######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.CazaFalsafa.Hindawi17915386 #META# Tags: philosophy #META# ID: 17915386 #META# Title: عزاء الفلسفة #META# AuthorID: 74861907 #META# Author: بوئثيوس #META# EditorID: 36490696 #META# Editor: أحمد عتمان #META# TranslatorID: 24079572 #META# Translator: عادل مصطفى #META# Related_books: 0001Boethius.DeConsolationePhilosophiae (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # هذا الكتاب‏ # مقدمة‏ # الكتاب الأول: التشخيص‏ # 1 - الأغنيات التي كنت أكتبها1‏ # 2 - «الفلسفة» تلتفت إلى المؤلف‏ # 3 - «الفلسفة» تقبل التحدي‏ # 4 - مكائد السياسة‏ # 5 - اضطرابه الانفعالي1‏ # 6 - التشخيص‏ # 7 - النجوم المغيبة في الغيوم‏ # الكتاب الثاني: الحظ والسعادة‏ # 1 - الطبيعة المتقلبة للحظ‏ # 2 - الحظ يدافع عن نفسه‏ # 3 - حظوظه السعيدة‏ # 4 - الحظ والسعادة‏ # 5 - الخيرات المادية‏ # 6 - المنصب والسلطة‏ # 7 - المجد والشهرة‏ # 8 - الشدة خير من الحظ‏ # الكتاب الثالث: الفلسفة والسعادة‏ # 1 - الفلسفة تعد بالسعادة‏ # 2 - الخير الأسمى‏ # 3 - الثروة والحاجة‏ # 4 - المناصب والتبجيل‏ # 5 - الملك والسلطة‏ # 6 - المجد والحسب‏ # 7 - اللذة والأسرة‏ # 8 - الدوافع الزائفة إلى السعادة‏ # 9 - وحدة الخير الحقيقي‏ # 10 - الله هو الخير والسعادة‏ # 11 - كل شيء يبتغي الخير‏ # 12 - الله يدبر العالم بالخير‏ # الكتاب الرابع: الخير والشر 1‏ # 1 - لماذا يزدهر الأشرار؟‏ # 2 - الأخيار وحدهم الأقوياء‏ # 3 - الخير مثاب والشر معاقب‏ # 4 - المفلت من العقاب في شقاء‏ # 5 - المثوبات والعقوبات تبدو كالمصادفة‏ # 6 - العناية والقدر‏ # 7 - كل قدر خير‏ # الكتاب الخامس: حرية الإرادة (الإنسانية) وشمول العلم (الإلهي)1‏ # 1 - «الفلسفة» تناقش مسألة المصادفة‏ # 2 - تفاوت حرية الإرادة‏ # 3 - ماذا عن سابق العلم والحرية؟‏ # 4 - فكر الله يوفق بينهما‏ # 5 - الفكر الأعلى‏ # 6 - السرمدي يعرف الكل‏ # عزاء الفلسفة‏ # حياة بوئثيوس وأعماله‏ # تقلبات السياسة‏ # الجنس الأدبي1 في «عزاء الفلسفة»‏ # مشروعية الشعر‏ # التوقيت، والسياق الكوني للفعل‏ # شاعرية بوئثيوس‏ # موقع الضبط‏ # مسيحية بوئثيوس‏ # نزع الطابع الأسطوري‏ # مآخذ وانتقادات‏ # تأويل «العزاء»‏ # رواج في العصر الوسيط وكساد في العصر الحديث؟!‏ # قطوف من «عزاء الفلسفة»1‏ # إهداء‏ # هذا الكتاب‏ # مقدمة‏ # الكتاب الأول: التشخيص‏ # 1 - الأغنيات التي كنت أكتبها1‏ # 2 - «الفلسفة» تلتفت إلى المؤلف‏ # 3 - «الفلسفة» تقبل التحدي‏ # 4 - مكائد السياسة‏ # 5 - اضطرابه الانفعالي1‏ # 6 - التشخيص‏ # 7 - النجوم المغيبة في الغيوم‏ # الكتاب الثاني: الحظ والسعادة‏ # 1 - الطبيعة المتقلبة للحظ‏ # 2 - الحظ يدافع عن نفسه‏ # 3 - حظوظه السعيدة‏ # 4 - الحظ والسعادة‏ # 5 - الخيرات المادية‏ # 6 - المنصب والسلطة‏ # 7 - المجد والشهرة‏ # 8 - الشدة خير من الحظ‏ # الكتاب الثالث: الفلسفة ms001 والسعادة‏ # 1 - الفلسفة تعد بالسعادة‏ # 2 - الخير الأسمى‏ # 3 - الثروة والحاجة‏ # 4 - المناصب والتبجيل‏ # 5 - الملك والسلطة‏ # 6 - المجد والحسب‏ # 7 - اللذة والأسرة‏ # 8 - الدوافع الزائفة إلى السعادة‏ # 9 - وحدة الخير الحقيقي‏ # 10 - الله هو الخير والسعادة‏ # 11 - كل شيء يبتغي الخير‏ # 12 - الله يدبر العالم بالخير‏ # الكتاب الرابع: الخير والشر 1‏ # 1 - لماذا يزدهر الأشرار؟‏ # 2 - الأخيار وحدهم الأقوياء‏ # 3 - الخير مثاب والشر معاقب‏ # 4 - المفلت من العقاب في شقاء‏ # 5 - المثوبات والعقوبات تبدو كالمصادفة‏ # 6 - العناية والقدر ‏ # 7 - كل قدر خير‏ # الكتاب الخامس: حرية الإرادة (الإنسانية) وشمول العلم (الإلهي)1‏ # 1 - «الفلسفة» تناقش مسألة المصادفة‏ # 2 - تفاوت حرية الإرادة‏ # 3 - ماذا عن سابق العلم والحرية؟‏ # 4 - فكر الله يوفق بينهما‏ # 5 - الفكر الأعلى‏ # 6 - السرمدي يعرف الكل‏ # عزاء الفلسفة‏ # حياة بوئثيوس وأعماله‏ # تقلبات السياسة‏ # الجنس الأدبي1 في «عزاء الفلسفة»‏ # مشروعية الشعر‏ # التوقيت، والسياق الكوني للفعل‏ # شاعرية بوئثيوس‏ # موقع الضبط‏ # مسيحية بوئثيوس‏ # نزع الطابع الأسطوري‏ # مآخذ وانتقادات‏ # تأويل «العزاء»‏ # رواج في العصر الوسيط وكساد في العصر الحديث؟!‏ # قطوف من «عزاء الفلسفة»1‏ # | عزاء الفلسفة # | عزاء الفلسفة # تأليف # بوئثيوس # ترجمة # عادل مصطفى # مراجعة # أحمد عتمان # | إهداء # إلى صاحبة الجلالة/الفلسفة # وحواريها الشهيد سيفيرينوس بوئثيوس ~~«الروح المباركة» و«آخر الرومان» # الذي لم يقل «حال الجريض دون القريض» # 1 # واستطاع، بفضلها، أن يغرد بين شدقي الموت، # ويسطر «عزاءه» لكل العصور؛ ~~«عزاءه» الذي صحبته أشهرا وتعلمت منه # ثم علمته العربية، # وها هو الوليد حيا لم تقتله الترجمة # يصرخ بعذوبة، # ويكلم الناس في المهد. # عادل مصطفى # عزاء الفلسفة سفر ذهبي خليق بأن يشغل وقت أفلاطون أو توللي. # 1 # جيبون، تاريخ أفول الإمبراطورية الرومانية ~~وسقوطها # بوئثيوس هو الروح المباركة التي تكشف زيف العالم لكل من يصغي إليها. # دانتي، الكوميديا الإلهية # الكوميديا الإلهية برمتها يمكن اعتبارها توسعا عظيما لتصور بوئثيوس عن صعود ~~الروح إلى تأمل عقل الله وعودتها إلى وطنها الحقيقي في مخطط العالم. # فيكتور واطس، مقدمة ترجمته لعزاء ~~الفلسفة # عزاء الفلسفة هو الكتاب الذي أنقذ فكر العصور الوسطى. # و. ب. ms002 كير، العصور المظلمة # لم يؤثر فيلسوف قط في كتاب العصور الوسطى، ويسر منهم مسرى الدم في العروق، ~~مثل بوئثيوس: خذ أي كاتب شئت ولسوف تجد فيه وجدانات بوئثيوس، بل ستجد أن كلماته ~~ذاتها هي كلمات ذلك الروماني القديم العلم. # ريتشارد موريس، مقدمة ترجمة تشوسر لعزاء ~~الفلسفة # | هذا الكتاب # هذا الكتاب ترجمة كاملة لنص «عزاء الفلسفة» لسيفيرينوس بوئثيوس، عن الترجمات الإنجليزية ~~التالية: ~~(1) # Boethius, The Consolation of Philosophy. Trans. W. V. ~~watts. Revised Edition, New York: Penguin Classics, ~~1999. ~~(2) # Boethius, The Consolation of Philosophy. Trans. W. V. ~~cooper. New York: The Modern Library, Random House, ~~1943. ~~(3) # Boethius, The Consolation of Philosophy. Trans. S. Beck. ~~Athenaeum Reading Room, 1996. # ملاحظة: جميع العناوين، والعناوين الفرعية، ليست من نص بوئثيوس الأصلي، وهي مستقاة من ~~ترجمة (المشار إليها)، وجميع الشذور الافتتاحية ليست من النص الأصلي، وقد أشرنا في كل شذرة ~~إلى صاحبها. # | تصدير # | الزواج المقدس بين التراث الكلاسيكي ~~والمسيحية # بقلم أ.د. أحمد عتمان # يثير النص المترجم، والذي نقدم له، تساؤلات كثيرة ومشكلات عويصة، المؤلف نفسه ~~أنيكيوس مانليوس سيفيرينوس ~~بوئثيوس # Anicius Manlius Severinus Boethius ~~(480-524م) قد أصاب مجدا وعزا بالغين في حياته، التي انتهت ~~بالسجن والإعدام، فهو رجل سياسة ومفكر مسيحي، صاحب منصب عال وثراء فاحش ومقرب لرجال السلطة ~~الإمبراطورية. # أما مؤلفه الذي نحن بصدد الحديث عنه عزاء ~~الفلسفة # Consolatio Philosophiae ~~، أو في مخطوطات أخرى في عزاء الفلسفة # De Consolatione Philosophiae # فهو من المؤلفات ~~المحيرة، حيث أربك الكثير من النقاد والدارسين وما زال حتى اليوم يثير الحيرة والدهشة ~~والتساؤلات. # بالنسبة للعنوان ومغزاه، فلم يكن الأول من نوعه، إذ سبقته مؤلفات عدة في تاريخ الأدب ~~الإغريقي واللاتيني، نذكر منها على سبيل المثال مؤلفات الشاعر الفيلسوف سينيكا بالعناوين التالية: # عزاء إلى ~~ماركيا # Ad Marciam de Consolatione ~~. # عزاء إلى ~~بوليبيوس # Ad Polybium de Consolatione ~~. # عزاء إلى ~~هليڨيا # Ad Helviam de Consolatione ~~. # ويحمل العنوان الأخير اسم هليڨيا أم سينيكا التي يعزيها المؤلف في نفي ابنها أي سينيكا ~~نفسه. # أما إذا كان الهدف الرئيس من ms003 مؤلف بوئثيوس هو الحث على أن يصمد الفيلسوف في وجه الشدائد، ~~فإن هذا بالضبط كان القصد من مؤلف سينيكا بعنوان «في صمود الحكيم» # De Constantia Sapientis ~~. # لكن الشكل الأدبي الذي صيغ فيه عمل بوئثيوس يختلف تماما عن «تعازي» سينيكا، التي جاءت ~~أشبه ما تكون برسائل تخاطب الشخص المنكوب، هذا الشكل الأدبي هو الأكثر إثارة للحيرة والدهشة ~~فهو ليس رسالة، ولا هو مقالة، ولا هو دراسة أو مجرد تأملات، وإنما هو عمل أدبي قح يفيد من ~~دراية المؤلف بعدة أشكال أدبية، منها تعازي سينيكا المشار إليها، ومنها محاورات أفلاطون، ~~ومنها الساتورا التي بعد قليل سنتحدث عنها، ولكن من الخطأ أن ننسب عزاء الفلسفة إلى شكل ~~أدبي واحد من هذه الأشكال، دون أن ننفي تأثرها بهذه الأشكال جميعا. # ولا يتفق كاتب هذه السطور مع ما ذهب إليه بعض النقاد والدارسين، حين رأوا في عزاء الفلسفة ~~ساتورا مينيبية، واعتمدوا فيما ذهبوا إليه على حقيقة شكلية فعلية، ونعني أن العمل يخلط ~~الشعر بالنثر، ومع اعترافنا الواضح بهذا التشابه الشكلي، إلا أنه شتان ما بين عزاء الفلسفة ~~والساتورا المينيبية، ومن حق القارئ الكريم أن نوضح له أولا ماهية الساتورا المينيبية أو ~~الهجائية المينيبية # Satura Menippea ~~، فهي نسبة إلى ~~مينيبوس من جادارا في سوريا (النصف الأول من القرن الثالث ق.م)، وهو مبدع الأسلوب الهزلي ~~الساخر من ناحية، والجدي من ناحية أخرى ( # Spoudogelation ~~)، ~~والذي يخلط بين الشعر والنثر، علما بأن كلمة ساتورا # Satura # اللاتينية تحمل في معناها الأصلي الخلط في الأساليب والموضوعات، ~~وهذه سمات عامة في شعر الهجاء اللاتيني ابتداء من لوكيليوس وحتى يوڨيناليس، وأثر مينيبوس ~~في مواطنه ملياجروس # Meleagros # ولوكيانوس # Lucianus # وفارو # Varro # صاحب هجائيات مينيبية # Saturae Menippeae ~~. # وإذا أردنا أن نضرب مثلا على «الهجائية المينيبية» من الأدب اللاتيني فلن نجد أفضل من ~~مؤلف سينيكا الشهير الذي حفظت المخطوطات عناوين له كثيرة، نذكر منها العنوانين التاليين: ~~«أبو كولوكينتوسيس (= التقريع أي مسخ الإنسان إلى نبات القرع» # Apocolocyntosis ~~)، وهو عنوان له صلة بمبدأ تناسخ ~~الأرواح في الفكر الفيثاغوري ms004 وانتقال روح الإنسان بعد الموت إلى تقمص أحد النباتات ك ~~«القرع» وما إلى ذلك، أما العنوان الثاني فهو «سخرية من موت كلاوديوس» # Ludus de Morte Claudii ~~، ذلك أن هذا المقال عبارة عن هجائية مينيبية # Satura Menippea # تسخر من تأليه الإمبراطور كلاوديوس ~~بعد موته وتجمع بين الشعر والنثر. # 1 # فأين عزاء الفلسفة من تلك السخرية المضحكة في عمل سينيكا «التقريع»؟ من الجلي إذن إننا لا ~~يمكن أن نعتبر «عزاء الفلسفة» عملا هجائيا أو هزليا، فليس فيه من «الساتورا» سوى سمة ~~الخلط بين الشعر والنثر. # الواقع أن هذا المزج بين الأجناس الأدبية المختلفة في عزاء الفلسفة لا يضاهيه سوى المزج ~~الواضح كذلك في المضامين الفكرية والفلسفية في ثنايا العمل نفسه، ففي هذا العمل تجد إشارات ~~واضحة أحيانا وتلميحات خفية أحيانا أخرى لكل مفردات التراث الإغريقي واللاتيني من ~~هوميروس إلى يوريبيديس وأريستوفانفيس وسقراط وأفلاطون وأرسطو ... إلخ. # معظم المدارس الفلسفية الإغريقية ممثلة تمثيلا مقصودا في هذا العمل من الأبيقورية إلى ~~الرواقية، ومن الكلبية إلى الغنوصية، ففكرة الأسرار والكشف عنها للمخلصين الأصفياء وراء ~~ظهور آلهة الفلسفة أو الفلسفة مجسدة لواحد من صفوة أتباعها ألا وهو بوئثيوس . # ويقودنا هذا الحديث إلى أخطر مشكلة في هذا النص، فنحن أمام مفكر مسيحي لاهوتي له أكثر من ~~مؤلف في اللاهوت المسيحي، يمر بلحظات عمره الأخيرة ويودع الدنيا بعمل سماه عزاء الفلسفة، ~~ولا يذكر كلمة واحدة عن العقيدة المسيحية، أليس هذا أمرا غريبا؟ والأغرب أن هذا المسيحي - ~~وهو أحد الشهداء بحق - يركز حديثه تماما في التراث الكلاسيكي الوثني، ومن النظرة الأولى ~~يستوقفنا العنوان «عزاء الفلسفة» فالفلسفة مجسدة هي اللاعب الأول Protagonist # في هذا العمل الأدبي الإبداعي، هي التي ~~توجه كل صغيرة وكبيرة، وهي التي تقود المؤلف إلى بر الطمأنينة ورباطة الجأش بعد الجزع الذي ~~استولى عليه تماما في السجن، ومنذ القدم عرف أن الفلسفة تأتي على حساب الفكر الأسطوري ~~والعقائدي؛ ولذا عمد السوفسطائيون إلى هدمها، وكان أفلاطون ميالا للهجوم على الأسطورة ~~والشعر - وهما صنوان - إلا أنه لم ينج منهما تماما ms005 لأنه بطبعه شاعر، ولما جاءت المسيحية ~~حاربت التراث الوثني برمته ونفته من مملكتها تماما، فألغت الدورات الأوليمبية والمسارح وكل ~~ما يمت للوثنية بصلة، ولا سيما الفلسفة فهي العدو الأول للدين والعقيدة، والمثل الصارخ على ~~ذلك ما فعله مسيحيو الإسكندرية المتطرفون والمنتقمون بالفيلسوفة والرياضية هيباتيا حيث ~~مزقوها إربا إربا، أما في «عزاء الفلسفة» فتظهر إلهة الفلسفة وقد نزلت من عليائها لتواسي ~~الفيلسوف في أزمته الطاحنة، هنا تبدو إحدى مخلفات التراث الوثني - الفلسفة - وهي تعالج أحد ~~معتنقي المسيحية ومفكريها، هنا تتجلى أروع صورة للزواج المقدس بين المسيحية والتراث ~~الكلاسيكي وعندما يصرح إرازموس في القرن السادس عشر «صل من أجلنا يا سقراط» # ora pro nobis Socrate # فإنه يردد صدى هذا ~~الزواج المقدس ويؤذن لقيام النهضة. # رويدا رويدا عبر القرون الأولى الميلادية بدأ الحوار بين المسيحية والوثنية يحل محل ~~التنافر والعداء، وكان ذلك أمرا طبيعيا، فالمسيحية وإن ولدت في فلسطين إلا أن محيطها ~~المؤثر كان العالم الإغريقي الروماني، وكان على آباء الكنيسة الأوائل أن يتعلموا اللغة ~~الإغريقية واللاتينية ليشرحوا العقيدة الجديدة ويردوا على أقطاب التراث الوثني، وكان من ~~نتائج ذلك أن البلاغة الإغريقية واللاتينية كما فهموها من كتابات أرسطو وشيشرون أصبحت ~~سلاحهم في الانتصار للمسيحية، وتشهد بذلك كتابات القديس أوغسطين الملقب بشيشرون ~~المسيحية. # واستخدم المنطق الأرسطي في الجدل الديني المسيحي، تماما كما سيحدث بعد ذلك عندما يستخدم ~~بعض فلاسفة الإسلام المنطق الأرسطي في جدلهم الديني، سواء داخل حظيرة الإسلام أو مع أصحاب ~~الديانات الأخرى. # والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان الآن هو: مع خلو عزاء الفلسفة من كلمة واحدة مباشرة عن ~~المسيحية، ومع انغماسها الكلي في التراث الوثني هل يرد في هذا العمل الإبداعي ما هو ضار ~~بالمسيحية أو ما يناهضها؟ هل عزاء الفلسفة الذي يحتفي بالوثنية هذا الاحتفاء الظاهر يحوي ما ~~يناقض أو يحارب المسيحية ويهدمها؟ الإجابة قطعا بالنفي المؤكد، ذلك أن الروح المسيحية ~~ترفرف على هذا العمل الإبداعي وتشع من بين كل سطوره، فالمؤلف وبذكاء شديد تجنب ذكر ~~المسيحية تماما، ولكنه دعم هذه ms006 العقيدة دعما غير مباشر، فمما لا شك فيه أنه اختار ~~الموضوعات والشخصيات الوثنية التي تتوافق مع المسيحية، فمبادئ الرواقية عامة ورواقية سينيكا ~~خاصة تنسجم مع المسيحية بما فيها من زهد ورحمة وقدرة على التحمل، ويقال إن هناك رسائل ~~متبادلة بين سينيكا والقديس بولس، ويقال الشيء نفسه تقريبا عن التوافق بين الأفلاطونية ~~والأفلاطونية الجديدة من جهة، والمسيحية من جهة أخرى ولا سيما فكرة الاتحاد مع الإله ~~واختلاط ما هو بشري بما هي إلهي. # خلاصة القول إن عزاء الفلسفة عمل يمثل ذروة من ذرى التوافق بين المسيحية والوثنية، فهو نص ~~يحتفي بعقائد وأساطير وفلاسفة الوثنية ممجدا بطريق غير مباشر المسيحية وداعيا للتسامح ~~والرحمة والصمود والثبات والتواضع وكافة القيم المسيحية، ولا سيما فكرة ألوهية البشر حيث ~~تقول الفلسفة لبوئثيوس. # Ita ego quoque tibi ueluti corollarium dabo. nam quoniam ~~beatitudinis adeptione fiunt homines beati, beatitude uero est ipsa diuinitas, ~~diuinitatis adeptione beatos fieri manifestum est. sed uti iustitiae adeptione ~~iusti, sapientiae sapientes fiunt, ita diuinitatem adeptos deos fieri simili ratione ~~necesse est. omnis igitur beatus deus. # سأقدم لك لازمة ... # corollarium # بما أنه من خلال امتلاك ~~السعادة، يصبح الناس سعداء وحيث إن السعادة في الحقيقة هي الألوهية فمن البين أنه من خلال ~~امتلاك الألوهية يصبحون سعداء، وبالمنطق نفسه الذي يصبح به الناس عادلين بممارسة العدل، ~~وحكماء بممارسة الحكمة فإن أولئك الذين يمتلكون الألوهية يصبحون إلهيين فكل إنسان سعيد هو ~~إذن إله. # غني عن البيان أن بوئثيوس يعتقد إذن أن الفلسفة ليست ضد العقيدة الدينية، وإذا كنا نرى أن ~~ابن رشد هو صاحب هذه الفكرة التي أنارت ظلام العصور الوسطى عندما انتقلت إلى أوروبا عبر ~~«فصل المقال»، فإننا في الواقع لا بد وأن نعترف أن دور ابن رشد اقتصر على إيقاظ العقول ~~الأوروبية النائمة، فلما نهضوا وجددوا هذه المقولة الرشدية مسبوقة فهي موجودة عند رجال ~~الدين المسيحي الأوائل المتنورين، وعلى رأسهم بوئثيوس الذي يسبق ابن رشد بما لا يقل عن سبعة ~~قرون. # بقيت لنا كلمة عن ms007 ترجمة هذا النص التي نقدم لها، ~~فلقد سبق لنا أن قلنا بأن عصر التوسط للتراث الكلاسيكي بأية لغة أوروبية حديثة قد انتهى ~~بظهور ترجمات المتخصصين، وما زلنا عند رأينا، ولكنه لا يعني القضاء المبرم على جهود ~~المثقفين المصريين والعرب في هذا المجال، فالمثقفون هم الذين بدءوا حركة الاتصال بالتراث ~~الكلاسيكي منذ أن ترجم رفاعة رافع الطهطاوي «وقائع الأفلاك في مغامرات تليماك» وجاء بعده ~~سليمان البستاني فترجم إلياذة هوميروس شعرا عام 1904م، ثم جاء أحد المثقفين غير المتخصصين ~~وهو طه حسين فأسس قسم الدراسات اليونانية والرومانية عام 1925م، ثم جاءت جهود لويس عوض ~~ودريني خشبة وشكري عياد وغيرهم، ومن قبل سبق لي أن راجعت ترجمة ثروت عكاشة لأو؟يديوس أعني ~~رائعتيه «مسخ الكائنات» و«فن الهوى»، وتمتعت بقراءة هذه الترجمة أيما متعة مع علمي أنها ~~ليست عن اللاتينية مباشرة بل كانت مهمتي أن أضاهيها بالنص اللاتيني، ومثل هؤلاء المترجمين ~~واسعي الثقافة وأصحاب الذوق الأدبي الرفيع. # والترجمة التي بين أيدينا تدخل في إطار هذه الترجمات الثقافية، ولقد تمتعت بقراءتها ~~حقا؛ لأن المترجم يتمتع باطلاع واسع على الفلسفة وبأسلوب رائع وحس أدبي رفيع، ولما ضاهيت ~~الترجمة بالنص اللاتيني الأصلي لم أجد نقصا جوهريا أو خروجا مخلا عن هذا الأصل، ~~وحاولت قدر الطاقة سد أي فجوة بين الترجمة والنص الأصلي، وأتمنى أن يتمتع القارئ بالاطلاع ~~على هذا النص الفريد. ~~(وبالله التوفيق.) # | مقدمة # لا يذهب بمصابك مثل أن تعلو فوقه # وتقتله رصدا وبحثا وفهما # ثم تشرب في جمجمته العبرة. # الكتابة أثناء العد التنازلي للأجل المحتوم ... هي كتابة أخرى. # الغناء على إيقاع خطوات الموت الحثيثة المقتربة ... هو غناء مختلف. # الإبداع بين شدقي الموت هو إبداع استثنائي يمتح من نبع الحقيقة الخالصة؛ لأنه يأتي ~~من برزخ سحيق، وينظر من وراء «مسافة نفسية» هائلة، فيرى الأشياء بحجمها الحقيقي إذ ~~تختفي الصغائر ولا يعود منظورا من المعاني إلا كل ما له ثقل وحجم ومقدار. # هكذا كان سفر «عزاء الفلسفة» الذي سطره بوئثيوس # 1 # في زنزانته خلال الأشهر التي سبقت تنفيذ الحكم ms008 بإعدامه عام 524م. # هذا النص الذي بين يديك كان أكثر النصوص رواجا في أوروبا، بعد الكتاب المقدس، طوال ~~العصر الوسيط وعصر النهضة، # 2 # وحظي من الترجمات والتعليقات بما لم يحظ به أي كتاب آخر، واضطلع بترجمته ~~شخصيات راجحة في ميزان التاريخ، ويكفي أن نقول إن من بين مترجميه الملك ألفرد الأكبر، ~~والشاعر جيفري تشوسر، والملكة إليزابيث الأولى. # عندما نفي دانتي أليجييري من فلورنسة رجع إلى ~~كتاب «عزاء الفلسفة» واستلهمه في كتابة تحفته الخالدة «الكوميديا الإلهية». ولقد وجد ~~العزاء في «العزاء»، ولولاه لانتحر مثلما فعل بير دل فينيي، الذي لقيه دانتي في «الجحيم»، ~~وكان أيضا قد اتهم ظلما غير أنه استسلم لليأس وبخع نفسه، وعندما قابل دانتي روح ~~بوئثيوس في «الفردوس» قال عنه إنه أتى: # إلى هذا السلام ... # من المنفى والشهادة. # الكوميديا الإلهية، الفردوس 10، 128-129 # الكتابة الرومانية # هذا العمل الكلاسيكي من أدب السجون يحمل كل ~~ملامح الكتابات الفلسفية الرومانية الكبرى، وقد صاغه المؤلف في هيئة حوار بين السجين ~~«بوئثيوس» والسيدة «الفلسفة»، # 3 # فكان نموذجا للميسم الروماني الفذ في دمج الطلاوة الأدبية بالفلسفة ~~التكنيكية، فإذا كانت الفلسفة اليونانية أكاديمية نظرية في مجملها، فإنها حين غرست ~~في روما صارت منهج حياة (هكذا كانت الرواقية على سبيل المثال)، وكثيرا ما يقال: إن ~~الفلسفة في روما كانت فلسفة تلفيقية غير أصيلة، ولعل الأصوب أن نقول: إن العنصر ~~الروماني الأصيل هو صياغة الفلسفة في أشكال يمكن أن تتعامل تعاملا مجديا مع ~~المشكلات الإنسانية اليومية الخطيرة والدائمة. # 4 # قدر المفكرين # لا عجب أن ينفى الفلاسفة ويعذبوا ويقتلوا وتتقاذفهم العواصف الهوجاء؛ فقدر ~~المفكرين أن يصطدموا بقوى الشر؛ لأن تفكيرهم مختلف عن تفكير العوام، ولأن من عملهم ~~أن يقاوموا الأشرار ويكشفوا زيفهم. إنها «متاعب المهنة»، وعلى الفيلسوف، ومن طبيعة ~~عمله، أن يتحملها بشجاعة، ويروض نفسه على معانقة مصيره وحب قدره، وأن يقهر في ~~نفسه خشية الموت، وألا تفتنه السراء ولا الضراء. وإن الفلسفة، بعد، لتحمل في ذاتها ~~الترياق والعزاء والسلوى. # لم تكن السلطة ولا الشهرة ولا الجاه ولا المنصب ms009 هو ما يطمع فيه بوئثيوس يوم أن زاول ~~السياسة؛ فالفلسفة لا تترك في قلب مريدها مكانا لمطمع، إنما دخل بوئثيوس معترك ~~السياسة حرصا على الصالح العام، ولكي يطبق في السياسة العامة ما تعلمه في درس ~~الفلسفة، استجابة لدعوة أفلاطون بأن يزاول الحكماء السياسة حتى لا تترك دفة الحكم ~~لأيدي الجهال والمجرمين فيلحقوا الدمار والخراب بالمواطنين الصالحين. # مارس الفيلسوف سلطته لحماية المستضعفين وكف الظلم والعسف والبطش. زاول الفيلسوف ~~السياسة فكان المآل الطبيعي أن يثير عليه سخط الساسة غير الفلاسفة، وأن يجلب على نفسه ~~العداوات والأحقاد، وتوقعه المكائد في فخاخها فيحكم عليه بالنفي والموت، وها هو يندب ~~حظه، ويبدي دهشته من أن يتاح للشرير أن ينال غرضه من البريء على مرأى من الله ~~ومسمع، وينوع على اللحن الأزلي «إذا كان الله موجودا فمن أين يأتي الشر؟!» ويصعد ~~إلى السماء زفرة تشفع حرارتها لجرأتها: «أنت يا من تمسك بزمام كل شيء، انظر من فوق ~~إلى بؤس الأرض؛ فالبشر ليسوا جزءا هينا من هذا العمل العظيم، البشر تتقاذفهم أمواج ~~القضاء، أوقف، أيها الهادي، الطوفان الجارف، ومثلما توثق السماء اللانهائية بوثاق ~~يحكمها، أوثق أصقاع الأرض وثبتها بوثاق مثله.» # معنى «الوطن» # لم تتأثر «الفلسفة» بهذه الحسرات الطويلة، بل قالت بهدوء وثبات: «إن شئت أن تعد ~~نفسك منفيا فأنت الذي نفيت نفسك!» أي نفي تتحدث عنه؟ أنسيت وطنك الحقيقي؟ أنسيت أن ~~وطنك لا نفي منه؟ # ينقلنا ذلك إلى مفهوم «الوطن» كما يفهمه الرواقيون: # 5 # الوطن ليس جبلا أو واديا ألقت بي فيه اعتباطية المنشأ والميلاد ومسقط ~~الرأس ، الوطن فكرة ... الوطن اختيار، الوطن وطن العقل ... مملكة تشمل في ظلها الناس ~~جميعا بما يجمعهم من قرابة قائمة على شرف انتسابهم إلى عقل واحد (بتعبير ماركوس ~~أوريليوس)، إنه «مجتمع عقلي» أو إمبراطورية مثالية هي ما كان يعنيه بلوطرخس بقوله: ~~«إن ما مهدت له فتوحات الإسكندر من طريق التاريخ قد أتمته الفلسفة من طريق العقل.» إنه ~~«جامعة روحية» تحل فيها الوحدة العقلية محل الوحدة السياسية. # الوطن ما يقطنني لا ما أقطنه، ms010 «يبدو أنك نسيت القانون الأقدم لبلدك: إنه حق ~~مقدس لكل فرد اختار الإقامة فيه ألا ينفى منه أبدا؛ ومن ثم فلا وجه للخوف من النفي ~~داخل أسواره وحماه، ولكن أيما فرد يرغب عن العيش فيه يكون بنفس الدرجة قد فقد ~~استحقاقه أن يكون هناك؛ لذا فإن هذا المكان لا يزعجني بقدر ما يزعجني منظرك، # 6 # ولا ما أبحث عنه هو جدران مكتبتك المزينة بالزجاج والعاج، بل أبحث عن كرسي ~~عقلك! ذلك هو المكان الذي أودعت فيه يوما لا كتبي بل الشيء الذي يجعل للكتب قيمة ~~... الفلسفة التي تحتويها الكتب، الأفكار التي تذخرها.» # 7 # التشخيص # في بداية فحصها للمريض تسأله «الفلسفة»: «هل تذكر ما هي غاية الأشياء جميعا، وما ~~الهدف الذي تتجه إليه الطبيعة بأسرها؟» فلما وجدته ناسيا قالت: «فهل تعرف من أين أتت ~~الأشياء جميعا؟» قال: «نعم، من الله»، قالت: «فهل يجوز أن تعرف الأصل وتجهل ~~الغاية؟!» ولكن الأهم من هذه الأسئلة الكونية، التي تؤسس الإطار لحياة الإنسان، هو أنها ~~وجدته ناسيا من هو وما هو دوره كإنسان! # هكذا يأتي التشخيص قاطعا كالسيف ثاقبا كالرصاصة: النسيان # 8 ~~«فلأنك سادر في نسيانك فقد رحت تتحسر على أنك منفي ومجرد من ~~ممتلكاتك، ولأنك لم تعد تعرف ما هي بالضبط غاية الأشياء، فقد حسبت أن التافهين ~~والمجرمين أقوياء وسعداء، ولأنك نسيت الطرائق التي تسير العالم فقد ظننت أن ضربات ~~الحظ تتخبط هنا وهناك بغير ضابط.» ومن التشخيص الصحيح يبدأ العلاج الصحيح، ومن الجذوة ~~المتبقية من ذاكرته الخابية تكون الخطوة الأولى ... «فما تزال لدينا الشرارة الكبرى ~~لشفائك ، وهي رأيك الصائب عن إدارة الكون، فأنت تؤمن أن الكون لا تحكمه المصادفة العشواء ~~بل العقل الإلهي، إذن لا تخش شيئا، فمن هذه الشرارة الضئيلة سوف ينبثق فيك وهج ~~الحياة.» # عجلة الحظ # Wheel of Fortune # لعلك تأسى على تبدل الأحوال وتغير الحظ، وعلى سقوطك من ذرى المنصب والثراء إلى ~~حضيض اليأس والقنوط، فلتتعرف إذن على الأقنعة العديدة لهذا المسخ (الحظ) الذي يغوي ~~بالصحبة نفس الأشخاص الذين ينوي ms011 أن يخدعهم ويقلب لهم ظهر المجن، يخطئ من يظن أن الحظ قد ~~أدار له ظهره، فالتغير هو جوهر الحظ وماهيته، والحظ في تقلبه وتبدله إنما هو حافظ ~~لعهده وثابت على مبدئه! وكل من ارتضى أن ينحني للحظ ويضع عنقه تحت نير الظروف الخارجية ~~فإن عليه أن يتحمل النتائج، وأن يقبل أحكام اللعبة إذا اقتضته بعد الصعود إلى القمة أن ~~يهبط إلى القاع، وأن يعلم أن الحظ إذا ثبت على حال لا يعود حظا. # هذه إذن أحكام اللعبة، وفهمها، مجرد فهمها، يعفيك من أن تبتئس حيث لا ينبغي الابتئاس، ~~فإذا كنت ترهن سعادتك بعطايا الحظ فإنها لن تشفي حاجتك بل ستزيدها اشتعالا، أما إن ~~كنت غير أسير لها فإن فقدانها لن يسلبك أمنك ولن ينال من سعادتك. # التغير سنة الطبيعة، ليس شقاء إذن إلا ما تعده أنت كذلك، وكل قدر هو قدر ~~سعيد ما دمت تتلقاه بثبات ورباطة جأش، لماذا تبحثون عن السعادة خارج نفوسكم وهي ~~كامنة فيها؟ إذا كنت سيد نفسك فإن لديك من الثراء الداخلي ما لا يستطيع الحظ أن يسلبك ~~إياه. # الثبات على التغير! ... ذلك هو طبع الحظ ودأبه وديدنه. # فلتفرح إذن بأنك كشفت الوجه المتقلب لهذا الإله الأعمى، واهنأ بإحدى الراحتين، «فلقد ~~تخلى عنك من لا يأمن له أحد ولا يثق ببقائه إلى جانبه على الدوام ... والحق أنك لو ~~تذكرت طبعه وأساليبه ومزاياه لتبينت أنك لم تفد منه ولم تخسر بفقدانه شيئا ذا ~~بال.» # هكذا الفلسفة دائما، الفهم برد وسلام ... الفهم ترياق. # ليس عليك أن تغير ما لا قبل لك بتغييره، وبحسبك أن تفهمه! # الدروب الخطأ إلى الخير # تذهب «الفلسفة» إلى أن الرغبة في الخير الحقيقي هي شيء متأصل في نفوس البشر جميعا، ~~وما يحيد بهم عن جادة الخير سوى الحمق والخطأ والسير في الدروب المضلة إلى ~~الخيرات الزائفة، إن الخير الأسمى، أو السعادة الخالصة، هي هدف البشر جميعا، أخيارهم ~~وأشرارهم على السواء، فأما الأخيار فيسعون إليه من الطريق الصحيح وبالنشاط الطبيعي وهو ~~ممارسة فضائلهم، وأما الأشرار ms012 فيقصدون إلى الشيء نفسه ولكن من الطريق الخطأ ... من خلال ~~شهوات ليست بالطريقة الصحيحة ولا الطبيعية لاكتساب الخير: الثروة، المنصب، الجاه، ~~الشهرة، النفوذ، اللذة ... إلخ، ومن ثم فالأخيار أقوياء لأنهم يحققون الغاية، ~~والأشرار عجزة لأنهم يقصرون عنها، ولا يغير من الأمر أن الأخيار قد ينفون ~~ويضطهدون والأشرار قد يسودون بعض حين ويزدهرون في الظاهر الكاذب. # المال والثروة # انظر إلى نقائض المال وغراباته: # إنه لا يكون ذا قيمة إلا حين يغدق به، أي حين لا يعود مملوكا! # وهو لا يقبل الشراكة دون انتقاص (مثلما يقبلها الصوت مثلا والفكر ~~والحب)، ولا يأتي لواحد إلا بإفقار الآخرين. # وهو يتخم ويؤلم إذا زاد عن الحاجة. # وهو لا ينفي العوز بل يؤججه، ولا يسد الحاجة بل يخلق حاجات جديدة ~~تنبت إلى الوجود شيطانيا كرءوس الهيدر. # 9 # وهو لا يتحلى بخاصية طبيعية تمنعه من أن يسلب من أصحابه رغما ~~عنهم. # وهو يصطحب تحت نيره بئس الرفيق: الخوف، التوجس، شبح اللص والقرصان وقاطع ~~الطريق. # وهو يجعلك بحاجة إلى عون خارجي لكي تحميه، وبذلك تنعكس القضية وإذا ~~بالثروة التي يرتجى منها أن تجعل المرء مكتفيا بذاته قد «أحوجته» في ~~الحقيقة إلى غيره! # وهو، فيما تملكه، فإنه بدوره يرهنك ويملكك ويحدد إقامتك؛ لكي تقوم ~~على رعايته بدلا من أن يقوم هو على رعايتك، إنه وحش مسيخ: تضخمه ~~فيقتلك، وتسمنه فيأكلك، ويفسد شفرتك ويحجر أوصالك على أرائك الكسل ~~والدعة، ويغشي عليك الصحبة ويجرد علاقاتك من هوية الحب ومن شروط ~~الصداقة، ويحرمك من اختلاجة الشوق وهزة المنال وطبخة الجوع، إنه نفي آخر ~~يحرمك من أنس الحياة الطبيعية ويلقي بك في حياة افتراضية اصطناعية ~~موحشة. ~~«الطبيعة يكفيها القليل، أما الجشع فلا يشبعه شيء»، الغنى أن تكون ~~«غنيا عن» ... «لا غنيا ب». # كل ما فاض من مالك عن حاجتك الحقيقية وأمانك الفعلي فهو عبء وهم ~~ووسواس، وقيد عبودي، وفقر مقلوب. # المنصب والسلطة # ليس بوسع أعنف الزلازل ولا أعتى السيول أن تلحق من الخراب ما يلحقه المنصب ~~والسلطة حين يقعان في أيدي الأشرار، «فإذا ms013 تصادف أن وقعت المناصب لرجال أمناء فلا شك ~~أن الخير الوحيد فيها إذاك هو أمانة الرجال الذين يتولون المناصب، يترتب على ذلك أن ~~الشرف لا يأتي إلى الشريف من المنصب بل يأتي إلى المنصب من الشريف.» # لماذا يتحرق أغلب الناس إلى المناصب؟ ألأبهتها ونفوذها؟ ولكن على من تريدون أن ~~تمارسوا الأبهة والنفوذ؟ «أليس من المضحك أن تروا مجتمعا من الجرذان وقد انبرى جرذ ~~منهم يدعي لنفسه حق التسلط عليهم والتحكم في شئونهم؟ أتحبون التمتع بسلطة البطش ~~والانتقام؟ وهل هناك شيء يمكن أن توقعه بأحد وأنت بمأمن ألا يقع لك يوما على يد ~~شخص آخر؟» ~~«لو كانت المناصب خيرا بطبيعتها لما وقعت في أيدي الأشرار ... أم تريد المنصب لكي تنعم ~~بالكرامة والتبجيل، وتتميز عن الناس بالأبهة والشرف؟ فاعلم أنك إذا أردت أن تتألق في ~~أبهة المنصب فسوف يتعين عليك أن تنبطح لمن أنعم عليك به: أي أنك إذا أردت أن تفوق ~~الآخرين في الشرف والكرامة سيكون عليك أن ترخص نفسك وتهينها بالتزلف!» # إذا لم تكن نفسك كبيرة بذاتها فلن ينفعها المنصب، وعندما يوسد المنصب إلى غير ~~أهله فإنه لا يجعل منه أهلا على الإطلاق، بل يفضحه لا أكثر ويكشف ضعفه وضآلته. ~~«الكرسي الواسع هو أول الشامتين بصاحبه.» # المجد والشهرة # أما الشهرة فمجيئها، في الأغلب، اعتباطي وبقاؤها غير مضمون، والأغلب أن تكون زائفة ~~يكتسبها غير أهلها من خلال الآراء الزائفة للدهماء، ثم تنهكه في محاولة الحفاظ عليها، ~~وما قيمتها عندما ينتهي المرء إلى الموت الذي هو نهاية كل شيء؟ وكم هي هزيلة في كل ~~حال ولا وزن لها: فمهما امتد صيتك في الأرض ودوى في التاريخ فإنه صفر حين يقاس ~~إلى لا نهاية المكان، وصفر حين يقاس بأبدية الزمان. # الشهرة؟ ... الأضواء؟ ... إنها البرص الذي يهرب منه الفيلسوف، والعهر الرخيص الذي يتأفف ~~منه كل من أحصنته الحقيقة. # الملك # يقول شكسبير: «لا يستقر قرار للرأس الذي يحمل التاج.» # قسط الملوك من الشقاء أكبر من غيرهم، فهم يعيشون تحت حد السيف، وهل تعده قويا ذلك ms014 ~~الذي لا يمشي إلا مخفورا بحرس؛ لأنه أشد خوفا من رعاياه الذين يرهبهم، والذي لا بد ~~له، لكي يبدو قويا، من أن يعيش تحت رحمة من يخدمونه؟ ألا ما أبشع هذا السجن وما ~~أوحشه! # يحرمك الملك من نعمة الصداقة الحقيقية، ومن تمييزها إن وجدت! ما دامت شبهة التملق ~~تغشي على المشهد كله، فيا له من حرمان. # أي سلطة هذه التي تبث الخوف في نفوس أصحابها؟ إن رغبت فيها لم تمنحك الأمان، وإن ~~رغبت عنها لم تتركك وشأنك؟ ولن ينفعك إذاك أي صديق ربطته بك ثروتك لا فضيلتك، فصديقك ~~في السراء ينقلب عدوا في الضراء، وليس أقدر على إلحاق الأذى من صديق انقلب عدوا، ~~ذلك أنه يعرف مواطن ضعفك ... يعرف أين ثغرتك، وأين مقتلك و«كعب أخيلك»! # لذات الجسد ~~«وماذا أقول عن لذة الجسد؟ إن السعي إليها محفوف بالهم، والشبع منها مملوء بالندم، ~~كم أورثت أجساد المتهالكين عليها من أسقام وتباريح، وكأنها ضرب من عقاب الإثم ... أي ~~سعادة في الشهوات إذا كان الأسى هو نهاية اللذة؟ يعرف ذلك كل من يتجشم استعادة ذكرى ~~انغماساته.» # وربما يكون مرد الكآبة التي تعانيها كل الكائنات عقب قضاء الوطر هو إحساس الكائن ~~بأنه خدع ... بأنه بخس ... بأنه استدرج! لكأن الطبيعة كانت تقضي به مأربها لا ~~مأربه! # المكيدة الكامنة في صلب الحياة هي أن لذة الإشباع تأتي دائما أقل بكثير مما وعدنا ~~به الجوع! # تأمل السماء إذن، تأمل قبة السماء اللانهائية المرصعة بالنجوم، ثم جرب أن تسلك ~~شئونك وشجونك في هذا السياق الكوني الكبير، وأن تنظر إليها بعين الفلك الدوار، ~~ستدرك على الفور أنها أضحوكة، وأنها أهون عليك وعلى الكون من أن توزن، ثم تململ ~~وانفضها عنك كما تنفض هباءة، واستأنف وجدك بهذا الملك العريض. # خطأ تقسيم البسيط # أين مكمن الخطأ هنا؟ # لماذا يضل الناس عن طريق السعادة الحقيقية، الذي تهدي إليه الفطرة ذاتها، إلى ~~ترهات لا تفضي إلى شيء؟! # يكمن خطأ الإنسان في أنه «يأخذ ما هو بسيط وغير قابل للقسمة ويحاول تقسيمه، فيحيل ~~حقيقته إلى ms015 زيف وكماله إلى نقص ... حين يعمد البشر بحماقتهم إلى تقسيم ما هو بطبيعته ~~واحد، وإلى تحصيل جزء من شيء لا أجزاء له، فإنهم لا يحصلون على الجزء الذي لا وجود ~~له، ولا على الكل الذي يولونه اهتماما.» # السعادة «كل» بسيط، ولا وجود لها في هذه الجزئيات الكاذبة التي ما تكاد تقبض على ~~واحدة منها حتى تفلت منك الأخريات! # الخروج من الكهف ~~«لديك إذن طبيعة السعادة الزائفة وسببها معا، فلتحول نظرتك الآن في الاتجاه ~~المقابل ولسوف ترى لتوك السعادة الحقيقية التي وعدت بأن أبينها لك»، ولكي تكون جديرا ~~باكتشاف مصدر هذا الخير الأسمى ينبغي، كما قال أفلاطون في محاورة «طيماوس»، أن نبتهل ~~إلى الله، فبدون ذلك لا يستهل عمل ولا يشمر لأمر. # المخطط هنا أفلاطوني لا شك فيه، وتحويل النظرة عما هو زائف إلى ما هو حق، وإدراك أن ~~الله هو الخير الأسمى، إنما يستند على صعود الروح في أسطورة الكهف الشهيرة في الكتاب ~~السابع من «الجمهورية»، فصعود الروح، أو تربيتها، أشبه بصعود رجل من كهف مظلم كان ~~قابعا فيه ومقيدا منذ الطفولة لا يملك أن يرى غير ظلال على الجدار، # 10 # وحين فكت قيوده انتقل خطوة خطوة إلى النور، حتى تمكن في النهاية من أن ~~يرى الشمس نفسها - مثال الخير. # غير أن صعود الروح ليس مجرد عملية تربية، فهو أيضا عملية «تذكر» تنصهر فيها نظرية ~~التذكر الأفلاطونية بمفاهيم أفلاطونية محدثة تتعلق بانطواء الروح على ذاتها ~~واستضاءتها بنورها الباطن، من هنا كان تشخيص «الفلسفة» لحالة «بوئثيوس» هو «فقدان ~~الذاكرة» أو «النسيان»؛ نسيان طبيعته الحقة، إنه ليعلم بالسعادة الحقيقية ، غير أن ~~ذاكرته، كشأن غيره من الناس، كليلة غائمة، إن للروح نزوعا طبيعيا، وانتحاء ~~فطريا، إلى الله، غير أنها كثيرا ما تحيد وتحبط في مسالك مضللة، ولكن ما هو إلا ~~أن يشيح بنظرته عما هو باطل إلى ما هو حق حتى تتم له عملية التذكر ويصعد بروحه إلى ~~الرحاب العلى، ويدرك أن الله هو الخير وهو السعادة، ويتعرف على وطنه الحقيقي الذي ~~نسيه ms016 في معترك الحياة، فيهتف قائلا: «إنه هو ... هذا وطني، منه أتيت وفيه سأبقى ولا ~~أبرح أبدا»، فإذا ما عن له أن يلقي نظرة على الأرض المعتمة من ورائه فلسوف يرى ~~الحياة من منظور الأزل، ويرى الأشياء رؤية إلهية: # سيرى الطغاة الظالمين منفيين منبوذين لا مأوى لهم. # سيرى لذات الأرض وهمومها، وتقلبات الحظ وألاعيبه، كوميديا لا تحتمل إلا ~~الضحك. # أما «الشر» - عفريت الفلاسفة وحجة الملحدين - فلن يرى له وجودا! # بين حرية الإرادة وسابق العلم # من تمام العزاء أن يعرض بوئثيوس لمعضلة تقض مضجع المفكرين، وما تزال شوكة في حلق ~~اللاهوتيين: ثمة «تنافر» # incompatibility # ظاهر بين ~~«حرية الإرادة» (الإنسانية) # free will # و«سابق العلم» ~~(الإلهي) # prescience # وهي شوكة لأن معقبات هذا التنافر ~~وخيمة حقا تبلغ أن تكون سقوطا ذريعا لكل معنى وكل قيمة! # حين تؤخذ كل حقيقة من هاتين على حدة تكون حقا لا شك فيه، غير أنهما لا يمكن أن ~~تؤخذا معا في آن واحد، لكأنهما تتأبيان أن تخضعا لنير واحد! أيمكن أن يكون خلافهما ~~وهما؟ # إذا كان الله يعلم كل شيء # 11 # فإنه يرى كل ما سيحدث في المستقبل رؤية مسبقة ذات يقين مطلق، المستقبل ~~إذن «محتوم» # determined ~~«مختوم» # sealed # لا يملك أحد تغييره، وكل ما سيحدث فهو محدد سلفا بضرورة ~~مطلقة، تقيد أفكار الإنسان وأفعاله بمسلك واحد في الحدوث ما دام البشر مدفوعين للخير ~~أو الشر لا بإرادتهم بل بضرورة قاهرة لما يتعين أن يكون. # لا وجود إذن لحرية الإرادة البشرية، وإذا انتفت حرية الإرادة تنتفي معها المسئولية ~~ولا يعود هناك معنى ولا سند للثواب والعقاب، في الأولى والأخرى، ولا يكون للفضيلة ولا ~~الرذيلة أي وجود، # 12 # ولا تأثير للرجاء والدعاء. # كيف يمكن ل «الفلسفة» أن تنقذ الموقف؟ كيف تفض هذا الاشتباك بحيث يبقى كل من «العلم ~~المسبق» و«حرية الإرادة» قائمين دون أن ينفي أحدهما الآخر؟ # تقول «الفلسفة»: «أولا، ثمة حرية إرادة، فحرية الإرادة جزء من ماهية العقل وطبيعة ~~التعقل، الفكر حر بحكم التعريف، فمن غير الممكن أن توجد طبيعة ms017 عقلية من دون حرية ~~إرادة، فما من كائن يمكنه بالطبيعة استخدام عقله إلا وله قوة الحكم التي يمكنه بها، ~~بدون أي عون آخر، أن يتخذ القرار في كل أمر، وأن يميز بنفسه بين الأشياء التي يريدها ~~والأشياء التي يتجنبها ... كل ما لديه عقل فلديه أيضا حرية أن يريد أو لا يريد.» # حرية الإرادة، إذن، أمر واقع لا ريب فيه، ويبقى أن ننظر في مسألة «سبق العلم ~~الإلهي» وكيف يقوم على مستوى لا يتقاطع مع حرية الإرادة الإنسانية، ولا يمارس عليها ~~تأثيرا عليا: # الرؤية تدرك الشيء ولا تسببه، ومن الممكن للحدث أن يعرف دون أن تكون المعرفة ~~سببا لحدوثه. # وكل ما يعرف فإنما يعرف وفقا للقدرة المعرفية للعارف لا لطبيعة الشيء المعروف ~~(المدرك)، ومثلما أن معرفة الأشياء الحاضرة لا تضفي ضرورة على ما يجري في الحاضر، فإن ~~سبق العلم الإلهي لا يضفي ضرورة على ما سوف يحدث في المستقبل، كل ما في الأمر أن القدرة ~~المعرفية السرمدية تتيح لنظرة الله أن ترى كل شيء بطريقة تتجاوز طريقة العقل البشري في ~~رؤية الأشياء، السرمدية ليس لها ماض وحاضر ومستقبل: السرمدية حضور مقيم، ولله في ~~حضوره السرمدي معرفة تتخطى كل تغير زمني وتبقى قائمة في فورية حضوره، إنها تضم كل ~~الأعماق اللانهائية للماضي والمستقبل وتنظرها في فورية عرفانها كما لو كانت تحدث في ~~الحاضر، المعرفة الإلهية المسبقة لا تغير من طبيعة الأشياء أو خصائصها، بل، ببساطة، ~~ترى الأشياء حاضرة لها تماما كما سوف تحدث ذات يوم في المستقبل، إن المعرفة لا وطأة ~~لها على المجريات ولا توقع اضطرابا في الأشياء، والمعرفة الإلهية بحكم سرمديتها تميز ~~بلمحة واحدة كل ما سوف يحدث دون أن تقحم عليه ضرورة ليست فيه، المعرفة الإلهية تقع ~~على مستوى خارج عن المنظور البشري، ومن ثم فإن حرية الإرادة لا تضار بها على ~~المستوى البشري من العرفان، والمسئولية الأخلاقية بالتالي لا تنتفي ولا تمتنع. # صحيح أن من الصعب على العقل البشري تصور ذلك، تماما مثلما أنه من الصعب على الحواس ms018 ~~أو المخيلة فهم طريقة العقل في إدراك الكليات بينا لا ينظر إلا في كيانات مفردة، ~~وينبغي أن نسلم بأن العقل البشري المحدود، المرتكز على قطعة لحم على حد تعبير ~~شكسبير، لن يستوعب كل شيء عن ذات الله وطبيعة علمه وطرائقه في تصريف الخلق. ~~«لله معرفة مسبقة، ويستوي في عليائه مشاهدا كل شيء، ولما كانت سرمدية نظرته تصرف ~~المثوبة للأخيار والعقوبة للأشرار فهي تمضي بانسجام مع نوعية أفعالنا المستقبلية، الأمل ~~في الله ليس عبثا، والدعاء لا يذهب سدى، فهما إن كانا صالحين لا يمكن إلا أن ~~يجابا.» # جوهر العزاء # الفرق إذن هو فرق في «المنظور» # perspective # بين ~~رؤية الله ورؤية البشر، وإنما يأتي العزاء من محاولة العلو إلى رؤية أحداث العالم كما ~~يراها الله بقدر المستطاع، وبقدر ما يمكن أن يتاح للبشر، وإنما يأتي القنوط نتيجة ~~للرؤية الضيقة والمغرقة في البشرية والأرضية، مهمة الفلسفة أن ترتفع ببصائر الإنسان وأن ~~تهبه شيئا من الرؤية الإلهية، وما دام للفلسفة مثل هذه القدرة فإنها أمل الإنسان في ~~العزاء، إن من المتعذر عليك أن تفهم المحنة بمعزل أو تفهم البلاء على حدة، بل يتعين أن ~~تضعه في المخطط الكلي للأشياء، أن تفعل ذلك يعني أن تتفلسف، إن الفلسفة لا تغير الأحداث ~~ولا تعكس الحظ، غير أنها تقدم فهما تعود بعده أحداث الحياة مقبولة بل ممتعة. # وإذا كانت الاستجابة المعتادة للكوارث هي النحيب والعويل، وطلب الخلاص حيث لا خلاص، ~~فإن الفلسفة تعلم أن ما يحتاجه الإنسان حقا ليس التغيير بل الفهم، وبلمسة فنية ~~محسوبة تتركنا «الفلسفة» في موعظتها الأخيرة ل «بوئثيوس» وقد ارتقينا إلى مستوى ~~علوي، نشخص بأبصارنا إلى السماء ، ولدينا من حرية العقل ما يقهر القهر، فلا ~~نعود نرى القيد قيدا، ولا نعود نرى السجن سجنا. # عادل مصطفى # 5 / 4 / 2007 # الكتاب الأول # | التشخيص # ليس بين الجنون والعقل إلا # خطوتا سائر فحاذر وأمسك # أول الخطوتين نسيانك النا # س وأما الأخرى فنسيان نفسك # العقاد # الفصل الأول # | الأغنيات التي كنت أكتبها1 # أنا من كنت أدبج الأشعار بحماس ms019 بهيج، # أراني اليوم مضطرا إلى الشجو الحزين، # انظر كيف تملي علي ربات الشعر المعذبات، # وكيف تستدر دموعي بغنائها الباكي، # لم تتورع قط عن مرافقتي في محنتي ولم تتخل عني، # لقد كانت يوما زينة شبابي الغض، # وما زالت سلواي في الشيخوخة التعسة، # لقد داهمتني الشيخوخة على غير انتظار، # وغزا الشيب مفرقي قبل الأوان، # وارتجف الجلد المتراخي على الجسد البالي، # ألا ما أهنأ الموت الذي يمهل السعداء في زمنهم الجميل # بينما يلبي دعوة الأشقياء إذ يدعونه، # ولكن آه له الآن إذ يصم آذانه عن المقهور المعذب، # ويأبى أن يكفكف دموعه السخينة # يوم كان الحظ الغادر يجتبيني ويغدق علي عطاياه الفارغة # كانت لحظة الحزن تعصف بي أو تكاد؛ # أما الآن وقد اكفهر وجهه الخداع، # فقد راح الزمن الرديء يتمطى ويتطاول بأيام سمجة مملة # لماذا تعدونني سعيدا إذن يا أصدقائي؟ # فسقوط المرء دليل على أنه لم يكن راسخ القدم. # بينما كنت صامتا أتأمل في نفسي هذه الأفكار، وأصعد هذه الزفرات ~~إذ أدونها بقلمي، راعني سمت امرأة جليلة المظهر تقف أمامي، عيونها وهاجة ~~نافذة بقدر يتجاوز القوة البشرية المعتادة، كانت مثقلة بالسنين بحيث يتعذر أن ~~أتصورها من زمننا، غير أنها تتمتع بنضرة وقوة لا ينضب معينها، أما طولها فمن ~~الصعب التيقن منه: فتارة تبدو في حجم البشر العادي، وطورا تتسامق حتى تطاول عنان ~~السماء برأسها ... رأسها الذي حين ترفعه ربما تخترق السماء نفسها ويحسر عنها البصر البشري. # 2 # أما رداؤها فمنسوج بمهارة قصوى، ذو خيوط غاية في الرقة ومن أفخم خامة (أنبأتني ~~فيما بعد أنها نسجته بيديها)، نالت من بهائه رغم ذلك طبقة ترين عليه، كأن من طول ~~الإهمال، أشبه بغبار على التماثيل، على حافته السفلى طرز حرف Pi # اليوناني، أما الحافة العليا فرسم عليها حرف ~~ثيتا # Theta # وبين الطرفين سلم من الدرجات يفرض ~~الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى # 3 # إلا أن الرداء قد مزقته أيدي المغيرين وسلبت منه كل يد ما أمكنها ~~سلبه من المزق، على كل حال، كانت في يدها اليمنى تحمل كتبا ms020 بينما تحمل في يدها اليسرى ~~صولجانا. # عندما رأت ربات الشعر حول فراشي يملين علي كلمات ترافق عبراتي استشاطت غضبا ~~وقالت: «من الذي سمح لهؤلاء البغايا الهستيريات بالاقتراب من فراش هذا المريض؟ فليس ~~لديهن علاج لأوجاعه بل سموم محلاة تزيدها سوءا، فهؤلاء من يطمسن ثمرات العقل ~~بأشواك العاطفة العقيمة، ويوطن عقول الناس على الكرب بدلا من أن يحررنهم منه، فلو ~~أن من توقعن في حبائلكن، كدأبكن دائما، هو رجل من سواد الناس، لما كنت أعبأ بذلك فما ~~كان ليضيرني شيئا، أما هذا الرجل فقد نشأ على دراسة الإيليين والأكاديميين، # 4 # إنما أنتن سيرينات # 5 # تهلكن من يقع في غوايتكن، اغربن إذن واتركنه لربات الفلسفة ترعاه ~~وتداويه.» # استخزت ربات الشعر بهذا التوبيخ، وخرجن مطأطئات الرءوس تنم حمرة خدودهن على ~~شعورهن بالخزي والعار. # 6 # كانت الدموع تغشي على بصري فلم أستطع أن أميز من تكون هذه السيدة المهيبة المحتكمة، ~~كل ما استطعت فعله أن شخصت إلى الأرض صامتا أترقب ماذا سيحدث بعد، اقتربت السيدة ~~وجلست على الطرف المقابل من فراشي وجعلت تتأمل بعينيها وجهي المنكس المثقل بالحزن، ~~ثم أنشأت تتلو الأبيات التالية عن اضطراب فكري. # الفصل الثاني # | «الفلسفة» تلتفت إلى المؤلف # وا أسفاه، ها هو العقل يهوي إلى حضيض اليأس، # والبصر تلفه العتمة، # عندما تضخم عواصف الحياة من وزن هموم الدنيا، # ينسى العقل نوره الباطن، ويؤخذ بالظلام الخارجي، # هذا الرجل كان يوما طليقا متجها إلى السماء بخشوع وولوع، # يتأمل الشمس القرمزية والصفاء البارد للقمر، # كان فلكيا يعكف على متابعة الكواكب في أفلاكها، # هذا الرجل كان ينشد معرفة مصدر العواصف التي تعزف وتثير البحار؛ # الروح التي تحرك العالم، # السبب الذي يجعل الشمس تنتقل من الشرق المشع إلى الغرب المائي ، # كان ينشد معرفة السبب الذي يجعل ساعات الربيع معتدلة تزين الأرض # بالزهور، ومن الذي يفعم الخريف بالعناقيد المكتنزة عند اكتمال العام، # ها هو العقل الذي كان يبحث ويستكشف أسرار الطبيعة الخفية، # يرزح في قلب الظلام، # عنقه مكبل بالأغلال الثقيلة، # مرغما تحت وطأتها أن يتأمل التراب ms021 الحقير. # ومضت تقول: «غير أن الوقت وقت علاج لا وقت شكوى»، ثم حدقت بملء ~~عينيها قائلة: «ألست أنت من أرضعته يوما من لبني وأطعمته من طعامي إلى أن بلغ ~~أشده؟ لقد منحتك أسلحة كفيلة بأن تحميك وتذود عنك ولكنك ألقيت بها بعيدا؟ ألا ~~تعرفني؟ لماذا أنت صامت؟ هل أصمتك الخجل أم أسكتك الذهول؟ كنت أود أن يكون الخجل، ~~ولكن الذهول فيما أرى هو الذي يتملكك.» # عندما وجدتني صامتا، بل مبلسا غير قادر على النطق، وضعت يدها برفق على صدري ~~وقالت: «لا خطر، إنه يعاني من شيء من النسيان، ذلك المرض الشائع في العقول الضالة، لقد ~~نسي نفسه برهة وسوف يتذكرها بسهولة إذا ما تعرف علي، ولكي أمهد له ذلك ~~سأبدد بعضا من ضباب الهموم الدنيوية التي تغشي على عينيه.» # قالت ذلك ثم جمعت طرف ردائها وجففت عيني المغرورقتين. # الفصل الثالث # | «الفلسفة» تقبل التحدي # ثم انجلى الليل وتبدد الظلام، # وعادت إلى عيني حدتهما السالفة، # مثلما حين تهب ريح الغرب العاتية # تملأ السماء السحب السوداء والظلام العاصف، # وتحتجب الشمس قبل الوقت الذي ينبغي أن تتلألأ فيه النجوم، # ويلف الليل الأرض كلها، # ولكن إذا انطلقت ريح الشمال من كهفها الطراقي، # وجعلت تجلد الظلام بسوطها وتحرر النهار السجين، # فإن الشمس تتألق بفيض مفاجئ من النور، # وتبهر الأعين الطارفة بأشعتها. # بنفس الطريقة تبددت غيوم حزني وابتهجت بالضياء، والتفت ~~أتملى وجه طبيبتي وقد عاد إلي صوابي، وثبت عيني عليها، فعرفت فيها مربيتي التي ~~نشأت في بيتها منذ شبابي - الفلسفة. وسألتها لماذا هبطت من عليائها إلى منفاي الموحش، ~~«ألكي يتهموك ظلما مثلما اتهموني؟!» # ردت السيدة: «كيف أتخلى عنك يا ولدي؟ وكيف لا أقاسمك عناءك الذي تحملته بسببي ~~وبسبب كراهية الناس لاسمي؟ أتحسبني أخشى الاتهام أو أرتعد فرقا كما لو كان جديدا ~~علي؟ وهل هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الحكمة للخطر وتتهددها قوى الشر؟ ~~فقديما أيضا، قبل عهد خادمي أفلاطون، كم خضت في معارك كبيرة ضد قوى الغباء ~~الطائشة، ثم في حياة أفلاطون انتصر أستاذه سقراط ms022 على الموت الظالم بوقوفي إلى جانبه، ~~وبعدها بذلت جموع الأبيقوريين # 1 # والرواقيين # 2 # وغيرهم كل ما بوسعهم لكي يقبضوا على ميراث الحكمة الذي تركه لهم، حاول كل ~~منهم أن ينتزعني بالقوة كجزء من غنيمته، ولكني كافحت وقاومت، وخلال ذلك تمزق ردائي ~~الذي نسجته بيدي، لقد انتزعوا نتفا من الرداء وذهبوا يباهون بأنهم استحوذوا على ~~الفلسفة كلها، وإذ احتفظوا بمزق من ثيابي فقد أسبغ عليهم ذلك شهرة بين الجهال بأنهم ~~أهلي وذوي، ومن ثم فإن كثيرا منهم قد أضلته جهالة الجموع الحمقى. # 3 # وحتى إذا كنت لم تسمع بقصص الفلاسفة الأجانب (أي من غير الرومان): كيف نفي ~~أنكساجوراس # Anaxagoras # 4 # من أثينا، وكيف أعدم سقراط # Socrates # بالسم، وكيف ~~عذب زينون # Zeno # 5 # فما أظنك تجهل (قصص فلاسفة الرومان) كانيوس # Canius # 6 # وسينيكا # Seneca # 7 # وسورانوس # Soranus # 8 # وذكراهم ما تزال جديدة مدوية، فما أودى بهم سوى أنهم إذ نشئوا على ~~تعاليمي فقد بدوا ناشزين عن أخلاقيات الطغام مستخفين بها، لا عجب أن تتقاذفنا العواصف ~~الهوج في بحر الحياة هذا ما دام همنا الأكبر هو أن نغضب الأشرار، ورغم كثرتهم ~~العددية الهائلة فإن بوسعنا أن نزدريهم؛ لأنهم لا هادي لهم، إنما يحدوهم الجهل ~~فيخبطون خبط عشواء، فإذا عن لهم أن يجدوا في حملتهم علينا فإن قائدنا، العقل، يسحب ~~قواته إلى قلعته تاركا هؤلاء منشغلين بجمع أتفه الغنائم، هنالك يمكننا أن نطل ~~عليهم من أعلى حصننا المنيع، سالمين من غارتهم ضاحكين من حماقتهم.» # 9 # الفصل الرابع # | مكائد السياسة # من وطن نفسه على الحياة الهادئة مصطلحا مع قدره، # ووضع الموت المتغطرس تحت قدميه؛ # فإن بوسعه أن ينظر إلى حدثان الدهر في وجهه، # وألا يؤخذ بنعيمه ولا بؤسه، # رابط الجأش لا يزعزعه غضب البحر، # يمخض أمواجا من عمق أعماقه، # ولا يزلزله أتون بركان فيزوفيوس الهائج # يتفجر بالحمم ويقذف باللهب، # ولا تروعه الصواعق الحارقة تنطلق فتدمر الأبراج السامقة. # لماذا إذن ينخذل كثير من البؤساء أمام غضب الطغاة العجزة؟ # لو أنكم تخلصون أنفسكم أولا من الأمل والخوف؛ ms023 # تكونون قد أمنتم غضب الطاغية. # أما الذي يرتجف خوفا أو أملا، # ويفقد الثبات والسيطرة؛ # فإنه يكون قد ألقى عنه درعه، واقتلع من مكانه، # وأوثق بنفسه الأغلال التي سوف يزج بها. # سألتني: «هل تعي ما أقول؟ هل تنفذ كلماتي إلى عقلك؟ أو تراني أصرخ ~~في واد؟ # 1 # لماذا تبكي؟ ولماذا تفيض عيناك؟ يقول هومر: «أفض بدخيلتك ولا تكتمها في ~~نفسك.» إذا كنت تبتغي عون الطبيب فلا بد من أن تكشف عن الجرح.» # فاستجمعت قواي وأجبت: ألا ترين أن لسان حالي يغني عن مقالي، وينطق بقسوة القضاء ~~الذي نزل بي؟ ألا يؤثر فيك مجرد النظر إلى هذا المكان؟ أين منه مكتبتي التي اتخذتها ~~لنفسك في بيتي مستراحا وموئلا، تلازمينني فيها وتشرحين لي جميع أمور الفلسفة، ~~الإنسانية والإلهية، أكان هذا هو حالي يوم كنت أبحث معك أسرار الطبيعة، وتعلمينني ~~مسارات النجوم وترسمينها لي بعصاك، وتصوغين أخلاقي وحياتي كلها على مثال النظام ~~السماوي؟ أهذا جزاء امتثالي لك؟ ألست أنت من أسس هذا الرأي على لسان أفلاطون: إن ~~الدول السعيدة هي التي يحكمها الفلاسفة، # 2 # أو التي يدرس حكامها الفلسفة؟ وأشرت على لسان الرجل العظيم نفسه بأن هذا ~~سبب يلزم الحكماء بمزاولة السياسة؛ حتى لا تترك دفة الحكم لأيدي الأشرار والمجرمين ~~فيلحقون الدمار والخراب بالمواطنين الصالحين؟ # وعلى هذا الأساس قررت أن أطبق في السياسة العامة ما تعلمته منك في خلوة الدرس. ~~تشهدين أنت ويشهد الله الذي غرسك في عقول الحكماء أنه ما دفعني إلى تقلد أي منصب سوى ~~حرصي على الصالح العام. وهكذا نشبت النزاعات المستحكمة بيني وبين الأشرار، وأثار ~~علي حبي للعدل سخط الحكام، ولم أبال بسخطهم لعلمي أنني أرضيت ضميري الحر، كم وقفت ~~في وجه كونيجاست # Conigast # 3 # وهو يهم بأن يغتصب مال مستضعف، وردعت تريجويلا # Triguilla ~~، مراقب القصر، عن ظلم أتاه أو كاد يأتيه، وكم تدخلت بسلطتي ~~لأحمي المعذبين حين يلاحقهم ما لا يحصى من التهم الباطلة من جانب البرابرة الجشعين ~~الذين لا محاسب لهم ولا رادع. # لم أمل قط عن العدل ms024 إلى الظلم تحت أي ضغط، لم ~~يكن ألمي أقل من ألم الفلاحين أنفسهم حين أرى أملاكهم تنهب والضرائب تثقل كاهلهم، ~~وحين حلت ذات يوم مجاعة شديدة وفرض على الفلاحين بإقليم كامبانيا بيعت محاصيلهم، ~~بالظلم والاعتساف، بيعا يبخسهم حقهم ويسحق إقليمهم فقرا؛ فقد تصديت يومئذ للقاضي ~~الروماني من أجل الصالح العام، وعلى الرغم من أن الملك كان على علم بما أفعله فقد ~~نجحت في إيقاف البيع. # وباولينوس Paulinus ~~، القنصل السابق، الذي كان كلاب ~~البلاط قد التهموا ممتلكاته بطمعهم وجشعهم، فانتزعته من بين فكوكهم. وقنصل سابق آخر، ~~ألبينوس # Albinus ~~، خلصته من عقاب كان ينتظره ~~لتهمة ملفقة، وعرضت نفسي في ذلك لكراهية المدعي العام كيبريانوي # Cyprian # ألا ترين أنني قد جلبت على نفسي كثيرا من العداوات ~~والضغائن؟ غير أني كنت جديرا بحماية الباقين الذين ساعدتهم، فأنا لم أدخر وسعا في ~~خدمة رجال البلاط بدافع حبي للعدل، ومن ثم كنت حقيقا بدعم أكبر من جانبهم. # أوتدرين من هم الوشاة الذين قضوا علي؟ ~~أحدهم هو باسيليوس # Basilius # الذي طرد يوما من خدمة ~~الملك، ودفعته الديون إلى أن يشي بي، أما أوبيليو # Opilio # وجاودينتيوس # Gaudentius # فقد ~~حكم الملك عليهما بالنفي بسبب جرائمهما العديدة، فلجآ إلى المعابد، وعندما علم الملك ~~بذلك أعلن أنهما إذا لم يغادرا المدينة إلى رافينا # Ravenna # في الموعد المحدد فسوف يطردان منها بعد أن يوسما بميسم ~~العار على جبهتيهما، وليس ثمة من عقاب أنكى من ذلك، غير أنهما في ذلك اليوم نفسه وشيا ~~بي واتهماني وقبل اتهامهما، تراني كنت أستحق هذه المعاملة؟ أو هل هذه الإدانة ~~المبيتة لي تجعل من اتهموني على حق؟ ألا يستخزي القدر، إن لم يكن من الافتراء على ~~البراءة فعلى الأقل من دناءة المفترين؟ # أوتدرين ما هي خلاصة التهمة الموجهة إلي؟ لقد اتهموني بمحاولة حماية مجلس الشيوخ، ~~أتعلمين كيف؟ قالوا إنني حلت بين المدعي وبين تقديم أسانيد تثبت خيانة المجلس، ~~فما ظنك يا سيدتي؟ هل علي أن أنكر التهمة حتى لا أكون عارا عليك؟ لكني حقا كنت ~~أرغب في ms025 حماية المجلس وما أزال، هل علي أن أعترف؟ ولكن محاولتي منع المدعي لم تستمر، ~~أهو جرم أنني رغبت في سلامة المجلس؟ لقد جعلوه جرما على كل حال بحكمهم علي. الطيش ~~قد يخدع نفسه ولكنه لا يمكن أن يغير القيمة الحقيقية للأشياء، وما كان لي أن أتنكر ~~لمبدأ سقراط فأخفي الحقيقة وأصدق على الكذب، غير أني أترك لك وللحكماء تقييم هذه ~~الأحداث التي حرصت على تدوينها للتاريخ، حتى لا تفوت الأجيال القادمة معرفة التسلسل ~~الحقيقي للأحداث. # 4 # أما عن الرسائل المزورة التي نسبوها إلي ~~واتخذوها دليلا على أني أملت في تحرير روما فماذا أقول بشأنها؟! لقد كان بوسعي إظهار ~~تزييفها للملأ لو كان أتيح لي تفنيد أدلة الوشاة أنفسهم؛ لأن اعترافهم إذاك يكون ~~سيد الأدلة، ولكن لا حيلة لي الآن في ذلك، آه لو كانت لي، لقد كنت إذن قمينا أن ~~أرد كما رد كانيوس # Canius # على الإمبراطور ~~كاليجولا # Caligula # عندما اتهمه بالتستر على ~~مؤامرة ضده: «لو كنت أدري بها لما دريت أنت.» # لم يذهب بي الحزن في كل ذلك بحيث أبتئس لهجمات ~~الأشرار الآثمة ضد الأخيار، غير أني أعجب لكونهم يحققون ما يأملون؛ فالرغبات الشريرة قد ~~تكون جزءا من الضعف البشري، أما أن يتاح لكل شرير أن ينال غرضه من البريء على مرأى ~~من الله ومسمع فهذا ما يبدو لي بشعا كل البشاعة، لعل هذا ما حدا بواحد من أتباعك لأن ~~يسأل: «إذا كان الله موجودا فمن أين يأتي الشر؟ وإذا لم يكن هناك إله فمن أين يأتي الخير؟!» # 5 # ولقد كان يهون الأمر لو أن الأشرار المتعطشين لدماء كل الخيرين وكل المجلس قد ~~أرادوا لي الموت أيضا عندما رأوني أنافح عن الخير وعن المجلس، أما أن يشترك أعضاء ~~المجلس أنفسهم في الفعلة نفسها فذلك ما لم أكن أستحقه على الإطلاق. # ولعلك تذكرين ما حدث في فيرونا، فقد كنت دائما حاضرة ترشدينني في أقوالي وأفعالي، ~~عندما أراد الملك، الراغب في القضاء على المجلس برمته، أن يمد تهمة الخيانة ~~الموجهة إلى ms026 ألبينوس لتشمل أعضاء المجلس جميعا وهم منها براء، تذكرين كيف دافعت ~~عنهم مستهينا بأي خطر شخصي، وتعرفين أنني أقول الصدق ولا أتباهى بأي فضيلة لي، ذلك ~~أنه بقدر ما يتلقى امرؤ من الصيت كأجر على مكرمة أتاها ... يفقد الضمير المنغمس في ~~الرضا الذاتي شيئا من فضيلته الخفية. # 6 # وها أنت ترين أي منقلب حاق ببراءتي: فبدلا من أن أثاب على الفضيلة الحقيقية أعاقب ~~على جريمة لم أقترفها، فهل وجد قط أي اعتراف صريح بأي فعلة مثل هذا الإجماع على أقسى ~~العقوبة فلا يخفف منها النظر إلى الضعف البشري أو إلى تقلب مقادير بني الفناء؟ فحتى ~~لو أنني اتهمت بإحراق المعابد المقدسة أو قتل الكهنة بسيف أثيم أو بتدبير مذبحة لأهل ~~الخير قاطبة، لقد كنت حقيقا على الأقل بأن أمثل للمحاكمة فأعترف أو أدان قبل أن ~~أعاقب، ولكن ها أنا أبعد خمسمائة ميل لا أملك قولا أو دفاعا، وقد حكم علي ~~لجريمة لا تستحق أن يدان عليها أحد! # وحتى أولئك الذين أبلغوا عني لم يخف عليهم ما تتحلى به هذه الفعلة من شرف فسعوا ~~إلى تلطيخها بتهمة أخرى، فادعوا، زورا وبهتانا، أنني اختنت ضميري ولجأت إلى ~~وسائل غير شريفة طمعا في منصب، ولكنك، أيتها المقيمة في عقر الروح، قد طردت من قلبي ~~كل مطمع في حطام الدنيا، بل لم تتركي فيه مكانا لمطمع، وما زلت تهمسين في مسامعي كل ~~يوم بذلك المبدأ الفيثاغوري «اتبع طريق الله.» وما كان لي أن أستعين بأحط النفوس وقد ~~سموت بي إلى أعلى المدارج لأكون على صورة الله. # ثم إن حياتي الأسرية التي لا تشوبها شائبة، وصلاتي بأرفع الأصدقاء قدرا، إلى جانب ~~مصاهرتي لسيماخوس # Symmachus # التقي الورع الذي ~~يضارعك وقارا، كل أولئك جدير بأن ينأى بي عن أي شبهة في مثل هذه الجريمة. # والأدهى من ذلك أنهم يدعون أنك أنت التي دفعتني إلى الإثم، من حيث إنني متشرب ~~بتعاليمك متمرس بأخلاقياتك، وهو عندهم دليل على أنني قد اقترفت ما اقترقت! فلم يكف ~~إذن أن توقيري لك ms027 لم يعد علي بنفع، بل إنك أنت نفسك صرت محط الكراهية عوضا عني، ~~وفوق كل ذلك فقد أنقض ظهري ثقل آخر هو أن الناس لا تحكم على الأفعال وفقا لمناقبها ~~الخاصة بل وفقا لما ينتج عنها بالمصادفة، فيكون الفعل في نظرهم حصيفا ما دام الحظ ~~حليفه، أما من لم يحالفه الحظ فلا نصيب له من رضا الناس. # وإنه لمن المضجر أن أتذكر ما يدور بين الناس من شائعات وما يتناجون به من آراء ~~شديدة التباين والاختلاف، وبحسبي أن أقول إن هذا هو العبء الأخير الذي يلقيه القدر ~~القاسي على كاهلنا: فحيثما ألصقت تهمة بتعساء الحظ ظن الناس أنهم كانوا يستحقون كل ما ~~ينزل بهم، وهكذا كان العقاب جزاء إحساني، فجردت من أملاكي ومن مناصبي وشوهت سمعتي ~~إلى الأبد. # لكأني أرى الآن أوكار المجرمين الآثمين تضج بالفرح والابتهاج، وأرى أشد الناس يأسا ~~وخذلانا يستهدف لمزيد من التهم الباطلة، لكأني أرى الصالحين من الناس يرزحون خوفا مما ~~يتهددهم بعد الذي حاق بي، بينما يجترئ كل الأوغاد الخاسئين على التهتك والانفلات وهم ~~بمأمن من العقاب، بل وهم طامعون في المثوبة على ما جنت أيديهم، لكأني أرى الطاهرين ~~قد حرموا من الأمن والسلام، بل حرموا حتى من كل فرصة للدفاع عن أنفسهم. # الفصل الخامس # | اضطرابه الانفعالي1 # يا خالق السموات المرصعة بالنجوم # أيها الجالس على عرشك الأبدي، # تدير السماء دورانا رشيقا، # وتعنو الأنجم لسنتك، # بأمرك يسطع القمر تارة بدرا متكملا، # إذ يستقبل ضوء أخيه. # 2 # فتخبو له الأنجم الضئيلة # وطورا يحول محاقا، # ويفقد كل ضيائه المستعار # وأنت تحدو نجم المساء # باردا جليا في الهزيع الأول من الليل، # ثم يبدل أعنته ويكون نجم الصباح # ثم يشحب أمام ضياء الشمس الجديدة، # عندما يجرد الشتاء البارد الأشجار من أوراقها # فأنت تقصر أمد النهار، # وحين يقبل الصيف بلهيبه # تمنح الليل الساعات الأسرع، # بقدرتك تنظم مواسم العام، # فالأوراق التي انتزعها ريح الشمال في الشتاء # يردها النسيم الغربي في الربيع، # والبذور التي رعاها الشتاء # تنضجها حرارة الصيف غلالا يانعة، # وما من ms028 شيء إلا يلبي شرعتك الأزلية، # ويؤدي مهمته بانضباط # كل شيء أنت تحكمه بضوابط صارمة # إلا أفعال البشر، # فقد استنكفت، كمهيمن، أن تقيدها بقيود، # وإلا فلماذا يتقلب القضاء بهذا العنف ويغير الأحوال بهذا النحو؟ # فإذا بالعقاب المؤلم الحقيق بالمجرمين يهوي على رءوس الأبرياء # الآثمون يتربعون على العروش العالية، # ويدوسون، يا للوضع المقلوب! على رقاب الصالحين # الفضيلة الوضاءة تتوارى في الظلال المعتمة، # العادل يحمل وزر الظالم # العقاب لا يطال الحانثين باليمين المزينين الكذب بزخرف القول، # الذين يستخدمون هذه المهارة كلما دعتهم نزوتهم، # ويزدهيهم أنهم يخضعون لها الملوك أولي البأس # الذين يبسطون سلطانهم ويفرضون هيبتهم على جحافل البشر، # أنت يا من تمسك بزمام كل شيء # انظر من فوق إلى بؤس الأرض، # فالبشر ليسوا جزءا هينا من هذا العمل العظيم، # البشر تتقاذفهم أمواج القضاء، # أوقف، أيها الهادي، الطوفان الجارف، # ومثلما توثق السماء اللانهائية بوثاق يحكمها # أوثق أصقاع الأرض وثبتها بوثاق مثله. # بينما كنت أنفث هذه الحسرات الطويلة، بقيت الفلسفة هادئة لم ~~يطرف لها جفن ولم تتأثر بشكواي، ولما انتهيت نظرت إلي بهدوء وقالت: «عندما رأيتك ~~حزينا دامعا أنبأني لسان حالك أنك معذب منفي، ولكن ما كان لي أن أعلم كم لك في ~~المنفى لولا أن كشفت لي ذلك في ثنايا قولك، غير أنك في حقيقة الأمر لم تنف بعيدا عن ~~وطنك، بل أنت الذي ضللت بعيدا عنه بنفسك! أو إن شئت أن تعد نفسك منفيا فأنت الذي ~~نفيت نفسك! فلا أحد غيرك على الإطلاق يمكنه أن يكون قد فعل ذلك، ذلك أنك لو تذكر ~~وطنك الحقيقي الذي جئت منه فإنه ليس محكوما بالأغلبية مثل أثينا القديمة، بل إنه، على ~~حد قول هوميروس، «واحد سيده، واحد ملكه»، واحد يروقه أن يكثر رعاياه لا أن ينفوا، ~~واحد ... أن تعنو لعنانه وتذعن لسلطانه وتنحني لعدالته هو أعلى مراتب الحرية. # يبدو أنك نسيت القانون الأقدم لبلدك: إنه حق مقدس لكل فرد اختار الإقامة فيه ألا ~~ينفى منه أبدا ، ومن ثم فلا وجه للخوف من النفي داخل أسواره وحماه، ms029 ولكن أيما ~~فرد يرغب عن العيش فيه يكون بنفس الدرجة قد فقد استحقاقه أن يكون هناك؛ لذا فإن هذا ~~المكان لا يزعجني بقدر ما يزعجني منظرك، ولا ما أبحث عنه هو جدران مكتبتك المزينة ~~بالزجاج والعاج، بل أبحث عن كرسي عقلك! ذلك هو المكان الذي أودعت فيه يوما، لا كتبي، ~~بل الشيء الذي يجعل للكتب قيمة ... الفلسفة التي تحتويها الكتب، الأفكار التي ~~تكنزها. # أما ما ذكرته عن خدماتك للصالح العام فما أقله بالقياس إلى ما قدمته حقا من ~~جلائل الأعمال، وأما حديثك عن التهم المنسوبة إليك، سواء عن حق أو عن باطل، فقد ~~سجلت فيه ما هو معروف جيدا، وأما عن جرائم الوشاة وأكاذيبهم الدنيئة فقد أصبت إذ ~~مررت عليها في عجالة ما دامت تتردد على أفواه العامة أكثر إسهابا وتفصيلا، ولقد ~~انتقدت بعنف وقوة جحود المجلس وظلمه، وتحدثت بأسى عن التهم التي طالت شخصي وذرفت ~~الدموع للتشويه الذي نال سمعتي، وأخيرا صببت جام غضبك على القدر وشكوت مر الشكوى ~~من أنه لا يقدم الجزاء العادل بقدر الاستحقاق، وفي شعرك الختامي الغاضب دعوت مع ~~ربات الشعر أن يكون السلام الذي يحكم السماء حاكما على الأرض أيضا. # ولكن ما دمت الآن مضطربا تعصف بك شتى الانفعالات، من حزن وغضب وكرب، وتذهب بك كل ~~مذهب، فليس الآن وقت العلاجات القوية، بل دعني أستخدم أدوية ألطف في البداية، كأني ~~ألين بها ما تورم وصلب من أثر هذه الانفعالات المزعجة فتؤهله لتلقي الدواء الأشد ~~قوة.» # الفصل السادس # | التشخيص # إذا ما أهل برج السرطان يسفع الحقول # بأشعة الشمس القاسية، # فإن من يبذر قمحه آنذاك في الحقول العقيمة، # ستخونه إلهة الحصاد وتخلف وعدها له، # وسيلجأ إلى ثمار البلوط ليأكل، # عندما يروع الحقل برياح الشمال القارسة # لا تقصد بساط الغابة القاتم لتجمع البنفسج، # ولا تنشد بيد متلهفة أن تقطف أعنابك في مايو # إذا شئت أن تنعم بمذاق العنب، # فإنما يهب باكخوس (ديونيسوس) عطاياه في مقتبل الخريف، # فلقد حدد الله المواسم # وهيأ لكل موسم عمله الخاص، # ولا تملك ms030 قوة أن تفسد النظام الذي قدره # وهكذا؛ لأن طريق العصيان والعسف يحيد عن الصراط السوي، # فإن مآله الفشل والوبال. ~~«إذن دعني أولا أتفحص حالتك النفسية وأختبرها ببضعة أسئلة بسيطة؛ ~~لعلي بذلك أقف على أفضل طريقة لعلاجك.» # فأجبتها: «سلي ما شئت، وسوف أجيب.» # قالت: «هل ترى أن هذا العالم تسيره المصادفة والأحداث العشوائية، أو تعتقد أنه ~~ينطوي على مبدأ عقلي ما؟» # قلت: «حاشاي أن أعتقد أن أحداثا على هذا الاطراد المنتظم يمكن أن تكون وليدة ~~المصادفة والاتفاق، إنما أؤمن أن الله الخالق يسهر على خلقه، ولا أراني أحيد يوما عن ~~هذا الاعتقاد ما حييت.» # قالت: «هذا حق، بل هو بعينه ما كنت تشدو به للتو عندما كنت تتحسر على أن بني البشر ~~وحدهم من لا تشملهم عناية الإله، إن اعتقادك لراسخ بأن كل شيء آخر محكوم بالعقل، ~~وإنني لأعجب كيف يصيبك المرض مع هذا الرأي السليم، ولكن دعني أمضي بالفحص إلى ما هو ~~أعمق، إنني ليغلبني حس بأن ثمة شيئا مفقودا بشكل ما، قل لي إذن: ما دمت لا تشك ~~البتة في أن الله يحكم العالم، فما هي، في رأيك، المبادئ التي يسير بها ~~العالم؟» # قلت: «لا يسعني أن أجيب عن سؤالك لأنني لا أتبين معناه.» # قالت: «لقد صدق ظني إذن أن هناك شيئا مفقودا، أن ثمة ثلما في درعك نفذ منه هذا ~~المرض المخبل إلى روحك، أخبرني إذن هل تذكر ما هي غاية الأشياء جميعا، وما الهدف ~~الذي تتجه إليه الطبيعة بأسرها؟» # قلت: «كنت أعرفها جيدا، ولكن ذاكرتي كليلة من الحزن.» # ف ~~: ~~«ولكن ألا تعرف من أين أتت الأشياء جميعا؟» # ب ~~: ~~«بلى، من الله.» # ف ~~: ~~«فهل يجوز أن تعرف الأصل وتجهل الغاية؟ على أن هذه الاضطرابات إن قويت على ~~تشتيت المرء بتغيير موقعه فإنها لا تقوى على أن تنتزعه كليا من نفسه وتقتلعه ~~من جذوره، ولكن أود أيضا أن تجيبني عن سؤال آخر: هل تذكر أنك ~~إنسان؟» # ب ~~: ~~«ولم لا أذكر؟!» # ف ~~: ~~«أيمكنك إذن أن تنبئني ما هو الإنسان؟» # ب ms031 ~~: ~~«أتقصدين الحيوان العاقل أو الأخلاقي؟ أعرف بالتأكيد، وأقر أنني ~~لكذلك.» # ف ~~: ~~«أواثق أنت أنك لست أكثر من ذلك؟» # ب ~~: ~~«واثق تماما.» # ف ~~: ~~«الآن عرفت سبب مرضك، أو السبب الرئيس لمرضك، لقد نسيت ما أنت؛ لذا فقد وقفت ~~على مرضك من كل جوانبه، وعلى المدخل إلى استرداد صحتك، فلأنك سادر في نسيانك ~~فقد رحت تتحسر أيضا على أنك منفي ومجرد من ممتلكاتك، ولأنك لم تعد تعرف ~~ما هي بالضبط غاية الأشياء، فقد حسبت أن التافهين والمجرمين أقوياء وسعداء، ~~ولأنك نسيت ما هي الطرائق التي تسير العالم فقد ظننت أن ضربات الحظ تتخبط ~~هنا وهناك بغير ضابط، تلك أشياء لا تفضي إلى المرض وحده، بل إلى الموت ~~أيضا. # ولكن من لطف الله أنك لم تهجرك طبيعتك كلها، فما تزال لدينا الشرارة ~~الكبرى لشفائك، وهي رأيك الصائب عن إدارة الكون، فأنت تؤمن أن الكون لا تحكمه ~~المصادفة العشواء بل العقل الإلهي، إذن لا تخش شيئا، فمن هذه الشرارة ~~الضئيلة سوف ينبثق فيك وهج الحياة. # ولكن لأن وقت الدواء الأقوى لم يحن بعد، ولأن من طبيعة العقل أنه مقابل كل ~~فكرة صحيحة يفقدها يكتسب فكرة زائفة تنفث ضباب الوهم ليغشي على بصيرته ~~الصحيحة، فسوف أحاول أن أبدد هذا الضباب شيئا فشيئا باستخدام علاجات خفيفة ~~ومتوسطة القوة، فإذا ما تبدد ظلام الانفعالات المضللة سيكون بوسعك إذاك أن ~~تبصر ألق الحقيقة.» # الفصل السابع # | النجوم المغيبة في الغيوم # النجوم المغيبة في الغيوم السوداء # لا يمكن أن تريق نورا، # حين تهيج ريح الشمال العاصفة أمواج البحر، # فإن سطحه الذي كان للتو ساجيا رائقا كالبللور # يتعكر ويغيم، فلا ينفذ فيه البصر، # والمجرى الذي يحيد، # ويساقط من أعالي الجبل، # كثيرا ما يتعثر في صخرة تعترضه # اقتطعت من جلاميد الجبل نفسه، # وأنت أيضا، إذا شئت أن ترى الحقيقة # في ضياء صاف، # فسر على المحجة # الطريق المطروق، # واطرد الفرح # واطرد الخوف # واطرد الأمل، # واطرد الحزن # فالعقل يتعكر، # ويرسف في الأغلال # إذا بسطت هذه الضلالات سلطانها. # الكتاب الثاني # | الحظ والسعادة # فهل حاروا مع ms032 الأقدار أو هم حيروا القدرا؟! # العقاد # الفصل الأول # | الطبيعة المتقلبة للحظ # بعد ذلك لزمت الصمت لحظة، فاستوقفني ترفق صمتها نفسه والتفت إليها، هنالك أنشأت ~~تقول: إذا صح تشخيصي لعلة مرضك وطبيعته فأنت متحرق إلى حظك الماضي، ويناجيك ~~خيالك بأن هذا التغيير قد أوقع الكثير من الاضطراب في روحك وعقلك، إنني أعرف الأقنعة ~~العديدة التي يتنكر بها هذا المسخ - الحظ - وأعرف كم يغوي بالصحبة الأشخاص أنفسهم ~~الذين يسعى إلى خداعهم، ثم يتخلى عنهم ويتركهم في حزن غامر، ولو تذكرت طبعه ~~وطرائقه ومزاياه لتبينت أنك لم تفد منه ولم تخسر بفقدانه شيئا ذا بال، ولكني لست ~~بحاجة إلى تذكيرك بهذا، فلطالما هاجمته، عندما كان يحالفك ويداهنك، بكلمات قوية ~~جريئة، وطالما فندته بعبارات اقتبستها من حرمي المقدس، على أن كل تغيير مفاجئ في ~~الظروف لا بد من أن يوقع في النفس شيئا من الاضطراب، هذا ما أخرجك أنت أيضا عن ~~طورك بعض حين وسلب منك السكينة. # لقد آن لك إذن أن تأخذ جرعة خفيفة سائغة تشيع في داخلك وتمهد الطريق بعد ~~لجرعات أنجع، جرب إذن الأثر المهدئ للبلاغة المعسولة التي تمضي في طريقها الصحيح ~~ما لم تحد عن مبادئي، ودعنا نصغي إلى الموسيقى، خادمة داري، ترن في أوزان خفيفة أو ~~ثقيلة وفق طلبي. # ما الذي رمى بك، أيهذا الإنسان الفاني، في مستنقع الحزن والقنوط؟ لعلك قد أخذت على ~~غرة، ولكنك تخطئ إن ظننت أن الحظ قد أدار لك ظهره، فالتغير هو طبيعة الحظ ودأبه ~~وديدنه، وهو في تقلبه نفسه إزاءك إنما كان حافظا لعهده وثابتا على مبدئه! وهو ~~ذات العهد وعين المبدأ الذي كان به من قبل يتملقك ويغويك بسعادة زائفة. # 1 # لقد تبينت الوجه المتقلب لهذا الإله الأعمى، إنه ما زال يخفي شخصه عن سواك ~~بينما تكشف لك أنت بتمامه، فإذا كنت مقتنعا بطرائقه فإن عليك أن تقبلها ولا ~~تشكو، وإذا راعتك خيانته فاهجره وأقلع عن ألعابه الخطرة، فإن ما يسبب الآن لك الأسى ~~والحزن كان خليقا بأن يجلب لك السلام، فلقد ms033 تخلى عنك من لا يأمن له أحد ولا يثق ~~ببقائه إلى جانبه على الدوام، أم هل تقدر ذلك الصنف من السعادة المحتومة الزوال؟ هل ~~يعز عليك حظ تعلم أن بقاءه موضع شك وأن زواله يورث الحزن؟ فإذا كان المرء لا يملك ~~التحكم في الحظ وفق إرادته، وإذا كان زواله يترك وراءه البؤس، فماذا عساه أن يكون ~~هذا الشيء الرواغ سوى نذير بشؤم قادم؟ إن العاقل لا يقنع بالنظر إلى ما هو أمام ~~عينيه، فالحصافة تقدر عواقب الأشياء، والعبرة بالخواتيم، إن تقلب الأحوال نفسها بين ~~عسر ويسر ليجرد الحظ من سلاحه، فلا تعود تهديداته تخيف ولا ابتساماته ~~تغري. # وأخيرا، فما دمت قد انحنيت للحظ ووضعت عنقك تحت نيره، فإن عليك أن تتحمل، ~~بجأش ثابت، كل ما يحدث في ملعب الحظ، وإذا كنت اخترت الحظ بملء حريتك ليكون سيدا لك ~~مسيرا لحياتك، فمن الخطل بعد ذلك أن تملي عليه قاعدة تحكم مجيئه وذهابه، وإن لهفتك ~~نفسها سوف تزيد مرارة أي نصيب لك لا تملك تبديله. # إنك إذا أسلمت شراعك للريح فستدفع بقاربك إلى حيث تشاء هي لا إلى حيث تشاء أنت، وإذا ~~أنت أودعت بذورك الأرض فسوف توازن ما بين سنوات الرخاء وسنوات القحط، وما دمت الآن قد ~~أسلمت نفسك للحظ فعليك أن تخضع لأحكامه، أتريد حقا أن توقف دولاب الحظ عن الدوران؟ ~~ألا تعلم، يا أشد الفانين حمقا، أن الحظ إذا بدأ في التوقف لا يعود حظا؟! # بيد مسيطرة يدير الحظ دولاب التقلبات، # 2 # مثل أمواج كاسحة في خليج غادر تجيش جيئة وذهابا، # ويطيح الآن بملوك مرهوبي الجانب، # وما يزال مخادعا وهو يرفع الأذلاء # إنه لا يصغي إلى المعذبين ولا يكترث للباكين؛ # بل يقهقه بقلب متحجر، ساخرا من الأنين الذي ابتعثه # تلك لعبته، وهكذا يختبر قواه، # ويكون قد استعرض بأسه إذا رأى إنسانا، # في ذات اللحظة # يرفع به إلى السعادة، # ويطوح به في الشقاء. # الفصل الثاني # | الحظ يدافع عن نفسه # والآن أود أن أحاجك قليلا بكلام الحظ نفسه، وأن تنظر فيما ms034 إذا كان على حق: # أيها الإنسان، لماذا تكيل لي التهم وتلاحقني كل يوم بشكاواك المتصلة؟ أي ظلم ~~ألحقته بك؟ أية ثروة سلبتها منك؟ هات أي قاض يروقك ونازعني أمامه حول ملكية الثروة ~~والمنصب، وإذا أمكنك أن تثبت أن أي شيء من ذلك يخص أي بشر فان فلسوف أسلم عن ~~طيب خاطر بأن ما تريد استرداده هو شيء كان ملكك حقا، عندما أتت بك الطبيعة من بطن ~~أمك فقد تلقيتك عاريا من كل شيء، فرعيتك ووهبتك من هباتي، ومننت عليك بخيري ~~وربيتك، وهذا ما يجعلك الآن تضيق ذرعا بي، ولقد غمرتك بكل الثراء والمجد الذي كان ~~عندي وتحت تصرفي، والآن يحلو لي أن أكف يدي، كن شاكرا كأنك قد عشت مما أقرضتك، وإذا ~~استعدت منك ما استعرته مني فبأي حق تشكو من ضياع شيء لم تكن تملكه؟ لماذا تتظلم إذن؟ ~~أنا لم أتعد عليك، إن الثروة والجاه وكل تلك الأشياء هي من حقوقي ومن سلطتي، إنها ~~خدمي والخدم تعرف سيدها، إذا أتيت تأتي معي وإذا ذهبت تذهب، وإنني لأعلنها واضحة: لو ~~كانت هذه الأشياء التي تتظلم لفقدانها هي ملكك حقا لما كنت تفقدها أبدا، أم تراني ~~أنا وحدي من يبخس حقه ويحرم من ممارسة سلطته المشروعة؟ لقد حق للسماء أن تأتي ~~بالضياء الساطع بالنهار وأن تحجبه بالليل، وقد حق للعام أن يزين وجه الأرض حينا بالزهر ~~والثمر ويلبده بالغيم والصقيع حينا آخر، ومن حق البحر أن يهدأ ويروق تارة ويروع ~~بالعواصف واللجج تارة أخرى، أيريد الطمع البشري الدائم أن يكرهني على ثبات ليس في ~~طبعي؟ إن التغير هو جوهري ولبابي، في التغير تكمن قوتي الحقيقية ولعبتي الدائمة: إنني ~~أدير عجلتي دورانا متصلا، ويلذ لي أن أدفع الأسفل إلى الذروة والأعلى إلى القاع، ~~فاصعد معها إن شئت ولكن لا تلعنها إذا اقتضتك أحكام اللعبة أن تهبط، أفأنت تجهل ~~طباعي؟ ألم تسمع عن كرويسوس # Croesus # ملك ليديا # Lydia # الذي أرهب يوما عدوه كيروس (قورش) # Cyrus ~~، ثم ما لبث أن نكب وحكم عليه بالموت ms035 ~~حرقا، فأنقذته السماء بوابل من المطر؟ # 1 # لا بد أنك سمعت عن إيميليوس ~~باولوس # Aemilius Paulus # وكيف ذرف دموع الحسرة على البلايا التي حاقت بسجينه ~~بيرسيس Perses # آخر ملوك مقدونيا، # 2 # وما الذي تندبه التراجيديات بصخبها وعويلها، إن لم يكن هو القدر الذي يطيح ~~بالممالك السعيدة بضرباته العشوائية؟ ألم تسمع في صباك ما رواه هوميروس من أن هناك ~~وعاءين قائمين على عتبة زيوس، أحدهما مليء بالشر والآخر مليء بالخير؟ ولقد اغترفت من ~~الخير أكثر من قسطك، ولكن هل تخليت عنك كل التخلي؟ إن تقلبي نفسه ليمنحك سببا ~~وجيها لأن تأمل فيما هو أفضل؛ ولذا ينبغي ألا تضني روحك بأن تحملها على العيش وفقا ~~لقانون من عندك، في عالم يشارك فيه الجميع. # لو راحت إلهة الوفرة بفيضها الغامر # 3 # تذر العطايا بيد سخية. # عدد الرمال يذرها البحر هيجته العواصف # أو عدد النجوم المنتثرة في حلكة الليل الرائق # ولم يغل يده # لما كف الجنس البشري شكاياته ونحيبه # ورغم أن الله يتقبل دعاءهم # ويغدق عليهم الذهب بيد مبسوطة # ويزين طمعهم بالأوسمة البراقة # فإن كل ما أعطاه يبدو عدما # فالجشع الضاري يبتلع ما طلبه # وما ينفك يفغر فمه طلبا للمزيد # أي لجام إذن وأية شكيمة # يمكن أن تكبح هذه الشهوة الجامحة وتضع لها حدا # بمجرد أن يطفئ مثل هذا السخاء # لهيب العطش إلى التملك والاكتناز # ألا لا تدعه غنيا ذاك الذي # ما يزال أبدا لاهثا متلهفا # وقد وقر في اعتقاده أنه محتاج. # الفصل الثالث # | حظوظه السعيدة # «إذا قدم الحظ هذا الدفاع فما أظنك واجدا ردا عليه من جانبك، فإذا كانت لديك ~~حجة بوسعك أن تقدمها لتؤيد دعواك فهات بها وكلي آذان صاغية.» # عندئذ قلت: «إن كل ما قلته معقول بالتأكيد ومسوغ بحلاوة البلاغة والموسيقى، غير ~~أن كلماتك تروق المرء أثناء سماعها فحسب، إن للمعذبين مواجيد من بأسائهم غائرة، حتى ~~إذا ما فرغت كلماتك ولم تعد ترن في الآذان عاد هذا الأسى المتأصل ليثقل القلب مرة ~~أخرى.» # فأجابت: هو ذاك، فهذا ليس العلاج بعد، إنما ms036 هو نوع من التسكين لحزن شديد ما يزال ~~يستعصي على العلاج، أما العلاجات التي تنفذ إلى العمق فسوف أستخدمها في الوقت ~~الملائم. # ومع ذلك فما أحسبك على اقتناع بأنك من الأشقياء حقا، أم نسيت كم اصطفاك الحظ ~~بعطاياه وآثرك بهباته؟ ألا يكفي أنك حين فقدت أباك تولتك رعاية أناس من أعلى ~~الطبقات، وجعلت صهرا لأرفع عائلات المدينة؟ فقد كنت عزيزها قبل أن تكون صهرها، وذاك ~~لعمري أغلى صنف من الروابط جميعا، من ذا الذي يشك في أنك أسعد الناس حظا فيما حباك ~~الله به من زوجة نبيلة وأبناء نجباء؟ ناهيك بألوان المجد الذي بلغته وأنت شاب بعد، ~~وحظيت منه بما لم يحظ به أغلب البشر في كل العصور، وبحسبي أن أذكر ما توجك به الحظ ~~السعيد مما لم يتوج به أحدا سواك، ويكفي أن أذكرك بذلك اليوم المجيد الذي تتضاءل ~~بجانبه كل نعم الدنيا، ولا تنال من بهائه كل ألوان الرزايا مهما ثقلت وتراكمت، وأعني ~~ذلك اليوم الذي رأيت فيه ابنيك قنصلين في آن معا يزفان من دارك بين تهنئة القناصل ~~وتهليل الجماهير، إذ جلسا على مقاعد المجد بينما تلقي أنت خطاب التهنئة إلى الملك، ~~وتنتزع الإعجاب لبلاغتك ونبوغك، في اليوم نفسه جلست في المدرج # Circus # بين القنصلين، في عرض فخم يليق بقائد منتصر، تتلقى الحفاوة ~~وتسعد الجماهير التي احتشدت حولك في شغف وترقب. # أرى أنك قد أغلظت القول لإلهة الحظ # Fortuna ~~، لقد ~~طالما لاطفتك ودللتك كمعشوق لها، وغمرتك بما لم تغمر به أحدا من قبلك، هل لك أن ~~تراجع حساباتها وتوازن بين ما أعطت وما أخذت؟ هذه هي المرة الأولى التي ترمقك فيها ~~بالنظر الشزر، ولو أحصيت أوقات الشقاء، من حيث الكم والكيف، فلن يسعك أن تنكر أنك كنت ~~امرءا سعيدا حتى الآن، أما إن كنت تنكر ذلك باعتبار زوال هنائك الذي مضى وفوات سعدك ~~وانقضاء أسبابه، فليس لك أن تدعي رغم ذلك أنك الآن شقي بائس؛ لأن نفس الأشياء التي ~~تراها بؤسا هي أيضا أشياء عابرة ككل شيء ms037 آخر، هل أنت غريب عن الحياة وافد على ~~مسرحها لأول مرة غير ملم بمشهدها وغير مدرك لأمرها؟ أتظن أن هناك أي دوام لأي حال ~~من أحوال البشر، وأنت تعلم أن هناك لحظة مفردة وشيكة سوف تأتي على المرء وتمحوه ~~محوا؟ فرغم أن حظوظ الحياة قلما تدوم لأحد، فإن اليوم الأخير من عمر المرء فيه نوع من ~~الموت لإلهة الحظ حتى إذا لازمته وبقيت معه، أي فرق إذن بين أن تهجرها أنت بالموت ~~وأن تهجرك هي بالفرار؟! # 1 # عندما تشرع الشمس بعربتها الوردية # في نشر ضيائها، # تكسف النجوم أمام ألقها الوهاج، # عندما ينسم ريح الغرب الدافئ # يكسو الرياض بورود الربيع الحمراء، # ثم لا تلبث ريح الشمال الملبدة أن تعصف، # فيذهب الجمال ولا يبقى منه غير الشوك # البحر يتألق تارة في هدوء # ساجي الموج رائقا، # وطورا تضربه ريح الشمال، # وتثير عليه الأعاصير الغاضبة، # إذا كان الكون نفسه متقلبا # لا يثبت على حال، # فكيف تضع ثقتك في عرض الدنيا، # ويقينك في النعيم الزائل، # مكتوب في القانون الأزلي # ما من شيء مخلوق له صفة الدوام. # الفصل الرابع # | الحظ والسعادة # عندئذ أجبت: «حق كل ما تقولين، أنت حقا أم الفضائل جميعا، وما كان لي أن أنكر ~~نجاحي وازدهاري السريع، غير أن هذا بعينه هو ما يزيد حرقتي كلما تذكرته، فبين صنوف ~~البلايا جميعا ليس هناك أبلغ شقاء من أن يكون المرء قد سبق له أن عرف السعادة.» # 1 # فأجابت: غير أنك تشقى بسبب اعتقادك الخاطئ، وليس لك أن تلوم الأحداث على ذلك، وإذا ~~كنت متأثرا حقا بهذا الاسم الفارغ لسعادة الحظ فإن بوسعك أن تحصي معي الآن عدد ~~النعم الهائلة التي ما زلت تنعم بها، وما دمت تجد أنك ما زلت تملك من بين عطايا الحظ ~~جميعا أغلاها عندك، وتجدها بفضل الله كما هي سالمة من أي أذى، فكيف تزعم أنك شقي ~~تعيس بينما سلمت لك أفضل النعم؟ أولا، حموك سيماخوس ما زال سليما معافى، إنه زينة ~~الجنس البشري كله، وإنه رغم سلامته يبكي لما ms038 أصابك؛ لأن قيمتك لديه لم تهتز وحياتك لم ~~تهن ... هذا الرجل الذي جبل من حكمة وفضيلة. # وزوجتك أيضا بخير، تلك السيدة التي لا تجارى في النبل والتواضع، ولكي أختصر خلائقها ~~جميعا في كلمة واحدة، أقول إنها نسخة من والدها، قلت إنها حية ترزق، وإنها وقد ~~عافت الحياة ما تزال تهفو إليك وحدك وتذرف عليك الدموع (ربما تكون هذه نقطة تنتقص من ~~سعادتك). # وماذا أقول عن ابنيك القنصلين، إنهما ما يزالان، مثلما كانا منذ الصبا، يعكسان مثالك ~~في الخلق ومثال جدهم، أنت رجل سعيد، إذن، إذا كنت تعرف أين تكمن سعادتك الحقة، ~~فإذا كان هم أهل الفناء منصرفا إلى التمسك بالحياة، فإن بحوزتك الآن من الأنعم ما لا ~~يشك أحد أنه أغلى من الحياة نفسها، جفف دموعك إذن، فالحظ لم يدر لك ظهره تماما، ولم ~~يسلبك كل ثرواتك، والعاصفة التي ضربتك لم تكن قاصمة، وما تزال مراسيك ثابتة راسخة، ~~تتيح لك راحة في الحاضر وأملا في المستقبل. # قلت: «وإنني لأدعو أن تبقى راسخة، ففي بقائها ~~سيكون بوسعي أن أصمد للعاصفة وأتم رحلتي مهما كانت الظروف، ولكن انظري كم فقدت من ~~أمجادي الماضية.» # قالت: ما دمت غير برم بنصيبك من كل النواحي فإننا نكون قد تقدمنا إلى الأمام شيئا ~~ما، غير أني لا أحتمل ترددك وإغراقك في التحسر على ما فاتك من أسباب السعادة، فمن ذا ~~الذي اكتمل حظه من السعادة فلم يدع له سببا للشكوى؟ إن هناء الإنسان هو بطبيعته أمر ~~قلق محفوف بالاضطراب: فهو إما هناء غير مكتمل وإما هناء غير دائم، فتجد الغني ~~بالمال مفتقرا إلى نبالة الأصل وكرم العنصر، وتجد الحسيب النسيب وقد أخمله العوز ~~وضيق ذات اليد، وتجد من ينعم بالثراء والحسب يشقى لافتقاره إلى الزوج، وتجد السعيد في ~~زواجه محروما من الأبناء يذخر أمواله لكي يرثها الأغراب، وتجد من رزق الأبناء شقيا ~~بأعمالهم، ما من أحد يرضى بما قسم له الحظ، فلكل منا نصيبه المقدور من الألم الذي لا ~~يعرفه إلا من كابده. # تذكر أيضا أن ms039 أولئك الأوفر حظا من السعادة يكونون مفرطي الحساسية: فمن حيث إنهم ~~لم يوطنوا النفس على معايشة المحن تراهم، إذا لم يجر كل أمر وفق هواهم، يسقطون ~~لأقل محنة وينهارون لأهون سبب، وبوسع أتفه المصاعب أن تحرمهم من أن يخبروا السعادة ~~بملء القلب. # ترى كم من الناس يعد نفسه متقلبا في مثل نعيم الجنة لو أنه حظي بمعشار ما تبقى ~~لك الآن من نعيم؟ هذا المكان نفسه الذي هو منفى بالنسبة لك هو وطن بالنسبة لقاطنيه، ~~ليس شقاء إذن إلا ما تعده أنت كذلك، # 2 # والعكس أيضا: كل قدر هو قدر سعيد لو أنك تلقيته بثبات ورباطة جأش، ~~لم يبلغ أحد قط من السعادة حدا لا يتمنى معه، إذا ما استسلم للقنوط، أن يغير حاله، ~~ألا ما أشد المرارة التي تمتزج بحلاوة الحياة، فرغم أنها قد تبدو ممتعة لذائقها، فإنه ~~لا يمكنه استبقاؤها إذا هي آذنت بالزوال، ألا ما أبأسها تلك السعادة التي تأتي من حطام ~~الدنيا: فلا هي تدوم للعاقل ولا هي تقنع الأحمق. # لماذا إذن يا أهل الفناء تبحثون عن السعادة خارج أنفسكم وهي كامنة فيها؟ إن الضلال ~~والجهل ليذهبان بكم كل مذهب. # دعني أوجز لك سر السعادة الخالصة: هل هناك ما هو أغلى عندك من نفسك؟ ستقول لا، إذن ~~إذا كنت سيد نفسك فأنت تملك شيئا لا تود أن تفقده على الإطلاق، ولا يستطيع الحظ أن ~~يسلبك إياه، إن السعادة لا يمكن أن تعتمد على أشياء خاضعة للمصادفة، فإذا كانت ~~السعادة هي الخير الأقصى للكائن الذي يعيش حياته بواسطة العقل، وكان الخير الأقصى شيئا ~~لا يمكن أن يسلب من صاحبه على أي نحو (لأنه إن يسلب لكان ما لا يسلب خيرا منه)، ~~ينتج من ذلك أن الحظ، بتقلبه وانعدام ثباته، لا يمكن، ولا يؤمل فيه، أن يؤدي إلى ~~السعادة. # كما أن من تقوده مثل هذه السعادة الفاشلة هو إما يعرف تقلبها وإما لا يعرف، فإذا كان ~~لا يعرف فأي سعادة يمكن أن تكون في عمى الجهل؟ وإذا كان ms040 يعرف فلا بد أنه في خوف من ~~ضياع ما يعلم أنه عرضة للضياع، ولا بد أن هذا الخوف المتصل يحول بينه وبين السعادة، ~~فإذا كان يرى أن احتمال ضياعها هو أمر غير ذي بال، فلا بد أن الخير الذي يتحمل المرء ~~فقدانه بلا اكتراث هو خير ضئيل حقا. # وما دمت، كما أعلم، تؤمن إيمانا تاما، ببراهين لا حصر لها، أن روح الإنسان لا ~~يمكن أن تفنى، وحيث إن من الواضح أن السعادة القائمة على الحظ تنتهي بموت الجسد، فقد ~~تبين بما لا يدع مجالا للشك أنه إذا كان الموت يذهب بالسعادة، فإن الجنس البشري ~~بأسره يكون صائرا إلى الشقاء عند حد الموت، غير أننا نعرف أن كثيرا من الناس قد ~~التمسوا بهجة السعادة الحقيقية من خلال الموت، بل من خلال العذاب والتضحية، يبدو إذن أن ~~السعادة التي لا يشقى البشر بفقدانها لا يمكن أن تجعلهم سعداء بوجودها! # من يرد أن يشيد بيتا # لا تزعزعه الريح التي تزمجر من الشرق، # ولا يتهدده البحر بأمواجه الطامية، # فليتجنب ذرى الجبال # ومنبسط الرمال الظمأى، # فالأولى تأخذ لطمة ريح الشمال العاتية، # والثانية تذوب تحت ثقلها وتنوء بحملها؛ # ليتجنب المآل الوبيل # للمواقع التي تسر الناظر، # وليحرص على أن يشيد بيته على صخرة متواضعة # وليدع الريح تزأر، # وتمخض البحر الفائر # لقد أسست على الآمن # واعتصمت بالوطيد، # فاهنأ بحياة هادئة # وابتسم لغضب الزوابع. # الفصل الخامس # | الخيرات المادية # ولكن بما أن الأدوية العقلية الأولى توغل منك ~~إلى أعماق أبعد، فلعل الأوان قد آن لأدوية أقوى بعض الشيء، افترض إذن، على سبيل ~~الجدل، أن عطايا الحظ ليست عابرة ولا زائلة، فقل لي أي شيء فيها يمكن أن يكون لك إلى ~~الأبد، أو لا يفقد قيمته لدى الفحص والتمحيص؟ ما الذي يجعل للثروة قيمة؟ أهي قيمة ~~لأنها ملكك أم لصفة أخرى تخصها؟ وما هو الأفضل: الذهب ذاته أم القوة التي تسبغها الثروة ~~المدخرة؟ من المؤكد أن الثروة تكون أكثر تألقا بالإنفاق منها بالاكتناز، وأن البخل ~~يبغض صاحبه إلى الناس، بينما السخاء ms041 يجلب لصاحبه الشرف والرفعة، ولكن ما ينتقل إلى ~~الآخر لا يمكن أن يبقى بحوزة صاحبه، فالمال إذن لا يكون ذا قيمة إلا عندما يغدق به ~~على الآخرين، أي عندما لا يعود مملوكا! والمال إذا انتقل من أيدي الناس جميعا إلى يد ~~فرد واحد فإنه يترك بقية الناس في فقر مدقع، قد يكون بوسعك أن توزع صوتك بالتساوي ~~فيملأ آذان كل سامعيه على حد سواء، ولكنك لا يمكنك أن توزع ثروتك على الآخرين دون أن ~~تنتقص، فالثروة حين تقتسم بين الكثيرين فلا مناص من أن تفقر من تركتهم، ألا ما ~~أهون الثروة إذن وأعجزها تلك التي لا شراكة فيها من دون انتقاص ولا تأتي لواحد إلا ~~بإفقار الآخرين. # أم هل يجذب عينيك بريق الجواهر؟ ولكن إن كان في هذا البريق أي روعة فإنما هي روعة ~~بريق الجواهر لا بريق البشر؛ ولذا أعجب من أعجب من إعجاب الناس بها! فكيف يمكن لشيء ~~ليس فيه روح تحركه ولا بنية لأجزائه أن يستحق إعجاب كائن عاقل حي ويعد جميلا في ~~نظره؟ صحيح أن هذه الأشياء من إبداع خالقها، وأن في رونقها وزخرفها مسحة من الجمال، ~~غير أن جمالها أقل مرتبة من جمالكم أنتم المخلوقات العليا، ولا يستحق إعجابكم على ~~الإطلاق. # أم هل يبهجك جمال الطبيعة؟ إنها حقا جزء جميل من خلق جميل، ونحن من جانبنا نبتهج ~~أحيانا لمرأى البحر الساجي، وتدهشنا السماء والنجوم والشمس والقمر، ولكن أي شأن لك ~~بأي من هذه الأشياء؟ وهل تجرؤ على التباهي الشخصي بجمال أي منها وروعته؟ هل أنت ~~نفسك مزدان بأزهار الربيع؟ هل بخصبك أنت أينعت الثمار في الصيف؟ لماذا أنت مأخوذ ~~بمباهج فارغة، لماذا تدعي لنفسك خيرات خارجة عنك ولا تمت لك بصلة؟ إن من المحال ~~أن يكون الحظ قد حباك بما جعلته الطبيعة غريبا عنك، صحيح بالطبع أن ثمرات الأرض قد ~~جعلت طعاما للأحياء، غير أنك إذا قنعت بأن تسد حاجاتك، وهو كل ما تقتضيه الطبيعة، ~~فلست بحاجة إلى طلب المزيد من الحظ، إن الطبيعة تقنع ms042 بأقل القليل: فإذا ما عمدت إلى أن ~~تتخمها بما هو فوق الحاجة، فإن ما تغدقه سيكون مغثيا بل مضرا. # أم لعلك تحسب أن الجمال يعني أن ترفل في ثياب متألقة من كل صنف: ولكن إذا كان الثوب ~~يسر ناظري فإنما ينصب إعجابي على جودة خامته أو على مهارة الحائك. # أم يزدهيك أن تكون محاطا بصف طويل من الخدم والحشم، الذين إن فسدوا فهم عبء ~~خطير على الدار، وتهديد حقيقي لصاحب الدار، أما إن توافرت فيهم الأمانة فكيف تعد ~~أمانة غيرك ضمن ممتلكاتك؟ # من ذلك يتبين أنه لا شيء من هذه الأشياء جميعا التي تعدها من ثروتك هو حقا ~~لك، وحيث إنك لا تكتسب أي جمال منها بحيازتها، ففيم تأسى على فقدانها أو تفرح ~~باستبقائها؟ وإذا كانت هي جميلة بطبيعتها فما دخلك أنت بها؟ إنها لجميلة حتى لو ~~كانت في حوزة غيرك، إنها لا تستمد قيمتها من أنها وقعت في حوزتك، بل أنت أردت إضافتها ~~لثروتك لأنها بدت ذات قيمة. # ما الذي تسعون إليه من وراء هذا الضجيج عن ~~الثروة؟ ألكي تنفوا الحاجة تطلبون المزيد؟ ولكنكم ترون أن ما تحصلون هو النقيض، إنكم ~~لن تزويدا عوزكم إلا تفاقما: فكلما تعددت ممتلكاتكم الثمينة زاد احتياجكم إلى العون ~~على حمايتها، وصدق فيكم القول القديم «من كثرت ممتلكاته كثرت احتياجاته»، # 1 # ونقيض ذلك أيضا صحيح: ما أقل احتياج ذلك الذي يضبط ثروته بمقدار ضروراته ~~الطبيعية لا بمقدار الترف والتباهي. # لكأني بكم تستشعرون فقركم الداخلي، فيدفعكم إلى التماس خيراتكم من خارج أنفسكم، إنه ~~لانقلاب للأمور أن يظن الكائن الإلهي العاقل أن مجده لا يكمن إلا في تملك سلع ~~لا حياة فيها، إن المخلوقات الأخرى لقانعة بما لديها، أما أنتم يا من خلق عقلكم ~~«على صورة الله» فتسعون إلى تزيين طبيعتكم العليا بأشياء سفلى، ولا تدركون مبلغ خطئكم ~~تجاه خالقكم، لقد أراد أن يرتفع الجنس البشري فوق كل أشياء الدنيا، ولكنه يأبى إلا أن ~~يضع نفسه أسفل منها جميعا في أحط مكان. # ذلك أنه إذا سمحنا ms043 لكل شيء ممتلك أن يكون أكثر قيمة من مالكه، وحيث إنكم تحسبون ~~أتفه الأشياء ملكا ثمينا، فأنتم إذن تضعون أنفسكم في منزلة أدنى من أتفه الأشياء، ~~وما في ذلك غبن لكم. # هذا، إذن، حال الطبيعة البشرية: إن الإنسان هو تاج الخليقة ما دام يعرف نفسه، فإذا ~~نسيها فإنه يكون أحط من البهائم، فإذا جهلت سائر المخلوقات نفسها فذاك أمر طبيعي، أما ~~إذا جهل الإنسان نفسه فذاك إثم، ما أفدح الخطأ الذي يرتكبونه: أن تظنوا أن أي شيء يمكن ~~أن يحسن بزينة لا تمت له، غير أن ذلك محال؛ لأنه إذا ما تألق شيء بالزينة الملحقة ~~عليه، فإن الملحقات نفسها هي ما يستحق التقدير، بينما يبقى الشيء المخبوء من ورائها على ~~حاله بكل قبحه ودمامته. # وإنه لا يجوز أن يعد خيرا ذلك الذي يلحق الأذى بصاحبه، أليس كذلك؟ غير أن الثروة ~~كثيرا ما تؤذي أصحابها، فكل السفلة من البشر، أولئك الذين يشتهون ما ليس لهم، ~~يرون أنهم الأحق بكل الذهب والجواهر، تعلم إذن، يا من يروعك الآن هاجس السيف والرمح ~~في يد اللص، تعلم أن تذرع حياتك خاوي الوفاض، حتى يمكنك أن تصفر وتغني أمام ~~قاطع الطريق. # 2 # ما أروعها إذن نعمة الثروة الفانية! ما أن تحصل عليها حتى يغادرك الأمان. # ما كان أسعد البشر في ذلك الزمن الأول، # قانعين بثمرات الطبيعة الوفية # لم يفسدهم الترف الموهن # ثمار الجوز دانية لهم، # لا يقطفونها إلا إذا بلغ منهم الجوع # لا يعرفون عطايا باكخوس (ديونيسوس)، # 3 # ولا النبيذ المحلى بالشهد # أو كيف يصبغون حرير الصين البراق # بأصباغ صور الأرجوانية، # أريكة العشب تمنحهم نوما صحيا، # والنمير الصافي يقدم شرابا زلالا، # والصنوبرة السامقة تقدم ظلا # لم يشق أي منهم عباب البحر، # ولا شحن بضائع إلى شواطئ غريبة، # لم تكن تسمع أبواق الحرب في تلك الأيام، # لم يكن الحقد المر # يرعب الأرض المضرجة بالدم المسفوح، # لم يكن لديهم ما يثير البغضاء # ولا جنون يدعوهم إلى أن يشهروا سلاحا على عدو، # أولئك الذين لم يعرفوا مرأى الجروح ms044 الفاغرة، # ولا مردودا يعود عليهم من الدم. # آه لو أن أزماننا تعود إلى خليقة الأولين، # ولكن شهوة التملك تتفجر # أعنف من حمم بركان إتنا، # ويح ذلك الرجل، أيا من كان، # الذي استخرج لأول مرة # أكوام الذهب الدفين في الأرض، # والماس القانع بمخبئه، # ومنحنا أخطارا بمثل هذا السعر! # الفصل السادس # | المنصب والسلطة # وماذا عساي أن أقول عن السلطة والمنصب، اللذين يطاولان السماء في نظركم، لأنكم لا ~~تعرفون السلطان والمنصب الحقيقيين، وهل بوسع الحمم المتفجرة من بركان إتنا، أو بوسع ~~السيل العرم، أن يسبب من الخراب ما يسببه هذان حين يقعان في أيدي الأشرار؟ ألا تذكر ~~كيف سعى أسلافنا إلى إلغاء سلطة القناصل، التي كانت أس الحرية ذاته، لما وجدوه من غرور ~~القناصل؟ مثلما محوا لقب «ملك» من قبل لما وجدوه من غرور الملوك، فإذا تصادف، في حالات ~~شديدة الندرة، أن تقع هذه المناصب لرجال أمناء، فلا شك أن الخير الوحيد فيها إذاك هو ~~أمانة الرجال الذين يتولون المناصب، يترتب على ذلك أن الشرف لا يأتي إلى الشريف من ~~المنصب، بل يأتي إلى المنصب من الشريف. # فإلى متى يغريكم بريق السلطة؟ انظروا، يا أبناء الفناء، على من تريدون أن تمارسوا ~~سلطتكم، أليس يثير ضحككم أن تروا مجتمعا من الجرذان وقد انبرى جرذ منهم يدعي ~~لنفسه حق التسلط عليهم والتحكم في شئونهم؟ ثم انظروا إلى الجسد الإنساني هل وجدتم ما هو ~~أضعف وأوهى من الإنسان: ألا تكفي لدغة حشرة ضئيلة، أو انسرابها في داخله، إلى القضاء ~~عليه؟ وهل يمكن لأحد أن يمارس تسلطه على شيء سوى الجسد وما هو أدنى من الجسد - ~~الممتلكات؟ هل بمقدورك أن تفرض أي قانون على الروح الحرة؟ أو أن تزحزح عقلا متماسكا ~~عن سكينته وثباته؟ ألا تذكر ذلك الطاغية الذي ظن أنه يمكنه بالتعذيب أن يرغم رجلا ~~حرا على أن يشي بشركائه في المؤامرة المنسوبة إليه، فما كان من الرجل سوى أن عض ~~لسانه وبصقه في وجه الطاغية؟ لقد حسب الطاغية أن التعذيب مناسبة للبطش، فجعله الرجل ~~مناسبة ms045 للبطولة. # 1 # وهل ثمة شيء يمكن أن توقعه بأحد وأنت بمأمن ألا يقع لك يوما على يد شخص آخر؟ ~~إننا لنذكر كيف دأب الملك المصري بوزيريس # Busiris # 2 # على قتل الأجانب، حتى ذاق هو نفسه الموت على يد أجنبي هو هرقل، ونذكر في ~~الحرب البونية (= الفينيقية) الأولى القائد ريجولوس # Regulus # 3 # الذي وضع الأغلال في أعناق كثير من الأسرى القرطاجنيين، فما عتم بعد ذلك ~~أن وقع أسيرا لديهم وأسلم نفسه لأغلالهم، أية سلطة هذه التي لا يأمن صاحبها أن ينزل ~~به ما أنزله بغيره؟ # لو كانت المناصب والسلطات خيرا بطبيعتها وفي ذاتها لما وقعت في أيدي الأشرار، ~~فالأضداد لا تجتمع أبدا، والطبيعة لا تسمح للنقيض بأن يتصل بنقيضه، ومما لا شك فيه أن ~~أسوأ الناس هم من يتولون المناصب في أغلب الأحيان، من الواضح إذن أن المناصب ليست خيرا ~~في ذاتها؛ لأنه ليس خيرا بذاته ذلك الذي يرتبط بالأشرار ويسلم نفسه لهم. # والشيء نفسه ينسحب على ألوان الحظ الأخرى، التي تقع أكثر ما تقع في أيدي أشد الناس ~~خبثا وشرا. # ثمة نقطة أخرى في هذا الصدد: لا شك أن الشخص يكون شجاعا إذا وجدت فيه أمارات ~~الشجاعة، ويكون سريعا إذا تمتع بصفة السرعة، كذلك الموسيقى تجعل منه موسيقيا، والطب ~~يجعله طبيبا، والبلاغة تجعله خطيبا؛ لأن من طبيعة كل شيء أن يؤدي الدور الملائم له، ~~ولا يختلط بأدوار أشياء أخرى مناقضة، بل يرفض الأضداد في حقيقة الأمر، غير أن الثروة لا ~~يمكن أن تروي غلة الجشع، والسلطة لا تجعل من المرء سيدا على نفسه إذا كان يرسف في ~~أغلال شهواته، وعندما يوسد المنصب إلى غير أهله، فإنه لا يجعل منه أهلا على ~~الإطلاق وإنما يفضحه لا أكثر ويكشف عجزه وتفاهته، لماذا كان ذلك؟ لأنكم تحبون أن ~~تسموا الأشياء بأسماء زائفة لا تخصها، وسرعان ما ترفضها على المحك خصائصها ~~الحقيقية؛ لذلك فلا الثروة ولا السلطة ولا المنصب يصح أن تسمى بهذه الأسماء، ~~والنتيجة نفسها تنسحب على الحظ ككل، فليس فيه شيء يستحق ms046 عناء السعي، وليس فيه أي شيء ~~من الخير الذاتي، ذلك أنه لا يئول دائما إلى الأخيار، ولا يجعل ممن يؤول إليهم ~~أخيارا. # إننا نعرف الخراب الذي أحدثه نيرون، # عندما أحرق روما وذبح القناصل، # ونعرف كيف قتل أخاه بيده، # وكيف تقطر بدم أمه المهراق، # وأخذ يجيل في الجثمان عينا خبيرة # دون أن تند دمعة ترطب خده، # ذواقة بارد يتأمل الجمال البارد، # 4 # كان ملكه يمتد من مشرق الأرض إلى مغربها، # ومن شمالها القارس # إلى جنوبها المتلظي، # فهل استطاع السلطان الرفيع # أن يكبح جنون نيرون المسعور؟ # يا له من قدر وخيم # حين تجتمع السلطة والقسوة، # ويضاف السيف الظالم # للباطش الهمجي. # الفصل السابع # | المجد والشهرة # عندئذ قلت لها: «أنت تعرفين جيدا أن الطموح إلى متاع الدنيا لم يكن من طبعي، غير ~~أني كنت ألتمس الوسائل التي أدير بها شئون الدولة حتى أحقق الخير، وحتى لا تشيخ ~~الفضيلة وهي خاملة الذكر.» # فردت قائلة: وهذا هو الشيء الذي يجتذب العقول الممتازة بطبيعتها وإن لم تبلغ بعد ~~كمال الفضيلة؛ أعني الرغبة في المجد؛ أن يكون المرء شهيرا بما حققه للدولة من أنبل ~~الخدمات، ولكن تأمل كم هي هزيلة لا وزن لها مثل هذه الشهرة في حقيقة الأمر. فأنت ~~تعرف جيدا من تعاليم الفلكيين أن محيط الأرض هو نقطة ضئيلة بالقياس إلى امتداد ~~السموات، بحيث يجوز القول إنها لا حجم لها على الإطلاق بالمقارنة بحجم الكون، ومن هذا ~~الجزء الضئيل من الكون، كما تعلمت من براهين بطليموس، فإن الربع فقط هو المأهول ~~بالكائنات الحية المعروفة لنا، فإذا طرحت من هذا الربع تلك المساحات التي يغطيها البحر ~~والمستنقعات، والمساحات الشاسعة التي تشغلها الصحارى المقفرة، لما بقي للإنسان إلا ~~أقل القليل. ها هي النقطة الضئيلة داخل نقطة ضئيلة، معزولة مسيجة، التي تريد أن تنشر ~~فيها مجدك وتذيع شهرتك، فأي حجم أو قيمة لمجد متقلص داخل هذه الحدود الضيقة الكتيمة؟! # 1 # وتذكر أيضا أن هذا الحيز الصغير الذي نعيش فيه تسكنه شعوب كثيرة مختلفة اللغات ~~والعادات وكل طرائق العيش، ومع ms047 صعوبة الترحال واختلاف اللسان وندرة التجارة فإن شهرة ~~المدن الكبرى، ناهيك بالأفراد، لا تصل إليهم. يذكر شيشرون في موضع ما من كتبه أن ~~شهرة روما في زمنه لم تتجاوز جبال القوقاز، رغم أن الإمبراطورية كانت عندئذ مكتملة ~~النمو ومرهوبة الجانب لدى الفرس والشعوب الأخرى في تلك المنطقة. # أرأيت كم هى ضيقة منكمشة تلك الشهرة التي تجهد إلى أن تبسطها وتذيعها؟ وهل يمكن ~~لروماني أن تصل شهرته إلى أصقاع لم تصل إليها روما؟ # ثم أليست القيم والتقاليد تختلف من شعب إلى شعب اختلافا بعيدا، بحيث إن ما يعد ~~مجيدا عند بعضها قد يكون مشينا يستوجب العقاب عند بعضها الآخر؟ قد يسر المرء أن ~~تذيع شهرته بين شعبه، غير أن شهرته عندئذ لن تكون في صالحه لدى شعوب كثيرة! فليقنع إذن ~~بشهرته بين شعبه، ولتنكمش شهرته الخالدة البراقة داخل حدود أمة واحدة. # وكم من رجل أصاب شهرة في زمنه ثم انطفأت شهرته لغياب المؤرخين المنوهين بذكره، ~~على أن التواريخ نفسها لا جدوى فيها إذا ما فقدت مع كتابها وطواها الزمن الذي يطوي ~~كل شيء ويسدل عليه ستائر النسيان. # لعلك تظن حين تتصور شهرتك في مقبل العصور أنك تؤمن لنفسك ضربا من الخلود، ولكن ~~إذا ما تأملت الامتداد اللانهائي للأبدية فمن أين يأتيك الفرح بامتداد شهرتك عبر ~~الزمن؟ إن لك أن تقارن أمد الثانية الواحدة بأمد عشرة آلاف من السنين! فمهما تكن ~~ضآلة الثانية فإن لها قيمة في المقارنة لأن كلتيهما قدر متناه من الزمن. غير أن ~~العشرة الآلاف أو أي مضاعفات لها من السنين مهما عظمت لا يمكن أن تقارن بالأبدية، ~~فإذا كانت المتناهيات تقبل المقارنة إحداها بالأخرى، فإن المتناهي واللامتناهي لا تمكن ~~مقارنتهما على الإطلاق؛ ومن ثم فمهما امتد عمر شهرتك فإنه حين تقارنه بالأبدية ~~يتبين أنه ليس ضئيلا فحسب بل لا شيء على الإطلاق. # إنكم لا تعرفون أن تفعلوا ما هو حسن إلا وأعينكم على رأي الناس ومن أجل السمعة ~~الفارغة، هكذا تغفلون سلطان الضمير وامتياز الفضيلة، وتلتمسون ثوابكم في ms048 القيل والقال. ~~أصغ إلي إذ أحكي لك حكاية الرجل الذي عرف كيف يسخر من سطحية هذا اللون من الغرور. ~~يحكى أنه سمع أن رجلا سمى نفسه فيلسوفا عن ولع بالشهرة لا عن رغبة في ممارسة ~~الفضيلة، فقال لنفسه: سأجرب معه السب والإهانة فإذا احتملهما بثبات ورباطة جأش فهو ~~فيلسوف، ثم راغ عليه سبا وإهانة، فتصنع الرجل الصبر والثبات واحتمل الإهانات ~~فترة، ثم قال في سخرية: «هل رأيت أخيرا أني فيلسوف؟» فرد عليه الأول لاذعا: «لو ~~أنك سكت لرأيت ذلك حقا.» # غير أن من يعنينا الآن هم عظماء الرجال، وأنا أتساءل: لماذا يسعون إلى المجد والشهرة ~~رغم التماسهما من خلال الفضيلة؟ ماذا يهمهم من أمر السمعة عندما ينتهي الجسد إلى ~~الموت الذي هو نهاية كل شيء؟ فإذا كان الفناء مقدرا على الإنسان كله جسدا وروحا - ~~وهو ما ينهانا عقلنا عن اعتقاده - فالشهرة لا شيء ما دام الإنسان الذي يقال إنه حازها ~~لم يعد موجودا، أما إذا كانت الروح تبقى واعية بعد أن تتحرر من سجنها الأرضي ~~وتهفو إلى السماء، فلسوف تزدري كل شأن أرضي، مبتهجة بالسماء سعيدة بانعتاقها من ~~هذا العالم. # أيها الجامح في أفكاره لا يلوي على غير الشهرة، # ولا يعرف خيرا أعلى من المجد، # انظر إلى أبعاد السماء المترامية، # وقارنها بهذه الأرض الضيقة، # انظر مهما اتسعت شهرتك فهي لا تملأ دائرة صغيرة كهذه. # أيها المغرورون. لماذا تحاولون عبثا # أن تضعوا عن أعناقكم نير الفناء؟ # قد تذيع الشهرة بعيدا ويرن الصيت في الأقطار ويجوب الأمصار، # وتنطلق به الألسنة، # قد تتلألأ الدار بحكايا المجد، # لكن الموت لا يقيم وزنا لأي مجد، # ويسحق الرأس الوضيع والرفيع معا، # ويسوي الأدنى بالأعلى. # أين هي عظام فابريكيوس # 2 # الماجد؟ # أين كاتو # 3 # العنيد، أين بروتوس؟ # 4 # شهرة ضئيلة متبقية منقوشة على حجر، # سطر أو سطران ... صيت فارغ. # نرى أسماءهم النبيلة منقوشة، # وبها فقط نعرف أنهم قضوا. # وأنت أيضا ارقد مجهولا تماما من الناس، # لا شهرة لديك تدلي عنك بخبر، # فإذا حسبت أن الحياة يمكن أن ms049 تطول # بدوام الشهرة وبقاء الذكر، # فسوف يأتي اليوم الذي تقبر فيه شهرتك أيضا. # هنالك يكون بانتظارك موت ثان. # الفصل الثامن # | الشدة خير من الحظ # ولكن لا تظن أني أشن حربا على الحظ لا هوادة فيها، فأحيانا ما يكف الحظ عن الخداع ~~ويكون عونا للمرء؛ أعني عندما يفصح عن نفسه ويسفر عن وجهه ويعلن أحكام لعبته، لعلك ~~لم تفهم بعد ماذا أعني، إنه شيء غريب هذا الذي أريد قوله؛ «مفارقة» # paradox ~~؛ # 1 # ولذا أجد صعوبة في التعبير عنه بالكلمات، فأنا أعتقد أن الحظ السيئ أفضل ~~للمرء من الحظ السعيد! # الحظ السعيد يبدو دائما كأنه يجلب للمرء السعادة، غير أنه يخدعه بابتساماته، بينما ~~الحظ السيئ صادق دائما لأنه يكشف له عن طبيعته الحقيقية المتقلبة، الحظ السعيد ~~يخدع، والحظ السيئ يربي ويعلم، الحظ السعيد يستعبد بالعطايا الكاذبة عقول الذين ~~يحبونها، بينما الحظ السيئ يحرر الناس إذ يعلمهم أن السعادة شيء هش، هكذا يمكنك ~~أن ترى أن الأول قلب لا يعرف نفسه، وأن الآخر رصين معتزم حكيم من خلال خبرة ~~الشدائد ذاتها. # 2 # وأخيرا فإن الحظ السعيد يغوي الناس، بمداهناته، عن طريق الخير الحقيقي، بينما الحظ ~~السيئ كثيرا ما يردهم إلى خيرهم الحقيقي كالراعي يردهم بعصاه، وهل بالقليل أن هذا ~~الحظ القاسي الفظ قد كشف لك عن الأصدقاء المخلصين لك بقلوبهم؟ وكشف لك أصحاب الابتسامة ~~الصادقة وأصحاب الابتسامة الكاذبة؟ عندما تخلى عنك الحظ فقط أخذ معه أصدقاءه وترك لك ~~أصدقاءك، ولو أنك بقيت سالما ومحظوظا كما تظن لما أتيح لك مثل هذه المعرفة بأي ~~ثمن، لا تأس، إذن، على ثروة فقدتها فقد عثرت على أثمن ثروة على الإطلاق - أصدقائك الحقيقيين. # 3 # من خلال الحب # يجترح العالم تغيرات دائبة، # بانسجام دائم، # الحب يفرض تناغما بين أضداد # لو تركت لطبيعتها لتناحرت، # الشمس في عربتها الذهبية # تحدو النهار الوضاح، # ونجم المساء يسوق الليل؛ # حيث يبسط القمر سلطانه # للبحر الطامح حد # يوقف عنده أمواجه، # فلا تطغى على اليابسة # كل هذه السلسلة من الأشياء، # في البر والبحر والسماء، # يمسكها ms050 حاكم واحد # لو أرخى الحب العنان؛ # ستشن كل الأشياء التي تحفظ السلام الآن، # ستشن حربا دائمة، # وتحطم الآلة العظيمة # التي تحفظ وحدتها # بحركات جميلة ~~... ... ... # الحب أيضا يحفظ الناس متحدين # بميثاق مقدس، # ويعقد بالود الصادق # عقدة الزواج المقدسة # الحب يملي على الأصدقاء الخلص # قوانين رابطة الصداقة ~~... ... ... # آه أيها الفانون السعداء، # لو أن قلوبكم محكومة أيضا # بما يحكم العالم # بالحب. # 4 # الكتاب الثالث # | الفلسفة والسعادة # انظر مليا كيف يزاح كل ما هو قائم وكل ما هو قادم ويصير ماضيا ويزول ~~زوالا، تأمل أيضا الهوة الفاغرة للماضي والمستقبل التي تبتلع كل شيء، ~~أليس بأحمق من يعيش وسط هذا كله ثم تحدثه نفسه أن يلج في الأمل أو يهلك ~~في الكفاح أو يسخط على نصيبه؟! وكأن أي شيء من هذا دائم له أو مقدر أن ~~يؤرقه طويلا. # ماركوس أوريليوس، التأملات 5، شذرة 23 # الفصل الأول # | الفلسفة تعد بالسعادة # حين انتهت من أنشودتها كنت مأخوذا بسحر نغمها ~~العذب، مستغرقا أود أن أظل مصغيا؛ لذا قلت بعد لحظة: «أيتها الراحة الكبرى للروح ~~المتعبة، كم روحت عني بعميق فكرك وشجي غنائك، لقد عدت الآن قادرا على تلقي ~~ضربات القدر، ولم أعد أوجس خيفة من العلاجات الحاسمة التي حدثتني عنها، بل أراني ~~أتوق إلى سماعها وألح إليك في طلبها.» # ردت السيدة: «لقد عرفت ذلك حين بدأت تتشبث بكلماتي بانتباه صامت، ولقد توقعت منك ~~هذا التوجه العقلي، أو، إن شئت الدقة، خلقته فيك، العلاجات القادمة ستكون في الحقيقة ~~مرة المذاق، ولكنها ما أن تنسرب إلى داخلك حتى تجد لها حلاوة باطنة تشيع فيك، قلت ~~إنك مشوق إلى سماع المزيد، وسوف يزداد اشتياقك لو عرفت إلى أين أريد أن ~~أقودك.» # ب ~~: ~~«إلى أين؟» # ف ~~: ~~«إلى السعادة الحقة، التي تهفو إليها روحك فيحجبها بصرك الذي تغشي عليه ~~أوهامك عنها فلا تراها.» # ب ~~: ~~«أستحلفك أن تكشفي لي عن طبيعة هذه السعادة الحقة، وأن تعجلي بي ~~إليها.» # ف ~~: ~~«سأفعل ذلك من أجلك بكل سرور، ولكن في البداية سأحاول أن أرسم لك صورة ~~عامة عن ms051 سبب السعادة، عندئذ، وبإدراك صحيح لذلك، سيكون بوسعك أن تشيح ~~ببصرك إلى الجانب الآخر وتميز هيئة السعادة الحقيقية.» # من يشأ أن يبذر في أرض بكر ، # فليطهرها أولا من الأحراش، # وليقطع السراخس والعليق بالمنجل؛ # حتى يمهد الطريق لإلهة الحصاد المثقلة بالغلال اليانعة، # اللسان الذي ذاق الأمر في البداية، # سيجد الشهد الذي كد النحل في إعداده # أكثر حلاوة، # النجوم تكون أكثر بهاء وتألقا # عندما توقف العاصفة دويها ومطرها، # وليس قبل أن يطرد نجم الصباح جحافل الظلام، # يقبل النهار بكل وضاءته يقود عربته الوردية # أنت أيضا، وقد بصرت بوجه السعادة الزائفة أولا، # بوسعك الآن أن تضع نيرها عن عنقكن # وجدير بالسعادة الحقيقية الآن أن تنفذ إلى روحك. # الفصل الثاني # | الخير الأسمى # وقفت السيدة مطرقة إلى الأرض كأنها ترود من فكرها أعماقا قصية، ثم استأنفت ~~حديثها قائلة: إن سعي الفانين، الذي يكربهم بتنوع أهدافه واتجاهاته، إنما يمضي بهم ~~في دروب مختلفة قاصدا في النهاية إلى هدف واحد وهو السعادة، # 1 # إنها الخير الذي إذا بلغه الإنسان لم يسعه أن يصبو إلى أي شيء آخر، ~~وهي إذن الخير المكتمل الأسمى الذي ينطوي في داخله على كل ألوان الخير؛ لأنه لو ~~افتقر إلى أي شيء لما كان الخير الكامل، إذ يبقى هناك شيء خارجه قد يكون مرغوبا، ~~السعادة إذن هي حالة من كمال الخير، لاحتوائها على كل ما هو خير، والتي يسعى إليها، ~~كما قلت، جميع البشر الفانين وإن تعددت الطرق، ذلك أن الرغبة في الخير الحقيقي هي ~~شيء متأصل بالطبيعة في نفوس البشر، وما يطيش بهم عن هذا الهدف إلا الخطأ والسير ~~في الدروب الضالة إلى الخيرات الزائفة. # 2 # يرى البعض أن الخير الأسمى هو ألا يحتاج المرء إلى شيء ولا ينقصه شيء، ومن ثم ~~فقد غذوا السير لامتلاك الثروة الوفيرة، ويرى البعض الآخر أن الخير الحقيقي هو ذلك ~~الذي ينتزع التبجيل والتوقير، ومن ثم سعوا إلى المنصب الذي يكفل لهم احترام ~~مواطنيهم، وقرر البعض أن أعلى خير يكمن في أعلى قوة، ومن ثم فقد ms052 سعوا إلى أن ~~يصبحوا هم أنفسهم حكاما أو أن يكونوا على صلة بمن هو في مواقع السلطة، ويذهب آخرون ~~إلى أن خير شيء هو الشهرة والمجد، ويكدون أنفسهم لبناء اسم كبير في دنيا الفنون - ~~فنون السلم أو فنون الحرب. # إلا أنهم جميعا بلا استثناء يتفقون على أن الخير يقاس محصوله باللذة والمتعة ~~التي يجلبها، وأن الإنسان الأسعد هو إنسان يتقلب في المتعة. # وهناك بعد من يخلطون بين الغايات والوسائل في هذه الأشياء، كالذي يرغب في الثروة ~~من أجل القوة واللذة، أو يرغب في السلطة من أجل المال والمجد. # في هذه الأهداف إذن وفي أمثالها، يكمن الهدف من أفعال البشر ومهوى قلوبهم: الشهرة ~~والشعبية التي تضفي نوعا من التميز، أو الزوجة والأبناء، وهي ما يطلبه الرجال من أجل ~~المتعة التي تمنحها، أما عن الصداقة فإن الصنف النقي النزيه منها يعد أعلى ضروب ~~الخير وأقدسها، وما عدا ذلك يلحق بالرغبة في القوة أو التسلية. # من الواضح أيضا أن المزايا الجسدية قد تنسب إلى ضروب الخير السابقة: فقوة الجسم ~~وحجمه يمنح الرجل بأسا، والجمال والسرعة تمنحانه الشهرة، والصحة تمنحه المتعة. # يرى كل إنسان أن ما يرغب فيه فوق كل ما عداه هو الخير الأسمى، ولقد عرفت الخير ~~الأسمى للتو بأنه السعادة، إذن فإن الحالة التي يرغب فيها كل إنسان فوق غيرها هي ~~الحالة التي حكم بأنها حالة السعادة؛ الثروة، المنصب، السلطة، المجد، اللذة، وقد ذهب ~~أبيقور # Epicurus ~~، بالنظر إلى هذه الحالات وحدها، ~~وباتساق تام، إلى أن اللذة هي الخير الأسمى ما دام كل ما عداها يدخل في بابها من حيث ~~إنه يجلب إلى النفس اللذة. # ولكن لنعد إلى نزعات الناس: إن عقولهم تبدو ساعية إلى أسمى خير، وذاكرتهم تبدو ~~كليلة، فهم أشبه برجل ثمل يريد العودة إلى بيته ولكنه لا يتذكر الطريق إليه، لا يمكن ~~لأحد أن يقول إن من يسعون إلى سد جميع احتياجاتهم هم على خطأ، فالحق أنه ليس ~~أدعى إلى السعادة من حالة تتوافر فيها للمرء كل الخيرات ويتحقق له ms053 فيها الاكتفاء ~~وانتفاء الحاجة، ولا أحد يمكن أن يخطئ من يرون أن أحظى الناس بالتبجيل والتوقير ~~هو أفضلهم، فالجلال والرفعة ليسا بالشيء الهمل وبلوغهما هو هدف يكدح إليه كل البشر ~~تقريبا. # السلطة أيضا ينبغي أن تعد ضمن الأشياء الخيرة، فمن ذا الذي يقول إن الشيء الذي ~~يسلم الجميع بأنه أعلى الأشياء قاطبة هو شيء هين أو واه؟ # والشهرة كذلك لا يمكن إغفال قيمتها؛ لأن كل ما هو عظيم الامتياز هو أيضا عظيم ~~الشهرة. # ومن فضول القول إن السعادة هي حالة تخلو من الهم والحزن والأسى والمعاناة، إذ إنه ~~حتى في أصغر الأمور يسعى المرء إلى ما يبهج به ويستمتع. # تلك إذن هي الأشياء التي يتوق الناس إليها: الثروة، مناصب الشرف، الملك، المجد، ~~المتعة، وهم يتوقون إليها لأنهم يرون أنهم من خلالها سوف يجدون الإشباع والاعتبار ~~والسلطة والمجد والسعادة، هذا هو الخير الذي يبحث عنه الناس في مساعيهم المتنوعة، وليس ~~من العسير أن تكشف دور الطبيعة في ذلك، فعلى الرغم من تنوع آراء الناس واختلاف مشاربهم ~~فإنهم جميعا على اتفاق في الهدف الذي ينشدونه، وهو الخير الأسمى. # يطيب لي أن أنشد نغما شجيا على أوتار وئيدة، # كيف تمسك الطبيعة الجبارة بأزمة الأشياء؟ # وبأية قوانين تحفظ العناية هذا العالم المترامي، # وتكبح الأشياء بأرسان لا تنفلت، # وتوثق كل شيء بوثاق لا انفصام له. ~~••• # قد يلبس أسد قرطاج سلاسل الأسر ~~المزركشة، # ويتناول لقم الطعام المقدم باليد، # ويهاب مروضه الفظ وسوطه الذي يعرفه جيدا # ولكن دع الدم مرة واحدة يمس فكه المشعر # هنالك تعود إليه روحه الكامنة، # وبزئير عميق يتذكر ذاته القديمة، # ويكسر الأغلال عن عنقه، # ويكون مروضه هو أول من تمزقه أنيابه الضارية، # ودماؤه الطازجة المتفجرة تصعد الشرة العائدة. ~~••• # الطائر الذي كان يشقشق ويزقزق على أعلى الغصون، # أخذ من الشجرة إلى القفص # أكواب العسل لديه، # ولديه موفور الوجبات ... والملاطفات، # ولكنه كلما رفرف إلى أعلى قفصه، # ولمح ظلال الغابات التي يهواها # بعثر الطعام وداسه، # فليس غير الغاب ما يشوقه في أساه، # وليس لغير الغاب يرسل ms054 همساته العذبة. ~~••• # الغصن الأملود الذي ألوت به اليد بقوة، # وبلغت بقمته إلى الأرض، # ما أن ترفع عنه يد الإرغام، # حتى يرتد إلى أعلى ويشخص إلى السماء. ~~••• # يهبط فويبوس (الشمس) في الأمواج ~~الغربية، # ولكنه عبر ممره السري المجهول، # يعود مستديرا بعربته مرة أخرى إلى مشارقه المعتادة. ~~••• # كل شيء لا بد أن يعود إلى سبيله الصحيح، # ويبتهج بعودته، # فلا شيء يمكن أن يحفظ النظام الذي أودعه، # ما لم يربط مبدأه بمنتهاه، # ويصنع فلكه الدائري الثابت. # الفصل الثالث # | الثروة والحاجة # أنتم أيضا يا أبناء الأرض تحلمون بحالتكم الأولى، وإن خفتت الرؤية، إن لديكم ~~بالفعل فكرة ما، وإن تكن غامضة، عن الهدف الحقيقي: السعادة؛ ومن ثم فإن توجها ~~نظريا يحدوكم إلى الخير الحقيقي، وما يحيد بكم عنه سوى الأخطاء على ~~اختلافها. # انظر إذن هل يمكن للبشر حقا أن يصلوا إلى هدفهم الذي حددوه، أي السعادة، من خلال ~~هذه الوسائل التي يعتقدون أنها توصلهم إليه، فإذا كان المال أو المنصب أو بقية هذه ~~الأشياء تجلب بالفعل حالة معينة لا يعوزها أي شيء من الأشياء الخيرة فسوف ~~أسلم معك أن بعض الناس يبلغون السعادة حقا خلال امتلاك هذه الأشياء، أما إذا كانت ~~تخلف وعودها وتظل مفتقرة إلى ألوان أخرى من الخير فمن الواضح البين أن أصحابها ~~إنما يقبضون على مظهر كاذب للسعادة. # لذا سأسألك أولا بضعة أسئلة، ما دمت أنت شخصيا كنت رجلا ثريا حتى وقت قريب، ~~ألم يؤرق عقلك قط، وأنت في أوج ثرائك، هم ناجم عن شعورك بأن ثمة ظلما ~~وقع؟ # قلت: «بلى، الحق أني لا أكاد أذكر أن عقلي قد خلا يوما من مثل هذا الهم.» # ف ~~: ~~«وكان ذلك إما لافتقادك شيئا لم تكن تود افتقاده، وإما لوجود شيء كنت ~~تفضل ألا يوجد؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«فكنت تود وجود شيء ما، وغياب شيء آخر؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«المرء إذن ينقصه شيء ما - ما دام يفتقد هذا الشيء. أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«وما دام الإنسان ينقصه شيء ما، فهو إذن ليس مكتفيا بذاته ms055 من كل ~~الوجوه؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«وقد شعرت بهذا النقص رغم كونك متمتعا بالثروة؟» # ب ~~: ~~«شعرت حقا.» # ف ~~: ~~«إذن فلا يمكن للثروة تلك أن تنفي عن المرء الحاجة وتمنحه الاكتفاء، رغم ~~أن هذا بعينه هو ما تعده به الثروة، وثمة نقطة أخرى أراها شديدة الأهمية: وهي ~~أن المال في ذاته لا يتحلى بخاصية طبيعية تمنعه من أن يسلب من أصحابه ~~رغما عنهم.» # ب ~~: ~~«أوافقك في ذلك.» # ف ~~: ~~«وليس لك إلا أن توافق ما دام بالإمكان في أي وقت أن يخطفه من هو أقوى ~~منهم، وإلام تهدف القضايا المرفوعة في المحاكم إن لم تكن تهدف إلى رد الأموال ~~التي تمت سرقتها بالاحتيال أو بالعنف؟» # ب ~~: ~~«هذا حق.» # ف ~~: ~~«المرء إذن سيكون بحاجة إلى عون خارجي لكي يحمي ماله؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«ولكنه لن يحتاج إلى هذا العون ما لم يكن لديه مال يمكن أن يفقده؟» # ب ~~: ~~«لن يحتاج بكل تأكيد.» # ف ~~: ~~«لقد انعكست القضية إذن! فإذا بالثروة التي يرتجى منها أن تجعل المرء ~~مكتفيا بذاته قد أحوجته في الحقيقة إلى عون الآخرين، فإذا كان الأمر كذلك ~~فكيف نقول بأن الثروة تنفي الاحتياج؟ ألا يشعر الأغنياء بالجوع أو العطش؟ ألا ~~يرتعد الأثرياء لبرد الشتاء؟ ستقول بلى ولكن الأغنياء لديهم الوسائل التي ~~يدرءون بها الجوع والعطش وبرد الشتاء، ولكني أرد بأن الثروة قد تسد الحاجة ~~ولكنها لا تذهب بها تماما، فمهما تشبع من هذه الحاجات النعابة والطلبات ~~المستمرة تبق هناك بالضرورة تلك الحاجة التي تطالب، بدورها، بالإشباع، وغني ~~عن القول إن الطبيعة يكفيها القليل، أما الجشع فلا يشبعه شيء، ومن ثم فإني ~~أسألك: إذا كانت الثروة لا تذهب بالحاجة، بل تخلق حاجاتها الخاصة، فكيف تذهب ~~إلى أنها سبيل الإشباع والاكتفاء؟!» # مهما اكتنز الغني # من مال وفير لا يشبع جشعا، # ومهما أثقل الغني جيده بلآلئ فارسية، # وذرعت ثيرانه مائة عزبة خصيبة، # فإن الهم لن يفارقه في حياته، # والثروة الخائنة لن ترافقه في مماته. # الفصل الرابع # | المناصب والتبجيل # قلت: «غير أن مناصب الشرف تجعل من ms056 يتسنمها مرموقا وموقرا من الناس.» # فأجابت: «فهل في هذه المناصب قدرة حقا على أن تغرس الفضائل في نفوس أصحابها أو ~~أن تقتلع الرذائل منها؟ كلا ... بل العكس هو الصحيح، فالأغلب أنها لا تقتلع الرذائل بل ~~تكشفها وتخرجها إلى وضح النهار؛ لذا تجدنا نغضب ونسخط إذ نرى المناصب تؤول في ~~الأغلب إلى أشد الناس لؤما وأكثرهم شرا، هذا ما دفع كاتولوس # Catullus # إلى أن يسمي نونيوس # Nonius # ب «الورم»، على الرغم من المنصب الرفيع الذي كان يتربع عليه. # ألا ترى أن المناصب لا تزيد الأشرار إلا خزيا؟ وأن تفاهتهم ما كانت لتتكشف للملأ ~~لولا شهرة المنصب؟ أنت نفسك، هل كان بوسع أي قوة أن تدفعك إلى مزاملة ديكوراتوس # Decoratus # حين تستعيد في ذهنك كم كانت نفسه دنيئة ~~وكم كان مهرجا واشيا؟ ... لا، ما كان لنا أن نوقر للمنصب من ليس أهلا للمنصب! ~~بينما لا يسعنا إزاء من أوتي الحكمة سوى أن نراه أهلا للتبجيل، أو أهلا، على أقل ~~تقدير، للحكمة التي أوتيها، أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«ذلك أن للفضيلة قيمتها الذاتية التي ~~تنتقل مباشرة إلى كل من يمتلكها، أما المناصب العامة فليست من ذلك في شيء، ومن ~~البين، إذن، أنها تفتقر إلى أي جمال أو قيمة في ذاتها، ثمة نقطة أخرى ~~ينبغي التركيز عليها بشكل خاص: وهي أن المرء يزداد خزيا كلما ازداد عدد الذين ~~يزدرونه من الناس، وحيث إن المنصب الرفيع يضع المرء نصب أعين الناس ولا يملك في ~~الوقت نفسه أن يسبغ قيمة على فاقدها، فالمنصب أجدر، من ثم، أن يجعل صاحبه في ~~وضع أشد زراية! إنه وضع يحمل معه عقابه: فالأشرار يضفون صفتهم المقيتة على ~~مناصبهم التي يتولونها: فيدنسونها بدنسهم ويشينونها بشينهم. # أريدك أن تدرك أن الاحترام الحقيقي لا يأتي من هذه المفاخر الوهمية، هب ~~رجلا تقلد منصب القنصل مرات عديدة في روما، ثم رمت به الظروف في بلاد ~~البرابرة، ترى هل تجعله مناصبه موقرا من جانبهم؟ فلو أن الوقار صفة طبيعية ~~في المناصب لما فارقها في ms057 أي محل من العالم، تماما مثلما أن النار حارة ~~في أي مكان من الأرض، ولكنه ليس صفة طبيعية وإنما تلصقه بالمناصب آراء البشر ~~الزائفة، ومن ثم يزول عنها بمجرد أن يوضع أصحابها بين أناس لا يقيمون لها ~~وزنا. # هذا ما يكون بين الأجانب، ولكن هل يدوم مجد المناصب إلى الأبد في بلدها ~~الأصلي؟ انظر كم كان عظيما شأن البريتور # 1 # في روما القديمة، ولكنه اليوم لا يعدو أن يكون لقبا فارغا وعبئا ~~ثقيلا على دخل أي رجل من طبقة القناصل، كذلك كان متعهد الغلال، ولكنه اليوم ~~في أدنى مكان، فكما قلت منذ هنيهة: إذا لم يكن للشيء جمال بذاته فإن كرامته ~~تتفاوت باختلاف الأوقات وفقا لرأي المعنيين به. # إذا كانت المناصب إذن لا تجعل أحدا جديرا بالإجلال، وإذا كانت فوق ذلك ~~تتلوث باتصالها بالأشرار، وإذا كان بريقها يخبو بتغير الزمن، وإذا كانت قيمتها ~~تقل في تقدير الأمم الأخرى، فبربك قل لي أي جمال يمكن أن تسبغه المناصب على ~~الناس، بل أي جمال فيها، هي ذاتها، يستحق الطلب؟» # رغم أن نيرون المغرور كان يرفل في ثيابه الأرجوانية # المرصعة باللآلئ البيضاء الثلجية، # فقد كان هذا المترف الوحشي بغيضا إلى الجميع، # ولكنه كان يقلد مناصبه المشينة أحيانا شيوخا أجلاء # من إذن يمكن أن يعدهم مكرمين # أولئك الذين يدينون بمكانتهم العالية لمثل هذا الوغد. # الفصل الخامس # | الملك والسلطة # «هل الملك أو صداقة الملوك تمنح المرء قوة؟» إذا كان الجواب هو «نعم؛ لأن سعادتهم ~~دائمة لا تنقطع» فسوف أجيبه بأن التاريخ الماضي، والحاضر أيضا، يعج بأمثلة لملوك ~~تبدلت سعادتهم نكبات، فما أروع السلطة، التي يتكشف أنها عاجزة حتى عن أن تحفظ ~~نفسها! # ولكن إذا كانت هذه السلطة الملكية تجلب السعادة حقا فإن أي نقصان فيها يعني ~~انحسارا للسعادة وبداية للشقاء، أليس كذلك؟ ومهما اتسعت الإمبراطوريات فمن المحتم أن ~~يبقى كثير من الناس خارج نطاق أي ملك، وحيثما انتهت القوة التي تجلب للناس السعادة ~~دب فيهم الضعف وسبب لهم الشقاء، ومن ثم فلا بد أن هناك ms058 قسطا أكبر من الشقاء ~~لدى الملوك، كان الطاغية ديونيسيوس # Dionysius # يعرف ~~جيدا مخاطر الملك، إذ أخذ يمثلها لداموقليس # Damocles # بأن جعل سيفا يتدلى فوق رأسه معلقا بشعرة واحدة. # 1 # فأي سلطة هذه التي لا تستطيع أن تسكت هواجس القلق أو تتخلص من وخزات الخوف؟ يود ~~الملوك أن يعيشوا من دون خوف، ولكن لا يستطيعون، ومع ذلك يتباهون بسلطتهم! هل تعده ~~قويا ذلك الذي تراه يتمنى شيئا لا يستطيع بلوغه؟ أو هل تعده قويا ذلك الذي لا يمشي ~~إلا مخفورا بحرس لأنه أشد خوفا من رعيته الذين يرهبهم، والذي لا بد له، لكي يبدو ~~قويا، من أن يعيش تحت رحمة من يخدمونه؟ # وإذا كان الملك نفسه على هذا القدر من الضعف فما بالك بالحاشية والبلاط؟ إنهم ~~منكوبون بالملك لا في حالة سقوطه فحسب، بل وفي ظله وذراه! ألم يرغم نيرون صفيه ~~ومعلمه سينيكا # Seneca # على اختيار الميتة التي يرضاها؟ # 2 # وبابينيانوس Papinianus # الذي كان ذا نفوذ ~~طويل في البلاط، ألم يسلمه الإمبراطور أنطونينوس ~~كاركالا # A. Carcalla # لسيوف جنده؟ # 3 # لقد أراد كلاهما أن يتنازل عن سلطته، بل لقد حاول سنكا أن يعطي ثروته ~~لنيرون ويحال إلى التقاعد، ولكن لم ينل أي منهما مأربه، وهوت به ثروته ونفوذه ~~إلى الهلاك مثلما يهوي بالشيء ثقله ووزنه. # أي سلطة هذه التي تبث الخوف في نفوس أصحابها، إن رغبت فيها لم تمنحك الأمان، وإن ~~رغبت عنها لم تتركك وشأنك؟ ولن ينفعك إذاك أي صديق ربطته بك ثروتك لا فضيلتك، ~~فصديقك في السراء ينقلب عدوا في الضراء، وليس أقدر على الأذى من صديق انقلب عدوا. # 4 # من يرد أن يكون ذا سلطان حقيقي # فليبسط سلطانه أولا على نفسه # 5 # ولا يخضع لحكم أهوائه، # ويستسلم لنيرها الموبق، # قد تعنو الأرض لحكمك، # فترتعد له أقاصي الهند، # وتنحني «ثولي» خضوعا، # ولكن، ما دمت لا تستطيع أن تطرد الهموم السود، # ولا أن تنفي الهواجس المعذبة # فلست بملك بل عبد! # 6 # الفصل السادس # | المجد والحسب # فما أخبث المجد حقا وأقبحه، وما ms059 أصدق قول يوريبيديس على لسان ~~أندروماخي: # أيها المجد ... أيها المجد كم رفعت # من حياة تافهة لعدد لا يحصى من الفانين. # كثيرون هم حقا أولئك البشر الذين اكتسبوا شهرة عظيمة من خلال ~~الآراء الزائفة للدهماء، وليس أقبح من ذلك، وما أجدر الذين ينالون الثناء بلا استحقاق ~~أن يخجلوا من سماع المديح، وحتى لو كان المديح مستحقا فإنه لا يمكن أن يضيف أي ~~شيء إلى مشاعر الفيلسوف: لأنه لا يقيس سعادته بالشعبية والرواج بل بصوت ضميره ~~الصادق. # فإذا راق المرء أن يكون مشهورا فمن المتعين أن يستخزي بنفس الدرجة إذا كان ~~مغمورا، ولكني قلت منذ قليل إن هناك بالضرورة شعوبا كثيرة لا يمكن أن يسافر إليها صيت ~~رجل واحد، بحيث ترى الرجل مشهورا هنا بينما أحد لم يسمع به قط في الصقع التالي من ~~الأرض؛ لذا أرى أن الشهرة لا تستحق حتى أن تذكر في هذه القائمة: إن مجيئها اعتباطي ~~وبقاءها غير مضمون. # أما عن دعوى الحسب والنسب فليس يخفى على أحد خواؤها وتفاهتها، فإذا كانت تصدر عن ~~الشهرة فهي نبالة مستعارة لا فضل للمرء فيها بل الفضل للآباء والأجداد، وإن فضل الغير ~~لا يمكن أن يسبغ مجدا على من هو عاطل من المجد، وأرى أنه إذا كان ثمة من خير في ~~الحسب فهو هذا، وهذا وحده: أنه يفرض على الحسيب ألا يقصر عن أسلافه في الفضل. # من أصل واحد نبت أهل الأرض جميعا، # واحد فرد هو أبو الجميع، ومدبر الكل # أعطى الشمس ضياءها، والقمر هلاله # وذرأ البشر في الأرض، والنجوم في السماء # بث في الأجساد أرواحها التي هبطت إليها من الأعالي، # فهي العرق النبيل الذي خص به البشر جميعا # لماذا إذن تفتخرون بالأجداد؟ # اذكروا الأصل الذي ينميكم، # وانظروا من الذي برأكم - إنه الله، # ليس ثمة من وضيع أو دنيء سوى من أحاطت به خطاياه، # وتجافى عن أصله الحقيقي إلى ما هو أدنى وأوضع. # الفصل السابع # | اللذة والأسرة # وماذا أقول عن لذة الجسد؟ إن السعي إليها محفوف بالهم، والشبع منها مملوء ~~بالندم، ms060 كما أورثت أجساد المتهالكين عليها من أسقام وتباريح، وكأنها ضرب من عقاب ~~الإثم، لست أفهم أي سعادة في الشهوات إذا كان الأسى هو نهاية اللذة، ويعرف ذلك كل من ~~يتجشم استعادة ذكرى انغماساته، فإذا قيل إن لذة الجسد يمكن أن تجلب السعادة، فلماذا ~~لا نقول عن البهائم إنها سعيدة وهي لا تسعى في حياتها لغير إشباع حاجات الجسد؟! # حقا إن في الزوجة والأبناء لمتعة جد شريفة، ولكم كم ذا نرى من رجل لقي شقاءه في ~~أبنائه، وأنت أدرى الجميع بمرارة هذه الحال، لقد خبرت بنفسك هذه الأشياء ولم تسلم مع ~~ذلك من الهم، ألا يحق إذن ليوريبيديس أن يصف من لا أبناء له بأنه «سعيد في شقائه؟!» # 1 # لجميع اللذات طبع واحد # أن تغري تابعيها وتنخسهم إليها # لكنها، كسرب النحل المدوم، # تذر عسلها الحلو، # ثم تفر بعيدا، تاركة في قلب من تمسه # لدغة لا تزول. # الفصل الثامن # | الدوافع الزائفة إلى السعادة # ما من شك، إذن، أن جميع هذه الطرق إلى السعادة هي ترهات لن تصل بنا إلى الغاية ~~التي وعدتنا بها، وإن الشرور التي تكتنفها لهائلة كما سأبين لك باختصار. # فإذا أردت أن تذخر مالا فإنك، لا بد، منتزعه من حائزيه. # وإذا أردت أن تتألق في أبهة المنصب فسوف يتعين عليك أن تنبطح لمن أنعم عليك به: أي ~~أنك إذا أردت أن تبز الآخرين في الكرامة سيكون عليك أن ترخص نفسك وتهينها ~~بالتزلف! # وإذا أردت السلطة فلا بد من أن تعرض نفسك لمؤامرات رعاياك وأن تتجشم مخاطر ~~جسيمة. # وإذا استهوتك الشهرة والمجد فسوف تجد نفسك في مسلك وعر، تتقاذفك الدروب وتشتبه ~~عليك المسالك إلى أن تضنيك الهموم وتمحوك. # وإذا قلت أخب في الملذات ما حييت فسوف يلفظك الجميع بازدراء، باعتبارك خادما ~~لأحقر مولى، وعبدا لأهش سيد - الجسد. أو فانظر كم هي تافهة تلك الغاية التي تهوي ~~إليها قلوب عبدة الجسد، وكم هي قلقة غير مضمونة، وهل بوسعك أن تفوق الفيل ضخامة، أو ~~الثور قوة، أو النمر سرعة؟ انظر إلى قبة ms061 السماء وتأمل ثبات بنائها ورشاقة حركتها وكف ~~عن الإعجاب بما لا يستحق الإعجاب، على أن أعجب من السماء العقل الذي يسير ~~السماء. # إن جمال الجسم هارب وعابر وأسرع زوالا من زهور الربيع، وإذا كان لنا، كما يقول ~~أرسطو، بصر لينكيوس # Lynceus # 1 # الأسطوري الثاقب الذي ينفذ في الأشياء، فإن جسد ألكيبياديس # Alcibiades # 2 # البديع في ظاهره سيبدو لنا شديد القبح بمجرد أن نرمق أحشاءه، ليست طبيعتك ~~نفسها ما يجعلك تبدو جميلا بل ضعف أبصار من ينظرونك، فتعشق مفاتن الجسد كما تشاء، ~~ولكن تذكر أن ثلاثة أيام من الحمى لن تبقي لها أثرا. # وصفوة القول إن هذه الأشياء، التي لا تأتي بالخير الذي وعدت به ولا تبلغ كمال الخير ~~إذا اجتمعت، ليست هي الطريق إلى السعادة، ولا يمكنها بذاتها أن تجعل الناس ~~سعداء. # وا أسفاه، يا للجهل الفاجع # الذي يضل بني الإنسان عن سواء السبيل، # من ذا الذي ينقب عن الذهب في أغصان الشجر؟ # وعن الجواهر في عرائش العنب؟ # وينصب شباكه في قمم الجبال # ليصيد أسماك الوليمة؟ # أي صياد يلتمس العنز البري في عرض البحر؟! ~~... ... ... # إنهم ليعرفون أي مياه تزخر أعماقها بالدر المكنون، # وأي سواحل تزخر بالأرجوان، # ويعرفون أن يلتمس السمك الطري، # وأين يلتمس المحار، # ولكنهم سادرون في عماهم # لا يعرفون أين يكمن الخير الذي يريدون، # ويهبطون إلى الأرض # ينبشون فيها عما هو أعلى من السماء. ~~••• # أية لعنة بحجم غفلتكم يمكن أن أستنزلها عليكم؟ # الهثوا وراء الثروة والمجد، # وحين يستوي لكم منهما ركام زائف؛ # هنالك تدركون ما هو الخير الحقيقي. # الفصل التاسع # | وحدة الخير الحقيقي # «لعلني الآن قد عرضت لك صورة السعادة الزائفة عرضا وافيا، فإذا كنت قد ~~تبينتها بوضوح فإن مهمتي التالية هي أن أبين لك ماذا تكون السعادة ~~الحقة.» # قلت: «إنني أرى حقا أن الثروة لا تغني، وأن القوة لا شأن لها بالملك، ولا ~~الاحترام بالمنصب، وأن المجد الحقيقي ليس بالشهرة، والسعادة الحقيقية ليست نتاج ~~الملذات.» # ف ~~: ~~«ولكن هل فهمت السبب وراء ذلك؟» # ب ~~: ~~«أظن أن لدي فكرة غائمة ms062 عنها، ولكني أود أن أتعلم منك بوضوح ~~أكبر.» # ف ~~: ~~«السبب في غاية الوضوح: يكمن خطأ الإنسان في أنه يأخذ ما هو بسيط وغير قابل ~~للانقسام فيحاول تقسيمه، فيحيل حقيقته إلى زيف وكماله إلى نقص، قل: هل يمكن ~~أن نصف الشيء الذي يكتفي بذاته ولا يحتاج إلى غيره بأنه بلا قوة؟» # ب ~~: ~~«كلا، على الإطلاق.» # ف ~~: ~~«بالطبع لا؛ لأنه إذا كان به ضعف ما في جانب من الجوانب لاحتاج بالضرورة ~~إلى عون شيء آخر.» # ب ~~: ~~«هو ذاك.» # ف ~~: ~~«إذن الاكتفاء والقوة شيء واحد، وطبيعة واحدة؟» # ب ~~: ~~«يبدو ذلك.» # ف ~~: ~~«أترى كائنا بهذا الحال جديرا بالاحتقار أم، على العكس، جديرا بكل ~~احترام؟» # ب ~~: ~~«بكل احترام من دون أدنى شك.» # ف ~~: ~~«إذن دعني أضيف حالة الاحترام إلى الاكتفاء والقوة، بحيث تكون ثلاثتها شيئا ~~واحدا.» # ب ~~: ~~«لا بد من ذلك إن كنا ننشد الحقيقة.» # ف ~~: ~~«ما ظنك إذن بمثل هذا التضام؟ أيكون خاملا أو نكرة، أم يكون ذا صيت ~~وشهرة؟ إذا سلمت بأنه لا يعوزه شيء، وأنه يمتلك كل القوة، وأنه جدير بكل ~~الاحترام، أيمكن إذاك أن يعوزه أي مجد يحوزه لنفسه فيستهان به من أي ~~جهة؟» # ب ~~: ~~«كلا، بل لا يسعني إلا أن أسلم بمجده أيضا.» # ف ~~: ~~«يترتب على ذلك أن الصيت والمجد والسمعة لا تختلف عن الثلاث ~~الأخريات؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«إذن، إذا كان ثمة كائن مكتف بذاته، قادر على تحقيق كل شيء بقدراته ~~الخاصة، مجيد، وجدير بالاحترام، فمن المؤكد أنه سيكون مفعما ~~بالسعادة؟» # ب ~~: ~~«ومن أين يتسلل الأسى إلى مثل هذا الكائن؟ فلا بد أن نسلم، ما دام محتفظا ~~بصفاته الأخرى، بأنه مفعم بالسعادة.» # ف ~~: ~~«ولنفس السبب فلا فكاك من هذه النتيجة أيضا: الاكتفاء، والقوة، والمجد، ~~والاحترام، والسعادة، تختلف في الاسم ولكن لا تختلف في الجوهر؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«إذن حين يعمد البشر بحماقتهم إلى تجزيء ما هو بطبيعته واحد وبسيط، وإلى ~~تحصيل جزء من شيء لا أجزاء له، فإنهم لا يحصلون على الجزء - الذي لا وجود له، ~~ولا على الكل ms063 - الذي لا يولونه اهتماما.» # ب ~~: ~~«وكيف يحدث ذلك؟» # ف ~~: ~~«حين يسعى امرؤ إلى الثروة بأن يحاول أن يتجنب الفقر، فإنه لا يعمل على نيل ~~القوة، وهو يفضل أن يكون مغمورا وخاملا، بل ويحرم نفسه من مسرات ~~الطبيعة لكي لا يفقد المال الذي حازه، ولكن من المؤكد أنه لا يحقق اكتفاء ~~بهذه الطريقة، إذ هو مفتقر إلى النفوذ ومعرض للمضايقات، وهو قليل الشأن لأنه ~~قليل الاعتبار مغمور خامل نكرة، وإذا سعى امرؤ إلى السلطة وحدها فإنه ~~يبدد المال ويضحي بالثروة، ويحتقر المسرات والشرف ويرى المجد غير ذي ~~قيمة، ولكن بوسعك أن ترى كم يخسر هذا الشخص: ~~تعوزه دوما ضرورات الحياة، ويتملكه القلق ويستبد به، فيفتقد السلطة أيضا ~~التي يريدها فوق كل شيء، والشيء نفسه ينطبق على الشرف والمجد والملذات، فكلها ~~سواء، ومن ثم فإن الذي يسعى إلى واحدة منها بحيث يقصي الأخريات لن يظفر حتى ~~بالتي يسعى إليها.» # ب ~~: ~~«ماذا إذن لو أراد شخص ما أن يظفر بهن جميعا في الوقت نفسه؟» # ف ~~: ~~«عندئذ سيكون راغبا في مجموع السعادة، ولكن أتظن أنه واجدها بين هذه ~~الأشياء التي أثبتنا أنها عاجزة عن أن تقدم ما تعد به؟» # ب ~~: ~~«لا.» # ف ~~: ~~«من المحال إذن أن يجد السعادة في هذه الأشياء التي يظن أنها تحقق كلا من ~~الحالات المطلوبة على حدة؟» # ب ~~: ~~«صدقت، ولا يمكن أن يقال ما هو أصدق من ذلك.» # ف ~~: ~~«لديك إذن طبيعة السعادة الزائفة وسببها معا، فلتحول نظرتك الآن في ~~الاتجاه المقابل ولسوف ترى لتوك السعادة الحقيقية التي وعدت بأن أبينها ~~لك.» # ب ~~: ~~«إنها لواضحة حتى لمن هو أعمى، ولقد كشفتها الآن عندما كنت تحاولين الكشف عن ~~أسباب السعادة الزائفة، فالسعادة الحقيقية والكاملة، إن لم يجانبني الصواب، هي ~~ذلك الذي يجعل الإنسان مكتفيا وقويا وجديرا بالاحترام ومجيدا ومبتهجا، ~~ولكي أثبت لك أنني على فهم عميق للأمر، أقول إن بوسعي، دون أدنى شك، أن أرى ~~أن هذه هي السعادة الحقيقية التي يمكن أن تضفي بالفعل أي واحدة من هذه ~~الحالات، حيث ms064 إنها جميعا شيء واحد.» # ف ~~: ~~«بوركت يا بني، فقط أريد أن أضيف شيئا واحدا.» # ب ~~: ~~«ما هو؟» # ف ~~: ~~«هل تعتقد أن في حياة الفانين الزائلين أي شيء يمكن أن يمنح هذه ~~الحالة؟» # ب ~~: ~~«لا أعتقد، وقد بينت ذلك على أتم وجه.» # ف ~~: ~~«من الواضح إذن أن هذه الأشياء تقدم للإنسان ظلال الخير الحقيقي فحسب، أو ~~نعما منقوصة لا غناء فيها، ولا تقربه إلى الخير الحقيقي والكامل.» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«وما دمت قد أدركت طبيعة السعادة الحقيقية ورأيت تقليداتها الزائفة، يبقى ~~الآن أن ترى أين تلتمس هذه السعادة الحقيقية.» # ب ~~: ~~«وهو ذات الشيء الذي طال اشتياقي إلى رؤيته.» # ف ~~: ~~«ولكن عون الله لا بد من أن يطلب في الأمور الصغيرة والكبيرة كما قال تلميذي ~~أفلاطون في محاورة طيماوس # Timoeus # 1 # فماذا، في اعتقادك، ينبغي علينا أن نفعله الآن، حتى نكون جديرين ~~باكتشاف مصدر هذا الخير الأسمى؟» # ب ~~: ~~«ينبغي أن نبتهل إلى أبي الأشياء جميعا، فبدون ذلك لا يستهل عمل ولا ~~يشمر لأمر.» # قالت: «حقا»، وأنشأت تغني: # يا من تدبر الأمر بقانون سرمد، # خالق الأرض والسماء، # يا من أتيت بالزمان من الأزل، # يا من تحرك كل شيء ولا تتبدل # لم يكن شيء يرغمك على أن تصوغ كتلة المادة المتقلبة، # ولكن فيك يقبع مثال الخير الأسمى، # فبرأت كل الأشياء وفق مثالك العلوي # أنت، أيها الجمال الأسمى، في عقلك تحمل العالم الجميل، # وتشكله على ذاك المثال، # آمرا الأجزاء التامة الخلق أن تستوي كلا تاما، # تضم العناصر معا بانسجام وتسلكها في نظام؛ # فيتوازن الشيء بنقيضه: الحار بالبارد، والرطب باليابس، # وعن الحد لا تخف النار، # ولا التراب يثقل # خلقت الروح ثلاثية الطبيعة وسيطا بين العقل والأجسام المادية # تتخلل جنبات الطبيعة، # وما أن انفصلت الروح حتى اتخذت مسارها في دائرتين # لفت وعادت إلى ذاتها، محوطة العقل # وأدارت قبة السماء بنفس الطريقة، # ومن علل مماثلة برأت الأرواح والحيوات الأدنى، # التي نثرتها من الأعالي في مركبات رشيقة # خلال السماء والأرض، # وهي تكدح بقانونك السمح لتعود إليك في النهاية # خلال ms065 النار التي تعيدها إلى دارها. ~~••• # هب لنا يا أبانا أن تصعد عقولنا إلى عرشك الأجل، # وأن نرى نبع الخير الحق، # واجعل لنا نورا ننظر إليك بعيون مبصرة، # بدد الغيوم الثقال لهذا العالم المادي، # تجل لنا في بهائك كله فأنت العدل، # وأنت السلام والسكينة للعابدين، # رؤيا جلالك هي منتهى أمانينا، # أنت مبدئنا وبارئنا ومولانا وطريقنا وغايتنا. # الفصل العاشر # | الله هو الخير والسعادة # «أما وقد رأيت صورة كل من الخير الناقص والخير الكامل، فأظن أن واجبي الآن أن ~~أبين لك أين تلتمس هذه السعادة الكاملة، وأعتقد أن أول سؤال علينا أن نسأله هو ما ~~إذا كان أي خير من هذا النوع يمكن أن يوجد في طبيعة الأشياء، وذلك حتى لا نضل عن حقيقة ~~هذا الموضوع بتفكير عابث لا أساس له، غير أنه لا مجال للشك في وجود هذا الخير وفي ~~كونه المنبع الأساسي لكل خير؛ وذلك لأن كل ما يوصف بالنقص إنما يعتقد فيه ذلك بغياب ~~الكمال، فإذا وجدنا في أي صنف من الأشياء جزئيا يبدو غير كامل فلا بد أن هناك أيضا ~~عينة كاملة في الصنف نفسه، إذ لو حذفت الكمال لاستحال عليك أن تتخيل من أين يمكن أن ~~يأتي ما يسمى عينة غير كاملة، إن الطبيعة لا تبدأ من الذي هو أدنى وأنقص، بل من ~~الكامل والمثالي، ثم تنحدر وتتنكس إلى هذه الحالة الهابطة المهترئة، وحيث إننا ~~أثبتنا لتونا أن هناك سعادة منقوصة في الخير الزائل، فلا شك إذن أن هناك سعادة ~~حقيقية تامة.» # قلت: «وهو استنتاج سليم وصادق.» # ف ~~: ~~«أما مسألة أين تلتمس فينبغي أن تفكر فيها على هذا النحو: ينعقد اتفاق البشر ~~جميعا على أن الله، بارئ كل شيء، هو خير، إذ لا يمكن للعقل أن يتصور ما هو ~~خير منه، وما لا يوجد خير منه لا بد من أن يكون هو نفسه خيرا، ويتحقق فيه ~~الخير الأكمل، وإلا لما كان هو بارئ الخلق ولكان هناك من هو أعلى منه وأكمل ~~خيرا وأكثر قدما؛ لأن الكامل أعلى بالضرورة ms066 من المنقوص، ومن ثم، لكي ~~نتفادى التسلسل اللانهائي لا بد لنا من أن نسلم بأن الله الأعلى يتصف ~~بأسمى خير وأكمله، وحيث إننا قد اتفقنا على أن الخير الكامل هو سعادة كاملة، ~~يترتب على ذلك أن السعادة الكاملة قائمة في الألوهية.» # ب ~~: ~~«نعم، أوافقك على هذا القول، ولا يمكن أن يطعن فيه طاعن.» # ف ~~: ~~«ولكني أناشدك أن تتحقق من أنك توافق بلا قيد وبلا تردد على ما قلناه من أن ~~الله العلي يحوز أسمى خير.» # ب ~~: ~~«ماذا تقصدين؟» # ف ~~: ~~«ينبغي ألا تتصور أن الله، الذي هو مولى الأشياء جميعا والذي نوقن بأنه ~~يحوز أعلى خير، أنه استمد هذا الخير من خارج ذاته، ولا أنه يحوزه بطبيعته ~~ولكن بطريقة تجعلك تفترض أن الله - الحائز - والسعادة التي يحوزها، هما ~~جوهران مختلفان، فأنت إذا افترضت أنه تلقى الخير من خارج ذاته فإن لك أن ~~تعد المعطي أعلى من الآخذ، بينما نحن قد اتفقنا، بحق، على أن الله هو أسمى ~~الموجودات جميعا، أما إذا افترضت أن الخير صفة طبيعية لله ولكنها شيء ~~منماز منطقيا عنه، فكلما تحدثنا عن الله كمصدر للأشياء فمن ذا الذي يتصور ~~وجود قوة اضطلعت بضم هذه المتمايزات؟ # وأخيرا، إذا كان شيء ما منمازا عن شيء آخر فإنه لا يمكن أن يكون هو ذات ~~الشيء الذي ينماز عنه؛ وعليه فإن أي شيء يختلف بطبيعته عن الخير الأسمى لا يمكن ~~أن يكون هو الخير الأسمى، وما كان لنا أن نقول ذلك عن الله الذي لا يعلو عليه ~~شيء مثلما اتفقنا. # إن من الممتنع على أي شيء أن يكون أفضل بطبيعته من ذلك المبدأ الذي صدر ~~عنه، بوسعي أن أخلص من ذلك بمنطقية تامة إلى أن ذلك الذي هو مصدر الأشياء ~~جميعا هو بذاته وبجوهره الخير الأسمى.» # ب ~~: ~~«حق تماما.» # ف ~~: ~~«ولكننا اتفقنا أن الخير الأسمى هو هو السعادة؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«علينا أن نسلم إذن بأن الله هو السعادة المطلقة.» # ب ~~: ~~«إن مقدماتك صادقة لا تقبل الجدل، وهذا الاستنتاج يلزم عنها ~~بالضرورة.» ms067 # ف ~~: ~~«انظر أيضا هل يثبت ذلك على نحو أقوى بالبرهان التالي: من المحال أن ~~يكون هناك خيران مختلفان كل منهما متناه في الكمال، فمن البين أنه إذا ~~انفصل خيران فإن الواحد منهما لا يمكن أن يكون الآخر، وبالتالي لا يمكن أن يكون ~~أي منهما كاملا من حيث هو ينقصه الآخر، ولكن من الواضح أن ما هو غير كامل ~~فهو ليس الأسمى، إذن من المحال أن يكون هناك أكثر من خير واحد متناه في ~~الكمال، غير أننا أثبتنا أن الله والسعادة كلاهما هو الخير الأسمى، يترتب إذن ~~أن السعادة المطلقة والألوهة المطلقة هما شيء واحد.» # ب ~~: ~~«لا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر صدقا من هذا الاستنتاج أو أشد تماسكا ~~منطقيا أو أليق بالله.» # ف ~~: ~~«بالإضافة إلى ذلك دعني أقدم لك «لازمة» # corollary ~~(أو «بوريزما» # porisma # باليونانية) مثلما يفعل الرياضيون في الهندسة إذ ~~يستخلصون شيئا جديدا من «المبرهنة» # theorem # التي تم إثباتها: بما أنه من خلال امتلاك ~~السعادة يصبح الناس سعداء، وحيث إن السعادة، في الحقيقة، هي الألوهة، فمن ~~البين أنه من خلال امتلاك الألوهية يصبحون سعداء، وبالمنطق نفسه الذي يصبح به ~~الناس عادلين بالعدل وحكماء بالحكمة، فإن أولئك الذين يمتلكون الألوهة يصبحون ~~إلهيين، كل امرئ سعيد هو إذن إلهي، وبينما الله وحده هو كذلك بالطبيعة فإن ~~بوسع أي عدد تشاء من الناس أن يصبحوا إلهيين بالمشاركة.» # ب ~~: ~~«جميلة حقا وجد قيمة هذه «اللازمة» سواء أعطيتها الاسم اللاتيني أو ~~اليوناني.» # ف ~~: ~~«ولكن الأجمل هو ما يقودنا المنطق إلى إضافته إلى كل هذا.» # ب ~~: ~~«ماذا؟» # ف ~~: ~~«هل جميع هذه الأشياء، الاكتفاء، والقوة، وما شئت، هي كالأجزاء التي تشكل ~~في اجتماعها جسدا واحدا وإن تعددت واختلفت الواحدة عن الأخرى؟ أو أن هناك ~~واحدة منها يمكن أن تقدم جوهر السعادة، وتصنف تحتها البقية؟» # ب ~~: ~~«هل يمكن أن توضحي لي السؤال بأن تكوني أكثر تحديدا؟» # ف ~~: ~~«حسنا، ألم نعتبر السعادة خيرا؟» # ب ~~: ~~«بلى، الخير الأسمى.» # ف ~~: ~~«بوسعك أن تقول الشيء نفسه عنها جميعا، فتحكم ms068 بأن الاكتفاء التام هو ~~السعادة، وكذلك القوة، والاعتبار، والمجد، والمتعة، حسن، السؤال هو: هذه ~~الأشياء جميعا - الاكتفاء، القوة، ... إلخ - أهي خير كما لو أن السعادة جسد هي ~~أعضاؤه، أم أن الخير شيء يعلو عليها وتنتمي هي إليه؟» # ب ~~: ~~«أفهم الأمر الذي تقترحين أن نبحثه، ولكني مشوق لسماع ما لديك ~~بشأنه.» # ف ~~: ~~«أريدك أن تأخذ التفسير التالي: إذا كانت هذه الأشياء جميعا تتصل بالسعادة ~~كما ترتبط الأعضاء بالجسم، ستكون مختلفة الواحدة عن الأخرى؛ لأن طبيعة الأجزاء ~~أن يكون الجسم واحدا بينما الأجزاء التي تكونه متعددة، ولكننا أثبتنا أن كل ~~هذه الأشياء متماهية، إذن هي ليست كالأعضاء، أضف أن ذلك سوف يظهر السعادة ~~كأنها جسد مكون من عضو واحد وهو مستحيل.» # ب ~~: ~~«لا شك في ذلك، ولكني مشوق لما سيفضي إليه.» # ف ~~: ~~«من البين أن الخصائص الأخرى تصنف تحت الخير، فالناس لا يسعون إلى ~~الاكتفاء إلا لأنهم يرونه خيرا، ولا يسعون إلى القوة إلا لأنهم يعتبرونها ~~خيرا، والشيء نفسه ينسحب على الشرف والمجد واللذة. # السبب الرئيس إذن لطلب هذه الأشياء جميعا هو الخيرية؛ لأن ما ليس خيرا لا ~~يمكن لأحد أن يرغب فيه، وإذا كان الناس يتوقون أحيانا إلى ما ليس خيرا ~~فلاعتقادهم الخاطئ أنه خير. # ينتج من ذلك أن هناك مبررا لأن نعتقد أن الخير هو النقطة المحورية التي ~~تتعلق بها كل المساعي والدوافع، فالرغبة الحقة إنما هي في الشيء الذي يدفع ~~الناس إلى طلب هذا الشيء أو ذاك: فالذي يريد أن يمارس الفروسية من أجل الصحة ~~الجيدة فإنه لا يرغب في حركة ركوب الخيل بحد ذاتها بل يرغب بالأحرى في الصحة ~~التي يحصلها من ذلك، وما دام الناس يرغبون في كل الأشياء من أجل الخير الذي ~~فيها، فلا أحد يرغب فيها بقدر ما يرغب في الخير نفسه، ولكننا اتفقنا أن الغاية ~~من طلب الأشياء هي السعادة، إذن من الواضح البين أن الخير ذاته والسعادة ~~متماهيان.» # ب ~~: ~~«هذا كلام لا يقبل الطعن.» # ف ~~: ~~«ولكننا أثبتنا أن الله والسعادة شيء واحد.» # ب ms069 ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«للمرء إذن أن يستنتج أن جوهر الله أيضا إنما يكمن في الخير نفسه وليس في أي ~~شيء آخر.» # هلموا إلي يا كل أسارى الرغبة، # المصفدين في أغلالها الفظة، # تلك الشهوات الغادرة التي تعشش في العقول الأرضية، # هنا سوف تجدون انعتاقا من العنت المضني # تجدون مرفأ راقدا في حضن السكينة، # وملاذا مرحبا بكل المعذبين. ~~••• # ولا رمال تاجوس الذهبية، # ولا شواطئ هيرموس الوضاءة، # ولا سواحل إندوس الملتهبة، # تنثر الجواهر اختلط أخضرها بأبيضها # يمكن أن تهب النور لأي روح؛ # بل تطمرها في غياباتها المعتمة # كل ما يخلب الألباب، ويخطف الأبصار # إنما تنضجه الأرض في كهفوها السفلى، # بينما النور البهي الذي تسير به السماء وتحيا، # ينأى عن هذه الأرواح المظلمة الخربة، # هذا هو الضياء الحق، من يبصر به # سيقول ما للشمس خبا ضياؤها. # الفصل الحادي عشر # | كل شيء يبتغي الخير # ب ~~: ~~«لا يسعني إلا أن أوافقك، فكل الذي قلته يقف متماسكا يترابط بعضه ~~ببعض بأوثق البراهين.» # ف ~~: ~~«كم تكون قيمته عندك إذا قادك إلى معرفة الخير ذاته؟» # ب ~~: ~~«سأعده ذا قيمة مطلقة إذا مكنني أيضا أن أرى الله، الذي هو ~~الخير.» # ف ~~: ~~«سأجعل قولي واضحا ببرهان لا يناله الشك، شريطة أن تلتزم بما خلصنا إليه ~~منذ قليل.» # ب ~~: ~~«سألتزم.» # ف ~~: ~~«لقد أثبتنا أن مختلف الأشياء التي يسعى إليها معظم الناس ليست كاملة وليست ~~خيرا؛ لأنها مختلفة بعضها عن بعض ويفتقر بعضها إلى بعض ولا يمكنها أن تسبغ ~~على المرء خيرا تاما مكتملا، وقلنا، من جهة أخرى، إن الخير الحقيقي ~~يتأتى حقا إذا انضمت معا في شكل واحد وقوة فاعلة بحيث يتماهى الاكتفاء ~~مع القوة والشرف والمجد واللذة، وما لم تكن جميعا شيئا واحدا، وتكن كلها ~~الشيء نفسه، فلن تستحق أن تدرج بين الأشياء الجديرة بالسعي.» # ب ~~: ~~«لقد أثبت ذلك بما لا يدع مجالا للشك.» # ف ~~: ~~«عندما تختلف هذه الأشياء وتتباين لا تكون خيرا، ولكن عندما تشرع في أن تكون ~~واحدا تصبح خيرا، يتبين من ذلك أنه إنما من خلال اكتسابها الوحدة تكون ms070 هذه ~~الأشياء خيرا، أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى، يبدو ذلك.» # ف ~~: ~~«ولكن أتوافق أم لا على أن كل شيء خير يعد خيرا من خلال مشاركته في ~~الخيرية؟» # ب ~~: ~~«أوافق تماما.» # ف ~~: ~~«إذن أنت مضطر إلى أن توافق بنفس القياس على أن الوحدة والخيرية متماهيتان؛ ~~لأن الأشياء التي يتماهى تأثيرها الطبيعي لا بد من أن يكون لها الجوهر ~~نفسه.» # ب ~~: ~~«لا يسعني أن أنكر ذلك.» # ف ~~: ~~«أنت تعرف إذن أن كل شيء في الوجود يبقى ويدوم ما دام واحدا، فإذا لم يعد ~~واحدا فإنه لا يلبث أن يهلك ويتبدد.» # ب ~~: ~~«كيف ذاك؟» # ف ~~: ~~«تماما مثلما هو الحال في الكائنات الحية: إذا التقى الروح والجسم وبقيا ~~متحدين نكون بإزاء كائن حي، أما إذا تفسخت هذه الوحدة بانفصال أي ~~مكون، فمن الواضح أن الكائن يهلك ولا يعود موجودا، ينطبق الأمر أيضا على ~~الجسد نفسه: فما دام محتفظا بهيئة واحدة من خلال اتحاد أعضائه فأنت ترى ~~صورة بشرية، أما إذا تفرقت الأجزاء وانفصلت وانحطمت وحدة الجسم فإنه لا ~~يعود ما كان، وبوسعك أن تستعرض كل شيء وسيكون واضحا لك من دون أي ظل من ~~الشك أن كل شيء يبقى ما دام واحدا ويزول بزوال وحدته.» # ب ~~: ~~«نعم، بوسعي أن أعدد كثيرا من الأشياء التي ينطبق عليها ذلك.» # ف ~~: ~~«والآن، هل هناك شيء يفقد خلال مسعاه الطبيعي إرادة البقاء ويرغب في الموت ~~والفساد؟» # ب ~~: ~~«في حدود المخلوقات الحية التي تتمتع في طبيعتها بالإرادة لا أعرف في أي ~~منها أي رغبة في التخلي عن عزمها على البقاء كما هي، أو في التعجيل بالموت، ما ~~لم ترغمها على ذلك قوى خارجية قاهرة، فما من حي إلا يجهد للبقاء ويتجنب ~~الموت والهلاك، أما بالنسبة للشجر والنبات فيخالجني الشك فيما ينبغي أن ~~أقره بشأنها.» # ف ~~: ~~«وحتى في هذه الحالة ليس هناك مجال للتردد، فأنت ترى كيف ينمو الشجر والنبات ~~في الأماكن الملائمة له، وكيف يذوي سريعا ويموت إذا لم يلائمه المكان، منه ~~ما ينمو في الحقول، وما ينمو في الجبال، ms071 والبعض تغذوه المستنقعات، والبعض يتعلق ~~بالصخور والبعض يترعرع في الصحاري المقفرة فإذا ما غرسته في مكان آخر صوح ~~وذبل، إن الطبيعة لترأم كلا بما يلائمه وتكد لتدرأ عنه الموت ما دامت ~~شروط الحياة مواتية. # تأمل كيف تدبر النباتات غذاءها بجذورها، لكأنها تضرب في الأرض أفواهها، ~~وكيف تدب العافية في لبها ولحائها، وانظر كيف يتوارى جانبها الأرق، ~~كالعصير، دائما إلى الداخل، بينما تتدرع بلحاء خارجي له بأس الخشب يقيها ~~غوائل الطقس، وانظر مدى حرص الطبيعة على أن تضمن لكل النباتات استمرارها ~~بإكثار بذورها، إنها، كما هو معلوم جيدا، أشبه بآلات منتظمة، ليس لمدة ~~حياتها فحسب، بل لامتداد نوعها وذراريها إلى الأبد. # حتى الأشياء التي يفترض أنها غير حية تحافظ جميعا على نفسها على نحو مماثل، ~~لماذا يعلو اللهب إلى أعلى بخفته وتهبط الأجسام الصلبة إلى أسفل بثقلها، إن ~~لم يكن ذلك لملاءمة هذه الأوضاع والحركات لكل منها؟ وفضلا عن ذلك، فإنها ~~تحفظ ما هو ملائم لكل شيء مثلما تدمر ما هو مؤذ له، فالأشياء الصلبة، ~~كالحجر، تندمج بتماسك شديد بين أجزائها وتقاوم الانكسار، أما السوائل والهواء ~~والماء، فتستسلم للانقسام وتعود فتلتئم بسهولة مع أجزائها المنفصلة، أما النار ~~فلا يمكن أن تقطع على الإطلاق. # لسنا بصدد الحركات الإرادية للعقل الواعي، بل الحركات الغريزية للطبيعة، ~~فنحن، على سبيل المثال، نهضم الطعام الذي تناولناه دون أن نعي ذلك، ونتنفس لا ~~شعوريا أثناء نومنا، فحب البقاء حتى في الأشياء الحية ليس مرده إلى ~~رغبة العقل بل إلى مبادئ الطبيعة، فكثيرا ~~ما يقبل العقل، تحت تأثير الضغوط الخارجية، فكرة الموت، بينما ترفضها ~~الطبيعة في وجل، ومن جهة أخرى، قد تكبح الإرادة عملية الإنجاب، وهي الطريقة ~~الوحيدة لاستمرار المخلوقات الفانية، بينما ترغب فيها الطبيعة على الدوام، إلى ~~هذا الحد ينجم حب البقاء لا من الرغبة الواعية بل من الغريزة الطبيعية، ~~هكذا منحت العناية مخلوقاتها سببا عظيما لاستمرار الحياة، وهو الرغبة ~~الغريزية للبقاء على قيد الحياة جهد المستطاع، ومن ثم فليس لك أي مبرر للشك في ~~أن جميع ms072 الأشياء الكائنة لديها رغبة فطرية في استمرار وجودها وتجنب ~~فنائها.» # ب ~~: ~~«أعترف أنني أرى الآن دون أدنى شك ما بدا لي غير يقيني منذ قليل.» # ف ~~: ~~«ولكن، أيما كائن يريد بقاءه ودوام وجوده فإنه يود أن يكون واحدا ... ~~يريد الوحدة، انتزع الوحدة من الشيء ولن يعود هذا الشيء موجودا.» # ب ~~: ~~«هذا حق.» # ف ~~: ~~«إذن كل الأشياء ترغب الوحدة؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«ولكننا أثبتنا أن الوحدة تتماهى مع الخير؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«إذن جميع الأشياء ترغب في الخير، بحيث يسعك القول بأن الخيرية هي ما ترغب ~~فيه جميع الأشياء.» # ب ~~: ~~«ليس أصدق من ذلك استنتاجا، فإما أن تضطرب جميع الأشياء دون وجهة واحدة ~~وتتخبط بلا هدف ولا مرشد، وإما أن هناك شيئا تتجه إليه جميع الأشياء، وإذا كان ~~ثمة من شيء تكدح إليه الأشياء فسيكون هو أسمى الخير كله.» # ف ~~: ~~«كم أنا سعيدة يا بني لأنك قبضت على جمع الحقيقة، وبذلك يكون قد انكشف ~~لك ما كنت تقول منذ قليل إنك لا تعرفه.» # ب ~~: ~~«ماذا؟» # ف ~~: ~~«انكشف لك ما هو هدف الأشياء جميعا، فمن المؤكد أنه هو نفسه ما ترغب فيه ~~جميع الأشياء، وبما أننا اتفقنا على أن ما يرغب فيه الجميع هو الخير، فلا مناص ~~من أن نتفق على أن الخير هو غاية الأشياء جميعا.» # من أراد أن يبحث عن الحقيقة بكنه الهمة، # وألا تضله السبل # فعليه أن يتجه إلى داخله ويوقد نوره الباطن، # وأن يطوي ترهات عقله الطويلة إلى دائرة واحدة، # وأن يعلم قلبه أن ما يبغيه في الخارج بالكد والعنت، # هو يملكه بالداخل مذخورا في أعماق الروح # هنالك تنقشع غيوم الضلال الكئيبة، # عن الحقيقة المحجوبة، فتتجلى أوضح من الشمس ذاتها، # فكثافة الجسد التي تولد النسيان # لم تحجب عن العقل الضياء كله، # فبذرة الحقيقة ما تزال تعلق هناك، # ويمكن أن تروحها الفلسفة # 1 # وتوقظ جذوتها # وإلا فكيف يسعك أن تجيب كلما سئلت، # وتقول صوابا # لو لم تكن فيك جذوة # تئز بأعماق روحك، # 2 # ولو صدقت ربة الفن عند # 3 ms073 # أفلاطون، # فإن المرء لم ينس # إنما هو يذكر نفسه بما يعلمه. # 4 # الفصل الثاني عشر # | الله يدبر العالم بالخير # عندئذ قلت: أتفق مع أفلاطون كل الاتفاق، فهذه هي المرة الثانية التي ذكرتني فيها ~~بهذه الأمور: فقد نسيتها أول مرة بتأثير الجسد، ونسيتها مرة ثانية حين أخنى علي ~~الحزن. # ف ~~: ~~«إذا رجعت إلى ما اتفقنا عليه سابقا، فسوف تتذكر بسهولة ما قلت الآن إنك ~~نسيته.» # ب ~~: ~~«وما هو؟» # ف ~~: ~~«الطريقة التي يدبر بها العالم.» # ب ~~: ~~«نعم، أذكر أني قد اعترفت بجهلي، ورغم أن لدي حدسا بما سوف تقولين فإنني ~~مشوق إلى أن أسمعه منك بوضوح أكثر.» # ف ~~: ~~«منذ قليل قلت إنك لا يخامرك أدنى شك في أن هذا العالم يدبره ~~الله.» # ب ~~: ~~«وما أزال أقول بذلك وسأظل دائما أقول به دون أدنى شك، وسأوجز لك حجتي في ~~هذا الشأن: # 1 # ما كان لهذا العالم أن يتشكل في صورة واحدة من أجزاء متفرقة ~~متضادة لو لم يكن هناك من يوحد مثل هذا التنوع ويضم معا مثل هذه الأجزاء ~~المختلفة، وهي إذ تتحد فإن اختلاف طبائعها نفسه وتنافرها فيما بينها كفيل ~~بإفساد تآلفها وتمزيقها إربا إربا لو تركت لشأنها ولم يمسك بها من ~~جمعها ويحافظ على تماسك ما نسج من قبل. إن نظام الطبيعة الثابت لا يمكن ~~أن يمضي في طريقه ويؤتي ضروبا من الحركة المنتظمة، في المكان والزمان والتأثير ~~والمسافة والخصائص ما لم تكن هناك قوة ثابتة لا تتحرك لكي تنظمها، للإشارة إلى ~~هذه القوة، أيا ما تكون، التي تبقي الخلق في وجود وفي حركة، أستخدم الكلمة ~~التي يستخدمها الناس جميعا: الله.» # ف ~~: ~~«ما دمت ترى هذا فلم يبق لي ما أفعله قبل أن تعود إلى وطنك الحقيقي سالما ~~آمنا والسعادة ملك يديك. # ولكن دعنا ننظر في الحجج التي طرحناها، تحت السعادة أدرجنا الاكتفاء، أليس ~~كذلك؟ وقد اتفقنا على أن الله هو السعادة نفسها؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«لذا فإنه في تدبيره للكون لا يحتاج إلى مساعدة من الخارج وإلا ما كان ~~مكتفيا ms074 بذاته.» # ب ~~: ~~«هذا مترتب بالضرورة.» # ف ~~: ~~«إذن هو يدبر كل الأشياء بنفسه؟» # ب ~~: ~~«نعم بلا شك.» # ف ~~: ~~«وقد أثبتنا أن الله هو الخير ذاته.» # ب ~~: ~~«نعم، أذكر ذلك.» # ف ~~: ~~«إذن هو يدبر كل الأشياء بالخير ما دام ~~يدبرها بنفسه وقد عرفنا أنه هو الخير، وهذه إذن هي «الدفة والسكان»، إن ~~صح التعبير، التي تدار بها آلة العالم سالمة آمنة .» # ب ~~: ~~«أوافق بشدة، وهذا بالضبط ما كنت أتوقع أنك ستقولينه بالرغم من أنني لم أكن ~~موقنا من حدسي.» # ف ~~: ~~«أصدقك، فأنت الآن فيما أرى تحتشد وتحد البصر لرؤية الحقيقة، على أن ~~ما سأقوله ليس يخفى على البصر.» # ب ~~: ~~«وما هو؟» # ف ~~: ~~«أما وقد تحققنا من أن الله يسير الأشياء جميعا بمقود الخيرية، وأن ~~الأشياء جميعا، كما قلت، لديها نزوع طبيعي نحو الخير، فلا محل للشك بأنها ~~تسعى بملء إرادتها وتمتثل طواعية لإرادة ربانها ومدبرها الأعلى.» # ب ~~: ~~«هو ذاك يقينا؛ إذ لن تبدو قيادة سعيدة إذا كانت نيرا مفروضا على رقاب ~~مكرهة لا تسليما راضيا مرضيا.» # ف ~~: ~~«لا يمكن لأي شيء، إذن، أن يعصي الله ويكون مخلصا لفطرته.» # ب ~~: ~~«لا يمكن.» # ف ~~: ~~«وإذا أراد العصيان فلن يربح في النهاية؛ حيث إنه يعصي من تبينا أنه أعلى ~~سلطة فيما يتصل بالسعادة.» # ب ~~: ~~«لن يربح بكل تأكيد.» # ف ~~: ~~«أيكون ثمة من شيء، إذن، يمكن أن تكون لديه الإرادة أو القدرة على مناوأة ~~الخير الأسمى؟» # ب ~~: ~~«لا أعتقد.» # ف ~~: ~~«إنه الخير الأسمى، إذن، ذاك الذي يدبر كل شيء بقدرة ورأفة.» # ب ~~: ~~«ما أسعدني بحديثك، بما برهنت عليه بأقوى الحجج، وعلى الأخص بأسلوبك في البرهان، # 2 # إنه ليجعلني أخجل الآن من كل شكاياتي المتبجحة الحمقاء.» # ف ~~: ~~«لا شك أنك سمعت في الميثولوجيا كيف شرع المردة يهاجمون السماء، لقد كانت ~~هذه القوة الرحيمة ذاتها هي ما ردعهم كما ينبغي وردهم عن غيهم، ولكن، ~~هل تود أن أطرح مفارقة، أو تضاربا في الحجج، لعل اصطداما من هذا النوع أن ~~يولد شررا جميلا من الحقيقة؟» # 3 # ب ~~: ~~«كما شئت.» ms075 # ف ~~: ~~«لا يشك أحد في أن الله شامل ~~القدرة # omnipotent ~~.» # ب ~~: ~~«لا يشك عاقل في ذلك على الإطلاق.» # ف ~~: ~~«ومن حيث هو كلي القدرة فهل ثمة شيء لا يستطيع فعله؟» # ب ~~: ~~«لا شيء.» # ف ~~: ~~«فهل يستطيع الله أن يفعل الشر؟» # ب ~~: ~~«لا.» # ف ~~: ~~«إذن الشر لا شيء؛ لأنه ذلك الذي لا يقدر على فعله من يقدر على كل شيء.» # 4 # ب ~~: ~~«إنك تداورينني ، أليس كذلك؟ بنسج متاهة من الحجج لا أعرف كيف أخرج منها، ~~فمرة تدخلين من حيث تخرجين من بعد، ومرة تخرجين من حيث تدخلين، أم تراك ~~تعقدين حلقة عجيبة من بساطة الألوهية؟ فمنذ قليل بدأت بالسعادة وقلت إنها ~~في الله، ثم بدأت تحاجين بأن الله نفسه هو أيضا الخير الأسمى والسعادة ~~الكاملة، ثم دفعت لنا بنفحة ما حين قلت بأن المرء لا يكون سعيدا ما لم يكن ~~أيضا إلهيا. لقد قلت إن كنه الخير نفسه يتماهى مع جوهر الله وجوهر ~~السعادة، ولقنتني أن الوحدة نفسها هي الخير نفسه لأن الأشياء جميعا تنزع ~~بطبيعتها إلى الوحدة، ثم قلت بأن الله يدبر ويسير الكون بمقود الخيرية، وأن ~~جميع الأشياء تمتثل طائعة، وأن الشر لا شيء، كل أولئك تبسطينه من دون أي عون ~~خارجي، بل يلتحم كل برهان بالآخر ويستمد مصداقيته من سابقه.» # عندئذ أجابت: «ما كنت هازئة بك. بفضل من الله الذي دعوناه، منذ لحظة وصلنا إلى ~~أسمى الأشياء جميعا؛ إن صورة الجوهر الإلهي تقتضي ألا يذوب في خارجه ولا يستمد شيئا ~~مما سواه، وكما يقول بارمنيدس Parmenides ~~«مثل كرة ~~محكمة الاستدارة». # يدير كرة الكون ويبقى هو ثابتا، فإذا كنت أتناول حججا لا تستمد من الخارج بل من ~~داخل حدود المسألة المطروحة فلا عجب في ذلك. لقد تعلمت على عهدة أفلاطون أن علينا أن ~~نستعمل لغة مثيلة بموضوع الخطاب.» # 5 # سعيد هو الإنسان الذي أمكنه # أن يشاهد النبع البللوري للخير، # أن يتخلص من أغلال المادة والأرض ويتركها وراءه. # قديما عندما شرع أورفيوس يندب زوجته التي غيبها الموت # انسابت أنغامه الشجية ms076 فتحركت لها الأشجار لتتبعه، # وتوقف مجرى الأنهار عنده، # وجعلت الأيائل ترافق الأسود الضواري دون وجل، # والأرنب ينظر مطمئنا إلى كلب الصيد # المخدر الآن بصوت الموسيقى، # ولكنه وقد أذابت قلبه لوعة الفراق، # والتعجت في أحشائه نيران الأسى، # فإن نشيده الذي أخضع لسلطانه كل شيء # لم يشف غلة منشده نفسه! # فشكا قسوة الآلهة في الأعالي، # ودنا إلى العالم السفلي للموتى، # هناك جعل يضرب على أنغام ناعمة مهدئة ، # ويرتل أناشيد استقاها قديما من نبع أمه # 6 # الأصيل، # لقد منحه حزنه الجارف قوة، # وضاعف حبه من قوة حزنه؛ # فحرك بكاؤه أعماق الجحيم # وتضرع إلى سدنة العالم السفلي أن ترحمه. # وقف كيربيروس # 7 # الحاجب ذو الرءوس الثلاثة # مشدوها مأسورا بسحر النغم، # أما آلهة الانتقام # التي تلقي الرعب في قلوب المذنبين، # فقد فاضت أعينها من الدمع، # وتوقفت عجلة إكسيون، # 8 # ونسي تانتالوس # 9 # عطشه وازدرى الماء الجاري، # وانشغل النسر بالأنغام، # فكف برهة عن نهش قلب تيتيوس، # 10 # وأخيرا صاح بلوتو ملك العالم السفلي بصوت متهدج: ~~«لقد استسلمنا ... خذ معك زوجتك فقد فديتها بأغنيتك، # ولكن نعمتنا مشروطة بشرط واحد: # ألا تنظر وراءك إليها # حتى تغادر هذه الدور المظلمة.» # ولكن ... من ذا الذي يمكن أن يقيد الحب بقانون؟! # الحب قانون نفسه. # وا أسفاه، فما كاد يبلغ أورفيوس تخوم عالم الظلام # حتى التفت وراءه ونظر إلى يوريدبكي، # فخسرها وخسر نفسه. ~~••• # عنك أيضا تتحدث هذه الأسطورة، # أنت يا من تبتغي أن تحدو أفكارك إلى النور العلوي # فكل من يستسلم للرغبة # ويحول بصره عن السماء إلى الظلام الأرضي، # فإنه في هذه اللحظة # يخسر الجائزة التي حازها، # ويفقد كل ما عساه أن يصعد معه. # 11 # الكتاب الرابع # | الخير والشر 1 # لا تذم القضاء من كل وجه # لست تدري عن المقدر شيا # قد يكون البلاء موطئ لطف # ويكون المصاب رزقا خفيا # الفصل الأول # | لماذا يزدهر الأشرار؟ # أنشدت «الفلسفة» هذه الترنيمة الشجية الرقيقة بجلال ورصانة، غير أني لم أكن قد ~~نسيت بعد ما يعتلج بصدري من الأسى، فعاجلتها وهي تهم باستئناف حديثها قائلا: «أنت ms077 ~~أيتها المبشرة بالنور الحق، كل ما أفضيت به حتى الآن يبدو ملهما لمن يتأمله ~~وبالغ الحجة لمن يتمعن فيه، لقد ذكرتني بما أنسانيه الحزن الذي ران علي لما لقيت ~~من الظلم، وكنت أعرفه قبل ذلك حق المعرفة، إلا أن علة حزني الحقيقية هي هذه: أن أرى ~~الشر قائما في عالم يدبره إله خير، بل أجد هذا الشر يمضي في طريقه بغير عقاب، ~~ألا تبدو لك هذه الحقيقة وحدها مثيرة حقا لكل عجب ؟» # غير أن هناك شيئا لعله أكثر عجبا من ذلك؛ وهو أن الشر حين يسود ويزدهر فإن ~~الفضيلة تمضي بغير جزاء، بل يدوسها الأشرار بأقدامهم، وينالها العقاب بدلا من أن ~~ينالهم، فأن يحدث هذا في مملكة إله شامل العلم وشامل القدرة ولا يريد إلا الخير، فليس ~~شيء أدعى من ذلك إلى الشكاة والحيرة. # فأجابت: نعم، كم يكون أمرا بالغ الغرابة والبشاعة حقا لو أنه مثلما حسبت، لكأني به ~~أشبه بدار مرتبة لسيد جليل يعتنى فيها بالصحون الرخيصة بينما تهمل النفائس ~~ويعلوها القذر! ولكن الأمر ليس كذلك، فإذا صحت الاستنتاجات التي انتهينا إليها، ولو ~~تأملت فيها جيدا لتعلمت من الخالق نفسه، الذي نتحدث الآن عن حكمه وإمرته، أن ~~الأخيار دائما أقوياء والأشرار عاجزون، وتعلمت منه أيضا أن الرذيلة لا تعدم ~~الجزاء، والفضيلة لا تعدم المثوبة، وأن الطيبين ينعمون دائما بالسعادة والأشرار دائما ~~أشقياء محرومون، وهناك الكثير من الاعتبارات المماثلة التي سوف تعضد لك هذا الرأي ~~بقوة وصلابة، إذا ما هدأت ثائرتك وعدت إلى صوابك. # لقد تبينت صورة السعادة الحقة التي أظهرتك عليها الآن، وعرفت أين تكمن، فإذا ما ~~ضربت صفحا عما لا ينبغي الوقوف عنده، فسوف أدلك على الطريق الذي يعود بك إلى وطنك، ~~وسوف أمنح روحك جناحين تحلق بهما، فتزايلك الكروب جميعا، ويكون بوسعك أن تعود ~~سالما إلى وطنك الأصلي، سأكون لك الدليل والطريق والوسيلة. # إن لدي أجنحة رشيقة # تحلق بها في أعالي السماء، # عندما يتخذها العقل # يزدري الأرض المقيتة من تحته، # ويعلو إلى الفضاء العريض، # ويرى السحاب وراءه ms078 وقد تخطاه بعيدا، # ثم يجوز خلال نطاق النار # التي تفور من فوق اهتياج الهواء المحموم # حتى يصعد إلى النجوم، # يلحق بالشمس في مسارها، # أو يتبع ساتورنوس (زحل) القديم البارد # حارس الكوكبة المضيئة، # أو يتخذ مسار أي نجم # من النجوم التي ترصع الليل، # وبعد أن يشبع ترحالا # يغادر السماء ويرود النطاق الأخير للأثير، # ويحوز الآن على الضياء الأجل، # فها هنا ملك الملوك يحمل صولجانه # ويمسك بأعنة كل شيء مسكا وثيقا # ويحرك العربة المجنحة وهو ثابت. # مدبر العالم كله يتألق نورا، # فإذا ردك هذا الطريق إلى هناك، # الطريق الذي نسيته وتريد الآن أن تتذكره، # فلسوف تقول: «إنه هو ... # هذا وطني، منه أتيت # وفيه سأبقى ولن أبرح أبدا.» # فإذا ما عن لك أن تلقي نظرة على الأرض المعتمة من ورائك، # فلسوف ترى الطغاة الذين يرهبون الناس بجهامتهم # منفيين منبوذين لا مأوى لهم. # الفصل الثاني # | الأخيار وحدهم الأقوياء # عندئذ قلت: «ما أضخم وعودك وأعرضها، وأنا لا أشك في قدرتك على إنجازها، ولكني ~~أتوسل إليك ألا تتركيني أنتظر طويلا بعد أن أثرت اشتياقي.» # قالت: «إذن ينبغي أولا أن تعلم أن الأخيار لا تعوزهم القوة، والأشرار مجردون ~~منها، والحق أن كلا من هاتين العبارتين تفسرها الأخرى؛ فحيث إن الخير والشر ضدان، ~~فضعف الشر تثبته قوة الخير، والعكس بالعكس، ولكي أدعم يقينك بما أقول فسوف أمضي في كلا ~~الاتجاهين وأبرهن على القضيتين برهانا مضاعفا. # والآن، ثمة شيئان يعتمد عليهما أداء كل فعل بشري؛ الإرادة، والقدرة، فإذا ما غاب ~~أحدهما تعذر أداء أي فعل، إذا غابت الإرادة فلن يتجه المرء إلى فعل الشيء ومن ~~ثم لن يقوم به، وإذا افتقر إلى القدرة فسوف يمارس إرادته من غير طائل؛ لذا عندما ~~ترى شخصا يرغب في شيء ولا يحصل عليه فمن المؤكد أن ما ينقصه هو القدرة على الحصول على ~~ما يريد.» # ب ~~: ~~«هذا أمر واضح لا يناله الشك.» # ف ~~: ~~«وإذا رأيت شخصا عمل ما أراده فلن تشك في أن لديه القدرة على عمله، ~~أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«إذن ms079 قوة كل شخص أو قدرته إنما تقاس بما يمكنه عمله، ويقاس ضعفه بما لا ~~يستطيع عمله.» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«فهل تذكر ما انتهينا إليه سابقا من أن الاتجاه الطبيعي لإرادة البشر، كما ~~تتجلى في مختلف مساعيهم، إنما ينصرف حثيثا نحو السعادة؟» # ب ~~: ~~«أذكر أننا أثبتنا ذلك أيضا.» # ف ~~: ~~«وهل تذكر أن السعادة هي الخير ذاته، وما دام البشر يرومون السعادة فإنهم ~~بذلك يرومون الخير؟» # ب ~~: ~~«لا أذكره فحسب بل إنه ليرسخ في عقلي رسوخا.» # ف ~~: ~~«ومن ثم فإن الجميع، أخيارا وأشرارا، يسعون إلى الخير على اختلاف ~~مشاربهم؟» # ب ~~: ~~«نعم، هذا يترتب بالضرورة.» # ف ~~: ~~«ولكن، يقينا، يصبح الأخيار أخيارا باكتساب الخير؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«فالأخيار، إذن، يحصلون على ما يصبون إليه؟» # ب ~~: ~~«يبدو ذلك.» # ف ~~: ~~«ولكن إذا حصل الأشرار على ما يريدون - أي الخير - فلا يمكن أن يكونوا ~~أشرارا؟» # ب ~~: ~~«لا يمكن.» # ف ~~: ~~«إذن كلتا الجماعتين تريد الخير، وحيث إن إحداهما تحصل عليه والأخرى تقصر، ~~فليس ثمة أدنى شك في أن الأخيار أقوياء والأشرار عاجزون.» # ب ~~: ~~«من يشك في ذلك حقا فلا حكم له، لا في طبيعة الواقع ولا في منطق ~~العقل.» # ف ~~: ~~«مرة أخرى، افترض أن هناك شخصين يقصدان إلى نفس المهمة بالغريزة الفطرية، ~~فسعى أحدهما إلى تأديتها بالوظيفة الطبيعية وأتمها بنجاح، بينما عجز الثاني عن ~~ممارسة الفعل الطبيعي واستخدام طريقة أخرى مضادة للطبيعة مقلدا الشخص ~~الناجح من دون أن يتم غرضه الأصلي، فأيهما تراه الأكثر قوة؟» # ب ~~: ~~«يمكنني أن أحدس بما تعنين، ولكني أتوق إلى سماعه بوضوح أكثر.» # ف ~~: ~~«هل تنكر أن فعل المشي هو فعل طبيعي وبشري؟» # ب ~~: ~~«لا أنكر.» # ف ~~: ~~«ولعلك لا تشك أنه الوظيفة الطبيعية للأقدام؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«فإذا كان بوسع رجل أن يسعى على قدميه ويمشي، بينما يفتقد رجل آخر الوظيفة ~~الطبيعية للقدمين ويحاول أن يمشي على يديه، فأيهما يعد حقا أكثر قدرة ~~وقوة؟» # ب ~~: ~~«سليني غير هذا! ومن ذا يشك في أن الرجل الذي يتمتع بوظائفه الطبيعية أكثر ~~قدرة من فاقدها؟!» # ف ~~: ~~«حسن، ms080 إن الخير الأسمى هو هدف البشر، أخيارهم وأشرارهم على السواء، فأما ~~الأخيار فيسعون إليه بالنشاط الطبيعي وهو ممارسة فضائلهم، وأما الأشرار ~~فيعمدون إلى تحصيل الشيء نفسه من خلال شهوات شتى ليست بالوظيفة الطبيعية ~~لاكتساب الخير، هل لديك على ذلك تحفظ؟» # ب ~~: ~~«كلا، بل إن مترتباته لواضحة جلية: أن الأخيار أقوياء والأشرار ضعفاء ~~عاجزون.» # ف ~~: ~~«إن توقعك لفي محله، وهو ما ينبئ بأن طبيعتك الآن، مثلما يتمنى الأطباء ~~دائما، ناشطة وقادرة على مقاومة المرض، وما دمت أراك سريع الفهم فسوف أدفع ~~حججي دراكا، انظر مبلغ ضعف الأشرار، الذين يعجزون حتى عن بلوغ ما يقودهم إليه ~~نزوعهم الفطري بل يدفعهم إليه دفعا، فماذا يكون حالهم لو زايلهم هذا ~~العون الكبير القاهر للنزوع الطبيعي، وكفت الطبيعة عن أن ترشدهم إلى ~~الطريق؟ # انظر مدى العجز الذي يعيق الأشرار، إن ما يعجزون عن كسبه ليس بالشيء الهين، ~~ليس ميداليات ألعاب، إن ما يفشلون فيه هو أسمى الأشياء جميعا وأهم الأشياء ~~جميعا ... تاج التيجان، لقد فاتهم النجاح في المسعى نفسه الذي يكدون له ليلا ~~ونهارا ولا ينشدون سواه، وهو ذات المسعى الذي يفلح فيه الأخيار وتتجلى ~~قوتهم. # فإذا تمكن رجل من المضي على قدميه إلى نقطة قصوى ليس بعدها بعد فسوف ~~تعتبره بطلا في المشي، وبالمقياس نفسه سوف تعد من يبلغ الهدف النهائي الذي ~~ما بعده هدف بأنه بالغ القدرة، والنقيض أيضا صحيح، فأولئك الأشرار هم كذلك ~~ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، وإلا فلماذا يحيدون عن الفضيلة إلى الرذيلة؟ فإذا ~~قلت لأنهم لا يعرفون ما هو خير لسألتك أي عجز أشد من عمى الجهل؟ وإذا ~~قلت إنهم يعرفون ما ينبغي طلبه ولكن الشهوات أضلتهم السبيل لكانوا في هذا ~~أيضا ضعفاء من حيث التحكم في النفس، أما إذا قلت إنهم تنكبوا الخير ومالوا ~~إلى الشر عن علم وإرادة فإنهم في هذه الحالة لا يعدمون القوة فحسب، بل يعدمون ~~الوجود نفسه! فالذي يتخلى من الناس عن السعي إلى الغاية العامة لكل الموجودات ~~فإنه لا يعود هو نفسه ms081 موجودا! # قد يستغرب البعض قولي إن الأشرار، وهم أغلبية الناس، غير موجودين، ولكني ~~سأبين لك كيف يكون ذلك. # ذلك أنني لا أنكر أنهم أشرار ولكن أنكر أن لهم وجودا تاما مكتملا، فأنت ~~قد تسمي الجثة إنسانا ميتا ولكنك لا يمكن أن تسميها إنسانا ببساطة، كذلك ~~الأمر بالنسبة للأشرار، فإذا كنت أوافق على أنهم أشرار فلا يمكنني أن أوافق على ~~أنهم يتمتعون بوجود تام، فالشيء إنما يعد موجودا إذا كان يلزم مكانه ~~الصحيح ويحافظ على طبيعته، فإذا تخلى عن ذلك لم يعد موجودا؛ لأن وجوده ~~رهن بمحافظته على طبيعته، قد تحتج بقولك إن الأشرار يملكون مع ذلك الغلبة ~~والبأس، ولكني أرد بأن هذا البأس وتلك الغلبة صادران عن الضعف لا عن القوة؛ ~~لأنهم ما كانوا ليفعلوا الشر لولا أنهم فقدوا القدرة على فعل الخير، وهذا ~~وحده يثبت بوضوح أنهم عاجزون عن فعل أي شيء، فلما كان الشر عدما كما ~~بينا منذ قليل، وكان لا يسعهم إلا اقترافه، فواضح إذن أن الأشرار لا يقدرون ~~على أي شيء.» # ب ~~: ~~«واضح.» # ف ~~: ~~«ولكني أريدك أن تعي بدقة طبيعة القوة التي نتحدث عنها، لقد خلصنا منذ ~~قليل إلى أنه لا شيء يعلو على الخير الأسمى ويفوقه قوة وبأسا.» # ب ~~: ~~«هو ذاك.» # ف ~~: ~~«ولكن الخير الأسمى لا يمكنه فعل الشر.» # ب ~~: ~~«لا يمكن.» # ف ~~: ~~«ولا أحد يقول بأن البشر ذوو قدرة مطلقة، أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى، ما لم يكن مأفونا.» # ف ~~: ~~«ولكن البشر يمكنهم فعل الشر.» # ب ~~: ~~«وكم أود ألا يمكنهم.» # ف ~~: ~~«فإذا ما كانت القوة التي لا يمكنها أن تفعل إلا الخير هي قوة مطلقة، بينما ~~البشر، القادرون على فعل الشر، ليسوا كذلك، وكانت جميع أشكال القوة هي ضمن ~~الأهداف المنشودة، وهذه الأهداف المنشودة ترتبط بالخير بوصفه المثل الأعلى ~~لطبيعتها، والقدرة على ارتكاب الجرم ليست شكلا من أشكال الخير وليست من ثم ~~هدفا منشودا، ولما كانت جميع أشكال القوة أهدافا منشودة جديرة بالسعي ~~والطلب، يتبين من ذلك بوضوح أن القدرة على فعل الشر ليست شكلا ms082 من أشكال ~~القوة.» # من ذلك كله يتضح أن الأخيار هم الأقوياء، ويتضح أيضا بما لا يدع مجالا للشك أن ~~الأشرار ضعفاء عاجزون، ويتضح أن أفلاطون كان على حق حين قال في محاورة «جورجياس» # Gorgias # إن الحكماء فقط هم القادرون على تحقيق ~~رغبتهم، بينما ينصرف الأشرار إلى ما يمنحهم اللذة ولا يستطيعون الوصول إلى هدفهم ~~الحقيقي، إن أفعالهم تقوم على اعتقادهم بأنهم سوف يبلغون الخير الذي ينشدونه من خلال ~~ملذاتهم، ولكنهم لا يبلغونه لأن الرذائل لا يمكن أن تبلغ السعادة. # قد ترى الملوك العتاة متربعين على عروش عالية، # في أرديتهم الأرجوانية البراقة، مسيجين بأسلحة كالحة # وجوههم جهمة متوعدة، قلوبهم تخفق بالغضب، # لو أنك تنزع عنهم، لحظة، غطاء الأبهة الفارغة، # سيروعك ما تراه من تحتها: # سترى أنهم مصفدون بأغلال خفية # سترى قلوبا تعتصرها الشهوة بسموم الجشع، # سترى الأحقاد الفائرة تترى أمواجا تجلد أرواحهم # يأسرهم الحزن المقيم، ويعذبهم الأمل الخادع، # فإذا كان بداخل رأس واحد يتربع طغاة بهذا العدد، # فمخلوعة هي إرادة الملك، # ومستعبد الناس هو المستعبد. # الفصل الثالث # | الخير مثاب والشر معاقب # أرأيت إذن أي وحل تتمرغ فيه الرذيلة، وأي بهاء تتألق فيه الفضيلة؟ من هذا يتبين أن ~~العمل الصالح لا يعدم الجزاء أبدا، والرذائل لا تعدم العقاب، والطريقة الصحيحة في ~~النظر إلى هذا الأمر هي أن تعتبر الهدف المنوط بأي فعل هو هو ثوابه، تماما كما أن ~~جائزة سباق العدو في الإستاد هي إكليل الغار الذي يجرى من أجله السباق، ولقد تبينا أن ~~السعادة هي الخير ذاته الذي إليه يهدف كل عمل يؤدى؛ ولذا فإن الخير الخالص هو ~~ثواب كل نشاط بشري، وحيث إن الخيرية لا يمكن أن تسلب من الأخيار، فإن الأفعال الخيرة ~~لا تعدم جزاءها الحق، ومهما يمكر الأشرار ويكيدوا كيدا فإن إكليل غار الحكيم لن يسقط ~~منه أبدا ولن يذوي. # وما كان لمكر الأشرار أن ينتزع من الأخيار مجدهم الخاص، فلو كان المجد الذي نزهى به ~~مجدا مستعارا لاستطاع الآخرون، وبخاصة من أسبغه علينا، سحبه منا مرة ثانية، ms083 ولكن ما ~~دام المجد يسبغه على المرء خيره وصلاحه فإنه لن يعدم جزاءه إلا إذا كف عن أن يكون ~~صالحا. # وأخيرا، إذا كانت كل مكافأة إنما تنشد لأنها تعتبر خيرا، فمن يقول إن الذي وهب ~~الخير والصلاح هو بلا مكافأة؟ تأمل مرة أخرى في «اللازمة» # corollary # التي نوهت بها عندما كنت أتحدث إليك منذ قليل، إذا كان ~~الخير هو السعادة، فمن الواضح إذن أن جميع الأخيار ينالون السعادة بفضل كونهم أخيارا، ~~وبما أننا اتفقنا على أن أولئك الذين ينالون السعادة هم إلهيون، فثواب الخير إذن هو ~~ثواب يستحيل أن يبليه الزمن، ولا أن تسلبه أي سلطة في الأرض، ولا أن يعكره لؤم ~~اللؤماء، وإذا كان الأمر كذلك، فلن يصح لأي عاقل أن يشك أدنى شك في العقاب المحتوم ~~للأشرار، فالثواب والعقاب، شأن الخير والشر، ضدان، فالجزاء الذي نراه واجبا للأخيار ~~لا بد من أن يوازنه عقاب مقابل للأشرار، فعقاب الأشرار إذن هو شرهم نفسه - الشر ~~عقاب ذاته مثلما أن الخير ثواب ذاته. # والآن، لا يشك من يلقى عقابا أنه يلقى شرا ما، فإذا شاء الأشرار حقا أن ~~يقيموا أنفسهم فما أحسبهم يرونها بمنجاة من العقاب وهم يلقون أسوأ الشرور جميعا - ~~شرا لا يمسهم فحسب بل يتغلغل في عمق أعماقهم. # ثم انظر إلى العقاب الذي يلازم الأشرار من وجهة النظر المضادة، أي من وجهة نظر ~~الأخيار، لقد عرفت منذ قليل أن كل ما هو موجود هو في حالة وحدة، وأن الخير نفسه وحدة، ~~وترتب على ذلك أن كل ما هو موجود ينبغي أن نعتبره خيرا، يعني ذلك أن أي شيء يحيد عن ~~الخير لا يعود موجودا، وأن الأشرار بذلك لا يعودون ما كانوه من قبل، إن شكل أجسادهم ~~البشرية ما يزال يدلنا على أنهم كانوا بشرا؛ ولذا فلا بد أنهم فقدوا طبيعتهم ~~البشرية عندما مالوا إلى الشر، ولما كان الخير وحده هو ما يمكن أن يعلو بالإنسان فوق ~~بشريته، فإن الشر بالضرورة قمين بأن يتردى به إلى ما دون مستوى البشرية. ms084 # وعليه فلا يمكنك أن تعتبره إنسانا ذلك الذي مسخته رذائله، بوسعك مثلا أن تشبه ~~الذي يسلب ويغتصب ويتحرق طمعا بالذئب، أما النزق العنيف الذي يكمن للناس وينقض ~~عليهم غيلة فيشبه بالثعلب، أما الذي يرغي ويزبد ولا يكبح غضبه فسوف يقال إن به ~~شرة الأسد، وأما المجفل الهياب الذي يرتاع وليس ما يدعو للفزع فسوف يعتبر ~~كالأيل، والكسول البليد الغبي أليس يعيش عيشة الأتان؟ والنزوي المتقلب الذي لا ~~يستقر على حال ألا يشبه العصفور؟ والمنغمس في الملذات المتمرغ في وحل الشهوات ألا ~~يشبه الخنزير؟ ما يحدث إذن هو أن الإنسان حين يفقد خيريته ولا يعود إنسانا - أي لا ~~يعود قادرا على السمو إلى الحالة الإلهية - فإنه يتدنى إلى مرتبة الحيوان. # أشرعة ملك إيثاكا، # 1 # وسفنه البحرية التائهة، # ساقتها ريح الشرق إلى الجزيرة # التي تعيش فيها إلهة جميلة، # هي كيركى، ابنة الشمس نفسها # مزجت كيركى لضيوفها الجدد، # بيدها الدربة في خلط الأعشاب # أكوابا مستها برقى سحرية، # فمسختهم إلى أشكال شتى، # فواحد يحمل وجه خنزير بري، # وواحد اتخذ شكل أسد أفريقي # ذي أنياب ومخالب، # وواحد صار ذئبا # يعوي كلما أراد أن يبكي، # وواحد كالنمر الهندي # جعل يلوب في الدار # بدبيب خافت، # أحدقت الأخطار بالسيد أوديسيوس، # ولكن الإله الأركادي المجنح (هيرميس) # أشفق عليه فأنقذه من لعنة كيركى، # أما بحارته فقد تجرعوا أكواب كيركى، # فانصرفوا عن خبز البشر # وتحولوا إلى القشر وجوز البلوط # طعام الخنازير، # لم يعد شيء كالذي كان # تغير الصوت والشكل، # وحده العقل بقي سليما # يأسى على مأزقهم البشع، # ولكن كيد كيركى كان ضعيفا، # وأعشابها عاجزة # حولت أعضاء الجسد # ولم تستطع تغيير القلب، # حيث تكمن قوة الإنسان # قابعة في حصن حصين. ~~••• # ولكن السم الأنقع حقا، # هو ذلك الذي ينفذ إلى العقل والروح، # فيسلب الإنسان من نفسه # إنه يترك الجسم على حاله، # بينما يصيب العقل بجرح بليغ. # الفصل الرابع # | المفلت من العقاب في شقاء # عندئذ قلت: «أنا متفق معك وأراك على حق في قولك إن الأشرار لا يحتفظون من إنسانيتهم ~~إلا بالمظهر الجسدي الخارجي ms085 بينما مسخت أرواحهم إلى بهائم، غير أني كنت أود لو أنهم ~~لا يمنحون القدرة على تدمير الأخيار من الناس بضراوتهم وخبثهم.» # ف ~~: ~~«إنهم لم يمنحوا هذه القدرة، كما سوف أثبت لك في الوقت الملائم، ولكن ~~بافتراض أنهم سلبوا هذه القدرة التي تعتقد أنهم منحوها، فإن عقابهم في هذه ~~الحال سيكون أخف بكثير، قد يبدو للبعض غير معقول ولكنه الحقيقة: إن الأشرار ~~ليكونون أكثر شقاء لو بلغوا مآربهم مما يكونون لو قصروا عن بلوغها! فإذا كان ~~من البؤس أن ترغب في الشر فإنه لأشد بؤسا أن تقدر على فعله، وحيثما رأيت ~~أناسا لديهم الرغبة في ارتكاب جرم ما، ولديهم القدرة على ذلك، ثم رأيتهم وقد ~~ارتكبوه فلا بد من أنهم يعانون إذاك بؤسا مضاعفا ثلاث مرات.» # ب ~~: ~~«نعم أوافقك، غير أني أتمنى من كل قلبي لو أنهم يعفون من أحدها، إذ ~~يحرمون من القدرة على اقتراف الشر.» # ف ~~: ~~«إنهم سيعفون أسرع مما تتمنى ومما يظنون، فليس في مدة الحياة القصيرة شيء ~~يتأخر طويلا في حسبان العقل الخالد وإدراكه، وكثيرا ما ينقطع رجاؤهم ويخيب ~~كيدهم العظيم بنهاية مفاجئة غير متوقعة، نهاية تضع حدا لبؤسهم على أقل ~~تقدير، ذلك أن خبثهم هو سبب شقائهم، فيدوم شقاؤهم ما دام بؤسهم، وما أذلهم ~~وأشقاهم في العالمين لو لم يتدخل الموت في النهاية ليضع حدا لشرهم، ~~فإذا صح استنتاجي حول بؤس الأشرار وشقائهم، فإن الشقاء الذي يترك لحاله ~~سيكون شقاء لا نهاية له.» # ب ~~: ~~«إنه استنتاج غريب وصعب قبوله، وإن كنت أراه متسقا تماما مع ما سلمنا ~~به من قبل.» # ف ~~: ~~«لك حق، ولكن ذا وجد المرء بأسا في قبول نتيجة معينة فإن عليه أن يبين ~~بوضوح؛ إما أن هناك خطأ في الافتراضات السابقة، وإما أن تسلسل القضايا لا ~~يفضي بالضرورة إلى النتيجة المطروحة، وإلا فما دام يسلم بالمقدمات فليس من ~~حقه على الإطلاق أن يماحك ويتمارى في النتيجة، إن ما سأقوله الآن أيضا لن ~~يبدو أقل غرابة، ولكنه بالمثل يترتب بالضرورة على ما سلمنا به ms086 ~~وقبلناه.» # ب ~~: ~~«وما هو؟» # ف ~~: ~~«إن الأشرار يكونون أسعد حالا لو نالوا العقاب مما لو أفلتوا من جزائهم ~~العدل، ولست أعني الآن ما قد يجول ببالك من قبيل أن الشر يقومه العقاب ~~ويرده إلى الجادة خوف العقاب ... إلخ، لا، إنما أرى أن هناك معنى آخر يكون به ~~الأشرار أكثر شقاء إذا ما أفلتوا من العقاب، بعيدا عن مسألة التأثير المقوم ~~للعقاب، وقيمته كعبرة ورادع للآخرين.» # ب ~~: ~~«أي معنى آخر غير هذا؟» # ف ~~: ~~«حسن، لقد اتفقنا أن الأخيار سعداء والأشرار تعساء، أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«إذن، إذا ما أضيف شيء من الخير إلى بؤس أي شرير، ألا يكون أسعد حالا ممن ~~بؤسه خالص صرف غير ممزوج؟» # ب ~~: ~~«يبدو ذلك.» # ف ~~: ~~«فماذا لو أن هذا الشقي نفسه الذي لم يحظ بأي قسط من الخير قد تلقى ~~شرا جديدا مضافا إلى تلك الشرور التي سببت شقاءه، ألا يعد إذاك أكثر ~~بؤسا بكثير من ذلك الذي خفف من بؤسه بقسط من الخير؟» # ب ~~: ~~«بالطبع.» # ف ~~: ~~«والآن، من الواضح أن عقاب الأشرار عدل، وإفلاتهم من العقاب غير ~~عدل؟» # ب ~~: ~~«لا أحد ينكر ذلك.» # ف ~~: ~~«ولا أحد أيضا ينكر أن العدل خير، وأن الظلم، في المقابل، شر؟» # ب ~~: ~~«نعم، هذا أمر واضح.» # ف ~~: ~~«إذن عندما يتلقى الأشرار عقابا إنما يتلقون خيرا ما - وهو العقاب، الذي هو ~~خير؛ لأنه عدل. أما إذا مضوا دون عقاب فإنهم إنما يكسبون بإفلاتهم شرا ~~مضافا، ولقد وافقت على أنه شر، لأنه غير عدل.» # ب ~~: ~~«لا يسعني إنكار ذلك.» # ف ~~: ~~«إذن فالأشرار أكثر تعسا بكثير حين يتاح لهم الإفلات، منهم حين يفرض ~~عليهم الجزاء العدل.» # ب ~~: ~~«إنه ترتب منطقي على النتيجة السابقة، ولكني أسأل: ألا تتركين أي ~~عقاب للروح إلى ما بعد فناء الجسد؟» # ف ~~: ~~«هنالك حقا عقاب عظيم، منه ما يوقع عليهم بقسوة عقابية، ومنه، فيما ~~أعتقد، ما يوقع برحمة تطهيرية، ولكني لا أريد أن أخوض في ذلك الآن. # 1 # لقد اقتفيت الحجة حتى الآن بالقدر الذي يسمح لك أن ms087 ترى أن قوة الأشرار، التي ~~بدت لك غير مستحقة، هي في الحقيقة لا شيء، وأن ترى أن أولئك الأشرار الذين ~~تأسى لإفلاتهم لا يعدمون العقاب أبدا على إثمهم، وأن تعرف أن طغيانهم الذي ~~كنت تدعو بأن يعجل بكفه لا يدوم طويلا، وأنهم يكونون أتعس حالا ما دام ~~طغيانهم، وأخيرا أن الأشرار يكونون أكثر بؤسا إذا برأت ساحتهم منهم إذا ~~لقوا جزاءهم العدل، ويترتب على هذه الحقيقة أنهم يبهظون بعقاب أثقل، بالضبط ~~عندما يظن أنهم نجوا من العقاب!» # ب ~~: ~~«عندما أنظر في حججك أراها أوجه ما يمكن أن يقال، ولكني حين أتحول إلى ~~آراء عامة الناس أسائل نفسي: من ذا الذي يمكنه أن يفكر في ذلك، ناهيك بأن ~~يصدقه؟» # ف ~~: ~~«حقا! إن أعينهم اعتادت الظلام، فلا يستطيعون رفعها إلى ضياء الحقيقة ~~الواضحة، فما أشبههم بالطيور التي يحتد بصرها بالليل ويعمى بالنهار، وما داموا ~~لا ينظرون إلى المسار الحق للأشياء بل إلى مشاعرهم ذاتها، فإنهم يظنون أن حرية ~~الفجور والإفلات من العقاب هي أشياء سعيدة، ولكن انظر إلى ما يمليه القانون ~~الأبدي: إذا كنت قد صغت روحك على ما هو أسمى فلا حاجة بك إلى حكم ليهبك ~~جائزة، فأنت نفسك من دفعت حالك إلى الامتياز وأضفت نفسك إلى عداد الممتازين، ~~ولكن إذا كنت قد تدنيت بها إلى الوضاعات فلا تبحث عن عقاب من الخارج، إنك ~~أنت من أسففت وتبذلت ونزلت بها إلى أسفل سافلين، لكأنك في ذلك تنظر على ~~التوالي إلى السماء وإلى قذر الأرض، وتضرب صفحا عن كل ما حولك، فبمجرد النظر ~~ستبدو مرة سائخا في الطين ومرة محلقا بين النجوم، ولكن عامة الناس لا ~~يلتفتون إلى هذه الأشياء. # ماذا نفعل إذن، هل نمشي في ركاب هؤلاء الناس الذين تبين لنا أنهم ~~كالأنعام؟ أرأيت إلى رجل فقد بصره تماما ونسي حتى إنه كان يوما مبصرا، وظن ~~هنالك أن لديه كل الكمال البشري، أترانا نحن المبصرين نظن ظنه؟ # ثمة شيء آخر لن يقبلوه وإن لم يقل رسوخا منطقيا عن هذا: إن أولئك ms088 الذين ~~يرتكبون الظلم لأشد شقاء ممن يقع عليهم الظلم.» # ب ~~: ~~«أود سماع هذه الحجج الراسخة.» # ف ~~: ~~«حسن، لعلك لا تنكر أن كل شرير يستحق العقاب؟» # ب ~~: ~~«لا أنكر.» # ف ~~: ~~«ومن الواضح، لأسباب كثيرة، أن الأشرار تعساء؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«أنت إذن لا تشك في أن أولئك الذين يستحقون العقاب هم أناس تعساء؟» # ب ~~: ~~«نعم.» # ف ~~: ~~«افترض إذن أنك تجلس على كرسي القضاء، فعلى من سوف توقع العقوبة: على ~~الشخص الذي ارتكب الجرم أم على الشخص الذي وقع عليه الجرم؟» # ب ~~: ~~«لا أتردد في القول بأني سوف أرضي من وقع عليه الجرم على حساب ذلك الذي ~~ارتكبه.» # ف ~~: ~~«سترى إذن أن مرتكب الجريمة أكثر شقاء من ضحيته؟» # ب ~~: ~~«هذا منطقي.» # ف ~~: ~~«لهذا السبب، ولأسباب أخرى تقوم على نفس الأساس، فإنه لما كان الشر بطبيعته ~~يجعل صاحبه أشد بؤسا، فإن الشقاء لا يحيق بضحية الجريمة بقدر ما يحيق ~~بمرتكبها. # غير أن خطباء المحاكم يمضون في الاتجاه المعاكس، فيحاولون استدرار عطف ~~المحكمة على أولئك الذين أصابهم ضرر ثقيل أو مؤلم، مع أنه أولى بالعطف ~~أولئك المذنبون، كم بالحري أن يقدموا إلى العدالة لا بواسطة مجلس ادعاء غاضب ~~متوعد بل بادعاء رءوف متعاطف، مثلما يقدم المرضى إلى الأطباء، بحيث يمكن ~~أن يعالج مرضهم - الجريمة - بالعقاب، تحت هذه الظروف فإن مهنة الدفاع عن المجرم ~~إما أن تتوقف بالكامل وإما، إذا شاءوا أن ينفعوا الناس، أن يتحولوا إلى مهنة ~~الادعاء، والأشرار أنفسهم إذا أتيح لهم بطريقة ما بصيص من الفضيلة التي تخلوا ~~عنها، وأمكنهم أن يروا أنهم بصدد التخلص من أدران الإثم من خلال آلام العقاب، ~~فلن يعودوا يعتبرونها آلاما تلك التي ستعوضهم عن بؤسهم باكتساب الخير، وسوف ~~يرفضون خدمات الدفاع ويسلمون أنفسهم بلا تحفظ إلى متهميهم ~~وقضاتهم. # هكذا لا يكون بين الحكماء أي مكان للكراهية: فالأخيار لا يمكن أن يكرههم غير ~~المأفونين، أما الأشرار فليس ثمة ما يدعو لكرههم على الإطلاق، فكما أن الضعف ~~مرض الأجسام، كذلك الشر مرض الأرواح، وإذا كنا نعتبر مرضى الأجسام ms089 أحق بالعطف ~~لا الكراهية، فإن من أصيب في روحه لأحق بالشفقة لا اللوم.» # إلام تثيرون انفعالاتكم، # وتريدون أن تزاحموا القدر في عمله، # وتنزلوا الموت بأيديكم؟ # إن كنتم تريدون الموت فإنه قريب بطبعه # يحث أفراسه المجنحة، # الإنسان ضحية بأنياب السبع والثعبان، # والنمر والدب والخنزير البري، # فهل الإنسان ضحية الإنسان أيضا؟ # لماذا يصنع الحرب ويريد أن يهلك بسيف أخيه؟ # لأن تعاليمه مختلفة؟ فقط لهذا السبب؟! # أهذا سبب عادل للعنف وإراقة الدماء؟! ~~••• # هل تريد أن توزع الاستحقاقات كما يجب ؟ # إذن أحب الأخيار فهذا حقهم، # أما الأشرار فأشفق عليهم وأرث لهم. # الفصل الخامس # | المثوبات والعقوبات تبدو كالمصادفة # عندئذ قلت: «نعم، بوسعي أن أرى أن ثمة ضربا من السعادة والشقاء غير منفصل عن ~~الأفعال ذاتها لكل من الأخيار والأشرار، ولكني أعتقد أن هناك خيرا وشرا فيما يجري ~~على عامة الناس من أقدار ومصائر، فليس ثمة حكيم يفضل أن يكون منفيا فقيرا ~~مهانا على أن يكون غنيا موقرا قويا آمنا في وطنه مزدهرا في مدينته، فهذه هي ~~الحال التي تعمل فيها الحكمة عملها على نحو أكثر وضوحا وشيوعا، عندما تنتقل سعادة ~~الحكام، بطريقة أو بأخرى، إلى رعاياهم، وبخاصة إذا كان السجن والموت وبقية العقوبات ~~القانونية مقصورة على المواطنين الأشرار ومقيضة لهم، لماذا ينقلب هذا كله رأسا ~~على عقب؟ لماذا تنزل بالخيرين العقوبات التي جعلت للمجرمين؟ لماذا ينتزع الأشرار ~~المكافآت المرصودة للفضيلة؟ كل أولئك يثير كل العجب، وإنني لأود أن أعرف منك سبب ~~هذا الخلط الشديد والفوضى الظالمة.» # قالت: «لا عجب إذا ظن من لا يعرف نظام الطبيعة وأسبابها أن الأمر كله خبط ~~عشواء، ولكن حتى إذا كنت تجهل الحكمة من وراء التدبير العظيم للعالم فليس لك أن تشك ~~في أن كل شيء يجري على نحو قويم؛ لأن مدبرا خيرا يحكم العالم.» # من لا يعرف شيئا عن السماك الرامح؛ # النجم الذي يتخذ مساره أقرب إلى القطب الأعلى من السماء، # كيف لا يعجب إذ يرى راعي الشاء # يقود الدب الأكبر ببطء شديد، # ويغمس وهجه في المحيط متأخرا جدا ms090 # غير أنه يعود للبزوغ مرة أخرى بسرعة كبيرة؟ # كيف لا يحيره قانون السماء؟ ~~••• # انظر، كلما خسف القمر وهو بدر # إذ يبسط الليل ظله على قرصه، # فينكشف الغطاء عن مجموعات النجوم المنتشرة # التي كانت كاسفة من بهاء نوره، # انظر كيف كانت الأمم بأسرها تهرع بالخطأ الشائع # إلى قرع الصنج النحاسية دون توقف، # 1 ~~••• # لا أحد يناله دهش حين تثور الرياح، # وتضرب الشاطئ بالموج الهادر # أو حين تذوب كتل الجليد الصلب # تحت لهيب شمس الصيف، # فهنا الأسباب في متناول اليد والفهم، # وهناك الأسباب خفية توقع الحيرة في القلوب، # فالزمن يهول من شأن الأشياء النادرة الحدوث، # والجموع تروعها الأشياء المباغتة غير المعتادة، # ولكن دع غيوم الجهل تنقشع عنها، # وسرعان ما يزول معها العجب والاندهاش. # الفصل السادس # | العناية والقدر # قلت: «هو ذاك، ولكن لأن مهمتك هي كشف أسباب الأمور الخفية وإماطة اللثام عن الأسباب ~~المحجوبة في الظلام، ولأن عقلي في حيرة شديدة من أمر هذه الظاهرة العجيبة، فإنني ~~أتوسل إليك أن تنبئيني بتأويلها.» # فتوقفت وابتسمت لحظة وقالت: «إنك تدفعني ~~إلى أعظم المسائل طرا، مسألة لا تمكن الإحاطة بها من جميع أوجهها، فهي من الصنف الذي ~~كلما قطعت منه شكا نبتت مكانه شكوك عديدة، فكأنها رءوس الهيدرا # 1 # ولا يمكن للمرء أن يوقفها إلا بأذكى اللهب العقلي وأنشطه، فها هنا تقبع ~~مسائل وحدة العناية، ومسار القدر، والمصادفات المباغتة، والمعرفة الإلهية، والقضاء ~~الإلهي، وحرية الإرادة، وبوسعك أن ترى بنفسك هول هذه المسائل. # ولكن لأن معرفة بعض هذه المسائل هو أيضا جزء من علاجك، فسوف أحاول أن ألم بها ~~رغم ضيق الوقت، وإذا كانت تروقك مباهج النغم فإن عليك أن ترجئ بهجتك بعض الوقت ~~ريثما أنسج خيوط الحجج نسيجا محكما.» # قلت: «كما ترين.» # عندئذ بدت كأنها تنطلق من بداية جديدة وتحدثت كما يلي: «إن نشوء الأشياء جميعا، ~~وسيرورة كل الطبيعيات المتغيرة، وكل مسار أو حركة في العالم، إنما تستمد أسبابها ~~ونظمها وأشكالها من عقل الله الثابت، وعقل الله، في علياء وحدته، ~~يدبر سلاسل الأحداث، حين ينظر إلى ms091 هذا التدبير ~~كما هو في خلوص الفهم الإلهي يسمى «العناية» Providence ~~، أما حين ينظر إليه بالإحالة إلى جميع الأشياء التي يضبط ~~حركتها ونظامها فقد جرى العرف منذ القدم على أن يسمى «القدر» # Fate ~~، ومن ينظر في معنى هذين الاسمين سيتبين له بوضوح أنهما ~~وجهان مختلفان: فالعناية هي العقل الإلهي نفسه الذي يدبر الأشياء جميعا، وتقر ~~مع المتصرف الأعلى في الكل، أما القدر فهو النظام المخطط القائم في الأشياء ~~المتغيرة والذي من خلاله تسلك العناية كل شيء في موضع المقيض له ، تشمل العناية كل ~~الأشياء في الوقت نفسه على تنوعها أو تكثرها، بينما يضبط القدر حركة مختلف الأشياء ~~المفردة في مختلف المواضع وفي مختلف الأوقات، حين «ينطوي» هذا النشر الزماني في وحدة ~~كلية في تقدير العقل الإلهي فهو العناية، وحين «ينشر» هذا الكل الموحد نفسه في مجرى ~~الزمان فهو القدر.» # إنهما مختلفان، غير أن كليهما يعتمد على الآخر، فنظام القدر مستمد من بساطة العناية، ~~ألست ترى إلى الصانع الحرفي كيف يستبق في ذهنه خطة الشيء الذي يقوم بصنعه، ثم يجري ~~تنفيذ العمل ويتم في الزمان ما كان في لحظة واحدة حاضرا كله في ذهنه وماثلا لعين ~~عقله؟ فكذلك الله يشيد في عنايته خطة ثابتة واحدة لكل ما سيحدث، بينما من خلال القدر ~~يتحقق كل ما خططه على اختلاف تفصيلاته الجزئية في مجرى الزمان، ومن ثم، فسواء كان ~~عمل القدر يتم بعون الأرواح القدسية التي تخدم العناية، أو كانت سلسلة القدر تنسجها روح ~~العالم، أو كل الطبيعة أو حركة النجوم في السماء أو قوى الملائكة أو شتى قدرات أرواح ~~أخرى، أو بعض هذه، أو كلها، فثمة شيء يقيني واحد، وهو أن الخطة البسيطة الثابتة ~~للأحداث هي العناية، وأن القدر هو الشبكة الدائبة التغير، التصريف الزماني لكل الأحداث ~~التي خططها الله في بساطته. # إذن، كل شيء يندرج تحت القدر هو أيضا خاضع للعناية التي يخضع لها القدر نفسه، ~~غير أن هناك أشياء تندرج تحت العناية ولكنها تعلو على مسار القدر، تلك هي الأشياء ms092 التي ~~تعلو على نظام التغير الذي يحكمه القدر، بفضل ثبات موقعها بالقرب من الذات العلية، ~~تخيل مجموعة من الحلقات المتراكزة (المتحدة المركز) الدوارة، إن أوغلها في الداخل ~~هي أقربها إلى بساطة المركز، وهي بمثابة مركز للحلقات الأبعد لتدور حوله، وإن الحلقة ~~الأبعد (عن المركز) تدور خلال فلك أوسع، وكلما زاد بعدها عن نقطة المركز غير المرئية ~~زاد الفضاء الذي تمتد خلاله، وكل ما يلحق نفسه بالحلقة الوسطى يكون أقرب إلى البساطة ~~وأقل امتدادا خارجيا، وبالطريقة نفسها فإن كل ما يبتعد عن الفكر الأولي يزداد ~~تقيده بقيود القدر، وكلما اقترب من مركز الأشياء ازداد انعتاقه من القدر، أما ما ~~يلتصق بالعقل الإلهي الثابت فإنه يكون متحررا من الحركة وبذلك ينفلت من قيد القدر، إن ~~العلاقة بين المسار الدائب التغير للقدر والبساطة الثابتة للعناية هي أشبه بالعلاقة ~~بين الاستدلال والفهم، أو بين الصيرورة والكينونة، أو بين الزمان والأبدية، أو بين ~~المحيط الدائر والمركز الثابت. # مسار القدر يحرك السماء والنجوم، ويحكم العلاقة بين العناصر، ويحولها من خلال ~~التنويعات المتبادلة، ويجدد جميع الأشياء التي تولد وتموت بما يشبه تعاقب الثمرة ~~والبذرة، ويضبط أيضا أفعال الناس ومصائرهم بسلسلة الأسباب التي لا فكاك منها، وحيث إن ~~هذه الأسباب تستمد أصلها من العناية الثابتة فهي أيضا ثابتة لا تتغير؛ ذلك أن ~~العالم يدار على أفضل نحو إذا ما قدمت البساطة الكامنة في العقل الإلهي نظاما ~~ثابتا للأسباب لكي يحكم بسنة لا مبدل لها: كل شيء خاضع للتغير وحقيق إذا ترك ~~لشأنه أن يتقلب ويخبط خبط عشواء. # ولأنكم معشر البشر لستم في موقع يتيح لكم تأمل هذا النظام يبدو لكم كل شيء ~~مضطربا في فوضى، ولكن الحق أن كل شيء يأخذ موضعه الذي يضبطه ويتجه به صوب الخير، لا ~~شيء يمكن أن يحدث بسبب الشر أو بسبب الأشرار أنفسهم، وهم كما أسهبنا في التبيان إنما ~~يحيدون عن التماس الخير بالخطأ والحمق، بينما النظام الذي يصدر عن الخير الأسمى في ~~مركز العالم لا يمكن أن يحيد بأي شيء منذ ms093 البداية. # لعلك تعترض بقولك إنه ليس ثمة ما هو أسوأ اضطرابا من أن مصائر أخيار الناس وأشرارهم ~~ما تفتأ تتقلب بين العسر واليسر، وسوف أسألك ما إذا كان للناس دائما ذلك العقل الصائب ~~الذي يخولهم عصمة من الخطأ في حكمهم عمن هو صالح ومن هو طالح، كلا، إن أحكام ~~البشر لتتضارب في هذا الشأن بحيث إن من يحكم عليهم البعض بأنهم أهل للمثوبة يراهم ~~الآخرون أهلا للعقوبة. # ولكن لنفترض أن شخصا ما لديه القدرة على التمييز بين الصالح والطالح، فهل بمكنته ~~أن يعرف خفايا الشعور الباطن مثلما يعرف الطبيب درجة حرارة الجسم؟ حقا إن دهشتك أشبه ~~بدهشة رجل يعرف لماذا تلائم بعض الأجسام السليمة الأطعمة الحلوة وتلائم بعضها الآخر ~~الأطعمة المرة، أو لماذا ينتفع بعض المرضى بالعقاقير الخفيفة وينتفع الآخرون بالعقاقير ~~الحادة والمرة، ولكن الطبيب لا يدهش لهذه الأشياء لأنه يعرف سبل الصحة والمرض ~~ومواصفاتهما، وماذا تكون صحة الروح غير الفضيلة؟ وماذا يكون مرضها غير الرذيلة؟ ومن ~~يكون حافظ الخير وطارد الشر غير الله ... حارس الأرواح وشافيها؟ إن الله لينظر من علياء ~~عنايته ويرى ما يلائم كل إنسان وييسره له. # من هنا إذن يأتي السبب الواضح للاندهاش من نظام القدر: إله حكيم يفعل وبشر جهول ~~يستغرب أفعاله. # ولكي أطلعك على شيء من عمق الحكمة الإلهية بقدر ما يسمح الفهم البشري، وكيف أن ما ~~يبدو لك فضلا وعدلا قد يبدو غير ذلك من منظور العناية ... منظور العليم البصير: ألم ~~ينبئنا زميلنا الفيلسوف لوكانوس # Lucanus # أن «القضية ~~الرابحة راقت الآلهة ولكن القضية الخاسرة راقت كاتو # Cato ~~»، مع أنه كان مثالا للفضيلة؟ ومن ثم، كلما شهدت شيئا يجري على ~~غير ما تريد وتحتسب فاعلم أن الأحداث تجري مجراها الصحيح ولكن رأيك هو الزائغ ~~والملتبس. # ولكن إذا كان هناك امرؤ يعيش حياة صالحة عند الله والناس معا، غير أنه خائر الروح ~~غير جلد، وقد يتنكب طريق الصلاح إذا سارت ضد يسره ورخائه، هنالك قد يكون من حكمة ~~القضاء أن يلطف به وألا يبتلي بالضر ms094 من لا يقوى عليه. # وهناك من بلغ من كمال الفضيلة مبلغا يجعله قديسا وشديد القرب من الله، حتى ~~لتعز على العناية أن تناله بأي أذى حتى في صحة الجسم، فيصح فيه قول من هو أفضل مني: # 2 ~~«إنما جبلت أجسام القديسين من أثير السماء.» # وكثيرا ما يتصادف أن تقع السلطة العليا في يد الأخيار حتى يتسنى لهم أن يكبحوا تنامي ~~الشر. # وهناك من يصيب مزيجا من العسر واليسر وفقا لصنف روحه. # وقد تشاء العناية أن تخز البعض كي لا يبطرهم طول الرخاء. # وقد تبتلي البعض بالشدائد حتى تقوي فيهم فضائل الروح بممارسة الصبر. # وإذ يخشى البعض من الألم وهم قادرون عليه، ويستهين به البعض وهم غير قادرين على ~~احتماله، فقد يذيقهم القضاء شيئا منه لكي يكتشفوا أنفسهم. # وقد يكون الموت لدى البعض ثمنا للمجد والسؤدد عبر الأجيال. # وتكون الكبرياء في وجه العقاب مثالا للآخرين على أن الشر لا يقهر الفضيلة. # فهل هناك من شك في حكمة التدبير الإلهي في كل هذه الأشياء وفي أنها تجري في صالح من ~~تنزل بهم؟ # وكذلك الحال مع الأشرار، فحقيقة أنهم أيضا تنالهم الضراء أحيانا وينالون رغباتهم ~~أحيانا أخرى مردها إلى نفس الأسباب، فإذا أصابهم الضر فلا عجب فالكل يسلم ~~بأنهم يستحقونه، وعقابهم يردع الآخرين عن الجريمة من ناحية ويقوم من ينزل بهم من ~~ناحية أخرى، أما إذا سعدوا بتحقيق رغائبهم فتكون تلك حجة للأخيار حول صنف الحكم الذي ~~ينبغي أن يحكموا به على مثل هذه السعادة التي كثيرا ما يرونها تلازم الأشرار. # وهناك شيء آخر يبدو لي محكم التدبير: فقد يكون ثمة شخص ذو طبع جموح واندفاعي ~~بحيث يمكن أن يدفعه الفقر والعوز إلى ارتكاب الجرائم، مثل هذا المرض لدى هذا الشخص ~~تداويه العناية بجرعة من الثروة يجمعها ويضن بها، وهو قد يرى ضميره ملوثا بالإثم ~~ويقارن بين استحقاقه وبين الثروة التي أصابها فيداخله خوف من فقدان هذه الثروة التي ~~يتمتع بامتلاكها، فيبدأ في تغيير أسلوبه ويحيد عن الشر خشية أن يخسر هناءه. # والبعض ms095 يفضي به سوء استخدامه للثروة إلى تدمير نفسه دمارا يستحقه، والبعض ~~يخوله القدر حق معاقبة الآخرين لكي يكون سببا لامتحان الأخيار وعقاب الأشرار، فمثلما ~~لا يوجد اتفاق بين الأخيار والأشرار، كذلك لا اتفاق بين الأشرار فيما بينهم، ولا مناص ~~من ذلك ما دام الواحد منهم موزع الضمير بسبب آثامه، وكثيرا ما ينقلب على نفسه ويفعل ~~أشياء يرى فيما بعد أنه ما كان ينبغي أن يفعلها. # هكذا تمارس العناية تأثيرا لافتا: وهو أن الأشرار قد يحولون بعض الأشرار أخيارا! ~~وذلك حين يحس هؤلاء بأنهم ظلموا على يد من هو أخبث منهم فيكرهون الظلم ويقررون أن ~~يتوبوا عنه ويعودوا إلى الفضيلة. # إنه بقدرة الله، وقدرة الله وحدها، قد تكون الشرور خيرا أيضا، وذلك حين يصرفها ~~الله تصريفا يحقق نتائج خيرة، ذلك أن هناك نظاما صارما يشمل الكل، وكل ما يحيد عن ~~النظام المحدد له يعود فيرد إلى النظام، وإن في سياق مختلف، بحيث لا يبقى مكان ~~للمصادفة في مملكة العناية. # ولكن كما جاء في الإلياذة لهوميروس: «من المتعذر علي أن أبسط كل هذه المسائل كما ~~لو أنني إله»، ولا هو بمتاح للإنسان أن يستوعب في عقله كل طرائق الله ووسائله في ~~تصريف الأمور، ويعبر عنها بالكلمات، وبحسبنا أن نرى أن الله، خالق كل شيء، يدبر ~~الأشياء جميعا ويسوقها إلى الخير، ويدفع الخلق دفعا على أن يتشبه به ويعنو ~~لسنته، وبسلاسل الضرورة المقدرة ينفي الشر من حدود مملكته، تظنون أن الشر يملأ ~~الأرض، ولكن لو أمكنكم أن تنظروا بمنظار العناية الإلهية لما وجدتم له على الأرض ~~أثرا! # ولكني أرى أنك قد أثقل عليك بعبء هذا السؤال، وأرهقت من متابعة استدلالي المسهب، ~~وشاقتك حلاوة النغم، فإليك منه جرعة تنعشك وتجدد قواك وتجعلك أقدر على مواصلة ~~المسير. # إذا أردت أن ترى سنن الله، # 3 # وتفقهها بذهن صاف، # فارم ببصرك إلى أعلى السماء # حيث يسري ميثاق الأشياء، # ويسود السلام القديم بين النجوم السيارة، # فالشمس التي يدفعها لهبها الباهر قدما # لا تعوق فلك القمر البارد، # ولا الدب ms096 الذي يتخذ مساره المندفع # في أعلى السماء ينزل في البحر الغربي # متبعا النجوم الأخرى التي تغمر لهبها في أعماق المحيط، # وبقسمة عادلة من الزمن # يعلن نجم المساء دائما قدوم الغسق، # ويعود ثانية في الفجر كنجم الصباح # هو الحب المتبادل إذن # يبدئ الدورات الأبدية ويعيدها، # أما النزاع فمنبوذ من ممالك النجوم # هذا التوافق يحكم جميع العناصر بحساب عادل، # فيعنو الرطب لضده اليابس على التتالي، # ويتحد البارد بتفاهم مع الحار، # والنار الخفاقة تندفع إلى أعلى، # أما الأجسام الأرضية الثقيلة فتهبط إلى أسفل # ولهذه الأسباب حين يحل الربيع الدافئ # ينشر موسم الإزهار عبيره، # وفي الصيف الحار تجف الغلال، # ثم يعود الخريف مثقلا بالثمار، # والمطر الساقط يرطب أيام الشتاء # كل ما يتنسم على الأرض نسمة الحياة، # إنما يأتي به هذا المزيج ويغذوه، # ثم ينتزعه ويخفيه، # وفي طيات الموت يدس في النهاية كل ما أنشأ # بينما يتربع الخالق في أعاليه، # الذي يحكم ويمسك بأعنة كل الأشياء # مليكها وسيدها، ومنبعها ومنشؤها # قانونها وقاضيها العدل # يحث حركة الأشياء بقدر، # ويرد الشارد ويعيد الضال، # فإذا لم يرد الأشياء إلى جادتها، # ويعدها إلى دورتها، # فسوف تتقطع بها السبل، # وتنبت عن مصدرها وتهلك. ~~••• # هذه رابطة الحب الجامعة # الكل يعنو لقيود الخير، # فليس من سبيل آخر لبقائها # ما لم تعقد عقدة الحب، # وما لم تعد صاغرة # لقيود الأسباب التي منحتها الوجود. # 4 # الفصل السابع # | كل قدر خير # ف ~~: ~~«أترى الآن ما يفضي إليه كل ما قلناه؟» # ب ~~: ~~«ما هو؟» # ف ~~: ~~«كل نصيب هو بالضرورة خير.» # ب ~~: ~~«وكيف يكون ذلك؟» # ف ~~: ~~«أصغ، كل حظ سواء أكان يسرا أم عسرا إنما يتغيا أن يكافئ الصالحين ~~أو يعظهم، وأن يعاقب الأشرار أو يقومهم، ومن الواضح إذن أن كل ما يجري ~~به القضاء هو عدل ونفع، وكل نصيب هو خير على اليقين.» # ب ~~: ~~«الحق أن حجتك صائبة جدا، وإذا نظرت إلى العناية أو القدر بالطريقة التي ~~ألقيتها على سمعي الآن فإن رأيك يكون قائما على أساس وطيد، ولكن دعينا، إذا ~~تفضلت، ندرجها بين تلك الآراء ms097 التي أسميتها منذ قليل بالآراء التي «لا ~~يمكن تصورها».» # ف ~~: ~~«لماذا؟» # ب ~~: ~~«لأن من الأقوال الشائعة بين الناس، والمتواترة بكثرة في الحقيقة، أن بعض ~~الناس سيئ الحظ.» # ف ~~: ~~«أتريد إذن أن نقترب من حديث الناس اليومي لئلا نبدو كأننا ابتعدنا كثيرا ~~عن الخبرة البشرية؟» # ب ~~: ~~«نعم، من فضلك.» # ف ~~: ~~«حسن، ألا تعتبر أن الشيء النافع والمفيد هو خير؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«والحظ الذي من شأنه أن يعظ أو يقوم، ألا تعتبره مفيدا؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«وبالتالي خيرا؟» # ب ~~: ~~«يتعين ذلك.» # ف ~~: ~~«وهذا الحظ هو إما للذين يمضون بثبات على طريق الفضيلة ويناضلون ضد مصاعبهم، ~~وإما للذين تركوا الرذائل واتخذوا طريق الفضيلة؟» # ب ~~: ~~«إنه لكذلك.» # ف ~~: ~~«وماذا إذن عن الحظ السار الذي يمنح للأخيار كمكافأة؟ أيعده الناس ~~سيئا؟» # ب ~~: ~~«كلا، بل يرونه الأفضل بين الحظوظ.» # ف ~~: ~~«وماذا عن الصنف الأخير من الحظ، وهو العسير والذي يكبح الأشرار بالعقاب ~~الذي يستحقونه، هل يراه الناس خيرا؟» # ب ~~: ~~«كلا، بل يرون أنه أتعس شيء يمكن تصوره.» # ف ~~: ~~«احذر أن توقعنا التصورات الشائعة في شيء «لا يمكن تصوره» حقا.» # ب ~~: ~~«ماذا تقصدين؟» # ف ~~: ~~«حسن، النتيجة المستفادة مما افترضناه هو أن حظ الأخيار سعيد كله، سواء ~~منهم الراسخون في الخير أو المتقدمون على دربه أو المبتدئون فيه، بينما حظ ~~جميع المخلفين في الشر هو حظ سيئ تماما.» # ب ~~: ~~«هذا حق، وإن لم يجرؤ أحد على الاعتراف به.» # ف ~~: ~~«لهذا السبب، ينبغي على الحكيم ألا يشكو كلما اشتبك مع الحظ، مثلما ينبغي على ~~الشجاع ألا يسخط إذا حمي وطيس الحرب، ذلك أن الشدائد نفسها هي فرصة لكل ~~منهما: لواحد كي ينال المجد، وللآخر كي يؤكد حكمته ويقويها، من هنا تستقي ~~«الفضيلة» # virtue # اسمها؛ لأنها قوية ~~صلبة بحيث لا تقهرها الشدائد. # 1 # ولا أنت يا من تمضي قدما على درب ~~الفضيلة قد بلغت ما بلغت لكي تسلم نفسك للمباهج أو تفسدها بالملذات، بل ~~اصطرع بعنف وضراوة مع كل ضروب الحظ الجامح؛ حتى لا تقهرك الضراء ولا تفسدك ~~السراء، ms098 اتخذ الطريق الوسط بصلابة لا تهتز، فكل ما يحيد عن الوسط يزري ~~بالسعادة ولا يجني ثمرة جهده، إن قدرك بيديك ... بيدي صنف القدر الذي ~~تود أن تشكله لنفسك؛ # 2 # لأن كل ما يبدو عسيرا هو عظة أو تقويم أو عقاب.» # عشر سنوات متصلة من الحرب # استغرق انتقام أجاممنون، بسقوط طروادة، # لفراش أخيه المنتهك، # هو أجاممنون نفسه الذي اضطر لكي يقلع بسفنه # إلى أن يشتري الريح المواتية بالدم، # فنضا عنه ثوب الأبوة ولبس ثوب الكاهن المتحجر القلب # ووجأ عنق ابنته المسكينة. # 3 ~~••• # كم بكى أوديسيوس بحرقة # لفقد رفاقه، # الذين ازدردهم في جوفه الرحب # بوليفيموس القابع في كهفه الواسع، # فما لبث أن سمل أوديسيوس عينه الوحيدة، # وتركه يتضور غضبا، # ويدفع ثمن ابتهاجه، من دموع الفجيعة. # 4 ~~••• # اشتهر هرقل العظيم بأعماله ~~الصعبة، # أدب القنطورات المتعجرفة في فيلوا، # وانتزع جلد الأسد في نيميا، # 5 # وأقصدت سهامه الصائبة طيور ستيمفالوس، # 6 # وانتزع تفاحات هيسبيروس الذهبية # 7 # على مرأى من التنين، # وأسر كيربيروس # 8 # وقاده مصفدا في الأغلال، # وأسر أفراس ديوميديس، # 9 # وقدم إليها لحم سيدها لتأكله، # وأحرق الهيدرا # 10 # وأبطل سمها، # وأصاب أخيلوؤس # 11 # بجرح مخز، # فراح يواري وجهه خجلا تحت ضفته، # وصرع أنتيوس في رمال ليبيا، # وقتل كاكوس ليشفي صدر إيوأندروس # 12 # تلك الأكتاف التي ستحمل السماء # لوثها الخنزير الإريمانثي # 13 # بمخاطه، # أما العمل الأخير فهو أن يحمل السموات # على عنق قائم لا ينحني. ~~••• # امض إذن بجسارة # إلى حيث يقودك الطريق المجيد # للقدوة الرفيعة، # لماذا تثاقل وتنكص على عقبيك # إذا كان اجتياز الأرض # يهبك النجوم؟ # الكتاب الخامس # | حرية الإرادة (الإنسانية) وشمول العلم (الإلهي)1 # القضاء معضلة # لم يحلها أحد # كلما نقضت لها # عقدة بدت عقد # أتعبت معالجها # واستراح معتقد # شوقي # الفصل الأول # | «الفلسفة» تناقش مسألة المصادفة # وكانت بصدد تغيير مجرى الحديث ليتناول مسائل أخرى عندما تدخلت قائلا: «إن نصحك ~~لصائب ويليق تماما باسمك وجلالك، ولكنك قلت الآن إن مسألة العناية ترتبط بمسائل أخرى ~~كثيرة أشهدها في الواقع، وأود أن أسألك هل تعتقدين في شيء من ms099 قبيل «المصادفة» # chance ~~، وماذا تكون؟» # قالت: «الوعد دين، وقد وعدتك وعدا لن أهدأ حتى أفي به، وحتى أرشدك إلى الطريق ~~الذي تعود منه إلى وطنك الحق، ولكن هذه المسائل، على أهمية الإلمام بها، خارجة عن ~~موضوعنا بعض الشيء، وأخشى أن يجهدك الاستطراد فيها فتكل عن إكمال المسيرة.» # فأجبت: «لا تخشي شيئا من ذلك، ستكون هذه الاستطرادات أشبه باستراحات لي تطرفني بما ~~أنا مولع به أشد الولع، ولا عليك من عواقب أي شيء ما دامت حجتك تقف ثابتة لا ~~تنالها الشكوك من أي جانب.» # قالت: «سأصدع لطلبك»، وهكذا شرعت في الحديث: «إذا كانت المصادفة تعني أن ينجم ~~حدث ما بحركة عشوائية ومن دون أية رابطة سببية، فمن المؤكد أنه ليس ثمة شيء من ~~قبيل المصادفة، وفيما عدا تحديد معالم المسألة التي نحن بصددها فلا معنى لهذه اللفظة ~~على الإطلاق، فإذا كان الله قد أسبغ النظام على الأشياء جميعا فلا مجال لأحداث ~~عشوائية، إنه لمبدأ صحيح أن «لا شيء يأتي من ~~لا شيء» # ex nihilo nihil fit ~~، ولقد كان القدماء جميعا يسلمون به وإن كانوا يستخدمونه ~~كمبدأ لفلسفتهم الطبيعية يشمل كل ما يتصل بالموضوعات المادية ولا يشمل العلل الفاعلة، ~~فإذا كان لشيء ما أن يحدث بلا سبب فمن البين أنه يأتي من لا شيء وهو محال، ومحال ~~أيضا أن تكون هناك مصادفة بالمعنى الذي أشرت إليه الآن.» # فسألتها: «حسن، أليس هناك إذن أي شيء يحق أن يسمى مصادفة أو اتفاقا؟ أو أي ~~شيء لا يدركه عامة الناس مما تنطبق عليه هذه التسمية؟» # ف ~~: ~~«فيلسوفي أرسطو قد عرفها في كتاب «الطبيعة» تعريفا محكما وقريبا من ~~الحقيقة.» # ب ~~: ~~«كيف؟» # ف ~~: ~~«كلما جرى فعل شيء لغرض معين، ثم نتج شيء آخر، لأسباب معينة، غير الشيء ~~المقصود، يسمى ذلك بالمصادفة، فإذا أخذ شخص مثلا في حفر بئر في الأرض لكي ~~يزرع حقلا، فعثر على كنز من الذهب المدفون، فإن هذا يرى على أنه حدث ~~اتفاقا، غير أنه لم يأت من لا شيء، فله أسبابه الخاصة التي ms100 أدى اجتماعها غير ~~المتوقع إلى الحدث التصادفي، فإذا لم يكن زارع الحقل قد حفر، ولا كانز المال ~~قد دفنه في هذه البقعة، لما تأتى العثور على الذهب، هذه إذن هي أسباب الحصاد ~~التصادفي، إنه ناتج عن اجتماع أسباب متضادة لا عن قصد الفاعلين، فلا الرجل ~~الذي دفن الذهب، ولا الرجل الذي كان يفلح الأرض، قصد اكتشاف المال، ولكنه ~~حدث، مثلما قلت، كنتيجة لما تصادف من أن أحدهما جعل يحفر حيث كنز الآخر، ~~بوسعنا إذن أن نعرف المصادفة بأنها حدث غير متوقع ناجم عن اقتران أسبابه ~~بفعل يؤدى لغرض معين، إن اقتران الأسباب واتفاقها قد أحدثهما النظام الذي ~~يسير برابطة سببية محتومة، تصدر من نبع العناية وتسلك كل شيء في ~~زمانه ومكانه الخاص.» # من المنحدرات الصخرية لتلال أرمينيا، # حيث كان الفارسي القديم يستدير؛ # ليسدد سهامه إلى صدر مطارده # يتدفق دجلة والفرات من منبع واحد، # ويفترقان على الفور إلى فرعين منفصلين، # وحيث يلتقيان مرة ثانية ويكونان مجرى واحدا، # يجتمع كل ما تحمل مياههما فوق ظهرها # القوارب تلتقي القوارب وجذوع الشجر المحطمة تلتقي الجذوع، # وتضفر المياه الممتزجة تياراتها بالمصادفة؛ # غير أن القاع المنحدر يضبط المصادفات الغامضة # وقوانين سقوط السيل تحكم مساراتها، # هكذا فالمصادفة التي تبدو جامحة مرخاة الأعنة، # إنما هي تخضع للجام، وتعض الشكيمة، وتعنو للقانون. # الفصل الثاني # | تفاوت حرية الإرادة # قلت: «لقد أصغيت إلى ما تقولين، وأشهد إنه عين الحق، ولكن هل ثمة مكان في هذه ~~السلسلة السببية الوثقى لأي حرية للإرادة؟ أو هل تقيد هذه السلسلة القدرية حتى مشاعر ~~نفوسنا ودفعات عقلنا؟» # قالت: «ثمة حرية إرادة، فمن غير الممكن أن توجد أي طبيعة عقلية من دون حرية ~~إرادة، فما من كائن يمكنه بالطبيعة استخدام عقله إلا وله قوة الحكم التي يمكنه بها، ~~بدون أي عون آخر، أن يتخذ القرار في كل أمر، وأن يميز بنفسه بين الأشياء التي يريدها ~~والأشياء التي يتجنبها، كل إنسان إذن يصبو إلى ما يعتبره مرغوبا ويعرض عما يعتبره ~~غير مرغوب، وكل ما لديه عقل فلديه أيضا ms101 حرية أن يريد أو لا يريد ... وإن كنت لا أزعم أن ~~هذه الحرية متساوية في جميع الكائنات، فالكائنات السماوية والإلهية لديها بصيرة ثاقبة ~~وإرادة نزيهة وقوة غالبة على أمرها، أما النفوس البشرية فتكون بالتأكيد أكثر حرية ~~ما بقيت دائبة في تأمل العقل الإلهي، وتصير أقل حرية عندما تهبط إلى الأجساد، وأقل من ~~ذلك عندما تكون سجينة الأعضاء الترابية الأرضية، وتبلغ غاية العبودية عندما تسلم ~~نفسها للرذائل ولا تعود تملك رشدها، وما تكاد تصرف بصرها عن نور الحقيقة العليا ~~إلى ما هو أدنى وأظلم حتى تلفها غيوم الجهل وتعذبها الانفعالات المدمرة، فلا تجني من ~~استسلامها لها إلا مزيدا من العبودية التي جرتها على نفسها طواعية ، على أن كل ذلك ~~مرئي لعين العناية التي ترقب كل شيء من سرمديتها، وتقدر لكل بحسب عمله جزاء ~~وفاقا.» # إنها ترى الكل وتسمع الكل، # هكذا يغني هوميروس بلسانه المعسول # ضياء الشمس الوهاج الساطع، # غير أن الشمس لا تقدر بأشعتها الكليلة # أن تنفذ إلى أحشاء الأرض أو إلى أعماق البحر، # أما خالق العالم فحاشاه، # إن كل شيء ماثل لنظرته العلية # لا تصدها كثافة المادة، # ولا تعشيها حلكة الليل # كل ما يكون وما كان وما سيكون # يدركه بلمحة واحدة من عقله، # وحده من يرى الأشياء جميعا # فعلينا أن ندعوه الشمس الحقيقية. # الفصل الثالث # | ماذا عن سابق العلم والحرية؟ # عندئذ قلت: «ها أنا مرة ثانية أقع في حيرة أشد والتباس أصعب.» # فسألتني: «قل لي ما هو، وإن أكن أحدس بما يزعجك ويثير ارتباكك.» # قلت: يبدو لي أن هناك تعارضا بين سبق العلم الإلهي للعالم وبين حرية الإرادة، # 1 # فإذا كان الله يرى كل شيء مسبقا ولا يمكن أن يخطئ بأية حال، فإن ما ~~استبقته العناية كحدث مستقبلي لا بد له من أن يحدث، وإذا كانت العناية تعلم منذ ~~الأزل أفعال البشر بل وأفكارهم أيضا ورغائبهم، فلن تكون ثمة حرية إرادة، لن يتسنى ~~وجود أي فعل أو رغبة غير ما رأته عناية الله المعصومة رؤية مسبقة؛ لأنه إذا أمكن ~~لهذه ms102 الأفعال أو الرغبات أن تتغير وتختلف عما سبق في رؤية الله لانتفى يقين علم الله ~~بالمستقبل واختزل إلى مجرد ظن غير يقيني، وهو ما لا يليق قوله عن الله. # وأنا لا أوافق على الحجة التي يظن البعض أن بإمكانهم بها أن يقطعوا هذه العقدة الجوردية، # 2 # فهم يقولون بأن الحدث المستقبلي لا يحدث ضرورة لأن العناية رأته مسبقا، ~~بل النقيض: أن ما سيحدث ضرورة لا يمكن أن يخفى على العناية الإلهية، وبذلك تتجه ~~الضرورة في الاتجاه المعاكس: أي ليس بالضرورة أن ما سبقت رؤيته لا بد أن يحدث، بل إن ما ~~قضي أن يحدث لا بد بالضرورة أن يرى، وكأن المهم هو: ما هو السبب: هل المعرفة المسبقة ~~بالمستقبل هي السبب في ضرورة الأحداث، أو أن ضرورة الأحداث تسبب المعرفة المسبقة؟ ~~ولكن ما أحاول توضيحه هو أنه أيا ما كان نظام الأسباب فإن قدوم الأشياء المعلومة ~~مسبقا هو ضروري حتى لو كان سبق العلم بها لا يفرض أي ضرورة عليها. # فإذا كان رجل جالسا، فإن الرأي الذي يذهب إلى أنه جالس هو رأي صادق بالضرورة، ومن ~~جهة أخرى: إذا كان الرأي في الرجل صادقا، لأنه جالس، فإنه لمن الضرورة أن الرجل جالس، ~~ثمة ضرورة إذن في كلتا العبارتين: في الأولى أن الرجل جالس، وفي الثانية أن الرأي صادق، ~~ولكن ليس لأن الرأي صادق يكون الرجل جالسا، بل إن الرأي صادق لأنه مسبوق بفعل الجلوس ~~من الرجل، إذن، رغم أن «سبب» الصدق يتجه من جانب واحد فإن ثمة «ضرورة» مشتركة في كلا ~~الجانبين. # من الواضح أن الاستدلال نفسه ينطبق على العناية وأحداث المستقبل: فحتى لو كان وجه ~~الأمر أن أحداث المستقبل ترى مسبقا لأنها سوف تحدث لا أنها تحدث لأنها ترى مسبقا، ~~فإن من الضروري رغم ذلك أنه إما أن أحداث المستقبل ترى مسبقا من الله وإما أن الأشياء ~~المرئية مسبقا تحدث كما ترى، وهذا وحده كاف لنفي حرية الإرادة. # ولكن كم هو محال أن نقول إن وقوع الأحداث الزمانية هو ms103 سبب العلم الأزلي المسبق! ومع ~~ذلك فإن القول بأن الله يرى المستقبل لأنه مقدر أن يحدث ليس شيئا غير القول بأن ~~الأحداث التي تجري مجرى واحدا فردا هي سبب تلك العناية العليا. # فضلا عن ذلك، مثلما أنني حين «أعرف» # 3 # حقيقة حاضرة فإن تلك الحقيقة لا بد أن تكون كذلك، فإنني أيضا حين «أعرف» ~~بشيء سيحدث فإن ذلك الشيء لا بد من أن يجيء، هكذا يترتب أن وقوع الحدث المعروف مسبقا ~~هو أمر لا يمكن تفاديه. # وأخيرا، إذا اعتقد أي شخص أن أمرا ما على غير ما هو في الحقيقة، لا تكون هذه ~~«معرفة»، ليس هذا فحسب، بل تكون رأيا كاذبا جد بعيد عن حقيقة المعرفة، إذن ، إذا ~~كان شيء ما مقدرا له أن يحدث بحيث يكون وقوعه غير يقيني وغير ضروري، فمن ذا يمكنه أن ~~يعرف مسبقا أنه سيحدث؟ فمثلما أن المعرفة ليست بالأمر المشوب بالكذب، كذلك الشيء ~~المدرك بالمعرفة لا يمكن أن يكون غير ما هو مدرك، والحق أن السبب في خلو المعرفة من ~~الخداع هو أن من الضروري للأشياء أن تكون بالضبط كما تدركها المعرفة. # السؤال، إذن، هو: هل يمكن لله أن يعرف مسبقا أن هذه الأشياء سوف تحدث، إذا كانت هذه ~~الأشياء غير يقينية؟ فإذا ما حسب أنها سوف تحدث حتما بينما هناك احتمال قائم بألا ~~تحدث فإنه يكون مخدوعا وحاشاه! ولكن إذا كانت معرفته بأنها سوف تحدث هي من ذلك الصنف ~~الذي يجيز احتمال أن تحدث أو لا تحدث، فأي صنف من المعرفة هذا الذي لا يدرك أي شيء ~~على اليقين؟! وأي فرق بينها وبين النبوءة المضحكة لتيريسياس # Tiresias # في ساتيرات هوراتيوس: ~~«أيما شيء أقوله فهو إما سوف يحدث وإما لا يحدث؟» # 4 # وكيف تعلو العناية الإلهية على الظن إذا كانت، شأن البشر، تعتبر تلك الأشياء التي ~~وقوعها غير يقيني أشياء غير يقينية؟ فإذا كان التشكك أو عدم اليقين محالا على المصدر ~~الأوثق لكل الأشياء؛ فإن الحدوث المستقبلي للأشياء التي يراها الله مسبقا بوثوق ~~كأحداث ms104 مستقبلية لا بد من أن يكون يقينيا، إذن لا حرية هناك لأفكار الإنسان وأفعاله؛ ~~لأن العقل الإلهي في رؤيته المسبقة لكل شيء دون أي ضلال أو زيف إنما يقيد أفكار ~~الإنسان وأفعاله بمسلك واحد في الحدوث. # وما أن نسلم بهذا حتى يتبدى بوضوح مدى السقوط الذريع لكل الشئون البشرية، سدى ~~هو الثواب المقدم للأخيار والعقاب المقدم للأشرار؛ لأنهم لم يستحقوه بأي حركة حرة ~~أو إرادية للنفس، وهكذا فإن ما نعده الآن ذروة العدل - عقاب الأشرار وثواب الأخيار - ~~يضحي ذروة الظلم كله، ما دام البشر مدفوعين للخير أو الشر لا بإرادتهم بل بضرورة ~~قاهرة لما يتعين أن يكون، بذلك لن يكون للرذيلة ولا للفضيلة أي وجود، وسيكون كل ~~استحقاق مختلطا مشتبها، وليس بالإمكان تصور ما هو أسوأ من ذلك، فإذا كان نظام ~~الأشياء مستمدا من العناية، ولا مجال ثم للقصد البشري، فإن شرورنا أيضا مستمدة من ~~خالق كل شيء. # لا جدوى إذن في أن نرجو أي شيء أو ندعو بأن نوقى أي شيء، فأي شيء يمكن أن ~~يرجوه المرء أو يصلي للنجاة منه، إذا كان كل ما يمكن أن يراد هو شيء مقيد بقيد ~~صارم؟ # وهكذا تنتفي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين الإنسان والله - أي الرجاء والدعاء، فنحن ~~نفترض أننا بالخشوع الواجب أمام الله نفوز بالمردود الذي لا يقدر بثمن - بالنعمة ~~الإلهية، وهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكن للبشر به أن يخاطبوا الله ويصلوا أنفسهم ~~بذلك الضياء المحجوب قبل أن يمنحوه عن طريق الابتهال والتضرع. # وإذا كان التسليم بضرورة الأحداث المستقبلية يعني أن الرجاء والدعاء لا تأثير لهما، ~~فأي سبيل سيكون لنا لكي نصل أنفسنا بمليك العالم ونتحد به؟ لذلك لا بد للجنس ~~البشري، مثلما كنت تنشدين الآن، من أن يكون منبتا عن مصدره هزيلا واهنا على ~~الدوام. # أي سبب للخلاف يفصم عرى الاتفاق هنا؟ # أي قوة سماوية ألقت مثل هذا النزاع بين حقيقتين، # حين تؤخذ كل على حدة تكون حقا لا يأتيه الشك # غير أنهما لا يمكن أن تؤخذا معا في ms105 آن؟ ~~(تتأبيان أن تخضعا لنير واحد) # ولكن ألا يمكن أن يكون خلافهما وهما، # وأن تكونا مصطحبتين على الصفاء أبدا؟ # بلى، إنه العقل الذي أخنى عليه عمى الجسد، # فلم يعد يرى الخيط الرفيع الذي يربط بين الأشياء. ~~••• # لماذا إذن يتحرق شغفا # بمعرفة الأمارات الخفية للحقيقة؟ # تراه يعرف منذ البداية ما يصبو إلى معرفته؟ # ولكن من ذا الذي يطلب أن يعرف الذي يعرفه؟ # وإذا كان العقل لا يعرف، فإلام يسعى في ظلام العمى؟ # ومن ذا الذي ينبش في الجهل عن أي شيء؟ # أو من ذا الذي يمكن أن يبحث عما هو غير معروف له؟ # وأين يمكن أن يعثر عليه؟ # وإذا صادفه فكيف يتعرف عليه وهو يجهله؟! # 5 # عندما كان عقل الإنسان يشهد عقل الإله (في السماء)، # تراه كان آنذاك يعرف الكل والأجزاء معا؟ # والآن وقد سقط في قبر الجسد المظلم # لم يفقد كل ذاكرته رغم ذلك، # فقد بقي يحتفظ بالكليات وإن فقد الجزئيات # فأيما امرئ يسعى إلى الحقيقة إذن، # فهو بين بين لا يعرف كل شيء # ولا يجهل تماما، # بل يتأمل الكليات التي بقيت في ذاكرته، # ويقلب النظر مرة ثانية فيما كان رآه من قبل في الأعالي # لعله يضم الجزئيات التي نسيها # إلى الكليات التي أبقاها. # الفصل الرابع # | فكر الله يوفق بينهما # عندئذ قالت: «هذه شكوى قديمة حول العناية، وقد سبق لشيشرون # Cicero # أن هاجمها بشدة في رسالته «عن التنبؤ» # On Divination ~~، وأنت نفسك قد بحثتها بإسهاب كبير، ولكن لم يفسرها ~~أحد منكم حتى الآن بالعناية والقوة الكافيتين، والسبب في هذا الغموض هو أن عمل العقل ~~البشري لا يمكنه أن يداني فورية المعرفة الإلهية المسبقة، فإذا أمكن فهم هذه الفورية ~~بطريقة ما لتبدد كل الغموض، وهذا على الخصوص هو ما سأحاول توضيحه إذا ما أمكنني ~~أولا أن أتناول المسائل التي تؤرقك. # خذ حالة أولئك الذين يذهبون إلى أن المعرفة المسبقة لا تضفي ضرورة على المستقبل ~~وأن حرية الإرادة لا تقيدها المعرفة المسبقة، أود أن أعرف لماذا تعتبر حجتهم غير ~~مقنعة، فالمصدر الوحيد ms106 لبرهانك على قدرية المستقبل هو اعتقادك أن ما يعرف مسبقا ~~لا يمكن إلا أن يحدث، إذن إذا كانت المعرفة المسبقة، كما اعترفت لتوك، لا تفرض أي ~~قدرية على المستقبل فلماذا تكون الأفعال الإرادية مسيرة قسرا إلى نتيجة ~~محددة؟ # ولكن لنفترض جدلا، كيما ترى ما يترتب عليه، أن ليس ثمة معرفة مسبقة، في هذه الحالة ~~لن تكون أفعال الإرادة مسيرة قسرا، أليس كذلك؟» # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«ودعنا نفترض من جهة ثانية أن هناك معرفة مسبقة ولكنها لا تفرض أي جبر ~~على الأشياء، فسوف تظل حرية الإرادة نفسها، فيما أرى، قائمة بالتمام والكمال. # لعلك ستقول: ولكن إذا لم تكن المعرفة المسبقة تشكل ضرورة على أحداث ~~المستقبل فإنها رغم ذلك «علامة» # sign # تدل ~~على أن هذه الأحداث المستقبلية سوف تقع حتما، في هذه الحالة، وحتى إذا لم تكن ~~هناك معرفة مسبقة، يكون من الواضح للجميع أن وقوع أحداث المستقبل هو أمر ~~مقدر جبري إذ إن العلامات تدل فقط على ما تشير إليه ولكنها لا ~~تحدثه. # علينا إذن أن نثبت أولا أن كل ما يحدث فهو يحدث بالضرورة حتى يتضح أن ~~المعرفة المسبقة هي علامة على هذه الضرورة، وإلا فإذا لم يكن ثمة ضرورة ~~فهيهات للمعرفة المسبقة أن تكون علامة على شيء هو غير موجود، إنه لمما لا ~~خلاف عليه أن البراهين يجب أن تستند إلى منطق صارم لا إلى «علامات» أو إلى ~~حجج مجلوبة من الخارج، ينبغي أن تستنبط البراهين من حجج متسقة متماسكة ~~يأخذ بعضها بحجز بعض وتفضي الواحدة منها إلى الأخرى. # من المحال أن ما يرى مسبقا كحدث مستقبلي لا يقع في حينه، إن ذلك ليكون ~~أشبه بأن نعتقد أن ما تراه العناية مسبقا كأحداث مستقبلية هي أحداث لن تقع، ~~بدلا من أن نعتقد أنها رغم وقوعها فهي لم تكن بطبيعتها مقدرة جبرية، وليس من ~~العسير عليك أن تراها على هذا النحو، فنحن نشهد كثيرا من الأشياء وهي تجري ~~أمام أعيننا، مثل الأفعال التي نرى سائقي العربات يؤدونها لكي يتحكموا في ms107 ~~عرباتهم ويقودوها وغير ذلك مما شابه، فهل ثمة أي ضرورة تقسر أي شيء من ~~هذه الأشياء على أن يحدث كما يحدث؟» # ب ~~: ~~«بالطبع لا، فلو أنها تحدث بالضرورة لما كان هناك جدوى من الفن والمهارة ~~والقصد.» # ف ~~: ~~«إذن جميع تلك الأشياء التي تحدث من دون أن يكون حدوثها بالضرورة تكون قبل ~~وقوعها أحداثا مستقبلية وشيكة الوقوع، ولكن ليست وشيكة الوقوع «بالضرورة»، ~~فمثلما أن معرفة الأشياء الحاضرة لا تضفي ضرورة على ما يجري (في الحاضر) فإن ~~سبق العلم الإلهي لا يضفي ضرورة على ما سوف يحدث (في المستقبل). # ستقول ولكن هذه هي ذات النقطة التي نبحثها: وهي ما إذا كان من الممكن وجود أي ~~معرفة مسبقة للأشياء التي لا يخضع حدوثها للضرورة، أنا لا أرى أي تناقض هنا، ~~أما أنت فترى أن ضرورة الأحداث تترتب على كونها ترى مسبقا، فإذا لم تكن ثمة ~~ضرورة فلا يمكن للأحداث أن تعرف مسبقا؛ لأنك تعتقد أنه لا شيء يمكن أن تشمله ~~المعرفة ما لم يكن يقينيا، فإذا عرفت مسبقا أحداث غير يقينية الحدوث كما ~~لو كانت يقينية لكانت هذه المعرفة مجرد ظن غائم لا معرفة حقيقية، وشتان بين ~~الظن والمعرفة. # وسبب هذا الخطأ أن الناس تظن أن كل معرفتها تعتمد على طبيعة موضوعات المعرفة ~~وقابليتها لأن تعرف، وهذا خطأ فادح، والنقيض هو الصحيح: فكل ما يعرف إنما ~~يعرف وفقا للقدرة المعرفية ل «العارف» لا لطبيعة الشيء «المعروف» (المدرك)، ~~دعني أوضح لك ذلك بمثال: فاستدارة جسم ما قد تدرك بطريق البصر وقد تدرك ~~بطريق اللمس، أما البصر فيظل على مسافة من الجسم ويرى الكل في آن واحد ~~بواسطة أشعة الضوء، وأما اللمس فيقترب من الجسم ويمسك بمحيطه الحقيقي ويدرك ~~استدارته جزءا جزءا، وكذلك الإنسان نفسه يشاهد بطرق متعددة بواسطة ~~«الإدراك الحسي» # sense perception # و«المخيلة» # imagination # و«العقل» # reason # و«الفكر» # intelligence # 1 # فالحواس تفحص هيئته كمركب من المادة، بينما المخيلة تدرك هيئته ~~وحدها بدون مادة، أما العقل فيتجاوز الخيال أيضا وبإدراك كلي يتأمل في ~~النوع أو الجنس ms108 المتضمن في صميم الأمثلة الفردية، غير أن هناك الرؤية العليا ~~للفكر، والتي تتخطى مجال الكلي وتشهد الصورة البسيطة نفسها بالنظر الخالص ~~للعقل. # النقطة الرئيسية التي تعنينا هنا هي أن الأعلى في المعرفة يتضمن الأدنى، ولكن ~~من المحال على الإطلاق أن يسمو الأدنى إلى الأعلى، فالحواس لا يمكنها أن تدرك ~~أي شيء عدا المادة، والمخيلة لا يمكن أن ترى إلى الجنس الكلي، والعقل ~~لا يمكن أن يمسك الصورة البسيطة، أما الفكر ~~فكأنما ينظر من أعلى ويدرك الصورة البسيطة، ثم يميز كل ما يندرج تحتها ولكن ~~بتلك الطريقة التي يدرك بها الصورة نفسها التي لا يمكن أن تعرف لأي وسيلة ~~أخرى: فهو يعرف معرفة العقل بالكليات ومعرفة الخيال بالهيئة ومعرفة الحواس ~~بالمادة، من دون أن يستخدم العقل ولا الخيال ولا الحواس، وإنما بلمحة ذهنية ~~واحدة تنظر إلى كل شيء بتصور واضح للكل. # والعقل أيضا عندما ينظر إلى الكليات من دون أن يستخدم الخيال أو الحواس ~~فإنه يدرك الموضوعات المتخيلة والمحسوسة لكل من المخيلة والحس، فالعقل ~~هو ما يعرف المفهوم الكلي: «الإنسان حيوان عاقل يمشي على قدمين»، وحيث إن ~~هذا المفهوم كلي فالجميع يعلم أنه مفهوم يمكن أن يتخيل بالخيال ويحس ~~بالحواس، بينما ينظرها العقل لا من خلال الخيال أو الحواس ويحس بالحواس، بينما ~~ينظرها العقل لا من خلال الخيال أو الحواس بل من خلال التصور العقلي، والمخيلة ~~أيضا ربما تكون قد استمدت قدرتها الأصلية على رؤية هيئة الأشياء وتكوينها من ~~الحواس، غير أنها في غياب الحواس تظل لها القدرة على أن تعاين كل الأشياء ~~المحسة لا من خلال الإدراك الحسي بل من خلال الإدراك الخيالي. # وها أنت ترى أنها جميعا في أسلوبها في المعرفة إنما تستخدم قدرتها على ~~المعرفة وليس قدرة موضوعات المعرفة على أن تعرف، وهذا ما يصح وما يليق وما ~~يعقل، فحيث إن كل حكم هو فعل لمن يحكم فلا بد لكل من أن يؤدي عمله ~~بقدرته هو لا بقدرة سواه.» # ذات يوم كان الرواقيون يدخلون في روع فلاسفة مغمورين ms109 # أن الحواس تدرك الأشياء، # كصور تطبعها على العقل الأجسام المحيطة، # تماما كما كان عرف الكتابة يوما # يجري بأن يمرر القلم بسرعة؛ # ليطبع الحروف المكتوبة بعمق # على لوح شمعي مبسوط، # خال لا شية فيه، # ولكن إذا كان العقل النشط لا يدلي بدلوه، # ولا يفعل إلا أن يتلقى تلقيا سلبيا # الانطباع الذي تتركه عليه الأجسام الأخرى # كأنه مرآة تعكس الصورة الفارغة للأشياء، # فمن أين يتأتى للعقل ذلك التصور القوي # الذي يعي كل الأشياء ويراها؟ # ما هي القوة التي ترى الأجزاء المفردة # أو التي تميز الحقائق التي تعرفها؟ # والقادرة على أن ترى الجزئيات، # وتحلل ما تراه، ثم تركبه # وتتقدم هكذا على التبادل # فتمحص الأشياء وتدمع الباطل بالحق؟ # إنها علة فاعلة # أشد وأنجع من أن ترقد سلبية، # تنتظر ما ينطبع عليها ماديا من الخارج ~~••• # على أن التلقي السلبي يأتي أولا، # فيثير كل قوة العقل في الجسم الحي ويهيب بها # كما يحدث عندما يرتطم الضوء بالعين، # وتقعقع الأصوات في الأذن # هنالك تستنهض قوة العقل النشطة، # فتستدعي الأطر الشبيهة المخزونة داخله، # وتطابقها بالعلامات المطبوعة من الخارج، # وتمزج الصور المتلقاة # بالصور المذخورة. # 2 # الفصل الخامس # | الفكر الأعلى # ولكن إذا كان في إدراك الظواهر المادية العينية تصطدم المنبهات الخارجية بأجهزة الحس ~~وتمسها مسا، وتسبق السلبية الجسمية نشاط العقل، تلك السلبية التي تستثير النشاط ~~العقلي وتستدعي صور العقل الهاجعة؛ أقول إذا كان العقل في عملية إدراك الظواهر العينية ~~ليس متأثرا سلبيا، بل يحكم بقوته الخاصة الخبرة المتأثرة بالجسم، فما بالك ~~بالكائنات التي هي في أسلوب إدراكها متحررة من كل تأثير جسمي؟ إن بمكنتها أن ~~تستحث عقلها إلى النشاط من دون أن تضطر إلى الاستجابة لمنبهات خارجية لكي تدرك ~~الأشياء، بهذه الحجة إذن يتبين أن هناك كثرة من أنماط المعرفة قد وهبت لأنماط ~~مختلفة من الكائنات وضروب متباينة من الطبائع: # فالإحساس المحض المجرد من أي صنف آخر من العرفان قد منح للحيوانات التي ~~لا تقوى على الحركة، من قبيل بلح البحر وغيره من أنواع المحار الذي ينمو ~~على الصخور. # والتخيل ms110 قد منح للحيوانات التي لديها القدرة على الحركة، والتي يبدو أن ~~لديها شيئا من الإرادة لكي تختار أشياء وتتجنب أشياء. # والعقل ينتمي حصرا إلى الجنس البشري كما أن الفكر ينتمي حصرا إلى ~~الألوهة، والنتيجة أن هذا الصنف من العرفان يتجاوز الأصناف الأخرى ولا ~~تقتصر معرفته على موضوعاته الخاصة بل تشمل أيضا موضوعات الأصناف الأخرى ~~من العرفان. # افترض إذن أن الحواس والخيال وقفا يعارضان العقل قائلين إن الكليات التي يدعي ~~العقل معرفتها هي لا شيء على الإطلاق، بالنظر إلى أن ما تمكن رؤيته وتخيله لا يمكن أن ~~يكون كليا، ومن ثم فإما أن يكون حكم العقل صحيحا ولا يكون ثمة شيء محس، وإما، من ~~حيث إن العقل قد عرف أن للحواس والخيال موضوعاتهما الكثيرة، تكون طريقة العقل في ~~العرفان غير ذات قيمة ... تلك الطريقة التي صورت له ما هو محس ومفرد على أنه ضرب ~~من الكليات. # وإذا رد العقل بأنه في نظره إلى الكلي كان محتفظا برؤية ما تدركه الحواس وما تدركه ~~المخيلة بينما الحس والمخيلة لا يرقيان إلى تمييز الكلية لأن أسلوبهما في العرفان لا ~~يسمح لهما بتجاوز الهيئة المادية للأشياء، إذا قال العقل إنه في مسألة الطريق التي ~~تعرف بها الأشياء لا بد من أن تمنح المصداقية للإدراك الأكثر وثوقا وكمالا، إذا ~~رد العقل بهذه الحجة، فينبغي علينا بالتأكيد، بوصفنا أشخاصا لدينا القدرة على التعقل ~~بالإضافة إلى التخيل والإدراك الحسي، أن ننحاز إلى جانب العقل. # وبنفس الطريقة يأبى العقل البشري أن يعتقد بأن الفكر الإلهي يمكنه أن يرى المستقبل ~~بأي أسلوب يتجاوز أسلوبه هو في المعرفة، ولعله يحاج بما يلي: إذا لم يكن ثمة أي ~~شيء يبدو وقوعه يقينيا ومقدرا، فمن المحال أن يعرف مسبقا كحدث مستقبلي، ومن ~~ثم فليس هناك معرفة مسبقة؛ لأننا إذا اعتقدنا أن هناك أي معرفة مسبقة به فلن يمكن ~~أن يوجد هناك أي شيء سوى ما تأتي به الضرورة، إذن، إذا أمكننا، نحن الذين نشارك في ~~امتلاك العقل، أن نمضي قدما ونحظى بحكم العقل ms111 الإلهي، لأدركنا كم هو حري بعقل ~~الإنسان أن يستسلم للعقل الإلهي، تماما مثلما خلصنا إلى أنه حري بالحس والمخيلة أن ~~يستسلما للعقل. # فلنعل بأنفسنا إذن، قدر المستطاع، إلى أعالي ذلك الفكر الأسمى، هنالك سيكون بوسع ~~العقل أن يرى كيف يمكن لما هو غير ضروري أن يعرف معرفة يقينية راسخة، معرفة ليست ~~من الظن في شيء، بل هي الفورية اللامحدودة لأسمى صور العرفان. # ما أكثر أشكال الحياة المنبثة في أرجاء الأرض # بعضها يطول ويزحف على الصعيد، # راسما أخاديد متصلة تتخلف على ضلوعها العفية، # وبعضها يهيم بأجنحة تضرب الرياح ضربا رفيقا # وتطير طيرانا رشيقا سابحة في أجواز الفضاء، # وبعضها تطبع آثار أقدامها على الأرض، # وتنقلها خطوة خطوة على السهول الخضراء أو في أحراش الغابة # تراها جميعا في أشكال شتى # غير أن بوسع الحس أن ينيخ بوجوهها البليدة إلى أسفل، # فما تزال تشخص ببصرها إلى الأرض # وحده الإنسان من بوسعه أن يرفع رأسه إلى الأعلى، # ويقف منتصب الجسم ويزدري الأرض # إن في هذا الوضع لعبرة: # لا تكن أرضيا بحماقة مذمومة، # أنت يا من يتجه بصرك إلى السماء وتستشرف الأمام # لتتجه روحك أيضا إلى السماء، # حتى لا تشخص إلى الأرض، # وبينما جسمك ينزع إلى أعلى # يسوخ عقلك إلى أسفل. # الفصل السادس # | السرمدي يعرف الكل # وما دام كل موضوع للمعرفة، مثلما بينا للتو، لا يعرف بفضل طبيعته هو، بل بفضل ~~طبيعة أولئك الذين يدركونه، فلنفحص الآن، جهد ما نستطيع، طبيعة الجوهر الإلهي، عسانا ~~نعرف أيضا ماذا تكون طريقته في المعرفة. # لا يختلف العقلاء جميعا على أن الله «سرمد» # eternal ~~، فلننظر في طبيعة السرمدية، فمن شأن ذلك أن يبين لنا ~~كلا من طبيعة الله وطريقته في العرفان، والسرمدية هي الامتلاك التام والآني والكامل ~~لحياة دائمة أبدا، ويتضح ذلك إذا قارناه بالمخلوقات التي توجد في الزمان؛ فأيما ~~شيء يعيش في الزمان فإنه يوجد في الحاضر ويتقدم من الماضي إلى المستقبل، وليس ثمة شيء ~~قائم في الزمان يمكنه أن يضم امتداد حياته كله في آن: إنه في وضع ms112 من فقد الأمس ~~لتوه ولم يمتلك الغد بعد. في حياة اليوم هذه أنت لا تعيش بامتلاء إلا في تلك ~~اللحظة الهاربة العابرة؛ ولذلك فإن كل ما يعاني حالة الوجود في الزمان، حتى لو لم تكن ~~له أي بداية ولن تكون له أي نهاية وتمتد حياته إلى ما لا نهاية زمنية شأن العالم عند ~~أرسطو، فلا يصح رغم ذلك أن يعد سرمديا. # إذن لقد أخطأ أولئك الفلاسفة الذين عندما قيل ~~لهم إن أفلاطون قال بأن العالم لم تكن له بداية في الزمان ولن تكون له نهاية، ذهبوا ~~إلى أن العالم المخلوق هو سرمدي مع الخالق؛ ذلك أن المسير في حياة لا نهائية، شأن ~~العالم عند أفلاطون، غير أن تضم الحياة اللانهائية كلها في حاضر آني واحد، جلي ~~أن هذه خاصة العقل الإلهي، فالله لا ينبغي أن يعد أقدم من العالم المخلوق في امتداد ~~الزمن بل في خاصة الفورية في طبيعته. والتغير الدائب للأشياء في الزمان هو محاولة ~~لتقليد هذه الحالة من حضور الحياة الثابتة؛ ولكن ~~لأنها تعجز عن محاكاة تلك الحالة أو مساواتها فإنها تسقط من الثبات إلى التغير، من ~~فورية الحضور إلى الامتداد اللانهائي للماضي والمستقبل. إنها لا يمكن أن تملك امتلاء ~~حياتها كله في آن معا، وإن كان امتداد وجودها إلى ما لا نهاية يجعلها تبدو مضاهية إلى ~~حد ما لذلك الذي لا تستطيع أن تحققه أو تجسده، وهي تفعل ذلك بأن تصل نفسها بنوع من ~~الحضور في هذه اللحظة الضئيلة والزائلة، ولما كان هذا الحضور يحمل وجها من الشبه بذلك ~~الحاضر المقيم فإنه يضفي على من يمتلكه مظهر الوجود الذي يقلده ويحاكيه. # ولكن لأنها تقصر عن ذلك فإنها تتشبث بالرحلة اللانهائية خلال الزمان، وبذلك ~~أمكنها أن تبقي، بالمسير قدما، تلك الحياة التي لا يمكنها أن تضم امتلاءها ~~كله بأن تبقى ثابتة؛ وعليه فإذا شئنا أن نسمي الأشياء بأسماء صحيحة فلنتبع أفلاطون ~~ونقل إن الله «سرمد» # eternal # والعالم «دائم» # perpetual ~~. # ولما كان كل حكم يدرك تلك الأشياء التي تعرض ms113 له وفق طبيعته هو، ولما كان وضع ~~الله هو دائما وأبدا وضع حضور سرمدي، فإن معرفته أيضا تتجاوز كل تغير زمني ~~وتبقى قائمة في فورية حضوره. إنها تضم كل الأعماق اللانهائية للماضي والمستقبل ~~وتنظرها في فورية عرفانها كما لو أنها تحدث في الحاضر؛ ومن ثم، فإن شئت أن تتأمل ~~المعرفة المسبقة، أو الرؤية المسبقة، التي يكشف بها كل الأشياء، فسيكون من الأصوب أن ~~ترى إليها لا على أنها نوع من المعرفة المسبقة بالمستقبل، بل على أنها المعرفة بحاضر ~~لا يريم؛ لذا فإن من الفضل أن تسميها «رؤية أمامية/عناية» # looking forth/providence # على أن تسميها «رؤية مسبقة» # seeing ~~beforehand/prevision # لأنها قائمة بعيدا عن الأمور السفلية وتستشرف جميع الأشياء كأن من ذروة عالية ~~عليها جميعا. # لماذا إذن تصرون على أن كل ما تتفرسه عين الله يصبح ضروريا ؟ فالناس ترى ~~الأشياء ولكن هذا بالتأكيد لا يجعل هذه الأشياء ضرورية، ورؤيتكم إياها لا يضفي أي ~~ضرورة على الأشياء التي ترونها حاضرة، أليس كذلك؟ # ب ~~: ~~«بلى.» # ف ~~: ~~«وإذا قارنا بين الحاضر الإنساني والحاضر البشري فإنه مثلما ترى أنت أشياء ~~معينة في زمنك الحاضر، فإن الله يرى جميع الأشياء في حاضر سرمدي؛ ~~لذا فإن هذه المعرفة الإلهية المسبقة لا ~~تغير من طبيعة الأشياء أو خصائصها، بل، ببساطة، ترى الأشياء حاضرة لها ~~تماما كما سوف تحدث ذات يوم في المستقبل، إنها لا توقع اضطرابا في ~~الأشياء بل تميز بلمحة واحدة من عقلها كل ما سوف يحدث، سواء لديها أن ~~يكون حدوثها ضروريا أو غير ضروري. وبالمثل أنت عندما ترى في الوقت نفسه ~~رجلا يمشي على الأرض والشمس تشرق في السماء، فرغم تزامن المنظرين فأنت تميز ~~بينهما وتحكم أن أحدهما مراد والآخر ضروري، وبنفس الطريقة تبصر عين الله ~~الأشياء جميعا من دون أن تربك طبيعتها؛ فهي بالنسبة له أشياء حاضرة وإن تكن ~~تحت شرط الزمان أشياء مستقبلية، وبذلك يتأتى أن معرفة الله بأن شيئا معينا ~~سوف يقع وأن ليس ثمة ضرورة في وقوعه؛ أن هذه المعرفة ليست ظنا بل ms114 معرفة ~~قائمة على الحقيقة. # لعلك تقول عند هذه النقطة إن ما يراه الله كحدث مستقبلي لا يمكن إلا أن ~~يحدث، وما لا يمكن له إلا أن يحدث فإنه يحدث بالضرورة، ولكنك إذا قيدتني بهذا ~~اللفظ «الضرورة» فسأكون مضطرة إلى أن أقول بأنه مع تسليمي بأنها مسألة صادقة ~~كل الصدق إلا أنها بعيدة الغور على غير مريد الألوهية، سأرد بأن الحدث ~~المستقبلي نفسه يكون ضروريا حين ينظر إليه بالإشارة إلى المعرفة الإلهية ~~المسبقة، غير أنه حر تماما وغير مقيد على الإطلاق حين ينظر إليه في ذاته؛ ~~ذلك أن ثمة نوعين من الضرورة: نوعا بسيطا، مثل حقيقة أن جميع الناس فانون. ~~ونوعا مقيدا أو مشروطا؛ مثال ذلك إذا عرفت أن شخصا ما يمشي فإن من الضروري ~~أن يمشي حقا وصدقا؛ لأن المعرفة تعني الحق والصدق، ولكن هذه الضرورة ~~المشروطة لا تتضمن ضرورة بسيطة لأنها لا توجد بفضل طبيعتها ذاتها وإنما بفضل ~~شرط قد أضيف، لا ضرورة هناك تجبر بالمشي من يمشي في طريقه بملء حريته، مع أنه ~~بالضرورة يمشي عندما يخطو خطوة.» # وبنفس الطريقة، عندما ترى العناية شيئا ما كحاضر، فمن الضروري أن هذا الشيء ~~يحدث حتى لو لم تكن ثمة ضرورة في طبيعته ذاتها. إن الله يرى الأحداث ~~المستقبلية التي تحدث بحرية، يراها كأحداث حاضرة؛ لذا فإن هذه الأشياء عندما ~~ينظر إليها بالإحالة إلى بصر الله لها فهي تحدث بالضرورة كنتيجة لشرط المعرفة ~~الإلهية، أما حين تعتبر في ذاتها فهي لا تفقد شيئا من حريتها التامة القابعة ~~في صميم طبيعتها. # إذن كل الأشياء التي يكون حدوثها المستقبلي معلوما من الله فإنها تحدث من ~~دون شك، ولكن بعض هذه الأشياء هي نتاج حرية الإرادة، ورغم حقيقة كونها تحدث ~~حقا فإن وجودها لا يجردها من طبيعتها الحقة التي تجعل احتمال عدم حدوثها ~~قائما قبل أن تحدث. # ماذا يهم، إذن، إذا كانت غير ضرورية، عندما يتكشف، بفضل شرط المعرفة الإلهية، ~~أنها تحدث بالضبط كما لو كانت ضرورية؟ والجواب هو هذا: من المحال للحدثين ~~اللذين ms115 ذكرتهما الآن - شروق الشمس ومشي الرجل - ألا يكونا حادثين عندما ~~يحدثان فعلا، ومع ذلك فقد كان من الضروري لأحدهما أن يحدث قبل أن يحدث بالفعل، ~~ومن غير الضروري للآخر، إذن فتلك الأشياء الماثلة لله سوف تحدث من دون شك، ولكن ~~بعضها سوف يحدث جراء ضرورة الأشياء، وبعضها الآخر جراء حرية إرادة الفاعلين، ~~ونحن لا نجانب الصواب إذن عندما نقول إن هذه الأشياء إذا نسبت للمعرفة ~~الإلهية المسبقة فهي ضرورية، وإذا اعتبرت في ذاتها فهي طليقة من قيود ~~الضرورة، مثلما أن كل شيء تدركه الحواس فهو كلي إذا اعتبر بالإحالة إلى ~~العقل، وهو فردي إذا اعتبر في ذاته. # ولكن لعلك ترد بقولك: إنه لو كانت لدي القدرة على أن أغير مسارا ~~مزمعا للفعل فسوف أكون قادرا على مراوغة العناية؛ لأنني سأكون، ربما، قد ~~غيرت الأشياء التي تعرفها العناية معرفة مسبقة، وجوابي على ذلك أن بوسعك أن ~~تغير خطتك، ولكن بما أن هذا ممكن، وأنك كيفما فعلت وكيفما غيرت فهو مرئي من ~~العناية الحاضرة أبدا والصادقة أبدا، فأنت لا تملك مهربا من المعرفة الإلهية ~~المسبقة، تماما مثلما أنك لا تملك مهربا من نظر عين حاضرة لتشاهد، مع أنك ~~قد تتحول بملء حريتك إلى أفعال أخرى مختلفة. # ولعلك تسأل: حسن، ألا تتغير المعرفة الإلهية كنتيجة لترتيباتي؟ فكلما ~~غيرت رغباتي غيرت معرفتها تبعا لذلك؟ والجواب: لا، كل شيء مستقبلي هو ~~مستبق بعين الله التي تعيده وتستعيده إلى حاضر معرفتها الخاصة المميزة، إنها ~~لا تتغير كما تظن وتتردد بين هذا البديل المعرفي وذاك، وإنما بلمحة واحدة ~~تستبق وتضم تغيراتك «أنت» في ثوبتها «هي»، الله يتلقى هذا النمط الحاضر من ~~المعرفة ويبصر الأشياء جميعا لا من صدور الأشياء المستقبلية، بل من فوريته ~~الخاصة، بحيث تتبدد الصعوبة التي أبديتها منذ قليل ومفادها أنه من غير اللائق ~~أن يقال إن مستقبلنا يقدم سببا للمعرفة الإلهية، إن قوة هذه المعرفة التي ~~تضم الأشياء جميعا في فهم حاضر هي نفسها التي أنشأت أسلوب الوجود لكل ~~الأشياء، ولا تدين بأي شيء ms116 لأي شيء عدا ذاتها، وما دام ذلك كذلك فإن حرية ~~إرادة الإنسان تبقى غير منتهكة، والقانون لا يفرض المثوبة والعقوبة ظلما؛ ~~لأن الإرادة حرة من كل ضرورة. # لله معرفة مسبقة، ويستوي في عليائه مشاهدا كل شيء، ولما كانت سرمدية ~~نظرته تصرف المثوبة للأخيار والعقوبة للأشرار فهي تمضي بانسجام مع نوعية ~~أفعالنا المستقبلية، الأمل في الله ليس عبثا، والدعاء لا يذهب سدى، فهما إن ~~كانا صالحين لا يمكن إلا أن يجابا، اجتنب الإثم إذن، وقوم النفس بالفضيلة، ~~واسم بروحك إلى الرجاء الصالح، ووجه ابتهالات خاشعة إلى السماء، ثمة «ضرورة» # 1 # كبرى تقع على عاتقك، إذا شئت أن تكون صادقا مع نفسك، «ضرورة» ~~كبرى بأن تكون صالحا خيرا، ما دمت تعيش تحت بصر الحكم الذي يرى كل ~~شيء. # | عزاء الفلسفة # دراسة وتعليق # | حياة بوئثيوس وأعماله # ولد أنيكيوس مانليوس سييرنيوس بوئثيوس لأسرة أرستقراطية عريقة تحولت إلى المسيحية ~~في القرن الرابع، ويعد هذا تحولا مبكرا بالنسبة لأسرة رومانية محافظة وطيدة ~~الأركان، ومن ثم حازت نفوذا وثراء عظيمين، وكان من بين أسلافه وأقاربه كثير من ~~القناصل، ومنهم اثنان من الأباطرة، وواحد تقلد منصب بابا الكنيسة الكاثوليكية، ~~وتقلد والده نفسه منصب قنصل عام 487م على عهد الملك أودويسير، ولكنه توفي وابنه ~~بعد صبي صغير، فتولى تربيته روماني نبيل رفيع المكانة هو كوينتس أوريليوس سيماخوس ~~الذي تقلد منصب قنصل عام 485م، ثم صار فيما بعد حاكما لمدينة روما ورئيسا لمجلس ~~الشيوخ، وهو الذي قدم بوئثيوس إلى عالم الأدب والفلسفة، وزوجه ابنته. # وقد بدت على بوئثيوس، فيما يروي قريباه إينوديوس وكاسيودوروس، مخايل النبوغ ~~الاستثنائي منذ الطفولة المبكرة، وبدا شغفه بالتحصيل والدرس، وتلقى أعلى ضروب ~~التعليم، فما ناهز الشباب حتى كان حاذقا لجميع الفنون الحرة من البلاغة إلى المنطق ~~والفلك، وقد بلغ من إحكام العبارة وبلاغة الأسلوب وإتقان اليونانية مبلغا لم يتح ~~إلا لقلة قليلة في نهاية القرن الخامس. # وقد استرعى بوئثيوس التفات الملك القوطي تيودوريك، الذي قهر أودويسر وقتله عام ~~493م، فقربه إليه وعهد إليه ببناء ساعة مائية ms117 ومزولة واستعان به في أمور فنية أخرى، ~~وفي عام 510م تقلد بوئثيوس منصب قنصل، وبذلك تسنم في الثلاثين من عمره أرفع ~~المراتب الرومانية جميعا وحقق ما لا يقدر أغلب الرجال على تحقيقه في عمره كله، ثم ~~قلده الملك تيودوريك، في تاريخ غير معلوم، منصب «رئيس مستشاري البلاط» # magister officiorum # وهو منصب يضع على ~~كاهله مسئوليات جساما، وفي عام 522م حظي بشرف لا يحظى به أحد إذ عين ولداه قنصلين ~~في يوم واحد، وهو تكريم يعكس علو مكانته عند تيودوريك وإمبراطور القسطنطينية ~~معا. # على الرغم من هذه المناصب السياسية الرفيعة التي حازها بوئثيوس فقد ظل شغفه وهواه ~~ومهوى فؤاده هو البحث والدراسة وممارسة الفلسفة، يقول بوئثيوس في تعليقه على كتاب ~~أرسطو «في التأويل»: «أود أن أترجم أعمال أرسطو كلها، بقدر ما تتوافر لدي، إلى لغة ~~الرومان، وأنقل عباراته كلها بأمانة إلى اللسان اللاتيني ، كل ما سطره أرسطو في الفن ~~العسير للمنطق، وفي المجال المهم للخبرة الأخلاقية، وفي الفهم الدقيق للموضوعات ~~الطبيعية، سوف أترجمه على النحو الصحيح، وفضلا عن ذلك فسوف أجعل كل هذا مفهوما ~~بتزويده بشروح مفسرة، وأود أيضا بالتأكيد أن أترجم كل محاورات أفلاطون، وأشرحها ~~بالمثل، وأعرضها بذلك في صيغة لاتينية، وبعد أن أفرغ من ذلك لن أتردد في إثبات أن ~~أفكار كل من أرسطو وأفلاطون متوافقة في كل النواحي، وأنها ليست متناقضة فيما بينها كما ~~يفترض على نطاق واسع، وسوف أبين كذلك أنها تتفق فيما بينها في النقاط الحاسمة ~~فلسفيا، هذه هي المهمة التي سأكرس لها نفسي بقدر ما يتيح لي الأجل والفراغ.» # لم يمهله الأجل حتى يتم مشروعه، غير أنه أتم ترجمة «مدخل فرفوريوس إلى مقولات ~~أرسطو»، وأعمال أرسطو في المنطق وتشمل «في ~~التأويل» # On Interpretation ~~، «الطوبيقا» (المواضيع) # the ~~Topics ~~، «التحليلات» # Analytics # الأولى والثانية، و«المغالطات السوفسطائية» # Sophistical ~~Fallacies ~~، ومن الواضح أيضا أنه عرف كتاب «الميتافيزيقا» # Metaphysics # و«الفيزيقا» Physics ~~، و«في ~~الكون والفساد» # On Generation and Corruption ~~، و«الشعر» Poetics ~~. # كما كتب بوئثيوس تعليقات على «مدخل» فرفوريوس، وعلى «المقولات والعبارة» لأرسطو، ms118 ~~وربما على كل أعمال أرسطو التي ترجمها، وعلى «المواضيع الجدلية» لشيشرون ~~( # Topics ~~). # ولم تقتصر أعماله الفلسفية على النقل، فقد ألف خمسة أعمال في المنطق خاصة به (في ~~القياس الحملي، والقياس الشرطي، والقسمة المنطقية، والفروق الطوبيقاوية)، وألف خمس ~~رسائل فلسفية (أربع منها على الأقل صحيحة النسبة إليه) حدد فيها العقائد الإيمانية ~~وشرحها بطريقة عقلية: (1) في الثالوث الأقدس. (2) هل الألوهية تقال جوهريا على الأب ~~والابن والروح القدس؟ (3) كيف يكون الخير في الجوهر الخير؟ (4) في الإيمان ~~الكاثوليكي. (5) كتاب ضد يوتيخوس ونسطوريوس. # وله مؤلفات علمية منها واحد «في الموسيقى» (في خمس مقالات)، والثاني «في الحساب» (في ~~مقالتين). # كان تأثير بوئثيوس هائلا من الوجهة التاريخية، فلم يعرف الغرب أرسطو إلا من خلال ~~ترجمات بوئثيوس لأعماله المنطقية، ومن خلال ترجمته الدقيقة للمصطلحات الفلسفية خلق ~~مفردات فلسفية جديدة للفلاسفة المدرسيين (الإسكولائيين) في العصور الوسطى، وقدم لهم في ~~تعليقاته نموذجا احتذوه في تعليقاتهم على أرسطو، والجدل الكبير حول «الاسمية» # nominalism # و«الواقعية » # realism # تجد بذوره عند بوئثيوس في تعليقه على فرفوريوس؛ ولذا وصف بوئثيوس بحق ~~أنه «آخر الرومانيين وأول المدرسيين» # 1 # فقد كان بوئثيوس هو القناة التي عبرت خلالها الفلسفة من العالم القديم إلى ~~العالم السكولائي في العصور الوسطى. # 2 # وكان للفنون الحرة أهمية لدى بوئثيوس، مثلما كانت لدى أوغسطين، كتمهيد دراسي للفلسفة، ~~وهو ما جعله يكتب الرسائل في الحساب والهندسة، وربما في الفلك والميكانيكا، وكان ~~لرسائله أهمية كبرى في تطوير التعليم في العصر الوسيط، فقد ظلت رسالته في الموسيقى، على ~~سبيل المثال، تدرس في أكسفورد حتى القرن الثامن عشر، وبوئثيوس هو الذي أعطانا لفظة ~~«الرباعية» # quadrivium ~~(الحساب، والهندسة، ~~والموسيقى، والفلك) باعتبار أن من المحال أن يبلغ المرء قمة الإتقان في مباحث الفلسفة ~~ما لم يقارب الفلسفة بنوع من الطريق الرباعي. # وفي رسائله اللاهوتية محاولة للتوفيق بين مناهج الفلسفة العقلية المنطقية وبين حقائق ~~الوحي القائمة بحقها الشخصي، وفي تطبيقه للمنهج والمصطلحات الأرسطية على المشكلات ~~اللاهوتية يعد بوئثيوس بحق رائدا للمدرسيين. # في رسالة، أوردها كاسيودوروس، باسم تيودوريك إلى بوئثيوس (يطلب ms119 فيها أيضا ساعة ~~شمسية) جاء ما يلي: # في ترجماتك يقرأ الإيطاليون فيثاغوراس الموسيقي وبطليموس الفلكي، ويسمع ~~الأوسونيون نيقوماخوس الحسابي وإقليدس الهندسي، ويتجادل أفلاطون اللاهوتي ~~وأرسطو المنطقي بصوت روماني، لقد رددت أرشيميدس الميكانيكي باللاتينية إلى ~~الصقليين، وأي مبحث أو فن علمته بلاغة اليونان من خلال شتى الرجال فقد ~~تلقته روما بفضلك وحدك بلغة آبائها، لقد جعلت هذه الأعمال اليونانية واضحة ~~بأسلوب مشرق وتعبير مبين بحيث إن من عرف الاثنين سيفضل ترجمتك على ~~الأصل. # | تقلبات السياسة # تعرضت الإمبراطورية الرومانية للانقسام على يد قبائل جرمانية قامت بغزو الإمبراطورية ~~من جهة الشرق بين القرن الثالث والخامس، ومنذ أواخر القرن الرابع أصبح الحكم مشاركة ~~بين إمبراطور في الشرق مركزه القسطنطينية (بيزنطة) وآخر في الغرب مركزه روما، وفي عام ~~476م تولى أودويسر حكم الدولة الغربية بعد أن تخلص من آخر أباطرة الغرب، وأرسل شارة ~~الإمبراطورية إلى القسطنطينية، والحق أنه في نظر البرابرة لم يكن من الجائز لغير ~~روماني أن يكون ملكا، ويبدو أن أودويسر كان قانعا بالسيطرة على السلطة في روما، ~~ويعتبر زينون في الشرق هو الإمبراطور الوحيد. # بذلك تأسس نوع من التسوية المؤقتة بين البرابرة في الغرب والإمبراطور في الشرق، كان ~~أودويسر من الوجهة الفعلية # de facto # ملكا مستقلا، ~~ولكنه ظل يعتبر نظريا، أو رسميا # de jure ~~- وفي ~~عين الرومان أيضا - أشبه ب «فايسروي» (نائب ملك) # Viceroy ~~، أي تابع لإمبراطور القسطنطينية في مملكة ~~واحدة موحدة، وبقي هذا النظام متبعا من قبل تيودوريك ملك القوط عندما خلف ~~أودويسر عام 493م، وقد كتب إلى الإمبراطور أناستاسيوس يقول: «مملكتنا اقتداء بمملكتك، ~~نسخة من الإمبراطورية الوحيدة في الأرض.» # كان تيودوريك (471-526م) ملكا قوطيا عادلا حكيما، يتسم بالشجاعة والذكاء، ~~تلقى تعليما راقيا في القسطنطينية، واستطاع أن يفرض السلام والنظام في ربوع ~~إيطاليا، وباعتباره ملكا على البرابرة و«فايسروي» نائبا للإمبراطور فقد نجح في تأسيس ~~تعايش سلمي بين الرومان والقوط، وفي عهده ازدهرت الصناعة وساد الأمن وأعيد تشييد ~~المباني وشق القنوات، واستطاع أن يجذب إلى خدمته رومانيين ذوي مكانة مثل ليبيريوس ~~وكاسيودوروس ms120 وبوئثيوس. # وكان تيودوريك مسيحيا ولكن على المذهب الأرياني (من أتباع أريوس، شأن القوط جميعا، ~~وهي نحلة هرطقية تذهب إلى أن الأب والابن ليسا جوهرا واحدا)، أدت هذه الهرطقة إلى ~~انشقاق الكنيسة، ورغم ذلك استطاع تيودوريك بحكمته وقوته أن يدير دفة الحكم في مدينة ~~البابا وعاصمة الكاثوليكية، وظل على علاقة ودية مع رجال الكنيسة، وبسط ظل التسامح وحرية ~~العبادة (باستثناء الوثنية) في أرجاء مملكته. # كان دخول بوئثيوس إلى عالم السياسة والمناصب العامة مدفوعا بحبه للواجب، وامتثالا ~~لدعوة أفلاطون إلى حكم الفلاسفة، وكانت دروس الفلسفة هي مرشده وهاديه في أداء وظائفه، ~~كان من الطبيعي لرجل نزيه مستقيم الخلق مثل بوئثيوس أن يصطدم بمكر الساسة، وأن يثير ~~على نفسه حسد الحاسدين، وقد نجح زمنا في كبت ضراوة القوط ودفع ظلمهم إذ كان يحظى بثقة ~~الملك وإعجابه، غير أن هذه الأحوال لم تكن لتدوم طويلا. # في عام 484م حدث انشقاق بين الشرق والغرب حين أدان البابا البطريرك البيزنطي أكاسيوس، ~~كان هذا الانشقاق أمرا من شأنه أن يزيد استقلال تيودوريك عن الشرق، كما أن عداء البابا ~~ورجال الكنيسة الإيطاليين للقسطنطينية هو أيضا تيار موات له وشيء يصب في صالحه، أم ~~بالنسبة لكل روماني يعز عليه تفكك الإمبراطورية وينظر إلى القسطنطينية نظرة ولاء خاص، ~~فكان الانشقاق يبعث على الأسى، من بين هؤلاء كان سيماخوس ودائرة حوله تضم كثيرا من ~~أعضاء مجلس الشيوخ، وتضم بوئثيوس الذي كانت رسائله اللاهوتية تقدم، فيما تقدم، إسهاما ~~متواضعا من جانبه لحل النزاع، ولقد حل النزاع رسميا عام 519م، وإن استمرت ~~الخلافات بعض الوقت، خلال ذلك كان بوئثيوس يقف مع الشرق، ولعل الشرف الذي ناله عام 522م ~~بتولي ابنيه القنصلية كان في الأصل اقتراحا من إمبراطور الشرق جستينوس (يوستينوس) ~~بإيعاز من واحدة من أقارب بوئثيوس تعيش في القسطنطينية. # 1 # كان لانتهاء الشقاق نتائج سياسية ولاهوتية، فقط نشطت دعوة لتدعيم مجلس الشيوخ، بل إن ~~الوفاق بين الشرق والغرب مثل تهديدا لوضع تيودوريك، وعاد الرومان ينظرون إلى ~~إمبراطور الشرق باعتباره مليكهم الحقيقي وبقي تيودوريك ms121 في نظرهم ذلك الغازي ~~المهرطق. # لم يكن بد في هذه الظروف المشتبكة من أن يسقط بوئثيوس في فخاخ المكائد السياسية، ~~فقد كان رجل مبدأ ولم يكن داهية أو سياسيا بالغريزة، وقد اكتسب في زمن ازدهاره عداوة ~~رجال البلاط، وحانت الفرصة لهؤلاء كي ينتقموا منه ويوغروا ضده صدر تيودوريك الذي كان ~~مغضبا من الأصل بسبب تردي موقفه وتجدد اضطهاد الأريانيين في الشرق، سعى أعداء ~~بوئثيوس بالدس والوقيعة، وأبلغوا تيودوريك بأن أحد أعضاء مجلس الشيوخ، وهو ألبينوس، على ~~صلة سرية بالساسة في القسطنطينية، وهب بوئثيوس للدفاع عن ألبينوس دون أن يخطر بباله ~~أن التهمة يمكن أن تطاله، قام أعداء بوئثيوس بتلفيق الأدلة التي تثبت خيانته، ودعموها، ~~إذ بدت واهية غير كافية، بتهمة ممارسة السحر! وجندوا في كل ذلك شهود الزور. # فقد تيودوريك ما عرف عنه من الحكمة والتروي، وأمر بالقبض على بوئثيوس والإلقاء به في ~~سجن بافيا، وأوعز إلى مجلس الشيوخ، المروع بملك مسن محبط متوجس، بالتصديق على ~~حكم الإعدام الذي أصدره، وسواء أصحت التهمة أم لم تصح، فلم يقم عليها أي دليل حتى ~~الآن، فقد أعدم بوئثيوس عام 524م (وقيل 525م، وقيل 526م) بالقرب من مدينة ميلانو، بعد ~~فترة سجن امتدت شهورا، وقد تم الإعدام بأن عذب لفترة طويلة بحبل يلف حول ~~جبهته بشدة حتى تجحظ عيناه، وقتل في النهاية بهراوة، ودفن في كنيسة سان بييترو أو ~~القديس بطرس، وفي الفترة التي تفصل بين سجنه وإعدامه (والتي امتدت ستة أشهر، وقيل سنة) ~~كتب بوئثيوس «عزاء الفلسفة» (أو «في التعزية بالفلسفة» أو «في مواساة الفلسفة» # De Consolatione Philosophiae ~~) يلتمس فيه ~~مواساة الفلسفة ويعلو فوق محنته. # في كتابه «تاريخ الحروب»، الجزء الخامس، يقول المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس، الذي عاصر ~~الأحداث: «كان سيماخوس وزوج ابنته بوئثيوس ينحدران من أصل نبيل وعريق، كانا قنصلين ~~وتصدرا مجلس الشيوخ، مارسا الفلسفة وكرسا نفسيهما للعدل واستخدما ثروتهما لتفريج كربة ~~الغريب والقريب، فحظيا بمجد أوغر صدور أعدائهما، فزينوا الكذب والبهتان ضدهما ~~لتيودوريك، فصدقهم وحكم عليهما بالموت بتهمة التآمر، وصادر أموالهما، ms122 وحين كان ~~تيودوريك على مائدة طعامه بعد ذلك بأيام قليلة قدم إليه خدمه رأس سمكة كبيرة، بدا ~~رأس السمكة لتيودوريك هو رأس سيماخوس مذبوحا لتوه، كانت أسنانها الناتئة من شفتها ~~السفلى وعيناها المحدقتان إليه في رعب مسعور تضفي عليها مظهرا يطفح بالوعيد، ارتعد ~~تيودوريك لهذا النذير المرعب وهرع إلى فراشه، وأمر خدمه أن يراكموا فوقه الأغطية، ~~فهدأ برهة غير أنه أفضى بعد ذلك لطبيبه إلبيديوس بكل ما حدث، وبكى لما ارتكبه في حق ~~سيماخوس وبوئثيوس، ولم يدم أسفه وندمه طويلا فقد مات بعد ذلك بفترة وجيزة، وكان ~~هذا الفعل هو الظلم الأول والأخير الذي ارتكبه في حق رعاياه، ذلك أنه لم يقم في هذه ~~الحالة بما دأب عليه من التحقق والتمحيص قبل أن يصدر حكما.» # في 15 ديسمبر عام 1883م أقر المجمع المقدس للمذاهب، بالاتفاق مع أسقف بافيا، العيد ~~المحلي للقديس سيفيرينوس بوئثيوس، والحق أن هذا التقديس يعود إلى القرن التاسع على أقل ~~تقدير، وإن لم يشتهر أمره حتى القرن الثالث عشر عندما علم دانتي بقبر بوئثيوس في ~~كنيسة سان بييترو في بافيا. # 2 # | الجنس الأدبي1 في «عزاء الفلسفة» # العزاء # consolatio # جنس كتابي قديم، يندرج ضمن ~~المقال النقدي، وينتمي في العالم اليوناني والروماني إلى مجال الفلسفة بصفة خاصة، وقد ~~تبنته جميع المدارس الفلسفية، وفي زمن سينيكا # Seneca # أصبح «فن العزاء» نوعا من الدواء الأخلاقي، وما هو إلا أن ~~تفتح الدرج الموكل بمرض معين حتى تجد بين يديك العلاجات الأنسب لشفاء هذا المرض، لعل ~~هذا هو مصدر تلك الاستعارات الطبية التي تستخدمها «الفلسفة» في هذا النص، و«التشخيص» # diagnosis # الذي تضعه، في الكتاب الأول، لل «الداء» ~~الذي ألم بمريضها، و«فحص» # examination # الحظ، ~~واستخدام أمثلة تاريخية للعبرة، وفلسفة العزاء التوفيقية الرائجة التي تتبطن شطرا ~~كبيرا من الكتاب الثاني، والتي تتضمن الفقرة النثرية المأثورة التي تترسم خطى شيشرون ~~في «حلم سكيبيو» # Dream ~~of Scipio # وتكشف عبثية المجد والشهرة الأرضية المحلية. # 2 # غير أن «عزاء الفلسفة» يصهر ببراعة أكثر من جنس كتابي واحد، فهو حينا ms123 يكون مناجاة ~~ذاتية (مونولوج) تقريبا، وحينا يكون حوارا (ديالوج) يحذو حذو محاورات أفلاطون، غير ~~أن «العزاء» في مجمله قد صب في قالب صنف معين من الحوار، هو الحوار المقدس الذي ~~يصور فيه المؤلف كيف تجلى له روح قدسي أو قوة علوية غير معروفة له في البداية، ثم لا ~~تلبث أن تفصح عن نفسها وتبثه شيئا من الحكمة الخفية. # ثمة تضام في «العزاء» بين الحوار الرؤيوي وما يسمى ب «النثر المنظوم أو النظم النثري» Prosimetrum/Menippean Satire ~~، # 3 # وهو شكل من الإنشاء ذو أصل يوناني ثم دخل إلى اللاتينية، وفيه مقاطع نثرية ~~تتبادل مع الشعر، كان هذا الشكل الكتابي معروفا قبل بوئثيوس، وأشهر أمثلته رائعة ~~مارتيانوس كابيللا «زواج الفيلولوجيا وعطارد»، لم يكن إلمام بوئثيوس بهذا العمل ليقدم ~~إليه كبير عون، وإن كان من المحتمل أن يكون قد ألهمه باختيار الشكل الأدبي، على أن ~~بوئثيوس قد بلغ بهذا الجنس الأدبي ذرى عالية غير مسبوقة. # | مشروعية الشعر # أول شيء فعلته «الفلسفة» حين هبطت إلى زنزانة السجين هو أن طردت ربات الشعر اللائي ~~يحطن به ويلهمنه الشعر الباكي ويواسينه بالغناء الحزين، فربات الشعر «ليس لديهن علاج ~~لأوجاعه بل سموم محلاة تزيدها سوءا ... فليغربن إذن وليتركنه لربات الفلسفة ترعاه ~~وتداويه.» # ذلك أن علاج الصدمات الثقيلة والمحن الكبرى لا يكون بالمواساة السطحية بل بالمواجهة ~~العميقة، إنها تريد أن تمنح «مريضها» حرية عقلية تخلصه من السجن المادي، يعرف ذلك كل ~~معالج نفسي تخصص في علاج الصدمات، ويعرف أن العلاج الأمثل في هذه الحالة ليس العلاج ~~التدعيمي السطحي، بل العلاج التبصيري العميق ... العلاج بمواجهة الصدمة واقتحامها، هذه ~~المواجهة هي العلاج الحقيقي والكامل لهذا الاضطراب، والحق أن كل أصناف العلاج على ~~اختلاف تقنياتها ومنطلقاتها النظرية تلتقي في هذه الفكرة العلاجية المحورية: مواجهة ~~المحنة والألم النفسي وعدم التهرب منهما، وذلك بالتناول الاستيعابي أو الاختراق # working through # للأحداث المؤلمة، على جرعات متدرجة ~~في الشدة، وتأويلها تأويلا سليما، ووضعها في نصابها الصحيح، وتحويلها من خبرة ناشزة ~~خام إلى خبرة مهضومة ومتمثلة. # قد يكون ms124 ذلك مؤلما وممضا في الجلسات الأولى، تماما مثل تنظيف الجرح (نستعين عليه ~~بوقفات تلطيف وتسكين واستراحة مثلما فعلت «الفلسفة» مع «بوئثيوس») ولكنه يؤدي فيما بعد ~~إلى الالتئام التدريجي، وإلى سيطرة المريض على الصدمة بعد أن كانت مسيطرة عليه، وتحويل ~~المحنة إلى جزء من خبرته الشخصية ومن بنائه النفسي، بعد أن كانت كيانا دخيلا مؤرقا ~~كالجسم الغريب. # لا بأس البتة في استخدام الشعر والموسيقى وبقية الفنون في خدمة الحقيقة وعلاج المصاب، ~~على أن يكون ذلك ضمن رؤية علمية أو فلسفية، وبإشراف العالم الخبير وعلى مرأى منه، وفي ~~المراحل الأولى من العلاج نجد «الفلسفة» تستخدم الشعر بكثرة، # 1 # وها هي تقول للسجين في الكتاب الثاني بصريح العبارة: «لقد آن لك إذن أن ~~تأخذ جرعة خفيفة سائغة تشيع في داخلك وتمهد الطريق بعد لجرعات أنجع، جرب إذن ~~الأثر المهدئ للبلاغة المعسولة التي تمضي في طريقها الصحيح ما لم تحد عن مبادئي، ~~ودعنا نصغي إلى الموسيقى، خادمة داري، ترن في أوزان خفيفة أو ثقيلة وفق ~~طلبي.» # ونحن نريد أن نمضي أبعد من ذلك فنقول: إن لغة الشعر مشروعة تماما حتى داخل اللغة ~~الفلسفية والعلمية! ذلك أن الدراسات اللغوية الجديدة قد دعمت الرأي القائل بأن حرفية ~~اللغة، بما فيها لغة العلم، ليست هي الصراط السوي إلى الحقيقة كما كان يفترض في ~~الماضي، فالتصور الذي يذهب إلى أن الواقع «قائم هناك» بانتظار أن يدرك إمبيريقيا، ~~ثم يوصف عن طريق الاستخدام الحرفي للغة هو تصور لم يعد مقبولا على إطلاقه، فقد بات ~~واضحا للجميع، منذ ثورة كانت على أقل تقدير، أن الواقع هو نتاج تشييد عقلي أو بناء ~~ذهني، وأن هذا العالم كما ندركه هو، على حد قول جون إكلس «صورتنا الرمزية للعالم ~~الموضوعي المستقل عنا.» # من الخصائص الشعرية الجوهرية التي يمكن أن تندمج في أجناس الكتابة وتنصهر في سبيكتها: ~~الرمز، المجاز، الصورة، الاستعارة، ألست ترى أننا نفزع جميعا إلى المثل أو التشبيه أو ~~المجاز أو الشعر الصريح حين تضيق بنا سبل التعبير ويعجز القول المباشر عن ms125 وصف حالة ~~باطنة عميقة أو نقل معنى دقيق مرهف أو العروج مع الفكر إلى آفاق تجريدية نائية؟ ذلك ~~أن الاستعارة الحية، كما يقول بول ريكور، ليست زينة وليست زخرفا يمكن أن يقوم القول ~~بدونه وتتم الدلالة بمعزل عنه، إن تدمير المعنى الحرفي في الاستعارة يتيح لمعنى جديد ~~أن يظهر، وبنفس الطريقة تتبدل العملية الإشارية في الجملة الحرفية وتحل محلها إشارة ~~ثانية هي التي تجيء بها الاستعارة، وقد يبدو أن الاستعارة لا تفعل أكثر من تحطيم ~~العملية الإشارية، غير أن هذا في الظاهر فقط، فالاستعارة المبدعة الحية تخلق إشارة ~~جديدة تتيح لنا أن نصف العالم أو جزءا من العالم كان ممتنعا على الوصف المباشر أو ~~الحرفي، إن اللغة الشعرية تدفع عالما جديدا إلى الظهور، ذلك هو عالم التعبير الشعري، ~~هذا العالم يندمج بالعالم الحياتي وينصهر بعالم الفعل اليومي، ويمثل بالنسبة لي عالما ~~ممكنا، عالما بوسعي أن أعيش فيه وأعمل وأعاني، نخلص من ذلك إلى أن الإبداع الشعري ~~للاستعارة يتيح لنا أن نقول شيئا ما جديدا عن عالم خبرتنا المعيشة. # إن اللغة هي وسيلتنا لإدراك العالم والتعامل معه، وكلما كانت اللغة أكثر قدرة على ~~الترميز وأوفر حظا من «النشاط الإشاري» كان العالم الذي ترسمه أوسع وأرحب، وكانت ~~الخبرات التي تبثها أثرى وأخصب، من هنا ينبع مجد الاستعارة، ومن هنا تأتي أهميتها ~~الكشفية والجمالية والنفسية، فالاستعارة وسيلة سيمانتية (دلالية) للإمساك بقطاعات من ~~الواقع ومن خبايا النفس لا يطالها التعبير الحرفي ولا يملك منفذا إليها، بوسع ~~الاستعارة أن تقبض على مستويات عديدة من المعنى في وقت واحد، وتربط المعنى المعرفي ~~المجرد بالمعنى الحسي البدائي المشحون بالعاطفة والانفعال، وتعقد بينهما وصلا مثريا ~~وتكاملا صحيا، والاستعارة إذ تهيب بالخيال الصوري تدعم «الذاكرة البعيدة» وتنمي ~~الإنتاج اللفظي وتحفز الفهم التكاملي، والاستعارة إذ تجلب كل ملحقات المشبه به وتلصقها ~~بالمشبه فهي تتيح كما معلوماتيا كبيرا بمبذول لفظي صغير، وهي بهذا «الاقتصاد ~~الذهني» تجعل الفكر أبعد مدى وأكثر طموحا. # | التوقيت، والسياق الكوني للفعل # يلفتنا علاج «الفلسفة» لمريضها وإيقاعه، وتناوب ms126 القبض فيه والبسط، وتناوب الشعر ~~والنثر، إلى فكرة السياق الكوني للأشياء والكائنات جميعا، فالكائن ليس معلقا في فراغ، ~~وإنما هو منسلك في منظومة كونية ذات حركية وإيقاع، والظواهر النفسية والعقلية وثيقة ~~الصلة بحركة الكون، ولا يمكن تناول الجزء الإنساني بمعزل عن الكل الكوني، ومن هنا يأتي ~~الحضور القوي والدائم للطبيعة وللكونيات في قصائد «العزاء» وفي مقاطعه النثرية. # ويلفتنا العلاج أيضا لفكرة «التوقيت»: ليس يكفي أن تفعل، بل ينبغي أن تفعل في ~~التوقيت الصحيح، كل شيء يجري في سياق، والوجود كله دورات وإيقاعات وحركة وسيرورة، ~~ولا بد للفعل الناجع من أن يضرب في اللحظة الصحيحة، كأنه النغمة تقع في النغم والإيقاع ~~موقعها الصحيح فتؤتي أثرها ولا تكون نشازا منفرا، وليس التدخل العلاجي من ذلك ~~ببعيد، وطوال «عزاء الفلسفة» نجد الطبيبة حريصة كل الحرص على القصد في اختيار لحظة ~~التدخل، ونوعيته، وضبط الجرعة، في عملية دفع حركة العلاج قدما وتهيئة المريض للخطوة ~~القادمة وتمهيد طريقه للحركة التالية، وكأنها تعزف لحنا بقدر ما تعالج مريضا! # إذا ما أهل برج السرطان يسفع الحقول ... فإن من يبذر قمحه آنذاك في الحقول العقيمة ~~ستخونه إلهة الحصاد وتخلف وعدها له ... ولا تنشد بيد متلهفة أن تقطف أعنابك في ~~مايو، إذا شئت أن تنعم بمذاق العنب فإنما يهب ~~باكخوس (ديونيوس) عطاياه في مقتبل الخريف، فلقد حدد الله المواسم، وهيأ لكل موسم ~~عمله الخاص، ولا تملك قوة أن تفسد النظام الذي قدره، وهكذا؛ لأن طريق العصيان ~~والعسف يحيد عن الصراط السوي، فإن مآله الفشل والوبال. # 1 # | شاعرية بوئثيوس # يشتمل «عزاء الفلسفة» على تسع وثلاثين قصيدة نثرت في ثنايا في النص وتتمتع فيه ~~بوجود عضوي غير مقحم، وقد اختلفت الآراء في شاعرية بوئثيوس، ففي القرن التاسع كان ~~بوئثيوس يعد ندا لشيشرون في النثر ولڨرجيليوس في الشعر، وكان سكاليجر يرى في شعر ~~«عزاء الفلسفة» وحيا إلهيا، ومن جهة أخرى نجد لهيرمان يسينر رأيا آخر، إذ يرى في ~~الفواصل الشعرية صوت طفل من القرن السادس بالمقارنة بنضوج النثر في «العزاء»، أما ~~كير ms127 # W. P. Ker # فيرى أن أشعار «عزاء الفلسفة» هي ~~قصائد «ناظم» # prosodist # كثير التعمل في اختيار ~~البحور والجمع بينها، وغير موفق في بعض الأحيان. # 1 # ومن الإنصاف أن نقول: إنه إذا كانت بعض القصائد في «عزاء الفلسفة» لم تحلق ~~عاليا رغم جودتها، فإن بعضها قد بلغ من الإتقان مبلغا عظيما جعلها تراثا مقدسا ~~يرتل في الكنائس (مثل القصيدة الخامسة في الكتاب الأول)، وبعضها متفق على روعته وعمق ~~تأثيره (مثل بعض قصائد الكتاب الثالث والرابع، وبخاصة تلك التي يروي فيها قصة أورفيوس ~~ويوريديكي)، أما القصيدة التاسعة في الكتاب الثالث فقد أجمعت الآراء عبر العصور على ~~سموها وجلالها ونالت شهرة استثنائية في العصور الوسطى وحظيت بتعليقات خاصة من كبار ~~الكتاب. # أما نثر بوئثيوس فقد بلغ مرتبة عالية واتسم بالبساطة والصفاء والسلاسة والتركيز ~~والبعد عن التشتت والتعقيد الذي يسم كتاب عصره. # | موقع الضبط # بلغة سيكولوجية معاصرة بوسعنا أن نقول إن شطرا كبيرا من جهد «الفلسفة» العلاجي ~~يقوم على نقل «موقع الضبط»، يشير مفهوم «موقع ~~الضبط» # locus of control # إلى إدراك الشخص لما تكونه الأسباب الرئيسة لأحداث الحياة: ~~هل تعتقد أن مصائرك تصنعها أنت بنفسك، أو تعتقد أن مصائرك يصنعها الآخرون أو يصنعها ~~الحظ أو القدر؟ هل تعتقد أن سلوكك تسيره قراراتك الداخلية، أو تعتقد أن سلوكك تسيره ~~الظروف الخارجية؟ هل ترى أن نتائج أفعالنا مترتبة على ما نفعله نحن (ضبط داخلي # internal L. O. C ~~) أو ترى أنها مترتبة على أحداث ~~خارج سيطرتنا الشخصية (ضبط ~~خارجي # external L. O. C ~~)؟ # يعد «موقع الضبط» جانبا مهما من جوانب الشخصية، وهو مفهوم أسسه جوليان روتر # Jullian ~~Rotter # في الستينيات من ~~القرن العشرين، وكان يسميه «موقع ضبط ~~التدعيم» # L. O. C. of ~~reinforcement ~~، يعقد روتر صلة بين السيكولوجيا السلوكية والسيكولوجيا ~~المعرفية، فقد ذهب إلى أن السلوك تسيره «التدعيمات» # reinforcements ~~(المكافآت والعقوبات، أو الثواب والعقاب)، وأنه من خلال ~~التدعيمات يؤسس الناس اعتقاداتهم عن أسباب أفعالهم، ثم تقوم هذه الاعتقادات بدورها ~~بتحديد الاتجاهات والمواقف والسلوكات التي يتبنونها. # بصفة ms128 عامة، وبشيء من التبسيط والتقريب، يعد الضبط الداخلي أفضل تكيفيا من الضبط ~~الخارجي، وتقوم كثير من التدخلات العلاجية النفسية والتعليمية على نقل موقع الضبط لدى ~~الشخص من الخارج إلى الداخل حتى يصبح مالكا لإرادته متحكما في أفعاله محددا ~~لمصيره. # والحقيقة أن العلاج في «عزاء الفلسفة» هو علاج ذاتي، أو تعليم ذاتي، يهيب بالقارئ ~~أن يتجاوز محنته ويعلو فوقها، فما الشخصيتان المتحاورتان في النص سوى وجهين من شخصية ~~بوئثيوس نفسه، أو حالتين من «حالات ذاته» # ego-states ~~، ~~بلغة السيكولوجيين: إحداهما يائسة عاجزة انهزامية تطلب العون، والأخرى معلمة مرشدة ~~تقدمه، وتعمد «الفلسفة» إلى أن تظهر السجين اليائس على أن المسألة برمتها مسألة ~~«منظور رؤية» # perspective ~~، وأن بيده أن يقرأ ~~قدره وفق إرادته ويتخذ موقفا حرا من أحواله، ويكف عن أن يرى نفسه ألعوبة في يد ~~الأحداث الخارجية تقلبه كيف شاءت، فإذا كان في محنة فإنه هو الذي خلق محنته، بمعنى ~~ما، وأوثق أغلاله، حين اختار أن يعد نفسه ضحية لا حول لها، بينما كان بوسعه أن يعلو ~~فوق المحنة وينظر إلى الأحداث وهو بمعزل فيسلكها في سياقها الأكبر ويضعها في نصابها ~~الصحيح. # للطبيب النمسوي فيكتور فرانكل # Victor Frankl ~~، خبرة ~~وجودية عميقة كنزيل بمعسكرات الاعتقال النازية، وقد أسس على هذه الخبرة مدرسة كاملة ~~في العلاج النفسي أطلق عليها «العلاج بالمعنى ~~الوجودي» # logotherapy ~~، يذهب فرانكل إلى أن سعي الإنسان إلى البحث عن معنى في حياته ~~هو قوة دافعية أولى وليس تبريرا ثانويا لحوافزه الغريزية، ويرى إلى الإنسان بوصفه ~~كائنا معنيا في المقام الأول بتحقيق القيم لا بمجرد إرضاء أهواء وإشباع غرائز، أو ~~مجرد التوافق مع المجتمع والتكيف مع البيئة، يذهب فرانكل إلى أن الوجود الإنساني تجاوز ~~للذات أكثر مما هو تحقيق لها، وأن الحرية ليست دائما تحررا من الظروف ولكنها اتخاذ ~~موقف إزاء هذه الظروف، وأن لا شيء يعين الإنسان في أحلك الظروف مثل معرفته أن هناك معنى ~~في حياته، يقول فرانكل: «إن السعادة تأتي ولا يؤتى بها.» فكلما التمسنا الإشباع الذاتي ~~عن عمد وقصد ms129 راوغنا وأفلت منا، ولكن كلما حققنا معنى يتجاوز ذاتنا واتتنا السعادة عن ~~رضا وطيب خاطر. # 1 # لاالفلسفة، والرواقية على الأخص، خير ما يغرس ~~في الإنسان «موقع ضبط داخليا»، فالحكيم الحق هو شخص لا سلطان للأهواء والانفعالات ~~على نفسه، وإن سهام الحوادث لتنكسر تحت قدميه (بتعبير سينيكا)، وإنه لا يعرف الهم ولا ~~الوجل ولا الأسف ولا الرجاء، غني من غير مال، ملك من غير مملكة (بتعبير شيشرون)، يضاف ~~إلى هذه الخصال شيء أهم: هو أنه لا شيء في الوجود يستطيع أن يسلبه إياه، وهو ما تلح ~~عليه «الفلسفة» في حديثها مع «بوئثيوس»، «إذا كنت سيد نفسك فأنت تملك شيئا لا تود أن ~~تفقده ولا يستطيع الحظ أن يسلبك إياه»، «لو كانت هذه الأشياء التي تتظلم لفقدانها هي ~~ملكك حقا لما كنت تفقدها أبدا»، ذلك أن المنحة الحقيقية التي منحنا الله إياها هي ~~الحرية، فحرية النفس تفلت من سلطان الناس وسلطان الأشياء، ومن ذا الذي يستطيع أن يتغلب ~~على إرادتنا نفسها؟ فالله الذي منحنا الحرية محال أن يسلبنا إياها، والمنحة الإلهية لا ~~تسترد كالمنح البشرية، أما الأشياء التي يمكن أن تسلب من الإنسان فليعلم أنها لم تكن ~~ملكه: إن هي إلا قرض أقرضه الحظ والآن يحلو له أن يكف يده، ويستعيد ما ~~أقرضه. # يقول يوبيتر كبير آلهة الرومان (زيوس عند الإغريق) لإبيكتيتوس: «لقد منحتك جزءا من ~~نفسي: ملكة الاختيار بين البدائل، الطلب والإعراض، الرغبة والنفور، إذا استطعت أن ~~تحفظ هذه العطية، وأن تجعلها ملكك الحقيقي، فلن تعرف القيد أبدا ولا العجز، ولن تئن ~~ولن تشكو، ولن تتملق أحدا كيف تستهين إذن بكل هذه المزايا؟!» (إبكتيتوس، المقالات ~~الأخلاقية). # | مسيحية بوئثيوس # من المثير للحيرة أن يخلو «عزاء الفلسفة» من أية إشارة صريحة إلى المسيحية، وهو الذي ~~سطره رجل مسيحي على مشارف الموت، ومن الأيسر له أن يلجأ إلى العزاء الديني والخلاص ~~المسيحي! # غريب حقا أن يعتمد بوئثيوس في «العزاء» على مذاهب مستمدة من أفلاطون وأرسطو ~~والرواقيين والأفلاطونيين المحدثين، ويقتبس الكثير من أقوالهم ولا يقتبس ms130 شيئا من ~~الأناجيل أو العهد القديم أو كتب آباء الكنيسة، الأمر الذي دفع بعض الباحثين، مثل ~~أوباريوس # Obbarius # وشارل جوردان # Ch. Jourdain # إلى القول بأن بوئثيوس لم يكن ~~مسيحيا، أو كان مسيحيا بالاسم فقط. # 1 # غير أن هذا الرأي فيه تطرف وعنت، فهو يغفل الرسائل اللاهوتية الهامة التي كتبها ~~بوئثيوس، والتي تنسب له أربع منها نسبة تاريخية محققة، # 2 # ويغفل أنه كان من المحال في مطلع القرن السادس أن يتقلد أي شخص وثني أعلى ~~مناصب الدولة مثلما فعل بوئثيوس، ويغفل قول «الفلسفة» في الكتاب الثالث «إنه الخير ~~الأسمى إذن ذاك الذي يدبر كل شيء بقدرة ورأفة.» ورد السجين عليها بأنه سعيد على الأخص ~~بالكلمات نفسها التي تستخدمها، وهي إيماءة بأنه يتذكر هويته المسيحية حتى وسط التعليم ~~الفلسفي كلما راودت مسامعه أصداء من الكتاب المقدس. # 3 # وإذا كان «العزاء» يخلو حقا من أي إشارة صريحة إلى المسيحية، فإنه يخلو بالمثل من ~~أي شيء يتناقض معها على نحو قاطع، صحيح أنه يعتمد على «نظرية التذكر» الأفلاطونية التي ~~تفترض وجودا سابقا للروح قبل الولادة، ويعتمد على فكرة «ديمومة العالم» التي تنطوي ~~على إنكار للخلق من عدم (في محاورة طيماوس) إلا أن هاتين الفكرتين، بعد كل شيء، لا ~~تشكلان جوهر العزاء. # وأقرب إلى الصواب أن نقول، ببساطة، إن بوئثيوس، وهو الفيلسوف المكتمل الأداة، أراد ~~لعزائه أن يكون فلسفيا (كما يشي العنوان) لا أن يكون دينيا، ومن ثم فقد آثر ألا ~~يستعين بأي حجة خارجة عن نطاق الموضوع الذي يتناوله، # 4 # وأن يلتزم من ثم بمناهج الفلسفة ولا يجلب أي شيء من معطيات الوحي، ويبقى ~~طوال النص محافظا على التمييز الصارم بين الإيمان والعقل، إنه، ببساطة، يريد ألا يقع ~~في «خطأ مقولي» # category mistake ~~، وهل يسأل من ألف ~~كتابا في الحساب لماذا لا يستخدم المنهج الهندسي؟! # في كتابه «تطور فكر العصر الوسيط» يقول ديفيد نولز: «لعل التفسير يكمن في تغير الموقف ~~تجاه الفلسفة منذ العصور الوسطى الأخيرة، فالحق أنه ما بين عصر أوغسطين وعصر سيجر ms131 ~~البرابانتي كان الاعتقاد العام بين كل من يفكر تفكيرا جادا هو أن هناك وصفا ~~عقلانيا صادقا واحدا للإنسان والكون وإله ذي قدرة شاملة وعناية، وهو وصف صحيح بنفس ~~الدرجة التي تصح بها حقائق الوحي المسيحية، إن ~~العظام من القدماء، رغم وثنيتهم، قد بلغوا هذه الحقيقة وعبروا عنها في فلسفتهم لو ~~اكتنه المرء تعليمهم بأمانة، وبالاستعانة بهم يمكن تقديم جواب شاف عن مشكلات الحياة ~~والمصير الإنسانيين، كانت هذه الإجابات هي ما مكن العقل الإنساني من أن يواجه العالم ~~ويواجه كل كوارث الحياة، وبوسع المرء بغير شك، فيما وراء الحجج العقلية، في العالم ~~الغيبي للروح، أن يلتقي بالحب الشخصي للمسيح وأن يتلقى بركته.» # 5 # ورغم كل ما قيل، فقد يكون السؤال عن مسيحية بوئثيوس لم يصغ على نحو صحيح! فمن يدري؟ ~~لعل المزيد من المعرفة عن المناخ الفكري للمجتمع الروماني في عصر بوئثيوس أن يظهر لنا ~~هذا السؤال في ضوء مختلف، وها هي الدراسات المكثفة في السنوات الأخيرة تظهرنا على ~~حقائق جديدة حول هذه الحقبة الزمنية كفيلة بأن تغير نظرتنا في أمور كثيرة، يبدو أن ~~احتفاء المسيحية المبكرة بالتراث الكلاسيكي الوثني كان أكبر مما نظن ونتوقع، وأن للمذهب ~~الإنساني المسيحي # Christian Humanism # تراثا ~~ممتدا قبل «عزاء الفلسفة»، فيبدو أن الصلة بين عائلات القناصل النبلاء وكبار رجال ~~الإكليروس في روما كانت وثيقة، وأتت معها بموقف إيجابي تجاه أدب العصر القديم وفكره، ~~بعيد كل البعد عن التحول الديني الذي يقتضي، في نظرنا الدارج، رفضا للماضي الوثني ~~وتقاليده، فبالإضافة إلى استمرار دراسة الفلسفة الوثنية والاهتمام بأعمال كتاب ~~كلاسيكيين من أمثال فرجيليوس وهوراتيوس، والاهتمام بالمباني القديمة وترميمها، فحتى ~~الاحتفالات الوثنية الأصل مثل مهرجان الخصب (اللوبركاليا) وألعاب يوليو في روما على شرف ~~أبولو ظلت قائمة بتمامها في زمن بوئثيوس، «هذا الشغف المسيحي بالماضي، حتى إذا كان ~~مرتبطا ببعض المظاهر الخارجية للشعائر الوثنية، لا يخلو من دلالة كخلفية لتقدير وضع ~~بوئثيوس ودائرته بين الثقافة الكلاسيكية والإيمان المسيحي.» # 6 # من شأن هذا الوئام وغياب التوتر بين التقليد الوثني والتقليد ms132 المسيحي أن يخلق مناخا ~~كان فيه تصور مدخل ثنائي إلى الحقيقة، أحدهما خلال ممارسة العقل ~~والآخر خلال الوحي، أمرا طبيعيا وسهل التناول، في ~~هذا السياق كانت دراسة «اللاهوت ~~الطبيعي» # natural theology # مشروعة وصحيحة مثلها مثل دراسة «لاهوت الوحي» # revealed theology # سواء بسواء، ولقد كان اللاهوت ~~الطبيعي هو ما كرس له بوئثيوس قدراته الفكرية الهائلة طوال حياته. # 7 # من يدري؟ لعل هذا، بالإضافة إلى الجهود التأويلية اللاحقة، وبمعزل عن تخبط العصور ~~الوسطى الأخيرة وصدمة الحداثة التي تلتها، هو ما أتاح للعقل الغربي أن يقيم صرحه ~~الحضاري الحديث وهو يحمل داخله ولافا سعيدا بين عقلانية شديدة الصرامة والانضباط ~~ولاهوت مغرق في التعقيد والغيبية، دون أن يعاني تناقضا مشلا أو تنافرا ~~معيقا. # | نزع الطابع الأسطوري # ولكن كيف ينبغي أن نفهم الأساطير الكلاسيكية العديدة المبثوثة في نص «عزاء الفلسفة»، ~~والمندمجة فيه اندماجا عضويا، والملتحمة في نسيجه التحاما منطقيا، حتى ليبدو النص ~~معتمدا عليها مستندا إليها، يقوم بها ويسقط بسقوطها؟ وماذا يكون موقفنا من ~~الكوزمولوجيا الخرافية العتيقة التي تتأسس عليها أفكار محورية في عزاء الفلسفة، مثل ~~رحلة العودة إلى الوطن الحقيقي في جنب الله، وكيف نترجم، في عقولنا، أسماء الآلهة ~~الأسطورية التي لا تكاد تخلو منها قصيدة من قصائد بوئثيوس في «العزاء»: فبوئثيوس مثلا ~~لا يذكر «الشمس» ... ذلك النجم الملتهب الذي نعرفه الآن ولا «القمر» ذلك الكوكب الحجري ~~الضئيل الذي بلغناه ووضعنا عليه أقدامنا، وإنما يتحدث عن «فويبوس» الإله و«فويبتي» أخته الإلهة. # 1 # لعل الموقف السديد تجاه هذه المشكلة الشائكة هو موقف اللاهوتي البروتستانتي ~~رودلف بلتمان # R. Bultman # تجاه أساطير العهد ~~الجديد نفسه! وهو الموقف الموسوم، بشيء من اللبس وعدم التوفيق، باسم «نزع الطابع الأسطوري» # demythologizing # فنزع الأسطورية عند ~~بلتمان لا يعني بحال تطويع الأناجيل لكي تلائم طرائق الرؤية الحديثة، إنما هو موجه ضد ~~نزعة الفهم الحرفية السطحية الثانوية في الأسلوب الحديث في النظر إلى الأمور، ضد ميل ~~عامة الناس (وحتى اللاهوتيين) إلى اعتبار اللغة مجرد معلومات بدلا من النظر إليها ~~كوسيط من خلاله يواجه ms133 الله الإنسان بإمكانية فهم ذاتي جديد تماما، فهم غير الفهم ~~الإغريقي وغير الفهم الطبيعي وغير الفهم الحديث، ذلك أن نزع الأسطورية لا يرمي إلى ~~الإطاحة بالرمز الأسطوري وتحطيمه بل يعتبر الرمز الأسطوري نافذة لنا على المقدس، فأن ~~نئول الرمز يعني أن «نتذكر» معناه الأصلي الحقيقي وإن توارى الآن واحتجب، أن نتعامل مع ~~الرمز بمودة وحب في محاولة لاسترداد معنى خفي فيه. # يشير بلتمان إلى أن رسالة الإنجيل تقوم في سياق تصور كوزمولوجي للسماء من فوق والأرض ~~في الوسط والعالم السفلي من تحت - أي عالم المستويات الثلاثة، ويذهب في حله لهذه ~~المسألة إلى أن رسالة «العهد الجديد» لا تعتمد على كوزمولوجيا العهد الجديد التي لا ~~تشكل إلا السياق لرسالة عن الطاعة الشخصية والتحول إلى «إنسان جديد»، ونزع الأسطورية ~~هو محاولة لفصل الرسالة الجوهرية عن الميثولوجيا الكوزمولوجية التي لا يمكن للإنسان ~~الحديث أن يقبلها. # ومشكلة نزع الطابع الأسطوري ليست وقفا على اللاهوت، فهي قائمة في محاولة فهم أي عمل ~~قديم عظيم: كيف نفهم مثلا أي مسرحية لسوفوكليس ونحس لها أي معنى يخصنا إذا كانت آلهة ~~الإغريق قد ماتت؟ ما هي الطريقة التي ينبغي أن تفهم بها الألفاظ القديمة؟ كيف يمكن أن ~~نحول دون أن تبدو الأعمال القديمة مجرد كوميديات للأخطاء؟ لعل الكثيرين من أساتذة ~~الآداب القديمة كانوا في حقيقة الأمر «ينزعون الطابع الأسطوري» فيما كانوا يبررون أهمية ~~العمل الأدبي لنا بالنظر إلى دلالته الإنسانية التي لا تزول، ثمة «رؤية للعالم» # World view # قابعة في صميم أي نص ومفترضة مسبقا ~~في أسطره وداخلة من ثم في فهمه وتقديره ، ولا بد لنا من أن نستل هذه الرؤية ونأخذها ~~مأخذ الجد وألا ننصرف عنها باعتبارها أغلوطة بائدة أو خرافة. # ثمة شيء في الأسطورة يخاطبنا، أينما كنا ووقتما كنا، وينبغي أن نصغي إليه، ولن يتسنى ~~لنا أن نفهم هذا الشيء إلا في إطار «رؤية العالم» الخاصة به، ليست الأسطورة وهما أو ~~كذبة أو خرافة، إنها حقيقة كبرى نضجت على مهل في ضمير الأجيال كما ينضج اللؤلؤ ms134 في ~~ضمير الصدف، فاكتسبت قواما واتخذت شكلا وصارت مشهدا حيا يملأ علينا مسارح ~~الوجدان ويأخذ بمجامع الوعي، ويوقظ فينا شيئا هاجعا ما كنا لنذكره، وما كنا لننساه. # 2 # | مآخذ وانتقادات # وقد تأخذ على اللألاء هنات هينات، تنزلات عن مستوى يكاد إن استمر يتعب. # 1 # لعل أكبر المآخذ التي يمكن أن تؤخذ على «عزاء الفلسفة» هو أنه يستخدم الألفاظ، في ~~أسلوبه الجدلي الأفلاطوني، كما لو كانت قيمها ثابتة لا تتغير، شأنها في ذلك شأن رموز ~~الجبر أو المنطق، ولعل هذا هو ما يجعل الحجج غير مقنعة للقارئ المعاصر في بعض الأحيان: ~~في الكتاب الثالث مثلا تجد حجة كهذه: # الشر لا شيء، ذلك أن الله الذي يستطيع أن يفعل كل شيء لا يستطيع أن يفعل الشر، وما لا ~~يستطيع الله فعله هو لا شيء فمثل هذه الحجة قلما تنجح في إقناعنا، وإن كانت تحمل بذورا ~~لنقاش تال في الفصل الرابع. # 2 # ما خطب هذه الطريقة؟ # مثل هذه الطريقة الجبرية الإقليدية في التفكير والعرض تسم الكثير من الكتابات ~~القديمة، وتغوي العقول الكبيرة فتورطها في غيابة ميتافيزيقية لا تفضي إلى شيء، ومن ~~المؤسف أنها تسم أغلب الكتابات الفكرية في التراث العربي القديم، وتجد مثالها النموذجي ~~في الدراسات حول عمل مثل «حي بن يقظان» لابن طفيل، حيث الألفاظ تلقح ذاتها فلا تلد ~~إلا ألفاظا، وهيهات للوجود أن يرضخ لمثل هذا الصنف من «خفة اليد» الذي يريد أن ~~يخرج «الوجود» من «لفظ» أو من «تعريف» إخراج أرنب من قبعة فارغة أو إخراج بيضة من ~~أنف متفرج! فالجبر والرياضيات تحصيل حاصل، والتركيبي لا يخرج من التحليلي كما يعرف ~~المناطقة. # ذلك أن الكلمات في «اللغة ~~الطبيعية» # natural language # غير رموز الجبر أو الحساب أو المنطق الرمزي ... إلخ، فليس ~~للكلمة الواحدة من كلمات اللغة معنى محدد دقيق، وإنما للكلمة الواحدة، كما هي مستخدمة ~~بالفعل في الحياة اليومية، معان لا حصر لها تتحدد بحسب السياقات والظروف المختلفة التي ~~تستخدم فيها الكلمة، # 3 # فالكلمة، كما يقول فتجنشتين، مطاطة تتسع وتضيق استخداماتها ms135 وفقا للظروف ~~والحاجات المختلفة، ولا يوجد بين الاستخدامات المختلفة للكلمة الواحدة عنصر مشترك ~~محدد، وإنما يوجد بينها «تشابهات ~~عائلية» # family resemblances # متداخلة مندمجة كالتي تراها بين أفراد العائلة الواحدة. # 4 # من ذلك أيضا ما تجده في الفصل الثالث من «العزاء»، إذ يخلص بوئثيوس من عدد من الحجج، ~~مستمدة من فروض أفلاطونية محدثة يسلم بها بوئثيوس، إلى أن الخير الكامل والسعادة ~~الكاملة ليسا في الله فحسب بل «هما الله» نفسه، السعادة الكاملة إذن لا تتأثر بتقلبات ~~الحظ الأرضية مهما اشتدت، ولكن ما فات هذه الحجة هو أن تقول لنا ما صلة الإنسان الفرد، ~~مثل «بوئثيوس»، بالسعادة الكاملة التي هي الله، إن «الفلسفة» هنا تتحدث إلى «بوئثيوس» ~~كما لو كان مجرد «معرفته» بأن الله هو السعادة الكاملة سوف ترده سعيدا! # وحين تعرض «الفلسفة» في نهاية الكتاب للمشكلة الكبرى «حرية الإرادة وشمول العلم ~~الإلهي» تنجح في البداية في إقناعنا بالفرق بين «سبق ~~العلم» # prescience # و«سبق التحديد» أو القدر ~~المحتوم # predetermination ~~، وبأن سبق العلم لا يمس حرية الإرادة ولا يتقاطع معها، ثم ~~ينتهي إلى أن المعرفة الإلهية هي التي أنشأت أسلوب ~~الوجود لكل الأشياء، ولا تدين لأي شيء عدا ذاتها، ها هنا بالتحديد تظن «الفلسفة» أنها ~~نجحت في حل مشكلات «بوئثيوس»، بينما يترك القارئ وهو يسائل نفسه عما إذا كان هذا ~~الاعتراف الأخير، الذي يجعل من الله محددا لكل الأحداث، لا يهدم كل ما بنته «الفلسفة» ~~ولا يقوض تلك المرافعة الطويلة لإثبات حرية الإرادة! # 5 # | تأويل «العزاء» # أفضل طريقة لفهم «العزاء» هي أن نأخذه بمعناه الظاهر، باعتباره نتاج شخص يكتب وهو ~~مشرف على الموت ولا يملك ترف التلاعب والتورية؛ ف «الفلسفة» هنا تمثل سلطة عقلية ~~حقيقية، ونجاحها في مواساة «بوئثيوس» يفترض أنه نجاح تام. أما التغيرات الظاهرية في ~~الاتجاه فينبغي أن تعد مراحل في إعادة تعليم السجين، أو تأثيرات غير مقصودة لرغبة ~~المؤلف في جعل هذا العمل خلاصة لمنظومة فلسفية توفيقية. وأما اقتناع «الفلسفة» بأنها ~~نجحت في حل مشكلة «سبق العلم» فينبغي أن نأخذه ms136 على أنه رأي المؤلف نفسه. # غير أن هناك من ذهب في فهم «العزاء» مذهبا آخر، فمن النقاد من حيره خلو «العزاء» ~~من أي أثر مسيحي وارتكانه إلى توجيه شخصية تمثل الفلسفة الوثنية وارتكازه على افتراضات ~~خارجة عن العقيدة المسيحية (التذكر، روح العالم، ديمومة العالم ... إلخ) ثم حيره اختيار ~~بوئثيوس لهذا الجنس الكتابي ( # prosimetrum/Menippean ~~satire ~~) وهو شكل ارتبط بالأعمال التي تسخر من التظاهر الكاذب ~~بالعلم وادعاء الحكمة، في زمن كان فيه المؤلفون يولون اهتماما كبيرا بالجنس الكتابي؛ ~~فخلص من ذلك إلى أن بوئثيوس ربما يلمح إلى أن سلطة الفلسفة ينبغي ألا تعد سلطة كاملة، ~~فإذا أضفنا إلى ذلك تغير الاتجاه وفقدان الترابط وفشل حجة سبق العلم، لقويت لدينا ~~الظنون بأن هذه كلها مظاهر مقصودة يتعين على الشارح تفسيرها. # وقد تمادى بعض الباحثين، مثل جول ~~ريليهان # Joel Relihan ~~، في هذه الشكوك حتى خلص إلى أن علينا أن نفهم «العزاء» فهما ~~تهكميا # ironically ~~، على أنه تبيان لقصور الفلسفة ~~وعجزها عن أن تقدم عزاء، على العكس من الإيمان المسيحي. # هذا غلو في الرأي لا يستقيم مع الوقائع الثابتة؛ فالمؤلف يبذل في كتابه جهدا ~~كبيرا في عرض الحجج وتفصيلها، والخطوط الرئيسة في تفكير «الفلسفة» تنسجم تمام الانسجام ~~مع الميتافيزيقا التي تنضح بها رسائل بوئثيوس اللاهوتية، بل مع تعليقاته المنطقية في ~~بعض الأحيان. # ويقتضينا القصد أن نأخذ في «العزاء» بظاهر المعنى، على أن نضع في الاعتبار أن المؤلف ~~لا يغفل حدود العقل وحدود الفلسفة، بل يعترف بها على لسان «الفلسفة» ذاتها في النص؛ فهي ~~تقدم حججا وحلولا مقبولة للمشكلات، وتقدم منهجا للعيش ينبغي اتباعه، غير أنها ~~تعجز عن تقديم فهم شامل ومترابط لذات الله وعلاقته بمخلوقاته، وبذلك تترك للدين مجاله ~~وتترك للتسليم عمله، إنها تعرف ذلك وتعترف به وتضعه موضعه في النظام الفلسفي ~~نفسه. # من العقل أيضا أن يعرف العقل حدوده. # | رواج في العصر الوسيط وكساد في العصر الحديث؟! # لعل ذائقة القارئ أن تنبئه الآن ماذا وجدت العصور الوسطى في «عزاء الفلسفة». # لقد وجدت فيها إيمانها، ms137 أو بالأحرى وجدت المبرر الفلسفي لهذا الإيمان. # لقد دعاها إلى التماس الخير الحقيقي وصرفها عن الخير الزائف، وألهمها أن الشرور ~~الظاهرة هي خير حين تسلك في السياق الأكبر وتقرأ قراءة كونية وترصد من منظور الأزل، ~~وأن الله يصرف العالم بالحب، وأن الأمل في الله ليس عبثا، والصلاة لمصدر كل الخير ~~هي ينبوع السعادة. من قال إن هذا العصر الكموني الباطني # 1 # لم يمهد السبيل لفورة «النهضة» # Renaissance # مثلما يغرق المرء في التأمل والصلاة قبل أن يهم بالعمل ~~العظيم؟ قد تكون العصور الوسيطة أزمنة صعبة سياسيا واقتصاديا، ولكن من ذا يقدر ~~مدى السعادة التي استقتها من تلاوة «عزاء الفلسفة»؟ # ولقد أهمل «العزاء» في العصر الحديث؛ لأن الدين استقل عن الفلسفة، ولأن الفلسفة ~~أوغلت في النظرية والحرفية، ونأت بجانبها عن هموم الحياة العملية، ولأن الناس ألهتها ~~أكاذيب أخرى وأضلتها آلهة جديدة. # وها هي «العولمة» تمخض البشرية مخضة وحشية، فتجعل البعض يشرق بالخيرات الزائفة وتترك ~~البعض يلهث تحت خط الفقر، لقد دوختنا خرق المادية ~~الاستهلاكية كالثور دوخته خرقة الماتادور، # 2 # ونضجنا حقا للقتل لو لم يتداركنا منقذ كبير. لقد تبين للناس، على ~~اختلاف الدرجة، أن أنسنة العولمة لا تتأتى إلا بغرس الحب والمواجدة بين الناس من جديد، ~~فلعل فكر «العزاء» الذي «أنقذ فكر العصور الوسطى»، أن يسهم في إنقاذنا في العصر ~~الحديث. # عادل مصطفى # | قطوف من «عزاء الفلسفة»1 # كل الذي خلب العيون بريقه # قد أنضجته الأرض في سفلاها # ينأى السنى الباهي الذي يحدو السما # عن هذه الأرواح في ظلماها # هذا الضياء الحق من يبصر به # سيقول ما للشمس باخ ضياها؟ # بوئثيوس (الكتاب الثالث، قصيدة 10) # بقدر ما يتلقى امرؤ من الصيت كأجر على مكرمة أتاها ... يفقد ~~الضمير، المنغمس في الرضا الذاتي، شيئا من فضيلته السرية. ~~*** # ولكنك، أيتها المقيمة في عقر الروح، قد طردت من قلبي كل مطمع في حطام الدنيا، بل ~~لم تتركي فيه مكانا لمطمع. ~~*** # ولقد أنقض ظهري ثقل آخر، هو أن الناس لا تحكم على الأفعال وفقا لمناقبها الخاصة ~~بل وفقا لما ms138 ينتج عنها بالمصادفة، فيكون الفعل في نظرهم حصيفا ما دام الحظ حليفه، ~~أما من لم يحالفه الحظ فلا نصيب له من رضا الناس. ~~*** # أتريد حقا أن توقف دولاب الحظ عن الدوران؟ ألا تعلم، يا أشد الفانين حمقا، أن ~~الحظ إذا بدأ في التوقف لا يعود حظا؟! ~~*** # الجشع الضاري يبتلع ما طلبه، وما ينفك يفغر فمه طلبا للمزيد. ~~*** # ألا لا تدعه غنيا ذاك الذي ما يزال أبدا لاهثا متلهفا، وقد وقر في اعتقاده ~~أنه محتاج! ~~*** # غير أن كلماتك تروق المرء أثناء سماعها فحسب، إن للمعذبين مواجيد من بأسائهم ~~غائرة، حتى إذا ما فرغت كلماتك ولم تعد ترن في الآذان عاد هذا الأسى المتأصل ~~ليثقل القلب من جديد. ~~*** # إذا كان الكون نفسه متقلبا لا يثبت على حال، فكيف تضع ثقتك في عرض الدنيا، ~~ويقينك في النعيم الزائل. ~~*** # بين صنوف البلايا جميعا ليس هناك أبلغ شقاء من أن يكون المرء قد سبق له أن عرف ~~السعادة. ~~*** # ما من أحد يرضى بما قسم له الحظ، فلكل منا نصيبه المقدور من الألم الذي لا ~~يعرفه إلا من كابده. ~~*** # ليس شقاء إلا ما تعده أنت كذلك. ~~*** # كل قدر هو قدر سعيد لو أنك تلقيته بثبات ورباطة جأش. ~~*** # ألا ما أتعسها تلك السعادة التي تأتي من حطام الدنيا: فلا هي تدوم للعاقل ولا هي ~~تقنع الأحمق. ~~*** # لماذا، يا أهل الفناء، تبحثون عن السعادة خارج أنفسكم وهي كامنة فيها؟! ~~*** # لكأني بكم تستشعرون فقركم الداخلي فيدفعكم إلى التماس خيراتكم من خارج ~~أنفسكم. ~~*** # لا قيمة للمال إلا حين يغدق به؛ أي حين لا يعود مملوكا! ~~*** # إن الطبيعة تقنع بأقل القليل، فإذا ما عمدت إلى أن تتخمها بما هو فوق الحاجة، فإن ~~ما تغدقه سيكون مغثيا بل مضرا. ~~*** # أحسبت أن الجمال يعني أن ترفل في ثياب متالقة من كل صنف؟ ولكن إذا كان الثوب ~~يسر ناظري فإنما ينصب إعجابي على جودة خامته أو على مهارة الحائك. ~~*** # من كثرت ممتلكاته كثرت احتياجاته! ~~*** # تعلم يا من يروعك الآن هاجس السيف والرمح في يد ms139 اللص، تعلم أن تذرع حياتك خاوي ~~الوفاض؛ حتى يمكنك أن تصفر وتغني أمام قاطع الطريق. ~~*** # ما أروعها نعمة الثروة الفانية! ما أن تحصل عليها حتى يغادرك الأمان! ~~*** # ويح ذلك الرجل، أيا من كان، الذي استخرج لأول مرة أكوام الذهب الدفين من الأرض، ~~والماس القانع بمخبئه، ومنحنا أخطارا بمثل هذا السعر! ~~*** # الشرف لا يأتي إلى الشريف من المنصب، بل يأتي إلى المنصب من الشريف. ~~*** # على من تريدون أن تمارسوا سلطتكم؟! أليس يثير ضحككم أن تروا مجتمعا من الجرذان وقد ~~انبرى جرذ منهم يدعي لنفسه حق التسلط عليهم والتحكم في شئونهم؟! ~~*** # لقد حسب الطاغية أن التعذيب مناسبة للبطش، فجعله المعذب مناسبة للبطولة. ~~*** # عندما يوسد المنصب إلى غير أهله فإنه لا يجعل منه أهلا على الإطلاق، وإنما يفضحه ~~لا أكثر ويكشف ضعفه وتفاهته. ~~*** # إذا حسبت أن الحياة يمكن أن تطول بدوام الشهرة وبقاء الذكر، فسوف يأتي اليوم الذي ~~تقبر فيه شهرتك أيضا، هنالك يكون بانتظارك موت ثان. ~~*** # الحظ السعيد يخدع والحظ السيئ يربي ويعلم. ~~*** # الحظ السعيد يغوي الناس، بمداهناته، عن طريق الخير الحقيقي، بينما الحظ السيئ ~~كثيرا ما يردهم إلى خيرهم الحقيقي كالراعي يردهم بعصاه. ~~*** # عندما تخلى عنك الحظ فقد أخذ معه أصدقاءه وترك لك أصدقاءك، ولو أنك بقيت سالما ~~ومحظوظا كما تظن لما أتيحت لك مثل هذه المعرفة بأي ثمن. ~~*** # آه أيها الفانون لو أن قلوبكم محكومة أيضا بما يحكم العالم ... بالحب. ~~*** # هذه رابطة الحب الجامعة، كل الأشياء تعنو لقيود الخير، فليس من سبيل آخر لبقائها، ~~ما لم تعقد عقدة الحب، وما لم تعد صاغرة لقيود الأسباب التي منحتها ~~الوجود. ~~*** # اللسان الذي ذاق الأمر في البداية سيجد الشهد، الذي كد النحل في إعداده، أكثر ~~حلاوة. ~~*** # بوسعك الآن وقد بصرت بوجه السعادة الزائفة أن تضع نيرها عن عنقك، وجدير بالسعادة ~~الحقيقية الآن أن تنفذ إلى روحك. ~~*** # كل شيء لا بد أن يعود إلى سبيله الصحيح، ويبتهج بعودته، فلا شيء يمكن أن يحفظ النظام ~~الذي أودعه ما لم يربط مبدأه بمنتهاه، ويصنع فلكه الدائري ms140 الثابت. ~~*** # لقد انعكست القضية وإذا بالثروة التي يرتجى منها أن تجعل المرء مكتفيا بذاته قد ~~أحوجته في الحقيقة إلى عون الآخرين. ~~*** # الطبيعة يكفيها أقل القليل، أما الجشع فلا يشبعه شيء. ~~*** # مهما اكتنز الغني من مال وأثقل جيده باللآلئ وذرعت ثيرانه العزب، فإن الهم ~~لن يفارقه في حياته، والثروة الخائنة لن ترافقه في مماته. ~~*** # صديقك في السراء ينقلب عدوا في الضراء، وليس أقدر على إلحاق الأذى من صديق انقلب ~~عدوا. ~~*** # من يرد أن يكون ذا سلطان حقيقي، فليبسط سلطانه أولا على نفسه. ~~*** # إذا كان ثمة من خير في الحسب فهو هذا، وهذا وحده: أنه يفرض على الحسيب ألا يقصر ~~عن أسلافه في الفضل. ~~*** # إن السعي إلى اللذة محفوف بالهم، والشبع منها مملوء بالندم، كم أورثت أجساد ~~المتهالكين عليها من أسقام وتباريح، وكأنها ضرب من عقاب الإثم. ~~*** # لجميع اللذات طبع واحد، أن تغري تابعيها وتنخسهم إليها، لكنها، كسرب النحل المدوم، ~~تذر عسلها الحلو، ثم تفر بعيدا، تاركة في قلب من تمسه لدغة لا تزول. ~~*** # إذا أردت أن تتألق في أبهة المنصب فسوف يتعين عليك أن تنبطح لمن أنعم عليك به: أي ~~أنك إذا أردت أن تبز الآخرين في الكرامة سيكون عليك أن ترخص نفسك وتهينها ~~بالتزلف. ~~*** # انظر إلى قبة السماء وتأمل ثبات بنائها وسلاسة حركتها وكف عن الإعجاب بما لا ~~يستحق الإعجاب، على أن أعجب من السماء العقل الذي يسير السماء. ~~*** # ليست طبيعتك نفسها ما يجعلك تبدو جميلا بل ضعف أبصار من ينظرونك. ~~*** # إنهم سادرون في عماهم لا يعرفون أين يكمن الخير الذي يريدون، ويهبطون إلى الأرض ~~ينبشون فيها عما هو أعلى من السماء. ~~*** # أية لعنة بحجم غفلتكم يمكن أن أستنزلها عليكم؟ الهثوا وراء الثروة والمجد ، وحين ~~يستوي لكم منهما ركام زائف، هنالك تدركون ما هو الخير الحقيقي. ~~*** # يكمن خطأ الإنسان في أنه يأخذ ما هو بسيط وغير قابل للانقسام فيحاول تقسيمه ~~فيحيل حقيقته إلى زيف وكماله إلى نقص. ~~*** # من أراد أن يبحث عن الحقيقة بكنه الهمة وألا تضله السبل فعليه أن ms141 يتجه إلى ~~داخله ويوقد نوره الباطن، وأن يطوي ترهات عقله الطويلة إلى دائرة واحدة، وأن يعلم ~~قلبه أن ما يبغيه في الخارج بالكد والعنت هو يملكه بالداخل مذخورا في أعماق ~~الروح. ~~*** # لا يمكن لأي شيء أن يعصي الله ويكون مخلصا لفطرته. ~~*** # هل لي أن أطرح مفارقة أو تضاربا في الحجج لعل اصطداما من هذا النوع أن يولد ~~شررا جميلا من الحقيقة؟ ~~*** # من ذا الذي يمكن أن يقيد الحب بقانون؟! ... الحب قانون نفسه. ~~*** # مهما يمكر الأشرار ويكيدوا كيدا فإن إكليل غار الحكيم لن يسقط منه أبدا ولن ~~يذوي. ~~*** # الشر عقاب ذاته مثلما أن الخير ثواب ذاته. ~~*** # لا يمكنك أن تعتبره إنسانا ذلك الذي مسخته رذائله. ~~*** # أنقع السم ما ينفذ إلى العقل والروح فيسلب الإنسان من نفسه، تاركا الجسم على حاله ~~بينما يصيب العقل بجرح بليغ. ~~*** # حقا إن أعينهم اعتادت الظلام فلا يستطيعون رفعها إلى ضياء الحقيقة الواضحة، فما ~~أشبههم بالطيور التي يحتد بصرها بالليل ويعمى بالنهار. ~~*** # إذا كنت قد صغت روحك على ما هو أسمى فلا حاجة بك إلى حكم ليهبك جائزة، فأنت بنفسك ~~من دفعت حالك إلى الامتياز وأضفت نفسك إلى عداد الممتازين، أما إذا تدنيت بها ~~إلى الوضاعات فلا تبحث عن عقاب من الخارج، إنك أنت من أسففت وتبذلت ونزلت بها إلى ~~أسفل سافلين. ~~*** # ليس ثمة ما يدعو إلى كراهية الأشرار، فكما أن الضعف مرض الأجسام كذلك الشر مرض ~~الأرواح، وإذا كنا نعتبر مرضى الأجسام أحق بالعطف لا الكراهية، فإن من أصيب في روحه ~~لأحق بالشفقة لا اللوم. ~~*** # إلام تزاحمون القدر في عمله وتنزلون الموت بأيديكم؟ إن كنتم تريدون الموت فإنه ~~قريب بطبعه يحث أفراسه المجنحة. ~~*** # الإنسان فريسة السباع، فهل الإنسان فريسة الإنسان أيضا؟ لماذا يصنع الحرب ويريد أن ~~يهلك بسيف أخيه؟ لأن تعاليمه مختلفة؟ فقط لهذا السبب؟! ... أهذا سبب عادل للعنف وإراقة ~~الدماء؟ ~~*** # أتريد أن تعطي لكل ذي حق حقه؟ إذن أحب الأخيار فهم أهل لذلك، أما الأشرار فأشفق ~~عليهم وارث لهم. ~~*** # حتى إذا كنت تجهل الحكمة من ms142 وراء التدبير العظيم للعالم فليس لك أن تشك في أن ~~كل شيء يجري على نحو قديم؛ لأن مدبرا خيرا يحكم العالم. ~~*** # الزمن يهول من شأن الأشياء النادرة، والجموع تروعها الأشياء غير المعتادة، ولكن ~~دع غيوم الجهل تنقشع عنها وسرعان ما يزول معها العجب والاندهاش. ~~*** # من هنا يأتي السبب الواضح للاندهاش من نظام القدر: إله حكيم يفعل وبشر جهول ~~يستغرب أفعاله، كلما شهدت شيئا يجري على غير ما تريد وتحتسب فاعلم أن الأحداث تجري ~~مجراها الصحيح ولكن رأيك هو الزائغ والملتبس. ~~*** # قد تشاء العناية أن تخز البعض كي لا يبطرهم طول الرخاء. ~~*** # إنه بقدرة الله، وبقدرة الله وحدها، قد تكون الشرور خيرا أيضا، وذلك حين يصرفها ~~الله تصريفا يحقق نتائج خيرة. ~~*** # تظنون أن الشر يملأ الأرض، ولكن لو أمكنكم أن تنظروا بمنظار العناية لما وجدتم له ~~على الأرض أثرا. ~~*** # هو الحب المتبادل إذن، يبدئ الدورات الأبدية ويعيدها، أما النزاع فمنبوذ من ممالك ~~النجوم. ~~*** # اصغ، كل حظ، سواء كان يسرا أم عسرا، إنما يتغيا أن يكافئ الصالحين أو ~~يعظهم، وأن يعاقب الأشرار أو يقومهم، من الواضح إذن أن كل ما يجري به القضاء هو ~~عدل ونفع، وكل نصيب هو خير على اليقين. ~~*** # ينبغي على الحكيم ألا يشكو كلما اشتبك مع الحظ، مثلما ينبغي على الشجاع ألا يسخط ~~إذا حمي وطيس الحرب، ذلك أن الشدائد نفسها هي فرصة لكل منهما: لواحد كي ينال ~~المجد، وللآخر كي يؤكد حكمته ويقويها. ~~*** # إن قدرك بيديك! ... بيدي صنف القدر الذي تود أن تشكله لنفسك؛ لأن كل ما يبدو ~~عسيرا هو إما عظة وإما تقويم وإما عقاب. ~~*** # امض بجسارة إلى حيث يقودك الطريق المجيد للقدوة الرفيعة، لماذا تثاقل وتنكص ~~على عقبيك، إذا كان اجتياز الأرض يهبك النجوم؟ ~~*** # وحده الإنسان من بوسعه أن يرفع رأسه ويقف منتصبا، إن في هذا الوضع لعبرة: لا تكن ~~أرضيا، لتتجه روحك إلى السماء، حتى لا تشخص إلى الأرض، وبينما جسمك ينزع إلى أعلى ~~يسوخ عقلك إلى أسفل. ms143