######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.DalalatShakl.Hindawi30826904 #META# Tags: arts :: philosophy #META# ID: 30826904 #META# Title: دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن #META# AuthorID: 24079572 #META# Author: عادل مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # تصدير الطبعة الثانية‏ # 1 - الشكل الدال‏ # 2 - الموقف الإستطيقي‏ # 3 - الفن معرفة وكشف‏ # 4 - الفن الحديث‏ # 5 - المحاكاة والتمثيل‏ # 6 - الشكل في العمل الأدبي‏ # 7 - شمول الشكل‏ # 8 - الفرضية الميتافيزيقية‏ # 9 - الفن والأخلاق‏ # 10 - الفن: مقاربات نثرية‏ # 11 - قطوف من كتاب «الفن» لكلايف بل‏ # إهداء‏ # تصدير الطبعة الثانية‏ # 1 - الشكل الدال‏ # 2 - الموقف الإستطيقي‏ # 3 - الفن معرفة وكشف‏ # 4 - الفن الحديث‏ # 5 - المحاكاة والتمثيل‏ # 6 - الشكل في العمل الأدبي‏ # 7 - شمول الشكل‏ # 8 - الفرضية الميتافيزيقية‏ # 9 - الفن والأخلاق‏ # 10 - الفن: مقاربات نثرية‏ # 11 - قطوف من كتاب «الفن» لكلايف بل‏ # | دلالة الشكل # | دلالة الشكل # | دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن # تأليف # عادل مصطفى # | إهداء # إلى الفنان الكبير الأستاذ عادل إمام، # تضامنا وعرفانا ومحبة. # عادل مصطفى # | تصدير الطبعة الثانية # إنما نعيش لنهتدي إلى الجمال، وكل ما خلا ذلك لون من الانتظار. # جبران خليل جبران: النبي # يشملنا هذه الأيام مناخ يضع الفن في موضع دفاع! وربما يزج به إلى ساحات القضاء، ~~ليمثل للمحاكمة مثول المسيح أمام الذين جاء لهدايتهم، ومرد ذلك إلى التباس لفظي ~~أساسي، فقديما طال ارتباط «النغم» ب «المجون»، وارتباط «النحت» ب «الوثن» ... إلخ، حتى صار ~~اللفظان «متعاوضين» # interchangeable ~~، وأصبح أحدهما يقوم في ~~الذهن مقام الآخر، وبات على الغافل أن يلقي بالاثنين معا، إلقاء الرضيع مع ماء الغسل! # throwing the baby out with the bath water # وقد دفعني ذلك إلى إعادة طباعة هذه الدراسة الموجزة، التي سبق نشرها ببيروت ~~عام 2001 وتقبلها القراء بقبول حسن. # روى الإمام أبو حامد الغزالي في «الإحياء» عن بعض السلف: «من لم يحركه الربيع ~~وأزهاره، والعود وأوتاره؛ فهو فاسد المزاج ليس له علاج.» # الفن ليس حراما وليس جائزا، الفن لازم، والأمة التي تطرح للنقاش، في القرن الحادي ~~والعشرين، مسألة مشروعية الفن هي أمة محمومة تهذي، ويبقى أن نبين ما هو الفن، ولماذا هو ~~لازم لكل إنسان ولكل أمة. وقد توسمت في هذه الدراسة جوابا ما عن هذين السؤالين، رغم ~~أنها دراسة في علم ms01 الجمال (الإستطيقا) وقراءة في كتاب «الفن» لكلايف بل؛ ذلك أننا لو ~~علمنا ما هو الفن، ومم يتكون، وإلام يرمي، وكيف يتلقى؛ لأدركنا من فورنا لماذا هو ضرورة ~~في ذاته وبمعزل عن أي عوارض ثانوية وعن أي عواقب لاحقة. # الجمال هو ظل الله على الخليقة، والنفس تعرف ذلك بالسليقة وتقول ~~«الله» (بجميع اللغات) كلما صادفت الجمال، والروح ترى ~~«الحق» منعكسا في الرائعة الفنية انعكاس الشمس على وجه القمر، وترى الأبدي في «الأشكال ~~الدالة» كأنها فتوق في الزمن. التلقي الإستطيقي عرفان هائل ولقاء جلل، وإلا لما كان ~~مصحوبا بهذا الانفعال الفريد وهذا الوجد الشديد وهذه النشوة المستبدة. أمر الجمال جد لا ~~يصح أن نسف به أو نبتذله بحديث عن المجون أو الخلاعة أو الانحلال، ونقد الفن لا يكون ~~إلا بلغته وعلى ارتفاعه، فلنصبر على الفن في هذه الحقبة الملتبسة، لنصبر على الرائين ~~وعلى العميان معا، ريثما تسترد الروح شيئا من عافيتها المهدرة، وتعود ترى الفن على ~~وجهه، وتضع أمره في نصابه. # د. عادل مصطفى # 27 / 8 / 2012 # الفصل الأول # | الشكل الدال # Significant Form # أن يقفز المرء ويصيح، ذلك تعبير عن النفس وإن لم يشف غلة، ولكن أدخل فكرة ~~«الشكلية» تجد في الرقص والغناء بهجة مشبعة، الشكل هو الطلسم، وبالشكل تتحول ~~الانفعالات الغامضة والعصية وغير الأرضية إلى شيء محدد ومنطقي ومتجسد فوق ~~الأرض. # كلايف بل ~~(1) معنى الشكل الدال # تبدأ الإستطيقا الشكلية من «واقعة» # fact # محددة، ~~يقينية لا شك فيها، هي أننا (أو أن أصحاب ~~الحساسية # sensibility # منا) ننفعل إزاء أشياء ~~معينة نطلق عليها «الأعمال الفنية» # works of art # انفعالا شديد الخصوصية والتميز نطلق عليه «الانفعال الإستطيقي» # aesthetic emotion ~~، ورغم أن هذا الانفعال هو خبرة ذاتية شخصية ~~إلا أن ارتباطه بموضوعات عينية من جهة، واتفاقنا الوثيق في حدوثه من جهة أخرى، ~~يجعل منه شأنا واقعيا صلبا ويصبغه بصبغة ~~موضوعية صارمة (لاحظ أن هذه «البينذاتية» # intersubjectivity # هي قصارانا وغايتنا ومبلغنا من «الموضوعية # objectivity ~~» في هذا الوجود الملغز الذي قذفنا ~~فيه، وذلك حتى في الأمور الفيزيائية ms02 المحضة). # إننا ننفعل حقا تجاه أشياء متباينة نطلق عليها أعمال «الفن» انفعالا غامرا ~~عميقا نسيج وحده و«فريدا في نوعه» # sui generis # نعرفه جميعا ونعرف «ماذا يشبه ~~أن يكون» # what it ~~is like ~~، وكلنا إذ يتحدث عن الفن فهو يعكس بذلك تصنيفا ضمنيا ~~مدمجا بذهنه يفرق به بين فئة «الأعمال الفنية» وجميع الفئات الأخرى من الأشياء، مثلما ~~يتحدث عن فئة البشر ويفرق بينها وبين جميع الفئات الأخرى من الكائنات، ومثلما ~~يتحدث عن فئة القطط والكلاب والموائد والكراسي ... إلخ، فما هو المبرر العقلي لهذا ~~التصنيف؟ ما هو «القاسم المشترك» # denominator # بين تلك ~~الأشياء المتباينة التي نطلق عليها «الأعمال الفنية»؟ ما هي الصفة التي تجمع بين ~~اللوحات والسيمفونيات والجرار والقصائد والرقصات والمنحوتات والكاتدرائيات؟ ما هو ~~«المفهوم» # intension # الذي تعد جميع المفردات ~~الفنية الجزئية «ماصدقات» # extension # له؟ ما هي ~~«الخاصة الجوهرية» # essential property # التي بها ~~يكون الشيء عملا فنيا (مهما تبدل عليه من «خواص عرضية» # accidental properies ~~) وبدونها يكون أي شيء آخر؟ يقول كلايف بل بجسارة ~~وحسم: إنه «الشكل الدال» # Significant Form ~~، ويعني به ~~في الفنون البصرية تلك التوليفات والتضافرات من الخطوط والألوان، أو تلك الحبكة من ~~الخطوط والألوان، التي من شأنها أن تثير في المشاهد انفعالا إستطيقيا. # وبوسعنا أن نعمم مفهوم الشكل الدال ليشمل الفنون جميعا، فنقول إن الشكل الدال لعمل ~~من أعمال الفن هو ذلك التنظيم الخاص الذي يتخذه «الوسيط الحسي» # medium # لذلك العمل والذي من شأنه أن يثير في ~~المتلقي (الذي يتمتع بالحساسية الفنية ويتخذ «الموقف الإستطيقي») انفعالا ~~إستطيقيا. ~~(2) معنى الوسيط الحسي # الفن نقل الروح عن طريق المادة. # سلفادور دي مادرياجا # لكل عمل فني وجود فيزيائي أو مثول مادي، فالفنان دائما يجسد عمله في مادة ~~معينة أو واسطة ينتقل بها العمل إلى الآخرين، وتتفاوت هذه الواسطة المادية (أو ~~الفيزيائية) # medium # بين فن وآخر، فهي ألوان وخطوط في ~~فن التصوير، وأحجام من حجارة أو خشب أو معادن في فني النحت والعمارة، وأصوات آلات ~~في الموسيقى، وصوت بشري في الغناء، وحركات جسدية في ms03 الرقص، وكلمات لغوية في الشعر ~~والدراما، وأضواء ومرئيات وغيرها في السينما، هذه الوسائط الحسية هي خامة الفنان ~~الأولية التي يجبل بها عمله، وهي لغته التي يخاطب بها جمهوره، إنها مادة تنتمي إلى ~~عالم الطبيعة وتخضع لقوانين الطبيعة؛ ومن ثم فهي تملي على الفنان شروطها، وتتحكم في ~~حريته وإمكانات تعبيره، فمن شأن مادة الخشب أو الرخام مثلا أن ترمي بالفنان في عالم ~~يختلف عن عالم الزيوت والماء والقماش، وتفرض عليه قوانين غير قوانين الصوت أو ~~الحركة، وعلى الفنان أن يذعن لقوانين المادة ويفي بمتطلباتها، وهو ما عبر عنه ~~كثير من الفنانين واتخذوه شعارا لهم: «احترم مادتك # respect your medium ~~». # 1 # ولعل طريق الإبداع الفني هو قصة حب طويلة بين الفنان ومادته، مليئة بالصراع ~~والولوع، والترويض والتمرد، والقسوة والحنان، والجفاء والألفة بين المصور ~~والألوان، بين الشاعر والكلمات، بين الموسيقى والنغمات، بين الراقص وجسمه، بين المطرب ~~وصوته، إنه عشق أبدي، وزواج كاثوليكي، إنه الحب الأول والأخير لدى الفنان الحق، أما ~~شئون الحياة وشجونها، وأما القضايا والمشاهدات والملهمات، فما هي في حقيقة الأمر ~~وصميمه إلا وسيلة إلى الفن وحجة وذريعة! # والحق أن الفنان في نهاية المطاف وآخر الجدل ليس هو الشخص العميق الفكر، ولا هو الشخص ~~المشبوب الانفعال ولا الثري التجارب، فكل هذه صفات توجد في أناس بعدد الحصى دون أن ~~تتخايل في أحدهم بارقة فن واحدة، إنما الفنان هو ذلك الشخص الذي «يفكر ويحس من ~~خلال وسيط فني معين، وأيا ما كانت انفعالاته وأفكاره، ملتهبة أو باردة، عميقة أو ~~سطحية، فإنها تتمثل لذهنه متجسدة في وسيطه الخاص.» # 2 # ويعلم كل مزاول للفن أن العملية الفنية في عامة الأحوال ليست حالة أو ~~فكرة مجردة يبلغ إليها في مرحلة منفصلة ثم يحاول الاهتداء إلى صوب فني يكسوها به ~~في مرحلة ثانية، إنها ملتحمة بالوسيط منذ البداية، وكثيرا ما تكون العملية الفنية هي ~~عملية تنمية لحن أو التوسع في تصميم بصري أو تعقب تركيبة لفظية ورؤية ما تسفر ~~عنه. # تبدي المادة تمردا ومقاومة يعرفها كل فنان، ms04 ولا سيما المعماري والمثال، وكأنها ~~تقف حائلا بينه وبين تحقيق الرؤية القابعة في خياله، «روي عن ميكلانجلو أنه كان يصنع ~~تماثيله في سورة من العنف والغضب والهياج، حتى إنه كان يقول لسائليه عن سر هذا ~~الهياج: إنني لأبغض تلك الحجارة التي تفصلني عن تمثالي!» # 3 # على أنه غضب طفولي أبتر، فالفنان يعرف بالسليقة أن لا نجاة من المادة ~~إلا إليها، الفنان يعرف الوجد، ويعرف أنه لا يجيء إلا كاسيا، إلا متسربلا ~~بالوسيط. # وليست علاقة الفنان بوسيطه الفني دائما علاقة صراع وتوتر، فالمادة ليست قيدا ~~وتحديا على طول المدى، إنها إلهام أيضا وتيسير، فالوسائط المادية غنية بالقيم ~~الترابطية والتعبيرية التي يمكن للفنان أن يستغلها، يروى عن المثال بيلي # R. A. Baillie # قوله: «إنك كلما مضيت قدما في النحت، أوحى ~~إليك الحجر ذاته بتحسينات تدخلها على تخطيطك الأول.» # 4 # فكل وسيط مادي يمتلك من الخصائص الجمالية والإمكانات التعبيرية ما يلهم ~~الفنان ويشير عليه ويقود انفعاله في مجرى معين ويحقق له ما كان يود أن يحققه، ~~فقد يعثر الموسيقي في نغمة معينة أو في مزاوجة نغمية عفوية على مفتاح سحري إلى ~~أفق موسيقي جديد لم يكن يحلم به، وقد تزور الشاعر لفظة معينة أو اقتران لفظي ~~عابر فيرى فيه تجسدا لما كان يعتلج في صدره زمنا ولا يعرف ما هو، وقد يجد المثال ~~في مادة البرونز المعدنية بقابليتها للصهر والتجويف وخفة وزنها إلهامات إلى طرائق ~~معينة من التجريب والتعبير، بل إن التقنيات الحديثة قد تمد الفنان بوسائط تخليقية ~~غير مبذولة في الطبيعة تمنحه إمكانات تشكيلية لا عهد له بها، فتفتح له طرقا غير ~~مطروقة وتسكره بوعود تعبيرية جديدة، إن المادة تسعف الفنان وتأخذ بيده وتعلمه ~~وترشده. ~~(3) الشكل الدال: مصاعب وحلول # ولست أدري هل الشهامة هي ما منعهم أن يلمحوا «تحصيل حاصل» # 5 # ناتئا في عرضي للفرضية الإستطيقية، وبوسعي أن أقول إن هذه الوصمة قد ~~أزيلت منذ زمن طويل. # كلايف بل: تصدير الطبعة الثانية من كتاب «الفن» # تعرض مفهوم «الشكل الدال» لانتقادات حادة تريد ms05 أن تنال منه الصميم، أخطر هذه ~~الانتقادات هو أن تعريف كلايف بل للشكل الدال تعريف غامض بل فارغ لا ينبئنا بشيء. ~~إنه تضام معين للخطوط والألوان من شأنه أن يثير الانفعال الإستطيقي، ولكن ما هو ~~الانفعال الإستطيقي؟ يقول بل إنه الانفعال الذي يثيره «الشكل الدال»، وبذلك يتبين أن ~~التعريف دائري فاسد، وأن بل يقع في «دور ~~منطقي» # vicious circle # إذ يعرف الشكل الدال بالإحالة إلى الانفعال الإستطيقي ~~بالإحالة إلى الشكل الدال، بينما يبقى كل من مفهومي «الشكل» و«الانفعال» غامضا ~~مستغلقا لا يقدم أي معايير محددة تقربنا إليه. # هل وقع كلايف بل حقا في دور منطقي؟ # إنه يعرف الشكل الدال بأنه الشكل الذي يتخذه الوسيط الحسي (تضام ~~الخطوط والألوان في فن التصوير)، والذي يتسبب في إثارة الانفعال الإستطيقي، وبذلك ~~يتضمن التعريف إشارتين؛ الأولى إلى الطرائق أو القوانين التي تنظم اجتماع الخطوط ~~والألوان، وهي قوانين يعترف بل أنها غامضة ملغزة سرية يتولى النقد مهمة الكشف ~~عنها قدر المستطاع، والإشارة الثانية إلى «الانفعال الإستطيقي» الذي فيه جلاء الأمر ~~وفصل الخطاب من الوجهة الإستطيقية، «كل ما يلزم في مبحث الإستطيقا هو أن أثبت فحسب ~~أن الأشكال إذ تنتظم وتجتمع وفقا لقوانين معينة مجهولة وغامضة تحرك مشاعرنا ~~فعلا بطريقة معينة، وأن مهمة الفنان هي أن يجمعها وينظمها بحيث تحرك مشاعرنا.» # 6 # هذا الانفعال الإستطيقي هو «كيفية» # quality ~~، شأنه شأن صفة «أحمر» حين نصف بها شيئا من الأشياء، ~~والكيفيات بطبيعتها لا تعرف ولا تقبل البرهان؛ لأننا نعرفها بالحدس - بالإدراك ~~المباشر، إن الانفعال الإستطيقي هو خبرة حقيقية نعرفها حين تقع لنا، ولا نحتاج في ~~تعريفها إلى أي حد آخر، ولئن ربطها بل بالشكل الدال فبوصفه «علة» لها لا ~~«تعريفا». # وإن شئت الدقة فهناك الآن نوع من التعريف المشروع يطلق عليه «التعريف الإشاري» # ostensive definition ~~، وهو أن أعرف ~~اللفظة عن طريق الإيماء إلى أمثلة فردية أو شواهد فردية، فأعرف الكرسي مثلا بأن ~~أشير إلى كرسي مفرد أو كراسي مفردة، وأعرف اللون الأرجواني بأن أعرض على السامعين ~~شيئا أرجوانيا، ms06 وأعرف مذاق الأناناس بأن أذيقهم شيئا حقيقيا منه، وأعرف كلمة ~~قطع بأن أؤدي أمامهم فعل القطع، يعتمد التعريف بالإشارة على فهم السامع وتمثله ~~للسمة المعنية من بين غيرها من السمات، ويكاد ينعقد الاتفاق بين الفلاسفة على ~~استحالة ما يسمى «التعريف الإشاري ~~الخاص» # private ostensive definition ~~؛ أي أن تشير إلى خبرة داخلية مثل خبرة «الألم» وتقول: «أعني ~~بكلمة ألم هذا الذي أحس به الآن.» إذ ليس بإمكان الآخرين أن يروا أو يحسوا أو ~~يكابدوا بأي شكل من الأشكال ذلك الذي تحاول أن تسميه، كما أن مثل هذه الأوصاف القائمة ~~على التعريف الإشاري الخاص لا تفسر كيف يتأتى لك أن تعلم أن ما تحس به الآن هو ما ~~يسميه الآخرون ألما، وإذا كان بإمكاننا أن نعرف كلمة «أحمر» بالإشارة؛ وذلك بأن نومئ ~~إلى رقاقة حمراء، فلأن هذا تعريف إشاري عام (وبالمناسبة، يبين لنا هذا أن كلمة أحمر ~~يتوجب أن تسم لونا في العالم، أي لونا تحوزه الأشياء، وليس صفة لخبرة خاصة أو داخلية)، # 7 # والآن إذا رجعنا إلى ما قلناه آنفا من أن «الانفعال الإستطيقي» مرتبط ~~بموضوعات عينية خارجية، ومتفق على حدوثه بين أصحاب الحساسية الفنية، لتبين لنا أن ~~تعريفه الإشاري العام مشروع تماما وكفيل بكسر الحلقة الخبيثة أو الدور المنطقي ~~المزعوم، الخطب أن من عدم الحساسية الإستطيقية لن يجدي معه الحديث في الإستطيقا، وأن ~~القوانين التي تتبطن حبكة الشكل غامضة ملغزة، يصدق فيها قول الأستاذ سعيد عقل: «ما ~~تدري ما تدري، كل ما هنالك أن السحر كان ويبقى موضوع شك.» # 8 # والتحدي الثاني الذي يواجه مفهوم الشكل الدال هو أن الأعمال الفنية هي من التنوع ~~والتباين بحيث يصعب إدراجها في فئة موحدة والعثور بينها على قاسم مشترك، فليس هناك ~~شيء من قبيل «الفن» بألف لام التعريف، بل هناك «فنون»، وهذه الفنون تختلف فيما بينها ~~اختلافا شديدا يجعلها بمثابة ضروب متباينة من النشاط لا يجمع بينها شيء ~~واحد. # ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن مفهوم العمل الفني هو «مفهوم تشابه عائلي» (أو ms07 أسري) # family resemblance concept ~~، والتشابه الأسري هو ~~الظاهرة التي كشف عنها فتجنشتين في كتاباته المتأخرة، ومفاده أن الأشياء التي يشير ~~إليها حد # term # من الحدود قد ترتبط معا لا بخاصية ~~مشتركة واحدة بل بشبكة من التشابهات، كشأن الأشخاص الذين تشترك وجوههم في ملامح ~~مميزة لأسرة معينة، وقد أصبح مفهوم التشابه الأسري يعني كل مفهوم يضم مجموعة من ~~الأشياء أو الموضوعات وينطبق عليها لا بفضل سمة فريدة عامة بل لوجود تشابهات بينها ~~عديدة ومتداخلة جزئيا بعضها مع بعض. # ووفقا لهذه الوجهة من الرأي فإن بين الأعمال الفنية بتنوعها الهائل الذي يتعذر ~~اختزاله أوجه تشابه واختلاف تتقاطع مع بعضها البعض بطريقة معقدة، وإن ما يدخل ضمن ~~مقولة الفن يعتمد على أحكام متغيرة على مر التاريخ حول الطريقة التي ينبغي أن نقيم ~~بها هذه التشابهات والاختلافات. # ورغم وجاهة مفهوم التشابه الأسري وانطباقه على الفن، فهو لا ينفي بالضرورة وجود ~~قواسم مشتركة في الوقت نفسه، فلا تزال هناك سمات عامة لافتة يمكن أن تجمع بين الأعمال ~~الفنية جميعا: # فالأعمال الفنية على تباينها الشديد تتحلى جميعا بالشكل الإستطيقي مهما غمض ~~مفهومه. # والأعمال الفنية جميعا تتطلب أن نتخذ إزاءها «الموقف الإستطيقي» أي ~~التقدير المنزه عن الغرض العملي. # وهي جميعا تفضي إلى الانفعال الإستطيقي. # وتعد جميعا مصدرا لصنف خاص من المعرفة. # ليس ثمة تعارض بين هذه السمات العامة، وليس هناك ما يمنع في واقع الأمر من أن تكون ~~جميعا صحيحة، والحق أنها قد تسهم جميعا في تفسير واحد لتلك المكانة الكبيرة التي ~~يحظى بها الفن في حياتنا، وحين اختزل كلايف بل الصفات المشتركة بين الأعمال الفنية في ~~صفة واحدة هي «الشكل الدال» فقد جمع كل هذه الصفات وكثيرا غيرها في صفة واحدة تضمها ~~جميعا وتفعمها بالمغزى وتعلو عليها في الوقت ذاته، وهو ما سيتكشف لنا على مهل خلال ~~الفصول التالية. # الفصل الثاني # | الموقف الإستطيقي # Aesthetic Attitude # علمه أن يسدد حبه إلى قلب الأشياء، ويسرح أشواقه في طوايا الحق. # في هذا «العالم الثالث» بتعبير بوبر، العالم الذي برأه ms08 الإنسان وخلقه، ألتقي بنفسي ~~الحقيقية، وأعيش عمري الحقيقي، وأعثر على دهشتي المسروقة، ويسمح لي، لدقائق محسوبة، ~~أن ألتقي بدموعي السجينة. # وارني عن اسمي، وإلا رأيته ولم ترني. # النفري ~~(1) الموقف ... وإدراك العالم # إن ما ندركه ونخبره ونحسه لا يتوقف فحسب على ما هو موجود في بيئتها، بل يتوقف ~~أيضا على اهتمامنا وانتباهنا الانتقائيين (بالإضافة إلى قدراتنا الذهنية الخاصة في ~~التأويل والتصنيف)، وقد كانت الفكرة السائدة قديما هي أن الكائنات الإنسانية كائنات ~~تستقبل كل المنبهات البيئية الخارجية بطريقة سلبية آلية ولا تفلت منها أي منبه. ~~ومن الثابت الآن أن هذه الفكرة قاصرة بل مغلوطة ومضللة، فالحق أن «الموقف» الذي ~~نتخذه في حياتنا بصفة عامة وفي كل لحظة آنية بصفة ~~خاصة يتحكم في طريقة إدراكنا للعالم وللأشياء من حولنا. و«الموقف» # attitude ~~(الاتجاه) هو طريقة في ~~توجيه إدراكنا وضبطه، فنحن لا نلتقط كل شيء في بيئتنا دون تمييز، وإنما نحن ~~«ننتبه» # attend # إلى بعض الأشياء ونركز على بعض ~~السمات بينما نتجاهل غيرها ولا ندركها إلا بطريقة غائمة باهتة أو لا ندركها على ~~الإطلاق. من خصائص الانتباه إذن أنه انتقائي يجتبي ما يعنيه من المنبهات الخارجية ~~ويضرب صفحا عن غيرها، بل ينفي هذا الغير عن ساحة الوعي بطريقة قاطعة وآليات ~~نشطة. # إن الأغراض التي نضمرها لحظة الإدراك هي التي تتحكم في تحديد ما نختاره لكي ننتبه ~~إليه، فأفعالنا هي دائما غرضية تتجه نحو هدف ما؛ ولذا فإنه عندما تكون للأفراد ~~أغراض مختلفة فإنهم يدركون العالم على أنحاء مختلفة، بحيث يقر أحدهم أمورا معينة ~~يتجاهلها غيره أو ينكرها، ذلك أن الاهتمام أو الموقف هو الذي يرشد الانتباه في ~~اتجاهات ذات صلة، ويهيئ الكائن إلى أن يسلك بطريقة فعالة، ويحجب في الوقت نفسه تلك ~~المنبهات التي لا تتصل بغرضه وربما تشتت جهوده وتبددها، فالطالب الذي يستغرق في حل ~~مسألة رياضية، على سبيل المثال، يولي كل اهتمامه إلى العناصر المتصلة بهذه المسألة، ~~ويصرف انتباهه بشكل حاسم عن كل منبهات البيئة ولا يكاد يدرك منها شيئا، بل إن ~~الموقف ms09 الفكري والأيديولوجي ليتحكم في طريقة الإصغاء إلى الأشياء وهيئتها المدركة، ~~ويشحن الانتباه في اتجاهات معينة ويصرفه عن المضي في اتجاهات أخرى. ~~(2) الموقف العملي والاقتصاد الإدراكي # نخلص من ذلك إلى أننا في حياتنا اليومية ~~المعتادة نتخذ دائما موقف «الإدراك العملي»، فلا ندرك الأشياء إلا بوصفها وسيلة إلى ~~غاية أو غرض يتجاوز تجربة الإدراك ذاتها؛ ومن ثم فنحن نجتزئ بإدراك ما يكفي لإنجاز ~~الغرض العملي؛ فقد علمتنا الحياة العملية أن «نقتصد» في الإدراك، وننظر إلى الأشياء ~~والأشخاص بالقدر الذي يكفي لتمييزهم، وكأننا في الحقيقة لا نرى الأشياء ذاتها بل نقرأ ~~بطاقات الأشياء لنعرف على الفور كيف نسلك إزاءها، أو ننظر إلى الشيء لنرى فيه ~~«النمط» # type # لا «النسخة» # token ~~(بتعبير اللسانيات الحديثة). يقول كلايف بل: «لقد اخترع ~~هذه البطاقات المفيدة أناس عمليون من أجل أغراض ~~عملية، والبلية هي أن العمليين من الناس بعد أن يكتسبوا عادة تمييز البطاقات ~~يميلون إلى أن يفقدوا القدرة على الانفعال، وبما أن الطريقة الوحيدة لبلوغ الشيء في ~~ذاته هي الشعور بدلالته الانفعالية، فإنهم سرعان ما يبدءون في فقد حسهم بالواقع.» # 1 # هذا «الاقتصاد الإدراكي»، أو عادة قراءة بطاقات الأشياء، هو أمر مفيد ولا بد منه ~~لادخار الطاقة وحفظ الحياة، وقد قيل يوما: إن الذئب الفنان يموت جوعا! وتأويل ذلك ~~أنه سيظل يتأمل الشاة (ويتغذى بانفعاله الإستطيقي) ولن ينقض عليها أبدا، إنه ~~«جمالي متطرف» # aesthete # يسرف في إدراكه ويخلط المقولات # 2 # ويفشل في «عزل» # 3 # الفن، ويريد أن يسير الحياة بمقتضيات الفن. «وقد بين روجر فراي أنه ~~من المحال على أغلب البشر أن ينظروا إلى ثور مغير (هاجم) كغاية في ذاته، ويسلموا ~~أنفسهم للدلالة الانفعالية لأشكال الثور، فنحن ما نكاد نميز بطاقة «ثور مغير» حتى ~~نهيئ أنفسنا للفرار لا للتأمل، ها هنا تكون عادة تمييز البطاقات مفيدة لنا، إلا أنها ~~تضرنا عندما تحول بين الأشياء وبين استجابتنا الانفعالية لها رغم غياب أي داع للفعل ~~أو العجلة ... إن عادة تمييز البطاقة وإغفال الشيء، والرؤية الفكرية بدلا من الرؤية ~~الانفعالية؛ ms10 هي علة ذلك العمى المذهل، أو بالأحرى تلك الضحالة البصرية، لمعظم ~~الراشدين المتحضرين، فنحن لا ننسى ما حرك شعورنا، ولكن ما اجتزأنا بتمييزه ولم ~~نزد فهو لا يخلف في ذهننا أثرا عميقا.» # 4 # مساوئ الموقف العملي # ذلك هو الموقف العملي، أما «الموقف الإستطيقي» فهو الموقف الذي نتخذه من شيء ~~ما عندما نهتم به دون باعث من المنافع العملية، فنوليه اهتماما «منزها عن ~~الغرض» # disinterested # ونتأمله من أجل ذاته فحسب، ~~فإذا كانت العادة تغطي عالمنا بقشرة من الرتابة وتذهب بماويته وبهائه ~~وتغشي على موضع الدهش منه، فإن الفن اختراق إلى باطن الحياة وقراءة في قلب ~~الواقع وامتداد بملكات الإدراك ، وإذا كانت الحياة العملية «تقلص رؤيتنا وتضع على ~~أعيننا غمائم كي لا نتلفت ولا ننظر إلا في الاتجاه الذي تفرضه ضرورات العمل.» # 5 # فإن الفن سراح للعين والخاطر، وهجرة إلى الواقع النهائي. # يرى السوقة أن الفنان رجل ذاهل جدا، لأنه متيقظ جدا لما نحن ذاهلون ~~عنه، إننا نبتذل الوجود ونسطحه، ونشيح عنه كأننا سنزوره ألف مرة، فلا ننظر ~~الأشياء ذاتها بل نقرأ بطاقاتها، ونرى إليها بعين الغرض فلا نرى غير تصنيفاتها التي ~~أعدتها لنا سلفا ثقافتنا المحلية، إننا ننظرها باللغة، واللغة تطمس الفروق ~~وتسرق «فردية» الأشياء وتحيلها إلى فئات عامة وأنماط كلية، ينصب «اللفظ» ~~وجهه بيننا وبين «الشيء» فيحجبه عنا، فلا نرى منه غير الاسم والغرض (وإلا لكنا ~~جميعا رسامين ومثالين). # ولا تكتفي الألفاظ بأن تقف حائلا بيننا وبين الأشياء، بل تقف أيضا حائلا بيننا ~~وبين أنفسنا! إن مشاعرنا وانفعالاتنا الذاتية لتفلت هي أيضا من قبضتنا، فنحن لا ~~نعرفها على وجه التحديد - لا نلمس تعاريجها الدقيقة ولا نسبر أعماقها الغائرة ولا ~~نتبين قسماتها الفردية وملامحها الشخصية، ولا ندرك منها إلا جانبها التقريبي غير ~~الشخصي ووجهها العام الشائع الذي تسنى للغة أن تلتقطه وتسجله (وإلا لكنا ~~جميعا شعراء وروائيين وموسيقيين). # إن الحياة العملية، كما يقول برجسون، تلقي بنا في عالم نفعي يقوم على بعض ~~الرموز والدلالات العامة، من شأنها أن تسلب منا فردية ms11 الأشياء وفرديتنا، وينقضي ~~وجودنا في منطقة محصورة ضيقة لا هي بالذات ولا هي بالعالم الخارجي، بل هي - على ~~وجه التحديد - منطقة متوسطة بيننا وبين الأشياء، هي منطقة التعامل مع الواقع، ~~يقول برجسون: «لقد عملت المصادفات السعيدة على ظهور أناس تبدو حواسهم وشعورهم ~~أقل التحاما بالحياة، وكأن الطبيعة قد نسيت أن تربط ملكة الإدراك الحسي عندهم ~~بملكة الفعل والتصرف، وهؤلاء حينما ينظرون إلى شيء فإنهم لا يرونه لأنفسهم، بل ~~لنفسه هو! وهم لا يدركون لمجرد العمل والتصرف، بل يدركون للإدراك ذاته، أعني لغير ~~ما غاية، اللهم إلا المتعة وحدها، وهم يولدون منفصلين - في جانب من جوانبهم، ~~سواء أكان هذا الجانب هو إحدى الحواس أم هو الشعور نفسه - عن الواقع أو الحقيقة ~~الخارجية، وبالتالي فإنهم يولدون مصورين أو مثالين أو موسيقيين أو شعراء.» # 6 # الفصل الثالث # | الفن معرفة وكشف # قليلة هي الأشياء الهامة التي تقبل البرهان، فالأشياء الهامة إنما يتوجب أن يحس ~~بها ويعبر عنها. # كلايف بل ~~(1) لذة أم معرفة؟ # تأتي الخبرة الإستطيقية دائما مصحوبة بصنف ~~معين من اللذة، غير أن اللذة ليس كل شيء في الخبرة الإستطيقية، بل إن هناك ~~اتجاها عارما في العصر الحديث نحو تعريف الفن في حدود «المعنى» و«الدلالة»، بدلا من ~~اختزاله إلى خبرة تبعث اللذة أو تشبع الحواس، فالفن أخطر من اللذة، ومهمة الفنان ~~أجل من مجرد «تجهيز لذات»، لقد صرنا نجد لدى عامة الجمهور انصرافا عن القيم الفنية ~~الرفيعة، وصرنا نجد لدى كبار الفنانين اتجاها قويا نحو إدخال عناصر «التنافر» # dissonance # و«القبح» في أعمالهم، وربما عمد الفنان ~~الحديث إلى أن تكون لوحاته مزعجة واستفزازية، وأن تكون موجعة مقلقة منغصة بدلا ~~من أن تكون جميلة رائقة تسر الناظرين، مما يؤدي إلى المفارقة الحديثة التالية: ~~«أنا أحب لوحات الفنان س؛ لأنها مقلقة للغاية.» أو «أنا أحب روايات الكاتب ص؛ لأنها ~~شديدة الإزعاج.» # تقول سوزان لانجر في كتابها القيم «الفلسفة بمفتاح جديد»: إن الفن العظيم ليس ~~مجرد لذة حسية مباشرة، وإلا لوجد استجابة مرضية لدى العامة قبل الخاصة، وليس ms12 من شك في ~~أن الكثير من اتجاهات الفن المعاصر قد أصبحت شاهدا واضحا على قلة اهتمام الفنانين ~~بتقديم أشكال سارة أو نماذج جميلة، مما يضعف حجة القائلين بأن الفن هو مجرد متعة ~~أو لذة، فإذا أضفنا إلى ذلك أننا نشهد اليوم اهتماما منطقيا وسيكولوجيا كبيرا ~~بمفهوم الرمز، مع ما يقترن به من دراسة للوسائط التعبيرية وطرق ترجمة الأفكار أو ~~المعاني، أمكننا أن ندرك كيف أن فلسفة الفن الجديدة لم تعد تستطيع الاستغناء عن ~~مفهوم «الشكل الدال» (أو الصورة ذات المعنى) # Significant ~~Form ~~. # 1 # إن الإنسان، كما بين إرنست كاسيرر # E. Cassirer ~~، ~~هو حيوان رامز قبل كل شيء، أي حيوان يصنع الرموز ويعيش في عالم من الرموز، والفن هو ~~مظهر من مظاهر حضارة الإنسان إلى جانب الأسطورة والدين واللغة والتاريخ والعلم. وليست ~~الرموز البشرية مجرد مجموعة من العلامات التي تشير إلى بعض المعاني أو الأفكار أو ~~التصورات، بل هي شبكة معقدة من الأشكال التي تعبر عن مشاعر الإنسان وانفعالاته ~~وأهوائه ومعتقداته، «إن فطرة الإنسان أوسع من دائرة العقل الخالص.» ومكانة الفن في ~~مضمار الحياة الإنسانية إنما ترجع إلى كونه لغة من اللغات الرمزية العديدة التي حاول ~~الإنسان أن يصطنعها في فهمه للعالم، # 2 # فالفن ليس مجرد تكرار لحقيقة جاهزة أو ترديد لواقع قائم سلفا، بل هو ~~كشف لحقيقة جديدة وتعبير عنها بلغة رمزية. # والفن شكل قبل كل شيء، والأثر الفني هو أثر فني لأنه شكل كلي متسق مع نفسه وقابل ~~للإدراك، وكأنما هو موجود طبيعي له وحدته العضوية واكتفاؤه الذاتي وحقيقته الفردية، ~~فليس العمل الفني تعليقا على شيء يمتد فيما وراءه في صميم العالم، ولا قرينة تذكرنا ~~بأشياء أخرى قائمة في الواقع الخارجي، إنما الآثار الفنية «رموز» تنطوي على معان، لا ~~مجرد «علامات» تدل على أشياء، والتعبير الفني ليس مجرد استجابة لموقف حاضر أو لمؤثر ~~واقعي، بل هو «شكل رمزي» يوسع من دائرة معرفتنا ويمتد بها إلى ما وراء مجال خبرتنا ~~الواقعية أو دائرة تجربتنا الحالية. ~~(2) الفرق بين الرمز والعلامة # سبق ms13 لهيجل أن ميز بين الرمز والعلامة، فقال إن العلاقة التي تربط العلامة الحقيقية ~~بالشيء الذي تدل عليه هي علاقة «اعتباطية» # arbitrary # 3 # لا ضرورة فيها، أما في حالة الرمز ~~فالأمر مختلف تماما؛ فالأسد مثلا يستخدم كرمز للشهامة، والثعلب كرمز للمكر، والدائرة ~~كرمز للخلود، غير أن الأسد والثعلب فيهما الصفات التي من المفروض أن يعبرا عن ~~معناها، وهكذا ففي حالة الرمز على اختلاف أنواعه يحتوي الموضوع الخارجي في ذاته ومنذ ~~البدء على المعنى الذي استخدم لتمثيله، فهو ليس علامة اعتباطية ولا يستعمل كيفما ~~اتفق، بل هو علامة تتضمن في شكلها الخارجي ذاته مضمون التمثل ~~الذي تظهره. # وقد أكد دي سوسير فكرة اعتباطية العلامة ورسخها ترسيخا نهائيا، وبين أن ~~«الرمز» ليس اعتباطيا تماما؛ فهو ليس فارغا بل هناك جذر رابطة طبيعية فيه بين ~~الدال والمدلول؛ فرمز العدالة - الميزان - لا يمكن استبداله اعتباطا بأي رمز آخر - ~~كالعربة مثلا. # 4 # وأسهب طودوروف في بيان الفرق بين العلامة والرمز، أما سوزان لانجر فقد ميزت ~~تمييزا واضحا بين الرموز والعلامات، فذهبت إلى أن «العلامة» # signs ~~(مثل ألفاظ اللغة وإشارات المرور ... إلخ) هي شيء نعمل ~~بمقتضاه أو وسيلة لخدمة الفعل، وأن علاقتها بمعناها علامة اتفاقية غير ضرورية، فهي ~~مستقلة عن معناها، تشير أو تحيل إليه ثم لا يعدو شأوها أكثر من ذلك، أما ~~«الرمز» # symbol ~~(مثل الأسد والصليب وغصن الزيتون ~~والميزان ... إلخ) فهو أداة ذهنية أو مظهر من مظاهر فعالية العقل البشري، إنه شكل كلي ~~مستقل بذاته ملتحم بمعناه لا يحيل إلى أي شيء خارجه، وبهذا المعنى تكون الآثار الفنية ~~رموزا حقيقية تنطوي على معان أو دلالات؛ فالعمل الفني هو لغة رمزية تنقل إلينا ~~عيانا مباشرا وتحمل تعبيرا حيا وتحيطنا علما بحقيقة وجدانية. والوظيفة الأولى ~~للفن هي تحويل الوجدان إلى حقيقة موضوعية ماثلة بحيث يكون بوسعنا أن نتأمله ونفهمه، ~~والوجدان الذي يعبر عنه العمل الفني وجدان مباشر لا ينفصل عن العمل، شأنه في ~~ذلك شأن المعنى الكامن في المجاز الحقيقي، أو القيمة الماثلة في الأسطورة؛ ومن ثم ms14 فنحن ~~لا نتحدث عادة عن الوجدان الذي يعنيه العمل الفني ويشير إليه، بل نتحدث عن الوجدان ~~الكامن في العمل الفني كحالة باطنة في أعماقه. # 5 ~~(3) الحقيقة الفنية # الفن إذن أداة من أدوات الكشف عن الحقيقة، ووسيلة رمزية للمعرفة، والرسالة التي ~~يبثها إلينا الفن أعمق من أن تكون لذة حسية عابرة أو متعة جمالية زائلة، فالعمل الفني ~~لغة رمزية لها معنى ودلالة، ويبدو أن اللذة الإستطيقية هي شيء قريب من الإشباع أو ~~الرضا الذي يقترن عادة بعملية الكشف عن الحقيقة، وليس من المستبعد تماما أن تكون ~~اللذة مجرد «نتاج ثانوي» # byproduct # للكشف أو ~~«ظاهرة مصاحبة» # epiphenomenon ~~، فكما أن العلم يكشف ~~لنا بعض مضامين العالم وينقلها إلى مجال المعرفة الموضوعية، فإن الفن يقوم بدور مماثل ، ~~ولكن في مجال المضمون الوجداني للعالم، إن حدود اللغة ليست هي الحدود النهائية للتجربة، ~~والأشياء التي لا تقوى اللغة على التعبير عنها قد تملك صورها الخاصة القابلة للتصور؛ ~~نظرا لما تنطوي عليه من إشارات رمزية خاصة. # ومجمل القول: إن العمل الفني يكشف عن «حقيقة فنية»، والحقيقة الفنية في رأي سوزان ~~لانجر هي صدق الرمز في التعبير عن أشكال الوجدان، وهي في ذلك تقترب من رأي الأستاذ ~~ت. م. جرين # T. M. Greene # الذي دافع بشدة عن فكرة ~~«الحقيقة الفنية»، وجعل للفن مهمة معرفية شأن العلم والفلسفة، وذهب إلى أن الفنان يكمل ~~العلم عن طريق كشفه لحقائق لا يستطيع العلم التوصل إليها أبدا. # يرى جرين أن العمل الفني يمكن أن يكون صحيحا أو باطلا بالمعنى نفسه الذي تكون به ~~القضية العلمية صحيحة أو باطلة، ويخضع لمعيار «الاتساق» # cosistency # و«التطابق» (التناظر) # correspondence # شأنه شأن قضايا العلم، وتأويل ذلك، ~~عند جرين، أن القضايا تنقل المعاني والحقائق عن طريق «وسيط» # medium # معين يتيح الاتصال بين ذات وأخرى، وليس من الضروري أن يكون ~~هذا الوسيط لفظيا تصوريا، فمن الممكن أن نجد قضايا (أي نجد ما يذهب الفنان إلى أنه ~~صواب أو حق في موضوعه) في وسائط كالتصوير والموسيقى ... إلخ، إن الفن يعبر ms15 عن قضايا ~~حقيقية يقول بها على طريقته ما لا يمكن للعلم أن يقوله. # وما دام الفن يقدم معرفة حقيقية - ويقول (يقرر) قضايا حقيقية، فهو من ثم خاضع ~~لمعياري الاتساق والتطابق، على طريقته أيضا، والاتساق في العمل الفني هو أن يستغل ~~العمل إمكانات الوسيط الحسي ويحترم مبادئ المعالجة الخاصة بقالبه الفني، وأن تخلو ~~قضاياه التي يعبر عنها من التناقض فيما بينها ومن المزج الاعتباطي بين أساليب متباينة، ~~وأن يكون في مجموعه كلا متكاملا وتعليقا معقدا متماسكا على موضوعه الذي يعمد إلى ~~التعبير عنه، أما التطابق في العمل الفني فهو، ببساطة، تطابقه مع العالم (الخارجي أو ~~الوجداني) شريطة اتخاذ الإطار المرجعي للفنان، والمثل الذي يضربه جرين هو تصوير سيزان ~~للأشجار، فطريقة معالجة سيزان لهذا الموضوع تؤكد سمات معينة يتجاهلها بقية الفنانين؛ ~~ذلك لأن سيزان يؤكد «صلابتها الثلاثية الأبعاد»، «وفي استطاعتنا أن نذهب مباشرة إلى ~~الطبيعة، ونختبر دقة ملاحظاته المسجلة على أساس اهتمام سيزان المعرفي الخاص، فإذا اختبر ~~الناقد ملاحظات سيزان على هذا النحو، لما تمالك نفسه من الإعجاب بموضوعية بصيرة سيزان، ~~ولأدرك أننا بدورنا نستطيع أن نرى ما رآه سيزان.» # 6 # ويؤكد هربرت ريد الصبغة المعرفية للفن، ويرى أن الهدف الأسمى للفنان، مثله مثل رجل ~~العلم، إنما هو تقرير حقيقة، فالفن ليس مجرد تجسيم لبعض العواطف كما تقول النظرية ~~التعبيرية، والأعمال الفنية الكبرى في التاريخ لم تكن أعمالا كبرى بفضل مضمونها ~~التعبيري، بل بفضل الحقائق الوجدانية الكلية التي استطاعت أن تجسدها، وهي حقائق موضوعية ~~قابلة للتحقق منها # verifiable # شأنها شان حقائق العلم ~~إلا أنها تتناول المضمون الوجداني للعالم، فالعمل الفني «واقعة» إستطيقية وأثر ~~«واقعي»، وهو بوصفه شكلا مدركا يعد «مقابلا موضوعيا» للانفعال أو الفكرة أو ~~الحدس، وتحققا عينيا لحالة من حالات الشعور، ومن هنا قابليته للتحقق، وآية الصدق في ~~المجال الفني هو دقة الرمز وانضباطه والتحامه التام بمعناه. # إن نقاط الالتقاء لا تخفى بين هربرت ريد وسوزان لانجر وتيودور جرين، وتكاد آراؤهم حول ~~الحقيقة الفنية أن تكون صياغات مختلفة للتصور نفسه، وهي ms16 صياغات تتسق مع مذهب بل وفراي ~~برغم الوهم القائل بأن الشكلية تعفي الفن من مئونة «الحقيقة» ما دامت الشكلية تنفي ~~وجود أي ارتباط بين الفن والحياة، يقول كلايف بل في فصل «الفرضية الإستطيقية»: «وربما ~~يذهب بي الظن أحيانا إلى أن مدركي الفن ومدركي الحلول الرياضية قد يكونون أكثر قربا ~~وأوثق صلة حتى من ذلك، فأتساءل: قبل ان يأخذنا انفعال إستطيقي تجاه تجمع من الأشكال، ~~ترانا ندرك بالفكر صواب هذا التجمع وضرورته؟ فإن صح ذلك فهو حري أن يفسر واقعة أننا إذ ~~نمر سراعا خلال غرفة فنحن نميز جودة إحدى اللوحات رغم أننا لا نستطيع أن نقول إنها ~~أثارت فينا انفعالا كبيرا، فيبدو أننا نكون قد تبينا بالفكر صواب الأشكال باللوحة دون ~~أن نتريث لنركز انتباهنا ونقبض على دلالتها الانفعالية كيفما كانت، فإذا كان الأمر كذلك ~~فإن لنا أن نتساءل ما إذا كانت الأشكال ذاتها هي ما أدى إلى الانفعال الإستطيقي أم ~~إدراكنا لصواب الأشكال وضرورتها.» # 7 # إن الحقيقة الفنية، في واقع الأمر، هي مسألة قتلها بل بحثا وفصلها ~~تفصيلا (انظر فصل «الفرضية الإستطيقية» وفصل «التبسيط والتصميم») وكان مستبقا فيها ~~لآراء المفكرين الثلاثة المذكورين وملهما لهم، غير أن صرامته المنطقية جعلته يفصل بين ~~اليقين والتخمين - بين نطاق الإستطيقا ونطاق الميتافيزيقا. # فليحمل العمل الفني من الحقائق ما وسعه أن يحمل، ولينقل من المعارف ما شاء أن ينقل، ~~فالمعرفة والحقيقة، ككل شيء آخر يعبر عنه الفن، لا بد أن ترتبطا ارتباطا وثيقا ~~بالقوام الحسي والعرض الشكلي للعمل، إن الفن لن ينافس العلم في مضماره، إنما تلح ~~الشكلية على أن يكون الفن فنا - أي شكلا دالا - كيما يتسنى له أن يقبض على الحقيقة ~~التي يعجز العلم عن القبض عليها. # الفصل الرابع # | الفن الحديث # إنها لأبصار ثاقبة حقا تلك التي استطاعت أن تلمح قبل بزوغ القرن الجديد أن ~~سيزان قد أسس حركة. # كلايف بل # إن بومة منرفا لا تبدأ في التحليق إلا عندما يحل الغسق. # هيجل # يعد الاتجاه الشكلي في الإستطيقا بمثابة تأصيل نظري للفن ms17 الحديث، فالإبداع دائما سابق ~~على التأمل النظري، والعمل الفني الأصيل هو قانون نفسه ومشرع ذاته، فهو يخلق نظريته ~~ولا تخلقه النظرية، ونحن في الأغلب الأعم لا نفهم الأحداث إلا استعادة # in ~~retrospect ~~، ولا نعي ما جرى إلا بعد أن يتم ويكتمل ويبهظ، ويكاد يفقأ ~~عين كل أوديب منا، إنها بومة منرفا لا تشرع في تحليقها إلا بعد انقضاء النهار، أو ~~هي «الحكمة» لا تنعم بحضورها إلا «بعد ~~الحفل» # post-festum ~~. ~~(1) الانطباعية # Impressionism # كان الفن في أواسط القرن التاسع عشر في سبات أقرب إلى الاحتضار، وكان الشطر الأكبر ~~من اللوحات الفنية يهدف إلى المحاكاة الأمينة والترديد الحرفي للمرئيات الطبيعية ~~الجميلة؛ لشخصيات مليحة، وشواطئ ساحرة، ومناظر ريفية خلابة. # في قلب هذا الركود بزغت حركة قلقة مقلقة تنم على حيوية جديدة، هي حركة ~~«الانطباعيين» الفرنسيين، أما اللفظة «انطباعية» فقد أطلقها النقاد على مجموعة من ~~المصورين كان مونيه # Monet # فارسها الأشهر، وهي مأخوذة ~~من عنوان لوحة رسمها مونيه عام 1872 وسماها «انطباع» كناية عن مشهد لشروق الشمس. ~~وتمثل اللوحة شمس مدينة «الهافر» وهي تشرق وسط ضباب المدينة البحرية، ومن خلال ~~الانعكاسات الضوئية وبعض الزوارق. كذلك يمكن تأريخ بداية الانطباعية بالوقت الذي أقيم ~~فيه «معرض الفنانين المرفوضين» # Salon des Refusés # الذي ~~أذن الإمبراطور نابليون الثالث بفتحه عام 1863، حيث عرض «إدوار مانيه» # E. ~~Manet # ثلاث لوحات ضخمة ~~أهمها لوحته الشهيرة (الغداء على ~~الخضرة) # Déjeuner sur l’Herbe # التي أثارت ثائرة الجمهور ضده. # لم يجد عامة الجمهور في لوحة مانيه سوى صورة فتاة متجردة تجلس إلى جوار شابين كاملي ~~الملابس، بينما جعلت صديقتها المتشحة برداء أبيض شفاف تغسل قدميها في غدير صاف ينساب ~~بين الأشجار، ولكن يبدو أن مانيه - كما لاحظ إميل زولا - لم يكن يعلق على «موضوع ~~اللوحة» كل تلك الأهمية التي اعتاد الجمهور أن يعلقها، فإن «الموضوع» # subject matter # لم يكن بالنسبة له أكثر من حجة أو ~~«ذريعة» # pretext # للقيام ببعض الدراسات الفنية، أما ~~الجمهور فلم يكن يرى من أية لوحة غير «موضوعها». كذلك لم يقدم مانيه ms18 في لوحته شخصيات ~~تاريخية مستعارة من لوحات الأقدمين، بل صور فيها شخصيات باريسية حية مستمدة من ~~صميم بيئته، ولم يسبغ على فتاته العارية ذلك الطهر السحري المثالي الذي اعتاد ~~المصورون أن يسبغوه، بل صورها بصورة الأنثى التقليدية، كما أن مانيه رسم الأشكال في ~~تلك اللوحة بطريقة الانتقال المفاجئ من الضوء إلى الظل، مستهينا بالأسلوب التقليدي في ~~التصوير وهو الانتقال التدريجي في تجسيم الأشكال. # 1 # كانت تلك بدايات حيية ومفاتحات مترددة سرعان ما تبلورت في حركة واضحة وكسبت أنصارا ~~عديدين، كان هؤلاء يولون موضوع اللوحة أهمية ضئيلة ويجعلون هدفهم هو الوصول إلى تأثير ~~اللون والضوء والظل في موضوعات تجربتنا البصرية، وإذ انصب اهتمامهم على مظهر الضوء ~~واللون في العالم فقد ركزوا انتباههم على السطوح الخارجية للأشياء، وقللوا من ~~تكتل الموضوعات المصورة وصلابتها. إن انعكاس الشيء في الرسم هو عندهم حقيقة لا تقل ~~عن حقيقة الشيء المعكوس نفسه؛ فالرؤية يجب أن تكون جديدة طازجة، والاتصال بالأشياء يجب ~~أن يكون ملامسة حية للمعطيات الحسية في واقعها المباشر وحضورها الآني. # لقد أعاد الانطباعيون تعليم الناس كيف ينظرون إلى الأشياء من جديد، كما عملوا على ~~صرفهم عن تعاليم فنية كثيرة. تخلى الانطباعيون عن مهمة إعادة بناء الماضي، وعن ~~التآليف المجازية، وعن التخيلات الرمزية، # 2 # وأصبح يقال: «الانطباعية إنما تثير الإحساس عوضا عن إثارة المخيلة.» إن ~~الرموز، على حد قول كلايف بل، ليست أشكالا دالة في عامة الأحوال، بل ناقلات خبر ~~شكلية، والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها مادة ميتة في كائن ~~عضوي حي، وهي جاسئة مغلقة؛ لأنها غير مغمورة في إيقاع «التصميم» # design ~~. وليست الأساطير الشارحة، التي اعتاد رسامو الصور ~~التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم، بأدخل على الفن البصري من الأشكال الرمزية ~~التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. «إن الفن الرمزي المحض - الفن ~~الذي يحتاج إلى مفتاح - ما هو دائما إلا باب لخزانة، في حين أن الفن العظيم مصراع ~~مشرع على التجربة العظيمة.» # 3 ~~(2) سيزان: ما بعد الانطباعية Post-Impressionism ms19 # غير أن تركيز الانطباعيين على السطوح الخارجية للأشياء دفعهم إلى الإقلال من تكتل ~~الموضوعات التي يصورونها وصلابتها، مما جعل فنهم يبدو في كثير من الأحيان خافتا ~~مائعا رخوا مفتقرا إلى الشكل والصلابة، وفي قلب هذه البوادر الهدمية للحقيقة ~~الواقعية في ظاهرها ولدت الحاجة إلى إعادة بناء الواقع، وقد تم ذلك على يد سيزان # Cézanne # أبي الفن الحديث. ~~«ينظر إلى بول سيزان (1839-1906) في العادة على أنه أعظم شخصية مؤثرة في الفن ~~الحديث، وربما تشير أعماله إلى ضرب من التوازي مع الحركة الوجودية؛ إذ نرى عنده نهاية ~~للأشكال التقليدية في الفن وخلقا لأشكال جديدة، وهو يمكننا من أن نرى الأشياء ~~بطريقة جديدة، وفي علاقات جديدة ... كان الفن في القرن الثامن عشر فنا عقلانيا ~~منظما، ولقد حاول الفن الرسمي في القرن التاسع عشر عبثا أن يدعم هذا النظام العقلي ~~في مواجهة هجمات الفنانين اللامعين الأصلاء الذين استخدموا الفن بطرق مختلفة للتعبير ~~عن عواطفهم الشخصية أو الإمساك بالجوانب الرواغة من الطبيعة، وكان آخر هؤلاء جميعا ~~رجلا عجوزا غريبا نشيطا، كان يرى وهو يشق طريقه بواسطة تجربة طويلة منعزلة، ~~راجعا إلى نقطة البداية التي ينظر فيها إلى الفن على أنه إعادة تنظيم مؤكدة للعالم الطبيعي.» # 4 # أسس سيزان حركة بنائية أعادت للتصوير صلابته ومتانة بنيانه، واستخدم اللون من أجل ~~التعبير عن «ثقل» الأشياء أو تكتلها، ولا يقل عن هذا أهمية ذلك العمق الكبير الذي ~~اتسمت به لوحاته، وهكذا نراه يستطيع أن يخلق تجاوبا إيقاعيا بين العلاقات ~~المكانية التي تمتد من وراء مسطح الصورة، فتنتقل عين المشاهد فوق المسطحات المتداخلة ~~للوحة ويشعر نتيجة لذلك بالحركة والتوتر، هذه العلاقات «التشكيلية» بين الكتل ~~المصورة تؤلف جزءا من معنى «الشكل» عند سيزان. # 5 # كان سيزان، كما يقول إتيين سوريو، يدعي تأييد الانطباعية وتدعيمها، في حين أنه في ~~الحقيقة كان يؤسس شيئا جديدا كليا، فبعد ذلك النوع من صهر الانطباعية للأشكال ~~وتمييعها، برزت نزعة تجسد الحنين إلى بنية الأشكال، لقد جعل سيزان محور اهتمامه ~~التنظيم الشكلي للعناصر التصويرية: الخط ms20 واللون والمسطح؛ أي جعل التصوير تصويرا، ~~وأهاب بما هو فريد في التصوير، وما لا يمكن إدراكه على أي نحو آخر، مما جعله يلجأ ~~إلى تحريف متعمد للشيء الطبيعي ويتخلى عن المحاكاة الحرفية ~~ويقلل من أهمية الموضوع، ويولي أهمية خاصة ~~للخطوط والألوان بمعزل عن وظيفتها التمثيلية. إن الفن، بعد كل شيء، عالم قائم ~~بذاته، لا يتكئ إلى الحياة وليس مسئولا أمامها، بل إن له أهدافه وقيمه الخاصة، ~~وكلما تخلص الفن من آثار المحاكاة ومن أوضار «التمثيل» # representation # زادت قيمته خلوصا ونقاء بوصفه فنا، وهو مما يستدعي ~~بشدة قول «موريس دنيس» المأثور «يجب أن نتذكر أن لوحة ما، قبل أن تكون ممثلة لجواد ~~حربي، ولامرأة عارية، أو لأي موضوع آخر، إنما هي في جوهرها مساحة مسطحة مغطاة بألوان ~~مجموعة على نسق معين.» # وبعد حلول القرن العشرين اتجه الفنانون إلى استبعاد جميع آثار «التمثيل»؛ فالقيم ~~التشكيلية واللونية للتصوير يمكن أن تستغل على أكمل نحو عندما لا يكون العمل مضطرا ~~إلى اهتمام بمشابهة الواقع، وفي عام 1907 أتم بيكاسو لوحته الشهيرة «صبايا أفينيون» ~~التي اعتبرت ثورة في فن التصوير واستبصارا جديدا بالواقع، وانبثقت عنها الحركة ~~«التكعيبية» # cubism ~~، كانت الدراسات التمهيدية التي ~~قام بها بيكاسو قبل إنجاز اللوحة نهائيا تلخص تطور هذه الثورة؛ ففي البداية كان ~~المقصود من العمل أن يكون تمثيليا، بل كان له شيء من الدلالة الأخلاقية، وفي الدراسات ~~التالية أخذ البناء الشكلي للعمل يزداد أهمية، حتى انتهى الأمر إلى حذف العنصر الأخلاقي ~~لصالح تكوين يتألف من هيئة شكلية خالصة، تزداد بالتدريج، أثناء تطورها، تجريدا ~~وانتزاعا للقوام الإنساني، وفي العمل النهائي انقسمت الوجوه والأجسام إلى تصميمات من ~~الزوايا والمسطحات. # وبالمثل فإن الألوان في أجزاء الجسم كانت في كثير من الأحيان بعيدة كل البعد عن أية ~~مشابهة مع الحياة، كانت هذه اللوحة إرهاصا بالحركة التكعيبية التي أوغلت في التجريد ~~وجعلت تحلل الموضوعات الطبيعية إلى تصميمات للسطوح، بطريقة تبلغ في كثير من الأحيان ~~من الابتعاد عن الواقع حدا لا نستطيع معه أن نعرف ما هو ms21 الأنموذج # model # إلا عن طريق عنوان اللوحة، غير أن هذا أمر لا أهمية له، ~~وكما يقول ليجيه # léger ~~«إن السؤال: ما الذي يمثله ~~هذا؟ هو سؤال لا معنى له.» والمهم في الأمر هو خلق تصميم هندسي يتميز في صميمه بأنه ~~يجذب العين ويأسرها، وأخيرا تم التخلي عن أية علاقة ولو واهية بالواقع؛ ففي الفن ~~«اللاموضوعي» مثل فن كاندينسكي # Kandinsky # وموندريان # Mondrian # و«التفوقيين» # Superematists # لا يوجد موضوع ~~للتصوير على الإطلاق؛ فاللوحة إنما هي تشكيل من الخطوط الملونة والأقواس وغيرها من ~~الأشكال، وهي لا تصور أشياء أو أشخاصا، ومن هنا كان الفنان يضع لها عناوين مثل «خط ~~محوري» أو «تكوين بالأبيض والأسود والأحمر»، يقول كاندينسكي: «إن الفنان يحرر نفسه ~~من الموضوع؛ لأن الموضوع يحول بينه وبين التعبير عن نفسه بالوسائل التصويرية الخالصة وحدها.» # 6 # الفصل الخامس # | المحاكاة والتمثيل # ما كان الفن فنا إلا لأنه ليس بالطبيعة. # جوته # إن قيمة الصنف الرفيع من الفن لا تتمثل في قدرته على أن يصبح جزءا من الحياة ~~العادية، بل في قدرته على أن يخرج بنا منها. # كلايف بل # ما سرني أنني حكيت إنسانا. # 1 # حديث شريف # في كتابه البعيد الأثر «الشعر» Poetica ~~، عرف أرسطو ~~التراجيديا بأنها «محاكاة» # mimesis # لشخصيات معينة أو ~~أفعال بشرية معينة، فقد لاحظ أرسطو أن الناس يمتعها أن تقلد وأن تشاهد تقليدات ناجحة، ~~ومنذ ذلك الحين أصبح عامة الجمهور يعتقدون أن الوظيفة الرئيسية للفن هي محاكاة الواقع، ~~وأصبح تصور الفنان في ذهن الناس هو ذلك الشخص الذي لديه القدرة على محاكاة الواقع؛ أي صنع ~~نسخ طبق الأصل لما يجري بالحياة، ويبلغ الفن ذروته في نظرهم إذا استطاع أن يوهمنا أنه ~~واقع، وهو ما لاحظه الكاتب الروماني بليني عن الرسام زيوكسيس الذي «رسم صورة لعناقيد عنب ~~بلغت من الحذق في التمثيل مبلغا جعل العصافير تسف لكي تأكل من كروم اللوحة.» # 2 # وهو أيضا ما أفضى به ليوناردو دافنشي بصريح العبارة حين قال «إن أعظم تصوير ~~هو الأقرب إلى الشيء المصور.» # وما يزال العامة في ms22 كل مكان يثنون على الأعمال الفنية لأنها شبيهة بالحياة أو «واقعية»، ~~وما يزالون يعتبرون الفن مرآة للطبيعة، ويرون اللوحات الفنية وسيلة «إيهام» # illusion # يصطنعها المصورون حتى يجعلوا الناظر يتوهم أنه ~~يرى الطبيعة نفسها حين لا يكون أمامه سوى مسطح من الألوان والخطوط والأشكال، وخلال تاريخ ~~الفن بذلت جهود كبيرة لاستحداث أساليب تزيد من قوة التشابه مع الواقع؛ ففي عصر النهضة ~~المتقدم، على سبيل المثال، كرس قدر كبير من التصوير للتغلب على مشكلات المنظور، بحيث ~~يمكن تحقيق الشكل ذي الأبعاد الثلاثة على قماش ذي بعدين، وفي القرن التاسع عشر، عندما كانت ~~هذه المشكلات قد حلت إلى حد بعيد، بذلت جهود كبيرة في حركة الانطباعية من أجل ~~التعبير بدقة عن تألق الضوء على السطوح الملونة. # 3 ~~(1) محاكاة الكلي # من الجدير بالذكر أن المحاكاة التي نادى بها أرسطو تختلف اختلافا بعيدا عن ~~«المحاكاة البسيطة» التي تنسب (خطأ) إلى أفلاطون، # 4 # إن المحاكاة عند أرسطو هي محاكاة انتقائية خلاقة، تعبر عن «الكلي» بحق في ~~التجربة البشرية ولا تكتفي بالترديد الحرفي للمجرى المألوف للتجربة، فليس من مهمة ~~الشاعر، في رأي أرسطو، أن يروي ما حدث، فالشعر أقرب إلى الروح الفلسفية من التاريخ ~~وأرفع منه؛ إذ إن الشعر يتجه إلى التعبير عن الكلي، بينما التاريخ يعبر عن الجزئي؛ ~~فالتراجيديا مثلا لا تكتفي بأن تكشف لنا عما يحدث لأوديب، ذلك الإنسان الجزئي أو ~~الخاص، وإنما تبين ما يمكن أن يحدث لأي فرد له نفس الشخصية ويوجد في نفس الظروف ~~أيا ما كان زمانه ومكانه؛ إذ إن علاقة العلة والمعلول التي تكمن من وراء حياة ~~الإنسان هي في أساسها واحدة، ومن هنا فإن الدراما تكشف عن حقيقة من حقائق الحياة ~~تتسم بأنها أعم وأعمق من السيرة التي تسرد حياة يوم بيوم. # وقد توسع مفكرون لاحقون في فكرة المحاكاة الأرسطية، وطوروها إلى ما يمكن أن ~~يسمى «محاكاة الماهيات» # imitation of essences ~~، ومن ~~أبرزهم الدكتور صموئيل جونسون الذي رأى أن أهم ما يميز شكسبير هو أنه يصور الكلي ~~أو العام ms23 في التجربة الإنسانية، وأن أشخاصه يسلكون ويتكلمون بتأثير تلك الانفعالات ~~والمبادئ العامة التي تحرك الأذهان جميعا، ومن أبرزهم في مجال الفنون البصرية السير ~~جوشوا رينولدز # J. Reynolds # الذي يقول إن جمال ~~الفن وعظمته ينحصران في قدرته على تجاوز جميع الصور الفردية والعادات المحلية وشتى ~~أنواع التفاصيل والجزئيات؛ فالفنان الذي يعرف الطابع العام للأشجار على سبيل المثال ~~يستطيع بخطوط قليلة مقتصدة بارعة أن يقدم صورة تخطيطية نشعر أمامها أنه قد توصل ~~إلى «ماهية» الشجر ذاته أو نفذ إلى كيانه الباطن. ~~(2) التصوير الوصفي # Descriptive Painting # إذا كان الفن، وفقا لنظرية «المحاكاة البسيطة»، نسخا للواقع، فأي جدوى تعود علينا ~~من الحصول على نسخ ولدينا الأصل طوع يدنا؟! ~~«التطابق أو التشابه ليس شأنا إبداعيا، فما الفائدة من رسم المظهر الخارجي ~~لتفاحة مثلا حتى بأقصى دقة ممكنة - كما تساءل ماتيس مرة؟ ما الفائدة من نسخ شيء ~~تقدمه الطبيعة بكميات غير محدودة؟» # 5 # يقول أرسطو: إن الناس تجد متعة في رؤية الشبيه لأن في الاستدلال والتعرف ~~على الأنموذج متعة، غير أن بل والشكليين يرون أن متعة التعرف ليست متعة ~~إستطيقية. # يقول بل: «كلنا نألف لوحات تثير اهتمامنا وإعجابنا دون أن تهزنا كأعمال فنية، ~~تحت هذه الفئة يندرج ما أسميه «التصوير الوصفي»، أي ذلك الصنف من التصوير الذي ~~يستخدم فيه الشكل لا كموضوع للانفعال بل كوسيلة لنقل معلومات واقتراح عواطف، في هذا ~~التصنيف تدخل البورتريهات ذات القيمة السيكولوجية والتاريخية، وتدخل الأعمال ~~الطوبوغرافية واللوحات التي تروي حكايات وتوحي بمواقف، وتدخل وسائل الإيضاح بجميع ~~أنواعه. إن الفرق واضح لنا جميعا، فمن منا لم يتفق له يوما أن يقول إن هذه أو تلك ~~من اللوحات هي رسم ممتاز كوسيلة إيضاح ولكنه لا قيمة له كعمل فني؟ هناك بالطبع كثير من ~~اللوحات الوصفية التي تتحلى بذلك، إنها تروقنا وتطرفنا وقد تحركنا بمائة طريقة ~~متنوعة عدا أن تحركنا إستطيقيا، إنها وفقا لفرضيتي ليست أعمالا فنية، فهي لا ~~تمس انفعالاتنا الإستطيقية؛ ذلك لأن ما ينالنا منها ليس الشكل، بل الأفكار التي ~~يقترحها الشكل ms24 أو المعلومات التي ينقلها.» # 6 # حين يكون اهتمام المتلقي منصرفا إلى التعلم أو الاستدلال أو التعرف فإن إدراكه لا ~~يقع على العمل الفني ككل، وإنما يقع على «موضوعه» فقط، أي على الشيء الذي يمثله ~~العمل، حينئذ تكون أي صورة فوتوغرافية تافهة أوفى بالغرض من أي لوحة عظيمة، وبنفس ~~القياس تكون الأعمال الوصفية التي لا هم لها إلا التمثيل الدقيق عبثا لا طائل منه، ~~و«إهدارا لساعات رجال ذوي براعة من الأجدى أن يستخدموا في أعمال أوسع نفعا.» إن ~~الطبيعة والفن، كما يقول بيكاسو، هما ظاهرتان مختلفتان تمام الاختلاف، ولو كان الفن ~~مجرد تمثيل أمين للطبيعة لكان، على حد تعبير شارل لالو، بطانة تافهة لا طائل تحتها، ~~فالطبيعة في حقيقة الأمر لا تبالي بالجميل ولا تكترث بالجمال، لأنها عديمة الصبغة ~~الجمالية # anaesthetic ~~، مثلما هي عديمة الصبغة المنطقية # alogical # وعديمة الصبغة الأخلاقية # amoral ~~، إنما الفن عالم آخر مستقل نوعيا عن العالم ~~الخارجي، ولا سبيل إلى رده إلى عالم الواقع، إنه عالم إنساني منبثق عن ذهن الإنسان ~~ونشاطه الخالق، إنه إبداع بشري خالص غير ملزم بترديد الحقيقة الموضوعية أو نسخ ~~الوجود الخارجي، وقد نبهنا أندريه مالرو إلى أن «الغرب وحده هو الذي ظن أن ~~التشابه # resemblance # عامل جوهري في الفن، وأما في ~~إفريقيا وجزر المحيط الهادي فقد بقي «التقليد» مجهولا، فضلا عن أننا نلاحظ أن ~~المحاكاة لم تتخذ صورتها المعروفة عندنا في كل من مصر وبلاد ما بين النهرين وبيزنطة ~~وبلدان الشرق الأقصى.» # 7 ~~«ليست الطبيعة وفقا لهذا المنظور الفني موضوع محاكاة ونقل وتقليد، وإنما هي على ~~العكس موضوع تأمل واستبصار وكشف، وقد أعطيت اللغة الفنية للمبدعين لا لكي يكرروا ~~العالم ويسجنوه في صوره الظاهرة المعروفة، وإنما لكي يحرروه ولكي يبقوه في حركيته ~~الداخلية - في ما لا ينتهي، ولكي يظهروه باستمرار في صور جديدة.» # 8 # يقول ألكسندر إليوت في كتابه «البصر ~~والبصيرة» # sight and insight ~~: «قال الملاك لمحمد إذا أراد الفنانون أن ينعموا ببركة ~~الله فليمسكوا عن النقل عن كل شيء؛ ولذا فإن قصر ms25 الحمراء تجريدي بحت، باستثناء ~~الأسود الشرقية السحنة في الفناء الأوسط.» # 9 ~~«الإنسان، بوصفه ناطقا، هو بطبيعته منشئ، لا يقلد (لا يحاكي): لا الإنسان ولا ~~الطبيعة (الأشياء)، وإنما يرى إلى كل شيء، بوصفه ناطقا منشئا - أي بوصفه بادئا، ~~مبدعا، أن نفصح عن شيء ما، تشكيليا - أن نصوره، هو أن نقدم صورة تغاير صورته ~~العينية الظاهرة؛ هو أن «نقلب» صورته، فالحس فنيا بالأشياء لا يبدأ إلا بنشوء مسافة ~~بينه وبين واقعها الظاهر المباشر، بهذا المعنى، حصرا، لا يمكن الفن أن يكون ~~«واقعيا»، بل تبدو كلمة «واقعي» تناقضية وعبثية - ذلك أن الفن هو حيث لا دليل على ~~الشبه، إنه «نار بلا دخان»، صحيح من الممكن أن ننقل الظاهر بنوع من الصناعة والعلم، ~~لكن هذا النقل لن يكون فنا، وإنما سيكون «صناعة» و«علما».» # 10 # يؤكد بل دائما على أن التذوق الفني الصحيح ينبغي أن يقع على الشكل، وها هنا ~~يكون العنصر «التمثيلي» # representational # سلاحا ذا ~~حدين: فقد يكون - خاصة في التصميمات المعقدة - بمثابة مفتاح يرشدنا إلى طبيعة ~~التصميم ويمهد السبيل لانفعالاتنا الإستطيقية، ولكنه من الجهة الأخرى يجب أن يكون ~~مدمجا في التصميم كي لا يفسد اللوحة بوصفها عملا ~~فنيا؛ فالحق أن التصميم الجميل المكون من أشكال واقعية معرض بدرجة كبيرة لخطر ~~التدني الإستطيقي؛ إذ يستلفت عنصره التمثيلي نظرنا على الفور فتفوتنا دلالته الشكلية. ~~إن علينا حيال اللوحات التي تمثل أناسا أو أشياء من الواقع «أن نعاملهم كأنهم لا ~~يمثلون أي شيء» وأن ننظر إليهم على أنهم أنموذج من الخطوط والكتل والألوان. # يقول كلايف بل «أود ألا يتصور أحد أن «التمثيل» شيء سيئ في ذاته؛ فليس هناك ما ~~يمنع أن يكون شكل واقعي ما، وهو منتظم في مكانه كجزء من التصميم، مضاهيا في الدلالة ~~لشكل آخر تجريدي، ولكن إذا كان لشكل تمثيلي قيمة فبوصفه شكلا لا بوصفه تمثيلا، ~~فالعنصر التمثيلي في العمل الفني قد يضر وقد لا يضر، ولكنه دائما خارج عن الموضوع؛ ~~ذلك أننا لكي ندرك عملا من أعمال الفن لا نحتاج إلى أن ms26 نأتي معنا بشيء من الحياة، أو ~~بمعرفة بأفكارها وشئونها أو بألف لانفعالاتها، فالفن ينتشلنا من عالم الدأب البشري إلى ~~عالم الوجد الإستطيقي، ونحن في اللحظة الإستطيقية تنقطع أسبابنا بالاهتمامات البشرية، ~~وتتوقف تطلعاتنا وذكرياتنا؛ إذ يعلو بنا الفن فوق تيار الحياة» # 11 ~~... إن تمييز التطابق بين أشكال العمل الفني والأشكال المألوفة في الحياة لا ~~يمكن أن يثير انفعالا إستطيقيا البتة، فليس غير «الشكل الدال» ما يقوى على ذلك، ~~وليس ما يمنع بطبيعة الحال أن تكون الأشكال الواقعية دالة إستطيقيا وأن يخلق منها ~~الفنان عملا رائعا. غير أن ما يعنينا منها عندئذ هو قيمتها الإستطيقية لا قيمتها ~~المعرفية، فبإمكان العنصر المعرفي أو التمثيلي في العمل الفني أن يكون مفيدا كوسيلة ~~إلى إدراك العلاقات الشكلية وليس بأي طريقة أخرى. # هكذا نرى أن التمثيل ليس خارجا عن الموضوع فحسب، بل هو عبء على الموضوع وخطر ~~متربص بالشكل، وهو ضار في أغلب الأحوال، ولا يصبح مفيدا إلا إذا اقتصر دوره على أن ~~يكون مفتاحا متروكا في العمل نفتح به - حين تعوزنا الخبرة الذوقية الكاملة - بابا ~~خلفيا إلى عالم الشكل الدال، ولا يكون مفيدا ما لم يكن مدمجا ومستوعبا في الشكل، ~~أما أن تستلفتنا «المشابهة» وتصرف انتباهنا عن العلاقات الشكلية فنحن بنفس الدرجة نكون ~~قد أدرنا ظهورنا لعالم الفن وطفقنا راجعين إلى عالم الحياة. ~~(3) الموسيقى فن الشكل الخالص # من العسير على المرء إذن أن يدخل محراب الفن الحديث دون أن يخلع عاداته الإدراكية ~~القديمة وتوقعاته المعهودة من الفن، فتذوق الفن الحديث يستلزم تربية عادات إدراكية ~~جديدة، وربما تكون حالة تذوق الموسيقى - فن الصورة الخالصة - مثالا واضحا لما نريد ~~تبيانه، إن الموسيقى لا تمثل شيئا من عالم الطبيعة؛ وذلك لأن وسيطها الحسي، وهو ~~الأنغام والإيقاعات والتوافقات، لا يتيح لها أن تحاكي شيئا من عالم الحياة، إنها ~~عالم قائم بذاته مكتف بها، وجمال القطعة الموسيقية، كما يقول إدوارد هانسليك # E. Hanslick ~~، هو «جمال موسيقي» على التخصيص، أي ~~أنه يكمن في توليفات الأصوات الموسيقية، ويستقل تماما عن جميع الأفكار ms27 الدخيلة ~~الخارجة عن نطاق الموسيقى؛ ومن ثم يتعين أن يقع التذوق الموسيقي على الشكل ~~وحده. # إلا أن المستمع غير المدرب يلجأ في عامة ~~الأحوال إلى تصور قصة معينة في القطعة الموسيقية، أو تلمس انفعالات بشرية معتادة، وفي ~~هذا يقول كلايف بل واصفا حالته الذهنية الشخصية إزاء الموسيقى: «ضجرا كنت أو محيرا ~~فإنني أدع إحساسي بالشكل يفلت مني، وأفشل في فهم التآلفات الهارمونية فأظل أنسج ~~بها أفكار الحياة، وأعجز عن الشعور بالانفعالات الصارمة للفن، فأظل أقرأ في الأشكال ~~الموسيقية عواطف بشرية من رعب وغموض وحب وكراهية، وأنفق اللحظات - مستمتعا إلى حد ~~مرض - في عالم من المشاعر الآسنة المتدنية ... إنني أدري تماما ما الذي حدث: لقد كنت ~~أتخذ الفن سبيلا إلى انفعالات الحياة أقرأ فيه أفكار الحياة. لقد كنت أقطع جلاميد صخر ~~بموسى حلاقة، لقد ترديت من الذرى العالية للوجد الإستطيقي إلى السفوح الحميمة ~~للحياة البشرية الدافئة.» # 12 ~~(4) الحياة حياة والفن فن # مهما تكن علاقته بالحياة فالفن غير الحياة، صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من ~~تربة الحياة، إلا أنه - شأن كل كيان «انبثاقي» # emergent ~~- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن «رده» إلى ~~عناصره الأولى، فلو كان الفن مجرد رهافة حسية إنسانية وتوقد وجداني حياتي لكانت أي ~~فتاة مراهقة نزقة هي أشعر الناس، ولو كان الفن مجرد تأثر بالطبيعة أو بأحداث الحياة ~~لانتفت الحياة التي نراها جميعا من أن المدرسة الأولى للفنانين هي مدرسة الفن لا ~~مدرسة الحياة، وأن نقطة البداية في حياتهم هي التأثر بأعمال غيرهم من الفنانين العظام ~~لا التأثر بمناظر العالم الخارجي، وهي المشاركة في عالم الفن لا المشاركة في عالم ~~الطبيعة. # الفن فن والحياة حياة، ومن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه بمعايير الحياة يقع ~~في مغالطة «خلط المقولات» أو ما صار يسمى «الخطأ ~~المقولي» # category mistake ~~، شأنه شأن من يقول «الأعداد الحمراء» أو «الفضائل البدينة» ~~أو «القضايا غير القابلة للأكل»! إن فعله عبث لا جدوى منه، وقوله خطل لا تجدر ~~مناقشته، إنه، على حد تعبير ms28 بل: «يقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة» أو «يستخدم تلسكوبا ~~لقراءة جريدة.» # الفن عالم قائم بنفسه شأن عالم الرياضيات أو عالم الوجد الصوفي، «إن عالم ~~الرياضيات المستغرق في دراساته يعرف حالة شبيهة إن لم تكن مطابقة، فهو يشعر إزاء ~~تأملاته بانفعال لا ينجم عن أي علاقة مدركة بينها وبين حياة البشر، بل ينبع، غير بشري ~~أو فوق بشري - من قلب عالم مجرد.» والإدراك الفني الصحيح يتجه إلى الأثر الفني باعتباره ~~«ذاتا» أخرى ينعتها ب «أنت» لا ب «هو»! إن العمل الفني كيان فردي وذات فاعلة مسيطرة، ~~فهو أشبه بما يسميه سارتر «موجودا لذاته» # pour soi # وليس مجرد «موجود في ذاته» # en soi # شأن غيره من ~~الجمادات والعجماوات؛ ومن ثم فمن الخطأ الفادح أن نحاول فهم الموضوع الإستطيقي بإدخاله ~~في إطاراتنا الذهنية المعتادة؛ فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص، ولا سبيل ~~إلى فهمه إلا على أرضه، وبلوائحه وشروطه، «ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعليه أن يتضع ~~أمامه، أما الذين يرون أن الأهمية الرئيسية للفن والفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو ~~النفع العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو ~~كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما ~~يمكن أن يمنحه، وأيا ما كان عالم التأمل الإستطيقي فهو ليس عالم المشاغل والأهواء ~~البشرية، إنه عالم لا تسمع فيه لغو الوجود المادي وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدق لتوافق ~~آخر أكثر جوهرية.» # 13 # الفصل السادس # | الشكل في العمل الأدبي # لا تعود الكلمات تابعة حصرا للأشياء التي تعبر عنها، بل تعمل لحسابها، تلعب، ~~«تمارس الحب»، كما يقول بريتون. # موريس بلانشو # يمثل الأدب صعوبة خاصة أمام الشكليين؛ فالوسيط الفني في حالة الأدب - أي الكلمات - ~~هو بطبيعته «تمثيلي» # representative # يشير إلى غيره من ~~عناصر الحياة ويحيل إلى سواه من مكونات العالم الخارجي وأحداثه. للكلمات معان تقع ~~خارجها، وهذه المعاني هي ما يهمنا بالدرجة الأساس، فنحن لا نقرأ الرواية لكي نستمتع ~~برؤية كلماتها ms29 مرصوفة على الصفحة مثلما نستمتع بمرأى الخطوط في لوحة تجريدية، ولا نستمع إلى ~~القصيدة لكي نطرب لمجرد جرسها الصوتي مثلما نطرب لمقطوعة موسيقية؛ فالألفاظ في عامة ~~الأحوال تصرفنا عن ذاتها وتحيلنا إلى معانيها؛ أي إلى العالم-الحياة. # يقول بل: «إن بوسع الأدب أن يعيش على الأفكار معززا مكرما. فتاريخ فينلي # Finlay # للإمبراطورية البيزنطية، على سبيل المثال، لا يثير ~~انفعالا يذكر، غير أن بوسعنا أن نسلك فينلي في زمرة الأدباء. كذلك الحال بالنسبة لهوبس ~~وممسن وسنت بيف وصموئيل جونسون وأرسطو، فبإمكان الفكر العظيم بغير شعور عظيم أن يصنع ~~أدبا عظيما، وبين أقيم ما لدينا من كتب هناك شطر كبير لا ترجع قيمته إلى خصائصه ~~الانفعالية، وحتى حين يستند العمل العظيم إلى خاصية انفعالية، فإلى أي حد يكون هذا ~~الانفعال إستطيقيا؟ إنني أعرف أن المضمون الفكري والواقعي للشعر العظيم لا يكاد يسهم في ~~دلالته بشيء؛ فالمعنى الحقيقي للكلمات في أغنيات شكسبير، وهي أنقى ما بلغه الشعر في اللغة ~~الإنجليزية، هو في عامة الأحوال إما تافه أو مبتذل: # تعال، تعال إلي أيها الموت # ووارني تحت سروة حزينة # واغربي، اغربي عني أيتها الحياة # فقد قتلتني فتاة قاسية جميلة # هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر ابتذالا من هذا؟ ... إن موسيقى الشكل هي التي تصنع ~~معجزة الشعر العظيم، فالشاعر يعبر في شكل لفظي عن انفعال لا يتصل بالألفاظ التي وضعها ~~إلا صلة بعيدة. # غير أنه يتصل بها على أية حال، وهو من ثم ليس انفعالا فنيا خالصا. إن الشكل ~~ودلالته ليسا كل ما في الشعر؛ فالشكل والمضمون في الشعر ليسا شيئا واحدا، ورغم أن بعض ~~أغنيات شكسبير تقترب من الفن الخالص، فهي لا تخلو في واقع الأمر من أشابة. إن الشكل في ~~الشعر مثقل بمضمون فكري، وهذا المضمون هو حالة نفسية تمتزج بانفعالات الحياة وتستند ~~إليها؛ ومن هنا يعجز الشعر، رغم ما فيه من مواجد، عن أن ينقلنا إلى تلك الذرى العالية ~~من الغبطة الإستطيقية التي ينقلنا إليها الشكل البصري والموسيقي الخالص بفضل انفصاله عن ms30 ~~الحياة البشرية.» # لقد خلص كلايف بل إلى أن الأدب يمثل حالة خاصة من حالات الفن، وأنه لا يمكن أن يكون ~~فنا خالصا، ولا يمكن لتذوقه أن يكون تذوقا نقيا؛ ذلك أن عنصر التمثيل ملازم له ~~كظله، والمضمون الفكري يثقله ويجعله لصيقا بالحياة وأحداثها وانفعالاتها. بل إن صفة ~~«أدبي» # literary # عند أغلب الشكليين كنت تحمل دلالة ~~ازدرائية صريحة حين يوصف بها عمل من أعمال الفن البصري، فهي تعني أن العمل يدلي بأفكار ~~ويوحي بمواقف ويروي قصصا، وهي أمور تنال من نقائه وخلوصه بوصفه فنا. وكان سيزان يحذر ~~الفنانين من الانسياق وراء التأملات الفلسفية والتعبيرات الأدبية القائمة على التجريدات ~~الذهنية؛ فالفن عنده يعني أسلوبا في المعرفة متمايزا عن كل من المعرفة العلمية والمعرفة ~~الفلسفية، والفن عنده يجب أن يتحدث بلغته لا بلغة غيره، ولغة الفن هي الخطوط والألوان ~~والأشكال، يجسم بها الإحساسات والإدراكات بطريقته الخاصة، ويعبر بها عن عمق الحقائق ~~الوجودية التي لا سبيل إلى التعبير عنها بلغة التصورات الذهنية والمفاهيم العلمية. # غير أن الأدب فن عظيم نحس إزاءه بانفعال إستطيقي لا شك فيه، وهو انفعال لا يأتي به، ~~بحكم التعريف، إلا الشكل الدال؛ ومن ثم فقد كان ينبغي على بل ألا يتردد أمام الأدب ~~وألا يؤثر الحذر تجاهه، وأن يمد نظريته لتتسع لفن الأدب بقدر ما اتسعت لفن ~~التصوير، وهذا ما فعله رفيقه فراي الذي أكد أن النظرية الشكلية تسع جميع الفنون؛ ~~فالعمل الفني، أيا كان نوعه، هو بناء شكلي في المقام الأول، ونحن في فن التصوير لا ~~نستجيب للون الواحد منعزلا، وإنما نستجيب للعلاقات القائمة بين جميع الألوان. وبالمثل ~~فإن المهم في التراجيديا ليس الشدة الانفعالية للحوادث المصورة، وإنما الإحساس الحي ~~بحتمية وقوعها. إن للتراجيديا، كما يقول ف. إ. ~~هاليداي # F. E. Halliday # في كتابه «خمسة فنون»، شكلا، فهناك نمط من التوترات ينبثق ~~عن عدد لا حصر له من الحوادث التي تبدو أول الأمر مفتقرة إلى التنظيم والتحدد، ويعمل ~~هذا النمط على دفعنا قدما، وأخيرا يصل إلى النهاية المحتومة، فهل ms31 يمكن أن تكون الحوادث ~~المصورة على هذا القدر من الحيوية والتأثير لو لم يكن لها هذا النمط الشكلي؟ # ولعل الشكل في فن الشعر أكثر وضوحا وخلوصا مما هو في الرواية والمسرحية، فرغم أن ~~الشعر يستخدم الكلمات ويحمل دائما مضمونا ذهنيا وينطوي على معان عقلية؛ فإن الكلمات في ~~الشعر الرفيع تفقد ثقلها السابق وتتخفف من ماضيها ولا تعود أداة تخدم الفكر وتحيل إلى ~~معان، إنها تنصهر وتكتسب الشكل وتتحول إلى غاية وتأخذ صفة الرمز الملتحم بمعناه، ~~وكأنما الشعر عودة باللغة إلى بدائيتها الأولى، وهو يصطنع من أجل هذه العودة طرائق كثيرة ~~منها الوزن (أو الموسيقى أيا كان نوعها)؛ فالوزن، كما أشار كرورانسوم، هو طريقة لفرض ~~الصورة صوتيا على الانتباه الذي قد ينهمك بدون الوزن في معاني الألفاظ نفسها، وبذلك يخلق ~~الوزن نوعا محببا من التشتيت يجعل من التلقي تجربة جمالية، كما أن للوزن تأثيرا ~~سيمانتيا (دلاليا) هائلا، فهو يضطر الشاعر إلى أن يضحي بدقة الألفاظ الفكرية حتى ~~يسلم له النغم، ويلوي بالتركيب النحوي ليستقيم له العروض، وفي هذه العملية يسترخي المعنى ~~ويتفكك ويحقق الشعر ذاته؛ فيكون لغة بدائية صورية شيئية غامضة، أفضل تسجيلا لكثافة ~~الدنيا وروعتها وحيويتها الوهاجة، ولعل هذا هو السبب في أن الإلهام الذي ينبثق في وعي ~~الشاعر فيعبر عنه بالكلمات لا يكاد يختلف عن الإلهام الذي يأتي المصور والموسيقي ~~فيعبران عنه بالألوان والأنغام، ولعل هذا هو السبب في أن القصيدة تعني دائما أكثر مما ~~تعنيه ترجمتها النثرية في لغة أخرى؛ من حيث إن بناءها الشكلي والموسيقي قد جعل منها ~~«رمزا» لا انفصام فيه بين الشكل ودلالته. # 1 # ربما يحتمل متذوق الأدب (بوصفه فنا) عبئا كبيرا يفوق ما يحتمله متذوق الفنون ~~الأخرى. إن عليه أن يخلص إدراكه قدر المستطاع من العناصر الخارجة عن الموضوع، وما أكثرها، ~~لكي يقع على الشكل، وعليه ألا يلتمس المعاني والدلالات العقلية منعزلة منفصلة، بل يلتمسها ~~كما تتجسد في الشكل؛ فقد تمده المعاني والدلالات برضا ذهني ومتعة فكرية، غير أنها عاجزة ~~عن أن تمده بالوجد ms32 أو النشوة الإستطيقية؛ فالوجد الحقيقي لن يكون في غير الشكل. # يقول الشاعر السوري د. علي أحمد سعيد (أدونيس) في كتابه «سياسة الشعر» بمعرض ذكرياته مع ~~واحد من خيرة شعرائنا العرب: «وحين جاء دوري رغب إلي بإلحاح أن أقرأ ما كتبته عن ~~الحسين (المسرح والمرايا، 1968). مقطوعات صغيرة كتبتها في القاهرة، وتحديدا حول مسجد ~~الحسين، وفي حين أبدى إعجابه الكبير بها، كان فيما يبدو لي يتحفظ إزاء قصائد أرى تشبهها ~~فنيا، وتساءلت: إن كان معجبا بهذه المقطوعات فلماذا لا يعجب بما يشابهها؟ وفي محاولة ~~تفسير هذا التناقض كنت أقول: ثمة نوعان من الإعجاب بعمل شعري ما: الإعجاب الفني الخالص، ~~والإعجاب الانفعالي - التعاطفي، # 2 # يقول الأول على لذة البناء والإتقان والتناسق، ويقوم الثاني على لذة التذكر ~~والتداعيات والتطابق بين ما في نفس القارئ وما يثيره العمل فيها، وكان إعجابه من النوع الثاني.» # 3 # أليس هذا قريبا مما يقوله الشكليون من أن الإدراك الإستطيقي النقي يجب أن ينصب على الشكل ~~وحده، وأن الانفعال الإستطيقي شيء لا يقدر على إحداثه إلا الشكل الدال، وأن إهدار الانتباه ~~كله في العناصر التمثيلية والموضوع المصور والمعاني الفكري المنفصلة يفوت علينا الانفعال ~~الإستطيقي ولا يجلب لنا غير الانفعالات العادية للحياة؟ ~~(1) يظل الموضوع خارج القصيدة # ربما يستدعي هذا الحديث إلى ذاكرتنا قول الناقد الكبير أ. س. برادلي # A. C. Bradley ~~«يظل الموضوع خارج القصيدة » ... ~~فالموضوع الذي تدور حوله القصيدة لا يعدو كونه مادة نيئة تخرج بطبيعتها عن نطاق ~~الجمال بمعناه الدقيق، الموضوع ليس هو القصيدة، والموضوع لا يضمن القصيدة، إنما ~~القصيدة هي الموضوع إذ يتحد بالشكل، وليس ما يمنع أن تكتب قصائد عظيمة في موضوعات ~~مسفة، ولنا في ديوان الحسن بن هانئ (أبي نواس) شواهد لا تحصى على ذلك، فقد كتب هذا ~~الشاعر الفذ قصائد غاية في الجودة تدور حول موضوعات غاية في الوضاعة! وتأويل ذلك أن ~~«التمثيل» يتحول في هذه القصائد إلى «تعبير»؛ بحيث ينصرف انتباهنا تماما عن ~~الموضوع، وربما نسيناه كليا؛ إذ يمطرنا ابن هاني بأشكاله الدالة التي ms33 تعبر عن ~~انفعاله أدق تعبير وأقومه، وترمي بنا في وجد إستطيقي مؤكد، إننا هنا بإزاء «رموز ~~حقيقية» و«صواب إستطيقي» يغمرنا بانفعال الفن ولا يغمرنا بانفعالات الحياة، ها هنا ~~يتحول اللهو في مصهر الفن إلى جد (كأنما لامس حجر الفلاسفة) وها هنا يتحول العهر في ~~مطهر الفن إلى قداسة. # في عام 1865 قدم مانيه إلى صالون باريس لوحته الشهيرة «أوليمبيا»، وهي تمثل فتاة ~~متجردة قد استلقت على فراشها، وقد ظهرت خلفها زنجية تحمل طاقة هائلة من الورود، ~~وبالطرف الأقصى من الفراش قط أسود صغير قد استبد به الذعر، أضفى مانيه على هذه ~~الفتاة طابع الاستهتار وعلى نظراتها طابع الدعوة الصريحة إلى الفجور والتخلي عن أي ~~وازع من الحياء والطهر، مما أحنق عامة الجمهور وأثار غضبهم، غير أن العديد من نقاد الفن ~~وجدوا في «الأوليمبيا» عملا عظيما، وقال عنها إميل زولا بحق إنها أعظم ما أنتج ~~مانيه؛ ذلك أنها تضع تحت أبصارنا جسدا رقيقا يثير في نفوسنا مشاعر الهيبة والجلال، ~~وكأننا بإزاء جسد روحي قد تطهر من أدرانه فاستحال إلى شيء قدسي له كرامة الموضوع ~~السحري الذي لا يمس، إنه «الفن» وقد أحال نموذجه المفضل فكتورين ميران، على حد قول ~~م. فلورنسون، «إلى صنم أو كاهنة أو مومياء، فهذه اليد السحرية التي تباعدت أصابعها فوق ~~أعلى الساق، وذلك الرباط الأسود الذي يحيط بالرقبة فيفصلها عن باقي أجزاء الجسم، وتلك ~~النظرة الفاحصة التي تحدق في المجهول بكل ثبات واتزان، وذلك البياض الناصع الذي يكسو ~~جسد الغانية، كل هذا يضفي على الأوليمبيا حالة مجيدة من الطهارة والروحانية.» # 4 # وليس ما يمنع، من الجهة الأخرى، أن يصنع فن هابط حول موضوعات سامية، وأن تكتب ~~قصائد تافهة في موضوعات جليلة؛ ومن أمثلة ذلك ما كان يكتب لثوار الجزائر إبان التحرير، ~~فقد دبجت مئات القصائد في هذا الغرض العظيم، كتبت بشعور صادق وانفعال مشبوب، غير ~~أنها، ببساطة، قصائد تافهة؛ لأنها لم تجد الشكل الدال ولم تتحول إلى «رموز حقيقية»، ~~لقد أمدتنا بمعاني الحياة وانفعالات الحياة، ولكنها لم ms34 تمدنا بالشكل الدال ولم تبث ~~فينا انفعالا إستطيقيا وما كان لها أن تفعل، وقد صدق الشاعر نزار قباني حين قال عن ~~هذه القصائد «وددت لو لم تصل هذه المخلوقات الشوهاء إلى ثوار الجزائر فإنهم بدونها ~~بألف خير»، وصفوة القول أن طبيعة ما يتمثل في العمل الفني وقيمته تختلفان تماما عما ~~هما عليه خارج نطاق الفن. ~~(2) يبقى الموضوع خارج القصيدة # وهنا أيضا يلتقي بل وبرادلي على صعيد واحد، وإن كان بل يتحدث في فن التصوير على وجه ~~الخصوص: «على كل فنان أن يختار «مشكلته» الخاصة، وله أن يستمدها من حيثما شاء ما دام ~~قادرا على أن يجعل منها البؤرة لتلك الانفعالات الفنية التي شرع في التعبير عنها، ~~والحافز لتلك الطاقات التي سيحتاج إلى التعبير عنها، وما يجب علينا أن نتذكره هو أن ~~«المشكلة» (موضوع اللوحة في حالة فن التصوير بصفة عامة) أمر غير ذي بال في حد ذاته. ~~إنها لا تعدو أن تكون إحدى وسائل الفنان للتعبير أو الإبداع، وفي أي حالة خاصة قد تكون ~~إحدى المشكلات خيرا من الأخرى كوسيلة، تماما مثلما أن قماشة لوحة أو صنفا من ~~الألوان قد يكون أفضل من غيره، فذاك أمر يتوقف على مزاج الفنان وقد لا ننازعه فيه، ~~ليس «للمشكلة» قيمة بالنسبة لنا، أما بالنسبة للفنان «فالمشكلة» هي الاختبار العامل ~~«للصواب» المطلق: هي المقياس الذي يقيس ضغط البار. إن الفنان يذكي ناره ليجعل المقبض ~~الصغير يدور، وهو يعرف أن آلته لن تتحرك حتى يجعل المؤشر يبلغ العلامة، إنه يتقدم ~~تدريجيا إليها وبواسطتها، غير أنها لا تدير المحرك.» # 5 ~~(3) الشعر التجريدي # وقد بلغ التجريد عند أحد الشعراء مبلغا جعل الناقد د. علي أحمد سعيد (أدونيس) يقول ~~فيه: إن شعره «يحيد عن الموضوع، بالمعنى الذي اصطلح عليه، أو لنقل إن «المعنى» ~~وفقا للمصطلح الشائع، ليس بالنسبة إليه شيئا تفصح عنه اللغة، شيئا ماديا موجودا ~~لذاته خارجها، ليست اللغة، بتعبير آخر، وسيلة لنقل شيء منفصل عنها قائم في الطبيعة ~~أو العالم الخارجي ... إنما المعنى في شعره محايث ms35 # 6 # للكلمة، بل هو الكلمة ذاتها؛ إذ ليس لقصيدته موضوع أو مرجع خارجها، وإذا ~~كان لا بد من الكلام على «المعنى» في هذا الشعر، فهو حوار الكلمة مع جارتها، أو هو ما ~~تتهامس به اللغة، إنه نوع من الصلاة تتعالى في أصوات الكلمات # 7 ~~... الشعر هنا، بتعبير آخر، موسيقى: لا يقوم على فكرة محددة واضحة، وإنما ~~يقوم على عناصر تترابط إيقاعيا، في ما يشبه الترابط الهندسي، والقصيدة، إذن، هي هنا ~~إيقاع كلمات ... كأن قصيدته طراز معماري بالكلمات، وحين تدخل إليه تشعر كأنك تدخل ~~هيكلا: تدخل في غلالة من الزمن لكي تعانق جسد الأبدية، ربما نلتمس هنا صحة القول: ~~إن القصيدة شكل، وإن الشكل هو وحده الدال.» # 8 ~~«واضح إذن كيف أن هذا الشعر يحيد عن العالم - عالم الأشياء الدبقة العابرة، وكيف أنه ~~حوار بين الكائن والكلام، وكيف أن الدلالة فيه هي ما تتبادله الكلمات من همس حينا، ~~ومن صراخ حينا، ومن صمت حينا.» # 9 ~~«في هذا المنظر يتضح معنى التجريد، كمفهوم فني، فهو كبحث عن الجوهر، محاولة ~~لرؤية ما لا يرى، وهو إذن تجاوز للطبيعة وأشكالها، وخلق عالم من الأشكال المحضة، أو ~~هو رد الأشكال كلها إلى جوهرها، إنه تشفيف للمادة، لا يريد منها غير الجوهر، الأشياء ~~المادية فوضى تشوش وزوال، رماد مبعثر، من هذا الرماد يلتقط التجريد إشارة النار، ~~فمشروعه بصيري لا بصري، إنه مشروع اكتناه.» # 10 ~~«نحو ما لا يرى: تلك هي طريق التجريد، الطريق إلى الله، لا مجال، إذن، لمحاكاة ~~الطبيعية أو مخلوقات الله، فهذه المحاكاة هي، إبداعيا، انخراط في رؤية تظل، مهما ~~كملت، دون الأشياء وتحتها، # 11 # وهي، دينيا، عمل يغلب النفس (الأمارة بالسوء) على الروح، والفردي على ~~الكوني، والمادة على الرمز، ولئن كان لا بد هنا من الكلام على المحاكاة، فإنها محاكاة ~~لفعل الخلق، دلالة وحركية، وليست محاكاة للشيء أو للمخلوق.» # 12 ~~«هكذا نصفه بأنه شعر - هندسة: شكل جميل بذاته ولذاته، وهو، في جماليته هذه، فعال ~~ودال - مع أنه لا يعكس «واقعا» ولا يحمل «قضية»، ms36 والكتابة هنا ليست ترويضا للغة وحسب، ~~شأن الترويض الذي يمارس على الخطوط، وإنما هي أيضا إرادة تنظيم وتناغم، إرادة تشكيل ~~جمالي، والقصيدة هنا بنية/نسق، إنها العلم بالجمال، إنها علم جمال.» # 13 ~~(4) تصنيف سوريو للفنون # يصنف إتيين سوريو # E. Souriau # الفنون وفقا للكيفيات ~~الحسية الغالبة في الأعمال الفنية والتي يسميها # qualia ~~، فاللون مثلا هو الصفة الغالبة على التصوير، ~~والبروز أو الحجم هو الصفة الغالبة في النحت، والحركة في الرقص، والصوت الخالص في ~~الموسيقى، وقد خلص سوريو إلى حصر سبع كفيات أساسية هي الخطوط والأحجام والألوان ~~والإضاءة والحركة والأصوات المفسرة في اللغة والأصوات الموسيقية الخالصة، وعلى أساس ~~كل كيفية من هذه الكيفيات قدم سوريو فنين اثنين أحدهما ينتمي لفئة الفنون المحاكية ~~أو التمثيلية والآخر ينتمي لفئة الفنون التجريدية أو الموسيقية؛ أي أنه سلم ضمنيا، ~~ولمتطلبات مذهبه في الفنون، بهذه التفرقة بين فنون تحاكي أو تمثل موضوعا وفنونا ~~تجريدية لا تمثل شيئا، واستخرج ارتباطا قائما على أساس الكيفيات الحسية بين ~~أزواج من الفنون التمثيلية والفنون غير التمثيلية: # فبالنسبة للخطوط هناك فن تجريدي هو الزخرفة (الأرابسك) وفن تمثيلي هو ~~الرسم. # وبالنسبة للأحجام هناك العمارة (فن تجريدي) والنحت (فن تمثيلي). # وبالنسبة للألوان هناك تلوين خاص (تجريدي) وتصوير ملون ~~(تمثيلي). # وبالنسبة للإضاءة هناك إضاءة إسقاط ضوئي (تجريدي) وسينما ~~(تمثيلي). # وبالنسبة للحركة هناك الرقص (تجريدي) والتمثيل الصامت (تمثيلي). # وبالنسبة لأصوات اللغة هناك قواعد النظم (تجريدي) وهناك الأدب والشعر ~~(تمثيلي). # وبالنسبة للأصوات الموسيقية هناك الموسيقى (تجريدي) والموسيقى الدرامية ~~أو الوصفية (تمثيلي). # ولست أعني حين أعرض تصنيف سوريو للفنون أنه التصنيف الأفضل أو الصحيح، وإنما أعرضه ~~لأنه يحصر الفنون بطريقة تفي بغرضي وتفيدني في تبيان ما أريد تبيانه، لقد حصر سوريو ~~الفنون جميعا وفقا لمقولتي «التمثيل» # representation # و«التجريد» # abstraction # اللتين تتعلقان بالضرورة ~~بمقولة ثالثة هي مقولة «الكيفية» وهي قريبة حتى التطابق مما نعنيه بالوسيط الحسي # medium ~~، وما أريد أن أقوله هو أننا حتى لو استخدمنا ~~مصطلح سوريو تبقى الشكلية نظرية صائبة ويبقى «الشكل الدال» هو القاسم المشترك بين ~~الفنون ms37 جميعا، تمثيلية وغير تمثيلية؛ فالفنون التمثيلية نفسها ستكون في النهاية فنونا ~~بما هي شكل لا بما هي تمثيل، وستؤدي إلى الانفعال الإستطيقي بفضل الشكل الدال وحده، ~~والفنون التمثيلية جميعا، وأولها الأدب، هي فنون بقدر ما تندمج عناصرها التمثيلية في ~~شكل دال. # وبتعبير آخر يمكن أن أقول: إنه في جميع الفنون التمثيلية ينبغي أن يتحول العنصر ~~التمثيلي ذاته إلى وسيط حسي آخر! أقترح أن نسميه «وسيط الدرجة الثانية» # second-order ~~medium ~~، ~~يصاغ في شكل دال، ذلك الشكل الذي سيقع عليه الإدراك الإستطيقي، والذي سيسبغ على ~~العمل قيمته الجمالية، فإذا كانت الفنون بطبيعتها هي إما فنون تمثيلية وإما فنون ~~تجريدية، ففي جميع الأحوال لن يكون الفن فنا إلا بالشكل الدال. # هذه إذن صياغة أخرى للنظرية الشكلية تتجنب المصاعب وتسد الثغرات، أطرحها لا كبديل ~~لصياغة بل، وإنما كنموذج إضافي يكملها ويسهل عليها أن توضح اللبس وتصمد لكل ~~الانتقادات القائمة على سوء الفهم أو غموض الألفاظ، وبذلك تبقى الشكلية نظرية وافية ~~تنطبق على جميع الفنون بما فيها فن الأدب؛ فالشكل الدال قاسمها المشترك، كل ما في الأمر ~~أن الوسيط في الفنون التجريدية بسيط وفي الفنون التمثيلية مركب. # الفصل السابع # | شمول الشكل # فأشار إلي أنه فطر على ألا يكلم أحدا إلا رمزا. # ابن عربي # الطبيعة هيكل له دعامات حية، # تبث أحيانا أقوالا غامضة، # والإنسان يمر فيها عبر غابات من الرموز، # ترنو إليه بنظرات عائلية أليفة. # بودلير ~~(1) معان متعددة للشكل # للشكل معان متعددة يجب أن نكون متفطنين إليها حتى لا نقع في الخلط كلما عرضت لنا ~~اللفظة في سياق معين. # فقد ترد كلمة «شكل» لتشير إلى «قالب» أو «نمط» معين من التنظيم معروف وتقليدي، مثل ~~قالب السونيت بأنواعه في الشعر الإنجليزي، وقالب القصيدة التقليدية والأرجوزة والموشح ~~في الشعر العربي، ومثل قالب السوناتا والفوجه في الموسيقى، وقالب الدور والمونولوج ~~والموشح والموال والطقطوقة في الغناء العربي، ومثل بحور الشعر ومقامات الموسيقى ... إلخ، ~~هنا تدل كلمة «الشكل» على قوالب مسبقة أو أوعية ~~معدة سلفا لاحتواء الوسيط المستخدم وتوجيهه في وجهة ms38 معينة تفرض بالضرورة إمكانات ~~تعبيرية معينة، وغني عن القول أن هذا الصنف من الشكل ألي على حد تعبير كولريدج، وأنه ~~قالب خارجي تحكمي مسبق. # وقد ترد كلمة «شكل» بمعنى شديد العمومية والشمول لتدل على تنظيم عناصر الوسيط ~~المادي التي يتضمنها العمل (الأنغام، الخطوط، الأحجام ... إلخ) وتحقيق الارتباط ~~المتبادل بينها، أي الطريقة التي تتخذها العناصر المادية، أو العلاقات القائمة ~~بينها، في عمل فني بعينه، والشكل بهذا المعنى ليس قالبا مسبقا أو وعاء بل هو أشبه ~~بنسيج العنكبوت الذي يتألف من مواد وينظم هذه المواد، وقد تأتي كلمة «شكل» لتدل على ~~كل هذا بالإضافة إلى عملية تنظيم الدلالة التعبيرية لعناصر الوسيط، ذلك التنظيم الذي ~~يؤدي إلى زيادة الدلالة الفكرية والانفعالية للعمل ويضفي عليه وحدة ويشيع فيه روحا ~~عامة تسوده وتجمع بين أطرافه، إنه الشكل الداخلي العضوي الذي يصدر عن الفنان ويتألف من ~~الانفعال الذي يبثه في العمل ويؤدي إلى نمو العمل وفقا لطبيعته الخاصة وضرورته ~~الباطنة. # في فصل «الإبداع والشكل» من كتابه «الصوفية والسوريالية» يقول أدونيس: «الشكل هو ~~الصورة المحددة للعمل الفني المحدد، وهو إذن محايث أبدا، إنه جسد العمل الفني ... ~~لم يعد الشكل قالبيا: لم يعد ممكنا القول بوجود شكل (أو بحر أو وزن) وجودا مسبقا، ~~جاهزا، مستقلا بذاته، صار الشكل، شعريا، شكلا محددا لعمل شعري محدد، وكما ~~أنه لا نهاية للشعر، فلا نهاية لأشكاله.» # 1 # وينبغي حين نقوم بتحليل العمل الفني إلى عناصره المكونة ألا يغيب عن ذهننا لحظة أن ~~العمل الفني كل لا يتجزأ، ولا يمكن رده إلى عناصره دون خسائر؛ لأننا حين نفصل عنصرا ~~واحدا منه لكي نتحدث عنه ونصفه فلن يعود له نفس الخصائص التي كانت له حين كان مدمجا ~~في الكل وكانت له علاقات ببقية العناصر، وهذه العلاقات تؤثر فيه وتحدث اختلافا في ~~طبيعته، عملية الفصل والعزل إذن هي ضرورة لغوية ذهنية نقدية، غير أنها لا تصف واقعة ~~معطاة، وقد صدق من قال «إننا نقتل لكي نشرح.» فالعمل الفني هو في النهاية وحدة ~~عضوية حية، كل ms39 يتجاوز أجزاءه. ~~(2) الشكل الدال صرامة وتقشف # ليست هناك كآبة وإفلاس ككآبة الفن وإفلاسه حين ينهمك في نفسه لا في ~~موضوعه. # جورج سنتيانا # يظن بعض الناس ممن يلقون الكلام على عواهنه أن الشكلية تعني صدارة الشكل، أي شكل، ~~على المضمون، ويتوهمون أن الشكلية هي التركيز على الزخرف والزينة دون اكتراث بالمعنى ~~والوظيفة، وهو تعس لم يقل به أحد، وقلب للقضايا لا يرتكبه إلا مأفون، فالشكل الذي ~~ألح عليه بل هو الشكل «الدال» # significant ~~، ~~و«الدلالة» مفهوم «قصدي» # intentional # بامتياز: ~~فالشكل لا بد أن يدل على شيء ويشير إلى شيء ويقول شيئا، على أن يقول ويشير ~~ويدل بالشكل وفي الشكل، ونقول بالشكل وفي الشكل لأن الشكل الدال، ببساطة، هو وحده ما ~~يقوى على إحداث الانفعال الإستطيقي، وغيره لا يحدث إلا انفعالات الحياة. # هل الاهتمام بالشكل يأتي على حساب المضمون؟ كلا بل يأتي لحسابه، الشكل هو كل شيء في ~~العمل الفني، الشكل هو المضمون في حضوره الإستطيقي، والشكل الدال هو الشكل الذي تطابق ~~مع انفعال مبدعه تجاه الواقع النهائي، والذي وجد فيه هذا المضمون الانفعالي جسدا ~~للمثول الموضوعي ومنفذا إلى الذوات الأخرى، وآيته في ذلك أنه يثير في المتلقين ~~انفعالا مضاهيا لانفعال مبدعه، وهذا الانفعال الناجم هو معرفة ونشوة معا، هو كشف ~~كبير ومتعة عالية في آن. # الشكل الدال حق متى جاء، ونحن نعرفه متى صادفناه ونعرف أنه حق، إنه هو ... يحمل آية ~~صدقه (الوجد الإستطيقي) ويومئ إلى رصيده الأنطولوجي (الواقع النهائي)؛ ومن ثم فهو نقيض ~~اللعب والتبطل، فأنت في كل الأحوال لكي تأتي بشكل دال فلا بد أن يكون لديك ما تقوله، ~~الشكل الدال ليس زينة بل نقيض الزينة، وهو بالتأكيد تقشف وتبسيط وكفاف # 2 # من التمثيل والتفصيل، وطرح للزائد ونبذ لكل ما لا دلالة له، الشكل الدال ~~ليس لهوا أو فراغا أو عجة بلا بيض. # يقول كلايف بل في فصل «التبسيط والتصميم»: «التفصيل هو لب الواقعية، وهو «الانحلال # 3 # الدهني» # fatty degeneration # للفن، أما ~~الحركة المعاصرة فقد اتجهت إلى التبسيط، وإلى التخلص ms40 من كل هذه الفوضى من التفاصيل ~~التي أقحمها الرسامون في لوحاتهم من أجل إثبات الوقائع وتقريرها، غير أن المهمة ~~كانت أكبر من ذلك؛ فقد كانت هناك عناصر خارجة عن الموضوع يقحمها الرسامون في لوحاتهم ~~لأغراض أخرى غير تقرير الوقائع، من هذه الأغراض الاستعراض التكنيكي، فمنذ القرن الثاني ~~عشر أخذت التعقيدات التكنيكية في التوسع المطرد، وأخذ الكتاب الذين ليس لديهم ما ~~يقولونه يعتبرون التلاعب بالألفاظ كغاية في ذاته؛ فهم أشبه بطهاة ليس لديهم بيض ~~فجعلوا يعتبرون وتيرة صنع العجة كفن جميل؛ خلط التوابل وفرم الخضرة وإحماء النار ~~وتهيئة الطواقي البيضاء، أما البيض فما لنا وما له؟ ذلك أمر الله، ومن ذا يريد العجة ~~حين يكون بوسعه أن يمارس الطهي؟ لقد بسطت الحركة الجديدة هذه الأمور واختزلت عدة ~~الطهي، وعمدت إلى أن تطهر العمل الفني من أي عنصر لا يعدو أن يكون عرضا لحرفية الصانع.» # 4 ~~(3) شمول الشكل # لقد تعرض مفهوم الشكل حقا لابتذال كثير وسوء فهم فادح، والتصقت به دلالات ~~سلبية ليست منه وليس منها، وتقول عليه المتقولون وكأنه نقيض المضمون لا جسده، أو ~~كأنه ضد التجديد لا شرطه وحاديه وروحه الحارس. # ليس لمفهوم الشكل الدال علاقة بالصراع الأزلي بين الجموح والعقل، بين التلقائية ~~والنظام، بين الجانب الديونيزي والجانب الأبولوني في الفن؛ ففي ذلك خلط بين الشكل ~~الخارجي الآلي والشكل الداخلي العضوي، فليتمرد من شاء على القوالب المستهلكة، وليجدد ~~ما شاء له تدفقه واندفاعه؛ فكل تجديد يحمل في ثناياه شكله الخاص، ولن يتسنى لأحد أن ~~يتمرد على الأشكال القديمة إلا بأشكال جديدة، ولن يكون له أن يجدد في الشكل إلا ~~بالشكل. # إن الشكل بحاجة إلى إعادة فهم ورد اعتبار، وليس أقدر على رد اعتباره من أن ~~نبين أن الشكل حقيقة واقعة عتيدة كلية الوجود، فالخلق نفسه شكل، والوجود ذاته هو ~~بزوغ الشكل من العماء # chaos # وخروج النظام من الفوضى، ~~والرمز شكل، والرموز، كما بين كاسيرر، هي موطن الذهن الإنساني وبيئته الطبيعية وعالمه ~~الذي لا عالم غيره سوى الذهان والتناثر، فالصحة العقلية ms41 شكل، والحياة الصالحة، كما ~~أكد فيكتور فرانكل، هي في النهاية حياة اتخذت معنى واعتصمت بالشكل. ~~(4) هل نمضي قدما ونقول: إن العلم شكل؟ # يقول توماس كون # T. Kuhn # في «بنية الثورات العلمية»: ~~«شيء يشبه البرادايم # paradigm ~~(النموذج الشارح) هو ~~متطلب أساسي حتى في الإدراك الحسي ذاته، فما يراه الشخص لا يتوقف فحسب على ما ينظر ~~إليه لتوه، بل يتوقف أيضا على خبرته البصرية التصورية السابقة وما علمته أن يراه»، ~~فنحن لا نرى في واقع الأمر موضوعات محددة من مثل البشر والحيوانات والموائد والكراسي، ~~فكل ما يقدمه البصر في حالة رؤية كلب مثلا هو بقعة سمراء تتحرك وتطوف في مجالنا ~~البصري، ما تمدنا به الحواس هو إحساسات خالصة (بقع ملونة، أصوات ... إلخ) يقال لها ~~أحيانا «المعطيات الحسية» # sense data (sense) ~~، ونحن من ~~هذه المعطيات الحسية «نستدل» # infer # عندئذ على العالم ~~المعتاد أو «نشيده» # construct ~~، إن حواسنا لا تعمل في ~~واقع الأمر بمعزل عن بقية جهازنا العصبي؛ فنحن نرى الكلب بالفعل لأن «الإدراك الحسي» # perception # غير مقتصر على التسجيل ~~الفوتوغرافي، بل يتضمن أيضا كل قدراتنا التمييزية والتصنيفية، ليست عيوني هي التي ~~ترى بل «أنا» الذي يرى، مستخدما العينين بالإضافة إلى المخ، وقد جرت العادة على أن ~~يدخر مصطلح «الإدراك الحسي» لمعنى الرؤية الذكية والسمع الذكي ... إلخ، الإحساس إذن هو ~~عامل واحد، وواحد فقط، من عوامل الإدراك الحسي. # وفي مجال سيكولوجيا الإدراك بينت مدرسة الجشطلت أن الظواهر السيكولوجية، من إدراك ~~حسي وسلوك ... إلخ، لا يمكن أن تفهم إلا كأشكال كلية لها الصدارة على أجزائها وليست ~~مجرد مجموع غفل لها، أشكال تعمل لحسابها وينبغي أن تدرس في ذاتها وليس بتحليلها إلى ~~أجزائها المكونة، فنحن ندرك اللحن الموسيقي على سبيل المثال كشكل كلي لا كنغمات ~~متراصة، وبميسورنا أن نميز اللحن نفسه لو أعيد على سمعنا ألف مرة معزوفا بآلات ~~أخرى وبسرعات مختلفة أو مؤدى بصوت بشري أو مكتوبا بمفتاح جديد ومطمورا في ~~تنويعات متعددة، ذلك أننا ندركه في جميع الأحوال كشكل كلي يتجاوز أجزاءه ولا يمكن ms42 ~~رده إلى مكوناته دون أن نسلبه جوهره الحقيقي وكنهه الأصيل، والتعلم أيضا لم يعد ~~مجرد ارتباط آلي أعجم بين منبهات واستجابات كما تبشر السلوكية، بل هو إعادة بناء ~~وتنظيم للموقف ككل، يمثل «التبصر» # insight # ملمحها ~~الحاسم، ولم تعد فسيولوجيا الدماغ قائمة على لحاء مخي ثابت مستقر، بل هي عملية ~~دينامية تقوم على التساوق والتجاوب، ويمثل لحاء المخ فيها ذلك المكان الذي تتفاعل فيه ~~المنبهات الواردة في حقل من القوى. # كان أصحاب التجريبية الساذجة يظنون أن ما يجعل العلم علما هو أن العلماء - على عكس ~~الفلاسفة التأمليين الكسالى - يلاحظون الطبيعة ويجمعون ملاحظاتهم ليكونوا بها صورة ~~صادقة للأشياء؛ مركبا من كل الحقائق وليس من شيء غير الحقائق، والمشكلة الكامنة في هذه ~~النظرة هي أن هناك ما لا نهاية له من الملاحظات التي يمكن أن نقوم بها ونسجلها، ~~الأمر الذي يجعل الوصف الصادق للطبيعة طويلا لا آخر له، ومضجرا كدليل التليفون، ~~فبإمكان المرء أن يشرع مثلا في وصف هيئة كل خبة رمل على شاطئ معين، ولكن لا أحد، ولا ~~بيكون نفسه زعيم التجريبيين، يمكن أن يتصور كيف تكون مهمة العلم إذا سار بهذه ~~الطريقة. # ورغم ذلك فقد كان على العلماء أنفسهم أن ينفقوا زمنا (وكذلك مراقبو العلم من ~~الفلاسفة) حتى يدركوا بوضوح أن الملاحظة لكي تكون ذات معنى يجب أن تسترشد بنظرية، ~~وقد ظل كثير من الناس يصرون على أن الملاحظات يجب دائما أن تأتي أولا، وبعدها ~~وبناء عليها يمكن للنظريات أن تنشأ، ولكن ما يحدث في عامة الأحوال هو أن نظرية ما هي ~~التي تخبر العالم على وجه التحديد أي الملاحظات هي الجديرة بأن يقوم بها، أضف إلى ذلك ~~بطبيعة الحال أن النظرية تمد العالم أيضا بالمفردات اللغوية التي يصف بها ملاحظاته، ~~فللأشياء والأحداث والمواقف التجريبية وما شابه، ما لا ينتهي من الخواص القابلة ~~للملاحظة والوصف، إن النظريات هي التي تحدد للعالم أي هذه الخواص هي التي تعنيه ~~وتتصل بموضوعه خلال وحدة محددة من العمل العلمي. # في كتابه «التبصر والفهم» (1961) يقول س. ms43 تولمن # S. ~~Toulmin # إن العلماء الذين ~~يقبلون أفكارا ونماذج معينة سوف يشاهدون ظواهر مختلفة؛ ذلك أن هذه النماذج وتلك ~~الأفكار هي التي تسبغ على الوقائع المشاهدة معناها، ليس هذا فحسب، بل إنها لتحدد لهم ~~أيضا أي الوقائع يجب اختيارها، وهذا يفضي بنا إلى أننا نرى العالم من خلال تصوراتنا ~~الأساسية للعلم، ويقول فيرابند # Feyerbend # في مقاله ~~«مشكلات المذهب التجريبي» (1965): إن ما هو مدرك يتوقف على ما هو معتقد، وإن كل ~~نظرية علمية تفرض خبرتها الخاصة، ويقول في دراسته «التفسير والرد والمذهب التجريبي»: ~~إن النظريات العلمية ليست سوى طرق معينة للنظر إلى العالم، وإن تبني هذه ~~النظريات يؤثر على توقعاتنا وخبراتنا، وفي كتابه «بنية الثورات العلمية» (1962) يقول ~~توماس كون: «إن العلماء خلال الثورات العلمية يشاهدون أشياء جديدة ومختلفة حين ~~ينظرون بالآلات المألوفة من المواضع نفسها التي نظروا منها من قبل؛ إذ إن تغيرات ~~«النموذج الشارح» # paradigm # تجعل العلماء بالفعل ~~يشاهدون عالم أبحاثهم الخاصة بطريقة مختلفة تماما عن ذلك العالم الذي كانوا ينتمون ~~إليه من قبل.» # ذلك أن الإحساس البصري المحض، على المستوى الذري، لا يقدم أثناء المشاهدة أكثر ~~من بقع فسيفسائية مبعثرة، ثم يأتي «النموذج» أو «الجشطلت» - وهو شيء محمل بالنظرية # theory laden # أو هو نظرية - فيضفي هيئة ومعنى ~~ووضعا بعينه على هذا الإحساس الغفل، وإن ظواهر شهيرة مثل «تبدل الأمامية/الخلفية» ~~ومثل «التحول الجشطلتي» لتبين بوضوح أن رؤية منظر ما بطريقة أو بأخرى يتجاوز كثيرا ~~مجرد الإحساس الغفل؛ فالتأويل المسترشد بنظرية من شأنه أن يغير الخبرة ذاتها. # الفصل الثامن # | الفرضية الميتافيزيقية # الفن هو أعم وأبقى صور التعبير الديني جميعا، فما من أداة أخرى لنقل الانفعال قد ~~أسعفت الإنسان مثلما أسعفه الفن، وما من فيض من طرب الروح إلا هو واجد في الفن قناة ~~تتولاه وتحدوه. # كلايف بل # الفن بعامة هو، بالضبط، تعبير، لا عن الأشياء، بل عن نشوة الجسد-الحياة في التحامها ~~بمعنى العالم وأسراره عبر الأشياء. # أدونيس # ما غروب الشمس يعطي فكرة # عنك بل نكهة أن ثم غروب # سعيد عقل # يفرق ms44 كلايف بل تفريقا حاسما بين نطاق الإستطيقا ونطاق الميتافيزيقا، وبينما هو ~~يؤكد ثقته الكبيرة في فرضيته الإستطيقية (وهي أن الخاصية الجوهرية في العمل الفني هي ~~الشكل الدال؛ أي ضروب معينة من حبكة الخطوط والألوان من شأنها أن تثير في المتلقي ~~وجدا إستطيقيا) فإنه يدفع بفرضيته الميتافيزيقية بتحفظ وحذر، ويؤكد مرارا ~~وتكرارا أنها مجرد احتمال لا يبلغ مرتبة اليقين على الإطلاق، من ذلك مثلا ~~ما قاله في فصل «الفن والتاريخ» بالنص الحرفي: «لقد كانت ~~فرضيتي الإستطيقية (أن الصفة الجوهرية في أي عمل فني هي الشكل الدال) قائمة على ~~خبرتي الإستطيقية، وأنا من خبرتي الإستطيقية على ثقة. أما عن فرضيتي الثانية (أن الشكل ~~الدال هو التعبير عن انفعال خاص تجاه الواقع) فلست واثقا منها بحال.» # لماذا تتأثر مشاعرنا كل هذا التأثر حيال ضروب معينة من تضام الأشكال؟ # هذا سؤال ميتافيزيقي. # إنه سؤال شائق للغاية ولكنه خارج عن الموضوع، فليس لنا في الإستطيقا المحضة أن ننظر ~~فيما سوى انفعالنا وموضوعه، إننا «في حدود أغراض الإستطيقا ليس من حقنا، ولا هو من ~~الضروري، أن ننبش وراء الموضوع في الحالة الذهنية للذي صنعه، ولسوف أحاول لاحقا أن أجيب ~~عن هذا السؤال حتى يتسنى لي أن أقول كلمتي في علاقة الفن بالحياة، غير أنني لن أوهم نفسي ~~عندئذ أن ذلك تتمة لنظريتي الإستطيقية، فكل ما يلزم في مبحث الإستطيقا هو أن أثبت فحسب ~~أن الأشكال إذ تنتظم وتجتمع وفقا لقوانين معينة مجهولة وغامضة، فهي تحرك مشاعرنا ~~فعلا بطريقة معينة.» # 1 # يبدو ممكنا في رأي كلايف بل أن الشكل المبدع يهزنا بهذا العمق؛ لأنه يعبر عن ~~انفعال مبدعه ويوصل إلينا هذا الانفعال؛ أي إن من المحتمل أن يكون التعبير عن انفعال هو ما ~~يمنح العمل الفني تلك القدرة على إثارة الوجد الإستطيقي. فتجاه أي شيء إذن يشعر ~~الفنان بذلك الانفعال الذي يفترض أنه يعبر عنه؟ يبدو من وجهة نظر بل أن الفنان في ~~لحظات إلهامه يحس انفعالا تجاه الأشياء بوصفها «أشكالا خالصة»؛ أي بوصفها غايات في ~~ذاتها، ms45 لا بوصفها وسائل ملفعة بالارتباطات؛ أي إن الفنان في لحظة الرؤية الإستطيقية يرى ~~الأشياء مبرأة من كل ضروب الاهتمام السببي والطارئ، ومن كل ما يمكن أن تكون قد اكتسبته ~~من طيلة صحبتها لبني البشر، ومن كل دلالة لها كوسيلة؛ ومن ثم يحس دلالتها كغاية في ~~ذاتها. # وحين يتحدث بل عن دلالة الشيء بوصفه غاية في ذاته، فإنه يقترب كثيرا من مفهوم ~~المثاليين عن «الشيء في ذاته» (النومين) أو عن «الواقع النهائي» # ultimate reality ~~، # 2 # ويكون جوابه عن سؤاله الميتافيزيقي: «لماذا نطرب كل هذا الطرب لتجمعات معينة ~~من الخطوط والألوان؟» هو: «لأن بقدرة الفنانين أن يعبروا بتجمعات الخطوط والألوان عن ~~انفعال نحو الواقع يكشف عن نفسه من خلال الخط واللون.» ويترتب على ذلك أن «الشكل الدال» # Significant Form # هو الشكل الذي نظفر من ورائه ~~بحس بالواقع النهائي.» # هذه هي الفرضية الميتافيزيقية باختصار شديد، دفع بها كلايف بل بتحرز وتردد ~~ينمان عن حنكة منطقية وتواضع فلسفي. على أن ما همس به بل همسا قد صادف فيما بعد ~~من يصدع به ويعلنه بحسم وتوكيد، فهذا فيدلر # Fiedler # يؤكد أن أعمال الفن البصري تجسم في موضوعات عينية صورة قائمة بذاتها من صور التجربة ~~الحسية، وهناك أشخاص ممتازون قد جادت عليهم الطبيعة بمنحة نادرة، فوهبتهم من رهافة ~~الحس ورقة الشعور ما يستطيعون معه أن يحققوا ضربا من الاتصال المباشر بالطبيعة، ومثل ~~هؤلاء الأشخاص لا يدركون من أي موضوع من الموضوعات بعض العلاقات الجزئية المنبعثة من بعض ~~التأثيرات المحدودة، بل هم يدركون - على العكس من ذلك - صميم وجود الموضوع؛ وبالتالي ~~فإنهم يشعرون به ككل قبل أن يعمدوا إلى تجزئة هذا الشعور العام وإحالته إلى بعض الإحساسات ~~المنفصلة. ويبين هربرت ريد أن الإنسان حين يقدم على إبداع أي عمل فني، فإنه إنما ~~يقبل على معركة يصارع فيها الطبيعة، ولكن لا من أجل وجوده المادي، بل من أجل وجوده ~~الذهني. ومن هنا فإن بداية العمل الفني ونهايته إنما تكمنان في عملية إبداع الأشكال أو ~~الصور التي يستطيع الفنان ms46 من خلالها الوصول إلى قلب الوجود! وليس من شأن الفنان أن يخلق ~~عالما ثانيا يضعه إلى جوار ذلك العالم الآخر الذي يوجد بذاته دون حاجة إلى نشاط ~~الفنان، وإنما يجيء الفن فيقدم لنا العالم نفسه وقد أعاد خلقه الوعي الفني، ~~وكأنما هو قد صنع خصيصا من أجل الفنان وبفضل الفنان! وهذا كارل ياسبرز يقول: إننا لا ~~نكون خبرة صحيحة عن الطبيعة والإنسان، اللهم إلا حين نلتقي بهما في صميم ماهيتهما على ~~نحو ما تكشف لنا عنها فنون النحت والرسم والتصوير. # 3 ~~(1) بين الفرضية الميتافيزيقية والمحاكاة الأرسطية # إن فرضية بل الميتافيزيقية بمثابة عقد رباط وثيق بين الفن والحياة، قد يظن «ردة» ~~إلى نظرية المحاكاة، وعودة صاغرة إلى حظيرة أرسطو بعد تمرد طفولي على المعلم ~~الكبير، والحق أن الفرضية الميتافيزيقية تحمل شبهة التناقض مع الفرضية ~~الإستطيقية، ولكن لا تناقض هناك إلا لمن يخلط الأمور، ويقع في الخطأ المقولي الذي ~~ألمعنا إليه آنفا؛ فقد فصل بل فصلا صارما بين نطاق الإستطيقا ونطاق الميتافيزيقا، ~~وجعل كل حديث ميتافيزيقي شيئا خارجا عن الموضوع من الوجهة الإستطيقية، ونفى نفيا ~~قاطعا أن يكون حديثه عن علاقة الفن بالحياة تتمة لنظريته الإستطيقية، إنه حقا ~~يتلقى على أرض الميتافيزيقا بالمحاكاة الأرسطية، محاكاة الماهيات، غير أن هذا اللقاء ~~العابر القلق لا يمس الإستطيقا الشكلية من قريب أو بعيد. # يقول رولو ~~ماي # R. May ~~، عالم النفس والمفكر الوجودي الأمريكي، في كتابه «شجاعة ~~الإبداع»: إن الإبداع يحدث «في فعل من المواجهة»، بذلك يكون ماي قد دخل هو أيضا أرض ~~الميتافيزيقا ليرتحل، على حد تعبير كلايف بل، في مناخ غير مستقر، ويردف ماي: ~~«ها هو سيزان يرى شجرة، إنه يراها بطريقة لم يرها بها أحد من قبله قط، والتجربة ~~التي يمر بها، والتي من الممكن أن يقول عنها بلا ريب هي «أن الشجرة قد أطبقت عليه.» ~~شموخ الشجرة وتسامقها وانتشارها الحاني الأمومي، والتوازن الرقيق في تشبثها بالأرض، ~~كل هذا، وكثير غيره، من سمات الشجرة قد امتصها إدراكه الحسي، وشعر بها من خلال بنيته ms47 ~~العصبية كلها، وهذا كله شطر من الرؤية التي تجتازها تجربته، هذه الرؤية تقتضي حذفا ~~لبعض جوانب المشهد وتوكيدا أكبر على جوانب أخرى، وما ينتج عن إعادة ترتيب هذا كله، غير ~~أنه أكثر من مجموع هذا كله، ويأتي في المقام الأول أن الرؤية لم تعد الآن شجرة، بل ~~«الشجرة»؛ ذلك أن الشجرة العينية التي نظر إليها سيزان قد تشكلت فأصبحت ماهية ~~الشجرة، ومهما تكن رؤيته أصيلة لا تتكرر، فما برحت رؤية للأشجار جميعا أطلقتها ~~مواجهته لهذه الشجرة الجزئية المعينة، وهذا التصوير، الذي يصدر عن هذه المواجهة بين ~~إنسان هو سيزان وواقع موضعي هو الشجرة، هو مواجهة جديدة وفريدة وأصيلة بمعنى الكلمة، ~~فها هو شيء يولد، يأتي إلى الوجود، شيء لم يكن له وجود من قبل، وهذا تعريف جيد للإبداع ~~نستطيع أن نضع عليه أيدينا، وكل من يأتي بعد ذلك ليشاهد اللوحة بشدة في الوعي، ويتركها ~~تتحدث إليه، سيرى الشجرة بالحركة القوية الفريدة، وبالحميمية بين الشجرة والمنظر ~~الطبيعي، والجمال المعماري الذي لا يوجد بمعنى الكلمة في علاقتنا بالأشجار حتى جاء ~~سيزان بتجربته ورسمها، وأستطيع أن أقول بلا مغالاة إنني لم أشاهد قط شجرة حقا حتى ~~رأيت واستوعبت رسوم سيزان لها.» # 4 # قبل أن يخلص كلايف بل إلى فرضيته ~~الميتافيزيقية كان يسأل الفنانين عن طبيعة عملهم، فقال له مرة واحد من أعظم الفنانين ~~إن ما يحاول أن يعبر عنه في لوحة فنية هو «فهم انفعالي للشكل»، وقد طالما حير بل ~~هذا «الفهم الانفعالي»، حتى ظفر بمعناه بعد حديث كثير مع الفنانين وإصغاء أكثر، ~~ولعل ما حير بل هو أننا درجنا على أن الفهم يكون بالعقل، وأن العقل نقيض ~~الانفعال؛ ومن ثم فإن علينا لكي نفهم شيئا ما فهما موضوعيا أمينا أن نكبت انفعالنا ~~نحوه أو نحيده، غير أن رولو ماي يبدهنا بعكس ذلك فيقول: «لقد كنا ننحو إلى أن نضع ~~العقل في مقابل الانفعالات، وافترضنا نتيجة لتضخم زائد في هذه القسمة أننا نتمكن ~~من ملاحظة الشيء بدقة أكثر لو استبعدنا انفعالاتنا، أعني أننا ms48 سنكون أقل تحيزا لو أن ~~انفعالاتنا لم تتدخل على الإطلاق في الموضوع الذي بين أيدينا، وأنا أعتقد أن هذا خطأ ~~فادح؛ إذ توجد الآن بيانات في استجابات رورشاخ # Rorschach # تشير إلى أن الناس يستطيعون أن يلاحظوا بمزيد من الدقة إذا ~~كانوا مدفوعين بانفعالاتهم، أعني أن العقل يعمل بطريقة أفضل في حضور العواطف، ~~فالإنسان يرى ببصر أكثر حدة ودقة حين تشترك العواطف، والحق أننا لا نستطيع أن نرى ~~شيئا رؤية حقيقية إلا إذا كنا مرتبطين به ارتباطا عاطفيا، فربما كان العقل يؤدي ~~عمله على أحسن وجه في حالة الوجد (النشوة) # ecstasy ~~، # 5 # ويرى ماي أن الوجد هو المصطلح الدقيق لشدة الوعي التي تحدث في الفعل ~~الإبداعي، على ألا نفكر فيه بوصفه «سماحا بتحرير شيء ما بالمعنى الباخوسي، وإنما هو ~~شيء يشمل الشخص كله بحيث يعمل ما تحت الشعور واللاشعور في وحدة مع الشعور، ومن ثم فهو ~~ليس لا عقلانيا، بل هو بالأحرى فائق لما هو عقلي؛ فهو يمزج بين الوظائف العقلية ~~والإرادية والعاطفية في عمل واحد.» # يذكر بل في فرضيته الإستطيقية أن عالم الرياضيات المستغرق في دراساته يخبر ~~حالة ذهنية شبيهة غاية الشبه بالنشوة الإستطيقية التي تغشي الفنان في لحظات ~~الإلهام: «وربما يذهب بي الظن أحيانا إلى أن مدركي الفن ومدركي الحلول الرياضية قد ~~يكونون أكثر قربا وأوثق صلة حتى من ذلك، فأتساءل: قبل أن يأخذنا انفعال إستطيقي تجاه ~~تجمع من الأشكال، ترانا ندرك بالفكر صواب هذا التجمع وضرورته؟» # 6 # أليس هذا قريبا حتى الانطباق من فكرة هربرت ريد عن «القابلية للتحقق» # verifiability # بوصفها عنصرا ضروريا من ~~عناصر الإبداع الفني كما هي في الوقت نفسه مقوم أساسي من مقومات المنهج ~~العلمي؟ # وكأني برجل من أفذاذ العلم ومن نوابغ الرياضيات هو جول هنري بوانكاريه # G. H. Poincaré # ينعم بحضرته ويكمل لنا ~~الوجه الآخر من الأمر، ويقول (من كتابه «أساس العلم»): إن التركيبات المفيدة (التي ~~تنبثق من اللاشعور) هي بالضبط أجملها، أعني أقدرها على إمتاع تلك الحساسية الخاصة التي ~~يعرفها الرياضيون جميعا، والتي ms49 يجهلها غيرهم جهلا تاما بحيث يغريهم بالابتسام ~~عليها ... ومن بين الأعداد الكبيرة من التوليفات التي صنعت عشوائيا بوساطة الذات ~~المتسامية، يظل معظمها بلا أهمية وبلا نفع، وهذا بالضبط هو السبب الذي يجعلها أيضا بلا ~~تأثير على الحساسية الجمالية، ولن يدركها الوعي أبدا، ولا يتسم بالانسجام سوى بعض ~~منها، وبالتالي تكون في الحال مفيدة وجميلة، وتكون قادرة على المساس بهذه الحساسية ~~الخاصة برجل الهندسة التي تحدثت عنها آنفا، والتي إن أثيرت مرة فسوف تجذب الانتباه ~~إليها؛ ومن ثم تتيح لها الفرصة لكي تصبح واعية.» # 7 # ويعلق ماي على قول بوانكاريه بأن «هذا هو الذي يدعو الرياضيين والفيزيائيين ~~للحديث عن «أناقة» # elegance # نظرية ما، أما المنفعة ~~فتأتي في مرتبة أدنى بوصفها جزءا من الخاصية التي يتمتع بها الشكل الجميل؛ فالانسجام ~~الذي يسري في شكل داخلي، والاتساق الباطن في نظرية ما، وسمة الجمال التي تمس ~~حساسية المرء - هذه كلها عوامل دالة تحدد لماذا تبزغ في الوعي بصيرة معينة دون ~~غيرها، وبوصفي محللا نفسيا لا يسعني سوى أن أضيف أن تجربتي في مساعدة الناس على ~~تحقيق استبصارات من الأبعاد اللاشعورية داخل أنفسهم تكشف عن هذه الظاهرة نفسها؛ وهي أن ~~البصائر لا تبزع أصلا لأنها «صادقة عقليا» أو لأنها مفيدة، ولكن لأنها تتميز ~~بشكل معين هو الشكل الجميل الذي يستكمل ما ليس كاملا فينا، هذه الفكرة، هذا الشكل ~~الجديد الذي يقدم نفسه بغتة، يأتي لكي يكمل جشطلتا كان حتى الآن ناقصا، وكنا حتى ~~الآن نناضله في إدراك واع، ويستطيع المرء أن يتحدث بدقة شديدة عن هذا النموذج الذي ~~لم يكتمل، هذا الشكل الذي لم يتشكل، بوصفه المكون لذلك «النداء» الذي يعطيه ما ~~قبل شعورنا من جيشانه العنيف الإجابة المنشودة.» # 8 # يا لله كأني بالجمال يلوح للحق، وبالحق يلوح للجمال ! # فها هو فيلسوف إستطيقي (بل) يرى الجمال جمالا لأنه صواب، وها هو عالم رياضي ~~(بوانكاريه) يرى الصواب صوابا لأنه جميل، وكأني بفيلسوف المثالية الترانسندنتالية ~~(إيمانويل كانت) يباركهما من وراء الغيب. لا بدع؛ فالعقل ليس كيانا سلبيا ms50 تدور حوله ~~الأشياء فيعكسها كما هي، إنما الأشياء تعنو للعقل وتلائم نفسها وفق قوالبه ومقولاته، ~~فالعقل ليس متفرجا سلبيا في لعبة المعرفة، العقل يجبل العالم على طريقته ويشكل ~~العالم على صورته ويشيد الأشياء تشييدا. ~~(2) ضرورة المواضعات الفنية # وعلى ذلك فإذا أردنا الارتقاء بموسيقانا فلا بد أن نضع لها قانونا ~~وقاعدة. # أفلاطون: القوانين # هذه مسألة يستدعيها الحديث وإن تكن مسألة غير إستطيقية وغير ميتافيزيقية (فهي في ~~الحقيقة مسألة تكنيكية)، إن مهمة الفنان كما يبين بل هي إما أن يخلق شكلا دالا ~~وإما أن يعبر عن حس بالواقع - حسبما تفضل من تعبير، غير أننا لا نرى أبدا فنانا ~~حقيقيا يمكن أن يقعد أو يقوم لا لشيء إلا ليبدع شكلا دالا أو ليعبر عن حس ~~بالواقع، دون أي تحديد أبعد من ذلك، إنما يتوجب على الفنانين أن يتخذوا لأفعالهم ~~مجرى معينا، أن يركزوا طاقاتهم على مشكلة محددة؛ فالشخص الذي يشرع في رحلة صوب العالم ~~كله هيهات له أن يبلغ مكانا، هذه الحقيقة تفسر لنا الضرورة المطلقة للمواضعات الفنية، ~~وتفسر لنا لماذا تعد كتابة شعر جيد أيسر من كتابة نثر جيد، ولماذا تكون كتابة ~~الشعر المرسل # 9 # الجيد أصعب من كتابة مقاطع من شعر الدوبيت المقفى، هذا هو مغزى القوالب ~~الفنية مثل السونيتة والبالاد والروندو: إن الحدود الصارمة تركز طاقات الفنان وتكثفها. # 10 # يقول الأستاذ العقاد: إن الجمال هو الحرية، # 11 # وإن حب الأمم للحرية يقاس بحبها للفنون الجميلة. # والحرية عند العقاد لا تعني التخلص من القيود، لأن القيود والقوانين هي أساس ~~اختيار الحرية، انظر إلى بيت من الشعر وتصرف الشاعر فيه، إنه مثل حق لما ينبغي أن ~~تكون عليه الحياة من قوانين الضرورة وحرية الجمال، فهي قيود شتى من وزن وقافية، غير أن ~~الشاعر يعرب عن طلاقة نفس لا حد لها حين يخطو بين كل هذه السدود خطوة اللعب، ويطفر من ~~فوقها طفرة النشاط، ويطير بالخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل، وإذا كانت ~~سنة الله في خلق هذا الكون قد شاءت ms51 أن تجعل من قوانينه دعامة للحرية، وأصلا لكل شعور ~~انطلاقي، فليس عجيبا أن يتلاقى في فن الشعر قيد الوزن وفرح اللعب، وليس من الغرابة في ~~شيء أن يتعانق على يديه الخيال الشارد والقافية المحبوسة. # والفنون الجميلة جميعا هي «الفنون التي تشبع فينا حاسة الحرية وتتخطى بنا حدود ~~الضرورة والحاجة، وما من شيء تستجمله وتخف نفسك إليه وهو مغلول الحياة منقبض عن ~~وظائفها، حتى الأخلاق، ما من جميل فيها إلا كان جماله على قدر ما فيه من غلبة على ~~الهوى وترفع عن الضرورة وقوة على تصريف أعمال النفس في دائرة الحرية والاختيار.» # 12 # إن قيود الضرورة هي مسبار ما في النفوس من جوهر الحرية الصحيحة، كما أن ~~القيود التي تثقل بها أعضاء البهلوان الماهر هي مسبار مهارته وقدرته على الخطران ~~والوثب واللعب، فليس النشاط الفني خروجا على كل قاعدة، أو انطلاقا في فضاء مطلق ~~ليس به أدنى مقاومة، وإنما النشاط الفني طلاقة نفس تحيل العوائق إلى وسائط، وتتخذ ~~من الضرورات أدوات للتحرر، وليست الضرورات والقوانين سوى القالب الذي تحصر فيه الحياة ~~عند صبها وصياغتها، ليكون لها خير محدود في هذا الوجود، ولتسلم من العدم المطلق ~~الذي تصير بها الفوضى إليه، وإلا فتصور عالما لا موانع فيه ولا أثقال، ثم انظر ماذا ~~لعله يكون؟ إنه لا يكون إلا فضاء بغير فاصل أو هيولي بغير تكوين. # 13 # هذا ما يقوله أستاذنا العقاد، ونريد أن نذهب أبعد من ذلك، فنقول إن الحدود الفنية ~~ليست إعاقة مجانية ولا حفزا سلبيا آليا؛ فالأمور في الفن أدق من ذلك وأعمق، فحين ~~نقول إن الحدود الفنية (الأطر، المواضعات، القيود ...) ضرورة، فلسنا نعني بذلك أنها ~~مجرد مصاعب لا مناص من تجشمها أو شر لا بد منه، ولسنا نعني حتى إنها (على طريقة أدلر ~~أو توينبي) عثرات تحفز النشاط ومحن تلهب العزيمة، كلا. إن قيمة الحدود أعظم من ذلك ~~بكثير؛ الحدود «تيسر» الإبداع الحقيقي! و«تلهم» الفنان الحقيقي، إنها مجرى يتولى ~~انفعاله وينظم تدفقه ... شبكة تصيد له الأشكال الدالة، وعين ترمق ms52 له المعاني ~~السانحة، وفرس قيد الأوابد تمكنه من شوارد المضامين، وبدونها يكون أشبه بنافخ في ~~رماد، أو بكبش تعس أطلق في برية عراء وأرض مذابة، أو بطفل توحدي # autistic # يعبر عن نفسه بحركات مضطربة لا يفقهها ~~غيره، ولغة مغتربة لا يفهمها سواه. # وليس بدعا أن نقول إن الوعي نفسه يتطلب الحدود وينشأ من إدراك الحدود: في بدايات ~~الوعي يخلق كل فرد ذاتا أولية (أنا ترانسندنتالية) بأن يدع وعيه يلتف على نفسه فيفرق ~~نفسا ما عن بقية العالم، عندئذ فقط يشرع الفرد - وقد صار الآن واعيا بذاته - في تأسيس ~~الذوات الأخرى، # 14 # وعندئذ فقط يشرع المرء في رحلته الدائمة صوب المعرفة، وتأتي الإبستمولوجيا ~~التكوينية (النشوئية) # Genetic Epistemology # عند بياجيه ~~لتكمل لنا القصة، وتصور لنا المعرفة جدلا بناء بين البنيات الباطنة للذات العارفة ~~وبين الموضوع المعروف؛ فالبنيات الباطنة للذات هي حصيلة إنشاء فعلي متواصل يقوم على ~~خبرتها بالموضوع، والخصائص التي يتحدد بها الموضوع لا تعرف إلا بفضل تدخل تلك ~~البنيات التي تغني خصائص الموضوع وتؤطرها، هكذا تحمل كل معرفة جانبا جديدا من ~~التكوين والإنشاء، وهكذا تبقى المعرفة على الدوام مسلسلا تطوريا لا يتوقف وجشطلتا ~~ناقصا لا يتم. ~~«وعندما تكتب قصيدة، تكتشف أن ضرورة ملاءمة معناك في هذا الشكل أو ذاك تتطلب في حد ~~ذاتها أن تبحث في خيالك عن معان جديدة وأنت ترفض طرائق معينة لقول هذه المعنى وتنتقي ~~غيرها، محاولا صياغة القصيدة من جديد دائما وأبدا، وفي هذا التشكيل تصل إلى معان ~~جديدة أكثر عمقا لم تكن تحلم بها، فليس الشكل مجرد تهذيب لمعنى لا تجد له مكانا في ~~قصيدتك، ولكنه معين لك في العثور على معنى جديد، ومنشط لتركيز معناك، ولتبسيطه ~~وتنقيته، ولتكتشف في بعد أكثر شمولا الماهية التي تود التعبير عنها، وما أكثر ~~المعاني التي كان شكسبير يستطيع أن يضمها في مسرحياته لأنه نظمها شعرا ولم يكتبها ~~نثرا، أو يضعها في سونيتاته؛ لأنها مكونة من أربعة عشر بيتا.» # 15 # إن مما يشبه المحال على فنان لم يضع لنفسه مهمة ms53 أكثر تحديدا من إبداع شكل دال ~~دون شروط أو حدود مادية أو فكرية، أن يركز طاقاته بحيث ينجز هدفه، إن مشروعه سيكون ~~مفتقرا إلى الدقة، وجهوده من ثم ستكون مفتقرة إلى القصد، وأدنى إلى اليقين أنه سيكون ~~غامضا ومتراخيا في عمله، وقد يلوح له باستمرار أن هناك احتمالا بأن يعيد للشيء ~~عافيته بضربة حظ، وقلما يبصر بوضوح أنه قد ضل السبيل ... إن من يشعر أنه لا عمل له إلا أن ~~يصنع شيئا ما جميلا، يندر أن يعرف من أين يبدأ أو أين ينتهي. # 16 # مرة ثانية نقول إن القيود في الفن عون وتيسير! فالحدود الفنية تذلل طريق الفنان ~~الحقيقي ولا تعيقه. # إنها أم رءوم ترتب خزانته، # ورفيقة شفافة حيية تفكر له وتعينه على عجزه، # وتتحفه بالطرف حتى لا يكاد يرى وجهها المتواري خلف أكداس الهدايا. # الفصل التاسع # | الفن والأخلاق # عارف التقديس روحي وإن قدس جسما. # العقاد # الشعر يتيح لقاء الفرادات، معيدا خلقنا باستمرار في وحدة إنسانية كونية، إنه ~~يدخلنا في نشوة هي حالة من النوم اليقظ، وفي هذا النوم الذي هو الصحو الأكمل، يعمل ~~البشر بأخوة لصيرورة العالم. # أدونيس # كم من حرية عارمة تمنح لمن يتحدث إلى الغوغاء بمسلماتها المقبولة! فأقل ما يمكن ~~للدولة أن تفعله هو أن تحمي من لديهم قول يحتمل أن يسبب شغبا، إن ما لا يؤدي إلى ~~الشغب ربما لا يستحق أن يقال. # كلايف بل ~~(1) الفن خير # يقدم كلايف بل في فصل «الفن والأخلاق» تحليلا لمفهوم «الخير» يسترشد فيه بحدسية ~~جورج مور # G. Moore # في كتابه الذائع الصيت ~~«مبادئ علم الأخلاق» Principia Ethica ~~، ويخلص منه ~~إلى نتيجة مفادها أن الحالات الذهنية الخيرة هي وحدها خير كغاية في ذاتها، ويترتب ~~على ذلك أن علينا لكي نبرر أي نشاط إنساني تبريرا أخلاقيا ~~أن نتساءل: هل هذا النشاط هو وسيلة إلى حالات ذهنية ~~خيرة؟ أما في حالة الفن فإن جوابنا سيكون فوريا وقائما على خبرة وجدانية حقيقية؛ ~~فالفن ليس فقط وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة، بل ربما يكون أقوى ms54 الوسائل التي في ~~حوزتنا وأكثرها مباشرة، إنه أكثرها مباشرة لأنه لا شيء أسرع منه تأثيرا في الذهن، ~~وأكثرها قوة لأنه لا توجد حالة ذهنية أكثر امتيازا وشدة من حالة التأمل الإستطيقي، ~~وأنت حين تعد أي شيء عملا فنيا فإنك إذن تقيم حكما أخلاقيا خطيرا؛ لأنك بذلك ~~تعده وسيلة إلى الخير مباشرة وفعالة بحيث لا يعوزنا أن نكرث أنفسنا بأي شيء من ~~نتائجه المحتملة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية ~~الحكم بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما يبررها، فليقم الداعية الأخلاقي ~~حكما على الفن ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا ~~كان المقام مقام أحكام إستطيقية، أي أحكام مقارنة بين أعضاء فئة واحدة، أي بين ~~الأعمال الفنية بوصفها أعمالا فنية، فليمسك هذا الداعية لسانه. # 1 ~~(2) المفارقة # كلنا يعرف قصيدة «بانت سعاد» لكعب بن زهير، ويعرف قصتها، وهي قصيدة جادة في مدح ~~الرسول والاعتذار له، يقول مطلع هذه القصيدة: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # متيم إثرها لم يفد مكبول # وما سعاد غداة البين إذ رحلوا # إلا أغن غضيض الطرف مكحول # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة # لا يشتكى قصر منها ولا طول # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت # كأنه منهل بالراح معلول # شجت بذي شبم من ماء محنية # صاف بأبطح أضحى وهو مشمول # تقول هذه الأبيات فيما تقول: إن بطلة القصيدة، سعاد، نحيلة إذا نظرت من الأمام، ~~وكبيرة العجز إذا نظرت من الخلف، أسنانها حين تبتسم تنم عن ثغر بارد، كأنه تناول ~~قدحين من خمر ممزوج بماء شديد البرودة ... # كيف تلقى النبي هذه القصيدة؟ # لم يجتزئ، ولم يخلط «المقولات» # categories ~~، ولم ~~يحمل الأبيات ما لا تحتمل، بل قام، ببساطة، وخلع بردته على مبدعها، تعبيرا عن ~~أعلى درجات التكريم. ~~••• # بين الفن والأخلاق علاقة منطقية دقيقة حتى المفارقة # paradox ~~، وتحتاج منذ البداية إلى حنكة كبيرة في ترسيم الحدود وفض ~~الاشتباك، وإلا فهي تفضي إلى جدل عقيم لا يثمر، ونزاع طويل لا ms55 ينتهي. # فالفن موكل بمقولة «الإستطيقي» والأخلاق موكلة بمقولة «الخير»، وبديه أن مقولة ~~«الإستطيقي» غير مقولة «الخير»، وأن الفن يوصف بالجودة أو الرداءة (الفنية)، ولا يصح أن ~~يوصف بالشر أو الخير (الأخلاقي)، ومن يفعل ذلك يقع في «خطأ مقولي» # category mistake # أو «نظم لغوي فاسد» # bad syntax ~~، حسبما تفضل من تعبير، ومن الجهة ~~الأخرى تعد الأخلاق هي القانون الذي يحكم نطاق الأفعال البشرية، والفن فعل أو نشاط ~~بشري، فهو من ثم خاضع للنقد الأخلاقي شأنه شأن غيره من الأفعال والأنشطة. # هذه مفارقة واضحة، حلها أن الفن، من حيث هو فعل بشري، مطالب تماما بتبرير نفسه، ~~غير أن مقولات الأخلاق يجب ألا تدخل أرض الإستطيقا؛ إذ إن نطاق الإستطيقا نطاق ~~محايد أخلاقيا أو «خامل أخلاقيا» # amoral ~~، ولا حكم ~~فيه إلا لمقولة «الإستطيقي»، ولكن بمجرد أن نحكم على عمل بأنه «عمل فني» حقيقي، أي ~~ذو قيمة إستطيقية، أي ذو شكل دال، نكون قد بررناه أخلاقيا أيضا؛ ذلك أن ~~«الانفعال الإستطيقي» أو «الوجد» أو «النشوة»، هي «بحكم طبيعتها ذاتها» # ipso facto # حالة نفسية أو ذهنية خيرة؛ ومن ثم ~~فإن كل ما هو «إستطيقي» هو خير أو وسيلة إلى الخير. # يعرف ذلك معظم الناس ويأتونه بالسليقة، فحتى أكثر الناس تعففا وترفعا عن الهذر ~~واللغو لا يجدون في أنفسهم غضاضة ولا يستشعرون ذنبا في تلقي النكات الجريئة في ~~السياق الحياتي المناسب؛ فالضحك البريء «خير» وجلاء لصدى القلوب، والنكتة البارعة ~~بمثابة عمل فني ينطوي على حبكة متقنة ودلالة شكلية وأداء فني، فهي في ذاتها خير، ولا ~~تصير شرا إلا إذا أريد بها غير ذلك، وغني عن القول أن النكتة السخيفة أو البذاءة ~~المجانية ليست فنا ولا تؤدي إلى انفعال فني، وهي إذن شر لا شك فيه، وعمل لا ~~أخلاقي دون جدال. # وفي تراثنا العربي إشارات كثيرة تدل على أن المتأدبين من السلف قد فطنوا إلى هذه ~~الفروق الدقيقة، من ذلك ما ورد في كتاب «المختار من شعر بشار للخالديين». ~~«... فمن تلك الأخبار ما روي عن أبي الهيثم ms56 خالد بن يزيد أنه قال: لما بويع لإبراهيم ~~بن المهدي بالخلافة طلبني وكان يعرفني، فأدخلت عليه فلما مثلت بين يديه وسلمت عليه ~~أجلسني وقال: يا خالد أنشدني، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شعري مما قال فيه رسول ~~الله «إن من الشعر لحكما.» وإنما أعبث وأمزح به، فقال: يا خالد لا تقل هكذا ~~فالعلم جد كله. وروي عنه أيضا أنه قال له: جد الأدب جد وهزله جد. وقال ~~الأصمعي يوما في مجلسه: لا تحقرن شيئا قيل في جد أو هزل فربما نيل بهزل العلم ما ~~لم ينل بجده ... وروي أن بعض التابعين سئل عن إنشاد الرفث في الشعر وقيل له إن ~~قوما يقولون إنه لمما ينقض الوضوء ويفسد الصلاة، فنهض قائما وتوجه إلى القبلة ثم ~~أنشد (شعرا على الرجز بذيئا ولكن جيدا) وأتبعه: الله أكبر، فصلى صلاة ثم استقبل ~~السائلين، فناب لهم ما رأوا من فعله عن استدعاء المجاوبة عما سألوا عنه بقوله.» # 2 # وبعد؛ فقد أوردت ما أوردت من حديث الهذر والمجون لأنه مثال صارخ يبين لنا أن كل ذي ~~حساسية فنية من الناس يعي في دخيلته تلك العلاقة الدقيقة بين مقولتي «الإستطيقي» ~~و«الأخلاقي»، ويبطن في نفسه كلا من المفارقة وحلها، وتأويل ذلك أنه يعرف «الوجد ~~الإستطيقي» (النشوة الإستطيقية) # aesthetic ecstasy # ويعرف بالبداهة أنه خير. # وقد نوه بل إلى هذه المسألة منذ البداية، ومنذ البداية هدته دقته المنطقية إلى ~~أن يفصل فصلا قاطعا بين الفن واللافن؛ فالعمل الذي ينطوي على شكل دال هو عمل فني ~~وهو خير بطبيعته أيا كان موضوعه؛ إذ هو يؤدي إلى حالة ذهنية خيرة هي الانفعال ~~الإستطيقي، ويفلت بفضل ذلك من طائلة الناقد الأخلاقي، أما العمل الذي لا يحوز على شكل ~~دال ولا يؤدي إلى انفعال إستطيقي بل يثير انفعالات الحياة، فهو ليس عملا فنيا، ~~إنه «عمل» كأي عمل، وهو خاضع بالتالي للحكم الأخلاقي، ولا يشفع له موضوعه ولا مقصده، ~~وربما اعتبر شرا حتى لو كان يتحدث عن موعظة الجبل؛ لأنه يثير انفعالا رديئا ~~ورضا ذاتيا ms57 زائفا، يقول كلايف بل في فقرة صارت مأثورة: «إن الفن فوق الأخلاق، ~~أو بالأحرى كل فن هو أخلاقي؛ ذلك أن الأعمال الفنية كما أود أن أبين هي وسائل مباشرة ~~إلى الخير، فما إن نحكم على شيء بأنه عمل فني حتى نكون قد حكمنا بأنه ذو أهمية قصوى ~~أخلاقيا وجعلناه دون منال الداعية الأخلاقي، غير أن الأعمال الوصفية التي ليست ~~أعمالا فنية، وبالتالي ليست بالضرورة سبلا إلى حالات ذهنية خيرة، هي جديرة أن تقع ~~تحت طائلة الفيلسوف الأخلاقي، وما دامت لوحة «الطبيب» ليست عملا فنيا، فهي تفتقر ~~إلى القيمة الأخلاقية الهائلة التي تتحلى بها جميع الموضوعات التي تبعث النشوة ~~الإستطيقية، وإن الحالة الذهنية التي تفضي إليها بوصفها صورة إيضاحية تبدو لي غير ~~مرغوب فيها.» # 3 # إن لوحة «الطبيب» للسير لوك فيلدز ليست، في رأي كلايف بل، عملا فنيا؛ ذلك أن ~~الشكل فيها لا يستخدم كموضوع للانفعال بل كوسيلة لاقتراح انفعالات والإيعاز بعواطف، ~~وهذا يكفي وحده لجعلها تافهة، بل إنها أكثر من تافهة لأن العاطفة التي توعز بها هي ~~عاطفة كاذبة. إن ما توعز به ليس الشفقة والإعجاب بل إحساس بالرضا الذاتي عن شفقتنا ~~نحن وكرمنا، إنها ابتذال أو إسفاف عاطفي. # ويتفق ألكسندر إليوت مع كلايف بل تمام الاتفاق حول لوحة «الطبيب» وأشباهها؛ ~~«فالطبيب الجالس في الظلام قرب فراش الطفل المريض فيه من النبل ما لا يتحمله المرء، ~~وكذلك الصورة كلها، فوراء النبل السكري اللزج الذي في محتواها الظاهر، ينبض ~~قلب من حجر، راض عن نفسه، لكان أليق بهذا الطبيب أن يكون عنكبوتا أسود سمينا يحوك ~~للطفل كفنا! ... هل من أذى في محتوى كامن من هذا القبيل؟ قد يكون الأمر باعثا على ~~بعض المرح، إلا أنه مؤذ؛ لأن تجربة المحتوى الكامن في صورة «الطبيب» دون رفضها، تعني ~~مشاركة المشاهد، عن وعي أو غير وعي، في أمر فارغ سخيف كشريك سخيف راض عن نفسه.» # 4 ~~«بيد أن للمحتوى الكامن في الروائع أثرا في النفس كأثر الخير، إن الرائعة تجربة ~~خيرة دائما، ولا حاجة ms58 بالمرء إلى إدراك محتواها الكامن في سبيل استمداد خيرها، ~~فخيرها آت مع التجربة نفسها، وإذا استطاع المرء بعد ذلك أن ينظم تفكيره بشأنها، كان ~~ذلك خيرا على خير.» # 5 # تلك هي الجراحة المنطقية البارعة التي يقوم بها كلايف بل، فيفصل المقولات المشتبكة، ~~ويحدد المصطلحات الملتبسة، ويوضح العلاقات الغامضة، ويضع كل شيء في نصابه، فإذا ~~بالمشكلات القديمة تتبدد، وتحفظات أفلاطون وتولستوي على الفن تأخذ مجراها وحجمها، ~~ومغالطات النزعة الجمالية # aestheticism ~~(التي كان بل ~~أكبر مناوئيها) تتكشف ولا تختلط بالشكلية ولا تتشبه بها، وإذا «الرقابة» ذاتها تعرف ~~مكانها ومضمارها وعملها وتأتي بصيرة كأنما ألقي على وجهها قميص يوسف. # إن الفن هو أقدر الأشياء جميعا على تبرير وجوده الخاص، يقول برول # prall # في كتابه «الحكم الجمالي» # Aesthetic Judgement ~~: «وإذا كان النشاط الإستطيقي هو ذاته مرض على نحو ~~مباشر بدلا من أن يسعى إلى تبرير مستمد من مجال خارج عنه، فإن له هذا المركز ~~الفريد الذي لا يحتاج فيه لشيء غيره، وهو في واقع الأمر النمط النموذجي للشيء الوحيد ~~الذي يمكن أن يبرر أي شيء آخر.» # 6 # يقول وولتر باتر # Walter Pater # في خاتمة ~~كتابه «عصر النهضة» # Renaissance ~~: «إن الغاية ليست هي ~~ثمرة التجربة، بل الغاية هي التجربة ذاتها ... والفلاح في الحياة إنما هو أن يحترق المرء ~~دائما بهذا اللهيب الحاد، الذي هو أشبه بالجوهرة النفيسة، ويبقي على هذه النشوة ... وفي ~~الوقت الذي يذوب فيه كل شيء تحت أقدامنا، فإننا نستطيع أن نمسك بزمام أي انفعال رائع ... ~~يبدو أنه يحرر الروح لحظة واحدة ويرفع آفاقها، أو نتمسك بأية إثارة للحواس. إن ~~فرصتنا الوحيدة تكمن في الحصول على أكبر قدر ممكن من النبضات في وقت واحد، وأبدع ~~مصدر لهذه التجربة هو حب الفن لذاته ... إذ إن الفن يأتي إليك وقد اعترف صراحة بأنه لا ~~يزمع إعطاءك إلا أرفع مستوى للحظاتك وهي تمر؛ وذلك من أجل هذه اللحظات فحسب.» # 7 ~~(3) فائدة الفن # ما فائدة الفن؟ # وهل يبقى بعد كل ذلك مكان لمثل هذا السؤال؟ ... ربما. # كثيرا ms59 ما يماري الأشخاص «العمليون» من الناس في قيمة الفن وفائدته، وكذلك يفعل ~~الأشخاص «غير المستنيرين» # philistine # ممن لم تتكون ~~لديهم ذائقة فنية تفتح لهم عالم التجربة الإستطيقية، يسأل هؤلاء: ما نفع هذا العبث ~~وما هو مردوده وجدواه في الحياة العملية الواقعية؟ ويظنون لعماهم الإستطيقي أن ~~سؤالهم مسكت مفحم لكل متحمس للفن إنتاجا أو تلقيا، وربما كان الأبلغ أن نجيب ~~على سؤالهم بسؤال مثله: ما جدوى الجهد البشري العملي المكرور إذا كانت كل أفعال ~~الحياة اليومية هي وسائل لغايات هي بدورها وسائل أخرى لغايات أبعد يقف الموت من ~~ورائها جميعا ساخرا مقهقها؟! الحق أن كل جهد بشري «عملي» هو من هذا المنظور الأعرض ~~عبث لا جدوى منه ما لم يؤد في نقطة معينة إلى تجربة تكون طريفة ممتعة «في ~~ذاتها»؛ ومن ثم فإذا سأل سائل «ما قيمة التجربة الجمالية؟» لكان الجواب في حقيقة الأمر ~~أوضح وأيسر مما لو وجه السؤال نفسه بخصوص أي نوع آخر من التجربة؛ فقيمة التجربة ~~الجمالية ملموسة في التجربة ذاتها لكل من تعهد ذائقته الجمالية بالتنمية والصقل، ~~إنها فيض هائل من القيمة وضروب عديدة من الجدوى، ليس أقلها أنها طرافة خالصة ~~مكتفية بذاتها، ومتعة عالية ممتدة لا تشوبها أكدار ولا أوزار، ولا تعقب ~~وراءها ألما ولا ندما. ~~(4) الفن والمجتمع # وبدلا من أن يقولب الطبيعة، كالساحر أو العالم، فإنه يعيد صياغة الطبيعة ~~الإنسانية؛ فهو بالأغاني والصور يرأب الصدع الذي يقع دوما بين الإنسان الواحد ~~وبقية الخلق. # ألكسندر إليوت # للفن آثار اجتماعية هائلة لعلنا ألمحنا إليها جميعا خلال حديثنا عن الجوانب ~~الأخرى للفن؛ فهي منبثة في تضاعيفه منذ البداية؛ فالفن يغير شخصيتنا وتجربتنا في ~~المجالات غير الإستطيقية للحياة، ويجعلنا أكثر حكمة وسموا، ويعمق رؤيتنا لذاوتنا ~~وذوات الآخرين. إن للفن وجها موضوعيا أساسيا وبعدا «بينذاتيا» # intersubjective # يدخل في صميم ماهيته؛ فالفن ~~اقتراب لا اغتراب، ولقاء معقود وموعد مضروب. إن المبدع والمتلقي «متضايفان» # correlatives ~~(كالأستاذ والتلميذ، والزوج والزوجة، ~~والأب والابن ... إلخ) يأخذ كل منهما من الآخر حقيقته ومعناه، بل إن البشر ms60 جميعا في ~~اللحظة الإستطيقية يغدون ذوبا من تضايف عام وامتزاج كلي. # إن الفن يطلعنا على دينامياتنا النفسية وديناميات الآخرين، ويعتقنا من ~~«مركزية الذات» # egocentrism # ويؤهلنا للاندماج ~~العاطفي أو «المواجدة» # empathy # أي القدرة على اتخاذ ~~الإطار المرجعي للآخرين بسهولة ويسر، ومشاركتهم وجداناتهم مشاركة حقيقية مبرأة من ~~إسقاطاتنا الخاصة. الفن هو أقدر ضروب النشاط البشري تعبيرا عن التواصل بين الأفراد ~~وبين الأجيال وبين الأمم؛ لأن الوجد الإستطيقي لا يحده الزمان ولا ترده الحدود ~~الجغرافية، إنه انعتاق من كل صنوف المركزية وانطلاق من كل كهوف التعصب والتحزب ~~والتحيز، وأذان للأرواح بأن تنعطف وتأتلف، وتتقاسم رحابة الوجود. # والفن بوظيفته المعرفية التي أشرنا إليها في فصل سابق، يفتح لنا مغاليق العالم ~~الوجداني، فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري من العالم، فإن ~~الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي، فبفضل كتاب من طراز شكسبير وبروست ~~أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكولوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا ~~قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها، وبفضل مصورين من طراز سيزان ومانيه تعلمنا كيف ~~ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية ~~الأشياء، ومهما أمدنا العلم من معرفة عن حقائق العالم الخارجي، سنبقى بحاجة إلى الفن ~~لكي يزودنا بمعرفة عن عالمنا الداخلي وفضاءات أعماقنا السحيقة. # أقترح، بناء على ذلك، أن يكون الفن (والأدب) علاجا لبعض المصابين بالألكسيثيميا # alexithymia ~~؛ أي عدم قدرة المرء على فهم مشاعره ~~ووصفها ومعالجتها # processing ~~، وما يصحب ذلك من مصاعب ~~شخصية وبينشخصية؛ مثل فقر الخيال، وضعف الحدس، والمواجدة، والذكاء الانفعالي، والانفصال ~~العاطفي، وضعف التواصل، وفقدان اللذة والإشباع الحياتي، بالإضافة إلى تحول هذه ~~المشاعر المختلطة والمهوشة وغير المتميزة وغير المترجمة؛ تحولها إلى الجسد في ~~صورة اضطرابات نفسجسمية # psychosomatic # وآفات جسدية ~~حقيقية؛ فمن المعروف أن العجز عن تنظيم الانفعالات معرفيا (عدم إدراكها وتمييزها ~~وعرفانها وتصنيفها وبالتالي تنظيمها والتعامل معها) يرفع وتيرة الجهاز العصبي المستقل # autonomic nervous system # والجهاز العصبي الهرموني # neuroendocrinal system # على نحو ~~مستدام، مما يؤدي إلى المرض الجسمي، لكأنما الطوفان ms61 المختلط لم يجد له قناة ~~سيكولوجية تتولاه فاقتحم الجسد يدمر ويتلف، أو كأن المشاعر المجهولة لم تجد لها ~~ترجمة سيكولوجية فاضطرت إلى الترجمة الجسدية الموبقة! إلى هذا الحد إذن تبلغ أهمية ~~شكسبير وبروست، وشوبان وموتسارت، وسيزان وجوجان؟! إلى هذا الحد يكون لزوم الفن ~~وضرورته؟! ~~••• # ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننبه إلى أن النتائج غير الإستطيقية للفن تترتب ~~تلقائيا على التجربة الإستطيقية الحقيقية، وأنها تأتي طوعا لا كرها، وعلينا ألا ~~نتكلف اكتسابها فنخسرها، وألا نلتفت إليها فنجفل ظبيتها، ونضيعها حرصا ~~وتعملا وإلحاحا. إن شأنها كالإيمان أو كالحب، تجيء ولا تطلب، تأتي ولا يؤتى ~~بها. # ولا يفوتنا أن ننبه أيضا إلى أن التماس أي منفعة للفن من طريق آخر غير طريق ~~الدلالة الإستطيقية هو إبطال للفن ونفي لماهيته ذاتها؛ فالفن الدعاوي والإرشادي ~~والتزييني ليس فنا، بل تناقضا ذاتيا، شأنه شأن «النقطة الممتدة» أو «المربع ~~المستدير»، والإصرار على توظيف الفن لخدمة أغراض حياتية مباشرة هو خسران لوظيفة الفن ~~الحقيقية التي لا يقدر على الاضطلاع بها أي نشاط آخر، وتحميله في الوقت نفسه دورا ~~تستطيع مرافق أخرى - كالإعلام والفكر والسياسة والجامعة ومراكز البحث - أن تقوم به على ~~نحو أفضل. ~~(5) تصحيح الواقع # الإبداع تمرد بحكم التعريف. # يقول نيتشه «ما من فنان يتحمل الواقع.» أما فان جوخ فقد كتب: «أزداد اقتناعا يوما ~~بعد يوم أن هذا العالم الأرضي هو مخطط دراسي غير ناجح.» وما من فنان حق إلا جعل شغله ~~الأول أن يعيد رسم هذا المخطط الدراسي، وأن يمنحه الأسلوب الذي إليه يفتقر، وما من ~~روائي حق إلا جعل عالمه الروائي تصحيحا دائما لهذا العالم وفق رغبة الإنسان ~~الصميمية، فهو يستخدم الواقع ولكنه يضيف إليه ما يبدله، «ودائما بانحراف طفيف هو ~~علامة الفن والاحتجاج.» على حد قول كامي؛ «فالخلق وعطاء التمرد هما في هذا الانحراف ~~الذي يمثل أسلوب عمل ما ولهجته.» وما من شاعر حق إلا جعل همه الأكبر أن ينفصل عما ~~استنفدته الكلمات واستهلكته، وأن يعلم الألفاظ أن تنسى ماضيها وتقول ما لم تتعود ms62 أن ~~تقوله، وتتمرد على سجن النموذج الذهني القديم، وهو إذ يفعل ذلك إنما يخلخل الفكر أيضا ~~ويخلصه ويلهمه، ويجعله حريا بالكشف جديرا بالنور. # كان نيتشه يحلم بمجتمع مستقبلي يوجهه الفنانون، ورغم تهافت هذه الفكرة واستحالة أن ~~يدير شكسبير مجتمع الحذائين على كل حال، فمن الوبال أيضا على مجتمع الحذائين أن يدعي ~~الاستغناء عن شكسبير، فشكسبير بلا إسكاف، يتخذ ذريعة للطغيان، والإسكاف بلا شكسبير، ~~يبتلعه الطغيان، هذا إذا لم يسهم في توسيعه! إن كل إبداع هو بطبيعته رفض لعالم ~~السادة والعبيد، ومجتمع الطغاة والعبيد الفظيع الذي ما يزال جاثما علينا لن يزول ولن ~~يحول إلا عند مستوى الإبداع. ~~(6) خلق الضمير # وللفن تأثير اجتماعي أبعد من كل ما ذكرناه، ولعله أسماها جميعا وأهولها، إنه ... ~~خلق الضمير! ~~«إن الفنان الحقيقي كائن تنتظم علاقته بمجتمعه الخاص في صورة تعارض واختلاف، يصحبه ~~الشعور بالحاجة إلى إنهاء هذا الخلاف وإقناع الآخرين بالحقيقة التي يراها.» # 8 # والفن الحقيقي جدل مع الثوابت، وتمرد على الوضع القائم لا سدانة له ~~وتزيين. الفن الحقيقي هو إضافة «ذوات» جديدة إلى الوجود، هي الأعمال الفنية. الفن ~~الحقيقي يتحدى القيم القديمة، ويخالف المدونة الأخلاقية السائدة في سبيل أخلاق أسمى ~~وأرفع، أي في سبيل مثل أعلى لم يسد بعد ولكنه حقيق أن يسود، يقول روبرتو متى الرسام ~~التشيلي المعروف في كلمة ألقاها في مؤتمر هافانا إلى مثقفي العالم: «الشعر سلاح خفي، ~~حرب عصابات داخل النفس على الأعراف والمصالح الذاتية المصطنعة، والرياء في النقد ~~الذاتي، حرب على الأفكار الاتفاقية المبتذلة، في سبيل الذكاء المبدع.» # الفن لا يقلد الحياة، الحياة هي التي تقلد الفن وتستلهمه، الفن يخلق أبطالا جددا ~~في الحياة، ولنا أن ندعو الفنانين رواد التطور الإنساني الواعي، «أولم يكن هوميروس ~~بطلا أعظم من هكتور، بله أخيل العديم الشفقة؟ لقد كان بطلا لا ليجزر أبطالا آخرين ~~بل ليخلقهم، ويهبهم الخلود، والأبطال الذين من خلقه يظهرون لنا المدى العجيب لما ~~يستطيع الإنسان أن يستشعره ويفعله، وبهذا يخلقون أبطالا جددا في الحياة. لقد كان ~~هوميروس أستاذ الإسكندر، ms63 بقدر ما كان أرسطو؛ فالنماذج التي فرض الإسكندر على نفسه ~~تقليدها والعيش على غرارها كانت هرقل وأبطال هوميروس.» # 9 # في قصة جيمس جويس «صورة الفنان في شبابه»، وهي سيرة ذاتية ترجم فيها لنفسه أيام كان ~~شابا يتلقى العلم، يصور جويس الصراع العنيف الذي نشب بين شخصيته وشخصية مجتمعه، بين ~~ما يريده لنفسه وما يريده له النظام القائم، فيتمرد على ثقافة مجتمعه وقيمه، ~~ويلتمس آفاقا أرحب وثقافة لا تحد بلغة أو وطن أو جيل، فيتعلم ما يقرب من عشرين لغة، ~~ويتمثل ثقافات وحضارات بائدة وحية، وينذر نفسه للفن ويضحي في سبيله برضا والديه ~~وإخوته، ويطلق على نفسه اسم ديدالوس اعتزازا بصنعته وفنه، فقد كان ديدالوس في ~~الميثولوجيا اليونانية سيد الحرفيين الصناع ومعلمهم، وهو الذي بنى قصر التيه ~~(اللابرنت) الشهير لملك كريت، وهو قصر لا يعرف من يدخله كيف يخرج منه، وقد بناه للملك ~~ليستعمله عند الخطر، فسجنه الملك فيه هو وابنه إيكاروس، واستطاعا الطيران والهروب ~~(وبقية القصة معروفة، إذ يصعد إيكاروس مقتربا من الشمس في نشوة الطيران والوثوب، ~~ويسقط هالكا على صخرة في البحر، تبكيه من حولها حوريات الماء). # لعل هذا هو تأويل قول جويس في ختام «صورة الفنان»: «مرحبا أيتها الحياة ... ها أنا ~~ذا أخرج للمرة بعد المليون، لأواجه واقع التجربة، ولأصوغ لقومي في مصهر (ورشة ~~الحدادة) روحي ضميرا لم يخلق بعد (ما زال خاما). # الضمير إذن ليس إرثا تسلمناه عن أسلافنا كاملا مكتملا، ليس شيئا جاهزا نمنحه ~~ونؤتمن عليه، ليس الوضع القائم # status quo ~~، ليس ~~البيئة المدخلة # internalized environment ~~، ليس ~~الأنا الأعلى # superego ~~، إنه الشطر الإنساني من ~~العالم، ومهمة خلقه تقع على عاتق الإنسان؛ ذلك المخلوق الخالق الذي كتب عليه أن يوجد ~~خارج واقعه وخارج ماهيته، وأن يصنع مصيره الخاص ويبدع قيمه بنفسه. # الضمير ليس شيئا جاهزا؛ إن الفنان «يخلقه» بأشكاله الدالة، حتى لو لم يكن يفطن ~~لذلك، وكلنا يشارك في خلقه بالتلقي الإستطيقي والإبداع الخاص مهما كان ضئيلا، ونحن إذ ~~نفعل ذلك إنما نشارك في تشكيل عام جديد ms64 نفترض أنه يسير في ارتقاء قيمي ~~دائم. ~~(7) قيمة القيم # يقولون ما فائدة نظرية علمية بلا تطبيق عملي، فهي تئود الذهن ولا تريح ~~الكاهن؟ وما فائدة نغمة لا تغمس لقمة ... وكلمة لا تدفع نقمة؟ # وأزيدهم: وما فائدة تمسيدة حنان؟ في ميناء الحياة، على جبين مكدود لن أراه مرة ~~ثانية؟ # وأقول إن السؤال الصحيح لم يسأل: # ما فائدة عمل طاحوني يبدأ من حيث ينتهي؟ # وما فائدة لقمة ما يزال يجادلها الجوع؟ # وسلامة هي حسبك من داء دفين، ما دمنا في الحياة زائرين غير مقيمين. # لا فائدة في العمل واللقمة والسلامة، ما لم تنته بنا سلاسلها إلى نهايات من معدن ~~آخر ... نهايات تقوم في ذاتها قيمة. # الحق والجمال والخير ليست سلاسل بل نهايات. # ليست وسائل، بل غايات. # إنها قيم. # إنها ... مطلقات. ~~(8) بعد الوجد ~~«إن من قدر له يوما أن يعرف الوجد ويتبدد في «أوه ألتيتودو» # O ~~Altitudo # واحدة، لن يكون له ~~أن يؤخذ بإثارات العمل الفارغة ويغالي في تقديرها، ومن وهب القدرة على أن يأوي إلى ~~عالم الوجد سيعرف كيف يتعامل مع الوقائع الخارجية بحجمها، جدير ذلك الذي يختلف كل ~~يوم إلى عالم الانفعال الإستطيقي أن يعود إلى عالم الشئون البشرية مسلحا لمواجهتها ~~بشجاعة، وربما بشيء من الازدراء.» # 10 # وبعد؛ فإن دخول العمل الفني ليس مثل خروجه، # ربما يكون دخولك تزجية للوقت، # أو دفعا للسأم أو محض صدفة، # غير أنك تخرج دائما من الرائعة الفنية بكيمياء مختلفة، # وخطوة مختلفة، # وطريق مختلف. # الفصل العاشر # | الفن: مقاربات نثرية # وإذا ما فقد الإنسان صراط الجمال مرض. لقد كان الغرض الأول من الفن البدائي أن ~~يسعف الإنسان في شفاء مثل هذا المرض، بل إن ميزة الشفاء هذه هي قاعدة الفن ~~كله. # ألكسندر إليوت # عود # منعما بالكفاف مزدانا بالتقشف، # ترقد أنت بين أشياء أخرى، # بعضها من خشب مثلك؛ # مقعد، طاولة، خزانة ... # وبعضها غير ذلك، # وبعضها أطعمة وأشربة، # أخاطبها جميعا ب «هو»، # وأخاطبك ب «أنت»! # جميعها «موضوعات» وأنت «ذات»، # جميعها محطات وأنت نهاية، # جميعها وسائل وأنت غاية، # جميعها ربقة ms65 وأنت خلاص، # جميعها سجن وأنت انعتاق، # جميعها تعصب وتحجب، وأنت تكشف وتبين، # جميعها تخيب وترهق وتدوخ (مثل خرقة الماتادور)، # وتسلق أحجارا لجوعى الروح # وتتركهم كالذي كانوا، # وأنت تغمرهم في الوجد، # وتسقيهم شرابا لا ظمأ بعده، # وتتركهم خلقا آخر. ~~... ... ... # ترقد أنت بين الأشياء الأخرى وكأنك بعضها، # وأنت تعلم أن البون بعيد # بين بلادة السفح وعزة الذرى، # بين طين السقوط وأثير الصعود، # بين رتابة الظلام # وفجأة البرق. # جرامافون # لم يحدث قط أن صدر عن دماغ أي مشعوذ نظرية أكثر شؤما من نظرية التطور في ~~الفن. # كلايف بل: الفن # البحر أقدم والنفوس قديمة # فالنفس تألفه ولا تنساه # العقاد # ولو كنا نعرف خطوة الرقصة لتمكنا ربما من مد خيط في اللابرنث. # 1 # ألكسندر إليوت # لماذا يأسرنا هذا النغم الخارج من التاريخ؟ # لماذا تعرفه الروح وتأنس إليه؟ # ألأنه يتولى عنها شيئا تريد أن تقوله؟ # لأنه يخاطبها بلغتها التي لا نعرفها؟ # لأنه يرد إليها شيئا سرقته؟ # ويغمرها بشجون قديمة لا نذكرها ولا ننساها؟ ~~... ... ... # لماذا يبدو هذا النغم جديدا كأنه ابن اليوم؟ # وطليعيا كأنه ابن الغد؟ # أهو قديم حقا؟ # أم هو، ببساطة، شيء لا زمن له؟ ~~... ... ... # أهو خيط أريان؟ # الذي يرد المرء إلى نفسه، # وينتزع عنه عصابة الحس وهذيان الجسد، # ويخلصه من ظله ويعيد إليه التوجه؛ # فيفرح بالخلاص، # وينتشي بالعرفان كأنما أطبقت عليه حقيقة كل شيء، # وتأخذه الدهشة، # وتأخذه الغبطة، # ويأخذه الوجد؟ # عازف # لا تدق على الوتر هذه الدقات ما دمت لا تعرف ماذا تفعل بنا: ~~... ... ... # تؤوب بنا إلى اللغة البدئية الأولى؛ # اللغة الأصل التي تخط الحقيقة كما هي قبل أن تأتي اللغات وتطمس، # اللغة التي كنا نتحدثها في وطننا الأول، # قبل أن «نرمى بظلنا»، # قبل أن تغربنا الحياة وتصيبنا باللكنة، # تذكر الروح بأشياء قديمة وشجون أصلية، # تفضح زيف كل شيء، وتكشف أننا لا نرى إلا الغطاء من دون الصميم، ولا نسمع سوى ~~اللغط من دون الحق، الحق الراسخ ذي الأقدام، والباقي بعد زوال الأوهام. # بل أنت تعرف ... وإلا لما كنت تضرب هذه الضربات بعينها من بين ms66 ما لا حد ~~له من الضربات الممكنة. # أنت تعرف اللغة الأصلية، # أنت تعرف السر. # حلول # ليس في الألوان بل في التناسق، # ليس في الأصوات بل في التوافق، # ليس في الكتل بل في النسب، # ليس في الكلمات بل في السياق، # ليس في المعاني بل في أفق المعاني، # ليس في الأعضاء بل في حوار الأعضاء، ~~... ... ... # يقطن المطلق. # قلب الحجاز # 2 ~~«خبرات الأجيال لا تزدرى، القواعد يسر وإلهام، وتنقية وتطهر.» # خلجات كثيرة مرت من هنا # منذ أحقاب سحيقة، # فعبدته لأفواج تأتي، # وردته ذلولا للسالكين. ~~... ... ... # قلب الحجاز خزانة الشجن، # ومجمع النشوات. # صراط الجمال من حاد عنه خيب وأعثر، # ومن لزمه بلغ الوجد، # وارتوى ارتواء الأبد، # وانطفأ الانطفاء الصحيح. # أم كلثوم # قلما يفشل إنسان في بلوغ النجاح والازدهار في مثل هذا الوقت والبلد، إذا كان ~~يحمل في جنباته بذورا. # ول ديورانت (عن العصر الإليزابيثي) # زورة من عصر بناة الأهرام! ~~(وإن كانت الأهرام نغما متجمدا وأم كلثوم عمارة في الزمان.) # زورة طارئة، موسم نادر. # ثمة أعصر تنبغ فيها الأنفس وتستفيق أرواح الأمم، # أعصر يغفل زبانيتها فترتع الكائنات وتتعهد ذاتها! # ويشطأ النبت ويعشب الحجر ويدب العصير في عروق ~~الخلائق، # تعجب فيها كم تبلغ الهامات وتسمق القامات، # وتدرك فيها أن الوجد هو الأصل، # أن الإبداع هو الأصل، # أن الجمال هو الأصل. # يوم كانت مصر وهابية ~~... وأن أتصوره أبدا هوى سابحا، وروحا هائما، وصوتا هافيا يشرب بالأذن ~~صرفا ... # إبراهيم عبد القادر المازني # عبد الوهاب # سماء فراديسية معطرة # كانت مسبلة على مصر لنصف قرن من الزمان. # نصف قرن من الزمن ومصر نصفها بلد، # ونصفها حلم! # بسمة # لن يفلح التصنع إلا في أن يعيق اتحادنا. # طاغور # فيض أبيض، # مطمئن كحليب الجوز، # صحو كسريرة الرضيع، # الله ينفخ فيها # من صدقه، # فترفع ككتف أطلس، # وتحيي ككف المسيح، # وتلج إلى الروح كمن يدخل داره، # وتلتئم بالقلب كأنها بعضه. ~~... ... ... # الصدق # كلمة السر التي تفتح لها المغاليق وتفسح الطرق، # وتحتكم في المملكة الحقيقية؛ # المملكة الحقيقية المحجوبة داخل ممالك الزيف وتيجان الكذب. ~~... ... ... # الصدق # ما أندره! # وما أعصاه! ms67 # وما ألغزه! # رصانة # لم يقرض الفن شيئا فيأخذ منه، # وشب ولم تتخلق لديه ذائقة الفن ولم تبرعم فيه مستقبلات الجمال، # وها هو يعبر على بدائع الفن واطئا كخنزير على خبز البنين، # ويقبع بين روائع الفن رصينا كالخصي بين الحريم. ~~••• # كلما هلك الإبداع الحقيقي حلق البغاث الأكاديمي. # فتوق في الزمن # الجمال يكره الفائض، # مثلما تكره الشموع النزق. # البلاغة إيجاز، # والشعر لمح، # والفن إيماء وإشارة # وطرح للزائد، # ونبذ لكل معلوم ومفهوم ومستبق، # وتجليات الجميل بروق خاطفة، # لا تستهلك زمنا # لأنها فتوق في الزمن. # أنثوية الفن! # في الجمال كثير من صفات الأنوثة؛ # فهو لمح وإيماء وإغواء، # وغيب وبعد ووعد، # ونداء حيي، وهمس نافذ، وبوح صامت، # ودلال محظي وغموض محبب، # يتنكب العنف والاقتحام، # ويبغض التصريح والمباشرة، # وهو إمكان يكره الجزم، # وولاف يضم النقائض ويحتملها، # وهو لطف وعطف وصفح، # وانسيابية ونداوة وطراوة. # الفصل الحادي عشر # | قطوف من كتاب «الفن» لكلايف بل # إن نقطة البدء في كل نسق إستطيقي ينبغي أن تكون هي الخبرة الشخصية بانفعال خاص، ونحن ~~نطلق على الأشياء التي تثير هذا الانفعال اسم «الأعمال ~~الفنية» # works of art ~~، ويتفق كل ذي حس مرهف من الناس على أن هناك انفعالا خاصا ~~تثيره الأعمال الفنية، ولست أعني بطبيعة الحال أن كل الأعمال الفنية تثير نفس الانفعال؛ ~~إذ، على العكس، يولد كل عمل من أعمال الفن انفعالا مختلفا، غير أنه من الممكن إدراك أن ~~هذه الانفعالات جميعا هي من نفس الصنف، وعلى أية حال فالرأي الأرجح حتى هذا الحد هو في ~~صفي. إن هناك صنفا معينا من الانفعال تثيره الأعمال الفنية البصرية، وهو انفعال يثيره ~~كل نوع من الفن البصري: الصور وأعمال النحت والمباني والجرار وأعمال الحفر والنسيج، وأعتقد ~~أن هذا شيء لا يماري فيه أي شخص لديه القدرة على أن يحس هذا الانفعال، ويطلق على هذا ~~الانفعال «الانفعال الإستطيقي» # aesthetic emotion ~~، ولو ~~أمكننا أن نكتشف صفة ما مشتركة ومميزة لجميع الأشياء التي تثير هذا الانفعال نكون قد ~~ظفرنا بحل لما أعتبره المشكلة المركزية في الإستطيقا، ms68 أي نكون قد وقفنا على الصفة ~~الجوهرية في العمل الفني، تلك الصفة التي تميز الأعمال الفنية عن جميع الفئات الأخرى من ~~الموضوعات. # ذلك أنه لو لم تكن للأعمال الفنية صفة مشتركة تشملها جميعا، لكان حديثنا عن «الأعمال ~~الفنية» لغوا وثرثرة، كلنا يتحدث عن «الفن» واضعا بذلك تصنيفا ذهنيا يفرق به بين فئة ~~«الأعمال الفنية» وجميع الفئات الأخرى، فما هو المبرر العقلي لهذا التصنيف؟ وأيا ما ~~كانت هذه الصفة فمما لا شك فيه أنها كثيرا ما توجد مصاحبة لصفات أخرى، غير أن هذه ~~الصفات عرضية بينما الصفة التي نلتمسها جوهرية، لا بد أن هناك صفة مفردة محددة لا ~~يمكن أن يوجد بدونها عمل فني، وإذا حاز عليها أي عمل فستكون له بعض القيمة على أقل تقدير، ~~فما هي هذه الصفة؟ ما الصفة التي تشترك فيها جميع الأشياء التي تثير انفعالاتنا ~~الإستطيقية؟ ما الصفة التي تجمع بين كنيسة القديسة صوفيا، والنوافذ في كاتدرائية شارتر، ~~والنحت المكسيكي، والآنية الفارسية، والسجاد الصيني، وجداريات جوتو الجصية في بادوا، ~~وروائع بوسان وبييرو دلا فرانشسيكا وسيزان؟ يبدو أن ليس هناك سوى جواب واحد ممكن، هو ~~«الشكل ذو الدلالة» (الشكل الدال) # Significant Form ~~، ففي ~~كل منها فإن الخطوط والألوان إذ تتضام بطريقة معينة، وإن أشكالا معينة وعلاقات ~~الأشكال، تثير انفعالاتنا الإستطيقية، هذه العلاقات والحبكات من الخطوط والألوان، هذه ~~الأشكال المحركة إستطيقيا، أطلق عليها «الشكل الدال»، و«الشكل الدال» هو الصفة الفريدة ~~التي تشمل كل أعمال الفن البصري. ~~••• # تتمتع فرضية «الشكل الدال بوصفه الخاصية الجوهرية للعمل الفني» بمزية تفتقر إليها ~~كثير من الفرضيات الأكثر شهرة وإثارة؛ وهي أنها تسعفنا بالفعل في تفسير أمور كثيرة، ~~كلنا مثلا نألف لوحات تثير اهتمامنا وإعجابنا دون أن تهزنا كأعمال فينة، تحت هذه ~~الفئة من اللوحات يندرج ما أسميه «التصوير ~~الوصفي» # Descriptive Painting ~~؛ أي ذلك الصنف من التصوير الذي يستخدم فيه الشكل لا كموضوع ~~للانفعال بل كوسيلة لنقل معلومات واقتراح عواطف، في هذا التصنيف تدخل البورتريهات # 1 # ذات القيمة السيكولوجية والتاريخية، وتدخل الأعمال الطوبوغرافية واللوحات ms69 التي ~~تروي حكايات وتوحي بمواقف، وتدخل وسائل الإيضاح بجميع أنواعها. إن الفرق واضح لنا جميعا؛ ~~فمن منا لم يتفق له يوما أن يقول إن هذه أو تلك من اللوحات هي رسم ممتاز كوسيلة إيضاح ~~ولكنه لا قيمة له كعمل فني؟ هناك بالطبع كثير من اللوحات الوصفية التي تتحلى، فيما ~~تتحلى به، بالشكل الدال، غير أن هناك عددا أكبر لا يتحلى بذلك. إنها تروقنا وتطرفنا وقد ~~تحركنا بمائة طريقة متنوعة، عدا أن تحركنا إستطيقيا. إنها وفقا لفرضيتي ليست ~~أعمالا فنية، فهي لا تمس انفعالاتنا الإستطيقية؛ ذلك لأن ما ينالنا منها ليس الشكل بل ~~الأفكار التي يقترحها الشكل أو المعلومات التي ينقلها. # قلما حظيت لوحة بالشهرة أو النجاح الذي حظيت به لوحة فريث # Frith ~~«محطة ~~بدنجتون» Paddington Station ~~، # 2 # ومن المؤكد أنني آخر من ينفس عليها شهرتها ورواجها، ولكم تريثت إزاءها ~~وأطلت تأملها لأحلل تفصيلاتها الفاتنة وأصوغ لكل منها ماضيا متوهما ومستقبلا ~~مستحيلا، ولكن رغم أنه من المؤكد أن رائعة فريث أو طبعات منها قد غمرت الآلاف بآماد من ~~المتعة المدهشة والعجيبة، فليس أقل توكيدا أنها لم تبث في خبرة أي مشاهد آنة واحدة ~~من النشوة الإستطيقية؛ ذلك وإن اللوحة لتتضمن العديد من الانتقالات اللونية البارعة، وأنها ~~أبعد ما تكون عن أخطاء الرسم. إن لوحة «محطة بدنجتون» ليست عملا فنيا بل وثيقة طريفة ~~ومسلية؛ فالخطوط والألوان فيها تستخدم لكي تردد حكايات وتوعز بأفكار وتشير إلى طرائق ~~وعادات عصر من العصور، إنها لا تستخدم لتبث انفعالا إستطيقيا؛ فالأشكال وعلاقات ~~الأشكال لم تكن بالنسبة لفريث موضوعات انفعال، بل وسائل لاقتراح انفعالات وتوصيل ~~أفكار. ~~••• # أود ألا يتصور أحد أن التمثيل شيء سيئ في ذاته؛ فليس هناك ما يحول دون أن يكون شكل ~~واقعي ما، وهو منتظم في مكانه كجزء من التصميم، مضاهيا في الدلالة لآخر تجريدي، ولكن ~~إذا كان لشكل تمثيلي قيمة فبوصفه شكلا لا بوصفه تمثيلا، فالعنصر التمثيلي في العمل ~~الفني قد يضر وقد لا يضر، ولكنه دائما خارج عن الموضوع؛ ذلك أننا لكي ms70 ندرك عملا من ~~أعمال الفن لا نحتاج إلى أن نأتي معنا بشيء من الحياة، أو بمعرفة بأفكارها وشئونها أو ~~بإلف بانفعالاتها؛ فالفن ينتشلنا من عالم الدأب البشري إلى عالم الوجد الإستطيقي، ونحن ~~في اللحظة الإستطيقية تنقطع أسبابنا بالاهتمامات البشرية، وتتوقف تطلعاتنا وذكرياتنا؛ إذ ~~يشيل بنا الفن فوق تيار الحياة. # إن عالم الرياضيات البحتة المستغرق في دراساته يعرف حالة ذهنية أعتبرها شبيهة بذلك ~~إن لم تكن مطابقة، فهو يشعر إزاء تأملاته بانفعال لا ينجم عن أي علاقة مدركة بينها ~~وبين حياة البشر، بل ينبع - غير بشري أو فوق بشري - من قلب علم مجرد، وربما يذهب بي ~~الظن أحيانا إلى أن مدركي الفن ومدركي الحلول الرياضية قد يكونون أكثر قربا وأوثق صلة ~~حتى من ذلك، فأتساءل: قبل أن يأخذنا انفعال إستطيقي تجاه تجمع من الأشكال، ترانا ندرك ~~بالفكر صواب هذا التجمع وضرورته؟ فإن صح ذلك فهو حري أن يفسر واقعة أننا إذ نمر سراعا ~~خلال غرفة فنحن نميز جودة إحدى اللوحات، رغم أننا لا نستطيع أن نقول إنها أثارت فينا ~~انفعالا كبيرا، فيبدو أننا نكون قد تبينا بالفكر صواب الأشكال باللوحة دون أن نتريث ~~لنركز انتباهنا ونقبض على دلالتها الانفعالية كيفما كانت، فإذا كان الأمر كذلك فإن لنا أن ~~نتساءل ما إذا كانت الأشكال ذاتها هي ما أدى إلى الانفعال الإستطيقي أم إدراكنا لصواب ~~الأشكال وضرورتها؟ ولكن لا أظن أني بحاجة إلى أن أطيل الوقوف هنا لاستقصاء هذه المسألة، لقد ~~كنت بصدد البحث عن سبب انفعالنا بتجمعات معينة من الأشكال، وما كنت لأستدرج إلى مسالك ~~أخرى لو أنني تساءلت بدلا من ذلك: لماذا تدرك تجمعات معينة كصواب وضرورة، ولماذا ~~يطربنا إدراكنا لصوابها وضرورتها؟ والجواب عندي هو هذا: إن الفيلسوف المستغرق، وذلك الذي ~~يتأمل عملا من أعمال الفن، كلاهما يستوطن عالما ذا دلالة كثيفة وخاصة، دلالة لا شأن لها ~~بدلالة الحياة. في هذا العالم لا محل لانفعالات الحياة؛ إنه عالم له انفعالاته الخاصة به ~~وحده. ~~••• # ليس من المستغرب على الإطلاق أن هناك عنصرا ms71 تمثيليا أو وصفيا خارجا عن الموضوع في ~~الكثير من الأعمال الفنية العظيمة، وسوف أحاول في موضع آخر أن أبين لماذا هو غير مستغرب. ~~إن التمثيل ليس موبقا بالضرورة، وليس هناك ما يمنع أن تكون بعض الأشكال البالغة ~~الواقعية هي أشكال بالغة الدلالة، إلا أنه في أغلب الأحوال يكون التمثيل علامة ضعف في ~~الفنان، فمن دأب الفنان الذي لا يقوى على خلق أشكال قادرة على إثارة انفعال إستطيقي كبير ~~أن يتحايل على ضآلة ما يثيره باللجوء إلى انفعالات الحياة، وهو لكي يثير انفعالات الحياة ~~فلا بد له أن يستخدم التمثيل؛ مثال ذلك أن يشرع رسام في تنفيذ مخططه، ولأنه يخشى أن تحيد ~~رميته الأولى عن إصابة شكل جمالي فسوف يحاول الإصابة بالثانية بأن يوقظ انفعالا بالخوف ~~أو الشفقة، ولكن إذا كان الميل إلى العزف على عواطف الحياة لدى الفنان هو علامة على خبو ~~الإلهام في كثير من الأحوال، فإن ميل المشاهد إلى التماس عواطف الحياة وراء الشكل هو علامة ~~على قصور الحساسية في جميع الأحوال؛ فهو يعني أن انفعالاته الإستطيقية ضعيفة أو غير تامة ~~على كل حال، فإزاء العمل الفني يشعر الأشخاص الذين لا ~~ينفعلون بالشكل الخالص إلا قليلا، أو لا ينفعلون على الإطلاق، بالحيرة الشديدة؛ فهم أشبه ~~بالصم في حفل موسيقي. إنهم يعرفون أنهم ينبغي أن يشعروا إزاء هذا الشيء بانفعال هائل، غير ~~أن الصنف الخاص من الانفعال الذي يمكن أن يثيره فيهم هو شيء يحسونه بالكاد أو لا يحسونه ~~على الإطلاق، وهكذا يقرءون في أشكال العمل تلك الوقائع والأفكار التي يملكون القدرة على أن ~~يشعروا بها؛ وهي الانفعالات المألوفة في الحياة، وعندما يواجهون بإحدى اللوحات فهم ~~يردون أشكالها تلقائيا إلى العالم الذي أتوا منه، فهم يعاملون الشكل المبتكر كما لو ~~كان شكلا مقلدا، ويعاملون اللوحة كما لو كانت صورة فوتوغرافية، وبدلا من أن يترحلوا ~~على تيار الفن إلى عالم جديد من الخبرة الإستطيقية، فهم يولونه أظهرهم ويعودون أدراجهم ~~إلى عالم الاهتمامات البشرية. إن دلالة العمل الفني بالنسبة لهم تتوقف ms72 على ما يجلبونه ~~له؛ ولذلك لا يضيف الفن شيئا جديدا إلى حياتهم، إن هي إلا المادة القديمة قد أثيرت. ~~إن العمل الفني الجيد ليحمل الشخص القادر على تذوقه ويخرج به من الحياة إلى الوجد، ~~واستخدام الفن كوسيلة إلى انفعالات الحياة هو مثل استخدام تلسكوب لقراءة جريدة، وسوف ~~تلاحظون أن الأشخاص الذين لا يقدرون على الشعور بانفعالات إستطيقية خالصة يتذكرون ~~اللوحات بموضوعاتها، أما القادرون فكثيرا ما لا تكون لهم أي فكرة عما يكونه موضوع لوحة ~~ما؛ ذلك أنهم لم يعيروا العنصر التمثيلي انتباها قط؛ ومن ثم فحين يناقشون اللوحات الفنية ~~فهم يتحدثون عن الهيئة التي تتخذها الأشكال، وعن علاقات الألوان وكمياتها، وكثيرا ما ~~يكون بإمكانهم أن يحكموا من خلال خط واحد ما إذا كان الفنان قديرا أو غير قدير. إن ~~اهتمامهم بكامله منصب على الخطوط والألوان وعلاقاتها وكمياتها وكيفياتها، غير أنهم من ~~خلال هذه الأشياء يظفرون بانفعال أكثر عمقا وأكثر جلالا بكثير من أي شيء يمكن أن يمنحه ~~وصف الوقائع والأفكار. ~~••• # يا لرداءة حالتي الذهنية المعتادة حين أكون في حقل موسيقي، ضجرا كنت أو محيرا ~~فإنني أدع إحساسي بالشكل يفلت مني، وأفشل في فهم التآلفات الهارمونية فأظل أنسج بها أفكار ~~الحياة، وأعجز عن الشعور بالانفعالات الصارمة للفن فأظل أقرأ في الأشكال الموسيقية عواطف ~~بشرية من رعب وغموض وحب وكراهية، وأنفق اللحظات - مستمتعا إلى حد مرض - في عالم من ~~المشاعر الآسنة المتدنية، فلو أن نتفا من أبشع ضروب التمثيل الأونوماتوبي # 3 # قد أقحمت داخل السيمفونية في هذه اللحظات، لما تأذيت، بل الأرجح جدا أنني ~~سأبتهج لها وأسر، فهي حرية أن تقدم لي منطلقات جديدة لتيارات المشاعر الرومانسية ~~والتفكير البطولي. إنني أدري تماما ما الذي حدث؛ لقد كنت أتخذ الفن سبيلا إلى انفعالات ~~الحياة وأقرأ فيه أفكار الحياة. لقد كنت أقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، لقد ترديت من ~~الذرى العالية للنشوة الإستطيقية إلى السفوح الحميمية للحياة البشرية الدافئة. إنها وطن ~~بهيج، ولا يخجلن أحد من إمتاع نفسه هناك، كل ما في الأمر أن ms73 من عرف يوما عز الأعالي ~~فعسير عليه ألا يستشعر في الأودية الدافئة شيئا من الهوان، ولا يتصورن أحد، لمجرد ~~أنه قد جعل يمرح حينا في أرض الرومانسية الذلول الدافئة وأركانها الطريفة، أن بإمكانه ~~حتى أن يحرز بما تكونه المواجيد الصارمة والمثيرة لأولئك الذين ارتقوا القمم البيضاء ~~الباردة للفن. ~~••• # ولكن رغم أن أصداء الفن وظلاله تثري حياة السهول فإن روحه تسكن أعالي الجبال. إن من ~~يتودد إلى الفن ودا مشوبا فحسب، فإن الفن يرد له صنيعه مضاعفا؛ فالفن كالشمس تدفئ ~~البذرة الصالحة في تربة صالحة وتتيح لها أن تؤتي ثمارا صالحا، ولكن وحده العاشق الكامل ~~من يذخر له الفن هدية عجيبة جديدة - هدية فوق كل ثمن. إن أصحاب الود الممذوق يجلبون ~~إلى الفن ويغنمون منه أفكار عصرهم الخاص وعواطف حضارتهم، فلعل امرءا في أوروبا القرن ~~الثاني عشر قد تأثر غاية التأثر بكنيسة رومانسكية بينا لم يجد شيئا في إحدى لوحات ~~أسرة تانج، ولعل النحت الإغريقي كان يعني الكثير لامرئ من عصر لاحق في حين لا يحرك ~~النحت المكسيكي فيه ساكنا؛ إذ كان بمقدوره أن يجلب للأول حشدا من الأفكار المتداعية ~~لتكون موضوعات لانفعالات مألوفة، أما العاشق الكامل، ذلك الذي يملك الشعور بالدلالة ~~العميقة للشكل، فإنه يربأ فوق عوارض الزمان والمكان. إن مشكلات الأركيولوجيا والتاريخ وسير ~~القديسين هي بالنسبة إليه أمر خارج عن الموضوع، فمتى كان شكل العمل دالا أصبح مصدره ~~غير ذي صلة، إنه محمول أمام جلال تلك الصور السومرية في اللوفر على نفس التيار الانفعالي ~~وإلى نفس النشوة الإستطيقية التي كانت تحمل العاشق الكلداني منذ أربعة آلاف عام خلت. إن ~~آية الفن العظيم أن جاذبيته عالمية خالدة، فالشكل الدال يبقى مشحونا بالقدرة على ~~إثارة انفعال إستطيقي في أيما شخص قادر على الشعور به. إن أفكار البشر لتموت عاجلا كالجراجس # 4 # وتذهب أدراج الرياح، وإن البشر ليبدلون مؤسساتهم ويغيرون عاداتهم مثلما ~~يغيرون ستراتهم، فما كان يعد نصرا فكريا في عصر يعد حماقة في عصر آخر، وحده الفن ~~العظيم يبقى ثابتا لا ms74 يذهب بهاؤه؛ لأن المشاعر التي يوقظها مستقلة عن الزمان والمكان؛ ذلك ~~أن مملكة الفن ليست من هذا العالم، فماذا يهم بالنسبة لأولئك الذين يملكون حسا بدلالة ~~الشكل إن كانت الأشكال التي تحركهم قد أبدعت في باريس أمس الأول أم في بابل منذ خمسين ~~قرنا؟ إن أشكال الفن لا تنضب ولا تستنفد، بل تؤدي جميعا عن الطريق نفسه؛ طريق ~~الانفعال الإستطيقي، إلى العالم نفسه؛ عالم الوجد الإستطيقي. ~~••• # إن «ما بعد الانطباعية» شأنها شأن جميع الثورات الصحيحة، ليست أكثر من عودة وإنابة إلى ~~المبادئ الأولى؛ ففي عالم يتوسم في الرسام أن يكون إما مصورا فوتوغرافيا وإما بهلوانا، ~~ينبري الفنان «بعد الانطباعي» قائلا بأنه فوق كل شيء يجب أن يكون فنانا، «لا يكن همك ~~التمثيل أو التتميم، النقل أو الصقل، فكر في خلق الشكل الدال، فكر في الفن.» هكذا يقول. ~~إن خلق عمل فني هو مهمة جسيمة بحيث لا تترك منصرفا لتصيد شبه أو عرض براعة، وكل ~~تقدمة على مذبح التمثيل هي شيء مسلوب من الفن. إن «ما بعد الانطباعية» ليست بحال ذلك ~~الصنف المتعجرف من الثورة كما يفترض السوقة، بل هي في حقيقة الأمر عودة ومتاب، عودة لا ~~إلى أي تقليد معين في الرسم بل إلى التقليد العظيم للفن البصري. إنها تضع نصب عين كل فنان ~~ذلك المثل الأعلى الذي كان يضعه البدائيون نصب أعينهم، وهو مثل لم يعد يتعلق به منذ ~~القرن الثاني عشر سوى عدد استثنائي من أهل العبقرية، ليست «ما بعد الانطباعية» سوى إعادة ~~توكيد للوصية الأولى من وصايا الفن: «اخلق الشكل» # Thou shalt create ~~form ~~، وهي بهذا التوكيد إنما تصافح - عبر العصور - البدائيين ~~البيزنطيين وكل حركة حية جاهدت للبقاء منذ بداية الفن. ~~••• # إذن، أن نرى الأشياء كأشكال خالصة هو أن نراها كغايات في ذاتها؛ فرغم أن الأشكال بالطبع ~~مرتبطة بعضها ببعض كأجزاء في كل، فهي مرتبطو على قدم المساواة، إنها ليست وسيلة لأي شيء ~~عدا الانفعال، ولكن ألا نشعر نحو الأشياء التي نراها كغايات في ذاتها بانفعال أعمق ms75 وأكثر ~~إثارة من أي انفعال سبق لنا نحوها كوسائل؟ في تصوري أننا جميعا نحظى فعلا من وقت ~~لآخر برؤية للأشياء كأشكال خالصة، إننا نرى الأشياء كغايات في ذاتها؛ أي إننا ننظر إليها ~~- وهو ما يبدو في تلك اللحظات ممكنا بل مرجحا - بعين فنان، من منا لم يظفر، مرة في ~~حياته على أقل تقدير، برؤية مفاجئة لمنظر طبيعي كشكل خالص؟ إنه لم ينظره في هذه المرة ~~الفريدة كحقول وأكواخ، بل أحس به بالأحرى كخطوط وألوان، ألم يظفر من الجمال المادي في ~~تلك اللحظة بهزة لا تفرق عن تلك التي يمنحها الفن؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يتضح أنه ~~قد ظفر من الجمال المادي بهزة لا يقدر على منحها بصفة عامة سوى الفن، لأنه قد اتخذ ~~سبيلا إلى رؤيتها كتضام شكلي خالص للخطوط والألوان؟ ألا نمضي قدما ونقول إنه إذ رآها ~~كشكل خالص، وبرأها من كل ضروب الاهتمام السببي والعارض ومن كل ما يمكن أن تكون قد ~~اكتسبته من صلاتها ببني البشر، ومن كل دلالة لها كوسيلة، فقد أحس دلالتها كغاية في ~~ذاتها؟ # ما هي دلالة أي شيء بوصفه غاية في ذاته؟ ما الذي يتبقى عندما نجرد شيئا ما من جميع ~~ارتباطاته؟ ماذا عساه أن يتبقى لكي يثير انفعالنا؟ ماذا غير ذلك الذي درج الفلاسفة على ~~تسميته «الشيء في ذاته» # the thing in itself # ويسمونه الآن ~~«الواقع النهائي» # ultimate ~~reality ~~؟ ~~هل أكون خياليا تماما إذا اقترحت ما اعتقده نفر من أعمق المفكرين من أن دلالة الشيء في ~~ذاته هي دلالة «الواقع» # Reality ~~؟ هل من المحتمل ان يكون ~~جواب سؤالي «لماذا نطرب كل هذا الطرب لتجمعات معينة من الخطوط والألوان؟» هو «لأن بقدرة ~~الفنانين أن يعبروا بتجمعات الخطوط والألوان عن انفعال نحو الواقع يكشف عن نفسه من خلال ~~الخط واللون»؟ ~~••• # يتخيل السوقة أن ليس هناك سوى بؤرة واحدة؛ وهي أن «صواب» تعني دائما تحقيق تصور دقيق ~~للحياة، وليس بإمكانهم أن يفهموا أنه قد تكون المشكلة المباشرة للفنان هي أن يعبر عن ~~نفسه داخل ms76 مربع أو دائرة أو مكعب، أو أن يساوق توافقات هارمونية معينة، أو أن يوفق ~~بين تنافرات معينة، أو أن يحقق إيقاعات معينة، أو أن يقهر صعوبات معينة خاصة ~~بالوسيط # medium ~~، وهي مشكلات تقف على قدم المساواة مع ~~مشكلة اقتناص مشابهة، هذا الخطأ يقع في الصلب من النقد السخيف الذي جعله الأستاذ شو موضة ~~الكتابة . إن في مسرحيات شكسبير تفاصيل من السيكولوجيا ورسم الشخصيات شديدة الواقعية بحيث ~~تذهل الجموع وتسحرهم، ولكن التصور # conception ~~، ذلك الشيء ~~الذي نذر شكسبير نفسه لتحقيقه، لم يكن تمثيلا طبق الأصل للحياة، لا لم يكن خلق الإيهام # illusion # هو المشكلة التي اتخذها شكسبير قناة لانفعاله ~~وبؤرة لطاقاته، لم يكن عالم مسرحيات شكسبير بأي حال من الأحوال شبيها بالحياة قدر عالم ~~السيد جولزورثي # Galsworthy ~~؛ ومن ثم يحق لأولئك الذين ~~تخيلوا أن مشكلة الفنان يجب أن تكون دائما هي تحقيق تطابق بين الكلمات المطبوعة أو الأشكال ~~المرسومة وبين العالم كما يعرفونه؛ يحق لهم أن يحكموا بأن مسرحيات شكسبير أدنى مستوى من ~~مسرحيات السيد جولزورثي، حقيقة الأمر أن تحقيق الصدق الواقعي، وهو ليس المشكلة الوحيدة ~~الممكنة بأية حال، يتنازع هو وتحقيق الجمال (الملاحة) على نيل لقب أسوأ المشكلات ~~الممكنة. إن التشبه بالحياة أمر سهل بحيث إن الاكتفاء به يترك أعلى قوى الفنان ~~الانفعالية والفكرية عاطلة ولا يستنفرها أبدا أو يهيب بها، وبالضبط كما أن المشكلة ~~الإستطيقية شديدة الغموض فإن المشكلة التمثيلية شديدة البساطة. ~~••• # ما هي إذن زبدة القول في هذا الأمر كله؟ إنها في اعتقادي لا تزيد على هذا، يؤدي تأمل ~~الشكل الخالص إلى حالة من النشوة العالية غير العادية وإلى انسلاخ تام عن هموم الحياة، عن ~~هموم أثق أنها (وإنني لأتحدث عن نفسي) كثيرة جدا. إن من المغري أن نفترض أن الانفعال ~~الذي يطرب هو شيء يوصله إلينا من خلال الأشكال التي نتأملها ذلك الفنان الذي أبدع ~~الأشكال، فإذا صح هذا فإن الانفعال الموصل، أيا ما كان هذا الانفعال، لا بد أن يكون من ~~ذلك الصنف الذي يمكن أن ms77 يعبر عنه في أي ضرب من ضروب الشكل؛ في لوحات، منحوتات، مبان، ~~آنية، نسيج ... إلخ، الانفعال الذي يعبر عنه الفنان إذن يحل في بعض هذه الأشكال؛ ومن ثم فهي ~~تؤثر فينا من خلال فهم الدلالة الشكلية للأشياء المادية، وما الدلالة الشكلية لأي شيء ~~مادي سوى دلالة ذلك الشيء معتبرا كغاية في ذاته، ولكن إذا كان من شأن موضوع ما إذ ينظر ~~إليه كغاية في ذاته أن يهزنا بعمق أكبر (أي تكون له دلالة أكبر) مما لو نظرنا إليه هو ~~نفسه بوصفه وسيلة إلى غايات عملية أو كشيء متصل بالاهتمامات البشرية - وهو وجه الأمر ~~بلا شك - فلا يسعنا إلا أن نفترض أننا متى نتأمل أي شيء كغاية في ذاته نصبح على وعي ~~بتلك الخاصة الأبقى في ذلك الشيء من أي خاصة يمكن قد اكتسبها من دوام صحبته ببني الإنسان، ~~وبدلا من أن نميز أهميته العرضية والمشروطة، فنحن نغدو على وعي بواقعه الجوهري، على وعي ~~بالإله في كل شيء، بالكلي في الجزئي، بالإيقاع الذي يغمر الكل، فلتطلق عليه ما شئت من ~~أسماء، فالشيء الذي أتحدث عنه هو ذلك الذي يقبع وراء المظهر من جميع الأشياء، ذلك الذي يضفي ~~على جميع الأشياء دلالتها الفردية، الشيء في ذاته، الواقع النهائي، وإذا كان إدراك معين ~~(لاشعوري تقريبا) لهذا الواقع الكامن للأشياء المادية هو حقا سبب ذلك الانفعال الغريب، ~~ذلك الولوع بالتعبير الذي هو إلهام كثير من الفنانين، فمن المعقول أن نفترض أن أولئك الذين ~~يخبرون نفس الانفعال دون عون من الأشياء المادية، قد وصلوا من طريق آخر إلى البلد ~~نفسه. # تلك هي الفرضية الميتافيزيقية، هل علينا أن نبتلعها كاملة، أو نقبل بعضها، أو نرفضها ~~كليا؟ على كل شخص أن يقرر ذلك بنفسه، فأنا لست مصرا إلا على صحة فرضيتي الإستطيقية، ~~كما أنني متيقن من شيء واحد آخر. إن أولئك الذين يبلغون النشوة (الوجد)، وليكونوا ~~فنانين أو عاشقين أو متصوفة أو رياضيين، هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من الكبر والغطرسة ~~البشريين، فمن شاء أن يحس دلالة ms78 الفن فعليه أن يتضع أمامه، أما أولئك الذين يرون ~~الأهمية الأولى للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو بالنفع العملي، أولئك الذين لا ~~يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى الانفعال على أية حال، ~~فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه، وأيا ما كان عالم التأمل ~~الإستطيقي فما هو بعالم المشاغل والأهواء البشرية، إنه عالم لا تسمع فيه لغو الوجود المادي ~~وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدى لتوافق آخر أكثر جوهرية. ~~••• ~~«ما هكذا الأمر»، كذلك يرد القديسون والفنانون وعقليو كمبردج وكل ذي معدن طيب؛ لأنهم ~~يشعرون بأن عواطفهم الدينية والجمالية والأخلاقية ليست مشروطة بشكل مباشر أو غير مباشر ~~بحاجات جسمية، ولا هي في الحقيقة مشروطة بأي شيء في العالم الفيزيائي. إنهم يحسون أن بعض ~~الأشياء خير لا لأنها وسائل إلى الهناءة الجسمية، بل لأنها خير في ذاتها، فليست قيمة ~~النشوة الإستطيقية أو الدينية متوقفة بأي حال على ما تقدمه من إشباع جسمي، ثمة أشياء في ~~الحياة لا يمكن لقيمتها أن تتعلق بالعالم الفيزيائي، أشياء قيمتها ليست نسبية بل مطلقة، ~~عن هذه الأمور أتحدث بحذر ودون سلطة: ولا يعوزني في غرضي المباشر - وهو أن أعرض تصوري ~~للشخصية الدينية - سوى أن أقول إن من الناس من يبدو لهم التصور المادي للعالم مفسرا ~~لتلك العواطف التي يحسونها بيقين أعلى ونزاهة مطلقة، حقيقة الأمر هي أن رجال العلم بعد ~~أن دفعوا بنا إلى عادة محاولة تبرير مشاعرنا وحالاتنا الذهنية بردها إلى العالم ~~الفيزيائي، قد حملوا بعضنا بالترهيب على أن يعتقدوا بأن ما لا يمكن تبريره بهذه الطريقة ~~فهو غير موجود. # إنني أدعوه دينيا ذلك الإنسان الذي يوقن أن هناك أشياء هي خير في ذاتها وأن الوجود ~~الفيزيائي ليس من بينها، فيسعى على حساب الوجود الفيزيائي إلى ما يبدو له خيرا؛ ومن ثم فإن ~~كل أولئك الذين يعتقدون بإخلاص عنيد أن الحياة الروحية أهم من الحياة المادية، هم في فهمي ~~دينيون. لقد رأيت في باريس ms79 على سبيل المثال رسامين صغارا، مفلسين ضامرين مقرورين ~~مهلهلي الثياب، وليست زوجاتهم ولا أولادهم بأفضل منهم حالا؛ رأيتهم طيلة يومهم في نشوة ~~محمومة منغمسين في رسم لوحات لا يؤمل لها رواج، ومن الجائز تماما أنهم كانوا حريين ~~بأن يقتلوا أو يصيبوا أي شخص يقترح عليهم التوفيق بين فنهم ومتطلبات السوق، وحين كانت ~~أدواتهم تنفد ورصيدهم ينقطع بالكامل كانوا يبيعون الجرائد خفية ويمسحون الأحذية حتى ~~يمكنهم أن يواصلوا خدمة ولوعهم المسيطر. لقد كانوا دينيين بامتياز، فجميع الفنانين ~~دينيون، وكل اعتقاد عنيد هو اعتقاد ديني. إن إنسانا تملكه حب الحقيقة بحيث آثر السجن ~~أو الموت على الاعتراف بإله لا يؤمن بوجوده، هو إنسان ديني وشهيد في سبيل الدين، شأنه شأن ~~سقراط ويسوع؛ ذلك أنه جعل لقيمه معيارا خارج العالم الفيزيائي. # يقال في مجال الأشياء المادية إن نصف رغيف خير من انعدام الخبز، لكن الأمر في مجال ~~الأشياء الروحية غير ذلك، إن رجل السياسة سوف يؤيد مشروع قانون يعرف قصوره إذا ما رأى ~~أن هذا القانون قد يعود بفائدة ما، إنه يدلي باعتراضاته ثم يصوت مع الأغلبية، وربما ~~يكون تصرفه سليما، أما في المسائل الروحية فمثل هذه التسويات غير ممكنة. إن الفنان لا ~~يسعه أن يقدم تنازلا لكي يرضي الجمهور؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون قد ضحى بالشيء الذي يجعل ~~للحياة قيمة، فإذا كان عليه أن يكذب ويعبر عن شيء غير ما يشعر به فلن يعود مسكونا ~~بالحقيقة، وماذا يجديه أن يربح العالم كله ويخسر روحه الخاص؟ إنه يعرف أن في دخيلته شيئا ~~أهم من الوجود الفيزيائي، شيئا ليس الوجود الفيزيائي إلا وسيلة إليه؛ فوجود احتمال بأن ~~يحس هذا الشيء ويعبر عنه يجعل من الخير له أن يتشبث بالحياة، ولكنه ما لم يشعر بهذا ~~الشيء ويعبر عنه على خير وجه فمن الأفضل له أن يموت. ~~••• # أن ننقد عملا من أعمال الفن نقدا تاريخيا هو أن نتصرف بسخف من أسكره العلم، فلم ~~يحدث قط أن صدر عن دماغ مشعوذ نظرية أكثر شؤما من نظرية ms80 التطور في الفن. إن جوتو لم ~~يزحف، يرقة، حتى يرفرف تيتيان فراشة. إن من إساءة الفهم لفن شخص ما أن نعتبره مؤديا ~~إلى فن شخص آخر، فإطراء عمل فني أو تسفيهه أو الاهتمام به لأنه يؤدي أو لا يؤدي إلى عمل ~~فني ثان، هو بمثابة اعتباره شيئا آخر غير عمل فني؛ فقد تكون للصلة بين عمل فني وآخر شأن ~~كبير بالتاريخ، ولكن هيهات أن يكون لها شأن بالتذوق الفني، فما إن نشرع في النظر إلى عمل ~~ما دون اعتباره غاية في ذاته حتى نكون قد غادرنا عالم الفن، فرغم أن التطور في فن التصوير ~~من جوتو إلى تيتيان قد يكون ذا أهمية من الوجهة التاريخية، فما كان له أن يؤثر على القيمة ~~الفنية لأية لوحة معينة، فذاك أمر غير ذي بال على الإطلاق من الوجهة الإستطيقية. إن ~~كل عمل من أعمال الفن ينبغي أن يقيم وفق حالته الموضوعية ودون تأثر بأي اعتبارات ~~أخرى. ~~••• # اعمر الكوكب الموحش بعقل إنساني واحد، يصبح كل جزء من هذا الكوكب ذا قيمة كامنة كوسيلة؛ ~~لأنه قد يكون وسيلة إلى ذلك الشيء الذي هو خير كغاية؛ أعني حالة ذهنية خيرة. إن الحالة ~~الذهنية لشخص في حالة حب أو مستغرق في التأمل تكفي في ذاتها، فنحن لا نعود نتساءل ~~«أي غرض نافع تقدمه هذه الحالة، أي شخص تفيده، وكيف؟» بل نقول بمباشرة واقتناع: «هذا ~~خير.» ~~••• # حين تعد أي شيء عملا فنيا، فإنك إذن تقيم حكما أخلاقيا خطيرا؛ لأنك بذلك تعده ~~وسيلة مباشرة وفعالة إلى الخير بحيث لا نحتاج إلى أن نكرث أنفسنا بأي شيء من نتائجه ~~المحتملة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية الحكم ~~بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما يبررها، فليقم الداعية الأخلاقي حكما على الفن ~~ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا كان المقام مقام أحكام ~~إستطيقية؛ أي أحكام مقارنة بين أعضاء فئة واحدة، أي بين الأعمال الفنية بوصفها أعمالا ms81 ~~فنية، فليمسك هذا الداعية لسانه. إن الفن مساو لأعظم الوسائل إلى الخير، ولو ظن ~~الداعية الأخلاقي أن الفن أقل من ذلك بأي شيء فقد أخطأ، ولو سلمنا على سبيل الموادعة أن ~~الفن أدنى من بعض هذه الوسائل فسوف أذكره رغم ذلك أن أحكامه الأخلاقية حول قيمة أعمال ~~فنية معينة لا شأن لها بقيمتها الفنية، ليس من حق الحكم في إبسوم أن يغمط الفائز في ~~الدربي حقه لمصلحة الحصان الذي جاء قبل الأخير، لا لشيء إلا لأن هذا الحصان هو لأسقف ~~بروجهام كنتربري. # عرف الفن كما تهوى، مؤثرا أن يكون ذلك وفقا لما طرحته من أفكار، وأنزله المنزلة ~~التي تشاء في النسق الأخلاقي، ثم فاضل بين الأعمال الفنية حسب امتيازها بتلك الخاصية أو تلك ~~الخصائص التي وضعتها في تعريفك باعتبارها الخصائص الجوهرية والمميزة للأعمال الفنية. قد ~~تقيم بالطبع أحكاما أخلاقية حول أعمال معينة، ليس بوصفها أعمالا فنية بل بوصفها أعضاء ~~في فئة أخرى، أو بوصفها أجزاء مستقلة وغير مصنفة من العالم، وقد ترى أن لوحة معينة ~~لرئيس الأكاديمية الملكية هي وسيلة أعظم إلى الخير من إحدى لوحات نادي الفن الإنجليزي ~~الجديد بكل مجده، وأن كعكة بقرش هي أفضل من الاثنتين، فأنت في مثل هذه الحالة إنما تقيم ~~حكما أخلاقيا لا حكما إستطيقيا؛ ومن ثم سيكون من الصواب أن تأخذ بالاعتبار مساحة ~~القماشة، وسمك الإطار والقيمة الممكنة لكل منها كوقود أو وقاء من تقلبات مناخنا القاسية، ~~وعليك في عملية جمع الحسابات ألا تغفل آثارهما الممكنة على الكهول الذين يزورون برلنجتون ~~هاوس وصالة عرش سافوك ستريت، وألا تغفل أيضا ضمائر أولئك الذين يمسون موارد الأوقاف أو ~~أولئك الذين تدفعهم الرغبة في الربح إلى المحاكاة والتقليد؛ إنك عندئذ تقيم حكما أخلاقيا ~~لا حكما إستطيقيا، وإذا كنت قد خلصت إلى أن كلتا اللوحتين ليست عملا فنيا، فأنت رغم ~~مظنة تضييع وقتك ستكون بمنأى من السخرية، ولكن حين تتعامل مع لوحة بوصفها عملا فنيا تكون ~~قد أقمت - ربما على نحو لاشعوري - حكما أخلاقيا أهم بكثير، لقد ms82 أدرجتها في فئة من ~~الأشياء تعد وسائل قوية ومباشرة إلى النشوة الروحية بدرجة تمحي إلى جانبها جميع المزايا ~~الصغرى، ورغم المفارقة الظاهرة، فإن الخصائص الوحيدة ذات الصلة بالعمل الفني بوصفه عملا ~~فنيا هي الخصائص الفنية، فنحن إذا خصلنا إلى أن الخصائص الفنية هي وسيلة إلى الخير، فإن ~~أي خصائص أخرى تغدو غير ذات بال، فليس ثمة خصائص تفوق الخصائص الفنية من حيث القيمة ~~الأخلاقية، ذلك أن ليس هناك وسيلة إلى الخير أعظم من الفن. ~~••• # سر الفن البدائي هو سر كل فن، في كل زمان، وفي كل مكان؛ الحساسية للدلالة العميقة للشكل ~~قوة الخلق، لكليهما تفتقر عصبة الإخوة السعداء؛ ولذا فلا عجب أنهم تعين أن يجدوا المادة ~~في أفعال التقوى وفي الأساطير والرموز، ويجدوا في الكهنوت الصحيح الجوهر نفسه للفن ~~القروسطي، ومن أجل إلهامهم نظروا إلى الماضي بدلا من أن ينظروا حولهم، وبدلا من أن ~~يغوصوا التماسا للحقيقة فقد التمسوها على السطح. الحق أن «قبل الرفائيليين» لم يكونوا ~~فنانين بل أركيولوجيين يحاولون أن يجعلوا الفضول الذكي يقوم بعمل التأمل المشبوب العاطفة، ~~وهم كفنانين لا يختلفون اختلافا جوهريا عن حشد المصورين الفيكتوريين، ولسوف يعيدون ~~إنتاج الزخرف البراق للفن القوطي المتأخر بالتزام عبودي مثلما يعيد الأكاديمي الصارم ~~إنتاج نفطات برتقالة، وإذا حاولوا فعلا أن يبسطوا - إذ إن بعضهم لاحظ تبسيط البدائيين - ~~فقد فعلوا ذلك لا بروح فنان بل بروح قرد مجتهد. # التبسيط هو تحويل التفصيل غير ذي الصلة إلى شكل دال، كان بوسع واحد من «قبل ~~الرفائيليين» شديد الجرأة أن يمثل قوس قزح بواسطة ورقتي نجيل دقيقتين دقة بالغة، غير أن ~~ورقتي نجيل بالغتي الدقة هما خارجتان عن الموضوع خروج مليوني ورقة، إنما الدلالة الشكلية ~~لورقة النجيل أو قوس قزح هي ما يعني الفنان، إن منهج قبل الرفائيليين هو في أفضل الأحوال ~~رمزية وفي أسوئها سخف محض، ولو كان «قبل الرفائيليين» ينعمون بعقول عميقة التخيل لكانوا ~~استردوا روح العصور الوسطى بدلا من تقليد مظاهرها الأقل دلالة، ولكنهم لو كانوا فنانين ~~عظاما لما رغبوا ms83 في استرداد أي شيء، بل ابتكروا أشكالا لأنفسهم أو استقوها من محيطهم، ~~تماما كما فعل فنانو القرون الوسطى، الفنانون العظام لا ينظرون وراءهم البتة. ~~••• # عندما يشرف الفن على الموت كما كان في منتصف القرن التاسع عشر، ينظر للدقة العلمية ~~على أنها الغاية الصحيحة للتصوير، يقول «الانطباعيون الأكاديميون»: حسن جدا، كن دقيقا، ~~كن علميا. في أفضل الأحوال يسجل المصور الأكاديمي تصوراته، ولكن تصوره ليس واقعا ~~علميا، ينبئنا أهل العلم أن الواقع المرئي للعالم هو اهتزازات ضوء، فلنتمثل الأشياء كما ~~هي - علميا، لنمثل الضوء، لنرسم ما نراه، لا البناء الفوقي الذي نشيده فوق ~~إحساساتنا، كانت تلك هي النظرية، ولو كانت غاية الفن هي التمثيل لكانت صحيحة بدرجة كافية، ~~غير أن غاية الفن ليست التمثيل، كما عرف الانطباعيون العظام رنوار # Renoir # وديجا # Degas # ومانيه # Manet ~~(اثنان منهما لا يزالان يعرفان لحسن الحظ) في اللحظة ~~التي أقلعوا فيها عن الجدل وأرتجوا باب الاستديو على ذلك المنظر النابغ كلود مونيه # Claude Monet ~~، واعلم أن بعضهم (مونيه قرب النهاية ~~مثلا) صنع مخططات متعددة الألوان فاجعة البلادة، ولم ينتج «الانطباعيون الجدد» # Neo-Impressionists # سورا # Seurat # وسينياك # Signac # وكروس # Cross # شيئا آخر، كان بمكنة أي «انطباعي»، تحت ~~تأثير مونيه و«وتو» # Watteaw ~~، أن يصنع شيئا هزيلا رخوا ~~لا شكل له، غير أن الأغلب حدوثا هو أن الأساتذة الانطباعيين، في سعيهم الخيالي والفاشل ~~تماما إلى الصدق العلمي، خلقوا أعمالا فنية مقبولة من حيث التصميم ومجيدة من حيث اللون، ~~هذه الواحة في صحراء أواسط القرن أبهجت، بطبيعة الحال، الأشخاص الغريبي الأطوار الذين ~~يهتمون بالفن، ولقد تظاهروا في البداية بأنهم مستغرقون في الدقة العلمية للشيء، ولكن لم ~~يمض وقت طويل حتى أدركوا أنهم يخدعون أنفسهم وكفوا عن الادعاء؛ ذلك أنهم رأوا بوضوح شديد ~~أن هذه اللوحات تختلف اختلافا عميقا جدا عن النجاحات النادرة لورش العمل الفيكتورية، ~~لا في احترامها المقدر للنظرية العلمية، بل في حقيقة أنها، رغم انصرافها الكبير أو التام ~~عن اهتمامات الحياة العادية، تثير انفعالا أقوى وأعمق بكثير، وبرغم النظريات العملية، ms84 ~~أثار الانطباعيون انفعالا يثيره كل فن عظيم، انفعالا لم يكن معظم الفنانين والنقاد ~~الفيكتوريين، لأسباب واضحة، قادرين على الاعتقاد في وجوده، لم تعتمد ميزة هذه الصور ~~الانطباعية، أيا ما كانت، على العالم الخارجي، ماذا عساها أن تكون؟ قال المشاهدون ~~المسحورون: «الجمال المحض»، ولم يكونوا بعيدين كثيرا عن الصواب. ~~••• # وكما حاولت أن أبين في موضع آخر فليس من الصعب أن نجد خطأ في النظرية القائلة بأن ~~الجمال هو الصفة الجوهرية في العمل الفني، أي إذا كانت كلمة «جمال» تستعمل، كما يبدو أن ~~ويسلر وتابعيه قد استعملوها، لتعني الجمال غير الدال؛ إذ يبدو أن الجمال الذي كانوا يتحدثون ~~عنه هو جمال زهرة أو جمال فراشة، أما إنني قلما قابلت شخصا حساسا للفن لم يوافق في ~~النهاية على أن العمل الفني يحركه بطريقة مختلفة تماما، وأعمق بكثير، من الطريقة التي ~~تحركه بها زهرة أو فراشة؛ ولذا فإذا شئت أن تسمي الصفة الجوهرية في العمل الفني «جمالا» ~~فإن عليك أن تميز بعناية بين جمال عمل من أعمال الفن وجمال زهرة، أو، على أية حال، بين ~~الجمال الذي يدركه أولئك الذين ليسوا فنانين عظاما من بيننا في عمل فني وبين ما يدركه ~~نفس الأشخاص في زهرة، ألا يكون من الأبسط أن نستخدم كلمات مختلفة؟ التمييز على أية حال هو ~~تمييز حقيقي؛ قارن بين بهجتك بزهرة أو جوهرة، وبين ما تشعر به إزاء عمل فني عظيم، ولن ~~تجد صعوبة، فيما أرى، في الاختلاف عن ويسلر. # ولأي شخص تهمه النظرية أكثر مما تهمه الحقيقة مطلق الحرية في أن يقول إن فن ~~«الانطباعيين»، بأفكاره الباطلة عن التمثيل العلمي، هو فطر جميل ينمو بطريقة طبيعية ~~تماما على خرائب المنحدر المسيحي، ولا يصح أن يقال الشيء نفسه عن ويسلر، الذي كان ~~بالتأكيد في ثورة ضد نظرية عصره، إذ ينبغي ألا ننسى أبدا أن التمثيل الدقيق لما يحسب ~~البقال أن يراه كان هو الدوجما المركزية للفن الفيكتوري. إن القبول العام لهذا الرأي - أن ~~المحاكاة الدقيقة للأشياء صفة جوهرية للعمل الفني - والعجز ms85 العام عن خلق، أو حتى عن تمييز، ~~كيفيات إستطيقية، هو ما يسم القرن التاسع عشر بوصفه نهاية منحدر، وإذا استثنيت فنانين ~~متفرقين وهواة منعزلين فقد يسعك أن تقول إنه في منتصف القرن التاسع عشر لم يعد للفن ~~وجود، وها هنا أهمية الفن الرسمي والأكاديمي لذلك العصر. إنه يثبت لنا أننا قد لمسنا ~~القعر وبلغنا الحضيض. إن له أهمية الوثيقة التاريخية، في القرن الثامن عشر كان لا يزال هناك ~~موروث فني، ما من مصور رسمي وأكاديمي، حتى في نهاية القرن الثامن عشر، معروف الاسم لدى ~~عامة المثقفين ومرعية أعماله من قبل الجامعيين، إلا ويعلم جيدا جدا أن غاية الفن ~~ليست المحاكاة، وأن الأشكال يجب أن تحوز بعض الدلالة الإستطيقية، أما أخلاقهم في القرن ~~التاسع عشر فلم يعلموا، حتى الموروث مات، يعني ذلك أنه بصفة عامة وبصفة رسمية كان الفن ~~ميتا، ولقد رأيناه يموت، وقد أخذت «الأكاديمية الملكية» و«الصالون» على تأدية غرضهما ~~التاريخي المفيد، ولسنا بحاجة إلى أن نقول المزيد عنهما، وماذا عن تلك الزمرة الفنية ~~بالتأكيد للقرن التاسع عشر، أولئك الذين جعلوا الشكل وسيلة إلى الانفعال الإستطيقي وليس ~~وسيلة لذكر الحقائق ونقل الأفكار؛ أعني «الانطباعيين» و«الجماليين» (المتطرفين) # Aesthetes # مانيه ورينوار وويسلر وكوندر # Conder # و... و...؟ أنعتبرهم زهورا عرضية تتفتح على قبر أم ~~بشارات بعصر جديد؟ ذاك شيء يتوقف على مزاج من يعتبرهم. # ولكن مخططا للمنحدر المسيحي قد يحسن أن ينتهي ب «الانطباعيين»؛ فالنظرية الانطباعية ~~طريق مسدود، ومآلها المنطقي الوحيد هو «آلة ~~فن» # art-machine ~~، آلة لتأسيس القيم على نحو صحيح، وتحديد ما تراه العين على نحو ~~علمي، جاعلة إنتاج الفن بذلك يقينا ميكانيكيا، وقد أنبئت أن مثل هذه الآلة قد اخترعها ~~رجل إنجليزي، أما لو أن آلة الصلاة هي حقا النقلة الأخيرة لديانة شائخة، فإن آلة جلب ~~القيمة هي حقا بمثابة حادي روح الفن إلى عالم الموتى، لقد مر الفن من الخلق البدائي ~~للشكل الدال إلى التقرير الشديد التحضر للحقيقة العلمية، وأعتقد أن هذه الآلة، التي هي ~~النهاية الذكية والمحترمة، ينبغي الاحتفاظ ms86 بها، إذا كانت لا تزال موجودة، في سوث ~~كنسينجتون، أو في اللوفر، إلى جانب الآثار الأقدم للمنحدر المسيحي، أما عن تلك النهاية ~~غير الشائقة وغير المحترمة - أي الفن الرسمي للقرن التاسع عشر - فيمكن أن تدرس في مائة ~~جاليري عام وفي معارض سنوية عبر العالم، إنها النهاية المتعفنة، والواضحة بالتالي. إن ~~الروح التي ولدت مع انتصار الفن على الواقعية الإغريقية-الرومانية تموت مع إزاحة الفن ~~وحلول الصورة التجارية محله. # ولكن إذا كان «الانطباعيون»، بعدتهم العلمية، وتكنيكهم المدهش، ونزعتهم الذهنية، يسمون ~~نهاية حقبة، أليسوا مرهصين بمجيء حقبة أخرى؟ ثمة اليوم قلق بالتأكيد في مختبر الزمن ~~السري، ثمة شيء مات، ولكن كما لاحظ ذلك الروماني الحكيم: # 5 # لا شيء يفنى حقا من الأشياء المنظورة، إنما يجبل الشيء من الشيء، والطبيعة لا ~~تسمح بخلق جديد إلا بثمن من الموت. # ألا يحمل «الانطباعيون»، بقدرتهم على خلق أعمال فنية تقف على أقدامها الخاصة، ألا يحملون ~~على أذرعهم عصرا جديدا؟ فإذا كان الذنب المغتفر للانطباعية هو نظرية شائهة، وشفيعها هو ~~ممارسة مجيدة، فإن أهميتها التاريخية تتمثل في أنها قد علمت الناس أن تلتمس دلالة الفن في ~~العمل ذاته، بدلا من التفتيش عنها في انفعالات العالم الخارجي واهتماماته. ~~••• # إن سيزان نمط من الفنان الكامل، وهو النقيض التام لمحترفي صناعة اللوحات، ومحترفي صناعة ~~القصائد، ومحترفي صناعة الموسيقى. لقد كان يخلق الأشكال لا لشيء إلا لأنه بهذا الفعل وحده ~~يمكنه أن يحقق غاية وجوده؛ وهي التعبير عن إحساسه بدلالة الشكل، وعندما نكون بصدد الحديث ~~عن الإستطيقا، فإن خير ما نفعله هو ألا نبالي بكل هذا، وأن ننصرف فحسب إلى الموضوع وتأثيره ~~الانفعالي علينا، ولكننا حين نحاول أن نفسر التأثير الانفعالي للوحات، فإننا نلتفت ~~تلقائيا إلى أذهان الأشخاص الذين صنعوها، ونجد في قصة سيزان معينا لا ينضب من الإلهام؛ ~~فقد كانت حياته جهدا متصلا لخلق الأشكال التي يسعها أن تعبر عما أحس به في لحظة الإلهام. ~~إن فكرة فن بلا إلهام، فكرة وصفة لصنع اللوحات، كان لا بد أن تبدو له ممتنعة، ms87 فلم يكن هم ~~سيزان الحقيقي في حياته هو أن يصنع لوحات بل أن يصنع خلاصه، ومن حسن حظنا أنه لم يمكنه ذلك ~~إلا بواسطة الرسم. إن أي لوحتين لسيزان من المتعين أن تختلفا فيما بينهما اختلافا ~~بعيدا، فلم يحلم سيزان قط بأن يكرر نفسه، ولم يكن بإمكانه أن يتجمد في مكانه، وهذا هو ~~السر في أنه استطاع بأعماله أن يلهم جيلا بكامله من الفنانين المتباينين الذين لم ~~يتفقوا في شيء عدا استلهام سيزان؛ ولذا فلست أغض من شأن أي من الفنانين الأحياء حين ~~أقول إن السمة الرئيسية للحركة الفنية الجديدة هي أنها مستمدة من سيزان. ~~••• # لقد أمعنت الحركة المعاصرة في التبسيط وبلغت به شأوا أبعد بكثير مما بلغه مانيه # Manet # ورفاقه، وبذلك ميزت نفسها وافترقت عن أي شيء شهدناه ~~منذ القرن الثاني عشر، فمنذ القرن الثاني عشر في فنون النحت والزجاج، ومنذ القرن الثالث عشر ~~في فنون التصوير والرسم، أخذ التحول ينحو إلى الواقعية وينأى عن الفن، وإن جوهر الواقعية ~~هو التفصيل، فمنذ زولا # Zola # أدرك كل روائي أن لا شيء يضفي ~~على العمل صبغة واقعية جليلة مثل أن تدفع فيه بحشد من الوقائع الطفيلية (الخارجة عن ~~الموضوع)، وقلما نجد من الروائيين من حاد عن هذه الطريقة وحاول أن يحذو حذوا آخر؛ ~~فالتفصيل هو في الصميم من الواقعية، وهو الانحلال الدهني # fatty ~~degeneration # للفن، أما ~~الحركة المعاصرة فقد اتجهت إلى التبسيط وإلى التخلص من كل هذه الفوضى من التفاصيل التي ~~أقحمها الرسامون في لوحاتهم من أجل إثبات الوقائع وتقريرها، غير أن المهمة كانت أكبر من ~~ذلك؛ فقد كانت هناك عناصر خارجة عن الموضوع يقحمها الرسامون في لوحاتهم لأغراض أخرى غير ~~تقرير الوقائع، من هذه الأغراض الاستعراض التكنيكي؛ فمنذ القرن الثاني عشر أخذت التعقيدات ~~التكنيكية في التوسع المطرد، وأخذ الكتاب الذين ليس لديهم ما يقولونه يعتبرون التلاعب ~~بالألفاظ كغاية في ذاته؛ فهم أشبه بطهاة ليس لديهم بيض فجعلوا يعتبرون وتيرة صنع العجة ~~كفن جميل؛ خلط التوابل وفرم الأعشاب وإحماء النار وتهيئة ms88 الطواقي البيضاء، أما البيض فما ~~لنا وماله، هذا أمر الله، ومن ذا يريد العجة حين يكون بوسعه أن يمارس الطهي؟ لقد بسطت ~~الحركة الجديدة هذه الأمور واختزلت عدة الطهي، وعمدت إلى أن تطهر العمل الفني من أي عنصر لا ~~يعدو أن يكون عرضا لحرفية الصانع. ~~••• # من وجهة نظر المشاهد كان فنانو «ما بعد الانطباعية» موفقين بشكل خاص في تبسيطهم؛ فمن ~~الممكن، كما نعلم، أن يتكون التصميم من أشكال واقعية كما أنه من الممكن أن يتكون من أشكال ~~مخترعة، غير أن التصميم الجميل المكون من أشكال واقعية معرض بدرجة كبيرة لخطر التدني ~~الإستطيقي؛ إذ يستلفت العنصر التمثيلي فيه نظرنا على الفور فتفوتنا دلالته الشكلية. إن من ~~العسير جدا أن ندرك بالنظرة الأولى تصميم لوحة لفنان شديد الواقعية، أنجر # Ingres # على سبيل المثال، ذلك أن فضولنا البشري يغشي ~~انفعالاتنا الإستطيقية، ولا نعود نرى الصور بوصفها أشكالا؛ لأننا سرعان ما نتأملها بوصفها ~~أشخاصا، وفي المقابل فإن التصميم المكون من أشكال تخيلية خالصة خلو من أي مفتاح معرفي ~~(سجادة فارسية مثلا) حري إذا كان شديد التركب والتعقيد أن يربك المشاهدين ذوي الحساسية ~~المحدودة. أما الفنانون بعد الانطباعيين فإنهم باستخدامهم أشكالا محرفة بحيث تحبط وتحير ~~الاهتمام والفضول البشريين، وتمثيلية رغم ذلك بحيث تسترعي الانتباه المباشر إلى طبيعة ~~التصميم؛ قد وجدوا طريقا مختصرة إلى انفعالاتنا الإستطيقية. إن هذا لا يجعل اللوحات بعد ~~الانطباعية أفضل من غيرها ولا أسوأ، بل يجعلها أيسر في إدراكها كأعمال فنية، ربما سيظل ~~صعبا دائما على أغلب الناس أن يتأملوا الصور كأعمال فنية، غير أن اللوحات بعد الانطباعية ~~ستكون في ذلك أقل عسرا من اللوحات الواقعية، بينما هم إذا كفوا عن تأمل الأشياء غير ~~المزودة بمفاتيح تمثيلية (مثل بعض أعمال النسيج الشرقي) بوصفها آثارا تاريخية، فقد يجدون ~~من العسير عليهم أن يتأملوها على الإطلاق. # لكي يبرز الفنان تصميمه فإنه يجعل همه الأول أن يبسط، غير أن مجرد التبسيط، أي التخلص ~~من التفاصيل، لا يكفي؛ إذ لا بد للأشكال الإخبارية المتبقية أن تكون ms89 دالة، ولا بد للعنصر ~~التمثيلي لكي لا يفسد التصميم أن يصبح جزءا منه، ويتعين عليه إلى جانب تقديم المعلومات أن ~~يثير انفعالا إستطيقيا، وها هنا الموطن الذي تفشل فيه ~~الرمزية. إن الرمزي يتخلص ولكنه لا يهضم ويتمثل، ورموزه، في عامة الأحوال، ليست أشكالا ~~دالة بل ناقلات خبر شكلية؛ فالرموز ليست أجزاء مدمجة لتصور تشكيلي، وإنما هي اختصارات ~~فكرية، والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره، إنها مادة ميتة في كائن عضوي حي، ~~وهي جاسئة # 6 # مغلقة؛ لأنها غير مغمورة في إيقاع التصميم. وليست الأساطير الشارحة التي ~~اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من ~~الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. لقد تمكن دورر # Durer # في لوحته الشهيرة «ميلانكوليا»، وتمكن إلى حد ما في ~~نقوش أخرى قليلة مثل «القديس يوستيس» و«العذراء والطفل» (المتحف البريطاني # B. 34. ~~) من أن يحول كتلة من التفاصيل إلى شكل مقبول ~~الدلالة، غير أننا في الشطر الأكبر من أعماله (مثل «الفارس» و«القديس جيروم») نجد أن التصور ~~الجميل قد أفسدته كتلة من الرموز غير المهضومة وأتت عليه. ~~••• # إن التصميم هو تنظيم الأشكال، والرسم هو صوغ الأشكال ذاتها، ومن الواضح أن هناك نقطة ~~يمتزج عندها الاثنان، ولكن هذا أمر لا يهمنا الآن، عندما أقول إن الرسم رديء فإنني أعني ~~أنني لم أهتز لحدود الأشكال التي تكون العمل الفني، وباعتقادي أن أسباب رداءة الرسم ~~مماثلة لأسباب رداءة التصميم، تأتي رداءة الرسم عندما لا يتطابق الشكل المرسوم مع جزء من ~~تصور انفعالي؛ فالهيئة التي يتخذها كل شكل في العمل الفني يجب أن يمليها الإلهام ~~ويفرضها، وأرى أن يد الرسام يجب أن تقودها ضرورة التعبير عن شيء ما قد أحسه لا إحساسا ~~شديدا فقط بل إحساسا محددا أيضا، إن على الرسام أن يعرف مهمته، ومهمته إن كنت ~~صائبا هي أن يترجم إلى شكل مادي شيئا ما قد أحس به في نوبة من النشوة؛ ولذا فإن الأشكال ~~التي لا ترسم إلا لملء فجوات ms90 هي أشكال رديئة الرسم، وإن الأشكال التي لا تمليها أي ~~ضرورة انفعالية، والأشكال التي تثبت وقائع، والأشكال التي تنتج عن نظرية في فن الرسم أو عن ~~تقليد الأشياء الطبيعية أو تقليد أشكال الأعمال الفنية الأخرى؛ كل هذه أشكال لا قيمة لها، ~~إنما يجب أن يكون الرسم ملهما، وأن يكون تجليا طبيعيا لتلك الهزة التي تصاحب الفهم ~~الانفعالي للشكل. ~~••• # ينصرف النساء والرجال الذين اهتزوا من فورهم للدلالة الإستطيقية الخالصة لأحد الأعمال ~~الفنية، ويمضون إلى الحياة الخارجية وهم في حالة من الإثارة والطرب تجعلهم أكثر حساسية ~~لكل ما يجري حولهم، وهكذا يدركون بحدة زائدة معنى الحياة وإمكانها، وليس من المستغرب ~~أنهم لا بد أن يتأولوا هذا الحس الجديد بالحياة ويقرءوه في ذلك الشيء الذي أنتجه، لا بأس ~~بذلك الفعل على الإطلاق، ولن أنازعهم في شأنه، فأن تتحرك مشاعرك للفن أهم بكثير من أن ~~تعرف على وجه التحديد ما الذي يحركها، فقد أريد أن أذكرهم رغم ذلك بأنه إذا كان الفن لا ~~يعدو ما يتخيلون أحيانا أنه الفن، لما كان له أن يحرك مشاعرهم بهذه الطريقة، إذا كان ~~الفن مجرد إيعاز بمشاعر الحياة فلن يمنح العمل الفني لكل شخص أكثر مما جلبه كل شخص معه، ~~إنما يحركنا الفن بهذا العمق وهذه السرية لأنه يضيف إلى خبرتنا الانفعالية شيئا ما ~~جديدا، شيئا يأتي لا من الحياة البشرية بل من الشكل الخالص، أما أن الفن بالنسبة للكثيرين ~~لا يكتفي بإضافة شيء جديد بل يبدو أنه يغير القديم ويثريه، فهو أمر مؤكد ولا يدعو إلى ~~أدنى ابتئاس. ~~••• # أطلقوا يد الفنان. # ها هو شيء يمكن أن يفعله للفن أولئك النفر ذوو النفوذ والشأن الذين يؤكدون دائما أنهم ~~يودون أن يقدموا للفن أي شيء. ~~••• # إذا كان المجتمع الشيوعي العظيم عاقدا العزم على إنتاج الفن - والمجتمع الذي لا ينتج ~~الفن الحي مجتمع ملعون - فهناك شيء واحد، وواحد فقط، يستطيع أن يفعله، اضمن لكل مواطن، ~~سواء أكان يعمل أم كان متبطلا، مجرد حد أدنى من العيش، ولنقل ستة بنسات في ms91 اليوم وفراشا ~~في منيم عام، اجعل الفنان شحاذا يعيش على الإحسان العام، وامنح العاملين العمليين ~~المجتهدين تلك الأشياء التي يحبونها؛ الرواتب الكبيرة، ساعات عمل قصيرة، المكانة ~~الاجتماعية، المباهج المكلفة، واعط الفنان كفافه وأدوات عمله، لا تطالبه بشيء، واجعل ~~حياته من الناحية المادية بائسة بحيث لا تجذب أحدا، بذلك لن يلجأ أحد إلى الفن عدا ~~أولئك الذين يسكنهم الروح الحارس المقدس حقا لا ريب فيه، واجعل للجميع خيارا بين ~~حياة الوظيفة المرموقة السلسلة العالية الأجر وحياة المتشرد المزرية، ليس لدينا شك يذكر ~~حول اختيار الأغلبية، وليس لدينا شك على الإطلاق حول اختيار الفنان الحقيقي. إن الشبه ~~كبير جدا بين الفن والدين، وفي الشرق، حيث يفهمون هذه الأشياء، كان هناك دائما انطباع ~~بأن الدين يجب أن يكون شأن هواية. إن دعاة الهند شحاذون، فليكن فنانو العالم جميعا ~~شحاذين أيضا. الفن والدين ليسا حرفتين، ليسا مهنتين يمكن أن يؤجر عليهما الناس. إن ~~الفنان والقديس يفعلان ما يجب عليهما أن يفعلا، لا كسبا للعيش، بل امتثالا لضرورة سرية، ~~إنهما لا ينتجان ليعيشا، بل يعيشان لينتجا، ولا مكان لهما في نظام اجتماعي يقوم على نظرية ~~أن ما يصبو إليه الإنسان هو حياة ممتدة ممتعة، ليس بإمكانك أن تسلكهما في الآلة، بل يجب ~~عليك أن تجعلهما غريبين عنها، يجب أن تجعلهما منبوذين، ذلك أنهما ليس جزءا من المجتمع، ~~بل ما ملح الأرض. ~~••• # يقال أحيانا، بحجج معقولة: إن الشعب المرهف الحس لن تكون به حاجة إلى المتاحف، ويقال ~~إن من الخطأ أن تذهب في طلب الانفعال الإستطيقي، وأن الفن يجب أن يكون جزءا من الحياة، ~~شيئا شبيها بجرائد المساء أو فاترينات المحال التجارية التي يستمتع بها الناس وهم ماضون ~~في شئونهم، ولكن إذا كانت الحالة الذهنية لشخص يدلف إلى صالة عرض طلبا للانفعال الإستطيقي ~~هي حالة غير مرضية بالضرورة، فبالمثل تكون حالة الشخص الذي يجلس ليقرأ شعرا، يغلق عاشق ~~الشعر باب غرفته ويلتقط مجلدا لملتون وقد عقد النية على أن يخرج نفسه من عالم ويدخلها ~~في عالم ms92 آخر. إن شعر ملتون ليس جزءا من الحياة اليومية، وإن يكن عند البعض مما يجعل ~~الحياة اليومية محتملة. إن قيمة الصنف الرفيع من الفن لا تتمثل في قدرته على أن يصبح جزءا ~~من الحياة العادية بل في قدرته على أن يخرج بنا منها. أعتقد أن وليم موريس هو الذي قال إن ~~الشعر يجب أن يكون شيئا يستطيع إنسان أن يخترعه ويغنيه لرفاقه بينما هو يعمل على النول، ~~لعل كثيرا جدا مما كتبه موريس قد اخترع أيضا بهذه الطريقة، ولكن لكي تخلق الفن الأعظم ~~وتدركه فإن أقصى درجات الانفصال عن شئون الحياة تغدو أمرا ضروريا، ومثلما أن الرجال ~~والنساء عبر العصور كانوا يذهبون إلى المعابد والكنائس بحثا عن نشوة لا صلة لها بمشاغل ~~الحياة والكدح البشري، كذلك قد يذهبون إلى معابد الفن لكي يخبروا، خارج هذا العالم بعض ~~الشيء، انفعالات تنتمي إلى عالم آخر. إن المتاحف والصالات تغدو مؤذية لا عندما تكون حرما ~~نلوذ إليه من الحياة، حرما مكرسا لعبادة الانفعال الإستطيقي، بل عندما تكون فصولا ~~ومعاهد بحث ومستودعات للتراث المنقول. ~~••• # إذا شئتم أن يكون لديكم فن جميل وتذوق جميل للفن، ينبغي أن يكون لديكم حياة حرة جميلة ~~لفنانيكم ولأنفسكم، ذلك شيء آخر يمكن للمجتمع أن يسديه إلى الفن، يمكن أن يقتل المثل ~~الأعلى للطبقة الوسطى، وهل وجد قط مثل أعلى بهذه الهشاشة؟ ذلك الممهن الدءوب الذي يشق ~~طريقه إلى النجاح المادي بالكدح والمثابرة على الاشتغال بالتوافه، ديك ويتنجتون # Dick Whittington ~~، أي مثل بطولي لأمة شجاعة! أي ~~أحلام يحلمها عجائزنا، وأي رؤى تطوف برءوس عرافينا! ثماني ساعات من الإنتاج الذكي، ~~وثماني ساعات من الاستجمام اليقظ، وثماني ساعات من النوم المنعش للجميع! يا لها من رؤية ~~تتخايل أمام أعين شعب جائع، إذا كان ما تريدونه هو الفن العظيم والحياة الجميلة، فلا بد ~~أن تتخلوا عن هذه الوسطية (النصفية) # mediocrity # الآمنة: # الراحة هي العدو، وما الإسراف إلا بعبع البورجوازية، الإسراف لم يحطم نفسا قط، ولا ~~حتى الانغماس، إنما التآكل الدقيق المطرد الذي تحدثه ms93 الدعة هو ما يدمر، ذلك هو انتصار ~~المادة على العقل، ذلك هو الطغيان الأخير، أتراهم أفضل حالا من العبيد أولئك الذين يتوجب ~~عليهم أن يتوقفوا عن عملهم لأن حصة الغداء قد حانت، وأن يقطعوا حوارهم لكي يلبسوا ~~للعشاء، وأن يغادروا على عتبتهم الصديق الذي لم يروه لسنوات من أجل ألا يفوتهم الترام ~~المعتاد؟ # بوسع المجتمع أن يفعل شيئا للفن؛ لأن بوسعه أن يزيد مساحة الحرية، وحتى السياسيون يمكنهم ~~أن يقدموا إلى الفن خدمة؛ يمكنهم إلغاء قوانين الرقابة ورفع القيود عن حرية الفكر والقول ~~والسلوك، ويمكنهم حماية الأقليات، ويمكنهم حماية الأصالة من سخط الدهماء الأنصاف، ويمكنهم ~~أن يضعوا نهاية للمذهب القائل بأن من حق الدولة أن تقمع الآراء غير الشائعة لمصلحة النظام ~~الشائع، كم من حرية عارمة تمنح لن يتحدث إلى الغوغاء بمسلماتها المقبولة! فأقل ما يمكن ~~للدولة أن تفعله هو أن تحمي من لديهم قول يحتمل أن يسبب شغبا. إن ما لا يؤدي إلى الشغب ~~ربما لا يستحق أن يقال، وفي الوقت الراهن، لعل أفضل شيء يمكن أن يفعله أي شخص عادي من أجل ~~تقدم الفن هو أن يثور من أجل مزيد من الحرية. ~~••• # والفن ماذا عساه أن يسدي إلى المجتمع؟ # يضيف إليه روحا، بل ربما يطلق سراحه؛ فالمجتمع يلزمه خلاص. # مع نهايات القرن التاسع عشر بدت الحياة كأنها تفقد نكهتها، وبدا العالم رماديا ~~مفتقر الدم، يعوزه الوهج، الرصانة أصبحت زيا سائدا، ليس غير الأغبياء من يهمهم أن ~~يبدوا روحيين. إن أواخر القرن التاسع عشر في أفضل جوانبها تذكر المرء بهزلية ~~(فارس) مسفة عاطفيا، وفي أسوأ جوانبها تذكر بنكتة متحجرة القلب. ولكن، كما ~~رأينا، فقبل منعطف القرن بدأت حركة انفعالية جديدة تعبر عن نفسها، في فرنسا أولا ثم في ~~أوروبا، تطلبت هذه الحركة، كي لا تذهب سدى، قناة أو مجرى عساها تتدفق فيه إلى غاية ~~ما، كانت مثل هذه القناة في العصر الوسيط دانية قريبة المأخذ؛ إذ اعتادت الخميرة الروحية ~~أن تعبر عن نفسها من خلال الكنيسة المسيحية، رغم أنف ms94 المعارضة الرسمية في عامة الأحوال، ~~أما في العصر الراهن فمن غير الممكن لأي حركة حديثة على أي قدر من العمق أن تعبر عن ~~نفسها بهذه الطريقة، وأيا ما كانت الأسباب فتلك حقيقة مؤكدة، وفي اعتقادي أن السبب ~~الرئيسي هو أن عقول أهل العصر الحديث لا يمكن أن تجد غناء في الدين الدوجماوي، ومن ~~المؤسف أن المسيحية لم تشأ أن تقلع عن ألوان من الدوجما بعيدة عن جوهرها كل البعد. إن ~~تورط الدين في الدوجما هو الذي أبقى العالم لا دينيا في ظاهره، ولكن، رغم أن مآل كل ~~دين أن تعترشه الدوجما، فهناك واحد يمكنه أكثر من غيره أن ينفضها عنه دون عناء أو اكتراث، ~~ذلك الدين هو الفن؛ فالفن دين، إنه تعبير عن، ووسيلة إلى، حالات ذهنية لا تقل قداسة عن ~~أية حالة ذهنية يمكن للبشر أن يخبروها، وإنما إلى الفن يتجه الذهن الحديث، لا من أجل ~~التعبير الكامل عن انفعال متعال فحسب، بل أيضا من أجل إلهام يعيش به. # وجد الفن منذ البدء بوصفه دينا متزامنا مع كل الأديان الأخرى، ومن البين أنه لا يمكن ~~أن يكون هناك تضاد جوهري بينه وبينها، فالفن الأصيل والدين الأصيل مظهران لروح واحدة، ~~كذلك شأن الفن الزائف والدين الزائف، ومنذ آلاف السنين والبشر يعبرون بالفن عن ~~انفعالاتهم الفائقة الإنسانية، ويجدون فيه الغذاء الذي تعيش عليه الروح. الفن هو أعم وأبقى ~~صور التعبير الديني جميعا؛ لأن دلالة التضافرات الشكلية يمكن أن يدركها أحد الأجناس وأحد ~~العصور بنفس الكفاءة التي يدركها به جنس آخر وعصر آخر؛ ولأن تلك الدلالة هي شيء مستقل عن ~~التقلبات البشرية، شأنها في ذلك شأن الحقيقة الرياضية. وعلى الإجمال، ليست هناك أداة أخرى ~~لنقل الانفعالات، ولا وسيلة أخرى إلى النشوة قد أسعفت الإنسان مثلما أسعفه الفن، وما من ~~فيض من طرب الروح إلا هو واجد في الفن قناة تتولاه وتحدوه، وحين يفشل الفن فإنما يفشل ~~لافتقاد الانفعال وليس لافتقاد التكيف الشكلي. واليوم إذ تشرع الحركة الناشئة في البحث ~~عن موئل تلجأ ms95 إليه وتعيش، فمن الطبيعي أن تتجه إلى الديانة الوحيدة ذات الأشكال ~~اللانهائية والثورات الدائمة. # ذلك أن الفن هو الديانة الوحيدة التي تشكل نفسها بما يوافق الروح، والديانة الوحيدة ~~التي لن يطول تقيدها بالدوجما على الإطلاق؛ إنه ديانة بلا كهنوت، ومن الخير ألا تودع ~~الروح الجديدة في أيدي الكهنة، فالروح الجديدة في أيدي الفنانين، ذلك خير؛ فالفنانون، ~~كقاعدة عامة، هم آخر من ينظمون أنفسهم في طوائف رسمية، وإذا نظمت هذه الطوائف فهي ~~قلما تنطلي على أرواح الصفوة ؛ فالمتمردون من الرسامين أكثر شيوعا بكثير من ~~المتمردين من رجال الدين، وفي حالة «التوفيق» (الذي هو تلف كل ديانة؛ لأن الإنسان لا ~~يمكنه أن يخدم سيدين) تصاب كل طوائف أوروبا تقريبا بالبدانة. عن طريق التوفيق نجح ~~الكهنة بأعجوبة في الاحتفاظ بوعائهم سليما، أما الفنانون الأصلاء في كل حركة جديدة ~~فإنهم يزدرون الوعاء ويقدسون الروح، وإن ازدراءهم الرقيق للوعاء لا يقل فائدة عن اعتقادهم ~~الجليل في الروح. ونحن حين ننظر إلى تاريخ الفن فقد تبدو لنا فترات القنوط والتوفيق طويلة، ~~إلا أنها بالمقارنة بالأديان الأخرى تدهشنا بقصرها؛ إذ لا يلبث فنان حقيقي أن يظهر عاجلا ~~أو آجلا، وكثيرا ما ينجح بمقدرته وحدها في أن يعيد تشكيل الوعاء بحيث يحتوي الروح ~~احتواء كاملا. ~~••• # تعلم المشي أولا قبل أن تحاول العدو، فإذا كان بوسع صانع ذي حساسية فائقة أن ~~يفيد فائدة ما من روائع الجاليري القومي (شريطة ألا يقترب منه مثقف يريد أن يخبره بما ~~يجب أن يحسه، أو يمنعه أن يحس على الإطلاق بأن يدعوه إلى التفكير)، فإن من الأفضل كثيرا ~~للصانع ذي الحساسية العادية ألا يرتاد المعرض حتى يكتسب، بمحاولة التعبير عن نفسه في ~~الشكل، بصيصا من الرأي الصائب عما يصبو إليه الفنانون، ومن المؤكد أن بمقدور كل إنسان ~~تقريبا، رجلا كان أو امرأة، أن يكون فنانا صغيرا ما دام كل طفل تقريبا هو فنان. ثمة ~~حس بالشكل يمكن أن نلمسه في معظم الأطفال، فماذا يحل به؟ إنها الحكاية القديمة: الطفل ~~أبو الرجل، وإذا شئت ms96 أن تحتفظ للرجل بالهبة التي ولد بها، فلا بد أن تتعهده صغيرا، أو ~~بالأحرى تحميه أن يتعهد! فهل نستطيع أن نرفع عنه أيدي الآباء والمعلمين وأنظمة التعليم ~~التي تحول الأطفال إلى رجال ونساء عصريين؟ هل نستطيع أن ننقذ الفنان الكامن في كل طفل ~~تقريبا؟ إننا نستطيع على الأقل أن نقدم بعض النصائح العملية: لا تعبثوا برد الفعل ~~الانفعالي المباشر تجاه الأشياء الذي هو عبقرية الأطفال، لا تتصوروا أن البالغين هم ~~بالضرورة أفضل من يقضي بما هو خير وما هو هام، لا تبلغ ~~بكم الغفلة أن تفترضوا أن ما يثير انفعال العم هو أطرف مما يثير تومي، لا تظنوا أن ~~طنا من الخبرة تعدل ومضة من البصيرة، ولا تنسوا أن معرفة الحياة لا تسعف أحدا ~~في فهم الفن؛ ولذا لا تعلموا الأطفال أن يكونوا أي شيء أو يحسوا أي شيء، فقط ضعوهم ~~على الطريق؛ طريق اكتشاف ماذا يريدون وماذا يكونون. ms97