######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.AwhamCaql.Hindawi30497063 #META# Tags: philosophy #META# ID: 30497063 #META# Title: أوهام العقل: قراءة في «الأورجانون الجديد» لفرانسيس بيكون #META# AuthorID: 24079572 #META# Author: عادل مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # 1 - حياة فرانسيس بيكون‏ # 2 - بيكون في سياق عصره‏ # 3 - أوهام العقل‏ # 4 - صيد «بان»‏ # 5 - نظرة نقدية‏ # 6 - مكانة فرانسيس بيكون‏ # قطوف من كتاب «الأورجانون الجديد»‏ # الإهداء‏ # 1 - حياة فرانسيس بيكون‏ # 2 - بيكون في سياق عصره‏ # 3 - أوهام العقل‏ # 4 - صيد «بان»‏ # 5 - نظرة نقدية‏ # 6 - مكانة فرانسيس بيكون‏ # قطوف من كتاب «الأورجانون الجديد»‏ # | أوهام العقل # | أوهام العقل # | قراءة في «الأورجانون الجديد» لفرانسيس بيكون # تأليف # عادل مصطفى # | الإهداء # إلى شباب الثورة الحقيقيين، # لذكرى لحظتهم البيكونية الفذة في 25 يناير، # لحظة الخروج من الكهف، وعشق الهاوية، وعناق المصير، # آملا بهذا الكتاب أن يحولوا لحظتهم العفوية إلى منهج عمل وفلسفة حياة. # عادل مصطفى # 16 / 4 / 2012 # الفصل الأول # | حياة فرانسيس بيكون # لا أستطيع الحياة بلا فلسفة. # بيكون # ولد فرانسيس بيكون بلندن في 22 يناير سنة 1561م لأبوين ينتميان إلى أسرتين عريقتين. كان ~~والده السير نيقولاس بيكون حامل الأختام الملكية في عهد الملكة إليزابيث. ويقول ماكولي ~~الكاتب الإنجليزي الشهير: «إن شهرة فرانسيس بيكون قد طغت على صيت والده الذي لم يكن شخصا ~~عاديا؛ إذ إن العبقرية ذروة تسير نحوها العائلة عن طريق المواهب.» وكانت أمه الليدي آن ~~كوك - ابنة السير أنتوني كوك الذي كان يوما معلم العائلة الملكية - امرأة واسعة ~~الثقافة تجيد اليونانية واللاتينية إلى جانب الإيطالية والفرنسية، ومعلمة للاهوت ~~وكلفينية متشددة، تولت بنفسها تعليم بيكون ولم تدخر جهدا في تربيته وتثقيفه، وسرعان ~~ما ظهرت على الطفل مخايل النبوغ والتفوق، فكانت الملكة إليزابيث تعجب بذكائه المبكر ~~وسرعة بديهته، وتلقبه ب «حامل الأختام الصغير». التحق بيكون بجامعة كمبردج وهو في الثالثة ~~عشرة (1573م)، وخرج منها بعد ثلاث سنوات دون أن يحصل على إجازة علمية وفي نفسه ازدراء ~~للمناهج التي تدرس فيها والتي ترتكز على مذهب أرسطو والمدرسيين (السكولائيين)، ووقر ~~في ذهنه منذ هذا العمر المبكر أن الفلسفة السائدة في زمنه هي فلسفة نظرية عقيمة لا تثمر ~~نفعا عمليا، وتركز هدفه الذي سيكرس له حياته في القضاء على سلطة القدماء والدعوة ~~إلى فلسفة ms001 جديدة ذات ثمار عملية تعين الإنسان في تحسين حياته وفي السيطرة على الطبيعة، ثم ~~انتقل إلى فرنسا وعمل في السفارة الإنجليزية بباريس قرابة عامين ونصف العام، فاغتنم الفرصة ~~وجعل يتنقل بين المدن الفرنسية ويزور المتاحف والمكتبات ويتابع الأحداث السياسية ويرتاد ~~جلسات المحاكم وحفلات البلاط. وفي عام 1579م توفي والده فجأة دون أن يؤمن له إرثا ~~يكفيه ولا وظيفة تناسبه، فعاد إلى وطنه ليشق طريقه بنفسه، واضطر إلى الاستدانة لإكمال ~~دراساته القانونية حتى أصبحت الاستدانة عادة ملازمة له طوال حياته. انتظم بيكون في سلك ~~المحاماة سنة 1582م، وبعد عامين انتخب عضوا بالبرلمان وانتزع الإعجاب بفصاحته، فكان ~~خطيبا مفوها جزل العبارة محكم السبك لا يشق له غبار، حتى لقد قال عنه بن جونسون - ~~الشاعر الكبير: «لا نجد له نظيرا في رشاقة العبارة والثقة والرصانة ... ولا يملك سامعوه لو ~~سعلوا أو حولوا أبصارهم إلا أن يخسروا.» وكان مسموعا ومجابا أينما تكلم، مالكا ~~عواطف المستمعين بقوة لا يجاريه فيها أحد، وقد بلغ تأثيره الخطابي مبلغا جعل مستمعيه يخشون ~~أن ينتهي من خطابه. # 1 # وبعد خمس سنوات أخذ يعلم بمدرسة الحقوق، ثم عينته الملكة إليزابيث مستشارا ~~فوق العادة للتاج، فتفانى في مرضاتها حتى لقد غدر غدرا دنيئا برجل أحسن إليه ووهبه ~~أرضا، هو الكونت إسكس؛ إذ تغيرت عليه الملكة واتهم بالتآمر عليها، فترافع بيكون ضده ~~طالبا توقيع الحكم الصارم عليه. # 2 # وأدين إسكس وأعدم عام 1601م. # وبعد عامين من إعدام إسكس (1603م) توفيت الملكة إليزابيث، وآل العرش إلى جيمس ~~الأول، فتقرب إليه بيكون ومالأه في استبداده وقضاء مصالحه ومصالح الأسرة المالكة، ~~فترقى في المناصب؛ ففي عام 1603م أنعم عليه الملك بلقب «سير» (فارس)، وفي عام 1607م ~~تولى منصب المدعي العام، وفي عام 1613م تولى منصب المحامي العام، وفي عام 1616م أصبح ~~مستشارا خاصا للملك، وفي عام 1617م أصبح حامل الأختام الملكية، وفي عام 1618م صار الوزير ~~الأول ومنح لقب «لورد فيرولام»، و«فيكونت أوف سانت ألبان» عام 1621م، وما كاد بيكون ~~يتسنم هذه الذروة العالية حتى ms002 تدهورت مكانته بسرعة فاتهم في نفس العام بالرشوة ~~وبتقاضي هدايا من المتهمين قبل محاكمتهم وأثناءها، ولم يعترض بيكون على الاتهام، بل اعترف ~~به، ولكنه دافع عن نفسه بقوله إن أحكامه لم تتأثر قط بالهدايا. والحق أن أحدا من خصومه ~~لم يجرؤ على اتهامه في أحكامه ذاتها، لقد كان يتلقى الهدايا من طرفي الخصومة ثم يحكم ~~بالعدل، وكان الحكم الذي أصدره مجلس اللوردات هو تغريمه 40 ألف جنيه وسجنه في برج لندن طوال ~~الوقت الذي يشاؤه الملك، وحرمانه في المستقبل من منصبه السياسي ومقعده في البرلمان. وقد ~~حرم بالفعل من تولي أي منصب في الدولة، ولكن الملك أعفاه من الغرامة ولم يدم سجنه ~~إلا أربعة أيام، ومنذ ذلك الوقت عاش معتكفا ومتفرغا لبحوثه وكتاباته، وليته عاش حياته ~~كلها معتكفا! لقد كانت الفلسفة مرضعته في طفولته، ورفيقته في منصبه، وسلواه في سجنه ~~وحرمانه. # ظل بيكون مكبا على العمل والتجريب، ومات في ميدان العمل والتجريب؛ إذ وافته المنية في ~~صباح التاسع من أبريل عام 1626م، بعد أن أصيب ببرد شديد وهو يجري آخر تجاربه لاختبار ~~تأثير البرودة في منع التعفن، بدفن دجاجة مذبوحة في الثلج. وعلى فراش الموت قال قولته ~~الشهيرة: «لقد نجحت التجربة» التي أصبحت شعارا لعصر بأكمله. لقد كان موته مرتبطا بالهدف ~~الذي كرس له حياته، وهو تحويل العلم إلى مجال التطبيق والثمار العملية، وتسخيره لخدمة ~~الإنسان وللسيطرة على الطبيعة. # الفصل الثاني # | بيكون في سياق عصره # قلما يفشل إنسان في بلوغ النجاح والازدهار في مثل هذا الوقت والبلد، إذا كان يحمل ~~في جنباته بذورا. # ول ديورنت # وجملة ما يقال عنه أنه كان عصرا لا يوجد في عصور التاريخ ما هو أولى منه بتخريج ~~بيكون. # العقاد، «بيكون: مجرب العلم والحياة» # ثمة أعصر تنبغ فيها الأنفس وتستفيق أرواح الأمم، # أعصر ترتع فيها الكائنات وتتعهد ذاتها، # ويشطأ النبت ويعشب الحجر ويدب العصير في عروق الخلائق، # تعجب فيها كم تبلغ الهامات وتسمق القامات، # وتدرك فيها أن الوجد هو الأصل، # أن الإبداع هو الأصل، # أن الجمال ms003 هو الأصل. ~~«كان بيكون صوت جميع الأوروبيين الذين حولوا القارة الأوروبية من غاب ~~إلى أرض كنوز الفن والعلم، وجعلوا منها مركز العالم.» # 1 # بدأت اليقظة الأوروبية من سبات العصر الوسيط بروجر بيكون الذي توفي عام ~~1294م، ونمت وترعرعت في ليوناردو (1452-1519م)، وبلغت كمالها في كوبرنيقوس (1473-1543م) ~~وجاليليو (1564-1642م)، وفي أبحاث جلبرت (1544-1603م) في المغناطيسية والكهربية، وأبحاث ~~فيساليوس (1514-1564م) في التشريح، وأبحاث هارفي (1578-1657م) في الدورة الدموية. # 2 # وثمة مخترعات ثلاثة لم يعرفها القدماء، هي: الطباعة والبارود والبوصلة، كان لها تأثير ~~هائل، «لقد غيرت هذه المكتشفات الثلاثة وجه العالم وحالته: الأول في المعرفة، والثاني ~~في الحرب، والثالث في الملاحة، ثم ترتبت عليها تغيرات لا تحصى بحيث يمكن القول بأنه لم ~~يكن لأي إمبراطورية أو مذهب أو نجم أي قوة أو تأثير في الشئون البشرية يفوق ما كان لهذه ~~الكشوف الميكانيكية.» # 3 ~~«لقد حل الورق محل الجلود الرقيقة باهظة الثمن التي كانت تستخدم في الكتابة، والتي ~~جعلت الرهبان والقسس يحتكرون العلم والتعليم بسبب فداحة أثمان هذه الجلود، وبرزت الطباعة ~~التي طال انتظارها وكانت تكاليفها رخيصة وانتشرت في كل مكان.» # 4 # كان هذا بمثابة «تأميم للمعرفة»، وتصدع لكهنوت علمي جثم على صدر أوروبا ~~ردحا طويلا من الزمن. # وأما البارود فقد برزت لبيكون أهميته في حماية إنجلترا البروتستانتية من قوة إسبانيا ~~الكاثوليكية، وكذلك في نقل السيادة على البحار من يد الإسبان إلى الإنجليز، وذلك بعد أن ~~أدخلت البحرية الإنجليزية في تصميم بوارجها المدافع الثقيلة منذ عصر هنري الثامن في أوائل ~~القرن السادس عشر. # 5 # وأما البوصلة فقد قهرت جهل الناس بالأرض، وأتاحت لهم التعرف على أصقاع العالم ~~والإبحار فيما وراء «عمودي هرقل»؛ # 6 ~~«فحتى القرن الخامس عشر لم تكن السفن تغامر بالابتعاد عن الخطوط الساحلية ~~للمحيط الأطلسي؛ وذلك لأسباب منها أنه لم يكن هناك جدوى من ذلك، ولكن السبب الأهم هو أنه لم ~~يكن من المأمون المغامرة بدخول مناطق لم تكن فيها أية معالم توجه الملاح ... لقد كان ~~العالم بالنسبة لإنسان العصور الوسطى حيزا ms004 ساكنا متناهيا محكم التنظيم. فلكل شيء ~~فيه وظيفته المقدرة، بدءا من النجوم التي ينبغي أن تسير في فلكها، حتى الإنسان الذي ~~يتعين عليه أن يعيش ملتزما المركز الاجتماعي الذي ولد فيه. غير أن عصر النهضة قد زعزع ~~بجرأة أركان هذه الصورة الهادئة المسالمة.» # 7 # فمنذ زادت المعرفة قل الخوف، وضعف تفكير الناس في عبادة المجهول واشتد في ~~محاولة التغلب عليه، وعملت كل نفس نشطة بثقة جديدة، وانهارت الحدود ولم يعد هناك حدود ~~أمام ما يمكن الإنسان أن يصنع. وراحت السفن تخوض العالم، وتجاوزت حدود التطرف والإفراط ~~التي يصورها مثل قديم عن سفينة تعود بعد أن وصلت إلى مضيق جبل طارق في البحر المتوسط وقد ~~نقش عليها عبارة: «لا إفراط ولا تفريط». لقد كان عصر تحقيق وأمل وعنف لبدايات ~~ومشاريع جديدة في كل ميدان، عصرا انتظر صوتا ينادي به وروحا محللة تجمل روحه وتشحذ عزمه. # 8 # في مقدمة كتابه «تفسير الطبيعة» يقول بيكون: «لقد اعتقدت بأنني ولدت لخدمة الناس، ~~وقدرت أهمية الخير العام ... فسألت نفسي عن أكثر الأمور نفعا للناس، وما هي المهمات التي ~~أعدتني الطبيعة لأدائها أو ما هي المهمات التي تتناسب مع مؤهلاتي الطبيعية، وبعد بحث لم ~~أجد عملا يستحق التقدير أكثر من اكتشاف الفنون والاختراعات والتطور بها للرقي بحياة ~~الإنسان ... لقد وجدت في طبيعتي مقدرة على البحث عن الحقيقة، وعقلا دوارا يكفي للبحث عن ~~تلك الغاية العظيمة، أعني إدراك الأمور المتشابهة، وفي الوقت نفسه فقد كان عقلي مركزا ~~تركيزا ثابتا لملاحظة أوجه الخلاف، وكانت بي رغبة للبحث ومقدرة على إرجاء الرأي بالصبر ~~والتأمل والتفكير والقبول بحرص، والاستعداد لتصحيح الانطباعات المزيفة وترتيب أفكاري في ~~عناء وشك وريبة، لم تكن بي لهفة للجديد أو تقدير أعمى للقديم، وكانت لدي كراهية شديدة لكل ~~ادعاء وتدجيل من كل نوع؛ لهذه الأسباب جميعا وجدت في طبيعتي وميولي نوعا من الصلة ~~والقرابة التي تربطني بالحقيقة.» # 9 # الفصل الثالث # | أوهام العقل # لم ير أحد أسباب أخطاء الإنسان أكثر من بيكون. # كوندياك # نشر بيكون كتابه الأشهر ms005 «الأورجانون الجديد» عام ~~1620م، وهو الجزء الثاني فحسب من كتاب أكبر هو «الإحياء العظيم» # Instauratio magna ~~، # 1 # الذي وضع خطته في ستة أجزاء، ولم يتم منه إلا هذا الجزء، وكان قد كتب من قبل ~~كتاب «النهوض بالعلم» فجعله الجزء الأول من «الإحياء العظيم» بشكل مؤقت، وكلمة ~~«أورجانون» تعني الأداة أو الآلة (أي آلة الفكر)، وهو الاسم الذي وضعه المدرسيون في ~~العصور الوسطى على مجموع مؤلفات أرسطو المنطقية # 2 # التي كانت أداة كل بحث في ذلك الحين، وقد اختار بيكون هذا الاسم لكتابه تعبيرا ~~عن معارضته لمنهج أرسطو ومنطقه، وبقصد أن ينحيه ويحل محله. # يتضمن «الأورجانون الجديد» جانبين أو قسمين: قسما سلبيا يتناول مواطن الخطأ والزلل في ~~ذهن الإنسان حتى يبذل وسعه لتجنبها، وقسما إيجابيا يتناول قواعد التجريب ويستغرق الكتاب ~~الثاني برمته، وإذا كان الجانب الإيجابي من فلسفة بيكون قد تكشف قصوره وتجاوزه ~~الزمن، فإن الجانب الإيجابي يظل حيا راهنا يلقي أضواء كاشفة على أخطاء رئيسة تحدق ~~بالعقل البشري في كل زمن، ولا يزال البشر يقعون فيها إلى يومنا هذا، الأمر الذي يجعل الكتاب ~~الأول من «الأورجانون الجديد» كتابا خالدا لا ينفد عطاؤه على مر العصور. # ثمة أربعة أنواع من الأوهام تحدق بالعقل البشري، وتظل تلاحقه في عملية تجديد العلوم ~~نفسها، وتضع أمامه العوائق ما لم يأخذ البشر حذرهم ويحصنوا أنفسهم منها قدر ما ~~يستطيعون، «فدراسة الأوهام هي بالنسبة إلى تفسير الطبيعة مثل الدحوضات السوفسطائية بالنسبة ~~للمنطق العادي.» # 3 # كان بيكون قد عرض لهذه الأوهام في كتاب سابق له هو # Advancement ~~of Learning ~~(تقدم المعرفة/النهوض بالعلم/إنهاض العلم) نشره عام 1605م، ~~ولكنه لم يقيض لها أسماء، أما في الأورجانون الجديد فقد أطلق عليها أسماء تدل على ~~براعة منقطعة النظير في استخدام الاستعارة الحية. ~~(1) أوهام القبيلة # نحن لا نرى الواقع كما هو وإنما نراه كما نحن. # أناييس نين # هذا العالم كما ندركه هو صورتنا الرمزية عن العالم الموضوعي المستقل ~~عنا. # جون إكلس # تتعلق أوهام القبيلة (أوهام الجنس أو النوع) بالطبيعة البشرية بما هي ms006 كذلك، وتشمل ~~البشر جميعا: # فنحن جميعا ميالون إلى أن نحتكم إلى حواسنا وأن نجعلها مقياسا ~~للأشياء، وهذا ميل خاطئ لأن الحواس شيء منسوب إلى الإنسان وليس إلى ~~العالم، نحن لا نرى الأشياء كما هي عليه، وإن الذهن البشري أشبه بمرآة غير ~~مصقولة تضفي طبائعها الخاصة على الأشياء فتشوهها وتفسدها. يقول بيكون في ~~الشذرة 2: 40: «الغلط الكبير للحواس هو أنها ترسم خطوط الطبيعة بالإطار ~~المرجعي للإنسان لا الإطار المرجعي للطبيعة.» كما أن الحواس البشرية قاصرة ~~عن إدراك كل شيء في الطبيعة، إن العين البشرية لا تلتقط كل ضروب الأشعة ~~والموجات، والأذن البشرية لا تلتقط من الترددات الكائنة في الطبيعة إلا ~~قسطا يسيرا جدا، وقل الشيء نفسه في بقية الحواس، من هنا يأتي أكبر ~~عائق للفهم البشري؛ فالأشياء التي تمس الحواس تكون لها الأرجحية على ~~الأشياء التي لا تمسها مباشرة مهما علا شأنها، هذا ما يجعل التأمل ~~يتوقف في عامة الأحوال حيثما يتوقف الحس. # ونحن ميالون إلى أن نرى في العالم نظاما واطرادا أكثر مما نجده ~~فيه. # ونحن نؤخذ بالشواهد الإيجابية لأي رأي أو اعتقاد، ونغض الطرف عن ~~الشواهد السلبية حتى إن كانت أكثر عددا وثقلا! # 4 # ويبدو أن الدماغ البشري - بحكم تكوينه - يجد صعوبة في ~~«معالجة» الإشارات السلبية أكثر مما يجدها في معالجة الإشارات الإيجابية، ~~يسمى هذا الخطأ المعرفي - بالمصطلح الحديث - «انحياز التأييد» # confirmation bias ~~؛ أي البحث عن ~~التأييد دون التفنيد، ويذهب البعض إلى أن هذا الانحياز هو السبب من وراء ~~الاعتقادات الاجتماعية «المخلدة لذاتها» و«المحققة لذاتها». # 5 # ونحن نؤخذ بشواهد لافتة قليلة، ونظن أن كل شيء آخر يسير على غرارها ~~ويجري مجراها، نحن متسرعون في التعميم، نستبق الطبيعة، ولا نجد في ~~البحث عن أمثلة سالبة مفندة تختبر فروضنا اختبار النار. # ونحن لا نفهم الأمور فهما بريئا أبدا؛ ذلك أن فهمنا مشرب دائما ~~بإرادتنا وعواطفنا وأمانينا، نحن نصدق ما نفضله، ونرى ما يطيب ~~لنا أن نراه، ونرفض كل ما هو غير تقليدي خوفا من رأي العامة. # وإن بالعقل البشري ميلا إلى ممارسة ms007 نشاطه دون توقف: إنه كالحصان ~~الهائج الذي لا يعرف كيف يقف، ولا يزال يغذ في السير وإن كان ذلك بغير ~~جدوى؛ ولذا فمن غير المتصور عنده أن يكون هناك حد ما للعالم أو نقطة ~~نهاية؛ إذ يبدو له دائما - بما يشبه الضرورة - أن هناك شيئا ما وراء ذلك ~~الحد أو النهاية، وشأن العقل البشري مع الزمان كشأنه مع المكان، فليس بوسعه ~~أن يتصور كيف تدفقت الأبدية نزلا إلى يومنا هذا ... وثمة نفس الصعوبة ~~فيما يتعلق بقابلية الخطوط للانقسام إلى ما لا نهاية والناجمة من انفلات ~~فكرنا وعجزه عن التوقف، ويتجلى هذا الانفلات ويزداد إيذاء في عملية ~~اكتشاف العلل؛ فرغم أن المبادئ القصوى (الأكثر عمومية) في الطبيعة ينبغي ~~أن تكون وقائع محضة هي كما وجدت عليه ولا يمكن أن تحال إلى علة، إلا ~~أن الفهم البشري - في عجزه عن التوقف - ما يزال يتلمس شيئا ما سابقا ~~في نظام الطبيعة، ثم في غمرة جهاده في المضي إلى ما هو أبعد إذا به يرتد ~~إلى ما هو أقرب! (أقرب مأخذا)؛ أعني العلل الغائبة التي هي أكثر ارتباطا ~~بطبيعة الإنسان منها بطبيعة الكون، والتي هي من أكبر مصادر الفساد في الفلسفة. # 6 ~~«إن الغائية مصدرها إنساني، نلاحظها في خبراتنا السلوكية، ~~ونرتكب الخطأ حين نسقطها على الطبيعة.» # 7 ~~«ولا شك أن تأكيد بيكون لهذا الميل إلى تجاوز الذهن لذاته ~~يذكر المرء بما سيقوله كانت # kant ~~- ~~فيما بعد - عن ميل الذهن إلى تجاوز حدود التجربة والخوض في مسائل ~~ميتافيزيقية لا ضابط لها، ولا دليل على صحتها أو بطلانها، فعمل بيكون في ~~هذا الصدد هو نوع من نقد العقل؛ أعني نقدا للعقل العلمي الذي كان سائدا ~~في عصره.» # 8 # وفي أواخر الكتاب الثاني (الإيجابي البنائي) من الأورجانون ~~الجديد يقول بيكون: «... ولكن لما كان منطقي يوجه ويرشد الفهم، حتى لا ~~يقبض بكلابات العقل الصغيرة على تجريدات محضة ويتشبث بها، بل يخترق ~~الطبيعة بالفعل ويكتشف خواص الأجسام وقواها وقوانينها المنقوشة في المادة؛ ~~ومن ثم فإن هذا العلم لا ينبع ms008 من طبيعة العقل فقط بل من طبيعة ~~الأشياء، فلا عجب أن يمتلئ بإيضاحات وملاحظات مبثوثة في تضاعيفه وتجارب في ~~الطبيعة، كأمثلة على الفن الذي أعلمه.» # 9 # يميل الفهم البشري بطبيعته الخاصة إلى التجريد، ويفترض جوهرا (ثابتا) ~~وواقعا فيما هو عابر ومتغير؛ غير أنه أفضل لنا أن نشرح الطبيعة إلى ~~أجزاء من أن نجردها (وهذا ما فعلته مدرسة ديمقريطس التي حققت تقدما ~~أكبر من غيرها في اختراق الطبيعة). ~~(2) أوهام الكهف # من رآك من حيث هو فإنما رأى نفسه. # محيي الدين بن عربي # ويبدو واضحا لزقاقنا أن الحقيقي والسوي أشياء من صنعه هو ذاته، ومن صنع ~~منازله وأكوام قمامته. # طاغور # الكهف مصادفة، كل شيء شارك في صوغك وصبك كان شيئا عارضا طارئا، # 10 # كان اعتباطا. # المقصود بالكهف هنا هو كهف الفردانية، # 11 # فكل فرد من الناس يعيش من نفسه في كهف خاص به يعترض ضياء الطبيعة ويشوهه. ~~إن لكل فرد من البشر تكوينه الجبلي الخاص وموروثه الجيني، وثقافته التي نشأ ~~عليها، وتربيته وظروفه وقراءاته وقدوته وصلاته الحياتية، من الناس من يميل إلى ~~ملاحظة الفروق بين الأشياء وتأمل التفاصيل، ومنهم من هو أميل إلى ملاحظة أوجه الشبه ~~بين الأشياء، وهم أصحاب المزاج التأملي الاستدلالي، وكلا الصنفين من العقول عرضة ~~للشطط، سواء بالتشبث بالفروق التافهة أو بخيالات التشابه، كما أن بعض العقول مغرم ~~بالقديم وبعضها متيم بالجديد، بينما الحقيقة ينبغي ألا تلتمس في حظوة زمن بعينه ~~فذاك شيء غير مضمون، بل في ضوء الطبيعة والتجربة وذاك شيء خالد، وعلى كل دارس للطبيعة ~~أن ينظر بارتياب إلى كل ما يفتن عقله ويأخذ بلبه؛ حتى يحفظ ذهنه صافيا ~~ومتوازنا. ~~(3) أوهام السوق # يظن الإنسان أنه يصنعني ويستخدمني. # الحق أقول لك: أنا الذي أسخره وأسيره. # وأقوده كالمنوم. # ولا أسمح أن يرى من العالم إلا ما أريد له أن يرى. # اللغة # لا مكان للحرية إلا خارج اللغة، غير أن اللغة البشرية - لسوء الحظ - لا خارج ~~لها. # رولان بارت # ضيعتنا الألفاظ، سمناها فأكلتنا. # خانتنا الألفاظ، نصبناها شراكا للحق فصادتنا. # حبستنا ms009 الألفاظ، عزلتنا تروسها ومفصلاتها عن تروس الأشياء. # وما يوشجها من سر وسيور. # تنشأ أوهام السوق عن تواصل الناس واجتماعهم ومداولاتهم، وهي أخطر أنواع ~~الأوهام، تلك هي الأوهام التي تنشأ عن اللغة وتتسلل إلى الذهن من خلال تداعيات الألفاظ ~~والأسماء. يميل الناس إلى قبول أفكار معينة ويسلمون بها تسليما، وما يدرون ~~أنها مبيتة في صميم اللغة نفسها. # 12 # يظن الناس أن عقلهم يتحكم في الألفاظ، بينما الحقيقة أيضا أن الألفاظ ~~تعود وتشن هجوما مضادا على الفهم؛ ذلك أن الألفاظ تكونت في الأصل لكي تلائم ~~قدرة عامة الناس، وهي تحدد الأشياء بخطوط تقسيم تسهل على الذهن العامي، وحالما أراد ~~الذهن العلمي أن يغير هذه الخطوط لتلائم التقسيمات الأصوب للطبيعة فإن الألفاظ تعترض ~~الطريق وتقاوم التغيير، «الألفاظ لا تحدد مدلولاتها بكل دقة ولسنا في حياتنا ~~اليومية بحاجة إلى تلك الدقة، ولكن إذا استخدمنا تلك الألفاظ في الحياة العلمية بان قصورها.» # 13 # ومن ثم تنتهي كثير من الحوارات العلمية والفكرية إلى خلافات حول ألفاظ ~~وأسماء بدلا من أن تدخل في صميم موضوعاتها؛ لذا فإن علينا أن نواجه الأشياء مباشرة، ~~ولا نكتفي بمواجهة الأشياء من خلال الألفاظ اللغوية، # 14 # يقول بيكون: «ما الكلمات إلا صور المادة، أن تقع في حب الكلمات هو أن تقع ~~في حب صورة.» وفي كتابه: «موسيقى الحوت الأزرق» يقول د. علي أحمد سعيد (أدونيس): «إنها ~~ثقافة مؤسسة على خلل أصلي في العلاقات بين الأسماء والأشياء، بل ليس في هذه ~~الثقافة أشياء، كلها ألفاظ واستيهامات، والمعرفة فيها لا تنشأ من استقراء الطبيعة ~~والأشياء وتغيراتها، وإنما تنشأ على العكس من استقراء المقروء: النصوص وتأويلها.» # 15 # يذكر بيكون نوعين من الأخطاء تفرضهما اللغة على الفهم، فإما أسماء لأشياء لا وجود لها # 16 ~~(كالقدر والمحرك الأول وعنصر النار)، وإما أسماء لأشياء موجودة ~~ولكنها مختلطة غير محددة؛ لأنها جردت من الأشياء على عجل ودون تدقيق (مثل كلمة ~~رطب)، وتتدرج الأسماء في قصورها وافتقارها إلى الدقة، فأقل الألفاظ خطأ أسماء ~~المواد، تليها أسماء الأفعال، أما أكثرها خطأ ms010 فأسماء الكيفيات أو الصفات. # كان بيكون إذا مستبقا لتيار كامل في الفلسفة: هو التيار التحليلي الذي جعل ~~الفلسفة برمتها تحليلا للغة يكشف غموضها والتباسها، ويضع يده على مكامن الخطأ في ~~استخدامها، ولكن بيكون لا يغرق في ذلك (إغراق المدرسة التحليلية) بحيث يسوخ في ~~مشكلات لفظية فتفوته المشكلات الحقيقية. ~~(4) أوهام المسرح # كذب الظن لا إمام سوى ال # عقل مشيرا في صبحه والمساء # إنما هذه المذاهب أسبا # ب لجذب الدنيا إلى الرؤساء # المعري # إياك واحذر أن تكو # ن من الثقات على ثقة # ابن فارس # هي الأوهام التي انسربت إلى عقول البشر من النظريات والمذاهب التي تفرض ~~نفسها على الأذهان نتيجة احترامنا الزائد لآراء القدماء، إن كل المذاهب التي تعلمها ~~الناس وابتكروها حتى الآن هي أشبه بمسرحيات تؤدى على المسرح، خالقة عوالم من ~~عندها زائفة وهمية. وفي مسرحيات هذا المسرح الفلسفي قد تلاحظ نفس الشيء الموجود في ~~مسرح الشعراء: أن القصص المؤلفة للمسرح أكثر تماسكا ووجاهة وإمتاعا من القصص ~~الحقيقية من التاريخ وأقرب لرغبات الناس. يقول بيكون: «ولا ينسحب حديثي على الفلسفات ~~والمذاهب الرائجة اليوم فحسب، ولا حتى على المذاهب القديمة، فما يزال بالإمكان تأليف ~~الكثير من المسرحيات الأخرى من نفس النمط وتقديمها بنفس الطريقة المصطنعة، وإضفاء ~~الاتفاق عليها ما دامت أسباب أغلاطها المتفاوتة هي أسباب مشتركة إلى حد كبير، ولا ~~أنا أقصر حديثي على الفلسفات الكلية، وإنما أشمل أيضا كثيرا من العناصر والمبادئ ~~الخاصة بالعلوم، والتي اكتسبت قوتها الإقناعية من خلال التقليد والتصديق الساذج ~~والقصور الذاتي.» # 17 # ثمة ثلاثة أنواع من أوهام المسرح أو ثلاثة فصائل من الفلاسفة يمثلون هذه الأوهام: ~~الفصيل النظري أو السوفسطائي، والفصيل التجريبي العشوائي # empiric ~~، والفصيل الخرافي المشعوذ؛ أما الصنف ~~النظري - ويمثله أرسطو - فيخلق عالما من الأفكار المجردة التي لا يقابلها في الواقع ~~شيء: كالمقولات والقوة والفعل، ويعالج كل الموضوعات من خلال هذه الأفكار، وحتى التجارب ~~القليلة التي أجراها كانت نتيجتها قد تحددت مقدما عن طريق الاستدلال، وأما الصنف ~~التجريبي العشوائي فيعتمد على تجارب قليلة لا تخضع لمنهج ms011 منظم، يحاول أن يبني منها ~~فلسفة كاملة، ومن هؤلاء: الخيميائيون القدامى الذين يتعجلون الوصول إلى نتائج قبل ~~أن يبنوا أبحاثهم على أساس متين، وأما الصنف الثالث فهم أصحاب الخرافات الذين ~~يمزجون الفلسفة باللاهوت، ولا يفرقون بين التفكير المنظم وبين الأسطورة الشعرية، ومن ~~هؤلاء: فيثاغورس، وكذلك أفلاطون الذي ينتمي إلى هذه الفئة، ولكن في صورة أدق وأخطر. # 18 # معيار الإجماع # كان هناك شبه إجماع في عصر بيكون على فلسفة أرسطو، ولكن بيكون يقول: «إن مسألة ~~الإجماع هي أيضا خادعة ولا تصمد للتمحيص؛ فالإجماع الحقيقي هو ذلك الذي ينطلق من ~~أحكام حرة تلتقي جميعا - بعد فحص المسألة - في نقطة واحدة، ولكن الغالبية ~~العظمى من الذين قبلوا فلسفة أرسطو قد ارتهنوا أنفسهم لها من خلال الحكم المسبق ~~وسلطة الآخرين؛ الأمر إذا أقرب إلى الاتباع والتحزب منه إلى الاتفاق، وحتى لو ~~كان اتفاقا حقيقيا وعريضا فمن الخطأ الذريع أن نعده تأييدا صادقا وصلبا، ~~ذلك الاتفاق الذي يتضمن قرينة قوية إلى العكس، فبئس الدليل الإجماع في المسائل ~~الفكرية، فلا شيء أثلج لصدور الطغام من ذلك الذي يفتن الخيال ويوثق العقل في ~~أغلال الآراء الشائعة، وما أجدرنا إذا أن نستعير قول فوشيون من مجال الأخلاقيات ~~إلى مجال الفكر: «إذا ما غمرك الدهماء بالتأييد والإعجاب فتحسس أخطاءك».» # 19 # معيار القدم # وتتمثل أوهام المسرح أيضا فيما تكتسبه المذاهب القديمة من سلطة بحكم قدمها ~~لا بحكم صدقها. وهو «يفكك» لفظة «القدم» # antiquity # نفسها، ويكشف تهافت فهمنا لها في هذا المقام ~~فيقول: «إن الرأي الذي يرفع به الناس من قيمة القدم هو رأي عقيم تماما ولا ~~يكاد يتفق مع اللفظة؛ ذلك لأن كبر العالم وتقدمه في العمر هو ما ينبغي أن ~~يعتبر «قدما» في حقيقة الأمر، وهذه هي الصفة المميزة لزمننا نحن لا للعمر ~~المبكر للعالم في أزمنة القدماء، فإذا كان هؤلاء الأخيرون بالنسبة لنا قدماء ~~مسنين فإنهم بالنسبة للعالم محدثون صغار، ولما كنا نتوقع من الشخص ~~الأكبر معرفة أكبر بالشئون البشرية وحكما أنضج مما نتوقعه من الصغير؛ بفضل خبرة ms012 ~~الكبير وبفضل كثرة وتنوع ما رآه وسمعه وتأمل فيه، فإن لنا أن نتوقع من عصرنا ~~أمورا أعظم مما نتوقعه من العصور القديمة، ما دام العالم قد تقدم في العمر ~~وازدادت ذخيرته واكتنزت بما لا نهاية له من التجارب والملاحظات، وينبغي أيضا أن ~~نأخذ في اعتبارنا أن كثيرا من الأشياء الجديرة بأن تلقي الضوء على الفلسفة قد ~~اكتشفت وأميط عنها اللثام بفضل الرحلات والأسفار الطويلة التي زخرت بها ~~أيامنا، إنه ليكون مخزيا حقا للجنس البشري أن تستكشف أصقاع العالم المادي - ~~الأرض والبحر والنجوم - وتستظهر على هذا النحو المذهل، بينما تبقى حدود العالم ~~الفكري محصورة في الكشوف الضيقة للقدماء.» # 20 # كان ألونسو الأراغواني يقول في مدح القدم: إنه يبدو خيرا وأفضل في أربعة ~~أشياء: الحطب القديم ليحرق، والخمر القديمة لتشرب، والأصدقاء القدامى ليوثق ~~بهم، والمؤلفون الأقدمون ليقرءوا. # 21 # معيار السلطة ~~«أما عن السلطة فهي من الجبن بحيث تولي ثقة غير محدودة لمعلمين معينين ~~بينما تغمط الزمن حقه. الزمن هو معلم المعلمين؛ ومن ثم فهو سلطة كل ~~سلطة؛ فقد صدق من أطلق على الحقيقة «بنت الزمن» لا بنت السلطة، لا عجب - إذا - ~~إذا كانت قيود القدم والسلطة والإجماع قد كبلت قوى البشر فصاروا عجزة (كما ~~لو كانوا مسحورين) عن مقاربة الأشياء ذاتها.» # 22 # تلك هي الأوهام وخصائصها، «وكلها أوهام ينبغي التخلي عنها وشجبها، وتطهير ~~العقل وتحريره منها؛ حتى لا يبقى ثمة إلا مدخل واحد إلى ملكوت الإنسان، المدخل ~~القائم على العلوم، مثلما أنه لا مدخل إلى ملكوت السماء إلا عبر طهارة الطفولة.» # 23 # الفصل الرابع # | صيد «بان» # الصياد الماهر يعرف أين كناس الوعل. # أوفيد: فن الهوى # يجمل بيكون منهجه الوسطي في العلم في الشذرة 95 من الكتاب الأول من «الأورجانون ~~الجديد»، فيقول: «هناك فصيلان من الذين تناولوا العلوم: أهل التجربة وأهل الاعتقاد، أهل ~~التجربة أشبه بالنمل، يجمعون ويستعملون فحسب، وأهل العقل أشبه بالعناكب، تغزل نسيجها من ~~ذاتها. أما النحلة فتتخذ طريقا وسطا بين الاثنين: تستخلص مادة من أزهار البستان ~~والحقل، غير أنها تحولها ms013 وتهضمها بقدرتها الخاصة. وعمل الفلسفة الحقيقي لا يختلف عن ~~هذا: فهي لا تعتمد على قوتها العقلية وحدها، ولا تختزن المادة التي يقدمها التاريخ ~~الطبيعي والتجارب الميكانيكية في ذاكرتها كما هي، بل تغيرها وتعمل فيها الفكر؛ ومن ~~ثم فإننا نأمل الكثير من خلال اتحاد هاتين الملكتين (التجريبية والعقلية) اتحادا ~~أوثق وأصفى مما تم لهما حتى الآن.» في هذه الشذرة يتبين أن بيكون كانت لديه نظرة متوازنة ~~لاستخدام كل من المنهجين الاستقرائي والاستنباطي في البحث العلمي، رغم أن افتقاره للمعرفة ~~الهندسية ربما أعاقه عن تحديد دور كل من المنهجين على نحو دقيق، مثلما تأدى به التأكيد ~~في مواضع أخرى من «الأورجانون» (انظر مثلا الشذرة 82) إلى الاستهانة بالمنهج الاستنباطي ~~الذي أسماه المنهج الاعتقادي (الدوجماوي)، وأن يعول تعويلا زائدا على المنهج ~~التجريبي. ~~(1) المنطق الأرسطي والقياس # كان المنطق هو الأداة الرئيسية التي استخدمها القدامى في استخلاص نظرياتهم وتأسيس ~~علومهم؛ ومن ثم كان نقد المنطق (القبلي # a priori ~~) ~~هو الخطوة الأولى في عملية تطهير الأرض لبناء المنهج الجديد. يتألف المنطق القديم من ~~«القياس» # syllogism # بالدرجة الأساس. يتألف ~~القياس من «قضايا» # proposition ~~، والقضايا من ألفاظ، ~~والألفاظ تشير إلى معان أو أفكار في الذهن # notions ~~؛ ~~فإذا كانت هذه الأفكار مختلطة في الذهن أو ملوثة بأوهام العقل (وبخاصة أوهام السوق) ~~يكون القياس كله - والعلم كله بالتالي - قائما على غير أساس؛ ففي عملية التجريد ~~الأصلية - التي تتكون بواسطتها ألفاظ تغدو حدودا في قضايا القياس - خطورة تجعلنا ~~نشك كثيرا في عملية القياس من أساسها. # 1 # يقول بيكون في مقدمة «الأورجانون الجديد»: «... يأتي المنطق متأخرا جدا ~~بعد أن استفحل الداء وضاع كل شيء، وأصبح العقل من خلال عادات الحياة اليومية ~~ومداولاتها محشوا بمذاهب فاسدة وأوهام فارغة، هنالك يساهم المنطق في تثبيت الأخطاء لا ~~في كشف الحقيقة.» # فالأقيسة الأرسطية تنتقل من العام إلى الخاص، وتفترض ما نريد أن نبحث عنه ونثبته، فهي ~~عقيمة عادة وقصاراها أن تحمل حملا كاذبا هو «المصادرة على المطلوب»! # 2 # أليست نتائجها مطمورة سلفا في المقدمات؟ أليست بذلك تدس ms014 النتيجة كمقدمة ~~وتجعل المسألة حلا؟! فتعفينا من مئونة الفكر وتديره دورانا آليا بليدا؟ أليست ~~تضحي بمضمون الفكر من أجل شكله وتهمل فحواه لحساب صورته؟ # القياس كله - حتى لو كان صحيحا من الوجهة الصورية الخالصة - عملية «عقيمة»؛ فهو لا ~~يأتي بجديد؛ لأن نتائجه قابعة سلفا في المقدمات؛ لذا فهو لا يعدو أن يثبت ويدعم ~~أفكارا موجودة من قبل، قد تكون باطلة كل البطلان، ولكنه لا يعين أبدا على اكتشاف ~~الحقيقة، وما القياس إلا طريقة لإقناع الخصم وقهره عن طريق الحجج اللفظية، ولكن هدف ~~العلم ليس قهر الخصوم بل قهر الطبيعة ، وغاية ما يمكن أن ينتفع به من القياس هو ~~استخدامه لنشر الحقائق وإقناع الأذهان بها لا لكشف الجديد منها. # 3 # يقول بيكون في الشذرة 1: 12: «نسق المنطق الحالي يفيد في تثبيت وترسيخ ~~الأخطاء (القائمة على الأفكار السائدة) أكثر مما يفيد في البحث عن الحقيقة؛ ومن ثم ~~فإن ضرره أكبر من نفعه.» إن المرء ليستدرج بسهولة إلى الخلط بين الاستدلال الصحيح ~~(صوريا) # valid # وبين «الصدق» أو «الحق» # truth ~~، هنالك يكون ذكاؤه عبئا عليه! وتترسخ أوهامه ~~بقدر مهارته المنطقية نفسها! # 4 ~~(2) الاستقراء الأرسطي # ويحمل بيكون بشدة على الاستقراء الأرسطي؛ لأنه يئول في النهاية إلى «قياس» # syllogism ~~، مقدمته الكبرى هي نتاج عملية إحصاء يقوم ~~على الأمثلة الإيجابية وحدها. والأمثلة الإيجابية بدون الأمثلة السلبية لا تفضي إلى ~~يقين، ولن تكون على أحسن الفروض إلا تخمينا. يطلق بيكون على هذا الاستقراء ~~«التعداد البسيط» # simple enumeration ~~. يقول ~~برتراند رسل في «تاريخ الفلسفة الغربية»: «يمكن أن نوضح الاستقراء بالتعداد البسيط ~~بواسطة حكاية رمزية تقول: يحكى أن موظف تعداد كلف ذات يوم بتسجيل أسماء جميع ~~الأهالي في قرية معينة بمقاطعة ويلز، فكان أول فرد سأله يدعى وليام وليامز، وكذلك ~~كان اسم الثاني والثالث والرابع ... وأخيرا قال الموظف لنفسه: هذا شيء مضجر، من ~~الواضح أن اسمهم جميعا وليام وليامز، سأسجلهم جميعا هكذا وأمنح نفسي إجازة. ولكنه كان ~~على خطأ؛ إذ إن هناك شخصا واحدا كان اسمه جون جونز، ومن ذلك يتبين ms015 أننا قد نضل السبيل ~~إذا ما أولينا ثقة زائدة بالاستقراء بواسطة التعداد البسيط.» # 5 # يقول بيكون في الأورجانون الجديد: «ولا يخدعن أحدا كثرة التجاء أرسطو ~~إلى التجربة في كتبه «عن الحيوان» و«مشكلات» ورسائل أخرى؛ فحقيقة الأمر أنه قد حسم ~~أمره مسبقا ولم يستشر التجربة حق المشورة كأساس لأحكامه ومبادئه. إنه يعتسف ~~أحكامه اعتسافا، ثم يلوي بالتجربة حتى تلائم أفكاره، ويجرها كما يجر أسير في موكب.» # 6 # هذا لون من «البروكرستية» Procrusteanism # المغالطة ينبغي تجنبها في مجال البحث العلمي مثلما ينبغي تجنبها في جميع المجالات، ~~و«البروكرستية» هي أية نزعة إلى «فرض القوالب» على الأشياء، أو لي الحقائق وتشويه ~~المعطيات وتلفيق البيانات لكي تنسجم قسرا مع مخطط ذهني مسبق، إنها القولية ~~الجبرية والتطابق المعتسف والانسجام المبيت، إنها افتئات على الواقع قلما يفلت ~~من غضبة المنطق وانتقام الحقيقة. # 7 ~~(3) تدرجية بيكون # Bacon’s gradualism # يقول بيكون في الأورجانون الجديد: «ذلك أن الاستقراء الذي ينطلق من التعداد البسيط هو ~~شيء طفولي، استنتاجاته قلقة وعرضة للخطر من أي شاهد مضاد، وهو بصفة عامة يحكم ~~بناء على عدد صغير جدا من الوقائع، وعلى تلك الوقائع المتوافرة فحسب. أما ~~الاستقراء الذي نريده من أجل اكتشاف العلوم والبرهنة عليها فينبغي أن يحلل الطبيعة ~~بواسطة عمليات نبذ واستبعاد مناسبة، وعندئذ، بعد عدد كاف من السوالب يصل إلى ~~استنتاج الأمثلة الموجبة، وذلك شيء لم يعمل حتى الآن بل لم يحاول، باستثناء أفلاطون ~~الذي استخدم حقا هذا الشكل من الاستقراء إلى حد ما بغرض تمحيص التعريفات والأفكار.» # 8 ~~«علينا ألا نسمح للفهم بأن يقفز ويطير من الجزئيات إلى المبادئ القصية ~~والشديدة العمومية (كتلك التي تسمى «المبادئ الأولى» للفنون والأشياء)، ثم ينطلق ~~منها مسلما بيقينها الذي لا يتزعزع؛ ليبرهن بها على المبادئ الوسطى ويفصلها، وهو ~~المتبع حتى الآن؛ إذ إن العقل ميال بطبعه لأن يفعل ذلك، بل هو مدرب عليه ~~ومعتاد من خلال نموذج البرهان «القياسي» # syllogistic ~~، ~~ولكننا لا نأمل خيرا من العلوم إلا عندما ننتقل على سلم أصيل صاعد بدرجات ~~متتالية بلا ms016 ثغرات أو كسور، من الجزئيات إلى المبادئ الصغرى ثم إلى المبادئ الوسطى، ~~الواحد تلو الآخر، انتهاء بالمبادئ الأعم ... لذا ينبغي ألا نزود الفهم البشري ~~بأجنحة، بل بالأحرى بأثقال مدلاة حتى نعقله عن الوثوب والطيران، وهذا ما لم ~~يعمل حتى الآن، وعندما يعمل سيكون لنا في العلوم أمل أكبر.» # 9 # لقد كانوا «من خلال بضعة أمثلة وجزئيات (مع إضافة تصورات شائعة وربما جرعة ~~ما من أكثر الآراء رواجا) كانوا يقفزون قفزا إلى المبادئ الأكثر عمومية أو المبادئ ~~الأولى للعلم، وإذ يأخذون صدق هذه المبادئ الأولى كأمر ثابت لا يتزعزع، فإنهم ~~ينطلقون منها إلى استنباط الاستنتاجات الدنيا بواسطة قضايا وسطى، ويختبرونها بعرضها على ~~محك المبادئ الأولى الصادقة صدقا ثابتا لا يتزعزع، ومنها يشيدون الفن، وأخيرا ~~فإنهم إذا ظهرت في الأفق جزئيات جديدة تناقض وجهات نظرهم فإنهم إما يسلكونها ~~بمهارة في المذهب بواسطة تحديدات وتفسيرات لقواعدهم نفسها، وإما يتخلصون منها ~~برعونة على أنها استثناءات ...» # 10 ~~(4) احتراش # 11 # الحقيقة # ينبغي أن يكون لدينا استقراء، ولكن هذا الاستقراء لا يعني عدا وإحصاء لجميع ~~الجزئيات، فإن هذا العمل لا آخر له ولا فائدة؛ إذ لا يمكن لأي مادة مجموعة أن تصنع ~~علما، وهو أشبه بمن يحوش الصيد في أرض فضاء بغير حدود أو بغير حيز مسدود، إن عمل ~~الباحث العلمي شبيه حقا بعمل الصياد؛ ولهذا يسميه بيكون باسم «صيد بان» Pan’s hunt (Venatio Panis) ~~، # 12 # وبان هو إله الأحراش والغابات؛ لأن العمل الباحث يقوده نوع من ملكة ~~الاشتمام # flair # شبيهة بملكة الاشتمام عند القناص ~~الماهر الذي يشم أين توجد الفريسة # subodoratio quaedam ~~venatica ~~. يجب تضييق وتسييج ميداننا كي نمسك فريستنا، يقوم القنص ~~في تسع عمليات هي: # 13 # تنويع التجارب: # بتغيير المواد وكمياتها وخصائصها وتغيير العلل الفاعلة، مثل تطعيم ~~الغابات كما نصنع في شجر الفواكه، ومثل تركيز أشعة الشمس باستخدام ~~العدسات، وعمل الشيء نفسه على أشعة القمر ... إلخ. # تكرار التجربة: # مثل إعادة تقطير الكحول عن تقطير أول ... إلخ. # مد التجربة: # أي إجراء تجربة على مثال تجربة أخرى ms017 مع تعديل في المواد. # نقل التجربة من الطبيعة إلى الفن: # مثل إيجاد قوس قزح في مسقط ماء، أو من فن إلى آخر مثل أن نصنع ~~أداة تعين السمع كما صنعت العدسات لتعين البصر، أو من جزء فن إلى ~~آخر، مثل أن نستعين بوسائل العلاج وأدويته في مجال الوقاية. # قلب التجربة: # مثل الفحص عما إذا كانت البرودة تنتشر من أعلى إلى أسفل بعد أن عرفنا ~~أن الحرارة تنتشر من أسفل إلى أعلى. # إلغاء التجربة: # أي طرد الكيفية المراد دراستها، مثال ذلك - وقد لاحظنا أن المغناطيس ~~يجذب الحديد خلال أوساط معينة - أن ننوع هذه الأوساط إلى أن نقع على ~~وسط أو أوساط تلغي الجاذبية. # تطبيق التجربة: # أي استخدام التجارب لاستكشاف خاصية نافعة، مثل تعيين مبلغ نقاء ~~الهواء وسلامته في أمكنة مختلفة أو فصول مختلفة بتفاوت سرعة ~~التنفس. # جمع التجارب: # أي الزيادة في فاعلية مادة ما بالجمع بينها وبين فاعلية مادة أخرى، ~~مثل خفض درجة تجميد الماء بالجمع بين الثلج والنطرون (ملح ~~البارود). # صدف التجربة: # أي أن تجرى التجربة لا لتحقيق فكرة معينة، بل لكونها لم تجر ~~بعد، ثم ينظر في النتيجة ماذا تكون، مثل أن نحدث في إناء مغلق ~~الاحتراق الذي يحدث عادة في الهواء. # وبعد إجراء التجارب نقوم بتوزيعها في قوائم ثلاث: # 14 ~~(1) # قائمة الحضور: نسجل فيها كل الأحوال التي تظهر فيها الطبيعة (أو ~~الظاهرة) التي ندرسها، فمثلا لو كنا نبحث في الحرارة، فإننا نسجل ~~حضورها في: الشمس، اللهب، دم الإنسان الحي، العدسات الحارقة ... إلخ. ~~(2) # قائمة الغياب: نسجل فيها الأحوال التي لا توجد فيها الطبيعة (أو ~~الظاهرة)، فبالنسبة إلى الحرارة نسجل عدم وجودها في: أشعة القمر، دم ~~الحيوان الميت ... إلخ، وبمقارنة القائمتين نعرف السبب المولد للحرارة ~~والذي بغيابه ينتفي وجود الحرارة. ~~(3) # قائمة الدرجات أو المقارنة: نسجل فيها كل الأحوال التي تتغير فيها ~~طبيعة ما كلما تغيرت طبيعة أخرى فتزيد كلما زادت، وتنقص كلما نقصت، مما ~~يجعلنا نقرر أن هناك ترابطا بينهما. # وبمقارنة اللوحات الثلاث نستطيع أن نستبعد كل الظواهر الغريبة عن ms018 الطبيعة التي ~~ندرسها؛ أي التي تكون غائبة حين تكون الطبيعة حاضرة، وحاضرة حين تكون الطبيعة غائبة، ~~وثابتة حين تكون الطبيعة متغيرة، والأمر المهم والأصيل في منهج بيكون هذا هو الدور ~~الذي تلعبه قائمة الغياب وما يصاحبها من تجارب سلبية، يقول بيكون في الشذرة 2: 15: ~~«أطلقت على مهمة ووظيفة هذه القوائم الثلاث «عرض الشواهد أمام الذهن»، وبعد أن تم ~~العرض يجب أن يبدأ «الاستقراء» نفسه في العمل؛ فبالإضافة إلى «عرض» كل مثال يجب أن ~~نكتشف أية طبيعة تظهر دائما مع الطبيعة المعنية أو لا تظهر، أيها تزيد معها أو تقل، ~~وأيها تعد حدا (كما قلنا آنفا) لطبيعة أعم، إذا حاول العقل أن يفعل ذلك على ~~نحو إيجابي # 15 ~~(وهو ما سيفعله دائما إذا ترك لحاله)، هنالك ستبرز أوهام وتخمينات ~~وأفكار غير محددة ومبادئ تحتاج إلى تصحيح كل يوم، ما لم يؤثر المرء أن ينافح عن ~~الباطل (كشأن المدرسيين)، وإن كانت هذه بغير شك ستكون أفضل أو أسوأ بحسب قدرة وذكاء ~~الفكر الذي يعمل. غير أن الله وحده (خالق الصور وبارئها) - أو ربما الملائكة والعقول ~~العليا - من يملك معرفة مباشرة بالصور بالإيجاب ومنذ بداية التفكير، من المتيقن أن ~~هذا فوق قدرة الإنسان الذي قدر عليه ألا ينطلق إلا من خلال «الأمثلة السالبة»، فلا ~~يخلص إلى «الأمثلة الإيجابية» إلا بعد أن يستنفد كل ما هو مستبعد.» ~~(5) معنى «الصور» عند بيكون # هكذا يمضي بيكون في الاستبعاد حتى يصل إلى التحديد الإيجابي للظاهرة المراد بحثها، ~~وهي الحرارة في كتاب الأورجانون الجديد، فيخلص إلى أن الحرارة هي نوع من الحركة: هي ~~حركة للجزئيات الصغيرة في الأجسام، يحال فيها دون الميل الطبيعي لهذه الأجسام إلى ~~التباعد عن بعضها البعض، وبتعبير آخر، فإن الحركة هي «صورة» # form # الحرارة، أو علة الحرارة، وقد أصاب بيكون فيما وصل إليه في ~~ظاهرة الحرارة، واستبق بذلك الفكرة الحديثة القائلة بأن الحرارة هي حركة جزيئية، ويعد ~~هذا من إسهاماته (القليلة) في العلم الطبيعي. # بهذه الطريقة كان بيكون يتوقع أن يصل إلى القوانين العامة، القوانين ms019 الأدنى عمومية ~~في البداية، ثم من عدد من هذه القوانين كان يأمل في الوصول إلى قوانين من الدرجة ~~الثانية من العمومية وهكذا. وعلينا بإزاء القانون المقترح أن نختبره بتطبيقه في ظروف ~~جديدة، فإذا عمل في هذه الظروف يكون مؤيدا بهذا القدر. # ثمة بعض الشواهد أو الأمثلة ذات قيمة خاصة؛ لأنها تمكننا من أن نقرر بين نظريتين ~~كلتاهما ممكنة في ضوء الملاحظات السابقة، يطلق بيكون على هذه الأمثلة أو الشواهد ~~«الشواهد المميزة» (أو ذات الامتياز) # prerogative ~~instances ~~. # 16 # على أن نظرية بيكون في الاستقراء كانت قائمة على الاعتقاد بأن في الكون عددا محدودا ~~من «الطبائع البسيطة» # simple nature ~~(كالضوء والوزن ~~والحرارة واللون ...) هي تلك التي تكون الأشياء كلها بتجمعها وتفرقها. وكان بيكون يعتقد ~~أن بإمكاننا كشف سر الكون كله إذا عرفنا حقيقة هذه الطبائع وكشفنا قوانينها، # 17 # ومن هنا كان العالم في نظره بسيطا إلى حد بعيد، وكان يؤمن بإمكان ~~الوصول إلى مجموعة هائلة من الكشوف والاختراعات، وضمان السيطرة «الكاملة» للإنسان على ~~الطبيعة إذا قمنا بعدد معلوم من الأبحاث الطبيعية ... وتلك - ولا شك - سذاجة مفرطة في ~~التفكير، ولكنها تدل في الوقت ذاته على الإيمان بأن للعلم قدرة مطلقة، # 18 # وإذا كان العلم الحديث يهدف إلى وصف وتفسير الظواهر الطبيعية، فإن بيكون ~~يريد من هذا المنهج أن يفضي به إلى معرفة أو اكتشاف «الصور»؛ أي صور الطبائع البسيطة، ~~وقد أثار استخدام بيكون للفظ «الصور» مشكلات كثيرة بين الشراح: فرأى البعض أنه عاد إلى ~~استخدام أسلوب الميتافيزيقا الأرسطية، وأنه قد عاد رغما عنه إلى الأخذ بالاتجاهات التي ~~كان يعيبها على الفلسفات القديمة، وكان من أهم الأسباب التي أدت إلى إثارة هذه المشكلات ~~غموض معنى «الصور» في كتابات بيكون، يشير «بروشار» إلى ثلاثة معان رئيسية لكلمة ~~«الصورة» # form # عند بيكون: # فهي «الفصل» الحقيقي؛ أي أنها ما يتم به التعريف. # وهي «الماهية» أو ما يوجد كلما وجد الشيء، وما يوجد الشيء كلما ~~وجد. # وهي «القانون» أو قانون «الفعل ~~المحض» # pure act # للظاهرة. # 19 # ومن الواضح ms020 في هذه المعاني جميعا أن «الصور» ليست مفارقة ولا مجردة - كما كان يراها ~~القدماء - وإنما هي كامنة في قلب الشيء الطبيعي ذاته، ولها طبيعة يمكن تحديدها وحصرها ~~بدقة، وما هي إلا طريقة خاصة من طرق وجود المادة تعين على حصر العالم والتحكم فيه. # 20 ~~«إننا نكافح لنتعلم صور الأشياء لا من أجل الصور في حد ذاتها، ولكن لأننا بفضل معرفة ~~الصور (القوانين) قد نتمكن من تجديد صنع الأشياء وفقا لرغباتنا ... وإذا استطاع العلم ~~أن يكشف لنا صور الأشياء كشفا وافيا فإن العالم سيكون عندئذ مجرد مادة خام لإقامة ~~المدينة الفاضلة التي يعتزم على إقامتها.» # 21 # الفصل الخامس # | نظرة نقدية # ذلك أن الرغبة الصحيحة هي جزء من العلم شأنها شأن الأسئلة الصحيحة. # بيكون ~~(1) موقف بيكون من الفروض # لم يدرك بيكون أهمية «الفرضية» # hypothesis # في العمل ~~العلمي، وحذر منها وأسماها «استباق الطبيعة»؛ أي استنتاجات للعقل الإنساني تنصب على ~~الطبيعة، بينما هي تتجاوز ما تخبر به الطبيعة، ولكن كيف يمكن للمرء أن يعرف أين يبحث عن ~~البيانات ذات الصلة، وكيف يعرف متى يتوقف ما لم يكن لديه «تصور» ما - مهما يكن ~~اختباريا ~~(tentative) # مبدئيا - عما يكون ذلك الشيء ~~الذي يريد أن يكشفه؟! # 1 # فليس من الواضح متى ينبغي على الباحث البيكوني أن يتوقف عن جمع ركام ~~الجزئيات لكي يقفز إلى التعميم المجرد. بعد دستة من الشواهد؟ بعد ألف؟ الحق أن منهج ~~بيكون لا يقدم شيئا يرشد الباحث في تحديد ذلك غير الحدس الحرفي أو الغرزي. وبدون ~~ذلك يظل الباحث البيكوني سادرا في ملاحظة الجزئيات، سائخا في رمال البيانات، محتجزا ~~على أول درجة من السلم البيكوني بين معلومات مبتذلة، ولن يغادر الأرض أبدا. ولعل ~~اعتبارات مثل هذه هي ما دفع وليم هارفي إلى أن يصف بيكون بأنه «يكتب عن الفلسفة ~~الطبيعية مثل لورد شانسلور» (قاضي القضاة)؛ أي مثل سياسي أو مشرع لا مثل ممارس علمي، ~~الحق أن أعظم خطوات التقدم في المعرفة العلمية لم تتحقق بواسطة الاستقراء البيكوني، ~~بل بواسطة الحدوس الافتراضية الجريئة والمخاطرة ms021 (أي بواسطة الفروض) التي تعرض عندئذ ~~على محك الاختبار فإما تعزز وإما تكذب. # تذهب النظرة الساذجة للعلم إلى أن العلماء «يلاحظون» الطبيعة، ويجمعون ملاحظاتهم ~~ليكونوا بها صورة صادقة للأشياء، مركبا من كل الحقائق وليس من شيء غير الحقائق، ~~وبعبارة أخرى: تذهب النظرة التقليدية للمنهج الاستقرائي إلى أننا نبدأ بجمع ملاحظات ~~خالصة، دون فروض مسبقة، تقدم لنا الوقائع بطريقة محايدة نزيهة، ومن تكرار هذه ~~الملاحظات تبدأ أنماط معينة في الظهور وتؤدي إلى تكوين فروض عامة تربط بعض الظواهر ~~الملاحظة، عندئذ تجري الاختبارات التجريبية التي تثبت صدق الفروض فترقى إلى منزلة ~~النظرية. «المشكلة الكامنة في هذه النظرة هي أن هناك ما لا نهاية له من الملاحظات التي ~~يمكن أن نلاحظها ونسجلها، الأمر الذي يجعل الوصف الدقيق للطبيعة طويلا لا آخر له، ~~ومضجرا كدليل التليفون. بإمكان المرء مثلا أن يشرع في وصف هيئة كل حبة رمل على ~~شاطئ معين، لكن لا أحد ولا حتى بيكون نفسه يمكن أن يتصور كيف تكون مهمة العلم إذا سار ~~بهذه الطريقة.» # 2 # ورغم ذلك فقد كان على العلماء أنفسهم (وكذلك على مراقبي العلم من الفلاسفة) أن ينفقوا ~~زمنا حتى يدركوا بوضوح أن الملاحظة - لكي تكون ذات معنى - يجب أن تسترشد بنظرية. وقد ~~ظل كثير من الناس يصرون على أن الملاحظات يجب أن تأتي أولا وبعدها وبناء عليها يمكن ~~للنظريات أن تنشأ، ولكن ما يحدث في عامة الأحوال هو أن نظرية ما هي التي تخبر ~~العالم على وجه التحديد، أي الملاحظات هي الجديرة بأن يقوم بها، أضف إلى ذلك أن ~~النظرية تمد العالم أيضا بالمفردات اللغوية التي يصف بها ملاحظاته. إن للأشياء ~~والأحداث والمواقف التجريبية ما لا ينتهي من الخواص القابلة للملاحظة والوصف. إن ~~النظريات هي التي تحدد للعالم أي هذه الخواص هي التي تعنيه وتتصل بموضوعه خلال ~~وحدة محددة من العمل العلمي. # 3 # وتترتب على الصورة المتطورة للعلم - والتي تؤكد على أهمية النظريات - نتيجة عجيبة: ~~إن اللغة التي تستعمل لكي تجسد الملاحظات والنتائج التجريبية هي ذاتها شيء ms022 ~~تحدده نظرية معينة وتقدر له شكله وصفته مقدما، فتوصف اللغة التي يستخدمها عالم ~~ملتزم بنظرية معينة بأنها لغة «محملة ~~بالنظرية» # theory-laden ~~. # 4 # والحق أنه ليس هناك طريقة آلية لابتكار الفروض العلمية، ولا طريقة آلية يمكن بها ~~للعلم أن يحقق تقدما، وأن العلم ليس أقل احتياجا للخيال من أي فن آخر. وقد لاحظ ~~أينشتين أنه بينما يمكن للنظرية أن تختبر بالبينة # evidence # فليس هناك طريق من البينة إلى النظرية! علينا ألا نسأل ~~العالم من أين جاء بنظريته، بل نسأله عما أعد لها من اختبارات. وإن تاريخ الممارسة ~~العلمية ليظهرنا على أن الاقتحامات الكبرى في العلم تأتي عن طريق الحدس: ثمة دائما ~~قفزة إبداعية تتجاوز المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئا ما مستجدا، وأحيانا ما ~~تأتي ومضة الاستضاءة من الأحلام بالمعنى الحرفي! أحيانا ما يحلم العلماء نظرياتهم ~~حلما! مثل حلم كيكوليه ببنية حلقة البنزين؛ إذ رأى فيما يرى النائم أفعى تعض ذيلها ~~(وقيل عدة أفاع تعض كل واحدة ذيل تاليتها)، وحلم نيلز بور بالنظام الشمسي كنموذج ~~للذرات، وحلم مندليف بالجدول الدوري للعناصر، المهم أن تكون علما؛ أي قولا يحمل نبأ ~~عن العالم المحدد الذي وجدنا فيه، ويحمل في تضاعيفه تنبؤات قابلة للاختبار. # 5 # ربما لا نجد من الباحثين من يمكن اعتباره بيكونيا صميما إلا تيخو براهه الفلكي ~~الدانمركي الذي كان يشرف على فريق بحثي جمع بجد ودأب مجلدات كاملة من البيانات ~~الفلكية مدرجة في قوائم مرتبة ومضجرة، وحتى تشارلس دارون الذي ادعى أن «أصل ~~الأنواع» يقوم على «مبادئ بيكونية» لا يمكن اعتباره بيكونيا صميما، فرق بين أن تجمع ~~شواهد لكي تقارن الأنواع وتبين العلاقات بينها، وبين أن تنظر آلية (هي التطور من ~~خلال الطفرة والانتخاب الطبيعي) تفسر تاريخها وتنوعها كله بقوة وأناقة، لقد أدرك ~~دارون عندما قرأ مقال مالثوس عن السكان فكرة تطبيق الافتراض المالثوسي على جميع الأجسام ~~الحية، وهو أن زيادة السكان تنزع إلى السرعة أكثر من وسائل الرزق والمعيشة. وقد استنتج ~~دارون من هذا الافتراض النتيجة المحتملة، وهي أن ضغط السكان ms023 على وسائل الغذاء والطعام ~~سيؤدي إلى صراع من أجل العيش يكون فيه البقاء للأصلح، وأن كل نوع يتغير في كل جيل ~~ليتكيف أكثر مع البيئة التي يعيش فيها، وأخيرا (بعد أن حدد دارون المشكلة التي ~~تواجهه ومجال ملاحظاته عن طريق الافتراض والاستدلال) اتجه إلى وجه الطبيعة النضر، ~~وأجرى لمدة عشرين سنة فحصا استقرائيا صبورا للحقائق. # 6 # هكذا يتبين أن عمل «الفرض» أو «الحدس الافتراضي» أهم بكثير مما كان يظن ~~بيكون، وأن الطريقة العلمية أكثر مباشرة وجرأة من طريقته. # وحتى بيكون نفسه لم يكن بيكونيا صميما! «فبعد إنكاره للفروض كان هو نفسه يستخدمها ~~دون أن يدري، وإلا فكيف توصل إلى أن الحركة هي علة الحرارة؟! ليست الحركة هي الظاهرة ~~التي كان يبحثها، وإنما كان يبحث ظاهرة الحرارة، ولم تكن الحركة مذكورة في أي من ~~القوائم الثلاث؛ فالحركة اقتراح؛ أي فرض لتفسير تلك القوائم.» # 7 # لقد كان بيكون على خطأ في اعتقاده بأن الفروض مبنية على الاستقراء، الذي تكون مهمته ~~في الواقع هي اختبار الفروض، بل إن مجرد القيام بسلسلة من الملاحظات يقتضي أن يكون ~~لدى المرء من قبل فرض أولي، أما اكتشاف الفروض فلا يمكن أن توضع بشأنه مجموعة من ~~القواعد العامة، كما أن رفض بيكون للقياس قد أدى به إلى الإقلال من أهمية وظيفة ~~الاستنباط في البحث العلمي، ومن الجدير بالملاحظة - بوجه خاص - أنه لم يبد تقديرا ~~كبيرا للمناهج الرياضية التي كانت قد بدأت تتطور في عصره؛ ذلك لأن دور الاستقراء في ~~اختبار الفروض ما هو إلا جانب بسيط من جوانب المنهج، وبغير الاستنباط الرياضي الذي ~~يقودنا من الفروض إلى موقف عيني قابل للاختبار، لا تتوافر لدينا معرفة بما يتعين ~~علينا اختباره. # 8 ~~(2) بيكون والرياضيات # ويؤخذ على بيكون جهله أو تجاهله لدور التصورات الرياضية والاستدلالات الرياضية في ~~المنهج الاستقرائي، فهو «لم يشر إلى تلك التصورات والاستدلالات في منهجه، وذلك عيب ~~لا يغتفر له، نسي أننا باستخدامنا للمناهج الرياضية في المباحث الطبيعية قد نتنبأ ~~بنتائج تجارب بطريق صوري لم نقم بها ms024 بعد، وحين نجري تلك التجارب ونضع نتائجها موضع ~~الاختبار قد نتحقق من صدق التنبؤات، وهذا ما قام به جاليليو إلى جانب اتجاهه التجريبي ~~قبل نشر بيكون الأورجانون الجديد بسنوات. نلاحظ هنا أن جاليليو كان أكثر ثقة بالمناهج ~~الرياضية موضع التحقيق التجريبي؛ سلامة الاستنتاج الرياضي شرط كاف لصدق النتائج، ولا ~~حاجة للملاحظة والتجربة إلا حين تكونان لازمتين.» # 9 # وعلى الرغم من ذلك فإن علينا ألا ننسى أن بيكون يقدر قيمة الرياضيات في «الأورجانون ~~الجديد»، فبوسع المرء أن يستشف من وراء اهتمام بيكون الزائد ب «الصور» الكامنة في ~~الطبائع الكيفية نوعا من الاتجاه إلى إدراك قيمة الصيغ الرياضية في التعبير عن ~~القوانين النهائية للعالم الطبيعي؛ أعني اتجاها إلى استبدال الكم بالكيف. # 10 # كما أنه في حديثه عن أوهام السوق يشير إلى أن الخلافات بين العلماء تنحل - ~~بسبب استخدامهم لألفاظ اللغة المعتادة - إلى خلافات حول الأسماء؛ «ولذا فمن الأسلم - ~~اقتداء بحذر علماء الرياضيات - أن نبدأ منها ونضفي عليها النظام باستخدام التعريفات.» # 11 ~~«وهكذا فإن التعريف الرياضي في رأيه وسيلة لإضفاء المزيد من الدقة على ~~الأفكار، على حين أن ألفاظ اللغة المتداولة تحول دون التعبير والملاحظات الدقيقة ~~والأفكار المتعمقة. ومن هذا كله يتضح أن بيكون - مع تحمسه الشديد للعلم التجريبي - لم ~~يكن معاديا للرياضيات كما قد يبدو لأول وهلة، وأن انتقاداته للرياضة إنما ترجع إلى ~~حذره من الإفراط في التجريد من جهة، وترجع من جهة أخرى إلى خوفه مما جره المنهج ~~الاستنباطي (عن طريق القياس) من أضرار على العلم، وحرصه على الابتعاد عن كل ما قد ~~يشتم منه شبهة الاستنباط.» # 12 ~~(3) بيكون وعلوم عصره # ومن المفارقة أن بيكون رغم شغفه بالعلم لم يكن متابعا جيدا لما يدور في زمنه من ~~أبحاث علمية؛ فقد رفض نظرية كوبرنيقوس، وتجاهل نظرية كبلر، ولم يعرف قدر أبحاث جلبرت، # 13 # ولم يعرف - فيما يبدو - شيئا عن فيساليوس رائد التشريح. ومن عجب أنه لم ~~يكن على دراية بعمل هارفي رغم أنه كان طبيبه الخاص، صحيح أن هارفي نشر اكتشافه بعد ms025 وفاة ~~بيكون، إلا أن بيكون كان قمينا أن يلم بشيء عن اكتشافه البيولوجي الكبير. # إنصافا لبيكون # رغم كل ما قيل ويقال عن قصور المنهج البيكوني، فإن من يأخذ فكر بيكون في سياقه ~~الزمني ويتفهم اللحظة التاريخية التي كان يمثلها؛ يدرك أن كل هذه الانتقادات هي ~~انتقادات لاحقة استعادية، انتقادات «بأثر ~~رجعي» # retrospective ~~، انتقادات في ضوء التقدم الهائل الذي أنجزه العلم ومنهجه ~~بعد بيكون، انتقادات من متفرج على البر (الزماني) إلى من يصطرع ببسالة مع اللجج ~~الحقيقية (الآنية)، انتقادات ليس فيها «تمثل» ولا «مواجدة» # empathy ~~، انتقادات لا تلتفت إلى «الصراع المرير الذي كان يخوضه ~~بيكون ضد أنصار الفكر التأملي الاستنباطي ممن يستدلون على قوانين الطبيعة من كتب ~~الأقدمين، ولا يبذلون أدنى جهد لمتابعة خصائصها وملاحظتها بأنفسهم؛ أي لا تلتفت إلى ~~أهمية الإنجاز الذي حققه بيكون في عصر كانت فيه الروح المدرسية التقليدية لا تزال ~~مسيطرة على الأوساط العلمية، وهو الدعوة إلى منهج جديد للعلم مستمد من الاتصال ~~المباشر بالطبيعة لا بالكتب ، وإلى غاية جديدة للعلم هي تحقيق سيطرة الإنسان على الطبيعة ~~وإخضاعها لأهدافه، بدلا من الوقوف إزاءها موقف المتفرج المتأمل.» # 14 # فإذا صح أن بيكون قد أغفل الفروض وتملكته نزعة تجريبية متطرفة، ~~فلقد كان تطرفها رد فعل مفهوما على تطرف مضاد في التأمل العقلي الخالص كما ~~كان سائدا في التراث السابق كله، كانت هذه النزعة تحتم عليه ألا يتجاوز الملاحظات ~~المعطاة، ويحذر بشدة من الفروض بوصفها قفزات عقلية غير مأمونة. # 15 # يقول Peter Urbach ~~: «ومن ثم فإن بيكون ~~لم يكن يشجب الفروض، بل الميل إلى التعامل معها كما لو كانت غير قابلة للتصويب، ومثل ~~هذا الموقف ينجم عنه نفور من المضي في اختبار الفروض، ويؤدي إلى العلم العقيم الذي كان ~~بيكون يراه من حوله.» # 16 ~~(4) الاستبعاد البيكوني استباق للتكذيب البوبري # ويحمد لبيكون أنه أدرك أهمية الرفض والاستبعاد، واستبق وجهة النظر الحديثة القائلة ~~بأن على المرء في مجال البحث العلمي ألا يكتفي بتأييد فرضيته، بل ينبغي بالأحرى أن ~~يلتمس البيانات التي من ms026 شأنها أن تفند هذه الفرضية، لقد أدرك بيكون الأهمية الحاسمة ~~للشاهد السلبي في المنهج العلمي، والدور المحوري الذي يلعبه التفنيد في مجال العلم، وهو ~~في ذلك يعد مستبقا لفكرة التكذيب عند كارل بوبر، كما أنه استبق فكرة بوبر عن «الخدع ~~التحصينية» التي يلجأ إليها البعض لإنقاذ النظريات من الدحض. يقول بوبر: إن من دأب ~~البعض من أصحاب النظريات التي يتبين كذبها بالاختبار أن يظلوا متمسكين بها ولا يتخلوا ~~عنها، وأن يقوموا بعملية أشبه بالترقيع النظري لإنقاذ النظرية من الدحض، ومن الوسائل ~~المعهودة في ذلك: إدخال «فرض ~~مساعد» # auxiliary hypothesis ~~، أو «فرض عيني ~~(تحايلي)» # ad hoc hypothesis # على مقاس الشواهد المضادة ب «غرض» استيعابها داخل النطاق ~~التفسيري للنظرية، مثل هذا الإجراء ممكن دائما وميسور لأية فرضية مهما بلغت عبثيتها ~~وهشاشتها، غير أنه ينقذ النظرية من الدحض بقدر ما ينال من مكانتها العلمية ومحتواها ~~المعلوماتي. # وثمة تحايل آخر لتفادي الدحض، وهو - ببساطة - أن تخرج «المثال المضاد» # counterexample # من التعريف نفسه، فإذا كنا ~~مثلا بصدد العبارة الكلية: «كل الغربان سود» وجابهنا شاهد مضاد لغراب أبيض ~~لأمكننا القول: «إن غرابا أبيض هو ليس غرابا على الإطلاق.» # مثل هذه الفروض التحايلية المقحمة والمناورات التعريفية هي نوع من الغش والمماحكة، ~~وهي إجراءات رخيصة ومبتذلة، وعلى العالم الحق أن يتجنبها قدر المستطاع، ورغم أن ~~الفروض العينية تستخدم بالفعل في بعض الأحيان وتؤدي إلى نجاحات كشفية كبيرة، فقد ~~بذل بوبر جهده لتحديد القواعد المنهجية لاستخدام مثل هذه الطرق بحيث تكون مشروعة ~~علميا وغير معطلة لتقدم المعرفة العلمية أو مطيلة لعمر نظريات بائدة لا تريد أن ~~تتنحى وتفسح الطريق لفرضيات جديدة أكثر قوة تفسيرية وأكثر اقترابا من الحقيقة. # 17 # ويقول بيكون في ذلك: «... فإذا ما صادفنا مثال مضاد لم نلحظه من قبل ولم نعرفه، ~~فإننا ننقذ المبدأ ونبقي عليه بواسطة تمييز عبثي حيث يكون التصرف الأقوم هو أن ~~نصوب المبدأ نفسه.» # 18 # ويقول في موضع آخر: «من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيا (سواء ~~لأنه الرأي السائد أو لأنه ms027 يروقه ويسره) أن يقسر كل شيء عداه على أن يؤيده ~~ويتفق معه، ورغم أنه قد تكون هناك شواهد أكثر عددا وثقلا تقف على النقيض من هذا ~~الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه الشواهد السلبية ويستخف بها، وإما أن يختلق تفرقة تسول ~~له أن يزيحها وينبذها؛ لكي يخلص - بواسطة هذا التقدير السبقي المسيطر والموبق - إلى أن ~~استنتاجاته الأولى ما زالت سليمة ونافذة؛ ولذا فقد كان جوابا وجيها ذلك الذي بدر ~~من رجل أطلعوه على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا نذورهم ومن ثم نجوا من حطام ~~سفينة، عساه أن يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: «حسنا، ولكن أين ~~صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!» وهكذا ~~سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه؛ حيث تجد الناس ~~- وقد استهوتهم هذه الضلالات - يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما الأحداث ~~التي لا تتفق - رغم أنها الأكثر والأغلب - فيغفلونها ويغضون عنها الطرف، على أن هذا ~~الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم؛ حيث يفرض الحكم الأول ~~لونه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ولو كان الجديد أفضل ~~وأصوب بما لا يقاس. وفضلا عن ذلك وبغض النظر عن ذلك الهوى والضلال الذي ذكرت، ~~فإن من الأخطاء التي تسم الفكر الإنساني في كل زمان أنه مغرم ومولع بالشواهد ~~الموجبة أكثر من الشواهد السالبة؛ حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد، والحق أنه في ~~عملية البرهنة على أي مبدأ صحيح يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهة وفعالية.» # 19 ~~(5) بيكون و«التجربة الفاصلة» # يلح بيكون على ضرورة الاهتمام خلال مراحل الاستقراء بالحوادث الأساسية؛ للوقوف ~~بكيفية خاصة على «التجربة الفاصلة» أو «التجربة الحاسمة»؛ لأنها بمثابة العلامة التي ~~توضع على مفترق الطرق لتوجيه المسافر إلى الجهة التي تؤدي به إلى مقصوده. فعندما يكون ~~الباحث المجرب أمام حلول محتملة لمسألة ما، فإن التجربة الحاسمة هي تلك التي تفصل ~~في الأمر وتدل على ms028 الحل المطلوب. يقول بيكون في الشذرة 36 من الكتاب الثاني من ~~الأورجانون الجديد: «في بحثه عن طبيعة ما قد يقر الذهن في محله ولا يمكنه أن ~~يقرر إلى أي من طبيعتين (أو أكثر) ينبغي أن يعزو سبب الطبيعة محل البحث؛ إذ إن ~~طبائع كثيرة تقع معا في العادة، هناك تنهض الشواهد الفاصلة بتبيان أن تصاحب إحدى ~~الطبائع مع الطبيعة محل البحث هو تصاحب دائم لا انفصام له، بينما تصاحب الأخرى ~~متقطع وغير دائم، من شأن ذلك أن يحسم البحث فتؤخذ الأولى على أنها السبب بينما ~~ترد الثانية وترفض، بذلك يقدم هذا النوع من الشواهد ضوءا كثيفا وسلطانا عظيما ~~بحيث ينتهي ويتم فيها مسار التفسير. قد تقع الشواهد الفاصلة ببساطة؛ إذ توجد بين شواهد ~~مألوفة طويلة العهد، إلا أنها في الأغلب تكون جديدة ومستخدمة عمدا ومطبقة خصيصا، ~~وتتطلب دأبا واجتهادا للكشف عنها.» # 20 # ويضرب بيكون أمثلة كثيرة لذلك، منها ظاهرة سقوط الأجسام التي يمكن أن تكون خاصية ~~ذاتية (داخلية) للأجسام، كما يمكن أن تكون راجعة إلى كون الأرض هي التي تجذبها، فإذا ~~قلنا بالاحتمال الثاني نتج من ذلك أن الأجسام سيضعف انجذابها إلى سطح الأرض بابتعادها ~~عنه، فإذا استطعنا أن نثبت هذا بالتجربة حسمنا في الأمر، ويمكن القيام بهذه التجربة ~~الحاسمة بوضع ساعة تعمل بالثقل في أعلى الصومعة مرة وفي أسفلها مرة أخرى، فإذا لاحظنا ~~أنها تتحرك ببطء في أعلى الصومعة منها في أسفلها كان ذلك دليلا على أن سقوط الأجسام ~~راجع إلى جاذبية الأرض، لا إلى خاصية ذاتية في الأجسام نفسها. # 21 # هذه الإشادة بالتجربة الحاسمة التي تمكن الباحث من ترجيح فرض على آخر تعد ~~استباقا بيكونيا كبيرا، وسيكون لها شأن كبير في التفكير العلمي فيما بعد، ومن أشهر ~~التجارب الفاصلة في تاريخ العلم حملة إدنجتون التي أيدت نظرية أينشتين في الجاذبية: ~~كانت نظرية أينشتين تفضي إلى نتيجة مفادها أن الضوء لا بد أن ينجذب نحو الأجسام ~~الثقيلة (مثل الشمس) تماما كما تنجذب الأجسام المادية، وكنتيجة لذلك أمكن تقدير أن ms029 ~~الضوء القادم من نجم ثابت بعيد يبدو موقعه الظاهري قريبا من الشمس سوف يصل إلى الأرض ~~من اتجاه من شأنه أن يجعل النجم يبدو مبعدا قليلا عن الشمس، وبعبارة أخرى: إن النجوم ~~القريبة من الشمس ستبدو كما لو كانت قد تحركت قليلا مبتعدة عن الشمس وعن بعضها ~~البعض، هذا شيء يتعذر على الملاحظة في الظروف العادية ما دامت هذه النجوم غير مرئية ~~بالنهار بفعل التوهج الهائل للشمس، غير أن من الممكن أثناء كسوف الشمس أن نأخذ صورا ~~فوتوغرافية لهذه النجوم، فإذا أخذنا صورة لنفس المجموعة من النجوم أثناء الليل أمكننا ~~مضاهاة المسافات في كلتا الصورتين والتحقق من الأثر المتوقع. # 22 # لقد صاغ أينشتين تنبؤا شديد التحديد وقابلا للملاحظة ومترتبا على نظريته ~~عن انحناء الضوء، وهو تنبؤ من شأنه إذا كذبته الملاحظة أن يدحض النظرية ويجهز ~~عليها. ~~(6) القيم في العلم # ويحمد لبيكون أنه في غمرة حماسه للعلم والتجريب، وأمله في العلم بأن يسيطر على ~~الطبيعة ويسخرها لخدمة الإنسان؛ فإنه لم يتماد في الرؤية الذكورية المعادية للبيئة ~~والمستنزفة للطبيعة، ولم يغفل دور القيم في العلم، وأهمية دخول القيم الإنسانية في ~~صميم العمل العلمي، يقول بيكون: «إن مجرد القدرة أو المعرفة في ذاتهما إنما تعظمان ~~الطبيعة البشرية ولا تجعلانها سعيدة؛ ومن ثم فإن علينا أن ننتقي من بين الأشياء ما ~~هو أنفع للبشرية ... «الجدول الإنساني» # human chart # قائمة الأشياء التي يليق بنا أن نرغب فيها؛ ذلك أن الرغبة الصحيحة هي جزء من العلم، ~~شأنها شأن الأسئلة الصحيحة.» # 23 # إن الفهم الحقيقي لفكر بيكون في سياق عصره لينتصف له ممن يتهمونه # 24 # بفرض التوجه الذكوري العدواني على الممارسة العلمية الغربية، وتصورها ~~كعملية استجواب للطبيعة وفرض النظام عليها واستلال قوانينها المسيرة من أجل قهرها ~~وتسخيرها لمصلحتنا في نهاية المطاف. ~~(7) نداء مبكر بالفصل بين العلم والدين # ويحمد لبيكون أيضا أنه دعا إلى الفصل بين اللاهوت والعلم، وحذر من الخلط ~~(المقولي؟) بين الوحي الإلهي والعلم البشري، واتخذ في ذلك موقفا شبيها بموقف أوكام، ~~فدعا إلى أن يهتم ms030 الإيمان والعقل كل بميدانه الخاص دون أن يتعدى أحدهما على حدود ~~الآخر، والوظيفة الوحيدة التي يعزوها إلى العقل في الميدان الديني هي استخلاص النتائج ~~من المبادئ المقبولة بالإيمان. # 25 # بذلك أسدى بيكون خدمة كبرى إلى العلم، وجنبه تدخل رجال اللاهوت ~~الذين كانوا يرون أنفسهم «علماء» أصحاب الرأي المطلق في كل كشف جديد؛ لأنهم حملة ~~الأسرار الإلهية، ولا يستطيع أحد أن يشك في إيمان بيكون بتعاليم الدين، # 26 # غير أنه كان في الوقت ذاته حريصا كل الحرص على إبعاد السلطة الدينية عن ~~مجال الحقيقة العلمية، بحيث اكتفى في الشئون الدينية بالوحي، وترك للعقل مهمة بحث مادة ~~العالم الطبيعي وكشف قوانينها، وبذلك صد عن الباحثين في مجال العلم هجمات رجال الدين ~~دون استفزاز لهؤلاء الأخيرين. # 27 # يقول بيكون: «ليس ثمة ما هو أسوأ من تمجيد الخطأ؛ فحين تؤله الحماقة فذلكم بلاء ~~يحيق بالفكر. في هذه الحماقة انغمس بعض المحدثين، وبغفلة متناهية حاولوا أن ~~يؤسسوا فلسفة طبيعية على الفصل الأول من سفر التكوين وسفر أيوب وأجزاء أخرى من ~~الكتاب المقدس، باحثين هكذا عن الموتى بين الأحياء، ومثل هذه الحماقة يجب أن توقف ~~وتقمع بكل قوة، فمن هذا المزج غير الصحي بين البشري والإلهي لا تنبثق فقط فلسفة ~~وهمية، بل ودين هرطقي؛ ومن ثم فإن رأس الحكمة والاتزان أن نعطي للإيمان ما هو ~~للإيمان ولا نتزيد.» # 28 # ويقول في شذرة أخرى: «ولا يفوتنا أن نلاحظ أن الفلسفة الطبيعية كان لها خصم مزعج ~~وعنيد في كل عصر ألا وهو الخرافة والحماس الأعمى والمتطرف للدين؛ فنحن نرى بين اليونان ~~أن أولئك الذين كشفوا العلل الطبيعية للرعد والعواصف لأول مرة لأناس لم يسمعوا قط ~~عن هذا الشيء قد أدينوا بالكفر، كما أن معاملة بعض آباء الكنيسة الأوائل لم تكن أفضل ~~حالا مع أولئك الذين أثبتوا بأوثق البراهين (بحيث لا يعترض عاقل عليها الآن) أن ~~الأرض كروية ... ونفس الميل تبدى - وإن بطريقة مختلفة - في رسائل أولئك الذين لم ~~يتورعوا عن استنباط وتأييد صدق الدين المسيحي من مبادئ الفلاسفة ms031 وسلطتهم، وهللوا ~~لزواج الإيمان والعقل كما لو كان شرعيا، وفتنوا عقول الناس بتنويعة سارة من ~~الأشياء، إلا أنهم في الوقت نفسه خلطوا الأشياء الإلهية بالأشياء البشرية، وهو اتحاد ~~غير متكافئ ... والبعض يخمنون ويتخيلون أنه إذا ~~كانت العلل الوسطى غير معلومة فمن الممكن أن تعزى الأحداث المفردة بسهولة أكبر ~~إلى يد الرب وعصاه (وهو في ظنهم شيء في مصلحة الدين بدرجة عظيمة): هذه ببساطة محاولة ~~«لإرضاء الرب بكذبة» ... والبعض يخشى أن الحركات والتغيرات في الفلسفة سوف تنتهي إلى ~~غزو الدين، وهناك من يبدو متخوفا من أن تفضي ~~دراسة الطبيعة إلى اكتشاف ما يطيح بالدين أو يهز سلطته على الأقل، وبخاصة بين ~~الجهلاء، والخوفان الأخيران أتشمم فيهما رائحة حكمة غرزية، وكأن الناس أحست في ~~أعماق عقلها وفي سرائرها شكا في قوة الدين وهيمنة الإيمان على العقل، فتملكها الخوف ~~وأحست أنها مهددة من بحث الحقيقة في الطبيعة ...» # 29 # والحقيقة أن بيكون نفسه كان متدينا، قرأ الكتاب المقدس وتأثر به في تكوين فكره ~~وصياغة رسالته؛ فقد أوحت له قراءته لسفر التكوين بفكرة استعادة الإنسان لسيادته على ~~الطبيعة كما كان الأمر قبل الخطيئة الأولى. وثمة التقاء بين معنى «الإحياء» # instauration ~~، وبين معنى «الخلاص»، والتقاء بين ~~«الحرمان من المعرفة» وبين «السقوط»، # 30 # لقد كان الإنسان قبل السقوط يعرف الطبيعة ويسود عليها؛ فقد اختص آدم من ~~بين جميع المخلوقات بالقدرة على تسمية الأشياء، ومن شأن القدرة على التسمية أن تصبح ~~الأشياء المسماة معروفة للإنسان وخاضعة له في الوقت نفسه، ولكن الإنسان فقد هذه ~~السيادة حين فقد المعرفة. # 31 # وقد حرم من المعرفة ومن السيادة كلتيهما لارتكابه الخطيئة الأصلية، ولا ~~سبيل إلى استعادة سيادته على الطبيعة إلا بالسعي الدءوب نحوها لمعرفتها أولا ~~وللإفادة منها ثانيا، واستعادة العلم المفقود هي الرسالة التي نادى بها بيكون ودعا ~~إليها، وكان يقصد بالطبع العلم العملي التطبيقي الذي تقوم عليه الفنون والصنائع. # 32 # يقول بيكون في خاتمة الكتاب الثاني من الأورجانون الجديد: «ذلك أن الإنسان إثر ~~«السقوط» خسر في الوقت ذاته حالة البراءة، ms032 خسر سيادته على الخلائق، وكلتا الخسارتين ~~يمكن تعويضها إلى حد ما، حتى في هذه الحياة. الأولى بالدين والإيمان، والثانية ~~بالفنون والعلوم؛ ذلك أن «اللعنة» لم تجعل الخلق مطرودا تماما وأبدا، وإنما بمقتضى ~~القرار الإلهي: «بعرق جبينك تغمس خبزك» (التكوين 19: 3)، فإن الإنسان بجهوده المتنوعة ~~(لا بالمجادلات بالتأكيد، ولا بالطقوس السحرية) يجبر الخلق - أخيرا وبقدر - على ~~أن يزوده بخبزه؛ أي بحاجات حياته البشرية.» # 33 # الفصل السادس # | مكانة فرانسيس بيكون # أخيرا ظهر رجل قدير ... بيكون، الذي اختاره ملك حكيم واختارته الطبيعة، ~~اختاراه على قوانين الاثنين قاضي قضاة، فعبر البرية الماحلة، ووقف على ~~التخوم الحقيقية للأرض الموعودة العظيمة، رآها وأرانا إياها. # أبراهام كولي # لا يختلف اثنان في أن بيكون هو واحد من أمراء البيان في كل العصور، يتبين ذلك في كل ما ~~كتب، وبخاصة في «المقالات» # Essays ~~، وفي «الأورجانون ~~الجديد»، وقد تسنم قمة النثر الإنجليزي (واللاتيني) مثلما تسنم شكسبير قمة ~~الشعر، وقد بلغ من روعة البيان مبلغا أغرى البعض بأن ينسب إليه أعمال شكسبير المسرحية، # 1 # وتلك إشاعة تعكس حقيقة بقدر ما تعكس كذبة: حقيقة أن لغة بيكون لا تقل ~~بلاغة وروعة واقتدارا عن لغة شكسبير، وقد ترك لنا بيكون إرثا كبيرا من المأثورات ~~وجوامع الكلم، وهو القائل: «المعرفة قوة»، «ليس الإنسان إلا ما يعرف»، «لا يمكننا أن ~~نحكم الطبيعة إلا بإطاعتها»، «الصمت فضيلة الحمقى»، «الفرصة تخلق اللص»، «الوجه الجميل ~~توصية صامتة»، «من أشبع غيره منه رخص»، «انتقاء الوقت اقتصاد في الوقت»، «المال ~~أجمل خادم وأقبح سيد»، «الأمل إفطار جيد وعشاء رديء» ... إلخ. # برع بيكون في التصوير البلاغي وفي الاستعارة الحية براعة قلما نجد لها نظيرا في ~~تاريخ الكتابة، انظر على سبيل المثال إلى هذه الصورة البيانية الدالة: ~~«المنطق - الذي وصل للإنقاذ متأخرا وسقط في يده - يسهم في تثبيت الأخطاء ~~لا في كشف الحقيقة.» ~~«إنه يلوي بالتجربة حتى تلائم أفكاره، ويجرها كما يجر أسير في ~~موكب.» ~~«من هذا المزج غير الصحي لا تنبثق فقط فلسفة وهمية، بل ودين ~~هرطقي.» ~~«الزمن يجلب لنا ما هو ms033 خفيف منتفخ، ويغرق ما هو ثقيل صلب.» ~~«إن للزمن فيافيه وقفاره مثلما لأصقاع الأرض.» ~~«ولا عجب أن تقدم الفلسفة الطبيعية قد أوقف منذ اختطف الدين - ~~أكبر قوة مؤثرة في عقل البشر - بواسطة جهل البعض وحماستهم الهوجاء، وحمل ~~على أن ينضم إلى العدو.» ~~«إن أسرار الطبيعة تكشف عن نفسها تحت مشاكسات الفن أسرع مما تكشف إذا ~~تركت لشأنها.» ~~«ينبغي ألا نزود الفهم البشري بأجنحة، بل بأثقال مدلاة حتى نعقله عن ~~الوثوب والطيران.» ~~«الكشوف الجديدة يجب أن تؤخذ من نور الطبيعة، لا أن تسترد من غياهب ~~القدم.» ~~«فصل المواد يجب ألا يجرى بالنار بل بالعقل ... علينا باختصار أن ننتقل من ~~فولكان إلى منيرفا ...» # وتتميز استعارات بيكون بالخصب والغزارة، ويكفي أن يتأمل المرء في استعارات مثل: ~~«أوهام القبيلة»، «أوهام الكهف»، «أوهام السوق»، «أوهام المسرح»، «صيد بان»، «كرات ~~أتالنتا»، «دار سليمان»، «أطلنطا الجديدة» ... إلخ، وكذلك الأسماء التي يطلقها على «الشواهد ~~المميزة» مثل: شواهد الشفق، الصولجان، المصباح، البوابة، المسطرة، الطلاق، المضمار، ~~السحر، جرعات الطبيعة ... إلخ، يكفي أن يتأملها المرء ويدرك كفايتها الدلالية لكي ~~يسلم لبيكون بخصوبة الخيال وعمق الرؤية وجلال الفكر؛ ذلك أن الاستعارة الحية - كما يقول ~~بول ريكور - ليست زينة وليست زخرفا يمكن أن يقوم القول بدونه وتتم الدلالة بمعزل عنه. ~~إن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد أن يظهر، وبنفس الطريقة تتبدل ~~العملية الإشارية في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ثانية هي التي تجيء بها ~~الاستعارة، وقد يبدو أن الاستعارة لا تفعل أكثر من تحطيم العملية الإشارية؛ غير أن هذا في ~~الظاهر فقط، فالاستعارة المبدعة الحية تخلق إشارة جديدة تتيح لنا أن نصف العالم أو جزءا ~~من العالم كان متمنعا على الوصف المباشر أو الحرفي؛ فالاستعارة وسيلة سيمانتية (دلالية) ~~للإمساك بقطاعات من الواقع ومن خبايا النفس لا يطالها التعبير الحرفي ولا يملك منفذا ~~إليها. بوسع الاستعارة أن تقبض على مستويات عديدة للمعنى في وقت واحد، وتربط المعنى ~~المجرد بالمعنى الحسي البدائي المشحون بالعاطفة والانفعال، وتعقد بينهما وصلا مثريا ~~وتكاملا صحيا، والاستعارة ms034 إذ تهيب بالخيال الصوري فهي تدعم «الذاكرة البعيدة» ~~وتنمي الإنتاج اللفظي، وتحفز الفهم التكاملي، والاستعارة إذ تجلب كل ملحقات المشبه ~~به وتلصقها بالمشبه فهي تتيح كما معلوماتيا كبيرا بمبذول لفظي صغير، وهي بهذا ~~الاقتصاد الذهني تجعل الفكر أبعد مرمى وأكثر طموحا. لقد عرض بيكون في كتابه الأسبق ~~«نهوض المعرفة» لأوهام العقل، ولكنه لم يجملها في استعارات حية إلا في «الأورجانون ~~الجديد»، وهذه الاستعارات الحية (أوهام القبيلة، الكهف، السوق، المسرح) هي التي عاشت في ~~ذاكرة الأجيال بفضل سطوة الاستعارة ومزاياها السيمانتية التي ألمحنا إليها. # حظي بيكون بإطراء الكثيرين من أعلام زمنه والقريبين من زمنه: ديكارت، جاسندي، روبرت هوك، ~~روبرت بويل ... إلخ، أما ليبنتز فقد رفع بيكون فوق كل منزلة، وقال: إنه حتى عبقرية عظيمة ~~مثل ديكارت لتخر زاحفة على الأرض إذا قورنت ببيكون من حيث اتساع النطاق الفلسفي ~~والرؤية الرفيعة. # وحظي بيكون أيضا بتمجيد من معظم مفكري عصر التنوير اللاحق - أمثال الموسوعيين ~~الفرنسيين دالمبرت وديدرو وغيرهما - الذين اعتبروه أبا العهد الحديث، ومجدوا اسمه في ~~الغلاف الأمامي ل «الموسوعة»، لقد أهدوا «الموسوعة» إلى فرانسيس بيكون، وقال ديدرو: إننا إذا ~~انتهينا من وضعها بنجاح نكون مدينين بالكثير لبيكون الذي وضع خطة معجم عالمي عن العلوم ~~والفنون في وقت خلا من الفنون والعلوم، لقد كتب هذا العبقري الفذ عن الأشياء التي ينبغي ~~تعلمها في وقت تعذر فيه وضع تاريخ للأشياء المعروفة، وأطلق دالمبرت على بيكون اسم ~~«أعظم وأبلغ وأوسع الفلاسفة». # ومثلما أهدى الموسوعيون «الإنسيكلوبيديا» الفرنسية إلى بيكون، أهدى إيمانويل كانت كتابه ~~الأكبر «نقد العقل الخالص» إلى بيكون، معتبرا إياه المعماري الأول للحداثة. # وربما يكون أكمل وصف وأصدقه أتى من عصر التنوير عن إنجاز بيكون ومنزلته في التاريخ هو ~~مقال فولتير في «رسائل عن الإنجليز»، الذي يمجد فيه بيكون ويسميه أبا الفلسفة ~~التجريبية، وينتقل إلى تقييم مواهبه الأدبية ويعده كاتبا رائعا وتنويريا وألمعيا ~~(وإن أخذ عليه انجرافه الكثير إلى المحسنات). # وأما الأنثروبولوجي لورن إيسلي # Loren Eiseley # فيسمي بيكون «الرجل الذي يرى خلال الزمن»، ويصوره كبطل ms035 ثقافي بروميثي. إنه المبتكر ~~العظيم لفكرة العلم كمشروع شعبي ومبحث عملي في خدمة الإنسانية. # 2 # لم يسلم بيكون رغم ذلك - شأنه شأن كل الرءوس الكبيرة في التاريخ - من سهام النقد ~~اللاذع؛ فهذا باروخ سبينوزا - القريب منه زمنيا - يرفض عمل بيكون جملة وتفصيلا، وبخاصة ~~نظرياته الاستقرائية، بل ينكر أن الثورة الفلسفية العظيمة التي قادها بيكون وأيدها ~~مناصروه؛ ينكر أنها حدثت على الإطلاق! وأما هيجل في كتابه «محاضرات في تاريخ الفلسفة»، ~~فيغبط بيكون على حنكته الدنيوية ودهائه العقلي، ولكن يعده في النهاية شخصا فاسد ~~الشخصية ومجرد «ناحت شعارات». إن بيكون في رأيه فيلسوف متواضع الذهن، تعاليمه تلائم ~~مستخدمي الحكومة وأصحاب الدكاكين. وأما ألكسندر كواريه فيرى «أن اقتران اسم بيكون بحركة ~~العلم الحديث سخافة لا معنى لها.» # 3 # ولا نعدم طائفة من الكتاب أمثال تيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، ولويس ~~ممفورد، وكتابا أحدث مثل جيريمي ريفكين، والكاتبة النسوية الإيكولوجية كارولين ميرشانت؛ ~~يرون بيكون واحدا من المذنبين الكبار المسئولين عن الإرث العلمي الغربي الدائب في الاستلاب ~~والاستغلال وقهر البيئة. ~~••• # موقع بين التأليه والشيطنة يحتله بيكون الحقيقي، الذي عاش عصر انتقال، فكان ينشد ~~جديدا بينما قدماه واقفة على ركام قديم لم يتم زواله، فلم يكن له محيد عن أن يفكر في ~~إطاره ويتحدث بلغته، فكان كما قال عن نفسه «نافخ بوق» يؤذن بالمعركة ويحرض عليها وإن ~~لم ينخرط فيها ويخض غمارها، «لقد جعل من نفسه صوت التفاؤل البليغ وشارح عصر النهضة، ~~ولا نجد له نظيرا من الناس أثار الهمم في غيره من المفكرين، وإن أعماله - رغم قلة ~~مطالعتها الآن - قد حركت العقول التي حركت العالم.» # 4 # وكم يصدق عليه ما قاله أدونيس عن جبران خليل جبران: «... قيمته ليست فيما قاله ~~بقدر ما هي في صوته، في نبرته ومداها ... إنه شاعر بصوته أكثر منه بنتاجه، شاعر بالبعد ~~الذي أشار إليه لا بالمسافة التي قطعها.» # 5 # د. عادل مصطفى # | قطوف من كتاب «الأورجانون الجديد» # من التصدير: «... إن منهجي - على الرغم من صعوبته في التطبيق - سهل في الشرح، منهجي ms036 هو أن ~~نرسي درجات متزايدة من اليقين ... أن نستمر في الأخذ بشهادة الحواس، ونساعدها ونحصنها ~~بنوع من التصويب، ولكن نرفض - بصفة عامة - العملية العقلية التي تتلو الإحساس، بل نفتح ~~مسارا جديدا للعقل أكثر وثوقا يبدأ مباشرة من الإدراكات الحقيقية الأولى للحواس نفسها. ~~كانت هذه - بدون شك - وجهة أولئك الذين أولوا المنطق دورا كبيرا، فمن الواضح أنهم ~~كانوا يبحثون عن نوع من الدعم للعقل، ولا يأمنون لعملياته الطبيعية التلقائية. غير أن هذا ~~العلاج يأتي متأخرا جدا بعد أن استفحل الداء وضاع كل شيء، وأصبح العقل من خلال عادات ~~الحياة اليومية ومداولاتها محشوا بمذاهب فاسدة وأوهام فارغة. هنالك يسهم فن المنطق ~~الذي وصل للإنقاذ متأخرا وسقط في يده، يسهم في تثبيت الأخطاء لا في كشف الحقيقة، # 1 # ولا يبقى ثمة إلا أمل واحد للخلاص، وهو أن نبدأ العمل العقلي كله من جديد، ~~ولا نترك العقل لحاله وطبيعته منذ البداية، بل نرشده في كل خطوة، وننفذ العمل كما لو كان ~~يتم بمساعدة آليات ميكانيكية ...» # من الكتاب الأول ~~(1) الإنسان هو الموكل بالطبيعة والمفسر لها، وهو بهذه الصفة لا ~~يملك أن يفعل أو يفهم إلا بالقدر الذي تتيحه له ملاحظته التي قام بها لنظام الطبيعة، ~~سواء كان ذلك في الواقع أو في الفكر، وليس بوسعه أن يعرف أو يعمل أكثر من ذلك. ~~(2) ليس لليد وحدها ولا للعقل وحده أية قدرة تذكر، إنما يجري العمل بالأدوات ~~والعدد، تلك التي يحتاجها الفكر بقدر ما تحتاجها اليد، ومثلما تقوم أدوات اليد ~~بحفز حركتها وترشيدها، كذلك تقوم أدوات العقل بحفز الفهم أو وقايته. ~~(3) المعرفة البشرية والقدرة البشرية صنوان؛ لأن الجهل بالعلة يمنع المعلول؛ ذلك ~~أن الطبيعة لا يمكن قهرها إلا بإطاعتها، وما يعد علة في مجال الفكر النظري يعد ~~قاعدة في مجال التطبيق. ~~(6) إنه لمن الخطل والتناقض الذاتي أن نتوقع أن الأشياء التي لم تنجز حتى الآن ~~على الإطلاق يمكن أن تنجز ما لم يكن ذلك بوسائل لم تجرب حتى الآن قط. ~~(7) تبدو نواتج العقل واليد وفيرة جدا إذا ms037 قدرت بعدد الكتب والسلع، غير أن كل ~~هذا النتاج المتنوع لا يعدو أن يكون تنقيحا مفرطا واستنباطات من عدد قليل مما تمت ~~معرفته، ولا يعبر عن عدد المبادئ # 2 ~~(المكتشفة). ~~(8) وحتى النواتج التي اكتشفت بالفعل إنما تم اكتشافها بطريق المصادفة والخبرة ~~أكثر مما هو بطريق العلوم؛ ذلك أن علومنا الراهنة لا تعدو أن تكون تنظيمات لائقة ~~لأشياء سبق اكتشافها، وليست طرائق للكشف أو موجهات لعمليات جديدة. ~~(11) مثلما أن العلوم في وضعها الحالي لا تجدي نفعا في اكتشاف نتائج جديدة، كذلك ~~المنطق الذي بحوزتنا لا جدوى منه في اكتشاف العلوم. ~~(12) نسق المنطق الحالي يفيد في تثبيت وترسيخ الأخطاء (القائمة على الأفكار السائدة) ~~أكثر مما يفيد في البحث عن الحقيقة؛ ومن ثم فإن ضرره أكبر من نفعه. ~~(13) لا ينطبق القياس # syllogism # على مبادئ العلوم، ~~ولا جدوى من تطبيقه في المبادئ الوسطى؛ إذ إنه لا يجاري الطبيعة في دقتها، وهو من ~~ثم يفرض الموافقة على القضية دون أن يمسك بالأشياء. ~~(14) يتكون القياس من قضايا، والقضايا من كلمات، والكلمات هي مقابلات رمزية لأفكار، ~~وعليه فإذا كانت الأفكار نفسها (وهذا هو جذر المسألة) مختلطة ومنتزعة برعونة من ~~الوقائع، فلن يكون هناك ثبات فيما يبنى فوقها، لذا فلا أمل لنا إلا في الاستقراء # induction # الصحيح. ~~(17) وليس تشييد «المبادئ» # axioms # 3 # بأقل تهافتا وزيغا من تكوين الأفكار، ولا حتى تلك المبادئ نفسها التي ~~تعتمد على الاستقراء المعتاد، # 4 # غير أن التهافت والزيغ يبلغ مبلغا أعظم من كل ذلك في حالة المبادئ ~~والقضايا الدنيا المستقاة من الأقيسة. ~~(18) إن كل ما اكتشف حتى الآن في العلوم ينسجم على قدر الأفكار الشائعة، ولكي ~~نحقق اختراقا إلى الأعماق الباطنة والقصية من الطبيعة يتعين أن نستخلص الأفكار ~~والمبادئ من الأشياء بطريقة أكثر وثوقا وحذرا، ويتعين اتخاذ إجراء فكري أكثر وثوقا ~~وصحة. ~~(19) ليس هناك - ولا يمكن أن يكون - سوى طريقتين اثنتين للبحث عن الحقيقة وكشفها: ~~الأولى تقفز من الحواس والجزئيات إلى أكثر المبادئ عمومية، ثم تنطلق من هذه المبادئ - ~~وقد سلمت تسليما بصدقها ms038 - لكي تقرر المبادئ الوسطى وتكشفها، وهذه هي الطريقة ~~الراهنة. أما الثانية فتستمد المبادئ من الحواس والجزئيات، ثم ترتقي في صعود تدريجي ~~غير منقطع حتى تصل في النهاية إلى أكثر المبادئ عمومية، وهذه هي الطريقة الصحيحة وإن لم ~~يجربها أحد حتى الآن. ~~(20) إذا ترك الفكر لحاله فإنه يمضي في نفس الطريق الذي يتخذه عندما يسترشد بالمنطق ~~(أي يتخذ أولى الطريقتين السابقتين)، فالعقل مغرم بالقفز إلى العموميات لكي يتجنب ~~العناء؛ ولذا فإنه سرعان ما يضيق ذرعا بالتجربة، غير أن هذه الآثام تتفاقم بالمنطق؛ ~~لأنه يغري بالمماحكة والمراء. ~~(21) حين يترك الفكر لحاله لدى عقل يقظ وحصيف وجاد (وبخاصة إذا كان غير ~~معوق بمذاهب سائدة) فإنه يبذل محاولة ما في الطريق الصحيح، لكن دون جدوى؛ ذلك أن ~~الفكر بغير توجيه ومساعدة لا حول له على الإطلاق، ولا قدرة على فض لغز الأشياء. ~~(22) إن كلتا الطريقتين تبدأ من الحواس والجزئيات وتخلص إلى أعلى العموميات، غير ~~أنهما مختلفتان اختلافا بعيدا؛ فالأولى تمر على التجربة والجزئيات مرور الكرام، ~~أما الثانية فتتمعن فيها كما يجب وتوليها كل اهتمامها. الأولى تضع منذ البداية ~~تعميمات معينة مجردة وعقيمة، أما الثانية فتصعد درجة درجة إلى تلك المبادئ التي هي ~~أعم حقا في نظام الطبيعة. ~~(23) إن البون لبعيد بين أوهام العقل البشري وأفكار العقل الإلهي؛ أي بين ما هو ~~مجرد آراء فارغة وما هو السمة أو البصمة الحقيقية المطبوعة على المخلوقات كما نجدها ~~في الطبيعة. ~~(24) هيهات لمبادئ تم استخلاصها بالجدل أن تعين أحدا في كشف نتائج جديدة؛ لأن ~~الطبيعة أدق وأحذق من الجدل أضعافا مضاعفة، أما المبادئ التي تستخلص من الجزئيات ~~بطريقة وافية قويمة فإنها تشير وتومئ بسهولة إلى جزئيات جديدة، وهذا ما يضفي الفاعلية ~~على العلوم. ~~(25) المبادئ المستخدمة في الوقت الحالي هي مبادئ مستمدة من حفنة من الخبرة ~~ونزر يسير من الجزئيات الشائعة الحدوث، وكثيرا ما توسع وتمط لكي تنطبق عليها؛ ~~ومن ثم فلا عجب إذا كانت هذه المبادئ لا تقودنا إلى جزئيات جديدة، فإذا ما صادفنا ~~مثال مضاد لم نلحظه ms039 من قبل ولم نعرفه، فإننا ننقذ المبدأ ونبقي عليه بواسطة تمييز ~~عبثي حيث يكون التصرف الأقوم هو أن نصوب المبدأ نفسه. # 5 ~~(26) آثرت - من باب الإيضاح - أن أطلق على الاستدلال الذي يطبقه الناس عادة ~~على الطبيعة اسم «استباق ~~الطبيعة» # anticipation of nature ~~؛ لأنه عمل طائش ومبتسر، وأن أطلق على ما هو مستنبط من ~~الأشياء على نحو منهجي صحيح اسم «تفسير ~~الطبيعة» # interpretation of nature ~~. ~~(27) تتمتع الاستباقات # anticipations # بقوة ورسوخ ~~يكفي لانتزاع الإجماع. فحتى إذا أصيب البشر جميعا بالجنون بدرجة متساوية سيكون بوسعهم ~~الاتفاق فيما بينهم اتفاقا كبيرا. ~~(28) الحق أن «الاستباقات» أقوى بكثير على كسب الإجماع من «التفسيرات»، فلأنها ~~مستقاة من أمثلة قليلة (شائعة مألوفة في الأغلب) فهي تمس الفهم على الفور وتملأ ~~المخيلة، على حين أن التفسيرات - إذ تستجمع وقائع شديدة التنوع والتناثر - لا يمكنها ~~أن تنفذ إلى الفهم للتو؛ ومن ثم فلا مناصلك لها من أن تبدو للنظرة الشائعة شيئا ~~صعبا وناشزا وأشبه بأسرار الإيمان. ~~(29) يحق للعلوم القائمة على الآراء والاعتقادات أن تستخدم «الاستباقات» والجدل؛ ذلك ~~أن غايتها أن تفرض القبول (بالقضية) لا السيطرة على الأشياء. ~~(30) حتى لو اجتمعت كل العقول من كل العصور وتآزرت جهودها جميعا فلن يتحقق تقدم ~~كبير في العلم من طريق «الاستباقات»؛ ذلك أن الأغلاط المتجذرة في جبلة العقل ~~الأولى لا سبيل إلى الشفاء منها بأية جهود أو علاجات لاحقة مهما بلغت عبقريتها. ~~(31) من العبث أن نتوقع أي تقدم كبير في العلوم من عملية إضافة وتطعيم # 6 # أشياء جديدة على القديمة، لا بد لنا من بداية جديدة # 7 # تتناول الأسس نفسها إذا شئنا ألا نظل ندور إلى الأبد في حلقة لا تفضي ~~إلى أي تقدم يذكر. ~~(32) كرامة المؤلفين القدماء محفوظة، وكذا كرامة الجميع؛ فنحن # 8 # لا ندخل في مقارنة من حيث العقول أو الملكات، بل مقارنة في الطرق ~~والمناهج، ونحن لا نضطلع بدور القاضي بل بدور المرشد. ~~(33) فلنقلها صراحة: ليس ثمة حكم صائب يمكن إصداره على منهجنا، ولا على الكشوف ~~الناجمة عنه بواسطة تلك «الاستباقات» ms040 التي تشكل طريقة التفكير السائدة في الوقت ~~الحالي، فليس ثمة ما يحملنا على أن نتقبل حكم المنهج الذي هو نفسه يحاكم. # 9 ~~(34) ولا هو بالأمر السهل أن نشرح أو نفسر ما نحن بصدده؛ ذلك أن كل ما هو جديد سيظل ~~يفهم من خلال الإشارة إلى ما هو قديم. ~~(35) كان بورجيا # 10 # يقول عن حملة الفرنسيين إلى إيطاليا: إنهم جاءوا بطباشير في أيديهم كي ~~يسموا بها مساكنهم، وليس بأسلحة كي يقتحموا بها طريقهم، وبنفس الطريقة أريد لفلسفتي ~~أن تنفذ بهدوء إلى العقول الممهدة لتلقيها، فلا محل للدحوضات ما دمنا نختلف في ~~المبادئ الأولى وفي الأفكار ذاتها، بل وحتى في صور البرهان. ~~(36) ليس أمامنا سوى طريقة واحدة بسيطة لطرح قضيتنا: هي أن نضع الناس وجها لوجه أمام ~~الجزئيات نفسها وأمام تسلسلها ونظامها المطرد. وعليهم بدورهم أن يتخلوا برهة عن ~~أفكارهم ويبدءوا في التعارف مع الأشياء. ~~(37) يتفق منهجنا في بداية الطريق بعض الشيء مع منهج أولئك الذين أنكروا إمكان ~~الوصول إلى اليقين، غير أنهما يفترقان في النهاية غاية الاختلاف ويتعارضان كل ~~التعارض، فهم يذهبون ببساطة إلى أننا لا يمكننا أن نعرف شيئا، وأنا أيضا أذهب إلى ~~أننا لا يمكننا أن نعرف شيئا يذكر في الطبيعة بواسطة المنهج المستخدم الآن، إلا ~~أنهم يمضون إذاك لكي يدمروا سلطة الحس والفهم، بينما نمضي نحن لكي نبتكر لهما ~~مساعدات ونزودهما بدعائم. ~~(38) تلك الأوهام والتصورات الزائفة - التي استحوذت على الذهن البشري وما زالت ~~متجذرة فيه بعمق - لا ترين فقط على عقول البشر فلا تجد الحقيقة منفذا إليها، بل ~~حتى إذا وجدت الحقيقة منفذا فإن هذه الأوهام سوف تلاحقنا مرة أخرى في عملية تجديد ~~العلوم نفسها، وتضع أمامنا العوائق ما لم يأخذ البشر حذرهم ويحصنوا أنفسهم منها ~~قدر ما يستطيعون. ~~(39) ثمة أربعة أنواع من «الأوهام» # 11 # تحدق بالعقل البشري. وقد قيضت لكل منها اسما بغرض التمييز بينها، ~~فأطلقت على النوع الأول: «أوهام ~~القبيلة» # idols of the tribe ~~( # idola tribus ~~)، وعلى النوع ~~الثاني: «أوهام الكهف» # idols of the cave ~~( # idola ms041 specus ~~)، وعلى الثالث: «أوهام السوق» # idols of the market place ~~( # idola fori ~~)، وعلى الرابع: «أوهام المسرح» # idols of the theatre ~~( # idola ~~theatri ~~). ~~(40) لا شك أن تكوين التصورات والمبادئ بواسطة الاستقراء الصحيح هو العلاج الناجع ~~للتخلص من الأوهام وإزالتها. إلا أن التعرف على الأوهام هو أيضا أداة مفيدة ~~للغاية؛ فدراسة «الأوهام» # idols # هي بالنسبة إلى «تفسير ~~الطبيعة» مثل دراسة «الدحوضات ~~السوفسطائية» # sophistic refutations # 12 # بالنسبة للمنطق العادي. ~~(41) «أوهام القبيلة» (أوهام الجنس) # idola tribus # مبيتة في الطبيعة البشرية وفي القبيلة البشرية نفسها أو الجنس البشري نفسه؛ فالرأي ~~القائل بأن حواس الإنسان هي مقياس الأشياء إنما هو رأي خاطئ؛ فالإدراكات جميعا - ~~الحسية والعقلية - هي على العكس منسوبة إلى الإنسان وليس إلى العالم، والذهن البشري ~~أشبه بمرآة غير مستوية تتلقى الأشعة من الأشياء وتمزج طبيعتها الخاصة بطبيعة ~~الأشياء فتشوهها وتفسدها. ~~(42) أما «أوهام الكهف» # idola specus # فهي الأوهام ~~الخاصة بالإنسان الفرد، إن لكل فرد - بالإضافة إلى أخطاء الطبيعة البشرية بعامة - كهفا ~~أو غارا خاصا به يعترض ضياء الطبيعة ويشوهه. قد يحدث هذا بسبب الطبيعة الفريدة ~~والخاصة لكل إنسان، أو بسبب تربيته وصلاته الخاصة، أو قراءاته ونفوذ أولئك الذين ~~يكن لهم الاحترام والإعجاب، أو لاختلاف الانطباعات التي تتركها الأشياء في أذهان ~~مختلفة: في ذهن قلق متحيز، أو ذهن رصين مطمئن ... إلخ، الروح البشرية إذا (بمختلف ~~ميولها لدى مختلف الأفراد) هي شيء متغير، وغير مطرد على الإطلاق، ورهن للمصادفة ~~العشواء، وقد صدق هيراقليطس حين قال: إن الناس تلتمس المعرفة في عوالمهم الصغرى الخاصة، ~~وليس في العالم الأكبر أو العام. ~~(43) ثمة أيضا أوهام تنشأ عن تواصل الناس واجتماعهم بعضهم ببعض، والتي أسميها ~~«أوهام السوق» # idola fori ~~، بالنظر إلى ما يجري بين ~~الناس هناك من تبادل واجتماع؛ فالناس إنما تتحادث عن طريق القول، والكلمات يتم ~~اختيارها بما يلائم فهم العامة، وهكذا تنشأ مدونة من الكلمات سيئة بليدة تعيق ~~العقل إعاقة عجيبة ... إعاقة لا تجدي فيها التعريفات والشروح التي دأب المثقفون على ~~التحصن بها أحيانا: فما تزال الألفاظ تنتهك الفهم ms042 بشكل واضح، وتوقع الخلط في ~~كل شيء، وتوقع الناس في مجادلات فارغة ومغالطات لا حصر لها. ~~(44) وأخيرا هناك تلك الأوهام التي انسربت إلى ~~عقول البشر من المعتقدات المتعددة للفلسفات المختلفة، وكذلك من القواعد المغلوطة ~~للبرهان؛ وهذه أسميها «أوهام المسرح» # idola theatri ~~؛ ~~ذلك أني أعتبر أن كل الفلسفات التي تعلمها الناس وابتكروها حتى الآن هي أشبه ~~بمسرحيات عديدة جدا تقدم وتؤدى على المسرح، خالقة عوالم من عندها زائفة ~~وهمية، ولا ينسحب حديثي على الفلسفات والمذاهب الرائجة اليوم فحسب، ولا حتى على المذاهب ~~القديمة، فما يزال بالإمكان تأليف الكثير من المسرحيات الأخرى من نفس النمط، وتقديمها ~~بنفس الطريقة المصطنعة وإضفاء الاتفاق عليها، ما دامت أسباب أغلاطها الشديدة التعارض ~~هي أسباب مشتركة إلى حد كبير، ولا أنا أقصر حديثي على الفلسفة الكلية، وإنما أشمل ~~أيضا كثيرا من العناصر والمبادئ الخاصة بالعلوم، والتي اكتسبت قوتها الإقناعية من ~~خلال التقليد والتصديق الساذج والقصور الذاتي. غير أننا ينبغي أن نعرض لكل صنف من ~~الأوهام على حدة بتفصيل أكبر؛ كيما نحصن الفهم البشري ضدها. ~~(45) من طبيعة الفهم البشري الخاصة أنه يميل إلى أن يفترض في العالم نظاما ~~واطرادا أكثر مما يجده فيه، ورغم وجود أشياء كثيرة في الطبيعة فريدة في نوعها وعديمة ~~النظير، فإن الذهن البشري يخترع لها أشباها ونظائر وصلات لا وجود لها، ومن هنا يأتي ~~الوهم القائل بأن جميع الأجرام السماوية تتحرك في دوائر مكتملة، بينما تستبعد ~~تماما المسارات اللولبية والمتمعجة (إلا في الاسم). ومن هنا كذلك إدخال عنصر النار ~~ومداره؛ لكي يكون رباعيا مع العناصر الثلاثة الأخرى التي تدركها الحواس، وكذلك فرض ~~نسبة عشرة إلى واحد على العناصر (كما يطلق عليها ) بشكل اعتسافي، والتي هي نسبة ~~كثافاتها على التوالي، وما إلى ذلك من الهراء، ولا تقتصر هذه الحماقة على النظريات، بل ~~تمتد أيضا إلى التصورات البسيطة. ~~(46) # 13 # من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيا (سواء لأنه الرأي السائد أو ~~لأنه يروقه ويسره) أن يقسر كل شيء عداه على أن يؤيده ويتفق معه. ورغم أنه ms043 قد ~~تكون هناك شواهد أكثر عددا وثقلا تقف على النقيض من هذا الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه ~~الشواهد السلبية ويستخف بها، وإما أن يختلق تفرقة تسول له أن يزيحها وينبذها؛ # 14 # لكي يخلص - بواسطة هذا التقدير السبقي المسيطر والموبق - إلى أن ~~استنتاجاته الأولى ما زالت سليمة ونافذة؛ ولذا فقد كان جوابا وجيها ذلك الذي بدر ~~من رجل أطلعوه على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا نذورهم؛ ومن ثم نجوا من ~~حطام سفينة؛ عساه أن يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: «حسنا، ولكن ~~أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!» # 15 # وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما ~~شابه، حيث تجد الناس - وقد استهوتهم هذه الضلالات - يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق ~~معها، أما الأحداث التي لا تتفق - رغم أنها الأكثر والأغلب - فيغفلونها ويغضون عنها ~~الطرف. على أن هذا الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم؛ ~~حيث يفرض الحكم الأول لونه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ~~ولو كان الجديد أفضل وأصوب بما لا يقاس. وفضلا عن ذلك - وبغض النظر عن ذلك الهوى ~~والضلال الذي ذكرت - فإن من الأخطاء التي تسم الفكر الإنساني في كل زمان أنه ~~مغرم ومولع بالشواهد الموجبة أكثر من الشواهد السالبة؛ # 16 # حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد. والحق أنه في عملية البرهنة على أي ~~مبدأ صحيح يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهة وفعالية. ~~(47) إن أكثر ما يشغف الفهم البشري هو تلك الأشياء التي تلفت العقل وتنفذ إليه ~~فورا وفجأة، فتجعل المخيلة تمتلئ للتو وتتمدد، ثم يتراءى له (أي الفهم) ~~ويفترض أن كل شيء آخر هو بطريقة ما - وإن تكن خفية غير مدركة - شبيه بتلك ~~الأشياء القليلة التي استحوذت على العقل، أما في الترحال إلى أمثلة بعيدة وغير ~~متجانسة تختبر المبادئ اختبار النار؛ فإن الفكر بطيء جدا وغير مؤهل ما لم تحمله ~~على ذلك قواعد ms044 قاسية وسلطة نافذة. ~~(48) إن الفهم البشري في نشاط دائب، ولا يمكنه أن يتوقف أو يستكن، وما يزال ~~يبتغي المضي قدما وإن كان ذلك بغير جدوى. ولذا فمن غير المتصور أن يكون هناك ~~حد ما للعالم أو نقطة نهاية؛ إذ يبدو لنا دائما - بما يشبه الضرورة - أن هناك ~~شيئا ما وراء ذلك الحد أو النهاية، ولا هو من المتصور أيضا كيف تدفقت الأبدية ~~نزلا إلى يومنا هذا؛ لأن هذا التحديد المتفق عليه للانهاية في الماضي واللانهاية في ~~المستقبل لا يمكن أن يصمد؛ إذ سيترتب أن هناك لا نهاية أكبر من لا نهاية أخرى، وأن ~~اللانهائية تتآكل وتئول إلى نهائية. وثمة نفس الصعوبة فيما يتعلق بقابلية الخطوط ~~للانقسام إلى ما لا نهاية، والناجمة عن انفلات فكرنا وعجزه عن التوقف. # 17 # على أن هذا الانفلات من جانب العقل يكون أكثر إيذاء في عملية اكتشاف ~~العلل، فعلى الرغم من أن المبادئ الأكثر عمومية في الطبيعة ينبغي أن تكون وقائع خاما ~~هي كما وجدت عليه ولا يمكن أن تحال حقا إلى علة. إلا أن الفهم البشري في عجزه عن ~~التوقف ما يزال يتلمس شيئا ما سابقا في نظام الطبيعة، ثم هو في غمرة جهاده في ~~المضي إلى ما هو أبعد إذا به يرتد إلى ما هو أقرب مأخذا؛ أعني إلى العلل الغائية، # 18 # تلك التي تمت بالصلة إلى طبيعة الإنسان أكثر مما تمت إلى طبيعة ~~العالم، وهي من جراء هذا المنشأ قد أفسدت الفلسفة على نحو عجيب. على أن الفيلسوف ~~الذي يلتمس العلل في العموميات القصوى ليس أقل خرقا وسطحية من ذلك الذي يتوانى ~~عن التماسها في الأشياء التابعة والفرعية. ~~(49) الفهم الإنساني ليس مجبولا من ضياء صرف، # 19 # وإنما هو مشرب بالإرادة والعواطف. # 20 ~~«من هنا تأتي المعرفة التي يمكن أن تسمى «معرفة حسب الطلب»؛ فالإنسان ~~أميل دائما إلى تصديق ما يفضله»؛ ولذا فهو ينبذ الأمور الصعبة؛ لأنها تجشمه ~~الصبر في البحث، وينبذ الاعتدال لأنه يضيق حدود أمله، وينبذ التعمق في الطبيعة؛ ~~لأنه - أي الإنسان ms045 - مرتهن للخرافة، ويرفض نور التجربة؛ لأنه متغطرس مكابر يظن أن ~~العقل لا يليق به أن يهدر وقته في أشياء مبذولة متغيرة، ويرفض كل ما هو غير تقليدي ~~خوفا من رأي العامة. صفوة القول أن العاطفة تدمغ العقل وتصبغه بطرائق لا حصر لها، ~~وطرائق خفية تند عن الإدراك في بعض الأحيان. ~~(50) غير أن أكبر عائق للفهم البشري على الإطلاق وأكبر زيغ إنما يأتي من بلادة ~~الحواس وقصورها وخداعها؛ فالأشياء التي تمس الحواس لها الأرجحية على الأشياء التي لا ~~تمسها مباشرة مهما علا شأنها، هذا ما يجعل التأمل يتوقف في أغلب الأحوال حيثما ~~يتوقف البصر، بحيث لا يؤبه للأشياء غير المرئية، وبذلك يبقى كل فعل الأرواح ~~المكنونة في الأجسام الملموسة # 21 # خفيا غير ملحوظ من الناس. وخفية بالمثل تلك التغيرات البنيوية # 22 # الأدق في أجزاء الأشياء الكثيفة (والتي تشيع تسميتها بالتغير ولكنها في ~~حقيقة الأمر حركة جسيمات دقيقة)، ولكن ما لم يتم بحث هذين الأمرين المذكورين ~~وإخراجهما إلى واضحة النهار، فلن يمكن تحقيق نتائج ذات قيمة في الطبيعة. وكذلك الطبيعة ~~الجوهرية للهواء المشاع ولجميع الأجسام الأقل كثافة من الهواء (وهي كثيرة جدا) فهي ~~أيضا مجهولة تقريبا؛ ذلك أن الإحساس بحد ذاته كليل وعرضة للخطأ، ولا تفيده كثيرا ~~الأدوات المستخدمة لتوسيعه وشحذه، أما التفسير الأصدق للطبيعة فإنما يتحقق بواسطة ~~الشواهد وبواسطة التجارب المناسبة وذات الصلة؛ حيث يحكم الحس على التجربة وحدها، بينما ~~تحكم التجربة على الطبيعة والشيء ذاته. ~~(51) الفهم البشري يميل بطبيعته الخاصة إلى التجريد، ويفترض جوهرا (ثابتا) وواقعا ~~فيما هو عابر ومتغير، غير أنه أفضل لنا أن نشرح الطبيعة إلى أجزاء من أن ~~نجردها، وهذا ما فعلته مدرسة ديمقريطس التي حققت تقدما أكبر من غيرها في اختراق ~~الطبيعة. إن المادة - وليست الصور - هي ما ينبغي الالتفات إليه: المادة وبنيتها ~~وتغيرات هذه البنية والفعل المحض # 23 # وقانون هذا الفعل؛ أما الصور فما هي إلا وهم العقل البشري، إلا إذا ~~أطلقنا اسم «الصور» على قوانين الفعل. ~~(52) هكذا هي أوهام القبيلة، التي تنشأ إما عن ms046 اطراد جبلة الروح البشرية أو عن ~~تحيزاتها أو قصور ملكاتها أو حركتها الدائبة أو عن تأثير الانفعالات أو عن عجز ~~الحواس أو عن شكل انطباعاتها. ~~(53) أما «أوهام الكهف» # idola specus # فتصدر عن ~~الطبيعة الخاصة لعقل كل فرد وجسمه، وعن ثقافته أيضا وعاداته وظروفه، ورغم أن هذه ~~الفئة متنوعة ومركبة إلا أننا سنتناول منها تلك الجوانب الأكبر خطرا وأشد ~~إفسادا لصفاء الفهم. ~~(54) يقع الناس في غرام قطاعات معينة من المعرفة والأفكار، إما لأنهم يظنون أنفسهم ~~مؤلفيها ومبتكريها، وإما لأنهم أنفقوا فيها جهدا كبيرا وصاروا على إلف كبير بها. ~~إذا عمد مثل هؤلاء الناس إلى الفلسفة والتأملات ذات الصبغة الكلية فإنهم يلوون ~~بها ويفسدونها لكي تلائم خيالاتهم المسبقة، ولدينا من أرسطو نموذج واضح لهؤلاء: لقد ~~أخضع فلسفة الطبيعة تماما لمنطقه، فجعل منها شيئا خلافيا ولا خير فيه. ولدينا ~~أيضا جماعة الخيميائيين، فقد شيدوا فلسفة خيالية ضيقة النطاق للغاية، قوامها ~~بضع تجارب في الأتون، وكذلك جلبرت # Gilbert # 24 # فبعد أن كرس جهدا كبيرا في دراسة الحجر المغناطيسي وملاحظته؛ توجه ~~للتو إلى تلفيق فلسفة كاملة أخضعها لموضوعه الأثير. ~~(55) أما أكبر الفروق بين العقول وأكثرها جذرية في مجال الفلسفة والعلوم، فهو أن ~~بعض العقول أقدر وأميل إلى ملاحظة الفروق بين الأشياء، وبعضها الآخر إلى ملاحظة ~~التشابهات بينها؛ فالعقول المدققة الدءوبة بوسعها تثبيت الانتباه وتركيزه فترات طويلة ~~على كل فارق طفيف، أما العقول الرصينة الاستدلالية فبوسعها التفطن إلى أخف ~~التشابهات وأعمها والمضاهاة بينها، وكلا الصنفين من العقول عرضة للشطط، سواء ~~بالتشبث بالفروق التافهة أو بخيالات التشابه. ~~(56) ثمة عقول أشربت بإعجاب لا حدود له بالقديم، وعقول أخرى مغرمة بالجديد، ~~وقلما نجد من يقف موقفا متوازنا فلا يبخس القدماء إنجازاتهم الصائبة ولا يزدري ~~الإسهامات الوجيهة للمحدثين، وهذا خسران مبين للعلوم والفلسفة، فهذه ليست أحكاما ~~مستبصرة بل مجرد ولوع بالقديم أو بالجديد، أما الحقيقة فينبغي ألا تلتمس في ~~حظوة زمن بعينه، فهذا أمر غير مضمون، بل في ضوء الطبيعة والتجربة، وهو شيء أزلي. ~~علينا إذا أن نجتنب مثل هذه ms047 الأهواء ونعيذ فكرنا أن ينساق إليها. ~~(57) إن ملاحظة الطبيعة والأجسام في أجزائها البسيطة من شأنها أن تكسر الفهم ~~وتشتته، في حين أن ملاحظة الطبيعة والأجسام في تكوينها الكلي وبنيتها المركبة من ~~شأنه أن يذهل الفهم ويوهنه. وهذا التمييز نراه في أوضح صورة عند مقارنة مدرسة ~~ليوسيبوس وديمقريطس # 25 # بغيرها من الفلسفات. فهذه المدرسة مشغولة بالجزئيات بحيث أغفلت البنية ~~إلى حد كبير، بينما المدارس الأخرى منبهرة بمشاهدة البنية فلا تكاد تنفذ إلى ~~بساطة الطبيعة. ينبغي إذا أن نتناوب هذين الصنفين من الملاحظة، بحيث نجعل الفهم ~~ثاقبا وشاملا في الوقت نفسه، ونتلافى العيوب المذكورة لكل من الطريقتين والأوهام ~~التي تنجم عنها. ~~(58) كذا فليكن الحذر في الملاحظة، الكفيل بنفي أوهام الكهف، تلك الأوهام التي ~~تنشأ في معظمها من غلو في التركيب أو شطط في التقسيم، ومن التحيز لعصور ~~تاريخية بعينها، ومن كبر موضوعات الملاحظة أو صغرها. # 26 # وبصفة عامة: فعلى كل دارس للطبيعة أن ينظر بارتياب إلى كل ما يفتن عقله ~~ويأخذ بلبه، وأن يجعل ذلك همه الأكبر في هذا الصنف من البحث؛ كيما يحفظ ~~ذهنه صافيا ومتوازنا. ~~(59) غير أن «أوهام السوق» # idola fori # 27 # هي أكثر الأوهام إزعاجا، تلك الأوهام التي انسربت إلى الذهن من خلال ~~تداعيات الألفاظ والأسماء؛ ذلك أن الناس يظنون أن عقلهم يتحكم في الألفاظ، بينما ~~الحقيقة أيضا أن الألفاظ تعود وتشن هجوما مضادا على الفهم، وهذا ما جعل الفلسفة ~~والعلوم مغالطة وعقيمة؛ لأن الألفاظ تكونت في معظمها لكي تلائم قدرة العامة من ~~الناس، وهي تحدد الأشياء بخطوط تقسيم تسهل على الذهن العامي، وحالما أراد ذهن ~~أكثر حدة أو ملاحظة أكثر تدقيقا أن تغير هذه الخطوط لتلائم التقسيمات الأصوب ~~للطبيعة فإن الألفاظ تعترض الطريق وتقاوم التغيير؛ ومن ثم تنتهي الحوارات الرفيعة ~~والجليلة - في كثير من الأحيان - إلى خلافات حول ألفاظ وأسماء؛ ولذا فمن الأسلم ~~(اقتداء بحذر علماء الرياضيات) أن نبدأ منها ونضفي عليها النظام باستخدام ~~التعريفات، إلا أن مثل هذه التعريفات لا يمكنها أن تعالج هذا الخلل إذا كان ms048 موضوع ~~الدراسة هو الطبيعة والمادة؛ لأن التعريفات نفسها تتكون من ألفاظ، والألفاظ تولد ~~ألفاظا؛ ولذا فإن علينا أن نلجأ إلى شواهد محددة وإلى تسلسلها المطرد ونظامها، كما ~~سنذكر حالا عندما نعرض للمنهج والطريقة فيما يتصل بتكوين التصورات والمبادئ. ~~(60) هناك نوعان من الأوهام تفرضهما اللغة على الفهم، وهما إما أسماء لأشياء لا ~~وجود لها (فإلى جانب الأشياء التي تفتقر إلى أسماء؛ لأنها لم تلاحظ بعد، هناك أيضا ~~أسماء تفتقر إلى أشياء؛ لأنها وليدة افتراضات خيالية لا تناظرها أشياء في الواقع)، وإما ~~أسماء لأشياء موجودة ولكنها مختلطة وغير محددة؛ لأنها انتزعت من الأشياء على عجل ~~ودون تدقيق. من الصنف الأول لفظ # fortune # 28 # و«المحرك الأول» و«الأفلاك الكوكبية» # 29 # وعنصر «النار»، إلى غير ذلك من الخيالات التي تعود في نشأتها إلى النظريات ~~الزائفة العقيمة. هذا الصنف من الأوهام يسهل التخلص منه؛ إذ من الممكن استئصالها ~~بواسطة التفنيد المستمر أو التخلي عن النظريات نفسها. أما الصنف الثاني من الأوهام ~~فهو معقد ومتجذر؛ لأنه ناتج من تجريد مغلوط وأخرق. ولنأخذ كمثال كلمة «رطب»، وننظر ~~إلى أي حد تتسق الأشياء المشار إليها بهذه اللفظة، وسنجد أن كلمة «رطب» لا تعدو أن ~~تكون علامة تستخدم بتسيب وخلط لتدل على أفعال متباينة لا يجمعها أي اطراد أو ~~قاسم مشترك، فهي تشير إلى ذلك الذي ينشر نفسه حول شيء آخر، وذلك الذي لا تخوم له ولا ~~ثبات، وذلك الذي يستسلم في كل اتجاه، وذلك الذي يسهل انقسامه وتناثره، وذلك الذي يسهل ~~تدفقه وتحريكه، وذلك الذي يسهل التصاقه بجسم آخر وترطيبه، وذلك الذي يرد بسهولة إلى ~~الحالة السائلة، أو هو صلب يسهل انصهاره؛ ومن ثم فإذا أتيت إلى استعمال هذا اللفظ ~~ستجد من جهة أن اللهب رطب، ومن جهة أخرى أن الهواء رطب، ومن أخرى أن التراب الدقيق ~~رطب، ومن أخرى أن الزجاج رطب. # 30 # هكذا يتبين بسهولة أن هذا التصور قد انتزع على عجل من الماء ~~والسوائل الشائعة والعادية فحسب بدون أي تمحيص واجب. # ثمة درجات من القصور والخطأ ms049 في الألفاظ، فأقل فئات الألفاظ خطأ أسماء المواد وبخاصة ~~النوع الأقل تجريدا وأكثر تحديدا (تصور الطباشير والطين حسن، وتصور التراب سيئ)، ~~تليها أسماء الأفعال مثل «يولد» «يفسد» «يغير». أما أكثر الفئات خطأ فأسماء ~~الكيفيات (باستثناء الموضوعات المباشرة للإحساس)، مثل: «ثقيل» «خفيف» «مخلخل» «كثيف» ... ~~إلخ، على أنه في جميع الفئات تكون بعض التصورات بالضرورة أفضل قليلا من البعض الآخر، ~~وفقا لكثرة أو قلة الأشياء التي تقع في نطاق الحواس. ~~(61) أما «أوهام المسرح» # idola theatri # فليست ~~فطرية ولا هي تسترق إلى الذهن سرا، وإنما يتم إدخالها علنا وتقبلها عن طريق ~~النظريات الخرافية والقواعد المغلوطة للبرهان. ولكن ليس بما يتفق مع ما أعلنته آنفا ~~أن أحاول أو أضطلع بتفنيدها، فما دمنا لا نتفق حول المبادئ ولا حول البراهين فلا محل ~~للجدل، وهذا من حسن الحظ بقدر ما يحفظ للقدماء كرامتهم، فأنا لا أنتقص من قدرهم؛ إذ ~~لا يعنيني في مذهبي كله إلا الطريق الذي يتبع، وكما يقول المثل: «الأعرج على ~~الطريق الصحيح يسبق العداء على الطريق الخطأ»، بل إن الذي يتخذ الطريق الخطأ ~~يزداد ضلالا وبعدا عن المقصد كلما كان أمهر وأسرع. # إن منهجي في الكشف مصمم بحيث لا يعول على حدة الموهبة الفردية وقوتها، بل إنه ~~يكاد يسوي بين الملكات والأفهام، فمثلما أن رسم خط مستقيم أو دائرة دقيقة ~~يعتمد كثيرا على ثبات اليد ودربتها بينما لا حاجة لأي ثبات ودربة إذا ما ~~استخدمت مسطرة أو فرجار؛ كذلك الأمر بالضبط في منهجي المقترح، ولكن رغم أني لا ~~أعرض لتفنيدات بعينها، إلا أن شيئا ما ينبغي أن يقال، أولا عن مذاهب هذه ~~النظريات وأنواعها، ثم عن وجود دلائل خارجية على ضعفها، وأخيرا عن أسباب مثل هذا الفشل ~~ومثل هذا التشبث الطويل بالخطأ والإجماع عليه، أتغيا من ذلك أن أجعل المسلك إلى ~~الحقيقة أقل عثارا ، والفهم البشري أكثر نزوعا إلى التطهر ونبذ الأوهام. ~~(62) هناك الكثير من «أوهام المسرح»، أو أوهام النظريات، ويمكن أن تكون هناك، وربما ~~ستجد فيما بعد، أوهام أخرى كثيرة؛ إذ لولا ms050 أن عقول الناس قد انشغلت أحقابا طويلة ~~بالمسائل الدينية واللاهوتية، والحكومات المدنية (وبخاصة الملكيات) قد أبغضت مثل هذه ~~التجديدات حتى في الفكر (بحيث لا يمكن لأحد أن ينخرط فيها دون خطر وضرر، ولا يعدم ~~الثواب فحسب بل يلحقه الازدراء والحسد)؛ لولا ذلك لكانت أدخلت - بلا شك - مذاهب ~~فلسفية ونظرية أخرى كثيرة مثل تلك التي ازدهرت مرة بوفرة وتنوع كبير عند اليونان، ~~فمثلما يمكن تشييد نظريات خيالية كثيرة من ظواهر السماء، فمن الممكن - بل والأيسر - ~~تشييد اعتقادات متنوعة كثيرة من ظواهر الفلسفة. وفي مسرحيات هذا المسرح الفلسفي قد ~~تلاحظ نفس الشيء الموجود في مسرح الشعراء: أن القصص المؤلفة للمسرح أكثر تماسكا ~~ووجاهة وإمتاعا من القصص الحقيقية من التاريخ، وأقرب لرغبات الناس. # وبصفة عامة فإن الناس يأخذون كأساس لفلسفتهم إما أشياء كثيرة جدا من موضوعات ~~قليلة، وإما أشياء قليلة جدا من موضوعات كثيرة، وفي كلتا الحالتين تتأسس الفلسفة ~~على أساس ضيق جدا من التجربة والتاريخ الطبيعي، وتقرر الأحكام بناء على ~~شواهد أقل مما يجب. فالفلاسفة العقليون يلتقطون من التجربة تنويعة من الأمثلة العامة ~~لم يتم فهمها بدقة ولا فحصها ووزنها بعناية، ويعتمدون فيما تبقى على التأمل ~~والنشاط الفكري. # وهناك أيضا فئة أخرى من الفلاسفة ما يكادون يعكفون بعناية وصدق على بضع تجارب حتى ~~يسارعوا باستنباط فلسفاتهم منها ويشيدوها تشييدا، ويلوون كل الوقائع الأخرى بطرق عجيبة ~~لكي تنسجم مع هذه الفلسفات. # وهناك بعد صنف ثالث من الفلاسفة يحملهم إيمانهم ووقارهم على أن يخالطوا فلسفتهم ~~باللاهوت والتعاليم، من هؤلاء من بلغ بهم الغرور مبلغا جعلهم يحاولون اشتقاق ~~العلوم من الأرواح والعفاريت. ثمة إذا ثلاثة مصادر للخطأ وثلاثة أنواع من الفلسفة ~~الزائفة: السوفسطائية، # 31 # والتجريبية العشوائية، والخرافية. ~~(63) وأوضح مثل على الصنف الأول من الفلاسفة هو أرسطو، الذي أفسد الفلسفة ~~الطبيعية بمنطقه، وشيد العالم بمقولاته، ونسب إلى الروح البشرية - أنبل الجواهر ~~جميعا - جنسا يقوم على كلمات من المقصد الثاني، # 32 # وحول التفاعل بين الكثيف والمخلخل (الذي به تشغل الأجسام محلا ~~أكبر أو أصغر) إلى تلك التفرقة ms051 الباردة بين القوة والفعل، وأكد أن لكل جسم حركة ~~فريدة خاصة به، فإذا شارك في حركة أخرى فإن هذه الحركة تعود إلى علة خارجية، وفرض ~~على الطبيعة أشياء أخرى لا حصر لها وفقا لهواه، فقد كانت تعنيه دائما التعريفات ~~والدقة في صياغة قضاياه أكثر مما تعنيه الحقيقة الداخلية للأشياء، يتجلى هذا في أوضح ~~صورة إذا ما قارنا فلسفته بغيرها من الفلسفات الذائعة بين اليونان: فال «هومويوميرا» # 33 ~~(الأجزاء المتماثلة) عند أنكساغوراس، والذرات عند ليوسيبوس وديمقريطس، ~~والسماء والأرض عند بارمنيدس، والتنافر والانسجام عند أمبدوقليس، وتلاشي الأجسام في ~~الطبيعة غير المتمايزة للنار ثم عودتها إلى الصلابة مرة أخرى عند هيراقليطس، كل أولئك ~~يحمل داخله شيئا من الفلسفة الطبيعية ومن حس الطبيعة والتجربة والأجسام، في حين لا ~~تكاد تسمع في فيزيقا أرسطو أي شيء عدا مصطلحات المنطق، والتي أعاد تدويرها مرة أخرى في ~~ميتافيزيقاه تحت تسمية أكثر جلالا، زاعما أنه واقعي # realist # أكثر منه اسميا # nominalist ~~. ~~ولا يخدعن أحدا كثرة التجائه إلى التجربة في كتبه «عن الحيوان» و«مشكلات» ورسائل ~~أخرى؛ فحقيقة الأمر أنه قد حسم أمره مسبقا ولم يستشر التجربة حق المشورة كأساس ~~لأحكامه ومبادئه، إنه يعتسف أحكامه اعتسافا ثم يلوي بالتجربة حتى تلائم أفكاره، ~~ويجرها كما يجر أسير في موكب؛ ومن ثم فهو أفدح ذنبا من تابعيه المحدثين ~~(السكولائيين) الذين هجروا التجربة تماما ونفضوا أيديهم منها. # 34 ~~(64) تتولد عن المدرسة التجريبية معتقدات أكثر تشوها ومسخا مما تنتجه ~~المدرسة السوفسطائية أو العقلية؛ ذلك لأن هذه المعتقدات لا تتأسس في ضوء التصورات ~~العامة (التي رغم ضعفها وسطحيتها فهي بشكل ما عمومية وتشير إلى أشياء كثيرة)، بل تقوم ~~على أساس ضيق ومعتم من حفنة تجارب، مثل هذه الفلسفة تبدو محتملة وشبه يقينية عند ~~أولئك الذين ينخرطون كل يوم في مثل هذا الصنف من التجارب فأفسدوا مخيلتهم بها، ~~أما لغيرهم فتبدو بعيدة عن التصديق وغير ذات جدوى. ولدينا عليها مثال صارخ في أهل ~~الخيمياء ومعتقداتهم، وهي عدا ذلك نادرة الوجود في زمننا هذا، ربما باستثناء فلسفة ms052 ~~جلبرت. ويبقى علينا رغم ذلك أن نحذر من مثل هذه الفلسفات؛ ذلك أننا ندرك ونتوقع أنه ~~إذا أصغى الناس لنصيحتنا وكرسوا أنفسهم حقا للتجربة (بعد أن ودعوا المذاهب ~~السوفسطائية) فإن هذه الفلسفة ستكون مصدر خطر حقيقي على أقل تقدير، وذلك بسبب تسرع ~~العقل وتهوره، وقفزه أو طيرانه إلى العموميات وإلى مبادئ الأشياء، ذلك الخطر الذي ينبغي ~~من ثم أن نكون متأهبين - حتى في هذه اللحظة - لمواجهته. ~~(65) على أن الفساد الذي يأتي الفلسفة من الامتزاج بالخرافة والثيولوجيا هو أوسع ~~انتشارا وأشد ضررا عليها، سواء على منظوماتها الكلية أو على أجزائها؛ فتأثر العقل ~~البشري بالخيال لا يقل عن تأثره بالأفكار الشائعة. إن الصنف الجدلي والسوفسطائي ~~من الفلسفة يوقع العقل في شرك؛ أما الصنف الآخر؛ أي الفلسفة الخيالية الطنانة ~~شبه الشعرية فتغويه. إن بالإنسان ضربا من طموح الفكر لا يقل عن طموح الإرادة، وبخاصة ~~لدى الشخصيات الشامخة النبيلة. # وهناك مثال لافت على هذا بين اليونان نجده في فيثاغوراس، وإن كانت الخرافة لديه فظة ~~ثقيلة، ومثال آخر في أفلاطون ومدرسته؛ حيث الخرافة أخطر وأرقى. وهذا الإثم نجده أيضا ~~في جوانب من الفلسفات الأخرى، متمثلا في القول بالصور المجردة والعلل الغائية والأولى، # 35 # مع إغفال كثير للعلل الوسطى وما إليها. إن علينا أن نتخذ أشد الحذر هنا، ~~«فليس ثمة ما هو أسوأ من تمجيد الخطأ؛ فحين تؤله الحماقة فذلكم بلاء يحيق بالفكر. ~~في هذه الحماقة انغمس بعض المحدثين، وبغفلة متناهية حاولوا أن يؤسسوا فلسفة ~~طبيعية على الفصل الأول من سفر التكوين # Genesis # وسفر أبواب وأجزاء أخرى من الكتاب المقدس، باحثين - هكذا - عن الموتى بين الأحياء، # 36 # ومثل هذه الحماقة يجب أن توقف وتقمع بكل قوة؛ فمن هذا المزج غير الصحي ~~بين البشري والإلهي لا تنبثق فقط فلسفة وهمية، بل ودين هرطقي؛ ومن ثم فإن رأس ~~الحكمة والاتزان أن نعطي للإيمان ما هو للإيمان ولا نتزيد.» ~~(66) بحسبنا هذا عن السلطة الخبيثة للفلسفات القائمة على تصورات عامة أو تجارب ~~قليلة أو على الخرافة، ويبقى أن نتحدث عن ms053 الموضوعات الخاطئة للتأمل العقلي، وبخاصة ~~في الفلسفة العقلية، إن العقل يضل السبيل إذ ينظر إلى ما يجري في الفنون الميكانيكية؛ ~~حيث الأجسام تتغير تماما عن طريق التركيب والتفريق، فيفترض أن شيئا شبيها بذلك ~~يحدث في الطبيعة الكلية للأشياء، وهذا هو مصدر الوهم القائل ب «العناصر» # elements # واحتشادها لتكوين الأجسام الطبيعية، كذلك ~~عندما يتأمل الإنسان في الطبيعة وهي تعمل بحرية، فإنه يلتقي بأجناس شتى من ~~الأشياء: حيوانات، نباتات، معادن، ومن هنا ينزلق بسهولة إلى تصور أن في الطبيعة صورا ~~أولية للأشياء تريد أن تنتجها، وأن ما عدا ذلك من تنويعات إنما يأتي من جراء عوائق ~~وأخطاء للطبيعة في إنجاز مهمتها، أو من صراع بين الأجناس المختلفة. أنتجت الفرضية ~~الأولى مذهب الخواص الأولية، والثانية أنتجت مذهب الخواص الخفية والقوى النوعية، وكلا ~~التصورين ينتميان إلى تلك الفئة من المختصرات الفكرية الفارغة التي فيها يسترخي العقل ~~وينصرف عن موضوعات أكثر أهمية، وحسنا يفعل الأطباء حين يكبون على الخواص الثانوية ~~للمادة وعمليات الجذب والطرد والتكثيف والبسط والقبض والتشتيت والنضج وما إلى ذلك. # 37 # ولقد كانوا حريين بتحقيق تقدم أكبر لو لم يعمدوا إلى التصورات ~~المبسوطة التي تحدثت عنها (أي الخواص الأولية والقوى النوعية) فيفسدوا بها هذه ~~الملاحظات القويمة باختزالها إلى خواص أولية وأخلاط دقيقة غير قابلة للمقايسة، أو ~~بعدم تتبعها بملاحظات أكثر قوة ودقة إلى خواص ثالثة ورابعة، والتوقف فجأة عن ~~الملاحظة قبل الأوان، مثل هذه القوى (أو ما شابهها) لا ينبغي أن نبحث عنها بين أدوية ~~الجسم البشري فحسب، بل أيضا في العوامل التي تغير الأجسام الطبيعية الأخرى. # وأشد خطرا من ذلك أنهم يبحثون ويتقصون المبادئ الساكنة للأشياء التي «منها» أتت ~~الأشياء نفسها إلى الوجود وليس المبادئ المتحركة التي «بواسطتها» أتت، # 38 # فالأولى تتعلق بالحديث، والثانية بالعمل، وليس ثمة أي قيمة في التمييزات ~~الشائعة للحركة والتي نلحظها في الفلسفة الطبيعية التقليدية، مثل: الكون والفساد ~~والزيادة والنقصان والتغير والحركة الموضعية، فكل ما تعنيه هو أنه إذا ما تحرك جسم ~~- هو على ما هو عليه فيما ms054 عدا ذلك - من مكانه فهذه هي الحركة الموضعية (النقل)، فإذا ~~تغير في الكيف بينما بقي المكان والنوع على حاله فهذا هو «التغير» # alteration ~~. أما إذا نتج من هذا التغير أن ~~الكتلة نفسها وكم الجسم لم يظلا كما هما فهذه هي حركة «الزيادة» # augmentation # و«النقصان» # diminution ~~. فإذا استمر التغير إلى أن تبدل النوع نفسه والجوهر ~~ذاته، فهذا هو «الكون» # generation # و«الفساد» # corruption ~~. ولكن كل هذه أمور معلومة ومبتذلة، ولا ~~تنفذ إلى عمق الطبيعة على الإطلاق؛ لأنها تشكل مقاييس الحركة وحدودها وليس الأنواع ~~المختلفة للحركة؛ فهي تشير إلى «كم» (إلى أي درجة) وليس إلى «كيف» (بأية وسيلة) أو «من ~~أين» (من أي مصدر)، ولا تخبرنا بأي شيء عن نزوع الأجسام أو عن صيرورة أجزائها، بل تحدس ~~فحسب بتقسيم للحركة عندما تظهر هذه الحركة للحواس بطريقة واضحة أن شيئا ما لم يعد ~~كما كان من قبل، وحتى عندما يريدون تفسير شيء ما عن علل الحركات وأن يؤسسوا تقسيما ~~لهذه العلل، فإنهم يضعون تمييزا بين الحركة الطبيعية والحركة العنيفة، وهي نقلة غاية ~~في العقم؛ لأن هذا التمييز هو نفسه مستمد تماما من تصور عامي؛ حيث إن الحركة ~~العنيفة هي أيضا في الحقيقة حركة طبيعية؛ أي علة خارجية تجعل الطبيعة تعمل بطريقة ~~مختلفة عما كانت عليه من قبل. # ولكن لنضرب صفحا عن كل هذا؛ فإذا ما لاحظ أي شخص - على سبيل المثال - أن في ~~الأجسام نزوعا إلى الاتصال المتبادل، بحيث لا تسمح لوحدة الطبيعة أن تنفصم أو تنحطم ~~تماما وللفراغ بالتالي أن يتكون، أو إذا لاحظ أي شخص أن في الأجسام نزوعا إلى ~~استعادة أبعادها أو ضغطها الطبيعي، بحيث إذا ضغطت أو مطت أكثر من ذلك أو أقل جهدت ~~على الفور لاستعادة واسترداد حجمها وامتدادها السابق، أو إذا لاحظ أي شخص أن في الأجسام ~~نزوعا إلى التجمع مع كتل الأشياء التي من صنفها؛ أي نزوع الأجسام الثقيلة إلى ~~الأرض، والأشياء الهزيلة والخفيفة إلى محيط السماء؛ فكل هذه الأشياء وأمثالها هي في ~~الحقيقة أنواع فيزيقية من ms055 الحركة، أما تلك الأشياء الأخرى فهي نظرية ومدرسية قلبا ~~وقالبا كما هو واضح جلي من هذه المقارنة فيما بينها. # وليس أهون من ذلك أنهم في فلسفاتهم وملاحظاتهم يهدرون جهودهم في بحث وتناول المبادئ ~~الأولى للأشياء والعلل القصوى ~~للطبيعة # ultimatibus naturae ~~، رغم أن كل الجدوى وفرص التطبيق تكمن في العلل الوسطى # in mediis ~~؛ لذا لا يكف الناس عن تجريد الطبيعة ~~إلى أن يصلوا إلى مادة ممكنة وغير مشكلة، ولا هم من الجهة الأخرى يكفون عن تشريح ~~الطبيعة إلى أن يصلوا إلى الذرة، وهي أشياء - حتى لو صدقت - قلما تجدي نفعا في ~~تحسين حالة الجنس البشري. # 39 ~~(67) على الذهن أيضا أن يأخذ حذره من الإفراط الذي تبديه المذاهب الفلسفية في ~~إبداء الموافقة أو الامتناع عنها، ويبدو أن هذا الإفراط يرسخ الأوهام وأنه بطريقة ~~ما يطيل عمرها، غير تارك أي منفذ للوصول إليها والتخلص منها. # ثمة نوعان من هذا الإفراط: الأول هو الذي يأتيه أولئك الذين يتسرعون في إصدار ~~الأحكام، فيجعلون العلوم جازمة تسلطية، والثاني يأتيه أولئك الذين ينكرون أن بإمكاننا ~~أن نعرف أي شيء ~~(acatalepsia) ~~، فيفتحون المجال لنوع ~~هائم من البحث لا يهدف إلى شيء ولا ينتهي إلى شيء، من شأن النوع الأول أن يقمع الذهن، ~~أما الثاني فيوهنه، فبعد أن فرغت الفلسفة الأرسطية من تدمير الفلسفات الأخرى (على ~~طريقة العثمانيين تجاه إخوتهم) # 40 # بتفنيدات عدائية، أخذ أرسطو يؤسس أحكاما في كل شيء، ثم أخذ هو نفسه ~~يطرح اعتراضات من عنده؛ كي لا يلبث أن يتصدى لها، بحيث لا يترك أمرا إلا وهو يقيني ~~محسوم، وهي طريقة ما زالت قائمة اليوم بين أتباعه. # أما مدرسة أفلاطون فأدخلت مذهب الشك، بدأ ذلك هزلا وتهكما من جراء استيائها ~~من قدامى السوفسطائيين - بروتاجوراس وهيبياس وغيرهما - الذين كانوا يستخذون من الظهور ~~بمظهر من يتردد بإزاء أي شيء، غير أن الأكاديمية الجديدة تصلبت في الشك واتخذته ~~عقيدة. إنه لمنهج أكثر صدقا من الترخص في سك الأحكام؛ لأنهم قالوا بأنهم لا ~~يقوضون كل بحث بأي حال مثلما كان ms056 يفعل فيرون و«المتوقفون عن الحكم» # Ephectici ~~، بل يسمحون باستقصاء بعض الأمور على أنها ~~احتمالية، وإن لم يسمحوا بأي شيء أن يؤخذ كحقيقة، غير أن العقل البشري ما إن ييأس من ~~العثور على الحقيقة حتى يأخذ شغفه بكل الأشياء في الخمود، وينتهي الأمر بأن ينصرف ~~الناس إلى مناقشات وأحاديث لطيفة، وإلى نوع من التطواف حول الأشياء دون المثابرة ~~على البحث الجاد، ولكن - كما أسلفنا في البداية وكما نؤكد على الدوام - فإن علينا ألا ~~ننتقص من سلطة الحواس البشرية والفهم البشري - على قصورهما - بل علينا أن نزودهما بما ~~يساعد ويعين. ~~(68) انتهينا الآن من عرض لمختلف ضروب «الأوهام» # idola # وخصائصها، وكلها أوهام ينبغي التخلي عنها وشجبها، وتطهير ~~العقل وتحريره منها، حتى لا يبقى ثمة إلا مدخل واحد إلى مملكة الإنسان، المدخل القائم ~~على العلوم، مثلما أنه «لا مدخل إلى مملكة السماء إلا عبر طهارة الطفولة.» # 41 ~~(69) غير أن البراهين الزائفة هي حصون «الأوهام» ودفاعاتها، والبراهين التي لدينا في ~~المنطق لا تعدو أن تخضع العالم وتسخره للأفكار البشرية، وتخضع الأفكار ~~للألفاظ، ولكن البراهين هي نفسها - بمعنى ما - فلسفات وعلوم، فكيفما تكن البراهين ~~سديدة أو واهية؛ تكن الفلسفات والتأملات المترتبة عليها، غير أن البراهين التي ~~نستخدمها في العملية بأكملها التي تمضي من الحواس والأشياء إلى المبادئ والاستنتاجات هي ~~براهين مغلوطة وواهية؛ # 42 # فأولا: انطباعات هذه الحواس نفسها خاطئة؛ لأن الحواس تخذلنا وتخدعنا، ~~ولا بد من أن نعالج الثغرات ونصحح الأخطاء. وثانيا: التصورات تستمد من انطباعات ~~الحواس بطريقة غير قويمة، وهي ملتبسة ومشوشة؛ حيث ينبغي أن تكون محكمة ومحددة ~~المعالم. وثالثا: الاستقراء الذي نستخدمه خاطئ؛ لأنه يقرر مبادئ العلم بناء على ~~التعداد البسيط، ودون استخدام الاستبعاد والفصل أو التحليل الصحيح للطبيعة. وأخيرا: ~~فإن طريقة الكشف والبرهان التي تبدأ بوضع المبادئ الأعم ثم تجعل منها محكا للمبادئ ~~الوسطى فتختبر المبادئ الوسطى بمضاهاتها بالمبادئ العامة، هذه الطريقة هي أم الأخطاء، ~~وهي كارثة كل العلوم، وإذا كنا الآن نمر على هذه الأشياء مرورا عابرا فسوف نعرض ~~لها باستفاضة حين ms057 نتناول الطريقة الصحيحة لتفسير الطبيعة، بعد أن ننتهي من عملية تنقية ~~العقل وتطهيره. ~~(70) ولكن أفضل برهان على الإطلاق هو التجربة، شريطة أن يبقى ذلك لصيقا بالتجربة ~~الفعلية، فمن المغالطة الامتداد بها إلى أشياء أخرى شبيهة في الظاهر ما لم يكن يتم هذا ~~الاستدلال بطريقة منهجية حذرة، أما الطريقة التي يجري بها الناس التجارب # 43 # في الوقت الحالي فهي طريقة عمياء بلهاء؛ ومن ثم فإنهم يهيمون ~~ويتخبطون دون أي مسار واضح، مرتهنين للمصادفات يتأدون منها هنا وهناك دون أن ~~يحرزوا تقدما يذكر، وهم - بين رجاء حينا وتشتت حينا آخر - يجدون دائما ~~بارقا جديدا يسعون نحوه؛ ذلك أن الناس في الأغلب يجرون تجاربهم بغير اكتراث ولا ~~جدية، واضعين تنويعات ضئيلة على التجارب المعروفة بالفعل، فإذا لم تجبهم التجربة ~~بشيء تبرموا بها وأقلعوا عن المحاولة، وحتى عندما يكبون على عملهم بجد وكد ~~ومثابرة فإنهم يهدرون وقتهم في سبر موضوع واحد معين، كشأن جلبرت مع المغناطيس، وشأن ~~الخيميائيين مع الذهب، مثل هذا المسلك لا ينم فحسب على غياب المهارة بل أيضا على ~~غياب الرؤية: فما كان لأحد أن ينجح في كشف طبيعة شيء ما بالنظر إلى الشيء وحده، بل لا ~~بد للبحث من أن يكون نطاقه أوسع ومجال رؤيته أعم. # وحتى عندما يشيد الناس نوعا ما من العلم والنظرية على التجارب، فإنهم - في ~~الأغلب - يهرعون بحماس أهوج إلى التطبيق العملي، لا لكي يجنوا منها ثمارا مرتقبة ~~فحسب، بل لكي يجدوا توكيدا في شكل نتاج جديد بأن سعيهم جدير بالمواصلة ولن يكون ~~مضيعة للوقت، بالإضافة إلى توطيد شهرتهم واكتساب صيت جيد لمجال عملهم. «هم إذا ~~أشبه بأتالانتا # Atalanta # يتركون طريقهم لكي يلتقطوا ~~التفاحة الذهبية فيقطعون العدو ويفوتهم الفوز.» إنما علينا - في دأبنا على الطريق ~~الصحيح للتجربة ومواصلته لبلوغ نتائج جديدة - أن نقتدي بالحكمة والتدبير الإلهيين: ففي ~~اليوم الأول للخلق اكتفى الرب بخلق النور وكرس يوما كاملا لهذا العمل، ولم ~~يخلق أي شيء مادي في ذلك اليوم، نحن أيضا علينا أولا أن نحاول - بشتى ضروب ~~التجارب ms058 - أن نكتشف العلل والمبادئ (القوانين) الحقيقية، وأن نلتمس التجارب التي تقدم ~~النور لا الأثمار، فما إن يتم اكتشاف المبادئ وصياغتها على نحو صحيح حتى تقدم ~~للممارسة عونا هائلا لا محدودا، وتجر وراءها أرتالا غفيرة من النتائج، وسوف ~~نعرض لاحقا لطرق التجربة التي سدت وقطعت مثلما سدت طرق الحكم؛ فأنا لم أقل ~~حتى الآن إلا أن البحث التجريبي المعتاد هو نوع رديء من البرهان، غير أن المقام ~~يقتضيني أن أضيف شيئا ما عن العلامات التي سبق ذكرها والتي تشير إلى أن الفلسفات ~~والملاحظات المستخدمة الآن عاجزة، وعن أسباب ما يبدو للوهلة الأولى عجيبا لا يصدق، ~~فمعرفة هذه العلامات الخارجية تمهد للتصديق، وتفسير الأسباب يزيل العجب، وهذان ~~الشيئان مفيدان غاية الفائدة في تطهير الذهن من الأوهام بسهولة ويسر. ~~(77) نعرض الآن للرأي الشائع القائل بأن هناك شبه إجماع على فلسفة أرسطو؛ حيث إنه عقب ~~ذيوعها توارت الفلسفات الأقدم وطواها النسيان، ثم لم يكتشف في الأزمنة اللاحقة شيء ~~أفضل منها؛ ومن ثم بات مؤكدا ومقررا أنها بسطت ظلها على العصرين معا، ردا ~~على ذلك أقول أولا: إن القول بأن الفلسفات القديمة انتهت عقب صدور فلسفة أرسطو هو ~~قول خاطئ؛ فقد عاشت أعمال الفلاسفة القديمة طويلا بعد ذلك، وظلت قائمة حتى زمن شيشرون ~~والقرون التالية له، الخطب أنه في زمن لاحق، عندما تحطمت سفينة المعرفة البشرية - ~~إن صح التعبير - إثر طوفان البرابرة الذي غمر الإمبراطورية الرومانية، هنالك كانت ~~فلسفة أرسطو وأفلاطون أشبه بألواح أخف وزنا وأقل صلابة، فظلت طافية فوق أمواج الزمن ~~وكتبت لها النجاة. ثانيا: مسألة الإجماع هي أيضا خادعة ولا تصمد للتمحيص؛ فالإجماع ~~الحقيقي هو ذلك الذي ينطلق من أحكام حرة تلتقي جميعا - بعد فحص المسألة - في نقطة ~~واحدة، ولكن الغالبية العظمى من الذين قبلوا فلسفة أرسطو قد ارتهنوا أنفسهم لها من ~~خلال الحكم المسبق وسلطة الآخرين. الأمر إذا أقرب إلى الاتباع والتحزب منه إلى ~~الاتفاق، وحتى لو كان اتفاقا حقيقيا وعريضا فمن الخطأ الذريع أن نعده تأييدا ~~صادقا وصلبا ، ذلك الاتفاق الذي ms059 يتضمن قرينة قوية إلى العكس، فبئس الدليل الإجماع ~~في المسائل الفكرية (باستثناء الأمور الإلهية والسياسية حيث يحق للاقتراع أن يقرر)، ~~فلا شيء أثلج لصدور الطغام من ذلك الذي يفتن الخيال ويوثق العقل في أغلال الآراء ~~الشائعة كما لاحظنا آنفا. وما أجدرنا إذا أن نستعير قول فوشيون Phocion # 44 # من مجال الأخلاقيات إلى مجال الفكر: «إذا ما غمرك الدهماء بالتأييد ~~والإعجاب فتحسس أخطاءك!» هذه العلامة إذا من أخطر العلامات. ها قد فرغنا الآن ~~من عرض فكرتنا: إن كل ما يتخذ دليلا على صدق الفلسفات والعلوم وصحتها هو دليل غير ~~صحيح، سواء كان مستمدا من منشئها أو من نتاجها أو من تقدمها أو من اعترافات ~~واضعيها أو من الإجماع (عليها). ~~(78) نأتي الآن إلى أسباب هذه الأخطاء، والأسباب التي جعلت الناس تتعثر بها طيلة ~~هذه القرون، هذه الأسباب هي من الكثرة والقوة بحيث يزول معها أي عجب من أن تخفى هذه ~~الاعتبارات التي طرحتها عن ملاحظة الناس حتى يومنا هذا، العجب الوحيد هو أن تطرأ ~~اليوم أخيرا في ذهن واحد من الناس وتصبح موضوعا لفكره. أنا شخصيا أعتبر ذلك حقا ~~نتاج مصادفة سعيدة وليس فضل موهبة استثنائية عندي، هي بنت الزمن وليست بنت ~~الذكاء. # فأنت أولا إذا نظرت إلى الأمر على حقيقته؛ لوجدت أن هذه القرون الطويلة تختزل ~~في نطاق صغير جدا؛ ففي هذه القرون الخمسة والعشرين - التي تحيط بها الذاكرة ~~والمعرفة البشريتان - لن تستطيع أن تفرد أكثر من ستة قرون كانت خصبة في العلوم ~~ومواتية لتقدمها. إن للزمن فيافيه وقفاره مثلما لأصقاع الأرض، ونحن لا نستطيع أن ~~نعد عن حق إلا ثلاث ثورات وفترات ذروة في الفلسفة: الأولى بين اليونان، والثانية ~~بين الرومان، والثالثة بيننا نحن أمم أوروبا الغربية، ولن تزيد الفترة المقيضة لكل ~~واحدة منها عن قرنين من الزمن. أما العصور الوسطى للعالم فلم تكن خصبة في إنتاج ~~محصول وفير وغني من العلوم، وليس ثمة ما يدعو إلى ذكر العرب والسكولائيين الذين ~~محقوا العلوم برسائلهم العديدة في الزمن الوسيط أكثر مما ms060 أضافوا إلى وزنها. جملة ~~القول: إن السبب الأول لهذا التقدم الهزيل في العلوم يعود إلى ضآلة الفترات الزمنية ~~التي كانت مواتية للعلم. ~~(81) ثمة سبب آخر مهم وقوي لعدم إحراز العلوم إلا تقدما قليلا: فليس بالإمكان أن ~~تتقدم في المضمار كما ينبغي إذا كان الهدف نفسه لم يوضع على نحو صحيح؛ فالهدف ~~الحقيقي والمشروع للعلوم هو أن تزود الحياة الإنسانية باكتشافات وموارد جديدة، والكثرة ~~الكاثرة من الناس لا يعرفون شيئا عن هذا، إن هم إلا مأجورون ومحترفون، ربما يتصادف ~~أن صانعا ما ذا عبقرية حادة وطموح للشهرة يكرس نفسه لعمل اختراع جديد، والذي يكون ~~دائما على نفقته الخاصة، غير أن الغالبية من الناس لا يحدثون أنفسهم بأن يزيدوا ~~حصيلة العلوم والفنون؛ فهم لا يأخذون من الحصيلة المتوافرة لديهم ولا يلتمسون منها إلا ~~ما يمكنهم أن يحولوه إلى استعمال حرفي أو ربح أو صيت أو ما شابه ذلك من المزايا، ~~وإذا كان في هذا الحشد واحد يسعى إلى المعرفة بحب صادق ولأجل المعرفة فحسب، فحتى هذا ~~سنجد أن هدفه هو التأملات والمذاهب المتنوعة وليس البحث الصارم الجاد عن الحقيقة، وحتى ~~إذا كان هناك من هو باحث أكثر كدا عن الحقيقة فهو أيضا سوف يضع أمامه وصفا ~~للحقيقة من شأنه أن يرضي عقله وفهمه في تقديم علل للأشياء معلومة أصلا، لا ~~وصفا يقود إلى نتائج جديدة ونور جديد من المبادئ. # 45 # وهكذا إذا كانت «غاية» العلوم لم توضع بعد على نحو صحيح، فلا عجب أن ~~يكون الناس قد أخطئوا في أمر «الوسائل». ~~(82) ومثلما أن الناس لم تحدد غاية العلوم وهدفها كما ينبغي، فإنهم حتى لو حددوا ~~ذلك تحديدا جيدا، إنما يتخذون إليه طريقا خاطئا ومسدودا تماما. وإنه لمن أعجب ~~العجب لمن يتأمل الأمر أن لا يعنى أحد ولا يهتم بفتح طريق ممهد ومعبد ~~للفهم الإنساني ينطلق من الحواس عبر التجربة المنظمة المحكمة، بل يترك كل شيء ~~نهبا لغيوم التقاليد ودوامة الجدل، أو لتقلبات الصدفة ومتاهاتها والخبرة العارضة ~~غير المنظمة، فليتأمل أي منا بتيقظ ms061 وعناية في نوعية الطريق الذي اعتاد البشر ~~اتخاذه في بحث أي شيء واكتشافه؛ فإنه - بدون شك - سيلحظ أولا منهجا بسيطا غير ~~علمي للكشف مألوفا جدا للبشر، وهو لا يعدو أن يكون كالتالي: عندما يعد أي ~~شخص نفسه للكشف فإنه يستعلم عن كل ما سبق أن قيل في الموضوع ويلم به، ثم يضيف ~~تأملاته الخاصة، ويقلب الأمر في ذهنه، ويستنطق روحه الخاصة ويهيب بها أن توحي ~~إليه. هذا منهج يفتقر إلى أي أساس، وتذهب به الآراء كل مذهب. # وآخر قد يستدعي المنطق لكي يعينه في الكشف، والمنطق لا صلة له بهذا الغرض سوى ~~صلة اسمية. فالمنطق لا يكتشف المبادئ والقضايا الرئيسية التي تتألف منها الفنون، بل ~~يكتشف فحسب تلك القضايا التي تبدو متسقة معها. # 46 # فإذا ما أخذك الفضول وألححت عليه في السؤال عن براهينه على المبادئ أو ~~القضايا الأولى، فلن تجد من المنطق سوى رد واحد معروف جيدا، وهو أن يحيلك ~~ثانية إلى الإيمان وقسم الولاء الذي ينبغي أن يؤدى لمبادئ كل فن على حدة. # لا تبقى هناك إلا الخبرة المحضة، والتي إذا جاءت بنفسها سميت مصادفة، وإذا جيء ~~بها سميت تجربة، ولكن هذا النوع من الخبرة ليس أكثر من مكنسة بدون رباط (كما ~~يقولون) مجرد تحسس، شأن أناس في الظلام يتحسسون حولهم عساهم أن يجدوا طريقهم ~~الصحيح، بينما الأفضل لهم جدا أن ينتظروا ضوء النهار أو ضوء شمعة ثم يتقدموا. على ~~النقيض من ذلك يبدأ النظام الصحيح للخبرة بإيقاد ضوء، ثم بكشف الطريق في هذا الضوء، ~~منطلقا من التجربة الممنهجة المنظمة لا التجربة الملفقة العشوائية، ومنها يستنبط ~~المبادئ، وعلى هذه المبادئ يؤسس تجارب جديدة، ذلك أنه حتى «كلمة الرب» لا تؤتي ~~فعلها في الخليقة إلا بمنهج. # لذا فلا عجب للناس إذا كانت العلوم قد تعثرت عن إكمال الطريق؛ فلقد ضلت ~~سبيلها إذ تركت التجربة وهجرتها تماما، أو أوقعت نفسها في شرك متاهاتها وجعلت ~~تتخبط في حلقات مفرغة، في حين أن المنهج المنظم القويم يتخذ جادة آمنة خلال غابة ~~الخبرة ms062 تفضي إلى رحبة المبادئ. ~~(83) ولقد زاد في تعقيد المشكلة بدرجة عجيبة اعتقاد أو تصور عميق الجذور على أنه ~~متغطرس ومؤذ، مفاده أن مما يحط من قدر الذهن البشري أن يظل عاكفا ومكبا على ~~التجارب وعلى الأشياء الجزئية التي هي موضوعات للحس ومقصورة على المادة، لا سيما وأن ~~هذه الأمور تقتضي في العادة جهدا في البحث، وأنها لا تليق بالتأمل ولا بالحديث ولا ~~بالممارسة، وأنها مفرطة في الدقة. وهكذا لم يعد الطريق الحق مهجورا فحسب بل معترضا ~~ومغلقا. لم يقتصر الأمر على تجاهل التجربة وإساءة تطبيقها، بل تم نبذ التجربة ~~وازدراؤها. ~~(84) إن توقير العصور القديمة، ونفوذ الرجال الذين حظوا بمكانة كبيرة في ~~الفلسفة، والإجماع العام؛ كل أولئك أمور عاقت الناس عن التقدم في العلم، ~~وأسرتهم إلى حد كبير. أما عن الإجماع فقد تناولته فيما سبق. «وأما عن الرأي ~~الذي يرفع به الناس من قيمة القدم فهو رأي عقيم تماما ولا يكاد يتفق مع اللفظة؛ ~~ذلك لأن كبر العالم وتقدمه في العمر هو ما ينبغي أن يعتبر «قدما» في حقيقة ~~الأمر، وهذه هي الصفة المميزة لزمننا نحن لا للعمر المبكر للعالم في أزمنة القدماء. ~~فإذا كان هؤلاء الأخيرون بالنسبة لنا قدماء مسنين فإنهم بالنسبة للعالم محدثون ~~صغار. ولما كنا نتوقع من الشخص الأكبر معرفة أكبر بالشئون البشرية وحكما ~~أنضج مما نتوقعه من الصغير - بفضل خبرة الكبير وبفضل كثرة وتنوع ما رآه وسمعه ~~وتأمل فيه - فإن لنا أن نتوقع من عصرنا أمورا أعظم مما نتوقعه من العصور ~~القديمة، ما دام العالم قد تقدم في العمر وازدادت ذخيرته واكتنزت بما لا نهاية له ~~من التجارب والملاحظات. وينبغي أيضا أن نأخذ في اعتبارنا أن كثيرا من الأشياء الجديرة ~~بأن تلقي الضوء على الفلسفة قد اكتشفت وأميط عنها اللثام بفضل الرحلات والأسفار ~~الطويلة التي زخرت بها أيامنا. إنه ليكون مخزيا حقا للجنس البشري أن تستكشف ~~أصقاع العالم المادي - الأرض والبحر والنجوم - وتستظهر على هذا النحو المذهل، ~~بينما تبقى حدود العالم الفكري محصورة في الكشوف الضيقة للقدماء.» ms063 # أما عن السلطة فهي من الجبن بحيث تولي ثقة غير محدودة لمعلمين معينين بينما ~~تغمط الزمن حقه. الزمن هو معلم المعلمين؛ ومن ثم فهو سلطة كل سلطة؛ فقد ~~صدق من أطلق على الحقيقة «بنت الزمن» لا بنت السلطة. لا عجب - إذا - إذا كانت ~~قيود القدم والسلطة والإجماع قد كبلت قوى البشر فصاروا عجزة (كما لو كانوا ~~مسحورين) عن مقاربة الأشياء ذاتها. ~~(85) ليس الإعجاب بالقدم والسلطة والإجماع فقط هو ما أجبر جهود الإنسان على أن تقف ~~قانعة بالكشوف التي تم تحقيقها، بل الإعجاب أيضا بالأعمال نفسها التي صارت بحوزة ~~الجنس البشري. فمن يستعرض مختلف الأشياء والأدوات الرائعة التي جمعتها الفنون ~~الميكانيكية وأدخلتها من أجل خدمة البشر، فمن المؤكد أنه سيكون أميل إلى الإعجاب ~~بثراء الإنسان منه إلى الشعور بفقره، غير مدرك أن الملاحظات الأصلية وعمليات ~~الطبيعة (التي هي أشبه بالروح أو المبدأ المحرك لكل تلك الأشياء) ليست بالكثيرة ولا ~~العميقة، وأن بقية الأمر تعزى - ببساطة - إلى الصبر وإلى خفة ودربة حركة اليد ~~والأداة. ولنأخذ صناعة الساعات كمثال: إنها بالتأكيد شيء حساس ودقيق، وتبدو تروسها ~~محاكية للمدارات السماوية ولضربات قلب الحيوانات في حركتها الموصولة المنتظمة، ورغم ~~ذلك فهي تعتمد على مبدأ طبيعي واحد أو مبدأين. # مرة ثانية، إذا تأملت الحذق المتبدي في الفنون الحرة، # 47 # أو حتى في إعداد الأجسام الطبيعية في الفنون الميكانيكية، وتأملت في أشياء ~~مثل: اكتشاف الحركات السماوية في علم الفلك، والهارمونيا في الموسيقى، وأحرف الأبجدية ~~(غير مستخدمة حتى الآن في الصين!) # 48 # في النحو، ومنتجات باكوس وسيريس؛ أي تحضير النبيذ والجعة وعمل الخبز، أو ~~حتى مشتهيات المائدة والتقطير وما إلى ذلك، وإذا تفكرت أيضا كم استغرقت هذه الأشياء ~~من أحقاب (إذ إنها جميعا قديمة باستثناء التقطير) حتى بلغت الدرجة الراهنة من الكمال، ~~وكم هي قليلة (كما في مثال الساعات) تلك الملاحظات والقوانين الطبيعية التي يمكن أن ~~ترد إليها، وكم كانت بسيطة عملية اكتشافها (من خلال فرص مواتية وملاحظات عابرة)، ~~إذا تأملت ذلك سينقطع إعجابك للتو وسترثي لحال البشر، ms064 بالنظر إلى ضآلة المكتشفات خلال ~~هذه الأحقاب الطويلة من الزمن. ولكن حتى المكتشفات التي ذكرناها كانت أقدم من الفلسفة ~~ومن العلوم الفكرية؛ ولذا فإن شئت الحقيقة فمنذ أتت العلوم العقلية والدوجماطيقية إلى ~~الوجود انقطع اكتشاف منتجات نافعة. # وإذا تحول أي شخص عن الورشة إلى المكتبة، وأخذه الإعجاب بالتنوع الهائل للكتب ~~التي يراها هناك، فدعه فقط يعاين ويفحص بدقة موضوعاتها ومحتوياتها، ولسوف يغير ~~رأيه بكل تأكيد؛ فعندما يكتشف ألا نهاية للتكرار، وكم يعيد الناس الفعل والقول نفسه ~~مرات ومرات، فسينصرف من الإعجاب بالتنوع إلى الاندهاش من فقر وقلة المادة التي ~~شغلت عقول الناس واستحوذت عليها إلى يومنا هذا. # وإذا تنازل الشخص لينظر في تلك الفنون التي تعد أقرب إلى الغرابة منها إلى ~~المعقولية، وتأمل بدقة في أعمال الخيميائيين أو السحرة، فربما يقع في حيرة ولا ~~يدري أينبغي عليه أن يضحك أم يبكي، فالخيميائي يتعلق بأمل أبدي، وعندما تفشل جهوده ~~يلوم نفسه ويعزو الفشل إلى خطأ ما قد ارتكبه، فلعله لم يحسن فهم كلمات فنه أو ~~كلمات معلميه (ومن ثم يرجع إلى التعاليم والهمسات السرية)، أو لعله ارتكب زلة ~~في الأوزان أو في توقيت الإجراء (لذا فإنه يمضي في إعادة المحاولة إلى غير نهاية)، وفي ~~نفس الوقت عندما يقع في تجاربه العابرة على شيء يبدو جديدا أو على درجة ما من النفع، ~~فإنه يغذي روحه بهذه الوعود ويبالغ فيها ويذيعها، معلقا أمله في النتيجة ~~النهائية، لا يمكن لأحد أن ينكر أن الخيميائيين قد اجترحوا اكتشافات عديدة، وقدموا ~~للجنس البشري اختراعات نافعة، غير أنهم تنطبق عليهم حكاية الرجل العجوز الذي ترك ~~لأبنائه تركة من الذهب مدفونة في حقله، متظاهرا بأنه لا يعرف موقعه بالتحديد، فظل ~~الأبناء يكدون في حفر الحقل، ورغم أنهم لم يجدوا ذهبا فإن الحقل أنتج محصولا أوفر ~~بفضل عملهم. # 49 # أما أتباع السحر الطبيعي - الذين يفسرون كل شيء بالتوافق والنفور - فقد عزوا إلى ~~الأشياء قوى زائفة وتأثيرات عجيبة، على أساس تخمينات عقيمة لا مسوغ لها، وإذا هم ~~حققوا نتائج على ms065 الإطلاق فهي نتائج أقرب إلى الطرافة والجدة منها إلى النفع ~~والفائدة. # وأما في السحر الخرافي (إذا كان علينا أن نتناوله أيضا) فينبغي أن نلاحظ بصفة خاصة ~~أن الموضوعات التي عملت فيها الفنون الغريبة والخرافية، أو بدا أنها عملت، أي ~~شيء - بين جميع الأمم وجميع العصور بل وجميع الأديان - هي موضوعات من صنف محدود وخاص؛ ~~لذا فلنغض عنها الطرف. ولا عجب، في الوقت نفسه، أن اعتقادنا الكاذب بالغنى قد أفضى ~~بنا إلى الفقر. ~~(86) هذا الإعجاب الذي أولاه الناس للفنون والمعارف، والذي هو في حد ذاته فج ~~وشبه طفولي، قد زاده مكر أولئك القائمين بالعلوم وناقليها إلى الأجيال التالية، إنهم ~~يقدمونها إلينا بكثير من الاستعراض والتعمل، ويعرضونها على الخلق في صورة ~~مضللة مقنعة حتى تعطينا انطباعا بأنها تامة مكتملة من كل جانب. فلو تأملت منهجهم # 50 # وتقسيماتهم، لبدا لك أنها قد تضمنت كل ما يتصل بالموضوع واشتملت ~~عليه. ورغم أن هذه التقسيمات أسيء ملؤها، وأنها أشبه بالقرب الفارغة، فإنها تتخذ ~~في نظر الذهن السوقي شكل العلم الكامل ومظهره. أما الباحثون الأوائل والأقدم عن ~~الحقيقة، فقد كانوا أكثر أمانة وسدادا بحيث صاغوا المعرفة التي أرادوا استخلاصها من ~~تأمل الأشياء، وعمدوا إلى حفظها للاستعمال في شكل شذرات # aphorisms # أو عبارات قصيرة ومتناثرة غير موصولة معا بمنهج اصطناعي، دون ~~تظاهر أو ادعاء باشتمالها على أي علم كامل. ولكن وفقا لما صارت إليه الحال الآن فلا ~~عجب إذا كانت الناس لا تبحث عما يتخطى ما قدم إليهم على أنه كامل ~~مكمل. ~~(87) اكتسبت النظريات القديمة أيضا دفعة قوية لسمعتها وصيتها من غرور وخفة ~~دعاة الجديد، وبخاصة في الجانب العملي والتطبيقي من الفلسفة الطبيعية؛ فلقد ظهر ~~الكثير من المتحدثين السطحيين والحالمين، تدفعهم السذاجة من جانب والادعاء من جانب ~~آخر، فأمطروا الخلق بالوعود معلنين ومتبجحين بإطالة العمر وتأخير الشيخوخة وإزالة ~~الآلام وعلاج العيوب الخلقية وخداع الحواس، وفن كبح الانفعالات وإطلاقها، وتنوير ~~وإعلاء الملكات الذهنية، وتحويل المواد، وتقوية الحركة ومضاعفتها بلا حدود، والطبع في ~~الهواء والتغيير فيه، والتحكم في التأثيرات ms066 الفلكية واستشفاف المستقبل وتمثيل الأشياء ~~البعيدة وكشف الأشياء الخفية وما إلى ذلك. إن المرء لا يجانبه الصواب إذا لاحظ - فيما ~~يتصل بهؤلاء الأدعياء - أن هناك فرقا في الفلسفة بين وعودهم الفارغة وبين العلم ~~الحقيقي يضاهي الفرق في التاريخ بين مآثر قيصر # 51 # والإسكندر ومآثر أماديس ديجول وآرثر أوف بريتين: # 52 # فنجد أن هذين القائدين العسكريين (قيصر والإسكندر) قد اجترحا بالفعل أشياء ~~أعظم مما يحلم بتحقيقه هذان البطلان الخياليان (أماديس وآرثر). ومن طريق الفعل الحقيقي ~~لا الفعل الخيالي الغرائبي، ولكن ليس معنى ذلك أن نفقد الثقة بالتاريخ الحقيقي؛ لأنه ~~شوه أحيانا وانتهكته الخرافات، وفي الوقت نفسه فلا عجب إن كان الأدعياء الذين ~~حاولوا مثل هذه الأشياء قد أوغروا الصدور ضد الاجتهادات الجديدة (وبخاصة إذا اقترنت ~~بذكر النتائج العملية المنتظرة)؛ إذ إن غرورهم المفرط والنفور الذي خلفه - حتى في ~~يومنا هذا - قد دمرا كل اعتقاد في مشاريع من هذا النوع. ~~(88) وأذى أكبر من ذلك بكثير لحق بالعلوم من جراء وهن العزيمة وضآلة ~~المشروعات التي اضطلعت بها الصناعة الإنسانية، والأسوأ من كل ذلك أن يأتي هذا الوهن ~~الروحي مصحوبا بلون معين من الغطرسة والاستعلاء. # هناك أولا مبرر أصبح شائعا في كل فن من الفنون، «وهو أن يحول أصحاب هذا ~~الفن ضعف فنهم نفسه إلى افتراء على الطبيعة، فكلما فشل فنهم في تحقيق شيء ما ~~أعلنوا أن هذا الشيء غير ممكن في الطبيعة، ومن المؤكد أنه لا يمكن أن يدان الفن إذا ~~كان الفن هو قاضي نفسه!» وحتى الفلسفة الرائجة اليوم تطوي جوانحها على مواقف ~~واعتقادات معينة الغرض منها (إذا تأملتها جيدا) إقناع الناس بأن ليس هناك شيء ~~من الأشياء الصعبة أو التي تنطوي على تسخير الطبيعة وإخضاعها يمكن أن نتوقعه من الفن ~~أو الجهد البشري، وقد سبق أن ضربنا مثلا الفرق الكيفي المزعوم بين حرارة الشمس وحرارة ~~النار، وبين المركب # composition # والمزيج # mixture ~~، عند الملاحظة المتمعنة نجد أن كل هذا الميل ~~إلى مثل هذه المواقف مقصود منه تقييد القدرة البشرية وبث اليأس من ms067 وسائل الابتكار ~~والاختراع، ومن شأن ذلك ألا يفضي فقط إلى قص أجنحة الأمل، بل إلى قطع أطناب الصناعة ~~ومحفزاتها، بل إهدار فرص الخبرة ذاتها، كل ذلك من أجل أن يظهروا فنهم الخاص بمظهر ~~الكمال، ومن أجل الادعاء المتغطرس الموبق بأن كل ما لم يكتشف بعد ويفهم فلا ~~ينبغي أن ننتظر أن يكتشف أو يفهم في المستقبل، وحتى إذا حاول أي شخص أن يكرس نفسه ~~للأشياء ويكتشف شيئا ما جديدا فلن يزيد على أن يبحث بدقة وتفصيل اكتشاف شخص آخر، ~~فيبحث في أشياء من قبيل طبيعة المغناطيس أو الجزر والمد أو النظام الفلكي وما إلى ذلك، ~~والتي تبدو خفية إلى حد ما، وما زالت تبحت حتى الآن دون تقدم يذكر. «إنه لمن ~~الخرق والرعونة أن تجهد في دراسة الشيء الواحد على حدة؛ فالطبيعة التي تبدو كامنة ~~وخفية في بعض الأشياء تكون ظاهرة ومفهومة في أشياء أخرى، والتي تثير الاستغراب في ~~الحالة الأولى لا تكاد تجذب الانتباه في الحالة الثانية.» # 53 # ذلك هو الحال في طبيعة «القوام» # consistency # الذي لا نقف عنده في حالة الخشب والصخر، بل نشير إليه ~~إشارة عابرة على أنه «صلب» دون مزيد من البحث عن مقاومته للانفصال أو لانهيار ~~متصليته # continuity ~~، بينما في حالة فقاعات ~~الماء فالشيء نفسه يبدو أكثر دقة ورهافة؛ لأنها تلف نفسها في طبقات رقيقة متشكلة على ~~نحو غريب في هيئة كرة، حتى تتجنب - للحظة - انهيار متصليتها. # 54 # وبصفة عامة فإن الأشياء التي تظن خفية ملغزة لديها طبيعة مفتوحة مشاع في حالات ~~أخرى. ولن يتسنى لأحد الاطلاع عليها إذا اقتصر بحث الناس على الأشياء بمعزل وعلى ~~حدة، غير أن الناس دأبوا كلما أضاف أحد في الأعمال الميكانيكية لمسة نهائية أكثر ~~رهافة على أشياء مكتشفة منذ زمان، أو يزينها بأناقة أكثر، أو يضم أشياء معا ويدمجها، ~~أو يجعلها أسهل في الاستخدام، أو يعرضها في نماذج أكبر أو أصغر أو أخف ... إلخ، دأبوا على ~~أن يعدوا ذلك اكتشافا جديدا! # ليس عجيبا إذا ألا تظهر إلى النور اكتشافات ms068 عظيمة تليق ببني الإنسان، ما دام ~~الناس قد قنعوا ورضوا بهذه المهمات التافهة الصبيانية ، بل توهموا أنهم بذلك كانوا ~~يسعون إلى هدف عظيم أو يحققونه. ~~(89) ولا يفوتنا أن نلاحظ أن «الفلسفة الطبيعية كان لها خصم مزعج وعنيد في كل عصر، ~~ألا وهو الخرافة والحماس الأعمى والمتطرف للدين؛ فنحن نرى بين اليونان أن أولئك الذين ~~كشفوا العلل الطبيعية للرعد والعواصف - لأول مرة - لأناس لم يسمعوا قط عن هذا الشيء ~~قد أدينوا بالكفر، # 55 # كما أن معاملة بعض آباء الكنيسة الأوائل لم تكن أفضل حالا مع أولئك الذين ~~أثبتوا بأوثق البراهين (بحيث لا يعترض عاقل عليها الآن) أن الأرض كروية، وبالتالي ~~أكدوا وجود النقاط المتقابلة # antipodes ~~.» # 56 # وحتى في الوضع الحالي فإن الحديث عن الطبيعة قد غدا أصعب وأخطر بسبب الخلاصات ومناهج العرض # 57 # التي وضعها اللاهوتيون السكولائيون، الذين بعد أن ردوا اللاهوت إلى ~~نظام مطرد قدر استطاعتهم، وصبوه في شكل علم؛ راحوا يمزجون فلسفة أرسطو ~~الشائكة والخلافية بجوهر الدين أكثر مما ينبغي. ~~«ونفس الميل تبدى - وإن بطريقة مختلفة - في رسائل أولئك الذين لم يتورعوا عن ~~استنباط وتأييد صدق الدين المسيحي من مبادئ الفلاسفة وسلطتهم، وهللوا لزواج الإيمان ~~والعقل كما لو كان شرعيا، وفتنوا عقول الناس بتنويعة سارة من الأشياء، إلا أنهم في ~~الوقت نفسه خلطوا الأشياء الإلهية بالأشياء البشرية وهو اتحاد غير متكافئ، ليس في هذه ~~الأخلاط اللاهوتية الفلسفية مكان إلا لما هو مقبول سائد في الفلسفة، أما المذاهب ~~الجديدة - وإن تكن تغييرات إلى الأفضل - فلا تقابل إلا بالرفض والاستبعاد.» # أخيرا سوف تجد أن بعض اللاهوتيين في جهلهم يوصدون تماما كل منفذ إلى الفلسفة ~~مهما نقحت، فبعضهم يحمله ضعفه على التوجس من البحث المتعمق في الطبيعة خشية أن ~~يتجاوز الحدود المسموح بها للفهم الرصين. وهم يسيئون تفسير ما يقوله الكتاب ~~المقدس - في حديثه عن الأسرار الإلهية - ضد التحديق في أسرار الرب، ويطبقونه خطأ ~~على أسرار الطبيعة التي هي غير محظورة بأي تحريم، والبعض الآخر - بمكر أكبر - يخمنون ~~ويتخيلون أنه إذا كانت ms069 العلل الوسطى غير معلومة فمن الممكن أن تعزى الأحداث ~~المفردة بسهولة أكبر إلى يد الرب وعصاه (وهو في ظنهم شيء في مصلحة الدين بدرجة ~~عظيمة) «هذه - ببساطة - محاولة «لإرضاء الرب بكذبة».» # 58 # والبعض يخشى، من مثال سابق، أن الحركات والتغيرات في الفلسفة سوف تنتهي ~~إلى غزو الدين. وأخيرا هناك من يبدو متخوفا من أن تفضي دراسة الطبيعة إلى ~~اكتشاف ما يطيح بالدين أو يهز سلطته على الأقل وبخاصة بين الجهلاء. والخوفان الأخيران ~~أتشمم فيهما رائحة حكمة جسدية، وكأن الناس أحست في أعماق عقلها وفي سرائرها ~~شكا في قوة الدين وهيمنة الإيمان على العقل؛ فتملكها الخوف وأحست أنها مهددة من ~~بحث الحقيقة في الطبيعة. ولكن إذا وضعت الأمر في نصابه الصحيح فإن الفلسفة الطبيعية - ~~بعد كلمة الرب - هي أقوى علاج ضد الخرافة، وأسلم غذاء للإيمان؛ لذا فقد استحقت أن ~~تقدم للدين بوصفها أخلص خدمه؛ إذ إن أحدهما يظهر إرادة الرب، والآخر يظهر ~~قدرته، ولم يجانب الصواب من قال: «تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله.» # 59 # تمزجون بذلك وتخلطون الوحي المتعلق بإرادته والتأمل المتعلق ~~بقدرته، ولا عجب أن تقدم الفلسفة الطبيعية قد أوقف منذ اختطف الدين - ~~أكبر قوة مؤثرة على عقل البشر - بواسطة جهل البعض وحماستهم الهوجاء، وحمل على أن ~~ينضم إلى جانب العدو. ~~(90) فإذا التفت إلى تقاليد ونظم المدارس والجامعات وما إليها من مؤسسات قصد بها ~~أن تكون مقاما للعلماء وسببا إلى تقدم المعرفة؛ وجدت كل شيء مناوئا لتقدم ~~العلوم؛ ستجد أن المحاضرات والتدريبات مصممة بحيث لا يخطر لأي شخص أن يفكر أو ينظر ~~في أي شيء خارج المضمار الاعتيادي. # 60 # فإذا ما خطر لأحد أن يستعمل حريته في الحكم فعليه أن يركن إلى نفسه ولن ~~يجد له معينا من زملائه، فإذا تجشم ذلك فسوف يجد اجتهاده واتساع أفقه عبئا عليه ~~في مسعاه العلمي؛ ذلك أن دراسات الناس في هذه الأماكن مقصورة ومحصورة في كتابات مؤلفين ~~بعينهم، وإذا جرؤ أي شخص على مخالفتهم فإنه يهاجم للتو بوصفه ثوريا مثيرا ms070 ~~للقلاقل، على أن هناك بالتأكيد فارقا كبيرا بين الأمور المدنية السياسية والأمور ~~الفنية أو العلمية من حيث حجم الخطر الناجم عن التجديد في كل من الحالتين، أما في ~~الأمور السياسية فحتى التغيير إلى الأفضل يعد مقلقا نظرا للاضطراب الذي يثيره؛ ذلك ~~أن السياسة تقوم على السلطة والاتفاق والصيت والرأي، ولا تقوم على البرهان، وأما في ~~الفنون والعلوم - كما في المناجم - فإن كل شيء يجب أن يعج بأعمال جديدة وتقدم ~~جديد، هذا ما يجب أن يكون - وفقا للعقل السليم - وليس ما هو كائن في واقع الحال. إن ما ~~هو قائم في عملية إدارة العلم وتسييره من شأنه أن يعيق تقدم العلم بدرجة ~~خطيرة. ~~(91) وحتى لو توقفت هذه المناوأة الغيورة، فسوف يتكفل بوقف نمو العلم أن تمضي ~~هذه المحاولات والاجتهادات دون إثابة؛ ذلك أن تنمية العلوم وتمويلها ليسا في يد واحدة: ~~نمو العلوم يأتي بالضرورة من عقول كبيرة، أما المنح والاعتمادات فهي في أيدي العامة ~~أو الوجهاء، وهم بالكاد (باستثناءات قليلة جدا) متوسطو الثقافة، بل إن هذا النوع من ~~التقدم ليس فقط محروما من التمويل والإغداق من جانب أفراد، بل محروما أيضا من ~~التقدير والتمجيد من جانب العامة؛ ذلك أنه فوق فهم الأغلبية من الناس، وعرضة ~~للانسحاق والانطفاء بعواصف الرأي العام، ولا عجب أن ما لا يمجد لا يزدهر. ~~(92) غير أن أكبر عقبة على الإطلاق أمام تقدم العلوم وفتح ارتيادات وآفاق جديدة ~~فيها إنما تكمن في اليأس البشري وانقطاع الرجاء، فأصحاب المزاج الرصين الحذر من الناس ~~يميلون إلى فقدان الثقة تماما بإزاء هذه الأمور؛ إذ يتأملون في أنفسهم استغلاق ~~الطبيعة وقصر العمر وخداع الحواس وضعف ملكة الحكم وصعوبة التجربة وما إلى ذلك؛ ~~ولذا يفترضون أن هناك نوعا من الجزر والمد في المعرفة عبر انعطافات الزمن وعبر ~~العصور؛ إذ تنمو المعرفة وتزدهر في فترات معينة، وتنحدر وتذبل في فترات أخرى، ودائما ~~تخضع لهذا القانون: إنها إذا ما وصلت مستوى وحالة معينة فلا يمكنها أن تمضي أبعد من ~~ذلك. # وعليه فإذا اعتقد شخص أو ms071 وعد بأكثر من ذلك فإنهم يرون أن هذا علامة على عقل ~~منفلت غير ناضج، وأن مثل هذه المحاولات أولها مبهج وأوسطها مجهد وآخرها ~~خلط. وحيث إن هذه الأفكار سريعة الولوج إلى عقول ذوي الرصانة والحكمة من الناس، فإن ~~واجبنا أن نحذر من أن يأسرنا حبنا لما هو أنبل وأجمل، وأن نتريث ونخفف من غلوائنا! ~~وأن نتمعن أي شعاع من الأمل يتسلل إلينا، ومن أي اتجاه يأتي، وأن نرفض النفحات ~~الأخف من الأمل فيما نحن نحلل ونزن بدقة تلك التي تبدو الأصح والأقوم، علينا أيضا أن ~~نتذرع في نصحنا بحصافة سياسية دأبها التحرز وتوقع الأسوأ في كل الشئون البشرية؛ ~~لذا فإن علي الآن أن أتحدث عن الأمل، وبخاصة أنني لا أنجرف إلى وعود براقة، ولا ~~أريد أن أصادر على أحكام الناس ولا أن أنصب لها الفخاخ، بل أن أقودهم طواعية بملء ~~إرادتهم، ولعل أقوى علاج على الإطلاق لبث الأمل هو أن أقودهم إلى الجزئيات، وبخاصة ~~كما هي ملخصة ومرتبة في قوائمي الكشفية (يندرج هذا الموضوع جزئيا في الجزء الثاني ~~من «الإحياء» # Instauration # ولكنه يندرج بالدرجة الأساس ~~في الجزء الرابع)، فهي ليست مجرد أمل بل الشيء ذاته. على أن واجبي لكي أفعل كل ذلك ~~بتلطف أن أمضي في خطئي لإعداد عقول الناس؛ وإن نشر الأمل ليس بالجزء الهين من ~~هذا الإعداد، فبدونه يكون كل ما قلته أدعى إلى الأسى منه إلى حفز النشاط وإحياء الهمة ~~إلى التجربة؛ إذ يخيب ظنهم في الأشياء، ويقوي إدراكهم وشعورهم ببؤس حالهم؛ ومن ~~ثم فإن علي أن أكشف عن حدوسي التي تبرر الأمل في النجاح، وأن أضع ذلك في ~~الصدارة، تماما كما فعل كولمبس قبل رحلته المدهشة عبر الأطلنطي؛ إذ أبدى أسباب ثقته ~~بإمكان العثور على أراض وقارات جديدة وراء تلك المعروفة من قبل؛ وهي أسباب قوبلت ~~بالرفض في البداية، إلا أن التجربة اللاحقة أيدتها، فغدت سببا وبداية لأمور ~~عظيمة. ~~(94) والآن نأتي إلى أهم سبب يدعونا إلى الأمل، وهو مستفاد من أخطاء الماضي، ومن ~~الطرق التي جربت ms072 حتى هذه اللحظة. ثمة تأنيب وجيه بدر ذات يوم من شخص ما على ~~الإدارة السيئة لأحد المواقف السياسية؛ إذ يقول: «إن الشيء الأسوأ بالنسبة للماضي ينبغي ~~أن يعتبر الأفضل للمستقبل؛ لأنك إذا كنت قد عملت كل ما يقتضيه واجبك ولم ينصلح ~~أمرك فلا أمل لك في إمكان انصلاحه؛ أما وقد تعسر حالك، لا بسبب قهر الظروف، بل ~~بسبب أخطائك أنت؛ فإنه لمن دواعي الأمل أنك إذا تجنبت هذه الأخطاء أو قومتها فإن ~~تغيرا عظيما إلى الأفضل حقيق أن يحدث.» وبنفس الطريقة، فلو أن الناس طوال هذه ~~الأحقاب قد لزموا الطريق الصحيح إلى الكشف وإلى نمو العلوم وعجزوا مع ذلك عن تحقيق ~~تقدم أكثر مما أحرزوه، هنالك يكون من التوقح والطيش أن نقول بأن بالإمكان أن يحرزوا ~~المزيد. أما إذا كانوا قد ضلوا الطريق وبددوا جهدهم فيما لا طائل من ورائه؛ ~~لتبين من ذلك أن مكمن الأزمة ليس في الأشياء ذاتها (وذاك شيء ليس لنا به يد)، بل في ~~الفهم البشري واستخدامه وتطبيقه، وذاك شيء قابل للعلاج والشفاء؛ لذا فإن أفضل شيء هو ~~أن نبين ما هي هذه الأخطاء؛ لأن كل خطأ كان يشكل عقبة في الماضي هو داع من دواعي ~~الأمل في المستقبل، ورغم أننا ألمحنا إلى هذه الأخطاء سابقا. فمن الملائم أيضا أن ~~نفردها هنا بطريقة مخصرة واضحة بسيطة. ~~(95) «هناك فصيلان من الذين تناولوا العلوم: أهل التجربة وأهل الاعتقاد. أهل التجربة ~~أشبه بالنمل، يجمعون ويستعملون فحسب، وأهل العقل أشبه بالعناكب، تغزل نسيجها من ذاتها. ~~أما النحلة فتتخذ طريقا وسطا بين الاثنين، تستخلص مادة من أزهار البستان والحقل، ~~غير أنها تحولها وتهضمها بقدرتها الخاصة، وعمل الفلسفة الحقيقي لا يختلف عن هذا، ~~فهي لا تعتمد على قوتها العقلية وحدها، ولا تختزن المادة التي يقدمها التاريخ ~~الطبيعي والتجارب الميكانيكية في ذاكرتها كما هي، بل تغيرها وتعمل فيها الفكر؛ ~~ومن ثم فإننا نأمل الكثير من خلال اتحاد هاتين الملكتين (التجريبية والعقلية) ~~اتحادا أوثق وأصفى مما تم لهما حتى الآن.» ~~(96) ليس لدينا حتى الآن ms073 فلسفة في حالة خالصة، بل لدينا فلسفة طبيعية مشوبة ~~ومفسدة: مفسدة في فلسفة أرسطو بالمنطق، وفي فلسفة أفلاطون باللاهوت الطبيعي، وفي ~~المدرسة الأفلاطونية الثانية - عند بروكلوس # 61 # وغيره - بالرياضيات التي عليها أن تضع حدودا فحسب للفلسفة الطبيعية، لا أن ~~تنشئها أو تخلقها، إنما الأمل في نتائج أفضل معقود على فلسفة طبيعية خالصة غير ~~مشوبة. ~~(97) لم يوجد أحد حتى الآن هو من صحة العزم وصرامة الفكر بحيث أخذ نفسه بأن ينفض ~~عنه جميع النظريات والأفكار الشائعة، ويستخدم عقله من جديد، مطهرا نزيها، في دراسة ~~الجزئيات. هكذا تأتى أن يكون الفهم البشري الذي لدينا مجرد خليط مضطرب وكتلة ~~فجة مجبولة من كثير من السذاجة والمصادفة والأفكار الطفولية التي تشربنا بها ~~صغرنا. # ولكن إذا جاء شخص ناضج السن، ذو فهم غير معاق وعقل مبرأ من التحيز، وانكب من ~~جديد على الخبرة والجزئيات، فإن آمالا أكبر ستنعقد عليه، وفي هذه المهمة أبشر نفسي ~~بمصير مماثل للإسكندر الأكبر، ولا يتهمني أحد بالغرور حتى يسمع القصة؛ لأن الشيء الذي ~~أعنيه يهدف إلى محو كل غرور. يتحدث إسكينيز # Aeschines # 62 # عن الإسكندر ومآثره هكذا: «نحن بالتأكيد لا نعيش حياة الفانين، بل ولدنا ~~لهذا: لأن تتحدث عنا الأجيال القادمة وتشيد بمعجزاتنا»، كما لو أنه يعد بطولات ~~الإسكندر إعجازية. إلا أنه في العصر الذي تلا هذا نظر تيتوس ليفيوس إلى المسألة نظرة ~~أفضل وأعمق، قائلا في الإسكندر ما معناه: «لم يفعل شيئا أكثر من أنه كانت لديه ~~الشجاعة لاحتقار التوافه.» وأحسب أن الحكم نفسه سوف ينسحب علي في العصور القادمة: ~~إنني لم أفعل أشياء عظيمة، بل - ببساطة - أسبغت قيمة أقل على الأشياء التي تعد ~~مهمة. في الوقت نفسه - كما قلت آنفا - لا أمل إلا في ميلاد جديد للعلم؛ أي تشييده ~~باطراد من الخبرة وبنائه من جديد، الأمر الذي لن يجرؤ أحد (في اعتقادي) على الجزم بأنه ~~قد عمل حتى الآن أو خطر ببال. ~~(98) أما عن أسس الخبرة (إذ ينبغي أن نركز التفكير عليها) فقد ظلت حتى الآن إما ~~لا ms074 وجود لها أو ضعيفة جدا، ولم يحاول أحد أو يتم له الحصول على مجموعة أو مخزون من ~~الجزئيات حقيق من حيث العدد أو النوع أو الوثوق أن يزود العقل بمعلومات، أو واف على ~~أي نحو من الأنحاء؛ إذ على العكس من ذلك تقبل أهل العلم (الكسالى الخاملون في ~~الحقيقة) في بناء فلسفتهم وتأييدها، روايات عن الخبرة أشبه بالإشاعات والأراجيف ~~وأعطوها وزن الأدلة المشروعة. ولك أن تتخيل مملكة أو دولة تسير مستشاريها ~~وشئونها بناء على أقاويل الشارع لا بناء على خطابات وتقارير من السفراء والمراسلين ~~ذوي المصداقية. هذا بالضبط هو نوع الإدارة الذي أدخل في الفلسفة فيما يتعلق ~~بالخبرة، لا يحتوي التاريخ الطبيعي على شيء تم بحثه كما ينبغي، لا شيء محقق، لا شيء ~~محصى، لا شيء موزون، لا شيء مقيس، وكل ما غمض والتبس كملاحظة فهو خادع ~~ومضلل كمعلومة، ومن يستغرب هذا القول ويظنه شكوى غير منصفة (فأرسطو - وهو نفسه ~~رجل عظيم جدا ومدعوم من ملك عظيم جدا - ألف تاريخا دقيقا للحيوان، وغيره ممن ~~يعملون بجد أكثر وصخب أقل قد أضافوا إضافات كثيرة، وسواهم قد ألفوا تواريخ ضافية ~~وملاحظات عن النباتات والمعادن والمتحفرات)، من يقل ذلك فهو لم يفهم ما نحن بصدده ~~على نحو صحيح، فرق بين تاريخ طبيعي مؤلف من أجل ذاته وبين تاريخ طبيعي يحصل ~~لتزويد الذهن بمعلومات من أجل أن يؤسس فلسفة، فهما يختلفان من وجوه عديدة، ولكن أهم ~~وجوه الاختلاف أن الأول يحوي تنويعات الأجناس الطبيعية فحسب بدون تجارب الفنون ~~الميكانيكية، ومثلما أنه في مجال السياسة لا تنكشف شخصية الإنسان الحقيقية وخفايا عقله ~~وطوايا ضميره إلا عندما يكون في أزمة. كذلك الحال مع الطبيعة: إن أسرار الطبيعة تكشف ~~عن نفسها تحت مشاكسات الفن أسرع مما تكشف إذا تركت لحال سبيلها؛ ومن ثم فنحن لا ~~نؤمل في فلسفة طبيعية إلا بعد أن يجمع التاريخ الطبيعي (الذي هو قاعدتها وأساسها) ~~على نحو أفضل، وليس قبل ذلك. ~~(99) ومع وفرة التجارب الميكانيكية فقليلة جدا هي التجارب التي تضيء الفهم ~~وتعينه ms075 على أفضل نحو؛ فالفني الميكانيكي - الذي لا يعنيه بحال استكشاف الحقيقة - ~~قلما يوجه ذهنه أو يمد يده إلى أي شيء غير ذي نفع له في عمله. غير أن تقدم ~~العلوم لا أمل في أن يتحقق ما لم يكتسب التاريخ الطبيعي ويراكم الكثير من التجارب ~~التي هي غير ذات نفع في ذاتها، ولكنها - ببساطة - تساعد على اكتشاف العلل والمبادئ ~~(القوانين). وقد أطلقت على هذه التجارب # Experimenta ~~Lucifera ~~(تجارب النور، التجارب المضيئة)؛ لأميزها عن تلك التي ~~أسميها # Expermenta Fructifera ~~(تجارب الثمار، تجارب ~~المنفعة والنتائج). لمثل هذا النوع من التجارب خاصية وطبيعة مدهشة: أنها لا تخدع ولا ~~تخيب على الإطلاق، فلما كانت تجرى لا لتحصيل ثمرة ما بل لكشف العلة الطبيعية لشيء ~~ما؛ فإنها تلبي الغاية منها بنفس القدر أيا كان ما تسفر عنه ما دامت قد حسمت السؤال. # 63 ~~(100) ولكن إذا كان علينا أن نبحث عن مخزون أكبر من التجارب ونحصل عليه، وعن تجارب ~~من صنف مختلف عما أجريناه حتى الآن، فإن لزاما علينا أيضا أن ندخل منهجا ~~مختلفا تماما ونظاما وعملية لمواصلة الخبرة والتقدم بها. فالخبرة التي تترك ~~لتجول في مضمارها مرخاة العنان هي مجرد تحسس في الظلام (كما قلنا آنفا)، وهي ~~تدهش ولا تخبر. أما عندما تمضي الخبرة قدما بقواعد محددة # 64 # بنظام مطرد ودون انقطاع، سيكون لنا أن نعقد آمالا أكبر على ~~العلوم. ~~(101) ولكن حتى بعد أن نحصل على هذا المخزون من التاريخ الطبيعي والخبرة الضروري لعمل ~~الفكر أو للعمل الفلسفي، يظل الفكر عاجزا تماما عن أن يشتغل على هذه المادة بنفسه ~~وبالاتكاء على ذاكرته، فشأنه في هذا كشأن من يريد أن يستظهر حسابات روزنامة ويحتفظ ~~بها في ذاكرته. ورغم ذلك فما زال التأمل يقوم حتى الآن بدور أكبر من دور التدوين ~~(التسجيل) في أعمال الاستكشاف، ولم تدون تجارب حتى الآن في صحائف. غير أن علينا ألا ~~نقبل بأي طريقة للكشف بغير تدوين، وحين يدخل في الكشف نظام التدوين، وتتعلم الخبرة ~~أن تقرأ وتكتب، سيكون لنا أن نعقد آمالا ms076 أكبر. ~~(102) وفضلا عن ذلك، فما دام هناك عدد هائل وجيش من الجزئيات، وما دام هذا الجيش ~~مبعثرا منتشرا بطريقة تشتت الفهم وتربكه، فلا ينبغي أن نأمل كثيرا في ~~المناوشات والتحرشات الضئيلة والحركات العابرة المضطربة من جانب الفكر، ما لم ~~ننظم كل الجزئيات التي تتعلق بموضوع البحث ونصفها بواسطة قوائم للكشف ملائمة ~~وجيدة التنظيم ومفعمة بالحياة (إن شئت)، فيشرع العقل عندئذ في العمل على هذه ~~الخلاصات المنظمة من الوقائع التي تقدمها هذه القوائم. ~~(103) ولكن بعد أن نكون قد وضعنا أمام أعيننا هذا المخزون من الجزئيات على النحو ~~المنظم القويم، ينبغي ألا نمضي مباشرة إلى بحث واستكشاف جزئيات أو أعمال جديدة، أو ~~على الأقل إذا فعلنا ذلك فينبغي ألا نقر هناك قانعين بذلك؛ فرغم أننا لا ننكر أنه بعد ~~أن توضع جميع التجارب لجميع الفنون وتنظم وتتاح أمام ملاحظة وحكم شخص واحد ~~يكون انتقال التجارب من فن لآخر سببا لاكتشاف أشياء جديدة من شأنها أن تفيد المجتمع ~~والجنس البشري من خلال ما أسميه # literate experience ~~(الخبرة الكتابية/المتعلمة/غير الأمية)، رغم ذلك فلا يؤمل من هذا إلا نتائج ~~متواضعة، أما الشيء الأهم فإنما يأتي من الضياء الجديد من المبادئ (القوانين/القضايا) ~~التي تستنبط بمنهج وقاعدة وثيقين من الجزئيات المذكورة، والتي قد تشير بدورها إلى ~~جزئيات جديدة؛ ذلك أن طريقنا لا يمضي عبر سهل مستو، بل ينجد ويتهم، صاعدا ~~أولا إلى المبادئ ثم هابطا إلى النتائج. ~~(104) ولكن «علينا ألا نسمح للفهم بأن يقفز ويطير من الجزئيات إلى المبادئ القصية ~~والشديدة العمومية (كتلك التي تسمى «المبادئ الأولى» للفنون والأشياء)، ثم ينطلق ~~منها - مسلما بيقينها الذي لا يتزعزع - ليبرهن بها على المبادئ الوسطى ويفصلها، ~~وهو المتبع حتى الآن؛ إذ إن العقل ميال بطبعه لأن يفعل ذلك، بل هو مدرب عليه ~~ومعتاد من خلال نموذج البرهان «القياسي» # syllogistic ~~، ~~ولكننا لا نأمل خيرا من العلوم إلا عندما ننتقل على سلم أصيل صاعد بدرجات ~~متتالية بلا ثغرات أو كسور، من الجزئيات إلى المبادئ الصغرى، ثم إلى المبادئ الوسطى، ~~الواحد تلو الآخر، ms077 انتهاء بالمبادئ الأعم»؛ ذلك أن المبادئ الدنيا غير بعيدة من ~~الخبرة الخام، والمبادئ العليا (كما هي متصورة حاليا) تصورية ومجردة وتفتقر إلى ~~الصلابة، إنما المبادئ الوسطى هي الصادقة السليمة الحية التي تقوم عليها الشئون البشرية ~~والمصائر البشرية، وأيضا المبادئ التي فوقها، وهي حقا الأكثر عمومية على أنها عندي ~~غير مجردة بل محدودة بالمبادئ الوسطى. # لذا «ينبغي ألا نزود الفهم البشري بأجنحة، بل بالأحرى بأثقال مدلاة حتى ~~نعقله عن الوثوب والطيران»، وهذا ما لم يعمل حتى الآن، وعندما يعمل سيكون لنا في ~~العلوم أمل أكبر. ~~(105) في عملية تكوين المبادئ، # 65 # ينبغي أن نبتكر شكلا آخر من الاستقراء غير المستخدم حتى الآن، وينبغي أن ~~نستعمله لإثبات واكتشاف لا «المبادئ ~~الأولى» # first principles ~~(كما يطلق عليها) فحسب، بل المبادئ الصغرى # 66 # أيضا والوسطى، وجميع المبادئ في الحقيقة؛ «ذلك أن الاستقراء الذي ينطلق من ~~التعداد البسيط هو شيء طفولي، استنتاجاته قلقة وعرضة للخطر من أي شاهد مضاد، وهو - ~~بصفة عامة - يحكم بناء على عدد صغير جدا من الوقائع، وعلى تلك الوقائع المتوافرة ~~فحسب، أما الاستقراء الذي نريده من أجل اكتشاف العلوم والبرهنة عليها فينبغي أن يحلل ~~الطبيعة بواسطة عمليات نبذ واستبعاد مناسبة، وعندئذ بعد عدد كاف من السوالب يصل ~~إلى استنتاج عن الأمثلة الموجبة، وذاك شيء لم يعمل حتى الآن بل لم يحاول، باستثناء ~~أفلاطون الذي استخدم حقا هذا الشكل من الاستقراء إلى حد ما بغرض تمحيص التعريفات ~~والأفكار.» ولكن لكي نهيئ هذا الاستقراء أو البرهان لعمله تهيئة جيدة ومناسبة، ~~ثمة أشياء كثيرة جدا يجب تقديمها، والتي لم يفكر فيها أحد من الخلق حتى الآن، ~~حتى إننا سيلزمنا بذل جهد فيه أكبر مما بذل حتى الآن في القياس، # 67 # وهذا النوع من الاستقراء يتعين استخدامه ليس فقط لاكتشاف المبادئ، بل ~~أيضا لتكوين المفاهيم، وإنما على هذا الاستقراء ينعقد أملنا الأكبر. ~~(106) ولكن في عملية تكوين المبادئ بواسطة هذا النوع من الاستقراء يتعين علينا ~~أيضا أن ندرس ونتفحص ما إذا كان المبدأ المتكون مفضلا على مقاس ms078 تلك الجزئيات ~~فحسب التي استمد منها، أم هو أكبر من ذلك وأوسع مجالا. فإذا كان ذا مجال أكبر ~~وأوسع فإن علينا أن ننظر هل يقدم هذا المبدأ تأييدا لهذا المجال الأعرض - كما بنوع ~~من الضمانة الإضافية - بأن يدلنا على جزئيات جديدة، بحيث لا نكون متشبثين فقط بأشياء ~~معروفة أصلا، ولا قابضين بطيش على ظلال وأشكال مجردة لا على أشياء صلبة ~~مقومة في المادة. وعندما نسلك في عملنا هذا المسلك، هنالك سيكون لدينا ما يدعونا إلى ~~الأمل الحقيقي. ~~(107) وهنا أيضا نكرر ما قلناه آنفا # 68 # عن مد نطاق الفلسفة الطبيعية لتستوعب داخلها العلوم الجزئية، ورد العلوم ~~الجزئية إلى الفلسفة الطبيعية، بحيث لا تنبت أفرع المعرفة عن الجذع، فبغير هذا ~~لا نتوقع أي تقدم يذكر. ~~(108) هكذا تكون الملاحظات التي نريدها، من أجل أن نمحو اليأس ونحيي الأمل بالتخلي ~~عن أخطاء الماضي أو تصحيحها. والآن علينا أن ننظر إن كان ثمة أي دواع أخرى للأمل، ~~وسرعان ما يخطر لنا هذا الخاطر: إذا كانت هناك اكتشافات كثيرة نافعة قد وقعت لبني ~~الإنسان من طريق المصادفة أو الظروف، وبدون دراسة أو انتباه من جانبهم، فلا بد ~~بالضرورة أن نسلم بأن اكتشافات أكثر بكثير قمينة بأن تظهر إلى النور من طريق ~~البحث والانتباه إذا ما تما باطراد ونظام، وليس بتسرع وتقطع. فرغم أنه يحدث ~~بين الحين والحين أن يقع شخص بالمصادفة على شيء ما سبق أن تمنع على جهوده ~~الكبيرة وتحقيقاته المضنية، إلا أن الحال بغير شك هو العكس بصفة عامة؛ ولذا فإن لنا أن ~~نأمل من العقل الإنساني والكد والمنهج والتطبيق أكثر مما نأمله من الصدقة والغريزة ~~الحيوانية الصرف وما شابه ذلك، والتي كانت هي مصدر الاكتشاف حتى هذه اللحظة. ~~(109) وسبب آخر من أسباب الأمل: أن بعض الاكتشافات التي تمت فيما مضى لم تكن ~~لتخطر على بال أحد، بل كان أي شخص حقيقا بأن يرفضها ببساطة كشيء مستحيل؛ ذلك أن ~~«الناس قد اعتادت أن تستشف ما هو جديد من خلال مثال مما هو قديم، وبخيال ms079 مسكون ~~بالقديم ومصطبغ به، وتلك طريق مغالطة للغاية في تكوين التصورات؛ فالتيارات ~~المستمدة من منابع الطبيعة لا تتخذ دائما المجرى القديم». # فلو أن واحدا قبل اختراع المدفع وصف هذا الشيء بتأثيراته، وقال مثلا إن ثمة ~~اكتشافا جديدا يمكن بواسطته زعزعة أقوى الحصون والأسوار وتدميرها من مسافة بعيدة؛ من ~~المؤكد أن الناس عندئذ ستشرع في التفكير في طرائق زيادة قوة المنجنيق ومعدات ~~الحصار بواسطة الأثقال والعجلات وما شابه من آليات الرجم والقذف. أما فكرة ريح نارية ~~تتمدد فجأة وبعنف وتنفجر؛ تلك فكرة ما كانت لترد في تصور أحد أو خياله؛ ذلك ~~أنه لم يشهد بنفسه شيئا شبيها بذلك في حياته، ربما باستثناء زلزال أو صاعقة، وهي ~~أشياء قمينة بأن يستبعدها الناس على الفور باعتبارها خوارق أو غرائب الطبيعة التي لا ~~يمكن أن يحاكيها البشر. # وبنفس الطريقة فإنه لو قال أحد قبل اكتشاف الحرير إن هناك صنفا اكتشف من الخيط ~~لغرض اللبس والأثاث أرقى من الكتان أو الصوف، وفي الوقت نفسه يفوقها في القوة وأيضا في ~~الجمال والنعومة؛ عندئذ سيشرع الناس في التفكير في نبات ناعم ما أو في الشعر ~~الأنعم لحيوان معين أو في ريش أو زغب طائر. أما أن تكون خيوط دودة صغيرة، دودة ~~وفيرة الإنتاج تجدد نفسها كل عام؛ فهذا ما لم يكن يخطر ببال أحد، بل إذا قال أحد ~~ذلك عن إحدى الديدان؛ لأثار السخرية منه على أنه يتوهم نوعا جديدا من نسيج ~~العنكبوت. # كذلك لو أن أحدا - قبل اكتشاف البوصلة البحرية - أشار إلى أن أداة قد اكتشفت ~~يمكن بها أخذ اتجاهات ونقاط السماء وتمييزها بدقة؛ فسوف يأخذ الناس في التخمين في ~~الأمر والحديث عن تطوير أدوات فلكية أكثر دقة وما إلى ذلك؛ أما فكرة أن يكتشف أي شيء ~~يتفق في حركته تماما مع الأجرام السماوية وليس هو نفسه جرما سماويا بل مجرد حجر ~~أو مادة معدنية؛ فذاك شيء سيبدو بعيدا تماما عن التصديق. غير أن هذا وأمثاله من ~~الأشياء قد ظل خفيا على البشر عصورا طويلة، ولم ms080 تكتشفها الفلسفة ولا الفنون ~~الميكانيكية، بل اكتشفت بالحظ والصدفة؛ ذلك أنها حقا (كما قلنا آنفا) من نوع ~~مختلف تماما وبعيد كل البعد عن أي شيء معروف من قبل، فلم يكن لأي تصور سابق على ~~الإطلاق أن يقود إليه. # ومن ثم فإن لنا أن نأمل في أن الكثير من الأشياء الرائعة والمفيدة ما زالت مذخورة ~~في حشا الطبيعة، بعيدة الشبه جدا عن الأشياء التي تم اكتشافها، وبعيدة جدا عن ~~منال تخيلنا، وما زالت غير مكتشفة، ولكنها بغير شك سوف تظهر إلى النور في وقت ما ~~خلال انعطافات القرون وتحولاتها، تماما مثلما ظهر غيرها، ولكن ليس بغير المنهج الذي ~~نعالجه الآن يمكنها أن تظهر وتستبق بسرعة وفورية وتزامن. # 69 ~~(110) ولكن هناك صنفا آخر من الاكتشافات يبرهن على أنه قد تكون هناك كشوف قابعة ~~تحت أقدامنا، ومع ذلك يعبرها البشر دون أن يلحظوها؛ فإذا كان اكتشاف البارود ~~والحرير والمغناطيس والسكر والورق وما إليها يعتمد على خصائص معينة للأشياء ذاتها ~~وللطبيعة، فليس ثمة في تقنية الطباعة أي شيء غير ظاهر وغير مكشوف، إلا أن البشر - ~~لغفلتهم - سلخوا أحقابا طويلة بدون هذا الاكتشاف الجميل الذي قدم خدمة جليلة ~~في تقدم المعرفة؛ ذلك أنهم - لغفلتهم - لم يلاحظوا أنه رغم أن صف أحرف الطباعة ~~أصعب من كتابة الأحرف بحركة اليد إلا أن أحرف الطباعة ما إن يتم صفها حتى تمكننا ~~من أخذ ما لا يحصى من الطبعات، في حين لا تسمح الأحرف المكتوبة باليد إلا بنسخة ~~واحدة؛ وأنهم - لغفلتهم - لم يلاحظوا أن الحبر يمكن أن يكثف بحيث يسم # 70 # من غير جري، وبخاصة إذا كانت الأحرف متجهة إلى أعلى وفعل الطبع يجرى ~~من أعلى. # وهكذا هو حال العقل البشري في سيرة الكشف؛ لقد مرن في أغلب الأحيان على ~~التعثر والخرق؛ فهو في البداية غير واثق من نفسه، ثم محتقر لها بعد ذلك، «في ~~البداية يبدو له هذا الاكتشاف أو ذاك بعيدا عن ~~التصديق، وبعد أن يتحقق الاكتشاف تبدو له غفلته نفسها بعيدة عن التصديق»؛ إذ كيف ~~تفوت ms081 البشر هذه الملاحظة كل هذا الزمن؟! وهذا نفسه قد يكون من دواعي الأمل، بمعنى أن ~~هناك حشدا هائلا من الكشوف تنتظرنا، نستنبطها ونخرجها إلى النور بمساعدة الخبرة ~~الكتابية (المتعلمة) التي تحدثت عنها، ليس فقط باكتشاف طرائق غير معروفة، بل أيضا ~~بنقل الطرائق المعروفة ومضاهاتها وتطبيقها. ~~(113) أظن أيضا أن الناس يمكن أن تستمد بعض الأمل من خلال النموذج الذي أمثله ~~أنا شخصيا. ولست أقول هذا من باب التفاخر، بل لأن من المفيد أن أقوله. فلينظر إلي ~~من يقنطون ولا يثقون في قدراتهم: هاكم رجل هو الأكثر انشغالا بين مجايليه بشئون ~~الدولة، رجل ليس في تمام الصحة (ومن شأن ذلك إضاعة الكثير من الوقت)، ومستكشف أول ~~يرود وحده هذا الطريق، لا يقتفي خطى أحد ولا يشاور في أفكاره أحدا. ولكن بمجرد ~~أن وضعت قدمي بثبات على الطريق الصحيح مسلما عقلي للطبيعة، فإنني أجرؤ على القول ~~بأني حققت للمسألة التي أعالجها دفعة ما إلى الأمام، «فما بالكم بما يمكن أن يتوقع ~~(بعد أن تبين الطريق على هذا النحو) من أناس لديهم وفرة من الوقت، ومن جهود ~~متآزرة، ومن توالي العصور، على طريق غير مقصور على عابر واحد في الوقت الواحد (مثلما ~~هو شأن التأمل العقلي)، بل طريق يمكن فيه لأعمال الناس وجهودهم (وبخاصة في جمع ~~الخبرة) أن تتوزع على أفضل نحو ثم تتحد، فلن يدرك الناس قوتهم إلا عندما لا ~~تعود الأعداد الكبيرة تقوم كلها بنفس الشيء، بل يتولى كل واحد شيئا واحدا ~~ويقدم إسهاما مختلفا عن الآخر.» # 71 ~~(117) وكما أني لا أدعي أني أؤسس مذهبا، كذلك أنا لا أقدم ولا أعد ~~بتقديم نتائج معينة؛ ومن ثم قد يعترض البعض قائلا: أنت يا من تكثر من الحديث ~~عن النتائج وتعلق كل شيء على هذه الغاية، ألا يليق بك أن تقدم أيضا بعض عينات ~~منها؟! غير أن طريقتي ومنهجي (كما قلت كثيرا بوضوح، وكما يسرني أن أكرر) ليس أن ~~أستخلص نتائج من نتائج أو تجارب من تجارب (مثلما يفعل التجريبيون العشوائيون # empiricis ~~)، بل من ms082 النتائج والتجارب أستخلص ~~العلل والمبادئ، ومن تلك العلل والمبادئ أعود فأستخلص نتائج وتجارب عديدة، شأن ~~مفسر شرعي للطبيعة. # ورغم أنه في قوائمي الكشفية (التي تشكل الجزء الرابع من «الإحياء»)، وفي أمثلة ~~الأشياء الجزئية (التي قدمتها في الجزء الثاني)، وأيضا في ملاحظاتي في التاريخ (الذي ~~وصفته في الجزء الثالث)، سيلاحظ أي قارئ متوسط الذكاء والاستبصار إشارات هنا وهناك ~~وإلماعات إلى نتائج مهمة كثيرة، إلا أني أعترف بصدق أن التاريخ الطبيعي الذي بحوزتي ~~الآن، سواء جمعته من الكتب أو من بحوثي الخاصة ليس من الكمال ودقة التحقيق بحيث يخدم ~~أغراض تفسير مشروع. # ومن ثم فإذا كان هناك من هو أقدر في الأشياء الميكانيكية وأفضل تدريبا، ومن ~~هو قدير في اصطياد النتائج من مجرد التعارف على التجارب، فليضطلع بالمهمة الصعبة في ~~جمع محصول جيد من تاريخي ومن قوائمي وهو في طريقه، ويستخدمها في إنتاج نتائج، آخذا ~~عربونا مؤقتا حتى يتسنى له أخذ المبلغ، «أما عني فإن لي هدفا أكبر، وأنا أنكر ~~أي نشاط مبتسر وسابق لأوانه من هذا النوع، وأشجبه بوصفه «كرات أتالانتا» # 72 ~~(كما أحب أن أسميها)، أنا لا ألاحق كالطفل تفاحات ذهبية، بل أراهن على ~~انتصار الفن على الطبيعة في السباق، ولا أنا متلهف على جز الطحلب أو قطع الذرة ~~الخضراء؛ بل أنتظر الحصاد في إبانه.» ~~(122) سيعترض أيضا بأنه من الغرابة والفظاظة أن نتخلص من جميع العلوم وجميع ~~الثقات مرة واحدة وبضربة واحدة، ولا نستعين بأي من القدماء، بل نعتمد على قوتنا ~~الخاصة. # ولكني أعلم أنني لو كنت اخترت أن أكون أقل صدقا لما كان صعبا علي أن أعزو ~~منهجي الحالي إلى القرون القديمة قبل اليونان (عندما كان العلم الطبيعي ربما أكثر ~~ازدهارا وإن كان أقل صخبا، قبل أن يتوصل إلى مزامير اليونان وطبولهم)، أو حتى أعزوه ~~- في شطر منه - إلى بعض اليونان أنفسهم، فأكون قد كسبت منهم العون والمجد معا، كشأن ~~محدثي النعمة إذ ينتحلون لأنفسهم شرف التحذر من سلالة ما عريقة بمساعدة علوم الأنساب. # 73 # ولكني أستند إلى بينة ms083 الأشياء، وأرفض كل صنف من الخيال والادعاء، ولا ~~أعتقد أنه يهم لعملي الحالي هل الكشوف التي ستأتي كانت ذات يوم معروفة للقدماء ~~وجعلت تغيب وتعود مع تقلبات الأشياء وكر العصور، لا يهم هذا لعملي أكثر مما ~~يهم للجنس البشري ما إذا كان العالم الجديد هو جزيرة أطلنطا # 74 # الشهيرة التي عرفها القدماء أم هو أرض جديدة تكتشف الآن للمرة الأولى؛ ~~«ذلك أن الكشوف الجديدة يجب أن تؤخذ من نور الطبيعة، لا أن تسترد من غياهب ~~القدم.» # أما عن نقدي العام للعلوم القديمة، فمن الواضح تماما للنظرة المنصفة أن هذا الشجب ~~ليس فقط أكثر قبولا، بل أيضا أكثر تواضعا مما كان يمكن أن يكونه أي شجب متحيز. ~~فلو لم تكن الأخطاء متجذرة في التصورات الأولية لكان هناك بالضرورة بعض الاكتشافات ~~الصحيحة، ولقدر لهذه الاكتشافات الصحيحة أن تقوم الاكتشافات الخاطئة، ولكن لأن ~~الأخطاء كانت أساسية، ومن طبيعة أدت بالناس إلى أن تغفل الأشياء وتعمى عنها لا أن ~~تحكم عليها حكما متهافتا أو غير صحيح، فلا عجب إذا كان الناس لم يبلغوا ما لم ~~يحاولوه، ولم يدركوا هدفا لم يحددوه، ولم يكملوا سباقا لم يدخلوه ولم ~~يخوضوه. # وأما عن الغطرسة المتضمنة فيه فأقول: من المؤكد أنه إذا ادعى شخص أنه يستطيع ~~رسم خط أكثر استقامة أو دائرة أكثر اكتمالا مما يستطيعه أي شخص آخر بثبات اليد ~~وحدة البصر، فإنه يدعو إلى منافسة للقدرات. أما إذا أقر شخص بأنه يستطيع رسم ~~خط أكثر استقامة أو دائرة أكثر اكتمالا بمساعدة مسطرة أو فرجار، فمن المؤكد أنه لا ~~يتفاخر على الإطلاق. ولننتبه إلى أن هذه الملاحظة لا تنطبق فحسب على محاولتي هذه ~~التمهيدية، بل تنطبق أيضا على أولئك الذين يكرسون أنفسهم لهذا الموضوع في المستقبل؛ ~~لأن منهجي الكشفي في العلوم يسوي بين الأذهان، ولا يترك للامتياز الفردي إلا القليل؛ ~~لأنه يؤدي كل شيء بواسطة أوثق القواعد والبراهين؛ ولذا فأنا أعزو إسهامي - كما قلت ~~مرارا - إلى الحظ لا إلى القدرة، وأعده سليل الزمن لا الذكاء؛ فهناك - بلا ms084 شك - ~~عنصر من المصادقة في أفكار الناس لا يقل عما في أعمالهم وأفعالهم. ~~(124) كذلك سيوجه إلي بدون شك اعتراض مفاده أنني لا أستهدف من العلم غايته ~~الصحيحة، أو أفضل غاية له (وهو نفس الشيء الذي أعيبه على الآخرين)، إذ إن تأمل ~~الحقيقة هو شيء أكرم وأرفع من كل منفعة أو امتداد للنتائج؛ بينما هذا التشبث الطويل ~~بالتجربة والمادة وبالأحوال المتقلبة للأشياء الجزئية يقيد العقل بالأرض، أو بالأحرى ~~يلقي به في جحيم من الفوضى والاضطراب، وينأى به عن سكينة الحكمة المجردة وصفائها، ~~وهي حالة أكثر سموا وقداسة، وأنا أقبل هذا التوجه بكل ارتياح؛ فهذا الذي يدعون ~~إليه ويعلون شأنه هو بالتحديد ما أتغياه وأصبو إليه؛ ذلك أني أشيد في الفهم ~~الإنساني نموذجا حقيقيا للعالم مثلما هو عليه في الواقع، لا كما شوهه عقل ~~الإنسان، وذاك أمر لا يتحقق إلا بتشريح العالم بكل دقة. غير أني أعلن أنه لا بد من ~~القضاء التام على تلك التقليدات الحمقاء والهزيلة والقردية للعالم التي كونتها ~~أوهام الناس في مختلف المذاهب الفلسفية؛ «فليدرك الناس إذا الفرق الهائل (كما ~~قلت آنفا) # 75 # بين أوهام العقل البشري ( # idols ~~) وأفكار ~~العقل الإلهي ( # ideas ~~). فما الأولى إلا تجريدات ~~اعتباطية، أما الأخرى فهي طابع الخالق نفسه على مخلوقاته، وقد انطبع على المادة ~~وتحدد فيها بخطوط حقيقية رائعة.» ومن ثم فإن الحقيقة هنا والمنفعة شيء واحد، # 76 # وقيمة النتائج نفسها - بوصفها ضمانات للحقيقة - أعظم من قيمة المنافع ~~التي تقدمها لحياة الإنسان. ~~(125) قد يعترض آخرون بأني لا أفعل غير ما كان يفعل من قبل، وأن القدماء أنفسهم ~~اتخذوا نفس المسار الذي أتخذه الآن؛ ومن ثم فمن المرجح أنني - أنا أيضا - بعد كل ~~هذا العناء والصخب سوف أرسو في واحد من هذه المذاهب التي سادت في الأزمنة القديمة؛ ~~فالقدماء أيضا كانوا حين يبدءون تنظيراتهم يذخرون مخزونا هائلا من الأمثلة ~~والجزئيات، ويرتبونها في رسائل بأبواب وعناوين، ويشيدون منها فلسفاتهم وفنونهم، وبعد ~~ذلك عندما يفهمون المسألة يذيعونها على العالم، مضيفين بضعة أمثلة هنا وهناك للبرهان ~~والتوضيح، ms085 ولكنهم كانوا يرون أن من الزائد والمضجر أن يطبعوا ملاحظاتهم عن الجزئيات ~~ومدوناتهم ورسائلهم، وهكذا كان شأنهم شأن البنائين الذين بعد أن ينتهوا من بناء البيت ~~يزيلون السقالات والسلالم من المشهد. هذه بغير شك هي العملية التي كانت تتم ولا يمكن أن ~~يتصورها المرء غير ذلك. غير أن هذا الاعتراض (أو بالأحرى الوسواس) سيكون من السهل أن ~~يرد عليه أي شخص لم ينس تماما ما قلته آنفا؛ فأنا أيضا أسلم بأن هناك ~~شكلا من البحث والكشف كان بين القدماء، وهم أنفسهم قد بينوه بوضوح في كتاباتهم. وهو ~~ببساطة أنهم «من خلال بضعة أمثلة وجزئيات (مع إضافة تصورات شائعة، وربما جرعة ما من ~~أكثر الآراء رواجا) كانوا يقفزون قفزا إلى المبادئ الأكثر عمومية أو المبادئ الأولى ~~للعلم. وإذ يأخذون صدق هذه المبادئ الأولى كأمر ثابت لا يتزعزع، فإنهم ينطلقون منها ~~إلى استنباط الاستنتاجات الدنيا بواسطة قضايا وسطى، ويختبرونها بعرضها على محك المبادئ ~~الأولى الصادقة صدقا ثابتا لا يتزعزع، ومنها يشيدون الفن. وأخيرا فإنهم إذا ظهرت ~~في الأفق جزئيات جديدة تناقض وجهات نظرهم فإنهم إما يسلكونها بمهارة في المذهب ~~بواسطة تحديدات وتفسيرات لقواعدهم نفسها»، # 77 # وإما يتخلصون منها برعونة على أنها استثناءات. أما الجزئيات التي لا ~~تتعارض مع قواعدهم فكانوا يقيضون لها - بتكلف وعنت - عللا تتماشى مع مبادئهم. ~~ولكن ليس هذا هو التاريخ الطبيعي والخبرة كما كان ينبغي أن يكونا، كما أن قفزهم إلى ~~التعميمات قد دمر كل شيء. ~~(129) يبقى أن أقول بضعة أشياء عن نبل الغرض (من عملي هذا)، وإذا كنت قد عرضت ~~قبلا لهذه الأشياء، فربما بدا ذلك من جانبي مجرد أماني، فأما وقد أحييت الأمل ~~وأزلت التحيزات، فلعلها تكون الآن أثقل وزنا، وإذا كنت قد أكملت العمل بنفسي دون ~~أن أهيب بأحد أن يشارك بقسط فيه وأن يمد إلي يد العون، فإن علي الآن أن ~~أقلع عن ذلك؛ لئلا يظن بي ادعاء التميز والاستحقاق، إنما يليق بي أن أستدعي إلى ~~ذاكرة الناس نقاطا معينة ما دمت أريد أن أثير ms086 همتهم وأشعل حماستهم. # أولها إذا أن إدخال اختراعات كبيرة هو العمل الذي يحتل المكانة الأولى، غير ~~مدافع، بين الأعمال البشرية جميعا، وهكذا كان رأي القدماء فيه؛ فقد كانوا يخلعون على ~~أصحاب الاختراعات ألقاب الشرف الإلهية، بينما يعزون أمجادا بطولية فحسب لأصحاب ~~الإنجازات السياسية الكبرى (مثل مؤسسي المدن والإمبراطوريات والمشرعين ومحرري أوطانهم ~~من المحن المقيمة وقاهري الطغاة ومن إليهم). ومن يقارن بين الفصيلين مقارنة عادلة ~~سيجد أن القدماء كانوا على حق في حكمهم؛ ذلك أن منافع الاختراعات تعم الجنس البشري ~~كله، أما المنافع السياسية فهي مقصورة على مناطق بعينها، وهي لا تدوم إلا زمنا، ~~بينما تدوم منافع الاختراعات إلى أبد الدهر، كما أن الإصلاح السياسي قلما يتم دون ~~عنف واضطراب، أما الاختراعات فإنها تسبغ نعمة وتقدم منفعة دون أن تلحق ~~بأحد أي أذى أو ضرر. # كما أن الاختراعات هي ضروب من الخلق الجديد، ومن المحاكاة للأعمال الإلهية، وكما قال الشاعر: # 78 ~~«كانت أثينا - تمجد اسمها - ذات يوم هي أول من منح الجنس البشري ~~البائس حصادا مثمرا، وأعاد خلق حياتهم، وصنع لهم قوانين.» # وهنا لا ننس أن سليمان رغم سطوته وذهبه وأعماله العظيمة وبلاطه وخدمه وأسطوله ~~وبهاء اسمه وإعجاب البشر غير المحدود به؛ لم يكن يعد مجده في أي شيء من ذلك، بل كان ~~يعلن أن «مجد الله أن يخفي شيئا ما، ولكن مجد الملك أن يكتشفه.» # وفضلا عن ذلك، فليتأمل أي شخص في الفارق الهائل بين حياة الناس في أرقى البلاد ~~الأوروبية وحياتهم في أي منطقة همجية وبربرية من مناطق الهند الجديدة، ولسوف يجد أن ~~الفارق قد بلغ من الضخامة بحيث يصح أن يقال إن «الإنسان إله للإنسان»، # 79 # ليس فقط باعتبار العون والمنافع المتبادلة، بل من مقارنة الوضعين، وهذا ~~الفارق لا يأتي بفضل التربية أو المناخ أو العرق، بل بفضل «الفنون». # كذلك ينبغي أن نلاحظ قوة المخترعات وتأثيرها ونتائجها، والتي تظهر في أوضح صورة في ~~تلك المخترعات الثلاثة التي لم يعرفها القدماء: الطباعة والبارود والبوصلة؛ فقد غيرت ~~هذه المكتشفات الثلاثة ms087 وجه وحالة العالم بأسره؛ الأول في الأدب، والثاني في فن ~~الحرب، والثالث في الملاحة، ثم ترتب عليها تغيرات لا تحصى، بحيث يمكن القول بأنه ~~لم يكن لأي إمبراطورية أو مذهب أو نجم أي قوة أو تأثير في الشئون البشرية يفوق ما ~~كان لهذه الكشوف الميكانيكية. # كذلك يصح أن نميز بين ثلاثة أنواع ودرجات من الطموح البشري: الأول طموح أولئك ~~الذين يريدون بسط سطوتهم على بلدهم الأصلي، وهو نوع سوقي ومنحط من الطموح؛ ~~والثاني طموح أولئك الذين يسعون إلى بسط سلطان بلادهم على البشر، وهذا طموح أسمى من ~~سابقه بالتأكيد، وإن لم يكن أقل جشعا، ولكن إذا سعى إنسان إلى تأسيس وبسط سطوة الجنس ~~البشري نفسه وسلطانه على العالم، فإن طموحه - إن جازت هذه التسمية - أسلم وأنبل من ~~سابقيه. إن سلطان الإنسان على الأشياء ليعتمد كليا على الفنون والعلوم؛ إذ إننا ~~لا يمكن أن نحكم الطبيعة إلا بإطاعتها. # كذلك «إذا كانت فائدة أي اختراع معين قد حرك الناس إلى أن تعتبر أي شخص ~~أمكنه أن يسبغ مثل هذا النفع على الجنس البشري كله؛ تعتبره أكثر من إنسان، فأي ~~تمجيد سوف يحظى به ذلك الكشف الذي يؤدي إلى تسهيل اكتشاف كل شيء آخر؟!» ومع ذلك (لكي ~~نقول الحقيقة) فمثلما أن فوائد الضوء لا نهاية لها في تمكيننا من السير في طريقنا ومن ~~ممارسة الفنون ومن القراءة ومن تمييز أحدنا الآخر، على أن إبصار الضوء نفسه أروع وأجمل ~~من شتى استخدامات الضوء؛ كذلك «فإن تأمل الأشياء كما هي دون خرافة أو خداع أو خطأ أو ~~اضطراب؛ هو بذاته أقيم من كل ثمرات الكشوف». # وأخيرا، فإذا طرح اعتراض بأن العلوم والفنون قد انحرفت إلى جهة الشر والترف وما ~~إلى ذلك، فلا ينزعجن أحد من هذا الاعتراض؛ فالشيء نفسه يمكن أن يقال في كل خير أرضي: ~~الذكاء، الشجاعة، القوة، الجمال، الثروة، والضوء نفسه، وكل شيء آخر، فقط دع الإنسان ~~يستعيد حقه على الطبيعة - ذلك الحق الذي خصه الله به وكفله له - ودعه يتملك ~~هذه القوة ms088 التي سيكون استخدامها محكوما بالعقل السليم والدين الصحيح. # من الكتاب الثاني ~~(1) مهمة «القوة» البشرية وهدفها هو أن تولد وتحدث في جسم معطى طبيعة ~~جديدة أو طبائع جديدة. أما مهمة «المعرفة» البشرية وهدفها فهو أن تكتشف في طبيعة ~~معطاة «صورتها» أو تميزها الحقيقي أو طبيعتها المسببة لها أو المصدر الذي ~~انبعثت منه إلى الوجود (فهذه هي أقرب الكلمات التي بحوزتي لوصف هذا الشيء الذي ~~أتحدث عنه). ويندرج تحت هاتين المهمتين الأوليتين مهمتان ثانويتان وأقل أهمية: تحت ~~الأولى تندرج مهمة تحويل الأجسام العينية من شيء إلى آخر، ما أمكن ذلك. ويندرج تحت ~~الثانية مهمة اكتشاف - في كل تكوين وحركة - العملية الكامنة والمستمرة المؤدية من العلة ~~الفاعلة الملحوظة والعلة المادية الملحوظة إلى الصورة المسبغة، وبالمثل اكتشاف البنية ~~الكامنة في الأجسام التي في حالة السكون وليست في حالة حركة. ~~(2) إن الحالة المؤسفة للعلم البشري اليوم واضحة حتى من خلال الأقوال الشائعة عنه. ~~لقد صدق من قال: إن المعرفة الحقة هي معرفة العلل. ولا بأس أيضا من تقسيم هذه ~~العلل إلى أربعة أنواع: المادية والصورية والفاعلة والغائية؛ غير أن النوع الأخير من ~~هذه العلل - أي العلل الغائية - هو أبعد ما يكون عن الفائدة، والحق أنه يفسد العلوم ~~إلا ما كان منها يتناول الأفعال البشرية. لقد انقطع أمل الناس في اكتشاف العلل ~~الصورية؛ ولكن العلل الفاعلة والمادية (بالطريقة التي تبحث بها والآراء السائدة ~~عنها؛ أي بمعزل عن العمليات الكامنة # latent processes # التي تفضي إلى «الصورة» # form ~~) هي شيء ضحل وسطحي ولا ~~يكاد يسهم بأي شيء في العلم الأصيل والمنتج. لست ناسيا أنني أشرت سابقا إلى - ~~وحذرت من - خطأ يقع فيه العقل البشري إذ يعزو إلى الصور الدور الأساسي في الوجود. # 80 # ولكن إذا كان في الطبيعة لا يوجد إلا الأجسام الفردة # 81 # التي تؤدي أفعالا فردية خالصة وفقا لقانون؛ ففي مجال العلم يعد هذا ~~القانون نفسه (ودراسته واكتشافه وتفسيره) هو أساس كل من المعرفة والتطبيق العملي. ~~إن هذا القانون وبنوده هو ما أعنيه بكلمة «صورة» # form ms089 ~~، ~~مستخدما هذه اللفظة لأنها جارية ومألوفة. ~~(3) إذا اقتصرت معرفتك على علة وجود طبيعة ما (كالبياض أو الحرارة) كما هي قائمة ~~في موضوعات محددة، فإن معرفتك العلمية غير مكتملة. وإذا اقتصرت قدرتك على إحداث ~~نتيجة ما في بعض المواد القابلة لها فإن قدرتك أيضا غير مكتملة. وإذا لم تعرف غير ~~العلة الفاعلة والعلة المادية فسيكون بإمكانك الوصول إلى كشوف جديدة في المادة المماثلة ~~بصفة عامة والمؤهلة لذلك من الأصل، ولكنك لن تطال الأغوار القصية للأشياء؛ ذلك أن العلل ~~متنوعة ولا تعدو أن تكون حاملات وليس بقدرتها نقل الصور إلا في بعض الحالات. أما إذا ~~عرفت الصور فسوف تفهم وحدة الطبيعة فيما يبدو من المواد شديدة التباين؛ ومن ثم ~~ستكون قادرا على أن تكتشف وتحدث أشياء لم تحدث من قبل على الإطلاق، ولم تحدث ~~مثلها تقلبات الطبيعة ولا الجهود التجريبية ولا حتى المصادفة، ولم تكن لتخطر أبدا ~~على عقل البشر. اكتشاف الصور - إذا - يفضي إلى الفكر الحق والممارسة الحرة. ~~(4) رغم أن طريقي القوة والمعرفة البشريتين متوازيان ومتماهيان تقريبا، إلا أنه ~~بسبب العادة الموبقة والمتأصلة - عادة الانغماس في التجريدات - فإن من الأسلم جدا ~~أن نقيم العلوم منذ البداية على أسس ذات توجه عملي، وأن ندع التوجه العملي نفسه ~~يؤطر الجانب النظري ويحدده؛ ومن ثم فإذا أردنا خلق طبيعة معينة أو إحداثها ~~في جسم معطى فإن علينا أن ننظر أي نوع من التعليمات يلزمنا، وأي نوع من القواعد ~~والإرشادات، وأن نضع هذه بلغة بسيطة لا غموض فيها ولا تعقيد. # هب أن لديك فضة وأنت تريد أن تسبغ عليها صفرة الذهب أو زيادة في الوزن ~~(مراعيا قوانين المادة)، أو أن لديك حجرا معتما تريد أن تجعله شفافا، أو أنك ~~تريد أن تسبغ القوة على الزجاج، أو النماء على ما ليس نباتا، أقول: إن علينا أن ننظر ~~أي نوع من القواعد أو الإرشادات تفضلها، أولا أنت - بلا شك - ستريد أن نقدم لك ~~شيئا ناجعا في النتيجة وغير مخيب في التجربة؛ ثانيا: ستود أن نصف لك شيئا ms090 لا ~~يجبرك ولا يقصرك على طرائق أو وسائل معينة من الأداء؛ إذ ربما لا تحوز هذه الوسائل ~~ولا يتسنى لك تدبيرها. أما إذا كان ثمة طرائق أو مناهج أخرى (غير ما نصفه) ~~لإنتاج هذه الطبيعة فربما ستكون في حوزتك ولكنها ستكون هدرا غير مستخدم بسبب ضيق ~~القاعدة، وستحرم من جني أي نتيجة؛ ثالثا: ستود أن يقدم لك شيء ليس في صعوبة ~~العلمية التي تريد أن تجريها، ولكنه أقرب إلى ما هو عملي. # لذا فإني أعلن أن القاعدة الحقة والكاملة ~~للممارسة ينبغي أن تكون محددة ومفتوحة ومواتية للفعل أو مفضية إليه، وهذا هو بعينه ~~اكتشاف «الصورة» الحقة؛ فصورة طبيعة ما هي ذلك الذي إن حضر حضرت الطبيعة إثره على ~~اليقين؛ ومن ثم فإن «الصورة» حاضرة دائما ما حضرت الطبيعة؛ لأنها تدعمها وتتأصل ~~في كليتها. والصورة نفسها من شأنها أنها إذا زالت تزول الطبيعة المعنية على ~~اليقين، فما دامت الطبيعة غائبة فالصورة غائبة؛ إذ هي ليست هناك لتدعمها، وهي لا توجد ~~في أي طبيعة أخرى. وأخيرا، فإن من شأن الصورة الحقة أن تجلب الطبيعة المعنية من مصدر ~~وجودي ما قائم في أشياء كثيرة وأكثر إلفا من الصورة نفسها؛ لذا فإني أعلن وأوصي بأن ~~يكون المبدأ الحق والتام للمعرفة هو التالي: اكتشف طبيعة أخرى قابلة للتحول إلى ~~الطبيعة المعنية ولكنها مثال معين لطبيعة معروفة أكثر ولنوع حقيقي، غير أن هاتين ~~القاعدتين - العملية والنظرية - هما في الحقيقة شيء واحد: ما هو أنفع عمليا هو الأصدق ~~نظريا. ~~(5) ثمة نوعان من القاعدة أو المبدأ الخاص بتحول الأجسام: الأول ينظر إلى الجسم ~~باعتباره جماعا أو حزمة من الطبائع البسيطة. في حالة الذهب مثلا تلتقي الخصائص ~~التالية: فهو أصفر اللون، ثقيل وله وزن معين، قابل للسحب والطرق إلى درجة معينة، ~~غير طيار، لا يفقد شيئا من مادته بالنار، ينصهر إلى درجة معينة من السيولة، يمكن ~~استخلاصه وإذابته بطرق معينة، وهكذا في بقية الطبائع التي توجد معا في الذهب. إذا ~~هذا النوع من المبدأ يستنبط الشيء من صور الطبائع ms091 البسيطة؛ فمن يعرف الصور وطرائق ~~إضفاء صفرة اللون والثقل وقابلية السحب والطرق والثبات والانصهار والسيولة ... إلخ ~~ودرجاتها وحالاتها؛ سيجد أن بالإمكان الجمع بينها في جسم ما، وينتج عن ذلك تحوله إلى ذهب. # 82 # هذا النوع من العمليات هو فعل أولي؛ إذ إن منهج إنتاج طبيعة واحدة هو ~~نفسه منهج إنتاج طبائع عدة، مع فارق واحد هو أن إنتاج طبائع عديدة في آن معا هو ~~أمر عليه قيود وحدود، وليس من السهل ضم طبائع كثيرة معا إلا بالطرائق المألوفة ~~الشائعة من الطبيعة. على أننا ينبغي أن نقول إن هذا المنهج من مناهج العمل (الذي ينظر ~~بعين الاعتبار إلى الطبائع البسيطة وإن كانت في جسم مركب) ينطلق مما هو ثابت أزلي ~~كلي في الطبيعة، ويتيح فرصا هائلة للقدرة البشرية مما لا يحيط به ولا يتصوره الفكر ~~البشري في حالته الراهنة. # أما النوع الثاني من المبدأ (الذي يعتمد على اكتشاف العملية الكامنة) فلا ينطلق من ~~الطبائع البسيطة، بل من الأجسام المركبة كما توجد في الطبيعة في السياق المعتاد ~~للأشياء، مثال ذلك أن موضوع البحث قد يكون عن البدايات الأولى والطريقة والمراحل التي ~~يتكون بها الذهب (أو أي معدن أو حجر آخر) من المواد أو العناصر الأصلية إلى المعدن ~~المكتمل، أو بالمثل العملية التي تتكون بها النباتات بداية من تصلب النسغ في ~~التربة، أو من البذور، وحتى النبات المكتمل خلال التتابع المنظم للتغيرات والجهود ~~المتنوعة والدائبة للطبيعة، أو التقدم المنتظم لتكون الحيوانات منذ الإخصاب حتى ~~الولادة، وكذلك الأمر في بقية الأجسام. # فهذا البحث لا ينظر فقط في تكون الأجسام، بل ينظر أيضا في الحركات والعمليات ~~الأخرى للطبيعة، فينظر مثلا إلى الحالة التي يكون فيها موضوع البحث هو عن العملية ~~الكلية والفعل المستمر للتغذية، بداية من تناول الغذاء وحتى التمثل التام، # 83 # أو يكون موضوع البحث هو عن الحركة الإرادية في الحيوانات، بداية من ~~الانطباع الحسي الأصلي، مرورا بالنشاط المستمر للروح وصولا إلى ثني الأطراف أو ~~تحريكها، أو يكون موضوع البحث هو تفسير حركة اللسان ms092 والشفاه وبقية الأعضاء وصولا إلى ~~تلفظ الكلمات ونطقها؛ فهذه الأبحاث أيضا متعلقة بطبائع مركبة؛ أي طبائع متواشجة ~~في بنية، وتأخذ بالاعتبار عادات معينة وخاصة للطبيعة دون القوانين الأساسية والعامة ~~التي تشكل «الصور» # Forms ~~. إلا أن على المرء أن ~~يعترف أن هذا المنهج يبدو أسهل من المنهج الأولي وأقرب منه تناولا وأوثق وعدا ~~بالنتائج. # وبنفس الطريقة فإن الجانب العملي المناظر لهذا الجانب النظري يتوسع في نشاطه ويمتد ~~به من الأشياء الاعتيادية المألوفة في الطبيعة إلى الأشياء اللصيقة بها أو غير البعيدة ~~عنها كثيرا. أما العمليات الأكثر عمقا وجذرية على الطبيعة فتعتمد اعتمادا كليا ~~على المبادئ الأولية، وفضلا عن ذلك، فحيثما انتفت قدرة البشر على فعل أي شيء عدا ~~المعرفة، مثلما هو الحال في علم الفلك (فليس بوسع الإنسان أن يؤثر على الأجرام ~~السماوية أو يغيرها أو يحولها) فإن دراسة الوقائع نفسها - إلى جانب معرفة العلل ~~والتوافقات - لتعود بالمرء إلى المبادئ الكلية الأولية عن الطبائع البسيطة (عن طبيعة ~~الدوران التلقائي مثلا، أو طبيعة الجذب أو القوة المغناطيسية، أو عن أشياء أخرى عديدة ~~أكثر إلفا من الأجرام السماوية نفسها). فلا يأملن أحد في حسم مسألة هل الأرض أم ~~السماء هي التي تدور في الحركة اليومية ما لم يفهم أولا طبيعة الدوران ~~التلقائي. ~~(6) غير أن «العملية الكامنة» # latent process # التي ~~سأتحدث عنها هي شيء مختلف تماما عما يمكن أن يدور بخلد الناس بالنظر إلى شواغلهم ~~الراهنة؛ فأنا لا أعني بها مقاييس معينة أو علامات أو مراحل نمو مشهودة في ~~الأجسام، بل أعني عملية مستمرة تماما تفلت في معظمها من إدراك الحواس. # مثال ذلك أنه في كل عملية تكون أو تحول لجسم من الأجسام فإن علينا أن نسأل: ما ~~الذي يفقد أو يتبدد؟ وما الذي يبقى أو يضاف؟ ما الذي يتمدد وما الذي ينكمش؟ ما ~~الذي يتحد وما الذي يفترق؟ ما المتصل وما المنقطع؟ ما الذي يدفع وما الذي يصد؟ ما ~~الذي يسود وما الذي ينزوي؟ وكثير من مثل هذه الأشياء. # هنا أيضا لا تتوقف ms093 التساؤلات عند حالات تكون الأجسام أو تحولها، بل علينا في ~~جميع حالات التحور والتبدل أن نتساءل بالمثل: ما الذي يسبق وما الذي يلحق؟ ما السريع ~~وما البطيء؟ ما الذي يقدح الحركة وما الذي ينظمها؟ وما إلى ذلك، غير أن كل هذه ~~الأشياء لا تعرفها ولا تحاولها العلوم في وضعها الحالي البليد البائر، فإذا كان كل فعل ~~طبيعي هو نتاج جزيئات دقيقة لا متناهية الصغر (أو على الأقل أصغر من أن تدركها الحواس) ~~فلا يأملن أحد في السيطرة على الطبيعة أو تعديلها دون أن يفهم هذه الدقائق ويتخذ ~~الوسائل الملائمة لملاحظتها. ~~(7) كذلك فإن دراسة وكشف «البنية ~~الكامنة» # latent structure # في الأجسام هو شيء جديد، مثله مثل كشف «العملية الكامنة» # latent process # و«الصورة» # form ~~. ومن الواضح أننا حتى الآن كنا نتلكأ في ردهات ~~الطبيعة، ولم نلج بعد إلى غرفاتها الداخلية، ولكنك لا تستطيع أن تضفي طبيعة جديدة ~~على جسم ما أو أن تنجح في تحويله على نحو ملائم إلى جسم جديد دون أن تكون على دراية ~~جيدة بكيفية تغيير الجسم وتحويله، وإلا فسوف تخب في إجراءات غير مجدية (أو صعبة ~~ومرتبكة على أقل تقدير)؛ لأنها غير ملائمة لطبيعة الجسم الذي تعمل عليه؛ فهنا أيضا ~~لا بد لك من أن تفتح الطريق وأن تمهده. # من الواضح أن جهدا كبيرا ومفيدا قد بذل في تشريح الأجسام العضوية (مثل أجسام ~~البشر والحيوانات)، وهذا الفرع من البحث يبدو دقيقا وينم عن تفحص جيد في الطبيعة، ~~غير أن هذا النوع من التشريح يجرى على مستوى ما هو مرئي ومدرك بالحواس، ولا يلائم ~~إلا الأجسام العضوية، كما أنه واضح وقريب المأخذ إذا قورن بالتشريح الحقيقي للبنية ~~الكامنة في الأجسام التي تعتبر متماثلة، وبخاصة الأشياء التي لها نفس الطابع في كل ~~أجزائها كالحديد والحجر، أو الأجزاء المتجانسة للنبات والحيوان، مثل: الجذر والورقة ~~والزهر واللحم والدم والعظم ... إلخ. على أن الجهد البشري لم يهمل تماما هذا النوع من ~~التشريح، فلدينا مثال منه في فصل الأجسام المتماثلة بواسطة التقطير والطرق الأخرى ms094 ~~للإذابة؛ ليتبين عدم تجانس مركب ما من خلال اتحاد الأجزاء المتجانسة، هذا شيء نافع ~~ويسهم في بحثنا وإن كان نتاجه خادعا في كثير من الأحيان؛ إذ إن كثيرا من الطبائع ~~تنسب إلى المادة المستخلصة كما لو كانت موجودة من قبل في المركب، بينما الحقيقة أن ~~النار والحرارة والمذيبات الأخرى تسبغ عليها طبيعة إضافية جديدة. على أي حال فحتى ~~هذا لا يعدو أن يكون جزءا يسيرا من العمل اللازم لاكتشاف البنيات الحقيقية في ~~المركبات، وهي أشياء أخفى وأدق بكثير، بحيث إن تأثير اللهب يغشي عليها ولا ~~يظهرها، ويحجبها ولا يجلوها. # لذا فإن فصل وحل الأجسام ينبغي ألا يجرى ~~بالنار، بل بالعقل والاستقراء الصحيح، # 84 # بمساعدة التجارب وبمقارنتها مع أجسام أخرى، وردها إلى الطبائع البسيطة ~~وصورها التي تلتقي وتمتزج في المركب، وباختصار: علينا أن ننتقل من «فولكان» # Vulcan # إلى «منيرفا» # Minerva # إذا شئنا إلقاء الضوء على النسيج الحقيقي والبنية الحقيقية ~~للأجسام التي تعتمد عليها كل خاصية خفية (أو كما يقولون نوعية) وكل فعالية للأشياء، ~~ومنه أيضا يمكن أن نستمد كل قاعدة للتغيير الفعال والتحويل المؤثر. # علينا مثلا أن نسأل بإزاء كل جسم ما الروح # 85 # الموجودة فيه وما الماهية العينية؛ أما عن الروح فينبغي أن نعرف ما إذا ~~كانت وفيرة غزيرة أم ضئيلة واهية، خفيفة أم كثيفة، هوائية أم نارية، نشطة أم بليدة، ~~ضعيفة أم قوية، متقدمة أم متراجعة، منقطعة أم مستمرة، متآلفة مع البيئة الخارجية أم ~~متنافرة، وبالمثل نتناول الماهية العينية (وهي ليست أقل تنوعا من الروح) بشعرها ~~وأليافها ونسيجها المتنوع، وكذلك توزع الروح خلال الكتلة الجسمية بثقوبها ومساراتها ~~وعروقها وخلاياها، والمراحل أو المحاولات الأولى البدئية لجسم عضوي، فهنا أيضا - ~~وبالتالي في كل كشف لبنية كامنة - فإن المبادئ الأولية بالتأكيد هي التي تلقي الضوء ~~الذي يبدد كل ظلام ويكشف كل غموض. ~~(10) بعد أن وضعنا هدف المعرفة علينا أن نمضي قدما إلى قواعدها، وفي أوضح نظام ~~وأقومه، تشتمل اتجاهاتي لتفسير الطبيعة على قسمين عريضين: الأول يتعلق بكيفية ~~استخلاص المبادئ من الخبرة، والثاني ms095 يتعلق باستنباط تجارب جديدة من المبادئ؛ ينقسم ~~الأول بثلاثة طرق إلى ثلاث مهام: مهمة الحواس، ومهمة الذاكرة، ومهمة الذهن أو ~~العقل. # علينا أولا أن نعد تاريخا طبيعيا وتجريبيا وافيا ودقيقا، فهذا هو أساس ~~المشروع كله؛ إذ إن علينا ألا نخترع أو نتخيل ما تقوم به الطبيعة أو تخضع له، بل أن ~~نكتشفه. # غير أن التاريخ الطبيعي والتجريبي هو من التنوع والتشتت بحيث يربك العقل ويشتته، ما ~~لم يتم تنسيقه وعرضه بتنظيم ملائم؛ ولذا فإن علينا أن نكون قوائم وترتيبات للشواهد، ~~بطريقة أو نظام يمكن العقل من التعامل معها. # وحتى بعد أن نقوم بذلك فإن الذهن إذ يترك لحاله وطرائقه فهو غير قادر وغير لائق ~~لتكوين المبادئ ما لم يتم توجيهه ودعمه؛ لذا فإن علينا في المقام الثالث أن نستخدم ~~استقراء صحيحا ومشروعا يكون هو المفتاح نفسه للتفسير، وإنما علي أن أبدأ بالحديث ~~عن هذا الأخير، ثم أعود أدراجي إلى البقية. ~~(15) أطلقت على مهمة ووظيفة هذه القوائم الثلاث «عرض الشواهد أمام الذهن». وبعد أن ~~تم العرض يجب أن يبدأ «الاستقراء» نفسه في العمل؛ فبالإضافة إلى «عرض» كل مثال يجب أن ~~نكتشف أية طبيعة تظهر دائما مع الطبيعة المعنية أو لا تظهر، أيها تزيد معها أو تقل، ~~وأيها تعد حدا (كما قلنا آنفا) لطبيعة أعم. «إذا حاول العقل أن يفعل ذلك على ~~نحو إيجابي # 86 ~~(وهو ما سيفعله دائما إذا ترك لحاله)، هنالك ستبرز أوهام وتخمينات ~~وأفكار غير محددة ومبادئ تحتاج إلى تصحيح كل يوم، ما لم يؤثر المرء أن ينافح عن ~~الباطل (كشأن المدرسيين)، وإن كانت هذه - بغير شك - ستكون أفضل أو أسوأ بحسب قدرة ~~وذكاء الفكر الذي يعمل، غير أن الله وحده (خالق الصور وبارئها) - أو ربما الملائكة ~~والعقول العليا - من يملك معرفة مباشرة بالصور بالإيجاب ومنذ بداية التفكير. من ~~المتيقن أن هذا فوق قدرة الإنسان، الذي قدر عليه ألا ينطلق إلا من خلال «الأمثلة ~~السالبة»، فلا يخلص إلى «الأمثلة الإيجابية» إلا بعد أن يستنفد كل ما هو ~~مستبعد.» ~~(39) في ms096 المرتبة السادسة عشرة بين «شواهد الامتياز» سأضع «شواهد الباب أو البوابة» # 87 ~~(الشواهد ~~التي تفتح الأبواب أو البوابات # instances that open doors or ~~gates ~~)، هذا هو الاسم الذي أعطيه لتلك ~~الشواهد التي تساعد الأفعال المباشرة للحواس. من الواضح أن البصر يحتل المكان الأول ~~بين الحواس فيما يتعلق بالمعلومات؛ ومن ثم فهذه هي الحماسة التي ينبغي أن نجتهد ~~في المقام الأول لكي ندبر لها معينا، ويظهر أن هناك ثلاثة أنواع من المعينات؛ ~~فإما أن نمكن البصر أن يدرك ما لا يدركه، أو أن يدرك أبعد مما يدركه، أو أن يدرك ~~على نحو أكثر دقة وتحديدا. # إذا ضربنا صفحا عن النظارات وما إليها، التي تنحصر وظيفتها في تصحيح وإزالة الضعف في ~~النظر الضعيف؛ ومن ثم لا تقدم معلومات جديدة، فإن من شواهد النوع الأول ~~الميكروسكوبات - التي اخترعت أخيرا - التي تكشف الأجزاء الدقيقة الخفية وغير ~~المرئية للأجسام وتراكيبها الكامنة بتكبير حجمها بدرجة مدهشة، وبواسطتها نشاهد باندهاش ~~عظيم الشكل والتكوين الدقيق لدى البرغوث والذبابة والديدان، وكذلك ألوانها وحركاتها ~~التي كانت في السابق غير مرئية، ويقال أيضا: إن الخط المرسوم بقلم الحبر أو الرصاص ~~يرى خلال هذه العدسات شديد الاعوجاج والتموج، وتأويل ذلك أنها لا حركة اليد مهما ~~استعانت بمسطرة ولا انطباع الحبر أو اللون بالشيء المستوي في حقيقة الأمر، رغم أن عدم ~~الاستواء هو من الدقة بحيث لا يمكن كشفه بدون هذه العدسات، هنا أيضا قدم الناس ~~نوعا من الملاحظة الخرافية (كشأنهم مع كل شيء جديد ومدهش)، وهو أن مثل هذه ~~الميكروسكوبات تشيد بأعمال الطبيعة وتهين أعمال الفن، ولكن هذا يعود ببساطة إلى أن ~~نسيج الطبيعة أدق بكثير من النسيج الصناعي، فهذا الميكروسكوب لا يصلح إلا للأشياء ~~الدقيقة، فلو أن ديمقريطس قد شهد عدسة مكبرة لقد كان قمينا ربما أن يثب فرحا؛ ~~ظنا منه أن قد اخترعت وسيلة لرؤية الذرة (التي أكد أنها غير قابلة للرؤية على ~~الإطلاق)، ولكن قصور هذه الميكروسكوبات في ملاحظة أي شيء عدا الأجسام البالغة الدقة (بل ~~قصورها حتى في ms097 هذه الأخيرة حين تكون جزءا من جسم أكبر) يدمر فائدتها؛ ذلك أن هذا ~~الاختراع لو أمكن أن يمتد إلى الأجسام الأكبر أو الأجزاء الدقيقة للأجسام الكبيرة، ~~بحيث تبدو قطعة القماش أشبه بشبكة، وبحيث تشاهد وتميز الملامح والتعاريج الخفية ~~للجواهر والسوائل والبول والدم والجروح والكثير من الأشياء الأخرى؛ لأمكننا - بغير شك - ~~أن نجني فوائد عظيمة من هذا الاختراع. # ومن شواهد النوع الثاني: الإنجاز العظيم لجاليليو - التلسكوب، الذي يفتح اتصالا ~~أقرب، وكأن بقوارب أو بسفن بيننا وبين أجرام السماء؛ فبفضل مساعدة التلسكوب تأكدنا أن ~~درب التبانة هو مجرد عقدة أو كوكبة من النجوم الصغيرة منمازة ومنفصلة بشكل واضح، وهو ~~ما لم يكن يعرفه القدامى إلا ظنا وتخمينا، ويبدو أيضا أنه يثبت أن الفضاءات فيما ~~بين ما يسمى أفلاك الكواكب ليست خلوا تماما من نجوم أخرى، بل إن السماء يبدأ ~~التماعها بالنجوم من قبل أن تصل إلى الكرة السماوية النجمية نفسها، وإن كانت تلك ~~نجوما أصغر من أن تشاهدها بغير مساعدة التلسكوب. يمكن للمرء بهذا التلسكوب أن يشاهد ~~مجموعات النجوم الصغيرة حول كوكب المشتري (وقد يحدس من هذا أن هناك أكثر من مركز واحد ~~في حركات النجوم)، وبه ترى تفاوتات النور والظل على سطح القمر وتحدد على نحو أوضح، ~~بحيث يمكن عمل نوع من الخريطة للقمر، وبه يمكن للمرء أن يرى البقع في الشمس، وما إلى ~~ذلك، وكلها بالتأكيد كشوف جليلة إذا أمن المرء لصدق هذا الضرب من البراهين. غير ~~أننا في شك كبير من مثل هذه الأشياء؛ لأن الخبرة تتوقف عند هذه الأشياء القليلة، ولأن ~~أشياء أخرى كثيرة تستحق الدراسة بالمثل لم يتم اكتشافها بنفس الوسيلة. # 88 # ومن شواهد النوع الثالث: قضب قياس الأرض - الأسطرلاب وما شابهه - التي لا تكبر ~~حاسة البصر بل تصححها وتركزها. وإذا كان ثمة شواهد أخرى تساعد الحواس الأخرى في ~~أعمالها الفردية المباشرة، فإنها بعد لا تسهم في مشروعنا ما لم يكن من شأنها أن تضيف ~~إلى الرصيد الفعلي من المعلومات التي بحوزتنا الآن؛ ولذلك لم أتطرق إليها. ms098 ~~(41) وفي المرتبة الثامنة عشرة بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد الطريق» # instances of the road ~~، # 89 # التي أسميتها أيضا «شواهد مرتحلة» # traveling ~~instances # و«شواهد مفصلية» # jointed instances ~~، وهي الشواهد ~~التي تشير إلى الحركات المستمرة بالتدريج في الطبيعة، هذا النوع من الشواهد يتجنب ~~ملاحظتنا لا حواسنا؛ فالناس هنا غافلون بشكل عجيب. حقيقة الأمر أنهم لا يلاحظون ~~الطبيعة إلا بطريقة عابرة ومتقطعة وبعد أن تتم الأجسام وتكتمل وليس أثناء عمل الطبيعة ~~عليها. فأنت إذا أردت أن ترى مهارات رجل حرفي وتلاحظ عمله، فأنت لن تشاء أن تشاهد ~~المواد الخام لحرفته فحسب، بل تريد أن تكون هناك أثناء قيامه بعمله وتشكيل منتجه، كذلك ~~الأمر بالنسبة للطبيعة، وعلى المرء أن يقوم إزاءها بشيء مشابه، مثال ذلك: إن على كل ~~من يدرس نمو النباتات أن يلاحظها منذ بذر البذور فصاعدا (يمكن بسهولة أن يعمل ذلك ~~بأن يأخذ كل يوم تقريبا بذورا لها في الأرض يومان وثلاثة أيام وأربعة وهكذا ويدرسها ~~بعناية)، إن عليه أن يلاحظ كيف ومتى تبدأ البذرة في الامتلاء والانتفاخ وتملأ بالروح ~~(إن جاز القول)، وكيف تبدأ عندئذ في فتق القشرة وإخراج شطئها، وتشق طريقها في الوقت ~~نفسه إلى أعلى بعض الشيء ما لم تكن التربة ثقيلة جدا، وكيف تطلع أيضا فروعا، ~~بعضها لأسفل كجذور، والبعض لأعلى كجذوع، وأحيانا تزحف جانبا إذا استطاعت أن تجد تربة ~~مفتوحة وأيسر من هذا الاتجاه، وهناك أشياء أخرى عديدة عليه أن يلاحظها. وعلى المرء أن ~~يفعل نفس الشيء إزاء عملية فقس البيض؛ حيث عملية بداية الحياة وتشكلها تفصح عن نفسها، ~~وتكشف أي الأجزاء يأتي من المح وأيها يأتي من بياض البيضة وهكذا. وتقدم الحيوانات ~~المتولدة من التحلل تقدم منهجا مماثلا. إنه ليكون غير إنساني أن تجرى مثل هذه ~~الأبحاث على الحيوانات التامة التشكل والجاهزة للولادة بفصل الأجنة إلى خارج الرحم، ~~باستثناء الإجهاضات العرضية وفي الصيد وما إلى ذلك؛ «ولذا يتعين على المرء أن يعكف ~~على نوع من الملاحظة الدءوب للطبيعة على مدار الساعة؛ إذ إنها تكشف عن نفسها ms099 للفحص ~~أثناء الليل أفضل مما تفعل أثناء النهار، فهذه الملاحظات قد تعتبر ليلية؛ لأن مصباحنا ~~ضئيل ولكنه دائم الإضاءة.» # والشيء نفسه ينبغي أن يجرب في حالة الأشياء غير الحية، مثلما فعلنا في دراسة ~~تمدد السوائل بواسطة اللهب؛ فهناك طريقة للتمدد في الماء، وأخرى في النبيذ، وأخرى ~~في الخل، وأخرى في عصير العنب، وطريقة مختلفة جدا في اللبن والزيت ... إلخ. بوسعك أن ~~ترى هذا بسهولة بأن تغليها في وعاء زجاجي على نار هادئة؛ حيث يمكن لكل شيء أن يرى ~~بوضوح، وأنا هنا أمر مرورا سريعا بهذا الموضوع؛ لأني سأعرض له بدقة وإسهاب أكبر ~~عندما أصل إلى اكتشاف «العملية ~~الكامنة» # latent process # للأشياء. فعلينا دائما أن نضع في اعتبارنا أننا لا نتناول ~~الأشياء ذاتها هنا، بل نقدم أمثلة لا أكثر. # وفي المرتبة الخامسة والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «الشواهد المشيرة» # suggestive instances ~~؛ # 90 # أي الشواهد التي تومئ إلى أو تشير إلى منافع بشرية؛ ذلك أن مجرد القدرة ~~أو المعرفة في ذاتهما إنما تعظمان الطبيعة البشرية ولا تجعلانها سعيدة؛ لذا فمن بين ~~جملة الأشياء ينبغي أن ننتقي تلك التي هي أنفع للبشرية. على أنه سيكون لدينا فرصة أفضل ~~للحديث عن هذه عندما نعرض للمتضمنات العملية، كما أنني في عملية التفسير نفسها سوف ~~أقيض مكانا في كل موضوع ل «الجدول ~~الإنساني» # human chart # أو «قائمة الأشياء التي يليق بنا أن نرغب فيها». «ذلك أن ~~الرغبة الصحيحة هي جزء من العلم، شأنها شأن الأسئلة الصحيحة.» ~~••• # أكتفي بذلك عن «شواهد الامتياز» أو «شواهد الطبقة الأولى». ولكن ينبغي أن أذكر ~~بأنني في «أورجانوني» هذا إنما أتناول المنطق لا الفلسفة. «ولكن لما كان منطقي يوجه ~~ويرشد الفهم حتى لا يقبض، بكلابات العقل الصغيرة، على تجريدات محضة ويتشبث بها، ~~بل يخترق الطبيعة بالفعل ويكتشف خواص الأجسام وقواها، وقوانينها المنقوشة في المادة؛ ~~ومن ثم فإن هذا العلم لا ينبع من طبيعة العقل فقط بل من طبيعة الأشياء.» فلا عجب ~~إذا أن يمتلئ بإيضاحات وملاحظات مبثوثة في تضاعيفه وتجارب في الطبيعة ms100 كأمثلة على الفن ~~الذي أعلمه ... ولكن علي الآن أن أمضي إلى تناول «مساعدات الاستقراء وتصويباته»، ~~ثم إلى «الأشياء العيانية» و«العمليات الكامنة» و«البنيات الكامنة»، وغيرها من الأشياء ~~التي أحصيتها بترتيب مناسب في الشذرة 21، فأنا أريد في النهاية (شأن الأوصياء المخلصين ~~والأمناء) أن أسلم الناس ثروتهم عندما يكون فهمهم قد تحرر من الوصاية وبلغ سن ~~الرشد، الأمر الذي يترتب عليه بالضرورة تحسن حالة الإنسان وبسط سلطانه على ~~الطبيعة؛ ذلك أن الإنسان إثر «السقوط» خسر في الوقت ذاته حالة البراءة، خسر سيادته على ~~الخلائق، وكلتا الخسارتين يمكن تعويضها إلى حد ما، حتى في هذه الحياة : الأولى بالدين ~~والإيمان؛ والثانية بالفنون والعلوم؛ ذلك أن «اللعنة» لم تجعل الخلق مطرودا تماما ~~وأبدا، وإنما بمقتضى القرار الإلهي: «بعرق جبينك تغمس خبزك» (التكوين 19: 3)، فإن ~~الإنسان - بجهوده المتنوعة - (لا بالمجادلات بالتأكيد ولا بالطقوس السحرية) يجبر ~~الخلق - أخيرا وبقدر - على أن يزوده بخبزه؛ أي بحاجات حياته البشرية. # فرانسيس بيكون # 1620 ms101