######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.Fann.Hindawi64790927 #META# Tags: arts #META# ID: 64790927 #META# Title: الفن #META# AuthorID: 46850295 #META# Author: كلايف بل #META# EditorID: 81949080 #META# Editor: ميشيل متياس #META# TranslatorID: 24079572 #META# Translator: عادل مصطفى #META# Related_books: 1384CliveBell.Art (TRANSL) #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # تصدير المؤلف‏ # تصدير الطبعة الجديدة‏ # 1 - ما هو الفن؟‏ # 2 - الفن والحياة‏ # 3 - المنحدر المسيحي‏ # 4 - الحركة المعاصرة‏ # 5 - المستقبل‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # تصدير المؤلف‏ # تصدير الطبعة الجديدة‏ # 1 - ما هو الفن؟‏ # 2 - الفن والحياة‏ # 3 - المنحدر المسيحي‏ # 4 - الحركة المعاصرة‏ # 5 - المستقبل‏ # | الفن # | الفن # تأليف # كلايف بل # مراجعة وتقديم # ميشيل متياس # ترجمة # عادل مصطفى # | الإهداء # إلى الأستاذ الكبير سعيد عقل دليلنا إلى عالم الشكل الدال وجناحنا إلى معارج ~~الوجد. # د. عادل مصطفى # | مقدمة # السؤال الأساسي الذي يعالجه بل # Bell # في هذا الكتاب هو: ~~ما الصفة # quality # التي تميز العمل الفني عن الأعمال ~~العادية والأشياء الطبيعية؟ إننا نشير إلى قطعة موسيقية لبيتهوفن، أو لوحة لسيزان، ~~أو قصيدة لابن الرومي، أو رواية لنجيب محفوظ، أو تمثال لبرانكوزي، أو مسرحية لبرنارد شو، ~~وأعمال أخرى مثل هذه - نشير إليها كأعمال ~~فنية # works ~~of art ~~. ومن ناحية أخرى نحن نستخدم أو نتعامل مع الكثير من الأدوات التي ~~تحيط بنا؛ كالبنايات، والسيارات، والأدوات المنزلية والصناعية والزراعية، بوصفها أعمالا ~~«عملية». وفي العادة يتم «تذوق» الأعمال الفنية «جماليا» بينما يتم «استخدام» الأعمال ~~العملية. إن كليهما يعتبر «عملا»؛ العمل الفني عمل، ولكن ليس كل عمل عملا فنيا، ~~إن صورة والدي على الطاولة بقربي هي عمل، ولوحة «موناليزا» لليوناردو دافنشي هي أيضا ~~عمل، الأولى عمل عادي، والثانية عمل فني، إذن ما «الصفة» التي تميز موناليزا كعمل ~~فني؟ # ظاهريا، تختلف الأعمال الفنية عن بعضها البعض، يبدو أن السيمفونية تختلف ~~بجوهرها ووجودها الفيزيائي عن القصيدة أو المسرحية أو التمثال أو العمارة أو الفيلم ~~السينمائي أو الحديقة، ويبدو أن جميع هذه الأشكال والأعمال التي تتضمنها تختلف عن ~~بعضها البعض بجوهرها ووجودها الفيزيائي، ولكننا على الرغم من هذا الاختلاف نشير إليها ~~جميعا بكلمة «فن» ونميزها عن الأشياء الطبيعية، والأدوات العادية التي نصنعها ونستعملها في تأمين حاجاتنا ~~الإنسانية، فهل توجد صفة عامة مشتركة بين جميع هذه الأشكال والأعمال تشكل منها حقلا ~~أو عالما يمكن تسميته «عالم الفن»؟ يرى «بل» أنه لو لم تكن ms001 هناك صفة مشتركة تشمل ~~الأعمال الفنية جميعا لكان حديثنا عن «الأعمال الفنية» نوعا من الثرثرة . لا يمكن القول ~~بأن هذه القطعة الموسيقية أو هذا التمثال ... إلخ هو فن ما لم توجد صفة مشتركة بين هذه ~~الأعمال ترادف كلمة «فن»، وإن وجود هذه الصفة في العمل هو أساس الحكم: «هذا العمل عمل ~~فني»، ولكن إذا كانت هناك صفة مشتركة، صفة تميز الأعمال الفنية عن الأعمال اللافنية، ~~فما هي هذه الصفات؟ للإجابة عن هذا السؤال يأخذ «بل» الفن التشكيلي كنموذج في تحليل طبيعة ~~الفن، ويرى أن هذا التحليل ينطبق مبدئيا إلى حد كبير على جميع الفنون ~~الأخرى. # أولا: كيف تكتشف هذه الصفة؟ أو بأية طريقة أو منهج نستطيع اكتشاف هذه الصفة؟ يرى بل ~~أن منهج اكتشاف هذه الصفة هو التجربة، وبالتحديد «التجربة الجمالية»، فليس بإمكاني أن أقول ~~أو أحدد ما إذا كان عمل ما عملا فنيا إذا لم أختبره؛ أي إذا لم أدرك فيه حسيا تلك ~~الصفة التي تميزه كعمل فني. هذه الخبرة هي مصدر معرفة الصفة الفنية، وهي أيضا أساس ~~التنظير في طبيعة الفن عامة، ولا يمكن الحديث عن الفن؛ أي عن الصفة الجمالية أو الخبرة ~~الجمالية أو الحكم الجمالي إن لم نتفاعل حسيا وخياليا مع الأعمال الفنية، ولكن الخبرة ~~الجمالية هي دائما خبرة ذاتية؛ خبرة هذا المتذوق أو ذاك الناقد، أيعني ذلك أنه لا يمكن ~~بناء نظرية تفسر وجود الصفة الجمالية وطبيعتها؟ في الحقيقة لا يمكن بناء نظرية جمالية إذا ~~لم نفترض أن لهذه الصفة وجودا موضوعيا؛ أي إذا لم نفترض أنها توجد واقعيا في جميع ~~الأعمال التي تشكل عالم الفن، يؤكد بل أن ذاتية الخبرة الجمالية ليست عائقا في بناء ~~نظرية تفسر طبيعة الفن، ذلك أننا يمكن أن نختلف حول قيمة أو فقر بعض الأعمال الفنية، أو ~~معظمها، روحيا واجتماعيا ونتفق رغم ذلك على كونها، أو عدم كونها، فنا، يمكن ~~لشخصين مثلا أن يختلفا حول جمال أو بشاعة عمل ما ويتفقا رغم ذلك على كونه فنا، كون ~~العمل فنا ms002 شيء، وكونه جميلا أو قبيحا، أو سيئا أو مضرا، شيء آخر، المهم بالنسبة ~~للفيلسوف هو وجود (أو عدم وجود) الصفة الفنية في العمل وكيف نعرف بهذا الوجود. # نعرف أن عملا ما هو عمل فني إذا أثار فينا انفعالا خاصا يسميه بل «الانفعال الجمالي» # aesthetic emotion ~~، هذا الانفعال هو نوع من ~~العاطفة نشعر به عندما ندرك أو نتذوق العمل الفني جماليا، أقول: «جماليا»؛ # 1 # لأنه يمكن لي أن أدرك العمل الفني وأصف جميع نواحيه أو عناصره الحسية ~~عاديا، كما أن العالم يصف الأشياء المادية لا جماليا، مثلا، عندما أقرأ «أنا كارنينا» # Anna Karenina # لتولستوي كحكاية فإنني لا أدركها ~~جماليا، بل أختبرها في هذه الحالة كقصة، كتاريخ، لا كعمل فني. يشدد بل على أن الانفعال ~~الجمالي ليس انفعالا جاهزا أو معطى أشعر به كلما اختبرت عملا فنيا، أو أن جميع ~~الأعمال الفنية تثير فينا نفس الانفعال الجمالي عندما نختبر هذه الأعمال. كلا، إن الانفعال ~~الجمالي هو نوع خاص من الانفعال؛ هو ذلك الانفعال الذي تثيره الأعمال الفنية بوصفها ~~فنا؛ فالعمل الفني يمكن أن يثير فينا مشاعر وانفعالات مختلفة؛ أخلاقية، دينية، ~~اجتماعية، سياسية، رومانسية، جنسية ... إلخ، ولكن الخاصة التي تميز العمل الفني كفن هي أنه ~~يثير فينا انفعالا جماليا، يتميز هذا الانفعال عادة بالمتعة والانفتاح الخيالي والحدس ~~المعرفي والنشوة، وبنفحة من الدفء الإنساني والأمل والعزة، وبمشاعر إنسانية أخرى يصعب علينا ~~تسميتها، ويعتمد عمق وقوة وغنى الانفعال الجمالي على عمق وقوة وغنى الصفة الجمالية الكامنة ~~في العمل الفني. # والآن ما هي هذه الصفة التي تثير الانفعال الجمالي؟ يقول: بل إنها «الشكل الدال» # significant form ~~، الشكل الدال هو الكيف الذي ~~يميز الأعمال الفنية عن الأعمال العادية أو اللافنية، وهذا يعني أن العنصر المشترك ~~بين جميع الأعمال الفنية التي تختلف عن بعضها البعض بالشكل والمادة هو امتلاك الشكل الدال. ~~ماذا يعني بل ب «الشكل الدال»؟ إن ما يعنيه هو نمط، طريقة، أسلوب تنظيم العناصر الحسية ~~للعمل الفني. كل عمل فني يمثل تشكيلا «فريدا» # unique ~~، ~~إن طريقة ms003 هذا التشكيل الخاصة - وبإمكاننا القول المبدعة - هي التي تثير فينا الانفعال ~~الجمالي، وعندما نتكلم عن الشكل الدال نعني جميع العناصر الحسية التي تدخل في تنظيم الشكل؛ ~~الألوان والخطوط وعناصر اللمس والصوت والسمع والحركة، لا يمكن فصل هذه العناصر عن طريقة ~~تشكيلها؛ فالعناصر الحسية جزء من الشكل كشكل؛ ولهذا يجوز لنا القول بأن الكيفيات الجمالية ~~الكامنة في العمل الفني كالرقة والأناقة والمأساة والنعومة والجلالة والرعب والهيبة ... إلخ، ~~توجد في العمل على مستوى الكمون وتنبثق من العلاقات الدينامية التي تكون الشكل الدال ~~أثناء التجربة الجمالية. # كما نرى، يفصل بل بين الشكل الدال و«التمثيل» # representation ~~، ويشير التمثيل عادة إلى موضوع أو مضمون العمل الفني، ~~الموناليزا، مثلا، تشكيل من الألوان والخطوط، ولكنها بالإضافة إلى ذلك موضوع، وهذا ~~الموضوع يمثل وجه امرأة، والعنصر الذي يميز هذا العمل كفن ليس التمثيل بل الصورة ~~الدالة أو الشكل الدال؛ أي نمط حبك الألوان والخطوط مع بعضها البعض، وهذا يعني أنني أختبر ~~هذه اللوحة جماليا عندما أركز انتباهي الجمالي على الشكل، على طريقة الألوان والخطوط ~~وتشابكها مع بعضها البعض، لا على التمثيل؛ أي على وجه المرأة وعما إذا كان رزينا أو ~~تأمليا أو استهزائيا أو تهكميا أو لطيفا أو متواضعا أو واقعيا، وحتى الإشارة إليه ~~تحبط إمكانية الخبرة الجمالية أو تصرف النظر عن البعد الجمالي للوحة. ليست اللوحة الفنية ~~صورة تحاكي جانبا من الواقع الطبيعي أو الإنساني، ولو أن هدف الفنان محاكاة الواقع لكان من ~~الأفضل له أن يستعمل آلة التصوير؛ فهي تعطي صورة أصدق للواقع من لوحة الفنان، الغاية من ~~اللوحة الفنية إذن ليست محاكاة الواقع أو نقل رسالة سياسية أو دينية أو معرفية أو أخلاقية ~~أو ثقافية معينة، ولكن كما يقول: بل في «الفرضية الميتافيزيقية» التعبير عن معنى إنساني ~~معين؛ فالشكل الدال يعبر عن هذا المعنى، ومقدرته التعبيرية على هذا النحو هي التي تثير ~~فينا أنواعا معينة من الانفعالات الجمالية، والفنان هو العقل الخبير في اكتشاف هذه ~~الأنماط. # ومن ناحية أخرى، يرى بل أن العمل الفني موجود ms004 مستقل بذاته، عناصره متكاملة، ودلالته ~~الشكلية تنجم عن هذا التكامل؛ ولهذا فعندما نركز انتباهنا على التمثيل فإن هذا التركيز ~~يصرفنا عن البعد الجمالي للعمل، قد يكون سبب الاستمتاع بالموناليزا سببا معرفيا أو ~~أخلاقيا أو نفسيا أو اجتماعيا أو تاريخيا أو تقنيا، ويعتقد بل أنه يمكن للعم ~~الفني أن يرضينا في أي من هذه المجالات التجريبية، ولكن ها النوع من الرضا ليس ~~جماليا. # ليس يعني ذلك أن الموضوع، بغض النظر عن عناصره، لا يمكن أن يكون جزءا من الشكل ~~الدال؛ فهذا جائز وممكن وفي هذه الحالة علي كمدرك أن أختبر هذا العنصر أو هذه العناصر ~~كجزء من الشكل لا كشيء مستقل عنه؛ ولهذا يشدد بل على أننا يجب ألا نجلب معنا إلى العمل ~~الفني عندما نحاول إدراكه جماليا أي شيء من حياتنا أو اهتماماتنا العملية، أي يجب ألا ~~نتذوق أو نقيم العمل الفني من وجهة نظر اهتماماتنا الشخصية أو اعتقاداتنا أو عواطفنا أو ~~تحيزاتنا الثقافية، بل من وجهة نظر العمل نفسه وبناء على الصفات أو الكيفيات الكامنة في ~~الشكل الدال؛ فالشكل الدال وحده هو أساس الخبرة الجمالية ومصدرها، وبعبارة أخرى، علينا أن ~~نتذوق العمل الفني موضوعيا، من ذاته ولأجل ذاته، هذه المقولة هي أساس ما يسمى عادة ~~«النزاهة ~~الجمالية» # aesthetic disinterestedness ~~. # تقودنا هذه النقطة الأخيرة إلى ناحية هامة في نظرية بل؛ فلقد قال: إن موضوع الانفعال ~~الجمالي هو الشكل الدال، لا التمثيل الذي قد يكون مضمون هذا الشكل، هذه المقولة تستلزم ~~تمييزا بين إدراك التمثيل كموضوع له أبعاد نفسية أو معرفية أو أخلاقية أو سياسية أو ثقافية ~~من ناحية، وإدراك الشكل الدال من ناحية أخرى، إن إدراك التمثيل يقترح انفعالا معينا ~~فينا أثناء الخبرة الجمالية، ويعتمد هذا الاقتراح على مدى ونوعية المضمون، قد يكون المضمون ~~معرفيا أو أخلاقيا وقد يهمني، وفي هذه الحالة أتفاعل معه بصورة شخصية خاصة تتناسب مع ~~شخصيتي الثقافية وقدراتها العقلية والشعورية، والنقطة المهمة هنا هي أن إدراك التمثيل ~~يصرفني عن البعد الفني للعمل ويجرني إلى ذاتي الشخصية ms005 ... إلى اهتماماتي الذاتية، يصبح العمل ~~مصدر خبرة ذاتية، يصبح وسيلة إلى غاية لا غاية بذاته، أما إدراك الشكل الدال فلا يقترح ~~انفعالا ذاتيا؛ لأن موضوعه هو الشكل الدال بذاته، ومعنى الشكل الدال كامن في الشكل ~~ذاته. # وعندما نقول: إن الشكل الدال هو موضوع الانفعال الجمالي فنحن نعني أن هذا الموضوع ~~يشكل بنية الانفعال عامة؛ إذ لا يمكن للانفعال أن يوجد بدون موضوع، وطبيعة هذا ~~الانفعال تعتمد على طبيعة الموضوع، في هذه الحالة يكون موضوع الانفعال الجمالي هو الشكل ~~الدال، أي الصفة الجمالية الكامنة في الشكل، ولا يمكن لهذه الصفة أن ترد إلى شعور باللذة ~~أو إلى أية حالة نفسية أخرى أيا كان نوعها أو أهميتها؛ لأن هذا الرد يصرفنا عن العمل ~~الفني ذاته، وبهذه الحالة تفقد التجربة صفتها الجمالية وتصبح تجربة نفسية أو عقلية، ومثلما ~~قال جورج إدوارد مور # G. E. Moore # في «مبادئ الأخلاق» بخصوص ~~«الخير» فإن الصفة الجمالية بسيطة ونحن ندركها بصورة مباشرة أثناء التجربة الجمالية؛ ولهذا ~~السبب أكد بل على ضرورة تنمية «الذوق الجمالي» كشرط ضروري ليس فقط للتجربة الجمالية، ~~ولكن أيضا للتنظير الجمالي في طبيعة الفن. # يبدو واضحا مما سبق أن هناك علاقة سببية بين الشكل الدال والانفعال الجمالي، وعندما نسأل ~~بل: ما هو الانفعال الجمالي؟ يقول إنه الانفعال الذي يثيره الشكل الدال. وعندما نسأله: ما ~~هو الشكل الدال؟ يقول إنه الشكل الذي يثير الانفعال الجمالي! وبذلك يقترف بل في تعريف ~~هذين المصطلحين «مصادرة على المطلوب الأول»؛ لأننا لا نعرف إن كان الشكل الدال هو في الواقع ~~سبب الانفعال الجمالي، ولكي نعرف إن كان هو السبب فلا بد من أن نؤكد سببيته بدون ~~الإشارة إلى الانفعال الجمالي؛ أي يجب أن نبرهن على أن الشكل الدال هو فعلا سبب الانفعال ~~الجمالي من غير إحالة (إشارة) إلى هذا الانفعال؛ ولهذا السبب ذهب بعض النقاد إلى أن بل لم ~~يعطنا معيارا للتمييز بين الشكل والشكل الدال؛ لأن بإمكاننا أن نسأل: كيف نميز بين الشكل ~~والشكل الدال؟ فمن المؤكد أن ms006 ليس كل شكل هو شكل دال. نعم؛ كل شكل دال هو شكل ولكن ليس كل ~~شكل هو شكل دال، وعندما نقول: إن الشكل الدال هو الشكل الذي يثير الانفعال الجمالي ~~فإننا لا نستطيع أن نكذب أو نصدق هذا القول؛ لأن بل لم يعطنا معيارا للتمييز بين ~~الشكل العادي والشكل الدال. # ومن جهة ثانية، يؤكد بل أنه ينبغي للخبرة الجمالية أن تكون نزيهة؛ فالإدراك الجمالي هو ~~إدراك للقيمة الجمالية الكامنة في الشكل الدال للعمل الفني وتذوق هذه القيمة من أجل ذاتها ~~دون مزج هذا الإدراك بأي عنصر ذاتي أو شخصي، وكما رأينا فإن موضوع الخبرة الجمالية هو الشكل ~~الدال فقط، وعندما ينحرف الإدراك الجمالي نحو التمثيل فإنه يفقد صفته الجمالية. من الواضح ~~أن هذه المقولة تفصل بين الذات الشخصية وملكة الذوق الجمالي؛ فالذات الشخصية هنا تتراجع ~~والذات الجمالية تفعل، ولكن هل هذا الانفصال ممكن؟ ترى هل يمكن لأي إنسان أن يقصي ذاته ~~الشخصية أو العملية، أو يحجبها، أثناء الخبرة الجمالية؟ وبالتالي، هل يمكن للشكل الدال أن ~~يحمل أي معنى إذا لم يمثل شرحه ولو بصورة غير مباشرة من الواقع الطبيعي أو الإنساني؟ ليس ~~بوسعي الآن أن أمكث طويلا عند هذه الأسئلة الصعبة، ولكني سأكتفي ببضع ملاحظات: # أولا: # لا يمكن فصل الشكل الدال للعمل الفني عن مضمونه أو عن التمثيل، ولا ~~يمكن إدراك الواحد بدون الآخر؛ لأنني أدرك دلالة الشكل من خلال التمثيل، ~~وبمعنى أدق، الشكل الدال هو التمثيل، ولنلق نظرة أخرى على الموناليزا، ~~ما هو الشكل الدال في هذه اللوحة؟ إنه نمط تشكيل الألوان والخطوط، والشيء ~~الناجم عن هذا التشكيل هو التمثيل، وهذا التمثيل هو صورة المرأة المسماة ~~«موناليزا»، فهل بإمكاني أن أشير إلى الشكل الدال هنا بدون الإشارة إلى ~~التمثيل؟ إن هذا التمثيل هو الذي يعبر عن الصفات الجمالية والإنسانية ~~التي تحدثت عنها سابقا، فهل يمكن لهذه اللوحة أن تكون شكلا دلاليا ~~بدون هذه القدرة التعبيرية؟ # ثانيا: # من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل إبعاد الذات الشخصية عن الإدراك ms007 ~~الجمالي؛ أي لا يمكن الكلام بطريقة محددة عن إدراك جمالي خالص يحدث بين ~~ذات جمالية خالصة وصفة جمالية خالصة، وحتى لو افترضنا أنه يمكن الكلام عن ~~ذات جمالية خالصة وإدراك جمالي خالص، فإن ذلك أمر غير مرغوب فيه؛ لأن ~~العمل الذي لا يثيرني ولا يساعدني على النمو كإنسان هو عمل يمكن ~~الاستغناء عنه، ومن ناحية أخرى، لا تستلزم النزاهة الجمالية بحكم الضرورة ~~افتراض وجود ذات جمالية خالصة تقوم بإدراك جمالي خالص، كلا، إن ما تطلبه ~~النزاهة الجمالية هو استعداد الفرد لأن يدرك أو يستوعب المضمون الجمالي ~~الكامن في العمل الفني كما هو موجود في العمل، بدون أي نوع من ~~التشويه. # ترى هل يمكن للفنان، بغض النظر عن نوعية وكمية ولائه أو التزامه ~~بالتجريد، أن يتخلى عن تمثيل الواقع؟ كلا! الفنان ابن ثقافته، إنه يرى ~~ويفهم ويؤول الواقع حوله كفرد، كإنسان عيني موجود في ثقافة معينة وفي ~~زمان ومكان معين، إن روح هذه الثقافة تنبض في عروقه؛ ولذا فإن طريقة ~~انتقائه لمادته الفنية وطريقة تشكيلها تعبران دائما عن هذه الروح ~~الثقافية. # ثالثا: # إن نظرية بل الصورية # Formalism # التي ~~تعتبر الشكل أو الصورة # form # الصفة المميزة ~~للعمل الفني بوصفه عملا فنيا، ترتكز على افتراض ميتافيزيقي، وهذا ~~الافتراض هو وجود ماهية # essence # مشتركة ~~بين جميع الأعمال الفنية، وتفترض أن هذه الماهية هي الشكل الدال، وهذا ~~الافتراض قد ساعد بل على تمييز الأعمال الفنية كصنف # class # بذاته وعلى عزل هذا الصنف عن الأعمال والأشياء ~~الأخرى، وبهذه الطريقة أسس بل استقلالية الفن عامة والعمل الفني خاصة، ~~ولكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل يمكن رسم خط دقيق يعزل أو يفصل الأعمال ~~الفنية كصنف من الأعمال مستقلة عن ميدان الحياة الإنسانية الاجتماعية ~~الواقعية؟ تاريخيا كان الفن مرتبطا بحياة الإنسان الدينية والسياسية ~~والأخلاقية والاجتماعية والتربوية والثقافية عامة، لقد كان العمل الفني وما ~~زال قوة تأنيسية # humanizing # تخاطب مختلف ~~حاجيات الإنسان كإنسان؛ ولذا فإن النظرية التي تعتبر الشكل مبدأ التفسير ~~الفني تقترف مغالطة ~~الردية # reductionism ~~؛ لأنها ترد فنية ms008 العمل الفني إلى الشكل فقط ~~وتعمل أبعاده ووظائفه الأخرى التي هي ضرورية جدا لتفهم هذه الصفة ~~الفنية. إن ما أريد أن أؤكده هنا هو أننا لا نستطيع شرح أو تفسير البعد ~~الفني إن لم نأخذ بعين الاعتبار مختلف الوظائف التي يقوم بها هذا العمل في ~~حياة الإنسان. # ومن ناحية أخرى، عندما نقول إن الشكل الدال هو الذي يحدد الطبيعة الفنية فإننا بذلك نحبط ~~أي إمكانية لتقييم جودة العمل الفني؛ ذلك أن كل عمل يمتلك شكلا دالا هو، بحسب نظرية ~~بل، عمل فني، ولا تقر هذه النظرية بوجود أي جانب آخر في العمل الفني يمكن الارتكاز عليه ~~في تقييم جودة العمل. إن هذا النقص في نظرية بل، والصورية بعامة، أدى إلى حد كبير إلى ~~تطوير التعبيرية # Expressionism # في الربع الثاني من القرن ~~العشرين. # ولا يسعني أن أختتم هذه المقدمة بدون أن أعبر عن مزيد شكري وإعجابي للجهد العلمي الذي ~~بذله د. عادل مصطفى في ترجمة هذا الكتاب. يعد هذا الكتاب من أهم الأعمال الفلسفية التي ~~كتبت في فلسفة الفن، ولا يمكن لأي مفكر، الآن أو في المستقبل، التنظير في طبيعة الفن بدون ~~استيعاب سليم لنظرية بل، وحتى النظرية التعبيرية التي تلتها انطلقت من الحدس الأساسي ~~لصورية بل وأخذته بعين الاعتبار. لقد نجح د. عادل، حسب اعتقادي، في ترجمة هذا الكتاب ~~بصورة دقيقة وبلغة سلسة، ونقل المعنى بصدق وإخلاص للنص الأصلي. # د. ميشيل متياس # | هذا الكتاب # «ثمة لحظات في الحياة هي غايات ليس بالكثير عليها أن يكون تاريخ ~~البشرية بأسره وسيلة إليها.» ~~«لم يكن هم سيزان الحقيقي في حياته هو أن يصنع لوحات، بل أن يصنع ~~خلاصه.» ~~«أعرف رجلا واسع الاطلاع ذكيا؛ رجلا لم تكن حياته الجافة أفضل من ~~نزلة برد طويلة بالرأس، رجلا لم يدخر ذلك الممسوس فان جوخ جهدا ~~لإنقاذه.» # كلايف بل ~~*** # هذا الكتاب أنشودة في الفن صدح بها في أوائل القرن العشرين صوت من ~~أعذب الأصوات الفلسفية وأعمقها، فوجد فيها أهل زمانه ترجمة صادقة لتلك الروح التي كانت ~~آنذاك ms009 تدأب لكي تعي ذاتها، وتلوب لكي تقبض على هويتها، ووجدت فيها الأجيال التالية معنى ~~لا يغيب صداه، وهديا لا تضل بعده في فهم طبيعة الفن وكنهه وحقيقته النهائية. # هذا كتاب كلاسيكي نقل النظرية النقدية في الفن من جاهلية القرن التاسع عشر إلى بصائر ~~القرن العشرين، ولولا ما لحق بتعبير «ثورة كوبرنيقية» من ابتذال منذ وصف بها إمانويل كانت، بحق، ثورته ~~الإبستمولوجية، لقلنا: إن هذا الكتاب يمثل ثورة كوبرنيقية في مجال الإستطيقا # aesthetics # 1 # بنقله محور الارتكاز في الفن من الترديد الأمين إلى الشكل الدال، ومن المحاكاة ~~إلى الخلق. # كان كلايف بل # Clive Bell ~~، مؤلف هذا الكتاب، نجما ~~متفردا بين جماعية «بلومزبري» # Bloomsbury # التي نبه ~~شأنها في العشرينيات، ويعد، بجانب هربرت ريد وروجر فراي، عضوا في أوسع الجماعات تأثيرا ~~في نظرية النقد الفني بالمملكة المتحدة، وكان «بل» فوق ذلك من «الأسلوبيين» # stylists # الرفيعي المستوى في النثر الإنجليزي، يعالج بكياسة وسخرية ~~ماكرة مناقب ومثالب معاصريه من الفنانين، ومناقب ومثالب جميع الفنانين منذ العصر الحجري ~~إلى اليوم. # لعل أهم إسهام لكلايف بل في نظريات الجمال والأسلوب الحديثة هو مفهومه عن «الشكل الدال» # Significant Form # الذي دفع به لأول مرة عام 1913م في ~~هذا الكتاب الذي بين يديك، والذي تولت الفيلسوفة الأمريكية سوزان لانجر # Susanne Langer # إعادة تقييمه والتوسع فيه، فتخطى ~~تأثيره مجال النظريات الفنية وصار حجر الأساس لقدر كبير من العمل الفلسفي، لقد نجح مفهوم ~~«الشكل الدال» على سبيل المثال في تثوير دراسة الشكل والبناء الرمزيين في جميع الفنون، ~~ولعب دورا هاما في تطوير المنطق والإبستمولوجيا المعاصرين. # يقدم هذا الكتاب خلاصة النظرية الشكلية في الفن، والتي أرى أنها أعمق النظريات الفنية ~~وأقربها إلى الصواب وأشدها إمساكا بجوهر الفن لو أنها أخذت بمعناها الحقيقي وفهمت على ~~وجهها الصحيح، وأرى تطرفها الظاهري تطرفا في الحق، وترياقا ناجعا يعدل ويعادل ~~تطرفنا في الباطل وتخلفنا الفاجع في فهم معنى الفن ومقصده وجدواه. # الفرضية الإستطيقية: الشكل الدال # تبدأ الإستطيقا الشكلية من «واقعة» # fact # محددة، ~~يقينية لا شك فيها، ms010 هي أننا (أو أن أصحاب الحساسية # sensibility # منا) ننفعل بإزاء أشياء معينة نطلق عليها «الأعمال الفنية» # works of art # انفعالا شديد الخصوصية والتميز ~~نطلق عليه «الانفعال ~~الإستطيقي» # aesthetic ~~emotion ~~، ورغم أن هذا الانفعال هو خبرة ذاتية شخصية، إلا أن ~~ارتباطه بموضوعات عينية من جهة، واتفاقنا الوثيق في حدوثه من جهة أخرى، يجعل منه ~~شأنا واقعيا صلبا ويصبغه بصبغة موضوعية # 2 # صارمة. # إننا ننفعل حقا تجاه أشياء متباينة نطلق عليها أعمال «الفن» # Art # انفعالا غامرا عميقا «فريدا في نوعه» # sui generis # نعرفه جميعا ونعرف «ماذا يشبه أن يكون» # what it ~~is like ~~، ~~وكلنا إذ يتحدث عن «الفن» فهو يعكس بذلك تصنيفا ضمنيا مدمجا بذهنه يفرق به بين فئة ~~«الأعمال الفنية» وجميع الفئات الأخرى، فما هو المبرر العقلي لهذا التصنيف؟ ما هي الصفة ~~التي تجمع بين اللوحات والسيمفونيات والأواني والقصائد والمنحوتات والرقصات ~~والتراجيديات والكاتدرائيات والمنسوجات، وتحملنا على أن ندرجها جميعا تحت مقولة ~~«الفن»؟ ما هي «الخاصية الجوهرية» # essential property # التي بها يكون الشيء عملا فنيا وبدونها يكون أي شيء آخر؟ يقول كلايف بل بجسارة ~~وحسم: إنها «الشكل الدال» # Significant Form ~~، ويعني به ~~في الفنون البصرية تلك التجمعات والتضافرات من الخطوط والألوان، أو حبكة الخطوط ~~والألوان، التي من شأنها أن تثير في المشاهد انفعالا إستطيقيا، وبوسعنا أن نعمم ~~مفهوم «الشكل الدال» ليشمل جميع الفنون، فنقول إن الشكل الدال لعمل من أعمال الفن ~~هو ذلك التنظيم الخاص الذي يتخذه «الوسيط» # medium # الحسي لذلك العمل، والذي من شأنه أن يثير في المتلقي (الذي يتمتع بالحساسية الفنية ~~ويتخذ الموقف الإستطيقي) انفعالا إستطيقيا. # والحق أن الفنان في نهاية المطاف، وآخر الجدل: ليس هو الشخص العميق الفكر، ولا هو ~~الشخص المشبوب الانفعال، ولا الثري التجارب، فكل هذه صفات توجد في أناس بعدد الحصى ~~دون أن تتخايل في أحدهم بارقة فن واحدة، إنما الفنان هو ذلك الشخص الذي يفكر ويحس من ~~خلال وسيط فني معين، وأيا ما كانت انفعالاته وأفكاره، ملتهبة أو باردة، عميقة أو ~~سطحية، فإنها تتمثل لذهنه ms011 متجسدة في وسيطه الخاص، ويعلم كل مزاول للفن أن ~~العملية الفنية في عامة الأحوال ليست حالة أو فكرة مجردة يبلغ إليها في مرحلة ~~منفصلة ثم يحاول الاهتداء إلى ثوب فني يكسوها به في مرحلة ثانية، إنها ملتحمة ~~بالوسيط منذ البداية، وكثيرا ما تكون العملية الفنية هي عملية تنمية لحن أو التوسع في ~~تصميم بصري أو تعقب تركيبة لفظية ورؤية ما تسفر عنه. # 3 # الشكل الدال في مقابل المحاكاة والتمثيل # في كتابه البعيد الأثر «الشعر» Poetica ~~، عرف أرسطو ~~التراجيديا بأنها «محاكاة» # mimesis # لشخصيات معينة ~~أو أفعال بشرية معينة، فقد لاحظ أرسطو أن الناس يمتعها أن تقلد أو تشاهد تقليدات ~~ناجحة، ومن الإنصاف للمعلم الأول أن نقول إن المحاكاة التي نادى بها هي محاكاة انتقائية ~~خلاقة تعبر عن «الكلي» بحق في التجربة البشرية ولا تكتفي بالترديد الحرفي للمجرى ~~المألوف للتجربة، غير أنه منذ دفع بنظريته أصبح عامة الجمهور يعتقدون أن مهمة الفن هي ~~محاكاة الواقع وصنع نسخ طبق الأصل لما يجري بالحياة، ولا يزال العامة في كل مكان ~~يثنون على الأعمال الفنية لأنها شبيهة بالحياة أو «واقعية» ولا يزالون يعتبرون الفن ~~مرآة للطبيعة، ويرون أن اللوحات الفنية وسيلة «إيهام» # illusion # تخيل للناظر أنه يرى الطبيعة نفسها، وتبلغ ذروة الفن إذا ~~عجز المشاهد عن أن يفرق بينها وبين الواقع. # ولكن إذا كان الفن تمثيلا أو نسخا للواقع، فأي نفع نناله من تمثيل ما هو ماثل؟ ~~وأي جدوى تعود علينا من الحصول على «نسخ» ولدينا «الأصل» طوع يدنا؟ يقول أرسطو إن ~~الناس تجد متعة في رؤية الشبيه؛ لأن في الاستدلال والتعرف على الأنموذج # model # متعة، غير أن بل والشكليين يرون أن متعة ~~التعرف ليست متعة إستطيقية؛ فحين يكون اهتمام المتلقي منصرفا إلى التعلم أو الاستدلال ~~أو التعرف، فإن إدراكه لا يقع على العمل الفني ككل، وإنما يقع على «موضوعه» فقط؛ أي ~~على الشيء الذي يمثله العمل، حينئذ تكون صورة فوتوغرافية تافهة أوفى بالغرض من ~~أي لوحة عظيمة، وبنفس القياس تكون الأعمال الوصفية التي لا ms012 هم لها إلا التمثيل الدقيق ~~عبثا لا طائل منه و«إهدارا لساعات رجال ذوي اقتدار من الأجدى أن يستخدموا في أعمال ~~أوسع نفعا»، إنما الفن عالم آخر مستقل نوعيا عن العالم الخارجي، ولا سبيل إلى ~~رده إلى عالم الواقع، إنه عالم إنساني منبثق عن ذهن الإنسان ونشاطه الخالق، إنه ~~إبداع بشري خالص غير ملزم بترديد الحقيقة الموضوعية أو نسخ الوجود الخارجي، وما كان ~~لتمييز التشابه بين أشكال العمل الفني والأشكال المألوفة في الحياة أن يخلق انفعالا ~~إستطيقيا، فليس غير «الشكل الدال» ما يقوى على ذلك، وليس هناك ما يمنع بطبيعة الحال ~~أن تكون الأشكال الواقعية دالة إستطيقيا وأن يخلق منها الفنان عملا رائعا، غير أن ~~ما يعنينا منها عندئذ هو قيمتها الإستطيقية لا قيمتها المعرفية، فبإمكان العنصر ~~المعرفي أو التمثيلي في العمل الفني أن يكون مفيدا كوسيلة إلى إدراك العلاقات الشكلية ~~وليس بأي طريقة أخرى. # لذا يؤكد بل على أن التذوق الفني الصحيح ينبغي أن يقع على الشكل، وهنا يكون العنصر ~~التمثيلي عبئا على الإدراك الفني وحائلا بينه وبين دلالة الشكل، ولا يصبح العنصر ~~التمثيلي مفيدا إلا إذا اقتصر دوره على أن يكون مفتاحا متروكا في العمل نفتح به - ~~حين تعوزنا الخبرة الذوقية الكاملة - بابا خلفيا إلى عالم الشكل الدال، ولا يكون ~~مفيدا ما لم يكن مدمجا ومستوعبا في الشكل، أما أن تستلفتنا «المشابهة» وتصرف ~~انتباهنا عن العلاقات الشكلية، فنحن بنفس الدرجة نكون قد أدرنا ظهرنا لعالم الفن ~~وطفقنا راجعين إلى عالم الحياة. # الفرضية الميتافيزيقية # لماذا تتأثر مشاعرنا كل هذا التأثر حيال الأشكال الدالة؟ # لماذا نطرب كل هذا الطرب؟ ونجد كل هذا الوجد؟ # يبدو ممكنا في رأي بل أن الشكل المبدع يهزنا بهذا العمق لأنه يعبر عن انفعال ~~مبدعه ويوصل إلينا هذا الانفعال، فتجاه أي شيء إذن يشعر الفنان بذلك الانفعال الذي ~~يفترض أنه يعبر عنه؟ يبدو من وجهة نظر بل أن الفنان في لحظات إلهامه يحس انفعالا ~~تجاه الأشياء بوصفها «أشكالا خالصة»؛ أي بوصفها غايات في ذاتها، لا بوصفها وسائل ms013 ~~ملفعة بالارتباطات؛ أي إن الفنان في لحظة الرؤية الإستطيقية يرى الأشياء مبرأة من كل ~~ضروب الاهتمام السببي والطارئ، ومن كل ما يمكن أن تكون قد اكتسبته من طيلة صحبتها ~~لبني البشر، ومن كل دلالة لها كوسيلة؛ ومن ثم يحس دلالتها كغاية في ذاتها. # وحين يتحدث بل عن دلالة الشيء بوصفه غاية في ذاته، فإنه يقترب كثيرا من مفهوم ~~المثاليين عن «الشيء في ذاته» أو عن «الواقع النهائي»، ويكون جوابه عن سؤاله ~~الميتافيزيقي «لماذا نطرب كل هذا الطرب لتجمعات معينة من الخطوط والألوان؟» هو: «لأن ~~بقدرة الفنانين أن يعبروا بتجمعات الخطوط والألوان عن انفعال نحو الواقع يكشف عن ~~نفسه من خلال الخط واللون.» ويترتب على ذلك أن «الشكل الدال» هو الشكل الذي نظفر من ~~ورائه بحس بالواقع النهائي. # الشكل - المضمون # يظن بعض الناس ممن يلقون الكلام على عواهنه أن الشكلية تعني صدارة الشكل، أي شكل، ~~على المضمون، ويتوهمون أن الشكلية هي التركيز على الزخرف والزينة والقوالب الخارجية ~~دون اكتراث كبير بالمعنى والوظيفة، وهو تعسف لم يقل به أحد، وقلب للقضايا لا يرتكبه ~~إلا مأفون، وليت النقاد وفلاسفة الفن قد تعارفوا على تسمية نظرية بل «الشكلية ~~الدالة» بدلا من «الشكلية» فأراحوا واستراحوا؛ ذلك أن الشكل الذي ألح عليه بل هو ~~الشكل الدال، و«الدلالة» # significance # مفهوم ~~«قصدي» # intentional # بامتياز؛ فالشكل لا بد أن ~~يدل على شيء ويشير إلى شيء ويقول شيئا، على أن يقول ويشير ويدل بالشكل وفي ~~الشكل، ونقول بالشكل وفي الشكل لأن الشكل الدال، ببساطة، هو وحده ما يقوى على إحداث ~~الانفعال الإستطيقي وغيره لا يحدث إلا انفعالات الحياة. # فليحمل العمل الفني من الحقائق ما وسعه أن يحمل، وينقل من المعارف ما شاء أن ينقل؛ ~~فالمعرفة والحقيقة، ككل شيء آخر يعبر عن الفن، لا بد أن ترتبطا ارتباطا وثيقا ~~بالقوام الحسي والعرض الشكلي للعمل. إن الفن لن ينافس العلم في مضماره، إنما تلح ~~الشكلية على أن يكون الفن فنا - أي شكلا دالا - كيما يتسنى له أن يقبض على الحقيقة ~~التي يعجز ms014 العلم عن القبض عليها. # هل الاهتمام بالشكل يأتي على حساب المضمون؟ كلا بل يأتي لحسابه، باعتبار نوعية ~~المضمون الذي أوكلنا إلى الفن أن يحمله، الشكل هو كل شيء في العمل الفني، الشكل هو ~~المضمون في حضوره الإستطيقي، والشكل الدال هو الشكل الصائب الذي تطابق مع انفعال ~~مبدعه تجاه الواقع النهائي، والذي وجد فيه هذا المضمون الانفعالي جسدا للمثول ~~الموضوعي ومنفذا إلى الذوات الأخرى، وآيته في ذلك أنه يثير في المتلقين انفعالا ~~إستطيقيا مضاهيا لانفعال مبدعه، وهذا الانفعال الناجم هو معرفة ونشوة معا، هو ~~كشف كبير ومتعة عالية في آن. # الشكل الدال حق متى جاء، ونحن نعرفه متى صادفناه ونعرف أنه حق، إنه هو ... يحمل آية ~~صدقه (الوجد الإستطيقي) ويومئ إلى رصيده الأنطولوجي (الواقع النهائي)؛ ومن ثم فهو نقيض ~~اللعب والتبطل، فأنت في كل الأحوال لكي تأتي بشكل دال فلا بد أن يكون لديك ما ~~تقوله، الشكل الدال ليس زينة بل نقيض الزينة، وهو بالتأكيد تقشف وتبسيط وكفاف من ~~التمثيل والتفصيل، وطرح للزائد ونبذ لكل ما ليس له دلالة، الشكل الدال ليس لهوا أو ~~فراغا أو «عجة بلا بيض». # لقد تعرض مفهوم الشكل حقا لابتذال كثير وسوء فهم فادح، والتصقت به دلالات ~~سلبية ليست منه وليس منها، وتقول عليه المتقولون وكأنه نقيض المضمون لا جسده، أو ~~كأنه ضد التجديد لا شرطه وحاديه وروحه الحارس، ليس لمفهوم الشكل الدال علاقة ~~بالصراع الأزلي بين الجموح والعقل، بين التلقائية والنظام، بين الجانب الديونيزي ~~والجانب الأبولوني في الفن؛ ففي ذلك خلط بين الشكل الخارجي الآلي والشكل الداخلي ~~العضوي، فليتمرد من شاء على القوالب القديمة المستهلكة، وليجدد ما شاء له تدفقه ~~واندفاعه؛ فكل تجديد يحمل في ثناياه شكله الخاص، ولن يتسنى لأحد أن يتمرد على الأشكال ~~القديمة إلا بأشكال جديدة، ولن يكون له أن يجدد في الشكل إلا بالشكل. # الفن خير # يقدم كلايف بل في فصل «الفن والأخلاق» تحليلا لمفهوم «الخير» يسترشد فيه بحدسية ~~جورج مور # G. Moore # في كتابه الذائع الصيت ~~«مبادئ علم الأخلاق» Principia ms015 Ethica ~~، ويخلص ~~منه إلى نتيجة مفادها أن الحالات الذهنية الخيرة هي وحدها خير كغاية في ذاتها، ~~ويترتب على ذلك أن علينا لكي نبرر أي نشاط إنساني تبريرا أخلاقيا أن نتساءل: هل ~~هذا النشاط هو وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة؟ أما في حالة الفن فإن جوابنا سيكون ~~فوريا وقائما على خبرة وجدانية حقيقية؛ فالفن ليس فقط وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة، ~~بل ربما يكون أقوى الوسائل التي في حوزتنا وأكثرها مباشرة، إنه أكثرها مباشرة؛ لأنه لا ~~شيء أسرع منه تأثيرا في الذهن، وأكثرها قوة لأنه لا توجد حالة ذهنية أكثر امتيازا ~~وشدة من حالة التأمل الإستطيقي، وأنت حين تعد أي شيء عملا فنيا فإنك تقيم حكما ~~أخلاقيا خطيرا؛ لأنك بذلك تعده وسيلة مباشرة وفعالة إلى الخير بحيث لا يعوزنا أن ~~نكرث أنفسنا بأي شيء من نتائجه المحتملة. # الفن والمجتمع # للفن آثار اجتماعية هائلة، فهو يغير شخصيتنا وتجربتنا في المجالات غير ~~الإستطيقية للحياة، ويجعلنا أكثر حكمة وسموا، ويعمق رؤيتنا لذواتنا وذات الآخرين، ~~إن للفن وجها موضوعيا أساسيا وبعدا «بينذاتيا» # intersubjective # يدخل في صميم ماهيته؛ فالمبدع والمتلقي «متضايفان» # correlatives # يأخذ كل منهما من الآخر حقيقته ~~ومعناه، بل إن البشر جميعا في اللحظة الإستطيقية يغدون ذوبا من تضايف عام وامتزاج ~~كلي. # إن الفن يطلعنا على دينامياتنا النفسية وديناميات الآخرين، ويعتقنا من مركزية الذات # egocentrism # ويؤهلنا للمواجدة # empathy ~~؛ أي القدرة على اتخاذ الإطار المرجعي للآخرين بسهولة ويسر، ~~ومشاركتهم وجداناتهم مشاركة حقيقية مبرأة من إسقاطاتنا الخاصة، الفن هو أقدر صنوف ~~النشاط البشري تعبيرا عن التواصل بين الأفراد وبين الأجيال وبين الأمم؛ لأن الوجد ~~الإستطيقي لا يحده الزمان ولا ترده التخوم الجغرافية، إنه انعتاق من كل صنوف المركزية ~~وانطلاق من كهوف التحيز والتعصب والتحزب، وأذان للأرواح بأن تنعطف وتأتلف ~~وتتقاسم رحابة الوجود. # والفن بوظيفته المعرفية التي أشار إليها بل وسوزان لانجر وهربرت ريد وغيرهم يفتح ~~لنا مغاليق العالم الوجداني، فإلى جانب العلم الذي يزيد من تمكننا الفكري والتصوري ~~للعالم، فإن الفن يزيد من تمكننا الإدراكي والانفعالي؛ فبفضل ms016 كتاب من طراز شكسبير ~~وبروست أمكننا أن نفطن إلى دقائق سيكولوجية ما كان لنا أن نراها، وبالتالي نحسها، لولا ~~قدرتهم على اقتناصها والتعبير عنها، وبفضل مصورين من طراز سيزان ومانيه تعلمنا كيف ~~ننظر إلى الأشياء ونلاحظ العالم، وكيف ننتشي بالتحامنا بالوجود والتقائنا بماهية ~~الأشياء. # ولا يفوتنا في هذا المقام أن ننبه إلى أن التماس أي منفعة للفن من طريق آخر غير ~~الدلالة الإستطيقية هو إبطال للفن ونفي لماهيته ذاتها؛ فالفن الدعاوي والإرشادي ~~والتزييني ليس فنا، بل تناقض ذاتي، شأنه شأن «النقطة الممتدة» أو «المربع ~~المستدير»، والإصرار على توظيف الفن لخدمة أغراض حياتية مباشرة هو خسران لوظيفة الفن ~~الحقيقية التي لا يقدر على الاضطلاع بها أي نشاط آخر، وتحميله في الوقت نفسه دورا ~~تستطيع مرافق أخرى - كالإعلام والفكر والسياسة والجامعة ومراكز البحث - أن تقوم به على ~~نحو أفضل. # قيمة القيم # يقولون ما فائدة نظرية علمية بلا تطبيق عملي فهي تئود الذهن ولا تريح الكاهل؟ وما ~~فائدة نغمة لا تغمس لقمة ... وكلمة لا تدفع نقمة؟ # وأزيدهم: وما فائدة تمسيدة حنان، في ميناء الحياة، على جبين مكدود لن أراه مرة ~~ثانية؟ # وأقول إن السؤال الصحيح لم يسأل: ما فائدة عمل طاحوني يبدأ من حيث ينتهي؟ # وما فائدة لقمة لا يزال يجادلها الجوع؟ # وسلامة هي حسبك من داء دفين، ما دمنا في الحياة زائرين غير مقيمين. # لا فائدة في العمل واللقمة والسلامة، ما لم تنته بنا سلاسلها إلى نهايات من معدن ~~آخر ... نهايات تقوم في ذاتها قيمة. # الحق والجمال والخير ليست سلاسل بل نهايات. # ليست وسائل بل غايات. # إنها قيم. # إنها مطلقات. # بعد الوجد # يقول كلايف بل: «إن من قدر له أن يعرف الوجد ويتبدد في «أوه ... ألتيتودو» # O Altitudo # واحدة، لن يكون له أن يؤخذ ~~بإثارات العمل الفارغة ويغالي في تقديرها، ومن وهب القدرة على أن يأوي إلى عالم الوجد ~~سيعرف كيف يتعامل مع الوقائع الخارجية بحجمها، جدير ذلك الذي يختلف كل يوم إلى عالم ~~الوجد أن يعود إلى عالم الشئون البشرية مسلحا ms017 لمواجهتها بشجاعة، وربما بشيء من ~~الازدراء.» # وبعد فإن دخول العمل الفني ليس مثل خروجه. # ربما يكون دخولك تزجية للوقت. # أو دفعا للسأم أو محض صدفة. # غير أنك تخرج دائما من الرائعة الفنية بكيمياء مختلفة. # وخطوة مختلفة. # وطريق مختلف. # د. عادل مصطفى # | تصدير المؤلف # في هذا الكتاب الصغير حاولت أن أنشئ نظرية مكتملة في الفن البصري، لقد قدمت فرضية يمكن ~~بالإحالة إليها أن تختبر وجاهة (وإن لم يكن صواب) الأحكام الإستطيقية جميعا، وفي ضوئها ~~يغدو تاريخ الفن من العصر الحجري إلى اليوم مفهوما، وبتبنيها نقدم دعما فكريا لقناعة ~~عالمية، تقريبا، وموغلة في القدم، يطوي كل منا جوانحه على اعتقاد بأن هناك فرقا ~~حقيقيا بين الأعمال الفنية وجميع الأشياء الأخرى، هذا الاعتقاد تبرره فرضيتي. إننا ~~جميعا نشعر بأن الفن هام غاية الأهمية، وفرضيتي تقدم السبب في اعتباره كذلك، والحق أن ~~الميزة الكبرى لفرضيتي هذه أنها تبدو مفسرة لما نعرف أنه حق، ومن يهمه اكتشاف السبب ~~الذي يجعلنا نطلق على سجادة فارسية أو جدارية لبييرو دلا فرانشيسكا عملا فنيا، ونطلق ~~على تمثال نصفي أو لوحة شعبية تعالج مشكلة عملا ساقطا؛ من يهمه اكتشاف ذلك فسوف ~~يجد هنا ضالته، وسيجد أيضا أن الرواسم المألوفة في النقد، من مثل «رسم جيد»، «تصميم ~~رائع»، «آلي»، «غير محسوس»، «غير منظم»، «حساس»، سيجد هذه المصطلحات قد أخذت ما تفتقر إليه ~~أحيانا: معنى محددا، وباختصار فإن فرضيتي تعمل بنجاح، ذلك شيء غير معتاد، وبدت للبعض لا ~~ناجعة فحسب بل صحيحة، تلك شبه أعجوبة. # ربما يؤسس المرء نظرية في خمسين أو ستين ألف كلمة تأسيسا كافيا، ولكنه لا يمكن أن ~~يدعي أنه تأسيس مكتمل، إن كتابي تبسيط؛ فقد حاولت أن أجترح تعميما عن طبيعة الفن يتكشف ~~أنه صحيح ومتسق وشامل في آن معا، لقد التمست نظرية يتعين أن تفسر خبرتي الإستطيقية ~~كلها وتومئ إلى حل لكل مشكلة، ولكني لم أحاول أن أجيب بالتفصيل عن جميع الأسئلة التي ~~طرحت نفسها، أو أن أقتفي أي واحد منها إلى أدق تفريعاته، إن علم ms018 الإستطيقا شأن معقد، ~~وكذلك هو تاريخ الفن، وقد أملت أن أكتب فيهما شيئا بسيطا وصائبا، فرغم أني، مثلا، قد ~~أشرت بوضوح شديد، بل بتكرار كثير، إلى ما أعتبره جوهريا في العمل الفني، فأنا لم أتناول ~~العلاقة بين الجوهري وغير الجوهري بالإفاضة التي كان يسعني تناولها؛ فقد بقي الكثير الذي لم ~~يقل عن عقل الفنان وطبيعة المشكلة الفنية، وبقي لمن هو فنان وسيكولوجي وخبير بالعجز ~~الإنساني أن ينبئنا إلى أي مدى يكون غير الجوهري وسيلة ضرورية إلى الجوهري؛ أن ينبئنا ~~ما إذا كان من السهل أو الصعب أو المستحيل على الفنان أن يدمر كل درجة في السلم الذي ~~يرتقي عليه إلى النجوم. # الفصل الأول من كتابي يوجز مناقشات ومداولات وخيوطا طويلة من التأمل الغامض تظل ~~جديرة، حين تتكثف إلى حجاج صلب، أن تملأ مجلدين ضخمين أو ثلاثة، ولعلي أكتب واحدا ~~منها ذات يوم إذا كان نقادي مندفعين اندفاعا كافيا لاستفزازي، أما عن فصلي الثالث - مخطط ~~تاريخ أربعة عشر قرنا - فمن نوافل القول: إنه تبسيط، وفيه استخدمت سلسلة من التعميمات ~~التاريخية لكي أوضح نظريتي، وفيه، مرة أخرى، أعتقد في صحة نظريتي، وأقتنع بأن كل من سيتأمل ~~تاريخ الفن في ضوئها سيجد ذلك التاريخ أكثر وضوحا من ذي قبل، وأنا أعترف في الوقت نفسه أن ~~الفروق في الحقيقة أقل عنفا، أن التلال أقل تحدرا مما تبدو عليه في خريطة من هذا الصنف، ~~وسيكون جميلا بدون شك لو أن هذا الفصل أيضا قد توسع إلى نصف دستة من المجلدات الممتعة، ~~إلا أن هذا لن يتسنى حتى يتعلم السدنة المثقفون أن يكتبوا أو يتحلى كاتب ما ~~بالصبر. # تلك المداولات والمناقشات التي هذبت وصقلت النظريات المطروحة في الفصل الأول جرى ~~معظمها مع السيد روجر فراي # Roger Fry # الذي أدين له، من ~~أجل ذلك، دينا يعجزني أن أحصيه، وأنا أشكره في المقام الأول كمحرر مشارك في البرلنجتون ~~ماجازين لسماحه بإعادة طبع جزء من مقال أسهمت به في هذه الدورية، وبعد إذ أؤدي هذا الواجب ~~آتي إلى حساب ms019 أكثر تعقيدا، في المرة الأولى التي التقيت فيها بالسيد فراي، في عربة سكة ~~حديد تصل بين كمبردج ولندن تجاذبنا أطراف الحديث حول الفن المعاصر وعلاقته بكل فن آخر، ~~ويبدو لي أحيانا أننا ظللنا منذ ذلك الوقت نتحدث عن نفسي الشيء، ولكن أصدقائي أكدوا لي أن ~~الأمر ليس بهذا السوء، أذكر أن السيد فراي كان حديث عهد بالأساتذة الفرنسيين المحدثين - ~~سيزان وجوجان وماتيس، وأني كنت أتمتع بمعرفة أطول بهم، غير أن السيد فراي كان قد أصدر ~~لتوه كتابه «مقال في الإستطيقا» الذي يعد، من وجهة نظري، أرشد إسهام تم في هذا العلم ~~منذ زمن كانت # Kant ~~، لقد تحدثنا كثيرا عن هذا المقال، ~~ثم تناقشنا في احتمال إقامة معرض «بعد ~~انطباعي» Post-Impressionist # في صلات عرض جرافتون، نحن لم نسمه آنذاك «بعد انطباعي»، فقد ~~ابتكر السيد فراي هذه اللفظة بعد ذلك، الأمر الذي يجعلني أرى شيئا من الإجحاف من جانب ~~النقاد الأكثر تقدمية إذ يكثرون من توبيخه لجهله بما تعنيه «بعد الانطباعية»! # وقد جعلت أجادل السيد فراي بعض السنوات، جدالا سلميا إلى حد ما، حول مبادئ ~~الإستطيقا، غير أننا نختلف اختلافا جسيما، وإنني لأود أن أرى أنني لم أتزحزح عن موقفي ~~الأصلي قيد أنملة، إلا أن علي أن أعترف أن الشكوك والتحفظات الحذرة التي دست نفسها في هذا ~~التصدير كلها نتائج غير مباشرة لنقد صديقي فراي، لم يكن حديثنا مقصورا على أفكار عامة ~~وأشياء أساسية، فقد تنازعنا أنا والسيد فراي ساعات حول أعمال فنية بعينها، في مثل هذه ~~الحالات يتعذر تقدير مدى تأثير الواحد منا على حكم الآخر، ولا نحن يلزمنا هذا التقدير؛ فلا ~~أحد منا، في اعتقادي، يشتهي المراسم الظنية للاهتداء، من المؤكد أن من يقدر عملا ~~فنيا رفيعا تتاح له تلك المتعة الشديدة - متعة افتراض أنه قد اجترح اكتشافا، ورغم ذلك، ~~فحيث إن كل النظريات الفنية تقوم على أحكام إستطيقية؛ فمن الواضح أنه إذا أثر أحد في ~~أحكام آخر فإنه قد يؤثر، بطريق غير مباشر، في بعض نظرياته، ومن المؤكد أن ms020 السيد فراي قد ~~عدل بعض تعميماتي التاريخية بل قوضها، لم تكن مهمته شاقة، فلم يكن عليه إلا أن يواجهني ~~بعمل فني معين هو على يقين من أنه سيبلغ بي النشوة، ثم يبرهن بأشد الأدلة كراهة ~~وإفحاما أن هذا العمل ينتمي إلى فترة كنت قد خلصت، على أسس «قبلية» # a priori # للغاية، إلى أنها فترة قاحلة تماما، ولا يسعني إلا أن آمل أن ~~أستاذية السيد فراي كانت مربحة لي بقدر ما كانت مؤلمة: لقد ترحلت معه عبر فرنسا وإيطاليا ~~والشرق الأدنى، متألما بشدة، ليس دائما في صمت (يطيب لي أن أتذكر ذلك)؛ فالرجل الذي ~~يطعن تعميما ما بحقيقة واقعة إنما يصادر كل ادعاء على الزمالة الطيبة وعلى تلطف ~~المهذبين. # ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر إلى صديقي السيد فيرنون رندال لسماحه لي بالإفادة كيف أشاء ~~من مقالاتي التي أسهمت بها من وقت لآخر في # The Athenaeum ~~: ~~فإذا كنت قد أفدت مما ينتمي بحكم القانون إلى أصحاب ملكية أبحاث أخرى فها أنا ذا أقدم ~~استحقاقاتها العرفية، كذلك سيكون قرائي شاكرين، مثلي، جميل # M. ~~Vignier ~~، و # M. ~~Druet ~~، و # Mr. Kevorkian ~~، من الجاليري ~~الفني الفارسي؛ إذ إنهم من ضمنوا للقارئ أن يقتني شيئا يروقه مقابل نقوده، وإنني لأدين ~~دينا أخص وأقرب للسيد إريك مكلاجان من سوث كنسينجتون، والسيد جويس من المتحف البريطاني، ~~وقد تفضلت زوجتي بقراءة كل من مخطوطة هذا الكتاب وبروفته الطباعية، وقد صوبت بعض ~~الأخطاء، وأيقظت انتباهي إلى الإساءات الفاضحة ضد المحبة المسيحية؛ لذا فليس لك أن تلتمس ~~العذر للمؤلف على أي إهمال أو تسرع. # كلايف بل # نوفمبر 1913م # | تصدير الطبعة الجديدة # تحديث كتاب «الفن» # Art ~~؛ أي أن أجعل ما فكرت به وشعرت في ~~1911 و1913م منسجما مع ما أفكر وأشعر به اليوم، سيعني أن أكتب كتابا جديدا، وهذا ما ~~لن أفعله: أولا لأني كسول. وثانيا لأنه إذا كان للفن أي قيمة للأجيال القادمة سيكون ذلك ~~بوصفه تسجيلا لما كان أشخاص مثلي يفكرون ويشعرون به في السنوات السابقة على الحرب ~~الأولى؛ لذا ms021 فلأترك المبالغات كما هي والتبسيطات الطفولية والإجحافات. # وقد قمت بتصويب بعض الأخطاء في هذه الطبعة أو في سابقاتها، أغرب هذه الأخطاء، والتي ~~استمرت سنوات في طبعات عديدة في هذا البلد وفي أمريكا، هو طباعة # Gaugin # بدلا من # Gauguin ~~، وهو خطأ يعزى بالتأكيد لمراجعين من جيلي، ~~كان كثير منهم على غير وفاق كبير مع أفكاري، ولا يد لي في هذا الخطأ المطبعي من قريب أو ~~بعيد - باستثناء البروفيسور تونكس الذي لم يكن مراجعا، ولست أدري هل الشهامة هي ما ~~منعهم أن يلمحوا «تحصيل حاصل» # tautology # ناتئا في عرضي ل ~~«الفرضية الإستطيقية» # aesthetic hypothesis ~~: وبوسعي أن ~~أقول إن هذه الوصمة قد أزيلت منذ زمن طويل، # 1 # ومن عجب أنني لم أوبخ على عبارة (ما زالت موجودة) تنزل بسورا # Seurat # وتضعه في مرتبة سينياك # Signac # وكروس # Cross ~~، ليس لي عذر في هذا ~~الحكم سوى أنني لم أطلع على عمل الأستاذ اطلاعا يذكر، وهذا بالطبع ليس عذرا لأي شخص أخذ ~~على عاتقه أن يتفضل على الجمهور بآرائه، ومن جهة أخرى، أود أن أقدم بعض الاعتذار عن ~~ملاحظة انتقاصية صوبتها في كتاب آخر («معالم في تصوير القرن التاسع ~~عشر» # Landmarks in Nineteenth Century Painting ~~) إلى ديجا # Degas ~~، كان ديجا فنانا ~~عظيما، عظيما جدا، ولكني كنت مستشاطا من صيحة جديدة، كانت منتشرة يوما بين الأشخاص ~~الإنجليز الذين لا يعرفون شيئا يذكر عن التصوير الفرنسي، بتمجيد «منظر الشاطئ في التيت» # Beach Scene in the Tate # على حساب لوحات ~~أفضل، إن لوحة «الشاطئ» # La plage # بعيدة عن أن تكون من بين ~~روائع ديجا، ولكنها ممتازة، وممتازة على نحو يمكن تبينه بسهولة، لقد كنت ساخطا، ~~ومثلما يحدث كثيرا حين يكون امرؤ في حالة عالية كهذه فقد قلت قولا غير سديد. # هذه شوائب مفردة، أما الأخطاء الأكثر عمومية لهذا الكتاب فليست غير لائقة تماما ~~بالشباب؛ فالنبرة واثقة كثيرا ومشاكسة كثيرا، وثمة مسحة دعائية تصدر من صفحات ليست ~~محلا للدعاية، ولكن تذكر أن «معركة ما بعد الانطباعية» كانت بعد في المستهل، ms022 كان قصارى ~~ما يمكن أن يقوله سيكرت # Sickert # نفسه في حق سيزان هو ~~أنه «فاشل عظيم» # un grand raté ~~، في حين دعاه سرجنت ~~«مرقعا» # a botcher ~~، أما مدير تيت جاليري فرفض أن ~~يعلق لوحاته، وكان فان جوخ يشجب كل يوم على أنه مجنون قاصر وسوقي، وأنبأنا السيد جاك إميل ~~بلانش أنه عندما ينظف لوحة ألوانه كثيرا ما كان ينتج شيئا ما أفضل من لوحة لجوجان، ~~وعندما أطلع روجر فراي «نقابة صناع ~~الفن» # Art-workers Guild # على لوحة لماتيس، علت الصيحة: # drink of ~~drugs? ~~، قد يكون سخيفا أن نخرج عن طورنا مع «صناع الفن» أو مع أستاذ ~~بمدرسة سليد، ولكن لا تنس أن فنانين ونقادا مبجلين - ودعك من الروائيين والشعراء ~~والقضاة والكهنة والساسة والبيولوجيين - شاركوا في الصيحة، أصغ إلى سيكرت: «ماتيس لديه ~~أسوأ خدع مدرسة الفن جميعا.» «بيكاسو، شأنه شأن أتباع ويسلر جميعا، أخذ خلفية ويسلر ~~الفارغة دون أن يأخذ الصفة الفريدة التي جعل بها ويسلر خلفيته الفارغة خلفية شائقة.» ربما ~~أحسنا صنعا إذ غضبنا، إلا أن أي شخص يقرأ هذا الكتاب سيرى أنني إذ أغضب أتحدث بسخف ~~وتطاول على عمالقة «ذروة ~~النهضة» # The High ~~Renaissance ~~، وأنني أغبن القرن الثامن عشر، وأنني أظن؛ لدواعي الحذلقة النظرية ~~المعيبة، أن علي أن أخفف من إعجابي بالانطباعيين # Impressionists ~~، إن نبرة الكتاب، كما قلت، مفرطة الثقة، كما أنها ~~عدوانية، وإن التعميمات الكاسحة، وتاريخ الأربعة عشر قرنا الذي قيل في خمس وسبعين صفحة لم ~~يقل مثلما ينبغي أن يقال تاريخ يسرد بهذا الاختصار؛ أي بالأبيض والأسود، بل قيل بألوان ~~صارخة الاختلاف، كما أن بعض الألوان زائف، وفضلا عن كل هذا، فهناك قدر من التفاؤل قمين ~~أن يرتد مضحكا في ضوء الأحداث التي تمت في الخمسة والثلاثين عاما الأخيرة. غير أن ~~الأحداث لم تكن إذ ذاك طوع يد المؤلف، ورغم ذلك فحين أعيد قراءة كتاب «الفن»، آخذا ~~بالاعتبار جميع (وإن لم تزد، فيما أعتقد، عن جميع) الظروف المخففة التي يمكن أن تقدم ~~دفاعا عنه، لا يسعني سوى الشعور ms023 بشيء من الحسد تجاه الشاب الجسور الذي كتبه. # كلايف بل # شارلستون، أكتوبر 1948م # الفصل الأول # | ما هو الفن؟ # What is Art? ~~(1) الفرضية ~~الإستطيقية # The Aesthetic Hypothesis # رغم أني أستبعد أن يكون ما كتب في الإستطيقا (علم الجمال) من هراء أكثر مما كتب في ~~غيرها (فالتراث الإستطيقي أصغر من أن يبلغ ذلك) إلا أني لا أعرف بين جميع الموضوعات ~~موضوعا افتقر تناوله إلى وضوح الغرض مثلما هو الحال في الإستطيقا، وتفسير ذلك غير ~~خاف؛ فلا بد لمن ينبري لوضع نظرية محكمة ومقبولة في الإستطيقا أن يتحلى بخصلتين؛ ~~الحساسية الفنية، والميل إلى التفكير الواضح. فمن افتقر إلى الحساسية فقد عدم الخبرة الإستطيقية (الجمالية) # aesthetic experience ~~، ~~وجلي أن لا قيمة لأي نظرية إستطيقية لا ترتكز على خبرة جمالية واسعة وعميقة، فما كان ~~لأحد غير مولع بالفن ولوعا متصلا أن يظفر بالمعطيات التي يمكن أن تستنبط منها ~~نظريات مفيدة. # غير أن استنباط نظريات مفيدة، حتى لو توافرت المعطيات الدقيقة ، يتطلب قدرا معينا ~~من العمل الذهني، ومن عثرة الحظ أن قوة الفكر ورهافة الحس ليستا متلازمتين بالضرورة. ~~لي صديق وهبه الله ذكاء نافذا كالحفار، وهو على اهتمامه بالإستطيقا لم يحدث له ~~في عمره الذي يقرب الأربعين أن اقترف انفعالا إستطيقيا. إن مثله وقد عدم الملكة ~~التي يميز بها بين العمل الفني والمنشار اليدوي، عرضة لأن يشيد هرما من الحجج ~~السديدة تأييدا لفرضية أن المنشار اليدوي هو عمل فني، ومن شأن هذا القصور أن يسلب ~~تفكيره الواضح والحاذق كثيرا من جدواه؛ فمن المبادئ المسلم بها دائما أن المنطق ~~السديد لا يشفع لنتائج تستند إلى مقدمات معروفة البطلان، ولكن رب ضارة نافعة: فهذا ~~التبلد، على نحسه إذ يمنع صديقي أن يتخير أساسا سليما لحجته، لا يزال رءوفا به إذ ~~يعمي عليه خلف نتائجه فيما يتركه مزهوا غاية الزهو بجدله اللوذعي، إن من ينطلق ~~في فكره الإستطيقي من فرضية أن سير إدفين لاندسير هو أبرع مصور شهدته الأرض، لن ~~يستشعر قلقا في نظرية إستطيقية تستوي له يكون جوتو ms024 # Giotto # بمقتضاها هو أسوأ مصور؛ ومن ثم فحين خلص صديقي بمنطقية ~~تامة إلى نتيجة مفادها أن العمل الفني يجب أن يكون صغيرا أو مستديرا أو ناعما، أو ~~أن عليك لكي تقدر لوحة تقديرا تاما أن تخطو أمامها برشاقة أو تديرها كالخذروف حين ~~خلص صديقي إلى ذلك لم يكن بوسعه أن يحدس لماذا أسأله هل ذهب مؤخرا إلى كمبردج (وهو ~~مكان يلم به أحيانا). # 1 # وهناك من الجهة الأخرى أناس يستجيبون للأعمال الفنية استجابة فورية ناجحة، ورغم ~~أنهم في تقديري أسعد حظا من ذوي الفكر الكبير مع الحساسية القليلة، فهم كثيرا ما ~~يكونون عاجزين بنفس الدرجة عن الإفضاء بكلام مفيد في الإستطيقا؛ ذلك أن أفكارهم ليست ~~دائما واضحة بما فيه الكفاية، وبينما هم يملكون المعطيات التي ينبغي أن يقوم عليها ~~أي نسق إستطيقي، إلا أنهم بعامة تعوزهم القدرة على استخلاص استدلالات صائبة من ~~المعطيات الصحيحة. إن مثلهم، بعد إذ تلقوا من الأعمال الفنية انفعالات إستطيقية، في ~~وضع يدعو إلى تلمس الصفة المشتركة التي تجمع بين كل الأشياء التي حركت مشاعرهم، غير ~~أنهم في الحقيقة لا يفعلون شيئا من هذا، وأنا لا ألومهم؛ فلماذا يكرثون أنفسهم بفحص ~~مشاعرهم وهم ليسوا متضلعين في الفكر؟ لماذا يتعين عليهم أن يجوسوا لتصيد خصلة ~~مشتركة بين جميع الأشياء التي حركت مشاعرهم ما دام بإمكانهم أن يتلبثوا حيال السحر ~~السائغ والعجيب في كل شيء منها كيفما يأتي؟ ومن ثم فإذا كتب هؤلاء نقدا وأسموه ~~إستطيقا، وإذا تصوروا أنهم يتحدثون عن «الفن» بينما هم يتحدثون عن أعمال فنية ~~بعينها، أو حتى عن تكنيك التصوير، # 2 # وإذا وجدوا في غمرة حبهم لأعمال معينة أن النظر في الفن في جملته أمر ~~مضجر - فربما يكونون قد ظفروا بالنصيب الأوفر، إذا لم يكن هؤلاء مشغوفين بمعرفة طبيعة ~~انفعالهم ولا بمعرفة الميزة المشتركة لجميع الأشياء التي تحركهم، فإن قلبي معهم، ~~وحيث إن ما يقولونه كثيرا ما يكون أخاذا وموحيا، فلهم إعجابي أيضا، كل ما أبتغيه ~~ألا يفترض أحد أن ما يكتبونه ويقولونه هو ms025 إستطيقا، إنه نقد، أو مجرد حديث «في ~~الشغل». # إن نقطة البدء في كل نسق إستطيقي ينبغي أن تكون هي الخبرة الشخصية بانفعال خاص، ~~ونحن نطلق على الأشياء التي تثير هذا الانفعال اسم «الأعمال الفنية» # works of art ~~، ويتفق كل ذي حس مرهف من الناس على أن هناك ~~انفعالا خاصا تثيره الأعمال الفنية، ولست أعني بطبيعة الحال أن كل الأعمال الفنية ~~تثير نفس الانفعال؛ إذ، على العكس، يولد كل عمل من أعمال الفن انفعالا مختلفا، غير ~~أنه من الممكن إدراك أن هذه الانفعالات جميعا هي من نفس الصنف، وعلى أية حال فالرأي ~~الأرجح حتى هذا الحد هو في صفي، إن هناك صنفا معينا من الانفعال تثيره الأعمال ~~الفنية البصرية، وهو انفعال يثيره كل نوع من الفن البصري: الصور وأعمال النحت ~~والمباني والجرار وأعمال الحفر والنسيج، وأعتقد أن هذا شيء لا يماري فيه أي شخص لديه ~~القدرة على أن يحس هذا الانفعال، ويطلق على هذا الانفعال «الانفعال الإستطيقي» # aesthetic emotion ~~، ولو أمكننا ~~أن نكتشف صفة ما مشتركة ومميزة لجميع الأشياء التي تثير هذا الانفعال نكون قد ظفرنا ~~بحل لما أعتبره المشكلة المركزية في الإستطيقا؛ أي نكون قد وقفنا على الصفة الجوهرية ~~في العمل الفني، تلك الصفة التي تميز الأعمال الفنية عن جميع الفئات الأخرى من ~~الموضوعات. # ذلك أنه لو لم تكن للأعمال الفنية صفة مشتركة تشملها جميعا، لكان حديثنا عن «الأعمال ~~الفنية» لغوا وثرثرة، كلنا يتحدث عن «الفن» واضعا بذلك تصنيفا ذهنيا يفرق به ~~بين فئة «الأعمال الفنية» وجميع الفئات الأخرى، فما هو المبرر العقلي لهذا التصنيف؟ ~~وأيا ما كانت هذه الصفة فمما لا شك فيه أنها كثيرا ما توجد مصاحبة لصفات أخرى، غير ~~أن هذه الصفات عرضية بينما الصفة التي نلتمسها جوهرية، لا بد أن هناك صفة مفردة محددة ~~لا يمكن أن يوجد بدونها عمل فني، وإذا حاز عليها أي عمل فستكون له بعض القيمة على أقل ~~تقدير، فما هي هذه الصفة؟ ما الصفة التي تشترك فيها جميع الأشياء التي تثير ms026 ~~انفعالاتنا الإستطيقية؟ ما الصفة التي تجمع بين كنيسة القديسة صوفيا، والنوافذ في ~~كاتدرائية شارتر، والنحت المكسيكي، والآنية الفارسية، والسجاد الصيني، وجداريات جوتو ~~الجصية في بادوا، وروائع بوسان وبييرو دلا فرانشيسكا وسيزان؟ يبدو أن ليس هناك سوى جواب ~~واحد ممكن، هو «الشكل ذو الدلالة» (الشكل الدال) # significant ~~form ~~، ففي كل منها فإن الخطوط والألوان إذ تتضام بطريقة ~~معينة، وإن أشكالا معينة وعلاقات الأشكال، تثير انفعالاتنا الإستطيقية، هذه العلاقات ~~والحبكات من الخطوط والألوان، هذه الأشكال المحركة إستطيقيا، أطلق عليها «الشكل ~~الدال»، و«الشكل الدال» هو الصفة الفريدة التي تشمل كل أعمال الفن البصري. # هنا قد يعترض البعض بأني بذلك أجعل الإستطيقا شأنا ذاتيا محضا، ما دامت معطياتي ~~الوحيدة هي خبرات شخصية بانفعال معين، وسيقال إنه ما دامت الأشياء التي تثير هذا ~~الانفعال تختلف من شخص لآخر فلا يمكن أن يكون لأي نسق إستطيقي صواب موضوعي، ولا بد ~~أيضا أن يقال ردا على ما ذكرت أن أي نسق إستطيقي يدعي أنه قائم على حقيقة ~~موضوعية هو من البطلان الواضح بحيث لا يستحق المناقشة؛ فنحن لا نملك أي وسيلة ~~للتعرف على عمل من الأعمال الفنية سوى شعورنا به، وإن الموضوعات التي تثير الانفعال ~~الإستطيقي تختلف باختلاف الأشخاص، والأحكام الجمالية كما جرى المثل هي مسألة ذوق، ولا ~~مشاحة في أذواقنا كما يسلم - فخورا - كل إنسان. قد يستطيع الناقد القدير إزاء لوحة ~~لم تحرك مشاعري أن يلفت انتباهي إلى أشياء أغفلتها في اللوحة إلى أن يقع لي الانفعال ~~الجمالي فأدركها كعمل من أعمال الفن، إن وظيفة النقد هي ألا ينفك يبين لنا تلك الأجزاء ~~التي من شأنها حين تتحد أن يفضي مجموعها، أو بالأحرى تضامها، إلى إنتاج الشكل الدال، ~~غير أنه من العبث الذي لا طائل منه أن يخبرني ناقد فني أن شيئا ما هو عمل فني، بل لا ~~بد له أن يجعلني أشعر بذلك بنفسي، ولا بد له لكي ينجح في ذلك أن يصل إلى انفعالاتي من ~~خلال عيوني؛ فليس بإمكانه أن يرغمني على الانفعال ما ms027 لم ينجح في أن يجعلني أرى شيئا ~~ما يحرك مشاعري، وليس من حقي أن أعتبر أي شيء عملا فنيا ما لم يمكني أن أستحيب ~~له انفعاليا، ولا هو من حقي أن أبحث عن الصفة الجوهرية في أي شيء لم أشعر إزاءه أنني ~~أمام عمل فني، ولا يملك الناقد أن يؤثر على آرائي الجمالية إلا عن طريق التأثير على ~~خبرتي الجمالية، ولا بد لجميع الأنساق الإستطيقية أن تقوم على الخبرة الشخصية؛ أي لا بد ~~أن تكون ذاتية. # ولكن بالرغم من أن كل النظريات الإستطيقية تستند بالضرورة إلى أحكام جمالية، وأن ~~جميع الأحكام الجمالية هي في النهاية مسألة ذوق شخصي، فمن التهور أن نقول بأن النظرية ~~الإستطيقية لا يمكن أن تتمتع بصواب عام، فرغم أنني قد تحركني الأعمال أ، ب، ج، د، ~~بينما تحركك الأعمال أ، د، ه، و؛ فليس هناك ما يمنع أن تكون الصفة س هي الصفة الفريدة ~~التي يعتقد كلانا أنها القاسم المشترك في جميع الأعمال بقائمته، فقد نتفق جميعا على ~~إستطيقا واحدة ونختلف رغم ذلك حول أعمال معينة؛ أي نختلف حول وجود الصفة س أو ~~غيابها. سيكون هدفي المباشر إثبات أن «الشكل الدال» هو الصفة الوحيدة المشتركة ~~والمميزة لجميع أعمال الفن البصري التي تحرك مشاعري، وسأناشد من لا تنطبق خبرتهم ~~الإستطيقية على خبرتي أن ينظروا ما إذا كانت هذه الصفة في تقديرهم ليست شاملة أيضا ~~لجميع الأعمال التي تحركهم، وما إذا كان بإمكانهم اكتشاف أي صفة أخرى يمكن أن يقال ~~عنها الشيء نفسه. # عند هذه النقطة أيضا يبرز تساؤل - تساؤل خارج عن الموضوع حقا ولكن لا سبيل إلى ~~دفعه - لماذا تتأثر مشاعرنا كل هذا التأثر حيال أشكال متصلة فيما بينها على نحو ~~معين؟ إنه سؤال شائق للغاية ولكنه غير ذي صلة بالإستطيقا، فليس لنا في الإستطيقا المحضة ~~أن ننظر فيما سوى انفعالنا وموضعه؛ ففي حدود أغراض الإستطيقا ليس من حقنا، ولا هو من ~~الضروري بحال، أن ننبش وراء الموضوع في الحالة الذهنية للذي صنعه، ولسوف أحاول لاحقا ~~أن ms028 أجيب عن هذا السؤال حتى يتسنى لي أن أقول كلمتي في علاقة الفن بالحياة، غير أنني ~~لن أوهم نفسي عندئذ أن ذلك تتمة لنظريتي الإستطيقية؛ فكل ما يلزم في مبحث ~~الإستطيقا هو أن أثبت فحسب أن الأشكال إذ تنتظم وتجتمع وفقا لقوانين معينة مجهولة ~~وغامضة، تحرك مشاعرنا فعلا بطريقة معينة، وأن مهمة الفنان هي أن يجمعها وينظمها ~~بحيث تحرك مشاعرنا، هذه التجمعات والتنظيمات هي ما أطلقت عليه على سبيل التيسير، ~~ولسبب آخر سنعرفه فيما بعد، اسم «الشكل ~~الدال» # Significant Form ~~. # وهناك مقاطع ثالث علي أن أجيبه، يسألني: «تراك أغفلت مسألة اللون؟» بالطبع لا، ~~فمصطلح «الشكل الدال» هو عندي يتضمن تضام الخطوط والألوان، إن التفرقة بين ~~الشكل واللون هي تفرقة غير حقيقية؛ فأنت لا يمكنك أن تتصور خطا لا لون له، أو ~~تتصور فراغا عديم اللون، ولا هو بإمكانك أن تتصور علاقة بين الألوان لا شكل لها؛ ~~ففي حالة الرسم الأبيض والأسود تكون الفراغات جميعا بيضاء، وتكون جميعا محاطة بخطوط ~~سوداء، وفي معظم اللوحات الزيتية تكون الفراغات متعددة الألوان، وكذلك الحدود، فأنت ~~لا تستطيع أن تتخيل خطا حديا بدون محتوى أو محتوى بدون خط حدي؛ ولذا فحينما ~~أتحدث عن الشكل الدال فإنما أعني تضاما معينا للخطوط والألوان (معتبرا الأبيض ~~والأسود ألوانا) يثير في نفسي هزة إستطيقية. # وقد يندهش البعض لأني لم أطلق على ذلك # beauty ~~(جمال، ملاحة)، إنني بطبيعة الحال أسلم عن طيب خاطر لمن يعرف الجمال بأنه «ضروب من ~~تضام الخطوط والألوان بطريقة تثير انفعالا إستطيقيا.» بحقه في أن يستبدل لفظه ~~بلفظي، غير أن معظمنا، مهما بلغت دقتنا الاصطلاحية، عرضة لأن يخلع نعت «جميل # beautiful ~~» على موضوعات لا تثير ذلك الانفعال الخاص الذي ~~تثيره الأعمال الفنية، فكل منا فيما أظن قد أطلق يوما على فراشة أو زهرة صفة ~~«جميل»، فهل يحس كل منا تجاه الفراشة أو الزهرة بنفس الانفعال الذي يحسه تجاه ~~كاتدرائية أو لوحة؟ من المؤكد أن ما أسميه انفعالا إستطيقيا هو شيء يختلف عما ~~يشعر به معظمنا، بصفة ms029 عامة، تجاه الجمال الطبيعي، ولسوف أتطرق فيما بعد إلى أن بعض ~~الناس في بعض الأحيان قد يرى في الطبيعة ما نراه في الفن ويحس إزاءها انفعالا ~~إستطيقيا، ولكن بحسبي الآن أن أقر كقاعدة أن ما يحسه معظم الناس تجاه الطيور ~~والأزهار وأجنحة الفراشات هو صنف من الانفعال مختلف كليا عما يحسونه تجاه اللوحات ~~والأواني الخزفية والمعابد والتماثيل. أما لماذا لا تفعل هذه الأشياء الجميلة في شعورنا ~~ما تفعله الأعمال الفنية فهو سؤال آخر وليس سؤالا إستطيقيا، فلنجتزئ لغرضنا الحالي ~~باستكشاف الصفة التي تعم الموضوعات التي تهزنا بوصفها أعمالا فنية، وآمل في نهاية ~~هذا الفصل، عندما أحاول أن أضع يدي على سبب تأثرنا العميق بضروب معينة من تضام الخطوط ~~والألوان، أن أقدم تفسيرا مقبولا لعدم تأثرنا بنفس العمق تجاه الأشياء ~~الأخرى. # وما دمنا نطلق كلمة «جمال» # beauty # على خاصية ليست ~~تثير الانفعال الإستطيقي المميز، فمن المضلل أن نطلق الكلمة نفسها على الخاصية التي ~~تثيره، فإذا ما جعلنا «الجمال» # beauty # هو موضوع ~~الانفعال الإستطيقي لتوجب علينا أن نعطي الكلمة تعريفا مفرطا في التشدد وغير مألوف؛ ~~فجميعنا نستخدم كلمة «جمال» # beauty # أحيانا بمعنى غير ~~إستطيقي، ومعظم الناس اعتادت أن تفعل ذلك؛ فالمعنى الأعم لكلمة «جمال» # beauty # عند الجميع، ربما باستثناء «جمالي متطرف» # aesthete # 3 # نصادفه عرضا هنا وهناك، هو معنى غير إستطيقي، ولست بحاجة لذكر ~~الاستخدام الأسوأ للكلمة، كما يتجلى في هذرنا عن «صيد جميل» و«ركلة جميلة»، فبوسع ~~السراة من الناس أن يردوا بأنهم لا يبذلونها بهذه الطريقة أبدا، وإذا كنا في هذا ~~المقام بمأمن من الخلط بين الاستخدامين الإستطيقي وغير الإستطيقي لكلمة «جميل» # beautiful ~~، فإن خطر الخلط قائم عندما يكون حديثنا عن ~~امرأة جميلة، عندما يتحدث الرجل العادي عن امرأة جميلة فمن المؤكد أنه لا يعني ~~بذلك أنها تحرك مشاعره الإستطيقية فحسب، أما عندما يصف فنان امرأة ذاوية شمطاء ~~بالجمال؛ فإنه قد يعني أحيانا الشيء نفسه الذي يعنيه عندما يصف جذع تمثال معطوبا ~~بأنه جميل، وقد يصف الرجل العادي، إذا كان ذا ms030 ذوق أيضا، جذع تمثال معطوبا بأنه جميل، ~~ولكنه لن ينعت بالجمال امرأة ذابلة شمطاء؛ ذلك أنه لا يفرد نعت الجمال لتلك الخاصية ~~الإستطيقية التي قد تتحلى بها العجوز الشمطاء وإنما لخاصية معينة أخرى، والحق أن ~~معظمنا لا يرد بخياله على الإطلاق أن يقصد إلى إخوانه من البشر ابتغاء انفعال إستطيقي؛ ~~فالذي نبتغيه من الناس هو شيء مختلف تماما، ونحن عندما نجد هذا «الشيء» في امرأة شابة ~~نميل إلى أن نسميه «جمالا»، إننا نعيش في عصر رقيق وكلمة «جميل» عند رجل الشارع هي ~~في أغلب الأحوال مرادفة لكلمة «مرغوب» # desirable ~~، وهي ~~في أغلب الأحوال لا تحمل أي دلالة إستطيقية البتة، وإنني أميل إلى الاعتقاد بأن ~~النكهة الجنسية للكلمة أقوى في أذهان الكثيرين من النكهة الإستطيقية. لقد لاحظت اتساقا ~~منطقيا في رأي أولئك الذين يرون أن أجمل الأشياء جميعا في الدنيا هي امرأة جميلة، ~~وأن الشيء الذي يليه في الجمال هو صورة لإحدى النساء؛ فالخلط بين الجمال الإستطيقي ~~والجمال الجنسي في حالة هؤلاء ليس خلطا كبيرا كما قد يبدر إلى الظن، وربما لا يوجد ~~أي خلط؛ ذلك أنهم ربما لم يجربوا في حياتهم انفعالا إستطيقيا واحدا حتى يختلط مع ~~بقية انفعالاتهم. الفن «الجميل» عند هؤلاء هو في عموم الأحوال وثيق الصلة بالمرأة؛ ~~فالصورة الجميلة هي صورة فوتوغرافية لفتاة حسناء، والموسيقى الجميلة هي الموسيقى التي ~~تثير انفعالات شبيهة بتلك التي تثيرها النسوة الشابات في المسرحيات الهزلية الاستعراضية # musical farces ~~، والشعر الجميل ~~هو ذلك الشعر الذي يستدعي نفس العواطف التي كانوا يحسونها منذ عشرين عاما تجاه ~~ابنة القس. من الواضح أن كلمة «جمال» تستخدم لتدل على الموضوعات الخاصة بانفعالات ~~متميزة تماما، وهو مما يجعلني أحجم عن استخدام مصطلح حري بأن يوقع ضروبا محتومة من ~~الخلط وسوء التفاهم بيني وبين قرائي. # ومن ناحية أخرى، هناك من يرون أن من الأصوب الأدق أن نطلق على هذه الضروب من ~~التضام والترتيب الشكلي التي تثير الانفعالات الإستطيقية اسم «العلاقات الدالة ~~للشكل» بدلا من «الشكل الدال»، وعندئذ يحاولون الإفادة ms031 القصوى من عالمين، العالم ~~الإستطيقي والعالم الميتافيزيقي، بتسمية هذه العلاقات «الإيقاع» # rhythm ~~، ومع هؤلاء لست على أدنى خلاف؛ فأنا على استعداد، بعد أن ~~أوضحت أني أعني بالشكل الدال تلك الترتيبات والتضافرات التي تحرك مشاعرنا بطريقة ~~معينة، أن أمد يدي إلى أولئك الذين يفضلون أن يضعوا اسما مختلفا لنفس ~~الشيء. # تتمتع فرضية «الشكل الدال بوصفه الخاصية الجوهرية للعمل الفني» بمزية يفتقر إليها ~~كثير من الفرضيات الأكثر شهرة وإثارة - وهي أنها تسعفنا بالفعل في تفسير أمور ~~كثيرة؛ كلنا مثلا نألف لوحات تثير اهتمامنا وإعجابنا دون أن تهزنا كأعمال فنية، ~~تحت هذه الفئة من اللوحات يندرج ما أسميه «التصوير الوصفي» # Descriptive Painting ~~؛ أي ذلك الصنف من التصوير الذي يستخدم فيه الشكل ~~لا كموضوع للانفعال بل كوسيلة لنقل معلومات واقتراح عواطف، في هذا التصنيف تدخل البورتريهات # 4 # ذات القيمة السيكولوجية والتاريخية، وتدخل الأعمال الطوبوغرافية واللوحات ~~التي تروي حكايات وتوحي بمواقف، وتدخل وسائل الإيضاح بجميع أنواعها، إن الفرق واضح لنا ~~جميعا؛ فمن منا لم يتفق له يوما أن يقول إن هذه أو تلك من اللوحات هي رسم ممتاز ~~كوسيلة إيضاح، ولكنه لا قيمة له كعمل فني ؟ هناك بالطبع كثير من اللوحات الوصفية التي ~~تتحلى، فيما تتحلى به، بالشكل الدال، غير أن هناك عددا أكبر لا يتحلى بذلك، إنها ~~تروقنا وتطرفنا وقد تحركنا بمائة طريقة متنوعة، عدا أن تحركنا إستطيقيا، إنها ~~وفقا لفرضيتي ليست أعمالا فنية، فهي لا تمس انفعالاتنا الإستطيقية؛ ذلك لأن ما ~~ينالنا منها ليس الشكل بل الأفكار التي يقترحها الشكل أو المعلومات التي ~~ينقلها. # قلما حظيت لوحة بالشهرة أو النجاح الذي حظيت به لوحة فريث # Frith ~~«محطة ~~بدنجتون» Paddington Station ~~، # 5 # ومن المؤكد أنني آخر من ينفس عليها شهرتها ورواجها، ولكم تريثت ~~إزاءها وأطلت تأملها لأحلل تفصيلاتها الفاتنة وأصوغ لكل منها ماضيا متوهما ~~ومستقبلا مستحيلا، ولكن رغم أنه من المؤكد أن رائعة فريث أو طبعات منها قد غمرت ~~الآلات بآماد من المتعة المدهشة والعجيبة، فليس أقل توكيدا أنها لم تبث في خبرة ~~أي ms032 مشاهد آنة واحدة من النشوة الإستطيقية؛ ذلك وإن اللوحة لتتضمن العديد من ~~الانتقالات اللونية البارعة، وإنها أبعد ما تكون عن أخطاء الرسم. إن لوحة «محطة ~~بدنجتون» ليست عملا فنيا بل وثيقة طريفة ومسلية؛ ~~فالخطوط والألوان فيها تستخدم لكي تردد حكايات وتوعز بأفكار وتشير إلى طرائق وعادات ~~عصر من العصور؛ إنها لا تستخدم لتبث انفعالا إستطيقيا؛ فالأشكال وعلاقات الأشكال ~~لم تكن بالنسبة لفريث موضوعات انفعال، بل وسائل لاقتراح انفعالات وتوصيل أفكار. # إنها أفكار ومعلومات طريفة وجيدة العرض تلك التي تنقلها لوحة «محطة بدنجتون»، وهي من ~~الطرافة والجودة بحيث تمنح اللوحة قيمة كبيرة وتجعلها جديرة بالحفظ كل الجدارة. إلا ~~أنه مع تقدم التقنيات الفوتوغرافية والسينمائية نحو مزيد من الدقة والإتقان، فإن هذا ~~الصنف من اللوحات صائر من التبطل والبوار، وهل ثمة من شك في أن بإمكان أحد مصوري ال ~~«ديلي ميرور» بالتعاون مع أحد مراسلي ال «ديلي ميل» أن ينبآنا عن «لندن يوما بيوم» ~~بما لا يحلم به أي عضو من أعضاء «الأكاديمية الملكية»؟ فإذا أردنا في المستقبل أن ~~نتحرى خبرا عن السلوكيات والأنماط السائدة فسوف نلجأ إلى الصور الفوتوغرافية يدعمها ~~قليل من الكتابة الصحفية الذكية، بدلا من أن نلجأ إلى الرسم الوصفي. ولو أن ~~الأكاديميين في إمبراطورية نيرون كانوا قد عمدوا إلى تسجيل عادات عصرهم وأنماطه في ~~لوحات جصية جدارية وفسيفسائية، بدلا مما لفقوه من تقليدات بشعة الغثاثة لفن العصور ~~القديمة، لكانت أعمالهم الآن، على رداءتها الفنية، منجم ذهب تاريخيا، فيا ليتهم ~~كانوا كلهم فريث بدلا من ألماتاديما! غير أن التصوير الفوتوغرافي قد سد الطريق على ~~أي تحويل كهذا بالنسبة للغثاء العصري، فلا مناص إذن من الاعتراف بأن اللوحات على طريقة ~~فريث لم تعد إليها حاجة، إن هي إلا إهدار لساعات رجال ذوي براعة، من الأجدى أن ~~يستخدموا في أعمال أوسع نفعا. # على أن هذه اللوحات، بعد كل شيء، لا بأس بها، وهو نعت لا يرقى إليه ذلك الصنف من ~~التصوير الوصفي الذي تعد لوحة «الطبيب» مثاله الصارخ. بديه أن لوحة ms033 «الطبيب» ليست ~~عملا فنيا؛ فالشكل هنا لا يستخدم كموضوع للانفعال، بل كوسيلة لاقتراح انفعالات ~~والإيعاز بعواطف، وهذا يكفي وحده لجعلها تافهة، بل إنها أكثر من تافهة؛ لأن العاطفة ~~التي توعز بها هي عاطفة كاذبة، فما توعز به ليس الشفقة والإعجاب بل إحساس بالرضا الذاتي ~~عن شفقتنا نحن وكرمنا، إنها إسفاف عاطفي. إن الفن فوق الأخلاق، أو بالأحرى كل فن هو ~~أخلاقي؛ ذلك أن الأعمال الفنية، كما أود أن أبين الآن، هي وسائل مباشرة للخير، فما إن ~~نحكم على شيء بأنه عمل فني حتى نكون قد حكمنا بأنه ذو أهمية قصوى أخلاقيا وجعلناه ~~دون منال الداعية الأخلاقي. غير أن اللوحات الوصفية التي ليست أعمالا فنية، وبالتالي ~~ليست بالضرورة سبلا إلى حالات ذهنية خيرة، هي جديرة بأن تقع تحت طائلة الفيلسوف ~~الأخلاقي. وما دامت «الطبيب» ليست عملا فنيا، فهي تفتقر إلى القيمة الأخلاقية ~~الهائلة التي تتحلى بها جميع الموضوعات التي تبعث النشوة الإستطيقية، وإن الحالة ~~الذهنية التي تفضي إليها بوصفها صورة إيضاحية تبدو لي غير مرغوب فيها. # 6 # وأعمال أولئك الشبان المغامرين - المستقبليين ~~الإيطاليين # Italian Futurists ~~- هي أمثلة لافتة للتصوير الوصفي، وهم، شأنهم شأن ~~الأكاديميين الملكيين، يستخدمون الشكل لا ليبثوا انفعالات إستطيقية، بل ليوصلوا ~~معلومات وأفكارا. والحق أن النظريات المنشورة للمستقبليين تثبت أن لوحاتهم ينبغي ~~ألا تعد فنا على الإطلاق. إن نظرياتهم الاجتماعية والسياسية جديرة بالاحترام، غير ~~أني أود أن يعلموا أن بوسع المرء أن يصبح مستقبليا في الفكر والفعل ويظل مع ذلك ~~فنانا، ما دام حظه أن ولد فنانا. إن لوحاتهم وصفية أولئك المستقبليين؛ لأنهم ~~يستهدفون أن يعرضوا بالخط واللون فوضى الذهن في لحظة معينة؛ فهم لا يقصدون من الشكل أن ~~يعزز الانفعال الإستطيقي بل أن يوصل معلومات، وعلى ذكر هذه الأشكال فهي في حد ~~ذاتها، وأيا ما كانت طبيعة الأفكار التي توحي بها، قد تكون أي شيء عدا أن تكون ثورية؛ ~~فالرسم في هذه اللوحات المستقبلية كما شهدتها - ربما باستثناء بعض لوحات سفريني # Severini ~~- متى أصبح تمثيليا كما هو الحال ms034 في لوحات ~~كثيرة، يتضح أنه يتبع ذلك التقليد الرقيق والشائع الذي استحدثه بسنارد منذ حوالي ~~ثلاثين عاما، والذي تأثر كثيرا بطلاب # Beaux-Arts ~~(الفنون الجميلة) منذ ذلك الحين، إن اللوحات المستقبلية غير ذات قيمة كأعمال فنية، غير ~~أنها يجب ألا تصنف كأعمال فنية؛ فاللوحة المستقبلية الجيدة قد تنجح بنفس الطريقة ~~التي تنجح بها قطعة جيدة من السيكولوجيا؛ فهي تكشف من خلال الخط واللون عن تعقيدات ~~حالة نفسية طريفة، فإذا فشلت لوحات مستقبلية وبدت مخفقة فإن تفسير ذلك يجب أن ~~يلتمس لا في افتقاد الخصائص الفنية التي لم تعمد هذه اللوحات إلى التحلي بها على ~~الإطلاق، بل بالأحرى في العقول التي كانت هذه اللوحات تقصد إلى كشف حالاتها. # يجد أغلب المولعين بالفن أن الشطر الأكبر من الأعمال الأشد إثارة لهم هو ما يطلق ~~عليه الدارسون الفن «البدائي» # primitive ~~، هناك بالطبع ~~قطع بدائية رديئة، أذكر على سبيل المثال أني ذهبت يوما وأنا ممتلئ حماسا لكي أشاهد ~~واحدة من أقدم الكنائس الرومانسكية في بواتيا (نوتردام لاجراند)، فوجدتها غير متناسقة ~~ومفرطة الزينة وفظة غليظة ثقيلة، مثلها مثل أي مبنى من مباني الطبقة الموسرة، ~~صممه واحد من أولئك المهندسين الفائقي التحضر الذين ازدهروا قبل ذلك بألف عام أو ~~بعد ذلك بثمانمائة عام، على أن مثل هذه الاستثناءات نادرة؛ فالفن البدائي، كقاعدة عامة، ~~هو فن جيد - وفرضيتي هنا مسعفة مرة أخرى - ذلك أن الفن البدائي، كقاعدة، هو أيضا ~~مبرأ من الخصال الوصفية، ولن تجد فيه غير الشكل الدال، ومع ذلك فهو بين الفنون أعماقها ~~تأثيرا فينا، فسواء تأملنا النحت السومري، أو فن ما قبل الأسر في مصر القديمة، أو ~~الفن الإغريقي القديم، أو روائع عصر أسر واي # Wei # 7 # وأسرة تانج # Tang # 8 # بالصين، # 9 # أو تلك الأعمال اليابانية المبكرة التي أسعدني الحظ بمشاهدة بضعة نماذج ~~رائعة منها (ولا سيما قطعتا بوديساتفا خشبيتان) في معرض شبردز بوش عام 1910م، وسواء ~~دنونا من الوطن وتأملنا الفن البيزنطي البدائي للقرن السادس وتطوراته البدائية بين ~~البرابرة الغربيين، أو التفتنا إلى ms035 أصقاع أبعد وتأملنا ذلك الفن الغامض والمهيب الذي ~~ازدهر في أمريكا الوسطى والجنوبية قبل مجيء الرجل الأبيض؛ ففي كل حالة من هذه الحالات ~~سوف نلاحظ ثلاث خصائص عامة: غياب التمثيل، وغياب الاختيال التكنيكي، وحضور الشكل الجليل ~~التأثير. وليس من العسير أن نكتشف الارتباط الوثيق بين هذه الخصائص الثلاث؛ فالدلالة ~~الشكلية تخسر نفسها إذا هي انشغلت بالتمثيل الدقيق والبراعة المتباهية. # من الطبيعي أن يقال إنه إذا كان التمثيل في الفن البدائي قليلا والدجل أقل، فمرد ~~ذلك إلى أن البدائيين لا يمتلكون القدرة على اقتناص الشبه والقيام بوثبات فكرية، ~~إلا أن هذا المراء في غير محله. لا شك أن هناك وجها من الصواب في هذا القول، غير ~~أنني لو كنت ذلك الناقد الذي تتكئ مكانته إلى قدرته على اختلاب العامة بظاهر ~~المعرفة لتوخيت الحذر في الإلحاح على هذا الرأي أكثر مما يفعل أمثال هؤلاء النقاد في ~~عموم الأحوال، فافتراض أن الأساتذة البيزنطيين كانوا يفتقرون إلى المهارة أو كان ~~متعذرا عليهم خلق إيهام لو أنهم أرادوا ذلك. يبدو أنه افتراض ينطوي على جهل ~~بالواقعية المدهشة الحذق التي تسم الأعمال الرديئة لذلك العصر والمتفق على رداءتها، بل ~~أخشى أنه في الأغلب الأعم ينبغي أن تعزى إساءة التمثيل لدى البدائيين إلى ما يطلق ~~عليه النقاد «التحريف ~~المقصود» # willful ~~distortion ~~، ومهما يكن من أمر فالوجه أن البدائيين، سواء لغياب ~~المهارة أو غياب القصد، لم يخلقوا إيهاما # illusion # ولم يتباهوا بالإتمام المحكم للعمل، بل كانوا يركزون طاقاتهم على المطلب الوحيد ~~المنشود؛ خلق الشكل، هكذا أبدعوا لنا أرفع الأعمال الفنية التي بين أيدينا. # أود ألا يتصور أحد أن التمثيل شيء سيئ في ذاته؛ فليس هناك ما يحول دون أن يكون شكل ~~واقعي ما، وهو منتظم في مكانه كجزء من التصميم، مضاهيا في الدلالة لآخر تجريدي، ~~ولكن إذا كان لشكل تمثيلي قيمة فبوصفه شكلا لا بوصفه تمثيلا؛ فالعنصر التمثيلي في ~~العمل الفني قد يضر وقد لا يضر، ولكنه دائما خارج عن الموضوع؛ ذلك أننا لكي ندرك ~~عملا من أعمال ms036 الفن لا نحتاج إلى أن نأتي معنا بشيء من الحياة، أو بمعرفة بأفكارها ~~وشئونها أو بإلف بانفعالاتها؛ فالفن ينتشلنا من عالم الدأب البشري إلى عالم الوجد ~~الإستطيقي، ونحن في اللحظة الإستطيقية تنقطع أسبابنا بالاهتمامات البشرية، وتتوقف ~~تطلعاتنا وذكرياتنا؛ إذ يشيل بنا الفن فوق تيار الحياة. # إن عالم الرياضيات البحتة المستغرق في دراساته يعرف حالة ذهنية اعتبرها شبيهة ~~بذلك إن لم تكن مطابقة؛ فهو يشعر إزاء تأملاته بانفعال لا ينجم عن أي علاقة مدركة ~~بينها وبين حياة البشر، بل ينبع - غير بشري أو فوق بشري - من قلب علم مجرد، وربما ~~يذهب بي الظن أحيانا إلى أن مدركي الفن ومدركي الحلول الرياضية قد يكونون أكثر قربا ~~وأوثق صلة حتى من ذلك، فأتساءل: قبل أن يأخذنا انفعال إستطيقي تجاه تجمع من ~~الأشكال، ترانا ندرك بالفكر صواب هذا التجمع وضرورته؟ فإن صح ذلك فهو حري أن يفسر ~~واقعة أننا إذ نمر سراعا خلال غرفة فنحن نميز جودة إحدى اللوحات رغم أننا لا نستطيع ~~أن نقول إنها أثارت فينا انفعالا كبيرا، فيبدو أننا نكون قد تبينا بالفكر صواب ~~الأشكال باللوحة دون أن نتريث لنركز انتباهنا ونقبض على دلالتها الانفعالية كيفما ~~كانت، فإذا كان الأمر كذلك فإن لنا أن نتساءل ما إذا كانت الأشكال ذاتها هي ما أدى إلى ~~الانفعال الإستطيقي أم إدراكنا لصواب الأشكال وضرورتها. ولكني لا أظن أني بحاجة إلى أن ~~أطيل الوقوف هنا لاستقصاء هذه المسألة، لقد كنت بصدد البحث عن سبب انفعالنا بتجمعات ~~معينة من الأشكال، وما كنت لأستدرج إلى مسالك أخرى لو أنني تساءلت بدلا من ذلك: ~~لماذا تدرك تجمعات معينة كصواب وضرورة، ولماذا يطربنا إدراكنا لصوابها وضرورتها؟ ~~والجواب عندي هو هذا: إن الفيلسوف المستغرق؛ وذلك الذي يتأمل عملا من أعمال الفن، ~~كلاهما يستوطن عالما ذا دلالة كثيفة وخاصة، دلالة لا شأن لها بدلالة الحياة، في هذا ~~العالم لا محل لانفعالات الحياة، إنه عالم له انفعالاته الخاصة به وحده. # لكي ندرك عملا من أعمال الفن لا نحتاج إلى أن نأتي معنا ms037 بشيء عدا إحساس بالشكل ~~واللون ومعرفة بالمكان ذي الأبعاد الثلاثة. إنني أسلم بأن ذلك الجانب الأخير من ~~المعرفة ضروري لإدراك كثير من الأعمال العظيمة؛ ذلك أن الكثير من الأشكال الأكثر ~~تأثيرا بين كل ما أبدع من فن على الإطلاق إنما يتمثل في ثلاثة أبعاد. إن رؤية ~~مكعب أو شبه معين كشكل مسطح من شأنها أن تخفض من دلالته، كما أن الإحساس ~~بالمكان ذي الأبعاد الثلاثة هو أمر ضروري للإدراك الكامل لمعظم الأشكال المعمارية. إن ~~الصور التي تفقد دلالتها إذا شهدناها كنماذج مسطحة هي صور بالغة التأثير فينا؛ لأننا ~~نراها في الحقيقة على هيئة مستويات (مسطحات) مرتبطة فيما بينها، فإذا كان لتمثيل ~~المكان الثلاثي الأبعاد أن يسمى تمثيلا # representation # فإنني أوافق عندئذ على أن هناك صنفا واحدا من التمثيل غير ~~خارج عن الموضوع. إنني أوافق أيضا على أننا يجب أن نأتي معنا، إلى جانب شعورنا بالخط ~~واللون، بمعرفتنا بالمكان إذا شئنا أن نظفر من كل صنف من الشكل بأوفى نصيب، ورغم ذلك ~~فإن هناك تصميمات رفيعة لا يحتاج إدراكها بالضرورة إلى هذا الصنف من المعرفة. إذن رغم ~~أن المعرفة بالمكان غير خارجة عن الموضوع في بعض الأعمال الفنية، فإنها غير ضرورية ~~لإدراك جميع الأعمال، وما يتعين أن نقوله هو أن تمثيل المكان ذي الأبعاد الثلاثة لا ~~هو خارج عن الموضوع ولا هو ضروري بالنسبة لكل فن، وأن كل صنف عداه من التمثيل هو خارج ~~عن الموضوع. # ليس من المستغرب على الإطلاق أن هناك عنصرا تمثيليا أو وصفيا خارجا عن الموضوع ~~في الكثير من الأعمال الفنية العظيمة، وسوف أحاول في موضع آخر أن أبين لماذا هو غير ~~مستغرب. إن التمثيل ليس موبقا بالضرورة، وليس هناك ما يمنع أن تكون بعض الأشكال ~~البالغة الواقعية هي أشكال بالغة الدلالة، إلا أنه في أغلب الأحوال يكون التمثيل علامة ~~ضعف في الفنان؛ فمن دأب الفنان الذي لا يقوى على خلق أشكال قادرة على إثارة انفعال ~~إستطيقي كبير أن يتحايل على ضآلة ما يثيره باللجوء إلى انفعالات ms038 الحياة، وهو لكي يثير ~~انفعالات الحياة فلا بد له أن يستخدم التمثيل؛ مثال ذلك أن يشرع رسام في تنفيذ مخططه، ~~ولأنه يخشى أن تحيد رميته الأولى عن إصابة شكل جمالي فسوف يحاول الإصابة بالثانية ~~بأن يوقظ انفعالا بالخوف أو الشفقة، ولكن إذا كان الميل إلى العزف على عواطف الحياة ~~لدى الفنان هو علامة على خبو الإلهام في كثير من الأحوال، فإن ميل المشاهد إلى التماس ~~عواطف الحياة وراء الشكل هو علامة على قصور الحساسية في جميع الأحوال؛ فهو يعني أن ~~انفعالاته الإستطيقية ضعيفة أو غير تامة على كل حال؛ فإزاء العمل الفني يشعر الأشخاص ~~الذين لا ينفعلون بالشكل الخالص إلا قليلا، أو لا ينفعلون على الإطلاق، بالحيرة ~~الشديدة؛ فهم أشبه بالصم في حفل موسيقي، إنهم يعرفون أنهم ينبغي أن يشعروا إزاء ~~هذا الشيء بانفعال هائل، غير أن الصنف الخاص من الانفعال الذي يمكن أن يثيره فيهم هو ~~شيء يحسونه بالكاد أو لا يحسونه على الإطلاق، وهكذا يقرءون في أشكال العمل تلك ~~الوقائع والأفكار التي يملكون القدرة على أن يشعروا بها، وهي الانفعالات المألوفة في ~~الحياة، وعندما يواجهون بإحدى اللوحات فهم يردون أشكالها تلقائيا إلى العالم الذي ~~أتوا منه، فهم يعاملون بالشكل المبتكر كما لو كان شكلا مقلدا، ويعاملون اللوحة ~~كما لو كانت صورة فوتوغرافية، وبدلا من أن يترحلوا على تيار الفن إلى عالم جديد من ~~الخبرة الإستطيقية، فهم يولونه أظهرهم ويعودون أدراجهم إلى عالم الاهتمامات البشرية. ~~إن دلالة العمل الفني بالنسبة لهم تتوقف على ما يجلبونه له؛ ولذلك لا يضيف الفن ~~شيئا جديدا إلى حياتهم، إن هي إلا المادة القديمة قد أثيرت، إن العمل الفني الجيد ~~ليحمل الشخص القادر على تذوقه ويخرج به من الحياة إلى الوجد، واستخدام الفن كوسيلة ~~إلى انفعالات الحياة هو مثل استخدام تلسكوب لقراءة جريدة، وسوف تلاحظون أن الأشخاص ~~الذين لا يقدرون على الشعور بانفعالات إستطيقية خالصة يتذكرون اللوحات بموضوعاتها، ~~أما القادرون فكثيرا ما لا تكون لهم أي فكرة عما يكونه موضوع لوحة ما؛ ذلك أنهم ms039 لم ~~يعيروا العنصر التمثيلي انتباها قط؛ ومن ثم فحين يناقشون اللوحات الفنية فهم ~~يتحدثون عن الهيئة التي تتخذها الأشكال، وعن علاقات الألوان وكمياتها، وكثيرا ما ~~يكون بإمكانهم أن يحكموا من خلال خط واحد ما إذا كان الفنان قديرا أو غير قدير. إن ~~اهتمامهم بكامله منصب على الخطوط والألوان وعلاقاتها وكمياتها وكيفياتها، غير أنهم من ~~خلال هذه الأشياء يظفرون بانفعال أكثر عمقا وأكثر جلالا بكثير من أي شيء يمكن أن ~~يمنحه وصف الوقائع والأفكار. # قد يلمس البعض في هذه العبارة الأخيرة نبرة شديدة الثقة ... زائدة الثقة، وربما أمكنني ~~أن أبررها وأن أجعل مقصدي أكثر وضوحا أيضا إذا ما تناولت بالوصف مشاعري الشخصية ~~تجاه الموسيقى. إنني في الحقيقة لست مولعا بالموسيقى، ولست أجيد فهم الموسيقى، وأجد ~~صعوبة بالغة في إدراك الشكل الموسيقي، ومن المؤكد أن غوامض الهارموني والإيقاع ~~ودقائقهما تفوتني في معظم الأحوال، والحق أن شكل أي مؤلف موسيقي لا بد أن يكون ~~بسيطا كيما يتسنى لي أن أفهمه فهما صحيحا. إن رأيي في الموسيقى لا يعتد به، غير ~~أني في بعض الأحيان، إذ أجلس في حفل موسيقي، يكون إدراكي للموسيقى على قلته وتواضعه ~~إدراكا خالصا؛ أي أنني في بعض الأحيان تكون لي رغم ضعف الفهم ذائقة نقية؛ ومن ثم ~~فعندما أشعر أني متيقظ وصاف ومنتبه، في بداية الحفل على سبيل المثال؛ إذ يكون ما ~~يجري عزفه بمنال فهمي، فإنني أستمد من الموسيقى ذلك الانفعال الإستطيقي الخالص الذي ~~أستمده من الفن البصري. إن الانفعال أقل شدة والنشوة أسرع زوالا؛ لأن فهمي للموسيقى ~~أضعف من أن تحملني بعيدا في عالم النشوة الإستطيقية المحضة، إلا أنني لا أعدم لحظات ~~أدرك فيها الموسيقى كشكل خالص؛ كأصوات متضامة وفقا لقوانين ضرورية خفية؛ كفن ~~بحت له دلالته الهائلة الخاصة به ولا علاقة له من قريب أو بعيد بدلالة الحياة، وإنني ~~في تلك اللحظات لأتبدد في نفس الحالة النفسية اللامتناهية الجلال التي ينقلني إليها ~~الشكل البصري الخالص. # يا لرداءة حالتي الذهنية المعتادة حين أكون في حفل موسيقي، ضجرا ms040 كنت أو محيرا ~~فإنني أدع إحساسي بالشكل يفلت مني، وأفشل في فهم التآلفات الهارمونية فأظل أنسج بها ~~أفكار الحياة، وأعجز عن الشعور بالانفعالات الصارمة للفن فأظل أقرأ في الأشكال ~~الموسيقية عواطف بشرية من رعب وغموض وحب وكراهية، وأنفق اللحظات - مستمتعا إلى حد ~~مرض - في عالم من المشاعر الآسنة المتدنية، فلو أن نتفا من أبشع ضروب التمثيل الأونوماتوبي # 10 # قد أقحمت داخل السيمفونية في هذه اللحظات، لما تأذيت، بل الأرجح جدا ~~أنني سأبتهج لها وأسر؛ فهي حرية أن تقدم لي منطلقات جديدة لتيارات المشاعر ~~الرومانسية والتفكير البطولي. إنني أدري تماما ما الذي حدث، لقد كنت أتخذ الفن سبيلا ~~إلى انفعالات الحياة وأقرأ فيه أفكار الحياة، لقد كنت أقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، ~~لقد ترديت من الذرى العالية للنشوة الإستطيقية إلى السفوح الحميمة للحياة البشرية ~~الدافئة، إنها وطن بهيج، ولا يخلجن أحد من إمتاع نفسه هناك، كل ما في الأمر أن من ~~عرف يوما عز الأعالي فعسير عليه ألا يستشعر في الأودية الدافئة شيئا من الهوان، ولا ~~يتصورن أحد، لمجرد أنه قد جعل يمرح حينا في أرض الرومانسية الذلول الدافئة ~~وأركانها الطريفة، أن بإمكانه حتى أن يحرز بما تكونه المواجيد الصارمة والمثيرة ~~لأولئك الذين ارتقوا القمم البيضاء الباردة للفن. # ومثلي يؤثر معظم الناس التواضع في تقدير ذائقتهم الموسيقية، فإذا ما عجزوا عن أن ~~يفهموا الشكل الموسيقي ويستمدوا منه انفعالا إستطيقيا محضا، اعترفوا بأنهم لا ~~يفهمون الموسيقى فهما كاملا أو لا يفهمونها على الإطلاق، وهم يتبينون بوضوح تام أن ~~هناك فرقا بين شعور الموسيقي تجاه الموسيقى البحتة وشعور المستمع الممراح الذي ~~يرتاد الحفلات الموسيقية تجاه ما توحي به الموسيقى. إن هذا الأخير ليستمتع بانفعالاته ~~الخاصة، كما يحق له تماما، وهو على بينة من قصورها ودونيتها، ومن المؤسف أن الناس ~~تميل إلى أن تكون أقل تواضعا حين يتعلق الأمر بقدراتهم على تذوق الفن البصري؛ فالكل ~~يميل إلى الاعتقاد بأن بإمكانه أن يستخلص من اللوحات على أية حال كل ما يمكن ~~استخلاصه، والكل على استعداد ms041 لأن يصيح «دجال» أو «أفاك» في وجه من يقول بأن اللوحة ~~يمكن أن يكون لديها أكثر من ذلك. إن نوايا أصحاب الانفعالات الإستطيقية الخالصة ليظن ~~بها الظنون من جانب الذين لم يعرفوا في حياتهم أي شيء من ذلك، ولعل تفشي عنصر ~~التمثيل هو ما يجعل رجل الشارع على كل هذه الثقة بأنه يعرف اللوحة الجيدة عندما ~~يشاهدها، فلقد لاحظت أن الناس في مجال العمارة والخزف والنسيج ... إلخ تؤثر الاعتراف ~~في نفسها بالجهل والخرق وتذعن لآراء أولئك الذين أنعم الله عليهم برهافة حسية خاصة. ~~إنه لأمر مؤسف أن يتعذر إقناع المثقفين والأذكياء من الرجال والنساء بأن توافر ~~ملكة كبيرة للإدراك الإستطيقي في مجال الفن البصري هو أمر مماثل في ندرته على أقل ~~تقدير لنظيرتها في مجال الفن الموسيقي، ولقد أمكنني إذ قارنت بين خبرتي الخاصة في كلا ~~المجالين أن أميز بوضوح شديد بين الإدراك النقي والإدراك المشوب، فهل كثير أن أناشد ~~الآخرين أن يكونوا صادقين تجاه إحساسهم باللوحات قدر صدقي تجاه إحساسي بالموسيقى؟ فأنا ~~على يقين من أن معظم الذين يرتادون معارض الصور يجدون شعورا جد قريب مما أجده في ~~حفلات الموسيقى. إنهم ليظفرون بلحظات من النشوة الخالصة، غير أنها لحظات قصيرة وغير ~~مضمونة، سرعان ما يرتدون بعدها إلى عالم الاهتمامات البشرية ويحسون بانفعالات طيبة ~~ولا شك، ولكنها دون المستوى. وما عنيت قط أن ما يحظون به من الفن هو شيء رديء أو ~~تافه، وإنما أعني أنهم لا يأخذون من الفن أطيب ما يمكن أن يعطيه، ولا قلت إنهم لا ~~يمكنهم أن يفهموا الفن، وإنما أقول إنهم لا يمكنهم أن يفهموا الحالة الذهنية التي يجدها ~~من يفهمون الفن على أفضل وجه، ولا أقول إن الفن لا يعني شيئا بالنسبة لهم أو يعني ~~أقل القليل، بل أقول إن هؤلاء تفوتهم الدلالة الكاملة للفن، ولا يخطر لي لحظة أن ~~أعرض بذائقتهم الفنية. إن غالبية الشخصيات الجذابة والذكية التي أعرفها يدركون الفن ~~البصري إدراكا غير نقي، وعلى ذكر ذلك أقول إن إدراك جميع كبار ms042 الكتاب تقريبا كان ~~إدراكا غير نقي، غير أنه لو تحقق وجود نسبة ضئيلة من الانفعال الإستطيقي الخالص؛ ~~فإنني على ثقة من أنه حتى الإدراك الفني المشوب والضئيل هو واحد من أعلى الأشياء قيمة ~~في الدنيا، إنه شيء ثمين حقا بحيث أجد نفسي في لحظات الوجد البالغ منجرفا إلى ~~الاعتقاد بأن الفن قد يثبت يوما أن فيه خلاص العالم. # ولكن رغم أن أصداء الفن وظلاله تثري حياة السهول فإن روحه تسكن أعالي الجبال. إن ~~من يتودد إلى الفن ودا مشوبا فحسب، فإن الفن يرد له صنيعه مضاعفا؛ فالفن ~~كالشمس تدفئ البذرة الصالحة في تربة صالحة وتتيح لها أن تؤتي ثمارا صالحة، ولكن وحده ~~العاشق الكامل من يذخر له الفن هدية عجيبة جديدة، هدية فوق كل ثمن. إن أصحاب الود ~~الممذوق يجلبون إلى الفن ويغنمون منه أفكار عصرهم الخاص وعواطف حضارتهم، فلعل ~~امرءا في أوروبا القرن الثاني عشر قد تأثر غاية التأثر بكنيسة رومانسكية بينا لم يجد ~~شيئا في إحدى لوحات أسرة تانج. ولعل النحت الإغريقي كان يعني الكثير لامرئ من عصر ~~لاحق في حين لا يحرك النحت المكسيكي فيه ساكنا؛ إذ كان بمقدوره أن يجلب للأول حشدا ~~من الأفكار المتداعية لتكون موضوعات لانفعالات مألوفة، أما العاشق الكامل، ذلك الذي يملك الشعور بالدلالة ~~العميقة للشكل، فإنه يبرأ فوق عوارض الزمان والمكان. إن مشكلات الأركيولوجيا والتاريخ ~~وسير القديسين هي بالنسبة إليه أمر خارج عن الموضوع، فمتى كان شكل العمل دالا أصبح ~~مصدره غير ذي صلة، إنه محمول أمام جلال تلك الصور السومرية في اللوفر على نفس التيار ~~الانفعالي وإلى نفس النشوة الإستطيقية التي كانت تمل العاشق الكلداني منذ أربعة آلاف ~~عام خلت، إن آية الفن العظيم أن جاذبيته عالمية خالدة؛ # 11 # فالشكل الدال يبقى مشحونا بالقدرة على إثارة انفعال إستطيقي في أيما شخص ~~قادر على الشعور به. إن أفكار البشر لتموت عاجلا كالجراجس # 12 # وتذهب أدراج الرياح، وإن البشر ليبدلون مؤسساتهم ويغيرون عاداتهم مثلما ~~يغيرون ستراتهم، فما كان يعد نصرا فكريا في عصر ms043 يعد حماقة في عصر آخر، وحده ~~الفن العظيم يبقى ثابتا لا يذهب بهاؤه؛ لأن المشاعر التي يوقظها مستقلة عن الزمان ~~والمكان؛ ذلك أن مملكة الفن ليست من هذا العالم، فماذا يهم بالنسبة لأولئك الذين ~~يملكون حسا بدلالة الشكل إن كانت الأشكال التي تحركهم قد أبدعت في باريس أمس الأول ~~أم في بابل منذ خمسين قرنا؟ إن أشكال الفن لا تنضب ولا تستنفد، بل تؤدي جميعا عن ~~الطريق نفسه - طريق الانفعال الإستطيقي، إلى العالم نفسه - عالم الوجد ~~الإستطيقي. ~~(2) الإستطيقا وما بعد ~~الانطباعية # Aesthetic and Post-Impressionism # أستطيع الآن، في ضوء نظريتي الإستطيقية، أن أقرأ تاريخ الفن قراءة أكثر وضوحا من ذي ~~قبل، وأستطيع أيضا أن أتبين مكان الحركة المعاصرة في هذا التاريخ؛ وحيث إني سوف ~~أسهب فيما بعد في الحديث عن الحركة المعاصرة فربما يكون من الحكمة أن أغتنم هذه ~~اللحظة، والفرضية الإستطيقية حاضرة بعد في ذهني، وفي أذهان قرائي كما آمل، لدراسة ~~الحركة في علاقتها بالفرضية، إنه لا يسع أي واحد من جيلي أن يضع كتابا عن الفن لا ~~يعرض فيه لتلك الحركة التي يطلق عليها في هذا البلد «ما بعد الانطباعية» Post-Impressionism ~~، وإلا كان فعله محض ~~تصنع، وحيث إني سوف أتناولها بإفاضة كبيرة، فأود ألا أفوت هذه الفرصة السانحة ~~لكي أنظر في مدى انسجام هذه الحركة مع نظريتي في الإستطيقا، وستكون هذه النظرة مناسبة ~~للإدلاء ببعض الأشياء عما تتسم به «ما بعد الانطباعية» وعما لا تتسم به، ومناسبة ~~لطرح بعض النقاط التي سآخذها في موضع آخر بتفصيل أكبر، وسأجتزئ الآن بطرح هذه النقاط، ~~وباقتراح حل على أقل تقدير. # ينتج البدائيون الفن لأنهم لا بد أن ينتجوه؛ فالبدائيون ليس لديهم دافع آخر غير ~~رغبتهم المشبوبة في التعبير عن إحساسهم بالشكل، إنهم، عن زهد في خلق الإيهام أو عن ~~عجز، يكرسون أنفسهم كليا لخلق الشكل، إلا أن الأمور قد تغيرت في الوقت الحاضر، ~~وغدا الفنان مرتبطا براع ومرتبطا بجمهور، الأمر الذي عجل بنشوء حاجة إلى «المشابهة ~~الأمينة الناطقة»، وفيما لا تزال الجماهير ms044 الغفيرة تصخب في طلب المشابهة، فقد بدأت أواق ~~الصفوة تتكلف الإعجاب بالبراعة والصناعة، وها هو المآل أمام أعيننا، إننا لنشاهد الفن ~~في أوروبا يسوخ رويدا رويدا من تصميم رافينا # Ravenna # 13 # المثير إلى فن البورتريه المضجر في هولندا، بينما الشطر الأكبر من النحت ~~الرومانسكي والنورماندي يتحول إلى تلاعب قوطي بالحجر والزجاج، وقبل أن تنقضي ظهيرة ~~النهضة كان الفن قد انطفأ تقريبا، ولم تعد الساحة تزخر إلا بكل متكلف من صانعي ~~الإيهام وأساتذة الحرفة، كانت تلك هي اللحظة المواتية لانبعاث «ما بعد ~~الانطباعية». # ولأسباب عديدة لم تكن ثمة ثورة؛ فقد بقي التقليد الفني في غيبوبة، فكان يظهر ~~عبقري هنا وهناك ويصطرع من سلاسل التقليد ويخلق شكلا دالا؛ من ذلك أن فن ~~نيقولاس بوسان # Nicolas Poussin # وكلود # Claude # وإلجريكو # El Greco # وشاردان # Chardin # وأنجر # Ingres # ورينوار # Renoir ~~(وهي بضعة أسماء نذكرها على سبيل المثال) يحرك مشاعرنا كما ~~يحركها فن جوتو # Giotto # وسيزان # Cézanne ~~، غير أن غالبية الذين نبهوا فيما بين ذروة النهضة والحركة ~~المعاصرة يمكن تقسيمهم إلى فصيلين؛ أهل الصنعة، وأهل الغفلة، أما أهل الصنعة، فأولئك ~~الأساتذة الصغار الذين كان بوسعهم أن يكونوا فنانين لو لم يستغرق التصوير # painting # كل طاقاتهم، فكانوا طيلة هذه الفترة لا ~~يفتئون ينسجون أحاجي تكنيكية ويجدون في حلها، وأما أهل الغفلة فقد ظلوا يطورون ~~الصور الفوتوغرافية الملونة ولا يزالون. # إن حقيقة أن الشكل الدال هو الخاصية المشتركة الوحيدة في الأعمال التي تطربني، وأن ~~هذه الخاصية في الأعمال أكثر إطرابا لي؛ أي في الفن البدائي، # 14 # هي الصفة الوحيدة الكائنة تقريبا - هذه الحقيقة قد هدتني إلى فرضيتي قبل ~~أن تكون لي أي معرفة بأعمال سيزان وتابعيه؛ لقد فتنني سيزان وخلب لبي قبل أن يتكشف ~~لي أن أقوى خصائصه هي إلحاحه على إعلاء منزلة الشكل الدال فوق كل منزلة، وعندما تفطنت ~~لذلك صار إعجابي بسيزان وبعض أتباعه مدعما لي في نظرياتي الإستطيقية، ولم أجد ~~بطبيعة الحال ما يعوق إعجابي بهم؛ فقد وجدت فيهم الشيء الذي شغفت به في أيما ms045 عمل فني ~~أطربني وحرك مشاعري. # ليس ثمة من أسرار حول «ما بعد الانطباعية»؛ فاللوحة «بعد الانطباعية» الجيدة هي لوحة ~~جيدة لنفس الأسباب بالضبط التي تجعل أي لوحة أخرى جيدة؛ فالخاصية الجوهرية في الفن هي ~~خاصية دائمة؛ لذا لا تنطوي حركة «ما بعد الانطباعية» على قطيعة عنيفة مع الماضي؛ فهي ~~لا تعدو أن تكون رفضا متعمدا لتقاليد معينة تعيق نمو الفن الحديث، صحيح أنها ~~تنكر أن على الفن أن يتلقى أوامر من الماضي، غير أن هذا ليس شعارا لما بعد ~~الانطباعية. إنه السمة الأعم للحيوية. إن مجرد الحديث عن «ما بعد الانطباعية» بوصفها ~~حركة من شأنه أن يؤدي إلى ضروب من سوء الفهم. بل إن عادة الحديث عن «حركات» على ~~الإطلاق هي عادة مضللة نوعا ما. إن تيار الفن لم يجف تماما في يوم من الأيام؛ فهو ~~ما برح يتدفق خلال العصور، عريضا تارة ضيقا طورا، عميقا مرة ضحلا مرة أخرى، ~~سريعا آنا متثاقلا آنا آخر. إن لونه في تغير دائم، ولكن من ذا الذي يستطيع أن يضع ~~علامة تحدد نقطة التغير بدقة وحسم؟ ففي بدايات القرن التاسع عشر كان تيار الفن يجري ~~منخفضا جدا، وفي أيام الانطباعيين، الذين تعد الحركة الجديدة بمعنى ما هي رد فعل ~~ضدهم، كان التيار قد أصبح غزيرا لتوه. إن أية محاولة لسد هذا النهر وحبسه، وتخير ~~مدرسة أو حركة معينة والقول «هنا يبدأ الفن وهناك ينتهي»، هي عبث ضار، وهكذا دأب ~~التقنين الأكاديمي؛ ففي هذه اللحظة ليس هناك بين الرسامين المجيدين الأحياء، باستثناء ~~حفنة لا تتجاوز نصف دستة، من لا يستمد شيئا من سيزان وينتمي بمعنى ما لحركة «ما ~~بعد الانطباعية»، ولكن قد يظهر غدا رسام عظيم يخلق الشكل الدال بطرائق معارضة ~~ظاهريا لطرائق سيزان، وأقول «ظاهريا» لأن كل الفن الجيد ينتمي «جوهريا» إلى نفس ~~الحركة، فليس هناك غير نوعين من الفن: جيد ورديء، ومهما يكن من أمر فإن تقسيم المجرى ~~إلى مراحل تتمايز بفروق في الطريقة هو شيء واضح القصد، وهو بالنسبة للمؤرخين على ms046 أية ~~حال، شيء مفيد، وتتفاوت المراحل أيضا في الحجم، فتتميز حقبة فنية عن حقبة أخرى ~~بخصوبتها؛ حيث النتاج الفني الجدير بالاعتبار في بضعة أعوام أو عقود سعيدة نتاج عظيم، ~~ثم إذا به يتوقف فجأة أو يتضاءل رويدا رويدا مؤذنا بأن حركة ما قد استنفدت ذاتها، ~~هل تصادف وجود عدد من الفنانين العظام في عصر واحد هو الذي يصنع حركة فنية، أو ~~أن تفشي روح باطنة معينة للعصر هو الذي يساعد الفنانين على خلق الشكل الدال؟ ~~وإلى أي حد؟ ذاك سؤال لا يمكن البت فيه دون أدنى اعتراض، ولكن الفضل يمكن أن ~~يقسم رغم كل شيء، وإنني لأظن أنه يجب أن يقسم بالتساوي، إن لنا ما يبرر، إذ ننظر ~~إلى تاريخ الفن ككل، أن نعتبر فترات الخصوبة الفنية كأجزاء محددة من ذلك الكل، إنني ~~إن أكن معجبا بحركة «ما بعد الانطباعية» فبوصفها فترة خصب في الفن الجيد والفنانين ~~العظام بالدرجة الأساس، كما أنني أعتقد أيضا أن المبادئ التي تتبطن تلك الحركة ~~وتلهمها أجدر بحفز الفنانين على تقديم خير ما عندهم وإنشاء تقليد جديد من أي مبادئ ~~يحملها لنا سجل التاريخ الحديث. غير أن شغفي بهذه الحركة وإعجابي بكثير من الفن الذي ~~أنتجته ما كان ليغشيني عن عظمة الثمار التي أنتجتها الحركات الأخرى، وإنني لآمل ألا ~~تغشيني عن عظمة أي خلق جديد للشكل مهما بدت جدته مشتملة على رد فعل ضد طريقة ~~سيزان. # إن «ما بعد الانطباعية»، شأنها شأن جميع الثورات الصحيحة، ليست أكثر من عودة وإنابة ~~إلى المبادئ الأولى؛ ففي عالم يتوسم في الرسام أن يكون إما مصورا فوتوغرافيا وإما ~~بهلوانا، ينبري الفنان «بعد الانطباعي» قائلا بأنه فوق كل شيء يجب أن يكون فنانا، ~~«لا يكن همك التمثيل أو التتميم، النقل أو الصقل، فكر في خلق الشكل الدال، فكر في ~~الفن.» هكذا يقول، إن خلق عمل فني هو مهمة جسيمة بحيث لا تترك منصرفا لتصدي شبه ~~أو عرض براعة، وكل تقدمة على مذبح التمثيل هي شيء مسلوب من الفن. إن «ما ms047 بعد ~~الانطباعية» ليست بحال ذلك الصنف المتعجرف من الثورة كما يفترض السوقة، بل هي في ~~حقيقة الأمر عودة ومتاب؛ عودة لا إلى أي تقليد معين في الرسم بل إلى التقليد ~~العظيم للفن البصري. إنها تضع نصب عين كل فنان ذلك المثل الأعلى الذي كان يضعه ~~البدائيون نصب أعينهم؛ وهو مثل لم يعد يتعلق به منذ القرن الثاني عشر سوى عدد ~~استثنائي من أهل العبقرية> ليست «ما بعد الانطباعية» سوى إعادة توكيد للوصية الأولى من ~~وصايا الفن: «اخلق الشكل» # Thou shalt create form ~~، وهي ~~بهذا التوكيد إنما تصافح - عبر العصور - البدائيين البيزنطيين وكل حركة حية جاهدت ~~للبقاء منذ بداية الفن. # ليست «ما بعد الانطباعية» مسألة تكنيك، صحيح أن سيزان قد ابتكر تقنية، مناسبة لغرضه ~~بشكل باهر، وقد تبناها وطورها بشكل أو بآخر معظم أتباعه، إلا أنه ليس ما يهم في لوحة ~~من اللوحات هو كيف رسمت وإنما المهم هو ما إذا كانت تثير الانفعال الإستطيقي. وكما ~~قلت آنفا، إن اللوحة «بعد الانطباعية» الجيدة تماثل في جوهرها أي عمل فني آخر من أعمال ~~الفن، ولا تختلف عن بعضها، ظاهريا، إلا بالرفض الواعي والمقصود لتلك الطفيليات ~~التقنية والعاطفية المبتذلة التي فرضها على فن التصوير تقليد سيئ، إن هذا يصبح واضحا ~~للمرء عندما يزور معرضا من قبيل # Salon d’Automne # أو # Les Indépendants # حيث مئات اللوحات المرسومة على ~~طريقة «ما بعد الانطباعية» كثير منها غاية في التفاهة، ويدرك المرء أن هذه اللوحات هي ~~رديئة بنفس الطريقة التي تكون بها أي لوحة أخرى رديئة؛ أي أن أشكالها غير دالة ولا تثير ~~أي استجابة إستطيقية. وفي الحق إنها ضرورة تعسة تلك التي ألجأتنا إلى الحديث عن «لوحات ~~بعد انطباعية»، وأرى أن الوقت قد آذن لكي نعود إلى المصطلح الأقدم والأوفى بالقصد، ~~ونتحدث عن لوحات جيدة ولوحات رديئة، كل ما يجب ألا ننساه هو أن الحركة التي يعد سيزان ~~مظهرها المبكر والتي خلفت لنا محصولا مدهشا من الفن الجيد، تدين بشيء ما، ولكن ليس ~~بكل شيء، للمذاهب المحررة ms048 والثورية لما بعد الانطباعية. # ولعل أسخف ما يقال عن لوحات «ما بعد الانطباعية» هو ما يقوله أولئك الذين يعتبرون ~~«ما بعد الانطباعية» حركة منفصلة، بينما الحقيقة أنها تحتل مكانها كجزء من منحدر من ~~تلك المنحدرات الهائلة التي يمكن أن نقسم إليها تاريخ الفن والتاريخ الروحي للجنس ~~البشري، إنني في لحظات حماستي يغريني الأمل بأن تكون «ما بعد الانطباعية» هي المرحلة ~~الأولى في منحدر جديد تقف فيه هذه الحركة بالنسبة إليه نفس الموقف الذي يقفه الفن ~~البيزنطي في القرن السادس بالنسبة إلى المنحدر القديم. إن لنا في تلك الحالة أن نضاهي ~~«ما بعد الانطباعية» بتلك الروح الحيوية التي جعلت، تجاه نهاية القرن الخامس، تخفق ~~بالحياة وسط أطلال الواقعية الإغريقية - الرومانية. إن لما بعد الانطباعية، أو ~~لنسمها الحركة المعاصرة، مستقبلا، ولكن عندما يكون ذلك المستقبل حاضرا فلن يعود ~~سيزان # Cézanne # وماتيس # Matisse # يلقبان «بعد انطباعيين»، بل سيسميان بالتأكيد فنانين ~~عظيمين، تماما كما كان يسمى جوتو # Giotto # وماساتشو # Massaccio # فنانين عظيمين، سيسمى سيزان ~~وماتيس زعيمي حركة، ولكن هل يقدر لتلك الحركة أن تكون أكثر من حركة؟ هل يقدر لها ~~أن تكون شيئا في سعة المنحدر الواقع بين سيزان وأساتذة سان فيتالي # S. Vitale ~~؟ تلك مسألة أقل يقينا بكثير مما يهم المتحمسين أن ~~يفترضوا. # تتهم «ما بعد الانطباعية» بأنها عقيدة سلبية وتحطيمية، وليس في الفن عقيدة صحية ~~يمكن أن تكون أي شيء آخر، إنك لا يمكن أن تهب الناس العبقرية، كل ما يمكنك أن تهبهم ~~هو الحرية - التحرر من الخرافة ، وليس بإمكان «ما بعد الانطباعية» أن تصنع فنانين ~~عظاما أكثر مما يمكن للقوانين الصالحة أن تصنع بشرا صالحين. ومما لا شك فيه أنه مع ~~تزايد شعبيتها فإن حشودا متزايدة سنويا من المغفلين سوف يستخدمون ما يسمى ~~«التكنيك بعد الانطباعي» لكي يعرضوا نماذج بلا دلالة ويرددوا حكايات حمقاء. إن ~~لوحاتهم سوف تلقب «بعد انطباعية»، ولكن ليس بغير ظلم عظيم سوف تمنع من دخول برلنجتون ~~هاوس. ليست «ما بعد الانطباعية» علاجا نوعيا للحماقة والعجز البشريين، فكل ms049 ما يمكن ~~أن تقدمه إلى الرسامين هو أن تطرح أمامهم دعاوي الفن، يمكنها أن تقول للعبقري وللتلميذ ~~الموهوب: «لا تهدر وقتك وطاقتك في أشياء لا تهم، ركز على ما يهم؛ ركز على خلق ~~الشكل الدال.» بذلك فقط يمكن لأي منهما أن يؤتي خير ما فيه، لقد كان كلاهما في ~~السابق مضطرا إلى أن يعقد تسوية بين الفن وبين ما علم الجمهور أن يترقبه؛ ولذلك فإن ~~عمل الأول (أي العبقري) قد تشوه بفحش، أما عمل الثاني (أي التلميذ الموهوب) فقد ~~دمر. لقد أوعز التقليد إلى الرسام أن يكون مصورا فوتوغرافيا وبهلوانا ~~وأركيولوجيا (عالم آثار) وأديبا، بينما تدعوه «ما بعد الانطباعية» إلى أن يكون ~~فنانا. ~~(3) الفرضية ~~الميتافيزيقية # The Metaphysical Hypothesis # أما وقد تحدثت بما فيه الكفاية، في حدود غرضنا الحالي، عن المشكلة الإستطيقية وعن ~~«ما بعد الانطباعية»، فأود الآن أن أتناول هذا السؤال الميتافيزيقي: لماذا تهزنا ~~ترتيبات وتجمعات معينة للشكل وتحرك مشاعرنا بهذه الطريقة الغريبة؟ إنه ليكفي ~~بالنسبة لمجال الإستطيقا إنها تحرك مشاعرنا فعلا، وإن بالإمكان الرد على كل ~~استجواب زائد من جانب المملين والحمقى بأنه كيفما تكن غرابة هذه الأشياء فما هي بأغرب ~~من أي شيء آخر يزخر به هذا العالم المفرط في العجب والغرابة. أما أولئك الذين يلوح لهم ~~أن نظريتي تفتح أفقا من الممكنات فإنني أقدم إليهم تخيلاتي عن طيب خاطر، بقدر ما ~~يطيقون. # يبدو لي ممكنا، وإن لم يبلغ اليقين بحال، أن الشكل المبدع يهزنا بهذا العمق لأنه ~~يعبر عن انفعال مبدعه، لعل خطوط العمل الفني وألوانه توصل لنا شيئا ما قد أحسه ~~الفنان، فإذا صح هذا فإنه سيفسر لنا تلك الواقعة العجيبة والتي لا يمكن إنكارها في ~~الوقت نفسه، والتي أشرت إليها آنفا؛ وهي أن ما أسميه الجمال المادي (جناح فراشة ~~مثلا) لا يحرك مشاعرنا بطريقة تشبه طريقة العمل الفني من قريب أو بعيد. إنها شكل ~~جميل، ولكنها ليست شكلا دالا، إنها تحركنا، ولكنها لا تحركنا إستطيقيا، ومن ~~المغري أن نفسر الفرق بين «الشكل ~~الدال» # significant form ms050 # و«الجمال» # beauty ~~- أي الفرق ~~بين الشكل الذي يثير انفعالات إستطيقية والشكل الذي لا يثيرها - بأن نقول إن «الشكل ~~الدال» يوصل إلينا انفعالا أحسه مبدعه وإن «الجمال» لا يوصل شيئا. # تجاه أي شيء إذن يشعر الفنان بذلك الانفعال الذي يفترض أنه يعبر عنه؟ من المؤكد أن ~~الانفعال يأتي إليه أحيانا من خلال الجمال المادي؛ فتأمل الأشياء الطبيعية ~~كثيرا ما يكون هو السبب المباشر لانفعال الفنان، فهل علينا إذن أن نفترض أن الفنان ~~يشعر (أو يشعر أحيانا) تجاه الجمال المادي ما نشعر به نحن تجاه عمل فني؟ هل يحتمل ~~أن يكون وجه الأمر هو أن الجمال المادي بالنسبة للفنان يكون في بعض الأحيان «دالا» ~~بطريقة ما؛ أي قادرا على إثارة انفعال إستطيقي؟ وإذا كان الشكل الباعث على الانفعال ~~الإستطيقي هو الشكل الذي يعبر عن شيء ما، فهل من المحتمل أن يكون الجمال المادي ~~بالنسبة له معبرا؟ هل يشعر وراءه بشيء ما مثلما نتخيل أننا نشعر بشيء ما وراء ~~أشكال عمل فني؟ هل لنا أن نفترض أن الانفعال الذي يعبر عنه الفنان هو انفعال إستطيقي ~~تجاه شيء تفوتنا نحن دلالته في عامة الأحوال وتدق على حساسيتنا البليدة الكليلة؟ كل ~~هذه أسئلة أفضل أن أتأملها على أن أجزم فيها بشيء. # لنستمع إلى ما تعين على الفنانين أن يقولوه من جانبهم. إننا لنصدقهم من فورنا عندما ~~يخبروننا أنهم في الحقيقة لا يبدعون الأعمال الفنية لكي يثيروا انفعالاتنا ~~الإستطيقية بل لأن هذا هو السبيل الوحيد الذي يمكنهم به أن يجسدوا صنفا معينا من ~~الشعور، ما هو هذا الشعور على وجه التحديد؟ ذلك ما يجدون الجواب عنه صعبا، ثمة وصف ~~لهذه المسألة قاله لي واحد من أعظم الفنانين؛ هو أن ما يحاول أن يعبر عنه في لوحة ~~فنية هو «فهم انفعالي للشكل»، وقد صممت على أن أكتشف ما يعنيه «الفهم الانفعالي ~~للشكل»، وبعد حديث كثير وإصغاء أكثر خلصت إلى النتيجة التالية: في بعض الأحيان عندما ~~ينظر فنان، فنان حقيقي، إلى الأشياء (محتويات غرفة مثلا) فهو يدركها كأشكال ms051 خالصة ~~ذات علاقات معينة بعضها ببعض، ويشعر بانفعال نحوها بما هي كذلك، هذه هي لحظات إلهامه، ~~ثم تأتي بعدها الرغبة في التعبير عما تم الشعور به. إن العاطفة التي أحس بها الفنان ~~في لحظة الإلهام لم تكن تجاه الأشياء بوصفها وسائل، بل تجاه الأشياء أشكالا خالصة - أي ~~غايات في ذاتها. إنه لم يشعر بانفعال نحو أحد الكراسي كوسيلة للراحة الجسدية، ولا كشيء ~~مرتبط بالحياة الأسرية الحميمة، ولا كمكان جلس فيه يوما شخص ما وقال أشياء لا تنسى، ~~ولا حتى كشيء مرتبط بحياة مئات من الرجال والنساء، الأموات والأحياء، بمائة سبب خفي، ~~لا شك أن الفنان كثيرا ما يشعر بانفعالات من هذا القبيل نحو الأشياء التي يراها، ولكنه ~~في لحظة الرؤية الإستطيقية لا يرى الأشياء كوسائل ملفعة بالارتباطات، بل كأشكال ~~خالصة. إن انفعاله الملهم إنما يحسه تجاه الشكل الخالص، أو خلاله على أية حال. # إذن، أن نرى الأشياء كأشكال خالصة هو أن نراها كغايات في ذاتها، فرغم أن الأشكال ~~بالطبع مرتبطة بعضها ببعض كأجزاء في كل؛ فهي مرتبطة على قدم المساواة، إنها ليست ~~وسيلة لأي شيء عدا الانفعال، ولكن ألا نشعر نحو الأشياء التي نراها كغايات في ذاتها ~~بانفعال أعمق وأكثر إثارة من أي انفعال سبق لها نحوها كوسائل؟ في تصوري أننا جميعا ~~نحظى فعلا من وقت آخر برؤية للأشياء كأشكال خالصة؛ إننا نرى الأشياء كغايات في ~~ذاتها؛ أي إننا ننظر إليها - وهو ما يبدو في تلك اللحظات ممكنا بل مرجحا - بعين ~~فنان. من منا لم يظفر، مرة في حياته على أقل تقدير، برؤية مفاجئة لمنظر طبيعي كشكل ~~خالص؟ إنه لم ينظره في هذه المرة الفريدة كحقول وأكواخ، بل أحس به بالأحرى كخطوط ~~وألوان، ألم يظفر من الجمال المادي في تلك اللحظة بهزة لا تفرق عن تلك التي يمنحها ~~الفن؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يتضح أنه قد ظفر من الجمال المادي بهزة لا يقدر على ~~منحها بصفة عامة سوى الفن؛ لأنه قد اتخذ سبيلا إلى رؤيتها كتضام شكلي خالص للخطوط ms052 ~~والألوان؟ ألا نمضي قدما ونقول إنه إذ رآها كشكل خالص، وبرأها من كل ضروب الاهتمام ~~السببي والعارض ومن كل ما يمكن أن تكون قد اكتسبته من صلاتها ببني البشر، ومن كل دلالة ~~لها كوسيلة؛ فقد أحس دلالتها كغاية في ذاتها؟ # ما هي دلالة أي شيء بوصفه غاية في ذاته؟ ما الذي يتبقى عندما نجرد شيئا ما من ~~جميع ارتباطاته؟ ماذا عساه أن يتبقى لكي يثير انفعالنا؟ ماذا غير ذلك الذي درج ~~الفلاسفة على تسميته «الشيء في ~~ذاته» # the thing in itself # ويسمونه الآن «الواقع النهائي» # ultimate ~~reality ~~؟ هل ~~أكون خياليا تماما إذا اقترحت ما اعتقده نفر من أعمق المفكرين من أن دلالة الشيء ~~في ذاته هي دلالة «الواقع» # Reality ~~؟ هل من المحتمل أن ~~يكون جواب سؤالي «لماذا نطرب كل هذا الطرب لتجمعات معينة من الخطوط والألوان» هو «لأن ~~بقدرة الفنانين أن يعبروا بتجمعات الخطوط والألوان عن انفعال نحو الواقع يكشف عن ~~نفسه من خلال الخط واللون»؟ # إذا حظي هذا الاقتراح بالقبول فقد يترتب عليه أن «الشكل الدال» هو الشكل الذي نظفر ~~من ورائه بحس بالواقع النهائي، وقد يكون لدينا مبرر لافتراض أن الانفعالات التي ~~يحسها الفنانون في لحظات إلهامهم، والانفعالات التي يحسها الآخرون في اللحظات ~~النادرة التي ينظرون فيها الأشياء نظرة فنية، والانفعالات التي يحسها كثير منا عندما ~~يتأملون الأعمال الفنية، هي جميعا من نفس الصنف؛ فقد تكون جميعا انفعالات نحو واقع ~~يكشف عن نفسه من خلال الشكل الخالص، من المتيقن أن هذا الانفعال لا يمكن التعبير عنه ~~إلا في شكل خالص، ومن المتيقن أن معظمنا لا يمكن أن يبلغ إليه إلا من خلال شكل خالص، ~~ولكل هل الشكل الخالص هو الطريق الوحيد الذي يمكن لأي شخص من خلاله أن يصل إلى هذا ~~الانفعال السري؟ ذاك سؤال مربك ومرير للغاية؛ لأني ظننت عند هذه النقطة أني أبصرت ~~طريقي إلى إلغاء كلمة «واقع»، والقول بأنها جميعا انفعالات محسة نحو شكل خالص قد ~~يكون وراءه شيء ما وقد لا يكون، إنه ليرضيني ms053 كل الرضا أن أقول بأن السبب الذي يجعل ~~بعض الأشكال تحركنا إستطيقيا وبعضها لا، هو أن بعضها قد تمت تنقيته بما يكفي؛ لأن ~~نشعر به إستطيقيا، وأن البعض الآخر متخثر بالمادة غير الإستطيقية (كالارتباطات) ~~بحيث يحتاج إلى حساسية فنان لكي يدرك دلالته الشكلية الخالصة. لقد كان يرضيني كل ~~الرضا أن أعتقد بأن كل شخص لا بد أن يبلغ إلى الواقع عن طريق الشكل مثلما أن كل شخص لا ~~بد أن يعبر عن حسه بالواقع في شكل، ولكن هل هذا صحيح؟ فأي صنف من الشكل ذاك الذي ~~يستقي منه الموسيقي الانفعال الذي يعبر عنه في تآلفات هارمونية مجردة؟ ومن أين ~~تأتي انفعالات المعماري والخزاف؟ إنني أعرف أن انفعالاتي الإستطيقية لا يمكن أن تنشط من ~~عقالها إلا بواسطة شكل، ولكن هل يمكنني أن أجزم بأن انفعال الفنان لا يثيره دائما إلا ~~شكل؟ عود إلى الواقع مرة أخرى. # إن الذين يميلون إلى الاعتقاد بأن انفعال الفنان هو شعور نحو الواقع سوف يسلمون عن ~~طيب خاطر بأن الفنانين البصريين الذين لا يعنينا سواهم - يبلغون الواقع بصفة عامة من ~~خلال الشكل المادي، ولكن ألا يبلغونه أحيانا من خلال شكل متخيل؟ ألا ينبغي علينا أن ~~نضيف أننا نجهل أحيانا من أين يأتي حس الواقع؟ لعل أبلغ وصف أعرفه لهذه الحالة من ~~الطرب بحس باطني بالواقع هو الوصف الذي قدمه دانتي # Dante # في أبياته التالية: # أيها الخيال، يا من تنتشلنا بعض حين من # العالم الذي حولنا، حتى إننا لا نعود نسمع له ركزا # وإن تكن ألف من الطبل تقرع حولنا ~~••• # من ذا الذي يحركك، إن لم يكن الإحساس هو ما يحدوك؟ # يحركك ضياء يتخذ في الأعالي شكلا # بذاته أو بإرادة تتنزل به ~~••• # هنالك انسحب عقلي داخل ذاته # بحيث لم يعد يطرقه طارق # يمكن أن يتلقاه ويدركه. # يقينا أننا في تلك اللحظات العالية التي يتيحها الفن، مؤهلون ~~للاعتقاد بأننا كنا في حوزة انفعال آت من عالم الواقع، وسيتعين على الذين يرون هذا ~~الرأي أن يقولوا بأن جميع الأشياء ms054 تمتلك الخامة الأولية التي يصنع منها الفن - أي ~~الواقع، حتى الفنانون لا يمكنهم أن يقبضوا على الواقع إلا عندما يردون الأشياء إلى ~~أنقى حالات وجودها - إلى الشكل الخاص، ما لم يكونوا من أولئك الذين يبلغونه على نحو ~~سري دون عون من عناصر خارجية، وفي جميع الأحوال لا يمكن التعبير عن حس الواقع إلا ~~في شكل خالص، وربما يتبين، وفقا لهذه الفرضية. إن الخاصة التي تميز الفنان عن بقية ~~الخلق هي أنه يمتلك القدرة على القبض على الواقع على نحو مضمون ومتكرر (ومن خلال ~~شكل خالص في عامة الأحوال)، ويمتلك القدرة على التعبير عن حسه بالواقع، في شكل خالص ~~دائما، غير أن الكثير من الناس، رغم شعورهم بالدلالة الهائلة للشكل، يشعرون أيضا ~~بكراهة حذرة تجاه الكلمات الكبيرة، و«الواقع» كلمة جد كبيرة. يفضل هؤلاء أن يقولوا إن ~~ما يكشف عنه الفنان وراء الشكل، أو يقبض عليه بقوة الخيال المحضة، هو الإيقاع الذي يغمر ~~كل الأشياء ويبث فيها الحياة، وقد سبق أن قلت إنني لن أعترض مطلقا على هذه الكلمة ~~الموفقة «الإيقاع» # rhythm ~~. # إن الموضوع النهائي لانفعال الفنان سوف يبقى إلى الأبد غير مؤكد، ولكني أعتقد ~~أننا، ما لم نفترض أن جميع الفنانين كاذبون، يجب أن نفترض أنهم يشعرون فعلا بانفعال ~~ما، وهو انفعال بمقدورهم أن يعبروا عنه في شكل، وفي شكل فقط، ولنلحظ جيدا هذه ~~النقطة الإضافية: يحاول الفنانون أن يعبروا عن انفعال، لا أن يدلوا بتقارير عن ~~الموضوع النهائي أو المباشر لهذا الانفعال، وبالطبع إذا كان انفعال الفنان آتيا إليه ~~من (أو من خلال) إدراك للأشكال وعلاقات الأشكال، فسيكون حريا أن يعبر عنه في ~~أشكال مستقاة من تلك التي أتت منها، غير أنه لن يتقيد برؤيته بل بانفعاله وحده، ليس ~~ما رآه هو الذي سيحكم تصميمه بالضرورة بل ما أحسه، هل الصلة بين أشكال العمل المبدع ~~وأشكال العالم المنظور هي صلة واضحة أم صلة مبهمة، موجودة أم غير موجودة؟ تلك مسألة ~~غير ذات بال على الإطلاق، فما ارتاب أحد قط في ms055 أن إناء خزفيا من عهد أسرة سنج أو ~~كنيسة رومانسكية كانت تعبيرا عن انفعال، شأنها تماما شأن أي لوحة رسمها راسم في أي ~~يوم، فماذا كان موضوع انفعال الخزاف؟ وماذا كان موضوع انفعال مشيد الكنيسة؟ أكان ~~شكلا متخيلا ما، هو مركب من مائة رؤية مختلفة لأشياء طبيعية، أم كان تصورا ما ~~للواقع لا صلة له بالخبرة الحسية وبعيدا تماما عن العالم الفيزيائي؟ هذه أسئلة وراء ~~كل تخمين، وعلى أية حال فالشكل الذي يعبر فيه الفنان عن انفعاله لا يحمل أي تذكرة ~~بأي شكل خارجي يحتمل أن يكون قد أثاره؛ فالتعبير لا يتقيد على أي نحو بأشكال الحياة ~~أو انفعالاتها أو أفكارها، وليس بالإمكان أن نعرف على وجه الدقة ما الذي أحسه الفنان، ~~إنما نعرف فقط ماذا أبدع، وإذا كان الواقع هو هدف انفعاله فإن الطرق إلى الواقع طرق ~~عديدة؛ فبعض الفنانين يبلغون الواقع من خلال مظهر الأشياء، وبعضهم يبلغونه بمجموعة من ~~المظاهر، وبعضهم يبلغونه بقوة التخيل المحضة. # لماذا تطربنا كل هذا الطرب ضروب معينة من تضام الأشكال؟ لا أود أن أرد على ~~هذا السؤال ردا إيجابيا، ولست مضطرا إلى ذلك؛ لأن هذا السؤال ليس سؤالا ~~إستطيقيا، على أنني أقترح بالفعل أن سبب طربنا هو أن هذه التضافرات الشكلية تعبر ~~عن انفعال معين قد أحسه الفنان، رغم أني أتردد في البت بأي شيء عن طبيعة ذلك ~~الانفعال أو موضوعه، فإذا ما حظي اقتراحي بالقبول فإنه سوف يزود النقد بسلاح جديد، ~~وهو سلاح جدير بأن نتأمل لحظة في طبيعته. إن الناقد إذ يتخطى انفعال الفنان وموضوع ~~انفعاله، فإنه سيكون قادرا على كشف النقاب عن الشيء الذي يضفي على الشكل دلالته، ~~وسيكون قادرا على أن يفسر لماذا تكون بعض الأشكال دالة وبعضها غير دال، وهو بذلك ~~سيتمكن من دفع جميع أحكامه خطوة إلى الخلف. ولأضرب مثالا لتوضيح ذلك: تنقسم اللوحات ~~المنسوخة إلى فئتين؛ فئة تتضمن بعض الأعمال الفنية، والأخرى لا تتضمن ذلك؛ فالنسخة ~~الحرفية قلما تعد عملا فنيا حتى في رأي صاحبها، إنها ms056 لا تخلف فينا شعورا، إن ~~أشكالها غير دالة، إلا أنها إذا كانت نسخة مطلقة الدقة فمن الواضح أنها ستكون محركة ~~للمشاعر قدر النسخة الأصلية، وكثيرا ما تكون النسخة الفوتوغرافية لإحدى اللوحات مساوية ~~في تأثيرها تقريبا للنسخة الأصلية، ومن البديهي أن تقليد عمل فني بدقة هو أمر محال؛ ~~فالفروق بين النسخة والأصل مهما تكن طفيفة هي فروق ماثلة يحس بها على الفور. حتى هذا ~~الحد يقف الناقد على أرضية صلبة، وحتى هذه اللحظة يقف على أرضية مألوفة أيضا. إن ~~النسخة لا تثيره لأن أشكالها ليست مطابقة لتلك التي بالأصل، وإن ما يجعل الأصل مثيرا ~~هو بالضبط ما يذهب به النسخ، ولكن لماذا يتعذر رسم نسخة مطلقة الدقة؟ يبدو أن تفسير ~~ذلك هو أن الخطوط الحقيقية والألوان والفراغات في عمل فني تتسبب عن شيء ما في عقل ~~الفنان، وهو شيء غير موجود في عقل المقلد. إن اليد لا تطيع العقل فحسب، بل إنها لعاجزة ~~عن مد الخطوط والألوان بطريقة معينة ما لم تخضع لتوجيه حالة ذهنية معينة، # 15 # إن الموضوعين المرئيين، الأصل والنسخة، يختلفان؛ لأن ذلك الشيء الذي أدار ~~دفة العمل الفني لا يشرف على تصنيع النسخة، وإنني لأقترح أن ما يدير دفة العمل الفني ~~هو ذلك الانفعال الذي يمكن الفنانين من خلق الشكل الدال. إن النسخة الجيدة، تلك التي ~~تحرك مشاعرنا، هي دائما من عمل شخص استحوذ عليه هذا الانفعال الخفي؛ فالنسخ الجيدة ~~ليست على الإطلاق محاولات للتقليد الدقيق؛ فنحن عند الفحص نجد دائما فروقا ضخمة بين ~~النسخ والأصول، النسخ الجيدة هي عمل رجال أو نساء لا ينسخون بل بمكنتهم أن يترجموا فن ~~الآخرين إلى لغتهم الخاصة. إن القدرة على خلق شكل دال لا تعتمد على بصر حاد كبصر ~~الصقر بل على قدرة خاصة ذهنية وانفعالية، حتى في عملية نسخ لوحة، لا يتوجب على المرء أن ~~ينظر كملاحظ مدرب، بل أن يشعر كفنان، ويبدو أنه يتحتم على المبدع لكي يلقي شعورا في ~~روع المشاهد ... أن يشعر هو أيضا، ما هو هذا ms057 الشيء الذي تفتقر إليه الأشكال المقلدة ~~وتتحلى به الأشكال المبدعة؟ ما هو هذا الشيء الخفي الذي يحكم الفنان في عملية خلق ~~الأشكال؟ ما ذلك الذي يكمن من وراء الأشكال ويبدو أنه ينتقل إلينا من خلالها؟ ما ~~الشيء الذي يميز المبدع عن الناسخ؟ وما عساه أن يكون غير انفعال؟ أليس ما يجعل أشكال ~~الفنان أشكالا دالة هو أنها تعبر عن صنف معين من الانفعال؟ وما يجعلها مترابطة ~~هو أنها تنطبق على الانفعال وتطوقه؟ وما يجعلها ترقى بنا إلى معارج الوجد هو أنها ~~توصل الانفعال وتبثه؟ # ثمة كلمة تحذير لا بد منها: يجب ألا يتخيل أحد أن التعبير عن انفعال هو العلامة ~~الخارجية والمرئية للعمل الفني؛ فالسمة المميزة للعمل الفني هي قدرته على إثارة انفعال ~~إستطيقي، ومن المحتمل أن يكون التعبير عن انفعال هو ما يمنح العمل تلك القدرة. إنه لمن ~~العبث أن تذهب إلى معرض صور بحثا عن التعبير، بل ينبغي أن يكون ذهابك بحثا عن شكل ~~دال، وحالما أطربك شكل فإن لك عندئذ أن تشرع في النظر فيما جعلك تطرب، فإذا ~~صحت نظريتي فإن صواب الشكل هو بلا استثناء نتيجة مترتبة على صواب الانفعال. إنني ~~أدعي أن الشكل الصائب يحكمه وينظمه نوع معين من الانفعال، ولكن سواء صحت نظريتي ~~أم أخطأت فإن الشكل يظل صائبا، فمتى جاءت الأشكال مرضية فلا بد أن الحالة الذهنية ~~التي اقتضتها كانت حالة صائبة إستطيقيا، أما إن جاءت الأشكال خاطئة فلن يترتب على ~~ذلك أن الحالة الذهنية كانت خاطئة بالضرورة، فبين لحظة الإلهام ولحظة انتهاء العمل ~~الفني ثمة متسع لزلات عديدة. إن الانفعال الواهن أو القاصر هو على أكثر تقدير مجرد ~~تفسير واحد للشكل الفاشل؛ ولذا فعندما يصادف الناقد شكلا مرضيا فعليه ألا يكرث نفسه ~~حول مشاعر الفنان، وبحسبه أن يحس الدلالة الإستطيقية للأشكال التي أبدعها، فإذا اكترث ~~بالحالة الذهنية للفنان فليكن على ثقة بأنها كانت صائبة ما دامت الأشكال صائبة، أما ~~عندما يحاول الناقد أن يعلل لقصور الأشكال فإن له أن يبحث في الحالة ms058 الذهنية للفنان، ~~وهو لن يسعه أن يثق بخطأ الحالة الذهنية قياسا على خطأ الأشكال؛ ذلك أن الأشكال ~~الصائبة تدل ضمنا على شعور صائب، ولكن إذا سعى الناقد إلى تفسير خطأ الشكل فثم ~~احتمال لا يمكن إغفاله؛ أنه سيكون قد غادر الأرض الصلبة للإستطيقا لكي يترحل في ~~جو غير مستقر. إن المرء في نطاق النقد ليتعلق بأية قشة، ولا ضير في ذلك ما تذكر ~~دائما أنه مهما تكن عبقرية النظريات التي قد يقدمها فهي لن تعدو أن تكون محاولات ~~لتفسير حقيقة مركزية واحدة؛ هي أن بعض الأشكال يحركنا إستطيقيا والبعض الآخر لا ~~يفعل ذلك. # لقد جذبني هذا البحث قريبا من مسألة لا هي إستطيقية ولا ميتافيزيقية، ولكنها تمس ~~كلا المجالين. إنها مسألة المشكلة الفنية، وهي في حقيقة الأمر مسألة تكنيكية. لقد ~~زعمت أن مهمة الفنان هي إما أن يخلق شكلا دالا وإما أن يعبر عن حس بالواقع - ~~حسبما تفضل من تعبير. غير أن من المؤكد أننا قلما نجد فنانا، إن وجدنا أحدا على ~~الإطلاق، يمكن أن يقعد أو يقوم لا لشيء إلا لكي يبدع شكلا دالا، أو لكي يعبر عن ~~حس بالواقع، دون أي تحديد أبعد من ذلك، إنما يتوجب على الفنانين أن يتخذوا ~~لانفعالهم مجرى معينا ... أن يركزوا طاقاتهم على مشكلة محددة؛ فالشخص الذي يشرع في ~~رحلة صوب العالم كله هيهات له أن يبلغ مكانا، هذه الحقيقة تفسر لنا الضرورة المطلقة ~~للمواضعات الفنية، وتفسر لنا لماذا تعد كتابة شعر جيد أيسر من كتابة نثر جيد، ولماذا ~~تكون كتابة الشعر المرسل # 16 # الجيد أصعب من كتابة مقاطع جيدة من شعر الدوبيت المقفى ، هذا هو مغزى ~~القوالب الفنية مثل السونيتة، # 17 # والبالاد، # 18 # والروندو: # 19 # إن الحدود الصارمة تركز طاقات الفنان وتكثفها. # ومما يشبه المحال على فنان لم يضع لنفسه مهمة أكثر تحديدا من إبداع شكل دال دون ~~شروط أو حدود مادية أو فكرية، أن يركز طاقاته بحيث ينجز هدفه. إن مشروعه سيكون ~~مفتقرا إلى الدقة وجهوده من ثم ستكون مفتقرة إلى ms059 القصد، وأقرب إلى اليقين أنه سيكون ~~غامضا ومتراخيا في عمله، وقد يلوح له دائما أن هناك احتمالا بأن يعيد للشيء عافيته ~~بضربة حظ، وقلما يبصر بوضوح تام أنه قد ضل السبيل، تلك هي مخاطر النزعة الجمالية ~~(المتطرفة) # aestheticism # على الفنان. إن من يشعر ~~أنه لا عمل له إلا أن يصنع شيئا ما جميلا، يندر أن يعرف من أين يبدأ أو أين ينتهي، أو ~~لماذا ينبغي عليه أن يركز حول شيء أكثر من شيء آخر. لقد أخذه شعور بضرورة أن يجعل عمله ~~الفني «صوابا»، وأنه سيكون صوابا عندما يعبر عن انفعاله نحو الواقع أو عندما يقدر ~~على إثارة انفعال إستطيقي في الآخرين أيا ما كانت الطريقة التي يهمك أن تنظر بها ~~إلى العمل. إلا أن معظم الفنانين قد انصرفوا إلى اتخاذ مجرى لانفعالهم وتركيز طاقاتهم ~~على مشكلة ما أكثر تحديدا وأقرب مأخذا من مشكلة صنع شيء من شأنه أن يكون صوابا من ~~الوجهة الإستطيقية. إنهم بحاجة إلى مشكلة تصير بؤرة لانفعالاتهم الشاسعة وطاقاتهم ~~الغامضة، وعندما تحل تلك المشكلة سيكون عملهم «صوابا». # يعني «صواب» بالنسبة للمشاهد «مرض إستطيقيا»، وبالنسبة للفنان وهو في حالة عمل ~~يعني التحقيق الكامل لمفهوم ما - الحل الأمثل لمشكلة ما، والخطأ الذي يقع فيه السوقة ~~هو أنهم يفترضون أن «صواب» # 20 # تعني حل مشكلة واحدة بعينها؛ أن السوقة عرضة لافتراض أن المشكلة التي ~~ينذر لها جميع الفنانين البصريين والأدبيين أنفسهم هي أن يصنعوا شيئا ما شبيها ~~بالحياة. ألا إن جميع المشكلات الفنية - وتنويعاتها الممكنة لا نهاية لها - يجب أن تكون ~~بؤرات لصنف معين واحد من الانفعال؛ ذلك الانفعال الفني المميز الذي أعتقد أنه ~~انفعال نحو الواقع يدرك بصفة عامة من خلال شكل، ولكن طبيعة البؤرة لا مادية، ومن ~~الحق تقريبا (وإن لم يكن تماما) أن نقول إن كل مشكلة هي مساوية في الوجاهة لغيرها؛ ~~فكل المشكلات في الحقيقة هي في ذاتها وجيهة على حد سواء، رغم أن هناك بسبب الضعف ~~البشري مشكلتين تنتهيان نهاية سيئة؛ المشكلة الأولى كما رأينا ms060 هي المشكلة الإستطيقية ~~الخالصة، والأخرى هي مشكلة التمثيل الدقيق. # يتخيل السوقة أن ليس هناك سوى بؤرة واحدة؛ وهي أن «صواب» تعني دائما تحقيق تصور ~~دقيق للحياة، وليس بإمكانهم أن يفهموا أنه قد تكون المشكلة المباشرة للفنان هي أن ~~يعبر عن نفسه داخل مربع أو دائرة أو مكعب، أو أن يساوق توافقات هارمونية معينة، ~~أو أن يوفق بين تنافرات معينة، أو أن يحقق إيقاعات معينة، أو أن يقهر صعوبات معينة ~~خاصة بالوسيط # medium ~~؛ وهي مشكلات تقف على قدم المساواة ~~مع مشكلة اقتناص مشابهة، هذا الخطأ يقع في الصلب من النقد السخيف الذي جعله الأستاذ شو ~~موضة الكتابة. إن في مسرحيات شكسبير تفاصيل من السيكولوجيا ورسم الشخصيات شديدة ~~الواقعية بحيث تذهل الجموع وتسحرهم، ولكن التصور # conception ~~، ذلك الشيء الذي نذر شكسبير نفسه لتحقيقه، لم يكن تمثيلا طبق ~~الأصل للحياة، لا لم يكن خلق الإيهام # illusion # هو ~~المشكلة التي اتخذها شكسبير قناة لانفعاله وبؤرة لطاقاته، لم يكن عالم مسرحيات ~~شكسبير بأي حال من الأحوال شبيها بالحياة قدر عالم السيد جولزورثي # Galsworthy ~~؛ ومن ثم يحق لأولئك الذين تخيلوا أن ~~مشكلة الفنان يجب أن تكون دائما هي تحقيق تطابق بين الكلمات المطبوعة أو الأشكال ~~المرسومة وبين العالم كما يعرفونه - يحق لهم أن يحكموا بأن مسرحيات شكسبير أدنى مستوى ~~من مسرحيات السيد جولزورثي، حقيقة الأمر أن تحقيق الصدق الواقعي، وهو ليس المشكلة ~~الوحيدة الممكنة بأية حال، يتنازع هو وتحقيق الجمال (الملاحة) على نيل لقب أسوأ ~~المشكلات الممكنة. إن التشبه بالحياة أمر سهل؛ بحيث إن الاكتفاء به يترك أعلى قوى ~~الفنان الانفعالية والفكرية عاطلة ولا يستنفرها أبدا أو يهيب بها، وبالضبط كما أن ~~المشكلة الإستطيقية شديدة الغموض فإن المشكلة التمثيلية شديدة البساطة. # على كل فنان أن يختار «مشكلته» الخاصة، وله أن يستمدها من حيثما شاء ما دام قادرا ~~على أن يجعلها البؤرة لتلك الانفعالات الفنية التي شرع في التعبير عنها، والحافز لتلك ~~الطاقات التي سيحتاج إلى التعبير عنها، وما يجب علينا أن نتذكره هو أن المشكلة (موضوع ms061 ~~اللوحة في حالة فن التصوير بعامة) أمر غير ذي بال في حد ذاته. إنها لا تعدو أن تكون ~~إحدى وسائل الفنان للتعبير أو الإبداع، وفي أي حالة خاصة قد تكون إحدى المشكلات خيرا ~~من الأخرى كوسيلة، تماما كما أن قماشة لوحة أو صنفا من الألوان قد يكون أفضل من ~~غيره، فذاك أمر سيتوقف على مزاج الفنان وقد لا ننازعه فيه، ليس «للمشكلة» قيمة ~~بالنسبة إلينا، أما بالنسبة إلى الفنان «فالمشكلة» هي الاختبار العامل «للصواب» المطلق، ~~إنها المقياس الذي يقيس ضغط البخار. إن الفنان يذكي ناره لكي يجعل المقبض الصغير ~~يدور، وهو يدور أن آلته لن تتحرك حتى يجعل المؤشر يبلغ العلامة. إنه يتقدم تدريجيا ~~إليها وبواسطتها، غير أنها لا تدير المحرك. # ما هي إذن زبدة القول في هذا الأمر كله؟ إنها في اعتقادي لا تزيد على هذا: يؤدي تأمل ~~الشكل الخالص إلى حالة من النشوة العالية غير العادية وإلى انسلاخ تام عن هموم ~~الحياة، عن هموم أثق أنها (وإنني لأتحدث عن نفسي) كثيرة جدا. إن من المغري أن ~~نفترض أن الانفعال الذي يطرب هو شيء يوصله إلينا من خلال الأشكال التي نتأملها ذلك ~~الفنان الذي أبدع الأشكال، فإذا صح هذا فإن الانفعال الموصل، أيا ما كان هذا ~~الانفعال، لا بد أن يكون من ذلك الصنف الذي يمكن أن يعبر عنه في أي ضرب من ضروب ~~الشكل؛ في لوحات، منحوتات، مبان، آنية، نسيج ... إلخ، الانفعال الذي يعبر عنه الفنان ~~إذن يحل في بعض هذه الأشكال؛ ومن ثم فهي تؤثر فينا من خلال فهم الدلالة الشكلية ~~للأشياء المادية، وما الدلالة الشكلية لأي شيء مادي سوى دلالة ذلك الشيء معتبرا كغاية ~~في ذاته ، ولكن إذا كان من شأن موضوع ما إذ ينظر إليه كغاية في ذاته أن يهزنا بعمق ~~أكبر (أي تكون له دلالة أكبر) مما لو نظرنا إليه هو نفسه بوصفه وسيلة إلى غايات عملية ~~أو كشيء متصل بالاهتمامات البشرية - وهو وجه الأمر بلا شك - فلا يسعنا إلا أن نفترض ~~أننا متى ms062 نتأمل أي شيء كغاية في ذاته نصبح على وعي بتلك الخاصة الأبقى في ذلك الشيء من ~~أي خاصة يمكن أن يكون قد اكتسبها من دوام صحبته ببني الإنسان، وبدلا من أن نميز ~~أهميته العرضية والمشروطة، فنحن نغدو على وعي بواقعه الجوهري، وعلى وعي بالإله في كل ~~شيء، بالكلي في الجزئي، بالإيقاع الذي يغمر الكل، فلتطلق عليه ما شئت من أسماء؛ فالشيء ~~الذي أتحدث عنه هو ذلك الذي يقبع وراء المظهر من جميع الأشياء، ذلك الذي يضفي على جميع ~~الأشياء دلالتها الفردية، الشيء في ذاته، الواقع النهائي. وإذا كان إدراك معين (لا ~~شعوري تقريبا) لهذا الواقع الكامن للأشياء المادية هو حقا سبب ذلك الانفعال ~~الغريب، ذلك الولوع بالتعبير الذي هو إلهام كثير من الفنانين، فمن المعقول أن نفترض أن ~~أولئك الذين يخبرون نفس الانفعال دون عون من الأشياء المادية، قد وصلوا من طريق آخر ~~إلى البلد نفسه. # تلك هي الفرضية الميتافيزيقية، هل علينا أن نبتلعها كاملة، أو نقبل بعضها، أو ~~نرفضها كليا؟ على كل شخص أن يقرر ذلك بنفسه؛ فأنا لست مصرا إلا على صحة فرضيتي ~~الإستطيقية، كما أنني متيقن من شيء واحد آخر؛ أن أولئك الذين يبلغون النشوة «الوجد»، ~~وليكونوا فنانين أو عاشقين أو متصوفة أو رياضيين، هم أولئك الذين حرروا أنفسهم من ~~الكبر والغطرسة البشريين، فمن شاء أن يحس دلالة الفن فعليه أن يتضع أمامه. أما ~~أولئك الذين يرون الأهمية الأولى للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو بالنفع ~~العملي، أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر ~~إلى الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن يمنحه، ~~وأيا ما كان عالم التأمل الإستطيقي فما هو بعالم المشاغل والأهواء البشرية، إنه عالم ~~لا تسمع فيه لغو الوجود المادي وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدى لتوافق آخر أكثر ~~جوهرية. # الفصل الثاني # | الفن والحياة # (1) الفن والدين # Art and Religion # إذا كنت في الفصل الأول قد تجشمت عناء كبيرا ms063 لكي أبين أن الفن لا يدين للحياة ~~بشيء، فإن عنوان الفصل الثاني «الفن والحياة» قد يثير شبهة التناقض، غير أن الأمر أبسط ~~من ذلك؛ فرغم أن الفن لا يدين بشيء للحياة فإن الحياة قد تدين حقا بشيء ما للفن. إن ~~الطقس مثلا مستقل بدرجة فائقة عن آمال البشر ومخاوفهم، إلا أنه يندر من بيننا من ~~يعلو شأنه عن الاكتراث بالطقس. إن الفن ليؤثر في حيوات الناس، إنه يثير النشوة، وهو ~~بذلك يضفي لونا وأهمية على ما من شأنه أن يكون بدون الفن أمرا كئيبا وتافها ~~نوعا ما. إن الفن عند البعض يجعل الحياة جديرة بأن نحياها، والفن أيضا يتأثر ~~بالحياة؛ لأن إبداع الفن يتطلب أناسا ذوي أيدي وحس بالشكل واللون والمكان الثلاثي ~~الأبعاد، والقدرة على الشعور والتوق إلى الإبداع؛ ومن ثم فإن للفن صلة كبيرة بالحياة؛ ~~بالحياة الوجدانية. أما أنه وسيلة إلى حالة من النشوة العالية فهو أمر متفق عليه، ~~وأما أنا يجيء من الأعماق الروحية للطبيعة الإنسانية فهو أمر يعز أن نختلف فيه. إن ~~تذوق الفن هو بالتأكيد سبيل إلى النشوة، وإبداعه ربما يكون هو التعبير عن حالة نشوة ~~ذهنية، الفن في حقيقة الأمر ضرورة للحياة الروحية ونتاج لها. # إن من يوافقونني تماما فيما قلته حتى آخر شوط من رحلتي الميتافيزيقية، سيسلمون ~~بأن الانفعال المعبر عنه في العمل الفني هو انفعال ينبع من أعماق الطبيعة الروحية ~~للإنسان، وحتى من لا يجدون لكلامي أي معنى سيوافقون على أن الجانب الروحي من الإنسان ~~يتأثر تأثرا هائلا بالأعمال الفنية؛ الفن إذن مرتبط بالحياة الروحية التي إليها ~~يعطي ومنها بالتأكيد يأخذ. والفن، بطريقة غير مباشرة، يرتبط ارتباطا ما بالحياة ~~العملية؛ فالفن يفعل فعله في شخصياتنا، وإلا فما أهونها وأحقرها تلك الخبرات الوجدانية ~~التي تغادر شخصياتنا دون أن تمسها من قريب أو بعيد؛ فمن خلال تأثيره على الشخصية ووجهة ~~الرأي، يمكن للفن أن يؤثر في الحياة العملية، غير أن الحياة العملية والعاطفة الإنسانية ~~لا يمكن أن تؤثرا في الفن إلا بقدر ما يمكن أن ms064 تؤثرا في الأحوال التي يعمل ~~الفنانون في ظلها، وبهذه الطريقة قد تؤثران بعض التأثير في إنتاج الأعمال الفنية، ~~فإلى أي حد يمتد هذا التأثير؟ هذا ما سوف أتناوله في موضع آخر. # كذلك يعنى كثير جدا من أعمال الفن البصري بالحياة، أو بالأحرى بالعالم الفيزيائي ~~الذي تشكل الحياة جزءا منه؛ ذلك أن الأشخاص الذين يبدعون هذه الأعمال إنما قذفت بهم في ~~الحالة الإبداعية بيئتهم المحيطة. لقد لاحظنا، وما كان بوسعنا أن نغفل، أنه أيا ما ~~كان الانفعال الذي يعبر عنه الفنانون فإنه يأتي إلى الكثير منهم خلال تأمل الأشياء ~~المألوفة للحياة، ويبدو أن موضوع انفعال الفنان هو في أغلب الأحوال إما مشهد أو شيء أو ~~مركب من خبرته البصرية الكلية. قد يعنى الفن بالعالم الفيزيائي، أو بأي جزء أو ~~أجزاء منه، كوسيلة إلى انفعال، وسيلة إلى تلك الحالة الروحية المتميزة والخاصة التي ~~نسميها الإلهام، ولكن الفن يتجاهل قيمة هذه الأجزاء بوصفها وسيلة إلى أي شيء عدا ~~الانفعال - أي أنه يتجاهل منفعتها العملية، وكثيرا ما يهتم الفنانون بالأشياء، ولكنهم ~~لا يهتمون أبدا ببطاقات الأشياء. لقد اخترع هذه البطاقات المفيدة أناس عمليون من ~~أجل أغراض عملية، والبلية هي أن العمليين من الناس بعد أن يكتسبوا عادة تمييز ~~البطاقات يميلون إلى أن يفقدوا القدرة على الانفعال، وبما أن الطريقة الوحيدة لبلوغ ~~الشيء في ذاته هي الإحساس بدلالته الانفعالية، فإنهم سرعان ما يبدءون في فقد حسهم ~~بالواقع. لقد بين الأستاذ روجر فراي # Roger Fry # أنه ~~من المحال على أغلب البشر أن ينظروا إلى ثور مغير (هاجم) كغاية في ذاته ويسلموا ~~أنفسهم للدلالة الانفعالية لأشكال الثور، فنحن ما نكاد نميز بطاقة «ثور مغير» حتى ~~نهيئ أنفسنا للفرار لا للتأمل، # 1 # ها هنا تكون عادة تمييز البطاقات مفيدة لنا، إلا أنها تضرنا عندما تحول ~~بين الأشياء وبين استجابتنا الانفعالية لها رغم غياب أي داع للفعل أو العجلة، ليست ~~البطاقة أكثر من رمز يوجز للجنس البشري المشغول دلالة الأشياء باعتبارها «وسائل»، يدلف ~~الشخص العملي إلى غرفة حيث توجد ms065 كراس وطاولات وأرائك وسجادة ورف مصطلى. إنه ~~يلحظ كلا منها فكريا، وإذا شاء أن يجلس أو يضع كأسا فسيعرف كل ما تلزم معرفته ~~لتحقيق غرضه. إن البطاقة لا تبلغه إلا بالحقائق التي تخدم أغراضه العملية. أما الشيء ~~ذاته الذي يقبع وراء البطاقة فلا يرد ذكره، أما الفنانون، من حيث هم فنانون # qua artist ~~، فلا يلقون بالا إلى البطاقات؛ فهم لا ~~تعنيهم الأشياء إلا بوصفها وسائل إلى صنف معين من الانفعال، وهو مساو لقولنا إنهم ~~يأبهون للأشياء إذ تدرك كغايات في ذاتها فحسب؛ فعندما «تدرك» الأشياء كغايات، ~~هنالك فقط «تصير» وسائل إلى هذا الانفعال، وعندما نكف عن النظر إلى الأشياء في منظر ~~طبيعي كوسائل إلى أي شيء، هنالك فقط يمكننا أن نشعر بالمنظر الطبيعي شعورا فنيا، ~~ولكن عندما ننجح بالفعل في اعتبار أجزاء منظر طبيعي كغايات في ذاتها، كأشكال خالصة، فإن ~~هذا يعني أن المنظر الطبيعي يصير، «بحكم طبيعته ذاتها» # ipso ~~facto ~~، وسيلة إلى حالة ذهنية إستطيقية خاصة، ليس يعنى الفنانون ~~إلا بهذه الدلالة الانفعالية الخاصة للعالم الفيزيائي؛ إنهم «يدركون» الأشياء بوصفها ~~«غايات»؛ ولذا فإن الأشياء «تصير» بالنسبة لهم «وسائل» إلى النشوة. # إن عادة تمييز البطاقة وإغفال الشيء، والرؤية الفكرية بدلا من الرؤية الانفعالية، ~~هي علة ذلك العمى المذهل، أو بالأحرى تلك الضحالة البصرية، لمعظم الراشدين المتحضرين؛ ~~فنحن لا ننسى ما حرك شعورنا، ولكن ما اجتزأنا بتمييزه ولم نزد، فهو لا يخلف في ذهننا ~~أثرا عميقا. لي صديق صاحب ذوق حدت به الرغبة يوما إلى أن يجري بعض الإزالة في ~~حدائقه؛ إذ كانت تعج بعدد وافر من الأشجار، ولسوء حظه أبدى معظم أصدقائه وكل أسرته ~~اعتراضهم، على أساس عاطفي أو إستطيقي، مؤكدين أن المكان لن يعود كعهدهم به لو أنه ~~أعمل الفأس في شجرة واحدة، وقد ظل صديقي يائسا إلى أن اقترحت عليه يوما أن عليه ~~كلما سنحت فرصة يكون فيها أهله جميعا بمنأى عن المكان في زيارات أو أسفار كما اعتادوا ~~كثيرا، أن يجتث ما يمكنه اجتثاثه بشكل تام ونظيف ms066 أثناء غيابهم، ومذاك شحنت عدة ~~مئات من الأشجار بالكارة # 2 # من متنزهه الصغير وساحات متعته، وإنني على ثقة مفعمة بالمرح أنه لو أفشى ~~السر للأسرة فلن يصدقه أحد، وبإمكاني أن أسرد ما لا يحصى من أمثلة هذه البلادة ~~الحسية تجاه الشكل. وكم ذا أسمر مع جماعة في غرفة كل ما فيها مألوف لنا فيما عدا ~~الديكور الذي تغير مؤخرا، فإذا بي الوحيد الذي يلحظ ذلك، لقد بقيت الغرفة من جهة ~~الأغراض العملية كما هي، وحدها الدلالة الانفعالية للغرفة كانت جديدة. سل صديقك عن ~~ترتيب الأثاث في غرفة استقبال زوجته، سله أن يرسم مخططا للشارع الذي يذرعه يوميا: ~~بنسبة عشرة إلى واحد سوف يتخبط بلا طائل، ليس غير الفنانين والدارسين ذوي الحساسية ~~الفائقة وبعض البدائيين والأطفال، من يشعرون بدلالة الشكل شعورا حادا؛ بحيث يعرفون ~~كيف تبدو الأشياء، هؤلاء يرون؛ لأنهم يرون انفعاليا، وما كان لأحد أن ينسى الأشياء ~~التي حركت مشاعره. أما أولئك الذين لم يشعروا يوما بالدلالة الانفعالية للشكل الخالص ~~فينسون. إنهم ليسوا أغبياء، ولا هم في مجملهم فاقدو الإحساس، ولكنهم يستخدمون أعينهم ~~لجمع معلومات فحسب لا لقنص انفعال، هذه العادة في جعل وظيفة الأعين وقفا على التقاط ~~الوقائع هي الحاجز الذي يقف بين معظم الناس وبين فهم الفن البصري، إنه ليس بالحاجز الذي ~~لم يخترقه مخلوق قط، ولا هو من اللازم أن يبقى حائلا إلى أبد الدهر. # في عصور الوجد الروحي العظيم يتفتت الحاجز في بعض البقاع ويغدو أقل منعة، يقال ~~لمثل هذه العصور بعامة العصور الدينية العظيمة، وما جانب الصواب من أطلق عليها هذا ~~الاسم؛ فالدين في أغلب الأحيان هو حجر الشحذ الذي يرهف عليه الناس حسهم الروحي؛ ~~فالدين، شأنه شأن الفن، موكل بعالم الواقع الانفعالي، ولا تعنيه الأشياء المادية إلا ~~بقدر ما تكون ذات دلالة انفعالية؛ فالعالم الفيزيائي بالنسبة للمتصوف، كما بالنسبة ~~للفنان، هو وسيلة إلى النشوة؛ فالمتصوف يشعر بالأشياء كغايات بدلا من أن يراها ~~كوسائل، إنه يتلمس داخل كل الأشياء ذلك الواقع النهائي الذي يثير الوجد ms067 الانفعالي، ~~وهو إن كان لا يبلغه من خلال الشكل الخالص فثم كما قلنا أكثر من طريق لبلوغ هذا ~~البلد. إن الدين، كما أفهمه، هو تعبير عن الحس الفردي بالدلالة الانفعالية للعالم، ~~ويجب ألا أندهش حين أجد أن الفن كان تعبيرا عن الشيء نفسه. وعلى كل حال فكلاهما يبدو ~~أنه يعبر عن انفعالات مختلفة عن انفعالات الحياة ومتجاوزة لها، وكلاهما بالتأكيد ~~له القدرة على أن ينقل الناس إلى مواجيد فوق بشرية، كلاهما سبيل إلى حالات ذهنية غير ~~أرضية، ينتمي الفن والدين لعالم واحد؛ فهما هيئتان يحاول البشر فيهما أن يحصروا أخفى ~~تصوراتهم وأكثرها شفافية ويوفروا لها أسباب البقاء، ليست مملكة الفن ولا مملكة الدين ~~من هذا العالم؛ ومن الحق لذلك أن نعتبر الفن والدين توءمين متلازمين من مظاهر الروح، ~~ومن الخطأ أن يتحدث البعض عن الفن كمظهر من مظاهر الدين. # إذا زعم أحد أن الفن والدين مظهران توءمان ~~لشيء ما قد يسمى «الروح الدينية» على سبيل التيسير؛ فإن علي ألا أبتئس، غير أني ~~أصر على التمييز بين «الدين» بالمعنى السائد للكلمة، و«الروح الدينية» التي نوردها، ~~تمييزا ينفي كل احتمال لإثارة مماحكات تافهة، وعلي أن أصر على أنه إذا كان لنا ~~أن نقول بأن الفن هو مظهر للروح الدينية فلا بد أن نقول الشيء نفسه عن كل دين ~~موقر وجد يوما أو يمكن أن يوجد على الإطلاق، ويجب أن أصر فوق كل شيء على أنه ~~أيا من كان القائل فيجب أن يقر بالذهن كلما قالها إن كلمة «مظهر» مختلفة عن كلمة ~~«تعبير» اختلاف «مونموث» عن «مقدونيا» على أقل تقدير. # تتولد الروح الدينية عن اقتناع بأن بعض الأشياء أكثر أهمية من الأخرى؛ فبالنسبة ~~لأولئك الذين تتملكهم هذه الروح ثمة تمييز قاطع بين ما هو كوني وغير مشروط من ناحية، ~~وما هو محلي ومحدود من ناحية أخرى. إن الوعي بالكوني وغير المشروط هو ما يجعل الناس ~~دينيين، وإن هذا الوعي، أو على الأقل تلك القناعة بأن بعض الأشياء غير مشروطة، ~~وكونية، هو ما يجعل ms068 موقف الناس أحيانا تجاه المشروط والمحلي موقفا جافيا بعض الشيء، ~~هذا الوعي هو ما يجعلهم يضعون العدل فوق القانون، والعاطفة فوق المبدأ، والحساسية فوق ~~الثقافة، والذكاء فوق المعرفة، والحدس فوق الخبرة، والمثالي فوق المستطاع، وهذا الوعي ~~هو ما يجعلهم أعداء العرف والتوفيق والحس المشترك. الحق أن جوهر الدين هو قناعة بأنه ~~ما دامت بعض الأشياء لا متناهية القيمة؛ فمعظم الأشياء غاية في التفاهة، وما دامت لدينا ~~كعكة الزنجبيل فلا علينا من طلائها الذهبي. # 3 # ومن غير المجدي للاهوتيين التحرريين أن يزعموا أن لا تنافر بين الطبيعة الدينية ~~والطبيعة العلمية، صحيح أن ليس هناك تنافر بين الدين والعلم، ولكن هذا أمر مختلف ~~تماما؛ فالحق أن فرضيات العلم لا تبدأ إلا حيث ينتهي الدين، ولكن كلا من الدين ~~والعلم يولد متعديا يدخل أراضي الآخر دخولا غير مشروع. إن لكل من الشخص الديني ~~والشخص العلمي تحيزاته، ولكن تحيزاتهما ليست من صنف واحد؛ فالذهن العلمي لا يستطيع ~~أن يتخلص من تحيز ضد فكرة أنه قد توجد معلولات لا يدري (أي الذهن العلمي) عن ~~عللها شيئا. أما الأذهان الدينية فليس بوسعها فقط أن تعتقد بمعلولات لا تعرف علتها ~~وربما لن تعرفها أبدا، بل إنها لا ترى ضرورة مطلقة لافتراض أن لكل شيء علة، ويميل ~~العلميون من الناس إلى أن يثقوا بحواسهم ويكذبوا عواطفهم عندما تناقضها، بينما ~~يميل الدينيون إلى تصديق العاطفة حتى لو كانت الخبرة الحسية مناقضة لها، والدينيون بصفة ~~عامة هم الأكثر انفتاحا عقليا؛ فافتراضهم بأن الحواس قد تخدع هو أقل غطرسة من ~~افتراض أنه ليس من غير طريق الحواس قد يمكن لنا أن نبلغ الواقع؛ ذلك أنه كما قال ~~دكتور مكتاجارت # McTaggart # ببراعة: «إذا كان إنسان ~~حبيسا في منزل تكون شفافية النوافذ شرطا ضروريا لأن يرى السماء، غير أن من ~~الحماقة أن نستنتج من ذلك أنه إذا مشى خارج المنزل فلن يمكنه أن يرى السماء لأنه لم يعد ~~هناك أي زجاج يمكنه من خلاله أن يراها!» # 4 # إن أمثلة التعصب العلمي شائعة كالعليق، ms069 والمثال الكلاسيكي على ذلك هو موقف مهنة ~~الطب تجاه الطب غير التقليدي. أذكر أنني في خريف عام 1912 كنت أمشي خلال # Grafton Galleries # مع رجل هو بالقطع واحد من أقدر ~~رجال العلم المعاصرين ويعد واحدا من أكثرهم استنارة، عندما نظر هذا الرجل إلى لوحة ~~لهنري ماتيس تمثل فتاة صغيرة مع قطة، تعجب قائلا: «ها أنا أكشف الأمر: إن صاحبنا ~~مصاب بالاستجماتيزم.» ولقد كان ينبغي علي أن أدع هذه اللمحة التهكمية تمضي دون ~~تعليق باعتبارها من القفشات الرشيقة التي اشتهر بها أمراء العلم عن حق، والتي كثيرا ~~ما ينفحوننا بها حتى عندما لا يكونون بحضرة أعمال فنية، لولا أن الأستاذ تابع كشفه ~~بجدية بالغة، مؤكدا لي أخيرا أنه لا توجد بالمعرض لوحة واحدة تمتنع على تشخيص الرمد، ~~ولما كنت لا أزال أتوسم فيه حسن النية؛ فقد أوعزت إليه، بتردد، أنه ربما يكون التفاوت ~~بين رؤى الإنسان السوي وبين اللوحات على الجدار راجعا إلى تحريف مقصود من جانب ~~الفنانين، وهنا ثارت ثائرة الأستاذ وقال بجدية: «أتريد أن تقول لي إن هناك فنانا ~~واحدا على ظهر الأرض لم يرد أن يجعل موضوعاته أشبه ما يمكن بالحياة؟ اطرد من رأسك مثل ~~هذا الهراء السخيف.» إنها الحكاية القديمة: «طهر عقلك من الزيغ» أي من أي شيء يبدو ~~غير محتمل أو غير سائغ للدكتور جونسون. # 5 # والدينيون من الجهة الأخرى عرضة لأن يشوبهم شيء من التعصب ضد الحس المشترك # common ~~sense ~~، ومن جهتي فأنا ~~أعترف أنني كثيرا ما أنجرف إلى الاعتقاد بأن الرأي القائم على الحس المشترك هو رأي ~~خاطئ بالضرورة. لقد كان حسا مشتركا أن حسب الناس قديما أن العالم لا بد أن يكون ~~مسطحا ولا بد أن الشمس تدور حوله، وما زال هذا ظنهم حتى انبرى أولئك النفر الخياليون ~~الذين رأوا أن النظام الشمسي قد لا يكون بالبساطة التي ارتآها الحس المشترك وأكدها، ~~وليس قبل أن يفرض أولئك القوم أصواتهم أن تلقت هذه الآراء ضربة شجت رأسها. لقد أعلن ~~الدكتور جونسون، الممثل الأكبر للحس ms070 المشترك البريطاني، إذ لحظ أسراب السنونو تسف ~~فوق البحيرات والأنهار، أن من المؤكد أن هذه الطيور تنام طوال الشتاء، «إن عددا منها ~~يتكور معا، بأن يطير ويطير في حلقة، ثم تقذف هذه الطيور نفسها في كومة إلى تحت الماء ~~وترقد في قاع أحد الأنهار.» وكم كان حساسا أيضا حين تخلص من مثالية باركلي # Berkeley’s Idealism ~~- «ضاربا بقدمه حجرا ~~كبيرا بقوة عنيفة.» «إنني أدحضها هكذا.» إنني لأسأل جادا: هل كانت نظرة الحس ~~المشترك هي النظرة الصحيحة في أي وقت من الأوقات؟ # منذ عهد قريب كسب رجال الحس والعلم إلى جانبهم أنصارا قدموا إلى قضيتهم أخص ما كانت ~~تفتقر إليه؛ شيئا من الفكر الجوهري. إن أولئك النفر البارعين والصادقين، أصحاب المذهب ~~العقلي بكمبردج، وعلى رأسهم الأستاذ جورج ~~مور # G. E. Moore # الذي أدين بفضل كبير لكتابه «مبادئ علم الأخلاق» Principia Ethica ~~، هم بطبيعة الحال دينيون ~~للغاية ويعيشون بإيمان مشبوب بالقيمة المطلقة لحالات ذهنية معينة، كما أنهم وقعوا ~~في حب نتائج العلم ومناهجه، ورغم ذلك فهم يدركون، لذكائهم البالغ، أن الحجج ~~التجريبية لا تجدي شيئا في تأييد نظرية ميتافيزيقية أو في تفنيدها، وأن نتائج العلم ~~جميعها قائمة في صميمها على منطق سابق على التجربة، وهم يدركون أيضا أن العواطف هي ~~واقعية بقدر واقعية الإحساسات؛ ومن ثم فإنهم يجدون أنفسهم في مواجهة الصعوبة التالية: ~~إذا خطا شخص خطوة إلى الأمام ليقول إن لديه قناعة ~~قبلية # a priori # منزهة عن الغرض بخيرية انفعالاته نحو القداس فإنه يضع نفسه ~~في ذات موقف الأستاذ مور الذي يشعر بقناعة مماثلة بخيرية انفعالاته نحو الحقيقة، فإذا ~~حق للأستاذ مور أن يستدل على خيرية إحدى الحالات الذهنية بالاستناد إلى مشاعره، ~~فلماذا لا يحق لغيره أن يستدل على خيرية حالة ذهنية أخرى من مشاعره؟ إن عقليي ~~كمبردج ليضيق صدرهم بمثل هؤلاء الخوارج، وهم (أي ~~عقليو كمبردج) يؤكدون لهم ببساطة أنهم لا يشعرون حقا بما يقولون إنهم يشعرون به، ولقد ~~بدأ بعضهم يطبقون مناهجهم المفحمة على الإستطيقا، فيؤكدون لنا حين ننبئهم بما ms071 نشعر به ~~تجاه الشكل الخالص أننا في الحقيقة لا نشعر بشيء من ذلك، إلا أن هذه الحجة تصدمني ~~دائما بافتقارها إلى الحذق. # وبقدر ما يكره رجل العلم الشائع أن يذكر الحقيقة أو أن يسمع ذكرها، فهو لا يعرف ~~غاية للحياة غير العمر الطويل الهانئ. وها هنا نقطة التعارض ومنشب الجدل بينه وبين ~~الديني؛ وهي أيضا عذره في أن يكون داعية يوجيني. # 6 # إنه يأبى أن يعتقد في أي واقع غير واقع العالم الفيزيائي؛ فهو يجزم بهذا ~~الواقع جزما دوجماويا؛ # 7 # فالإنسان عنده هو حيوان يرغب مثل باقي الحيوانات في الحياة، وهو مزود ~~بحواس ويريد مثل باقي الحيوانات أن يشبعها: وهو يهيب بنا أن نجد في هذه الحقائق ~~تفسيرا لكل طموح بشري؛ فالإنسان يريد أن يعيش ويريد أن يقضي وقتا سعيدا، ولكي يحقق ~~هذه الغايات فقد ابتكر آلية معقدة. إن جميع الانفعالات، في قول رجل العلم الشائع، ~~يجب أن ترد إلى الحواس؛ فجميع العواطف الأخلاقية والدينية والجمالية مستمدة من ~~الحاجات الجسمية، تماما مثلما تقوم الأفكار السياسية على غريزة الاجتماع التي هي ~~ببساطة نتاج رغبة في الحياة الطويلة والمريحة. إننا نطيع القانون الداخلي الذي يحظر ~~ركوب دراجة على رصيف المشاة؛ لأننا نرى أن هذا القانون يؤدي بنا في النهاية إلى حياة ~~ممتدة وسائغة، ونحن لأسباب مماثلة جدا (هكذا يقول رجل العلم) نثني على الشخصيات ~~الشهمة والأعمال الفنية الجليلة. ~~«ما هكذا الأمر.» كذلك يرد القديسون والفنانون ~~وعقليو كمبردج وكل ذي معدن طيب؛ لأنهم يشعرون بأن عواطفهم الدينية والجمالية ~~والأخلاقية ليست مشروطة بشكل مباشر أو غير مباشر بحاجات جسيمة، ولا هي في الحقيقة ~~مشروطة بأي شيء في العالم الفيزيائي. إنهم يحسون أن بعض الأشياء خير لا لأنها وسائل ~~إلى الهناءة الجسمية، بل لأنها خير في ذاتها، فليست قيمة النشوة الإستطيقية أو الدينية ~~متوقفة بأي حال على ما تقدمه من إشباع جسمي، ثمة أشياء في الحياة لا يمكن لقيمتها ~~أن تتعلق بالعالم الفيزيائي؛ أشياء قيمتها ليست نسبية بل مطلقة، عن هذه الأمور أتحدث ~~بحذر ودون ms072 سلطة، ولا يعورني في غرضي المباشر - وهو أن أعرض تصوري للشخصية الدينية - ~~سوى أن أقول إن من الناس من يبدو لهم التصور المادي للعالم مفسرا لتلك العواطف ~~التي يحسونها بيقين أعلى ونزاهة مطلقة. حقيقة الأمر هي أن رجال العلم بعد أن دفعوا ~~بنا إلى عادة محاولة تبرير مشاعرنا وحالاتنا الذهنية بردها إلى العالم الفيزيائي، قد ~~حملوا بعضنا بالترهيب على أن يعتقدوا بأن ما لا يمكن تبريره بهذه الطريقة فهو غير ~~موجود. # إنني أدعوه دينيا ذلك الإنسان الذي يوقن أن هناك أشياء هي خير في ذاتها وأن ~~الوجود الفيزيائي ليس من بينها، فيسعى على حساب الوجود الفيزيائي إلى ما يبدو له خيرا؛ ~~ومن ثم فإن كل أولئك الذين يعتقدون بإخلاص عنيد أن الحياة الروحية أهم من الحياة ~~المادية، هم في فهمي دينيون. لقد رأيت في باريس على سبيل المثال رسامين صغارا، ~~مفلسين ضامرين مقرورين مهلهلي الثياب، وليست زوجاتهم ولا أولادهم بأفضل منهم حالا، ~~رأيتهم طيلة يومهم في نشوة محمومة منغمسين في رسم لوحات لا يؤمل لها رواج، ومن ~~الجائز تماما أنهم كانوا حريين بأن يقتلوا أو يصيبوا أي شخص يقترح عليهم التوفيق ~~بين فنهم ومتطلبات السوق، وحين كانت أدواتهم تنفذ ورصيدهم ينقطع بالكامل كانوا يبيعون ~~الجرائد خفية ويمسحون الأحذية حتى يمكنهم أن يواصلوا خدمة ولوعهم المسيطر، لقد كانوا ~~دينيين بامتياز؛ فجميع الفنانين دينيون، وكل اعتقاد عنيد هو اعتقاد ديني. إن ~~إنسانا تملكه حب الحقيقة بحيث آثر السجن أو الموت على الاعتراف بإله لا يؤمن ~~بوجوده، هو إنسان ديني وشهيد في سبيل الدين شأنه شأن سقراط ويسوع؛ ذلك أنه جعل لقيمه ~~معيارا خارج العالم الفيزيائي. # يقال في مجال الأشياء المادية إن نصف رغيف خير من انعدام الخبز، لكن الأمر في مجال ~~الأشياء الروحية غير ذلك. إن رجل السياسة سوف يؤيد مشروع قانون يعرف قصوره إذا ما ~~رأى أن هذا القانون قد يعود بفائدة ما، إنه يدلي باعتراضاته ثم يصوت مع الأغلبية، ~~وربما يكون تصرفه سليما، أما في المسائل الروحية فمثل هذه التسويات ms073 غير ممكنة، إن ~~الفنان لا يسعه أن يقدم تنازلا لكي يرضي الجمهور؛ لأنه إذا فعل ذلك يكون قد ضحى ~~بالشيء الذي يجعل للحياة قيمة، فإذا كان عليه أن يكذب ويعبر عن شيء غير ما يشعر به ~~فلن يعود مسكونا بالحقيقة، وماذا يجديه أن يربح العالم كله ويخسر روحه الخاص؟ إنه ~~يعرف أن في دخيلته شيئا أهم من الوجود الفيزيائي، شيئا ليس الوجود الفيزيائي إلا ~~وسيلة إليه؛ فوجود احتمال بأن يحس هذا الشيء ويعبر عنه يجعل من الخير له أن يتشبث ~~بالحياة، ولكنه ما لم يشعر بهذا الشيء ويعبر عنه على خير وجه فمن الأفضل له أن ~~يموت. # الفن والدين إذن طريقان بهما يهرب البشر من الحدث العرضي إلى الوجد، وبين الوجد ~~الإستطيقي والوجد الديني ترابط أسري؛ فالفن والدين وسائل إلى حالات ذهنية متشابهة، ~~وإذا جاز لنا أن نتغاضى عن علم الإستطيقا ونتفحص، متجاوزين انفعالنا وموضوعه، ما في ذهن ~~الفنان، فقد نقول (بتبسط كبير) إن الفن من تجليات الحس الديني، فإذا كان الفن ~~تعبيرا عن انفعال - مثلما هي قناعتي - فهو تعبير عن ذلك الانفعال الذي هو القوة ~~الحيوية في كل دين، أو هو على أية حال يعبر عن انفعال نحو ذلك الذي هو جوهر الكل، ~~وقد نقول إن كلا من الفن والدين هو من مظاهر الحس الديني للإنسان، إذا كنا نعني ب ~~«الحس الديني للإنسان» حسه بالواقع النهائي. أما الذي يجمل بنا ألا نقوله فهو أن ~~الفن تعبير عن أي ديانة معينة؛ لأننا بذلك نخلط بين الروح الدينية وبين القنوات ~~التي أجبرت فيها هذه الروح أن تجري. إنه خلط بين النبيذ والقارورة؛ فقد يكون للفن شأن ~~كبير بذلك الانفعال الكوني الذي وجد تعبيرا فاسدا ومتلعثما في ألف عقيدة مختلفة: ~~ولكنه لا شأن له بالوقائع التاريخية والخيالات الميتافيزيقية، ومما يؤكد ذلك أن ~~كثيرا من فنون التصوير الوصفي هو أبواق دعاية وشروح للعقائد الدينية، وهو أيضا ~~استعمال مناسب جدا للتصوير الوصفي، ويقينا أن موطن الضعف في كثير من الصور الجيدة هو ~~العنصر الوصفي ms074 المقحم من أجل التهذيب والإرشاد، ولكن بقدر ما تكون صورة ما عملا ~~فنيا فلن يكون لها شأن بالعقائد والنظريات أكثر من شأنها باهتمامات الحياة اليومية ~~وانفعالاتها. ~~(2) الفن والتاريخ # Art and History # على أن هناك صلة بين الفن والدين، حتى بالمعنى الشائع والمحدود للكلمة، هناك صلة ~~تاريخية: أو بمعنى أدق هناك صلة أساسية بين تاريخ الفن وتاريخ الدين. إن الأديان لا ~~تتحلى بالحيوية والصدق ما لم تكن مفعمة بما يفعم كل فن عظيم - الخميرة الروحية. ~~ومن الخطأ، على ذكر ذلك، أن نفترض أن الدين الدوجماوي لا يمكن أن يكون حيويا ~~وصادقا. إن بالعواطف الدينية ميلا إلى أن تلقي بمرساتها إلى العالم الأرضي بواسطة ~~سلسلة من الدوجما، هذا الميل هو العدو المندس داخل كل حركة دينية، وقد يكون الدين ~~الدوجماوي حيويا وصادقا، بل إن اللاهوت والشعيرة كانا فيما مضى هما بوق الثورات ~~الروحية وطبلها، غير أن العصور الدينية الدوجماوية أو الخالية من الفكر، عصور الفورة ~~الروحية إذ يعلي الناس الروح فوق الجسد والعواطف فوق الفكر، هي العصور التي يشيع فيها ~~الإحساس بالدلالة الروحية للعالم. الأمر إذن هو أمر بشر يقطنون على تخوم الواقع ~~ويصغون بشغف إلى حكايا الرحالة، هكذا قدر أن تكون العصور الدينية الكبرى هي بعامة ~~العصور الكبرى للفن، أما حين يأخذ حس الواقع في التبلد ويتضلع الناس في التلاعب ~~بالنعوت والرموز ويصيرون أكثر آلية وتدجينا وتخصصا وأقل قدرة على الإحساس ~~المباشر بالأشياء، هنالك تهن قدرتهم على الهروب إلى عالم الوجد ويبدأ الفن والدين في ~~الانحدار، حين يفتقر الأغلبية إلى الانفعال الذي منه جبل الفن والدين، ويفتقرون حتى ~~إلى الحساسية التي يستجيبون بها لما تقدمه القلة التي لا تزال قادرة على الإبداع، ~~عندئذ يصاب الفن والدين بالعرج، وبعدها لا يتبقى للفن والدين إلا اسمهما، ويسمى ~~الإيهام والملاحة فنا، وتسمى السياسة والابتذال العاطفي دينا. # والآن، إذا كنت مصيبا فيما أراه من أن الفن هو مظهر - علامة لا تعبير - للحالة ~~الروحية للإنسان، فنحن في تاريخ الفن إذن سنقرأ التاريخ الروحي للجنس البشري، وليس ms075 من ~~المستغرب عندي أن أولئك الذين كرسوا حياتهم لدراسة التاريخ لا بد أن يستاءوا حين يأتي ~~شخص مثلي يعترف بأن فهمه مقصور على طبيعة الفن ويلمح بأن فهمه لعمله قد يؤهله للحكم ~~على عملهم، فلأكن دمثا إزاءهم جهد ما أستطيع. إنني آخر من يحق له، وآخر من يميل ~~حقا إلى أن يدعي شرف التلقب بلقب «عالم تاريخي»، فليس أحد أقل مني التفاتا إلى ~~اللغو التاريخي أو يفوقني حيرة في فهم ما يراد ب «علم التاريخ» على وجه الدقة. غير ~~أنه إذا كان للتاريخ أن يكون أكثر على أي نحو من مجرد سجل للتسلسل الزمني للوقائع، ~~وإذا كان له أن يعنى بتحولات العقل والروح، فإن لي إذن أن أؤكد أننا لكي نقرأ التاريخ ~~قراءة صحيحة فلا بد لنا من أن نعرف الأعمال الفنية التي أنتجها كل عصر، بل أن نعرف ~~أيضا قيمتها كأعمال فنية، وإذا كانت الدلالة الإستطيقية للأعمال الفنية، أو انعدام ~~الدلالة، شاهدة حقا على الحالة الروحية؛ فإن الشخص الذي لديه القدرة على إدراك ~~الدلالة لا بد أن يكون في وضع يسمح له بأن يدلي بدلوه فيما يتعلق بالحالة الروحية ~~للأشخاص الذين أنتجوا تلك الأعمال ولأولئك الذين تذوقوها، وإذا كان للفن أن يكون ذلك ~~الشيء الذي يفترض دائما أن يكونه، فإن تاريخ الفن لا بد أن يكون فهرسا للتاريخ ~~الروحي للجنس البشري، يبقى أن المؤرخ الذي يريد أن يستخدم الفن كفهرس ينبغي ألا ~~تقتصر ملكاته على الملاحظة الدقيقة لرجل العلم وعالم الآثار، بل أن يمتلك أيضا حساسية ~~مرهفة؛ ذلك أن الدلالة الإستطيقية للعمل هي ما يقدم مفتاحا لفهم الحالة الذهنية التي ~~أنتجته؛ ومن ثم فإن القدرة على نسبة عمل فني معين إلى حقبة معينة لا تغني فتيلا ما لم ~~تصحبها قدرة أخرى على إدراك دلالته الإستطيقية. # هل يتعين علينا لكي نفهم تاريخ عصر من العصور فهما كاملا أن نعرف تاريخ الفن في ~~ذلك العصر ونفهمه؟ يبدو ذلك، إلا أن هذه الفكرة لا يحتملها علماء التاريخ، وإلا فأية ~~نازلة تحل بالمبدأ ms076 العلمي الأكبر: مبدأ انقسام العلم إلى مباحث مستقلة مسيجة ~~منيعة؟ مرة أخرى هذا مبدأ جائر؛ إذ من المتيقن أننا لكي نفهم الفن فلن نحتاج إلى معرفة ~~أي شيء كان عن التاريخ، ونحن ربما كان بإمكاننا أن نستمد من الأعمال الفنية استدلالات ~~عن نوعية الأشخاص الذين صنعوها، إلا أن محادثاتنا مع أحد الفنانين مهما تكن طويلة ~~وحميمة فهي لن تنبئنا إن كانت لوحاته جيدة أم رديئة، إنما يتعين علينا أن نشاهدها، ~~وعندئذ سوف نعرف؛ فقد أكون متحيزا أو غير صادق فيما أقول عن العمل الفني لصديقي، غير ~~أن دلالة العمل الإستطيقية ليست أوضح لي من دلالة عمل فني فرغ منه مبدعه منذ خمسة آلاف ~~عام، فلكي ندرك عملا فنيا إدراكا كاملا فلسنا بحاجة لشيء غير الحساسية. إن الفن ~~ليتحدث عن نفسه إلى من يستطيعون سمعا، بينما لا تتحدث الوقائع والتواريخ بشيء، وعلى ~~المرء إن أراد أن يغزل شيئا من هذه المادة أن يتلقط المعلومات من النجود والأغوار ~~التماسا لنتف من الأخبار والاقتراحات المساعدة، وليس تاريخ الفن استثناء لهذا المبدأ، ~~فإذا شئت أن أدرك فن شخص فلست بحاجة إلى أن أعرف أي شيء عن الفنان، وبوسعي أن أحكم ~~إن كانت هذه اللوحة أفضل من تلك دون عون من التاريخ، أما إذا حاولت أن أبين أسباب ~~تدهور فنه فسوف يعينني أن أعرف أنه قد أصيب بمرض خطير، أو أنه قد تزوج امرأة ~~دفعته إلى أن ينتج للارتزاق فقط؛ فأنا حين أتبين التدهور إنما أقيم حكما إستطيقيا ~~بحتا، وحين أعلل له أتحول إلى مؤرخ، يتعين إذن أننا لكي نفهم تاريخ الفن ينبغي ~~أن نعرف شيئا عن أنواع أخرى من التاريخ، وربما يكون الفهم الدقيق لأي نوع من التاريخ ~~منوطا بفهم كل نوع من التاريخ، ربما يكون تاريخ أي عصر أو حياة هو كل لا يتجزأ، ~~وتلك فكرة أخرى لا يحتملونها! فأي خطب يلم بالمتخصص؟ ماذا يكون مصير تلك الخلاصات ~~التاريخية الهائلة التي تفصل فيها أنشطة الإنسان المتعددة عن بعضها البعض بحرص شديد؟ ~~إن العقل ms077 ليجفل رعبا من الرؤية الهولية لاستنتاجاته الخاصة. # ولكن هل يعنيني هذا الأمر على أية حال؟ إنني لست مؤرخا للفن ولا لأي شيء آخر، ~~ولا يهمني بحال متى صنعت الأشياء أو لماذا صنعت، إنما تعنيني دلالتها الانفعالية ~~بالنسبة لنا، فكل شيء عند المؤرخ هو وسيلة لوسيلة معينة أخرى. أما بالنسبة لي فكل ~~ما يهم هو وسيلة مباشرة للانفعال. إنني أكتب في الفن لا في التاريخ، وليس يعنيني ~~التاريخ إلا بقدر ما يسعفني في إيضاح فرضيتي، ولا يعنيني في شيء أصدق التاريخ أم ~~كذب؛ حيث إن نظريتي غير قائمة على التاريخ بل على الخبرة الشخصية، وليست مستندة إلى ~~الوقائع بل إلى المشاعر؛ فالصدق والكذب التاريخيان لا وزن لهما عند من يحاولون التعامل ~~مع حقائق الواقع؛ فهؤلاء لا يعوزهم أن يسألوا «هل حدث هذا؟» بل يعوزهم أن يسألوا فحسب ~~«هل أشعر بهذا؟» ومن حسن حظنا أن الأمر كذلك؛ إذ لو كان على أحكامنا عن الأشياء ~~الواقعية أن تنتظر حتى يأتيها اليقين التاريخي فقد يكون عليها أن تنتظر إلى الأبد، ~~إلا أن من الشائق أن ننظر إلى أي حد يتفق ما نحن واثقون منه مع ما يجب أن ~~نتوقعه. لقد كانت فرضيتي الإستطيقية - أن الصفة الجوهرية في أي عمل فني هي الشكل ~~الدال - قائمة على خبرتي الإستطيقية، وأنا من خبراتي الإستطيقية على ثقة. أما عن ~~فرضيتي الثانية - أن الشكل الدال هو تعبير عن انفعال خاص تجاه الواقع - فلست واثقا ~~منها بحال، ورغم ذلك فإنني أفترض أنها صحيحة وأمضي قدما فأقترح أن حس الواقع هذا ~~يجعل الناس تولي الدلالة الروحية للعالم أهمية أكبر من الدلالة المادية، وأنه ~~يجعلهم أميل إلى الشعور بالأشياء كغايات بدلا من تمييزها كمجرد وسائل، وأن حسا ~~بالواقع هو في حقيقة الأمر جوهر الصحة الروحية، فإن صح ذلك فسوف نتوقع أن نجد أن ~~العصور التي توقف فيها إبداع الشكل الدال هي عصور بات فيها حس الواقع كليلا، وأن ~~هذه العصور هي عصور فقر روحي، وسوف نتوقع أن منحنيات الفن ومنحنيات التوقد الروحي ms078 ~~تصعد معا وتهبط معا. وفي الفصل القادم سألقي نظرة على تاريخ دورة من دورات الفن ~~بقصد تتبع حركة الفن واكتشاف مدى مواكبة تلك الحركة للتغيرات التي تعتور الحالة ~~الروحية للمجتمع. إن وجهة نظري عن صعود الفن في العالم المسيحي وانحداره وسقوطه ~~قائمة بالكامل على سلسلة من الأحكام الإستطيقية المستقلة أثق بصحتها ثقة كبيرة وأعتد ~~كثيرا بذلك. إنني أدعي القدرة على التمييز بين ~~الشكل الدال والشكل غير الدال، وسوف يشوقني أن أنظر إن كان انحدار في دلالة الأشكال ~~- أي تدهور الفن بتعبير آخر - يتزامن بصفة عامة مع هبوط الحس الديني، وسوف أتوقع أن ~~أجد أنه حيثما سمح الفنانون لأنفسهم أن تضل عن مهمتها الحقيقية، وهي خلق الشكل، تحت ~~إغراء اهتمامات أخرى غير ذات صلة بالفن؛ فإن المجتمع يكون إذاك في تفسخ روحي، ~~وأتوقع أن العصور التي ضاع فيها حس الدلالة الشكلية تماما في غمرة الانشغال بالواضح ~~سوف يثبت أنها كانت عصور قحط روحي؛ ولذا فإنني فيما أتتبع مصاير الفن خلال أربعة ~~عشر قرنا من الزمان سوف أحاول أن أضع نصب عيني ذلك الشيء الذي قد يكون الفن مظهرا له ~~- أعني حس الإنسان بالواقع النهائي. # أن ننقد عملا من أعمال الفن نقدا تاريخيا هو أن نتصرف بسخف من أسكره العلم، ~~فلم يحدث قط أن صدر عن دماغ مشعوذ نظرية أكثر شؤما من نظرية التطور في الفن. إن جوتو ~~لم يزحف، يرقة، حتى يرفرف تيتيان، فراشة، إن من إساءة الفهم لفن شخص ما أن نعتبره ~~مؤديا إلى فن شخص آخر؛ فإطراء عمل فني أو تسفيهه أو الاهتمام به لأنه يؤدي أو لا ~~يؤدي إلى عمل فني ثان، هو بمثابة اعتباره شيئا آخر غير عمل فني؛ فقد تكون للصلة بين ~~عمل فني وآخر شأن كبير بالتاريخ، ولكن هيهات أن يكون لها شأن بالتذوق الفني؛ فما إن ~~نشرع في النظر إلى عمل ما دون اعتباره غاية في ذاته حتى نكون قد غادرنا عالم الفن؛ ~~فرغم أن التطور في فن التصوير من جوتو إلى تيتان قد ms079 يكون ذا أهمية من الوجهة ~~التاريخية، فما كان له أن يؤثر على القيمة الفنية لأية لوحة معينة؛ فذاك أمر غير ذي ~~بال على الإطلاق من الوجهة الإستطيقية. إن كل عمل من أعمال الفن ينبغي أن يقيم وفق ~~حالته الموضوعية ودون تأثر بأي اعتبارات أخرى. # ليكن القارئ إذن على ثقة بأني لن أقوم في الفصل القادم بوضع أحكام إستطيقية في ضوء ~~التاريخ، بل سأقوم بقراءة التاريخ في ضوء أحكام إستطيقية؛ فبعد أن أضع أحكامي، بمعزل ~~عن أية نظرية إستطيقية أو غير إستطيقية، سأكون مشوقا لأن أرى إلى أي حد تتفق ~~النظرة التاريخية التي قد تستند إلى هذه الأحكام مع الفرضيات التاريخية المقبولة، فإذا ~~صحت الأحكام التي وضعتها والتواريخ التي يقدمها المؤرخون لترتب على ذلك أن بعض ~~العصور قد أنتجت فنا أجود من بعضها الآخر، ولكن مما لا خلاف عليه حقا أن التنوع في ~~الدلالة الفنية للعصور المختلفة هو تنوع هائل، وسوف يشوقني أن أرى نوع العلاقة التي ~~يمكن أن تتأسس بين الفن والعصر الذي أنتجه، وإذا صحت فرضيتي الثانية (أن الفن هو ~~تعبير عن انفعال نحو الواقع النهائي) فإن العلاقة بين الفن وعصره ستكون علاقة محتومة ~~ووثيقة. في تلك الحالة سينطوي كل حكم إستطيقي على نوع معين من الحكم عن الحالة ~~الذهنية العامة للفنان ومحبيه المعجبين به، الحق أن كل من يقبل فرضيتي الثانية ~~قبولا مطلقا بكل متضمناتها الممكنة - وهو أمر يفوق ما أريد أن أفعله - فلن يكتفي ~~بأن يرى في تاريخ الفن التاريخ الروحي للجنس البشري، بل لن يسعه أبدا أن يفكر في ~~أحدهما دون أن يفكر في الآخر. # فإذا كنت لا أشتط في الرأي إلى هذا الحد، فإنني أقترب منه كثيرا؛ فمن المتيقن أن ~~اعتبار الفن مفتاحا للتاريخ هو رأي أكثر استساغة وأقل امتناعا من أن نتخيل أن ~~التاريخ يمكن أن يعيننا على إدراك الفن، إنني أبحث في عصور التوهج الروحي عن الفن ~~العظيم، ولست أعني بعصور التوهج الروحي العصور السعيدة أو الرومانسية أو الإنسانية أو ~~المستنيرة، إنما أعني ms080 العصور التي كان فيها الناس لسبب أو لآخر مكترثين بأرواحهم ~~اكتراثا فائقا، وغير مكترثين بأجسادهم. لقد كانت هذه العصور في نصف الحالات عصور ~~خرافة وقسوة؛ فقد يؤدي الانشغال بالروح إلى الخرافة، ويؤدي الاستخفاف بالجسد إلى ~~القسوة، وما قلت على الإطلاق إن عصور الفن العظيم كانت عصور تعاطف مع الطبقات الوسطى؛ ~~فالفن والحياة الهادئة، في ظني، متنافران، ولا بد كي يوجد الفن من وجود بعض التوتر ~~والاضطراب؛ فهل علي أن أضيف أنه في أدفأ عصور المادية قد يظهر فنانون عظام ~~ويزدهرون؟ نعم بالطبع، ولكن حيثما يكن إنتاج الفن العظيم شائعا متدفقا متوافرا ~~سأتوقع أن أجد جيلا متململا قلقا، كذلك كلما تبينت حقبة من الفورة الروحية، ~~فسوف أبحث غير بعيد عن تمثلها في شكل دال، غير أن الفورة يجب أن تكون روحية ~~وأصيلة، فما يكون لدوامة من العاطفية أو السعار السياسي أن تثير شيئا رفيعا، # 8 # فإلى أي حد يؤدي الوجد العام إلى تنشيط إنتاج الفن أو تؤدي الأعمال الفنية ~~إلى الوجد العام في عصر معين من العصور؟ هذا ما سوف يتضح عندما أحاول في الفصل ~~القادم أن أرسم مخططا للمنحدر المسيحي: صعوده وانحداره وسقوطه. ~~(3) الفن والأخلاق # Art and Ethics # يبقى بيني وبين المواضع السارة من التاريخ رغم ذلك حاجز صفيق واحد؛ فليس بوسعي أن ~~ألهو وأخضخض في برك الماضي وضحله قبل أن أجيب عن سؤال هو من العبث بحيث لا يكل ~~الحمقى من ترديده: «ما هو التبرير الأخلاقي للفن؟» إنهم على حق بالطبع أولئك الذين ~~يلحون على أن إبداع الفن يجب أن يبرر على أساس أخلاقي؛ فجميع النشاطات البشرية ~~يجب أن تبرر أخلاقيا. إن من صلاحيات الفيلسوف أن يطالب الفنان بإثبات أن ما يقوم به ~~هو إما خير في ذاته وإما وسيلة إلى الخير، وإن من واجب الفنان أن يجيب: «الفن خير؛ لأنه ~~يعلو بنا إلى حالة من النشوة أفضل بكثير مما يمكن أن يخطر ببال الداعية الأخلاقي ~~البليد الحس، وفي هذا وحده الكفاية.» إن الفنان على حق من الوجهة الفلسفية، ms081 كل ما في ~~الأمر أن الفلسفة ليست بهذه البساطة التي يجيب بها الفنان، فلنحاول إذن أن نجيب بطريقة ~~فلسفية. # يحقق الداعية الأخلاقي فيما إذا كان الفن إما خيرا في ذاته وإما وسيلة إلى الخير، ~~وقبل أن نجيبه علينا أن نسأل ماذا يعني بكلمة «خير»، لا لأن لدينا بها أدنى شك، بل ~~لنحمله على أن يفكر. الحق أن الأستاذ جورج ~~مور # G. Moore # قد أثبت بصفة نهائية تقريبا في كتابه «مبادئ علم الأخلاق» Principia Ethica # أننا جميعا بكلمة «خير» ~~نعني الخير ولا أكثر؛ فكلنا نعرف جيدا ما نعنيه رغم عجزنا عن تعريفه، فكلمة «خير» لا ~~يمكن أن تعرف أكثر مما تعرف كلمة «أحمر»: ف «الكيفية» # quality # لا يمكن أن تعرف، غير أننا نعرف تماما ما نعنيه عندما ~~نقول عن شيء إنه «خير» أو «أحمر»، ذاك حق بلغ من الوضوح مبلغا أقلق الفلاسفة ~~التقليديين (ولا نقول أغضبهم) قلقا عظيما. # إن الفلاسفة التقليديين لا يوافقوننا بحال ~~حول ما نعنيه بكلمة «خير»، وكل ما هم واثقون منه هو أننا لا يمكننا أن نعني ما نقول، ~~ولا يزالون مغرمين بافتراض أن «الخير» يعني اللذة، أو أن اللذة على أي حال هي الخير ~~الوحيد الذي يعد غاية. هاتان قضيتان مختلفتان غاية الاختلاف، أن الخير يعني اللذة، ~~وأن اللذة هي الخير الوحيد، كان هذا رأي الهيدونيين # Hedonists ~~(أصحاب مذهب اللذة) وما زال هو رأي أي فلول من ~~النفعيين # Utilitatians ~~(أصحاب مذهب المنفعة) تكون ~~قد بقيت إلى غضون القرن العشرين، إنهما تتشرفان بلقب المغالطتين الأخلاقيتين ~~الوحيدتين اللتين تستحقان عناء أي كاتب في الفن، ولست أتصور لمحة منطقية أكثر ~~رهافة وإقناعا مما قاله الأستاذ مور في دحض القضيتين معا، ولكن ما يكون لي أن أفعل ~~بتعثر ما فعله الأستاذ مور بتأنق، ولن أستدرج إلى محاولة نسخ جدلياته فأجلب على ~~نفسي سخرية الملمين بكتاب «مبادئ علم الأخلاق» أو أفسد متعة غير الملمين به ممن ~~سيفعلون عين الصواب حين يلتهمون هذه الرائعة الدقيقة والمنهجية، إنما يلزمني لغرضي ~~الحالي أن أستعير سهما ms082 واحدا فقط من تلك الترسانة العامرة. # سأوجه هذا السؤال إلى من يؤمن بأن اللذة هي الخير الوحيد: هل يتحدث، شأنه شأن جون ~~ستيوارت مل أو أي شخص آخر سمعت به، عن لذات «أعلى وأدنى» أو «أجود وأردأ» أو «رفيعة ~~ووضيعة»؟ وإذا كان الأمر كذلك، ألا يدرك أنه قد تخلى عن قضيته؟ إذ عندما يقول بأن إحدى ~~اللذات «أعلى» أو «أفضل» من الأخرى فهو لا يعني أنها أكبر في «الكم» بل أرفع في ~~«الكيف». # في صفحة 7 من كتاب «المذهب النفعي» # Utilitarianism # يقول جون ستيوارت مل # J. S. Mill ~~: «إذا كانت إحدى ~~اللذتين، لدى أولئك الذين يلمون إلماما كافيا بالاثنتين، تتسنم مرتبة أعلى من ~~الأخرى بحيث يفضلونها عليها رغم علمهم بأنها مصحوبة بقدر أكبر من القلق، ولا يتنازلون ~~عنها مقابل أي كم من اللذة الأخرى التي يقدرون عليها بطبيعتهم، فإن لنا أن نعزو إلى ~~المتعة المفضلة تفوقا في الكيف يرجح الكم رجحانا يجعله ضئيل القيمة عند ~~المقارنة». # ولكن إذا صح أن اللذة هي الخير الوحيد، لما أمكن أن يكون هناك سوى معيار واحد ~~لتقدير اللذات - هو كمية اللذة. ولما أمكن لكلمة «أعلى» أو «أفضل» أن تعني غير الاشتمال ~~على لذة أكثر، أما الحديث عن «لذات أفضل» بأي معنى آخر فهو يجعل خيرية الخير الوحيد ~~المعتبر كغاية في ذاته معتمدة على شيء ما هو «بحكم ~~الفرضية» # ex hypothesi # ليس خيرا في ذاته. إن مل # Mill # أشبه بشخص جعل صفة الحلاوة هي الصفة الخيرة الوحيدة في المربى ~~ثم أعلن أنه يفضل مربى تيبري على مربى كروس وبلاكويل، لا لأنها أكثر حلاوة بل لأنها ~~تحوز نوعا أفضل من الحلاوة، وهو إذ يفعل ذلك يكون قد تخلى عن صفة الحلاوة كمعيار ~~نهائي ونصب مكانها صفة أخرى. إذن عندما يتحدث مل، شأن أي شخص آخر، عن لذات «أفضل» ~~أو «أعلى» أو «أرفع» فإنه يتخلى عن اللذة كمعيار نهائي، وبذلك يعترف أن اللذة ليست هي ~~الخير الوحيد. إنه يشعر أن بعض اللذات أفضل من بعض، ويقدر لكل ms083 منها قيمتها وفق ~~درجة اشتمالها على تلك الكيفية التي نميزها جميعا ولكن لا يقدر أحد على تعريفها؛ وهي ~~صفة الخيرية # goodness ~~، فحين نقول: لذات أعلى وأدنى، ~~رفيعة ووضيعة، فنحن نعني ببساطة «لذات» أكثر «خيرا» أو أقل خيرا؛ فهناك إذن كيفيتان ~~مختلفتان؛ اللذاذة والخيرية؛ فاللذة، بين غيرها من الأشياء قد تكون خيرا، ولكن اللذة ~~لا يمكن أن تعني الخير، ونحن لا يمكن بكلمة «خير» أن نعني «لذيذ»؛ لأن هناك كما رأينا ~~صفة، هي الخيرية، متميزة عن اللذة بحيث إننا نتحدث عن لذات أكثر أو أقل خيرا دون أن ~~نعني لذات أكثر أو أقل لذاذة، نحن إذن بكلمة «خير» لا نعني اللذة، ولا اللذة هي الخير ~~الوحيد. # ويمضي الأستاذ مور # Moore # قدما ليتساءل أي الأشياء ~~هي خير في ذاتها؛ أي كغاية بتعبير آخر، وخلص إلى نتيجة نوافق عليها جميعا (على قلة من ~~عثر منا في يوم من الأيام على حجج مقنعة ومنطقية تثبت هذه النتيجة): يبين مور أن ~~«حالات ذهنية» # states of mind # معينة هي وحدها ~~الخير بوصفه غاية، أما أولئك الذين لا يسيغون المنطق إلا أقل القليل فسوف يجدون برهانا ~~بسيطا ومرضيا على هذه النتيجة فيما يسمى ب «منهج العزل» # method of ~~isolation ~~. # من شأن الشيء الذي هو خير كغاية في ذاته أن يحتفظ على كل حال ببعض قيمته حين يعزل ~~عزلا تاما. إنه سيحتفظ بكل قيمته كغاية، أما الشيء الذي هو خير كوسيلة فحسب فسوف ~~يفقد كل قيمته بالعزل. إن ذلك الذي هو خير كغاية سيبقى ذا قيمة حتى حين تسلب منه كل ~~نتائجه ولا يترك له إلا وجوده المحض؛ ومن ثم فنحن لن يسعنا أن نكتشف ما إذا كنا حقا ~~نشعر تجاه شيء ما بأنه «خير كغاية» ما لم نتمكن من تصوره في انعزال تام، ونتأكد أنه ~~يظل ذا قيمة وهو معزول. إن الخبز خير، فهل الخبز خير بوصفه غاية أم بوصفه وسيلة؟ تصور ~~رغيفا موجودا في كوكب غير مأهول وغير قابل للسكنى، فهل يبدو كأنه يفقد قيمته؟ إن ms084 ~~مثال الرغيف مغال في السهولة بعض الشيء، فلننظر في العالم الفيزيائي، إنه يبدو لمعظم ~~الناس خيرا بدرجة هائلة، ذلك أنهم يشعرون نحو الطبيعة باستجابة انفعالية عنيفة تضع ~~على شفاههم النعت «خير» # good ~~، ولكن هب أن العالم ~~الفيزيائي لا يمت لعقل بصلة، وأنه ليس من شأنه أبدا أن يثير استجابة انفعالية، ~~وليس من شأن أي عقل أن يتأثر به، وأنه ليس له عقل خاص به، فهل يظل هذا العالم يبدو ~~خيرا؟ افترض أيضا أن هناك كوكبين أحدهما خلو من الحياة وسيظل خلوا أبدا، والآخر ~~توجد به شظية من بروتوبلازم حي بالكاد ولن ينمو أبدا ولن يصير واعيا على الإطلاق، ~~فهل يسعنا أن نقول بحق إننا نحس أن أحدهما خير من الآخر؟ هل الحياة نفسها خير كغاية؟ ~~إن ما يجعل الحكم القاطع أمرا صعبا هو حقيقة أن المرء لا يمكنه أن يتصور أي شيء دون ~~أن يشعر نحوه بشيء ما؛ فتصورات المرء نفسها تثير حالات ذهنية وبذلك تكتسب قيمة ~~كوسيلة، فلنسأل أنفسنا بصراحة: هل يمكن لأي شيء ليس له عقل وليس يؤثر في أي عقل أن ~~تكون له قيمة؟ كلا بالتأكيد، بينما يمكن لأي شيء له عقل أن تكون له قيمة باطنة، ويمكن ~~لأي شيء يؤثر في عقل ما أن يصبح ذا قيمة بوصفه وسيلة، من حيث إن الحالة الذهنية التي ~~ينتجها قد تكون لها قيمة في ذاتها، ولتعزل (في تصورك) ذلك الذهن؛ اعزل الحالة الذهنية ~~لإنسان في حالة حب، أو إنسان مستغرق في التأمل. إنه لا يبدو أنه يفقد كل قيمته، ~~«لاحظ» أنني لا أقول إن قيمته لا تنقص؛ فمن الواضح أنه يفقد قيمته كوسيلة لإنتاج حالات ~~ذهنية خيرة لدى الآخرين، غير أن هناك قيمة معينة تدوم بالفعل، إنها قيمة ~~باطنة. # اعمر الكوكب الموحش بعقل إنساني واحد، يصبح كل جزء من هذا الكوكب ذا قيمة كامنة ~~كوسيلة؛ لأنه قد يكون وسيلة إلى ذلك الشيء الذي هو خير كعادته؛ أعني حالة ذهنية خيرة، ~~إن الحالة الذهنية لشخص في حالة حب أو مستغرق ms085 في التأمل تكفي في ذاتها؛ فنحن لا ~~نعود نتساءل «أي غرض نافع تقدمه هذه الحالة، أي شخص تفيده، وكيف؟» بل نقول ~~بمباشرة واقتناع: «هذا خير.» # عندما نطالب بتبرير ما نراه من أن أي شيء، عدا حالة ذهنية، هو خير، فإننا إذ نشعر أن ~~هذا الشيء هو مجرد وسيلة، نفعل عين الصواب حين نتلمس آثاره الخيرة، ويكون تبريرنا ~~النهائي دائما هو أنه يؤدي إلى حالات ذهنية، هكذا عندما نسأل لماذا ننعت سمادا ~~منثورا بأنه خير، فقد نبين (إن أمكننا أن نجد مستمعا!) أن السماد وسيلة إلى ~~المحصولات الجيدة، والمحصولات الجيدة وسيلة للغذاء، والغذاء وسيلة إلى الحياة، والحياة ~~شرط ضروري لحالات ذهنية خيرة، وأبعد من ذلكم لا يمكن أن نمضي، وعندما نسأل لماذا ~~نعتقد أن حالة ذهنية معينة هي خير، ولتكن حالة التأمل الإستطيقي مثلا، فإن حسبنا أن ~~نجيب بأن خيريتها بالنسبة لنا هي أمر واضح ~~بذاته # self-evident ~~، فبعض الحالات الذهنية تبدو خيرة بمعزل عن نتائجها، ولا شيء عدا ~~هذه الحالات يبدو خيرا بهذه الطريقة، نخلص من ذلك إلى أن الحالات الذهنية الخيرة هي ~~وحدها خير كغاية في ذاتها. # علينا لكي نبرر أي نشاط إنساني تبريرا أخلاقيا أن نتساءل: «هل هذا النشاط هو ~~وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة؟» أما في حالة الفن فإن جوابنا سيكون فوريا وإمباثيا # empathic ~~؛ # 9 # فالفن ليس فقط وسيلة إلى حالات ذهنية خيرة، بل ربما يكون أقوى الوسائل التي ~~في حوزتنا وأكثرها مباشرة وقوة، إنه أكثرها مباشرة لأنه لا شيء أسرع منه تأثيرا في ~~الذهن، ولا شيء أكثر قوة وفعالية؛ لأنه لا توجد حالة ذهنية أكثر امتيازا أو شدة من ~~حالة التأمل الإستطيقي، فإذا كان الأمر كذلك فإن التماس أي تبرير أخلاقي آخر للفن، أو ~~البحث في الفن عن وسيلة إلى شيء لا يرقى إلى أن يكون حالة ذهنية خيرة، هو خطل لا يقع ~~فيه إلا أحمق أو رجل من رجال العبقرية. # لقد وقع في هذا الخطل كثير من الحمقى، وروج له واحد من عباقرة الرجال ترويجا ~~قبيحا، ms086 فلم يحدث قط أن وضع أحد العربة بشكل معيق أمام الحصان مثلما فعل تولستوي ~~عندما أعلن أن ما يبرر الفن هو قدرته على تعزيز الأفعال الخيرة، كما لو كانت الأفعال ~~غايات في ذاتها! إن فعل الجري ليس فيه فضيلة ولا رذيلة، ولكن أن تجري بأنباء سارة هو ~~فعل جدير بالثناء، وأن تجري فرارا بكيس إحدى العجائز هو فعل غير جدير بذلك. كذلك فعل ~~الصياح، فليس في الصياح فضيلة، ولكن أن تصيح لكي تصدع بالحق والعدل هو فعل خير، أما ~~أن تصم آذان الخلق بالدجل والهراء فهو فعل لعين. إن الغاية المنشودة هي دائما ما ~~يضفي على الفعل القيمة، ويجب أن تكون غاية جميع الأفعال الخيرة في النهاية هي أن تخلق ~~أو تحفز أو تمكن لحالات ذهنية خيرة؛ ومن ثم فإن حث الناس على الأفعال الخيرة ~~بواسطة لوحات إرشادية هو حرفة جديرة بالاحترام ووسيلة غير مباشرة إلى الخير. أما ~~الأعمال الفنية فهي وسيلة مباشرة إلى الخير وأكثر مباشرة من أي شيء آخر يمكن للكائن ~~الإنساني أن يمارسه، في هذه الحقيقة على وجه التحديد تكمن الأهمية الهائلة للفن: فليس ~~ثمة وسيلة إلى الخير أكثر مباشرة من الفن. # حين تعد أي شيء عملا فنيا، فإنك إذن تقيم حكما أخلاقيا خطيرا؛ لأنك بذلك ~~تعده وسيلة مباشرة وفعالة إلى الخير بحيث لا نحتاج إلى أن نكرث أنفسنا بأي شيء ~~من نتائجه المحتملة، وحتى لو لم يكن الأمر كذلك؛ فإن عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في ~~عملية الحكم بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما يبررها، فليقم الداعية الأخلاقي ~~حكما على الفن ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا ~~كان المقام مقام أحكام إستطيقية؛ أي أحكام مقارنة بين أعضاء فئة واحدة؛ أي بين الأعمال ~~الفنية بوصفها أعمالا فنية، فليمسك هذا الداعية لسانه. إن الفن مساو لأعظم الوسائل ~~إلى الخير، ولو ظن الداعية الأخلاقي أن الفن أقل من ذلك بأي شيء فقد أخطأ، ولو ~~سلمنا على سبيل الموادعة أن الفن أدنى ms087 من بعض هذه الوسائل فسوف أذكره رغم ذلك أن ~~أحكامه الأخلاقية حول قيمة أعمال فنية معينة لا شأن لها بقيمتها الفنية. ليس من حق ~~الحكم في إبسوم أن يغمط الفائز في الدربي حقه لمصلحة الحصان الذي جاء قبل الأخير، لا ~~لشيء إلا لأن هذا الحصان هو لأسقف بروجهام كنتربري. # عرف الفن كما تهوى، مؤثرا أن يكون ذلك وفقا لما طرحته من أفكار، وأنزله المنزلة ~~التي تشاء في النسق الأخلاقي، ثم فاضل بين الأعمال الفنية حسب امتيازها بتلك الخاصية ~~أو تلك الخصائص التي وضعتها في تعريفك باعتبارها الخصائص الجوهرية والمميزة للأعمال ~~الفنية. قد تقيم بالطبع أحكاما أخلاقية حول أعمال معينة، ليس بوصفها أعمالا فنية بل ~~بوصفها أعضاء في فئة أخرى، أو بوصفها أجزاء مستقلة وغير مصنفة من العالم، وقد ترى ~~أن لوحة معينة لرئيس الأكاديمية الملكية هي وسيلة أعظم إلى الخير من إحدى لوحات نادي ~~الفن الإنجليزي الجديد بكل مجده، وأن كعكة بقرش هي أفضل من الاثنتين؛ فأنت في مثل هذه ~~الحالة إنما تقيم حكما أخلاقيا لا حكما إستطيقيا؛ ومن ثم سيكون من الصواب أن ~~تأخذ بالاعتبار مساحة القماشة، وسمك الإطار والقيمة الممكنة لكل منها كوقود أو وقاء ~~من تقلبات مناخنا القاسية. وعليك في عملية جمع الحسابات ألا تغفل آثارهما الممكنة على ~~الكهول الذين يزورون برلنجتون هاوس وصالة عرض سافوك ستريت، وألا تغفل أيضا ضمائر ~~أولئك الذين يمسون موارد الأوقاف أو أولئك الذين تدفعهم الرغبة في الربح إلى ~~المحاكاة والتقليد. إنك عندئذ تقيم حكما أخلاقيا لا حكما إستطيقيا. وإذا كنت قد ~~خلصت إلى أن كلتا اللوحتين ليست عملا فنيا، فأنت رغم مظنة تضييع وقتك ستكون بمنأى من ~~السخرية، ولكن حين تتعامل مع لوحة بوصفها عملا فنيا تكون قد أقمت - ربما على نحو لا ~~شعوري - حكما أخلاقيا أهم بكثير. لقد أدرجتها في فئة من الأشياء تعد وسائل قوية ~~ومباشرة إلى النشوة الروحية بدرجة تمحي إلى جانبها جميع المزايا الصغرى، ورغم المفارقة ~~الظاهرة؛ فإن الخصائص الوحيدة ذات الصلة بالعمل الفني بوصفه عملا فنيا ms088 هي الخصائص ~~الفنية، فنحن إذ خلصنا إلى أن الخصائص الفنية هي وسيلة إلى الخير ؛ فإن أي خصائص أخرى ~~تغدو غير ذات بال؛ فليس ثمة خصائص تفوق الخصائص الفنية من حيث القيمة الأخلاقية؛ ذلك ~~أن ليس هناك وسيلة إلى الخير أعظم من الفن. # الفصل الثالث # | المنحدر المسيحي # (1) صعود الفن ~~المسيحي # The Rise of Christian Art # ماذا أعني ب «منحدر» # slope ~~؟ هذا ما آمل أن أوضحه ~~خلال هذا الفصل والفصل الذي يليه، ولكن حيث إن القراء يترقبون شيئا ما يسترشدون ~~به، سأعجل ببيان أنني رغم إدراكي لاستمرارية تيار الفن فأنا أعتقد أن من الممكن ~~والملائم أن أقسم هذا التيار إلى منحدرات وحركات. من المتعذر التيقن من الخط المحدد ~~للتقسيم، وبميسورنا أن نقول إنه خلال مجرى نهر عظيم من التلال إلى البحر، فإن من ~~المتعين أن يتفاوت عمق المياه وعرضها ولونها وحرارتها وسرعتها. أما التحديد الدقيق ~~لنقطة التغير فهذا أمر آخر، فإذا حاولت أن أصور لنفسي التاريخ الكلي للفن منذ الأزمنة ~~الأولى في جميع أجزاء العالم، فلن يمكنني، بطبيعة الحال، أن أراه كخيط فريد واحد. ~~إن الخامة التي هو مصنوع منها لا يمكن أن تتغير؛ فهي دائما ماء يتدفق إلى أسفل ~~النهر، غير أن هناك أكثر من قناة؛ هناك مثلا «الفن الأوربي» و«الفن الشرقي»، يتراءى لي ~~التاريخ العالمي للفن في صورة خريطة فيها تيارات عديدة تنزل من سلسلة الجبال نفسها ~~إلى البحر نفسه، وهي تبدأ من ارتفاعات متفاوتة ولكنها جميعا تنزل في النهاية إلى ~~مستوى واحد، هكذا علي أن أقول بأن المنحدر الذي على قمته تقف الروائع البوذية لأسر ~~واي ولانج وتانج يبدأ أعلى بكثير من ذلك الذي قمته النحت السومري المبكر، ولكن إذا ~~تعين أن ننظر في الفن الياباني المعاصر، والنحت الإغريقي - الروماني والروماني، ~~والأشوري المتأخر، لرأينا أنها جميعا قد آلت إلى نفس المستوى البحري للطبيعة المغثية. # أعني بالمنحدر إذن ذلك الذي يقع بين صبح بدائي عظيم، إذ يخلق الناس الفن لأنهم لا بد ~~أن يخلقوه، وبين تلك الساعة الأحلك عندما يخلط ms089 الناس بين التقليد والفن، هذه المنحدرات ~~يمكن تقسيمها إلى حركات، ليس المسار الهابط ناعما ومستويا، بل هو وعر ومليء ~~بالعوارض. الحق أن موكب الفن لا يشبه النهر بقدر ما يشبه طريقا من الجبال إلى السهل، ~~هذا الطريق هو سلسلة من الارتفاعات والانخفاضات، كل ارتفاع وانخفاض يشكلان معا ~~حركة، قد تبلغ قمة إحدى الحركات نفس الارتفاع الذي بلغته قمة الحركة السابقة عليها، ~~إلا أن قاعدتها تأخذها دائما إلى مستوى أدنى على المنحدر، وفي تاريخ الفن كذلك فإن ~~ذروة إحدى الحركات تبدو دائما طالعة من غور سابقتها بزاوية قائمة؛ فالحركة الصاعدة ~~عمودية، أما الهابطة فتتخذ مستوى مائلا، من دوتشو، على سبيل المثال، إلى جوتو خطوة ~~إلى أعلى حادة ضحلة، ومن جوتو إلى ليوناردو سقوط طويل وغير مدرك تقريبا في بعض ~~الأحيان. إن جوتو هو تفسخ بارع لتلك الحركة البازيلية # Basilian # التي عاشت بعض الزمن بعد الفتح اللاتيني وانتهت نهاية ~~مونقة في ظل الباليولوجيين Palaeologie # 1 # الأوائل، ارتفعت قمة هذه الحركة كثيرا فوق جوتو، رغم أن دوتشو بقرابة ~~قاعدتها هو أسفل منه. إن فن جوتو هو بالتأكيد أدنى من الفن البيزنطي الأرفع للقرنين ~~الحادي عشر والثاني عشر، وجوتو هو ذروة حركة جديدة مقدر عليها حتما أن تهبط إلى ~~أغوار لم يحلم بها دوتشو. # كل ما كان روحيا في الحضارة الإغريقية كان معتلا قبل نهب كورنث، وكل ما كان ~~حيا في الفن الإغريقي كان قد مات قبل ذلك بسنوات طويلة. أما أنها ماتت قبل موت ~~الإسكندر فلتكن مقبرته في القسطنطينية شاهدي على ذلك. لقد كانت معتلة قبل أن يضعوا ~~الحجر الأخير في البارثينون. إن التماثيل الرخامية الكبيرة في المتحف البريطاني هي ~~الأمثلة المهمة الأخيرة للفن الإغريقي. الإفريز بطبيعة الحال ليس دليلا على أي شيء؛ إذ ~~هو عمل صانع حرفي لا أكثر. أما الرجل الذي صنع ما يمكن أن أسميه أيضا «الثيسيوس» # The Theseus # 2 # و«الإليسوس» # The Ilissus ~~، الرجل الذي يمكن ~~أيضا أن أسميه «فيدياس» Phidias ~~، # 3 # فإنه يتوج الحركة الحيوية الأخيرة في المنحدر الهليني. ms090 إنه عبقري، ولكنه ~~ليس «غريبة»؛ فهو يقع موقعه بشكل طبيعي تماما بوصفه أستاذ التدهور المبكر. إنه الرجل ~~الذي يجري فيه، ثرا دافقا وإن يكن فظا بعض الشيء، تيار الإلهام الذي منح الحياة ~~للنحت الإغريقي القديم. إنه جوتو (وإن من صنف أدنى) المنحدر الذي بدأ من القرن الثامن ~~ق.م - أدنى بكثير من القرن السادس الميلادي - لكي يرزح ويتبدد في مستنقعات الهراء ~~الهلينستي والروماني، من أين أتت تلك الصحوة الهيلينية؟ حتى الآن لا يمكننا أن نقول، ~~ربما من بقايا حضارة من متوسطية جليلة لا أتردد في القول بأن الصحوة الهيلينية كانت ~~رد فعل ضد ماديتها المغرقة، تمكن قراءة قصة بدايتها في كسر النحت القديم المتناثر ~~خلال أوروبا، والمدروس في المتحف القومي في أثينا؛ حيث تكشف تماثيل معينة للرياضيين ~~تعود إلى حوالي سنة 600 # 4 # مزايا وعيوب الفن الإغريقي في عنفوانه. وفيدياس هو جوتو (من الدرجة ~~الثانية) انحداره المبكر في القرن الخامس، # 5 # ونسخ المشاهير من معاصريه ومن أسلافه المباشرين مغثية جدا؛ بحيث ~~يستحيل أن تكون دقيقة، وبراكسيتليز Praxiteles ~~، # 6 # في القرن الرابع، عصر الرابعة المكتملة، هو كوريجو # Corregio # 7 # أو أيما عابث مبهج يقترحه عليك إحساسك بالفن والكرونولوجيا، وتأبى علينا ~~عمارة القرن الخامس والرابع أن ننسى عظمة الإغريق في العصر الذهبي من تاريخهم الفكري ~~والسياسي، وبوسعك أن تقتفي الهبوط من الرسم الحساس (وإن يكن دائما مثقلا بالتفاصيل)، ~~عبر الرسم الذواق والمكتمل، إلى القسري بغير فاعلية في جرار وزهريات القرن السادس ~~والخامس والرابع والثالث، وفي الرمال والسهول المديدة للواقعية الرومانية يضيع تيار ~~الإلهام الإغريقي إلى الأبد. # قبل وفاة ماركوس أوريليوس كانت أوروبا ضجرة من المادية مثلما كانت إنجلترا قبل وفاة ~~فيكتوريا، ولكن أية قوة قدر لها أن تحطم آلة استعبدت الناس تماما بحيث لم يجرءوا ~~على تصور أي بديل؟ لقد تضخمت هذه الآلة حتى لم يعد بقدرة الإنسان أن يحدق إلى ~~جانبها، لم يعد بقدرته أن يرى سوى كرنكاتها وروافعها، ولا يسمع إلا طنينها، بوسعه أن ~~يلاحظ الحذافات المدومة ويغتر بتأمل الكرات الدوارة. ms091 كانت الإبادة هي المهرب ~~الوحيد للمواطن الروماني من الإمبراطورية الرومانية، وبينما كان هادريان في الغرب يخمر ~~الموهبة الإمبراطورية في التوحش إلى نظام وعلم كانت خميرة جديدة في الشرق - في ~~مصر وآسيا الصغرى، أو، على الأرجح، في سوريا أو بين الرافدين أو حتى فارس - كانت تعمل ~~عملها. كانت تلك القوة التي ستحرر العالم في اختمار. كانت الروح الدينية تولد مرة ~~ثانية، هنا وهناك في وجه التناقض التام في الأحوال سيسع واحدا أن يقوم ويؤكد أن ~~الإنسان لا يعيش بالخبز وحده. كانت الأورفية # 8 # والمثرية # 9 # والمسيحية - وهي أشكال متعددة لروح واحدة - تشرع في أن تعني شيئا أكثر من ~~الطقوس الدقيقة والفسوق المضمر، كان تغير ما يرين رويدا رويدا على وجه ~~أوروبا. # كان ثمة تغير قبل أن تتبدى علاماته؛ فالتصاوير المسيحية الأولى في مقابر تحت الأرض ~~كلاسيكية خالصة، وإذا كان المسيحيون الأوائل يحسون أي شيء جديد فإنهم لم يستطيعوا ~~التعبير عنه، ولكن لم يكد القرن الثاني ينصرم حتى كان الصناع الأقباط قد شرعوا ينسجون ~~في التصاميم الرومانية الميتة شيئا ما حيويا، لقد انحرفت الأنماط الأكاديمية على ~~نحو غريب وانبسطت إلى أشكال ذات دلالة معينة، كما يمكن أن نحس من جانبنا إذا ~~ذهبنا إلى غرفة النسيج في ساوث كنسينجتون، من المؤكد أن هذه المنسوجات القبطية للقرن ~~الثاني أشبه بالأعمال الفنية من أي شيء أنتج في الإمبراطورية الرومانية لأكثر من ~~أربعمائة سنة، أما التصاوير المصرية للقرن الثالث فتحمل شهادة إيجابية أقل على تلمسات ~~روح جديدة تتحسس طريقها، ولكن في بداية القرن الرابع شيد ديوقليتيانوس # 10 # قصره في سبالاتو؛ حيث تعلمنا جميعا أن نرى الكلاسيكية والروح الجديدة من ~~الشرق يقتتلان عليها جنبا إلى جنب، وإذا كان لنا أن نثق في # Strzygowski # فمن نهاية هذا القرن تتأرخ الكنيسة ~~الجميلة لكودجا - كاليسي في إيسوريا. إن القرن الذي ساد فيه الشرق في النهاية على الغرب ~~(350-450م) هو فترة اختمار. إنه وقت نشاط مضطرب يسبق الاندلاع البين للفن على ~~المنحدر المسيحي. لقد كنت قمينا أن أؤكد بثقة أن كل ms092 ميلاد فني تسبقه فترة حمل قلقة ~~يكتسب فيها الطفل غير المولود الأعضاء والطاقة التي ستقله في رحلته الطويلة، لو أنني ~~كنت أملك البيانات الكفيلة بأن تقدم دعما مترنحا لمثل هذا التعميم المريح. وا أسفاه! ~~فميلاد المنحدرات العظيمة للعصر القديم محجوب في ليل قلما تؤرقه أبحاث دقيقة لأثريين ~~دءوبين، ومستغلق على الكشوف المروعة لخبراء التزييفات المكشوفة، عن هذه الفترات ~~الحرجة، نحن لا نجرؤ على أن نتحدث بثقة، ورغم ذلك فإن بوسعنا أن نقارن القرن الخامس ~~بالقرن التاسع عشر ونستنبط نتائجنا الخاصة. # في عام 450 شيدوا ضريح جالا ~~بلاسيديا # Galla Placidia # الجميل في رافينا، إنه مبنى غير روماني في صميمه؛ أي أن ~~الصبغة الرومانية التي تتعلق به عارضة ولا تضيف شيئا إلى دلالته، غير أن ~~الفسيفساء داخله ما زالت كلاسيكية على نحو فظ. ثمة واقعية مغثية في الخراف وفي ~~الراعي الصالح تتجاوز مسحة الإغريقي؛ الروماني أبولو. لا تزال المحاكاة تقاوم وإن كانت ~~تحارب معركة خاسرة مع الشكل الدال، وعندما بدأ تشييد كنيسة سان فيتال # S. Vitale # سنة 526م حسمت المعركة، وكانت أيا صوفيا ~~تشيد بين عام 532 وعام 537م، تنتمي أرقى فسيفساء في سان فيتال وسان أبولينير نوفو وسان ~~أبولينير إنكلاس إلى القرن السادس، وكذلك سان سيرجيوس وباكوس في القسطنطينية والدومو في ~~بارينزو. والحق أن أفخم آثار الفن البيزنطي تنتمي إلى القرن السادس، إنها الذروة ~~البدائية والأسمى للمنحدر المسيحي. إن الصعود من مستويات الطريقة الإغريقية - الرومانية ~~هو صعود هائل لا يقاس، والجوانب التي يمكن أن يشملها هذا الصعود لا تزال غير مكتشفة؛ ~~إنه الطول الكلي للمنحدر من أيا صوفيا إلى نصب فيكتوريا المنتصب واقفا على قاعدة من ~~مئات السنين، ونحن على ارتفاعات لا ترى منها السهول الطينية، والمرء إذ يمكث هنا يتعذر ~~عليه أن يعتقد بأن السهول كان لها وجود على الإطلاق، أو، على أية حال، أنها سيكون لها ~~وجود مرة ثانية. اذهب إلى رافينا ولسوف تشهد روائع الفن المسيحي، بدائيي المنحدر، ~~واذهب إلى التيت جاليري أو اللكسمبورج ولسوف تشهد نهاية هذا ms093 المنحدر الفن المسيحي وهو ~~في النزع الأخير، مثل هذه الأضرب من «تذكرة الموت» ~~مفيدة لنا في عصر الثقة الذي نحن فيه؛ إذ نشعر، ولنا عذرنا، ونحن ننظر إلى لوحات سيزان ~~أننا بعيدون فوق الطين والملاريا، فبين سيزان وتيت جاليري آخر ماذا يقبع مذخورا ~~للروح الإنسانية؟ هل نحن في فترة اختمار جديدة؟ أو هل ولد العصر الجديد؟ هل هو ~~منحدر جديد هذا الذي نحن فيه، أم نحن فقط في جزء من ارتعاش تمهيدي مدهش في قوته؟ هذه ~~تساؤلات للتفكر، هل سيزان هو بداية منحدر، أم بشير، أم مجرد ذروة حركة؟ الكاهنات لا ~~تحير، شيء واحد يبدو لي مؤكدا: منذ أن وضع البدائيون البيزنطيون أعمالهم الفسيفسائية ~~في رافينا لم يخلق أي فنان في أوروبا أشكالا ذات دلالة عظيمة اللهم إلا سيزان. # ومع أيا صوفيا بالقسطنطينية، وكنائس وفسيفساء القرن السادس في رافينا، يؤسس المنحدر ~~المسيحي نفسه في أوروبا، # 11 # لقد أخذ انعطافة إلى أسفل في القسطنطينية، غير أن الإلهام الجديد بقي يعبر ~~عن نفسه في جزء أو آخر من أوروبا على نحو أسمى لأكثر من ستمائة عام، كانت هناك بالطبع ~~صعدات ونزلات، حركات وردات فعل، فكان الفن في بعض الأماكن جيدا دائما تقريبا، ~~وفي أماكن أخرى دون الطبقة الأولى دائما، ولكن لم يكن ثمة هبوط مستعص عام حتى ~~استسلمت العمارة النورمانية والرومانسكية للعمارة القوطية، حتى تحول نحت القرن الثاني ~~عشر إلى تزيين القرن الثالث عشر. # احتفظ الفن المسيحي بدلالته البدائية لأكثر من نصف ألفية، ولست أرى عجبا في ذلك، ~~فحتى الأفكار والعواطف كانت تتنقل ببطء في تلك الأيام. لقد حققت القطارات والبواخر ~~من جهة، على كل حال، تنبؤات مستخدميها؛ فجعلت كل شيء يتحرك أسرع. يكمن الخطأ في ثقتهم ~~المفرطة بأن هذه نعمة، أما في تلك العصور المظلمة فكانت الأشياء تتحرك ببطء، هذا أحد ~~أسباب لماذا لم تستنفد القوة الجديدة نفسها في ستمائة سنة، وسبب آخر هو أن الإلهام جاء ~~إلى عصر كان يقتحم أرضا جديدة على الدوام. كانت هناك دائما بقعة بكر تتلقى ms094 البذرة ~~وتزرع محصولا قويا، فبين سنة 500 وسنة 1000م كانت الكتلة السكانية لأوروبا سائلة ~~فكان ثمة دائما عرق جديد قابض على الإلهام والشعور ومعبر عنه بحساسية وانفعال ~~بدائيين. وكان العرق الأخير في تلقي العدوى من أرقى الأعراق، فأنتجت القوة ~~النورماندية والذكاء الفرنسي في القرن الحادي عشر في غرب أوروبا مظهرا للخميرة ~~المسيحية لا يقل كثيرا عن ذلك الذي مجد الشرق قبل ذلك بخمسمائة عام. # ولأؤكد مرة ثانية أنني عندما أتحدث عن الخميرة المسيحية أو المنحدر المسيحي فأنا لا ~~أفكر في الدين العقدي، وإنما أفكر في تلك الروح الدينية التي تعد المسيحية، بعقائدها ~~وطقوسها، مظهرا واحدا من مظاهرها، والبوذية مظهرا آخر. وعندما أتحدث عن الفن كمظهر ~~للروح الدينية فأنا لا أعني أن الفن يعبر عن عواطف دينية معينة، بله أن يعبر عن أي شيء ~~لاهوتي. لقد قلت إنه إذا كان الفن يعبر أي شيء فإنه يعبر عن انفعال يحس تجاه الشكل ~~المحض وتجاه ذلك الذي يمنح الشكل المحض دلالته الفائقة؛ لذا فعندما أتحدث عن الفن ~~المسيحي فأنا أعني أن هذا الفن كان منتجا لحالة من الحماسة تعد الكنيسة المسيحية ~~منتجا آخر لها، كانت الروح الجديدة بعيدة عن أن تكون مجرد فورة إيمان مسيحي؛ بحيث ~~إننا لنجد تجليات لها في الفن الإسلامي، # 12 # يعلم ذلك كل من شهد صورة فوتوغرافية لمسجد عمر في القدس. لم تكن النهضة ~~الانفعالية في أوروبا هي الانتشار الواسع للمذاهب المسيحية، وإنما من خلال الإيمان ~~المسيحي تأتى لأوروبا أن تدري بإعادة اكتشاف الدلالة الانفعالية للعالم. ليس الفن ~~المسيحي تعبيرا عن عواطف مسيحية محددة، بل عندما أيقظت المسيحية الناس هنالك فقط شرع ~~الناس في الإحساس بانفعالات تعبر عن نفسها في الشكل. لقد كانت المسيحية هي ما وضع ~~أوروبا في تلك الحالة من الفورة الانفعالية التي انبثق منها الفن المسيحي. # يبدو أن تيار الحماسة قد أخذ بلب العالم الشرقي، وحتى العالم الرسمي، لحظة ما، في ~~القرن السادس، غير أن المسئولين البيزنطيين لم يكونوا أكثر شغفا بالسباحة من غيرهم، لم ~~يكن ms095 الرجال المسيرين للآلة الإمبراطورية، والدارسين للشعراء السكندريين، والمشتغلين ~~بالأركيولوجيا الكلاسيكية على سبيل الهواية؛ لم يكونوا ليحدقوا بشغف. ليس غير الناس، ~~المتبعين للنساك، بغموض وبغباء دون شك، من كان إلى جانب الانفعال وإلى جانب المستقبل، ~~وسرعان ما بدأت الإمبراطورية بعد وفاة جستنيان تنقسم إلى معسكرين. كان الفن الديني، على ~~نحو ملائم، هو معيار الطرف الشعبي، وحول هذا المعيار نشبت المعركة، قال لورد ملبورن: ~~«لا أحد يفوقني احتراما للدين المسيحي، ولكن إذا بلغ الأمر أن تجر إلى الحياة ~~الخاصة ...» في القسطنطينية شرعوا في جر الدين، والفن أيضا، إلى حرمة العاصمة الخاصة. ~~لم يكن ثمة مسئول جدير باسمه يمكنه أن يشاهد الظل يضحى به من أجل الجوهر دون أن ~~تلح عليه رغبة في استدعاء الشرطة للقبض على شخص ما. وقد أصبحت يقظة المسئولين ~~البيزنطيين واحتراسهم مضرب الأمثال. نعلم من رسالة كتبها الباب جريجوري الثاني إلى ~~الإمبراطور ليو، الأيقونوكلاستي (محطم الأيقونات الدينية)، أن الناس كانت على استعداد ~~لأن تهب أملاكها من أجل صورة، كان هذا عند البابا والإمبراطور والسيد فينلي المؤرخ ~~برهانا كافيا على فساد خلقي مروع، وكانوا يضاهون ذلك، فيما أعتقد، بطيش ~~المجدلية الفاضح. كان الناس بالقسطنطينية الذين يأخذون الفن مأخذ الجد، وإن بروح ~~أدبية مفرطة إلى حد بعيد، # dicunt enim artem pictoriam piam ~~esse ~~. كان لا بد لهذا أن يتوقف، وفي بواكير القرن الثامن بدأ ~~الهجوم الأيقونوكلاستي، لا تعنينا حرب المائة عام هذه، التي أدار فيها الحزب الشعبي ~~مقاومة جريئة وناجحة في النهاية، غير أن هناك تفصيلة جديرة بالملاحظة؛ فأثناء الاضطهاد ~~الأيقونوكلاستي ظهر فن شعبي جديد في تلك الأديرة البعيدة، وحولها، التي كانت معاقل ~~النساك، والمثال الأشهر على هذا الفن هو «الكلودف سلتر» # Chloudof Psalter ~~. من المؤكد أن فن الكلودوف سلتر ليس فنا عظيما؛ ~~فالرغبة في الإيضاح تفسد، في عامة الأحوال، كلا من الرسم والتصميم، إنها تفسد ~~ولكنها لا تدمر تماما؛ ففي كثير من الرسوم يبقى ثمة شيء ما ذو دلالة، ثمة دائما، ~~رغم ذلك، واقعية مفرطة وأدبية مفرطة، ولكن لا الواقعية ms096 ولا الأدبية مستقاة من النماذج ~~الكلاسيكية؛ فالعمل مبتكر في صميمه، وهو أيضا شعبي في صميمه؛ إنه أشبه حقا ببيان ~~حزبي، ونحن في موضع منه نرى الإمبراطور ووزراءه يؤدون عملهم كاجتماع سري للمدانين، ~~فلنتجنب الإسراف في القيمة الفنية التي نضفيها على الكلودوف سالتر، ولكنه على أعلى ~~درجة من الأهمية كوثيقة؛ لأنه يعرض بوضوح ذلك التضاد بين الفن الرسمي ~~للأيقونوكلاستيين الذي يستند إلى التقليد الهلينستي ويقتبس ببلادة من بغداد، وبين الفن ~~الحيوي الذي يستمد إلهامه من الحركة المسيحية ويحول كل اقتباسه إلى شيء ما جديد، ~~وجنبا إلى جنب مع هذا الفن الحي للحركة المسيحية سنرى مخرجا مستمرا من العمل القائم ~~على تقليد النماذج الكلاسيكية، تلك الأشياء الفظة والكئيبة التي تطل كثيرا في الفن ~~البيزنطي المبكر، والفن الميروفينجي # Merovingian # 13 # والكارولينجي والأوتوني # 14 # والرومانسكي والإيطالي المبكر، ليست مع ذلك ميراثا من الفترة ~~الأيقونوكلاستية، إنها الظل الطويل الذي ألقته عبر التاريخ إصبع روما الإمبراطورية، ~~لم يكن الأذى الذي اقترفه الأيقونوكستيون متعذر الإصلاح ولكنه كان خطرا. أطلق ~~المسئولون البيزنطيون، مخلصين لطبقتهم، أطلقوا العنان لذوق في الأثاث، مانحين بذلك ~~هجومهم وخزا غير متعمد، وكشأن نبلاء النهضة الكلاسيكية حطوا منزلة الفن، الذي هو ~~ديانة، إلى تنجيد، إلى حرفة وضيعة. لقد رعوا حرفيين لم يكونوا ينعمون النظر في ~~قلوبهم بل في الماضي؛ من جاء من بلاط الخليفة بنماذج بارعة، ومن العصر الكلاسيكي ~~القديم بإيهامات أنيقة؛ لكي تقوم مقام التصميم الدال، وقد نظروا إلى اليونان، وروما ~~مثلما فعل رجال النهضة، ومثلهم أضاعوا في علم التمثيل فن الخلق، في عصر ~~الأيقونوكلاستيين بدأت النمذجة - النمذجة الرومانية الفظة - تنتأ وتلتف على نحو ~~زخرفي في القسطنطينية، القرن الثامن في الشرق هو بشير القرن السادس عشر في الغرب؛ إنه ~~استعادة المادية مع عشيقها: الفن الخنوع، يروي لنا فن الأيقونوكلاستيين حكاية أيامهم؛ ~~إنه فن وصفي، ورسمي، وتلفيقي، وتاريخي، وبلوتوقراطي، وبلاطي، وسوقي، ولحسن الحظ كان ~~انتصاره جزئيا وسريع الزوال. # ذلك أن الفن كان بعد عفيا بحيث لا تخنقه حفنة من كبار الموظفين المهذبين، وفي ~~النهاية انتصر ms097 النساك، وتحت الريجنت تيودورا (842م) استعيدت الصور أخيرا، وتحت الأسرة ~~البازيلية (867-1057م) والكومنينية # 15 # تمتع الفن البيزنطي بعصر ذهبي ثان، ورغم أني لا يمكنني أن أرفع أفضل ~~فن بيزنطي للقرن التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر إلى نفس المستوى العالي الذي ~~أضع فيه مستوى فن القرن السادس؛ فأنا أميل إلى أن أضعه في مستوى أعلى، لا من أي شيء ~~سيأتي فحسب، بل أيضا من أرقى منجزات لأزهى عصور مصر وكريت واليونان. ~~(2) تألق وانحدار # Greatness and Decline # بعد أن ألقينا نظرة على بدايات الفن المسيحي ينبغي ألا نتلكأ عند التاريخ البيزنطي؛ ~~فالتجار والصناع الشرقيون الموغلون في أوروبا الغربية من البحر الأدرياتيكي وعبر وادي ~~نهر الرون حملوا معهم الخميرة، والرهبان الذين احترشتهم من الشرق الاضطهادات ~~الأيقونوكلاستية وجدوا أوروبا الغربية مسيحية وغادروها دينية. إن قوة الحركة في أوروبا ~~بين سنة 500 و900م لا تقدر في عامة الأحوال حق قدرها، يعود ذلك جزئيا إلى أن آثارها ~~الباقية غير واضحة؛ فالمباني هي الأشياء التي تقتنص العين، وقلما توجد خارج رافينا ~~عمارة مسيحية لهذه الفترة. كذلك جدا ما يسمح للفن المهذب المدلل لبلاط النهضة ~~لشارلمان أن يسيء تمثيل عصر ويغثي آخر، ومعظم تلك الحلي التافهة الوفيرة المصنوعة ~~للأباطرة الكارولينيين والأوتونيين، والتي يمكنك أن تراها الآن في آكن # Aechen ~~، # 16 # بهيمية شأنها شأن أي شيء آخر مصنوع فقط لكي يكون ثمينا؛ إنها تعكس الذوق ~~الجرماني في أسوأ حالاته، ومن الحكمة في اقتفاء خط المنحدر المسيحي وتقدير قيمته أن ~~نتغاضى حتى عن أفضل الجهد التيوتوني؛ # 17 # فمعظمه ليس فنا بدائيا أو قروسطيا أو نهضويا، بل هو فن جرماني، وهو ~~على كل حال مظهر للطابع القومي وليس إلهاما إستطيقيا، أغلب الخلق الإستطيقي يحمل ~~ميسم القومية وقلما تحمل القومية الجرمانية أي أثر من الخلق الإستطيقي، والفروق بين ~~كنوز آكن والعمارة الجرمانية والنحت الجرماني بالقرن الخامس عشر وما ينتج الآن في ~~ميونيخ هي فروق سطحية؛ فكلها تقريبا جرمانية حتى النخاع، جرمانية قلبا وقالبا: ~~أعني أنها منجزة بضمير حي، ونية صادقة، وتمكن ms098 شديد، ومفتقرة بالتحديد إلى ذلك ~~الذي يميز العمل الفني عن أي شيء آخر في العالم، يمكن الشعور بإلهام العصور المظلمة ~~وحساسيتها بأتم وثوق وسهولة في الأعمال الفنية الصغرى المنتجة في فرنسا وإيطاليا، # 18 # على أن إيطاليا فيها من العمارة ما يكفي لأن يثبت تماما، إذا كان ثمة حاجة ~~لبرهان آخر، أن الروح كانت عفية، إنه عصر ما يسميه سيجريفويرا العمارة قبل ~~اللومباردية-الإيطالية البيزنطية: إنه عصر المدرسة البيزنطية للتصوير في روما. # 19 # إن ما فعله «البرابرة»، بشكل غير مباشر، للفن هو شيء لا يمكن إنكاره؛ لقد ~~أزالوا تقريبا تقليد الثقافة، شرعوا في القضاء على بعبع الإمبراطورية، لقد نظفوا ~~السجل، واستطاعوا أن يقدموا قوارير جديدة للخمر الجديد. يتعذر على الفنانين أن ~~يكبتوا حسدهم عندما يسمعون أن المصورين والأساتذة الأكاديميين قد استرقوا ~~بالنقاط. لقد تسلم البرابرة المشعل واجترحوا في ضوئه الأعاجيب. غير أن الناس في تلك ~~الأيام كانوا منشغلين بالقتال والحرث والصلاة؛ بحيث لم يبق لهم متسع من الوقت لأي شيء ~~آخر. لقد امتصت الحاجات المادية طاقاتهم دون أن تسمنهم، كانت شهيتهم الروحية ضارية ~~ولكن كان لديهم دين حي وفن حي ليشبعاها. يفترض الناس أن العوز والقلاقل في العصور ~~المظلمة قد حطت بالبشرية إلى منزلة لا تكاد تفترق عن الحيوانية، غير أن فنهم وحده ~~يدحض ذلك. وثمة دليل آخر: إذا كان الاضطراب والقلاقل تحط البشر إلى البهيمية لكان ~~الإيطاليون بالقرن التاسع هم أولى الناس بالثغاء والرغاء؛ # 20 # لقد كانوا عرضة على الدوام لتحرشات العرب والمجر واليونان والفرنسيين ~~والجرمان على اختلاف أنواعهم، وكانوا محرومين من حوافز العمل والخلق التي أنتجت في زمن ~~الأمن الواسع للباكس رومانا # 21 # والباكس بريتانيكا تلك الثمار المجيدة للموهبة الفردية والعظمة العامة، على ~~أن المستشكفين المجريين في 898م يرون أن شمال إيطاليا كثيف السكان ومليء بالمدن المحصنة، # 22 # أحرقت لدى الاستيلاء على بارما (924م) أربع وأربعون كنيسة، ومن المؤكد ~~أن هذه الكنائس كانت أشبه بسانتا ماريا دي بومبوزا أو سان بيترو في توسكانيلا منها بالكلوسيوم # 23 # أو محاكم العدل الملكية، ms099 لا شك البتة في أن المخرج الفني في العصور ~~المظلمة كان محصورا بفقره؛ فقد أنتج من فن الطبقة الأولى في أوروبا بين عامي 500 ~~و900م أكثر مما أنتج في نفس البلاد بين عامي 1450 و1850م. # ذلك أنه في تقدير القيمة الفنية لحقبة ما يميل المرء أولا إلى النظر في روعة ~~منجزاتها الكبرى، وبعد ذلك يحسب كمية أعمال الطبقة الأولى المنتجة، وفي النهاية يحسب ~~نسبة الأعمال الفنية المقطوع بفنيتها إلى المخرج الكلي، يبدو أن النسبة في العصور ~~المظلمة كانت مرتفعة، وهذه من سمات الفترات البدائية ؛ فالسوق أضيق من أن يغري الكثير ~~من كبار المنتجين، وظروف المعيشة أقسى من أن تقيم أود رسام الأكاديمية أو الصالون ~~المعتاد الذي يعيش على مقدراته الخاصة ويكب على الفن لأنه غير مؤهل لأي شيء آخر، مثل ~~هذا المنتج الذي ينبئنا وجوده عن حالة الفن أقل مما ينبئنا عن حالة المجتمع، والقمين ~~بأن يكون أسوأ عامل في طاقمه، وأسوأ جندي في سريته، والذي كان النتاج الرئيسي لمدارس ~~الفن الرسمية - مثل هذا لم يسمع عنه في العصور البدائية؛ ولذا فإن علينا في ~~استدلالاتنا ألا نغفل الميزة التي تتمتع بها الفترات البدائية، ألا وهي أن من بين ~~أولئك الذين يقدمون أنفسهم كفنانين فإن الغالبية العظمى لديها موهبة ما حقيقية، ~~وإنني لأجرؤ على الحدس بأنه بين الأعمال التي بقيت من العصر المظلم فإن نسبة عالية ~~مثل 1 : 12 تحوز قيمة فنية حقيقية، فلو أن نسبة الفن المنتج بين 1450 و1850م مكافئة ~~لنسبته في الفترة بين 500 و900م لترجح جدا ألا تشتمل هذه الفترة على عمل فني واحد، ~~الحق أننا نميل إلى أن نرى الأشياء الأهم فحسب لهذه الفترة وأن نضرب صفحا عن السقط ~~الفاضح، على أني حين أحكم من الأعمال المنتقاة التي استرعت نظرنا في صالات العرض ~~والمعارض والمجموعات الخاصة، لا أعتقد بأي حال أن نسبة تتعدى 1٪ من الأعمال المنتجة ~~بين 1450 و1850م يمكن أن توصف بحق كأعمال فنية. # ليست المنجزات الكبرى للفن المسيحي بين 900 و1200م أعلى قدرا من ms100 منجزات العصر الذي ~~يسبقه. الحق أنها تقصر عن الروائع البيزنطية للقرن السادس، ولكن فن الطبقة الأولى لهذه ~~الفترة الثانية كان أغزر، أو لعله كان أنجح في البقاء من فن الفترة الأولى. إن العصر ~~الذي أورثنا العمارة الرومانسكية واللومباردية والنورمانية لا يبدي أمارة انحلال، فما ~~نزال على المرتفعات المنبسطة ل «النهضة ~~المسيحية» # Christian Renaissance ~~، والفنانون لا يزالون بدائيين، والناس لا تزال تشعر بدلالة ~~الشكل بما يكفي لأن يخلقوه بغزارة، والثروة الزائدة تشتري فراغا زائدا، وبعض هذا ~~الفراغ يكرس لخلق الفن؛ لذا فأنا لا أعجب بالرأي الشائع (وإن يكن في رأيي غير دقيق) ~~القائل بأن هذه كانت الفترة التي بلغت فيها أوروبا المسيحية قمة تاريخها الروحي؛ ~~فآثارها في كل مكان مهيبة أمام أعيننا، وبوسعنا أن نرى انتصارات الفن الرومانسكي لا في ~~فرنسا وإيطاليا وإسبانيا فحسب، بل في إنجلترا وفي بلدان خارجية بعيدة بعد الدنمرك ~~والنرويج والسويد، كانت هذه آخر درجة منبسطة في الرحلة الطويلة من سانتا صوفيا إلى سانت ~~جونز وود. # ومع العمارة القوطية بدأ الانحدار، والعمارة القوطية تلاعب في الحجر والزجاج، إنها ~~الطريق الملتف الذي ينتهي في كعكة عرس أو إطار مؤنف، الكاتدرائية القوطية عمل ~~براعة، وهو أيضا ميلودراما، ادخل ولسوف تروعك مهارة البناء المنقطعة النظير، وربما ~~سيروعك حس بسر وقوة غامضين، ولكن لن يهزك الشكل الدال، قد تتأوه «آه» وتنهار، ~~ولكنك لن تنسلك في وجد متقشف. طوف حولها وتنعم بدقائق حرفة البناء، والأركان ~~الغريبة، والميازيب والدعامات الطامحة، ولكن لا تتوقع الرعشة التي ترجع إدراك الصواب ~~الشكلي المحض، إنما في العمارة تولد الروح الجديدة أول ما تولد، وفي العمارة تموت أول ~~ما تموت. # نحن نجد الروح حية في نهاية القرن الثاني عشر في النحت الرومانسكي وفي الزجاج الملون: ~~بوسعنا أن نراها في كاتدرائية شارتر وفي كاتدرائية بورج، # 24 # في كاتدرائية بورج ثمة إشارة إلى الطريقة التي تسير بها الأمور في حقيقة ~~أننا في مبنى تافه نجد زجاجا وبعض كسر من النحت جديرة بشارتر وبأي عصر أو مكان. إن ~~شيمابو # Cimabue # ودوتشو ms101 # Duccio # هما آخر الممثلين العظام في الغرب للتقليد الأعظم؛ التقليد ~~الذي يولي الجوهري كل شيء ولا يولي العرض شيئا؛ فمع دوتشو على كل حال كان حس الشكل ~~تقليدا بقدر ما هو حيوي: وشيمابو هو «فان دي ~~سيكل» # Fin de siècle ~~، # 25 # يقولون إن شيمابو مات في 1302م، ودوتشو بعد ذلك بخمسة عشر عاما، ومع جوتو ~~(ولد في 1276م)، وهو فنان أعظم من كليهما، ندور حول مفرق حاد بقدر حدة المفرق الذي ~~ذرعناه قبل ذلك بمائة عام مع ابتكار العمارة القوطية في فرنسا، ربما يكون جوتو من ~~الطبقة الثانية عن عمد؛ فقد كان بوسعه أن يضحي بالشكل من أجل الدراما والحكاية، ~~صحيح أنه لم يتخل عن الجوهري قط ولكنه كان ينتقص من أركانه أحيانا، لقد كان دائما ~~مشغوفا بالفن أكثر من شغفه بسانت فرنسيس، ولكنه كان ينسى أحيانا أن سانت فرنسيس لا ~~صلة له البتة بالفن. ذلك شيء صحيح نظريا إلى حد كبير؛ فالبيزنطيون كانوا يعتقدون ~~أنهم أكثر اهتماما باللاهوت الدوجماتي منهم بالشكل، وما من فنان عظيم إلا كان يضمر ~~شيئا من ذلك. الحق أنه ليس أخطر على الفنان من أن يعمد عن وعي إلى إغفال كل شيء عدا ~~الفن؛ فأن يعتقد الفنان أن فنه معني بالدين أو السياسة أو الأخلاق أو السيكولوجيا أو ~~الحقيقة العلمية ذلك خير؛ إذ يحفظ عليه حيويته وانفعاله وعافيته، ويعصمه من النزعة ~~الجمالية العاطفية، ويجعل في يده مشكلة فنية ملائمة، ولكن على الفنان أن ينسى كل هذه ~~الأشياء، وعجزه عن نسيانها بالسهولة التي ينسى بها صائد السلمون غداءه هو طامة كبرى. ~~لم يكن جوتو ينسى بسهولة؛ فهناك جداريات نجد فيها أن جوتو إذ يفشل في الإمساك بدلالة ~~شكل ما فإنه يدعها تقرر حقيقة أو تقترح موقفا. بلغ جوتو أعلى مما بلغ شيمابو ولكنه ~~كثيرا ما كان يهدف إلى الأدنى، قارن لوحته «العذراء والطفل» في الأكاديمية بلوحة ~~شيمابو في صالة العرض نفسها ولسوف ترى كم أمكن لإنسانيته أن تهبط به. أما الثقل الفظ ~~لأشكال تلك المرأة وطفلها ms102 فهو أمر لا يخطر لشيمابو لأنه تعلم من البيزنطيين أن الأشكال ~~ينبغي أن تكون دالة لا أن تكون شبيهة بالحياة، لا شك أنه كان في ذهن كليهما شيء ما ~~إلى جانب الاهتمام بالحبكات الشكلية، إلا أن جوتو سمح لذلك «الشيء ما» أن يطغى على ~~تصميمه، بينما ألزم شيمابو تصميمه أن يطغى عليه، ثمة شيء يقال اعتراضا على صورة ~~جوتو، لقد كان مؤرقا بعنف بهاجس أن بشرية الأم والطفل هي المهم فيهما، فأصر عليه ~~بحيث أضر فنه، لم يقو شيمابو على مثل هذا الابتذال، اعقد المقارنة إذن فهي مفيدة ~~ومرشدة، ثم اذهب إلى سانتا كروس أو أرينا شابل واعترف أنه إذا لم يكن أعظم اسم في ~~التصوير الأوربي هو سيزان فإنه جوتو. # من القمة التي هي جوتو يهبط الطريق ببطء ولكن بثبات، يتزعم جوتو حركة نحو المحاكاة ~~والصنع العلمي للصورة، مثل عبقريته كان مقدرا لها أن تكون السبب في حركة، ولكن لم ~~يكن متعينا عليها بالضرورة أن تكون سبب هذه الحركة، ولكن روح أي عصر من العصور أقوى ~~من أصداء التقليد مهما بلغت عذوبتها، وقد اتجهت روح ذلك العصر، مثلما يعلم كل ~~محاضر تعليم مفتوح، شطر «الحقيقة» و«الطبيعة»، بعيدا عن النشوات الفائقة للطبيعة. ثمة ~~لحظة تبدأ الروح فيها تتوق إلى «الحقيقة» و«الطبيعة»، إلى الطبيعية # naturalism # ومظهر الصدق # verisimilitude ~~. وفي تاريخ الفن تعرف هذه اللحظة ببداية الانحطاط، ورغم ~~ذلك تشن حرب متصلة على الطبيعية والمادية من قبل روح عظيمة أو روحين ~~تائقين إلى الطرب الإستطيقي الخالص، ومن عجب أن هذه الحرب يصفها محاضر التعليم ~~المفتوح دائما كمعركة من أجل «الحقيقة» و«الطبيعة»، لا شك البتة أنهم سيظلون مائة ~~عام أو ما يقرب يعلمون تلاميذهم أنه في عصر من التكلف والزيف المفرط ظهر رجلان، ~~سيزان وجوجان، استطاعا بالبساطة والإخلاص أن يردا العالم مرة ثانية إلى مكامن «الحقيقة» ~~و«الطبيعة»، والأعجب من كل هذا أن جزءا مما يقولون سيكون صوابا. # لقد قطعت الحركة الجديدة مع التقليد البيزنطي العظيم، # 26 # وتركت جسد الفن ضحية لهجوم ذلك المرض ms103 الجديد الغريب «النهضة الكلاسيكية» # Classical Renaissance ~~. إن القناة التي ~~تقع بين جوتو وليوناردو هي بداية النهاية، ولكنها ليست النهاية. لقد بلغ الفن الكبر ~~متأخرا، ومات بأسى، وفن القرنين الرابع عشر والخامس عشر - وبخاصة المدارس ~~التوسكانية - ليس مجرد وصلة تاريخية؛ إنه حركة مهمة، أو بالأحرى حركتان، والأسماء السينية # 27 # العظيمة أوجولينو # Ugolino ~~، وأمبروجيو لورنزيتي # Ambrogio Lorenzetti ~~، # 28 # وسيمون مارتيني # Simone Martini ~~، تنتمي إلى ~~العالم القديم قدر انتمائها إلى الجديد، ولكن الحركة التي أنتجت ماساتشو # Masaccio ~~، وماسولينو # Masolino ~~، وكاستانيو # Castgno ~~، ~~ودوناتيلو # Donatello ~~، وبييرو دلا فرنشيسكا Piero della Francesca ~~، وفرا أنجيليكو # Fra Angelico ~~، هي رد فعل من التقليد ~~الجوتي # Giottesque # للقرن الرابع عشر، وهي حركة ~~بالغة الحيوية، وكثيرا، فيما يبدو، ما كان التحريك والاهتياج الذي تثيره الكشوف ~~العلمية الكارثية في الصميم، كثيرا ما كان سببا للفن الجيد، وظني أن التقدير المنزه ~~للمنظور هو الذي مكن أوتشلو # Uccello # ومانتينيا # Mantegna # من بادوا أن يفهما الشكل انفعاليا؛ فلا بد ~~للفنان أن يكون لديه شيء ما لكي يناله انفعال به. # وخارج إيطاليا في بداية القرن الثالث عشر نجد مقاربات الإفلاس الروحي أكثر وضوحا، ~~وإن كان التصوير هنا أيضا أحسن بلاء من العمارة. يبدو أن سبعمائة عام من الخلق الدائم ~~والمجيد قد أنهك العبقرية البنائية لأوروبا؛ فها هي العمارة القوطية تصبح مغثية # 29 # بحيث لا يسع المرء أن يبتهج إلا عندما تستسلم أوروبا وتهجر كل محاولة ~~للخلق وتخلد إلى محاكاة النماذج الكلاسيكية. كان كل خلق حقيقي قد مات قبل ذلك بكثير، ~~وكان نقش ضريحه قد وضعه أستاذ الأوتوفر # Haute Oeuvre # في بوفيز # Beauvais ~~، مجرد ابتكار فكري مسحوب على وجود ~~عقيم ومنحوس، وما الكنيسة القوطية للعصور الوسطى المتأخرة إلا شيء معد حسب الطلب، ~~لقد ابتكرت صيغة بناء يجد داخلها الصانع، الذي أزاح الفنان، فرصة لا نهاية لها لعرض ~~براعته. ثمة حاجة كبرى لمهارة المشعوذ وذوق الفطائري ما دامت قوة الحس وعبقرية الخلق ~~قد فقدت، ثمة تجارة ناشطة في الأشياء الجميلة، وها هي المباني مرصعة بها من كل جانب، ms104 ~~اذهب وأنعم النظر في كل على حدة إذا كان لديك سن للحلوى الرخيصة. # وخارج إيطاليا كان التصوير يتخذ، بعمد أكبر، الطريق الذي دلت عليه العمارة، ~~وبميسورك في المخطوطات المزخرفة أن تشاهد الفظاظة المتصلة للخط واللون، ومع بداية القرن ~~الرابع عشر كانت طلاءات ليموجس # Limoges # 30 # قد ساخت في ذلك السقوط الذي لم تحاول أن تقوم منه أبدا. أما عن التصوير ~~خارج الألب بعد 1250م فحدث ولا حرج؛ فإذا كان الانحدار في التصوير الإيطالي أكثر ~~رفقا؛ فلأن روح النهضة البيزنطية كانت تموت هناك موتا أكثر تعسرا، من جهة لأن ~~الهبوط كان يعاق بفنانين أفراد ارتفعوا فوق ظروفهم، ولكن هنا أيضا كان الذهن يملأ ~~الفراغ الذي تركه الانفعال؛ فالعلم والثقافة يعملان عملهما، وبحلول عام 1500م كان تيار ~~الإلهام قد تضاءل على نحو مخيف بحيث لم يبق إلا ما يدير بالكاد عجلات رجال العبقرية، ~~أما صغار الفنانين فكانوا فيما يبدو جاهزين لأن يسلموا أنفسهم للمحتوم؛ فما دمنا لم ~~نغد فنانين نوقظ فلنكن صانعين ندهش. إنه لشيء مدهش أن نغري القنافذ بتفاحات مرسومة، ~~ذلك يصيب الناس بالذهول. مثل هذه الأعمال، بالمناسبة، دون مستوى خلفاء جوتو، نحن نتركها ~~للهولنديين الذين نحسدهم بعض الشيء رغم ذلك. لقد خسرنا الفن، فلندرس علم المحاكاة، فها ~~هنا مجال للعلم والبراعة، ولأن رعاتنا الذين فقدوا إدراكاتهم الإستطيقية لم يفقدوا ~~كل حواسهم، فلنتملقهم بأشياء تعبر عن الامتنان، لتكن أعنابنا وفتياتنا حلوة كما هي ~~في الحياة، ولكن رعاتنا ليسوا جميعا حسيين؛ فبعضهم أساتذة، وتجارة محاكاة القديم ~~جيدة كتجارة محاكاة الطبيعة. وعلينا نحن علم الآثار والخبرة، تلكم العلامتان التوءمان ~~للفن المشلول؛ ذلك أن استجابة المرء للشكل تتطلب الحساسية، أما معرفة هل احترمت ~~القواعد أم لا فلا تتطلب غير معرفة هذه القواعد، وبحلول القرن الخامس عشر يكون الفن ~~قد أصبح مسألة قواعد، وتقييم الفن مسألة «خبرة» # connoisseurship ~~. # الأدب ليس فنا خالصا بأي حال، قليل جدا من الأدب ما هو تعبير محض عن الانفعال، ~~ولا شيء من الأدب، في اعتقادي، هو تعبير عن انفعال فوق ms105 بشري، معظم الأدب معني، إلى ~~حد ما، بالحقائق والأفكار. إنه فكري؛ ولذا فإن الأدب مرشد مضلل لتاريخ الفن، ~~وتاريخه هو تاريخ الأدب، وهو مرشد جيد لتاريخ الفكر. إلا أن الأدب في بعض الأحيان ~~سيقدم لتاريخ الفن حظا جيدا من البنية الإضافية؛ مثال ذلك أن واقعة أن شارل ~~الأكبر أمر بجمع الأغاني الفرنجية تصنع قلادة أنيقة لنهضة فن آكن؛ فالذين يبدءون في ~~الجمع قد فقدوا الفورة الأولى للخلق، والتغير الذي أصاب الفن التشكيلي في فرنسا تجاه ~~نهاية القرن الثاني عشر منعكس في المنجز التافه لكريتيان دي ترو # Chrètien de Troyes ~~، # 31 # وكان القرن الحادي عشر قد أنتج «أغنية رولان» # Chanson de Roland ~~، وهي قصيدة في عظمة وبساطة كنيسة رومانسكية. لقد ميع ~~كريتيان دي ترو المفاهيم الهائلة لأعماله الأفضل ولوى بها إلى أوهام جيدة النسج. لقد ~~أنتج قصيدة محلقة ورشيقة وغير دالة مثل «كاتدرائية ~~روان» # Rouen Cathedral ~~، # 32 # وفي الأدب، مثلما هو في الفنون البصرية، صمد الأدب أطول صمود، وعندما سقط ~~سقط مثل لوسيفر - سقوطا لا قيام بعده، لم يكن في إيطاليا نهضة أدبية، بل مجرد تقليب في ~~ركام الهراء، وإذا كان ثمة رجل هو علامة وقف كامل فهذا الرجل هو بوكاتشيو # Boccaccio ~~. مات دانتي في رافينا سنة 1321م، وكان موته ~~نقطة تحول في التاريخ الروحي لأوروبا، ووراءه يقع ذلك الذي، إذا أخذ مع الكوميديا ~~الإلهية، كسب لإيطاليا صيتا أدبيا مبالغا فيه، في القرن الثالث عشر كان هناك شعر ~~كثير لا يقل كثيرا عن «مرثية ~~رينالدو» # Lament of Rinaldo ~~. وفي القرن الرابع عشر يجيء بترارك مع بلاء السبك ~~المعسول. # ولينسني الله إن نسيت الفن الإيطالي العظيم للقرن الخامس عشر، ولكن، على الرغم من ~~وجود كوكبة من العبقريات الفردية وحشد من المصورين الرائعين، فإن فن القرن الخامس عشر ~~كان أبعد عن الامتياز من المصورين الجوتيين للقرن الرابع عشر، والمخرج الكلي للقرن ~~الرابع عشر والخامس عشر أدنى بما لا يقاس من الإنتاج البيزنطي والرومانسكي العظيم ~~للقرنين الحادي عشر والثاني عشر. الحق أنه أدنى في ms106 الكيف، إذا لم يكن في الكم، من الفن ~~البيزنطي المتحلل والبيزنطي الإيطالي للقرن الثالث عشر؛ لذا سأقول إنه بنهاية القرن ~~الرابع عشر، وبرغم أن كاستانيو # Castgno # وماسولينو # Masolino # وجنتي لدا فبريانو # Gentile da Fabriano # وفرا ~~أنجليكو # Fra Angelico # كانوا أحياء، وكان ماساتشو # Masaccio # وبييرو # piero # وبليني # Bellini # قادمين لم يولدوا بعد، بدا كما لو أن الطريق ~~الذي بدأ من القسطنطينية في القرن السادس على وشك أن ينتهي بمنزلق، ومن بودابست إلى ~~سليجو يمثل «القوطي المتأخر» شيئا كريها بقدر ما هو «إحياء»، وبعد أن خرجت أوروبا ~~سالمة من الشعاب العالية كانت فيما يبدو بسبيل إنهاء رحلتها بالتردي في جرف، كان على ~~الاندفاع المتهور أن يوقف، وعلى الهبوط أن يهدأ بواسطة انعطاف غريب، بمغامرة ~~خيالية، بانبعاث لم يكن ولادة جديدة، بل بالأحرى مرجل ميديا، # 33 # بمرض نابض بالحياة مليء بالتوق والضحك، كان للعالم القديم أن يمد ~~أربعمائة عام أو نحوها، بواسطة القوة الصادمة ل «النهضة ~~الكلاسيكية» # Classical ~~Renaissance ~~. ~~(3) النهضة الكلاسيكية وآفاتها # The Classical Renaissance # and Its Diseases # لا تعدو «النهضة الكلاسيكية» أن تكون فتلة كبيرة في المنحدر الطويل، غير أنها فلتة ~~كبيرة جدا، إنها حدث ذهني، من الوجهة الانفعالية كان الهزال الذي يبلي أوروبا يمضي ~~في مساره، كانت النهضة مجرد ومضة محمومة، غير أن أهميتها للأدب هائلة؛ فبوسع الأدب ~~أن يستقل بنفسه عن الصحة الروحية، والأدب معني بالأفكار قدر عنايته بالانفعالات، ~~بوسع الأدب أن يعيش على الأفكار معززا مكرما؛ فتاريخ فينلي # Finlay # للإمبراطورية البيزنطية، على سبيل المثال، لا يثير انفعالا ~~يذكر، غير أن بوسعنا أن نسلك فينلي في زمرة الأدباء، كذلك الحال بالنسبة لهوبس وممسن ~~وسنت بيف وصموئيل جونسون وأرسطو؛ فبإمكان الفكر العظيم بغير شعور عظيم أن يصنع أدبا ~~عظيما، وبين أقيم ما لدينا من كتب هناك شطر كبير لا ترجع قيمته إلى خصائصه ~~الانفعالية، وحتى حين يستند العمل العظيم إلى خاصية انفعالية، فإلى أي حد يكون هذا ~~الانفعال إستطيقيا؟ إنني أعرف أن المضمون الفكري والواقعي للشعر العظيم لا يكاد ~~يسهم في ms107 دلالته بشيء؛ فالمعنى الحقيقي للكلمات في أغنيات شكسبير، وهي أنقى ما بلغه ~~الشعر في اللغة الإنجليزية، هو في عامة الأحوال إما تافه أو مبتذل، إنها أغنيات ~~أطفال حكائية أو أغاني غرف استقبال: # تعال، تعال إلي أيها الموت، # ووارني تحت سروة حزينة، # واغربي، اغربي عني أيتها الحياة؛ # فقد قتلتني فتاة قاسية جميلة. # هل يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر ابتذالا من هذا؟ # هارك هارك # باو واو # كلاب الحراسة تنبح # باو واو # هارك هارك! أسمع # لحن ديك مختال # يصيح، كوك-آ-ديدل-داو. # ماذا عساه أن يكون أكثر هراء؟ وفي قريض شاعرنا الثاني ملتون (العظيم ~~بحيث إن كلمة «الثاني» قبل اسمه تبدو زائفة كضحكة الأبله) فإن الأفكار ضحلة مرارا، ~~والوقائع كاذبة عادة، وعند دانتي إذا كانت الأفكار عميقة أحيانا والانفعالات رهيبة ~~فإنها، كقاعدة، ليست موافقة لأفضل مشاعرنا؛ فالوقائع أشبه بمحفوظات امرأة هابطة ~~سليطة. إن موسيقى الشكل هي التي تصنع معجزة الشعر العظيم؛ فالشاعر يعبر في شكل لفظي ~~عن انفعال لا يتصل بالألفاظ التي وضعها إلا صلة بعيدة، غير أنه يتصل بها على أية ~~حال، وهو من ثم ليس انفعالا فنيا خالصا. إن الشكل ودلالته ليسا كل ما في الشعر؛ ~~فالشكل والمضمون في الشعر ليسا شيئا واحدا، ورغم أن بعض أغنيات شكسبير تقترب من الفن ~~الخالص فهي لا تخلو من واقع الأمر من أشابة. إن الشكل في الشعر مثقل بمضمون فكري، ~~وهذا المضمون هو حالة نفسية تمتزج بانفعالات الحياة وتستند إليها، ومن هنا يعجز ~~الشعر، رغم ما فيه من مواجد، عن أن ينقلنا إلى تلك الذرى العالية من الغبطة ~~الإستطيقية التي ينقلنا إليها الشكل البصري والموسيقي الخالص بفضل انفصاله عن الحياة ~~البشرية. # كانت «النهضة الكلاسيكية» قراءة جديدة للحياة الإنسانية، وما أضافته إلى رأس المال ~~الانفعالي لأوروبا كان حسا جديدا بروعة الشئون الإنسانية، وإذا كان رجال النهضة ~~ونساؤها قد اهتزوا ب «الفن» و«الطبيعة»؛ فلأنهم في «الفن» و«الطبيعة» رأوا انعكاساتهم ~~الخاصة، لم تكن «النهضة الكلاسيكية» إعادة ميلاد بل إعادة اكتشاف؛ وذلك الخليط الرائع ~~من الفكر والملاحظة والتوق ms108 والبلاغة والحذلقة - الذي نسميه أدب «النهضة» هو أفضل ~~وأميز آثارها، والذي أعاد اكتشافه هو الأفكار التي من عليائها اكتسب القدماء رؤية ~~للحياة، اقتبست «النهضة» هذه الرؤية، وبفعلها هذا نزعت الوخزة من الموت الروحي للعصور ~~الوسطى المتأخرة. لقد بينت للناس أنهم نجحوا أيما نجاح بدون روح، وجعلت المادية ~~محتلمة بأن بينت كم يمكن أن يعمل بالمادة والذهن، ذلك كان عملها الفذ. لقد علمت ~~الناس كيف يبذلون غاية جهدهم رغم المصاعب، وأثبتت أنه بتثقيف الحواس وجعل الذهن ~~يتفكر فيها تتسنى إثارة انفعال ما من صنف رديء، فعندما فقد الناس إبصار الروح ~~سربلت الجسد برداء من فتنة. # كانت «النهضة الكلاسيكية»، جوهريا، حركة فكرية، مما يثبت ذلك، في اعتقادي، حقيقة ~~أنها لم تمس الطبقات غير المتعلمة تقريبا. لقد عانوا من جرائها، ولم تقدم لهم أي ~~شيء، وبينا موجة من الانفعال تفيض على الحدائق الخلفية، بقي تيار ذهني داخل في ~~قنوات الري، لقد أتمت «النهضة الكلاسيكية» الانفصال بين العلية والعامة. كان اللورد ~~القروسطي في قلعته والفلاح القروسطي في كوخه صنوين روحيين يفكران ويشعران نفس ~~الشيء، ويضمران نفس الآمال والمخاوف ، ويتقاسمان إلى حد عجيب آلام ومسرات مجتمع ~~بسيط وقاس نوعا ما، جاءت «النهضة» فغيرت كل ذلك. دخل اللورد عالما جديدا من ~~الأفكار والحسية الرفيعة، وبقي الفلاح حيث هو، أو تدنى أكثر حيث بدأت بقايا الدين ~~الروحي في الزوال عند الطغام. لم يتغير الفن الشعبي إلا ببطء شديد بحيث إننا في ~~أواخر القرن الخامس عشر وفي القرن السادس عشر لا نزال نجد في الأركان القصية أشياء ~~خاما ولكن بالغة الإثارة. كان بناء القرية لا يزال بوسعه أن يخلق بالحجر في الوقت ~~الذي كان فيه جاك كور يبني لنفسه أول «مقام جدير بمليونير» يتم إعلاؤه منذ أيام ~~هونوريوس # Honorius ~~، ولكن تدهور الفن الشعبي ببطء ~~مع تقدم الفن البلوتوقراطي عدوا، ذلك حدث غريب سرعان ما ضاعت آثاره. أما الحقيقة ~~الجليلة فهي أن أوروبا النهضة بالتأكيد قد أدارت ظهرها للرؤية الروحية للحياة، بهذا ~~التخلي تصبح القدرة على خلق الشكل الدال ms109 هي الموهبة الملغزة للعبقرية العارضة، فينتج ~~فرد من هنا وهناك عملا فنيا؛ ومن ثم صار الفن يعتبر شيئا متفرقا في الصميم ~~وغريب الأطوار. يعد الفنان أعجوبة، ها نحن أولاء في عصر الأسماء والفهارس وعبادة ~~العبقرية، ألا إن عبادة العبقرية هي علامة لا تخطئ على عصر غير خالق، أما في العصور ~~العظيمة فقد لا نكون جميعا عباقرة ولكن كثيرا منا فنانون، وحيثما كان هناك كثرة من ~~الفنانين يميل الفن إلى أن يصير غفلا (من الاسم). # كانت «النهضة الكلاسيكية» شيئا مختلفا في النوع عما قد أسميته «النهضة المسيحية»، ~~وهي تقع بالضرورة في موضع ما بين سنة 1350 و1600م، ضعها حيث شئت، أما أنا فأتصورها ~~دائما كثوب رائع وجيد التفصيل قد من السنوات الواقعة بين 1453 و1594م، بين سقوط ~~القسطنطينية ووفاة تينتوريتو # Tintoretto ~~؛ وهي عندي عصر ~~ليوناردو، وشارل الثامن، وفرنسيس الأول، وقيصر بورجيا، وليو العاشر، ورفائيل، ~~ومكيافيللي، وإرازموس الذي ينتقل بنا إلى المرحلة الثانية، فترة السياسة الكنسية ~~الغاضبة لكليمنت السابع # Clement VII ~~، وفونتينبلو # Fontainebleau ~~، ورابيليس # Rabelais ~~، وتيتيان # Titian ~~، ~~وبالاديو Palladio ~~، وفيزاري # Vesari ~~، ولكن على أي تقدير فإن «النهضة الكلاسيكية» تقع بين العلو ~~الروحي لأوائل القرن الثاني عشر والمادية الوطيدة لأواخر القرن السادس عشر، وأيما شيء ~~حدث فإنما حدث بين هذين التاريخين، وكل ما حدث بالفعل لا يعدو أن يكون تغيرا من رجولة ~~متأخرة إلى شيخوخة مبكرة مضاعفة بانتقال لمنزل آخر، وجالبة معها هوايات وحرفا ~~جديدة، الانحدار من القرن الحادي عشر إلى السابع عشر مستمر ويتوقع، أما التغير من عالم ~~أوريليان إلى عالم جريجوري الأكبر فكارثي، منذ «النهضة المسيحية». ورغم الأفكار ~~والمعرفة الجديدة، فقد أفسد العالم بالاحتشام والنظام، ولزمه أكثر من إعادة اكتشاف ~~النصوص الإغريقية والتماثيل الإغريقية-الرومانية لكي تثار الجوائح والزلازل التي ~~ردته شابا. # كان فن «النهضة العالية» (ذروة النهضة) # High ~~Renaissance # مكيفا بمطالب رعاته، ولا غرابة في ذلك؛ فهو مرحلة ~~معروفة في مسيرة الانحدار، كان رعاة «النهضة» يريدون كثيرا من الجمال من الصنف المفضل ~~لدى السماسرة السريعي التأثر، إلا أن بلوتوقراطيي القرن السادس ms110 عشر كان لديهم ذوق ~~رقيق وحساس قمين بأن يجعل منازل وطرائق السماسرة المحدثين غير محتملة بالنسبة لهم. قد ~~يكون مليونيرات «النهضة» سوقيين غلاظا ولكنهم كانوا سادة عظاما؛ فهم ليسوا أوغادا ~~أميين، ولا بيوريتانيين فضوليين، ولا حتى مخلصي مجتمع، غير أننا إن شئنا أن نفهم الرواج ~~المذهل لنساء تيتيان وفيرونيز # Veronese # يتعين علينا ~~أن نلاحظ عذوبة مقبلهن ورغبتهن الواضحة في أن يقبلن، هذا الجمال الذي يمكن أن ~~نستبدل به كلمة # desirableness ~~«مرغوبية»، وهذا الجمال ~~غير الدال الذي هو جمال الجواهر، كان مطلوبا بشدة. المحاكاة أيضا كانت مطلوبة؛ فإذا ~~كان على الصور أن تسرنا بوصفها اقتراحات أو تذكارات، توجب للأشياء التي تقترح أو تذكر ~~أن تصور بإتقان، تعين على هذه الصور أن تثير انفعالات الحياة أولا. أما الانفعال ~~الإستطيقي فكان أمرا ثانويا، كان المقصود من لوحة «النهضة» أن تقول بالضبط تلك ~~الأشياء التي يود الراعي أن يسمعها، وفي هذا الطريق تكمن نهاية الفن. قد يكون من ~~الخبث أن تحاول أن تصدم الدهماء، ولكن الأخبث منه أن تحاول إرضاءها. ولكن بغض النظر ~~عما اضطر مصورو «النهضة» أن يقولوه، فقد قالوه بالطريقة الرفيعة، تذكر أننا لسنا ~~هولنديين؛ لذا دع كل صورك توعز بالانفعال المناسب بواسطة الإيماء المناسب؛ الإيماء ~~الذي يكرسه التقليد العظيم، أطراف مشدودة، سيماء الحب والكره والحسد والخوف والرعب، ~~أعين تشخص لأعلى أو تغض لأسفل، أياد مبسوطة أو مقبوضة في يأس؛ فبواسطة عدتنا ~~الرائعة، ومهارتنا الأروع، يمكننا أن نقدم لهم كل ما يطلبونه دون إحباط ~~الفوتوغرافيين. غير أننا لسنا جميعا رواة؛ فبعض رعاتنا شعراء، العالم المرئي عند ~~هؤلاء لا يوحي بحالات مزاجية أو، على أية حال، يتعاطف معها. هؤلاء يقدرون الأشياء ~~لارتباطها بهزل الحياة وحماقتها وعاطفتها الرومانسية، ولهؤلاء أيضا نحن نرسم صورا، ~~وفي صورهم نحن نضفي على الطبيعة من الإنسانية ما يكفي لجعلها شائقة: سيدي الراعي فاسق؟ ~~سيمنحه كوريجيو # Correggio # خلفية لمزاجه، سيدي جليل؟ ~~سينبئه مايكل أنجلو أن الإنسان حقا حيوان نبيل عضلاته متمعجة بشكل بطولي مثل زنبركات ~~الساعة. أنتج القرن السادس عشر ms111 جنسا من الفنانين متميزا من حيث شعورهم بالجمال ~~المادي، ولكنه عادي، يجيء حيث هو عند قدم التلال، من حيث حرفيتهم التقنية وفقرهم ~~الإستطيقي. البراعة الحرفية تمسك الشمعة التي تفضح ~~خواء الخزانة، الدلالة الإستطيقية للشكل لا تحس إلا إحساسا واهنا وغير خالص، والقدرة ~~على خلقه مفقودة تقريبا، غير أن الأوصاف الأدق قلما تم تصويرها. لقد عرفوا كيف ~~يصورون في القرن السادس عشر، أما عن البدائيين - باركهم الله - فقد بذلوا وسعهم، ماذا ~~كان بوسعهم أكثر من ذلك وهم لا يقدرون حتى على تدوير فخذي امرأة؟ # كانت النهضة إعادة ولادة أشياء أخرى إلى جانب تذوق أطراف مستديرة والعلم الخاص ~~بتمثيلها، وها نحن نسمع مرة ثانية بمرضين، متوطنين في روما الإمبراطورية، يحصن ~~كل مجتمع حيوي وعفي نفسه منهما بدرجة معقولة؛ تصيد النادر، والاطلاع الواسع. ~~ليس بوسع هذين الطفيليين التمكن من جسم صحيح، إنما على المادة الميتة أو ~~المحتضرة ينموان ويسمنان؛ فشهوة تملك ما هو نادر ليس إلا؛ هي مرض ينشأ عندما تشيخ ~~الحضارة، ويلازمها إلى القبر، إنه ~~إعفيني ( # saprophytic ~~)، # 34 # لك أن تسمي صائد النوادر «جامعا» # collector # إذا كنت لا تعني بالكلمة ذلك الذي يشتري ما يسره أو ~~يحركه. من المؤكد أن مثل هذا الشخص لا يستحق الاسم ؛ فهو يفتقد غريزة العقعق الحقيقي؛ ~~فالقيمة الباطنية للعمل الفني عند «الجامع» الحقيقي هي شيء غير ذي صلة؛ فالأسباب التي ~~تجعله يثمن لوحة هي تلك الأسباب التي تجعل جامع الطوابع يثمن طابع بريد، وبالنسبة ~~له يعد سؤال «هل هذا يحركني؟» سؤالا مضحكا، والسؤال «هل هو جميل؟» يعد ~~سؤالا عقيما. ورغم أن جامع الطوابع أو الأعمال الفنية، الشديد التذوق، يسمح للجمال ~~أن يكون جوهرة جميلة في تاج الندرة، فإنه يود منا أن نفهم أن القيمة التي تسبغها هي ~~قيمة عرضية وتعتمد في وجودها على الندرة. لا ندرة لا جمال. أما عن القيمة الإستطيقية ~~الأعمق، فلو قدر لإنسان أن يعتقد في وجودها لكف عن أن يكون جامعا. والسؤال الذي ~~يجب أن يطرح هو: «هل هذا نادر؟» افترض أن الرد ms112 بالإيجاب فسيبقى سؤال آخر: «هل هو ~~أصلي؟» إذا كان عمل أي فنان معين غير نادر، إذا كان العرض يفي بالطلب، فيبقى أن ~~يستنبط أن العمل غير ذي شأن كبير؛ فالفن الجيد هو الفن الذي يجلب أسعارا جيدة ~~والأسعار الجيدة تأتي من قلة المعروض، ولكن رغم أن من المشهور أن عمل فلاسكويز # Velasquez # نادر نسبيا؛ ومن ثم جيد، فإنه يبقى أن ~~يحكم ما إذا كانت لوحة معينة عرضت بخمسين ألفا هي حقا من عمل فلاسكويز. # يدخل الخبير # the expert ~~، الذي أود أن أميزه عن ~~الأركيولوجي وعن الناقد، الأركيولوجي رجل لديه فضول أحمق وخطر عن الماضي، وأنا ~~شخصيا بي من الأركيولوجي خصلة، الأركيولوجيا خطرة لأنها يمكن أن تغشي بسهولة على ~~حساسية المرء الإستطيقية؛ فقد يشرع الأركيولوجي، في أية لحظة، في تثمين عمل من أعمال ~~الفن لا لأنه عمل جيد بل لأنه قديم أو شائق. ورغم أن هذا أقل سوقية، من تثمينه لأنه ~~نادر أو غال فإنه قاتل للتقدير الإستطيقي بنفس الدرجة، ولكن ما دمت على إدراك ببطلان ~~علمي، ما دمت أدرك أنني أعلي من قدر العمل الفني لأني أعلم متى وأين صنع، ما دمت ~~أدرك أنني في الحقيقة في وضع غير موات في الحكم على فسيفساء القرن السادس حين أقارن ~~بشخص لديه نفس الحساسية، ولكنه يعلم ولا يهمه شيء عن الرومان والبيزنطيين، ما دمت ~~أدرك أن النقد الفني والأركيولوجيا شيئان مختلفان؛ فإنني أرجو أن يسمح لي أن أقرزم في ~~هوايتي المفضلة دون أن أفضح، آمل ألا ينالني أذى. # يبدو لي النقد الأدبي في الحالة الراهنة للمجتمع مهنة محترمة وربما مفيدة، يعيش ~~التحيز ضد النقاد، شأنه شأن معظم التحيزات، على الخوف والجهل، وهذا التحيز لا ضرورة ~~له على الإطلاق وهو ساذج نوعا ما؛ فالنقاد في الحقيقة لا ينبغي التهويل من شأنهم. ~~يشك الناس أن النقاد يمارسون كل ضروب السطوة؛ صنع الصيت وطمسه، التضخيم والتقزيم، ~~الترويج والاستغلال؛ وهي أشياء لا أحسبهم قادرين عليها، وبرغم الرأي الشائع عنهم فأنا ~~لا أظن أن النقاد ذوو قوة ms113 جبارة، ولا أنهم فاسدون تماما، الحق أني أرى بعضهم شخصيات ~~بريئة بل محببة. تلك التعريضات الخبيثة (والمتملقة رغم ذلك) والاتهامات المفتوحة ~~بالفساد تخبو بشكل مفجع إذا نظر المرء كم هو ضئيل ما يؤمل فيه ناقد الفن الحديث من ~~تقريظ لوحات تباع بعشرين أو ثلاثين جنيها للواحدة. واعلم أن الخبير عرضة لشيء من ~~الغواية. إذ إن بضع كلمات منه محكمة الوضع قد ترفع لوحة من عشرين ماركا إلى عشرين ألف ~~مارك، ولكن خلق الخبير، كما يعرف الجميع، هي فوق الشكوك. قد تكون مهنة الناقد غير ~~ذات جدوى، ولكنها قد تكون صادقة، وهل هي، بعد كل شيء، أقل جدوى من جميع المهن الأخرى ~~باستثناء المهن المتعلقة بخلق الفن، وإنتاج الطعام والشراب والطباق وحمل أطفال ~~ملاح؟ # إذا «الجامع» سألني كناقد عن رأيي عن لوحة فلاسكويز التي يوشك أن يشتريها، ~~فسأخبره بصدق عن رأيي فيها كعمل فني، سأخبره إن كانت تهزني كثيرا أو قليلا، ~~وسأحاول أن أبين له تلك الكيفيات والعلاقات الخاصة بالخط واللون التي يبدو لي أنها ~~تمتاز فيها أو تقصر، سأحاول أن أعلل درجة انفعالي الإستطيقي. هذه في تصوري هي وظيفة ~~الناقد، أما كل التخمينات عن «أصلية» # authenticity # العمل القائمة على دلالته الشكلية، أو حتى على كماله التقني، فهي مجازفة للغاية؛ ~~فهناك دائما احتمال بأن شخصا آخر كان كفؤا للأستاذ كفنان وكصانع، وأن لهذا الشخص ~~الآخر، ربما، كما هائلا من الإنتاج. قد يبيع الناقد للجامع جروا عاديا بدلا من ~~القطعة غير المدرجة في الفهرس؛ ومن ثم يلتمس الجامع من يستطيع أن يزوده بدليل على ~~أصلية لوحته من ذلك الصنف الذي يرضي حكما خاصا ويحير تاجرا مشتريا، ويضحك ~~مقهقها على البرهان الفني في الدوريات الصغيرة والمجلدات الكبيرة. إن الدليل التوثيقي ~~هو ما يفضله، غير أنه إذا افتقد هذا الدليل فإنه سيتحمل أي تلفيق ماكر للتواريخ ~~والعلامات المائية، والتوقيعات السرية، والتشققات، وصدأ القدم، والخصائص الكيميائية ~~للدهان والخامة، والورق، والقماش، وكل ضروب البرهان غير المباشر، التاريخي والبيوجرافي، ~~والحيل المكشوفة للفرشاة والقلم، ف «الجامع» إنما يستدعي ms114 «الخبير» لكي يقدم ويعرض ~~هذا الصنف من الأدلة. # وأيما شخص قادته الصدفة أو سوء الحظ إلى أوكار الجامعين والخبراء سوف يسلم بأنني ~~لم أبالغ في تصوير هول الأمراض التي ورثناها عن «النهضة الكلاسيكية»، وسيكون قد سمع ~~بقيمة لوحة حددت بناء على تفسير رسالة، وسيكون قد سمع باللوحة التي تشرح من جميع ~~وجهات النظر إلا وجهة ذلك الذي يحس دلالتها: من صنع هذه اللوحة؟ من دفع ثمنها؟ كم ~~دفع؟ عبر أي مجموعات مرت هذه اللوحة؟ ما هي أسماء الشخوص المصورين فيها؟ ما هو ~~تاريخهم؟ ما هو طراز وقصة ستراتهم وبنطالاتهم ولحاهم؟ كم ستساوي في معرض كريستي؟ كل ~~هذه أسئلة للمناقشة، ولسوف تناقش في الحصة التعليمية، ولكن هل سمع أحد في اجتماعات ~~الخبراء شيئا قط عن المزايا الإستطيقية لرائعة فنية يتجاوز ما هو تعليق بارد ~~وسخيف؟ # لقد رأينا الأساتذة في شقاق حول أصلية لوحة في «الجاليري القومي»، يندلع الخلاف ~~حول تفسير علامات معينة في زاوية القماشة، أهي توقيع أم ليست توقيعا؟ وأيا ما يكون ~~الحكم الأخير فاللوحة ستبقى هي اللوحة، غير أنه إن أمكن إثبات أن العلامات هي توقيع ~~التلميذ، ستكون اللوحة عديمة القيمة. إذا تكشف أن «فينوس» لفلاسكويز هي موديل إسبانية ~~من عمل دشل أمازو # Del Mazo # فإني أجزم أن أولئك العظام ~~الذين يرشدوننا ويعلمون الناس أن تحب الفن سوف ينظرون إلى اللوحة باعتبارها قد تدنت ~~إلى منزلة متواضعة تلائم صانعها، إنما هذا التحالف غير المقدس بين «الخبرة» # Expertise # والسلطة ~~الرسمية # Officialdom # هو ما يهدر عشرين ألفا على لوحة لفرانز هالز # Frans Hals # معتمدة لا شك فيها، وأربعين ألفا ~~على لوحة لمابيوز # 35 # لن يود أي فنان صغير أن يستدين من أجلها. # 36 # كان بوسع المشتري الحصيف مقابل النقود أن يحوز واحدة من أرقى المجموعات في ~~إنجلترا؛ فالمعروض كبير والأسماء غير تاريخية. إن التنفج يسوغ صورة شخصية ~~(بورتريه) لسيدة عظيمة وإن كانت من صنع بولديني # Boldini ~~، وحتى السيد لارفي قد يحتفى به إذا جاء بصورة لملك، ولكن ~~أنى لمحتسبينا أن يعلموا ms115 ما إذا كانت صورة لفرد من العامة، أو لشيء غير حي وغير ~~مشهور، من صنع ديجا أو سيزان، ما إذا كانت جيدة أم رديئة، فما يهمهم أن يعرفوا ما إذا ~~كانت لوحة لهالز جيدة، بل يهمهم أن يعرفوا أنها لهالز. # لن أعرض بأي تفصيل نهاية المنحدر، من بداية القرن السابع عشر إلى وسط القرن التاسع ~~عشر، القرن السابع عشر غني بالعبقريات الفردية، ولكنها فردية؛ فمستوى الفن فيه هابط ~~جدا والأسماء الكبيرة لإلجريكو # El Greco # ورمبرانت # Rembrandt # وفلاسكويز # Velasquez # وفيرمير # Vermeer # وروبنس # Rubens # وجوردينس # Jordanes # وبوسان Poussin # وكلود # Claude ~~، وكذلك رن # Wren # 37 # وبرنيني # Bernini ~~(كمعماريين)، هذه ~~الأسماء تبرز متفردة، ولو أنهم عاشوا في القرن الحادي عشر فربما ضاعوا في حشد من ~~الأكفاء المغمورين؛ فرمبرانت مثلا، وهو ربما يكون حقا الأنبغ بينهم جميعا، هو ~~انهيار صميم لعصره؛ فباستثناء بضعة من أعماله المتأخرة كان حسه بالشكل والتصميم ~~ضائعا تماما في خليط من الخطابة والرومانس والكياروسكيورو. # 38 # ولا يمكن أن نسامح القرن السابع عشر فيما فعله بعبقرية رمبرانت؛ فمن ~~مزاياها العظيمة على سلفه أن القرن السابع عشر كان قد كف عن الاعتقاد بصدق في أفكار ~~«النهضة الكلاسيكية»، لم يسع المصورين أن يكرسوا أنفسهم لاقتراح انفعالات الحياة ~~غير ذات الصلة لأنهم لم يشعروا بها، # 39 # وبسبب افتقاد الانفعال البشري ارتدوا إلى الفن. لقد تحدثوا كثيرا عن ~~الشهامة والنبالة غير أنهم كانوا يفكرون أكثر في «التصميم الإنشائي» # Composition ~~؛ فمثلا في أفضل أعمال نيقولاس بوسان، الفنان ~~العظيم في ذلك العصر، ستلاحظ أن الشكل البشري يعامل كشكل قد من ورق ملون لكي ~~يدبس كما يشير التصميم الإنشائي. هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع الشكل البشري، ~~إنما يكمن الخطأ في جعل هذه الأشكال تحتفظ بالإيماءات المميزة للبلاغة الكلاسيكية، ~~وبالطريقة نفسها تقريبا يعامل كلود المعابد والقصور والأشجار والجبال والمواني ~~والبحيرات، مثلما يمكنك أن ترى في لوحاته الرفيعة بالجاليري القومي، وهي المعلقة ~~هناك، بجانب لوحات تيرنر. لعل العالم يرى الفرق بين فنان عظيم وشاعر ما بعد العشاء. ~~كان تيرنر # Turner ms116 # مأخوذا بملاحظاته وعواطفه بحيث ~~سجلها جميعا دون حتى أن يحاول أن ينسقها في العمل الفني: من الواضح أنه لم يكن ~~يمكنه أن يفعل ذلك على أي حال. تلك كانت فكرة رخيصة ومضطغنة أملت الفقرة التي ~~تقضي بأن لوحاته سوف تعلق إلى الأبد إلى جانب لوحات كلود. لقد ود أن يلفت الانتباه ~~إلى فرق وقد نجح نجاحا لم يكن يتوقعه؛ فاللعنات كالدجاج تأوي إلى البيت ~~لتبيت. # في القرن الثامن عشر، حيث ندرة العبقرية، ندرك بوضوح أكبر أننا على السهول، كان ~~شاردان هو الفنان العظيم الواحد، وكان أغلب الفنانين منجدين للنبلاء والطبقة العليا؛ ~~فالبعض يبتكر أثاثا أنيقا لغرفة الطعام، والبعض الآخر يبتكر حلى صغيرة أنيقة ~~لمخادع السيدات، والكثير منشغلون على الدوام بتصوير عائلة جلالته أو جلالتها لكسب تبجيل ~~الأجيال القادمة. إن تصوير القرن الثامن عشر وسائل إيضاح باهرة لا تزال بها لمسة ~~فنية؛ فعند واتو # Watteau # مثلا وكاناليتو # Canaletto # وكروم # Crome # وكوتمان # Cotman # وجاردي # Guardi # ثمة بعض الفن، وبعض الألمعية، وكثير من الإيضاح ~~الجذاب. وعند تيبولو # Tiepolo # قلما نجد أي شيء عدا ~~الألمعية، ولا يدرك المرء وجود مزايا أخرى ما لم يضع عمله بجانب عمل السيد سارجنت # Sargent ~~. وعند هوجارث # Hogarth # قلما نجد أي شيء عدا الإيضاح، ولا يدرك المرء وجود مزايا ~~أخرى إلا إذا تذكر عمل «المبجل جون ~~كولير» # Hon. John Collier ~~. وإلى جانب المنجدين الذين يعملون للأرستقراطيين هناك فئة أخرى ~~يدعمها خبراء الذوق # connoisseurs ~~. هناك الثقلاء ذوو ~~الضمير الذين كان هدفهم المتواضع هو أن يصوروا ويرسموا بطريقة رفائيل وميكلانجلو. إن ~~هدفهم الأول هو الالتزام بالقواعد، والهدف الثاني أن يبدوا بعض المهارة في هذا ~~الالتزام، وليس على المرء أن يكترث بهم. # قوة الخلق إذن مفقودة تقريبا، وعلى الرسامين أن يقنعوا بنسخ أشياء جميلة. كان ~~العمودان التوءمان للتصوير في القرن الثامن عشر ما أسموه «الموضوع» # subject # و«المعالجة» # treatment ~~، ~~فلكي ترسم لوحة جميلة، لوحة مخدع، فعليك بامرأة جميلة، والحظ عنها ما قد يلحظه ~~رفيق عشاء محتشم ومهذب، وسجل هذا في ألوان زاهية وكتل ms117 من الأبيض الصيني، ولك ~~أن تفعل الشيء نفسه بطاقم أدوات زينتها وأثوابها النزوانية وأسمار نزهتها. قم بمحاكاة ~~أي شيء جميل وثق بفلاح عملك، ولكي تصنع لوحة نبيلة، قطعة غرفة طعام، فعليك أن تأخذ ~~نفس السيدة وتلبسها خيتونا دوريا # 40 # أو ديبلويدا وشملة دورية، أعطها كأسا صغيرة ورقيبا وكبش أضحية ومنظرا ~~بعيدا لتيفولي، # 41 # دور تخطيطك واجعل ضربات ريشتك طويلة ومنحنية قليلا، عليك بالأصباغ ~~الهادئة والحارة نوعا، وأطلق على الشيء النهائي «ديدو تصب شرابا لإلهة الحب.» ~~ولكي ترسم لوحة معرض، وهو المفضل لدى خبراء الذوق الأكثر تشددا، تأكد من أنك لم ~~تضع أي علامة لا يمكنك أن تجد لها مسوغا عند روبنس أو سارتو # Sarto # أو جيدو رني # Guido Reni # أو ~~تيتيان أو تينتوريتو أو فيرونيز أو رفائيل أو ميكلانجلو أو عمود تراجان، # 42 # ولمزيد من المعلومات ارجع إلى «المقالات» لسير جوشو رينولدز # Sir Joshua ~~Reynolds ~~، إدارة ~~الطرق العامة، الذي تتحلى وصفاته بميزة قلما نصادفها في أطباقه؛ السطوع. # 43 # إن رد الفعل من الكلاسيكي إلى الرومانسي مسجل في حينه بتغيير الموضوع؛ فتصبح ~~الأطلال والتاريخ القروسطي صيحة رائجة، وبالنسبة للفن، الذي لا يكترث كثيرا بالفقاعات ~~الأنيقة للقرن الثامن عشر ولا بالفيض المزبد للصحوة الرومانسية، فإن هذا التغير لا يعدو ~~أن يكون التأرجح الخاص ببندول غير ذي صلة، غير أن الأفكار الجديدة أدت بشكل ~~محتم إلى النزعة الأثرية # antiquarianism ~~، ووجد ~~الأثريون شيئا أثيرا للغاية في أسوأ ما في الفن القوطي. الرسامون الطائعون اتبعوا ~~المتعالمين المغرورين، وهل لديهم شيء آخر لكي يتبعوه؟ وشاردون من عصر العقل أقعدوا ~~لكي يجملوا ملائكة تتكلف الابتسام. لم يعد مسموحا الاكتفاء بقواعد اللياقة أو ~~الوقار الشخصي؛ فمطلوب منهم تحلية لحمهم البارد بأقصى قدر من العواطف الغرامية ~~والدينية يمكنهم إفرازه، بينا الزملاء الجدد، الأقل صدقا بكثير من القدامى، الذين لم ~~يحسوا شيئا ولم يقولوا شيئا، يبدءون في تكلف سيماء الفنانين، هؤلاء الفيكتوريون ~~لا يطاقون؛ فبعد أن فقدوا الحرفة القديمة لم تعد اللوحات التي يصنعونها عديمة الدلالة ~~بلطف، إنها لتخور خوارا ms118 منكرا. # وحوالي منتصف القرن التاسع عشر كان الفن ميتا تقريبا قدر ما يسع الفن أن ~~يموت، كان الطريق يجري موحشا خلال المستنقعات الواطئة، كان هناك بالطبع أناس ~~يحسون أن المحاكاة (سواء محاكاة الطبيعة أو محاكاة عمل فني آخر) لا تكفي، ويشعرون ~~بالحنق على تسمية المنتجات الرائجة ل «الأربعينيات» و«الخمسينيات» فنا، غير أنهم ~~بعامة كانوا أقل سطوة من أن يصنعوا احتجاجا مؤثرا، وحيث إن الفن لا يمكن أن يموت ~~موتا تاما، وإنما يرقد عليلا في كهوف وقباء، فقد كان هناك دائما واحد أو اثنان ~~يحق لهما أن يسميا نفسيهما فنانين؛ فها هو أنجر # Ingres # 44 # العظيم يتخطى كروم # Crome ~~، وكورو # Corot # ودومييه # Daumier # يتخطيان أنجر، ثم يأتي «الانطباعيون» # Impressionists ~~، إلا أن معظم التصوير والنحت كان قد ساخ في شيء لا ~~يحلم شخص ذكي ومثقف أن يسميه فنا، وإنما في تلك الأيام تم اختراع السلعة التي ~~لا تزال المنتج الرائج للمعارض الرسمية في طول أوروبا وعرضها، وبوسعك أن ترى ~~أطنانا منه كل صيف في برلنجتون هاوس وفي «الصالون» # The Salon ~~. الحق أنك قلما ترى شيئا غيره هناك، إنه لا يدعي أنه ~~فن، وإذا كان منتجوه يظنونه فنا في بعض الأحيان فإنهم يفعلون ذلك بكل ~~براءة؛ إذ ليس لديهم أي فكرة عما يكونه الفن؛ فكلمة ~~«الفن» إنما يعنون بها محاكاة الأشياء، وحبذا لو كانت أشياء جميلة وشائقة، هكذا قال ~~المتحدثون بلسانهم مرارا وتكرارا. إن صنف الشيء الذي بدأ يقوم مقام الفن حوالي ~~1840م، وما زال يعتبر مرضيا للطبقة المتوسطة الدنيا، كان قمينا أن يكون غير متصور ~~في أي وقت بين سقوط الإمبراطورية الرومانية ووفاة جورج الرابع، وحتى في القرن الثامن ~~عشر، عندما كانوا عاجزين عن خلق الشكل الدال، كانوا يعرفون أن المحاكاة الدقيقة لا جدوى ~~لها في ذاتها، وليس قبل أن يمكن لنفسه التصوير الرسمي (والنحت والعمارة الرسميان) ~~ويقبل كبديل للفن. يمكننا أن نقول عن يقين إن المنحدر الطويل الذي بدأ مع البدائيين ~~البيزنطيين قد انتهى، غير أننا وقد بلغنا هذه النقطة نعرف ms119 أننا لا يمكن أن نهبط أكثر ~~من ذلك. # علينا أن نسم النقطة التي بالقرب منها ماتت اندفاعة ضخمة، ولكن ليس علينا أن ~~نتلكأ في المستنقعات الآسنة (أو علينا ألا نوغل فيها إلا لكي نقول كلمة عدل). لا تقذع ~~في لوم المصورين الرسميين، أحياء أو أمواتا، ليس بوسعهم أن يضيروا الفن؛ لأنهم لا ~~علاقة لهم بالفن؛ ليسوا فنانين. إذا لم يكن بد من اللوم فلتلم هذا الجمهور الذي ~~بعد أن فقد كل فكرة عما يكونه الفن جعل يطلب، ولا يزال يطلب، بدلا منه الشيء الذي ~~يمكن لهؤلاء المصورين أن يقدموه. التصوير الرسمي نتاج ظروف اجتماعية لم تزل ~~بعد. آلاف الناس الذين لا يهمهم الفن البتة لديهم القدرة على شراء لوحات ~~ويمارسون عادة شراء اللوحات. إنهم يريدون خلفية، تماما مثلما كانت سيدات النظام ~~البائد وسادته يريدون خلفية، لا فرق إلا في أن فكرتهم عما ينبغي أن تكون الخلفية ~~مختلفة؛ يقدم رسام التجارة ما هو مطلوب، ولسذاجته يسميه فنا، إنه ليس فنا، وليس ~~حتى سببا من أسباب الراحة، غير أن هذا يجب ألا يعمينا عن حقيقة أنه منتج صادق. ~~أعترف أن الرجل الذي ينتجه يرضي ذوقا سوقيا وغير مربح، كذلك يفعل التاجر الشديد ~~الاستقامة الذي يدفع بهليون تفه لسوق الكريسماس. لن يكترث سير جورجيوس ميداس أبدا ~~بالفن، ولكنه سوف يحتاج دائما لخلفية، وما لم يعتر الأشياء تغير مفاجئ فسوف يمر ~~وقت قبل أن يفقد القدرة على الحصول على ما يريد، مقابل جائزة. ومهما تكن روعة وحيوية ~~الحركة الجديدة، فهي في تصوري لن تقضي وحدها على مهنة صناعة الصور. سوف تخبو التجارة ~~ولكني أشك أنها سوف تبقى حتى لا يكون ثمة من يقدر على اقتناء تنجيد منظراني، حتى لا ~~يكون ثمة مشترون إلا أولئك الذين يضحون عن طيب خاطر من أجل فرحة امتلاك عمل ~~فني. ~~(4) يخرج الحي من الميت # Alid Ex Alio # 45 # في القرن التاسع عشر بدا أن الروح تدخل فترة حضانة من تلك الفترات الاستثنائية ~~التي تذكرنا على الفور بالعصر الذي شهد ms120 المرض الأخير للإمبراطورية الرومانية ~~وللحضارة الهليلينية. ثمة شيء ما يبعث على القلق بشأن الفيكتوريين والحركة ~~الفيكتورية، لكأنما المرء إذ رأى القرش وقد سقط «كتابة» يهم فجأة أن يكشف النقاب عن ~~ظل «ملك»، لقد كان يسعك أن تقسم أنه كان «ملك»، إنه شيء لا يهم ولكنه مقلق، ~~وربما يهم فعلا بعد كل شيء. حين ينظرون من زوايا نائية يأخذ القضاة والوزراء ~~الفيكتوريون سيماء المتآمرين، ثمة شيء نبوئي في السيد جلادستون، أما في برنامج ~~نيوكاسل فثمة شيء مثير للشفقة. تؤخذ فرضيات محترمة متضمنة أحقر النتائج، ومع ذلك ~~فالطبقات المحترمة تنظر، بينما الأناركيون والسوبرمن مروعون لا أكثر بلعب الورق ~~وشرب الشمبانيا من جانب من هم أغنى منهم، واللاأدريون يرون إصبع الرب في سقوط باريس ~~الملحدة، والفرديون يصخبون من أجل قوة شرطية أكبر وأكثر يقظة. # هكذا يبدو لنا القرن التاسع عشر، معظم الجبال تتمخض عن فئران مزرية، ولكن الأجزاء ~~ترتج بزوابع في فناجين ذهنية، و«قبل ~~الرفائيليين» Pre-Raffaelites # يعترضون على تقليد النهضة الكلاسيكية كله، ويضيفون بضعة ~~أسماء إلى القائمة الثقيلة للمصورين المعروفين برداءتهم، و«الانطباعيون الفرنسيون» ~~يدعون أنهم لا يفعلون أكثر من دفع نظرية التمثيل السائدة إلى نهايتها المنطقية، وفي ~~ممارستهم يصورون بعض اللوحات المجيدة. ليس هذا فحسب بل يزلزلون الموروث المهلك ~~ويذكرون الشطر الأذكى من العالم أن الفن البصري لا علاقة له بالأدب من قريب أو ~~بعيد، ويرسم ويسلر # Whistler # جزءا فحسب من الدرس ~~الصحيح، وآه لو كان فنانا أعظم مما هو، غير أنه كان فنانا على كل حال. وحوالي سنة ~~1880م انقرضت السلالة تقريبا في هذا البلد. # 46 # وخلال ضباب القرن التاسع عشر، الذي بدأ في 1830م، تلوح نذر عملاقة؛ فجميع الشخصيات ~~الكبرى تنذر بسوء، فهم إذا كانوا لا ينتمون إلى النظام الجديد فإنهم يجعلون النظام ~~القديم مستحيلا، كارليل # Carlyle # وديكنز # Dickens # وفيكتور ~~هوجو # Victor Hugo ~~، نتاج العصر ومحبوه بعنف. فلوبير # Flaubert # يشير بإصبع الازدراء. إبسن # Ibsen ~~، أحد بدائيي العالم الجديد، يكشف الصدوع في جدران القديم. ~~تولستوي قانع بألا يكون أكثر من بدائي حتى ms121 أصبح مجرد شخص ممل. وبانشغاله بعمله ~~الخاص وضع دارون عمل كل شخص آخر موضع التساؤل. وبإحداث ومضات جديدة من آلة قديمة كشف ~~فاجنر جوانب القصور في الموسيقى الأدبية. وفي مستهل القرن العشرين برز سؤال كان حتى ~~الثورة الفرنسية سؤالا أكاديميا متحفظا فيه، وشق طريقه إلى داخل السياسة: «لماذا ~~يعد هذا خيرا؟» وبفضل الجماليين (المتطرفين) # Aesthetes # والانطباعيين الفرنسيين بصفة رئيسية ~~استيقظ ضمير إستطيقي كان هاجعا منذ ما قبل أيام «النهضة»، وشرع يصيح: «هل هذا ~~فن؟» # ومن الطريف أن نتذكر أن أول ضجة متفق عليها أثيرت ضد «النهضة» وعقابيلها الصارخة ~~كانت في إنجلترا؛ فالحركة الرومانسية، التي كانت فرنسية وألمانية بقدر ما هي إنجليزية، ~~كانت مجرد رد فعل من كلاسيكية القرن الثامن عشر، ولم تهاجم الاستبداد السائد إلا ~~قليلا، ولم تنبذه إلا أقل القليل. إن من حقنا أن نبتهج بحركة «قبل الرفائيليين» Pre-Raffaelite # كشاهد للتفوق الحاسم ~~لإنجلترا في الاستقلالية وعدم التقليدية في التفكير، يبدأ الإحباط عندما يتعين أن ~~نعترف بأن الثورة لم تفض إلا إلى عدد هائل من اللوحات الرديئة وإلى عاطفة هزيلة ~~ضئيلة، كان «قبل الرفائيليين» أهل ذوق أحسوا عمومية «النهضة العالية» # The High Renaissance # وتميز ما أسموه ~~«الفن البدائي» الذي عنوا به فن القرنين الخامس عشر والرابع عشر. لقد رأوا أن ~~المصورين منذ «النهضة» كانوا يحاولون أن يفعلوا شيئا مختلفا عما فعله البدائيون، ~~ولكنهم لم يمكنهم أن يروا في حياتهم ما هو ذلك الذي فعله البدائيون. كانت ذائقتهم ~~تفضل جوتو على رفائيل، ولكن السبب الوحيد الذي أمكنهم أن يقدموه لتفضيلهم هو أنهم ~~يحسون أن رفائيل سوقي، وهو سبب وجيه، ولكن ليس أساسيا؛ ومن ثم بدءوا يخترعون ~~أسبابا أخرى، واكتشفوا في البدائيين إخلاصا شديدا للطبيعة وتقوى عالية وحياة ~~عفيفة. وقد ظهر بعدهم الشديد عن الحدس بسر الفن البدائي عندما بدءوا هم أنفسهم ~~يرسمون لوحات: سر الفن البدائي هو سر كل فن، في كل زمان، وفي كل مكان - الحساسية ~~للدلالة العميقة للشكل وقوة الخلق. لكليهما تفتقر عصبة الإخوة السعداء، ولذا فلا عجب ~~أنهم ms122 تعين أن يجدوا المادة في أفعال التقوى وفي الأساطير والرموز، ويجدوا في الكهنوت ~~الصحيح الجوهر نفسه للفن القروسطي، ومن أجل إلهامهم نظروا إلى الماضي بدلا من أن ~~ينظروا حولهم، وبدلا من أن يغوصوا التماسا للحقيقة فقد التمسوها على السطح. الحق أن ~~«قبل الرفائيليين» لم يكونوا فنانين بل أركيولوجيين يحاولون أن يجعلوا الفضول الذكي ~~يقوم بعمل التأمل المشبوب العاطفة، وهم كفنانين لا يختلفون اختلافا جوهريا عن حشد ~~المصورين الفيكتوريين، ولسوف يعيدون إنتاج الزخرف البراق للفن القوطي المتأخر بالتزام ~~عبودي مثلما يعيد الأكاديمي الصارم إنتاج نفطات برتقالة، وإذا حاولوا فعلا أن ~~يبسطوا - إذ إن بعضهم لاحظ تبسيط البدائيين - فقد فعلوا ذلك لا بروح فنان بل بروح ~~قرد مجتهد. # التبسيط هو تحويل التفصيل غير ذي الصلة إلى شكل دال. كان بوسع واحد من «قبل ~~البرفائيليين» شديد الجرأة أن يمثل قوس قزح بواسطة ورقتي نجيل دقيقتين دقة ~~بالغة، غير أن ورقتي نجيل بالغتي الدقة هما خارجتان عن الموضوع خروج مليوني ورقة، ~~إنما الدلالة الشكلية لورقة النجيل أو قوس قزح هي ما يعني الفنان. إن منهج قبل ~~الرفائيليين هو في أفضل الأحوال رمزية وفي أسوئها سخف محض، ولو كان «قبل الرفائيليين» ~~ينعمون بعقول عميقة التخيل لكانوا استردوا روح العصور الوسطى بدلا من تقليد ~~مظاهرها الأقل دلالة، ولكنهم لو كانوا فنانين عظاما لما رغبوا في استرداد أي شيء، بل ~~ابتكروا أشكالا لأنفسهم أو استقوها من محيطهم، تماما كما فعل فنانو القرون الوسطى، ~~الفنانون العظام لا ينظرون وراءهم البتة. # عندما يشرف الفن على الموت كما كان في منتصف القرن التاسع عشر، ينظر للدقة العلمية ~~على أنها الغاية الصحيحة للتصوير، يقول «الانطباعيون الأكاديميون» حسن جدا، كن ~~دقيقا، كن علميا، في أفضل الأحوال يسجل المصور الأكاديمي تصوراته، ولكن تصوره ~~ليس واقعا علميا ، ينبئنا أهل العلم أن الواقع المرئي للعالم هو اهتزازات ضوء، ~~فلنتمثل الأشياء كما هي علميا، لنمثل الضوء، لنرسم ما نراه، لا البناء الفوقي ~~الذي نشيده فوق إحساساتنا. كانت تلك هي النظرية، ولو كانت غاية الفن هي التمثيل ms123 لكانت ~~صحيحة بدرجة كافية، غير أن غاية الفن ليست التمثيل، كما عرف الانطباعيون العظام ~~رانوار # Renoir # وديجا # Degas # ومانيه # Manet ~~(اثنان منهما لا ~~يزالان يعرفان لحسن الحظ) في اللحظة التي أقلعوا فيها عن الجدل وأرتجوا باب الأستديو ~~على ذلك المنظر النابغ كلود مونيه # Claude Monet ~~. ~~واعلم أن بعضهم (مونيه قرب النهاية مثلا) صنع مخططات متعددة الألوان فاجعة البلادة، ~~ولم ينتج «الانطباعيون ~~الجدد» # Neo-Impressionists # سورا # Seurat # وسينياك # Signac # وكروس # Cross # شيئا آخر، كان بمكنة أي «انطباعي»، تحت تأثير مونيه و«وتو» # Watteaw ~~، أن يصنع شيئا هزيلا رخوا لا شكل له، غير أن الأغلب حدوثا ~~هو أن الأساتذة الانطباعيين، في سعيهم الخيالي والفاشل تماما إلى الصدق العلمي، ~~خلقوا أعمالا فنية مقبولة من حيث التصميم ومجيدة من حيث اللون، هذه الواحة في صحراء ~~أواسط القرن أبهجت، بطبيعة الحال، الأشخاص الغريبي الأطوار الذين يهتمون بالفن، ولقد ~~تظاهروا في البداية بأنهم مستغرقون في الدقة العلمية للشيء، ولكن لم يمض وقت طويل ~~حتى أدركوا أنهم يخدعون أنفسهم وكفوا عن الادعاء؛ ذلك أنهم رأوا بوضوح شديد أن ~~هذه اللوحات تختلف اختلافا عميقا جدا عن النجاحات النادرة لورش العمل الفيكتورية، ~~لا في احترامها المقدر للنظرية العلمية، بل في حقيقة أنها، رغم انصرافها الكبير أو ~~التام عن اهتمامات الحياة العادية، تثير انفعالا أقوى وأعمق بكثير، وبرغم النظريات ~~العلمية، أثار الانطباعيون انفعالا يثيره كل فن عظيم، انفعالا لم يكن معظم الفنيين ~~والنقاد الفيكتوريين، لأسباب واضحة، قادرين على الاعتقاد في وجوده. لم تعتمد ميزة ~~هذه الصور الانطباعية، أيا ما كانت، على العالم الخارجي، ماذا عساها أن تكون؟ قال ~~المشاهدون المسحورون «الجمال المحض»، ولم يكونوا بعيدين كثيرا عن الصواب. # الجمال هو الصفة الجوهرية الوحيدة في العمل الفني، هذا مذهب اقترن بشدة باسم ويسلر، ~~الذي لم يكن أول ولا آخر ولا أقدر دعاته بل الأوضح فحسب في عصره. أن يقرأ أي شخص ~~«الساعة العاشرة» لويسلر لن يضيره أي ضرر ولن يفيده كثيرا؛ فهو عمل ليس بالغ الروعة ~~وليس عميقا على الإطلاق، غير أنه في ms124 الاتجاه الصحيح. ينبغي ألا يقارن ويسلر بكبار ~~المجادلين أكثر مما ينبغي أن يقارن بكبار الفنانين؛ فأن تضع # the Gentle ~~Art # بجانب «أطروحة في رسائل فالاريس»، أو دفاع جيبون، أو جدليات ~~فولتير، سيكون ظلما، مثله مثل أن تعلق # Cremorne ~~Gardens # في الأرينا شابل، لم يكن ويسلر زعيم العالم الفيكتوري ~~المتأخر، غير أنه بين اللنديين في «الثمانينيات» يعد شخصية لامعة، في معرفته بما ~~يكونه الفن وفي خلق الفن سواء بسواء، هذا ما يعطي كل لمحاته ومعاركه قوة ولذعا ~~خاصا. ثمة شرف في وقاحته؛ فهو يستعمل مهارته الواضحة نوعا ليقاتل من أجل شيء أعز ~~من الخيلاء. إنه فنان وحيد يقف ويضرب تحت الحزام من أجل الفن. لقد كان بغيضا ~~للنقاد والمصورين ووجوه عصره لأنه كان فنانا، وكان مزعجا لأنه كان يعلم أن أوثانهم ~~احتيالات وخدع، فكان عليه أن يعاني فظاظة، وخبث، أقسى زمرة من السفاحين على ~~الإطلاق تسلقت إلى مقعد السلطة، وكان عليه أيضا أن يعرف أنه لا أحد منهم كان يمكن ~~بأي حال أن يتفهم كلمة واحدة مما قاله جادا. تفحص النقد الفني الإنجليزي لتلك ~~الفترة، بدءا من البلاغة الغامضة لرسكن إلى الابتذال الصحفي ل # Arry ~~، ولن يتسنى لك أن تجد جملة واحدة تدعم ~~فرضية أن الكاتب يعلم ما هو الفن مثلما يظن. يقول # Arry # في التايمز: «السلسلة كما ألمعنا لا تمثل ~~أي فينيسا يهمنا كثيرا أن نتذكرها؛ فمن ذا الذي يريد أن يتذكر تدني ما كان نبيلا، ~~وفساد ما كان جميلا؟» لقد بات على الفنان بغير شك ألا يرد على أي نقد، وإنه ليكون ~~من الحماقة لدى تلميذ مدرسة أن يستاء من كلام من هذا الصنف. رد ويسلر «على النقد»، ~~وفي ردوده على الجهل والبلادة تمرس بالخبث، يقال إنه كان فظا وسافلا، نعم ولكنه ~~في هذا الصدد لا يضاهي أشرف خصومه، وفي فظاظته وغلظته وفرادته تقريبا كان يدافع عن ~~الفن ، في الوقت الذي كانوا فيه يتملقون كل ما هو تافه رديء في النزعة ~~الفيكتورية. # وكما حاولت أن أبين في موضع آخر ms125 فليس من الصعب أن نجد خطأ في النظرية القائلة ~~بأن الجمال هو الصفة الجوهرية في العمل الفني؛ أي إذا كانت كلمة «جمال» تستعمل، كما ~~يبدو أن ويسلر وتابعيه قد استعملوها، لتعني الجمال غير الدال؛ إذ يبدو أن الجمال ~~الذي كانوا يتحدثون عنه هو جمال زهرة أو جمال فراشة. أما إنني قلما قابلت شخصا ~~حساسا للفن لم يوافق في النهاية على أن العمل الفني يحركه بطريقة مختلفة تماما، ~~وأعمق بكثير، من الطريقة التي تحركه بها زهرة أو فراشة؛ ولذا فإذا شئت أن تسمي ~~الصفة الجوهرية في العمل الفني «جمالا» فإن عليك أن تميز بعناية بين جمال عمل من ~~أعمال الفن وجمال زهرة، أو، على أية حال، بين الجمال الذي يدركه أولئك الذين ليسوا ~~فنانين عظاما من بيننا في عمل فني وبين ما يدركه نفس الأشخاص في زهرة، ألا يكون من ~~الأبسط أن نستخدم كلمات مختلفة؟ التمييز على أية حال هو تمييز حقيقي؛ قارن بين بهجتك ~~بزهرة أو جوهرة، وبين ما تشعر به إزاء عمل فني عظيم، ولن تجد صعوبة، فيما أرى، في ~~الاختلاف عن ويسلر. # ولأي شخص تهمه النظرية أكثر مما تهمه الحقيقة مطلق الحرية في أن يقول إن فن ~~«الانطباعيين»، بأفكاره الباطلة عن التمثيل العلمي، هو فطر جميل ينمو بطريقة ~~طبيعية تماما على خرائب المنحدر المسيحي، ولا يصح أن يقال الشيء نفسه عن ويسلر، ~~الذي كان بالتأكيد في ثورة ضد نظرية عصره؛ إذ ينبغي ألا ننسى أبدا أن التمثيل الدقيق ~~لما يحسب البقال أنه يراه كان هو الدوجما المركزية للفن الفيكتوري. إن القبول العام ~~لهذا الرأي - أن المحاكاة الدقيقة للأشياء صفة جوهرية للعمل الفني - والعجز العام عن ~~خلق، أو حتى عن تمييز، كيفيات إستطيقية، هو ما يسم القرن التاسع عشر بوصفه نهاية ~~منحدر، وإذا استثنيت فنانين متفرقين وهواة منعزلين فقد يسعك أن تقول إنه في ~~منتصف القرن التاسع عشر لم يعد للفن وجود، وها هنا أهمية الفن الرسمي والأكاديمي لذلك ~~العصر. إنه يثبت لنا أننا قد لمسنا القعر وبلغنا الحضيض، ms126 إن له أهمية الوثيقة ~~التاريخية. في القرن الثامن عشر كان لا يزال هناك موروث فني. ما من مصور رسمي ~~وأكاديمي، حتى في نهاية القرن الثامن عشر، معروف الاسم لدى عامة المثقفين ومرعية ~~أعماله من قبل الجامعين، إلا ويعلم جيدا جدا أن غاية الفن ليست المحاكاة، وأن ~~الأشكال يحب أن تحوز بعض الدلالة الإستطيقية. أما أخلافهم في القرن التاسع عشر فلم ~~يعلموا، حتى الموروث مات. يعني ذلك أنه بصفة عامة وبصفة رسمية كان الفن ميتا، ولقد ~~رأيناه يموت، وقد أخذت «الأكاديمية الملكية» و«الصالون» على تأدية غرضهما التاريخي ~~المفيد، ولسنا بحاجة إلى أن نقول المزيد عنهما. وماذا عن تلك الزمرة الفنية بالتأكيد ~~للقرن التاسع عشر، أولئك الذين جعلوا الشكل وسيلة إلى الانفعال الإستطيقي وليس وسيلة ~~لذكر الحقائق ونقل الأفكار؛ أعني «الانطباعيين» و«الجماليين» (المتطرفين) # Aesthetes # مانيه ورينوار وويسلر وكوندر # Conder # و... و... أنعتبرهم زهورا عرضية تتفتح على قبر ~~أم بشارات بعصر جديد؟ ذاك شيء يتوقف على مزاج من يعتبرهم. # ولكن مخططا للمنحدر المسيحي قد يحسن أن ينتهي ب «الانطباعيين»؛ فالنظرية ~~الانطباعية طريق مسدود، ومآلها المنطقي الوحيد هو «آلة ~~فن» # art-machine ~~، آلة لتأسيس القيم على نحو صحيح، وتحديد ما تراه العين على نحو ~~علمي، جاعلة إنتاج الفن بذلك يقينا ميكانيكيا، وقد أنبئت أن مثل هذه الآلة قد ~~اخترعها رجل إنجليزي، أما لو أن آلة الصلاة هي حقا النقلة الأخيرة لديانة شائخة، ~~فإن آلة جلب القيمة هي حقا بمثابة حادي روح الفن إلى عالم الموتى. لقد مر الفن من ~~الخلق البدائي للشكل الدال إلى التقرير الشديد التحضر للحقيقة العلمية، وأعتقد أن ~~هذه الآلة، التي هي النهاية الذكية والمحترمة، ينبغي الاحتفاظ بها، إذا كانت لا تزال ~~موجودة، في سوث كنسينجتون أو في اللوفر، إلى جانب الآثار الأقدم للمنحدر المسيحي. أما ~~عن تلك النهائية غير الشائقة وغير المحترمة - أي الفن الرسمي للقرن التاسع عشر - ~~فيمكن أن تدرس في مائة جاليري عام وفي معارض سنوية عبر العالم. إنها النهاية ~~المتعفنة، والواضحة بالتالي. إن الروح التي ولدت مع انتصار ms127 الفن على الواقعية ~~الإغريقية-الرومانية تموت مع إزاحة الفن وحلول الصورة التجارية محله. # ولكن إذا كان «الانطباعيون»، بعدتهم العلمية، وتكنيكهم المدهش، ونزعتهم الذهنية، ~~يسمون نهاية حقبة، أليسوا مرهصين بمجيء حقبة أخرى؟ ثمة اليوم قلق بالتأكيد في ~~مختبر الزمن السري، ثمة شيء مات، ولكن كما لاحظ ذلك الروماني الحكيم: # 47 ~~«لا شيء يفنى حقا من الأشياء المنظورة، إنما يجبل الشيء من الشيء، ~~والطبيعة لا تسمح بخلق جديد إلا بثمن من الموت.» # ألا يحمل «الانطباعيون»، بقدرتهم على خلق أعمال فنية تقف على أقدامها الخاصة، ألا ~~يحملون على أذرعهم عصرا جديدا؟ فإذا كان الذنب المغتفر للانطباعية هو نظرية شائهة، ~~وشفيعها هو ممارسة مجيدة، فإن أهميتها التاريخية تتمثل في أنها قد علمت الناس أن ~~تلتمس دلالة الفن في العمل ذاته، بدلا من التفتيش عنها في انفعالات العالم الخارجي ~~واهتماماته. # الفصل الرابع # | الحركة المعاصرة # (1) فضل سيزان # The Debt to Sézanne # مع نضج سيزان # Cézanne # ولدت حركة فنية جديدة، هذا ما ~~لا يكاد يقدح فيه أي شخص قدر له أن يعمر إلى ما بعد التسعينيات، # 1 # وإنه لاحتمال جدير بالنقاش أن هذه الحركة هي بداية منحدر فني جديد، ~~وإذا أمكن أن يقال إن بوسع امرئ واحد أن يلهم عصرا بكامله يكون سيزان قد ألهم ~~الحركة المعاصرة، غير أنه يقف منفردا عنها بعض الشيء؛ لأنه أضخم من أن يدرج في أي ~~مخطط للتطور التاريخي، إنه واحد من أولئك الأعلام الذين يسودون عصرا من العصور ~~ويتعذر حصرهم في أي خانة من الخانات الصغيرة المحكمة التي ينجزها لنا دعاة التطور # 2 # بتعمل فكري كبير. # قضى سيزان الشطر الأكبر من حياته غير معروف، وكاد أن ينسلخ منها دون أن يلفت إليه ~~الأنظار. ليس هناك، فيما يبدو، من كان يحدس بما يجري، أما الآن فبميسورنا أن ندرك كم ~~ندين لسيزان، في حين لا يدين سيزان لأحد. إن من اليسير علينا الآن أن نرى ما ~~استعاره منه جوجان وفان جوخ . أما في 1890م، وهو العام الذي توفي فيه الأخير، فلم يكن ~~ذاك يسيرا. ms128 إنها لأبصار ثاقبة حقا تلك التي استطاعت أن تلمح قبل بزوغ القرن ~~الجديد أن سيزان قد أسس حركة. # لا تزال تلك الحركة في طور النشوء، غير أن بإمكاننا فيما أرى أن نقول بثقة إنها قد ~~أنتجت من الفن الجيد ما يعادل سالفتها، # 3 # لقد أبدع سيزان بالطبع أشياء أعظم كثيرا من أي مصور انطباعي، ويعد ~~جوجان وفان جوخ وماتيس وروسو وبيكاسو ودي فلامنك وديرين وهيربان ومارشاند وماركيه ~~ودونارد ودنكان جرانت وميلول ولويس وكندينسكي وبرنكوزي وفون أنرب وروجر فراي وفريز ~~وجونشاروفا ولوت؛ يعد هؤلاء مقارعين أندادا لأية حقبة فنية أخرى، # 4 # صحيح أنهم ليسوا جميعا فنانين عظاما، ولكنهم جميعا فنانون. فإذا كان ~~الانطباعيون قد رفعوا نسبة الأعمال الفنية (الحقيقية) بين المنتج التصويري العام ~~من واحد في الخمسمائة ألف إلى واحد في المائة ألف؛ فإن ما بعد الانطباعيين (إذ من ~~المعقول على كل حال أن نطلق هذا الاسم على جماعة الفنانين ذوي الحيوية الذين تلوا ~~الانطباعيين مباشرة) قد رفعوا المعدل مرة أخرى، وإنني لأجرؤ على القول بأن ~~النسبة تبلغ اليوم واحدا في العشرة آلاف، هذا في الحقيقة ما حدا بالبعض إلى أن يرى ~~في الحركة الجديدة فجر عصر جديد؛ فليس هناك سمة أوثق في تمييز حركة فنية «بدائية» # primitive # 5 # من وفرة إنتاج الفن الأصيل وسعة انتشاره، وقشة أخرى يتشبث بها ~~المتفائلون هي القدرة الفائقة على النمو، التي يتحلى بها الإلهام الجديد. إن ~~القاعدة هي أن تمييز حركة فنية جديدة بوصفها حركة هو حتفها، فما كاد الأحبار ~~يكتشفون «الانطباعية» بعد حوالي عشرين عاما من تجليها الواضح حتى قننوها ~~أكاديميا. لقد نصبوا وجوههم حائلا ضد أي نوع من النمو، واضطروا كل دارس فيه ذرة ~~من الحيوية إما إلى التمرد وإما إلى الانتحار الفني، ولكن قبل أن تجد الروح التي ~~بثها سيزان وقتا تخمد فيه وتبوخ كانت قد تلقفها رجال من أمثال ماتيس وبيكاسو، ~~فصبغوها بصبغتهم وقولبوها في أشكال تناسب مزاجهم المختلف، وهي اليوم تبدو بالفعل ~~وقد أخذت شكلا متجددا لكي تعبر عن الحساسية ms129 الخاصة بجيل جديد. # 6 # إن هذا مرض جدا، ولكنه لا يكفي لإثبات أن الحركة الجديدة هي بداية منحدر جديد، ~~إنه لا يثبت أننا نقف الآن حيث كان يقف البيزنطيون الأوائل، وحطام حضارة يقعقع ~~حول مسامعنا، وعيوننا شاخصة إلى أفق جديد، ليس هناك من حجج صلبة تؤيد هذا ~~الرأي، إلا أن هناك اعتبارات عامة جديرة بأن نطرحها ونتأملها، على ألا نبالغ في ~~تقدير دلالتها والتحمس لها، فمن يرد أن يقرأ طالع البشرية أو يبصر بأي نشاط ~~إنساني، فإن عليه ألا يغفل التاريخ وألا يبالغ أيضا في الوثوق به؛ ومن المؤكد أن ~~إغفال التاريخ هو آخر خطأ يحتمل أن يقع فيه منظر حديث، لقد كانت المضاهاة بين ~~إنجلترا في العصر الفيكتوري وروما في عصر الإمبراطورية هو ألهية أنصاف المتعلمين ~~إبان الخمسين سنة الأخيرة، # Tu regere imperio populous, Romane, ~~momento ~~(تذكر أيها الروماني أن تحكم الشعوب في الإمبراطورية) ~~تغدو هذه الآن تذكرة للمدرس العام بقدر ما كانت بالنسبة للأستاذ اللاتيني القديم، ~~وعلى المولعين بالتاريخ أن يمضوا بمقارنتهم أبعد من ذلك قليلا (وللعلم فقد قام البعض ~~بذلك بحثا عن حجج ضد الاشتراكية)، هنالك لن تفوتهم ملاحظة ما يتفشى في كلتا ~~الإمبراطوريتين من مادية وحذق آلي وإعلاء من قيمة الرفاهية وحط من قيمة الصدق ~~والإخلاص، وتحالف غير مقدس بين السخرية (الكلبية) # cynicism # 7 # والابتذال العاطفي # sentimentality ~~، ~~وتدني الفن والدين إلى مرفقين للوضاعة والدجل، وهي سمات تومئ في كلتا ~~الإمبراطوريتين إلى النهاية المتعفنة لما كان يوما ما فورة حيوية. # ربما يكون في تشبيه الخرافات والمراسيم الحكومية في روما بما لدينا من تكريس وخدمة ~~رسميين، وتشبيه التماثيل النصفية الرومانية الدقيقة في المتحف البريطاني بتلك ~~المحاكاة الواقعية الناطقة التي تتمتع بها الصور المعروضة بالجاليري القومي ~~للبورتريه، وتشبيه النزعة الجمهورية # republicanism # الأكاديمية لأشراف روما المثقفين بالليبرالية الإنجليزية، والإثارة التي كانت تحفل ~~بها الحلبة الرومانية بالإثارة التي تحفل بها ملاعبنا. ربما يكون في تشبيه تلك الأحوال ~~الرومانية بأحوالنا الآن سلوى كبيرة لأي صبي ألماني صغير وشفاء لما في صدره، غير ms130 أني ~~لن أدع هذا الصبي يتمادى في تشفيه ويؤرخ للجسوة والتبجح والعسكرية المرتجفة ~~والثقافة السطحية والهوى السياسي الخبيث وجنون العظمة والولع بالانضواء مع الأغلبية، ~~ويحددها كخصال مشتركة بين إمبراطورية روما وإمبراطورية إنجلترا، بل سأتساءل ~~بالأحرى إن كانت بقية أوروبا لا تعاني هي أيضا من عجز مضرب الأمثال؛ هو عجز العائش ~~في بيت من زجاج، فليست السياسة الإنجليزية وحدها هي ما يذكرني بنهاية الإمبراطورية ~~الرومانية، بل الحضارة الغربية بأسرها. # إن المطابقة أيسر من أن نحشد لها التشابهات، فما أراني بحاجة إلى مضاهاة الأستاذ ~~شو # Shaw # بلوشن (لوسيان) # Lucian # أو مضاهاة اضطهاد المسيحيين بحملات ~~تجارنا ضد الفوضويين، على أن المرء قد يلاحظ أن من المحال أن يحدد بدقة متى ومن ~~أين جاءت الروح الدينية التي قيض لها أن تضع نهاية لمادية الإغريقية- الرومانية، وأن ~~من المحال بنفس القدر أن يحدد مسقط رأس للخميرة الروحية التي تعم أوروبا الحديثة، ~~فرغم أن بإمكاننا أن نحدد تاريخا لبلوغ سيزان مرحلة النضج الفني، ورغم أني ~~أسلم بأن بإمكان فن عبقري واحد أن يصنع حركة فنية؛ فحتى سيزان لن يكفي لتعليل ~~ما يبدو أنه بداية منحدر فني ونهضة للروح البشري، وقد يتردد المرء في تفسير ~~العصور المظلمة والوسطى بصور الفسيفساء في رافينا؛ فالروح التي كتب لها أن تبعث ~~الحياة في العالم الروماني الهاجع إنما أتت من الشرق كما نعلم، وكانت تفعل فعلها قبل ~~أن يفطن العالم إلى وجودها، وربما يكون من المحال كشف مصادرها القصية. إن بوسعنا ~~اليوم أن نذكر أسماء رواد، إلى جانب سيزان، في عالم الانفعال الجديد. لقد كان هناك ~~تولستوي، وكان هناك إبسن، ولكن من ذا الذي ينكر أنهما قد شرعا في البحث عن ~~إلدورادوس # Eldorados # 8 # من بعد أن سمعا عنها حكايات من حكايا الرحالة؟ وقد كان رسكين # Ruskin # للنظام القديم ضربات لها بعض التأثير، وهو إن ~~كان لم تتوافر له رؤية واضحة لقيمة الأشياء فلقد نجح على الأقل في كشف تفاهة بعضها، ~~أما نيتشه فقد دحض بهرائه العبثي هراء آخر أكثر عبثية وأمعن ms131 دناءة وفسادا، غير أن ~~التنقيب عن المنشأ ليس مما يعنيني، وثق أنه حالما تتأسس الكنيسة فإن المجددين من ~~كتاب سير القديسين سوف يتكفلون بإنصاف شهدائها ومبشريها. # وإذا أخذنا بالاعتبار أيضا أن أي نهضة وجدانية عظيمة لا بد أن تكون مسبوقة بحركة ~~هدمية فكرية، فكيف نحدد نقطة بداية لهذه الحركة الهدمية؟ إنني أفترض أن ~~بإمكاننا أن نبرهن على أنها بدأت مع فولتير والموسوعيين، ولعل المؤرخ بعد إذ ~~أوغلنا في الماضي إلى هذا الحد أن يجد سببا لأن يوغل أبعد من ذلك؛ فأنى له أن ~~يبرر أي حد يقف عنده؟ يقال إن كل كائن حي يحمل في داخله جرثومة فنائه، وربما ~~يكون من الحق أيضا أن أي حضارة ما تكاد تنشأ حتى تبدأ في تخطيط نهايتها، وشيئا ~~فشيئا تغدو أعراض المرض واضحة للأطباء الثاقبي الملاحظة الذين يصرحون بالنتيجة دون ~~أن يدركوا السبب، ولا علينا من ذلك؛ فالجبرية الدائرية أمر يبعث على البهجة قدر ما ~~يبعث على الحزن، ما دام الخير لا بد أن يعقب الشر كما أن الشر يعقب الخير بالضرورة. ~~لقد قلت ما فيه الكفاية على أية حال لأبين أنه إذا كانت أوروبا على أعتاب نقلة جديدة، ~~وإذا كنا مشرفين على اتخاذ أولى الخطوات على منحدر جديد، فإن مؤرخي العصر الجديد ~~سيكون لديهم الكثير ليختصموا حوله. # في القرن التاسع عشر حظي النقاد الهدميون بنصيب من الفهم من جانب أهل عصرهم يفوق ~~ما حظي به الفنانون البنائيون؛ ربما لأن هذا القرن كان يهيئ أوروبا لاستقبال حقبة ~~جديدة، وعلى أية حال فقبل أن ينصرم هذا القرن كان قد أنجب واحدا من أعظم الفنانين ~~البنائيين في العالم ولم يلفت إليه الانتباه، # 9 # وسواء أكان سيزان يسم بداية منحدر أم لم يكن، فمن المؤكد أنه يسم بداية ~~حركة فنية سآخذ على عاتقي وصف خصائصها الرئيسية؛ فرغم أن التمييز بين حركة فنية ~~وأخرى هو أمر لا يخلو من عبثية ما دامت جميع أعمال الفن على اختلاف عصورها هي في جوهرها ~~شيء واحد، إلا أن لتلك الفروق ms132 السطحية التي تميز إحدى الحركات الفنية أهمية خاصة ، ~~ودورا غير الدور التأريخي الذي نشك في أنها تضطلع به؛ ذلك أن الطرق الخاصة في خلق ~~الشكل والضروب الخاصة من الشكل التي يؤثرها جيل من الفنانين لها وقعها إلهام على ~~فن الجيل الذي يليه؛ فبينما تسمح طرق جيل ما وقوالبه بتطور لا حد له، فإن ما يتبناه ~~جيل آخر من طرق وقوالب قد لا يسمح بغير الاحتذاء والتقليد؛ من ذلك مثلا أن الحركة ~~الفنية التي بدأت مع ماساتشو # Masaccio # وأتشيلو # Uccello # وكاستانيو # Castagno # في القرن الخامس عشر قد كشفت عن منجم ثري لمعدن رديء بعض ~~الشيء، بينما كانت مدرسة رفائيل طريقا مسدودا، أما سيزان فقد اكتشف طرائق وقوالب ~~(أشكالا) فتحت أفقا من الاحتمالات لا يمكن لأحد أن يرى نهايته. لقد ابتكر سيزان ~~لآلاف الفنانين الذين لم يولدوا بعد قيثارة يمكن لكل منهم أن يعزف عليها نغماته ~~الخاصة. # ليس بوسعنا أن نحرز بما سيدين به المستقبل لسيزان، أما أفضال سيزان على الفن المعاصر ~~فتكاد لا تحصى؛ فبدون سيزان ربما كان توقف الفنانون ذوو العبقرية والموهبة الذين ~~يمتعوننا اليوم بدلالة أعمالهم وأصالتها، ولبثوا حبيسي المرفأ إلى الأبد لا ~~يتبينون هدفهم، ولا يملكون خريطة ولا دفة ولا بوصلة. إن سيزان هو كريستوفر كولمبس ~~لقارة شكلية جديدة. ولد سيزان عام 1839م في أكسان ~~بروفانس # Aix-en-Provence ~~، وظل أربعين سنة يرسم بدأب على طريقة أستاذه بيسارو Pissaro ~~، وبدا في نظر العالم حتى ذلك الحين، بقدر ما ~~بدا على الإطلاق، انطباعيا صغيرا موقرا، معجبا بمانيه # Manet ~~، وصديقا إن لم يكن تابعا لزولا # Zola ~~، وتلميذا مخلصا خامل الذكر، لقد وقف سيزان إلى الجانب ~~الصحيح، أعني بالطبع جانب الانطباعية؛ أي جانب الفنانين الصادقين النزهاء، ضد ~~الآفات الأكاديمية الأدبية، # 10 # لقد اعتقد في فن التصوير # painting ~~، ~~واعتقد أنه يمكن أن يكون شيئا أسمى من مجرد بديل مكلف للتصوير الفوتوغرافي، أو ~~رفيق متمم للشعر الرديء؛ لذا كان سيزان عام 1870م واقفا إلى جانب العلم ضد ~~الابتذال (الإسفاف) العاطفي # sentimentality ~~. # غير أن العلم لن ms133 يصنع فنانا ولن يشفي غليله، ربما يكون سيزان قد رأى ما عجز ~~الانطباعيون عن رؤيته، فرغم أنهم كانوا لا يزالون يرسمون لوحات أخاذة؛ فإن ~~نظرياتهم قد قادت الفن إلى طريق مسدود؛ لذا فبينما كان يعمل في ركنه القصي في ~~بروفانس بمعزل عن النزعة الجمالية (المتطرفة) # aestheticism # بباريس وعن البودليرية والويسلرية، ~~كان يبحث دائما عن شيء ما يحل محل العلم الزائف لكلود ~~مونيه # C. Monet ~~، ولقد عثر على هذا الشيء في مكان ما حوالي عام 1880م؛ إذ أتاه ~~في أكسان بروفانس إلهام أسس فجوة بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ فبينما كان ~~سيزان يحدق في منظر طبيعي مألوف، تسنى له أن يفهم المنظر لا كأسلوب ضوئي، ولا كلاعب ~~في لعبة الحياة البشرية، بل كغاية في ذاته، وموضوع لانفعال كثيف، وما من فنان عظيم ~~إلا أبصر المنظر الطبيعي كغاية في ذاته - كشكل خالص، وهذا يعني أن سيزان قد صنع جيلا ~~من الفنانين يحسون أن أي شيء عن المنظر الطبيعي هو لا شيء إذا قورن بدلالته كغاية ~~في ذاته، ومنذ ذلك الحين نذر سيزان نفسه لخلق الأشكال التي من شأنها أن تعبر عن ~~الانفعال الذي كان يحسه تجاه الأشياء التي تعلم كيف يراها، عندئذ أصبح العلم غير ذي ~~صلة، شأنه شأن موضوع اللوحة. إن بالإمكان أن ننظر إلى كل شيء كشكل خالص، ووراء الشكل ~~الخالص تقبع الدلالة الباطنية التي تثير النشوة، أما بقية حياة سيزان فهي محاولة ~~مستمرة لاقتناص الدلالة الشكلية والتعبير عنها. # لقد حاولت أن أقول في موطن آخر إن هناك أكثر من طريق واحد لبلوغ الواقع # reality ~~؛ فبعض الفنانين قد بلغوه فيما يبدو عن طريق ~~قوة الخيال المحضة ولم يتكئوا في ذلك على غير أنفسهم، ولم يحتاجوا إلى سلم مادي ~~يعينهم على تخطي المادة، لقد تحدثوا مع الواقع عقلا لعقل، وبثوا الرسالة على ~~هيئة أشكال لا تدين للعالم الفيزيقي إلا بمحض الوجود. في هذا الفصيل يندرج أفضل ~~الموسيقيين والمعماريين، وفي هذا الفصيل لا يندرج سيزان؛ فقد ترحل سيزان صوب الواقع ~~عبر ms134 الطريق التقليدي لفن التصوير الأوربي. لقد كانت مرئيات العين هي ما اكتشف فيه سيزان ~~أسلوبا بنائيا جليلا يسكنه «الكلي» # Universal # الذي يجوهر كل «جزئي» Particular # ويبث فيه الروح. ~~لقد حث خطاه موغلا أكثر فأكثر صوب إلهام كامل بدلالة الشكل، ولكنه كان بحاجة إلى ~~شيء ما عيني وملموس ليكون نقطة انطلاقه، لم يكن أمام سيزان من سبيل لبلوغ الواقع ~~غير ما تبصره عيناه؛ وهذا هو ما منعه أن يبتكر أشكالا تامة التجريد، وقلما نجد بين ~~الفنانين العظام من فاق سيزان في الاهتمام بالأنموذج # model # والتعويل عليه، كانت كل لوحة يرسمها تنقله خطوة في اتجاه ~~هدفه؛ أي في اتجاه التعبير الكامل، وإذ كان ما يشغله هو التعبير عن إحساسه بدلالة الشكل ~~وليس صناعة لوحات بحد ذاتها، فما كاد يفرغ من التعبير عن كل ما أمكنه استيعابه حتى ~~فقد شغفه بعمله. إن لوحات سيزان لم تكن بالنسبة إليه غير درجات في سلم يرجى أن تفضي ~~ذروته إلى التعبير الكامل، وكانت كل حياته المتأخرة ارتقاء صوب مثل أعلى، كانت كل ~~لوحة يرسمها هي بالنسبة إليه مجرد وسيلة، خطوة، عصا، دعامة، حجر يخطو عليه؛ كانت شيئا ~~هو على استعداد للتخلي عنه بمجرد أن يؤدي غرضه. كانت اللوحات عنده تجارب، ولقد قذف بها ~~في الأحراج أو غادرها في الحقول المنبسطة لتكون من بعده حجر عثرة لفصيل من النقاد ~~الأشقياء. # إن سيزان نمط من الفنان الكامل؛ وهو النقيض التام لمحترفي صناعة اللوحات، ومحترفي ~~صناعة القصائد، ومحترفي صناعة الموسيقى، لقد كان يخلق الأشكال لا لشيء إلا لأنه بهذا ~~الفعل وحده يمكنه أن يحقق غاية وجوده؛ وهي التعبير عن إحساسه بدلالة الشكل، وعندما ~~نكون بصدد الحديث عن الإستطيقا، فإن خير ما نفعله هو ألا نبالي بكل هذا، وأن ~~ننصرف فحسب إلى الموضوع وتأثيره الانفعالي علينا، ولكننا حين نحاول أن نفسر ~~التأثير الانفعالي للوحات؛ فإننا نلتفت تلقائيا إلى أذهان الأشخاص الذين صنعوها، ~~ونجد في قصة سيزان معينا لا ينضب من الإلهام؛ فقد كانت حياته جهدا متصلا لخلق ~~الأشكال التي يسعها ms135 أن تعبر عما أحس به في لحظة الإلهام. إن فكرة فن بلا إلهام ... ~~فكرة وصفة لصنع اللوحات، كان لا بد أن تبدو له ممتنعة، فلم يكن هم سيزان الحقيقي في ~~حياته هو أن يصنع لوحات بل أن يصنع خلاصه، ومن حسن حظنا أنه لم يمكنه ذلك إلا بواسطة ~~الرسم. إن أي لوحتين لسيزان من المتعين أن تختلفا فيما بينهما اختلافا بعيدا؛ فلم ~~يحلم سيزان قط بأن يكرر نفسه، ولم يكن بإمكانه أن يتجمد في مكانه، وهذا هو السر ~~في أنه استطاع بأعماله أن يلهم جيلا بكامله من الفنانين المتباينين الذين لم ~~يتفقوا في شيء عدا استلهام سيزان؛ ولذا فلست أغض من شأن أي من الفنانين الأحياء ~~حين أقول إن السمة الرئيسية للحركة الفنية الجديدة هي أنها مستمدة من ~~سيزان. # لقد كان العالم الذي صادفه سيزان ونشأ في كنفه هو عالم يعج بالنزاع بين ~~الرومانسيين والواقعيين، وما النزاع بين الرومانسية والواقعية سوى نزاع بين أناس ~~يعز عليهم أن يتفقوا حول مسألة هل تاريخ إسبانيا أم عدد البذر هو الأهم في شأن ~~برتقالة! لقد كان الرومانسيون والواقعيون أشبه بأناس صم يختلفون حول صرير أحد ~~الخفافيش. دأب الرومانسي كلما سئل عما يحسه تجاه أي شيء هو أن يتذكر تداعيات هذا ~~الشيء، فإذا كان بصدد وردة من الورود فهي تذكره بما مر به في سالف أيامه من جنائن ~~وفتيات، وتذكره بإدموند ~~وولر # E. ~~Waller # وبالساعات الشمسية، وبألف شيء من الأشياء الطريفة والفاتنة التي ~~جرت له أو لغيره في وقت أو آخر، فهذه الوردة تمس من حياته ألف موضع جميل، وهي طريفة ~~لأن لها ماضيا، هكذا يتحدث الرومانسي، فيرد عليه الواقعي: «هراء، سأنبئك بما ~~تكونه الوردة؛ أي سأقدم لك وصفا مفصلا لخواص الفصيلة النباتية المسماة «روزا ~~سيتيجيرا»، ولن أغفل ذكر أنبوب الكأس الوعائي الشكل، أو الفصوص المتراكبة الخمسة، أو ~~التويج المفتوح المكون من خمس بتلات بيضاوية مقلوبة»، إن كل وصف من الوصفين ~~(الرومانسي والواقعي) هو خارج عن الموضوع قدر خروج الوصف الآخر؛ ذلك أن كليهما ms136 يغفل ~~الشيء المهم في الفن، وهو الشيء الذي اعتاد الفلاسفة أن يسموه «الشيء في ذاته» # the thing in itself ~~، وإخالهم الآن يسمونه ~~«الواقع الماهوي» # the essential reality ~~، وإلا فما ~~هي الوردة على أية حال؟ ما الشجرة، الكلب ، الجدار، القارب؟ ما هي الدلالة الخاصة لأي ~~شيء من الأشياء؟ من المؤكد أن ماهية قارب من القوارب ليست أنه يستحضر في الذهن ~~مشاهد أساطيل تجارية ذات أشرعة أرجوانية، ولا أنه ينقل الفحم إلى نيوكاسل، ~~ولتتخيل قاربا في عزلة تامة، وافصله عن الإنسان وأنشطته الملحة وتاريخه الخرافي، ~~فما الذي يتبقى؟ ما الذي نظل نستجيب له انفعاليا؟ ماذا غير الشكل الخالص، وغير ذلك ~~الذي يكمن خلف الشكل الخالص ويهبه دلالته؟ فتجاه هذا الشيء كان سيزان يشعر بالانفعال ~~الذي صرف عمره في التعبير عنه. # أما السمة الثانية للحركة الجديدة فهي الولع المشبوب، الموروث عن سيزان، بالأشياء ~~معتبرة كغاية في ذاتها، وحين أقول ذلك فإنني لا أعدو أن أقول إن مصوري الحركة ~~الجديدة قد قرروا عن وعي أن يكونوا فنانين. إن التفرد يقبع في الوعي؛ الوعي الذي ~~به نذروا أنفسهم لنبذ كل ما يحول بينهم وبين الأشكال الخالصة للأشياء. لقد أيقنوا ~~أن بحسب المرء أن يكون فنانا؛ فكم من موهوب بل كم من عبقري قد فوت على نفسه أن يكون ~~فنانا حقيقيا؛ لأنه سعى إلى أن يكون شيئا آخر. ~~(2) التبسيط ~~والتصميم # Simplification and Design # أكرر، متجشما خطر الإملال، أن تصيد سمات خاصة بفن اليوم أو فن الأمس أو فن أي ~~فترة معينة هو عمل لا يبرأ من السخف؛ فالتمييز الوحيد الذي يهم في الفن هو التمييز ~~بين الفن الجيد والفن الرديء؛ فكون هذا الإناء قد صنع في بلاد الرافدين منذ حوالي ~~أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وهذه اللوحة في باريس حوالي سنة 1913م بعد الميلاد، هو ~~أمر ضئيل الأهمية إلى أبعد حد؛ إلا أن من الممكن - رغم قلة جدواه - التمييز بين ~~الأعمال الفنية المتساوية الجودة التي أنتجت في حقبتين مختلفتين ومكانين ~~متباعدين. ورغم أن عادة ربط الفن ms137 بالعصر الذي أنتج فيه قد لا تعود بالنفع على الفن ~~أو الفنانين؛ فلست على ثقة من خلوها من كل ضروب النفع، فإذا صح أن الفن سجل للحالة ~~الروحية لعصر من العصور، فإن بإمكان النظرة التاريخية للفن أن تلقي بعض الضوء على ~~تاريخ الحضارة؛ ومن ثم فمن الجائز عقلا أن تؤدي بنا دراسة مقارنة للعهود الفنية إلى ~~تعديل تصورنا عن التطور الإنساني، وتنقيح بعض نظرياتنا الاجتماعية والسياسية، ومهما ~~يكن وجه الصواب في هذا الأمر؛ فالذي لا شك فيه هو أن من يرغب في الاستدلال على حضارة ~~عصر ما من خلال الفن الذي أنتجه ذلك العصر، فإن من المتعين عليه أن يمتلك القدرة على ~~التمييز بين الأعمال الفنية لهذا العصر والأعمال الفنية لجميع العصور الأخرى، ومن ~~المتعين عليه أن يكون ملما بخصائص الحركة الفنية. وإنني أعتزم أن أبين بعضا من ~~الخصائص الأكثر وضوحا للحركة الفنية المعاصرة. # ولكن كيف يتأتى أن يختلف الفن في أحد العصور عن الفن في عصر آخر؟ فقد يبدو غريبا ~~للوهلة الأولى أن يختلف الفن، وهو التعبير عن إحساس الإنسان بدلالة الشكل، من عصر إلى ~~عصر ولو اختلافا سطحيا، إلا أن النظرة المتعمقة في هذا الأمر تدلنا على أن من ~~المتعين على الفن أن يكون سطحه في تغير دائم مثلما هو من المتعين أن يكون جوهره ~~ثابتا لا يتغير، فيبدو أن غريزة القرد في الإنسان مكينة قوية بحيث إنه لو لم يكن ~~الإنسان في تغير مستمر لتوقف عن الإبداع وجعل يقلد فحسب. إنه السؤال القديم ~~للمشكلة الفنية؛ فليس بمقدور الفنان أن يذكي طاقاته حتى وهج الإبداع لو لم يطرح على ~~نفسه مشكلات جديدة، ولا نهاية للأشكال التي يمكن للفنانين أن يعبروا بها عن أنفسهم، ~~ولا تزال رغبتهم في التعبير عن أنفسهم تكفل للشكل الفني تغيرا مستمرا وتفاعلا ~~مطردا. # لا يزال بالإنسان شيء من أسلافه القردة. # ليس هذا فحسب، بل إن به خصلة متبقية من أسلافه الخراف. # 11 # ثمة صيحات (موضات) في الأشكال والألوان وعلاقات الأشكال والألوان، أو لنقل ~~بطريقة ms138 أكثر تلطفا وإنصافا إن الحساسية الفنية للناس في كل عصر تتسم بقدر من ~~الاتفاق يكفي لإحداث تشابه معين في الأشكال، والأمر يبدو كما لو أن هناك قوى غريبة ~~متفشية لا يسع أي إنسان أن يتجنبها كل التجنب، ونحن نطلق على هذه القوى أسماء ~~أثيرة؛ مثل «حركات»، «قوى»، «اتجاهات»، «مؤثرات»، «روح العصر»، غير أننا لا نفهمها ~~على الإطلاق. إن علينا ألا نرتعب منها وألا نتملقها أيضا بتصنع الإلمام بها، ~~وهو تظاهر لا ينطلي على غير العامة، بيد أنها موجودة، ولو لم تكن موجودة لوجب علينا ~~أن نخترعها، وإلا فكيف نفسر حقيقة أن فناني كل حقبة يؤثرون أنواعا معينة من ~~الأشكال، وحقيقة أنه حتى المشاهدون من كل جيل يبدو كأنهم ولدوا بحساسية مهيئة ~~بشكل خاص بحيث تستميلها هذه الأشكال الجديدة؟ ومن الممكن في هذا العصر أن نلوذ ~~بالكلمة السحرية «سيزان»، فنستطيع أن نقول إن سيزان قد فرض قوالبه على الرسامين ~~الجورجيين وعلى العامة، تماما مثلما فرض فاجنر قوالبه على الموسيقيين ~~والمستمعين الإدوارديين. إن هذا التفسير يبدو لي قاصرا، وهو على كل حال لا ~~يفسر سيطرة صيحات شكلية في عصور مقفرة من أي عبقري مسيطر. إن روح أي عصر فني، في ~~ظني، هي مركب يتحدى التحليل الكامل، تشكل أعمال أحد العقول الكبيرة جزءا منه ~~في عامة الأحوال، وتشكل آثار عصر سابق معين جزءا آخر في أحوال كثيرة. وقد كانت ~~المكتشفات التقنية تؤدي أحيانا إلى تغيرات فنية؛ من ذلك أن اختراع القماش # canvas # قد أوحى إلى أولئك الذين اعتادوا الرسم على ~~الخشب بكل أصناف التجديد الأخاذ، كما أن هناك تغيرا مستمرا في مظهر تلك الأشياء ~~المألوفة التي تشكل المادة الخام لمعظم الفنانين البصريين؛ ولذا فرغم أن الصفة الماهوية # 12 ~~- الدلالة - هي صفة ثابتة، فهناك تغير دائم في اختيار الأشكال، ويبدو أن ~~هذه التغيرات تتحرك على هيئة تحليقات طويلة أو قفزات أقصر؛ بحيث نستطيع أن نضع ~~أيدينا بشيء من الدقة على نقطتين يحصران فيما بينهما قدرا معينا من الفن الذي يحوز ~~سمات مشتركة محددة. يطلق ms139 المؤرخون على ذلك الأمد الذي يقع بين هاتين النقطتين ~~اسم «عهد» أو «حركة». # إن العهد الذي نجد أنفسنا في كنفه الآن (1913م) يبدأ تاريخه مع نضج سيزان (حوالي ~~1885م)؛ ومن ثم فهو يتداخل مع الحركة الانطباعية التي من المتيقن أنها قد بقي بها ~~رمق من الحياة حتى نهاية القرن التاسع عشر، فهل ستتلاشى «ما بعد الانطباعية» وتهن ~~مثلما وهنت الانطباعية، أم أنها باكورة إزهار لحيوية فنية جديدة سبقتها قرون من ~~النمو؟ تلك مسألة قد اعترضت بأنها تستند إلى الحدس والتخمين، أما ما يبدو لي يقينيا ~~فهو أن الذين سيجيئون من بعدنا ويتاح لهم أن يتأملوا عصرنا كشيء مكتمل وحقبة من ~~تاريخ الفن، أولئك لن يدروا شيئا عن أهل الصنعة الذين ما يزالون بيننا يخلقون ~~الإيهام ويتخاطبون ويتنازعون بطريقة الفيكتوريين، ولن يذكروا من مصوري بدايات ~~القرن العشرين إلا الفنانين الذين حاولوا خلق الشكل. أما الصناع الذين سعوا إلى خلق ~~الإيهام فسوف يعفي عليهم الزمان ويدرجون في زوايا النسيان. سيذكر القادمون من عني ~~بالحاضر لا بالماضي، وأنا من أجل ذلك لن أذكر غيرهم حين أعمد إلى وصف الحركة الفنية المعاصرة. # 13 # لقد ذكرت آنفا سمتين من سمات الحركة، فقلت إن معظم الفنانين المعاصرين ذوي ~~الحيوية قد تأثروا بدرجة أو بأخرى بسيزان في اختيارهم للأشكال والألوان، وإن سيزان ~~قد بث فيهم العزيمة والإصرار على تنقية فنهم من الطفيليات الأدبية والعلمية، ~~وأحسب أننا إذا سألنا معظم الناس أن يذكروا سمة ثالثة للحركة لأجابوا على الفور: ~~«التبسيط» # Simplification ~~، وقد يبدو غريبا أن ~~نفرد «التبسيط» كسمة مميزة لفن أي عصر بعينه ما دام التبسيط شيئا أساسيا لكل ~~فن وبدونه لا يمكن للفن أن يوجد؛ فالفن هو خلق الشكل الدال، والتبسيط يعني تصفية ما هو ~~دال مما لا دلالة له، ومع ذلك فقد بلغ الفن في القرن التاسع عشر من الهبوط والتدني ~~بحيث بدا الجرم الأكبر الذي ارتكبه ويسلر # Whistler # والانطباعيون في نظر الدهماء هو إلحاحهم العنيف على التبسيط، ونحن لم نتخلص بعد من ~~الطابع الفيكتوري ولم ms140 ننسلخ من جلده، والشمعة المستهلكة لا تزال تدخن بإنتان ~~إلى الفجر، وبحسبك أن تلقي نظرة على أي بناء حديث تقريبا لترى حشدا من التعقيد ~~والتفصيل لا يشكل جزءا من أي تصميم ولا يخدم أي غرض نافع، فلا شيء يبدو أكثر ~~افتقارا إلى التبسيط من المعمار، ولن تجد أحدا يفزع من التبسيط ويمقته قدر ما يفعل ~~المعماريون. طف بشوارع لندن، ولسوف ترى في كل صوب كتلا ضخمة من الزخرف الجاهز ~~وأعمدة وأروقة معمدة وأفاريز وواجهات، ترفع على الأوناش لكي تتدلى من حوائط ~~الأسمنت المسلح، المباني العامة غدت أضحوكة عامة، إنها فارغة من المعنى مثل ركام ~~الخبث وأقل منه جمالا بكثير، ولن نشهد مبنى يتمتع بأي قيمة إلا حيثما دفعت ~~الاعتبارات الاقتصادية إلى الاستغناء عن المعماري. إن المهندسين (الذين لديهم على ~~الأقل مشكلة علمية ليحلوها) يخلقون في المصانع وجسور السكة الحديدية أبهى آثارنا ~~الباقية وأجدرها بالإكبار؛ إنهم على الأقل غير خجلين من بنائهم، وهم على أية حال ~~غير مسموح لهم بأن يخترقوه بالجمال بواقع ثلاثين شلنا لكل قدم. ولن يكون لدينا ~~معمار في أوروبا حتى يعي المعماريون أن كل هذه الزوائد المبهرجة يجب أن تقصى ~~بعيدا لتحل البساطة محلها، وحتى ينصرفوا إلى التعبير عن أنفسهم بمواد عصرهم - ~~الأسمنت المسلح والزجاج - ويخلقوا بهذه الوسائط الرائعة أشكالا شاسعة وبسيطة ~~ودالة. # لقد أمعنت الحركة المعاصرة في التبسيط وبلغت به شأوا أبعد بكثير مما بلغه ~~مانيه # Manet # ورفاقه، وبذلك ميزت نفسها وافترقت ~~عن أي شيء شهدناه منذ القرن الثاني عشر؛ فمنذ القرن الثاني عشر في فنون النحت والزجاج، ~~ومنذ القرن الثالث عشر في فنون التصوير والرسم؛ أخذ التحول ينحو إلى الواقعية وينأى ~~عن الفن، وإن جوهر الواقعية هو التفصيل، فمنذ زولا # Zola # أدرك كل روائي أن لا شيء يضفي على العمل صبغة واقعية جليلة ~~مثل أن تدفع فيه بحشد من الوقائع الطفيلية (الخارجة عن الموضوع)، وقلما نجد من ~~الروائيين من حاد عن هذه الطريقة وحاول أن يحذو حذوا آخر؛ فالتفصيل هو في الصميم ~~من الواقعية، وهو ms141 الانحلال الدهني # fatty degeneration # للفن، أما الحركة المعاصرة فقد اتجهت إلى التبسيط وإلى التخلص من كل هذه الفوضى من ~~التفاصيل التي أقحمها الرسامون في لوحاتهم من أجل إثبات الوقائع وتقريرها، غير أن ~~المهمة كانت أكبر من ذلك؛ فقد كانت هناك عناصر خارجة عن الموضوع يقحمها الرسامون في ~~لوحاتهم لأغراض أخرى غير تقرير الوقائع ، من هذه الأغراض الاستعراض التكنيكي؛ فمنذ ~~القرن الثاني عشر أخذت التعقيدات التكنيكية في التوسع المطرد، وأخذ الكتاب ~~الذين ليس لديهم ما يقولونه يعتبرون التلاعب بالألفاظ كغاية في ذاته؛ فهم أشبه ~~بطهاة ليس لديهم بيض فجعلوا يعتبرون وتيرة صنع العجة كفن جميل؛ خلط التوابل وفرم ~~الأعشاب وإحماء النار وتهيئة الطواقي البيضاء، أما البيض فما لنا وما له، هذا أمر ~~الله، ومن ذا يريد العجة حين يكون بوسعه أن يمارس الطهي؟ لقد بسطت الحركة الجديدة ~~هذه الأمور واختزلت عدة الطهي، وعمدت إلى أن تطهر العمل الفني من أي عنصر لا يعدو ~~أن يكون عرضا لحرفية الصانع. # من دواعي الحسرة رغم ذلك أن الحياة والفن يتكشف دائما أنهما أعقد مما نحتسب ~~ونتمنى، فلكي نفهم ما يعنيه التبسيط على وجه الدقة فإن علينا أن نغوص أبعد من ذلك ~~في أعماق الأسرار. إن من السهل أن نقول للفنان تخلص من التفاصيل الخارجة عن الموضوع، ~~فما هي التفاصيل غير الخارجة عن الموضوع؟ في أي عمل فني، لا شيء يتصل بالموضوع إلا ما ~~يسهم في الدلالة الشكلية؛ ومن ثم فكل عنصر إرشادي أو إخباري هو عنصر خارج عن الموضوع ~~ويتعين إقصاؤه. غير أن ما ينبغي على معظم الفنانين أن يعبروا عنه هو أشياء لا ~~يمكن أن تصاغ إلا في تصميمات بالغة التعقيد والدقة بحيث تغدو غير مفهومة ما لم ~~يزودنا الفنان بمفتاح ما يفتح لنا مغاليق العمل ويظهرنا على جليته؛ فهناك مثلا ~~تصميمات كثيرة لا يمكن أن يفهمها المشاهد ما لم ينظر إليها من زاوية معينة؛ فمن ~~الأعمال ما يحسن أن ترى من أعلى إلى أسفل أو العكس، يؤيد ذلك ما نراه من أن ms142 ذوي ~~الحساسية المرهفة من الناس بمقدورهم دائما أن يكتشفوا من التصميم نفسه كيف ينبغي ~~أن يبصروه، وبمقدورهم دون كثير عناء أن يضعوا وضعا صحيحا قطعة من شريط زينة أو من ~~شيء مطرز لا يتضمن أي مفتاح إرشادي يدلهم، ورغم ذلك فعندما يصنع فنان تصميما ~~معقدا يجد في نفسه رغبة مغرية، ومعقولة حقا، في أن يدخل في تصميمه شيئا ما ~~مألوفا؛ شجرة مثلا أو هيئة شخصية. فعندما ينتهي الفنان من وضع عدد من العلاقات ~~البالغة الدقة بين أشكال بالغة التعقيد، فقد يسائل نفسه إن كان بقدرة أي شخص آخر أن ~~يدركها، ألا يليق به عندئذ أن يقدم إشارة ضئيلة تلمح إلى طبيعة تكوينه وتمهد ~~السبيل لانفعالاتنا الإستطيقية؟ ألا ييسر فهمنا للعلاقات الإستطيقية للأشكال التي ~~خلقها في تصميمه أن يمنح هذه الأشكال قدرا من الشبه بأشكال الحياة العادية يتيح لنا ~~أن نردها للتو إلى ما عهدناه وألفناه؟ ردي على ذلك أن لا بأس بأن تدخل من ~~الباب الخلفي للتمثيل # representation # الذي يتصف به ~~مفتاح مرشد إلى طبيعة العمل، فليس لدي اعتراض على وجوده، كل ما أريد أن أؤكده هو أن ~~العنصر التمثيلي يجب أن يكون مدمجا في التصميم كيلا يفسد اللوحة بوصفها عملا ~~فنيا. إن على العنصر التمثيلي مهمة مزدوجة؛ فإلى جانب تقديم معلومات فلا بد له ~~أيضا أن يخلق انفعالا إستطيقيا؛ أي لا بد أن يبسط إلى شكل دال. # لنتقص هذه المسألة ولا ندع فيها منفذا للخطأ. لقد أردنا أن نساعد المشاهد على ~~إدراك تصميمنا فأدخلنا في لوحتنا عنصرا تمثيليا أو معرفيا، هذا العنصر لا شأن له ~~بالفن من قريب أو بعيد؛ فتمييز التطابق بين أشكال العمل الفني والأشكال المألوفة في ~~الحياة لا يمكن أن يثير انفعالا إستطيقيا البتة، فليس غير الشكل الدال ما يقدر ~~على ذلك، وليس ما يمنع بطبيعة الحال أن تكون الأشكال الواقعية دالة إستطيقيا، وأن ~~يخلق منها الفنان عملا رائعا، غير أن ما يعنينا منها عندئذ هو قيمتها الإستطيقية ~~لا قيمتها المعرفية؛ فبإمكان العنصر المعرفي أو التمثيلي ms143 في العمل الفني أن يكون ~~مفيدا كوسيلة إلى إدراك العلاقات الشكلية وليس بأي طريقة أخرى؛ إنه ذو قيمة ~~للمشاهد، ولكن لا قيمة له بالنسبة للعمل الفني، أو لنقل إنه ذو قيمة للعمل الفني ~~مثلما أن بوق الأذن ذو قيمة لمن يود الحديث مع شخص أصم؛ إذ بإمكان المتحدث أن ~~يتكلم بنفس الكفاءة بدون البوق ، ولكن هذا ليس بإمكان المستمع، كذلك بإمكان العنصر ~~التمثيلي أن يعين المشاهد، غير أنه لا يجدي اللوحة شيئا، وقد يضرها؛ فهو قد يفسد ~~التصميم؛ أي أنه قد يجرد الصورة من قيمتها بوصفها كلا، وإنما بوصفه كلا ~~وبوصفه تنظيما للأشكال يثير العمل الفني الانفعالات الأشد وقعا وروعة. # من وجهة نظر المشاهد كان فنانو «ما بعد الانطباعية» موفقين بشكل خاص في ~~تبسيطهم؛ فمن الممكن، كما نعلم، أن يتكون التصميم من أشكال واقعية كما أنه من ~~الممكن أن يتكون من أشكال مخترعة، غير أن التصميم الجميل المكون من أشكال واقعية ~~معرض بدرجة كبيرة لخطر التدني الإستطيقي؛ إذ يستلفت العنصر التمثيلي فيه نظرنا ~~على الفور فتفوتنا دلالته الشكلية. إن من العسير جدا أن ندرك بالنظرة الأولى تصميم ~~لوحة لفنان شديد الواقعية، أنجر # Ingres # على سبيل ~~المثال؛ ذلك أن فضولنا البشري يغشي انفعالاتنا الإستطيقية، ولا نعود نرى الصور بوصفها ~~أشكالا لأننا سرعان ما نتأملها بوصفها أشخاصا، وفي المقابل فإن التصميم المكون من ~~أشكال تخيلية خالصة خلو من أي مفتاح معرفي (سجادة فارسية مثلا) حري، إذا كان شديد ~~التركب والتعقيد، أن يربك المشاهدين ذوي الحساسية المحدودة. أما الفنانون بعد ~~الانطباعيين فإنهم باستخدامهم أشكالا محرفة بحيث تحبط وتحير الاهتمام والفضول ~~البشريين، وتمثيلية رغم ذلك بحيث تسترعي الانتباه المباشر إلى طبيعة التصميم، قد ~~وجدوا طريقا مختصرة إلى انفعالاتنا الإستطيقية. إن هذا لا يجعل اللوحات بعد ~~الانطباعية أفضل من غيرها ولا أسوأ، بل يجعلها أيسر في إدراكها كأعمال فنية، ربما ~~سيظل صعبا دائما على أغلب الناس أن يتأملوا الصور كأعمال فنية. غير أن اللوحات ~~بعد الانطباعية ستكون في ذلك أقل عسرا من اللوحات الواقعية، بينما ms144 هم إذا كفوا عن ~~تأمل الأشياء غير المزودة بمفاتيح تمثيلية (مثل بعض أعمال النسيج الشرقي) بوصفها ~~آثارا تاريخية، فقد يجدون من العسير عليهم أن يتأملوها على الإطلاق. # لكي يبرز الفنان تصميمه فإنه يجعل همه الأول أن يبسط، غير أن مجرد التبسيط؛ ~~أي التخلص من التفاصيل، لا يكفي؛ إذ لا بد للأشكال الإخبارية المتبقية أن تكون ~~دالة، ولا بد للعنصر التمثيلي لكي لا يفسد التصميم أن يصبح جزءا منه، ويتعين عليه ~~إلى جانب تقديم المعلومات أن يثير انفعالا إستطيقيا، وها هنا الموطن الذي تفشل فيه ~~الرمزية. إن الرمزي يتخلص ولكنه لا يهضم ويتمثل، ورموزه، في عامة الأحوال، ~~ليست أشكالا دالة بل ناقلات خبر شكلية؛ فالرموز ليست أجزاء مدمجة لتصور تشكيلي، ~~وإنما هي اختصارات فكرية، والرموز لا يبثها انفعال الفنان بل يخترعها فكره. إنها ~~مادة ميتة في كائن عضوي حي، وهي جاسئة # 14 # مغلقة لأنها غير مغمورة في إيقاع التصميم، وليست الأساطير الشارحة التي ~~اعتاد رسامو الصور التوضيحية أن يضعوها على أفواه شخصياتهم بأدخل على الفن البصري من ~~الأشكال الرمزية التي أفسد بها كثير من الرسامين القديرين تصاميمهم. لقد تمكن ~~دورر # Dürer # في لوحته الشهيرة «ميلانكوليا» وتمكن ~~إلى حد ما في نقوش أخرى قليلة مثل «القديس يوستيس» و«العذراء والطفل» (المتحف ~~البريطاني # B. 34. ~~) من أن يحول كتلة من التفاصيل إلى ~~شكل مقبول الدلالة، غير أننا في الشطر الأكبر من أعماله (مثل «الفارس» و«القديس جيروم») ~~نجد أن التصور الجميل قد أفسدته كتلة من الرموز غير المهضومة وأتت عليه. # من هنا يتوجب أن يكون كل شكل في العمل الفني ذا دلالة إستطيقية، وأن يكون أيضا ~~جزءا من كل ذي دلالة؛ لأن قيمة الأجزاء المتضامنة في كل، كما يحدث دائما، هي أكبر ~~بكثير من قيمة المجموع الجبري للأجزاء، يطلق على هذا التنظيم الذي يسلك الأشكال في كل ~~ذي دلالة اسم «التصميم» # Design ~~. إن الإلحاح على ~~التصميم، ولعل البعض يقول الإلحاح المفرط، هو السمة الرابعة للحركة المعاصرة. لا شك ~~أن هذا الإصرار، وهذا الإيمان الراسخ بأن العمل ms145 يجب أن يكون جيدا لا «على الكل» بل ~~«ككل» هو إلى حد ما رد فعل تجاه المنقبة السهلة التي كان يتحلى بها بعض الفنانين ~~الانطباعيين، أولئك الذين كانوا قانعين بأن يفعموا قماش لوحاتهم بأشكال وألوان ~~أخاذة، دون أن يشغلهم كثيرا هل هي متناسقة أو كيف. كانت هذه بالقطع نقطة ضعف في ~~الانطباعية - وإن لم تشمل بحال جميع الأساتذة الانطباعيين - لأن من المؤكد أيضا أن ~~الفنان لا يسعه أن يعبر عن نفسه على نحو تام إلا في هذه التضافرات ~~المنظمة. # يبدو أن الفنان يخلق تصميما جيدا عندما يتسنى له، بعد أن يستحوذ عليه تصور ~~انفعالي حقيقي، أن يقبض على هذا التصور ويترجمه، وأحسب أننا نتفق جميعا على أن ~~الفنان ما لم تواته لحظة الرؤية الانفعالية فلن يتسنى له أن يأتي بعمل فني ذي ~~شأن، بل سيظل غير متيقن إن كانت لديه القدرة على الإمساك بالرؤية التي رآها وأحسها، ~~أو إن كانت لديه المهارة الكفيلة بترجمتها. وبطبيعة الحال يعود فشل التصميم في ~~الغالبية العظمى من اللوحات إلى أنها لا تطابق أي رؤية انفعالية، ولكن حالات الفشل ~~المثيرة للاهتمام هي تلك الحالات التي سنحت فيها الرؤية للفنان غير أنه لم يقبض ~~عليها كما يجب ولم يحققها تحقيقا كاملا. إن الفنانين الذين فشلوا في تسجيل ما ~~أحسوه واستوعبوه بسبب افتقارهم للمهارة التكنيكية يمكن أن يحصوا على أصابع اليد ~~الواحدة - إن كان هناك من أحد حقا لكي يحصى، ولكن أينما توجهنا نجد لوحات شائقة ~~تبدو بها الثغرات في تصور الفنان واضحة جلية، لقد واتته الرؤية ذات مرة، تامة ~~مكتملة، غير أنه عاجز عن استردادها؛ فالوجد لن يعود، والقوة الإبداعية العليا ~~مفقودة. إن هناك ثغرات وعليه أن يسدها بالمعجون، المعجون نعرفه جميعا عندما تقع ~~عليه أعيننا - عندما نحسه، فهو مادة ميتة - نسخ حرفي من الطبيعة، آلية فكرية، ~~أشكال لا يناظرها شيء تم إدراكه انفعاليا، أشكال لم يوقدها الإيقاع الذي ~~تراعش خلال الرؤية الأولى ل «كل ذي دلالة». # يتحلى كل تصميم جيد بضرورة مطلقة، تنبع من تصوري ms146 من حقيقة أن طبيعة كل شكل ~~وعلاقته بجميع الأشكال الأخرى هي أمر تحدده حاجة الفنان إلى التعبير بدقة عما ~~أحسه، ومن الجائز بالطبع ألا يتحقق التطابق التام بين التعبير والتصور في ~~المحاولة الأولى أو الثانية، ولكن إذا كان العمل مقدرا له أن يكون عملا ناجحا فسوف ~~تأتي لحظة يتمكن فيها الفنان من الإمساك التام بساعة إلهامه أو دقيقته، والتعبير ~~الكامل عنها، وإذا لم تأت هذه اللحظة فسوف يفتقر التصميم إلى الضرورة؛ فرغم أن ~~الحس الإستطيقي للفنان يمكنه، كما سنرى، من أن يقول ما إذا كان تصميم ما صحيحا ~~أم خاطئا، فليس غير هذه القدرة البارعة على الإمساك برؤيته والقبض عليها ما يمكنه ~~من أن يصنع تصميمه على النحو الصحيح. إن التصميم الرديء يفتقر إلى الترابط، ~~والتصميم الجيد يتحلى به، وإذا كنت أحدس بأن سر الترابط هو التحقيق الكامل لتلك ~~الهزة التي تغشى الفنان عندما يدرك عمله بوصفه كلا، فسوف لا أنسى أن ذلك حدس، ~~ولكن ليس حدسا أن أقول إننا عندما نصف تصميما ما بالجودة فإننا نعني أنه، بوصفه ~~كلا، يثير انفعالا إستطيقيا، وأن التصميم الرديء هو كومة من خطوط وألوان قد ~~تكون مرضية إذا أخذت على حدة، ولكنها لا تحرك مشاعرنا بوصفها كلا. # ذلك أنه ليس بإمكان المشاهد في النهاية أن يحدد إن كان تصميم ما جيدا أم رديئا ~~إلا باكتشاف ما إذا كان التصميم يحرك مشاعره أم لا، وإن بوسع المشاهد بعد أن يقوم ~~بهذا الكشف أن يمضي قدما لينقد العمل بالتفصيل، غير أن نقطة البداية لكل حكم ~~إستطيقي ولكل نقد هي الأفعال، فبعد أن يتركني العمل باردا خليا من الانفعال، هنالك ~~أبدأ في ملاحظة ذلك التنظيم القاصر للأشكال الذي أسميه تصميما رديئا، وهنا، في أحكامي ~~حول تصميمات معينة، لا أزال واقفا على أرضية ثابتة، ولا أشرع في الدخول إلى عالم ~~الحدس والتخمين إلا عندما أحاول أن أعلل للقوة المحركة للمشاعر التي تتحلى بها ~~تجمعات معينة، ورغم ذلك فإنني أعتقد أن حدوسي عن الحقيقة ليست بعيدة، وأن بإمكاننا ms147 ~~استنادا إلى الفرضية نفسها أن نفسر الفرق بين الرسم الجيد والرسم الرديء. # إن التصميم هو تنظيم الأشكال، والرسم هو صوغ الأشكال ذاتها، ومن الواضح أن هناك نقطة ~~يمتزج عندها الاثنان، ولكن هذا أمر لا يهمنا الآن. عندما أقول إن الرسم رديء فإنني ~~أعني أنني لم أهتز لحدود الأشكال التي تكون العمل الفني، وباعتقادي أن أسباب رداءة ~~الرسم مماثلة لأسباب رداءة التصميم، تأتي رداءة الرسم عندما لا يتطابق الشكل المرسوم مع ~~جزء من تصور انفعالي؛ فالهيئة التي يتخذها كل شكل في العمل الفني يجب أن يمليها ~~الإلهام ويفرضها. وأرى أن يد الرسام يجب أن تقودها ضرورة التعبير عن شيء ما قد أحسه لا ~~إحساسا شديدا فقط بل إحساسا محددا أيضا. إن على الرسام أن يعرف مهمته، ومهمته إن ~~كنت صائبا هي أن يترجم إلى شكل مادي شيئا ما قد أحس به في نوبة من النشوة؛ ولذا ~~فإن الأشكال التي لا ترسم إلا لملء فجوات هي أشكال رديئة الرسم، وإن الأشكال التي ~~تنتج عن نظرية في فن الرسم أو عن تقليد الأشياء الطبيعية أو تقليد أشكال الأعمال ~~الفنية الأخرى؛ كل هذه أشكال لا قيمة لها، إنما يجب أن يكون الرسم ملهما، وأن يكون ~~تجليا طبيعيا لتلك الهزة التي تصاحب الفهم الانفعالي للشكل. # وتبقى كلمة نختم بها هذا الحديث، ليس هناك ناقد بلغت به الغفلة أن يعني بالرسم ~~الرديء ذلك الرسم الذي لا يمثل الأنموذج تمثيلا صحيحا. إن آلهة المدارس الفنية من ~~أمثال ميكلانجلو # Michelanglo # ومانتنيا # Mantegna # ورفائيل # Raffael # قد تلاعبوا بالتشريح أغرب تلاعب، وكلنا يعرف أن شخوص ~~جوتو # Giotto # أقل دقة في الرسم من شخوص ~~سير إدوار بوينتر # Sir E. Poynter ~~، ~~وما من أحد يزعم أنها ليست أجود رسما. إننا نملك بالفعل معيارا نستطيع به أن ~~نحكم على الرسم، ولا يمكن لهذا المعيار أن تكون له علاقة بالصدق حيال الطبيعة. ~~إننا نحكم على الرسم بأن نركز حساسيتنا الإستطيقية على جزء معين من التصميم، ~~وما نعنيه حين نتحدث عن «رسم جيد» و«رسم رديء» ms148 هو شيء لا لبس فيه. إننا نعني «مثير ~~إستطيقيا» و«غير دال إستطيقيا»، أما لماذا يحرك مشاعرنا بعض الرسم ولا يحركها ~~البعض الآخر فهو سؤال جد مختلف. لقد طرحت فرضية أمكنني أن أكتب فيها نقدا نافذا ~~إلى حد ما، ورغم ذلك فإنني أترك هذه المهمة لأقلام أكثر استعدادا، وأكتفي هنا بقولي ~~إنه مثلما يعرف الموسيقي القدير عن يقين متى تكون آلة ما ناشزة عن التناغم برغم ~~أن المعيار لا يقيم إلا في حساسيته الخاصة، كذلك يمكن لناقد مرهف للفن البصري أن ~~يكشف الخطوط والألوان التي تفتقر إلى الحيوية، وسواء كان ينظر إلى مخطط زخرفي أو إلى ~~دراسة تشريحية دقيقة، فإن المهمة دائما واحدة؛ لأن المعيار دائما واحد؛ فالذي يجب ~~عليه أن يقضي به هو ما إذا كان الرسم دالا إستطيقيا أم غير دال. # ربما يكون الإلحاح على التصميم هو أكثر خصائص الحركة وضوحا؛ فالكل يألف تلك الخطوط ~~السوداء المحيطة التي قصد بها أن تمنح الأشكال تحديدا وتبرز بنية اللوحة؛ ذلك أن ~~جميع الفنانين الشبان تقريبا - وإن يكن بونارد # Bonnard # استثناء واضحا - يتبنون هذه الطريقة المعمارية في التصميم، ~~والتي غدت حقا الطريقة المفضلة لدى عامة الفنانين الأوربيين. والفرق بين «التصميم المعماري» # architectural design # وما أسميه ~~«التصميم المقحم» # imposed design # سيتضح لكل ~~من يقارن بين لوحة لسيزان ولوحة لويسلر. والأفضل بعد أن تقارن بين أي لوحة فلورنسية من ~~المرتبة الأولى من لوحات القرن الرابع عشر أو الخامس عشر وبين لوحة من عهد أسرة ~~سنج # Sung ~~، فها هما طريقتان لبلوغ الهدف نفسه، ~~متساويتان في الجودة، حسبما يسعني أن أحكم، ومختلفتان غاية الاختلاف. إننا لنشعر نحو ~~لوحة لسيزان أو ماساتشو أو جوتو مثلما نشعر نحو كنيسة رومانسكية؛ فالتصميم يبدو كأنه ~~يشرئب إلى أعلى، والكتلة تركم نفسها على الكتلة، والأشكال يوازن بعضها بعضا ~~كالمبنى، ثمة إحساس بالتوتر وبالقدرة على احتمال التوتر. تحول الآن إلى لوحة ~~صينية، تجد الأشكال كأنها مشبوكة بالقماشة الحريرية بدبوس، أو معلقة من أعلى، ليس ~~ثمة إحساس بالضغط أو التوتر، بل حشد هدبي ms149 لضرب ما من النبات المعترش لا ندري أين ~~جذوره يلصق نفسه على طول الجدار في هيئة أحبال أنيقة من زهور، ورغم أن التصميم ~~المعماري سمة دائمة للفن الغربي، فثمة أربعة عهود أرى أن التصميم المعماري هو سمة ~~طاغية فيها بحيث يحق أن نقول إنها سمتها المميزة، وهذه العهود هي: العهد البيزنطي ~~في القرن السادس، والعهد البيزنطي من القرن التاسع حتى القرن الثالث عشر، والعهد ~~الفلورنسي في القرن الرابع عشر والخامس عشر، والحركة المعاصرة. # حين نقول إن فناني الحركة يلحون على التصميم، فإن هذا لا ينفي أن بعضهم ~~ملونون ممتازون بدرجة استثنائية. إن سيزان مثلا واحد من أعظم الملونين الذين ~~شهدتهم الدنيا، وهنري ماتيس ملون عظيم، إلا أن كلهم، أو كلهم تقريبا، يستخدمون اللون ~~كحالة للشكل، إنهم يصممون باللون؛ أي يجبلون تصميمهم في هيئة أشكال ملونة، ~~وقليل جدا من وقع منهم في خطأ اعتبار اللون غاية في ذاته أو اعتباره شيئا مختلفا ~~عن الشكل. إن اللون في حد ذاته قليل الدلالة أو لا دلالة له على الإطلاق، ومجرد رصف ~~درجات اللون بعضها بجوار بعض لا يكاد يحرك فينا ساكنا، أو كما يحلو للملونين ~~أنفسهم أن يقولوا «إن المقادير هي ما يهم.» إنما نميز الملون لا بمزجه الألوان ~~واختيارها، بل بالأشكال التي تتخذها ألوانه وتضافرات تلك الأشكال، ولا يصبح اللون ~~دالا إلا عندما يصبح شكلا. وإنه لمن مناقب الفنانين المعاصرين أنهم ناهضوا بشدة ~~عادة رصف بقع جميلة من اللون دون كثير اعتبار لعلاقاتها الشكلية، وأنهم سعوا إلى أن ~~ينظموا درجات اللون بحيث تسمو بالشكل إلى أعلى دلالة له. ولكن ليس من المستغرب أن ~~جيلا من الملونين الفائقي البراعة والجاذبية على افتقارهم الشكلي لا بد أن يصدمهم ~~إقحام تلك الخطوط السوداء التي تبدو كأنها تغتصب حبيبتهم! إنهم يتأذون من اللوحات التي ~~تخلو من السحر العارض للتحدر اللوني الرقيق والتوزع الموفق للضوء والظل ~~(الكياروسكيورو # chiaroscuro ~~)، ولا يروقهم العزم ~~الصارم لهؤلاء الشبان على جعل عملهم مستقلا ومتكئا على ذاته وغير مدين بالفضل لحلى ~~خارجية، وهم ms150 عاجزون عن فهم هذا الولوع بالأعمال التي تروق بوصفها كلا. وهذا الإلحاح ~~العنيف على التصميم، وهذا الاستعداد لترك البناء عاريا إذا كان من شأن ذلك أن يعين ~~المشاهد على تصور الخطة. إن نقاد العصر الانطباعي محنقون من جراء تلك العظام والعضلات ~~العارية بلوحات ما بعد الانطباعية، إلا أنني من جانبي، ورغم إصرار هؤلاء الفنانين ~~الشبان على تبني شكل عاطل أجرد يفوق كل ما وقعت عليه أبصارنا، فليس لي أن ألوم ~~زمرة من المتنسكين الزاهدين في عصر الطلاوة غير المشكلة؛ إذ يصرون على الأهمية ~~الكبرى للتصميم. ~~(3) المغالطة الوجدانية (التشخيص) # The Pathetic Fallacy # 15 # أتصور أنه لو سئل العديد من أولئك المتحمسين للحركة الجديدة عما يعتبرونه أهم ~~خصائصها لأجابوا: التعبير عن وجهة نظر جديدة ومتفردة. ولقد سمعت أناسا يقولون «ما ~~بعد الانطباعية هي تعبير عن الأفكار والمشاعر الخاصة بتلك النهضة الروحية التي تتنامى ~~الآن إلى ثورة مشبوبة.» وهذا بالطبع ما لا يمكنني أن أوافق عليه، فإذا كان الفن ~~تعبيرا عن أي شيء فهو تعبير عن انفعال عميق وعام وشائع (أو على الأقل ممكن) في ~~جميع العصور وليس مميزا لأي عصر، ولكن إذا كان هؤلاء المتعاطفون مع الحركة الجديدة ~~يعنون (كما أظن) أن فن هذه الحركة هو مظهر لشيء ما مختلف عنها (سيقولون أكبر ~~منها)، لثورة روحية في الحقيقة، فلن أختلف معهم في ذلك. إن الفن مؤشر أمين للحالة ~~الروحية لهذا العصر مثلما هو لغيره. وفي محاولة الفنانين تخليص فن التصوير مما ~~يعلق به من تقاليد الماضي القريب واستخدامه كوسيلة لا ترمي إلا إلى أسمى الانفعالات، ~~فقد نقرأ دلائل عصر يستحوذ عليه حس جديد بالقيم ويتوق إلى استغلال هذا الاستحواذ ~~استغلالا صالحا. إن من غير الممكن أن نزور معرضا حديثا جيد المستوى دون أن نحس ~~أننا قد رددنا إلى عالم لا يخلو من شبه بذلك العالم الذي أنتج لنا الفن البدائي، ~~فها هم أناس يأخذون الفن مأخذ الجد، وربما يأخذون الحياة أيضا مأخذ الجد. ولكنهم إن ~~كانوا يكبرون الحياة فلا لشيء إلا لأن ms151 بها أشياء (كالنشوة الإستطيقية مثلا) جديرة ~~بالإكبار. إن بوسعهم في الحياة أن يميزوا بين الغابة وبين بضع الشجرات الجميلة، أما ~~الفن فإنهم يعرفون انه أمر أجل من أن يكون نقدا للحياة. لن يزعم هؤلاء أن الفن ~~تجارة في أسباب الراحة المنزلية؛ فهم يعرفون أنه ضرورة روحية. إنهم لا ينجرون أثاثا ~~جميلا ولا يصوغون حليا صغيرة تافهة ولا تذكارات رائقة، إنهم يخلقون أشكالا تثير ~~أروع الانفعالات وأعجبها. # مثل هذا الفن يغري بأن نفترض أنه يتضمن موقفا ما تجاه الحياة، فهو ينطوي فيما ~~يبدو على اعتقاد بأن المستقبل لن يكون مجرد تكرار للماضي، بل سينتزع لهم، بفضل ~~أناس مريدين فاعلين، حياة تحقق فيها مطالب الروح والعاطفة وبعض التقدم ضد ضروريات ~~الوجود المادي. أقول «فيما يبدو»، غير أن من التهور أن نعتبر أي شيء من هذا أمرا ~~مفروغا منه، ومن جهتي فإنني أشك في أن يكون الفنان الجيد مكترثا بالمستقبل أكثر من ~~الماضي، فلماذا يتعين على الفنانين أن يكترثوا بمصير الإنسانية؟ إذا كان الفن لا يبرر ~~نفسه فإن النشوة الروحية تبرر نفسها، أما هل قدر لهذه النشوة أن تستشعرها أجيال ~~المستقبل من الصانعين الفضلاء والقانعين، فتلك مسألة ليس لها أهمية نظرية: النشوة تكفي، ~~وليس لدى الفنان حاجة إلى الاكتراث بالآتي أكثر مما لدى العاشق بين ذراعي حبيبته، ثمة ~~لحظات في الحياة هي غايات ليس بالكثير عليها أن يكون تاريخ البشرية بأسره وسيلة ~~إليها، من بين هذه اللحظات، لحظات النشوة الإستطيقية، ومن العبث أن تتصور أن الفنان ~~يقوم بعمله وإحدى عينيه مصوبة إلى الدولة العظمى المستقبلية، مثلما هو من العبث أن ~~تلتمس في فنه تعبيرا عن الآراء السياسية أو الاجتماعية. ليس موقف هؤلاء الفنانين ~~تجاه الدولة أو تجاه الحياة هو ما يجعل الحركة الجديدة معبرة عن العصر، بل موقفهم ~~الخالص والجاد تجاه فنهم، إنهم أناس يرفضون أي تنازل، ولا يقبلون أن يتخذوا موقفا ~~وسطا بين ما يعتقدونه وما يريده الجمهور، أناس يرفضون تماما، وبحدة زائدة أحيانا، ~~أن يشغلوا أنفسهم أقل شغل بما يرونه تافها ms152 غير ذي بال. إن من السخف أن نسمي فن ~~الحركة الجديدة فنا ديمقراطيا كما فعل البعض؛ فجميع الفنانين أرستقراطيون بمعنى ~~معين؛ إذ ليس هناك فنان يعتقد في المساواة البشرية اعتقادا صادقا، أما أن ننعت ~~فنانا بأنه أرستقراطي أو ديمقراطي بأي معنى آخر فهو بمثابة أن ننعته بشيء غير ذي صلة ~~أو بشيء مهين. إن من يخلق الفن خصيصا لكي يحرك مشاعر الفقراء، أو لكي يسر ~~الأغنياء، إنما هو عاهر مهما حاز من فضائل ، وكم من فنان عطل نفسه أو دمرها حين زعم ~~أنه إلى جانب التمييز بين الفن الجيد والفن الرديء هناك تمييز آخر بين الفن الأرستقراطي ~~والفن العامي. إن كل فن هو فوضوي بمعنى ما، فمن يأخذ الفن بجدية لا يسعه أن يأخذ ~~التقاليد والمبادئ التي تقوم عليها المجتمعات مأخذ الجد، ولنا أن نقول دون أن ننأى ~~كثيرا عن الصواب إن ما بعد الانطباعية هي حركة فوضوية بشكل خاص؛ لأنها تؤكد بإصرار ~~شديد على ما هو جوهري وتتحدى بعنف شديد التعاليم التقليدية للفن، مما يتضمن في ~~افتراضي تحديا للتصور التقليدي للحياة، وهي برفعها الفن إلى أعلى مكانة، إنما تحط من ~~شأن الحضارة الصناعية وتنزلها أدنى منزلة؛ ومن ثم فهي قد تتفق هنا مع الروح الأشمل ~~والأخفى للعصر. إن محاولة إنتاج فن جاد قد تكون مؤشرا على وجود تململ تحتي ~~وسأم من النزعة المادية المتغطرسة وتصور للحياة أكثر عمقا وروحية. إن فن الحركة ~~الجديدة، بوصفه فنا، لا يعبر عن أي شيء زماني أو محلي، ولكنه قد يكون تجليا لشيء ~~ما يحدث هنا والآن، شيء لا يزال صعبا فيما يبدو على غالبية البشر أن يعوه. # ينصرف النساء والرجال الذين اهتزوا من فورهم للدلالة الإستطيقية الخالصة لأحد ~~الأعمال الفنية، ويمضون إلى الحياة الخارجية وهم في حالة من الإثارة والطرب تجعلهم ~~أكثر حساسية لكل ما يجري حولهم. وهكذا يدركون بحدة زائدة معنى الحياة وإمكانها، ~~وليس من المستغرب أنهم لا بد أن يتأولوا هذا الحس الجديد بالحياة ويقرءوه في ذلك ~~الشيء الذي أنتجه، لا ms153 بأس بذلك الفعل على الإطلاق ولن أنازعهم في شأنه؛ فأن تتحرك ~~مشاعرك للفن أهم بكثير من أن تعرف على وجه التحديد ما الذي يحركها، فقط أريد أن ~~أذكرهم رغم ذلك بأنه إذا كان الفن لا يعدو ما يتخيلون أحيانا أنه الفن، لما كان ~~له أن يحرك مشاعرهم بهذه الطريقة. إذا كان الفن مجرد إيعاز بمشاعر الحياة فلن يمنح ~~العمل الفني لكل شخص أكثر مما جلبه كل شخص معه، إنما يحركنا الفن بهذا العمق وهذه ~~السرية لأنه يضيف إلى خبرتنا الانفعالية شيئا ما جديدا، شيئا يأتي لا من الحياة ~~البشرية بل من الشكل الخالص. أما أن الفن بالنسبة للكثيرين لا يكتفي بإضافة شيء جديد ~~بل يبدو أنه يغير القديم ويثريه؛ فهو أمر مؤكد ولا يدعو إلى أدنى ابتئاس. # والحق أن هذا الفن المتقد والصارم للحركة المعاصرة ليس دليلا على الخميرة العامة ~~فحسب، إنه أيضا الإلهام، بل والمعيار، لجيل شاب وعنيف وقوي. إنه المظهر الأكثر ~~بروزا ونجاحا لإرادتهم، أو هو ذلك في نظرهم. إن الإصلاح السياسي والإصلاح الاجتماعي، ~~وحتى الأدب، يتحرك ببطء، سائخا في النزعة المادية والتقليد المائع، يدعي ~~الاشتراكيون، وإن كانت لهم مبرراتهم، أن الليبراليين يمتطون جيادهم ولا يزال الفوارس ~~يلبسون الأزرق والسترة العسكرية، ويقف مستر لويد جورج بلا ثبات على كتفي مستر ~~جلادستون، بينما يتعلق معظم زملائه بظهره، فلو أننا جعلنا الأدب محك الاختبار ~~لتمنينا من فورنا أن نرد إلى القرن التاسع عشر، فليس هناك روائي من الطبقة الأولى في ~~أوروبا (إلا أن يكون توماس هاردي)، وليس هناك شاعر من الطبقة الأولى، ودون غض من شأن ~~دانزيو وشو وكلوديل يمكننا أن نقول إن إبسن هو أعظمهم. ومنذ موزار لم تتخلص الموسيقى ~~تماما من الواقعية والرومانسية والميلودراما. ويبدو أن الموسيقى تقف الآن حيث كان ~~التصوير في زمن كوربيه # Courbet ~~، إنها تنتقل الآن ~~خلال عقلانية معقدة وواقعية مسخطة براقة، لكي تصل، فيما آمل، إلى درجة أكبر من الخلوص. # 16 # لعل فن التصوير المعاصر هو النصر الوحيد الظاهر للعصر الجديد، ولا يجرؤ ~~أحد، ms154 حتى أكبر الناس سنا وحكمة، على الاستخفاف به. إن أولئك الذين يعجزون عن حب سيزان ~~وماتيس فهم يبغضونهما، وهم لا يقولون ذلك فحسب بل يجأرون به، ليس بدعا إذن أن يكون ~~الفن البصري، الذي يبدو للكثيرين مرآة يرون فيها مثلهم العليا الخاصة متحققة، قد ~~أصبح لدى البعض دينا جديدا؛ فهؤلاء لا يكتفون من الفن بدلالته الإستطيقية فيلتمسون ~~فيه ملهما للحياة كلها. إن بعضنا يعد الدلالة الإستطيقية إلهاما كافيا، أما ~~الآخرون فلن أغلظ لهم القول؛ إنهم إلى الفن يأتون معهم بأعمق انفعالاتهم وأخفاها، ~~وأنبل أفكارهم وأعز أمانيهم، ومن الفن يجلبون عاطفة وطربا خصبين نقيين ومصادر ~~جديدة للعاطفة والطرب، وفي الفن يتصورون أنهم يجدون تعبيرا عن أوثق مشاعرهم وأخفاها. ~~ورغم أن هؤلاء يفوتهم (إلى حد ما) أفضل الذي يمنحه الفن، فليس لي عليهم لوم إذا ~~جعلوا من الفن دينا. # في عهد ألكسندر سفيروس # Alexander Severus # كان يعيش ~~في روما عبد يوناني معتق، وإذ كان الرجل صانعا ماهرا فلم يكن مقترا عليه في ~~الرزق. لقد كان آمنا في نفسه ضامنا لقمته مشغول اليد والذهن بما يرضي ويسر، وكان ~~يعيش وسط أناس أذكياء وأشياء جميلة، ويرخي لعواطفه العنان بالقدر المعقول الذي أوصى ~~به أستاذه أبيقور، وكان يستيقظ كل صباح ليستقبل يوما هادئا يتوزع بين الإشباع ~~المقدر، والضريبة المفروضة من عمل غير قاس، وقليل من المتعة الجسدية، وقليل من ~~المحادثة العقلانية، وجدل هادئ، وإدراك حصيف لكل ما هو بوسع الفكر أن يعيه. وفجأة في ~~هذا الوجود برز متعصب نزق بديانة، بالنسبة لليوناني، بدا أن نفسا من الحياة قد ~~سرى خلال الشوارع الجهمة للإمبراطورية، ومع ذلك لم يتغير شيء في روما، باستثناء نفس ~~واحدة خالدة، أو فانية؛ العيون ذاتها تنفتح على الأشياء ذاتها، إلا أن كل شيء كان ~~قد تغير، كل شيء صار مشحونا بالمعنى، أشياء جديدة وجدت، كل شيء غدا ذا شأن وقيمة، ~~وفي غمرة المساواة الشاملة للعاطفة الدينية نسي اليوناني وضعه وقوميته، صارت حياته ~~معجزة ونشوة، ومثلما يستيقظ المحب العاشق، كان يقوم من نومه ms155 ليستقبل يوما مفعما ~~بالدهش والبهجة. لقد تعلم أن يشعر، ولكي يشعر المرء يتوجب أن يعيش؛ ولذلك فقد كان من ~~الخير أن يكون حيا. # أعرف رجلا واسع الاطلاع ذكيا، رجلا لم تكن حياته الجافة أفضل من نزلة برد طويلة ~~بالرأس، رجلا لم يدخر ذلك الممسوس فان جوخ جهدا لإنقاذه. # الفصل الخامس # | المستقبل # (1) المجتمع والفن # Society and Art # من المتفق عليه أن الاكتراث الزائد بأي شيء عدا الحاضر، لا يليق بمنزلة الحيوان ~~البشري السوي، ورغم ذلك فكم منا من يستطيع أن يقاوم تلك اللذة الحمقاء، لذة التفكر في ~~الماضي والتكهن بالمستقبل؟ سلم مرة بأن الحركة المعاصرة هي أمر خارج عن الشائع ~~بعض الشيء، وأن فيها مخايل بداية، وستجد نفسك تسأل: «بداية ماذا؟» بدلا من أن تقر ~~هادئا لتستمتع بالمشهد النادر - مشهد نهضة. إنه الفن، كما نأمل، جادا وحيا ~~ومستقلا، يطرق الباب، ونحن مدفوعون لأن نسأل: «ماذا سوف ينجم عنه؟» هذا هو السؤال ~~العام الذي ستجد أنه ينقسم إلى تساؤلين محددين تحديدا كافيا: «ماذا سيفعل المجتمع ~~بالفن؟» و«ماذا سيفعل الفن بالمجتمع؟» # إنه لمن الخطأ أن نفترض أنه ما دام المجتمع لا يمكن أن يؤثر في الفن مباشرة فهو لا ~~يمكن أن يؤثر فيه على الإطلاق. إن المجتمع يمكن أن يؤثر في الفن بشكل غير مباشر؛ ~~فمن الجلي أنه إذا اعتبر خلق الأعمال الفنية جريمة عظمى فإن كمية النتاج الفني، إن ~~لم تكن كيفيته، سوف تتأثر. وهناك مقترحات أقل همجية، ولكن أشد هولا بكثير، ~~يطرحها من وقت لآخر مخططون حكوميون مثقفون، يريدون ألا يجعلوا الفنانين مجرمين ~~بل موظفين مسئولين ذوي رواتب عالية. ورغم أن إدارة شئون الدولة لا يمكنها أن تفيد ~~الفن فائدة إيجابية، فما يزال بإمكانها أن تجنبه الكثير من أذاها، وإن قدرتها على ~~الأذى لكبيرة. إن الخير الوحيد الذي يمكن للمجتمع أن يسديه إلى الفنان هو أن يتركه ~~وشأنه، أن يمنحه الحرية؛ فكلما تحرر الفنان من ضغط الذوق العام والرأي العام، ومن ~~رجاء المكافآت ووعيد الأخلاق، ومن الخوف من الجوع التام أو ms156 الخوف من العقاب، ومن مخايل ~~الثروة أو التقدير الشعبي؛ كان ذلك أفضل له وأفضل للفن، وأفضل بالتالي للجميع. # أطلقوا يد الفنان. # ها هو شيء يمكن أن يفعله للفن أولئك النفر ذوو النفوذ والشأن الذين يؤكدون دائما ~~أنهم يودون أن يقدموا للفن أي شيء. # وبوسعهم أن يبدءوا عملية الرعاية بإلغاء المؤسسية في الفن وتجريده من الأوقاف، وسحب ~~الإعانات من المدارس الفنية، ومصادرة الأموال التي تسيء الأكاديمية الملكية ~~استخدامها. إن قضية المدارس عاجلة؛ فمدارس الفن لا تفعل سوى الأذى (ذلك أنها يتعين ~~عليها أن تفعل شيئا). إن الفن لا يتعلم، وهو على أية حال لا يدرس، وكل ما بوسع ~~مدرس الرسم أن يدرسه هو صنعة التقليد، والمدارس يتحتم فيها أن يوجد معيار ~~للامتياز، وهذا المعيار لا يمكن أن يكون معيارا فنيا؛ ذلك أن مدرس الرسم يقيم ~~المعيار الوحيد الذي يقدر على استخدامه؛ وهو الأمانة في نقل الأنموذج. ليس بإمكان أي ~~معلم أن يصنع من الطالب فنانا، ولكن بإمكان جميع المعلمين أن يحولوا الصبية والفتيات ~~التعساء الذين خلقوا فنانين بالفطرة إلى دجالين أو متهوسين أو مجرمين أو ~~مجرد حمقى. الغلطة ليست غلطة المعلم، وما ينبغي أن يلام؛ فهو هنا لكي يهيئ جميع ~~تلاميذه لمعيار معين للكفاءة يمكن أن يدركه المفتشون وعامة الجمهور، والصفة الوحيدة ~~التي يمكن لهذا المعيار أن يحكم عليها هو مظهر ~~الصدق # verisimilitude ~~، والأوجه الوحيدة التي يمكن أن تختلف بين عمل وآخر في نظر شخص ~~فاقد الحساسية كالمعتاد (مثل مفتش لجنة التعليم) هي اختيار الموضوع وأمانة النقل؛ ومن ~~ثم فحتى لو أمكن لمعلم الرسم أن يميز الموهبة الفنية فلن يكون بوسعه أن يرعاها، ~~ليست المشكلة أن معلمي الرسم أشرار بل أن النظام فاسد، وأن مدارس الفن يجب أن ~~تغلق. # وإنني لأجرؤ على القول بأن المال الذي تكرسه الدولة حاليا لإحباط الفن كان أجدى ~~لها أن تعطيه للأغنياء. وقد كنت أود أن أحثها على ادخاره لشراء الأعمال الفنية. ~~غير أن هذا ربما لا يفضي إلى شيء سوى الأذى؛ فمن غير المتصور أن ms157 يكون على أي حكومة ~~كانت أن تشتري ما هو أجود من أعمال عصرها؛ فالسؤال هنا هو إلى أي حد يكون شراء ~~الحكومة حتى للوحات القديمة الرفيعة ذا فائدة للفن؟ وهو سؤال لا يستأهل النقاش؛ فرغم ~~احتمال أن تضم حكومة ما بين مستخدميها من هو قادر على تمييز العمل الفني الرفيع ~~(شريطة أن يكون قديما بدرجة كافية) فإن الحكومة الحديثة ستولي عنايتها بمناوأة ذوقهم ~~الرفيع الذي يشكل خطرا. إن اقتناء الدولة للفن القديم الرفيع قد يكون خطة مجدية وقد ~~لا يكون ؛ وإنني لأجرؤ على القول بأنه سوف يكون، ولكن شراء أعمال أساتذة الدرجة الثالثة ~~القدامى، و # objets d’art # لا يمكن أن يعود بأي نفع إلا ~~على التجار. وكما آمل أن أوضح لاحقا، هناك ما يقال من أجل دعم صالات العرض والمتاحف ~~وإثرائها، لو كان بالإمكان تغيير موقف الجمهور وتصور الحكومة تجاه هذه الأماكن. أما ~~بالنسبة للفن المعاصر فتعد الرعاية الرسمية أضمن وسيلة لرعاية كل ما هو فاحش الخبث ~~والحماقة فيه. إن أنصابنا العامة وتماثيلنا والمباني التي تشين شوارعنا والطوابع ~~البريدية والنقود والبورتريهات الرسمية ليست أكثر من طعم للغرائز الدنيا لأراذل طلاب ~~الفن، ومن إغراء هائل لأفاضلهم. # بعض من أولئك الأنبياء الكرماء الذين يقبعون في بيوتهم يحلمون بمجتمعات شيوعية ~~خالصة، بلغت سماحتهم أن يجدوا مكانا للفنان في هذه المجتمعات. إن على ديموس # Demos # 1 # أن يحتفظ من أجل تسليته بوجار للدجالين. الفنانون في هذه المجتمعات سوف ~~تختارهم الدولة وتدعمهم الدولة، الشعب هو الذي سيؤجر الزمار ويحدد اللحن، ولئن تنجح ~~هذه الطريقة إلى حد كبير في اختيار السياسيين فإنها في مجال الفن سوف تكون موبقة. إن ~~خلق وظائف فنية مريحة هو آخر وسيلة يحتمل أن تخدم الفن؛ فسوف يلجأ إليها المئات من ~~فورهم، لا لأن لديهم ما يستوجب التعبير، بل لأن الفن يوفر فيما يبدو حياة مهنية ~~سارة وأنيقة، وما دام الدخل مضمونا فلن تهبط أعداد الحالمين بالفن كمهنة، وعلى النقيض ~~من ذلك، سيكون التنافس في دولة المستقبل العظمى رهيبا، وبإمكاني أن أتصور ms158 الضغط والكيد ~~بين أصدقاء طلاب الوظيفة ونوابهم البرلمانيين، وبين النواب ووزير الفنون الجميلة، ~~وبإمكاني أن أتصور الفن ينتج تنفيذا لأمر شعبي في عهد لن يكون فيه كابح للذوق ~~الشعبي إلا الاستغلال الشخصي للوظيفة، ألسنا نتصور جميعا نوعية الشخص الذي سيتم ~~اختياره؟ أليس لدينا خبرة بما يريده الجمهور؟ أيها الرفقاء، أيها السادة والسيدات ~~الديمقراطيون الأعزاء، واصلوا خططكم لإصلاح العالم بكل وسيلة، احلموا أحلامكم، ~~تصوروا يوتوبيات، ولكن ارفعوا أيديكم عن الفنانين، أو انبئوني بصدق هل يعتقد أي ~~منكم أنه كان يمكن لفنان جيد واحد خلال الثلاثمائة عام الأخيرة أن يجد دعما من مثل ~~نظامكم؟ ولا تنسوا أن النظام لو لم يؤازره لما كان سمح له أن يوجد! تذكروا أيضا أن ~~نظامكم يقتضي أن تتخيروا أو ترفضوا فنانيكم وهم بعد طلاب؛ إذ لن يكون بوسعكم أن ~~تنتظروا حتى يفرض عليكم اسم ما بحكم سنوات من الصيت والمكانة لدى حفنة من القضاة ~~الممتازين، فإذا كان ديجا # Degas # الآن يبجل كأستاذ ~~من أساتذة الفن، فلأن لوحاته تحقق أسعارا عالية، ولوحاته تحقق أسعارا عالية لأن حفنة ~~من الأشخاص (الذين كانوا حريين أن يعجل بطرحهم تحت المضخة الحكومية الكبرى) جعلوا ~~لسنوات طويلة يقرون بأستاذيته، وخلال تلك السنوات الطويلة كيف كان يعيش ديجا؟ أكان ~~يعيش على سخاء الشعب الذي يريد كل شيء جميلا أم على ذكاء وتمييز قلة من رعاة الفن ~~الأغنياء أو الميسورين؟ في دولة المستقبل العظمى لن يكون بإمكانكم أن تتسلموا أساتذتكم ~~جاهزين ناضجين ومن ورائهم سنوات من السمعة والمكانة، بل سيكون عليكم أن تنتقوهم ~~بأنفسكم، وأن تلتقطوهم صغارا. # ها أنتم أولاء على باب معرضكم السنوي لأعمال الطلاب، جئتم لتتخيروا اثنين من ~~المتقاعدين الحكوميين # 2 # وتصرفوا الباقين لكي ينظفوا مصارف ملبون. سيختار المتقاعدان بالتصويت ~~الشعبي، وهي الطريقة العادلة الوحيدة لتقليد مطرب شعبي وظيفة أنيقة. ولكني، دون ~~علمكم، قد دسست بين المعروضات رسمين لكلود # Claude # وواحد لأنجر # Ingres ~~، علما بأن فهرس هذا المعرض خلو ~~من الأسماء. أتظنون أن صاحبي سوف يحصلان على صوت واحد؟ ربما، ولكن هل ms159 يجرؤ أحدكم ~~أن يقول إن أيا منهما يمكن أن يكون له أمل في النجاح في منافسة مع أي واحد من تجار ~~الإثارة الأرذال؟ تقولون «أوه، ولكن كل شخص في الدولة الجديدة سوف يكون رفيع التعليم.» ~~وأجيب «ليكن رفيع التعليم كحملة ماجستير الفنون من أكسفورد وكمبردج الذين ظلوا ~~يتعلمون من سن السادسة حتى السادسة والعشرين (وحتى هذا في ظني سيأتي باهظ الثمن). حسنا ~~إذن، سلموا مجموعة الصور الغفل من الاسم إلى أناس مؤهلين لاختيار أعضاء البرلمان عن ~~جامعتينا العريقتين، وإنكم لتعلمون جيدا أنكم لن تحصلوا على نتيجة أفضل، دعوكم إذن ~~من هذا؛ فحتى الرعاية الخاصة أقل قتلا للفن من الرعاية العامة، ومهما تحصلوا في غير ~~ذلك فلن تحصلوا أبدا على فنان بالاختيار الشعبي.» # تقولون: إن الدولة سوف تجعل هذا الاختيار بواسطة اثنين أو ثلاثة من المسئولين ذوي ~~حساسية فنية عالية. وأقول إنكم أولا قد توجب عليكم أن تأتوا بمسئوليكم، ولا تنسوا أن ~~هؤلاء أيضا في عيون زملاء عملهم سيعدون أناسا قد ظفروا بشيء مريح. إن الاعتبارات ~~التي تحكم اختيار الفنانين المأجورين للدولة ستحكم أيضا اختيار خبرائها المأجورين؛ ~~فبأية علامة سوف يميز الجمهور الشخص ذا الحساسية الفنية، مفترضين دائما أنه الشخص ~~ذو الحساسية التي يريدها الجمهور؟ جون جونز، سمسار الأدوات المستعملة، يرى نفسه حكما ~~جيدا في الفن يضاهي مستر فراي # Fry ~~، ويبدو أن مستر ~~أسكويث يرى القائمين على الجاليري القومي أفضل من الاثنين، ولنفترض أنكم بمعجزة معينة ~~قد وضعتم أيديكم على رجل ذي حساسية إستطيقية وجعلتموه مسئولكم، فلا يزال على هذا الرجل ~~أن يبرر صفقاته أمام برلمان منتخب انتخابا شعبيا. إن الأمور بالغة السوء في الوقت ~~الراهن، فلن يطيق الشعب نصبا عاما يكون عملا فنيا بحق، ولا خادمو الشعب المطيعون ~~يودون أن يفرضوا عليه مثل هذا الشيء، ولكن عندما يستحيل على أي شخص أن يعيش كفنان ~~دون أن يصبح خادما عاما، وعندما تكون جميع الأعمال الفنية أنصابا عامة، فهل ~~تتوقعون جديا أن يكون لديكم أي فن على الإطلاق؟ عندما يصبح تعيين الفنانين ms160 جزءا ~~من رعاية الحزب، فهل يشك أحدكم في أن عشرين مؤهلا سوف تنفع الطالب أكثر من أن يكون ~~فنانا؟ تخيلوا مستر لويد جورج يعين مستر روجر فراي بوظيفة المنتخب الحكومي لفناني ~~الدولة المأجورين! تخيلوا - ولست هنا أطلب منكم طلبا ثقيلا على قواكم - تخيلوا ~~مستر فراي يعين طالبا مغمورا وصادما وذا موهبة غير تقليدية، وتخيلوا مستر لويد ~~جورج ينزل إلى ليمهاوس ليبرر هذا التعيين أمام آلاف من المصوتين، معظمهم لديهم ابن ~~أو أخ أو ابن عم أو صديق أو كلب صغير، يشعرون أنه بالتأكيد أفضل تأهلا للوظيفة من ~~ذلكم الطالب بكثير. # إذا كان المجتمع الشيوعي العظيم عاقدا العزم ~~على إنتاج الفن - والمجتمع الذي لا ينتج الفن الحي مجتمع ملعون - فهناك شيء واحد، ~~وواحد فقط، يستطيع أن يفعله، اضمن لكل مواطن، سواء أكان يعمل أم كان متبطلا، مجرد ~~حد أدنى من العيش، ولنقل ستة بنسات في اليوم وفراش في منيم عام، اجعل الفنان شحاذا ~~يعيش على الإحسان العام، وامنح العاملين العمليين المجتهدين تلك الأشياء التي ~~يحبونها؛ الرواتب الكبيرة، ساعات عمل قصيرة، المكانة الاجتماعية، المباهج المكلفة. ~~وأعط الفنان كفافه وأدوات عمله؛ لا تطالبه بشيء، واجعل حياته من الناحية المادية ~~بائسة بحيث لا تجذب أحدا، بذلك لن يلجأ أحد إلى الفن عدا أولئك الذين يسكنهم ~~الروح الحارس المقدس حقا لا ريب فيه، واجعل للجميع خيارا بين حياة الوظيفة ~~المرموقة السلسة العالية الأجر وحياة المتشرد المزرية. ليس لدينا شك يذكر حول ~~اختيار الأغلبية، وليس لدينا شك على الإطلاق حول اختيار الفنان الحقيقي. إن الشبه كبير ~~جدا بين الفن والدين، وفي الشرق، حيث يفهمون هذه الأشياء، كان هناك دائما انطباع ~~بأن الدين يجب أن يكون شأن هواية. إن دعاة الهند شحاذون، فليكن فنانو العالم جميعا ~~شحاذين أيضا. الفن والدين ليسا حرفتين، ليسا مهنتين يمكن أن يؤجر عليهما الناس. إن ~~الفنان والقديس يفعلان ما يجب عليهما أن يفعلا، لا كسبا للعيش، بل امتثالا لضرورة ~~سرية. إنهما لا ينتجان ليعيشا، بل يعيشان لينتجا، ولا مكان لهما في نظام ms161 اجتماعي يقوم ~~على نظرية أن ما يصبو إليه الإنسان هو حياة ممتدة ممتعة. ليس بإمكانك أن تسلكهما ~~في الآلة، بل يجب عليك أن تجعلهما غريبين عنها، يجب أن تجعلهما منبوذين؛ ذلك أنهما ~~ليسا جزءا من المجتمع، بل هما ملح الأرض. # وحين أقول إن أغلب البشر لن يكونوا قادرين أبدا على إسداء أحكام إستطيقية مرهفة، ~~فما أقول غير الحقيقة الواضحة؛ فالحساسية الوثيقة في الفن البصري هي في ندرة الأذن ~~الموسيقية الجيدة على أقل تقدير، وما من أحد يتصور أن جميع الناس قادرون على تقييم ~~الموسيقى أو أن الأذن الكاملة يمكن أن تكتسب بالدراسة. وحدهم الحمقى من يتصورون أن ~~القدرة على التمييز الدقيق في الفنون الأخرى ليست ملكة خاصة، ورغم ذلك فليس هناك ما ~~يمنع أن ترهف الأغلبية العظمى من حساسيتها أكثر مما هي عليه بكثير؛ فالأذن يمكن أن ~~تدرب إلى مدى، أما للوصول إلى إدراك عال للفن، وكذا الوصول إلى إبداع سخي؛ فالأمر ~~يحتاج إلى انطلاق أبعد. إن تسعة وتسعين من كل مائة زائر لمعارض الصور يجب أن يعتقوا ~~من هذا الجو المتحفي الذي يحجب الأعمال الفنية ويخنق المشاهدين. هؤلاء التسعة ~~والتسعون ينبغي تشجيعهم على أن يقربوا الأعمال الفنية بجسارة وأن يقيموها بما هي، ~~وكثيرا ما يكون هؤلاء أكثر حساسية للشكل واللون مما يظنون. لقد رأيت أشخاصا يبدون ~~ذوقا مرهفا في الأقطان والكاليكو وأشياء غير معترف بها كفن لدى القائمين على ~~المتاحف، ثم لا يترددون في الإقرار بأن أي لوحة لأندريا دل سارتو # Andrea del Sarto # لا بد أن تكون أجمل من أي لوحة لأحد الأطفال أو أحد ~~الهمجيين؛ فهم حين يتناولون الأشياء التي لا ينتظر منها أن تحاكي الأشكال ~~الطبيعية أو تشابه الروائع القياسية، نراهم يطلقون العنان لحساسيتهم الأصلية، ~~ولا تحل بهم الإعاقة التامة إلا في وجود فهرس. إن هيبة التراث هي ما يجثم على ~~المشاهدين والمبدعين، وإن المتاحف عرضة تماما لأن تصبح اجتماعات «سرية» ~~للتقاليد. # بإمكان المجتمع أن يصنع خيرا لنفسه وللفن بأن ينفخ عن المتاحف وصالات العرض غبار ms162 ~~الثقافة المصنوعة # erudition # والعبق التفه ~~لعبادة البطولة، فلنحاول أن نتذكر أن الفن ليس شيئا يبلغ بواسطة الدرس، لنحاول أن ~~نراه كشيء يستمتع به كما يستمتع المرء بحالة حب، وأول شيء علينا أن نفعله هو أن ~~نخلص الانفعالات الإستطيقية من استبداد الثقافة المصنوعة. أذكر أني كنت جالسا ~~يوما خلف سائق حافلة قديمة تجرها الخيل، وإذا بصف من حملة الإعلانات يعبرون ~~طريقنا حاملين ملصقة # The Empire ~~(الإمبراطورية)، وكان ~~اسم # Genée # على الإعلان، قال السائق ملتفتا نحوي: ~~«البعض يسمي هذا فنا، ولكن سلنا نحن عن الفن.» (لعل شعري الطويل قد اكتشف ~~زميلا ذواقة # connoisseur ~~) # 3 ~~«إذا كنت تريد الفن فعليك أن تلتمسه في المتاحف.» لست أدري كيف نقذف ~~بهذا الهراء الخبيث خارج رءوس الناس. لقد قذف به داخلها بوقار كبير ولأمد طويل ~~معلمو المدارس والجرائد اليومية والكتب الدراسية الزهيدة والمؤرخون المتبحرون ~~وزوار المناطق والوزراء ورجال الدين ورجال الدولة وقادة حزب العمال والممتنعون عن ~~المسكرات ومناهضو القمار والمتبرعون للدولة من كل صنف - بحيث أوقن أن يحتاج إلى قول ~~أبلغ وأشجع من قولي ليقذفها خارجا مرة أخرى، غير أنها يجب أن يطاح بها خارجا قبل أن ~~يمكننا أن نظفر بأي حساسية عامة للفن؛ لأنها ما بقيت في أذهان الناس فإن العمل ~~الفني بالنسبة لتسعة وتسعين بالمائة منهم سوف يموت لحظة يدخل صالة عرض عامة. # ترهبنا المتاحف وصالات العرض، تمحقنا التحذيرات الضمنية التي ترمقنا شزرا من كل ~~زاوية أن هذه الكنوز معروضة للدراسة والإفادة لا لإثارة انفعال بأي حال من الأحوال. ~~تذكر (أيها القارئ) إيطاليا؛ كل مدينة بمجموعتها الفنية العامة، وتذكر مشاهدي الفنون ~~الدينية! كيف لنا أن نقنع هذه الحشود من الطبقة الوسطى الدائبة في بحثها بشكل يدعو ~~إلى الرثاء، أن بإمكانهم حقا أن يجنوا بعض المتعة من الصور لو أنهم لم يعرفوا ولم ~~يشغلهم أن يعرفوا من الذي رسمها. محال أن يكونوا جميعا غير حساسين للشكل واللون، ولو ~~لم يكونوا محترقين لمعرفة أو تذكر من رسمها ومتى رسمت وماذا تمثل، فربما وجدوا ~~فيها المفتاح إلى ms163 عالم ليس بمقدورهم الآن أن يعتقدوا بوجوده، والملايين الذين يقبعون ~~في بيوتهم كيف نقنعهم أن الهزة التي تثيرها قاطرة أو خزان غاز هي الشيء الحقيقي؟ ~~متى يفهمون أن المباني الحديدية التي شيدها مستر همفري هي أقرب إلى أن تكون أعمالا ~~فنية من أي شيء يترقبون رؤيته في المعرض الصيفي للأكاديمية الملكية؟ # 4 # أيمكننا أن نقنع الطبقات المسافرة أن أي كائن إنساني ذي حساسية عادية هو ~~أقدر على تذوق عمل بدائي إيطالي من أي كاتب من كتاب سير القديسين؟ أيمكننا أن ~~نحث الجموع أن يلتمسوا في الفن لا التثقيف بل الطرب؟ أيمكننا أن نجعلهم غير خجلين من ~~الانفعال الذي يحسونه نحو الخطوط الجميلة لأحد مستودعات البضائع أو لأحد جسور السكة ~~الحديدية؟ إذا أمكننا أن نفعل هذا نكون قد حررنا الأعمال الفنية من جو المتاحف، ~~وهذا بالضبط ما يجب علينا فعله. يجب علينا أن نجعل الناس يفهمون أن الأشكال يمكن أن ~~تكون دالة دون أن تشابه الكاتدرائيات القوطية أو المعابد الإغريقية؛ وأن الفن هو خلق ~~الشكل وليس تقليده، عندئذ، وعندئذ فقط، يمكنهم أن يذهبوا وهم محصنون لكي يلتمسوا ~~الانفعال الإستطيقي في المتاحف وصالات الصور. # يقال أحيانا، بحجج معقولة، إن الشعب المرهف الحس لن تكون به حاجة إلى المتاحف. ~~ويقال إن من الخطأ ان تذهب في طلب الانفعال الإستطيقي، وأن الفن يجب أن يكون جزءا من ~~الحياة؛ شيئا شبيها بجرائد المساء أو فاترينات المحال التجارية التي يستمتع بها ~~الناس وهم ماضون في شئونهم، ولكن إذا كانت الحالة الذهنية لشخص يدلف إلى صالة عرض ~~طلبا للانفعال الإستطيقي هي حالة غير مرضية بالضرورة، فبالمثل تكون حالة الشخص الذي ~~يجلس ليقرأ شعرا. يغلق عاشق الشعر باب غرفته ويلتقط مجلدا لملتون وقد عقد النية على ~~أن يخرج نفسه من عالم ويدخلها في عالم آخر. إن شعر ملتون ليس جزءا من الحياة ~~اليومية، وإن يكن عند البعض مما يجعل الحياة اليومية محتملة. إن قيمة الصنف الرفيع من ~~الفن لا تتمثل في قدرته على أن يصبح جزءا من الحياة ms164 العادية بل في قدرته على أن ~~يخرج بنا منها. أعتقد أن وليم موريس هو الذي قال إن الشعر يجب أن يكون شيئا يستطيع ~~إنسان أن يخترعه ويغنيه لرفاقه بينما هو يعمل على النول، لعل كثيرا جدا مما ~~كتبه موريس قد اخترع أيضا بهذه الطريقة، ولكن لكي تخلق الفن الأعظم وتدركه فإن أقصى ~~درجات الانفصال عن شئون الحياة تغدو أمرا ضروريا، ومثلما أن الرجال والنساء عبر ~~العصور كانوا يذهبون إلى المعابد والكنائس بحثا عن نشوة لا صلة لها بمشاغل الحياة ~~والكدح البشري. كذلك قد يذهبون إلى معابد الفن لكي يخبروا، خارج هذا العالم بعض الشيء، ~~انفعالات تنتمي إلى عالم آخر . إن المتاحف والصالات تغدو مؤذية لا عندما تكون حرما ~~نلوذ إليه من الحياة، حرما مكرسا لعبادة الانفعال الإستطيقي، بل عندما تكون فصولا ~~ومعاهد بحث ومستودعات للتراث المنقول. # يجب أن ننفض عن الحساسية البشرية غبار المعرفة المصنوعة، ونخلصها من وطأة التراث، ~~ولا بد أيضا أن نخلصها من جور الثقافة؛ فبين جميع أعداء الفن قد تكون الثقافة هي العدو ~~الأشد خطورة لأنه الأشد خفاء، وقد تأتي كلمة «ثقافة» بطبيعة الحال لتعني شيئا لا غبار ~~عليه مطلقا؛ فالثقافة قد تعني ضربا من التربية لا يهدف إلا إلى شحذ الحساسية وتقوية ~~القدرة على التعبير عن النفس، إلا أن هذا النوع من الثقافة ليس للبيع. إنه يواتي ~~البعض من التأمل الفردي، ويواتي البعض الآخر من الاتصال بالحياة، وفي كلتا الحالتين ~~فهو لا يأتي إلا لأولئك الذين يقدرون على استخدامه. أما الثقافة الشائعة، من الجهة ~~الأخرى، فهي تشترى وتباع في سوق مفتوحة. إن المجتمع المثقف، بالمعنى الاعتيادي ~~للكلمة، هو كتلة من الأشخاص الذي علموا أن يميزوا «الحلو والطيب» # le beau et le bien ~~، ~~والشخص المثقف هو شخص لم يفرض الفن نفسه عليه بل فرض، شخص لم تغمره دلالة الفن، بل ~~يعرف أن أعلى الناس تهذيبا ورقيا يولونه اهتماما عجيبا، يتميز هذا الوسط ~~المثقف بأنه رغم اهتمامه بالفن هو لا يأخذ مأخذ الجد، الفن عند هذا الوسط ليس ms165 ضرورة بل ~~ترفا، ليس شيئا ما قد يصادفه المرء وينغمر به بين صفحات # Bradshaw ~~، بل شيء علينا أن نطلبه ونثني عليه في ~~أوقات مناسبة وفي أماكن محددة، لا تستشعر الثقافة توقا مسيطرا إلى الفن كالذي ~~يستشعره المرء تجاه الطباق، بل تنظر إلى الفن كشيء يجب أن تتناوله بجرعات محتشمة ~~معتدلة، مثلما يود المرء أن يتناول الرفقة من معارفه الأقل تشويقا. والتعامل مع الفن ~~هو عند الطبقات المثقفة مثل الممارسة الدينية عند الطبقة المتوسطة السفلى؛ هو جزية ~~تدفعها المادة للروح، أو - بين الشرائح الأعلى - يدفعها الفكر للعاطفة، فلا المثقفون ~~ولا أدعياء التقوى لديهم حساسية أصيلة تجاه الانفعالات الهائلة للفن والدين، بل كلاهما ~~يعرف ما يليق به أن يحس ومتى ينبغي عليه أن يحسه. # فإذا كان إثم الثقافة لا يعدو خلق طبقة من السيدات والسادة الرفيعي التعليم الذين ~~يقرءون الكتب ويرتادون قاعات الموسيقى ويسيحون في إيطاليا ويتحدثون الكثير عن الفن ~~دون أن يخطر لهم قط أي ضرب من الأشياء هو؛ إذا كان إثم الثقافة لا يعدو ذلك لما كان ~~أمرها يدعو إلى أي جلبة، لكن الثقافة لسوء الحظ مرض نشط يجلب لنا شرا محققا ~~ويفوت علينا خيرا ممكنا. يرغب المثقفون أولا وقبل كل شيء في أن يثقفوا ~~الآخرين؛ فالآباء المثقفون يثقفون أطفالهم، آلاف المخلوقات الصغيرة المسكينة ~~يلقنون كل يوم أن يحبوا ما هو جميل، فإذا اتفق أنهم ولدوا غير مرهفي الحس فلا ~~طائل من هذا التلقين. أما المؤلم في الأمر فهو أن نتصور حال أولئك الأطفال الذين كانت ~~لديهم حساسية حقيقية دمرها آباء حريصون. إن من العسير جدا أن نحس انفعالا ~~شخصيا أصيلا نحو شيء فرض علينا الإعجاب به بالتربية، إلا أن الأطفال لكي يصيروا في ~~الكبر أعضاء مقبولين في الطبقة المثقفة فلا بد أن يلقنوا أن يتبنوا الآراء الصحيحة؛ ~~أي لا بد أن يتعرفوا على المعايير، معايير الذوق هي جوهر الثقافة، هذا هو السر في أن ~~المثقفين كانوا دائما أنصارا للقديم. لقد نشأ في فن الماضي تصنيف تقليدي للروائع ~~القياسية يستطيع ms166 به حتى أولئك الذين لا يملكون حساسية أصلية أن يميزوا بين الأعمال ~~الفنية، وهذا بالضبط ما تريده الثقافة؛ ومن ثم فهي تلح على تقديس المعايير، وتنظر ~~شزرا إلى أي شيء لا يمكن تبريره بالرجوع إليها، تلك هي التهمة الخطيرة الموجهة إلى ~~الثقافة. إن الشخص الملم بالروائع الأوربية ولكنه غير حساس تجاه الشيء الذي يجعلها ~~روائع سيقف محيرا تماما أمام أي تجل جديد لذلك «الشيء» الخفي. إن علينا أن نحترم ~~أساتذة الماضي، ذلك شيء طيب، والأطيب لو أننا نتلقى كل فن حي بالترحاب. الفن الحي ~~ضرورة، والفن الحي تخنقه الثقافة التي تلح على الفنانين أن يحترموا المعايير، أو ~~لنقل بصريح العبارة، أن يقلدوا أساتذة الماضي. # ومن ثم فإن المثقفين الذين يتوسمون في كل لوحة إشارة ما على الأقل إلى إحدى ~~الروائع المعروفة، يخلقون عن غير وعي منهم مناخا غير صحي على الإطلاق؛ ذلك أنهم ~~أغنياء ورعاة وأسخياء. إنهم الأعداء الأبرياء جدا للأصالة، ولكنهم أعداؤها الطبيعيون؛ ~~لأن العمل الأصيل هو المحك الذي يكشف الذائقة المصنوعة المتنكرة في هيئة حساسية ~~فنية، ومن المعقول، بالإضافة إلى ذلك، أن أولئك الذين كانوا دائما حريصين كل الحرص ~~على أن يتعاطفوا مع الفنانين لا بد أنهم يتوقعون أن الفنانين يفكرون ويشعرون ~~كما يفكرون هم ويشعرون. إلا أن الأصالة تفكر وتشعر لنفسها، والفنان الأصيل في عامة ~~الأحوال لا يعيش تلك الحياة المهذبة الفكرية التي يمكن أن تلائم العشيق من الطبقة ~~المثقفة. إنه ليس فاتنا، وربما يكون لا فنيا # 5 # على التحقيق. إنه ليس من النبلاء ولا الأوغاد؛ الثقافة غاضبة لا تصدق، فها ~~هو امرؤ ينفق ساعات عمله في خلق شيء ما يبدو غريبا ومقلقا وقبيحا، ويكرس وقت ~~فراغه للجوانب الحيوانية البسيطة. أليس من المؤكد أن رجلا مختلفا عنا كل هذا الاختلاف ~~لا يمكن أن يكون فنانا؟ ولذا تهاجمه الثقافة وأحيانا ما تدمره، فإذا استمر بعد ~~ذلك فإن على الثقافة أن تتبناه، بذلك يغدو جزءا من التراث، يغدوا معيارا، عصا ليقرع ~~بها العبقري الأصيل القادم الذي يجرؤ على الخروج ms167 على التقليد متكئا على نفسه لا ولي ~~له إلا فنه. # في القرن التاسع عشر ذهل المثقفون إذ وجدوا أن وغدين مثل كيتس # Keats # وبيرنز # Burns # كانا أيضا ~~شاعرين عظيمين، فكان لا بد أن يقبلوهما، وأن يئولوا نذالتهما لإزالة الخلاف. أما ~~انغماس بيرنز في الإدمان المغثي فقد رثي له في بضعة أسطر وضرب عنه صفح، كما لو أن ~~بيرنز لم يكن سكيرا صميما مثلما هو شاعر صميم! وأما سوقية رسائل كيتس إلى فاني برون ~~فقد نالها الاستهجان الودي من جانب ماثيو أرنولد الذي لا ينتظر منه أن يرى أن رجلا ~~لا يقدر على كتابة مثل هذه الرسائل ما كان ليكتب «عشية عيد القديس ~~أجنس» # The Eve of St. ~~Agnes ~~. والثقافة في يومنا بعد أن فشلت في قمع مستر أغسطس جون ترحب ~~به بحماس فاقد التمييز أتى متأخرا عن أوانه حوالي عشر سنوات، قد يقتحم الباب هنا ~~وهناك رجل ذو بأس. إلا أن الثقافة لا تحب الأصالة أبدا إلى أن تفقد مظهر الأصالة؛ ~~فالعبقري الأصيل صعب أن يعاشر حتى يدركه الموت؛ فالثقافة لن تعيش معه، وستتخذ صاحب ~~الصنعة المداهن عشيقا لها. إنها تهيم بالرجل الذي يملك المهارة الكافية لكي يقلد، لا ~~أي عمل معين من أعمال الفن، بل الفن نفسه، تهيم الثقافة بالرجل الذي يقدم، على نحو ~~غير متوقع، ما قد تلقنت بالضبط أن تتوقعه، فهي لا تريد الفن، بل تريد شيئا ما شديد ~~الشبه بالفن؛ بحيث يمكنها أن تحس ذلك الصنف من العواطف الذي يجمل بها أن تحسه نحو ~~الفن. ولنقل بصراحة إن المثقفين ليسوا أكثر شغفا بالفن من قدامى الفلسطينيين Philistines ~~، # 6 # ولكنهم يحبون الإثارة، ويحبون أن يروا وجوها قديمة تحت قلانس جديدة، ~~تعجبهم مباذل مستر لافيري الإغرائية وأقاصيص م. روستاند الأدبية واللوذعية، ويتقبلون ~~رينهاردت وباكست ويعيدونهما ببلاهة، ويبدو أن هؤلاء الحلوانيين يروقون لأفكار ~~المثقفين الطبيعية ومشاعرهم ويحددون لها الفن وأماراته. إن الثقافة أخطر بكثير ~~من الفلسطينية القديمة؛ لأن الثقافة أكثر ذكاء وتلونا، ولها مظهر خادع بأنها تقف ~~إلى جانب ms168 الفنان، ولها فتنة من ذوقها المكتسب، وبإمكانها أن تفسد لأن بإمكانها أن ~~تتحدث بثقة وسلطان غير معروفين في فلسطين القديمة. وهي إذ تتظاهر بالاهتمام بالفن ~~يجد الفنانون أنفسهم مكترثين بأحكامها لا يسعهم أن يتجاهلوها. إن الثقافة ~~لتنطلي على أولئك الأشخاص الذين دأبوا على أن يستخفوا بالذوق السوقي، ومع الثقافة ~~نفسها، حتى بالمعنى المتدني الذي كنت أستخدم فيه الكلمة. لسنا بحاجة إلى أن نفتعل ~~مشاجرة، ولكن علينا أن نحاول أن نحرر الفنان والجمهور أيضا من سطوة رأي المثقفين، ~~ولن يتم الخلاص حتى يتعلم أولئك الذين أتقنوا احتقار رأي الطبقات المتوسطة السفلى ~~أن يستخفوا أيضا بمعايير، واستنكار، أولئك الذين دفعهم قصور عواطفهم إلى أن يعتبروا ~~الفن ترفا أنيقا. # إذا شئتم أن يكون لديكم فن جميل وتذوق جميل للفن، ينبغي أن يكون لديكم حياة حرة ~~جميلة لفنانيكم ولأنفسكم. ذلك شيء آخر يمكن للمجتمع أن يسديه إلى الفن؛ يمكن أن يقتل ~~المثل الأعلى للطبقة الوسطى، وهل وجد قط مثل أعلى بهذه الهشاشة؟ ذلك الممتهن الدءوب ~~الذي يشق طريقه إلى النجاح المادي بالكدح والمثابرة على الاشتغال بالتوافه، ~~ديك ويتنجتون # Dick Whittington ~~؛ أي مثل بطولي ~~لأمة شجاعة! أي أحلام يحلمها عجائزنا، وأي رؤى تطوف برءوس عرافينا! ثماني ساعات ~~من الإنتاج الذكي، وثماني ساعات من الاستجمام اليقظ، وثماني ساعات من النوم المنعش ~~للجميع! يا لها من رؤية تتخايل أمام أعين شعب جائع، إذا كان ما تريدونه هو الفن العظيم ~~والحياة الجميلة، فلا بد أن تتخلوا عن هذه الوسطية (النصفية # mediocrity ~~) الآمنة. # الراحة هي العدو، وما الإسراف إلا بعبع البورجوازية، الإسراف لم يحطم نفسا قط، ولا ~~حتى الانغماس، إنما التآكل الدقيق المطرد الذي تحدثه الدعة هو ما يدمر، ذلك هو انتصار ~~المادة على العقل، ذلك هو الطغيان الأخير. أتراهم أفضل حالا من العبيد أولئك الذين ~~يتوجب عليهم أن يتوقفوا عن عملهم لأن حصة الغداء قد حانت، وأن يقطعوا حوارهم لكي يلبسوا ~~للعشاء، وأن يغادروا على عتبتهم الصديق الذي لم يروه لسنوات من أجل ألا يفوتهم ~~الترام المعتاد؟ # بوسع ms169 المجتمع أن يفعل شيئا للفن؛ لأن بوسعه أن يزيد مساحة الحرية، وحتى السياسيون ~~يمكنهم أن يقدموا إلى الفن خدمة؛ يمكنهم إلغاء قوانين الرقابة ورفع القيود عن حرية ~~الفكر والقول والسلوك، ويمكنهم حماية الأقليات، ويمكنهم حماية الأصالة من سخط الدهماء ~~الأنصاف، ويمكنهم أن يضعوا نهاية للمذهب القائل بأن من حق الدولة أن تقمع الآراء غير ~~الشائعة لمصلحة النظام الشائع. كم من حرية عارمة تمنح لمن يتحدث إلى الغوغاء بمسلماتها ~~المقبولة! فأقل ما يمكن للدولة أن تفعله هو أن تحمي من لديهم قول يحتمل أن يسبب ~~شغبا. إن ما لا يؤدي إلى الشغب ربما لا يستحق أن يقال، وفي الوقت الراهن، لعل أفضل ~~شيء يمكن أن يفعله أي شخص عادي من أجل تقدم الفن هو أن يثور من أجل مزيد من ~~الحرية. ~~(2) الفن والمجتمع # Art and Society # والفن ماذا عساه أن يسدي إلى المجتمع؟ # يضيف إليه روحا، بل ربما يطلق سراحه؛ فالمجتمع يلزمه خلاص. # مع نهايات القرن التاسع عشر بدت الحياة كأنها تفقد نكهتها، وبدا العالم رماديا ~~مفتقر الدم، يعوزه الوهج. الرصانة أصبحت زيا سائدا، ليس غير الأغبياء من يهمهم أن ~~يبدوا روحيين، إن أواخر القرن التاسع عشر في أفضل جوانبها تذكر المرء بهزلية ~~(فارس) مسفة عاطفيا، وفي أسوأ جوانبها تذكر بنكتة متحجرة القلب، ولكن، كما ~~رأينا، فقبل منعطف القرن بدأت حركة انفعالية جديدة تعبر عن نفسها، في فرنسا أولا ثم في ~~أوروبا، تطلبت هذه الحركة، كي لا تذهب سدى، قناة أو مجرى عساها تتدفق فيه إلى ~~غاية ما، كانت مثل هذه القناة في العصر الوسيط دانية قريبة المأخذ؛ إذ اعتادت الخميرة ~~الروحية أن تعبر عن نفسها من خلال الكنيسة المسيحية، رغم أنف المعارضة الرسمية في ~~عامة الأحوال، أما في العصر الراهن فمن غير الممكن لأي حركة حديثة على أي قدر من ~~العمق أن تعبر عن نفسها بهذه الطريقة، وأيا ما كانت الأسباب فتلك حقيقة مؤكدة. ~~وفي اعتقادي أن السبب الرئيسي هو أن عقول أهل العصر الحديث لا يمكن أن تجد غناء ms170 في ~~الدين الدوجماوي. ومن المؤسف أن المسيحية لم تشأ أن تقلع عن ألوان من الدوجما بعيدة ~~عن جوهرها كل البعد. إن تورط الدين في الدوجما هو الذي أبقى العالم لا دينيا في ~~ظاهره، ولكن، رغم أن مآل كل دين أن تعترشه الدوجما، فهناك واحد يمكنه أكثر من غيره أن ~~ينفضها عنه دون عناء أو اكتراث، ذلك الدين هو الفن؛ فالفن دين، إنه تعبير عن، ووسيلة ~~إلى، حالات ذهنية لا تقل قداسة عن أية حالة ذهنية يمكن للبشر أن يخبروها، وإنما إلى ~~الفن يتجه الذهن الحديث، لا من أجل التعبير الكامل عن انفعال متعال فحسب، بل أيضا من ~~أجل إلهام يعيش به. # وجد الفن منذ البدء بوصفه دينا متزامنا مع كل الأديان الأخرى، ومن البين أنه لا ~~يمكن أن يكون هناك تضاد جوهري بينه وبينها؛ فالفن الأصيل والدين الأصيل مظهران لروح ~~واحدة، كذلك شأن الفن الزائف والدين الزائف، ومنذ آلاف السنين والبشر يعبرون بالفن ~~عن انفعالاتهم الفائقة الإنسانية، ويجدون فيه الغذاء الذي تعيش عليه الروح. الفن هو ~~أعم وأبقى صور التعبير الديني جميعا؛ لأن دلالة التضافرات الشكلية يمكن أن يدركها أحد ~~الأجناس وأحد العصور بنفس الكفاءة التي يدركها به جنس آخر وعصر آخر؛ ولأن تلك الدلالة ~~هي شيء مستقل عن التقلبات البشرية، شأنها في ذلك شأن الحقيقة الرياضية، وعلى الإجمال، ~~ليست هناك أداة أخرى لنقل الانفعال ولا وسيلة أخرى إلى النشوة قد أسعفت الإنسان مثلما ~~أسعفه الفن. وما من فيض من طرب الروح إلا هو واجد في الفن قناة تتولاه وتحدوه، ~~وحين يفشل الفن فإنما يفشل لافتقاد الانفعال وليس لافتقاد التكيف الشكلي. واليوم إذ ~~تشرع الحركة الناشئة في البحث عن موئل تلجأ إليه وتعيش، فمن الطبيعي أن تتجه إلى ~~الديانة الوحيدة ذات الأشكال اللانهائية والثورات الدائمة. # ذلك أن الفن هو الديانة الوحيدة التي تشكل نفسها بما يوافق الروح، والديانة ~~الوحيدة التي لن يطول تقيدها بالدوجما على الإطلاق. إنه ديانة بلا كهنوت، ومن الخير ~~ألا تودع الروح الجديدة في أيدي الكهنة؛ فالروح ms171 الجديدة في أيدي الفنانين، ذلك خير؛ ~~فالفنانون، كقاعدة عامة، هم آخر من ينظمون أنفسهم في طوائف رسمية، وإذا نظمت هذه ~~الطوائف فهي قلما تنطلي على أرواح الصفوة؛ فالمتمردون من الرسامين أكثر شيوعا بكثير ~~من المتمردين من رجال الدين، وفي حالة «التوفيق» (الذي هو تلف كل ديانة؛ لأن ~~الإنسان لا يمكنه أن يخدم سيدين) تصاب كل طوائف أوروبا تقريبا بالبدانة. عن طريق ~~التوفيق نجح الكهنة بأعجوبة في الاحتفاظ بوعائهم سليما. أما الفنانون الأصلاء في كل ~~حركة جديدة فإنهم يزدرون الوعاء ويقدسون الروح، وإن ازدراءهم الرقيق للوعاء ~~لا يقل فائدة عن اعتقادهم الجليل في الروح. ونحن حين ننظر إلى تاريخ الفن فقد تبدوا لنا ~~فترات القنوط والتوفيق طويلة، إلا أنها بالمقارنة بالأديان الأخرى تدهشنا بقصرها؛ إذ ~~لا يلبث فنان حقيقي أن يظهر عاجلا أو آجلا، وكثيرا ما ينجح بمقدرته وحدها في أن ~~يعيد تشكيل الوعاء بحيث يحتوي الروح احتواء كاملا. # والدين، وهو مسألة اقتناع وجداني، ينبغي ألا يكون له شأن باعتقادات الفكر. إن ~~لدينا قناعة وجدانية بأن بعض الأشياء خير من بعضها الآخر، وأن بعض الحالات الذهنية ~~طيب وبعضها ليس طيبا، ولدينا قناعة وجدانية قوية بأن العالم الجيد ينبغي أن تكون له ~~الأفضلية على العالم الرديء، ولكن ليس ثمة براهين على هذه الأشياء، قليلة هي الأشياء ~~الهامة التي تقبل البرهان؛ فالأشياء الهامة يتوجب أن يحس بها ويعبر عنها، ذلك هو ~~السبب في أن الأشخاص الذين لديهم أشياء هامة تقال، يميلون إلى كتابة قصائد أكثر من ~~ميلهم إلى كتابة دراسات أخلاقية، وإنني أقدم لنقادي هذه العصا هدية. إن الإثم الأصلي ~~للدوجماويين هو أنهم لا يقنعون بأن يحسوا ويعبروا، بل يلزمهم دائما أن يخترعوا ~~تصورا فكريا لكي يمثل هدفا لانفعالهم؛ فهم يستنتجون من طبيعة انفعالاتهم موضوعا ~~يجدون أنفسهم مضطرين إلى البرهنة على وجوده بواسطة نسق ميتافيزيقي متقن الخداع، ~~والنتيجة محتومة؛ يصير الدين إلى أن يعني لا الشعور بانفعال بل الولاء لعقيدة، وبدلا ~~من أن يكون مسألة قضايا فكرية، وهنا يحق جدا للارتيابي (الشاك) أن ms172 يتدخل ويقوض ~~للدوجماوي نسقه الميتافيزيقي الاحتيالي ( # ad hoc ~~) # 7 # باعتراضات مفحمة، يبدو لي ألا أحد من عقليي كمبردج يمكنه أن ينكر أنني ~~أحس انفعالا معينا، غير أنني في اللحظة التي أحاول فيها أن أبرهن على موضوع ~~الانفعال أضع نفسي في مأزق عسير. # ما من أحد رغم ذلك يود أن ينكر وجود الموضوع المباشر للانفعال الإستطيقي؛ وهو ~~تجمعات الخطوط والألوان. أما ما اقترحته من احتمال وجود موضوع قصي للانفعال فهو قد ~~يؤدي بي إلى مصاعب، غير أني إذا قوضت آرائي الميتافيزيقية بجرة قلم فذاك أمر لا ~~يهم البتة، وليس لأي آراء ميتافيزيقية في الفن أهمية، فكل ما يهم هو الانفعال ~~الإستطيقي وموضوعه المباشر. أما عن وجود موضوع قصي وعن طبيعته الممكنة فهناك نظريات ~~لا تحصى، معظمها، إن لم يكن كلها، قد كذبت، ورغم أن بضع نظريات منها قد وجدت من يدافع ~~عنها ببسالة، فهي لم يكتب لها أبدا أن تزيح الفن تماما أو تقوم مقامه؛ فلم يحدث ~~يوما أن نجحت الدوجما في أن تحل محل الدين. لقد تبين دائما بشكل ما أن دلالة ~~الفن تتوقف بصفة رئيسية على الانفعال الذي يثيره، وأن الأعمال أهم من النظريات، ورغم ~~أن هناك محاولات تمت لرفض أشتات من الدوجما، وتعريف الموضوع القصي وتوجيه الانفعال، ~~فقد كانب قدرة فنان أصيل واحد، في عامة الأحوال، أن يحطم التقليد الزائف، وكان هناك ~~دائما إدراك مبهم بأن اللوحة التي تحرك المشاعر الإستطيقية لا يمكن أن تكون ~~خطأ، وأن النظرية التي تدينها بالهرطقة إنما تدين نفسها. ويظل الفن دينا غير دوجماوي، ~~أنت فيه مدعو إلى أن تحس انفعالا لا أن تذعن لنظرية. # الفن إذن قد يشبع الحاجة الدينية لعصر ينمو بحدة لا يحتملها الدين الدوجماوي، ولكي ~~ينجح في ذلك يجب أن يوسع من نطاق تأثيره، ينبغي أن يكون هناك مزيد من الفن الشعبي، مزيد ~~من ذلك الفن الذي لا أهمية له بالنسبة للعالم ولكنه مهم بالنسبة للفرد؛ إذ من الجائز ~~أن يكون الفن من المرتبة الثانية وهو مع ذلك فن ms173 أصيل، وينبغي كذلك ألا يكون الفن ~~احترافيا كله، ونحن لن نحقق ذلك بأن نرشو أفضل الفنانين لكي يحطوا من قدر أنفسهم، بل ~~بتمكين كل إنسان أن يبدع من الفن قدر استطاعته؛ فمن المحتمل أن معظم الناس قادرون على ~~التعبير عن أنفسهم إلى حد ما في شكل، ومن المؤكد أنهم بهذا التعبير يمكن أن يظفروا ~~بسعادة غير عادية، أما من ليس لديهم شيء يعبرون عنه على الإطلاق، وليس لديهم أية ~~قدرة على التعبير فهم أخطاء الطبيعة. أولئك ينبغي أن يعالجوا بحنو إلى جانب ~~المعتوهين الميئوس من حالتهم والمصابين باستسقاء الدماغ، أما بالنسبة للأغلبية فمن ~~المتيقن أن لديهم انفعالات غامضة ولكن عميقة، ومن المتيقن أيضا أنهم لا يستطيعون أن ~~يدركوا هذه الانفعالات إلا في التعبير الشكلي، أن يقفز المرء ويصيح، ذلك تعبير عن ~~النفس وإن لم يشف غليلا، ولكن أدخل فكرة الشكلية تجد في الرقص والغناء بهجة مشبعة، ~~الشكل هو الطلسم. وبالشكل تتحول الانفعالات الغامضة والعصية وغير الأرضية إلى شيء ما ~~محدد ومنطقي وماثل فوق الأرض. إن صنع أشياء نافعة هو عمل موحش، ولكن صنعها وفقا ~~للقوانين الباطنية للتعبير الشكلي هو في منتصف الطريق إلى السعادة، وإذا كان للفن أن ~~يقوم مقام الدين فلا بد أن يكون في متناول من هم بحاجة إلى الدين، ومن السبل الواضحة ~~لتحقيق ذلك أن ندخل في العمل النفعي هزة الإبداع. # ولكن العمل النفعي على أية حال يجب أن يظل آليا في معظمه، وإذا شاء العاملون ~~النفعيون أن يعبروا عن أنفسهم على أتم نحو ممكن فلا بد لهم أن يقوموا بهذا التعبير ~~في أوقات فراغهم. هناك صنفان من التعبير الشكلي متاحان للجميع؛ الرقص والغناء. ومن ~~المحقق أنه في الرقص والغناء يكون العاديون من الناس أقرب ما يكونون من الإبداع. إن ~~فناني الطبقة الأولى ندرة، وغير متاح أن يشهد منهم أي عصر من العصور أكثر من بضعة، ولكن ~~ربما يحفل أي عصر من العصور بملايين من الفنانين الحقيقيين. إن الفن الذي لا يرقى إلى ~~مستوى المعرض العام لا ms174 بأس بأن نبدعه رغم ذلك، لمتعتنا الخاصة، وما إن نستوعب هذا ~~المبدأ حتى لا يعود أحد يستشعر خجلا حين يسمى هاويا. ولن يكون علينا أن ندعي ~~أن جميع أصدقائنا فنانون عظام؛ لأنهم هم أنفسهم لن يزعموا مثل هذا الزعم، وهم في الدولة ~~العظمى المأمولة لن يكونوا في فئة الشحاذين الإلهيين، بل سيكون أصدقاؤنا هواة ~~يستخدمون الفن عن وعي كوسيلة إلى الغبطة الوجدانية، ولن يكونوا فنانين يستخدمون كل شيء ~~عن وعي أو عن غير وعي كوسيلة إلى الفن، فلنرقص إذن ونغن؛ فالرقص والغناء فنون ~~حقيقة، ليس فيها غناء مادي وإنما قيمتها كلها في دلالتها الإستطيقية. لنرقص، قبل كل ~~شيء، ونبتكر رقصات؛ فالرقص فن شديد الخلوص، خلق للشكل المجرد، وإذا شئنا أن نجد في ~~الفن إشباعا عاطفيا فمن الضروري أن نصبح خالقين للشكل، من الضروري ألا نقنع بمجرد ~~التأمل بل يجب أن نبدع، يجب أن نكون إيجابيين في تعاملنا مع الفن. # وهنا سأصطدم ببعض الشخصيات الممتازة من الرجال والنساء الذين يحاولون أن «يدخلوا ~~الفن في حياة الناس» بأن يزجوا بأطفال المدارس وفتيات المصانع زرافات خلال الجاليري ~~القومي والمتحف البريطاني. من منا لم يألف رؤية هذه القطعان الصغيرة من الضحايا تلغط ~~وتدلف خلال المعارض وتزيد جو المتحف كآبة على كآبته؟ أي فعلة يفعلها بحساسيتهم الأصلية ~~معلم جاد وبيده فهرس التواريخ والأسماء والتعليقات المناسبة؟ ما علاقة كل هذه ~~البطاقات في الميثولوجيا والتاريخ، وهذا الجذل البيداجوجي # 8 # والطرب المشائي، ما علاقة ذلك بالانفعال الأصيل؟ في زي أي دجال مريع مبهم ~~يقدم الفن إلى الناس؟ إن الأثر الوحيد الذي يمكن أن تتركه الزيارات الشخصية للمتاحف هو ~~أنها تؤكد للضحايا شكوكهم بأن الفن شيء بعيد غاية البعد مهيب موحش إلى غير حد. ~~إنهم ينصرفون وفي قلوبهم إجلال مشوب بالرعب الدائم تجاه ذلك السفنكس (أبي الهول) ~~القديم الرابض في ميدان ترافالجر يطرح على العابرين أحاجي لا تستأهل الإجابة، ذلك ~~السفنكس الذي يعنى به المثقفون ويطعمه الأغنياء. # 9 # تعلم المشي أولا قبل أن تحاول العدو، فإذا كان بوسع صانع ms175 ذي حساسية فائقة أن ~~يفيد فائدة ما من روائع الجاليري القومي (شريطة ألا يقترب منه مثقف يريد أن يخبره ~~بما يجب أن يحسه، أو يمنعه أن يحس على الإطلاق بأن يدعوه إلى التفكير) فإن من ~~الأفضل كثيرا للصانع ذي الحساسية العادية ألا يرتاد المعرض حتى يكتسب، بمحاولة ~~التعبير عن نفسه في الشكل، بصيصا من الرأي الصائب عما يصبو إليه الفنانون، ومن ~~المؤكد أن بمقدور كل إنسان تقريبا، رجلا كان أو امرأة، أن يكون فنانا صغيرا ما ~~دام كل طفل تقريبا هو فنان، ثمة حس بالشكل يمكن أن نلمسه في معظم الأطفال، فماذا ~~يحل به؟ إنها الحكاية القديمة: الطفل أبو الرجل، وإذا شئت أن تحتفظ للرجل بالهبة ~~التي ولد بها، فلا بد أن تتعهده صغيرا، أو بالأحرى تحميه أن يتعهد! فهل نستطيع أن ~~نرفع عنه أيدي الآباء والمعلمين وأنظمة التعليم التي تحول الأطفال إلى رجال ونساء ~~عصريين؟ هل نستطيع أن ننقذ الفنان الكامن في كل طفل تقريبا؟ إننا نستطيع على الأقل أن ~~نقدم بعض النصائح العملية؛ لا تعبثوا برد الفعل الانفعالي المباشر تجاه الأشياء الذي هو ~~عبقرية الأطفال، لا تتصوروا أن البالغين هم بالضرورة أفضل من يقضي بما هو خير وما هو ~~هام، لا تبلغ بكم الغفلة أن تفترضوا أن ما يثير انفعال العم هو أطرف مما يثير تومي، لا ~~تظنوا أن طنا من الخبرة تعدل ومضة من البصيرة، ولا تنسوا أن معرفة الحياة لا تسعف ~~أحدا في فهم الفن؛ ولذا لا تعلموا الأطفال أن يكونوا أي شيء أو يحسوا أي شيء، فقط ~~ضعوهم على الطريق؛ طريق اكتشاف ماذا يريدون وماذا يكونون. حسبي بذلك من نصائح عامة، أما ~~ما أود قوله على وجه التخصيص فهو ألا تأخذوا الأطفال إلى معارض الصور والمتاحف، وأهم ~~من ذلك بالطبع ألا ترسلوهم إلى مدارس الفن التي تعلمهم النزعة التجارية الادعائية، لا ~~تشجعوهم أن يلتحقوا بنقابات الفنون والحرف حيث يحتمل أن يتعلموا حرفة ولكنهم سيفقدون ~~حسهم الفني، في هذه المؤسسات الموقرة يسود تصور سام عن العمل ms176 الصادق والحرفية ~~الأمينة، فيا للأسف لماذا لا يتذكر أولئك الحريصون على الصدق والأمانة أن هناك أشياء ~~أخرى في الحياة؟ إن لحرفيي النقابات الصادقين مثلا أعلى عمليا وجديرا بالثناء، ~~غير أنه مثل محدود وضيق الأفق، مثل أخلاقي وليس فنيا. إن الحرفيين رجال مبدأ، وهم ~~مثل كل رجال المبادئ قد أقلعوا عن عادة التفكير والشعور؛ لأنهم وجدوا أسهل عليهم أن ~~يسألوا ويجيبوا عن سؤال «هل هذا يتفق مع مبادئي؟» من أن يسألوا ويجيبوا عن سؤال «هل ~~أحس أن هذا خير أو حق أو جميل؟» ولذا أقول لكم لا تشجعوا طفلا أن ينخرط في ~~«الفنون والحرف» # Arts and Crafts ~~؛ فالفن لا يقوم ~~على الحرفة بل على الحساسية، إنه لا يعيش بالعمل الأمين بل بالإلهام، إنه شيء لا يعلم ~~في الورش وفصول المدارس بواسطة الحرفيين والمعلمين المتحذلقين، وإن أمكن إنضاجه في ~~الأستوديوهات بواسطة أساتذة من الفنانين، صحيح أن الصبي لا بد أن يكون حرفيا جيدا ~~إذا شاء أن يكون فنانا جيدا، ولكن لندعه يعلم نفسه حيل صناعته بالتجربة، التجربة في ~~الفن لا في الحرفة. # وأود أن أقول لأولئك الذين يشغلون أنفسهم بمسألة إدخال الفن في حياة الناس: لا ~~تلهوا بلعبة «الإحياء». إن اللفظة ذاتها تحمل رائحة المدفن، الإحياء ينظر إلى الوراء، ~~بينما الفن معني بالحاضر، ولن نغري الناس بالإبداع بأن نعلمها أن تقلد، وأرى أن إحياء ~~رقصة المريسة # morris-dancing # والغناء الشعبي، ما ~~لم يكونا ساحرين، ليسا أكثر من «فنون وحرف» في الهواء الطلق. إن عليهما غبرة المتحف، ~~وهما قد يحولان الصبية والفتيات إلى بحاث أذكياء، لكنهما لن يجعلا منهم فنانين، ولا ~~يمكن لعصرين مختلفين أن يعبرا عن حس الشكل بنفس الطريقة تماما؛ ومن ثم فإن كل ~~المحاولات الرامية إلى خلق أشكال عصر آخر لا بد لها أن تضحي بالتعبير الانفعالي من أجل ~~براعة التقليد، وما كان للقصف القديم الصاخب أن يشفي الجوع الروحي الحاد أكثر مما ~~تشفيه الحرفية الدقيقة أو سويعات مع «كنوزنا الفنية»، ليس غير الإبداع المتأجج، والتأمل ~~الواجد، ما يشبع حاجة أناس ms177 يبحثون عن ديانة. # وباعتقادي أنه من الممكن، على صعوبته الشديدة، أن نمنح الناس كلا الاثنين، إذا كان ~~الناس حقا يريدونهما، إلا أن الإبداع، وأنا على يقين من ذلك، بالنسبة إلى أغلب الناس ~~يجب أن يسبق التأمل، في مدرسة مسيو بواريه «إيكول ~~مارتان» # Ecole Martaine # 10 # أعداد كبيرة من الفتيات الفرنسيات جمعن من الأزقة وما حولها، هن الآن ~~يخلقن أشكالا ذات فتنة وأصالة مدهشتين، لا ينازع أحد في أنهن يجدن بهجة في عملهن. ~~إنهن لا ينسخن من أي أصل، ولا يتبعن أي تقليد؛ فالذي يدن به للماضي، وهو كثير، قد ~~استعرنه بطريقة لا شعورية تماما مع صنف أجسادهن وعقولهن، من تاريخ جنسهن وثقافته ~~التقليدية، يختلف فنهن عن الفن البدائي مثلما تختلف أي متمهنة حياكة فرنسية عن أي ~~أمريكية من الهنود الحمر. غير أنه يعدل فن البدائيين أصالة وحيوية. إنه ليس فنا ~~عظيما، وليس عميق الدلالة، وكثيرا ما يكون من الدرجة الثالثة بلا خلاف، إلا أنه فن ~~أصيل؛ ومن ثم فإنني أضع صانعات إيكول مارتان في صف أفضل الرسامين المعاصرين، لا بوصفهن ~~فنانات، بل بوصفهن مظاهر للحركة الجديدة. # لست متيما بموسيقى الرجتيم # rag-time # ورقصة ~~الديكة الرومية # turkey-trotting ~~، ولكنهما أيضا ~~مظاهر للحركة الجديدة، في تلك الإيقاعات المغضبة المتهوسة أجد وعدا بفن شعبي أكبر مما ~~في إحياء الغناء الشعبي ورقصة المريسة؛ فهي على الأقل تحمل علاقة ما بانفعالات أولئك ~~الذين يغنونها ويرقصونها، إنها جيدة بقدر ما تحمل من دلالة، غير أن دلالتها ليست ~~عظيمة؛ فليس في نفوس حاضني الأرانب تلتمس الروح الجديدة في أوجها، وما كان لرقصهم ~~وغنائهم أن يوقظا العالم من سباته، ولن يدين لهم المستقبل بذلك الفضل الذي أوقن أنه ~~سينساه سريعا. ليس في الرجتيم أو التانجو كبير دهش أو جدة، غير أن من الخطأ أن نغفل ~~أي شكل تعبيري حي، ومن السخف المحض أن نهاجمه. إن التانجو والرجتيم طائرات ورقية ~~يطير بها نفس الريح الذي يملأ الأشرعة العظيمة للفن البصري، ليس باستطاعة كل إنسان أن ~~يقتني زورقا شراعيا، ولكن باستطاعة كل ms178 صبي أن يشتري طائرة ورقية، وفي عصر يبحث عن ~~أشكال جديدة يعبر فيها عن ذلك الانفعال الذي لا يمكن أن يعبر عنه بكفاية إلا في الشكل ~~وحده، سيتطلع الحكيم برجاء وأمل إلى أي صنف من الرقص أو الغناء يتصف بأنه شعبي وغير ~~تقليدي في آن. # فليحاول الناس إذن أن يخلقوا الشكل لأنفسهم، ربما يفضي ذلك إلى خلط وفوضى من ~~الشكل، ولكن لا ضير؛ فالمهم أن يكون لدينا فن حي وحساسية حية. إن الإنتاج الغزير ~~لفن رديء هو مضيعة للوقت، ولكن لا ضير في ذلك ما دمنا لن نسمح له أن يمس الفن ~~الجيد بأذى، فليجعل كل واحد من نفسه هاويا، ولنقلع عن فكرة أن الفن شيء يعيش في ~~متاحف لا يفهمها إلا الدارسون. ولعل ممارسة الفن أن تكسب الناس حساسية؛ فإنهم لو ~~اكتسبوا الحساسية لإدراك الفن الأعظم، ولو إلى حد ما، سيكونون قد ظفروا بالدين الجديد ~~الذي كانوا يبحثون عنه. إنني لا أحلم بأي شيء يمكن أن يثقل أو يخفف من فهارس المؤرخين ~~الكنسيين، ولكن إذا صح أن أهل العصر الحديث لا يجدون شفاء في الدين الدوجماوي، وإذا صح ~~أن هذا العصر، كرد فعل ضد مادية القرن التاسع عشر، بات على وعي بحاجته الروحية ويتوق ~~إلى إشباعها، فيبدو من المعقول أن أنصحهم بأن يلتمسوا في الفن ما يريدون وما يمكن أن ~~يمنحه الفن. ما كان للفن أن يخذلهم، وإنما الخطب أن الأغلبية لا بد دائما أن تكون ~~مفتقرة إلى الحساسية التي يمكنها أن تأخذ من الفن ما الفن معطيه. # سيكون ذلك مؤسفا جدا للأغلبية، ولكنه للفن لن يعني الكثير؛ فالفن لأولئك القادرين ~~على الإحساس بدلالة الشكل لا يمكن أن يكون أقل شأنا من ديانة، فلا شك عندي أن هؤلاء ~~يجدون في الفن ما وجدته الطبائع الدينية الأخرى وما تزال تجده في الصلاة والعبادة ~~الجياشة، يجدون ذلك اليقين الوجداني، وتلك الثقة بالخير المطلق التي تجعل الحياة ~~كلا هاما ومنسجما. ~~••• # وحيث إن الانفعالات الإستطيقية هي شيء خارج الحياة وفوقها، فإن بوسع المرء ms179 أن يلوذ ~~بها من الحياة. إن من قدر له يوما أن يعرف الوجد وأن يتبدد في أوه ألتيتودو # O Altitudo # 11 # واحدة، لن يكون له أن يؤخذ بإثارات العمل الفارغة ويغالي في تقديرها. ومن ~~وهب القدرة على أن يأوي إلى عالم الوجد سيعرف كيف يتعامل مع الوقائع بحجمها. جدير ذلك ~~الذي يختلف كل يوم إلى عالم الانفعال الإستطيقي أن يعود إلى عالم الشئون البشرية ~~مسلحا لمواجهتها بشجاعة، وربما بشيء من الازدراء. وهو إذا كان يجد أغلب الولع ~~البشري تافها بالقياس إلى النشوة الإستطيقية، فليس في ذلك ما يدعوه إلى الجفاء ~~والبرود، بل إن بإمكان ديانة الفن من الناحية العملية أن تسعف إنسانا أكثر مما يسعفه ~~الدين البشري؛ فقد يتعلم في عالم آخر (عالم الفن) أن يشك في الأهمية القصوى لهذا ~~العالم. ولكن إذا كان هذا الشك يوهن من حماسته لبعض الأشياء الممتازة حقا فسوف يبدد ~~أوهامه حول العديد من الأشياء غير الممتازة. إن ما ينتقص من رصيد حبه للبشر قد يضاف ~~إلى رصيده من الشهامة، ولما كانت ديانته لا تستهل بوصية «أحب جميع الناس» فهي لن ~~تنتهي، ربما، بحضه على أن يبغض أكثرهم. ms180