######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.HaninIlaKharafa.Hindawi47960939 #META# Tags: philosophy #META# ID: 47960939 #META# Title: الحنين إلى الخرافة: فصول في العلم الزائف #META# AuthorID: 24079572 #META# Author: عادل مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة في العلم الزائف‏ # 1 - الحنين إلى الخرافة‏ # 2 - باري ل. بيريشتاين:1 الفرق بين العلم والعلم الزائف2‏ # 3 - توماس جيلوفيتش:1 كيف نكشف الدجل؟‏ # 4 - أنتوني براتكانيس:1 كيف تبيع علما زائفا؟2‏ # 5 - روري كوكر:1 التمييز بين العلم والعلم الزائف‏ # 6 - سكوت ليلينفلد:1 وصايا ليلينفلد العشر‏ # 7 - جون كاستي:1 معايير التمييز بين العلم الحقيقي والزائف‏ # 8 - إمري لاكاتوش:1 العلم والعلم الزائف2‏ # 9 - من أوهام العقل: الباريدوليا1‏ # 10 - مغالطة التصديق الشخصي1‏ # 11 - نسبية الذاكرة!‏ # 12 - مشكلة التمييز بين العلم والعلم الزائف‏ # 13 - في العلم والخرافة‏ # إهداء‏ # مقدمة في العلم الزائف‏ # 1 - الحنين إلى الخرافة‏ # 2 - باري ل. بيريشتاين:1 الفرق بين العلم والعلم الزائف2‏ # 3 - توماس جيلوفيتش:1 كيف نكشف الدجل؟‏ # 4 - أنتوني براتكانيس:1 كيف تبيع علما زائفا؟2‏ # 5 - روري كوكر:1 التمييز بين العلم والعلم الزائف‏ # 6 - سكوت ليلينفلد:1 وصايا ليلينفلد العشر‏ # 7 - جون كاستي:1 معايير التمييز بين العلم الحقيقي والزائف‏ # 8 - إمري لاكاتوش:1 العلم والعلم الزائف2‏ # 9 - من أوهام العقل: الباريدوليا1‏ # 10 - مغالطة التصديق الشخصي1‏ # 11 - نسبية الذاكرة!‏ # 12 - مشكلة التمييز بين العلم والعلم الزائف‏ # 13 - في العلم والخرافة‏ # | الحنين إلى الخرافة # | الحنين إلى الخرافة # | فصول في العلم الزائف # تأليف # عادل مصطفى # | إهداء # إلى الأخ الكريم اللواء د. هاني مصطفى خضر، نابغة جراحة الأنف والأذن ~~والحنجرة. # أهديت إليه في السابق كتاب «المغالطات المنطقية»، وها أنا ذا أعود وأهدي توءم ~~الكتاب إلى توءم النفس. # ع. م. # | مقدمة في العلم الزائف # تجارتان لا تعرفان البوار؛ تجارة الخبز، وتجارة الوهم. # ع. م. ~~(1) دلائل ومخايل # في القلب من العلم يقبع توتر جوهري بين موقفين متناقضين في الظاهر؛ انفتاح ~~على الأفكار الجديدة مهما تكن غريبة أو مضادة للحدس، وأقسى تمحيص ارتيابي ~~لجميع الأفكار، قديمها وجديدها. هذا هو السبيل إلى غربلة الحقائق العميقة من ~~الهراء العميق. إن اجتماع التفكير الإبداعي والتفكير الارتيابي في آن معا هو ما ~~يحفظ العلم في مضماره. # كارل ساجان: عالم تسكنه الشياطين # ليست هناك معايير حاسمة تجزم بأننا بإزاء علم زائف، غير أن هناك أمارات ms001 عامة ~~تهيب بنا أن ننتبه ونرتاب، ليس بين هذه الأمارات ما هو «ضروري» ولا ما هو «كاف» ~~للحكم بزيف الممارسة، غير أن اجتماع عدد وافر منها قد يدنو بنا إلى مشارف اليقين، ~~وكأنه ضرب من «تحول الكم إلى كيف». # يسرف العلم الزائف في استخدام الفرضيات الاحتيالية، # 1 # والفرضية الاحتيالية أشبه برقعة مفصلة على مقاس ~~الثغرة، الغرض منها حماية الدعوى من الدحض. ثمة فرضيات احتيالية أدت إلى ~~كشوف علمية حقيقية: عامل # Rh # في الدم كان ~~فرضية احتيالية، ووجود كوكب نبتون كان فرضية احتيالية، # 2 # غير أن الفرضية الاحتيالية في العلم الحقيقي هي ذاتها قابلة ~~للاختبار، أما في العلم الزائف فالأغلب أن تكون تمحكا صرفا ولجاجة ~~مجانية لا سبيل إلى اختبارها ولا غرض منها إلا التملص والتخلص، ~~والتحصن من التكذيب والتشفع للخطأ. # ليس من دأب العلم الزائف أن يعترف بخطئه ولا أن يصحح نفسه، بينما ~~العالم الحق ميال بطبعه إلى تكذيب فرضيته. إن كلفة التصويب ~~الذاتي باهظة ثقيلة، ولكن العالم الحقيقي على استعداد دائما لدفعها ~~عن طيب خاطر؛ ذلك أن من الصعب على النفس أن تلقي في اليم بما أنفقت ~~فيه جهدا ومالا، واستثمرت فيه أملا وضيعت عمرا، يقال لهذه ~~الظاهرة النفسية «أثر الكلفة الغاطسة». # 3 # إن واجبنا في مجال العلم أن نبجل الزميل الذي يعترف بخطئه ~~ويقلع عن باطله، لا أن ندينه ونعاقبه ونسلقه بألسنة حداد. واجبنا أن ~~ندخر الشجب والإدانة لأولئك الذين يصرون على الخطأ ويستميتون في ~~تبريره. # يتهرب العلماء الزائفون من النشر في المجلات العلمية المحكمة، ومن ~~«مراجعة النظراء»؛ # 4 # بزعم أن المجتمع العلمي ومحرري المجلات متحيزون ضدهم ولن ~~يقبلوا إسهاماتهم، ومن دأب العلماء الزائفين أن يطلبوا من منتقديهم أن ~~يبرهنوا على خطأ نظريتهم، بدلا من أن يبرهنوا هم على صوابها (نقل عبء البرهان). # 5 # يركز العلم الزائف على الأمثلة المؤيدة ويضرب صفحا عن الأمثلة ~~المضادة، بينما العالم الحق ينتحي بغريزته نحو الأمثلة المفندة، ~~وينحني للخلف (على حد تعبير ريتشارد فيمان) عسى أن يبرهن على أنه مخطئ. ~~إنه يأخذ ms002 مسافة من عمله، ومن عزته بأي شيء عدا الحقيقة. يتضمن ذلك ~~أن عليه أن يصمم تجارب صارمة تختبر فرضيته اختبار النار، وتثبت ~~كذبها إن أمكن. # يقدم العلماء الزائفون أطروحات مقطوعة الصلة بكل المعارف القائمة، ~~ويزعمون دائما أن أعمالهم قائمة على نماذج إرشادية جديدة تماما؛ وهم من ~~ثم يطلقون مزاعم يقتضينا قبولها الإطاحة بكل ما نعلمه عن العالم، ~~ويدعون أنها اختراقات أو «تحولات في النموذج». # 6 # إن تحولات النموذج لتحدث في تاريخ العلم، ولكن على فترة ~~وندرة، وتتطلب دليلا قويا وتجارب فاصلة جيدة التصميم قابلة ~~للتكرار، عملا بالقاعدة القائلة بأن «الدعاوى الهائلة يلزمها دليل هائل». # 7 # يستند العلماء الزائفون في إثبات فرضياتهم إلى «النوادر الفردية وشهادات الآحاد»، # 8 # وهي أشياء لا تصلح بذاتها كدليل، وإن كانت ملهمة أحيانا ~~في سياق الكشف، # 9 # وذات فائدة أحيانا في توضيح ما قد ثبت بالدليل؛ ذلك أننا لا ~~تصلنا في العادة إلا الشهادات الإيجابية، أما الشهادات السلبية فسوف ~~تحتجب تلقائيا. هب أن ألف شخص تناولوا علاجا مزعوما، وأن عشرة منهم ~~فقط اعتقدوا أنهم آنسوا فائدة منه فقدموا لنا عشر شهادات فردية مؤيدة ~~لفاعلية العلاج، إن التسعمائة والتسعين الذين لم يشفوا - وهم الأغلبية ~~العظمى - لن تراهم من بعد ولن تسمع لهم ركزا (بيانات محجوبة). # 10 # من ذلك تتجلى لنا أهمية «المجموعات الضابطة» # 11 # في التقييم الصحيح لأي دعوى تتعلق بفاعلية علاج جديد. # أما النوادر الفردية - الصارخة البراقة - فينبغي ألا تفتننا في عملنا العلمي؛ ~~فالنصوع المضلل # 12 # للنادرة يعمق انطباعها ويرسخ ذكراها ويضخم تأثيرها النفسي ~~تضخيما زائفا، ويغري المخيلة بأن تلج في الوهم، ويجعل للنادرة الواحدة ~~فاعلية ألف مثال عادي. هذا ما يجعل العلماء الزائفين يلجئون إلى النوادر ويستدلون ~~بحكايا فردية أشبه بحكايا العجائز. من أمارات العلم الزائف أنه يتحدث إليك بالقصص ~~والروايات، لا لكي يؤنس ويوضح بل لكي يستدل ويبرهن (التفسير بالسيناريو). وما ~~هكذا تورد الإبل في العمل العلمي الذي يرتكز على العينات العشوائية الممثلة ~~والتجارب المنضبطة والدلالة الإحصائية وميكنة تسجيل البيانات. # يولع العلماء الزائفون باستخدام ms003 رطانات مبهمة، ويخترعون معجمهم ~~اختراعا على حد تعبير روري كوكر (الطاقة الكونية الحيوية، الطاقة، ~~مستويات، تعاطفات، منظومة خط الزوال، التكبير السيكوتروني ...) لكي يتشبهوا ~~بالعلماء الحقيقيين ويوهموا الناس بأنهم منهم، ويميلون إلى المزاعم العريضة ~~و«نظريات كل شيء»، والادعاء بأن إجراء هزيلا معينا يحل شتى المشكلات، ~~وبأن عقارا لا أصل له يشفي جميع الأدواء، بينما يتسم العلم الأصيل ~~بالتواضع والأناة والاقتصاد في الزعم، ويتوفر في الأغلب على مشكلة واحدة ~~في الوقت الواحد. # وللعلماء الزائفين تعويذة أثيرة هي لفظة «كلي» و«كلية»، # 13 # ويكثرون من ترديدها كرطانة موهمة من جهة، وتهرب من التفنيد من جهة ~~أخرى، ورغم أن «الكلية» قد تكون قولة حق في بعض السياقات؛ فهي في سياقات العلم الزائف ~~قولة باطل تعمل على «طمس جميع التمييزات المفيدة التي جهد الفكر الإنساني في وضعها ~~طيلة ألفي عام» على حد تعبير روجر لمبرت. ~~(2) المقام في الفجوات # للخرافة غريزة حشرية تنتحي إلى الشقوق وتعشق الثغرات وتقيم في الفجوات. يسود الدجل ~~ويركز لواءه في المناطق التي ما زال العلم فيها مبلسا محيرا لا يملك جوابا ~~حاسما: # في المجال العلاجي يرتع الدجل وتعلو نبرته في نطاق الأمراض المستعصية ~~الغامضة التي لا يزال البحث الطبي يقاربها بأناة وحذر: السرطان، الشقيقة، ~~التهاب المفاصل، الإيدز ... إلخ. يريد الدجل أن يتلقف أناسا مذهولين ~~بالمرض متخبطين في اليأس متنازلين عن المنطق. # وفي صدد نظرية التطور يحلو للفكر الخرافي الإشارة إلى الفجوات غير ~~المفسرة في سجل الحفريات، ويتمنى من أعماق قلبه أن تبقى إلى الأبد غير ~~مفسرة. ~~(3) الحس المشترك # يظن عامة الناس أن الحس المشترك مرشد وثيق لفهم الظواهر وتقييم العالم ~~الطبيعي، ونحن نسلم بوجاهة المخزون البشري من الحكمة الشاملة لجميع الناس ~~والمورثة عبر الأجيال، والتي أعانت الكائنات البشرية على البقاء وعلى الإبحار في ~~عالم معقد. # نحن نسلم بحكمة الحس المشترك وقيمته في نطاق الحياة اليومية، ولكن حين يكون ~~المقام مقام علم دقيق يسعى إلى فهم تشغيلات العالم الخارجي وتشغيلات الدماغ ~~البشري يكون الحس المشترك محكا غير مأمون. لقد تطور الدماغ البشري لكي ms004 ~~يمكن صاحبه من البقاء ويضمن لجيناته أن تمر إلى الأجيال التالية، ولم يتطور ~~من أجل أن يفهم عمليات العالم الطبيعي، سواء على المستويات الفلكية أو تحت الذرية أو ~~النيوروبيولوجية، والعلم لا يأتي إلينا طوعا؛ لأنه كثيرا ما يقتضينا المسير ضد الحس المشترك، # 14 # يقتضينا أن نمحو الكثير مما تعلمناه من قبل أو اكتسبناه فيما ~~سبق. # إن الأرض لتبدو مسطحة للحس المشترك، والشمس تدور حول الأرض فيما يظهر للحس المشترك، ~~والأشياء المتحركة تتباطأ تلقائيا في مرأى الحس المشترك إلى أن تتوقف (بينما هي في ~~الحقيقة تتحرك إلى ما لا نهاية ما لم يحل دون ذلك حائل)، والذاكرة تبدو كشريط تسجيل ~~للحس المشترك، والأضداد تتجاذب فيما يظن الحس المشترك، والعين الرجراجة دليل الكذب لدى ~~الحس المشترك ... إلخ. # تلفتنا الخدع البصرية العديدة إلى أن الإدراك البشري ليس بالدقة التي نظنها، ~~وتنبئنا دراسات الذاكرة وأخطاء تقارير شهود العيان بأن الذاكرة البشرية خادعة ~~مرجفة ولا يعول عليها، وتجبهنا ظاهرة «الباريدوليا» بأن العقل البشري مرتهن ~~للأنماط المخزونة فيه على نحو لا فكاك منه. إن الذهن البشري معطوب بطبيعته، وليست ~~إجراءات البحث العلمي سوى تدابير تعويضية لتدارك هذا العطب الصميم. إنما نشأت ~~الطرائق العلمية لكي تتلافى هذه العيوب وتعوض هذا القصور: # عشوائية العينة. # إجراءات أخذ العينة الممثلة، كما وكيفا وبعد انقضاء زمن. # ميكنة تسجيل البيانات (لتجنب ميل البشر لرؤية ما هم مهيئون ~~لرؤيته). # المجموعة الضابطة ذات العمى المزدوج. # 15 # الدلالة الإحصائية. # التحديد المسبق لما عساه أن يؤيد الفرضية وما عساه أن يفندها. # مراجعة النظراء. # تكرار التجربة. # والضمانة الكبرى بعد للأداء العلمي القويم هي الصفة المؤسسية للعلم؛ فالعبرة ~~إنما هي بعلمية المؤسسة الكلية لا العالم الفرد، بالعقلانية والموقف النقدي المبيت ~~في المؤسسة ككل؛ ذلك أن العلماء بشر، وعرضة من ثم للتقصير في اتباع الطريقة العلمية، ~~شأنهم شأن المهنيين من كل صنف. ثمة صمامات أمان في قلب المنظومة تتمثل في السياسات ~~الرقابية للوكالات العلمية المانحة ومؤسسات البحث والدوريات تكشف صراع المصالح لدى ~~الباحثين. إن الحاضنة العقلانية هي الكفيلة برد ms005 كل انحراف إلى الجادة، ورد ~~كل ميل إلى القصد وكل زيغ إلى سواء الصراط، وهي الكفيلة بمنع ما هيئت له ~~عقولنا من مزالق، وهي الكفيلة بالحفاظ على صفة «التصحيح الذاتي» وضمان الصفة ~~الديمقراطية للعلم. ~~(4) وعثاء التطور # ولقد بقيت به لأنه بقي بها. ~~*** # تبنى الإنسان عبر رحلة التطور استراتيجيات معينة من الاقتصاد الذهني أعانته ~~على التكيف والبقاء في بيئة محفوفة بالمخاطر من كل صنف. تطورت هذه الاستراتيجيات تحت ~~وطأة ظروف قديمة كانت تلح على سرعة اتخاذ القرار حتى لو جاء ذلك على حساب صوابه ~~الاستدلالي ودقته المنطقية. كان القرار «الملوث» السريع أجدى من القرار الحصيف ~~حين يكون قاتل البطء موبق التدقيق. لقد كان الرهان الإدراكي والتفسيري باهظا، ~~وكانت «السلامة» هي القيمة الأولى والملحة في كل تفكير وفي كل تفسير: ~~الأنثروبومورفيزم، النزعة الإحيائية، # 16 # التعميم المتسرع، البروكروستية، مغالطة المنشأ، نزعة الماهية، الباريدوليا، ~~المختصرات الذهنية ... إلخ، تلك استراتيجيات إدراكية مبيتة في غور دماغنا البشري ~~وفي صميم معمارنا المعرفي، ومن شأنها أن تعين الإنسان على اتخاذ القرار السريع ~~المسعف وإن كان مشوبا غير دقيق وغير محكم. # يبدو - إذن - أن الخرافة هي الأصل! وأن من طبيعة عمل العلم أن يسبح ضد هذا التيار ~~الجبلي ويجتاز هذه العوائق الطبيعية؛ فيصطنع من الإجراءات الاحترازية والضوابط ~~الاحتياطية ما يعوض به أوجه النقص في الإدراك والاستدلال البشريين. إنما العقل ~~أسير للمخططات والأنماط المبيتة فيه، والتي انطبعت فيه بفعل خبرات سابقة لم يكن ~~له يد فيها، واتخذت ما اتخذت من أشكال كنتيجة لعدد كبير من «العوارض» # 17 # المحضة. # ثم إن هذه «الأنماط» أو «المخططات» أو «النماذج» - أو ما شئت - تجد طريقها إلى ~~اللغة البشرية، حيث تعمر طويلا بعد أن تكون أسبابها الموضوعية قد تبدلت أو زالت، ~~فاللغة ليست مخزونا مباشرا لما هو موجود، بل هي بالأحرى مخزون أثري وتاريخي جزئيا ~~لما تراءى للبشر يوما أنه جدير بالحديث عنه والقول فيه. هذا الطابع التاريخي ~~التذكاري التراكمي للغة هو ما يجعل تنقيتها من التعبيرات المتنافرة مع قناعاتنا ~~الحالية أمرا بالغ الصعوبة. # تنطوي ms006 اللغة في ذاتها على «رؤية للعالم» # 18 # وتصنيف للأشياء، أي على وجهة نظر عامة إلى الأشياء وتصور إجمالي ~~لما يكونه العالم. إن للغة المحكية منطويات تاريخية حفرية تنقلب عبئا ضارا ~~عندما تتغلغل دون وعي منا في صميم إدراكنا الراهن للأشياء، وتفرض قوالبها ونماذجها ~~على رؤيتنا الحالية للعالم، لكأن الخرافة تقيم في عقر اللغة المحكية، وفي كهولة ~~الألفاظ الدارجة، إرثا من الماضي البعيد يقيم في الحاضر ويحكمه، وهو بمأمن من ~~الرقابة وحصانة من الافتضاح. ~~(5) ضرورة دراسة العلم الزائف # لا نعدم بين العلماء وفلاسفة العلم من يرى أن دراسة أمارات العلم الزائف هي تزيد ~~لا داعي له، وترف نظري لا ضرورة فيه، فضلا عن استحالته لعدم وجود معيار ضروري ~~ولا كاف يفصل بين العلم واللاعلم، وقد ذكرنا من هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر: ~~ماكنالي وفيربند وإليزابيث سبري، غير أننا نرى - آخذين بالاعتبار وجاهة كل ما يقولون - ~~أن هذا الاتجاه هو الترف بعينه: إن المجتمعات لتتردى في هاوية التخلف، والناس ~~تموت موتا حقيقيا، من جراء الافتتان بالعلوم الزائفة واتباع أباطيلها. يقول إمري ~~لاكاتوش في حديثه «العلم والعلم الزائف»: «إن حق الحزب الشيوعي في تقرير ما هو علم ~~وينشر وما هو علم زائف ويعاقب ظل حقا قائما، كما أن المؤسسة الليبرالية ~~الجديدة في الغرب لها الحق أيضا في أن ترفض منح حرية الحديث لما تعتبره علما زائفا ~~(مثلما رأينا في حالة الجدل المتعلق بالذكاء والعنصر)، من أجل ذلك فإن مشكلة التمييز ~~بين العلم والعلم الزائف ليست مشكلة زائفة تليق بالفلاسفة النظريين في مقاعدهم ~~الوثيرة، إن لها منطويات أخلاقية وسياسية هي من الخطورة بمكان.» # أما البروفيسور سكوت ليلينفلد فيذهب إلى ضرورة تدريس خصائص العلم الزائف من أجل ~~الفهم القويم للعلم، الذي لن يبلغ تمامه إلا بفهم نقيضه: العلم الزائف (وبضدها تتميز ~~الأشياء)، ومن أجل غرس الفكر النقدي في عقول الطلاب الذين يلتحقون بالجامعة وأذهانهم ~~متخمة بالخرافات والأساطير الحديثة. # وقد أشرنا في هذا الصدد إلى دراسات إمبيريقية حديثة تثبت أن دراسة التمييز بين العلم ~~والعلم ms007 الزائف تفضي إلى صرف الناس عن تبني الاعتقادات الخرافية، وإلى تحسن ~~القدرة على تقييم أخطاء الاستدلال في المقالات العلمية، والتعرف على الأخطاء المنطقية ~~فيها، وتقديم تفسيرات بديلة لنتائج البحث. # وفي عالمنا الجديد الذي تمطرنا فيه الوسائط الإعلامية بوابل من الخرافات الجديدة، ~~وسيول من الغثاء المنفلت والنظريات الزائفة والدجل الوقاح، لم تعد مشكلة التمييز ~~بين العلم واللاعلم ترفا بل قضية ملحة، وضرورة تعلو على كل ضرورة. # إن من حق الناس أن تتلقى المعلومات الصحيحة، وأن تؤسس قراراتها واعتقاداتها على ~~بيانات صادقة لا زيف فيها ولا خداع. من حق المرضى أن يتلقوا العلاج الحقيقي، ومن حق ~~المصوتين أن يدلوا بأصواتهم بناء على حقائق. إن الأمية العلمية تقتل الفكر ~~النقدي وتخلف أجيالا تدمن الوهم وتراهن على الباطل وتختار لأمتها المسار ~~المهلك. الاقتراع العام في مثل هذه الأجيال إن هو إلا استقواء بالجهل وتجيير ~~للأمية وتدوير لعوادم الانحطاط. ~~(6) جاذبية الخرافة # للخرافة جاذبية هائلة، ومهما تقدم العلم فسوف تظل الخرافة تحتل أعز الأمكنة من ~~قلوب البشر وأعمق الأغوار من أنفسهم؛ ذلك أنها هي الأصل وهي العلم الأقدم، وهي التي ~~قدمت للإنسان الوعد والسلوى يوم كان ملقى هملا في عالم موحش ملغز خطر. ~~والوعد - حتى لو كان كاذبا - ليس بالشيء الهين، فهو للنفوس المغلوبة على أمرها ~~أنيس الأيام وسمير الليالي. # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # غير أن هذا المنطق إن جاز أن يفعل في أزمنة الضعف والعجز فإنه لا يجوز للإنسان ~~اليوم بعد أن فك طلاسم الطبيعة وأمسك بقرون الظواهر، لم يعد الإنسان في عصر العلم ~~يقنع بهلوسة ساكني اللابرنت # 19 # أو بخدر آكلي اللوتس، # 20 # تلك معيشة سلبية كئيبة تقتات بالوهم عوض أن تغير الواقع، ~~وتزين الشوك عوض أن تقتلعه. # يفتتن بعض الناس بالخرافة؛ لأنها مثيرة للدهشة زاخرة بالغرابة، ولهؤلاء نقول: ~~إن العلم يفوقها في هذا المضمار فتنة وإدهاشا ويزيد عليها بأن غرابات العلم ~~حق. إن نظرة في تلسكوب أو مجهر لتلقي بالمرء في عوالم فاتنة بديعة ms008 ملونة ~~أنعم من أهداب الحلم وأغرب من نسج الخيال، غير أنها حق: أطراف الكون القصية، ~~تشكيلات الأنجم والمجرات، تلافيف الدماغ ومسالكه ودروبه، العالم تحت الذري، العالم ~~الجيني، قصة التطور تقرؤها منقوشة في أحافير الصخور وأنوية الخلايا، أعاجيب لم يجد ~~بمثلها خاطر ولم تتفتق بمثلها قريحة. # ويفتتن البعض بالخرافة؛ لأنها تدغدغ عواطف وتبعث نشوات ، ولهؤلاء نقول: إن ~~للعلم مقاماته وأحواله وطربه ومواجده. «الطريقة العلمية» ملة حياتية لها ~~أخلاقياتها بل روحانياتها: التطهر بالاختبار، الاعتراف بالخطأ، التبتل ~~للحقيقة، الولاء الخالص ل «الدليل» # evidence ~~، التنزه ~~عن الغرض، إرجاء الحكم، الانفتاح على الأفكار، الانتشاء بالكشف، الابتهاج ~~بالزمالة. ~~(7) طرائف تاريخية # 21 ~~(7-1) مرهم السلاح # 22 # من العلاجات التي راجت في القرن السابع عشر مرهم خاص معد من تركيبة مسجلة ~~معقدة، من عناصر يصعب الحصول عليها، زعموا أنها لا تؤتي مفعولها إلا إذا اتبعت ~~وصفتها بدقة، وعجيب أمر هذا المرهم أنه لا يدهن به الجرح بل السلاح الذي ~~أحدث الجرح! وقد صدق عليه فرنسيس بيكون نفسه، أبو التجريب العلمي الحديث ~~ومؤسس الفلسفة الاستقرائية! الذي كان متشككا في البداية ولكنه اقتنع بنفس ~~الطريقة التي يقتنع بها كثير من علية المتعلمين في زمننا الحديث بممارسات تبدو ~~مزرية: لقد شاهد النتائج مباشرة، شاهدها بأم عينه، وآمن من ثم بأنها صادقة ~~بالضرورة. # كيف يمكن لشخص في طبقة بيكون التعليمية أن يسقط في مثل هذه الممارسة السخيفة؟! ~~الحق أن مرهم السلاح أقنع المتشككين إذ شاهدوا بأعينهم نتائجه المذهلة، لقد ~~كان علاجا ناجعا حتى إذا كان الشخص الجريح لا يدري أنه يعالج، بل قيل: إنه ~~كان ناجع التأثير حتى على الحيوانات (وهي نقطة وجدها بيكون دامغة إذ بدا أنها ~~تستبعد عامل الإيحاء)، أما حالات الفشل فكانت تفسر - استبعاديا - بوجود خطأ ~~في إعداد التركيبة المعقدة للمرهم. # أما الشيء الذي فات الجميع - ولهم كل العذر في ذلك - فهو الخطوة المبدئية في ~~البروتوكول: أن ينظف الجرح بعناية ويضمد، فقد كان مرهم السلاح سابقا ~~تاريخيا على نظرية الجراثيم، ولم يكن هذا الإجراء متبعا في تلك الأيام، هذا ms009 ~~هو التفسير الأرجح للنجاح الباهر للعلاج: غيار الجرح لا دهن السلاح. # 23 ~~(7-2) جرارات بيركينز # 24 # انتشرت في القرن الثامن عشر أدوات تسمى «جرارات بيركينز» وراجت رواجا عظيما، ~~وقد ابتكرها دكتور إليشا بيركينز (1741-1799م)، خريج جامعة ييل، وهو رجل مشهود له ~~بالإخلاص والصدق والإيثار والإحسان، والأداة عبارة عن قضيبين معدنيين قصيرين ~~مصنوعين من عدد من المعادن المختلفة، وكان يعتقد أن لها خواص علاجية معينة، ~~اجترح بيركينز في أداته امتدادا استقرائيا # 25 # غير مشروع من العلم المشروع في زمنه، والمتعلق بالكشوف الاختراقية ~~العلمية الأصيلة عن الكهربية، مثال ذلك: أن البطاريات البدائية كانت تصنع من ~~طبقات متبادلة من أقراص معدنية متباينة (مثل النحاس والزنك)، وهذا مما أضفى على ~~جراراته المظهر السطحي بأنها قائمة على «العلم»، وكان من شروط الاستخدام السليم ~~لها أن تجر على جسم المريض إلى أسفل حتى تؤتي أثرها، أما الجر إلى أعلى فكان ~~يعتقد أنه يفاقم المرض! # ذاع صيت جرارات بيركينز وانتشرت في أوروبا ونالت شهادات آحاد إيجابية عديدة ~~وسجلت مبيعات هائلة، ولكي يدحض أنصار الجرارات اعتراض الشكاك بأن الشفاء يحدث ~~بسبب الإيحاء الإيجابي فقد زعموا أن حيوانات - كالخيول - قد تم علاجها بنجاح ~~بواسطة تلك الجرارات. # أما الذي قضى على هذه التقليعة في النهاية وأبطل أسطورتها فهو أن عددا من ~~الأطباء المتشككين صنعوا زوجين من الجرارات من الخشب وأسبغوا عليها بالطلاء مظهر ~~المعدن، فإذا بالجرارات المزيفة تؤتي نفس الأثر الشفائي العجيب، ولما كان الأثر ~~العلاجي يعزى إلى المعدن فقد تم بذلك تكذيب الدعاوي العلاجية، وبحلول عام 1810م ~~كانت جرارات بيركينز قد أسدل عليها الستار. ~~(7-3) المزمرية وتدويراتها # في أواخر القرن الثامن عشر راجت «المزمرية» # 26 ~~(نسبة إلى فرانز مزمر) رواجا كبيرا، وهي ممارسة تقوم على ~~الاعتقاد بوجود «قوة حيوية» و«سائل كوني» متعلقين ربما بالمغناطيسية، التي إن ~~أعيقت يمكن أن تسبب عددا من شتى العلل، بما فيها مشكلات الصحة النفسية. كان ~~المرضى يجلسون في ماء ممغنط أو يشدون إلى أقطاب ممغنطة بينما يهز المعالج ~~عصا ممغنطة فوق المريض. كان ذلك ms010 يجري على مرأى من جموع المشاهدين، وكان مزمر ~~يتغمد المرضى الفقراء أيضا بإحسانه فيربطهم إلى جذوع شجر يعتقد أنه ~~ممغنط. # وكانت النهاية عندما كلف الملك لويس السادس عشر كلا من بنيامين فرنكلين ~~وأنطوان لافوازييه بإجراء استقصاء أكثر منهجية لهذا الأمر، فقام هذان العالمان ~~باستخدام علاجات تبدو في الظاهر مزمرية، غير أنها في الحقيقة لا تشتمل على أي ~~شكل من المغنطة، وذلك كإجراء وهمي ضابط ، وعندما أدت العلاجات الوهمية إلى نفس ~~النتائج تم دحض المزمرية إلى حد كبير، وانتهت خرافة المزمرية بفضل هذا الاستخدام ~~المبكر للتجربة «ذات العمى المزدوج». # 27 # ذهبت المزمرية وبقيت تناسخاتها، سلالاتها، تدويراتها، تبتكر الواحدة تلو ~~الأخرى إلى يومنا هذا: فض حساسية وإعادة معالجة حركة العين # EMDR ~~- على سبيل المثال - هي سلالة مزمرية ~~جديدة في رأي بروفيسور ريتشارد ماكنالي، أستاذ علم النفس بهارفارد، فكلتاهما تزعم ~~شفاء طيف عريض من الحالات، وكلتاهما ابتكرها وناصرها أشخاص كارزميون، ~~وكلتاهما أسست فصولا تدريبية دراسية مسجلة وكونت رابطات لدعم العلاجات ~~الجديدة. وإذا كانت الدجليات القديمة تقضي نحبها على يد التجريب العلمي، فإن ~~السلالات الراهنة للدجل تلجأ إلى التفسيرات الاستبعادية التي تفصل بعد الواقعة # 28 # للتملص من الدحض. # من تدويرات المزمرية ما يسمى «الأساور الصحية»، # 29 # فهي أيضا تدعي الأساس العلمي: مغناطيسية، أيونات، موجات راديو ... ~~إلخ، يدعي أنصار الأساور الصحية أنها تتلقى كهرباء شبيهة بموجة الراديو ~~طوافة في الجو، وهي من أجل ذلك تطلى بالذهب أو الفضة لكي تكون جيدة التوصيل، ~~وهي تحول الموجة الملتقطة من الهواء إلى كهرباء يسري تيارها في الجسم ويؤدي ~~إلى إنعاش الجهاز العصبي! # لماذا يقع الأذكياء في «المزمريات»؟ # ينبغي أن نعترف في البداية أن النظر المؤخر # 30 ~~(بأثر رجعي) حاد دائما، وأن «الحكمة» تصل دائما «بعد الحفل»، # 31 # وبومة منرفا لا تحلق إلا ليلا: نحن نضحك من الممارسات الزائفة ~~التي خدعت الأجيال الماضية ونراها مهازل مضحكة، بعد أن أنبئنا بتأويلها ~~وكشف لنا باطلها، في حين نقع نحن في سلالاتها المعدلة ونتبنى صيغنا ~~الخاصة من المزمرية الجديدة: # فض حساسية وإعادة ms011 معالجة حركة العين # EMDR ~~. # البرمجة العصبية اللغوية # NLP ~~. # علاج حقل ~~الفكر # thought field therapy ~~. # موالفة ~~الدماغ # brain tuning ~~. # إلخ إلخ. ~~(8) سحر النوادر الفردية وشهادات الآحاد # تسحرنا الأمثلة الشائقة وبخاصة حين تأتي «من المنبع» # 32 # وتتخذ شكل «سيناريو»، مثلما كانت تسحرنا في الصغر حكايا الجدات، وللشهادة ~~الشخصية المباشرة قوة جذب عاتية يصعب الانفلات منها، بما للسرد الحي من نبض وبما ~~للحضور الشخصي من سطوة، وبوسع واقعة زاهية واحدة أن تستحوذ على الانتباه وترسخ في ~~الذاكرة وتستعصي على النسيان، وتقوم في الذهن مقام ألف مثال. ~~(9) سطوة الواقعية الساذجة # تفيد «الواقعية الساذجة» # 33 # أننا نجني المعرفة من الملاحظة المباشرة، مما نراه رأي العين، وأن ما ~~نراه بأعيننا «واضح بذاته»، # 34 # ولنا أن نستمد منه نتائج دون حاجة إلى مزيد من إعمال الفكر أو من ~~التأمل النقدي في تفسيرات بديلة. # ونحن نسلم بأن الملاحظة المباشرة هي نقطة بداية ممتازة، على أن نتفطن إلى أن ~~الملاحظة التي لا يعقبها اختبار صارم ونظر نقدي في تفسيرات بديلة قد تفضي إلى ~~نتائج مغلوطة تضر بالمرضى أو تضيع وقتهم ومالهم على أقل تقدير، في مثال «مرهم ~~السلاح» سالف الذكر شاهد بيكون بعينه نجاعة الإجراءات، ولكن فاته التفات إلى ~~الفائدة الممكنة لعملية تنظيف الجرح وتضميده. # إن كثيرا من الممارسين الإكلينيكيين واقعيون ساذجون بهذا المعنى، فهم يسلمون ~~تسليما بما يشاهدونه في خبرتهم دون أن يفكروا في تفسيرات بديلة: فنحن لكي نعقد ~~استدلالات علية فإن لزاما علينا أن نصمم تجارب جيدة تضع بالاعتبار التفسيرات ~~البديلة وتقيض لها مجموعات ضابطة. ~~(10) انحياز التأييد # 35 # يغلب علينا في الممارسة الإكلينيكية أن نلتفت إلى النجاحات، وأن نغض الطرف ~~تلقائيا عن ضرباتنا الخائبة، وهذا لون من «انحياز التأييد»: أن نركز على ما يؤيد ~~اعتقاداتنا ونغض الطرف ونضرب صفحا ونطوي كشحا عن الأمثلة المضادة أو نفسرها ~~تفسيرا غرضيا استبعاديا متخلصا. أما العالم الحق فإن الحقيقة أحب إليه من ~~نفسه، والكشف عن الحقيقة أهم عنده من إثبات صواب ملاحظاته المبدئية. العلماء ~~الحقيقيون لديهم ميل غرزي إلى إثبات أنهم ms012 على خطأ! # هل يتعلم الإكلينيكيون حقا من الخبرة؟ الخبرة قيمة لا تنكر، غير أن الاعتداد ~~بخبرة سنوات طويلة من الممارسة الإكلينيكية دون إقامتها على الدليل لا يعدو أن يكون ~~اعتدادا بسنوات طويلة من «انحياز التأييد»! ~~(11) الحرج من تغيير الرأي # ينبغي أن نعترف بأننا جميعا نتحرج من تغيير رأينا بعد طول تمسك واعتداد، فنحن ~~نخشى الاتهام بالتقلب والنفاق والخيانة والهشاشة وضعف الشخصية وعدم الالتزام وعدم ~~الثبات على المبدأ. على أن «الالتزام والثبات على المبدأ» قد لا يصلح مبدأ يحدو ~~العالم على طول المدى. العالم الحقيقي لا يلتزم إلا ب «الدليل» # 36 # ولا ينشد إلا الحقيقة، وهو على استعداد دائما للعدول عن فرضيته إذا لم ~~تثبت للاختبار. # ثمة «أمر إبستمولوجي مطلق» # 37 # يقيم في وجدان العالم الحق ولا يملك أن يعصيه: # فكر بحيث تكون على استعداد من حيث المبدأ لأن تغير رأيك إذا ما ~~تبين خطؤه. # وعلى طريقة إيمانويل كنت: إن شيئين يملآن عقله بالإعجاب والإجلال المتجددين ~~والمتزايدين على الدوام: السموات المرصعة بالنجوم من فوقه، والقانون الإبستمولوجي ~~المطلق في داخله. ~~(12) فخ التبرير # 38 # حين ينفق المرء الكثير من الوقت والمال والعمر مستثمرا في مشروع ما فإن من الصعب ~~عليه جدا أن يعترف بزيفه إذا تبين له، وبدلا من الاعتراف فإنه يتمادى في ~~تبرير باطله بالانخراط في انحياز التأييد، وفي التفسير الاستبعادي للأدلة المضادة، وفي ~~غير ذلك من الاستراتيجيات المغالطة. # يتجذر الاستثمار في العلم الزائف، ويترسخ الالتزام به أكثر فأكثر من خلال ~~اللقاءات والمؤتمرات، حيث يعرض الأشخاص خبراتهم الإيجابية مع علمهم المزعوم، ~~ويتقلبون في دفء الأمثلة المؤيدة والنوادر الفردية وشهادات الآحاد. ~~(13) هذا الكتاب # هذا الكتاب - في شطر كبير منه - عبارة عن فصول متفرقة توجز إسهام ثلة من كبار ~~المفكرين والعلماء وفلاسفة العلم في مسألة التمييز بين العلم والعلم الزائف: توماس ~~جيلوفيتش، باري بيريشتاين، كارل بوبر، إمري لاكاتوش، سكوت ليلينفلد، روري كوكر، جون ~~كاستي، ماريو بنج، ريتشارد ماكنالي، أنتوني براتكانيس، فالكتاب - بمعنى ما - مزيج ~~من التأليف والتصنيف شأن بعض أعمالي المبكرة، ومن حيث هو ms013 فصول متفرقة في موضوع واحد لم ~~تكن ثمة مندوحة عن شيء من التداخل، أرجو أن يكون تداخل تبيين وزيادة خير. # ويبقى أن أوجه عناية العالم الحقيقي نفسه إلى أن أدهى تمثلات العلم الزائف ~~وأخفاها هو ثقتك الزائدة ببضاعتك، وتقديرك المبالغ فيه لعلمك، ثرائه وسداده ~~وطول ذراعه، فتفتي فيما لا تعلم، وتقدم لمجتمعك أفكارا غير مجدية، وخططا ~~غير رشيدة. # وبعد، فهذا الكتاب هو بمثابة تتمة لكتاب «المغالطات المنطقية»، أسدد به نصف ~~ديني لهذا الشعب الطيب، الذي لدغته الخرافة على غير انتظار بعد أن قطع نحو ~~الحداثة شوطا يذكر. لكأنه استحب المكوث في «اللابرنت»، واستمرأ أكل «اللوتس»، # 39 # وبات لزاما على قوى التنوير أن ترشده ب «خيط أريان»، وتشده بذراع ~~أوديسيوس. # عادل مصطفى # philoadel@yahoo.com # 20 / 11 / 2017 # الفصل الأول # | الحنين إلى الخرافة # يظهر العلم منذ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يفهم العالم كما هو موجود ~~بالفعل، لا كما يتمنى أن يكون. # د. فؤاد زكريا ~~(1) في البدء كانت الخرافة! # الظلام - ببساطة - هو غياب النور # وحيثما فرغ العقل من العلم والفلسفة تلقفته الخرافة كأنها أولى ~~به # في البدء كان الظلام # وأينما توجه العقل الفارغ من العلم وفلسفته # فثم وجه الخرافة. # كانت وظيفة الخرافة - ولا تزال - تفسير الوجود حيث لا تفسير، والتأثير فيه حيث لا ~~تأثير، لقد كان الإنسان الأول ملقى في عالم مبهم غير مكترث، وكان عليه أن يبتكر ~~شيئا يفسر به ما يجري حوله، ويتحكم به في أرتال الأحداث التي تمضي غير عابئة به، ~~فابتكر الأسطورة يتفهم بها هذا الوجود الملغز، ويؤول بها هذا العالم الغريب ~~الذي لا يفصح عن نفسه. # لم يكن لدى الإنسان الأول مراغم كثير لكي ينسحب من البيئة المحيطة فيتأمل ~~ويتروى ويفكر، ويميز بين الداخل والخارج، بين الذات والموضوع؛ فوقر في روعه أن ~~جميع الأشياء - الجامد منها والمتحرك - «أشخاص» مثله لديها أرواح وأغراض # animism ~~، فجعل يجابه الأشياء كما تجابه ~~الحياة الحياة، ويخاطب كل شيء ب «أنت» ولا يشير إليه ب «هو»، كان لصيغة المخاطب # second person # الغلبة في عالمه ms014 الذهني على ~~صيغة الغائب # third person ~~. # في مثل هذا المناخ الوجودي كان التجريد الذهني محالا، وكان على الفكر أن يكتسي ~~صورا لا تنفصل عنه. كان على الفكر أن يكون تصويريا أسطوريا، ومن ثم كانت الأسطورة ~~عنده هي حق اليقين. هي حقيقة اتخذت شكلا، بل هي فكر وفعل في آن معا: إنها ضرب ~~من الاستدلال العقلي يفوق الاستدلال بأنه يبغي إحداث الحقيقة التي يعلن عنها، «ضرب ~~من الفعل أو المسلكة المراسيمية، لا يجد تحقيقه بالفعل نفسه، ولكن عليه أن يعلن ويوسع ~~شكلا شعريا من أشكال الحقيقة.» # 1 ~~(2) منطق الفكر الأسطوري # للفكر الأسطوري منطقه الذي ينبغي أن نفهمه و«نواجده» # 2 # إن شئنا أن نعي موقف الإنسان الأول وندرك محنته الخاصة التي اضطرته إلى ~~أن يفكر كما فكر ويسلك كما سلك. # لم يكن الإنسان الأول يميز بين الذاتي والموضوعي؛ لأنه مغمور بالظواهر ~~وغير قادر على الانسلاخ من الأحداث. # كانت «السببية» عنده مشخصة مغرضة؛ فإذا بحث عن «السبب» فإنه يبحث ~~عن ال «من» لا عن ال «كيف»، إنه يبحث عن إرادة شخصية ذات غرض تأتي فعلا ~~معينا. # لم تكن قوانين الفكر الثلاثة: (الذاتية/عدم التناقض/الثالث المرفوع) تعمل ~~في ذهنه، ومن ثم كان يحتمل التناقضات ولا ينفر منها مثلما ننفر. كانت ~~المتناقضات تتراص في ذهنه في وئام وسلام! كان بوسع الإنسان الأول أن ~~يقدم جنبا إلى جنب أوصافا متباينة لظواهر متماثلة، وإن يستلزم الواحد نفي الآخر # mutually exclusive ~~، ~~كان يسلم بصواب عدد من المداخل إلى المشكلة في آن واحد. إنه على ~~إدراك تام بوحدة كل ظاهرة طبيعية يراها في أزياء عديدة متباينة، ففي تعدد ~~صور الظواهر إنصاف لما فيها من تعقيد. # 3 # لم يكن الإنسان الأول يميز بدقة بين الوهم والحقيقة (بين الحلم # non-veridical # والعلم # veridical ~~) ولا بين الأحياء والأموات! فحتى ~~الموتى موجودون على نحو ما وقادرون على الفعل والتأثير! # لم يكن يفرق بين الرمز والمرموز إليه، فالرمز (الصنم مثلا) والمرموز ~~إليه (الإله) ملتئمان بحيث يغدو الواحد بديلا للآخر. # كان «الجزء» عنده يمثل «الكل» ويقوم مقامه، ms015 فيمكن للاسم أو خصلة الشعر ~~أو الظل أن يعد بديلا للإنسان؛ لأن البدائي قد يشعر في أية لحظة أن خصلة ~~الشعر أو الظل مترع بحضرة الإنسان نفسه، وقد يجابهه ب «أنت» يحمل تقاطيع ~~وجه ذلك الإنسان. # 4 # قد تتجسد الصفات والأفكار المجردة أمام الإنسان البدائي: العدل، الموت، ~~الحياة ... إلخ، من ذلك مثلا أن جلجامش وهب فرصة لكسب الحياة الأبدية بأن ~~يأكل الحياة كمادة، ويرى جلجامش «نبتة الحياة»، غير أن ثعبانا يسلبه ~~إياها، هكذا فإن التناول من مادة مجسمة هي الحد الفاصل بين الموت والخلود. # 5 # الأنثروبومورفيزم (الأنسنة) # anthropomorphism ~~، أي إضفاء صبغة ~~بشرية (مشاعر، مقاصد، نوايا، أغراض ...) على جميع الموجودات: الآلهة ، ~~الحيوانات، الجمادات ... لقد كان إسناد فاعلية بشرية للأشياء والظواهر هو ~~استراتيجية إدراكية وتفسيرية عظيمة الفاعلية في ذلك الحين، فالإنسان يعيش ~~في بيئة يشكل البشر جانبها الأهم والأكثر تواترا وأشد تأثيرا، ومن ثم ~~فلا مفر له من أخذ كل ما هو بشري في الاعتبار الأول، ولا مفر له في حالة ~~عدم وضوح الرؤية من الرهان على التفسير الأنثروبومورفي. لقد تحلى ~~الإدراك الأنثروبومورفي بقيمة بقاء جعلت الضغوط التطورية تنتخب أولئك ~~الذين اتبعوا مبدأ السلامة وراهنوا على الرؤية الأنثروبومورفية. وهكذا ~~ورثنا عن أسلافنا هذه النزعة الطبيعية: أن نخطئ - إن أخطأنا - في جانب ~~السلامة، وهكذا صار مبيتا في الدماغ البشري أن يتوسم وجود بشر ~~آخرين أو آثار بشر في الظواهر الطبيعية. لقد أورثنا أسلافنا إرثا ~~ذهنيا مغلوطا حين تصوروا العالم الطبيعي على شاكلة بيئتهم البشرية، ذلك ~~التصور الذي أعانهم على البقاء واجتبته ضغوطهم الانتخابية الخاصة ~~بزمنهم. إن حقيقة أن معظم عمليات الكون وظواهره تنجم عن قوى لا شخصية ذاتية ~~التنظيم لا عن أفعال قصدية، هذه الحقيقة هي شيء لا يقع لنا على نحو طبيعي ~~غرزي. لقد استغرق الأمر قرونا طويلة من التجريب الدقيق والعمل النظري ~~الشاق لكي تسفر الحقيقة عن وجهها. على أننا حين نسلم فروضنا للنظام ~~الصارم للعلم الطبيعي الحديث نحس باغتراب عن عملياتنا الفكرية الطبيعية، ~~وذلك عندما نكتشف كم هي متمركزة على ms016 الإنسان نظرتنا إلى العالم، وكم هي ~~أنثروبومورفية هذه النظرة في حقيقة الأمر. ~~(3) انعتاق الفكر العلمي من الخرافة # يظهر العلم منذ اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يفهم العالم كما هو موجود ~~بالفعل لا كما يتمنى أن يكون، # 6 # ومثل هذا القرار ليس قرارا عقليا صرفا، إنه قرار أخلاقي وجداني ~~بالأساس، أن تتعلم أن تنسى ما تعلمت، # 7 # أن تستعيض عن (الحلم # non-veridical ~~) ب (العلم # veridical ~~)، أن تفسر أحداث الطبيعة بما وراءها من علل ~~لا بما أمامها من غايات، بما يدفعها من الخلف # 8 # لا بما يشدها من الأمام، أن تزمع النظر إلى «ميدوسا» في وجهها، أن تجرؤ ~~على أن تخرج من كهفك الدافئ، ذاك قرار متقدم غير ميسور للإنسان في مراحل طفولته ~~العقلية. # ولذا لم يأت انعتاق العلم من الخرافة دفعة واحدة، وظل الفكر الخرافي يعايش العلم ~~ردحا من الزمن، ولعله ما يزال يخامره إلى يومنا هذا، وقد عاشت البشرية أمدا طويلا ~~وهي حائرة بين الخرافة والعلم؛ لأن الخط الفاصل بينهما لم يكن واضحا، ويكفي أن نذكر أن ~~كبلر نفسه، الذي اكتشف المدارات البيضاوية للكواكب واهتدى إلى مجموعة من أعظم القوانين ~~الفلكية الرياضية، كان يؤمن بالتنجيم ويمارسه، ولم يكن يعتقد أن ممارسته له تتعارض على ~~أي نحو مع عمله العلمي الدقيق، بل إن السعي إلى جعل التنجيم والتنبؤ بالطالع أدق ربما ~~كان واحدا من أهم الأسباب التي حفزت العلماء على الاشتغال بعلم الفلك! # 9 # ترتع الخرافة في المناطق التي ما تزال عصية على العلم، ترتع في «الفجوات» # gaps # المعرفية الباقية، وكلما أضاء العلم شبرا من ~~هذه الغياهب انسحبت منه الخرافة وهي تلم أذيالها وتعصب عينيها من خشية ~~الضوء. # غير أن الأمر ليس بهذه البساطة وهذا الاختزال، فالحقيقة أن الفكر الخرافي هو من ~~الرسوخ في أعماق البشر بحيث يصعب اجتثاثه حتى في عصر العلم وحتى لدى أعلى الفئات ~~تعليما! ووفقا للتحليل النفسي فإن الخرافة - بأرواحها وأشباحها وغرائبها - تبدو جزءا ~~من التكوين النفسي للإنسان، يظل كامنا في اللاشعور إلى أن تطرأ ظروف ms017 تصعد به إلى ~~السطح الخارجي، ويبدو أن العلم والخرافة، وإن كانا ينتميان إلى عصرين مختلفين، يظلان ~~متعايشين في نفوس البشر أمدا طويلا، وكأنهما طبقتان جيولوجيتان متراصتان الواحدة فوق ~~الأخرى في الجبل الواحد، وكل منهما ترجع إلى زمن مختلف. # 10 ~~(4) تشارلس فرانكل، طبيعة اللامعقول ومصادره # تعقيبا على مظاهر الردة الفكرية في المجتمعات الغربية، وعلى الموجة العارمة ~~للنزعة المضادة للعقلانية # irrationalism ~~(اللامعقول) ~~في القرن العشرين، أصدر الفيلسوف الأمريكي تشارلس فرانكل مقاله الشهير «طبيعة اللامعقول ~~ومصادره»، المنشور في مجلة # Science # في يونيو ~~1973م. # يتساءل تشارلس فرانكل: ما الخطب؟! ما الذي يجذب المثقفين إلى اللامعقول وينفرهم ~~من العقل والعقلانية؟ ما الذي أدى بشريحة من علية الناس ومن خيرة الأكاديميين إلى ~~اليأس من العقل، والموجدة على العلم ومنهجه؟ وكيف يتأتى ذلك من أناس ينتمون إلى ~~جامعات ومؤسسات جعلت التزامها الرسمي والتقليدي ممارسة البحث العقلاني والتبشير ~~به؟ إنهم يتخذون من اللامعقول موقفا مؤصلا ومفصلا يؤكدونه باعتزاز ويذودون ~~عنه ببسالة، ويرون إلى العلم، بل إلى كل التحليل المنطقي والملاحظة المنضبطة ومعايير ~~الحجة السديدة ومثال الموضوعية، يرون إلى كل ذلك على أنه تجهيل منظم يضلنا عن ~~طبيعة العالم الحقيقية وعن متطلباتنا الإنسانية الأصيلة! # وبرغم اللغة الجديدة التي تكتسي بها هذه الحركة، فإن دعائمها الأساسية التي تقوم ~~عليها لا تعدو أن تكون - في حقيقة الأمر - مقولات قديمة يمكن أن تجدها في رسائل ~~التصوف الكلاسيكية وفي أقوال كثير من الفلاسفة والشعراء التقليديين، وإن الأقاويل ~~المتمردة على طرائق تفكير الحضارة الصناعية الغربية، تلك الأقاويل التي تطالعنا كل شهر ~~أو كل أسبوع، إن هي إلا صيغ مستحدثة، ومهذبة في العادة، لآراء تعود إلى ~~العبادات السرية الإغريقية وإلى الفيلسوفين قبل-السقراطيين هيراقليطس ~~وبارمنيدس. ~~(5) الدعاوي الأساسية للامعقول # مهما تنوعت الخبرات التي يصدع بها أنصار اللامعقول فإنها تستند جميعا إلى ~~نفس الحزمة من القضايا الأساسية: # من هذه القضايا فكرة أن العالم الذي يعيش فيه الإنسان ينقسم إلى ~~عالمين: عالم المظهر وعالم الحقيقة أو الواقع؛ الأول: تسمه ~~الصدفة والشك واللايقين والبرود والاغتراب، أما الثاني: فيتبدد فيه ~~الشك، ms018 ويفقد الزمن والموت وخزهما، وينغمد المرء في عالم موافق ~~لأعمق رغباته، ويذوب الخلاف والاضطراب في حس شامل بالانسجام ~~والاتساق. # ومنها أن الناس تأخذ المظهر على أنه الواقع؛ لأن تعريفاتهم للواقع تقوم ~~على افتراضات مسبقة متحيزة تفرضها عليهم ثقافتهم وطبقتهم وشئونهم ~~العملية، يقول ر. د. لانج: «ليس ثمة «حالة» من قبيل «الشيزوفرينيا» ~~(الفصام)، وهذا النعت إنما هو واقعة اجتماعية، والواقعة الاجتماعية إنما ~~هي «حدث سياسي».» # 11 # ويقول تيودور روزاك: «يرسم «الواقع» تخوم ما يمكن أن يسمى ~~الرؤية الجمعية، حدود الخبرة السوية». # 12 # لكل واحد من أنصار اللامعقول طريقته الفضلى في الانفلات من ~~عبودية التحيز الجمعي، غير أنهم يتفقون في أننا لا نبلغ الحقيقة ~~والواقع إلا عندما نقارب الخبرة بانسلاخ من العقل. يقول روزاك منتقدا ~~فرويد: «إن الشيء الذي لم يرغب فرويد قط في مواجهته وجها لوجه هو حقيقة ~~أن الخط الذي نرسمه بين العالم الخارجي هناك والعالم الداخلي هنا قائم ~~بالضرورة على افتراضات ميتافيزيقية لا يمكن أن تخضع هي ذاتها للبرهان العلمي». # 13 # ومنها أن الطبيعة البشرية تبدي هذه الثنائية الأنطولوجية بين المظهر ~~والواقع. ثمة معركة تدور رحاها داخل كل شخص بين «الدماغي» و«العاطفي»، بين ~~«الوعي» و«الحدس»، بين «الإمبيريقي» و«الطربي»، # 14 # وعندما يحاول الجانب العقلاني أن يمد نطاقه خارج حدوده ~~المستحقة فإنه يهين الإنسان ويبخس قيمة الطبيعة. # ومنها أن العلامة المؤكدة على أننا قد ضللنا السبيل هي عندما نصل إلى ~~حالات من الوعي يتمايز فيها الذات والموضوع، وهكذا يجب طرح الثقة بالعلم ~~من حيث المبدأ؛ لأنه يقوم على التمييز بين الذاتي والموضوعي، يقول كورت باك ~~في وصف التأثيرات المشتتة التي تعوق حركة «تدريب الحساسية» # sensitivity training ~~: «علينا أن ~~نرفض الجانب الفكري من الحياة، أو - باللغة الجسدية - نرفض تأثير اللحاء ~~(لحاء المخ) # cortex ~~... أن نتملص من الإلحاح ~~على الفكر، على قدرات صناعة الأدوات عند الحيوان البشري، عن التصنيف، ~~وباختصار: عن توسط أي خبرة خلال التفكر، وندفع المشاركين في اتجاه الخبرة ~~المباشرة التي لا تقلب في الفكر ولا تحلل». # 15 # كذلك نعرف أننا ms019 ضللنا السبيل أخلاقيا وعاطفيا - وفقا لحركة اللامعقول - ~~عندما نشعر بالانفصال عن إخوتنا من بني الإنسان أو نغترب عن الطبيعة أو ننقسم داخل ~~أنفسنا. ليس ثمة تنافر بين المخلوق البشري وبيئته، وإذا وجد تنافر فالبشر هم ~~المسئولون عنه. عندما لا نقنع بمكاننا في مخطط الأشياء يكون سبب ذلك أننا سمحنا ~~للحالة «العقلانية» للفهم أن تسود على غيرها من حالات الفهم. إن أعظم حقيقة ~~تعلمها الجنس البشري من التصاقه القديم بالطبيعة هي حقيقة الوجود الروحي، وإذا ~~نسينا ذلك فسوف نفقد الكمال النفسي، ومن المتيقن أن ما يسلبنا الكمال النفسي لا يمكن ~~أن يكون حقا. # يترتب على ذلك أن جميع المشكلات الإنسانية: المعرفية والعاطفية ~~والاجتماعية، مردها إلى فقدان الانسجام (الهارمونية): الانسجام بين ~~الإنسان وبيئته، بين رأسه وقلبه، بين أفكاره وغرائزه. هكذا تقدم ~~لنا حركة اللامعقول صورة للحياة الصالحة: إنها حياة خلو من الاضطراب ~~والضيق، حياة منعتقة عن طريق النشوة الانفعالية أو التأمل الجذل، من ~~الندم على الفائت ومن تنغيص القرارات وأخطار اللامعصومية، ومن السهل - سواء ~~اتفق المرء مع اللامعقول أو اختلف - أن يفهم لماذا كان للامعقول جاذبية ~~دائمة. إنها تقدم رؤية لضرب من السلام والقبول والالتزام غير المشروط، ~~انتفت فيه الأخطار والآلام والهموم المعتادة للوجود البشري. ~~(6) تفنيد أسس اللامعقول # إذا فحصنا القضية الأولى - قضية التمييز بين «المظهر» و«الواقع» - لوجدنا ~~أن هذا التمييز هو شيء لا ينفرد به تيار اللامعقول، فالعملية العلمية ما ~~تنفك تفعل الشيء نفسه، وذلك بطريقتين؛ الأولى: أنها تقاوم أو تعيد تأويل ~~البنية الكثيفة لحواسنا (تأمل كوبرنيقوس وجاليليو على سبيل المثال)، ~~والثانية: أنها تخترق ستار الاعتقاد القائم، مستبدلة بالأفكار المدعومة ~~بالرأي التقليدي أو السلطة الرسمية أفكارا أخرى تستند إلى أدلة مستقلة وغير ~~شخصية. # كيف يقال إن البحث العقلاني يقلص أبعاد الخبرة البشرية وينقصها من أطرافها؟! ~~كيف يقال ذلك والبحث العلمي العقلاني هو الذي أماط اللثام عن العوالم السحيقة غير ~~المرئية التي تتبطن العالم المرئي، العالم تحت الذري، العالم الجيني أو الدنا # DNA ~~، على سبيل المثال، قصة التطور المروية في الحفريات ~~والمنقوشة ms020 في أدمغة الصخور وأنوية الخلايا. # العلم أيضا يميز - على طريقته - بين المظهر والواقع، وإنه ليفعل ذلك على نحو أكثر ~~حدة من أي ضرب من ضروب اللامعقول. لقد جرد الطبيعة من صفاتها الأنثروبومورفية # anthropomorphic # والإحيائية # animistic # التي هي مظهر لا واقع وراءه، وقدم ~~لها صورة غير بشرية، وغير خاضعة لقانون أخلاقي، وغير مفصلة على مقاس العواطف ~~والأماني البشرية. # ويدعي أنصار اللامعقول أن مناهج ما يسمى ب «البحث العقلاني» هي أيضا معيبة ~~قاصرة؛ لأنها ترتكز في النهاية على افتراضات ~~مسبقة # presuppositions ~~، ومن ثم فهي تفصل تصور الواقع على مقاس معايير مسبقة، ~~ويظن أنصار اللامعقول أنهم يؤدون استكشافاتهم للواقع دون أن يسقطوا ضحية لهذه ~~الضرورة البشرية (ضرورة الافتراض المسبق): فهم يطفون على بحر الخبرة، يتشربون كل ~~شيء، ولا يقحمون من عندهم شيئا، وللرد على هذه الدعوى نقول: إن مثل هذا الأداء ~~اللامعقول - عدا أنه مستحيل سيكولوجيا - لا يفضي إلى شيء ولا يثمر شيئا؛ إنه ~~ليكون التقاء باللامحدد واللامعرف واللامتصور واللامتذكر! # كما أنه من المحال - كما بين مفكر مثل هيدجر وجادامر من بعده - أن يقوم أي ~~بحث من أي نوع دون فروض مسبقة، فهل كل فروض مسبقة - لمجرد أنها فروض مسبقة - هي ~~إقحامات لا أساس لها على طبيعة الأشياء؟ الحق أن الفروض المسبقة في العلم وفي غيره ~~من المناهج العقلانية، هي فروض مدعومة بخبرة ناجحة في الماضي، وهي بعد عرضة ~~لضوابط التحقق والتمحيص والتصحيح أو الرفض، وهي لا تستبقى إلا بقدر ما تثبت ~~لاختبارات قاسية متتالية، وبقدر ما تبدي نجاعة تفسيرية وتنبؤية تفوق ما تبديه ~~أية افتراضات بديلة. الفروض المسبقة - إذن - ليست خبط عشواء، وإنما لديها ما ~~يزكيها من قبل، وما يعجمها من بعد ويختبرها اختبار النار، فالمجتمع ~~العلمي ليس ناديا مغلقا منكفئا على رؤية للعالم ضيقة منعزلة تتأبى على أي ~~اختراق أو ثورة، بل إن التاريخ الفكري للعلم هو سلسلة من الثورات، بينما الفكر ~~اللامعقول ما ينفك يدور حول نفسه، يدور ولا يثور. ~~(7) السيكولوجيا الثنائية للامعقول # أما الثنائية السيكولوجية التي تدينها حركة اللامعقول، ms021 فإن هذه الحركة في حقيقة ~~الأمر منغمسة فيها ومغمورة بها إلى الأذقان! إنها تتحدث عن «العقل» # reason # كما لو كان قسما من الطبيعة الإنسانية في صراع دائم وحرب ~~ضروس مع «العاطفة» # emotion ~~، غير أن «العقل» - إذا ~~نظرنا إليه كعملية سيكولوجية - ليس ملكة خاصة منعزلة مسيجة، إنه، ببساطة، عملية ~~إعادة تنظيم العواطف، عملية وضع خطة لإشباع العواطف، وضع جدول للأولويات النسبية وفقا ~~لموارد الظروف المحيطة وضوابطها وقيودها. العقل - كما يقول هيوم - هو خادم # 16 # الانفعالات، وينبغي بالضرورة أن يكون كذلك. # إن التفكر العقلي عملية لها نبرة عاطفية معينة ووقع نزوعي خاص به، يتضمن ~~التفكر الشعور بتحكم المرء في مشاعره، وإرجاء الحكم النهائي، وإضمار أفكار ~~بديلة بطريقة نشطة، وإخضاع جميع الأفكار، أفكار المرء وأفكار الغير لنفس ~~الاختبارات، وبالتالي فإن قوة العاطفة العقلانية (عاطفة الدرجة الثانية # second-order emotion ~~) ليست مساوية في ~~المعتاد لعواطف الدرجة الأولى، ولا يتسنى لها أن تكون في شدة عواطف الدرجة الأولى ~~(مثل الحب والكره والرهبة) واستمراريتها وتوهجها إلا في أحوال نادرة وظروف ~~اصطناعية. من هنا تأتي أهمية نظم المجتمع العلمي وأعرافه، ولطف المجتمع اللبرالي ~~وكياسته. تلك أشياء تغذي العاطفة العقلانية وتثيبها، وتوفر إجراءات اجتماعية ~~تعوض جزئيا عن ضعف العقل كمكون أصلي # aboriginal # من مكونات السيكولوجيا البشرية. # من الوجهة العملية فإن تيار اللامعقول يهيب بالمجتمع ألا يتجشم حفظ النظم ومدونات ~~الأخلاق واللياقة التي ثبت أنها ضرورية لدعم عاطفة العقل، قانعا في ذلك بالمعقولية ~~الصميمة للغريزة الإنسانية، والتماثل الأصلي المقدر بين حاجات الطبيعة البشرية وبين ~~طبيعة العالم! # إن العقل في حقيقة الأمر - وبعكس ما تراه حركة اللامعقول - لا يدس نشازا بل ~~يضفي التوافق، أما النشاز فيأتي من عواطف الدرجة الأولى، من الاندفاعات الآلية التي ~~يتنافر بعضها مع بعض. ~~(8) اللامعقول والخطيئة الأصلية # قلنا: إن اللامعقول يذهب إلى أن العالم في انسجام واندماج تام مع الحاجات البشرية، ~~وهذا الاعتقاد يتبطن أيضا فكرة اللامعقول القائلة بأن الواقع إذا تم فهمه حق الفهم ~~فسوف تتبدد كل صور الانفصال والانقسام: داخل النفس وبين الأفراد، وبين «الذاتي» ms022 ~~و«الموضوعي»، ولن تبرز مشكلات الاختيار بين رغبات متصارعة، ولن تكون ثمة حاجة ~~لجهود من قبيل التخطيط أو المحافظة على الموارد الشحيحة، مثل هذه الصعوبات التي ~~تسم عالم المظهر سوف تترك لطبقة من «الهلوت» # 17 # تمارس فنون العقل لكي تحلها، بينما يتمتع الناجون ب «الواقع» في صنفه ~~الأعلى. # صفوة القول أن العالم - عند نصير اللامعقول - خير، وإن الإنسان، الإنسان العقلاني، ~~هو الذي جعله، عن عمد، شرا، إن اللامعقول - من وراء جدلياته الطويلة وبلاغته ~~المستغلقة - هو محاولة لحل المشكلة القديمة: مشكلة «الشر»، ولإعادة طرح الأسطورة ~~القديمة: أسطورة «السقوط». ~~(9) بروميثيوس وآكل اللوتس # في هذا السياق يليق تقييم فكرة اللامعقول عن الحياة الصالحة، فرغم أن المتحدثين بلسان ~~اللامعقول يطنطنون كثيرا بكلمات مثل # ecstasy ~~(الوجد/النشوة/الجذب) و # rhapsody ~~(الطرب/الجذل)، ~~فإن الرؤية التي يقدمونها عن كيف ينبغي للبشر أن يعيشوا هي رؤية سلبية وكئيبة في ~~الصميم، إنها ليست صورة بروميثيوس # 18 # أو أوديسيوس تلك التي يقدمونها، بل صورة آكل اللوتس # Lotus-Eater ~~، # 19 # وإن الحلم هو بمخطط للأشياء لا يواجه فيه البشر مآزق، وتتاح فيه كل ~~الأشياء الخيرة على السواء، تسر إلينا حركة اللامعقول أن المصاعب والقيود لا ~~وجود لها في العالم إذا نحن فهمنا العالم على وجهه، وأن مناهجنا العقلانية التي ~~تظهر لكي تخفف هذه المصاعب والقيود هي التي تخلقها! ~~(10) لم اللامعقول؟ # ثمة ملامح خاصة للمشهد الراهن تساعدنا في تفسير الرواج الكبير للامعقول، ونوعية ~~الجمهور واللغة والأسلوب الخاص لهذا اللامعقول، بين هذه الملامح: الحاجات التسويقية ~~وعادات الاقتصاد التنافسي وخصوصيات وضع الشباب وثقافة العقاقير وشغف لاهوتيي التحرير في ~~التوحد مع ما هو جديد أو ما يبدو جديدا. # وهناك عوامل أخرى، منها: الأذى الذي ألحقته التغيرات التكنولوجية المنفلتة، ومنها بعض ~~العلماء الذين زلت أقدامهم إلى مواقف علمية زائفة، ومنها الأذى الذي ألحقه بالعلم ~~بعض العلماء، وبخاصة من علماء الاجتماع، الذين بالغوا في تقدير ما لديهم من علم صحيح ~~وقابل للتطبيق فتقدموا - بثقة - بحلول لمشكلات اجتماعية تبين أنها ليست أكثر من ~~خليط من الأمل الكاذب والأحكام الأخلاقية الضيقة. # حين نتفحص ms023 طبيعة حجج اللامعقول ندرك أن النزاع بين مؤيدي المناهج العقلانية ~~ومعارضيها يمثل انقساما قديما في الروح الغربية: في الخلافات بين السوفسطائيين ~~والفيثاغوريين، بين المسيحيين الأرسطيين والمسيحيين الأوغسطينيين، بين الدومينيكان ~~والفرنسيسكان، بين كولريدج والنفعيين، بين هنري برجسون وبرتراند رسل. في هذه ~~الخلافات نجد تكريرا متعاقبا لنفس الدراما، وهي تعلو لدرجة الحمى عندما يتسارع ~~الكشف العلمي وتبدو الكشوف التي يصنعها العلم هادمة أكثر فأكثر للاعتقادات الموروثة ~~أو العقائد الاجتماعية أو عادات الفعل أو القوانين، ومقوضة لصواب الآمال والضغائن ~~القديمة ووجاهتها. في مثل هذه الظروف يقدم اللامعقول وعدا بالانفراج والمناعة، ورغم أن ~~اللامعقول لا يشير إلى شر ما إلا على نحو أخرق، فالحق أن هذا الشر قائم هناك. لقد ~~دأب المنهج العقلاني على التركيز فيما يؤدي إلى تقدم المعرفة والتقنية، وقلما التفت ~~إلى فحص الأغراض التي تسخر لها هذه المعرفة وهذا الذكاء، ومن الطبيعي أن العلم في ~~هذه الحال سيبدو بالضرورة أشبه بفرانكنشتاين عند من يتهددهم العلم. # وفي خاتمة مقاله يضيف تشارلس فرانكل ملاحظة أخيرة، هي أنه كثيرا ما تنجم ~~الخلافات بين المعقول واللامعقول - على الأقل في حالاتها الأخف - عن نوع من سوء ~~التفاهم، فالاختلاف في بعض الأحيان لا يعدو أن يكون اختلاف ذائقة واختلاف أسلوب؛ ~~فيؤخذ ذلك على أنه اختلاف أخلاقي ومعرفي جوهري، وعلى الذين لا يطيقون اختلاف الذوق ~~والأسلوب أن يأخذوا بمبدأ التعايش: عش ودع غيرك يعش. ~~(11) بقاء الخرافة بين الشرق والغرب # تبدو مظاهر التفكير الخرافي في الغرب ضربا من الردة، من الحنين (نوستالجيا)، من ~~«النكوص» # regression # إلى مراحل قديمة من تطور ~~الفكر البشري. أما التفكير الخرافي عندنا فيبدو من قبيل «التثبيت» # fixation ~~، من الجمود والتوقف عند أوضاع قديمة، والخوف من التخلي ~~عنها وتجاوزها. # حين تنكص المجتمعات الصناعية الكبرى إلى بعض مظاهر التفكير الخرافي (قراءة الطالع، ~~الأرواح والأشباح، الأطباق الطائرة، الذين هبطوا من السماء، الجلاء البصري، الحاسة ~~السادسة ... إلخ) فإنما تفعل ذلك لعجز اجتماعي لا لعجز معرفي أو فكري. يتمثل هذا ~~العجز الاجتماعي في عدم القدرة على التحكم الواعي في مسار ms024 المجتمع، وفي القوى التي ~~تسيطر عليه. ويظل الفكر الخرافي هناك ظاهرة هامشية لا ضرر منها ما دام أسلوب الإنتاج ~~السائد لا يسمح بوجود عناصر غير محسوبة أو غير متوقعة، وما دامت الحياة اليومية ذاتها ~~تخضع لنظام محدد لا مجال فيه للاستثناءات أو الانحرافات، والمجرى العام للحياة يخضع ~~للضوابط العقلية والتخطيط المدروس. # يمثل الفكر الخرافي في الغرب رد فعل على العلم المتغلغل في صميم كيان المجتمع، ~~ومحاولة للتخلص من قبضة تلك العقلانية المحكمة التي تمسك بجميع جوانب حياة الناس عن ~~طريق بعث عناصر لا عقلية من مكمنها اللاشعوري. إنه تعبير عن تمرد الشعوب الخاضعة للعقل ~~على هذا العقل نفسه، ورغبتها في الخروج عنه، ولا يتم ذلك إلا بصورة مؤقتة؛ لأنها في ~~النهاية تعود إليه، ولا تستطيع التخلص منه بعد أن أصبحت كل جوانب حياتها تنظم وفقا له، # 20 # لكأنها قفزة غطاء الوعاء وهو يتميز من الضغط الداخلي، تفرج قليلا ~~عن الضغط الزائد لكي يعود الغطاء سيرته الأولى، ولعل هذه القفزة اللاعقلية ذاتها هي ~~ما يساعد الوعاء على تحمل ضغوط الحياة الصناعية بإيقاعها السريع ونظمها الحتمية ~~الصارمة، وهكذا يكون التفكير الخرافي في هذه الحالة منبثقا من قلب التفكير العلمي ~~والعقلي، ولا يفهم إلا في إطاره. # حين يرتد الغربي عن التفكير العلمي فإنما يفعل ذلك من موقع الاندماج فيه لا من موقع ~~الجهل به أو الخوف منه أو العجز عن تحقيقه. إن البون جد بعيد بين الفكر الخرافي حين ~~يكون تعبيرا عن جمود متأصل وتحجر على أوضاع ظلت سائدة قرونا طويلة دون أن ~~يرغب المجتمع في تغييرها أو يجرؤ عليه، وبين هذا الفكر ذاته حين يكون تعبيرا - محدود ~~النطاق - عن رغبة في التغيير يشعر بها مجتمع لا يستطيع أن يظل أمدا طويلا على حالة ~~واحدة، حتى لو كانت هذه الحال هي التفكير العقلي الرشيد. # 21 # الفصل الثاني # | باري ل. بيريشتاين:1 الفرق بين العلم والعلم الزائف2 # تتمثل المعرفة في فهم الدليل الذي يؤسس الواقعة، وليس في الاعتقاد بأنها ~~واقعة. # شارلس ت. سبرالينج # ليس العلم ms025 جرابا من الحقائق الثابتة، بل هو طريقة في توجيه الأسئلة وتقييم شتى ~~الأجوبة الممكنة، ولكي يتلافى تحيزات الباحثين وتوقعاتهم، ويتحاشى التأثيرات العشوائية ~~للبيئة، يتخذ العلم تدابير وقائية صارمة؛ مشاعية المناهج والنتائج، التقييم الارتيابي ~~للحصائل، إعادة التجربة بواسطة باحثين آخرين. # وفي خلال هذا الفحص المنظم للعالم الطبيعي يعمد العلماء إلى تعميم ملاحظاتهم الخاصة ~~في محاولة لصياغة قوانين عامة، وإذ تستوي لهم هذه العلاقات القانونية، وهذا الحشد من ~~المعطيات الوثيقة، يقومون بصياغة نظريات قابلة للاختبار تفسر الوقائع القائمة وتتنبأ - ~~إن أمكن - بظواهر جديدة ما كان يمكن كشفها لولا هذه النظريات. # العلوم النشطة في تدفق دائم، ليس ثمة حقائق نهائية، وكل تسليم هو تسليم ~~«مبدئي» # provisional # قابل للتغيير والتطوير مع تحسن ~~الأدوات أو المناهج، هذا «التصحيح الذاتي» # self-correction # هو ما يفرق بين العلوم الحقيقية وتلك التهاويم الزائفة التي تحفظ في دوجما راكدة محصنة من ~~المراجعة والتصويب في ضوء الكشوف الجديدة. # العلوم الزائفة هي مباحث تحاول أن تنتحل صفة العلوم الحقيقية ومكانتها، وتنسخ ملامحها ~~الخارجية وبروتوكولاتها، ولكنها تقصر كثيرا عن معايير الممارسة والتحقيق المقبولة في ~~الأفرع المشروعة التي تريد أن تضاهيها. العلوم الزائفة لا تقدر النقد ولا تصمد للتمحيص، ~~ونتائجها تناقض القوانين والمبادئ العلمية الراسخة، مثل قانون التربيع العكسي # inverse square law ~~، وقوانين الديناميكا ~~الحرارية (مثل قانون الإنتروبي)، وقانون بقاء الطاقة، وسهم الزمن (اتجاه العلية من ~~الماضي إلى المستقبل)، وكشوف علم الأعصاب والسيكوفيزيولوجيا ... إلخ. ~~(1) التكنولوجيا الزائفة # بعض العلوم الزائفة هي في الحقيقة تكنولوجيا زائفة يروج لها وكلاء متجولون ~~يضللون المستهلكين للاعتقاد بأن منتجاتهم تطبيقات سليمة لمعرفة علمية، # 3 # يبيعون الأمل الكاذب، ويروجون للاعتقاد الساذج بأن شخصا ما في مكان ~~ما قد اكتشف كيف تحصل على شيء من لا شيء، ويتعيشون من الادعاء المخدر القائل ~~بأن كل القيود والحدود المادية على الإنجاز البشري هي مجرد مواضعات لا تنطلي إلا على ~~من افتقر إلى الخيال الخصب. تعلو نبرتهم وتحتد كلما تعثر البحث العلمي ~~الحقيقي في الوصول إلى غاية عزيزة مرغوبة بشدة، وينعبون نعيب الغراب. ~~(2) أمثلة من ms026 العلم الزائف # سنضرب الآن أمثلة من العلم الزائف المدعوم من الدولة والمدفوع بالأيديولوجية، ~~وأمثلة من سقطات علماء حقيقيين وقعوا سهوا في العلم الزائف، وأمثلة من الباحثين ~~المنطوين غير المؤهلين ذوي الدعاوى المتهورة بأنهم على وشك اكتشافات لهم ستكون ~~ثورة في المجال. # هناك - ولا شك - منطقة رمادية نرى فيها نظريات غير تقليدية، وموغلة في الطابع ~~النظري، غير أنها ليست باطلة بالضرورة، ويجمل التريث تجاهها واعتبارها «غير ~~مبرهنة في الوقت الحالي»، ورغم أن معظم هذه الرؤى الفردية يتكشف زيفها في نهاية ~~المطاف، فإن تاريخ العلم لا يعدم حالات فردية تبين للعلماء - بعد استهزائهم ~~بها وتحفظهم تجاهها - أنها حق وأنها فتح علمي جديد (مثل نظرية انزياح القارات # continental drift ~~، ونظرية الانفجار العظيم)، # 4 # إلا أننا يجب أن نذكر أيضا أن مثل هذه الحالات هي: # أولا: استثنائية ونادرة. # ثانيا: كانت تحتكم إلى الدليل # evidence # لا إلى الحدس الشخصي الصرف. # والحق أن تريث المجتمع العلمي وارتيابه وتحفظه تجاه الدعاوي الجديدة هو أمر له ~~وجاهته ومبرراته؛ فالبينة على من ادعى، والشك هو روح المنهج وشرطه، وأصحاب ~~العلم الزائف مغرمون ب «الاستنتاج ~~الخلفي» # non-sequitur # 5 # القائل بأنه ما دام العلماء التقليديون قد عارضوا في الماضي بضعة من ~~المجددين الذين تبين صوابهم بعد ذلك، فإن هذا يتضمن - على نحو ما - أن ~~أفكارهم الشاذة المتمحلة هي أيضا صحيحة، # 6 # وفي ذلك يعلق كارل ساجان ساخرا: «نعم، لقد ضحكوا على كوبرنيقوس وضحكوا ~~على أينشتين، ولكنهم ضحكوا أيضا على بوزو المهرج.» # وكثيرا ما يلجأ المفكرون الهامشيون الذين استهزئ بأفكارهم إلى اتهام المؤسسة ~~والقول بأن أفكارهم رفضت لا لشيء إلا لأن «المؤسسة العلمية» تقاوم الأفكار ~~الجديدة على نحو غير معقول، وبخاصة عندما تأتي من «الغرباء»، وقد أخذ باحث نمسوي، هو ~~وليم هونيج، أخذ هذه التهمة يوما مأخذ الجد، ورغم أنه هو نفسه عالم تقليدي مرموق ~~فقد أحس أن هذا الحشد الكبير من التأملات غير التقليدية قد تحتوي على بعض الأفكار ~~النافعة التي يجري إغفالها من جانب علماء التيار الرئيسي؛ لذا أسس هونيج ms027 في عام 1978م ~~مجلة فريدة اسمها «تأملات في العلم والتكنولوجيا»، وقصد بها أن تكون منبرا للحجج ~~والنظريات غير التقليدية التي يتعذر أن يمررها محررو المجلات المحكمة القائمة ~~لكونها مفرطة في التأمل، ومفتقرة للبيانات الداعمة الكافية، ومناقضة للنظريات ~~الراهنة المقبولة ... إلخ؛ فلعل بين ركام الغثاء ماسات مغبونة، غير أنه بعد خمس سنوات ~~من الصبر والإصغاء قرر هونيج الإقلاع عن مشروعه؛ فقد فشل في العثور على عبقريات حقيقية، ~~وبدلا من ذلك وجد تيارا لا ينقطع من المهووسين وأشباه البرانويديين والناقمين، ربما ~~تصادف بينهم فردا لديه فكرة قد تكون مثيرة، غير أنه عاجز عن تطويرها أو توصيلها ~~للآخرين. أغلق هونيج مجلته وخلص إلى أن المفكر المجدد حقا سوف يجد في النهاية ~~أذنا صاغية عبر القنوات العلمية العادية. # وقد كان ظهور الإنترنت نعمة كبرى لكل من يرغب في السباحة ضد التيار، ولم يحدث في ~~التاريخ أن وجد الدخلاء مثل هذه الفرصة لبث أفكارهم، غير أن المحبط في هذا الأمر ~~أن الكم نفسه - كم التأمل النظري - جعل اكتشاف اللآلئ بين الروث أصعب مما كان ~~في أي وقت مضى. ~~(2-1) العلم الزائف في البيولوجيا # الليسنكوية # Lysenkoism # في زمن الاتحاد السوفيتي تحت حكم ستالين كانت أفكار تروفيم ليسنكو # Trofim Lysenko # الثابت زيفها هي التي ~~تتبناها الدولة كمبادئ صادقة لعلم الجينات. لقد كان ليسنكو يدعم ~~اللاماركية؛ لأنها تلائم الأيديولوجية الماركسية، وقد أدى هذا المذهب في ~~البيولوجيا إلى خنق البحث الجيني ونقص الإنتاج الزراعي عقودا من الزمن، كما ~~أدى إلى انعدام الكوادر المدربة القادرة على النهوض بالدولة في مطلع عصر ~~التكنولوجيا الحيوية. ومن المؤسف أن كثيرا من أنبغ العلماء السوفيت وألمعهم ~~قد ألقي بهم في معسكرات الاعتقال لتجرئهم على إبداء الشكوك في حماقات ~~ليسنكو. # مذهب الخلق ~~العلمي # scientific creationism # يحاج أنصار مذهب الخلق العلمي بأن التأويل الحرفي لقصة الخلق في ~~سفر التكوين هو بديل معقول لنظرية التطور بالانتخاب الطبيعي، وأنه علم ~~مشروع ينبغي تدريسه في منهج البيولوجيا بمعاهد التعليم. ومن الحق أنه لا يوجد ~~عالم ذو مكانة في البيولوجيا ms028 أو الحفريات أو الجيولوجيا يؤيد هذه المحاولة ~~الخرقاء التي تحمل الدين على أن يتنكر كعلم. ومن الحق أيضا أن أغلب ~~الحصفاء المسيحيين يجدون فكرة العالم ذي الستة آلاف سنة عمرا فكرة ~~معيبة، وأن بعض علماء البيولوجيا هم من المسيحيين الخلصاء، ولكنهم لا يرون ~~ضرورة للصراع بين الدين والعلم في هذه الحلبة، ويتقبلون التطور على أنه ~~الآلية التي شاءها الخالق لبسط الحياة على الأرض، وقد أعلن البابا يوحنا ~~بول الثاني أخيرا هذا الموقف بوصفه الموقف الرسمي للكنيسة الكاثوليكية، ورغم ~~أن معظم البيولوجيين قد لا يرون ضرورة لافتراض فاعل شخصي قدرت مشيئته ~~إيجاد قوانين الطبيعة، فليس ثمة تناقض منطقي في هذا الرأي؛ لأن العلم لا ~~يتعامل إلا مع الآليات ~~القريبة # proximal mechanisms ~~، ولا يمكنه أن يتناول أسئلة العلة النهائية التي ~~هي نطاق الميتافيزيقا والدين. # يقدم لنا مذهب ليسنكو ومذهب الخلق مثالين ساطعين لما يمكن أن يفعله ~~بعض العلماء ذوي المكانة والإنجازات، وكيف يلوون بما تعلموه لكي يخدم ~~قناعاتهم الدينية والسياسية. أما العلم العنصري النازي الزائف فيقدم مثالا ~~مؤلما للويلات والمآسي التي يمكن أن تحدث عندما تتبنى الدولة الهراء ~~البيولوجي وتتصرف على أساسه، وعندما تكون للأيديولوجية اليد العليا فوق الشك ~~المنهجي وفوق الدليل. ~~(2-2) العلم الزائف في الكيمياء # الماء المتعدد # polywater # في ستينيات القرن الماضي صدرت تقارير من مختبرين لعالمين روسيين ~~جليلين - هما فيدياكين وديرياجين - بدا أنها تكشف حالة رابعة للماء ~~(بالإضافة إلى الحالة السائلة والغازية والمتجمدة)، وسرعان ما هلل للاكتشاف ~~عدد من العلماء المرموقين، مندفعين إلى تأكيد الكشف وآملين في الإفادة من هذه ~~الظاهرة الجديدة. لقد سمحوا لآمالهم واعتقاداتهم أن تغشي على موضوعيتهم، ~~فكان مسلكهم أشبه في الحقيقة بأصحاب العلم الزائف. وقد تمكنوا من تأييد ~~وجود هذه المادة الجديدة، وسجلوا لها خواص عديدة، إلا أن نظام «مراجعة النظراء» # peer review # و«تكرار التجربة» # replication # تدارك أخيرا هذه ~~البدايات الكاذبة وأخذها بالتقويم والتصويب؛ إذ اكتشفت التحليلات الأكثر ~~دقة أن هذه المادة الجديدة كانت في حقيقة الأمر ضربا خفيا جدا من ~~التلوث لحق بأجزاء من ms029 جهاز المختبر. لقد كان الاكتشاف الاختراقي المبدئي ~~خطأ بريئا وليس دجلا أخرق، وإن جر وراءه برهة من المكابرة من جانب ~~البعض ممن أخذتهم العزة بالإثم. # تقدم لنا قصة «الماء المتعدد» مثالا واضحا لعلم معتل، ومثالا ~~أيضا لكيف تعمل المنظومة العلمية لتصويب أخطائها. وربما لا يسلم جيل من ~~مثل هذه الاندفاعات غير الموفقة، ولعل قصة «الاندماج البارد» # cold fusion # هي اندفاعة الجيل الحالي وإسهامه في ~~سجل هذه الأخطاء. # إضافات غذائية حمقاء وعلاجات لجميع الأمراض # في حين أن فضيحة الماء المتعدد تبين لنا أنه حتى العلماء المرموقون ~~أحيانا ما يسلكون مسلك العلم الكاذب، فإن العلم الكاذب في معظمه يأتي من ~~دخلاء يعتقدون أنهم قد أنجزوا كشوفا يجري تجاهلها - وربما قمعها بلا ~~هوادة - من قبل «المؤسسة» الأنانية الضيقة الأفق، مثال ذلك أنه لا يكاد يمر ~~عام دون أن يعلن عن إضافة جديدة فريدة سوف تضاعف كفاءة الوقود لآلة ~~الاحتراق الداخلي، والقصة تصحبها في العادة ادعاءات بأن شركات البترول تضطهد ~~المكتشف في محاولة مستميتة منها لحماية مكاسبها المتضخمة. # وفي مجتمع مفتون بالنحافة فإن هناك دائما سوقا جاهزة للحبوب الجديدة ~~المذهلة، والمراهم والكريمات التي تذيب الدهون (بغير حاجة طبعا إلى الرياضة ~~والتقشف)، وكذلك الحال بالنسبة لمنتجات التجميل التي تزيل التجاعيد، فما تنفك ~~تأتي وتروح أوتوماتيكيا. ليس ثمة دليل وثيق على فاعلية هذه المنتجات؛ غير أن ~~هذا لم يؤثر على مبيعاتها قط، وما تزال مرائب السلع عبر القارة تطفح ~~بسقط من هذه المنتجات ألقى به مستهلكون محبطون. ~~(2-3) العلم الزائف في الفيزياء # أشعة إن # N-rays # وهي من أقوى الأمثلة على علماء مرموقين يسلكون مسلك أصحاب العلوم الزائفة، ~~ففي منعطف القرن العشرين، وفي أعقاب اكتشاف الألماني رونتجن لأشعة إكس، أعلن ~~عالم فيزيائي فرنسي مرموق صاحب كشوف هامة عديدة في مجاله - هو رينيه بلوندلو ~~- أنه اكتشف صنفا آخر من الأشعة أطلق عليه أشعة إن نسبة لجامعة نانسي ~~التي ينتمي إليها، وقد بين الفيزيائي الأمريكي روبرت وود في النهاية أن ~~«ملاحظات» بلوندلو كانت نتاجا لكل من التفكير الآمل وبعض ms030 التحريفات ~~الدقيقة التي تحدث طبيعيا في الإدراك البصري. # كان الدرس المستفاد من قصة أشعة إن هو: # ضرورة إعادة ~~التجربة # replication # على نحو مستقل (والتي تمت في الحقيقة ~~على يد مختبرات أخرى ذات مكانة ولم يعثر فيها على شيء من ~~قبيل أشعة إن). # ضرورة «ميكنة تسجيل البيانات» وذلك لتجنب الميل البشري ~~لرؤية ما نحن مهيئون لرؤيته. # ضرورة التجارب الضابطة. # ضرورة التحليلات الإحصائية المتقنة. # صنوف خيالية من ~~الطاقة # fantastic energies # في مجال يسمي نفسه # paraphysics ~~(ما بعد ~~الفيزياء) ثمة من يسلمون حتى الآن بوجود أصناف من الطاقة ما أنزل الله ~~بها من سلطان؛ لكي يفسروا مثلا خرافة مثلث برمودا، التي تفترض وجود «دوامات» ~~قادرة على ابتلاع أعداد كبيرة من السفن فلا تبقي لها أثرا. # والحق أنه لا توجد أدلة وثيقة على أن هناك أعدادا من السفن أو الطائرات ~~تختفي في هذه المنطقة أكبر مما هو حادث في أي طريق سفر مطروق بنفس الدرجة ~~ومعرض لنفس الأحوال الخاصة بالطقس والمد. # ثمة ثلاثة صنوف فقط من الطاقة يعرفها العلم: الطاقة الكهرومغنطيسية وطاقة ~~الجاذبية والطاقة النووية (القوية والضعيفة)، فإذا ما سمعت من أي دعي ~~عن صنف رابع من الطاقة فتحسس مسدسك. # التصوف وميكانيكا الكوانتم # لقد أفرخ لنا «العصر الجديد» # New Age # 7 # صناعة «بير سلم» # 8 # رائجة أخرى، تلك التي كرست لإثبات أن عديدا من الكتاب ~~القدامى في الفلسفة الشرقية كانوا مدركين حقا للبنية التحتية للعالم، ~~تلك البنية التي لم يكشف عنها اللثام إلا مؤخرا بواسطة الفيزياء الجزيئية ~~الحديثة، وأشهر مثال لهذا الضرب من الصناعة هو كتاب «طاو الفيزياء» # 9 ~~(طريق الفيزياء) # Tao of Physics # 1975م، يزعم مؤلف الكتاب - فريتجوف ~~كابرا # Fritjof Capra ~~- أنه قد اكتشف تطابقات لافتة بين هذين التراثين، ~~مثل فكرة أن الفراغ شكل، وفكرة أن الواقع هو كل شيء يمكنك أن تفكر فيه، وفكرة ~~أن الوجود هو كل لا يتجزأ. # وفي كتابه Physics and Psychics Prometheus # 1990م يصف عالم الفيزياء فيكتور ~~ستنجر # Victor Stenger # محاولات كابرا للمزاوجة بين التصوف والعلم الحديث بأنها ms031 ~~«تسكع اعتباطي خلال التراث الشرقي بغية العثور على مقتطف خادع ~~هنا أو هناك يبدو شبيها - على نحو غامض - بالفيزياء الجديدة.» وهناك رد ~~ممتاز على أولئك الذين يروقهم مزج التصوف والفيزياء تحت الذرية يمكن أن تجده ~~في كتاب # The God Particle # لمؤلفه ليون لدرمان # Leon Lederman ~~، الحائز على جائزة ~~نوبل. # مرة أخرى، إذا أباح المرء لنفسه أن يؤول الاستعارات الشعرية كيفما ~~شاء، فلن يعجزه على الإطلاق أن يقسر المعنى الذي عناه المؤلف بشكل ~~واضح في هذه الفقرة المجازية أو تلك على أن يطابق أي إشارة حديثة تقريبا، ~~وقد تجلى هذا مرارا وتكرارا مع تنبؤات نوستراداموس منجم ومتنبئ القرن ~~السادس عشر، إذ يشير مريدوه الجدد إلى تماثلات لافتة بين الأوصاف التي ~~أودعها في صوره المونقة وبين أحداث تقع في زمنهم، ولسوء حظ هؤلاء ~~الباحثين فإن نفس الفقرات التي يرونها قد تنبأت بأحداث في زمنهم الخاص، قد ~~عزاها أناس في عصور أقدم إلى أحداث كبرى في أيامهم هم. # 10 # ومما يزيد الطين بلة أن كثيرا من تلك الضربات الصائبة ~~المزعومة هي من قبيل سوء الترجمة، أو هي تزييفات صريحة أقحمت في الكتابات ~~الأصلية بعد وقوع الأحداث التي يفترض أنها قد تنبأت بها. # وبالنسبة للحالمين المحدثين الذين يرون خيوطا من ميكانيكا الكوانتم في ~~المجلدات القديمة للتصوف الشرقي فإن التماثلات سطحية بنفس الدرجة، وقابعة في ~~عين الناظر، (انظر فصل «القراءة الباردة». # 11 # إذا شئت تفسيرا لكيف تقرأ عقولنا خصوصيات شخصية في منطوقات ~~قارئي الطالع وغيرهم حيث لا توجد إلا عموميات غامضة ترتقب التأويل). # الاندماج البارد # Cold Fusion ~~(طاقة مجانية ~~للجميع) # وهو مثال آخر على المنطقة الرمادية بين العلم والعلم الزائف يلحق بمثال ~~«الماء المتعدد»، في عام 1989م طلع عالما كيمياء من جامعتين مرموقتين في ~~الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما: بونز ومارتن فليشمان، طلعا على مجتمع ~~الفيزياء بإعلان مذهل إن صح سيكون إعلانا بنهاية أزمة الطاقة إلى الأبد، ~~فقد أعلنا (في الصحافة الشعبية أولا وليس من خلال مجلة محكمة، وإن ظهرت ~~الأبحاث المحكمة لاحقا بالفعل) أنهما قد ms032 توصلا إلى الاندماج النووي ~~بجهاز زهيد الثمن في مختبر كيميائي عادي. كان هذا شيئا لافتا للغاية ~~بالنظر إلى أن عقودا من الجهود المتضافرة بمفاعلات باهظة التكلفة لم تحقق ~~غير تقدم محدود باتجاه تحقيق اندماج نووي متصل. # وهنا تتجلى مرة أخرى أهمية «تكرار ~~التجربة» # replication # على نحو مستقل، وتتجلى آلية «التصحيح الذاتي» ~~المبيتة في المنظومة العلمية الكلية: فقد تقاطرت التجارب المكررة من ~~جميع أنحاء العالم تجمع على فشل هذا الاندماج المزعوم، وعلى أن العالمين ~~الجليلين قد أساءا تأويل نتائج ملتبسة معينة في تجاربهما المبدئية. وقد ~~عزا البعض ذلك إلى غياب الموضوعية من جراء الالتزام العاطفي الشديد بفكرة ~~الاندماج البارد وسراب الشهرة الهائلة والثراء العريض المأمول في عقب ~~ذلك. # إن العلماء بشر تحدوهم الآمال وأطياف المجد فيزلون أحيانا في الخطأ ~~البريء وإساءة التأويل، وبخاصة في الجبهات المضطربة للمباحث النشطة، من هنا ~~تأتي أهمية التكرار المستقل للتجربة # replication # بوصفه المعيار الذهبي في أي ~~مبحث علمي مشروع. # 12 ~~(2-4) العلم الزائف في الطب # يرتع الدجل ويصول صولته في المناطق التي لايزال الطب فيها عاجزا قليل ~~الحيلة؛ فيتلقف المريض في حضيض اليأس عقب تشخيص مرضه الفتاك، ويغمره ~~بوعود شفاء أوسع كثيرا مما يشي به حاله، بوعود ما كان للمريض أن يبتلعها لو ~~أنه كان بمعنوياته المعتادة. # من شأن عمليات الالتئام التلقائية للجسم ، ومن شأن الأثر البلاسيبي العتيد: أن ~~يجعل أي علاج زائف يبدو ناجعا؛ لهذا السبب ينبغي علينا أن نختبر كل علاج مزعوم ~~اختبارا جيد التصميم ونقارنه بمجموعة ضابطة لا تتناوله أو تتناول علاجا ~~وهميا خاملا، وينبغي أن تكون عينة المرضى كبيرة العدد مشتركة في نفس العرض، ~~وأن تتم مقارنة أي علاج جديد من خلال تقييم «عمى مزدوج» # double-blind evaluation ~~: فلا المريض ولا ~~المعالج يعلم من اختص عشوائيا بتلقي العلاج الناشط أو بتلقي البلاسيبو ~~الخامل. ولا تكون دعوى النجاعة مشروعة ما لم يثبت أن المجموعة التي تلقت العلاج ~~الناشط قد أبدت تحسنا أكبر مما أبدته مجموعة البلاسيبو أو مجموعة اللاعلاج بفارق ~~ذي دلالة. إن أغلب ms033 ما يسمى «الطب ~~البديل» # alternative medicine # لم يتم اختباره بهذه الطريقة (أو تم اختباره وثبت ~~فشله). # ربما تكون السلوى التي يقدمها العلم الزائف في الحالات التي يسلم فيها ~~الطب بعجزه، ربما تكون شيئا لا ضير فيه، غير أن استنزاف مال المعوزين فيما ~~لا طائل منه، وصرف الناس عن مظان العلاج الحقيقي إلى متاهات الوهم، تلك أشياء لا ~~ترضي العقل والضمير. يروي باري بيرشتاين قصة فتاة في السادسة عشرة أودى ~~الدجل بحياتها، وقد كانت حالتها مواتية تماما لزراعة كبد منقذة للحياة، ~~ولكن إيمان والديها الراسخ بالطب البديل صرفهما عن ذلك إلى التماس العلاج في ~~عيادة بالمكسيك ترتكز في علاجها على غذاء نباتي غريب مع حقن شرجية متكررة من ~~القهوة! # العلاج المثلي # homeopathy # من الدجالين من استطاع أن يأتي بصيحات جديدة من الهراء، غير أن معظم هذه ~~الصيحات لا تعدو أن تكون تدويرا جديدا للعقاقير القديمة السرية التركيب ~~والشافية من جميع الأمراض ( # nostrums ~~) والتي ~~انفضح أمرها منذ زمان، من ذلك أن نظرية العلاج المثلي (الهوميوباثي) كانت من ~~بين أبرز فلسفات المرض والعلاج في المرحلة قبل العلمية للطب، ورغم أن علاجاته ~~قد أطيح بها عندما كشف البحث العلمي تهافت نظريته الباثولوجية، فقد بقي ~~العلاج المثلي على قيد الحياة على تفاهة أساسه المنطقي. # يوصي العلاج المثلي بأن تعالج الأمراض بواسطة القوى الفاعلة التي من ~~شأنها أن تفاقم الأعراض، غير أنها تعطى في محاليل مخففة تخفيفات قصوى ~~يكاد لا يبقى فيها شيء من المكون النشط، وهو قريب من قولك: إن بصقة في ~~ميناء فانكوفر ب «كندا» كفيلة بأن تلوث خليج طوكيو! # يفترض العلاج المثلي أن الماء النقي يمكن أن «يتذكر» شيئا ما قد احتواه ~~يوما، ويظل بالتالي يؤتي أثر المادة الغائبة! ولكي يقطروا هذه «الذاكرة» ~~ينخرط المعالجون المثليون في طقوس تحضير عجيبة تتطلب عددا ضخما ولكن ~~دقيقا من التخفيفات، وعددا محددا من رجات الزجاجة عند كل تخفيف. هذه ~~الشعائر الكوميدية، مقرونة بتفسيراتهم المتمحلة لفاعلية إكسيرهم المزعوم ~~(مع التسليم بأنه لم يعد ثمة مكونات نشطة باقية) ms034 هي العلامة التحذيرية ~~التي ينبغي أن تثير شكوك المستهلك الفطن بأن الأمر ينطوي على علم ~~زائف. # علاجات دجلية للسرطان # يعج الطب البديل بعلاجات مريبة للسرطان والتهاب المفاصل، وتقاليع من ~~المدعمات الغذائية لا يمكن أن تثبت لتمحيص الخبراء، وكل ما عرض للبحث ~~العلمي في هذه المجالات يقدم أمثلة لكيف يفكر العلماء الزائفون وكيف يعملون. ~~«الليتريل» # laetrile # على سبيل المثال، ذلك ~~العلاج البديل - الأسوأ سمعة - للسرطان، قد أثبت فشله في كل الدراسات ~~الإكلينيكية المنضبطة الجيدة التصميم، وهو غير مصرح به في كندا والولايات ~~المتحدة؛ إلا أن ذلك لم يوقف تدفق المرضى المستيئسين الذين يتقاطرون إلى ~~عيادات الليتريل في بلدان أخرى، كذلك استمرت مبيعات الأساور النحاسية ~~والإكسيرات الغريبة المزعومة لالتهاب المفاصل، رغم غياب السند التجريبي، ورغم ~~انكشاف أن كثيرا من الأشربة المضادة لالتهاب المفاصل تحتوي على مكونات سامة، ~~كذلك الحال بالنسبة للدعاوي المبالغة عن الفاعلية العلاجية لفيتامين ج، ~~وفاعلية الميجافيتامين في علاج الذهانات، وخواص فيتامين ج المضادة ~~للسرطان. # الكيروبراكتيك # يقع الكيروبراكتيك في منطقة رمادية، فقد يفيد في حالات معينة ولكن أساسه ~~المنطقي دجل بحت، فتداول المفاصل له تاريخ طويل ويبدو أنه مفيد علاجيا ~~لعدد محدود من الاضطرابات العضلية الهيكلية، ولا شك أن الممارسين الذين يقصرون ~~جهودهم على مثل هذه الحالات يقدمون بعض العون، وإنما يكمن الدجل في أولئك ~~الذين يناصرون الكيروبراكتيك على أنه نظام علاجي متكامل يمكن استخدامه لجميع ~~الأمراض، بما فيها الأمراض المعدية والأورام الخبيثة ومرض السكر وأمراض ~~المناعة ... إلخ. مثل هؤلاء كثيرا ما يتجاوزون نطاق قدرتهم ويصرفون الناس ~~عن العلاجات الطبية المثبتة التي يمكن أن تقدم لهم عونا حقيقيا، كما أن ~~هناك حالات كثيرة تم تسجيلها أوقع فيها هؤلاء المعالجون ضررا خطيرا إذ ~~تعرضوا للفقرات التي تعاني من أمراض أخرى لا يحيط بها تدريبهم ~~المحدود. # ومن دواعي القلق أيضا ولوع كثير منهم بأجهزة تشخيصية مريبة ومكملات ~~غذائية مشكوك في فاعليتها، وقد أدى الموقف اللاعقلاني لمهنة الكيروبراكتيك ضد ~~تحصين الأطفال وضد المضادات الحيوية (باستخدامها السديد)، وهو الموقف الذي ~~يقوم على رفض النظرية ms035 الجرثومية في المرض؛ أدى هذا الموقف إلى أضرار ~~حقيقية. # وإذا كانت علاجات الكيروبراكتيك في بعض الأحيان مفيدة بالفعل، فإن فائدتها ~~لا تعود إلى ما تدعيه نظريتها التي تستند إلى دعائم علمية واهية ~~للغاية. لقد وضع المنظومة التفسيرية للكيروبراكتيك في القرن التاسع عشر ~~بقال لم يتلق علما أكاديميا، هو دانييل ديفيد بالمر # Daniel David Palmer ~~، وبقي هذا ~~التفسير كما هو تقريبا منذ ذلك الحين. يقوم هذا التفسير على مبدأين ~~رئيسيين: (1) أن «جميع» الأمراض تنجم عن انسداد ما يسمى ب «الطاقات الحيوية» # vital enengies # التي يفترض أنها ~~تتدفق خلال الأعصاب التي تخرج من العمود الفقري. (2) أن هذا التدفق الحيوي ~~(والصحة) يمكن استعادته بواسطة إعادة صف الفقرات لإزالة عنق الزجاجة. # ليست هذه النظرية اليوم أكثر معقولية من الفكرة العتيقة القائلة بأن ~~الأمراض تسببها الشياطين. صحيح أن ممارساتهم قد تخفف بعض حالات آلام أسفل ~~الظهر مثلا، ولكنها تحدث ذلك لأسباب لا تمت بصلة للنظرية الدخيلة التي ~~يتخذها هؤلاء لتسويغ علاجهم. # التداوي بالأعشاب # herbalism # كثير من العقاقير الأساسية في علم الصيدلة الحديث مستمد أصلا من علاجات ~~شعبية تقليدية: الأسبرين (من شجر الصفصاف)، الديجيتاليس (من نبتة # foxglove ~~)، المورفين (من الخشخاش)، الكينين ~~( # chinchona bark ~~)، الكيوراري ~~( # Strychnos toxifera ~~)، الإفيدرين (من نبتة ~~يسميها الصينيون # Ma huang ~~) ... إلخ. ومما لا شك ~~فيه أن ثمة الكثير من الأدوية المفيدة الأخرى تنتظر من يستخلصها من المخزون ~~الدوائي التقليدي الضخم، وأن عددا من شركات الأدوية يدعم حملات لصيادلة ~~إثنيين إلى أماكن مثل غابات الأمازون المطيرة بحثا عن علاجات تقليدية ~~فعالة. # ولكن الحاصل هو أن معظم الأعشاب التقليدية لم يتم اختبارها جيدا من حيث ~~السلامة والفاعلية؛ ليظل التداوي بالأعشاب خليطا غير منفصل من العلاجات ~~بعضها آمن وفعال، وبعضها بلاسيبو خامل، وبعضها مواد خطرة. ومن الصعب ~~في أغلب الأحيان - إن لم يكن من المستحيل - أن تحكم أي من هذه المواد ينتمي ~~إلى أي من هذه الفئات، ومن الأخبار المبشرة أن محاولات قد بدأت - وبخاصة ~~في الصين - لتطبيق المناهج العلمية الحديثة لفصل العقاقير العشبية الفعالة عن ms036 ~~البلاسيبو، وعزل المكونات الفاعلية عن غيرها من المكونات. ولا غرو أن يعد ~~أولئك الممارسون التقليديون حول العالم الذين يناوئون هذه المحاولات ويتشبثون ~~بتفسيراتهم السحرية السافرة عن تأثيرات مستحضراتهم، لا غرو أن تعد ~~ممارساتهم عند ذوي النزعة العلمية دجلنة أو علما زائفا على أفضل ~~تقدير. # كذلك يجب أن تعد علما زائفا كل العلاجات التقليدية المجبولة من قرون ~~الخرتيت وقضيب النمر والحوصلة الصفراوية للدب، وغير ذلك من أعضاء الأنواع الحية ~~النفيسة المعرضة بذلك لخطر الانقراض. وكل هذه العلاجات الفاشلة لا تستند إلا ~~إلى مبادئ سحرية مشعوذة، إلى الاعتقاد العتيق القائل بأن الشبيه يحدث الشبيه # like begets like ~~(فإذا كانت هذه ~~أجزاء قوية رمزيا من وحوش قوية فلا بد أن تنقل حيوية الوحوش وعرامتها ~~إلى من يتعاطاها من الناس!) # تأثير الحالة النفسية على المرض الجسمي # وفي المناطق الرمادية أيضا تقع الفكرة المثيرة لكثير من الجدل، القائلة ~~بأن العوامل السيكولوجية تسهم إسهاما كبيرا في ابتداء الأمراض الجسمية ~~وهدأتها، ومن الواضح أن بعض هذه الدعاوى أكثر خلافية من بعض، فاتجاهات ~~الناس يمكن بغير شك أن تدفعهم إلى أن يسلكوا بطرائق مفيدة أو مدمرة للصحة. ~~ومن الثابت أيضا أن الضغوط النفسية بشتى أنواعها قد تعيق وظيفة الجهاز ~~المناعي على سبيل المثال، الأمر الذي يزيد القابلية للعدوى ويخفض التيقظ ضد ~~خلايا سرطانية معينة، ومن شأن الحالات النفسية كذلك - من خلال استدامة النشاط ~~الزائد للجهاز العصبي الأوتونومي - أن تسهم في إحداث مشكلات عديدة ذات صلة ~~بالضغوط، مثل قروح المعدة # 13 # وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية. # غير أن النسبة الإحصائية للمرض الجسمي التي يمكن أن تعزى إلى عوامل ~~سيكولوجية ليست بالحجم الذي يعتقده معالجو «العصر ~~الجديد» # New Age # وأصحاب العلم الزائف، فكثير من الأبحاث في هذا الشأن ~~تعاني من عيوب ميثودولوجية. وتجمع أوثق التقديرات على أن المتغيرات ~~السيكولوجية تتسبب في حدوث 2٪-3٪ على الأكثر من الأمراض الجسمية. # تفضي هذه المحاولات إلى تشجيع الناس على تحسين أسلوب حياتهم وتحمل قدر ~~أكبر من المسئولية عن صحتها الجسمية الخاصة، غير أن الجانب ms037 السلبي في ذلك أنها ~~أدت إلى عودة الاعتقاد الخرافي القائل بأن الناس تمرض «لأنها تستحق ذلك»، ~~وبحسب أجندة «العصر الجديد» يمثل هذا شطرا من رغبة شديدة في استعادة بعد ~~أخلاقي في تشغيلات العالم الطبيعي. يشير معالجو «الطب البديل» إلى أن الأمراض ~~يمكن شفاؤها بالضحك أو الصلاة أو معايشة الأفكار السارة أو ممارسة الخيال ~~الذهني، إلا أن العواقب غير المقصودة لهذا الاتجاه هي أنه عندما تفشل هذه ~~الطرائق في وقف مسار العلل الخطيرة يميل المرضى - على الأرجح - إلى تأنيب ~~أنفسهم على نحو غير منصف على الإطلاق، ويفترضون مسايرين في ذلك فكرة ~~«العصر الجديد» عن القوى الأخلاقية الضابطة للعالم الطبيعي؛ يفترضون أن ~~تقصيرهم الأخلاقي كان مسئولا بالتأكيد عن حدوث مرضهم بل عن عدم شفائهم منه ~~أيضا، ذلك حقا لون من إضافة الإهانة إلى الأذى. ~~(2-5) العلم الزائف في السيكولوجيا # التنجيم # astrology # ما زال عدد مذهل من الأفراد المتعلمين تعليما جيدا لا يرون بأسا في ~~استخدام النظريات السحرية في السلوك التي تشكل سيكولوجيا العالم القديم لكي ~~يفسروا السلوك الإنساني هنا والآن. إن التنجيم علم زائف رائج رواجا هائلا، ~~ويدعي دعاوى عريضة، وقد خضع لاختبارات تجريبية عنيفة وثبت فشله وانعدام ~~جدواه، ورغم ذلك فقد بقي التنجيم في أذهان الكثير من المتعلمين طريقة مقبولة ~~لتفسير شخصياتنا ونوازعنا. # علم الخطوط # graphology # علم ذو قرابة وثيقة بالتنجيم، يدعي أن شخصيتنا وقدراتنا ومستوانا ~~الأخلاقي يمكن تبينها من هيئة خط يدنا، وهو أيضا قد خضع للبحث وانفضح ~~زيفه تماما، غير أن هذا لم يزع الكثير من رجال الأعمال والوكلاء ~~الحكوميين الذين لا يزالون يستعينون بمحللي الخطوط في اتخاذ قرارات تتعلق ~~باختيار العاملين. وقد سقطت قلة من المؤسسات الشرطية والمحاكم ضحية لهذه ~~المنظومة الزائفة في قراءة الشخصية. إنهم يزعمون قدرتهم على كشف الخيانة ~~الخبيئة والانحراف الجنسي وإدمان العقاقير والفسق السلوكي ... إلخ، من خلال نظرة ~~إلى أسلوب الشخص في الكتابة بخط اليد. ليس يخفى احتمال إضرار هؤلاء بسمعة ~~الناس وبتقدم المهن والأعمال، وقد بلغ توقح إحدى شركات تحليل الخطوط إلى حد ms038 ~~تقديم فصول دراسية للمعالجين تدربهم على كيفية كشف الذكريات المكبوتة عن ~~الإيذاء الجنسي في الطفولة، وذلك من خلال فروق طفيفة في خطوط الضحايا ~~المفترضين. إن التشهير بأناس أبرياء وبقدراتهم ومكانتهم الأخلاقية بالاستناد ~~إلى هذا العلم الزائف (ذلك التشهير الذي ربما لا يدري ضحيته أن خط يده قد ~~عرض على محلل خطوط)، مثل هذا التشهير لا يفترق عن إصدار الأحكام على ~~اجتهاد الشخص وأمانته ولياقته لوظيفة ما بالاستناد إلى لون بشرته أو بنسبة ~~الجينات اليهودية فيه! # شرائط العون الذاتي تحت-الشعورية # يزعم مروجو هذه الشرائط السمعية أنها تحتوي على إيحاءات علاجية شديدة الخفوت ~~بحيث لا تسمع داخل الخلفية الموسيقية أو أصوات الغابة ... إلخ، ورغم أن هذه ~~الشرائط غير مسموعة فإنهم يزعمون أنها تنفذ مباشرة إلى تحت الشعور حيث تؤتي ~~أثرا لا يقاوم. تزعم إعلانات هذه الشرائط أنها تفعل كل شيء بداية من ~~الاسترخاء وتقوية الذاكرة ورفع الكفاءة الاجتماعية إلى هدأة السرطان وأورام ~~الثدي، ورغم أنها خضعت لأبحاث علمية وثبت بطلانها لدى عديد من علماء النفس المرموقين # 14 # الذين أعلنوا زيفها ولا جدواها، فقد بقيت هذه الصناعة مزدهرة ~~ورائجة! # تقاليع السيكولوجيا الشعبية، خلق ذاكرة كاذبة، الباراسيكولوجيا # من بين هذه التقاليع «البرمجة العصبية اللغوية» # Neurolinguistic Programming (NLP) ~~، # 15 # و«إعادة الولادة» # Re-birthing ~~، ~~و«الصرخة الأولية» Primal Scream ~~، وتشترك ~~جميعا في أنها لم تقدم أي أساس منطقي أو دليل مقبول علميا يدعم مزاعمها ~~العلاجية. # ولكي تكتسب هذه المجالات مصداقية علمية فهي تلج في ادعاء مشاركتها في ~~قطاعات مشروعة من أبحاث الدماغ. هكذا جعل جمع غفير من «موالفي الدماغ» # brain-tuners # يداهمون السوق ~~مقدمين كل أشكال المنافع من خلال ما يزعمون أنه إعادة تدريب موجات الدماغ. ~~ومرة ثانية تتقاطر الدراسات العلمية المكذبة لهذه الدعاوى الزائفة. أما ~~صناعة الغذاء الصحي ووكلاء العصر الجديد فقد أمطروا السوق ب «كوكتيلات ذكية» ~~يزعمون أنها تحسن أداء المخ بمد الجسم بالأحماض الأمينية التي يستخدمها ~~الدماغ في تصنيع شتى الموصلات العصبية، ولا عجب أن برامج المبيعات قد سبقت ~~الأبحاث العلمية المحققة التي كذبت - كالعادة - كل ms039 هذه ~~المزاعم. # و«العلاج بفض حساسية حركة ~~العين» # eye-movement desensitization # تقليعة أخرى هذه الأيام بين الاستشاريين النفسيين ~~السذج، تقليعة تدعي أن الأعراض العقلية الخطيرة يمكن شفاؤها ببساطة بأن ~~يطلب من العملاء تتبع أصابع المعالج وهي تتهادى في طرف مجالهم البصري، وهو ~~أيضا شأنه شأن موالفي الدماغ، يزعم أنه يقطع الأنماط المختلة من النشاط ~~العصبي محققا معجزات شفائية حيث قد فشلت العلاجات التقليدية. يستند رواج هذه ~~التقاليع السيكولوجية الشعبية جميعا إلى الشهادات الفردية # testimonials ~~، لا إلى أية بيانات صلبة مستمدة من أبحاث ~~علمية ذات مجموعات بلاسيبية ضابطة. # خلق ذاكرة زائفة # وهو مثال من السيكولوجيا الزائفة أشد ضررا من غيره، يرفض تحذيرات البحوث ~~العلمية ويستخدم ما يسمى تقنيات «تعزيز الذاكرة» # memory enhancement ~~، ففي فورة الحماس لمواجهة مشكلة الإيذاء ~~الجنسي في مرحلة الطفولة، وهي مشكلة حقيقية ومنتشرة، يعمد كثير من المعالجين ~~إلى اتخاذ طرائق خطرة يزعمون أنها توقظ في الراشد ذكريات إيذاء جنسي طال ~~كبتها، غير أن أبحاث الذاكرة قد أظهرت أن مثل هذه التقنيات في سبر الذاكرة ~~يمكنها أن تخلق ذكريات زائفة شديدة الوضوح مثلما يمكنها أن تستعيد ذكريات دقيقة ~~لصدمة حقيقية. # 16 # مثل هذه الذكريات الموهومة الزائفة قد تفضي إلى عواقب مأساوية: ~~فهي تلحق الضرر والتشهير بأبرياء، وتظلم الحالات الصادقة في نفس الوقت ~~وتغمطها حقها القانوني والعلاجي؛ إذ تلقي بجميع الحالات في غيابات الشك ~~والريبة. # مثل ذلك يحدث أيضا مع الذين يتذكرون أنهم اختطفوا بواسطة كائنات فضائية ~~آذتهم وانتهكتهم قبل أن تطلق سراحهم، ومثل هذه الطرائق الزائفة قد شاركت في ~~ذيوع الأفكار الموهومة عن الأطباق الطائرة والكائنات الفضائية ... إلخ. # الباراسيكولوجيا # يلحق بذلك أيضا كثير من دعاوى ما يسمى بالباراسيكولوجيا، وهو المبحث ~~الموكل بالظواهر الخفية من قبيل «التخاطر» و«التحريك عن بعد» و«الجلاء ~~البصري» ... إلخ، مما يخرق القوانين السيكولوجية والنيوروبيولوجية الراسخة، ورغم ~~التاريخ الطويل لهذا المبحث من الخداع الذاتي والكشوف غير القابلة للتكرار ~~والغش والدجل؛ فمن الإنصاف أن نعترف أن جهودا بحثية صادقة من علماء أكفاء ~~تجري حثيثا لتعقب هذه الظواهر الخارقة للعادة. وما ms040 دام هؤلاء العلماء ~~يستخدمون المنهج العلمي القويم والتجارب المنضبطة والإجراءات الإحصائية الصحيحة ~~ويسمحون للنقاد بتمحيص كشوفهم ومختبراتهم؛ فمن الحيف أن نتعجل بوصفهم بالدجل ~~والعلم الزائف. على أن الأغلبية الساحقة من علماء النفس ما زالوا يرون أن ~~الدليل في كشوف الباراسيكولوجيا ضئيل شحيح لا يحيد كثيرا عن حيودات الصدفة، ~~والأرجح أن يعود إلى ظواهر صنعية # artifacts # غير ظاهرة، لا إلى ظواهر حقيقية فائقة للطبيعة. # ظواهر صادقة تفسيرها خرافي # ثمة ظواهر صادقة بحد ذاتها، غير أن تفسيرها الشائع خرافي غير علمي، والعلماء ~~يقبلون الإفادات الأمينة لأصحاب هذه الخبرات الذاتية، ولكنهم يرفضون فكرة وجود ~~أي شيء خارق للطبيعة في مثل هذه الخبرات. يروج بين العامة هذا التفسير الخرافي ~~لسببين: # أولا: أنهم لا يدركون أن هناك تفسيرات علمية قويمة لهذه الظواهر ~~تغنينا عن اللجوء إلى الخرافة. # ثانيا: أنهم لا يريدون أن يبذلوا جهدا ويبحثوا عن هذه ~~التفسيرات العلمية من مصادرها الصحيحة. # تندرج تحت هذه الفئة خبرات الاقتراب من الموت ومعاينته (وربما العودة من ~~البرزخ)، وخبرات مفارقة الجسد، والمشي في النار (وهي ظاهرة يمكن تفسيرها بمبادئ ~~فيزيائية معروفة جيدا). # رؤية العالم التي تجمع كل هؤلاء # ربما يكون القاسم المشترك بين هؤلاء - في المقام الأول - هو موقفهم من دور ~~«الدليل» # evidence ~~- ليس فقط ماذا عساه أن ~~يشكل دليلا معقولا على اعتقادات معينة، بل ما إذا كان الدليل الموضوعي - ~~من الأصل ومن الأساس - أمرا ضروريا لإثبات اعتقادات المرء ~~وتدعيمها. # في مقاله عام 1981م في دورية # Skeptical ~~Inquirer # يحاج بروفيسور ماريو بنج # Mario Bunge # بأن ما يميز المسعى العلمي عن العلم الزائف ليس ~~موضوع البحث بحد ذاته، بل بموقف المبحث من مسألة «الدليل»، وعليه فبدلا من أن ~~نقسم المجالات المعرفية إلى علوم مقابل علوم زائفة يقترح بنج أن نقسمها ~~إلى ما أسماه «حقول الاعتقاد» # belief fields # و«حقول البحث» # research fields ~~: في «حقول ~~الاعتقاد» يدرج الأديان والأيديولوجيات السياسية والعلوم الزائفة ~~والتكنولوجيا الزائفة، وكذلك أي منظومة صوفية ترى أن الاستنارة يمكن تحصيلها ~~من الحقيقة الموحى بها وليس بالعناء البحثي. أما ms041 «حقول البحث» فيمكن أن تشمل ~~مباحث لا ينظر إليها عادة كمباحث علمية، ما دام ممارسوها ملتزمين بجمع ~~بيانات موضوعية تؤيد مواقفهم، ووفقا لهذا المعيار فإن الكثير من العمل في ~~الإنسانيات - على سبيل المثال - سيكون له أن يدرج في حقول البحث. وغني عن ~~القول أن العلوم الأساسية والعلوم الصورية (الرياضيات، المنطق، السيمانطيقا ... ~~إلخ) والعلوم الاجتماعية والسلوكية والعلوم التطبيقية، هي ضمن حقول البحث وفقا ~~لهذا التعريف. # الصفة الأساسية لحقول الاعتقاد عند أنصارها هي أن الدليل شأن شخصي وذاتي، أي ~~إنهم يدعون إلى استخدام معايير عاطفية للتمييز بين الحق والباطل. تذهب حقول ~~الاعتقاد إلى أن المشاعر والحدوس الشخصية هي أسس مقبولة لليقين، أو على حد ~~تعبير كتاب «العصر الجديد»: «أنت تخلق واقعك الخاص.» من المألوف بين هؤلاء ~~أن تنكر وجود واقع خارجي مشترك، وأن تستهجن أقل انخراط في البحث الموضوعي ~~الهادئ، وعليه فإن حدوس أي فرد عن الواقع مساوية في صوابها لحدوس أي شخص آخر، ~~وليس للعلم أن يدعي أي مصداقية خاصة. و«الحقيقة» عند هؤلاء النسبويين ~~المتطرفين هي مجرد انعكاس لعلاقات القوى القائمة في المجتمع عند أي لحظة ~~معطاة. مثل هذا المنظور يدفع المرء دفعا إلى أن يتساءل كيف يتسنى لمن ~~يتبنى هذا الموقف أن يثبت أن أيا من أفعال شخص مثل هتلر كان خطأ ~~أخلاقيا! # وعلى خلاف ذلك فإن الدليل في حقول البحث «بينشخصي» # interpersonal ~~، أي إنه قابل للمقارنة من جانب المختصمين وفقا ~~لمعايير مفتوحة وموضوعية. يقال أحيانا: إن «الموضوعية» # objectivity # لا تعدو أن تكون «البينذاتية» # intersubjectivity ~~، أي إن الإجماع ~~«الموضوعي» يتحصل بمقارنة إدراكات أفراد عديدين أحدها بالآخر ومضاهاتها ~~بمعايير خارجية متفق عليها. إن الفرضيات في حقول البحث تقبل أو ترفض على ~~أساس الدليل الذي بوسع أي ملاحظ قدير أن يمحصه بأن يعيد نفس ~~الإجراءات المعلنة التي اتبعت لكي تنتجه في المقام الأول، فالظواهر ~~المفترض وجودها يجب أن تكون قابلة للتكرار تحت ظروف منضبطة إذا كان لها أن ~~تصدق. في هذه الساحة فإن أي فرضية يمكن أن تحظى بالقبول ما دامت قابلة ms042 ~~للاختبار وما دام ثمة دليل يدعمها، وإن الأفكار التقليدية الراهنة مفتوحة للشك ~~والمراجعة إذا كان ثمة معطيات جديدة وأكثر قبولا تؤيد التحسينات. # يغرم خصوم العلم بذكر بعض الأمثلة المؤسفة لمواقف «الحرس القديم» من ~~العلماء الذين ظلوا متشبثين بنظريات قديمة أمدا أطول مما يجب بالنظر إلى ~~الأدلة الجديدة المتاحة التي تقوض تلك النظريات، وهم بالطبع غير مولعين ~~بنفس الدرجة بذكر الأمثلة الكثيرة الأخرى لفروع علمية كاملة غيرت ~~قناعاتها بسرعة مشهودة عندما ووجهت بنتائج جديدة ثورية، مثل: قبول ~~الفيزيائيين لميكانيكا الكوانتم، أو مثل المراجعة السريعة للتصور الطبي لقروح ~~المعدة بعد اكتشاف باري مارشال أنها بسبب بكتريا هليكوباكتر بايلوري. ونحن ~~هنا نتحدث عن المعايير المثالية للسلوك العلمي، تلك المعايير التي تميز العلم ~~عن باقي مجالات الخطاب البشري. # هذه المعايير المثالية بالطبع ليست مستوفاة في جميع الحالات؛ لأن العلم ~~يمارسه بشر. العلماء بشر، فهم عرضة للتقصير في اتباع معايير السلوك العلمي ~~ومنهجه، شأنهم في ذلك شأن أصحاب كل مهنة أخرى كالأطباء والمحامين والمعلمين ~~والصحفيين ... إلخ، لكن طرائق البحث العلمي ومعايير السلوك العلمي كفيلة بأن ~~ترد كل انحراف إلى الجادة: نظام مراجعة النظراء، المجموعات الضابطة والعمى ~~المزدوج ... إلخ. وضعت هذه النظم لكي تمنع ما هيئت له عقولنا وأنظمتنا ~~من مزالق، وتعوض ما هو مبيت فيها من قصور. تتحلى المنظومة العلمية ~~بخاصة «التصحيح الذاتي» # self-correction ~~، وهي ~~أقرب الأنشطة الاجتماعية للوضع المثالي للديمقراطية: السوق المفتوحة ~~للأفكار. ~~(3) أمارات العلم الزائف ~~(3-1) أمارات حقول العلم الزائف # للعلم الزائف أمارات عديدة، ولا يلزم أن تلتصق جميعا بحقل ما أو بأحد ممارسيه ~~لكي نسميه علما زائفا، بل يكفي أن يلتصق به عدد معقول منها لكي يوقع الشك ~~بأنه علم زائف. يزداد هذا الشك أو يقل وفقا لمقدار هذه الوصمات، ولكن ليس ثمة ~~حد صارم ينتهي عنده العلم الأصيل ويبدأ العلم الزائف. ومن الحق أيضا أن بعض ~~حقول البحث تبدأ كعلوم زائفة ثم تحسن وضعها بتحسين معاييرها وإجراءاتها، ~~فتحظى تدريجيا بالاعتبار وتتحول إلى علم أصيل؛ من ذلك أن الخيمياء # alchemy # تطورت إلى ms043 الكيمياء الحديثة، ~~والأستيوباثيا # osteopathy ~~(المعالجة بتقويم ~~العظام) جددت نفسها شيئا فشيئا حتى اندمجت في الطب العلمي. # وكما قلنا من قبل: قد يزل العالم أحيانا ويحيد عن الجادة العلمية، ومن ~~العدل كشفه وتقويمه، ولكن ما دام الحقل الكلي، المنظومة، المؤسسة، ماضية على ~~الصراط العلمي تصحح الأخطاء وتراجع الدعاوى، فليس من الإنصاف وصمها بالعلم ~~الزائف الذي تكون فيه هذه الانحرافات هي الأصل وهي المعيار. ~~(3-2) الانعزال # من مظاهر القوة في العلم أن أفرعه العديدة مترابطة فيما بينها يدعم أحدها ~~الآخر، وهي إن لم تتساند ويخصب أحدها الآخر فهي على الأقل لا تتناقض فيما بينها. ~~أما العلوم الزائفة فالأمر فيها غير ذلك؛ فهي عادة منعزلة عن التيار الرئيسي ~~للبحث ومنظماته، وعن العاملين في الحقول الأكاديمية ذات الصلة، وبسبب هذا القصور ~~في الحوار تميل العلوم الزائفة إلى اقتناء عدد كبير من المصطلحات والتعريفات ~~الشاذة، وتكثر فيها التعبيرات والتقنيات غير المألوفة، وقلما يشارك أصحاب العلوم ~~الزائفة في الرابطات العلمية المعنية بالموضوعات ذات الاهتمام المشترك. والحق أن ~~كثيرا منهم مناوئ على نحو سافر للتاريخ البحثي السابق في المجالات التي تتصل ~~بمجالهم اتصالا وثيقا. إنهم لا يقفون على أكتاف العمالقة - كما فعل نيوتن فيما ~~يقول - بل يفضلون أن يقفوا في وجههم. # ونتيجة لهذا الانعزال يبدو أصحاب العلم الزائف عندما يجادلون نقادهم جاهلين ~~جهلا عجيبا بالمفاهيم الأساسية لمجالهم، تلك المفاهيم التي ينبغي أن يكونوا ~~ملمين بها، وأن تكون عونا لهم في البحث، وهم قلما يستخدمون المعرفة الراسخة ~~من المباحث العلمية المعترف بها استخداما ملائما، وإذا احتكموا إليها فغالبا ما ~~يكونون انتقائيين أو عتيقي الزي ومنقطعي الصلة بالجديد في هذه المباحث. # ونادرا ما يسلم أصحاب العلم الزائف نتائجهم وعملهم النظري إلى مجلات ~~أكاديمية محكمة، والأرجح أن يظهر عملهم في الصحافة العامة أو في مجلات مملوكة ~~لهم وتابعة لمنظماتهم ذاتها، أو لدى ناشرين مأجورين. ومن أمارات العلم الزائف ~~أيضا أن الكتب الدراسية التي يستخدمها ممارسوه، والكتب الشعبية في الموضوع التي ~~كتبت لعامة الناس، هي غالبا نفس الشيء، وهذه الأمارة تجدها ms044 بصفة خاصة في علم ~~الخطوط. # ومن العلوم الزائفة ما يناقض المعلومات الراسخة في مجال ما من العلم التقليدي، ~~فتكون أحكامه غير متسقة مع النظريات والملاحظات الثابتة أو مع المنطق، ومنها ما ~~يتجاوز ذلك ويمضي في طريق معاكس للمبادئ الأساسية التي تتبطن الإطار العلمي ~~الكلي؛ فكثير من العلوم الزائفة تتطلب افتراضات تتحدى الحس المشترك وخبرة الحياة ~~اليومية، أي إنها مضادة لما أسماه الفيلسوف # C. D. ~~Broad ~~«المبادئ ~~الضابطة الأساسية» # Basic Limiting Principles ~~، مثل: # العلية تتجه من الماضي إلى المستقبل (سهم الزمن)؛ ومن ثم فلا ~~يمكن لحدث ما أن تكون له معلولات سابقة على حدوثه. # لا يمكن لأي حدث تم في تاريخ معين أن يسهم في تسبيب حدث يبدأ في ~~تاريخ لاحق ما لم تكن الفترة بين التاريخين مشغولة بالطريقة ~~التالية: لا بد أن يبدأ الحدث عملية (أو تغيرا بنيويا) يستمر خلال ~~هذه الفترة الفاصلة ويسهم في بدء الحدث اللاحق. # لا يمكن لأي حدث يحدث في مكان وزمان معينين أن يحدث معلولا في ~~مكان بعيد ما لم تكن الفترة الفاصلة بين الحدثين مشغولة بسلسلة ~~علية من الأحداث تحدث متتالية ومستمرة بين الزمنين ~~والمكانين. # لا يمكن لحدث عقلي أن ينتج أي تغيير في العالم المادي على نحو ~~مباشر إلا تغييرات معينة في دماغ الشخص نفسه، أي دون توسط جهد ~~عضلي. # العقل يعتمد على الدماغ، أي إن الدماغ السليم الناشط شرط ضروري لأي ~~حدث ذهني. # لا يمكن لشخص أن يدرك حدثا أو شيئا فيزيقيا إلا بواسطة ~~الإحساسات التي ينتجها الحدث أو الشيء في دماغه؛ فلا بد أن توجد ~~سلسلة علية فيزيقية من الأحداث تصل الحدث/الشيء بأعضاء الحس ~~والمسار الحسي والمنطقة الدماغية المستقبلة. # لا يمكن لشخص أ أن يعرف خبرات شخص آخر ب إلا بسماع أو قراءة إفادات ~~ب أو بتأويل إيماءاته وتعبيراته ... إلخ، أو بالاستدلال من أدلة مادية ~~تركها ب. # لا يمكن لشخص أن يتكهن بما سوف يحدث إلا مصادفة، أو بالامتداد ~~الاستقرائي من اطرادات سابقة. # لا يمكن لشخص أن يعرف الأحداث التي مضت، ms045 ما لم يكن قد خبرها في ~~ذلك الوقت وفي جسمه الحالي وتركت أثرا فيزيقيا باقيا (ذكرى) في ~~دماغه، أو أخبر عنها ممن خبرها، أو استدل عليها استدلالا. ~~(3-3) عدم القابلية ~~للتكذيب # non-falsifiability # مثلما بين كارل بوبر، كل تفسير لا يشير إلى مجموعة من البيانات التي يمكن أن ~~تفنده هو ليس تفسيرا على الإطلاق، ومهما تراكمت الأمثلة التي تؤيد تفسيرا ~~نظريا ما فإنها لا تعدو أن تقوي توقعنا الذاتي بأن النظرية صحيحة، في حين ~~يكفي مثال مفند واحد لأن يقوض المشروع كله، ويسقطه بالضربة القاضية، ~~ويقضي عليه قضاء مبرما. # كثير من نظريات العلم الزائف هي غير قابلة للتكذيب من حيث المبدأ؛ لأنها لم تصغ ~~بطريقة تجعلها قابلة للاختبار، أو لأنها مصوغة بطريقة بلغت من الغموض مبلغا ~~يجعلها قابلة دائما للسمكرة ~~الاحتيالية # ad hoc tinkering # كلما بزغ دليل مكذب لها، مثال ذلك - فيما ذكره ~~بوبر - أن السيكولوجيا الفرويدية تقول بأن كل الذكور يعانون من «عقدة أوديب»، ~~وعندما لا يكون ثمة دليل على وجود هذا الإثم تجاه والد المرء فإن النظرية تفسر ذلك ~~بأنه قد تم كبت هذا الدافع؛ لأنه غير مقبول على مستوى الوعي. # كيف نعرف أن هناك كبتا يفعل فعله؟ # نعرف ذلك لأنه لا يوجد دليل على وجود عقدة أوديب! # هكذا يعد غياب الدليل داعما للنظرية! # هذا التمنع على التفنيد، هذه الحصانة ضد التكذيب، هذا اللون من العجز عن إثبات ~~خطأ النظرية (من حيث المبدأ، من حيث الصياغة) هو سبب كاف لإعلانها نظرية غير ~~علمية. # وعلاوة على عدم القابلية للتكذيب فإن معظم العلوم الزائفة تزعم أنها نظريات ~~شاملة تضم كل الأشياء، وإن شيئا يدعي أنه يفسر كل شيء لهو - عادة - شيء لا ~~يفسر أي شيء. ~~(3-4) إساءة استخدام المعطيات # كثيرا ما يحرف أصحاب العلم الزائف المعطيات العلمية القويمة أو يسيئون ~~استخدامها، من ذلك أن علماء الفراسة # phrenology ~~- وهو علم زائف - قد نزحوا بفكرة المواضع الوظيفية الدماغية، وهي فكرة وجيهة ~~تماما، إلى أقاص باطلة. وبتعبير آخر يمكننا القول بأنهم يقيمون صرحا هائلا ms046 من ~~الأباطيل على أساس حقيقة ضئيلة، أو يحملون ظهرها الضامر ما لا يحتمله من ~~العبث والهراء. ~~(3-5) العلوم الحقيقية تراكمية ومصححة لذاتها بعكس العلوم الزائفة # تتسم العلوم الزائفة بأنها راكدة ولا يبدو أنها تتقدم، ولا يبدو أن مفاهيمها ~~المحورية ومناهجها وتفسيراتها تتغير استجابة لظهور نتائج تجريبية جديدة أو ~~تطورات تكنولوجية أو نظرية جديدة. ولا تبدي العلوم الزائفة بعامة تلك الإثارة ~~الفكرية أو الخلاف الفكري الذي يميز حقول البحث المشروعة. وعوضا عن فتح ~~أصقاع جديدة تميل العلوم الزائفة إلى الاتكاء على تفسير «النصوص المقدسة» التي ~~سرعان ما يتعلم معتنقوها ألا يسألوا أو يعدلوا. كذلك القدم يوقر لذاته، ~~بافتراض أنه ما دام المبحث قد عمر كل هذا الزمن فلا بد أنه صحيح: من ذلك أن ~~المنجمين يفتخرون بأن التنجيم كان قائما لآلاف السنين، وهم قلما يتريثون ليدركوا ~~أن العنصرية والتحيز الجنسي - بله الاعتقاد بسطحية الأرض وبالأرض كمركز للكون ~~- كانا أقدم حتى من ذلك. ~~(3-6) العلوم الزائفة تدغدغ الاعتقادات المريحة # دأب العلوم الزائفة - بلا استثناء - أن تلقم الاعتقادات المريحة المحلقة التي ~~نود - بغير شك - لو كانت صحيحة، مثال ذلك: # أن الشفاء يمكن إحداثه دون ألم ودون انتظار ودون جهد (مثال ذلك: ~~المعالجون بالإيمان، اللمسة العلاجية، علاجات السرطان الدجلية، العلاج ~~المثلي ... إلخ). # الموهبة والمعرفة والحكمة ... يمكن اكتسابها للتو واللحظة بطرائق ~~سرية لا تتطلب تضحية أو مجهودا (مثال ذلك: موالفو الدماغ، ~~العقاقير الذكية، الشرائط تحت الشعورية، وأغلب منتديات العون ~~الذاتي). # الحنين إلى المطلق: الحقائق المريحة القديمة للماضي يمكن تدعيمها ~~علميا، فلا تعود مقبولة كمجرد موضوعات للإيمان بل يصبح لها سند من ~~العلم. # بوسعنا أن نحصل على تنبؤ تام بالمستقبل يتيح لنا أن نؤمن سلامتنا ~~ورفاهنا المادي نحن ومن نحب (الإيقاعات الحيوية الشعبية، علم الخطوط، ~~علم النجوم ...) # هناك طرق لا تخطئ للتكهن بحقيقة الأشخاص والتنبؤ بما سوف يفعلون ~~(علم الخطوط، علم النجوم، قراءة الشخصية في السيكولوجيا الشعبية ~~...) # ليس ثمة حدود للقدرة البشرية والإنجاز الإنساني (منتديات تحسين الذات ~~في السيكولوجيا الشعبية، شرائط العون الذاتي تحت الشعوري). # أزمة ms047 الطاقة يمكن التخلص منها إلى الأبد (البارافيزياء، آلات الحركة ~~الدائمة، قوة الشكل الهرمي، الاندماج البارد ...) # رغم أننا أفسدنا كوكبنا وأوغلنا في الحروب فإن هناك عوالم أخرى أو ~~أبعادا أخرى قد حلت هذه المشكلات وترغب في أن تأخذنا تحت جناحها ~~(علماء الأطباق الطائرة، وسطاء الاتصال بالموتى # channelers ~~...) # الموت لا يلدغ، فإن شخصياتنا سوف تستمر في الحياة (دراسات ما قبيل ~~الموت، الاتصال بالموتى عبر وسيط # channeling ~~، الروحانيات # spiritualism ~~...) # ما أكثر وعود العلوم الزائفة وأحلاها: الثروة، الصحة، السعادة للجميع، وبأقل ~~جهد وأقل تضحية، وبإزاء ذلك يجب أن نذكرك بأن على المشتري أن يتحمل المسؤولية ~~(العيب عيبك)، إرادة الاعتقاد هذه هي ما كان يعنيه الفيلسوف ديموسثينيس # Demosthenes # منذ أكثر من ألفي عام عندما قال: ~~«لا شيء أيسر من خداع النفس؛ فما يرغب فيه كل إنسان فهو أيضا يعتقد أنه ~~حق.» ~~(4) أمارات ممارس العلم الزائف # هناك سمات تميز ممارسي العلم الزائف لعل بعضها قد أفصح عن نفسه فيما سبق من حديث ~~عن نتاجهم، وكما أن أمارات العلم الزائف لا يتعين أن تجتمع كلها في مبحث واحد، كذلك ~~الحال بالنسبة لأمارات ممارس العلم الزائف؛ فالحق أن بعض هذه العلامات قد توجد بدرجة ~~محتملة في بعض ممارسي العلم الحقيقي، فلا يحق لنا أن نلصق بشخص صفة الدجلنة ما لم ~~يجتمع منها عدد كبير وبدرجة زائدة. ~~(4-1) التحجر (اللااختراقية/اللانفاذية) # impenetrability # من أعم الأمارات على ممارس العلم الزائف أن لديه التزاما لا يتزعزع بفرضية ~~معينة مشكوك فيها وغير مبرهن عليها، يقال لهذا أحيانا: «متلازمة المؤمن الحقيقي» # true believer syndrome ~~. # إن درجة معينة من العزم الموطد والانغلاق على النقد ربما تكون ضرورية من أجل ~~مضي معظم الباحثين فيما يتطلبه أغلب العمل العلمي من الكدح ساعات طويلة ~~مضجرة، وقد وجد أن كثيرا من العلماء الناجحين يتميزون بسماكة الجلد ~~والاعتداد بالنفس وقدر غير قليل من الرغبة في الترقي. وإنما تبدأ المشاكل عندما ~~يؤدي الشطط في هذه الميول إلى أن يناصر الباحث قضايا شائنة أو أن يغض ~~الطرف عن دلائل ناصعة على بطلان ms048 ما يمضي فيه. وكلما كان هذا الذي يمضي فيه ~~امتدادا مباشرا لأيديولوجيته أو منظومته الاعتقادية المحورية؛ زاد احتمال أن ~~تحول تحيزاته دون موضوعيته. كثيرا ما تكون العلوم الزائفة نتاجا ~~للاعتقادات الجوهرية للممارس، وفي هذه الحالات فلا جدوى لأي دليل أو حجة في ~~تغيير فكر المؤمن الحقيقي. ~~(4-2) التفكير السحري # magical thinking # يتسم أصحاب العلم الزائف في جملتهم بأنهم أيضا منجذبون للتفكير السحري: أي ~~توقع أن التخيل وقوة الإرادة - بذاتهما - سوف يأتيان بالرغائب ويجلبان ~~المطلوب، و«الكونيات» (الكوزمولوجيا) لديهم تنزع إلى أن تكون «إحيائية» # animistic ~~، مرتكزة على الإنسان، وتتخللها ~~علل ومؤثرات لا مادية، وهم مغرمون أيضا بالتفسيرات التي تتضمن «ذبذبات» ~~أثيرية و«مستويات» و«حقول» و«تعاطفات» ... إلخ من التصورات التي لا يمكن ربطها ~~بمشار إليه (مرجع) تجريبي (أي قابل للقياس). الحقيقة في مثل هذا الطرح يحددها ما ~~«يشعر» به المرء في المسألة، وليس «الدليل» # evidence # الذي يمكن تقديمه في تأييدها. # وكثيرا ما يكون هذا موازيا لرغبة في إعادة دس بعد أخلاقي في النظرة ~~الآلية السائدة عن العالم الطبيعي (والتي يرونها أبرد وأضيق مما يودون). إنهم ~~يريدون عالما قواه الكونية (أيا ما تكون) تميز القيمة الأخلاقية للأفراد ~~وتثيبها الثواب العدل. يريدون أن يكون بنو الإنسان كائنات خاصة لا مجرد ~~بيادق عالم طبيعي غير شخصي، وبدلا من التسليم بأننا نتاج قوى طبيعية وخاضعون ~~لنفس القوانين الكونية شأننا شأن الأشياء غير الحية؛ فإنهم يفضلون الاعتقاد بأن ~~بوسع الناس أن يقهروا هذا الطغيان بالأفعال الخيرة والأفكار الحسنة، وهم في ~~هذا على خلاف مع النظرة العلمية القائلة بأن الكائنات البشرية تطورت من نفس ~~المكونات والعمليات التي تشمل بقية الكون، والتي - للأسف - لا تقيض لهم وضعا ~~فريدا أو حماية. # هذه المنظومة الاعتقادية أفاض في وصفها الفيلسوف الأمريكي تشارلس فرانكل في ~~مقاله الشهير «طبيعة اللامعقول ومصادره» # 17 # الذي صدر في مجلة # Science # عام 1973م، ~~يقول فرانكل: «مهما تنوعت الخبرات التي يصدع بها أنصار اللامعقول فإنها ~~تستند جميعا إلى نفس الحزمة من القضايا الأساسية. من هذه القضايا فكرة أن العالم ~~الذي يعيش ms049 فيه الإنسان ينقسم إلى عالمين: عالم المظهر وعالم الحقيقة أو ~~الواقع؛ الأول تسمه الصدفة والشك واللايقين والبرود والاغتراب، أما الثاني ~~فيتبدد فيه الشك، ويفقد الزمن والموت وخزهما. وينغمد المرء في عالم موافق ~~لأعمق رغباته، ويذوب الخلاف والاضطراب في حس شامل بالانسجام ~~والاتساق». # هذه الرؤية للعالم تقوم على الاعتقاد بأن الاستبصار والحدس والإلهام الذاتي ~~المباشر، هي مصادر المعرفة اليقينية، وإذا تضارب الحدس مع العقل فإن الحدس هو ~~المرشد الأوثق إلى الحقيقة. الاستنارة (الحكمة) عند دعاة هذا الرأي أمر مفاجئ ~~ومكتمل، والسبيل إليها أخلاقي لا فكري، وبالتالي فإن الجهد الفكري ليس يجدي في ~~مقاربة الحكمة بل قد يعيقها، وهذا بالطبع مناقض للنظرة العلمية التجريبية التي ~~تتخذ الملاحظة والاستدلال المتدرج والتحليل والحجة والاختبار كمصادر أوثق للمعرفة ~~(أي إن التعلم شيء بطيء مجهد ويتطلب الانتباه، وبعبارة أخرى: التعلم تراكمي ويتم ~~بواسطة المحاولة والخطأ). ويسلم التجريبيون بأن البدايات الزائفة والأخطاء سوف ~~تقع وهذه ينبغي تصويبها بمزيد من العمل الجاد. ~~(4-3) الدوافع الخفية # كثيرا ما يكون لأنصار العلم الزائف رهان مالي في الدعاوى التي يؤيدونها، ومن ~~شأن هذا أن يجرح موضوعيتهم. صحيح أن العلماء التقليديين لديهم أيضا مصالح ~~مالية في عملهم في هذه الأيام، ومن ثم يتعين أن تخضع دعاويهم للتمحيص بنفس الدرجة ~~لكشف أي تحيزات من جانبهم عن قصد أو عن غير قصد، إلا أنه يجب أن نلاحظ أيضا أنه ~~في المجالات العلمية المشروعة هناك بعض صمامات أمان ضد ذلك مبيتة في صميم ~~المنظومة: السياسات الرقابية للوكالات العلمية المانحة ومؤسسات البحث والمجلات تجعل ~~كشف صراع المصالح لدى الباحثين أكثر رجحانا، أما أصحاب العلم الزائف فإنهم - ~~في الغالب - يمارسون عملهم خارج هذه المنظومة، وهم من ثم غير مضطرين إلى كشف أي ~~تورطات من هذا النوع. ~~(4-4) انعدام التدريب الرسمي # أغلب ممارسي العلم الزائف هم من أصحاب التعليم الذاتي، وكثيرا ما تكون ~~مؤهلاتهم لا علاقة لها بالمجالات التي يقدمون فيها دعاويهم المشكوك فيها، ~~فالمؤهلات الممتازة في مجال ما ليست ضامنة بالضرورة للكفاءة المماثلة في ~~المجالات غير ذات ms050 الصلة، مثال ذلك أن وليم شوكلي، الحائز على نوبل لمشاركته في ~~اختراع الترانزستور، قد مضى بعد ذلك يتحدث حديثا أسقفيا عن الأساس الجيني ~~للفروق العنصرية في الذكاء! # وكثيرا ما يقابل ملاحظو الدجلنة أشخاصا دخلاء على المجال يتباهون بانعدام ~~تعليمهم الرسمي، زاعمين أن ذلك يتيح لهم أن يضفوا على عملهم نظرة جديدة غير ~~متحيزة، وأن الجهل بالإنجازات السابقة في المجال يتيح لهم أن يروا الحقائق التي ~~خفيت عن أولئك الذين انغسلت أدمغتهم بطرائق التدريب القياسية. # صحيح أن هناك اختراقات علمية تحققت على أيدي هواة حملوا معهم مقاربات ~~جديدة، إلا أن أغلب مجالات العلم في هذه الأيام هي من التعقيد - مفاهيميا ~~وتقنيا - بحيث يستبعد جدا أن يقدم فيها إسهاما ثوريا من لم يتلق ~~تدريبا وتمهنا رسميا. إن بصائر العلم غير مطواعة لغير العاكفين على ~~العلم، وقد صدق باستير في ملاحظته: «الطبيعة تفضل العقل ~~المؤهل» # Nature favors the prepared mind ~~. ~~(4-5) عقلية المتخندق # bunker mentality # بالإضافة إلى افتخار أصحاب العلوم الزائفة بعزلتهم، التي يعدونها علامة ~~على الاستقلال الصارم، فإنهم قمينون أيضا أن يروا عدم الاعتراف بهم على أنه ناتج ~~عن اضطهادهم أو قمعهم من جانب «مؤسسة» عدائية، ومن ثم فإن من علامات صاحب العلم ~~الزائف تلك الرغبة في الانغماس في نظريات مؤامرة غاشمة، وإلا فكيف يفسر عدم ~~تقبل شخص يعتبر نفسه جاليليو جديدا أو أينشتين أو باستير؟ ليس هؤلاء مولعين ~~فحسب بدعاوى العظمة، بل كثيرا ما يبدون أيضا كراهة زائدة للاعتراف ~~بالجهل. ~~(5) أمارات محتوى العلوم الزائفة ~~(5-1) عدم القابلية للتكرار # تعج العلوم الزائفة بادعاءات عن ظواهر تضاد القوانين الطبيعية، وتضاد ~~البيانات القابلة للتكرار بسهولة في الحقول العلمية المشروعة، تتسم هذه الظواهر ~~المزعومة بأنها لا يمكن إنتاجها عند الطلب، ولا يمكن التنبؤ بها بدقة. هي إذن ~~أشياء غير قابلة للتكرار، وهو ما يعد عيبا وقصورا، غير أن أصحاب العلوم ~~الزائفة قد يمجدون ذلك ويعلون من شأن هذه الظواهر إلى مرتبة «كشف في ذاته»، ~~ويمنحونها نعتا مجيدا مثل «أثر ~~الحياء» # shyness effect ~~! الباراسيكولوجيون بصفة خاصة ms051 عرضة للاعتقاد بأن ~~ظواهرهم الأثيرة ستختفي إذا ما تفحصها متشككون تحت ظروف منضبطة، وكثيرا ما ~~يدعي أصحاب العلوم الزائفة - عندما يعجز الآخرون عن تكرار نتائجهم - أن ~~المجرب يجب أن يتمتع بمواهب خاصة حتى يحقق الأثر الذي يزعمونه، غير أنهم ~~عندما تلاحظ طرائقهم في جمع البيانات يوجد أنهم في العادة قد اكتفوا بتقديرات ~~ذاتية من جانب المجرب، ولم يكلفوا أنفسهم بقياسات موضوعية مميكنة ~~بدقة. من شأن ذلك أن يأتي - في أحيان كثيرة - بنتائج زائفة، مثلما رأينا في حالة ~~أشعة إن. ~~(5-2) حجم الظواهر المزعومة يرتبط عكسيا مع صرامة الضوابط التجريبية # من شأن نظام المجموعات الضابطة # control groups # المتقنة، وإجراءات العمى ~~المزدوج # double-blind procedures ~~، وتقنيات ميكنة جمع البيانات # automated data gathering ~~... إلخ، أن تقصي الظواهر التي يدعيها ~~أصحاب العلوم الزائفة أو تخفضها إلى حد كبير. هذا ما وجده والاس سمبسون في تقييمه ~~لتراث الإبر الصينية، وهذا ما وجده غيره # 18 # في تمحيصهم لمجال الباراسيكولوجيا. ~~(5-3) معلولات كبيرة لعلل صغيرة # كثيرا ما يكون حجم المعلولات التي يدعيها أصحاب العلوم الزائفة غير ذات ~~صلة بحجم العلة المزعومة. مثال ذلك أن أولئك الذين يعتقدون في «التخاطر» # telepathy # يشيع بينهم اعتقاد بأن كمية الطاقة ~~المتناهية الصغر المتضمنة في العمليات العصبية التي تشكل الأحداث الذهنية ~~يمكن أن تسمع في جميع أنحاء العالم! إن عدم التناسب هذا بين حجم العلة وحجم ~~المعلول هو ما كان يؤرق ألبرت أينشتين بالدرجة الأساس عندما كان يعبر ~~للباراسيكولوجي ج. ب. راين عن شكوكه في واقعية الظواهر الباراسيكولوجية. ~~(5-4) ادعاء الدقة في القياس # عادة ما يدعي أصحاب العلم الزائف أنهم يتوخون الدقة الشديدة في كشف الظواهر ~~وقياسها، في الوقت الذي تكون فيه المعلولات المعلنة من الضآلة بحيث تقترب من ~~مستوى الضوضاء في النظام المستخدم في التجربة. إن هذا - على أقل تقدير - يثير ~~الشكوك في أن تكون الآثار المرصودة ناجمة عن ضرب من ال # artifact ~~(ظواهر صنعية: آثار خلفتها يد ~~الإنسان المجرب لا يد الطبيعة). ~~(6) معايير السلوك في العلوم الزائفة # قضى مراقبو العلوم الهامشية ms052 وقتا طويلا في ملاحظة أصحاب العلوم الزائفة وهم يقومون ~~بعملهم، واجتمعت من ملاحظاتهم بعض التعميمات حول مناهج الأداء التي دأبوا عليها. ~~من هؤلاء المراقبين ماريو بنج # Mario Bunge # الذي يؤكد ~~أن أصحاب العلوم الزائفة، بخلاف العلماء الحقيقيين، قلما يعنيهم اكتشاف قوانين ~~الطبيعة. إن ملاحظاتهم أميل إلى أن تكون خليطا مضطربا غير مترابط، بل متناقضا ~~في كثير من الأحيان، وإن عملهم ليس تركيبيا ولا منهجيا، بل يقفز من عرض منفصل ~~إلى آخر، وهم - كقاعدة عامة - لا يستخدمون التحليلات الرياضية ولا النماذج الرياضية ~~ولا يقدرونها. كذلك شأنهم مع المنطق فهم لا يدركون أهميته في استقاء الفرضيات ودمج ~~المعطيات بالنظرية وروز النتائج، وهم يكثرون من الاحتكام إلى سلطة الكتب القديمة ~~التي حددت المجال. وهم لا يرحبون بالنزعة الارتيابية؛ لذا فإنهم لا ينفقون جهدا ~~يذكر في البحث عن أمثلة مضادة أو تفسيرات بديلة أو بيانات قد تقوض فرضياتهم ~~الأثيرة، ولدى مواجهة بيانات مفندة فالأرجح أن يفسروها تفسيرا متخلصا بطريقة ~~احتيالية # ad hoc ~~. أما نقادهم فكثيرا ما يتناولونهم ~~بالهجوم الشخصي # ad hominem # بدلا من تناول ~~اعتراضاتهم ذاتها. ~~(7) أخطاء الاستدلال البشري وتحيزاته # كثير من الأخطاء الفاضحة التي يرتكبها العلماء الزائفون ينجم من حقيقة أنهم - ~~كجماعة - على غير دراية كافية بالحاجة إلى الضوابط التجريبية الصارمة، لكي تعيننا ~~في خفض ضروب الخطأ في جمع البيانات واتخاذ القرار التي تقع مرارا عندما نعتمد على ~~الملاحظات العابرة والاستدلال المرتجل. وقد قام كثير من علماء النفس المعرفيون بدراسة ~~شتى ألوان الخطأ في الاستدلال البشري؛ من أبرزهم: جيلوفيتش في كتابه «كيف نكشف الدجل: ~~لا معصومية العقل البشري في الحياة اليومية». # 19 # أكد هؤلاء الباحثون على حاجتنا نحن البشر إلى تقنيات معينة لتعويض عيوب ~~متأصلة في الاستدلال لا يد لنا بها؛ ذلك أن قدراتنا المعرفية قد تطورت تحت ظروف ألحت ~~على سرعة اتخاذ القرار وإن جاءت على حساب دقته الاستدلالية وانضباطه المنطقي، وما طرائق ~~المنهج العلمي وضوابطه إلا إجراءات احترازية لتعويض أوجه القصور العديدة والمتأصلة في ~~الإدراك والاستدلال البشريين. ~~(7-1) مشاعية التمحيص # public ms053 scrutiny # من المتطلبات الرئيسية في العلم أن تكون مناهجه وبياناته متاحة مبذولة مشاعا. ~~كثيرا ما يراوغ أصحاب العلم الزائف حين يطلب نقاد مسئولون أن يفحصوا أجهزتهم ~~أو بياناتهم الخام، وهناك قصص مأثورة لمثل هذا الروغان من التمحيص. ~~(7-2) السرية والتوجس # كثيرا ما يطلع علينا أصحاب العلم الزائف بأدوات وعدة ينسبون لها دعاوى ~~وخوارق خيالية، وبينما هم يقدمون أحيانا عروضا إيضاحية فإنهم يجرون ذلك بطرائق ~~من شأنها أن تمنع المتشككين من أن يبصروا الآليات التي تتبطن هذه الأدوات، وكثيرا ~~ما يتكتمون هذه المبادئ التشغيلية ويرفضون إفشاءها خشية أن تسرق فكرتها ~~الثمينة. من ذلك قصة دكتور ألبرت أبرامز، وهو من أشهر الدجالين الذين شهدتهم أمريكا ~~في تاريخها كله: لقد جمع أبرامز الملايين - في بدايات القرن العشرين - من بيع ~~جهاز أسماه # an oscilloclast ~~، وكان يشترط على ~~المشتري أن يوقع على قسم مكتوب بأنه لن ينظر أبدا في داخل الصندوق المختوم ~~لجهازه، وحدث بعد موته أن انفلق أحد أجهزته ووجد أنه يحتوي على خليط ~~مضطرب من أسلاك ومكونات خاملة لا وظيفة لها، ورغم ذلك فقد بقي لأبرامز أنصار ~~على قناعة تامة بأن جهازه كان له فاعلية شفائية مشهودة. ~~(8) الحاجة إلى الارتيابية # يؤثر عن عالم الفيزياء فيكتور ستنجر قوله: ليس لنا أن نقبل ظاهرة ما على أنها ~~حقيقة علمية إلا بعد أن تصبح ملاحظتها شيئا شبه اعتيادي. هذه «الارتيابية الممأسسة» # institutionalized skepticism # هي من ~~نقاط القوة الرئيسية للعلم، ليس لنا أن نتقبل شيئا كحقيقة حتى تتجمع لدينا ~~«أدلة» # evidence # كافية، ومما يؤسف له أن لفظة ~~«ارتيابية» # skepticism # قد اكتسبت ظلالا ازدرائية ~~في لهجة حركة «العصر الجديد» # New Age # حيث تمكن ~~مرشدو التفكير الإيجابي من إقناع الكثيرين بأن مطلب «الدليل» شيء مقيد بغير ضرورة؛ ~~فأي شيء - على كل حال - ممكن إذا أنت اعتقدت فيه بقوة كافية، غير أن كلمة «ارتيابية» ~~- رغم ما لحق بها من سوء فهم واسع النطاق - إنما تشير إلى منهج بحث لا أكثر، فالارتيابي ~~ما هو إلا شخص يتطلب دليلا معقولا وتبريرا منطقيا ms054 قبل أن يتقبل دعاوى الصدق ~~المبدئية، والارتيابي هو أيضا ذلك الشخص الذي سوف يعدل اعتقاداته إذا ما ووجه ~~بدليل أكثر حسما. ~~(8-1) فضيلة الشك # الشك نوع من الفكر النقدي كمقابل للفكر الدوجماطيقي الإيقاني، وما نشأ الفكر ~~الحق إلا ليدمغ الدوجماطيقية، وما الفلسفة الأصيلة إلا تمرد على نزعة الموقنين ~~الذين يبدءون تفكيرهم من نقطة معينة يسيرون بعدها سيرا حثيثا سلسا دون أن يقلق ~~خاطرهم تحليل هذه النقطة أو نقدها. هي تمرد على الدوجماطيقية الساذجة عند رجل ~~الشارع المتعصب لآرائه الواثق في ذكائه ثقة مفرطة، وهي تمرد على الدوجماطيقية ~~المادية عند الرجل العملي الشديد الارتباط بالعالم الواقعي الشديد الإنكار لغيره، ~~وتمرد على الدوجماطيقية الدينية عند رجل الدين المتزمت وعند أشباه الفلاسفة من ~~المتكلمين الذين يتخذون نقطة بدئهم من تصور ديني معين يسلمون به تسليما ثم يقيمون ~~عليه بناء استنباطيا شاهقا زاخرا بالتفسيرات الهينة والحلول السهلة لكل مشاكل ~~الفلسفة التي تعترضهم. # يرتبط منهج الشك بالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكات، بل إن الشك المنهجي الذي دعا ~~إليه ديكارت يوسم في الأغلب باسم «الشك الديكارتي»، يقول ديكارت: إن أول شيء يجب ~~أن نبدأ به عندما نشرع في التفكير فلسفيا - أي عندما نتفلسف - هو أن نشك في كل ~~شيء لا يرقى إلى اليقين المطلق، عندئذ سوف نجد أن معظم الاعتقادات لا ترقى إلى ~~مرتبة اليقين المطلق. ويواصل ديكارت استدلاله قائلا إن هذا ليس بالأمر المستغرب ~~ما دمنا قد اكتسبنا كثيرا من هذه الاعتقادات قبل أن نصبح قادرين على أن نخضعها ~~للتمحيص العقلي، وعندما نكبر نجد أنفسنا مثقلين بخليط من الاعتقادات الصادقة ~~والكاذبة. إن بإمكاننا عن طريق ممارسة الشك الممنهج أن ننأى بأنفسنا عن هذا الخليط ~~كله لكي نبدأ بداية فكرية جديدة مؤسسة عقليا على أرضية أكثر صلابة، وتتكون هذه ~~القاعدة الصلبة من الاعتقادات التي لا يمكن أن نشك فيها، أي التي «لا تقبل الشك» # indubitable ~~. ~~(8-2) صنفان من الشك # ثمة إذن نوعان من الشك يجب التمييز بينهما تمييزا حاسما: # الشك المذهبي (الفلسفي) عند أمثال فرون وأنيزيديموس وأجريبا ms055 وسكتس ~~أمبريكوس، وهم ينكرون إمكان المعرفة ويرون أن البشر يفتقرون إليها وأن ~~كل دعوى تفيد معرفة شيء ما هي دعوى باطلة بلا استثناء. هو إذن شك ~~حاسم ونهائي، حقيقي وأصيل، غاية ومذهب. # والشك المنهجي (الديكارتي) وهو وسيلة ومنهج، وشيء عابر مؤقت ريثما ~~يجد المرء مبدأ وطيدا ينكسر الشك دونه. # وقد ذهب برترند رسل إلى أن من الضروري أن نمارس الشك المنهجي - كما فعل ديكارت - ~~لكي نتحرر من قبضة العادات الذهنية، ومن الضروري أن ننمي الخيال المنطقي لكي يكون ~~لدينا عدد من الفروض ولا نكون عبيدا لفرض واحد، ذلك الذي يجعله الحس المشترك ~~سهلا على التحليل. ~~(8-3) جوهر الموقف الارتيابي في العلم ~~(1) # الدعوى الهائلة يلزمها دليل هائل # Extraordinary claim requires extraordinary evidence ~~. # كلما شطت الدعوى عن المألوف وناقضت الحدس وأسرفت في الابتعاد عن ~~المعرفة القائمة القابلة للإثبات بسهولة ويسر؛ كان المرء بحاجة إلى ~~دليل أنصع وأقوى يبرهن عليها ويثبت أنها ليست من قبيل الخطأ أو ~~الغش من جانب صاحب الدعوى. إن علينا أن ننظر فيما يتعين علينا أن نرفضه ~~إذا قبلنا الدعوى الغريبة قدر ما ننظر في الدليل المقدم في ~~حقها. ~~(2) # عبء البرهان يقع على صاحب الدعوى وليس على متلقيها. # البينة على من ادعى # The burden of proof (onus ~~probandi) lies on the claimant ~~. # إنما تقوم الدعوى أو تسقط بناء على نوعية الدليل المقدم في صفها. ~~ليست مهمة الارتيابي أن يبرهن للمدعي على أن دعواه غير صحيحة، ~~إنما يقع عبء الدليل على المدعي. ~~(3) # يجب أن تكون الدعوى قابلة للاختبار (من حيث المبدأ على الأقل) # وفوق كل شيء يجب أن تكون قابلة للتكذيب # falsifiable ~~، كما أنها يجب أن تصاغ بوضوح وبطريقة ~~متينة منطقيا، وأن يصرح بما عساه أن يعد دليلا لها، وما عساه ~~أن يعد دليلا ضدها. ~~(4) # يجب أن يكون الدليل مشاعا ومتاحا لجميع النقاد الأكفاء # فالعلم نشاط عام مشاع، قائم على الثقة، وباستثناءات نادرة جدا، ~~فإن كل من يأبى أن يسمح لمنافسين خطرين أن يلاحظوا طرائقه البحثية أو ~~أجهزته، أو يطلعوا ms056 على بياناته الخام؛ فإن دعواه لا تلزم أحدا، ~~وموقفه قرينة ضد علمية دعواه. ثمة احتمال الغش بطبيعة الحال، وثمة ~~الاحتمال الأكبر وهو أن تكون النتائج الخاطئة بسبب متغيرات دقيقة غير ~~منضبطة خفيت على المجرب وندت عن ملاحظته. ~~(9) ما الضير؟! # يلهو الأطفال برمي الضفادع بالحجارة بينا الضفادع تموت جدا لا ~~لهوا. ~~(مثل صيني) # ربما ينظر بعض العلية من العلماء إلى العلم الزائف باستخفاف وخلو بال، بل قد ~~يولونه غير قليل من الرثاء والشفقة، ولسان حالهم يقول: «هون عليك؛ ما الضير؟ ~~هذا عبث أطفال لن يضر العلم شيئا.» # نعم، الدجل لن يضر العلم شيئا، ولكنه يلحق أفدح الضرر بالمجتمع. # قد يكون الضرر في الحالات الفردية هينا محتملا، ولكن ضرر الانتشار الواسع ~~للعلم الزائف هو ضرر فادح، وعواقب تفشي الدجل في أوصال المجتمع هي عواقب وخيمة. ~~الدجل الطبي يخلف موتا مجانيا ومعاناة كان منها بد، والعلاج النفسي الزائف قد ~~يزرع ذكريات كاذبة بانتهاكات موهومة، وتحليل الخطوط قد يلوث سمعة أبرياء ... إلخ. إن ~~تفشي الأمية العلمية في المجتمع يضعضعه ويهبط به. # بعض مآثم الأمية العلمية # خداع العامة: من حق الناس أن تتلقى معلومات صحيحة تبني عليها ~~اعتقاداتها وقراراتها. لن يرتقي البشر بنشر المعلومات الكاذبة سواء ~~حسنت النية أم ساءت. # خسارة وقت ومال: العلوم الزائفة مضيعة للوقت وخسران لمال كان يمكن أن ~~ينفق في المضمار الصحيح. حين يمتنع المرضى عن التماس العلاج الطبي ~~الموثق ويترعون جيوب الدجالين بأموالهم بينما تتفاقم حالاتهم ~~المرضية ولا تعود تستجيب للعلاج الطبي الصحيح ... حين نستعين بمستنبئ الآبار ~~لتحديد مواقع الحفر ... حين نستعين بمحلل الخطوط لانتقاء العاملين ... ~~إلخ. # قد يفضي تفشي الأمية العلمية في الحكومات إلى استراتيجيات موبقة ~~تعود بالضرر على الأمة قبل كل شيء (اذكر مآثم النظريات العلمية ~~الزائفة في ألمانيا النازية وروسيا السوفيتية)، الشوك لا يثمر عنبا، ~~يقول سارفيبالي ر. كريشنان: «عندما نعتنق الأباطيل فسوف نرتكب ~~الفظائع.» # العلوم الزائفة تزرع الأمل الكاذب والرجاء غير المستجاب، وعند خيبة ~~الوعود ينقلب المرء على نفسه بالتأنيب والتقريع واللوم؛ فيضيف الإهانة ~~إلى الأذى. ms057 # من شأن الأمية العلمية أن تسلب المواطن قدرته على الاختيار في القضايا ~~السياسية الملحة والاقتراع المصيري الطارئ. إن غياب الفكر النقدي يجعل ~~المواطن ريشة في مهب الدجل يقذف بها حيث شاء. المواطن الأمي ~~علميا يصوت للقرار الخطأ والشخص الخطأ. المجتمع الأمي علميا ~~مؤهل دائما للتصويت المدمر، يمضي به إلى الهلاك الآجل مثلما يتهادى ~~قطيع السوائم بثقة وخلو بال ... إلى المذبح. # الفصل الثالث # | توماس جيلوفيتش:1 كيف نكشف الدجل؟ # لا معصومية العقل البشري في الحياة اليومية # 2 ~~(1) شيء من لا شيء # Something Out of Nothing # الإدراك الخاطئ للبيانات العشوائية وإساءة تأويلها # من طبيعة الفهم البشري الخاصة أن يفترض في العالم نظاما واطرادا أكثر مما ~~يجده فيه، ورغم وجود أشياء كثيرة في الطبيعة فريدة في نوعها وعديمة النظير، فإن ~~الذهن البشري يخترع لها أشباها ونظائر وصلات لا وجود لها. # فرنسيس بيكون # الأورجانون الجديد 1:45 # في عام 1677م كتب باروخ سبينوزا عبارته الشهيرة: «الطبيعة تبغض الفراغ.» لكي يصف ~~مجموعة من الظواهر الفيزيائية، وبعد 300 عام من ذلك يبدو لنا أن عبارته تنطبق أيضا ~~على الطبيعة البشرية فهي أيضا تبغض الفراغ. إن لدينا استعدادا لأن نرى نظاما ونمطا ~~ومعنى في العالم، ونحن نضيق ذرعا ونتبرم إذا وجدنا عشوائية وشواشا ولا ~~معنى. الطبيعة البشرية تمقت انعدام التنبؤ وغياب المعنى، ومن ثم فنحن نميل إلى أن ~~«نرى» نظاما حيث لا نظام، وأن نتبين أنماطا ذات معنى حيث لا يوجد غير الصدفة ~~وتقلباتها. # يرنو الناس إلى شتات الأجرام السماوية فيرون وجها على سطح القمر، وسلسلة قنوات ~~على المريخ، ويصغي الآباء إلى موسيقى أبنائهم المراهقين المعكوسة ويزعمون أنهم ~~يسمعون رسائل شيطانية في موجات الضوضاء المشوشة المنبعثة. وهذا رجل يصلي من أجل ~~ولده المريض مرضا حرجا، فيقع بصره على تعرق خشبي في باب غرفة المستشفى ~~فيزعم أنه يرى وجه المسيح، ويظل مئات الزوار بعد ذلك يتوافدون على العيادة كل عام ~~ويؤكدون التشابه الإعجازي. # 3 # ويدعي المقامرون أنهم يخبرون تتابعات حارة وباردة في رميات النرد ~~العشوائية ويبدلون رهاناتهم وفقا لذلك. # هذا ms058 النزوع إلى إضفاء النظام على المثيرات الملتبسة هو شيء مبيت في الآلية ~~المعرفية التي نستخدمها لفهم العالم، ولعله قد تخلف فينا خلال التطور بسبب صفته ~~التكيفية العامة. إن بوسعنا أن نفيد من الظواهر المنتظمة بطرائق تتعذر علينا في ~~حالة الظواهر المشتتة، وإن استعدادنا لكشف أنماط وعقد صلات هو ما يؤدي بنا إلى ~~الاكتشاف والتقدم، لكن المشكلة هي أن هذا الميل فينا هو من القوة والتلقائية بحيث ~~يجعلنا أحيانا نتبين اتساقا حيث لا يوجد اتساق. # الحق أن كثيرا من الآليات التي تشوه أحكامنا تنجم من عمليات معرفية أساسية جد ~~معينة لنا عادة في إدراك العالم وفهمه بدقة، ومن بين هذه العمليات تركيب ~~المثيرات وتنظيمها. من ذلك أن إجنز ~~سيميلويس # Ignaz Semmelweis # اكتشف نمطا في حدوث حمى النفاس بين النساء اللائي قام ~~بتوليدهن أطباء فرغوا لتوهم من عملية تشريح. ومن ذلك أن تشارلس داروين عاين ~~نظاما في توزع الأنواع المختلفة من العصافير في الجلاباجو، وهذا الاستبصار هو ما ~~دفع تفكيره عن التطور والانتخاب الطبيعي. # نعم، يفيدنا الميل إلى التماس نظام وتبين أنماط، يفيدنا بالغ الفائدة، ~~وبخاصة إذا أخضعنا حدوسنا التي تتولد عن ذلك لاختبار أكثر صرامة (مثلما فعل ~~سيميلويس وداروين مثلا)، غير أننا في كثير من الأحيان نعامل نتاج هذا الميل لا ~~كفرضيات بل كحقائق ثابتة. إن استعدادنا لإضفاء النظام قد يكون من الفورية والجموح ~~بحيث ينتهي بنا في أحيان كثيرة إلى الاعتقاد في وجود ظواهر لا وجود لها البتة. ~~(1-1) تثبيت إدراكاتنا الخاطئة بنظريات علية # إن عجزنا عن تمييز ترتيبات عشوائية للأحداث قد يحملنا على الاعتقاد بأشياء ~~غير حقيقية، فنرى أن شيئا ما هو شيء مرتب ومنظم وواقعي بينما هو في الحقيقة ~~عشوائي ومختلط ووهمي، وبذلك يكون أداؤنا في واحدة من المهام الأساسية في إدراك ~~العالم وفهمه، ونعني مهمة تحديد ما إذا كان ثمة ظاهرة هناك تستدعي الانتباه ~~والتفسير، يكون أداؤنا في ذلك قاصرا غير محكم. # كما أننا ما إن يخامرنا شعور بوجود ظاهرة ما حتى يواتينا تفسيرها ومعناها دون ~~عناء ms059 يذكر؛ فنفسر لماذا توجد هذه الظاهرة وماذا تعني ولا نجد في ذلك أي صعوبة. ~~لقد برع بنو البشر براعة منقطعة النظير في عملية «التفسير الاحتيالي» # ad hoc explanation # أو الغرضي، وقد ~~أثبت البحث أن الناس إذا دفعت إلى الاعتقاد الخاطئ بأن أداءهم أعلى أو أقل من ~~المتوسط في مهمة معينة فإن بمقدورهم تفسير أدائهم المرتفع أو المتدني دون صعوبة . ~~وإذا طلب منهم تعليل كيف تؤدي خبرة طفولية من قبيل الهروب من البيت إلى مآلات ~~متفاوتة كالانتحار أو العمل في فيلق السلام؛ فإن بوسعهم أن يقدموا التعليل على ~~نحو فوري ومقنع للغاية. أن تعيش - فيما يبدو - يعني أن تفسر وتبرر وتجد ~~اتساقا بين شتى الحصائل ومختلف الخصائص ومتباين العلل. لقد تعلمنا بالممارسة أن ~~نؤدي هذه المهام بسرعة وكفاءة. # ثمة دراسة بحثية في مرضى الدماغ ~~المنقسم # split-brain patients # 4 # تقدم لنا عرضا مثيرا لبراعتنا في «التفسير الاحتيالي» # ad hoc explanation ~~. في جميع هؤلاء ~~المرضى تقريبا تكمن القدرة اللغوية في نصف الكرة المخي الأيسر (مثلما هو في معظم ~~الناس)، الفرق الوحيد بين مرضى الدماغ المنقسم وغيرهم من الناس هو أن الاتصال بين ~~نصفي الكرة مقطوع في مريض الدماغ المنقسم بسبب قطع «الجسم المندمل»، # 5 # تخيل إذن أن صورتين مختلفتين تعرضان على نصفي الكرة لدى ~~مريض دماغ منقسم: إحداهما صورة مرج ممتلئ بالثلج معروضة للنصف الأيمن غير ~~اللغوي (بوضعها في المجال البصري الأيسر)، والأخرى صورة مخلب طائر معروضة في نفس ~~الوقت للنصف الأيسر اللغوي (بوضعها في المجال البصري الأيمن)، وبعد ذلك يطلب من ~~المريض أن ينتقي من صف من الصور تلك الصورة التي تتمشى مع المنبهات التي رآها ~~لتوه. # ماذا يحدث؟ الاستجابة المعتادة هي أن المريض ينتقي صورتين. في هذه الحالة قد ~~تنتقي اليد اليسرى للشخص (التي يتحكم فيها نصف الكرة الأيمن) صورة جاروف لكي ~~يتمشى مع مشهد الثلج المعروض أصلا للنصف الأيمن، وفي نفس الوقت قد تنتقي اليد ~~اليمنى (المحكومة بالنصف الأيسر) صورة دجاجة لكي تتمشى مع المخلب المعروض أصلا ~~للنصف الأيسر. كلتا ms060 الاستجابتين تناسب المنبه ذا الصلة؛ لأن صيغة الاستجابة ~~(الإشارة) يمكن التحكم فيها من جانب كل نصف كروي مخي، أما الاستجابة الأشد إثارة ~~فتحدث عندما يطلب من المريض أن «يفسر» الاختيارات التي أتاها. لعلنا هنا نتوقع ~~شيئا من الصعوبة؛ لأن صيغة الاستجابة اللفظية لا يحكمها إلا النصف الأيسر، ورغم ~~ذلك فقد كان الشخص يقدم تفسيرا دون تردد: «آه، هذا سهل، مخلب الدجاجة يتمشى مع ~~الدجاجة وأنت يلزمك جاروف لكي تنظف طريح # 6 # الدجاجة». لاحظ أن السبب الحقيقي الذي جعل المشارك يشير إلى الجاروف ~~لم يقدم؛ لأن مشهد الثلج الذي حفز الاستجابة مقطوع عن النصف الأيسر الذي ~~يجب أن يشكل التفسير اللفظي. إن هذا لم يمنع الشخص من إعطاء استجابة ~~«معقولة»: إنه يفحص المخرج ذا الصلة ويخترع قصة تعلل له. # لكأنما يحتوي النصف الكروي الأيسر للمخ على «وحدة للتفسير» # explanation module # ملحقة بمركز اللغة، ~~وحدة تفسير يمكنها بسرعة وسهولة أن تضفي المعنى حتى على أغرب أنماط ~~المعلومات. # وما إن يتعرف شخص على نمط عشوائي على أنه ظاهرة واقعية حتى لا يعود نمطا ~~ملغزا وواقعة معزولة عن العالم، بل يتناوله سريعا بالتفسير ويدمجه في نظرياته ~~وقناعاته القائمة من قبل. عندئذ تعمل هذه النظريات على الحيود بتقييم الشخص ~~للمعلومات الجديدة بحيث يصبح الاعتقاد الأول راسخا بصلابة. هكذا يتشبث الناس ~~باعتقاداتهم في وجه أعتى الأدلة المفندة. ~~(1-2) تحصين النظريات # 7 # من دأب بعض أصحاب النظريات التي يتبين كذبها بالاختبار أن يظلوا متمسكين بها ولا ~~يتخلوا عنها، وأن يقوموا بعملية أشبه بالترقيع النظري لإنقاذ النظرية من الدحض، ومن ~~الوسائل المعهودة في ذلك إدخال «فرض ~~مساعد» # auxiliary hypothesis ~~، أو «فرض عيني ~~تحايلي غرضي» # ad hoc hypothesis # على مقاس الشواهد المضادة بغرض استيعابها داخل ~~النطاق التفسيري للنظرية. مثل هذا الإجراء ممكن دائما وميسور لأية فرضية مهما بلغت ~~عبثيتها وهشاشتها، غير أنه ينقذ النظرية من الدحض بقدر ما ينال من مكانتها العلمية ~~ومحتواها المعلوماتي. # وثمة تحايل آخر لتفادي الدحض، وهو ببساطة أن تخرج المثال المضاد # counterexample # من ~~التعريف نفسه، ms061 فإذا كنا مثلا بصدد العبارة الكلية «كل الغربان سود»، وجابهنا ~~شاهد مضاد لغراب أبيض لأمكننا القول: «إن غرابا أبيض هو ليس غرابا على ~~الإطلاق.» # مثل هذه الفروض التحايلية المقحمة والمناورات التعريفية هي نوع من الغش ~~والمماحكة، وهي إجراءات رخيصة ومبتذلة، وعلى العالم الحق أن يتجنبها قدر المستطاع، ~~ورغم أن الفروض العينية تستخدم بالفعل في بعض الأحيان وتؤدي إلى نجاحات كشفية ~~كبيرة، فقد بذل كارل بوبر جهده لتحديد القواعد المنهجية لاستخدام مثل هذه الطرق ~~بحيث تكون مشروعة علميا وغير معطلة لتقدم المعرفة العلمية أو مطيلة لعمر ~~نظريات بائدة لا تريد أن تتنحى وتفسح الطريق لفرضيات جديدة أكثر قوة تفسيرية وأكثر ~~اقترابا من الحقيقة. # تعد هذه الطرق (الفروض العينية التحايلية، المناورة الاصطلاحية ... إلخ) وسائل ~~أو خدعا ل «تحصين» النظرية من الدحض # immunization ~~stratagem ~~. ويميز بوبر بين التحصين الصادق والتحصين الزائف، ~~فالتحصين الصادق يدافع عن النظرية بواسطة توقعات هي ذاتها قابلة للتكذيب، ومن أمثلة ~~التحصين الصادق ما زعمه علماء الفيزياء النيوتونية من أنه لا بد أن يكون هناك كوكب ~~آخر بعد أورانوس، وذلك عندما أعجزهم تفسير انحراف المسار - وفقا للحسابات - بأي ~~طريقة أخرى، بذلك حصنوا فرضيتهم، غير أن هذا التحصين هو في الحقيقة قابل ~~للتكذيب من حيث المبدأ، وعندما تحسنت طرق الملاحظة فيما بعد تبين أنهم كانوا ~~على حق، لقد أسهم تحصينهم في البحث عن الكوكب «نبتون» واكتشافه في النهاية. هذا ~~مثال للتحصين الصادق، أما التحصين الزائف فمن شأنه أن يجعل تكذيب الفرضية أمرا ~~محالا من حيث المبدأ، يقول بوبر: «حين تذهب لمحلل نفسي فإنه يعالجك، فإذا شعرت ~~بتحسن بعد ذلك فهو يقول لك: ها أنت ترى الآن فعالية التحليل النفسي فأنت تشعر ~~بتحسن. أما إذا لم تتحسن حالتك بعد ذلك أو حتى إذا ساءت بحيث أبديت رغبتك في ألا ~~تكمل العلاج فسوف يقول لك: الآن تجد نفسك في طور «المقاومة» # resistance # وهو طور متوقع ويثبت أن كل شيء يمضي كما ~~يجب.» ~~(1-3) انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد) # confirmation ~~bias # 8 # ولايزالون يتشبثون ms062 بعناد بفكرة أن الإجابة الجيدة الوحيدة هي الإجابة ~~بنعم، فإذا سألوني «هل العدد هو بين 5000 و10000؟» فقلت: «نعم»، فإنهم يفرحون، ~~وإذا قلت: «لا» يمتعضون، رغم أنهم يحصلون على نفس القدر بالضبط من المعلومات في ~~كلتا الحالتين. # جون هولت، لماذا يرسب الأطفال؟ # في تجربة شهيرة # 9 # عرض على المشاركين أربع بطاقات، كل بطاقة منها تحمل عددا على أحد ~~وجهيها وحرفا أبجديا على وجهها الآخر، مثل هذا: # ثمة فرضية في هذه البطاقات تقول بأنه: «إذا كان في البطاقة حرف متحرك على أحد ~~وجهيها فإن على وجهها الآخر عددا زوجيا بالضرورة.» والمطلوب من المشارك أن يقدم ~~أسرع طريقة لاختبار هذه الفرضية (أو يطلب منه - بصيغة أخرى - تحديد بطاقتين ~~اثنتين فقط عليه أن يقلبهما لكي يختبر صدق هذه الفرضية). # في هذه التجربة وقع جميع المشاركين تقريبا في الاختيار الخطأ (وهو: # E ~~، 4) ولم يهتدوا إلى الجواب الصحيح (وهو: # E ~~، 7)، ذلك أن عليك أن تقلب بطاقة # E # لتكشف إن كان هناك عدد زوجي على ظهرها؛ فإذا ~~لم يكن فالفرضية كاذبة. يتعين عليك أيضا أن تقلب البطاقة 7 لكي تتيقن من أنها لا ~~تحمل في ظهرها حرفا متحركا؛ فإذا وجدته فالفرضية كاذبة. وما دامت البطاقة # E # بها عدد زوجي والبطاقة 7 ليس بها حرف متحرك ~~فإن الفرضية صادقة، ولا يهم ما يكون على ظهر البطاقة 4 والبطاقة # K # ولا يغير من الأمر شيئا. # والآن ما هو مصدر الضلال هنا؟ # لماذا نميل فعلا إلى اختيار البطاقة 4 بدلا من 7؟ # يبدو أن لدينا ميلا صميما إلى أن «نؤيد» # confirm # مثل هذه الفرضيات بدلا من أن «نفندها» # disconfirm ~~، إننا نقلب البطاقة 4؛ لأننا نبحث ~~فقط عن أمثلة موجبة للفرضية وليس أمثلة سالبة. إننا أميل إلى البحث عن دليل ~~«مؤيد» حتى إذا كان الدليل «المفند» أكثر دلالة بكثير. # يفكر الواحد منا بمثل هذه الطريقة: «إذا قلبت بطاقة العدد الزوجي ووجدت حرفا ~~متحركا أكون قد أيدت العبارة.» غير أن العثور على مثال يؤيد القاعدة لا ~~يثبت أن القاعدة صادقة، بينما العثور على ms063 مثال واحد يكذب القاعدة هو أمر ~~يكفي لأن يثبت كذبها على نحو نهائي حاسم ويقضي عليها قضاء مبرما. # انظر أيضا إلى المثال التالي: فهذا سياسي يرى أن إلغاء الضرائب المحلية سوف يؤدي ~~إلى انخفاض معدلات الجريمة، ومن ثم فقد طلب من الباحثين لديه أن يجمعوا أمثلة ~~لحالات ألغيت فيها الضرائب المحلية ثم انخفضت معدلات الجرائم. وجد الباحثون ~~أن هناك مائة من هذه الأمثلة، إذاك خلص السياسي إلى أنه محق في افتراض أنه ~~بخفض الضرائب المحلية يمكنه أن يقلص الجريمة. # لقد أراد السياسي أن «يؤيد» فرضيته فحسب لا أن «يفندها»، وربما يكون بذلك ~~قد ضل السبيل، ولعل باحثيه لو جدوا في الطلب لأتوا له بمائتي حالة ~~ارتفعت فيها الجريمة بعد إلغاء الضرائب المحلية! # في مجال الاستدلال الإحصائي يعد انحياز «التأييد» # confirmation ~~(أو «التحقيق» # verification ~~) ضربا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل ~~الدراسة، ومن أجل معادلة هذا الميل البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي ~~بطريقة تلزمنا بأن نحاول تفنيد # disconfirmation ~~(أو تكذيب # falsification ~~) فرضياتنا. # وفي مجال السيكولوجيا يعرف انحياز التأييد بأنه ظاهرة تتميز بميل صانعي ~~القرار إلى ملاحظة الأدلة المؤيدة لدعاواهم والاحتفاء بها والتماسها بهمة، بينما ~~يميلون إلى تجاهل الأدلة التي قد تنال من الدعاوى، وإلى التقاعس عن طلبها والبحث ~~عنها. وهي بهذا المعنى تعد صورة من صور «الانحياز الانتقائي» # selection bias # في جمع الأدلة. # يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات ~~الاجتماعية «المخلدة لذاتها» و«المحققة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا ~~الانحياز هو أن الذهن البشري بحكم تكوينه يجد صعوبة في «معالجة» # processing # الإشارات السالبة أكثر مما يجده في ~~معالجة الإشارات الموجبة، انظر - مثلا - كم هو أسهل أن تستوعب عبارة «جميع ~~اليونانيين فانون» من أن تستوعب «جميع غير الفانين غير يونانيين». للمرء إذن أن ~~يتوقع أن تكون المعلومات المؤيدة مؤثرة بصفة خاصة كلما كانت المفندات مصوغة ~~صياغات سالبة. وكما لاحظ فرنسيس بيكون منذ زمن طويل فإن «من الأخطاء التي تسم ~~الفكر الإنساني في كل زمان ms064 أنه مغرم ومولع بالشواهد الموجبة أكثر من الشواهد ~~السالبة، حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد، والحق أنه في عملية البرهنة على أي ~~قانون صادق يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهة وفاعلية.» # 10 # وقد قام عدد من الباحثين بدراسة ميل الناس لالتماس المعلومات المؤيدة في ~~استراتيجياتهم في اختبار فرضياتهم في حياتهم اليومية. من ذلك أن يقوم الباحث بتقديم ~~قائمة من الأسئلة للشخص المفحوص لكي ينتقي منها مجموعة يوجهها للشخص الذي يريد أن ~~يكشف عن وجود (أو عدم وجود) سمة شخصية معينة فيه (سمة الانبساط مثلا)، وكانت ~~النتيجة أن المفحوص يميل أحيانا إلى انتقاء الأسئلة التي يكون ردها الموجب ~~مؤيدا للفرضية (فرضية وجود السمة الانبساطية مثلا)، وقد يكون السؤال مضيقا ~~بحيث يرجح ألا يرد عليه إلا بالإيجاب؛ ومن ثم تكون الحصائل تأييدا زائفا ~~للفرضية الأولى حتى لو كانت هذه الفرضية غير صحيحة. # 11 # وتشير الدراسات الحديثة رغم ذلك إلى أنه بينما تسود مغالطة التأييد كحالة ~~مبدئية، فإن تكرار ورود البيانات المفندة يحدث تحولات في التفكير النظري، ~~فالمسلك العام لدى الباحثين هو استبعاد البيانات المفندة في البداية باعتبارها ~~نتاج زلل أو سهو أو عوامل دخيلة، غير أن تكرار البيانات المفندة وتراكمها ~~وإلحاحها في الظهور يحدث تغيرا في استراتيجيات الاستدلال السببي. ~~(2) نرى ما نتوقع أن نراه # التقييم المتحيز للبيانات الملتبسة وغير المتسقة # سوف أراه عندما أعتقد به. # زلة لسان لعالم النفس: ثان بيتمان # إنما تنجح المقالة في المر # ء إذا صادفت هوى في الفؤاد # المتنبي # الحياة سلسلة من المقايضات، فلكل فائدة تحصل ثمة دائما كلفة ما، إذا زدنا من ~~سرعتنا - مثلا - في معظم مهامنا، فنحن نخسر الدقة في الأغلب، وإذا زدنا الدقة فلا بد ~~من أن نبطئ، وإذا توسع عمل تجاري ناجح فثمة احتمال بأن يعاني انحدارا في تلقائية ~~وسهولة الدخول على رئيسه، وهما أمران قد يكونان سببا كبيرا لنجاحه الأول، وقد ~~أنعم على بني الإنسان بذكاء غير مسبوق، غير أن البيولوجيين ينبئوننا أن ولوج ~~الأدمغة الكبيرة المسئولة عن هذا ms065 الذكاء عبر قناة الولادة الضيقة يستلزم أن نولد على ~~نحو مبتسر وأن نعاني بالتالي فترة أطول من المعتاد # 12 # من الرضاعة وقلة الحيلة. # وتظهر المقايضات أيضا في أحكام الحياة اليومية واستدلالاتها؛ فنحن حين نتخذ أحكامنا ~~وقراراتنا نستخدم لذلك قواعد واستراتيجيات غير صورية تبسط لنا المشكلات الصعبة ~~تبسيطا جوهريا وتتيح لنا حلها دون جهد وعناء زائدين. هذه الاستراتيجيات ناجعة في ~~الأغلب الأعم، إلا أن فائدة التبسيط تأتي على حساب الدقة وتورثنا أحيانا أخطاء ~~منهجية. # من ذلك أن لدينا قاعدة تبسيطية تقول لنا: إن العلل تماثل معلولاتها؛ فالمعلولات ~~الكبيرة لا بد أن تكون لها علل كبيرة، وللمعلولات المعقدة علل معقدة، وهكذا ينطوي هذا ~~الافتراض على بعض الحق ويسهل علينا الاستدلال العلي بأن يحصر لنا عدد العلل ~~التي علينا أن نضعها بالاعتبار، ولكن ليست جميع العلل تماثل معلولاتها؛ فالفيروسات ~~الدقيقة قد تسبب أوبئة هائلة. ومن شأن التعويل الزائد على هذا الافتراض أن يدفع الناس ~~إلى إغفال علاقات علية هامة وأن يرتئوا علاقات لا وجود لها. هكذا نرى أن نفس المبدأ ~~الذي يتيح لنا اتخاذ أحكام بسهولة واضحة ونجاح كبير هو أيضا مسئول عن بعض أخطائنا ~~المنهجية. # هذه المقايضة بين المزايا والنقائص تتجلى في أوضح صورة في التأثير الكبير الذي ~~تحدثه توقعاتنا وتصوراتنا واعتقاداتنا المسبقة على تأويلنا للمعلومات الجديدة، ~~فحين يكون الناس بصدد فحص الأدلة المتصلة باعتقاد ما فإنهم يجنحون إلى رؤية ما ~~يتوقعون رؤيته، واستنتاج ما يتوقعون استنتاجه. إن المعلومات التي تتسق مع اعتقاداتنا ~~المسبقة تنال منا القبول بادي الرأي، أما الأدلة المضادة لها فنحن نتناولها ~~بالتمحيص النقدي ونسقطها من حسابنا، وهكذا لا تؤتي المعلومات الجديدة أثرها فينا ~~ولا تفعل فعلها كما ينبغي لها، ولا تؤثر متضمناتها على اعتقادنا كما يجب. ~~(2-1) التحيز الملائم والتحيز غير الملائم # مثل هذا التعامل المتفاوت مع المعلومات الجديدة يصدم أغلب الناس للوهلة الأولى ~~بوصفه غير مبرر وضارا أحيانا، ويستدعي في الذهن صور الأشخاص المتزمتين - ~~على سبيل المثال - الذين لا يعبئون بالخصائص الفردية المميزة لشخص ما بالقياس ~~إلى ms066 تنميط معين إثني أو جنوسي أو مهني غير صائب، ويستدعي في الذهن أمثلة من ~~أشخاص أو جماعات تتمسك تمسكا أعمى بدوجما عتيقة الزي. إن الميل إلى تقييم الأدلة ~~بطريقة متحيزة قد تكون له عواقب وخيمة، وهو يقدم السند لكثير جدا من ~~الاعتقادات الخاطئة وغير الدقيقة، على أن مسألة الحياد الذي يجب أن نتحلى به في ~~تقييم المعلومات التي تؤيد أو تفند تصوراتنا المسبقة هي مسألة أدق وأعقد مما يظن ~~معظم الناس. # هي مسألة معقدة لأن من غير الملائم وغير الرشيد أن يمضي المرء في الحياة يروز ~~جميع الوقائع على السواء ويعيد النظر في اعتقاداته من جديد كلما واجهته واقعة ~~مضادة، فالحق أنه إذا كان اعتقاد ما قد لقي تدعيما طوال حياة المرء فمن الوجيه ~~تماما أن يشك في أي ملاحظة أو تقرير يشكك في هذا الاعتقاد، وأن يقبل من فوره أي ~~دليل يؤيد صدقه. لقد كان تشكك العلماء في تقارير الاندماج النووي البارد تشككا ~~وجيها تماما؛ لأنه كان شكا قائما على أساس نظري صلب يحدد ما هو ممكن من ~~الأحداث وما هو غير ممكن. وكل منا له كل الحق في أن ينظر شزرا إلى دعاوى الأطباق ~~الطائرة والطفو في الهواء والعلاجات المعجزية للسرطان. إن الأحداث التي تتحدى ~~المعارف التي تأسست على نطاق عريض ومرت باختبار الزمن ينبغي التعامل معها ~~بحذر، أما الأحداث التي تنسجم مع المعرفة القائمة فيمكن تقبلها بصدر أرحب. # غير أننا يجب أن نفرق بين الارتيابية المشروعة والانغلاق الذهني المقيت، بين ~~تشكك العلماء في الاندماج البارد وتشكك رجال الدين في دعوى جاليليو بدوران ~~الأرض ومركزية الشمس؛ ذلك أن رافضي الاندماج البارد حاولوا تكرار الظاهرة في ~~مختبراتهم الخاصة، أما نقاد جاليليو فرفضوا النظر في البيانات ذات الصلة. كما أن ~~الأساس الذي تقوم عليه اعتقاداتنا المسبقة يضطلع بدور كبير في تبرير الشك في ~~المعارف الجديدة المخالفة؛ فالظواهر التي حظيت بتعزيز كبير ومتواتر وطويل الأمد ~~- مثل تأثير الجاذبية - ينبغي ألا نتخلى عنها ببساطة أو نعدلها لدى أول ~~حفنة من الوقائع المضادة، ms067 أما أشكال التنميط العرقي والجنوسي والمهني فهي على ~~النقيض التام من ذلك؛ لأنها ترتكز في الغالب على أدلة هزيلة أو لا وجود لها على ~~الإطلاق، ولنا من ثم أن نسارع بتعديلها أو التخلي عنها. # يبدو أن الإنصاف في تقييم الأدلة مسألة معقدة، وأن التحيز ليس شيئا سيئا على ~~طول المدى؛ فالحق أن قدرا معينا من التحيز هو شيء ضروري للغاية! انظر مثلا هذا ~~العنوان الصحفي: # Mondal’s offensive looks hard to ~~beat ~~، ليس في الألفاظ نفسها ما يسمح لنا أن نحدد هل تشير ~~العبارة إلى خطة حملة موندال أم إلى مظهره الجسماني. # وانظر أيضا إلى هذا العنوان: «إدارة إنبي تهدد بالانسحاب من الدورة»: ليس في ~~الألفاظ ذاتها ما يتيح لنا أن نحدد هل تتحدث العبارة عن شركة «إنبي» أم عن فريق ~~«إنبي» الرياضي، إلا أن معرفتنا المسبقة بما هو معقول وما هو غير معقول تتيح لنا ~~للتو ودون عناء أن نستنتج الاستنتاج الصحيح. # إن السياق والمعرفة المسبقة والتوقعات والتحيزات هي عدتنا للفهم، وقد ثبت أن ~~من أصعب الأمور أن نبرمج حتى أكثر الحواسيب تطورا على أن تعقد مثل هذه ~~الاستدلالات البسيطة، فبدون هذه القدرة على استخدام السياق والتوقعات التي تتخطى ~~المعلومات المعطاة لكنا أغبياء بنفس الطريقة التي يتصف بها الحاسوب ذو القدرة ~~الحوسبية العالية بأنه «غبي». إن نظرياتنا وتصوراتنا المسبقة و«تحيزاتنا» - على ~~عجزها في بعض الأحيان - هي ما يجعلنا أذكياء فطنين. # إن المرء لا يمكنه أن يعرف العالم إلا من خلال الفهم المسبق! وفي معرض ~~تفسيره لهيدجر يتناول هانز جادامر في كتابه «الحقيقة والمنهج» # Truth and Method # مسألة المعرفة المسبقة في مواجهتنا مع ~~النصوص، فيقول بأننا لا يمكن أن نقرأ النص إلا بتوقعات معينة، أي بإسقاط مسبق. ~~غير أن علينا أن نراجع إسقاطاتنا المسبقة باستمرار في ضوء ما يمثل هناك أمامنا، ~~وبإمكان كل مراجعة لإسقاط مسبق أن تضع أمامها إسقاطا جديدا من المعنى. ومن ~~الممكن أن تبزغ الإسقاطات المتنافسة جنبا إلى جنب إلى أن تغدو وحدة المعنى ~~أكثر وضوحا، ويتبين كيف ms068 يمكن أن تترابط الرموز والعالم. # 13 # هذه العملية الدائمة المستمرة من الإسقاط الجديد هي حركة الفهم والتأويل، وعلى ~~المؤول لكي يبلغ أقصى فهم ممكن ألا ينخرط فحسب في هذا الحوار مع النص، بل أن ~~يفحص على نحو صريح منشأ المعنى المسبق الذي بداخله ومدى صحة هذا المعنى، يقول ~~جادامر: «وإدراك أن كل فهم لا بد له من أن يشتمل على بعض «التحيز» # prejudice ~~(أي «المعنى المسبق» # fore-meaning ~~) هو ما يمنح مشكلة التأويل زخمها الحقيقي.» ~~وجدير بالذكر أن جادامر يعتبر سعي «التنوير» إلى التخلص من كل التحيزات هو نفسه ~~تحيز! (تحيز ضد التحيز!) إنه تحيز يحجب عنا تاريخيتنا الجوهرية وتناهينا الصميم. # 14 ~~••• # حين نواجه معطيات تحتمل معنيين فنحن ندركها - ببساطة - على النحو الذي يلائم ~~تصوراتنا المسبقة، أما حين نواجه معطيات غير ملتبسة ولا تحتمل إلا معنى ~~واحدا فإننا نتقبلها دون نقد إن كانت متسقة مع توقعاتنا وبنائنا الأيديولوجي، ~~أما إذا كانت مضادة لذلك فنحن نعرضها للتمحيص النقدي ونمنحها المزيد من جهدنا ~~الذهني حتى نردها متسقة مع توقعاتنا وتصوراتنا الأصلية. ~~(2-2) تجارب بحثية: لماذا يتشبث الناس باعتقاداتهم السابقة رغم الأدلة ~~الجديدة؟ # في تجربة بحثية تعرض أنصار ومعارضو عقوبة الإعدام لأدلة تتعلق بالفاعلية ~~الرادعة لهذه العقوبة، # 15 # فقد قرأ كل من المجموعتين ملخصين لدراستين في ذلك: إجراءاتهما ~~ونتائجهما ونقدهما. إحدى الدراستين تقدم دليلا يؤيد الفاعلية الرادعة لعقوبة ~~الإعدام، والأخرى تقدم دليلا ضد هذه الفاعلية. لدى نصف المشاركين كانت الدراسة ~~المؤيدة لعقوبة الإعدام تقارن معدلات القتل في نفس الولاية قبل وبعد عقوبة الإعدام، ~~والدراسة المفندة للفاعلية الرادعة تقارن معدلات القتل في ولايات مختلفة بعضها ~~يطبق العقوبة وبعضها لا يطبقها، ولدى النصف الآخر من المشاركين كانت نوعية الدراسات ~~المؤيدة والمفندة معكوسة، يعني ذلك أنه لدى كل من الأنصار والمعارضين للعقوبة كان ~~النصف يجد توقعاته مؤيدة بنوع من الدراسات ومفندة بالنوع الآخر، بينما كان ~~النصف الآخر يتعرض للنمط العكسي من المعطيات. # كانت نتائج هذه التجربة مثيرة: فقد كان المشاركون يعتبرون الدراسة التي قدمت ~~دليلا متسقا مع ms069 اعتقادهم السابق (بغض النظر عن نوع هذه الدراسة) كقطعة بحثية ~~جيدة الإجراء تقدم دليلا هاما يتعلق بمدى فاعلية عقوبة الإعدام، وكانوا - في ~~المقابل - ينقبون عن عيوب عديدة في البحث الذي كان يناقض اعتقاداتهم الأولى. كان ~~التأثير النهائي لهاتين النتيجتين أن مواقف المشاركين صارت مستقطبة، فالتعرض ~~لحشد مختلط من الأدلة جعل كلا الطرفين أكثر اقتناعا بصواب اعتقاداته ~~الأصلية. # وقد أجريت دراسة أخرى على المقامرين وميلهم إلى تقييم النتائج بطريقة منحازة. ~~كانت الدراسة تسعى إلى الإجابة عن السؤال المحير: لماذا يصر المقامرون على ~~الاستمرار في هذا المشروع المحبط؟ لماذا يعتقدون - برغم كل خسائرهم السابقة - بأن ~~المكسب وشيك يكاد يدق الأبواب، وقد خلصت هذه الدراسة إلى نفس النتيجة: إنهم ~~يقبلون الأدلة الموجبة دون نقد، ويؤولون الأدلة السلبية لكي يردوها ~~متسقة مع توقعاتهم الأصلية. # 16 # نخلص من ذلك إلى ما يلي: حين يواجه المرء بخليط من الأدلة: سلبية وإيجابية، ~~فإنه يقبل الإيجابية فورا على علاتها، أما السلبية - أي المضادة لمنظومته ~~الاعتقادية - فيعمل فيها التأويل حتى يردها إيجابية، من هنا يخلص كل طرف ~~من الخصوم في المناظرات الفكرية وهو أكثر اقتناعا بمذهبه! ومن هنا يبرر ~~الرأي ذاته ويخلد الاعتقاد نفسه. # حتى العلماء ليسوا محصنين من الوقوع في نفس الأخطاء عندما يقيمون ~~الأدلة المتصلة بمجالاتهم، فقد وجد أن الانتقادات المنهجية وتوصيات النشر ~~الصادرة عن المراجعين النظراء # peer reviewers # تتأثر بشدة بالتوجه النظري للمراجع: يحتد النقد إذا كان البحث مخالفا ~~لقناعات المراجع ويلين إذا كان موافقا؛ فتجده يجري تجربة إضافية إذا ~~كانت نتائج البحث الذي يراجعه تدحض فرضية أثيرة لديه، بينما يغض الطرف ويضرب ~~صفحا إذا كانت النتائج تدعم هذه الفرضية. # وتتجلى هذه الظاهرة في أوضح صورة في تاريخ المحاولات العلمية لربط حجم الدماغ ~~والجسم بالذكاء والشخصية (ومن ثم بالقيمة الاجتماعية). هنالك نجد أمثلة لميل ~~الباحثين إلى تحدي النتائج الصادمة وإعادة تأويلها بينما هم يغضون الطرف عن ~~عيوب والتباسات مماثلة إذا كانت مريحة لهم ومسايرة لاعتقاداتهم. # من ذلك أن العالم الفرنسي باول بروكا P. Broca ~~- المتخصص في ms070 علم الجماجم - لم يسعه أن يقبل أن الأدمغة الألمانية التي يدرسها ~~كانت أثقل من الأدمغة الفرنسية في عينته بمقدار مئة جرام في المتوسط، ومن ثم ~~جعل يكيف أوزان الأدمغة في العينتين بحيث يضع في الاعتبار عوامل خارجية متصلة ~~بوزن الدماغ من قبيل الحجم الكلي للجسم، ورغم ذلك فإن بروكا لم يقم قط بتكييف ~~مماثل في شروحه الكثيرة للفرق بين حجم دماغ الرجل ودماغ المرأة. # 17 # أما عالم أنثروبولوجيا الإجرام سيزار ~~لومبروزو # C. Lombroso # فقد دعم أطروحته عن الطبيعة البدائية والحيوانية ~~للمجرمين ول «الأعراق الدنيا» بذكر أمثلة عديدة لانعدام حساسيتهم للألم، وهي أمثلة ~~يفسرها باعتبارها شجاعة وجسارة عندما تصدر عن واحد من العنصر الأوروبي الممتاز. # 18 # غير أن العلم يتغلب على مثل هذه التحيزات بحرصه الشديد على تكرار التجربة # replication # وعلى مشاعية النتائج ~~وعلانيتها، بحيث لا تدوم في سوق الأفكار أية نتائج قائمة على أساس مهتز. وإذا كنا ~~في الحياة اليومية نتخلص - بعض الشيء - من الأفكار الفادحة الخطأ بفضل التأثير ~~المصحح لزملائنا ولعموم المجتمع؛ فإن العلماء يتسلحون في منهجهم بإجراءات خاصة ~~للتغلب على العيوب الغائرة في الاستدلال البشري، وهي إجراءات قلما يلتفت إليها ~~الشخص العادي ويتبناها في الحياة اليومية، من هذه الإجراءات: استخدام المجموعات الضابطة # control groups ~~، وأخذ العينات العشوائية # random sampling # لتجنب عقد استدلالات ~~من معطيات ناقصة وغير ممثلة، ومنها استخدام «الملاحظ الأعمى» # blind observer # للتخلص من تأثير عمليات التقييم المتحيز، ~~والملاحظ الأعمى هو شخص على غير دراية لا بالفرضية محل البحث ولا بالحالة المحددة ~~للتجربة المجراة في وقت معين (مجموعة العلاج مثلا أو المجموعة الضابطة)، ومن ثم ~~فإن توقعاته عما «ينبغي» أن يحدث في التجربة لا يمكن أن تحيز سلوكه. # ولكن ربما يكون صمام الأمان الأساسي والأهم في المشروع العلمي هو اشتراطه تحديد ~~معنى شتى النتائج والمآلات على نحو موضوعي ومسبق إن أمكن، وبعبارة أخرى: أن نحدد ~~مقدما وعلى نحو دقيق ماذا يمثل نجاحا وماذا يمثل فشلا، ماذا يعد تحقيقا ~~للفرضية وماذا يعد تكذيبا لها، لا أن نتلقى النتائج ms071 ثم نؤول معناها تأويلا ~~يسلكها بعنت في توقعاتنا المبدئية ويقسرها على الانسجام مع فرضيتنا ~~الأولى. # قد يبدو ذلك ضربا من التصلب والصرامة الزائدة، نعم، نحن في العلم نضحي بشيء ~~من المرونة من أجل الموضوعية، غير أننا يجب أن نميز في العلم بين عملية توليد ~~الأفكار وعملية اختبارها، أو بين «سياق ~~الكشف» # context of discovery # و«سياق ~~التبرير» # context of justification ~~. في سياق الكشف كل شيء يجوز في العلم مثلما هو الحال في ~~الحياة اليومية. إنما في سياق التبرير تتجلى صرامة العلماء ويزداد تحفظهم، يقول ~~سير بيتر ميداوار Peter Medawar ~~: يعمل العلم «في ~~تبادل سريع بين التخمين والتحقيق، بين الاقتراح والاطراح، # 19 # بين الحدس الافتراضي والدحض.» # 20 # في العلم يجب أن يكون لديك الكثير من الأفكار ثم عليك أن ترمي عنك ~~الزائف منها، وهي إجراءات ينصح أن يتبناها المرء في حياته اليومية. ويبدو أننا ~~نحن البشر بارعون جدا في توليد الأفكار والنظريات والتفسيرات التي لها نبرة من ~~القبول والمعقولية ، ولكننا قد لا نكون بارعين بنفس الدرجة في تقييم أفكارنا ~~واختبارها ما إن تتكون، ولعل من أكبر العوائق التي تحول بيننا وبين ذلك هو عدم ~~إدراكنا لهذا المبدأ المذكور: أننا إذا لم نحدد بدقة صنف الأدلة التي سوف تعد ~~مؤيدة لموقفنا فإننا عرضة لأن ينتهي بنا الأمر إلى أن نستبين جمهرة ~~كبيرة جدا من الأدلة المؤيدة لتصوراتنا المسبقة. # وبعبارة أخرى: فإن توقعاتنا عرضة في كثير من الأحيان لأن تلقى تأييدا من أي ~~حصيلة كانت من بين مجموعة متباينة من الحصائل بعد الواقعة، بعضها لم نكن ~~لنقبله قبلها كمعيار للنجاح. هب أن متنبئا تنبأ بوفاة سياسي شهير هذا ~~العام. إن من الأهمية بمكان أن نحدد إذاك نطاق الأحداث التي سوف تمثل نجاحا ~~للنبوءة، وإلا فسوف ننبهر انبهارا زائدا بأي صلة واهية بين النبوءة وبين أي حدث ~~لاحق: قد يموت اقتصادي كبير فنقول صدقت النبوءة، وقد يموت رجل أعمال كبير كان ~~يعمل في شبابه بضع سنوات في سفارة مصر بالصين فنقول: صدقت النبوءة، وقد تجري ms072 ~~محاولة اغتيال فاشلة لسياسي شهير فنقول: صدقت النبوءة ... إلخ. من البين أننا ~~إذا لم نحدد مقدما جميع المآلات المحتملة التي تعد نجاحا للنبوءة فلن يعود ~~الاختبار موضوعيا وسوف تلقى النبوءة تأييدا ظاهريا سهلا من أيما حدث ~~يحدث. # تتفاقم مشكلة المآلات المتعددة وتبلغ غاية الشدة إذا كان موضوع البحث غائما ~~بطبيعته وعسيرا على التحديد: افترض مثلا أن ثمة دعوى تقول بأن الرعاية ~~النهارية أثناء مرحلة الرضاع تعوق «التوافق ~~الشخصي» # personal adjustment # في مقبل العمر، حسن، ترى ماذا يكون «التوافق الشخصي» ~~وكيف لنا أن نقيسه؟ أنقيسه بعدد الأصدقاء في فترة المراهقة؟ أبالنجاح المدرسي؟ ~~بالسعادة بالمجال المهني المختار؟ في مثل هذه الحالات التي تكون فيها الظاهرة قيد ~~البحث غير واضحة يكون لتصوراتنا المسبقة أشد التأثير؛ ذلك أن أي مقياس للتوافق ~~مؤيد لاعتقاداتنا المبدئية سيكون حريا أن نتشبث به على أنه الاختبار الصحيح. ~~أما إذا كانت الدعوى تقول بأن الرعاية النهارية في الرضاع تعوق «الإنجاز المدرسي» ~~فإن الأمور تزداد تحددا وصلابة بعض الشيء ؛ ومن ثم تقل فرصة تصوراتنا المسبقة ~~في أن تؤتي أثرا. # هكذا نتبين أن غموض الدعوى وعدم تحددها يجعل من العسير تكذيبها ومن اليسير ~~العثور على ما يؤيد جوانب منها بشكل أو بآخر، وهذا مما يقصر على العرافين ~~وقراء الطالع طريقهم وييسر مهمتهم؛ فهم يقولون للناس كلاما عاما ~~غير محدد، ويتكفل الناس بالبحث في ذاكرتهم وأفهامهم والعثور على مؤيدات لهذا ~~القول العام. # يطلق على هذه الظاهرة «أثر ~~بارنم» # Barnum effect ~~، نسبة إلى المخرج الاستعراضي ومقاول السرك في القرن ~~التاسع عشر ب. ت. بارنم Phineas Taylor Barnum ~~، ~~كان بارنم يعزو نجاحه إلى أنه يقدم مقاسا واحدا يناسب الجميع! أو - على حد ~~قوله - «لدينا شيء ما لكل شخص.» وهو القائل أيضا: «هناك مغفل «جديد» يولد ~~كل لحظة.» يشير بارنم بهذا القول الساخر إلى ميل الناس على الدوام إلى تصديق ~~توصيفات شخصية زائفة على أنها تصف شخصيتهم الخاصة على نحو فريد. # ويطلق على هذه الظاهرة أيضا «أثر ~~فورر» # Forer effect ~~، نسبة إلى عالم السيكولوجيا برترام ms073 فورر # Bertram R. Forer ~~(1914-2000م)، الذي اكتشف أن ~~الناس تميل إلى قبول توصيفات شخصية عامة على أنها تنطبق عليهم هم بصفة خاصة غير ~~مدركين أن نفس الوصف يمكن أن ينطبق على أي شخص كان. # 21 # ولهذه العملية صولات أخرى كثيرة، منها: اعتقاد الناس بالطبيعة النبوئية ~~للأحلام، وبوجود معنى ومغزى للأحداث التصادفية، وقد لعبت دورا في بعض الأمور ~~الخلافية العلمية، مثل الدعوى القائلة بأن الضغوط النفسية تسبب السرطان، فكثيرا ما ~~تدعم هذه الدعوى بالملاحظات المسجلة بوجود صدمات نفسية معينة حدثت قبيل ~~بداية حالة سرطان فردية، ولكن ما دمنا جميعا نبتلى بصدمات متنوعة من وقت لآخر ~~فإن من الممكن دائما ربط السرطان بحدث صادم معين. ~~(3) الاعتقاد فيما يقال لنا # التأثيرات التحيزية للمعلومات المنقولة بالوساطة (التحريفات الناجمة عن رواية ~~العنعنة) # الشيء المزعج في أمر «الحقيقة» هو أنها في الغالب غير مريحة، وكثيرا ما تكون ~~فاترة مملة، إنما يريد العقل الإنساني شيئا أكثر إيناسا وأكثر ~~تلطفا. # H. L. Minchen # حين يعتزم المرء أن يروي لرفاقه واقعة يكون قد وضع نفسه في موضع حرج، ~~فالواقع فاتر ممل، وبه جوانب غامضة، وجوانب لا معنى لها، وجوانب ناقصة أو معتمة ~~غير مضاءة، من هنا يجد الراوي نفسه مضطرا - ربما دون أن يعي ذلك - إلى أن يعمل ~~خياله فيقوم بلي الوقائع وتعديلها وتفصيلها حتى تستوي له قصة متماسكة ~~وممتعة وآسرة للانتباه. # من الروايات الشهيرة في تاريخ السيكولوجيا رواية «ألبرت الصغير» # Little Albert # 22 # ذي الأشهر التسعة، الذي أجرى عليه عالم النفس السلوكي واطسون # Watson # تجربة تبين منشأ الرهاب وتعميمه عن طريق ~~«التشريط» # conditioning # 23 # وفقا للنظرية السلوكية، كان واطسون # 24 # يعرض ألبرت الصغير لصوت مخيف من ورائه (بضرب قضيب معدني بالمطرقة) كلما ~~اقترب من فأر أبيض، وبتكرار ذلك نشأ لدى ألبرت خوف من الفأر حتى عندما لم يعد ~~مقترنا بالصوت، وقد بقي هذا الخوف يلازمه ولم يتناقص بمرور الوقت، وقد أبدى ألبرت ~~خوفا أيضا من عدد من الأشياء التي تشبه الفأر من أوجه كثيرة: أرنب، قفاز أبيض، ~~كرات ms074 قطنية. هذه القصة كثيرا ما تقدم كدليل على كيفية اكتساب الناس للمخاوف ~~المرضية من أشياء تبدو غير مؤذية، وكيفية تعميم هذه المخاوف لتشمل الأشياء ~~المشابهة. # رغم أن هذه القصة تفيد في تبيان بعض الأفكار الهامة عن اكتساب السلوك العاطفي البشري ~~وتعديله بطريقة سائغة مريحة، فإنها تعاني من عيب جد خطير: هو أن كثيرا من الأحداث ~~التي توصف في كثير من الروايات التي تروي عن هذه القصة (روايات العنعنة/روايات ~~النقل والوساطة/روايات اليد الثانية) لم تحدث قط! # 25 # في الواقعة الحقيقية نشأ لدى ألبرت بالفعل خوف من الفأر بعد تكرار الصوت العالي سبع ~~مرات في بداية التجربة، وهو خوف استمر قويا خمسة أيام أخرى أثناء اختبار متابعة، في ~~هذا الوقت أبدى ألبرت أيضا خوفا قويا من أرنب وكلب ومعطف من جلد الفقمة، و«استجابة ~~سلبية» أقل حدة لقناع بابا نويل، وأبدى استجابة ودية جدا لقوالب خشبية ولشعر ~~مساعدي واطسون. # غير أنه بعد خمسة أيام أخرى كانت استجابة ألبرت للفأر طفيفة بحيث قرر المختبرون ~~أن «ينعشوا الاستجابة» بأن يقرنوا الفأر بالصوت العالي مرة أخرى، وهو ما فعلوه ~~أيضا لأول مرة مع الأرنب والكلب (وبذلك لم يعد الأرنب والكلب منبهين صالحين في أي ~~اختبارات تعميم تالية)، وفي اختبار أخير بعد 31 يوما أبدى ألبرت خوفا لدى ملامسة ~~الفأر والأرنب والكلب والمعطف وقناع بابا نويل، إلا أنه شرع أيضا في التواصل مع نفس ~~الأرنب ونفس المعطف، وبعد هذه المجموعة الأخيرة من الاختبارات على ألبرت الصغير أخرجته ~~أمه من المستشفى الذي كانت تجرى فيه الدراسة، ولم يعد متاحا لأية تقييمات ~~لاحقة. # هذه هي الوقائع الحقيقية التي حدثت بالفعل في دراسة واطسون ورينور: لم يكن خوف ألبرت ~~من الفأر شديدا جدا، ولا هو تعمم للتو إلى كيانات أخرى كما يزعم كثيرا في وصف ~~الكتب الدراسية لهذا البحث المفصلي في تاريخ علم النفس، فقد ادعى أيزنك # Eysenck # مثلا أن «ألبرت أصابه رهاب من الفئران البيض، ~~ومن كل الحيوانات ذات الفراء في الحقيقة.» # 26 # غير أن التوكيد بأن ألبرت أصيب ms075 بفوبيا فأر يصعب توفيقه مع استجابته ~~البسيطة للفأر أثناء فترة الاختبار الثاني، وهي استجابة يصفها المختبرون كما يلي: ~~«تقلب على جنبه الأيسر، ثم نهض على أطرافه الأربعة جميعا وبدأ يزحف بعيدا، وهنا لم ~~يكن يصيح، بل للعجب: بدأ في ابتعاده يقرقر ويسجع بتودد حتى وهو يميل بعيدا إلى ~~جنبه الأيسر ليتجنب الفأر.» كما أن تقرير أيزنك عن خوف ألبرت من «جميع الحيوانات ذات ~~الفراء» فيه مبالغة، بالنظر إلى أن استجابته لمثل هذه الحيوانات كان مقدرا فحسب ~~بالنسبة للأرنب والكلب (وحتى هذان - لو تذكر - كانا قد قرنا بالصوت العالي أثناء ~~جلسة الاختبار الثاني). والحق أن مجال الأشياء التي تعمم إليها خوف ألبرت كانت ~~أكثر النقاط تعرضا للتحريف في التقارير اللاحقة عن نتائج الدراسة، فهناك كتب كثيرة ~~جعلت ألبرت يخاف من: قط، قفاز أبيض، فراء ياقة المعطف الفرائي لوالدة ألبرت، وحتى دب ~~لعبة، وربما يكون أغرب تحريف هو أن عددا من الكتب أعادت صياغة نهاية القصة زاعمة أن ~~خوف ألبرت قد تمت إزالته بواسطة عملية «إعادة ~~تشريط» # re-conditioning # أجريت في نهاية التجربة. # لماذا تعرضت قصة ألبرت الصغير لهذه التحريفات مرارا؟ لا شك أن كثيرا من التحريفات ~~قد أدخلت لكي تجعل من قصة ألبرت الصغير «قصة جيدة». ثمة جوانب عديدة لما يشكل قصة ~~جيدة، نجد كثيرا منها في وصف خبرات ألبرت كما دبجها واطسون ورينور: وصف يقدم قصة ~~مترابطة بسيطة لكيف يمكن اكتساب الرهابات، قصة ذات نهاية متسقة (بل سعيدة). # والآن نعرض لهذه العناصر وغيرها مما يشكل قصة جيدة، ويعنينا بدرجة أكبر أن نبين ~~كيف يمكن لرغبتنا في سرد قصة جيدة أن تنال من دقة المعلومات التي نتلقاها عن غيرنا ~~(بالوساطة/بالنقل/بالعنعنة/باليد الثانية). إن كثيرا مما نعرفه في عالم اليوم لا ~~يأتينا من خبرة مباشرة، بل يأتينا مما قرأناه ومما أخبرنا غيرنا. وإن أغلب ~~اعتقاداتنا يتأسس على أدلة لم نجمعها بأنفسنا؛ ومن ثم فإن إلقاء الضوء على الطرائق ~~التي يمكن أن تضلنا بها معلومات العنعنة من شأنه أن يتيح لنا فهما أفضل لمصدر شائع ms076 ~~للاعتقادات المغلوطة وغير الدقيقة. ~~(3-1) آليات تكوين قصة جيدة # لكأنه يعمل إزميله في حجر الواقعة، يبرز، ويطمس، حتى يستوي له ~~تمثال ذهنه كيانا ماثلا بالتمام والرونق. # ع. م. # لكي نفهم ما الذي يشكل قصة جيدة فإن علينا أن نتبين حاجات المتحدث ~~وحاجات المستمع، والأهداف التي يحاولان تحقيقها في تفاعلهما. ولما كان التواصل ~~أو المحادثة عملية تبادلية فليس من المستغرب أن يكون كثير من حاجات وغايات ~~المتحدث والمستمع متكاملة. إن المتحدث يريد أن تكون رسالته شيئا يستحق انتباه ~~المستمع، والمستمع - من جانبه - يريد أن يكون الحديث شيئا جديرا بالإصغاء، ولكي ~~يتحقق ذلك فإن ثمة شروطا معينة يتعين الإيفاء بها، أهمها: # أن تكون الرسالة مفهومة لا تتطلب تضلعا معرفيا من جانب ~~المستمع. # ألا تكون - رغم ذلك - مثقلة بتفاصيل كثيرة وكأنها تفترض في ~~المستمع جهلا شديدا. ~~(3-2) الإبراز # Sharpening # والطمس # Leveling # في روايات العنعنة # لكي نفهم عملية تكوين الاعتقادات الخاطئة فمن المهم أن نلاحظ أن الإيفاء حتى ~~بهذين الشرطين الأساسيين للغاية كفيل بإدخال تحريف فيما يجري توصيله، ثمة ~~دراسات جهيرة قام بها علماء النفس بارتلت # 27 # وأولبورت وبوستمان # 28 # تثبت أن الناس عندما تعطى رسالة لنقلها إلى شخص آخر فإنهم قلما ~~يوصلون الرسالة حرفيا. إن محدوديات الذاكرة البشرية والحاجة الضمنية بألا ~~يثقل المستمع بتفاصيل كثيرة جدا، من شأنها أن تفرض ضوابط على كمية المعلومات ~~المنقولة ونوعها، ومن ثم فإن ما يراه المتحدث زبدة الرسالة (وفقا لفهمه) فهو ~~يؤكده و«يبرزه» # sharpen ~~، أما التفصيلات التي ~~يراها غير جوهرية فهو يهون من شأنها أو «يطمسها» # level ~~، إن تقارير العنعنة كثيرا ما تصبح روايات أبسط ~~و«أنظف» وغير مثقلة بتناقضات صغرى أو تفصيلات ملتبسة. # ولنا في حالة «ألبرت الصغير» مثال جيد: صحيح أن ألبرت أصابه شيء من الخوف من ~~الفأر، وأن خوفه تعمم بعض الشيء إلى كيانات أخرى، غير أن مدى هذا الخوف ومدى ~~تعميمه لا نجد عليهما إلا دليلا غير متسق وغير مفهوم. ولأن هذه التناقضات تعترض ~~القصة الرئيسية حول القلق الشرطي الكلاسيكي فقد جرؤ كثير من ms077 الكتاب على ~~إزاحتها جانبا. إن تقرير واطسون الأصلي يذكر أن خوف ألبرت كان بحاجة إلى «إنعاشه» ~~بعد بضعة أيام، وأن الصوت العالي أيضا قد قرن مباشرة بالأرنب والكلب أيضا، ~~ورغم ذلك فإن التقارير اللاحقة لواطسون نفسه - ولغيره من المؤلفين - لم تتطرق ~~لذلك، لقد طمست هذه التفاصيل من الرواية. # من التجليات الشائقة لعمليتي الإبراز والطمس انطباعاتنا عن الأشخاص الذين سمعنا ~~بهم ولم نعرفهم معرفة مباشرة، عندما تتاح لنا مقابلتهم شخصيا. إننا كثيرا ما ~~نصاب بخيبة أمل إذ نجدهم أقل بكثير مما وصفوا به، إيجابا وسلبا؛ ذلك أن ~~الراوي إذ يحكي لنا عن شخص آخر وعن أفعاله فإن وصفه يميل إلى أن يتركز على الشخص ~~لا على السياق الذي حدثت فيه الأفعال، وهو بذلك «يبرز» الشخص وأفعاله بينما ~~«يطمس» السياق المحيط وشتى الظروف المخففة؛ ذلك أننا نميل إلى أن نعزو التصرفات ~~للشخص (إبراز) وليس لمتطلبات السياق وإملاءات الظروف (طمس). # هناك سلسلة من الدراسات الحديثة تقدم تدعيما لهذه الأفكار. # 29 # في مجموعة من التجارب شاهد مجموعة من المشاركين يمثلون «الجيل الأول» ~~شريط فيديو لشخص «هدف» يصف حدثين من ماضيه، ثم قام هؤلاء المشاركون بتقييم ~~الشخص الهدف على تنويعة من الأبعاد الخاصة بسمات الشخصية، وقدموا شريطا مسجلا ~~لوصفهم لما رأوه (وصف عنعنة/يد ثانية). وبعد ذلك قامت مجموعة أخرى من المشاركين ~~يمثلون «الجيل الثاني» بالاستماع لهذه الأوصاف (أوصاف العنعنة)، ثم قاموا بنفس ~~تقييمات السمات، وكما هو متوقع: كانت تقييمات الجيل الثاني للهدف أكثر تطرفا ~~من تقييمات الجيل الأول، كما أشار تحليل الأوصاف التي قدمها الجيل الأول إلى أنهم ~~حقا هونوا من قدر المحددات الظرفية لأفعال الشخص الهدف، فالحدث الذي أتاه ~~الشخص الهدف وندم عليه - مثلا - كانوا يصفونه كحدث سيئ لا كنتاج محتمل لظروف ~~صعبة، هكذا تم «إبراز» نزعات الشخص الهدف بينما «طمست» ملامح السياق ~~المحيط. # ثمة دليل آخر على التطرف النسبي لانطباع العنعنة قدمته تجربة مختلفة جدا: كان ~~يطلب فيها من أزواج من الأصدقاء تقييم صديق ثالث (هدف)، بحيث إن أحد الصديقين ~~يعرفه جيدا والآخر ms078 لم يقابله قط، بل سمع عنه فقط من الصديق الأول، ثم طلب ~~من الصديقين - كل على حدة - تقييم الشخص الهدف على مجموعة من مقاييس سمات ~~الشخصية، وكما هو متوقع: جاء تقييم الشخص الذي سمع (فقط) عن الشخص الهدف، جاء ~~أكثر تطرفا من تقييم الشخص الذي كان يعرفه جيدا. # 30 # هذه الظاهرة كثيرا ما تحدث في الحياة الواقعية عندما يقابل زملاء ~~الجامعة آباء رفقاء الغرفة أو إخوتهم أو أصدقاء طفولتهم، هنالك يصدم من ~~هيأ نفسه على أنه سيقابل غولا رهيبا أو سيلقى الفتنة المتجسدة أو الظرف ~~أو الذكاء الخارق، ويفاجأ أنه بإزاء شخص أبسط كثيرا مما يحتسب وأقرب إلى سائر ~~البشر. ~~(3-3) تحريفات في خدمة «الإبلاغية» والتسلية # من أجل جودة القصة ينبغي ألا تبهظ المستمع بتفصيلات صغيرة كثيرة؛ لذا فإن ~~كثيرا من التفصيلات الخاصة عن الأشياء التي تعمم إليها خوف ألبرت الصغير قد ~~«طمست» في كثير من التقارير اللاحقة عن النتائج التجريبية، غير أن هناك معايير ~~أخرى يجب استيفاؤها حتى يكون التواصل ذا قيمة، أهم هذه المعايير: جعل ~~التواصل مبلغا (مفيدا) ومسليا، فإذا خرج المستمع من التواصل مستفيدا ~~«معلومات» أو مستمتعا فقد كان التواصل مستحقا لوقته وانتباهه، وقد حقق ~~المتحدث واحدا من أهم المطلوب منه. # ومن الطرائق التي يمكن أن تجعل الرسالة أكثر إمتاعا وإبلاغا أن تزيد ~~مباشريتها، فما حدث لغيري يمكن أن يحكى على أنه حدث لي شخصيا، وما حدث لشخص ~~ما في مكتب عمي يمكن أن يحكى على أنه حدث لعمي نفسه. من شأن هذه التبديلات أن ~~تعلي من حضرة المتحدث وتضعه في مركز الضوء، وقد تكون الغاية منها أكثر براءة: ~~أن تجعل الحكاية أكثر إمتاعا وأقوى بلاغا إذ تجعلها أكثر نصوعا ~~وعيانية. # الحق أن أغلب ما يحكى على أنه من المنبع # first hand # هو منقول «عن» الغير (يد ثانية)، وما يروى على أنه يد ~~ثانية هو يد ثالثة أو رابعة أو خامسة، وبالعودة إلى قصة «ألبرت الصغير» نجد أن ~~عددا من مؤلفي الكتب الدراسية لم يقرءوا تقارير البحث ms079 الأصلي، بل قرءوا تقارير عن ~~التقارير، وهذه مشكلة شائعة في العالم الأكاديمي يصعب تفاديها: إننا في الغالب لا ~~نقرأ النصوص الأصلية بل نقرأ نصوصا عن النصوص. # فلتشك - إذن - في الرواية بقدر طول سلسلة العنعنة؛ لزيادة احتمال وقوع تحريف ~~في موضع ما من هذه السلسلة الطويلة، وليس يكفي أن تسمع الرواية من مصدر ثقة عندك؛ ~~فربما يكون قد سمعها من مصدر آخر أقل مصداقية. # وكثيرا ما تتردد حكاية مقبولة عقلا، ينسبها كل راو ل «صديق له» أو «صديق ~~أخيه» أو «زميل في العمل»، وتتعدد المصادر بدرجة تفوق احتمال وقوعها لكل هذا ~~العدد وبنفس الحبكة الواحدة، من أشهر هذا الصنف من الحكايا: حكاية المرأة التي ينصب ~~شاب شباكه ليوقعها، وبعد أن يقضي منها وطره تختفي من عنده تاركة له في ~~الصباح رسالة (على الفراش أو على مرآة الحمام) تقول: «مرحبا بك في عالم ~~الإيدز.» # مثل هذه الحكاية المعقولة من شأنها أن تراود الخواطر الروائية المبدعة ~~وتتوارد فيها، وأقرب إلى الاحتمال في معظم الحالات أنها اخترعت من أجل العظة ~~أو المغزى الأخلاقي الذي تحمله. # والحقيقة أن الرغبة في الإمتاع أو الإبلاغ قد تغري المتحدث بإضافة شيء غير ~~الذي يعلم أنه حدث، فقليل من الكذب من توابل الرواية، وأحيانا ما يكون التتبيل ~~بالحذف لا بالإضافة! ونعني حذف المشروطيات والمقيدات، وبخاصة في الإعلان عن ~~الإنجازات العلمية التي تأتي تقاريرها المسئولة مثقلة بالشروط والتحديدات ~~والاستثناءات ... إلخ. إن حذف هذه الضوابط والمشروطيات يعطي المعلومة وقعا ~~معرفيا أكبر ويجعلها أكثر إمتاعا وأشد حفزا على الفعل، من ذلك أن التقارير ~~الصحفية التي تؤكد أن الغذاء الأقل دهنا يخفض الكلستيرول في الدم دائما ما يغفل ~~أن ذلك مشروط - بصفة عامة - بتناول عقار مثبط للكلستيرول. # 31 ~~(3-4) تواطؤ ضمني على الكذب! # لا شك أن الرغبة في التسلية قد تجعل المتحدث يضحي بالدقة، وبشيء من الحقيقة؛ ~~من أجل الإمتاع، وكأن هناك تعاقدا ضمنيا بين المتحدث والمستمع على أن من حق ~~الراوي أن يمط الحقيقة ويتبسط فيها ابتغاء الترويح والإيناس. يتبدى ذلك ~~في ms080 أوضح صورة في حكايا الصحف الصغيرة الرخيصة التي تخلط درهما من الحقيقة بقنطار ~~من الكذب. لقد تعاقد الناشر والقارئ عقدا غير مكتوب على أن الروايات لا يلزم ~~بالضرورة أن تكون صادقة مادامت مسلية. # ويعلم كل من عمل في وسائل الإعلام الجماهيرية أن هناك ضغطا هائلا على ~~العاملين لتوفير مادة للتو واللحظة: لتوفيق نهاية الوقت، أو لملء ساعة، أو لخلق ~~فراغ إعلاني ... إلخ، وكثيرا ما تكون الحاجة إلى مادة مناسبة أكبر كثيرا من ~~الوقائع الصادقة المتاحة. إن إلحاح النشر قد يضطر الإعلام إلى التخفف من ~~الموضوعية والرصانة في أحيان كثيرة. ~~(3-5) أنا أكذب «له» لا أكذب «عليه»! # أحيانا ما يعدل المتحدث من المعلومات بعض الشيء (بالمط أو المبالغة أو ~~الكذب الصريح) من أجل إيصال حقيقة أكبر. يفكر المتحدث هكذا (على مستويات متفاوتة ~~من الوعي والدراية): «لا بأس بأن أتناول المعلومة بشيء من التحريف من أجل غاية ~~شريفة، ولا بأس بأن أضحي بحقيقة صغرى من أجل حقيقة كبرى.» من ذلك أن يبالغ ~~المتحدث في سرد الأضرار المدمرة لعقار إدماني ما بأبعد كثيرا من أضراره ~~الحقيقية، ويشتط في ذلك كثيرا من أجل تنفير الناس من تعاطيه، وقد تأخذ المبالغة ~~الطريق العكسي، فيبالغ المتحدث في سرد فوائد طعام (أو عقار) ما مفيد بحد ذاته، ~~ولكنه يشتط في ذلك فيجعل منه شفاء من كل داء على الإطلاق ~~( # panacea ~~). وكلنا يعلم فكرة «أنا أكذب له لا ~~أكذب عليه» التي كثيرا ما ألحقت الضرر بتراثنا الشفاهي المنقول، ودست فيه ~~الدخيل على الأصيل. # وحين نلتفت إلى حالة «ألبرت الصغير» سنجد كيف يمكن أن تدس تحريفات من أجل ما ~~يمكن أن نسميه «المصلحة النظرية»: فالمؤلفون المهتمون بدعم التفسير السلوكي المحض ~~للتعلم البشري يميلون إلى بث تحريفات تشير إلى أن خوف ألبرت قد تعمم إلى ~~أشياء أخرى تشبه الفأر في نواح عديدة. هكذا ألصق بألبرت أن خوفه امتد إلى أشياء ~~بيضاء كالقفاز الأبيض، وأشياء فرائية مثل معطف الأم، وفيما بعد حين راح دعاة نظرية ~~«الاستعدادية» # preparedness # يحاجون بأن ~~الكائنات لديها ms081 استعداد أو تعرض لأن تتعلم ارتباطات معينة دون غيرها، فقد بدأ ~~يقال: إن خوف ألبرت قد تعمم وفق بعدي الفرائية والحيوانية اللذين أملتهما ~~اعتبارات تطورية. # 32 # ويبدو أن هذا الوصف التنقيحي يحصر ما حدث أثناء تجربة واطسون ورينور ~~على نحو أدق، غير أن هذا الوصف أيضا قد تشكل بواسطة عمليتي الإبراز والطمس؛ ~~فألبرت - وفقا لهذا الوصف - قد أبدى استجابة رهابية تجاه: «الفئران والأرانب ~~وأشياء فرائية أخرى»، وهي استجابة «لم تنطفئ سريعا». # 33 # وهذا حديث لا يتفق مع حقيقة أن ألبرت لم يختبر إلا بفأر واحد وأرنب ~~واحد، وأن الدليل على أن مخاوفه كانت طويلة الأمد هو دليل مشكوك فيه إلى أقصى ~~حد كما قد رأينا. ~~(3-6) كيف ينبغي تقييم دعاوي العنعنة في وسائل الإعلام؟ # انظر في المصدر: تمعن في مصدر الرواية، وانظر إن كان مصدرا ~~خبيرا حقا مضطلعا بالشأن الذي يتحدث عنه، فإذا كان الحديث - مثلا ~~- عن مدى انتشار الإيدز، فالأمثل أن يكون المتحدث متخصصا في ~~الوبائيات # epidemiology ~~، وليس في ~~العلاج الجنسي أو في الغناء أو التمثيل، واعلم أن وسائل الإعلام ~~بارعة في الإيهام بوجود مصدر خبير حيث لا خبرة، أو حيث الخبرة هي في ~~مجال آخر، أو - في أفضل الأحوال - في مجال قريب ولكن مغاير (مجال ~~العلاج الجنسي مثلا غير مجال وبائيات الأمراض الجنسية). # ثق بالوقائع ولا تثق بالإسقاطات: حتى إذا كنت تصغي إلى متخصص ~~حقيقي، فمن الحصافة أن تثق فيما يرويه من وقائع وأن تتحفظ - بعض الشيء ~~- فيما يتعلق بتنبؤاته بما سيحدث في المستقبل، فكم أخطأ خبراء الأرصاد ~~في تنبؤاتهم بطقس الغد! وكم أخطأ خبراء الاقتصاد في قراءة مآلات ~~الأمور الاقتصادية وفقا للمؤشرات المتاحة، وبصفة عامة: كن حذرا ~~تجاه أولئك الذين يحدثونك عن المستقبل. # 34 # كن بالمرصاد لأي إبراز أو طمس، حتى فيما ينقل عن الإحصاءات ~~العلمية المتخصصة؛ فقد تعاني هذه الإحصاءات إبرازا وطمسا حين ~~يتناولها من ينقل «عنها»! من ذلك أن يصدر عن مركز وبائيات متخصص ~~تقرير يقول: إن هناك عددا يقع بين 500000 و1500000 من المصابين ms082 ~~بالإيدز في الولايات المتحدة، إن العدد الأكبر هنا هو الأكثر إثارة، ~~ومن ثم فإن الصحف - في الأغلب - سوف تسقط من حسابها هذا النطاق ~~الرقمي العريض وتذكر العدد الأكبر فقط، وتكتب أن مركز الوبائيات قد ~~أصدر تقريرا بأن هناك مليونا ونصف مليون حالة إيدز في الولايات ~~المتحدة. وبصفة عامة: علينا توخي الحذر تجاه أي عبارة تقول: «عدد يبلغ ~~كذا» أو «يصل إلى كذا» مبرزة الحد الأقصى لكي يسترعي انتباهنا، ~~وطامسة كل ما عدا ذلك. # احترس من شهادة الآحاد # testimonial # حين تكون ناصعة براقة تجذب الانتباه، وبخاصة في عملية تقدير ~~«انتشار» # prevalence # شيء ما، فمن ~~شأن وسائل الإعلام أن تحاول إحداث انطباع قوي لدينا بخطورة مشكلة ما ~~عن طريق نشر شهادة ناصعة لفرد معين عانى من هذه المشكلة. إن لنا أن ~~نتأثر بعمق بهذه الشهادة ونتعاطف بشدة مع هذا الفرد، ولكن ليس يعني ~~ذلك أن نترك هذا التأثر أو هذا التعاطف يحرف تصورنا ل «مدى ~~انتشار» هذه المشكلة. # 35 ~~(4) الاعتقاد في ممارسات صحية «بديلة» غير فعالة # لقد تعلمت في السنوات الحديثة أن أبغض أكثر ما أبغض - بعد مبدأ اللاتعين - ~~لفظة «كلي» # holistic ~~، ذلك الدال الذي لا معنى ~~له، والذي يعمل على طمس كل التمييزات المفيدة التي جهد الفكر الإنساني في ~~وضعها طيلة ألفي عام. # روجر لمبرت ~~(4-1) عقول راجحة تتبنى اعتقادات غير راجحة # لم يبتل مجال من المجالات باعتقادات مريبة وخاطئة وضارة في أحيان كثيرة ~~مثلما ابتلي مجال الطب والصحة، ففي تاريخ حديث كالقرن التاسع عشر كان بنيامين ~~رش - الطبيب المبجل والموقع على إعلان الاستقلال - يعالج ضحايا الحمى الصفراء - ~~وهو منهم - بالفصد الشديد، وفي يومنا هذا يتقاطر المصابون بالسرطان في أعداد ~~غفيرة إلى عيادات الليتريل # laetrile # 36 # العبثية في المكسيك، وعلى «الجراحين» الروحيين المحتالين في الفلبين، ~~وعلى المعالجين بالإيمان الاستغلاليين في الولايات المتحدة. ويلتمس مرضى الإيدز ~~اليائسون العون في كل ضروب الطقوس العبثية والجرعات الباهظة الثمن، بما فيها ضرب ~~صدورهم لتنبيه الغدة الصعترية، وتعريض أعضائهم التناسلية لضوء الشمس، وحقن غاز ~~الأوزون شرجيا، ms083 وحقن أنفسهم ببيروكسيد الهيدروجين. # 37 # ليس الأميون وحدهم أو الحمقى هم المعرضون لهذه الاعتقادات، لقد كان فرنسيس بيكون ~~يعتقد أن الثآليل الجلدية يمكن أن تعالج بدعكها بقش الخنزير، وكان جورج واشنطن ~~يعتقد أن شتى الأمراض الجسمية يمكن أن تعالج بتمرير قضيبين معدنيين طولهما ثلاث ~~بوصات فوق المنطقة المصابة، وكان السياسي البريطاني وليم جلادستون يعتقد أننا ~~جميعا يمكن أن نكون في صحة أفضل إذا ما اعتدنا مضغ كل قطعة من الطعام 32 مرة ~~بالضبط، وإلا - فيما يحاج - فلماذا وهبتنا الطبيعة 32 سنا بالضبط؟ # 38 # قد يتراءى لك أن مثل هذه الاعتقادات هي عبث بريء لا خسران منه ولا ضير فيه ~~على كل حال، إلا أن هذا الانطباع السمح غير صائب، فثمة خسران وضير في أغلب ~~الأحيان: ثمة ثمن باهظ يدفع من الجيب ومن الصحة الجسمية، وثمة صدمات نفسية وخسائر ~~في الأرواح. يقدر ما ينفق على الدجل العلاجي في الولايات المتحدة بعشرة ~~مليارات من الدولارات سنويا: منها ثلاثة مليارات على العلاجات الزائفة للسرطان ~~ومليار دولار على علاجات عبثية للإيدز، وإن الدجل ليقتل من البشر أكثر ممن ~~يموتون من جميع جرائم العنف مجتمعة. # 39 # لماذا يروج هذا الدجل؟ لماذا يعرض الكثيرون أنفسهم لمثل هذه العلاجات ~~الباهظة الثمن، والمؤذية في كثير من الحالات؟ لا بد أن هناك شيئا ما في هذه ~~العلاجات يجعلها تبدو فعالة، أو تبدو ممكنة الفاعلية، حتى وإن لم تكن كذلك، ما هو ~~هذا الشيء؟ ماذا في هذه العلاجات، وفي طبيعة المرض، وفي طريقة تفكير الناس، مما ~~يجعل الكثيرين يعتقدون في الجدوى العلاجية لممارسات صحية من الثابت أنها عديمة ~~الفاعلية؟ # قد يقول قائل: إن سبب رواج هذا الدجل هو أن ما يقدمه شديد الإغراء: إنه لا ~~يعرض للمرء وهو في كامل رشده وذروة معنوياته، بل يعرض له وهو منهك يائس لا ~~يلام على التجريب، ولا يعاتب على أي محاولة حتى إن بعد احتمال نجاحها، ~~فلحظات اليأس تهيب بإجراءات مستيئسة، والغريق يتعلق بقشة، يعتقد في القشة! إن ~~الممارسات الطبية البديلة تقدم أملا ms084 حيثما وقف الطب التقليدي عاجزا: في حالات ~~التهاب المفاصل مثلا وحالات السرطان والشيخوخة. # كل هذا حسن وجميل، غير أن سؤالنا الحقيقي غير ذلك: لماذا تبدو هذه العلاجات ~~الزائفة فعالة؟! ~~(4-2) بعد ذلك إذن بسبب ذلك # لا يدرك كثير من الناس الكم الهائل من الشفاء الذي يتم لا بواسطة الأطباء ولا ~~العمليات الجراحية، بل بواسطة أجسامنا ذاتها! إن 50٪ من الأمراض يشفى تلقائيا ~~بواسطة عمليات الاندمال الطبيعي للجسم ودون عون من الطب. # 40 # إن الجسم هو حقا آلة مدهشة ذات قوى غير عادية على تصحيح ~~ذاتها، بحيث يمكننا القول بأن كثيرا ممن يلتمسون العون الطبي سوف يجدون مآلا ~~جيدا حتى إذا لم يفعل الطبيب أي شيء مفيد. من هنا يمكن حتى للعلاج العبثي أن يبدو ~~فعالا، فحيثما كان تدخل علاجي ما متبوعا بتحسن فإن المرء لا يملك إلا أن ~~يعزو التحسن للعلاج، ولا تملك أي قوة استدلالية يحيط بها علم الطب أن تقنعه بأنه ~~ربما لم يكن العلاج هو ما رد إليه صحته. # 41 # إنه في قبضة الاستدلال المسيطر المغلوط «بعد هذا إذن بسبب هذا» # post hoc ergo propter hoc ~~، فحين ~~يجرب الشخص علاجا فإنه في الحقيقة لا يملك أن يعرف ماذا كان سيحدث لو أنه جرب ~~علاجا آخر، أو ماذا كان سيحدث لو أنه لم يجرب علاجا على الإطلاق. # ثمة مصدر آخر للانخداع الواثق بالعلاجات الزائفة، هو المسار الدقيق للعلل التي ~~لا تشفى تلقائيا، فحتى عندما يكون الجسم عاجزا عن شفاء نفسه من إصابات معينة ~~فإن العلل لا تفضي - بصفة عامة - إلى تدهور متجانس ثابت الخطى، إنما تتكشف ~~المشكلات في نوبات وفجاءات، مع فترات من التدهور (اشتداد مرضي) المختلط بفترات ~~من التحسن (هدأة أو فترة مرضية). مسارات الأمراض إذن متأرجحة بين الاشتداد ~~والهدأة، وإن هذه الفترات المؤقتة من الانفراج النسبي هي ما يؤدي إلى الإدراك ~~الخاطئ لنجاعة العلاج. ولما كان تناول العلاج يكون في الأرجح في فترات الاشتداد، ~~وفترات الاشتداد في الأرجح متبوعة بفترات من التحسن حتى بغير علاج؛ فإن من ms085 لا ~~يدرك ظاهرة التراجع الإحصائي # 42 # وظاهرة التأرجح في مسار أغلب الأمراض سيكون عرضة بقوة لأن يعزو أي ~~تحسن مؤقت إلى تناول العلاج (بعد هذا إذن بسبب هذا). # الحق أن أي «علاج» يدخل أثناء توهج الأعراض يمكن أن يبدو ناجعا ما دام التوهج ~~يتبعه الهدوء النسبي على كل حال، وحتى عندما يفشل العلاج ويتبعه تدهور أو موت ~~يمكن تأويل الفشل بطريقة لا تمس الإيمان بنجاعة العلاج بحد ذاته! ~~(4-3) تبرير الفشل (انتزاع النجاح من بين أنياب الفشل) # حتى عندما يفشل العلاج فشلا صريحا ولا يكون متبوعا بتحسن، تبقى هناك تبريرات ~~كثيرة لذلك يحفظها الدجالون وتسعفهم في هذه الحالات: # فقد يقال: إن المريض شرع في تناول العلاج متأخرا جدا بعد أن ~~تمكن منه المرض. # وقد يقال: إن إيمان المريض غير خالص، يقول المعالج الروحي ج. ~~روجرز: «إذا لم أقدر على شفائهم فهناك إذن خلل ما في أرواحهم.» # 43 # وتقول كاترين كولمان: «أنا لا أشفي أحدا ... الروح ~~القدس يشفي من خلالي.» # 44 # من هنا كان من بين أهم مبادئ حركة العلاج الكلي # holistic # مبدأ يقول: «أن تعرف أي ~~نوع من المرضى لديه المرض أهم بكثير من أن تعرف أي نوع من المرض لدى ~~المريض.» فلعلهم لم يستغرقوا في «التأمل» بما يكفي، أو لم يبلغوا ~~التكامل الصحيح بين العقل والجسم والروح، أو لم يستخلصوا «المعنى» ~~الصحيح من مرضهم. إن العلاج صحيح ولكن المريض غير قادر على تطبيقه كما ~~يجب، أو العلاج صحيح ولكن الممارس العلاجي لا يفهمه ولا يطبقه ~~بكفاءة. # أليس هذا صيغة أخرى من قولنا: «العلاج صحيح ولكن المريض لا يجيد أن يتعالج!» أو ~~«العملية نجحت ولكن المريض مات!» هكذا يلام أي شيء عدا «النظرية» القابعة وراء ~~الدجل. # حتى المريض قد يتهم نفسه حين يفشل العلاج، ويصلى تقريعا ذاتيا كان منه ~~بد: «يبدو أني لم أكن تقيا كما يجب.» «أبلغوا المعالج أن العلاج كان فاعلا ~~وإنما الخطأ خطئي ... إلخ.» ولا نهاية لحيل التأويل التي تفسر فشل العلاج تفسيرا ~~يبرئ العلاج نفسه. وكلما ms086 كان معيار النجاح غامضا كان من السهل أن تستبين ~~دلائل عليه، وأن تؤول كل شيء مضاد تأويلا يستبعد الفشل؛ لهذا السبب بالتحديد ~~لا تقدم أغلب الممارسات الصحية البديلة علاجات محددة لاضطرابات محددة، بل تعد ~~بإحداث شيء من «حسن الحال» أو «الأداء الأعلى» أو «التكامل الأفضل» ... إلخ من ~~الفوائد الغامضة. إن الفوائد الغامضة صعبة الدحض؛ لذلك لا يورط الدجالون أنفسهم ~~في تنبؤات محددة قابلة للتحقق منها، ومن هنا لا ينبري المعالجون الروحيون إلا ~~للأمراض الملتبسة غير المرئية حيث التحسن أيضا غامض غير مرئي: علل من قبيل ~~الشقيقة، السرطان، التهاب المفاصل، التهاب الجراب، ضعف السمع ... إلخ؛ من أجل ذلك ~~يشترط علينا المنهج العلمي القويم أن نحدد بشكل دقيق ومسبق ماذا عساه أن يعد ~~- أو لا يعد - نجاحا أو فشلا، وبغير هذا التحديد المسبق فإن أمانينا يمكن أن ~~تضرب على أبصارنا غشاوة، وتوقعاتنا يمكن أن تحملنا على توهم نجاح ما في أي ~~إجراء علاجي كان. ~~(4-4) هالة المقبولية # نحن نعتقد في أشياء معينة لأنها ينبغي أن تكون صحيحة: نعتقد مثلا أن تحليل خط ~~اليد (أو مختلف الاختبارات الإسقاطية) يقدم استبصارات عميقة في شخصية المرء، ذلك أن ~~منطقها الذي تقوم عليه يبدو معقولا؛ فالأشخاص «ينبغي» أن يتركوا آثارا من ~~أنفسهم في استجاباتهم الظاهرة. بالمثل يعتقد معظم الناس أن أكل لحم الثور يسهم في ~~مرض القلب؛ لأن الدهن على جوانب شريحة اللحم (أو في قعر المقلاة) يبدو قمينا جدا ~~أن يسد الشرايين التاجية ، فالشيء الدبق والمتجلط خارج الجسم ينبغي أن يكون دبقا ~~ومتجلطا داخله أيضا، هكذا يمضي التفكير. إن الأشياء التي ينبغي أن تكون صحيحة ~~كثيرا ما تكون صحيحة، ولكن في أحيان كثيرة أيضا يغشي حسنا بما ينبغي أن ~~يكون صحيحا على إبصارنا لواقع الحال، وبخاصة عندما تكون النظريات التي تولد ~~حس المعقولية نظريات سطحية نوعا ما. # هذا الميل إلى الاتكاء بشدة على ما يبدو مقبولا قد أسهم في عدد من الاعتقادات ~~الخاطئة عن الصحة. ثمة نظريات عامة غير رشيدة عن الطبيعة أو عن طريقة ms087 عمل الجسم ~~جعلت أفكارا معينة تبدو معقولة، مما أدى بدوره إلى تبني ممارسات خرقاء عديدة، ~~من هذه النظريات العامة نظرية تقول: إن المعلولات يجب أن تشبه عللها: أعراض ~~المرض، إذن يجب أن تشبه سببها أو تومئ إليه على نحو ما، وبالمثل أعراض المرض ~~ينبغي أن تشبه علاجها أو تومئ إليه على نحو ما. # تتكشف هذه الاعتقادات في أوضح صورة في ممارسات طبية بدائية معينة تذهب إلى أن ~~المواد التي تسبب حالة معينة أو تشفيها تميل إلى أن تشارك الحالة نفسها في ملامح ~~خارجية عديدة، من ذلك في الطب الصيني القديم أن الأشخاص الذين يعانون من مشكلات ~~بصرية كانوا يطعمون الخفاش ظنا بأن الخفافيش لديها بصر حاد وأن بعض هذه ~~القدرة سينتقل إلى آكله، ومنه أن بعض القبائل البدائية ترغم المجرمين على أكل ~~الكبد اعتقادا منهم أن الكبد هي محل الرحمة، ومنه أن قدامى الأطباء الغربيين ~~كانوا يصفون لحم الثعلب (المعروف بقوة التحمل) لمرضى الربو، وحتى في أيامنا هذه ثمة ~~عدد من ممارسي الطب البديل يوصون بتناول خلاصة المخ النيئ لمن لديهم مشكلات نفسية. # 45 # هذا الاعتقاد بأن الشبيه يلائم الشبيه يجد أفضل تعبير وأحكمه في مجال ~~«العلاج المثلي» # homeopathy # الذي أسسه صمويل ~~هانمان في أواخر القرن التاسع عشر، ولا يزال يجد اليوم أنصارا له كثيرين من ممارسي ~~«الطب الكلي» # holistic medicine ~~. ذهب هانمان ~~إلى أن من الممكن شفاء كل مرض بإعطاء المريض أيما مادة تسبب أعراضا مثيلة ~~في الشخص السليم: الشبيه يلائم الشبيه، ينسجم معه # like goes with ~~like ~~، وهو يسمي هذا «قانون الأشباه» # law of similia ~~، وقد أفاض هانمان في تبيان أدلة ممنهجة على ~~ذلك، حيث كان يعطي أفرادا أسوياء أعشابا متنوعة ومعادن ومواد أخرى ويدون أي ~~أعراض تنشأ لديهم، وقد ضمن نتائجه كتبا مرجعية له هي ال # materiel medico # التي ما زال المعالجون ~~المثليون يعتمدون عليها اليوم، ورغم أن ربطه البسيط بين السبب والعلاج يضفي على ~~الطب المثلي جاذبية حدسية معينة فقد أثبتت الدراسات البحثية أن الطب المثلي ms088 ~~غير ذي فاعلية. # ثمة مبدأ مؤسس آخر للطب المثلي ربما يكون أكثر كشفا لعبثيته، وهو ~~«قانون اللامتناهيات في ~~الصغر» # law of infinitesimals # الذي يتبع أيضا نوعا بدائيا من المنطق. لقد لاحظ ~~هانمان أنه كلما قلت المادة المعطاة للشخص السوي قلت شدة الأعراض الناتجة، ~~فاستنتج أنه كلما قل تركيز العلاجات المعطاة للمريض زادت قدرتها على تخفيف أعراضه؛ ~~وعليه فإن كتب الطب المثلي تسهب في وصف طريقة خلق تخفيفات قصوى لشتى الأدوية، ~~وتصل التخفيفات الموصى بها في بعض الحالات إلى جزء من المكون الفعال لكل ~~ديسيليون جزء من الماء. إن من المستبعد عند هذه التركيزات أن يحتوي ما يعطى ~~للشخص - حقا - على أي قدر من المكون الفعال المفترض، غير أن المعالجين ~~المثليين يصرون على أن تدخلاتهم العلاجية فعالة، وأنها تكون أكثر فاعلية كلما ~~انخفضت تركيزاتها. مرة أخرى يثبت البحث العلمي غير ذلك. # 46 # وينسحب هذا المبدأ نفسه (الشبيه يلائم الشبيه) على اعتقادات حدسية للناس في ~~التغذية، فأيما صفة بسيطة توجد في أطعمة معينة سوف تنتقل مباشرة إلى الشخص الذي ~~يأكلها. الشبيه يدعم الشبيه: «أنت هو ما تأكله.» هذا الاعتقاد بالطبع صحيح في بعض ~~الأحيان: فنحن نسمن إذا أكثرنا من أكل الدهون، وجلدنا يكتسب مسحة برتقالية إذا ~~أكثرنا من أكل الكاروتين (مركب موجود في الجزر والطماطم). غير أن هذا الاعتقاد ~~يعاني مبالغات خرافية في كثير من الأحيان: يذكر عالم النفس باول روزن أنه طلب ~~من مجموعتين من طلبة الكلية أن يدلوا بتنظيراتهم حول أعضاء ثقافتين بدائيتين ~~افتراضيتين من حيث الشخصية والصفات الجسدية: ووصف إحدى القبيلتين بأنها تأكل ~~الخنزير البري وتصطاد السلحفاة البحرية من أجل درقتها، ووصف القبيلة الأخرى بأنها ~~تأكل سلحفاة البحر وتصطاد الخنازير البرية من أجل أنيابها، فجاءت استجابات الطلبة ~~تشير إلى أن سمات أعضاء القبيلة - الجسمية والشخصية - تضاهي خصائص الطعام الذي ~~يأكلونه؛ فقد اعتبروا آكلي السلاحف أكثر كرما وأمهر في السباحة، واعتقدوا أن آكلي ~~الخنازير البرية أكثر عدوانية ورجحوا أن لديهم لحى، ذلك أن ما نأكله يحدد - ~~على نحو تفصيلي - ما ms089 هو نحن. # 47 # وبالمثل تقوم «علاجات» غذائية عديدة لالتهاب المفاصل على افتراض أن الخواص ~~الخارجية للطعام ستبقى بعد الهضم، وأن هذه الخواص سيكون لها داخل الجسم نفس التأثير ~~الذي تؤتيه خارجه. يحاج د. دان دال ألكسندر - مؤلف كتاب «التهاب المفاصل والحس ~~المشترك» - بأن بوسعك أن تحارب التهاب المفاصل بأن تقوم بتزييت مفاصلك بمعنى ~~الكلمة، وهو يوصي بأن يتناول مرضى المفاصل كميات جزيلة من الزيت وألا يشربوا ~~ماء أثناء الوجبات التي تحتوي على الزيت؛ (لأنهما لا يمتزجان ومن ثم فإن الماء قد ~~يدمر الخواص التزليقية للزيت). وبنفس المنطق يوصي د. ديفورست جارفيس مؤلف كتاب ~~«الطب الشعبي» # Folk Medicine # بتفتيت رواسب ~~الكلسيوم في المفاصل بنفس الطريقة التي يستخدمها السباكون لإزالة رواسب الكلس ~~بمركب حمضي؛ وهو لذلك يصف الخل (وهو حمض خفيف) لمرضى تصلب المفاصل. # 48 # هذه العلاجات تتغافل حقيقة أن الجسم يحول معظم المواد التي يتناولها، ومن ثم ~~فإن أية خواص تكون لها خارج الجسم يمكن أن تتغير جذريا أو تختفي تماما داخله، ~~فالخل مثلا يتحول بعد عملية تكسير أيضية من حمض خفيف إلى بقايا قلوية، وفي غياب ~~هذا الفهم فإن الناس يستمرون للأسف في تجريب علاجات عبثية؛ لأنها تبدو ذات معنى ~~حدسي ما. # وقد أسهم التنظير السطحي أيضا في الاعتقاد الشائع بأن علينا دوريا أن «ننظف» ~~دواخل أجسامنا، فمثلما ننظف محرك سيارتنا وجهاز تسجيلنا كل فترة، فإن قناتنا ~~الهضمية يمكن أيضا أن تستفيد من عملية تنظيف منزلي عابرة، في سبيل ذلك يتناول ~~البعض كميات كبيرة من الماء، ويتلقى البعض حقنا شرجية أو يأكلون الزبادي. ثمة ~~معنى حدسي ما في كثير من هذه التقنيات، غير أن جاذبيتها استعارية أكثر منها ~~منطقية. يقول الناس إنهم «يكسحون» السموم بحقنة شرجية موسمية، ورغم أن استعارة ~~الشطف هذه تبدو مقنعة فإن أجسامنا ليست بالضرورة بهذه البساطة في تشغيلاتها، فمع أن ~~تراكم السموم في الجسم هو شيء يجب اجتنابه بالتأكيد، فقد تطور الجسم لكي يقوم ~~بهذه الوظيفة بكفاءة عالية للغاية، ومن ثم فإن عملية السمكرة التبسيطية من ms090 جانبنا ~~يمكن أن تعيق هذه العملية بقدر ما تساعدها. # نخلص من كل ذلك إلى أن علينا أن نتبين ما إذا كانت اعتقاداتنا (عن الصحة أو ~~غيرها) ناجمة أساسا عن حس بمعقولية سطحية. علينا أن نحاذر من مبدأ «الشبيه ~~يلائم الشبيه»، إن هذا المبدأ كان من أسباب مقاومة الناس في البداية للنظرية ~~الجرثومية في المرض. لقد بدا للناس حقا أن من غير المعقول أن معلولا «كبيرا» ~~مثل الموت والعجز يمكن أن يكون ناشئا من علة «صغيرة» كالكائنات الميكروسكوبية. ~~إن العلل كثيرا - بالطبع - ما تماثل معلولاتها، ولكن هناك استثناءات تكفي وأكثر ~~لأن تستدعي بعض الحذر وبعض الارتيابية الصحية. ~~(4-5) الطب «الكلي» في «العصر الجديد» # في العقود الأخيرة صارت أعداد متزايدة من الناس تلتمس بدائل أو مكملات للخدمة ~~الطبية التقليدية، بدائل كثيرا ما يطلق عليها لفظة «الكلي» # holistic # أو «العصر ~~الجديد» # New Age ~~. # الطب الكلي هو توجه إلى الصحة والطب يرفض - أو يقلل من شأن - ما يعتبر تحيزا ~~ماديا أو رديا من جانب الطب «الغربي» التقليدي. يعمل الطب التقليدي على ~~البحث عن السبب العضوي لمرض ما أو اختلال وظيفي، ويحاول أن يخففه بواسطة تدخل ~~فيزيقي ما، مثل المضادات الحيوية أو الجراحة. يلح الطب التقليدي على سبب موضعي ~~محدد للمرض وكيفية إصلاحه. أما دعاة الطب الكلي فهم أميل إلى النظر إلى العوامل ~~النفسية - وحتى الروحية - على أنها سبب الحالة المرضية أو السبيل إلى علاجها، إنما ~~يعنيهم «الشخص الكلي» # the whole person # لا السبب ~~الموضعي للاضطراب، ويرون أن كثيرا من المشكلات تنجم من غياب «التوازن» بين العقل ~~والجسم والروح، فمجلة الطب الكلي مثلا تقرر أن مهمتها التركيز على «الجهود الشخصية ~~لتحقيق التوازن». # حسن، كيف إذن يحقق المرء التوازن الجسمي والنفسي والروحي؟ يتكون الطب الكلي في ~~أبسط صوره من مجموعة من الممارسات الصحية الوقائية لا يختلف عليها اثنان، مثل ~~النظام الغذائي الصحيح والتمرين الرياضي الكافي، وهو يحمل الفرد على أن يتولى ~~مسئولية صحته الخاصة، من حيث تبني أسلوب حياة مصمم لكي يرقى بجودة ~~الحياة، ومن حيث ms091 اتخاذ خيارات مستنيرة حول علاج أي مرض. وألصق اتصالا بهدف ~~تحقيق التوازن دعوة كثير من دعاة الطب الكلي إلى ممارسة التأمل # meditation # واليوجا والتغذية الحيوية الراجعة # biofeedback # والخيال الذهني ~~الإيجابي، فبالإضافة إلى ما يزعمون من قدرة هذه الممارسات على جلب الانسجام بين ~~العقل والجسم والروح، فهم يعتقدون أنها أيضا تخفض التوتر؛ ومن ثم تخفض تعرض ~~المرء للأمراض التي تعتبر ذات منشأ نفسي أو اجتماعي أو بيئي، غير أن فاعلية ~~هذه التقنيات في تحقيق أي من هذين الهدفين لم تزل محل خلاف كبير. أما الجوانب ~~الأكثر إثارة للشك في مجال الطب الكلي فهي مجموعة من الممارسات العجيبة، القديمة ~~منها والجديدة في «العصر الجديد»، التي لا يربط بينها إلا رفضها للطب التقليدي ~~ورفض الطب التقليدي لها. من هذه الممارسات: التشخيص النفسي والشفاء النفسي وقراءة ~~الكف وغسل القولون والعلاج بالإيمان وعلم القزحية (تشخيص المرض حيثما يكون في ~~الجسم بواسطة فحص مواضع على قزحية العين). هذه الممارسات إما تستند إلى مبادئ ~~تخالف العلم الراسخ، وإما أثبت البحث التجريبي بطلانها المطلق، وإما الاثنان ~~معا. ~~(4-6) الجانب الوجيه في الطب الكلي # إذا ضربنا صفحا عن هذه الممارسات الأخيرة الزائفة، فإن ثمة بالتأكيد مزايا معينة ~~في الطب الكلي؛ فلسفته التي يقوم عليها، وكثير من ممارساته الخاصة: # أول هذه المزايا توكيد الطب الكلي على أن يأخذ المرء دورا ~~إيجابيا مسئولا في تحديد مسار علاجه، فمهما بلغ اهتمام الطبيب ~~وعطفه فهو لن يفوق اهتمام المريض بنفسه؛ ومن ثم فإن مصلحة المريض ~~تقتضي أن يعلم جيدا عن طبيعة مرضه ويحفز لاتخاذ دور إيجابي في ~~تحديد مسار العلاج. إن الأطباء بشر، وعرضة لارتكاب أخطاء وأخطاء ~~فادحة أحيانا، وينبغي النظر إليهم لا كمعصومين ومجترحي معجزات، بل ~~كمستشارين ذوي علم يساعدون المريض في معركته مع مرض معين. # والمزية الثانية للطب الكلي توكيده على الوقاية، إن الوقاية أقل ~~كلفة وأقل كراهة، ويمكن أن تكون أكثر فاعلية، ربما يندهش الكثيرون حين ~~يعلمون أن التقدم الصحي الذي حدث في القرنين الأخيرين مصحوبا بإطالة ~~معدل الأعمار لا ms092 يعزى إلى تقدم العلاج الدوائي والجراحي بقدر ما ~~يعزى إلى الإجراءات الوقائية المتنوعة: الصرف الصحي، تنقية المياه، ~~بسترة اللبن، تحسن الأطعمة ... إلخ. الحق أن زيادة معدل الأعمار يعود ~~بالدرجة الأولى إلى انخفاض نسبة الوفيات بين الأطفال بفضل هذه ~~الإجراءات الوقائية وبفضل إدخال الفاكسينات التي تقي أيضا من ~~الأمراض المعدية في سن الشباب. # والمزية الثالثة أنه يساعد المريض على التماسك أمام المرض والعجز ~~والألم. إن الطب التقليدي على تقدمه الملحوظ ما زال يقف عاجزا تجاه ~~الكثير من الأمراض الجسمية ولا يقدم إلا شيئا من إبطاء التدهور يتكبد ~~فيه المريض نظاما مرهقا من الأدوية المزعجة والتشوه الجراحي، وعلى ~~الناس أن تمشي بدائها فترة أطول. هنا يتقدم الطب الكلي بخدمة ~~كبيرة؛ إذ يجعل قدرة الناس على مسايرة المرض، من خلال التأمل ~~والاسترخاء العضلي والخيال الإيجابي، أمرا أكثر يسرا ~~وإرضاء. ~~(4-7) الطب الكلي والمناعة النفسية # يؤمن الممارسون الكليون بأن العقل يمكن أن يؤثر على الجسم على نحو لا يمكن ~~تقييمه بدقة في وقتنا الحالي. ثمة أطروحة علمية رصينة تقول بأن مزاج المرء وشخصيته ~~يمكن أن يؤثرا في الأداء الوظيفي لجهاز المناعة، وثمة صيحات شعبية متحمسة تقول ~~بأن الانسجام الروحي والتكامل الأخلاقي لهما تأثيرات مماثلة. والكليون من كلا ~~الطرفين يحاجون بأن الخيال الذهني قد يمنع المرض العضوي أو يوقفه. # هذه الدعاوي تمس منطقة من أكثر مناطق البحث إثارة في العلم كله، وهي حقل ~~علم المناعة السيكولوجي # psychoimmunology ~~، ~~ويعنى الباحثون في هذه المنطقة برسم خريطة المسارات البيوكيميائية التي تصل ~~الدماغ بالجهاز المناعي، وبالتالي بكيف يمكن أن تؤثر الحالات النفسية بصحة الشخص. ~~والحق أنه رغم تحقيق بعض الكشوف المثيرة في هذا المجال فإنه لم يتقدم بعد بما يسمح ~~بتقديم نقد حاسم لشتى الدعاوي المذكورة آنفا، ومن الحصافة ألا يبالغ المرء في ~~التنبؤات المنتظرة في هذا الحقل، وأن يراهن على الدعاوى الأكثر قصدا ~~وتواضعا. # الحالة النفسية لها تأثير على جهاز المناعة، هذه حقيقة معروفة منذ سنين (التوتر ~~العصبي يمكن أن يؤدي إلى المرض)، ولكن ثمة مبالغات يشيعها المتحمسون ms093 في هذا الصدد ~~(دخول امتحان/كتم الغضب/التسلط على الغير/العزلة الاجتماعية ... من شأنها تثبيط ~~المناعة، بينما الاسترخاء/الخيال الذهني/مشاهدة فيلم كوميدي ... من شأنها حفز ~~المناعة)، هذه المبالغات وأمثالها تتركنا مع وجود غير وجودنا الذي نعرفه، وعالم ~~غير عالمنا، عالم لا يمرض فيه - غالبا - إلا التعيس وغير الاجتماعي والمكبوت، عالم ~~يمكن فيه لأفكارنا المحضة تخفيف ضراوة المرض. هذه المبالغات تأخذنا بعيدا عن واقع ~~عالمنا الذي يضرب فيه المرض عشوائيا ويتفاقم بلا رحمة، ويعتل فيه المرء رغم ~~سلامة حالته النفسية وارتفاع معنوياته وحرصه على دوام صحته. # الحقيقة أن من علماء المناعة من يشك في أن تغيرات في الوظيفة المناعية كالتي ~~ذكرناها يمكن أن تعرض الشخص للمرض؛ إذ ليس هناك مقياس صادق فريد للكفاءة ~~المناعية، فالذي هنالك هو جمع من المؤشرات التي ترتبط بطرق معقدة بالقدرة الكلية ~~للشخص على مقاومة المرض، وبالتالي فإن القصور المؤقت في وظائف مناعية معينة قد لا ~~يكون هائل الدلالة؛ لأنه متبوع في الغالب الأعم بتعاف سريع ويمكن أن يعوض ~~عنه بتغيرات في مناطق بديلة من الجهاز المناعي. # 49 # وهناك باحثون آخرون يحاجون بأنه بينما يمكن للحالات النفسية أن تؤتي ~~بعض التأثير على بداية المرض فإن من المرجح أنها لا قدرة لها على التأثير على ~~المرض العضوي المتقدم. # 50 # فإلى أن تصلنا نتائج مزيدة في حقل المناعة السيكولوجية ينبغي أن نضع باعتبارنا ~~فكرتين؛ الأولى: أن معظم الدعاوى المتطرفة عن مدى تحكم العقل في الوظيفة المناعية ~~(وهي دعاوى تروق دعاة الطب الكلي الذين ليسوا متخصصين في هذا المجال) هي دعاوى لا ~~أساس لها على الأرجح، والثانية: أن العالم الذي تتضمنه هذه الدعاوي هو عالم غير ~~مرغوب فيه، عالم ينقلب فيه حال المرء العضوي لدى تقدمه لامتحان عسير أو إلقاء كلمة ~~أمام منتقدين أو علمه بوفاة كلبه، أو لدى تعرضه لعسر أو قلق أو غضب ... إلى آخر ~~ذلك من الانفعالات الواردة بكثرة في مسيرة الإنسان والملازمة لعملية الحياة؛ إذ ~~يبدو أن لمصلحة التطور ألا يرتبط جهاز المناعة كل الارتباط بالحالة النفسية ~~وتقلباتها وأن يكون ms094 له بعض الاستقلال على أقل تقدير. ~~(4-8) الجانب الآثم من الطب الكلي # يلح الطب الكلي على أن الفرد هو - في حقيقة الأمر - طبيب نفسه، وأن عليه من ~~ثم أن يتبنى أسلوب حياة صحيا وأن يلم بأبعاد مرضه وبتفاصيل الخدمة الصحية ~~المقدمة له. ويؤكد الطب الكلي على أن السواء الذهني والروحي شرط ضروري لتحقيق ~~السواء البدني والكفاءة الجسمية، وأن الأفكار والمشاعر الملائمة من شأنها أن تدعم ~~الصحة. # رغم أن هذا الحديث يبدو جميلا ومقبولا، فإن المبالغة فيه ترتكب إثما غائرا ~~غير مرئي؛ فهي تحمل المرضى - ربما بنية طيبة - على أن يلوموا أنفسهم على ~~مرضهم، وتسوغ أن يلومهم الآخرون. المريض إذن هو الذي جلب على نفسه المرض، ~~والعاجز إذن جلب على نفسه العجز ... لا شيء يحيق بالمرء إلا والمرء هو من ~~استدعاه. # إن الطب الكلي - شاء أم أبى - يبث في المريض اعتقادا بأنه السبب في مرضه، وأن ~~عيوبه النفسية والروحية هي التي انهارت به في هاوية المرض وأوردته المهالك، ~~وهو بذلك يضيف التقريع الذاتي إلى محنة المرض. # وما دامت علاقة الحالات النفسية بالمرض غامضة ما تزال، فليكن خطؤنا في جانب ~~الحذر ولنكف عن اعتبار المرضى مساهمين - نفسيا وروحيا - في إحداث مرضهم. ~~إن حملهم لثقيل بما يكفي، ولا وجه بعد لإضافة الإهانة إلى الأذى. ~~(5) دور العلوم الإنسانية في مواجهة الاعتقادات المريبة # الغرض الحقيقي للمنهج العلمي هو أن يبرهن لك على أن الطبيعة لم تخدعك ~~لتجعلك تظن أنك تعرف شيئا ما أنت في الحقيقة لا تعرفه. # R. Pirsig # كثير من الاستراتيجيات العلاجية والجهود التدريبية مصممة لكي تستأصل مصدر ~~المشكلة القائمة، فإذا كان شخص ما لديه عدوى - على سبيل المثال - فمن الممكن علاج سبب ~~العدوى بإعطائه مضادات حيوية، غير أنه في حالات أخرى يتعذر علينا إزالة مصدر ~~المشكلة، عندئذ يكون علينا تعويض القصور الناجم عن المشكلة: فإذا تعذر علينا إزالة ~~قصر النظر فنحن نعالجه بوصف عدسات مصححة، وإذا تعذر علينا إزالة الرغبة في الأكل ~~لدى المصابين بالبدانة فإننا نصف لهم الحمية والتدريب الرياضي لتحقيق توازن ms095 بين ~~مدخل السعرات ومخرجها. # 51 # ولما كان استئصال «الأنوية» تماما من أطفالنا أمرا متعذرا فنحن في ~~تربيتهم نضاد ذلك بأن نبث فيهم مبادئ تعويضية مثل: «عامل الآخرين بمثل ما تحب أن ~~يعاملوك به» أو «كما تدين تدان» أو «ماذا لو أن كل إنسان أباح لنفسه أن يفعل كما ~~فعلت». # حين نلتفت الآن إلى السؤال عما يجب أن نفعله لكي نحسن استدلالات الحياة اليومية ~~ونتخلص من الاعتقادات الواهية والمغلوطة، فمن الواضح بالضرورة أن استراتيجية التعويض هي ~~الحل؛ ذلك أن محو أسباب الاستدلال الخاطئ والاعتقادات المغلوطة أمر متعذر وغاية لا ~~تدرك: # ستظل الناس دائما تفضل الأبيض والأسود على ظلال الرمادي. # وستبقى الناس تضفي بنية وترابطا على الأنماط العشوائية المحضة، فذاك شيء ~~مبيت في تكويننا ومتأصل في آليتنا المعرفية، ولا يرجى له أن يزول تماما على ~~الإطلاق. # وستبقى الناس تتأثر بما حدث أكثر من تأثرها بما لم يحدث، وستبقى مغرمة باستقاء ~~نتائج مما وقع تحت ظروف راهنة دون أن تقارنها بما كان عساه أن يقع تحت ظروف بديلة، ~~فيبدو أن هذه ميول غائرة من الصعب اقتلاعها. # هذه الأسباب التحتية للاعتقادات المغلوطة لن تزول ببساطة، ويتعين - من ثم - كبحها ~~بعادات ذهنية تعويضية تعزز استخداما أصوب للعقل؛ لكي نتجنب الاعتقادات الخاطئة، ~~بعبارة أخرى: فلا بد لنا من اكتساب عادات ذهنية معينة يمكنها أن ترم شتى أوجه ~~القصور في قدراتنا الاستدلالية اليومية. # ما هي العادات الذهنية الضرورية؟ وكيف نكتسبها؟ # الحق أن فهم الآليات التي تفضي إلى اعتقادات خاطئة ينطوي على فهم ضمني لسبل ~~منعها، وأي تحليل لنوع معين من الاستدلال المغلوط ينطوي في ذاته على استراتيجية ~~للتحسن: أخذ الحذر تجاه تقارير العنعنة، التحرز من البيانات غير المنظورة # invisible data ~~(كيف كان يمكن أن يكون ~~مآل الأمور لو لم تتناول هذا العلاج ... كيف كان يمكن أن يكون أداء المتقدمين المرفوضين ~~لو أنهم قبلوا ... إلخ). # من العادات الذهنية الهامة التي نحتاج أيضا إلى تنميتها تلك التي تساعدنا في التغلب ~~على جرائر مهارتنا الفائقة في تفسير نطاق عريض من ms096 الحصائل في حدود نظرياتنا ~~واعتقاداتنا المسبقة. نحن من البراعة في «التفسير الاحتيالي الغرضي الترقيعي» # ad hoc explanation # بحيث يسعنا أن نرى الحصائل ~~الصادمة وغير المنتظرة على الإطلاق، نراها متسقة مع قناعاتنا الأصلية. فما تنفك ~~اعتقاداتنا تتلقى دعما هائلا من الأدلة الملتبسة، وقلما تجد لها أدلة مضادة ~~حقا تكذبها وتضعف الثقة بها. ولكي نعوض هذا القصور فإن علينا أن ننمي عادة ~~استخدام إحدى الاستراتيجيات العديدة لمبدأ «انظر العكس»: يمكننا أن نتعلم أن نسأل ~~أنفسنا مثلا: «افترض أن العكس تماما هو الذي حدث فهل لي أن أعتبر هذا المآل ~~مؤيدا هو أيضا لاعتقادي؟» أو يمكننا أن نسأل: «ترى كيف لشخص آخر لا يعتقد على ~~طريقتي أن يفسر هذه النتيجة؟» أو بشكل أعم: «أية نظرية بديلة يمكن أن تفسر هذا؟» ~~وبواسطة هذه الأسئلة يتسنى لنا أن نعي أن الصلة بين الدليل والاعتقاد ليست وثيقة كما ~~قد تبدو في البداية. من شأن هذه الاستراتيجيات أن تعصمنا من التسرع في قبول القضايا ~~المشكوك فيها، وأن تشجعنا على أن نستبين (ونحاول أن نحصل على) الأدلة اللازمة لاختبار ~~صواب اعتقاد ما اختبارا حقيقيا. # وقد سبق أن تحدثنا عن كيفية التعامل الحصيف مع معلومات العنعنة والتحريفات المرافقة ~~لها، وقلنا: إن ثمة احتمالا كبيرا بأن تكون المعلومات التي تأتينا من الغير أبعد ~~مما تبدو عليه في البداية، فاليد الثانية # second hand # غالبا ما تكون يدا ثالثة، والثالثة في الغالب أبعد من ذلك وهكذا، وقلنا: إن الأحداث ~~التي تصلنا من مصدر ثقة قد تكون - رغم ذلك - نابعة من شخص ما أقل مصداقية، ~~وعلينا من ثم أن نتذرع بالشك تجاه الأدلة الآتية بالعنعنة. علينا أن نعتاد على أن نسأل ~~أنفسنا: من أين نبعت المعلومة؟ وكم من التحريفات - المقصودة أو غير المقصودة - ~~يحتمل أنها اعتورتها خلال المسار؟ # وسبق أن نبهنا إلى الميل البشري لإضفاء نظام على أي مجموعة من المثيرات، ~~وإسباغ معنى على أية ضوضاء لا معنى لها، وإلى أهمية اعتبار فرضية «الصدفة المحضة»، وعدم ~~الاندفاع في الحكم والسلوك. ~~(5-1) أهمية تعليم ms097 العلم # كثير من هذه العادات الذهنية الضرورية - وبخاصة تلك العادات الأعم للتعامل مع ~~الأدلة غير الكافية وغير الممثلة - نشأت في الأصل كجزء من المشروع العلمي، من ~~ذلك أن الفكرة القائلة بأن ما يلاحظه المرء تحت مجموعة من الظروف لا يمكن أن ~~يقيم إلا بالإشارة إلى ما كان عساه أن يحدث تحت ظروف مختلفة بعض الشيء؛ هذه ~~الفكرة تتجسد في استخدام العالم ل «المجموعة ~~الضابطة» # control group ~~، ومن ذلك أن إجراءات التفرقة بين الظواهر العشوائية ~~والظواهر المنظمة قد نشأت - منذ وقت غير بعيد - في علم الإحصاء # statistics ~~. # من المنطقي إذن أن زيادة الإلف بالمشروع العلمي لا بد أن يدعم العادات الذهنية ~~الضرورية للتفكير بوضوح حول «الدليل» # evidence # والسير في الحياة دون اعتقادات هشة. إن الانخراط في عملية العلم ومفاهيمه لا ~~تعلم فحسب هذه العادات الذهنية بشكل مباشر، بل تقدم أيضا خبرة بالمشكلات ~~والظواهر والاستراتيجيات التي يمكن أحيانا أن تجعل المرء يحدس بها أو على الأقل ~~يفهمها فهما أعمق، كما أن الذي يشارك في المشروع العلمي يكون قد تعرض تعرضا ~~عظيم الفائدة للشك واللايقين. ولما كان العلم محاولة لمد حدود ما نعلمه فإن ~~العالم ينغمد على الدوام بحاجز من الجهل؛ فكلما أمعن المرء في تعلم العلم ~~زاد وعيه بما هو غير معلوم، ووعيه بأن كثيرا من علمنا هو ذو طبيعة مبدئية فحسب. ~~من شأن كل ذلك أن يفضي إلى ارتيابية صحية تجاه الدعاوى حول كيف تكون الأشياء ~~أو كيف يجب أن تكون. هذه النظرة الفكرية العامة، وهذه الدراية بمدى صعوبة أن تعرف ~~شيئا على نحو يقيني، هي أثر جانبي هام للانخراط في العمل العلمي. # ومن مخاطر الأمية العلمية وانعدام الفكر النقدي: خلق أجيال لا يؤمن اقتراعها ~~في الأمور المعقدة التي تزداد تعقيدا في عالمنا التكنولوجي الجديد ، مثل هذه ~~الأجيال جديرة بأن تختار للأمة مسارات موبقة أو معطلة على أحسن تقدير. وهذا ~~وحده مدعاة قوية لبث الفكر العلمي والنقدي في أي مجتمع يريد أن ينهض وأن يبقى ~~ناهضا. # ولكن هل جميع العلوم تنمي ms098 الفكر النقدي على حد سواء؟ # ثمة دراسات حديثة تومئ إلى أن التمرس بالعلوم «الاحتمالية» # probabilistic # قد تكون أفضل من التمرس ~~بالعلوم «الحتمية» # deterministic # في تعليم الناس ~~كيف يقيمون، بكفاءة، تلك الظواهر الاحتمالية غير المنتظمة التي كثيرا ما ~~تصادفنا في الحياة اليومية. والعلوم الاحتمالية هي تلك العلوم - كعلم النفس وعلم ~~الاقتصاد - التي تتعامل بالأساس مع ظواهر غير قابلة للتنبؤ التام، ومع علل ~~(أسباب) ليست ضرورية # necessary # ولا كافية # sufficient ~~. إن وفاة زوج - مثلا - مرتبطة بتدني ~~صحة الثاكل، ولكن ليس كل ثاكل أو ثكلى تعاني من تدني الصحة، كما أن الصحة ~~كثيرا ما تتدهور لأسباب أخرى، هكذا فإن الثكل ليس سببا ضروريا ولا كافيا ~~لاعتلال الصحة، وبالمثل فإن الأشخاص ذوي الحسن يلقون - بصفة عامة - استجابة ~~مواتية لا يلقاها غيرهم، ولكن ليس كل مليح محببا لدى الناس، وليست ~~الملاحة شرطا لكسب احترام الناس أو تعاطفهم. # أما العلوم الحتمية - كالكيمياء وكثير من أفرع الفيزياء - فهي تلك العلوم التي ~~تتعامل في العادة مع ظواهر أكثر انتظاما وذات علل ضرورية وكافية في أغلب ~~الأحيان: لكي نزيد الشد الجاذبي بين شيئين ذوي كتلة معينة فإن من الضروري ~~والكافي أن نقربهما أحدهما من الآخر. إنما في مجال الظواهر غير اليقينية التي ~~تدرسها العلوم الاحتمالية تتجلى أفكار من قبيل النكوص الإحصائي # statistical regression # والعينة المتحيزة # biased sample # والمجموعة الضابطة # control group ~~... إلخ، ومن شأن التمرس ~~بهذه الأفرع - إذن - أن يطلق العادات الذهنية الضرورية لتقييم الأدلة في الحياة ~~اليومية على نحو قويم. # وقد أجرت مجموعة من السيكولوجيين تجربة لاختبار هذه الفرضية، # 52 # فقدموا اختبارا في الاستدلال الإحصائي والميثودولوجي لطلاب يتلقون ~~تعليما جامعيا في علم النفس والكيمياء والطب والقانون، وقد صيغت الأسئلة بحيث ~~تقيم مدى رهافة الفكر الإحصائي والمنهجي في السياق العلمي وسياق الحياة ~~اليومية، ودرجة الوعي بمبادئ من قبيل النكوص الإحصائي وأهمية المجموعة الضابطة ... ~~إلخ . وقد أجري الاختبار على طلاب السنة الأولى والسنة الثالثة في كل تخصص؛ ~~للمقارنة بينهما وتبين تأثير الدراسة العلمية في ذلك، كما أعيد تقييم طلاب ~~السنة ms099 الأولى بعد عامين من الدراسة لمقارنة أدائهم الأول مع أدائهم بعد عامين من ~~الدراسة في مجالهم العلمي، وقد جاءت النتائج تشير إلى تفوق العلوم الاجتماعية في ~~تعليم الاستدلال الإحصائي والميثودولوجي. لم تكن ثمة فروق في الدرجات على ~~الاختبارات بين التخصصات الأربعة، غير أنه بعد عامين من التعليم في علم النفس زادت ~~الدرجات بنسبة 70٪، بينما لم تؤثر هذه الفترة من التعليم في درجات طلاب الكيمياء ~~والقانون، ولم يحرزوا تحسنا على الإطلاق. # وقد خلص الباحثون إلى أنه: ~~«يبدو أن العلوم الاحتمالية كالسيكولوجيا والطب تعلم الطلاب أن يستخدموا ~~القواعد الإحصائية والميثودولوجية في المشكلات العلمية ومشكلات الحياة اليومية، في ~~حين أن العلوم الحتمية كالكيمياء والمباحث غير العلمية كالقانون لا تؤتي أثرا في ~~طلابها في هذه النواحي (ص438) ... إن رفاهية عدم ~~التعرض للمشكلات المضطربة التي تنطوي على قدر كبير من اللايقين وشبكة معقدة من ~~العلل؛ تعني أن الكيمياء لا تعلم شيئا من القواعد ذات الصلة بالحياة اليومية» ~~(ص441). # يبدو إذن أن علماء الاجتماع لديهم فرصة خاصة لتقديم بعض الحكمة في كيفية تقييم ~~الدليل # evidence # في الحياة اليومية على نحو ~~قويم، وأن ثمة خصائص صورية معينة للعلوم الاجتماعية (مثل عدم الانتظام، عدم اليقين، ~~الغياب النسبي للعلاقات العلية الضرورية والكافية) تجعلها فعالة بشكل خاص في ~~تعليم بعض المبادئ الهامة للاستدلال السليم. إن تعقد الظواهر وصعوبة تفكيك ~~المتغيرات المرتبطة، والندرة النسبية للتجارب الحاسمة تضطر الطلاب إلى أن ~~يسبروا سبرا أعمق ويفكروا تفكيرا أنفذ. إن العلوم الإنسانية بحكم طبيعتها ذاتها ~~تتيح ممارسة تعين على التفكير بوضوح وقوة في ظواهر الحياة اليومية. ~~(5-2) واجب العلماء الاجتماعيين # يعاني علماء الاجتماع من «حسد الفيزياء»، لقد استشعروا منذ البداية بعدم القدرة ~~على مجاراة العلماء الطبيعيين في الإنجازات التراكمية والقوة التفسيرية ودقة ~~التنبؤ. والحق أن هناك الكثير مما ينتزع الإعجاب في التقدم الذي تحرزه العلوم ~~«الصلبة»، ذلك التقدم الذي لن تضاهيه العلوم الاجتماعية أبدا، ورغم ذلك فإن علينا ~~أن نعترف بأن هناك فائدة خاصة من دراسة الظواهر المعقدة المضطربة التي تشكل موضوع ~~العلوم الاجتماعية. ms100 إن علماء الاجتماع - بصفة عامة - أكثر إلفا من أصحاب الأفرع ~~الأخرى بالطرائق التي تضللنا بها أدلة الخبرة اليومية بسهولة ويسر، وأكثر وعيا ~~بضرورة الضوابط المنهجية قبل أن يحق للمرء أن يستمد استنتاجات متماسكة من مجموعة ~~من البيانات، وربما يكون هذا هو السبب في أن علماء النفس الذين يعتقدون في الإدراك ~~وراء الحسي # ESP # أقل من زملائهم في العلوم الطبيعية والإنسانيات. # 53 # وعليه فقد يكون أفضل ما يقدمه علماء الاجتماع لطلابهم ولعامة الناس هو: تطورهم ~~الميثودولوجي، طريقتهم في النظر إلى العالم، العادات الذهنية التي ينمونها، ~~العملية أكثر من المحتوى. إن الكثير مما نعرفه حاليا عما هو حق وما هو باطل سوف ~~يتغير بالتأكيد في السنوات المقبلة. الأمر الأهم إذن ليس اطراح اعتقادات خاطئة ~~معينة (وإن لم يخل ذلك بالتأكيد من بعض الفائدة) بل خلق فهم لكيفية تكويننا ~~للاعتقادات الخاطئة، ولكي ندرك تعقيدات العالم وتعقيدات الخبرة البشرية يتعين علينا ~~أن نفهم كيف يمكن أن تضللنا الأدلة الظاهرية لخبرة الحياة اليومية. وهذا بدوره ~~يتطلب أن نفكر تفكيرا واضحا حول خبرتنا، ونضع افتراضاتنا موضع تساؤل، ونضع على ~~محك النقد كل ما نظن أننا نعرفه. # الفصل الرابع # | أنتوني براتكانيس:1 كيف تبيع علما زائفا؟2 # كلما قرأت تقارير عن علوم زائفة جديدة في دورية # Skeptic ~~Inquirer # أو شاهدت آخر عرض تليفزيوني لبرنامج # In ~~Search of # لم تسعني سوى استجابة فكرية واحدة: «يا الله، كيف يمكن لأي ~~أحد أن يصدق هذا؟!» لماذا ينفق الناس 3,95 من الدولارات في الدقيقة لكي يتحدثوا ~~هاتفيا مع «روحاني» لم يتنبأ بالمستقبل قط؟! # لماذا يعتقد الناس أن طعاما نباتيا صرفا لم يمسسه طبخ هو شيء طبيعي وبالتالي ~~مغذ؟ # لماذا ينفق الناس ملايين الدولارات كل عام على شرائط تحت-شعورية # subliminal tapes # لا تجدي نفعا؟ # هناك بالطبع أجوبة مختلفة عن هذه الأسئلة، بوسع سحرة السيرك أن يكرروا الأعمال ~~العلمية الزائفة، ويبينوا لنا من ثم كيف يمكن لخفة اليد وتشتيت الانتباه أن تضلل. ~~وبوسع علماء الاجتماع أن يطلعونا على الظروف الاجتماعية التي تزيد انتشار الاعتقادات ~~العلمية ms101 الزائفة، ويمكن للعلماء الطبيعيين أن يصفوا خواص الأشياء ليبينوا لنا أن ما ~~قد يبدو خارقا للطبيعة هو في حقيقة الأمر طبيعي. وقد حدد لنا علماء النفس المعرفيون ~~تحيزات ذهنية شائعة كثيرا ما تحملنا على أن نسيء تأويل الواقع الاجتماعي ونخلص إلى ~~استنتاجات في صالح الظواهر الخارقة للطبيعة. تتناول كل طائفة من هؤلاء سؤال العلم ~~الزائف من زاويتها، وتسهم بكشف جزء من اللغز في سبيل كشف السر وفك الغموض وحل ~~الأحجية. # من جانبي سوف أصف إجابات عالم نفس اجتماعي على سؤال العلم الزائف، وعلم النفس الاجتماعي ~~هو دراسة الأثر الاجتماعي: كيف تؤثر الكائنات الإنسانية ومؤسساتها بعضها في بعض. لقد اضطلع ~~علماء الاجتماع النفسي في العقود السبعة الأخيرة بتطوير نظريات عن التأثير الاجتماعي، ~~وباختبار فاعلية شتى تكتيكات الإقناع، وأطروحتي هي أن كثيرا من تكتيكات الإقناع التي ~~اكتشفها علماء النفس الاجتماعيون تستعمل كل يوم، ربما عن غير وعي تام من جانب ~~مروجي العلم الزائف. # ولكي نرى كيف يمكن استخدام هذه التكتيكات لبيع الهراء، دعنا نتظاهر لحظة بأننا نود ~~أن يكون لدينا علمنا الزائف الخاص، وفيما يلي تسعة تكتيكات دعائية تفضي بالضرورة إلى ~~النجاح: ~~(1) اخلق وهما/سرابا # أول شيء علينا أن نعمله هو أن نخلق وهما؛ هدفا غير متاح يبدو حقيقيا ~~وممكنا، ويبدو كأنه يمكن الحصول عليه بمجرد الجهد الصحيح أو الاعتقاد الصحيح أو ~~المبلغ الصحيح من المال، غير أنه في الحقيقة مستحيل المنال. معظم العلوم الزائفة تقوم ~~على الاعتقاد في هدف بعيد أو شبحي، من أمثلة أوهام العلم الزائف: الاتصال بقريب ~~متوفى في جلسة استحضار الأرواح، أخذ حكمة العالم من درفيل متصل به روحيا # channeled ~~، تحسين أداء المرء في لعبة البولنج، ~~التغلب على صدمة الاغتصاب بواسطة شريط تحت-شعوري # subliminal ~~. # يمكن لهذه الأشباح أن تستخدم كأدوات دعاية فعالة، فإذا كنت لا أمتلك شبحا ~~مرغوبا فأنا أشعر بالحرمان وبشيء من النقص والدونية، وبوسع العالم الزائف أن ينتهز ~~هذه الفرصة فيزعم أنه يقدم سبيلا لنيل هذا الهدف. وفي اندفاعتنا لتدعيم اعتبار الذات ~~فنحن نعلق الحكم الأصوب ونقبل ms102 للتو ما يقدمه العلم الزائف. # والخدعة بالطبع هي أن تحمل الزبون الجديد على الاعتقاد بأن الهدف الشبحي ~~ممكن، والأغلب أن مجرد ذكر مباهج شبح ما سيكون كافيا لإبهار العضو الجديد في العلم ~~الزائف، فمن ذا الذي لا يريد حياة جنسية أفضل وصحة أتم وسلاما نفسيا؛ كل ~~ذلك من شريط تحت-شعوري # subliminal # ب 14,95 دولارا؟ ~~كما أن الخوف من فقدان الهدف الشبحي يمكن أن يحملنا على قبوله كشيء حقيقي. إن فكرة ~~أنني لن أتحدث مرة ثانية أبدا إلى شخص عزيز ولكن متوفى، أو أنني قد أموت ~~الشهر القادم بالسرطان، قد تكون من الإيلام بحيث تجعلني أعلق الحكم الأصوب ~~وأتشبث بالأمل في أن بوسع الوسيط أن يتصل بالموتى، أو بأن الليتريل يعمل (يعالج ~~السرطان)، غير أنه في بعض الأحيان يكون البيع متعسرا، وهذا يستدعي مجموعتنا الآتية ~~من تكتيكات الإقناع. ~~(2) انصب فخ تبرير # يستند فخ التبرير # rationalization trap # إلى المقدمة: ~~اجعل الشخص ملتزما بالقضية بأسرع ما يمكن، وما إن يقع الالتزام حتى تتغير طبيعة ~~التفكير؛ فالقلب الملتزم ليس مشغوفا بالتقييم الدقيق لمزايا مسار ما من الفعل بل ~~بإثبات أنه على حق. # ولكي نرى كيف يتأسس الالتزام بعلم زائف فلننظر إلى حالة عجيبة: انتحار جماعي ~~بتوجيه من قائد الطائفة جيم جونس. هذا هو السؤال الجوهري في الدجلنة: «لماذا تقتل ~~نفسك وتقتل أولادك بأمر من غيرك؟» من خارج الجماعة يبدو الأمر غريبا، ولكن من ~~داخلها يبدو طبيعيا، لقد كان جونس في البداية يحث أتباعه على عمل التزامات سهلة ~~(عطية للكنيسة، حضور خدمة الأربعاء الليلية ...) ثم رفع مستوى الالتزام: أعشار أكثر، ~~وقت أكثر في الخدمة، قسم ولاء، اعتراف علني بالذنوب، عقاب علني، الترحال إلى جويانا، ~~ثم الانتحار. كانت كل خطوة حقا صغيرة. الناس خارج الجماعة رأت النتاج النهائي ~~العجيب، أما الأعضاء بالداخل فقد خبروا لولبا متزايدا دوما من الالتزام ~~المتصاعد. # هذا مثال درامي، ولكن ليس كل اعتقاد في العلم الزائف هو بهذا التطرف، فهناك - مثلا ~~- أولئك الذين يستشيرون روحانيا أو يستمعون إلى شريط تحت-شعوري # subliminal ~~، في ms103 هذه الحالات يمكن ضمان الالتزام بواسطة ما يسميه ~~السيكولوجيون تكنيك # the-foot-in-the-door ~~(هات رجله)، ~~ويعمل بهذه الطريقة: ابدأ بطلب صغير مثل قبول فحص مجاني كيروبراكتي للعمود الفقري، ~~أو أخذ عينة من الفيتامينات، أو إكمال استبيان شخصية مجاني، ثم يتبع ذلك طلب أكبر: ~~إعادة انضمام كيروبراكتيك بألف دولار أو نظام فيتامينات أو سلسلة حلقات دراسية ~~مكلفة. إن الطلب الصغير الأول يمهد الالتزام: لماذا أخذت هذا الفحص العظمي أو ~~تلك الفيتامينات أو أكملت هذا الاختبار ما دمت غير شغوف ولا تظن أن ثمة أي جدوى قد ~~تأتي منها؟ والجواب الأعم الأغلب: «حسن، أوه، أظن أني شغوف.» هكذا ينغلق فخ ~~التبرير. # والآن وقد ضمنا التزام المستهدف بالهدف السرابي فإننا بحاجة إلى بعض الدعم ~~الاجتماعي للاعتقادات العلمية الزائفة المستجدة، والتكتيكات التالية مصممة لدعم ~~هذه الاعتقادات. ~~(3) تصنيع مصداقية المصدر ونزاهته # تكتيكنا الثالث هو أن نصنع مصداقية المصدر ونزاهته، وبعبارة أخرى: اخلق ~~جورو # guro # 3 # أو قائدا أو صوفيا أو لوردا أو أي سلطة أخرى محبوبة وقوية، شخصا من ~~الحماقة ألا يصدقه الناس. من ذلك أن ممارسي الطب البديل كثيرا ما يمتلكون «درجات ~~علمية» في الكيروبراكتيك أو في الهميوباثي، ويدعي بائعو الشرائط تحت- الشعورية معرفة ~~وتدريبا متخصصين في فنون من مثل التنويم المغناطيسي، وكثيرا ما يصبح أنصار الأطباق ~~الطائرة مديرين ل «مراكز بحث»! ويدعي المتنبؤون نجاحات سابقة، فمعظمنا مثلا «يعرف» ~~أن جين ديكسون تنبأت باغتيال الرئيس كندي، ولكن ربما لا يعرف أنها تنبأت أيضا بفوز ~~نيكسون بالرئاسة في 1960م، وكما بين لنا مبحث العلاقات العامة الحديث فإن صناعة ~~المصداقية أسهل مما نظن ونحتسب. # ومصداقية المصدر أداة دعائية فعالة، وذلك لسببين على الأقل: # الأول: # أننا كثيرا ما نعالج الرسائل الإقناعية في شبه غياب ذهني: إما ~~لأننا ليس لدينا دافع للتفكير، أو ليس لدينا وقت، أو ليس لدينا ~~القدرات اللازمة لفهم المسائل. في مثل هذه الحالات فإن وجود مصدر ~~مصدق يمكن أن يحمل المرء على الاستدلال السريع بأن الرسالة جديرة ~~بالتصديق ويجب تقبلها. # والثاني : # أن مصداقية المصدر يمكن أن تسكت ms104 الشكوك، فمن ذا الذي يعطيك الحق - بعد كل شيء - بأن تشك في جورو أو متنبئ أو في صورة الأم مريم أو في ~~باحث مخلص في القدرات الخفية للحياة؟ وسأوضح هذه النقطة بمثال: افترض ~~أنني قلت لك: إن العبارة التالية هي تنبؤ بظهور القنبلة الذرية ~~والطائرة المقاتلة: # وسوف يظنون أنهم قد شاهدوا الشمس بالليل، # عندما سيرون الخنزير نصف-الإنسان. # ضوضاء، أغنية، معركة دائرة ترى في السماء، # وسيسمع المرء البهائم العجماء تتكلم. # ربما يكون جوابك: «ما هذا؟ أنا لا أرى كيف تستنبط القنبلة الذرية من هذا؟ فهذا يمكن ~~أيضا أن يكون تنبؤا بعرض فرار لفيلم دكتور دوليتل، أو بمجيء البسبول الليلي في حقل ~~رينجلي.» ولكن انسب العبارة إلى نوستراداموس ولسوف تتغير الديناميات. كان نوستراداموس ~~رجلا يقولون: إنه عالج ضحايا الطاعون، وتنبأ بمن سيكون البابا، وتنبأ بمستقبل الملوك ~~والملكات، بل عثر على كلب مسكين ضاع من خادم الملك، مثل هذا الرائي والمتنبئ العظيم ~~لا يمكن أن يكون على خطأ. والرسالة المتضمنة: المشكلة فيك أنت؛ فبدلا من التشكك ~~لماذا لا تعلق ذهنك الخطي # linear # الخاطئ حتى ~~يأتيك الاستبصار المطلوب؟ # أي أسس رابطة من الناس فخورة بنفسها ولا معنى لها، ومن أروع اكتشافات علم ~~النفس الاجتماعي تلك السهولة التي يمكن أن تخلق بها الجرنفالونات. مثال ذلك أن عالم ~~النفس الاجتماعي هنري تاجفل # Henri Tajfel # لم يفعل ~~أكثر من أن أتى بمشاركين إلى مختبره وقسمهم بالقرعة العشواء (برمي قطعة ~~عملة) إلى # Xs # و # Ws ~~، وفي ~~نهاية الدراسة كان الأشخاص الغرباء (بعضهم عن بعض) تماما يتصرفون كما لو أن أولئك ~~الذين في رابطتهم هم عشيرتهم الأقربون وأولئك الذين في الجماعة الأخرى هم أعداؤهم ~~الألداء! # والجرنفالونات من الأدوات الدعائية القوية؛ لأنها سهلة التكوين، وما إن تتأسس حتى ~~تخلق واقعا اجتماعيا وتشكل كيانات اجتماعية، وسرعان ما تخلق جماعات خارجية ~~«شريرة» توجه إليها الانتقادات وتقمع وتدان. هكذا يكون العضو الجديد في العلم ~~الزائف أو «العصر الجديد» قد انسلك في جرنفالون، ولكي يحتفظ بكيان اجتماعي مرغوب فيه ~~فإن عليه أن يطيع إملاءات ms105 الجماعة وقائدها، والمعلومة الآن تعتمد على الجماعة: (ففي ~~جلسة تحضير الأرواح مثلا - وهي بمثابة جرنفالون مرتجل - يصبح المرء معتمدا على ~~الجماعة - التي يقودها وسيط - في تأويل أي منبه: فإذا سمع خبطة مفاجئة في ظلام ~~الجلسة، والتي يمكن أن تكون خبطة ركبة بالطاولة، وتعتقد الجماعة أنها لفلان الميت ~~الذي تستحضر روحه، فإن عليه أن يعتقد ما تراه الجماعة، وليس من اللائق للوافد الجديد ~~أن يهز القارب.) # ومن الجوهري لنجاح تكتيك الجرنفالون خلق كيان اجتماعي مشترك، وقد يتطلب خلق هذا ~~الكيان بعض الأشياء: # طقوس ورموز: مثل عصا مستنبئ الآبار، رموز سرية، طرائق خاصة في إعداد ~~الطعام ...إلخ، مثل هذه الأشياء لا تخلق كيانا فحسب بل تقدم بنودا للبيع ~~والربح. # رطانة واعتقادات لا يفهمها ويقبلها إلا أعضاء الجماعة: مثل «الإنجرام ~~يمنع الثيتان»، «أنت على قرن مع صعود المشتري»، هذه الرطانة وسيلة فعالة ~~للتحكم الاجتماعي إذ يمكن استخدامها لإضفاء إطار لتأويل الأحداث. # أهداف مشتركة: (مثل: إنهاء كل الحروب، بيع الإيمان ومتعلقاته من ~~المنتجات، تحقيق إمكانات المرء الإنسانية)، مثل هذه الأهداف تعرف ~~الجماعة، وتدفع الفعل أيضا إذ يصبو المؤمنون للوصول إليها. # مشاعر مشتركة: (مثل الإثارة التي تحدثها نبوءة قد يبدو أنها حق، أو ~~التبرير الجمعي لاعتقادات غريبة وتسويغها للآخرين)، تساعد المشاعر ~~المشتركة في خلق الإحساس ب «النحن». # المعلومات المتخصصة: (مثل: أن حكومة الولايات المتحدة تتآمر لإخفاء ظاهرة ~~الأطباق الطائرة)، وهي تساعد المرء على الإحساس بالتميز، وبأنه عليم ~~ببواطن الأمور. # الأعداء: (مثل: الطب البديل يعادي الجمعية الطبية الأمريكية # AMA # وإدارة الأغذية والعقاقير # FDA ~~، وشركات الشرائط تحت الشعورية ~~تزدري علماء السيكولوجيا الأكاديميين، والروحانيون يشجبون راندي ~~والمحققين الآخرين.) إن الأعداء على أعلى درجة من الأهمية؛ لأنك كعالم ~~زائف سوف تحتاج إلى كباش فداء تحملها مشكلاتك وإخفاقاتك. # من ذلك أن # Kurt Lewin # أثناء الحرب العالمية الثانية ~~استطاع أن يجعل الأمريكيين يأكلون الأعضاء الحشوية للحيوان، وذلك بأن جعلهم يشكلون ~~جماعات لشرح كيف يمكن أن تقنع الآخرين بأكل الأعضاء الحشوية. # وقد اكتشف باعة التجزئة لما يسمى «المنتجات الغذائية» هذه الطريقة، أي ms106 تحويل ~~المستهلكين إلى باعة، فهم يجندون المستهلك لبيع المنتج، وذلك كاختبار لإيمانه ~~بالمنتج من جهة، ولكسب كثير من المال من جهة أخرى، وحين يحاول هذا البائع الجديد أن ~~يبيع المنتج فإنه يصبح أكثر اقتناعا بقيمته، يقول القائد للباعة الجدد: «أجب على ~~جميع الاعتراضات بشهادات فردية (شهادات آحاد) # testimonials ~~، هذا هو سر إغراء الناس بالشراء.» ~~وهو أيضا سر إقناع نفسك. ~~(6) شيد إغراءات زاهية # يؤثر عن جوزيف ستالين أنه قال: # موت روسي واحد مأساة ... # موت مليون روسي واقعة إحصائية. # وبعبارة أخرى: فإن المثال الواحد أو الحالة الواحدة التي تعرض على نحو ناصع يمكن ~~أن تخلق انطباعا باقيا. # 4 # مثال ذلك أن العلوم الزائفة تعج بحكايات نابضة بالحياة عن سفن وطائرات ~~وقعت في شرك مثلث برمودا، وعن كائنات فضائية تفحصت الأجزاء الجنسية لبعض الناس، ~~وجراحين روحيين يزيلون أوراما سرطانية. # إن واقعة ناصعة واحدة كفيلة بأن تتسلط على الذاكرة، بحيث يصعب نسيانها ويصعب ~~رفضها، ومهما حشدت من حجج منطقية تدحض الدعوى العلمية الزائفة فإن بوسع واقعة ~~لافتة واحدة أن تقفز إلى الذهن وتجبهك بالرد الفوري: «نعم، ولكن ماذا عن ذلك ~~المنزل المسكون في نيويورك؟» # وبالمناسبة، فإن من أنجع الطرق لدحض هذا النصوع المضلل أن تذكر مثالا مضادا ~~ناصعا بنفس الدرجة: فلكي يدحض راندي قصص الجراحين الروحيين بالفلبين، فإنه يروي ~~حكاية مثيرة على حد سواء لجراح روحي كان يخفي براحة اليد أحشاء دجاجة ثم ~~يتظاهر بأنه يزيلها من مريض ابتلاه المرض (والفقر أيضا، بعد دفع الأجر الباهظ ~~للعملية). ~~(7) استخدم الإقناع المسبق # pre-persuation # هو تحديد الموقف أو تجهيز المسرح بحيث تفوز، وأحيانا دون طرح حجة صائبة تذكر، كيف ~~يكون ذلك؟ ثمة ثلاث خطوات مهمة على الأقل: # أولا: # تأسيس طبيعة الموضوع: فدعاة الطب البديل - مثلا - لكي يتجنبوا ~~غضب إدارة الأغذية والعقاقير # FDA # يحددون المسألة على أنها «حرية صحية» (يجب أن يكون لك الحق في البديل ~~الصحي الذي تختاره) كمفهوم مضاد لمفهوم «حماية المستهلك» أو جودة ~~الخدمة، فإذا ما عرف داعية الطب البديل المسألة على أنها حرية ~~فسوف ms107 يفوز، «فمن ذا الذي يعارض الحرية ؟» ومثال آخر لهذه التقنية هو ~~أن تخلق مشكلة أو مرضا، مثل انخفاض السكر التفاعلي أو حساسية ~~الخميرة، والذي تصادف عندئذ أنه «قابل للشفاء» بواسطة أيما دجل ~~عليك أن تبيعه. # ثمة طريقة أخرى لتحديد الموضوع، وذلك من خلال التمييز أو التفرقة، ~~فشركات الأشرطة تحت الشعورية تستخدم تمييز المنتج لكي ترد على أي ~~دراسات سلبية حول الأشرطة تحت الشعورية: «إن لشرائطنا تقنية خاصة ~~تجعلها فائقة على الشرائط الأخرى التي قد استخدمت في الدراسات ~~والتي فشلت في إثبات القيمة العلاجية للشرائط تحت الشعورية.» وهكذا ~~تستخدم النتائج الصفرية لكي تجعل شريطا تحت شعوري معينا يبدو ~~فائقا، وقد اتخذت الشبكة الروحانية مقاربة مماثلة: «والله لقد ~~سئمنا من أولئك الروحانيين الزائفين، إن روحانيينا معتمدون.» هكذا ~~يقول الإعلان. # ثانيا: # ضع توقعات، إن التوقعات يمكن أن تجعلنا نؤول المعلومات ~~الملتبسة بطريقة تدعم فرضية أصلية، مثال ذلك أن الاعتقاد في مثلث ~~برمودا قد يحملنا على أن نؤول تحطم طائرة على ساحل نيويورك سيتي ~~كدليل على التأثيرات المشئومة للمثلث. وقد أجرينا حديثا دراسة ~~بينت كيف يمكن لتوقع ما أن يجعل الناس تظن أن الشرائط تحت ~~الشعورية تعمل بينما هي في الحقيقة لا تعمل: لقد أسسنا التوقعات في ~~دراستنا بأن أسأنا عنونة نصف الشرائط، وكانت النتيجة أن حوالي ~~نصف المشاركين اعتقدوا أنهم تحسنوا (رغم أنهم لم يتحسنوا) بناء على ~~كيف عنون الشريط (وليس على محتواه الفعلي)، لقد أدى بهم العنوان ~~إلى أن يؤولوا سلوكهم بما يدعم التوقعات، أو إلى ما أسميناه الأثر ~~«البلاسيبي الوهمي». # والطريقة الثالثة للإقناع المسبق: # هي أن تحدد معايير القرار، مثال ذلك أن مناصري الروحانيات وضعوا ~~تعليمات بما يجب أن يعد دليلا مقبولا على القدرات الخارقة، مثل ~~استخدام الخبرات الشخصية كمعطيات (بيانات)، وإلقاء عبء البرهان على ~~الناقد وليس على المدعي، وفوق كل شيء أن يبقى جيمس راندي وأمثاله ~~خارج غرفة الاختبار. اقبل هذه المعايير ولسوف تخلص إلى أن ~~الروحانيات حقيقة. ~~(8) أكثر من استخدام المختصرات الذهنية والأفكار الشائعة # توصيتي التالية للراغب في أن ms108 يكون عالما زائفا هي أن يستخدم «المختصرات الذهنية» # heuristics # 5 # والأفكار الشائعة # commonplaces ~~، ~~والمختصرات الذهنية هي قواعد أو معايير (إذا-إذن) بسيطة ومقبولة على نطاق عريض، مثال ~~ذلك: إذا كان أغلى ثمنا إذن هو أكثر قيمة. والأفكار الشائعة هي اعتقادات مقبولة على ~~نطاق واسع ويمكن أن تعمل كأساس لدعوة ما، مثال ذلك أن الإصلاح الصحي الحكومي يجب أن ~~يرفض؛ لأن الساسة فاسدون (افتراض الفساد السياسي هو اعتقاد مقبول على نطاق واسع). ~~للمختصرات والرائجات سطوتها؛ لأنها مقبولة من الجميع، ومن ثم لا تثير التفكير فيما إذا ~~كانت القاعدة أو الحجة ملائمة. # لكي تبيع علما زائفا انثر على دعوتك الجزيل من المختصرات والروائج، وهاك بعض ~~الأمثلة الشائعة: ~~(أ) # مختصرة الندرة # scarcity heuristic # أو ~~إذا كان نادرا إذن فهو قيم. تكلفك شبكة الأصدقاء الروحانيين 3,95 ~~دولارات في الدقيقة فلا بد إذن أن تكون قيمة، في حين أن أستاذ جامعة ~~كاليفورنيا معدله 27 سنتا في الدقيقة، فهو بذلك أقل قيمة. ~~(ب) # مختصرة الإجماع أو ~~«الزفة» # consensus or bandwagon heuristic # أو: إذا كان كل شخص موافقا على ذلك إذن فهو ~~حق. تعرض الشرائط تحت الشعورية والإعلانات التليفونية الروحانية والطب ~~الدجلي شهادات شخصية # testimonials # لأشخاص ~~قد وجدوا ما كانوا يبحثون عنه. ~~(ج) # مختصرة طول الرسالة، أو: إذا كانت الرسالة طويلة فهي إذن قوية، كثيرا ما ~~تدرج كراسات الشرائط تحت الشعورية قوائم بمئات الأبحاث تحت الشعورية ~~دعما لدعاويها، إلا أن أغلب هذه الدراسات لا تتناول فعالية الشرائط تحت ~~الشعورية، وهي من ثم غير ذات صلة، والملاحظ غير المحنك سيكون جديرا بأن ~~ينبهر بثقل الأدلة. ~~(د) # مختصرة ~~التمثيل # representative heuristic ~~، أو: إذا كان شيء ما يشبه شيئا آخر (في جانب ~~بارز ما) فهما إذن متماثلان في الفعل، مثال ذلك أنه في ضروب الطب الشعبي ~~كثيرا ما يكون العلاج مشابها للسبب الظاهر للمرض؛ فالهميوباثي مثلا ~~قائم على فكرة أن كميات صغيرة من المواد التي يمكن أن تسبب أعراض مرض ما ~~سوف تشفي هذا المرض، ويزعم مذهب التوقيعات ~~الصيني # Chinese Doctrine ms109 of Signatures # أن التشابه في الشكل والهيئة يحدد القيمة ~~العلاجية؛ لذا فإن قرون الخرتيت وقرون الوعل وجذور الجنسنج تبدو قضيبية ~~ويفترض أنها تحسن الحيوية. ~~(ه) # مختصرة الطبيعي # the natural heuristic ~~، ~~أو: ما هو طبيعي فهو حسن، وما هو من صنع البشر فهو سيئ، إن ما يدعم الطب ~~البديل هو لفظة «طبيعي» # natural ~~، والقدرات ~~الروحية تصور على أنها قدرات طبيعية ولكن فقدت، الطعام العضوي ~~طبيعي، إن نبات الهدار (الطفيلي) # mistletoe # طبيعي أيضا ولكني لا أوصي بأن يعتاد أحد أكل هذا الصنف. ~~(و) # رائجة الألوهة ~~بداخلنا # the goddess-within commonplace # أو: البشر لديهم جانب روحي يهمله العلم المادي ~~الحديث. هذه الفكرة الشائعة تنجم من الفكرة القروسطية عن الروح، التي قام ~~بتحديثها مزمر # Mesmer # كمغناطيسية حيوية، ~~ثم تحولت على يد التحليل النفسي إلى فكرة اللاشعور الخفي المتسلط. يلعب ~~العلم الزائف على هذا الوتر فيقدم وسائل لطرق اللاشعور، مثل الشرائط تحت ~~الشعورية، أو لإثبات وجود هذه القوة الخفية من خلال «الحاسة السادسة» ~~والظواهر الباراسيكولوجية، أو لمخاطبة بقايا هذه الروحية الخفية من خلال ~~الاتصال بالموتى عبر الوسيط وتحضير الأرواح. ~~(ز) # رائجة «العلم»: للعلوم الزائفة فكرتان شائعتان متضادتان عن العلم ~~تستخدم كلا منهما حسب السياق ومقتضى الحاجة: فالعلماء الزائفون تارة ~~يقولون «العلم شيء جيد ونحن علميون»، وطورا يقولون إذا أعيتهم الحيل: ~~«العلم محدود والعلماء لا يعرفون كل شيء»! ~~(9) هاجم الخصوم (التعريض الشخصي واغتيال الشخصية) # وأخيرا أنت تود أن تحصن علمك الزائف من الأذى والهجوم الخارجي، ولما كان ~~الهجوم خير وسيلة للدفاع فأنا أقدم لك نصيحة شيشرون: «إذا لم تكن لديك حجة جيدة ~~فهاجم المدعي.» # لماذا يعد التعريض الشخصي أداة دعائية قوية؟ يدلنا علماء النفس الاجتماعيون ~~على ثلاث فئات من الأجوبة عن هذا السؤال: # أولا: # التعريض الشخصي يغير أجندة المناقشة، ففي اصطدامي مع دعاة ~~الشرائط تحت الشعورية لم يعد النقاش حول ما إذا كانت هذه الشرائط ~~تستحق نقودك أم لا، وإنما تحول النقاش إلى ما إذا كنت أنا على ~~خلق أم لا، وهل أنا باحث كفء، بل هل ms110 أنا أجريت بحثا ~~حقا. # ثانيا: # حين تغمز قناة شخص ما فإن هذا الغمز يثير الشك في المغموز؛ فإذا ~~كان المستمع لا يعرف شيئا عن هذا المغموز فسوف يتضخم الشك فيه ويترك ~~أثرا عظيما. # ثالثا: # يمكن أن يكون للغمز تأثير مفتر لهمة المغموز. يبرد ~~حرارة نقده أو يصرفه عن المعركة كليا؛ ذلك أن المغموز سوف يفكر: ~~«هل أضحي بسمعتي ومكانتي وأنغمس أكثر من ذلك في هذه المعركة القذرة؟ هل ~~هذه المعركة تستحق الخوض؟!» وإن الدعوى القضائية العابثة لطريقة ~~فعالة جدا لتضخيم هذا التأثير المفتر. # الفصل الخامس # | روري كوكر:1 التمييز بين العلم والعلم الزائف # تعني كلمة # pseudo # الزيف/الكذب، وأوثق طريقة لضبط زيف ~~ما هو أن تعرف - جهد ما تستطيع - عن الشيء الحقيقي الأصيل، أي - في مقامنا هذا - عن ~~العلم نفسه. إن معرفة العلم ليست مجرد معرفة الحقائق العلمية (مثل المسافة بين الأرض ~~والشمس، عمر الأرض، التمييز بين الثدييات والزواحف ... إلخ.) بل فهم طبيعة العلم: محكات ~~الدليل # evidence ~~، تصميم التجارب ذات المعنى، مقارنة ~~الاحتمالات، اختبار الفرضيات، تأسيس النظريات، الجوانب العديدة للمناهج العلمية التي تجعل ~~بالإمكان استخلاص استنتاجات عن العالم الفيزيائي يعول عليها. # ولأن وسائل الإعلام تمطرنا بالغثاء، فمن المفيد أن ننظر في أمارات العلم الزائف. إن ~~مجرد وجود واحدة من هذه الأمارات يجب أن يثير شكا كبيرا، ومن جهة أخرى فإن المادة ~~التي تخلو من هذه العيوب قد تظل مع ذلك علما زائفا؛ إذ إن أنصار العلم الزائف يخترعون ~~طرائق جديدة كل يوم ليخدعوا أنفسهم. ~~(1) العلم الزائف يبدي عدم اكتراث بالحقائق # العلم الزائف لا يرهق نفسه باستشارة الأعمال المرجعية، أو بالبحث العلمي ~~مباشرة؛ فأنصار العلم الزائف يتبجحون ببساطة ب «حقائق» زائفة حيثما اقتضت الحاجة، ~~وكثيرا ما تشكل هذه الأوهام محور حجة العالم الزائف واستنتاجاته، وفضلا عن ~~ذلك فإن العلماء الزائفين قلما يراجعون أعمالهم؛ فالطبعة الأولى للكتاب العلمي الزائف ~~هي دائما الطبعة الأخيرة، حتى لو أعيدت طباعته لعقود من الزمن أو حتى قرون، ~~وحتى الكتب التي تحتوي على أخطاء أو زلات طباعية واضحة في ms111 كل صفحة قد تعاد طباعتها ~~كما هي مرارا وتكرارا. قارن هذا بالكتب العلمية الدراسية التي تخرج طبعة جديدة ~~كل بضعة أعوام بسبب التراكم السريع للوقائع والاستبصارات الجديدة. ~~(2) «البحث» العلمي الزائف غير متقن دائما وأبدا # يجمع العلماء الزائفون قصاصات صحفية وأراجيف شائعة، ويحيلون إلى كتب ~~دجلية أخرى، ويتمعنون في أعمال ميثولوجية قديمة، وقلما يقومون هم ببحث مستقل ~~لتمحيص مصادرهم. ~~(3) انحياز التأييد # يبدأ العلماء الزائفون من فرضية معينة (جذابة عاطفيا دائما وغير معقولة على ~~الإطلاق) ثم يفتشون عن أي شيء يبدو أنه يؤيدها، ويتغافلون الأدلة المناقضة لها؛ ذلك ~~أن هدف العلم الزائف هو تبرير الاعتقادات الراسخة وليس تقصي الاحتمالات البديلة، ~~ودأبه أن يقفز إلى النتائج المريحة، ويهيب بالأفكار المسبقة والأغاليط الشائعة. ~~(4) عدم الاكتراث بمعايير الدليل الصحيح # لا يبالي العلم الزائف بمعايير الدليل الصحيح، ولا يعتمد على التجارب العلمية ~~المنضبطة القابلة للتكرار، بل على شهادات آحاد غير قابلة للتحقق، وحكايا وأقاويل ~~وإشاعات ونوادر فردية مشكوك فيها. # بالنسبة للعلم الزائف فهذا يعني أن اللبخة تشفي الصداع، أما بالنسبة للعلم فهذا ~~لا يعني شيئا حيث إنه لم تجر أي تجربة. ثمة أشياء كثيرة كانت تجري عندما ذهب ~~الصداع عن رأس سالم: كان القمر بدرا، كانت النافذة مفتوحة، كان سالم يرتدي قميصه ~~الأزرق ... إلخ، وكان صداعه سيذهب في النهاية في كل الأحوال وأيا كانت الأحوال. إن ~~التجربة المنضبطة ستضع عددا كبيرا من الأشخاص الذين يعانون من الصداع في ظروف ~~متطابقة في كل شيء عدا وجود (أو عدم وجود) العلاج الذي تريد أن تختبره، ثم تقارن ~~النتائج التي سيكون لها عندئذ احتمال بأن تعني شيئا. يظن كثير من الناس أن علم ~~التنجيم لا بد أن يكون على شيء؛ لأن طالع البروج في جريدة ما يصفهم بدقة، غير أن ~~الفحص الدقيق يكشف أن الوصف هو من العمومية بحيث يشمل كل شخص تقريبا. هذه الظاهرة - ~~وتسمى «التصديق الذاتي» # subjective validation ~~- هي ~~من دعائم الرواج الشعبي للعلم الزائف. ~~(6) الاستناد إلى العرف البشري لا إلى اطرادات الطبيعة # يستند العلم الزائف إلى ms112 الأعراف الاعتسافية للثقافة الإنسانية لا إلى الاطرادات ~~الثابتة للطبيعة، من ذلك أن تأولات التنجيم تعتمد على أسماء الأشياء، التي هي اتفاقية ~~وتختلف من ثقافة إلى أخرى؛ فإذا كان القدماء قد أعطوا الاسم «المريخ» للكوكب الذي ~~نسميه «المشتري» والعكس، فإن علم الفلك لن يبالي البتة بذلك، أما التنجيم فسوف يختلف ~~كليا؛ لأنه يعتمد فقط على الاسم ولا شأن له بالخصائص الفيزيائية للكوكب نفسه. ~~(7) يفضي العلم الزائف إلى قياس الخلف # يفضي العلم الزائف إلى «قياس ~~الخلف» # reduction to absurdity # 2 # إذا تتبعته بما يكفي. قد يكون مستنبئو ~~الآبار # dowsers # قادرين بطريقة ما على الإحساس بوجود ماء أو معادن تحت حقل ~~ما، غير أنهم جميعا يزعمون أن بوسعهم الاستنباء بنفس الكفاءة من خلال خريطة! وقد يكون # Uri Geller ~~«روحانيا»، ولكن هل قواه حقا ~~موجهة له على وصلة راديو بواسطة طبق طائر من كوكب هوفا كما قد زعم؟ وقد تكون ~~النباتات «روحانية» ولكن لماذا يستجيب إصيص الطمي بنفس الطريقة تماما في نفس ~~«التجربة»؟ ~~(8) تجنب الاختبار وتكرار التجربة # يتجنب العلم الزائف دائما وضع دعاويه على محك اختبار ذي معنى، ولا يجري ~~العلماء الزائفون أنفسهم أية تجارب منهجية دقيقة البتة، وهم أيضا - بصفة عامة - ~~يغفلون نتائج التجارب التي يجريها العلماء، والعلماء الزائفون لا يعرفون المتابعة ~~على الإطلاق، فإذا ادعى أحدهم أنه قام بتجربة (مثل دراسات الإيقاع الحيوي «المفقود» ~~لهيرمان سوبودا # Herman Swoboda # التي يزعم أنها ~~أساس علم «الإيقاع الحيوي» الزائف الحديث) فلن يحاول أي عالم زائف آخر تكرارها أو ~~التحقق من الأمر، حتى إذا كانت النتائج الأصلية مفقودة أو مشكوكا فيها! وفضلا عن ~~ذلك، فحيثما ادعى عالم زائف أنه قد أجرى تجربة ذات نتائج مثيرة فإنه - هو ~~نفسه - لن يعيد التجربة أبدا لكي يتحقق من نتائجه وإجراءاته، وهذا يقف على النقيض ~~التام مع العلم، حيث التجارب الفاصلة يكررها العلماء في جميع أرجاء العالم محرزين ~~مزيدا من الدقة على الدوام. ~~(9) العلم الزائف كثيرا ما يتناقض مع نفسه # كثيرا ما يتناقض العلم الزائف مع نفسه حتى بلغته الخاصة، ms113 ومثل هذا التناقض ~~المنطقي يتم تغافله ببساطة أو تبريره، وعليه يجب ألا نتعجب إذا وجدنا الفصل الأول من ~~كتاب في استنباء الآبار # dowsing # يقول: إن المستنبئين ~~يستخدمون أغصانا مقطوعة حديثا؛ إذ إن الخشب «الحي» فقط هو ما يمكنه أن ينقل ويركز ~~«إشعاع الأرض» الذي يجعل الاستنباء ممكنا، بينما نجد في الفصل الخامس أن جميع ~~المستنبئين تقريبا يستخدمون قضيبا معدنيا أو بلاستيكيا. ~~(10) اختلاق سر وافتعال غموض # يتعمد العلم الزائف اختلاق لغز حيث لا لغز، وافتعال غموض حيث لا غموض؛ وذلك ~~بإغفال معلومات حاسمة أو تفاصيل هامة، وما من شيء إلا ويمكن جعله سريا إذا ~~أغفلنا ما هو معروف عنه أو عرضنا تفاصيل خيالية تماما، ولنا في كتب «مثلث برمودا» ~~أمثلة كلاسيكية لهذا التكتيك. ~~(11) العلم الزائف لا يتقدم # قد يتنقل العلم الزائف من تقليعة إلى أخرى (من الأشباح إلى أبحاث الإدراك وراء ~~الحسي # ESP ~~، ومن الأطباق الطائرة إلى الدراسات الروحية ... ~~إلخ.) ولكنه لا يحقق أي تقدم في أي موضوع منها. العلم الزائف لا يكتشف جديدا ولا ~~يقترح نظرية، ولا يعدل أو يلغي مفاهيم قديمة في ضوء كشوف جديدة؛ إذ ليس ثمة ~~كشوف جديدة، وكلما كانت النظرية قديمة حظيت باحترام أكبر، ولم يحدث قط أن اكتشف ~~العلم الزائف ظواهر أو عمليات طبيعية غير معروفة للعلماء من قبل. والحق أن ~~العلماء الزائفين يتعاملون بصفة شبه دائمة مع ظواهر معلومة جيدا للعلماء ولكن مجهولة ~~تقريبا من جانب العامة، بحيث إنهم سوف يبتلعون أي شيء يريد العلماء الزائفون أن ~~يدعوه، من أمثلة ذلك السير في النار ووتصوير «كيرليان» (التصوير الكهربي) # Kirlian photography ~~. ~~(12) الإقناع بالخطابة لا بالدليل # العلم الزائف يحاول الإقناع بالخطابة والدعاية وإساءة التأويل وليس بالدليل الصحيح ~~(الذي لا وجود له)، وتطفح كتب العلم الزائف بالمغالطات المنطقية المعروفة للدارسين، ~~وقد ابتكرت مغالطات جديدة خاصة بها، ومن المغالطات المفضلة لها ما يعرف ب «الاستنتاج الخلفي» # non sequitur ~~، # 3 # ويحب العلماء الزائفون أيضا «حجة جاليليو»، وهي تتضمن أن يقارن العالم ~~الزائف نفسه بجاليليو قائلا: إنهم يخطئونه مثلما كان ms114 معاصرو جاليليو ~~يخطئونه. إذن العالم الزائف على صواب أيضا مثلما كان جاليليو بالضبط، ومن ~~الواضح أن النتيجة هنا لا تلزم عن المقدمات! كما أن أفكار جاليليو تم اختبارها ~~والتحقق منها وقبولها فورا من جانب زملائه العلماء. أما الرفض فكان آتيا من جانب ~~المؤسسة الدينية التي كانت تفضل العلم الزائف الذي دحضته كشوف جاليليو. ~~(13) الاحتكام إلى الجهل # يعتمد العلم الزائف على مغالطة بدائية هي «الاحتكام إلى الجهل» # ad ignoratiam ~~: فكثير من العلماء الزائفين يؤسسون دعاويهم ~~على عدم اكتمال معلوماتنا عن الطبيعة، وليس على ما نعرفه في الوقت الحالي، ولكن من غير ~~الممكن أن يكون غياب المعلومات داعما لأي دعوى؛ فواقعة أن الناس لا يميزون ما يرونه ~~في السماء لا تعني إلا أنهم لا يميزون ما رأوه. هذه الواقعة ليست دليلا على أن الأطباق ~~الطائرة هي من الفضاء الخارجي، وتشيع في أدبيات العلم الزائف عبارة «العلم لا يستطيع ~~أن يفسر ...» ذلك أن العلم في حالات كثيرة لا يكون لديه شغف بالظواهر المفترضة بسبب عدم ~~وجود أدلة على وجودها، وفي حالات أخرى يكون التفسير العلمي معروفا ومرسخا جيدا ~~ولكن العلماء الزائفين لا يعرفون ذلك، أو يتغافلون عنه لكي يخلقوا لغزا. ~~(14) الولع بالظواهر الشاذة لا بالاطرادات المألوفة # العلم الزائف مولع بالظواهر الشاذة أو الغريبة أو النادرة، وليس بالاطرادات ~~الراسخة للطبيعة: تنبئنا خبرة العلماء عبر القرون الأربعة الماضية أن الدعاوى ~~والتقارير التي تصف أشياء مفهومة جيدا تسلك بطرائق عجيبة وغير مفهومة تميل إلى أن ~~تتكشف - عبر البحث والاستقصاء - عن خداعات متعمدة وأخطاء بريئة وتوصيفات مشوشة وإساءة ~~تأويل وتلفيقات تامة وأخطاء غبية فاضحة، وليس من الحكمة قبول مثل هذه التقارير على ~~ظاهرها دون تمحيصها. أما العلماء الزائفون فإنهم دائما يأخذون هذه التقارير على أنها ~~صادقة حرفيا دون تحقيق مستقل. ~~(15) الاحتكام إلى سلطة زائفة أو إلى العواطف # من دأب العلم الزائف الاحتكام إلى سلطة زائفة أو إلى العواطف، وعدم الثقة في الحقيقة ~~الراسخة، فليس ما يمنع أن يقبل راسب ثانوية عامة كخبير في الآثار، رغم أنه لم ms115 ~~يجر في حياته أي دراسة لهذا العلم، وليس ما يمنع أن يقبل محلل نفسي كخبير في ~~التاريخ الإنساني كله، ناهيك بالفيزياء والفلك والميثولوجيا، رغم أن دعاويه غير متسقة ~~مع كل ما هو معروف في هذه الحقول الأربعة. يقسم النجم السينمائي فلان أن كذا حق فلا ~~بد إذن أنه حق، يقول فيزيائي: إن «الروحاني » فلانا لا يمكن أن يكون قد خدعه بحيل ~~السحر البسيطة، رغم أن الفيزيائي لا يعلم شيئا عن السحر وخفة اليد. # والاحتكام إلى العواطف شائع في العلم الزائف: («إذا جعلك هذا تشعر بالراحة فلا بد ~~أن يكون هذا حقا.» «أنت تعرف في قلبك أنه صحيح»). # والعلماء الزائفون مغرمون بالمؤامرات الخيالية: («هناك أدلة وفيرة على الأطباق ~~الطائرة ولكن الحكومة تتكتم الأمر.») ويكثرون من الاحتكام بأشياء غير ذات صلة ~~بالموضوع؛ فعندما يواجهون بوقائع غير مريحة لهم فإنهم يجيبون ببساطة: «العلماء لا ~~يعرفون كل شيء.» ~~(16) يقولون أشياء بعيدة تناقض كل معلوم # العلماء الزائفون يقولون أشياء بعيدة ويقدمون نظريات خيالية تناقض ما هو معلوم عن ~~الطبيعة، وهم لا يقدمون دليلا على دعاويهم، ليس هذا فحسب، بل يتغافلون أيضا عن الكشوف ~~التي تتناقض مع استنتاجاتهم: («الأطباق الطائرة لا بد أنها آتية من مكان ما، إذن الأرض ~~مجوفة والأطباق آتية من داخلها.» «هذه الشرارة الكهربية التي أقدمها بهذا الجهاز ~~الكهربي ليست في الحقيقة شرارة على الإطلاق بل هي مظهر فوق طبيعي للطاقة ~~الروحية-النفسية.» «كل إنسان محاط بهالة غير ملموسة من الطاقة الكهرومغنطيسية، ~~الهالة البيضية للرائي الهندي القديم التي تعكس كل مزاج وحالة للإنسان»). ~~(17) يخترعون معجمهم اختراعا # العلماء الزائفون يخترعون معجمهم الخاص حيث مفردات كثيرة ليس لها تعريفات دقيقة ~~غير ملتبسة، وكثيرا ما يكون المستمعون مضطرين إلى تأويل العبارات وفقا لتصوراتهم ~~المسبقة، ما هي - مثلا - «الطاقة الكونية الحيوية» أو «التكبير السيكوتروني»؟ # وكثيرا ما يحاول العلماء الزائفون تقليد رطانة الأفرع العلمية والتقنية، بأن ~~يتحدثوا بلهجة خطابية وبربرة تبدو علمية وتقنية. إن المعالجين الدجالين لا ~~يستغنون عن لفظة «طاقة»، غير أن استخدامهم لهذا المصطلح لا يتصل من ms116 قريب أو بعيد بمفهوم ~~الطاقة عند علماء الفيزياء. ~~(18) ظواهرهم «غيورة»! # يدعي العلم الزائف أن الظواهر التي يدرسها «غيورة» # jealous # لا تظهر في وجود المتشككين! فالظواهر عندهم لا تظهر إلا تحت ~~شروط معينة غير محددة بوضوح ولكنها حيوية لحضور الظاهرة (مثلا: عدم حضور المتشككين ~~والمرتابين، وعدم حضور خبراء، وعندما لا يكون هناك أحد يراقب ، وعندما تكون ال # vibes # صحيحة، أو أن الظاهرة تحضر مرة واحدة في ~~التاريخ البشري)، يذهب العلم إلى أن الظواهر الأصيلة يجب أن تكون قابلة للدراسة من ~~جانب أي أحد ذي استعداد قويم، وأن جميع الدراسات الصحيحة الإجراء يجب أن تعطي نتائج ~~متسقة. ليس ثمة ظاهرة «غيورة» بهذه الطريقة. ليس ثمة معنى لأن تشيد جهاز تليفزيون ~~أو راديو لن يعمل إلا في غياب المتشككين! وإن رجلا يزعم أنه عازف كمان رفيع المستوى ~~ولكن لا يبدو أنه امتلك كمانا في حياته، ويرفض أن يعزف في وجود أي شخص يمكن أن يسمعه، ~~هذا الرجل في الأرجح كاذب في ادعاء قدرته على عزف الكمان. ~~(19) التفسير بالسيناريو # تميل التفسيرات العلمية الزائفة إلى أن تكون بالسيناريو: أي إنها تقدم لنا حكاية لا ~~أكثر، ولا نخرج بأي وصف لأية عملية فيزيائية ممكنة، من ذلك أن إمانويل فيليكوفسكي ~~(1895-1979م) ادعى أن كوكبا آخر مر بقرب الأرض تسبب في انقلاب محور دوران ~~الأرض رأسا على عقب، هذا كل ما قاله، فهو لم يقدم آليات، ولكن الآلية مهمة للغاية؛ ~~لأن قوانين الفيزياء تستبعد هذه العملية باعتبارها مستحيلة: أي إن اقتراب كوكب آخر لا ~~يمكن أن يقلب محور دوران كوكب ما، فإذا كان فيليكوفسكي قد اكتشف طريقة ما يمكن بها ~~لكوكب أن يقلب محور دوران كوكب آخر لكان من المفترض أن يصف هذه الآلية. إن العبارة ~~الجريئة نفسها بدون آلية تحتية لا توصل أية معلومات على الإطلاق. لقد قدم ~~فيليكوفسكي كلمات، ترتبط إحداها بالأخرى داخل الجملة، ولكن العلاقات مغتربة عن العالم ~~الذي نعيش فيه بالفعل، ولا تقدم تفسيرا لكيف يمكن أن يحدث ذلك. لقد قدم قصصا لا ~~نظريات ms117 حقيقية. ~~(20) التفكير السحري # كثيرا ما يهيب العلماء الزائفون بالعادة البشرية القديمة في التفكير السحري. يقوم ~~السحر على الأنالوجي الزائف # false analogy # وروابط ~~العلة/المعلول الزائفة، أي افتراض تأثيرات وروابط (غير قابلة للتفسير) بين الأشياء منذ ~~البداية لا توجد بالبحث: (إذا دست على «شرخ» بالرصيف دون أن تتمتم بكلمة سحرية ~~فإن أمك «ستنشرخ» بجسمها عظمة/أكل أوراق قلبية الشكل مفيد لأمراض القلب/تسليط ضوء أحمر ~~على الجسم يزيد إنتاج الدم/الكباش عدوانية. إذن من ولد في برج الحمل ~~عدواني/السمك مفيد للدماغ؛ لأن لحم السمك يشبه نسيج المخ.) ~~(21) التفكير المفارق ~~لزمنه # anachronistic thinking # كلما كانت الفكرة أقدم كانت أكثر جاذبية للعلم الزائف (إنها حكمة القدماء!) خاصة ~~إذا كانت الفكرة واضحة البطلان وأبطلها العلم منذ زمن طويل. يجد كثير من ~~الصحفيين صعوبة في فهم هذه النقطة: فالمراسل المعهود الذي يكتب عن التنجيم قد يظن ~~أن الدقة تقتضيه أن يلتقي بستة منجمين وفلكي واحد، يقول الفلكي: إن التنجيم كله ~~هراء. ويقول المنجمون الستة: إنه مادة عظيمة وصائب حقا وسوف يطيب لهم قراءة طالع ~~أي شخص مقابل خمسين دولارا (لا شك!) بالنسبة لكثير من المراسلين، وبالطبع لكثير من ~~المحررين وقرائهم، فإن هذا سيكون تأييدا للتنجيم بنسبة 6 إلى واحد! ~~••• # والجدول التالي يقارن بين بعض خصائص العلم وخصائص العلم الزائف: # العلم # العلم الزائف # يعبر عن كشوفه بالأساس من خلال المجلات العلمية التي يراجعها ~~النظراء، وتلتزم بمعايير صارمة للدقة والأمانة. # يتوجه بأدبياته إلى عامة الجمهور، لا مراجعة، لا معايير، لا تحقق ~~قبل النشر ولا تتطلب الدقة والضبط. # يتطلب نتائج قابلة لإعادة الإنتاج، التجارب يجب أن توصف بدقة بحيث ~~يمكن تكرارها بالضبط أو إجراء تحسينات عليها. # نتائجه لا يمكن إعادة إنتاجها أو التحقق منها، الدراسات - إن وجدت - ~~موصوفة دائما وصفا غامضا بحيث لا يمكن للمرء تبين ما تم إجراؤه ~~أو كيف تم. # الإخفاقات يفتش عنها وتدرس بدقة؛ ذلك أن النظريات الخاطئة كثيرا ~~ما تعطي تنبؤات صحيحة بطريق الصدفة، أما النظرية الصحيحة فلن تعطي ~~تنبؤات خاطئة أبدا. # الإخفاقات يتم إغفالها أو التغاضي عنها ms118 أو إخفاؤها أو الكذب حولها أو ~~إسقاطها من الحساب أو تفسير سببها أو تبريرها أو نسيانها أو تجنبها بأي ~~ثمن. # بمرور الزمن تتكشف العمليات الفيزيائية الخاضعة للبحث أكثر ~~فأكثر. # لا تكشف ولا تدرس أية ظواهر أو عمليات فيزيائية، لا يحرز أي ~~تقدم، ولا تحصل أية معرفة صلبة. # يحتكم في الإقناع إلى «الدليل» # evidence ~~، والحجج القائمة على المنطق والاستدلال ~~الرياضي، وتقديم أفضل دفع تسمح به البيانات، وإذا ما ظهر دليل جديد ~~يدحض الأفكار القديمة يتم التخلي عنها. # يهيب في الإقناع بالإيمان والاعتقاد. العلم الزائف ينطوي على عنصر ~~شبه ديني قوي: إنه يحاول أن يكرز لا أن يقنع، وعليك أن تصدق ~~بالرغم من الوقائع لا بسببها، لا يتم التخلي عن الفكرة القديمة أبدا ~~أيا ما كانت الأدلة. # لا يناصر أو يسوق ممارسات أو منتجات غير مبرهن عليها. # يرتزق - بصفة عامة - ببيع منتجات مشكوك فيها (مثل: كتب وفصول ~~دراسية ومكملات غذائية) أو خدمات علمية زائفة: (كشف الطالع وقراءة ~~الشخصية ورسائل روحية وتنبؤات.) # هذه القائمة يمكن أن تمتد امتدادا كبيرا؛ لأن العلم والعلم الزائف هما بالضبط ~~طريقان متضادان في رؤية الطبيعة. يعتمد العلم - وبإصرار - على التشكك في النفس وعلى ~~الاختبار وعلى التفكير التحليلي الذي يجعل صعبا عليك أن تخدع نفسك أو أن تتجنب مواجهة ~~الوقائع. أما العلم الزائف فهو يبقي على طرائق التفكير القديمة الطبيعية غير ~~العقلانية وغير الموضوعية، والسابقة على ظهور العلم بمئات الآلاف من السنين؛ تلك ~~العمليات الفكرية التي أفضت إلى الخرافات والأفكار الأخرى المغلوطة والخيالية عن ~~الإنسان والطبيعة: من الفودو # voodoo # إلى العنصرية، من ~~الأرض المسطحة إلى الكون-المنزلي الشكل، حيث الرب في العلية والشيطان في القبو ~~والإنسان في الأرضية. من عمل رقصات المطر إلى تعذيب المرضى العقليين لطرد الشياطين التي ~~تتلبسهم. العلم الزائف يشجع الناس على أن تعتقد أي شيء تريده، ويقدم لك حججا وهمية ~~لكي تحملك على أن تخدع نفسك وتظن أن أي اعتقاد وكل اعتقاد هو صحيح على السواء، وأما ~~العلم فيبدأ بقوله: دعنا نضرب صفحا عما نعتقد أنه ms119 كذلك، ونحاول أن نبحث ونتقصى لكي ~~نكتشف ما هو كذلك على الحقيقة. هذان طريقان لا يلتقيان، بل يمضيان في اتجاهين ~~متعاكسين تماما. # ثمة شيء من الخلط في هذه النقطة يسببه ما قد نسميه # crossover ~~(تحويلة). «العلم» ليس شارة أنت تتخذها، ~~بل هو نشاط أنت تؤديه، وحالما توقفت عن هذا النشاط فقد توقفت عن أن تكون عالما. إن ~~قدرا مقلقا من العلم الزائف يتولد من جانب علماء متمرسين جيدا في حقل معين ~~ولكنهم أقحموا أنفسهم في حقل آخر ليس لهم به علم. إن عالم الفيزياء الذي يزعم أنه ~~قد اكتشف مبدأ جديدا في البيولوجيا، أو عالم البيولوجيا الذي يزعم أنه اكتشف مبدأ ~~جديدا في الفيزياء؛ هو في جميع الأحوال تقريبا يمارس العلم الزائف. وكذلك الحال ~~بالنسبة لأولئك الذين يزورون المعطيات أو يتكتمون البيانات التي تصطدم مع تصوراتهم ~~المسبقة، أو يرفضون أن يتركوا الغير يرى بياناتهم من أجل تقييمها تقييما مستقلا. إن ~~العلم أشبه بقمة عالية للتكامل الفكري والنزاهة والعقلانية. هذه القمة ناعمة وزلقة ~~وتتطلب جهدا هائلا للبقاء بمقربة منها، وأي تراخ في ذلك يجرف المرء بعيدا ~~ويوقعه في العلم الزائف. # وقد يتساءل المرء: ألا توجد أمثلة ل «تحويلات» في الاتجاه الآخر: أي أمثلة لأناس ~~ظنهم العلماء يقدمون علما زائفا ثم تبين في النهاية أنهم يمارسون علما ~~حقيقيا، ومن ثم تقبل العلماء أفكارهم في نهاية المطاف؟ في ضوء ما بيناه ~~سابقا لا يتوقع المرء أن يحدث ذلك إلا نادرا جدا. لم يحدث ذلك على حد علمي (وعلم ~~أي زميل عالم سألته في ذلك) خلال مئات الأعوام التي عرف فيها العلماء المنهج ~~العلمي الكامل واستخدموه. على أن هناك حالات كثيرة لعالم خطأه زملاؤه ثم ~~تبين لاحقا - بظهور معلومات جديدة - أنه على صواب، والعلماء - شأنهم شأن أي ~~إنسان آخر - قد تأتيهم حدوس بأن شيئا ما قد يكون حقا دون أن يمتلكوا أدلة كافية ~~لإقناع مشاركيهم أنهم على صواب. مثل هؤلاء الأشخاص لا ينبغي اعتبارهم علماء زائفين ~~إلا إذا استمروا يعتقدون بصواب أفكارهم بعد أن ms120 تتراكم ضدها الأدلة المضادة. لا مناص ~~للمرء من أن يخطئ أو يزل؛ فنحن جميعا بشر، ونحن جميعا نرتكب أخطاء وحماقات، إلا أن ~~العلماء الحقيقيين أيقاظ لاحتمال خطئهم ومسارعون في تصحيحها، أما العلماء الزائفون ~~فلا. الحق أننا يمكن أن نعرف العلم الزائف تعريفا قصيرا بأنه: ~~«طريقة للتشفع للأخطاء والدفاع عنها والإبقاء عليها.» ~~(22) مخاطر العلم الزائف # كثيرا ما ينظر الأشخاص العقلانيون المتعلمون إلى العلم الزائف على أنه من العبثية ~~والبطلان بحيث لا يشكل خطرا يذكر، بل قد يكون مصدرا للترفيه والتسلية، غير أن هذا ~~الموقف - للأسف - ليس موقفا سديدا؛ فالعلم الزائف قد يكون خطرا غاية في ~~الخطورة: # فحين ينفذ إلى المنظومات السياسية فإنه يسوغ الفظائع باسم النقاء ~~العرقي. # وحين ينفذ إلى النظام التعليمي فإنه قد يطرد العلم والعقلانية. # وفي مجال الصحة قد يودي بالآلاف إلى موت مجاني أو معاناة بلا ~~ضرورة. # وحين ينفذ إلى الدين يولد التعصب وعدم التسامح والحرب المقدسة. # وحين ينفذ إلى وسائل الإعلام فقد يحول دون حصول المصوتين على ~~المعلومات الوقائعية في مسائل عامة مهمة. # الفصل السادس # | سكوت ليلينفلد:1 وصايا ليلينفلد العشر # كثير من معلمي مداخل السيكولوجيا لا يلقون بالا بموضوعات العلوم الزائفة، باعتبار ~~أن مثل هذه الموضوعات غير ذات صلة بعلم السيكولوجيا، أو ذات صلة هامشية على أعلى تقدير، ~~وكثير من الكتب الدراسية في علم النفس تكاد تخلو من هذه الموضوعات، باعتبار أن لديها ما ~~يكفي من الموضوعات العلمية الأصيلة، كما أن بعض المعلمين قد يخشون أن الالتفات إلى الدعاوى ~~المشكوك فيها سوف ينتهي إلى بث الرسالة غير المقصودة إلى الطلبة بأن هذه الدعاوى قابلة ~~للتصديق علميا. # غير أن البروفسور ليلينفلد لا يرى هذا الرأي، ويذهب إلى ضرورة تنبيه طلاب علم النفس إلى ~~خصائص العلم الزائف؛ وذلك لأكثر من سبب: فالفهم القويم لبناء ما، كما نوه بحق ~~جورج كيلي، # 2 # يقتضي فهم قطبيه معا، فنحن مثلا لا نعي مفهوم «البرد» ما لم نكن قد خبرنا ~~الحر، ومن ثم قد لا يستوعب الطلاب مفهوم التفكير العلمي استيعابا كاملا ما ms121 لم يتكون ~~لديهم فهم للاعتقادات العلمية الزائفة، أي التي تبدو علمية للوهلة الأولى بينما هي غير ~~ذلك. # كما أن تناول هذه الموضوعات يتيح فرصة لغرس مهارات الفكر النقدي، من مثل التمييز بين ~~«الارتباط» # correlation # و«العلية» # causation ~~، وإدراك الحاجة إلى «المجموعات الضابطة» # control groups # من خلال تقويم المفاهيم الخاطئة للطلاب في مجال ~~السيكولوجيا الشعبية. # الحق أن علم النفس عند الكثير من طلاب السيكولوجيا المبتدئين يكاد يكون مرادفا ~~للسيكولوجيا الشعبية، والسيكولوجيا الشعبية تعج بالخرافات والأساطير الحديثة مثل: أن معظم ~~الناس لا تستخدم إلا عشرة بالمئة من أدمغتهم، وأن التعبير عن الغضب أفضل في العادة من ~~كظمه، وأن الأضداد تتجاذب في العلاقات البين-شخصية، وأن الاعتبار العالي للذات ضروري ~~للصحة النفسية، وأن مرضى الفصام لديهم أكثر من شخصية ... إلخ. # وفي دراسة لمورير وكيبورتس (1994م) تبين أن تدريس فصل «العلم والعلم الزائف» لطلاب ~~المرحلة الجامعية أدى إلى انخفاض دال إحصائيا في تبني الاعتقادات الخرافية مقارنة ~~بغيرهم من الطلاب الذين لم يدرسوا هذا الفصل، # 3 # وفي دراسة أخرى لوسب ومونتجمري (1998م) تبين أن دراسة فصل عن الفحص ~~النقدي للدعاوى الخارقة قد أدت إلى تحسن دال إحصائيا في تقييم أخطاء الاستدلال في ~~المقالات العلمية، والتعرف على الأخطاء المنطقية فيها وتقديم تفسيرات بديلة لنتائج البحث. # 4 # وفيما يلي عشرة إلماعات تعليمية - في صيغة وصايا - خلص إليها بروفسور ليلينفلد من خلال ~~خبرته في تدريس فصل التمييز بين العلم والعلم الزائف لطلاب علم النفس الجامعيين. # 5 ~~(1) الوصية الأولى: حدد الملامح التي تميز العلم من العلم الزائف # يجب أن يدرك الطلاب أن الفروق بين العلم والعلم الزائف، رغم أنها ليست مطلقة ولا ~~قاطعة، ليست عشوائية ولا ذاتية، فقد حدد فلاسفة العلم - مثل ماريو بنج # Mario Bunge ~~(1984م) - مجموعة من الملامح أو ~~«العلامات التحذيرية» التي تميز معظم المباحث العلمية الزائفة، منها ما يلي: # الميل إلى استدعاء الفرضيات الغرضية ~~الاحتيالية # ad hoc hypotheses # التي هي أشبه بثغرات هروب مقصود بها أن تكون وسيلة ~~لتحصين الدعاوى من التكذيب. # غياب التصحيح الذاتي وحضور الركود الفكري. ms122 # التوكيد على التأييد لا التفنيد. # الميل إلى إلقاء عبء البرهان على عاتق المتشككين في الدعوى لا على ~~المدعي. # الاعتماد الزائد على النوادر الفردية # anecdotes # والشهادة الشخصية # testimonial # لإثبات الدعاوى. # الروغان من التمحيص الذي تقدمه مراجعة ~~النظراء # peer review ~~. # غياب الترابطية، أي عدم القدرة على البناء على المعرفة العلمية القائمة. # استخدام رطانة طنانة لكي تضفي واجهة خارجية خادعة من الجلال العلمي. # الدعوى. # ومن الجدير بالذكر أن لا واحدة من هذه العلامات كافية بذاتها لكي تسم مبحثا ما ~~بأنه علم زائف، إلا أن وجود المزيد من هذه العلامات التحذيرية يجب أن يثير المزيد من الشك. # 6 ~~(2) الوصية الثانية: فرق بين الارتيابية والكلبية # من مخاطر تدريس الطلاب التمييز بين العلم والعلم الزائف أننا يمكن أن نصنع منهم، دون ~~قصد، طلابا يرفضون تلقائيا أية دعوى تبدو غير مقبولة، تتضمن الارتيابية # skepticism ~~- وهي التوجه الذهني القويم للعالم - ~~موقفين يبدوان متناقضين: الانفتاح على الدعاوى، مقرونا برغبة في تعريض هذه الدعاوي ~~للتمحيص الحاد، يقول جيمس أوبرج # James Oberg # مهندس ~~الفضاء: إن علينا أن نبقي عقولنا مفتوحة ولكن ليس لدرجة تجعل أدمغتنا تسقط منها. # 7 # وفي المقابل فإن الكلبية # Cynicism # تتضمن انغلاقا ~~ذهنيا. أذكر أن أحد الشكاك البارزين كان يؤنبني على تشجيعي للباحثين على أن ~~يبقوا منفتحي العقل تجاه فعالية صنف جديد من العلاج النفسي كان أساسه المنطقي يبدو ~~له بعيد الاحتمال، غير أننا إذا أغلقنا احتمالية أن تكون اعتقاداتنا المسبقة خاطئة ~~فإننا إذاك نسلك سلوكا غير علمي. تستلزم الارتيابية استعدادا لتقبل دعاوى ~~جديدة، أما الكلبية فلا. ~~(3) الوصية الثالثة: فرق بين الشك المنهجي والشك الفلسفي (المذهبي) # عندما نشجع الطلاب على التفكير النقدي فلا بد أن نفرق بين شكلين من الارتيابية: ~~(1) # مقاربة تعرض جميع دعاوى المعرفة على التمحيص بغية فرز الدعاوى الصادقة ~~عن الكاذبة؛ أي الشك المنهجي (العلمي). ~~(2) # ومقاربة تنكر إمكان المعرفة، أي الشك الفلسفي (المذهبي). # عندما نشرح للطلاب أن المعرفة العلمية اختبارية # tentative # في صميمها ومفتوحة للمراجعة، فإن بعضهم قد يستنتج - خطأ - ~~أن المعرفة الحقيقية غير ممكنة. هذه ms123 الوجهة من الرأي - التي راجت في أوساط بعد-حداثية ~~معينة - تغفل التمييز بين دعاوى المعرفة الأكثر يقينا من تلك الأقل يقينا، فرغم أن ~~اليقين المطلق ربما يكون غاية لا تدرك في العلم فإن بعض الدعاوى العلمية - مثل نظرية ~~دارون في الانتخاب الطبيعي - قد تم تعزيزها بدرجة قصوى، في حين أن نظريات أخرى - مثل ~~نظرية خرائط البروج التنجيمية - قد تم دحضها على نحو مقنع، وتبقى نظريات أخرى - ~~مثل نظرية التنافر المعرفي # cognitive dissonance ~~- ~~خلافية من الوجهة العلمية؛ ومن ثم فإن هناك متصلا من الثقة في الدعاوى العلمية، ~~فبعضها قد اكتسب وضعا وقائعيا تقريبا، في حين نالت الأخرى تكذيبا مدويا. إن ~~الشك المنهجي - الذي لا يقدم أجوبة تامة اليقين على الأسئلة العلمية ويعد هذه ~~الأجوبة قابلة للإطاحة بها في ظل أدلة جديدة - لا يتضمن أن المعرفة غير ممكنة، بل ~~يتضمن فحسب أن المعرفة مبدئية # provisional # غير نهائية، ~~ولا هي تتضمن أن لا فرق بين الإجابات المستخلصة من الفحص العلمي المنضبط والإجابات ~~الأخرى كتلك المستمدة من الحدس. # 8 ~~(4) الوصية الرابعة: فرق بين دعاوى العلم الزائف والدعاوى التي هي زائفة ~~فحسب # جميع العلماء - حتى أنبغهم - يرتكبون أخطاء، كان إسحق نيوتن - على سبيل المثال - يعبث ~~بفرضيات خيميائية غريبة خلال شطر كبير من سيرته العلمية المتميزة فيما خلا ذلك، ~~وعلى الطلاب أن يدركوا أن الفرق المفتاحي بين العلم والعلم الزائف لا يكمن في محتواهما ~~(ما إذا كانت دعاويهما صحيحة وقائعيا أم خاطئة) بل في مقاربتهما للدليل # evidence ~~. العلم الحق يبحث عن المعلومات المناقضة، ~~وبافتراض أن هذا الدليل قابل للتكرار وعالي القيمة فإنه في النهاية يدمج هذه المعلومات ~~في مدونته المعرفية. أما العلم الزائف فيميل إلى تجنب المعلومات المضادة (أو يعيد ~~تأويلها بحيث تتسق مع دعاويه إن استطاع)، وهو بذلك لا يقدر على تبني التصحيح الذاتي ~~الضروري للتقدم العلمي، مثال ذلك أن التنجيم لم يتغير كثيرا عما كان عليه منذ 2500 سنة ~~برغم الأدلة السلبية الهائلة التي جابهته. ~~(5) الوصية الخامسة: فرق بين العلم والعلماء # إن العلماء بشر وعرضة ms124 للوقوع في التحيز والتصلب الدوجماطيقي في اعتقاداتهم، شأنهم ~~شأن غيرهم من الناس، غير أن العالم الحق لا يدخر وسعا لكي يدرك تحيزاته ويضادها ~~بواسطة الاحتياطات المنهجية ضد الزلل (مثل: المجموعات الضابطة ذات العمى المزدوج) ~~التي يفرضها عليه المنهج العلمي. على الطلاب أن يفهموا أن المنهج العلمي هو عدة ~~المهارات التي نماها العلماء لكي يمنعوا أنفسهم من تأييد تحيزاتهم الخاصة. العالم ~~بشر خطاء، ولكن المنظومة العلمية تبصره بتحيزاته وتتخذ تدابير تحصن العمل ~~العلمي ضد الزلل. ~~(6) الوصية السادسة: فسر الأسس المعرفية للاعتقادات العلمية الزائفة # يجب أن يعي الطلاب أننا جميعا عرضة للأوهام المعرفية، وأن هذه الأوهام قد تكون ~~قاهرة لا تقاوم. كلنا أو معظمنا - على سبيل المثال - قد يقع ضحية الذكريات ~~الزائفة. إن العمليات السيكولوجية التي تفضي إلى الاعتقادات الخاطئة شاملة ~~مستشرية، بل إن بعضها في الأصل تكيفي ومسعف. «المختصرات الذهنية» # heuristics # 9 # مثلا - التي قد تنتج اعتقادات زائفة - هي بالأساس معينة لنا على ~~إضفاء معنى على عالمنا المعقد والمربك؛ وعليه فإن معظم الاعتقادات العلمية الزائفة ~~مقدودة من نفس القماشة التي قدت منها الاعتقادات الدقيقة. من شأن هذا الفهم أن ~~يهدئ من روع الطالب الذي يعتنق اعتقادات علمية زائفة حين يواجه بأدلة ~~تدحض اعتقاداته. ~~(7) الوصية السابعة: تذكر أن الاعتقادات العلمية الزائفة تؤدي وظائف دافعية ~~مهمة # كثير من الدعاوى الخارقة - مثل تلك المتعلقة بالإدراك وراء الحسي (الحاسة السادسة) # ESP # وخبرات الخروج من الجسم والتنجيم - تخاطب حاجة ~~المعتقدين إلى الأمل والدهشة، وحاجتهم أيضا إلى الإحساس بالإمساك بزمام وقائع الحياة ~~والموت التي لا زمام لها في الأغلب. معظم المؤمنين بالخوارق يبحثون عن أجوبة على ~~أسئلة وجودية عميقة من مثل: «هل ثمة روح؟» و«هل هناك حياة بعد الموت؟» لذا توقع ~~من الطلاب حين تواجههم بأدلة علمية تتحدى اعتقاداتهم الخارقة أن يتخذوا موقفا ~~دفاعيا، والدفاعية بدورها قد تولد نفورا من النظر في الأدلة المضادة. # من أجل هذا يتعين على المعلم أن يكون رفيقا بطلابه حين يتناول اعتقاداتهم بالتفنيد؛ ~~فالسخرية من هذه الاعتقادات قد تؤدي إلى رد فعل ms125 يدعم أفكارهم النمطية عن مدرسي العلم ~~كأشخاص منغلقي الذهن غير سمحاء. ومن التقنيات المفيدة للمعلم في هذا الصدد أن ~~ينمي صلة وئام وألفة بينه وبين طلابه ثم يتحدى اعتقاداتهم بروح المرح الطيب ~~القلب (مثلا: «أود أن أسأل كل من يعتقد في التحريك ~~النفسي # psychokinesis # أن يتفضل ويرفع يدي.») على ألا يدرك هذا المرح من جانبهم ~~على أنه ازدراء أو استعلاء. ~~(8) الوصية الثامنة: أخبر راغب الدهشة أن العلم مدهش # قل له إذا كنت أيها الطالب تبحث عن الدهشة والغرابة فإن العلم الصحيح طافح بهما! ~~إذا كنت شغوفا بدعاوى العلوم الزائفة لأنها تهزك وتثير دهشتك فاعلم أن كثيرا من ~~كشوف العلم الحقيقي لا تقل فتنة وسحرا عن دعاوى العلوم الزائفة؛ فهي مدهشة لافتة ~~ولكن حقيقية في الوقت نفسه: الأحلام الشديدة الوضوح، الخيال الصوري # eidetic imagery ~~، الإدراك تحت العتبي # subliminal perception ~~(كمقابل للإقناع ~~تحت العتبي)، الأعمال الخارقة للذاكرة البشرية، الاستخدامات الإكلينيكية القويمة ~~للتنويم (كمقابل للاستخدام الدجلي للتنويم في استعادة الذكريات). وقد نوه بعض ~~العلماء بأن كشف الزيف يؤكد حقيقة ما بالضرورة؛ وعليه فمن الأهمية بمكان ألا نكتفي ~~بتبيان المعلومات الزائفة للطلاب، بل أن نوجههم أيضا إلى المعلومات الصحيحة، ~~مثال ذلك: إن علينا حين نفسر للطلاب لماذا تعد «الإيقاعات الحيوية» # biorhythms # دجلا لا أساس له أن نقدم معها دعاوى تتعلق ~~بالإيقاعات اليومية # circadian rhythms # التي - رغم ~~الخلط الكثير بينها وبين الإيقاعات الحيوية - يدعمها بحث علمي دقيق. ~~(9) الوصية التاسعة: كن متسقا في معاييرك الفكرية # تجنب ازدواج المعايير والكيل بمكيالين: أحدهما حين تقيم الدعاوى التي تبدو ~~مقبولة لديك، والآخر حين تقيم ما يبدو لك غير مقبول. أعرف معلما هو مناصر ~~صريح لحركة تأسيس قوائم بالعلاجات المدعومة إمبيريقيا (أي التي ثبتت فاعليتها في ~~دراسات منضبطة)، في هذا المجال هو حريص في الاعتماد على التراث البحثي لدعم أطروحاته ~~الخاصة بأي العلاجات النفسية هو الفعال وأيها غير ذلك، ولكنه برغم ذلك رافض للأدلة ~~البحثية على فاعلية العلاج الكهربي # ECT # للاكتئاب، حتى ~~إذا كانت هذه الأدلة مستقاة من دراسات منضبطة ms126 لا تقل دقة وصرامة عن العلاجات النفسية ~~التي يؤيدها، وحين واجهته بذلك وبينت له عدم اتساقه أنكر بشدة أنه متمسك ~~بمعايير مزدوجة، وقد اتضح لي في النهاية أنه كان يستبعد الدليل على فاعلية العلاج ~~الكهربي؛ لمجرد أن هذا العلاج كان يبدو له غير معقول على الإطلاق. ربما كان يتساءل: ~~كيف بالله يمكن لإحداث نوبة شبه صرعية - بتسديد الكهرباء إلى الدماغ - أن يزيل ~~الاكتئاب؟! غير أن المعقولية الظاهرية مقياس غير معصوم من الخطأ على الإطلاق، ومن ثم ~~فإن علينا أن نظل منفتحين على الدليل الذي يتحدى تصوراتنا المسبقة الحدسية، وأن نشجع ~~الطلاب أيضا أن يفعلوا ذلك. ~~(10) الوصية العاشرة: فرق بين العلم الزائف والميتافيزيقا # فرق بين الدعاوى العلمية الزائفة وبين الدعاوى الدينية الميتافيزيقية الخالصة، ~~فالدعاوى الميتافيزيقية بخلاف الدعاوى العلمية الزائفة، لا يمكن أن تختبر ~~إمبيريقيا، ومن ثم فهي تقع خارج حدود العلم، وهي في مجال الدين تشمل قضايا تتصل بوجود ~~الله ووجود الروح والحياة الأخرى، وهي قضايا لا يمكن دحضها بأي مدونة من الأدلة ~~العلمية التي يمكن تصورها. # على أن بعض الدعاوى شبه الدينية (من مثل «كفن ~~تورين» # Shroud of Turin ~~، والتماثيل الباكية للأم العذراء ... إلخ) هي حقا دعاوى قابلة ~~للاختبار وخاضعة للتحليل النقدي، شأنها شأن غيرها من المعتقدات الطبيعية المشكوك ~~فيها. # وحين يدمج المعلمون الاعتقادات العلمية الزائفة مع الاعتقادات الدينية التي هي ~~ميتافيزيقية في الصميم فهم يخسرون مرتين: ~~(1) # ينفرون نسبة كبيرة من طلابهم بغير داع قد يكونون متدينين ~~بعمق. ~~(2) # يزدرون مهارات التفكير النقدي لطلابهم، ذلك التفكير الذي يتطلب فهما ~~واضحا للفرق بين الدعاوى القابلة للاختبار والدعاوى غير القابلة. ~~(11) مجمل # الالتزام بالوصايا العشر قد يتيح لمعلمي السيكولوجيا أن يساعدوا طلابهم في تحقيق ~~الهدف الحاسم/التفرقة بين العلم والعلم الزائف. إن إدخال فصل العلم الزائف في فصول علم ~~النفس يمكن أن يكون ذا عائد سخي لكل من المعلمين والطلاب، على أن يقاربوا ذلك ~~بحذر وحساسية وفهم واضح للفروق بين الارتيابية والكلبية، بين الشك المنهجي والشك ~~الفلسفي (المذهبي)، بين المنهج العلمي والعلماء الذين يستخدمونه، بين ms127 العلم الزائف ~~والميتافيزيقا. # وفي عالم تضخ فيه الوسائط الإعلامية (وصناعة العون الذاتي، والإنترنت) علما ~~سيكولوجيا زائفا بمعدلات متسارعة دوما، فإن مهارات التفكير النقدي المطلوبة ~~لتمييز العلم من العلم الزائف يجب أن نعدها إجبارية على جميع طلاب علم ~~النفس. # الفصل السابع # | جون كاستي:1 معايير التمييز بين العلم الحقيقي والزائف # عن كتابه Paradigms Lost # 2 ~~(1) التفكير المفارق لزمنه (الأناكرونستي) # 3 # إذا كانت الحجة مستندة إلى حكمة القدماء (الذين هم - لو تذكر - أقل علما عن ~~العالم بكثير مما يجب أن يكون عليه أي طالب ثانوية صغير) أو تستخدم مصطلحات علمية ~~عفى عليها الزمن، فثم ما يدعو إلى الشك فيها. ~~(2) طلب الغوامض # إذا كان هدف العلم هو حل الألغاز فإن العلم الزائف يميل إلى التوكيد على وجود ~~الألغاز، ويفترض عدم قابليتها للحل، وهذا موقف عقيم؛ لأنه إذا كان لغز ما - بحكم ~~التعريف - غير قابل للحل فلماذا يضيع المرء وقته في التفكير فيه؟! ~~(3) الاحتكام إلى الأساطير # ومفاده أن الأساطير القديمة لا بد أنها تستند إلى صنف معين من الوقائع الحقيقية ~~التي تم تحريفها عبر الانتقال من جيل إلى جيل، ورغم أن هذا يمكن أن يحدث بغير شك فإن ~~مجرد تشابه الأساطير لدى بعض الثقافات (تشابها سطحيا في العادة) لا يعني أن الوقائع ~~المتبطنة لهذه الأساطير واحدة، أو حتى أنها وقعت أصلا؛ فمن الجائز تفسير ذلك بأن ~~العقول الإنسانية تميل إلى أن تعمل على نحو متشابه، وتقدم من ثم تفسيرات متشابهة ~~للأشياء التي لا تفهمها. ~~(4) عدم الاكتراث بالدليل ~~«الدليل» # evidence # هو حجر الزاوية الذي يفصل العلم ~~عن أي جهد فكري آخر للإنسان، بما في ذلك الفلسفة (إلى حد كبير)، ولكي يكون الدليل ~~علميا يجب أن يكون صلبا ووثيقا، فإذا استشهدنا ب «حقيقة» ما فينبغي أن نكون على ~~درجة معقولة من الثقة بأنها تتطابق مع دليل ما يمكن التحقق منه، أما الشائعات ~~والعنعنات فلا مجال لها في العلم. ~~(5) فرضيات لا تقبل الدحض # لا يتسنى للعلم أن يتقدم ما لم تكن الفرضية العلمية قابلة للدحض من حيث المبدأ ms128 على ~~أقل تقدير، فإذا ما كانت فرضيتك غير قابلة للدحض (أي غير قابلة للتكذيب # unfalsifiable ~~) أيا ما كانت الأدلة، فهي إذن غير ذات ~~جدوى (هي قد تكون صادقة بطبيعة الحال ولكن لا حيلة لنا في التحقق منها). ~~(6) التشابهات الزائفة # من الفخاخ الشديدة الخفاء التي يمكن للتفكير البشري أن يقع فيها عقد توازيات بين ~~تصورات أو ظواهر تبدو مقبولة، غير أنها تقتضي تحليلا في العمق للتحقق منها أو ~~إلقائها، من ذلك مثلا أن بوسع المرء أن يستنبط دلالة سرية من واقعة أن رقم لوحة ~~سيارته هو نفس رقمه المدني، غير أن لحظة من التفكر كفيلة بأن تجعلك تستنتج أن هذا - ~~ببساطة - هو محض صدفة، إلا أن التماثل في حالات أخرى قد يكون قاهرا أكثر، وقد تفضي ~~التماثلات - بصفة عامة - إلى استبصارات أصيلة في الموضوع محل البحث، إلا أنها تتطلب ~~معيارا للتحقق أعلى مما يقدمه الحدس الأول. ~~(7) التفسير بواسطة السيناريو # ما أسهل - إذا كان لدى المرء أقل القليل من الخيال - أن يفسر شيئا ما بأن يروي ~~قصة، أي بأن يتخيل سيناريو معقولا. أحيانا ما يقع العلماء في هذه الممارسة الخاطئة ~~(وبخاصة - مثلا - علماء السيكولوجيا التطورية)، والحق أن السيناريوهات يمكن أن تكون ~~مفيدة؛ لأنها قد توجه البحث في الاتجاه الصحيح، إلا أن السيناريوهات عندما تظل مجرد ~~حكايات غير مدعومة ببيانات، لن تكون أدوات مفيدة؛ إذ إن بالإمكان دائما اقتراح العديد ~~من السيناريوهات لتفسير نفس المعطيات، ولكن واحدا منها فقط من المفترض أن يكون ~~صحيحا بالفعل. ~~(8) البحث بواسطة التأويل الأدبي # يحدث هذا عندما يدعي نصير موقف علمي زائف معين أن العبارات التي يقولها العلماء ~~مفتوحة لتفسيرات بديلة صحيحة على حد سواء. مثل هذه المقاربة تعامل التراث ~~العلمي مثلما يتعامل المرء مع رواية أو لوحة: ليس ثمة تأويل (حتى لو كان تأويل ~~المؤلف نفسه) أفضل بالضرورة من غيره، وهذا في مجال العلم بعيد كل البعد عن واقع ~~الأشياء، فالعبارات العلمية تكون أكثر فائدة كلما كانت أكثر دقة وأقل التباسا، ~~والأمثل للفرضية أو النظرية العلمية أن ms129 يكون لها تأويل واحد ممكن، وهذا التأويل إما ~~صحيح وإما غير ذلك. ~~(9) رفض المراجعة # من أمارات العلم الزائف أن يرفض المرء مراجعة موقفه في ضوء الأدلة الجديدة، فمهما ~~أجريت من دراسات تجمع على عدم فاعلية التنجيم فسوف يظل المنجمون يكررون نفس الحجج ~~في تدعيم مهنتهم. أما العلم فهو عملية ذات طبيعة مختلفة تماما، مقومها الأساسي ~~هو المراجعة والتصحيح المستمران من أجل استيعاب الأدلة الجديدة. # أولا: # وقبل كل شيء ليس ثمة من العلماء ومن التمويل ما يكفي لتحقيق أو دحض ~~كل دعوى كانت، غير أن هذا ليس دليلا إيجابيا على صحة الدعوى، بل هو ~~دليل على جهلنا (أو لا مبالاتنا) بالمسألة لا أكثر. # ثانيا: # عندما يقترح شخص نظرية بديلة لنظرية قائمة شديدة الرسوخ، فإن عبء ~~البرهان يقع تماما - من الوجهة المنطقية - على هذا الوافد الجديد. ~~عندما اقترح كوبرنيقوس أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس فإن الناس ~~لم تصدقه لمجرد أنه لم يدحضه أحد ويثبت أنه على خطأ (بل إن معظم الناس ~~- على العكس - لم تنظر مجرد نظرة إلى حججه)، لقد طالب الفلكيون ~~بأدلة، وقد استغرق الأمر قرنا من الزمن لكي يتم قبول النظرية. ~~(11) النظرية مشروعة لمجرد أنها جديدة أو مختلفة أو جريئة # يقال لهذا «أثر جاليليو»: يولع أنصار النظريات الجديدة باستحضار الأمثلة الكثيرة ~~لعلماء تعرضوا للسخرية أو الإهمال أو حتى الاضطهاد بسبب نظرياتهم الجذرية، التي ثبت ~~بعد ذلك صحتها، هذا الخط من الاستدلال فاته - بالطبع - حقيقة أنه في مقابل كل جاليليو ~~(الذي نجح في النهاية) هناك ألوف من المعتوهين الذين لم ينجحوا، في مقابل كل مثال واحد ~~لنظرية علمية جديدة جريئة تم قبولها في النهاية هناك الكثير الكثير من الأمثلة لنظريات ~~خاطئة مرفوضة أبدا وملازمة لمزبلة التاريخ العلمي الزائف. الجدة # novelty ~~- بما هي كذلك - ليست دليلا على ~~الإطلاق. # الفصل الثامن # | إمري لاكاتوش:1 العلم والعلم الزائف2 # الالتزام الأعمى بنظرية ما ليس فضيلة فكرية بل هو جريمة فكرية. # إ. لاكاتوش # يعد احترام المعرفة من أخص خصائص الإنسان، والمعرفة في اللاتينية هي # scientia ms130 ~~، ومنها أتت كلمة # science ~~(علم) لتكون اسما لأجل صنف من المعرفة، ~~ولكن ما الذي يفرق المعرفة عن الخرافة أو الأيديولوجية أو العلم الزائف؟ لقد حرمت ~~الكنيسة الكاثوليكية كل مؤيد لنظرية كوبرنيقوس، واضطهد الحزب الشيوعي أنصار ~~نظرية الوراثة المندلية، باعتبار أن مذاهبهم علمية زائفة. إن التمييز بين العلم والعلم ~~الزائف ليس مشكلة نظرية تليق بالمقاعد الوثيرة: إنها ذات صلة اجتماعية وسياسية ~~خطيرة. # حاول كثير من الفلاسفة أن يحل مشكلة ~~التمييز # problem of demarcation # كما يلي: تعد عبارة ما علما إذا كانت كثرة كافية من الناس ~~تعتقد بها بشدة كافية، (ولكن تاريخ الفكر ينبئنا أن كثيرا من الناس كانوا على التزام ~~تام باعتقادات باطلة)، وإذا كانت قوة الاعتقادات محكا للمعرفة لتوجب علينا أن ~~نضع بعض الحكايا عن العفاريت والملائكة والشياطين والفردوس والجحيم، نضعها في مرتبة ~~المعرفة. # إن العلماء - بخلاف ذلك - شديدو الارتياب حتى بأفضل نظرياتهم: فنظرية نيوتن هي أقوى ~~نظرية أنتجها العلم حتى الآن، ولكن نيوتن نفسه لم يعتقد قط أن الأجسام تتجاذب عن بعد، ~~ليست هناك إذن درجة من الالتزام بالاعتقادات تجعل منها معرفة. الحق أن السمة المميزة ~~للسلوك العلمي هي ارتيابية معينة حتى تجاه أعز النظريات لدى المرء. ليس الالتزام ~~الأعمى بنظرية ما فضيلة فكرية، بل هو جريمة فكرية. # بذلك قد تكون عبارة ما زائفة علميا حتى لو كانت «مقبولة» # plausible # للغاية ويعتقد بها الجميع، وقد تكون ذات قيمة علمية حتى لو ~~كانت غير معقولة ولا يعتقد بها أحد، بل قد تكون نظرية ما على أعلى قيمة علمية حتى لو لم ~~يكن ثمة من أحد يفهمها، بله أن يعتقد بها. # إن القيمة المعرفية للنظرية لا شأن لها بتأثيرها النفسي على عقول الناس، فالاعتقاد. ~~والالتزام والفهم حالات للعقل الإنساني، أما القيمة العلمية الموضوعية للنظرية فشيء ~~مستقل عن العقل الإنساني الذي يبتكرها أو يفهمها، إنما تعتمد قيمتها العلمية على الدعم ~~الموضوعي الذي تمتلكه في دنيا الوقائع # facts ~~، لا على أي ~~شيء سواه، وكما يقول هيوم: # إذا أمسكنا في يدنا أي كتاب: في ms131 الإلهيات مثلا أو في الميتافيزيقا المدرسية، فلنسال ~~أنفسنا: هل يحتوي على أي استدلال مجرد يتعلق بالكم أو العدد؟ لا، هل يحتوي على أي ~~استدلال تجريبي يتعلق بالواقع والوجود؟ لا، إذن ألق به في النيران؛ لأنه لا يحتوي شيئا ~~غير السفسطة والوهم. # ولكن ما هو التفكير (الاستدلال) التجريبي؟ إذا نظرنا إلى التراث العريض للقرن السابع عشر ~~في السحر فسنجده مليئا بملاحظات دقيقة وأدلة مسترسلة بل وتجارب، وقد كان جلانفيل - ~~فيلسوف الرابطة الملكية المبكرة - يعتبر السحر هو نموذج التفكير التجريبي. إن علينا أن ~~نعرف التفكير التجريبي قبل أن نبدأ في حرق الكتب على طريقة هيوم. # في التفكير العلمي تواجه النظريات بالوقائع، ومن الشروط الأساسية للتفكير العلمي أن ~~النظريات يجب أن تدعمها الوقائع، والآن كيف بالضبط يمكن للوقائع أن تدعم النظرية؟ # لقد اقترحت أجوبة مختلفة عديدة على هذا السؤال، كان نيوتن نفسه يعتقد أنه أثبت ~~قوانينه من الوقائع، وقد كان فخورا بأنه لا يتفوه بمجرد فرضيات، وكان يزعم أيضا أنه ~~استنبط قوانينه من «الظواهر» # phenomena # التي قدمها ~~كبلر، غير أن فخره كان هراء؛ لأن الكواكب وفقا لكبلر تتحرك في مسارات بيضاوية ~~(إهليلجية)، بينما هي وفقا لنظرية نيوتن لا تتحرك في مسارات بيضاوية إلا إذا لم ~~يربك بعضها بعضا في حركته، ولكنه يربك، وهذا ما جعل نيوتن يضع نظرية اضطراب # perturbation theory # يترتب عليها أنه ليس ثمة كوكب ~~يتحرك في مسار بيضاوي. # بوسع المرء اليوم أن يبرهن بسهولة على أنه لا يمكن استقاء قانون طبيعي صحيح من أي ~~عدد متناه من الوقائع، إلا أننا ما نزال نقرأ عن نظريات علمية يبرهن عليها من ~~الوقائع، فلماذا هذه المقاومة العنيدة للمنطق الابتدائي؟ # ثمة تفسير معقول جدا، وهو أن العلماء يريدون أن يجعلوا نظرياتهم جديرة بالاحترام ~~ومستحقة للقب «علم»، أي لقب المعرفة الأصيلة، ولكن أهم معرفة في القرن السابع عشر، أوان ~~ولد العلم، هي المتعلقة بالرب والشيطان والفردوس والجحيم. وهذه معرفة عواقب الخطأ فيها ~~وخيمة، فإذا أخطأ المرء في حدوسه الافتراضية عن الإلهيات فإن عاقبة خطئه هي ms132 الدينونة ~~الأبدية، غير أن «التنوير» # Enlightenment # ذهب إلى أننا ~~جهلاء وغير معصومين في الأمور الثيولوجية، ومن ثم فليس ثمة ثيولوجيا علمية، ليس ثمة معرفة ~~ثيولوجية؛ فالمعرفة لا يمكن أن تكون إلا عن «الطبيعة»، ولكن هذا النوع الجديد من المعرفة ~~يجب أن يخضع للمعايير التي استقوها من الثيولوجيا على نحو مباشر: يجب أن تثبت إثباتا ~~لا يقبل الشك، يجب أن يحقق العلم نفس اليقينية التي أفلتت من الثيولوجيا. لم يكن يسمح ~~للعالم الجدير بهذا الاسم أن يخمن، بل عليه أن يبرهن من الوقائع على كل عبارة يفوه ~~بها، كذا كان معيار الأمانة العلمية. النظريات غير المثبتة بالوقائع كانت تعد دجلا ~~آثما، هرطقة في المجتمع العلمي. # ليس غير سقوط النظرية النيوتنية ما نبه العلماء في هذا القرن (العشرين) إلى أن ~~معايير الأمانة عندهم كانت يوتوبية، فقبل أينشتين كان معظم العلماء يعتقدون أن نيوتن ~~قد فك شفرة القوانين النهائية للرب عن طريق البرهنة عليها من الوقائع. في بدايات القرن ~~التاسع عشر أحس أمبير أن عليه أن يسمي كتابه عن تأملاته في الكهربية المغناطيسية: ~~النظرية الرياضية في الظواهر الكهربية الديناميكية المستنبطة تماما من التجربة، ولكنه في ~~نهاية الكتاب يعترف عرضا بأن بعض التجارب لم تجر على الإطلاق، وأنه حتى الأدوات ~~الضرورية لم تشيد! # فإذا كانت جميع النظريات غير قابلة للإثبات على حد سواء، فما الذي يفرق المعرفة ~~العلمية عن الجهل، ويميز العلم عن العلم الزائف؟ # أحد الأجوبة عن هذا السؤال قدمه في القرن العشرين «المناطقة الاستقرائيون» # inductive logicians ~~. شرع المنطق ~~الاستقرائي في تحديد احتمالية شتى النظريات وفقا للدليل الكلي المتاح، فإذا كان الاحتمال ~~الرياضي لنظرية ما عاليا فإنها تتصف بأنها علمية، وإذا كان الاحتمال منخفضا أو صفرا ~~فهي غير علمية؛ وعليه فإن السمة المميزة للأمانة العلمية هي ألا تقول أي شيء ليس عالي ~~الاحتمال على أقل تقدير، ولمذهب الاحتمالية # probabilism # ملمح جذاب؛ فبدلا من إضفاء تمييز أبيض/أسود بين العلم والعلم الزائف يقدم مذهب ~~الاحتمالية متصلا يمتد من النظريات الرديئة ذات الاحتمالية الضئيلة إلى النظريات ms133 ~~الجيدة ذات الاحتمالية العالية، غير أنه في عام 1934م أعلن كارل بوبر - أحد أعظم الفلاسفة ~~نفوذا في زمننا - أن الاحتمالية الرياضية لجميع النظريات - العلمية والعلمية الزائفة - ~~بالنظر إلى أي قدر من الأدلة هو صفر، فإذا صح قول بوبر تكون النظريات العلمية ليست فقط ~~غير قابلة للإثبات على السواء، بل أيضا غير محتملة على السواء. الأمر بحاجة إلى معيار ~~جديد للتمييز. واقترح بوبر معيارا مذهلا نوعا ما: فقد تكون نظرية ما علمية وإن لم تكن ~~ثمة ذرة من الدليل في صالحها، وقد تكون زائفة وإن كانت جميع الأدلة المتاحة في صفها. ~~يعني ذلك أن الصفة العلمية أو غير العلمية للنظرية يمكن أن تتحدد بمعزل عن الوقائع، وفقا ~~لبوبر فإن النظرية تكون «علمية» إذا كان المرء مستعدا لأن يحدد مقدما تجربة (أو ~~ملاحظة) فاصلة بوسعها أن تكذب النظرية، وتكون «علمية زائفة» إذا كان رافضا تحديد مثل ~~هذا «المكذب بالقوة» # potential falsifier ~~، ولكن إذا ~~كان الأمر كذلك فنحن إذاك لا نميز النظريات العلمية عن العلمية الزائفة، أو نميز ~~المنهج العلمي عن المنهج غير العلمي، فتكون الماركسية علمية عند البوبري إذا كان ~~الماركسيون مستعدين لتحديد وقائع من شأنها إذا لوحظت أن تجعلهم يتخلون عن الماركسية، ~~فإذا كانوا يرفضون ذلك تصبح الماركسية علما زائفا. إن من المثير دئما أن تسأل ~~الماركسي ما هو الحدث المدرك الذي يمكن أن يجعلك تهجر ماركسيتك: فإذا كان صاحبنا ~~ملتزما بالماركسية فإنه ملزم بألا يحدد وضعا يمكن أن يكذبها وبأن يجد ذلك فسقا عن ~~النظرية. هكذا قد تتحجر قضية ما إلى دوجما علمية زائفة أو تصبح معرفة أصيلة وفقا لما ~~إذا كنا مستعدين لذكر أحوال قابلة للملاحظة من شأنها أن تفند القضية. # إذن هل معيار قابلية التكذيب عند بوبر هو الحل لمشكلة تمييز العلم عن العلم الزائف؟ ~~كلا، ذلك أن معيار بوبر يتجاهل العناد الشديد الذي تتحلى به النظريات العلمية. إن للعلماء ~~جلدا سميكا، فهم لا يهجرون نظرية لمجرد أن الوقائع تناقضها، ودأبهم في هذه الحالة ~~إما أن يبتكروا فرضية ms134 إنقاذ معينة لتفسير ما يسمونه إذاك مجرد «شذوذ» # anomaly ~~، وإما أن يتجاهلوا ذلك وينصرفوا إلى مشكلات أخرى. ~~لاحظ أن العلماء يتحدثون عن «شذوذات»، عن أمثلة مستعصية، لا عن «تفنيدات». صحيح أن تاريخ ~~العلم يعج بأوصاف لتجارب فاصلة يزعم أنها قتلت نظريات، غير أن هذه الأوصاف ملفقة ~~بعد أن تم التخلي عن النظرية بوقت طويل. ولو أن بوبر كان قد سأل يوما عالما نيوتنيا ~~تحت أية ظروف تجريبية سيكون حريا به أن يتخلى عن نظرية نيوتن، لارتبك بعض العلماء ~~النيوتنيين ولم يحيروا جوابا شأنهم شأن بعض الماركسيين. # ما هي إذن السمة المميزة للعلم؟ هل علينا أن نستسلم ونوافق على أن الثورة العلمية ما ~~هي إلا تغير غير عقلاني في الالتزام، ما هي إلا تحول ديني؟ لقد خلص توماس كون - وهو ~~فيلسوف علم أمريكي بارز - إلى هذه النتيجة بعد أن اكتشف سذاجة مذهب التكذيب # falsificationism # عند بوبر، ولكن إذا كان كون صائبا ~~فليس ثمة تمييز صريح بين العلم والعلم الزائف. ليس ثمة تمييز بين التقدم العلمي والانحطاط ~~الفكري. ليس ثمة معيار موضوعي للأمانة، ولكن أي معايير يمكنه عندئذ أن يقدمها لتمييز ~~التقدم العلمي عن التنكس الفكري؟ # لقد تقدمت في السنوات القليلة الأخيرة بمنهج لبرامج البحث العلمي يحل بعض المشكلات ~~التي لم يتمكن كل من بوبر وكون من حلها. # أولا: أنا أزعم أن الوحدة الحقيقية للإنجازات العلمية الكبيرة ليست فرضية منعزلة، بل هي ~~«برنامج بحث» # research programme ~~، فالعلم ليس مجرد ~~محاولة وخطأ، ليس سلسلة من الحدوس الافتراضية والتفنيدات: «كل البجع أبيض» قد يكذبها ~~اكتشاف بجعة واحدة سوداء، ولكن هذه «المحاولة والخطأ» التافهة لا ترقى إلى أن تكون ~~علما. العلم النيوتني مثلا ليس - ببساطة - مجموعة من أربعة حدوس (قوانين الحركة ~~الثلاثة وقانون الجاذبية)، فهذه القوانين الأربعة لا تشكل إلا «النواة الصلبة» # hard core # للبرنامج النيوتني، غير أن هذه النواة الصلبة محمية ~~بشدة من التفنيد بواسطة «حزام واق» # protective belt # من ~~الفرضيات المساعدة # auxiliary hypotheses ~~، بل أهم من ~~ذلك أن برنامج البحث لديه أيضا «مساعد ms135 كشف» # heuristic ~~، أي ~~آلية حل مشكلات قوية. من شأن هذا المساعد الكشفي - بمساعدة تقنيات رياضية معقدة - أن يهضم ~~الشذوذات، بل ويحولها إلى دليل إيجابي. مثال ذلك أنه إذا كان ثمة كوكب لا يتحرك كما ~~ينبغي له بالضبط، فإن العالم النيوتني يكبح حدوسه المتعلقة بالانحراف الجوي، والمتعلقة ~~بانتقال الضوء في العواصف المغناطيسية، ومئات من الحدوس الأخرى التي هي جميعا جزء من ~~البرنامج، بل هو قد يبتكر كوكبا ما زال مجهولا ويحسب موضعه وكتلته وسرعته من أجل أن ~~يفسر الشذوذ. # فلننظر الآن في نظرية نيوتن في الجاذبية والنظرية النسبية لأينشتين وميكانيكا الكوانتم ~~والماركسية والفرويدية، إنها جميعا برامج بحث، لكل منها نواة صلبة مميزة يحميها بعناد ~~حزام واق مرن، ولكل منها آلية معقدة لحل المشكلات خاصة بها، ولكل منها - في أي مرحلة ~~من نموها - مشكلات لم تحل وشذوذات لم تستوعب. جميع النظريات بهذا المعنى تولد ~~مفندة وتموت مفندة ، ولكن هل هي جيدة على حد سواء؟ لقد كنت حتى الآن أصف ماذا تكونه ~~برامج البحث، ولكن كيف يمكن للمرء أن يميز البرنامج العلمي أو المتقدم عن البرنامج الزائف ~~أو المتنكس؟ # على خلاف بوبر، لا يمكن أن يكون الفارق هو أن البعض ما زال غير مفند بينما البعض ~~الآخر قد تم تفنيده. عندما أصدر نيوتن كتابه «المبادئ» Principia # كان من المعروف للجميع أنه لم يتمكن من تفسير حتى حركة القمر ~~على نحو قويم. والحق أن حركة القمر فندت نيوتن. وقد فند كوفمان - وهو فيزيائي بارز ~~- نظرية النسبية لأينشتين في العام نفسه الذي نشرت فيه، ولكن جميع برامج البحث التي ~~أقدرها لديها خاصة مشتركة: أنها جميعا تتنبأ بوقائع جديدة، وقائع إما لم تخطر في ~~حلم أحد وإما قد ناقضتها بالفعل برامج منافسة أو سابقة. في عام 1686م مثلا، عندما نشر ~~نيوتن نظريته في الجاذبية، كانت هناك نظريتان راهنتان فيما يتعلق بالمذنبات: الأكثر ~~رواجا منهما تعتبر المذنبات إنذارا من رب غاضب ينذر بأنه سوف يضرب ويوقع كارثة. ~~أما الأقل انتشارا - وهي نظرية كبلر - فكانت ترى أن المذنبات ms136 أجسام سماوية تتحرك في ~~خطوط مستقيمة. أما وفقا لنظرية نيوتن فإن بعضها يتحرك في قطوع زائدة # hyperbolas # أو في قطوع ~~مكافئة # parabolas # بلا عودة أبدا، والبعض الآخر يتحرك في مسارات بيضاوية معتادة، ~~وقد عقد هالي # Halley ~~- الذي يعمل ببرنامج نيوتن - حساباته ~~القائمة على ملاحظة تمدد مختصر في مسار مذنب معين، وخلص منها إلى أنه سوف يعود بعد 72 ~~سنة، وحسب الدقيقة التي سوف يرى فيها مرة ثانية في نقطة من السماء حددها جيدا. كان ~~هذا شيئا لا يصدق، إلا أنه بعد 72 عاما، بعد وفاة كل من نيوتن وهالي بزمن طويل عاد ~~مذنب هالي كما تنبأ هالي بالضبط. كذلك تنبأ العلماء النيوتنيون بوجود كواكب صغيرة ~~(وبحركتها الدقيقة) لم تلاحظ من قبل قط. أو فلننظر إلى برنامج أينشتين: لقد اجترح هذا ~~البرنامج تنبؤا مذهلا بأن المرء إذا قام بقياس المسافة بين نجمين بالليل وقياس ~~المسافة بينهما بالنهار (إذ هما مرئيان أثناء كسوف للشمس ) فإن القياسين سوف يختلفان! لم ~~يفكر أحد قط أن يقوم بهذه الملاحظة قبل برنامج أينشتين. هكذا نرى أنه في البرنامج البحثي ~~المتقدم تؤدي النظرية إلى اكتشاف وقائع جديدة مجهولة حتى الآن. أما في البرامج المتنكسة ~~فتلفق النظريات، لا لشيء إلا لكي تستوعب الوقائع المعروفة، فهل تنبأت الماركسية - ~~مثلا - في يوم من الأيام بواقعة جديدة مذهلة تنبؤا ناجحا؟ كلا، إن لها تنبؤات مخفقة ~~شهيرة: تنبأت بالفقر المطلق للطبقة العاملة، وتنبأت بأن أول ثورة اشتراكية سوف تحدث في ~~المجتمع الأكثر نموا صناعيا، وتنبأت بأن المجتمعات الاشتراكية ستكون خالية من الثورات، ~~وتنبأت بأنه لن يكون ثمة صراع مصالح بين البلاد الاشتراكية. هكذا كانت التنبؤات المبكرة ~~للماركسية جريئة ومذهلة غير أنها أخفقت. وقد قام الماركسيون بتفسير كل إخفاقاتهم: ~~فسروا ارتفاع مستوى معيشة الطبقة العاملة باختراع نظرية في الإمبريالية، بل فسروا لماذا ~~وقعت أول ثورة اشتراكية في روسيا المتخلفة صناعيا، وفسروا برلين 1953م وبودابست 1956م ~~وبراغ 1968م، وفسروا الصراع الروسي الصيني، ولكن فرضياتهم المساعدة # auxiliary hypotheses # جميعا تم طبخها «بعد الحدث» لكي يحموا ms137 النظرية ~~الماركسية من الوقائع، فإذا كان البرنامج النيوتني قد أدى إلى وقائع جديدة فإن البرنامج ~~الماركسي قد تقهقر خلف الوقائع وجعل يركض بسرعة لكي يلحق بها. # مجمل القول أن السمة المميزة للتقدم التجريبي ليس تحقيقات تافهة؛ فبوبر على حق في أن ~~هناك الملايين منها، فليس نجاحا للنظرية النيوتنية أن الأحجار عندما تسقط تقع تجاه الأرض ~~مهما تكرر ذلك، غير أن ما يسمى «تفنيدات» # refutations # ليس السمة المميزة للإخفاق التجريبي كما كان يبشر بوبر؛ إذ إن جميع البرامج تنمو في خضم ~~دائم من الشذوذات. أما الفيصل حقا فهو التنبؤات المذهلة المباغتة المشهودة؛ فقليل ~~منها يكفي لقلب الميزان، وحيثما تخلفت النظرية وراء الوقائع نكون بإزاء برامج بحث متنكسة ~~بائسة. # والآن، كيف تحدث الثورات العلمية؟ إذا كان لدينا برنامجان للبحث متنافسان: أحدهما يتقدم ~~بينما الآخر يتنكس، يميل العلماء إلى الالتحاق بالبرنامج المتقدم. هذا هو الأساس المنطقي ~~للثورات العلمية، ولكن في حين أنه من الأمانة الفكرية أن نبقي على السجل معلنا، فليس ~~من الخيانة أن نتمسك ببرنامج متنكس ونحاول تحويله إلى برنامج متقدم. # وبخلاف بوبر فإن منهج برامج البحث لا يقدم عقلانية فورية، فالمرء ينبغي أن يعامل ~~البرامج المبرعمة بتساهل: فقد تأخذ البرامج عقودا قبل أن تقف على قدميها وتصبح متقدمة ~~تجريبيا، والنقد الهام هو دائما نقد بناء: ليس ثمة تفنيد بدون نظرية أفضل. كما أن ~~توماس كون مخطئ في اعتقاده أن الثورات العلمية تغيرات لاعقلانية مفاجئة في الرؤية. إن ~~تاريخ العلم يدحض كلا من بوبر وكون: فالتفحص الدقيق لتجارب بوبر الفاصلة وثورات كون يتكشف ~~أنهما خرافتان؛ ذلك أن ما يحدث عادة هو أن البرامج البحثية المتقدمة تحل محل البرامج ~~المتنكسة. # ولمشكلة التمييز بين العلم والعلم الزائف متضمنات خطيرة أيضا بالنسبة لمأسسة ~~النقد. لقد منعت الكنيسة الكاثوليكية نظرية كوبرنيقوس سنة 1616م؛ لأنه قيل: إنها ~~علمية زائفة، ثم حذفت عام 1820م من قائمة الممنوعات؛ لأنه بحلول هذا التاريخ اعتبرت ~~الكنيسة أن الوقائع قد أثبتتها فأصبحت من ثم علمية. وفي عام 1949م أعلنت اللجنة ~~المركزية للحزب ms138 الشيوعي السوفيتي أن علم الوراثة المندلي علم زائف، وساقت دعاته - مثل ~~فافيلوف # Vavilov ~~- إلى القتل في معسكرات الاعتقال، ~~وبعد قتل فافيلوف أعيد تأهيل علم الوراثة المندلي، ولكن حق الحزب في تقرير ما هو ~~علم وينشر، وما هو علم زائف ويعاقب ظل حقا قائما. تمارس المؤسسة اللبرالية ~~الجديدة للغرب أيضا الحق في أن ترفض منح حرية الحديث لما تعتبره علما زائفا، مثلما ~~رأينا في حالة الجدل المتعلق بالذكاء والعنصر. لم يكن ثمة مناص من أن تستند جميع هذه ~~الأحكام إلى ضرب من معيار التمييز. من أجل هذا فإن مشكلة التمييز بين العلم والعلم الزائف ~~ليست مشكلة زائفة تليق بالفلاسفة النظريين في مقاعدهم الوثيرة. إن لها منطويات ~~أخلاقية وسياسية هي من الخطورة بمكان. # الفصل التاسع # | من أوهام العقل: الباريدوليا1 # هنالك كانت السرعة ضرورة بقاء. ~~*** # الباريدوليا هي ميل العقل البشري إلى إدراك نمط مألوف لشيء ما حيث لا وجود في واقع ~~الأمر لمثل هذا الشيء، من ذلك: رؤية وجوه أو حيوانات أو أشياء في تشكيلات السحاب ~~العشوائية، ورؤية وجه إنساني في القمر، وسماع رسائل خفية في الموسيقى التي تدار ~~بسرعة أكبر أو أصغر من المعتاد أو التي تدار عكسيا، ومن ذلك رؤية وجوه أو أشكال ~~مألوفة في الصخور وأجراف الجبال من جراء التآكل وعمل الرياح وعوامل التعرية. ~~(1) الأصل اللغوي للباريدوليا # وتأتي كلمة «باريدوليا» من كلمتين يونانيتين: # para # وتعني «بجانب» أو «بمحاذاة» أو «بدلا من»، وتعني في هذا السياق شيئا مغلوطا أو خطأ ~~أو «جانبه الصواب»، وكلمة # eidolon # وتعني «صورة» أو ~~«شكلا» أو «هيئة». ~~(2) الأساس النيوروبيولوجي والتطوري # من شأن هذا النزوع الإدراكي - الباريدوليا - أن يحمل الناس على تأويل الصور ~~العشوائية أو التشكيلات التصادفية للضوء والظل كوجوه. يحدث ذلك كنتيجة للطريقة التي ~~يعمل بها الدماغ. ثمة منطقة في الدماغ تسمى «منطقة الوجه المغزلية اليمنى» # right fusiform face area # متخصصة في معالجة الوجوه الحقيقية، وهذه المنطقة ذاتها تنشط عندما يرى الناس هيئة ~~وجه داخل ضوضاء عشوائية، فإذا ما رأى الناس أي دائرتين صغيرتين وخط تحتهما ~~داخل ms139 دائرة كبرى فسرعان ما يميزون ذلك كوجه دون أدنى تردد، وقلما يستطيعون صرف هذا ~~التصور عن أذهانهم إن هم حاولوا ذلك! # كانت الباريدوليا يوما ما تظن عرضا من أعراض الذهان، غير أنه قد تبين اليوم ~~أنها نزوع بشري سوي، وفي كتابه «عالم تسكنه الشياطين» يفسر كارل ساجان هذا الميل ~~المفرط لإدراك الوجوه بأنه قد نجم عن حاجة تطورية لتمييز الوجوه بسرعة. # بإزاء الشيء الشبيه بالوجه تنشط عمليات معرفية تنبه الملاحظ إلى هوية الشيء ~~وحالته الانفعالية (عدائية، عدوانية، إحباط ... إلخ) في آن معا، ويتم ذلك حتى قبل أن ~~يشرع العقل الواعي في معالجة المعلومات أو حتى استقبالها، ويبدو أن هذه القدرة ~~المرهفة الحادة هي نتاج دهور من الانتخاب الطبيعي الذي يجتبي الأشخاص الأقدر ~~على التعرف على الحالة الذهنية للغير (لأشخاص مهددين مثلا)، والذي يتيح لهم فرصة ~~للفرار أو للمعاجلة بالكر والهجوم، وبصياغة نيوروبيولوجية يمكننا القول: إن ~~معالجة هذه المعلومات على مستوى تحت-لحائي # subcortical ~~، ومن ثم تحت-شعوري، قبل أن تمر إلى بقية الدماغ للمعالجة ~~التفصيلية، من شأنها التسريع بالحكم واتخاذ القرار حيث تكون السرعة ضرورة ~~بقاء. # والحق أن أكثر الأخطاء الإدراكية شيوعا (ومنها الباريدوليا) هي تلك الطرائق التي ~~خدمت الجنس البشري في مراحله الأولى وأعانته على البقاء حين كان الرهان الإدراكي باهظا. # 2 # لقد ترسخت في الدماغ البشري وتأصلت؛ لأنه لا ينسى جميلها القديم، ~~ولقد بقيت به لأنه بقي بها! # كان ليوناردو دافنشي يوصي الفنانين الناشئين بطريقة وجدها «جزيلة الفائدة في استثارة ~~الذهن لشتى ضروب الابتكار: إذا نظرت إلى حائط ملوث، أو حائط مبني من حجارة خليطة، ~~فقد تجد فيه ما يشبه المناظر الطبيعية، من جبال وأنهر وصخور وأشجار ووديان عريضة ~~وتلال في تشكيلات عديدة، أو لعلك ترى معارك ورجالا يقاتلون أو وجوها وأزياء غريبة ~~في تنويع لا ينتهي.» والأطفال يمتازون بهذا النوع من الرؤية، فالطفل الذي لا يتجاوز ~~الثالثة قد ينظر إلى قشرة برتقالة على المائدة ويراها بوضوح، وفي الوقت نفسه - في ~~قشرة البرتقالة ومن خلالها - يرى سفينة في البحر، أو ms140 إنه حين يكون مع الكبار على ~~العشاء في الحديقة، يرى فتات الخبز والجبن على المائدة المجلوة كانعكاسات للنجوم والقمر. # 3 # وقد سجل لنا التاريخ قديمه وحديثه والإعلام بشتى ضروبه أمثلة ووقائع من ~~الخيال والثيمات الدينية، وبخاصة ظهور وجوه لشخصيات دينية وتجليها في ظواهر معتادة، ~~مثل: صورة يسوع، العذراء، كلمة «الله» ... إلخ في الشجر والحجر والسحاب، بل على البيض ~~وعلى درقات السلاحف وفي قعر المقلاة، ومن الأمثلة الطريفة ما حدث في سنغافورة في ~~سبتمبر 2007م حيث وجد بروز لحائي متصلب على شجرة يشبه القرد؛ جعل المؤمنين يرتادون ~~الشجرة ويقدمون فروض الإجلال لل «الإله القرد»! # 4 # والباريدوليا - إن شئنا الدقة - هي فرع من ظاهرة أعم هي ال # apophenia ~~، والأبوفينيا هي النزوع البشري إلى إدراك ~~أنماط ذات معنى داخل المعطيات العشوائية أو الضوضاء المختلطة، من ذلك على سبيل المثال: ~~أن المقامرين يتصورون أنهم يرون أنماطا في الأعداد التي تظهر في اللوتاري أو بطاقات ~~اللعب أو عجلات الروليت، ومن ثم يكيفون رهاناتهم وفقا لهذه الأنماط (بينما الرمية ~~أو السحبة في القمار لا ضغط لها على ما سيحدث بعدها، فهي لا تقدم ولا تؤخر في احتمالات ~~الرمية أو السحبة القادمة ولا تؤثر على أرجحيتها أقل تأثير)، # 5 # ومن ذلك قراءة الطالع والفنجان، وهي تقوم على تمييز أنماط ترى في ~~التشكيلات العشوائية التي تبدو للناس لطخات تصادفية لا معنى لها. ~~(3) الولع بال «أنماط» # patterns # وقد أفاض ميشيل شيرمر # Michael Shermer # في تبيان هذه ~~الظاهرة، وأسماها «الولع بالنمط» # patternicity ~~، # 6 # وعرفها بأنها «الميل إلى إيجاد أنماط ذات معنى في الضوضاء الفارغة.» ~~الاعتقاد هو الأصل، الاعتقاد هو الوضع الطبيعي للإنسان، أما عدم الاعتقاد أو الشك، فهو ~~شيء مقلق وغير مريح، وثمة دلائل قوية على أن معالجة القضايا الموجبة أيسر على ~~الدماغ البشري من معالجة القضايا السالبة. # الإنسان كائن «يريد» أن يعتقد. ثمة جهاز اعتقاد في الدماغ البشري. الدماغ آلة ~~اعتقاد، آلة تمييز أنماط، تصل النقاط وتخلق معنى من الأنماط التي تراها في ~~الطبيعة. نحن رئيسيات تلتمس «النمط» # pattern ms141 ~~، وإذا ~~غم عليها النمط تخترعه، وجميع الكائنات الحية - في الحقيقة - على هذا المنوال؛ فهي ~~تستخلص من تعاقبات الأحداث «أنماطا» تتوقعها وتتنبأ بها وتكيف عليها سلوكها، الأمر ~~الذي يعينها على البقاء والإنسال. يتوقع كلب «بافلوف» الطعام كلما سمع الجرس ~~ويسيل لعابه. تربط الكائنات بين المنبه والنتيجة، بين السلوك والمكافأة. إذا ~~وضعت حمامة في قفص وعلمتها أن تسلك سلوكا معينا تعقبه مكافأة الطعام فإنها ~~تتبنى هذا السلوك وتكرره، فإذا حرمتها مرارا من المكافأة فإنها تخترع سلوكا ~~جديدا من عندها تتوسم فيه النجاح؛ تلتف مرتين مثلا ثم تنقر الزر بمنقارها مرتين ~~عسى أن يواتيها الطعام. تلك هي مسودات الخرافة والطقوس الخرافية مسجلة ~~محفورة في سلوك أبسط الكائنات. # ثمة دلائل تشير إلى أن مادة «الدوبامين» هي الموصل العصبي المسئول عن إدراك النمط، ~~فإذا كانت هذه المادة زائدة عن الحد في مساراتها العصبية المقدرة أدى ذلك إلى ~~التشوش والإفراط في تبين «أنماط» حيث لا نمط، وذلك هو «الذهان» # psychosis # وما يصحبه من «هلاوس» # hallucinations # سمعية أو بصرية ... إلخ، و«ضلالات» # delusions # فكرية تؤول الواقع على غير وجهه، أما الحد المعتدل من ~~الدوبامين فهو وسيط الإبداع وما يصحبه من رؤية أنماط جديدة صائبة لا يكتشفها غير ~~المبدعين من الناس، وأما النقص الشديد في هذا الموصل العصبي فيؤدي إلى الجمود والتصلب ~~والبلادة وعدم إدراك الأنماط والتشكك في وجودها عند رؤيتها. # غير أننا لسوء الحظ لم نطور في أدمغتنا شبكة كشف للزيف نميز بها بين الأنماط ~~الحقيقية والأنماط الكاذبة، ليس لدينا «كاشف خطأ» يعدل آلة تمييز الأنماط. من هنا ~~تأتي حاجة العلم إلى اتخاذ آليات تصويب الذات؛ من قبيل تكرار التجربة ومراجعة النظراء ~~والمجموعة الضابطة ومحاولات التكذيب والتجربة الفاصلة ... إلخ. # على أن التمييز الخاطئ لا يزيحنا من «المجمع ~~الجيني» # gene pool ~~، ولم يكن يمكن - من ثم - أن يستبعد من جانب التطور، فحيثما ~~كانت كلفة الشك أبهظ من كلفة الاعتقاد حسم الأمر لصالح الاعتقاد: إذا استشعرت ~~أذناك حفيفا في العشب قد يكون الريح وقد يكون حيوانا مفترسا، فمن الحصافة أن ms142 تتصرف ~~على اعتباره حيوانا مفترسا، فإن أصبت نجوت بعمرك ومررت جيناتك، وإن أخطأت لم ~~تخسر شيئا يذكر. نحن «نراهن» # wager # على النمط، ~~والانتقاء الطبيعي يجتبي الأمهر منا في تمييز الأنماط ولو جانبه الصواب في معظم ~~تمييزاته! # التطور - إذن - لا يستصفي الصواب دائما وينفي الخطأ، وإنما يأخذ الأمور على علاتها ~~ويروز المواقف على الجملة، ويخلط الارتباطات العلية الصحيحة بالارتباطات ~~الخاطئة ما دامت الارتباطات الضرورية للبقاء واقعة في شبكته وداخلة في حوزته ~~ومتضمنة في اعتقاده. من هنا تجد الارتباطات الزائفة - الخرافة - مبررا ~~تطوريا، وتظل قابعة في سراديب العقل البشري إلى أمد بعيد. لقد انسربت الخرافة في ~~ال «ما بين» وتربعت على العوالم العميقة من العقل، ومهما حاول الفكر العلمي طردها ~~تبدلت على عينه وأنسلت سلالات جديدة أقدر على البقاء وأمنع على الزوال ~~والفناء. # الفصل العاشر # | مغالطة التصديق الشخصي1 # يطلق على هذه الظاهرة أيضا «أثر ~~بارنم» # Barnum effect ~~، نسبة إلى المخرج الاستعراضي ومقاول السرك في القرن التاسع عشر ~~ب. ت. بارنم Phineas Taylor Barnum ~~. كان بارنم يعزو ~~نجاحه إلى أنه يقدم مقاسا واحدا يناسب الجميع! أو - على حد قوله - «لدينا شيء ما لكل ~~شخص.» وهو القائل أيضا: «هناك مغفل (جديد) يولد كل لحظة.» يشير بارنم بهذا القول ~~الساخر إلى ميل الناس على الدوام إلى تصديق توصيفات شخصية زائفة على أنها تصف شخصيتهم ~~الخاصة على نحو فريد. # 2 # ويطلق على هذه الظاهرة أيضا «أثر فورر» # Forer effect ~~، ~~نسبة إلى عالم السيكولوجيا برترام ~~فورر # Bertram R. Forer ~~(1914-2000م)، الذي اكتشف أن الناس تميل إلى قبول توصيفات شخصية ~~عامة على أنها تنطبق عليهم هم بصفة خاصة، غير مدركين أن نفس الوصف يمكن أن ينطبق على أي ~~شخص كان. # قدم فورر إلى طلابه اختبارا للشخصية، وتلقى أجوبتهم وأغفلها تماما، ثم ~~قدم لكل طالب التقييم التالي على أنه يخصه وحده وفقا للاختبار الذي أجراه، يقول ~~التقييم (الذي استعار فورر عباراته من قراءات متعددة للطالع أو خرائط البروج استقى ~~معظمها من كتاب تنجيم اشتراه من أحد أكشاك الجرائد): # بعض ms143 طموحاتك تميل إلى أن تكون غير واقعية إلى حد ما. # أحيانا ما تكون انبساطيا ودمثا واجتماعيا، بينما تكون في أحيان أخرى ~~صريحا للغاية في الكشف عن ذات نفسك للآخرين. # أنت مغتبط بكونك مفكرا مستقلا ولا تسلم بآراء الآخرين دون أدلة ~~كافية. # أنت تحبذ قدرا معينا من التغيير والتنوع وتضيق ذرعا حين تحاصرك القيود ~~والحدود. # أحيانا ما تنتابك شكوك خطيرة فيما إذا كنت قد اتخذت القرار الصائب أو ~~تصرفت التصرف الصحيح. # أنت تميل إلى الضيق وعدم الاستقرار في داخلك حين تستشعر تحكما وسيطرة من ~~الخارج، لقد شكل لك توافقك الجنسي بعض المشكلات. # في حين أن لديك بعض نقاط الضعف في الشخصية فإن لديك القدرة بصفة عامة على ~~تعويضها. # لديك الكثير من القدرات غير المستغلة والتي لا تستخدمها لمصلحتك. # لديك ميل إلى أن تنتقد نفسك، لديك رغبة قوية في أن يحبك الناس ويعجبوا ~~بك. # بعد أن قدم فورر هذا التقييم لكل واحد من طلابه على أنه يخصه وحده طلب منهم «تقييم ~~التقييم»: من صفر إلى 5، حيث 5 تعني أن الطالب يشعر أن التقييم ممتاز وينطبق تماما عليه، ~~و4 تعني أن التقييم جيد ... وهكذا وجد فورر أن متوسط التقييمات في الفصل هو 4,26 (بين الجيد ~~والممتاز)، كان هذا عام 1943م، وقد أعيد إجراء الاختبار منذ ذلك الحين مئات المرات مع ~~طلاب علم النفس، وظل المتوسط دائما حول 4,2 من 5، أي إن درجة الدقة 84٪. # يعزو فورر هذا الأثر العتيد إلى ما أسماه «السذاجة ~~البشرية» # human gullibility ~~، غير أن هناك تفسيرات عديدة لفاعلية أثر فورر، أهمها الأمل أو ~~التفكير الآمل # wishful thinking # والغرور والميل إلى ~~استخلاص معنى من الخبرة. # هذا الميل إلى قبول رسم ما للشخصية على أنه مفصل على مقاسها بعناية بناء على رغبة ~~الشخصية في قبوله، هذا الميل إلى تقبل العموميات الغامضة على أنها خصوصيات محددة، هو ما ~~أطلق عليه فورر عام 1948م مصطلح «مغالطة ~~التصديق الشخصي» # fallacy of personal validation ~~. # 3 # تفيدنا دراسة أثر فورر في تفسير كيف تعمل العلوم الزائفة كالتنجيم ms144 والكف إلخ، وكيف ~~تقنع الناس بأنها تقدم لهم تحليلات دقيقة لشخصياتهم. تركز قراءات الطالع على السمات ~~الإيجابية للشخص، فتجد في التقييم الذي قدمه فورر لطلابه: «لديك رغبة قوية لأن يحبك ~~الآخرون ويعجبوا بك.» تلك عبارة بلغت من العمومية بحيث لا يمكن أن ينكرها أي شخص على ~~نفسه، وكذلك «الحس الفكاهي الجيد» فتلك صفة يتمناها أي شخص ويتوسمها في نفسه، وحتى ~~السمات السلبية يقدمها المنجم معماة برتل من السمات الإيجابية بحيث تصعب على الشخص ~~ملاحظتها، فحين يقول لك المنجم: «في حين أن لديك بعض نقاط الضعف في شخصيتك فإنك قادر ~~بصفة عامة على تعويضها.» فقد نوه لك بضعف شخصيتك، ولكنه ما لبث أن أضاف أنك ~~قادر جدا على تدارك هذا الضعف وتعويضه، ورغم أن المنجم نفسه لا يعلم كيف يكون ذلك ~~فأنت تربطه بأحداث معينة في حياتك وتخلص إلى اقتناع بما قيل. # وكثيرا ما يقدم الناس لهؤلاء الدجالين - من خلال كلماتهم وإيماءاتهم - معلومات تنفلت ~~منهم عفو الخاطر؛ فيتلقفها الدجالون ويعيدونها على مسامعهم في صيغة جديدة. هكذا يعزون ~~هذه المعلومات إلى الدجالين أنفسهم، ويقع في ظنهم أن هؤلاء الدجالين قد أمدوهم بمعلومات ~~عميقة وشخصية، وهكذا يمضي «التصديق الذاتي» في سبيله ويؤتي أثره. ~~(1) القراءة الباردة # cold reading # هي طريقة أو إجراء يمكن به لقارئ الشخصية أن يقنع عميلا لم يقابله من قبل قط أنه ~~يعرف كل شيء عن شخصية هذا العميل ومشكلاته. قد يتم ذلك بإلقاء «قول جاهز» # stock spiel # أو «قراءة نفسية» تتكون من عبارات ~~بالغة العمومية يمكن أن تناسب أي فرد، مثل هذا القارئ السيكولوجي يحفظ في العادة ذخيرة ~~من الأقوال الجاهزة، وبوسعه من ثم أن ينتقي قراءة يلقيها تكون ملائمة للصنف العام الذي ~~ينتمي إليه العميل: فتاة في مقتبل العمر غير متزوجة، مواطن كهل ... إلخ. # ينطلق القارئ من افتراضات أساسية: # أننا جميعا بشر تجمعنا مشتركات واحدة، وأن أوجه الشبه بيننا أكثر ~~من أوجه الاختلاف. # أن مشكلاتنا تتولد من نفس مراحل الانتقال الكبرى من الميلاد والبلوغ ~~والعمل والزواج والأطفال والشيخوخة والموت. ms145 # أن أغلب من يأتون لقارئ الشخصية إنما يلتمسون شخصا ما يصغي إلى ~~صراعاتهم متضمنة الحب والمال والصحة ... إلخ. # يمضي القارئ البارد فيما وراء هذه القواسم المشتركة بأن يجمع أكبر قدر ممكن من ~~المعلومات الإضافية عن العميل، وأية مشعرات عن أحواله وأوضاعه: هندامه مثلا، ذوقه ~~فيه وأسلوبه ودرجة عنايته وثمنه ... مستواه الاقتصادي الاجتماعي، عمره، وزنه، جلسته، ~~نظراته، نطقه ولغة حديثه، إيماءاته وتواصله بالنظر، ثقافته، درجة تهذيبه، تعليمه ... ~~إلخ. # وبناء على تقييمه المبدئي يضع القارئ في ذهنه فروضا اختبارية يتحقق منها بأن يبدأ ~~تقييمه بألفاظ عامة تمس فئات عامة من المشكلات، ويلاحظ رد فعل العميل، وبوسعه ~~إذاك أن يتبين أنه على المضمار الصحيح فيتقدم، أو على المضمار الخطأ فيأخذ الحذر، ~~وسرعان ما يضرب ضربات صائبة ويعثر على المشكلات التي تؤرق العميل ويوالف القراءة ~~والموقف. في هذه اللحظة يكون العميل قد اقتنع بالقدرة الخارقة للقارئ ووقر في قلبه ~~أن القارئ قد وقع على استبصارات بأعمق أفكاره. هنا يزول تحفظه ويفشي للقارئ ~~بتفصيلات موقفه، وبعد مسافة كافية سوف يرجع القارئ على العميل المعلومات التي ~~أفشاها الأخير، مصوغة بحيث تبعث فيه مزيدا من الاندهاش لقدرة القارئ على معرفة كل ~~شيء عنه، وفي جميع الحالات ينصرف العميل دون أن يدرك أن كل ما أنبأه به القارئ إن هو ~~إلا الحديث ذاته الذي أفشاه العميل من غير أن يتفطن لذلك. # 4 ~~(2) القول الجاهز # stock spiel # يشير حديثنا عن القارئ البارد إلى أنه شخص بالغ المهارة والموهبة وهذا حق، ولكن ~~المدهش في هذا الأمر أنه حتى القارئ غير الماهر وغير القدير بوسعه أن ينجح في إقناع ~~العميل بأنه قد سبر أغوار طبيعته الحقيقية! لعل من مزايا إبداعية العقل البشري أن ~~بوسع العميل - تحت الظروف الصحيحة - أن يستخرج معنى من أي قراءة تقريبا وأن يؤالف ~~بينها وبين موقفه الفريد، وليس على القارئ سوى أن يبين - بشكل معقول - لماذا ينبغي ~~أن تنطبق قراءته على العميل ولسوف يكمل العميل المهمة. # إن بوسعك أن تحقق درجة مدهشة من النجاح كقارئ شخصيات حتى ms146 لو اقتصر عملك على قراءة ~~قول جاهز تقدمه لكل عميل يأتيك، مثال ذلك أن سندبرج # Sundberg ~~(1955م) وجد أنك إذا قدمت مخطط الشخصية التالي لطالب كلية ~~فسوف يقبله عادة كوصف دقيق له إلى حد كبير: # أنت شخص سوي جدا في مواقفه وسلوكه وعلاقاته بالناس، وتمضي قدما ~~دون عناء. الناس تحبك عادة، وأنت لا تسرف في انتقادهم أو انتقاد نفسك. لست ~~مفرطا في التقليدية ولا في الفردية. مزاجك الغالب هو التفاؤل والجهد ~~البناء، ولا تنال منك فترات من الاكتئاب أو المرض النفسجسمي أو الأعراض ~~العصبية. # كما وجد سندبرج أن طالبة الكلية سوف تستجيب للمخطط التالي بسرور أكبر حتى من هذا: # شخصيتك تبدو مرحة ومتوازنة. قد تعتريك بعض التقلبات بين المزاج السعيد ~~وغير السعيد ولكنها لم تعد عنيفة. ليست لديك مشكلات صحية تذكر. أنت ~~اجتماعية تجيدين التواصل مع الغير، وأنت متكيفة في مواقفك الاجتماعية. لديك ~~ميل للمغامرة، اهتماماتك عريضة. أنت واثقة بنفسك بدرجة جيدة وتفكرين بوضوح عادة. # 5 # أجرى سندبرج دراسته منذ عقود، ولكن المخططين لا يزالان يعملان بنجاح حتى ~~اليوم، وسيظلان يعملان بنجاح مع كلا الجنسين. ~~(3) بعض قواعد اللعبة # من قواعد لعبة قراءة الشخصية أن يبدو القارئ واثقا من نفسه ومن قوله، وقد تبين ~~أنه حتى القراءة الخاطئة والمضادة للشخصية يتم تقبلها والاقتناع بها إذا كان ~~الإلقاء رصينا واثقا. # ومنها أن تفيد من أحدث المسوح الاجتماعية واستطلاعات الرأي في استنباط ميول العميل ~~في شتى المجالات بالنظر إلى شريحته الاجتماعية ومسقط رأسه وديانته ومهنته وعمره ~~ومستوى تعليمه، وأن تكسب تعاون العميل منذ البداية وتؤكد له أن نجاح القراءة مرهون ~~بتعاونه ومسايرته، وأن تعزو أية حيودات مبدئية عن الصواب إلى مصاعب اللغة ~~والتواصل، وأن تدفعه إلى إعادة صياغة العموميات الغامضة وفقا لمفرداته ومعجمه ~~وخصوصيات حياته، وبذلك تجعله مشاركا نشطا في القراءة يعتصر ذاكرته وفكره لكي ~~يجد معنى لعباراتك. # والاستعانة بعدة احتيال من مثل بطاقات اللعب أو كرة البللور أو قراءة الكف تقدم لك ~~خدمة مزدوجة: فهي تضفي شيئا من الإثارة والجدة على ما ms147 تفعل، وتتيح لك فسحات من ~~الوقت للتمهل وتدبر ما ستقوله في اللحظة التالية. أما قراءة الكف فتقدم للقارئ ~~مزية فريدة وهي استشعار استجابات العميل وانفعالاته من اهتزازات يده، وهو ضرب من ~~«قراءة العضلات»، كما أن عرض الخطوط المختلفة: خط القلب ويخص العواطف، وخط المصير ويخص ~~أمور العمل والمال، وخط الصحة ... إلخ، وتخيير العميل بما يفضل التركيز عليه أولا، من ~~شأنه أن يضع يدك على الفئة الأعم من المشكلات التي تشغل عقله. # ولتكن لديك ذخيرة من العبارات الجاهزة طوع لسانك، تنثر منها بين ثنايا قراءتك ~~الأساسية لتمنحها قوة وقواما، وتملأ بها اللحظات التي تكون فيها مستغرقا بصياغة ~~تشخيصاتك الأكثر دقة. # استخدم تقنية «الصيد»، وهي ببساطة وسيلة لجعل العميل يفصح لك عن نفسه، ثم تصوغ ~~حديثه بطريقتك في مخطط متسق وتعيده على مسامعه مرة أخرى. ومن صور الصيد أن تصوغ كل ~~عبارة في شكل سؤال ثم تنتظر العميل كي يرد، فإذا كان رد فعله إيجابيا فاعمد إلى ~~تحويل العبارة إلى تقرير إيجابي، وبمرور الوقت سوف ينسى العميل أنه كان مصدر ~~معلوماتك، وسوف يدهش من أنك تعلم عنه الكثير. # عليك أن تكون مستمعا جيدا، وأن تترك العميل يتدفق بحرية في الحديث؛ ذلك أنه سوف ~~ينسى أنه باح لك بكل شيء، والحق أيضا أن أولئك الذين يلتمسون قارئ شخصية إنما يريدون ~~في المقام الأول من يصغي إلى مشكلاتهم، كما أن كثيرا منهم قد عقد النية على ما سوف ~~يعمله ولا يريد إلا من «يخلص» له قراره ويدعمه في اختياره. # اعمد إلى مسرحة قراءتك وبهرجتها، واجعلها تبدو أكبر مما هي، وابتكر صورا ~~لفظية عن كل نقطة أفشاها العميل. # لا تتردد في إطراء عميلك، فأغلب الناس تحب الإطراء، وحتى العميل الاستثنائي الذي ~~يعترض على إطرائك سوف يعتز به في قلبه، ويمكنك في هذه الحالة منحه مزيدا من الإطراء ~~بأن تقول له: «أنت دائم الشك فيمن يمدحك، فأنت لا تصدق أن أحدا يمكن أن يمدحك دون أن ~~يكون له في ذلك غرض خفي وحاجة في نفسه.» ~~(4) خدعة ms148 «قوس قزح» # ومن الخدع الشهيرة في القراءة الباردة ما يعرف ب «خدعة قوس قزح»، وهي عبارة ~~ماكرة تعطي الشخص المفحوص سمة شخصية محددة والسمة المضادة لها في الوقت نفسه! ~~بمثل هذه العبارة يمكن للقارئ أن «يغطي كل الاحتمالات»، ويكون قد عقد استنباطا ~~دقيقا في ذهن الشخص، رغم أن العبارة المقدمة في الخدعة غامضة ومتناقضة، تفعل هذه ~~العبارة فعلها وتؤتي أثرها؛ لأن السمات الشخصية ليست شيئا قابلا للتقدير ~~الكمي، ولأن كل إنسان تقريبا قد خبر كلا جانبي أي عاطفة معينة في وقت ما من ~~حياته، من أمثلة هذه العبارات: ~~«أنت إيجابي ومرح في أغلب الوقت، ولكنك في وقت ما في الماضي كنت في ~~غاية الضيق والتبرم.» ~~«أنت طيب جدا وتراعي مشاعر الآخرين، إلا أنك يتملكك غضب عميق ~~إذا قام أحد بعمل من شأنه أن يهدم ثقتك.» ~~«أود أن أقول إنك محتشم وهادئ في الأغلب الأعم، إلا أنك إذا أغرقت ~~في المرح يمكنك بسهولة أن تصبح محط انتباه الجميع.» # بوسع القارئ البارد أن يتخير سمة من بين تنويعة من السمات الشخصية ثم يفكر في ~~عكسها، ثم يربط السمتين معا في عبارة، موصولتين على نحو غامض بواسطة عوامل من ~~قبيل: المزاج أو الوقت أو الإمكانية. # ولا تنس بعد القاعدة الذهبية: «قل للعميل ما يريد أن يسمعه.» أو كما يقول ~~فرويد: «قارئ الطالع الناجح هو من يتنبأ بما يود العميل سرا أن يحدث وليس بما ~~سوف يحدث بالفعل.» ~~(5) لماذا تنجح القراءة الباردة؟ # قلنا: إن الغرور البشري والتفكير الآمل يؤازران المنجم في عمله، ويقصران ~~عليه الطريق، ولكن هناك سببا أكثر عمقا وجوهرية يؤدي إلى نجاح الدجل: ذلك هو نزوع ~~العقل البشري إلى إضفاء المعنى؛ فنحن البشر نستشعر القلق والفزع كلما واجهنا ~~الغموض أو الالتباس أو اللايقين، وهي استجابة عمومية وطبيعية بالنظر إلى أن ~~أدمغتنا مشيدة على أن تضفي معنى على العالم من حولنا وعلى المعلومات التي ~~تصلنا؛ لذا يميل الناس سيكولوجيا إلى ملء الفراغات وسد الخانات لكي يظفروا ~~بصورة مترابطة لما يرون ويسمعون ويدركون، حتى ms149 إذا كان الفحص الدقيق أو التمحيص ~~الأمين للأدلة قمينا أن يكشف أن البيانات غامضة ومختلطة ومتناقضة. # هكذا جبلت منظوماتنا الاعتقادية على أن تجد معنى في الشواش، فتعيننا بذلك على ~~أن نتكيف فكريا وعاطفيا مع الغموض واللاتحدد، فنحن على الدوام نحاول أن نسبغ ~~المعنى على الوابل المعلوماتي المتناثر المفكك الذي يمطرنا كل لحظة، وأحيانا ما ~~نستخلص معنى من اللامعنى. نحن نسد الفراغات ونملأ الشواغر ونضفي صورة متماسكة ~~على ما نسمع ونرى حتى لو كان في ذاته غامضا ومشوشا ومعتما وغير متسق بل وغير ~~مفهوم. # ولكن لماذا تعمل القراءة الباردة بنجاح وبنجاح كبير؟! ليس يجدي أن نقول: إن ~~الناس سذج أو قابلون للإيحاء، ولا هو بإمكاننا أن نرفضها بالإشارة إلى أن بعض ~~الأشخاص ليس لديهم التمييز أو الذكاء الكافي لكشفها. الحق أن بوسع المرء أن يحاج بأن ~~القراءة الباردة تتطلب درجة معينة من الذكاء من جانب العميل لكي تعمل جيدا! فما إن ~~ينخرط العميل إيجابيا في محاولة إيجاد معنى لسلسلة من العبارات - المتناقضة ~~أحيانا - الصادرة من القارئ (قارئ الشخصية/الطالع/الكف ...) حتى يصبح كيانا مبدعا ~~لحل المشكلات يحاول أن يجد اتساقا ومعنى في المجموعة الكلية للعبارات، وهي مهمة لا ~~تبعد كثيرا عن محاولة إيجاد معنى لعمل فني أو قصيدة أو - في مقامنا هذا - لعبارة، ~~تعمل القطعة الفنية أو القصيدة أو العبارة كرسم تخطيطي أو مخطط يمكننا أن نشيد منه ~~خبرة ذات معنى بأن نهيب بخبراتنا الماضية وذاكرتنا الخاصة. # وبعبارة أخرى فإن القراءة تنجح لا لشيء إلا لأنها تستدعي عمليات الفهم السوية ~~التي اعتدنا أن نطلقها في استخراج معنى من أي شكل من أشكال التواصل. إن المعلومات ~~الخام في أي تواصل ما قلما تكون كافية في ذاتها للفهم، فهي تفترض وجود سياق مشترك ~~وخلفية مشتركة. ثمة الكثير من الفراغات التي يتعين ملؤها بواسطة الاستدلال، والقارئ ~~الجيد - شأنه شأن أي شخص يتلاعب بإدراكاتنا - لا يعدو أن يستغل العمليات العادية التي ~~نستخرج بها معنى من الوابل المختلط من المدخلات التي تمطرنا بلا توقف، «والحق أن ~~معظم الفلاسفة ms150 وعلماء الإبصار اليوم يتفقون على أن الإدراك «محمل بالنظرية» # theory-laden # وأن خبرتنا الحسية في أي ~~موقف معطى تتأثر بمفاهيمنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، وربما حتى بآمالنا ورغباتنا التي ~~نجلبها معنا إلى الموقف.» يقول الأنثروبولوجي جون بيتي: «إنما يرى الناس ما يتوقعون أن ~~يروه؛ ذلك أن تصنيفات إدراكهم تحددها إلى حد كبير - إن لم يكن كليا - خلفيتهم ~~الاجتماعية والثقافية.» ويقول فيرابند: «حين نعطى منبهات ملائمة ولكن مع أنساق ~~مختلفة من التصنيف (تهيؤ ذهني مختلف) فإن جهازنا الإدراكي ينتج موضوعات إدراكية لا ~~تمكن المقارنة بينها بسهولة.» # 6 # إن العبارات بحد ذاتها غير ذات معنى، ولا توصل معنى إلا في سياق، ولا تبلغ ~~دلالة إلا إذا كان بوسع المستمع أو القارئ أن يستدعي مخزونه الكبير من المعرفة ~~بالعالم، والعملاء ليسوا غير عقلانيين بالضرورة حين يجدون معنى في «الأقوال الجاهزة» # stock spiel # أو القراءة الباردة، إنما ~~المعنى تفاعل بين التوقعات والسياق والذاكرة والعبارات المعطاة. # أجرى سولومون آش # Solomon Asch ~~(1948م) - من علماء نفس ~~الجشطلت - تجربة ستساعدنا في فهم هذه النقطة، فقد أعطى المفحوصين الفقرة التالية لكي ~~يفكروا فيها: # أعتقد أن تمردا ضئيلا من وقت لآخر هو شيء طيب وضروري في العالم السياسي ~~ضرورة العواصف في العالم الفيزيائي. # وأنبأ مجموعة من المفحوصين بأن قائل العبارة هو توماس جيفرسون (تصادف أن هذا ~~صحيح)، وسألهم هل يتفقون مع العبارة وماذا تعني لهم، وكانت النتيجة أن هؤلاء وافقوا على ~~الفقرة وفسروا كلمة «تمرد» بأنها تعني اهتياجا غير ذي خطر، أما المجموعة الأخرى من ~~المفحوصين (وقد أعطوا نفس الفقرة) فقد أنبأهم أن قائلها هو لينين؛ فكانت النتيجة أنهم ~~لم يوافقوا عليها وفسروا كلمة «تمرد» بأنها تعني ثورة عنيفة. # من وجهة نظر بعض السيكولوجيين الاجتماعيين فإن الاستجابتين المختلفتين تثبتان لا ~~معقولية التحيز، غير أن آش يشير إلى أن المفحوصين قد يكون مسلكهم عقلانيا تماما: ~~فبالنظر إلى ما يعلمونه عن توماس جيفرسون ولينين أو ما يعتقدونه عنهما، فإن من المعقول ~~أن يسبغوا معنيين مختلفين على نفس الكلمات التي تفوه بها كل منهما: فإذا ms151 كان ~~المرء يرى أن جيفرسون كان يدعو إلى حكومة منظمة وعمليات سلمية فلن يستقيم أن يفسر ~~عبارته على أنها تعني حقا ثورة دموية أو مادية، وإذا كان المرء يرى أن لينين يحبذ ~~الحرب وسفك الدماء فإن من المعقول إذا نسبت إليه العبارة أن يفسر التمرد بمعناه ~~الأكثر تطرفا. # تؤدي القراءة الباردة عملها بنجاح إذن؛ لأنها تستنفر عملية بشرية أساسية ~~وضرورية. إن علينا أن نستدعي معرفتنا وتوقعاتنا ونهيب بها لكيما نفهم أي شيء في ~~عالمنا، وفي معظم المواقف العادية يتيح لنا هذا الاستخدام للسياق والذاكرة أن نفسر ~~العبارات على نحو صحيح، وأن نقدم الاستدلال الضروري لفعل ذلك، غير أن هذه الآلية ~~القوية قد تضل السبيل في المواقف التي لا تكون فيها رسالة فعلية يجري توصيلها. هنالك ~~سنظل قادرين على أن نجد معنى في الموقف بدلا من أن نتعرف ضوضاء عشوائية. # يعني ذلك إذن أن نفس الجهاز الذي يمكننا من أن نجد معاني على نحو إبداعي ونجترح ~~اكتشافات جديدة، يجعلنا أيضا عرضة تماما للاستغلال من قبل شتى ضروب المتلاعبين، ~~وفي حالة القراءة الباردة قد يكون المتلاعب على وعي بخداعه، غير أنه أيضا كثيرا ما ~~يكون ضحية لمغالطة التصديق الشخصي. # الفصل الحادي عشر # | نسبية الذاكرة! # (1) ما الذاكرة؟ # يا أيام ذلك العام، اختزنتك ذاكرتي، ومن صورتك انمحت رويدا رويدا ~~السترة المهترئة الحائلة اللون، واحتفظت به، وهو ينضو عنه سترته ~~المهترئة، ويستوي أمامي بالغ الكمال، مثل تحفة لا تشوبها شائبة. # قسطنطين كافافيس # ثمة وهم متوارث، روجت له زمنا نظريات سيكولوجية عتيقة، يقول بأن الذاكرة ~~البشرية أشبه بشريط التسجيل الذي يسجل كل ما يرد عليه دون أن يخرم منه شيئا، ~~وأن كل منبه ورد على عقل الإنسان هو مسجل فيه بشكل ما وبدرجة ما. وإن تكن أغلب ~~المادة المسجلة محفوظة في مستوى عميق من باطن العقل؛ وهي من ثم قابلة للاسترجاع. ~~أما المادة المحفوظة في ظاهر العقل فهي قابلة للاستدعاء بدقة ما دام الشخص يتمتع ~~بكفاية عقلية تامة ونزاهة تعصمه من الكذب ولي الحقائق. وأما المادة ms152 المحفوظة في ~~أعماق سحيقة من باطن العقل - وبخاصة إذا كانت مؤلمة قد نالها الكبت وجعلها في حصن ~~منيع - فهي قابلة للاستعادة بواسطة تقنيات سيكولوجية من قبيل التوجيه اللفظي وحفز ~~التخيل والتنويم ... إلخ. # غير أن البحث الحديث في الذاكرة وآلياتها قد كشف لنا زيف هذه التصورات وسذاجتها، ~~فالذاكرة في حقيقة الأمر لا تقوم بعملها كما يقوم شريط التسجيل، فنحن لا نسجل بالتفصيل ~~كل حدث يجري في حياتنا؛ ذلك أن الدماغ يواجه في كل لحظة بكم هائل من ال «المثيرات» # stimuli # الواردة أو «المدخل» # input # البيئي يتجاوز قدرته التخزينية، الأمر الذي يحتم على ~~الذاكرة أن تكون «انتقائية»، مثلما يحتم على الانتباه نفسه أن يكون انتقائيا يصطفي ~~من المثيرات ما يعنيه ويضرب صفحا عن بقية المثيرات، بل يصرفها عن ساحة الوعي بطريقة ~~حاسمة وآليات نشطة. يتعين على الدماغ أن يقوم بعملية «ترشيح» # filtration # دقيقة للمثيرات الواردة حتى يتسنى له أن يعمل بالطريقة التي ~~يعمل بها، بحيث إذا اختلت كفاءة هذا الترشيح يصاب المرء باضطرابات دماغية ليس أقلها الفصام. # 1 # الذاكرة إذن عملية انتقائية، وهناك أنظمة منفصلة للذاكرة القريبة والذاكرة البعيدة، ~~بحيث لا يعوزنا أن نسجل كل حدث قريب تسجيلا مستداما، وحتى عندما تنقل المادة من ~~الذاكرة القريبة إلى الذاكرة البعيدة فإن عناصرها البارزة فقط هي ما يتم تسجيله. هكذا ~~يتبين أن الذكريات هي في الحقيقة انطباعات إجمالية قلما تتسم بالدقة الوقائعية. تتضمن ~~الذكريات حقا عناصر من إعادة البناء الخيالية وربما الإبداعية، تنطوي عادة على شيء ~~من الاختلاق و«الأراجيف» # confabulations ~~. # تشير الدراسات الحديثة إلى أن الذاكرة بطبيعتها غير دقيقة، وهناك أسباب وجيهة تجعلها ~~غير دقيقة. إن الذكريات التي تقبع في الدماغ هي شيء «تمت ~~معالجته» # processed ~~، ومن ثم فإن المخططات ~~المعرفية # cognitive schemata # الموجودة سلفا من شأنها أن تؤثر على التسجيل النهائي ~~للأحداث، وبتعبير آخر يمكننا القول بأن الذكريات ليست شيئا نقيا مبرأ لم تمسسه ~~يد، بل هي نتاج تفاعل بين الأحداث الحقيقية وبين العمليات الإدراكية للشخص، بين ~~«الموضوع» وبين «الذات». # ثمة نوعان من ms153 الذاكرة (قد يكون لكل منهما مسلكه النيوروبيولوجي الخاص): # الذاكرة الصريحة وتتضمن تسجيل المعلومات. # الذاكرة الضمنية وتتضمن تسجيل الخبرات. # والذكريات الضمنية ليست أكثر دقة من الذكريات الصريحة؛ فقد يتسنى لنا أحيانا أن ~~نتذكر بنودا من المعلومات بدقة كبيرة، أما الذكريات الخاصة بأحداث الحياة فهي دائما ~~عرضة للخطأ، كما أن الأحداث المصحوبة بانفعال قوي ليست أفضل تذكرا من الأحداث الخالية ~~من الانفعالات. وقد دلت الدراسات الإمبيريقية على أن شهادة الشهود قد تكون محرفة بدرجة ~~تدعو للدهشة، كذلك تثبت الدراسات أن استدعاء الأحداث التاريخية الدرامية هو أيضا تشوهه ~~المخططات المعرفية المسبقة. # وصفوة القول أن الذاكرة ليست تسجيلا سطحيا لمثيرات خام، فما يذخر في الذاكرة هو ~~في الحقيقة بناءات تم تشييدها وفقا للمخططات المعرفية، وهي نتاج ثقافي بالدرجة ~~الأساس. ~~(2) الدراسات الثقافية للذاكرة # كان بارتلت هو أول سيكولوجي تجريبي يدرس موضوع الثقافة والذاكرة بطريقة منضبطة. ذهب ~~بارتلت إلى أن هناك مبدأين يحكمان تنظيم الذاكرة؛ الأول: هو عملية التذكر الإنشائي، ~~يقول بارتلت بأن الثقافات هي تجمعات منظمة من الأفراد ذات عادات ومؤسسات وقيم مشتركة، ~~تتكون لدى الأفراد عواطف قوية تجاه النشاطات المرتبطة بالمؤسسات والقيم الاجتماعية، ~~تشكل هذه القيم وتجسدها الثقافي الميول النفسية لاختيار أنواع بعينها من ~~المعلومات لتذكرها، وتشكل المعرفة التي تم تمثلها تحت تأثير هذه العواطف القوية ~~البنيات التي تقوم عليها عملية التذكر، فيكون تذكر المحتوى المعرفي في المجالات الغنية ~~بالبنيات أفضل مما هو عليه في المجالات الأقل اعتبارا وقيمة حيث تقل العواطف القوية، ~~وبالتالي تشح البنيات التي ترشد عملية التذكر، كمثال لهذا المبدأ يروي بارتلت قصة ~~راع يعمل لدى أحد أصحاب المزارع استطاع تذكر تفاصيل دقيقة خاصة بعملية شراء عدد من ~~البقر: ثمن كل بقرة، والعلامة الخاصة بها، وملاكها السابقين. # 2 # افترض بارتلت أيضا وجود نوع آخر من التذكر يكون فيه الترتيب الزمني هو المبدأ ~~التنظيمي: «هناك نوع من التذكر هو أقرب ما يكون إلى ما يسمى الحفظ عن ظهر قلب أو ~~«الصم» # rote memory ~~. يعد الصم خاصية من خواص ~~حياة ذهنية ذات اهتمامات ms154 قليلة نسبيا وجميعها عينية في طابعها إلى حد ما وليس من ~~بينها اهتمام مسيطر.» # 3 # وكمثال لذلك يسرد بارتلت وقائع جلسة تحقيق لم تستطع فيه الشاهدة أن تدلي ~~بما حدث إلا بأن تسرد كل ما مر بها من أحداث منذ قيامها من النوم في الصباح وحتى وقوع ~~الجريمة، ويخلص بارتلت من ذلك إلى أن بعض الثقافات تشجع التذكر التتابعي المفرط والذي ~~أطلق عليه اسم «الصم». # وقد قام س. ف. نيدل بتجارب ميدانية وسط كل من اليوروبا والنيوب في نيجيريا. وهما ~~شعبان يختلفان اختلافا صارخا في نواح عديدة على الرغم من أنهما يعيشان جنبا إلى جنب ~~وتحت نفس الظروف العامة، ولديهما أنظمة اقتصادية وتنظيمات اجتماعية متشابهة ويتحدثان ~~لغات متقاربة. يتميز دين اليوروبا بنسق تراتبي هرمي معقد من الآلهة لكل إله فيه واجباته ~~ووظائفه المحددة، وقد طور اليوروبا فنونا تشكيلية واقعية ومسرحا واقعيا. وعلى ~~النقيض من ذلك كان دين النيوب يتمركز حول قوة غامضة مجردة غير شخصية، وكانت الأشكال ~~الفنية لديهم متطورة جدا في الفنون الزخرفية، ولم يكن لديهم تراث مسرحي شبيه بما لدى ~~اليوروبا. # قام نيدل بتأليف قصة يمكن استخدامها لاختبار التذكر في كلتا الجماعتين، وقد جاءت ~~النتائج مؤكدة لتوقعاته: فقد تذكر اليوروبا البنية المنطقية للقصة والعبارات ذات ~~الدلالة والأحداث الحاسمة في مجرى القصة ولم يأبهوا للكليشيهات غير الدالة، بينما تذكر ~~النيوب الكليشيهات كما هي بالضبط وأقحموا على القصة عناصر من عندهم تخلق صورة ملموسة ~~حية لوقائع القصة. # لم يتذكر أحد من أي من الثقافتين القصة بالضبط، على العكس من فكرة الذاكرة الخرافية ~~للشعوب البدائية، غير أن أجدر شيء بالملاحظة في هذا المقام هو أن التجربة تتعلق بالفروق ~~النوعية (المتوقفة على الثقافة) في الخبرة والمخططات # schemata # المرتبطة بها. الأمر هنا لا يتعلق ب «من فاق الآخر في ~~التذكر: اليوروبا أم النيوب؟» وإنما بأن كليهما قد تذكر بطريقة متمايزة تنسجم مع ~~الاهتمامات التي تشغل ثقافته، وهو ما تنبأ به بارتلت. # تم النظر كذلك إلى أفكار بارتلت عن التكرار الصم من خلال المعلومات ms155 التي أتاحتها ~~الدراسات الأنثروبولوجية كجزء من دراسته للجوانب الإدراكية لدى شعب الإياتمول (شعب يعيش ~~في غينيا الجديدة)، وجد جريجوري باتيسون أن أهل العلم في هذا الشعب كانوا مستودعات ~~للطواطم والأسماء المستخدمة في «أغاني الأسماء» والمستخدمة في المجادلات. وبالنظر إلى ~~عدد «أغاني الأسماء» الموجودة لدى كل عشيرة وعدد الأسماء المستخدمة في كل أغنية، قدر ~~جريجوري أن أهل العلم يحملون في رءوسهم عددا يتراوح بين عشرة آلاف وعشرين ألفا من ~~الأسماء. قدمت هذه المادة فرصة رائعة لاختبار القدرة على الصم. قام باتيسون بتسجيل ~~ترتيب الأسماء الذي استخدمه أهل العلم في مناسبات مختلفة. بين باتيسون أن أهل العلم ~~كانوا يغيرون ترتيب الأسماء من مناسبة إلى أخرى، وأن أحدا لم ينتقدهم على هذا العمل ~~على الإطلاق، وعندما كانوا يتعثرون عند نقطة ما في محاولتهم تذكر مجموعة معينة من ~~الأسماء لم يكونوا يرتدون إلى بداية السلسلة كما هو متبع في التكرار الصم، ولا كانوا ~~عندما يسألون عن حدث ما في الماضي يسترسلون في سلسلة من الأحداث المتصلة زمنيا بغية ~~الوصول إلى الحدث المقصود. يبين باتيسون بوضوح أنه على الرغم من أننا واثقون كثيرا بأن ~~الصم ليس العملية الرئيسية المستخدمة لدى أهل العلم من شعب الإياتمول، فإن من غير ~~الممكن تحديد أي العمليات العقلية العليا هي التي تضطلع بالدور الرئيسي في ذلك. # 4 # بعد ثلاثة عقود من هذه الأعمال الرائدة قام مايكل كول وزملاؤه بسلسلة من الدراسات ~~التي تتناول عملية التذكر لدى مزارعي الأرز من شعب الكبلي في وسط ليبيريا. وبعد عقد آخر ~~أجريت دراسة وسط قبيلة الفاي الليبيرية تتناول مستوى ونمط التذكر لعدد من القصص تم ~~استخدامها على نطاق واسع في الولايات المتحدة في مجال البحوث المتعلقة بنمو الذاكرة. ~~تكمن أهمية الدراسات المتعلقة بالذاكرة في أنها تبين أن الفروق الثقافية تعود إلى تنظيم ~~النشاط الحياتي اليومي: حيثما تتشابه بنيات النشاط بين الجماعات تقل الفروق الثقافية في ~~عمليات التذكر، وحيثما كان بحوزة مجتمع ما ممارسات مؤسساتية هامة لها علاقة بالتذكر لا ~~توجد بحوزة مجتمع آخر (مثل ms156 التعليم المدرسي) يمكننا توقع اختلافات ثقافية في عمليات ~~التذكر في صورة أشكال محددة من التذكر تتلاءم مع هذا النشاط (مثل المقدرة على تذكر ~~قوائم من الكلمات). # 5 ~~(3) قلم (الذاكرة الشفاهية) # إن قلمي أمهر مني. # أينشتين # ليس ثمة من سبيل إلى تفنيد عالم الشفاهية الأولية، وكل ما تستطيع أن تفعله هو أن ~~تدبر عنه نحو عالم الكتابية. # والتر ج. أونج # كان الماضي يخني على الحاضر والمستقبل، ولا يسمح لشيء جديد أن يولد ... ~~اللفظة المحكية لا تدخل وحدها أبدا، بل تجر معها عالما بأسره، عالما ~~قديما لا يريد أن يزول. # ع. م. # حين اختار الإنسان أن يتكلم اختار أن يبدع نفسه. # وحين اختار أن يجبل أدوات يعجنها بفكره ويمدها بينه وبين العالم فقد اختار ~~أن يضخم دماغه ويفسح نطاقه ويطبع بصمة عقله على الطبيعة. # وحين اختار أن يتخذ قلما، أن يصل أطرافه بهذه القصبة النحيلة، ويطيل ~~أنامله بهذا السن المستدق؛ تضاعفت مهارته، وطال مرمى فكره، وبعد شوط ~~طموحه ومنال عقله. # كان القلم مفتاح الانعتاق من السجن الشفاهي الذي كان مرتهنا فيه ~~دهورا! # كانت الشفاهية قيدا خفيا يكبل العقل والوجدان ويفرض عليهما ضوابط ~~صارمة وأحكاما مبرمة. # تتألف الكلمات في الثقافة الشفاهية (أي التي لم تعرف الكتابة والتدوين) من أصوات، ~~ومن أصوات فقط، ومن شأن ذلك أن يفرض ضوابط على أنماط التعبير، بل على أنماط التفكير؛ ~~ذلك أن «حالة المعرفة» تعني الاحتفاظ بمادة المعرفة وإمكان استعادتها، الأمر الذي يمنح ~~الذاكرة وآلياتها سطوة كبرى في «عملية المعرفة». # 6 # في الثقافة الشفاهية يجد المرء نفسه مدفوعا إلى أن يصوغ تفكيره بطريقة ~~يمكن تذكرها، إن كان له أن يظفر بمعرفة على الإطلاق. # لا مندوحة للمرء في الثقافة الشفاهية من أن يصب تفكيره نفسه داخل أنماط حافزة ~~للتذكر وقابلة للتكرار الشفاهي. هنالك يتعين عليه أن يجبل مادة الفكر في أنماط ~~ثقيلة الإيقاع، متوازنة، أو في جمل متكررة أو متعارضة أو مسجوعة، أو في ثيمات ثابتة، ~~أو في أمثال رنانة سهلة الترديد، وهو مدفوع بحاجته التذكرية إلى أن يلصق ms157 بالأشياء ~~أوصافا صارخة فاقعا لونها، وأن يضفي الإيقاع ويتشبث به كأنما يحبس فيه الطليق ~~ويعبئ السائب! وأن يستعين بحركات الجسم وإشارات اليد كأنه يثبت بها الكلمات ويسد ~~عليها كل مهرب، أو كأنه يكمل بها رسم موقف وجودي يسهم فيه الجسد بقسط ~~كبير. # تهيب الشفاهية بالمرء أن يفكر بعقل الجماعة، وأن يعتصم بالأنماط الواردة والنماذج ~~المألوفة والصيغ الجماعية الثابتة، والنعوت الموزونة يلصقها بالحق أو بدونه! إن الحاجة ~~التذكرية هنا هي التي تملي تركيب العبارة وتحدد مجال الفكر الذي يمكن للمرء أن ~~يروده. # ومن سمات الحفظ الشفاهي أنه يخضع للتغير نتيجة للضغوط الاجتماعية المباشرة. لا يملك ~~الراوي الشفاهي روايته ملكية تامة أبدا، إنه منغمس في تفاعل مباشر مع مستمع حي، ~~ومن شأن توقعات المستمعين واستباقاتهم أن تعمل على تثبيت الموضوعات والصيغ. ينجرف ~~المتحدث الشفاهي بعقل الجماعة ويميل لميل الجمهور ويقول ما يريد منه الجمهور أن ~~يقوله، يقول «ما يطلبه المستمعون!» إن جاز التعبير. وحين ينقطع الطلب على سلسلة من ~~الأنساب (سلسلة المهزومين مثلا) تميل هذه السلسلة للاختفاء أو التحوير. هكذا تسمح ~~الثقافة الشفاهية للأجزاء المؤلمة من الماضي بأن تنسى بسبب مقتضيات الحاضر المستمر، ~~وهكذا تحتم الشفاهية دائما شيئا من الكذب والتحوير والتحريف بحكم طبيعة الذاكرة ~~الشفاهية ذاتها. # وبحكم طبيعة الذاكرة الشفاهية، وابتغاء العون التذكري، تلجأ الثقافة الشفاهية إلى ~~المبالغة البطولية، وتضخيم الشخصيات إيجابا وسلبا، والتهويل والإغراب والاستقطاب ~~الذهني، وما يقتضيه ذلك من الإفراط في المدح والقدح والحب والبغض والود والشنآن؛ ذلك ~~أن من الاقتصاد العقلي أن تسرف في الوصف كي تدخر في الجهد التذكري، وأن تحول العادي إلى ~~غير عادي، وأن تزيد من ثقل الشخصيات وتمد من أقطارها وتبرز من آثارها حتى تتيح لها ~~الدوام والبقاء، فهي على كل حال لن تبقى إلا ببقاء الذاكرة ولن تذهب إلا ~~بذهابها. # من عمل الشفاهية أن تلقي بعقلك في عالم من الهول والجلل والشخصيات البطولية، لا ~~رغبة في التأمل ولا ميلا للبطولة، بل لسبب أبسط من ذلك وأكثر تواضعا: وهو أن تصوغ ~~الخبرة في شكل ms158 يمكن تذكره! وبعد أن سادت الكتابة وظهرت الطباعة تغيرت بنية العقل ~~وقنع برؤية الأشياء بحجمها الطبيعي، واستغنى عن الشخصية الأسطورية وشكر لها خدماتها ~~القديمة. لقد أسعفته الكتابية بالذاكرة الدقيقة والتدوين الأمين، ولم يعد بحاجة إلى ~~بطل أسطوري لكي يثبت له المعرفة ويحفظها من الفناء. # 7 # في المجتمعات الشفاهية لم يكن للمعرفة سجل إلا عقول الشيوخ وسدنة الماضي ~~وحفظة الحكمة، وكان على هؤلاء ترديد حكمة الماضي مرارا وتكرارا حتى لا يرخي ~~عليها النسيان سدوله. كان عبء الحفظ ثقيلا لا يترك للذهن فسحة للتجديد أو ~~مراغما للتجريب. هذا مرد الصبغة المحافظة وسطوة التقاليد وقداسة السن في ~~البيئة الشفاهية. لقد كان الماضي يخني على الحاضر والمستقبل ولا يسمح لشيء جديد أن ~~يولد. # حين اختار الإنسان تدوين فكره اختار الانفصال عنه، وأخذ مسافة منه، وجعله ~~من ثم موضوعا للنقد والتمحيص؛ «ذلك أننا ما دمنا نضمر اعتقادا حدسيا من غير تمثيل ~~رمزي فنحن وإياه واحد، ولا نملك نقده، ولكن بمجرد أن نصوغه أو ندونه في شكل رمزي، ~~هنالك يتسنى لنا أن ننظر إليه بموضوعية وأن ننقده ونتعلم منه، نتعلم حتى من رفضه.» # 8 # حين اختار الإنسان أن يتخذ قلما اختار الانفصال عن الوسط الطبيعي، اختار أن يقيم في ~~العراء، في برد الموضوعية، في طقس التجاوز والنقد؛ نقد الصور السائدة من الفكر ~~والوجود. والقلم، شأنه شأن الآلة الموسيقية وشأن كل عتاد تقني، يتحول من خلال التدريب ~~والحذق إلى عضو جديد يضاف إلى أعضائه، يثري عالمه ويوسع نطاق وجوده. # حين اختار الإنسان أن يتخذ قلما كان يؤسس لموضوعية لم تعرفها الثقافات الشفاهية ، ~~وكان يحد من تدخل عالم الشئون اليومية وشحناتها الانفعالية في نشاط الفكر ~~المجرد والتأمل الرياضي والخيال العلمي. لا يتسنى للعلم أو الفكر أن ينمو على نحو ~~مطرد إلا مع توافر المصطلح الحيادي الصلب، و«القطيعة» مع اللغة الدارجة السائلة، ~~وتوافر حد أدنى من الانفصال عن مقتضيات الشفاهية، وعن المعاني الارتباطية للفظة ~~المحكية التي لا تدخل وحدها أبدا، بل تجر معها عالما بأسره، عالما قديما ~~لا يريد ms159 أن يزول. # الفصل الثاني عشر # | مشكلة التمييز بين العلم والعلم الزائف # حالما تعانق الفرقاء النظريون في ساحة التطبيق فثم (مفارقة) تنادي بمزيد من ~~العمل الفلسفي، وتهيب بنا أن ننظر في عقلنا الاستدلالي قدر ما ننظر في المشكلة. # ع. م. # مشكلة التمييز بين العلم والعلم الزائف هي جزء من مهمة أكبر هي مهمة تحديد أي الاعتقادات ~~هي المبررة إبستيميا. # 1 # وقد أدلى الكثير من الفلاسفة بدلوه فيها وبقيت المشكلة بلا حل نهائي حاسم؛ ~~فقد انعقد الاتفاق على بعض جزئيات التمييز أكثر مما انعقد على المعايير العامة التي ينبغي ~~أن تتأسس عليها مثل هذه الأحكام، الأمر الذي يشير إلى أننا لا نزال بحاجة إلى مزيد من ~~العمل الفلسفي في مسألة التمييز بين العلم والعلم الزائف. # وقد بين لودان (1983م) أنه لا أمل في العثور على معيار «ضروري» # necessary # و«كاف» # sufficient # 2 # لشيء غير متجانس مثل المنهج العلمي. # 3 # ومنذ ذلك الحين وهن العمل الفلسفي في مسألة التمييز فيما يبدو، ثم أعيدت ~~إثارة المشكلة فيما بعد، وذهب البعض ممن يدركون أهميتها إلى أن المفهوم يمكن إيضاحه ~~بوسائل أخرى غير التعريف بالشروط الضرورية والكافية، أو إلى أن مثل هذا التعريف هو في ~~الحقيقة ممكن وإن كان بحاجة إلى إكماله بمعايير خاصة بكل مبحث # discipline-specific criteria ~~. ~~(1) مفهوم العلم # رغم أن معظمنا لديه فكرة تقريبية عما يكونه العلم، بل وبوسعه أن يقدم لنا ~~توصيفا فيما يشبه القائمة: «أشياء مثل الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا بالإضافة - ~~ربما - إلى أشياء من قبيل علم النفس والاقتصاد والاجتماع.» رغم ذلك لا توجد طريقة ~~بسيطة لتعريف العلم؛ فمن المؤكد أنه لا توجد سمة واحدة ، ولا حتى مجموعة صغيرة من ~~السمات، تشترك فيها جميع العلوم. لقد حاول فلاسفة العلم منذ بداية القرن العشرين وحتى ~~نهاية الخمسينيات منه أن يستخلصوا مفهوما مجردا للعلم يضم كل العلوم، غير أنهم ~~اليوم يميلون إلى اعتبار مفهوم العلم «مفهوم تشابه عائلي» # family-resemblance concept # 4 # ينطبق بفضل عديد من مجالات التشابه المتداخلة جزئيا. # يحمل مفهوم العلم جانبا معياريا # normative ~~(المعرفة ms160 المنهجية المبررة إبستيميا)، وجانبا وصفيا # descriptive ~~(مفهوم العلم قد تكون عبر عملية تاريخية، وكثير من ~~«العوارض» # contingencies # تؤثر فيما نطلق عليه - ~~أو لا نطلق - كلمة «علم»). # كانت فلسفة العلم في السابق تنظر إلى العلم بوصفه مجموعة معارف علينا أن نبحث لها ~~عن تعريف (مجرد قدر الإمكان) في حدود من مفردات اللغة أو مادة الموضوعات التي ~~يتناولها. أما الآن فتركز المداخل المعاصرة على العلم بوصفه شيئا «يفعله» ~~(يعمله) البشر ممارسة بشرية، قد يبدو هذا تعريفا دائريا خالصا ما دام علينا أن ~~نمضي ونعرف العالم بأنه «شخص يفعل العلم»، غير أن الأمر خلاف ذلك؛ فليس هناك في ~~الحقيقة صعوبة تذكر في تبين العلماء وتمييزهم من بين عامة البشر، وبوسعنا ~~إذا تبيناهم أن نقوم بدراسات مفصلة حول ما يفعلونه. # وللعلم تاريخ طويل ومعقد، وينعقد الاتفاق اليوم على أننا لا يمكن أن نفهم طبيعة ~~العلم المعاصر دون دراسة تاريخه، مما يتضمن عمليا دراسة تاريخ علوم جزئية ~~كثيرة، فالورقة الرابحة لفهم العلم المعاصر هي أن ننظر في نموه التاريخي، وبالمثل ~~فهم العلاقة بين علمين من العلوم، فخير مدخل لذلك هو النظر في صلاتهما ~~التاريخية. ومن المهم على كل حال أن نضع في اعتبارنا أن الفلاسفة عندما يتحدثون عن فهم ~~علم من العلوم، فإنما يتحدثون عما يفهمه شخص غير متخصص وغير مساهم فيه، مما يتضمن ~~النظر في مكان ذلك العلم في المجال الكلي للأنشطة الفكرية البشرية، أي إنهم لا يتحدثون ~~عن ذلك النوع من الفهم الكائن لدى المساهم في العلم والداخل في حلقته، فذلك شيء ~~مقصور على العلماء ذاتهم. # وإذا كانت كلمة # science # الإنجليزية تشير إلى العلوم ~~الطبيعية وما نحا نحوها (ومن ثم لا تشمل الدراسات الأدبية والتاريخية) فإن كلمة # Wissenschaft # الألمانية تشمل كل ذلك وكل ما هو ~~معرفة منهجية؛ ولذا فإن هذا المفهوم للعلم هو أنسب في مقامنا هذا؛ فالحق أن ~~الإنسانيات والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية جميعها أطراف لنفس المسعى ~~البشري: أي الفحص المنهجي والنقدي الذي يهدف إلى اكتساب أفضل فهم ممكن لتشغيلات ~~الطبيعة والبشر ms161 والمجتمع الإنساني، ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين تنامت المباحث ~~التكاملية (مثل البيولوجيا التطورية، الفيزياء الفلكية، العلوم العصبية ونظرية اللعب، ~~كيمياء الكوانتم، الإيكولوجيا (علم البيئة)، الكيمياء الحيوية ... إلخ) بسرعة مشهودة، ~~وأسهمت في ربط أفرع كانت من قبل غير مرتبطة، وقد أدى هذا إلى تقارب العلوم الطبيعية ~~والإنسانيات وارتباطها، يتبدى ذلك على سبيل المثال حين ننظر كيف تعتمد المعرفة ~~التاريخية اليوم بشكل متزايد على التحليل العلمي المتقدم للكشوف الأركيولوجية ~~(الأثرية). # إن المفهوم الأعرض للعلم هو الأفضل لنا حين نكون بصدد مشكلة التمييز؛ إذ إن هذه ~~المشكلة معنية بما هو أعمق من مجرد تحديد ما أسميناه - لأسباب متعددة - علما؛ ~~فنحن بعد كل شيء نريد أن نحدد أي الاعتقادات هي المسوغة إبستيميا. ~~(2) على أي شيء يقع التمييز؟ # أي جانب أو عنصر في العلم ينبغي أن تطبق عليه معايير التمييز؟ # تعددت الآراء في ذلك؛ فهناك من ذهب إلى أن التمييز يجب أن يشير إلى برنامج ~~البحث (لاكاتوش)، وهناك من قال: إنه يطبق على «الحقل الإبستيمي» أو المبحث ~~المعرفي، أي مجموعة أشخاص لديهم أهداف معرفية مشتركة وممارسات هذه المجموعة، وهناك ~~من قال إنه يسري على النظرية الفردة (بوبر)، أو على الممارسة (لوج، موريس)، أو على ~~مشكلة علمية (سيتونن)، أو على بحث معين (كون). وربما يكون من الإنصاف أن نقول: إن ~~معايير التمييز يمكن تطبيقها على كل مستوى من هذه المستويات الوصفية. أما السؤال الأصعب ~~حقا فهو: أي من هذه المستويات هو المستوى الأساسي الذي يمكن أن ترد إليه ~~التقييمات الواقعة على المستويات الأخرى؟ # وقد شذ ديركسن (1993م) عن أغلب الكاتبين في هذا الموضوع، فجعل التوكيد في عملية ~~التمييز على الشخص نفسه الذي يمارس العلم الزائف ، على أساس أن العلم الزائف لديه ~~ادعاءات علمية، ومثل هذه الادعاءات ترتبط بشخص وليس بنظرية أو ممارسة أو حقل بأسره، # 5 # غير أن هذا الرأي قد يجانبه الصواب؛ لأن العبرة بعلمية المؤسسة لا الشخص؛ ~~إن العقلانية والموقف النقدي المبيت في المؤسسات - لا السمات الفكرية الشخصية ~~للأفراد - هي ما يميز العلم ms162 عن الممارسات غير العلمية كالسحر؛ فالشخص الممارس للسحر في ~~مجتمع بدائي ليس بالضرورة أقل عقلانية من العالم الفرد في المجتمع الغربي الحديث. إن ~~ما ينقصه هو بيئة فكرية حاضنة من العقلانية الجمعية والنقد المتبادل، وإن التركيز ~~على العالم الفرد من حيث امتلاكه عقلا نقديا، يكاد يكون من قبيل مغالطة التقسيم # fallacy of division ~~. # 6 # وقد نزعت جميع العلوم إلى أن تكون «مؤسسة»، فرجل العلم رغم كل شيء ليس مفكرا ~~منعزلا، بل هو مشارك في قسم علمي بجامعة أو كلية، أو في مركز أبحاث، وله زملاء في ~~التخصص يتبادل معهم المعلومات بشكل رسمي وغير رسمي، ويشترك معهم في التجريب والبحث، ~~ولكل فرع علمي أيضا ما يسمى «الكلية المحجوبة» أو «المجمع المحجوب»، وهو مجموع ~~العلماء - أينما كان موقعهم - الذين يعتبرون أنفسهم مضطلعين بنفس النوع من العلم، ~~يبقى أعضاء هذا المجمع غير المنظور على صلة من خلال الهاتف والرسائل وتبادل النسخ ~~التمهيدية لمقالاتهم، والمشاركة في نفس الدوريات العلمية وقراءتها. # والأوراق العلمية # scientific papers # هي الناتج ~~الأخير الأعم للنشاط العلمي مهما تكن نواتجه الأخرى، فبالإضافة إلى التداول غير الرسمي ~~السابق على النشر، ترسل هذه المقالات إلى الدوريات المناسبة الخاصة، لكي تمر بعملية ~~تقييم تسمى «مراجعة النظراء» # peer review ~~، ثم يتم ~~نشر ما تحكم الدورية بقيمته، وتتحدد أهمية المقال بمدى تواتره بعد ذلك في أعمال زملاء ~~التخصص مستشهدين به وراجعين إليه. # يعتمد الحكم بما يعد ذا قيمة علمية على الموافقة أو الإجماع، غير أن العلماء لا ~~يصلون إلى هذا الإجماع إلا بتقديم حجج مقنعة لدعم وجهات نظرهم. وعلينا أن نسلم بأن ~~في كل حقل علمي هناك دائما قلة من الشخصيات البارزة القوية تقوم بدور حارس البوابة ~~وتتحكم في منافذ الدوريات والوظائف والاعتمادات المالية الخاصة بالبحث العلمي. # من الحق أن رجال العلم يميلون - كقاعدة عامة - إلى إعلاء شأن البارزين منهم وأخذهم ~~بكثير من الجد والاهتمام، وأن العلم ليس أكثر من غيره من الأنشطة البشرية حصانة ضد ~~«سماسرة النفوذ» الذين يتلذذون ببسط سلطانهم. ومع ذلك فحين ننظر ms163 في الطريقة التي تقوم ~~عليها المؤسسة العلمية، ندرك أنه ما من فرد أو جماعة بمكنتها أن تعزز أو ترعى نتاج ~~علم رديء حتى لو شاء هذا الفرد أو هذه الجماعة ذلك (حقا لقد استخدمت الحكومات ~~الشمولية نفوذها أحيانا لتغيير المسار الطبيعي لعملية البحث العلمي أو التدخل فيها ~~إن لزم الأمر، ولكن هذا لا يجب أن يبعث الشك في العلم وهو قائم في مؤسساته المعتادة). ~~إن الأثر العلمي لا بد أن ينشر؛ وبالتالي لا بد أن يعرض للفحص والتمحيص من قبل ~~أفراد يهمهم ويعزز وظيفتهم أن يكشفوا أي أخطاء فيه أو أوجه قصور. هكذا تكون ~~الأشكال المؤسساتية للعلم هي التي تضمن أمانة ممارسيه، وهي تحقق ذلك بأن تعتمد على ~~التنافس البشري المعتاد، وألا تسمح لأي دافع آخر بأن يعلو عليه (بل لا يدفعنا كل هذا ~~أن ننكر أن كثيرا من العلماء ليس لهم من دوافع غير الاستطلاع المنزه عن الغرض والتكريس ~~المخلص لحل المشكلات من أجل حل المشكلات). ~~(3) معايير التمييز ~~(3-1) معيار قابلية التحقيق # verifiability # وهو المعيار الذي ارتكزت عليه الوضعية المنطقية (حلقة فينا)، وينص على أن العبارة ~~العلمية تتميز عن العبارة الميتافيزيقية بأنها قابلة للتحقق التجريبي على الأقل من ~~حيث المبدأ، فمعنى العبارة - عند الوضعيين المناطقة - هو طريقة تحقيقها؛ ومن ثم ~~فليس هناك معنى لأي عبارة إلا إذا كان بإمكان المرء من حيث المبدأ أن يتحقق منها ~~(تحققا تجريبيا حسيا بطبيعة الحال) أو يؤيدها بشهادة الخبرة والحواس. وكثيرا ~~ما كان يسحب هذا الرأي على التمييز أيضا بين العلم والعلم الزائف، غير أن هذا ~~الحديث غير دقيق من الوجهة التاريخية، فالحق أن معيار التحقيق في الوضعية المنطقية ~~كان يهدف إلى حل مشكلة مختلفة تماما، هي مشكلة التمييز بين العلم ~~والميتافيزيقا. ~~(3-2) كارل بوبر : معيار قابلية ~~التكذيب # falsifiability # لم يرق مبدأ التحقيق لكارل بوبر، فقام بتفنيده تفنيدا منطقيا مفصلا، ~~واستبدل به مبدأ جديدا، هو مبدأ «قابلية التكذيب»، ومفاده - ببساطة - أن من صفة ~~العبارة العلمية الأصيلة أن تشير إلى أمثلة لما تكون عليه ms164 حال الأشياء لو أنها ~~كانت كاذبة، أي تخبرنا بشيء محدد يكذب النظرية إذا ما لاحظناه. # النظرية العلمية الأصيلة لديها القدرة على تقديم تنبؤات يمكن من حيث المبدأ # in principle # أن يتبين كذبها. أما التحقيق ~~فإنه لا يثبت شيئا، فإن بوسع أي نظرية أن تجد لها ما شاءت من الأمثلة التي تتسق ~~معها وتحققها، ومهما استقرأ العالم من أمثلة مؤيدة لنظريته سيظل ممكنا أبدا ~~أن يأتي المثال القادم في رتل الملاحظة مكذبا. # وتزعم مثل هذه النظريات أنها مشيدة أصلا على أساس من التفكير الاستقرائي، أي ~~استقراء كل الحالات المعروفة واستخلاص تعميم يشملها جميعا، وماذا يكون التحقيق هنا ~~سوى مجرد الإتيان بمزيد من نفس الصنف من الحالات؟! إن هذا من الوجهة المنطقية هو ~~عقم لم يأت بجديد، أما المنهج المجدي عند بوبر فهو أن نفكر استنباطيا # deductively # ونفتش بهمة عن حالات مفندة ~~للنظرية؛ لأن العثور على مثال مضاد واحد سيكون كافيا للإجهاز عليها، أما إذا صمدت ~~النظرية للتفنيد فإنها ستعد قوية وأهلا لاستمرار الدعم. # ويوجز بوبر تعريف النظرية التجريبية الأصيلة في كتابه «منطق الكشف العلمي» بقوله: # يقال للنظرية: إنها «إمبيريقية» أو قابلة للتكذيب إذا قسمت فئة كل ~~القضايا الأساسية الممكنة بغير غموض إلى الفئتين الفرعيتين غير الفارغتين ~~الآتيتين: # الأولى: # فئة كل القضايا الأساسية التي لا تتسق معها (أي التي ~~تمنعها النظرية من الحدوث)، ونحن نطلق عليها فئة ~~«المكذبات ~~بالقوة» # potential falsifiers ~~. # الثانية: # فئة كل القضايا الأساسية التي لا تناقضها (أو التي تسمح ~~بها)، ويمكننا أن نضع هذه بصورة أكثر إيجازا بالقول: تكون ~~النظرية قابلة للتكذيب إذا كانت فئة مكذباتها بالقوة ~~غير فارغة. ~~(بوبر: منطق الكشف العلمي، الفحص المنطقي لقابلية ~~التكذيب) # وقد كشف بوبر النقاب عن مشكلة أخرى بشأن النظرة الوضعية المنطقية، وهي أن بإمكان ~~النظرية أن تقدم تنبؤات شديدة الحذر والتحوط (وهو ما يمكن أن تفعله أيضا ~~العديد من النظريات الأخرى حول نفس الموضوع) والتي لا يكون تحقيقها مستغربا أو ~~مثيرا، ولا تسهم بشيء في تقدم العلم، أما التنبؤات التي تسهم حقا ms165 في تقدم العلم ~~فهي التنبؤات الجديدة المخاطرة غير المتوقعة والتي يسميها بوبر «الحدوس الافتراضية الجريئة» # bold conjectures ~~. # ذلك أن كل نظرية علمية أصيلة هي نوع من «المنع» أو «الحظر»: إنها تمنع أشياء ~~معينة من أن تحدث، وكلما زاد ما تمنعه النظرية زاد نصيبها من الأصالة العلمية، أما ~~النظرية التي تسمح بكل شيء و«تمرر» كل شيء وتفسر كل شيء فهي لا تقول شيئا، ولن ~~تكون نهايتها المنطقية سوى أن تلحق بتحصيلات الحاصل. # وكذلك الشأن بالنسبة لدرجة «احتمالية» ~~الفرضية باصطلاح بوبر: يذهب بوبر - وهو ما يبدو مفارقة للنظرة الأولى - إلى أن ~~النظرية الأكثر احتمالا هي الأقل في المحتوى المعلوماتي، والعكس بالعكس؛ ومن هنا ~~كانت الفرضيات غير المحتملة هي الأفضل من الوجهة العلمية والأكثر إثارة لاهتمام ~~العلماء الحقيقيين، فمثل هذه الفرضيات الجريئة البعيدة الاحتمال تملك قوة تنبؤية ~~عالية، وهي بالتالي أكثر قابلية للدحض، وبالطبع يشغف العلماء بالفرضيات البعيدة ~~الاحتمال القريبة رغم ذلك من الحقيقة، أي التي صمدت لأعتى اختبارات التكذيب، مثل ~~نظرية أينشتين عن «التواء المكان» بفعل الكتل الكبيرة. # توجز باتريشيا تشرشلند فكرة التكذيب عند بوبر بصياغة محكمة إذ تقول: «كان بوبر ~~مناوئا لفكرة أن المعرفة العلمية تتراكم عن طريق تأييد الفرضيات أو تحقيقها. وفي ~~تصور شديد الاختلاف والجدة لدينامية العلم ذهب بوبر إلى أن الفرضيات لا تكون ~~جديرة بالقبول ما لم تكن قابلة للتكذيب. كانت فكرته مدمرة وبسيطة: من السهل أن ~~تجد أمثلة مؤيدة للفرضيات سهولة تجعل من المستبعد أن يكون هذا هو طريق العلم ~~الصحيح، تأمل مثلا فرضية بسيطة مثل: «جميع النباتات تتكاثر جنسيا.» فإذا كان كل ~~ما يلزمني هو الشواهد المؤيدة لذلك، فإن بميسوري أن أهرع إلى الحديقة وأكتشف ~~أن جميع الزنابق الستمائة وأربع وستين تتكاثر جنسيا، وجميع البنفسجات التسعمائة ~~وثلاث وخمسين تتكاثر جنسيا، وهلم جرا، وسرعان ما يجتمع لدي عدد هائل من ~~الأمثلة الموجبة. ومع ذلك فلو اطلع أي عالم نبات على عملي فلن يأبه له؛ لأنني ~~لم أحاول أن أجد مثالا مفندا، لم أنظر إلى حالات يمكن أن ms166 تكون أمثلة مضادة # counter-examples ~~، فقبل تبني أي فرضية ينبغي ~~على أن أفحص كثيرا من الأنواع المختلفة من النباتات المزهرة، وأن أفحص الأعشاب ~~والسراخس، وبعامة يجب على أن أحاول جهد ما أستطيع أن أكذب فرضيتي. # تأمل فرضية أخرى، وهي الفرضية القائلة بأن «منطقة بروكا» هي التي تتحكم في ~~إنتاج الكلام، فلكي يبرهن المرء على هذه الفرضية فلن يكفيه أن يعثر على ارتباط ~~موجب بين حالات تلف منطقة بروكا وبين فقدان الكلام، فلا بد للمرء أن يكشف ما إذا ~~كان هناك مرضى بتلف في منطقة بروكا بدون فقدان للنطق، وأن يكشف ما إذا كانت هناك ~~حالات فقدان نطق مع تلف في مناطق أخرى، عندئذ سيكون الفشل في التكذيب ذا دلالة، ~~بعكس تجميع الحالات المؤيدة. تفيد دعوى بوبر أن العالم إذا قبل الفرضيات عن ~~طريق إيجاد أمثلة مؤيدة فسوف ينتهي به المطاف إلى قبول ما لا يحصى من الفرضيات ~~الكاذبة والسير فيما لا يحصى من الطرق المسدودة. أما إذا ظفر بفرضية صمدت ~~لمحاولات عنيفة لتكذيبها، فعندئذ يمكنه قبول هذه الفرضية، لا باعتبارها صادقة، ولا ~~باعتبارها مؤيدة، بل باعتبارها أفضل فرضية متاحة حتى الآن. لقد أتى بوبر بتصور ~~للتبرير مختلف عمن قبله، وخلص من ثم إلى آراء مختلفة تماما حول ديناميات العلم ~~وبنيته وديناميات المعرفة وبنيتها على وجه العموم. # وفضلا عن ذلك رفض بوبر الافتراض القائل بأن على العلم أن يحاول صياغة فروض ~~شارحة عالية الاحتمال، وقال - على العكس - بأن الفروض لا تكون مثيرة للاهتمام ما ~~لم تكن جريئة، أي غير محتملة، أي الأرجح لها أن تكذب؛ ذلك أنها إذا صمدت عندئذ ~~للتكذيب باختبار عنيف يكون ذلك نصرا وتكون هذه الفرضية ذات دلالة كبيرة. إن الفروض ~~الآمنة (أي المحتملة) رخيصة لا تساوي شيئا (العشرة بقرش) وآمن الفروض هي ~~الحقائق المنطقية. وإذا كان مرام العلم الأول هو مجموعة من الحقائق اليقينية ~~فإن عليه بغزل المبرهنات المنطقية لا يبرحها، غير أن عيب هذا الأمان هو أنه لا ~~يوصلنا لشيء. لقد كانت فرضية أينشتين بأن هندسة المكان ms167 «تنحني» بفعل الكتل الكبيرة ~~فرضية بعيدة الاحتمال جدا باعتبار النظرية السائدة في ذلك الوقت، فإذا أصاب ~~أينشتين لوجب أن يرى نجم معين أثناء كسوف الشمس في موضع معين، وإذا أخطأ لوجب ~~أن يرى في موضع آخر، فلما صمدت الفرضية لاختبار التكذيب (مشاهدات إدنجتون) كان ~~هذا أمرا بالغ الدلالة.» # 7 # في كتابه «الحدوس الافتراضية والتفنيدات» يروي بوبر رحلة عقله مع الأفكار ~~العلمية، يقول بوبر: «في صيف عام 1919م بدأ يداخلني شعور بعدم الارتياح لهذه ~~النظريات، وبدأ يخامرني شك حول ادعاءاتها للمنزلة العلمية. ربما أخذت مشكلتي في ~~البداية شكلا بسيطا: «ما خطب هذه النظريات؟ ولماذا تبدو مختلفة عن النظريات ~~الفيزيائية، عن نظرية نيوتن، وبصفة خاصة عن نظرية النسبية؟» ولكي تتضح هذه المقارنة ~~لا بد أن أفضي بأن أغلبنا في ذلك الوقت ما كان يمكن أن يقول: إنه يعتقد في «صدق» ~~نظرية أينشتين في الجاذبية. من هذا يتبين أن ما كان يؤرقني ليس هو الشك في «صدق» ~~تلك النظريات، بل هو شيء آخر، ولا كان ما يؤرقني هو مجرد الشعور بأن الفيزياء ~~الرياضية أكثر دقة من الصنف الاجتماعي أو النفسي من النظريات. لم يكن همي إذن هو ~~مشكلة الصدق (في هذه المرحلة على الأقل)، ولا مشكلة الدقة والقابلية للقياس، بل هو ~~بالأحرى شعوري بأن هذه النظريات، وإن اتشحت بوشاح العلم، تشبه الأساطير البدائية ~~أكثر مما تشبه العلم، تشبه التنجيم أكثر مما تشبه علم الفلك. # وقد اكتشفت أن أولئك المعجبين بماركس وفرويد وأدلر من أصدقائي كانوا مأخوذين ~~بعدد من الخصال المشتركة بين هذه النظريات، ولاسيما ما تتمتع به من قوة تفسيرية ~~واضحة. لقد بدت هذه النظريات قادرة فعلا على تفسير كل شيء يحدث ضمن نطاقها ~~الخاص، وبدا أن دراسة أي واحدة منها تقع منك موقع التحول الفكري الحاسم أو موقع ~~الوحي، فاتحة عينيك على حقيقة جديدة محجوبة عن أولئك الذين لم يهتدوا بعد. وما ~~إن تنفتح عيناك هكذا حتى يتسنى لك أن ترى شواهد مؤيدة لها حيثما نظرت. كان ~~العالم يعج ب «تحقيقات» # verifications ms168 # للنظرية، ~~وما من شيء يحدث إلا هو تأييد لها. بذلك بدا صدقها أمرا ظاهرا وبدا أي منكر ~~لها مكابرا مبينا لا يريد أن يرى الحقيقة الواضحة: إما لأنها مضادة لمصالحه ~~الطبقية، وإما بسبب ما يضمره من ألوان «الكبت» التي لم تحلل بعد والتي تصرخ ~~طلبا للعلاج.» # هكذا بدأت الشرارة الأولى في ثورة بوبر المنطقية على العلم الزائف. لقد استوقفه ~~التباين الشديد بين الماركسية والفرويدية من جهة، ونظرية أينشتين من جهة أخرى. كان ~~الماركسيون والفرويديون يرون أينما نظروا تأييدات لنظرياتهم، «بينما جهد أينشتين ~~غاية الجهد لكي يصوغ تنبؤا بالغ الدقة والتحديد وقابلا للملاحظة ومن شأنه إذا ~~كذبته الملاحظة أن يدحض النظرية ويأتي عليها.» لم يكن الفارق الذي استرعى انتباه ~~بوبر في هذا الأمر فارقا سيكولوجيا يتعلق بالنزاهة العلمية في مقابل العناد ~~والمكابرة وعدم الرغبة في الاعتراف بوجود حالات لا تؤيد النظرية، وإنما الفارق ~~منطقي محض يتعلق بطبيعة البنية المنطقية للنظرية الماركسية والفرويدية ذاتها ~~والتي تجعلها «محصنة» من التكذيب. يقول بوبر في «منطق الكشف العلمي»: «إن النسق ~~الذي ينتمي إلى العلم التجريبي ينبغي أن يكون في إمكان التجربة أن تكذبه، وهكذا ~~فعبارة «قد تمطر السماء هنا غدا أو لا تمطر» لن تعتبر عبارة تجريبية؛ لسبب بسيط ~~وهو أنها لا يمكن تفنيدها، على العكس من عبارة «ستمطر السماء هنا غدا» التي ستؤخذ ~~على أنها عبارة تجريبية. أما العلم الزائف فهو يرفض من حيث المبدأ السماح بإجراء ~~عملية التكذيب على قضاياه؛ فقضايا التحليل النفسي مثلا لا تعدو أن تفسر الأوضاع ~~الممكنة للأشياء دون أن تشير إلى حالة الأشياء الملاحظة، ومن ثم لا يمكن تكذيبها ~~بالملاحظة. إن النسق النظري للتحليل النفسي كله نسق لا وصفي، فهو يتساوق مع كل ~~ملاحظة ممكنة، ويلائم الشيء ونقيضه، ولا يقدم لنا ما عسى أن تكون عليه الأشياء ~~الملاحظة لو أن قضاياه كانت كاذبة. إن الفارق يجب أن يحدث فارقا، ولو كانت ~~قضايا التحليل النفسي تقول شيئا محددا عن عالم الواقع لتسنى لها أن تحدد مشاهدات ~~ممكنة كانت حرية أن ms169 تقع لو أنها كانت كاذبة، أي أن تحدد لنا أي فارق كان يحيق ~~بعالم الشهادة لو أن ما تنبئنا به النظرية كان مجانبا للحق وكانت الأمور ~~تسير في حقيقة الأمر على وتيرة أخرى.» # لم يكن مصدر النظرية مما يعني بوبر من قريب أو بعيد، فلتأت النظرية من حيث ~~تأتي، المهم أن تكون علما، أي قولا يحمل نبأ عن العالم المحدد الذي وجدنا فيه، ~~ويحمل في تضاعيفه تنبؤات محددة قابلة للاختبار أي الدحض. وليس التحليل النفسي من ~~ذلك في شيء. «إنه نظرية لا تؤدي إلى أي توقعات أو تنبؤات محددة، ولو صح ذلك لكانت ~~لها «مكذبات بالقوة» # potential falsifiers ~~(كل ~~ما هو خارج التنبؤ)، ولكن أين هي هذه المكذبات؟ أين المشاهدات المحددة التي ~~«تمنعها» النظرية من الحدوث. إنها تسمح بكل شيء وتمرر كل شيء، ثم ترخي ~~عليه تصوراتها الفضفاضة الغامضة التي تشمل كل شيء وتفسر كل شيء وتقبل الشيء ~~ونقيضه.» # توماس كون # هذه الطبيعة المعيارية لنظرية بوبر في التكذيب لم تقابل بارتياح من جانب ~~الكثير من الفلاسفة؛ ذلك أن رفض نظرية علمية ما بناء على تنبؤ كاذب، هذا ~~الرفض من شأنه أن يؤدي إلى استبعاد أغلب النظريات العلمية الأصيلة، ففي الأيام ~~الأولى لنشأة أي نظرية علمية قد تكون هناك كثير من التجارب التي تناقض النظرية، ~~غير أن النظرية قد تطور لتفسر هذه الدحوضات المبكرة بطريقة علمية. # وفي مقاله «منطق الكشف أو سيكولوجية البحث» يذهب توماس كون إلى أن بوبر قد ~~ركز أكثر من اللازم على البنية المثالية للكشف العلمي، وأغفل الواقع التاريخي ~~للكشف العلمي؛ فقلما يرفض العلماء نظرية ما من أجل مثال كاذب وحيد؛ وعليه ~~فإن مبدأ التكذيب لا يصف ما يعمله العلماء في واقع الحال. # 8 # وعلى فلسفة العلم أن تعنى بالبنية الفعلية للبحث العلمي والبنية ~~الفعلية للمجتمع العلمي. # وتوماس كون # Thomas Kuhn # هو واحد من فلاسفة ~~كثيرين كان رأي بوبر في مشكلة التمييز هو منطلقهم لتطوير آرائهم الخاصة. ذهب ~~كون إلى أن توصيف بوبر للعلم لا ينطبق إلا على ms170 أجزائه الثورية العرضية، وأن ~~تركيزه على تكذيب النظريات أدى إلى التركيز على حالات نادرة تكون فيها نظرية ~~بأسرها محل نظر، وموقف العلم في مثل هذه الحالات لا يمكن أن يستخدم لكي يعبر ~~عن خصائص المشروع العلمي كله. # يقسم كون العلم إلى شكلين متمايزين: العلم القياسي (العادي) # normal science # والعلم الثوري (غير العادي) # revolutionary science ~~. ويرى كون أن العلم ~~القياسي (العلم الذي يجري فيما بين اللحظات الاستثنائية للثورات العلمية) هو ما ~~ينبغي أن نلتمس فيه الخصائص التي تميز العلم عن بقية المشروعات. في العلم ~~القياسي يتمثل النشاط العلمي في حل الألغاز لا في امتحان النظريات الأساسية، ~~وفي عملية حل لغز يتم التسليم بالنظرية الراهنة، ويتم في الحقيقة تعريف اللغز ~~في حدودها. يرى كون أنه إنما في العلم القياسي (الذي لا يجري فيه صنف الاختبار ~~الذي اقترحه بوبر)، وليس في العلم الاستثنائي، يتميز العلم عن بقية المشروعات؛ ~~ومن ثم فإن معيار التمييز يجب أن يشير إلى آليات العلم القياسي، ومعيار التمييز ~~الخاص يكون هو القدرة على حل الألغاز الذي يراه خصيصة جوهرية للعلم. # في أزمنة العلم العادي يسلم العلماء تسليما بالنظريات التي تعمل بها ~~تجاربهم. في هذه الفترات فإن العلماء الأفراد لا يقومون بتفحص صواب القوانين ~~المسلم بها (الفيزيائيون مثلا لا يحاولون تكذيب قوانين الديناميكا الحرارية) ~~وإنما ينصرفون إلى الألغاز التي يطرحها النموذج الإرشادي (البرادايم) العلمي ~~الراهن، أي إنهم يركزون على استخدام النظريات المقبولة والمتاحة كوسيلة لحل ~~الألغاز، وليس على الشك في تلك النظريات وامتحانها، كما أن فشل النظرية في ~~تقديم تفسير لحل لغز ما لا يعد فشلا للنظرية بل للعالم. # أما عملية إعادة تقييم النظريات ورفض النماذج الإرشادية فهي لا تحدث إلا في ~~مراحل الثورات العلمية، عندما تفشل محاولات عديدة لتفسير لغز ما في ظل ~~البرادايم الراهن، وكون يطلق على مثل هذه الألغاز «الشذوذات» # anomalies ~~. # هكذا يتجلى الفرق بين معيار بوبر ومعيار كون في تمييز العلم الزائف: فبينما ~~يرى بوبر أن التمييز يرتكز على واقعة أن أنصار العلم الزائف يلتفتون إلى ms171 ~~التأييدات # confirmations # ويجتنبون ~~التكذيبات # falsifications # الممكنة، فإن ~~كون يذهب إلى أن التمييز يرتكز على خاصية حل المشكلات التي تميز العلم. إن صفة ~~العلم الزائف عند كون أنه يفتقر إلى النظريات الأساسية والمعايير والتقنيات ~~المرعية وتعاليم حل المشكلات التي تميز العلم القياسي، وبين هذه الخصائص يعد ~~تعاليم حل المشكلات أهمها جميعا في التمييز. # وأوضح مثال تمييزي يقدمه كون هو مقارنته بين علم الفلك والتنجيم: فالفلك منذ ~~القدم كان نشاط حل ألغاز، وكان من ثم علما، فإذا ما فشل فلكي في تنبؤ كان ~~هذا يعد لغزا بوسعه أن يحله بمزيد من القياسات - مثلا - أو بإجراء ~~تعديلات في النظرية. أما المنجم فليس لديه مثل هذه الألغاز؛ إذ إن أي فشل ~~معين - في مجال التنجيم - لا يفضي إلى بحث ألغاز؛ إذ لا يمكن لأي إنسان - ~~مهما بلغت مهارته - أن يستخدم هذا الفشل في محاولة بناءة لمراجعة تعاليم ~~التنجيم؛ لذا فإن التنجيم - وفقا لتوماس كون - لم يكن قط علما. # لم يقتنع بوبر بمعيار التمييز الذي قدمه كون، فالمنجمون في رأيه ينخرطون في ~~حل ألغاز، وبالتالي فإن معيار كون يلزمه باعتبار التنجيم علما، (الحق أن ~~بوبر يعرف الألغاز - بخلاف كون - على أنها مشكلات صغرى لا تؤثر في وتيرة ~~البحث)، ومن هنا فإن بوبر يرى أن معيار كون يؤدي إلى الكارثة الكبرى: كارثة ~~استبدال معيار سوسيولوجي بالمعيار العقلاني للعلم. # 9 # وقد استهدفت وجهة رأي توماس كون للنقد الشديد من جانب فلاسفة العلم (وإن ~~كانت - ربما - الرأي الأكثر قبولا بين العلماء اليوم)؛ فهي ترتكز على مجتمع من ~~العلماء قد يكون عرضة لقيم وتوقعات اجتماعية، والكثيرون يرون ذلك أمرا ~~مفرطا في الذاتية. على أن هذا مردود عليه بأن عضوية هذا المجتمع لا تتم ~~كيفما اتفق بل تتطلب تعليما طويلا وممارسة مكثفة، كما ذهب آخرون إلى أن ~~تعريف كون للعلم يكاد يكون «هو ذلك الذي يفعله العلماء»، وهو عندهم تعريف دائري ~~غير مريح (انظر ردنا على ذلك فيما سبق). # إمري لاكاتوش # قلنا: إن معيار التمييز عند بوبر معني بالبنية المنطقية ms172 للنظريات، وقد ~~وصف إمري لاكاتوش # Imre Lakatos # هذا المعيار ~~بأنه معيار مربك: فالنظرية قد تكون علمية وإن لم يكن هناك أدنى دليل في ~~صالحها، وقد تكون غير علمية وإن أطبقت جميع الأدلة على صوابها؛ أي إن ~~الخاصية العلمية أو غير العلمية للنظرية قد تتحدد بمعزل عن الوقائع. # 10 # وعليه قدم لاكاتوش تعديلا على معيار بوبر أطلق عليه «مذهب التكذيب ~~المطور (الميثودولوجي)» # sophisticated (methodological) falsificationism ~~. وفقا لهذا الرأي فإن معيار ~~التمييز ينبغي ألا يطبق على فرضية أو نظرية معزولة، بل على برنامج بحث ~~بأكمله، والذي يشمل سلسلة من النظريات تحل إحداها محل الأخرى تباعا، ويوصف ~~برنامج البحث بأنه متقدم إذا كانت النظريات الجديدة تحدث تنبؤات مدهشة تم ~~تأييدها، بينما يوصف بأنه متدهور إذا كانت النظريات فيه تلفق من أجل ~~استيعاب الوقائع المعلومة لا أكثر. ولا يكون التقدم في العلم ممكنا إلا إذا ~~كان البرنامج البحثي يفي بالحد الأدنى من المتطلبات، وهو أن تكون كل نظرية ~~جديدة تنشأ فيه لديها محتوى إمبيريقي أكبر من سابقتها، فإذا لم يف البرنامج ~~بهذا المتطلب فهو إذن علم زائف. # يتألف برنامج البحث وفقا لإمري لاكاتوش من: نواة صلبة وحزام واق ومساعد ~~كشف (مختصر ذهني). ~~(1) # أما النواة الصلبة # hard core # فهي القوانين الأساسية جدا للبرنامج البحثي، مثل: # في فلك كوبرنيقوس: دوران الأرض حول الشمس الثابتة، ~~دوران الأرض حول محورها مرة في اليوم. # في الفيزياء النيوتونية: قوانين الحركة، قانون ~~الجاذبية. # في المادية التاريخية عند ماركس: فرضية أن التغير ~~الاجتماعي يفسره صراع الطبقات، والطبقات تتحدد طبيعتها ~~وصراعها بالبناء التحتى (الاقتصادي). ~~(2) # وأما الحزام ~~الواقي # protective belt # فيتكون من فرضيات مساعدة # auxiliary hypotheses # تساعد على تدعيم قوانين النواة الصلبة. هذه الفرضيات المساعدة هي ~~التي يقع عليها العبء وتحمل التبعة عند تعارض برنامج البحث ~~مع معطيات الملاحظة، فهي تمتص محاولات تكذيب النواة الصلبة، وهي ~~لذلك عرضة للتغيير أو التعديل لكي تستوعب الشذوذات وتفدي ~~النواة الصلبة. ~~(3) # وأما مساعد الكشف # heuristic ~~- ~~بإيجاز شديد - فيعمل كمرشد يساعد العلماء في تحديد التجارب ~~الممكنة وفحص الشذوذات ، وتطوير ms173 دعم إضافي لكل من الحزام الواقي ~~والنواة الصلبة. # وبينما يتفق لاكاتوش مع بوبر في رفض مذهب التحقق فإنه يخالفه في معيار قابلية ~~التكذيب. ذهب لاكاتوش إلى أن ما يميز العلم هو أنه قادر على إنتاج تنبؤات ~~مثيرة وغير متوقعة ومذهلة، وأنه يظل متقدما داخل برنامجه، هذا معيار مثير ~~غير أنه لا يميز العلم عن العلم الزائف؛ فالحق أن البرنامج العلمي الزائف قد ~~يتنبأ بملاحظات مستقبلية على نحو دقيق، وذلك بطريق الصدفة (رمية من غير رام). # 11 # وترتكز نظرية التمييز عند بوبر ارتكازا أساسيا على وجود أشياء من قبيل ~~«الاختبارات الحاسمة» # critical tests # التي ~~إما أن تكذب النظرية تكذيبا حاسما، وإما أن تمنحها درجة عالية من ~~التعزيز. وبوبر نفسه مغرم بذكر مثال معين على هذه الاختبارات الحاسمة: وهو ~~الحل الذي جاء به آدمز ~~وليفرير # Adams and Leverrier # للمشكلة التي فرضها المسار الفلكي الشاذ لكوكب ~~أورانوس على فلكيي القرن التاسع عشر؛ فقد توصل هذان العالمان - كل على حدة - ~~إلى تفسير هذا الانحراف الفلكي لمسار أورانوس بحتمية وجود كوكب سابع غير ~~مكتشف، وقد تمكنا من حساب الموقع الدقيق لهذا الكوكب الجديد. وهكذا عندما ~~تمكن جول # Galle # في مرصد برلين من اكتشاف هذا ~~الكوكب فيما بعد (كوكب نبتون) وتبين أنه موجود في الموضع الذي حدده آدمز ~~ولفرير بالضبط، استقبل هذا الكشف بالتهليل، واعتبر نصرا مؤزرا ~~للفيزياء النيوتونية. وبحسب مصطلح بوبر فإن نظرية نيوتن كانت قد تعرضت ~~«لاختبار فاصل» # critical test # وخرجت منه ~~بنصر عظيم، وقد اعتبر بوبر نفسه هذا التعزيز القوي للفيزياء النيوتونية ~~«أروع نجاح يمكن أن يظفر به أي إنجاز فكري بشري». # غير أن لاكاتوش ينكر بصريح العبارة وجود اختبارات فاصلة - بالمعنى البوبري ~~- في العلم، ويثبت رأيه بشكل مقنع؛ إذ يقلب المثال السابق (الذي يزعم ~~بوبر أنه اختبار فاصل) رأسا على عقب، يقول لاكاتوش: # ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن جول لم يجد كوكب نبتون؟ أكنا سنهجر الفيزياء ~~النيوتونية أو نعد نظرية نيوتن قد كذبت؟ الجواب هو: بالطبع لا؛ لأن فشل ~~جول ms174 كان من الممكن عندئذ أن يعزى إلى أسباب كثيرة غير كذب نظرية نيوتن (مثل: ~~تدخل الغلاف الهوائي للأرض مع التلسكوب، وجود حزام شبه نجمي يحجب الكوكب عن ~~الأرض ... إلخ.) المشكلة هنا هي أن الفصل الذي قدمه بوبر بين التكذيب والتعزيز ~~دقيق منطقيا بدرجة مفرطة: إن عدم التعزيز لا يعني التكذيب بالضرورة، وتكذيب ~~النظريات العالية المستوى لا يمكن أن يتأتى بملاحظات معزولة أو بمجموعة من ~~الملاحظات، ومن المتفق عليه الآن أن هذه النظريات عصية جدا على التكذيب. ~~إنها إن أمكن أن تكذب على الإطلاق فإنما يتم ذلك لا باختبارات بوبر ~~الفاصلة، بل داخل السياق المعقد ل «برامج البحث» # research programmes # المرتبطة بها؛ إذ يلاحظ أنها تتحرك بعسر ~~حتى تتوقف، الأمر الذي يخلق فجوة تتسع باستمرار بين الوقائع المطلوب ~~تفسيرها وبين برامج البحث نفسها. # 12 # إن تمييز بوبر بين منطق التكذيب ومنهجه لا يقدم في نهاية المطاف تفسيرا ~~شافيا لحقيقة أن جميع النظريات العالية المستوى تنمو وتعيش برغم وجود ~~شذوذات # anomalies ~~(أي وجود أحداث أو ظواهر ~~غير متفقة مع النظريات)، وإن وجود مثل هذه الشذوذات لا يؤخذ عادة من جانب ~~العلماء كدليل على كذب النظرية، بل على العكس، إنهم سيفترضون دائما وبالضرورة ~~أن الفروض المساعدة # auxiliary hypotheses # المقترنة بالنظرية يمكن أن تعدل بحيث تستوعب الشذوذات الموجودة ~~وتفسرها. # بول ثاجارد # وفقا لبول ثاجارد Paul Thagard # تعد ~~النظرية أو المبحث علما زائفا إذا انطبق عليه معياران (معا): # الأول: # أن النظرية لا تتقدم. # والثاني: # أن رابطة الممارسين له لا يحاولون أن يطوروا النظرية في ~~اتجاه حل المشكلات، ولا يهتمون بمحاولة تقييم النظرية في ~~علاقتها بالنظريات الأخرى، وهم انتقائيون في التفاتهم إلى ~~التأييدات والتفنيدات. # والفارق الكبير بين مقاربة ثاجارد ومقاربة لاكاتوش هو أن لاكاتوش حري أن ~~يعد المبحث الذي لا يتقدم مبحثا زائفا حتى لو كان ممارسوه يعملون بجد ~~لتحسينه وتحويله إلى مبحث متقدم. # لم يسلم مبدأ التمييز عند ثاجارد من النقد: فشروطه لا تحدد العلم الزائف ~~إلا بمقارنته بالنظريات الأخرى وليس بمحتوى النظرية، بحيث لا ms175 يمكن أن تعتبر ~~نظرية ما علما زائفا إلا إذا وجدت نظرية منافسة. وقد أضاف ثاجارد لاحقا ~~أن النظرية تكون علما زائفا إذا كان أنصارها يعتمدون على فرضيات احتيالية غرضية # ad hoc # معقدة ولا يكترثون بالارتباطات ~~الإحصائية في محاولاتهم تصديق النظرية، ولكن حتى هذه الشروط الإضافية لم تقدم ~~المعايير الضرورية والكافية لتمييز العلم من العلم الزائف. إن محاولة ثاجارد ~~تسمح فعلا باحتمالية وجود «متصل» فيه نظريات معينة زائفة تماما، وأخرى ~~علمية تماما، ونظريات أخرى بعد تحتل مواقع في المنتصف، ولكن حتى على هذا ~~المتصل لن يكون بوسع المرء أن يحدد النقطة التي عندها يصبح شيء ما علميا أو ~~علميا زائفا. # جورج رايش # أما المعيار الذي اقترحه جورج ~~رايش # George Reisch # فهو قابلية المبحث العلمي الأصيل للاندماج في بقية ~~العلوم. إن بين شتى العلوم الأصيلة ترابطات قوية قائمة على المنهج والنظرية ~~وتماثل النماذج ... إلخ. إن مذهب الخلق مثلا ليس مذهبا علميا عند رايش؛ ~~لأن مبادئه واعتقاداته الأساسية غير متوافقة مع تلك التي تربط العلوم ~~وتوحدها، وبنظرة أعم فإن الحقل الإبستيمي يعد عند رايش علما زائفا إذا ~~كان غير قادر على الاندماج في شبكة العلوم المستتبة القائمة. # 13 # مرتون # ثمة مقاربة مختلفة تقيم معيار التمييز على الأساس القيمي للعلم، قدمها ~~عالم الاجتماع روبرت ~~مرتون # Robert K. Merton ~~. يتميز العلم - وفقا لمرتون - ب «روح» # ethos # يمكن أن تتلخص في أربعة أوامر مؤسساتية: # العمومية/العالمية # universalism # يفيد هذا المعيار أن دعاوى الصدق - أيا كان مصدرها - يجب أن ~~تخضع لمعايير لا شخصية مسبقة. يتضمن ذلك أن قبول الدعاوى أو رفضها ~~يجب ألا يستند إلى الصفات الشخصية أو الاجتماعية لأنصارها. # الشيوعية # communism ~~(وهو تعبير ~~ربما غير موفق، ولعل تعبير «المشاعية» # communality # هو أحصر لما عناه مرتون)، يفيد ~~هذا المعيار أن الكشوف الجوهرية للعلم هي منتوجات التعاون ~~الاجتماعي، ومن ثم فهي تنتمي للمجتمع وليست مملوكة لأفراد أو ~~جماعات. وهذا - كما بين مرتون - لا يتفق مع نظام البراءات ~~الذي يقصر حقوق الاستخدام على المخترعين والمكتشفين. # الارتيابية ~~المنظمة # organized skepticism # ويتضمن ms176 هذا المعيار أن العلم يسمح ~~بتمحيص مستقل للاعتقادات التي تكنها المؤسسات الأخرى ~~باعتزاز، وهذا ما يضع العلم أحيانا في صراع مع الأديان أو ~~الأيديولوجيات الأخرى. # وقد عرض مرتون هذه المعايير بوصفها تنتمي إلى سوسيولوجيا العلم، ~~وبالتالي على أنها بيانات إمبيريقية حول ما هو كائن في العلم الفعلي لا ما ~~ينبغي أن يكون، غير أن معاييره كثيرا ما يرفضها السوسيولوجيون بوصفها مفرطة ~~في التبسيط، وليس لها تأثير يذكر في السجالات الفلسفية حول مسألة التمييز، ~~ويبدو أن فاعليتها في هذا السياق الأخير لم تستكشف بما فيه الكفاية. ~~(3-3) مقاربات المعايير المتعددة # رغم أن المعايير التي ذكرناها حتى الآن - باستثناء مرتون - هي معايير أحادية، ~~فإن معظم الذين تصدوا لمسألة التمييز قد اقترحوا معايير متعددة تستخدم مجتمعة ~~لتحديد العلم الزائف أو الممارسة العلمية الزائفة. وقد تقدم عدد كبير من الباحثين ~~بقوائم مقترحة لهذه المعايير، يعود ذلك في رأي البعض - مثل ماريو بنج - إلى فشل ~~المعيار الأحادي في تمييز العلم الزائف، ويعود في رأي البعض الآخر، مثل دوبري، # 14 # إلى أن العلم ينبغي أن نأخذه على أنه «مفهوم تشابه عائلي» على طريقة ~~فتجنشتين، يعني ذلك أن هناك مجموعة من الملامح التي تميز العلم، ورغم أن كل جزء من ~~العلم لديه بعض هذه الملامح، فلا ينبغي أن نتوقع أن يحوز أي جزء من العلم عليها ~~جميعا. # وأيا ما يكون تعريف العلم، وحيد المعيار أو متعدد المعايير، فإن من الحق أن ~~العلم الزائف يحيد عن العلم بطرائق متعددة، وفيما يلي قائمة بأهم ملامح العلم ~~الزائف: # الاعتقاد في «السلطة»: ثمة «كبير» عارف (أو كبراء عارفون) لديه ~~قدرة خاصة على تحديد ما هو حق وما هو باطل، وعلى الآخرين أن يتقبلوا ~~أحكامه، عليهم السمع والطاعة. # تجارب غير قابلة للتكرار: يعول العلم الزائف على تجارب لا يمكن ~~أن يعيد الآخرون إجراءها والخروج منها بنفس النتائج # أمثلة معطوبة تستخدم رغم أنها لا تمثل الفئة العامة التي يشير ~~إليها البحث. # عدم الرغبة في الاختبار، فلا تختبر النظرية رغم أن من الممكن ~~اختبارها. ms177 # عدم الاكتراث بالمعلومات المفندة: إغفال الملاحظات أو التجارب التي ~~تخالف النظرية. # حيلة ~~مبيتة # built-in subterfuge ~~: يتم إعداد الاختبار بحيث لا يسمح إلا بتأييد ~~النظرية (لا تسمح النتائج بتفنيد النظرية على الإطلاق). # التخلي عن التفسيرات القائمة دون القيام مقامها: يتم التخلي عن ~~تفسيرات وجيهة للأمر دون إحلال شيء محلها، بحيث إن النظرية الجديدة ~~لأعجز من سابقتها على التفسير. # المفارقة # paradox # سبق أن لاحظ توماس كون أنه رغم أن معياره ومعيار بوبر مختلفان للغاية ~~فإنهما يؤديان إلى نفس الاستنتاجات فيما يجب أن يعد علما أو يعد علما ~~زائفا! # والحق أن هذه الظاهرة - ظاهرة التقاء الفرقاء النظريين في ساحة التطبيق - ~~هي ظاهرة عامة للغاية. إن فلاسفة العلم ليختلفون اختلافا بعيدا حول ماهية ~~العلم، غير أنهم متفقون جميعا في أن التنجيم والعلاج المثلي واستنباء الآبار ~~والأطباق الطائرة، والذين هبطوا من السماء ... إلخ، هي علوم زائفة. هذه مفارقة # 15 # واضحة: كيف نكون مختلفين في الفكرة ومتفقين في تطبيقها؟! مفارقة ~~تدل على أن المسألة بحاجة إلى مزيد من العمل الفلسفي. # نعم، يختلف الفلاسفة فيما بينهم حول معيار التمييز، غير أنهم - للعجب - ~~يتفقون لدى تطبيقه على مبحث معين. إنهم يتفقون على زيف نظرية ما ولكن يختلفون ~~في أسباب رفضها، أي يتفقون في رفضها ولكن أسبابهم في الرفض تتفاوت! وما من ~~محاولة للتمييز قد سلمت من النقد المدمر، وثمة احتمالان في تفسير ذلك: ~~(1) # إما أن هناك تمييزا مطلقا ولكن لم يكتشف بعد، والأمر مسألة ~~وقت. ~~(2) # وإما أن التمييز المطلق لا وجود له. # فيربند # قلنا: إن ثمة خلافا حول إمكان التمييز بطريقة موضوعية، غير أن هناك من يشكك ~~- إضافة إلى ذلك - فيما إذا كانت محاولة التمييز ذاتها مفيدة. يحاج الفيلسوف ~~بول فيربند Paul Feyerabend # بأن جميع ~~محاولات التمييز بين العلم واللاعلم هي محاولات مغلوطة، وبأن فكرة أن العلم ~~يمكن - أو ينبغي - أن يمضي وفقا لقواعد ثابتة هي فكرة غير واقعة بل ومؤذية؛ ~~لأنها تجعل علمنا أقل مرونة وأكثر دوجماطيقية. # يذهب فيربند إلى أنه ليس ثمة منهج واحد من شأنه ms178 أن يفضي بنا إلى اكتشاف ~~الحقائق، بل هناك مناهج شتى تفوق الحصر كل منها مهيأ لمجاله الخاص. هو إذن ~~يدعو إلى «فوضوية ~~منهجية» # methodological anarchy # إن صح التعبير؛ ذلك أن تاريخ العلم أعقد من أن نحصره ~~في بعض القواعد المنهجية البسيطة. إن كل نظرية وكل افتراض وكل إجراء إنما يحمل ~~في داخله معاييره الخاصة ومحكاته التي تلائم الأصقاع التي يبحث فيها. إن ~~علينا أن نمارس العلم دون ضمانة مسبقة ودون الركون التام إلى «منهج» مسبق ~~محدد تحديدا نهائيا. ثمة معايير بطبيعة الحال، ولكنها لا تأتي بشكل مسبق، ~~إنما تأتي من عملية البحث ذاتها، تأتي بالبحث وفي البحث، لا من ضوابط صورية ~~مسبقة. # ماكنالي # ماكنالي # McNally # 16 # هو أستاذ علم النفس بجامعة هارفرد، وله في هذه القضية رأي خاص ~~يستحق الالتفات. رغم أن ماكنالي يناوئ العلم الزائف ويسعى إلى فضحه والتحذير ~~منه إلا أنه يقول بأن مصطلح # pseudoscience # لا ~~يعدو أن يكون تعبيرا ازدرائيا ولفظة طنانة ملتهبة يستخدمها المرء لتسفيه ~~خصومه تسفيها محفليا معفى من أي مجهود جدلي وأية معايير موضوعية، ويوصي ~~مكنالي - بدلا من ذلك - إلى أن ينصرف المرء إلى صاحب الدعوى ويسأله: «ما ~~دليلك؟» # يقول ماكنالي: إن المقاولين الدهاة قد طوروا وسوقوا طرائق علاجية جديدة ~~يوصف بعضها بأنها معجزات علاجية حقيقية لشكاوى متنوعة. وقد كانت هذه الظاهرة ~~آسرة لانتباه ممارسي العلم في مجال السيكولوجيا، الذين عمد كثير منهم إلى نقد ~~هذه المقاربات بوصفها «علما زائفا»، غير أن هناك مقاربة بديلة أبسط من ذلك ~~لفضح الطرائق المريبة في علم النفس الإكلينيكي. إن علينا حين نصادف دعاوى هؤلاء ~~المقاولين ألا نضيع وقتنا في محاولة تحديد ما إذا كانت تصنف كعلم زائف، بل ~~نسألهم: كيف تعرف أن هذا التدخل العلاجي الذي تقوم به يؤتي أثره ويفعل فعله، ~~ما «دليلك؟» # إن العلم الزائف شأنه شأن البورنو: لا نستطيع تعريفه ولكننا نعرفه متى ~~صادفناه، أو هكذا يبدو الأمر، ولكن على أي أساس يحدد العلماء العلم الزائف ~~في مجال علم النفس الإكلينيكي؟ إنه حتى لو ms179 لم يكن ثمة معيار حاد يميز العلم ~~الزائف عن العلم الأصيل فما نزال بحاجة إلى طريقة لتحديده إذا كنا نفترض أن ~~مفهوم العلم الزائف ذو معنى، وعليه فقد عرف الباحثون العلم الزائف بإحدى ~~ثلاث: # بممارسيه. # أو بنظرياته. # أو بطرق بحثه. ~~(1) # غير أن العلم الزائف لا يعرف بممارسيه الأفراد، # 17 # فكثير من العلماء العظام في تاريخ العلم كانوا يعتنقون ~~بعض الأفكار الواضحة الزيف (على الأقل بمقاييسنا الحالية). لقد بدأ ~~الفلكيون الأوائل كمنجمين، بل إن روادا علميين - مثل بويل وليبنتز ~~ونيوتن - كانوا يبتلعون بسذاجة كل أصناف الحكايا العجيبة عن العالم ~~الطبيعي التي تشبه تلك التي نراها في الأقراص التي تباع اليوم في ~~السوبر ماركت. # ومن الأمثلة الرائعة لعالم أمريكي جمع بين العلم الأصيل ~~والزائف كوتون ~~ماثر # Cotton Mather ~~. كان لهذا العالم إنجازات علمية مقدرة، غير ~~أن له مئات الإصدارات التي احتوت على كثير من الدعاوى الغرائبية ~~(ثعابين ذات رأسين، أطفال مسحورين طاروا كالإوز برفرفة أذرعهم مثل ~~أجنحة الطير ... إلخ). # إذن تعريف العلم بممارسيه لا يفي بالغرض؛ لأن العالم الحقيقي ~~والعالم الزائف قد يكونان نفس الشخص! ~~(2) # والعلم لا يعرف بالنظريات الفردة (على طريقة بوبر)؛ ذلك أن ~~قابلية التكذيب # falsifiability # معيار متساهل جدا؛ لأن بوسع أي نظرية دجلية أن تعدل من ~~حالها وتستعين بفروض مساعدة لتجنب التكذيب، وبوسعها أن تحدد ~~ما يمكن أن يعد ملاحظة مكذبة. ~~(3) # ولا طرق البحث يمكن أن تعرف الدجل؛ فقد تكون النظرية قابلة ~~للتكذيب ولكن أنصارها ينخرطون في محاولات احتيالية (أد هوك) # ad hoc # للتخريج المتخلص من ~~الملاحظات المضادة. والحق أن العلماء ينخرطون في المناورة ~~التحايلية طوال الوقت، وقد تكون مناورتهم مثمرة كما في حالة ~~اكتشاف كوكب نبتون بفضل فرضية تحايلية بعدية قدت لترم ~~خللا حسابيا وتفسر ملاحظات شاذة. قد يرد على ذلك بأن هناك ~~فرقا بين الأدهوك المشروع وغير المشروع، ولكن هذه المقاربة تجرد ~~محك الأدهوك من قوته وفعاليته في رأي ماكنالي. # حتى معايير ماريو بنج السبعة للتمييز بين العلم والعلم الزائف غير حاسمة (هي ~~باختصار: (1) الإفراط في استخدام ms180 الفرضيات التحايلية لتفادي التكذيب. (2) ~~التركيز على التأييد دون التفنيد. (3) غياب التصحيح الذاتي. (4) عكس عبء ~~البرهان. (5) الإفراط في الاعتماد على شهادات ~~الآحاد # testimonials # والنوادر ~~الفردية # anecdotes ~~. (6) استخدام لغة غامضة معماة. (7) انعدام ~~الترابط مع الأفرع العلمية الأخرى.) قلنا حتى هذه المعايير هي أيضا غائمة غير ~~حادة: (متى يكون استخدام الفروض الاحتيالية «مفرطا »، ومتى يكون الاعتماد على ~~النوادر الفردية «اعتمادا زائدا»، ومتى تصبح المفاهيم المعقدة «معماة»؟) ~~وإذا كان العامة لا يفهمون معيار قابلية التكذيب عند بوبر على بساطته فكيف ~~يتذكرون ويطبقون معايير ماريو بنج السبعة المعقدة؟! # الحق أن لفظة «علم زائف» # pseudoscience # لم ~~تعد أكثر من كلمة طنانة ملتهبة ذات تأثير انفعالي لا أكثر، لفظة نستخدمها ~~لإرهاب خصومنا وإسكاتهم في المناظرات المشهودة، لفظة تبعث من الحرارة أكثر مما ~~تبعث من الضوء، ومن الأجدى أن نتخذ لنا سبيلا آخر. # ليس يعني ذلك أن ماكنالي لا ينتقد الممارسات الدجلية من مثل حركة العين ~~( # EMDR ~~)، وعلاج حقل الفكر ... إلخ، غير أنه ~~ينتقدها على أسس أخرى غير أسس «العلم الزائف»، وهذه الأسس التي يستند إليها هي ~~أكثر صرامة ومباشرة من معايير العلم الزائف التي استند إليها غيره؛ فبدلا من ~~أن نسأل «هل هذا علم زائف أم علم أصيل؟» علينا أن نسأل «ما الحجج والأدلة # evidence # التي تدعم هذه الدعوى الإكلينيكية؟» ~~إن ما يعنينا هو «المسوغ الإبستيمي» أو «الدليل المؤسس» أو «السند ~~الإمبيريقي» ... حسبما تفضل من تعبير، وليس محاولة تحديد ما إذا كانت النظرية أو ~~الممارسة تقع على الجانب الصحيح من معيار للتمييز يفصل بين العلم والعلم ~~الزائف، فالمشكلة في ال # EMDR # ليست أن فرانسين ~~شابيرو عالم زائف، أو أن هذا العلاج غير قابل للتكذيب، أو أنه يلوذ بالنقلات ~~التحايلية (أد هوك) كلما واجهته بيانات محرجة، المشكلة هي أن الدعوى المركزية ~~عن القوى العلاجية لل # EMDR # تعدم أي سند ~~إمبيريقي مقنع. # وصفوة القول: أن علينا بدلا من أن نشدخ أصحاب هذه الدعاوى بلفظة # pseudoscience # أن نسألهم، ببساطة وصرامة ~~ومباشرة: «كيف تعرف ذلك؟» «أرنا بياناتك.» «ما دليلك؟» # إليزابيث سبري ms181 # في مقال «العلم الزائف والعلم» # 18 # تذهب د. إليزابيث سبري إلى أن المشكلة ذاتها لا تبدو مشكلة يمكن ~~حلها، وبوصفنا فلاسفة فنحن - ببساطة - لا نمتلك الأدوات الضرورية لتحديد ~~تمييز مطلق بين العلم والعلم الزائف. إن السؤال نفسه ملغوم! # يصادر بأن التمييز موجود. # ويصادر بأن العلم في جميع الأزمان صحيح والعلم الزائف في جميع ~~الأزمان غير صحيح. # ويصادر بأن المجتمع العلمي دائما لديه أساس جيد لاعتقاداته ~~ومجتمع العلم الزائف لا أساس لاعتقاداته. # ويصادر بأن هناك تمييزا مطلقا بين أعضاء المجتمع العلمي وأعضاء ~~مجتمع العلم الزائف، بل بأن هذين المجتمعين موجودان بالتمام ~~والكمال. # إن كلا من هذه المتضمنات عرضة لأمثلة مضادة وانتقادات وتناقضات أساسية: ~~فهناك أزمنة يكون فيه ما نسميه اعتقادات «علمية» غير مبرر جيدا، ويكون فيه ~~المجتمع العلمي غير موجود وجودا مكتملا، وكذلك هناك أمثلة تكون فيها ~~الاعتقادات «العلمية الزائفة» صحيحة ومبررة نسبيا، ويكون المجتمع موجودا ~~وجودا مكتملا. يتضح ذلك في التحليل التاريخي الذي قدمه توماس كون. مثال ذلك ~~أنه قد أتى حين من الدهر كان المجتمع فيه ينظر إلى التفسير البطلمي للسموات ~~على أنه علمي، بينما نرفض اليوم هذه الدعوى (أي إن ما يعده المجتمع علما في ~~يوم ما قد يتغير بتغير المجتمع). # لقد أدلى كل فيلسوف بدلوه في مشكل التمييز، فماذا قدموا؟ # إن نظرية بوبر كانت قمينة أن تقصي معظم البرامج العلمية ~~الناشئة قبل النضج! # ونظرية كون - إذا قبلنا نقد لاكاتوش لها - لا تقدم تمييزا ~~قويا على الإطلاق. # ونظرية لاكاتوش لها أثر جانبي غير موفق إذ قد تصم بالزيف ~~مشروعا علميا جديرا بنعت «علمي» لا لشيء إلا لأنه توقف عن ~~التقدم. # أما نظرية ثاجارد فهي في أفضل الأحوال تقدم لنا «متصلا» # continuum # أو «طيفا» # spectrum # ولا يمكنها أن تقدم ~~تمييزا مطلقا. # نخلص من ذلك إلى أنه لا داعي للقلق حول مشكلة التمييز؛ فنحن كفلاسفة ينبغي ~~أن ننصرف إلى بحث صواب الحجة، وليس إلى ما إذا كانت هذه الحجة نابعة من علم ~~أو من علم زائف. نحن حراس بوابة «المعرفة ms182 السليمة» لا بوابة العلم. # هل يوجد تمييز «بين العلم والعلم الزائف»؟ ذاك حديث يلائم السياسة/ ~~الاقتصاد/الاجتماع، ولكنه غير ذي صلة ~~بالفلسفة! إن التمييز لا يقدم بذاته دليلا على صحة أو صواب دعوى، وعلى ~~الفلسفة أن تركز سعيها في التمييز بين الاعتقادات الصائبة والاعتقادات غير ~~الصائبة، أي في مد خط بين الدليل المقبول والدليل غير المقبول، والتفريق بين ~~الدعاوى الغامضة والدعاوى المحكمة ... إلخ. هذه هي الأسئلة التي تحمل دلالة ~~فلسفية وإبستمولوجية حقيقية، وهذه هي الحلبة الصحيحة لصولة الفلسفة ~~وجولتها. وإذا كان إمري لاكاتوش قد خلص في مقاله «العلم والعلم الزائف» ~~إلى أن التمييز بينهما هو مشكلة فلسفية حقيقية، فقد خلصنا إلى أنها مشكلة ~~حقيقية، ولكنها مشكلة اقتصادية/اجتماعية/سياسية، وليست مشكلة فلسفية. أما ~~البديل الذي ندعو إليه فهو أن يعنى فلاسفة العلم بتأسيس المعايير التي ~~يقيم بها صواب الاعتقاد، وقوة الدليل الداعم لهذا الاعتقاد، ومدى الإحكام ~~والضبط والدقة التي يتعين أن يتصف بها لكي يكون اعتقادا صائبا. هذه هي ~~الأسئلة التي تعد الفلسفة مؤهلة لتناولها، ويعد الفيلسوف مهيأ ~~للإجابة عنها. # الفصل الثالث عشر # | في العلم والخرافة # تأملات نثرية ~~(1) طريق العلم # وإذا ما ازددت علما # زادني علما بجهلي # الإمام الشافعي # كلما عرفت شيئا تكشف لي أنني أجهل شيئين، وكلما محوت لي جهلا أبديت ~~جهلين، كأنني أصارع «الهيدرا» الأسطورية ذات الرءوس السبعة كلما أطحت منها برأس ~~نبت مكانه رأسان. # وهكذا كلما أوغلت في العلم تجلى لي الجهل كأنه مارد أسطوري يطمسني في ~~ظله الهائل، ويحملني على الاستخذاء أمام جلالة العلم، وعلى التخشع في رحاب ~~الحقيقة. ~~(2) الأمر الإبستمولوجي المطلق # افعل بحيث تستطيع أن تجعل باعث فعلك قانونا كليا. (أي قانونا شاملا ~~يشرع للإنسانية كلها، لا لفرد أو جماعة بعينها.) # كانت: الأمر الأخلاقي المطلق # فكر بحيث تكون على استعداد، من حيث المبدأ، لأن تغير رأيك إذا ما ~~تبين خطؤه. ~~(3) ظاهرة القبة ~~الفارغة # empty dome phenomenon # قبة ليس تحتها شيخ، # غطاء خوان هائل ليس تحته وليمة، # ذلك مثل الوعد حين يكذب ويختان، # ومثل الأمل إذ يغتذي بالوهم، # ويرضع ms183 الهواء. ~~(4) الاغتيال المعنوي # أحدث ألوان الاغتيال وأبشعها، # أن تعمل الإفك والافتراء في خصمك، # وتتركه ميتا إكلينيكيا في وسط معتركه، # مصلوبا مجففا على شجرة عمره. ~~(5) أيديولوجيا # إن مذهبا لا يمكنه أن يصون نفسه إلا بمراوغات معقدة هو مذهب لا يعدو أن يكون ~~هراء. # جون بيلوف # الدم البشري ليس حجة # لم يقتل أينشتين أحدا لكي يثبت أن الطاقة = الكتلة × مربع سرعة ~~الضوء # لكن الأيديولوجيات الشمولية قد تقتل بشرا لإنقاذ فرضية! # ما أوهن النظرية التي تريد أن ترم اهتراءها بدم بشري! # ما أقلق البناء الذي ترتكز دعائمه على دم بشري! ~~(6) الميل الأخير # لماذا تقدم العلم العربي حثيثا ثم توقف قبل أن يجتاز الميل الأخير ~~إلى الحداثة؟ # لأنه كان نبتة ظل جعلت تنمو بعنفوان ثم توقفت؛ لأنها افتقدت الشرط ~~النهائي لكل نمو مكتمل: الشمس، الحرية. ~~(7) خيانة العقل # ليس كل السرقة مالا مستلبا، وليس كل الغش بضاعة عينية؛ # فالغش قد يكون غشا ذهنيا، # والسرقة قد تكون مخالسة منطقية، # العقل قد يكون قوادا وديوثا على طريقته. ~~(8) فهم الخرافة # لا حجة بين العقل والخرافة. # لا جدوى بأن تجلس إلى الخرافة على مائدة حوار. # لا معنى لإعمال العقل مع كيان خلع العقل واحترف اضطهاده. # الخرافة لا تدرك بالعقل بل بغيابه! # الخرافة لا تعقل بل تشم. ~~(9) بقاء الخرافة # الركود مأوى رغيد للطفيليات، # والخرائب مستقر آمن لكل ذي أربع، # وغيابات الجهل والعجز مرتع خصيب لأشباح الخرافة والعرافة. # ولقد أتى على الإنسان حين من الدهر كان متروكا وحده، أعزل أمام طوفان الماجريات ~~الوجودية والأحداث الكونية، فهو ضعيف عاجز تجاه تهديداتها من ناحية، وهو جاهل عم ~~إزاء ألغازها من ناحية أخرى، فما عتم أن أسلم نفسه لأحضان السحر والتعزيم ~~والأضاحي يلتمس لديها الأمان والسكينة؛ يشتريهما بمنطق لا يغني وحجى لا تجدي. ~~ولقد كانت مقايضة موفقة وصفقة رابحة في حينها، غير أن هذه الطريقة في مهادنة ~~الملمات ومعاملة الحادثات وتفهم الماجريات سرعان ما تزهق وتخسر مبرراتها كلما ~~تمكن الإنسان من السيطرة والتسيد وتقليم أظافر الطبيعة وفك أحاجيها وحل ألغازها ~~بالعلم الدقيق والمنطق النزيه. ms184 # غير أن الخرافة لا تتبدد بالسرعة التي تتبدد بها مبرراتها، فيبدو أن العرق يحفظ ~~لها جميل خدماتها القديمة فيبقي عليها ويطمرها في قيعانه السفلية حقبة قد تطول وقد ~~تقصر، فتبقى عقابيلها متململة في سراديب النفس البشرية بقاء الصورة البعدية بعد ~~زوال سببها الموضوعي. # 1 # على أننا يجب أن نأخذ حذرنا تجاه هذه التشبيهات التقريبية العفوية؛ فالحق أن بقاء ~~الخرافة له قوانينه الخاصة وطرائقه الفريدة، فهي حيوية جدلية تأخذ وتعطي وتسفر ~~وتتنكر وتحاور وتناور وتتطور وتتحور وتتأقلم وتتكيف، بل إن لها القدرة على أن تولد من ~~جديد في تراكيب أكثر حيوية وقدرة على البقاء والصمود أمام دواعي الزهوق والفناء. # 2 ~~(10) أليثيا # 3 # لن تقوم لنا قائمة ما لم تكن الماجريات الأخيرة قد كثفت لأعيننا العشواء ~~حقيقة كانت ماثلة على الدوام: وهي أننا غثاء، حلمنا أطيش من ريشة، وشوكتنا ~~أطرى من نسمة، وظهرنا أذل من بساط، وأننا لا نملك حتى أن نكبح صغيرنا قبل أن نفكر ~~في اللعب مع الكبار. # لن تقوم لنا قائمة ما لم ندرك أن معركتنا الأولى هي معركة بناء وإصلاح لا هدم ~~وإفساد، وأن جهادنا الحقيقي هو جهاد أنفسنا الجاهلة المظلمة القابعة في كهفها ~~التاريخي تدغدغ ذاتها وتداعب ظلها. # لن تقوم لنا قائمة ما لم ندرك أننا متخلفون: تحضرنا وهم وتمدننا «عيرة»، ~~وأننا ننجرف ولا نتقدم، ننفعل ولا نفعل، تطفح مقتنيات العلم الجديد على وجه حياتنا ~~كأنها الداء، وتطفو بلا جذور على سطح بركتنا القديمة. # إننا نتعاطى التقنية الغربية لتنمية تخلفنا، # ونقطف ثمرات التنوير لتغذية ظلامنا، # ونظن - لغفلتنا - أننا يمكن أن نقتل عدونا بسلاحه. # وأن ننازل العقل الجديد بعقل قديم. # وأن نلاقيهم في مكان واحد وزمنين مختلفين. ~~(11) ما بعد العقل # لم نشبع عقلا بعد فنستمرئ القفز مع الغرب إلى ما بعد العقل. # فإذا كانت قفزتهم تخطيا وئيدا لما استوعبوه وقطعوا شوطه، وتجاوزا سديدا ~~لما عركوه وخاضوا غماره، فإن قفزتنا المقلدة ليست تخطيا للعقل بل حذفا ~~وإغفالا وتفويتا، وضربا من الغش والتهرب. # وبينما يقفزون بسلام إلى ما بعد العقل ms185 نتردى نحن بطيشنا فيما قبل العقل، ~~ونسقط بسلام في حجر الخرافة. ~~(12) في الانحطاط # الأكثر انتشارا اليوم في المجتمع العربي - ضمن مقاييسه وأوضاعه الثقافية - هو ~~بالتأكيد الأقل حداثة وجذرية. # أدونيس ~~«الكذب ليس له رجلان.» # إلا في الانحطاط؛ فللأدعياء أقدام وأرجل، # من جهل الجمهور ومن أمية المتلقي. # الأدعياء أقرب إلى قلب الجمهور وعقله؛ # لأنهم يقدمون له غثاء محلولا قريب التناول. # لا يكلفك تدريب الذوق ولا يجشمك تقوية المعدة. ~~(13) مرحل بدرجة أستاذ # والجهل حظك إن أخذ # ت العلم عن غير العليم # شوقي # منذ الأولى الابتدائية لا «ينجح» عندنا التلميذ بل «يرحل»، # يرحل إلى الأعلى، يأسا من تعليمه وقنوطا ونفاد حيلة، # وكلما ارتقى ثقلت وطأة البناء على الأساس الهش، # ولا يزال يرحل حتى درجة الدكتوراه، قمة البناء السائخ في الطين المبني على ~~باطل، # وقد يكون لدينا منه «مرحل بدرجة أستاذ». ~~(14) التجهيل الغالي ~~... فهو يتخرج غير قادر لا على القراءة ولا على الكتابة! # د. غالي شكري # ليس هذا بالتعليم العالي، وإلا كان أثمر وأينع وأضاف وأبدع، ولا هو مجرد أمية ~~مقنعة، فالأمية بعد كل شيء هي صفحة بيضاء ممدودة للعلم ونداء خالص، هي ~~مقعد محجوز للعلم وموطئ قدم، هي علم «بالإمكان» أو «بالقوة»، # 4 # وهي بهذا المعنى «نصف علم». # أما هذا التعليم العالي (كما ينادونه) فهو لقاح ضد العلم وتحصين منه، وضمان بأنه ~~قد أمن شره وتم احتواؤه، ودعاء بأن يقطع الله دابره ويستأصل شأفته، إنه ~~تعقيم ذهني منظم، وتجهيل باهظ التكلفة. ~~(15) «أعلمة» الخلافات الأكاديمية # الخلاف الأكاديمي ينبغي أن يبقى أكاديميا. # وإخراجه إلى وسائل الإعلام هو لون من اللعب القذر وضرب تحت الحزام. # والطرف الذي يخرجه هو دائما الطرف الأضعف، الذي أعوزته الحجة فلجأ إلى ~~الغوغائية، ويئس من لعبة العلم فلجأ إلى لعبة «الشرشحة»، فتعوذ بثغاء القطيع، ~~وجلب إلى الحرم الأكاديمي وحشا جسيما يرهب به الخصم، هو «ديموس»، # 5 # ذلك الشبق الذاتوي الذي لا يعنيه إلا أن يدغدغ نفسه، ديموس البليد ~~الذي لا يفهم الأمر ولا يهمه الأمر. ~~(16) وهم الموضوعية # هذا العالم كما ندركه هو ms186 صورتنا الرمزية للعالم الموضوعي المستقل عنا. # جون إكلس # حين تتفرس طويلا في أي بناء علمي أو صرح فكري سيكون بوسعك أن تتبين ملامح العقل ~~البشري بكل خطوطه وزواياه وأقطاره ماثلة أمامك كأنها منعكسة في صفحة المرآة، فالعقل ~~لا يملك أن يسل نفسه من العالم ويتنصل من الظواهر ليراقبها بحيدة وبراءة. إنه ~~مخلوط بالأشياء يرى ذاته في الأشياء وترى فيه ذاتها الأشياء. ~~(17) العملية نجحت والمريض مات # إذا كانت النظرية فاشلة على الصعيد العملي فهذا يكفي لإثبات أنها على خطأ نظري، ~~وهذا بغض النظر عن أي شيء هو مغزى إجراء التجربة العلمية. # كارل بوبر: المجتمع المفتوح # خدعوك فقالوا: النظرية صحيحة والتطبيق خاطئ. # التطبيق ليس حجة على النظرية. # الأتباع ليسوا حجة على المتبوع. # خدعوك فالتطبيق محك، # والعمل ابن النظر، # والعين التي تعثرك في كل خطوة هي عين عشواء غير مبصرة. # عين «غير صحيحة». ~~(18) سطوة التأويل # غير أن النفوس الغيورة لا تهتم بالبراءة، ولا تجيئها نوباتها عن سبب، بل ~~تغار لأنها تغار، وما الغيرة إلا بهيمة شاذة تلقح من نفسها وتتولد من ~~ذاتها. # شكسبير: عطيل # ليست هناك حقائق، هناك فقط تأويلات. # نيتشه # من رآك من حيث هو فإنما رأى نفسه. # محيي الدين بن عربي # ليست الغيرة فقط هي البهيمة الخنثى. # كل قناعة انغسل عليها الدماغ هي بهيمة خنثى تخلد ~~ذاتها. # يراها في كل شيء، # ويتأولها في كل شيء. # سيان أن يكون هذا أو ذاك، # لا فرق بين شتى المدخلات والمرائي، # ما دامت تصب في القالب نفسه، # وتفصل على القد ذاته. ~~(19) تعريب العلم # تعليم الأمة بلغتها ينقل العلم بكليته إليها، أما تعليمها إياه بلغة غيرها ~~فإنه ينقل أفرادا منها إلى العلم. # الشيخ علي يوسف # أن نعرب العلم يعني أن نعلمن العربية، أي نعلمن عقولنا وأطرنا الذهنية ~~ومورفولوجيتنا الدماغية. أما أن نتحدث العلم بالإنجليزية وعقولنا مصبوبة بلغة ~~كهفية حرمت دهورا من النور فتعاطت الوهم وتقولبت بالخرافة، فذاك انفصام ~~معوق يجعلنا غرباء على العلم مهما حفظناه وتقولناه، ويجعلنا عاجزين عن الإضافة ~~الحقيقية إليه والإبداع الأصيل فيه، وهو ms187 واقع صلب لا محل فيه لجدل ولا نملك وجها ~~لنقاشه. ~~(20) جسارة العلم (من رسالة في المشترك الإنساني) ~~... # لماذا تصنفون شعاع الضوء، فإذا أتى من عندنا فهو نور وإذا أتى من عند ~~غيرنا فهو «استلاب»؟! النور نور، والقيمة شيء كوني، والمطلق لا وطن له، ~~والحكمة ضالة المؤمن، وما حيلتنا إذا كان أغلب الكشوف والمعارف في لحظتنا الراهنة ~~يأتي من الشمال ويشرق من الغرب؟ أنوليه ظهرنا وما ننفك نداعب ظلنا على جدار ~~كهفنا، ونكتفي بما عندنا مما لو كان ينفع ما كان هذا حالنا؟ أم نخرج إليه وننغمد ~~فيه ونتملكه ونحيله إلى كياننا وبنيتنا فنكون منه ويكون منا، وبهذا وحده ~~نضيف إليه ونسهم في بناء الحضارة بسهم بدلا من أن ننخر فيها وننطح أركانها، فعل ~~العجزة البلهاء المفلسين المفسدين؟ # بل نخرج إليه ونتملكه، هكذا كان أجدادنا في عصر الاجتهاد يحبون النور ويفتحون ~~نوافذهم على الجهات الأربع، ويتشربون ثقافات الأمم وينهلون من العلوم بلا عقد، ~~ولا ينخذلون مثلما ننخذل ولا يعانون من «رهاب الضوء» (الفوتوفوبيا) الذي أصابنا ~~واستحكم فينا من طول انكفائنا على ذاتنا وإلفنا لفكر الكهوف. # هذا استلاب آخر، وإن كان مقلوبا يقف على رأسه فإذا عدلته وجدت أنه استلاب ~~كأي استلاب. ~~... # ع. م. ms188