية التعارض الواجب بين الرغبة ~~والخير، وهي قضية لا تتمتع بمصداقية إلا إن نزعنا الوسيط بينهما المعروف بالحب، فالرغبة ~~في الإنجيل المسيحي - التي في صورة الحب أو التوق الذي هو الإيمان والأمل معا - ~~ليست مضادة للخير الأسمى بقدر ما هي الدال المبهم عليه في حقيقتها. ولأن حب الرب لا ~~يكمن إلا في جوهر النفس داعما وجودها، فبإمكاننا السعي إلى هذا الخير في صورة رغبة ~~فيه. ومن هذا المنطلق تختفي السلبية - سلبية الرب الأجوف الذي لا يمكن الحديث عنه ولا ~~تصوره - تحت سلبية أخرى، وهي التطلع الأبدي له. إنها رغبة خاصة بالنظام الواقعي تستحوذ ~~على النفس استحواذا عنيفا من جذورها وتمزق أساسها. كذلك فإن الخير، الذي هو الرب، ~~يحمل في العقيدة المسيحية كل غموض النظام الواقعي وليس وضوح أحد المثل العقلانية ~~التافهة. فإن كان الرب هو المثال الأعلى على «الذات المفترض أن تعرف» عند لاكان - أي ~~يمتلك علما لا غبار عليه - فليس بالبناء على هذا العلم الشامل يمكننا أن نصلح وضعنا ~~الأخلاقي. إننا بالإيمان لا بالعلم نعرف قانون وجودنا، فالخلاص في المسيحية وفي التحليل ~~النفسي كليهما شأن عملي نسبي، وليس مجموعة من الافتراضات النظرية. # على نفس القدر من الضعف تأكيد لاكان الهش على أن كل الفكر الأخلاقي السابق يتمحور حول ~~المتعة، فليس كل فلاسفة الأخلاق قبل فرويد همهم اللذة الشخصية بلا حياء، وإن كان من ~~الصحيح أن أي مذهب أخلاقي قائم على إدراك الذات، سواء كان ms171 المذهب الأرسطي أو الهيجلي أو ~~الماركسي، يجب أن يقبل هذا الفائض الفاسد المحرج الذي يأتي بنتائج عكسية أو الفشل في ~~تحقيق الهدف الناتج عن الرغبة. لكن في نظرة لاكان الضبابية، فإن فرويد رائد كبير في هذا ~~الصدد؛ فإشارته الطليعية لا تحدد موقع القانون الأخلاقي بالنسبة إلى النظام الرمزي، بل ~~بالنسبة إلى الشيء المفقود دائما الذي يتعلق به تطلعنا، وهو ما يسميه لاكان دراميا ~~«الشيء الكبير»، والذي أحيانا ما يترجمه بجسد الأم. إن الرغبة التي يعبر عنها التحليل ~~النفسي هي الرغبة الخاصة بالنظام الواقعي، القوة المضطربة التي تتخطى قيود النظام ~~الرمزي، وإن في ذلك مكمن أصالتها الأخلاقية. # هذه الرغبة من جهة تتفق بالتأكيد مع الطبيعة العامة للنظام الرمزي؛ حيث إنها تظل ~~واحدة لدى الجميع. إلا أنها تتخذ أيضا شكلا مختلفا عند كل فرد، فتظهر لهم «بخصوصيتها ~~الودية في صورة أمنية متغطرسة»؛ وذلك بعبارة لاكان في كتابه «أخلاق التحليل النفسي.» # 10 ~~(إن الإشارات اللاحقة لأرقام الصفحات من عمل لاكان هذا ستوضع بين قوسين ~~بعد الاقتباسات المعروضة منه.) إنها القانون الذي يحكم كيان الفرد الخاص، وهي من ~~ثم أبرز القوانين الخاصة غير القابلة للاختزال، حتى وإن كانت هذه الخصوصية موجودة ~~فينا جميعا. إن الرغبة تتسم بالتفرد المراوغ ل «القانون» الخاص بعمل فني أكثر من ~~التماثل المجرد للقانون الأخلاقي، فهي تشبه الحكم الجمالي عند كانط أكثر من منطقه ~~العملي ، فعلى عكس قانون النظام الرمزي فإن هذه الرغبة المتعجرفة إذ «تكمن في أعماق ~~الذات في صورة غير قابلة للاختزال» (24)، فإنها غير قابلة للقياس إطلاقا على أي شيء ~~آخر، ولا يمكن الحكم عليها من الخارج. ورغم لا مبالاة لاكان اللافتة بنيتشه، فثمة صدى ~~هنا لرؤية هذا الفيلسوف الألماني التي ترى بأن هناك قانونا خاصا لكل فرد. # إن المفهوم التقليدي عن الخير الأسمى في نظر لاكان - وهو أسطورة معظم النظريات ~~الأخلاقية التقليدية - لا يمكن أن يكون سوى ضرب من المثالية الزائفة؛ ومن ثم فهو ~~حجر عثرة أمام الفكر الأخلاقي الأصيل. وبوصف لاكان طليعيا أخلاقيا، فيبدو أنه ~~يعتبر ms172 كل ما سبق في الخطاب الأخلاقي - الفضيلة والواجب والمنفعة وما شابه - أكثر من ~~مجرد مثالية زائفة لعدم رضانا المزمن. يبدو الأمر وكأنما لم تظهر أي نظرية أخلاقية ~~مادية حقيقية - لا نظرية هوبز ولا ماركس ولا نيتشه على سبيل المثال - إلى أن جاء فرويد ~~وممثله الباريسي إلى المشهد. وعلى عكس هذه القيم المثالية الكاذبة فإن مذهبه الأخلاقي، ~~بحسب كلمات جون راجمان «هو أخلاقي أو يبين الصعوبة التي نواجهها عند التعامل مع ما هو ~~مثالي فينا، ومع ما يفترض أنه الخير فينا؛ ومن ثم بالصعوبة التي نواجهها مع ~~روابطنا العاطفية مع أنفسنا وفيما بيننا.» # 11 # إن السعي نحو الحياة الخيرة وقضية الواجب الأخلاقي يجب أن يعاد تحديد ~~موضعهما بالنسبة لمشكلة الرغبة. وسوف نرى بعد قليل أن هناك لمسة من المثالية الممجدة في ~~البديل اللاكاني للخير والمفيد والمراعي للواجب الذي هو بطولة الرغبة؛ لكن يمكن أن ~~نشير الآن إلى أنه إن كان ثمة خير أسمى فهو خير يجب في نظرية فرويد تحريمه. ومثلما يجد ~~من يقعون في حب القانون أنه يحول بينهم وبين الخير، فكذلك الرغبة في الشيء الكبير ~~المحرم - الاستهداف المباشر لخير مطلق - يعني استفزاز سيف القانون النقدي القاطع؛ ~~ومن ثم نضع أنفسنا في المطاردة الذاتية الأبدية للقانون والرغبة والعدوان والذنب ~~والاحتقار المميت للنفس والمتعة الممزقة للذات، والتي هي - إن جاز التعبير - حالة ~~الخطيئة الأولى الخاصة بنا. # وكما يقول لاكان نفسه، فإن الرغبة لا تلمع إلا بالمقارنة بقانون هو في نهاية الأمر ~~قانون الموت، فيوجد في الحياة ما يفضل الموت، وهنا - كما يصيب لاكان في تعليقه - ~~نشارف على مكمن الارتباك الأبدي للاتجاه الليبرالي أو اليساري التقليدي؛ إشكالية الشر. # 12 # إلا أن النظام الواقعي بمعناه الأكثر إيجابية - بوصفه الإخلاص الأبدي ~~للقانون الحاكم لوجودنا - يوجد في منطقة خارجية فيما وراء النظام الرمزي، وهذا هو السبب ~~في قدرته على فك عقدة التوق والتحريم المميتة التي هي السر الأسود للنظام الرمزي. ~~ونظرا لأن الرغبة الخاصة بالنظام الواقعي هي رغبة محضة إن جاز التعبير، رغبة في صورتها ms173 ~~الأكثر بدائية، رغبة في ذاتها ولذاتها وليست رغبة في خير أسمى أو محتمل بعينه، فهي ~~تستطيع التملص من القانون الذي يتدخل ليعاقب كل اشتهاء لأشياء معينة؛ حيث إن القانون ~~بطريقته المتعاظمة يلاحظ في أي تطلع بريء تعطشا فاسقا للشيء الكبير المحرم. إذا ~~فالقديس الشفيع لأي نظرية أخلاقية لاكانية - المكافئ في التحليل النفسي للقديسة تريزا، ~~إن جاز التعبير - هو أنتيجون عند سوفوكليس، التي يحركها دافع نحو الخير يتجاوز كل خير، ~~الخير الذي يتجاوز الأخلاق نفسها كما يفهمها الكاهن أو رئيس الوزراء، والخير الذي يصعب ~~من ثم على فلاسفة الأخلاق المحترمين لذاتهم في هذا العالم أن يميزوه عن الشر. # شرد كل أبطال سوفوكليس الأقوياء - كما يشير لاكان - فيما وراء درع النظام الرمزي ~~الحامي إلى منطقة الروح التي بلا معالم، يدفعهم احتياج راسخ أو نقاء خارق للطبيعة ~~بخروجهم من حواجز الاحترام المهذب إلى مكان يتسم بالانعزال الشديد والانكشاف الذاتي، ~~يبرزون فيه على غرار المقدس. فالمقدس يمثل تلك الأشياء الملعونة والمباركة على نحو غامض ~~المعينة للموت، والتي إذ تقترن هكذا بالعلامات الخافتة على فنائها يمكنها أن تطلق قوة ~~تحول شديدة. إن أتباع النظام الواقعي هؤلاء هم كلهم الكائنات البينية، تجسيدات محضة ~~لدافع الموت، كائنات حية وغير حية معا، رجال ونساء موتى لكنهم لن يرقدوا. هي كائنات ~~تتخلف في صالة مغادرة الحياة، أفراد يتحركون كما الأبطال التراجيديين دون رؤية بين ~~مراتب الأموات الأحياء، والذين يمكن من خلال عذابهم الصامت الشعور بالموت ينتهك خلسة ~~نطاق الأحياء. وبذلك فهم نماذج على حقيقة مفادها - بتعبير لاكان نفسه - أن «كل الكائنات ~~تعيش في حالة من عدم الوجود» (294). فالرغبة في النهاية هي رغبة للا شيء، فهي لا تعدو ~~أن تكون الشيء الذي يربط الرجال والنساء مع انعدام وجودهم؛ «اللاوجود» الذي يبقيهم في ~~حركة مستمرة؛ فالتحليل النفسي هو البعث الجديد لحس الحياة التراجيدي لكن في صورة ~~علمانية علمية. وقد صار في أيدي لاكان شكلا إلحاديا من الدين، يتعلق - مثل مشردي ~~صامويل بيكيت - بخلاص لن يأتي أبدا؛ إذ يوضع مرتكز الدين - الرب ms174 - تحت الرقابة، لكن ~~البناء الكلي الظاهر يظل سليما على نحو كبير، فما الرغبة في النظام الواقعي إلا ما ~~عرفه أوجستين أو كيركجارد بالإيمان؟ # إذا ليس ثمة خير أسمى، كما يبدو، فيما وراء التمسك العسير بالتوق إليه. ولاستنساخ ~~بعض من تلاعب لاكان المتكلف بالألفاظ، فإن أي نظرية أخلاق للنظام الواقعي يمكن ~~تلخيصها في الأمر التالي: استمر في نقصك! سأطرح بعض الشكوك حول هذا الأمر لاحقا؛ لكن ~~في الوقت الحالي من المهم أن نفهم أن تحقيق رغبة الفرد «في النهاية» لا يعني تحقيق ~~هدفها؛ فهدفها في النهاية لا شيء سوى ذاتها. فالبطل الأخلاقي اللاكاني - شأنه شأن شخصية ~~فاوست لجوته - «لن يصل لذلك الخير (الأسمى) هذا إلا إذا نقى أمنياته في كل لحظة، في نفس ~~اللحظة من الخير الزائف، واستبعد الزيف ليس فقط من احتياجاته - بالنظر إلى أنها كلها ما ~~هي إلا احتياجات ارتدادية - وإنما أيضا من هباته أيضا» (300). وكما الحال مع قانون ~~كانط الأخلاقي، فإن رغبة النظام الواقعي لا ناقة لها ولا جمل في عالم الاحتياجات ~~والرغبات والاهتمامات، فهي زاهدة ومنكرة للذات كراهب كارتوزي. إن الأخلاق الكلاسيكية لا ~~توجه نظرها لشيء أكثر غرابة من عالم الممكن، أما أخلاق النظام الواقعي ففي المقابل لا ~~تهتم ب «شيء أقل من المستحيل الذي نعرف به خريطة رغبتنا» (315). وسنستعرض المميزات ~~والعيوب الخاصة بهذا النظام الأخلاقي الخاص بالفشل البطولي في الفصل الأخير من ~~الكتاب . # | هوامش # الفصل السابع # | شوبنهاور وكيركجارد ونيتشه # من الممكن بلا شك وضع نظم لاكان الثلاثة في صورة سرد تاريخي، سرد يتتبع في مجاز ~~ماركسي سوقي صعود وأفول نجم الحضارة البرجوازية. وسيمثل هتشسون وهيوم والنظام ~~الخيالي لحظة تفاؤل وثقة بالنفس بارزة؛ حيث لا يزال على الطبقة الوسطى، التي لا تزال ~~متفائلة وتغمرها روح البهجة، أن تسجل كاملا النتائج الموحشة لأنشطتها، وتستمتع ~~بمشاعرها الإنسانية، وتظل قادرة على تصور المجتمع باعتباره مجتمعا قائما على الروابط ~~الشخصية. أما ما تلا ذلك مع كانط وهيجل فهو النظام الرمزي الأكثر تجريدا وتنظيما ~~وموضوعية، وهو نظام - للمفارقة - اجتماعي وغير اجتماعي في ms175 نفس الوقت. وهذا هو ما يمثل ~~أوج ثقافة الطبقة الوسطى، بأسسها الليبرالية والنفعية العظيمة، وحماسها للمساواة والخير ~~الإنساني، ودعمها الباسل لحقوق الإنسان والحريات الفردية. # ومع نهاية القرن التاسع عشر وظهور أفكار شوبنهاور وكيركجارد وماركس ونيتشه التراجيدية ~~أو المتشككة أو الثورية، أخذت تبرز تدريجيا أفكار الجمود والتأزم والتناقض، لتصل ~~لأوجها، في نهاية عهد الأزمة الرأسمالية والصراع الإمبريالي البربري، في تأملات ~~سيجموند فرويد الشديدة التشاؤم. إن هذه الحقبة بالكامل هي ما تمثل - إن جاز التعبير - ~~فترة سطوة النظام الواقعي؛ حيث إن الرغبة، التي كانت مبهجة وإيجابية، قد كشفت الآن عن ~~شيء مريض في جوهرها لا يمكن علاجه، وأخذت المفاهيم الحميدة عن السلطة تتراجع أمام ~~مفاهيم القوة المفترسة أو السادية. ومع مجزرة الحرب العالمية الأولى وما خلفته من تبعات ~~سياسية، يدخل النظام الرمزي الأوروبي في أزمة مطولة، في حالة تأمل الفاشية أن تنقذه ~~منها بإجبار موارد النظام الخيالي (الدم والأرض والشعب والأمومة) على خدمة النظام ~~الرمزي. وفي خلط قاتل بين النظم اللاكانية، يستغل ما هو بدائي ومهجور في سبيل السيادة ~~والتأويل العقلاني. وتطوع الأساطير لخدمة عقلانية ذرائعية على نحو وحشي. وفي قلب هذه ~~التجربة البربرية، في معسكرات الموت في وسط أوروبا والافتتان الفاشي بالموت يكمن الجانب ~~المرعب في النظام الواقعي الذي يستعصي على التصوير. # يعج هذا السرد - شأنه شأن معظم الأساطير الكبرى - بما هو شاذ، فماذا عن كبار ~~الفلاسفة العقلانيين في القرن السابع عشر؟ ماذا عن ديكارت ولايبنتس وسبينوزا؟ هل كانت ~~فلسفة القرن الثامن عشر بكاملها أكثر وعيا؟ هل كان كل ما جاء بعد هيجل قصة بالغة ~~الرعب؟ مع ذلك ما من شك بالتأكيد في أن المشروع الكبير للتنوير بدءا من شوبنهاور إلى ~~فرويد قد رسا على شاطئ عالم واقعي عصي أو على جوهر صلب لإرادة أو رغبة أو دين أو ~~تاريخ مادي، وهو ما يخل بتوازنه على نحو مقلق. فما يظهر عند هيجل في صورة العقل الخير ~~يتحول على يد شوبنهاور إلى الإرادة المتلهفة التي لا تشبع، وهو ما أثر في أفكار ms176 فرويد ~~نفسه عن اللاوعي. في حقيقة الأمر، يمكننا قراءة كتاب شوبنهاور المبالغ في الكآبة ~~«العالم إرادة وتمثلا» باعتباره سخرية مريعة من فكر زميله الأكاديمي هيجل، سخرية ~~أبقي فيها على الصور العامة لعدد من مفاهيم هيجل (الحرية، والعدل، والعقل، ~~والتقدم)، لكنها فرغت من مضمونها الجليل، وملئت في المقابل بمحتويات الحياة اليومية ~~المنحطة للطبقة الوسطى؛ الطمع والشهوة والصراع وما شابه. إذ لم تزل الفلسفة مع شوبنهاور ~~تتمتع بثقة كافية في صورها بحيث تقوم بالتوحيد والتعميم، لكن مضمونها لا عظة فيه. الأمر ~~يبدو وكأن الضراوة الفظة للبرجوازي العادي قد ترقت لتكتسب مكانة كونية، لتعتبر المحرك ~~الغيبي الأساسي للكون بكامله. # 1 # إن الإرادة عند شوبنهاور - شأنها شأن الرغبة عند لاكان - يحركها النقص: «كل «الإرادة» ~~تنبع من النقص، من العوز؛ ومن ثم من المعاناة.» # 2 # فهي تلك الرغبة الراسخة العمياء التي هي أصل كل الظواهر، القوة التي تبني ~~مجرى دمنا وأحشاءنا، والتي يمكن ملاحظتها في تلاطم الأمواج أو تمايل أوراق الأشجار بقدر ~~ما يمكن ملاحظتها في أي حركة أسمى للروح الإنسانية. أما شمول الإرادة لأفكار شوبنهاور ~~عنها من عدمه فهو مسألة مثيرة للاهتمام. لكن بعكس العقل الهيجلي، فالإرادة هنا هي قوة ~~خبيثة معاندة، قوة تكمن في لب الذات الإنسانية نفسها لكنها غير مبالية مع ذلك في ~~قسوة بازدهارها. إن هذه الإرادة التي تكمن في منبع الذاتية - التي يمكنني أن أشعر بها ~~داخل جسدي في قرب أكبر لا يضاهيه أي شيء أعرفه - عديمة الرحمة والهوية كما الإعصار ~~أو البرق، فهي - كما هو حال الرغبة بمعناها في مجال التحليل النفسي - بلا معنى إطلاقا ~~وتتسم بلامبالاة باردة تجاه كل الأشياء التي تتعلق بها، والتي لا تستخدمها إلا في ~~تكاثرها الذاتي غير النافع. # إن فكر شوبنهاور - بعكس هيجل - معارض صلب للغائية؛ إذ يتمتع بتماسك وحيوية أي سرد ~~عظيم لكن دون أن يكون له أي نفع، فالإرادة نموذج ساخر خبيث لمفهوم «الفكرة» عند هيجل. ~~والإنسان ما هو إلا حاملها المؤقت، الذي ينحى جانبا بمجرد تحقيقه لأهدافها؛ إلا أن ~~أهدافها تكمن ms177 بالكامل في الاستمرار الأبدي لذاتها الذي لا نهاية له. فما نحن إلا مجسمات ~~سائرة لغرائز آبائنا التزاوجية، التي هي بدورها تجسيد للإرادة، فنحن إذا في عالم من ~~الرغبة غير المتناهية المماثلة لرغبة فاوست، حيث تعاد صياغة العالم بالكامل من جديد في ~~إطار السوق. ويتحدث شوبنهاور، الكاره بشدة للبشر، ببغض نادرا ما يكبته تجاه «هذا ~~العالم المكون من مخلوقات دائمة الاحتياج، والتي لا تستمر لبعض الوقت إلا بالتهام بعضها ~~بعضا، وتورث وجودها في قلق وعوز، وغالبا ما تمر بمحن مريعة حتى تسقط في النهاية ~~في براثن الموت.» # 3 # إنها رؤية تختلف تماما عن «الود» عند هتشسون أو مملكة كانط المسالمة. ~~فالعاطفية قصيرة النظر، عند شوبنهاور، هي وحدها القادرة على تصور أن الملذات الزهيدة ~~للوجود الإنساني - تلك المحاكاة الهزلية التي ينقصها حتى «وقار» التراجيديا - يمكنها أن ~~تعوض بؤسه غير المنتهي. # يقول شوبنهاور: «تبقى الرغبة لمدة طويلة، وتستمر مطالبها إلى الأبد؛ والإشباع مؤقت ~~ولا يمنح إلا بمقادير صغيرة.» # 4 # أو كما يصوغها شكسبير باستفاضة في عمله «ترويلوس وكريسيدا»: «هذه هي بشاعة ~~الحب، سيدتي، أن الرغبة لا متناهية والتنفيذ محدود؛ أن الرغبة لا نهائية والفعل عبد ~~للحدود.» وبمجرد دخولك مجال الرغبة، يفقد العالم المادي قيمته في لحظة، فهو لا يفعل سوى ~~أن يذكرك بما لا تريد. يقول لاكان: «بالمقارنة بأي شيء تسعى إليه الذات، فإن هذا الذي ~~يحدث في نطاق التفريغ الحركي دائما ضئيل القدر .» # 5 # فالذي يتحدث عن الرغبة يقول هزلا. لقد كان فرويد هو من ذكرنا بأنه ~~بينما ركز القدماء في حكمتهم على الغريزة، فنحن المتأخرين قد ركزنا في حماقة على ~~الإنسان. # لكن شوبنهاور سيقلب هذه الأولويات، فيصير نموذجا متقدما لفرويد نفسه. وكما أن الهدف ~~الوحيد من تراكم رأس المال هو الاكتناز من جديد، فكذلك تبدو الإرادة - في نقض كارثي ~~للغائية - مستقلة عن كل الأشياء المحددة التي تركز عليها؛ لذا تبدو الرغبة غارقة تماما ~~في ذاتها، ساكنة في كيانها كروح نرجسية شريرة. وفي ظل نظام اجتماعي تعتبر فيه الفردية ~~التملكية قانون العصر، ms178 ربما يكون شوبنهاور أول مفكر معاصر كبير مكنه الظرف ~~التاريخي من أن يضع مفهوم «الرغبة ذاتها» المجرد في محور عمله، مقارنة بغيره من أشكال ~~التوق. وهذا التجريد الشديد هو ما سيرثه لاحقا فرويد، الذي اعتبر شوبنهاور - في ~~زلة فكرية غريبة - أحد أعظم ستة رجال على وجه الأرض. لكن سنرى بعد قليل كيف أصبح من ~~الممكن أن نفهم فكر كانط الأخلاقي بصورة مشابهة. # الإرادة إذا قوة غامضة، شيء هادف بلا هدف (مستعيرين هنا تعليق كانط الشهير على ~~الفن). إن الشيء المعيب الذي يتعذر إصلاحه هو مفهوم الذاتية بالكامل، وليس مجرد كبتها ~~أو اغترابها؛ فالذاتية الإنسانية هي نفسها صورة من الاغتراب؛ إذ نحمل في أنفسنا حملا ~~لا يطاق من اللامعنى، ونعيش محصورين في أجسادنا كالأحياء في زنزانة سجن؛ فالذاتية شيء ~~يمكن أن نعتبره بالكاد ملكنا. فإن لم نفهمها بطريقة شوبنهاور باعتبارها هدية مسمومة من ~~الإرادة، فثمة متبرعون كثيرون آخرون: «الفكرة» عند هيجل، و«الرب» عند كيركجارد، ~~و«التاريخ» عند ماركس، و«إرادة القوة» عند نيتشه، و«الآخر الكبير» عند لاكان. # إن ما يميز عمل شوبنهاور عن رواد النظام الواقعي هؤلاء هو أنه لا يضع في مواجهة فظائع ~~النظام الواقعي شيئا أقل من النظام الخيالي. ففي ارتداد غريب لعقيدة التعاطف، لا ~~يمكننا أن نخدع الإرادة من خلال الفعل، الذي ما هو إلا تجسيد آخر لقوتها البغيضة، أو ~~الانتحار، الذي يسمح لها بأن تتباهى بخلودها أمام فنائنا، بل بإطفاء جذوة الأنا التي ~~تعذبها الرغبة في لحظة من الإيثار التام. إن مبعث الرتابة الذي لا يطاق في وجودنا ~~هو أننا لا يمكن أن نتحرر من أنفسنا؛ إذ نجر وراءنا ذواتنا البائسة كالأغلال؛ ~~فالرغبة تدل على عجزنا عن رؤية الأشياء على حالها، فهي النظرة الذاتية التي نحيل بها ~~جبرا كل شيء إلى اهتماماتنا الشديدة التفاهة؛ فالذات تعني الرغبة، والرغبة تعني الوهم. ~~لكن على المستوى الجمالي تنفك الرغبة عنا، وتعلق الإرادة مؤقتا، ونتمكن للحظة سعيدة ~~من رؤية العالم على حقيقته. إن كلفة هذا التجلي الثمين ليست أقل من التفكك التام ~~للذات، ms179 ذلك الشيء الأثمن من بين كل المفاهيم البرجوازية، الذي صار يتماهى في تضحية ~~بنفسه مع الشيء؛ إذ لا يمكن للعالم أن يتحرر من ويلات الرغبة إلا بتحوله إلى مشهد ~~جمالي، تنسحب الذات خلال هذا التحول إلى نقطة فناء من اللامبالاة التامة. يبدو الأمر ~~كما لو أننا نشفق على الأشياء المختلفة من حولنا التي أصابتها عدوى التوق، ~~ونخلصها من تلك العدوى القاتلة بمحو أنفسنا من المشهد، ناظرين إلى الصورة العامة ~~للأشلاء الإنسانية برباطة جأش مراقب عديم الشغف لدرجة أنه لم يعد موجودا. # ليس ثمة ما هو أشق في نظر شوبنهاور من تلك الموضوعية العسيرة المنال التي هي ثمرة ~~الانضباط الأخلاقي أكثر من مجرد نزعة موضوعية ساذجة أو ملاحظة سريعة قليلة الخبرة. ~~فالموضوعية كما يقول شيء عبقري، فهي شأنها شأن الفكر البوذي، الذي ميزه بصورة كبيرة، ~~عبارة عن «عدم التدخل» وهو ما لا يمكن المحاربة من أجله؛ حيث إن مثل هذا العمل لا يكون ~~إلا في الأنا، وبذلك فهو جزء من المشكلة التي تسعى لحلها. فلا بد من اختراق حاجز الوهم ~~أو الخداع التقليدي وإدراك وهم الأنا بطريقة ما؛ لكي نتصرف تجاه الآخرين دون لا مبالة ~~حقيقية، وهو ما يعني انعدام التمييز الحقيقي بينهم وبين النفس. وعلى هذا الوجه يظهر ~~النظام الخيالي من جديد في كتابات شوبنهاور. وبمجرد انكشاف «مبدأ الفردية» المخادع على ~~حقيقته يمكن للأنفس أن تتبادل العواطف في رحمة وحب. فالمصدر الرئيسي لكل الأخلاق - كما ~~يقول شوبنهاور - هو مشاركة معاناة الآخر بعيدا عن الدوافع الأنانية، فالتصرف السليم ~~أخلاقيا لا يعني التصرف من وجهة نظر معينة، بل يعني التصرف دون وجهة نظر إطلاقا، ~~فالذات الخيرة حقا هي ذات ميتة، أو على الأقل تعيش في حالة معلقة دائما. وحيث إن ~~الذات هي وجهة نظر معينة للواقع، فكل ما يبقى بعد التغلب عليها نوع من السلبية الخالصة ~~أو النيرفانا بالمعنى البوذي. إن فلسفة الذات عند شوبنهاور تدمر ذاتها، غير تاركة ~~وراءها سوى تأمل إيثاري لا يتعلق بأي شخص على وجه التحديد. # إلا أنه ms180 ليس من الدقيق تماما أن نزعم أن النظام الخيالي عند شوبنهاور علاج للنظام ~~الواقعي بل إن النظام الواقعي ينقلب ببراعة على نفسه، ويقع أسير قوته فينهار. يرجع هذا ~~إلى أن القوة التي تحلل الذات إلى رمز كودي غير أناني - ومن ثم تتيح لها الاندماج ~~الرحيم مع الآخرين - هي نفسها ما سيسميه فرويد لاحقا «دافع الموت». فمن خلال اعتبار ~~عالم الصراخ البشري عرضا خاملا، نحقق الانفصال عنه ونتخلص من ذاتيته، وهو ما يشبه ~~الموت كثيرا؛ لكننا في الوقت نفسه نتمكن من الانغماس في تصور للخلود، وتملؤنا السكينة؛ ~~إذ نعلم أن مسرح الشر هذا لم يعد يؤذينا. ولأننا موتى بالفعل من ناحية ما، نصير ~~محصنين مثل شخصية شكسبير بارناردين، وباكتساب هذه الميزة السامية ننتقم انتقاما ~~لذيذا من كل القوى التي تقودنا إلى الفناء. إن هذه الحالة من الانغماس في الاستمتاع ~~غير المباشر بالدمار - مع الاستمتاع بمناعتنا ضد القتل كشخصيات الكارتون - هي ما يميز ~~مفهوم السمو في القرن الثامن عشر. # 6 # إن إضفاء شوبنهاور طابع جمالي على الواقع - الذي نستمد فيه الحياة من فنائنا - يتضمن ~~لعبة مطاردة بين إيروس وثاناتوس، بين غريزة الحياة وشهوة الموت؛ لهذا، فهي إلى هذا الحد ~~تخص النظام الواقعي. لكن لأن موت الذات يتخذ صورة التعاطف، فهي أيضا كما رأينا قضية ~~تخص النظام الخيالي؛ إذ يهجر وهم الفردانية البائس بكامله، حيث نتعاطف مع معاناة ~~الآخرين على مستوى أعمق كثيرا من الأنا. وينتهي بنا الحال بالتبعية إلى تسام من دون ~~ذات؛ إذ يبقى فضاء المعرفة المطلقة لكن لا يبقى أحد ليشغله، فالتنزه عن المصلحة ~~يعلمنا التخلي عن عواطفنا المدمرة والعيش في تواضع بلا طمع، وذلك في بساطة القديس. ~~فأنا أعاني كربك لأنني أعلم أن جوهرك - الإرادة القاسية - يخصني أنا أيضا. وكما ~~الحال عند هيوم وهتشسون فإنني أعرف هذا بفضل وجود سبيل مباشر إلى نفسي ونفسك معا، وليس ~~من خلال حرص العقل المضني. ويعلق شوبنهاور في صياغة مميزة للنظام الخيالي قائلا: «كل ~~كائن حي يماثل وجودنا في ذاته بقدر شخصنا نفسه.» ms181 # 7 # إلا أننا يمكننا أن نتلاقى في اتحاد عاطفي ليس كما في المرآة ولكن على أرض ~~النظام الواقعي، وهو الشيء المشترك بيننا شأنه شأن جوهر الذات. إن تضمين النظام الخيالي ~~في النظام الواقعي يعني تعزيز المودة التامة، فلا يسعنا إلا بالتقارب في منطقة محايدة ~~غريبة علينا، وأقرب إلينا من أنفاسنا في الوقت ذاته؛ أن تكون روابطنا الشخصية أو ~~السياسية متينة. # هذا هو ما يفهمه لاكان من وصية الكتاب المقدس بحب الجار كحب النفس، وهي وصية لا ينبغي ~~تفسيرها في النظام الخيالي باعتبارها حب الأنا البديلة بل في النظام الواقعي الأقل ~~وضوحا. يستبعد لاكان التفسير الأول متهكما، حيث يكتب: «ما أريده هو الخير للآخرين ~~بشرط أن يظل في صورة خير لنفسي.» # 8 # إذ يوضح أنه ثمة «فرق كبير بين استجابة النزعة الإنسانية واستجابة الحب.» # 9 # فحب الآخر يعني إدراك أن ما يجعله غير محبوب أبدا - ما يسميه لاكان نفسه ~~متعته الخبيثة الضارة، أو ما يسميه فرويد نفسه الخبث والشر والعدوان المطلق في ~~داخله - يكمن كذلك في قلب النفس. فعندما أعرض في خوف عن هذا الآخر الخبيث، فإنني أترك ~~شريان النظام الواقعي المميت بداخلي الذي يفيض ويهدد بإغراقي مع اقتراب الجار. وهذا بلا ~~شك ما يقصده لاكان بتعليقه المبهم بأنه «لا قانون للخير إلا في الشر ومن خلال الشر.» # 10 # أو كما قد تترجم المسيحية هذا التعليق، لا قيامة إلا من خلال السلبية ~~المؤلمة للمعاناة وفقدان الذات. # فالحب إذن يوضع في الناحية المقابلة للقانون، بلا سبيل إليه إلا بالمتعة الوضيعة ~~الخاصة بالنظام الواقعي - التي هي أثر دافع الموت بداخلنا - بالأمل الضعيف في الخروج من ~~الجانب الآخر من النفق. فرفضنا للوصية المخزية بأن نحب أنفسنا رفض في نظر لاكان ~~للمواجهة مع متعتنا المريعة، عندما تلوح «صورة من القسوة التي لا تطاق» في الأفق. وعلى ~~هذا الوجه كما يحذر لاكان فإن «حب الجار قد يكون أقسى الخيارات.» # 11 # فالجار دائما غريب، والغريب في نظر فرويد عدو بصورة ما دائما؛ لذا فإن ~~الوصية المسيحية بحب ms182 المرء عدوه ليست صادمة كما قد تبدو، فمن يكون من نقابلهم سوى ~~أعداء محتملين؟ لكن ليس من السهل أن يحب المرء نفسه كذلك إن كان ذلك يعني تقبل الذات ~~بالمعنى الواقعي وليس الخيالي؛ فالإنسان لا يود أن يحبه الآخرون كما يحبون أنفسهم. وقد ~~أخطأ كينيث رينهارد - في مقال مفيد من أوجه أخرى - في زعمه أن حب المرء لنفسه هو حب ~~خيالي بالضرورة، «الانعكاس البصري لنفسي الذي يكون الأنا النرجسية في طور المرآة.» # 12 # فالتوبة هي قبول النفس الذي ينبع من الإقرار بتشوه الذات، وهو قبول يتضمن ~~حبا صادقا للذات، لا حبا نرجسيا. # إن كان للنظامين الواقعي والخيالي دور في عمل التعاطف عند شوبنهاور، فكذلك النظام ~~الرمزي، وهو عين ما تتضمنه الرؤية المحايدة المجردة من وجهة نظر شوبنهاور. فللنظام ~~الرمزي دور في رؤية العالم على حقيقته، بعيدا تماما عن احتياجاتنا ورغباتنا، وتأكيد ~~الحقيقة المدهشة القائلة بأن الأشياء تكون على ما هي عليه دائما، مهما كانت مزاعمنا ~~الملحة بخصوصها، وهو ما يسميه شوبنهاور التجرد الجمالي أو السامي، وهي الحالة التي ~~نتخلى فيها عن تذمر الأنا الصبياني ونسر على نحو جانح بحقيقة أن الواقع ليس بحاجة ~~إلينا على الإطلاق، وهذا أفضل بالنسبة له بلا شك. ~~••• # ثمة تناظر بين مستويات الخيالي والرمزي والواقعي عند لاكان ومستويات سورين كيركجارد ~~الثلاثة: الجمالي والأخلاقي والديني. والتشابه بين المستويين الخيالي والجمالي ربما ~~يكون الأقل دقة، فالإنسان الجمالي عند كيركجارد يعيش حياة بلا هدف أو اتجاه، حيث ينتقل ~~بلا توان من حالة مزاجية أو شخصية إلى أخرى، ويقف عاجزا أمام عدد كبير من ~~الاحتمالات، وهو أكثر تقلبا وتشتتا من أن يكون ذاتا حرة. فهو يعيش في فضاء من ~~الفورية الحسية التي لا تعرف أي ثبات على مدار الزمن أو التاريخ، وهي منطقة لا تنسب ~~فيها أفعاله إليه إلا على نحو مشكوك فيه. فالذات الجمالية - إذ يعوزها هدفا محددا في ~~الحياة وإذ تتماهى مع اللحظة أو الانطباع العابر - هي قشرة بلا مضمون، فالمظاهر هي ~~حقيقتها الوحيدة. فهي بكونها مجرد فريسة ms183 للظروف كائن يخدع ذاته بلا أي استقلال أو ~~مسئولية، فجل الوجود الاجتماعي عند كيركجارد الناقد اللاذع لا يعدو كونه صورة «أسمى» ~~لهذه السلبية الحسية: «الآنية مع إضافة جرعة صغيرة من الانعكاس الذاتي» كما يقول ~~متهكما في كتابه «المرض طريق الموات». # 13 # إلا أن ثمة صورة أكثر سموا من عدم التمحور حول الذات هذا تسمى الإيمان ~~الديني، فالحقيقة عند قاطني العالم الخيالي أو الجمالي - كأوسكار وايلد - ما هي إلا ~~المزاج الحالي. أما عند المتدينين، فهي تكمن فيما وراء النفس في الرب، الذي يبدل حالنا ~~في سعينا وراءها. # إلى هذا الحد يتشارك المستويان الجمالي والخيالي في عدد من السمات، أما اختلافهما ~~العميق فيكمن في أن المستوى الجمالي عند كيركجارد نوع من «اللانهاية الشريرة» الهيجلية ~~وكذلك «الآنية الشريرة» التي تغرق فيها الذات؛ إذ ينقصها مركز واضح للنفس، في هاوية ~~الانعكاس الذاتي اللامتناهي التي تتعثر فيها المفارقة الذاتية في مهرجان من الاحتمالات ~~غير المتحققة. ومن هذه الزاوية لا تملأ الذات الجمالية فراغها باستغلال الإحساس الهارب، ~~بل بإعادة اكتشاف نفسها من العدم من لحظة للحظة التي تليها، ساعية للحفاظ على حس حرية ~~غير محدودة هي في الحقيقة سلبية تستنفد ذاتها. فالشخص الساخر الجمالي؛ إذ يخدره فراغه ~~الزائد، يعيش حياة احتمالية لا دلالية، فيخفي عدمه وراء زخرف هذا التكوين الذاتي ~~اللامع. فبينما تجمع الذات المتدينة بين المتناهي واللامتناهي في مفارقة «التجسد» غير ~~المتصورة، تترنح الذات الجمالية بينهما، فهي إما تغوص في عالم المحدودية الحسية ~~طامسة نفسها في انسياق جبان للنظام الاجتماعي، أو تنتفخ وتطير على نحو كبير، فتهجر ~~الحاجة للتماهي مع النفس، في دوامة لا تنتهي من المفارقات التي تلغي الذات. # إن المستوى الخيالي اللاكاني يجد نفسه وقد غطى عليه المستوى الرمزي، بحيث إن الاغتراب ~~الذي يتضمنه مثلا يبشر بأنواع الاغتراب المختلفة للمستوى الرمزي، أو إن وجود الأم في ~~المرآة يؤشر بتحول التكوين العائلي إلى تكوين ثلاثي، أو إن التنافس مع الآخر الخيالي ~~يؤشر للصراع الأوديبي. وبطريقة مشابهة، فإن المستوى الجمالي عند كيركجارد يقهره ضرب ~~مشئوم ms184 من السلبية، وهو ما يطلق عليه الهلع. فالهلع هو لقاء النفس بعدمها، ذلك اللاوجود ~~الذي يطارد حتى عالم الآنية الحسية ذاته. والهلع، أو القلق، هاجس خافت بشأن النظام ~~الرمزي الذي لم يأت بعد، وصورة مسبقة مشئومة للحرية والاختلاف والاستقلال والغيرية. ~~إن عين التشبع في الحالة الجمالية يصير موحيا نوعا ما بالنقص، وإن كان نقصا لا يمكن ~~تسميته بالتأكيد؛ فالآنية كلها تحمل هلعا من العدم، بل ربما حتى نجد في مفهوم كيركجارد ~~هذا صدى لمفهوم جوليا كريستيفا «النبذ»، ذلك الشعور الأصيل بالرعب والاشمئزاز الذي ~~يخالط جهودنا الأولى في فصل أنفسنا عن الأم فيما قبل الأوديبية. # 14 # فالسقوط باختصار قد وقع بالفعل في كل مرة. فإن لم يكن آدم يحمل استعدادا ~~لارتكاب الخطيئة فكيف كان له أن يستهين بأمر الرب في المقام الأول؟ إن تعدي آدم للحدود ~~- كما يقول كيركجارد - هو أول ما يفتح باب الاختلاف؛ ومن ثم يدشن (بلغة لاكان) ~~النظام الرمزي؛ لكنه لم يكن ليقع إلا إن كان لديه بالفعل إحساس غامض بالحرية الممكنة، ~~وفهم أولي لإمكانية الاختلاف من قبل حدوثه. نحن لا نتحدث عن ظهور الإمكانية بل بزوغ ~~فجرها، إن جاز التعبير. ففي البداية لم تكن البراءة بل كانت الإمكانية البنيوية لتعدي ~~الحد التي تسميها المسيحية الخطيئة الأولى. # إن كان الاتفاق بين المستوى الخيالي عند لاكان والمستوى الجمالي عند كيركجارد لا يكاد ~~يكون تاما، فإن الصلة بين دائرته الأخلاقية والدائرة الرمزية اللاكانية تتضح أنها ~~مباشرة أكثر . فالملتزم بالأخلاق - كما يبين كيركجارد في عمله «إما/أو» - اتضح أنه الفرد ~~المستقل الحر الذي تعبر أفعاله، بطريقة كانط، عما هو عام. فالرجل الملتزم أخلاقيا ~~رجل اجتماعي مسئول برجوازي، مستقر في زواجه وعمله وأملاكه، وقائم بواجبه والتزاماته ~~المدنية. وبعكس الكائن الجمالي المتقلب فهو يوجه نفسه باستمرار، ومتصف بلا مبالاة ~~رواقية لتقلبات القدر. وفي ظل تواطؤه مع الأعراف والمعايير العامة، تجسد حياته ~~الأخلاقية مثالا صادقا على النظام الأخلاقي عند هيجل. وبعكس الشخص الجمالي، فإن ~~العالمين الداخلي والخارجي متوازنان بتناغم في شخصيته. إن الشخص الأخلاقي عند ms185 كيركجارد ~~متآلف تماما مع مفاهيم القرار والالتزام والعمومية والموضوعية والتأمل الذاتي والهوية ~~المركزية والثبات الزمني. # إلا أن هذا الشخص ليس حسن السمعة كما يبدو، فمن ناحية، إن إيمان كيركجارد بأن الذات ~~الأخلاقية يجب أصلا أن «تختار» نفسها - رغم أنه بالمعنى التام للكلمة لا توجد الذات ~~فيما قبل فعل الاختيار - يتجاوز الاستقلال عند كانط إلى مفهوم وجودي للأصالة. فهو يتضمن ~~مفهوما لتشكيل الذات أقرب لنيتشه منه لكانط، وإن كانت الذات المختارة لذاتها عند ~~كيركجارد - وهي أبعد ما يكون عن أن تجسد تصورا للابتكار الذاتي الحر الجمالي - يجب أن ~~تتبنى حقيقتها الشخصية بكل ما فيها من يأس من الإصلاح، وتواجه النفس باعتبارها ضربا من ~~الضرورة كما أنها ضرب من الحرية. إن النفس عند كيركجارد أمر لم يكتشف بعد وهدف لم ~~يتحقق بعد. وبمجرد اتخاذ القرار الأخلاقي، باعتباره خيارا أساسيا يتعلق بكيان الفرد ~~وليس بشيء محدد، يجب أن يعاد بلا توقف، في عملية تجمع تاريخ الذات في ظل هدف متسق ~~ذاتيا. وسنجد صدى لعقيدة التكرار هذه لاحقا في كتابات آلان باديو، فالعيش في العالم ~~الأخلاقي يعني الاهتمام غير المنتهي بالبقاء في الوجود، فالبقاء عند كيركجارد يمثل مهمة ~~لا منحة، شيئا نحققه لا نتلقاه. وفي هذا البعد من اللانهائية يغطي المستوى الأخلاقي ~~على المستوى الديني، مثلما يحمل المستوى الجمالي أثرا مسبقا للمستوى الأخلاقي. # وطالما كان المستوى الأخلاقي مرتبطا بما هو عام وكلي وجماعاتي، يجد فيه كيركجارد، ~~البروتستانتي المؤمن بالمذهب الفردي ، القليل مما يستحق إنقاذه. وهو بذلك ليس إلا وعيا ~~جمعيا زائفا. لكن طالما أنه يدل على الانشغال بالتوجه للداخل في الإنسان، فهو يشير ~~بصورة غامضة إلى المعتقد الديني الذي يتجاوزه. ويكسر هذا الإيمان أنماط المستوى ~~الأخلاقي، ويهز دعائم النفس الراضية باستقلالها، ويمثل فضيحة بالنسبة إلى الفضيلة ~~المدنية، فاتجاهه الفردي المكثف للداخل يتعارض مع العالم الاجتماعي، ويدير ظهره ~~باحتقار للحضارة الجماعية. وكما سنرى لاحقا مع مناصري أخلاق الواقعي الفرنسيين، لا ~~يمكن أن تعاد صياغة الإيمان بحيث يتلاءم مع أعراف النظام الاجتماعي ومنطقه، فهو انحراف ~~دائم ms186 عن التوافق وسبة في جبين التقاليد الاجتماعية. فالإيمان قضية متعلقة بأزمة ~~داخلية مزمنة بحيث لا يمكنه أن يسهل دوران عجلة الحياة الاجتماعية مثلما تفعل بعض ~~النظريات الأخلاقية الأكثر مدنية أو اجتماعية. إنه الوقت المعين وليس التقاليد، الخوف ~~والفزع وليس الأيديولوجيا الثقافية، فهو لا يمكن أن يتجسد في العادات أو التقاليد أو ~~المؤسسات؛ ومن ثم فهو معاد للتاريخ على نحو شديد. فحال الإنسان - كما يقول ~~كيركجارد في عمله «المرض طريق الموات» - دائما في خطر. # إن هذه الذاتية المتوهجة متشددة في خصوصيتها؛ إذ تكره أي منطق أو نظرية أو عمومية أو ~~موضوعية. يكتب كيركجارد: «لا يمكن إدراك الواقع» و«لا يمكن فهم الخاص.» # 15 # فالوجود مختلف جذريا عن الفكر، وهو أسلوب في التفكير سيصير تيودور أدورنو ~~وريثه الأكبر في القرن العشرين، فهو يمثل أزمة الفصل بين الذات والشيء، بدلا من الجمع ~~المتجانس بينهما. ومثير القلق الفلسفي هنا هو هيجل، الذي لم يدرك أن كل السرديات ~~العظيمة والكليات العقلية تتحطم على صخرة الإيمان. إن هذه المثالية الراضية غير قادرة ~~على الاعتراف بوقوع الخطيئة والذنب؛ أننا مخطئون دائما أمام الرب، وأن النفس تحمل على ~~كاهلها ثقل الضرر والبؤس اللذين لا يمكن إنكارهما. كما أنها غير قادرة على استيعاب ~~حقيقة أن التاريخ محض صدفة؛ فالخطيئة - انحراف الإنسانية الوجودي المحض - هي حجر ~~العثرة الذي تصطدم به كل النظم الأخلاقية أو المخططات التاريخية العقلانية الصرفة. ~~فقلب المسيحية - أي التجسد أو الحلول - يقضي على المنطق ؛ إذ كيف للامحدود أن يحل في ~~المحدود؟ فالحقيقة ليست نظرية بل هي ذاتية تماما. فهي «المشروع الذي يختار شكا ~~موضوعيا بعاطفة اللامحدود.» # 16 # فالإيمان هو الوجود. # يكتب كيركجارد: «المسيحية هي الروح، والروح هي التوجه إلى الداخل، والتوجه للداخل ~~يعني الذاتية، والذاتية في جوهرها العاطفة، وهي في أقصاها اهتمام شغوف شخصي لا نهائي ~~بسعادة الإنسان الأبدية.» # 17 # وبينما يتميز المستوى الرمزي أو الأخلاقي بعدالة القانون وتجرده، فإن ~~الإيمان يتصف بالتحزب المحموم؛ وبينما يتميز المستوى الرمزي بأنه مجرد وعام ومؤكد على ~~المساواة، فإن الإيمان وجودي ومطلق ms187 ولا يمكن قياسه. فالنفس في المستوى الأخلاقي - الأنا ~~المتلاحمة الشفافة الواضحة المضيئة لقلب الوجود البرجوازي اليومي - تنفصل بحاجز لا يمكن ~~عبوره عن الذات العاطفية وغير المستقرة والمتناقضة والغامضة في عالم الإيمان أو المستوى ~~الواقعي. فالأخيرة تظل دائما لغزا ووصمة في جبين الأولى؛ إذ هي مبتلاة بصراعات لا ~~يمكنها حلها من الناحية النظرية بل من الناحية الوجودية، فتطلق العنان لها جميعا على ~~نحو مؤقت في مشروع دائم من الوجود الفعلي بدلا من حلها في هدوء الفكر. فالذات المؤمنة ~~تجمع بين متناقضات وهي تعيشها، فالإيمان - كما حال الرغبة عند لاكان - أساسه في ذاته ~~ومشروعيته في ذاته، وهو مستحيل دائما. يقع المستوى الواقعي على الجانب الآخر من اللغة ~~- التي هي العلامة الحية على المستوى الرمزي - فهو يشبه النبي إبراهيم الذي يتجاوز حدود ~~الكلمات في إخلاصه لأمر الرب غير المنطقي بذبح ابنه. فهو صورة من التفرد البحت يكمن ~~فيما وراء ما هو عام، وانتصار للا منطقية حكيمة على عقلانية حمقاء. ويرفض النبي ~~إبراهيم؛ إذ هو بين أنياب المستوى الأخلاقي - في مواجهة كل أدب إنساني - أن يتخلى عن ~~الرغبة المبهمة المتمثلة في الإيمان. # إلا أن هناك صورة إيجابية وأخرى سلبية للمستوى الواقعي عند كيركجارد مثلما هو الحال - ~~كما يمكننا أن نقول - عند لاكان. فالمستوى الواقعي بصفة مؤكدة هو الرب - الهوة ~~اللانهائية في جوهر النفس - لكن ثمة سلبية أكثر شؤما في قلب الإنسانية يسميها كيركجارد ~~باليأس، في كتابه «المرض طريق الموات»، وهي في الحقيقة صورة من دافع الموت عند فرويد. ~~إنه - على وجه أكثر دقة - الإحساس الغائر بالعدم عند الذين يعجزون عن أن يكونوا من ~~يريدون، فيرغبون في التخلص من أنفسهم، لكنهم عالقون في حالة العجز عن الموت الشيطانية. ~~وقد ذكرت في موضع آخر بالكتاب أن هذا العالم المكون من أموات أحياء - الذين لا يمكنهم ~~إثبات أنهم أحياء إلا بالمتعة التي يحصلونها من تدمير الآخرين - قريب جدا مما عرف ~~كلاسيكيا بالشر. # 18 # ورغم أن اليائسين في نظر كيركجارد نادرا ما يكونون كذلك - نظرا إلى أن ما ms188 ~~يتغذون عليه ليس الآخرين بل أنفسهم - فهم يمثلون ما يصفه بأنه «جنون شيطاني» ~~ينقم بشدة على الوجود ويعشق الفناء، إلا أنهم يحفظون أنفسهم من الفناء بفضل هذه الضغينة ~~العميقة ذاتها. وتوصف هذه الحالة عادة بأنها شيطانية، وبأسلوب لاكان، فإن هؤلاء الرجال ~~والنساء عالقون بلا حيلة في مأزق القانون والرغبة، وهم من ثم الضحية الرئيسية ~~للمستوى الواقعي، فهي حالة لا يمكن في نظر كيركجارد التخلص منها إلا بهذا الجانب القاتل ~~من المستوى الواقعي المتمثل في الفضل الإلهي؛ إذ يرى كيركجارد أن من خلال الابتلاء بهذا ~~اليأس بصورة أو بأخرى - اليأس الذي يمثل «معبرا إلى الإيمان» - وحده يكون النفاذ ~~إلى الحياة الأبدية. وهذه رؤية تراجيدية ما دام الأمر يتطلب أن يخسر المرء حياته ~~لينقذها، فهي تشبه الإيمان اللاكاني في أنه بالتعلق العنيد بسلبية المستوى الواقعي ~~وحده يمكن أن نكون في صورة كائن ملتزم أخلاقيا تماما، فالإيمان عند كيركجارد - ~~كما حال المستوى الواقعي عند لاكان - يقدم أزمة واضطرابا دائمين في تأكيدات ~~المستوى الأخلاقي التي لا معنى لها. # تتجاوز كتابات كيركجارد حدود الحياة الأخلاقية الجمعية في النظام الأخلاقي عند هيجل ~~إلى طلاق كانط البروتستانتي القاسي بين الواجب والسعادة؛ فالإيمان لا علاقة له ~~بالرفاهية أو بالإشباع الحسي؛ فالمسيحي الحقيقي «يبعد نفسه عن الملذات والحياة ~~والمسرات المادية.» # 19 # فالمستوى الواقعي معاد للمستوى الجمالي وإن كان يشترك معه في بعده ~~عما هو عام. كما أن الإيمان ليس عاطفة، فهو «ليس الميل الفوري للقلب بل هو مفارقة الوجود .» # 20 # وليس ثمة طريق مباشر كما عند شافتسبري أو هتشسون من عواطف القلب إلى ~~المطلقات الأخلاقية، إلا أن كيركجارد بتحوله بهذه الصورة إلى كانط لا يكتفي برفض ~~تحويله المجمل للدين إلى الأخلاق، بل إنه يفكك الذات الأخلاقية المستقلة الحرة، ~~وكذلك رؤيته لهذه الذات باعتبارها متناغمة مع الآخرين في مملكة العام؛ إذ يكتب في عمله ~~«المرض طريق الموات» أن النفس بوصفها سيدة نفسها كالملك بلا مملكة، فهي نوع من الحكم ~~على لا شيء، حشو رنان. أما بخصوص الاعتماد على الغير فإن ms189 كيركجارد يصيب في رؤيته أنها ~~سابقة جذريا على الاستقلالية، رغم أن الاعتماد في حالته يكون على الرب المانح الأكبر ~~للذاتية وليس على الناس. فبطريقة بروتستانتية تقليدية، تعلق الذات المؤمنة في اعتماد ~~مكره على رب لا تفهم منطقه على الإطلاق. وعلى هذا الأساس وحده يمكنها أن تكون ~~لذاتها نوعا من الفردية الحرة، فالفرد يخضع لدعوة أو مهمة فريدة، أمر إلهي موجه إليه ~~وحده لا يمكن موائمته مع مثل هذه الأمور الحضرية كالمبادئ العامة والالتزامات ~~المدنية. وسنرى لاحقا صورة أخرى من هذا الأمر الفريد في ظل «قانون الذات»، هذا الذي لا ~~يضاهى الذي هو رغبة المستوى الواقعي. # إذا فالمستوى الواقعي يدحض المستوى الرمزي؛ إذ إن موقف النفس مما هو مطلق يسبق ~~ارتباطها بالمستوى الأخلاقي. وهذا النظام الأخلاقي - كما هو الحال عند مؤيديه الفرنسيين ~~اللاحقين - له أبعاد سياسية. فليس ثمة إمكانية لوجود ما قد نسميه المستوى الخيالي ~~الاجتماعي، الذي يمكن من خلاله للرجال والنساء أن يحققوا بعض الإشباع الجماعي من خلال ~~رؤية صورة بعضهم المنعكسة في بعض، فجميع أشكال الجماعية صارت متهمة بالإيمان الفاسد ~~والوعي الزائف، كما هو حالها بوجه عام في رأي إيمانويل ليفيناس، ولاحقا جاك دريدا. ~~فكلما زاد إظهار الإنسان لهويته الاجتماعية، زاد وقوفه عاريا مرتجفا بوصفه روحا ~~وحيدة أمام الرب. فالبطولة الحقيقية هي المخاطرة بأن نظهر على حقيقتنا دون تحفظ. ~~وهي حالة باتفاق - كل من ليفيناس ودريدا لاحقا - تتضمن ما يصفه كيركجارد ب «المسئولية ~~الضخمة». فالأفراد ذرات وحيدة مستغلقة على ذاتها ومستغلق بعضها على بعض؛ فالخصوصية لا يمكن ~~الحفاظ عليها إلا على حساب الاجتماعية، «فالتجربة المحدودة» كما يقول كيركجارد «لا مأوى لها.» # 21 # فواقع أي شخص آخر ليس حقيقة عندي، فما هو إلا «احتمال»؛ إذ لا يمكن أن يوجد ~~تواصل مباشر بين الأفراد المحددين غير القابلين للاختزال، ولا تعاطف خيالي أو إحساس ~~فطري بالألفة فيما بينهم. ويتضمن هذا الاعتقاد أيديولوجيا الهوية القاتلة، أسطورة أن ~~الذات يمكن أن تتساوى مع نفسها أو مع الآخرين، وليست غير قابلة للقياس على أي شيء ms190 سواها ~~في الكون. إن فكرة الفضيلة - الاعتياد التلقائي على فعل الخير - يتم رفضها باعتبارها ~~عقيدة وثنية، فهي خالية تماما من الجهد مقارنة بفكر كيركجارد شديد التزمت، حتى وإن ~~كان - كما يقول معلق - «كل اهتمامه منصب على إثبات الذات وسعي الفرد للرضا.» # 22 # فالمحاكاة - وهي حجر الأساس في المستوى الخيالي - مرفوضة رفضا قاطعا، ~~فلا يوجد فرد قادر على محاكاة أو تقليد الواقع الداخلي لغيره، فكل الناس «هويتهم غير ~~معروفة». ويمكن للمجتمع في أحسن الأحوال أن يتطلع إلى «الوحدة السلبية للتبادل ~~المشترك بين الأفراد»، وهي تبادلية ليست جزءا جوهريا من وجودهم من أي وجه. # 23 # يبرز كيركجارد إذن بصورة مناصر مبكر لهذا النموذج من الأرستقراطية الروحية المعروف ب ~~«النقد الثقافي»، وهو إرث سنلقي عليه نظرة لاحقا. فهو نخبوي عابس يهاجم ~~«الرعاع» دون تقيد؛ إذ يؤمن بأن عددا قليلا جدا من الرجال والنساء قادرون على أن ~~يظهروا بحقيقتهم. فالديمقراطية هي عكس الوجود الحقيقي للفرد، والمناداة بالمساواة ~~البشرية نوع من التسوية المشينة التي تقوض الروابط الإنسانية الملموسة وتبطل الاختلاف ~~الفردي البحت. فالذات المجردة العامة في الحضارة البرجوازية ستنبذ في احتقار، ~~فالتقدم الاجتماعي والنظام المدني والرأي العام والإصلاح الإنساني كلها شئون وضيعة تليق ~~بالمستوى الرمزي التابع، الذي هو أدنى من المجال الرفيع للإيمان الفارس. يكن ~~كيركجارد احتقارا لما هو إنساني وخيري، وما هو سنراه لاحقا عند أتباع لاكان؛ إذ يقول ~~إن «الإنسانية المتأصلة» في الإيمان «أثمن من هذا الاهتمام الأحمق بسراء الآخرين ~~وضرائهم الذي يحترم تحت اسم التعاطف لكنه ليس إلا عبثا في الحقيقة.» # 24 # فالعاطفة مفهوم لاكاني خالص. # فالرجال والنساء في العصر الحديث إذ يعجزون عن «الوجود» الحقيقي قد استسلموا دون ~~مقاومة لدائرة المجهول واللاإنساني، للعموميات الوحشية وللكليات الجامدة، في عصر قضى ~~بنحو تناسبي على الحكمة الروحية بتراكمه للمعرفة. إنها السيادة الصماء ل «المرء» عند ~~هايدجر، انتصار الكمي والعمومي على الفريد ومنقطع النظير. وباللجوء للإيمان السيئ، يهجر ~~الناس قضية الوجود الشخصي الحقيقي الإشكالية لينغمسوا في حلم أو آخر بالكلية: الخير ~~العام، روح العصر، مجرى ms191 التاريخ، تقدم الإنسانية. وهم بذلك يتماهون بطريقة خيالية ~~مع نظام اجتماعي دائما ما تختلف معه الذات المؤمنة في تشكك، فالتاريخ بعد هيجل لم ~~يعد المكان الذي تجد فيه الذات انعكاس صورتها ولا غايتها. على العكس فإن الناس يجب ~~أن يستمدوا الآن إيمانهم من منطق عام أكثر وضوحا وواقعية، فينسحبون من عالم أدنى ~~إلى أعماقهم الداخلية. وسيلاقي المصير نفسه الفن في عصر الحداثة، وما قدمه كيركجارد هو ~~تحويل عين الحرج واللاعقلانية المحيطة بالإيمان في حقبة عقلانية إلى نوع منحرف من ~~الدعاية له. # قد لا يكون كيركجارد بصفة عامة مناصرا للمستوى الخيالي؛ لكن ثمة موضعا يلتزم به فيه ~~بلا تحفظ، وهو في فعل الكتابة نفسه. فالقارئ - حسبما يقول كيركجارد في عمله «وجهة نظري ~~بصفتي مؤلفا» - يجب ألا تقدم إليه الحقيقة المطلقة بأسلوب فظ، وهو ما سيرفضه ~~حتما، بل يجب أن يؤخذ بيده إليها بصورة غير مباشرة، ويخضع لنوع من المفارقة السقراطية ~~لكي ينكشف وعيه الزائف من الداخل بدلا من مواجهته مباشرة. فمن خلال تقديم سلسلة من ~~الحجج الجزئية وتقمص شخصيات مستعارة، يمكن للكاتب أن يطلق سلسلة من الغارات غير ~~النظامية على القارئ، فيسحبه من خلال الخيال والمفارقة والحيلة إلى لحظة قرار لا ~~يسعه سوى أن يكون قراره هو وحده. وكما يقول سارتر بعدها بقرن، فلكي تكون ~~الكتابة مفيدة أخلاقيا عليها أن تخاطب حرية القارئ. فهي - كما يصيغها كيركجارد - ~~مسألة «تماش مع وهم الآخر»، مسألة دخول من باب التقمص العاطفي الخيالي إلى دائرة ~~القيمة لديه مثلما يفعل الروائي مع شخصياته. وهذا باعتراف كيركجارد يشمل عنصرا ~~خداعيا لا بد منه، تماما مثلما الحال في المستوى الخيالي. فالكتابة من هذا المنطلق ~~عمل حواري يسترق باستمرار السمع لنفسه في آذان متلقيه ويراجع نفسه ~~بالتبعية. الحقيقة هي الحقيقة بكل تأكيد؛ لكن في عالم الخطاب الإنساني الحقير يجب أن ~~تتصرف بحكمة ملتوية، مثلما يتسلل الكاتب إلى «الأرض المجهولة» للقارئ كمندس في ~~معسكر الأعداء. # ثمة تداخلات معقدة بين مستويات كيركجارد الثلاثة كما في مستويات لاكان الثلاثة، ~~فالمستوى الديني يجب ms192 أن ينحني أمام المستوى الجمالي، وهو ما يعني أن المادة الخام التي ~~يعتمد عليها المبشر في دعوته هي الجوانب الرديئة للتصور والرغبة. وينبه كيركجارد إلى ~~أن الإيمان يجب أن يستوعب ما هو لا متناه لكن عليه أيضا أن يتمسك بقوة بما هو ~~متناه: «إن عيش الإنسان حياته اليومية في ضوء جدلية اللامتناهي الحاسمة، واستمراره ~~في الحياة مع ذلك، لهو فن الحياة وصعوبتها معا.» # 25 # وثمة بعض من هذه المفارقة - مفارقة الوجود في هذا العالم دون أن نكون جزءا ~~منه: الانفصال عنه وفي نفس الوقت المبالاة به - في فكر أتباع لاكان. عندما يلفت ~~كيركجارد في كتابه «خوف ورعدة» إلى أنه «من العظيم أن يزهد المرء في رغبته، لكن ~~الأعظم أن يلازمها بعد أن يزهد فيها»، # 26 # فهو يفكر في حب النبي إبراهيم لابنه إسحاق وأمله في سلامته، وهما حب وأمل ~~يتمسك بهما حتى وهو يتخلى عنهما باسم إيمانه بيهوه. وكذلك يؤمن لاكان هو الآخر ~~بوجود الرغبة التي هي مستحيلة والتي ينبغي مع ذلك التمسك بها. # ثمة علاقات أخرى بين الأبعاد الثلاثة؛ فقد يكون الإيمان والجمال في صراع لكنهما ~~مشتركان في قرب يفتقر إليه البعد الأخلاقي، فاختيار النفس هو العمل الأخلاقي ~~الأسمى، وهو يؤذن بظهور الذات القوية في إيمانها؛ لكن بما أنه يتوق للنفس بكل ما ~~فيها من انحلال «جمالي» مخيف، فهو لا يغادر هذا النطاق. وكذلك فإن البعد الديني ~~«يعلق» البعد الأخلاقي بدلا من أن يصفيه. مع ذلك لا يفهم كيركجاردر العلاقة بين ~~الأخلاق والبعد الواقعي بالطريقة المسيحية التقليدية، فالإيمان في العهد الجديد ليس ~~شيئا يتجاوز البعد الأخلاقي بقدر ما هو كشف لأساسه المطلق، المتمثل في حقيقة أن الذين ~~يحبون دون تحفظ مآلهم الموت. ومن هذا المنطلق يمثل المسيح تحقق القانون الأخلاقي؛ إذ ~~يكشف عن منطقه الداخلي المريع بدلا من أن يهدمه، فالإيمان لا يتعارض مع الأخلاق لأنه ~~إيمان برب العدالة والحرية والصداقة والمساواة. إن ما يفرق الالتزام الإنسانوي بهذه ~~القيم في الإيمان بالمفهوم المسيحي هو أن الأخير يتمسك بافتراض لا ms193 عقلاني هو أنه برغم ~~كل الشواهد التاريخية فالغلبة لتلك القيم. وهذا - كما يرى هذا الإيمان في حمق أكثر - ~~يرجع إلى أنها قد غلبت فعلا من وجه ما. ~~••• # أما نيتشه فهو مفكر راديكالي على نحو مدهش، وليست نظرته للأخلاق استثناء في هذا ~~الإطار، فبدلا من أن يتدخل في النقاش الأخلاقي ويزن هذه القيمة أمام تلك، فهو أحد ~~أوائل المفكرين المعاصرين الذين تحدوا مفهوم الأخلاق في حد ذاته. وثمة متشكك آخر ~~هو معاصره كارل ماركس الذي يرى أن الأخلاق في جوهرها أيديولوجيا. وهكذا هي عند نيتشه، ~~وإن كان لا يستخدم هذا المصطلح. فالأخلاق عند هذين الفيلسوفين ليست قضية تتعلق ~~بالمشكلات بقدر ما هي مشكلة في حد ذاتها. وكلاهما يربط بين الأخلاق والقوة بروابط جديدة ~~لافتة للانتباه، فإن كان الخطاب الأخلاقي في نظر ماركس ينتمي للبنية الفوقية الاجتماعية ~~التي تعيق - من بين أشياء أخرى - تطور قوى الإنتاج، فإن وظيفته الأساسية في نظر نيتشه ~~هو منع ازدهار إرادة القوة. فالأخلاق كما نعرفها هي أخلاق «القطيع»، وهي تناسب بقدر ~~كاف الجموع الجبانة المتدنية روحيا لكنها عائق أمام تلك الأرواح النبيلة الاستثنائية ~~التي تتسم بأكثر من مجرد شبه عابر بنيتشه نفسه. فالأخلاق مؤامرة على الحياة من جانب ~~الخائفين من المتعة والمخاطرة والبهجة والمشقة والوحدة والمعاناة والتغلب على الذات، ~~فهي وهمية بقدر الخيمياء. ويجب أن تنهار هذه المنظومة المتعفنة الآن؛ حيث إن ~~دعاماتها الغيبية آخذة في الضعف بصفة متزايدة. # إن كان كيركجارد يحتقر العامة، فإن نيتشه يتخطاه بسهولة في ذلك وبحقد بالغ، فكلا ~~المفكرين يريان في الأعراف الاجتماعية تجنبا جبانا للمخاطرة المميتة التي هي أن ~~يكون الفرد إنسانا. فالأخلاق في نظر نيتشه طغيان وحماقة وإذعان عبودي وكراهية سادية ~~مازوخية. فهي غريزة القطيع الموجودة بداخل كل فرد التي تضبطه لئلا يكون أكثر من مجرد ~~جزء من كيان جماعي بلا هوية. فهو كيان، إذ يخلو تماما من أي حقيقة أو أساس ويمثل ~~انتصارا للجماعي على الفردي، لا يوجد إلا من أجل نمو المجتمعات والحفاظ عليها وحمايتها ~~وليس التعزيز الضروري ms194 للحياة في حد ذاتها. وبذلك فإن الأخلاق من وجهة نظر نيتشه، ~~المناصرة بشدة للمذهب الطبيعي، وظيفة علم الأحياء وعلم النفس والفسيولوجيا ~~والأنثروبولوجيا والصراع اللانهائي على الهيمنة. فجذورها لا تكمن في الروح بل في الجسد، ~~فهي لا يمكن اعتبارها بأسلوب كانط ظاهرة في ذاتها، بل لا يمكن تفسيرها إلا من منظور ~~خارجها باعتبارها وظيفة ل «الحياة والطبيعة والتاريخ». يهتم نيتشه شأنه شأن ماركس ~~بالتاريخ الطبيعي أو بالظروف المادية للأخلاق، ويرى أن الأخلاق لا تمثل سوى عرض لها، ~~فالأعراف الأخلاقية ليس فيها أي شيء مهذب بل هي طاعة عمياء للعادات والتقاليد وما ~~يمكن أن نسميه اللاوعي الاجتماعي؛ إذ تنبع القيم الأخلاقية المطلقة من الخضوع المستسلم ~~للتقاليد والعواطف التي هي عشوائية كليا، فتاريخ الحكم الأخلاقي كله كان خطأ واحدا ~~استمر طويلا، وإن كان - كما سنرى بعد قليل - خطأ بناء على بعض الجوانب. فعلينا أن ~~ندمر الأخلاق إن أردنا تحرير الحياة، وذلك كما يؤكد نيتشه في كتابه «إرادة القوة». # لا يكاد يوجد جانب واحد في نظم الأخلاق التقليدية إلا واستنكره نيتشه ~~بتعجرف؛ فالقيم الأخلاقية تضرب بجذورها في تاريخ من المعاناة والصراع والاستغلال: ~~«فكم من الدم والقسوة يكمنان في أساس كل «الأشياء الجيدة» كما يعلق في ~~كتابه «في جنيالوجيا الأخلاق» بأسلوب فالتر بنجامين. # 27 # إذا فكل نظام أخلاقي يكون غير أخلاقي عندما يقيم بمعاييره الرفيعة ~~الخاصة. فانتصار فكرة أخلاقية كما يشير نيتشه في كتابه «إرادة القوة» يتحقق بنفس ~~الطريقة التي يتحقق بها أي انتصار آخر؛ بالقوة والأكاذيب والافتراء والظلم. فما من ~~حقائق ولا دوافع ولا نوايا ولا سمات أخلاقية ولا حتى ظاهرة أخلاقية على وجه ~~التحديد من أي نوع. # وإذا لم توجد أي أفعال أخلاقية أو غير أخلاقية فذلك يرجع إلى أن هذه ~~الأيديولوجيا للسلوك الإنساني تقوم على مفهوم خاطئ للإرادة؛ إذ ليس ثمة إرادة حرة، ~~وإن كان القول إن الإرادة غير حرة ما هو إلا عكس نفس المفهوم الخاطئ، فمفهوم الإرادة ~~الحرة نتيجة للرغبة المرضية في المعاقبة والإدانة. فإن كانت الأفعال الأخلاقية تقتصر ~~على ms195 الأفعال الناشئة عن حرية الإرادة - كما يعلق نيتشه ساخرا في عمله «الفجر» - فليس ~~إذن ثمة أفعال أخلاقية على الإطلاق. إن تصور أن الناس يتحركون بإرادتهم ويقررون مصيرهم ~~بصفة كلية؛ ومن ثم فهم مسئولون مسئولية كاملة عن أفعالهم، لهو بقعة عمياء للأخلاق ~~«الرمزية». على العكس، فإن كل ما هو واع ومعروف ومرئي ومقصود في الفعل - كما يكتب ~~نيتشه عمله في «ما وراء الخير والشر» على طريقة فرويد - يخص ظاهره فقط. وما يسمى ~~بالإنسان الحر ما هو إلا شخص يستوعب بداخله قانونا بربريا؛ ومن ثم يوجه نفسه ~~باعتباره مواطنا خاضعا؛ ومن ثم لم يعد في حاجة إلى قسر خارجي. وحيث إن ~~القانون في حاجة لموضع كي يزرع نفسه فيه، فهو يطرق بداخلنا باب الندم والمرض والضمير ~~الفاسد الذي يفضل البعض تسميته بالذاتية. إن هذه الجوانب من فكر نيتشه - من بين ~~أخرى - هي ما سيرثه لاحقا ميشيل فوكو؛ إذ يتوسع العالم الداخلي ويتمدد مع انقلاب ~~الغرائز - الصحية في الوضع الطبيعي - الموجهة للخارج على نفسها تحت سطوة قوة القانون ~~القهرية لتتمخض عن «الروح» والضمير، هذا الشرطي الموجود بداخلنا جميعا. وفي نفس ~~الوقت تحصل الذات المتعة المازوخية من القانون التأديبي أو الأنا العليا المثبتة ~~بداخلنا. فالحرية هي معانقة الإنسان للأغلال المصفد فيها. # لا يقصد من هذا القول أن نيتشه مؤمن متعصب بالجبرية، بل يقصد أنه يسعى لوضع نظرية ~~في علم النفس أكثر دقة من الأفكار شديدة التبسيط التي يجدها جاهزة أمامه، نظرية تنقض ~~التعارض التقليدي بين الحرية والضرورة. وسيقوم بهذا من خلال دراسة عملية الإبداع الفني، ~~التي هي من ناحية دافعه من البداية إلى النهاية، والتي لا ترتبط بأفعال الإرادة ولا ~~بالضرورة، فمعظم الناس على أي حال لا يرقى فكرهم إلى هذه المثل العظيمة كالاستقلال ~~والمسئولية، فما أفعالهم إلا ردود فعل شرطية لطبائعهم، بحيث يصير المدح أو الذم ~~الأخلاقي في حالتهم في غير محله إطلاقا. فالجموع ليس من الممكن تحميلها المسئولية عن ~~الشبكة المعقدة من القوى الخفية التي تشكل شخصيتهم شأنهم في هذا شأن النمر ms196 ~~مثلا. # إن كان نيتشه قد هاجم النظام الرمزي، فقد هاجم أيضا النظام الخيالي. ومثلما يزعم ~~سبينوزا أن أخلاق الجماهير تكمن في التعامل مع العالم باعتباره مرآة لتحيزاتهم وميولهم، ~~فإن نيتشه يعتبر أن الأحكام الأخلاقية تنبع من النزعة إلى الشعور بأن كل ما يؤذي النفس ~~شر وأن كل ما ينفعها خير. كما تتخذ هذه الأنوية صورة جماعية في المجتمع نفسه؛ إذ يرى ~~أن فكرة وجود ملكة أخلاقية فطرية هي فكرة في قمة السذاجة. فعندما يتصور الإنجليز أنهم ~~يعرفون ما الخير وما الشر على نحو فطري، كما يقول متهكما في كتابه «أفول الأصنام»، ~~فهم ضحايا الخداع الذاتي. فالفضيلة التقليدية أكثر من مجرد «محاكاة» كما يقول في نفس ~~الكتاب؛ ومن ثم فهو ينكر رؤية بيرك الخاصة بالتبادلية الأخلاقية، بل إن إحدى نقاط ~~اتفاقه النادرة مع فلاسفة أخلاقيين مثل هيوم هي معاداته الشديدة للواقعية، فالقيم ~~الأخلاقية عنده - كما عند سلفه في القرن الثامن عشر - ليست موجودة مسبقا في العالم، ~~فهي أجزاء من محتويات العالم التي نصنعها بأنفسنا، وليست أشياء نجدها على نحو مسبق ~~أمامنا. # كما أنه رافض بنفس القدر للإحساس والعاطفة، فالعواطف ما هي إلا أعراض شعورية لما ~~تعلمنا اعتقاده، فإن بدت طبيعية وتلقائية كما الحال عند هيوم وهتشسون فذلك لأننا ~~ببساطة نجحنا في أن نستوعب بداخلنا قانونا أخلاقيا لا أساس له. ويقول نيتشه في عمله ~~«الفجر»: إن وراء الافتراض المهذب بأن الأفعال الأخلاقية أفعال تقوم على التعاطف مع ~~الآخرين يكمن خوف أساسي مما يمثله الآخرون من تهديد لنا. فحب الجار، كما يشير نيتشه في ~~عمله «ما وراء الخير والشر»، سببه الأساسي الخوف من الجار. فهو حذر ثانوي اعتباطي ~~تقليدي تماما؛ فالخوف هو «أبو الأخلاق» لكنه يتنكر عادة في صورة حب. ولا يختلف هذا ~~المنطق كثيرا عن فرويد الذي يتبنى عددا من أفكار نيتشه. # إذا فالإيثار عند أنصار مذهب الخير مرفوض باعتباره كله خرافة، فأفكار التضحية ~~والإيثار وإنكار الذات والنزاهة زائفة تماما، فالذات العاطفية هي ذات تعرضت للإخصاء؛ ~~إذ ما من قدرة ذاتية داخلية ms197 على فعل الخير، فالناس بطبيعتهم حيوانات تنافسية أنانية، ~~ودائما ما تنبع أي نزعة لإفادة الآخرين من المصلحة الشخصية. وإن كانت الأفعال ~~الأخلاقية هي الأفعال التي نقوم بها بالكامل لمصلحة الآخرين، فهي إذن غير موجودة. ~~فالشفقة الإنسانية مبالغ في قيمتها جدا، فهي رابطة تجمعنا بمن هم أقرب لإفسادنا؛ ~~فالعاطفيون يتمتعون بالمعاناة البشرية، وهي ظاهرة يرى نيتشه أن أهميتها مبالغ فيها، ~~فالإنسان الأعلى أو الأرقى يتقبل المحن، معتبرا إياها درسا ضروريا للإنجاز ~~الإبداعي. من الممكن - قطعا - أن يقدم المساعدة للمحتاج، لكنه يقدمها بكرم الأرستقراطي ~~الذي لا ينحني لا بحماس الشخص المحب للخير المنتمي للطبقة الوسطى. إن هذه الكائنات ~~الروحية الضعيفة التي لا ترى أن الأخلاق هي السيطرة على النفس والتغلب عليها هم من ~~«يمجدون العواطف الطيبة التعاطفية الخيرة لذلك النظام الأخلاقي الفطري الذي لا عقل ~~له، بل هو ببساطة مكون فقط من قلب وأيد مساعدة.» # 28 # وفيما يتعلق بهذه المسألة، يميل نيتشه الذي ألف كتاب «في جنيالوجيا الأخلاق» لتمجيد ~~«كل ما هو رفيع وشجاع ومقدام ومهيمن.» # 29 # فإرادة الخطر والإخضاع والألم و«المكر السامي» تستنزفها على نحو ماكر ~~الإنسانوية الأخلاقية الجبانة؛ فالتعاطف والرحمة كما نعرفهما هما الفضيلتان المريضتان ~~لدين العوام هذا - المسيحية اليهودية - وعرضا كره الذات والاشمئزاز من الحياة، اللذين ~~أقنعت الطبقات الدنيا، ببغضها وحقدها، أسيادها بأن يتبنوهما. وبضربة عبقري شرير، نقل ~~الضعفاء إلى الأقوياء عدوى عدميتهم المتقرحة وأطلقوا على هذه الحالة الكارثية اسم ~~الأخلاق. وردا على ذلك يجب على الإنسان الأعلى أن يحصن نفسه ضد معاناة الآخرين، ~~داهسا بركبه المرضى والضعفاء . # إن كانت الشفقة والتعاطف مقصورين على العوام، فكذلك مثل السعادة والمنفعة ~~والرفاهية والخير العام. يكتب نيتشه ساخرا في عمله «ما وراء الخير والشر» قائلا: ~~«وكيف يمكن ل «الخير العام» أن يوجد؟! فالمصطلح يناقض نفسه: فكل ما هو عام قيمته ~~دائما ضئيلة.» # 30 # أما مفهوم الرفاهية العامة كما يشير في عمله «ما وراء الخير والشر» فليس ~~قيمة مثلى بقدر ما هو شيء مثير للاشمئزاز، في الوقت الذي لا يعكس فيه مبدأ المنفعة ms198 ~~أكثر من تطلعات هزيلة للمنتهكة حقوقهم والمظلومين. أما فيما يخص قضية السعادة التي ~~لا قيمة لها، فالإنجليز وحدهم - كما يسخر واضعا نصب عينيه أتباع بنثام - هم من ~~يشغلون فكرهم بها، فالقواعد الأخلاقية - شأنها شأن المفاهيم - تبالغ في التبسيط ~~بطبيعتها، فتختزل ما هو شديد الخصوصية في أشياء أدنى عامة أو كلية. إن هذه الاسمية ~~المتحفزة هي واحدة من بين آراء نيتشه العديدة التي انتقلت إلى الفكر ما بعد الحداثي، ~~وهو تيار كان هو في واقع الأمر محركه الأول. فبإيمانه بأن العام سطحي ومزيف ~~في جوهره، فهو يشترك في أمور كثيرة مع كيركجارد، بل إنه يتخطى هذا الفيلسوف الدنماركي ~~المؤمن بالمذهب الفردي باعتقاده أن الوعي نفسه تسطيح للعالم؛ إذ يحيل غابة الواقع الغني ~~إلى مجرد ظل هزيل لنفسه. يتسم التفكير حتما ببعض البلادة والإبهام، أما الجسد فهو ~~ظاهرة أكثر ثراء ووضوحا وجدارة بالثقة. # مع ذلك فإن نيتشه أبعد ما يكون عن مجرد الهجوم على النظام الرمزي أو سيادة الأخلاق ~~الجماعية. فمن ناحية، النظام الرمزي أفضل ما يمكن لمعظم الناس أن يتعاملوا معه، فهو من ~~الناحية التطورية عالم يتلاءم بنحو يثير الإعجاب مع حالتهم الروحية البدائية، فالجنس ~~البشري لا يمكنه تحمل قدر كبير من الواقع، وسيهلك على يد الحقيقة إن دفعه حظه العاثر ~~لمواجهتها مواجهة مباشرة؛ لذا فإن ميلاد الذات الإنسانوية ليس مدعاة للندم. ويختلف ~~نيتشه في هذا اختلافا واضحا عن الكثير من أتباعه الأقل حذرا. ومن ناحية أخرى فإن ~~النظام الرمزي - بأعرافه المجردة ومعاييره التي تقوم على المساواة وتقديسه لما هو عادي ~~وتقويضه لما هو استثنائي - له نتيجة بناءة في نهاية المطاف؛ نتيجة تغيب عن رؤية ~~كيركجارد المريعة له. وهذا يرجع إلى أن نيتشه - على عكس معظم مناصريه المعاصرين - غائي ~~حتى النخاع يرى أن الأخلاق تمر بثلاث مراحل تاريخية. وليست تلك المراحل الثلاثة ~~تماما هي الخيالي والرمزي والواقعي، بل يمكن وصفها بدقة أكبر بأنها الحيواني ~~والرمزي والواقعي. # غالبا ما تعتبر المرحلة الحيوانية - على نحو خاطئ - المرحلة الأخلاقية المثالية عند ~~نيتشه، فهي المرحلة ms199 البدائية التي يعيش فيها «الناس أحرارا، وجامحين، وهائمين»؛ ~~يقاتلون كالطغاة الذين لا يعرفون أي ندم، ويعيشون بغرائزهم الجميلة البدائية في تحرر ~~رائع من القيود، ويؤذون ويستغلون دون أدنى اعتبار. وهؤلاء كائنات أكثر جاذبية من ~~الإنسان الأخلاقي، لكنهم كذلك أقل سحرا وتعقيدا منه؛ إذ يبرز الإنسان الأخلاقي عندما ~~تدفن الهيمنة القاسية لتلك الوحوش الشقراء الغرائز الحرة لمن يخضعون لهم؛ ومن ثم ~~يولدون تلك الحالة الخطيرة المؤذية للنفس من الندم والإيمان الفاسد التي تشكل «أخلاق ~~العبودية» في المجتمع التقليدي. وإذ تعلق الكائنات الأخلاقية التقليدية في شباك هذا ~~التواطؤ المؤذي بين القانون والرغبة، فهي تذبل في قبضة الواقعي بالمعنى السلبي للكلمة، ~~بينما يتحرك الإنسان الأعلى - كما سنرى في تلك المنطقة الغامضة - بصورة أكثر إيجابا، ~~بصورة أقرب في عدة جوانب إلى النموذج المثالي لأنتيجون عند لاكان (وإن كانت مجردة من ~~تجهمها وعنادها) من نموذج أتباع المسيحية اليهودية التي تسبب الإخصاء لذواتهم. # إلا أن ضبط النفس السادي المازوخي عند الحيوان الأخلاقي هو أيضا - بطريقته الخاصة - ~~عملية رائعة. فثمة جمال في الضمير الفاسد؛ فالإنسانية تستمد استثارة شهوانية من تعذيب ~~النفس تماما مثلما يستمدها نيتشه المنحرف الشرير من تصوره. وبالإضافة إلى ذلك، ورغم أن ~~الفساد المنتظم للغرائز يجعل الحياة الإنسانية أكثر هشاشة وتقلبا، فهو أيضا يفتح ~~الباب أمام احتمالات جديدة للتجربة والمغامرة، فهذا الكبت للدوافع هو أساس كل فن ~~وحضارة عظيمة. فإن أضعفت عواطفنا فقد زادت تهذيبا ودقة كذلك، والانضباط الذاتي ~~العقابي الذي يفرضه علينا هذا يمهد لنا الطريق للوصول إلى السيطرة على الذات المتصف بها ~~الإنسان الأعلى، فاعتمادنا الخطير على العقل الحسابي في حقيقته إضعاف ماكر للعواطف ~~وبداية لوجود ثري لا يضاهى. إن نيتشه ليس مفكرا لا عقلانيا بسيطا؛ ففي أعماقه نفسه ~~تجري كراهيته لعصر التنوير. وهو جدلي في هذا الجانب على الأقل بقدر ماركس، فسقوط ~~الإنسان - الذي هو غائي عند الكثيرين - يتضح أنه سقوط سعيد؛ إذ فقط بانضباط العواطف ~~الهمجية القديمة وتساميها عن طريق فرض أخلاق «القطيع» ينفتح الباب أمام الظهور الكبير ~~للإنسان الأعلى، الذي ms200 يتولى هذه النزعات ويطوعها حسب إرادته المستقلة. فالذات ~~الإنسانية تولد في حالة من المرض والخضوع؛ لكن هذه الإرادة تثبت أنها أداة ضرورية ~~لاستغلال القوى المدمرة في العادة. # يكتب نيتشه في كتابه «إرادة القوة»: «نحن ممتنون بشدة لما حققته الأخلاق ... ~~لكنها لم تعد الآن سوى عبء قد يتحول إلى فاجعة!» # 31 # ويشير في عمله «المسافر وظله» قائلا: «وضع الكثير من القيود على الإنسان ~~لدرجة أنه قد ينسى السلوك الحيواني؛ فقد أصبح الإنسان في الحقيقة أكثر اعتدالا ~~وروحانية وسعادة وحرصا من أي حيوان؛ لكنه لا يزال يعاني الآن من تحمل قيوده طويلا ...» # 32 # ويذكرنا هذا بموقف القديس بولس من شريعة موسى التي كان الهدف منها - شأنها ~~شأن كل القوانين الفعالة - إيصال الإنسان إلى مرحلة لا يحتاج فيها إليها. وكما حال ~~العهد الجديد، يؤمن نيتشه على طريقته الإلحادية الخاصة بأن القانون يجب أن يخدم رخاء ~~الحياة لا أن يخدم نفسه. وبمجرد أن يحقق هدفه يمكن التخلي عنه؛ فالفرد الحر - عند نيتشه ~~إن لم يكن عند كيركجارد - هو نتاج لعادات مقيدة، وإن كان يسمو عليها أيضا، فالوحش ~~الأشقر يجب أن تنزع قوته ليكون ملائما للمجتمع المتحضر، فمن دون القدرة على ~~التفكير الحسابي والتبادلية المجردة يظل الناس حيوانات ضارية تعيش تحت رحمة غرائزها، ~~ولن يرسى أساس الإنسان الأعلى المتحضر أبدا. فالنظام الرمزي له فوائده على كل حال، ~~ففقط بتعلم استيعاب قانون زائف يمكن للإنسان أن ينال السيطرة الذاتية على هذا الكائن ~~الرائع الجديد الذي لا يعيش بأخلاقيات حضرية عامة بل يعيش تبعا لقانون ذاتي ليس له ~~مثيل ؛ فالأرستقراطي لا يشارك قيمه الأخلاقية مع الأدنى منه مرتبة مثلما لا يشارك طعامه ~~معهم. فمن أكثر ما يغضب نيتشه القول إن الأفراد قد يكونون متساوين من بعض النواحي. ~~وهو في تلك النقطة قرين فلسفي بحق لكيركجارد، فالإنسان الأعلى باعتباره قانون نفسه ~~يتحرك في نطاق البعد الواقعي «الإيجابي»، فخورا وواثقا وفريدا تماما يتخطى نطاق ~~المعايير الأخلاقية الجماعية وجسورا في مواجهة الموت والعدم؛ لكن لا يمكنه فعل ذلك إلا ~~لأنه ms201 تعلم في مدرسة النظام الرمزي الشاقة؛ فالحضارة نتاج البربرية الأخلاقية، وفقط ~~بخسارة نفسك، تستطيع أن تنالها. # تتسم غائية نيتشه إذن بشيء من التراجيديا؛ فحياة الإنسان في نهاية الأمر لا يمكن أن ~~تزدهر إلا بقدر مريع من العنف والبؤس واحتقار الذات؛ لكن ما من أثر للتراجيديا في ~~الإنسان الأعلى نفسه، الذي يشع فيضا من اللطف والسكينة وسمو الأخلاق وما يسميه ~~نيتشه على نحو غريب «سمو الروح». وإذ يبعد كل البعد عن أن يكون كائنا وحشيا مفترسا، ~~فهو خبير في البهجة والانضباط والشهامة، يكرس نفسه فقط لازدهاره الذاتي بوصفه فنانا ~~يرسم لوحته الخاصة؛ فالإنسان الأعلى أو الإنسان الأسمى؛ وإذ يدخل في المغامرة التي لا ~~نهاية لها المتعلقة بالإبداع والتجربة الذاتيين، هو فنان وتحفة فنية في جسد واحد. فهو ~~- إن جاز التعبير - قطعة من الصلصال في يديه هو نفسه، وله الحرية في تشكيل نفسه على ~~أي صورة بديعة تناسب الحياة والنمو والقوة بالقدر الأكبر؛ إذ يجب علينا أن نكون «شعراء ~~نكتب قصيدة حياتنا» بأدق تفاصيلها. إن وجود الأخلاق واجب؛ لكنها يجب أن تكون مصنوعة ~~خصيصى كي تناسب شخصية الإنسان الفريدة وليست معدة مسبقا. # ليس هذا شكلا خاطئا من أشكال المذهب الفردي؛ فالإنسان الأعلى يهذب ويثري قواه لا ~~من أجل نفسه، بل من أجل الازدهار الأكبر للنوع البشري، فهو كالقربان على هذا المذبح ~~شأنه شأن تلك الكائنات التي وجب هلاكها باسم التطور. وفي هذا الإطار يمثل نيتشه نموذجا ~~فيكتوريا بارزا؛ فالإيثار إذن مردوده يكون على مستوى أعلى. فمن ناحية يخضع الإنسان ~~الأعلى لقانون حاكم شأنه شأن أكثر المواطنين الممتثلين خنوعا؛ لكن هذا قانون يضعه ~~لنفسه؛ ومن ثم فهو صورة فريدة لا مثيل لها من القانون العام الذي يصر كانط ~~(الذي هو عجوز جبان مخصي من وجهة نظر نيتشه الساخرة) على أن نخضع له؛ لذا فإن القسر ~~الوحشي هذا يؤدي إلى الهيمنة على الذات. ومثلما يستعير نيتشه من كانط مفهوم الواجب - ~~بينما ينكر أن ذلك قد يعني واجبا على الجميع إطلاقا - فهو يقتبس من سلفه ms202 رؤية ~~التطويع الحر للقانون؛ لكنه إذ يطوعه يجرده من وحدته وعموميته. فالقانون في ~~المستقبل سيكون ذا طابع لا قانوني غريب، يلائم كل فرد على حدة؛ فالإنسان الأعلى مقرر ~~لكل شيء؛ حيث يستمد دليله من التدفق السعيد لقواه وليس من مبدأ مسبق أو قاعدة عامة، ~~فهو كالعمل الفني يضع قوانينه وأعرافه الخاصة. إن ما يؤكد عليه الفلاسفة الحقيقيون هو ~~تنوع الحياة وليس نمطا سلوكيا معينا؛ إذ ليس من الواضح أي المعايير تحدد ما يعد ~~«تعزيزا» لجودة الحياة. ولا يسع نيتشه أن يخاطب الفطرة هنا أكثر من مخاطبته للأعراف ~~السائدة. وكذلك إن كانت إرادة القوة تشمل كل الظواهر بحيث لا يتبقى أي معايير أخلاقية ~~فيما وراءها يمكن بها الحكم عليها، فلن يمكننا معرفة ما إذا كانت نافعة، وفي تلك الحالة ~~ما المثير للإعجاب في دعمها؟ # لا يؤيد نيتشه مفهوم الفضيلة، الذي ينحدر من الفكر الأخلاقي الأرسطي الذي سنتناوله ~~فيما بعد. ويخبرنا في عمله «إنسان مفرط في إنسانيته» أن الأخلاق تبدأ في صورة إلزام، ~~وتتحول إلى عادة، ثم تحول نفسها إلى غريزة، وأخيرا تربط نفسها بالإشباع تحت مسمى ~~الفضيلة؛ فالفضيلة ما هي إلا صورة سامية من الإلزام الأعمى، مثلما تبدو أحيانا عند جاك ~~لاكان. مع ذلك توجد عناصر مما يسمى بأخلاق الفضيلة في حياة الإنسان الأعلى. وكما الحال ~~عند أرسطو، فإن الهدف الأسمى للإنسان الأعلى هو تحقيق الذات؛ رغم أن نيتشه بعكس سلفه ~~القديم يغمره شك عميق في الوجود الفعلي لأي شيء في صورة نفس مستقلة، وعلى أي حال لا ~~يكون تحقيق الذات هذا في نظره هدفا في نفسه - مثلما يرى أرسطو - بل لتحسين «الحياة» ~~ككل. مع ذلك فثمة مواضع يتحدث فيها بأسلوب يذكر بأرسطو عن «أسمى صور الرخاء» وعن ~~«الإنسان الكامل»، ويذكر عبارات مثل «مزيد من التطوير الحر للنفس» التي كانت شائعة ~~تماما في أعمال ماركس، المؤيد الخفي لأرسطو. فالإنسان الأعلى شأنه شأن الإنسان الفاضل ~~صنيعة عادة، عادة تعيش طبقا للغرائز التي غرست في نفسها أرقى القيم الثقافية ~~والحضارية. ومن هذا المنطلق ms203 هو يجمع بين الطاقة الغريزية للمرحلة «الحيوانية» من الوجود ~~الإنساني وبين اختياره الخاص للقيم في حقبته «الأخلاقية». # توجد نقطة اتفاق أخرى بين نيتشه وأخلاق الفضيلة، فالأخيرة - كما سنرى لاحقا - لا ~~تتعارض مع القوانين والوصايا الأخلاقية، بل إن هذه - بعكس الأخلاق الكانطية - ليست نقطة ~~انطلاقها، فهي تبدأ بتصورات معينة عن الفضيلة والتفوق والرفاهية وتحقيق الذات وما إلى ~~ذلك، وتقيم وظيفة الأعراف والوصايا في إطار السياق الأوسع هذا؛ فالأوامر والنواهي لا ~~ينبغي اعتبارها هدفا في ذاتها. ويستمر نيتشه في نفس الإطار قائلا: ستظل القوانين ~~موجودة في مملكة الحرية المقبلة، لكن وجودها سيكون من أجل إثراء الحياة بصورة أكبر. لكن ~~لو كان نيتشه قد استوعب فكر أرسطو على نحو تام، فلربما أدرك أنه حتى أخلاق الحاضر ~~المنحل ليس من الضروري أن تكون متعلقة بصورة رئيسية بالقوانين والإلزام. وهذه إحدى أكثر ~~النقاط الضمنية إيجابا لفكر الفيلسوف القديم. وللمفارقة، يؤيد نيتشه فرضية كانط ~~المريبة التي مفادها أن الأخلاق قضية متعلقة بالواجبات والوصايا، فقط ليستبعد تصور ~~الخاص بالأنا العليا كله من أجل رؤيته الخاصة شديدة الاختلاف؛ إذ يرى أن الأخلاق هي ~~قبل كل شيء قضية فرض مسارات معينة للفعل، وإنكار أنواع معينة من الفعل ومن الأشخاص، وهو ~~ما يرفضه كله بطبيعة الأمر. لكنه إن لم يكن قد عرف الأخلاق بمثل هذا الشكل الضعيف من ~~البداية، فربما ما كان عليه أن يتبرأ منها على هذا النحو الصارخ. وهكذا يقع نيتشه ~~فريسة لأخلاق القطيع باستنكاره إياها. وثمة مفارقة مشابهة عند ماركس الذي يبدو أحيانا ~~أنه يختزل الأخلاق في التقييم الأخلاقي ، والذي يعجز عن استيعاب أن عمله يمثل دراسة ~~أخلاقية بالمعنى التقليدي غير الأخلاقي للمصطلح. # 33 # إن الإنسان الأعلى كائن شديد الإيجابية؛ إذ يفيض بالصحة والبهجة الشديدتين. إلا أنه ~~يختلف جذريا عن الإنسان ذي الروح العظيمة عند أرسطو في الثمن الفادح الذي يجب أن ~~يدفعه لإيجابيته الأبدية. والثمن هو مواجهة مخيفة مع النظام الواقعي؛ أي إدراك أنه لا ~~حقيقة ولا جوهر ولا هوية ولا أساس ولا غاية ولا قيم ms204 فطرية في الكون؛ فالإنسان وهم، ~~وكذلك الأشياء التي تبدو راسخة أمامه. إن إدراك كل هذا يمثل التحديق في الهوة ~~الديونيسيوسية المظلمة عند المذكورة في عمل «مولد التراجيديا» مع رفض كل مسكنات الوهم ~~الأبولوني. فهو يعني تحويل حتى هذا الإدراك المريع لدافع الموت إلى عادة غريزية، والرقص ~~دون أي يقينيات على حافة الهوة؛ فالإنسان الأعلى هو من ينتزع الفضيلة من الإلزام ~~الشديد، ويحول انعدام وجود أساس للواقع إلى حالة من المتعة الجمالية ومصدر لعملية ~~ابتكار الذات التي لا توقف. فهو شأنه شأن أبطال النظام الواقعي الأخلاقيين عند لاكان قد ~~تخطى مرحلة التعميد بالنار التي هي مأساة في مكان فيما وراء هذه المحنة السعيدة، إلا أن ~~الوصول إلى تلك الحالة التي يحسد عليها يتطلب من النوع البشري أن يستعد لدروس النظام ~~الرمزي القاسية. # إذا ثمة تفسير يرى أن نيتشه يعتقد أن الإنسان حقيقي الوجود يتقدم من السقوط السعيد ~~الخاص بالنظام الرمزي، إلى مواجهة مهذبة مع النظام الواقعي، ثم إلى حالة من الفضيلة ~~تحيل العقل الخطابي إلى غريزة تلقائية. فالإنسان الأعلى منان وكريم، لكن ذلك مقرون ~~بلا مبالاة السيد النبيل الراقية الخالية من الهموم. وفي هذه الحالة تكون الدوافع ~~والعواطف الجسدية مهمتين، وهو ما يجعل هذه الحالة من بعض الجوانب نموذجا أرقى للنظام ~~الخيالي. وسنرى لاحقا أن الأخلاق عند جاك لاكان وآلان باديو تكمن في الإخلاص الثابت ~~للنظام الواقعي، الذي يجب أن يتمسك به الفرد رغم فخاخ النظام الرمزي وأوهامه؛ فالفعل ~~الأخلاقي الحقيقي عند الطليعة الباريسية هو الفعل الذي يرفض زيف وملل ما هو معتاد من ~~أجل الالتزام المستدام بهذه الحقيقة السامية؛ لكن ليس هذا هو الحال عند نيتشه. صحيح أنه ~~من خلال المواجهة المكلفة مع النظام الواقعي وحدها يمكن للإنسان أن يدرك أن العالم ~~بلا أسس أخلاقية، وأن الرب ليس ميتا فقط بل لم يكن حيا يوما، وأن الأنظمة ~~الأخلاقية التقليدية بغيضة ومنحطة في جلها، إلا أنه بمجرد أن يصبح الإنسان سيد نفسه ~~روحيا بهذا النحو، تكون النتيجة حياة تملؤها الفضيلة بطريقة ms205 ربما يفهمها إدموند ~~بيرك. على أي حال، فإن بعضا من فضائل نيتشه المفضلة تتفق بصورة كبيرة مع الفضائل ~~التقليدية؛ الشجاعة والبهجة واللطف والشهامة وما شابه. لذا، فإن أحد الانتقادات الموجهة ~~لنيتشه ليس أن كتاباته تمثل نهاية الحضارة كما نعرفها، بل إن الإنسان الأعلى يحمل شبها ~~مخيبا للآمال بالشخص الأرستقراطي القديم المعهود، فهو أحد شخصيات دزرائيلي أكثر منه ~~شخصية شيطانية. # | هوامش # الفصل الثامن # | النظام الواقعي في الأعمال الأدبية # هناك موضع في مسرحية «الصاع بالصاع» يسعى فيه الدوق لإقناع كلاوديو المدان بقبول ~~مصيره: # أقبل على الموت بقلب خالص؛ ولسوف ترى # أن الموت أو الحياة قد أصبح أحلى. # قل للحياة: إن فقدتك، فإني أفقد شيئا # لا يحرص عليه سوى المغفلين ... # لست سعيدة؛ # فأنت تشقين من أجل ما ليس لديك # وتنسين ما لديك ... ~~(3، 1: 6-8، 21-23) # ويقبل كلاوديو كلام الدوق بعد أن اقتنع بهذا الدفاع البليغ عن الموت: # شكرا لتفضلك. # إنني إذ أتلمس الحياة، أجدني أسعى إلى الموت، # وإذ أسعى إلى الموت، أجد الحياة. فأهلا به. ~~(3، 1: 41-43) # بالإقبال على الموت، والاستغناء عن عدم الرضا الدائم عند الأحياء، يكتشف كلاوديو ~~نوعا من الحياة أعمق وأحلى. ولا يعني هذا مقارنة بين الموت والرغبة، بل إقرار بأن ~~الرغبة ذاتها، بشكلها الدنيوي، ما هي إلا سلسلة تافهة من «الميتات الصغيرة» (إفراغ ~~اللذة)، وهي بذلك تنبئ بتوقفها، فحب الموت بدلا من الحياة، ومعانقة ظلمته كما يعانق ~~المحب حبيبه، لا يعني رفض الرغبة بل التطلع إليها في أنقى صورها. فذلك يعني رفض ~~المساومة على الرغبة؛ الإقرار بطبيعتها السامية بدلا من ملء فراغها المؤلم بهذا الصنم ~~أو المعبود أو ذاك. فقانون الرغبة قانون متمرد، يرفض الآلهة الزائفة والتماثيل ~~المنحوتة، فالإقبال على الموت ليس حبا مرضيا للموت، بل إخلاص محب لجوهر الهوية ~~الذاتية، جوهر يتجاوز كل الأشياء التي تتعلق بها الرغبة وهو ليس إلا فائضا فارغا يسمو ~~فوقها. فبعكس المفكرين ما بعد الحداثيين، فإن لاكان أحد الأنصار المخلصين للمذهب ~~الجوهري؛ فبالنسبة له، جوهر الإنسانية - الرغبة - نوع من العدم. إن من يبذلون الكثير في ms206 ~~الحياة، ويستوقفهم هذا الشيء المحبوب الفاني أو ذاك، هم غير المخلصين للشيء الأكثر ~~اتصافا بالحياة في داخلهم. # إلا أن الثمن الذي يدفعه الإنسان لقاء الإخلاص كبير، فكما يكتب سلافوي جيجك، فهؤلاء ~~الناس - الذين يعتبر أوديب، الشخصية التي أبدعها سوفوكليس، أحد أعظم نماذجهم - «قد ~~عاشوا «الحالة الإنسانية» حتى نهايتها المريرة، مدركين احتماليتها الأساسية؛ ولهذا ~~السبب لم يعودوا من ناحية «بشرا» وتحولوا إلى وحوش غير إنسانية، لا تردعها أي قوانين ~~أو اعتبارات إنسانية.» # 1 # وهم يجسدون في بؤسهم الشديد رعبا لا يوصف؛ الإنسانية العارية غير ~~المزينة التي تحتاج - شأنها شأن ضحايا معسكرات التعذيب النازية المخيفين - لشجاعة رهيبة ~~لكي ننظر إليها ونتابع العيش. فهي تكون عندما نصبح في أنقى صور إنسانيتنا، عندما ~~نجرد من كل الأوسمة الثقافية، لدرجة أن نصبح أبعد ما يكون عن الإنسانية وأشد وحشية ~~وتشوها؛ فهؤلاء الذين يواجهون النظام الواقعي يتحركون كما رأينا في منطقة رمادية بين ~~الموت والحياة، الإنسان فيها «يواجه دافع الموت باعتباره أقصى التجارب الإنسانية، ~~ويدفع الثمن بمروره ب «فاقة ذاتية» شديدة؛ إذ يختزل إلى فضلات متحللة.» # 2 # وبلغة المسيحية فإننا نتحدث عن نزول المسيح إلى الجحيم، وهي علامة التضامن ~~مع العذاب واليأس البشريين اللذين من دونهما لا يمكن أن يوجد بعث من الموت. # تلومنا الرغبة - كما يفعل السمو الكانطي - على انخراطنا في الواقع العادي، حيث ~~تذكرنا في صرامة أن مكاننا الحقيقي في الأبدية. وهي ليست أبدية يمكننا نيلها كما ~~في العقيدة المسيحية، بل هي أبدية السعي إليها، كما عند شخصية فاوست لجوته، فالرغبة ~~الدائمة هي النسخة العلمانية من الخلود. فهي أبدية تلوح في شكل سلبي في عجزنا الدائم عن ~~الوصول للرضا، كما لو كان هذا الإحباط عينه يشير فيما وراءه لنوع من الرضا لا يمكن ~~تصوره الآن، وهو أقصى ما سنعلمه عنه. فالإخلاص لعدم الوجود الذي يمثلنا لا يعني السعي ~~للحياة الجيدة (وهو السعي التقليدي للأخلاق)، بل يعني تعلم كيفية التعايش مع هذا ~~الإحباط الأساسي فينا. إنه باختصار نوع من اللاهوت السلبي الذي نظل مؤمنين فيه ms207 برب قد ~~فشل. وهذا أيضا فيه صدى للعقيدة المسيحية التقليدية التي ترى أن الرب الوحيد الجيد رب ~~ميت، والانتصار الوحيد الذي نحققه هو ذلك الذي ينتزع من الفشل. # ويعني عدم التخلي عن رغبتنا أن نعيش في انتظار يملؤه السرور لقدوم مخلص لن يفعل ~~أي شيء حاسم بخلاف قدومه، ومع ذلك يظل منتظرا بفارغ الصبر لهذا السبب بالتحديد. فنحن ~~بوصفنا مخلصين مطيعين للنظام الواقعي نظل متمسكين بعدم الرضا، كما فتن القديس أوجستين ~~بإله، عنده وحده، تحط الرغبة رحالها. فرغبة النظام الواقعي هي نسخة - على ~~طريقتها الخاصة - من عبارة القديس أنسلم الغريبة: «إنني مؤمن لأن ذلك مستحيل.» فعلينا ~~أن نجتهد لنصل إلى الكمال في نقصنا، فيترسخ مكاننا دائما في غياب الوجود المأساوي الذي ~~يمثلنا. إن لزوم الرغبة للذات هي ما يجب علينا أن نرفض إفساده، فاستهداف خير أسمى - ~~فلنقل خير عاما أو حب الجار - في إطار هذه النظرة هو اختصار سلسلة الدلالات التي قد ~~تمتد لما لا نهاية التي هي الرغبة، والسعي لمواجهة الشيء الكبير المفقود والمطارد ~~وجها لوجه؛ ومن ثم المخاطرة بالوقوع في الاضطراب النفسي بلغة لاكان، تلك المواجهة ~~المباشرة الصادمة مع النظام الواقعي عند الذين تعطلت لديهم القدرة على الترميز. # ليس من الغريب إذن أن شخصيتي شكسبير، كلاوديو وإيزابيلا، أخوان؛ حيث إن إيزابيلا ~~مستعدة مثله لتفضيل الحياة على الموت. ولما واجهت الاختيار بين الموت أو الشرف، اختارت ~~الأول دون تردد: # وبذلك تعيش إيزابيلا عفيفة ويموت الأخ: # فأولى من أخينا عفافنا. ~~(2، 4: 184-185) # ليست هذه عاطفة أخوية؛ إن كلاوديو ما لبث أن تعافى سريعا من تقبله اللحظي للإعدام ~~حتى لامها على ذلك بشدة. فإيزابيلا مستعدة للموت في سبيل ذلك الشيء بداخلها - بلغة ~~لاكان - الذي يتجاوزها، هذا «الشيء الذي بداخل الذات» المعروف بالعفة أو الشرف أو ~~الاستقامة أو الصدق، أو ببساطة الفردية، الذي ما من اختيار حقيقي بشأنه في المقام ~~الأول؛ إذ إن الإنسان من دونه ميت في الحقيقة؛ ومن ثم تنتفي مسألة الاختيار ~~بالتبعية. فالشيء الوحيد الذي يجب منطقيا التضحية بالحياة من ms208 أجله هو عين الشيء الذي ~~يجعل الحياة تستحق أن تعاش. فهو نفس حال الشهيد وقضيته. فمن ناحية، لا يسعه ألا يموت ~~في سبيلها؛ إذ إنه يواجه نوعا من اختيار هوبسون: فإن لم يمت فسيصبح عدما عبثيا لا ~~عدما له معنى. فالشهيد يختار الموت لأنه في ظروف معينة شديدة هو الوسيلة الوحيدة ~~ليكون شاهدا على قضية تؤدي إلى استمرار حياة الآخرين. فهو يرفض العالم بدافع حب العالم، ~~وهو ما يميزه عن المنتحر، فالمنتحر يهن في قبضة دافع الموت، فيحوله ضد جسده في نوبة ~~من المتعة المفرطة؛ بينما يجد الشهيد وسيلة لاستغلال هذا الدافع من أجل الآخرين، ~~ضاغطا على ثاناتوس لخدمة إيروس أو المحبة. # تكون الحياة عند المنتحر عديمة القيمة ولا تحتمل، ويمكن أن نفرق بين هذه الحالة وبين ~~حالة شخصية سوفوكليس أنتيجون التي رغم إعلانها منذ البداية «أنا ميتة وأرغب الموت»، ~~يتاح لها في اللحظة الأخيرة أن تندم على حياة الزواج والأطفال الكاملة التي تتخلى ~~عنها، وذلك إشارة لاختلافها عن المنتحر. فلا يمكن لموت يرى الحياة بلا قيمة أن يكون ذا ~~قيمة، فالشهيد يتطلع إلى المعنى على حساب الوجود، فيتيح للدال أن يلمع أمام الخلفية ~~السوداء لفنائه هو. فالإقبال على الموت ليس رفضا للحياة بل هو أسلوب حياة قائم بذاته، ~~أسلوب حياة يثريه ويغير شكله أنه منتزع من الموت. أما الذين يتصرفون كما لو ~~كانوا سيعيشون إلى الأبد فهم خطر على المجتمع المتحضر. فبارناردين البليد لا يأبه ~~بالموت، وهو ما لا يجعله يأبه بالحياة كذلك. فعدم اعتبار الموت حدثا فارقا يعني ~~التقليل من أهمية الحياة، فالكائن الأخلاقي وحده - وهذا آخر ما يكون بارناردين - ~~يمكنه استدعاء شيء ذي معنى من فنائه، فالانعدام القاتل للقدرة على الاختيار عنده الذي ~~يمنعه من انتزاع موته يمنعه كذلك من أن يعيش حياة أقل وضاعة من حياة الخنزير. # إن «شجاعة النقص» هذه - كما يسميها سلافوي جيجك # 3 ~~- هي باختصار نظام أخلاقي واقعي، وأحد أكبر روادها - للغرابة - في نظر ~~لاكان هو كانط. ففي مقال مهم بعنوان «كانط مع ms209 ساد»، # 4 # يزعم لاكان أن الفيلسوف الألماني هو أول من غرس بذرة التحليل النفسي ~~بتصوره للقانون الأخلاقي، الذي يصور في نظر لاكان الرغبة في أنقى حالاتها، فهو نوع من ~~الرغبة يتجاوز تماما مبدأ المتعة؛ مثل سعي ساد إلى صورة خالدة مستحيلة من المتعة ~~تتجاوز كل المتع المادية، فهذا النوع من الرغبة كما يقول لاكان في موضع آخر «يبلغ ~~أقصاه في التضحية - على وجه الدقة - بكل شيء يتعلق به الحب في ظل ضعف الإنسان، ولا أقول ~~في رفض الشيء المرضي فحسب بل في التضحية به وقتله.» # 5 # وهذا يختلف تماما عن عالم التعاطف عند هتشسون أو عالم الود عند ديفيد ~~هيوم، فالرغبة باختصار هي آخر أشكال السمو؛ سمو يتسم بالحذر الزاهد لراهب كرملي، يجب ~~أن يحفظ نفسه من كل الأشياء «المرضية» (وهو ما يعني كل الأشياء التي يتعلق بها الحب ~~والشهوة والعاطفة)، ولا يستند إلا إلى ذاته وافتقاره لغاية نهائية. وهذا أيضا هو ~~السبيل الذي يمكن لفاوست أن يأمل من خلاله الوصول إلى الخلاص. وحيث إن قانون كانط ~~الأخلاقي يتجنب بصورة مشابهة كل الغايات وأشكال الخير الخاصة في شكليته الصارمة؛ إذ ~~يضحي بالنفس وملذاتها في سبيل سيادته ولا يؤسس لنفسه إلا في أمره الفارغ البراق، فإن ~~التشابه بين المفهومين واضح، فكلاهما فارغ من المضمون، وكلاهما يتفادى الدال، وهما ~~من ثم ساميان. # كما أن القانون والرغبة كليهما يتضمنان إلزاما شديدا، فأكثر أفعالنا حرية هي تلك ~~الأفعال التي لا يسعنا سوى أدائها لكي نكون على حقيقتنا، فهي ليست نتيجة «أفعال ~~الإرادة» بل نتيجة للخضوع لقانون وجودنا الذي لا يقبل المساومة، وهو خضوع لذلك الذي ~~بداخلنا الذي يمثل حقيقتنا أكثر من مجرد أي انعكاس. ومع وجود الرغبة - كما هو الحال مع ~~القانون - تصير الذات مجرد حامل لقوة لن تسمح بأي إنكار، فالرغبة سيادتها مستبدة. ومن ~~الواضح أيضا، مثلما أن أمر كانط المطلق مستحيل من جهة - حيث إنه لا يمكن لأي فرد ~~التأكد من أن فعله «غير مرضي» - فإن المطلق الأخلاقي عند لاكان كذلك؛ الأمر ms210 بعدم تخلي ~~المرء عن رغبته. والقديس أو الشهيد وحده من يمكنه العيش بتلك الطريقة، فهي ليست ~~أخلاقا للناس العاديين. إن ما فشل كانط في إدراكه في رأي لاكان هو أن الرغبة بتجاهلها ~~للدوافع والأشياء والآثار المادية هي في ذاتها قانون مطلق، صارم ونهائي، مثل شخصية ~~أنجيلو. وعليه ينتفي الاختلاف بين القانون والرغبة؛ فالالتزام بقانون الرغبة الذي هو ~~جوهر فردية الإنسان يعد واجب الإنسان الملزم. # كما أن التصرف تبعا لهذه الرغبة يعني أيضا الجمع بين الحرية والاعتماد على الغير، ~~فإن كانت الذات في النظام الخيالي مفرطة في الاعتماد على غيرها؛ إذ تأسرها صورة خارج ~~نفسها، فإن الذات في النظام الرمزي شديدة الاستقلال. وإن كانت الذات الخيالية تفتقر لحس ~~الفاعلية، فإن نظيرتها الرمزية تحلم بالتحرر التام من الجبر. لكن الذات في النظام ~~الواقعي تظهر بصورتها الحقيقية بوصفها فاعلا من خلال الإنصات إلى ذلك الشيء الذي ~~بداخلها ويتجاوز حدودها، فالتخلي عن تلك القوة الحاسمة يعني التخلي عن نفسها. ومن هذا ~~الجانب، كما من الكثير غيره، فإن التحليل النفسي في حقيقته علم لاهوت خارج عن نطاق ~~الدين، فالذات في النظام الواقعي تسترشد بالذات في المسيحية اليهودية، التي تكمن حريتها ~~في الإقرار باعتمادها على أساس الوجود الذي هو الرب، ويعرف هذا الإقرار أيضا ~~بالإيمان. ففي كلا العقيدتين، يتم رفض الاعتمادية الشديدة والاستقلال الزائف في سبيل ~~صورة أعمق من الجبرية، صورة تمثل مصدر الحرية الشخصية عينه. # ربما يتخذ القانون الأخلاقي موقفا متعجرفا تجاه اللذة؛ إلا أنه ملوث هو ذاته بتلك ~~اللذة الصارخة التي «لا طائل منها» التي تقف وراء كل أشكال اللذة التقليدية في نطاق ~~دافع الموت، والتي يصفها لاكان بالمتعة. فهذا الجانب السفلي الغائم من القانون هو اللذة ~~السادية للأنا العليا، التي لا تبالي بشدة - شأنها شأن القانون الأخلاقي - ~~برفاهية الذات، والتي لا تكتفي بأن تأمرها بالخضوع لأحكام يستحيل الالتزام بها، بل ~~تحمل بداخلها ثقافة ندم قاتلة على العجز عن فعل هذا المستحيل. وكما لو أن هذا لا يكفي، ~~فإن الأنا العليا تفرض أيضا أن ms211 تحصل الذات المتعة من الدراما الكئيبة التي ~~تسمح فيها لهذا الندم بأن يسوقها إلى موتها. إلا أنه في إطار أخلاق النظام الواقعي، ليس ~~عدم التخلي عن الرغبة أمرا يفرضه الأنا العليا؛ حيث إن الذات التي تحمل الرغبة النقية ~~- الذات التي صورتها عند لاكان تصويرا بليغا أنتيجون شخصية سوفوكليس - لا تشعر بأي ~~ندم في القيام بواجب الحفاظ على رغبتها؛ فالأخلاق الحقيقية تأخذنا إلى ما وراء الأنا ~~العليا؛ إذ تثبت الذوات المخلصة للنظام الواقعي أنها مستعدة للمخاطرة بالموت في سبيل ~~إعادة ميلاد رمزية. إنه الفارق في مسرحية «الصاع بالصاع» بين أنجيلو وإيزابيلا؛ إلا أن ~~ما يلهم إيزابيلا التطلع للموت هو نفسه - كما سنرى لاحقا - ما يحرك واحدا من أكثر ~~شخصيات شكسبير الغامضة: شايلوك في مسرحية «تاجر البندقية». ~~••• # يبدو الإخلاص لرغبة الإنسان كافيا في الغالب ليشمل نوعا من العناد الخارق للطبيعة ~~أو الهوس الأحادي، كما قد يوحي مثال لاكان على ذلك: شخصية أنتيجون؛ رغم أن لاكان نفسه - ~~إذ يعارض سماع أي كلمة قاسية عن شخصيته المحبوبة - يرفض تماما وجهة النظر المشهورة ~~بمنطقيتها أنها عنيدة بالفعل، وهو بذلك يبالغ في تبسيط التقلبات المعقدة في تدفق ~~العواطف الدرامية. وهو متحيز بنفس الشكل مع أوديب الذي يرى أنه يسير إلى موته بطريقة ~~أخلاقية واقعية، فهو «عنيد حتى النهاية، يرغب في كل شيء، ولا يتخلى عن أي شيء، وغير ~~راض مطلقا.» # 6 # يبدو هذا أشبه بمغنية أوبرالية أولى باريسية رابطة الجأش، تفصلها ربما مئات ~~السنين عن لاكان نفسه، أكثر من فارماكوس أو كبش الفداء الذي يصير في «أوديب في كولونوس» ~~أساس النظام السياسي الجديد. إن جسد أوديب النجس يمثل من بين أشياء أخرى وحشا مرعبا ~~يدق الأبواب، يجب على المدينة - إن أرادت أن يتاح لها فرصة ميلاد جديد - أن ترى فيه ~~تشوهها الخبيث. إن هذا البعد السياسي العميق لهذه المسرحية التراجيدية لا يحظى سوى ~~بتناول قصير في تأملات لاكان. # لكن ما من شك في أن النظام الواقعي والعناد متلازمان. فلتنظر مثلا إلى رواية هاينريش ~~فون كلايست القصيرة ms212 الغريبة عن الإرهاب السياسي «ميكائيل كولهاس». نشر هذا العمل لأول ~~مرة عام 1810، قبل عام من إتمامه اتفاقا بالانتحار مع شابة تعاني من سرطان لا شفاء ~~منه؛ حيث أطلق الرصاص عليها فأرداها قتيلة ثم أطلق النار على رأسه ومات. لقد كان موته ~~دراميا ومبالغا فيه مثل فنه؛ إذ استعد الاثنان للموت بميعاد في حانة وبشرب بعض ~~زجاجات النبيذ والروم وحوالي ستة عشر كوبا من القهوة، بينما كانا يغنيان ~~ويصليان معا. وكما ذكرت إحدى الصحف في صرامة - وإن كان بلا داع: «إن الناس ~~أبعد ما يكون عن الإعجاب أو حتى الموافقة على هذا العمل الجنوني.» # 7 # كان كلايست قد انضم لجيش نابليون أملا في أن يقتل، لكنه نجح لغمه الشديد في البقاء ~~حيا. وهو أيضا ربما الشخص الوحيد المعروف الذي قادته دراسته لإيمانويل كانط للموت؛ ~~إذ فسر كلايست نظرية كانط المعرفية بأن الحقيقة على الدوام مراوغة، وأن العقل معيب ولا ~~أساس لأفكاره، وأنه لا يمكن التمييز بين المظاهر والواقع، وأن مجمل الواقع ملتبس وغامض ~~على نحو محير. وحيث إن الوجود يفتقر لغاية معروفة فقد بدا الانتحار فعلا مقبولا كغيره ~~وأكثر تحقيقا للرضا من معظم الأفعال. # ميكائيل كولهاس تاجر خيول محترم ذو عقلية متمدنة من براندنبرج في القرن السادس عشر ~~والذي يتعرض حصاناه الأسودان لمعاملة سيئة على يد أحد النبلاء. ويلجأ كولهاس صابرا ~~إلى القضاء ليحصل على عدالة القانون على هذه المعاملة السيئة، ويتحمل ترهة وتسويفا ~~تلو الآخر؛ لكن زوجته ليزبيث تقتل على يد أحد حراس الحاكم وهي تدافع عن قضية زوجها. ~~ويصبح من الواضح أن المحكمة متواطئة مع النبيل، وأنها رفضت التماس كولهاس لسماع دفاعه. ~~عندها يجمع كولهاس فرقة مسلحة ويحرق قلعة النبيل ومعها عدة أجزاء من مدينة فيتنبرج. ~~تقتل الفرقة المسلحة التي كونها النساء والأطفال بلا رحمة. ويتحول كولهاس إلى ~~نموذج من شخصية روبن هود، فنشر الفوضى العسكرية وشن حربا شاملة على الدولة، حربا لاقت ~~دعما شديدا من العوام. وفي نوبة عابرة من جنون العظمة، يعلن أنه أسس حكومة جديدة ~~للعالم، ms213 ويطالب بأن يسلم النبيل إليه ليلقى عقابه. ويضرم النيران في فيتنبرج ثلاث ~~مرات، ويغير على لايبتسيج، ويهزم بعض الحملات العسكرية القوية التي أرسلت إليه. # ويتصاعد طلب كولهاس التعويض عن حصانيه اللذين تعرضا للتجويع بصورة غريبة إلى ~~مرحلة يستنجد فيها بمارتن لوثر وحاكم ساكسونيا وحاكم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ~~ويرى الأول أن التاجر قد تعرض لمظلمة فعلا. وبناء على نصيحة لوثر، يصدر حاكم ~~براندنبرج عفوا عن كولهاس وفرقته المسلحة، الذي يسرح رجاله بدوره ويواصل بحثه عن ~~العدالة بالوسائل القانونية. لكن الأفعال الوحشية التي ارتكبتها فرقة مغيرة منشقة ~~عن رجال كولهاس تعطي ذريعة للمحكمة أن تنقض العفو بهذه الحجة، وتقدم تاجر الخيول إلى ~~المحاكمة. لا يقدم كولهاس أي دفاع عن أفعاله، ويصدر الحكم بحرقه وتقطيع جسده إلى أربعة ~~أجزاء. وبعد التدخل السياسي لحاكم براندنبرج تبدل العقوبة إلى قطع الرأس، وهو حكم ~~يتلقاه كولهاس في سكينة، وهو يعلم أن مطالبه ضد النبيل الذي ظلمه ستتحقق بالكامل. ~~وفي مكان الإعدام، يقدم إليه حصاناه - وقد صارا لامعين ولعوبين - بعد أن ~~استعادا عافيتهما بالكامل، وخبر يفيد بأن السيد النبيل قد حكم عليه بالسجن لعامين. ~~ويرسل إليه حاكم براندنبرج رابطة الرقبة والنقود وحزمة من الملابس وغيرها من الأشياء ~~الصغيرة التي أجبر كبير سائسيه على تركها في قلعة النبيل. ويعلن كولهاس رضاه ~~التام عن هذا الحكم، واستعداده بدوره لأن يموت تعويضا عن خرقه للقانون. وتنتهي ~~الرواية القصيرة بقطع رأسه. # هذه ليست أحداثا تنتمي للواقعية الاجتماعية، فبينما تزداد أفعال كولهاس شذوذا ~~وغرابة وتتعمق الدسائس السياسية المسعورة للسلطة حول زوج من الخيول المنهكة مع كل صفحة ~~من الرواية، فإن المفارقة الغريبة بين إصرار تاجر الخيول العنيد على العدالة وقضيته ~~التافهة تكشف بوضوح عن أن السرد لا ينتمي لمدرسة الواقعية بل للنظام الواقعي. ومع ~~تراكم جرائم تاجر الخيول ومكائده على الدولة بمعدل رهيب وبإيقاع سريع مدهش، يتضح أننا ~~أمام مزيج جامد من المأساة والهزل والتجسيد المنفر. إن حصاني كولهاس البائسين ~~عندما يراهما لأول مرة على الملأ جمهور يعرف كم قدر اللغط الذي ms214 سبباه تسري بين ~~أفراده نوبة ضحك عارمة لرؤية «الحصانين اللذين اهتزت بسببهما أركان الدولة نفسها، زوج ~~الخيول الذي كان بالفعل مملوكا لتاجر الخيول!» تتسم الرغبة بشيء من التفاهة، تسبب عند ~~اجتماعها مع ما يسميه الراوي «العناد الجنوني» ضجيجا غير عادي حول لا شيء تقريبا. ~~لكن هذا كما سنرى؛ لأن هذا «اللاشيء تقريبا» هو فرصتها وليس هدفها. # ورغم أن كولهاس قاتل جماعي متوحش يتسبب في إفقار أهله ليوفر المال من أجل قضيته فهو ~~في واقع الأمر شخصية عقلانية جدا؛ إذ يعتبر على نطاق واسع «نموذجا مثاليا للفضائل ~~المدنية» إلى أن يسيء النبيل معاملة حصانيه، ويظل على هذا الوضع من ناحية ما طوال ~~الرواية. فهو على كل حال في خضم سعي راسخ مثير للإعجاب نحو تلك الفضيلة المدنية ~~المثالية المهمة المعروفة بالعدالة، حتى وإن كانت الوسيلة التي يسعى بها للوصول إليها ~~غير تقليدية بعض الشيء، فهو مستعد باسم العدالة العامة أن يتحول إلى تجسيد حي لنقيضها ~~تماما؛ إذ ينجح بذبح وتدمير عدد لا يحصى من الرجال والنساء والأطفال الأبرياء في ~~إثبات كيف أن العدالة فضيلة مطلقة، وهي الظاهرة الوحيدة - كما يزعم جاك دريدا - التي لا ~~يمكن تفكيكها. # لقد كان حس العدالة عند كولهاس كما يخبرنا الراوي «نقيا كنقاء الذهب الخالص.» ~~فرد فعله على غضب النبيل عقلاني تماما، بل يكاد يكون متسامحا؛ وهو يسعى وراء ~~قضيته متبعا القنوات القضائية المشروعة، وبتدقيق نموذجي. وهو لا يفعل ذلك بدافع شخصي ~~بالأساس، بل باسم مواطنيه الذين تعرضوا لقهر هذا النبيل صاحب النفوذ، فتاجر الخيول ليس ~~مجرد مواطن خاص بل مصلح سياسي يعمل لحساب نفسه يسعى إلى «معاقبة ... الخداع الذي أصبح ~~يحيط بالعالم كله» ويطالب الناس بالانضمام إليه في تأسيس «نظام أفضل للأشياء.» وقد نجح ~~باختصار في تعميم مظلمته الشخصية في صورة رؤية للعالم من منظور طبقي. ولم يلجأ إلى ~~السلاح إلا عندما اصطدمت تطلعاته نحو تحقيق العدالة من خلال النظام القضائي بالفساد ~~والمحسوبية في الدولة. # مع ذلك، وبرغم الإفراط المحموم في عملياته العسكرية يظل دقيقا في ms215 حصر مطلبه بالتعويض ~~على ما أخذ منه بالضبط، وهذا مزيج من الإفراط والدقة سنلاحظه كذلك في شخصية شايلوك ~~التي رسمها شكسبير. فمن الواضح تماما رغم غمغمة الراوي الموجهة حول «عذاب الجحيم بسبب ~~القصاص غير المتحقق» أن سعي كولهاس ليس للانتقام بل للعدالة. ولقد تعلمنا تماما من ~~الإرهاب في عصرنا الحالي أن عرقلة السعي للعدالة لديها القدرة على خلق وحوش. إن هذا ~~«الرجل المجنون وغير المفهوم والمريع» كما يصفه لوثر، يعد بهدوء قائمة بالأشياء ~~التي تركها كبير سائسيه مع الحصانين ومعها قيمتها؛ لكنه يرفض أن يطلب تعويضا عن ~~خسارة كل ثروته وأملاكه ولا حتى عن تكلفة جنازة زوجته. فرغبته الوحيدة هي أن يسمن ~~النبيل الحصانين اللذين أمر بتجويعهما ثم يعيدهما إليه. وعندما يرفض النبيل بتعجرف ~~الاستجابة لهذا الطلب، يضرم كولهاس النيران في قلعته ويتحول لإرهابي أو قائد فرقة ~~مسلحة. إنها حملة ضد السيد الممقوت يدعمها العامة بكل ما أوتوا من قوة. إن النبيل وليس ~~كولهاس، في نظرهم، هو من تسبب في قتلهم وإحراق منازلهم. وحتى سكان فيتنبرج عاثري الحظ ~~- إذ تحرق منازلهم علي يد جنود كولهاس ثلاث مرات على الأقل - لا ينفكون يؤيدونه ~~بأقصى حماس. # وكما سنرى في حالة هيثكليف الشخصية التي أبدعتها إميلي برونتي، فإن إخراج كولهاس من ~~حدود المجتمع الإنساني باعتباره منبوذا هو السبب الوحيد في إيمانه بأن من حقه شن ~~الحرب على هذا المجتمع. في واقع الأمر، فإن الدولة ذاتها، رغم أنها في أمس الحاجة ~~لاحتواء عنفه، تعتبره «غازيا أجنبيا» بدلا من متمرد محلي. أما كولهاس، قائد ~~المتمردين، فيعامل لوثر بأشد احترام، رغم الإهانات الشنيعة التي يمطره بها ورفضه ~~الاستماع لاعترافه. وكان كولهاس هو من اقترح على لوثر فكرة العفو واعدا إياه بإلقاء ~~السلاح مقابل جلسة استماع منصفة في المحكمة. ربما يكون كولهاس خارجا على القانون، ~~ورمزا تجاوز حدود النظام الرمزي؛ لكن ثمة عنف بالغ يكمن في قلب هذا النظام؛ ~~سلسلة من أعمال الانتقام وفيض من الشر في القانون نفسه؛ ودور تاجر الخيول السياسي هو أن ~~يكشف ذلك ms216 على حقيقته. إن مسئولي الدولة هم المخادعون والخونة وليس البطل. ولا يكتفي ~~الراوي بالتأكيد على معرفتهم بأن الاتهام الذي وجهه كولهاس إلى النبيل صحيح تماما، بل ~~على شعورهم بالحرج من أنهم هم أنفسهم - بتواطؤهم مع الظلم - الذين وضعوا في يده السيف ~~الذي يستخدمه ضدهم. ولا يوجد الكثير من بين القوى الحاكمة المعاصرة التي تتمتع بنفس ~~الإحساس. # وتنتهي قصة «ميكائيل كولهاس» بإعلان البطل السعيد تحقق كبرى أمنياته على الأرض؛ إذ ~~تنبش خيوله الأرض بقوة أمامه وقد عادت لعافيتها السابقة. لكن لا شك أن استعادة ~~الحصانين لعافيتهما بهذا الشكل ليست الشيء الذي تتعلق به رغبته. فما من شخص قد يحرق ~~فيتنبرج لمجرد أن شخصا تسبب في إعياء حصانيه. فربما يمكن اعتبار الحصانين مثالا ~~لمفهوم لاكان عن «موضوع الرغبة المستحيل». هذه القطعة العادية العشوائية من المادة التي ~~تصير مكمنا لكل قوى النظام الواقعي العارمة، فإن كان كولهاس يهلك في سعادة مأساوية، ~~فذلك ليس لأنه نجح في الحفاظ على ما يمتلكه من خيول؛ بل لأنه نجح في ألا يفرط في ~~رغبته. (في مسرحية كلايست «أمير هومبرج» يقبل البطل بإصرار على الموت بصورة مشابهة، ~~مثل النبي إبراهيم فيما يتعلق بالتضحية بابنه إسحاق، وقد أتاح له هذا الإصرار عينه ميزة ~~الإعفاء من العقاب في اللحظة الأخيرة.) صحيح أن مطلب كولهاس المباشر - المتمثل في تعويض ~~خسارته - يتحقق؛ لكنه كان على استعداد للعيش دون إشباع هذا المطلب ومواجهة الموت بنفس ~~الروح ما دام منع عنه. فأصبح الحصانان عند مالكهما الشيء الذي يتجاوز حدود نفسه؛ حيث ~~يرمز لطلب العدالة والتقدير، وهو المطلب الذي في نفس الوقت عقلاني بشدة ومفرط في جنونه، ~~وهو بارع على نحو كاف لأن يطوع دافع الموت المريع في خدمته. إن شغف كولهاس لا يقبل ~~المساومة لأنه - كما الدافع عند فرويد - لا يعرف بالشيء الذي يتعلق به. فالعدالة ~~مطلقة، وإنكارها يدفع الرجال والنساء إلى غضب من الصعب جدا السيطرة عليه؛ لكن ورغم أن ~~إنكار العدالة في حالة فردية يقوض فعلا مطالب العدالة عند الجميع، فكيف يمكن ms217 التضحية ~~بحقوق هؤلاء الآخرين - كما في حالة كولهاس - في سبيل حق الفرد في الإنصاف الذي (كما ~~يعرف كولهاس نفسه) لا يمكن أن يخصه هو وحده؟ فإن كانت الرحمة والتسامح صورا ~~إبداعية من الإفراط، فإن التعطش الذي لا يتزعزع للعدالة قد ينقلب لضده، فمن الممكن أن ~~تسرف في طلب الدقة. إلا أن التسامح قد يزيد عن الحد هو الآخر: فكما رأينا في مسرحية ~~«الصاع بالصاع» لا يمكن السماح بتجاوز مطالب العدالة تماما، فالأشرار يجب أن ~~يحاسبوا، وهو ما لا يعني أنه يجب عدم مسامحتهم. ويبدو أن كولهاس لا يفهم هذه النقطة؛ ~~إذ يتوسل للوثر من أجل أن يسمح له بالعفو عن كل المسئولين الفاسدين المتورطين في قضيته ~~لكنه مع ذلك ما زال يرغب في إجبار النبيل الذي ظلمه على تسمين حصانيه من أجله. إلا أن ~~إجبار خصمه على فعل ذلك ليس أكثر من العدل، وليس بالضرورة رفضا للعفو (كما يرى هو نفسه ~~على ما يبدو). # عندما نصادف في الأعمال الأدبية رغبة تعزل البطل بنحو صارخ وتجعله غريبا عن نفسه، ~~وتعبر عن احتياج داخلي حتمي، وتجسد رفضا قاطعا للتنازل، وتكرس نفسها لهدف أثمن من ~~الحياة نفسها، وتوقع الشخصية فيما بين الحياة والموت، وتأخذ به لا محالة إلى موته، ~~يمكننا أن نتأكد بقدر كبير أننا في حضرة النظام الواقعي. وتعد شخصية لورد جيم التي ~~أبدعها جوزيف كونراد مثالا على هذا أكثر من كونها شخصية تتمثل فيها مواصفات البطل عند ~~إبسن. وتمثل مسرحية كلايست التراجيدية البديعة «بنثسيليا» - وهي مسرحية مطعمة بالنشوة ~~أو المتعة الديونيسيوسية، يبين أحد التعليقات عليها أنه يحركها «دافع أولي لا يتوانى ~~تمتزج فيها تماما الرقة وشهوة التدمير والافتراس امتزاجا عميقا» # 8 ~~- عملا دراميا عن نموذج ثاناتوس؛ حيث تتحدث ملكة الأمازون التي تحمل ~~المسرحية اسمها عن تمزيق أحبائها بأسنانها. ويستحوذ على كولهاس هو الآخر نفس هذا النوع ~~من الشغف الحانق؛ إذ يمكنه أن يذبح أي أحد بلا أي وازع من الضمير؛ حيث إن كل شيء دنيوي ~~تماما يفقد قيمته تماما في إطار ms218 النظام الواقعي الصارم. # ثمة حبكة ثانوية في أسطورة كلايست تتعامل مع الواقعية الأدبية بازدراء أكبر من الحبكة ~~الرئيسية. وقد تجاهلها بعض الباحثين على هذا الأساس، لكن هذا التجاهل ينم عن قصر نظر ~~بالغ؛ فهذه الحبكة الثانوية الرائعة - التي تأبى أن تكون مقبولة واقعيا - تدور حول ~~قطعة من الورق جاءت في حوزة كولهاس مكتوب عليها نبوءة بخصوص المصير المستقبلي لحاكم ~~ساكسونيا، الرجل الذي خدع تاجر الخيل بعرض العفو عنه ونكث وعده. يعلم الحاكم بوجود قطعة ~~الورق، وإن لم يعلم ما كتب عليها، ويحاول جاهدا الحصول عليها؛ فهي كما يشير أهم عنده ~~من حياته. وتعذبه فكرة أن كل هذه المعلومات ستختفي باختفاء مالك الورقة الذي يوشك أن ~~يرسل إلى العالم الآخر، ويحضر إعدام كولهاس ليستعيد الورقة من جثته. أما كولهاس فبعد ~~أن نبه إلى هذا المخطط مسبقا فيسير إلى الحاكم المتطلع في فضول في لحظة موته ~~ذاتها، وينظر في عينيه بثبات، ويخرج الورقة من قلادة مدلاة في رقبته ويقرؤها ~~ويبتلعها. # ليس من الصعب أن نرى النبوءة المكتوبة نموذجا للأمر الذي يحكم على العبد بالموت؛ ~~لكنه إذ كتب على رأسه وهو نائم يظل وصوله إليه مستحيلا. يستخدم لاكان كما رأينا تلك ~~الصورة اللافتة ليبين الطريقة التي نعتمد بها في معرفة هويتنا على شيء ذي دلالة ~~(الآخر الكبير) الذي هو مستعص علينا. ومن هذا المنطلق فإن كولهاس نفسه - وهو شخصية ~~خاضت بحور الدم في طلبه التقدير من الآخر الكبير - قد أصبح يجسد الآن الآخر الكبير ~~المستغلق الغامض بالنسبة للحاكم؛ إذ يحمل معه دالا يمثل سر مصير الحاكم لكنه يبقى ~~مستعصيا عليه إلى الأبد. فكأنما يستغل هذا المدان موته ليجرد الحاكم من قدر من ~~السيادة على موته هو. وفي انعكاس فريد للقوة ينزل المظلوم انتقامه بالظالم باطلاعه على ~~معرفة تنبؤية، معرفة يموت من أجلها الحاكم طواعية. إنها معرفة مستحيلة لا يمكن نيلها ~~عن نظرة الآخر الكبير إليه؛ سر ماهيته الحقيقية الذي لا يمكنه أبدا الوصول إليه. إلا ~~أن كولهاس يمنع هذا الكشف؛ إذ يدمر الدال ms219 ويمنع معرفته إلى الأبد. إن هذا - وليس ~~استعادة حصانيه - هو ما يمثل انتصاره الحقيقي. فالفراغ الناتج عن موت تاجر الخيول ~~يتحول لغياب عدوه عن نفسه، مغلقا منفذه للوصول إلى البعد الواقعي من رغبته. إن ~~كولهاس يسير - كما ينبغي لبطل تراجيدي ألماني - منتصرا إلى موته؛ لكن بعد صدمة فعله ~~الأخير يعيش الحاكم في انكسار. فكلتا الشخصيتين، بطرق مختلفة، مثال على الميت الحي. وفي ~~التلميح الساخر للتغذي الذاتي لرجل ميت، يبلع كولهاس في جسده الذي في طريقه للموت ~~الدال الرهيب الذي يمثل مفتاح هوية الآخر؛ ومن ثم يقتل الحاكم لبقية عمره. ~~فكأنما يتحول تاجر الخيول حرفيا إلى تجسيد للبعد الواقعي عند خصمه؛ إذ يبتلع موضوع ~~الرغبة المستحيل الذي هو النبوءة في جسده. فهو يبتلع هوية الحاكم كآكل لحوم البشر ~~فلا يترك قطعة باقية منه؛ وبذلك ينال القوة العليا للعدم التام، وهو ما لا يستطيع حتى ~~النبيل نفسه أن ينتزعها منه. ويذكرنا كلايست في سرده بملاحظة لاكان أن «الاستمرار في ~~التحليل حتى نهايته ليس إلا الوصول إلى الحد الذي تظهر فيه إشكالية الرغبة بالكامل.» # 9 # إن كانت قطعة الورق تمثل موضوع الرغبة المستحيل الذي يقدره الحاكم أكثر من حياته فثمة ~~وثيقة أخرى مكتوبة - عقد شايلوك القانوني - تؤدي دورا موازيا في مسرحية «تاجر ~~البندقية». ففي تجسيد شهير لفكرة العين بالعين، يتم شايلوك صفقة تجارية مع ~~أنطونيو يقتطع بموجبها الأخير قطعة من لحمه لصالح الأول إن لم يرد المال الذي ~~اقترضه منه. وعندما تغرق سفن أنطونيو، يرفع شايلوك قضية ضده بإصرار لا يرحم: # ليحذر الإخلال بالعقد ... اعتاد في الماضي أن يدعوني المرابي. فليحذر الإخلال بالعقد ... ~~واعتاد أن يقرض المال كمسيحي دون فوائد. فليحذر الإخلال بالعقد! ~~(3، 1: 50-54) # ولاحقا يصبح تكرار كلمة «عقد» أكثر إلحاحا، قارعا جرس الإنذار المشئوم لأنطونيو ~~المهدد: # ستنفذ شروط العقد، فلا أسمعك تسفه عقدي: # وقد أقسمت على إتمام عقدي. # كنت تدعوني كلبا قبل أن يكون لديك سبب يدفعك إلى هذا، # وحيث إنني كلب فاحذر من أنيابي: # سيلتزم الدوق بمقتضيات العدالة ... # سأنال حقي، ولن ms220 أسمعك: # ستنفذ شروط العقد، فلا معنى لمزيد من الكلام. # ولن أسمح لنفسي بأن ألين أو أن أخدع، # فأهز رأسي وأتراجع وأتنهد وأستجيب # لشفاعة مسيحيين. لا تتبعني؛ # فلن أقبل حديثا منك، وسأنال حقي. ~~(3، 3: 4-8، 12-18) # إن عقد شايلوك - شأنه شأن أي مستند قانوني - يتجسد في شكل لغوي؛ إلا أن دلالته يبدو ~~أنها تكمن فيما وراء الكلمات وتخرس اللسان («لن أقبل حديثا منك»). ففي إطار السياق ~~الدرامي، تعني العبارة السابقة من بين أشياء أخرى أن الدائن لن يقبل أيا من الخطاب ~~المداهن ولا التملق الأيديولوجي اللذين سيتوسل بهما إليه الآن المسيحيون الذين ~~كانوا يبصقون على وجهه في الماضي لكي يبدي رحمة ثبت أنهم مفتقرون إليها. إنه ~~دال على الرغبة التي تقود شايلوك، الرغبة في العدالة كما حال ميكائيل كولهاس (يصرخ ~~شايلوك مناوئا لمحكمة مليئة بمتعصبين أعداء للسامية: «إنني أطالب بالعدالة؛ أجيبوني: ~~أأنالها؟») لكنها كذلك طلب من منبوذ للتقدير من مجموعة من أولياء الأمر عديمي الضمير؛ ~~إذ يريد شايلوك - مثل كولهاس - حقه دون زيادة؛ إلا أن هذه المبادلة المحسوبة بدقة غير ~~متناسبة كذلك على نحو مخيف: # لو أن كل دوقية من هذه الآلاف الستة # تحولت لستة أجزاء، كل جزء منها دوقية، # لما أخذتها ولظللت أطالب بتنفيذ شروط العقد. ~~(4، 1: 89-91) # إن قطعة اللحم البشري التي يريدها شايلوك قطعة من اللحم عديمة القيمة والفائدة، لكنها ~~في نفس الوقت شيء لا يقدر بثمن، ولا يمكن أن يباع ويشترى، ويسمو فوق مستوى السلع ~~العادية المتداولة. فهي بالنسبة لشايلوك تعمل في إطار النظام الرمزي عمل صك الاتفاق ~~القانوني أو بديل الثروة المادية؛ إلا أن هذه القطعة التافهة العزيزة تدل أيضا على ~~صورة من السلبية في قلب هذا النظام ، وكسر لمداولاته المضبوطة بدقة لا يمكن تمثيله. إن ~~الحدة التي يطلب بها هذا اليهودي دون رحمة قطعة اللحم تماثل الدقة الصارمة التي تأمره ~~بها المحكمة المسيحية بألا يزيد أو ينقص شعرة في حقه؛ لكن الطلبين ينتميان ~~لنظامين مختلفين تماما، الأول للنظام الواقعي والأخير للنظام الرمزي. ويمكن توضيح سلوك ~~شايلوك بتعليق ms221 من لاكان على ممارسة التحليل النفسي: «إن كان للتحليل معنى، فهو أن ~~الرغبة ليست سوى ما يدعم فكرة لا واعية، يربطنا التعبير عنها بمصير محدد، ويتطلب هذا ~~المصير بأن يرد الدين، وتظل الرغبة تعود وتعود، وتضعنا مرة أخرى في مسار محدد، ~~مسار يؤدي إلى شيء يخصنا بالتحديد.» # 10 # يرفض شايلوك الذهب من أجل قطعة اللحم البشرية؛ حيث إنه يدرك على نحو محق أنه لا يمكن ~~قياس الأخيرة كميا. وبرغم إشارة جراشيانو الحمقاء إلى «امرأة لا تباع ولا تشترى» ~~فإن الأجساد وأكياس النقود لا يمكن المقارنة بينهما. لكن جزءا من عظم صدر بشرية ليس ~~ثمة ما هو أسوأ منه، كما يقول باسانيو عن حالته التي أثقلها الدين عندما غرقت سفينة ~~أنطونيو؛ حيث إن الأنواع الأخرى من لحم الحيوان يمكن بيعها كما يقول شايلوك. إن ما ~~يرغبه شايلوك هو العالم الواقعي لجسم الإنسان، وهو ما ترمز إليه قطعة اللحم البشرية ~~التي يريدها من أنطونيو أو موضوع الرغبة المستحيل. وبصورة أدق فهو يطلب اعترافا بأنه ~~يتكون هو الآخر من لحم ودم شأنه شأن هؤلاء المسيحيين، وبأنه حتى اليهودي الملعون يضحك ~~عند دغدغته وينزف عندما يجرح. إن المكونات المشتركة للجسم المادي وليس الانتماءات ~~الثقافية هي ما يضعها شايلوك نصب عينيه في جدله المميز ضد معاداة السامية. # فرغبة شايلوك إذن هي رغبة في التبادلية الإنسانية التي يعد طلبه لقطعة من اللحم ~~المسيحي سخرية مريعة منها. فهو كأنما يحاول تغيير النظام الرمزي على نحو مباشر إلى ~~النظام الواقعي؛ إذ يستبدل بتشابه الأجسام التبادل المادي. فاتفاقه مع أنطونيو نوع من ~~المحاكاة المبالغ فيها للرفقة الأفخارستية، التي لا يمكن فيها لشايلوك أن يمتلك جسد ~~أنطونيو إلا من خلال علامة عليه أو بقايا رمزية منه. فالصراع القاتل بين اليهودي ~~والمسيحي هو قلب ساخر للرفقة الحقيقية التي جزء من شايلوك يرغبه. وبهذه الصورة السلبية ~~وحدها - وبدافع اعتداء وحشي أو دافع موت يستهدف أنطونيو لسوء حظه - يتاح لشايلوك ~~فرصة تبادلية حقيقية. وفي ظل هذه الظروف لا يمكن للحب أن يعبر عن ms222 نفسه إلا في صورة ~~كراهية تلازمه بصورة مرعبة. وكما هو حال كولهاس وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فإن شايلوك ~~آكل لحوم بشر رمزي، وكذلك الذين يشاركون في وليمة المحبة الأفخارستية. لكن إن كانت ~~أفعاله تنتمي من هذا المنطلق للنظام الرمزي، فهي كذلك تستهدف المواجهة المباشرة مع ~~البعد الواقعي للجسد والموت؛ وحيث إن ما يرغبه شايلوك ليس أقل من امتزاج الأجساد فهو ذو ~~بعد خيالي أيضا. فخصومته الضارية مع أنطونيو تعود لهذه العلاقة الخيالية بقدر رؤيته له ~~باعتباره تاجرا زميلا وأنا بديله. # إذا فهي قضية جسدية بين رجلين بكل المعاني، فحتى كراهية شايلوك للتاجر تتجسد في صورة ~~تبن واستيعاب له: «فلو أني تمكنت منه، لأطعمت وحش حقدي القديم من لحمه» (1، 3: ~~47-48). ويتحدث لاحقا عن «الأكل من مائدة المسيحي المبذر» (2، 5: 14-15). فإنكار قطعة ~~اللحم على شايلوك يعني إنكاره، وإنكار جسده، وإنكار طلبه المتعطش للتقدير. فالعالم ~~الواقعي الذي يرفض شايلوك التخلي عنه هو جسد رجل آخر؛ وهو ما يعني الإنسانية المشتركة ~~التي يدين بها أنطونيو ومقربوه من الطبقة الحاكمة لليهودي النجس لكن يرفضون منحه إياها. ~~يزعم شايلوك أنه يريد أن يكون صديق أنطونيو ويفوز بحبه؛ ورغم أن هذا الزعم قد يكون ~~كاذبا جزئيا، وليس سوى طعم مراوغ لإيقاع أنطونيو في الشرك، فلا ينبغي التغاضي ~~عنه كليا. # يزعم شايلوك أن لحم أنطونيو ملكه، وهو كذلك على أية حال من وجه ما؛ وتبرز أهمية ~~عقده في المسرحية لأنه دال على هذه الملكية الجوهرية، فكلمة «العقد» بمعنى الاتفاق ~~القانوني الملزم هي كلمة «العقد» بمعنى الرابطة الإنسانية؛ وهذا هو السبب في أن شايلوك ~~يستثمر قدرا مريعا من الطاقة العاطفية في قضيته المنحوسة. وتعكس حيادية اللغة ~~القانونية حيادية روابط إنسانيتنا المشتركة التي لا يمكن لأي تحيز ثقافي أو نزوة ذاتية ~~أن تنحيها جانبا؛ فالجسد البشري في النصوص اليهودية المقدسة التي يثق بها ~~شايلوك ليس شيئا ماديا في المقام الأول بل مبدأ للاتحاد مع الآخرين. إن التواصل ~~الأصيل مع أنطونيو وأمثاله هو ما يسعى إليه شايلوك، بعكس الاتفاقات النفعية والإهانات ms223 ~~العنصرية والإقناع الخادع والدوال المبتذلة. يغرق شايلوك في صراع حياة وموت هيجلي من ~~أجل تقدير النخبة الحاكمة في البندقية. فهو يرغب في أنطونيو رغبة شديدة لدرجة أنه مستعد ~~لأن يلتهمه، وينفث عنفه المميت في وجهه وهو يمتزج بجسده. فإن كانت تلك هي الوسيلة ~~الوحيدة التي يمكنه بها انتزاع لمحة تقدير من ظالميه المسيحيين فهذا أسوأ. فربما لا ~~يمكن لأنطونيو إلا كعدو - بوصفه رجلا تحت التهديد - أن يكون صديق شايلوك؛ بمعنى أن ~~مصير أنطونيو مقترن حتما بشايلوك. # إن مما يميز أخلاق النظام الواقعي أنه مهما كانت المواجهة مع الحقيقة صادمة، فهي ~~تطلق قوة غريبة تدشن بها نظاما إنسانيا جديدا، فمن خلال التضحية أو الموت الرمزي ~~فقط - من خلال تجريد النفس من الهويتين الخيالية والرمزية - يمكن للإنسان أن ~~يخوض مثل هذا التغيير الذي يسميه العهد الجديد بالميتانويا أو التحول الروحي. إن ~~الأفخارستيا المسيحية احتفال بالرفقة، فهي طريقة جديدة لانتماء كل منا للآخر، تمثل صورة ~~مسبقة للمجتمع العادل أو مملكة الرب المستقبلية؛ لكن هذا النموذج الثوري من الحياة ليس ~~ممكنا إلا من خلال المشاركة الرمزية في عبور المسيح الدامي من الموت إلى البعث. وعلى ~~هذا المحمل يمتزج النظامان الرمزي والواقعي في فعل واحد، فالخبز والنبيذ اللذان يمثلان ~~لغة تضامن في الأفخارستيا دالان أيضا على جسد مشوه، يكمن فيهما كما يكمن المعنى ~~في الكلمة. وهذا هو السبب في أن سر التناول (وهي المكافئ اللاهوتي لكلمة «العلامة») ~~يتضمن الأكل والشرب؛ ليس فقط لأن هذه الأشياء تعبير تقليدي عن الصداقة؛ بل لأن التغذية ~~التي تقدمها لا تنفك عن الهلاك. ولو أن أنطونيو وباسانيو وزملاءهما المعادين للسامية ~~كانوا قادرين على استيعاب المعنى الحقيقي لمطالبة شايلوك بالحصول على رطل من لحم ~~أنطونيو (وهو ما لا يفترض أن شايلوك نفسه يعرف دلالتها الحقيقية، فضلا عن أنه يريد ~~بفكره الواعي أن يقضم قطعة من أنطونيو)، فلربما أدى هذا الإدراك إلى تأسيس نظام أخلاقي ~~وسياسي من نوع جديد؛ نظام مبني على الصداقة السلمية بدلا من الخصومة والانقسام. # بالطبع ربما يكون رطل ms224 اللحم ذاك مرتبطا بالإخصاء بقدر ما يرتبط بأكل لحوم البشر؛ إذ ~~إن شايلوك في نهاية الأمر مسموح له بأن يقتطعه من أي جزء من جسد أنطونيو يختاره، ويمكنه ~~أن يختار مازحا أربية التاجر. إن كان هذا هو الحال فإن شايلوك يظهر بمظهر القانون ~~الأبوي التأديبي أو «اسم الأب» المهدد بالإخصاء؛ لكن قد لا يقتصر الأمر على هذا؛ إذ ~~يعتبر جاك لاكان وهو يكتب عن مسرحية «هاملت» أن الشيء القادح للرغبة هو أي شيء يملأ ~~فراغ الخسارة الأولى، شيء يصفه بأنه «هو تلك التضحية الذاتية، رطل اللحم هذا الذي يرهن ~~في العلاقة مع الدال.» # 11 # فالدخول إلى النظام الرمزي أو تأسيس علاقة مع الآخر الكبير يعني استبدال ~~العلامة بالجسد؛ أي التخلي عن الحق في جسد الأم باعتباره ثمنا للحصول على اللغة ~~والممارسة الجنسية والوجود الاجتماعي. أما الوعد المثالي للأفخارستيا في المقابل فيكمن ~~في اتحاد الجسد والعلامة في شيء واحد. فوحده من يتخلى عن تصور زنا المحارم - كما ~~يرى لاكان - هو من يستطيع الكلام. وبفضل هذا العبور وحده من النظام الخيالي إلى ~~النظام الرمزي يمكن للفرد أن يكون ذاتا ومن ثم تكون لديه رغبة. إذا فشايلوك قد ~~يكون داعيا أنطونيو لأن يخضع لمثل هذا التحول؛ للتضحية بجزء من هويته والامتناع عن ~~جزء من متعته الجسدية من أجل تكوين علاقة مع الآخر الكبير الذي يمثله شايلوك بالنسبة له ~~من أكثر من جانب. إن رطل اللحم هو «الشيء الجيد» بتعبير لاكان الذي يجب على الفرد ~~التخلي عنه من أجل تحقيق رغبته. إنه الدال - في صورة عقد شايلوك - الذي يعتمد أنطونيو ~~تماما عليه؛ لكن مثلما تقتل الكلمة فهي قد تهب الحياة أيضا. وصار هذان الرجلان ~~مرتبطين ببعضهما بقطعة من الورق المكتوب عليها التي قد تكون قاتلة و(بتعبير شايلوك) ~~«تسلية بهيجة» معا، دعابة لا تضر، وسخرية مسلية من عقد تجاري مباح في اليهودية. إن ~~الاعتباطية الحمقاء لطلب شايلوك تتعارض مع قوالب النظام الرمزي بقدر ما تتعارض مع ~~النظام الواقعي الذي تستدعيه. # يبين لاكان في تأملاته لمفهوم ms225 فرويد عن التسامي هذا التحويل لرغبة أولية إلى شيء أعلى ~~في إشارة إلى سفر الرؤيا (10: 9) الذي يأمر فيه ملك الراوي بأكل لفافة من الورق. إن ~~عبارة «خذه وكله!» ملخص تهذيبي كاف للعملية التي يصفها فرويد. فكأنما شايلوك ~~يرغب في أكل أنطونيو على المستوى الرمزي، على مستوى الدال في عقده. فعلامات العقد - ~~بطريقة أفخارستية - تمثل جسدا مقطع الأوصال، فنصه تسام سيميائي لتعطش شايلوك ~~للحم أنطونيو؛ حيث يستوعب جسده في خطوة تذكر بالألفة والعدوان في النظام الخيالي. إذا ~~فجميع نظم لاكان الثلاثة للوجود حاضرة في هذه الصفقة المركبة. بل إن لاكان نفسه يزعم أن ~~الكلمة التي استخدمها سوفوكليس لوصف عناد أنتيجون الشديد قد تشير أيضا إلى آكل اللحوم ~~النيئة. # يرى شايلوك أن اتفاقه مع أنطونيو اتفاق ودي («إنه إكرام مني لك»)، وهو تقييم ليس ~~ساخرا تماما؛ فكلمة إكرام هنا تعني القرابة والإنسانية المشتركة كما تعني العطاء. من ~~المدهش أن المرابي اليهودي سيئ السمعة يعطل حساباته الربوية المعتادة من أجل فعل مجاني ~~أو مشهد كوميديا سوداء غريب، فيطلب أكثر وأقل مما يطلب عادة في مثل هذه الأحوال. صحيح ~~أن أنطونيو يطلب منه مغازلة الموت كما هو الحال عامة عندما يواجه المرء النظام ~~الواقعي؛ إلا أن احتمالات عجزه عن سداد دينه ضعيفة بدرجة تجعل العرض سخيا على نحو ~~غير عادي. إن أنطونيو نفسه يرى ذلك، وإن كان بأسلوبه المتعالي يوافق على الصفقة متخذا ~~صورة عدو لا صديق. إن المعاملة التي تحوي بعضا من النظام الواقعي عند شايلوك نفسه ~~يعتبرها أنطونيو معاملة رمزية أو عملية بحتة، ويرفض في تعال روح الاتفاق، كما يرفض ~~الدفاع المراوغ لبورشيا لاحقا روح اتفاق شايلوك أو معناه البديهي. # إن فكرة بورشيا عن أن العقد لا يشير إلى الحديث عن الدم هي مراوغة انتهازية مستفزة، ~~فهي خلط قانوني يحرر به المسيحيون واحدا منهم من المساءلة بينما يسلبون شايلوك بضائعه ~~تحت غطاء من الحديث عن الرحمة. إن العقد بالتأكيد لا ينص على أن الدائن له أن يريق دم ~~أنطونيو وهو يقتطع جزءا ms226 من لحمه، لكن هذا استنتاج منطقي من النص، كما قد تقر أي محكمة ~~في الواقع؛ فمن غير المعقول القول إن الوثيقة لكي تكون سليمة قانونا يجب أن تذكر كل ~~ظرف ممكن للموقف الذي تشير إليه. وكما تقر بورشيا نفسها، فإن العقد لا ينص على حضور ~~جراح، وإن كان هذا - كما تقول هي نفسها - بندا جيدا. فهي بالمبالغة في التفسير الحرفي ~~لعقد شايلوك يخونها معناه على نحو واضح. من الممكن أن يوجد إفراط في التدقيق (الذي يمثل ~~تشدد شايلوك نفسه مثالا آخر عليه) مثلما يوجد تفريط (مثل تبذير تيمون الأثيني ~~العصابي) يبطل الإجراء بصورة مدمرة. إن تدقيق شايلوك في تحديده لما لا يزيد عن ~~الرطل من لحم خصمه مفرط في دقته؛ حيث إنه شبه مؤكد أنه بأخذه الرطل سيأخذ في الغالب ~~قطعة أكبر منه. # لا يسع شايلوك أن يفوز؛ لأن مطلبه الحقيقي هو التقدير لا الانتقام. لكنه لا يمكنه أن ~~يخسر كل شيء أيضا؛ حيث إن قضيته تخاطر بإجبار السلطة في البندقية على تشويه صورتها؛ إذ ~~بمعاقبتها إياه على إلحاحه اليهودي ينكشف عنادها هي الأخرى، وتتفوق على تقيده ~~«اللاإنساني» بالقانون. وفي النهاية وبسبب تجرؤ شايلوك على السعي لاسترداد دين ~~ملزم قانونا، تصادر بضائعه على يد السلطات، ويجبر على التحول للمسيحية. ويأتي رده ~~اليائس بأن يطلب من المحكمة أن تنهي حياته بدلا من ذلك. إلا أن اليهودي في تلك اللحظة ~~قد كشف زيف عدالة المسيحيين، فضبطه لهم متلبسين في احتيال قانوني محدد يعني وصم قانونهم ~~عامة بالعار، مثلما يؤثر إقراض المال دون فوائد كما يفعل أنطونيو على سعر الفائدة ~~العام في المدينة. ولا يكاد يستغرق شايلوك أي وقت ليدرك هذه الحقيقة: # رطل اللحم الذي أطالبكم به قد بذلت فيه ثمنا غاليا، # فهو لي إذن وسآخذه. # فإن أبيتم، فاللعنة على قوانينكم! # قوانين البندقية التي لا تطبق. ~~(4، 1: 99-102) # إنها نقطة قوية، ومفحمة على نحو كاف لتقنع أنطونيو نفسه، فيرى أنطونيو أن الموقف ~~سيبدو في صورة سيئة في أعين شركاء البندقية التجاريين؛ وقد يؤدي من ms227 ثم إلى كارثة ~~اقتصادية. فهل ستظل السلطة إذن غير مبالية بالأفراد، فتعاقب واحدا من المنتمين ~~المحترمين إليها من أجل شخص غريب مكروه؟ إن لم تفعل فهي تخاطر بتفكيك نظامها ذاته، ~~وتسمح لبورشيا باستخدام عين المراوغة اللاموضوعية التي من المفترض أن يمنعها القانون. ~~وقد تكون النتيجة النهائية لهذا العبث في التأويل هي الفوضى السياسية، وهما نوعان من ~~عدم الالتزام يتلازمان بشدة في ذهن شكسبير. # أما فعل شايلوك في المقابل فهو ليس فوضويا بل هداما، فهو باعتباره مواطنا منبوذا ~~- شخصية مهمة في اقتصاد المدينة لكن لا يمكنه الاندماج اجتماعيا - يدخل في منظومة رد ~~العين بالعين في النظام الرمزي ليشجع انهياره من الداخل بسبب شيء تافه، فكما يقول ~~لأحد أصدقاء أنطونيو، «الغلظة التي علمتموني إياها ستشهدونها؛ بل وأشد منها.» فالمحاكاة ~~هي أكثر أشكال العدوان صدقا. فالمسيحيون - كما يوضح - يشترون الأجساد (العبيد) الذين ~~يمانعون تركها؛ فلم عليه إذن أن يتخلى عن تلك القطعة من أنطونيو التي أصبحت ملكه ~~قانونا؟ فهو بتطرفه في منطق التبادل إلى حد ساخر من الذات يكشف خواء النظام ~~الواقعي في جوهره. # هذا لا يعني الزعم أن شايلوك يرفض نظام أخلاق رمزي، وإن كان يزلزل دعائمها. على ~~العكس، فإن إخلاصه المحموم للنظام الرمزي هو ما يكشفه على حقيقته، فالعقد الذي يمثل ~~مشاركته في هذا النظام لا داعي لوجوده في هذا الاقتصاد الرمزي، ويرمز من بين عدة أشياء ~~إلى «النظام الواقعي» للجسد. إذ يكشف شايلوك أن هذا النظام الرمزي الخصوصي - الموجود ~~كأي نظام من هذا النوع تحت مسمى حماية الجسد - يخفي ظلمه الفعلي للجسد؛ لكنه لا يستنتج ~~من ذلك أن القانون والواجب والشرف والعدالة والالتزام والاستحقاق والتعويض الدقيق ~~وغيرها هي قضايا جانبية أو حلية أيديولوجية. فهو ليس من «غير المخدوعين» عند لاكان ~~الذين يتصورون أنهم لم يروا في النظام الرمزي أكثر من مجرد خداع صريح، ولهذا السبب ~~يقعون في فخ الوهم الشديد. على العكس فإنه يرسخ لدقة لا تبدو بأي نحو متفقة مع ذوق ~~الأنصار المبالغين في دعمهم للأخلاق الواقعية في الوقت ms228 الحاضر. فهو لا يؤمن مثل ~~إيمانويل ليفيناس وجاك دريدا بأن الالتزام لا محدود، فهو لا يطلب سوى حقه مثل كولهاس. ~~إن العدالة التي تسعى تلك الشخصيتان إلى تحقيقها ليست إفراطا في الحساب الدقيق بل إن ~~الإفراط هو التعنت الذي يتمسكون فيه بهذه الدقة. فشايلوك وكولهاس أبعد ما يكونان عن ~~التحرريين السذج: فكلاهما يحترم قواعد النظام الرمزي ويقدر هدف القانون والسلطة. فيصرخ ~~شايلوك في احترام وتمرد معا قائلا: «أريد تطبيق القانون.» لكن لما يتعارض القانون مع ~~العدالة التي يفترض أن يصونها، عندها فقط يكشف هذان الرجلان عيوبه. وعند هذه النقطة، ~~يصبح طلب العدالة في ذاته شكلا من أشكال التخريب، وفضيحة وحجر عثرة في طريق ~~المجتمع المتحضر. فمن خلال أخذ خطاب المجتمع الأيديولوجي هذا على محمل الجد، ينجح ~~هذا المطلب في كشف وحشيته الكامنة، فشايلوك وكولهاس ينجرفان فيما وراء حدود الأخلاق ~~باسم ما هو أخلاقي. # يتبنى دريدا وزملاؤه - كما سنرى بعد قليل - نظرة أكثر استعلاء نحو الأخلاق الرمزية أو ~~أخلاق التكافؤ. فإمكانية المحاسبة، التي يرى دريدا أنها قد تعتبر في الغالب نفعية ~~فظة، تدخل ضمن سلسلة من المفاهيم المشيطنة ضمنيا في معجمه: القانون والتسوية ~~والهوية والإنصاف والاقتصاد والمنطق والاستقرار والمعيارية والإجماع والنظرية والمعرفة ~~والتقليد وقابلية البت والقياس والكلية والعمومية والصياغة المفاهيمية وما شابهها. ~~إذا فوضع هذه المصطلحات أمام مقابلاتها (اللاهوية واستحالة البت، إلى آخره) يعني ~~الانغماس في نوع من التقابل الثنائي الذي من المفترض على ممارسي التفكيك بوجه عام أن ~~يبطلوه. يفضح فكر دريدا تجنبا يكاد يكون مرضيا لما هو محدد، مثلما تنطوي أعمال ~~ميشيل فوكو على احتقار يكاد يكون مرضيا للذاتية. فالهوية والقابلية للتحديد وما ~~شابه - كما يعترف الفكر التفكيكي في حذر - هي مفاهيم لا مفر منها أبدا. وهو اعتراف ~~يسعى من بين عدة أشياء إلى وقاية الفكر التفكيكي من اتهامه بأنه ليس إلا صورة حديثة من ~~التحررية الرومانسية. لكن برغم كل تلك التنازلات الحذرة، يكمن لب الفكر التفكيكي ~~بلا شك في مفاهيم الانحراف والزيادة واللانهاية واللاتحديد والاستحالة. إذا هو فكر ms229 ~~تحرري يملؤه الخزي لا الفخر بذاته. # لكن شايلوك بصفته عضوا في جماعة منبوذة لا يسعه أن يمنح نفسه هذه الرفاهية، ~~فالليبراليون من الطبقة العليا في البندقية هم من يعتبرون المطالب المحددة - كتلك ~~الواردة في عقد شايلوك - بلا قلب ولا إنسانية. فهم يرون أن مثل هذه الصرامة ما هي ~~إلا مثال آخر على التقيد اليهودي الصارم بالقانون، وهي العقلية التي لم يتأمل صاحبها ~~بالقدر الكافي كتابه المقدس بحيث يتوصل إلى أنه يحث على فضيلة التسامح. فحتى صخب أهل ~~البندقية المطالب بالرحمة معاد للسامية. أما شايلوك فعلى العكس من ذلك، يفهم أن حقوق ~~الضعيف تحتاج إلى الحماية من خلال التدوين، فما هو إنساني عند بورشيا وأمثالها هو من ~~يراوغ حرفية النص المريعة. ويتضح هذا في البلاغة المتقدة لخطابها في المحكمة وليس ~~في حرفية نص العقد المستبدة. فهي تطرح سعة الرحمة مقابل دقة العدالة. وفي إطار تلك ~~النظرة، فإن رجلا كشايلوك يقضي حياته في اتفاقات دنيئة لا يمكن أن يمتلك بكل تأكيد ~~مفهوما للفضل؛ وهو افتراض فيه مفارقة قطعا بالنظر إلى اعتباطية صفقته وعناده الغريب ~~الذي لا مبرر له، والذي يكاد يصل به في سعيه وراءها إلى الموت. # لكن شايلوك في حاجة لهذه الورقة لأنه سيكون غبيا إن اعتمد على طيبة قلب من يفوقونه ~~اجتماعيا. فالنظام الرمزي يمكن أن يعمل على حماية الضعفاء كما يستغلهم؛ لذا لا ينتقده ~~على حاله هذا إلا مذهب يساري عقلاني، فأعضاء اتحادات العمال مثلا من غير الحكمة أن ~~يركنوا إلى الطيبة العابرة لصاحب العمل من أجل زيادة أجورهم. فالمظلومون بحاجة لعقد لا ~~لبس فيه، وإن بدا ذلك شديد التحديد للنخبة المثقفة المتفتحة؛ حيث إنه لا يمكنهم أن ~~يعرفوا متى تنتاب أسيادهم نوبة كرم أو بخل. فتسجيل الحقوق ليس أمرا «غير إنساني» بل هو ~~قضية متعلقة بالجسد. إن باسانيو يتحدث عن الرسالة التي تحمل خبر خسارة بضائع أنطونيو ~~مشبها إياها ب «جسد صديقي؛ كل كلمة فيها كالجرح الغائر، يقطر دما» (3، 2: 267-269). ~~الكلمات بالقطع لا ينبغي أن تختلط بالأجساد، رغم ms230 أن شكسبير لا ينفك يبدلهما بعضهما في ~~كتابته؛ لكن الدلالة الصادقة - وخاصة القانونية - هي دلالة تتسق مع الجسد وتتشكل من ~~خلال احتياجاته المادية. فإن كان النص غير شخصي فذلك فقط في إطار القانون المحايد ~~فعلا، فالعقود المكتوبة تحميك من تقلب الآخرين وشرهم. فالقانون لا يتعارض في الأساس مع ~~الحب والرحمة، فالنظام الرمزي الذي يعتمد على الأوراق والنصوص لا يمكن التخلي عنه ~~ببساطة باسم المواجهة المباشرة مع النظام الواقعي. فمن ناحية التحليل النفسي، فإن ~~النتيجة المحتملة لهذا الطريق المختصر هي الاضطراب النفسي؛ أما سياسيا فالنتيجة هي ~~الاضطراب الصبياني لليسار المتشدد، وهو نوع من التحررية البريئة. # لذا فإن التماس بورشيا الشهير للرحمة يزداد إثارة للريبة، فضلا عن أنه من الناحية ~~السياسية أكثر أنانية مما يفترض النقاد: # لا دخل للإلزام في مشاعر الرحمة؛ # فهي تهبط من السماء كالرذاذ # على ما تحتها ... ~~(4، 1: 184-186) # تهدف بورشيا إلى التفريق بين الرحمة في جانبها المطلق والإلزام، وهي الكلمة التي خرجت ~~لتوها من بين شفتي شايلوك. إلا أن الرحمة في الإنجيل ليست غير متوقعة مثل المطر. ~~والإشارة إلى أن علم الأرصاد الجوية علم غير دقيق ليس هو الهدف من الكلام هنا. فيسعى ~~تشبيه بورشيا الرائع إلى إقناعنا بأن التسامح متقطع وتلقائي، على عكس الرؤية المسيحية ~~الشائعة بأنها التزام أكثر منها اختيار. فلو عاملنا كل امرئ بموجب استحقاقه، كما يقول ~~هاملت، فمن ينجو من الجلد بالسياط؟ فالتراحم في العقيدة المسيحية اليهودية يعني عيش ~~حياة الرب؛ لذا فهو ليس نزوة عنده، وإن كان كذلك عند بعض مخلوقاته. وعلى نحو مشابه، فإن ~~اهتمام الفرد الشديد بمصلحته جزء إلزامي من أي اتفاق تجاري، وهذا سبب يقدمه شايلوك ~~لمقت خصم يتحلل من هذه الأنانية. # إن ما لا مبرر له في المسرحية ليس الرحمة - التي يلزم المسيحيون ببذلها ولا يفعلون - ~~بل عناد شايلوك المخيف؛ إذ يقدم مع سير الأحداث عددا كبيرا من الأسباب لرفضه التخلي ~~عن رغبته: أن أنطونيو مسيحي بغيض؛ وأنه شخصيا مكروه؛ وأنه معاد للسامية؛ وأنه يخفض ~~سعر الفائدة في البندقية بتقديم ms231 قروض دون فوائد؛ وأن المسيحيين عادتهم الانتقام الصارم، ~~فلماذا لا يفعل هو الآخر نفس الشيء؟ وأن أنطونيو منافس تجاري خطير ينبغي التخلص منه؛ ~~وأنه لن ينخدع، وهكذا. إلا أن شايلوك يفهم الطبيعة الحقيقية لهذا الشيء الذي بداخله ~~ويتخطى حدوده أكثر ممن ظلموه. إنه، كما يقر مضطرا أمام المحكمة، عاطفة لا يمكن تفسيرها ~~مثل الرغبة في الابتعاد عن الخنازير أو آلة مزمار القربة. أما أنطونيو فمن ناحيته ~~يرى منذ البداية أن الشيء الغامض الذي تتعلق به رغبة خصمه لا يقبل التداول، شأنه شأن ~~البحر والريح، ويتوسل إلى أصدقائه المسيحيين أن يتخلوا عن محاولتهم تليين قلبه ~~«العنيد». فشايلوك، كما تقول إحدى الشخصيات، شخصية «عصية»؛ إذ يمثل لغزا غير مفهوم ~~في قلب النص. إن المسألة التي تتناولها المسرحية هي التعطش للنظام الواقعي الذي لا يقبل ~~أي تنازل، والذي يقترب بدرجة خطيرة من أن يدفع شايلوك إلى الهلاك؛ إذ يرفض شايلوك العفو ~~عن أنطونيو؛ ليس لأنه واقع في قبضة الشعور بالنفور بقدر ما هو واقع تحت حكم ~~الضرورة. # وفي الحبكة الثانوية للمسرحية، يهدف باسانيو تابع أنطونيو، بعد أن أسرف في تبديد ~~ماله، إلى استمالة بورشيا الثرية. وكان يجب أن يتعرض حبه لها للاختبار في مشهد الصناديق ~~الشهير؛ حيث يطلب من هذا العاشق الجشع أن يختار من بين ثلاثة صناديق من الذهب والفضة ~~والرصاص. فالصندوق الذهبي الذي كتب عليه: «من اختارني نال ما يتمناه الكثيرون» (2، ~~7: 5) يدفع باسانيو لجعل رغبته موافقة لرغبة الآخر، وهو بذلك يرمز لعالم التنافس ~~والمحاكاة الذي نسميها النظام الخيالي. أما الصندوق الفضي الذي كتب عليه «من اختارني ~~نال بمقدار ما يستحق» (2، 7: 7) فيلمح إلى العالم الرمزي القائم على التكافؤ ~~والتبادل؛ فالفضة كما يعلق باسانيو «شاحبة ومتداولة، فيما بين الناس » (3، 2: 103-104)، ~~وهي السلعة العامة التي تربط بيننا بروابط مجهولة تبدو مناقضة تماما للحب. إنها ~~بالتأكيد المادة التي تدور في فلكها مدينة البندقية التجارية، الساعية وراء الربح، ~~المهووسة بالثروة في المسرحية. أما الصندوق الرصاصي فهو يتركب من المادة التي ~~تبطن بها النعوش، وهو يحمل عبارة ms232 تناسب تلك المادة المذكرة بالموت: «من ~~اختارني عليه أن يعطي ويخاطر بكل ما عنده» (2، 7: 9). إنه في نطاق النظام الواقعي الذي ~~يجب فيه أن يخاطر المرء بحياته من أجل رغبته. إذا فباسانيو بتطلعه إلى الصندوق ~~الرصاصي يتطلع إلى نوع من اللاشيء؛ أي مادة رديئة ورخيصة مثل رطل اللحم عند شايلوك. ~~إلا أنه كما عند شايلوك ثمة معنى لا محدود يرتبط بهذه المادة الزهيدة؛ لذا يتمكن ~~باسانيو أيضا من تحويل اللاشيء إلى كل شيء، فيحول الرصاص كما بالخيمياء إلى الثروة ~~المذهلة لزوجته التي استطاع الفوز بها، فبعد أن وصف بورشيا في إشارته الأولى إليها ~~بأنها «تركت غنية» (أي أنها وريثة ثرية) فإن هذا المغامر البائس حكيم بدرجة تكفي للفوز ~~بقلبها بتخليه المتظاهر بالورع عن إغراء الذهب والفضة. فإن كان الرصاص لا ~~يقدر بثمن بمعنى أنه بلا قيمة، فإن الحب عند الرومانسيين لا يقدر بثمن بمعنى ~~أنه يتخطى كل المقاييس («ما أفقر الحب الذي يقاس ويحصى» كما يقول أنطونيو المتهور ~~في مسرحية «أنطونيو وكليوباترا»). أما باسانيو فيرى أن الحب أسمى من العالم الأدنى ~~للسلع في نفس اللحظة التي يتزوج فيها امرأة لمالها. إذا، حسب عبارة ماركس، فإن «النظرة ~~الرومانسية ... ستلازم (النظرة النفعية) كنقيض لها حتى نهايتها السعيدة.» # 12 # فالرغبة التي من المفترض أنها فوق كل الحسابات والمنفعة تستغل في الحسابات ~~الدقيقة لسوق الزواج، وهو المكان الذي يتجمع فيه الجسد والعلامة في شكل أجسام ونقود ~~تشترى بها. # بتبادل الأجسام تنتهي مسرحية «تاجر البندقية» مثل معظم مسرحيات شكسبير الكوميدية، ~~فاللحظة الأخيرة من هذه المسرحية الكوميدية هي توزيع الأجساد على أماكنها المناسبة من ~~خلال الزواج. لكن إن كان الزواج مسألة قانون وعقد وتبادل رمزي، فهو كذلك مسألة رغبة، ~~والرغبة تتسم بتقلب يهدد دوما بتدمير هذه المنظومات. إن الرغبة التي تنتج المجتمع ~~الإنساني شأن يصعب تنظيمه. فما يقوم عليه النظام الرمزي هو عينه ما يهدد بتدميره، مثلما ~~أن إصرار شايلوك العنيد على حقه يدق مسمارا في نعشه؛ ومن ثم فإن بشجار العاشقين ~~تنتهي المسرحية، موحية بالخيانة الزوجية. ms233 إن الزواج من وجهة نظر النظام الرمزي مسألة ~~متعلقة بما هو عادل وملائم؛ لكن نظرا لأن الحقيقة الهدامة هي أن أي شخص يمكن أن يرغب ~~أي شخص آخر - كما توحي الوتيرة السريعة لمكائد الحب في مسرحية «حلم ليلة صيف» - ~~فدائما ما توجد مسحة من الاحتمالية أو لمسة من النظام الواقعي في هذه الزيجات المفترض ~~أنها متلائمة. فالنظام الواقعي هو المرحلة التي تفشل فيها أفضل الخطط الرمزية ~~الموضوعة، فشايلوك نفسه - وهو أرمل خسر ابنته لصالح مسيحي وخسر بضائعه لصالح الدولة ~~مع سير الأحداث - منبوذ جنسيا كما هو منبوذ اجتماعيا من قبل النظام الرمزي. # يعود شكسبير عبر هذه المسرحية مرة بعد مرة إلى قضية الفضل مقابل العدل، أو كما يمكننا ~~أن نقول: قضية النظام الواقعي مقابل النظام الرمزي. لكن بعكس معظم المعتنقين المعاصرين ~~لأخلاق النظام الواقعي، فهو لا يسمح لما هو زائد عن الحاجة ومبالغ فيه بأن يقلل من قيمة ~~وظيفة النظام الرمزي الجوهرية. فهو يرى جيدا أن الرغبة في النظام الواقعي يمكن أن تكون ~~علامة تميز المصاب بالهوس الأحادي كما تميز الشهيد، وأن الفرق بين الاثنين أحيانا ~~ما لا يكون واضحا. فثمة فارق - غير مرئي أحيانا للعين المجردة - بين من يموتون في ~~سبيل سعة الحياة، وهؤلاء الذين يهلكون لأنهم مغرمون على نحو مرضي بالموت. كما يوجد فرق ~~بين الرغبة المطلقة نحو العدالة، والرغبة التي لها غاية مطلقة لا تتعدى ذاتها؛ إذ توجد ~~أشكال غير إنسانية لائقة للتبادل الدقيق كما توجد أشكال لا إنسانية قاسية منه. وهناك ~~أشكال من الطيش تمنح الحياة كالتسامح، كما توجد أشكال مؤذية لها كالانتقام. فالمطلب ~~الشريف لما لا يزيد عن حق الفرد يمكن أن يثبت إفراطه القاتل، فالنظام الواقعي - شأنه ~~شأن ما هو مقدس أو سام - عالم من الرعب كما هو عالم من الرفعة. # 13 # والأخلاق المبنية عليه لا ترى ضرورة للتحول الثوري إلا على حساب المخاطرة ~~بمغازلة تطرف نخبوي وحشي، وسنلقي نظرة أقرب على هذه النخبوية فيما بعد. # يسخر باسانيو من أن صديقه جراشيانو «يحوي حديثه ms234 دائما قدرا لا نهاية له من ~~الهراء» لكن كذلك يفعل صديقه أنطونيو بنحو ما مختلف. فمنذ كلماته الأولى («صدقاني حين ~~أقول إنني لا أعلم ما سبب هذا الحزن الذي ألم بي») التي هي أيضا أولى كلمات ~~المسرحية، يكشف تاجر البندقية عن أنه يرزح تحت نير الميلانخوليا أو السوداوية، وهي ~~شعور يصفه فرويد بأنه «الحزن بلا سبب»؛ وهو من ثم يعد ضجة كبيرة على لا شيء. ~~وعليه سارع النقاد بملء فراغ السبب المجهول لحالة أنطونيو العاطفية؛ حيث خمنوا أن سبب ~~بؤسه يكمن في حبه المثلي لباسانيو المنغمس في حب الجنس الآخر. ربما يكون هذا صحيحا؛ ~~لكن من المنطقي أن يكون أي تاجر سوداوي، أن يعوز رغبته شيء محدد؛ حيث إن هذه على كل حال ~~هي الطريقة التي يكسب بها قوته. إن القيمة التبادلية للأشياء هي ما يهمه، وليس سماتها ~~الخاصة أو غاية متصورة من كنزها، فالسوداوية تعتبر الأشياء وسيلة، فتستنزفها لتتغذى ~~عليها. فجاك في مسرحية «كما تشاء» قادر على «امتصاص الكآبة التي تذخر بها أغنية ما، ~~بطريقة تضاهي قدرة ابن عرس على امتصاص البيضة» (2، 5: 9-11). وتزداد تلك الحالة كلما ~~بدت أشياؤها أكثر نفادا، وبهذا المعنى تمثل السوداوية صورة ملائمة من الرغبة ~~نفسها. # إذا فشكسبير يعي التشابه بين التجارة والرغبة، فكلاهما يتعامل مع الأشياء على نحو ~~مجرد باعتبارها مجرد فرص لزيادتهما. وينطبق نفس الكلام على السوداوية، فمثلما يكنز ~~التجار البضائع من أجل المزيد من الكنز، يبدو أنطونيو مغموما للغم في ذاته، فليست ~~المخاوف المالية هي السبب في انخفاض معنوياته كما يؤكد لأصدقائه. لذا تفتتح المسرحية ~~أحداثها بقدر لا نهائي من اللاشيء، تفتتح بفراغ يبدو عاريا عن أي سبب أو شيء، لدرجة أن ~~أنطونيو يبدو أحيانا مستمتعا بفكرة سكين شايلوك القاطع؛ لكنه بالتأكيد يتخذ عددا ~~من الإجراءات ليتجنب موته. # إن أكثر شخصيات شكسبير اشتهارا بهذه السوداوية ليست أنطونيو بل هاملت. فإن كان بكلام ~~جاراشيانو قدر لا ينتهي من اللاشيء فإن هاملت هو تجسيد للاشيء. فكما حال سوداوية ~~أنطونيو، يقلل شعوره بالملل من قيمة ms235 العالم كله، فيختزله في ظل لتلك السلبية الفاترة ~~التي تتمثل في الذات الإنسانية: # آه ليت هذا الجسد يذوب، # يموع وينحل قطرات من ندى! # أو يا ليت الأزلي لم يضع شريعته # ضد قتل الذات! رباه، رباه! # كم تبدو لي مضنية، عتيقة، واهية، عابثة، # عادات الدنيا هذه! ~~(1، 2: 129-134) # يولي هاملت وجهه من البداية شطر الموت، الموت المتمثل مسبقا في الخواء الذي هو ~~هاملت نفسه. فبمجرد تمزق الرابطة الخيالية بينه وبين أمه جرترود بدخول كلوديوس، فهو ~~يهيم بلا هدف على حافة النظام الرمزي غير راغب في احتلال موقع محدد داخله. فهاملت - ~~الذي هو لا شيء محض - يرفض التضحية بالبعد الواقعي لرغبته ببذلها تجاه أي شيء محدد ~~تافه. فهو لن يتصرف بصفته وريث العرش ولا عاشقا فارسا ولا موقرا للكبير ولا تابعا ~~مطيعا للملك، ولا ابنا عفوا ولا ابن زوجة متسامحا ولا طفلا منتقما. فانطوائه ~~الذي يستميت عليه يمثل - فضلا عن كل هذه الأدوار - سلبية خالصة ترفض إشارة الدال. ~~والنتيجة سقوطه في الفجوات التي بين الهويات العامة المختلفة المعروضة عليه، التي ~~لا يمكن لأي منها - بعبارة تي إس إليوت - أن تقدم معادلا موضوعيا مناسبا لفرديته. ~~وهو إذ «في نفسه ما يعجز عنه كل مظهر» يصد هؤلاء الساعين لانتزاع جوهر غموضه، فكما ~~الممثل الذي لا يمكنه التماهي مع دوره ومطابقة الفعل بالقول والقول بالفعل، يظهر الأمير ~~نتاجا لتدمير الهوية والتبادل الرمزيين؛ إذ ينكر عدالة الانتقام الزائفة، ويرفض في ~~مقت التناسل ويأبى الانحناء لرغبة الآخر الكبير. فهو، إذ يتسم بميوعة شبح أبيه وسرعة ~~حديث مهرج في أعمال شكسبير، يتحسس طريقه ويتهكم ويناور لئلا يشار إليه بدال محدد. ~~وبذلك يظل مخلصا للشيء المحير المستحيل الذي تتعلق به رغبته، محققا انعداما للوجود ~~يظل غير تام حتى في الموت. فهو كما يقول لاكان، «يرتب كل شيء بحيث يصبح الشيء الذي ~~تتعلق به رغبته دالا على هذه الاستحالة.» # 14 ~~••• # إن شخصية أنتيجون التي أبدعها سوفوكليس هي في نظر لاكان التجسيد الأوضح لأخلاق النظام ~~الواقعي؛ إلا أن لها نظيرا إنجليزيا في ms236 هذا الجانب. فكلاريسا هارلو - البطلة في ~~رائعة صامويل ريتشاردسون التي ظهرت في القرن الثامن عشر «كلاريسا» - هي نموذج أنثوي آخر ~~متميز في الأدب العالمي التي تموت لرفضها التخلي عن رغبتها. # 15 # فبعد حادثة اغتصابها الأليمة على يد لافليس، تتابع كلاريسا سبيلها بأسلوب ~~شعائري دقيق لتسحب جسدها من النظام الرمزي؛ إذ تصف نفسها ب «العدم» وتعلن أنها «ليست ~~ملكا لأحد.» وفي ظل تطلعها للموت ترفض أن تظهر باعتبارها غرضا قابلا للتبادل بالعملة ~~الرمزية لثقافتها. بل إنها - في انسحاب سريالي من نظام القوة التي هي جزء منه - تصير ~~عدما، شاردة، فصامية، لا مكان، لا شخص. فكلاريسا بتخطيطها وتنفيذها لموتها بهذه الدقة ~~تجعل منه معنى حياتها. فموتها، بعكس بارناردين، حدث في حياتها - بل حدث حياتها - وليس ~~مجرد نقطة نهايتها البيولوجية. وليس من الغريب أن يهاجم العديد من النقاد الرواية ~~باعتبارها كئيبة بدرجة لا تطاق؛ إذ بتخلي بطلة ريتشاردسون عن جسدها من أجل المتع ~~الصارخة لدافع الموت، تنقلب على لحمها ودمها في عدوان قاتل يوجهه المعتدون من أمثال ~~لافليس في قسوة إلى الآخرين. وهي بذلك تمارس شعيرة تضحية تنفذ على الملأ، تكون هي ~~فيها الكاهن والضحية المقطعة في آن واحد. وهي تعبر بذلك كما القربان في العصور ~~القديمة، من الضعف إلى القوة، ومن الموت إلى المجد. وتدرك كلاريسا أن هذا البعث لا يمكن ~~تحقيقه في مجتمعها - الموصوم بخطيئة أولى تتجسد في حالتها من خلال «البريء المذنب» - ~~إلا بالعبور من بوابة الموت على هيئة قربان. # 16 # وكنموذج لفارماكوس، كبش الفداء الذي يحمل على كاهله خطايا المجتمع جميعها، ~~يمثل جسدها المدنس الجرائم والتناقضات لنظام رمزي أكثر قربا من الحاضر؛ إذ يرمز جسدها ~~المنتهك لوحش النظام الواقعي الذي تجب مواجهته إن كان لهذا المجتمع المهووس بالملكية أن ~~يعيد تشكيل نفسه. إنه الميتانويا أو التحول الروحي الذي سيطلق عليه لاحقا اسم الثورة السياسية. # 17 # وإذ كلاريسا تدرك أن هذه ليست حضارة مناسبة لتعيش فيها امرأة، فإنها تنأى بجسدها ~~المستنزف بعيدا عن الأذى، فتحول موتها إلى مشهد احتفالي عام ms237 رافضة بثبات كل نداءات ~~أصدقائها وأهلها الذاهلين بالتراجع، فهي تصير - شأنها شأن معجبي النظام الواقعي - من ~~الموتى الأحياء، فموتها الجسدي يتمم فقط موتها الروحي. وفي هذا الموقف العصيب فإن ~~السبيل الوحيد لحماية النفس يكون بتسليمها، فبطلة ريتشاردسون تسلم نفسها طواعية ~~لإغراء دافع الموت، فتحول جسدها إلى نفي صامت للنظام الذي جرها إلى الموت تاركة ~~معذبيها المذلولين وأيديهم تخضبها الدماء. لم تثبت المازوخية فيما قبل أعمال هنري ~~جيمس أنها سلاح سياسي شديد الفاعلية، حيث تنتزع كلاريسا على طريقة البطل التراجيدي ~~الكلاسيكي قوة عارمة من ضعفها الشخصي. ويمكن لنظام اجتماعي عادل أن يقوم على هذا ~~الإخلاص المنعزل اللااجتماعي للحقيقة. إن مازوخية كلاريسا متطرفة؛ لكن هذا التطرف مؤشر ~~لما يتطلبه الأمر في تلك المواقف لكي تولد الحقيقة والعدالة. # يأخذ الشهيد بيد نفسه لمواجهة النظام الواقعي مباشرة، متجاوزا النظام الرمزي وشاهدا ~~على حقيقة بديلة بإنكار قوانين العالم حتى في الموت. فالشهداء يؤدون ما يسميه فالتر ~~بنجامين بقفزة نمر إلى المستقبل ناظرين إلى الحاضر كما لو كانوا موتى بالفعل، وكما لو ~~كان الحاضر ماضيا. فالشهيد يستغل دافع الموت في سبيل قضية قد تعني حياة أكثر وفرة ~~للآخرين؛ وفرة في الحياة مصدرها توقف حياته هو. تبدو تلك حتما كذبة يسارية متطرفة ~~للذين يسعون عمليا في سبيل نظام اجتماعي أكثر إنصافا، والذين يجب من ثم أن ~~يلتزموا بدرجة ما بقواعد لعبته. لكن ثمة فارقا بين السعي لتحقيق العدالة وتجسيدها، ~~بغض النظر عن السلبية التي قد يفعل بها الأمر الأخير. وفي المجتمعات التي تستبعد فيها ~~النساء من الحياة السياسية فإنهن - مثل كلاريسا هارلو - الأقرب إلى ضرب مثل لهذه الصورة ~~الثانية من المعارضة السياسية. تشهد كلاريسا على الحياة الكريمة ليس من خلال التوق ~~إليها ولا الوعظ باسمها، بل بتحويل جسدها إلى دال سياسي، فتكشف عن الغياب المؤسف ~~للعدالة من حولها من خلال عرض جسدها المنتهك على الملأ. فكما يقول ديفيد وود: «إن تقديم ~~النفس قربانا يعني تحويل حياة الفرد إلى شيء تتجاوز دلالته هذه الفردية.» # 18 # ثمة وجه معين ms238 نمر فيه جميعا بهذا التحول من الجسد إلى الرمز خلال عملية دخول ~~النظام الرمزي؛ لكن الشهيد هو شخص يسلط الضوء بشدة على هذا التحول. فكما هو الحال ~~بالنسبة لكبش الفداء، فإن كلاريسا «تصبح خطيئة» كما في وصف القديس بولس للمسيح. وكلما ~~زادت في ذلك - أي كلما زاد تجسيدها للعنف الإجرامي للنظام الاجتماعي في جسدها ذاته - ~~زادت مكانتها الروحية. فكلما زاد كبش الفداء تلطخا بالدم زاد طهارة. وفي هذه الحالة ~~يصبح الداء هو الدواء، فمن خلال تنقية جوهر المجتمع الظالم، يشير كبش الفداء إلى ما ~~وراءه. إن ما يكتبه لاكان عن أوديب ينطبق على بطلة ريتشاردسون أيضا: «ليس موته كموت أي ~~شخص آخر؛ أي، ليس صدفة؛ فهو يموت ميتة حقيقية يمحو فيها وجوده، فاللعنة قبلت طواعية في ~~سبيل الخلود الحقيقي لإنسان، الخلود القائم على إخراج النفس من نظام العالم. إنه عمل ~~جميل ...» # 19 # يذكرنا هذا بتفريق ريلكه بين «الموتة الصغرى» بمعنى الموت بصفته حدثا ~~بيولوجيا بحتا، و«الموتة الخاصة»؛ أي الموتة الإرادية المكتسبة صفة الشرعية التي ~~تخرج الفرد من الحياة بمنطق أخلاقي معين. يكتب لاكان عن أنتيجون أنها تبلغ منتهى ~~الرغبة الخالصة للموت، وهذا كذلك هو الحال مع كلاريسا الملعونة والطاهرة. # تموت كلاريسا لأن قيمة الوجود البيولوجي عندها أقل من قيمة ذلك الشيء في داخلها الذي ~~يتعدى حدودها، والذي تطلق عليه الرواية اسم الشرف أو العفة، فالنظام الواقعي الذي ~~ترفض التخلي عنه - جوهر وجودها الذي لا يمكن إنكاره - يسميه صانعها البروتستانتي ~~المتدين باسم الرب. إن روحانية البطلة لا تنبع من رفض الرغبة بل من الإخلاص لها، فقد ~~أدركت أنه لا شيء في ثقافة الاستغلال هذه يستحق أن تشتهيه، وهذا هو السبب في تخليها عن ~~جميع الأشياء. إن هذا النموذج الورع بشدة، الثوري - الذي ينتصر كبطلة من أبطال ويليام ~~جيمس من خلال الامتناع الواعي عن الفعل - هو ما يصفه النقاد بأنه بليد، مفرط الاحتشام، ~~كئيب، عنيد، نرجسي، مازوخي، مدعي الورع، مفتقر للمرونة. إلا أن ما لا يلتفتون إليه هو ~~أن بعضا من هذه ms239 الصفات محمودة عند امرأة ضعيفة في مجتمع إنجلترا الأبوي. ~~••• # ما انفك نقد ويليام ووردزوورث خلال معظم القرنين الماضيين ينظر لعمله بعين خيالية. إن ~~الاتحاد التعايشي المحكم بين الطبيعة الكريمة والإنسانية الخيرة هو ما لفت انتباه ~~النقاد في عمله، وهو ما يمكن أن نعتبره قراءة ملائكية له. ولم تتراجع هذه النظرة ~~المتفائلة للعالم مفسحة المجال لقراءة أكثر تشككا وشيطانية إلا مع ظهور كتاب جيفري ~~هارتمان ذي العنوان المباشر «شعر ووردزوورث 1787-1814» عام 1964، والذي ربما يعد أفضل ~~دراسة أحادية الموضوع عن هذا الشاعر. إن الخيال في أعمال ووردزوورث (وهو الملكة ~~الإنسانية التي تحظي بالتبجيل الشديد للنقد الأدبي التقليدي) ينفضح في دراسة هارتمان في ~~شكل قوة قاتلة هوسية مدمرة. إنه باختصار انبثاق للنظام الواقعي وليس مبدأ توحيديا ~~للنظام الخيالي. # ثمة نمط متكرر في شعر ووردزوورث - يحدده هارتمان بوضوح رائع - يحمل كل علامات ~~المواجهة الصادمة مع النظام الواقعي، ففي لحظة من التفكك المدمر، لحظة تذكرنا فورا ~~بالموت والحساب، تشهد النفس لحظة تجمد أو ارتباك عجيبة، يتفتت فيها فضاء الوجود اليومي ~~فجأة وتشوش فيها الحواس وتنفتح أبواب هوة الخيال من تحت قدمي الفرد. فالخيال ~~قوة تولد نفسها «بلا أب»، تشبه في إفراطها (كما يعلق ووردزوورث) فيضان النيل، ونتيجتها ~~تتمثل في انتزاع النفس في عنف من الطبيعة - موطنها المألوف والوجود المستقر - وغمسها في ~~المقابل في إحساس حاد بالضياع والوحدة. وفي هذه «التجربة النهائية» كما يصفها ~~هارتمان، تشعر الروح بأنها غريبة عن العالم، منفصلة عن الوجود اليومي الذي يبدو غير ~~حقيقي وبالغ العبثية. لكن الوجه المقابل من هذا الإحساس بالتفكك الذاتي - كما عند ~~اختبار ما هو سام - هو نجاح إثبات الذات؛ حيث إن الإنسان، إذ هو مغترب عن كل ما كان ~~يعتمد عليه في السابق، يسعد بقوته الداخلية، ويشعر بوعيه وقد ارتفع إلى مستوى مرتبط ~~بنهاية العالم، ويرى نفسه وقد انفصل إلى الأبد عن كل الظروف المجردة. بوجه خاص، هو يشهد ~~نفسه وقد انفصل إلى الأبد عن الرفقة البشرية، فالخيال في شعر ووردزوورث ليس في جوهره ~~قوة ms240 تواصلية بل قوة عازلة. فهو كما يرى هارتمان مرتبط بنهاية العالم بالأساس، وينتهك ~~قطعا عالم الأشياء والعلاقات؛ إذ يقترن بالقتل والدمار والتضحية واللاإنسانية ونوع من ~~«الجرح التدميري»، وليس (كما قد يفضل الشاعر نفسه أن يراه) بالربط السعيد للنفس ~~بالآخرين وبالأشياء المحيطة، فشعر ووردزوورث يعج بالشخصيات الصارمة الجامدة المنعزلة، ~~وكلها لديها قوة عجيبة على تمزيق الوعي اليومي وتحويله. فعندما يرى الشاعر متسولا أعمى ~~في لندن في عمله «المقدمة»، فإنه «يستدير بعقله، كما لو بقوة المياه» لرؤية هذا الطلسم ~~العجيب. # إن ما لمح في هذا الومضات الكشفية المخيفة والملهمة هو قوة خيال لا ترضى بأي شيء في ~~الطبيعة حتى وإن كان ساميا، وهذا ربما هو نظير الرغبة في علم النفس التحليلي عند ~~ووردزوورث. فكما يكتب الشاعر في الجزء السادس من عمله «المقدمة»: # مصيرنا، جوهر وجودنا وموطنه # في اللاتناهي، وهناك فقط؛ # فمعه يوجد الأمل، الأمل الذي لا يمكن أن يموت أبدا، # والجهد، والتوقع، والرغبة، # وكل ما يمكن أن يوجد. # لا شك أن مثل هذه العواطف كان لها صدى إيماني كبير عند قراء ووردزوورث المسيحيين؛ ~~لكن الإشارات الضمنية لهذه الفقرات هدامة أكثر مما يتصور هؤلاء الأشخاص المحترمين. ~~فرسول الطبيعة القدير - برسالته الداعية للخير والسكينة - يحذرنا من أن الطبيعة ~~مفعمة بالتناقض مع قوة ما غير معروفة، تؤدي إلى التشويش على رؤيتنا وقطع أوصال إشباعنا ~~الذاتي وجعلنا في غير رضا أبدي. صحيح، كما يصر هارتمان، أن قدرا كبيرا من جهد ~~ووردزوورث ينصب على مقاومة هذه الحقيقة الصادمة، وامتصاص هذا التشويش واستئناس مخاوف ~~الخيال. وسيشك ووردزوورث في أن الثورة الفرنسية عمل من صنع الخيال التدميري، يصده فكر ~~عضوي إنجليزي، فمهمة الطبيعة أن تغري الإنسان بنسيان لا محدوديتها الخفية، وأن تربطه ~~بدلا من ذلك بالعالم الدنيوي. لكن هذا ليس هدفا سهلا، فملكة الخيال - كما يشير ~~هارتمان - شديدة التحفظ؛ إذ تسعى لأن تغرس في الناس ذكريات وصورا لوجود أزلي سابق، كما ~~في قصيدة «إرهاصات الخلود». وهي عند هذه النقطة ليست بعيدة تماما عن دافع الموت عند ~~فرويد، وهو قوة ms241 أخرى حافظة تسعى لإعادتنا إلى أصولنا الأزلية. فالشاعر يريد أن يؤمن بأن ~~الطبيعة والذاتية شريكان، وليسا عدوين أبديين. لكن إن كان ووردزوورث يسعى ~~جاهدا في هذا الإطار لأن يكون شاعرا للنظام الخيالي أو النظام الرمزي، فهذا لأنه ~~بالأساس رسول للنظام الواقعي. # إن لحظة الركود أو التجمد الكارثي هي أيضا لحظة تحول روحي، فالذات تزيل أي شيء قد ~~يحول بينها وبين اللانهاية، أيا كانت المخاطرة. ففي إطار ما يعتبره هارتمان «التحول ~~الكارثي إلى الجمال المريع» ينتهي عالم قديم ويولد شكل جديد من الوعي. وثمة انطلاق ~~«يعمي البصر» يتخطى فيه الشاعر حدود مشهد مألوف إلى (بحسب كلمات هارتمان مرة أخرى) ~~«مضيق بين صورتين من الوجود». فالنفس التي يستحوذ عليها الخيال تصير نفسا لأحد الموتى ~~الأحياء، وتهيم في مطهر أو منطقة حدودية بين المحدودية واللانهائية. وكما يقول أوزوالد ~~- الشخصية الشريرة التي رسمها ووردزوورث في مسرحية «الحدود» - عن نفسه: «بدوت ~~كائنا عبر وحيدا، إلى فضاء مستقبلي.» يرتكب أوزوالد واحدا من أفعال الخيانة ~~الكثيرة الموجودة في أدب ووردزوورث، وهو مصطلح يستخدمه لاكان مع النظام الواقعي. فقد ~~خلع عباءة العادات والتقاليد والقانون الطبيعي، وهو عصيان يذمه ووردزوورث ظاهريا لكن ~~داخليا يكن له كل تعاطف، بل إن ووردزوورث في وقت كتابة هذه المسرحية، ظن أن ~~الحياة والوعي والحضارة جميعها كانت قائمة على جريمة أو حالة قتل أولى في حق ~~الطبيعة. # تسعى الذات، إذ يفصلها عن الطبيعة والحياة اليومية حاجز لا يمكن عبوره، إلى قهر ~~إحساسها بالاغتراب بالتعلق الشديد بشيء أو فكرة ما، في عناد يعتبره هارتمان مثيرا ~~للشفقة ومخيفا في آن واحد. ويعج عمل ووردزوورث «أناشيد غنائية» بمثل هذه النماذج التي ~~ليس من الصعب أن نرى من بينها شبحا لموضوع الرغبة المستحيل عند لاكان، فحتى عندما ~~تعاني شخصيات ووردزوورث من خسارة عادية جدا، فإن العاطفة التي يشعرون به تجاهها تكون ~~غير عادية؛ حيث يربطون مثل هذه الأشياء العادية برغبتهم. ويشير هارتمان إلى أن العناد ~~والإصرار سمتان أساسيتان في شعر ووردزوورث؛ حيث إنهما يرمزان لرغبة النظام الواقعي، ~~فثمة ms242 إصرار هوسي عنيد لا إنساني يتسم به العديد من شخصيات ووردزوورث؛ إصرار من النوع ~~الذي رأيناه عند كولهاس وشايلوك. # وفي حلم الدمار المخيف الوارد في الجزء الخامس من عمل «المقدمة»، يجد الشاعر نفسه في ~~برية بلا دليل ولا علامة؛ «كلها مظلمة وخاوية»، وهي إشارة شائعة في شعر ووردزوورث ~~للعزلة والضياع المقترن بظهور النظام الواقعي. ويظهر مرشد حاملا رمزين لما يربط ~~الإنسان بغيره: حجرا، وهو ما يرمز إلى الهندسة؛ ومن ثم - وبعبارة هارتمان - إلى ~~العلاقات الأزلية المجردة؛ وصدفة، ترمز للشعر أو العلاقات الإنسانية العاطفية. يمكننا ~~القول إن غرضي المرشد الرمزيين يشيران إلى البعدين الرمزي والخيالي من الوجود ~~الإنساني: العلاقات المجردة من ناحية والعلاقات العاطفية من الناحية الأخرى. إلا أن ~~الحلم يتضمن صورا للدمار الوشيك لكل من الطبيعة والإنسانية، صورا للمواجهة الحادة مع ~~النظام الواقعي الذي يخشاه الشاعر ويصبو إليه معا، في الوقت الذي يسرع فيه المرشد الذي ~~يمكن أن ينقذه من الكارثة مبتعدا، وبعجز الحالم عن اللحاق به يستيقظ فزعا. إن أعظم ~~شاعر إنجليزي للطبيعة والشعور الإنساني والوحدة العضوية تحركه للكتابة قوة تتنافى مع ~~تلك الثلاثة جميعا. # إن كانت «كلاريسا» واحدة من الروايات التراجيدية القليلة في إنجلترا قبل أعمال توماس ~~هاردي، فذلك بالأساس لأن فن الطبقة الوسطى في ذلك العصر كان يهدف للتهذيب لا لنشر ~~اليأس. ومثال آخر مهم على تلك الروايات رواية إميلي برونتي «مرتفعات ويذرنج». # 20 # لا شك أن انتماء عملي ريتشاردسون وبرونتي للنظام الواقعي هو السبب في ~~اتصافهما بالسمة التراجيدية الفريدة المميزة لهما، في ظل مجتمع يفضل أن ينهي ~~كتابه أعمالهم بإشارة إلى الزواج وتأمين الممتلكات ونجاح أهل الخير وفشل أهل ~~الشر. أو بحسب صياغة هنري جيمس: «بذكر توزيع الجوائز والمنح والأزواج والزوجات والأطفال ~~وملايين الأموال والفقرات الملحقة والملاحظات البهيجة.» # 21 # إن رواية «مرتفعات ويذرنج» تقدم بالفعل في تردد لمحة تفاؤل في ختامها؛ لكنه ~~خيط أمل ضعيف وهش، يختفي في ظل المأساة العاصفة لكاثرين وهيثكليف. # من الصعب وصف الرابطة بين الشخصيتين بأنها علاقة؛ حيث يبدو إنها تفتقر لحس ms243 الاختلاف. ~~كما أنها رابطة غريبة لا مكان للجنس فيها. وإن كان من الأصعب ذلك أن نطبق عليها خطاب ~~حب أو عاطفة أخلاقي تقليدي؛ فذلك لأن ثمة شيئا لا إنسانيا غريبا يميز هذا التعايش ~~العنيف لهاتين الشخصيتين الذي يتضح أنه مناف للأخلاق الرمزية. فكاثرين وهيثكليف، إذ ~~يحركهما تعطش أولي لا يعرف الرقة واللطف، أقرب إلى تمزيق كل منهما الآخر من أن ينتهي ~~بهما الحال أمام كاهن يزوجهما، وهما يتخذان طوال الرواية سبيلا متعذر تغييره نحو ~~الموت. فما يحركهما ليس دافع الحياة بقدر ما هو دافع الموت، كما في سعي كاثرين الساخط ~~لتشق طريقها وحدها، أو عندما يقف هيثكليف - وهو صورة من الموتى الأحياء - متصلبا ~~كالتمثال أمام نافذتها، فاحتياجهما المحموم لبعضهما بعضا هو شغف بالنظام الواقعي، شغف ~~يتجاوز لطف النظام الرمزي إلى برية بلا معالم تسميها الرواية بالطبيعة. # تمثل روايات شارلوت أخت إميلي برونتي استراتيجيات للمواءمة بين الرغبة والأعراف ~~الاجتماعية؛ إذ يتاح لجين إير أن تشبع تطلعها لنيل روتشستر المتسم بسحر لورد ~~بيرون لكن بطريقة لا تتعدى اللياقة الاجتماعية؛ وبذلك تتركها في وضع مكشوف خطير. ولا ~~يوجد مجال لمثل هذه المواءمة الحكيمة بين الرغبة والعرف في رواية «مرتفعات ويذرنج». ~~فتجبر كاثرين للاختيار جنسيا بين هيثكليف وإدجار لينتون، وهي إذ تصبو إلى لينتون، ~~أغنى مالك أراض في المنطقة، تأمل أن يتحمل عنها أعباء النظام الرمزي بجانب الحفاظ على ~~الرابطة الخيالية مع رفيق صباها. وبهذا الأسلوب تمتلك - إن جاز التعبير - ذاتين: ~~ظاهرية وواقعية، في الوقت عينه. فنداؤها الشهير «أنا هيثكليف!» يرمز للتعايش الخيالي مع ~~حبيبها، تعايش يرتبط بالعدوان القاتل بقدر ما يرتبط بالاحتياج المتبادل. تختار كاثرين ~~لينتون على هيثكليف في نوع من التعقل الاجتماعي؛ لكن أيضا لأنه عندما يتعلق الأمر ~~بهيثكليف، الرفيق الذي يمثل وجوده ضرورة وجودية لها تضاهي ضرورة التنفس، فإن الاختيار ~~ليس مفهوما ذا صلة بأي نحو. من الممكن أن يكون الحبيبان أخوين غير شقيقين وهو ما قد ~~يشير إلى إحساسهما المتبادل بأن كلا منهما ذاتا بديلة، وكذلك على أفلاطونية ~~علاقتهما. لكن ms244 إن كان هذا هو الحال، فإن التلميح بزنا المحارم يخيم على علاقتهما؛ ~~لكن بما أن زنا المحارم علامة على الرعب الصادم الكامن في قلب النظام الرمزي، وإمكانيته ~~المستبعدة بشدة، فهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالنظام الواقعي. وفي هذه العلاقة التي ~~يحركها دافع الموت، يطوق النظام الرمزي من قبل كل من النظام الخيالي والنظام ~~الواقعي. # هذا هو السبب في أن سعي كاثرين لمواءمة كمواءمة شارلوت محكوم عليه بالفشل؛ إذ إن ~~النظام الواقعي لا يتيح مثل هذه المساومات أو أنصاف الحلول. فهيثكليف زائر قادم من هذا ~~العالم الغريب، وكذلك مكمل خيالي لحبيبته، وهو شخص بربري غير متمدن يظهر في صورة شخص ~~ينتمي للنظام الرمزي لا يعرف تأثيره على الأحداث؛ إذ لا مكان له في اقتصاد العزبة ~~الصغير، ويتسبب وجوده هناك في إيقاع سوق الزواج والأملاك في اضطراب عنيف؛ فهو يمثل عند ~~كاثرين الصخور الأبدية الموجودة تحت الغابة، القلب الصلب للنظام الواقعي لمادة الثقافة ~~اللينة. يجسد هذا البربري طليق اللسان، بصفته منبوذا تتبناه العزبة لكن منفيا ~~محبوسا داخل أسوارها، الحالة الملتبسة التي للطبيعة ذاتها التي تجمع بين الاجتماع ~~والانعزال، فالطبيعة تظهر في الرواية نفسها في صورة العزبة المزروعة؛ ومن ثم كبعد ~~من الثقافة الإنسانية، وفي صورة منطقة موحشة لكن خصبة تتجاوز حدود الوجود المتحضر. # يمتلك هيثكليف سمة من النظام الواقعي تذكر بالإله يانوس، باعتباره قاتلا وواهبا ~~للحياة معا، فعندما كان طفلا كان نموذجا يشبه فارماكوس، الذي هو - بحسب كلمات إيرنشو ~~العجوز - هبة من الرب لكنه شرير كالشيطان. أما وهو بالغ فهو يقدم كلا من الحياة ~~والموت لكاثرين بصفته ممثلا لرغبة تدمر وتنشئ من جديد في نفس الوقت. فهو شأنه شأن أي ~~نموذج للنظام الواقعي شخص بربري مريض بالهوس الأحادي، يفضل خوض بحور الدم على التخلي ~~عن رغبته. إن حدة رغبته غير الطبيعية دالة على الموت المطلق الذي سيشتهيه. لكن ~~الرواية لا تتعجل إقرار ما يمثله هيثكليف، فهي لا تفصح تماما كرهه الذكوري لإدجار ~~لينتون المفرط في التهذيب، الذي قد يصل إلى الضعف، لكن الذي ms245 حبه لكاثرين حنون وثابت. ~~ومقابل قراءة «عزبة ويذرنج» لشخصية هيثكليف باعتباره مصدرا للطاقة السامية، يقدم النص ~~في المقابل رؤية «عزبة جرانج» له باعتباره ذئبا استغلاليا، بارون ثري وبلا رحمة ~~لا يقدس أي رابطة أو عرف. يعد هيثكليف شخصية لا إنسانية لأن ما يمثله يتسامى فوق مستوى ~~ما هو شخصي؛ لكنه شخصية لا إنسانية كذلك بالمعنى الأدنى للكلمة؛ أي رجل يدفعه رفض ~~كاثرين له إلى التفوق على ظالميه في مكائدهم الخاصة بالزواج والأملاك. # مع ذلك وبرغم كل مكره، فإن هيثكليف يتصرف كرجل ميت يمشي على قدمين، فروحه دفنت مع ~~كاثرين الميتة، والثروة الثقافية التي يجمعها خلال غيابه الغامض عن العزبة لا تستخدم ~~إلا لهدف تركيع الذين انتزعوها منه، فكلما زاد استثماره باعتباره رأسماليا بلا قلب، ~~قل استثماره الروحي في مثل هذه المخططات؛ إذ يحركها دافع الانتقام الخالص من الذين ~~فرقوا بينه وبين حبيبته. فتخطيه للصعاب الدنيوية يتم باسم العالم الآخر، فالنظام ~~الواقعي الذي يتمسك به هيثكليف بهذا الإصرار المرضي يختزل بيئته المحيطة الفعلية في ~~اللاواقع حيث تستولي عليه رغبة لا تعرف أي قيد دنيوي. إن رغبة هذا الخبير العنيد في ~~القانون والمال والأملاك لا تنتمي لهذا العالم كما إيمان الناسك؛ ولهذا يأتيه الموت في ~~صورة صديق لا غريب. # إلا أن الرواية تدرك الجانب المجدب والرائع في أخلاق النظام الواقعي هذه، فمن وجهة ~~نظر جرانج بعواطفها المتحضرة وأعرافها المتمدنة، يعد كاثرين وهيثكليف طفلين ~~متجادلين، يعد رفضهما للنظام الرمزي علامة على عدم نضجهما الأبدي. وبعجزهما عن تناسي ~~طفولة مثالية تتحول هي إلى مراهقة مشاكسة مدمرة لذاتها، ويتحول هو إلى وحش مفترس. وفي ~~هذا الإطار فإن حب كل منهما للآخر حب ارتدادي ونرجسي في الوقت نفسه، يقع في شرك عالم ~~أسطوري ضائع لا يمكنه من خلاله أن يتحول إلى جزء من التاريخ ذاته ، فمن الصعب تصور ~~هيثكليف وهو يشغل غسالة الأطباق مثلا أو يحمم طفلا. # إلا أن نظرة عزبة ويذرنج - أو نظرة المدافعين عن المكان على الأقل - تختلف. فإن كانت ~~علاقة البطلين متجهة نحو ms246 الدمار الذاتي، فهذا لأنه ما من مكان لهذا التبادل النقي بين ~~النفوس في المجتمع التقليدي. فالاتحاد الشديد بين هذين الشخصين صعب، ليس لأنه ارتدادي ~~بل لأنه مثالي. وإن كانت علاقتهما سابقة على التواصل الاجتماعي أو مضادة له وليست علاقة ~~ثقافية؛ فذلك لأنها الصورة الحقيقية الوحيدة للوجود المتاحة أمامهما في نظام اجتماعي ~~استغلالي. ولأن الاحتمالات الجديدة التي يشيران إليها لا يمكن أن تتحقق بعد، فعليها في ~~المقابل أن تنتقل إلى نطاق الطبيعة والأسطورة والخيال. وبوصف هيثكليف «هبة من الرب» فإن ~~وجوده في العزبة منحة زائدة في الأساس؛ إذ يستقبل في هذه الوحدة المنزلية/الاقتصادية ~~باعتباره دخيلا، بلا دور مخصص له في بنيتها الثانوية المتمحورة حول العائلة. فهو ~~باعتباره فائضا في نظام العزبة الاقتصادي وغريبا في عالم تاريخه قائم على سلالة ~~معينة، فهو يرحب به أو ينبذ لذاته هو؛ إذ لا يتمتع بأي وضع سوى كونه إنسانا. إن ~~نموذج فارماكوس الملوث المخيف يمثل بقايا وفضلات الإنسانية؛ لكن إن أمكن النظر إليه دون ~~خوف واستيعابه داخل حدود الفرد، فإن هذا الغريب الواقف على الأبواب قادر على إطلاق قوة ~~غامضة نافعة. # 22 # كاثرين هي الأخرى وجودها زائد عن حاجة اقتصاد آل إيرنشو المنتمين لطبقة صغار ~~الملاك؛ فهي لأنها مجرد ابنة فهي لا ترث. لكن العزبة لا ترى أي فائدة من هاتين ~~الشخصيتين الجامحتين بخلاف استغلالهما وتجاهلهما، وتتركهما ليديرا شئونهما. فالحب شيء ~~جميل لمن يملكون الرفاهية والموارد للاستمتاع به. فأهل العزبة البخلاء جامدو الفكر لا ~~يمكنهم فهم أي علاقة ليست لها أساس اجتماعي أو أسري أو اقتصادي؛ أي علاقة تتضمن فوق ذلك ~~مساواة حقيقية بين أطرافها في ظل ما تصوره الرواية على أنه نظام طبقي شديد ~~السلطوية. إن من بين الإنجازات الجريئة لرواية «مرتفعات ويذرنج» هي تعرية بيت ~~العائلة الفيكتوري باعتباره مسرحا للعنف البغيض وصراعات القوة البائسة. هذا هو السياق ~~الذي يمكن فيه اعتبار العلاقة بين كاثرين وهيثكليف مثالية، فالنظام الواقعي يتضمن ~~احتمالا هو تدشين شكل جديد من الوجود تنقطع صلته بالماضي الجائر، وكذلك واقعا هو ms247 ~~إطلاق دمار مرعب في الحاضر. # وكما توجد في قلب رواية إميلي برونتي رغبة تقاوم الدلالة، فإن النص ذاته - بما فيه من ~~رواة شديدي التحيز وأصوات متنافسة وإدراج قصص داخل قصص كحكايات الجدات - كاف هو الآخر ~~ليربك أي قراءة مباشرة للقصة. فآلية دمج سرد ربما يكون غير موثوق في سرد آخر يتأكد عدم ~~مصداقيته تتضمن تفكيكا للترتيب الزمني؛ حيث يلتف التاريخ في النص على نفسه في حركة إلى ~~الأمام وإلى الوراء. وهذا أيضا يتناقض بكل وضوح مع تكشف قصة شارلوت غير الخطي، بما فيه ~~من ثقة ضمنية في التطور الأخلاقي والتاريخي؛ إذ يوجد في البعد الواقعي ما يربك البعد ~~التاريخي، حيث تدور شخصيات ومواقف وأحداث متنوعة حول دوامته لتشكل دوامة من ~~الزمن. # في أي من روايات شارلوت برونتي، ليس أمامنا مجال كبير للشك فيما علينا اعتقاده ~~بشأنها؛ حيث يلقننا الراوي العالم بكل شيء ردود أفعالنا في سلطة مفرطة تليق بناظر ~~المدرسة. لكن رواية «مرتفعات ويذرنج» في المقابل تفتقر للسرد الكبير أو الفوقي، كما لو ~~كان الغموض في قلبها لا يمكن تناوله بصورة مباشرة بل بصورة منظورية؛ إذ يلمح في ~~الفجوات بين قصة متحيزة وأخرى. لذا فإن الرواية لا تتيح أي اختيار مباشر بين النظام ~~الرمزي والنظام الواقعي، بين هيثكليف باعتباره شخصا استحواذيا بشدة وهيثكليف ~~باعتباره أفقا ثوريا جديدا، فالمقصود أن نرى الرجل نذلا ساديا، وليس شاردا ~~لافتا للانتباه أو جوهرة غير مصقولة. إلا أنه مطلوب منا أيضا أن ندرك أن سوء المعاملة ~~على يد آل إيرنشو هو ما حوله من طفل جريء إلى محتال بلا قلب، فبمجرد أن ترفض رغبته ~~في كاثرين، تتحول تلك الرغبة إلى دافع مرضي للموت والنفي والعنف الذاتي، إلا أن ~~الرغبة نفسها عقلانية تماما، لا يعوقها إلا عقبات النظام الطبقي. لقد حرم هيثكليف ~~الاحترام والتقدير، أولا من قبل آل إيرنشو ثم من قبل محبوبته، وقد رأينا من قبل ~~كيف يمكن لهذا الرفض أن يحول شايلوك وكولهاس وكلاريسا من مواطنين مسالمين إلى ~~رسل موت ودمار؛ إذ يوجد في ms248 الظلم، أكثر مما في الحقد أو السخط أو حتى في الكراهية، ما ~~قد يدفع الرجال والنساء إلى الجنون. # وبنفس الطريقة غير المتحيزة تريدنا الرواية أن نرى أن الثقافة ليست كل شيء، أن الوجود ~~الإنساني يتسم بشيء من المادية ثبت أنه يتعارض معه. إلا أنه يراد منا أيضا أن نقر ~~بأن الثقافة ليست على الإطلاق قشرة سطحية، وأن سخط أمثال هيثكليف عليها واعتبارهم أنها ~~جافة لا مبالية، ما هو إلا حكم متحيز. وفيما يتعلق بالغموض، يكون من الصعب على القارئ ~~تحديد طبيعة الحدث الذي أمامه، فهل هو عبارة عن قصة بطولة مأساوية أم قصة خصوم متنازعة؟ ~~هل تكمن الحقيقة - في النهاية - عند نيلي دين المتواضعة الحال وغير المبالية؟ لقد انكشف ~~أن الرغبة قوة مدمرة في جوهرها لا تبالي على نحو خطير بالفروق الاجتماعية، إلا أنه ليس ~~كل أشكال الرغبة يجب تحقيقها ودعمها، وليس كل التقاليد الاجتماعية زائفة؛ فالنظام ~~الرمزي يوفر الحماية كما يفرض القمع، مثلما أن النظام الواقعي تحويلي وصادم. ~~••• # بعد أربع سنوات من ظهور رواية إميلي برونتي، ظهرت أسطورة أكثر روعة للنظام الواقعي في ~~ساحة الأدب، فالحوت الأبيض الذي تطارده الشخصية الشريرة آهاب في رواية «موبي ديك» حتى ~~موتها، «مبهم» عصي على المعرفة، بقدر مفهوم كانط «الحقيقة الأساسية أو الماهية ~~الجوهرية»، فكما يقول الراوي إسماعيل عنه: «فكلما أخذته بالتحليل والتشريح، لم أتجاوز ~~في العمق سمك بشرته، فأنا أجهله وسأظل أجهله أبدا.» فلون موبي ديك الأبيض علامة على ~~قدسيته، على شيء «جميل وشريف وسام»؛ لكن «ثمة شيئا مراوغا في جوهر فكرة لونه يفزع ~~الروح أكثر من اللون الأحمر الذي يعني الدم.» فالأبيض لون النقاء، لكنه لون النفي ~~الخالص، وموبي ديك - مثل سمو الرب وقوة النظام الواقعي - مريع مثلما هو آسر، ملعون ~~مثلما هو مقدس، عدم غريب أجوف لا يسع من ينظر إليه سوى أن يخاطر بالإصابة بالعمى. ~~فالحوت - كما النظام الواقعي - سلب خالص وقوة إيجابية معا؛ شفرة تستعصي على الإدراك، ~~لكن قوة تدمير عارمة يقع آهاب - الذي استحوذ عليه الموت - في ms249 حبها الكارثي. إن الغموض ~~الرهيب لموبي ديك ولا محدوديته التي تبطل كل التصنيفات الحيوانية يذكر الراوي بالفناء، ~~و«ما في الكون من خلاء ساكن لا ينبض، ومن انفساح لا يحد.» فغياب وجود الأرض، كما ~~يشير إسماعيل، أمر غامض مثل الرب. # إن كان الحوت يضرب استقرار عالم الحيوان، فهو يربك كذلك البطل التراجيدي للرواية الذي ~~يرى فيه تجسيدا حيا ل «كل ما يسلب العقل ويستفز العذاب؛ كل ما يعكر صفو الأشياء؛ كل ~~حقيقة يستكن فيها الحقد؛ كل ما يفتت القوى العضلية ويضرب العقول؛ كل ضروب الشيطنة ~~الماكرة التي تعشش في الحياة والفكر؛ كل الشر ...»؛ إذ يمثل موبي ديك لآهاب التائه ~~طبيعة النظام الواقعي المتعرجة غير المنتظمة، والعيب الخفي في منظومة الطبيعة. وكما ~~يقهر النظام الواقعي الدال بهناكيته أو الوحشية والمراوغة في نفس الوقت، فإن حتى أكبر ~~المباهج على الأرض - كما يشير آهاب «تتسم بتفاهة معينة لا دلالة لها تكمن فيها.» فهو ~~يرى في «الصفحة البيضاء» للحوت الشر الخالص لدافع الموت، جلبة اللامعنى الشيطاني التي ~~تتردد عبر الكون. إلا أن هذا يرجع إلى أن رؤية القبطان لموبي ديك تمثل رؤية إبليس للرب؛ ~~أي رؤية الرب باعتباره ظالما، باعتباره حكما ورقيبا وليس صديقا ومحبا. فموبي ~~ديك في نظر آهاب «شيء ملعون» وإن كان يلمع ببريق سام عندما ينظر إليه بعين أقل ~~شرا. يمكنك - كما تخبرنا الرواية - أن ترى الحوت شيطانا أو ملاكا مقربا، بحسب ~~حالتك المزاجية. # إن هذا الوحش شأنه شأن كل الأشياء المقدسة مبارك وملعون معا، ورغبة آهاب المصابة ~~بالهوس الأحادي تجاهه تمثل حبا وعدوانا قاتلا معا، مزيجا من العشق والموت. ~~فآهاب مثل أي شخص شيطاني، لا يمكنه أن يحصل حيوية اصطناعية إلا من الألم الذي تتيحه ~~له كراهيته الممزقة لذاتها نحو الحوت. إنها تلك الحالة من العذاب الذاتي التي ينظر ~~إليها عادة باعتبارها الجحيم، والقبطان واحد من السلالة الأدبية المهيبة من الشياطين ~~المتعدية للحدود؛ إذ ينتمي إلى النخبة الشيطانية؛ فهو كما يقول عن نفسه: «وهبت الإدراك ~~العالي ... وملعون على نحو خبيث وماكر!» ms250 وحده الشيطان - الملاك الساقط - هو من يتقبل ~~حقيقة خالقه، فيقدر الدمار لذاته كما يخلق الرب من أجل الخلق ذاته. لقد تجاوز آهاب ~~حدود البشرية إلى أرض لا يصلها إنسان، فيها يتحول - كما يقول على غرار شيطان ميلتون - ~~«كل جمال إلى مصدر شقاء لي.» فهو واحد من الموتى الأحياء، ويتحول وجوده المدمر للذات ~~إلى وجود يتعصب للموت. فحتى ساقه الصناعية العاجية - التي تصدر مع خطواته على متن ~~السفينة صوتا يشبه الدق على تابوت - هي قطعة من شيء ميت مدمج مع لحمه ودمه. فقد فعل ~~القبطان ما طلب من أنطونيو في مسرحية «تاجر البندقية»: لقد ضحى بجزء من جسده من أجل ~~الآخر الكبير، إلا أنه لا يزال لم يتلق أي تقدير من الشبح العملاق الذي يطارده بلا ~~طائل. وكما هو الحال مع هذه الرغبات عسيرة المراس، يختزل الواقع اليومي في مجرد ~~واجهة مبهرجة مفرغة من أي مضمون وجودي: «فكل الأشياء المرئية» كما يقول آهاب ~~«ليست سوى أقنعة كرتونية»، فكل أتباع النظام الواقعي أفلاطونيون بطبيعتهم. # يقول إسماعيل، متأملا حالة قبطانه البائسة: «لقد خلقت أفكارك مخلوقا بداخلك.» إنه ~~وتد النظام الواقعي الدخيل الموجود بداخل آهاب الذي يمزق ذاته، فيدفعه نحو السعي لشيء ~~مستحيل؛ لكنه كذلك هو تلك الرغبة المسعورة المحددة التي تتمثل فيها عظمته؛ إذ يستحوذ ~~عليه - شأنه شأن كل أبطال النظام الواقعي - تطلع شغوف للانهاية فيقول: «الحقيقة لا تعرف ~~القيود.» فهو على استعداد للمخاطرة بحياته في سبيل السعي نحو رغبته. ومن هذا المنطلق ~~يدفع إلى حد مأساوي العمل الروتيني لبحارته، الذين يحصلون الحياة من الموت باستخراج ~~قوتهم من المحيط، فهم أيضا تجسيد للفارماكوس مثله، وهم مطرودون من الإنسانية، تتميز ~~تجارتهم ب «انعدام الطهارة»؛ لكن، ورغم أن العالم يقصي هؤلاء المهربين إلى نطاق ~~اللاإنساني، فهو يجلهم كبروميثيوس سارق النار، باعتبارهم موفرين للزيت من أجل ~~إضاءة المصابيح التي في البيوت والأعمال. فالحضارة الإنسانية نفسها قائمة على استخراج ~~الحياة من الموت؛ إذ تجبر الطبيعة صعبة المراس على خدمة الثقافة؛ وهكذا تعكس ازدواجية ~~آهاب عرفا متحضرا وليس ms251 انحرافا غير اجتماعي. إن الإنسانية - إذ يصنعها البعد الواقعي ~~اليانوسي المستحيل لرغبتها - هي التجسيد الحقيقي للفارماكوس؛ حيث تقدر على الفداء ~~واللعن بدرجة تتجاوز أعظم مخلوقات البحر. إن كان آهاب تشوها في وجه الأرض فذلك لأنه ~~يتمادى في منطق الإنسان إلى حد لا يتصور، حد تكشف الإنسانية عنده عن نفسها ~~باعتبارها لا إنسانية بقدر ما هي إنسانية في أصدق صورة. هذا هو نطاق النظام الواقعي ~~الذي - لحسن الحظ وسوءه أيضا - لا يقدر مناصرو النظام الخيالي ولا المدافعون عن النظام ~~الرمزي على الدخول إليه. # وفي رواية أقل تألقا من رواية ميلفيل، تتضمن رواية «حكاية الزوجات العجائز» لأرنولد ~~بينيت لحظة استثنائية، يتحول فيها هارولد بوفي - وهو تاجر أقمشة عسير الوصف من نورث ~~ميدلاند يتسم بعادات خاصة بالبرجوازية الصغيرة - من خلال حكم الإعدام الظالم لابن عمه ~~إلى شخص غريب على نحو مخيف. يترك هارولد الذي أنهكه الالتهاب الرئوي فراشه بصعوبة ~~لزيارة قريبه المدان في السجن، ثم يذهب إلى كاهن البلدة ليتشاور معه بخصوص عمل مظاهرة ~~سياسية معارضة للحكم. وتكون نتيجة ما بذله من جهد خارق في سبيل قضية العدالة ميتتين ~~وليس ميتة واحدة؛ حيث يموت بوفي بسبب تسمم الدم. ويعلق الكاتب عليه قائلا: «لقد افتقر ~~للفردية، فقد كان ضئيل الحجم ... لكنني أحببته واحترمته ... لطالما أسعدني أن أفكر أن القدر ~~في نهاية حياته قد تولى أمره وبين - لمن يرى - عرق العظمة الذي يجري في كل روح دون ~~استثناء، فقد تبنى قضية وخسرها ومات بسببها.» ويكتب لاكان: «إن الطريق لتحول كل منا ~~لبطل مرسوم بداخلنا، فقط علينا أن نكمله حتى نهايته.» # 23 ~~••• # وفي ختام مسرحية آرثر ميلر «مشهد من الجسر» يدخل المحامي ألفيري ليلقي كلمة خالدة ~~في تأبين بطل المسرحية الذي رحل؛ إيدي كاربون: # إننا نرضى في معظم الأوقات بأنصاف الحلول، وهذا يناسبني. لكن الحقيقة مقدسة، ومع أني ~~أعلم كيف كان (إيدي) مخطئا، وكيف كان موته بلا فائدة فإنني أرتجف؛ لأنني أعترف أن ثمة ~~شيئا نقيا يناديني من ذكراه، ليس شيئا جيدا خالصا؛ لكنه شيء منه ms252 هو وحده؛ إذ ~~عرف بنفسه تماما، ولهذا سأحبه أكثر من كل عملائي المتعقلين. ومع ذلك فالأفضل الرضا ~~بأنصاف الأشياء؛ حتما. وبهذا أرثيه، علي أن أعترف، ببعض ... الحذر. # لا تختلف نغمة ما سبق عن رثاء رواية «حكاية الزوجات العجائز» لهارولد بوفي المقهور ~~لكن العنيد؛ إذ يعكس رد فعل ألفيري المتحير تجاه كاربون ازدواجية خاصة بالنظام الواقعي. ~~فبطل المسرحية يندفع في إصرار نحو موته باسم سمعته التي تلطخت؛ وتبدى المسرحية إعجابا ~~بالإصرار في تمسكه برغبته، وإن كانت تظهره بمظهر المغرور إلى حد المأساة. نفس ~~الأمر ينطبق على نظرة مسرحية «موت بائع متجول» لبطلها ويلي لومان، وهو شخصية تموت غارقة ~~في مستنقع الوعي الزائف، لكن عظمته المأساوية تكمن في أنه يعجز عن تجاهل مشكلة ~~هويته. يمكننا القول إن هذا النموذج الأولى للبطل المعاصر يحافظ على «الموضع الأصلي ~~لمتعته حتى وإن كان فارغا» كما يقول لاكان في سياق آخر. # 24 # فلومان شخصية أدبية أخرى تتحرك بين صفوف الموتى الأحياء؛ حيث يسير بلا تردد ~~نحو مواجهته مع الموت الذي يخبئه له عنوان المسرحية - وهو جزء من القدر في حد ذاته - ~~منذ البداية. أما ما يعجب به ميلر نفسه في بطله فهو «الحدة، الشغف الإنساني بتجاوز ~~الحدود الموجودة، الإصرار المتشدد على دوره الذي وضعه لنفسه.» فويلي مثله مثل العديد من ~~أبطال النظام الواقعي تطارده تفاهة الحياة اليومية ويريعه التناقض بين مطلبه السامي ~~الذي لا يتزحزح وبين «خواء كل ما آمن به» بحسب عبارة المؤلف. ويتابع ميلر: «أرى أنه ~~كلما قلت قدرة الإنسان على تجاهل الصراع الجوهري في الرواية اقترب من الحياة ~~المأساوية. ومن ثم فهو يشير ضمنيا إلى أنه كلما اقترب الإنسان من المأساة زادت ~~حدة تركز عواطفه حول النقطة الأساسية لالتزامه، وهو ما يعني أنه يقترب أكثر مما ~~نسميه في الحياة بالتعصب.» # 25 # من السهل إذن أن نفهم حيرة ألفيري الحزينة بشأن عميله المقتول في مسرحية ~~«مشهد من الجسر»، وليس أقل أسباب ذلك أن المحامي شخصية كتبها نفس القلم الذي ألف ~~مسرحية «البوتقة». وفي ظل ms253 عصر مجرد من المثل البطولية، فإن النبل الوحيد الذي يمكن ~~للإنسان إدراكه لا يكمن في طبيعة رغبته، بل في شدة إخلاصه لها. إلا أن هذا الإخلاص ~~يحتمل دائما أن يكون مرضيا. إذا فنحن بصدد أخلاق شكلية خالصة، أخلاق تتمتع ~~بلمسة من البريق ومسحة من التهور أيضا. إن مذهب لاكان الذي يقول «لا تتخل عن ~~رغبتك» هو واحد من سلسلة من تلك المذاهب الشكلية، الذي يعتبر المذهب الوجودي ~~القائل «تصرف بطبيعتك» أولها. يسأل لاكان: «ما الذي يجعل فيلوكتيتس بطلا؟» ~~ويجيب: «ليس سوى بقائه مخلصا لكراهيته حتى النهاية.» # 26 # أما ما إذا كان إخلاص الفرد الشديد للعشق الجنسي للأطفال يعد سلوكا ~~بطوليا من الناحية الأخلاقية فيظل مسألة غامضة. إن هذه الأخلاق الشكلية هي ما يعجب ~~بها لاكان عند أنتيجون، وهي إذ تقف على حد من حدود النظام الرمزي بعيد لدرجة أنه يمكنها ~~إثبات القيمة الفريدة لأخيها المقطوعة رأسه دون الإشارة إلى الجانب الأخلاقي أو الآثار ~~الاجتماعية لأفعاله. وفي تقليد امتد من هايدجر إلى سارتر ولاكان، فإن التفرقة المهمة ~~ليست بين الخير والشر بل بين الحقيقي وغير الحقيقي، بغض النظر عن مدى عدم دقة الصفة ~~الأخيرة في حالة لاكان. فنحن يطلب منا الإعجاب بالشكل السامي أو الجميل للفعل أو ~~الثناء على تطرفه الجريء، بصرف النظر عن محتواه الخطير أو المبتذل. # إلا أن الأشكال الأدبية للنظام الواقعي تميل للاختلاف قليلا في هذا الصدد عن بعض ~~النظريات الخاصة به، فكل من لومان وكاربون يفعلان الشيء الخاطئ للسبب الصحيح؛ لكن ~~المسرحيتين اللتين يظهران بهما بدلا من أن تؤكدا على إصرارهما الشديد على رغبتهما ~~تضعان تلك الرغبة في مواجهة الشيء عديم القيمة الذي تتعلق به. إن عجز هاتين الشخصيتين ~~عن الانفصال عن نفسيهما حماقة وانتصار معا، وهذه الرؤية المزدوجة جزء من ميراث ميلر ~~الذي ورثه عن إبسن. فالذين يقتربون كثيرا من النظام الواقعي أقرب إلى الهلاك لرؤية ~~الحقيقة؛ لكن الهلاك لرؤية الحقيقة قد يكون مع ذلك أفضل من عدم رؤيتها مطلقا. فأبطال ~~ميلر من ناحية واقعون بين ms254 الفريقين؛ إذ يركزون على أشياء مرغوبة زائفة متعددة لكنهم ~~ينتظرون حقيقة بشغف من هذه الأصنام المزينة. من هذا المنطلق فإن لومان - بعبارة لاكان - ~~لم «يبلغ منتهى رغبته»، وهي نقطة - حسبما يشير لاكان - يرى الإنسان فيها أن الحياة ليست ~~مفروشة بالورود لكنه ينتبه مع ذلك «للقيمة النسبية تماما للتعلقات أو الاهتمامات ~~المرضية أو الأسباب النافعة.» # 27 # فويلي محق في طلبه التقدير لكنه مخطئ في تصوره أن أشكاله المتاحة له ~~اجتماعيا تستحق نيلها. وكاربون مصيب في طلبه استعادة «سمعته» أو شرفه لكنه لا يدرك ~~أنه ضاع نتيجة لأفعاله. وفي ظل مجتمع أصبحت فيه سلعة الأخلاق التقليدية أكثر تزينا، ~~وزادت فيه حدة الخلاف بين هذا التصور للحياة السليمة أو ذاك، فقد كان من اللازم أن ~~تتحول الأخلاق على نحو كبير لقضية تتعلق بالشكل. وأخلاق النظام الواقعي هي أحدث صور هذه ~~الشكلية. # ويكتب لاكان في إحدى فقرات كتابه «أخلاق التحليل النفسي» عن الخيانة المرتكبة بالتخلي ~~عن الرغبة قائلا: # إن ما أسميه «التراجع عن الرغبة» دائما ما تصحبه خيانة ما في مصير الذات، فستلاحظها ~~في كل الحالات، وعليك أن تعي أهميتها. فالإنسان إما أن يخون مسعاه وإما أن يخون ~~نفسه، والعاقبة تكون كبيرة بالنسبة له، أو أنه ببساطة يتقبل أن يتخلى شخص قد اتفق معه ~~على شيء معين عن أمله ولا ينفذ اتفاقه، أيا كان هذا الاتفاق، مقدرا أو غير ~~مقدر، أو خطيرا أو قصير النظر، أو مسألة متعلقة بتمرد أو هروب، فذلك لا ~~يهم. # ثمة خيانة إن تسامح المرء مع هذا، إن كان دافعه فكرة الخير، وأقصد بهذا الخير لأجل ~~الشخص الذي ارتكب فعل الخيانة؛ فالمرء يتنازل لدرجة التخلي عن مطلبه، ويقول لنفسه: ~~«حسنا، إن كان هذا هو الحال فعلينا أن نتخلى عن موقفنا؛ فلا يستحق أي منا هذا ~~العناء، وخاصة أنا؛ لذا علينا أن نعود إلى طريقنا المعتاد.» # 28 # والشخص الذي يخون نفسه هو إيدي كاربون، بينما يواجه شايلوك وكولهاس العدو الذي ينكث ~~الاتفاق الموثق معهما. أما أولئك الذين يسعون إلى التخلي عن ms255 مطالبهم وقبول أنصاف ~~الحلول، فإن الجملة الأخيرة من فقرة لاكان يمكن أن تكون شبه إعادة صياغة لتوسل بيف ~~لومان اليائس إلى أبيه ليتراجع عن قدره: «أبي، أنا بلا قيمة، وكذلك أنت!» أما نظرة ويلي ~~للمسألة في المقابل فتتبلور في الحوار المقتضب مع ابن أخيه برنارد: # برنارد ~~: # لكن من الأفضل أحيانا يا ويلي أن يتراجع الإنسان. # ويلي ~~: # يتراجع؟ # برنارد ~~: # نعم. # ويلي ~~: # وماذا إن لم يستطع التراجع؟ # برنارد ~~: # أظن أن هذا يكون عندما يتأزم الأمر بشدة. # | هوامش # الفصل التاسع # | ليفيناس ودريدا وباديو # ما من نظريتين أخلاقيتين تبدوان أشد تباعدا من المذهب الخيري البريطاني في القرن ~~الثامن عشر وفلسفة إيمانويل ليفيناس. # 1 # إلا أن فكر ليفيناس يمثل - من بين ما يمثله - عودة إلى مذهب أخلاقي قائم ~~على الإحساس والشعور، يخرج من عباءة إيمانويل كانط ليعيد القيم الأخلاقية مرة أخرى إلى ~~سياق الجسد الخاضع للاحتياج والبؤس والعاطفة. ويمكن أن نضيف أن ثمة مشروعا هاما من ~~هذا النوع سابقا على هذا: محاولة ماركس اليافع أن يحول أخلاق الجسد والإحساس إلى ~~أخلاق شيوعية في كتابه «مخطوطات عام 1844 الاقتصادية والفلسفية». إن ليفيناس نفسه - ~~الذي يرى (شأنه شأن آلان باديو) أن الأخلاق تتعارض مع الطبيعة - يعارض بشدة أي نظرية ~~طبيعية من هذا النوع، بل والنظرية الأخلاقية في حد ذاتها. فهو يرى أن مثل هذا الحديث عن ~~الأنواع البيولوجية به صدى لا يمكن تجاهله من الفكر النازي؛ فالأخلاق عنده أصلها ~~الجسد، لكنها أيضا متسامية عنه. وهذا النوع من السمو يعرف بالبعد الشخصي. # إن وجود الذات يعني عند ليفيناس الخضوع؛ وهو ما يعني التعرض للطلب المجحف للآخر ~~الكبير، وهو طلب لا يخزن نفسه في العقل بل «على البشرة، عند أطراف الأعصاب». # 2 # فكما يعلق سايمون كريتشلي: «الذاتية أساسها الإحساس.» ويشترك ليفيناس في ~~الكثير من النقاط مع كانط؛ لكنه لا يشاركه عدم ثقته في الإحساس؛ فالحياة عند ليفيناس هي ~~- كما يقول كريتشلي: «الإحساس والمتعة والطعام. هي المتعة ولذة الوجود.» # 3 # رغم أنه بالنظر إلى التعقيد الشديد لأعمال ليفيناس عصية الفهم ms256 عن عمد ~~فإنه يغفر للمرء تغاضيه عن الحقيقة؛ فالطعام والمتعة في نظر ليفيناس بنية سابقة على ~~التاريخ نوعا ما، تتغذى عليها الحياة الواعية، لكنهما سابقان دائما عليها. فكما هو ~~الحال مع النظام الخيالي في القرن الثامن عشر فإن الإرادة والتفكير والإدراك كانت عناصر ~~حديثة في المشهد الأخلاقي، وهي مشتقات باهتة من شيء أكثر أولية على نحو كبير. لقد أصاب ~~كريتشلي في رأيه أن الذات الأخلاقية في فكر ليفيناس هي مخلوق من لحم ودم، مثلما يظهر من ~~تعليقات شهيرة له يقول فيها بأن «المخلوق الذي يأكل هو وحده من يمكنه أن يتعاطف مع ~~الآخر.» وكذلك (في تعارض مع هايدجر) «الكينونة لا تأكل». فالأخلاق بحسب قوله «ليست هبة ~~القلب بل القدرة على العطاء». # 4 # أما الآخر فهو بالنسبة له إنسان تكمن بداخله صورة توحي باندماج مضطرب وليس ~~متجانسا للذوات. فمقاربة الأخلاق تكون بالإحساس لا بالإدراك؛ فوجودنا يرتبط بالإحساس، ~~والإحساس نفسه باعتباره انفتاحا لا نهائيا على «الخارج» يعد صورة من السمو في ~~ذاته؛ فالسمو مغروس في أحاسيسنا. # إذا ففي رد فعل مبالغ فيه بشدة على فكر عصر التنوير تخلينا عن عالم الفواعل الحرة ~~التطوعية المقررة لمصيرها في سبيل دائرة أخلاقية تقوم على إلقاء اللوم على الآخرين ~~والاعتماد على الغير وتتضمن التزامات وليس اختيارات، ولا تسودها حرية الإرادة بل ~~الحساسية المخيفة. فالموت بحسب ما يكتب ليفيناس هو استحالة وجود خطة عمل؛ فالسؤال ~~الأخلاقي التقليدي: «ماذا يجب علي أن أفعل؟» يتحول إلى: «ماذا يريد الآخر الكبير ~~مني؟» فالأخلاق لم تعد مسألة تحديد ما ينبغي فعله بل ما يمثل حياة جيدة. يتسم ليفيناس ~~بنفور لاكاني لمثل تلك المفاهيم عن الخير الأسمى، وهو ما لا يؤدي في نظره إلا إلى الفشل ~~والإحباط؛ فالأخلاق قضية أهم من أن تختزل في مثل تلك الاعتبارات الدنيوية مثل السعادة ~~أو الإشباع أو الرفاهية. كما أنه لا يكاد يطيق صبرا على التصور التقليدي للأخلاق ~~بوصفها تأملا لمواقف معينة بهدف التوصل إلى التصرف الأنفع فيها؛ ففكرة تحديد مبررات ~~سليمة من أجل تحقيق أهداف ms257 عقلانية ليست فكرة يولع بها كثيرا؛ فالأخلاق قضية متعلقة ~~أكثر بوقوع الاختيار عليك وليس صدوره عنك. وقد رأينا كيف يمكن أن نجد نفس تيار السلبية ~~الحكيمة في عالم الإحساس الخاص بالعاطفيين الذين يرون أن مشاعر الشفقة أو النفور ~~تتجاوز سيطرة الإنسان الواعية؛ فأخلاق ليفيناس هي أخلاق انهيار وضعف وليس أخلاق إنجاز ~~كبير؛ وهي بذلك لا تنتمي لعالم السياسة والتكنولوجيا ولكن لهؤلاء القلة من اليهود من ~~أبناء بلاده الذين قضوا نحبهم في سبيل هذه الأشياء. فهو يسعى لاستعادة تناهي الوجود ~~الإنساني من بين أنياب الإرادة المطلقة المتغطرسة؛ لكن اللاتناهي - كما سنرى - سيتسلل ~~عائدا رغم ذلك في صورة المسئولية - التي لا تنتهي - بعضنا عن بعض. إنه، حسبما يكتب ~~ليفيناس، في لغة تذكر بالنظام الواقعي عند لاكان «الشيء الكبير بداخلي الذي لا يمكنني ~~أن أحتويه.» # يكمن في قلب فكر ليفيناس الأخلاقي علاقة مع الآخر الكبير، هي لا علاقة أيضا؛ حيث إن ~~الآخر الكبير مختلف تماما وغامض ومستغلق. فليفيناس شأنه شأن لورانس في روايتيه ~~«قوس قزح» و«نساء عاشقات» يسعى نحو علاقة تتجاوز نطاق العلاقات؛ علاقة تتخطى بأسلوب ~~لورانس الخطاب التقليدي المستهلك للإرادة والوعي وعلم النفس والعاطفة والأعراف ~~الاجتماعية والقوانين الأخلاقية والعواطف الإنسانية وما شابه في سبيل عالم فيما وراء ~~الوجود ذاته، ومملكة للروح تتخطى الوجود بكثير. فمخاطر الهيمنة البشرية قد صارت راسخة ~~الآن لدرجة أن العلاقات نفسها، التي لا يمكن أبدا أن تكون بريئة من القوة، يجب تجنبها. ~~إن الانفتاح على الغيرية الذي لا يمكن السيطرة عليه - على السمو الموجود في قلب الذاتية ~~التي لا تقبل (كما هو الحال مع الرب السامي) المقايضة ولا التلاعب ولا المبادلة ولا ~~التبادل - هو الأساس الذي ينبني عليه وجودي الغارق في الإحساس بالذنب. فنحن بعبارة أخرى ~~لا نتحدث عن العلاقة الفعلية مع هذا الشخص أو ذاك، بل عن العلاقة الأولية أو السامية ~~التي هي شرط لأي علاقة واقعية والتي تمثل مصفوفة تتحرك خلالها مثل تلك الروابط. فالنفس ~~ما هي إلا صدى لشيء يتخطاها؛ فحتى الآخر الكبير ليس هو ms258 ما يستثير حس المسئولية عندي، ~~بل القانون أو اللامتناهي الذي يوجه بطريقته المستبدة الآخر الكبير لمسئوليتي. وإن لم ~~يكن هناك قضية تماثل أو مساواة أو مبادلة في هذا السياق، وهو ما يعني عدم وجود أخلاق ~~رمزية؛ فذلك لأن الآخر الكبير في ظل تلك الحساسية النابضة الخالصة التي يدل عليها ~~«الوجه» يجردني من استقلالي ويلقي بي في إذلال صادم. فأنا أسير لهذا الآخر الكبير ~~الذي يلقي بالاتهامات دائما، يأخذني وأنا أعزل تماما إلى معنى فيما وراء الوجود. ~~وهذا التجلي للامتناهي؛ إذ هو علامة على ما تستحيل تماما معرفته الذي يضعف سيطرتي على ~~نفسي، يمثل كذلك نذيرا بموتي. # إذا فالصدمة - أي تعرض الإنسان لغيرية مطلقة لا تكاد تطاق، غيرية هي عند لاكان ~~المؤشر على الاضطراب النفسي - تمثل أصل الأخلاق اللاإنساني؛ فالوجود يعني الانفتاح. إن ~~ما يغرق النفس في الذاتية هو ذلك التعرض دون وسيط للآخر الكبير - حدة العواطف غير ~~المحتملة التي ينتجها - وهو ما يتملص من المبادلات غير الشخصية للنظام الرمزي ولا يمر ~~ببوابة الدال. وحيث إن تلك المواجهة هي ما يمثل ميلادي - بصفتي ذاتا - فإن «اختياري» ~~هو إخضاعي كذلك. فالخير سابق على الوجود؛ إذ إننا بالإخلاص للآخر الكبير نصل إلى الوجود ~~الذاتي، وبما أنني لن أقدر على فهم أو معرفة أو استيعاب أو تصور الآخر الكبير، والذي ~~يعني أي منها اختزاله في تماه خيالي مع نفسي، فإن الآخر الكبير يمثل لي غيرية ~~مطلقة؛ غيرية غريبة، مفرطة، غير مشروطة، لا يمكن تمثيلها، فاضحة، لا تقاس، فردية، ~~مستعصية على رغبتي؛ وبذلك فهو يسمو على فرديتي بصفته الإله الذي يعيش بداخلنا معا. في ~~الواقع فإن ليفيناس يحول فعليا اللاعلاقة الأخيرة إلى العلاقة الأولى. وثمة تيار في ~~الأخلاق المعاصرة يرى أن مفهوم الرب لم يعد له مكان ينقل السمو من الرب إلى شخص الآخر ~~الكبير. ويعمق ليفيناس بفعله نفس الشيء لأقصى حد المفارقة المعهودة المتمثلة في أن كل ~~علاقة إنسانية تتطلب بعض الامتزاج غير المقرر بين التآلف والاستقلال، وهو يعمقها لدرجة ~~تقوض كلا الأمرين؛ فالأمر ms259 لا يقتصر على عدم وجود أدنى تماه أو أرضية مشتركة بيني ~~وبين الآخر الكبير، بل إن خطابه المدوي كذلك يصادر على استقلالي؛ فيختزلني إلى نوع من ~~العبد الروحي في حضوره المبجل. # لكن رغم أن الآخر الكبير بعيد وعصي على الفهم - لا يرى إلا كما ترى الأنا العليا ~~في صورة واجب مستحيل أو قيد يثقل الكاهل أو اتهام لا سبيل لدفعه - فهو في الوقت نفسه ~~طاغ في حميميته، ونوع من الغيرية بداخل جسدي؛ وبذلك يمثل شيئا يتمتع بطبيعة النظام ~~الواقعي المزدوج؛ فالآخر الكبير قريب وعسير المنال في نفس الوقت، أقرب من أن نتجنبه ~~وأبعد من أن ندركه؛ فهو - إن جاز التعبير - معين عندي تلقائيا في لا تعينه، ~~دونما إخلال بسموه المطلق علي، وظاهره يبرز خفاءه التام. فالآخر الكبير؛ إذ يواجهني ~~بادعاء ملكية وجودي ملكية مطلقة - وهو ادعاء شأنه شأن القانون الأخلاقي الكانطي لا ~~يمكنني تأكيده ولا تجنبه - فهو يجعل موقعي المستقر في النظام الرمزي مضطربا، وينتهك ~~بقوة كلية عالمي النرجسي، فيلقي بي في ظلمات الضياع ويطردني من وطني ويجعلني أتحمل عبء ~~مسئولية لا متناهية نيابة عنه. فالإنسان لا يمكنه أبدا أن يكون على قدم المساواة مع ~~الآخر الكبير الذي يكون من هذا المنطلق في صورة رب لا يمكن استرضاؤه. لا ينظر ليفيناس ~~في هذا الإطار لمفارقة العهد الجديد أن هذا الفرض المريع نوع من الحب؛ الحب الذي برغم ~~استبداديته القاسية يستوعب ضعفنا من جميع نواحيه، ويسعد بنا كما نسعد به تماما. ~~ومثلما لا يطلب المسيح من الآثمين التوبة قبل أن يتمتعوا بصحبته، فكذلك الرب يحب ~~مخلوقاته حبا غير مشروط؛ وهو ما يعني حبهم بكل خطاياهم. وهذا هو ما يراه الملتزمون ~~أخلاقيا، السابقون إلى تطوير أنفسهم، خزيا أكبر من أن يقبل. # تشعر الذات وهي عالقة في هذه المواجهة الأليمة ب «عدم ارتياح في داخلها» وبأنها ~~«مغتربة عن نفسها» وغارقة في الشعور بالذنب الذي لا يغتفر، كما لو كانت ترتدي قميص ~~هرقل السام. وكما هو الحال عند أنصار مذهب الخير، فإن الآخر الكبير ms260 يبدأ عملية إخراج ~~النفس من المركز، وإن كانت أكثر رعبا وقابلية للتغير في أعين ليفيناس من أعين القرن ~~الثامن عشر المشتهر بتحضره؛ فالتزام المرء تجاهه يمتد لما وراء المنطقية الحضرية لهيوم ~~وبيرك، نحو هذا العطاء الذاتي غير المحدود الذي تأمر به المسيحية اليهودية. إن وضع ~~الآخر الكبير المطلق ولا محدودية فروضه هما الشيء الصادم؛ فالذات إذ تواجه هذا الحضور ~~المشكل تنقسم في لا تماه مع النفس؛ فتصير بائسة وليس مستقلة، عاجزة على نحو دائم عن ~~التوافق مع نفسها. وكل هذا - كما في مذاهب الأخلاق العاطفية - يحدث في أعماق النفس ~~السابقة على التفكير وعلى التاريخ، السابقة على المعرفة أو الإرادة أو الالتزام أو ~~الوعي أو القرار الحر. فهذا الآخر الكبير أبدي على نحو مزعج، وموجود خارج أي سياق ~~اجتماعي أو تاريخي، ومجرد من أي دلالات ثقافية محددة، وسام فوق كل العوامل الأخلاقية ~~أو النفسية. لا يبدو أن ليفيناس يدرك أن تجريد الذات من سياقها الاجتماعي يجعلها أكثر ~~تجردا لا أكثر قربا؛ وبالتالي أكثر شبها بالذات المتحجرة في عصر النهضة التي ~~يبغضها. # إن تاريخ الأخلاق هو ما يسعى ليفيناس لدراسته؛ هذا الكشف عن الغيرية الأصيلة التي ~~تجري في أعماق تكويننا السابق على الوعي لدرجة أنه لا يمكن اعتبارها حدثا أو تجربة ~~والتي بالتأكيد تتفادى أي شيء مباشر كالتصوير العقلي (وفي الوقت نفسه يرفض ليفيناس ~~الحديث عن العلم الذي من المفترض أن يدرس هذه الغيرية الأصيلة؛ ألا وهو علم التحليل ~~النفسي). وهذه المواجهة الأخلاقية الأولية هي مصدر كل المعرفة والفكر؛ ومن ثم تلوح في ~~صورة أصل الذاتية نفسها. فمن خلالها، تبدأ الحقيقة في التكون؛ فالحقيقة هي التعرض ~~الطائش للفرد للآخر الكبير فيما قبل أي خطاب تأملي. كما أنها منبع الإبستمولوجيا؛ إذ ~~إنه من خلال تعاملاتنا مع الآخرين نؤسس عالما موضوعيا مشتركا. إن الحقيقة الموضوعية ~~للآخر الكبير - وطغيانه الفينومينولوجي البحت على أفق رؤيتي - هي نموذج الموضوعية بصفة ~~عامة. # كذلك فإن الآخر الكبير هو ما يكمن في أصل النفس، والمسئولية عن الآخر الكبير هي شرط ms261 ~~للمسئولية عن النفس. فالنفس هي الآخر الكبير وتميزها يرجع إلى تحملها عبء الخطيئة ~~والذنب نيابة عن الآخر الكبير على النحو الفريد الذي لا يطيقه سواك وسواي؛ فمسئوليتي عن ~~هذا الآخر الكبير الفاتن مسئولية أولية، مسئولية سابقة على كل الالتزامات الاجتماعية أو ~~الأخلاقية المحددة، مسئولية سابقة على كل القوانين أو الوصايا الكلية، بل وعلى أي خطاب. ~~في واقع الأمر، إن الآخر الكبير هو من ينشئ اللغة، حيث إن أصل الكلام يكمن في الاستجابة ~~الملفوظة لحضوره المربك. كما أن الآخر الكبير سابق على الحرية؛ حيث إن الحرية ليست ~~مسألة اختيار فردي بل «إلزام من الآخر الكبير» يحكمه أمره المخيف وتفرضه صرخته التي لا ~~يمكن تجاهلها في أعماق النفس. ففي مواجهة مع الآخر الكبير تكتسب حرية النفس معنى من ~~خلال مسئوليتها؛ فالكائن الحر وحده هو من يمكن أن يكون مسئولا؛ وهو ما يعني أنه ليس ~~حرا على الإطلاق بأي معنى للكلمة مألوف في التراث الليبرالي الحديث الذي يحرص ليفيناس ~~عن إبعاد نفسه عنه. ففي وجود الآخر الكبير لا يمكن للمرء أن يقترف فعلا إراديا بلا ~~قيود أو يتخذ قرارا محايدا. إننا نتحدث عن الجبر وليس الاختيار. # إن ما يفرضه الآخر الكبير - مثل ما يفرضه القانون الأخلاقي عند كانط أو الأنا العليا ~~عند فرويد - فرضا لا محدود ومفرطا وغير ملفوظ، ولا يمكن الوفاء به، ويتجاوز كل إدراك. ~~وهكذا الحال بالنسبة للاستجابة التي يستثيرها الآخر الكبير بداخلي؛ إذ يجب أن أعتبر ~~نفسي مسئولا عن كل آخر كبير، بل ومسئولا عن مسئوليتهم، ومسئولا عن موتهم (وليس ~~منشغلا بموتي أنا بالدرجة الأولى، كما عند هايدجر)، ومسئولا عن الجرائم التي يرتكبها ~~في حقهم الأشرار. بل إنني حتى مسئول عن اضطهادهم لي. قد يتساءل المرء عما إذا لم يكن ~~ثمة أثر ما من جنون العظمة العكسي في هذا نكران الذات المفرط؛ إذ يبدو تحمل مسئولية ~~الجميع نوعا من العصاب أكثر منه نظاما أخلاقيا، فأنا متهم ومضطهد بل ومهووس بإلزام ~~الآخر الكبير الذي لا يتزحزح و«منقلب بطنا لظهر» ومحطم معذب ms262 ومرتد بسببه إلى فراغ ~~وجودي الصامت. فأنا مجبر - بسماعي نداءه الصامت - على الشك في قيمة وجودي البائس وأتجه ~~لاحتقار النفس وأجرد من أدواتي المتواضعة في نفس اللحظة التي يستدعيني فيها الآخر ~~للفعل الحاسم بالنيابة عنه. فعين الفعل الذي يمثلني باعتباري ذاتا يبعدني عن وجودي. ~~فأنا دائما ما أكون في نطاق الخطأ أمام الآخر الكبير، دائما ما أكون البريء المذنب؛ ~~فالذات تظهر إلى الوجود على هيئة كبش فداء. # إلا أن مسئولية الفرد عن الآخر الكبير لا أصل لها إلا في ذاتها؛ إذ لا يفرضها أي ~~قانون أو عرف أو مجموعة من القيم؛ فهي سابقة على كل هذا. فما هي إلا أمر سام غير معروف ~~- «كن مسئولا!» - يتردد صداه من مصدر لا نعرفه، ويجب علينا الإنصات إليه دون معرفة ~~السبب. فليفيناس شأنه شأن العديد من المفكرين الفرنسيين المعاصرين يجعل من الجهل فضيلة. ~~إلا أن هذا الأمر الغامض هو أيضا أساس ما له دلالة؛ أساس القانون والمعرفة والعدالة ~~والأخلاق والأنطولوجيا والسياسة وما شابه. فهذا «الوجه» - أي الضعف المتألم البحت للآخر ~~- يسبق كل الخطاب الأخلاقي والسياسي؛ ورغم أنه يطرح هذه القضايا أمامنا فيجب ألا تنحرف ~~كثيرا عن أصلها في المواجهة المباشرة. فالنظام الرمزي باختصار أساسه في النظام ~~الواقعي؛ إذ إن البعد الأخلاقي هو نموذج ليفيناس من هذا المفهوم اللاكاني، نموذج تتمتع ~~فيه «العلاقة» مع الآخر بكل سمات القوة الصادمة والاستبداد والاغتراب الذاتي والعناد ~~والاضطراب والتجرد من التاريخ والأبدية والفردانية وعدم الارتباط والاستحالة والهوس ~~والقوة التحولية للأخلاق التي فيما وراء الأخلاق عند جاك لاكان. وكما سنرى لاحقا في ~~مفهوم «الحدث» عند آلان باديو، فإن الآخر الكبير عند ليفيناس كشف لا يمكن توقعه، ينتهك ~~بعنف حدود المعروف والممكن معرفته، وهو خلال ذلك يؤذن بميلاد نوع جديد من الحقيقة في ~~منطقة بعيدة جدا عن الإدراك التقليدي. فإن كان النظام الواقعي يتضمن أيضا مراقصة ~~الموت فإن مبالغات المخاطرة والكشف الذاتي هذه موجودة عند ليفيناس في صورة هجرنا لذاتنا ~~من أجل الآخر «الكاره» الذي يهدد في كل لحظة، مثل ms263 الجار العدائي عند فرويد، بتدميرنا ~~بحقده. # في الواقع فإن نظم لاكان الثلاثة جميعا تتداخل في أعمال ليفيناس؛ ففي قلب فكره تكمن ~~العلاقة الفريدة المباشرة غير القابلة للاختزال القائمة على الشفقة والرحمة والمسئولية، ~~في إشارة واضحة في سياقنا إلى النظام الخيالي. صحيح أن مكان الآخر باعتباره هدف الخير ~~قد شغله الآن الجار الغريب المكروه؛ التجلي المريع للنظام الواقعي؛ لكن الوضع المميز ~~للعلاقة المباشرة يظل ثابتا إلى حد كبير؛ فوجه الآخر الكبير ظهور أو تجل «يناديني ~~باسمي» أو «يحييني» أو يستنطقني، كما في نسخة ألتوسير الخيالية من الأيديولوجيا، حتى ~~وإن كان هذا الاستنطاق في حالة ليفيناس يعني تركي معدما وليس مرتاحا في بيئة اجتماعية ~~مألوفة؛ إذ يسعى ليفيناس - مثل أنصار مذهب الخير - إلى تقويض الأخلاق التي تقوم على ~~الأنانية، وإن اختلف كل منهما فيمن يستهدف: فهم يستهدفون هوبز، ويستهدف هو هوسرل. إن ~~التقارب بين الذوات هو محل الجدل هنا؛ «المداعبة» أو «التلامس» أو «التلاصق» شبه الجنسي ~~فيما بينها؛ فالمواجهة التي تتم لا يتوسطها أي محتوى؛ بل إنها ما يصفها ليفيناس بنبرة ~~تحذيرية ب «التواصل الخالص؛ أي تواصل من أجل التواصل». # 5 # فليس ثمة ما هو مبتذل أو «رمزي» بقدر المحادثة في هذا النطاق ~~المقدس. # يزعم ليفيناس أن «آنية العالم الحسي هي مناسبة للتقارب وليس المعرفة.» # 6 # فلا ينبغي أن نخلط بين العالم الحسي، أو «القدرة على الحس» كما يسميها ~~ليفيناس أحيانا، وبين شيء أدنى هو نتاج التجربة العملية كما عند هيوم أو سميث. إن ~~«التقارب» شكل من أشكال التواصل بين الناس يعد أكثر قربا وحميمية من أي إدراك، بل ~~وأكثر من أي شعور أو حدس معروف؛ فحضور الآخر يصلني بنفس السرعة وبصورة سابقة على ~~التفكير كما عند هتشسون أو هيوم؛ فهو لا يعتمد على أي فعل أو نية أو مبادرة من طرفي. ~~ولسنا نتحدث هنا عن وساطات النظام الرمزي حيث يتكون الوعي بسبب انعدام الآنية، ويولد من ~~الفجوة بين فعل الإحساس لدى الذات والشيء المحسوس؛ فالذوات والأشياء بالمعنى المألوف ~~ليست متعارضة إطلاقا. ms264 فإن كان الآخر الكبير شيئا متعلقا بالمعرفة، فهو شيء خاص ~~بمعرفتي، وهكذا فهو لن يوجد على الإطلاق لأنه عجز عن الإفلات من الأنا المستهلكة لكل ~~شيء. # إلا أن هناك عالما خياليا يخرج تماما من دائرة الإدراك لا يدعمني فيه الآخر ~~الكبير بقدر ما يتفتت؛ فالعلاقة المميزة بين الذات والآخر الكبير تغادر العالم الخيالي ~~لكن لا يغادر أي مما كان فيها من رضا عن النفس وتبادلية عفوية؛ فالانعكاس الذي قد يمتد ~~لما لا نهاية للذوات عند فلاسفة القرن الثامن عشر يوقفه الآن عبء مسئوليتي الذي لا ~~يطاق. يكتب ليفيناس قائلا: «إن الدوامة ... دوامة معاناة الآخر وشفقتي من معاناته وألمه ~~لشفقتي وألمي لألمه، وهكذا تتوقف عندي.» # 7 # فالتبادلية تتحول إلى عدم تماثل؛ فدائرة المواجهة المباشرة تحتفظ بحميميتها ~~السابقة على التفكير المتسمة برهاب الاحتجاز، لكن الروابط العاطفية المتدفقة بين الذات ~~والآخر تنقطع لدرجة تجعل الآخر الكبير يتراجع هو وهالة النظام الواقعي المهيبة إلى ~~منطقة تتجاوز الإنسانية الطبيعية أو العلاقات المعروفة. إن كان العالم الخيالي مجالا ~~للتلقائية فإن المواجهة عند ليفيناس تشرد الذات وتزعجها فتلقي بتلقائية النفس بعنف في ~~غيوم الشك. ويصر ليفيناس على أن الآخر الكبير ليس أنا بأي حال وأننا لا نتشارك الوجود. ~~إن ما يربط كل منا بالآخر، إن جاز التعبير، هو اختلافنا؛ إن الحاجز الذي لا يمكن عبوره ~~بين نفسي والآخر الكبير، الاختلال غير المحدود للعلاقة أو اللاعلاقة بيننا، هو الذي ~~يشكل ماهيتي؛ فالرغبة هي رغبة الآخر الكبير تماما. # لكن أيا يكن الآخر الكبير هذا، فهو ليس مرضيا أو مرغوبا بالمعنى التقليدي. إن ~~الاختلاف والغيرية المؤلمتين الخالصتين وليس الأنا البديلة المبهجة للنظام الخيالي مربط ~~الفرس هنا؛ فنحن في عالم السمو اليهودي وليس عالم الحضور القابل للتحديد الإغريقي. ~~ويحتقر ليفيناس بأسلوبه المعتاد المعارض لفكر التنوير مفهوم التماهي؛ لذا فإن فكرة ~~التعاطف مع الآخر الكبير ليست محل نقاش إطلاقا. ومن هذا المنطلق فإن نظامه الأخلاقي ~~يتمثل في الفرضية المضادة للنظام الخيالي. فبينما يعبر وجه الآخر عند فرانسيس هتشسون عن ~~مشاعره، فإن ما ms265 يعبر عنه عند ليفيناس هو اللاتناهي؛ فالنظام الخيالي في عمله «الكلية ~~واللانهاية» هو حيث نشعر بالألفة ونعيد اللانفس إلى سيادة التماثل والفردية. وفي هذه ~~الحالة فإن العالم يستسلم لرغبتي ويندمج الآخر في النفس باعتباره مصدرا للمتعة حتى ~~تصبح الغيرية لذة لا تهديدا. هنا إذا يكمن مكافئ ليفيناس لطور المرآة الذي هو بعيد في ~~رأيه عن أن يكون أساسا لنظام أخلاقي صحيح. # يتسم الآخر الكبير عند ليفيناس بشيء من اللاإنسانية المستبدة، حيث يمثل حضوره الجسدي ~~قانونا مخيفا أكثر من كونه أساسا للصداقة. فكأنما لغة العاطفة تستخدم في مجال ~~يتجاوزها بقدر غير محدود. إن كان هذا عالما جسديا فهو عالم جسدي متكلف على نحو مثير ~~للاشمئزاز، وهو بعيد عن مشاعر التعاطف اليومية عند هتشسون وهيوم. فما من تجانس أو دفء ~~هنا، وما من سرور حيوي بوجود الآخر. يذكرنا هذا بتعليق بروس روبنز على فقرة من ~~زيجموند باومان: «إن الجانب الآخر لتقديس باومان للموت في سبيل الآخر الكبير هو ~~الاحتقار المتفاخر للحياة التقليدية وعدم الفهم الأعمى لأي سبب آخر قد تستحق من أجله ~~الحياة أن تعاش.» # 8 # فنحن لا نتحدث عن التناغم والاتحاد والتعاطف وخلافه، بل عن «علاقة» أو ~~تجل صامت يبدو أنه يسمو تماما فوق هذا الخطاب الأخلاقي التقليدي؛ فنحن باختصار على ~~الجهة المقابلة من مبدأ المتعة. يشير ديفيد وود في عمله «الخطوة المتراجعة» إلى أن ~~علاقة الالتزام غير المتماثلة يمكن الجمع بينها وبين علاقات الصداقة والتعاون. لكن ليس ~~هذا الحال بالأساس كما يبدو عند ليفيناس. # يتسم الآخر الكبير في جانبه اللوام الاتهامي بشيء من القانون الرمزي وكذلك بعض من ~~النظام الواقعي القاسي؛ فهو قانون مثل قانون كانط بلا مضمون أخلاقي ملموس. وهذا يحل ~~إشكالية معينة عند ليفيناس؛ إشكالية يشترك فيها - كما سنرى لاحقا - مع عدد من رفاقه ~~الفرنسيين؛ إذ إن خياله قليلا ما تستحوذ عليه فكرة النظام الرمزي الذي يرمز بدرجة ~~كبيرة لما تسعى المواجهة مع الآخر الكبير لمنعه: الحرية، والتماثل، والاستقلال، ~~والمساواة، والتبادل، والتمثيل، والمشروعية، والاجتماع، والمعيارية، والمفاهيمية، ~~والحساب، والقياس، ms266 وقابلية الاستبدال، وغير ذلك. في معظم الأحوال يتسم ليفيناس بأسلوب ~~كيركجارد النبيل في التعامل مع كل هذه الظواهر الرتيبة. لكن إن اختزل النظام الرمزي ~~فيما لا يتعدى أمرا استبداديا لكنه فارغا - إن احتفظنا بمفهوم الواجب الكانطي لكن ~~مع استبعاد الرؤية الملازمة له للناس باعتبارهم أحرارا متساوين قادرين على التبادل - ~~فإن أبغض ما في النظام الرمزي يمكن استبعاده من تاريخ الفلسفة. فيمكننا أن نقول إن تصور ~~ليفيناس عن واجب كانط شأنه شأن تصور جاك دريدا عنه متعلق بالالتزام دون التبادل. ومن ~~بين نتائج هذا التحول هو أن الإلزام الرمزي يبدأ في الاندماج مع الأمر الغامض للنظام ~~الواقعي؛ فبمجرد تجريده من الأساس العقلاني الذي يوفره له كانط، فهو يظهر في صورة غامضة ~~لا أساس لها، وإن كان مطلقا في قوته مع ذلك - تماما لأن المطلق لا يمكن التعبير عنه - ~~بما يتجاوز كل المنطق أو القواعد. إنه إذن عين الفرض الذي يشترطه مفكرو ما بعد البنيوية ~~الذين يريدون الحديث عن الإلزام الأخلاقي مع التمسك بأفكارهم عن الغموض واللاتعين، ~~وكذلك الاحتفاظ بهالة معينة من اللاتناهي. # من المؤكد أن ليفيناس يمتلك مفهومه الخاص عن قابلية الاستبدال؛ إذ يجب علي أن أكون ~~مستعدا لأن أحل محل كل الآخرين لدرجة الموت بدلا منهم، بل إن هذا الحلول محل الآخرين ~~هو ما يمثل ميلاد الذات. إن بوضع نفسي محل الآخر أكون ما أنا عليه؛ فالحرية هي استبدال ~~حريتك بحريتي. لكن علاقة المسئولية هذه تجاه الآخرين لا يمكن عكسها كما هو الحال في ~~النظام التبادلي الرمزي؛ فهؤلاء الآخرون لا يمكنهم الحلول محلي بدورهم؛ حيث إني دائما ~~أكثر مسئولية منهم. وثمة مبالغة غريبة في الزهد هنا؛ حيث يشبه الأمر هنا شخصين يجتهد كل ~~منهما من أجل التفوق على الآخر في الركوع، فاستيعاب موت النفس وإدراك الاستحالة المطلقة ~~لاستبدال النفس يفضيان بدرجة كبيرة إلى الشيء ذاته؛ لذا فإن الآخر لا يمكنه أن يموت من ~~أجلي؛ لكن كذلك لا يمكنني افتراض موت الآخر حتى وإن مت بدلا منه، وهذا أيضا مؤشر ~~على ms267 فرديتي التي لا تختزل. في الواقع ليس من الواضح أن منطق «لا يمكنني الموت بدلا ~~من شخص آخر» يختلف جوهريا عن منطق «لا يمكنني النوم بدلا منه» أو «لا يمكنني أن أعزف ~~على آلة نفخ بدلا منه»؛ لكن الموت في نظر ليفيناس يؤذن بانعزال الذات النهائي. ويشير ~~جاك دريدا على نحو مماثل في عمله «هبة الموت» إلى أن الإنسان يمكنه أن يموت لأجل شخص ~~آخر بمعنى أن يحل محله وليس بمعنى أنه يجنبه فناءه. ففعل هذا - كما في عقيدة البعث ~~المسيحية - هو الهبة المطلقة. إذن فالتبادل الرمزي يتراجع أمام فردية النظام الواقعي. ~~فموتي - بحسب كلمات دريدا - لا يمكن أخذه ولا استعارته ولا نقله ولا الوعد به ولا ~~إرساله. إن استحالة الاستبدال المطلقة للموت هي عند كلا المفكرين الحجة النهائية التي ~~تدحض النظام الرمزي. ولا يبدو أنه خطر لهما أن الشيء نفسه ينطبق على طريقة المشي أو نمط ~~الحديث. وهذا يرجع ربما إلى أن موضوع الموت - منذ الكتابات الأولى لهايدجر - قد صار ~~مؤشرا على العمق الفلسفي. # يسري مبدأ الاستبدال عند فلاسفة الأخلاق في القرن الثامن عشر على مستوى الأنا. أما ~~عند ليفيناس فهو يسري على مستوى أعمق بكثير، في مكان يكون فيه المرء غريبا عن نفسه، ~~غير متآلف مع ذاته، كمستأجر ليس كمالك مكان، «مطارد في وطنه» حسب تعبير ليفيناس في عمله ~~«غير الكينونة». فالحقيقة أنني لست مجرد كائن واحد بين الآخرين، وكذلك هم. فأنا لست ~~جزءا من الكلية التي ينتمي إليها الآخرون وهم ليسوا كذلك أيضا من منظورهم. لكن النفس ~~لا تساوي نفسها؛ فهي جزء لا يمثل أي جزء، ونهاية كل نسق أو بنية أو سرد كبير، فالأخلاق ~~من هذا المنطلق هي نهاية الأنطولوجيا؛ فالبشر لا يمكن جمعهم في إطار كلي واحد، ~~والأنطولوجيات التي تسعى لفعل هذا يمكن أن تؤدي بسهولة إلى تعزيز الشمولية السياسية. ~~ومن هذا المنطلق فإن ليفيناس أحد أوائل مفكري ما بعد الحداثة، فحذره المفرط من التماهي ~~والكلية ينبع من تاريخ الوحشية الفاشية والستالينية؛ إذ يرى - شأنه ms268 شأن بعض من خلفه من ~~مفكري ما بعد الحداثة - أن ما هو كلي يفضي بالتأكيد إلى معسكرات الاعتقال. ولهذا فهو - ~~مثل دريدا - يعتبر فكرة المجتمع قضية خيالية في جوهرها؛ أي انعكاس تأملي لكل فرد على ~~الآخر في إطار مجموع عضوي وشفاف على نحو مشئوم. ولم يعد من المسموح وجود مفهوم معقد ~~أكثر للرفقة البشرية؛ فعندما يفكر ليفيناس في التضامن يفكر في الفاشية وليس في حركات ~~المقاومة التي حاربت من أجل التغلب عليها. وكما الحال مع دريدا فإن فكر ليفيناس ~~الأخلاقي يمثل من بين عدة أشياء عرضا لحقبة تضرر فيها مفهوم الاجتماع الإنساني بأكمله ~~لدرجة يتعذر بعدها إصلاحه، على يد مناصريه ومعارضيه معا؛ فهو في أشد صوره سلبية يمثل ~~علامة على الضمور التدريجي لفكرة المجتمع؛ فالسياسة هي المشكلة الآن، لا الحل. # إلا أن الفردية الغيورة ليست هي ما وضع حدا للستالينية. ولم تكن الجيوش التي سحقت ~~هتلر مصطبغة بغيرية متسامية. إن ما يمكننا تسميته بوجه عام بأخلاق ما بعد البنيوية أو ~~ما بعد الحداثة يعكس من بين ما يعكس نقصا كبيرا في مستوى الشجاعة السياسية عند نخبة ~~فكرية أوروبية ليست فقط في مواجهة القوة الهائلة للرأسمالية العالمية لكنها لا تزال ~~أسيرة فكرة معسكرات الاعتقال وغرف الغاز. ولا ينبغي اعتبار نقص الشجاعة هذا مشابها ~~للإيمان الضعيف للتروتسكيين المنشقين في ظل علو راية اليسار. إن الإيمان قد يكون ~~مهلكا، ولا نحتاج للتذكير بهذا في حقبة تعج بالتعصبات المجنونة المتنوعة؛ فنحن نحتاج ~~لدرجة من اليقين لكي ننجح، لكن الزيادة عن الحد في هذا الإطار قد تكون قاتلة؛ ~~فالبراجماتية الليبرالية المتحفظة مع التشكك الصحي في السرديات الكبرى قد تبدو هي قانون ~~العصر. لكن رغم أن هذه البراجماتية يمكن أن تصارع اللاعقلانية المتحجرة فهي عاجزة عن ~~تغيير الظروف التي أدت إليها. كذلك فإن كان صراع القرن الحادي والعشرين بين الرأسمالية ~~والقرآن (أو قراءة مغرضة لذلك النص) لا يمثل سردية كبيرة، فمن الصعب تحديد ما هو ~~كذلك. # إن حول الفرد القانون الأخلاقي إلى دعوة للآخر الكبير السامي ms269 المستغلق، الذي هو ~~مفرد وفريد وليس بعيدا ومجهولا، فيمكنه التمسك بالإلزام الكانطي الغامض مع استرجاعه ~~من النظام الرمزي الذي ينظمه. يوظف ليفيناس لغة الواجب الخاصة بالنظام الرمزي ~~باصطلاحاتها عن الإلزام والفرضية والواجب والذنب والمسئولية وما شابه؛ لكنه يفعل ذلك ~~بأسلوب يقوض أطروحات النظام الرمزي المألوفة كالقانون والخطاب الأخلاقي والعلاقات ~~الاجتماعية والممارسات السياسية الجماعية. وهو في نفس الوقت يتبنى اصطلاحات النظام ~~الخيالي - البشرية، والجسدية، والحياة، والمتعة، والحس، والمعاناة، والألم، والسلبية، ~~وغيرها - بأسلوب يباعد أيضا بينه وبين النظام الرمزي. ويبدو أن ليفيناس - مثل لاكان - ~~يفترض (افتراضا خاطئا كما سنرى) أن الأخلاق تتعلق أساسا بالالتزام؛ لكن طرح هذا ~~الالتزام باعتباره قضية تتعلق بالجسد والعيش، بالنفس والآخر الكبير الذي لا مثيل له، ~~يعني إنقاذ الفكرة مما قد يعتبر الجانب الأقل استساغة والعقلاني الجاف من فكر ~~كانط. # من ناحية، ليس القانون متماهيا مع الآخر الكبير؛ حيث إنه منزل من مكان يتجاوزه ~~ويتجاوزني على نحو لا متناه. ومن ناحية أخرى فإن القانون ليس أقل من الآخر الكبير هذا ~~عينه. ويصير علم الواجب الأخلاقي هو علم الفينومينولوجيا؛ إذ تتجسد رحا القانون ~~الأخلاقي التي لا ترحم في إلزام الآخر الحتمي الذي لا يكاد يطاق. تظل قسوة القانون ~~الأخلاقي الكانطي راسخة؛ لكن انعدام الواقعية الوحشي فيه تخفف من أثره مفردات ~~فينومينولوجية (الانفتاح والغيرية والجسدية وغيرها) تحظى بقبول أكثر في أواخر عصر ~~الحداثة أو بداية عصر ما بعد الحداثة؛ إذ يصير الإحساس وسيلة الإلزام. ويحتفظ القانون ~~بكل تساميه اللاإنساني؛ فهو أمر غير مقيد بقدر قانون كانط؛ لكنه يتجسد الآن في هيئة ~~مخلوق بائس ذي إحساس مثلي. ومن هذا المنطلق يمكننا القول إن القانون الأخلاقي في نفس ~~الوقت يعود إلى النظام الخيالي ويتحول نحو النظام الواقعي. فكأنما لو أن الأنا البديلة ~~المألوفة في النظام الخيالي، بمجرد أن تقترن بالأمر المهيب للنظام الرمزي، تتحول إلى ~~الذات المفردة الغامضة للنظام الواقعي. # ومن هذا المنطلق أيضا يمكن للعلاقة الهشة بين القانون والحب أن تحسم؛ إذ إن الآخر ~~الكبير باعتباره موضع حب الإنسان يتسم بقوة ms270 الفرمان المطلقة مثلما تتسم استجابة الإنسان ~~له بوجوب يليق بالقانون. ويقطع ليفيناس على طريقته اليهودية العلاقة العاطفية بين ~~المحبة والحب؛ وهو ما يعني عنده قطع الرابط بين الحب والشيء المحبوب، فنحن نشعر بالآخر ~~الكبير من خلال العاطفة، من خلال خفقان قلبنا أو القشعريرة التي تسري داخلنا؛ لكن يجب ~~التفريق بين هذا وبين العاطفة العادية؛ فالحب الذي يتحدث عنه ليفيناس موقعه في النظام ~~الواقعي، بعيد تماما عن مفهوم التعاطف اللطيف عند آدم سميث؛ فالأخلاق هي ما يؤذي. إن ~~كانت العلاقة مع الآخر الكبير تتسم بالقرب الذي في النظام الخيالي فإن الآخر الكبير ~~المقصود ليس الرفيق العزيز الذي تحدث عنه سميث أو هيوم. بل هو - بكلمات ليفيناس - أي ~~شخص «يصادفنا»؛ وبالتالي فالاحتمال دائما أنه غريب معاد. إلا أنه كما الحال عند ~~فلاسفة الأخلاق في القرن الثامن عشر ينبغي رسم وجه لهذا الآخر الكبير، غريبا كان أم ~~لا. لا يؤيد ليفيناس خلال حديثه عن الآخر الكبير نظاما أخلاقيا قائما على ~~المجهولية، وهو تعبير سيرى ليفيناس بلا شك أنه متناقض؛ فالغرباء «القريبون» لا البعيدون ~~أو المتصورون تصورا مجردا هم من يستحقون استجابتنا؛ فعلاقاتنا المجهولة مع الآخرين في ~~معظم الأحوال تتولاها السياسة لا الأخلاق. # ثمة تداعيات سلبية وأخرى إيجابية في هذه القطيعة مع النظام الخيالي؛ فهي من الناحية ~~السلبية تمثل قطيعة مع الفضائل اليومية للحب والخير والعشرة والمساواة والمشاركة ~~والحميمية المسلم بها وسرور بالتماثل وبالاختلاف، وهي اللعنة التي ساهم فكر ليفيناس ~~ومفهوم الحس فيما بعد الحداثة في صنعها؛ فالحياة الجيدة تتضمن الاستمتاع برفقة من هم ~~مثلنا طالما أن ذلك لا يؤذي المستبعدين؛ فالرواقيون والعقلانيون المتزمتون وحدهم من ~~يصرون على أن مشاعرنا نحو القريبين منا يجب ألا تختلف أدنى اختلاف عن موقفنا من ~~الغرباء. إلا أن ليفيناس قلق جدا من تحويل الآخر الكبير إلى «أنا» بديلة خيالية تقر ~~هذه الروابط التقليدية؛ إذ يعلن أن الفلسفة التقليدية برمتها تختزل الغيرية في ~~التماثل، وهو ادعاء مفرط في زعم التشابه، إن وجد. فالذات عند ليفيناس قد يبلغ بها ~~الأمر ms271 أن تشنق من أجلك لكنها من غير المحتمل أن تكون رفيقا لك مفعما بالحياة في ~~حانة مثلا. وهي كذلك ليست مستشارا موثوقا به في مسائل تشريعات الهجرة مثلا أو حقوق ~~الحيوان أو المسائل المادية التي يترفع عنها فكره؛ فهذه مجرد شئون أخلاقية تناسب الكاهن ~~لا الفيلسوف. وليس من الواضح كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من الانفتاح اللانهائي على ~~الآخر إلى مسألة التهرب من الضرائب. وبالنسبة لآخرين كثر (الآسيويين على سبيل المثال ~~أو العرب) فإن هذا المفكر المتمحور فكره حول أوروبا يكشف عن مزيج من النفور والكراهية ~~تجاه الآخرين. # تعد الأخلاق بصفة عامة هي علم الفضيلة؛ وهي بالتالي تقف على بعد خطوة من السلوك ~~الفعلي؛ لكن الفلسفة الأخلاقية لليفيناس يراد لها أن تكون نوعا من الأخلاق الفوقية؛ ~~أي نظرا في ظروف إمكان وجود الأخلاق في حد ذاتها؛ وهي بالتالي تقف على بعد خطوتين من ~~السلوك العملي، بل وقد نخاطر بالقول إنها قضية اللاوعي الأخلاقي برغم شك ليفيناس في ~~فرويد المعارض للمذهب الإنساني. ولا ينبغي الخلط بين الفضيلة العادية وسمو الحياة ~~الأخلاقية التي تخلو بدورها من أي محتوى محدد. إلا أنه كلما زاد الفراغ الغامض للأمر ~~الأخلاقي «كن مسئولا بلا حدود!» زاد الغموض المربك الناتج عنه، وكذلك زادت سلطويته ~~الجوفاء. فعندما يتواضع ليفيناس وينزل لدائرة الفضيلة الدنيوية فإن أحكامه ليست دائما ~~جديرة تماما بالثقة؛ فالوصية القائلة: «لا تقتلني!» هي في رأيه ما يتوسل به وجه الآخر ~~الكبير؛ إلا أن القتل - كما يراه الأكويني - قد لا يقتصر على كونه مباحا بل قد يكون ~~إلزاميا. فماذا لو كان «الوجه» الذي أمامك وجه شخص مختل عقليا يمسك ببندقية آلية ~~موجهة لفصل في مدرسة أطفال؟ يمتلك ليفيناس رؤية راسخة للأخلاق؛ حيث يسمع نداء اللاتناهي ~~من المحرومين والمعدمين؛ إلا أن أسلوب تفكيره الذي يصيغ به رؤيته لا يؤدي إلا إلى ~~تجريدها. والمحرومون عند هذا المناصر للصهيونية على سبيل المثال ليسوا الفلسطينيين ~~بالتأكيد؛ فهو وإن كان يطالب الإنسان بالتخلي عن ذرائعه الاستبدادية، لا يوجه نفس ~~المطلب لدولة إسرائيل. ms272 ومن جانب ما، فإن تعليق المظهر الفعلي على الوجه أو منح درجة من ~~التحديد لمطلبه يعني تقليص سلطته المطلقة؛ فليفيناس شأنه شأن هايدجر يودع ما هو عادي ~~عمقا يعززه ويضعفه في آن واحد؛ فهو - إن جاز التعبير - مفكر عميق أكثر من ~~اللازم. # وعلى أي حال، فمن غير الواضح إطلاقا أن كل القضايا الأخلاقية يمكن اختزالها في تفضيل ~~الغيرية على التماهي؛ فهذا الاتجاه المعارض للاختزالية هو نفسه اختزالي؛ فالحفاظ على ~~كوكب الأرض أو الحملات المضادة للفساد السياسي أو منع التجارة في السوق السوداء أو ~~الإعلان الكاذب لا يمكن بسهولة اختزالها في توقير الآخر الكبير. فليفيناس بلا شك يعارض ~~الكذب بصفته انتهاكا لثقة الآخر الكبير، أما توما الأكويني فهو ضده لأنه تقليل من قيمة ~~وسيلة التبادل في النظام الرمزي؛ فإن احترم الرجال غيرية النساء، فهل تظل هناك ضرورة ~~للمساواة في الأجور فيما بينهما؟ وكيف يمكن للأخيرة أن تنتج عن الأولى؟ وماذا إن كان ~~الآخر الكبير معدما لأننا لسنا كذلك؟ ماذا لو كانت هذه - أي حالة الاستغلال - هي ما ~~تمثل أهم علاقة أخلاقية بيننا؟ فهل يخبرنا علم الفينومينولوجيا وحده بهذه ~~الحقيقة؟ # على أي حال أليس الانفتاح على الغيرية شرطا للأخلاق بدلا من أن يكون شيئا في ذاته؟ ~~ألن يتضح هذا أكثر إن انطلق الفرد على الطريقة الأرسطية من افتراض أن الأخلاق ممارسة ~~وليست حالة، فضلا عن أن تكون حالة فيما وراء الوجود؟ وماذا يعني الانفتاح على غيرية ~~جوزيف ستالين أو روبرت مردوخ؟ أليس مفهوم الانفتاح المطلق - والغيرية المطلقة ~~والمسئولية المطلقة - سخافة منطقية؟ يؤكد جاك دريدا أنه حيثما كانت الغيرية المطلقة، ~~كان الرب، وهو ما يبدو طريقة مناسبة بالدرجة الكافية لبيان عدم وجوده؛ فالغيرية ليست ~~معطى أوليا؛ فهي تتكون من خلال تعاملات بعضنا مع بعض؛ وبالتالي فهي ملازمة للتماهي ~~والتبادل. فالتعامل البشري يشمل التماهي كما يشمل الاختلاف؛ فمفهوم التواصل هو نهاية كل ~~من التماهي المطلق والغيرية المطلقة؛ فصور الغيرية، كالإبريق مثلا الذي لا يمكنه إجراء ~~حوار مع البشر إلا في الحكايات الخيالية، ليست أبدا ms273 من نفس نوع غيرية البشر الآخرين. ~~فحبات الخوخ تختلف في تفردها عن تفرد الأشخاص. ولاحترام غيرية الآخر، يجب أن أدرك أنني ~~في حضرة استقلالية بشرية على وجه التحديد، وليس مثلا استقلالية أوراق الأشجار أو أجهزة ~~الكمبيوتر؛ ولا يمكنني أن أعرف هذا من دون إشارة ضمنية للإنسانية المشتركة. # كذلك فإن المسئولية المطلقة هي في الحقيقة مثال لمفهوم «اللاتناهي الزائف» عند هيجل. ~~فمن السخف القول مثلا إنني مسئول مسئولية مطلقة عن الشرطة السرية التي تعذبني. أما ~~بخصوص الانفتاح والتقبل، أليس من الواجب أن تحكمه سرا بالفعل معايير أخلاقية منظمة إن ~~أردنا التمييز بين الانفتاح على الشخص المعدم الذي يتسول منا من أجل الحصول على ~~الطعام وبين الانفتاح على من يهربون المخدرات إلى أطفال المدارس؟ لا شك أن علينا ~~احترام الوجود المستقل لهؤلاء المهربين وأن نشعر بالصدمة والاشمئزاز نتيجة وجودهم ~~المتعالي؛ لكن الأخلاق تعني أن نفعل ذلك مع منعهم مما يفعلون وليس في إطار إحساس سام ~~باختلافهم؛ فإياجو يتقبل عطيل؛ لكن هذه الصورة من الحساسية المفرطة تعرف بالكراهية ~~الحاقدة؛ فالانفتاح كالإخلاص شرط لا غنى عنه لا يعد شيئا في ذاته. فبالنظر المجرد ~~إليه في ذاته نرى أنه أجوف على نحو مبهم كما الأمر المطلق عند كانط. فالوصية المسيحية ~~اليهودية هي حب الجار بما فيه من غيرية، وهو ما يعني حبه «في النظام الواقعي» وليس حب ~~غيريته. # يتمكن فكر ليفيناس الأخلاقي أحيانا من إخفاء تلك الحقيقة؛ حيث إنه يركز على علاقة ~~الإنسان الإيثارية مع الآخر الكبير؛ وهو يفعل ذلك لأن النظر إلى الآخر الكبير من منظور ~~النفس يبدو تكرارا لخطيئة غربية معتادة. فالنفس والآخر الكبير - كما رأينا - من ~~المفترض أنهما غير متناسبين، بمعنى أنه رغم أنني قد أحل محلك فلا يمكنك أن تفعل نفس ~~الشيء معي. لكن هذا بالطبع يصح من الناحية الفينومينولوجية فقط. أما من منظور ما يسميه ~~ليفيناس «الطرف الثالث» أو النظام الرمزي ، فمن الواضح أن الآخر الكبير يتحمل تجاهي نفس ~~المسئولية التي أتحملها تجاهه، وهي حقيقة يدركها ليفيناس بطبيعة الحال. إذا ms274 فهو يقدم ~~لنا نموذجا معدلا من فكر سبينوزا؛ فنحن في نظر سبينوزا - كما رأينا - موجودون من ~~الناحية الفينومينولوجية كما لو كان العالم يتمحور حولنا في الوقت الذي نعي من الناحية ~~النظرية أن هذا التمركز حول الذات؛ حيث إنه موجود عند كل الناس، يناقض نفسه. أما ~~ليفيناس فيرى أن الحياة السليمة أخلاقيا تعني العيش الذي لا يتمحور حول الذات، بإدراك ~~أنني من بين كل الناس الأكثر بؤسا، مع الوضع في الاعتبار أن هذا من الناحية النظرية ~~وهم بالضرورة. إنه وهم لأنه إن جرى تعميمه على كل الناس - كما يجب أن يعمم - فهو ~~يبطل. فما هو حقيقي عندي من الناحية الفينومينولوجية حقيقي فعلا لكنه زيف عند ~~الإغريق وليس الحقيقة التي توجد في الفلسفة. إن ما يبينه علم الأخلاق هو ما لا يؤمل من ~~الأنطولوجيا أن تدركه؛ فالأخيرة تعنى بما نشترك فيه بينما يعنى الأول يما يندرج في ~~نطاق الفردية. لكن ماذا لو لم يكن علم الأخلاق والأنطولوجيا متعارضين لهذا الحد؟ ماذا ~~لو كان البؤس غير المحدود هو ما نتشاركه؟ إن كانت نظرة الآخر الكبير لي (باعتباري ~~منبوذا ومصدوما وأسيرا وغير ذلك) مثل نظرتي إليه، إذا فاللاعلاقة بيننا - إن جاز ~~التعبير - تصبح متماثلة؛ فالمساواة والتماثل إذن لا يستبعدهما بسرعة الآخر الكبير ~~الملح. إن أرضية صدمتنا المشتركة - أي نطاق النظام الواقعي المشترك - هي التي تصير ~~فيها المواجهة الحرة العادلة المرضية بيننا ممكنة. # والمفارقة الفينومينولوجية هي أنني لا يسعني معرفة درجة الغيرية إلا بقدر ما أشعر بها ~~في نبضاتي؛ وبذلك أخاطر بضياعها من خلال هذا الفعل. وهكذا هناك خطر أن يوجد تناقض بين ~~نهج ليفيناس الفينومينولوجي وعقيدته الأخلاقية. إلا أنه هو نفسه يزعم أن هذا لن يؤدي ~~بنا بالضرورة إلى الدخول في مأزق أنوي كالذي يواجهه أحد أتباع هوسرل؛ ليس فقط لأن ~~الآخر الكبير موجود أمامي على مستوى أعمق بكثير من المستوى الأنوي (بل أعمق بكثير من ~~مجرد «الوجود»)، لكن لأن ما تكشفه فينومينولوجيا الآخر الكبير هو أن فرديتي الثمينة ما ~~هي إلا ارتباط هش ms275 بالغيرية. فمعنى الحياة بكل جوانبه يتجاوزني؛ وبالتالي تهذب الأنا ~~القلقة على ذاتها وينقذها الآخر الكبير من أوهامها النرجسية. لكن هذا كله يبقى في إطار ~~علاقة فينومينولوجية محددة مع الآخر الكبير، وتتقيد تأملات ليفيناس الأخلاقية بهذه ~~الحقيقة؛ فبالخروج من هذا الإطار الفينومينولوجي - الذي يرى فيه الآخر الكبير دائما ~~على أنه أعلى مني - يمكنني أن أدرك أنه في الحقيقة ليس إلا صورة من الخضوع لي، الممتزجة ~~بالشعور بالذنب، مثلما أنا خاضع له. فإن كان هذا هو الحال إذا فإن هذه الغيرية أو ~~الخدمة المتبادلة، إن تغير شكلها بطريقة ملائمة، قد تمهد الطريق نحو علاقة لها شكل ~~مختلف تماما؛ علاقة يتحول فيها الاعتماد المشترك إلى شرط للحرية المشتركة، ويصير فيها ~~العطاء الذاتي مصدر الرضا الذاتي. وتلك ستكون، من بين أشياء أخرى، إحدى وسائل الاتفاق ~~على التحول من النظام الأخلاقي إلى النظام السياسي، بحسب تعبير ليفيناس نفسه. وبما أن ~~«القانون» الذي يواجهه الفرد في هذه الحالة لم يعد «أنا عليا» مستبدة، بل قانون رضا ~~الإنسان برضا الآخر ومن خلال رضائه؛ فالنتيجة ستكون التخفيف من الذنب الذي يكمن بنظر ~~ليفيناس في جوهر النظام الأخلاقي. لكن يمكننا الزعم أن الفضيلة الحقيقية هي بنحو أو آخر ~~نقيض الذنب؛ لدرجة أن أي نظرية أخلاقية - كنظرية ليفيناس أو دريدا التي يؤدي فيهما ~~الشعور بالذنب دورا محوريا؛ فضلا عن أن يكون مفهوم الازدهار الإنساني فيها غريبا ~~بصورة كبيرة - هي نظرية بها خلل شديد. فلا يشعر ليفيناس بالذنب في حضور الآخر الكبير ~~فحسب، بل يشعر أيضا به تجاه أفكار السعادة والحرية والإشباع والرضا الذاتي. ومن الصعب ~~أن نرى كيف لشعوره هذا بالذنب تجاه هذه المفاهيم - فضلا عن الكراهية تجاهها في بعض ~~الأحيان - أن يخدم الآخر الكبير فعلا؛ فمصلحة الآخر الكبير ليست في تمزق الذات. # يناصر فلاسفة الأخلاق في القرن الثامن عشر الذين تناولناهم وجود تبادل للتعاطف مع ~~الآخرين، لكنه تبادل يتمتع ربما بسلاسة مريبة؛ فيبدو هذا النوع من التعاطف على درجة من ~~التلقائية والدفء أكبر من أن يكون تعاطفا أخلاقيا كاملا. ms276 أما كانط وليفيناس في ~~المقابل فهما منكبان على إخضاع الناس للقانون الأخلاقي أو الآخر الكبير. من وجهة نظر ~~مسيحية يهودية، فإن كلا الاتجاهين في الفكر الأخلاقي - اتجاه التعاطف واتجاه التضحية - ~~يشوههما انفصال كل منهما عن الآخر؛ فمناصرو الرضا الذاتي يعجزون بصفة عامة عن فهم ما ~~سيترتب عليه فعليا عدم تقييد الذات المؤلم، وخاصة إن كان ذلك متاحا من الناحية ~~السياسية للجميع. أما مؤيدو اتجاه التضحية من جانبهم، فيبدو أنهم لا يرون أن نكران ~~الذات هذا إذا لم يكن باسم حياة أكثر سعة من جميع النواحي، فإنه لن يتعدى كونه إلزاما ~~رهيبا؛ فالتضحية مسار ثوري من المظلومية إلى السلطة، وهو انتقال عنيف من البؤس إلى ~~الثراء. وهي ليست هدفا في ذاتها، لكنها للأسف قد تكون شرطا مسبقا أساسيا لما قد ~~يبدو نقيضا لها للوهلة الأولى؛ وهي أخلاق المتعة، والرخاء، والرضا الذاتي بخدمة ~~الآخرين. وهذا شيء باعث على الأسى. # إن اللامتناهي يتجسد عند ليفيناس في البشر؛ إذ إن البشرية تعني أن يبدي الفرد غيرية ~~مطلقة لا يمكن قياسها كما هو حال اللاتناهي ذاته. وهنا تكمن مفارقة من نوع خاص؛ فالفناء ~~يعني أن تكون متناهيا؛ لكنه يعني أيضا إدراك التناهي الذي يرمز له موت الفرد؛ ~~ومن ثم (بما أنه لا يمكن لأحد أن يموت بدلا مني) إدراك التفرد الذي لا يضاهى. لكن ~~هذا التفرد - إذ إنه لا يعوض ولا يقاس ولا يستنسخ - يمكن اعتباره نوعا من ~~اللاتناهي؛ فليفيناس مثل كيركجارد تستولي عليه حقيقة تربك العقل - حقيقة هامة وتافهة ~~معا - هي أن الفرد هو نفسه وليس شخصا آخر إلى الأبد. لذا فالتناهي - للمفارقة - يغذي ~~الوعي بنقيضه، مثلما يفعل في نظرية السمو الجمالية عند كانط. لكن هذا ليس لا تناهيا ~~يتجسد بنظر ليفيناس في التاريخ أو السياسة أو الطبيعة أو علم الأحياء أو القضايا ~~الأخلاقية العادية؛ باختصار، في الحياة اليومية التي يكن تجاهها - شأنه شأن عدد من ~~أقرانه الفلاسفة الغالين - كراهية شديدة. إن السمو لا ينبغي أن تفسده المحايثة؛ فهو لا ~~يختزل في الحضور؛ وهو ms277 بالتالي غير متجسد، إلا في وجه الآخر الكبير غير القابل للتمثيل. ~~وقد يتيح الآخر الكبير - الذي هو سمو خالص - سبيلا إلى الخلاص؛ لكن المدينة، بأشكال ~~الحياة فيها المجردة المجهولة، ليست مؤهلة لمثل هذه المهمة. قد لا يكون ثمة أي خلاص ~~مؤسسي ولا سياسة تحولية على نحو جذري. فإن تركت السياسة لحالها - كما يقول ليفيناس - ~~فذلك سيعرضنا لخطر الطغيان؛ فثمة مشكلة بعبارة أخرى بخصوص الشخص المجهول لنا، بقدر ما ~~هو الحال عند هيوم وسميث؛ فبعد رحلتنا في النظام الرمزي يبدو أننا نعود لنفس النقطة من ~~جديد، وإن كان ما يقاوم مجهولية النظام الرمزي لم يعد هو النظام الخيالي، بل النظام ~~الواقعي. فكأنما أدار ليفيناس ظهره للنظام الخيالي الذي لا يحتفظ منه إلا بالقشرة ~~الخارجية؛ لكنه بذلك يتجاوز النظام الرمزي ويتجه مباشرة إلى النظام الواقعي. من المؤكد ~~أن ليفيناس قادر على التعامل مع الغريب «القريب»؛ وهو أي عضو في النظام الرمزي يتصادف ~~في اللحظة الراهنة أن يشغل موقع الجار. وتخلط علاقة الفرد بهذا الشخص بين عناصر من ~~النظام الخيالي والنظام الواقعي الأول؛ لأن القضية هنا تتعلق بالتعاطف الجسدي مع شخص ~~قريب مني فعليا. والثاني؛ لأن هذا الجار، وإن تصادف أنه ابنتك أو أختك، فهو قناع مبهم ~~للاتناهي ولا يمكن التعامل معه بصورة سليمة إلا على هذه الخلفية الواضحة. والشيء الأصعب ~~في أخلاق حميمية لهذه الدرجة هو فهم مجال النظام الرمزي في حد ذاته، والذي في خطر أن ~~يحاصر ويطحن بين النظامين الآخرين. لكننا سنرى بعد قليل أن ليفيناس مدرك تماما ~~لهذه الإشكالية، وهي لا تختلف كثيرا عن إشكالية السياسة، وسيسعى لمواجهتها دون أن يفقد ~~سيطرته على نموذجه المتفرد جدا من الفكر الأخلاقي. # وبرغم ما في خطاب ليفيناس الأخلاقي من شهوانية، فهو يتسم بحدة زائدة وغموض مبالغ ~~فيه؛ فأي مسيحي أو يهودي سيصر بلا شك على أنه يمتلك إحساسا مهيبا بسمو الرب، لكنه ~~لنفس هذا السبب لا يدرك كيف أن هذا اللغز الذي لا يوصف لا يقتصر في تجسده على غيرية ~~الآخر الكبير، ms278 بل في توفره المعتاد، في رفقته وألفته؛ فالآخر الكبير عند ليفيناس - بلغة ~~بيرك - سام أكثر منه جميل. إن هذه الرؤية الأخلاقية بعيدة كل البعد عن المفهوم المسيحي ~~القائل إن الناس قد دعوا من خلال بشرية المسيح إلى المشاركة في صداقة الرب، وليس مجرد ~~الشعور بوجوده الخارق في الآخر الكبير مثل جرح مؤلم أو الشعور بالذنب عند الاستيقاظ. ~~فالمسئولية الأخلاقية عند ليفيناس ليست في واقع الأمر جزءا من العالم المرئي، وإن كان ~~هذا هو المكان الذي يجب أن تتجلى فيه؛ فهو إذن يواجه شيئا من الصعوبة التي يواجهها ~~كانط في شرح كيفية تحويل روح الأخلاق إلى صورة مادية. فهناك كلية الأشياء المتعينة، ~~وهناك - كما في فكر آلان باديو - دائرة منفصلة تماما من اللاتناهي تتقاطع معها بطريقة ~~عنيفة، لكن من الصعب معرفة كيف يمكن التوفيق بينهما. # كيف إذا نواجه مشكلة المجهولين بالنسبة لنا؛ أي الذين يقعون خارج دائرة النفس والآخر ~~الكبير الغامضة؟ إن كانت هذه قضية حيوية كما هي عند مناصري مذهب الخير؛ فذلك لأنها تثير ~~قضية السياسة، أي كيف للأخلاق أن تؤثر في كل القضايا التي تتجاوز نطاق العلاقات التي ~~بين الأشخاص؟ إن مشكلة ليفيناس هنا هو أنه وضع إطارا للأخلاق بأسلوب دموي غير اجتماعي، ~~بلغة لا تبالي بالمجتمع والتوافق والمساواة والحقوق المدنية والقانون والكلية ~~والتبادلية والسمات الطبيعية وخلافه، لدرجة أنه يجعل من المستحيل تقريبا على نفسه أن ~~يستحضر منها أي أفكار سياسة تتجاوز أبسط أشكال التعددية الليبرالية. إن هذه حقيقة يعترف ~~بها الجميع تقريبا من بين المعلقين على أعماله. فليفيناس - شأنه شأن دريدا - يقر بأن ~~البعد السياسي لا مناص منه؛ لكننا نشعر أحيانا بأنه يفضل زواله. وبصفة عامة، فإن ~~النظام الرمزي يتضح أنه حجر عثرة أمام مزجه الرائع بين النظامين الخيالي والواقعي. ~~وثمة تعارض في كتابات كل من ليفيناس ودريدا بين النبرة الطليعية الجذابة لنظريتهما ~~والشكل المعتاد من التعددية الثقافية الذي يبدو أنه يوجد بهما من الناحية العملية. ~~فليفيناس شأنه شأن ديفيد هيوم يعاني من صعوبات في التعامل مع الغرباء؛ ms279 قطعا ليس مع ~~«القريبين» منهم، لكن مع الجموع المجهولة التي يتصادف في أي لحظة ألا تكون كذلك. (تزداد ~~الأمور سوءا عندما تكون هذه الحشود غير أوروبية؛ تأمل نفوره الشديد مما يسميه «الخطر ~~الأصفر» في عمله «التاريخ غير المتوقع»). فإن رأى مناصرو النظام الخيالي أن من الصعب ~~التعامل مع من يتجاوزون دائرتهم السحرية الخاصة، فكذلك يرى مناصرو النظام الواقعي ولكن ~~بصورة مختلفة. # مع ذلك فإن ليفيناس أمامه فرص متعددة للوصول إلى حل؛ # 9 # ففي المواجهة مع الآخر الكبير المتمتع بالأفضلية، يبدو ضمنيا الوجود ~~المحتمل لعدد لا نهائي من الآخرين. من هذا المنطلق فإن ما يسميه ليفيناس بالطرف الثالث ~~يظهر بالفعل في هذا المشهد الأولي، الذي يمكننا أن نسميه لحظة ليفيناس الأوديبية، ~~ممزقا العلاقة بين النفس والآخر. وفي بعض المواضع في كتابات ليفيناس، يبدو أن الطرف ~~الثالث يدخل في مشهد تال للعلاقة المباشرة، وهو وضع يختلف كثيرا عن وضع لاكان. فإن ~~اعتبر لاكان أن الآخر هو الآخر الكبير فذلك لأنه يصر على استحالة وجود علاقة بدون وسيط ~~معه، فلا يوجد اتصال مع الآخر «الفريد» لا يمر بمؤثرات النظام الرمزي في مجملها. إذا ~~فما يسميه ليفيناس ب «الطرف الثالث» موجود في أي مواجهة مباشرة منذ البداية، باعتباره ~~بعدا اغترابيا لهذه العلاقة. # إلا أن وجود الطرف الثالث في مواضع أخرى عند ليفيناس يوجه العلاقة مع الآخر الكبير من ~~البداية. وعندما يكون هذا هو الحال فإن تجلي الوجه يفتح أمامي باب الإنسانية المعوزة ~~بالكامل بجانب خطاب العقل والعدالة العام. إن وجه الآخر الكبير نفسه يضع الفرد في علاقة ~~مع الطرف الثالث، الذي يفتح بدوره مجال القانون والدولة والمؤسسات السياسية. وفي صياغة ~~بديلة، يعلن هذا الوجه وجود «الآخر الكبير للآخر الكبير»؛ أي علاقة أخرى غير متماثلة ~~بين الآخر الكبير وآخره الكبير، بما يوحي بأن المجتمع لم يعد سوى تجمع من النفوس ~~المفردة؛ فالآخر الكبير قد صار الآن وجها لا ينسى بين مجموعة كاملة من الوجوه التي لا ~~تنسى. إلا أن العلاقة المباشرة وجها لوجه تظل أولية، ms280 ليس فقط بمعنى أنها - إذ هي ~~سابقة على الحرية والاستقلال واتخاذ القرار وغير ذلك - تسبق زمنيا كل قضايا السياسة ~~والعدالة، بل كذلك لأنها الموضع الذي نتحول لأول مرة إلى النظام الرمزي، عندما نصبح على ~~وعي بوجود شبكة المسئوليات التي تمتد لما وراء الآخر الكبير الذي لا بديل له. فمن خلال ~~وجود الطرف الثالث تبرز العدالة والمعرفة الموضوعية والمساواة والاستقرار الأنطولوجي ~~والتبادلية وباقي هذه المثل الرمزية. # من هذا المنطلق فإن الطريق من الأخلاق إلى السياسة يكمن فيما يمكن أن نسميه المشهد ~~الأولي، وإن كان هذا المشهد يمثل نقدا دائما للبعد السياسي. إن الآخر الكبير في كتاب ~~«الكلية واللاتناهي» هو تجل للمساواة (في صورة الطرف الثالث) بقدر ما هو تجل لعدم ~~التماثل. فالآخر الكبير الفريد يتضمن إمكانية وجود آخرين، يمكنهم أيضا دائما أن ~~يصبحوا آخرين كبارا؛ فالآخرون الكبار إذن يمكن أن يكونوا محل اهتمام للنفس دون أن ~~يدخلوا في علاقة معها؛ وهي حالة تنتمي لما يسميه ليفيناس «التجسد الخارجي للنفس» الذي ~~يعد - من بين عدة أشياء أخرى - مصطلحه الفريد للنظام الرمزي. إن العلاقة المتميزة مع ~~الآخر الكبير الفريد يجب أن «تتوازن» بحيث يتسنى للقانون والعدالة والمساواة والضمير ~~الاجتماعي أن يظهروا؛ فحب المرء لجاره يتضمن بالفعل العدالة؛ حيث إنه يجب أن يكون في ~~إطار علاقات هذا الجار مع الأطراف الثالثة؛ إذ يجب علي ألا أنظر لعلاقتي مع الآخر ~~الكبير وحدها، بل إلى علاقتي مع العلاقات بين الآخرين. فالعدالة إلى هذا الحد «ضرورية»؛ ~~وهو مصطلح قد نظن أنه ينقل بالكاد التعطش اليهودي التقليدي نحو العدالة. # إذا ثمة مسالك تنقلنا من الأخلاق إلى السياسة، ومع ذلك فقضايا العدالة والتحرر ~~والمساواة وغيرها تستمد من المواجهة الأولية مع الآخر الكبير (وهي مواجهة ممنوعة على ~~المعرفة الخارجية) ويجب أن تعود إليها كما يجب على المسافر في الصحراء أن يعود إلى نبع ~~الماء من أجل إعادة التزود الدوري بالماء. فالأخلاق هي الأساس الفينومينولوجي للسياسة، ~~والنبي هو الرمز المسبب للقلق الذي يأخذنا من تنازلات الأخيرة البالية إلى الصفاء ~~القلبي للأولى. ms281 يقول ليفيناس في هذا الشأن: «العدالة مستحيلة من دون أن يجد الشخص الذي ~~يبديها أنه قريب لي.» # 10 # وهذا لا يعني أننا يجب أن نعرف شخصيا من نعدل في تعاملنا معهم، بل يعني ~~أن المسئولية المطلقة تجاه من هو قريب يجب أن تكون المصدر الذي تنبع منه تعاملاتنا ~~الأخلاقية مع الأشخاص الأقل قربا. إلا أن العلاقة بين هاتين الدائرتين تظل محيرة؛ ~~فالأخلاق تحكم السلوك التقليدي لكنها لا يمكن أن تختزل فيه؛ فهي بوصفها التزاما لا ~~متناه تجاه الآخر الكبير تمثل مصدرا للفضيلة العادية في الحياة اليومية، لكنها كذلك ~~تبدو مجالا مختلفا عنها تماما؛ فالعالم الأخلاقي يجب ألا يخلط بينه وبين العالم ~~التقليدي للقواعد والقوانين والالتزامات والأعراف والوصايا المحددة. إلا أن القواعد ~~العامة والمؤسسات (السياسة) يجب بصورة ما أن تستمد من علاقة مفردة لا تقبل الاختزال ~~(الأخلاق)، فما لا يمكن قياسه يجب أن يتمخض عنه ما يمكن قياسه. # لقد رأينا مع ذلك أن ليفيناس شديد التشكك فيما هو نوعي وكلي ومعياري وعرفي وقابل ~~للقياس ومتبادل وما شابه، وهو ما يبدو أنه يخاطر بتقويض عين الأساس الأخلاقي ذاته الذي ~~من المفترض أن تقوم عليه كل هذه المفاهيم؛ فالبعد الأخلاقي في خطر دائم أن يقوضه نظام ~~للقوانين الكلية الذي يحتاجه رغم ذلك؛ فهو يقاوم الفكر المميز للمدينة الذي يعتمد عليه ~~رغم ذلك. فالحاجة للعدالة تنشأ في الدائرة الأخلاقية، لكنها أيضا تنكر، بل وتخذل من ~~قبل طبيعة هذه الدائرة اللاتبادلية. فتنشأ فجوة بين مملكة الأخلاق النزيهة وعالم ~~المصالح الأخلاقية الدنيوية الأقل بريقا بكثير. وينتاب ليفيناس بطريقته الرجعية ~~المعارضة للتنوير الخوف مما يسميه في كتابه «الكلية واللاتناهي» ب «طغيان الكلي ~~واللاشخصي»؛ لكنه يجب أن يعترف مع ذلك بأن «المقارنة بين ما لا يمكن مقارنته» ضرورية ~~إن كان للعدالة أن تزدهر. وهذا يتطلب بدوره، كما يقر، شكلا من أشكال الفكر يقوم على ~~التوليف والتوفيق، وهما عمليتان نظن أن حماسه لهما ضعيف بقدر حماسه للقومية العربية ~~مثلا. ولن يكون من المبالغة القول إن النظام الرمزي هو العدو ms282 اللدود لأهم قيم ليفيناس، ~~وإن كان عليه - باعتباره فيلسوفا أخلاقيا - أن يتناوله بالطبع. # إن الأخلاق عند ليفيناس هي علاقة بين الفردية المطلقة لشخص مع تلك الخاصة بشخص آخر؛ ~~أي حب الغريب للغريب، وإن كان الاثنان صديقين حميمين، والذي يكون خارج نطاق المجتمع ~~السياسي كله. فإن كانت الأخلاق تعرف بأنها اللااختزالية المطلقة للآخر في المثيل ~~(وهي أطروحة تثير جدلا شديدا بالتأكيد)، فهي إذن تبتعد عن مقارنات المجال العام. ~~فالإنسان الأخلاقي يختلف عن المواطن، وإن كانا (مثلما هو حال العالمين الظاهري ~~والحقيقي عند كانط) يشغلان نفس الجسد. ورغم أن من الواجب إثبات هاتين الدائرتين، يبدو ~~أن ثمة حالة من الصراع الدائم بينهما؛ فالعالم الأخلاقي «يعيق» عالم السياسة؛ وهو وضع ~~يعني ضمنا أن الاختلاف والغيرية وحس اللاتناهي يجب أن يستجلبوا إلى عالم السياسة من ~~الخارج. وسيبدو أن السياسة ليست قادرة ذاتيا على توليد مثل هذه القيم، برغم الانتشار ~~الغريب للتعددية الثقافية وثقافات الاحترام وعقائد الاختلاف الاجتماعي وغيرها التي تحيط ~~بنا من جميع الجهات. فالأخلاق إذن تقتحم الساحة السياسية، لكنها لا تغيرها بالأساس؛ ~~فعالم السياسة يميل بطبيعته إلى ما هو موحد ومنحط، ويبدو أن ما في وسع معظم النظم ~~الأخلاقية أن تفعله هو أن تهز دعائمه من وقت لآخر. وقد نفرق بين هذا وبين الأخلاق ~~الاشتراكية أو النسوية التي يمثل التغيير السياسي فيها أساس العلاقات الأخلاقية بين ~~الأفراد. إن هذا النوع من السياسة يتضمن تحولا في معنى المجال السياسي نفسه. وليست ~~الأخلاق في إطار هذه النظرة إضافة زائدة للصور القائمة للوجود السياسي؛ فهي - إذ هي ~~أبعد من أن تكون تدخلا خارجيا في نظام المدينة - وسيلة محددة لوصفه. # يصور ليفيناس في أقل أفكاره إلهاما المجتمع السياسي في صورة مجتمع تمزقه حالة حرب ~~دائمة، صراع هوبزي على السلطة بين ذئاب متنافسة؛ فنظام المدينة في أفضل الحالات يصور ~~في شكل دائرة محايدة بدرجة كبيرة، مجال من الأعراف والتبادلات لا غنى عنه لكنه غير ~~تهذيبي. وبينما يتمتع العالم الأخلاقي بالعاطفة المتقلبة لمسرحية بها أحداث درامية ~~مثيرة، فإن عالم ms283 السياسة يشبه فيلما وثائقيا رديئا، فالنظرة التي ترى المدينة ~~باعتبارها مكان اغتراب تعكس نظرة اغترابية تجاه السياسة. يتحدث ليفيناس في أحد اللقاءات ~~عن «النظام الاجتماعي السياسي الساعي لتنظيم وتحسين استمرار البشرية»، وهو تعبير بلغة ~~بيروقراطية لا يكاد يمثل وصفا مناسبا للسياسة عند روسو أو بيرك أو ماركس. فإن بدا أن ~~السياسة قد أفرغت من قدر كبير من قيمتها واختزلت في دائرة من القرارات الاعتباطية ~~والآليات الإدارية، فسيمكننا عندها أن نفهم السبب الذي يجعل الأخلاق في حاجة لأن تدخل ~~مجموعة من القيم القائمة بذاتها من فضاء خارجي روحي ما. إذا فكيفية مزج العالمين ~~ستكون مسألة معقدة. لكن ليس من اللازم أن يكون هذا هو الحال إن انطلقنا من نظرة للمستوى ~~السياسي أقل استهجانا. يذكرنا هذا بالماركسيين الكانطيين الجدد في أواخر القرن التاسع ~~عشر الذين اتجهوا إلى نظرية كانط الأخلاقية من أجل إضفاء بعض القيمة على تاريخ جردوه - ~~بمذهبهم الجبري الخاص - من كل غاية أخلاقية. فالمجتمع السياسي من دون أن تعارضه الأخلاق ~~وتقومه وتجدده لا يمكن أن تكون له قيمة راسخة في ذاته؛ فالأخلاق ضرورية لأسباب من ~~بينها أن السياسة مفلسة من الناحية الروحية. أما فكرة أن السياسة قد تشكل بدورها تحديا ~~للأخلاق؛ أي أن صورة ما من التعامل مع الآخرين مثلا قد تتغير بسبب تغيير مؤسسي، فتمر ~~دون أن تسترعي أي انتباه. # ينطبق نفس الأمر - كما سنرى بعد قليل - مع جاك دريدا؛ ففي أعقاب أحداث عام 1968 ~~العنيفة، وفي ظل تعزيز الرأسمالية الغربية لقبضتها واستفاقة قطاعات كاملة من اليسار ~~السياسي من غفلتها بالتبعية، تعرض مفهوم السياسة بصورة متزايدة لنيران الفلسفة، وخاصة ~~في فرنسا التي كانت تنزلق بسرعة نخبتها الفكرية إلى ردود الفعل الحادة. قليل من تلك ~~الأرواح الثائرة تطلعت إلى عهد سابق متحرر من الوهم السياسي؛ تجربة الفاشية والستالينية ~~المريرة التي بدا في ضوئها أن مصير كل المشروعات الجمعية أو المثالية أن تتمخض عن أنظمة ~~استبدادية وحشية. إن ما يدين به جاك دريدا لإيمانويل ليفيناس - وهو رجل قضى بعض الوقت ~~في ms284 معسكر عمل نازي - هو ذلك المزيج بين لحظتين تاريخيتين مختلفتين. # ثمة فرق عند ليفيناس بين نطاق الآخر الكبير ومجال السياسة وهو أن العلاقات في إطار ~~الأول غير متماثلة، أما في الثاني فهي متعلقة بالمساواة أو التبادلية. لكن هذا الفارق ~~يحتاج لدراسة، صحيح - كما رأينا - أن الحالة التي يعتبرها ليفيناس نموذجه الأخلاقي ~~الأولي تتضمن لا تماثلا وبغضا؛ حيث إن الآخر الكبير أكثر دناءة وعوزا مني؛ ومن ثم ~~فهو - في حوليات الحكمة اليهودية - أعلى مني أيضا، لكن هذا في الواقع ليس النموذج ~~الأولي للحب البشري، الذي بالمعنى التام له لا يمكن أن يوجد دون مساواة وتبادل. صحيح أن ~~العهد الجديد يأمر بالحب أحادي الجانب للأعداء، مثلما هو صحيح أننا يمكن أن نكن ~~حبا أصيلا لمخلوقات كالأطفال الرضع، فضلا عن الأرانب، التي تعجز عن مبادلتنا ~~عاطفتنا بصورة كاملة. لكن رغم أن الحب أحادي الجانب - الحب الذي يتضمن البذل الذاتي ~~الطائش الذي لا طائل منه، والذي يصمد في وجه المكر والسخرية - أكثر قيمة أخلاقيا من ~~الحب المتبادل؛ لأسباب ليس أقلها أنه لا يضاهى في تكلفته، فهو من ناحية معينة أقل ~~كمالا. فهو أقل كمالا لأنه في هذه الحالة لا يزدهر أحد الطرفين بازدهار الآخر (أو ~~الآخرين) على عكس ما يتضمنه الحب بمعناه الأكمل. إن عدم وجود الحب بمعناه الأكثر تماما ~~إلا بين من هم سواسية، هو السبب - في العقيدة المسيحية - في أن الآب يحب مخلوقاته في ~~صورة، ومن خلال بشرية أخيهم الأكبر الذي هو الابن، الذي من خلاله يسمون من مجرد كونهم ~~مخلوقات إلى الصداقة والتساوي معه. وإلا فإن الرب لا يمكن أن يحبنا إلا كما نحب نحن ~~حيواناتنا الأليفة أو سياراتنا مثلا. وعدم إدراك أن الحب والمساواة متداخلان بهذه ~~الصورة يعني تعزيز الحدود الفاصلة بين الأخلاق والسياسة، أو الحب والعدالة. كما يعني ~~أيضا - كما سنرى لاحقا - إغفال مفهوم الحب السياسي الذي ينهي على نحو مماثل الحواجز ~~التي توجد بين المجالين. # ثمة وجه آخر لا تتعارض فيه المساواة والفردية كما يفترض ليفيناس؛ فالتعامل مع ms285 الآخرين ~~بطريقة عادلة لا يعني التعامل معهم بنفس الشكل، وتكون النتيجة النهائية له هو الظلم ~~البين، لكنه يعني تعامل الفرد باهتمام متساو نزيه مع احتياجاتهم المختلفة الفريدة؛ ~~فالتماهي والاختلاف ليسا في هذا الإطار متعارضين. إذا فسيلفيان أجاسنسكي - التي تفرق ~~مثل ليفيناس بين العلاقات بين الكيانات الفردية المطلقة من ناحية والتكافؤات اللاشخصية ~~للنظام الرمزي من ناحية أخرى - مخطئة في زعمها أنه «في حالة الاحترام الأخلاقي أو الحب ~~بدافع الواجب، تنشأ علاقتي من ضرورة لا تراعي فردية الآخر ...» # 11 # إن افتراض ليفيناس لمفهوم برجوازي للمساواة باعتبارها تكافؤا مجردا هو ~~وحده السبب في أنه أجبر على التخلي عن هذا المفهوم لدائرة السياسة الثانوية، بينما ~~تصير الفردية حصن الأخلاق. # أما عند ماركس - في المقابل - فكل الرجال والنساء يجب أن يمنحوا نفس القدر من ~~الاحترام، لكنه احترام يعني الإقرار بأن احتياجاتهم فريدة ومختلفة. وهذا أحد الأسباب ~~التي يعارض من أجلها فكرة التساوي في الدخل في عمله «نقد برنامج جوتا»؛ فالمساواة ~~المجردة ليست فضيلة اشتراكية، مهما بلغت قيمتها التقدمية في عصرها؛ فالمساواة عند ~~ماركس، وهو مفكر يدين بأفكاره لكل من الخصوصية الرومانسية والعمومية التنويرية، يجب أن ~~تتجسد في الاختلاف بين البشر وليس في القضاء عليه. إن النسخة الماركسية من الاشتراكية ~~ترى هذا ببساطة؛ ترى أن الوسائل المادية قد ترسخت في المجتمع الإنساني - الذي ازدهر في ~~الغالب على حساب حرية الفرد - لكي يعاد اختراعها على مستوى الفرد المتميز المتطور. ~~وهذا هو السبب وراء ترحيب الماركسية بتراث الطبقة الوسطى الليبرالي العظيم، وانتقادها ~~له. ففي ظل نظام ديمقراطي اشتراكي سيتمتع كل الرجال والنساء بحق متساو في المشاركة في ~~تقرير مصير الحياة العامة؛ لكن كيفية ذلك تعتمد على قدراتهم الفردية. ~~••• # ليس لفكر جاك دريدا الأخلاقي أن يشغلنا طويلا؛ فهو في الغالب مجرد حواش مطولة ~~لتأملات ليفيناس الذي أعلن دريدا ذات مرة - في غرابة سببها انتقاداته المتنوعة لأستاذه ~~في الفلسفة - أنه في اتفاق تام معه؛ إذ يكتب دريدا بحماس عن أن ليفيناس قد أحدث ثورة في ~~معنى الأخلاق برمته؛ لكن هذا ms286 يغفل حقيقة أن فكر الأخير كان لا يزال يعتمد على ~~مفهوم تقليدي (مثير للريبة بشدة) عن الأخلاق بوصفها التزاما بالأساس، وكذلك حال دريدا ~~نفسه. إن استحواذ كانط على اهتمام الدوائر الأكاديمية الفرنسية يكفي للتأكيد على أن حتى ~~أكثر المفكرين الباريسيين بوهيمية وغرابة يدين بالفضل لمفاهيم الواجب الأخلاقي التي ~~دخلت مقبرة التاريخ على نحو دائم في أماكن أخرى. ويفترض دريدا - مستكملا مسيرة زميله ~~الأكبر دون تردد - أن الأخلاق الصحيحة يجب أن تدور حول فكرة المسئولية. وهو افتراض كان ~~ليفاجئ أرسطو أو هيوم أو بنثام أو نيتشه؛ إذ يظل الفكر الأخلاقي لليفيناس ودريدا أسير ~~قيود علم الواجب الأخلاقي؛ فهو يتمكن من ترجمة خطاب تقليدي للقوانين والحقوق والأفراد ~~إلى خطاب أكثر شاعرية أو فينومينولوجية، خطاب عن المخاطرة والحث والأمر والمغامرة ~~والغيرية والغموض واللاتناهي والاستحالة. ففي فكر ليفيناس ودريدا نجد نسخة روحانية من ~~نظرية كانط الأخلاقية، نسخة تملؤها بصدى شعري ينقصه بشدة بصمة كانط. إن أعمال دريدا ~~الأولى لا تعرف بتناولها للأخلاق؛ لكنه في مقاله المتأخر «قوة القانون» نجد أنه يناقش ~~فكرة أن التفكيكية «هي» العدالة، مثلما يزعم في كتابه «أطياف ماركس» أنه اعتبر ~~التفكيكية صورة متطرفة من الماركسية. ومن الصعب أن نحدد أي المدرستين النظريتين ~~المذكورتين أكثر دهشة من الأطروحة الأخيرة. # يوظف دريدا الأخلاق - شأنه شأن ليفيناس - لمهاجمة العالم الاجتماعي السياسي؛ إذ يكتب: ~~«لا مسئولية من دون انفصام مغاير ومبتكر عن التقاليد أو السلطة أو المعتقد التقليدي أو ~~القواعد أو العقيدة.» # 12 # فالأخلاق صورة من الطليعة الروحية التي تهاجم بقوة الخمول الراضي للحياة ~~اليومية. ولا يبدو أن هذا ما يراه دريدا؛ حيث إنه أسير التعارض الشديد بين ما هو معارض ~~وما هو معياري، لدرجة أن يرى تقاليد مجددة وتقاليد قمعية، أو معتقدات تنويرية وأخرى ~~بربرية، أو أعرافا ثورية وأخرى كابتة للحرية، أو قواعد وقائية وأخرى بيروقراطية، أو ~~أشكالا حميدة وأخرى خبيثة من السلطة. وثمة الكثير من صور التهميش غير المقبولة، وأشكال ~~الاعتداء الإجرامية، وأساليب المعارضة المظلمة، وأشكال خرق القواعد المؤذية. يمكن ~~للإجماع أن ms287 يتطرف، ويمكن لعدم الالتزام أن يكون مفضلا على نحو بغيض؛ فالمجتمع - وهو ~~مفهوم يخبرنا عنه دريدا في كتابه «عن الاسم» أنه طالما رآه مريبا - يمكن أن يكون بيئة ~~داعمة بقدر ما هي خانقة. لكنه يعادي هذا المفهوم بشدة لدرجة أن جيه هيليس ميلر يمكن أن ~~يرى على نحو منصف أن عمل دريدا يتميز ب «الافتراض الأساسي أن كل ذات أو كينونة معزولة ~~تماما عن كل الآخرين.» فحسبما يقتبس دريدا وهو يكتب كما لو في ملف شخصي: «فبين عالمي ~~وعالم الآخرين ... هناك ... انقطاع غير متناسب مع كل محاولات المرور والتجاوز والعبور ~~والاتصال والترجمة والمجاز والنقل. فما من عالم، بل جزر منفصلة فقط.» # 13 # فنحن لا نتعامل مع الغيرية، بل مع الانعزالية. # أيا كان ما يعتقده دريدا، فما هو أخلاقي ليس على خلاف بطبيعته مع ما هو شائع، أو ~~محدد، أو تقليدي، أو متوافق عليه. فكلمة «عقيدة» تعني ببساطة «ما يدرس»، دون أي ~~إشارة بالضرورة للدوجماتية؛ فالعمل الذي يسجل فيه دريدا هذه الملاحظة المميزة هو عمل ~~عقائدي، ولا ينقص ذلك منه شيء. ولا يمكنك الهروب من الفرضيات المحددة عن طريق استخدام ~~الآلية الأسلوبية المستهلكة المفضلة لدى دريدا؛ الاستفهام البلاغي (ماذا يعني الضحك؟ هل ~~يمكن أن يكون هناك نوع من الضحك الصافي المتحرر عن القانون، والواجب، والمسئولية، ~~والالتزام؟ بل هل حتى هذا السؤال واضح؟ وماذا عن التساؤل الأول؟) # 14 # وهي آلية تشير لوجهة نظر مميزة بينما تولد إحساسا بالانفتاح ~~المتحمس. # إلا أن العقيدة تنتمي إلى النظام الرمزي، وهذا هو السبب في خجل دريدا منها؛ فالأخلاق ~~عدو لما هو محدد من الناحية المفاهيمية. وتتضمن المسئولية «قرارات مطلقة تتخذ بعيدا عن ~~المعرفة وعن الأعراف المقررة؛ ومن ثم فهي تتخذ في ظل محنة العجز عن اتخاذ القرار.» # 15 # ليس من الواضح ما إذا كان اتخاذ قرار بإجراء عملية إجهاض ينبغي أن يتم دون ~~معرفة مدى تقدم الحمل؛ لكن من الواضح أن دريدا لا يتحدث عن مثل هذه الأمور الدنيوية ~~الفظة، بل هو يتبنى نظرة غريبة تقول ms288 إنه حيث لا يمكن للقرارات أن تختزل في أعراف أو ~~معايير فهي شكل من أشكال «الجنون». # أما من الناحية اللاهوتية، فيعد دريدا شخصا إيمانيا يتمتع بارتياب بروتستانتي في ~~العقلانية؛ فهو يرى على طريقة كيركجارد أن قفزة الإيمان المتضمنة في القرارات الأخلاقية ~~مستقلة عن السبب. لكن القرارات قد تعتمد على أسباب دون أن تختزل فيها. ويشير دريدا إلى ~~أن الخيارات الأخلاقية لا يمكن «ضمانها» من خلال قاعدة ما؛ ولكن هذا لا يعني أنه لا ~~يمكنها الاسترشاد بواحدة منها. فإن كان يشعر بالحاجة إلى فصل هذه القرارات عن السبب، ~~فذلك لأنه يريد أن ينقذها من خزي كونها ليست إلا استنتاجات من مبادئ مسبقة. ولكن هذا ~~يشبه إنقاذ سباح لا يغرق فعليا؛ إذ يمكن للقرارات أن تكون عقلانية دون أن تستمد من ~~المبادئ، مثلما يمكن للكلام أن يكون سليما من الناحية النحوية دون أن يمكن التنبؤ به ~~آليا. لا يبدو أن دريدا يدرك بأن تحديد أسباب لالتزامات الفرد - أسباب لحبه مثلا ~~لسائقه - لا يعني اختزال تلك الالتزامات في هذه الأسباب؛ فقد يشعر شخص ما بالوجاهة ~~الكاملة لأسبابي لكن لا يشعر بالحب تجاه سائقي، فالالتزامات يجب أن تكون بالطبع ~~عقلانية؛ لكن الإصرار على هذا الشرط لا يحل إشكالية لماذا نفي بها؛ حيث إن الحالات غير ~~المتوافقة قد تكون على نفس القدر من العقلانية. إن اهتمامنا بعقلانيتها هو المهم؛ لكن ~~هذا لا يستوي مع اتخاذ قرار من لا شيء. # إذا كان للمرء حقا أن يختار طريقا على نحو مستقل عن كل الأعراف أو المعايير، فمن ~~الصعب أن تعرف من أي وجهة يمكن أن يسمى ذلك قرارا؛ إذ سيكون أشبه بوصف قرقرة البطن ~~بأنه أمر ملكي. إن ما لا يدركه ما يسمى بالقرارية هو أنني لا يمكنني أن أسمي ما أقوم ~~به خيارا إذا لم تكن هناك معايير يمكن من خلالها الاختيار. فالأخلاق، حسبما يزعم ~~دريدا، هي مسألة قرارات مطلقة ضرورية و«مستحيلة» معا، وهو نوع من المصير العنيد الذي - ~~كما عند أوديب - نلام مع ذلك عليه ms289 تماما. ولا يسع المرء إلا أن يتنفس الصعداء لأنه لم ~~يعد مؤهلا للانضمام لهيئة المحلفين عندما تنظر قضيته. # تقوم النظرية الأخلاقية لدريدا - شأنها شأن تلك الخاصة بليفيناس - على نحو كبير على ~~الشعور بالذنب، وهو ما قد يعتبر الوجه المقابل للمسئولية. إن مسئوليتي تجاه الآخر يجب ~~أن تكون مطلقة؛ لكن إن كنت مسئولا تجاه الجميع، فكيف لذلك أن يكون؟ إن تبديد فرديتي ~~بالمفهوم الجمعي أو العام يعني التصرف بطريقة غير مسئولة؛ ولكن من دون هذه المفاهيم ~~العامة، كيف يمكنني التصرف بمسئولية تجاه الجميع؟ إن المسئولية كلها مطلقة، وفريدة، ~~واستثنائية، وغير عادية؛ إلا أن أي تجل محدد لها سيمثل حتما خيانة لمسئوليتي تجاه ~~الآخرين. إن هذه - كما سنرى بعد قليل - معضلة زائفة على نحو فاضح، كما أن المسئولية ~~الفعلية يجب أن تتضمن الحساب المنطقي، وهو أحد الجوانب المتعددة في النظام الرمزي التي ~~يراها دريدا مقيتة وحتمية. إن كلمة «الاقتصاد» عنده هي بعبع آخر؛ حيث تشير إلى التبادل ~~المنظم على نحو بائس للسلع أو الواجبات أو الخدمات، وهو تبادل بعيد كل البعد عن جنون ~~العطاء غير المحدود، والمشروع الخطير لالتزام يتجاوز الحدود، والخوف والرجفة من التعرض ~~المطلق للآخر الكبير. ولكي يكون هذا التعرض صادقا، يجب أن يكون من النوع الذي «لا يقدم ~~تفسيرا أو تبريرا إلى شخص ولا إلى الناس ولا إلى المجتمع ولا إلى رفقاء الفرد ولا إلى ~~شخصه هو». # 16 # فالمسئولية - كما يصر دريدا - موجودة؛ لكننا نفهم من نبرته أنها تخص إلى حد ~~كبير أطباء الأسنان والبقالين؛ إذ لا بد أن نعطي ما لقيصر لقيصر، ونعطي الأشياء ~~المطلقة ما لها. فالمطالبة بالتفسيرات والتبريرات هو شكل من أشكال «العنف»؛ وهو تعبير ~~منمق ما بعد بنيوي مبالغ فيه. هل نفس الشيء ينطبق على تحميل شركات السكك الحديدية ~~المسئولية عن إهمالها المتسبب في الحوادث، أم أننا نتحدث عن مستوى أرقى تماما؟ # إن المسئولية، كما يكتب دريدا، «تتطلب من جهة تقديم تفسيرات؛ أي الرد العام عن النفس ~~فيما يتعلق بما هو عام أمام العموم؛ ومن ms290 هنا جاءت فكرة الاستبدال، وتتطلب من جهة أخرى ~~التفرد، والفردية المطلقة؛ وبالتالي عدم الاستبدال وعدم التكرار والصمت والسرية». # 17 # وقد رأينا بالفعل أن هذا الاستقطاب يمكن تفكيكه؛ فالعمومية الحقيقية تنطوي ~~على اهتمام بما هو خاص، وليس غض الطرف عن المطالبات الخاصة في ضوء السعي الحميم نحو ~~العمومية. إن قوة مصطلح «عام» أو «عمومي» لا تظهر هنا إلا لتذكيرنا بأننا نتكلم عن أي ~~خصوصية، مهما كانت. وما من محاولة هنا من جانب دريدا لإيجاد سبيل من الخاص إلى العام ~~كما هو الحال - وإن كان بمشقة وغموض - في كتابات ليفيناس. وكما هو الحال بالنسبة ~~للنطاقين الحقيقي والظاهري عند كانط، يتجاور هذان العالمان وتفصلهما هوة غير قابلة ~~للاتساع. إن دريدا ليس برجل قرارات، والتي يشك - عن غير حق - في أنها دائما ما تكون ~~مسكنة وعضوانية. فالأخلاق والسياسة في صراع دائم، وكلاهما بالتأكيد لا غنى عنه؛ لكن ~~يبدو أن ثمة أشياء كثيرة تضيع فيما بينهما. # إن أخلاق النظام الواقعي تعارض مظاهر العزاء الزائف للنظام الخيالي، وفي نفس الوقت ~~ترفض ضرورات النظام الرمزي. وهي تعارض ما يسميه دريدا دون اكتراث «سلاسة عمل» المجتمع ~~المدني، أو «الرضا التقليدي بخطاباته عن الأخلاق والسياسة والقانون وممارسة الحقوق ...» # 18 # فهل كل أشكال السياسة والأخلاق إذا تؤدي ببساطة إلى سلاسة الوضع الراهن؟ ~~وهل كل خطابات المجتمع المدني عن السياسة والقانون والأخلاق مرضية تماما؟ ماذا عن ~~الحملات المضادة للحرب والفقر أو القوانين المجرمة لاستغلال الأطفال أو الكفاح من ~~أجل حقوق المهاجرين؟ أين التناقضات في هذا النظام الاجتماعي المتجانس ظاهريا؟ لماذا ~~هذا التأكيد القوي على تجانس الوجود الاجتماعي من قبل داعية الاختلاف؟ إن لدى دريدا ~~الكثير ليقوله عن عنف القانون؛ ولكنه مثل معظم اليساريين التحرريين يسكت عن قدرته على ~~الحماية والرعاية والتثقيف. يتسم التحرر السياسي بإلحاح لا يألفه ليفيناس المحافظ؛ لكن ~~مفهوم اللاتناهي، لا السياسة، هو ما يشعل جذوة خيال دريدا. يتبنى سايمون كريتشلي وجهة ~~نظر مماثلة عندما يكتب عن الأخلاق باعتبارها «سياسة ما ورائية فوضوية»، أو «تشكيك مستمر ~~من القاعدة في ms291 أي محاولة لفرض النظام من الرأس ... فالسياسة تجسيد للاختلاف؛ غرس لتعددية ~~فوضوية تشكك في سلطة الدولة وشرعيتها». # 19 # لكن ماذا لو كانت الدولة المعنية تكافح لتتحرر من الاستعمار عن طريق القوة ~~الثورية؟ وماذا لو كان تيار معين من المعارضة رجعيا؟ أليس من الممكن ألا يوجد ثمة ~~إجماع أصيل؟ # إن مقال دريدا «قوة القانون» مثال تقليدي لهذه التحيزات؛ فالقانون عند دريدا متناه ~~ومحدد وسلبي إلى حد كبير، في حين أن العدالة لا متناهية وغير محددة وإيجابية بامتياز. ~~يبدو الأمر وكأن العدالة، التي تعد حجر الأساس الثمين في النظام الرمزي، لا بد من ~~إخراجها من هذا المجال السيئ السمعة إلى حد كبير، وإحاطتها في المقابل بهالة شبه دينية. ~~أما ليفيناس، فهو أكثر التباسا في هذه المسألة؛ إذ نجده حائرا أحيانا بين إدراج ~~العدالة في المجال الأخلاقي وإدراجها في المجال السياسي. إن ما يسترعي اهتمام دريدا ليس ~~الالتزام بالقانون بالمفهوم التقليدي، بل هو نوع من العدالة «لا يتجاوز ويناقض القانون ~~فقط، بل أيضا قد لا يحمل أي صلة به أو تكون صلته به غريبة لدرجة أن يتطلب وجود القانون ~~بقدر ما ينبذه». # 20 # إن ما يقدره قبل كل شيء هو كل ما هو مراوغ ومتسام ولا متعين، وكلها ~~أمور أكثر بريقا من الأشياء المحددة الرتيبة الموجودة في العالم التقليدي. فالشيء ~~المحدد - كطب الأسنان - في نظر دريدا لا مفر منه، لكنه غير جذاب. وبصورة عامة، فإن ما ~~لا لبس فيه في رأيه لا إلهام منه. إنها عقيدة غريبة في جمودها؛ إذ لا يبدو أن دريدا ~~يقدر أن ثمة عبارات مباشرة جذابة وأخرى متعددة المعنى رتيبة؛ فالتعدديون الحقيقيون ~~يعرفون أننا بحاجة أحيانا إلى أن نتحدث بكل الدقة والتحديد الممكنين، وأحيانا العكس؛ ~~فالتعريفات قد تكون كاشفة وقد تكون (كما يشير فتجنشتاين) مجرد نقل منمق. ورغم كل القوة ~~الهائلة والأصالة اللتين يتميز بهما عمل دريدا (فهو بالتأكيد أحد أشهر فلاسفة القرن ~~العشرين)، فهو بكلمات برنارد ويليامز المفكر الذي «يعتبر عدم اليقين ميزة، وبدلا من ~~تكوين قناعة، يستمتع ms292 ... بعدم الحسم المنمق.» # 21 # وهذا لا يعني أن دريدا لا يمتلك أي قناعات على الإطلاق. # بالنسبة لدريدا، القانون قابل للقياس، في حين أن العدالة غير قابلة للقياس. ولقد صارت ~~نقاط الاختلاف بين الجانبين متوقعة الآن على نحو واضح؛ فالقانون «آلية تشريعية قابلة ~~للتثبيت والقياس، ومنظومة من الأوامر المحددة والمدونة.» وهذا تعريف يتظاهر بالحياد ~~لكنه يكشف عن عداء سري في كلمة من كلماته. أما العدالة، على النقيض، فهي «لا متناهية، ~~وغير قابلة للقياس، وعصية على التطبيق، ولا تتسم بالاتساق، ومتباينة العناصر ومتعددة المستويات». # 22 # وهي تتخطى القواعد والخطط والحسابات. ومن الواضح بالقدر الكافي أي طرف في ~~هذا المقارنة أكثر جاذبية لدى دريدا، حتى إذا كان هو ذلك الذي ينطوي على نفور من ~~التحيز. وتلا هذه المقارنة محاولة فاترة بعض الشيء من جانب دريدا للإنصاف؛ فالمساواة ~~والحقوق العامة، كما يزعم، لهما نفس أهمية ما هو متباين العناصر وفردي على نحو متفرد. ~~فعلى المرء أن يسلم نفسه إلى «القرار المستحيل» مع «مراعاة» القوانين والقواعد. إن ~~فضل العدالة على القانون لا ينبغي أن يصير ذريعة لتجنب المعارك التشريعية السياسية. ~~ولكن هذا الجهد الساعي لتحقيق التوازن بين الطرفين تقوضه القرارية الأخلاقية عند دريدا ~~التي تبدو أنها تعتبر الخيارات الأخلاقية الحقيقية متجاوزة للقواعد والأسباب. ولو أعطى ~~دريدا ما هو محدد وزنه الحقيقي، فقد يحمل نفسه على الإقرار بأن الخيارات الأخلاقية تظل ~~خيارات حتى عندما تكون مرتبطة بقواعد ومحكومة بقوانين. فاتباع القواعد، كما يشير ~~فتجنشتاين في عمله «تحقيقات فلسفية»، ليس هو نفسه الالتزام بقانون؛ إذ إن تطبيق القواعد ~~في حد ذاته ممارسة إبداعية، بل لن تكون هناك حرية دونه. لذا، فلا حاجة لإنقاذ القرارات ~~من وطأة القواعد في سبيل الحفاظ على حريتها؛ فالقرارات ليست ضربا من الجنون، كما يرى ~~دريدا على ما يبدو، بل هو ضرب من الجنون أن يعتقد ذلك. # ماذا يعني الزعم بأن العدالة لا متناهية؟ ربما هي لا متناهية بمعنى أن الرغبة فيها لا ~~متناهية - وذلك كما رأينا في حالة شايلوك عند شكسبير ومايكل ms293 كولهاس عند كلايست - أو ~~بمعنى أنه: حيث إنه لا توجد نهاية ظاهرة للظلم، فلا توجد نهاية للعدالة كذلك. لكن من ~~المناسب أكثر أن تعتبر العدالة متناهية؛ فعطش شايلوك لها قد يكون بلا ارتواء، لكن ~~الشيء الذي تتعلق به رغبته شيء يعتبره ببساطة حقه. إن الحياد هو ما يسعى وراءه؛ ~~فالعدالة - كما الانتقام - قضية رد العين بالعين؛ إذ هي مسألة تقدير المزايا وحساب ~~العوائد، وهي الممارسات التي ليست بأي حال من الأحوال دنيئة أو ضيقة الأفق بطبيعتها، ~~كما قد يعتقد الواقعيون الأخلاقيون؛ إذ لا غضاضة في أن تطلب رد دين جعلك شبه معدم بعد ~~أن ورث مدينك تركة كبيرة. وإذا كانت فكرة العدالة تسبب نوعا من الإشكالية لكل من ~~ليفيناس ودريدا؛ فذلك لأن كليهما (لأسباب ليس أقلها أصولهما اليهودية) شغوفان بها ~~عمليا، إلا أنهما في الوقت نفسه حذران من القانون والتشريع والقواعد والتبادلية، ~~وكلها أشياء يشوهانها ظلما باعتبارها أخلاق المدينة وليس التسامي. # ثمة وجه يتمكن فيه دريدا من أن يجمع بين أمرين مستحيلين في نفس الوقت. فإذا تخلى عن ~~الأخلاق - بمعنى الرضا الرتيب بخطابات تجريم استغلال الأطفال - فهو يفعل ذلك من أجل ~~الأخلاق - بمعنى تحمل المسئولية أمام أوامر النظام الواقعي. وهو، على هذا المحمل، يكرر ~~مفارقة النبي إبراهيم الذي أوشك على ذبح ابنه في كتاب كيركجارد «خوف ورعدة»؛ إذ هو ممزق ~~بين واجبه المطلق تجاه رب يبدو ساديا وحبه لابنه إسحاق. أو هو بتعبير آخر: عالق بين ~~الأخلاق - التي هي مسألة عمومية عند دريدا (وإن لم تكن عند ليفيناس) - وخصوصية الإيمان. ~~يختار النبي إبراهيم، المدفوع بالأمر الإلهي بذبح ابنه، الرب على ما هو عمومي؛ يختار ~~الفردية المطلقة لإيمانه بالرب على القوانين العامة؛ ومن ثم فهو مسئول وغير مسئول على ~~حد سواء؛ فهو يصبو إلى النظام الواقعي، الذي طالما هو أسمى من الأخلاق، بدلا من ~~التزامات النظام الرمزي. يؤكد دريدا على أن «القيم المطلقة للواجب والمسئولية تفترض في ~~الوقت ذاته أن يهجر المرء ويدحض ويتجاوز كل واجب وكل مسئولية وكل قانون إنساني.» ms294 # 23 # لكن تلك الروابط الرمزية يجب أيضا الحفاظ عليها؛ إذ لو لم يحب النبي ~~إبراهيم ابنه حبا جما، لما كان ذبحه يعد بالطبع تضحية. ولا بد له، كما كان، أن يكره ~~إسحاق بقدر ما يحبه، وهو بقتله يضحي بالأخلاق أيضا. لكن هذه أيضا لن تكون تضحية ~~حقيقية إلا مع الإقرار كذلك بقيمة الأخلاق. # لم يكن توجه النبي إبراهيم عاطفيا على وجه التحديد، لكن كان يتمتع بالأمل المطلق. ~~وهو تمييز بين الأمل والتفاؤل أوضحه على نحو مفيد الفيلسوف الأمريكي جوناثان لير؛ # 24 # إذ يرفض النبي إبراهيم التخلي عن رغبته في المستحيل - في رب تتفق أوامره مع ~~فروض النظام الرمزي - في المفارقة غير المتصورة المعروفة باسم «الإيمان»، ولأنه تمسك ~~بعناد بالمستحيل؛ فقد تحقق هذا المستحيل؛ حيث يرجع الرب في أمره وينقذ عبده. إن تقبل ~~النبي إبراهيم لعدم الجدوى الظاهرية لفعله هو ما يحقق له في النهاية ما يريد. فهو، كما ~~يشير كيركجارد، «عظيم بتلك القوة التي لا حول لها ولا قوة.» وكما هو الحال في العديد من ~~الحبكات التراجيدية، سيأتي شيء فجأة من لا شيء. # إن البطل التراجيدي الكلاسيكي في نظر كيركجارد يتحرك في الدائرة الأخلاقية، وهو ما ~~يعني أن مصيره - وإن كان لا يحسد عليه - واضح على الأقل. أما النبي إبراهيم، في ~~المقابل، فيتجاوز وساطات الأخلاق التي تقبل كل الخصوصيات فيها التبادل فيما بينها دون ~~اختلاف؛ ليؤسس علاقة مباشرة مع المطلق، علاقة تذهب به إلى ما وراء حدود الخطاب الأخلاقي ~~والفهم العقلاني. ومن الناحية الجمالية، يمكن للمرء أن يدعي أنه يمثل الرمز الرومانسي ~~أكثر من ممارسته التمثيل الرمزي. إن إبراهيم - باستعداده لنبذ الأوامر الأخلاقية باسم ~~النظام الواقعي - يثبت أنه تحد حي ليس فقط للأعراف التقليدية ولكن لجدلية هيجل؛ فهو ~~يرفع الخصوصي على العمومي، متطلعا إلى اللغز المحير لإرادة يهوه مقابل التجليات ~~الواضحة للنظام الرمزي. في نظر الإيمان، يوجد آخر كبير حتى فيما وراء الآخر الكبير ~~الرمزي. ومن هذا المنطلق، يحاول النبي إبراهيم تحقيق المشروع الأكثر إثارة للرهبة عند ~~كيركجارد: الوجود بصفته ms295 فردا. فالأفراد، كما رأينا بالفعل، من هذا المنظور ~~البروتستانتي المتطرف كيانات متفردة تماما، لا يوجد تشابه فيما بينها على الإطلاق؛ وهي ~~بذلك تمثل الدمار المحقق للنظام الرمزي ولأي سياسة عقلانية كذلك. والشيء الذي يظل على ~~حقيقته بصفة خالصة وأبدية لا بد له أن يفلت من قبضة كل هذا. # إن النبي إبراهيم بسلوكه هذا يستبق الدراما المأساوية لصلب المسيح، ففقط إذا كان ~~المسيح يجهل مصيره - وقوبلت دعوته المعذبة للشهامة بالصمت القوي الذي هو الرب - ~~فيمكنه أن يعود ممجدا من بين الأموات. وإلا، سيظل عالقا في منطق العين بالعين أو ~~التبادل الرمزي. هذا العذاب المؤقت في مقابل النعيم السماوي. لكن النبي إبراهيم، بعد أن ~~برهن على إيمانه بالرب الذي يتجاوز كل هذه الموازنات والمعادلات، أرجع مرة أخرى للنظام ~~الرمزي، واجتمع من جديد مع ابنه إسحاق. وهذه علامة على أن قانون الحب البشري هو في ~~الواقع وسيلة حضور الرب في العالم. إن قوانين الأخلاق معلقة لكنها ليست غائبة، وبنية ~~هذه الحكاية ساخرة. إن الحكاية التي تحمل لمسة كيركجارد يخطها قلم أحد أكبر أساتذة ~~السخرية في العصر الحديث؛ إذ لا يمكن أن يتحول الإيمان إلى خطاب أخلاقي دون أن يبقى جزء ~~غير مفهوم، ولكن كذلك لا يمكن للاثنين أن يسكنا عالمين منفصلين تماما. فإن كان الإيمان ~~حماقة عند الحكماء، وضربا من الغموض والسمو لا يقبل حساب العوائد، فهو كذلك متجسد في ~~الحب البشري التقليدي؛ والحب البشري هو ما تذود عنه حكاية إبراهيم في النهاية؛ حيث ~~يعاد بابتهاج الابن إلى الأب. # إن رحمة الرب إذن هي ما ينقذ إسحاق من الهلاك؛ لكن ليس لنا أن نفترض قانعين أن منطق ~~الرب يتشابه مع منطقنا؛ وأنه قد أرسل إلى النبي إبراهيم تذكرة في الوقت المناسب بهذه ~~الحقيقة المزعجة من خلال مطالبته الوحشية له بإنهاء حياة ابنه. أما دريدا - في المقابل ~~- فيسعى لجعل هذه الحكاية في خدمة فكر بروتستانتي متطرف؛ فشخصية الرب في هذه القصة تبدو ~~متقلبة ومتغطرسة، لديها أهواء ونزوات، كنجوم موسيقى الروك المدللين . إن هذا في ms296 واقع ~~الأمر هو ما يبغضه بشدة الإنسانوي الليبرالي العادي في هذه الحكاية؛ لكن هذا هو عين ما ~~يراه دريدا جذابا. وبما أن إعجابه بالفضل أكبر من إعجابه بالعقل - أي بما أنه يربط ~~العقل بالواقع السياسي، لا بالتحول السياسي (كما هو الحال مع هيجل) - فهو لا يرى هذه ~~الصورة المتقلبة عن الرب التي تحمل طابع باسكال غير مستساغة بأي حال؛ فالخوف والرعدة ~~ليسا شعورين مكروهين على الإطلاق. # إن الإخلاص للنظام الواقعي (لا يستخدم دريدا هذا المصطلح، لكنه يتحدث عن شهود الرب ~~باعتباره شهودا «يذهل من الرجفة») سوف «يجبر فارس الإيمان عند كيركجارد على أن يقول ~~ويفعل أشياء ستبدو (بل ويجب أن تكون) فظيعة.» # 25 # من الصعب تحديد ما إذا كان دريدا يعني فعلا ما يقول - أن «على» الإنسان أن ~~يقوم (فعلا) بأشياء فظيعة - أو أنه تنميق بلاغي صارخ آخر من جانبه. على أي حال، فهذا ~~غير منصف لقصة النبي إبراهيم الذي يصوره دريدا على نحو فظيع في موضع معين في صورة ~~«قاتل»، لكنه بالطبع ليس كذلك، فهو لا يسعى لقتل ابنه، ويبدو من قصر النظر بعض الشيء أن ~~يتجاهل دريدا هذه النقطة الحيوية في الحكاية. إن هذا مشابه لافتراض أن شخصية ديدمونة لم ~~تمت وإنما أصيبت ببعض الخدوش الطفيفة. وتقع سيلفيان أجاسنسكي في خطأ مماثل؛ إذ تكتب ~~بصورة متكررة عن «جريمة» النبي إبراهيم. لكن إبراهيم لا يرتكب أي جريمة، إلا إن كان ~~الناظر إليه ينتمي لما يعرف بشرطة الأفكار. وفي النهاية، ما من تعارض بين أمر النظام ~~الواقعي وفروض النظام الرمزي؟ فالرب يختبر ببساطة إيمان عبده. والحكاية محاكاة ساخرة ~~للتهور الخلاق الملازم للإيمان؛ فالقانون الرمزي - الأمر بعدم القتل - «هو نفسه» أمر ~~النظام الواقعي. ما من تعارض على هذا المستوى بين الحلول والسمو؛ فبحسب العقيدة ~~المسيحية اليهودية، إن الرب حاضر عندنا بقدر حضور بعضنا أمام بعض؛ فهو متجسد باللحم ~~والدم، ليس فقط (كما يرى دريدا بأسلوبه الجانسني) باعتباره ذاتا لا حاضرة مستغلقة ~~أبدا تضع منطقا إنسانيا بائسا محلها. فعدم التناقض بين الربوبية ms297 والإنسانية يعرف ~~في العقيدة المسيحية بعقيدة التجسد؛ فإن كان الرب فعلا على وجه ما آخر مغايرا ~~تماما، فهو يتجسد أيضا في الجسد المعذب لمجرم سياسي مهان. وهذا الجسد، شأنه شأن أي ~~فارماكوس أو كبش فداء ملوث على نحو رهيب، هو «آخر» أو لا إنساني بدرجة كافية ليكون ~~علامة مناسبة عليه. والخبر الجيد في العهد الجديد هو أن الهلاك على يد الدولة في سبيل ~~المناداة بالحب والعدل هو الحال الذي علينا جميعا أن نصبو إليه؛ فرسالة العهد الجديد ~~هي أنك إن خلوت من الحب، فأنت ميت، وإن ملأك الحب، فسيقتلونك. هذا إذن هو مبتغاك ~~المستحيل ومسكنك الزائف. فهي رسالة مخزية بنفس القدر عند الليبرالي المتحضر، ~~والإنسانوي المناضل والتقدمي البريء. # إن عدم الغموض الكلي للرب نقطة يفهمها ليفيناس جيدا، والذي يرى أن مبلغنا إلى السمو ~~هو وجه الآخر الكبير. أما دريدا - في المقابل - فيبالغ في الصراع بين النظامين الواقعي ~~والرمزي، بين الرب والجار، بين الإيمان الديني والأخلاق الاجتماعية، لدرجة الوصول لطريق ~~مسدود غير معقول. والمغزى من قصة النبي إبراهيم هي أن يهوه يتجلى فعلا في الحب البشري، ~~غير أننا لا ينبغي لنا استغلال هذه الحقيقة بأن نعتبره على نحو وثني صورة مكبرة من ~~أنفسنا؛ فذلك يعني رؤيته بعين النظام الخيالي؛ أي اختزال اللا رب هذا في «أنا» بديلة ~~مواسية، قد نتلاعب بعد ذلك باسمها المحظور لأغراضنا الخاصة. هذا التلاعب، الذي يحول ~~الإيمان إلى أيديولوجيا، يعرف بتاريخ الدين. لذا، فإن الاختلاف المطلق ليهوه يجب ~~التأكيد عليه مع تجليه؛ مع لا وجوده وتساميه على الخبث البشري، مع الطريقة التي ~~يتفادى بها تصوراتنا وأفعالنا المادية باعتباره ناقدا قاسيا لها من خلال ما لديه من ~~حب هائل وغير مشروط. فالرب ليس كائنا أخلاقيا في ذاته وإن كان هو مصدر الأخلاق في ~~الآخرين، فهو ليس شخصا ساميا منزها يمكن استمداد الصفات الأخلاقية منه، وهو لا يمكن ~~أن يكون أساسا لعقيدة عقلانية صرفة مثل فلسفة كانط بكل معقوليتها المدنية المنمقة. كل ~~هذا يدركه دريدا على وجهه الصحيح. لكن ms298 يهوه لا يمكن فصله عن الأخلاق الإنسانية في نوبة ~~من التسليم الإيماني أو استراتيجية ما بعد بنيوية تلعب على وتر ما هو جنوني وعنيف وسخيف ~~ولا عقلاني وغير مبرر ومستحيل. إن السياسة في نظر دريدا في نفس الوقت مجال «القرار» ~~ومنطقة الإدارة؛ وهو ما يعني أنه يبالغ في تعظيمها ويحقرها في الوقت نفسه. إن كانت ~~قرارية الفيلسوف النازي كارل شميت تنبع من نوبة من العقلانية التنويرية، فإن نظيرتها ~~عند دريدا وأتباعه عرض لأزمة تاريخية لاحقة؛ فهي تنتمي لعصر يبدو أنه لا يوجد فيه أي ~~أساس عقلي لسياسة راديكالية. # إن المعتقد الديني عند كيركجارد يقابله صورة سامية من الأخلاق عند ليفيناس ودريدا. ~~فإن كان الفيلسوف الدنماركي يدعم الدين على حساب الأخلاق، فإن نظيريه الفرنسيين يبجلان ~~أخلاق النظام الواقعي أكثر من أخلاق النظام الرمزي. فالآخر الكبير أصبح الآن آخر آثار ~~السمو في عالم دنس. لكن من الخطأ اعتبار قصة النبي إبراهيم نموذجا للحياة الأخلاقية. ~~هذه بدرجة كبيرة هي نظرة هؤلاء الذين يريدون لنظرياتهم الأخلاقية أن تكون أرقى روحيا ~~من الحملات على المراكز التجارية مثلا، وأن تكون صدى للامعقول والمستحيل والمفارقات ~~واللانهايات أكثر من النضال في سبيل الإبقاء على إحدى دور الحضانة. إن قصة العهد القديم ~~هذه في واقع الأمر تتعلق بلا معقولية الإيمان في أعين المنظرين والفلاسفة؛ لكن الإيمان ~~محل النقاش هو الإيمان بيهوه الذي يقدم للجوعى كل ما هو طيب ويرد الأغنياء خالي الوفاض. ~~فالقضية إذا ليست الإيمان مقابل الأخلاق، ولا الدين في مقابل الفضيلة، بل القضية هي أن ~~النبي إبراهيم - رغم كل الدلائل الملموسة - يتمسك برب الأخلاق والسياسة؛ نصير المعدمين ~~ومعين المهاجرين ومحرر المستعبدين، الرب اللاديني الذي يبغض قرابين اليهود المحروقة ~~ويبطش بالمتجبرين على الفقراء. قد تبدو أخلاق دريدا للوهلة الأولى متفقة مع وصية العهد ~~الجديد بجعل ما لقيصر لقيصر، وما للرب للرب. فمطالب الدائرتين، الرمزية والواقعية، يجب ~~أن تجاب؛ لكن سيبدو أن هناك عداء أكثر من الاتفاق بين الاثنتين؛ فالسياسة والدين لا ~~يجتمعان. لكن من غير المرجح على نحو ms299 كبير أن هذا ما سيفهمه أحد اليهود المتدينين ~~الأول من وصية المسيح؛ إذ من بين الأشياء التي هي للرب العدل والرحمة والصلاح، وهو ما ~~تجسد في العهد القديم في حماية الضعفاء والترحيب بالمنبوذين؛ فأوجه التمييز الحديث بين ~~السياسة والدين غير مناسبة هنا. # عادة ما يعد النبي إبراهيم صورة أخرى من المسيح المصلوب، الذي هو رمز آخر ظل مخلصا ~~في خضم عذابه وحيرته لرب يبدو أنه تخلى عنه. لكن هذين الرمزين المذكورين في الكتاب ~~المقدس يتشابهان من وجه آخر أيضا؛ فكلاهما ناقد لاذع للنظام الرمزي في ضوء القرابة؛ ~~إبراهيم لأنه مستعد لقتل فلذة كبده والمسيح لأن سلوكه تجاه أسرته في أغلب الأمر سلوك ~~رافض، فثمة صورة جديدة من النظام الرمزي أو الحركة الجماعية على وشك أن تتشكل، صورة ~~ستتعارض بشدة مع دوائر السيادة وروابط الدم والولاءات الراسخة؛ فتفرق بين الأب وأبنائه ~~وتفصل في عنف بين الجيران وتنزع جيلا من أيدي جيل آخر. # إن الصراع عند دريدا بين الفردية المطلقة والمسئولية العمومية - وهو صراع ينبغي في ~~نظره ألا يقبل حلا - هو نموذج من التوتر عند ليفيناس بين الأخلاق والسياسة، لكنه في ~~الغالب معضلة زائفة. ففكرة أنني بإطعامي قطتي (مثال دريدا المبالغ في السخف في عمله ~~«هبة الموت») أتجاهل على نحو حتمي كل القطط الجائعة في العالم ليست مسألة تستحق اللوم ~~كما يظن دريدا؛ ولا يسعني أن أشعر بالذنب بصورة معقولة إلا عن الأفعال أو حالات التفريط ~~التي أستحق أن ألام عليها؛ إذ لا يمكنني أن أطعم كل القطط على وجه الأرض، وإن امتلكت ~~أقوى إرادة في العالم وأسطولا من الشاحنات مليئا بلحم الكبد المفروم. والمسئولية بهذا ~~المعنى متناهية، ومن المبالغة العديمة الجدوى الزعم بأنها لا متناهية. ثمة مواقف حقيقية ~~كافية للشعور بالندم في العالم دون الحاجة لأن يختلق المفكرون الباريسيون بعض المواقف ~~المتخيلة. ويلاحظ ليفيناس - بنفس القدر من اللاعقلانية الطنانة وعلى طريقة نجم روك ~~مرتبك - أننا عندما نشرب القهوة كل صباح، فإننا «نقتل» إثيوبيا ليس لديه قهوة ~~ليشربها. وهذا كما قد نظن ms300 فيض من المبالغة الميلودرامية المميزة لتيار من الفلسفة ~~الفرنسية الحديثة، بمفرداته المبالغة عن «الجنون» و«الوحشية» و«العنف» و«الاستحالة» ~~و«الاختلاف المحض» و«الفردية المطلقة» وما شابهها. إن الحقيقة العاقلة المنمقة هي أنني ~~في لحظة الكتابة لست مرتكبا لظلم بحق طفل لا أعرفه يعاني في السودان، كما أنني ~~باختياري الإقامة في مدينة جالواي لا أهين بأي شكل مدينة ناشفيل أو مدينة نيوكاسل. إن ~~الحل الحقيقي للصراع بين الفردية والعمومية حل عرضناه من قبل. فعلى المرء أن يولي ~~اهتمامه الكامل للغريب الذي يتصادف في اللحظة الحالية أنه يشغل موقع الجار، مع القيام ~~بالأمر نفسه مع الرجل التالي الذي يتصادف وجوده في الجوار، أيا كان من هو. فالعمومية ~~تعني المسئولية عن أي إنسان، وليس المسئولية المستحيلة عن الجميع في نفس الوقت، فافتراض ~~أنها بالمعنى المستحيل - حتى مع الإصرار على استحالته - يكشف عن غطرسة معينة للامتناهي، ~~مهما بدت نبرتها اعتذارية ولوامة للذات. # إن ليفيناس محق بالتأكيد في اعتقاده أن المسئولية لا متناهية، على الأقل بمعنى أن ~~علي أن أكون مستعدا للموت من أجل الآخر الكبير. وهذا حتى إن كان غريبا أو عدوا، ~~وهو حال الآخر الكبير دائما من وجه ما. في الحقيقة إن كان الآخرون أعداء فهذا يرجع ~~جزئيا إلى أننا قد يطلب منا دائما أن نقدم حياتنا فداء لهم. ولا يسع الإنسان إلا ~~أن يأمل من كل قلبه ألا يواجه هذا الواجب غير الملائم إطلاقا في طريقه، حتى وإن كان ~~يواجهه مقاتلو حروب العصابات طوال الوقت. وطالما يجب على المرء أن يكون على استعداد ~~للموت لأجل أي شخص دون تفريق، فإن المساواة والعمومية - في ظل الظروف المناسبة - ~~ملازمتان للحب أو الأخلاق؛ فهما ليستا محدودتين بمجال السياسة، كما يتصور ليفيناس على ~~ما يبدو، مثلما أن الحب لا يقتصر على الدائرة الشخصية. (آلان باديو فيلسوف آخر يقع في ~~هذا الخطأ الفرنسي الطابع عن الحب؛ إذ يعرفه بصورة كبيرة في إطار شهواني ويزعم أن الحب ~~يبدأ حيث تنتهي السياسة.) لكن لا يمكن للمرء على أي حال أن يموت من ms301 أجل كل شخص. ولا ~~ينبغي للمرء أن يفرط في الحرص على إعفاء الآخرين من مسئوليتهم عن أنفسهم. فالمسئولية ~~عن الآخرين شأنها شأن غيرها من الفضائل الإنسانية يجب أن تكون في حدود التعقل ~~والواقعية؛ إذ يوجد نوع ملائم من التهور يكمن مثلا في الموت من أجل غريب، ونوع غير ~~ملائم يكمن - لنقل - في إلقاء المرء بنفسه أمام شاحنة لكي يتمكن غريب من عبور الشارع ~~دون أن يسقط من يده الآيس كريم الذي يمسكه بيده. # إذا يتسم الحديث عن اللاتناهي هنا ببعض المنطقية اليائسة؛ إذ ليس صحيحا - كما قد ~~يتصور ليفيناس أحيانا - أن مسئوليتي تجاه الآخر الكبير لا متناهية، بينما واجباتي تجاه ~~المواطنين المجهولين لي في النظام الرمزي منظمة تنظيما صارما. فمن ناحية، يجب أن أكون ~~مستعدا في أشد الظروف لأن أقدم حياتي فداء لمن لا أعرفهم، وليس فقط لمن هم على مقربة ~~روحية مني. ومن ناحية أخرى، فحتى عندما يشغل مواطن سابق مجهول لي موقع الآخر الكبير؛ ~~فإن علاقتي به ينبغي أن تستمر في الخضوع لمتطلبات التعقل والعدل. فالعدل ليس مجرد علاقة ~~بين مواطنين يجهل بعضهم بعضا. بل هو مرتبط بعلاقتنا بالآخر الكبير أيضا. وهذا من ~~بين أسباب عديدة تجعل التمييز الواضح بين الأخلاق والسياسة غير ممكن، وهو موضوع سنعود ~~لمناقشته في الخاتمة. # تمثل الغيرية عند دريدا وكذلك عند ليفيناس مسألة متعلقة بالفردية المطلقة، التي تتسم ~~بأنها «مستغلقة ومنعزلة ومتسامية ولا متجسدة ...» # 26 # إنها تتسم بالانعزال لأنه بينما تختص الأخلاق بالعلاقات السليمة بين الفرد ~~والآخرين، فهي ليست في منظور الواقعيين قضية مشاركة حياة الفرد معهم. ومن هذا المنطلق، ~~فإن الواقعية الأخلاقية لا اجتماعية بقدر فلسفة كانط التي يظل الجزء الأكبر منها ~~متفوقا عليها. فهذه الأخلاق ترتبط، بأسلوب واجباتي جيد عتيق الطراز، بالتزاماتنا تجاه ~~الآخرين، لا استمتاعنا بهم؛ فالغيرية هنا ليست في الأساس محورا للصداقة والألفة؛ بل ~~تتجسد في حالة مطلقة يصير فيها الأصدقاء والأقارب مستغلقين بنفس روعة استغلاق النظرة ~~الشيطانية ليهوه. فالخوف من أن يسعى الآخرون ليجعلونا مثلهم - العصاب الرهيب لما ms302 بعد ~~الحداثة - قد بلغ الآن في حدته مبلغا يرخص للااختراقية المتبادلة. وهنا عند ~~اللاكانيين بداية الأخلاق بالضرورة؛ إذ علينا أن نصيغ وجودا مع الآخرين ينبني على هذه ~~الغرابة المشتركة. أما عند ليفيناس ودريدا، فإن الاعتراف بهذه العتامة المخيفة يكفي ~~غالبا ليكون منتهى الأخلاق. ~~••• # في كتابات آلان باديو، الذي يعد ربما أكثر الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين تأثيرا، ~~يتحول النظام الواقعي إلى «الحدث»؛ هذه المعجزة التي تنبع من موقف تاريخي لا تنتمي إليه ~~في الوقت نفسه. فالأحداث عند باديو ليست حقائق تاريخية مجردة، بل نقاط إيمانية. إنها ~~وقائع أصيلة بالكامل تقوم بذاتها تماما، ومنعطفات وبدايات خالصة ليست مرتبطة ب «موقعها» في التاريخ، وتتجاوز سياقاتها وتنبع عشوائيا ومن لا شيء (إن صح التعبير) من ~~إيمان راسخ لا سبيل لديه للتنبؤ بها. إنها أفعال اعتباطية محضة، لا يمكن التنبؤ بها ~~مثلما لا يمكن التنبؤ بالفضل أو استراتيجيات قصيدة لمالارميه. # إن أحداث الحقيقة، كما يدعوها باديو، تأتي بأشكال وأحجام متعددة، بداية من قيامة ~~المسيح إلى اليعقوبية، من الوقوع في الحب إلى الاكتشاف العلمي، من الانتفاضة البلشفية ~~إلى المدرسة التكعيبية، من مقطوعات شيونبيرج اللامقامية إلى الثورية الثقافية الصينية، ~~والاضطرابات السياسية في فرنسا في مايو 1968 (وهو مثال باديو الشخصي المكون للذات). كل ~~هذه التحولات الطليعية تمثل عنده «فراغا» في الموقف الذي تعد جزءا منه ظاهريا، ~~واستحضارا لللاتناهي تنسل إلى هذا الموقف لكن لا يمكن أن يجرى تمثيلها بوضوح كامل. ~~يرى بايدوا أنه يوجد عدد لا متناه من العناصر في أي موقف، وهي حقيقة تطرح احتمال ~~الفوضى أو العشوائية يجب للسلطة التقليدية أن تسيطر عليه. إنها تلك التعددية الفوضوية - ~~التي تظهر في صورة بداهة سامية أو أزلية غير متصورة، والتي يراها باعتباره «الفراغ» ~~في الموقف - هي التي تكمن في الموقف، لكن لا يمكن تمثيلها؛ وإن نقطة «العدم» المتفردة ~~هذه هي التي ينطلق منها ما يسميه الحدث. # يمكننا الزعم بأن هذا هو إعادة صياغة باديو للنظام الواقعي اللاكاني؛ فالحدث أمر لا ~~يمثل أي شيء ، ولا يمكن تحديد ماهيته من ms303 منظور الموقف الذي يقع فيه. وكما أن أشد ~~اللاهوتيين حرفية وأكثرهم عنادا لم يمكنهم تصوير قيامة المسيح، فكذلك الحدث لا يمكن ~~تسميته في إطار الموقف الذي يقع فيه؛ فهو - كتحفة طليعية إبداعها يخطف البصر - يمثل ~~أصلا خالصا أو بدعة مجردة؛ بدعة ليس لها أي علاقة بالسياق الذي تنتمي ظاهريا إليه، ~~ولا يمكن وصفها أبدا بمفردات خطابه الضيقة؛ فالموقف لا يمكن أن يعبر عن فراغه الذاتي ~~مطلقا. فما يعتبره الحدث حقيقة، يعتبره الموقف الذي يقع فيه الحدث فارغا من ~~القيمة. # إن الكينونة في نظر باديو عبارة عن تعددية لا تنضب، والتي تظهر لنا في أجزاء قابلة ~~للإدراك أو مواقف منفصلة فقط من خلال «الاتحاد» أو التوحيد المؤقت من قبل ذات بشرية. ~~بخلاف هذا، فهي مستغلقة علينا بلا حد مثل دائرة كانط الحقيقية. لكن «التعددية غير ~~الثابتة» التي يخفيها هذا التوحيد، في وجود الحدث، تبدو كما لو كانت تتفجر لحظيا مرة ~~أخرى لتمنحنا لمحة من اللاتناهي غير النظامي للكينونة المحضة؛ فالأحداث استثناءات ~~للقاعدة متفجرة وممتنعة عن الوصف، وتجليات للحقيقة دونما أساس على الإطلاق؛ فهي مثل ~~الثورة الإيرانية عند ميشيل فوكو تمثل انقطاعا لا يمكن تفسيره تماما للسببية ~~التاريخية التقليدية. # 27 # وعليه، فهذه الأحداث تعارض المعرفة والتفكير والأنطولوجيا والقدرة على ~~التنبؤ والقانون والأخلاق. باختصار كل تلك المسميات التقليدية التي يعد عندها عين ~~وجودها - كالمجموعات الرياضية المنتمية لذاتها تماما - مستحيلا من الناحية ~~الحرفية. # قد يتوقف المرء برهة ليتساءل كيف لنا أن نحدد ما يعتبر حدثا، أو كيف لنا أن نعرف ~~مثلا المواقف التي تتسم بالتعددية اللامتناهية دون أن يكون مفهوم الحقيقة حاضرا منذ ~~البداية. لكن الحقيقة عند باديو أدائية أكثر منها افتراضية، بل والأخطر من ذلك، يمكن ~~للمرء أيضا أن يتشكك في صحة منظومة أخلاقية ترى الفضيلة - بمعنى الحكم اليومي على ما ~~هو صواب وما هو خطأ - مرفوضة على نحو عنيف. ويقول باديو مدافعا عن العنف الثوري في ~~ترنيمة مدح لثورة ماو الثقافية إن «فكرة التحرر الكامل ... مكانها يقع فيما وراء الخير ~~والشر ... إن ms304 الشغف اللينيني بما هو واقعي ... لا يعترف بالفضيلة؛ فالفضيلة - كما أدرك ~~نيتشه - عبارة عن مجرد سلف؛ فهي من مخلفات العالم القديم.» # 28 # فالأخلاق طليعية، بينما الفضيلة برجوازية صغيرة ومن الماضي. فنخبوية نيتشه ~~تتماشى جيدا مع النقائية الثورية. # إن الأصالة المطلقة ل «الحدث» عند باديو - في مفارقة - هي «تصور شائع». فليس هناك ما ~~هو أكثر حداثة في العادة من الحلم بهذا الانفصام الذي لا يوصف عن الواقع. ويمكن أن نفكر ~~مثلا في روايات جوزيف كونراد المليئة بالأحداث السردية المحورية - قفزة لورد جيم ~~المهمة والطقوس التي لا توصف، المحيطة بكيرتس في رواية «قلب الظلام»، وقتل ويني فيرلوك ~~لزوجها في رواية «العميل السري»، وتفجير ستيفي في نفس الرواية، وتفكك ديكود التدريجي في ~~«نوسترومو» - التي كلها تحدث، إن جاز التعبير، بعيدا عن عين القارئ، وتلمح بطرف ~~العين بدلا أن ترى مباشرة. وفي عالم حتمي رتيب، فإن الحقيقة والحرية والذاتية ستظل ~~ألغازا مستعصية على الاختراق مثل مجاهل أفريقيا. لذا، فإن شخصيات كونراد تمنح لحظة ~~سمو عليا لتشهد فقط هذا الحدث الأقرب إلى المعجزة وهو يغرق حتما من جديد في العالم ~~الظاهري، ويعاد امتصاصه في سيل المادة الخالية من المعنى والزمن الفاسد إلى أن تواجه ~~الذات الحرة الآن وجودها الذاتي باعتباره حقيقة محضة. إن القفز ربما يكون قرارا حرا، ~~لكنه يسلمك لقوى الطبيعة التي ليس لك عليها أي سيطرة. # إن أحداث الحقيقة، كما يسميها باديو، لا يمكن معرفتها وقت حدوثها؛ فوجودها لا يمكن ~~القطع به إلا بعد مرور الوقت، مثلما يعلن القديس بولس أن المسيح الذي لم يقابله في ~~الواقع قط هو الرب أو الإله؛ إذ لا يوجد حدث من أحداث الحقيقة من دون الفعل الحاسم ~~لذات ما، وفي معضلة عويصة، لا توجد ذات غير تلك التي أخرجها للوجود إخلاصها الثابت ~~والمضنى، والبطولي أحيانا، لهذا الكشف الأولي. يرث باديو العقيدة الطليعية المشكوك ~~فيها القائلة بأن الذات البشرية غير حقيقية إلا عندما تخاطر بوجودها في جرأة في الظروف ~~الشديدة؛ فالحقيقة هي كل شيء أو لا شيء. بخلاف ms305 ذلك وفي صورة علمانية نوعا ما من عقيدة ~~الاختيار الإلهي، فما نحن إلا أفراد بيولوجيون محدودون يحتاجون لأن يتحولوا إلى ذوات لا ~~محدودة أو أصيلة من خلال مثل هذا الالتزام. فالفرد نوع من العدم، شفرة يجب إلغاؤها ~~وولادتها من جديد من رحم إيمانها بحدث شديد الأهمية، والذي يظل مستعصيا على البيان ~~العقلاني وخارجا على نظام الوجود؛ فالذات البشرية هي دائما ذات لحدث من أحداث ~~الحقيقة. وما يدفعها إلى الوجود هي حقيقة أبدية ونقية واستثنائية وشديدة الخصوصية. ~~فتشكل الذات هو هداية إيمانية. ولا يمكن لهذه الذات أن تؤكد وقوع حدث الحقيقة فعلا إلا ~~كما تتحرك معرفتنا عن الرب في العقيدة المسيحية اليهودية في إطار الإيمان. إن قيامة ~~المسيح بالنسبة لبولس لم تعد قضية رؤية عين أكثر مما تمثله قضية غرف الغاز عندنا ~~اليوم. # إن هذا الإخلاص للحدث الذي يطرح نظاما جديدا للحقيقة هو ما يعنيه باديو بما هو ~~أخلاقي. فهو، كما هو الحال بالنسبة للفضل الإلهي، دعوة متاحة للجميع، وبهذا المعنى، ~~يمجد باديو المساواة والعمومية الخاصتين بالنظام الرمزي. لكن بما أن الحقيقة التي يراهن ~~المرء بوجوده عليها دائما ما تكون فردية وصادمة ولا محدودة ومغيرة ويتعذر وصفها في ~~النهاية، فهي تنتمي للنظام الواقعي. وهي تشترك مع النظام الواقعي كذلك في عزلتها ~~البروتستانتية القاسية. وكما أن الذات اللاكانية للنظام الواقعي توجد عند حد متطرف ولا ~~اجتماعي، رافضة الاعتدال المغري في مجتمع المدينة، فإن فارس الإيمان عند باديو عبارة عن ~~فردية خالصة. وهذه الحالة ليست حالة أخلاقية فقط بل هي حالة أنطولوجية. إن من بين ~~الجوانب الأكثر إثارة للجدل في فكر باديو هو إصراره على عدم ارتباط الذوات - على ~~انتشارها العشوائي وتقاطعها - بالصدفة ومواجهاتها العفوية ومقاومتها للاتصال المنظم. قد ~~تتعاون الذوات البشرية في نوع من «الوجود الجمعي» أو «شيوعية من الفرديات» لكن الذوات ~~البشرية لا ترتبط معا بصورة تكوينية. إن باديو يؤمن بالجماعات؛ لكن إعطاءها تسمية ~~وشكلا معينا طالما يمثل دائما كارثة سياسية في نظره. وفي لمحة لا بنيوية، فإنه يرى ~~أن عناصرها ms306 المتمايزة وليس الروابط بينها هي ما يحظى بالأولوية. وليس من العجيب أن ~~فيلسوف الحدث معجب بجيل دولوز. # ونتيجة لهذا الولع بالتمايز، نلاحظ أن باديو الناشط اليساري معاد لفكرة وجود «نظام» ~~رأسمالي عالمي تماما مثل معظم المعلقين السياسيين غير المستنيرين؛ فنظرته للعزلة ~~المنقطعة للكينونة نظرة حداثية تقليدية. ويمكن قول الشيء نفسه عن أبطال لاكان ~~الأخلاقيين في المستوى الواقعي؛ عن نماذج أوديب وأنتيجون الذين يوليهم هذا الثناء. إن ~~الحقيقة - شأنها شأن الرياضيات أو الشعر الرمزي - قائمة بذاتها ومكونة لذاتها ومؤصلة ~~لذاتها ومرجعيتها ذاتها؛ فهي منفصلة عن مجالات الطبيعة والتاريخ والبيولوجيا الدونية، ~~شأنها شأن السياسة التي تمثل عند باديو الماوي السابق علاقة بين الإرادة والروح، بين ~~القرار والاستثناء، والقناعة البديهية، بعيدا عن النطاقين الدنيوي لعلم الاجتماع ~~والاقتصاد؛ فالسياسة مرتبطة بالذات لا بتنظيم إمدادات الطعام. وكما يشير بيتر هالوورد، ~~فإن باديو لديه تصور «رفيع» عن السياسة؛ # 29 # تصور مقترن بكراهية يسارية متشددة للاتحادات العمالية والأجندات الاجتماعية ~~السياسية والديمقراطية الاجتماعية وغيرها من الظواهر غير البراقة نظريا؛ إذ يجب على ~~المرء - على الطريقة البولسية الحقة - ألا يتماهى مع العالم؛ وهي عقيدة تتحول على يد ~~باديو إلى الصفائية اليسارية المتشددة؛ فالقديس بولس على الأقل كان لديه سبب لامتناعه ~~عن هذا التماهي؛ فهو كالكنيسة القديمة بوجه عام كان يؤمن حتما بأن الظهور الثاني ~~للمسيح وشيك، وهو حدث كان ليقضي على الممارسة التاريخية لأنه سيهدم التاريخ نفسه. وهذا ~~هو أحد أسباب عدم اشتمال العهد الجديد على مفهوم حقيقي عن العمل السياسي؛ فالزمن فيه ~~ببساطة غير موجود. بل يبدو أن المسيح نفسه كان يعتقد أن التاريخ سيصل إلى نهايته في ~~حياة بعض من تلامذته. # صحيح أن باديو نفسه استمر في مسعاه كناشط سياسي؛ لكننا نتذكر دريدا في عمله «أطياف ~~ماركس» ورغبته في وجود ماركسية دون عقيدة أو برنامج أو حزب أو تطرف أو مؤسسات. إن هذا ~~أشبه بأنجليكاني ليبرالي متطرف يبحث عن مسيحية متحررة من الأمور المربكة مثل الرب ~~والمسيح والجنة والجحيم والخطيئة والتوبة. إن أقصى ما يمكن أن يصل ms307 إليه دريدا هو ~~ماركسية بلا اسم؛ اشتراكية يملؤها الشعور بالخزي تتبرأ من جرائم أسلافها فقط من أجل أن ~~تكون فارغة سياسيا. إن هذا يذكرنا بالحلم الرمزي بالقصيدة المثالية، تلك التي لا ~~تتلوث بالعالم الفاسد لدرجة أنها لا تكون سوى ورقة خالية. إن أهل الفكر اليساري ~~الفرنسي، في عدائهم المرضي لما هو وضعي، ظلوا محبطين بسبب ذنب الستالينية وظل الفاشية. ~~بالنسبة لباديو، لا يمكن للمرء أن يقول كل الحقيقة، كما لا يجب عليه ذلك، كما لو أن أي ~~إعلان كامل عن الحقيقة يجب أن يكون لا محالة استبداديا. أما بالنسبة لدريدا، فيمكن ~~للمرء أن يطرح الحقيقة؛ لكن فقط في خوف ورعدة وسخرية وتقويض للذات. إن هذا الشكل من ~~التحفظ (الذي يمكن للمرء أن يزعم أنه ينطبق أيضا بدرجة ما على أدورنو) يمكن أن يشيد ~~بطريقة غير مباشرة بضحايا الاستبداد؛ لكن من الصعب تحديد كيف يمكن أن يساهم في منع ~~تكرار حدوثه. بهذا المعني لا تعد إشادته إقرارا بقدر ما هي نوع من المواءمة. # أقام باديو فكرته عن اللاتناهي اعتراضا على الحسابات الحقيرة للمصالح الاجتماعية. إن ~~عداءه تجاه المصالح الإنسانية هو أحد الأمور التي ظل فيها مخلصا لفكر كانط، الذي يعد ~~- للمفارقة - الرسول العظيم للتناهي الإنساني. إن العدالة مسألة متعلقة بالخلود وليس ~~بالتناهي. إن الحدث يبدأ الزمن الخاص به، وهو زمن منفصل تماما عن التاريخ العادي. إن ~~الحقيقة في هذا المنظور المتسامي على نحو عميق تكون في عداوة شديدة مع ما هو معطى وغير ~~مبالية على نحو كبير لما هو محسوس أو تجريبي. إن باديو في هذه النقطة أيضا متفق مع ~~كانط؛ فالأخلاق يجب أن تنفصل عن الطبيعة الحيوانية للإنسان. ربما يكون باديو معجبا ~~بالفردية، ولكن لديه نفورا أفلاطونيا من الخصوصية. إن الأخلاق الطبيعانية، تلك ~~القائمة على التناهي والجسد من ثم ترفض بقوة أخلاق اللاتناهي؛ أي: هذا الالتزام ~~العنيد تجاه أحد أحداث الحقيقة الذي يسمو بنا فوق طبيعتنا الحيوانية، وبفعله لهذا، يمثل ~~نوعا من الخلود. إن هذه أخلاق عالم رياضيات ، وكذلك متبن ms308 سابق لفكر ألتوسير. لكن هناك ~~أيضا لمحة كانطية في الاعتقاد بأن الأخلاق متسامية؛ أي أن حقيقتها تقودنا فيما وراء ~~الطبيعة إلى مكاننا في الأبدية. # كما هو الحال بالنسبة لليفيناس ودريدا، يجد باديو أن الأخلاق تكبح جماح الفضيلة ~~اليومية. ورغم معارضته الشديدة لفكرهما (إذ هاجم بعنف واقتضاب رؤيتهما للآخر الكبير في ~~عمله «الأخلاق» وقال عنها إنها «فاسدة»)، فإن جوانب من نظريته تتوافق كثيرا مع أفكار ~~كبيري دعاة الغيرية اللذين كان وقحا معهما بشدة دائما. ورغم كل نقده لهما، فهو ~~يشاركهما بغضهما الراسخ للنظرية والتوافق والمعرفة والمجتمع والقانون والمصالح والفكر ~~الإصلاحي والحسابات والحقوق المدنية والإحسان والمسئوليات المدنية والعقائد الاجتماعية ~~وباقي هذه الأمور المألوفة. تهتم السياسية بالذات الإنسانية، وليس بحقوق الإنسان أو ~~الديمقراطية الجماهيرية أو الاقتصاد. # 30 # إن كل مساعي التوافق، كما يلاحظ باديو، تسعى لتجنب الانقسام، متناسية على ~~نحو ملائم التضامن الذي أطاح بالفصل العنصري والستالينية الجديدة. إنه أيضا يشترك مع ~~زميليه الباريسيين في نظرتهما القاتمة للمتعة والسعادة والرفاهية والمنفعة والعاطفة. ~~وكما هو الحال بالنسبة للاكان، وكما يشير بيتر هالوورد، فإن باديو يرفض «كل المعايير ~~الاجتماعية المتوافق عليها (السعادة والمتعة والإيمان وغيرها) من أجل استثناء لا ~~اجتماعي وصادم بنحو أساسي.» # 31 # إن ما يرفضه هو ما يطلق عليه سلافوي جيجك بفظاظة مماثلة «التسيير المرن ~~للأمور في عالم الوجود»، # 32 # كما لو أن أي شيء آخر غير أخلاق النظام الواقعي يعد ببساطة شكلا مملا ~~من الإدارة التقليدية. يعلق هالوورد قائلا: «بالنسبة لباديو، وكذلك للاكان وجيجك، تشكل ~~الذات لا يبالي على نحو أساسي بتسيير الحياة ومتطلباتها في حد ذاتهما.» # 33 # إنها تبدو كنوع غريب من الأخلاق يرى أن تسيير الحياة أمر قليل الأهمية. ~~وبدلا من تلك الأهداف القليلة القدر، اقترح باديو نفسه أخلاقا تقوم على «الإصرار ~~الخارق»، تلك التي تتلخص في شعار «لا تتراجع!» أو «حافظ على التزامك!» والتي تشتمل على ~~ما هو أكثر من صدى لشعار لاكان «لا تتخل عن رغبتك.» (إن باديو يعتبر لاكان «أعظم من ~~رحلوا عن عالمنا».) وفي كلتا الحالتين، ms309 إنها أخلاق تعد كمحاولة أخيرة وخط دفاع أخير ~~صارخ في وجه عالم يرى الآن أن حالته ميئوس منها على نحو مزمن. ومن ثم فإن دعوات ~~الاستنفار هذه التي تبدو عمومية لها شروطها التاريخية الخاصة بها. # إن التمسك بحدث الحقيقة بالنسبة لباديو - كما هو الحال بالنسبة لباسكال الذي كان ~~باديو معجبا به - مسألة إيمانية خالصة. وفي لمحة من العفوية الماوية، تعد المعرفة ~~والتأمل عدوين للإيمان، وليسا من العناصر الأساسية العاملة على تقويته. كما أن التحليل ~~والممارسة السياسية يجب أن يظلا منفصلين. تعد الأخلاق علاقة حية مع الحقيقة، وليست ~~مسألة تحديد ما يجب على المرء فعله. إن الحقيقة في حد ذاتها بدهية وليست تداولية؛ وهي ~~دوجماتية كان من الممكن أن يتفق معها ماو بشدة. إنها لا تتعلق كثيرا بالتأمل، وتوجد ~~على أقصى حدود المعرفة. وهكذا، تصبح لدينا مجموعة من التقابلات الصارخة والقابلة ~~للتفكيك على نحو بارز: الحقيقة (أو الإيمان) في مقابل المعرفة، والسياسة في مقابل ~~الحياة اليومية، واللاتناهي في مقابل التناهي، والحدث في مقابل الأنطولوجيا، والصدفة في ~~مقابل النظام، والذات في مقابل الموضوع، والتمرد في مقابل التوافق، والاستقلالية في ~~مقابل السببية، والسمو في مقابل الحلول التاريخي، والأبدية في مقابل الزمن. وحيث إن كل ~~أحداث الحقيقة معرضة للخطر الوشيك المتمثل في تحييدها أو استيعابها من قبل العقائد ~~الاجتماعية، فيمكن أن نضيف ثنائية أخرى مألوفة قدمها ماكس فيبر للأقطاب السابقة، ألا ~~وهي: الكاريزما والبيروقراطية. # كما هو الحال بالنسبة لدريدا - وفي واقع الأمر، بالنسبة للفكر الما بعد حداثي بوجه ~~عام - يتفق باديو مع الزعم السخيف القائل بأن كل العقائد مستبدة، وكل وسائل التوافق ~~خانقة، وكل البدع يجب أن يرحب بها. غير أنه من الصعب معرفة السبب وراء ضرورة الهجوم ~~على الاعتقاد القائل بأن العمال يحق لهم في بعض الأحيان الامتناع عن العمل، تماما كما ~~هو من الصعب معرفة ما هو مستنير على وجه التحديد فيما يتعلق بالمرتدين العابدين ~~للشيطان. إن هؤلاء الذين من المفترض أن ينظروا بحياد للتقابلات الثنائية يجدون أنفسهم ~~في النهاية أمام نظام ms310 سياسي مشيطن من جانب ومعارضة مبدعة على نحو أصيل على الجانب ~~الآخر. إن الحقيقة قائمة دائما على التضاد. وإذا كان بإمكانها تنصيب نظام سياسي جديد، ~~فهي لا يمكنها إحداث تغيير سياسي عام. يرى باديو أن عصر الثورات انتهى. إن الوضع ~~السياسي القائم يمكن تحسينه وليس تغييره بالكامل، وهو افتراض ربما كان سيستقبله قادة ~~الاتحاد السوفيتي في أواخر ثمانينيات القرن العشرين بشيء من الدهشة. إن باديو، في ~~تأييده للتغيير الجزئي دون التغيير الكلي، يتفق مع النظرية الما بعد حداثية التي ~~يمقتها. إنه أيضا يتفق مع لاكان ودريدا فيما يمكن أن نطلق عليه المغالطة الطليعية؛ وهي ~~الاعتقاد بأن البدعة الجذرية يجب دائما تثمينها؛ لأنها تخرج عن ماض ينظر إليه على ~~نحو مشوه على أنه عقيم من كافة الجوانب. إن هذا التحطيم الفج للمعتقدات التقليدية، في ~~تفريقه الساذج ببين التقليد والابتداع، يتجاهل القوة التجديدية للماضي ويغفل الطبيعة ~~المدمرة للإفراط في التجديد. لا يوجد شكل من أشكال الحياة أكثر ابتداعا وتخريبا ~~وإخلالا بالنظام من الرأسمالية. إن هذا الفكر، رغم كل تمجيده للتنوع والتمايز، يرى أن ~~كلا من الماضي والحاضر موحدان على نحو مخيف، وخاليان على نحو إعجازي من التناقض ~~الداخلي. إن الفلسفة التي تمجد السياسة هي بالتالي عرض لأزمة السياسة. إن كل القيم ~~متسامية وليست محايثة. وفي دوجماتية الانحراف، تنبع كل حقيقة أصيلة من استثناء للقاعدة. ~~إننا لسنا بعيدين عن التمجيد الرومانسي السخيف للعبقري العنيد (لينين وروبسبيير وسيزان) ~~الذي يخرج عن المألوف ويكسر كل القوالب. # إن باديو، في رفضه لأخلاق الآخر الكبير، يتخذ موقفا عدائيا غير مألوف تجاه سياسة ~~التماثل. إن الأخلاق باعتقاده قد حلت في عصرنا محل السياسة، حيث حلت أيديولوجية خيرية ~~زائفة قائمة على المظلومية والغيرية والهوية وحقوق الإنسان محل المشروعات السياسية. ~~(ربما كان سيضيف باديو أن البديل الكبير الآخر للسياسة في عصرنا يحمل اسم الثقافة.) إن ~~شيوع اصطلاحي الاختلاف والغيرية يعكس ما يسميه باديو «الإعجاب الشديد» بالتنوع الأخلاقي ~~والثقافي، في حين أن تيار حقوق الإنسان يقسم العالم إلى: ضحايا لا حول ms311 ولا قوة لهم، ~~ومحسنين معتدين بأنفسهم. وحيث إن التعددية الثقافية لا تحترم إلا الآخر «الصالح» ~~(أي، الشخص الذي يشبهني إلى حد كبير)، فإنها لا تحترم أي آخر على الإطلاق. وبهذا ~~المعنى، تبقى محصورة في النظام الخيالي؛ فهي لا تستطيع احترام اختلاف هؤلاء الذين لم ~~يستطيعوا احترام اختلافاتها المقدرة لديها. يوجد قدر كبير من الحقيقة في هذه الحالة، ~~وكذلك من المبالغة الفرنسية الطابع. وفي عودة جريئة لفكرة العمومية، وهو أمر لم يكن ~~شائعا بين أهل الفكر الباريسي، يزعم باديو بدلا من ذلك أن الاختلاف أو الغيرية هي ~~علامة على الوضع الراهن، وأن الكفاح الحقيقي هو كفاح من أجل تحقيق التماثل. إن مهمة ~~السياسة، باختصار، هي ما كانت عليه منذ بدء حركة التنوير الجذرية، وهي مقاومة المصالح ~~الخاصة الظالمة باسم العمومية الثورية. إن مفهوم باديو عن العمومية، بالتأكيد، متفرد ~~بالقدر الكافي؛ فنطاق العمومية عنده لا يمنح وإنما يبنى؛ فهو ليس حقيقة مسلما ~~بها وإنما عملية ذاتية. بهذا المعنى، كل ما عمومي استثنائي، مثل نتاج القرار الذاتي. ~~لكن عداءه للاعمومية ليفيناس ودريدا وليوتار وفوكو يظل ثابتا؛ فهو يرى أن الفلسفة ~~دائما ما تؤسس نفسها في مواجهة السفسطة؛ بداية من مجادلات أفلاطون مع بروتاجوراس إلى ~~خلاف كانط مع هيوم؛ ويعد أنصار ما بعد الحداثة ببساطة آخر ممثلي تيار السفسطة الذين يجب ~~مجادلتهم. # إن تلك الجوانب العمومية والمساواتية في فكر باديو هي ما تربطه بالأخلاق الرمزية. إن ~~الحقائق واحدة لدى الجميع، ويمكن لأي شخص أيا كان أن يعبر عنها. وهي تتعارض مع كل ~~الاعتقادات المحلية والعرقية والمجتمعية. غير أنها في حد ذاتها فردية على نحو عنيد. ~~وهناك في حقيقة الأمر عدد هائل منها بقدر عدد الذوات البشرية. وبخلاف حقائق النظام ~~الرمزي؛ فهي غير نظرية أو افتراضية أو تحكمها القواعد، لكنها تشبه الحدث وغير مفاهيمية ~~وملهمة ومكونة للذات. فالحقيقة كيركجاردية أكثر من كونها كانطية. بهذا المعنى، النظام ~~الرمزي والنظام الواقعي متحدان؛ فالحقائق تنتمي للنظام الواقعي، لكن يجب تعميمها من ~~خلال إجراءات محددة تتم عبر النظام الرمزي. ms312 بالنسبة لباديو في دراسته الصغيرة الرائعة ~~«القديس بولس: تأسيس العمومية»، فإن العلاقة بين المسيح والقديس بولس تعد رمزا لهذا ~~الاتحاد؛ حيث إن الجانب الواقعي لصلب المسيح وقيامته - الحدثين المستغلقين على النظرية ~~والمعرفة والخطاب الأخلاقي والرمزية وما شابه - يروج له بولس باعتباره عقيدة عمومية. ~~وهكذا، يظهر شكل جديد من النظام الرمزي أو الكنيسة، كل أعضائه متساوون ومتماثلون في ~~المسيح، يتجاوز بعنف فروق النظام الرمزي التقليدية الخاصة بالجنس والقرابة والطبقة ~~الاجتماعية والعرق. إنه بهذا المعنى يطلق أول حركة عمومية حقيقية في التاريخ الإنساني، ~~وكذلك أكثرها استمرارا عبر الأمم والقرون. إن النظام الرمزي يواجه النظام الواقعي عن ~~طريقة إعادة تشكيله حسب صورته وهيئه؛ فالكنيسة المسيحية تنشئ من النظم الاجتماعية ~~الحالية شكلا جديدا من الاجتماع، ينبني حول الجانب الواقعي لموت المسيح وبؤسه. # وخلافا لأنصار ما بعد الحداثة والتعددية الثقافية، يتبنى باديو اللامبالاة التي ~~يبديها كانط تجاه الخصوصية؛ غير أنه في نفس الوقت يجرد هذا التوجه الكانطي من معاييره ~~والتزاماته. لقد رأينا نسخة انتقائية مماثلة من الفكر الكانطي في حالة ليفيناس. إن فكر ~~باديو مزيج مثير من العقلانية التنويرية والإيمان الرومانسي بالحقيقة باعتبارها وحيا ~~ساميا. لكن هناك وجها يختلف فيه هذا المفهوم للحقيقة عن ذلك الخاص بأنصار الواقعية ~~الأخلاقية الذين يفضلون الاضطراب على الاستمرار، غموض الوحي على الاستمرار المخيف ~~للتاريخ؛ إذ إن الغرض الأساسي لنظريته الأخلاقية هو محاولة العيش في إخلاص دائم لحقيقة ~~ملهمة - أو «التزام الاضطراب»، بحسب قوله - ومن ثم الجمع بين الاستمرار والتجديد. ~~إن الظهور القوي للحقيقة يجب أن يصاحبه استقرار وضع الأخلاق. وبهذا المعنى، يختلف فكر ~~باديو عن فكر الراديكاليين الذين تعد المشكلة بالنسبة لهم هي ما الذي يجب فعله عندما ~~ينتهي الإضراب العام، أو عندما تستهدف الساعات الجدارية العامة أو عندما ينتهي الحدث ~~الدادي تقريبا بمجرد أن يبدأ، أو عندما يتلاشى الوحي أو عندما لا تكون المتعة سوى ذكرى ~~جميلة ترجع لمنتصف العمر. وعلى عكس هؤلاء المتحررين من الوهم، يرغب باديو في إدخال ~~الأبدية في الزمن والتوصل لكيفية الانتقال من حدث ms313 الحقيقة إلى الحياة اليومية، وهو ما ~~نطلق عليه بوجه عام اسم السياسة. إن هؤلاء الذين يصرون على عدم الارتباطية المحضة ~~للحدث، مما يعني فصله عن تبعاته الزمنية في النظام الرمزي، سيجرى تجاهلهم باعتبارهم ~~«متصوفة». # لكن هذا لا يجب أن يبدو كما لو أن الحدث والحياة اليومية متقاطعان بالكامل؛ إذ يختلف ~~«الزمن» الخاص بالتزام المرء الحقيقة عن ذلك الخاص بالنظام الرمزي؛ فهو ينتمي بالكامل ~~للنطاق الشخصي. ولا يوجد تاريخ واحد يمكن أن ترتبط به الأحداث؛ بل هناك فقط التواريخ ~~المتعددة التي تبدأها الأحداث نفسها. وهكذا يتأكد الفرق بين العادي والملهم، بين ~~المحايث والمتسامي. إن باديو لا يثق في العالم العادي بالقدر الكافي بحيث يعتقد ~~بإمكانية وجود قوى محايثة داخله قادرة على تغييره. تتصف الحياة اليومية بنحو شبه ~~بيولوجي بأنها عالم الرغبة والمصلحة الشخصية والإلزام الممل. هناك طابع هوبزي فيما ~~يتعلق برؤيته لما هو عادي. ولو كان يمتلك نظرة له أقل تحيزا، فلربما كان سيحتاج لبديل ~~أقل سموا. ألا توجد حقا أي شجاعة أو تعاطف أو إيثار في هذا العالم؟ ألا توجد أي ~~ميزة فيما هو معياري أو إعجاز فيما هو عادي؟ وهل حياة الفضيلة تنبع فقط من الالتزام ~~تجاه أحداث الحقيقة الاستثنائية؟ من وجه ما، أعطي النظام الرمزي حقه تماما؛ حيث نظر ~~للحرية والمساواة والعمومية باعتبارها أهدافا سياسية مهمة، غير أن كل هذا يجب، بحسب ~~تعبير هالوورد، أن «ينبني على البعد الواقعي لأخوة جذرية»؛ أخوة لا يمكن تمثيلها، ~~والتي في عدائها تدمر أنماط التماثل المنمقة الخاصة بالنظام الرمزي. # تجاهل باديو أخلاق الفضيلة الأرسطية، وهو تيار أخلاقي سنلقي نظرة عليه لاحقا. (يمكن ~~أن نقول نفس الشيء عن دراسة جيه إم بيرنشتاين الرائعة «أدورنو: التحرر من الوهم ~~والأخلاق» التي امتدت لنحو 450 صفحة ولم تذكر تقريبا أي شيء عن أرسطو.) في حالة باديو، ~~يرجع هذا التجاهل إلى حد كبير إلى أن أخلاق الفضيلة لا تهتم بالحقيقة وإنما بالأمور ~~الأخلاقية المدنسة من أمثال السعادة والرفاهية. لكنه يرجع أيضا إلى أن تلك الأخلاق ~~تتضمن أيضا ms314 تكويننا الحيواني أو (بالتعبير الماركسي) جوهر نوعنا؛ ومن ثم فهي تنتمي ~~من وجهة نظر باديو الأفلاطونية العقلانية للنطاق التابع الخاص بالطبيعة والتاريخ ~~والحياة اليومية. إن الأخلاق بالنسبة لباديو تتضمن قفزة متحدية للموت من منطقة الزيف ~~البائسة هذه للاتناهي الالتزام تجاه الحقيقة. ففقط من خلال تلك المغامرة المتهورة، يصبح ~~الفرد إنسانا «خالدا» وليس حيوانا معرضا للموت، ومقيدا بالأمور البيولوجية. إنه لا ~~يعتقد أن اللاتناهي - إذا كان هذا المصطلح صحيحا - يمكن الوصول إليه فقط من خلال ~~المواجهة التراجيدية مع تناهي الفرد. يقول ميلان كونديرا في روايته «الخلود» إن ~~«الإنسان لا يعرف كيف يكون خالدا.» ليس من السهل إدراك أن الخلود هو الوهم الذي نحن ~~مولودون به، وأن التخلص من هذا الوهم المدمر، ذلك الذي يمزق الأجساد ويدمر المجتمعات، ~~يحتاج لجهد أخلاقي مضن. فإذا كنا أكثر إدراكا لتناهينا، فربما نكون أقل استعدادا ~~لنسيان أن كل رغباتنا وأحقادنا ستنتهي في النهاية في التراب. لكن التناهي، من وجهة نظر ~~باديو، ينتمي إلى النطاق الوضيع الخاص بجوهر نوعنا. إنه النقيض التام لأي أخلاق صادقة. وهو ~~يصرح بأن مسعاه هو «إنهاء الاهتمام بما هو متناه». # 34 # وهكذا، يتحيز باديو لأحد طرفي المعركة بين دعاة اللاتناهي وأنصار التناهي. وبداية من ~~عمل هايدجر «الكينونة والزمان» إلى عمل جيورجيو أجامبين «الإنسان المستباح» وعمل ~~آلاسدير ماكنتاير «الحيوانات العاقلة المستقلة»، فإن الإنسان الضعيف المعرض للموت هو ~~محط الاهتمام. إن ميشيل فوكو أيضا بطريقته يعد شاعر التناهي، وإن كان بدافع خفي مجنون ~~يقوم على التطلع لما هو لا محدود. ويرى جيل دولوز بطريقة نيتشوية العملية المادية نفسها ~~باعتبارها تدفقا لا حدود له من الإبداع، ليست حياة الأفراد بالنسبة له سوى نتاجه ~~الفاني. من ثم فإن ما هو واقعي يجرى التقليل من شأنه من أجل ما هو افتراضي أو ~~محتمل، والذي ليس سوى تسلسل الزمن اللامتناهي بالكامل. # إن إيمانويل ليفيناس حالة أصعب في تصنيفها؛ فهو يعد مناصرا للضعف والفناء ومع ذلك ~~يدعو للحاجة إلى المسئولية اللامتناهية. وهكذا الحال في واقع الأمر بالنسبة لسورين ~~كيركجارد، ms315 المفكر الذي ينبع منه أغلب هذا الحديث عن اللاتناهي، الذي يصر على تناهي ~~حالتنا، غير أنه يرى أن البشر لديهم روحا لا متناهية. إن كانط يعد في نفس الوقت أعظم ~~فلاسفة التناهي الإنساني المحدثين والداعية لعقل بعيد المنال على نحو متسام. فرويد ~~بالمثل شخصية محيرة؛ فكما يشير إريك سانتنر، إن البشر يتميزون عن الحيوانات الأخرى، فقط ~~لأن وجودهم تبرزه فردية يحركها دافع الموت. # 35 # فنظرا لكوننا الحيوانات الوحيدة القادرة على التفكير في موتها، فإن لدينا ~~ما يجعلنا أعلى منزلة من الكائنات الحية الأخرى؛ لكن نظرا لأن هذا التفكير يزيد ~~إدراكنا للموت، فإننا نصبح أدنى مرتبة منها. # هناك أيضا أولئك الذين تحولوا من تأييد التناهي إلى تأييد اللاتناهي. فقد غيرت ~~المجلة الأدبية الفرنسية الطليعية «تل كل» (أي، كما هو) - التي كانت تتحدث في سبعينيات ~~القرن الماضي باسم حركة شعرية وسياسية مادية ذات صبغة ماوية - اسمها، بمجرد أن انحسرت ~~تلك التيارات اليسارية، إلى الاسم الأقل مادية «لي إنفيني» (أي، اللاتناهي). إن جاك ~~دريدا، بحلمه بالمسئولية المطلقة والرقص اللانهائي للدال، يعد بلا شك أحد أنصار ~~اللاتناهي، وهذا ينطبق أيضا - وإن كان بطريقة مختلفة - على آلان باديو، الذي يشير على ~~نحو قاس إلى أن الفرد باعتباره ضحية تعاني بوجه عام لا يقل دناءة عن الجلاد الذي ~~يعذبه. إن هؤلاء مؤيدون للسمو البيركي وليس للتماثل الاجتماعي الذي يسميه بيرك الجمال. ~~إن أخلاق الجسد الفاني غير بطولية للغاية بالنسبة لباديو، وكذلك غير طبيعانية. وكما هو ~~الحال بالنسبة لمعظم الواقعيين، هناك لمحة فوق إنسانية في رؤيته؛ رفض للخضوع لأي شيء ~~منحط ودنيء مثل الجسد. تكتب الفيلسوفة اللاكانية ألينكا زوبانتيتش قائلة «إن أساس ~~الأخلاق لا يمكن أن يكون أمرا يدفعنا للتأكيد على محدوديتنا والتخلي عن تطلعاتنا ~~«الأسمى» و«المستحيلة»، وإنما أمر يدعونا لأن نعزو لأنفسنا «اللامتناهي» الذي يمكن أن ~~يحدث كشيء يعد بالأساس نتاجا فرعيا لأفعالنا». # 36 # غير أن نظرية التراجيديا التي تقوم عليها الأخلاق اللاكانية لا تدعم في واقع الأمر ~~أيا من المعسكرين؛ فهي تعاقب غطرسة هؤلاء الذين ms316 يطمحون للمستحيل؛ فتطلق العنان ~~لغرورهم المجنون وتجردهم من فرديتهم وتدخلهم إلى حضرة النظام الواقعي المخيفة. لكن لو ~~أن بإمكان هؤلاء ملاحظة فظاعة حالتهم دون أن يصابوا بالعمى أو يتحولوا إلى حجر؛ فيجدوا ~~في مرآة أنفسهم ليس «أنا» بديلة خيالية وإنما شخصا منبوذا بشعا، فمن الممكن أن تكون ~~القوة اللامحدودة التي سمحت لهم بإدراك هذا السواد الذي بداخلهم هي أيضا تلك التي يمكن ~~أن تنقلهم فيما يتجاوز نطاق العظام المحطمة والجماجم المدمرة لهؤلاء الذين ماتوا قبلهم، ~~إلى النطاق البعيد لما يطلق عليه لاكان «الحب اللامحدود» في عمله «المفاهيم الأربعة ~~الأساسية للتحليل النفسي». وإذا كان يجب تجاوز المتناهي، فإن هذا لا يتم برفضه وإنما ~~بمواجهته على نحو مباشر. لكن لكي يحدث ذلك، فهناك حاجة لحالة من الفاقة أو دخول جهنم ~~وهو شيء لا يمكن أن تقدمه أخلاق باديو الأكثر إيجابية. وكما كتب سلافوي جيجك عن أوديب ~~المدمر: «إنه «إنسان أكثر من اللازم»، ولقد عاش «الحالة الإنسانية» حتى نهايتها ~~المريرة، مدركا احتماليتها الأساسية؛ ولهذا السبب، لم يعد من ناحية «بشرا» وتحول إلى ~~«وحش غير إنساني»، لا تردعه أي قوانين أو اعتبارات إنسانية ...» إنه، بمواجهته لدافع ~~الموت باعتبارها أقصى التجارب الإنسانية، «يدفع الثمن بمروره ب «فاقة ذاتية» شديدة؛ إذ ~~يختزل إلى فضلات متحللة».» # 37 # إن ما لم يذكره جيجك هنا (رغم أنه بلا شك يدركه جيدا) هو أن هذا، بالنسبة لبطل ~~«أوديب في كولونوس» الملوث والملعون، هو مقدمة لنوع من التقديس؛ فبتحول أوديب إلى غثاء ~~ونفاية المجتمع - «خبث العالم» كما وصف القديس بولس على نحو حاد أتباع المسيح، أو ~~«الضياع الكامل للإنسانية» كما وصف ماركس البروليتاريا، يكون قد تجرد من هويته وسلطته؛ ~~ومن ثم يمكنه أن يهب جسده الممزق ليكون بمنزلة حجر الأساس في نظام اجتماعي جديد. إن ~~هؤلاء الذي يعدون لا شيء في أعين نظام السلطة الحالي هم الذين يرفضونه بالقدر الكافي ~~بحيث يطلقون نظاما جديدا على نحو جذري. يتساءل الملك الشحاذ أوديب بصوت عال قائلا: ~~«هل أصبح إنسانا في تلك الساعة التي ms317 أتوقف فيها عن أكون أي شيء ؟» (أو ربما «هل سأعد ~~شيئا فقط عندما أكون لا شيء/لم أعد بشرا؟») إن تجرد الفرد من اختلافه الثقافي ورجوعه ~~لكينونة جنسه يعني أن يوجد باعتباره لا شيء سوى قطعة من الخبث التافهة التي لا طائل ~~منها (حيث إن الثقافة هي التي تشكل إنسانيتنا)؛ ولكن أيضا أن يصبح تجسيدا حيا لما ~~هو بشري على نحو أصيل؛ لدال لا يطاق لفنائنا وضعفنا المشترك. إن هذه الجدلية هي التي ~~تعيها التراجيديا على نحو أعمق. # يمكن أن يقوم مجتمع بشري دائم فقط على هذا الأساس «اللاإنساني». وإذا كان النظام ~~الخيالي يتعلق بالتماثل، والرمزي بالاختلاف، فإن نقطة فناء البشرية غير القابلة للتمثيل ~~تلك، التي أطلق عليها لاكان النظام الواقعي، تتعلق بكل من التماثل والاختلاف؛ مما يسمح ~~لنا بأن نجد أنفسنا منعكسين في مرآة الاختلاف أو عدم الارتباط أو الفردية القاتلة ~~للآخر. إن حب الآخر في فرديته يعني حبه في ذاته؛ لكن حيث إن أهم ما يمثل ذات الآخر ~~هو إنسانيته الخالصة - هذا الفراغ أو نقطة الفناء التي تنصهر في بوتقتها كل الاختلافات ~~- فإن هذا الحب له بعد لا شخصي على نحو ملائم، وهذا هو السبب وراء إمكانية النظر ~~للإحسان باعتباره قانونا. ولا عجب بالتالي أن الحب يعد ذلك الأمر المستحيل؛ نظرا لأن ~~هؤلاء المجردين من أي دلالات ثقافية محددة يعدون وحوشا، وشخصيات مستهجنة ومخيفة مثل ~~أوديب الأعمى ولير البائس والمسيح المصلوب. إن السبب وراء اشتمال المسيحية على معتقد ~~الفضل الفدائي هو اعتقادها في نفس الوقت بضرورة واستحالة مثل هذا الحب. # إن الكثير منا، وهو أمر مرض بالقدر الكافي، ليسوا مطالبين بأن يكونوا أبطالا ~~تراجيديين. فمعظمنا ليسوا بمقاتلي حروب عصابات يخاطرون بحياتهم من أجل رفاهية الآخرين. ~~لكن هناك طرقا بديلة لإحداث هذا التحول من تجريد الذات إلى الحياة الجديدة. تتمثل ~~إحداها في الفن الأدائي المعروف بالتحليل النفسي، وتتمثل أخرى في الممارسة المسيحية ~~المعروفة بالأفخارستيا؛ ذلك العيد الخاص بالحب أو العشاء الممثل للتضحية الذي يتضامن ~~المشاركون فيه بعضهم مع بعض من ms318 خلال جسد مشوه. وهم، بهذه الطريقة، يتشاركون على مستوى ~~الرمز أو سر التناول في تحول المسيح الدموي من الضعف إلى القوة، ومن الموت إلى حياة ~~مغايرة. إن القديس بولس من وجهة نظر باديو، على العكس، هو شخص يتحدث عن قيامة المسيح ~~فقط، وليس الحدث المأسوي بالكامل الذي تنتمي إليه. ويهاجم رايموند ويليامز في عمله ~~«التراجيديا الحديثة» المعلقين الذين يفصلون لحظة الموت والدمار في الفن التراجيدي عن ~~الحياة الجديدة التي قد تنتج عنها. لكن يمكن للمرء أن يفعل العكس أيضا؛ أن يحتفي بتلك ~~الروح الباقية دون النظر إلى الثمن الرهيب التي يجب أن تدفعه لقاء عبورها عبر الجحيم. إن ~~باديو بهذا المعنى ليس بمفكر تراجيدي. إن ويليامز نفسه، الذي عمله مشوب أحيانا ~~بإنسانوية إيجابية شديدة العناد، ليس بريئا تماما من هذا الخطأ. أدرك دبليو بي ييتس ~~أن لا شيء يمكن أن يكون مترابطا أو كاملا ما لم يكن قد جرى تمزيقه؛ لكن تلك الرؤية ~~أيضا كثيرا ما تؤدي في أعماله للمحة نيتشوية قائمة على الانتصارية التراجيدية. إن ~~هؤلاء الذين يوازنون على نحو رائع بين المعاناة والأمل - الأبطال التراجيديين ~~الحقيقيين، إن جاز التعبير - هم الذين يتمردون لأنهم ليس لديهم الكثير ليخسروه، غير ~~أنهم لنفس هذا السبب لديهم القدرة على تغيير وضعهم. # | هوامش # الفصل العاشر # | ابتذال الخير # بدءا من روبسبيير إلى رامبو، ومن برتون إلى ليوتار، تعد فرنسا واحدة من أعظم مراكز ~~الطليعة. ومصطلح الطليعة نفسه يقال إنه من ابتكار كلود سان سيمون. غير أن الطليعية هي ~~التي كثيرا ما تظهر ازدراءها للحياة العادية، ومثل هذا الازدراء، المناقض للاعتقاد ~~العام، ليس متضمنا في فكرة الطليعة؛ فمن بعض الجوانب، العكس هو الصحيح؛ إذ لا توجد ~~مقدمة جيش من دون جيش تكون في خدمته وتستكشف نيابة عنه المنطقة التي تتقدمه. إن ~~المصطلح نفسه يشير ضمنا إلى علاقة بكيان أقل عظمة من جنود المشاة، وذلك بخلاف كلمات مثل ~~«نخبة» أو «صفوة». إن الطليعة هم أول من يشعرون بالأمور غير الواضحة التي ستحدث في ~~النهاية في المستقبل، ms319 لكن بقيامهم بهذا، يأملون في نقل تلك التحركات لمن يسيرون في ~~الخلف والذين لم يتوافقوا معهم بعد. وإذا كانت الطلائع تتضمن تسلسلات هرمية، فإنها ~~مؤقتة وليست دائمة. وكما هو الحال مع الحركات الراديكالية بوجه عام، فإنهم ينجحون فقط ~~لأنهم يفصلون أنفسهم عن الحاضر. ويوما ما، إذا سار كل شيء على ما يرام، فإن الأغلبية ~~سوف ترتفع فوق الأفق وتلحق بهم. # لكن في الواقع، الخط الفاصل بين الطليعيين والنخبويين غير واضح بعض الشيء. ففي العصر ~~الحديث، هناك العديد من الحالات التي لا تستطيع فيها التفرقة بينهما؛ فأنجح النخب، على ~~سبيل المثال، هم من لديهم جذور شعبية، ويربطون أقلية ما بالناس العاديين في معاداة ~~مشتركة للجموع التقليديين المتزمتين. فالفاشية تمجد الشعب أو الناس العاديين، تماما ~~كما تمجدهم الحركة اليسارية الرومانسية. وقد كان تي إس إليوت يستمتع بموسيقى الجاز ~~وصالات الموسيقى، ويحلم بأن يقرأ له قراء شبه أميين. وسعى دبليو بي ييتس إلى تكوين تحالف ~~بين ملاك الأراضي الأنجلو أيرلنديين المتكبرين والفلاحين المتحدثين بالأيرلندية، الذين ~~يعدون جميعا ينابيع للحكمة الخالدة في حين أن لدى عدد قليل منهم جنونا نابضا ~~بالحياة. بالنسبة للبلاشفة، كان الحزب رسميا في خدمة العمال السوفييت، رغم عدم تحقق ~~هذا الرؤية فعليا على نحو كبير. تختلف النخب بهذه الطريقة عن الجماعات والأندية ~~والجمعيات السرية وما شابه، والتي جميعها في واقع الأمر خاصة وغير شعبوية. # 1 # وبدءا من مالارميه وسوريل إلى سارتر وباديو، حلم مجموعة من المفكرين الفرنسيين ~~بلحظة الأزمة التي ستكشف زيف الحياة اليومية. أو تخيلت وجودا يسمو بالكامل فوق عقم هذا ~~الوجود. والناتج كان سلسلة من التقابلات الواضحة: «الشعر الخالص» في مقابل الكلام ~~العادي، الخرافة في مقابل الوهم الاجتماعي، الهبة في مقابل التبادل المتكافئ، النظام ~~الواقعي في مقابل النظام الرمزي، النظام السيميائي في مقابل النظام الرمزي، الحرية في ~~مقابل سوء النية، النظرية في مقابل الأيديولوجيا، الاختلاف في مقابل الحتمية، الإصابة ~~بالفصام في مقابل الإصابة بجنون الارتياب، الحدث في مقابل الأنطولوجيا. ورغم اختلاف تلك ~~المتناقضات، يبقى الشيء الذي تقوم عليه ms320 جميعا متسقا على نحو ملحوظ. وهذا الشيء هو ~~إنقاذ القيمة الحقيقية من براثن الحياة اليومية؛ من الامتثالية المجهولة التي يطلق ~~عليها هايدجر على نحو مزدر «المرء». ووراء تلك المتناقضات، يوجد تقليد قوي من الفكر ~~التحرري؛ فالتمرد أمر فرنسي الطابع مثل الشهوانية. فهو أيضا مثل الجنس ممتع في حد ~~ذاته. # بالنسبة لسارتر في بداية مسيرته، فإن التناقض يكمن بين حرية «الوجود لذاته» والجمود ~~الذي لا روح فيه ل «الوجود في ذاته». لاحقا، سيصبح هذا التناقض الأنطولوجي سياسيا؛ ~~بين الممارسة والممارسة الجامدة. بالنسبة لجاك دريدا، فإن لعبة الاختلاف الخالص مقيدة ~~بحدود الميتافيزيقا، لا تنفك منها إلا بين الحين والآخر مثل رجل مجنون يتملص فرحا من ~~القائمين على رعايته. بالنسبة لمفكري ما بعد نيتشه، بدءا من باطاي إلى دولوز، فإن ~~الجنون والتجاوز يحاصران النوازع الأبولونية الغامضة للحيز المدني. هناك أحيان يعامل ~~فيها ميشيل فوكو ما يسمى بالعلوم الحياتية أو خطابات الحياة اليومية (البيولوجيا والطب ~~وعلم النفس والاقتصاد والديموغرافيا وهكذا) وكأنها إلى حد كبير أمور تابعة مشئومة للمراقبة الاجتماعية. هناك أحلام ب «فعل مجاني»؛ لحظة تحول أو التزام وجودي تنقلك بقوة ~~من مملكة الضرورة إلى نطاق الحرية، تاركا وراءك الأمور المملة على نحو مخيف للتقليد ~~والبيولوجيا والخطاب الأخلاقي والتشدد السياسي من أجل العالم المثير للحرية والرغبة ~~و«الانخراط» والذاتية الحقة. يمكننا إعطاء لمحة تفكيكية لهذا السرد المتجدد بالإشارة ~~إلى أنه لا شيء سيهجر «ببساطة»؛ فكل طرف من طرفي التناقضات السابقة يتضمن في داخله ~~الطرف الآخر؛ ولن يجري التخلص من كل ما هو ميتافيزيقي بهذه السهولة؛ ولا فكاك من السلطة ~~والقانون والافتقار والأنا وسوء النية والانغلاق والعرف في نهاية الأمر. وحتى في ظل ~~هذا، من الواضح بما يكفي أي خيار من الخيارات المتاحة يمكن الحكم عليه بأنه ~~الأهم. # إن هذه القطبية لدى بعض المفكرين الفرنسيين المحدثين تتضمن نوعا من الإدراك المنقسم. ~~فمن جانب، هناك الوجه الحذر لجاك دريدا بقراءاته الدقيقة على نحو نموذجي واحترامه ~~لحركة التنوير والبحث العقلاني وإصراره الواعي على أنه ليس «ضد» النظام والحقيقة ms321 والذات ~~والجدل والاستقرار والعمومية وما شابه. وعلى الجانب الآخر، يجري تحت هذا الحذر مثل تيار ~~تحتي عاصف نص أكثر جنونا وفوضوية، مكتوب تارة بدفقات شعرية وتارة أخرى بومضات من ~~التأمل اليوتوبي. يمكن قول نفس الشيء تقريبا عن ميشيل فوكو الذي تتناقض استقصاءاته ~~الأرشيفية الكئيبة التي تهاجم كل ما قيل عن النفي أو التسامي أو الكبت مع شخصيته الأكثر ~~جنوحا وديونيسيوسية والتي يمكن أن تحس بها وهي تطوف بأطراف تلك الاستقصاءات التحليلية ~~المحضة. إن تلك الشخصية المتمردة ستظهر على نحو مفاجئ في مدح مبالغ فيه لباطاي أو ~~دولوز، وقد أطلقت العنان لنزعة داخلية ترفض كل النظم وتقاوم كل القوانين وترقص على حافة ~~الإعلان عنها دون أن تفعل ذلك أبدا. يوجد استثناء لهذا العرف الما بعد البنيوي والذي ~~يتمثل في جيل دولوز الذي يرى بطريقة سبينوزية أن هناك نوعا وشيك الحدوث في الواقع ~~المادي نفسه من الإفراط «المتسامي» أو اللاتناهي. فدولوز، الذي بالنسبة له كل شيء عادي ~~وإعجازي في الوقت ذاته، لديه رؤية لشعر الحياة اليومية أقرب للسريالية منها إلى لاكان ~~أو باديو. # يمكن أن نرى أن هذا الإدراك المنقسم باعتباره شكلا من أشكال التشاؤم التحرري الذي لم ~~تنطفئ فيه إطلاقا شعلة النزعة التحررية، والذي لا يزال بالإمكان الإحساس فيه بنبض ~~وحياة الرؤية الخاصة بعام 1968، لكن الذي يجب أن يعترف الآن - في أعقاب الأحداث المحبطة ~~لتلك الحقبة - بسذاجة الحلم بإمكانية تحرر الرغبة من القانون أو الذات من السلطة. في ~~المجمل، يفضل الفرنسيون أن يراهم الناس أشرارا عن أن يروهم قليلي الخبرة؛ لذا يجب في ~~نفس الوقت التأكيد على وجود الرغبة واستحالتها، وكذلك الحال بالنسبة للتحرر والشك في ~~ذلك. يمكن القول إن هناك قدرا كبيرا من هذا الإدراك المنقسم، المتمرد والخاضع في نفس ~~الوقت، في الفكر الأخلاقي اللاكاني. فيجب ألا تتخلى عن أحلامك الجامحة بالاختلاف الخالص ~~أو التدفقات الشهوانية الحرة أو مملكة العدل أو عالم الحب المتحرر من القانون، لكن يجب ~~ألا تحاول في نفس الوقت تحقيقها؛ إذ إن هذا السبيل سيجعلك عرضة ms322 للإصابة بالذهان أو ~~الخضوع لنظام شمولي أو التعرض لأي وسيلة أخرى مريعة لموت الروح. # إن للطموح الطليعي لوقف الاهتمام بالتاريخ تاريخا طويلا على نحو بارز؛ فكلمة # Modern ~~(حديث) أصلها الكلمة اللاتينية # Modernus # وهي كلمة - وفقا ليورجن هابرماس - استخدمت من ~~قبل مسيحيي القرن الخامس لتمييز أنفسهم عن الوثنيين الأكبر سنا. # 2 # إن المسيحية وفق هذه الرؤية كانت أقدم أشكال الحداثة؛ إذ إنها خرجت على ~~النظام الديني القديم بجدتها الواعية بذاتها، غير أن محاولات التجديد المطلق ببساطة ~~أضافت مزيدا من التاريخ على ما كان لدينا بالفعل. وإعلان موت التاريخ في حد ذاته فعل ~~تاريخي ذو عواقب مادية، وهو بذلك أمر ذاتي الدحض تماما كإعلان الشخص لوفاته. إن ~~الطليعة مخطئون في اعتقادهم أن الماضي دائما ما يكون بمنزلة كابوس بالنسبة لعقول ~~الأحياء. ولأن الماضي هو ما نحن مصنوعون منه، فيمكننا صنع المستقبل فقط من خلال الموارد ~~الغامضة التي يتيحها لنا الماضي؛ فالتاريخ تحرر كما أنه استعباد، والطليعة أداة ~~رأسمالية جديدة تماما مثل التمرد السياسي. ويعد الانفصال عن الماضي ضمن أشياء أخرى ~~للابتعاد عن إمكانية تجاوزه. هناك طليعيون ألمان إلى جانب الطليعيين الفرنسيين؛ لكن ~~نظرا لطابع الفكر الألماني المائل أكثر للجدل، فهناك أيضا رؤية لما يمكن أن نطلق ~~عليها الاستمرارية الثورية؛ حيث يمكننا بالنظر إلى الماضي من منظور الحاضر المتغير إدراك أن ~~الحاضر منسجم معه ورافض له في نفس الوقت. # ربما يزعم أنه إذا كانت فرنسا أحد أعظم مراكز الطليعية، فإنها أيضا البيئة ~~الثقافية التي ندين لها بمفهوم الحياة اليومية. # 3 # يبرز هنا قبل أي شيء ما أطلق عليه لوي أراجون «الإحساس بالأشياء المدهشة في ~~الحياة اليومية». وماذا عن شارل بودلير، الذي يعد أكبر شعراء الوجود المدني المنحط، أو ~~الأشياء العادية الشاردة لمالارميه وأبولينير؟ من غير هنري لوفيفر، في عمله الرائع ~~المكون من ثلاثة أجزاء «نقد الحياة اليومية» الذي وضع فكرة الحياة اليومية على الخريطة ~~الفكرية، وتبعه في ذلك مشاهير لاحقون تناولوا الحياة اليومية مثل ميشال دي سيرتو وجورج ~~بيريك؟ كتب لوفيفر في الجزء ms323 الأول من عمله المميز السابق الإشارة إليه يقول: «بالقدر ~~الذي يوجد به العلم الإنساني، فإنه يجد مادته فيما هو «تافه»، الحياة اليومية.» # 4 # إن هذا زعم أكده الإرث الضخم للواقعية الأدبية، بدءا من ستندال إلى مالرو؛ ~~فلقد وصف فرانكو موريتي الرواية الواقعية بأنها تمثل «ثقافة الحياة اليومية» وليس نقدا لها. # 5 # والصور الشديدة التفاصيل من الحياة التاريخية التي قدمتها مدرسة الحوليات، ~~إلى جانب استقصاءات بيير بورديو الاجتماعية، من الأمثلة البارزة الأخرى على ذلك. وحتى ~~البنيوية لها جانب عام؛ إذ إن الشفرات الخفية التي تكشف النقاب عنها تعد أساسا لمناح ~~مثل المصارعة والموضة تماما مثلما تعد أساسا لفكر شخصيات مثل رامبو وفورييه. وعلى هذا ~~النحو، يعد رولان بارت في بداياته وريث خبراء تشخيص الحياة اليومية الأوائل من أمثال ~~ميشال ليريس وريمون كنو. كما أن أعظم أعمال القرن العشرين المعبرة عن الحياة اليومية، ~~«مشروع الممرات المقنطرة» لفالتر بنجامين، عمل كتبه مفكر ألماني، غير أنه كان يتحدث عن ~~باريس. وكتابات موريس ميرلو-بونتي هجرت الذروات الأفلاطونية للفينومينولوجيا المتعالية ~~من أجل تأويل الحياة اليومية. ربما تتهم الوجودية الحياة اليومية بالزيف؛ لكنها أيضا ~~تفكر في إطارها، وهذا ما يتيح إمكانية وجود رواية وجودية في مقابل - لنقل - رواية وضعية ~~منطقية. لقد كان ميرلو-بونتي هو من ألمح ل «جان بول سارتر» وهو في بداية مسيرته بأن ~~الفلسفة يمكن أن تخلد إذا خرجت من رحم ما هو اعتيادي، أوليست السريالية والموقفية شعر ~~ما هو تافه ومعتاد؟ # إن الثراء الكبير لهذا الجهد ليس محل نقاش، غير أننا يجب أن نتذكر أن العديد من تلك ~~المحاولات للانخراط فيما هو يومي تمت من منطلق سعي للهجوم بشدة عليه، أو لعلاجه من بؤسه ~~الأخلاقي. وإذا كان بودلير قد وجه انتباهه للعاهرات والمتشردين، فقد كان هدفه أن ~~يعطيهم هالة من الخلود. ويرى لوفيفر وأتباع الموقفية أن التجربة اليومية غامضة على نحو ~~لا يصدق، وتافهة بقدر ما هي مهمة. كما أن رؤية جي ديبور للمستهلكين المغيبين الذين ~~يعيشون في رخاء موجه تكاد تكون مدحا للطاقات ms324 الإبداعية للحياة اليومية. # 6 # إن لوفيفر وأتباع الموقفية طليعيون حتى النخاع؛ إذ أخذوا يبحثون بحماس في ~~كلمات لوفيفر عن ميلاد «الإنسان الجديد». وصحيح أن السرياليين يسعون لاستخلاص سحر ~~الحياة اليومية، ناسجين أشكالا جديدة من الأساطير الحضرية، غير أنهم في نظر لوفيفر ~~متهمون باتباع توجه يقوم على اللحظة الخاصة والذي يدين كل ما هو عادي. إنه كان يرى أن ~~نفس الشيء ينطبق تقريبا على الوجودية والتي هاجمها لأنها «اقتربت أكثر من الحياة ... فقط ~~لتنال منها»؛ مما قلل من قيمتها لصالح «اللحظات الخالصة أو التراجيدية - نقد الحياة من ~~خلال الألم أو الموت - والمعايير المصطنعة للعيش بأصالة ... إلخ.» # 7 # بالنسبة لأندريه برتون وأتباعه، فالأخلاق العامة يجب إنكارها باعتبارها ~~شيئا لا أساس له ينتمي للبرجوازية الصغيرة، على عكس الجوانب البطولية التي يرونها في ~~التجاوز. وهذا الاعتقاد سيجد طريقه لاحقا إلى أخلاق النظام الواقعي. وفي أثناء التحول ~~من الواقعية إلى الحداثة، تحول الافتتان بنسيج الحياة اليومية إلى تشكك شديد بشأنه؛ ~~فالتجربة العامة أصبحت الآن موطن الوهم وليس موضع الحقيقة. وإذا كان الفكر الأخلاقي ~~لهيوم أو هتشسون متسقا مع عالم سموليت وريتشاردسون، فإن الفكر الأخلاقي لدريدا وباديو ~~ينتمي إلى حقبة الرمزية والشكلية والتجريد. # يمكننا مقارنة هذا التقليد من الثقافة الفرنسية مع تقليد إنجليزي معين مهتم بالحياة ~~العادية، بداية من ويليام كوبيت وجورج إليوت وجون راسكين حتى ويليام موريس وتوماس ~~هاردي وإف آر ليفيس وجورج أورويل وريتشارد هوجرت ورايموند ويليامز وإي بي تومبسون. هناك ~~بالتأكيد أوجه نقص كثيرة في هذا التقليد أيضا؛ فالرؤية الشديدة الانخراط في الحياة ~~اليومية تعد نقيصة في التقليد الإنجليزي، تماما كما أن التعامل المتساهل معها يعد ~~نقيصة في التقليد الفرنسي. إن الفلسفة التحليلية في أوجها كانت متحمسة بشدة للوصول ~~إلى مجمل الحكمة البشرية من خلال اللغة اليومية لشمال أكسفورد. غير أن هناك أيضا تقديرا ~~أصيلا لما هو عادي في هذا التقليد الإنجليزي، والذي يمكن أن يكون مصدر إلهام ~~للراديكالية السياسية بدلا من أن يجد نفسه في تعارض معها. هناك صراع أساسي داخل فكر ms325 ~~اليسار بين احترام الحياة اليومية وعداء القوى والأوهام التي تشكلها. وإذا كان رايموند ~~ويليامز في بداياته أحيانا يفضل العداء على الاحترام، فإن الطليعيين بوجه عام يقعون في ~~الخطأ العكسي. إن الطليعيين الذين يحتقرون الحياة العادية أحيانا يفعلون هذا لأنهم ~~يخلطون بينها وبين النظام السياسي الذي يحكمها، ويغفلون أن هناك مقاومة يومية لهذه ~~السلطة كما أن هناك خضوعا معتادا لها. كان فتجنشتاين في فترة لاحقة من مسيرته من ضمن ~~الشخصيات البارزة القليلة في القرن العشرين الذين كانت لديهم ثقة شديدة فيما هو معتاد ~~واستنكار شديد للسياسة البرجوازية. # 8 # هناك أيضا اختلاف بين التقليدين الفرنسي والإنجليزي فيما يتعلق بالأسلوب. ~~فإذا كانت المبالغة هي إحدى الأدوات البلاغية المميزة للنظرية الطليعية الفرنسية، فإن ~~الأداة البلاغية الأساسية لنظريتها الإنجليزية هي الإسفاف أو نفي الضد. إن بعض الكتابات ~~الإنجليزية في هذا المجال كانت ذات أسلوب بسيط، في هجوم شديد على الأسلوب المنمق أو ~~المفخم. ويكمن أحد الجذور الأقل شهرة لذلك في الشك التجريبي الشديد في الأفكار المبالغ ~~فيها. ومع ذلك، فعندما كتب ديفيد وود في عمله «خطوة للخلف» عن بعض «القطط غير المعروفة ~~في مدراس»، في معرض حديثه عن شعور دريدا السخيف بالذنب لعدم قدرته على إطعام كل القطط ~~على كوكب الأرض، فقد استخدم أداة أسلوبية لا يمكن تقريبا تخيل استخدامها في أعمال ~~الفلاسفة الباريسيين. إن أقل قدر من الانحطاط الأسلوبي كان يضر بشدة بأعمال هؤلاء ~~الفلاسفة ذات الجودة الفكرية العالية، وكان على نحو مساو غير ملائم للطابع الأكاديمي ~~الشديد للكتابات الأمريكية الأكثر راديكالية. ويمكن أن نجد نفس هذا الأسلوب المتهكم ~~الممتعض، مثلا، في كتابات سايمون كريشتلي أو جوناثان ري أو سايمون بلاكبيرن. كتب ري عن ~~«التقليد الإنجليزي بدءا من هوبز إلى شافتسبري إلى بنثام والذي جعل من التهكم المعيار ~~الأساسي للحقيقة.» # 9 # في اللغة الرفيعة للنظرية الفرنسية، على العكس، حتى المزاح أو التسلية تبدو ~~أمورا مخيفة وغير ملائمة على نحو واضح. ويظل الأسلوب الكرنفالي الذي يعتمد على الفكاهة ~~عقلانيا على نحو واضح. هناك بالتأكيد استثناءات ms326 لهذه القاعدة. كثيرا ما يلام لاكان ~~على غموض أسلوبه، ولهذا الاتهام أسباب عديدة وجيهة، غير أن هؤلاء الذين يلومونه في ذلك ~~بوجه عام يتجاهلون بذاءاته المفاجئة وعباراته العامية اللاذعة ولمحات مزاجه الجيد ~~المازح وتلميحاته الذاتية الساخرة ودعاباته الخبيثة مع جمهوره. # إذا كان سلافوي جيجك قد نجح في أن يكون عقلانيا ومتهكما، مزيجا من الفيلسوف ~~الواسع الاطلاع والمهرج الما بعد حداثي، فربما يرجع ذلك إلى أنه سلوفيني، وفي نفس الوقت ~~فرنسي حاصل على المواطنة الفخرية من فرنسا. بوجه عام، تميل الأمم الصغيرة، كما لاحظ ~~المراقبون للفكر الأيرلندي منذ أمد بعيد، إلى النظر باستمتاع وإعجاب للطرائف المهيبة ~~لجيرانها الإقليميين. وليس من قبيل الصدفة أن أكثر الروائيين الطليعيين العظام مادية ~~وبساطة هو جيمس جويس. كما يكشف عمل صامويل بيكيت - الذي ينتمي إلى نفس موطن جويس؛ دبلن - ~~عن التزام ثابت مماثل تجاه ما هو عادي. وأبدى مفكر سابق، موطنه هو الآخر دبلن، وهو ~~إدموند بيرك استجابة جمالية تجاه أساس التقاليد اليومية والأعراف المسلم بها. إن ~~تناقضات جيجك وجمله المعكوسة وشطحاته تعد علامة على النخبة المثقفة لأمة صغيرة تماما ~~كفطنة أوسكار وايلد. إن التحليل النفسي في حد ذاته شكل من الإسفاف؛ انحدار مما هو سام ~~إلى ما هو ساخر والذي يستجلي أحط الدوافع الكامنة داخل مشاعرنا المتسامية الأكثر ~~علوا. في هذا الإطار، يقول لاكان: «بحسب اعتقاد فرويد، يتطلب كل شيء يسير باتجاه ~~الواقع تلطيفا معينا؛ أي، تخفيفا للنبرة.» # 10 # يرى ويليام إمبسن على نحو حكيم أن «أسمى الرغبات كامنة في الأمور الأكثر ~~بساطة، وستكون غير حقيقية إن لم تكن كذلك.» # 11 # بالنسبة للاكان، يمكن أن تصبح أكثر الأشياء روتينية شذرة من النظام ~~الواقعي. # كان لدى الكثير من التيارات الفكرية العظيمة في القرن العشرين شكوك تجاه الحياة ~~اليومية. بالنسبة لأتباع فرويد، الحياة اليومية إلى حد كبير مسألة باثولوجيا نفسية. ~~والشكليون يمكنهم إيجاد قيمة في اللغة العادية فقط عندما تكون مفككة وغريبة بحيث تبدو ~~العبارة العادية باعتبارها ذلك الشيء الأكثر ندرة وصقلا، ألا وهو التعبير الشعري. يمكن ms327 ~~إفراغ اللغة العادية من معانيها الثرية فقط بإخضاعها لعنف منظم. ويكمن وراء جماليات ~~الشكلية، باهتمامها الفينومينولوجي الشديد بالكلمة، تشكك عميق في اللغة العادية. إنه ~~تشكك حداثي على نحو مميز؛ وهو عكس، إن جاز التعبير، الإيمان الهابرماسي الساذج جدا ~~بموارد الحديث اليومي. وبطريقة مماثلة، ترفض الهيرمينوطيقا افتراض أن المعنى سهل ~~المنال. # فرقت الكانطية الجديدة بين ما هو واقعي وما هو ذو قيمة. وقد قام فتجنشتاين في بداية ~~مسيرته تقريبا بنفس الشيء. ففي عمله «رسالة منطقية فلسفية»، لا توجد قيمة في العالم ~~العادي على الإطلاق. وأعمال هايدجر تتضمن من بدايتها لنهايتها تمييزا بين ما هو بطولي ~~وما هو متوسط، بين ما هو استثنائي وما هو عادي، وقد وصل هذا إلى ذروته في ثلاثينيات القرن ~~العشرين بإعلان هايدجر ولاءه لهتلر. صحيح أن هايدجر كان مولعا بشدة بالحياة العادية ~~والموطن والناس العاديين، لكن كل هذا منح في عمله هالة شبه روحية جعلته يرتفع فوق ما ~~هو عادي لعالم أكثر سموا. إن الحداثة حافلة بهذا التعلق الغريب بما هو عادي، بداية ~~من إعجابها الشديد بالفلاحين والشعوب البدائية وحتى تبنيها لمذهب طبيعي يذوب بامتياز في ~~الواقع المرير. إن الفينومينولوجيا تركز على العالم الاجتماعي اليومي حتى تتعامل على ~~نحو أكثر يقظة مع الطريقة التي يظهر بها في الوعي. وتفضل حركة فلسفة الحياة «الدافع ~~الحيوي» على القشور الخارجية الفارغة للمؤسسات اليومية. وهناك توتر مماثل في عمل ماكس ~~فيبر بين الكاريزما والبيروقراطية. وترفض البنيوية، شأنها شأن الماركسية والفرويدية ~~والواقعية العلمية، أن تنخدع بالمظاهر الاعتيادية للأشياء، وتبحث بدلا من ذلك عن ~~الآليات الخفية التي تؤدي إليها. # تضع الوجودية اللحظة القصيرة للعيش بأصالة في مقابل «سوء النية» الخاصة بالحياة ~~اليومية. ويناقض جانب كبير من الحداثة التجلي المفاجئ والمطلق وشبه المرئي أو الشدة ~~الشاردة مع «الأوقات المملة» للحياة اليومية. ويعادي الشكليون ما يطلق عليه الروسيون # byt ~~؛ أي، العقم المدمر للروح للوجود اليومي. إن هايدجر، كما هو الحال لكيركجارد الذي ~~جاء قبله، كان كاهله مثقلا بالملل، وهو مفهوم استطاع إعطاءه صبغة شبه فلسفية. ms328 ووجد ~~سارتر نفسه غارقا في الفوضى الشديدة ل «الوجود في ذاته»، في حين كان ليفيناس يرزح تحت ~~نير مزيج من التعب والخمول والأرق؛ ضوضاء كئيبة ومجهولة في خلفية وجود الشخص والذي أشار ~~إليه ب # il y a ~~(الهناك). كل هؤلاء المفكرين يعانون بشدة مما هو يومي. ويرون الحياة ~~اليومية باعتبارها عملا عدائيا وشيئا يدعو للخمول وحالة مدمرة للروح من الطمأنينة ~~و«السأم». إن جانبا كبيرا من النظرية الأخلاقية الحديثة يكمن مصدره الخفي في ~~الاغتراب. ويعكس الفقدان الكارثي للإحساس بوجود قيم مشتركة وتضامن يومي. ~~••• # هناك نوع من الأبطال الحداثيين المنعزلين الموجودين على أحد التخوم النائية للروح، ~~وهذا الشخص يعاود الظهور على نحو متأخر في أخلاق النظام الواقعي. إنه عادة ما ينتمي ~~لذلك التيار الحداثي الذي يخطئ بافتراض أن الحقيقة تكشف عن نفسها فقط في الظروف ~~الشديدة. إن هذا ما يمكن أن نطلق عليه متلازمة غرفة التعذيب: فما يصدر عن الفرد وهو ~~مكره، تحت تعذيب شديد، من المفترض أن يكون صادقا. في حقيقة الأمر، وكما ربما تكون قد ~~اكتشفت الآن هيئة الاستخبارات المركزية الأمريكية، هذا في الغالب ليس هو الحال. يفترض ~~الاعتقاد الحداثي، الذي يرى أن ما هو حقيقي أو صالح سيظهر فقط في تلك المناطق البعيدة ~~للروح، أن التجربة العامة خالية من الصحة، وأن ما هو قريب دائما ما يكون زائفا، وأن ~~من يقول بالوعي يقصد الوعي الزائف، وأن حقيقة الإنسانية في اللاإنسانية، وأنك تستطيع ~~إثبات إنسانيتك فقط عند الحد الخارجي للتجربة. # هناك قدر كبير من هذه النقائية في كتابات الواقعيين الأخلاقيين، والذين يعدون، في ~~هذا الإطار، حداثيين متأخرين وليس ما بعد حداثيين. إن سيادة الرغبة هي الشغل الشاغل ~~للسريالية من البداية إلى النهاية. وأنتيجون لاكان هي بطلة تنمي للحداثة العالية بقدر ~~أنتيجون جون أنويه. هناك أسئلة يجب طرحها بشأن قيمة نظرية أخلاقية يبدو أنها مقصورة على ~~مجموعة من المتشددين روحيا. فهل الجموع يجب إلهاؤهم بالأخلاق، في حين تتمتع النخبة ~~باتصال مباشر بالنظام الواقعي؟ إن هذا شكل مألوف للنخبوية الأخلاقية، ويتصف بأنه ms329 شيطاني ~~على نحو غير متناسب، تماما كما أن النظام الرمزي ملائكي على نحو مفرط. إن الرجال الجوف ~~التقليديين المحترمين الذين رسمهم تي إس إليوت جبناء روحيا بشدة بحيث لا يكونون ضمن ~~الملعونين؛ والملعونون، أيا كان ما يمكن أن يقال عنهم، على الأقل أشخاص ذوو عقلية ~~ميتافيزيقية على طريقتهم الخاصة، وهم أقرب للناجين مما يمكن أن نسميهم الطبقات الوسطى ~~الأخلاقية. # يتضمن رفض الخير الأسمى أن تكون على معرفة ضئيلة به، وهذا لا يمكن أن يقال عن الشخص ~~حسن السلوك فحسب. بالإضافة إلى ذلك، فالأشرار غير مبالين تماما، يخربون من أجل الخراب؛ ~~ومن ثم يشبهون على نحو مخيف من يتشبثون برغبتهم على حساب المنطق والمنفعة العامة. ~~يرى كانط أن الفعل الشيطاني، حال وجوده، ستكون له تقريبا نفس سمات الفعل الأخلاقي ~~الأسمى. ولا ينشأ نمطا السلوك هذان من دافع مدرك؛ فنحن نسلك أيا منهما كغاية في حد ~~ذاته، وكلاهما غير قابلين للفهم من الناحية العقلية. ومن يمارس الشر المحض يسعى عن وعي ~~لمخالفة القانون الأخلاقي، تماما كما يفعل الفوضوي الأكثر سذاجة، الذي يتخذ من كسر ~~القواعد أساسا لفكره. إنه يفعل ذلك حتى وإن كان هذا يعني التصرف على نحو مخالف ~~لمصالحه، وحتى إن كان هذا سببا في موته. في هذا الإطار، هو صورة مرآة معكوسة من البطل ~~الأخلاقي عند كانط. # 12 # إن الشيطان، كما أشرنا من قبل، هو ملاك ساقط، عرف كلا من الفزع والعظمة. ~~والأشرار يعرفون الرب عن طريق النفي، أما سيئو السلوك فحسب، فلا. والشر يسعى لتدمير ~~الإبداع الإلهي لأنه الشكل الوحيد من الإبداع المطلق الذي ما زال متاحا أمامه؛ لأن ~~الرب قد استأثر لنفسه على نحو غير مبال بأهم أشكال الخلق. # إذا كان البروفسير الفوضوي المعتوه في رواية جوزيف كونراد «العميل السري» يرغب في ~~تدمير الواقع بالكامل والبدء ثانية من جديد، فإن الفعل الأخلاقي عند لاكان وباديو يشبه ~~تماما مثل هذا الفعل الإبداعي الجديد اللافت للنظر. كتبت ألينكا زوبانتيتش، وقد تملكها ~~اعتقاد طليعي أصيل يرى أن ما هو جديد إيجابي ms330 دائما، تقول إن الفعل الأخلاقي الأصيل فعل ~~يتجاوز الحدود الحالية؛ ومن ثم لا يختلف عن الشر. # 13 # إن المسألة هنا شكلية محضة. ووفقا لوجهة النظر هذه، الأخلاق الحالية ~~دائما ما تكون وعيا زائفا؛ فبينكي، البطل الشرير في عمل جراهام جرين «برايتون روك»، ~~أسمى روحيا من الواعظة الضيقة الأفق إيدا أرنولد؛ على وجه التحديد؛ لأنه يؤمن بالرب ~~رغم أنه يكن ازدراء واعيا شديدا له. وهو، في هذا الإطار، صورة مصغرة من شخصية ~~إيفان كارامازوف لدوستويفسكي. وقد علق جورج أورويل في مجلة «ذا نيويوركر» في عام 1948 ~~قائلا: إن جرين «يبدو أنه كان مؤمنا بالفكرة، التي كانت مطروحة منذ أيام بودلير، ~~والقائلة بأن هناك شيئا مميزا بعض الشيء فيما يتعلق بكون الشخص ملعونا.» ووفقا لهذه ~~الرؤية، وكما قال هيجل، فإن كل الفنانين والمبتكرين والمشرعين العظام لديهم الجرأة ~~الكافية للتجاوز. وقد قوبلت مسألة كون بعضا من أعظم المستغلين والمستبدين ~~والإمبرياليين قد فعلوا تقريبا نفس الشيء فيما يتعلق بتلك الحالة «الجذرية» بصمت ~~مطبق. # وهكذا، يصبح الأشرار والقديسون سواء، فيما يتعلق بالخلاص والجحيم. وهناك نوع من الشر ~~- كما يشير باسكال في عمله «خواطر» - نادر مثل الخير، ومن السهل أن يحدث خلط بينهما. ~~وأن تكون سيدا في الجحيم أفضل من تكون حارسا في الجنة. والتمرس في الفعل المتطرف، ~~بل وتعلم الشر، أفضل من التوسط الأخلاقي. والشخص السيئ الأخلاق الحق ذو صلة بالرب، كما ~~أن الشيطان واسع الحيلة، والملحد مؤمن ولكن في الاتجاه المعاكس. إن الشيطان في عمل ~~توماس مان «دكتور فاوستس» يشعر بأنه أعلى مكانة من تفاهة البرجوازية الصغيرة، ويعلن ~~متباهيا أنه الحامل الوحيد للحقيقة اللاهوتية. وهو يقصد أن الشر هو كل ما يبقى مما هو ~~ميتافيزيقي في العصر الحديث. فالحداثة تعلم ما هو ميتافيزيقي فقط من خلال نفيه؛ فوق كل ~~شيء، كما يمكن أن يزعم أحدهم، في شكل معسكر الاعتقال النازي أوشفيتس. إن كل ما تبقى من ~~الخالق هو الظل المهجور لغيابه. في عمل «دكتور فاوستس»، تكشف موسيقى البطل الشرير لمان، ~~أدريان ليفركون، «الهوية الحقيقية ms331 لأكثر الناس مباركة، وفي نفس الوقت أكثرهم لعنا». ~~يرى نافتا، اليسوعي المتشدد المؤمن بفكرة المطلق الأخلاقي في عمل مان «الجبل السحري »، ~~أن الرب والشيطان يشتركان في معارضتهما للعقل والفضيلة التقليديين على نحو رتيب. # إن هذه خرافة مغرية وشديدة الخطورة، وبعيدة كل البعد عن الاعتقاد التقليدي الذي يرى ~~أن الشر في واقع الأمر نوع من النقص أو النفي؛ عدم قدرة على الحياة وليس وفرة فيها. إن ~~الشر هو الذي يتصف بالملل والهشاشة، وليس الخير، الذي يتصف بالمرح والحيوية. وإذا كنا ~~قد فشلنا في إدراك هذه الحقيقة، فإن هذا يرجع جزئيا إلى أن الطبقات المتوسطة قد آثرت ~~أكثر الفضائل تقليدية ومللا. في بعض النواحي، تعد أخلاق النظام الواقعي نسخة حديثة من ~~الأيديولوجيا البودليرية. ويجب النظر إلى هذا في ضوء نظرتها التراجيدية على نحو ملائم ~~التي تقول إن الحياة الأصلية يجب أن تنبع من العوز الذاتي؛ فأخلاق النظام الواقعي أعمق ~~كثيرا مقارنة بتلك الخاصة بالنظام الخيالي أو الرمزي؛ غير أنها أيضا لنفس هذا السبب ~~مبالغ فيها جدا ونخبوية جدا وشبه مقدسة. والنقاش بشأنها، كما هو الحال مع الأخلاق ~~الرمزية لكانط، بالغ الصعوبة. فعندما تحدث كانط في عمله «أسس ميتافيزيقا الأخلاق» عن ~~«الازدراء والاستخفاف» اللذين يرى بهما القانون الأخلاقي الميول الإنسانية العرضة ~~للخطأ، فإن الليبرالي الكبير يكشف عن كونه أحد مصادر تلك النخبوية الروحية. # كتبت سيلفيان أجاسنسكي عن تشككها فيما ترى أنه «تمجيد للعظمة والسعة والمطلق» في ~~كتابات كيركجارد، مضيفة أن «الدعوة أو الحاجة السامية التي تنبع من اللامتناهي أو ~~المطلق تتضمن إدانة للتناهي؛ إدانة لكل ما هو موجود في كل أشكال الحنين لما هو غير قابل للقياس.» # 14 # ربما تكون أجاسنسكي قد تحققت من شكوكها فيما يتعلق بالسمو الكيركجاردي من ~~خلال الحماس الشديد له من قبل جورج ستاينر، بنفوره الأرستقراطي مما هو قابل للحساب ~~ونفعي. إنه، بلا شك، لأمر مزعج للواقعيين، الذين يرون أنهم راديكاليون، أن يحيوا ~~بقبلة الموت الرهيبة هذه من شخص رجعي بارز يعد أحد المناصرين القلائل الأحياء ل «النقد ~~الثقافي» ms332 في أواخر العصر الحديث. كتب ستاينر مادحا كيركجارد قائلا: «عندما تكون ~~الأخلاق في أرفع مستوياتها في شخصية مثل سقراط أو كانط، فإن اللاإنسانية والسخف ~~اللاعقلاني لا مكان لهما.» # 15 # وهذا، كما يجب أن نشير، المقصود منه أن يكون توبيخا لسقراط وكانط، وليس ~~إدانة لهما. إن اللاإنسانية التراجيدية والعبث اللاعقلاني، اللذين قليلا ما يتصدران ~~قائمة حالات الوجود المفضلة لدينا، في نظر ستاينر هدنة مرحب بها من ملل البرجوازية ~~الصغيرة للعقل والأخلاق ومذهب المساواة والديمقراطية الجماهيرية؛ باختصار من حداثة ~~جديرة بالازدراء تفتقد بنحو أو بآخر إلى العناصر التعويضية. إن إعداد النبي إبراهيم ابنه ~~للذبح، كما يقول ستاينر اليميني مستحضرا روح دريدا اليساري، «يتجاوز كل الادعاءات ~~القابلة للتصور للمسئولية العقلية والمعايير الأخلاقية»، والتي تعد لا شيء مقارنة ب ~~«إنسان عادي في قبضة اللاتناهي». # 16 # إن الكيفية المحددة التي كان بها النبي إبراهيم إنسانا عاديا تظل غير ~~واضحة. فلا يمكن لنا أن نقرنه على نحو عادي بالبيئة المدنية للطبقة المتوسطة. # إن التشابه بين ستاينر ودريدا ليس عرضيا تماما؛ إذ إن هناك تصورا يرى أن ~~الواقعيين من ضمن الورثة المتأخرين لتقليد «النقد الثقافي». # 17 # إن ما يميز هذا التيار الفكري، بدءا من كولريدج وأرنولد وراسكين إلى إف آر ~~ليفيس وتي إس إليوت وتوماس مان في بداية مسيرته وكارل مانهايم وخوسيه أورتيجا إي جاسيت، ~~هو عداؤه للتنوير ومذهب المساواة وشكه في الليبرالية والمادية والحضارة الجماهيرية، ~~ورفعه لمكانة القليل من الأرواح الإنسانية النادرة مقارنة بالديمقراطية الشعبية وتسيد ~~التوسط. ويمكن أن نجد واحدا من أفضل الأمثلة المعبرة عن ذلك في أدب سول بيلو. إنه ~~تقليد مفجع سياسيا وبارع على نحو ثري، تقليد يفضل إلى حد كبير العبث المعذب على ~~الرخاء الموجه؛ فالتعقل يكون لأصحاب المتاجر وليس للحكماء. هناك بالتأكيد نقاط اختلاف ~~واضحة بين هذا المنظور وأخلاق النظام الواقعي؛ فبالاستثناء البارز لليفيناس، يميل ~~الواقعيون الأخلاقيون في الغالب لليسار، وستجدهم بوجه عام يهاجمون الاشتراكية ~~والديمقراطية. ويمزج دريدا جوانب من «النقد الثقافي» بمسيرة حياتية مميزة كمعارض سياسي، ~~غير أن الازدراء اللاكاني ms333 للسعادة والسياسة والمنفعة والرخاء والإجماع الاجتماعي ~~والممتلكات وتقوي الطبقة الوسطى قريب على نحو بارز من فكر ليفيناس أو إليوت. هناك عداء ~~من قبل اليمين واليسار على السواء للبرجوازية؛ عداء أدى إلى بعض من أبرز الإنتاج ~~الحداثي المكتوب. وكما اتضح من مسيرة دريدا، تحول الانشقاق اليساري عن الحضارة ~~الرأسمالية تدريجيا إلى ازدراء روحي للمجال السياسي في حد ذاته، على الرغم من ~~استمراره الشجاع في خوض المعارك فيه. # خذ، على سبيل المثال، التقارب بين لاكان ودي إتش لورانس، وهو كاتب يعد من أبرز ~~المنتمين لتقليد «النقد الثقافي». تقليديا، اختلف الأخلاقيون حول ما إذا كانت الأخلاق ~~معنية بالأساس بما هو خير أو صواب. لقد كان صداما بين النفعيين وأنصار أخلاق الواجب، ~~حملة شعلة الفضيلة والسعادة والمدافعين عن الحقوق والواجبات. # 18 # يتفق لورانس ولاكان على رفض نمطي الفكر الأخلاقي السابقين من أجل أخلاق ~~الرغبة، وهي أخلاق تقلل بشدة من مكانة الحقوق والفضائل. وكما أن الذنب الوحيد الحقيقي ~~عند لاكان يكمن في تخلي الفرد عن رغبته، فإن الجريمة الحقيقية الوحيدة عند لورانس هي ~~التنصل من الرغبة التي تعد أساس ذاتية الفرد. إنها تعني رفض الفرد ل «الرب» الذي ~~بداخله؛ ومن ثم فهي تعد نوعا من الكفر. في الفكر الميتافيزيقي للورانس، تعد هذه ~~الرغبة، كما هو الحال بالنسبة للرغبة الخاصة بالنظام الواقعي عند لاكان، هي «الآخر» ~~العنيد بالنسبة لمن يمتلكونها. وهي بعد لا يمكن سبر غوره ولا مقاومته من الوجود، والذي ~~سيفعل ما يشاء بنا مهما كانت تفضيلاتنا الواعية. عندما كتب لورانس أن «ذات الفرد قانون ~~على نفسها، وليس على «نفسه»»، # 19 # فالاختلاف محل النقاش هو بين عالم الأنا ونزعاته التافهة من جهة وعالم ~~النظام الواقعي العظيم. إنه اختيار بين الرغبة والنزعات؛ بين تجريد ميتافيزيقي هائل من ~~ناحية، والرغبات والاحتياجات التي تهتم بها على نحو كبير الأخلاق الكلاسيكية من الناحية ~~الأخرى. # إن من لديهم ولاء لرغبتهم من وجهة نظر لورانس هم أرستقراطيو الروح؛ الأشخاص المتباهون ~~والمنشغلون بتفرد وجودهم والذين تمثل لهم الجموع إلى حد كبير عدما ms334 جديرا بالازدراء. ~~إن هؤلاء الذين لا يمكنهم أن يشبعوا هذه الرغبة أو يشبعها لهم الآخرون في حقيقة الأمر ~~تقريبا غير موجودين، وستتجاهلهم حتما قوة الحياة. إن ما يهم هو نقاء الروح، وليس ~~التعاطف الإنساني. يهاجم لورانس بضراوة في لحظاته الأكثر انحطاطا أخلاقيا، كما في ~~عمله «فانتازيا اللاوعي»، «الخير المفرط، وحسن النية البغيض، والإحسان الكريه، والمثل المؤذية.» # 20 # إن الليبرالية والخيرية، مثل «تقديم الخير» عند لاكان، تعدان ملجأ للحضريين ~~المهذبين الجبناء بشدة بحيث لا يمكنهم مواجهة النظام الواقعي. يتحدث لاكان في مقاله ~~«كانط مع ساد» عن «أنوية السعادة»، وهي رؤية كان سيقبلها بالتأكيد لورانس؛ فبالنسبة له، ~~الشعور والأخلاق والوعي وحتى الإنسانية في حد ذاتها ببساطة مثل الزبد الذي يعلو طوفان ~~قوة الحياة بظلمته. وكما هو الحال بالنسبة لجانب كبير من تقليد «النقد الثقافي»، يجب ~~إسقاط الأخلاق والسياسة والمجتمع والعقلانية باعتبارها «آليات» لا روح فيها، أو في أفضل ~~الأحوال يجب تحملها باعتبارها من الشرور الضرورية. إن الديمقراطية والمساواة تهديدان ~~بغيضان للاستقلال الذاتي. وإن ما تدفعك الروح أو الرغبة الموجودة بداخلك لفعله هو الشيء ~~الصحيح الذي يجب عليك القيام به؛ فعملية القتل المرتكبة باسم الحياة العفوية-الإبداعية ~~لها قيمة أخلاقية أكبر من إطعام الجوعى النابع من الإحساس بالواجب. # تعد فكرة التراجيديا من الأشكال المألوفة لتقليد «النقد الثقافي»، فإذا كانت الثقافة ~~الغربية الحديثة تزخر على نحو كبير بما هو تراجيدي، والذي بدا ضمن اهتمامات الفلاسفة ~~البارزين، الواحد تلو الآخر، فإن هذا لا يرجع - كما يمكن أن يتوقع المرء - إلى أن تلك ~~الفلسفة تنبع من حقبة مثقلة بالمآسي المفرطة في عددها مقارنة بأي حقبة أخرى في ~~التاريخ البشري، ولكن كانت هناك أربعة أسباب رئيسية للظهور اللافت للنظر للتراجيديا في ~~عصر ما بعد ميتافيزيقي وغير بطولي؛ أولا: سعت التراجيديا لأن تكون بديلا للدين في ~~عالم علماني؛ فقد انتزعت، بتناولها للمطلق والسامي، الهالة التي كانت تحيط بالدين، مع ~~ترك محتواه العقائدي غير الموثوق فيه. ثانيا: سعت فكرة التراجيديا لتقديم حل جمالي ~~للمفارقة التي تتمثل في أن الناس في ms335 العصر الحديث أحرار وعبيد في نفس الوقت. إنها رد ~~عملي، باختصار، على المسألة النظرية الخاصة بالحرية والجبرية. إن البطل التراجيدي، الذي ~~يذعن لما هو حتمي في روح تتسم بحب القدر وفي نفس الوقت يختار مصيره، يكشف في هذا عن ~~حرية لا متناهية تتجاوز حالته المريعة. ولا شيء يجسد تلك الحرية على نحو أكثر إقناعا ~~من الإشارة النبيلة الخاصة بالتخلي عنها. ثالثا: لقد كانت التراجيديا بمنزلة شكلا ~~حداثيا من فكرة العدالة الإلهية؛ إذ ركزت على مشكلة الشر ولم تحقق نجاحا كبيرا في ~~تبرير وجوده شأنها في ذلك شأن أي محاولة أخرى في هذا الشأن. إن وجود الشر يعد حجة ~~شديدة القوة لعدم وجود الرب. # وأخيرا، كانت التراجيديا بمنزلة رؤية نقدية في غير موضعها للحداثة - لثقافة عقلانية ~~وعلمية ومساواتية ونفعية وتقدمية غير ناضجة ومدركة على نحو مباشر - والتي غضت الطرف ~~عما في الفن التراجيدي من أمور غامضة وخرافات، واعتقاد خاص بالشعور بالذنب بسبب القتل ~~وطقوس مقدسة، وتسلسلات خاصة بالوجود، وقيمة مطلقة، وازدراء لما هو محتمل، وروح سمو، ~~وهيكل عظيم للآلهة والأبطال والأرستقراطيين. # 21 # لقد كانت بمنزلة تحسر على تدهور الثقافة الراقية، وحنين روحي لعالم أكثر ~~سموا. إن التراجيديا نقد للعقل المتعالي؛ حيث إن محاولة الذات الحرة لكتابة تاريخها ~~فشلت بسبب قدر عنيد. لقد اتضح أن الأمل السياسي خداع للذات؛ فلا يمكن لثقة ساذجة في ~~التقدم المادي أن تعالج قدم فيلوكيتيس، ولا لهندسة اجتماعية أن تنقذ فايدرا من مصيرها ~~المحتوم. والحكمة يجب تفضيلها على المعرفة، وأوديب يمثل المعرفة في منتهى حدودها. ~~والتقديس هو عدو التفسير العقلاني. وهناك كرامة إنسانية أبدية تتجاوز الغوغاء السياسية ~~أو معمل العالم. وفي مواجهة الكارثة التراجيدية، يتضح أن الإنسانية رقيقة الشعور ~~للطبقات الوسطى رياء حقير؛ فلا يمكن لأي شيء دنيوي أن يدخل هذا العالم المبهر. وكما ~~لاحظ جورج ستاينر، بمزيج معبر من البراعة والتعالي: «إذا كانت هناك حمامات في منازل ~~التراجيديا، فستكون لأجاممنون كي يقتل فيها.» # 22 # إن مقابل المأساة هو السباكة؛ فقصة أجاممنون، بالنسبة للعديد من المنظرين ~~المعنيين ms336 بالتراجيديا، تراجيديا، أما معسكر الاعتقال النازي أوشفيتس، فلا. # ليس من الصعب أن نرى أن أخلاق النظام الواقعي ترث بعضا من التحيزات الأرستقراطية ~~لتقليد «النقد الثقافي». إن النظرية التراجيدية في أقل صورها إقناعا مزيج من العدمية ~~والانتصارية؛ فالوجود همجي وعبثي، لكن الإرادة التي لا تقهر للبطل ترفعه على نحو واثق ~~فوقه. إن التراجيديا في أقوى صورها تهاجم كلا من العدمية والانتصارية، وترشدنا لكيف ~~أن يكون لدينا أمل دون تفاؤل. لذا، فهي، كما هو الحال بالنسبة للأخلاق عند لاكان، عقيدة ~~مناسبة للراديكاليين غير الواهمين الذين يرغبون في الاحتفاظ بالإيمان دون هجر الواقعية ~~السياسية. فإذا قللت من قيمة الروح الإنسانية كما يفعل العدمي، فأنت تحرم البشر من ~~المعايير التي يمكنهم من خلالها أن يقيموا سعادتهم؛ وسيكون نتيجة ذلك مخاطرتهم بالنظر ~~إلى بؤسهم باعتباره شيئا حتميا وليس غير محتمل. أما إذا أعليت على نحو مبالغ فيه من ~~مكانة الروح الإنسانية كما يفعل الانتصاري؛ فستبدو المعاناة البشرية أمرا تافها إلى ~~حد ما. # يختلف الأمل عن التفاؤل في أنه لا يتوقع على نحو واثق حدوث شيء إيجابي. وهذا ما يميز ~~أنصار تقليد «النقد الثقافي» عن التقدميين المتحمسين. فالأمل الوحيد المرن على نحو كاف ~~بحيث يمكنك تحقيقه هو ذلك القادر على جعل إمكانية الفشل واضحة بثبات أمام عينيك. إنه ~~ما نكتشفه عندما تخور قوانا ونحتار، ومع ذلك، يبقى لدينا شيء ليسجل الحقيقة. ويوضح ذلك ~~ما جاء على لسان إدجار في مسرحية «الملك لير» حين قال: «ليس أسوأ أحوالنا ما يكون ما ~~دمنا نستطيع أن نقول: «إن هنالك ما هو أسوأ»» (4، 1: 29-30). وهذا ليس بعدمية ولا ~~انتصارية. فإذا كان المسيح قد استسلم لموته وهو يتطلع بدهاء إلى قيامته الوشيكة، فما ~~كان سيعود ثانية للحياة. لكن أيضا هو ما كان سيعود مجددا إلى الحياة إذا كان قد تخلى عن ~~رغبته؛ والتي تمثلت في حالته في هذا النوع العجيب من الحب المعروف بالإيمان. (كتب ~~كيركجارد في «المرض طريق الموات» يقول: «المؤمن، رغم كل شيء، شخص محب».) فقط إن لم يكن ms337 ~~صلب المسيح خدعة غير شريفة وكان مواجهة عصيبة مع البعد الواقعي للعوز، فإنه يمكن أن ~~يمثل السبيل إلى حياة مغايرة، وفقط إذا اعترف المسيح بأنه أخفق في مهمته وأنه فاشل بائس ~~هجره رفقاؤه المذعورون ومع ذلك أكد في خضم هذا الاعتراف على إخلاصه المحب لما رآه مصدر ~~وجوده، فيمكن لموته أن يؤتي ثماره في حياة الآخرين. # إن هذ التقابل بين التقبل والتغيير قائم أيضا بين ما هو عادي وما هو استثنائي. إنه ~~في هذا الصدد يختلف عن التناقض بين النبل الأخلاقي والتفاهة الاجتماعية الذي يصر عليه ~~تقليد «النقد الثقافي» والنظرية التراجيدية «المتسامية» والواقعية الأخلاقية. من الجدير ~~بالملاحظة أن العهد الجديد لم يقدم في أي موضع فيه معاناة المسيح على أنه عمل بطولي؛ ~~فلا يوجد أي شيء مجيد على نحو جوهري في موته. ويشير سورين كيركجارد في عمله «خوف ورعدة» ~~إلى أن البطل التراجيدي يتخلى عما هو مؤكد من أجل ما هو أكثر تأكيدا؛ لكنه أيضا يدرك ~~أنه لا توجد انتصارات مضمونة في مقابل الأعمال الإيمانية. إن موت المسيح لا يجب أن ~~يحتفى به أكثر من موت أي شخص آخر. إن المعاناة بالنسبة للثقافة المسيحية اليهودية التي ~~أدت لظهور الأناجيل شر على نحو قاطع، وهو أمر يجب مقاومته وليس تمجيده. لم يطلب المسيح ~~يوما من المرضى أن يتسامحوا مع مصابهم. بل على العكس، بدا أنه كان يبارك الخرافة التي ~~تقول إن المرض من أعمال الأرواح الشريرة. فإذا أمكنك انتزاع شيء إيجابي من محنتك، فهذا ~~جيد، لكن سيكون من الأفضل لو لم تكن بحاجة لذلك. # يجب أن تتضمن الشهادة - تسخير ثاناتوس من أجل إيروس؛ أي، الموت من أجل الأحياء - تقبل ~~الموت باعتباره حقيقة تراجيدية دون انتظار شيء من ورائه. يمكن أن يتغير حاجز الموت أو ~~العوز الذاتي إلى أفق فقط بالنسبة لهؤلاء الذين حتى في هذه الظروف لا يمكنهم التخلي عن ~~إيمانهم أو حبهم، مهما قلت احتمالية تحققه أو الإثابة عليه. ففقط الذين يرون أن ~~الموت والفشل والفناء هي نهاية المطاف وليس ms338 أوراق مساومة في تبادل رمزي ما، هم من قد ~~يثبت لهم أن هذه الأشياء ليست نهاية المطاف في نهاية الأمر، تماما كما انتهت ~~السيمفونية الشيطانية التي ختم بها توماس مان عمله «دكتور فاوستس» بنغمة مستحيلة وخافتة ~~على نحو متناه وتكاد تكون غير مسموعة؛ مجرد شبح واهن أو إيماءة في الهواء؛ «أمل يتجاوز ~~اليأس» والذي قد يشير فقط إلى طريقة أخرى مختلفة تماما للتأمل والعيش. إن الاشتراكية ~~أيضا مشروع تراجيدي بهذا المعنى، إنها ممارسة للتضامن مع الفشل، وهي تعلم أن السلطة ~~الباقية الوحيدة هي تلك التي تنبع من التضامن مع هذا الضعف. ففقط هؤلاء الذين لديهم ~~القليل ليفقدوه هم من يحتمل مخاطرتهم بمواردهم القليلة من أجل الاحتمال المحفوف ~~بالمخاطر بوجود مستقبل أكثر عدلا. # إن صلب المسيح ينظر إليه تقليديا على أنه اللحظة التي تبنى فيها المسيح فكرة ~~الذنب البشري وأخذ على عاتقه تخليص البشر من هذا الذنب. وهذا الذنب ينبع من التواطؤ ~~المدمر بين القانون والرغبة؛ حيث إن القانون أو الأنا العليا تدفعنا ليس لنعاقب أنفسنا ~~على تطلعاتنا غير المشروعة ولكن لنختلس لذة فاحشة من هذه العملية؛ وهذه اللذة تؤدي ~~بدورها لذنب أعمق، ومن ثم لتمزق أكثر بربرية للذات. وإذا كان القصد من موت المسيح هو ~~كسر هذه الدائرة، فإن هذا يرجع، كما رأينا، إلى أنه يكشف أن قانون الآب هو قانون الحب ~~والعدل وليس قوة خاصة بالموت. إنه يعلن أن القانون فضل وحب ونشوة وتحرر ووفرة مبهجة من ~~الحياة؛ وليس نير ظلم. # يرى الفكر اللاكاني أن هناك صدعا مأسويا بين الذات والآخر الكبير؛ بين ما نحن عليه ~~كذوات وما قد يتطلبه الآخر الكبير الغامض منا. على العكس، يعني قولنا إن المسيح هو ~~«الابن» الزعم بأنه يمثل بالنسبة للآخر الكبير المعروف بالرب ما يمثله هو أيضا لنفسه. ~~إن مصدر الحب ومصدر وجوده الشخصي واحد. إنه متماه مع قانون الآب؛ دال واضح عليه (أو ~~«كلمته»)، وهو مولود بالكامل من الحب وليس من لحم ودم؛ وبسبب هذا التماهي المخلص مع ~~جذور هويته - هذا ms339 الرفض للتخلي عن وثوقه المحب في أساس وجوده - عذب وقتل. إن ~~إخلاصه لقانون الآب في حد ذاته نموذج للحب الذي لا حدود له؛ ومن ثم تجل للآب نفسه. ~~إن الرب ليس ببساطة محل رغبته ولكن مصدرها بحيث يؤدي اللاتناهي «الشرير» للرغبة ~~اللاكانية، التي هدفها ينفلت منها على الدوام، إلى رغبة للخير تكون ممكنة فقط إذا كان ~~الخير يتم الاستمتاع به بالفعل على نحو ما. فلا يمكن للمرء البحث عن الرب، كما تقول ~~الحكمة المسيحية القديمة، ما لم يكن قد وجده بالفعل. من هذا المنطلق، يؤدي لا تناهي ~~الرغبة إلى أبدية الحياة الغنية. إن الإحسان هو الذي فوق كل شيء غير محدود وليس الرغبة؛ ~~فالرغبة لم تعد ضياعا دائما، بمجرد أن تصطبغ بصبغة الإيمان. لكن بسبب رغبتنا المرضية ~~في أن يعاقبنا الآخر الكبير بدلا من أن يسامحنا؛ فنحن نأبى التخلي عن المتعة التي نحصل ~~عليها من مثل هذه الخيالات المعاقبة للذات. ومن الصعب قبول الفكرة القائلة بأنه يمكن أن ~~يكون هناك آخر كبير كان بالفعل في صفنا. ويعني قول هذا التخلي عن المتعة المازوخية التي ~~تربطنا بالقانون؛ ومن ثم الحاجة إلى تحول جذري في الذات. # ومن ثم فإن ادعاء أن المسيح هو «ابن» الآب يعني أنه هو الصورة الأصلية للآب، ~~مقدما إياه كصديق ومحب وضحية بدلا من «نوبودادي» متسلط أو قاض شرير أو طاغية متعطش ~~للدماء. إن المسيح لم يقتل على يد الآب ولكن على يد الدولة الرومانية وأتباعها ~~الاستعماريين اللامبالين الذين فزعوا من رسالته القائمة على الرحمة والعدل، وكذلك من ~~شعبيته الكبيرة لدى الفقراء، وتخلصوا منه في وضع سياسي شديد التفجر. ومما زاد الأمور ~~تعقيدا أن عددا من رفقائه المقربين كانوا على الأرجح ينتمون لجماعة الزيلوت المتحمسين ~~أو كانوا ثوريين معارضين للاستعمار. وهكذا فإن الإرهاب المقدس للحب الإلهي أصبح الإرهاب ~~المقدس للبريء المذنب؛ كبش الفداء الذي ضحي به من أجل الآخرين. ليس الأمر أن الرب له ~~وجود غير مؤثر وأيضا جانب خفي سادي على نحو شنيع، وإنما الأمر أنه إرهابي ms340 الحب. إن ~~الرسالة من وراء صلب المسيح هي أن هؤلاء الذين يدعون على طريقة أنبياء العهد القديم ~~لوصول الفقراء للسلطة سيجرى تصفيتهم من قبل السلطة. وتشير قيامة المسيح إلى أن هذا ~~الانتصار ليس في واقع الأمر نهاية المطاف. # وبهذا فإن صورة القانون بوصفه أنا عليا علينا اتباعها على نحو أعمى قد تهاوت من ~~مكانتها العالية. وبسبب ذلك، أصبح من الممكن الآن مبدئيا أن نحب ونرغب دون شعور ~~بالذنب. ويمكن النظر إلى انعدام الوجود المتمثل في الرغبة على أنه من بقايا تلك السلبية ~~الأكثر عمقا المتمثلة في الرب. وهكذا، فإننا قد تحررنا من الحالة المأسوية التي تثير ~~فيها الرغبة السادية الظالمة للقانون وتنمي فينا من ثم تلك الثقافة المؤلمة الخاصة ~~بالشعور بالذنب التي يمثلها المصطلح المسيحي الكلاسيكي الخطيئة الأولى. والمدهش أن ~~شكلا غير فاحش من المتعة أو النشوة قد أصبح ممكنا الآن. إن هذه المتعة، مثل «ثاناتوس» ~~أو دافع الموت، «لا طائل منها» بعبارة لاكان، على نحو يفوق كثيرا المنفعة؛ لكنها أصبحت ~~هي الشيء الذي لا طائل منه للخلق نفسه، الذي، شأنه شأن الهبة والفضل المجردتين اللتين ~~لا هدف من ورائهما، لا غرض له سوى السعادة الذاتية العليا للرب. اتضح أن إرهاب القانون ~~هو التطرف العنيد للحب الإلهي؛ فقد اتضح أن الحب ذاته هو حاجة عنيفة ومؤلمة ومدمرة؛ ~~ومن ثم ليس سوى النظام الواقعي على نحو يذكرنا بالإله يانوس. وإذا كانت الرغبة قد ~~أصبحت مشروعة؛ إذا كان بإمكاننا الآن أن يحب كل منا الآخر دون شعور بالذنب، فإن هذا ~~يرجع إلى أننا تقبلنا الحقيقة التي لا يمكن تحملها والمتمثلة في أن مصدر هذا الحب كان ~~دائما ما يغفر لنا ويقبلنا على ما نحن عليه رغم كل بؤسنا الأخلاقي ولا يطلب أي شيء منا ~~سوى أن يسمح له بأن يحبنا. هناك، على نحو مثير للدهشة، شكل من أشكال النظام الواقعي ~~الذي يرغب في رخائنا بدلا من أن يدمره، والذي لن يسمح لنا بأن نسقط. وبذلك نكون قد ~~حرمنا عنوة من المتعة الفاحشة ms341 الخاصة بالندم، والتي على الأقل تؤكد لنا أننا ~~موجودون. # يمكن النظر إلى كل هذا كرمز لأخلاق النظام الواقعي. إن النظام الواقعي، شأنه شأن حب ~~الرب، إرهاب مقدس؛ هو شيء مقدس وملعون في نفس الوقت. إنه المكان الذي نسقط فيه ضحية ~~الغضب الانتقامي لدافع الموت، ومع ذلك، فهو أيضا المكان الذي يمكننا فيه أن نتحرر من ~~أصفاده. إن بؤس اليأس ربما يكون أقرب مما يبدو من التجريد الذاتي للحب، وبامتلاك قوى ~~الموت، يمكننا التحول - حسبما يرى لاكان - من مستوى الرغبة إلى ذلك الخاص بالدافع. ~~وبقيامنا بهذا، فإننا نحمل عبر النطاق المنظم للقانون ثم نخرج من الجانب الآخر إلى ~~منطقة خارج سيطرة القانون أو الغرب المتوحش للروح حيث قانون رغبتنا هو القانون الوحيد ~~المهم. لقد استعضنا بالقانون الرمزي قانون النظام الواقعي. وحلت محل الضرورة المضنية ~~للقانون الرمزي الضرورة المانحة للحياة للتمسك برغبتنا، الذي نرى أنه مثل كل الدوافع ~~الأخلاقية الأصيلة لا يمكن مقاومته. إن الذنب الوحيد الذي يجب الخوف منه الآن هو التخلي ~~عن هذه الرغبة التي تأكد كونها أساس وجودنا. في هذا الشأن، لاكان على طريقته يعد ~~مناصرا للمذهب الجوهري تماما مثل لورانس. # إن الموتى الأحياء هم هؤلاء المعذبون لأنفسهم الواقعون في شراك القانون والمحبوسون ~~في الجحيم الأبدي لجدلية عقيمة بين الرغبة واحتقار الذات؛ لكن بمجرد أن ينظر للموت ~~باعتباره معبرا بدلا من نهاية طريق، فيمكن لتلك الكائنات الشبيهة بالزومبي أو مصاصي ~~الدماء أن يموتوا بالفعل، مؤمنين بتناهيهم ومتقبلين لدافع الموت ومحولين إياه إلى ~~الدينامية الأساسية لرغبتهم. وبقيامهم بهذا، فهم يدعون نوعا غريبا من الخلود. فكونهم ~~لم يعودوا خائفين من الموت يعني أنهم يتمتعون بنوع من الحياة الخالدة. إن هذه الحالة هي ~~التي كانت يقصدها لاكان عندما أشار إلى أنه فقط في ذلك العالم الذي يتجاوز النظام ~~الرمزي «يمكن أن يبرز مغزى الحب الذي لا حدود له؛ لأنه يوجد خارج نطاق القانون؛ حيث يمكن ~~فقط أن يعيش». # 23 # وفقط بالتخلي عن الأشياء الفورية لحبنا والتي يراها لاكان برؤية كانطية ~~«مرضية»، يمكننا ms342 أن نتأكد من نقاء الرغبة التي تمثل النظام الواقعي. وبقيامنا بهذا، ~~نحن نحرر أنفسنا من الشعور بالذنب؛ ونصبح بالتالي قادرين على الحب بلا تحفظ. # إذن، وكما هو الحال بالنسبة للمسيحية، فإن الأخلاق اللاكانية تقوم على التضحية. في ~~الواقع، أشار لاكان ذات مرة إلى أنه إذا كان هناك أي دين حقيقي، وهو الأمر الذي لم يؤمن ~~به ولو للحظة، فسيكون المسيحية. لكن هناك اختلافات جوهرية بين العقيدتين. يرى لاكان أن ~~هناك تعارضا بين حب الأشياء الدنيوية والرغبة الخاصة بالنظام الواقعي والتي من أجلها ~~يجب التخلي عن هذه الأشياء. أما المسيحية على الجانب الآخر، فلا ترى هذا التعارض الشديد ~~بين ما هو دنيوي والنظام الواقعي؛ فقد ترك المسيح العالم بسبب حبه له، وكان مستعدا ~~لخسارة كل شيء من أجل حبه للبشرية. وبالنسبة لمعتقد يقوم على فكرة التجسد، فإن النظام ~~الواقعي ليس بديلا لحب الآخرين، كما سيبدو لبعض أنصار لاكان، وإنما يتحقق من خلاله. ~~وفي هذا الشأن، يقول إريك سانتنر: «نحن لسنا ... بحاجة للرب من أجل الأمور الروحية ولكن ~~من أجل الانتباه الملائم للأمور الدنيوية.» # 24 # بهذا المعنى، لا يوجد عداء مطلق في الدين المسيحي بين النظام الواقعي ~~والنظام الرمزي، بين الرب والآخرين، بين الرغبة والحب، بين ما هو روحي وما هو دنيوي؛ ~~فالأشياء المحبوبة ليست طعما على طريق الرغبة، وإنما السبيل الذي ربما يصادف فيه ~~على نحو روتيني الجانب الواقعي للحب الإلهي. في حقيقة الأمر، في العقيدة المسيحية ~~اليهودية، الآخرون يكونون فقط بحق أشياء محبوبة عندما تجرى مصادفتهم «في النظام ~~الواقعي»؛ أي باعتبارهم حملة الغرابة السامية التي تقاوم «الأنانية الثنائية» الخاصة ~~بالنظام الخيالي، والتي مصدرها سمو الآب. # إن الزعم بأنه يجب على المرء أن يحب جاره الغريب عنه على نحو كبير كما يحب «نفسه» ~~وصفة للعمل الشاق، وليس للنرجسية. يرجع هذا إلى أن حب النفس ليس بالمهمة السهلة؛ إذ ~~يتضمن تقبلا للنظام الواقعي المشوه الذي يقبع في قلب هوية الفرد. غير أن هذا، على عكس ~~الإعجاب المتبادل للنظام الخيالي أو الترتيبات التعاقدية ms343 بين ذوات مستقلة التي تميز ~~النظام الرمزي، يمكن بالتالي أن يصبح الأساس الصلب الذي ربما يجتمع عنده البشر. إن ~~الأمرين الدينيين المتلازمين - بأن نحب الرب وأن نحب جارنا كما نحب أنفسنا - من ناحية ~~يجب النظر إليهما باعتبارهما غير قابلين للانفصال؛ فحب الجار ممكن فقط إذا كان له أساس ~~ثابت في النظام الواقعي. غير أنهما أيضا يجب التمييز بينهما للتأكيد على أنه ليس كل حب ~~للجار له أساس جيد. فهناك طرق خيالية لحب الجار بعيدة كل البعد عن النظام الواقعي؛ أي ~~ينقصها نوع الحب القائم على الموضوعية والتضحية والتجريد الذاتي الذي سيكون ضروريا ~~لظهور نظام اجتماعي جديد إلى حيز الوجود. # في هذا الإطار، ليس كل أشكال حب الجار تمثل نوع النرجسية الخفية التي يبدو أن بعض ~~أنصار لاكان مستعدون لاختزالها فيه. إن الحب الذي لا يمثل هذا هو من هذا النوع القائم ~~على التضحية. إنه ذلك النوع الذي رسمه ماركس في عمله «مقدمة في نقد فلسفة الحق عند ~~هيجل» ويرى أنه مطلوب إذا أردنا أن يتحول «الضياع الكامل للإنسانية» إلى «الاستعادة ~~الكاملة للإنسانية». إن كبش الفداء أو الشيء المضحى به - الذي، في حالة ماركس، هو ~~البروليتاريا - هو ذلك الشيء الذي يتحول من الضعف إلى القوة؛ ويسمى هذا التحول مما هو ~~أدنى لما هو أعلى في التحليل النفسي بالتسامي. وكما أدرك هانس كاستروب في مشهد الثلج ~~العظيم في عمل توماس مان «الجبل السحري»، فإن الحب وليس العقل هو الذي أقوى من الموت، ~~ومن خلال هذا المنظور فقط يمكن أن تنبع عذوبة الحضارة؛ لكن «دائما في إقرار غير معلن ~~بأهمية التضحية بالدم». يجب على الفرد أن يثني على جمال ونبل الروح، مع الوضع في ~~الاعتبار الرعب والبؤس اللذين يقعان في أساسها. # في النهاية، الفكر الأخلاقي للاكان أو ليفيناس أو باديو ليس ببساطة مملا أو هزليا ~~بالقدر الكافي؛ # 25 # ففي حقبة يبدو للكثيرين أنها كانت تفتقد للكثير من القيم الجوهرية، كان ~~هؤلاء المفكرون على استعداد للتخلي عما هو محايث من أجل ما هو متسام. ms344 وفي هذا الإطار، ~~فإن فكرهم يتناقض على نحو غير ملائم مع الأخلاق المسيحية، والتي لا حاجة بالنسبة لها ~~للاختيار بناء على هذا المقياس؛ فإعطاء الخبز للجائع يعني عيش حياة الفضل الإلهي. إن ~~الواقعيين الأخلاقيين أكثر زهدا و«تدينا» وأخروية بكثير من الأخلاق المسيحية ~~اليهودية، والتي تعد بالتأكيد مادية؛ فالانحدار مما هو سام لما هو محايث هو العنصر ~~الأساسي الذي تقوم عليه هذه الأخلاق؛ وهكذا الحال بالنسبة للتحليل النفسي الذي بالنسبة ~~له الموضوع سيكون دائما على نحو باعث للأسى مقصرا في الرغبة فيها. لا يوجد صراع هنا ~~بين ما هو محايث وما هو متسام؛ فيهوه العهد القديم يعلن أن أتباعه سيعرفونه على ما هو ~~عليه عندما يرحبون بالمهاجرين ويعطفون على البائسين ويحمون الفقراء من بطش ~~الأغنياء. # هناك سمة كرنفالية في عقيدة ترى أن العالم بأكمله يقع تحت رحمة كوب من الماء. إن «ابن ~~الإنسان» - المسيح - يظهر بعظمة على سحب المجد فقط ليتساءل على نحو تقليدي عما إذا كنت ~~قد زرت المريض وأطعمت الجائع أم لا. إن المخلصين المنتظرين يميلون إلى دخول عواصم ~~بلادهم القومية في سيارات فارهة مقاومة للرصاص، ويصاحب مواكبهم رجال شرطة، وليس على ظهر ~~حمار. إن المسيح مقدم كمزحة سخيفة تتمثل في صورة مخلص. غير أن الإنجيل المسيحي يرى ~~في النشاط الرتيب المتمثل في كساء العاري إرهاصا إلى تبدل الأرض والمجيء الثاني للمسيح، ~~وهي فكرة يراها الفرنسيون حمقاء. إن ما هو خارق وما هو عادي ليس مجالين منفصلين، كما ~~يعتقد تلاميذ لاكان. والعالم المادي هو المكان الوحيد للخلاص. وكما كتب جراهام بيشي، ~~«كان يوجد وراء نبذ الكتابة الحديثة لمسألة «اختلاف الأسلوب الطبقي» التقليدية ~~واكتشافها لما هو جاد ومأساوي في الحياة اليومية المواجهات العسكرية في يهودا الرومانية ~~والتي هزت العالم». # 26 # ينطبق الأمر نفسه على الأخلاق الاشتراكية التي ترى أن الأشكال الروتينية من ~~الرفقة في الحاضر هي التي ترسم مقدما معالم النظام الثوري للمستقبل. إن الماركسية ~~الكلاسيكية تتمسك بالجانب «الواقعي» للثورة، بكل ما فيه من مآس وأزمات واختلالات؛ لكن ~~هذا الاضطراب ms345 الشديد يحدث من أجل الحياة العادية ويحدثه الناس العاديون. وإذا كانت هناك ~~بطولة، فإنها تلك الخاصة بالجموع غير البطولية. إن العالمين الواقعي والرمزي يجب ألا ~~ينفصلا. وإن هذا يصدق فيما يتعلق بالتحليل النفسي الذي يرى أن دافع الموت هو الجانب ~~الخفي للحياة اليومية. # يبرز هذا الصراع بين ما هو محايث وما هو متسام في إنجيل القديس يوحنا كصراع بين حب ~~العالم ورفضه. إن العالم، بمعنى نظام السلطة السائد، سيقلل من شأن رسل العدل؛ ومن ثم ~~يجب رفضه. غير أن هذا ليس شكلا من أشكال الازدراء الدريدي للوجود اليومي، مثلما لا ~~يعكس الأخروية اليسارية المتطرفة لآلان باديو؛ فالعالم أيضا، أو هكذا قيل لنا، هو ما ~~يحبه الرب. وحيث إنه من عمل يده؛ فالتمرد السياسي لا يجب الخلط بينه وبين ازدراء متشدد ~~لما هو جسدي ومتناه. إن الجسد، كما اكتشف باديو من خلال دراسته للقديس بولس، يشير ليس ~~للبدن، الذي هو من إبداع الرب العظيم، وإنما للشكل الفاسد والعنيف للحياة السياسية. إن ~~المسيحية والاشتراكية بالتأكيد عقيدتان أخرويتان؛ إذ إن كليهما يتطلعان لعالم آخر ينصلح ~~فيه حال البشرية. لكنهما يفعلان ذلك بسبب اهتمامهما بشئون البشر الموجودين بالفعل وليس ~~لأنهما يسعيان وراء تحقيق تصور مستحيل. هناك بعض التضليل العجيب في تحذير المسيح ~~لأتباعه بأنهم سيقتلون إذا تمسكوا بتعاليمه. ويعرف هؤلاء الذين يزدرون تلك الأخروية ~~بالليبراليين أو المحافظين. إنهم الذين انخدعوا بالافتراض الغريب القائل بأن هذا ~~العالم، بصرف النظر عن محاولات الإصلاح المتعقلة الغريبة، أفضل ما يمكن الحصول عليه ولا ~~يمكن إصلاحه. إن هذا الافتراض هو الذي غير واقعي على نحو ساذج، وليس الاعتقاد بأن ~~الوجود البشري يمكن إصلاحه على نحو كبير. ~~••• # يقول لاكان في عمله «أخلاق التحليل النفسي» إن صوت البطل (الأخلاقي) «لا يرتعش أمام ~~أي شيء ... وبخاصة أمام صالح الآخر». # 27 # إن الإيثار والمساواة واحترام الحقوق تقع في نطاق الأخلاق الرمزية والتي ~~يكن لها لاكان كل الاحترام، لكنه يعتقد أن تلك الأخلاق فشلت في أن تكون عميقة الأثر ~~بالقدر الكافي. إن الأخلاق الواقعية ms346 تنطوي على انحياز ضد حب الخير، الذي لا يؤمن به ~~بحماس هؤلاء الذين بحاجة إلى مساعدة عاجلة. إن الأخلاق ليست مسألة سعادة أو إشباع ذاتي أو ~~عمل من أجل صالح الآخرين. # غير أن حجج لاكان المعارضة لهذه الفكرة في عمله «أخلاق التحليل النفسي» ضعيفة على ~~نحو ملحوظ؛ فنطاق الخير أو الفضيلة يتضمن على نحو حتمي، كما يشير، وجود سلطة؛ إذ من ~~سيتحكم ويوزع نواتج الخير الاجتماعي المتعددة؛ تلك التي في رأيه على أي حال ليست سوى ~~مشتتات على طريق إشباع الفرد لرغبته؟ غير أن الرغبة الخاصة بالنظام الواقعي ربما تتضمن ~~بالتأكيد سلطة على نحو مساو. إن كلاريسا هارلو بالتأكيد تمارس سلطة كبيرة من خلال ~~تصميمها الشديد على الموت. بالإضافة إلى ذلك، يزعم لاكان أن موضوع الخير يثير مسألة ~~لصالح من هو يمارس، كما لو أن هذا كاف للنيل منه. تناول جيجك وزوبانتيتش نفس الأمر ~~تقريبا. ولا يبدو أنهما يريان أن الخلاف الذي لا ينتهي حول نوعية الخير ولصالح من هو ~~يمارس في أي موقف معين هو على وجه الدقة ما يقصد تقليديا بالأخلاق. إن فعل الخير لا ~~يقلل من شعور المرء بالذنب، كما يذكرنا لاكان على نحو صارم، كما لو أن أحدا قد تصور ~~يوما أنه يفعل هذا؛ فهو يعتقد أن حب الشخص للخير للآخرين يعد بوجه عام حبه للخير ~~لنفسه. وحب الخير، باختصار، نوع من الخداع. فيجب أن نستهدف أمورا أخلاقية أسمى من ~~الاهتمام بشئون الآخرين؛ إذ إننا يمكننا بلا شك أن نوكل هذا الأمر للجهات المعنية ~~بالرعاية الاجتماعية. # في دراسة بارزة من نواح أخرى، تحدثت ألينكا زوبانتيتش بازدراء عن «متعة» أخلاق ~~النظام الواقعي التي جرى «ترويضها» من خلال حب الفرد لجاره. # 28 # إن هذا، كما سيخمن البعض، ليس رأي هؤلاء الذين يجري سحقهم تحت عجلات ~~شاحنة في شارع مزدحم بالمارة. تعتقد الفيلسوفة كاثرين شاليه أن كانط وليفيناس محقان في ~~رفض الأخلاق القائمة على السعادة؛ حيث إنها من المفترض أن تنبع من حب الذات. # 29 # ليس من الواضح لماذا ms347 تكون السعادة شيئا أنانيا، وليس - لنقل - الرغبة. ~~إن ليفيناس نفسه غاضب بشدة من مفهوم السعادة، والذي يخاطر بتخديرنا في مقابل الألم الذي ~~من المفترض أن نشعر به في حضرة الآخر الكبير. إنه يخشى أننا يمكن أن ننسى الرب في خضم ~~استمتاعنا بالأمور الدنيوية؛ وذلك بخلاف لاكان الذي يرى أن هذا التلذذ يمكن أن يؤدي بنا ~~إلى نسيان النظام الواقعي. إن السعادة يراها ليفيناس في الغالب باعتبارها نوعا من الرضا ~~الذاتي الممل. # 30 # أعلن أحد أنصار الواقعية الأخلاقية الآخرين، ويدعى كينيث رينهارد، أنه ~~يعارض معاملة الفرد لجاره «باعتباره «أخا» و«شبيها» له، يرى صالحه (حفاظه على نفسه ~~وإشباعه لاحتياجاته) في مرآة ذاته.» # 31 # لكن ليس هناك سبب للاعتقاد بأن كل الخير البشري من هذا النوع النرجسي ~~البسيط؛ فحب الفرد لجاره ربما يؤدي إلى موت الفرد، كما حدث في حالة أنتيجون. يقارن بعض ~~الواقعيين بين ما يعرف بالمتع الحيوانية للغيرية (التي تعد على نحو أساسي أمرا ~~خياليا) والمتعة المتسامية للنظام الواقعي. ولكن كما يرى لاكان نفسه، «المتعة» تتضمن ~~تقبل الموت، وهكذا الحال بالنسبة إلى حب الآخرين. وحتى إن لم يمت الشخص فعليا، كما في ~~حالة الشهيد، يبقى الموت مجازا لهجر الذات الذي يقتضيه هذا الحب. لا يوجد صراع ضروري ~~بين الشفقة والنظام الواقعي، والجار والغريب. لقد أعرضت كلاريسا عن البشر ووهبت نفسها ~~للرب، غير أنه من أسس الدين المسيحي الذي تعتنقه أن هذا الرب موجود على نحو جوهري في ~~المحرومين. وبرسمها في عمل أدبي، فقد ماتت بالنيابة عن كل النساء المنتهكة حقوقهن ~~الموجودات في عصرها، وليس ببساطة في عزلة مهيبة. # بالإضافة إلى ذلك، على المرء ألا يتحمس بشدة لتجاهل قيمة حب الفرد لذاته، كما قد يبدو ~~على رينهارد؛ فهناك رؤية أخلاقية معروفة ترى أن الشخص الطيب والعادل سيرغب لنفسه في ~~الأشياء الطيبة والعادلة، والتي من دونها سيكون أقل استعدادا للاهتمام بشئون الآخرين؛ ~~فليس كل حب الذات عجرفة وعقم، فلماذا يكون علي أن أعامل نفسي على نحو أسوأ مما أعامل ~~به أي شخص آخر؟ ms348 ولماذا يجب أن أستثنى من القانون العام للخير فقط لأنني تصادف ألا أكون ~~من الآخرين؟ إن التوجيه بأن أعامل الآخرين كما أعامل نفسي يؤتي ثماره فقط إذا عاملت ~~نفسي بدرجة من الاحترام. ولا يوجد داع لافتراض أن هذا أمر طبيعي أو تلقائي. ففي ~~العقيدة المسيحية، يتطلب حب الفرد لنفسه فضلا من الرب تماما كما هو الحال بالنسبة لحب ~~الآخرين. # إن كريون في مسرحية سوفوكليس، باعتباره ممثلا للمدينة، كان يتحكم في الخير ويوزعه، ~~في بيروقراطية للروح لم تثر اهتمام لاكان على نحو غير مبرر؛ فهذه هي الأخلاق باعتبارها ~~مجرد «تقديم للخير». إن كريون، رمز العقل العملي الكانطي، ليس من استحوذ على خيال لاكان ~~وإنما أنتيجون؛ فلم يستحوذ عليه التقديم الموجه للخير العام، وإنما فرط رغبة وحيدة ~~يدفعها الموت، رغبة تسامت فوق كل الاهتمامات والمتع الدنيوية. يعلق لاكان هنا بتباه ~~قائلا: «فقط الشهداء هم الذين لا يعرفون الجزع أو الخوف.» وقد نسي ربما بستان جثسيماني ~~والمشهد الذي ظهر في الكتاب المقدس، والذي يقدم المسيح وهو مضطرب بشدة قبيل موته. # 32 # إن الشهيد التقليدي يجعل موته في خدمة الأحياء، مسخرا ثاناتوس من أجل ~~إيروس؛ أما البطل الشهيد اللاكاني، فيجعل موته فداء القضية أو الشيء الكبير الموجود ~~بداخله، والمتمثل في رغبته، والتي يراها كمتعة وحيدة تتجاوز حدود الوجود ~~الاجتماعي. # لذا، فإن زوبانتيتش هي التي يمكنها التحدث عن الرفض الأخلاقي ل «الإغواء» من قبل ~~اللذة والتعاطف وحب الجار والمساعدة والصالح العام وما شابه. إن النظر للأخلاق عبر تلك ~~الجوانب الدنيوية - كما هو الحال بالنسبة للأخلاق الحيوية والأخلاق الثقافية والأخلاق ~~الطبية والأخلاق البيئية وهكذا - يضفي على تلك الرؤية عجزا جبانا عن تأمل أخلاق ~~النظام الواقعي. # 33 # إن الإحسان العادي هو دفاع لا شعوري ضد المباهج الرهيبة ل «المتعة»؛ أي، ~~تكلفة لا طائل منها بخلاف الإصلاح الاجتماعي أو أماكن تقديم الطعام للفقراء. ويجب ~~التمييز بين «الأفعال» الأخلاقية العادية و«الأعمال» الأخلاقية الثورية، وهو مصطلح أضفت ~~عليه زوبانتيتش في مواضع أخرى في سردها المزيد من الجلال، ربما في محاولة ms349 لتقريب الأمر ~~أكثر. وإذا كانت تلك الأعمال الخالصة فقط هي الأخلاقية بحق؛ إذن فالأخلاق ستبدو شحيحة ~~بشدة مثلها مثل الثورات السياسية. يهاجم سلافوي جيجك الفضيلة التقليدية أو الرمزية ~~معتبرا إياها «التسيير المرن للأمور في عالم الوجود»، # 34 # كما لو أن الفضيلة هي مجرد التزييت العادي للعجلات الإدارية. إن الأخلاق ~~أرستقراطية، في حين أن الفضيلة برجوازية صغيرة. تبدو الحياة اليومية من البرج العاجي ~~للنظام الواقعي رتيبة وآلية على نحو مضجر؛ فيجب ألا ينظر إليها في المقام الأول (كما ~~فعل جيجك بوجه عام) باعتبارها ساحة للصراع الأخلاقي والسياسي. فصراعاتها وتناقضاتها ~~الداخلية، مقارنة بالعظمة السامية للنظام الواقعي، تبدو تافهة نسبيا، وتتعلق بالفضيلة ~~البرجوازية وليس بالأخلاق النخبوية. # إن الهدف من التحليل النفسي، كما يشير جون راجمان، «ليس جعلنا مواطنين أكثر صلاحا أو ~~عمالا أكثر إنتاجية.» المغزى هنا هو أن المواطنين الصالحين هم ببساطة هؤلاء الأشخاص ~~التقليديون التعساء بعض الشيء الذي يدعمون بلا تفكير الدولة، وليس هؤلاء، لنقل، الذين ~~يمارسون فضيلتهم من أجل التشكيك في سلطتها. إذا كان إدجار جيه هوفر مواطنا صالحا، فإن ~~روبسبيير كان كذلك. بالمثل، ربما كان إخراج عمال منتجين مشروعا محافظا في ألمانيا في ~~عهد هتلر، لكنه يظل مشروعا بناء في مناطق عديدة في عالم ما بعد الاستعمار. إن مادة ~~التحليل النفسي، كما يزعم راجمان، هي في واقع الأمر عدم الرضا البشري؛ لكن هناك تمييزا ~~مهما إلى حد كبير بين عدم الرضا عن الحياة في ألمانيا النازية والقلق بشأن التخلص من ~~«النظام القديم» في كوبا في ظل حكم كاسترو. إذا لم يجر ملاحظة هذه الاختلافات؛ فالمرء ~~يكون عرضة لإعادة إنتاج التمييز الرومانسي المتناقض بين الدولة القمعية على نحو منظم ~~والشخص المنشق المنفرد، ولكن على نحو أكثر تعقيدا. إن قدرا كبيرا من أخلاق النظام ~~الواقعي يندرج في هذا الوضع المبتذل. # هناك لمحة ديونيسيوسية متوقعة فيما يتعلق بموقف لاكان تجاه الحياة الأخلاقية؛ فهو ~~يتصور أن رغبة البشر في عصرنا هذا قد جرى تغيير معالمها وإضعافها وإسكاتها وترويضها من ~~قبل الوعاظ والمصلحين والتربويين التقليديين. ms350 يبدو الأمر وكأن الفضيلة أنثوية والأخلاق ~~ذكورية. لقد هجرت الثقافة السياسية الحديثة المنشغلة فقط ب «تقديم الخير» - أي، السعادة ~~والرفاهية والرخاء والحقوق المدنية وغيرها من الأشكال المسكنة لمبدأ الواقع - المسألة ~~الأخلاقية الرئيسية المتعلقة بعلاقة الإنسان برغبته. إن مجال الرفاهية والحقوق وما ~~شابه، كما يقر لاكان على نحو ينم عن سعة أفقه، «موجود بالطبع ولا جدوى من إنكار ذلك». # 35 # في حقيقة الأمر، يمكن أن يتكون شيئا فشيئا لدى المرء الانطباع بأن لاكان ~~كان يفضل عدم وجوده، تماما مثل مرض التيفود. ثم انتقل لاكان، مدركا ربما لأخطار ~~النخبوية الأخلاقية، ليؤكد على أنه لا يوجد اختلاف جوهري بين البطل التراجيدي والإنسان ~~العادي. وكتب يقول: «داخل كل منا، مسار البطل محدد، ونحن نتبعه تماما كأناس عاديين حتى نهايته.» # 36 # يختبر البطل كل عواطف الإنسان العادي، «فيما عدا أنها في حالته نقية وأنه ~~ينجح في دعم نفسه بشأنها بالكامل». # 37 # وهكذا، فإن البطل في واقع الأمر ليس إلا الشخص الذي بالجوار، غير أنه يقال ~~لنا في نفس الوقت إنه ليس كذلك. وبعد أن أبطل لاكان بنبل الفرق بين ما هو استثنائي وما ~~هو عادي، أعاد فجأة التأكيد عليه؛ فهو يخبرنا بأن الشخص العادي يميل إلى التخلي عن رغبته ~~عندما يتعرض للخداع، ويعود إلى المجال الأدنى الخاص بتقديم الخير، في حين أن البطل يبقى ~~مخلصا لشغفه. إن مثل هؤلاء الأبطال البارزين يأخذون رغبتهم إلى الحد الذي لا يمكن معه ~~إدراكها، إلى الحد الذي يهلكون فيه بسبب الحقيقة. # تحدث كانط في كتابه «الدين في حدود العقل» عن تلك الثورة في طبيعة الفرد والتي ~~بمقتضاها يصبح إلى حد كبير مخلوقا جديدا. إن هذا ما نحتاج إليه إذا أردنا الانتقال ~~مما هو «مرضي» إلى ما هو أخلاقي. ترث أخلاق النظام الواقعي على نحو مهم هذا الاعتقاد، ~~وتعتمد على كشف «مستحيل» أو تطرف ما يقلب العالم الرمزي رأسا على عقب؛ حدث عاصف يزلزل ~~أركاننا، ويعيد تشكيل عالمنا، ويصيغ من جديد بعنف أسس وجودنا. إن مثل هذه الأخلاق ~~الثورية فقط، ms351 كما يرى الواقعيون على نحو محق، هي التي يمكنها تصحيح وضعنا العصيب، سواء ~~على المستوى الشخصي أو السياسي. وعندما يتعلق الأمر بالسياسة، يمكن فقط لهؤلاء الذين ~~رفضوا الواقعية - الليبراليين والمحافظين والإصلاحيين ومن على شاكلتهم - أن يروا أن ~~أي تغيير أقل عمقا من هذا، مع الوضع في الاعتبار وضعنا السياسي المفجع، لن يوفر لنا ما ~~نحتاج إليه. # غير أن مشكلتنا مع هذا الكشف الشديد الأهمية هو ما سيحدث في أعقابه. لم تذكر النظرية ~~اللاكانية الكثير عن كيف أن مواجهة البطل الأخلاقي المنفردة مع النظام الواقعي قد تحدد ~~ملامح مسار الإصلاح السياسي. وفيما يتعلق بالسياسة، فإن هذه الأخلاق نخبوية وعنيدة ~~جدا بحيث لا تسمح بأن تخضع بسهولة لمثل هذا التحول. إن السياسة والأخلاق في الغالب ~~متعارضتان. وعلى أي حال، نحتاج إلى معرفة ما إذا كان كل الرجال والنساء يجب أن يصبحوا مثل ~~لير أو أنتيجون حتى يعيشوا على نحو جيد. إن الواقعيين أخطئوا عندما اتخذوا ما هو في ~~حقيقة الأمر تجربة استثنائية على نحو كبير مرشدا إلى الحياة الأخلاقية؛ إذ على هذا النحو ~~وبطريقة حداثية، يحدد ما هو استثنائي ما هو معياري. لكن يحتاج المرء لأخلاق مناسبة، ~~للحياة العادية، وليس للحياة في معسكرات الموت والمتاريس. إن الأخلاق التي تبرز لحظة ~~التحول أو الكشف أو الاضطراب أو الثورة، كما تفعل تلك الأخلاق على نحو مهم، لا يمكن أن ~~يجرى إسقاطها على الحياة الاجتماعية ككل، إذا سيتضح حتما أنها لا تتلاءم معها؛ ~~ومن ثم فإن النظام الواقعي سيكون في خطر التحول للأنا العليا الفرويدية أو القانون ~~الأخلاقي الكانطي بحيث نجد أنفسنا باستمرار مواجهين بضعفنا عندما نحدد لأنفسنا مطالب ~~يكون من المستحيل أن نفي بها. # بالنسبة لآلان باديو، يمكن أن يكون هناك تحول من أحد النطاقين للنطاق الآخر. والسبيل ~~لتلاقي النظام الواقعي مع النظام الرمزي هو الإخلاص اليومي للحقيقة والذي سيجعلها ~~واضحة. إن هذا، إن جاز لنا القول، هو نسخة باديو من «تجسد المسيح»، أي، تقاطع ~~اللامتناهي مع المتناهي. ليس من السهل معرفة ما سيعنيه ms352 تحويل ما هو استثنائي إلى ما هو ~~عادي بهذه الطريقة، لكن على الأقل يفترض باديو وجود بعض الارتباط بين الاثنين. لكن بوجه ~~عام تحويل أخلاق صيغت في الغالب باعتبارها معارضة للمدينة إلى نظرية سياسية يعد مشكلة ~~بالنسبة للواقعية الأخلاقية. وكما يلاحظ برنارد ويليامز في سياق آخر، إن المرء «سيكون ~~عليه أن يقر بأن الفضيلة، بمعنى نقاء القلب، رغم أنها هي الخير الوحيد، فيمكن أن تكون ~~إنجازا لفئة محدودة، وأن هذا بدوره سيبرز الحاجة إلى نظرية سياسية أخرى، لصياغة علاقة هذه ~~الفضيلة بالمجتمع الآثم». # 38 # إن هذا بالضبط هو، كما أوضحنا، ما سعى ليفيناس على نحو غير فعال بعض الشيء ~~لتحقيقه. # إن المسيحية لديها إجابتها الخاصة على التساؤل المتعلق بما إذا كان يجب على كل الرجال ~~والنساء أن يكونوا مثل لير أو أنتيجون، والتي تتمثل في العقيدة المتمثلة في أنه ليست ~~ثمة حاجة لتكرار ما فعله المسيح من تضحية. وحيث إنه كان كبش الفداء أو الفارماكوس الذي ~~تحمل مسئولية تطهيرنا من ذنبنا باعتباره الدال المذنب الملوث للبشرية النقية، فليس ~~على أتباعه أن يمروا فعليا بأنفسهم بنفس تجريد الذات الدموي هذا. بدلا من ذلك، إنهم ~~يشتركون فيه سيميائيا؛ أي، على مستوى الرمز أو سر التناول. إن الطعام والشراب في ~~الأفخارستيا يحيان ذكرى التحول المضطرب من العهد القديم إلى العهد الجديد، تماما كما ~~تظل ذات الحقيقة عند باديو مخلصة للحدث الأساسي. لكن رغم أن كل المسيحيين مطالبون بأن ~~يكونوا جاهزين للشهادة؛ أي، مستعدين فعليا للتضحية بحياتهم من أجل الآخرين، فإنه من ~~خلال الدال يمكن استحضار التحول الأصلي للمسيح من الموت للحياة الأبدية. إنه من خلال ~~الدال أيضا، من خلال العلاج بالحديث، يستطيع المريض الخاضع للتحليل النفسي أن يحدث ~~التحول من حالة المرض إلى حالة التحرر من المرض. إن المهم، بعبارة جيجك، هو «عوز الذات» ~~وليس الفقدان الفعلي للحياة. وفيما يتعلق بالسياسة، فإن هؤلاء الذين يتمنون وصول ~~الفقراء إلى الحكم ليسوا مطالبين بأن يكونوا هم أنفسهم معدمين، رغم أنه قد يعزز من ~~مصداقيتهم السياسية ms353 ألا يكون من بينهم الكثير ممن لديهم ثراء فاحش. إن التضامن السياسي ~~هو الأهم، وليس مشاركة الآخرين فعليا حرمانهم. # لكن المسيحيين لا يعيدون تجسيد هجر الذات الذي قام به المسيح على نحو أساسي من خلال ~~سر التناول. يتم ذلك بدلا من هذا عن طريق الحب التقليدي. إن حب يهوه يتحقق عن طريق ~~الشفقة والتسامح، وليس في المقام الأول من خلال الطقوس أو القرابين التي تأكلها النار ~~أو المبادئ الأخلاقية أو النظم الغذائية المفصلة. وفي هذا السياق الإنساني، إنه يتجلى ~~على نحو رئيسي في الفقراء والمعدمين. انتهى عصر الدين الطقسي في المكان الذي صلب فيه ~~المسيح؛ فكما لاحظ كاتب «الرسالة إلى العبرانيين»، كان المسيح آخر رئيس كهنة، والذي «ليس ~~بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديا» (9، 11). إن ~~القربان المحروق الوحيد المهم في العهد الجديد هو جسد بشري منتهك. إن هذه الحقيقة ~~العظيمة هي التي يجب أن يبنى حولها نوع جديد من التضامن، تضامن يتجاوز على نحو حاسم ~~الأدوار المفترضة للنظام الرمزي. إن هذا هو أحد أسباب إغفال العهد الجديد البالغ للجنس ~~وتجاهله الشديد للحياة الأسرية. # بخلاف الأخلاق الواقعية، تجمع المسيحية بين ما هو مستحيل وما هو يومي، ما هو محايث ~~وما هو متسام، «الحدث» وآثاره التاريخية، فيما يمكن أن نطلق عليه السمو الدنيوي. تحدث ~~كيركجارد عن فارس الإيمان قائلا إنه «يعبر عما هو سام من خلال ما هو عادي.» # 39 # إن الحب التقليدي يعيد تجسيد حادثة الصلب لأنه يتضمن موتا أو تضحية ~~مجازية. إن هذا الارتباط بين الحب والموت تجاهله على نحو كبير مارتن هايدجر في عمله ~~الفلسفي الكلاسيكي العظيم «الكينونة والزمان». يرى هايدجر أن مساعدة الآخرين والاستعداد ~~للموت من أجلهم أمران أساسيان لوجود الفرد وإنسانيته، غير أنه عجز في الغالب عن إدراك ~~كيف أن الشكل اليومي من الموت عن الذات المتمثل في الحب يعد بروفة لهجر الذات النهائي ~~المتمثل في الموت؛ فالأخلاق تقوم على الحب وليس الرغبة. وليس هناك صلة بين الحياة ~~اليومية ms354 للمدينة والأخلاق القائمة على الرغبة؛ لكن هناك صلة، كما سنرى، بينها وبين ~~الأخلاق القائمة على الحب. # مما سبق يتضح أنه مع المسيحية برز تقدير جديد لما هو عادي. يرى تشارلز تايلور أن ~~الثورة التي أحدثها بيكون في المجتمع في أوائل العصر الحديث «غيرت السبيل للحياة ~~السعيدة من مجموعة خاصة من الأنشطة السامية وأدخلته «الحياة» نفسها.» # 40 # فقواعد الشرف والعظمة حل محلها الاهتمام بالعمل والتجارة والحياة الجنسية ~~والحياة الأسرية. ولم تعد القيمة الروحية مسألة نخبوية، لكن أصبحت جزءا من الوجود ~~اليومي. إن حركة الإصلاح البروتستانتي في المقام الأول، بتوقيرها للحياة العادية، هي ~~التي ساهمت في تلاشي الحدود بين ما هو مقدس وما هو دنيوي مدنس؛ لكن تايلور عثر على أصول ~~هذا التلاشي في العقيدة المسيحية اليهودية، بتأييدها لما هو يومي. إن نفاسة الحياة ~~اليومية هي ما جعلت صلب المسيح أمرا مأساويا، في حين أن سقراط قد سيق لموته ~~معتقدا أنه لا يفقد شيئا ذا قيمة كبيرة. تشير التضحية ضمنا لقيمة ما يجرى التنازل ~~عنه. في هذا الإطار، كتب تايلور يقول: «بالنسبة للشخص المسيحي، ما يجرى التنازل عنه ~~بالتالي من المؤكد أنه شيء مهم.» # 41 # وحيث إن كل ما في الحياة مرجعه الرب، فمجرد أن تكون حيا يعد الآن قيمة في ~~حد ذاتها، وهو رأي لا يعارضه المحاربون الوثنيون الذين يرون أن الشرف يتجاوز بكثير مجرد ~~الوجود. # يقارن إيريش أورباخ في دراسته العظيمة «المحاكاة» بين الشخصيات ذات السمات النفسية ~~البسيطة على نحو جوهري في قصائد هوميروس والشخصيات الإنسانية المعقدة والمتعددة الجوانب ~~والمتطورة في النصوص اليهودية المقدسة. في هذا الشأن، يعلق قائلا: «منذ البداية، في ~~قصص العهد القديم، يتبلور ما هو سام ومأساوي ومعضل على نحو تام فيما هو تقليدي وعادي.» # 42 # وإذا كانت النصوص التي كتبها هوميروس تتناول شئون الأرستقراطية، فإن العهد ~~القديم يشتمل على تقدير للناس العاديين: «تكون حركته دائما ملحوظة، ويكون غالبا في ~~حالة اهتياج، ويؤثر على نحو متكرر في الأحداث ليس فقط على نحو كلي وإنما أيضا على ~~مستوى ms355 المجموعات المنفصلة وعبر أفراد يتصدرون المشهد؛ يبدو أن أصول النبوة تكمن في ~~تلقائية الناس التي لا يمكن السيطرة عليها.» # 43 # إن تلك هي الثقافة التي خرج من تتمتها المسيحية أول حركة عالمية يعرفها ~~التاريخ للناس العاديين. # يحثنا آلان باديو، كما رأينا، أن نستمر في الإخلاص للحدث الثوري. غير أنه من الخطأ ~~تصور أن المجتمع العادل يجب أن يظل في حالة امتثال دائم للحظة تأسيسه. على العكس، فإن ~~أحد مؤشرات تحرره يكمن في أنه لم يعد بحاجة لتلك البطولة الأخلاقية، وبمجرد أن يتحقق ~~الجانب «الواقعي» للثورة السياسية، تستطيع أن تدير ظهرها لتلك الدراما التراجيدية ~~وتتمتع بوجود يومي مرض. هنا، كما هو الحال في العقيدة المسيحية، يجب النظر إلى الأزمة ~~والتحول على أنهما في خدمة الوجود العام؛ فيجب اعتبار النظام الواقعي تابعا للنظام ~~الرمزي. لكن الاثنين أيضا متناغمان في هذا الإطار؛ فمن أجل تحقيق فضيلتي العدل ~~والمساواة الشائعتين غير البطوليتين هاتين على مستوى عام، في ظل هذا العالم الذي ~~نعيشه، سنحتاج ليس أقل من تحول كامل. وحتى تكون للأخلاق طلاقة النظام الخيالي - والقدرة ~~على تحويل ما نطلق عليه الفضيلة إلى عادة - فإنها تحتاج، من الناحية السياسية، إلى ~~فاعلية النظام الرمزي وانضباطه الذاتي، وكذلك إلى الاضطرابات المؤلمة للنظام ~~الواقعي. ~~••• # إن لاكان معجب بأرسطو، لكنه يرى أن رؤيته الأخلاقية قاصرة على نحو يصعب إصلاحه؛ ~~فأخلاق الفضيلة خطاب أخلاقي شديد البساطة على نحو لا يصلح مع أنصار أوديب وأنتيجون، وهي ~~تتعلق بمسألة غير مهمة مرتبطة بالسمو أو التسامي. كما أنها تنتمي على نحو بليد للنظام ~~الرمزي وليس للنظام الواقعي. إنها خط بحثي يجد الكثير مما يقدره في الوجود الاجتماعي ~~اليومي على نحو ليس أتباع لاكان ودريدا وباديو مستعدين لتقبله. غير أن التقليد الأخلاقي ~~الذي يمتد من أرسطو يقدم تحديا مهما لزهد الواقعيين. وإذا نحينا جانبا النظرة ~~اللاجتماعية العنيدة للأخلاق الواقعية، فمن المفترض أن يبدو تيار الفكر الأخلاقي الذي ~~يرى أن الأفعال البشرية الخيرة متضمنة على نحو عميق في الوجود الاجتماعي والسياسي ~~جذابا. وفي مواجهة نشوة ms356 «المتعة» المعرضة للفناء، إنه لمن المريح التحول إلى فكر ~~أخلاقي يرى أن ما هو خير يتمثل في وفرة الحياة المليئة بالحيوية؛ في الإشباع الممتع ~~للطبيعة الحيوانية المميزة للفرد. وفي حين أن أنصار لاكان يرون تمسك الفرد برغبته ~~باعتباره غاية في حد ذاتها، فإن أنصار أخلاق الفضيلة يرون نفس الشيء بالنسبة للرخاء ~~البشري. إن المشكلة أن فكرة هؤلاء عن الرخاء تتمحور حول الذات المتماسكة على نحو أكبر ~~مما يستطيع الفكر الما بعد الحداثي تقبله. # عند إطلاع الفرد على الحديث عالي النبرة لكانط والمتعلق بالقانون والحقوق والواجبات ~~والمبادئ والالتزامات، فإنه من المفترض أن يصدم عندما يقرأ عن أخلاق الفضيلة التي لا ~~تهتم كثيرا بهذه الأمور (وهذا لا يعني أن الحقوق والأوامر والنواهي، حتى المطلقة منها، ~~من غير المفترض أن تلعب أي دور في هذه النظرية الأخلاقية). تتمحور الأخلاق عند كانط حول ~~الأنا العليا، وذلك بخلاف أخلاق الفضيلة؛ وعلى الرغم من أن هذا بالطبع لا يحررنا من تلك ~~السلطة البغيضة، فليس من الخطأ أن نرى أن أخلاق الفضيلة تزكي نمطا من السلوك البشري ~~على الأقل لا يعزز تلك السلطة. إننا، في ظل أخلاق الفضيلة، في عالم من السياقات وليس من ~~الأوامر الكهونتية، عالم من المؤسسات الاجتماعية وليس من حالات الوجود المتسامية. # 44 # إن ما هو أخلاقي ليس بالشيء المثالي المتعذر تحقيقه على نحو مغر وإنما هو ~~ممارسة مادية عامة. ولا يوجد شيء ممتنع الوصف أو مبالغ فيه بشأنه. إننا نتحدث عن شكل ~~ونسيج حياة الناس العادية، وليس عن العظمة الجمالية لأفعال منفردة. # لا يجب تقييم الأفعال فقط فيما يتعلق بما تحققه؛ فنحن نريد أن نتصرف بطريقة معينة، ~~وليس فقط أن نحقق أوضاعا معينة. إن أخلاق الفضيلة تعيد دراسة الفعل والإرادة والشعور ~~والنية والدافع والنتيجة وما إلى ذلك إلى نطاق «الشخصية الأخلاقية»، متناولة إياها ليس ~~باعتبارها ظواهر منفردة، ولكن باعتبارها نواتج عملية تاريخية خاصة بتكوين الذات أو (إذا ~~استخدمنا مصطلحا أقدم) «الشخصية». وبمقاومتها على هذا النحو للمكافئ الأخلاقي لفكرة ~~موت المؤلف، فإنها تعيد تضمين ms357 الخطاب الأخلاقي في سياق الثقافة والطفولة والتنشئة ~~والقرابة والسياسة والتعليم. وهي في ذلك أقرب إلى الرواية منها إلى القوانين مثل قانون ~~المرور. إن التصرف الأخلاقي لا يعني فقط أن تفعل الشيء الصحيح، وهذا أمر يختلف فيه ~~التيار الأخلاقي هذا عن بعض النظريات الأخلاقية الرمزية، لكن الفعل الأخلاقي لا يتحقق ~~عن طريق التعاطف والشفقة، وهذا أمر يختلف فيه أيضا هذا التيار عن بعض النظريات ~~الأخلاقية الخيالية. إن الأخلاق بالنسبة لأرسطو هو علم الرغبة الإنسانية؛ لكن أحد أسباب ~~تناول بعض الواقعيين له بتعال شديد هو أن الرغبة المقصودة هي حاجة أو غاية ملموسة، ~~وليس ذلك الشكل الحداثي من الميتافيزيقا المتمثل في الرغبة فقط. صحيح أن أخلاق الفضيلة، ~~في ظل تلك النزعة التجريبية، يمكن دائما أن تنزلق إلى القبول القانع بما هو موجود، وهو ~~نفس الاتهام الذي وجه لفتجنشتاين في أواخر مسيرته. فيمكن بلا شك أن يكون تبني ما هو ~~يومي محافظا في تأثيره. مع ذلك، فقد ينتج عنه ضرر سياسي أقل على المدى البعيد مقارنة ~~بالرؤية التدميرية المرتبطة بالنظام الواقعي. # تميز أخلاق الفضيلة بين السمات المختلفة للفعل والشخصية، بدلا من أن تشغل نفسها ~~بتصنيف المسائل الأنطولوجية. وهي، بخلاف الواقعية الأخلاقية، تهتم بشدة بالسعادة ~~والرخاء والرفاهية؛ فبالنسبة لأرسطو، السعادة الإنسانية نشاط، وليس في المقام الأول ~~حالة ذهنية. إنها شيء يجب علينا أن نتقنه. إن الإنسان السعيد هو ذلك الذي استطاع إنجاح ~~المشروع المحفوف بالمخاطر المتعلق بكيف يصبح إنسانا. في النهاية، الأخلاق تتعلق بمعرفة ~~كيفية العيش في رخاء وسرور، وليس بالإخلاص الشديد لقانون أو رغبة. إنها تتعلق بفعلك ما ~~ترغب في فعله (وهو أمر بالتأكيد صعب جدا في تحديده)، وكذلك بفعلك للشيء الصحيح. إن ~~أخلاق الفضيلة لا تعتبر تمسك الفرد برغبته العميقة أو الخضوع للقانون الأخلاقي لذاته ~~أمرين أعلى مكانة من الرحمة أو الشفقة. إن القوانين والالتزامات مهمتان لكن يجب النظر ~~إليهما باعتبارهما الدعائم التي يقوم عليها أي شكل للحياة، وليس كأصنام يجب الخضوع لها ~~لذاتها. إننا لا يمكننا أن نختزل الأخلاق لمجموعة من ms358 القواعد بنفس القدر الذي لا يمكننا ~~فيه أن نحول على نحو كامل ثقافتنا إلى مجموعة من القوانين. أشارت سابينا لافيبوند إلى ~~«اعتماد قوانا الخاصة بالتواصل العقلاني على «تماثل» ليس متعلقا بطبيعتنا؛ تماثل ~~يتجاوز أي التزام جماعي نحو مجموعة مشتركة من القواعد.» # 45 # إن التشابهات الخيالية وليس الالتزامات الرمزية هي الفاعلة هنا. يتضمن ~~العقل العملي نوعا من الكياسة، أو التمييز أو (كما يسميها أرسطو) «الحكمة العملية»، ~~التي يكون من خلالها أقرب إلى النظام الخيالي منه إلى النظام الرمزي. إنه أقرب للنظام ~~الخيالي أيضا لأنه يرى الفضيلة متجذرة في المحاكاة؛ إذ يراها تبدأ من التقليد في ~~الصغر. ولا يرى هذا التيار الأخلاقي أن هناك فئة معينة من العقول يمكنها القيام ~~بالأفعال الأخلاقية تسمى العقول «الأخلاقية» والتي تختلف على نحو حيوي ما عن الفئات ~~الأخرى للعقول. في هذا الإطار، وكما يؤكد برنارد ويليامز، فإن الفكر اليوناني القديم ~~«يفتقد على نحو أساسي لمفهوم «الأخلاق» تماما.» # 46 # إن كانط، بحسب زعم ويليامز، هو من قدم هذا المفهوم المثير للجدل ~~للعالم. # هناك مشكلات تكتنف أخلاق الفضيلة، كما هو الحال في أي نظرية أخلاقية أخرى؛ فهي أخلاق ~~أنثروبولوجية، تقوم في بعض الحالات على تصور للطبيعة البشرية سيجده الكثيرون اليوم غير ~~قابل للتصديق. بالإضافة إلى ذلك، لا تروق الفضائل المفضلة لأرسطو بصراحة للعقلية ~~المعاصرة. فنموذجه الرئيسي للشخص الفاضل، ما يطلق عليه «الإنسان ذو الروح العظيمة»، ~~متعال على نحو بغيض، ولا يراجع نفسه أبدا، وهو مكتف ذاتيا على نحو مغرور، ومتكبر ~~جدا بحيث لا يمكن أن يدين لأحد بشيء، وهو يحتقر الآخرين على نحو واضح. إذا كانت تلك ~~هي الفضيلة؛ فالقليل من الرذيلة ربما يكون مفيدا. إن مثل هذه الأخلاق يجب أيضا أن ~~تواجه الزعم الخاص بالتحليل النفسي القائل بأنه يوجد داخل رغباتنا اليومية ما يسعى ~~إلى تدميرها. وفيما يتعلق بتحقيق الذات، ما الذي يمكن أن ينظر إليه باعتباره نموذجا ~~حقيقيا لهذه الأخلاق؟ وفوق كل ما سبق، يبدو أن تلك الأخلاق لا تتضمن تصورا لجوانب ~~كثيرة من النظام الواقعي؛ ms359 فهي تنتمي على نحو كامل للنظام الرمزي ولا تستطيع إدراك ~~الأهمية الكاملة لأمور مثل الموت والتضحية والتراجيديا والتجريد الذاتي والضياع والرغبة ~~والسلبية والتأزم والغرابة الشديدة للذات. إنها، في بعض الجوانب، أخلاق سامية جدا ~~بحيث لا يمكنها إدراك كل هذا. إن أرسطو هو أول منظرينا العظام فيما يتعلق ~~بالتراجيديا، غير أن عمله «الأخلاق» مختلف تمام الاختلاف عن عمله «فن الشعر». وما كان ~~له أن يفهم أن الرخاء والضياع مقترنان على نحو كبير. # رغم ذلك، هناك ما هو أكثر في فكرة الفضيلة - شيء يتصف بأنه «مدني» على نحو مفرط رغم ~~أنها نادرا ما تكون كذلك - من الإجبار العصابي للعادة، والذي يبدو أنها الكيفية التي ~~يراها بها جاك لاكان. إن عدم رواج أخلاق الفضيلة في أوروبا الطليعية يرتبط على نحو كبير ~~بلا شك بتقديرها للانتظام والاستمرار والقابلية للتنبؤ والذات المتماسكة. كما أنها ~~ستبدو للبعض محافظة في تأكيدها على أعراف أسلوب حياة معين؛ وهذا لا يعني أن وجود أخلاق ~~فضيلة راديكالية مستحيل تماما. # 47 # لكن عدم رواجها يرتبط أيضا بالتقليل من شأن هيجل، الذي يعد الوريث الرئيسي ~~لهذا التيار في العصر الحديث، في مقابل التمجيد الشديد لكانط. لقد نظر العديد من ~~الفلاسفة الأخلاقيين لكانط بنوع من التبجيل وهو أمر يستحقه بسبب فكرة القانون الأخلاقي. ~~إن كانط بلا شك كان جذابا أكثر من هيجل لعصر معارض لفكرة التجميع يعتقد أنه تجاوز ~~السرديات الكبرى. وبسبب تحديده للفروق الدقيقة بين مجالات البحث، كان أيضا ملائما ~~لحقبة تتطلع للأخلاق بحثا عن بديل للسياسة التي فشلت في مهمتها. إذا كانت السياسة قد ~~فشلت على نحو كارثي؛ إذن فالأخلاق قد تكون مصدرا بديلا للقيمة. لكن هيجل، التلميذ ~~الوفي لأرسطو، لم يقم بتلك التفرقة الدقيقة بين المجالين. إنه في ذلك وفي لمعلمه ~~اليوناني القديم. هناك علم يدرس الخير الأسمى للإنسان؛ وذلك كما يشير أرسطو لقارئه في ~~بداية عمله «الأخلاق النيقوماخية»، مضيفا على نحو مفاجئ بعض الشيء أن اسمه هو ~~السياسة. # في حقيقة الأمر، إن مسألة ما إذا كانت الأخلاق تمثل «مجالا» ms360 منفصلا أم لا، وعلى أي ~~نحو يحدث، هو أمر يستحق البحث. نفى جاك دريدا أنها كذلك في عمله «في الروح»، رغم أنه ~~كان كثيرا ما يتحدث عنها وكأنها كذلك. لقد كان ينظر في عمله «قوة القانون» لما هو ~~أخلاقي وسياسي واقتصادي وغير ذلك على أنها «مجالات»، لكنه كان أيضا يرى أنها شديدة ~~الارتباط بعضها ببعض لدرجة أن المصطلح الذي يطلق على كل منها لم يعد كافيا إلى حد كبير ~~للتعبير عنها. # 48 # بالنسبة لسورين كيركجارد، الأخلاق بالتأكيد بعد مميز من الوجود الإنساني. ~~ويرى مارتن هايدجر في عمله «رسالة في النزعة الإنسانية» أن مسألة «الأمور التي ينبغي ~~فعلها» باعتبارها مجال بحث خاص قد دخلت متأخرة إلى دائرة الفكر الإنساني، وظهرت فقط مع ~~بزوغ الفلسفة الأفلاطونية. وتنبع المحاولات المعقدة المتعلقة بربط الأخلاق بالسياسة في ~~كتابات ليفيناس من افتراض أنهما نطاقان منفصلان. ويتحدث الناقد الأمريكي جيه هيليس عن ~~لحظة أخلاقية في القراءة «ليست معرفية ولا سياسية ولا اجتماعية ولا شخصية، ولكن أخلاقية ~~على نحو ملائم ومستقل.» # 49 # سيكون من الصعب في ظل أي مفهوم مكثف على نحو معقول للحياة الأخلاقية أن ~~نحدد شكل تلك اللحظة؛ لكن إذا تبنينا المفهوم الكانطي غير المكثف للأخلاق، كما فعل ~~ميلر، فإنها، على نحو متوقع، ستتمثل في الواجب المطلق. إن هذا الواجب، كما يرى ميلر، ~~«لا يمكن تفسيره من خلال القوى الاجتماعية والتاريخية التي تتصادم معه.» # 50 # ويرى الناقد بول دي مان البعد الأخلاقي للقراءة باعتباره «قانون النص» الذي ~~يفرض نفسه علينا على نحو لا يمكن تجنبه. # يرى سايمون كريتشلي في عمله «الأخلاق التفكيكية» أن «السياسة تبدأ كأخلاق»، وهو ~~افتراض سأوضح عدم صحته لاحقا؛ وأن المجالين السياسي والأخلاقي مع ذلك متزامنان؛ حيث إن ~~كلمة «تبدأ» هنا تشير لأسبقية أنطولوجية وليست زمنية؛ وأن المجتمع له بنية مزدوجة؛ فهو ~~في نفس الوقت علاقة تشارك بين أشخاص متساويين (السياسة) ونظام أقل تناسقا يقوم على ~~اللحظة اللامساواتية للأخلاق (الليفناسية). يعتقد كريتشلي أن النطاق السياسي «يقوم على ~~عدم اختزالية السمو الأخلاقي ... إنه شبكة ms361 مفتوحة وجمعية ومبهمة من العلاقات الأخلاقية ~~التي لا يمكن تجميعها ...» # 51 # من الصعب إدراك أن السياسة قد جرى هنا بنحو أو بآخر إزاحتها من قبل ~~الأخلاق. يتساءل المرء على أي حال، مع وضع صفات «مفتوحة» و«جمعية» و«لا يمكن تجميعها.» ~~في الاعتبار عما قدمته الأخلاق التفكيكية المزعومة للمسألة أكثر مما تقدمه التعددية ~~الليبرالية المألوفة على نحو ممل. يرى كينيث رينهارد أن ليفناس يفترض وجود «فجوة متعذر ~~تجاوزها» أو «معضلة أساسية» بين الأخلاق والسياسة، وأنه محق في ذلك؛ رغم أنه «يمكن للحب ~~في حد ذاته أن يظهر فقط من منظور السياسة في اللاعلاقتها الراديكالية مع الأخلاق ...» # 52 # من المفيد معرفة أن اللاعلاقة بين الأخلاق والسياسة راديكالية وليست لا ~~علاقة فقط. # يمكن للمرء أن يقارن بين هذه الأفكار وآراء الفيلسوف هربرت مكيب الذي يزعم أنه لا ~~يوجد ما يسمى بالنظر لشيء «على المستوى الأخلاقي» أو «في ضوء الأخلاق». إن صحة هذا ~~الزعم ربما تكون محل شك؛ فنحن في بعض الأحيان نحتاج لتمييز «وجهة النظر الأخلاقية» عن ~~وجهة النظر الفنية أو الجمالية أو السياسية. لكنه، إن جاز لنا التعبير، يعد خطأ ~~محمودا؛ فالأخلاق بالنسبة لمكيب هي نقد أدبي أكثر منها تنفيذ لقواعد أو مبادئ. إنه ~~يعتقد أن هدفها «هو تمكيننا من الاستمتاع بالحياة على نحو أكبر عن طريق الاستجابة لها ~~بحساسية أكبر واستكشاف أهمية الفعل الإنساني.» # 53 # وهذا الاستكشاف، شأنه شأن تحليل أي نص أدبي معقد، لا حدود له نظريا. إن ~~هذا لا يعني أن مكيب يرفض القوانين أو المبادئ الأخلاقية (في واقع الأمر، هو متشدد فيما ~~يتعلق بالتمسك ببعضها)، لكن تلك الأوامر والنواهي تكون مقبولة فقط في سياق بحث أوسع ~~ومكثف على نحو أكبر من الناحية المفاهيمية. تتعلق الأخلاق ببنية ونوعية شكل كامل من ~~الحياة. إن هذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها، وليس من الالتزامات المطلقة ~~والمسئوليات اللامتناهية. إن الأخلاق والسياسة نمطا استكشاف مختلفان، بمعنى أن كلا ~~منها يفحص الوجود الاجتماعي من زاوية مختلفة؛ في حالة الأخلاق، القيم وسمات السلوك ~~البشري ms362 والعلاقات الإنسانية؛ وفي حالة السياسة، المؤسسات العامة والعمليات الخاصة ~~بالسلطة. غير أنه لا يوجد تمييز أنطولوجي واضح في هذا الإطار، والاختلاف منهجي أكثر منه ~~حقيقي. # يرفض سلافوي جيجك المكانة التي أعطاها ليفيناس للعلاقة وجها لوجه مع الآخر الكبير. # 54 # وهو يصر، بدلا من ذلك، محقا على أن السياسة هي الأساس الذي تقوم عليه ~~الأخلاق، وليس العكس. إنه يعتقد أن العدالة تسبق الحب وأن ما يسمى بالطرف الثالث له ~~الأولوية على الشخص الأكثر قربا إلينا. غير أن الهدف من ذلك هو عكس التقابل الذي قدمه ~~ليفيناس وليس تقويضه. إن الحب الذي يقلل من مرتبته جيجك لا يزال، كما هو الحال بالنسبة ~~لليفيناس، هو العلاقة المباشرة بين الأفراد؛ في حين أن العدالة، التي يقدمها على الحب، ~~يصفها بأنها عمياء. لكن الحب، كما رأينا من قبل، لا يتعلق في المقام الأول بوجود علاقة ~~مباشرة؛ إذ نجد أن رسالة بطرس الثانية في العهد الجديد تميز بين الحب، والذي يكون غير ~~شخصي تماما، وما تسميه «الحب الأخوي». وبعيدا عن كون الحب يتناقض مع العدالة، فإنه ~~يشبهها في كونه أعمى؛ بمعنى أنه يرفض تفضيل بعض الأشخاص على غيرهم. على الجانب الآخر، ~~فيما يتعلق باهتمام العدالة بمزاعم البشر، فإنها ليست عمياء أكثر من الحب. إن القانون، ~~شأنه شأن الحب، يجب أن يكون حساسا لما هو محدد. إن العدالة ليست عكس الحب، ولكن بعدا ~~منه. إنها تلك المجموعة الفرعية من علاقاتنا مع الآخرين التي تهتم بإعطائهم حقهم حتى ~~يمكن أن تزدهر حياتهم. # يزعم كينيث رينهارد أن «حب الجار لا يمكن تعميمه إلى حب اجتماعي عام.» # 55 # لكن هذا، مرة أخرى، يعني النظر إلى الحب على نحو أساسي باعتباره أمرا شخصيا، ~~وهذا هو السبب في أن من الصعب تحويله إلى شيء اجتماعي. إن هذا يتجاهل الحقيقة التي ترى ~~أن علاقة الفرد بجاره من جانب مهم غير شخصية؛ فحبك للآخرين «من أجل المسيح» يعني أنك ~~تحبهم من أجل إنسانيتهم المجردة؛ وهو تجريد لا يعني رغم ذلك الاهتمام «بهم». إن «الحب ms363 ~~الاجتماعي العام» يبدو مثل نوع غامض من الخيرية العامة، وهي فكرة كان رينهارد محقا ~~تماما في الشك في صحتها؛ لكنه أخطأ في تصور أن مقابل هذا يتمثل في حب على نحو أساسي ~~غير شخصي. # ربما يبدو أن هناك توترا بين أخلاق الفضيلة وأخلاق الحب. إن أرسطو، على سبيل المثال، ~~أغفل على نحو مخز تضمين الإحسان في قائمة الفضائل الخاصة به. يقول آلاسدير ماكنتاير في ~~هذا الشأن: «لا يجد أرسطو مكانا لحب الشخص في مقابل صلاحه أو لطفه أو نفعه.» # 56 # بالنسبة للمسيحيين، حل هذا التوتر في أعمال توما الأكويني الذي يعد ~~مفهومه «السعادة» نسخة من مفهوم أرسطو «الرفاهية»، غير أنها، كما رأينا من قبل، رفاهية ~~يمكن أن توجد بالأساس فقط في حب الرب. إن ما يطلق عليه أنصار أرسطو الفضيلة، أو القدرة ~~التلقائية على عمل الخير، يسميه المسيحيون الفضل. ويعني عيش حياة الفضل اكتساب العادة ~~التلقائية الخاصة بعمل الخير على غرار الفضيلة عند أرسطو، تقريبا بنفس الطريقة التي ~~يؤدي بها الراقص الموهوب حركاته دون تعب. إنه يعد عكس الالتزام الكانطي المرهق ~~بالقانون، كما أنه مقبول على نحو أكبر بكثير. # بالنسبة لذوي التوجه العقلي الأقل روحية، فإن التحول من الفكر الأخلاقي الأرسطي نحو ~~أخلاق أكثر اجتماعية تم من خلال هيجل وماركس. إن هيجل هو من وضع رغبة الفرد في تحقيق ~~ذاته في سياق نفس الرغبة من جانب الآخرين؛ وهو بالتالي من خلص إلى أن كل فرد في ظل ~~نظام اجتماعي عادل يمكنه تحقيق ذاته من خلال، وفي ضوء، تحقيق الآخرين لذواتهم. يصبح ~~الآخرون السبيل والشرط لتحقيق الإنسان لفرديته. إن تحقيق كل فرد لمراده، كما أعاد ماركس ~~صياغة الأمر في عمله «البيان الشيوعي»، شرط لتحقيق الجميع له. ويعد هذا تجسيدا للحب ~~بقدر علاقة الفرد مع الآخر الكبير لدى ليفيناس. إن حقيقة أن الحب هنا سياسي وليس ~~شخصيا لا يهم. لذا، فإن لاكان أخطأ عندما اقتبس باستحسان مقولة مازران «السياسة هي ~~السياسة، لكن يبقى الحب دائما هو الحب.» # 57 # إن الماركسية ببساطة هي ms364 محاولة التوصل لصورة التحول الاجتماعي المطلوبة ~~لرخاء هذا الشكل من الحياة. وعندما يحدث هذا التحقيق الذاتي المتبادل بين فردين - عندما ~~يصبح كل منهما السبيل والأساس لرخاء حياة الآخر - فإنه يعرف أيضا بالحب، سواء كان ~~شهوانيا أم لا. إن الحب ممارسة وليس في المقام الأول حالة روحية. إنه يتضمن كلا من ~~الحرية والاستقلالية؛ حيث إنه يسمح للفرد بالتحرر من الخوف من أن يكون ذاته. إن الخوف، ~~وليس الكراهية، هو الذي مقابل الحب. وهو يتطلب أيضا وجود مساواة؛ حيث إن هذه العملية ~~لا يمكنها في واقع الأمر أن تحدث سوى بين أشخاص متساويين. إنها مسألة متعلقة بما يطلق ~~عليه أرسطو «الصداقة». فلا يمكن أن تكون هناك صداقة حقيقية بين الفرد وخادمه، مهما يشرق ~~وجه الفرد ويتحمس عندما يدخل عليه خادمه الغرفة. # إن تحقيق الفرد لذاته بحيث يوجد مساحة للآخرين كي يفعلوا نفس الشيء ليس بأخلاق ~~القانون أو الواجب أو الضمير أو الالتزام، غير أنها على نحو واضح أخلاق تتضمن هذه ~~الأمور. إنها تستبعد، في واقع الأمر، أي معاملة للآخرين لا تؤدي لتحقيقهم لذواتهم أو ~~لتحقيق الفرد لذاته؛ مثل الاغتصاب والتعذيب والقتل. إن أوامرها ونواهيها مشتقة من مفهوم ~~إيجابي للخير، بدلا من أن تكون مثلا للخير للأسمى في حد ذاتها (وذلك كما هو الحال ~~بالنسبة للقانون الأخلاقي الكانطي أو على الأقل الرغبة في الالتزام به). إن فكرة ~~التعاون المستقل التي اطلعنا عليها من قبل، والتي تكون الأمور فيها منظمة بحيث - بقدر ~~الإمكان - يساعد تحقيقي لأهدافي على تحقيق الآخرين لأهدافهم والعكس، قد تسهم في تحقيق ~~تلك الرؤية السامية على أرض الواقع. وهذه الأخلاق، دون شك، أخلاق مثالية، لكن هذا لا ~~يعيبها. وفي هذا، هي تتشابه مع المثالية الأخلاقية الكانطية. فلا معنى لأن نضع لأنفسنا ~~أهدافا أخلاقية متدنية للغاية. ومن الصعب أن نفكر في هدف أكثر أهمية نسعى وراءه، حتى ~~وإن كان تحقيقه على نحو تام قد يكون متعذرا. إن هذه بالتأكيد شكل من أشكال الحياة الذي ~~يعد أكثر استحسانا من أخلاق النظام الواقعي، حتى ms365 وإن كانت تلك الأخلاق لديها الكثير ~~المهم لتقوله عما قد يكون مطلوبا لتحقيق هذا النوع من الصداقة السياسية. # إن التأثر الشديد بالفكر الكانطي البادي في أعمال مفكرين مثل لاكان وليفيناس ودولوز ~~وليوتار وفوكو ودريدا، والتقدير الغريب لفكره في باريس، مستحقان تماما؛ لأنه يستحق أن ~~يكون أعظم أو ثاني أعظم فيلسوف في تاريخ البشرية. يشعر المرء أن هؤلاء المفكرين يرون ~~أن كانط «هو» الفلسفة الأخلاقية. غير أن هذا التبجيل أيضا مفاجئ؛ إذ كان هناك اتجاه ~~واضح في العصر الحديث للهجوم على فكرة الواجب الأخلاقي، والذي كان عمل برنارد ويليامز ~~«الأخلاق وحدود الفلسفة» من أبرز الأمثلة عليه. وبينما كان ليفيناس ودريدا وآخرون ~~يتحدثون عن الالتزامات المطلقة والمسئوليات اللانهائية، كان ويليامز وآخرون يشيرون إلى ~~كيف أن هذا التقديس لفكرة الواجب يجعل الفكر الأخلاقي فقيرا جدا. في هذا الإطار، كان ~~لتفضيل فكر كانط على فكر هيجل بعض التبعات الكارثية بعض الشيء؛ فالخطاب المعروف بالخطاب ~~الأخلاقي يفترض على نحو خاطئ أن الالتزام يكمن في قلب المسألة الأخلاقية؛ وهو رأي نشره ~~بحماس ليفيناس ودريدا، رغم كل تشككهما في الفكر الأخلاقي التقليدي. وينطبق تقريبا نفس ~~الشيء على اللاكانيين، الذين يرون، كما أوضحنا، أن الالتزام المطلق المقصود ليس ~~قانونا أخلاقيا وإنما رغبة متعلقة بالوجود المميز للفرد. لكننا لا نهرب من استبداد ~~شيء مفروض باستبدال إلزام بإلزام آخر. إن الالتزامات، شأنها شأن المبادئ، لها دور ~~بالتأكيد في الخطاب الأخلاقي؛ لكن باعتبارها أحد العوامل المساهمة فيه ضمن عوامل عدة ~~أخرى، وليس بالضرورة ذلك العامل الذي يجب أن تخضع له دائما كل العوامل الأخرى. # إن جانبا كبيرا من الخطاب الأخلاقي مهووس بمسألة المبادئ والالتزامات، وورثته ~~الطليعيون لم يختلفوا كثيرا في هذا الشأن. إنه يفترض أن هناك فئة خاصة من الدوافع ~~للفعل تسمى الدوافع «الأخلاقية»، والتي تختلف على نحو شديد في طبيعتها عن أي دوافع أخرى. ~~كما أنه يميل لتصور أن تعقد المسائل الأخلاقية يمكن اختزاله في مبدأ واحد أو مجموعة من ~~المبادئ. وهو يدور على نحو ضيق الأفق في فلك مجموعة ms366 من المفاهيم الصارمة بعض الشيء ~~المتمثلة في إصدار الأحكام ولوم الآخرين، والقبول والرفض. إن الفارق بين الفضيلة وأخلاق ~~الفضيلة في هذا الإطار يشبه الفارق بين الروائي المعتمد في أسلوبه على المواعظ ~~والفيلسوف الواقعي. ولأن الفضيلة تعتقد على نحو خاطئ أن أي فعل يمكن الحكم عليه ~~أخلاقيا يجب أن يتم بمحض اختيار الفرد، وأن البديل الوحيد لتلك النزعة الاختيارية هو ~~الحتمية ، فإنها خطاب يفسده تبادل الاتهامات. إنها تمثل الرؤية المتشددة للوجود الإنساني ~~التي جعلت المسيح يصب ويلات شديدة على رءوس الفريسيين؛ رغم أنهم، من الناحية اللاهوتية، ~~كانوا قريبين إليه إلى حد كبير في بعض الجوانب. # إن الفضيلة بهذا المعنى تتعلق بالندم وتأنيب النفس والمسئولية المطلقة. إنها السبب في ~~وضع العديد من الأفراد على منصة الإعدام في الولايات المتحدة الأمريكية. إن الفكرة التي ~~ترى أن الفرد مسئول مسئولية مطلقة عن أعماله فكرة تشترك فيها الأيديولوجيا الأمريكية مع ~~إيمانويل ليفيناس. إن أقوى أمة في التاريخ أصبحت في قبضة شكل مجنون من النزعة ~~الاختيارية. إن اللاكانيين أيضا، بإخلاصهم الشديد للفكر الكانطي، يفترضون أن الأخلاق ~~تتعلق في الواقع في الغالب بلوم الآخرين والندم والقانون والالتزام والواجب؛ لكن بهدف ~~إيجاد مخرج من هذا الوضع البغيض للوجود. إن هذا المخرج يمكن إيجاده فيما يتجاوز ~~القانون، في أخلاق النظام الواقعي (المنظور له على نحو إيجابي). وإن لم يكن هؤلاء قد ~~تبنوا على نحو رسمي هذا الشكل الممل من الأخلاق منذ البداية، فربما ما كان عليهم أن ~~يلجئوا لمثل هذه المحاولات البارعة (والمستبعدة أحيانا) للهروب منه. إن ما تشترك فيه ~~كل من الفضيلة والأخلاق الواقعية هو نقائيتهما. إنها روحانية شبه دينية ورثها ~~اللاكانيون من كانط؛ تلك التي يمكن أن تراها الديانتان اليهودية والمسيحية باعتبارها ~~أمرا مطلوبا بشدة في هذه الحياة الدنيا. عندما كتب سلافوي جيجك يقول إن «الحياة ~~الدنيا ذات أهمية ثانوية» في المسيحية، # 58 # كما لو أن المسيحيين مخلوقون من مادة أخرى غير البشر الآخرين ولهم هيئة ~~أخرى تختلف عنهم، فإنه نسي للحظة أن الخلاص أمر دنيوي؛ وأن ms367 جسد المسيح بعد قيامته ~~ينظر إليه تقليديا على أنه لا يختلف كثيرا عن جسده عند ميلاده؛ وأن ملكوت الله ~~ينظر إليه تقليديا على أنه أرض جديدة وليس مدينة في السماء. # هناك شيء غريب على نحو مميز فيما يتعلق بأخذ مفكرين ما بعد بنيويين من أمثال دريدا ~~وليوتار وهيليس ميلر ودي مان لحقائقهم الأخلاقية عن حكيم كونيجسبرج، كانط. فمن ناحية، ~~كان كانط يدعو لصورة من العمومية كانت تهاجمها بشدة ما بعد البنيوية. ومن ناحية أخرى، ~~إن هذا المدافع المتزمت عن الواجب والقانون سيبدو مختلفا بشدة في نبرته ورؤيته عن ~~نسبويي «ريف جوش» الكسالى اللعوبين الساعين وراء المتعة. ونحن لا يمكن أن ندعي أن ~~شخصيات مثل رولان بارت أو جون بودريار يمكن أن تدعو للالتزامات الحتمية والأوامر ~~المطلقة. لكن هناك عددا من الأمور التي يتفق فيها الفريقان؛ إذ يشتركان، على سبيل ~~المثال، في نوع معين من الشكلية. فكما أن القانون الأخلاقي الكانطي يفتقد كل المادة ~~التي تتجاوزه، فإن المادة بالنسبة لما بعد البنيوية خاضعة لقواعد الخطاب، ولعب الدوال ~~والفعل العشوائي المتمثل في افتراض الاختلاف أو تبدله الدائم. إن الفرض الكانطي للقانون ~~على الفرد تحول على يد ما بعد البنيويين إلى نسخة أخرى من العلامة ذاتية المرجع. # تشترك النظريتان أيضا في معارضتهما للرؤية التأسيسية. إن القانون الأخلاقي الكانطي ~~لا يرتكز على الإله أو الطبيعة البشرية ولكن على نفسه. إن ما بعد البنيوية على نحو ~~مماثل مستعدة بالطريقة النيتشوية للعيش دون أسس مطلقة. لكن ما هو أخلاقي، الذي يرى ~~باعتباره قانونا قهريا على نحو غامض، يمكن أن يمد هذا العالم المضطرب ببعض الأساس ~~الذي يضمن له بعض الاستقرار. يكتب بول دي مان قائلا: «الأخلاق لا علاقة لها بالإرادة ~~(المقيدة أو الحرة) للذات ولا بالأحرى بالعلاقة بين الذوات.» # 59 # وهنا يبرز، في أخلاق تتجاوز الذاتية، مظهر آخر من مظاهر التشابه بين كانط ~~وما بعد البنيويين؛ حيث إن الذات الأخلاقية لكانط، التي لا تعدو كونها تابعا خاضعا ~~للقانون، تتشابه مع الذات غير المتمركزة لما بعد البنيويين. ms368 وكما أن العشوائية التامة ~~تهمش الذات، فهكذا تفعل الالتزامات الحتمية الذي يجعلها تبدو غير مهمة على نحو ~~كبير. # إن ما هو أخلاقي، في هذا السيناريو الكئيب الذي نسجه دي مان، لا علاقة له بفاعلية ~~الإنسان أو قدرته على اتخاذ القرار. إنه بالأحرى قوة تفرض، مثل اللغة، نفسها علينا بكل ~~الإلزام التعسفي الموجود في أي عمل درامي لإسخيلوس. يتحول القانون الأخلاقي الكانطي إلى ~~لغة أو نص؛ يقول دي مان في هذا الإطار: «ما يجعل قراءة ما حقيقية بنحو أو بآخر هي ~~حتمية أو ضرورة حدوثها، بصرف النظر عن رغبة القارئ أو المؤلف.» # 60 # إذا كان دي مان يقصد أن المطلقات الأخلاقية تشبه إجبار الفرد على قراءة نص ~~بطريقة معينة؛ إذن فقد أساء فهم طبيعة تلك الالتزامات، التي يمكن بالطبع دائما ~~مخالفتها. إن الإلزام عنده سيبدو طبيعيا أكثر منه أخلاقيا؛ أشبه بزلزال أكثر منه ~~فرضا أخلاقيا. # إن هيليس ميلر أيضا، شأنه شأن دي مان، ينظر إلى الأخلاق من منظور المطلقات والملزمات. ~~إنه أيضا يتشابه مع دي مان في إعادة صياغة أفكار كانط بأسلوب ما بعد بنيوي أكثر عصرية. ~~إن القوانين المطلقة موجودة، لكن «لا يوجد إطلاقا أي أساس لها في المعرفة؛ أساس يخضع ~~في النطاق المعرفي إلى تصنيف الصحة أو الخطأ.» # 61 # كما هو الحال مع قرارية دريدا، فإن ملكة الإدراك التابعة لا يسمح لها ~~بأن تلعب أي دور في القيمة الأخلاقية. لا يمكن أن تنبني القيم الأخلاقية على حسبما يكون ~~الحال؛ لأن ذلك في حد ذاته تأويل لا أساس له. ليس الأمر أن العقل الخالص والعقل العملي ~~يجب أن يميز بينهما على نحو واضح، كما فعل أنصار كانط، لكن بالأحرى أنه لا يوجد في ~~واقع الأمر عقل خالص في المقام الأول. # يرى أنصار كانط أن الحقائق شيء والقيم شيء آخر، أما ما بعد البنيويين وأتباعهم ما بعد ~~الحداثيين، فيرون أنه لا يوجد فرق بين الاثنين؛ لأن الحقائق ببساطة قيم في صورة ~~تجريبية. إن قيمك هي التي ستحدد ما تراه. بالنسبة لكانط، ms369 إن نوعية المعرفة التي يمكن أن ~~تكون لدينا عن العالم التجريبي ليست من النوع الذي يمكن أن يكون أساسا لنظرياتنا ~~الأخلاقية، ليس فقط لأن العالم يقوم على الحتمية والأخلاق على الحرية. وبالنسبة لما بعد ~~البنيويين، المعرفة ببساطة أمر غير مستقر جدا؛ بحيث لا يمكن أن يمثل أساسا لأي شيء ~~على الإطلاق. في حقيقة الأمر، إن هذا هو أحد أسباب تبنيهم للفكر الكانطي. لقد أشرنا في ~~فصل سابق إلى أنه بحلول نهاية القرن التاسع عشر وجد عدد من أنصار الوضعية والحتمية ~~العلمية والماركسية الثورية أنفسهم غير قادرين على استدعاء القيمة الأخلاقية من عالم ~~كانوا هم أنفسهم يسعون بشدة لتفريغه من معناه؛ ومن ثم كانوا مجبرين على تضمين أجزاء ~~مختارة من الفكر الكانطي في نظرتهم للعالم من أجل ملء الفجوة الأخلاقية التي أحدثوها هم ~~بأنفسهم. لقد وجدت ما بعد البنيوية - في ظل نظرتها للعالم باعتباره الإشارة ~~السيميائية الباقية أو الفورة الشهوانية أو لعبة السلطة - نفسها بالمثل تسعى إلى الوصول ~~لطريقة لاستدعاء القيم في ظل هذه الظروف، وكررت ما قام به سابقوها في نهاية هذا القرن ~~في استدعائها لأفكار كانط. # صحيح أن الحقائق والقيم من ناحية مرتبطتان في الفكر ما بعد البنيوي؛ حيث اتضح أن ~~كلتيهما خيالات لا أساس لها. لكنهما من ناحية أخرى منفصلان؛ حيث إن الوضع الخيالي ~~للحقائق من الأسباب التي تمنعنا من الاستعانة بالإبستمولوجيا للمساهمة في الأخلاق. إن ~~الالتزامات الأخلاقية والسياسية يجب أن تكون مستقلة عن الحقائق، مع افتراض وجود حقائق ~~في المقام الأول. هنا، يوجد انحدار مستتر من الزعم المعقول القائل بأن القيم الأخلاقية ~~لا يمكن ببساطة أن تتأسس على الحال الواقع أيا كان، إلى الزعم غير المعقول القائل بأن ~~ما هو معرفي وما هو أخلاقي منفصلان تماما. ليس هذا هو الحال في أخلاق الفضيلة التي ترى ~~أن الشخص الفاضل سيرى بالفعل الجوانب الموضوعية للوضع والتي لن يراها الشخص الأقل ~~فضيلة، وقد يرى أن هذه الحقائق تعد سببا كافيا وراء ضرورة اتخاذ نوع معين من الفعل. # 62 # لكن هيليس ms370 ميلر يرى أنه كلما قلت الحقائق التي تدخل لعالم القيم، أصبحت أحكامنا ~~الأخلاقية أكثر نقاء. يقول ميلر بنبرة مانح متحفظ على وشك أن يرجع فيما منحه على نحو ~~روتيني: «لا شك أن السياسة والأخلاق دائما ما يرتبطان على نحو وثيق، لكن الفعل ~~الأخلاقي المتحدد بالكامل من خلال مسئوليات أو اعتبارات سياسية لم يعد أخلاقيا. بل ~~يمكن أن يقال عنه من ناحية معينة إنه لا أخلاقي .» # 63 # كلما ازداد الطابع السياسي لأفعالنا، أصبحت أقل أخلاقية، وهو وضع ربما كان ~~سيمثل مفاجأة بعض الشيء لمارتن لوثر كينج. إن المجال السياسي، كما هو الحال عند ~~الواقعيين الأخلاقيين، قد انحط إلى مستوى نفعي على نحو قاتم، وهكذا يكون من الصعب على نحو ~~مفهوم ربطه بأخلاق جرى تعريفها من خلال مقارنتها به. وكلما انحط مستوى ما هو سياسي، بدا ~~ما هو أخلاقي متعاليا أكثر. إن كون هذا في حد ذاته تأثير تاريخ سياسي معين هو أمر ما ~~كان هيليس ميلر بلا شك سيعتبره حكما أخلاقيا خالصا. # إذن، فالأخلاق تعسفية ومطلقة في نفس الوقت، تماما مثل قواعد لعبة معينة. إنها أساس، ~~لكنها ليست بأساس على الإطلاق. كما أنها لا يمكن تجنبها ولا يمكن كذلك تبريرها. وكما هو ~~الحال بالنسبة للغة، على الأقل في ضوء النظرة الما بعد بنيوية لها، فإن الأوامر ~~الأخلاقية تمتلك القوة غير المدفوعة لما هو مبني بالكامل على نفسه. إنها أوامر متماثلة ~~مع ذاتها على نحو مهيمن في عالم ليس متماثلا مع ذاته. إنها تبدو تعسفية فقط لأنها تبدو ~~أنها تصدر من لا شيء؛ إذ لا يوجد مصدر لها في المعرفة أو التاريخ أو السياسة أو ~~الطبيعة؛ لكن هذا الغياب الظاهر للسياق هو أيضا ما يجعلها مطلقة أو متسامية بدرجة ما. ~~إننا نشعر بأننا مجبرون على التعامل مع هذه الأوامر باعتبارها كيانات غامضة في حد ~~ذاتها، ومطلقة على نحو غريب في قوتها. إنها مطلقة ليس لأنها مبررة على نحو قوي، لكن على ~~وجه التحديد لأنها ليست كذلك. إن كونها مطلقة يتناسب مع كونها ms371 مبررة؛ بحيث، كما هو ~~الحال بالنسبة لفعل متهور لا أساس له، يبدو عدم وجود تبرير لها نوعا فاسدا من ~~التبرير. فإذا لم يكن هناك سبب محدد للالتزام بها، فليس هناك سبب محدد لمخالفتها كذلك. ~~وهكذا، يمكن لما بعد البنيوية أن تتجنب أوجه النقص الموجودة في النسبية الأخلاقية مع ~~الاحتفاظ برؤيتها المعارضة للتأسيس. لكنها يمكنها فعل ذلك فقط على حساب الخلط بين ~~المطلق وغير المدفوع. # هناك سبب آخر وراء ترحيب ما بعد البنيويين بالزعم الخاطئ القائل بأن الأخلاق تتمثل ~~بالأساس في أوامر ونواه ووعود والتزامات وما شابه، وهو أنه يعد باختزال مسألة الأخلاق ~~في النطاق الأدائي المألوف بشدة بالنسبة لهم؛ إذ تحل اللغة محل القانون، بحيث تحل القوة ~~غير البشرية للغة نفسها محل الطبيعة غير البشرية للقانون الأخلاقي الكانطي؛ أي تجاهله ~~القاسي لقدرات الذوات البشرية. إنها أخلاق الأجناس الأدبية. وفكرة أن مصدر بشريتنا شيء ~~غير بشري تعد فكرة حداثية تمتد من كانط إلى دريدا. إن هذا الإحلال بالتالي له تأثير على ~~مسألة صحة الأحكام الأخلاقية؛ فالأحكام الأخلاقية تعد في حقيقة الأمر عبارات خطابية، لم ~~يعد بالإمكان تقييم قيمة صحتها أكثر من أي نوع آخر من الفعل الكلامي الأدائي. إن ~~الأحكام الأخلاقية، كما يرى ميلر، «افتراض لقانون أخلاقي لا أساس له، ودائما يكون غير ~~عادل وغير مبرر؛ وبالتالي دائما من المنتظر أن يحل محله افتراض لقانون أخلاقي آخر أكثر ~~قوة أو إقناعا على نحو مؤقت، لكنه أيضا لا أساس له.» # 64 # سيكون من المثير للاهتمام معرفة كيف أن هذا «التحذير» قد ينطبق على الحكم ~~المتعلق بقتل ماو تسي تونج لملايين من مواطنيه. إن القانون الأخلاقي بالنسبة لميلر مطلق ~~حتى يطيح به قانون أخلاقي آخر أصلح، وعندها يتوقف الأول تلقائيا عن كونه مطلقا. ~~بالمثل، لم تغير الكنيسة الكاثوليكية الرومانية من فكرها قط؛ فهي ببساطة تنتقل من حالة ~~يقين لأخرى، كما تفعل إذا أرادت تغيير رأيها عن الإجهاض أو منع الحمل. هناك لمحة ~~تذكرنا بنيتشه أو الدارونية الاجتماعية في إحلال ميلر الأقوى محل الأضعف، ms372 كما هو ~~الحال بالنسبة لقرارية «الافتراض الذي لا أساس له» الخاص به وبدي مان. في واقع الأمر، ~~إن هذه الأخلاق بأكملها تعد مزيجا مثيرا من أفكار نيتشه وكانط. كتب نيتشه في إحدى ~~حالاته المزاجية الأقل تواضعا يقول: «الفلاسفة الحقيقيون ... قادة ومشرعون؛ إنهم يقولون: ~~«هكذا» يجب أن يكون عليه الحال!» # 65 # إذا لم يعد بالإمكان تبرير الأحكام الأخلاقية من خلال العقل أو الأدلة، ~~فيمكن للفرد دائما الرجوع للقوة البلاغية الخالصة. «فقط افعلها!» هو الشكل الذي يأخذه ~~هذا النوع من الأمر الأخلاقي. ولأنه لا تبرره أي سلطة عقلية، فلا يمكن إنكاره لأنه لا ~~يوجد ما يمكن إنكاره. إن مثل هذه الأوامر ببساطة تهبط علينا على نحو غامض من أعلى. ~~وبمجرد أن يضفي الفن بعد الحداثة هالته الموقرة، تصبح الأخلاق الشكل الجديد من التسامي ~~في حقبة ما بعد التدين. # توجد نفس هذه القرارية الراديكالية في عمل جان فرانسوا ليوتار «مجرد لعب» والتي أدخلت ~~تغييرا ما بعد بنيوي على الحظر الفلسفي المعتاد المتعلق باستخلاص ما هو معياري من ~~عبارة وصفية. يشير ليوتار إلى أن الأخلاق والسياسة لا يمكن أن يقوما على علم المجتمع. ~~يتفق ميشيل فوكو مع ذلك ويضيف: «ليس من الضروري على الإطلاق الربط بين المسائل ~~الأخلاقية والمعرفة العلمية ... أعتقد أن علينا أن نتخلص من تلك الفكرة المتعلقة بوجود ~~رابط تحليلي أو ضروري بين الأخلاق والبنى الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية الأخرى». # 66 # إن الفكرة المقابلة قدمها دينيس تيرنر حين قال: «إننا نريد أن نعرف لأننا ~~نريد أن نكون أحرارا؛ ومن وقت لآخر، نطلق مسمى «معرفة» على أشكال البحث التي نحتاج ~~إليها إذا أردنا أن نحرر أنفسنا من تلك المفاهيم القديمة التي تحولت على مدار التاريخ ~~إلى مفارقات تاريخية للأيديولوجيا.» # 67 # ليست كل المعرفة، بالتأكيد، من هذا النوع السياسي؛ لكن تيرنر يرى أن النوع ~~الحيوي من المعرفة الذي نسميه المعرفة التحررية لا يمكن بسهولة أن يتلاءم مع التقسيم ~~الصارم بين ما هو وصفي وما هو معياري. ويضيف أن الأخلاق بصورتها الكلاسيكية «استكشاف ~~علمي ms373 للنظام الاجتماعي يمكن أن ينتج قواعد للفعل.» # 68 # ومن ثم هي عكس الأيديولوجيا. إن ما قام به ماركس في أعماله، على سبيل ~~المثال، هو استكشاف أخلاقي بالمعنى التقليدي للمصطلح، حتى وإن فشل في معظم الأحيان في ~~إدراك الأمر على هذا النحو. لكنه سرعان ما رأى أن هذا الاستكشاف الأخلاقي نوع من الوعظ ~~الأخلاقي؛ مما جعله يستبعده باعتباره خطابا أيديولوجيا إلى حد كبير. إنه في ذلك اتبع ~~عن غير قصد الكانطيين والعاطفيين والليبراليين والإنجليكانيين المتشددين، الذين سعوا ~~جميعا لاختزال الأخلاق في مثل هذا الأمر عديم الفاعلية سياسيا. # يجب بالطبع أن تتضمن الأوامر الأخلاقية معتقدات عن حال العالم. فعلى سبيل المثال، لا ~~معنى للضغط من أجل إلغاء العبودية الإقطاعية في مدينة هيمل هيمبستيد الإنجليزية، ولا ~~يجب إغلاق المتاجر التي تبيع الفيديوهات الإباحية في المناطق التي تسكن فيها قبائل ~~الدينكا، على الأقل الآن. لكن بالنسبة لليوتار، سيبدو أن ما هو تجريبي قد فشل في الدخول ~~إلى المجال الأخلاقي حتى بهذا المعنى الواضح. ويؤكد في عمله «مجرد لعب» على أننا يجب أن ~~نصدر أحكامنا «دون معايير ... لقد أصدرت الحكم، وهذا كل ما يمكن قوله ... أعني أنني، في كل ~~مرة، يكون لدي اعتقاد ما، وهذا كل ما في الأمر ... لكن إذا سئلت عن المعايير التي ~~استخدمتها في حكمي، فلن أجد إجابة أقدمها.» # 69 # وبعد بضع صفحات من هذا التأكيد، نجد أن ليوتار أعلن عن هذا الاستدعاء ~~الصادم على نحو مقصود لدوجماتية الحدس بطريقة كانطية أكثر مهابة؛ إذ يخبرنا على نحو ~~مقبول أكثر بأن الأحكام الأخلاقية والسياسية يمكن أن تصدر «دون المرور بمنظومة مفاهيمية ~~يمكن أن تكون بمنزلة معيار للممارسة.» # 70 # إنها قريبة من الفكر الجمالي لكانط منها إلى الإبستمولوجيا الخاصة به. إن ~~القواعد الأخلاقية لا يمكن تبريرها، وهو الأمر الذي يعد بالنسبة لليوتار جزءا من ~~جاذبيتها الغامضة. إن القانون الأخلاقي نتاج تسامي غير مبرر. ولا توجد طريقة مبدئية أو ~~عامة أو مفاهيمية لتحديد السبب وراء تبني شخص لتوجه أخلاقي أو سياسي بعينه. إن ما ~~يلزمنا ms374 هو نوع من السمو الأخلاقي «المتجاوز على نحو مطلق لإدراكنا». # 71 # إن هذا يصور على نحو محير حدسا خالصا، ويشير إلى أن الالتزامات الأخلاقية الأساسية ~~ليست قرارات واعية تماما، وإنما هناك لمحة من الحتمية بشأنها؛ فأنت لا تستطيع تغيير ~~نفورك من فكرة الإبادة الجماعية فقط لأنك ترغب في فعل هذا. وبهذا المعنى، فإن أكثر ~~المواضع التي نكون فيها على طبيعتنا ليست على الإطلاق تلك التي نكون فيها في قمة ~~حريتنا، على الأقل في إطار أحد المعاني المألوفة لكلمة «حرية». إن هذا ربما يكون إحدى ~~الطرق العديدة التي يمكن من خلالها تقويض التفرقة الكانطية بين الحرية والحتمية. إن هذه ~~التفرقة غير موجودة أيضا في العقيدة المسيحية؛ فالرب في نفس الوقت المصدر الضروري ~~لوجود الفرد والقوة التي تتيح له أن يكون حرا. وفقط لأن البشر معتمدون على الرب، فإن ~~بإمكانهم تحديد مصيرهم. يرى ليوتار أن القانون الكانطي «يرشدنا إلى معرفة ما هو عادل وما ~~هو غير عادل. لكنه، في نهاية الأمر، يرشدنا دون أن يفعل ذلك في واقع الأمر؛ أي، دون أن ~~يحدد لنا ما هو عادل.» # 72 # وكما هو الحال في كتابات دريدا، فإن القرارية والشكلية الكانطية والاستدعاء ~~شبه الروحي للغموض تتلاقى مع الهجوم الما بعد ماركسي على الأجندات الحتمية. # إن الأخلاق، كما يقر هيليس ميلر على مضض بعض الشيء، مرتبطة ارتباطا شديدا بالسياسة؛ ~~لكنها أيضا تتلوث بطبيعتها الفاسدة، ومن الأفضل أن تنفصل عنها، تماما كما هو الحال ~~بالنسبة للزوج الذي تتنمر عليه زوجته. نجد هنا رؤية صارمة ترى السياسة والأخلاق ~~والإبستمولوجيا باعتبارها عوالم منفصلة (وإن لم تكن متمايزة). إن تحرير الأخلاق من ~~السياسة يعني استرجاع القيمة الأخلاقية من المناخ الفاسد للتاريخ في القرن العشرين. إن ~~ما دمر البرامج والمبادئ العالمية قبل كل شيء أوهام الفاشية والستالينية. هذا بالتالي ~~يمثل آخر أوجه التلاقي بين الكانطية وما بعد البنيوية، وهما نظريتان لأسباب شديدة ~~الاختلاف تحذر بشدة مما هو تاريخي. بالنسبة لأرسطو، ستكون الفضيلة غير السياسية فكرة من ~~الصعب فهمها؛ ليس فقط لأن ms375 لديه مفهوما مختلفا عن الفضيلة مقارنة، لنقل، بميلر أو ~~لاكان، ولكن أيضا لأن لديه مفهوما أقل توهما بكثير للسياسة. فكيف يمكن للمرء أن ~~يقيم سمات الفعل والشخصية بمعزل عن «المدينة» التي تنتجها؟ إن الحكم الذي يعجز عن ~~أخذ تلك الاعتبارات في الحسبان لن ينتمي إلى نطاق الأخلاق وإنما إلى نطاق الوعظ الأخلاقي. إن ~~الأخلاق والسياسة ليسا نطاقين منفصلين ولكن منظورين مختلفين للشيء ذاته؛ فالأولى تتناول ~~أمورا مثل الحاجات والرغبات والسمات الشخصية والقيم، في حين أن الثانية تتناول ~~المواثيق وأشكال السلطة والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية التي تكون في إطارها وحدها تلك ~~الأشياء معقولة. هذا السبب هو الذي جعل أرسطو ينظر إلى الأخلاق باعتبارها أحد فروع السياسة. ~~ولمعرفة بعض تبعات هذا الأمر، يمكننا الانتقال الآن إلى خاتمة الكتاب. # | هوامش # | خاتمة # ثمة وجه يكون فيه جميع الغرباء غرباء دم؛ إذ يتحدث القديس بولس في رسالته إلى أهل ~~أفسس عن انهيار الحواجز بين إسرائيل والأغيار؛ الغرباء الذين وصفهم بقوله: «كنتم قبلا ~~بعيدين وصرتم الآن قريبين بدم المسيح.» وبولس نفسه، كما يشير، «بشركم بسلام أنتم ~~البعيدين والقريبين». فقد أعاد المسيح تشكيل الفضاء الجغرافي، ماحيا الاختلاف بين من ~~هم خاضعون للقانون ومن هم غير خاضعين له، ولم تعد الأمكنة المادية مهمة. # من الخطأ أن نعتبر عواطفنا التلقائية مقتصرة على من نعرفهم، في حين يجب أن يحال ~~اهتمامنا بأولئك البعيدين عنا إلى الآلية العقيمة الخاصة بالعقل المجرد؛ فكثير من الناس ~~يشعرون بعاطفة أكبر تجاه ظاهرة نائية عنهم من شعورهم تجاه جيرانهم، أو حتى من هم أقرب ~~إليهم من ذلك؛ إذ يمكن أن تؤرقك مجاعة بعيدة، أو حتى هزيمة سياسية مر عليها قرون، أكثر ~~مما يؤرقك إفلاس أخيك. ويخطئ أنصار مذهب الخير في تصور أن العواطف شأن محلي إلى حد ~~كبير؛ فليس صحيحا، كما يرى العديد من المحافظين، أن الشعور هو عدو الوحدة العالمية؛ ~~فالمشاعر تنشأ في المنزل فقط بالمعنى الذي يقول إن هذا غالبا هو المكان الذي نتعلمها ~~فيه لأول مرة. غير أن أول ارتباطاتنا الحميمية قد تكون ms376 تجاه الزعيم أكثر من الأقارب. ~~ويمكن القول إن النزعة العاطفية هي إحدى أشكال العاطفة التي لم تتمكن قط من مغادرة ~~المنزل. وفي رد فعل على هذا التقسيم المناطقي، يرى كانط أنه من الأجدر التعامل مع من ~~نحبهم تقريبا بنفس الطريقة التي نتصرف بها مع الغرباء. وإذا كان كانط لا يعني بهذا ~~أننا يجب أن نعامل شركاءنا أو أطفالنا بلامبالاة عاطفية، فإن هذا وأشياء أخرى ترجع إلى ~~أننا لسنا دائما غير مبالين عاطفيا تجاه الغرباء. وحتى الإنجليز يمكن أن يتفقوا مع ~~هذا. # ترى سيلفيان أجاسنسكي أن «في حالة الاحترام الأخلاقي أو الحب بدافع الواجب، تنشأ ~~علاقتي من ضرورة لا تراعي فردية الآخر.» وإن كان هذا يعني أننا دائما نتصرف بلا عاطفة ~~عندما يتعلق الأمر بالغرباء، فإن هذا الزعم غير صحيح بالقطع. لقد رأينا أيضا أن عدم ~~مراعاة فردية شخص آخر بمعنى عدم حصر الحب في أشخاص معينين (أصدقاء، على سبيل المثال، أو ~~أبناء نفس البلد أو مواليد نفس البرج أو أصحاب نفس لون الشعر) لا يعني بالضرورة عدم ~~مراعاة فرديتهم، بمعنى عدم الالتفات إلى احتياجاتهم الخاصة. وعلى أي حال، ثمة طرق ~~لاحترام فردية الآخرين أكثر من الشعور بالمودة الشخصية تجاههم؛ فالقانون - كما تضيف ~~أجاسنسكي - يتطلب دائما «حل الروابط؛ أي العلاقات التي تربطنا بفرديات متناهية، ~~والعلاقات التي تربط الكيانات الجسدية الفردية معا.» # 1 # لكننا رأينا في حالة شايلوك أن القوانين موجودة لحماية العلاقات الجسدية، ~~وليس لحلها؛ فعلاقات المرء الجسدية مع الآخرين ليست مقصورة ببساطة على العلاقات ~~المباشرة. كما أن الروابط العاطفية بيننا وبين الآخرين لا تنحل بالضرورة من خلال ~~القوانين القائمة بيننا، سواء كانت قوانين الأرض أو قانون الحب. وترتكب أجاسنسكي خطأ ~~هيوم المتعلق بافتراض أن المشاعر محلية بالضرورة، وأن القوانين هي مجرد بدائل بعيدة ~~المدى لها؛ بينما الحقيقة هي أننا لا يمكن أن نتعاطف مع من لا نعرفهم فحسب، بل إن تعاطف ~~المرء مع المقربين منه ينشأ جزئيا مما تعلمه من التعامل مع الغرباء. # إلى الآن، لا توجد عداوة واضحة بين ms377 النظامين الخيالي والرمزي؛ إذ نشعر بشكل طبيعي ~~بروابط مودة تجاه من نعرفهم أعمق منها تجاه من لا نعرفهم؛ لكن المودة ليست هي الشعور ~~الوحيد المعني عندما يتعلق الأمر بالغرباء، فكما يشير بروس روبنز «ليس عليك أن ترتبط ~~بالشعوب البعيدة حول العالم بصورة خيالية وعاطفية كاملة لكي تؤيد تبني سياسات أفضل فيما ~~يتعلق برفاهتهم.» # 2 # فالروابط «الوثيقة» ليست دائما روابط بين الأشخاص: «فالعلاقات الشخصية ~~الوثيقة القوية التي تعد بسهولة حقيقة محلية»، كما يكتب روبنز، «لا يمكن إنكارها أمام ~~المزاعم والعلاقات العابرة للحدود.» # 3 # وعلى أي حال، كما يشير الأكويني، يمكن للحب البشري أو الصداقة الإنسانية أن ~~تكون بمنزلة ساحة تدريب أخلاقية للعلاقات الأقل شخصية؛ فالصداقة الإنسانية ليست عند ~~الأكويني شأنا شخصيا في المقام الأول؛ ولكنها هي الشيء الذي يمكننا من تغذية هذا ~~النوع من الحساسية الذي نحتاج إليه أيضا في مسائل أكثر محايدة؛ كالعدالة ~~والسياسة. # إن العلاقات الرمزية هي علاقات يتوسطها القانون والسياسة واللغة؛ وهذه العلاقات - ~~الآخر الكبير عند لاكان - دائما ما تمثل وسائل للتقسيم بقدر ما هي وسائل للتوحيد. ~~ويمكن لهذه العلاقات أن تتحول بسهولة إلى مجرد منفعة أو علاقة تعاقدية. إلا أن النظام ~~الرمزي، في إعطائه الأولوية لعلاقاتنا مع الغرباء، يذكرنا أيضا بأنها، وليس علاقتنا ~~بالجيران بالمعنى الحرفي، هي أساس السلوك الأخلاقي، والذي يتضمن سلوكنا تجاه الجيران ~~بالمعنى الحرفي. ليس الأمر أن الغرباء هم ببساطة أصدقاء؛ لم نكون بعد صداقة معهم، بل ~~إن الأصدقاء هم غرباء تصادف أننا عرفناهم؛ فالفعل المميز للحب ليس التقاء الأرواح، بل ~~الحلول محل الغريب في قائمة الانتظار لغرف الغاز؛ إذ يمكن للمرء أن يموت من أجل صديق، ~~تماما مثلما يمكن للمرء أن يحب غريبا؛ لكن الموت من أجل شخص غريب هو «الحدث» الأخلاقي ~~الأسمى. إن اعتبار المسيحيين أن هذا الموت أمر من الرب هو أحد الأسباب في أنه ليس ~~محبا ورهيبا بالتناوب، بل في أن حبه إرهاب مقدس. # ليست هذه، إلى حد كبير، الحكمة الأخلاقية التقليدية؛ فمثل هذا الامتداد لتعاطفنا تجاه ~~عدد لا يحصى ms378 من الآخرين غير المعروفين لنا، كما يلاحظ اليميني الأمريكي روبرت سيبلي، ~~«يفرض امتداد كينونتنا الملموسة لتشمل بعض «الآخرين» البعيدين والغرباء عنا والذين ~~يقال لنا إنهم جيراننا العالميون». # 4 # فامتداد الكينونة الملموسة للولايات المتحدة إلى الدول الأخرى القاصية ~~والغريبة، والمعروف باسم الإمبريالية، قد وضعها في أزمات من وقت لآخر. ويضفي النظام ~~الرمزي شعورا بالاغتراب على أمورنا، بما في ذلك علاقاتنا مع القريبين منا، وهو ما يزيد ~~عمقها وربما يدمرها. وهذا هو الموضع الذي يتدخل فيه النظام الواقعي؛ فالجار، في إطار ~~النظام الواقعي، هو من يقبلنا على حالتنا غير الإنسانية وهو الذي نتقبله على نفس الشكل. ~~فالجيرة ليست متعلقة بالمكان بقدر ما هي ممارسة. ووحدها العلاقات التي تعود أصولها إلى ~~نقصنا الأخلاقي هي التي لها الفرصة في أن تتطور إلى ما بعد نطاق النرجسية. # 5 # يمثل النظام الواقعي إذن شرخ النظام الرمزي الداخلي؛ أي التناقضات التي تهدد ~~بانهياره، والصدمة التي تشوه حقيقته، والسلبية التي يجب أن يستبعدها من أجل أن يزدهر، ~~والمواجهة المميتة مع حدوده الخاصة التي قد تتيح له إعادة تشكيل نفسه. إن الجسد قد يكون ~~أساس النظام الخيالي، في مقابل الدوال اللامتجسدة فيما يتعلق بالنظام الرمزي؛ لكنه ~~أيضا علامة على النظام الواقعي؛ على الإنسانية الضعيفة التي يطاردها الموت والتي يشترك ~~فيها الجنس البشري كله. إن أساس الحميمية هو إذا أساس العمومية؛ فلقاء بعضنا بعضا ~~باعتبارنا أجسادا يمكن أن تترافق لقاء ملموس بقدر ما هو مجرد. ولأن اللحم والدم هما ما ~~يكوننا، فتتجلى عمومية النوع في كل نفس وإشارة من جانبنا. إن هذا هو ما ينكره على نحو ~~عنيف تيار ما بعد الحداثة؛ وهو تيار فكري استبدل بالأشكال الأكثر كلاسيكية من الرؤية ~~التأسيسية أساسا مطلقا جديدا يعرف بالثقافة. # إن الجسد هو الصورة الممثلة للإنسانية؛ فهو وحشي في مجهوليته وهو أيضا الوسيلة التي ~~يتم بها أهم اتصال بالنسبة لنا. ولأن الجسد الفاني الواهن هو أساس الحضارة كلها، فليس ~~هناك تعارض إطلاقا بين الخاص والعمومي؛ فالجسد عند يهود ما يسمى بالعهد القديم، كما ms379 ~~رأينا، ليس بالأساس منضبطا أو مثيرا، مزينا أو مجملا، بل هو الأساس الذي يوحدنا ~~مع أجساد بني جنسنا. إن من بشريتنا، كما يرى أنصار مذهب الخير، أن ننظر نظرة خاصة إلى ما ~~يمكن أن نشعر به وندركه على نحو مباشر. لكن من طبيعتنا الحيوانية كذلك، كما لا يسلم ~~أنصار هذا المذهب، أن نتعاطف مع الآخرين لمجرد أن لديهم أجسادا مثلنا، وإن اختلفت هذه ~~الأجساد ماديا أو ثقافيا؛ فالاختلاف في حد ذاته ليس ببساطة أساسا سليما بالقدر ~~الكافي لنبني عليه الأخلاق أو السياسة. وهو لا يبدو كذلك إلا عندما تخفق الأشكال ~~المحددة من العمومية التي نراها أمامنا لسبب ما. # لقد رأينا أن القريب والبعيد متفقان بهذا المعنى على الأقل لدرجة أن الجار هو ببساطة ~~كل غريب يتصادف دخوله إلى نطاق رفقتنا. وتصير هذه التبادلية المجردة للأفراد ممكنة بفضل ~~النظام الرمزي؛ لكنها موجودة، أخلاقيا، ليجري تجاوزها. فاللامبالاة التي يتسم بها ~~عمل الخير تخدم الآخرين، وهي ليست وسيلة لطمس اختلافهم. ولأن النظام الرمزي يجردنا من ~~الخصوصية، فهو يمكن أن يجردنا من أجلها كذلك. فيمكن الآن الاعتزاز بأي شخص بوصفه ~~فريدا، وهو ما لا ينطبق بالنسبة للنظام الخيالي؛ فالتنوير، كالعادة، يتقدم بفضل جانبه ~~السيئ. # إن هذه الحقيقة الرمزية بالنسبة للعقيدة المسيحية غير متعارضة مع النظام الواقعي؛ وهو ~~ما يعني، في هذا السياق، وجود فائض أو لا تناه هدام أو تسام على المتناهي يمكن أن ~~يكون قوة دافعة ومؤذية معا. والنسخة المسيحية من اللاتناهي هذا هو عدم وجود نهاية لعمل ~~الخير، وهو شكل من تقاسم المتعة في الحياة الأبدية؛ بحيث بينما يوجد تماثل أو تكافؤ ~~رمزي بين الكيانات المفترضة المتلقية لهذا الخير، فإن الحب المكرس لأي منها يتجاوز ~~بتهور هذا المقياس المتساوي على طريقة النظام الواقعي؛ فاستعداد المرء لتقديم حياته ~~فداء لآخر - أي آخر - يدفع بهذا التهور إلى درجة اللامعقولية السامية؛ وبذلك يجسد ~~شيئا من جوانب الخزي والجنون في المسيحية. إلا أن هذا النظام الواقعي غير المتصور ~~ليس أكثر من تبادلية النظام الرمزي في صورتها ms380 المبالغة. # إذا كانت العقيدة المسيحية تشمل كلا من النظام الرمزي والنظام الواقعي، فهي تطرح ~~أيضا نسختها الخاصة من النظام الخيالي؛ فالمحاكاة المعنية ليست قضية تقليد ما بطريقة ~~بيرك للشخصيات المتحضرة من حولنا، بل «تقليد المسيح»؛ وهو ما يعني، عمليا، الاستعداد ~~للتعرض للقتل من قبل الدولة خلال السعي إلى تحقيق العدالة. إن هذا المصير المشئوم هو ما ~~يدعو إليه المسيح رفاقه صراحة. إن ما يعرف في القرن الثامن عشر بالتعاطف - أي استحضار ~~حالة شخص آخر داخل النفس - يخضع هنا إلى تحريف أكثر دموية، حيث نتحول من الحب بمعنى ~~الخيرية الاجتماعية إلى الحب بمعنى التضحية والموت؛ فالقول إن المسيحيين يجب أن يشتركوا ~~في الوجود من أجل الآخرين، الذي اتصف به المسيح، يعني القول إنهم يجب أن يستعدوا لتجربة ~~بذله اللامعقول لنفسه إلى حد الموت. مع ذلك، فإن إهدار الذات المتهور الذي يطالب به ~~الكتاب المقدس، خلافا لأخلاق العين بالعين الضيقة، ينبغي عدم الخلط بينه وبين الفرق ~~عند ليفيناس بين المسئولية الشخصية اللامتناهية وأوامر السياسة الحكيمة. إن لا محدودية ~~عمل الخير لا ينبغي أن تعتبر ذريعة لتجاوز التعقل والواقعية، والتي هي نفسها صفات ~~أخلاقية مرغوبة. فعمل الخير - مثلا - يجب أن يضع في الاعتبار الحاجة إلى العدالة، التي ~~هي جزء منه. وكما يقول آلاسدير ماكنتاير: «فعل الخير تجاه «جارنا» يصل لما وراءه، لكنه ~~يشمل دائما العدالة.» # 6 # فليست المسألة أن العدالة في جانب السياسة، بينما الحب مسألة شخصية ~~بحتة. # وليست المسألة، كما قد يصر أتباع ليفيناس، أن علاقة الحب أو المسئولية الشخصية غير ~~متماثلة من جميع الجوانب، في مقابل المساواة الصارمة للنظام الرمزي. ويصح هذا، ~~بالتأكيد، بالمعنى الذي بيناه للتو: أن عمل الخير لا حد له من حيث المبدأ. كما ~~ينطبق هذا على تعامل المرء مع أعدائه. وعدم التماثل هنا كلمة مهذبة لتقبل السباب ~~الفاحش في مقابل الأفعال السخية. ولكن لا يصح هذا بمعنى أن الحب بأتم معانيه، كما سبقت ~~الإشارة إليه، يجب أن يبنى على المساواة والمعاملة بالمثل. لذلك، ما من فرق قاطع ms381 هنا ~~بين الأخلاقي الواقعي والسياسي الرمزي. وهذا من بين الأسباب التي قد تجعل الحب الشخصي ~~يحدث بسهولة أكبر في نظام اجتماعي يتبنى فضائل التبادلية والمساواة. وهناك بالطبع صور ~~سلبية من عدم التماثل - كظلم لطبقة أو جنس، وهو ما يغض ليفيناس الطرف عنه بصورة متوقعة ~~- بجانب الصور الإيجابية. # علينا أن ننتبه، من الناحية الأخلاقية، إلى أوجه قوة وضعف كل من النظم اللاكانية التي ~~تناولناها؛ إذ يتسم التعاطف بالسرعة في النظام الخيالي وهو أمر لا يمكن لأي نظرية ~~أخلاقية أصيلة أن تستغني عنه بسهولة. وهذا يمثل أحد الجوانب التي تفتقدها الأخلاق ~~القائمة بالكامل على القانون. وفي النهاية، القانون ليس بوسيلة قوية بما فيه الكفاية ~~للتواصل الإنساني. لكننا إن حرمنا من هذا البعد الرمزي، فيبدو أننا سنكون في خطر ~~الانتكاس إلى الأنانية الممتدة للجماعة الخاصة، يرهقنا وجود الغرباء ويقلقنا الاختلاف. ~~كما تكشف الأخلاق الخيالية عن نفور من النظام الواقعي، بتشككها المتحفظ، على سبيل ~~المثال، في حقيقة الشر الخالص. فإن كانت أخلاق النظام الواقعي مفرطة في انطوائها على ~~نفسها، فإن أخلاق النظام الخيالي مفرطة في انفتاحها الاجتماعي بعض الشيء. # يفتح النظام الرمزي، من جانبه، لنا الباب إلى السياسة، لكنه ينتزع ضريبة من لحم ودم ~~أعضائه باعتبارها تذكرة دخولهم لعموميته الثمينة. ويجب علينا، كما يبدو، أن نضحي بما ~~لدينا من خصوصية شخصية في سبيل غايات العدل والحرية والمساواة والعمومية. وإن كان ~~النظام الخيالي مفرطا في شغفه، فإن النظام الرمزي مفرط في بروده؛ إذ تتراجع دوافع ~~القلب مفسحة المجال للحسابات العقلانية، حيث يتراجع التفاعل الخيالي بين النفوس ~~المنعكسة أمام جدلية الاختلاف والتماثل. وقد أشرنا بالفعل عدة مرات إلى أن من بين وسائل ~~التوفيق بين الفريد والعمومي في هذا الصدد هي الاهتمام بالاحتياجات الخاصة لأي شخص، ~~أيا كان. إن هذا هو ما يتجاهله بشدة أمثال أنجيلو - أشد مبشري النظام الرمزي صرامة - ~~في هذا العالم. # ثمة تفاعل مشابه بين المجرد والملموس فيما يتعلق بالنظام الواقعي؛ فمن ناحية، كما ~~رأينا، يعد الجسد أبرز الأشياء الملموسة فينا، لكنه يعد الشيء ms382 الأكثر عمومية كذلك. ومن ~~ناحية أخرى، فإن معرفة الآخرين معرفة قوية تعني من ناحية التعامل معهم بوصفهم غرباء، ~~وهي الحقيقة التي يعيها تماما دي إتش لورانس في أقل حالاته تنفيرا. ولعل هذا هو ما ~~يجعل إيمرسون يتحدث عن الصديق بوصفه نوعا من «العدو الجميل». علاوة على ذلك، يرى ~~لاكان، إن أردنا أن ننسب الفضل في ذلك له، أننا لا نسلك سبيلا عبر النظام الرمزي ~~المجرد إلا لنكتشف عند نهايته الرغبة الخاصة غير القابلة للاختزال التي تشكل ذاتيتنا. ~~لكن هذه الرغبة لا تزال غريبة عنا كما القانون اللاإنساني للنظام الرمزي نفسه. ومن هذه ~~النقطة الكاشفة، كما يشير لاكان في غموض، نصير قادرين على الحب بلا حدود؛ إذ نعود إلى ~~الحضور المباشر للآخرين، وإن لم يكن إلى النظام الخيالي بالتحديد؛ إلا أننا نستطيع الآن ~~أن نحبهم بكل القوة الغامرة لقانون رمزي مجهول؛ قانون تحول جذريا إلى الرغبة في إطار ~~النظام الواقعي. مع ذلك وكما رأينا بالفعل، فإن جزءا من الثمن الذي ندفعه للدخول إلى ~~هذه المنطقة هو نوع من النخبوية الروحية والتطرف المأساوي. # ثمة حلم رومانسي مستمر بشيء يتمتع بكل دفء الجسد وحميميته، لكن يتميز بعمومية اللغة. ~~إنه مزيج من النظامين الخيالي والرمزي والذي نجده في الرمز الرومانسي أو في العام ~~الملموس. وقد رأينا لمحة منه أيضا في تصور كانط الجمالي للجسد (العمل الفني) الذي يبدو ~~أنه يجسد قانونا عاما، ولكن يبدو كذلك أنه مصمم لتحقيق متعتنا تماما مثل اهتمام ~~الأم. وتذهب المسيحية إلى مرحلة أبعد؛ إذ تضيف النظام الواقعي إلى هذا الاتحاد بين ~~النظامين الآخرين. فالمسيح بعد قيامته، كلمة الله، له جسم إنسان ويتمتع بكامل عمومية اللغة. # 7 # ولقد رأينا بالفعل كيف أن البعد «الواقعي» لهذا الجسم في عشاء الأفخارستيا ~~- المتحقق بالعبور من بوابة الموت على هيئة قربان - يبرز في «لغة» الخبز والنبيذ ~~العمومية، وهي وسيلة الاتصال الرمزي بين المشاركين في العشاء، كما يبرز المعنى في ~~الكلمة. وهكذا يمتزج النظامان الواقعي والرمزي في فعل واحد. ويجري تشارك عناصر ~~الأفخارستيا باعتبارها شكل ms383 الحياة المشتركة؛ ولكن لأن تناول الخبز والنبيذ يمثل حصدا ~~للحياة من عمل تدميري، فهما يمثلان في ذات الوقت خروج الحياة من الموت وهو البنية ~~الواقعية أو المتعلقة بالتضحية الخاصة بهذا الحدث. كما أن البعدين الواقعي والرمزي ~~مربوطان بالبعد الخيالي؛ حيث إن مشاركة الخبز والنبيذ تتضمن كذلك تبادلا مشتركا ~~للهويات في المسيح. وثمة نوع من المستوى الخيالي المسيحي، تجسده آية «بما أنكم فعلتموه ~~بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم.» إنه مثال، إن جاز التعبير، على العبورية ~~الإلهية؛ إذ إن المبدأ القائل: عامل الآخرين بما تحب أن يعاملوك به - وهي نصيحة خطرة ~~للمازوخيين - يتحول كذلك إلى تبادل خيالي للأماكن؛ فالأفخارستيا إذن تحتفل بوجود بهيج ~~مع الآخرين بصفتها عيد حب يبشر بمملكة سلام وعدل مستقبلية؛ لكنها مملكة تقوم على أسس ~~الموت والعنف والتحول الثوري، وهي الظروف التي تتجاوز مبدأ المتعة تماما. # ربما تكون بالطبع المسيحية باطلة. لا شيء بالتأكيد في هذه الدراسة يعتبر صحتها أمرا ~~مسلما به. وكذلك ربما ينطبق نفس الوضع على التحليل النفسي. ربما من بين أسباب ~~بطلانهما هو أن كليهما يفترضان حالة وهمية اسمها الحالة الإنسانية. وإن كان هذا هو ~~الحال، فأحد أسباب التي تجعل كلا منهما باطلا قد يكون أحد أسباب صحة التيار ما بعد ~~الحداثي. وتنشأ المشكلة إن كان التحليل النفسي صحيحا، لكن المسيحية باطلة. وإذا كان ~~هذا هو الحال، فقد يكون من المنطقي أن يقال إن البعد التراجيدي للحالة الإنسانية يتعذر ~~في النهاية تغييره؛ إذ إن الكتاب المقدس يقدم حلا جذريا لأهوال النظام الواقعي ~~وويلات دافع الموت؛ حلا - بدلا من أن يتبرأ من هذه الأشياء كما يفعل الإنسانوي ~~الليبرالي أو الاشتراكي - يجد الحقيقة المخلصة تحديدا في تلك المواضع الأكثر ~~بغضا. فمن خلال الثورة الروحية المعروفة باسم الإيمان، تتحول المتعة الفاحشة لدافع ~~الموت - التي «لا جدوى منها» - إلى تهور الحياة الجيدة الذي «ليس لديه ما ~~يخسره». # إن لم يكن أي من المسيحية أو التحليل النفسي صحيحا، فيمكننا أن نطمئن قليلا؛ إذ لا ~~خلاص، لكن لا حاجة له أيضا. ms384 فما من حاجة للحل لأنه ما من مشكلة. أو على الأقل، لا ~~مشكلة من النوع الذي يفترضه التحليل النفسي. وإن كانت المسيحية حق لكن التحليل النفسي ~~باطل؛ فنحن نستخدم الأخير لنخطئ في تعريف الحالة التي وعدت الأولى بتحقيقها. لكن ماذا ~~لو كانت المسيحية (لنعرض تساؤلنا الأول مرة أخرى) باطلة والتحليل النفسي صحيحا؟ يمكننا ~~أن نقول في هذه الحالة إننا نعود إلى إمكانياتنا السياسية لعلاج المصاعب التي يشخصها ~~الأخير. صحيح أن السياسة يمكنها أن تخفف من وضعنا أكثر بكثير مما قد يقر به المتشككان ~~السياسيان فرويد ولاكان، لكن من غير المؤكد أن يكون التغيير السياسي في حد ذاته قادرا ~~تماما على إنهاء الحالة المأساوية التي يعرضاها. لذلك، فإن الإنسان - كما ترى المسيحية ~~- بحاجة إلى تحول يصل إلى مكونات الجسد نفسه. وإن كان تلك خرافة، فالسؤال هو: كيف يمكن ~~جعل وضعنا أكثر احتمالا دون وجود هذه التدخلات الإعجازية؟ ~~••• # لا تستتبع العلاقة بين الأخلاق والسياسة تعارضا بين الحب والإدارة، أو بين ~~اللامتناهي والمتناهي، أو بين القريب والبعيد، أو بين المقربين والغرباء، أو بين غير ~~المتماثل والمتماثل. فالاثنان غير مرتبطين، كما لا يرتبط الروحي بالمادي، والداخلي ~~بالخارجي، والفردي بالمجتمعي، والفردي بالعمومي. فالمسئولية تجاه الآخرين، كما يرى ~~ليفيناس ودريدا، ليست مطلقة وبلا حدود، بل يجب أن تضبطها العدالة والتعقل والواقعية. ~~فالمسألة ليست أن الأخلاق تختص بالجيران في حين تختص السياسة بالغرباء؛ فالأخلاق ليست ~~ببساطة هي الانفتاح المبجل على الآخر الكبير، بل مسألة تتعلق، لنقل، بصياغة السياسات ~~الخاصة بالإعلانات أو بمواجهة عمليات قتل الأطفال التي تؤثر فيمن لا نعرفهم؛ فالتركيز ~~على أمور محددة لا يقلل أبدا من قيمتها، كما يتخيل الواقعيون بإصرار. # تتضمن الأخلاق أوامر غير شخصية مثلها مثل السياسة، بل إن القضايا السياسية كالعدالة ~~والمساواة تنطبق على العلاقات بين الذات والآخر الكبير بقدر ما تنطبق على العلاقات بين ~~الغرباء. إذن، فالأخلاق والسياسة ليستا عالمين غير متناسبين لا يربطهما إلا مناورة ~~التفكيك الماهرة، بل هما منظوران مختلفان لنفس الواقع. فليس ثمة ما يسمى بالاشتراكية ~~«الأخلاقية» مثلا ms385 في مقابل التيارات «غير الأخلاقية» من هذا الفكر. فالأخلاق تتعلق ~~بطريقة العيش معا بما يحقق أقصى نفع، بينما السياسة تتعلق بتحديد المؤسسات المثلى ~~لتحقيق هذه الغاية. إن غاية الاجتماع السياسي، كما يقول أرسطو في كتابه «السياسة»، هي ~~«الحياة والحياة الجيدة». وإن كنت ترى الأخلاق والسياسة دائرتين منفصلتين، أو تشعر ~~بالحاجة إلى تحرير الأولى من البراثن الوضيعة للأخيرة، فسينتهي بك الحال على الأرجح ~~باعتبار السياسة حقيرة والأخلاق مثالية. وفي عصر ينكشف فيه وهم السياسة، يفرض على ~~الأخلاق أن تترك المجال المجتمعي وأن تستوطن مجالا آخر: في الفن أو الإيمان أو التسامي ~~أو الآخر الكبير أو الحدث أو اللامتناهي أو القرار أو النظام الواقعي. # يمكن لوجهة نظر معينة تجاه محرقة اليهود أن تعزز هذا الفصل بين الأخلاق والسياسة. ~~ولأن المحرقة يبدو أنها تتطلب إصدار أحكام أخلاقية مطلقة، وكذلك الإشارة عند بعض ~~المعلقين إلى سمو الشر، تظل قضية الأخلاق أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. ولكن نظرا إلى ~~أن السرديات السياسية أو التاريخية الكبرى التي من المفترض أن تكون قد أنتجت مثل هذه ~~الكارثة يجب التخلي عنها لهذا السبب بعينه، أو لأنه لا يوجد أي منهج تاريخي خالص يمكنه ~~تفسير مثل هذا الشر، فإن هذه الأحكام المطلقة صارت بلا أساس؛ فهي راسخة بقدر ما هي بلا ~~أساس؛ فالأحكام الأخلاقية تطلب وتعطل معا، ولا يبقى أمامنا سوى أخلاق قائمة على ~~السمو الفارغ. # قد يكون النظام الرمزي في الواقع بيئة أكثر هشاشة بحيث لا يمكن أن تترعرع فيها ~~الأخلاق. لكن هذا لا يعني أن القانون والسياسة والحقوق والدولة ورفاهية الإنسان ينبغي ~~الترفع عنها باعتبارها أمورا لا مفر منها لكنها قاتلة للروح. ففقط أولئك الذين يتمتعون ~~بامتيازات كافية بحيث لا يحتاجون لحماية القانون والسلطة هم من يمكنهم اعتبارهما خبيثين ~~بطبيعتهم؛ فالنظام الرمزي يكون أكثر فاعلية عندما تكون جذوره في الجسم؛ أي في احتياجات ~~الإنسان ورغباته، وليس في المجردات الأخلاقية. لقد أثنى ماركس ثناء بالغا على ~~الديمقراطية البرجوازية، لكنه رأى أنها لم تبلغ درجة كافية في هذا ms386 الجانب؛ إذ لم تشمل ~~الرجال والنساء إلا باعتبارهم مواطنين أحرارا متساوين، ولم تضع في الاعتبار خصوصيتهم ~~المتفردة. إن الديمقراطية الاشتراكية وحدها - التي قلصت الفجوة بين الدولة السياسية ~~والحياة اليومية والعمل - هي ما يمكنها فعل ذلك. # أما فيما يتعلق بالنظام الواقعي، فيمكننا القول إن شعار «تمسك برغبتك!»، رغم كل عيوبه ~~الواضحة، يمثل وصية سياسية ممتازة في الوقت الحاضر؛ إذ لا جدوى من يسار سياسي يقبل ~~بأنصاف غاياته. إن ما زاد صعوبة تحدي الرأسمالية العالمية في عصرنا هذا هو أنها ازدادت ~~افتراسا، وليس العكس . وهذا يعني أن عين التغييرات في النظام التي ساعدت على إضعاف ~~اليسار واستنزافه هي كذلك السبب الذي يجعل مكافحة هذا النظام تظل ضرورة أكثر إلحاحا من ~~أي وقت مضى. ينبغي إذن على اليسار الحفاظ على إيمانه، بدلا من الانصياع لمغريات ~~الاتجاه الإصلاحي أو الانهزامي. ويجب أن يواجه نظاما سياسيا غير قادر على إطعام ~~الناس أو منحهم العدالة الكافية بشيء من الرفض المعاند المميز لأنتيجون؛ وهو رفض يعد ~~حماقة عند المحافظين وحجر عثرة عند الليبراليين. وحتى إن فشل في هذا المشروع، فيمكنه ~~على الأقل أن يشعر بالرضا الحلو المرير عن أنه كان على حق طوال الوقت. # | هوامش ms387