######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.Enchiridion.Hindawi58462427 #META# Tags: philosophy #META# ID: 58462427 #META# Title: المختصَر #META# AuthorID: 46820825 :: 24079572 #META# Author: إبكتيتوس :: عادل مصطفى #دراسة# #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 24079572 #META# Translator: عادل مصطفى #META# Related_books: 0001Epictetus.Enchiridion (TRANSL) #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - إبكتيتوس: المختصر «النص الكامل»‏ # 2 - إبكتيتوس: دراسة وتعليق‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - إبكتيتوس: المختصر «النص الكامل»‏ # 2 - إبكتيتوس: دراسة وتعليق‏ # | المختصر # | المختصر # تأليف # إبكتيتوس # | الإهداء # إلى ملهمنا الأخير وبلسمنا المتبقي لنداوي به البشاعة؛ ~~إلى شوبان العود الأستاذ نصير شمة. طائر من الغيب حط على ~~غصننا الواهن في الوقت الخطأ، فما أجازه لدينا سوى أن ~~الفن الحقيقي لا زمن له. # عادل مصطفى # | مقدمة # لم يكن فردريك الأكبر يذهب في حملة عسكرية، إلا وهو يحمل في حقيبته ~~نسخة من «المختصر». # جيمس ستوكدال # في مدرسته الفلسفية في نيقوبوليس يقف هذا الشيخ النحيل بين تلامذته من صفوة ~~الشبيبة الرومانية، مكللا بتواضعه، مدججا بصدقه، مسيجا بحيائه. ~~وجوده كله ينبض في كلماته، كلماته المتوهجة التي تضج بالحياة وتكتنز ~~بالمعنى وتغنى بالجمال عن الزينة. فيتلقفها تلميذه النابه فلافيوس ~~أريانوس وينزلها في الرق كما هي حريصا عليها ضنينا بها. ثم لا يجد ~~بدا من الإشراف على نشرها بنفسه وقد علم أن الشراكة في الحكمة لا ~~تنقصها، وأن تحريك الرياحين يزيدها طيبا. # ذلك هو إبكتيتوس الفيلسوف الرواقي الذي نبه شأنه في النصف الثاني من القرن ~~الأول الميلادي والثلث الأول من القرن الثاني؛ وكانت حياته صورة لفكره، ورفع ~~نفسه من العبودية والبؤس إلى أعلى مدارج الحياة العقلية والروحية: «عبد، أعرج، ~~معوز، ولكن عزيز لدى الآلهة» كما نقش على شاهد قبره. # أحبه الإمبراطور هادريان وآثره، وقيل إنه زار مدرسته في نيقوبوليس. واقتبس ~~منه الإمبراطور ماركوس أوريليوس كثيرا في «التأملات»، وكتب فيها: «إنني ~~لمدين لرستيكوس بتعرفي على «محادثات ~~إبكتيتوس» التي تفضل علي بنسخته الخاصة منها» (التأملات، 1-7). ويذكره ~~أوريجين ويقول عنه: إنه عمل خيرا مما عمله أفلاطون! كما أثنى عليه القديس ~~أوغسطين في الفصل الخامس من «مدينة الله». أما بليز بسكال، أحد أمراء البيان ~~في كل العصور، فكان يعد «محادثات إبكتيتوس» أحد أعز كتابين لديه. ويعتبره ~~ماثيو أرنولد واحدا من ثلاث شخصيات تاريخية # 1 # هي الأكثر إلهاما له وعونا في الأوقات العصيبة. # يسأل قارئ «المحادثات» و«المختصر»: من أين لهذا الشيخ ms01 الواهن كل هذه الإمرة، ~~وهذا السلطان على طلبته من علية الرومان؛ حكام العالم في ذلك ~~الزمان؟! # ذلك شيء لا يكون إلا علويا. تلك إمرة العقل وسلطان الحكمة، إنه ليرأم ~~الشاب الفتي ويلقي القول على قلبه فيقلم عتوه ويذهب ~~بشرته، ويعده لدوره، ويشكله بفلسفته، ويؤتي فيه أثره كأن قلبه في ~~يده وقلوب الشباب في ضلاله: # الزم الصمت فثمة خطر كبير بأن تقيء في الحال ما لم ~~تهضمه. # مدرسة الفيلسوف مشفى لا يفترض أن يروح منه الطلاب ~~في لذة بل في ألم. # يظن الكثيرون أن الحر فقط هو من ينبغي أن يتعلم، ~~بينما يرى الفلاسفة أن المتعلم فقط هو الحر. # لكل نوع من الكائنات جماله، وجمال الإنسان في الجانب ~~الإنساني منه: العقل. وفي هذا فلتعمل التطرية ~~والتهذيب. أما شعرك فدعه لمن جبله وفق ~~اختياره. # إننا نتحدث عن أنفسنا كأننا معدات أو أمعاء أو ~~سوءات، فنخاف ونرغب ونتملق الذين يقدرون على ~~مساعدتنا في هذه الأشياء ونخشاهم أيضا. # لا أحد يرسم أمامه دريئة من أجل أن يخطئها! # أنت روح ضئيلة تضطرب هنا وهناك حاملة جثة. # لقد فزت بخير من الوليمة التي فاتتك؛ فزت بإعفائك من ~~التزلف. # ليست الأشياء ما يكرب الناس، بل فكرتهم عن ~~الأشياء. # من يرض بالعيش حيثما وضعه الله فإنه على استعداد ~~لمغادرة مسكن الروح إذا كان البيت مليئا ~~بالدخان. # هو إن كان حاذقا فسيعرف جدارتك. أما إن كان غير حاذق ~~فلن يقدرك وإن كتبت إليه مائة توصية. # لا تغضب إذا باح لك المعلم بحقيقة جهلك. وهل تغضب من ~~الطبيب إذا أخبرك بحقيقة مرضك؟ أو من المرآة إذا عكست ~~لك حقيقة منظرك كما هو؟! # صحبة الفلاسفة خير من صحبة الأغنياء. لن يلحق بك خزي ~~إذا أنت شوهدت على أبواب الفلاسفة، ولن تعود أدراجك ~~خاوي الوفاض. # الخائن منبوذ يفر منه الجميع فرارهم من ~~الزنابير. # لا تقل «فقدته» ... قل «رددته». # فهل يهمك بوساطة من استرد منك الواهب ما ~~أعطى؟! # محصن بالفلسفة ... لا حد بعد الحد ... التعفف ~~امتلاك مضاعف ... # يسري القول في مسمع الفتى من ms02 هؤلاء مسرى النسغ في النبتة ، فيشيع فيه ~~ويمس ضميره، ويتحول إلى كيان عضوي، إلى حياة. ~~(1) عدتك في المحن # يقول برتراند رسل في «تاريخ الفلسفة الغربية»: ثمة صدق وبساطة ~~عظيمان في الكتابات التي تسجل تعليم إبكتيتوس. وإن أخلاقه لرفيعة ~~وعلوية. وقلما يجد المرء أي تعاليم تفوقها إسعافا له حين يكون ~~في موقف يقتضيه في المقام الأول أن يقاوم سلطة مستبدة. # 2 # يعلم إبكتيتوس أن ليس ثمة من أذى حقيقي يمكن أن يلحق بالمرء إلا ~~ما يجره العقل على نفسه (حين يخطئ في أحكامه على الأشياء). الضرر لا ~~يكون إلا ذاتيا. # 3 # ليس ثمة معنى لأن يكون المرء ضحية لغيره؛ فالمرء لا يمكن ~~أن يكون ضحية إلا لنفسه! إذا مثلت أمام جبار الأرض فتذكر أن هناك ~~من يرنو من الأعالي إلى ما يجري وأن عليك أن ترضيه لا أن ترضي هذا ~~الإنسان. وتذكر قول سقراط: «بوسع أنيتوس وميليتوس بالتأكيد أن ~~يقتلاني. أما أن يؤذياني فذاك ما ليس في وسعهما.» واختم مرافعتك ~~بقولك: «أنا لن أتضرع إليك، ولن أبالي بالحكم الذي ستتخذه (فأنت الذي ~~على المحك الآن!) إنما أنت من يحاكم الآن وليس أنا» (المحادثات، ~~2-2). # كن على يقين من الموت؛ فذلك أمر لا حيلة فيه. ولكن احترس من «الخوف من ~~الموت»؛ فذلك أمر في قدرتك. «من التعس أن تنضج أكواز الذرة ثم لا ~~تحصد، ومن التعس أن يكبر الإنسان ثم لا يموت» (المحادثات، 2-6). ~~«جميع الطرق الموصلة إلى هاديس # 4 # متساوية. ولكن إن شئت الحقيقة فإن طريق الطاغية مختصرة. ~~الطاغية الذي يحكم عليك بالقتل؛ فلم نعرف طاغية قتل إنسانا في ستة ~~أشهر، أما الحمى فكثيرا ما تستغرق عاما لكي تقتل. كل هذه الأشياء ~~مجرد لغط وضجة أسماء فارغة» (المحادثات، 2-6). ~~(2) مهرجان الوجود ~~«ماذا بوسعي أن أفعل، أنا الرجل المسن الأعرج، سوى أن أكبر الله. لو ~~كنت عندليبا لقمت بمهنة العندليب. ولو كنت تما لقمت بمهنة التم. # 5 # ولكني كائن عاقل، فينبغي أن أكبر الله. هذه مهنتي، وأنا ~~مؤديها، ولن أتنحى عنها ما ms03 حييت.» وما هو بالهين هذا الدور الذي ~~أؤديه؛ فإذا كان الكون كتابه والخلائق كلماته، فإن القراءة قراءتي ~~والفهم فهمي والتأويل تأويلي. فحمدا لزيوس على أن دعاني إلى مهرجان ~~الوجود، وجعلني مشاهدا للعرض الرائع، بل ومؤولا له. وماذا علي ~~إذا صرفني بعد انقضاء مدتي المقدرة؟ لا شيء. سأغادر مرضيا، وأنصرف ~~دون تلكؤ، وما أزال أرضى بقضائه حتى أجعل مقدوره إرادتي، ومحتومه ~~اختياري. ~~(3) عصا هرمس ... الإرادة الخيرة # عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شره بالإنعام عليه. # الإمام علي # الإرادة الخيرة تحول كل الشرور الخارجية إلى خير صميم ومادة لممارسة ~~الفضيلة. هل تكالبت عليك المتاعب وتعاورتك الخطوب؟ هذه مناسبة لممارسة ~~الصبر والجلد. هل أساء إليك جارك؟ تلك فرصة لتدريب وجدانك على ~~العفو والصفح والإحسان. جرب هذا السلاح الجديد الذي يلقف كل ~~الأسلحة المضادة، ويرد إليك عدو الأمس صديقا مخلصا ووليا ~~حميما. # هذه هي «عصا هرمس» السحرية التي تحول كل شيء تمسه إلى ذهب. «إذا ~~ألم بي أي شيء من هذه الأشياء فما زال بوسعي أن أفيد منه خيرا» ~~(المختصر، 18). هات ما شئت ولسوف أحيله إلى خير: المرض، الموت، ~~الفقر، السب، السجن؛ كل أولئك يصير مادة لعمل الإرادة، تستخلص منه ~~الخير وتصنع منه السعادة! # لقد تعرض إبكتيتوس في مستهل حياته لأبلغ ضروب القسوة والغلظة، ورأى ~~الفساد والطغيان رأي العين، فما استكان لما لاقى ولا جزع، بل استخلص ~~منه حكمة وورعا بسطا ظلهما على عصره وأصبحا مضرب الأمثال في ~~كل العصور: «بم ينبغي على المرء أن يتسلح في مثل هذه الظروف؟ أيكون ~~بشيء آخر غير التمييز بين ما لي وما ليس لي؟ بين ما بوسعي وما ليس ~~بوسعي؟ ينبغي أن أموت، ولكن هل يعني ذلك أنني ينبغي أن أموت نائحا؟ ~~ينبغي أن أصفد بالأغلال، ولكن هل ينبغي أيضا أن أئن وأعول؟ ~~ينبغي أن أنفى، ولكن من ذا الذي يمنعني من أن أذهب إلى المنفى ~~مبتسما منشرحا وادعا؟!» (المحادثات، 1-1). «المرض إعاقة للبدن، ~~ولكن ليس للإرادة، إلا إذا شاءت الإرادة ذلك. العرج إعاقة للأرجل وليس ~~للإرادة. وقل ms04 الشيء نفسه عن كل شيء يحدث، فلسوف تجده إعاقة لشيء آخر، ~~ولكن ليس لك أنت» (المختصر، 9). أرني رجلا برغم المرض فهو سعيد، ~~وبرغم الخطر فهو سعيد، وبرغم السجن فهو سعيد، أكن قد رأيت ~~رواقيا. # خلاصك وتلفك كلاهما يقبع داخلك. كلاهما قرارك الخاص. «سدة القضاء ~~عالية وغيابة السجن واطئة. غير أن بوسع الإرادة أن تبقى متكافئة ~~إذا اخترت لها ذلك في الحالين، وستكون سقراطا # 6 # إذا استطعت أن تكتب أناشيد شكر وأنت في السجن» ~~(المحادثات، 2-6). ~~(4) العلاج الفلسفي # نحن مسئولون عن انفعالاتنا. # الانفعالات أحكام (أو تضمر أحكاما) قبلناها بإرادتنا وصدقنا ~~عليها باختيارنا. # الانفعالات تقييمات، تقديرات، طرائق في إدراك العالم والحكم على ~~الأشياء. # والتأمل العقلي يتيح لنا مراجعة الأحكام المبتسرة حول ما رأيناه إهانة ~~أو فقدانا، من شأن هذه المراجعات «المعرفية» أن تخلصنا من قبضة ~~«الانفعالات» السلبية. «الموت ليس مريعا ... وإنما المريع هو الحكم بأن ~~الموت مريع» (المختصر، 5). «من شتمك أو ضربك لم يهنك، وإنما الذي ~~أهانك هو حكمك بأن هذه الأشياء إهانة» (المختصر، 20). «لا تحدث ~~نفسك بأن هذه الأشياء ضرورية ولن تعود ضرورية» (المحادثات، 4-1). ~~«ليس لزاما أن نتخلص من الفقر، بل أن نتخلص من فكرتنا عن الفقر، ~~ولسوف نكون بخير حال» (المحادثات، 3-17). # صحح الفكر يصح الانفعال. # فكرة رواقية بسيطة تلقفها السيكولوجيون المعاصرون فجعلوا منها مدارس ~~علاجية وطيدة وصيحات سيكوباثولوجية رائجة، تقوم على تغيير الانفعالات ~~المرضية (الاكتئاب، القلق، الخوف، الهلع ...) بتغيير الفكر، عملا بقول ~~شيشرون «أعمل مجاذيف الفكر إذا شئت أن تحول النفس.» # 7 ~~(5) الاكتفاء بالفضيلة # كفى بالقناعة ملكا، وبحسن الخلق نعيما. # الإمام علي # الاكتفاء بالذات، السيادة على الذات: هذا هو الدرس الرواقي الأول، وهذا ~~هو الترياق الناجع ضد الروح المادية الاستهلاكية البائسة التي تسود ~~المشهد المعاصر. «أما أن تفغر فمك وما تنفك تلهث وراء الأشياء ~~الخارجية فلا مناص لك من أن تهرول هنا وهناك وفقا لإرادة سيدك، من ~~هو سيدك؟ هو من يملك أن يمنح تلك الأشياء أو يمنعها» (المحادثات، ~~2-2). # اللذة، والمال، والمجد، أشياء رواغة وغير مضمونة، والمراهن ms05 عليها ~~خاسر وإن ربح. إننا نعيش في عالم «هيراقليطي» دائب التدفق، لا ثابت ~~فيه إلا التغير. ولكي نظفر بالسعادة فإن علينا ألا نتشبث بما هو ~~بطبيعته عابر وصائر ومفلت، علينا ألا نهدهد رغباتنا بل نقتلها، ~~ألا نغنى بالأشياء بل عنها. «أشرف الغنى ترك المنى.» # 8 # والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت # أن السلامة منها ترك ما فيها # الفضيلة هي الخير الوحيد. الفضيلة غاية في ذاتها، وليست وسيلة إلى أي ~~شيء آخر. الفضيلة ثواب ذاتها، لست مضحيا بشيء حين تترك كل شيء من ~~أجل الفضيلة. # لا تدعه سعيدا من اكتسب شيئا بطريقة ممقوتة ومغثية لك. وماذا ~~ارتكبت العناية إذ تعطي ما هو أفضل لمن هو أفضل؟ ألا تفضل أن تكون ~~شريفا على أن تكون غنيا؟ لماذا تغضب إذن ما دمت تحظى بالأفضل؟ ~~للأعلى دائما ميزة على سواه في الشيء الذي فيه علا، إنما العبرة في ~~أن يصح العزم على أمر صائب (المحادثات، 2-15): # كم حكمة هي جهل # وغفلة هي فخر # 9 # الشخص الذي سرق مصباح إبكتيتوس كان أكثر منه يقظة، ولكنه اشترى المصباح ~~بثمن باهظ؛ بالصيرورة لصا! # فيم غضبك على البعض؟ لأنهم يغشون وينهبون وينافقون؟ لقد ارتكبوا ~~خطأ في فهم طبيعة الخير والشر. ذلك أدنى أن ترثي لهم وتشفق عليهم ~~وتظهرهم على خطئهم، لا أن تبغضهم وتلعنهم وتهجرهم. فإذا فشلت في ذلك ~~فتحمل ضريبة فشلك: السماح والعفو! # كل إثم تناقض؛ لأن أولئك الذين يأثمون لا يرغبون في ذلك. إنهم ~~يريدون تحقيق مصلحتهم (خيرهم)، ولكن هل هم يحققونها؟ كلا؛ فالخير ~~الوحيد هو الفضيلة. لقد ارتكبوا ~~تناقضا، الملكة العاقلة تبغض التناقض. اكشف لها تناقضا ولسوف ~~تقلع عنه. فإذا فشلت فاعتب على نفسك لا على من فشلت في ~~إقناعه. ~~(6) الواجب المدرسي الرواقي # لسانك يقتضيك ما عودته. # 10 # السجايا والسمات ترسخ ذاتها بمعنى ما: التوقح يرسخ ~~الوقاحة، والغدر يوطد الغدر، والتطفيف في الأخذ والعطاء يجعل ~~الجشع أكثر جشعا. من هنا تأتي أهمية التدريب والاعتياد. يوصينا ~~الفلاسفة بألا نكتفي بالتحصيل والدرس بل نقرنهما بالفعل والممارسة. لقد ~~طال ms06 اعتيادنا للأفعال والاستجابات السلبية حتى تحولت إلى عادة ~~تزداد صلابة بالتكرار والتواتر. وطال اعتيادنا للانفعالات العنيفة ~~حتى أصبحت طبيعة ثانية: «إن الحديد بالحديد يفلح.» # 11 # ولا يفل العادة إلا العادة المضادة: التدريب، هذا هو ~~الواجب المدرسي الرواقي. إذا كنت غضوبا نكدا فإن علي أن آخذ ~~نفسي بالتدريب على التسامح والعفو، وأن أفرح بكل يوم يمر وقد أمكنني أن ~~أقابل الإساءة بالإحسان والإهانة بالصفح. فإذا مر شهر وصفحتي نقية ~~من النزق والغل أكون قد أحرزت تقدما على الدرب وآتيت برا ~~بنفسي. ~~(7) المواجدة ومواطنة العالم # لا وطن إلا للكراهية والأنانية. الأخوة لا وطن لها. # لامارتين # ليس بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك. # الإمام علي # لماذا تضيق على ذاتك دائرة الانتساب حتى تختنق بنفسك وتشرق بريقك؟! ~~كن «مواطن العالم». مواطنة العالم لا تنفي ولاءك لوطنك المحلي بل ~~تطهر هذا الولاء وتنقذه من التعنت والتزمت والشوفينية البلهاء. # 12 # تعلم كيف تضع نفسك موضع هذا الآخر المغاير ... كيف «تضع قدمك في ~~حذائه» ... كيف تغمد نفسك، تقمصا وخيالا، في ظروفه وأوضاعه وطباعه، ~~وترى الوجود في زاويته. تعلم «مقايضة المواقع في المخيلة» بتعبير ~~آدم سميث. تلك هي «المواجدة» # empathy ~~، ~~ملاك الذكاء الانفعالي، وقوام الكوزموبوليتانية الرواقية، وشرط ~~الاندماج في عصر العولمة؛ فالعالمية ليست وقفا على الاقتصاد، بل تشمل ~~مجتمعنا الأخلاقي أيضا. # 13 # ولسوف تطرفك هذه المواطنة الرحبة بهداياها: أشقاء جدد، بيض وسود، ~~رجال ونساء، أحرار وعبيد، إخوتك الذين لا تعرفهم، أحبائك الذين ~~حجبتهم عنك غمامة القبيلة. عانق، إن كان عطفك قد جف فلسوف ~~يدر مرة ثانية ويغمرك بالدفء والغبطة، بل تعرف على نفسك ~~فيهم فأنت لن تعرف ذاتك إلا عبرهم! # بالصفاء والانفتاح؛ صفاء الرؤية وانفتاح الروح، يتمدد نطاقي الخاص، ويضيف ~~إليه أصقاعا ويضم ممالك. ~~(8) المختصر ~~«المختصر» # 14 # Manual (Enchiridion) # هو ~~لمع من «المحادثات» اقتبسها أريان ودونها بصياغة محكمة فصارت، ~~شأن «المحادثات»، من عيون التراث الغربي وروائعه الخوالد. # لا يغني «المختصر» عن قراءة «المحادثات». # 15 # غير أنه يسعف القارئ المعاصر، المتعجل المقل، ~~و«ما لا يدرك كله ms07 لا يترك كله.» كما أن «المختصر» قد حفظ ~~لنا نتفا من «المحادثات المفقودة»؛ أي من الأبواب الأربعة التي قيل: ~~إنها فقدت من الأبواب الثمانية الأصيلة للمحادثات، ولسنا نجدها ~~حقا في المحادثات المتوافرة لدينا. وبهذا الاعتبار يمكن القول أيضا ~~بأن قراءة «المحادثات» لا تغني عن قراءة «المختصر». # كان «المختصر» كتابا مفضلا لدى بعض المسيحيين الأوائل، وقد صار، مع ~~تغيير طفيف لبعض الكلمات، ضربا من الدليل المرشد عند القديس نيلوس ~~وعند نساك جبل سيناء. # 16 # ويقول جيمس ستوكدال في محاضرته «شجاعة تحت النيران - اختبار مبادئ ~~إبكتيتوس في مختبر للسلوك البشري»: «أنبأني رينلاندر أن فردريك ~~الأكبر لم يكن يذهب في حملة عسكرية إلا وهو يحمل في حقيبته نسخة من «المختصر».» # 17 ~~(9) الدرس الأخير: تملك الأفكار # بحسبك من حديث عما يكونه الرجل الصالح؛ كن رجلا ~~صالحا. # ماركوس أوريليوس # ولست أعتد للفتى حسبا # حتى يرى في فعاله حسبه # البحتري # آية الهضم التام أن يتحول المهضوم إلى الهاضم. فأنت، كما يقول بياجيه، ~~حين تهضم الملفوف فإنك تحوله إلى أنسجتك وبنائك العضوي ولا تتحول ~~أنت إلى ملفوف! # وكذا أيضا يقول إبكتيتوس. إنه يهيب بالطالب ألا يتعجل ادعاء العلم ~~والتصدي لوعظ الناس قبل أن «يتملك» # appropriate # أفكاره تملكا حقيقيا و«يتمثلها» # assimilate # تمثلا تاما: ~~«لا تقل أبدا إني فيلسوف، ولا تكثر الحديث بين الجهال عن نظرياتك، ~~بل بينها بالأفعال. فإذا كنت في وليمة فلا تقل كيف ينبغي الأكل بل ~~كل كما ينبغي ... وإذا دار أي حديث بين الجهال حول أي نظريات فلسفية ~~فالزم الصمت دائما؛ فثمة خطر كبير بأن تقيء في الحال ما لم تهضمه. ~~وعندما يأتي اليوم الذي يقال لك فيه: إنك لا تعرف شيئا، فلا يثير ~~ذلك غضبك ولا سخطك - فثق عندئذ أنك قد وضعت قدمك على بداية طريق ~~الحكمة. # ذلك أنه حتى الخراف لا تقيء عشبها لكي تري الرعاة كم أكلت، بل عندما ~~تهضم الكلأ داخلها فإنها تخرجه صوفا ولبنا. أنت أيضا لا تظهر ~~النظريات للجهال بل الأفعال الناتجة عن النظريات بعد أن يتم هضمها» ~~(المختصر، ms08 36). ~~«لا تلق على الناس مواعظ فلسفية، بل أرهم في نموذجك الخاص أي صنف من ~~البشر تصنع الفلسفة، وكف عن العبث» (المحادثات، 3-13). # من شأن الفكر الذي تتملكه حقا أن يتحول من جلبة مسموعة إلى مشهد ~~مرئي. # أن يتجلى في أفعالك. # ويذوب في كيانك. # ويغيب فيك. # عادل مصطفى # الفصل الأول # | إبكتيتوس: المختصر «النص الكامل» # (1) ما في قدرتنا وما ليس في قدرتنا # من الأشياء ما هو في قدرتنا وطوقنا، ومنها ما ليس في قدرتنا وليس لنا ~~به يد؛ فمما يتعلق بقدرتنا: أفكارنا ونوازعنا ورغبتنا ونفورنا، ~~وبالجملة كل ما هو من عملنا وصنيعنا، ومما لا يتعلق بقدرتنا أبداننا ~~وأملاكنا وسمعتنا ومناصبنا، وبالجملة كل ما ليس من عملنا ~~وصنيعنا. # أما الأشياء التي في قدرتنا فنحن بطبيعتنا أحرار فيها، لا حائل بيننا ~~وبينها ولا عائق، وأما الأشياء التي ليست في قدرتنا فهي أشياء هشة ~~وعبودية وعرضة للمنع وأمرها موكول لغيرنا. # تذكر إذن أنك حين تأخذ ما هو بطبيعته مملوك على أنه حر، وما هو ~~موكول لغيرك على أنه لك، فلسوف تخيب وتأسى وتنخذل، ولسوف تلوم ~~الآلهة والبشر. أما حين لا تأخذ إلا ما هو لك على أنه لك، وحين تدع ~~ما هو لغيرك على أنه، حقا، لغيرك، فلن يكون لأحد سلطان عليك، ولن ~~يصدك أحد عن سبيلك، ولن تلوم إنسانا ولن تتهم أحدا، ولن تفعل أي ~~شيء غصبا، ولن يضرك أحد، ولن يكون لك عدو إذ لا يمكن أن يمسك ~~أذى. # إذا كنت تصبو إذن إلى مثل هذه الأشياء العظيمة فتذكر أنك لن تشتريها ~~بثمن قليل، إنما سيتعين عليك أن تتخلى عن بعض الأشياء كل التخلي، ~~وأن ترجئ الأخرى في الوقت الحاضر. أما إذا كنت تريدها وتريد معها ~~النفوذ والثروة أيضا، فلربما تخسر حتى هذه الأشياء نفسها (النفوذ ~~والثروة) لأنك صبوت أيضا إلى تلك (الأشياء العظيمة). يقينا سوف تفوتك ~~تلك الأشياء التي بها وحدها تتحقق السعادة والحرية. # فليكن دأبك إذن منذ البداية أن تقول لكل «انطباع» مزعج: «أنت مجرد ~~انطباع، ولست بأي حال ذلك الشيء ms09 الحقيقي الذي تمثله.» ثم افحصه ~~وقدره بتلك المعايير التي لديك، وأولها هذا: أيتعلق هو بالأشياء ~~التي في قلوبنا أم بالأشياء الخارجة عن إرادتنا؟ فإذا كانت الأخيرة ~~فكن على استعداد لأن تقول بأن هذا الانطباع لا يعنيك في شيء. # 1 ~~(2) الرغبة والنفور # تذكر أن الرغبة تتطلب حصولك على ما أنت راغب فيه، وأن النفور ~~يتطلب تجنبك لما أنت نافر منه؛ أن من يفشل في بلوغ الشيء الذي يرغب ~~فيه هو محبط، ومن يحيق به الشيء الذي يتجنبه فهو شقي. إذن لو أنك ~~لا تجتنب إلا تلك الأشياء المكروهة التي في قدرتك اجتنابها فلن ~~يلم بك أي شيء تعافه. أما أن تجتنب المرض أو الموت ~~أو الفقر فسوف تعرض نفسك ~~للشقاء. فلتقض في نفسك إذن على كل رهبة من الأشياء التي ليست في ~~قدرتك، وليكن نفورك فقط من الأشياء المكروهة التي في قدرتك اجتنابها؛ ~~على أن تلجم في نفسك كل رغبة في اللحظة التي أنت فيها؛ ذلك أنك لو ~~رغبت في أي من الأشياء التي ليست في قدرتنا فمن المحتم أن يخيب أملك ~~وأنت لم تنل بعد تلك الأشياء التي في قدرتنا والتي هي جديرة بالرغبة. # 2 # ولكن استخدم فقط ملكة النزوع المناسب «إلى» الشيء ~~و«عنه»، وحتى هذه استخدمها بقدر وبلطف وتحفظ. # 3 ~~(3) تذكر بقية الخصائص # فيما يتصل بأي شيء لك فيه بهجة أو منفعة أو تحبه حبا جما لا ~~تنس أن تضيف هذا إلى مواصفاته: «ما هي طبيعة هذا الشيء؟» بادئا من ~~أدناها شانا. إذا كنت شغوفا بكوب فخاري معين قل لنفسك إنه ~~كوب من الفخار؛ ومن ثم فإذا انحطم لم تأسف لانحطامه. وإذا كنت ~~تقبل ولدك أو زوجك فقل: إنه كائن إنساني هذا الذي تقبله؛ ومن ~~ثم فإذا مات طفلك، أو زوجك، لم تذهب نفسك عليهم حسرات. # 4 ~~(4) الانسجام مع الطبيعة مطلبي أيضا # إذا كنت معتزما القيام بعمل ما، ذكر نفسك بطبيعة هذا العمل. فإذا كنت ~~ذاهبا لكي تستحم فتمثل في نفسك ما يحدث في الحمامات العامة؛ ثمة ~~من يرشش ms10 الماء، والبعض يتدافعون بالمناكب، وآخرون يسب بعضهم ~~بعضا، وهناك من يسرق. وهكذا سوف يتسنى لك الاضطلاع بشأنك على نحو ~~آمن إذا قلت لنفسك: لقد اعتزمت الآن أن أغتسل وأن أحفظ إرادتي في ~~انسجام مع الطبيعة. وليكن هذا دأبك في أي عمل آخر؛ فبذلك إذا ألمت ~~بك في اغتسالك أي عوائق سيمكنك أن تقول: «لم يكن مقصدي الاغتسال ~~فحسب، بل قصدت أيضا أن أحفظ إرادتي في انسجام مع الطبيعة، ولن يكون ~~لي أن أحفظها هكذا إذا أنا تبرمت مما يحدث.» ~~(5) الأحكام هي ما يكرب # 5 # ليست الأشياء ما يكرب الناس ولكن أحكامهم عن الأشياء. الموت مثلا ~~ليس مريعا، وإلا لكان سقراط أيضا رآه كذلك. وإنما المريع هو الحكم ~~بأن الموت مريع؛ لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن فإن ~~علينا ألا نلوم غير أنفسنا؛ أعني غير ~~أحكامنا نحن. أن يلوم المرء الآخرين ~~على ما أصابه ... ذلك من شيمة الجاهل. أما بداية العلم فأن تلوم نفسك، ~~وأما تمام العلم فألا تلوم نفسك ولا غيرك.» ~~(6) استخدام الانطباعات # إياك أن تزدهي بمناقب سواك. إذا قال الفرس في خيلائه: «أنا جميل.» ~~فإن بطوقنا أن نحتمله. أما إذا اخذك العجب فقلت: «عندي فرس ~~جميل.» فاعلم أنك إنما تفتخر بمزية تخص الفرس. # 6 # ما الذي يخصك إذن؟ # استخدامك للانطباعات. # فإذا ما استخدمت الانطباعات بما يوافق الطبيعة ربما يحق لك عندئذ أن ~~تفتخر، ما دام افتخارك هو بشيء يخصك. ~~(7) انتبه إلى القبطان # مثلما يحدث حين ترسو سفينتك في رحلتها بعض حين بأحد الموانئ: إذا ~~ذهبت لكي تشرب فقد يطيب لك في الطريق أن تلتقط قوقعة من هنا أو ~~كمأة من هناك. غير أن فكرك وانتباهك ينبغي أن يكونا ملتفتين ~~دوما إلى السفينة، مرتقبا نداء القبطان للإبحار. هنالك يتعين ~~عليك أن تلقي بكل هذه الأشياء وإلا فسوف تربط ويلقى بك في ~~السفينة كالشاة. كذلك الأمر في الحياة: فإذا وهبت، بدلا من القوقعة ~~أو الكمأة، بزوجة أو ولد، فلا بأس. ولكن إذا ما نادى القبطان فإن عليك ~~أن تهرع ms11 إلى السفينة، تاركا إياهما، غير مكترث بأي منهما، أما ~~إذا كنت شيخا طاعنا في السن فإياك أن تبتعد عن السفينة، وإلا فلن ~~تكون قادرا لحظة الاستدعاء على المجيء في الموعد. # 7 ~~(8) أرد ما يكون # لا تطلب من الأشياء أن تجري مثلما تريد، بل اطلب أن تجري الأشياء مثلما ~~تجري، وبذلك تمضي حياتك في سكينة وسلام. # 8 ~~(9) الإعاقة الخارجية # المرض إعاقة للبدن، ولكن ليس للإرادة، إلا إذا اختارت الإرادة ~~ذلك. # العرج إعاقة للأرجل، وليس للإرادة. # وقل الشيء نفسه عن كل شيء يحدث، فلسوف تجده إعاقة لشيء آخر ولكن ليس ~~لك أنت. ~~(10) الملكة المطلوبة # لدى كل شيء يعرض لك فتش في نفسك عن الملكة التي تعينك على ~~استخدامه. # إذا عرض لك شخص مغر أو مليح فستجد أن التعفف هو الملكة ~~المطلوبة. # إذا فرض عليك عمل شاق ستجد الجلد. # إذا نالتك إهانة فستجد الصبر. # وهكذا إذا وطنت نفسك على ذلك، فلن تجرفك المظاهر وتغلبك على ~~أمرك. ~~(11) رد الودائع # فلقد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة. # الإمام علي، عند دفن فاطمة الزهراء # لا تقولن لشيء: «إني فقدته»، بل قل «إني رددته». # هل مات ولدك؟ لقد استرد. # هل ماتت امرأتك؟ لقد استردت. # هل أخذت ممتلكاتك؟ ألم تسترد هذه أيضا؟ # 9 # لعلك تقول: «إن من أخذها مني لشرير.» فهل يهمك بوساطة من ~~استرد منك الواهب ما أعطى؟! فما دام قد أعطاكها فتعهدها كشيء ~~يخص غيرك، تماما مثلما يتعامل عابرو السبيل مع النزل. # 10 ~~(12) ثمن الصفاء # إذا شئت أن تحرز تقدما فلتقلع عن مثل هذه الاستدلالات: ~~«إذا أهملت شئوني فلن أجد لي سندا.» ~~«ما لم أقوم خادمي فسوف يسوء حاله.» # فلأن تموت جوعا، فتشفى بذلك من الأسى والخوف، خير لك من أن تعيش ~~غنيا معتكر المزاج. ولأن يكون خادمك سيئا خير لك من أن تكون أنت ~~تعيسا. # فلتبدأ من أصغر الأشياء: انسكب شيء من الزيت؟ سرق النبيذ؟ قل: «هذا ~~ثمن خلو البال وصفاء النفس، ولكل شيء ثمن.» # إذا ناديت خادمك، فاذكر أنه قد لا يجيبك. وإذا أجابك فقد لا ms12 ينفذ ~~ما تريده. غير أنه ليس من السطوة بحيث يكون بمقدور مثله أن يعكر ~~صفوك. ~~(13) إما الطبيعة وإما الأشياء الخارجية # إذا شئت أن تحرز تقدما فلا تستنكف أن تبدو بليدا ساذجا تجاه ~~الأمور الخارجية. لا ترغب في أن يظنك الناس عليما بأي شيء . وإذا ~~بدا للبعض أنك ذو شأن فلا تثق في نفسك. ولتعلم أنك لا يمكنك أن تبقى ~~منسجما بإرادتك مع الطبيعة، وأن تضمن لنفسك الأشياء الخارجية في الوقت ~~نفسه؛ ذلك أن المرء إذا اهتم بهذه فلا مناص له من أن يهمل ~~تلك. ~~(14) ما السيد؟ وما العبد؟ # من السخف أن تطلب لأبنائك وزوجك وأصدقائك البقاء إلى الأبد؛ فذلك يعني ~~أنك تريد أن يكون في قدرتك ما ليس في قدرتك، وأن يكون من ممتلكاتك ما ~~ليس من ممتلكاتك. وهكذا إذا تطلبت من خادمك ألا يخطئ فأنت أحمق؛ لأنك ~~تتطلب من الرذيلة ألا تكون رذيلة بل تكون شيئا آخر. # أما إذا أردت ألا يخيب رجاؤك فبوسعك ذلك: أن تنصرف إلى ما هو بإمكانك. ~~إنما السيد هو من يملك سطوة على المسود فيحدد له ما يريده وما ~~لا يريده، ويعطيه هذا ويمنع عنه ذاك. من يرد أن يكون حرا إذن ~~فليكف عن أن يرغب في أي شيء أو يتجنب أي شيء في قدرة غيره، وإلا ~~فإنه يكون لا محالة عبدا. # 11 ~~(15) سلوك المآدب # تذكر أنك ينبغي أن تسلك في الحياة مثلما تسلك في مأدبة، هل دار عليك ~~أي صنف؟ فامدد إليه يدك ونل منه قسطك باعتدال. هل فاتك؟ فلا ~~تستوقفه، ألم يأت بعد؟ فلا تمدد إليه رغبتك بل انتظر حتى يصل ~~إليك. # افعل ذلك فيما يتعلق بالأطفال والزوجة والمناصب العامة والثروة، ولسوف ~~تكون في النهاية جديرا بالمشاركة في ولائم الآلهة. # فإذا تعففت حتى عما وضع قبالتك وكنت قادرا على ازدرائه، فلن تكون ~~شريكا فقط في ولائم الآلهة بل في ملكهم. # 12 # فبهذا المسلك صار ديوجين وهيراقليط وأضرابهما إلهيين عن ~~حق، ولقبوا بذلك. ~~(16) لا تنح في داخلك # إذا ما رأيت شخصا يبكي متحسرا، ms13 لفراق ولد أو لوفاته، أو لفقدان ~~ممتلكاته، فاحذر أن يأخذك الظاهر بعيدا فتظن أن الأضرار الخارجية ~~هي ما يبكيه، بل اذكر في الحال أن «ما يكرثه ليس الحدث؛ فمثل هذا لا ~~يكرث غيره، بل فكرته عن الحدث.» # لذلك لا تدخر وسعا في أن تواسيه بالكلمات ، بل أن تنوح معه إذا أمكن ~~ذلك، ولكن احذر أن تنوح أيضا في دخيلتك. # 13 ~~(17) ممثل في مسرحية # 14 # تذكر أنك ممثل في مسرحية تمضي مثلما يشاء لها المؤلف؛ قصيرة إذا شاء ~~لها القصر، وطويلة إذا شاء لها أن تطول. إذا راقه أن تلعب فيها دور ~~شحاذ فإن عليك أن تؤديه أداء طبيعيا. وقد يريدك أن تؤدي دور أعرج ~~أو مسئول حكومي أو صاحب عمل خاص. وأيا ما كان دورك، فهذه مهمتك: أن ~~تجيد أداء الشخصية المقيضة لك. أما اختيار الشخصية فليس هذا من ~~شأنك. ~~(18) نذر الشؤم # إذا تصادف أن نعق غراب بالشؤم فلا تدع المظاهر تأخذك بعيدا، بل ~~سارع إلى التمييز وقل لنفسك: «لا شيء من هذه الأشياء يشير إلي، ~~إنما يشير إلى جسدي التافه، أو إلى ممتلكاتي الضئيلة، أو سمعتي أو ~~أبنائي أو زوجتي. أما بالنسبة لي فكل النذر هي نذر خير إذا ~~شئت ذلك. فإذا ما ألم بي أي شيء من هذه الأشياء فما زال بوسعي أن ~~أفيد منه خيرا.» # 15 ~~(19) الحرية هي الغنى «عن» # بوسعك أن تكون شخصا لا يقهر، إذا أنت أحجمت تماما عن الدخول في صراع ~~ليس في قدرتك الفوز فيه. فاحذر إذا رأيت امرءا يتسنم مكانا رفيعا ~~أو يتقلد سلطة عظيمة أو يحوز مجدا، أن تخلبك المظاهر فتحسبه ~~سعيدا. فإذا كان جوهر الخير يكمن فيما هو في قدرتنا، فلن يكون ثمة ~~مكان للحسد أو الغيرة. فلا تطمح من جانبك إلى أن تكون حاكما أو ~~رئيسا أو قنصلا، بل أن تكون رجلا حرا. وليس ثمة غير طريق ~~واحد إلى الحرية: أن تضرب صفحا عما ليس في قدرتك. # 16 ~~(20) ثورة الغضب # تذكر أن من شتمك أو ضربك لم يهنك، وإنما ms14 الذي أهانك هو حكمك بأن ~~هذه الأشياء إهانة. فاعلم إذن كلما أغضبك أحد أن فكرتك ذاتها هي ما ~~أغضبك؛ لذا حاول جهدك في المقام الأول ألا تجرفك المظاهر؛ فبمجرد ~~أن تمنح نفسك مهلة وتتريث في الأمر سيكون أيسر عليك أن تتمالك ~~نفسك. ~~(21) فكر في الموت # ضع نصب عينيك، في كل حين، الموت والمنفى وكل ما يبدو مرعبا، ولكن ~~اجعل الموت أولها جميعا. عندئذ لن تفكر أبدا في أي شيء دنيء، ~~ولن تتوق إلى أي شيء توقا زائدا عن الحد. ~~(22) الاستهزاء بالفلسفة # إذا كانت لديك رغبة مخلصة في اكتساب الفلسفة، فلتعد نفسك منذ ~~البداية لتلقي ما لا يحصى من استهزاء الآخرين وسخريتهم، وقولهم: ~~«ها قد عاد إلينا فيلسوفا دفعة واحدة.» وقولهم: «من أين أتى بهذا ~~الخد المصعر؟» أما من جهتك فلا تصعر خدك حقا، وتمسك ~~بتلك الأشياء التي تراها الأفضل، تمسك بذلك المكان الذي قيضك الله ~~له. واعلم أن ثباتك على تلك الحال سوف يجعل من كان يسخر منك بالأمس ~~يعجب بك. أما إذا انخذلت أمامهم فستكون قد جلبت على نفسك ~~ضعفين من السخرية. # 17 ~~(23) محصن بالفلسفة # إذا تصادف لك أن التفت إلى الأشياء الخارجية لكي ترضي شخصا ما ~~فثق أنك قد ضللت السبيل. فاقنع إذن، في كل شيء، بكونك فيلسوفا. ~~وإذا أردت أن تبدو أيضا لأي شخص كفيلسوف، فلتبد فيلسوفا لنفسك، وسوف ~~يكفيك هذا. ~~(24) مواطن مخلص ... عون وثروة # لا تدع مثل هذه الأفكار تنغص عيشك: «سوف أقضي العمر خامل الذكر ~~نكرة.» إذا كان خمول الذكر شرا فاعلم أنه ليس بالإمكان أن يلحق ~~بك أحد خمول ذكر أكثر مما يلحقه بك ذلك الذي يورطك في عمل ~~شائن. هل هو شأنك أن تحوز منصبا أو تدعى إلى وليمة؟ كلا. إذن، كيف ~~يمكن أن يكون ذلك خمولا للذكر؟ إن مهمتك أن تكون ذا شأن في تلك ~~الأمور التي هي في قدرتك فحسب، والتي بوسعك فيها أن تبلغ أعظم شأن. # 18 # لعلك تقول: «ولكني لن أكون قادرا على أن أقدم العون ~~لأصدقائي.» # فماذا تعني ms15 بكلمة «عون»؟ تعني أنك لن تقدم لهم مالا، ولن تمنحهم ~~المواطنة الرومانية؟ فمن قال لك إن أشياء من هذا القبيل هي في قدرتك ~~وليست في قدرة سواك؟ ومن ذا الذي يمكنه أن يعطي غيره ما ليس يملكه هو ~~نفسه؟ لعلهم يقولون لك: «حسنا، فلتكسب هذه الأشياء إذن لكي تفيض ~~علينا بحظ منها.» فقل: «إذا كان بالإمكان أن أكتسب المال وأبقي ~~على تواضعي وإخلاصي وشهامتي، فلتدلوني على الطريق ولسوف أكتسبه. ~~ولكن إذا كنتم تريدونني أن أفقد الأشياء التي هي خير والتي هي في ~~حوزتي، لكيما تحظوا بالأشياء التي ليست خيرا، فما أظلمكم ~~وأحمقكم. ثم ما هو الأفضل: أن يكون لكم مال أم أن يكون لكم صديق ~~مخلص شريف؟ فلتساعدوني إذن على أن أكون ذلك الشخص لا على أن أفعل ما ~~هو حقيق أن يجردني من هذه الصفات. ~~- «ولكن وطني، بقدر ما يعتمد علي سوف يفقد عوني.» # مرة ثانية، ماذا تعني بكلمة «عون» هنا أيضا؟ لن يحظى الوطن بأروقة ~~معمدة أو حمامات بواسطتك. وماذا في ذلك؟ فالوطن لن يتزود بالأحذية ~~بواسطة الحداد، ولا بالأسلحة بواسطة الإسكاف. ولكن بحسبه أن ينصرف ~~كل إلى العمل الموكول له فيؤديه أتم الأداء. وإذا كان عليك أن ~~تزود الوطن بمواطن إضافي مخلص وشريف، ألن يكون هذا ذا نفع ~~له؟ فكذلك أنت. # ستقول: «أي مكان إذن سوف أشغله في الدولة؟» # أيما مكان يمكنك أن تشغله محتفظا بإخلاصك وشرفك. أما إذا ~~دفعتك رغبتك في نفع الدولة إلى أن تفقد هذه الصفات، فأي نفع يمكن ~~أن ينالها منك إذا ما صرت صفيقا خائنا؟! ~~(25) دفع الثمن # هل فضل عليك غيرك في دعوة إلى وليمة، أو في تكريم، أو اجتماع ~~مجلس؟ # إذا كانت هذه الأشياء خيرا، فإن عليك أن تغبط من نالها. أما إذا ~~كانت شرا فلا تحزن لأنك لم تنلها. واعلم أنك لا يمكن أن يسمح لك ~~بمنافسة الآخرين في الأشياء الخارجية دون أن تستخدم نفس الوسائل للحصول ~~عليها. وإلا فكيف يمكن لامرئ لا يتردد على أبواب أي كان ولا يلازمه ms16 ~~ولا يتملقه أن يحظى منه بما يحظى به من يفعل هذه الأشياء؟ إنك ~~لمجحف وجشع إذا كنت تتخلى عن دفع الثمن الذي تباع به هذه ~~الأشياء، وتريد أن تحصل عليها بالمجان. # حسن، بكم يباع الخس؟ بأوبول # obolus # مثلا؟ فإذا حظي بالخس دافع الأوبول وأحجمت أنت عن الدفع وعدت من ~~غير خس، فلا تحسب أنه حظي بأي أفضلية عليك؛ فإن لديه الخس ولديك ~~الأوبول الذي لم تدفعه. # كذلك الأمر في حالتنا هذه؛ أنت لم تدع إلى وليمة مثل هذا الشخص؛ ~~لأنك لم تدفع له الثمن الذي يباع به العشاء؛ إنه يباع بالإطراء، ~~يباع بالتزلف. أسد إليه الثمن إذن إذا كان في ذلك مصلحتك. أما ~~إذا أردت أن تحتفظ بالثمن وتحظى بالشيء في آن معا فأنت جشع ~~وأحمق. # أتظن أنك لم تفز بشيء في مقابل العشاء الذي فاتك؟ # بل فزت حقا، فزت بإعفائك من تملق من لا تريد أن تتملقه، ~~وإعفائك من تحمل فظاظة الحجاب على بابه. ~~(26) الطبيعة لا تختلف # من يرد أن يعرف إرادة الطبيعة فليطلع على الأمور التي لا يختلف فيها ~~أحدنا عن الآخر. مثلا، إذا كسر خادم جارنا كوبا أو ما أشبه، فإننا ~~نسارع بقولنا: «لا بأس، مثل هذه الخسائر لا بد منها.» عليك إذن إذا ~~انكسر كوبك أنت، أن تكون مثلما كنت بإزاء كوب غيرك. # فلتطبق هذا على ما هو أعظم من الأمور؛ هل توفي ابن لأحد أو ~~توفيت زوجته؟ ليس منا من لن يقول: «هكذا حال البشر.» فإذا ما ~~توفي أحد من ذويه لم يلبث أن يقول: «وا أسفاه، كم أنا حزين!» ~~فلنتذكر دائما ما نجده في أنفسنا عندما نسمع بحدوث الشيء نفسه ~~للآخرين. ~~(27) العالم ليس شرا # لا أحد يحدد أمامه دريئة (هدفا للرمي) من أجل أن يخطئها! ~~وبالمثل، لا شيء في العالم هو شر في طبيعته وصميمه. ~~(28) تسليمك لعقلك! # إذا سلم أحد جسدك لأول عابر فسوف تغضب ولا ريب. # أفلا تخجل إذن وأنت تسلم عقلك لأي عابر بحيث إذا سبك تكدرت ~~وتعكر صفوك؟! ~~(29) رياضة الفلسفة # في ms17 كل فعل تهم به انظر فيما سبق وما يلحق، ثم امض في الفعل ~~نفسه. وإلا فإنك ستبدأ بحماس، غير مبال بالعواقب، حتى إذا ما ~~اعترضتك بعض المصاعب انسحبت منخذلا. # هل تريد أن تفوز في الأوليمبياد؟ أنا أيضا أريد، وحق الآلهة؛ فهذا ~~شيء رائع. ولكن انظر فيما يسبق ذلك وما يتلوه، فإذا راقك فاشرع في ~~العمل؛ إن عليك أن تلتزم في كل شيء بقواعد؛ أن تأكل وفق نظام صارم، ~~أن تمتنع عن لذيذ الطعام، أن تأخذ نفسك بالتدريب، شئت أم أبيت، في ~~مواعيد محددة، في الحر والبرد، ألا تشرب ماء باردا، وألا ~~تشرب نبيذا على هواك. وباختصار، يجب أن تسلم نفسك لمدربك مثلما ~~تسلمها للطبيب؛ وعندئذ، عندما تمضي إلى المباراة فقد تقع في مصرف، ~~وقد تنخلع ذراعك، أو يلتوي كاحلك، أو تستف ترابا كثيرا، وربما ~~تضرب، وبعد كل هذا تخسر المنازلة. # إذا بقيت تنوي - بعد النظر في كل هذه الاعتبارات - أن تدخل في المسابقات ~~الرياضية، فادخل. وإلا فلتعلم أنك سوف تسلك كالأطفال الذين يلعبون ~~حينا دور المصارعين، وحينا آخر دور المجالدين، وتارة ينفخون ~~البوق، وطورا يمثلون تراجيديا إثر رؤيتهم لهذه العروض وإعجابهم ~~بها. كذلك أنت أيضا ستكون آنا مصارعا وآنا آخر مجالدا، وتارة ~~فيلسوفا، وطورا خطيبا؛ ولكن لن تكون شيئا على الإطلاق بكل روحك. ~~أنت تقلد، كالقرد، كل ما تراه. يروقك الشيء تلو الآخر بكل تأكيد، ~~غير أنه يفقد لديك جاذبيته بمجرد أن تألفه؛ ذلك أنك لم تدخل في أي ~~شيء قط بتبصر أو بعد استقصاء الأمر كله وتمحيصه، بل دخلته ~~باستخفاف ورغبة فاترة. # هكذا البعض إثر رؤيتهم لأحد الفلاسفة، أو سماعهم لمتحدث مثل يوقراطيس # Euphrates ~~(ومن ذا يجاريه ~~حقا في الحديث؟!) تراودهم فكرة أن يكونوا هم أيضا فلاسفة. # انظر يا صاحبي، قبل كل شيء، ما هو الأمر، ثم تفحص طبيعتك الخاصة ~~ومدى قدرتك على تحمل ذلك. هل تريد أن تشارك في «الخماسي» أو أن تكون ~~مصارعا؟ انظر إلى ذراعيك وفخذيك وتفحص جنبيك؛ «فكل ميسر ~~لما خلق له.» # أتظن أنك إذ ms18 تمضي في هذه الأشياء يكون لك أن تأكل مثلما تأكل، وتشرب ~~مثلما تشرب، وتغضب وتستاء مثلما اعتدت؟ إنما يتعين عليك أن تبقى ~~صاحيا، أن تعمل، أن تهجر عشيرتك، أن يزدريك خادم، أن يسخر منك ~~كل ساخر، أن يكون لك النصيب الأدنى في كل شيء؛ في الشهرة، في المنصب، ~~في المحاكم، في كل صغيرة وكبيرة. # انظر في كل هذه الأشياء، وانظر هل تريد أن تستبدل بها خلو البال ~~والحرية والسكينة، وإلا فلا تقترب. لا تكن كالأطفال آنا فيلسوفا، ~~ثم جابيا، ثم خطيبا، ثم موظفا لقيصر؛ فهذه الأشياء لا ~~تتسق. # إنما عليك أن تكون شخصا واحدا، جيدا أو رديئا. إما أن تنمي ~~ملكتك العقلية، وإما أن تنمي أشياءك الخارجية. إما أن تنصرف إلى ~~الأشياء الداخلية وإما إلى الأشياء الخارجية؛ أي إنك إما أن تكون ~~أحد الفلاسفة، وإما أن تكون أحد السوقة. ~~(30) تأمل العلاقات # العلاقات تحدد الواجبات. ~~«هو والدك» تعني أن عليك أن ترعاه، وتذعن له في كل أمر، وتحتمله إذا ~~أهانك أو ضربك. ~~- «ولكنه أب سيئ.» ~~- حسنا، وهل لديك أي حق طبيعي في أب جيد؟! كلا، بل في أب ~~فحسب. ~~- «أخي يسيء إلي.» ~~- احرص إذن على أن تحفظ العلاقة التي تربطك به، ولا يهمك ما يفعله ~~هو، بل ما يجب عليك أنت فعله إذا كانت غايتك أن تظل منسجما مع ~~الطبيعة. فما كان لأحد أن يضرك ما لم ترد أنت ذلك. إنما يقع بك ~~الضرر إذا افترضت أنت أنك أضرت. # كذلك إذن سوف تعرف واجبك من علاقتك، بالجار، بالمواطن، بقائد الجيش، إذا ~~أنت اعتدت أن تتأمل العلاقات. ~~(31) التقوى # أما بخصوص التقوى تجاه الآلهة، فلتعلم أن هذا هو رأس الأمر: أن ~~تتصورهم على النحو الصحيح، بوصفهم موجودين ويديرون الأشياء على أقوم ~~نحو وأعدله، وأن تعقد عزمك على هذا، أن تطيعهم وتمتثل لإرادتهم ~~في كل شيء يحدث، وتتبعهم طائعا في كل ما يجري بوصفه من تصريف ~~الحكمة العليا؛ فبذلك لن تلوم الآلهة أبدا ولن تتهمها ~~بالتقصير. # ولكن لن يتسنى لك ذلك إلا بأن تنصرف ms19 عن الأشياء التي ليست في قدرتك، ~~وأن تعد الخير والشر مقصورين على الأشياء التي في قدرتك؛ ذلك أنك ~~إذا رأيت أيا من الأشياء التي ليست في قدرتك خيرا أو شرا، فإنك ~~قمين بالضرورة أن تتبرم إذا ما فشلت في الحصول على ما ترغب أو ~~وقعت فيما لا ترغب، وأن تلوم المتسببين في ذلك أو ~~تكرههم. # فهكذا جبل جميع المخلوقات: أن يتجنبوا أو يفروا مما يبدو لهم ضارا ~~وما يبدو سببا للضرر، وأن يلتمسوا أو يعجبوا بما يبدو نافعا أو ~~جالبا للمنفعة. من الصعب إذن على شخص يرى أنه يضار أن يبتهج بما ~~يراه سببا للضرر، مثلما أنه من الصعب أن يسر بالضرر نفسه. # لذا فحتى الأب يساء بابنه إذا لم يقاسمه ما يبدو خيرا. وهذا ما جعل ~~بولينيسيس Polyneices # وإتيوكليس # Eteocles # عدوين ~~أحدهما للآخر؛ إذ حسب كلاهما أن الملك خير. # لهذا السبب أيضا يلعن الزارع الآلهة، وكذلك الملاح، والتاجر، ~~وأولئك الذين يفقدون زوجاتهم وأبناءهم. فحيثما كانت المصلحة كانت ~~التقوى! # وعلى ذلك، فإن كل من يهتم بشأن الرغبة والنفور ويضع كلا منهما في ~~نصابه الصحيح يكون قد اهتم بالتقوى أيضا. على أنه من الواجب كذلك ~~على الجميع الإراقة للآلهة وتقديم البواكير والأضحية وفقا لسنن ~~الأسلاف، بصفاء ومن غير رثاثة ولا إهمال ولا شح ولا ~~إفراط. ~~(32) الكهانة # إذا لجأت إلى الكهانة، فتذكر أنك لا تعرف ما سوف تسفر عنه، بل ~~جئت لتستفتي الكاهن. غير أنك تعرف مقدما أي صنف هو من ~~النبوءة إذا كنت ذا عقل فلسفي؛ ذلك أنه إذا كان من بين تلك الأشياء ~~التي ليست في قدرتك فمن المتيقن أنه ليس خيرا ولا شرا. إذن لا ~~تجلب معك إلى الكاهن رغبة ولا نفورا، وإلا فإنك تدنو منه خائفا ~~وجلا. فأما وقد اطمأن عقلك بأن كل ما سيجري سيكون «غير فارق» # indifferent # ولن يضيرك شيئا ~~كيفما كان، ما دمت قادرا على أن تستخدمه استخداما صحيحا، وهذا ما لا ~~يملك أحد أن يصدك عنه، فلتقبل على الآلهة إذن بثقة لتلقي ~~المشورة. ولتذكر ms20 بعد ذلك، عندما تتلقى النصيحة، أي ناصحين ~~اتخذتهم، ونصيحة من تلك التي تعصيها إن عصيت. أقبل إلى الكهانة، ~~مثلما أوصى سقراط، في الحالات التي يكون فيها الاعتبار كله متعلقا ~~بالحدث، ويكون فيها العقل والخبرة عاجزين تماما عن كشف الأمر ~~المعني. أما إذا كان واجبك أن تشاطر صديقك أو وطنك خطرا ~~محدقا، فإن عليك ألا تستشير الكاهن أينبغي ~~أن تشاطر أم لا. فحتى إذا أنبأك ~~الكاهن أن النذر نحس، فمن البين أن ذلك لا يخرج عن أن يكون ~~إشارة إلى الموت أو العاهة أو النفي. غير أن بنا عقولا، وهي تهيب ~~بنا حتى في هذه الأخطار، أن نقف إلى جانب صديقنا ووطننا. واذكر في ذلك ~~نبأ العراف الأكبر البيثيادي، الذي ألقى من المعبد ذلك الرجل الذي ~~تقاعس عن إنقاذ صديقه حينما كان يغتال. # 19 ~~(33) سلوكيات الرواقي # ابدأ بتحديد طابع ونموذج في السلوك تلتزم به، سواء كنت منفردا أو كنت ~~مع الآخرين. # الزم الصمت ما استطعت ولا تتكلم إلا في الضرورة وبكلمات موجزة. ولكن ~~إذا اقتضى الأمر، في أحيان نادرة، أن تتحدث، فلتتنكب الحديث في ~~الأشياء الشائعة: عن المجالدين أو عن سباقات الخيل أو عن الرياضيين، ~~أو عن الأطعمة أو الأشربة، تلك الموضوعات المبتذلة للحديث. وتنكب ~~بصفة خاصة الحديث عن الناس، سواء بالذم أو بالمدح أو بعقد المقارنات ~~بينهم. عليك أن تستميل رفاقك، ما استطعت، إلى الحديث فيما يليق. أما ~~إذا ألقت بك الظروف بين غرباء، فلتصمت. # إياك وكثرة الضحك، سواء بتحينه أو بالإطالة فيه. اجتنب الحلف تماما ~~إن أمكن، فإذا لم يمكن فاجتنبه جهد ما تستطيع. # تجنب المحافل الشعبية والسوقية، فإذا ما دعت الظروف فلتأخذ كل الحذر ~~من أن تنزلق إلى الإسفاف دون أن تدري. ولتعلم أنه مهما يكن المرء ~~نقيا، فإن رفيق السوء لا بد من أن يلوثه. # أما عن ضروريات الجسد، فلا تأخذ منها إلا الكفاف؛ كاللحم والشراب ~~والكساء والمأوى والخدم، وقاطع كل ما يتصل بالأبهة ~~والترف. # أما الجنس فتعفف عنه ما استطعت قبل الزواج. فإذا مارسته فلتكن ~~ممارسة ms21 مشروعة. ولكن لا تكن فظا ولا مضيقا تجاه من يستبيحون ~~لأنفسهم هذه الأشياء. ولا تكثر من التباهي بأنك لا تفعل ذلك. # إذا أنبأك شخص بأن فلانا يتحدث عنك بما يسيء فلا تدافع عن نفسك ضد ما ~~قال، بل قل: «إنه لا يعرف بقية عيوبي، وإلا لما اقتصر على ~~هذه.» # ليس عليك أن تكثر من حضور المباريات. فإذا شاءت الظروف أن تكون هناك فلا ~~تبد حرصا تجاه أي طرف أكثر من حرصك على نفسك! أي أرد الأشياء أن ~~تكون ما تكونه فحسب، وأن يفوز الذي يفوز فحسب. فهكذا تسلم من أي ~~متاعب. ولكن امتنع تماما عن الهتاف والسخرية والانفعالات العنيفة. ~~وعندما تنصرف لا تكثر من التعليق على ما حدث، وعلى ما لا يسهم في ~~صلاح حالك، وإلا بدا من حديثك أنك مأخوذ بالمشهد أكثر من ~~اللائق. # لا تهرع إلى الندوات الخاصة وتعجل في حضورها. فإذا حضرت فاحتفظ ~~برصانتك واتزانك، ولكن تجنب أن تكون ممتعضا نكدا. # إذا ذهبت للاجتماع بأحد، وبخاصة بمن هو من علية القوم، فتمثل في ~~نفسك كيف كان سقراط أو زينون قمينا أن يسلك في مثل هذا الموقف، ~~ولن تعدم إذ ذاك التناول الصحيح لأي شيء يتم. # إذا ذهبت لتمثل أمام أي شخص ذي سلطان، فتخيل في نفسك أنك قد لا ~~تجده بالمنزل، أنك قد لا يسمح لك بالدخول، أن الأبواب قد لا تفتح ~~لك، أنه قد لا يعيرك اهتماما. فإذا كان من واجبك رغم كل هذا أن تذهب، ~~فاحتمل ما يحدث، وإياك أن تقول (لنفسك): «لم يكن الأمر يستأهل.» فهذا ~~إسفاف ومن شيمة من تزعجه الأشياء الخارجية. # تجنب في محادثاتك أن تكثر من ذكر مغامراتك ومن الإطالة في الحديث عن ~~الأهوال التي صادفتها، فمهما تكن هذه شائقة لك، فما هو بشائق ~~للآخرين بنفس الدرجة أن يسمعوا مغامراتك. تجنب بالمثل محاولة إثارة ~~الضحك، فهذا منزلق قد يهوي بك إلى الإسفاف، وهو جدير أيضا أن يذهب ~~بهيبتك لدى جلسائك. # من العادات الخطرة أيضا الاقتراب من البذاءة. فإذا وقع أي شيء ms22 من ذلك ~~فانهر من أقدم عليه إذا سمحت الظروف. فإذا لم تسمح فليكن صمتك على ~~الأقل وخجلك وامتعاض سحنتك معبرا بوضوح عن استيائك من هذا ~~الحديث. ~~(34) اللذة # حين تراودك خيالات متعة مرتقبة، فاحذر أن تأخذك بعيدا، شأن غيرها من ~~الخيالات. بل انتظر قليلا وامنح نفسك مهلة، ثم استحضر في ذهنك ~~كلتا اللحظتين: تلك التي ستنال فيها المتعة ، وتلك التي ستندم فيها بعد ~~ذلك وتوبخ نفسك. وضع مقابل ذلك بهجتك وغبطتك بنفسك إذا أنت تعففت ~~عن اللذة. أما إذا بدا لك الوقت ملائما للانغماس، فاحترس ألا ~~يقهرك سحر اللذة وتخلبك متعتها وإغراؤها، وضع في الكفة الأخرى ~~كم هو أفضل بكثير إدراكك بأنك قد انتصرت عليها. ~~(35) لا تتحرج مما هو صواب # إذا قررت أن تفعل شيئا ترى أنك ينبغي أن تفعله، فلا تتحرج من أن ~~ترى فاعلا إياه، حتى إذا كان رأي الأغلبية سوف يدينك فيه؛ ذلك ~~أنك إذا كان فعلك خطأ فإن عليك أن تجتنبه. أما إذا كان صوابا، ~~فلماذا تخشى الذين سوف يعيبونك مخطئين؟! # 20 ~~(36) الأكل # مثلما أن عبارة «الوقت نهار» وعبارة «الوقت ليل» تعنيان الكثير وهما ~~منفصلتان، فإذا اتصلتا لا تعنيان شيئا، كذلك أخذك نصيبا أكبر قد ~~يفيد جسدك كثيرا، أما إذا كنت مجتمعا بغيرك في وليمة وتريد أن ~~تلتزم باللياقة الاجتماعية فلن يفيدك في ذلك شيئا؛ لذا عندما تأكل مع ~~غيرك، فلا يكن حرصك مقصورا على فائدة الجسم من الأصناف المقدمة ~~أمامك، بل أيضا على فائدة الكياسة تجاه مضيفك. ~~(37) دور يتجاوز قدراتك # إذا حاولت أن تضطلع بدور يتجاوز قدراتك، فأنت لا تخزي نفسك فيه فحسب، ~~بل تصرفها أيضا عما كانت قادرة على أدائه. ~~(38) إيذاء العقل # عندما تمشي فأنت تأخذ حذرك من أن تطأ مسمارا أو أن تلوي قدمك. # فلتأخذ حذرا مماثلا من أن تؤذي عقلك الموجه. وإذا راعينا هذه القاعدة ~~في كل فعل فسوف نباشره بأمان أكبر. ~~(39) لا حد بعد الحد # الجسد لكل منا هو المقياس القويم لحاجاته المادية، مثلما أن القدم ~~هي مقياس الحذاء. فإذا ما وقفت ms23 عند ذلك فقد التزمت بالمقياس. أما إذا ~~تجاوزته فسوف تنزلق بعيدا بالضرورة كمن يهوي من جرف. # كذلك الأمر مع الحذاء؛ فإذا ما تجاوزت ملاءمته للقدم، فسوف يصبح ~~مذهبا في البداية، ثم أرجوانيا، ثم مرصعا ~~بالجواهر. # ذلك أن ما تخطى المعيار مرة فلن يجد حدا يحده. ~~(40) النساء # ما إن تبلغ النساء سن الرابعة عشرة حتى يتملقهن الرجال بلقب «سيدات » # dominae ~~. وإذ يدركن أنهن لا ~~يعتد بهن إلا كمانحات لذة للرجال، فإنهن يبدأن في تجميل أنفسهن ~~ويضعهن في ذلك كل آمالهن. # حري بنا إذن أن نحاول جهدنا أن نظهرهن على أن قيمتهن الحقة لدينا هي ~~في دماثة الخلق وفي التواضع والحكمة. ~~(41) متعلقات الجسد # من البلاهة أن تكب على ما يتعلق بالجسم: أن تطيل التدريب، والأكل، ~~والشرب، وتصريف الوظائف الحيوانية الأخرى. # مثل هذه الوظائف ينبغي أن تؤديها بشكل عابر، وأن تصرف جل اهتمامك ~~إلى العقل. # 21 ~~(42) الإهانة # إذا أهانك أحد بالقول أو الفعل، فتذكر أنه يفعل أو يقول ذلك لأنه ~~يراه موافقا له؛ فمن غير الممكن له أن يتبع ما يبدو لك أنت صوابا ~~بل ما يبدو صوابا له هو؛ وبالتالي فإذا كان على خطأ في رأيه يكون هو ~~الطرف المضار، من حيث هو الطرف المضلل؛ ذلك أن من يأخذ قضية ~~صادقة على أنها كاذبة فإنه لا يضر القضية، بل يضر نفسه بضلاله في ~~شأنها. إذا انطلقت إذن من هذه المبادئ فسوف تكون متسامحا مع من ~~يهينك، قائلا لنفسك في كل مناسبة: «هكذا يبدو له الأمر.» ~~(43) مقبضان # لكل شيء مقبضان؛ مقبض يمكن أن يحمل به الشيء، والآخر لا يمكن أن ~~يحمل به. إذا ارتكب أخوك إساءة ما تجاهك فلا تأخذ الأمر بمقبض ~~الإساءة؛ إذ لا يمكنك حمله بهذه الطريقة. بل خذه بالمقبض المقابل؛ ~~أنه أخوك، وأنه نشأ معك؛ بذلك سوف تمسك الأمر كما ينبغي له أن ~~يمسك. ~~(44) استدلال متساوق # هذان الاستدلالان غير متساوقين منطقيا: # أنا أغنى منك، إذن أنا أفضل منك. # أنا أبلغ منك، إذن أنا أفضل منك. # أما هذان فأكثر تساوقا: # أنا ms24 أغنى منك، إذن أنا لدي ممتلكات ~~أكثر. # أنا أبلغ منك، إذن أسلوبي في الخطاب أفضل من ~~أسلوبك. # غير أنك، بعد كل شيء، لست ملكا ولا أسلوبا. ~~(45) الحكم بعد المداولة # هل يغتسل فلان سريعا؟ لا تقل: إنه يسيء الاغتسال. # هل يشرب فلان كثيرا؟ لا تقل: إنه يسيء الشراب. # فما دمت لم تقف على «الحكم» الذي دفعه إلى ذلك، فكيف تعرف أنه يسيء ~~الفعل؟! # هكذا تتجنب الوقوع في «تصديق» # assent # أي «مظاهر» # apperances # ما لم يتم ~~لك فهمها. ~~(46) طبق المبادئ # أوضع العلم ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح ~~والأركان. # الإمام علي # لا تقل أبدا إني فيلسوف، ولا تكثر الحديث بين الجهال عن نظرياتك، ~~بل بينها بالأفعال. # 22 # فإذا كنت في وليمة فلا تقل كيف ينبغي الأكل، بل كل كما ~~ينبغي. بهذه الطريقة كان سقراط أيضا يتجنب الادعاء على الإطلاق. ~~وعندما كان أشخاص يأتون إليه لكي يقدمهم إلى فلاسفة كان يأخذهم إلى ~~الفلاسفة ويوصي بهم ولا يكترث قط بأنهم يغفلونه. # وعلى ذلك، فإذا ما دار أي حديث بين الجهال حول أي نظريات ~~فلسفية، فالزم الصمت دائما، فثمة خطر كبير بأن تقيء في الحال ~~ما لم تهضمه، وعندما يأتي اليوم الذي يقال لك فيه إنك لا تعرف شيئا، ~~فلا يثير ذلك غضبك ولا سخطك، فثق عندئذ إنك قد وضعت قدمك على بداية ~~طريق الحكمة. # ذلك أنه حتى الخراف لا تقيء عشبها لكي تري الرعاة كم أكلت، بل ~~عندما تهضم الكلأ داخلها فإنها تخرجه صوفا ولبنا، أنت أيضا لا ~~تظهر النظريات للجهال، بل الأفعال الناتجة عن النظريات بعد أن يتم هضمها. # 23 ~~(47) لا تفاخر بتجلدك # 24 # إذا تعلمت أن تكيف جسدك على الاكتفاء بأقل القليل، فلا تفاخر ~~بذلك. وإذا اقتصر شرابك على الماء فلا تقل في كل مناسبة: «إن شرابي ~~الماء.» بل انظر أولا إلى الفقراء كم يفوقوننا اقتصادا وتحملا ~~لشظف العيش. وإذا شئت أن تدرب نفسك على الجلد والاحتمال، فلتفعل ~~ذلك لنفسك لا للآخرين. لا تحاول أن تجترح العجائب. # 25 # ولكن ms25 إذا اشتد بك العطش فاستف قبضة من الماء البارد ~~واتفله ولا تقل شيئا. # 26 ~~(48) دلائل التقدم # صفة الجاهل وأمارته أنه لا يرتقب النفع ولا الضرر من نفسه، بل من ~~الأشياء الخارجية. # صفة الفيلسوف وأمارته أنه يرتقب كل النفع والضرر من نفسه. أمارات ~~المتقدم على درب الحكمة هي أنه لا يذم أحدا ولا يطري أحدا ولا ~~يلوم أحدا ولا يتهم أحدا، ولا يتحدث عن نفسه كما لو كان شيئا ما أو ~~كما لو كان لديه علم ما. وإذا أعيق أو تعثر يتهم نفسه. وإذا مدح ~~يسخر في نفسه من المادح، وإذا انتقد لا يرد. بل يمضي حذرا ~~كأنه الناقه يخشى أن يتعتع أي عضو فيه لم يلتئم بعد. ~~إنه ينفي عنه كل رغبة. أما نفوره فيحصره فيما هو في قدرته ~~ومضاد للطبيعة، إن نزوعه معتدل تجاه كل شيء. إذا بدا غبيا أو ~~جاهلا لا يبالي. وباختصار، يراقب نفسه كما لو كان عدوا ~~مترصدا لها في مكمن. ~~(49) التفسير # حين يفاخر شخص بأنه يستطيع ~~أن يفهم كتابات كريسبوس # Chrysippus # ويفسرها، فقل لنفسك: «لو لم تكن كتابات كريسبوس غامضة لما وجد هذا ~~الشخص ما يفتخر به. ولكن ماذا أريد أنا؟ أريد أن أفهم الطبيعة ~~وأتبعها؛ لذا أتساءل من الذي يفسر الطبيعة، وأسمع أن كريسبوس ~~يفسرها، فألجأ إليه، فلا أفهم كتاباته، فألتمس من يفسرها.» ليس ثمة ~~حتى الآن ما يدعو إلى الفخر. ولكن عندما أعثر على المفسر يبقى أن ~~أعمل بالتعاليم. هذا وحده هو مدعاة الفخر. أما إذا أعجبت بمجرد ~~التفسير فلن أعدو أن أكون لغويا لا فيلسوفا، اللهم إلا أنني بدلا ~~من أن أفسر هومر أفسر كريسبوس. إذا طلب مني أحد إذن أن أقرأ له ~~كريسبوس، فإنني أحمر خجلا إذا فشلت في أن تكون أفعالي متناغمة مع ~~كتاباته. ~~(50) التزم بالمبادئ # أيا ما كانت المبادئ التي اتخذتها لنفسك، فالتزم بها كأنها قوانين، ~~وكأن من الفجور أن تنتهك أيا منها. ولا تلتفت إلى ما عسى أن يقول ~~الناس عنك؛ فهذا ليس شأنك. ~~(51) المنازلة الآن # إلام تنتظر ms26 حتى تنتدب نفسك لأجل المراتب ولا تحيد عن حدود العقل؟ لقد ~~تلقيت النظريات التي ينبغي الإلمام بها وألممت بها، أي معلم ~~آخر إذن ما زلت ترتقبه حتى تحيل إليها مهمة تقويم نفسك؟ أنت لم تعد ~~صبيا، لقد كبرت. فإذا بقيت مهملا كسولا، وما تنفك تسوف ~~وتماطل وترجئ اليوم الذي ستنتبه فيه إلى نفسك، فلن تراوح وستظل ~~جهولا في حياتك وفي مماتك، الآن إذن اعتبر نفسك جديرا بالعيش كراشد ~~وسالك على درب الفلسفة، وخذ كل ما تراه حقا واجعله قانونا ~~صلبا لا يقبل الانتهاك. فإذا عرض لك عارض من ألم أو لذة أو ~~مجد أو شين، فتذكر أن النزال الآن، الأوليمبياد الآن ولا ~~يمكن أن تؤجل. وبانكسارة واحدة وتخاذل واحد يذهب الفوز أو يأتي. # 27 # هكذا بلغ سقراط الكمال، مقوما نفسه بكل وسيلة، غير ~~مصغ إلى شيء سوى العقل. ورغم أنك لست سقراطا بعد، فإنه ينبغي ~~عليك أن تعيش كمن يطمح أن يكون سقراطا. ~~(52) المواضيع الثلاثة في الفلسفة # الموضوع الأول والأهم في الفلسفة، هو: التطبيق العملي للنظريات (المبادئ العملية/الأخلاق). # 28 # مثال ذلك: «لا تكذب.» والموضوع الثاني، هو: البراهين، مثل: ~~«لماذا ينبغي علينا ألا نكذب؟» والثالث: هو ما يضفي التماسك ~~والتبيان على هذين. مثال ذلك: كيف نعرف أن هذا برهان صائب؟ إذ ما هو ~~البرهان؟ ما هو اللزوم المنطقي؟ ما هو التناقض؟ ما هو الصدق؟ ما هو ~~الكذب؟ # الموضوع الثالث ضروري من أجل الموضوع الثاني، والثاني من أجل الأول. ~~غير أن الموضوع الأهم بين الثلاثة والأجدر بأن نتلبث عنده هو ~~الموضوع الأول. # 29 # إلا أننا نفعل العكس تماما! فنحن نقضي وقتنا كله في ~~الموضوع الثالث، وننفق فيه كل جهدنا، بينما نهمل الأول كل ~~الإهمال؛ ولذلك نكذب، وإن كنا على استعداد أن نبرهن في الحال لماذا ~~ينبغي علينا ألا نكذب. ~~(53) مأثورات اجعلها نصب عينيك # ينبغي أن تكون المبادئ التالية طوع يدنا في كل حين: # 30 # قدني يا زيوس، وأنت أيها القدر، # إلى حيثما رسمتما لي الطريق؛ # فأنا متبعكما دون تردد، وحتى لو أخذني ms27 الارتياب، # فتثاقلت وتملصت، فلن أكون مع ذلك أقل متابعة ~~لكما. # كليانتس: أنشودة إلى زيوس # من يسلم بالقدر، # سيكون في البشر حكيما، وفي قوانين السماء ~~خبيرا. # يوربيدس: شذور، 965 # وهذا الثالث: # أي أقريطون، إذا كان هذا يرضي الآلهة، فلتكن ~~مشيئتها. # أفلاطون: أقريطون، # 34d # بوسع أنيتوس وميليتوس أن يقتلاني، ولكن ليس بوسعهما أن ~~يؤذياني. # أفلاطون: الدفاع، # 30c-d # الفصل الثاني # | إبكتيتوس: دراسة وتعليق # (1) حياة إبكتيتوس # ولد إبكتيتوس عام 50م (وقيل 60)، في هيرابوليس # Hierapolis # من أعمال أفروجيا Phrygia # بآسيا الصغرى (تركيا الحالية). كان ~~يتحدث يونانية أمه العبدة، ولا يعرف شيء عن أبيه. ولفظة «إبكتيتوس» ~~ليست اسمه، ولكنها كلمة يونانية لقب بها وتعني «الشخص المقتنى»؛ ~~أي العبد. وفي سن الخامسة عشرة من عمره سيق إلى روما حيث بيع بثمن ~~بخس في سوق الرقيق لرجل اسمه «إبافروديت» # Epaphroditus # هو معتق الإمبراطور نيرون ~~وسكرتيره. # أخذ إبافروديت عبده إبكتيتوس ليعيش في «البيت الأبيض لنيرون» في وقت ~~كان فيه الإمبراطور شديد الإهمال للإمبراطورية وكثير الترحال إلى ~~اليونان لممارسة هواياته في التمثيل والموسيقى وقيادة العربات. وفي ~~الوقت الذي قضاه في روما كان مشغولا بقتل أخيه (غير الشقيق)، وقتل ~~زوجته، وأمه، وزوجته الثانية. وانتهى به الحال إلى الانتحار، وكان ~~إبافروديت هو الذي أعانه على الموت فوجأ عنقه حين تعثر في قتل نفسه ~~بينما كان الجنود يقتحمون بابه ليعتقلوه. # لعل هذا الحدث قد أزاح إبافروديت ~~إلى الظل وأتاح لإبكتيتوس فيما بعد حرية التنقل في روما، فانجذب إلى ~~المحاضرات العامة للمعلمين الرواقيين الذين كانوا فلاسفة روما في تلك ~~الأيام. وأخيرا تتلمذ على يد أفضل معلمي الإمبراطورية على الإطلاق وهو ~~ميزونيوس ~~روفوس # Musonius Rufus ~~. وبعد عشر سنوات أو تزيد من الدراسة اكتسب ~~إبكتيتوس نفسه صفة فيلسوف، وتزامن ذلك مع انعتاقه من الرق ونيله ~~حريته. فشرع في إلقاء دروسه كمعلم رواقي حتى عام 91م عندما أمر ~~الإمبراطور دوميتيان # Domitian # بطرد ~~الفلاسفة من روما وإيطاليا كلها؛ لأنهم كانوا ينتقدون الإمبراطور ~~ويمثلون قوة ضغط تقف في وجه العرش الإمبراطوري. فرحل إبكتيتوس إلى ~~نيقوبوليس # Nicopolis # وهي ~~مدينة أسسها ms28 أغسطس احتفالا بنصره في إكتيوم، تقع في الشمال الغربي ~~لبلاد اليونان (ألبانيا الحالية). وأسس مدرسة فلسفية اجتذبت إليها ~~نفس الصنف من المستمعين الذي اجتذبه سقراط من قبل ذلك بخمسة قرون: ~~الشبيبة الأرستقراطية التي كانت تعد لتقلد المناصب العليا في ~~مختلف المجالات. كان الشباب الأرستقراطي الروماني يفد إليه أفواجا ~~ليصغي إلى دروس العبد الفيلسوف الذي طار صيته وعلا شأنه على كره منه، ~~حتى قيل: إنه لقي رواجا لم يلقه أفلاطون في زمنه. فكانت خيرة ~~العائلات وصفوة القوم يرسلون إليه أفضل أبنائهم في أواسط العشرينيات من ~~عمرهم لكي يعلمهم العلم ويصرفهم عن حياة الترف والدعة، ويبصرهم ~~بكنه الحياة الصالحة، ويعدهم لمهامهم الصعبة في خدمة ~~مواطنيهم. # كان إبكتيتوس مضرب الأمثال في التجلد والصبر على البلايا. يروى ~~أنه عندما كان عبدا لإبافروديت أراد سيده أن يلهو فلوى ساقه بآلة ~~للتعذيب. فقال له إبكتيتوس: «إنك ستكسر رجلي.» ولكن الرجل تمادى في ~~ليها وإبكتيتوس لا يبدي جزعا حتى كسرت ساقه، فلم يزد على أن قال: ~~«ألم أقل لك إنك ستكسر ساقي؟» (المحادثات، 1-12). # ظل إبكتيتوس يلقي دروسه بينما هو ~~يعيش عيشة التقشف والبساطة، في منزل ليس فيه سوى حصير وحشية من ~~القش ومصباح من الطين استعاض به عن المصباح الحديدي الذي سرق منه. ~~وكان يعيش وحيدا أعزب إلى أن تبنى طفلا كان بعض أصدقائه يهمون ~~بنبذه في العراء، فأراد أن يعوله واستخدم امرأة فقيرة لتربيه، ~~وقد امتد به الأجل حتى طعن في السن وأدرك عصر الإمبراطور هادريان ~~الذي حكم حتى عام 138م، ويروى أن أحد المعجبين به اشترى مصباحه ~~الطيني بعد وفاته بثلاثة آلاف دراخما. # ورغم تضارب الآراء فمن المرجح أن إبكتيتوس لم يكتب بنفسه أي شيء مما ~~وصل إلينا من أعماله. وإنما يعود الفضل في ذلك إلى تلميذه أريانوس ~~الذي كان من قواد الجيش الروماني وحاكما على «كبدوكية» ومؤرخا ~~شهيرا، وهو مؤلف لكتاب كبير عن «تاريخ الإسكندر». كان أريانوس ~~يدون لنفسه أقوال أستاذه حرفيا بقدر ما تسعفه مهارته في الاختزال. ~~فكتب كتابا أسماه «محادثات إبكتيتوس» ms29 # Discourses ~~(Entretiens) # يرجح أنه كان يتألف من ~~ثمانية أبواب بقيت لنا منها أربعة. ونشر كتابا أسماه # Manual (Enchiridion) # أي ~~«الكتيب» أو «الموجز» أو «المختصر» أو «المحصل» أو «الدليل المرشد». ~~وهو عبارة عن قطوف من «المحادثات» دبجها أريان في صياغة محكمة ~~مختصرة تسعف القارئ المشغول، ولكنه لا يغني الباحث عن قراءة ~~«المحادثات». ~~(2) مقدمة أريان ل «المحادثات» # إلى لوشيوس جاليوس، مع تمنياتي له بالسعادة # وبعد، فأنا لم أكتب «محادثات إبكتيتوس» هذه بالطريقة التي ~~يفترض أن يكتب بها المرء مثل هذه الأشياء، ولا أنا عمدت ~~بنفسي إلى نشرها. بل إنني لأصرح بأني لم أكتبها فضلا عن أن ~~أقوم بشرها. إنما وجه الأمر أنني حاولت أن أدون كل ما ~~سمعته يقول حرفيا جهد ما أستطيع، بغية أن أحتفظ بها ~~لنفسي فيما بعد كمذكرات لأفكار إبكتيتوس وشجون حديثه؛ ومن ~~ثم فإن «المحادثات» بطبيعتها أشبه بما عسى أن يفضي به ~~إنسان لآخر عفو الخاطر، لا بما يكتبه بقصد أن يقرأه آخرون. ~~وإذ كان الأمر كذلك فلست أعرف كيف وقعت «المحادثات» في أيدي ~~الناس بدون موافقتي أو علمي. غير أنني لا يهمني في شيء أن ~~أرى، بعد، غير متضلع في الكتابة، ولا يهم إبكتيتوس على ~~الإطلاق أن يستخف أي شخص بأقواله؛ ذلك أنه عندما كان يفوه ~~بهذه الكلمات فقد كان من البين أنه لم يكن يبتغي إلا أن ~~يحث عقول مستمعيه إلى خير الأشياء. فإذا ما آتت هذه ~~«المحادثات» حقا هذه النتيجة ستكون، في اعتقادي، قد حققت ما ~~ينبغي أن تحققه أقوال الفلاسفة، وإلا فليعلم من يقرءونها أن ~~إبكتيتوس عندما كان يلقيها لم يكن مستمعه يملك إلى أن يتجاوب ~~معها ويهتدي بما أراد إبكتيتوس أن يهدي به. أما إذا لم تؤت ~~«المحادثات» نفسها، كما هي مكتوبة، هذا الأثر فلعل الخطأ ~~خطئي، أو لعل هذا الشيء مما لا سبيل إلى اجتنابه. # والسلام ~~(3) درب الحكمة # غاية الفلسفة عند إبكتيتوس هي غاية عملية أخلاقية: أن ترشد الناس إلى ~~طريق الحياة الصالحة، الطريق الذي يؤدي إلى «اليوديمونيا» # Eudaimonia # أي ~~الحياة السعيدة ms30 المزدهرة. الفلسفة ~~عند إبكتيتوس هي فن الحياة. ومثلما أن المادة الخام التي يعمل عليها ~~النجار هي الخشب، والمادة التي يعمل عليها المثال هي النحاس، كذلك ~~الأمر في الفلسفة-فن الحياة فإن مادتها، أو خامتها، هي الحياة، حياة كل ~~إنسان منا. # يعرف الحكيم الرواقي أن حياة الإنسان الواقعية ليست وردية اللون على ~~الدوام، ويعرف أن أغلب الناس غير قانع بحياته، وأن العوائق ~~والإحباطات تتربص به كل حين، والخيبات والمصاعب تقعد له كل مرصد، ~~وأن لحظات الهناء الحقيقي نادرة وقصيرة، وحتى هذه يتناوشها القلق ~~ويأكلها الحرص وينقصها من أطرافها. إننا مهددون في كل لحظة بالفشل ~~والخسران، والمرض والإصابة، والأخطار والكوارث. وحتى السلامة ليست غير ~~عدو خفي وداء دوي؛ لأنها لا تسلمنا إلا للفناء الآجل ~~والموت المحتوم. ~~«ولكن ما هي الفلسفة؟ أليست تعني الاستعداد لمواجهة الأمور التي تلم ~~بنا؟» (المحادثات، 3-10). لا تعد الفلسفة بتقديم أي شيء «خارجي» من ~~الأشياء التي يظنها الناس خيرا ويرهنون لديها هناءهم وسعادتهم. ~~إنما تنجم الآلام والكروب من اعتقاداتنا الخاطئة عما يكونه الخير ~~الحقيقي، إننا نستثمر أملنا في الشيء الخطأ، أو على الأقل بالطريقة ~~الخطأ. فقدرتنا على بلوغ السعادة والازدهار تعتمد على إرادتنا وحدها ~~ولا تتوقف على أي شيء آخر. غير أن امتلاك الإرادة الخيرة، الإرادة ~~التي تستخلص الخير من كل أمر، ليس بالمهمة اليسيرة، ولا يتم دفعة ~~واحدة، إنه يتطلب الممارسة والتدريب وعدم الاكتفاء بالتعلم النظري، ~~فمزاولة الأفعال يحفظ الطبع ويثبته. # درب الحكمة طويل، درب الانسجام مع الطبيعة. «ليس هناك شيء عظيم يتأتى ~~فجأة، فحتى العنب والتين لا يأتيان فجأة. إذا قلت لي الآن إنك تريد ~~تينة سأجيبك بأنها تتطلب وقتا، دعها تزهر أولا، ثم تحمل ~~ثمرا، ثم تنضج. أليست شجرة التين إذن تقتضي الأرض زمنا حتى تكمل ~~عملها ولا تؤتي ثمارها في ساعة واحدة؟ أتظن أن بإمكانك أن تملك ثمار ~~العقل البشري بسهولة وفورية؟! حذار أن تتوقع ذلك حتى لو قلت لك» ~~(المحادثات، 1-15). # تتمثل الدعوى المحورية للأخلاق الرواقية في أن الخير الوحيد هو الفضيلة ~~والأفعال التي ms31 تبعثها الفضيلة، والشر الوحيد هو الرذيلة والأفعال ~~المدفوعة بالرذيلة. عندما يسعى المرء إلى اللذة مثلا أو الثروة، ظنا ~~منه أن هذه الأشياء خير، فإنه يرتكب خطأ في الحكم يفضي إلى خطأ في ~~الوجدان والنزوع؛ فالخير هو الشيء النافع لصاحبه تحت كل الظروف، وهو ~~وصف لا ينطبق على اللذة والثروة والمنصب والصحة وغير ذلك من الأشياء ~~الخارجية التي قد يستخدمها المرء استخداما سيئا فتكون وبالا ~~عليه. جميع الأشياء إذن، عدا الفضيلة والرذيلة، هي أشياء «أسواء» أو ~~«لا فارقة» # indifferent ~~؛ أي ~~ليست بذاتها خيرا ولا شرا. # يسعى الرواقي، شأنه شأن غيره من الناس، إلى الثروة وإلى الصحة وإلى ~~المجد، ويفضلها على الفقر والمرض والخمول، غير أنه يفعل ذلك بطريق ~~مختلفة عن سواه ممن لا يعيش حياة فلسفية؛ إنه «يفضلها» في حالة ~~تساوي جميع العوامل، ويسميها «المفضلات» # preferables ~~، لا بوصفها خيرا في ذاته، بل بما ~~لها من قيمة أداتية؛ إذ يمكن أن تسهم في ازدهار الحياة بصفتها ~~موضوعات نعمل فيها إرادتنا الخيرة وليس بأي صفة أخرى، غير أنه لا ~~يبتئس لفقدها ولا تذهب نفسه عليها حسرات؛ لأنها ليست خيرا. إنما ~~الخير هو الاستخدام القويم لهذه المفضلات حين تتوافر للمرء. ولن تكون ~~حياته بدونها أقل خيرا ما دام محتفظا بالإرادة الخيرة ومتقبلا ~~لما يجري به القضاء. «الإرادة إذن تحمل في ذاتها كل خير وكل شر. ولما ~~كانت الأشياء الخارجية «متساوية»، فالأفعال الخارجية ليست في ذاتها ~~حسنة ولا قبيحة إذا فصلناها عن الإرادة العاقلة التي تحدثها. وليس ~~معنى هذا أن كل شيء خير، وإنما «الخير» هو ما يفعله المرء مع حسن ~~النية، والشر هو ما يفعله مع سوء النية» (المحادثات، 4-8). «وإذن ~~فالعقل والإرادة عند إبكتيتوس أمران متميزان من الأشياء التي يؤثران ~~فيها. وأفعالنا ينبغي أن لا يحكم عليها بحسب نتائجها، سارة كانت أو ~~مؤلمة، بل بحسب النية التي تصاحبها. والحاكم على الإنسان بالإدانة أو ~~بالبراءة هو الضمير.» # 1 ~~(4) ما في قدرتنا # لكي يحفظ المرء إرادته الأخلاقية ويحقق حياة سعيدة مزدهرة، فلا بد له ~~من ms32 أن يعرف ما هو في قدرتنا وما ليس في قدرتنا؛ لأنه خليق إذا فشل في ~~ذلك أن يظل متوهما أن أشياء مثل الثروة والمنصب والصحة هي خير في ~~حين أنها أشياء «غير فارقة»، ويظل من ثم مهددا بالإحباطات ~~والكروب وعرضة للانفعالات المضطربة التي ليس لنا رغبة فيها وليس لنا ~~سيطرة عليها. ثمة أشياء في قدرتنا وطوقنا وأشياء ليست في قدرتنا وليس ~~لنا بها يد. «فمما يتعلق بقدرتنا أفكارنا ونوازعنا ورغبتنا ونفورنا، ~~وبالجملة كل ما هو من عملنا وصنيعنا، ومما لا يتعلق بقدرتنا أبداننا ~~وأملاكنا وسمعتنا ومناصبنا. وبالجملة كل ما ليس من عملنا وصنيعنا. ~~أما الأشياء التي في قدرتنا فنحن بطبيعتنا أحرار فيها، لا حائل بيننا ~~وبينها ولا عائق. وأما الأشياء التي ليست في قدرتنا فهي أشياء هشة ~~وعبودية وعرضة للمنع وأمرها موكول لغيرنا» (المختصر، 1-1). # ما في قدرتنا إذن هو سلطاننا على أنفسنا، قدرتنا على الحكم بما هو خير ~~وما هو شر، استخدامنا للانطباعات والتصورات، واتخاذنا في حياتنا ~~أحكاما موافقة لطبيعة الأشياء، أحكاما تلهمنا أن حصول الأشياء أمر ~~ضروري وتجعلنا نذعن لحدوثها ونقبلها كما هي وكما أوجدها مصرفها. لا ~~نطمع في تغييرها أو نلوي أعناقها لكي تتخذ شكل رغباتنا ~~وأمانينا. # لنا أن نتخذ احتياطنا لئلا يسطو لص على ممتلكاتنا، ولكن نية السرقة ~~تبقى بطبيعة الحال في قدرة اللص. وقد نحرص على سمعتنا نقية من الشين ~~والدرن، ولكنها في النهاية تتحدد بما يظنه الناس بنا وهو أمر متروك ~~لهم وخارج عن قدرتنا وسلطاننا. «أجدر بك إذن أن تشكر الآلهة على ~~أنها أعفتك من المحاسبة على الأشياء التي ليست في قدرتك، ومنها أبواك ~~وإخوتك وجسمك وممتلكاتك وحياتك وموتك، دع هذه الأشياء يصرفها ~~مصرفها ولا تكب إلا على ما هو في قدرتك: الاستخدام الصحيح ~~للانطباعات» (المحادثات، 1-12). ~~(5) الاستخدام الصحيح للانطباعات # يذهب إبكتيتوس إلى أن الثبات أمام الشدائد والسيطرة على الانفعالات ~~العنيفة، وهو ما نعنيه بالموقف الرواقي في لغتنا الحديثة، يتطلب منا ~~أن نستخدم انطباعاتنا، أو مدركاتنا، استخداما قويما موضوعيا بريئا ~~من أي تزيد ms33 أو افتئات على الواقع. # تبدأ المعرفة عند الرواقيين ب «الانطباع» (المظهر)، وهو الأثر الذي يطبعه ~~في الذهن شيء خارجي كما ينطبع الخاتم على الشمع، وسرعان ما يتخذ ~~الانطباع الحسي شكل «قضية» # proposition # مفادها أن شيئا ما أو آخر هو القائم ~~هناك حقا وصدقا (في الخزانة حبل مثلا أو في الخزانة ثعبان). ذلك ~~هو «التصديق» # assent # العقلي على ~~الانطباع الغفل. ينطوي هذا التصديق على «حكم قيمة» # value judgement # يفيد أن هذا ~~الشيء مرغوب أو غير مرغوب أو غير فارق، ومن شأنه أن يحدد موقفنا ~~الوجداني (الرغبة/النفور) والنزوعي (الإقدام/الإحجام) تجاهه. يرى ~~الرواقيون أن أغلب البشر بعيدون عن المعيار العقلاني بعدا كبيرا ~~يجعلهم يصدقون على انطباعات زائفة أو يتزيدون على الانطباع الموضعي ~~بأحكام ليست منه. ويوصي الحكيم الرواقي بأن نمارس أشد الاحتياط ~~والتريث حين نقوم بالتصديق على انطباعات «محملة بالقيمة»، وأن نتوقف ~~عن الحكم إذا كان ثمة ما يدعو إلى أقل شك. # لا يقتصر الاستخدام القويم للانطباعات على التقدير الصحيح لصدق الانطباع، ~~بل يشمل أيضا التقدير الصحيح لقيمة الانطباع. ويذهب الرواقيون إلى أن ~~جميع الانطباعات أو المظاهر غير قادرة على منح السعادة ولا قادرة على ~~منعها. إنها «لا فارقة» في هذا الشأن. والمعيار الرواقي هنا واضح ~~وحاسم وقاطع: ليست الأشياء الخارجية خيرا ولا شرا، لأنها خارجة عن ~~إرادتنا. إنما الخير والشر هما فعل الإرادة ومقصوران على ما هو داخل ~~في نطاق قدرتها. ~~«... كذلك ينبغي أن نتدرب يوميا ضد الانطباعات؛ فهذه أيضا تقترح علينا ~~أسئلة: «مات فلان؟» الجواب: الأمر ليس قدرة الإرادة؛ الأمر بالتالي ليس ~~شرا. «أب حرم ابنا معينا من الميراث، ما رأيك في ذلك؟» إنه ~~شيء خارج عن إرادتنا، ومن ثم فهو ليس شرا. «أدان قيصر فلانا»، ~~ذاك شيء خارج عن الإرادة ... ليس شرا. «الرجل مبتئس لذلك.» الابتئاس ~~شيء يعتمد على الإرادة: إنه شر. «الرجل تحمل الإدانة بشجاعة.» هذا ~~شيء داخل في قدرة الإرادة: إنه خير. إذا دربنا إرادتنا على هذا النحو ~~فسوف نحقق تقدما؛ لأننا لن نصدق على أي شيء ليس ms34 لديه انطباع ~~قابل للإدراك (لن نزايد على المدركات الموضوعية بأحكام من عندنا). ~~ولدك مات. ماذا حدث؟ ولدك مات. لا أكثر؟ لا أكثر. سفينتك فقدت. ~~ماذا حدث؟ سفينتك فقدت. فلان زج به إلى السجن. ماذا حدث؟ لقد ~~زج به إلى السجن. أما أنه في هذا قد نكب فذاك شيء يزايد به ~~كل من رأيه الخاص. تقول: «ولكن زيوس لم ينصف في هذه الأمور.» ~~لماذا؟! لأنه خلقك قادرا على الاحتمال؟! لأنه خلقك شهما؟! لأنه ~~سلب من الأشياء التي تحيق بك القدرة على أن تكون شرا؟! لأن بوسعك أن ~~تكون سعيدا بينما تعاني ما تعانيه؟ لأنه فتح لك الباب إذا كانت ~~الأشياء لا تروقك؟! # 2 # أيها الرجل، اذهب وكف عن الشكوى» (المحادثات، ~~3-8). # لكي نبلغ اليوديمونيا يتوجب علينا أن ننصف في حكمنا على الأشياء؛ «فليست ~~الأشياء ما يكرب الناس، ولكن أحكامهم على الأشياء» (المختصر، 5). ~~«تذكر أن من شتمك أو ضربك لم يهنك، وإنما الذي أهانك هو حكمك بأن ~~هذه الأشياء إهانة. فاعلم إذن كلما أغضبك أحد أن فكرتك ذاتها هي ما ~~أغضبك؛ لذا حاول جهدك في المقام الأول ألا تجرفك المظاهر؛ فبمجرد أن ~~تمنح نفسك مهلة وتتريث في الأمر سيكون أيسر عليك أن تتمالك نفسك» ~~(المختصر، 20). ~~(6) المواضيع الثلاثة للفلسفة # ثمة مواضيع ثلاثة للبحث # topoi # تتقاسم ~~الأنشطة التي يطبق فيها طالب الفلسفة مبادئه الرواقية. إنها تدريبات ~~عملية إذا نجح في اتباعها بلغت به الحياة اليوديمونية التي هي غاية ~~البشر جميعا وبوسعهم تحقيقها. «الموضوع الأول يتعلق بالرغبة والنفور، ~~ويكفل للإنسان ألا يفشل أبدا في تحقيق رغباته ولا يقع أبدا فيما ~~يكره. والموضوع الثاني يتعلق بالنزوع إلى الفعل أو الإحجام عنه، وبصفة ~~عامة هو السلوك القويم؛ أي الفعل المنظم الحصيف غير الطائش. والموضوع ~~الثالث يتعلق بالتحرر من الوهم والحكم المتسرع، وبعامة هو كل ما يتصل ~~ب «التصديق» # assent ~~» (المحادثات، ~~3-2). # موضوع الوجدان # يتناول مبحث الوجدان الأشياء التي ينبغي على الإنسان أن يرغب ~~فيها. ويذهب الرواقيون إلى أن الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يرغب ~~فيه الكائن العاقل ms35 هو الخير الحقيقي؛ أي الفضيلة والفعل ~~المدفوع بالفضيلة. أما «الأشياء الخارجية» التي ليست تحت ~~إمرتنا وليس لنا سلطان عليها، فإن من يرغب فيها إنما يضع أمله ~~في يد الغير ويضع نفسه تحت رحمة الظروف، فيتعرض للإحباط واليأس ~~والقلق والجزع وغيرها من الانفعالات التي تورثه الشقاء ~~والتعاسة. وبدلا من أن نحاول التخلص من هذه الانفعالات ~~بالتهالك للحصول على ما نرغب فيه من الأشياء الخارجية يوصينا ~~إبكتيتوس بالطريق الأقصر؛ وهو قتل الرغبة نفسها في الأشياء ~~الخارجية والاستغناء عن كل ما هو خارج سلطة إرادتنا، بحيث ~~تقتصر رغبتنا على الفضيلة والفعل العقلاني الفاضل، وهو شيء في ~~مقدورنا وطوع إرادتنا. «فلتنصرف عن الأشياء التي ليست في ~~قدرتك، وتعد الخير والشر وقفا على الأشياء التي في قدرتك؛ ~~ذلك أنك إذا رأيت أيا من الأشياء التي ليست في قدرتك خيرا ~~أو شرا فإنك قمين بالضرورة أن تتبرم إذا ما فشلت في الحصول ~~على ما ترغب أو وقعت فيما لا ترغب، وأن تلوم المتسببين في ذلك ~~أو تكرههم» (المختصر، 31). # فإذا ما سعينا إلى «المفضلات»، الصحة والمنصب والمال والولد ... ~~إلخ، فينبغي أن يكون سعينا وئيدا مشروطا بحيث لا نبتئس إذا ~~أخفقنا في نيلها أو إذا فقدناها بعد الحصول عليها. إنما ~~يأتينا القلق من رغبتنا فيما ليس في قدرتنا، أما الحكيم ~~الرواقي الذي يعد الأشياء الخارجية غير فارقة، ولا يرغب إلا ~~فيما هو طوع إرادته، لا يمن عليه أحد بشيء ولا يسلبه أحد ~~شيئا، فمن أين يأتيه القلق؟ (المحادثات، 3-12). # موضوع النزوع # يتناول مبحث النزوع الإقدام والإحجام، ماذا أفعل وكيف أسلك كفرد ~~في سياق ظروفي الشخصية الخاصة لكي أؤدي بنجاح دوري ككائن ~~اجتماعي عاقل يسعى إلى الامتياز. # من البديهي أن نتائج أفعالنا ليست خاضعة لإرادتنا خضوعا ~~تاما؛ غير أن ميلنا إلى الفعل على نحو معين دون الآخر، ~~وسعينا نحو مجموعة من الأهداف دون الأخرى هما في قدرتنا ومن ~~اختيار إرادتنا. وعلى الإنسان أن يحسن هذا السعي وذاك الميل، ~~وليس عليه أن يضمن النتائج، ما دام أمر النتائج متوقفا على ms36 ~~عوامل أخرى ليست جميعها تحت إمرتنا وسيطرتنا. يقول الشاعر ~~العربي في هذا المعنى: # وعلي أن أسعى ولي # س علي إدراك النجاح # ويضرب إبكتيتوس مثالا لذلك عملية الرمي بالقوس والسهم. إن ~~الرامي يريد أن يصيب بسهمه صميم الهدف، غير أن هذه النتيجة ~~المثالية تتوقف، إلى جانب إجادة الرمي، على عوامل أخرى ليست ~~تحت سيطرته، فقد ينحرف السهم عن مقصده قليلا بفعل حركة الريح، ~~وقد تنزلق أصابع الرامي، وقد ينكسر القوس ... إلخ. يقصر الرامي ~~الرواقي اهتمامه على إجادة الرمي، ولا يبتئس البتة إذا خابت ~~رميته ولم تصب الصميم. كذاك الأمر في الحياة بصفة عامة؛ يرى ~~الإنسان غير الرواقي أن نجاحه في الحياة هو في أن يصيب ~~الهدف . أما الرواقي فيرى أن نجاحه هو في أن يجيد ~~الرمي. # لهذا الفرق الدقيق في التوجه الحياتي متضمنات سيكوباثولوجية ~~هائلة، إن إصابة الهدف غير مضمونة مهما تصدق الجهود؛ ~~ومن ثم فإن الإنسان غير الرواقي عرضة للإحباط ~~والاضطراب، وحتى إن حالفه الحظ مرة ونال مراده، فإنه يظل ~~مرتهنا للحظ وتحت رحمة الظروف ويظل طائف الخيبة يلازمه ~~ويؤرقه. إنه من وجهة النظر الرواقية مريض حتى لو أمهلته ~~الأعراض حينا وهادنه الحظ. # ويذهب إبكتيتوس إلى أن الأفعال القويمة إنما تقاس بالعلاقات ~~التي ترتبط بها: علاقة الأخوة، الأبوة، البنوة، الصداقة، ~~الزوجية، الجيرة، المواطنة، الزمالة، المهنة ... إلخ. يقول ~~إبكتيتوس: «العلاقات تحدد الواجبات. «هو والدك» تعني أن عليك ~~أن ترعاه وتذعن له في كل أمر، وتحتمله إذا أهانك أو ~~ضربك. ~~- «ولكنه أب سيئ.» ~~- حسنا، وهل لديك أي حق طبيعي في أب جيد؟ كلا، بل في أب ~~فحسب. ~~- «أخي يسيء إلي.» ~~- احرص إذن على أن تحفظ العلاقة التي تربطك به. ولا يهمك ما ~~يفعله هو، بل ما يجب عليك أنت فعله إذا كانت غايتك أن تظل ~~منسجما مع الطبيعة. فما كان لأحد أن يضرك ما لم ترد أنت ~~ذلك. إنما يقع الضرر إذا افترضت أنت أنك أضرت. # كذلك إذن سوف تعرف واجبك من علاقتك: بالجار، بالمواطن، بقائد ~~الجيش. إذا أنت اعتدت أن تتأمل ms37 العلاقات» (المختصر، ~~30). # إن الأفعال التي نتخذها يجب أن تكون مدفوعة بالواجبات المحددة ~~التي علينا الاضطلاع بها وفقا لموقعنا وعلاقاتنا بالآخرين ~~وأدوارنا التي تبنيناها في تعاملاتنا مع المجتمع الأوسع. وإن ~~مصلحتنا في العيش الهانئ ككائنات عاقلة تقتضينا أن نسلك السلوك ~~الفاضل وأن نتحلى بالصبر والرفق والعدل وصفاء النفس ولين ~~الجانب، والشجاعة إذا اقتضى الأمر، و«حيثما تخليت عن أي من ~~هذه المبادئ، فإنك تعاني الخسران في الحال، ليس خسرانا من ~~الخارج بل خسران صادر من الفعل نفسه» (المحادثات، ~~4-12). # إن فشلنا في أن نتذكر من نحن، سيفضي إلى فشلنا في اقتفاء تلك ~~الأفعال اللائمة لظروفنا والتزاماتنا الشخصية، يحدث ذلك لأننا ~~ننسى ما هو النعت أو الاسم الذي يسمنا: ابن، أخ، مواطن، ~~قائد ... «فكل اسم من هذه الأسماء إذا عايناه حق عيانه يشير ~~دائما إلى أفعال لائقة به» (المحادثات، 2-10). # إذن لكي يحقق الطالب الرواقي تقدما في مجال الفعل يتعين عليه ~~أن يكون على وعي دائم، لحظة بلحظة، بشيئين اثنين: ما هو الدور ~~الاجتماعي الذي يقوم به، وما هي الأفعال المطلوبة أو المناسبة ~~لأداء هذا الدور على أفضل نحو ممكن. # موضوع التصديق (الحكم) # عندما «نصدق» على انطباع معين فإننا نلزم أنفسنا بهذا ~~الانطباع بوصفه تمثيلا صحيحا لما تكونه الأشياء، قائلين: ~~«نعم، هكذا الأمر.» مبحث التصديق إذن هو تدريب نطبقه على ~~انطباعاتنا، حيث نقوم بتأويلها والحكم عليها، لكن ننتقل من ~~«الانطباع ب» شيء ما إلى «إعلان أن» هذا الشيء هو القائم ~~هناك؛ «فكما اعتاد سقراط أن يقول: إن حياة لا تخضع للنقد هي ~~حياة غير جديرة بأن نحياها، كذلك علينا ألا نقبل أي انطباع ~~لم يتم تمحيصه، بل أن نقول: «قف، دعني أرى ماذا تكون ومن أين ~~أتيت.» تماما كما يقول العسس: «أرنا أمارتك»» (المحادثات، ~~3-12). ~~«فليكن دأبك إذن منذ البداية أن تقول لكل انطباع مزعج: «أنت ~~مجرد انطباع، ولست بأي حال ذلك الشيء الحقيقي الذي تمثله.» ~~ثم افحصه وقدره بتلك المعايير التي لديك، وأولها هذا: ~~أيتعلق هو بالأشياء التي في قدرتنا، أم بالأشياء ms38 الخارجة عن ~~إرادتنا؟ فإذا كانت الأخيرة فكن على استعداد لأن تقول بأن هذا ~~الانطباع لا يعنيك في شيء» (المختصر، 1). # إن علينا أن نفعل ذلك حتى لا نقع ضحية التقييمات الذاتية ~~الزائفة، فيكون بوسعنا أن نتحرر من الخداع ومن عقد أحكام طائشة ~~تضللنا في مسارنا في المجالين الآخرين: الوجدان والفعل، من شأن ~~التقييم الخاطئ أن يؤدي بنا إلى أن نرغب في الأشياء الخطأ (أي ~~الأشياء اللافارقة)، وأن نأتي الأفعال غير المناسبة فيما يتصل ~~بوجداناتنا والتزاماتنا. الموضوع الثالث إذن، أي التصديق، يضمن ~~سلامة الموضوعين الآخرين؛ أي الوجدان والنزوع، وبعبارة أخرى ~~فإن التقييم الصحيح يفضي إلى الرغبة الصحيحة والفعل الصحيح. ~~«سفينتك فقدت. ماذا حدث؟ سفينتك فقدت. أما أنك قد نكبت ~~فذاك تزيد من عندك.» ما ينبغي تجنبه إذن هو أن نضيف إلى ~~انطباعاتنا، بتسرع ودون تقييم صحيح، أي حكم بأن خيرا أو ~~شرا قد وقع؛ لأن الخير الوحيد هو الفضيلة الأخلاقية، والشر ~~الوحيد الذي يمكن أن يحل بأي منا هو أن ينخرط في أفعال ~~مدفوعة بالرذيلة؛ لذا فأن ترى فقدان سفينة على أنه كارثة يعد ~~تصديقا للانطباع الخاطئ؛ فالانطباع الذي لدينا لا يعدو أن ~~يكون فقدان سفينة. أما أن تتخذ الخطوة الإضافية بأن تعلن أن ~~هذا نكبة أو ضرر فهو تصديق بانطباع لا وجود له في واقع الأمر، ~~وعند الرواقي أن فقدان سفينة ليس أكثر من أحد «اللامفضلات ~~اللافارقة»، ولا يمثل ضررا حقيقيا. # قلنا إن جميع أفعالنا ترتكز على التصديقات التي نمنحها ~~للانطباعات التي نتلقاها. لدي على سبيل المثال انطباع بشاب ~~يمسك بامرأة عجوز من ذراعها. يتمثل هذا الانطباع لملكتي ~~العقلية في صورة «قضوية» # propositional ~~: شاب يهاجم امرأة عجوزا. لقد ~~منحت تصديقا لهذه القضية، وهذا التصديق يخلق في اعتقادا ~~بأن الشاب يهاجم العجوز. وقد أثار هذا «وجداني» وحثني على ~~«الفعل» فتدخلت فيما يجري، لأكتشف أن الشاب في حقيقة الأمر ~~كان يساعد العجوز على عبور الطريق. لقد ارتكبت خطأ في هذه ~~الحالة: لقد صدقت على انطباع كاذب. # من دأب الناس أن تصدق على «قضايا» ms39 # propositions # عن الأحداث تنطوي على «أحكام ~~قيمة» مضمرة: «لقد كان موته شيئا فظيعا.» «وددت لو لم يحدث ~~هذا.» «لم تجر المقابلة على ما يرام.» أما لدى الرواقي فإن ~~كل حدث خارجي هو «شيء غير فارق»؛ أي ليس في ذاته خيرا ولا ~~شرا؛ لذا فحيثما يصدق أي امرئ على انطباع بأمر خارجي ينطوي ~~في داخله على حكم قيمة، فإنه يرتكب خطأ إبستمولوجيا، يوضح ~~ماركوس أوريليوس هذه المسألة في التأملات بقوله: «لا تزايد ~~على رواية الانطباع الأول بشيء من عندك. افترض أنه قد جاءك أن ~~شخصا ما يعيبك؛ هذا ما روي، أما أنت قد أضرت، فهذا ما ~~لم يرو. أو هبني أرى طفلي مريضا، هذا ما أراه، أما أنه ~~في خطر فشيء لا أراه. هكذا التزم دائما بالانطباع الأول ولا ~~تضف عليه شيئا من أفكارك أنت. وهكذا كل ما في الأمر، وإلا ~~فإن بوسعك أن تضيف ما لا نهاية له إضافة من يعرف كل ما يجري ~~في العالم» (التأملات، 8-49). # يطبق إبكتيتوس هذا المبدأ في تقييمه للتراجيديات اليونانية ~~الكبرى والملاحم الهومرية. وعلى العكس من أولئك الذين يذهبون ~~إلى أن الحالة البشرية تراجيدية في صميمها (نيتشه المبكر على ~~سبيل المثال)، فإن إبكتيتوس يرى أن هذه القصص مجرد نتاج ~~لتصديقات خاطئة من جانب شخصيات تعاني قصورا. عن الإلياذة ~~مثلا يقول إبكتيتوس: «لا تعدو مكونات الإلياذة أن تكون ~~انطباعات واستخدام تلك الانطباعات، انطباعا دفع باريس إلى أن ~~يخطف هيلين، وانطباعا دفع هيلين إلى أن تتبعه. إذن لو كان ~~ثمة انطباع لدى مينيلاوس جعله يستشعر أنه لخيره ومن مصلحته أن ~~سلبت منه مثل تلك الزوجة فماذا كان سيحدث؟ كنا عدمنا ~~الإلياذة، بل والأوديسا أيضا» (المحادثات، 1-28). # إن أفعال أبطال هوميروس وشخصيات أسخيليوس وسوفوكليس ليست أكثر ~~من نواتج تصديقات خاطئة - اختيارات معرفية خاطئة. ومعاناة هذه ~~الشخصيات هي نتيجة مباشرة لهذه الاختيارات. يعي إبكتيتوس ~~جيدا أن أغلب البشر بعيدون كل البعد عن المعيار العقلاني ~~للحكيم المثالي. ومن ثم فإنه مقدر لهم أن يصدقوا على ~~انطباعات زائفة. ووصيته لنا ms40 هي أن نمارس أشد الاحتياط عندما ~~نقوم بالتصديق على أي انطباعات وأن نتوقف عن الحكم إذا كان ~~ثمة ما يدعو إلى أقل شك. والسبيل إلى تجنب المعاناة التي ~~نشهدها في التراجيديات والملاحم الكبرى هو التوقف عن وضع ~~اختيارات في صورة تصديقات عندما نواجه بانطباعات محملة ~~بالقيمة ... بل نتأسى بقول سقراط: «أي عزيزي أقريطون، إذا كان ~~هذا ما تريده الآلهة، فلتكن مشيئتها.» ولا نقول: «ما أتعسني من ~~شيخ؛ تراني أنفقت العمر وبلغت المشيب من أجل هذا؟!» # 3 # لعلك تسأل: من الذي يقول مثل ذلك. وأنا لن ~~أسمي لك أحدا من المغمورين أو النكرات. ألم يقل بريام مثل ~~هذا؟ ألم يقل أوديب؟ بلى، جميع الملوك يقولون هذا! وماذا تكون ~~المسرحيات التراجيدية غير ضرب من الشعر يعرض المآسي التي تحيق ~~برجال أفرطوا في تقدير قيمة الأشياء الخارجية؟ فإذا كانت ~~التراجيديا تعلمنا أن نضرب صفحا عن أي شيء خارجي غير خاضع ~~لإرادتنا، فأنعم بهذا الجانب من التراجيديا الذي يعينني ~~على أن أعيش سعيدا مطمئنا. فإذا كنت ترى في التراجيديا ~~رأيا آخر فلك ما تريد» (المحادثات، 1-4). ~~(7) الله # يستخدم إبكتيتوس كلمة «الله»، ~~و«الآلهة»، و«زيوس»، على التعاوض. فقد جمع الرواقيون بين نظرة تعدد ~~الآلهة على ما كان معهودا في آراء الجمهور اليوناني القديم، وبين مذهب ~~الرواقية الخاص في وحدة الوجود، فقالوا: إن الآلهة هي في مجموع ~~الطبيعة مظاهر مختلفة لإله واحد، وعلى هذا النحو ظل الرواقيون يستعملون ~~لفظة «الآلهة» بالجمع، ولم يحذفوه من لغتهم ولا من مذهبهم. يقول ~~إبكتيتوس في «المختصر»: «أما بخصوص التقوى تجاه الآلهة، فلتعلم أن ~~هذا هو رأس الأمر: أن تتصورهم على النحو الصحيح، بوصفهم موجودين ~~ويديرون الأشياء على أقوم نحو وأعدله. وأن تعقد عزمك على هذا: أن ~~تطيعهم وتمتثل لإرادتهم في كل شيء يحدث، وتتبعهم طائعا في كل ما يجري ~~بوصفه من تصريف الحكمة العليا. فبذلك لن تلوم الآلهة أبدا ولن تتهمها ~~بالتقصير» (المختصر، 30). # على أن إبكتيتوس يتحدث عن «الله» أكثر مما يتحدث عن «الآلهة». وفي ~~«المختصر» يستخدم إبكتيتوس تشبيه «القبطان»، الذي ms41 يدعونا للعودة إلى ~~ظهر السفينة لاستئناف الرحلة ليمثل لنا حتمية الرحيل عن هذه الحياة ~~إلى الحياة الأخرى: «مثلما يحدث حين ترسو سفينتك في رحلتها بعض حين ~~بأحد الموانئ. إذا ذهبت لكي تشرب فقد يطيب لك في الطريق أن تلتقط ~~قوقعة من هنا أو كمأة من هناك. غير أن فكرك وانتباهك ينبغي أن ~~يكونا ملتفتين دوما إلى السفينة، مرتقبا نداء القبطان للإبحار. هنالك ~~يتعين عليك أن تلقي بكل هذه الأشياء، وإلا فسوف تربط ويلقى بك في ~~السفينة كالشاة. كذلك الأمر في الحياة: فإذا وهبت، بدلا من القوقعة ~~أو الكمأة بزوجة أو ولد فلا بأس، ولكن إذا ما نادى القبطان فإن عليك أن ~~تهرع إلى السفينة تاركا إياهما غير مكترث بأي منهما» (المختصر ، ~~7). # وفي غير موضع من «المحادثات» و«المختصر» يصوره في صورة «المعطي» الذي يجب ~~أن نرد إليه جميع الأشياء التي تمتعنا بها على سبيل القرض: أقاربنا ~~وأصدقاءنا حين يحجبهم الموت، وممتلكاتنا حين نفقدها في الكوارث: «لعلك ~~تقول إن من أخذها مني لشرير، فهل يهمك بوساطة من استرد منك ~~الواهب ما أعطى؟! فما دام قد أعطاكها فتعهدها كشيء يخص غيرك، ~~تماما مثلما يتعامل عابرو السبيل مع النزل» (المختصر، 11). «هل ~~تسخط وتتأبى على مقادير زيوس التي قضى بها وحددها لك مع آلهة القدر ~~التي غزلت في حضوره خيط مصيرك لحظة ميلادك؟» (المحادثات، 1-12). كلا، ~~بل يجمل بك أن تصلي لله لكي يقودك إلى المصير الذي رسمه لك، وتقول مع ~~كليانتس: «قدني يا زيوس، وأنت أيها القدر، إلى حيث رسمتما لي الطريق، ~~فأنا متبعكما دون تردد، وحتى لو أخذني الارتياب فتثاقلت وتملصت، ~~فلن أكون مع ذلك أقل متابعة لكما.» # يأخذ إبكتيتوس ب «حجة التصميم الذكي» لإثبات وجود الله؛ فالنظام والتناغم ~~البديع الماثل في الكون والمدرك للعيان، مرده إلى عناية إلهية ترأم ~~العالم وتسيره بذكاء وتبصر. «الله اصطفى الإنسان ليكون مشاهدا لله ~~وأعماله. ليس مشاهدا فقط، بل ومفسرا أيضا ... ما أروع أن ترحل إلى ~~الأولمب لتشاهد أعمال فيدياس، والأروع أن تشاهد أعمال الله وإبداعه ~~حيثما ms42 كنت» (المحادثات، 1-6). # ويأخذ الرواقيون بمذهب خاص في «وحدة الوجود»، مفاده أن كل ما بالوجود هو ~~مادة. ثمة مادة منفعلة غفل من كل صفة، وثمة مبدأ فاعل وإلهي ~~وهو العقل الكامن في المادة، وهو جسم لطيف يداخل المادة ويتغلغل في ~~العالم كالعسل في الشمع ويشيع فيه كالروح في البدن ويحدث الأشياء ~~بإعطائها صورها. # ويذهب الرواقيون إلى أن عقل كل إنسان منا هو قبس من الله أو «كسرة ~~من زيوس»، وأن العقلانية التي يملكها كل منا هي في الحقيقة جزء من ~~عقلانية الله، وهي العقلانية التي يعرفها إبكتيتوس في المقام الأول ~~بأنها القدرة على الاستخدام الصحيح للانطباعات: «إبكتيتوس، لو كان ~~بالإمكان لكنت جعلت جسدك الضئيل حرا لا يعوقه عائق، وكذلك ثروتك ~~الضئيلة. ولكن أفق، فهذا الجسد ليس خاصتك: إنه مجرد صلصال سويته ~~بعناية، ولما تعذر أن أهبك ذلك فقد منحتك شيئا من نفسي: ملكة ~~الاختيار بين البدائل، الطلب والإعراض، الرغبة والنفور، وباختصار: ~~استخدام مظاهر الأشياء. فإذا استطعت أن تحفظ هذه العطية وتجعل ملكك ~~محصورا فيها مقصورا عليها، فلن تعرف القيد أبدا ولا العوائق، ولن ~~تئن ولن تشكو، ولن تتملق أحدا، كيف تستهين إذن بكل هذه المزايا؟!» ~~(المحادثات، 1-1). ~~«ما الذي وهبني الله كشيء يخصني ويخضع لسلطاني، وما الذي أبقاه لنفسه؟ ~~وهبني كل الأشياء التي تقع داخل نطاق إرادتي (قدرتي)، وأخضع هذه ~~الأشياء لسيطرتي دون موانع أو عوائق. أما جسدي المجبول من طين، فكيف ~~يمكن أن يجعله خالصا من العوائق؟! لم يكن بد من أن يجعل جسدي ~~عرضة لثوران «الكل»، وكذلك ممتلكاتي وأثاثي ومنزلي وأبنائي وزوجتي، ~~لماذا إذن أتمرد على الله؟ لماذا أريد ما هو خارج عن إرادتي؟ لماذا ~~أريد أن أمتلك ما ليس لي على الإطلاق؟ ~~- ولكن ما هو الموقف الذي ينبغي علي أن أتخذه تجاه هذه الأشياء التي ~~منحت لي؟ ~~- أن أحفظها لدي وفقا للطريقة التي أسديت بها إلي والأمد المقدر ~~لها في حيازتي، ولكن من أعطى يسترد. وإذا استرد الواهب ما أعطى ~~فلماذا أمانع؟ إن من الحماقة أن أمانع ms43 من هو أقوى مني. والأهم من ذلك ~~أنه من الغبن أن أفعل ذلك؛ فمن أين حصلت على هذه الأشياء عندما جئت إلى ~~الوجود؟ لقد منحني إياها والدي، ولكن من الذي منحه إياها؟ ومن الذي ~~خلق الشمس، والثمار، والفصول؟ ومن الذي عقد الصلات بين البشر؟ # ثم بعد أن تلقيت كل شيء - حتى نفسك - من غيرك، أتغضب وتلوم ~~المعطي إذا أخذ أي شيء منك؟ من أنت؟ ولأي غاية جئت إلى العالم؟ ~~ألم يأت بك هذا الواهب وأضاء لك السبيل؟ ألم ينعم عليك برفاقك؟ ألم ~~يهبك حواسك؟ ألم يمنحك العقل؟ وبأية صفة أتى بك إلى هنا؟ أبصفة كائن ~~مخلد؟! ألم يأت بك بصفة كائن يعيش على الأرض بجسد ضئيل لكي تعاين ~~إدارته، وتشاهد معه العرض الرائع ، وتشارك في مهرجان الوجود لفترة ~~وجيزة؟ وبعد أن شاهدت العرض والمراسم بقدر ما أتيح لك ألن ترحل عندما ~~يذهب بك، حامدا وشاكرا له على ما أراك وما أسمعك؟ تقول: «بلى، ولكني ~~ما زلت أريد المزيد من متعة المهرجان.» والمبدأ أيضا يود لو تطول ~~به المراسم، والمتفرجون في الأوليمبياد يودون رؤية المزيد من ~~المتنافسين، ولكن الاحتفال انتهى، فاذهب شاكرا قنوعا ... أخل مكانا ~~لغيرك، ثمة آخرون ينبغي أن يولدوا كما ولدت فيجدوا مكانا لهم ~~ومأوى وحوائج. فإذا لم يرحل السابق فماذا يبقى للاحق؟ لماذا أنت جشع ~~لا تقنع؟ لماذا تزحم العالم؟!» (المحادثات، 4-1). ~~(8) العيش في انسجام مع الطبيعة # كثيرا ما يطلق على وجهة النظر التي يتبناها الطالب الرواقي والأفعال ~~التي يؤديها سعيا إلى الامتياز اسم «اتباع الطبيعة» أو «الحياة في ~~انسجام مع الطبيعة»، إنه على وعي دائم بموقعه وصفته وبالأفعال التي ~~تليق بهما، وتقبل غير مشروط لقدره ومصيره، وإذعان لحدوث الأشياء ~~مثلما تحدث ومثلما شاء لها مصرفها. فإذا عنفه أخوه فإنه لا ~~يستجيب لذلك بالغضب والسخط؛ لأن هذا مضاد للطبيعة التي حددت كيف ~~ينبغي أن يتعامل الأخوان. # ولكي نحفظ أنفسنا في انسجام مع الطبيعة فإن علينا أن ننتبه إلى شيئين: ~~إلى أفعالنا بحيث تأتي استجاباتنا على نحو ملائم، وإلى ms44 العالم الذي ~~نجترح فيه أفعالنا والذي يحث تلك الأفعال في المقام الأول: «إذا كنت ~~معتزما القيام بعمل ما، ذكر نفسك بطبيعة هذا العمل. فإذا كنت ~~ذاهبا لكي تستحم فتمثل في نفسك ما يحدث في الحمامات العامة: ثمة ~~من يرشش الماء، والبعض يتدافعون بالمناكب، آخرون يسب بعضهم ~~بعضا، وهناك من يسرق، وهكذا سوف يتسنى لك الاضطلاع بشأنك على نحو ~~آمن إذا قلت لنفسك: لقد اعتزمت الآن أن أغتسل وأن أحفظ إرادتي في ~~انسجام مع الطبيعة، وليكن هذا دأبك في أي عمل آخر، فبذلك إذا ألمت ~~بك في اغتسالك أي عوائق سيمكنك أن تقول: «لم يكن مقصدي الاغتسال ~~فحسب، بل قصدت أيضا أن أحفظ إرادتي في انسجام مع الطبيعة، ولن يكون ~~لي أن أحفظها هكذا إذا أنا تبرمت مما يحدث»» (المختصر، 4). # في هذه الشذرة عن الحمامات يتحدث إبكتيتوس عن المتاعب المتوقعة في مواقف ~~معينة، ويوصينا بتوقع مثل هذه المتاعب بحيث إذا وقعت لا تثير فينا ~~عجبا ولا غضبا. وفي مقابل ذلك ثمة مواقف تحل فيها الشدائد بغتة ~~وعلى غير انتظار، إلا أن استجابة الرواقي تظل واحدة في الحالتين: ~~إنه يتقبل ما قدره الله له، ويجعل من وقوع المحنة مناسبة لممارسة ~~الفضيلة وتقوية الإرادة. «إن الشدائد تكشف الرجال؛ ومن ثم فإذا ~~نزلت بك نازلة فتذكر أن الله يعجم عودك، شأنه شأن مدرب المصارعة ~~الذي يمتحنك بمنازلة شاب شديد البأس، لعلك قائل: «لأي غرض؟» ... عجبا، ~~عساك أن تصبح بطلا أوليمبيا، وهذا لا يتم بدون عرق، وعندي أنه لم ~~يحظ إنسان بمحنة أنفع من محنتك إذا أنت تعاملت معها مثلما يتعامل ~~الرياضي مع خصم فتي» (المحادثات، 1-24). # هكذا ينبغي أن نفهم كل شدة تلم بنا في الحياة، إنها فرصة جديدة لتقوية ~~إرادتنا الأخلاقية. تماما مثلما أن كل جولة جديدة للمصارع هي فرصة ~~له لتدريب مهارته في المصارعة. «الحكيم هو من يسلم أمره لمدبر الكل ~~ويذعن لحكمه مثلما يذعن المواطنون الصالحون لقوانين الدولة. هكذا تكون ~~الحرية الحقة: الحرية ليست في الانفلات والإباحة؛ فالحرية والجنون لا ~~ينسجمان. ms45 إنما الحرية التزام بالأصول، حين أمضي في أي شأن؛ الكتابة ~~مثلا، وأريد أن أكتب كلمة # Dion ~~، هل ~~أكتبها كيفما اتفق أو كيفما يحلو لي؟ كلا، فقد تعلمت أن أكتبها كما ~~ينبغي لها أن تكتب. كذلك الحال في الموسيقى، وفي أي فن آخر أو ~~علم. وإلا فلن تكون ثمة جدوى لأي معرفة إذا كانت المعرفة تخضع لنزوات ~~كل واحد وتتلون بمزاجه ... علي إذن أن أتعلم كيف أجعل رغبتي هي أن ~~يحدث كل شيء مثلما يحدث، وكيف تحدث الأشياء؟ تحدث كما أراد لها ~~مصرفها جل وعلا ... التعلم يجب ألا يتوخى تغيير بنية الأشياء؛ فليس ~~هذا في قدرتنا ولا هو من المستحب أن يكون في قدرتنا، بل يتوخى أن نحفظ ~~عقولنا في تناغم مع الأشياء مثلما هي ومثلما تشاء لها الطبيعة» ~~(المحادثات، 1-12). ~~(9) تشبيهات الحياة عند إبكتيتوس # يستخدم إبكتيتوس عددا من الاستعارات للحياة، لكي يوضح ما ينبغي أن يكونه ~~الموقف الرواقي منها. # الحياة كمهرجان # يحثنا إبكتيتوس على أن ننظر إلى الحياة كمهرجان نظمه الله ~~لمصلحتنا، كشيء يمكن أن نعيشه بابتهاج، ونتحمل مصاعبه التي ~~تحيق بنا لأننا نرنو بأعيننا إلى المشهد الأعرض الذي يدور. ~~«ألم يأت الله بك هنا ككائن فان يعيش على الأرض بجسد ضئيل ~~لكي يشاهد إدارته ويشارك معه، لفترة قصيرة، في مهرجانه؟» ~~(المحادثات، 4-1). # تهيب بنا الأخلاق الرواقية أن نعيش على أفضل نحو ممكن وأن نؤدي ~~واجباتنا كمواطنين في العالم؛ مدينة الله العظيمة. # الحياة كلعبة # إذا كانت الأشياء نفسها غير فارقة، فإن استخدامنا للأشياء ~~فارق! # ليس ثمة تعارض بين الحزم والطمأنينة، أو بين الحرص ~~والشهامة. # ولكي يوضح ذلك يشبه إبكتيتوس الحياة بلعبة النرد: إن الأرقام ~~ليست في قدرتنا، أما استخدام الأرقام فهو في قدرتنا. وعلينا ~~من ثم أن نؤدي اللعب بمهارة وتدقيق. ولا تناقض إذن بين ~~الحرص (في الأداء، أي فيما هو في قدرتنا) وبين خلو البال ~~(تجاه الأرقام، أي فيما ليس في قدرتنا). # ويشبه إبكتيتوس الحياة أيضا بلعبة الكرة: لا يتساءل أحد ~~لحظة هل الكرة شيء جيد أو شيء رديء! ms46 بل ينظر فقط هل يمكنه أن ~~يرميها أو يلقفها بالمهارة المناسبة. ما يهم في لعبة الكرة هو ~~ملكة المهارة والحذق والسرعة والحكم التي يبديها اللاعبون. ~~وإنما بكفاءة استخدام هذه الملكات نعتبر اللاعب قد أجاد ~~اللعب. وفي حين نبدي كل الحرص في إجادة اللعب فإننا غير ~~مكترثين البتة بمادة الكرة. كذلك الأمر في الحياة: إذ نعمل ~~مهاراتنا في مادة خارجية ما. ليس علينا أن نقيم المادة ~~نفسها، جيدة أم رديئة، بل أن نبدي مهارة في استخدامها ونجيد ~~التعامل معها. # الحياة كمسرحية # قلنا: إن إبكتيتوس يهيب بنا أن «نتذكر من نحن» وأي «اسم» ~~نحمله؛ وذلك لأن الدور الذي نلعبه في الحياة سيحدد الأفعال ~~اللائقة بنا؛ فالحياة أشبه بمسرحية ~~علينا أن نتقن دورنا فيها، ~~وليس علينا أن نختاره، ولا هو من اللائق أن نتمرد على الدور ~~الذي قيضه لنا المؤلف؛ إذ ليست العبرة بالدور بل بالأداء. ~~يقول إبكتيتوس في «المختصر»: «تذكر أنك ممثل في مسرحية ~~تمضي مثلما يشاء لها المؤلف، قصيرة إذا شاء لها القصر، ~~وطويلة إذا شاء لها أن تطول. إذا راقه أن تلعب فيها دور شحاذ ~~فإن عليك أن تؤديه أداء طبيعيا. وقد يريدك أن تؤدي دور ~~أعرج أو مسئول حكومي أو صاحب عمل خاص. وأيا ما كان دورك ~~فهذه مهمتك: أن تجيد أداء الشخصية المقيضة لك. أما اختيار ~~الشخصية فليس هذا من شأنك» (المختصر، 17). # الحياة كمباراة رياضية # يعقد إبكتيتوس مماثلة بين تدريب المرء في الأخلاق الرواقية ~~كإعداد له كي يعيش الحياة الفلسفية وبين تدريب شخص ما تدريبا ~~رياضيا لإعداده لدخول حلبة المنافسة. يخاطب إبكتيتوس شخصا ~~أصابه الكرب؛ لأنه لا يجد فراغا كافيا لدراسة كتب ~~الفلسفة: «أليست القراءة ضربا من الإعداد للحياة؛ على أن ~~الحياة مكونة من أشياء أخرى غير الكتب؟ وكأن على الرياضي إذا ~~دخل الإستاد أن ينهار ويبكي لأنه لا يتدرب خارجه! هذا ما كنت ~~تتدرب من أجله. هذا ما كنت تصطنع له الأثقال والرمل والخصوم ~~الأشداء. أفأنت تلتمس هذا الآن وقد حان وقت الفعل؟! تماما ~~كما لو أننا ms47 في مجال التصديق، وقد ووجهنا بانطباعات بعضها ~~بين الصواب وبعضها بين الخطأ، علينا بدلا من أن ~~نميز بينها أن نطلب قراءة ما كتب عن الإدراك» (المحادثات، ~~4-4). # التدريب الفلسفي كالتدريب الرياضي ليس نزهة، إنه طريق مجهد ~~ومسلك وعر. ومن العبث إبداء شغف سطحي بأي مشروع صعب دون ~~تقدير حصيف للمطالب التي يضعها على عاتقنا. وإلا فإن حماسنا ~~الأول سرعان ما يفتر فنبدو كالحمقى. يصدق هذا على التدريب ~~الفلسفي مثلما يصدق على إعداد المصارع للمنافسة في الألعاب ~~الأوليمبية (انظر «المختصر»، 29). ~~«التدريب هو من أجل الفعل الحياتي وليس غاية في ذاته. فإذا ما ~~سمعت أذان الفعل الحياتي فاترك الكتب وطبق المبادئ التي في ~~الكتب. وليكن سقراط قدوتك في هذا؛ لم يكن على حكمته وعلمه ~~يتخلف عن الحملات العسكرية، وكان مثالا لتلبية نداء الفعل ~~وعدم الاقتصار على الدرس والتدريب ... لقد أتاح الله لك منذ ~~قليل فراغا للدرس والقراءة والتدريب. أما الآن فقد آذن وقت ~~الفعل وحانت المنازلة لكي ترينا تطبيق ما تعلمت» ~~(المحادثات، 4-4). ~~«إلام تنتظر حتى تنتدب نفسك لأجل المراتب ولا تحيد عن حدود ~~العقل؟ لقد تلقيت النظريات التي ينبغي الإلمام بها وألممت بها. ~~أي معلم آخر إذن ما زلت ترتقبه حتى تحيل إليه مهمة تقويم ~~ذاتك؟ أنت لم تعد صبيا، لقد كبرت. فإذا بقيت مهملا كسولا، ~~وما تنفك تسوف وتماطل وترجئ اليوم الذي ستنتبه فيه إلى ~~نفسك، فلن تراوح وستظل جهولا في حياتك وفي مماتك. الآن إذن ~~اعتبر نفسك جديرا بالعيش كراشد وسالك على درب الفلسفة، وخذ ~~كل ما تراه حقا واجعله قانونا صلبا لا يقبل الانتهاك. فإذا ~~عرض لك عارض من ألم أو لذة أو مجد أو شين فتذكر ~~أن النزال الآن، الأوليمبياد الآن ولا يمكن أن تؤجل. ~~وبانكسارة واحدة وتخاذل واحد يذهب الفوز أو يأتي. هكذا بلغ ~~سقراط الكمال؛ مقوما نفسه بكل وسيلة، غير مصغ إلى شيء ~~سوى العقل، ورغم أنك لست سقراطا بعد فإنه ينبغي عليك أن ~~تعيش كمن يطمح أن يكون سقراطا» (المختصر، 51). # الحياة كخدمة عسكرية # تعود ms48 هذه الاستعارة إلى الفكرة الرواقية القائلة بأن الله يحكم ~~العالم وأننا جميعا، شئنا أم أبينا، في خدمة الله. وعلى ~~الطالب الرواقي أن يحاول أن يقضي هذه الخدمة على أعلى مستوى ~~ممكن. يقول ستوكدال الطيار الأمريكي الذي وقع في الأسر في حرب ~~فيتنام: ... كان مبعث ثقتي هو إدراكي أنني قد وجدت الفلسفة ~~الحقة للفنون العسكرية كما مارستها، كان الرواقيون الرومان هم ~~مبتكري صيغة «الحياة هي ~~الجندية» # Vivere militare ~~. وفي المحادثات يخاطب إبكتيتوس ~~ذلك الفتى الذي جزع لاضطرار الفتيان إلى أن يرتحلوا بعيدا ~~تاركين أمهاتهم يألمن لغيابهم: «ألا تعلم أن الحياة خدمة ~~عسكرية؟ على الواحد أن يبقى للحراسة، وعلى الآخر أن يذهب ~~للاستطلاع، والثالث ينتشر في الميدان. من غير الممكن أن يظل ~~الجميع حيث هم، ولا هو من الأفضل. فمالك تتوانى في تنفيذ أوامر ~~القائد وتشكو إذا بلغك أمر صارم، إنك لا تفهم أي وضع بائس تضع ~~فيه الجيش بقدر ما يتمثل فيك؛ إنك لا تدرك أنه إذا حذا ~~الجميع حذوك فلن يكون هناك أحد يحفر خندقا أو يشيد سياجا، ~~ولا أحد يؤمن الحراسة الليلية أو يقاتل في الميدان، بل الكل ~~سوف يبدو جنديا لا نفع فيه ... كذلك الأمر في العالم؛ حياة كل ~~إنسان هي حملة عسكرية، حملة طويلة متعددة الألوان، وإن عليك أن ~~تلعب دور الجندي. افعل كل ما يأمرك به القائد، مقدسا أوامره ~~ما أمكن ذلك» (المحادثات، 3-24). ~~(10) التقدم على درب الحكمة ~~«التقدم هو الانصراف عن الأشياء الخارجية وتدريب الإرادة على الانسجام مع ~~الطبيعة، وألا نرغب إلا فيما هو في قدرتنا ولا نتجنب ما ليس في ~~قدرتنا اجتنابه، والتيقن من أن من يحيد عن هذا المبدأ الرواقي فإنما ~~يجعل من نفسه ألعوبة في يد الأحداث وريشة في مهب الريح وعبدا لمن ~~بيده أن يمنحه ما يرغب فيه ويمنع عنه ما ينفر منه. # هذا هو التقدم الحق على درب الحكمة. أما مجرد قراءة الكتب للحفظ ~~والاستيعاب فليس شيئا، ولا يستحق السعي والسفر وهجرة الأهل. إنما ~~الغاية الحقيقية من التحصيل الرواقي هي ms49 أن نتعلم كيف نخلص أنفسنا من ~~الأسف والإحباط وكيف نتحمل السجن والنفي والأغلال فلا ننوح ولا نولول، ~~بل نتأسى بقول سقراط: «أي عزيزي أقريطون إن كان هذا ما تريده الآلهة ~~فلتكن مشيئتها»» (المحادثات، 1-4). # والتقدم على درب الحكمة لا يكون بغير ثمن. # أوله شيء من «الانسلاخ» عن القطيع وعدم مجاراته في مسلكه ومزاجه. إن ~~لك أن تستمتع بمهرجان الحياة وتشارك فيه، ولكن إذا حضرت مباراة رياضية ~~على سبيل المثال: «فلا تبد حرصا تجاه أي طرف أكثر من حرصك على ~~نفسك! أي أرد الأشياء أن تكون ما تكونه فحسب، وأن يفوز الذي يفوز ~~فحسب. فهكذا تسلم من أي متاعب. ولكن امتنع تماما عن الهتاف ~~والسخرية والانفعالات العنيفة. وعندما تنصرف لا تكثر من التعليق على ~~ما حدث، وعلى ما لا يسهم في صلاح حالك، وإلا بدا من حديثك أنك مأخوذ ~~بالمشهد أكثر من اللائق» (المختصر، 33). # مثل هذا الانفصال المتعمد عن الحشد هو الثمن الذي يدفعه الرواقي من أجل ~~اليوديمونيا # Eudaimonia # والخلو من الانفعالات # dispassion ~~(apatheia) # والسكينة أو الطمأنينة # ataraxia ~~. # والثاني هو تحمل السخرية والتهكم ممن يحيطون به؛ لأن من يرفض القيم ~~السائدة وأنماط السلوك الشائعة بين الناس، فإنه يثير ارتيابهم ويكتسب ~~عداوتهم. غير أنه بثباته على مبدئه والتزامه بفضائله سرعان ما يسترد ~~ثقتهم وسرعان ما يتفهمون نموذجه كشخص يبحر في العالم دون أن يغرق فيه ~~ويأخذ الأشياء دون أن يؤخذ بها، ويجدون فيها نمطا من الشخصيات مهما ~~لصلاح المجتمع وموكلا لمهام معينة لا يجيدها سواه مثل التوسط في ~~الخلافات وفض المنازعات ... إلخ. يقول إبكتيتوس في «المختصر»: «إذا كانت ~~لديك رغبة مخلصة في اكتساب الفلسفة، فلتعد نفسك منذ البداية ~~لتلقي ما لا يحصى من استهزاء الآخرين وسخريتهم، وقولهم: «ها قد عاد ~~إلينا فيلسوفا دفعة واحدة.» وقولهم: «من أين أتى بهذا الخد ~~المصعر؟» أما من جهتك فلا تصعر خدك حقا، وتمسك بتلك ~~الأشياء التي تراها الأفضل، تمسك بذلك المكان الذي قيضك الله له. ~~واعلم أن ثباتك على تلك الحال سوف يجعل من كان يسخر ms50 بك بالأمس يعجب ~~بك. أما إذا انخذلت أمامهم فستكون قد جلبت على نفسك ضعفين من ~~السخرية» (المختصر، 22). # ولأنه لا يعول في شيء إلا على نفسه، فإنه يأخذها بكل الحزم ~~والشدة، ويراقبها بكل اليقظة والاحتراس. «صفة الجاهل وأمارته أنه لا ~~يرتقب النفع ولا الضرر من نفسه بل من الأشياء الخارجية. وصفة الفيلسوف ~~وأمارته أنه يرتقب كل النفع والضرر من نفسه. أمارات المتقدم على درب ~~الحكمة هي أنه لا يذم أحدا ولا يطري أحدا ولا يلوم أحدا ولا يتهم ~~أحدا، ولا يتحدث عن نفسه كما لو كان شيئا ما أو كما لو كان لديه علم ~~ما. وإذا أعيق أو تعثر يتهم نفسه. وإذا مدح يسخر في نفسه من ~~المادح. وإذا انتقد لا يرد، بل يمضي حذرا كأنه الناقه يخشى أن ~~يتعتع أي عضو فيه لم يلتئم بعد. إنه ينفي عنه كل رغبة. أما ~~نفوره فيحصره فيما هو في قدرته ومضاد للطبيعة. إن نزوعه معتدل تجاه كل ~~شيء. إذا بدا غبيا أو جاهلا لا يبالي. وباختصار، يراقب نفسه كما لو ~~كان عدوا مترصدا لها في مكمن» (المختصر، 48). ~~(11) الحرية # نحن لا نملك إلا حريتنا، والحرية هي أن يتصرف المرء في أفكاره وإرادته ~~بحيث لا يمكن أن يقهره أحد على غير ما يريد. من لا يرضى بحاله فهو في ~~سجن. «السجن الحقيقي هو أن تكون حيث لا تريد أن تكون» (المحادثات، ~~1-12). «إنه حر ذلك الذي يعيش مثلما يحب أن يعيش، لا يناله قهر أو ~~كبح أو عدوان، لا توقف مساعيه ولا تخيب رغائبه ولا يحيق به ~~مكروه. فمن ذا الذي يختار أن يعيش في ضلال؟ لا أحد، من ذا الذي يريد أن ~~يعيش مخدوعا متخبطا ظالما منفلتا ساخطا منكسر النفس؟ لا أحد. إذن ~~لا أحد من الأشرار يعيش مثلما يود، وبالتالي لا أحد من الأشرار يمكن أن ~~نعتبره حرا» (المحادثات، 4-1). ~~«لو سمعك شخص تقلد منصب قنصل مرتين تقول هذا الكلام فلسوف يعذرك ~~بشرط أن تضيف: «غير أنك إنسان حكيم ولا يشملك هذا الحديث.» ms51 ولكن ماذا ~~لو أخبرته الحقيقة، وقلت له: إنه من حيث العبودية فلا فرق بينه وبين ~~أي عبد بيع ثلاث مرات؟ هل تتوقع منه غير اللكمات؟ فسوف يقول ~~لك: ~~- «أأنا عبد وأبي حر وأمي حرة؟! وسيناتور بعد ذلك وصديق لقيصر ~~وتقلدت منصب قنصل مرتين وأمتلك الكثير من العبيد؟» ~~- أولا، يا صاحب العزة، ربما يكون أبوك أيضا عبدا من نفس الصنف. ~~وكذلك أمك وجدك وشجرة أسلافك جميعا. وحتى لو كانوا جميعا أحرارا، ~~فماذا يفيدك هذا؟ ماذا لو كانوا كراما وأنت لئيم، شجعانا وأنت جبان، ~~راشدين وأنت خليع؟ ~~- «ولكن ما علاقة ذلك بكوني عبدا؟» ~~- أليس من العبودية أن تفعل شيئا ضد إرادتك؟ مكرها متحسرا؟ ~~- «ومن ذا الذي يمكنه أن يكرهني على شيء، باستثناء سيد الجميع؛ ~~قيصر؟» ~~- إذن باعترافك الشخصي فإن لك سيدا. أما كونه سيد الجميع على حد ~~قولك فلن يجديك شيئا، لأنك بذلك تكون عبدا لعائلة عظيمة لا ~~أكثر. # ومع ذلك فأرجو منك أن تدع ذكر قيصر جانبا وتجيبني: ألم تقع يوما في ~~حب أي شخص، سواء كان عبدا أو حرا؟ أتقول: وما شأن ذلك بكوني حرا ~~أو عبدا؟ ألم تأتمر قط بأمر حبيبتك في شيء ما كنت تود أن تفعله؟ ~~ألم تدلل يوما جاريتك؟ ألم تقبل قدميها أنت الذي لو أمرت بتقبيل ~~قدمي قيصر لاعتبرت ذلك إهانة وإمعانا في الطغيان؟ ماذا تكون ~~العبودية غير هذا؟ ألم يقدك الغرام ليلا إلى حيث لا تريد؟ ألم ~~تحمل على الانتظار أطول مما يليق بك؟ ألم يتهدج صوتك أحيانا وتمتزج ~~نبراته بالأنين والنشيج؟ ألم تضطر يوما إلى تحمل الإهانة ~~والصدود؟» (المحادثات، 4-1). ~~«انظر فكرتنا عن الحرية في حالة الحيوان. البعض يحتفظ عنده بأسود ~~مستأنسة، ويطعمها، بل يأخذها للتروض. فمن يقول: إن هذا الأسد ~~حر؟ أليست الحقيقة أنه كلما تمادى في عيشه الرغد كان أكثر عبودية؟ ومن ~~ذا الذي أوتي إدراكا وعقلا ويود أن يكون واحدا من هذه ~~الأسود؟ # ثم تلك الطيور التي تؤخذ وتحبس في الأقفاص، ترى كم تعاني في محاولة ~~الهروب من سجنها؟ إن ms52 بعضها يفضل أن يجوع على أن يمضي في هذا العيش، ~~ولا يتردد في الهروب مهما كانت المصاعب إذا سنحت له الفرصة. إن لديها ~~رغبة مكينة في الحياة الطبيعية الحرة والانطلاق دون قيود. إذا ~~سألتها: «أي ضير عليك من حياة القفص؟» ستجيبك: «ماذا تقول؟! لقد ~~خلقت بطبيعتي لكي أطير حيث أشاء، وأعيش في الهواء الطلق، وأغني ~~متى شئت، أتحرمني من كل هذا ثم تسألني أي ضير؟ لهذا السبب فنحن لن ~~نعده حرا إلا الكائن الذي لا يطيق الأسر وعندما يقع فيه يهرب منه ~~بالموت. لهذا السبب قال ديوجين مرة: «ليس إلى الحرية غير طريق واحد، أن ~~تموت راضيا مرتاح البال.» وكتب إلى ملك الفرس: «لا يمكنك أن تستعبد ~~الأثينيين أكثر مما يمكنك أن تستعبد السمك.» «كيف ذاك؟ أليس بوسعي أن ~~أقبض عليهم؟» يقول ديوجين: «إذا فعلت فسوف يفلتون منك على الفور مثلما ~~يفعل السمك؛ إذا أمسكت سمكة فإنها تموت. وإذا أمسكت هؤلاء الناس فسوف ~~يموتون، ماذا تستفيد إذن من الإعداد للحرب؟»» (المحادثات، 4-1). ~~«العبد يود أن يعتق فورا، لماذا؟ أتظن أنه راغب في أن يدفع رسم ~~الإعتاق للمأمور؟ كلا بل لأنه يتصور أنه يعيش متعثرا حتى الآن ~~ومحبطا لافتقاره إلى العتق، ويحدث نفسه: «إذا نلت حريتي سأرتد ~~سعيدا كل السعادة. لن يهمني أحد، سأخاطب الجميع خطاب الند للند، ~~سأذهب حيثما شئت، وأعود وقتما شئت وكيفما شئت.» وأخيرا نال حريته، وما ~~كاد ينالها حتى وجد نفسه مضطرا إلى أن يتملق من يتعشى معه، ثم ~~إن عليه أن يعمل بيده ويتحمل الأهوال. فإذا أمكنه الدخول إلى مائدة ~~واحد من سراة القوم فإنه يرزح في عبودية أسوأ من عبوديته السابقة، ~~وحتى لو أصبح غنيا، فإنه لافتقاره إلى أية معرفة بما هو خير فإنه يقع ~~في حب فتاة وينوح ويشقى، ويود أن يكون عبدا مرة ثانية، ويقول ~~لنفسه: «أي ضير نالني من العبودية؟ لقد كان غيري يقدم لي الكساء، ~~وغيري يقدم لي الحذاء، وغيري يطعمني، وغيري يعتني بي في المرض، ولم ~~أكن أقدم له إلا ms53 خدمات قليلة. أما الآن فما أشقاني وقد أصبحت عبدا ~~للكثير بدلا من أن أكون عبدا لواحد. ومع ذلك، فلو أمكنني أن أرتقي ~~إلى رتبة فارس فسوف أعيش في غاية الهناء والسعادة.» # لقد تنازل بما يقتضيه الحصول على هذه الرتبة، ثم عندما اكتسبها وجد ~~الحال كما هو مرة ثانية، فقال: «إذا انخرطت في الخدمة العسكرية فسوف ~~أتخلص من كل المتاعب.» فلما انخرط ناله من الهوان ما ينال أحط ~~العبيد، ومع ذلك فقد سعى إلى خدمة ثانية وثالثة. وعندما وضع اللمسة ~~الأخيرة وصار عضوا في مجلس الشيوخ أصبح يعيش أرقى ضروب العبودية ~~وأبهاها ... # وعندما نجح في أن يصبح صديقا لقيصر فقد فشل رغم ذلك في أن يظفر بما ~~يريد. فماذا يريد كل إنسان سوى أن يعيش آمنا وسعيدا وأن يفعل ما يرغب ~~فيه وألا يحبط ولا يقهر؟ وعندما أصبح هذا صديقا لقيصر فهل تخلص ~~من الإحباط والقهر؟ هل هو مطمئن؟ هل هو سعيد؟ ... ولنسأله متى نمت نوما ~~أهنأ، الآن أم من قبل أن تصبح صديقا لقيصر؟ فيصيح بنا في الحال: «كفى، ~~أتوسل إليكم، لا تسخروا مني فأنتم لا تعرفون أي بؤس أعاني، والنوم لا ~~يأتيني، بل يأتي واحد ويقول إن قيصر استيقظ حالا، ويأتي آخر ويقول: ~~إنه سيخرج الآن، ثم تأتي المتاعب والهموم.» # حسن، ومتى اعتدت أن تتعشى بمتعة أكبر، الآن أم في السابق؟ واسمع ماذا ~~يقول في هذا أيضا. يقول إنه إذا لما يدع فقد انتقص من قدره. ~~وإذا دعي فإنه يتعشى مثل عبد مع سيده، موسوسا طوال الوقت خشية أن ~~يأتي بأي فعل غير لائق. وماذا تظن؟ أتظنه يخشى أن يجلد كالعبد؟ ~~كلا؛ فالعقوبة ليست بهذه البساطة، بل عقوبة تناسب رجلا عظيما مثله؛ ~~صديق قيصر: الإطاحة برأسه. # 4 # ومتى أخذت حمامك بارتياح أكثر؟ ومتى مارست تدريبك الرياضي ~~على رسلك؟ وباختصار: أية حياة تفضلها، حياتك الآن أم حياتك ~~السالفة؟ بوسعي أن أقسم أنه ليس ثمة إنسان بلغ من الغباء والبلادة ~~بحيث لا يأسى لحاله بقدر صداقته لقيصر وقربه منه» (المحادثات، ~~4-1). ms54 ~~«إذا رأيت إنسانا يخضع لآخر أو يتملقه بما يخالف قناعاته فثق تماما أن ~~هذا الإنسان أيضا غير حر، سيان أن يكون التملق من أجل عشاء أو من ~~أجل حكومة أو قنصلية، ولتسمهم «العبيد الصغار»، أولئك الذين يفعلون ~~ذلك من أجل أشياء صغيرة، ولتسم الآخرين كما يستحقون «العبيد ~~الكبار». # كل من جعل سعادته وهنائه في يد غيره أو في يد الظروف والأشياء الخارجية ~~فهو عبد، ولو كان يرتدي الأرجوان الملكي. وإذا ما وجدته مبتهجا، لا ~~لشيء إلا لأن ظروفه الحالية مواتية رخاء فلا تدعه حرا بعد، ~~إنما هو عبد في إجازة، لأن سيده على سفر وسرعان ما يعود فيذيقه مر ~~العبودية تارة أخرى. من هو هذا السيد الذي سيعود؟ هو من يملك أن يمنح ~~أو يمنع. إننا مستعبدون لأشياء كثيرة؛ للجسد، للمال، للصحة، ~~والممتلكات، والمنصب، والأبناء والأهل والأصدقاء، وكلها أشياء ليست في ~~يدنا» (المحادثات، 4-1). ~~«الحرية هي في أن ننصرف عما ليس في قدرتنا إلى ما هو في قدرتنا. فإذا ~~التمس الإنسان الحرية الصحيحة فليبحث عنها، لا في الأشياء الخارجية ولا ~~في جسمه ولا في ماله ولا في جاهه؛ لأن في ذلك كله رقا أخلاقيا ~~وبلاء عظيما، بل إنه واجدها في نفسه وفي شيء مستقل كل الاستقلال؛ ~~وهو قدرته على الحكم والإرادة. ولا شيء يستطيع أن ينال حرية النفس بسوء. # 5 ~~«هل ينبغي علي إذن ألا أرغب في الصحة؟» # كل ما ليس في قدرتك اكتسابه والاحتفاظ به فهو ليس ملكك. وما ليس ملكك ~~فلتنصرف عنه. لا تصرف عنه يدك فقط، بل رغبتك نفسها، وإلا فأنت تسلم ~~رقبتك للأغلال. # 6 # جسدك نفسه ليس ملكك كما تظن، إنه تراب وعرضة للإعاقة ~~والقهر. وليس بوسعك أن تملكه إلا بوصفه حمارا يحمل أثقالا، وعرضة ~~لأن يؤخذ منك في أي لحظة. وإذا كان هذا حال الجسد فما بالك بمتعلقاته ~~التي نتزود بها من أجله: الكساء والغذاء والمأوى ...؟ فلتكن فيها أزهد من ~~زهدك فيه ... إنها متعلقات الحمار» (المحادثات، 4-1). ~~«الحر إنسان غير مكبل، والأشياء تمضي مثلما يريدها ms55 أن تمضي. أما ~~الإنسان المكبل أو المقهور أو المحبط أو الملقى في ظروف مضادة ~~لإرادته فهو عبد. ولكن من هو غير المكبل؟ إنه ذلك الذي لا يرغب في ~~أي شيء لا يخصه. وما هي الأشياء التي لا تخصنا؟ إنها تلك الأشياء ~~التي ليس بيدنا أن نحوزها أو لا نحوزها، أو أن نحوزها على نحو معين أو ~~بطريقة معينة. لذا فالجسد لا يخصنا، وكذلك أجزاء الجسد، والممتلكات. ~~فإذا ما ارتبطت بهذه الأشياء على أنها ملكك، فسوف تتحمل العقوبة ~~التي يستحقها من يرغب فيما ليس له. هذا هو الطريق المؤدي إلى الحرية، ~~هذه هي الطريقة الوحيدة للانعتاق من العبودية، حتى يسعك في النهاية أن ~~تقول من أعماق روحك: «قدني يا زيوس، وأنت أيها القدر، إلى حيثما ~~رسمتما لي الطريق»» (المحادثات، 4-1). # يقدم إبكتيتوس في المحادثات مثالين للإنسان الحر، هما ديوجين وسقراط، ~~فلنأخذ سقراط نموذجا: «كان لديه زوجة وأطفال، ولكنه لم يكن يعدهم ~~ملكه. كان لديه وطن وأصدقاء وأقارب، ولكنه أخضع كل ذلك للقانون ولواجب ~~الطاعة للقانون. ولذا فعندما دعا داعي الجهاد كان أول الملبين. وفي ~~القتال كان يعرض نفسه للخطر دون تحفظ. وحين أرسله الطغاة ليعتقل ~~ليون لم يفكر في ذلك مجرد تفكير؛ لأنه رأى ذلك عملا دنيئا. كان ~~يعرف أنه مهدد بالموت إذا أصر على وجهته، ولكنه لم يبال بالموت؛ ~~لأن حرصه لم يكن منصبا على جسده البائس بل على شيء آخر؛ على إخلاصه، ~~على شرفه. هذه أشياء لا يمكن أن تنتهك أو تخضع. فلما كان عليه أن ~~يتحدث مدافعا عن حياته، فهل كان يتكلم كرجل لديه أبناء وزوجة؟ كلا، ~~وماذا فعل عندما كان عليه أن يشرب السم وكان بإمكانه الهروب وقال له ~~أقريطون: «اهرب من أجل أبنائك»؟ هل اعتبر ذلك فرصة سانحة؟ كلا، بل ~~قرر أن يفعل ما يليق به ولم يحسب حسابا لأي شيء آخر. مثل هذا الرجل لا ~~تنقذ حياته بأفعال دنيئة. إنما ينقذه الموت لا الهرب؛ فمثله كمثل ~~الممثل الجيد الذي يحفظ شخصيته بالتوقف عندما ينبغي أن ms56 يتوقف وليس ~~بالمضي في التمثيل فيما وراء التوقيت الصحيح ... والآن، وسقراط ميت، فليس ~~أقل نفعا للناس بل أكثر نفعا تذكر ما فعله وما قاله عندما كان ~~حيا» (المحادثات، 4-1). # إنما تبلغ الحرية لا بامتلاك كل الأشياء التي ترغب فيها، بل بإزالة ~~الرغبة ذاتها. الحرية هي الغنى عن، وليس الغنى ب. ~~(12) القربى بين الله والإنسان # ويحلو لإبكتيتوس أن يتحدث عن الأواصر الوثقى التي تربط بين الله ~~والناس. وهو يفضل تلك القرابة على الفكرة المجردة الذاهبة إلى اشتراك ~~الناس في العقل، ثم يجعلها مبدأ لفكرة عظمة النفس، ولفكرة الإخاء ~~بين بني البشر. # 7 ~~«إذا أمكن لامرئ أن يقبل هذا المبدأ، مثلما ينبغي، وهو ~~أننا جميعا ننحدر من أصل واحد هو الله، وأن الله هو أبو البشر والآلهة ~~على السواء، فأعتقد أنه لن يستهين بنفسه أبدا ولن يحتقرها، فلو أن ~~قيصر تبناك لما احتملنا غطرستك وخيلاءك، فما بالك لو عرفت أنك ابن ~~زيوس، ألن يغمرك شعور بالزهو والرفعة؟ # غير أننا لا نقدر هذا التشريف حق قدره. ولما كانت جبلتنا تجمع بين ~~جسد تشاركنا فيه الحيوانات وعقل نشارك فيه الآلهة، فإن أكثرنا يميل ~~إلى تلك القرابة البائسة الفانية (مع الحيوانات) وأقلنا يميل إلى هذه ~~القرابة الإلهية السعيدة. وحيث إن كلا منا يتعامل مع كل شيء وفق ~~رأيه فيه فإن تلك الأقلية التي ترى أنها خلقت من أجل الإيمان ~~والشرف والاستخدام الحصيف للانطباعات لن تحقر نفسها ولن تستهين ~~بعنصرها. أما الأكثرية فسوف تفعل العكس. سيقول الواحد منهم: «من أكون ~~أنا؟ إنني إنسان بائس حقير ... بهذه القطعة البائسة من اللحم التي هي ~~جسدي.» بائسة حقا، ولكن لديك أيضا شيئا أفضل من هذا اللحم ~~البائس. لماذا إذن تتشبث بما هو أدنى وتغفل عما هو خير؟!» (المحادثات، ~~1-3). ~~«إذا صح ما يقوله الفلاسفة عن آصرة ~~القربى بين الله والناس، فماذا يسع المرء أن يفعل غير ما فعله سقراط؟ ~~إذا سئلت: إلى أي بلد تنتسب؟ فلا تقولن إني أثيني أو كورنثي، بل قل: ~~إني مواطن العالم. فلماذا تنتمي إلى ms57 أثينا ولا تنتمي إلى الركن ~~الأصغر من أثينا الذي شهد مسقط رأسك؟! من البين أنك تدعو نفسك ~~أثينيا أو كورنثيا نسبة إلى المكان الذي يتمتع بسلطان أكبر ~~ويتجاوز هذا الركن الصغير ويتجاوز عائلتك كلها ليضم كامل البلد الذي ~~انحدر منه أسلافك جميعا وصولا إليك. ومن البين أن من يفطن إلى ~~إدارة العالم ويعلم أن المجتمع الأكبر والأعظم والأشمل هو ذلك المكون ~~من الله والناس، وأن الله هو الأصل الذي أتى منه لا والده وجده فحسب، ~~بل جميع الكائنات على الأرض، وبخاصة الكائنات العاقلة؛ لأنها وحدها ~~الكائنات التي جبلت على التواصل مع الألوهة من خلال العقل؛ من ~~البين أن مثل هذا الإنسان سيدعو نفسه مواطن العالم، وابن الله، ولن ~~يخشى أي شيء يحدث بين البشر. فإذا كانت قرابتك بقيصر أو بأي متنفذ ~~في روما تضمن لك أن تعيش آمنا لا يتسافه عليك أحد ولا تخشى شيئا على ~~الإطلاق، فما بالك إذا كان الله هو خالقك ووالدك وحارسك؛ ألا يكفي هذا ~~لكي يحررك من الأحزان والمخاوف؟ # ربما يقول قائل: «من أين آتي بلقمتي، فأنا لا أملك الكفاف؟» ... وعلام ~~يعتمد الرقيق الآبقون؟ على أملاكهم أم على عبيدهم أم على أوانيهم ~~الفضية؟ إنما على أنفسهم يعتمدون ولا يخذلهم الرزق، فما ظنك بالفيلسوف ~~منا، أيرتحل في الأرض لكي يستنيم إلى غيره ويركن إليه ولا يتولى ~~زمام أمره، فيكون أدنى وأجبن من العجماوات التي تكتفي بذاتها ولا تعدم ~~الطعام ولا العيش الملائم؟ ... # لعلكم تقولون: «إبكتيتوس، لم نعد نطيق سجننا في هذا الجسد البائس، ~~نطعمه ونسقيه وننظفه، ونذعن من أجله لرغبات هؤلاء وأولئك. أليست هذه ~~الأشياء غير فارقة ولا تعني لنا شيئا، كما أن الموت ليس شرا؟ ألسنا ~~أقرباء الله بمعنى ما ومنه أتينا؟ فأذن لنا أن ننعتق أخيرا من هذه ~~القيود التي تكبلنا وتثقلنا. ها هنا لصوص وسراق ومحاكم ~~وطغاة يرون أن لهم علينا سلطانا من جراء الجسد ولوازمه، ائذن لنا ~~أن نريهم أن لا سلطان لهم على أي إنسان.» لعلكم تقولون هذا، أما ~~من جهتي ms58 فأقول: «أيها الأصدقاء، تريثوا حتى يأذن الله بانعتاقكم من ~~هذه الخدمة، ثم اذهبوا إليه. أما الآن فتحملوا المقام في هذا ~~المكان الذي قدره لكم. فما أقصر مدته وما أيسر احتماله ... فأي ~~أذى يمكن أن يلحقه طاغية أو لص أو محكمة بأناس لا يرون قيمة ~~للجسد ولوازمه؟! انتظروا إذن، لا ترحلوا بدون مبرر ...» # كيف سلك سقراط في مثل هذه الأمور؟ سلك مثلما ينبغي للذي يدرك بأنه قريب ~~الآلهة، فقال لقضاته: «إذا قلتم لي الآن إنكم ستبرئون ساحتي بشرط ألا ~~أتحدث بعدها بالطريقة التي تحدثت بها الآن، وألا أفتن عقول ~~الصغار ولا الكبار، فسوف أقول: إنكم تهزلون إذ ترون أن المرء الذي ~~يأتمر بأمر قائده لا يبرح موقعه الذي حدده له ويفضل أن يموت ألف ~~مرة على أن يتركه. أما إذا قيض الله له مهمة أو طريقة حياة ~~فينبغي أن يعرض عنها من أجلكم.» هكذا يتحدث سقراط كرجل قريب حقا ~~للآلهة، غير أننا نتحدث عن أنفسنا كأننا معدات أو أمعاء أو ~~سوءات، فنخاف ونرغب ونتملق الذين يقدرون على مساعدتنا في هذه ~~الأمور ونخشاهم أيضا» (المحادثات، 1-9). # ويترتب على فكرة القربى بين الله والناس أن لا فرق بين سادة وعبيد، وأن ~~عبيدك هم إخوتك بالطبيعة، وأنهم أبناء زيوس. ستقول لي: ولكني اشتريتهم ~~وهم قد بيعوا لي. فأقول لك: ألا ترى إلى أي اتجاه تنظر؟ إنك تنظر إلى ~~الأرض، إلى الحفرة، إلى تلك القوانين البائسة للفانين! لماذا تلتفت إلى ~~الاعتبارات الأرضية المادية ولا تنظر إلى الاعتبارات الروحية والقوانين ~~الإلهية؟ (المحادثات، 1-13). ~~(13) بداية الفلسفة ~~«بداية الفلسفة، على الأقل لدى من يدخل إليها من الطريق الصحيح ويأتيها ~~من بابها، هي وعيه بضعفه وعجزه في أمور ضرورية؛ فنحن نأتي إلى العالم ~~وليس لدينا فكرة عن المثلث القائم الزاوية أو عن علامة الخنجر المزدوج # 8 # أو عن نصف النغمة. وإنما نتعلم كلا من هذه الأشياء من ~~خلال تلقين معين وفقا للفن. # ولذا فإن الذين لا يعرفون هذه الأشياء لا يظنون أنهم يعرفونها. ولكن من ~~ذا الذي يأتي إلى ms59 العالم وليس لديه فكرة عن الخير والشر، والجميل ~~والقبيح، واللائق وغير اللائق، والسعادة والشقاء، والقويم وغير القويم، ~~ما يجب أن نفعله وما يجب ألا نفعله؟ من هنا فإننا جميعا نستخدم هذه ~~المصطلحات، ونحاول أن نطبق تصوراتنا المسبقة على الحالات الخاصة، ~~فنقول: هذا أجاد، وهذا لم يجد، هذا أصاب، وهذا لم يصب، هذا شقي، ~~سعيد، عادل، ظالم ... إلخ. من منا لا يستخدم هذه المصطلحات؟ من ~~منا يرجئ استخدامها حتى يتعلمها مثل يفعل بإزاء الخطوط والأصوات؟ ~~ذلك أننا أتينا إلى العالم مجهزين بشيء من المعرفة في هذا الأمر، ~~ومن هذه البداية نمضي فنضيف إليها غرورا ذاتيا. # لعلك تقول: «لماذا، ألست أعرف الجميل والقبيح، أليس لدي فكرة ~~عنهما؟!» ~~- بلى، لديك. ~~- «ألست أطبق هذه الفكرة على الحالات الخاصة؟» ~~- بلى. ~~- «ألست أطبقها على النحو الصحيح؟» ~~- ها هنا تكمن المسألة كلها. وها هنا يضاف الغرور. # فمن هذه البداية التي نسلم بها ينطلق الناس إلى ما هو خلافي من ~~طريق التطبيق الخطأ . فلو كان الناس يملكون هذه القدرة على التطبيق إلى ~~جانب أفكارهم الفطرية لما كان ثمة حائل بينهم جميعا وبين الصواب. ~~فإذا كنت ترى أنك تعرف كيف تطبق مبادئك العامة على الحالات الجزئية فقل ~~لي على أي شيء تؤسس هذا التطبيق؟ ~~- «على ما يبدو لي كذلك.» ~~- ولكنه لا يبدو كذلك لغيرك. وهذا الغير يرى أنه هو أيضا يطبق المبادئ ~~على النحو الصحيح، أليس كذلك؟ ~~- «بلى.» ~~- من الجائز إذن أن كليكما يطبق المبادئ تطبيقا صحيحا على نفس ~~الموضوعات التي لديكما عنها آراء مصطرعة؟ ~~- «كلا، هذا غير ممكن.» ~~- هلا أطلعتنا إذن على طريقة في تطبيق المبادئ أفضل من مجرد أنها تبدو ~~لك كذلك؟ وهل يفعل المجنون شيئا أكثر مما يبدو له صوابا؟ فهل هذا ~~معيار كاف له أيضا؟ ~~- «لا، هذا غير كاف.» ~~- تعال إذن إلى أساس يكون أقوى من مجرد الظن، أي ما «يبدو» لك ~~صائبا. ~~- «ما هو؟» ~~- هذه هي بداية الفلسفة: إدراك اختلاف الناس فيما بينهم، والبحث عن سبب ~~الاختلاف، واطراح الظن، ومساءلة «ما يبدو» ووضعه موضع ms60 الشك وتسليط ~~الضوء عليه وتمحيصه، هل «يبدو» على النحو الصحيح؟ والبحث عن معيار ~~يفيدنا مثلما يفيد الميزان في تحديد الأوزان، وتفيدنا المسطرة في معرفة ~~المستقيم والمعوج. هذه هي بداية الفلسفة، هل من الممكن أن نقول: إن ~~كل الأشياء التي تبدو حقا لكل الأشخاص هي حق؟ هل يمكن أن تكون ~~التناقضات حقا؟ ~~- «لسنا نقول: كل الأشياء، بل كل ما يبدو لنا نحن.» ~~- لماذا يكون هذا أحق مما يبدو للسوريين حقا؟ لماذا يكون أحق مما ~~يبدو حقا للمصريين؟ ~~- «ليس أحق على الإطلاق.» ~~- إذن ما «يبدو» لكل واحد ليس كافيا لتحديد واقع الشيء، فحتى في ~~الأوزان والأطوال لا نقنع بمجرد المظهر، بل نجد لكل شيء معيارا ~~ما. فهل ثمة إذن في حالتنا هذه أي معيار أفضل مما «يبدو». هل يجوز ~~أن نترك أهم الأشياء بين البشر وألزمها غير قابلة للتحديد ~~والكشف؟ لا بد أن يكون ثمة معيار. ولماذا لا نطلبه ونكتشفه، ثم ~~نستخدمه ولا نحيد عنه، بحيث لا نحرك إصبعا بدونه؟ فهذا، فيما أرى، هو ~~الذي إذا وجد سيشفي من جنونهم أولئك الذين لا يعرفون معيارا سوى ~~طريقتهم المنحرفة في التفكير ... سوى ما «يبدو» لهم حقا. وبوسعنا بعد ~~ذلك، بادئين من نقاط معينة معروفة ومحددة أن نستخدم المبادئ العامة ~~ونطبقها على الحالات الجزئية تطبيقا قويما. # هكذا: ما هو موضوع بحثنا الآن على سبيل المثال؟ «اللذة». اعرضها على ~~المعيار، ألق بها في الميزان. هل ينبغي للخير أن يكون ذلك الشيء ~~الذي يليق بنا أن نطمئن إليه ونوليه ثقتنا؟ ~~- «هذا ما ينبغي للخير.» ~~- هل يليق أن نثق بأي شيء غير مضمون؟ ~~- «كلا.» ~~- فهل اللذة مضمونة على أي نحو من الأنحاء؟ ~~- «لا.» ~~- خذها إذن وألق بها خارج الميزان، وأزحها بعيدا عن مكان الأشياء ~~الخيرة. # على أن بوسعك إذا لم تكن حاد البصر أن تستعين بمعيار ثان إذا لم يكفك ~~معيار واحد، هل يليق بنا أن نبتهج بما هو خير؟ ~~- «نعم.» ~~- هل من اللائق إذن أن نبتهج بلذة آنية؟ حاشاك أن تقول: نعم، وإلا ~~فسوف أراك غير ms61 جدير حتى بالميزان. # هكذا تقيم الأشياء وتوزن عندما نكون مجهزين بالمعايير. وهذا هو ~~التفلسف؛ أن تفحص القواعد وتتحقق منها، وأن تستخدم القواعد عندما تعثر ~~عليها. تلك هي مهمة الرجل الحكيم والرجل الخير» (المحادثات، ~~2-11). ~~(14) مباهج الفلسفة # كل فن من الفنون مرهق في تعلمه واكتسابه، ثم مبهج من بعد في ~~ثماره ونتاجه، انظر إلى صنعة الإسكاف والحداد كم هي مزعجة في ~~تعلمها، ولكن الحذاء شيء مفيد وجميل، وكذلك أعمال الحداد. وانظر إلى ~~الموسيقى؛ فإن من يشاهد تلميذا أثناء تعلمه للموسيقى سيبدو له هذا ~~العلم أبغض العلوم جميعا؛ ورغم ذلك فإن ثماره سارة ومبهجة حتى لدى ~~أولئك الذين لا يعرفون شيئا عن الموسيقى. # والآن ماذا عن انشغال المرء بتعلم الفلسفة؟ أي بجعل إرادته متناغمة ~~مع الأحداث؛ لا يقع أي حدث ضد رغبته ولا ينتفي أي حدث كان يرغب فيه؛ ~~ومن ثم فهو لا يحبط فيما يريده، ولا يجلب أبدا ما يتجنبه، بل ~~يقضي حياته من غير أسى ولا خوف ولا اضطراب، ويحفظ علاقاته، الطبيعية ~~والمكتسبة، مع الآخرين: كابن، أو أب، أو أخ، أو مواطن، أو زوج، أو ~~جار، أو رفيق سفر، أو حاكم، أو محكوم، شيء مثل هذا هو ما نعتبره ~~عمل الفيلسوف، ويبقى أن نبحث كيف يمكن تحقيق ذلك. # والآن نحن نرى أن النجار يصبح نجارا بتعلم أشياء معينة، ~~والملاح يصبح ملاحا بتعلم أشياء معينة. قد لا يكفي إذن في ~~حالتنا هذه أن نرغب مجرد رغبة في أن نكون حكماء أو أخيارا، بل هناك ~~أيضا أشياء معينة لا بد من أن نتعلمها. فما هي هذه الأشياء؟ يقول ~~الفلاسفة: إن علينا أولا أن نتعلم أن هناك إلها، وأن عنايته ~~توجه الكل، وأنه لا يطلع على أعمالنا فحسب بل على خواطرنا ~~ونوايانا. وعلينا ثانيا أن نعرف ما هي طبيعة الآلهة؛ لأن من يريد أن ~~يرضي الآلهة فإن لزاما عليه أن يتشبه بها جهد ما يستطيع. فإذا كان ~~الإله مخلصا فإن على الإنسان أن يكون مخلصا. وإذا كان حرا فإن على ~~الإنسان أيضا أن ms62 يكون حرا. وإذا كان الإله محسنا وشهما، فكذلك ~~على الإنسان أن يكون. # من أين نبدأ إذن؟ نبدأ من فهم الأسماء. ~~- «تعني إذن أنني لا أفهم الأسماء؟» ~~- لا تفهمها. ~~- «وكيف أستعملها إذن؟!» ~~- تماما مثلما يستعمل الأمي كلمات المتعلم، وكما تستخدم العجماوات ~~ظواهر الطبيعة؛ ذلك أن الاستخدام شيء والفهم شيء آخر. فإذا كنت تظن ~~أنك تفهمها فهات أي ألفاظ تريد ودعنا نرى هل تفهمها أو لا. ~~- «حسن، ولكنه شيء بغيض إلى الإنسان أن يفحم وقد كبر الآن وربما قد ~~خدم في ثلاث حملات.» ~~- أنا أعلم هذا أيضا؛ فقد أتيت إلي وكأنما لا يعوزك أي شيء، وكيف ~~يمكن أن تتصور، مجرد تصور، أنك تعاني من أي قصور في أي شيء؟ أنت ثري، ~~ولديك أبناء وزوجة، وربما لديك كثير من العبيد، تعرف قيصر، ولك في روما ~~أصدقاء كثيرون توفيهم حقهم جميعا، أنت تعرف كيف تثيب من أسدى ~~إليك معروفا وكيف تنتقم ممن آذاك. ماذا ينقصك؟ إذا أثبت لك إذن أنك ~~تفتقر إلى أهم الأشياء وألزمها للسعادة، وأنك راعيت حتى الآن كل ~~شيء إلا ما ينبغي أن تراعيه؛ وأول ذلك أنك لا تعرف ماذا يكون الله ~~وماذا يكون الإنسان، وما هو الخير وما هو الشر، فلربما احتملت ذلك. ~~أما الذي لا قبل لك باحتماله فهو أن أقول لك: إنك لا تعرف نفسك ~~أدنى معرفة. # ولكن لماذا تغضب إذا باح لك المعلم بحقيقة جهلك، هل تغضب من الطبيب ~~إذا أخبرك بحقيقة مرضك؟ أو من المرآة إذا عكست لك حقيقة منظرك كما ~~هو؟! # موقفنا الذي نتخذه أشبه بما يجري في سوق المزارعين الموسمية؛ حيث تجلب ~~البهائم والمواشي للبيع، ويأتي أغلب الناس إما للبيع وإما للشراء، ~~غير أن هناك فئة صغيرة يأتون لرؤية السوق فحسب والنظر في كيف يعقد ~~ولماذا، ومن الذي حدد موعده، ولأي غرض. # وهكذا الأمر في هذا السوق أيضا (العالم): البعض مثلهم مثل الأنعام لا ~~يكرثون أنفسهم بأي شيء سوى العلف؛ فلكل منكم يا من تشغلون أنفسكم ~~بالأملاك والأراضي والخدم والوظائف العامة، فإن هذه الأشياء ms63 لا تعدو أن ~~تكون علفا. # إلا أن هناك طائفة صغيرة من الناس بين الجمع يشغفها النظر والتأمل: ~~ما هو العالم إذن، ومن يحكمه؟ تراه بلا حاكم؟ وكيف يمكن ذلك؟ فإذا ~~كانت المدينة بل الأسرة لا يمكن أن تدوم ولو لوقت قصير من غير شخص ~~يديرها ويرعاها، فكيف يتسنى لمثل هذا النظام العظيم والبديع أن يدار ~~بهذا الانضباط من غير غرض وإنما بالمصادفة والاتفاق؟! # ثمة حاكم إذن، من أي صنف هو؟ وكيف يحكم؟ ومن نحن الذين يحكمنا؟ ~~ولأية غاية؟ هل تربطنا به صلة أو علاقة؟ # هذه هي الطريقة التي تولع بها هذه القلة؛ ومن ثم فإنهم يكرسون ~~أنفسهم للنظر في السوق فحسب ثم يرحلون. تضحك عليهم الجموع مثلما ~~يضحك البائعون والمشترون في السوق على المتفرجين. ولو كان للمواشي أي ~~قدر من الفهم لضحكت أيضا على من يعجب بأي شيء غير العلف» ~~(المحادثات، 2-14). ~~(15) لا وحدة مع الفلسفة # لا يملك أن يأنس بغيره من لم يكن له أولا أنس بنفسه. # إنه لا يأنس إلى الغير ولا يعرفه بل «يستعمله» و«يستهلكه» هربا من ذاته ~~الفارغة التي لا ترضيه ولا تشفيه ولا تمنحه أساسا داخليا يقيم ~~عليه، مع الغير، علاقات أصيلة. # يعلمنا إبكتيتوس أن من لا يفهم الخير لا يمكنه أن يعرف كيف يحب وكيف ~~يصادق وكيف يأنس. ويقول في «المحادثات»: «الوحدة هي حالة معينة ~~لإنسان مغلوب على أمره. فليس كل من ينفرد بذاته هو في وحدة، ولا كل من ~~ينخرط بين الناس هو بمنأى عن الوحدة. ليس كل اقتراب ينفي الوحدة، بل ~~اقتراب الإنسان المخلص الودود السند. أما اقتراب اللصوص منا في ~~سفرنا فيزيد شعورنا بالوحشة وقلة الحيلة. # يجب أن يتدرب المرء على أن يكون مكتفيا بذاته ورفيق نفسه، يحاورها ~~ويأتنس بها ولا يشعر بالحاجة إلى الآخرين وبالافتقار إلى وسائل لتزجية ~~الوقت. # وأنتم تدركون أن قيصر قد أمن لنا سلاما عظيما، فلم يعد ثمة أعداء أو ~~معارك أو عصابات من اللصوص أو القراصنة، بل إن بوسعنا أن نسافر في أي ~~وقت ونبحر من ms64 الشرق إلى الغرب. ولكن هل بوسع قيصر أيضا أن يحمينا من ~~الحمى، أو من انحطام السفن، أو من الحريق أو من الزلازل أو البرق؟ ~~بل هل يمكنه أن يحصننا من الحب؟ كلا. من الأسى؟ كلا. من الحسد؟ لا ~~يستطيع. # وباختصار إذن: هو لا يستطيع أن يحمينا من أي شيء من هذه الأشياء. ولكن ~~مذهب الفلاسفة يعدنا بتقديم الأمان حتى من هذه الأشياء، ماذا تقول ~~الفلسفة؟ تقول: «أيها الناس إن أصغيتم إلي، أينما كنتم وأيا ما ~~تفعلون فلن تجدوا الحسرة ولا الغضب ولا القهر ولا العجز، بل ستقضون ~~عمركم في صفاء لا يشوبه أي اضطراب.» # إذا حظي امرؤ بهذا السلام الذي لا يدعيه قيصر نفسه (وكيف يمكن أن ~~يدعيه؟) بل يبسطه الله من خلال العقل؛ ألا يكون راضيا حين يكون ~~بمفرده؟ وهو ينظر ويتأمل: «الآن لا يمكن أن يصيبني أذى، لا لص، ولا ~~زلزال ... كل شيء مفعم بالسلام، مفعم بالسكينة، كل طريق، كل مدينة، كل ~~لقاء، جار ، رفيق، كل شيء مأمون الجانب. لدي من يضطلع، بحكم عمله، بأن ~~يزودني بالغذاء، ومن يزودني بالكساء، وآخر بالنظرات والأفكار. وإذا لم ~~يزودني بما هو ضروري فإنه يأذن لي بالانسحاب. # 9 # يفتح الباب ويقول: اذهب. إلى أين؟ إلى حيث لا ذعر على ~~الإطلاق، بل إلى المكان الذي منه أتيت، إلى أحبائك وأقربائك، إلى ~~العناصر ... إلى حيث لا رعب ولا وحشة، بل آلهة وكائنات نورانية.» # بهذه الأفكار في رأسك، والشمس والقمر والنجوم والأرض والبحر في ناظريك، ~~لن تكون وحدك ولن تكون بغير عون. ~~- «حسن، ولكن ماذا لو اقتحم أحد وحدتي وقتلني؟» ~~- أيها الأحمق، لا تقل قتلني بل قل قتل جسدي البائس. # أية وحدة تبقى إذن؟ وأي عوز؟ لماذا نجعل أنفسنا أدنى من الأطفال؟ وماذا ~~يفعل الأطفال إذا تركوا وحدهم؟ يتناولون الأصداف والتراب، ويبنون ~~شيئا ثم يقوضونه ويبنون غيره؛ ومن ثم لا يعدمون طريقة ~~لتزجية الوقت. تراني إذن، إذا ما سافرت بعيدا، أجلس وأبكي لأنني ~~تركت وحدي بلا أنيس؟ تراني إذن سأفتقر إلى الأصداف والتراب؟ وإذا ~~كان ms65 الأطفال يفعلون ذلك من جراء الحماقة فهل نشقى نحن من جراء ~~الحكمة؟ # الموهبة الكبيرة خطر على المبتدئ، ادرس أولا كيف تعيش مثل إنسان في ~~حالة مرض، عساك تعرف مع الوقت كيف تعيش مثل إنسان في حالة صحة. امتنع ~~عن الطعام. اقتصر على الماء. اكبح رغبتك تماما لبعض الوقت، عساك في ~~النهاية تستخدمها وفقا للعقل. فإذا تيسر لك ذلك وصرت أرسخ في ~~الفضيلة فلسوف ترغب على النحو الصحيح. ~~- «لا، إنما نود أن نعيش من فورنا كرجال حكماء بالفعل، ونكون نافعين ~~للبشرية.» ~~- ماذا تفعل؟ وهل فرغت من نفع نفسك فاتجهت إلى وعظ الناس؟ أنت تعظ! ~~أترغب في أن تكون ذا نفع لهم؟ أرهم إذن في نموذجك الخاص أي صنف من ~~البشر تصنع الفلسفة، وكف عن العبث. حين تأكل فكن ذا نفع لأولئك ~~الذين يأكلون معك. وحين تشرب فلمن يشرب معك. كن ذا نفع لهم بأن تذعن ~~لهم جميعا وتلين لهم وتحتملهم، لا بأن تنفس عليهم غضبك وسوء مزاجك» ~~(المحادثات ، 3-13). ~~(16) كيف يكون التدريب ~~«ينبغي ألا نشط بتدريبنا إلى ما هو خارج عن الطبيعة والعقل ومهيأ ~~لانتزاع الإعجاب؛ لأننا إن فعلنا ذلك فلن نختلف - نحن من ندعو أنفسنا ~~فلاسفة - عن الدجالين والمشعوذين. فلا شك أن المشي على الحبل أمر ~~صعب بل خطر. فهل علينا من أجل ذلك أن نجعل تدريبنا المشي على الحبال أو ~~احتضان التماثيل؟ كلا. كل ما هو صعب وخطر فهو لا يصلح للتدريب. أما ~~الأشياء الملائمة للتدريب فهي تلك التي تساعدنا على اجتراح ما نحن ~~منتدبون لاجتراحه؛ أن نجعل رغبتنا ونفورنا ملك يدنا وغير معرضين ~~للإعاقة والإحباط. ماذا يعني ذلك؟ ألا تحبط عما ترغب فيه ولا يحيق بك ~~أي شيء تجتنبه. إلى هذه الغاية ينبغي أن يتجه التدريب، لا بد من ~~التدريب الشديد والمستمر لكي نحفظ رغبتنا ونفورنا مثلما نود لهما، فلا ~~نأسى على رغبة لا تتحقق ولا نجر على أنفسنا ما نود تجنبه، ولا يتم ~~لنا ذلك إلا بأن نقصرهما على الأشياء التي في قدرتنا. أما الأشياء ~~التي ليس ms66 لنا سلطان عليها فينبغي ألا تشغلنا ... ألا نرغب فيها ولا ~~ننفر منها. وحيث إن للعادة سطوة وقيادة، وحيث إننا اعتدنا على استخدام ~~رغبتنا ونفورنا في أشياء خارجة عن إرادتنا، فإنه يتعين علينا أن ~~نعادل كل عادة سيئة بعادة مضادة. # إذا كنت ميالا للذة فإن علي أن آخذ نفسي بالامتناع، والمبالغة في ~~هذا الاتجاه المضاد على سبيل التدريب. وإذا كنت هيابا من الألم، ~~فإن علي أن أصطرع معه حتى لا أعود أجفل من الأشياء المؤلمة. وإذا ~~كنت سريع الانفعال علي أن أدرب نفسي على أن أتحمل إذا أوذيت وألا ~~أغضب إذا أهنت» (المحادثات، 3-12). # غير أن إبكتيتوس ينصح المبتدئ في التدريب الفلسفي أن يوغل في التدريب ~~برفق وألا يتصدى في البداية لما لا طاقة له به، فقد يكون إغراء ~~المواقف الحياتية أشد من قدرة العقل على الحكم الصحيح، و«ليس من ~~الإنصاف أن تتبارى الجرة النحاسية والجرة الخزفية كما تقول الحكاية.» ~~فالمباراة مثلا بين المرأة الفاتنة والشاب المبتدئ في الفلسفة ليست ~~مباراة متكافئة (المحادثات، 3-12). # بعد الرغبة والنفور يأتي الموضوع الثاني: الإقدام والإحجام، أن تقدم ~~على الفعل أو تتخلى عنه وفقا لأوامر العقل، بحيث لا تفعل شيئا غير ~~لائق من حيث زمانه ومكانه أو أي وجه آخر. # أما الموضوع الثالث فيتعلق بالأحكام، أي بما هو معقول ومقنع، فقد قال ~~سقراط: «إن حياة لا تخضع للنقد هي حياة غير جديرة بأن نحياها.» لذا فإن ~~علينا ألا نقبل أي انطباع دون تمحيص، وإنما ينبغي علينا أن نقول له: ~~«قف، دعني أرى ما أنت ومن أين أتيت.» شأننا شأن خفير الليل: «أرني ~~أمارتك.» «هل لديك ذلك التصديق من الطبيعة الضروري لقبول كل انطباع ~~(مظهر)؟» # باختصار، كل ما يتجه بأي شكل إلى الرغبة أو النفور فهو صالح للتدريب. ~~أما إذا كان متجها إلى مجرد التظاهر والادعاء فهو إنما يكشف عن ~~إنسان يهفو إلى الأشياء الخارجية ولا يرمي إلا إلى انتزاع إعجاب ~~المشاهدين. لذا فقد حق لأبولونيوس أن يقول: «إذا كنت تريد أن تدرب ~~نفسك من أجل ms67 مصلحتك الحقيقية وجف حلقك من الحر، فاستف قبضة من ~~الماء البارد ثم اتفله ولا تقل (لأحد) شيئا» (المحادثات، ~~3-12). ~~(17) العرافة (الكهانة) ~~«من خلال الاهتمام المفرط بالعرافة يتخلى كثير منا عن كثير من ~~الواجبات. # فأي شيء يمكن للعراف أن يراه غير الموت أو الخطر أو المرض أو أشياء من ~~هذا القبيل؟ فإذا كان من واجبي أن أعرض نفسي للخطر من أجل صديقي، أو ~~حتى أموت من أجله، فما حاجتي إذن إلى العرافة؟ أليس لدي في داخلي ~~عراف أنبأني بطبيعة الخير والشر وبين لي أمارات الاثنين؟ ما ~~حاجتي إذن إلى استشارة أحشاء الضحايا أو زجر الطير؟ ولماذا أستسلم حين ~~يقول لي: «الطالع في صالحك»؟ فهل هو يعرف ما هو في صالحي؟ هل يعرف ما ~~هو الخير؟ وإذا كان قد عرف أمارات الأحشاء تراه أيضا عرف أمارات الخير ~~والشر؟ # أنبئني أيها العراف ما طالعي، حياة أم موت، فقر أم غنى؟! أما هل هذه ~~في صالحي أو في غير صالحي فلا أنوي أن أسألك ، لماذا لا تعطينا رأيك في ~~مسائل النحو، لماذا تقصره على المسائل الخلافية؟ لذا فقد كان وجيها ~~رد تلك المرأة التي اعتزمت أن ترسل في سفينة مئونة شهر إلى ~~جراتيلا في منفاها فقيل لها: إن دوميتيان سوف يصادر ما أرسلته، فما ~~كان جوابها إلا أن قالت: «لخير لي أن يصادر دوميتيان كل شيء من أن ~~أتخلى عن إرساله.» # ما الذي يلجئنا إذن إلى العرافة؟ إنه الجبن، الرعب مما سوف يحدث؛ لذا ~~نتملق العراف كما لو كان هو مصرف الأمور؛ ومن ثم نتيح للعرافين ~~أن يتلاعبوا بنا. # وماذا ينبغي علينا أن نفعل إذن؟ أن نذهب إلى العراف دون رغبة أو نفور، ~~مثلما يسأل عابر السبيل عن الطريق الصحيح إلى وجهته لكي يمشي فيه، ~~سواء كان الطريق الأيمن أو الأيسر، فبحسبه أنه الطريق الصحيح، ومثلما ~~نفتح أعيننا لنتلقى انطباعات الأشياء كما تتمثل لنا لا كما نتمنى أن ~~تتمثل، فلنقنع بما اختاره الله لنا، فليس ثم ما هو أفضل مما أراده ~~الله» (المحادثات، 2-7). ms68 ~~(18) دفع الثمن ~~«هل فضل عليك غيرك في دعوة إلى وليمة أو في تكريم أو في اجتماع ~~مجلس؟ إذا كانت هذه الأشياء خيرا فإن عليك أن تغبط من نالها. أما ~~إذا كانت شرا فلا تحزن لأنك لم تنلها. واعلم أنك لا يمكن أن يسمح ~~لك بمنافسة الآخرين في الأشياء الخارجية دون أن تستخدم نفس الوسائل ~~للحصول عليها. وإلا فكيف يمكن لامرئ لا يتردد على أبواب أي كان ولا ~~يلازمه ولا يتملقه أن يحظى منه بما يحظى به من يفعل هذه الأشياء؟ إنه ~~لمجحف وجشع إذا كنت تتخلى عن دفع الثمن الذي تباع به هذه الأشياء ~~وتريد أن تحصل عليها بالمجان ... أتظن أنك لم تفز بشيء في مقابل ~~العشاء الذي فاتك؟ بل فزت حقا؛ فزت بإعفائك من تملقك من لا تريد ~~أن تتملقه، وإعفائك من تحمل فظاظة الحجاب على بابه» (المختصر، ~~25). ~~«كلما عن لك أي مأخذ على «العناية» تأمل الأمر وسوف تجد أنه ~~جرى وفقا للعقل. ~~- «حسن، ولكن الآثم له أفضلية.» ~~- فيم؟ ~~- «في المال.» ~~- ها هنا ينبغي أن يفوقك؛ لأنه مداهن وقح متيقظ. أي عجب في ~~ذلك؟ ولكن انظر هل تراه يفوقك في الأمانة والشرف؟ ... ذات يوم قلت لرجل ~~كان ينفس على فيلوستورجوس ثروته الكبيرة: «أترضى أن تنام مع سورا؟» ~~فقال: «معاذ الله، ولا أراني الله هذا اليوم.» فقلت: «لماذا إذن ~~يغضبك أن يتلقى ثمن ما يبيعه؟ وكيف تدعوه سعيدا باكتساب تلك الأشياء ~~بطريقة ممقوتة ومغثية لك؟ وماذا ارتكبت العناية إذا تعطي ما هو ~~أفضل لمن هو أفضل؟ أليس أفضل لك أن تكون شريفا من أن تكون ~~غنيا؟» ~~- «بلى.» ~~- لماذا أنت غاضب إذن أيها الرجل ما دمت تحظى بالأفضل؟ تذكر دائما ~~حقيقة أن للأعلى ميزة على الأدنى في ذلك الشأن الذي فيه علا، تذكر ~~ذلك ولن تجد في نفسك غلا أبدا. ~~- «ولكن زوجتي تسيء معاملتي.» ~~- حسن. إذا سئلت ما الخطب فأجب: «زوجتي تسيء معاملتي.» هل ثمة أي شيء ~~آخر؟ ~~- «لا شيء.» ~~- «والدي لا يعطيني شيئا.» ولكن أن تسمي هذا شرا فثمة إضافة ms69 ~~خارجية وزائفة قد تم إقحامها. لهذا السبب ليس علينا أن نتخلص من ~~الفقر، بل علينا أن نتخلص من فكرتنا عن الفقر ولسوف نكون بخير حال» ~~(المحادثات، 3-17). ~~(19) الغرور مرحلة على طريق النضج ~~«قليل من الفلسفة يؤدي إلى الغرور ... كثير من الفلسفة يؤدي إلى ~~التواضع. # ثمة دائما خطر بأن يمر طالب الفلسفة خلال رحلة التلقي بمرحلة من ~~المراهقة الفلسفية تعلوه فيها سيماء التكبر والغرور، فيتصعر خده ~~ويعلو حاجبه! إنها أزمة نمو، وعكة من تعسر النضج. إنه ~~«احتباس أفكار غير مهضومة»، لا سبيل إلى التعافي منه إلا بمزيد من ~~الفهم ... مزيد من الفلسفة. # يعبر إبكتيتوس عن هذه الأزمة فيتحدث بلسان طالب يمر بها قائلا: «لعل ~~البعض قائل: من أين أتى هذا الزميل بكل هذا الكبر وهذه الغطرسة.» ~~أصغ، إنني لم أكتسب بعد تلك الرصانة اللائقة بفيلسوف؛ وذلك لأني لم ~~أتمكن بعد مما تلقيته، ولم يطمئن قلبي لما تعلمته وتقبلته، ما زلت ~~خائفا من ضعفي، أمهلني أكتسب الثقة ولسوف ترى مني المظهر والسيماء ~~اللائقين. سترى التمثال بعد أن يكتمل ويتم صقله، ماذا تظن بي؟ ~~عجرفة وعتوا؟ حاشا لله! وهل تأنس في تمثال زيوس في الأولمب غطرسة ~~وعلو حاجب؟ كلا، إن نظرته ثابتة كأنه يهم بقوله: «نافذة هي ~~كلمتي ولا معقب لها.» هكذا سأريك نفسي: مخلصا متواضعا نبيلا ~~نقيا من الرنق، ماذا، ومخلدا بعد، ومحصنا من السن والمرض؟ ~~كلا، غير أني أمرض وأموت مثلما يليق بالألوهة التي بداخلي. هذا بقدرتي ~~وذاك بوسعي، وغير هذا ليس بقدرتي ولا بوسعي، سأريك عضلات فلسفية ~~مفتولة: إرادة لا تخيب، ومكاره لا تقع، سعيا حميدا، وعزما صادقا، ~~وحكما حصيفا، هذا ما سوف تراه» (المحادثات، 2-8). ms70