######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.MadkhalIlaCilajNafsi.Hindawi40413942 #META# Tags: philosophy #META# ID: 40413942 #META# Title: مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي #META# AuthorID: 70291391 :: 92497271 #META# Author: رولو ماي :: إرفين يالوم #META# EditorID: 95024097 #META# Editor: غسان يعقوب #META# TranslatorID: 24079572 #META# Translator: عادل مصطفى #META# Related_books: 1450IrvinYalom (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة‏ # مقدمة‏ # نظرة عامة‏ # 1 - مفاهيم أساسية‏ # 2 - المدارس الأخرى‏ # 3 - نظرة تاريخية‏ # 4 - الشخصية‏ # 5 - العلاج النفسي‏ # 6 - تطبيقات‏ # خلاصة‏ # المراجع‏ # مقدمة‏ # مقدمة‏ # نظرة عامة‏ # 1 - مفاهيم أساسية‏ # 2 - المدارس الأخرى‏ # 3 - نظرة تاريخية‏ # 4 - الشخصية‏ # 5 - العلاج النفسي‏ # 6 - تطبيقات‏ # خلاصة‏ # المراجع‏ # | مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي # | مدخل إلى العلاج النفسي الوجودي # تأليف # رولو ماي وإرفين يالوم # ترجمة # عادل مصطفى # مراجعة # غسان يعقوب # | مقدمة # مؤسسة هنداوي منارة عالمية مهمتها توصيل النور إلى مستحقيه؛ أي ~~إلى البشر جميعا؛ إذ تشرق على الجميع دون تمييز، تحدوها قيم الخير ~~والحق والجمال، وهي غايات في ذاتها وثواب ذاتها، وهي نهايات لا شيء ~~وراءها. # حين علمت أن مؤسسة هنداوي لا تهدف إلى الربح قلت: «وجدتها!» فقد آليت ~~على نفسي منذ سلكت طريق الكتابة أن أقدم جهدي بروح الرسالة ومنطق الخدمة، ~~غير فارك كفي تلمس ثمن، وأن أكسب لقمتي من مصدر آخر غير خبز ~~الهيكل؛ فمارست الطب سحابة يومي، وقمت ليلي أبث القارئ حديثا لا ~~يميل به الغرض ولا يمذقه الارتزاق. # ثمة خيط واحد يصل أعمالي جميعا على تفاوتها الظاهري الشديد؛ ثمة ~~هم واحد هو تأهيل العقل العربي وإيقاظه من سباته التاريخي الذي طال ~~كثيرا، تأهيله «بالمنطق القويم والفهم السليم والفكر النقدي، لكي ~~يتقبل الحداثة، والحضارة، والتعددية، ولا يعود ينفر من الآخر، ويجمد ~~الزمن، ويهرب من الحرية». # | توطئة # بقلم د. غسان يعقوب # هذا الكتاب يختلف عن باقي الكتب، فهو ليس كتابا للتسلية وقتل الوقت؛ إنه ~~كتاب يهز عقلك ووجدانك؛ لأنه يبحث في أهم مسائل وجودك: من أنت؟ من تريد أن ~~تكون؟ ما هي خبرتك في الوجود؟ كيف تختار مصيرك وتبني هويتك؟ كيف تواجه السأم ~~والحزن والعزلة وتفاهة الحياة وقلق الموت؟ كيف تكون حرا ومسئولا في آن ~~معا؟ # هذه التساؤلات الكبرى أو الهموم النهائية يجيبك عنها العلاج النفسي ~~الوجودي الذي يشكل محور هذا الكتاب. # كثير من الناس يعيشون كالقطعان .. إنهم يأكلون ويشربون ويبحثون عن إشباع ~~غرائزهم وحاجاتهم المادية، وقلما يبحثون عن ذواتهم. إنهم يهربون من ms01 مواجهة ~~الذات ومن العزلة، ويخافون المرض والموت. لذا، فهم يجدون الأمان في ~~الامتثالية الجماعية وفي الهروب من الحرية والمسئولية، وما علموا أنه في ~~القلق الوجودي يتفتح الوعي وتنمو الإرادة ويسمو الوجود. حيث تكون كنوزك يكون ~~قلبك، وكنوزك هي نفسك. إن هناك صوتا يهتف لك: قم وانهض، فهناك شيء ما ينتظرك ~~في هذا العالم وعليك أن تقوم به. لا تقل: لا أقدر. كل إنسان يختار ما ~~سيكونه. فإذا اخترت الهزيمة لنفسك، فعليك أن تتحمل النتائج. لا تخف من القلق ~~ومن الوحدة. ضع أمامك هدفا تسعى إليه. أعط معنى لوجودك حتى تشعر بقيمة ~~الحياة. إنما يحدد الإنسان بأهدافه، كما يقول سارتر. معظم المرضى الذين ~~نعالجهم يعيشون دون هدف واضح ودون رؤية مستقبلية. إنهم يجترون الماضي بصوره ~~الداكنة، وهم يشعرون بتفاهة الحياة التي تبدو لهم وكأنها مجردة من أي ~~معنى. # إن الحصاد موجود هنا وهناك، ولكن الفعلة قليلون. فالحياة حياتك. ومن ~~العار عليك أن تقبل بالهزيمة والاستسلام. أنت مسئول عما حل بك. فلا تلم ~~القدر ولا تلعن الآخرين، بإمكانك أن تختار، أن تعيد النظر في خبراتك السابقة، ~~أن تتخطى نفسك وتفتح صفحة جديدة في حياتك. فهل حاولت ذلك مرة واحدة؟ لا تقل: ~~أنا مكتئب وقلق وخائف وفاشل، بل قل: لدي شيء من الاكتئاب والهم والخوف مثل ~~بعض الناس، وسوف أحاول أن أبدل نمط تفكيري وأسلوبي واختياري في الحياة. ليس ~~هناك إنسان فاشل تماما إلا إذا هو اختار الفشل لنفسه كنمط أساسي ~~لوجوده. # الصديق الدكتور عادل مصطفى المشهود له بالثقافة الواسعة والموهبة الأدبية ~~وجد من المفيد أن يضع هذا الكتاب بين يدي القارئ العربي. لقد أحسن الاختيار ~~وأجاد في الترجمة. إنه لكتاب قيم يفيد منه الأصحاء والمرضى، فهو يعطيهم ~~القناعة بأنه يمكنهم الخروج من النفق إلى النور، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن ~~الخوف إلى الشجاعة، فالشجاعة هي في أن تحيا، وتتحمل الحياة، وتحقق وجودك الحر ~~في هذا العالم. # «سواء أكانت الحياة كفنا أم شرنقة، فإن على كل إنسان أن يحوك حياته ~~بنفسه.» # ألكسندر إليوت، ms02 آفاق الفن ~~«... ذلك الانتساب الذي يهتف بنا حين نصحو في الصباح: لك شيء في هذا ~~العالم، فقم.» # غسان كنفاني، الرسائل ~~«فقد ينبغي أن تفهما يا ابني أن كل واحد منا يلقى أول الشباب ~~وحشا قائما يريد أن يأخذ عليه الطريق. وهذا الوحش يا ابني يعرض على ~~كل واحد منا سؤالا خاصا، فاعلما أن هذه الأسئلة مهما تختلف فإن ~~جوابها واحد لا يتغير. نعم! ليس هناك إلا جواب واحد لهذه الأسئلة كلها، ~~وهذا الجواب هو «الإنسان»، وهذا الإنسان الفرد بالقياس إلى كل واحد منا ~~هو شخصيته.» # أندريه جيد، أوديب ~~«الضمير هو الصوت الذي يهتف بالإنسان في سرية وصمت أن يستخلص نفسه ~~من تشتت خسران النفس، ومن الاستغراق في «الناس»، لكي يأخذ على عاتقه ~~مسئولية أن يكون نفسه. إنه نداء النفس لنفسها من الخسران إلى الأصالة.» # 1 # هيدجر، الوجود والزمان # | مقدمة # آثرت في هذه التقدمة أن تكون تتمة لملامح العمل الذي تتناوله أكثر مما ~~تكون تكرارا له أو تنويعا عليه. فالنص الذي بين يديك هو عجالة موجزة في ~~العلاج الوجودي، فيه من عيوب الاختصار ومزاياه. فمن عيوبه أنه لا بد تارك ~~جوانب يجمل استيفاؤها كيما تكتمل الفائدة ويتم القصد، وهو ما حاولت جهدي ~~أن أقوم به في هذه التقدمة التي أعلم أنها لا تسلم من العسر والإفاضة. # 1 # ومن مزاياه أنه يترفق بالقارئ المعاصر، المتعجل بطبعه، فيقدم له ما قل ~~ودل، ويدخل به إلى صميم الموضوع من أقصر طريق، ويقدم إليه زبدته في قبضة ~~واحدة، دانية سائغة سهلة الهضم، على وعورة الموضوع وعمقه في واقع ~~الأمر. # وقد اتفق لهذا العمل ميزة ثانية تأتيه من طريق آخر غير طريق ~~الاختصار. فقد قام بوضعه اثنان من أساتذة العلاج الوجودي كلاهما حجة فيه ~~وإمام، بل رائد ومؤسس لهذا الصنف من العلاج في زمننا المعاصر، مما يمنحك ~~الثقة أن النبع أم والورود حميد، وأنك على الخبير سقطت. # لكأن المدرسة الوجودية تقدم للعلاج النفسي بعدا ثالثا وتضيف إليه ~~عمقا جديدا. والطريف في أمرها أنها لا تجحد فضل ms03 المدارس الأخرى ولا ~~تلغيها، بل تبقي عليها وتفيد من إسهاماتها، وتوغل من تحتها إلى أعماق ما ~~خطرت ببال رواد المدارس الأخرى؛ ولسان حالها يقول: «ما جئت لأنقض؛ بل ~~لأكمل.» فالدوافع الفرويدية والأدلرية، والإشراط السلوكي، ونماذج يونج ~~البدئية، والصيغة الاجتماعية البينشخصية # interpersonal # إلخ، كل أولئك كشوف ثمينة ~~وخطوط هامة. غير أنها تتركنا مع صورة للمريض غير مكتملة ... صورة باهتة غائمة، ~~لا عين فيها ولا تعبير. صورة تجوز على كل مريض ولا تميز أي مريض. زد أنها ~~صورة مستوية ينقصها العمق ... البعد الثالث ... البعد الوجودي. # تأتي المدرسة الوجودية لكي تكمل هذه الصورة الغفل، وتهيب بالطبيب ~~النفسي أن يتثبت في كل لحظة أنه يرى المريض الفرد على ما هو عليه، لا أنه ~~ببساطة يسقط عليه ما حفظه من نظريات، ويرجع عليه ما تجرعه ~~من دروس، وأنه ببساطة يراوغه ويناوره كي يوقعه عاجلا في شبكة ~~التشخيص. # من الألفاظ التي يكثر تداولها بين الوجوديين لفظة # Dasein ~~، ولفظة # Daseinanalysis ~~، ولفظة فينومينولوجيا. أما ~~كلمة # Dasein # فقد ترد كما هي بالألمانية، ~~وتعني حرفيا «الموجود-هناك» (والموجود هنا أيضا) # There-being ~~، ~~أي الموجود العيني المتحقق أو المتشخص، أي الإنسان ~~.. الوجود الجزئي المتعين المحدد كوجود الإنسان الفرد. وقد تنقل إلى ~~تعبير «الوجود الإنساني» أو «الواقع الإنساني» دون إخلال كثير بالقصد. وقد ~~تنقل كذلك إلى «الوجود-هنا والآن» لتضفي شيئا من معنى الحضور الإنساني ~~المباشر الذي تحمله اللفظة الألمانية الأصلية. ومن ثم يكون تعبير # Daseinanalysis # هو التحليل الوصفي لوجود ~~إنساني بعينه في موقف محدد والإبانة عنه. أما «الفينومينولوجيا» فهي المنهج ~~الذي يتم به هذا التحليل. ~~(1) هوسرل والفينومينولوجيا # يدين جميع المفكرين الوجوديين بالفضل لجهود الفيلسوف الألماني إدموند ~~هوسرل # Husserl # مؤسس المنهج الفينومينولوجي ~~في القرن العشرين، الذي تحول من منطقي إلى فيلسوف بحت إلى مفكر ~~وجودي في أواخر أيامه. والفينومينولوجيا مصطلح وثيق الصلة بالمدخل الوجودي ~~إلى الإنسان وموقفه وعالمه. فهي منهج المفكر الوجودي وأداته، وهي سراطه ~~السوي الذي لا يحيد عنه في تقصي الوجود الإنساني وفك مغاليقه. ~~يمكن أن نعرف الفينومينولوجيا بأنها علم «الذاتي» ... التحليل الوصفي ms04 ~~للعملية الذاتية ... تحليل الأشياء كما تتمثل في الوعي الإنساني وتتراءى له ~~وتتبدى فيه. ليس الوعي بالنسبة إلى العالم الفينومينولوجي وعاء غامضا ~~يحوي التمثلات، أو إناء سلبيا يحمل الخبرات، بل هو فعل قصدي # intentional # بكل معنى الكلمة ... عملية وصل ~~الذات أو ربطها بالموضوع، ذات تراود موضوعا وتقصده وتعنيه وتلتحم به ~~التحاما وإن يكن حرا. وما دام الوعي الإنساني عملية قصدية فكل فعل ~~بشري هو شيء مدفوع، ولكنه مدفوع من الداخل، يحدده الشخص ذاته بحرية تامة ~~في ضوء ما ينتقيه من الأشياء ويراه ذا بال وشأن وقيمة. هذه «القصدية» في ~~الكائن البشري هي التي يشكل بها واقعه، ويصوغ بها ماضيه، ويؤسس بها ~~مستقبله ويومه وساعته التي هو فيها. # أراد هوسرل من منهجه الفينومينولوجي أن يرفع الفلسفة إلى مرتبة العلوم ~~الدقيقة بأن يجعلها دراسة للمعاني والماهيات الخالصة، أو رؤية الماهية في الشعور. # 2 # والخطوة الأولى في هذا المنهج هي أن نتخلص من كل الأحكام ~~المسبقة، ونستبعد كل ما من شأنه أن يتداخل مع الرؤية الصافية ويتطفل على ~~المعطيات الواقعية المباشرة؛ من اعتقادات دوجماطيقية وفروض عقلية ومفاسد ~~لغوية وعادات عملية ونظريات علمية، ووضع كل ذلك بين أقواس «التوقف عن الحكم ~~أو الإبوخيه # epoché ~~» بحيث لا يتحدث إلا ~~الشيء المعطى مباشرة. كذلك نتوقف عن الحكم على «وجود» هذا الشيء مهما ~~بلغت درجة وضوحه، فالفلسفة بوصفها معرفة بالماهيات لا يعنيها الوضع ~~الوجودي للموضوعات المتأمل فيها، ولا ذلك داخل في مجال دراستها. # بعد أن تخلصنا من كل الزوائد المقحمة على الرؤية الخالصة يبقى لنا ~~الشعور المحض ... العيان المباشر، فنلتجئ إليه بوصفه الأداة الوحيدة لإدراك ~~الواقع في صفائه التام، وتأمله بوضوح وتجرد، وتفرسه بدقة ومرونة، ~~وتحديد معالمه وتفاصيله وأحواله، وتحويل ما هو ماثل إلى ماهية؛ فمن تمثلات ~~الأحمر المختلفة نخلص إلى ماهية الأحمر، ومن أفراد البشر العينيين نخلص إلى ~~ماهية الإنسان ... إلخ. وتسمى هذه الخطوة «الرد الماهوي» # eidetic reduction # وهو يتقاطع مع صنف آخر ~~من الرد هو «الرد المتعالي» # transcendental ~~reduction # وبه تتحول المعطيات في الشعور الساذج إلى ms05 ~~ظواهر متعالية في الشعور المحض. بذلك يمثل الشعور المحض علوا أو ~~تجاوزا # transcendence # من نوع خاص داخل ~~تيار التجارب الحية، ويمارس نشاطا بنائيا تجاه المعطيات الواقعية، ويجمع ~~بين الصبغة المثالية المتعالية # transcendental ~~idealism # وبين الموضوعية العلمية الدقيقة. ~~(2) الفكر الوجودي # للفكر الوجودي جذور ضاربة في عمق التاريخ. فالملامح الوجودية لا ~~تخفى على من ينظر إلى فكر سقراط وسابقيه، والقديس أوغسطين # Augustine ~~، والحلاج، ودانتي # Dante ~~، وبسكال Pascal ~~، وبعض الرومانتيكيين الألمان. ~~وصولا إلى أواسط القرن التاسع عشر حيث بدأت النبرة الوجودية تعلو وتتحدد. ~~نتبينها في بعض أعمال دوستويفسكي # Dostoevsky # إذ يشرح الآثار ~~الاستلابية لعصر التقدم الصناعي المفتون بالنزعة العلمية المتطرفة # scientism ~~، ويصدع بالحرية والمسئولية ~~في وجه المجتمع الكتلي المتشرب بالامتثالية الاجتماعية والفلسفة ~~الطبيعية العلمية. وتبلغ النغمة الوجودية ذروة عالية في كتابات المفكر ~~الألماني فردريك نيتشه # Nietzsche # الذي ~~التقت فيه ملكات الفيلسوف والشاعر وعالم النفس في أصفى صورها وأسماها، ~~وحمل حملة شعواء ضد الزيف المتوطن في هذا العصر الحديث وأهله الذين ~~استمرءوا الأفكار الاتفاقية والرضا الذاتي وزين لهم خداع النفس أن ~~يعيشوا في عالم منقسم يعاني صدعا متفاقما بين المثال والواقع؛ بين اليقين ~~والإلحاد. # أما المؤسس الحقيقي للوجودية المعاصرة فهو المفكر الدنمركي سورين ~~كيركجارد # S. Kierkegaard # الذي توفي عام ~~1855م بعد حياة قصيرة براقة تاركا تراثا مكتنزا في الأدب الموقظ ~~والفلسفة الجادة والفكر الديني العميق. وما يزال فكره السيكولوجي معينا ~~ثرا وثورة علمية لا تخمد. قام كيركجارد في كتابه المبكر «إما-أو» بتحليل ~~مبدأ اللذة كما يتمثل في الحياة اليومية للفرد، والحافز الشبقي المتواري ~~خلف عديد من مظاهر السلوك، وآليات خداع النفس والأوضاع الدفاعية والدوافع ~~الخفية. كل أولئك يضعه بين علماء سيكولوجيا الأعماق موضعا متقدما سابقا ~~لزمنه سبقا مدهشا. ولديه في التحليل الذاتي ارتيادات تكشف أنه امتلك ~~فهما إكلينيكيا لأزمة الهوية وللآليات اللاشعورية للضمير. تمدنا هذه ~~التحليلات الذاتية أيضا بإطار لفهم الدفاعات والمتلازمات ~~العصابية. # في تحليله للسأم # 3 # على سبيل المثال يميز كيركجارد بين نوعين منه: # الأول: هو السأم القصدي، أي ملال المرء من موضوع ms06 معين أو حدث محدد أو ~~شخص يجالسه. وهو ظاهرة سطحية لا تعبر عن موقف المرء الجوهري. إنه صنف هين ~~من الملل له وجاهته وله علاجه الفوري الناجع. أما النوع الثاني: فهو ~~الملال الحقيقي البحت ... ملال المرء من نفسه ، وإحساسه بفراغ رهيب غريب يهدد ~~الحياة نفسها بفقد معناها. إنه وعكة روحية أو هستيريا روحية تجبه المرء ~~بهاوية من الخواء وانعدام المعنى. والعجيب أن المرء في الأغلب ينكر حالته ~~المرضية هذه ويندفع لا شعوريا إلى مداراتها بشتى ألوان النشاط الكاذب، ~~وإلى التهرب من نفسه بشتى ضروب التلهي والتعلل والتسلي. إنها تلهيات ~~خائبة توفر هجوعا مؤقتا للسأم لكيلا يلبث أن ينهض أوفر صحة وأشد ~~عرامة. إنه دوران في المحل لن يؤدي إلى شيء؛ اللهم إلا لمزيد من السأم. ~~إنه نشاط بائس يائس أشبه بتشنج الذبيح، نجد نموذجه الأمثل في نيرون الذي ~~تفنن في الملذات بدافع السأم، وأحرق روما بدافع السأم. غير أنه نموذج ~~يشملنا جميعا ولا يعفينا؛ فكلنا نيرون «لحمه من لحمنا وعظمه من عظمنا». ~~ولن يكون للمرء مخرج من هذه الدائرة الأكولة إلا بالتوجه إلى باطنه ~~(الاستبطان) لاكتشاف ذاته الحقيقية واستردادها، والعلو إلى الجد والوجدان ~~والحرية والالتزام واتخاذ القرار. فبهذه النقلة فقط يكون بوسع المرء أن يلم ~~شتاته ويجمع ذاته المتناثرة في الوجود ويصبح ذاتا متكاملة موحدة. ~~فالتكامل عملية لا حالة ... سعي وكدح، والتكامل ينجز ولا يوهب. والذات ~~لا تحقق تكاملها ووحدتها إلا بالاختيار الحر. فالاختيار يقتضي الحرية ~~و«إما-أو». وفي هذا يكمن الكنز الأكبر الذي يمكن للمرء امتلاكه. إنه الغنى ~~الخالص الذي يجعل المرء غير مدين لغيره، ويجعله أغنى من العالم بأسره. أن ~~يكون المرء نفسه ... أن يختار نفسه ... أن يسترد نفسه، «ذلك هو الكنز المخبوء ~~داخل المرء، فهناك «إما-أو» يجعل الإنسان أعظم من الملائكة.» # 4 # ويعود كيركجارد في كتابات عديدة إلى تحليل السأم والقلق والتردد ~~والعبث والالتزام وعدم الالتزام. وقد دأب في كتاباته على أن يقارب ~~الحقيقة الإنسانية في صورتها الفردية الشخصية، وأن ينأى عن الحديث بصيغة ~~المجرد أو الإنسان العام؛ ms07 كان دائم القول «وجودي» بكل ما تعنيه الصيغة من ~~خصوصية وتعين وتفرد. وقد بلغ منهجه الاستبطاني غاية العمق في كتابه ~~«من المرض إلى الموت» الذي يقدم فيه تحليلا وجوديا بارعا للاكتئاب ما ~~يزال يطبق على نطاق واسع في مجال العلاج النفسي الوجودي. ورغم أن علاجه ~~الخاص كان مؤسسا على الخبرة الدينية ومعاينة نفس خالدة، فإن استبصاراته ~~الإكلينيكية المتعلقة باليأس وعذاباته يمكن أن تتحول إلى استراتيجية ~~علاجية ذات توجه طبيعي. # إن توكيد كيركجارد على أولوية الوجود والذاتية والنمو الشخصي والحدود ~~الإنسانية يجعل منه أبا ومعلما لجميع المفكرين الوجوديين في القرن ~~العشرين. وتبقى رائعته الكبرى هي سيرته الشخصية ذاتها وطريقته الرواقية في ~~مواجهة مصيره المعقد، يورثها للأجيال من بعده ثروة نفسية وذهنية لا ~~تنفد. «لقد مات، في نظر المؤرخ، بعلة قاتلة. ومات، في نظر الشاعر، من شوقه ~~الملتهب إلى الأبدية». # 5 # تأصلت أفكار كيركجارد بعمق في تأملات عدد من الكتاب الفرنسيين ~~والألمان في النصف الأول من هذا القرن وربما بعد ذلك. # فقد اجتذب جبرييل مارسيل # G. Marcel # الأنظار في الأوساط السيكولوجية والطبنفسية باستبصاراته الإنسانية الثاقبة ~~في عدد من المسائل الوجودية. وترك تأملات عميقة في الموقف الإنساني، وفي ~~الجسد بوصفه صلة الإنسان بالوجود، وفي البنوة والولاء الإبداعي والانتحار. ~~وما يزال توكيده على البينذاتي # intersubjective # وعلى المشاركة يتجاوب مع ~~اهتمامات المعالجين الوجوديين حتى اليوم. # شارك مارسيل في الوجودية، شأنه شأن سارتر، بأدبه المسرحي الذي ساعد على ~~انتشار الوجودية بين سواد الناس، مما أفادها في الذيوع، وإن أساء لها من ~~جانب التلقي السطحي المعهود لدى عامة الجمهور. «على أن لمارسيل فضلا ~~بارزا في تحليلاته الفلسفية الدقيقة، خاصة في كتابه «يوميات ميتافيزيقية»، ~~وفي عنايته بمسألة الملك والوجود، وتمييزه بين كليهما ورفعه الوجود فوق الملك.» # 6 # ولعل ألبير كامي وجان بول سارتر هما أعرض الوجوديين شهرة وأبعدهم ~~صيتا. والحق أن كامي # Camus # لا يعد ~~وجوديا بالمعنى الدقيق إلا في كتاباته الأولى. ويعتبر كتابه «أسطورة ~~سيزيف» ارتيادا سيكولوجيا هاما. يرتكز فكر كامي على مفهومي اللامعقول ~~والثورة. وهو يشبه ms08 الإنسان في الحياة بسيزيف الذي عاقبته الآلهة بحمل ~~الصخرة الثقيلة إلى قمة جبل ما يكاد يبلغها حتى تسقط، ويكون عليه أن يعيد ~~الكرة إلى غير نهاية. وقد كان يطيب الأمر لو أن الفتى حجر مثل ~~أحماله، ولكنه للأسف محكوم بالوعي أو الشعور الذي يسومه سوء العذاب كلما ~~خلا إلى نفسه وتجلى له العبث وأطبق عليه؛ إنه يعمل كل يوم نفس العمل ~~ويكرر نفس المشهد، وهو يعمل ليقتات ويقتات ليعمل، إلى غير نهاية، اللهم ~~إلا الموت. إنه سيناريو لا معقول ونهاية لا معقولة لكل موجود. # أما سارتر # Sartre # فقد اشتهر بتعدد ~~الملكات، فهو كاتب قصة ورواية ومسرحية وسيرة ذاتية ونقد أدبي ونصوص فلسفية. ~~في عام 1943م وضع سارتر سفرا ضخما عويصا هو «الوجود والعدم» كان له - ~~وما يزال - تأثير عظيم في مجال الطب النفسي الوجودي. وربما يقرأ هذا ~~العمل لتحليلاته النفسية أكثر مما يقرأ لتأملاته الأنطولوجية. أخذ سارتر ~~عن هيدجر التيمات # themes # الكبرى في ~~الوجودية فصاغها صياغة جذابة فتنت العامة والخاصة. وله نظرات ~~فينومينولوجية رائعة في الجسد والجنسية والرغبة والسادية والمازوكية ~~والمواقف العدائية والدفاعات العصابية التي يسميها # mauvais ~~foi ~~، وفوق كل ذلك تحليلاته الشاملة الوافية للحرية ~~والمسئولية. ~~(3) بعض مبادئ الوجودية # لا تفهم الوجودية # Existentialism # إلا بنقيضها: الماهوية # essentialism ~~. ~~فالمقولة الرئيسية التي تنسب لسارتر «الوجود يسبق الماهية» لا تفهم حق ~~الفهم إلا بنقيضها «الماهية تسبق الوجود». لقد كانت الفلسفات الكبرى في ~~التاريخ فلسفة ماهيات # essences ~~، # 7 # بمعنى أن للإنسان طبيعة وماهية سابقة على وجوده، تطبعه ~~بطابعها وتقولبه بقالبها، كما أن فكرة التمثال في خيال المثال تسبق ~~عملية نحت التمثال وتشكيله، وتصميم المبنى في مخطط المهندس يسبق بناءه ~~وتنفيذه. الإنسان الفرد إذن إن هو إلا نسخة جزئية لمثال كلي مسبق، أو نموذج ~~قبلي عام هو الطبيعة الإنسانية التي تشمل كل أفراد البشر. فجاء سارتر ليعكس ~~الآية ويقول: بل الوجود هو الأصل وهو السابق. فالإنسان يوجد أولا ثم يتحدد ~~بعد ذلك. وليس هناك طبيعة إنسانية موجودة سلفا أو ماهية مسبقة تفرض ~~نفسها على الإنسان ms09 وتصبه في قالبها ضربة لازب، بل الإنسان هو الذي يخلق ~~ماهيته. فالإنسان في أول وثبته نحو الوجود ليس شيئا. لقد قذف به إلى ~~عالم غير مكترث، فهو في وضع مستيئس وعليه أن يختار ويفعل دون أية مرجعية. ~~إنه يوجد أولا غير محدد بصفة ثم يغمد نفسه في المستقبل ويبرأ ~~ماهيته بنفسه عن طريق اختياراته ومقاصده وأفعاله التي يؤديها عن حرية هي ~~نظير المخاطرة، لأنه يؤديها دون أية قاعدة مسبقة ودون أية ضمانات. إنه ~~ينحت هويته كل لحظة ويصنع تعريفه ويخترع طريقته في الوجود. إنه مشروع ~~دائم يظل يتحقق ولا يكتمل إلا بالموت. # الإنسان إذن كائن «محكوم عليه بالحرية» # condemned to ~~be free # يمارسها عن طريق اختيارات يقوم بها في كل لحظة. ~~فالاختيار حتم. حتى عدم الاختيار هو نوع من الاختيار أو هو اختيار ~~مقنع. وما دام الإنسان حرا مختارا فهو مسئول عن وجوده وعما يكون ~~عليه. المسئولية هي توأم الحرية. وهذه المسئولية ليست وقفا عليه بوصفه ~~فردا؛ بل تمتد لتشمل الناس جميعا، فالإنسان يختار للآخرين فيما يختار ~~لنفسه ويفعل للآخرين فيما يفعل، لأنه باختياره وفعله هذين يرسم الإنسان كما ~~يرى أن يكون، ويدس «القيم» في قلب العالم. وبتشكيله لصورته يشكل في نفس ~~الوقت صورة الإنسان بعامة. وحين يختار قيمة أو فعلا ما فإن ما يأتيه يمس ~~الآخرين بالضرورة وينعكس عليهم. المسئولية إذن باهظة ثقيلة لأنها تمس ~~الناس جميعا. ومن ثم ترتبط الحرية والفعل الحر دائما بالكرب والقلق. ~~«القلق دوار الحرية». وهو مما ينزغ للإنسان أن يضع عن كاهله عبء الحرية ~~والمسئولية، وأن يخفض نفسه من مرتبة «الوجود لذاته» # being-for-itself ~~- الوجود الإنساني الحر ~~الواعي بذاته - إلى مرتبة «الوجود في ذاته» # being-in-itself ~~... وجود العجماوات ~~والجمادات الغارقة في سبات الضرورة وسكينتها. # هذا النزغ هو الذي يسميه سارتر # mauvais ~~foi ~~. وهو لون من خداع النفس يزين للإنسان العبودية ~~والاستسلام باعتباره مسيرا غير مخير، وضحية قوى بيولوجية ~~وتاريخية واجتماعية حتمية قاهرة ليس له فيها يد، وكأنه مجرد «شيء» من ~~الأشياء أو «موضوع» # object # من الموضوعات. ms10 ~~ويمعن سارتر في توكيد الحرية إلى أقصى مدى. فيقول: إن الإنسان إذ يتمتع ~~بالوعي الذاتي، فإن بإمكانه أن يعي حتى أسباب فعله ومحددات سلوكه، وهو ~~خلال هذا الوعي الانعكاسي يقف على دوافعه ويراها، ومن ثم يمتلك زمامها ~~ويصبح حرا إزاءها وفي حل من اتباعها. إن الكائن البشري محكوم عليه أن ~~يوجد خارج ماهيته وخارج دوافعه وأسبابه. # يقول سارتر إن هذا ليس تشاؤما؛ بل هو الوضوح والصرامة المتفائلة، ~~والعزوف عن التعامي والتعتيم على النفس التماسا للسكينة الرخيصة والأمل ~~الكاذب. فالفكر ليس عبدا «يخدم على» أهوائنا ويعمل على راحتنا ~~واسترخائنا. بل هو وظيفة بشرية تتعلق بتعرف الحقيقة كما هي وإماطة ~~الوهم كيفما كان. والحقيقة هي أن مصير الإنسان قابع داخل نفسه، ومن ثم ~~فالشيء الوحيد الذي يمكن الإنسان أن يعيش حياة جديرة باسمها هو الفعل ~~الحر والالتزام المسئول. # إذا انتقلنا الآن من فكر سارتر إلى متضمناته السيكولوجية أمكننا القول: ~~إن النظام الاعتقادي للمعالج النفسي (فلسفته) وتصوره لطبيعة البشر - من حيث ~~هو تصور «وجودي» أو «ماهوي» - يؤدي بالضرورة إلى تباين بعيد في تعريف ~~السيكوباثولوجيا (علم النفس المرضي) وفي تصنيف الشخص المتعين أمامه من حيث ~~الصحة والمرض، وبالتالي في اختيار التدخلات العلاجية الأنسب. «لا فكاك من ~~الفلسفة» .. قالها المعلم الأول قديما، وها هي تفرض نفسها في سياق الحديث ~~عن العلاج النفسي: إن المعالج النفسي غير المستنير فلسفيا هو معالج ~~ناقص؛ بل خطر. وربما يؤذي من حيث يريد أن يصلح، ويهدم من حيث يريد أن ~~يبني. ~~(4) ميرلو بونتي # ويعد موريس ميرلو بونتي # M. ~~Merleau-Ponty # المتوفى عام 1961م، آخر الفلاسفة ~~الوجوديين الكبار في فرنسا. تلقى ميرلو بونتي تدريبا سيكولوجيا. ودرس ~~السيكوباثولوجيا والتحليل النفسي دراسة جادة. وكان لعمله المبكر ~~«فينومينولوجيا الإدراك» أثر بعيد في الطب النفسي والنظرية النفسجسمية. ~~وفيه يقدم تحليلا عميقا للإدراك، ولدور ما أسماه «الذات الجسمية». يرى ~~ميرلو بونتي أن الجسم الحي يتميز بالخصائص التي نسبها الفلاسفة الأوائل ~~للخبرة وللوجود. وهو يتصور الجسم ليس فقط بالطريقة التي يتصورها ~~الفسيولوجيون، ولكن أيضا بوصف أن الجسم «يقصد» ms11 وظيفيا إلى أحداث خارجية ~~مرتبطة. وكان ميرلو بونتي على دراية كبيرة بحالات عطب الدماغ ~~وسيكوباثولوجيتها ومشكلات التحليل النفسي. وهو يتحدث في كتابته باللغة ~~الإكلينيكية للطبيب النفسي محتفظا في نفس الوقت بوضعه كفيلسوف حرفي ~~قدير. ~~(5) كارل ياسبرز # كان أول الأساتذة الألمان استجابة لرسالة كيركجارد هو كارل ياسبرز # Karl Jaspers # الطبيب النفسي والفيلسوف ~~الذي توفي عام 1969م بعد حياة أكاديمية طويلة ومجيدة. أمضى ياسبرز سبع ~~سنوات فقط في مجال الطب النفسي الإكلينيكي في هيدلبرج قبل أن يلتحق بكلية ~~الفلسفة. غير أنه تمكن خلال هذه السنوات القليلة من وضع كتاب «علم ~~السيكوباثولوجيا العام» الذي كان وما يزال ذا مكانة مرموقة وتأثير هائل في ~~حقل الطب النفسي. وعجيب الأمر أن هذا الكتاب، رغم نهجه الفينومينولوجي، لم ~~تشبه شائبة من فلسفة الوجود عند ياسبرز التي استغرقته بعد ذلك ~~وأهلته للتأثير الكبير في الفكر الوجودي. كان تركيز ياسبرز الفيلسوف ~~منصبا على الإنسان الوجودي؛ عالمه، مواقفه الحدية، لقائه بالحقيقة، بحثه ~~عن حدود المنهج والنظرية، ممكناته الترنسندنتالية. كان ياسبرز عقلا صارما ~~يحذر من اختزال الإنسان في نظرية، ويحذر أكثر من ذلك من تشييئه عن طريق ~~الاستلاب التكنولوجي. وسوف تظل أعماله محتفظة بقوة باقية وشباب دائم، ~~وستبقى العلوم الإنسانية كلها مشغولة بنظراته وتساؤلاته، وفي حوار لا ~~ينقطع مع فكره العميق النافذ. ~~(6) هيدجر والقلق الوجودي العميق # 8 # لا يكاد يبرأ مفكر وجودي معاصر - من الذين ذكرنا أسماءهم أو لم نذكر - ~~من أثر كبير أو صغير لفكر الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر # M. Heidegger # الذي كتب عام 1927م تحفته ~~الكبرى «الوجود والزمان» فكان له السيادة والريادة على الفكر الوجودي غير ~~مدافع. ويعد كتابه بحق إنجيل المدرسة الوجودية بأسرها. دفع هيدجر في ~~كتابه الوعر بكنز طائل من الأفكار والمصطلحات الجديدة صار بعضها من ~~الرواسم (الكليشيهات) الشائعة والتيمات الرائجة في الكتابة الحديثة. # انتهج هيدجر المنهج الفينومينولوجي فأسس فلسفة في الوجود الكلي أو ~~الأنطولوجيا تقوم على تحليل الوجود المتعين المفرد # Dasein # بوصفه مدخلا لمبحث الكينونة ~~ذاتها مختلطا بها ومشتركا معها في الحدود. وأول ما يتصف ms12 به هذا الوجود ~~المتعين المفرد هو «الوجود-في-العالم». هذا هو القوام الوجودي الأساسي ~~للكائن البشري. يجب أن نفهم «الوجود-في-العالم» كظاهرة واحدة غير مجزأة. ~~فالوجود الإنساني ليس راقدا في العالم رقود حصاة على الشاطئ، ولا هو ~~سابح فيه سبح سمكة في البحر. بل هو معطى في سياق العالم، مخلوط بالعالم، # 9 # بحيث يجد في متناوله الأشياء التي يستطيع أن يتناولها ويتخذها ~~أدوات، ويجد نفسه في ذات الوقت محددا بالأشياء التي يجب أن يعاني منها. ~~المكانية # spatiality # إذن شيء مستمد من ~~الحالة الأولية للوجود-في-العالم. # يترتب على هذا القوام الأساسي للكائن الإنساني نتائج بعيدة الأثر، ~~أهمها انتفاء الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع، تلك الثنائية التي ~~استهلها أفلاطون وعمقها ديكارت وكرسها تكريسا نهائيا فبقيت صدعا في ~~الفكر الغربي وعائقا عطل علم النفس والطب النفسي قرونا عدة. لقد حل ~~هذا القوام الجديد «الوجود-في-العالم» محل النماذج المغلقة للذهن جميعا، ~~سواء نماذج الذاتية المحضة أو نموذج الصندوق المغلق ذي المدخل # input # والمخرج # output ~~، أو نموذج الذهن الداخلي المطبوع ~~بتمثلات لما هو قائم بالخارج. الوجود الإنساني إذن ممزوج بعالم «مضروب» ~~به! بحيث إن هناك عنصرا من العالم داخلا في صميم وجودنا؛ آفاق بلادنا ... ~~مساكننا، مناظرنا الطبيعية؛ هي نحن. وما الطبيعة والأشياء القائمة هناك ~~إلا أفكار بعدية لاحقة تأتي بعد حضورنا المباشر داخل العالم وتلحق ~~عليه. # ويتصف الوجود الإنساني أيضا بأنه انبثاق وصيرورة # becoming ~~. فالإمكان هو جوهر الوجود ~~الإنساني. فما الإنسان على الحقيقة إلا ممكناته. الإنسان مشروع نفسه ~~باستمرار. ومن ثم فالمستقبل هو اللحظة الجوهرية في وجوده. أن يعيش المرء ~~يعني أن يتولى امتلاك مشروع وجوده الخاص، أن يكون مشدودا بهدف مستقبلي ~~هو الذي يملي عليه ما يفعله هنا والآن أن يعي ذاته لا بما كانه أو بما ~~هو عليه، بل بما يمكن أن يكونه ... أن ينطلق في اتجاه نفسه الحقيقية ... أن ~~يعلو على ذاته ... أن يتخطاها إلى أقصى ما تسمح ممكنات وجوده. هذا البعد ~~الوجودي هو ما يسميه هيدجر «العلو» أو «التجاوز» # transcendence ~~. # لكن الإنسان لا يعيش فقط في ms13 عالم الأشياء أو البيئة أو العالم المحيط # Umwelt # فهناك أيضا «الآخرون» والمطالب ~~اليومية الملحة والأحوال اليومية والرفاق اليوميون. هؤلاء يحومون حول ~~حياة المرء بمثل ما هو يحوم حول حياتهم ... شبكة من التبعثر والتفكك، وتعثر ~~الجوهري باللاجوهري. الوجود-في-العالم إذن هو أيضا وجود-مع-الغير. ومن شأن ~~هذا «الوجود-مع» # Mitwelt # أن ينزل بالإنسان ~~إلى حياة زائفة يومية متشابهة. فالإنسان الذي ينغمس بكليته في حياة الناس ~~ويدفن ذاته في حشدهم وجزئياتهم لن يسعه إلا أن يعمل كما يعملون ويفكر كما ~~يفكرون ويسلك كما يسلكون ويثرثر كما يثرثرون. فيصبح نسخة من كائن بلا اسم ~~هو الناس، وبذلك يخسر فردانيته وأصالته ويتحول إلى شيء بين أشياء وأداة ~~وسط أدوات، ويقع في الابتذال والتشتت، ويسقط في الوجود الزائف # inauthentic being ~~، وجود المجاراة ~~والمسايرة والامتثال واللاوجه واللااسم # anonymity ~~. ذلك هو البعد الوجودي السلبي ~~الذي يسميه هيدجر «الخسران» أو «السقوط». # ولكن لماذا يسقط الإنسان هذا السقوط ويقضي على حقيقة ذاته؟ إنه يفعل ~~ذلك فرارا من نفسه ومن العدم الذي يحاصره. فالعدم داخل في نسيج الوجود ~~دخول السدى في اللحمة؛ نراه في خبرة السأم (السأم لا من شيء بعينه، بل ~~السأم الشامل المطبق). ونراه في خبرة القلق (لا الخوف من شيء محدد، بل ~~القلق الصميم النهائي الناجم من شعورنا بأننا نحن وكل الأشياء والأحياء قد ~~انزلقنا في هاوية غامضة غير محددة). ونراه في كل فعل من أفعال الوجود؛ لأن ~~كل فعل يستلزم اختيار وجه واحد من أوجه الممكن ونبذ سائر الممكنات، فهو ~~يحمل معنى العدم ويستلزم العدم ويفرزه. ولهذا لا بد للإنسان أن يعيش في ~~القلق لكي يعي حقيقة الوجود. ذلك لأن الإنسان بطبعه يميل إلى الفرار من وجه ~~العدم الماثل في صميم الوجود، وذلك بالسقوط بين الناس والتردي في الحياة ~~اليومية الزائفة. ولكي يعود إلى ذاته لا بد له من قلق كبير يوقظه من ~~سباته. # وليس أدعى إلى القلق من تلك الحقيقة التي تقف للإنسان بالمرصاد وتحول ~~دون استمرار تحقيق ممكناته: حقيقة الموت. إن الوجود الإنساني هو «وجود ~~للموت» ... وجود ms14 متجه نحو الموت. فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجا للموت، ~~وكل حي يحمل جرثومة موته بين جوانحه منذ اللحظة الأولى. ولكن الناس يوهمون ~~أنفسهم بالحصانة من الموت، ويتعاملون عن حقيقته رغم أن فيها يتم الشعور ~~بالفردية إلى أقصى درجة. فكل محتضر يموت وحده ولا يسع أحدا أن يموت ~~نيابة عنه. فالموت هو الحادثة الوحيدة في حياة الإنسان التي هي خاصة به ~~بشكل فريد مطلق. وفي هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود الذاتي الحق، وفيه ~~ما ينتشل الإنسان من الخسران اليومي ويرده إلى الوجود الأصيل ... يرده إلى ~~نفسه. إن الموت هو أصدق الممكنات الإنسانية وأكثرها جوهرية وأصالة. وليست ~~هذه فلسفة تشاؤمية؛ بل هي بالأحرى مذكر حي بأهمية العيش ذاته ~~وجديته، ونفاسة كل آنة من آنات الحياة. فالعزيمة هي الثمرة الطبيعية ل ~~«الوجود للموت» تكرسنا لوجود أصيل، وتحملنا على أن نعرف قيمة وجودنا ~~ونأخذه مأخذ الجد، وأن نسعى ملء الممكن ونعيش ملء اللحظة. # هذه هي خلاصة فكر هيدجر. نقبلها ونستضيء بها. ونشفع مفهومه للخسران ~~باستدراك واجب، هو أن هيدجر لم ينف أبدا أن «الوجود-مع» هو وجه من وجوه ~~الوجود، وشكل من أشكال عالم المرء، هو الذي يمده بأسباب العيش ويقدم له ~~الأدوات التي يحقق بها ممكناته، حين يتعايش مع الآخرين بانفتاح وحضور ~~متبادل لوجود تجاه وجود، في عالم اللقاء الأصيل الصادق وجها لوجه، ولن ~~يتاح للإنسان أن يكتشف ممكناته ويحققها إلا في هذا العالم وجه ... عالم ~~المعية والمشاركة والتعايش. # ليس هذا دفاعا عن هيدجر بل هو استدراك موجه إلى القارئ. فالحق أن فكر ~~هيدجر عسير حلزوني لا يفهم إلا في كليته وتمامه، بحيث إن جل مصطلحاته ~~وركائزه تفقد معناها إن هي أخذت على حدة، ولا تتحلى بالمعنى إلا في ~~سياق المذهب الكلي وإطاره. أي إنها مصطلحات «محملة بالنظرية» مشحونة بها # theory-laden ~~. وقد يطيب لبعض المتشدقين ~~أن يتهم السيكولوجيا الوجودية بالأناوحدية # spolipsism # أي النظر إلى الفرد باعتباره ~~متقوقعا في عالم نفسه ساقطا في بئر ذاته لا يدري شيئا عن عالم الفرد ~~الآخر. ms15 فالذاتية في الفكر الوجودي لا تنفي «البينذاتية» بل تكملها وتقومها ~~وتعيدها إلى نصابها الصحيح، والانفتاح الحقيقي المتبادل بين الذوات يجعل ~~الظواهر الواحدة تشع وتفيض بنفس الأثر والمعنى على الجميع. فالوجود ~~الإنساني ليس كهفا وليس قوقعا. إنه دائما مشاركة العالم مع الذوات ~~الأخرى. ولن تكون هذه مشاركة حقيقية إلا بين ذوات حقيقية تعيش وجودا ~~أصيلا، لا مجرد كتل هلامية بلا اسم ولا هوية، عبثا تلتئم وتنصهر دفعا ~~للسأم وهروبا من الحرية ورعبا من الوحدة الصميمة وتعاميا عن حقيقة ~~الوجود. ~~(7) تأثير الفينومينولوجيا على علم النفس الوجودي # كان لنشوء المدرسة الفينومينولوجية في علم النفس أثره في بزوغ المدخل ~~الوجودي، من حيث إن المنهج الفينومينولوجي هو المنهج الذي يتمسك به جميع ~~المعالجين الوجوديين. وتتماهى الفينومينولوجيا أيضا مع مدرسة الجشطلت ومع ~~الدراسات الحديثة للإدراك. وتعمد الطريقة الفينومينولوجية إلى الانخراط في ~~وصف الظواهر السيكولوجية وصفا مفصلا مستنفدا مع وقف الفروض التفسيرية ~~في ذات الوقت وتنحيتها جانبا، وإلى وصف الخبرة بلغة الخبرة، وتفسير الخبرة ~~بلغة الخبرة. ولغة الخبرة فيها من العيانية والألفة أكثر مما فيها من ~~التجريد والرطانة. لا تسعى الفينومينولوجيا إلى تفتيت الظاهرة إلى عناصر ~~وأشلاء؛ بل تنصرف إلى فهم الخبرة كما تتراءى مباشرة على شاشة الوعي. إن ~~خبرات مثل القلق واليأس والحب والحرية والمسئولية والرعب والدهشة والقرار ~~من المستحيل أن تقاس كميا أو تختبر معمليا. إنها ببساطة توجد وتمثل. ~~ولا سبيل إلى فهمها إلا كما تنوجد وتتمثل، ولا إلى تحليلها وتفسيرها إلا في ~~أسلوبها الخاص في الحضور والتجلي. وقد طبق المنهج الفينومينولوجي أخيرا ~~في علم النفس الاجتماعي وفي علم نفس الشخصية. وقد أفاد أولبورت # Allport # وماسلو # Maslow # وروجرز # Rogers # وستراوس # Straus # وبنسفانجر # Binswanger # من النهج الفينومينولوجي، ~~وغدت السيكولوجيا المشربة بالتوجه الوجودي هي بحق «القوة الثالثة»، كبديل ~~أقوم لكل من النموذج الفرويدي والنموذج السلوكي. # وبين كل هؤلاء يستحق السويسري لودفيج بنسفانجر # Binswanger # وقفة خاصة. كان بنسفانجر ~~طبيبا نفسيا وأستاذا وفيلسوفا توفي عام 1966م، ويعد نموذجا للممارس ~~الإكلينيكي الوجودي في أكمل صوره، ومؤسسا للفكر السيكولوجي الوجودي من ms16 ~~خلال محاضراته وكتبه ومقالاته وإدارته لمستشفى عقلي. كما يعد بنسفانجر أدق ~~شارح لفكر هيدجر منذ صدور «الوجود والزمان»، فقد كان يستخلص المتضمنات ~~السيكولوجية لفكر هيدجر بمساعدة هيدجر نفسه، إذ كانا بجيرة جغرافية. كما ~~تأثر بالفلسفة الفينومينولوجية وباستبطانية كيركجارد وبحوار «أنا-أنت» عند ~~بيوبر # Buber ~~، بالإضافة إلى عناصر لا غنى ~~عنها من بلويلر # Bleuler # وفرويد # Frued ~~. # كان بنسفانجر صديق عمر لفرويد ومحللا نفسيا سويسريا رائدا. ورغم ~~اختلافاته الصريحة مع فرويد فقد بقيت صلتهما حارة حتى النهاية، ولم تنقطع ~~يوما من الأيام كما هو شأن علاقات فرويد بتلاميذه المنشقين. والحق أن ~~أفكار بنسفانجر الوجودية لم تتبلور وتنم نموا منهجيا منظما إلا بعد ~~وفاة فرويد، رغم أنه كان قد شرع في تطويرها منذ أوائل الثلاثينيات. # أخذ بنفسانجر عن هيدجر فكرة أن الإنسان كائن زماني بالدرجة الأساس. ~~وأنه يوجد بقدر ما يتوجه إلى المستقبل ويستشرفه. وأنه ينظم حاضره الآني ~~ويصله بماضيه السالف وفقا لاستشرافه المستقبلي وصلته بالآتي. وقد لاحظ ~~بنسفانجر في مرضاه أن لب الاضطراب عندهم هو فقدان التوجه والمعنى في ~~حياتهم. مما يعني أنهم لم يعودوا على علاقة ذات معنى بالزمن نفسه، لم ~~يعودوا قادرين على ربط أقانيمه الثلاثة، الماضي والحاضر والمستقبل، معا ~~بعناية وانسجام. # أفاض بنسفانجر في تحليل الوجود الإنساني بوصفه وجودا-في-العالم، ~~وتحليل الهموم الإنسانية وتمثلاتها وتحولاتها كما تتبدى في الحالات المرضية ~~الفردية الحية، ووصلها بعالم المريض في أشكاله الثلاثة: العالم المحيط ~~(البيئة)، والعالم-مع (العالم البينشخصي)، بالإضافة إلى العالم الشخصي الذي ~~أضافه بنسفانجر إضافة رائدة (وهو عالم الذات في ديمومتها واتساقها ~~وهويتها). ويرى بنسفانجر أن المرض النفسي يأتي من أثر ما يلحق بعالم الفرد ~~من تقلص أو تسطح أو تشويه أو استنفاد. فالمرض هو دائما فقدان يلحق بمحتوى ~~عالم الفرد، فقدان للغنى والتركب الذي يجب أن تتسم به السياقات ~~المرجعية. المرض هو أن يطغى على المرء نمط واحد للعالم ويستنفده تاركا ~~عالميه الآخرين في جدب ومحل وفاقة. # أما رولو ماي # Rollo May ~~- مؤسس العلاج ~~الوجودي في الولايات المتحدة - فإنه يؤكد على مسئولية المريض ms17 عن اضطراباته ~~وعما يجري له في حياته مسئولية مباشرة، ويحثه على أن يواجه ما يبدو له ~~عوامل حتمية تجبره على التسليم أو الانسحاب وتجنب الحياة. وله في تيمة ~~القلق إضافة رائدة هامة. يميز رولو ماي بين نوعين أو دورين للقلق: فهناك ~~الدور الصحي الذي يضع يد المرء على مكمن إشكالية في حياته، وبذلك يفتح له ~~الأبواب أمام إمكانيات الحياة بصورة مختلفة ويدفعه - عن طريق المواجهة ~~والتصدي - إلى مزيد من النمو والإبداع. وهناك دور آخر مرضي للقلق، وهو ما ~~يؤدي بالمرء إلى تجنب هذه الإمكانيات ومحاولة العيش في قوقعة آمنة، ويبقى ~~علامة تشير إلى الإمكانيات غير المعيشة وإلى الموت المبكر والوجود الضيق. ~~وقد وجد رولو ماي في الخمسينيات أن معظم الأفراد يعانون مما أسماه «العصاب ~~الوجودي» أكثر مما يعانون من العصابات التقليدية. والعصاب الوجودي هو ~~فقدان الإحساس بالذات وبالدهشة والشغف والثراء النفسي الداخلي، والعجز عن ~~امتلاك المرء لحياته وأفعاله وعن الاستقلال الذاتي والأصالة، وعن أن يتوافر ~~لديه بصورة مباشرة أساس داخلي ومصدر للأفعال والاختيارات. ونتيجة لهذا ~~الفقدان ينشأ الإحساس بالفراغ والعبث والسأم والجزع واليأس، ويسود إحساس ~~غامر بالضياع والتخبط وفقدان المعنى في الحياة. ~~(8) فرنر مندل واستراتيجية المعالج الوجودي # رسم فرنر مندل # Werner Mendel # ستة خطوط ~~هادية، يشير كل منها إلى استراتيجية محددة يجب على المعالج النفسي أن يلتزم ~~بها ولا يحيد عنها: ~~(1) # عندما نكون بصدد الماضي الخاص بكائن إنساني بعينه، فإن هذا ~~الماضي يجب أن تعاد كتابته باستمرار. فالماضي كما تستعيده الذاكرة ~~لا يمكن أن يستحضر في صورة كلية تامة دائمة تمثل ما كانه هذا ~~الشخص في الماضي حقا وصدقا. فحقيقة الأمر أننا جميعا نقوم ~~بمراجعة الماضي وتنقيحه كلما انطلقنا إلى الأمام. ذلك أن الذاكرة ~~نفسها تتكئ في عملها على الموقف الحاضر وعلى توجهنا واستشرافنا ~~للمستقبل. ومن المعروف في الدراسات التاريخية الحديثة أن إعادة كتابة ~~التاريخ ومراجعته وتعديله مهمة ضرورية تقع على عاتق كل جيل من ~~الأجيال. وليس التاريخ الشخصي من ذلك ببعيد؛ فهو أيضا بحاجة إلى ~~المراجعة الدائمة من أجل ms18 تحصيل المادة ذات الصلة، أي تجميع صورة ~~الماضي التي تعنينا في الحاضر. ~~(2) # يجب أن تكون لنا وقفة عند المستقبل كتاريخ في ذاته. فالمستقبل ~~له ضغطه ونفوذه على توجه المريض، وله أثره الحاسم في مآل العلاج. ~~يجب أن يظل المستقبل نصب عين المريض في خططه وتوقعاته وأهدافه ~~المختارة. ~~(3) # يجب أن نكون متهيئين دائما لتناول المادة الشعورية وتركها تفصح ~~عن نفسها دون حصرها في صيغ ليست من جنسها، أو صبها في تأويلات ~~غريبة عنها. وبتعبير آخر يجب أن نبقى على موقفنا الفينومينولوجي في ~~وصف الأعراض والأحداث والخيالات والأحلام. وأن نتقصى المحتوى ~~الظاهر # manifest content # بصبر ودأب ~~واستنفاد قبل أن نتحول إلى المحتوى الكامن # latent ~~content ~~. ~~(4) # يجب أن نسلم بحقيقة اللقاء العلاجي بين المعالج والمريض ~~وواقعيته، دون أن نرد كل تقلب يعتري العلاقة إلى مظاهر الطرح # transference # والطرح المضاد # counter transference ~~. ~~(5) # يجب أن يميز المعالج الوجودي بين ما يقوله الإنسان وما يفعله. ~~فالمرء بفعله. وهو يبث فيه من وجوده أكثر مما يبث في قوله. ويجب أن ~~يلتفت المعالج أيضا إلى مدى تقارب القول والفعل أو تباعدهما عند ~~المريض في كل لحظة. ~~(6) # القرار والفعل هما عنصران مدمجان في العملية العلاجية ومكملان ~~لها. ولا يصح تسويفهما حتى يتم العمل العلاجي. فالفعل - وليس تأمل ~~الفعل الماضي وتمليه - هو التيمة المركزية للعملية العلاجية ~~الجارية. # وأخيرا على المعالج الوجودي ألا يقع فيما وقع فيه غيره من المعالجين، ~~فيعزز الاتهام القائل بأن العلاج المعاصر هو عميل السلطة وسادن الثقافة ~~القائمة والوضع الراهن، إذ يحمل المريض على التوافق مع معايير الجماعة ~~والامتثال لضغوط المجتمع، وينتهكه ويسلبه ذاتيته وأصالته وخبرته لمصلحة ~~النظام الاعتقادي للمعالج. إن المعالج الوجودي هو أول من يناضل ضد تشييء ~~الإنسان والتلاعب به واستلابه، خاصة إذا كان هذا الإنسان في مرحلة ضعف ~~وحالة مرض. إن هدفه هو أن يلتقي المريض بنفسه ويخبر وجوده من حيث هو ~~حدود وممكنات، وأن يتقبل القلق والذنب ويبني عليهما التزاما مسئولا تجاه ~~ممكناته الفريدة. # إن ذاتية الإنسان لتنتهك منذ هو في المهد وتلجئه ms19 إلى خداع ~~النفس. والانتهاك # violation # هو كل موقف ~~تتعرض فيه رؤية المرء الشخصية للقمع والتسفيه والحظر والمصادرة، ويتعرض فيه ~~تكامله الداخلي للخطر والتفسخ، ويضطر فيه اضطرارا إلى تبني وجهة نظر ~~«الآخر» والانصياع لفكره. وهو في أغلب الأحوال فكر قائم على الهوى الشخصي ~~لهذا «الآخر» الذي يأبى أن يرد فكره إلى مجرد هوى شخصي، بل يريد أن يفرضه ~~على المرء بالقهر والإرهاب. # كثيرا ما يضطر المرء - لحرصه على إرضاء الآخرين ومعايشتهم وإيثارا ~~للسلامة والعيش الرخي - أن يغضي عن هذا الانتهاك وينفيه من ساحة ~~الشعور ويبقى مستلبا معمى عن ذاته الحقيقية، ويتبنى التقية ~~والكتمان والكبت والمسايرة كأسلوب حياة. وترى الوجودية أن الصحة النفسية ~~هي على النقيض التام من ذلك. فالوجود الأصيل # authentic ~~being # يهتف بالمرء أن يكون شجاعا صريحا يعبر بوضوح ~~وبملء فيه عما يريد، وأن يكون نفسه في كل موقف. وهل تكون ماهية الواقع ~~سوى هذا الصدق والوضوح والخصوصية؟ وهل تكون حياة التعامي والانتهاك ~~والتقية سوى الزيف والوهم واللاواقع؟ إن المريض في المشهد العلاجي مدعو إلى ~~أن يفضي بذات نفسه ويعلن عنها بجسارة ويستكشفها بعمق ويعيها بوضوح. ~~وبخاصة تلك الجوانب التي طمسها الإنكار # denial # والكبت # repression # والانتهاك # violation ~~. وهو بذلك يعيد الرابطة ~~المفقودة بين رغباته وأفعاله ومصائره. وهي رابطة لا غنى عنها لتكامل ~~الشخصية ووحدتها وحيوتها وتطورها. # إن الحياة الصالحة هي تلك الحياة التي لا يتم فيها خنق أي جانب من ~~الشخصية أو التضحية به لحساب جانب آخر، بل تجد فيه كل أجزاء الكائن ~~متسعا للنمو. ولا متسع ولا نمو إلا بثمن على المرء أن يدفعه من ~~راحته وأمانه ومن رضا الآخرين. ~~(9) فرانكل ومعنى الحياة # ولا يتم حديث عن العلاج الوجودي دون ذكر الطبيب النمساوي فيكتور ~~فرانكل # Victor Frankl # مؤسس مدرسة العلاج ~~بالمعنى الوجودي # logotherapy ~~، والذي بنى ~~نظريته العلاجية على علم وافر مضفور بخبرة وجودية عميقة كنزيل بمعسكرات ~~الاعتقال النازية. # يرى فرانكل أن سعي الإنسان إلى البحث عن معنى في حياته هو قوة دافعية ~~أولية وليس تبريرا ثانويا لحوافزه الغريزية. وإذا ms20 كان الإنسان عند سارتر ~~«يخترع» نفسه ويخلق ماهيته، فإن فرانكل يميل إلى أن معنى وجودنا ليس أمرا ~~نبتدعه ونبرؤه، بل هو أمر نكتشفه ونستبينه. وقد تتعرض إرادة المعنى عند ~~الإنسان إلى الإحباط، وهو ما يعرف باسم «الإحباط الوجودي». عندئذ ينشأ ما ~~يسمى بالعصاب المعنوي # noogenic neurosis # وهو لون من العصاب يختلف عن العصاب النفسي الشائع Psychogenic neurosis ~~. فالعصاب المعنوي ~~لا يكمن في البعد النفسي، بل في البعد العقلي أو الروحي. فهو لا يتولد من ~~الصراعات بين الدوافع والغرائز، وإنما يتولد من الصراعات بين القيم ~~المختلفة. وحين يكون المرض روحيا بالدرجة الأساس يكون العلاج بالعقاقير ~~تخديرا مضرا، ويكون العلاج التحليلي خلطا خارجا عن الموضوع. إن ~~«العلاج بالمعنى» يعتبر الإنسان كائنا معنيا في المقام الأول بتحقيق ~~القيم لا بمجرد إرضاء أهواء وإشباع غرائز، أو مجرد تحقيق تسوية بين المطالب ~~المتصارعة للأنا والهو والأنا الأعلى، أو مجرد التوافق مع المجتمع والتكيف ~~مع البيئة. # إن سعي الإنسان إلى تحقيق المعنى والقيم هو أدعى للتوتر والقلق منه ~~للاتزان والسكينة. غير أن هذا التوتر هو بعينه آية الصحة النفسية ~~ودليلها. فالصحة النفسية توتر لا اتزان ... توتر بين ما أنجزه المرء وما ~~لا يزال عليه أن ينجزه ... بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ذلك التوتر ~~كامن في الوجود الإنساني مضفور في ماهيته، وبالتالي في صلاحيته وصحته. ~~وينبغي ألا نتردد في أن نضع أمام الإنسان تحديات عليه أن يواجهها بما عنده ~~من معان كامنة تطالبه أن يحققها. إننا بذلك نستنفر إرادة المعنى فيه من ~~حالة هجوعها. فليس ما يحتاجه الإنسان حقيقة هو حالة اللاتوتر أو التوازن ~~أو «الهميوستاسيس» # homeostasis # ولكنه بحاجة ~~إلى السعي والكدح في سبيل هدف يستحق أن يعيش من أجله. فلا شيء يعين ~~الإنسان على البقاء والاستمرار والثبات في أحلك الظروف مثل معرفته أن هناك ~~معنى في حياته. يقول نيتشه: «إن من لديه سبب يعيش من أجله، فإن بمقدوره ~~غالبا أن يتحمل أي شيء في سبيله، وبمقدوره غالبا أن ينهض بأي شكل من ~~الأشكال.» ms21 # وجد فرانكل في دراسة مسحية إحصائية قام بها تلامذته أن 55٪ من الأشخاص ~~المدروسين يعانون مما أسماه «الفراغ الوجودي» # existential ~~vacuum # وهو مصطلح أدخله فرانكل، ويعني فقدان الفرد ~~للشعور بأن حياته ذات معنى. والفراغ الوجودي ظاهرة واسعة الانتشار في القرن ~~العشرين. ويكشف هذا الفراغ عن نفسه في حالة الملل. الملل هو آية الفراغ ~~الوجودي. فالفراغ هنا فراغ من المعنى وليس فراغا من المشاغل والتلهيات. ~~ومن المتوقع أن تتفاقم مشكلة الفراغ هذه بدرجة خطيرة على مر الأيام نتيجة ~~التقدم الآلي والتكنولوجي الذي من شأنه أن يطرح فائضا وقتيا رهيبا في ~~حياة الشخص العادي. ولنا أن نتوقع أعدادا هائلة من البشر لا يعرفون ماذا ~~يفعلون بكل هذا الوقت. # من تمثلات هذا الفراغ الوجودي حالة تعرف باسم «عصاب يوم الأحد» # Sunday neurosis # أي عصاب يوم العطلة ~~الأسبوعية (ولنا أن نسميه في الشرق العربي عصاب الجمعة). وهو نوع من ~~الاكتئاب والكرب يصيب الأشخاص الذين يصيرون واعين بما ينقص حياتهم من ~~مضمون، حينما ينحسر اندفاع الأسبوع المزدحم بالمشاغل، ويصبح الفراغ بداخل ~~نفوسهم جليا مدويا. يعرف هذا اللون من العصاب كل معالج ممارس، ~~ويراه في صورته الصارخة عند مرضى اضطراب الشخصية البينية (الحدية) # borderline personality disorder # وهم ~~النماذج المثلى للفراغ الوجودي، إذ تزداد عليهم وطأة الفراغ الداخلي يوم ~~العطلة الأسبوعية ويتعرضون للانتكاس والتناثر، وكثيرا ما يتلفنون المعالج ~~متشبثين به مستغيثين من هول الوحدة ومن عضة الفراغ. # ومما يؤثر عن فرانكل توكيده الدائم على أن الوجود الإنساني تجاوز ~~للذات أكثر مما هو تحقيق لها. وقوله: إن الحرية ليست دائما تحررا من ~~الظروف؛ ولكنها اتخاذ موقف إزاء هذه الظروف. وهو قول يذكرنا بقول هيدجر: إن ~~الضمير يهيب بالإنسان أن يهرب من العبودية إلى الحرية، وبالفعل نفسه يحول ~~الضرورة التاريخية إلى قرار. # وقد ابتكر فرانكل تقنيات علاجية أهمها ما يسمى «النية المفارقة» أو ~~«القصد المفارق» # paradoxical intention ~~، ~~وما يسمى «خفض التفكر» # dereflection ~~. ~~وتبقى أهم فنياته وأنجعها هي لمسته الإنسانية المرهفة وحكمته الفلسفية ~~البالغة يبده بها مريضه في التوقيت السليم فتكون ms22 له هدى وشفاء. # خاتمة # تذنب النزعة السيكولوجية Psychologism # في حق الإنسان بشكل مؤسف؛ حين تلوث قيمه العليا، وتدنس ملكاته ~~الإبداعية، وتعمه عن نتاجه وحجته وتنشب في منشئهما كالعلق، ~~وتغرض منه كل قول وفعل، وترده إلى حزمة من الالتواءات النفسية ~~والتدابير والحيل. وكأن الإنسان لا يشعر ويفكر بل يسوغ ويبرر، ولا ~~يجترح أفعالا بل ردود أفعال، ولا يأتي شيئا أبدا لوجه القيمة. # فلا ينشد حقا لوجه الحق. # ولا يستبق خيرا لوجه الخير. # ولا يخلق جمالا لوجه الجمال. # وتأتي الوجودية لكي تردنا نحن المعالجين إلى الإنسان الفرد. وتحملنا ~~على أن نجله ونواكبه ونحسن به الظن، ونلتقيه لقاء حقيقيا ونصله صلة ~~أصيلة. وأن نكون - بحرفية وحذق - ضميره الصارخ فيه بملء صمته: # اخرج من كهف الماضي ، وانفض عنك وهمه. # اشدد عليك مستقبلك، واجعله إحداثك وارتكازك. # من المستقبل تنطلق إلى الحاضر عبر الماضي. # مشدودا إلى ما ينبغي، لا إلى ما أنجزت. # كن قلقا إذن كوتر القيثار، فما صلاحيتك إلا في القلق. # وما صلاحية الوتر إلا في الشد. # انطلق في حجتك المقدسة إلى نفسك. # مجتزئا بوحدتك ... مشتملا بممكناتك. # كف عن التفكير المكاني البليد ... فأنت ظاهرة زمنية. # وقتك هو جوهرك وفحواك وثروتك النهائية. # اعرف كيف تصادقه ولا تعاديه. # تحييه ولا تقتله. # كيف تتعهد فيه ممكناتك إلى أشدها، وتنميها إلى مداها. # أويتلبسك إحساس مقعد بالإثم، يماشيك كظلك؟ # وتأخذك غصة وجودية لا تبرحك؟ # وتنظر إلى نفسك بانكسار وخجل نظرة المدين إلى الدائن؟ # عليك أن تختار صنف وجودك وفق مشيئتك وممكناتك وأشواق روحك. # وألا تتهرب من الاختيار تحت أي شعار. # عليك أن تنتشل نفسك من مشيئة الظروف، # ومن مشيئة الناس. # فالحياة حياتك. # والعمر عمرك. # والرحلة رحلتك. # والوحدة وحدتك. # والموت موتك. # د. عادل مصطفى # «إن الذات الإنسانية ليست هي الإنسانية بوجه عام، فالإنسانية لا توجد ~~وإنما الكائنات الإنسانية الفردية هي الموجودة. والواقع الوجودي لا يقوم ~~في الجنس أو النوع، بل في الفرد العيني. والكليات شأنها شأن الجماهير ... ~~هي تجريدات لا أيادي لها ولا أرجل.» # كيركجارد، نقشت على قبره ~~«كن نفسك ... # كل ms23 نفس شابة تسمع هذا النداء ليل نهار فترتجف، لأنها تشعر بقسطها ~~المقسوم لها من السعادة منذ الأزل عندما تفكر في تحررها الحقيقي. غير ~~أنها لن تبلغ هذه السعادة ما بقيت مأسورة في أغلال الخوف والآراء ~~الشائعة. وكم تصبح الحياة مجدبة من كل معنى ومن كل عزاء إذا حرمت ~~هذا التحرر. فليس في الطبيعة مخلوق أولى بالرثاء أو أدعى للنفور ~~والاشمئزاز من إنسان تهرب من روحه الحارس وراح يطوف بعينيه فيما حوله ~~...» # فردريك نيتشه، تأملات لغير زمانها ~~«الكلمات مثلا: كنت أريد كلمات لي، ولكن التي تحت تصرفي قد ساحت ~~في ضمائر لا أعرف لها عدا؛ إنها تنتظم في رأسي من تلقاء نفسها بفضل ~~العادات التي اكتسبتها لدى الآخرين، وأنا إذ أستعملها في الكتابة إليك، ~~لا أفعل ذلك بلا اشمئزاز.» # سارتر، إيروسترات # | نظرة عامة # نشأ العلاج الوجودي بشكل تلقائي في أوروبا في الأربعينيات والخمسينيات، ~~إذ تفتقت عنه أذهان عدد من علماء النفس والأطباء النفسيين وتجلى في كتاباتهم. ~~لقد كان هؤلاء مهمومين بإيجاد طريقة نفهم بها الكائن الإنساني تكون أكثر ~~وثوقا وجوهرية من تلك التي كانت تطرحها مدارس العلاج النفسي المعروفة في ~~ذلك الحين. يقول لودفيج بنسفانجر، أحد المتحدثين بلسان العلاج الوجودي: «لقد ~~نشأ العلاج الوجودي عن عدم ارتياحنا للمدارس السائدة التي تحاول أن تحقق ~~لنفسها نوعا من التبصر العلمي في مجال الطلب النفسي.» لم يكن هؤلاء ~~المعالجون يجحدون أهمية الكشوف الجذرية لتلك المدارس. إن مرتكزات من مثل ~~الدوافع # drives # في السيكولوجيا الفرويدية، ~~والإشراط # conditioning # 1 # عند السلوكيين، والنماذج البدئية # archetypes # 2 # عند أتباع يونج كلها أشياء لا غبار عليها في ذاتها. ولكن أين هو ~~الشخص الحقيقي المباشر الذي تحدث له هذه الأشياء وتجري فيه هذه المجريات؟ ~~وكيف لنا أن نثق أننا نرى المرضى على ما هم عليه بالفعل، وأن ما نراه ليس ~~- ببساطة - مجرد إسقاط لنظرياتنا الخاصة عن هؤلاء المرضى؟ # كان هؤلاء المعالجون على وعي حاد بأننا نعيش مرحلة تاريخية انتقالية، كل ~~إنسان فيها يشعر بأنه مغترب عن إخوانه البشر، تهدده الحرب ms24 النووية والضوائق ~~الاقتصادية، ويحيره اهتزاز القيم وتبدل الأعراف الثقافية كلها تقريبا ~~تبدلا جذريا سواء تلك المتعلقة بالزواج أو بغيره من التقاليد الراسخة. كل ~~إنسان، باختصار، مكتنف بالقلق محاصر بالضغوط. # ليس العلاج النفسي الوجودي مدخلا تقنيا محددا يقدم مجموعة جديدة من ~~القواعد العلاجية؛ بل هو توجه جديد يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الكائن ~~البشري، وحول طبيعة الخبرات الأساسية من مثل القلق واليأس والحزن والوحشة ~~والعزلة واللانظامية # anomie ~~. # 3 # ويتناول بشكل محوري إشكالية الإبداع وإشكالية الحب. وباستكناه ~~عميق لمعاني هذه الخبرات البشرية يصوغ المعالجون الوجوديون طرقا علاجية ~~تتنكب الخطأ الشائع في كل المدارس العلاجية؛ خطأ تشويه الكائنات البشرية بذات ~~الجهد المبذول لمساعدتهم، وتخريبهم بنية علاجهم! # الفصل الأول # | مفاهيم أساسية # «الإنسان مذنب دائما وأبدا. إنه مذنب منذ لحظة الميلاد، ومدين ~~لنفسه بكل ما لم يحققه من الممكنات التي منحت له، وبكل ما كان يذخره ~~له المستقبل ... مدين حتى النفس الأخير. إن كل فعل وكل قرار وكل اختيار ~~يتضمن نبذ كل الممكنات الأخرى التي تنتمي أيضا لوجوده في تلك اللحظة. ~~يتمثل الذنب الوجودي إذن في هذا الفشل في تنفيذ التفويض الممنوح له ~~بتحقيق كل ممكناته.» # ميدارد بوس، التحليل النفسي والتحليل الوجودي ~~«لا يكون الإنسان نفسه في تجربة الإبداع إلا بقدر ما يخرج مما هو. ~~هويته جدل بين ما هو وما يكون. إنها أمامه أكثر مما هي وراءه؛ بوصفه، ~~جوهريا، إرادة خلق وتغيير. لنقل ليست الهوية موروثا نرثه بقدر ~~ما هي إبداع نحققه. فالإنسان خلافا للكائنات كلها، يبدع هويته فيما يبدع ~~حياته وفكره.» # أدونيس، النص القرآني وآفاق الكتابة ~~(1) خبرة «أنا موجود» # إن إدراك الإنسان لوجوده (أنا أحيا الآن، وبوسعي أن أتولى أمر حياتي)، ~~يمكن أن يكون له تأثير صحي شاف. يقول نيتشه: «كم من حياة أنقذتها فكرة الانتحار.» # 1 # يبدو أن الإنسان منا يظل ضحية للظروف وضحية للآخرين إلى أن ~~يأتي اليوم الذي يستطيع فيه أن يعي وجوده ويقول لنفسه: «إن الحياة حياتي ~~والخبرة خبرتي ... ولي أن أختار وجودي الخاص». # وليس بالأمر اليسير أن يجد ms25 الإنسان نفسه ويحدد وجوده. لأننا في مجتمعنا ~~هذا ننساق في الأغلب إلى أن نكبت حس الوجود ونخضعه لوضعنا الاقتصادي، ~~ونربطه بالنمط الخارجي للحياة التي نحياها. فكل منا يعرف نفسه، ويعرفه ~~الآخرون، لا بصفته كائنا أو ذاتا، بل بصفته بقالا أو بائع تذاكر بمترو ~~الأنفاق أو أستاذا جامعيا أو نائب رئيس أو ما شئت من تلك الوظائف ~~الاقتصادية. هذا الفقدان لحس الوجود يعود إلى الاتجاهات الجماعية # collectivism # والامتثالية التي تطبع ~~ثقافتنا الحديثة. تلك الاتجاهات التي يوجه إليها الفيلسوف الوجودي الفرنسي ~~جبرييل مارسيل هذا الاعتراض اللاذع: «أما من منهج تحليل نفسي أعمق وأفطن ~~من هذا الذي بين ظهرانينا، يكشف لنا التأثيرات المرضية لكبت هذا الحس ~~«بالوجود» وتجاهل هذه الحاجة؟» # 2 # يحاول العلاج الوجودي أن يكون هو هذا النوع العلاجي الأكثر عمقا ~~وتفطنا. # لنتأمل هذه الحالة لمريضة نشأت ابنة غير شرعية لإحدى البغايا، ~~وكفلها أقاربها حتى كبرت. تقول هذه المريضة: ~~«ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي كنت أمشي فيه أسفل خطوط السكة الحديدية ~~في ذلك الحي الفقير، تغمر إحساسي هذه الفكرة: «أنا طفلة غير شرعية» فأتصبب ~~عرقا وأمتلئ كربا إذ أحاول أن أتقبل هذه الحقيقة. عندئذ أدركت كيف يكون ~~إحساس إنسان عليه أن يتقبل حقيقة أنه زنجي وسط المحظيين البيض، أو حقيقة ~~أنه أعمى وسط المبصرين. فلما أقبل الليل وغشيني النوم، إذا بي أفيق وقد ~~ألقي في روعي هذا الوعي: # إنني أتقبل هذه الحقيقة: # أنا طفلة غير شرعية. # غير أنني لم أعد طفلة ... إذن تكون الحقيقة هكذا: # أنا غير شرعية. # لا ... ولا هذه تترجم الحقيقة ... لقد ولدت غير شرعية ... فغير الشرعي هو ~~ميلادي ليس إلا ... ماذا يتبقى إذن؟ يتبقى هذا: # أنا ... «أنا أكون» ... «أنا موجودة». # وما إن استحوذت على هذا الاتصال ب «الأنا موجود» وقبلته حتى أهدى ~~إلي هذه الخبرة: # ما دام لم يبق إلا «أنا» ... فإن لدي كل الحق في أن أكون.» (ماي، ~~وآخرون، 1958م). # إن خبرة «أنا موجود» هذه ليست في حد ذاتها حلا لمشاكل فرد من ~~الأفراد. إنها بالأحرى «شرط ms26 للحل». لقد قضت المريضة المذكورة نحو سنتين ~~بعد ذلك في عملية تناول استيعابي لمشاكل نفسية محددة، تمكنت من إنجازها ~~بفضل استنادها إلى خبرة الوجود. # هذه الخبرة - خبرة الوجود - تفضي أيضا وتحيل إلى خبرة أخرى هي خبرة ~~«عدم الوجود» أو خبرة «العدم» # nothingness ~~. ~~يتمثل العدم في خبرات من قبيل العدوانية المدمرة، الموت المهدد، القلق ~~الشديد المقعد، الحالة المرضية الحرجة ... إلخ. إن الفناء مصلت، وتهديد ~~العدم قائم بدرجة أو بأخرى في جميع الأوقات؛ قائم حين نعبر الشارع ~~متلفتين يمنة ويسرة حذر أن تصدمنا إحدى السيارات. وقائم حين يسلقنا ~~شخص ما بتعليق جارح، وحين نذهب إلى امتحان لم نستعد له كما ينبغي. كل ~~هذه أمثلة لتهديد العدم. # تعرف خبرة «أنا موجود» أو خبرة الوجود في مجال العلاج الوجودي بوصفها ~~فكرة أنطولوجية # ontological ~~. وتأتي هذه ~~اللفظة من كلمتين يونانيتين : أونتوس # ontos # وتعني «يوجد» أو «يكون». و # logical # وتعني: ~~«علم كذا ...»، فهي إذن «علم الوجود»، وهو مصطلح كبير الشأن في مجال العلاج ~~الوجودي كما سنلاحظ في تناولنا الآتي لخبرة القلق. ~~(2) القلق السوي والقلق العصابي # يعرف المعالجون الوجوديون القلق تعريفا أوسع من تعريف الجماعات ~~العلاجية الأخرى. ينجم القلق عن حاجتنا الشخصية للبقاء والاحتفاظ بوجودنا ~~وتأكيد هذا الوجود. ويفصح القلق عن نفسه جسميا بمظاهر من قبيل زيادة سرعة ~~ضربات القلب وارتفاع الضغط وتجهيز العضلات الهيكلية للكر أو للفر، وذلك ~~الشعور بالخشية والروع في داخلنا وهو أوجع هذه المظاهر جميعا. ويعرف ~~رولو ماي القلق بأنه: «ذلك التهديد لوجودنا أو للقيم التي جعلناها مساوية ~~لوجودنا.» (1977م، ص205). # والقلق أعم من الخوف وأكثر منه شمولا وقاعدية. وهو ما يجعلنا نهدف في ~~العلاج النفسي إلى مساعدة المريض على مواجهة القلق مواجهة شاملة قدر ~~الإمكان، وبذلك نخفض القلق إلى «مخاوف» هي عندئذ أشياء موضوعية مكشوفة ~~يمكن تناولها والتعامل معها. غير أن الوظيفة العلاجية الرئيسية هي أن نساعد ~~المريض على أن يواجه القلق السوي، الذي هو جزء من الحالة البشرية لا ~~مناص منه. # للقلق السوي # normal anxiety # ثلاث ~~خصائص؛ فهو أولا: متناسب مع ms27 الموقف الذي نواجهه. وهو ثانيا: لا يتطلب ~~الكبت، وبمقدورنا أن نتصالح معه كما نتصالح - مثلا - مع حقيقة أننا جميعا ~~سوف نواجه الموت في النهاية. وهو ثالثا: قلق صحي مفيد يمكن أن نوظفه ~~توظيفا إبداعيا. فهو على سبيل المثال يمكن أن يكون منبها يضع أيدينا ~~على المشكل الذي أثار القلق، ومن ثم يساعدنا على مواجهته وتناوله. # أما القلق العصابي # neurotic anxiety # فهو، في المقابل، قلق لا يتناسب مع الموقف؛ كأن يصل حرص الأبوين على ~~طفلهما ألا تدهمه سيارة إلى حد منعه من مغادرة المنزل. والقلق العصابي ~~ثانيا هو قلق مرتهن للكبت، بنفس الطريقة التي يكبت بها معظمنا خوفه من ~~الحرب النووية. وهو ثالثا قلق مدمر غير بناء. فهو إلى أن يشل ~~الفرد أميل منه إلى حفز إبداعه. # وليست وظيفة العلاج أن يخلصنا من كل قلق. وما من إنسان يمكن أن يعيش ~~ويبقى وهو خال تماما من القلق. أما القول المبتذل المكرور بأن الصحة ~~النفسية هي في العيش دون قلق فهو عبث وهراء. فالصحة النفسية هي أن نعيش ~~دون قلق عصابي قدر الإمكان، على أن نتحلى بالقدرة على احتمال القلق ~~الوجودي المحتوم والمصاحب لعملية الحياة. ~~(3) الذنب ومشاعر الذنب # تعني خبرة الذنب لدى المعالج الوجودي معنى شديد الخصوصية. فالذنب - ~~شأنه في ذلك شأن القلق - يمكن أن يأخذ كلا الشكلين: السوي، والعصابي. ~~فمشاعر الذنب العصابية # neurotic guilt # تنجم ~~عن خطايا موهومة. أما الذنب السوي # normal ~~guilt # فهو يرهف إحساسنا بالجانب الأخلاقي من ~~سلوكنا. # ويبقى هناك صنف آخر من الذنب، هو شعورنا بالذنب تجاه أنفسنا لفشلنا أن ~~نسلك وفق ما لدينا من إمكانات، أو بتعبير ميدارد بوس # Medard ~~Boss ~~: لنسياننا وجودنا. # 3 # وخير مثال يوضح موقفنا إزاء هذا النوع من الإحساس بالذنب كما ~~يتجلى في جلسات العلاج الوجودي هو الحالة التي أوردها ميدارد بوس ~~( # 1957b ~~). وهي حالة مريض بالوسواس القهري ~~الشديد كان يعالجه بوس. وكان هذا المريض - وهو طبيب مصاب بغسل اليد ~~القهري - قد أجري له من قبل تحليل نفسي فرويدي وآخر يونجي. وإذ كان ms28 ~~يعاوده حلم يتضمن أبراج الكنيسة، فقد فسر له الفرويديون الأبراج كرموز ~~قضيبية # phallic symbols ~~، وفسرها اليونجيون ~~كرموز دينية بدئية # archetypal ~~. لقد استطاع ~~هذا المريض أن يشرح هذه التفسيرات بذكاء وإسهاب، غير أن سلوكه العصابي ~~القهري - بعد توقف مؤقت - عاد ينتابه ويعوقه بنفس الشدة السابقة. # في الأشهر الأولى من التحليل مع بوس كان هذا المريض يروي حلما أخذ ~~يعاوده في تلك الفترة. لقد كان في الحلم يقصد إلى دورة مياه لغسل يديه، ~~وكلما بلغها وجد الباب منغلقا لا ينفتح. أما بوس فقد اقتصر على سؤال مريضه ~~كل مرة: لماذا كان على الباب أن يكون منغلقا؟ ولماذا كان عليك أن تخشخش ~~المقبض؟ وأخيرا رأى المريض في حلم له أنه فتح الباب فوجد نفسه داخل كنيسة. ~~كان غائصا في الغائط حتى وسطه، وكان مشدودا بحبل مربوط حول وسطه وطرفه ~~الآخر يؤدي إلى برج جرس الكنيسة. وقد بقي معلقا هكذا يعاني من الشد الرهيب ~~بحيث ظن أنه سوف ينبتر. بعدئذ مر هذا المريض بنوبة ذهان دامت أربعة ~~أيام لازمه خلالها بوس، ثم استأنف التحليل الذي انتهى بشفاء ~~المريض. # يشير بوس إلى أن مريضه كان مذنبا. لأنه أغلق أو احتبس بعض الإمكانات ~~الأساسية لديه؛ ولذا كان يحس بالذنب، «فأنت حين تحتبس إمكاناتك ولا تطلقها ~~فأنت مذنب أو مدين تجاه ما أعطي لك في منشئك ... في صميمك. هذه الحال - ~~حال كونك مدينا وكونك مذنبا - هي التي تتأسس عليها كل مشاعر الذنب كيفما ~~اتخذت لها من أشكال عينية والتواءات لا تحصى تتبدى بها في الواقع ~~المعيش.» فهذا المريض قد أوصد الباب أمام ممكنات الخبرة، سواء منها الجسدية ~~والروحية (أو الجانب الدافعي والجانب الألوهي على حد تعبير بوس). سبق لهذا ~~المريض أن تقبل التفسيرات القائمة على الليبيدو وعلى النماذج البدئية ~~ووعاها تماما. غير أن هذا، في رأي بوس، لا يعدو أن يكون وسيلة جيدة ~~للهروب من الأمر برمته. لقد فاته أن يقبل ويتولى هذين الوجهين (الدافعي ~~والألوهي) ويدمجهما بوجوده. وهو لهذا السبب كان مذنبا تجاه نفسه ومدينا ~~لها. ms29 هذا هو منبع مرضه، ومنشأ عصابه وذهانه. ~~(4) أشكال العالم الثلاثة # ثمة مفهوم أساسي آخر في العلاج الوجودي يطلق عليه «الوجود-في-العالم» # being-in- the-world ~~. ومفاده أننا يجب أن ~~نفهم العالم الظاهراتي الذي فيه يوجد المريض ويشارك. فلكي نفهم عالم هذا ~~الشخص أو ذاك يتعين علينا ألا نكتفي بوصف البيئة المحيطة به مهما تكن دقة ~~هذا الوصف وشموله. فما البيئة غير شكل واحد من أشكال العالم. يقول عالم ~~البيولوجيا ج. فون إكسكل # J. Von Uexkull ~~: ~~إن لنا أن نفترض بيئات بعدد ما هناك من حيوانات، فذلك أمر يتوقف على ~~الطريقة التي تشارك بها النملة أو الفيل أو الثعلب في هذه البيئة. ويمضي ~~إكسكل فيقول: «ليس هناك زمان واحد ومكان واحد، بل هناك من الأزمنة والأمكنة ~~بعدد ما هناك من ذوات.» (ماي، وآخرون، 1958م). إن هذا القول يصدق على ~~الإنسان «من باب أولى». فإلى أي حد يفوق الكائن الإنساني باقي الحيوانات ~~في تفرد عالمه؟ ذاك سؤال يجبهنا بمشكلة صعبة؛ فلا نحن نستطيع أن نصف ~~العالم وصفا موضوعيا خالصا، ولا العالم بقابل أن يختزل إلى مشاركتنا ~~الذاتية والتخيلية في البنية القائمة حولنا، رغم أن هذه المشاركة هي أيضا ~~جزء من «الوجود-في-العالم». # إن العالم الإنساني هو تلك البنية من العلاقات الدالة التي يوجد فيها ~~الإنسان، والتي يشارك في تشكيلها (دون أن يفطن إلى ذلك عادة). ألسنا نرى ~~أن ظروفا واحدة في الماضي والحاضر قد تعني لدى مختلف الأشخاص أشياء ~~شديدة التباين؟ بلى، فليس عالم الشخص هو جملة الأحداث الماضية التي تحدد ~~وجوده وجملة المؤثرات الحتمية التي تعتوره. إنما هو تلك المؤثرات ~~والأحداث كما تتراءى له وتتمثل في وعيه. وهو تلك المؤثرات والأحداث كما ~~يصوغها هو ويشكلها ويعيد تشكيلها على الدوام. فأن يعي المرء عالمه يعني في ~~نفس الوقت أن يصوغه ويشكله ويركبه. # ثمة - من وجهة نظر العلاج الوجودي - ثلاثة أشكال للعالم # 4 # الأول هو # Umwelt # ويعني «العالم ~~المحيط» أو العالم البيولوجي أو ما يقال له عادة «البيئة». والثاني هو # Mitwelt # ويعني حرفيا «العالم-مع»، وهو ~~العالم المكون من ms30 رفاق الشخص من البشر، أو المجتمع الخاص بالشخص. والثالث ~~هو # Eigenwelt # ويعني «العالم الشخصي» أو ~~علاقة الشخص بذاته. # العالم الأول # Umwelt # هو عالم الموضوعات ~~العينية المحيطة بنا. هو العالم الطبيعي. فجميع الكائنات الحية لديها # Umwelt ~~. إنه العالم الذي يقدم للكائنات ~~الحيوانية والإنسانية ما يلزم حاجاتها البيولوجية ودوافعها وغرائزها. وهو ~~العالم الذي كان خليقا أن يستأثر بنا لو لم نكن وهبنا ملكة الوعي ~~بالذات. هو عالم القانون الطبيعي والدورات الطبيعية؛ النوم واليقظة، ~~الميلاد والموت، الرغبة والإشباع .. عالم التناهي والحتمية البيولوجية الذي ~~يتعين على كل منا أن يتوافق معه بشكل أو بآخر. إنه حق وواقع يسلم به ~~المحللون الوجوديون ويقبلونه. يقول كيركجارد: «ما يزال القانون الطبيعي ~~ملزما وساريا كما كان أبدا.» # للحيوانات - إن شئنا الدقة - «بيئة». بينما للكائنات البشرية «عالم». ~~ذلك أن «العالم» ينطوي أيضا على بنية المعنى التي تشكلها العلاقات ~~القائمة بين أفراده. # ولعل العالم الشخصي # Eigenwelt # هو أقل ~~العوالم الثلاثة حظا من البحث والفهم من جانب علم النفس الحديث وعلم نفس ~~الأعماق. إنه العالم القائم على الوعي بالذات والعلاقة بها، وهو وقف على ~~الكائنات البشرية دون غيرها من الكائنات. فحيثما نفطن إلى ما يعنيه شيء ما ~~في العالم إلى الملاحظ الفرد - تلك الطاقة من الزهر أو ذاك الشخص الآخر - ~~فثم العالم الشخصي أو # Eigenwelt ~~. وقد نبه ~~د. ت. سوزوكي # D. T. Suzuki # إلى أن النعوت ~~في اللغات الشرقية - مثل اللغة اليابانية - تتضمن دائما الإحالة الشخصية # for-me-ness ~~، بمعنى أن قولي: «هذه الزهرة ~~جميلة» يعني في هذه اللغات «بالنسبة لي - هذه الزهرة جميلة». # ومن بين متضمنات هذا التحليل لأشكال الوجود-في-العالم، أنه يمنحنا ~~قاعدة لفهم الحب. فمن الجلي أن خبرة الحب تند عن الوصف داخل حدود ~~العالم المحيط # Umwelt ~~. فنحن لا يمكننا بحال ~~أن نتحدث عن الكائنات البشرية بوصفها «موضوعات جنسية». فما إن نصف شخصا ~~بأنه موضوع جنسي حتى لا يعود شخصا. لقد قصرت نظريات الشخصية في حق ~~هذه المسألة تقصيرا كبيرا. صحيح أن المدارس البينشخصية قد تناولت الحب ~~بوصفه علاقة بينشخصية، ولا ms31 سيما عند هاري ستاك سوليفان # H. ~~S. Sullivan # ومفهومه لمعنى كلمة # Chum ~~، وكذلك تحليل إريك فروم # Erich Fromm # لمصاعب الحب في المجتمع ~~الاغترابي المعاصر، غير أن لدينا ما يحملنا على الشك في أن أيا من هذه ~~النظريات قد أمدنا بأساس نظري يخولنا مزيدا من التعمق في خبرة الحب. ففي ~~غياب مفهوم واف للعالم المحيط # Umwelt # يغدو ~~الحب مفرغا من الحيوية، وفي غياب العالم الشخصي # Eigenwelt # يفتقد الحب القوة والقدرة على ~~أن يخصب نفسه. وقد أكد فردريك نيتشه # Friedrich ~~Nietzsche # أهمية العالم الشخصي في خبرة الحب. وكذلك فعل ~~كيركجارد الذي أكد مرارا أن الحب يفترض مسبقا أن الفرد قد أصبح «فردا ~~حقيقيا» ... واحدا متفردا ... إنه الفرد الذي تم له وعي السر العميق: إنك ~~لكي تكون في حب حقيقي مع شخص آخر، يلزمك بالضرورة أن تكون أيضا قانعا ~~بنفسك متوجها إليها مؤتنسا بها. ~~(5) دلالة الزمن # ثمة حقيقة تستوقف المعالجين الوجوديين وتستأثر باهتمامهم. وهي أن معظم ~~الخبرات الإنسانية العميقة تحدث في البعد الزماني من الوجود أكثر مما تحدث ~~في البعد المكاني. وقد قدم يوجين منكوفسكي # Eugene ~~Minkowski ~~- وهو طبيب نفسي يعمل بباريس - دراسة حالة ~~تبرز هذا البعد الزماني. وهي حالة مريض بالفصام الاكتئابي واقع في قبضة ~~ضلال فكري مفاده أنه سوف ينفذ فيه حكم بالإعدام. أوضح منكوفسكي في دراسته ~~أن هذا المريض قد فقد القدرة على أن يقيم صلة بالزمن، بمعنى أنه لم يعد ~~قادرا على أن يأمل في الآتي ويتشوف إلى المستقبل. فكل يوم يمر به كان ~~بالنسبة إليه جزيرة منفصلة بلا ماض وبلا مستقبل. لم يعد هذا المريض ~~يستشعر أي امتداد يصله بالغد. في مثل هذه الحالة نتوقع من أي طبيب نفسي، ~~حين يفكر بطريقة تقليدية، أن يعلل هذه القطيعة بين المريض وبين المستقبل، ~~أو هذا العجز عن التوجه الزمني، بأنه ببساطة ناجم عن اعتقاده الضلالي ~~بأنه سوف يعدم وشيكا. ولكن منكوفسكي يجبهنا بافتراض عكسي تماما ~~فيقول: «ألا يمكننا، على العكس، أن نفترض أن الاضطراب الأساسي هنا هو ~~الموقف المنحرف الشائه ms32 تجاه المستقبل، بينما ضلال الإعدام مجرد مظهر من ~~مظاهره؟» (ماي، وآخرون، 1958م). # ويمضي منكوفسكي في بحث هذا الاحتمال في دراسته للحالة. لقد سلط بمدخله ~~المبتكر شعاعا من النور على هذه البقاع المعتمة غير المستكشفة من مفهوم ~~الزمن، وأتاح انعتاقا جديدا من حدود الفكر الإكلينيكي وقيوده وتصوراته ~~التقليدية للزمن. وهنا نذكر هوبارت مورر # Hobart Mowrer ~~(1950م) الذي قال: إن الارتباط بالزمن هو الخاصة المميزة ~~للشخصية الإنسانية، وإن لدى الإنسان قدرة يستحضر بها الماضي إلى الحاضر ~~كجزء من السلسلة السببية التي فيها تقوم الكائنات الحية بالفعل ورد الفعل، ~~ولديه قدرة أخرى على العمل في ضوء توجهات المستقبل البعيد، وإن جماع هاتين ~~القدرتين يشكل جوهر الذهن والشخصية. # يتفق المعالجون الوجوديون مع هنري برجسون # Henri ~~Bergson # في أن «الزمن هو قلب الوجود»، وأن الخطأ الذي ~~نرتكبه في عصرنا الحديث هو أننا نفكر في أنفسنا بصيغة مكانية بالدرجة ~~الأولى، كما لو كنا أشياء يمكن أن توضع في هذا الموضع أو ذاك شأنها شأن ~~غيرها من المواد. وبهذا التشويه والتحريف نفقد علاقتنا الوجودية الأصيلة ~~بأنفسنا، بل نفقد أيضا علاقتنا الأصيلة بالآخرين من حولنا. ويستتبع هذا ~~التركيز الزائد على التفكير المكاني أن «تندر اللحظات التي نفهم فيها ~~أنفسنا، وبالتالي تندر حريتنا وتتقلص» كما يقول برجسون. (ماي، وآخرون، ~~1958م). # غير أنه في نطاق العالم-مع، أي عالم العلاقات الشخصية والحب، يمكننا أن ~~نرى بصفة خاصة أن الزمن القياسي الكمي ليس له كبير شأن بأهمية أي حدث من ~~الأحداث أو بدلالته. فنحن على سبيل المثال لا يمكننا بحال أن نقيس طبيعة ~~أو درجة حبنا لشخص من الأشخاص بعدد السنوات التي عرفناه فيها. صحيح أن زمن ~~الساعة له دخل كبير في العالم-مع (فكثير من الناس يبيعون وقتهم بالساعة، ~~وما تجري الحياة اليومية إلا وفق جداول زمنية) غير أن ما يعنينا هنا هو ~~المعنى الباطن للأحداث. يقول المثل الألماني: «ما من ساعة تدق للمرء ~~السعيد»، وقد صدق، فالأرجح الغالب أن تكون أهم الأحداث دلالة ومغزى في ~~الوجود النفسي للمرء هي بالتحديد تلك ms33 الأحداث المباشرة التي تخترق المجرى ~~الزمني الرتيب المعتاد. كأن تقع للمرء بصيرة مفاجئة، أو تغشاه رؤية ~~جمالية للحظة واحدة، غير أنها لا تبرح ذاكرته أياما وشهورا. # أما العالم الشخصي # Eigenwelt # عالم ~~العلاقة بالذات والوعي بها والتبصر بالمعنى الشخصي للحدث، فلا صلة له من ~~قريب أو بعيد بزمن الساعة الذي تتعاقب فيه اللحظات على نحو نظامي. فجوهر ~~البصيرة والوعي بالذات هو أنهما هناك؛ حاضران ومباشران. ولحظة تنزل ~~الوعي لا تفقد دلالتها عبر الزمن. بوسع المرء أن يرى ذلك بسهولة حين يلاحظ ~~ما يجري داخله لحظة تقع له بصيرة من البصائر. إنها تقع بشكل مفاجئ ... ~~تولد مكتملة إن صح التعبير. وسوف يكتشف أن التأمل فيها ساعة أو غير ساعة ~~قد يكشف له مزيدا من مكنوناتها؛ ولكنه لن يردها أوضح مما كانت، بل هي ~~بعد ساعة التأمل ستغدو للأسف أقل وضوحا وتحددا مما كانت في ~~البداية. # تتوقف قدرة المريض على استدعاء الأحداث الهامة في ماضيه على قراره بصدد ~~المستقبل. وما من معالج إلا ويعلم أن المرضى قد يسترسلون في سرد ذكريات من ~~الماضي حتى الغثيان، دون أن تحركهم منها ذكرى واحدة. فالسرد بأكمله فاتر ~~ممل غير ذي بال. ليست مشكلة هؤلاء المرضى - من وجهة نظر وجودية - أنهم ~~عانوا ماضيا ماحلا فقيرا، ولكن مشكلتهم بالأحرى أنهم لا يستطيعون أو لا ~~يريدون أن ينذروا أنفسهم للحاضر والمستقبل. وهم إن كان ماضيهم لم يعد حيا ~~نابضا فما ذلك إلا لأنهم فقدوا شغفهم بالمستقبل. إنهم بحاجة ماسة إلى بعض ~~الأمل والتكريس من أجل تغيير شيء ما في المستقبل القريب؛ وليكن التغلب على ~~القلق أو التغلب على الأعراض المؤلمة أو استجماع النفس من أجل إبداع قادم. ~~ولن يتحلى كشفهم للماضي بأي مصداقية أو واقعية قبل أن يتحلوا هم بهذا الأمل ~~وهذا التكريس. ~~(6) قدرتنا البشرية على تجاوز الموقف الراهن # إذا كان لنا أن نفهم شخصا ما بوصفه موجودا ديناميا في تحول مستمر ~~وصيرورة دائمة، فلن يسعنا إذ ذاك أن نغفل بعدا وجوديا هاما هو بعد ~~«العلو» # transcendence ~~. «فأن توجد» ms34 يتضمن ~~أن تكون في انبثاق مستمر ... في تطور انبثاقي # emergent ~~evolution # بمعنى أنك تتخطى ماضيك وحاضرك وصولا إلى ~~المستقبل. وعليه يكون الفعل # transcendere ~~(ويعني حرفيا: يتسلق الشيء ويتخطاه) واصفا لما ينخرط فيه الكائن ~~الإنساني كل حين، ما لم يقعد به مرض خطير أو يعطله اليأس أو القلق. وبوسع ~~المرء بطبيعة الحال أن يلمس التطور الانبثاقي في كل عمليات الحياة. لقد ~~أعلن نيتشه على لسان نبيه القديم زرادشت: «ولقد أسرت إلي الحياة ~~نفسها قائلة: انظر؛ إنني ذلك الشيء الذي لا بد أن يتخطى ذاته كل حين» ~~(ماي، وآخرون، 1958م). # وصف كورت جولدشتاين # Kurt Goldstein # الأساس النيوروبيولوجي لهذه القدرة البشرية وصفا يؤثر (ماي، وآخرون، ~~1958م). فقد قام بدراسة المرضى المصابين بعطب في الدماغ. فوجد أنهم - ولا ~~سيما الجنود الذين ذهب الرصاص بأجزاء من اللحاء الجبهي من دماغهم - قد ~~فقدوا بصفة خاصة تلك القدرة على التجريد، أي القدرة على أن يفكر المرء ~~بصيغة الممكن. فكانوا موثوقين بأي موقف عياني مباشر يكتنفهم في أي لحظة. ~~كان الواحد منهم يتخطفه القلق ويتناثر سلوكه لو تصادف أن كانت خزانته غير ~~مرتبة. ذلك هو الترتيب القهري # compulsive ~~orderliness # وهو وسيلة للتشبث المتصلب بالموقف العياني ~~اللحظي. وعندما كان جولدشتاين يطلب من أحدهم أن يكتب اسمه على صفحة من ~~الورق كان دأبه أن يكتبه في ركن بعينه من الصفحة فلا يحيد عنه مهما تكرر ~~المطلب. كانت أية مجازفة بالكتابة خارج تلك الحدود من الورقة تمثل له ~~تهديدا خطيرا! يرى جولدشتاين أن ما يميز الكائن الإنساني السوي هو هذه ~~القدرة بالتحديد ... القدرة على أن يجرد، أن يستعمل الرموز ... أن يوجه نفسه ~~خارج الحدود المباشرة للمكان الآني أو اللحظة المعطاة ... أن يفكر بصيغة ~~«الممكن». أما المرضى والمصابون فإنهم يفقدون هذا النطاق ... نطاق «الإمكان»، ~~فينكمش في عالمهم المكان ويتقلص الزمان، ويفقدون بالتالي حريتهم فقدا ~~تاما. # نمتلك نحن البشر تلك القدرة على تجاوز الزمن والمكان. فبوسعنا أن نرتحل ~~بأنفسنا ألفي سنة إلى الوراء لنصل إلى بلاد الإغريق ويتسنى لنا أن نشاهد ~~مأساة أوديب ms35 تمثل في أثينا القديمة. وبوسعنا أن ننتقل للتو إلى ~~المستقبل فنتصور ما سوف تكون عليه الحياة بعد 2500 سنة مثلا. هذه الصور من ~~«العلو» أو «التجاوز» # transcendence # هي جزء ~~لا يتجزأ من الوعي الإنساني. وخير مثال للعلو هو قدرة البشر الفريدة على أن ~~يفكروا ويتحدثوا بالرموز. فأنت حين تتعهد بشيء ما أو تعد به فإن ذلك يفترض ~~مسبقا أن لديك صلة واعية بذاتك، وهو شيء يختلف تماما عن السلوك الاجتماعي ~~المبني على التكيف الغفل، وعن العمل وفق متطلبات الجماعة الحيوانية أو ~~قطيع السوائم أو خلية النحل. يقول جان بول سارتر: إن الكذب أو التضليل شكل ~~سلوكي يتفرد به الإنسان؛ «الكذب شكل من أشكال العلو أو التجاوز» فلكي ~~نكذب يتوجب أن نكون في نفس الوقت على علم بأننا نتخطى الحقيقة وننأى ~~عنها. # ليست القدرة على تجاوز الموقف المباشر ملكة تندرج بين غيرها في قائمة ~~الملكات. ولكنها بالأحرى جزء من الطبيعة الأنطولوجية للكائن البشري. أما ~~التجريد والموضعة # 5 # فهما أمارات لها وأدلة. في ذلك يقول مارتن هيدجر: «لا يتألف ~~العلو من الموضعة، ولكن الموضعة تفترض العلو.» إن قدرة الإنسان على أن يكون ~~في علاقة بذاته تمنحه فيما تمنح تلك القدرة على أن يموضع عالمه وأن يفكر ~~ويتحدث بالرموز ... إلخ. وهذا ما كان يعنيه كيركجارد عندما كان يذكرنا أننا ~~لكل نفهم أنفسنا يلزمنا أن نعي بوضوح أن «التخيل ليس ملكة كغيرها من ~~الملكات. ولكنها - إن صح التعبير - ملكة الملكات. فأي شعور يملكه هذا ~~الإنسان أو ذاك؟ وأي معرفة وأي إرادة؟ ذلك شيء يتوقف في نهاية المطاف على ~~ما لديه من ملكة التخيل، أي على الطريقة التي يتأمل بها هذه الأشياء. إن ~~ملكة التخيل هي التي تجعل كل تفكر ممكنا. وقوة هذه الملكة الوسيطة شرط ~~لقوة الذات (كيركجارد، 1954م، ص163). # الفصل الثاني # | المدارس الأخرى # (1) السلوكية # سنشرع أولا في تفحص الفروق بين النظرية الوجودية والنظرية السلوكية. ~~بوسعنا أن ندرك هذا الاختلاف الجذري عندما نلحظ الهوة القائمة بين الحقيقة ~~المجردة والواقع الوجودي. # يقول كنيث سبنس # Kenneth ms36 W. Spence ~~(1956م) قائد أحد أجنحة النظرية السلوكية: «هل هذا المجال أو ذاك من ظواهر ~~السلوك أكثر حقيقة أو أقرب إلى الحياة الفعلية وأولى - من ثم - بالبحث ~~والاستقصاء؟ ذاك سؤال لا يعن، أو لا ينبغي أن يعن، للسيكولوجي ~~بصفته عالما.» ومفاد هذا القول أنه لا يهم كثيرا ما إذا كان ما تجري ~~دراسته حقيقيا أم لا! # أية مجالات إذن ينبغي أن تنتقى للدراسة العلمية؟ إن سبنس يعطي ~~الأولوية «لتلك الظواهر التي تسلم نفسها لدرجات من التحكم والتحليل تسمح ~~بصياغة قوانين مجردة.» لم يرد هذا المبدأ بوضوح وتجرؤ كما ورد على لسان ~~سبنس: ننتقي للدراسة العلمية كل ما يتسنى رده إلى قوانين مجردة. أما مسألة ~~ما إذا كان ما ندرسه له نصيب من الحقيقة الفعلية أم لا، فذاك أمر غير ذي ~~صلة بهذا الهدف! # 1 # وكم ذا شيد المشيدون في علم النفس من أنساق معجبة تتراكم ~~فيها التجريدات عالية تجريدا فوق تجريد، مستسلمين كدأب المفكرين ~~العقلانيين لعقدة الصرح # edifice complex # إلى أن يتم لهم بناء مهيب خلاب. المشكلة الوحيدة هي أن الصرح كان في ~~أغلب الأحوال منبتا عن الواقع في أساساته ذاتها. # أما الأطباء النفسيون وعلماء النفس المنتمون إلى حركة العلاج الوجودي، ~~فيصرون على أننا يلزمنا بالضرورة، وما يزال باستطاعتنا، أن يكون لدينا علم ~~يضطلع بدراسة الكائنات الإنسانية في واقعها الفعلي. ~~(2) الفرويدية التقليدية # يفترق لودفيج بنسفانجر، وغيره من المعالجين الوجوديين، عن فرويد في ~~عديد من النقاط الهامة. منها رفضهم لما ذهب إليه من أن المريض النفسي ~~مسير بالغرائز والدوافع. فالفرويديون، على حد قول سارتر، قد غاب عنهم ~~ذلك «الكائن الإنساني» الذي تحدث له هذه الأشياء. # كذلك يلقي الوجوديون ظلالا من الشك على فكرة فرويد عن اللاشعور بوصفه ~~خزانا للميول والرغبات والدوافع التي تتحكم في السلوك وتوجهه. فهذه النظرة ~~إلى اللاشعور «القبو» # cellar # تتيح للمريض ~~في الموقف العلاجي أن يتنصل من المسئولية عن أفعاله بعبارات من قبيل: «إن ~~اللاشعور هو الذي فعلها وليس أنا». ويصر الوجوديون دائما على أن ~~يحملوا المريض المسئولية ms37 بأن يسألوه أسئلة مثل: «لا شعور من ~~هذا؟!» # تتجلى الاختلافات بين الوجودية والفرويدية أيضا في مسألة أشكال ~~العالم. فرغم عبقرية فرويد وأهميته في كشف النقاب عن أشكال الغرائز ومسائل ~~الدوافع والحدوث والحتمية البيولوجية، إلا أن الفرويدية التقليدية لا تقدم ~~لنا عن العلاقات بين الأفراد كذوات (العالم-مع) إلا تصورا باهتا ~~مبهما. ~~(3) المدرسة البينشخصية في العلاج النفسي # إن نظرة متفحصة في الأشكال الثلاثة للعالم لتكشف الفروق بين العلاج ~~الوجودي وبين المدرسة البينشخصية # interpersonal ~~School # كما تتمثل في كتابات إريك فروم وهاري ستاك ~~سوليفان. صحيح أن لدى المدارس البينشخصية أساسا نظريا يتناول ~~«العالم-مع» تناولا مباشرا (يكفي أن تتأمل في ذلك نظرية سوليفان) وأن ~~هناك نقاط التقاء كثيرة بين الطرفين (وإن لم تصل لدرجة التطابق)؛ غير أن ~~مكمن الخطر هناك هو أننا إذا أغفلنا العالم الشخصي # Eigenwelt # تميل العلاقات الشخصية لأن ~~تصبح خاوية عقيمة. لقد هاجم عالم مثل سوليفان مفهوم الشخصية الفردية، ~~وجهد غاية الجهد كي يعرف النفس في حدود التقييم المنعكس (عن ~~الجماعة) والمقولات الاجتماعية، أي الأدوار التي يؤديها الفرد في العالم ~~البينشخصي. إن هذا، على المستوى النظري، يعاني كثيرا من عدم الاتساق ~~المنطقي، بل يتجه على النقيض من إسهامات سوليفان الأخرى. أما من الوجهة ~~العملية فهو يكاد يجعل من النفس مرآة للجماعة من حولها، ويفرغها من ~~الحيوية والأصالة، ويختزل العالم البينشخصي إلى مجرد علاقات اجتماعية، ~~ويفتح الطريق لتوجه مضاد تماما لأهداف سوليفان وغيره من مفكري المدرسة ~~البينشخصية؛ ألا وهو «الامتثال الاجتماعي # social ~~conformity ~~». ~~(4) مدرسة يونج # هناك أوجه شبه بين مدرسة يونج # Jung # وبين العلاج الوجودي. وقد كان معالج وجودي مثل مدارد بوس لسنوات عديدة ~~عضوا في الحلقة التي كان يعقدها يونج بانتظام في منزله. إلا أن المأخذ ~~الذي يأخذه الوجوديون على أتباع يونج هو أنهم يسارعون إلى تجنب الأزمات ~~الوجودية المباشرة للمريض بأن «يقفزوا إلى النظرية». وقد أوضح بوس هذا ~~المأخذ في الحالة التي أوردها في فصل «الذنب ومشاعر الذنب». وهي حالة مريضة ~~يتملكها الخوف من الخروج بمفردها من المنزل، قام معالج ms38 يونجي بتحليلها لمدة ~~ست سنوات، فسر خلالها عديدا من الأحلام كإشارة إلى أن الله يتحدث ~~إليها. لقد أرضى هذا غرور المريضة. غير أنها بقيت عاجزة عن الخروج من ~~المنزل! وقد استطاعت فيما بعد أن تتغلب على عصابها المقعد حين قيض ~~لها معالج وجودي ألح على أنها لن تتمكن من قهر مشكلتها إلا إذا أرادت ~~هي بشكل إيجابي أن تقهرها. وهي طريقة أخرى للقول بأنها هي التي يلزمها - ~~وليس الله - أن تتحمل المسئولية عن مشكلتها وتملك زمام أمرها. ~~(5) العلاج المتمركز على العميل # يوضح رولو ماي الفارق بين المدرسة الوجودية ومدرسة روجرز # Rogers # في تقاريره التي كتبها عندما كان ~~يعمل حكما للعلاج المتمركز على العميل # client-centered ~~therapy # في تجربة لهذا العلاج أجريت بجامعة ونسكونسين. ~~فقد استعين في هذه التجربة باثني عشر خبيرا خارجيا للحكم كانت ترسل ~~إليهم شرائط تسجيل للجلسات العلاجية. قرر رولو ماي (1982م) بصفته أحد ~~الخبراء الخارجيين أنه لم يكن يحس في كثير من الأحيان أن هناك شخصين ~~متمايزين في غرفة العلاج. فحين يقتصر دور المعالج على أن يعكس كلمات ~~المريض يتكشف الأمر عن «هوية واحدة لا شكل لها، ولا يعود هناك ذاتان ~~تتفاعلان في عالم تشارك فيه كلتاهما؛ عالم يعج بالحب والكراهة، والثقة ~~والشك، والصراعات والاعتمادية، بحيث يمكن تناول كل ذلك وفهمه وتمثله.» ~~كان ماي يخشى أن الإفراط في التوحد مع المريض # overidentification # من جانب المعالج، ~~يفوت على المريض فرصة أن يخبر نفسه كذات لها استقلالها، أو أن يأخذ ~~موقفا من المعالج ... أن يخبر نفسه حقا في عالم بينشخصي. # ورغم ما ينادي به الروجريون في علاجهم الفردي والجمعي من انفتاح وحرية ~~في العلاقة العلاجية، فقد اتفق الحكام الخارجيون في دراسة ونسكونسين على أن ~~«الطبيعة الجامدة المتحفظة للمعالج كانت تضع حائلا يحجب عنه كثيرا من ~~الخبرات الخاصة به والخاصة بالمريض.» # كتب أحد المعالجين الروجريين، بعد خبرة كمعالج مستقل هذا النقد: ~~«كنت أطبق المفهوم الأول للعلاج المتمركز على العميل، فأكبح غضبي ~~وعدوانيتي ... إلخ؛ فكان المردود الذي وصلني آنذاك هو أنني كنت ms39 مهذبا ~~لطيفا بحيث صعب على المرضى أن يفضوا إلي بأشياء غير مهذبة وغير ~~لطيفة، وصعب عليهم أن يثوروا علي ويغضبوا.» ( # Raskin, ~~1978, p. 367 ~~). # وجملة القول: إن العلاج المتمركز على العميل يحيد عن المفهوم الوجودي ~~الصحيح، إذ يتنكب مواجهة المريض بشكل مباشر حازم. # 2 # الفصل الثالث # | نظرة تاريخية # (1) طلائع وجودية # ثمة تياران أساسيان في تاريخ الفكر البشري. أحدهما هو تيار الماهيات # essences # ويتجلى في أوضح صورة عند ~~أفلاطون الذي ذهب إلى أن هناك صورا مكتملة أو نماذج مثالية لكل الأشياء؛ ~~وأن هذه الأشياء من حولنا، هذا الكرسي المحدد مثلا، ما هي إلا نسخ ناقصة ~~لها. تتبين هذه الماهيات بوضوح حين نتأمل في الرياضيات؛ فالدائرة الكاملة ~~والمربع الكامل موجودان في السماء. أما ما نرسمه نحن البشر من دوائر ~~ومربعات فهي نسخ غير مكتملة من تلك الدوائر والمربعات المثالية. وتتطلب ~~الرياضيات ملكة التجريد التي تغضي عن وجود الشيء المفرد. فبمقدورنا ~~مثلا أن نبرهن ببساطة على أن ثلاث تفاحات مضافة إلى ثلاث أخريات يكون ~~مجموعها ستا. غير أن هذا يظل صحيحا حتى لو استبدلنا بالتفاحة وحيد ~~القرن. فالرياضيات لا يعنيها ما إذا كان وحيد القرن موجودا بالفعل. وبوسع ~~قضية ما أن تكون صحيحة دون أن تكون حقيقية. لعل النجاح الباهر الذي تحققه ~~هذه الطريقة في بعض مجالات العلم (كالرياضيات) هو بعينه ما يحملنا على أن ~~نغفل الكائن الفرد الحي. # غير أن هناك تيارا آخر من الفكر آخذا مجراه عبر التاريخ؛ ألا وهو ~~تيار الوجود # existence ~~. وبموجبه فإن ~~الحقيقة تنصب على الشخص الحي الموجود في موقف بذاته (عالم) في وقت ~~بعينه. ومن ثم أطلق على هذا التيار: التيار الوجودي # existential ~~. هذا ما كان يعنيه سارتر في ~~مقولته الشهيرة: «الوجود يسبق الماهية.» فوعي الإنسان (أي وجوده) سابق على ~~أي شيء عليه أن يقوله عن العالم من حوله. # للتراث الوجودي نماذج تاريخية عديدة من المفكرين. منهم أوغسطين # Augustine # الذي ذهب إلى أن «الحقيقة تقيم ~~في أعماق الإنسان.» ودانس سكوت # Duns Scotus # الذي فند فكرة الماهيات العقلية عند ms40 توما الأكويني، مؤكدا أن الإرادة ~~الإنسانية يجب أن تكون أساسا لأي عبارة. ومنهم بسكال Pascal # القائل: «إن للقلب أسبابه التي ~~لا يدري العقل عنها شيئا.» # وتبقى الهوة قائمة في زمننا هذا بين الصواب والواقع. ويبقى المشكل ~~المحوري الذي يواجهنا في علم النفس، وفي غيره من جوانب العلم الذي يتناول ~~الإنسان، هو بالتحديد هذا الصدع الفاصل بين ما هو صائب تجريديا وبين ما ~~هو حق وجوديا بالنسبة للشخص الحي المحدد. ~~(2) البدايات # تنبأ كيركجارد ونيتشه ومن تلاهما من الوجوديين بهذا الصدع المتنامي في ~~الثقافة الغربية بين الصواب والواقع، وأنكروا الوهم القائل بأننا يمكن أن ~~نفهم الواقع بطريقة تجريدية منفصلة عنه. ورغم مناوأتهم الشديدة للعقلانية ~~الجافة، إلا أننا لا يجوز بحال أن نصنفهم بين أصحاب مذهب الفعالية # activism ~~، # 1 # ولا يجوز بحال أن ندرجهم بين أصحاب المذهب المضاد للعقلانية، ~~فمثل هذا المذهب وغيره من الحركات، التي تجعل الفكر خاضعا للشعور، ليس من ~~الوجودية في شيء. فالحق أن كلا البديلين - النظر إلى الإنسان كذات بحتة أو ~~كموضوع صرف - يؤدي بنا إلى أن نخسر الشخص الموجود الحي. لقد كان كيركجارد ~~والمفكرون الوجوديون ينشدون حقيقة تقبع وراء كل من الذاتية والموضوعية، ~~ويرون أننا ينبغي ألا نكتفي بدراسة خبرة الشخص بما هي كذلك، بل علينا أن ~~نشمل بالبحث ذلك الفرد الذي يضطلع بهذه الخبرة. # وليس من قبيل المصادفة أن يكون أكبر الفلاسفة الوجوديين في القرن ~~التاسع عشر - كيركجارد ونيتشه - هما أيضا من بين أبرز السيكولوجيين ~~وأجلهم شأنا في جميع العصور. ولا أن يكتب رائد معاصر للفلسفة الوجودية ~~- كارل ياسبرز - وهو طبيب نفسي سابق؛ كتابا دراسيا فذا في علم ~~السيكوباثولوجيا. وحين يقرأ المرء تحليلات كيركجارد العميقة للقلق واليأس، ~~أو لمحات نيتشه الباهرة الدقة عن ديناميات التبرم والذنب والعدائية التي ~~تصاحب القوى الانفعالية المكبوتة، يشق عليه أن يدرك أنه يقرأ أعمالا ~~كتبت منذ خمسة وسبعين عاما أو مائة عام، وليس تحليلا سيكولوجيا ~~معاصرا. # في القلب من اهتمامات المعالجين الوجوديين أن يعيدوا اكتشاف الشخص الحي ~~بين مظاهر استلاب الإنسانية التي ms41 تتسم بها الثقافة الحديثة. وهم من أجل ذلك ~~ينخرطون في تحليل الأعماق. إن اهتمامهم ليس منصبا على الاستجابات النفسية ~~المنفصلة في حد ذاتها، بل بالأحرى على الوجود السيكولوجي للشخص الحي الذي ~~يقوم بعملية الخبرة. إنهم يضفون على المصطلحات السيكولوجية معنى ~~أنطولوجيا. # يضم الفلاسفة الوجوديون في ألمانيا مارتن هيدجر، وكارل ياسبرز، وفي ~~فرنسا جان بول سارتر وجابرييل مارسيل، ونيقولاس برديائيف # N. ~~Berdyaev ~~، ومن إسبانيا أورتيجا # Ortega ~~، وأونامونو # Unamuno ~~. ويعرض باول تيليش Paul Tillich # المدخل الوجودي في أعماله، ~~ويعد كتابه «شجاعة أن تكون» (أو أن توجد) # The courage to ~~be ~~(1952م) من نواح كثيرة أفضل عرض وأقواه للفلسفة ~~الوجودية. # نشأ العلاج الوجودي بشكل تلقائي في أجزاء متفرقة من أوروبا وبين مدارس ~~متباينة. وأصبح له قبيل متنوع من الباحثين ومن المفكرين المبدعين. # 2 # وقد كان هناك أطباء نفسيون يمثلون المرحلة الفينومينولوجية ~~لهذه الحركة بالدرجة الأساس وهم: يوجين منكوفسكي # E. ~~Minkowski # في باريس، وإرفين ستراوس # E. ~~Straus # في ألمانيا وفي أمريكا بعد ذلك، وفون جبساتل # Von Gebsattel # في ألمانيا. وهناك من ~~يمثلون المرحلة الثانية للحركة أو المرحلة الوجودية؛ وهم: لودفيج بنسفانجر، ~~وستورش # Storch ~~، ومدارد بوس، وبالي # Bally ~~، ورولاند كون # R. ~~Kuhn # من سويسرا، وفان دن برج # Van Den ~~Berg ~~، وبويتنديجك # Buytendijk # في هولندا. ~~(3) الوضع الحالي # دخل العلاج الوجودي الولايات المتحدة سنة 1958م حين نشر رولو ماي # Rollo May # وإرنست أنجل # Ernest Angel # كتاب «الوجود، بعد جديد ~~في الطب النفسي وعلم النفس». وقد تضمن الفصلان الأولان اللذان كتبهما ماي ~~«مصادر الحركة الوجودية في علم النفس» و«إسهامات علم النفس الوجودي» خلاصة ~~العلاج الوجودي. أما بقية الكتاب فتشمل مقالات ودراسة حالات قام بها هنري ~~إلينبرجر ويوجين منكوفسكي، وإرفين ستراوس، وفون جبساتل، ولودفيج بنسفانجر، ~~ورونالد كون. أما أول كتاب دراسي شامل في الطب النفسي الوجودي فكان كتاب ~~إرفين يالوم # Ervin Yalom ~~(1981م) بعنوان ~~«العلاج النفسي الوجودي». # لم تكن روح العلاج الوجودي تحبذ يوما تأسيس معاهد متخصصة فيه. ذلك أن ~~العلاج الوجودي يتناول الفروض الأساسية التي تبطن أي صنف ms42 من العلاج. ~~إنما تعنيه المفاهيم الخاصة بالإنسان لا الفنيات الخاصة بالعلاج. ويفضي ~~بنا هذا الوضع إلى ما يشبه المعضلة؛ ففي حين كان العلاج الوجودي - وما يزال ~~- ذا نفوذ وتأثير، فليس هناك، رغم ذلك، إلا النزر اليسير من المقررات ~~الدراسية الوافية في هذا النوع من العلاج. ومرد ذلك ببساطة إلى أن ~~العلاج الوجودي ليس فنيات محددة نتدرب عليها. وقد كان مؤسسو الحركة ~~الوجودية دائما يقرون أن للطالب أن يتلقى التدريب التقني لأي مدرسة من ~~المدارس العلاجية، وما عليه إلا أن يصوغ فروضه الأساسية في قالب ~~وجودي. # اكتشف رولو ماي - وهو وجودي من قبل أن يسمع بالكلمة - أن الشخص ~~الموجود هو الاعتبار الأهم، وليس أية نظرية عن الشخص. وقد سعى في أطروحته ~~للدكتوراه عام 1950م تحت عنوان «معنى القلق» إلى وضع مفهوم للقلق السوي ~~يكون أساسا لنظرية عن الإنسان. كان ماي قد فرغ لتوه من تبين عبثية ~~الذهاب إلى التحليل خمس مرات في الأسبوع لمدة عامين، قبل أن يبدأ تدريبه ~~بمعهد وليام ألانسون. وقد تلقى تدريبا كمحلل نفسي في هذا المعهد وفي معهد ~~الفرويدية الجديدة بنيويورك. وكان يمارس التحليل النفسي بالفعل عندما قرأ ~~عن العلاجات الوجودية في أوائل الخمسينيات، واكتشف أن هذه المفاهيم الجديدة ~~لعلم النفس الوجودي هي ما كان يصبو إليه ويعجز مع ذلك عن صياغته. # ثم انعقد المؤتمر العالمي للعلاج النفسي عام 1958م في برشلونة ~~بإسبانيا، وكان موضوعه: «العلاج النفسي الوجودي». شارك في المؤتمر خمسمائة ~~معالج بينهم علماء نفس بارزون؛ مثل ميدارد بوس، وجاك لاكان # Jacques Lacan ~~، ومائة معالج من الولايات ~~المتحدة. # كان بعض الحضور من أتباع فرويد، وبعضهم من أتباع يونج، وبعضهم من معهد ~~وليام ألانسون. غير أن الجميع أبدوا تقديرا كبيرا لإضاءات العلاج الوجودي ~~ومفاهيمه. # ويعتقد مؤسسو العلاج الوجودي أن إسهاماته سوف تذوب في المدارس الأخرى؛ ~~ففي مقدمة كتابه «العلاج الجشطلتي حرفيا» (1969م) يصرح فرتز بيرلز # Fritz Perls # بحق أن العلاج الجشطلتي هو ~~شكل من أشكال العلاج الوجودي. # 3 # ومن حق أي معالج تدرب في أية مدرسة علاجية ms43 أن يسمي نفسه ~~وجوديا ما دامت المبادئ والفروض الأساسية التي يستند إليها تماثل ما ~~نعرضه في هذا العمل؛ فإرفين يالوم على سبيل المثال تلقى تدريبه في مدارس ~~الفرويدية الجديدة. بل إن معالجا سلوكيا سابقا مثل أرنولد لازاروس # A. Lazarus # لا يتردد في استخدام بعض ~~الفروض الوجودية في علاجه النفسي المتعدد الأنماط. وما كان هذا ليتأتى لو ~~لم يكن العلاج الوجودي طريقة في فهم الكائن البشري وتصوره، طريقة توغل ~~إلى أعماق أبعد من مدارس العلاج الأخرى، لكي تبرز المبادئ والفروض التي ~~تبطن كل الأنساق العلاجية. # تشمل الأعمال الكبرى في العلاج الوجودي كتب ماي «معنى القلق» (1977م)، ~~«العلاج النفسي الوجودي» (1961م)، «الإنسان يبحث عن نفسه» (1953م)، وكتاب ~~جيمس بجنتال # J. Bugental ~~«البحث عن الهوية ~~الوجودية»، وكتابي مدارد بوس «تحليل الأحلام» (1957م)، و«التحليل النفسي ~~وتحليل الموجود» (1982م)، وكتاب فيكتور فرانكل # V. ~~Frankl ~~«الإنسان يبحث عن المعنى» (1963م). وقد كتب هلموت ~~كايزر # H. Kaiser # في العلاج الوجودي شيئا ~~قيما ضمن كتابه «العلاج النفسي الفعال» (1965م). كما أسهم كل من ليشلي ~~فاربر # L. Farber ~~(1966، 1976م)، وأفري ~~فايزمان # A. Weisman ~~(1965م)، وليستر هافنز # L. Havens ~~(1974م) إسهامات هامة في التراث ~~الوجودي. # الفصل الرابع # | الشخصية # (1) نظرية الشخصية # العلاج الوجودي شكل من أشكال العلاج الدينامي يقدم نموذجا ديناميا ~~لبنية الشخصية. وكلمة دينامي مصطلح كثير الاستخدام في علم النفس وفي العلاج ~~النفسي. فنحن كثيرا ما نتحدث مثلا عن الديناميات النفسية للمريض، أو ~~المدخل الدينامي للعلاج. ولكلمة «دينامي» معنى دارج وآخر تكنيكي. ومن ~~الضروري أن نكون على بينة من المعنى المقصود لهذه الكلمة حين ترد في سياق ~~نظرية الشخصية. فبمعناها الدارج تحمل هذه الكلمة دلالات الحيوية، فهي تثير ~~تداعيات من مثل: دينامو، ديناميت، لاعب كرة دينامي، قائد سياسي دينامي ... ~~إلخ. # أما المعنى التكنيكي لكلمة دينامي فيما يتصل بنظرية الشخصية فيشير إلى ~~مفهوم القوة. كان فرويد أول من أدخل هذه الكلمة في الاستعمال في نظرية ~~الشخصية. فقد اعتبر الشخصية نظاما مكونا من قوى في صراع بعضها مع بعض. ~~ينجم عن هذا ms44 الصراع مجموعة من الانفعالات والسلوك (منها التكيفي والمرضي) ~~هي التي تكون الشخصية. ولا يكتمل تعريف الشخصية عند فرويد إلا إذا أضفنا ~~أن هذه القوى المتصارعة توجد على مستويات مختلفة من الوعي. وأن بعضها يوجد ~~خارج الوعي تماما، أي يوجد على مستوى لا شعوري. # بذلك عندما نتحدث عن الديناميات النفسية لفرد من الأفراد فإنما نشير ~~إلى القوى والدوافع والمخاوف الشعورية واللاشعورية المتصارعة الخاصة بذلك ~~الفرد. أما العلاج الدينامي فهو العلاج المبني على النموذج الدينامي لبنية ~~الشخصية. # هناك في الحقيقة نماذج دينامية عديدة للشخصية. وعلينا لكي نفرق بينها ~~ونميز النموذج الوجودي منها أن نسأل: ما هو «محتوى» الصراع الداخلي الشعوري ~~واللاشعوري؟ نعم هناك قوى ودوافع ومخاوف تصطرع مع بعضها البعض داخل ~~الشخصية، ولكن أية قوى هذه؟ وأية دوافع؟ وأية مخاوف؟ # وربما يتجلى المفهوم الوجودي للصراع الداخلي بصورة أكثر وضوحا حين ~~نقارنه بمفهومين آخرين شهيرين لديناميات الشخصية، هما النموذج الفرويدي ~~والنموذج البينشخصي (الفرويدية الجديدة). ~~(2) النموذج الفرويدي للديناميات النفسية # يفترض النموذج الفرويدي أن الفرد تحكمه قوى غريزية فطرية لا تني تتكشف ~~للعيان مثل ورقة السرخس خلال دورة النمو النفسجنسية. وقد افترض فرويد ~~صراعات على جبهات عديدة؛ فهناك غرائز ثنائية تصطدم الواحدة بالأخرى (غرائز ~~الأنا مقابل غرائز الليبيدو في نظرية فرويد الأولى، أو الإيروس # Eros # مقابل الثناتوس # Thanatos # في النظرية الثانية) كما تصطدم ~~الغرائز بمقتضيات البيئة، وتصطدم فيما بعد بالأنا الأعلى (البيئة ~~المدخلة # internalized environment ~~). # 1 # وصفوة القول في طبيعة الصراع من وجهة نظر النموذج الدينامي الفرويدي، ~~أننا بإزاء كائن مدفوع بالغرائز، ما برح في حرب مع عالم يحول بينه وبين ~~إشباع هذه الدوافع الفطرية العدوانية والجنسية. ~~(3) النموذج البينشخصي للديناميات النفسية (الفرويدية الجديدة) # أما النموذج البينشخصي (الذي وضعه منظرون من أمثال هاري ستاك ~~سوليفان # H. S. Sullivan ~~، وكارن هورني # K. Horney ~~، وإريك فروم # E. ~~Fromm ~~) فيرى أن الفرد ليس موجها بالغريزة، وليس ~~مبرمجا بشكل مسبق؛ بل هو صنيعة البيئة الثقافية والبينشخصية. فهي تنفرد ~~تقريبا بصياغته وتشكيله. إن الطفل ليستميت في طلب الرضا والقبول ممن يراهم ms45 ~~قائمين برعايته موفرين له أسباب البقاء. غير أن للطفل أيضا نزوعا ~~داخليا ملحا تجاه النمو والسيادة والاستقلال. وهي ميول لا تنسجم ~~دائما مع ما يتطلبه البالغون ذوو الشأن في حياته. فإذا ما ابتلاه حظه ~~العاثر بأبوين تعوقهما صراعاتهما العصابية ذاتها عن توفير الأمان له وحفزه ~~على النمو المستقل، حينئذ يتولد صراع بين حاجة الطفل للأمان وبين نزوعه ~~الطبيعي للنمو. وهو صراع يضحي فيه دائما بالنمو لصالح الأمان. ~~(4) الديناميات النفسية الوجودية # يستند النموذج الوجودي للشخصية إلى تصور آخر للصراع الداخلي. فالصراع ~~الأساسي وفقا لهذا النموذج ليس صراعا ضد دوافع غريزية مقموعة. لا، ولا هو ~~صراع ضد بالغين ذوي خطر في حياة الفرد المبكرة. إنما هو صراع بين الفرد ~~وبين معطيات الوجود. # ما هي هذه المعطيات؟ # إن بوسع الفرد المفكر أن يكتشفها دون كثير عناء. فإذا ما نحينا العالم ~~الخارجي جانبا. وأغضينا عن الاهتمامات اليومية التي نشغل بها حياتنا في ~~العادة، ثم أمعنا في التأمل ليشمل موقفنا في العالم. عندئذ لا مناص لنا ~~من مواجهة هموم معينة يسميها تيليش «الهموم النهائية # ultimate concerns ~~» # 2 # وهي هموم تشكل جانبا لا مهرب منه من جوانب الوجود الإنساني في ~~العالم. # يحدد يالوم أربعة هموم نهائية ذات صلة كبيرة بالعلاج النفسي؛ وهي: ~~الموت، الحرية، العزلة، اللامعنى. # إن مواجهة المرء لكل من هذه الهموم هي التي تشكل محتوى الصراع الداخلي ~~وفق الإطار المرجعي الوجودي. ~~(5) الموت # الموت هو - بين هذه الهموم النهائية - أكثرها وضوحا وجلاء. فليس ~~بخاف على الجميع أن الموت آت لا مرد له. إنها حقيقة مرعبة. ونحن ~~نستجيب لها في المستويات الأعمق من دواخلنا برعب أكبر. فكل شيء كما يقول ~~سبينوزا «يريد أن يبقى على حاله». إنه لصراع صميمي ذلك الناشب بين وعينا ~~بالموت المحتوم وبين رغبتنا الآنية في البقاء. تلك هي الرؤية الوجودية. ~~فالموت يضطلع بدور كبير في خبرة المرء الداخلية، ويراوده كما لا يراوده أي ~~شيء آخر. الموت يدمدم بلا توقف تحت غشاء الحياة. وهم الموت يغمر ~~الإنسان منذ نعومة أظفاره . فالتعامل مع خطر ms46 المحو والإزالة هو من المهام ~~الكبرى التي يتعين على الطفل أن ينهض بها في رحلة نموه. # وليس لنا من سبيل كي نصمد أمام هذا الخطر المصلت إلا أن ننصب دفاعات ~~ضد الوعي بالموت. وهي دفاعات قائمة على التعامي والإنكار # denial ~~، وتدخل في تشكيل بنية الشخصية. ~~فإذا كانت دفاعاتنا غير توافقية أدى بنا ذلك إلى أمراض سوء التوافق. ~~فالمرض النفسي ينجم إلى حد كبير عن فشلنا في تخطي حقيقة الموت والعلو ~~عليها، والأعراض النفسية والبنية الشخصية السيئة التوافق تنبع جميعها من ~~رعب الموت وخوف المرء من الفناء والزوال. ~~(6) الحرية # ليس من دأبنا أن ننظر إلى الحرية كمصدر للقلق. فنحن على العكس تماما ~~نعتبرها مفهوما إيجابيا على طول الخط. وتاريخ الحضارة الغربية حافل ~~بالتوق إلى الحرية والكفاح في سبيلها. إلا أن للحرية - داخل الإطار ~~المرجعي الوجودي - معنى تكتيكيا خاصا؛ معنى لصيقا بالرعب! # تعني الحرية في الإطار الوجودي أن الإنسان - بعكس ما توهمه خبرة الحياة ~~اليومية - لا يدخل في البدء ويغادر في النهاية عالما واضح المعالم ذا ~~بنية كلية مترابطة محددة مكتملة. تشير الحرية إلى حقيقة أن الكائن ~~الإنساني مسئول عن إبداع عالمه الخاص وشكل حياته واختياراته وأفعاله. ~~الكائن الإنسان «محكوم عليه بالحرية» على حد قول سارتر. ويرى رولو ماي ~~(1981م) أن الحرية الحقة تلزم الإنسان أن يواجه التحديات التي يضعها ~~قدره ولا يستسلم لها. # كان الفكر الفلسفي لأمد طويل يحمل جرثومة الموقف الوجودي الذي يرى ~~أن الكائن الإنساني يشيد عالمه الخاص. فصميم ثورة كانت # Kant # في الفلسفة هو افتراضه أن وعي ~~الإنسان وطبيعة التركيب الذهني للكائن الإنساني هو الذي يضفي على الواقع ~~شكله الخارجي. حتى المكان عند كانت «ليس شيئا موضوعيا أو واقعيا، بل ~~هو شيء ذاتي ومثالي. إنه كان وما يزال مخططا وإطارا ينبع من طبيعة العقل ~~بقانون ثابت، لكي ينظم كل المعطيات الحسية الخارجية.» # يحمل هذا التصور الوجودي للحرية متضمنات مرعبة. فإذا صح، كما ~~يقول بعض الفلاسفة مثل هيدجر وسارتر، أننا نخلق ذواتنا الخاصة وعالمنا ~~الخاص، فليس ثمة إذن أرض ms47 تحتنا بل مجرد هاوية ... فراغ ... عدم. # من مواجهتنا للحرية ينشأ صراع دينامي داخلي هام. صراع بين وعينا ~~بالحرية واللاقاعدة من جهة، وبين حاجتنا العميقة للقاعدة وللبنية النظامية ~~من جهة أخرى. # ويشمل مفهوم الحرية موضوعات كثيرة ذات تضمينات واسعة تمس العلاج ~~النفسي؛ أبرزها فكرة «المسئولية». يتفاوت الأفراد تفاوتا كبيرا في درجة ~~المسئولية التي يرغبون في تحملها إزاء مواقفهم الحياتية، وفي الطرائق التي ~~يصطنعونها للتنصل من المسئولية. فبعض الأفراد يضعون المسئولية على عاتق ~~غيرهم من الناس، وعاتق الظروف والرؤساء والأزواج، وعندما يدخلون في الموقف ~~العلاجي يحملون المعالج النفسي مسئولية شفائهم. وبعض الأفراد يتنصلون ~~من المسئولية بأن يعيشوا دور «الضحية البريئة» التي جنت عليها أحداث ~~خارجية ليس لهم بها يد (ويغفلون على الدوام أنهم هم الذين قاموا بالتمهيد ~~لهذه الأحداث وتمريرها، وأنها جرت على إذن مستور منهم وإيعاز مضمر). ~~وبعض الأفراد ينسلخون من المسئولية كليا بأن يدخلوا في حالة اضطراب عقلي ~~عابر لا يعدون فيها أهلا للمحاسبة على سلوكهم حتى أمام أنفسهم. # وللحرية جانب آخر هو «الإرادة». فأن يعي المرء مسئوليته عن موقفه ~~يعني أنه يدخل دهليز الفعل (ويعني في الموقف العلاجي أنه يدخل دهليز ~~التغيير). فالإرادة هي ذلك الممر الموصل من المسئولية إلى الفعل. ويتألف ~~فعل الإرادة # willing ~~، كما أوضح ماي، من فعل ~~الرغبة # wishing # أولا، ثم فعل القرار # deciding ~~. يعاني كثير من الأفراد من ~~مصاعب كبيرة في أن يحسوا برغبة ما أو أن يعبروا عنها؛ ذلك أن الرغبة لصيقة ~~بالشعور، وأن ذوي الوجدان المعطل من الأفراد لا يمكنهم الفعل بتلقائية؛ ~~لأنهم لا يستطيعون أن يشعروا وبالتالي لا يستطيعون أن يرغبوا. أما المتصفون ~~بالاندفاعية # impulsivity # من الأفراد فهم ~~يتجنبون فعل الرغبة إذ يفشلون في التمييز بين الرغبات، ومن ثم يفعلون ~~باندفاع وفورية وفق جميع الرغبات. أما أصحاب الأفعال القهرية # compulsivity ~~(وهو اضطراب آخر من ~~اضطرابات الرغبة) فهم بدلا من أن يجترحوا الفعل المبادئ المقدام، يظلون ~~مسيرين بإلحاحات داخلية غريبة عن ذاتهم، وتجري غالبا على نقيض ~~رغباتهم الشعورية. # وما إن يخبر المرء رغبة ms48 ما خبرة كاملة حتى يجد نفسه في مواجهة ~~القرار # decision ~~. وكم من أفراد يعرفون ~~تماما ماذا يرغبون ويبقون مع ذلك عاجزين عن أن يقرروا أو يختاروا. وكثيرا ~~ما يتملكهم ما يمكن أن نسميه فزع القرار. وقد يوكلون إلى غيرهم اتخاذ ~~القرار الخاص بهم، أو يتصرفون بطريقة من شأنها أن تجعل القرار يفرض عليهم ~~بفعل ظروف هم قاموا في واقع الأمر بتمريرها على مستوى لا شعوري. ~~(7) العزلة # ثالث الهموم النهائية هو العزلة # isolation ~~. ومن الأهمية بمكان أن ندرك ~~الفرق بين العزلة الوجودية وبين الصنوف الأخرى من العزلة. # فالعزلة البينشخصية # interpersonal ~~isolation # تشير إلى البون الفاصل بين الفرد وبين ~~الآخرين، والناتج عن نقص في المهارات الاجتماعية وخلل نفسي في مجال الألفة ~~والحميمية. # والعزلة داخل الشخصية # intrapersonal ~~isolation ~~(وهو مصطلح كان فرويد أول من أدخله) تشير إلى ~~حقيقة أننا معزولون عن أجزاء من أنفسنا. فثم مقاطعات من النفس (من ~~الخبرة، الوجدان، الرغبة) منشقة عن نطاق وعينا ودرايتنا. وهدف العلاج ~~النفسي هو أن يساعد الفرد على المطالبة بهذه الأجزاء المنبتة من نفسه ~~واستردادها. # أما العزلة الوجودية # existential ~~isolation # فهي أوغل في العمق من الصور الأخرى للعزلة. ~~فمهما تكن علاقتنا بشخص آخر، وبالغا ما بلغ ودنا له واقترابنا منه، ~~تبق هناك فجوة نهائية تفصلنا عنه. فجوة يستحيل عبورها. كلنا يدخل ~~الوجود وحيدا، وكلنا لا بد أن يرحل عنه وحيدا. # في بدايات الوعي يخلق كل فرد ذاتا أولية (أنا ترنسندنتالية) بأن يدع ~~وعيه يلتف على نفسه فيفرق نفسا ما عن بقية العالم. عندئذ فقط يشرع الفرد ~~- وقد صار الآن واعيا بذاته - في تأسيس الذوات الأخرى. # 3 # تحت هذا الفعل، كما يلاحظ ميجوسكوفيك # Mijuskovic (1979) ~~، ثمة وحدة صميمة؛ فلا ~~مهرب للفرد من أن يعرف: ~~(1) # أنه يشكل الآخرين تشكيلا. ~~(2) # أنه لا يستطيع أن يشرك الآخرين شراكة كاملة في وعيه ~~الخاص. # ليس هناك مذكر بالعزلة الوجودية أبلغ من مواجهة للموت. فكل من ~~يواجه الموت أو يراه رأي العين يصبح بلا استثناء على وعي حاد بحقيقة ~~العزلة. مثل هذا التعاقب هو ms49 موضوع المسرحية الأخلاقية «كل إنسان # Everyman ~~» التي كانت تمثل في العصور ~~الوسطى. ف «كل إنسان» كتب عليه أن يزوره ملك الموت الذي يخبره أن عليه ~~أن يشرع في حجته النهائية إلى الله. و«كل إنسان» يتوسل دون جدوى أن يمهل ~~له في الأجل. فالموت يعلنه أن عليه أن يجهز نفسه للرحلة. عندئذ يطلب «كل ~~إنسان» أن يسمح له بأن يصطحب معه رفقاء في رحلته؛ فيجيبه الموت إلى ~~هذا الطلب. وتصور بقية المسرحية محاولات «كل إنسان» في إقناع الآخرين ~~باصطحابه في رحلته. فها هو يتوجه بالطلب إلى عدد من الشخصيات الرمزية: ~~الصداقة، حطام الدنيا، القرابة، المعرفة. وكلها تأبى أن ترافقه. ويواجه «كل ~~إنسان» رعب الوحدة الوجودية. (في النهاية تصور المسرحية «كل إنسان» وقد ~~عثر على الرفيق الوحيد الراغب في مشاركته رحلته: إنه ... العمل الصالح. ذلك ~~في الحقيقة هو المغزى الأخلاقي للمسرحية؛ الأعمال الصالحة، من منظور ~~الإيمان المسيحي، تمنحنا الحماية من العزلة الصميمة). # بذلك يكون الصراع الدينامي الثالث هو بين وعي المرء بعزلته الجوهرية ~~وبين رغبته في أن يدرأها ... أن يندمج ... ينصهر ... أن يكون جزءا من كل ~~أكبر. # يشكل الخوف من العزلة الوجودية (والدفاعات ضد هذا الخوف) أساسا وطيدا ~~لجانب عريض من الأمراض النفسية البينشخصية. فهذه الدينامية تزودنا بنظام ~~تفسيري اقتصادي # parsimonious # 4 # وقوى لفهم كثير من العلاقات البينشخصية المخفقة، تلك العلاقات ~~التي «يستعمل» فيها الشخص شخصا آخر لوطر معين ولمأرب ما، أكثر مما يصله ~~بباعث من الاهتمام بوجود ذلك الشخص ورعاية ذلك الوجود. # العزلة صميمة لا مهرب منها. ولا يمكن لأي علاقة أن تنفي العزلة. غير ~~أن الإنسان يمكن أن يشارك شخصا آخر عزلته بطريقة تخفف شيئا من ألم ~~العزلة. فإذا سلم الإنسان تسليما بوضعه الوجودي المعزول، واحتمله ~~بشجاعة وعزم، عندئذ فقط يمكنه أن يتجه بحب نحو الآخرين. أما إن تملكه ~~الرعب من مواجهة العزلة فلن يكون بمقدوره أن يتجه إلى الآخرين. كل ما ~~يستطيع فعله آنذاك هو أن «يستعمل» الآخرين كدرع تحميه من العزلة. في مثل ~~هذه الحالة لن تكون العلاقات ms50 سوى إخفاقات مفككة وإجهاضات وصور مشوهة لما ~~ينبغي أن تكون عليه العلاقات الأصيلة. # يحس بعض الأفراد - ولا سيما المصابين باضطراب الشخصية البينية أو ~~الحدية - # borderline personality disorder # عندما ينفردون بأنفسهم بالهلع الناجم عن انحلال حدود الذات # dissolution of ego boundaries ~~. يبدأ ~~هؤلاء الأفراد يشكون في وجودهم الخاص. ويعتقدون أنهم لا يوجدون إلا في ~~حضور شخص آخر، أي لا يوجدون إلا بقدر ما يستجيب لهم فرد آخر ويفكر ~~بهم. # يحاول الكثيرون أن يتخلصوا من العزلة عن طريق الانصهار أو الالتحام # fusion ~~، فيلينون حدود الذات ويصبحون ~~جزءا من فرد آخر. إنهم يتجنبون النمو الشخصي والإحساس بالعزلة الذي يصاحب ~~النمو. هذا الانصهار هو الذي يبطن خبرة الحب. فالعجيب في أمر الحب ~~الرومانسي هو أن «الأنا» المنعزلة تختفي في «النحن». وقد يندمج البعض ~~بجماعة أو بقضية أو وطن أو مشروع. أن تكون كأي فرد آخر؛ أن تمتثل وتخضع ~~وتساير في الملبس والحديث والعادات، ألا تكون لك أفكار خاصة أو مشاعر ~~مختلفة؛ كل ذلك من غايته ومبتغاه أن ينقذ الفرد من عزلته. # وممارسة الجنس القهرية هي أيضا استجابة شائعة للعزلة المخيفة. وقد ~~يمنح التشرد الجنسي انفراجة قوية للفرد المنعزل، غير أنها انفراجة وقتية. ~~وهي وقتية لأنها ليست علاقة، بل صورة كاريكاتورية لعلاقة. فالذي يمارس ~~الجنس قهريا لا يتصل بالوجود الكلي للآخر، بل بالجزء الذي يفي بحاجته من ~~ذلك الآخر. إنه لا يعرف الآخر. فهو لا يرى من الآخر ولا يريه إلا تلك ~~الجوانب التي تيسر أمر الإغواء والفعل الجنسي. ~~(8) اللامعنى # رابع الهموم النهائية هو اللامعنى. فإذا كان كل شخص مائتا لا محالة، ~~وكان كل شخص يشيد عالمه الخاص، وكل شخص وحيدا في عالم غير مكترث، فماذا ~~عسى أن يكون للحياة من معنى؟ لماذا نعيش؟ كيف نعيش في مقبل الأيام؟ إذا لم ~~يكن هناك تشكيل مسبق لحياة وتكوين مقدر سلفا، فعلينا إذن أن نؤسس ~~المعنى الخاص لحياتنا. ويصبح السؤال الجوهري عندئذ هو: «هل يمكن لمعنى ~~حياتي يخلقه الفرد أن يكون من القوة والرسوخ بحيث ينهض بحياة ms51 ذلك الفرد ~~ويحملها؟» # يبدو أن الإنسان كائن مرتهن للمعنى ... يسعى بطبيعته إلى المعنى ~~ويحتاجه. فإذا نظرنا إلى أنفسنا نجد أن من صميم التنظيم النيوروسيكولوجي ~~لإدراكنا أن يقوم بإضفاء شكل على المثيرات العشوائية للتو واللحظة. فنحن ~~ننظمها آليا إلى أمامية (صورة) وخلفية. وعندما تواجهنا دائرة ناقصة فنحن ~~ندركها آليا كدائرة مكتملة. وحين نكون بإزاء موقف غامض أو مجموعة من ~~المثيرات التي تتحدى التشكيل، يعترينا الضيق الذي لا يبرحنا حتى ننتظم ذلك ~~الموقف في شكل مميز. وما يقال بشأن المثيرات العشوائية يقال بشأن المواقف ~~الوجودية؛ فماذا تظن بإنسان ألقي به في عالم لا شكل له، إلا أن يظل ~~مضطربا لائبا يبحث عن شكل ... عن تفسير ... عن معنى للوجود. # ثمة سبب آخر يجعل إيجاد معنى للحياة ضرورة للإنسان لا غنى عنها؛ ~~فالمعنى هو مخطط وإطار نستمد منه نظاما هرميا للقيم. والقيم تمدنا ~~ببرنامج عمل نسلك في الحياة وفقا له. القيم لا تخبرنا فقط لماذا نعيش، بل ~~وكيف نعيش. # ينشأ الصراع الداخلي الرابع إذن من هذه المعضلة: كيف يتأتى لكائن ~~يلزمه المعنى أن يعثر على معنى في كون خلو من المعنى؟ ~~(9) مفاهيم متنوعة # يتألف محتوى الصراع الداخلي وفق الإطار المرجعي الوجودي من الهموم ~~النهائية # ultimate concerns # وما تفرخه من ~~مخاوف ودوافع شعورية ولا شعورية. ويحتفظ المدخل الوجودي الدينامي بالبنية ~~الدينامية الأساسية عند فرويد، ولكنه يملؤها بمحتوى مختلف جذريا. فالصيغة ~~الفرويدية القديمة التالية: # دافع ~~← # قلق ~~← # ميكانيزم دفاع. # 5 # يستبدل بها في النظام الوجودي هذه الصيغة: # الوعي بالهم النهائي ~~← # قلق ~~← # ميكانيزم دفاع. # يضع كل من التحليل النفسي والنظام الوجودي القلق في القلب من البنية ~~الدينامية. فالقلق هو وقود السيكوباثولوجيا؛ فالعمليات النفسية الشعورية ~~واللاشعورية (ميكانيزمات الدفاع) إنما تتولد لكي تتعامل مع القلق. هذه ~~العمليات هي التي تشكل السيكوباثولوجيا؛ فهي توفر الأمان، ولكنها أيضا ~~تحد من النمو. # ومن الفوارق الهامة بين النظامين أن التسلسل الفرويدي يبدأ ب «دافع»، ~~بينما يبدأ النظام الوجودي ب «وعي». ذلك أن الإطار المرجعي الوجودي ينظر ~~إلى الفرد في الأساس باعتباره خائفا موجوعا أكثر ms52 منه مدفوعا. # يرى المعالج الوجودي أن القلق ينبع من مواجهة الموت واللاقاعدة ~~(الحرية) والعزلة واللامعنى، وأن الفرد يستخدم صنفين من ميكانيزمات الدفاع ~~لمغالبة القلق: الصنف الأول، وهو الذي وصفه بدقة كل من فرويد وأنا ~~فرويد وهاري ستاك سوليفان، يحمي الفرد ضد القلق بغض النظر عن مصدره. أما ~~الصنف الثاني فيشمل دفاعات محددة تساعد الفرد على مغالبة أنواع بعينها من ~~المخاوف الوجودية الأساسية. # لنأخذ على سبيل المثال الميكانيزم الدفاعي الذي يستخدمه الفرد في ~~مواجهة القلق الناشئ عن وعيه بالموت. يصف يالوم (1981م) ميكانيزمين محددين ~~هامين؛ الأول: عبارة عن اعتقاد لا معقول في المنزلة الشخصية الخاصة # specialness ~~، والثاني: اعتقاد لا معقول ~~في وجود منقذ نهائي # ultimate rescuer ~~. ~~هذان الميكانيزمان يشبهان الضلالات من حيث كونهما اعتقادين زائفين ثابتين. ~~ومع ذلك فهما ليسا ضلالين بالمعنى الإكلينيكي؛ لأنهما عموميان شاملان، يؤمن ~~بهما جميع البشر. ~~(10) المنزلة الخاصة # 6 # يطوي كل فرد منا جوانحه على اعتقاد قوي عميق بأنه يتمتع بحصانة شخصية ~~ومنعة وخلود. ورغم أننا ندرك على مستوى عقلي عبث هذا الاعتقاد وحماقته، ~~إلا أننا على مستوى لا شعوري عميق نعتقد أن القوانين المعتادة للبيولوجيا ~~لا تنطبق علينا. # لم يصف أحد قط هذا الاعتقاد العبثي العميق بالقوة التي وصفه بها ~~تولستوي، الذي يقول على لسان إيفان إليش: # كان يعرف في أعماق قلبه أنه يحتضر ... # يحتضر؟! ذلك خاطر ما اعتاده قط ولا راض نفسه عليه، ليس هذا فحسب، ~~إنها، ببساطة، فكرة لا يفهمها، لا يعيها. # إن القياس المنطقي الذي تعلمه قديما: # كل إنسان فان. # وكايوس إنسان. # إذن كايوس فان. # كان يبدو له دائما قياسا صحيحا بالنسبة لكايوس ... ولكنه بالتأكيد غير ~~صحيح حالما انسحب الأمر عليه. فكون كايوس - الإنسان على وجه التجريد - ~~فانيا، هو قول صحيح تماما. ولكنه ليس كايوس. لا، ولا هو إنسان مجرد. ~~إنما هو كائن متميز تماما عن كل ما عداه. ومختلف عن كل الآخرين قلبا ~~وقالبا ... إنه فانيا الصغير بصحبة ماما وبابا وميتيا وفولوديا ولعبه ~~وسائقه ومربيته، ماذا يدري كايوس عن رائحة الكرة الجلدية ms53 المخططة التي كان ~~فانيا مغرما بها دائما؟ ... هل قبل كايوس يد أمه كما قبلتها؟ وهل كان ~~يحفه حرير ردائها كما كان يحفني؟ ... هل كان يغضب ويشغب في المدرسة ~~عندما لا تروقه الفطائر؟ ... هل أحب كايوس مثلما أحببت؟ ... وهل بوسعه أن يرأس ~~جلسة كما رأست؟ إن كايوس فان حقا ... وإن حقا عليه أن يموت. أما أنا: ~~فانيا الصغير ... إيفان إليش، بكل أفكاري وعواطفي، فشيء مختلف تماما. إن ~~من المستبعد أنني ينبغي أن أموت ... إن ذلك يكون شيئا مرعبا غاية ~~الرعب. # هناك عدد من المتلازمات (الزملات) المرضية المرتبطة بهذا الميكانيزم ~~الدفاعي، يصاب الفرد بواحدة منها في حالة غياب هذا الميكانيزم أو ضعفه. ~~فيكون مثلا ذا شخصية نرجسية، أو مدمنا للعمل القهري مستغرقا في البحث عن ~~المجد، أو يكون بارانويا معظما لذاته. وتقع الواقعة في حياة مثل هؤلاء ~~الأفراد وتحل بهم الأزمة عندما تنحطم منظومتهم الاعتقادية ويداهمهم إحساس ~~بالعادية وانعدام الحصانة. وكثيرا ما يلتمسون العلاج عندما يكل ~~ميكانيزم «المنزلة الخاصة» ولا يعود قادرا على صد القلق، مثلما يحدث إبان ~~المرض الشديد أو حال تعثر ما كان يبدو لهم دائما تقدما أبديا. ~~(11) الاعتقاد في وجود منقذ نهائي # الميكانيزم الدفاعي الثاني الذي يحجب عنا وعي الموت هو اعتقادنا في ~~وجود خادم شخصي جبار يحرسنا إلى الأبد ويحمي هناءتنا، والذي قد يتركنا ~~نقترب من حافة الهاوية، ولكنه متأهب دائما لانتشالنا في اللحظة الأخيرة. ~~ويؤدي تضخم هذا الميكانيزم إلى بنية شخصية تتصف بالسلبية والاعتمادية ~~والخنوع والتذلل. # وكثيرا ما يكرس مثل هؤلاء الأفراد حياتهم للعثور على منقذ نهائي ~~واسترضائه. ويعيشون من أجل «الآخر المسيطر» على حد قول سيلفانو أريتي ~~(1977م، ص864)؛ تلك أيديولوجية حياتية تستبق وتمهد الطريق للإصابة ~~بالاكتتاب المرضي. وهم ربما ينعمون بتكيف حياتي عال ما بقوا مستدفئين ~~بحضرة ذلك الآخر المسيطر. لكنهم سرعان ما ينهارون ويغشاهم كرب عظيم بمجرد ~~أن يفقدوه. # ومن الفوارق الكبرى بين المدخل الدينامي الوجودي وبين المداخل ~~الدينامية الأخرى فارق يتعلق بالتوجه الزماني. فالمعالج الوجودي يمارس ~~عمله «بصيغة المضارع». أعني في الزمن الحاضر. ms54 فمن واجبنا أن نفهم الفرد ~~ونساعده أن يفهم نفسه من خلال قطاع عرضي ل «هنا والآن» وليس من خلال قطاع ~~طولي تاريخي. لقد كان فرويد يستعمل كلمة «عميق» كمرادف لكلمة «مبكر»، وعلى ~~ذلك يكون الصراع الأعمق عنده هو الصراع الأقدم في حياة الفرد. ذلك أن ~~ديناميات فرويد نشوئية التوجه مبنية على مراحل النمو، بحيث إن «الجوهري» ~~و«الأساسي» في سياقه يجب أن يفهما من منظور التتابع الزمني. فكلاهما ~~يرادف «الأول» أو «الأسبق زمنيا». بذلك تكون المصادر الأساسية للقلق عند ~~فرويد هي المحن المبكرة: الانفصال والخصاء. # أما كلمة «عميق» في المنظور الوجودي فتعني الهموم الأكثر جوهرية والتي ~~تواجه الفرد في الوقت الحالي. ولا ينبغي من وجهة النظر الوجودية أن يأخذ ~~الماضي (أي فكرة المرء عن ماضيه) من الأهمية إلا بقدر ما يشكل جزءا من ~~الوجود الحالي للفرد، وبقدر ما يسهم في تشكيل طريقته الحالية في مواجهة ~~الهموم النهائية. فالمشهد الآني المباشر هو الذي يعني المعالج الوجودي أكثر ~~مما عداه، وفهمه للشخصية يعني فهمه لأعماق الخبرات المباشرة ~~للفرد. # ليس من هموم العلاج الوجودي أن ينقب عن الماضي ويفهمه. بل هو يتوجه في ~~المقابل إلى «صيرورة المستقبل حاضرا». # 7 # ولا يعنى بالماضي إلا بقدر ما يلقي من ضوء على الحاضر. ~~ويجب ألا يغيب عن ذهن المعالج النفسي أننا إنما نخلق ماضينا خلقا ~~ونخترعه اختراعا، وأن شكل وجودنا الحالي هو الذي يملي علينا ما نختاره من ~~الماضي ونتملاه ونحييه. # الفصل الخامس # | العلاج النفسي # «إن نظرية الكوانتم قضت على النظرة إلى الكون على أنه يوجد «هناك» ~~آمنا، وأننا يمكن أن نلاحظ ما يجري فيه من خلف منظار دون أن يكون لنا ~~دخل بما يجري هناك. إلا أننا بقدر الدرجة التي نقيس بها الكون فإن الكون ~~يتغير. فنحن نغيره. ويتعين أن نلغي كلمة «ملاحظ» ونستبدل بها كلمة ~~«مشارك». تخبرنا نظرية الكوانتم بأننا نتعامل مع كون مشارك.» # آرشيبالد هويلر، طبيعة الكشف العلمي ~~«من الطبيعي أن يتحمل الإنسان مسئولية أحلامه السيئة. إن هذه الأحلام ~~في كل الأحوال جزء منا. ms55 ومهما حاولت إنكار الجانب السلبي مما يصدر عن لا ~~شعوري، ففي إمكاني أن أعرف أن هذا الذي أنكره ليس كائنا في فحسب، بل ~~إن فعله وتأثيره يصدر أحيانا عني.» # فرويد، تفسير الأحلام (إضافات ملحقة) ~~(1) نظرية العلاج النفسي # ثمة قطاع كبير من المعالجين النفسيين يعتبرون أنفسهم ذوي توجه وجودي ~~(أو إنساني). ومع ذلك فقلما نجد معالجا منهم قد تلقى تدريبا منهجيا ~~منظما في العلاج الوجودي. ولا غرو، فالبرامج التدريبية الوجودية قليلة ~~محدودة الانتشار. ورغم كثرة الكتب الممتازة التي يضيء كل منها جانبا من ~~جوانب الإطار المرجعي الوجودي (بكر # Becker # 1973م، بجنتال # Bugental # 1956م، كويستنباوم # Koestenbaum # 1978م، ماي 1953م، و1977م، ~~ماي وآخرون 1958م) إلا أن كتاب يالوم الذي وضعه سنة 1981م هو أول كتاب يقدم ~~نظرة منهجية شاملة للمدخل العلاجي الوجودي. # وعندما تسأل المعالجين ذوي التوجه الوجودي عن علة تسميتهم لأنفسهم ~~بهذا الاسم تفاجأ بأن مرد ذلك ليس لنظام علاجي محدد، بل بالأحرى لأسلوب ~~وطريقة في النظر إلى الكائن البشري. فالعلاج الوجودي ليس نظاما علاجيا ~~شاملا؛ بل هو إطار مرجعي # frame of ~~reference ~~؛ نموذج إرشادي # paradigm # ننظر به إلى معاناة المريض ~~ونتفهمها بطريقة خاصة. # ينطلق المعالجون الوجوديون من افتراضات أساسية تتعلق بمصادر الكرب الذي ~~يعانيه المريض ويفهمونه فهما إنسانيا لا فهما سلوكيا أو ميكانيكيا. ~~وبوسعهم أن يستخدموا العديد من التقنيات المستخدمة في المدارس الأخرى ما ~~دامت تتسق مع افتراضاتهم الوجودية وتحقق مواجهة إنسانية أصيلة بين المريض ~~والمعالج. # تستخدم الغالبية العظمى من المعالجين المتمرسين - بغض النظر عن ~~انتمائهم لمدرسة أيديولوجية معينة - كثيرا من النظرات والتوجهات الوجودية. ~~فما من معالج - على سبيل المثال - إلا ويدرك أن وعي المرء بمحدوديته وفنائه ~~قد يحفز داخله نقلة كبرى في منظور الرؤية. وما من معالج إلا ويدرك أن ~~«العلاقة» هي التي تداوي وتشفي. وأن مأزق الاختيار يعذب المرضى. وأن ~~المعالج يجب أن يحفز في المريض إرادة الفعل. وأن أغلب المرضى مبتلون ~~بافتقار حياتهم إلى المعنى. # من الصواب أيضا أن النظام الاعتقادي للمعالج يحدد لون المعطيات ~~الإكلينيكية التي يجدها. ms56 فالحق أن المعالجين يلمحون للمرضى، بشكل خفي ~~وربما لا شعوري، بما يتعين عليهم أن يقولوه أو يقدموه من مادة بعينها. ~~فالمعالج اليونجي يعثر على أحلام يونجية. والمرضى الفرويديون يكتشفون ~~ثيمات الخصاء والحصار (القلق) وحسد القضيب. فلا شك أن النظام الإدراكي ~~للمعالج يتأثر بنظامه الأيديولوجي، وأن المعالج ينضبط ويتهيأ بحيث يلتقط ~~المادة التي يرغب في التقاطها. # 1 # تلك قاعدة تنسحب بدورها على المدخل الوجودي. فما إن يضبط ~~المعالج الوجودي جهازه الذهني على القناة الصحيحة حتى يتحفه مرضاه بفيض ~~مذهل من الهموم الناجمة عن صراعات وجودية. # ولا يختلف المدخل الوجودي اختلافا استراتيجيا كبيرا عن بقية ~~العلاجات الدينامية. فالمعالج الوجودي يفترض أن المريض يعاني من القلق، وأن ~~هذا القلق ناشئ من صراع وجودي ما، وأن هذا الصراع لا شعوري بدرجة ما، وأن ~~المريض يتعامل مع القلق بعدد من ميكانيزمات الدفاع الواهنة غير التكيفية، ~~والتي قد تتيح له انفراجة مؤقتة من القلق، لكيلا تلبث في النهاية أن تعوق ~~قدرته على أن يحيا حياة مليئة مبدعة، وتتكشف عن أنها لم تمنحه إلا مزيدا ~~من القلق الثانوي. وعلى المعالج أن يساعد المريض على أن يشرع في برنامج ~~استكشاف ذاتي يهدف إلى فهم الصراع الشعوري واللاشعوري، وأن يتعرف على ~~ميكانيزمات الدفاع الفاشلة ويكتشف تأثيرها المدمر، وأن يخفف القلق الثانوي ~~بأن يصحح طرائقه المعطلة في التعامل مع الذات ومع الآخرين، وأن يتبنى ~~وسائل أخرى في مغالبة القلق الأولي. # ورغم أن الاستراتيجية الأساسية للعلاج الوجودي تشابه غيرها من العلاجات ~~الدينامية، إلا أن المحتوى في الطرفين جد مختلف. كما أن العملية العلاجية ~~مغايرة من جهات عديدة. فالطريقة المختلفة للمعالج الوجودي في فهم المأزق ~~الأساسي للمريض، لا شك، تؤدي إلى اختلافات كثيرة في خطة العلاج. من أمثلة ~~ذلك أن تركيز نظرية الشخصية في العلاج الوجودي على أعماق الخبرة الحالية ~~ينأى بالمعالج عن إهدار وقت كبير في مساعدة المريض على تذكر الماضي، ويجعله ~~معنيا بفهم الموقف الحياتي الحالي للمريض والمخاوف اللاشعورية التي ~~تتملكه في الوقت الحاضر. ومن أمثلة هذه الفروق أيضا فرق ms57 خاص بالعلاقة ~~العلاجية. فالمعالج الوجودي يسلم، شأن سواه من المعالجين الديناميين، ~~بأن طبيعة العلاقة بين المعالج والمريض هي شيء أساسي في كل عمل علاجي ناجع، ~~إلا أن توكيده لا ينصب على الطرح (النقلة) # transference ~~، # 2 # بل على العلاقة كشيء بالغ الأهمية في حد ذاته. ~~(2) عملية العلاج النفسي # الموت، الحرية، العزلة، اللامعنى. # لكل من هذه الهموم النهائية # ultimate ~~concerns # متضمناته في العملية العلاجية. فحين ننظر ~~في هم «الحرية» ومتضمناته العلاجية العملية في العلاج النفسي، تطالعنا ~~«المسئولية» (وهي جزء لا يتجزأ من الحرية) كمفهوم عظيم الشأن عميق التأثير ~~في المدخل العلاجي للمعالج الوجودي. # يرى سارتر في المسئولية معنى مساويا لمعنى التأليف # authorship ~~. فأن يكون المرء مسئولا يعني ~~أنه مؤلف حياته الخاصة ومبدع طرازها. ويؤمن المعالج الوجودي بأن كل مريض ~~مسئول عما يحل به من كرب، ولا يدخر وسعا في تنبيهه إلى هذه الحقيقة. فليست ~~الجينات السيئة ولا الحظ العاثر هو الذي جعل المريض منبوذا ينفض عنه ~~الآخرون ويسوءونه ويهملونه. ولن يكون هناك أمل في التغيير ما لم يدرك ~~المرضى أنهم مسئولون عن اضطراباتهم الخاصة. # يجب على المعالج أن يقف على طرائق المريض في تجنب المسئولية، ويضع يده ~~على شواهد تنصله ويبصره بها. وللمعالجين في ذلك فنيات متعددة. فمنهم ~~من يقاطع المريض كلما اشتم في حديثه رائحة التنصل. فإذا قال المريض: ~~«لا أستطيع» أن أفعل كذا، بادره المعالج: قل إنك «لن تفعل» هذا الشيء. ~~ويبقى المرء غافلا عن دوره الإيجابي في موقفه ما بقي يعتقد في مقولة «لا ~~أستطيع». مثل هؤلاء المعالجين يحثون مرضاهم على أن يتولوا «امتلاك» مشاعرهم ~~الخاصة وأقوالهم وأفعالهم. حتى لو كان قول المريض: إنه فعل الشيء «لا ~~شعوريا» فإن رد المعالج هو: «لاشعور من هذا؟!» والقاعدة هنا واضحة: كلما ~~ألفيت المريض يندب حاله فتش عن المسئولية، وتقص كيف خلق بنفسه هذه ~~الحال التي هو فيها. # من التقنيات المفيدة في العلاج أن يحفظ المعالج الشكوى الأصلية للمريض ~~في ذهنه، ثم يقرنها في الأوقات المناسبة بتصرفاته في المشهد العلاجي. ~~ولنأخذ مثالا ms58 بذلك المريض الذي جاء يلتمس العلاج بسبب شعوره بالوحدة ~~والعزلة، فكان يسهب أثناء الجلسات ويفيض في التعبير عن ازدرائه واحتقاره ~~للآخرين. وكان متعنتا في هذه الآراء يبدي مقاومة كبيرة تجاه مناقشتها، ~~ناهيك بتغييرها. فماذا كان من المعالج؟ كان يبرز له شكواه الأولى ويقرنها ~~بسلوكه الآني حتى تتبين له مسئوليته عن مأزقه الشخصي. وذلك بأن يذكره ~~كلما أبدى احتقاره للآخرين: «وأنت تشكو الوحدة». # وإذا كانت المسئولية جزءا من مكونات الحرية، فالإرادة جزء آخر. وقد ~~تحدثنا آنفا عن فعل الإرادة # willing # وقلنا: إنها تنقسم بدورها إلى مكونين أو مرحلتين: فعل الرغبة # wishing ~~، وفعل القرار # deciding ~~. ولنبدأ ببحث الرغبة والدور ~~الذي تلعبه في المشهد الإنساني. لننظر كم تتكرر المتوالية الحوارية الآتية ~~بين المعالجين وبين المرضى: ~~- ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ ~~- وما الذي يحول بينك وبين أن تفعل ما تريد أن تفعله؟ ~~- لكني لا أعرف ما أريد أن أفعله. لو كنت أعرف ما كنت بحاجة إلى أن آتي ~~إليك. # الواقع أن هؤلاء المرضى يعرفون ما يجب أن يفعلوه، وما يليق بهم أن ~~يفعلوه، وما يتحتم عليهم أن يفعلوه. ولكنهم لا يخبرون في داخلهم ما ~~«يريدون» أن يفعلوه. إنهم يعانون عجزا شديدا في الرغبة. وقد كان ماي يميل ~~إلى الصراخ في مثل هؤلاء: «ألا يوجد أي شيء تريده على الإطلاق؟» (1969م، ~~ص165). وكثير من المعالجين يشاركونه هذا الميل. يعاني هؤلاء المرضى من ~~مصاعب اجتماعية هائلة لأنهم ليس لهم آراء خاصة بهم، وليس لهم ميول ولا ~~رغبات. # وكثيرا ما يكون العجز عن الرغبة مجرد جزء من اضطراب أكبر هو العجز عن ~~الشعور. ففي حالات كثيرة يكون الشطر الأكبر من المهمة العلاجية هو أن نساعد ~~المرضى على إذابة الحواجز الوجدانية التي تعطل فيهم فعل الشعور، وهي مهمة ~~علاجية تتسم بالبطء والكدح، وتتطلب من المعالج أن يكون صابرا مثابرا ~~يستحث المريض بلا هوادة أن يشعر ويريد، ولا يمل من تكرار «ماذا تشعر؟» ~~و«ماذا تريد؟»، مستكشفا مرارا وتكرارا مصدر الانسداد الوجداني وطبيعته، ~~والمشاعر المحتسبة من ورائه. # يحاول بعض المعالجين أن ms59 يقوموا بتفجير العائق الوجداني بجهود اختراقية ~~درامية من قبيل الإغراق الانفعالي # emotional ~~flooding ~~، والصرخة الأولية # primal ~~scream ~~، والعلاج الانفجاري # implosion ~~therapy ~~، وعلاج الشعور المكثف # intense ~~feeling therapy ~~، والعلاج الجشطلتي. غير أن العجز عن ~~الشعور والرغبة هو سمة شخصية غائرة وطبع مكين يتطلب وقتا ومثابرة ~~علاجية لإحداث تغيير يدوم. # وقد يتخذ تجنب الرغبة صورا أخرى بالإضافة إلى تعطل الوجدان. فبعض ~~الأفراد يتجنبون الرغبة عن طريق الكف عن التمييز بين الرغبات المختلفة ~~والتصرف باندفاعية وفق جميع الرغبات. وعلى المعالج في مثل هذه الحالات أن ~~يساعد المريض على أن يقوم بشيء من التمييز الداخلي بين الرغبات ويضع لها ~~أولويات. وعلى المريض أن يتعلم أن وجود رغبتين متنافرتين # 3 # يحتم عليه أن يتخلى عن إحداهما. مثال ذلك أنه إذا كانت هناك ~~رغبة في علاقة حب حقيقي ذي معنى، فلا مناص من التخلي عن مجموعة من الرغبات ~~الصراعية البينشخصية من قبيل الرغبة في الغزو أو القهر أو الإغواء أو ~~الاستعباد. # القرار هو الجسر الواصل بين الرغبة والفعل. فبعض المرضى يظلون عاجزين ~~عن الفعل رغم وجود الرغبة؛ ذلك لأنهم عاجزون عن اتخاذ القرار. ومن أعم ~~الأسباب التي تجعل اتخاذ القرار أمرا عسيرا هو أن كل «نعم» في الحياة ~~تتضمن «لا». كل اختيار ينطوي على نبذ. «التخلي» إذن هو فعل ملازم للقرار ~~كظله. فكل قرار يتخذ يستوجب التحلي عن خيارات أخرى؛ وهي كثيرا ما تكون ~~خيارات لن تتاح بعد ذلك أبدا. # وهناك صنف آخر من المرضى يعجزون عن اتخاذ القرار لأن القرارات الكبرى ~~تكشف لهم إلى أي درجة هم يقومون بتشييد حياتهم الخاصة. بذلك يعد كل قرار ~~مصيري كبير بمثابة موقف حدي # boundary ~~situation # بنفس الطريقة التي تكون بها رؤية الموت موقفا ~~حديا. # يجب على المعالج أن يحض المرضى على أن يتخذوا القرارات، وأن يقدم لهم ~~العون في ذلك. ومن التوجهات المفيدة في هذا الشأن أن يقوم المعالج بمساعدة ~~المريض على أن يمحص الخيارات المتاحة، وأن يعي جيدا أن مهمة وضع ~~الخيارات والانتقاء منها تقع على عاتقه ms60 هو لا على عاتق المعالج. # على الإنسان أن يمتلك مشاعره الخاصة. هكذا يعلم المعالج مرضاه كيما ~~يجيدوا التواصل. وعلى الإنسان، بنفس الدرجة من الأهمية، أن يمتلك قراره ~~الخاص. وبعض المرضى يتملكه الفزع حين يتأمل المتضمنات المختلفة لكل قرار ~~يريد اتخاذه. إن «ماذا لو» تعذبه وتقض مضجعه. # ماذا لو تركت وظيفتي ولم أتمكن من الحصول على وظيفة أخرى؟ # ماذا لو تركت أطفالي بمفردهم فأصابهم مكروه؟ # من المفيد في أغلب الأحيان أن نطلب من المريض أن يتأمل السيناريو ~~الكامل لكل «ماذا لو» على التوالي، وأن يتخيل حدوثها ويتتبع في مخيلته كل ~~عواقبها الممكنة، ويجرب عندئذ المشاعر المتولدة ويحللها. # والقاعدة العامة بصدد اتخاذ القرار هي أن مهمة المعالج ليست خلق ~~القرار بل «تخليصه». فهو لا يصنع للمريض قراره نيابة عنه، بل يزيل العوائق ~~التي تعوق المريض عن اتخاذ القرار. ليس بمقدور المعالج أن ينقر للمريض زر ~~القرار أو ينفث فيه روح العزيمة، ولكن بمقدوره أن يؤثر في العوامل التي ~~تتحكم في إرادته. وما من أحد ولد بعجز خلقي عن أن يقرر، فالقدرة على ~~صنع القرار كامنة في المريض ولكن دونها عوائق. وما إن يساعده المعالج على ~~إزالة هذه العوائق حتى ينتقل تلقائيا إلى وضع أكثر استقلالية، بنفس ~~الطريقة التي تنمو بها الجوزة إلى شجرة بلوط على، حد قول كارن هورني ~~(1950م). # القرار حتم لا مفر منه. # والمرء في كل لحظة يصنع قرارات حتى دون أن يفضي إلى نفسه بذلك. # هذه حقيقة على المعالج أن يعين مرضاه على استيعابها، وأن يساعدهم على ~~تبين الطريقة التي يصنعون بها قراراتهم. فكثير من المرضى يتخذون قراراتهم ~~بطريقة سلبية، بأن يتركوا لغيرهم أن يقرر بالنيابة عنهم. مثال ذلك أن ينهي ~~الشخص علاقة غير مرضية بأن يتصرف لا شعوريا بطريقة تحمل الآخر على ~~اتخاذ قرار الهجر. في مثل هذه الحالات تكون المحصلة النهائية (وهي انحلال ~~العلاقة) قد أنجزت. غير أن هذه الطريقة قد توقع المريض في مضاعفات سلبية ~~كثيرة، ولا يجني من ورائها إلا تدعيم إحساسه بالعجز وقلة الحيلة، ms61 ويظل يشعر ~~أنه كائن تحدث له الأشياء وتتقاذفه الظروف، بدلا من أن يحس أنه واضع ~~دستور حياته وصانع مواقفها. من ذلك يتبين لنا أن «الأسلوب» الذي يتخذ به ~~المرء قرارا ما قد لا يقل أهمية عن «محتوى» ذلك القرار. ويبقى أن القرار ~~الإيجابي المبادئ هو الذي يعزز قبول المرء لذاته واعتداده بقدرته ~~وملكاته. ~~(3) آليات العلاج النفسي # خير وسيلة نفهم بها آليات المدخل الوجودي هي أن نتأمل الفعالية ~~العلاجية الكامنة في بعض الهموم النهائية. ~~(3-1) الموت والعلاج النفسي # يلعب مفهوم الموت دورا هاما في العلاج النفسي. وذلك بطريقتين مختلفتين: # الأولى: # حين يقع للإنسان وعي زائد بفنائه وتناهيه، ناجم عن ~~مواجهة شخصية مع الموت، فقد يحدث له ذلك تحولا حاسما في ~~منظور رؤيته للحياة ويؤدي به إلى تغير الشخصية. # الثانية: # الموت مصدر أولي للقلق. ولهذا المفهوم متضمنات هامة وعديدة ~~تتصل بالعلاج. ~~(3-2) الموت بوصفه موقفا حديا # الموقف الحدي # boundary situation # هو ~~نوع من الخبرة الملحة التي تقذف بالفرد في مواجهة مباشرة مع موقف وجودي ~~معين. # ولعل مواجهة المرء لموته الشخصي هي أشد المواقف الحدية وأبلغها ~~شأنا. فمثل هذه المواجهة لها من القوة ما يحدث تحولا جسيما في الطريقة ~~التي يعيش بها المرء في العالم. وهناك أمثلة لا تحصى على هذا المبدأ، ~~سواء من الأدب الرفيع أو من الممارسة الإكلينيكية مع مرضى المراحل ~~المتأخرة (يالوم، 1981م، ص160). # وقد سجل يالوم عددا من حالات التغير الشخصي الكبير الذي كان يحدث ~~لمرضى السرطان وهم يواجهون موتهم الخاص (يالوم، 1981م، ص161). كان بعضهم ~~يصرح أنه تعلم ببساطة أن «الوجود لا يمكن أن يسوف»، وأنهم لم ~~يعودوا يرجئون الحياة إلى زمن لاحق في المستقبل. لقد أدرك هؤلاء ~~المرضى أن المرء لا يمكنه أن يعيش بحق إلا في الحاضر. وهذا بالتحديد هو ~~ما يغيب عن المريض العصابي؛ فهو إما مسكون بهواجس الماضي، أو مرعوب ~~بتوقعات المستقبل. # إن مواجهة المرء لأحد المواقف الحدية لتحثه على أن يحصي ~~النعم التي بين يديه، وأن يفتح عينيه من جديد على كل ما ms62 هو طبيعي من ~~حوله؛ حقائق الحياة الأولية ... تبدل المواسم ... الرؤية والاستماع واللمس ~~والحب. كم من خبرات غالية في الحياة تفوتها علينا همومنا التافهة ~~وانشغالنا بما لا نملك وخوفنا على وضعنا وهيبتنا. # يتفجع كثير من مرضى المراحل المتأخرة عندما يعاينون نموا شخصيا ~~نابعا من مواجهتهم للموت، ولسان حالهم يقول: «كم هي مأساة أن نكون ~~بحاجة إلى أن ننتظر كل هذا العمر، وأن ينهش السرطان جسدنا كيما نتعلم ~~هذه الحقائق البسيطة». # تلك رسالة فوق العادة موجهة إلى المعالجين. بوسع المعالج أن يستمد ~~منها فعالية كبيرة ليساعد المرضى اليوميين (الذين لا يعانون مرضا ~~جسميا) على أن يزيدوا وعيهم بالموت قبل الأوان المعتاد. وقد استخدم بعض ~~المعالجين - سعيا إلى هذا الهدف - تمارين منظمة كي يواجهوا الفرد ~~بموته الشخصي. ويسجل التراث السيكولوجي كثيرا من ورش العمل الخاصة بوعي ~~الموت (يالوم، 1981م، ص174). وبعض قادة العلاج الجمعي يبدءون خبرة ~~جماعية مختصرة بأن يطلبوا من الأعضاء أن يكتبوا نقش ضريحهم الخاص أو ~~نعيهم الخاص. أو يقدمون تخيلات موجهة يتخيل فيها أعضاء الجماعة موتهم ~~الخاص وجنازتهم. وقد قدم معمل التدريب القومي خبرة «جماعة دورة الحياة»، ~~وفيها يقضي المشاركون وقتا وهم يعيشون ويتحدثون ويلبسون على طريقة ~~المسنين. ويقوم هؤلاء بزيارة مقبرة محلية، ويقومون أيضا بتخيل احتضارهم ~~وتخيل موتهم وجنازتهم. # على أن كثيرا من المعالجين لا يعتقدون في ضرورة هذه المواجهات ~~المصطنعة بالموت ولا ينصحون بها. بل يحاولون في المقابل أن يساعدوا ~~مرضاهم على أن يعاينوا مظاهر الفناء والموت الداخلة في نسيج الحياة ~~اليومية ذاتها. # هناك دلائل واضحة على قلق الموت في كل علاج نفسي لو التفت إليها ~~المعالج والمريض كما ينبغي. فما من مريض إلا ويعاني من ضرب من الفقدان ... ~~فقدان الوالدين، الأصدقاء، الرفاق. الأحلام أيضا يراودها قلق الموت؛ فكل ~~كابوس هو حلم بقلق الموت لم يتم حبكه. كل ما يحيط بنا يذكر بالموت؛ ~~عظامنا ما تلبث أن تصر وتصرف كالبوابة العتيقة، بقع الشيخوخة تنبث ~~في جلدنا، نذهب إلى حفلات قدامى الخريجين فيروعنا كيف كبر الجميع ~~وشاخوا، أطفالنا يكبرون، ms63 دورة الحياة تطوقنا. # تسنح للمرء فرصة كبرى لمواجهة الموت عندما يجرب وفاة أحد الأقربين. ~~وقد اقتصر تركيز التراث السيكولوجي التقليدي على جانبين من عمل الحزن # grief work ~~: الفقدان، ثم عملية حل ~~التناقض الوجداني # ambivalence # الذي يضاعف ~~وجع الحزن. غير أن هناك بعدا ثالثا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار؛ ذلك أن ~~وفاة شخص قريب منا تجعلنا نواجه موتنا الشخصي. هذا بطبيعة الحال ما كان ~~يعنيه جون دون # J. Donne # في أبياته ~~الشهيرة: # ومن ثم إياك أن تبعث لتستخبر، لمن تقرع الأجراس؟ # 4 # إنها تقرع لك. (دون، 1952م، ص332). # تختلف نغمة الحزن اختلافا كبيرا بحسب علاقتنا بالفقيد ودرجة ~~قرابتنا له. فوفاة أحد الوالدين تواجهنا بهشاشتنا وقلة منعتنا؛ إذا كان ~~والدانا لم ينقذا نفسيهما فمن ذا الذي ينقذنا؟ كأننا بوفاة الوالدين قد ~~خلي بيننا وبين القبر، وصرنا نحن أنفسنا الحاجز المتبقي بين أولادنا ~~وبين الموت. # أما وفاة الزوج أو الزوجة فيغلب أن تثير الخوف من العزلة الوجودية. ~~فحين نفقد الرفيق الألصق بنا يزداد وعينا بأننا معشر البشر مهما حاولنا ~~أن نتقارب وننصهر ونذرع الوجود مثنى مثنى، ستبقى هناك وحدة أساسية ~~صميمية علينا أن نكابدها. يروي يالوم (1981م، ص168) عن واحد من مرضاه ~~هذا الحلم الذي رآه في الليلة التي علم فيها أن زوجته مصابة بسرطان متأخر: ~~«كنت أعيش في المنزل القديم، المنزل الذي أهل بالعائلة لثلاثة ~~أجيال متتالية. كان هناك مسخ فرانكنشتيني يطاردني في أرجاء المنزل. ~~كنت خائفا مرتاعا. كان المنزل متداعيا خربا، قرميده متفتت، ~~وسقفه يرشح بالماء. الماء المرتشح غمر أمي (كانت والدة المريض قد ~~توفيت قبل ستة أشهر). تعاركت مع المسخ. كان لدي عدد من الأسلحة، ~~اخترت أحدها وهو مقوس النصل ذو مقبض، يشبه المنجل. شرطت المسخ بهذا ~~السلاح ورميت به من السطح فهوى على الرصيف ممدا بلا حراك. لكنه ما ~~لبث أن نهض مرة ثانية وعاد يطاردني خلال المنزل.» # كان أول تداعيات هذا الحلم في ذهن المريض: «أعرف أنني قد شارفت ~~النهاية». من ذلك يتبين بوضوح أن موت زوجته الوشيك ms64 قد ذكره أن حياته هي ~~أيضا فانية متناهية، وكذلك جسده (الذي يرمز له في الحلم بالمنزل ~~المتداعي). وقد كان المريض في طفولته يراوده كثيرا هذا المسخ الذي عاد ~~إليه في هذا الكابوس. # يتفنن الأطفال في التعامل مع قلق الموت. ومن أكثر طرائقهم شيوعا في ~~هذا الشأن أن يجسدوا الموت فيصوروه كمخلوق متناه ... مسخ أو رمال # 5 # أو بعبع وما إلى ذلك. صحيح أن ذلك مفزع جدا للأطفال، غير ~~أنه أقل فزعا من الحقيقة؛ حقيقة أنهم يحملون في داخلهم جرثومة موتهم. ~~فإذا كان الموت ناسوتا ماثلا هناك فربما أمكن مراوغته أو خداعه أو ~~تهدئته . # تتيح معالم الحياة الإنسانية فرصة أخرى للمعالج لتبصرة المريض ~~بالحقائق الوجودية للحياة. فحتى المعالم الحياتية البسيطة، مثل أعياد ~~الميلاد أو الذكرى السنوية، لا تخلو من فعالية علاجية. إنها مظاهر ~~انقضاء ودلائل فوات هي أدعى إلى الألم والحزن (ومن ثم نتناولها كثيرا ~~برد الفعل المعكوس # reaction formation # فنجعلها مناسبات للبهجة والاحتفال). # وتعد الأحداث الحياتية الكبرى، من قبيل تهدد المهنة أو المرض ~~الشديد أو التقاعد أو تكريس علاقة أو فسخ علاقة، كلها مواقف حدية هامة، ~~وكلها تتيح فرصا لزيادة وعينا بالموت. إنها تجارب مؤلمة في أغلب الأحيان ~~بحيث تحمل المعالجين على التركيز الكلي على إزالة الألم. غير أنهم إذ ~~يفعلون ذلك يفوتون فرصا ثمينة للعمل العلاجي العميق لا تسنح إلا في ~~مثل هذه اللحظات. ~~(3-3) الموت كمصدر أولي للقلق # الخوف من الموت هو مصدر أولي للقلق ومنبع أم. فهو يبدأ في مرحلة ~~مبكرة من الحياة، ويلعب دورا كبيرا في تشكيل بنية الشخصية. ويظل طوال ~~العمر يولد القلق الذي يؤدي بدوره إلى الألم الظاهر وإلى تكوين ~~الدفاعات النفسية الباطنة. غير أننا يجب أن نعلم أن قلق الموت، رغم ~~شموليته واتساع آثاره، يقبع في المستويات الأعمق من وجودنا، وأنه يكبت ~~بشدة، ونادرا ما نجربه بمعناه الكامل، وقلما يظهر بوضوح في الصورة ~~الإكلينيكية. ومن ثم فهو قلما يصبح موضوعا صريحا في جلسات العلاج، ~~وبخاصة العلاج القصير الأمد. إلا أننا لا نعدم من ms65 المرضى من هو مغمور ~~بهذا الصنف من القلق بشكل صريح منذ بداية العلاج. فهناك كثير من المواقف ~~الحياتية التي تدهم المريض بقلق الموت بحيث لا يجد المعالج بدا من ~~تناوله. أما في سياق العلاج المكثف الطويل الأمد فإن قلق الموت يتبدى ~~دائما بشكل سافر ويفرض نفسه على العمل العلاجي. # القلق في الإطار الوجودي وثيق الصلة بالحياة ولصيق بالوجود، بحيث ~~ينأى بمفهومه عن مفهوم القلق في أي إطار مرجعي آخر. فالطريف أن المعالج ~~الوجودي لا يعمد إلى استئصال القلق! (اللهم إلا الدرجات الزائدة ~~المعطلة منه). فالحياة لا يمكن أن تعاش بلا قلق (ولا الموت يمكن أن ~~يواجه بلا قلق). إن مهمة المعالج، كما يذكرنا مايو (1977م، ص374)، هي أن ~~يخفض القلق إلى مستويات محتملة، لكيلا يلبث أن يوظفه ويستخدمه استخداما ~~بناء كمرشد ودليل ووسيلة يزيد بها وعي المريض وحيويته. # ثمة حقيقة هامة يجب أن نحفظها جيدا؛ فرغم أن قلق الموت قد لا يكون ~~داخلا في الحوار العلاجي بشكل صريح، فإن وجود نظرية في القلق مبنية على ~~الوعي بالموت، قد تمد المعالج بإطار مرجعي أو نظام تفسيري يعزز تأثيره ~~ويرفع كفاءته بدرجة كبيرة. فكل من المعالج والمريض يريد أن يسلك الأحداث ~~في تسلسل مترابط. وما إن يتسنى ذلك حتى يغمر المعالج شعور بالتحكم ~~والتمكن يسمح له بتنظيم المادة الإكلينيكية. إن ثقة المعالج بنفسه وشعوره ~~بالتمكن سيعزز - ولا شك - ثقة المريض في العملية العلاجية، وهو شرط ضروري ~~للعلاج. زد على ذلك أن النظام الاعتقادي للمعالج كثيرا ما يساعد على ~~إبقاء المريض والمعالج لصيقين ملتئمين فيما تنمو وتزدهر الأداة الحقيقية ~~للتغيير، ألا وهي العلاقة العلاجية. # إن النظام الاعتقادي للمعالج يمده بنسق معين يتيح له أن يعرف ماذا ~~يريد أن يستكشف بحيث لا يصبح المريض مرتبكا مشوشا. وهو إن كان لا ينتهي ~~إلى تفسيرات صريحة كاملة للجذور اللاشعورية لمشكلة المريض، إلا أنه قد ~~يبث، بحذق وتوقيت مناسب، تعليقات تمس المكنون اللاشعوري للمريض، وتجعله ~~يشعر بأن هناك من يفهمه. ~~(3-4) العزلة الوجودية والعلاج النفسي # يكتشف المرضى ms66 في العلاج النفسي أن العلاقات الشخصية قد تخفف وطأة ~~العزلة ولكنها لا يمكن أن تمحوها. ويتعلم المرضى الذين يمارسون النمو في ~~العلاج النفسي مردود الألفة وحدودها أيضا! أي ما لا يمكن أن يأخذوه من ~~الآخرين. # إنها لخطوة كبرى في العلاج النفسي أن نحث المرضى أن يتجهوا مباشرة ~~إلى العزلة الوجودية ولا يراوغوها. وأن ينغمدوا ببسالة في مشاعر الوحدة ~~والتيه. إن الذين يفتقرون في حياتهم إلى خبرات الألفة الحقة والعلاقة ~~الأصيلة هم العاجزون بخاصة عن تحمل العزلة. وقد أثبت أوتو ويل أن ~~المراهقين الذين ينشئون في أسر تعهدتهم بالحب والمساندة يكونون أقدر ~~على تركها وتحمل البعد والوحدة إذا ما أزف وقت الانفصال عنها في ~~مقتبل الشباب. بينما يجد الذين نشئوا في أسر معذبة مفككة صعوبة ~~كبيرة في ترك الأسرة. ربما يبتدر إلى توقعنا أن هؤلاء المعذبين أجدر ~~بهم أن يهللوا ويبتهجوا إذ يستشرفون مرحلة التحرر والانعتاق من مثل هذه ~~الأسر. ولكن العكس هو ما يحدث. فكلما ساءت الأسرة واضطربت تعذر على ~~الأبناء تركها. لكأن هؤلاء الأبناء لم تحسن الأسرة تجهيزهم للانفصال، ~~ومن ثم فهم يتشبثون بها كدريئة تقيهم ألم العزلة والقلق. # يجد كثير من المرضى صعوبة هائلة في قضاء الوقت بمفردهم. وهم بالتالي ~~ينظمون برنامج حياتهم بحيث يقصون أي وقت للوحدة. ومن المشاكل الجسيمة ~~التي تتبع ذلك أنهم يستميتون في التماس ضروب معينة من العلاقات. إنهم ~~بطريقة أو بأخرى لا يرتبطون بالشخص الآخر بعلاقة أصيلة ولا يكنون له ~~حبا حقيقيا، بل يستعملون الآخرين لكي يتجنبوا بعض الألم المصاحب ~~للعزلة. وعلى المعالج أن يجد طريقة يساعد بها المريض على مواجهة الوحدة ~~بتدرج مناسب، وفي ظل نظام من الدعم والمساندة ملائم لذلك المريض. وينصح ~~بعض المعالجين مرضاهم في مرحلة متقدمة من العلاج بأن يلزموا أنفسهم ~~بفترات من الوحدة، أو يصفون لهم جرعات زمنية من العزلة يفرضونها على ~~أنفسهم فرضا، ويرصدون أثناءها أفكارهم ومشاعرهم ويسجلونها. ~~(3-5) اللامعنى والعلاج النفسي # لكي يتمكن المعالجون من تناول اللامعنى بكفاءة واقتدار، يجب عليهم ~~أولا أن يزيدوا حساسيتهم لهذا ms67 الموضوع ... أن يصغوا بطريقة مختلفة ... أن ~~يصبحوا على وعي ودراية بأهمية المعنى في حياة الأفراد. قد تكون هذه ~~المشكلة غير محورية عند بعض المرضى. ولكن هناك من المرضى من يكون إحساسهم ~~باللامعنى عميقا غامرا. وقد قدر يونج يوما أن أكثر من ثلاثين ~~بالمائة من مرضاه يطلبون العلاج بسبب إحساسهم بخلو حياتهم من المعنى. # 6 # يجب أن يرهف المعالج حسه لالتقاط البؤرة الإجمالية والوجهة ~~العامة لحياة المريض. هل هذا المريض يتجاوز نفسه ويتناول باهتمامه أشياء ~~تتخطى ذاته؟ يروي يالوم (1981م) أنه كان يعالج كثيرا من الشبان ~~المنغمسين في أسلوب حياة العزاب بكاليفورنيا، والذي يتميز إلى حد كبير ~~بالحسية والصخب الجنسي والسعي إلى الوضع المرموق والأهداف المادية. يذكر ~~يالوم أن علاجه قلما كان يفيد ما لم يتمكن من إقناع المريض أن يركز على ~~شيء ما يتجاوز هذه الأهداف. # بمجرد أن ينجح المعالج في أن يزيد حساسية مرضاه لهذه المسائل، يستطيع ~~أن يعينهم على أن يركزوا على قيم تتجاوز أنفسهم. يستطيع مثلا أن يبدأ في ~~سؤال المريض عن أنظمته الاعتقادية، ويتقصى بعمق مسألة حبه لشخص آخر، ~~ويستعلم عن آماله وأهدافه البعيدة المدى، ويستكشف اهتماماته ومساعيه ~~الإبداعية. # يقول فيكتور فرانكل، وهو خير من عرف للمعنى أهميته في ~~السيكوباثولوجيا المعاصرة: «السعادة تأتي ولا يؤتى بها.» # فكلما التمسنا الإشباع الذاتي عن عمد وقصد راوغنا وأفلت منا، ولكن ~~كلما حققنا معنى يتجاوز ذاتنا واتتنا السعادة عن رضا وطيب خاطر. ويرى ~~فرانكل أن هذا يعني بعض المرضى يجب أن نحثهم على أن يصرفوا نظرهم عن ~~أنفسهم. وهو ما يسميه فرانكل «خفض التفكر» # dereflection ~~. # يجب أن يجد المعالجون طريقة تنمي في مرضاهم شيئا من الشغف بالآخرين ~~والاهتمام بهم. ولعل العلاج الجمعي أنسب وسط يمكن أن تتم فيه هذه ~~المحاولة. ولنضرب مثلا بالمرضى النرجسيين المنغمسين بذاتهم. إن الأسلوب ~~الذي به يأخذون دون أن يعطوا يصبح ساطع الوضوح في العلاج الجمعي. في ~~مثل هذه الحالات يجمل بالمعالج أن يزيد ميل الفرد وقدرته على أن ~~يشارك الآخرين وجداناتهم بأن يطلب من المرضى ms68 من حين لآخر أن يحدسوا بما ~~يشعر به الآخرون إبان التقلبات المختلفة في مسيرة الجماعة. # ويبقى الحل الأمثل لمشكلة اللامعنى هو المشاركة. فالمشاركة المخلصة ~~في أي نشاط من أنشطة الحياة التي لا تحصى يعزز احتمال أن يسلك الفرد ~~أحداث حياته في شكل متسق ما. أن تجد بيتا، أن تهتم بأفراد آخرين، أن ~~تهتم ببعض الأفكار والمشروعات، أن تبحث، أن تبدع، أن تبني. لكل هذه ~~الأشياء ولغيرها من صور المشاركة جزاء مضاعف. فهي تثري حياة الفرد ~~داخليا، وتذهب عنه الضيق والكرب الناجم عما يمطره به الوجود من ~~معطيات خام متشظية لا ينتظمها شكل ولا يأتلفها معنى. # يجب أن يتناول المعالج مسألة المشاركة بنفس التوجه الموقفي الذي ~~يستخدمه بشأن الرغبة. فليس بمقدور المعالج أن يخلق المشاركة أو يبث في ~~المريض روح المشاركة، ولا هذا بالشيء الضروري. فالحق أن الرغبة في ~~المشاركة في الحياة هي دائما كامنة بالمريض، وما على المعالج إلا أن ~~يزيل من دونها العوائق، فيشرع في استكشاف ماذا يمنع المريض من أن يحب ~~شخصا آخر؟ لماذا لا يجد رضا وإشباعا في علاقته مع الآخرين؟ لماذا لا ~~يجد إشباعا في عمله؟ ماذا يصده عن أن يبحث عن عمل على مقاس مواهبه ~~واهتماماته؟ أو أن يجد بعض الجوانب السارة في عمله الحالي؟ لماذا أهمل ~~السعي الإبداعي والكدح الديني والأهداف المتجاوزة لذاته؟ # الفصل السادس # | تطبيقات # «هناك وحش أقبح وأخبث وأقذر منها جميعا، # وإن كان لا يطلق حركات كبيرة ولا صيحات شديدة، # ولو شاء لجعل الأرض حطاما وابتلع العالم في تثاؤبة واحدة. # إنه السأم؛ هذا المسخ الرقيق الذي يحلم بالمقاصل وهو يدخن نارجيلته، وفي عينيه دمعة تمتلئ ~~بها رغما عنه.» # بودلير، إلى القارئ، أزهار الشر # في كثير من الأحيان تكون طبيعة الموقف العلاجي هي التي تملي المدخل ~~العلاجي الأنسب لها. وهي قاعدة تنسحب بدورها على العلاج الوجودي. وعلى ~~المعالج في كل برنامج علاجي أن يحدد أهدافه المرجوة وفق ما يقتضيه الموقف ~~العلاجي. ففي الحالات الحادة، على سبيل المثال، حيث يقيم المريض في المستشفى ~~أسبوعا ms69 أو اثنين، تكون غاية المعالج هي التدخل السريع لتخفيف الأعراض ~~وإعادة المريض إلى مستوى أدائه السابق على الأزمة. ومن غير الواقعي وغير ~~المناسب في هذا المقام أن يطمح المعالج إلى غايات أبعد أو أهداف أعمق ~~(كأن يزيد وعي المريض بالصراعات الوجودية). # أما في المواقف التي لا يقنع فيها المريض بإزالة الأعراض بل يصبو إلى ~~تحقيق مزيد من النمو الشخصي، فإن المدخل الوجودي يكون خيارا مفيدا. ويعد ~~المدخل الوجودي الدقيق بأهدافه الطموحة هو أنسب المداخل في العلاج الطويل ~~الأمد. بل إن العلاجات القصيرة الأمد لا تستغني في أغلب الأحيان عن بعض ~~العناصر الوجودية؛ من مثل التأكيد على المسئولية، والقرار، والمواجهة الأصيلة ~~بين المعالج والمريض ، وعمل الحزن ... وما إلى ذلك. # وتمس الحاجة إلى المدخل الوجودي حين يكون المريض مواجها لأحد المواقف ~~الحدية؛ كأن يكون في مواجهة مع الموت، أو في مواجهة قرار مصيري، أو حين ~~تلقي به الظروف في عزلة مفاجئة، أو حين يمر بمعالم حياتية تمثل نقاط تحول ~~كبرى وانتقالا من مرحلة حياتية إلى مرحلة جديدة (مثل ترك الأبناء بيت ~~العائلة، ومثل التقاعد، والفشل المهني، والانفصال الزوجي، والطلاق، والمرض ~~الجسيم). غير أن الأمر لا يقتصر على هذه الأزمات الوجودية الصريحة؛ ففي كل ~~برنامج علاجي، كما أشرنا آنفا، هناك أدلة وافرة على معاناة المرضى من كروب ~~ناجمة عن صراعات وجودية لا يفطن لها إلا معالج وجودي اتسعت مداركه وتهيأ ~~توجهه الموقفي لالتقاط مثل هذه المعطيات. ولا يصح العمل العلاجي على هذه ~~المستويات الأعمق إلا بقرار يشترك كل من المعالج والمريض في اتخاذه. ~~(1) التقييم # evaluation # 1 # تقييم العلاج النفسي مهمة صعبة دائما. وكقاعدة عامة: كلما كان ~~المدخل والأهداف العلاجية أكثر تحددا واقتصارا كانت النتائج أسمح ~~بالقياس وأيسر في التقييم. فبمقدور المرء أحيانا أن يقيس زوال الأعراض ~~وتغير السلوك الظاهر بدقة كبيرة. ولكن العلاجات الأكثر طموحا، والتي ~~تستهدف من الفرد الطبقات الأعمق من نمط وجوده في العالم، هي علاجات ~~تتأبى على القياس وتند عن التكميم # quantification ~~. وفيما يلي عرض موجز ~~لحالتين أوردهما يالوم (1981م) ms70 تتمثل فيهما مشاكل التقييم بجلاء ~~ووضوح. # الأولى: امرأة في السادسة والأربعين ترافق أصغر أبنائها الأربعة إلى ~~المطار حيث يرحل عنها إلى الجامعة. لقد قضت هذه المرأة أعوامها الستة ~~والعشرين الأخيرة تربي أبناءها وتتوق إلى هذا اليوم. لا أعباء بعد الآن ولا ~~مكابدة من أجل الآخرين، ولا إلحاح طهي، ولا تجهيز ملابس ... أخيرا أصبحت ~~حرة. # غير أنها لم تكد تودع ولدها حتى بدأت تنشج بحرقة على غير توقع. وفي ~~طريقها من المطار إلى البيت غشيتها رعدة عميقة أخذت بمجامع جسدها. ~~حدثت نفسها: «هذا أمر طبيعي ... إنه جزع الفراق ... فراق واحد من أعز ~~الأحبة». غير أن الأمر كان أكبر من ذلك بكثير. فسرعان ما تحولت الرعدة إلى ~~قلق دائم لا يشفى ولا يندمل. واستشارت معالجا شخص حالتها تشخيصا ~~شائعا: «متلازمة - أو زملة - العش الخالي» # empty nest ~~syndrome ~~. طبيعي أن تكون قلقة. وكيف لا وقد أسست ثقتها ~~واعتبارها طيلة سنوات على أدائها كأم، وفجأة فقدت هذا الأساس وتغير برنامج ~~يومها المألوف وشكل حياتها المعتاد؟ كان هذا تشخيص المعالج الذي مد ~~إليها يد العون. وشيئا فشيئا، وبمساعدة الفاليوم، والعلاج التدعيمي، ~~وجماعة التدريب على تأكيد الذات، وعدد من الدراسات الحرة، ورفيق أو اثنين، ~~وعمل تطوعي نصف وقتي ... انخفضت الرعدة إلى رعشة خفيفة ما لبثت أن زالت ~~تماما. وعادت صاحبتنا إلى سكينتها الماضية وتكيفها السابق. # وتصادف أن تكون هذه المريضة جزءا من مشروع بحث علمي عن العلاج ~~النفسي. فطبقت عليها القياسات النفسية المتعلقة بالنتائج العلاجية. ~~ويمكن أن نصف نتائج علاجها بأنها كانت ممتازة على جميع المقاييس المستخدمة: ~~مقياس قوائم الأعراض، تقييم المشكلة المستهدفة، مقياس اعتبار الذات ... واضح ~~أنها حققت تحسنا عظيما. # رغم كل ذلك، يمكننا أن نقول بكل الثقة: إننا نعتبر هذه الحالة واحدة ~~من الحالات التي فاتتها الفرصة العلاجية الحقيقية، ونعتبر هذا العلاج ~~واحدا من العلاجات واحدا من العلاجات التي أخطأت المرمى! # ولننعم النظر في حالة مريضة أخرى تمر بنفس الموقف الحياتي ونفس ~~الظروف والملابسات على نحو يكاد يكون صورة طبق الأصل. في هذه الحالة ms71 ~~الثانية عمد المعالج - وكان ذا توجه وجودي - إلى تعزيز الرعدة لا تخديرها. ~~كانت هذه المريضة تمر بما أسماه كيركجارد «القلق الإبداعي». وقد شاء كل من ~~المعالج والمريضة أن يدعا القلق يقودهما إلى أصقاع هامة للبحث والاستقصاء. ~~حقا كانت هذه المريضة تعاني من متلازمة (زملة) العش الخالي، ومن مشاكل ~~اعتبار الذات، وكانت تحب ولدها، وإن كانت أيضا تحسده على الفرص الحياتية ~~التي لم تتح لها أبدا. وبطبيعة الحال كانت تشعر بالذنب إزاء هذه ~~الوجدانات الوضيعة. # لم يكن هذا المعالج يقنع بالحل اليسير فيدبر لها طرقا تساعدها على ملء ~~وقتها الشاغر. بل انطلق في استكشاف لمعنى الخوف من العش الخالي. لقد كانت ~~دائما تتوق إلى الحرية، فما بالها الآن فزعة منها؟ ما السبب؟ # شاء حسن الطالع أن يضع في يد المعالج هذا الحلم الذي أضاء له معنى ~~الرعدة. روت المريضة أنها رأت في المنام أنها تمسك بشريحة فوتوغرافية ~~مقاس 35 ميليمترا تصور ولدها وهو يتلاعب بالكرات كالحاوي ويتشقلب ~~كالبهلوان. وجعلت تتأمل الشريحة ببساطة وحسن نية. إلا أنها كانت صورة غير ~~عادية، إذ كانت تبرز الحركة. لقد شهدت ولدها في أوضاع حركية عديدة في ~~نفس الوقت. وفي تحليل الحلم كانت تداعياتها الذهنية تدور حول تيمة «الوقت» ~~... «الزمن». كانت الصورة تقبض على الزمن والحركة وتؤطرهما. كانت تحفظ كل شيء ~~حيا؛ ولكنها توقف كل شيء أيضا وتثبته. كانت تجمد الحياة. «الزمن ~~يتحرك»، قالت: «ولا سبيل إلى إيقافه؛ لم أرد جون أن يكبر ... سواء أردت ذلك ~~أم لم أرد فالوقت يتحرك ... يتحرك بالنسبة لجون ويتحرك بالنسبة لي ~~أيضا.» # التناهي ... الفناء ... هو موضوع هذا الحلم. لقد وضع لها تناهيها في ~~بؤرة واضحة. وبدلا من أن تهرع إلى شغل الوقت بشتى التلهيات فقد تعلمت ~~أن تعرف للوقت قيمته وتقدره حق قدره كما لم تفعل من قبل. لقد دخلت في ~~النطاق الذي وصفه هيدجر ب «الوجود الأصيل» # authentic ~~being # وأخذها الدهش، لا للطريقة التي توجد بها ~~الأشياء، بل بالأحرى لوجود الأشياء على الإطلاق ... الوجود ذاته. # يستطيع المرء أن يبرهن ms72 بالحجة على أن المريضة الثانية قد أفادت من ~~العلاج أكثر مما أفادت المريضة الأولى. ولكن من غير المتاح أن يثبت هذه ~~النتيجة بأي مقياس معياري للمآل. لعل المريضة الثانية قد بقي لها من القلق ~~أكثر مما بقي للمريضة الأولى. ولكن القلق جزء من الوجود، ولن يتسنى لأي ~~فرد آخذ في النمو والإبداع أن يتحرر منه أبدا. ~~(2) العلاج # يجد العلاج الوجودي مجاله ويصول صولته في المشهد العلاجي الفردي ~~بالدرجة الأساس. غير أن كثيرا من التيمات والبصائر الوجودية قد تطبق ~~بنجاح في كافة المواقف العلاجية الأخرى بما فيها العلاج الجمعي والعلاج ~~الأسري وعلاج الأزواج، وغيرها. # ويحظى مفهوم المسئولية على وجه الخصوص بقابلية واسعة للتطبيق، فهو عماد ~~العملية العلاجية الجمعية. يقوم العلاج الجمعي أساسا على العلاج ~~البينشخصي. فالشكل الجمعي هو المضمار المثالي لاختبار شتى صور السلوك ~~اللاتكيفي وتصحيحها. ولكن تيمة المسئولية تبقى دائما أساسا وطيدا لكثير ~~من العمل البينشخصي. ولنتفحص على سبيل المثال هذا التتابع الذي يحاول خلاله ~~المعالجون الجمعيون، بشكل صريح أو ضمني، أن يوجهوا مرضاهم: ~~(1) # يتعرف المرضى كيف ينظر الآخرون إلى سلوكهم (يتعلم المرضى خلال ~~التغذية الراجعة # feed-back # من باقي ~~أعضاء الجماعة أن يروا أنفسهم بعيون الآخرين). ~~(2) # يتعرف المرضى كيف يؤثر سلوكهم على شعور الآخرين (خلال مشاركة ~~الأعضاء بعضهم بعضا استجاباتهم الوجدانية الشخصية). ~~(3) # يتعرف المرضى كيف يشكل سلوكهم آراء الآخرين فيهم (يتعلم الأعضاء ~~عن طريق مشاركة مشاعر «هنا والآن» أن الآخرين يكونون آراء معينة ~~عنهم وفق سلوكهم). ~~(4) # يتعرف المرضى كيف يؤثر سلوكهم في آرائهم عن أنفسهم (فالمعلومات ~~المحصلة من الخطوات الثلاث الأولى تؤدي بالمريض إلى صياغة تقييمات ~~معينة عن نفسه). # تبدأ كل خطوة من هذه الخطوات الأربع - كما نرى - بسلوك المرضى ذاته. ~~ذلك السلوك الذي يؤكد دورهم في تشكيل العلاقات البينشخصية. والنقطة الأخيرة ~~في هذا التتابع هي أن أعضاء الجماعة يبدءون في استيعاب أنهم مسئولون عن ~~الطريقة التي يعاملهم بها الآخرون، بل أيضا عن الطريقة التي يقيمون ~~بها أنفسهم. # هذه إحدى الجوانب الرائعة للعلاج الجمعي: كل الأعضاء يولدون معا ... ~~ينطلقون من ms73 خط بداية واحد. كل عضو يفرغ لنفسه مكانا في الجماعة ويضع لهذا ~~المكان شكله الخاص. بذلك يكون كل عضو مسئولا عن الوضع البينشخصي الذي ~~أفرغه لنفسه في الجماعة (وبالتالي في الحياة أيضا). # 2 # العمل العلاجي الجمعي إذن لا يتيح للأفراد فحسب أن يعيروا ~~أسلوب علاقتهم بعضهم ببعض، بل يكشف لهم أيضا بقوة ووضوح إلى أي حد كانوا ~~هم أنفسهم مساهمين في خلق مأزقهم الحياتي الخاص، وهو كما نرى ميكانيزم ~~علاجي وجودي واضح. # وكثيرا ما يستخدم المعالج مشاعره الخاصة لكي يستبين مدى إسهام المريض ~~في خلق مأزقه الحياتي الخاص. ولنضرب لذلك المثال التالي: # هذه مريضة بالاكتئاب في الثامنة والأربعين من عمرها، كانت تشكو بمرارة ~~سوء معاملة الأبناء لها. كان أبناؤها لا يحفلون برأيها، وكانوا يضجرون ~~منها ، وحين يحزب أمر يتوجهون بحديثهم إلى أبيهم. عندما أرهف المعالج ~~انتباهه إلى أحاسيسه تجاه هذه المريضة تبين في صوتها نبرة ناحبة تهيب به ~~ألا يأخذ كلامها مأخذ الجد، وأن ينظر إليها كطفلة بشكل ما. وقد أفضى إليها ~~بهذه المشاعر فعاد عليها ذلك بفائدة عظيمة، وبدأت تفطن إلى طفولية سلوكها ~~في مجالات كثيرة، وتدرك كيف أن أبناءها كانوا يعاملونها بالضبط كما كانت ~~«تطلب» هي أن تعامل (تطلب ذلك ضمنا خلال نحيب صوتها وأعذارها القائمة ~~على الضعف واكتئابها ومسكنتها). # كثيرا ما يواجه المعالجون حالات مرضى مصابين بهلع بسبب أزمة قرار ~~يمرون بها. يصف يالوم (1981م) طريقة علاجية لتناول مثل هذا الموقف. تتمثل ~~الخطة الأساسية للمعالج في كشف النقاب عن المتضمنات الوجودية للقرار ~~وتقييمها. كانت مريضة يالوم أرملة في السادسة والستين من عمرها. جاءت ~~تلتمس العلاج إذ كانت حائرة مكروبة بسبب أزمة قرار. كان لديها منزل صيفي ~~تريد بيعه ولكنها عاجزة عن اتخاذ قرار البيع. كان هذا المنزل يبعد مائة ~~وخمسين ميلا عن محل إقامتها الدائم. وكان يتطلب عناية دائمة وانتباها ~~مستمرا لرعاية الحديقة والصيانة والحماية، مما يشكل عبئا كبيرا على ~~امرأة واهنة مسنة. وكان للاعتبارات المالية دخل أيضا في هذا ~~القرار. وقد سألت كثيرا من الماليين والعقاريين ms74 أن يقدموا لها العون في ~~اتخاذ الرأي. # شرع المعالج والمريضة يستكشفان كثيرا من العوامل الداخلة في القرار. ~~ثم أمعنا في الاستكشاف إلى عمق أكبر. وفي الحال بزغ عدد من الأمور ~~المؤلمة: كان زوجها قد توفي قبل عام وكانت لا تزال في حداد عليه. وكان ~~المنزل لا يزال يغنى بحضوره، والأدراج والخزانات تعج بممتلكاته الشخصية. ~~كان قرار بيع المنزل يستلزم قرارا آخر بأن تستوعب المرأة حقيقة أن زوجها ~~لن يعود أبدا. وثمة عامل آخر هو القيمة الترفيهية للمنزل. لقد طالما ~~أسمته فندقها؛ لأنها كانت تستضيف فيه دائما أعدادا كبيرة من الناس. كانت ~~السيدة تعتبر المنزل هو «ورقتها الرابحة»، وقد بدأت تداخلها شكوك كبيرة ~~فيما إذا كان أحد سوف يظل يزورها دون إغراء عقارها الجميل. كان قرار البيع ~~إذن يطوي داخله امتحانا لإخلاص أصدقائها وولائهم، ومجازفة قد تورث الوحدة ~~والعزلة. وكان هناك سبب بعد يتمركز على مأساة حياتها الكبرى؛ فقد كانت ~~هذه السيدة بتراء لا أبناء لها. وقد طالما تخيلت العقار ينتقل إلى أولادها ~~وأولاد أولادها. إلا أنها كانت الورقة الأخيرة ونهاية الخط. بذلك يكون ~~قرار بيع المنزل بمثابة اعتراف بفشل مشروعها الأكبر للخلود الرمزي. لقد ~~استخدم المعالج قرار بيع المنزل كنقطة انطلاق إلى هذه المسائل الأعمق، ~~وتمكن في النهاية أن يساعد هذه السيدة على أن تندب زوجها ونفسها وأولادها ~~الذين لم يولدوا. # ما إن يتم التناول الاستيعابي للمعاني الأعمق لقرار ما حتى ينزلق ~~القرار بذاته بتلقائية ويسر. وفي حالة مريضتنا هذه فقد استطاعت بعد حوالي ~~اثنتي عشرة جلسة أن تتخذ قرار البيع دون جهد. ~~(3) إدارة العلاقة العلاجية # العلاج الوجودي هو نموذج إرشادي # paradigm # أو إطار مرجعي # frame of reference # وليس تنظيما ذا ~~قواعد محددة المعالم. وهذا ما يجعل ترتيبات الممارسة اليومية الخاصة به ~~شيئا يصعب تحديده. فهي تتباين تباينا كبيرا وتتوقف على انتماء المعالج ~~الأيديولوجي والتنظيمي. # يسعى المعالجون ذوو التوجه الوجودي لتحقيق علاقات مع مرضاهم تتسم ~~بالصدق والمكاشفة المتبادلة. وهم وفق ذلك ينظمون المشهد العلاجي. فلا مناضد ~~تقف بين المريض والمعالج، ms75 ولا حوائط مغطاة بشهادات توحي بالسلطة. يتخاطب ~~المعالج والمريض بندية وبالاسم الأول لكليهما. يحاول المعالج جهده أن ~~يخفض الغموض والسرية في العملية العلاجية، ويجيب عن الأسئلة بصراحة وتمام، ~~لا أن يبقى جامدا في محاولة لإثارة التحريفات الطرحية. # تؤدي العلاقة بين المعالج والمريض وظائف مركزية كثيرة في العلاج. فهي ~~مثلا تساعد المريض على أن يجلو علاقاته الأخرى ويخلصها من الشوائب. فجميع ~~المرضى تقريبا يحرفون جانبا من علاقتهم بمعالجتهم. وبوسع المعالج، إذ ~~يمتح من معرفته بنفسه وخبرته برأي الآخرين فيه، أن يساعد المريض على أن ~~يميز بين الواقع والتحريف. # هناك أيضا فائدة كامنة فيما ينهجه المدخل الوجودي من دفع المريض إلى ~~إقامة علاقة حقيقية مع المعالج (كنقيض لعلاقة الطرح). فما إن يصبح المريض ~~قادرا على أن يقيم علاقة عميقة بالمعالج حتى يكون ذلك شهادة على أنه قد ~~تغير. إنه ليتعلم أن إمكانية الحب تكمن داخله، وتعوده مشاعر كانت ~~هاجعة فيه. ولا ضير أن تكون صلته بالمعالج عابرة مؤقتة؛ فخبرة الألفة هي ~~خبرة باقية لا يمكن أن تسلب أو تنتزع. فهي تبقى في عالمه الداخلي كنقطة ~~مرجعية دائمة وعلامة تذكره بقدرته على الاقتراب الحميم، وقابليته ~~للود والألفة. # إن لقاء حميما مع معالج هو خبرة تحمل للمريض ما لا تحمله علاقاته ~~بسائر الناس. فالمعالج أولا: هو شخص يكن له المريض احتراما خاصا. ~~والمعالج ثانيا: وهو الأهم، هو شخص (ربما الوحيد) يعرف المريض معرفة حقة ~~... يعرفه كما هو بالفعل. فأن تفضي إلى شخص بأدق أسرارك وأفحش أفكارك وأخفى ~~أحزانك وتفاهاتك وأهوائك ثم تبقى مقبولا من جانبه؛ تلك خبرة إيجابية إلى ~~أقصى حد. # ثمة خلاف كبير حول طبيعة العلاقة المثالية التي ينبغي أن تكون عليها ~~علاقة المعالج والمريض. فالمعالج لا يخلو عالمه من غضاضة ليس منها بد؛ إن ~~مفاهيم مثل: جلسات مدتها خمسون دقيقة، كذا جنيها في الساعة، الدفع عند طرف ~~ثالث؛ لا شك غير مريحة ولا تتسق مع تصورنا المعتاد للعلاقة الراعية ~~الأصيلة. زد على ذلك أن علاقة «المعالج-المريض» تفتقر تماما إلى صفة ~~التبادلية؛ فالمريض ms76 هو الذي يذهب إلى المعالج طلبا للعون، بينما المعالج ~~لا يذهب إلى المريض. # يؤكد جميع المفكرين الوجوديين من أمثال إريك فروم # E. ~~Fromm # 3 # وأبراهام ماسلو # A. Maslow # ومارتن بيوبر # M. Buber # أن العناية الحقيقية ~~بشخص آخر تعني أن نهتم بنمو هذا الآخر وأن نحيي فيه شيئا ما. إن مبرر ~~وجود المعالج هو أن يكون «قابلة» # midwife # يولد في المريض تلك الحياة التي لم يعشها بعد. # ويستخدم بيوبر مصطلح «البسط» # unfolding # بوصفه السبيل التي يجب أن ~~يسلكها كل من المعلم والمعالج. ويعني البسط أن يرفع المرء النقاب عما كان ~~هناك طيلة الوقت. ويعج مصطلح «البسط» بتضمينات ثرية، ويقف على نقيض تام من ~~أهداف المعالجين من المدارس الأخرى (مثل إعادة البناء، فض الإشراط، التشكيل ~~السلوكي، الوالدية المعادة). يساعد المعالج مريضه على أن ينبسط بواسطة ~~التلاقي ... التواصل الوجودي. فالمعالج ليس مشكلا ولا موجها، بل هو ~~على حد قول سكوين # Sequin ~~«كاشف إمكانيات» Possibilitator ~~، (1965م، ص123). # ربما يكون أهم المفهومات قاطبة في وصف علاقة «المعالج-المريض» هو ما ~~أسماه رولو ماي وآخرون (1958م) بالمواكبة أو الحضور # presence ~~. فالمعالج يجب أن يواكب المريض ~~وأن يسعى نحو علاقة أصيلة به. وحتى لو كان المعالج يقضي معه ساعة واحدة كل ~~أسبوع فإن من الأهمية بمكان أن يكون المعالج «هناك» طيلة هذه الساعة؛ أن ~~يكون حضوره تاما مليئا، ومشاركته مركزة مكثفة. أما إذا أخذه السأم ~~والضجر والغفلة عن مريضه، أو كان يترقب انتهاء الساعة بصبر نافد؛ فإنه ~~يفشل بنفس الدرجة في أن يمد المريض بالعلاقة التي هو في أمس الحاجة ~~إليها. ~~(4) مثال من حالة مرضية ~~(4-1) حالة طلاق بسيطة # إنها حالة أحد العلماء، وهو في الخمسين من عمره، وسنسميه ديفيد. كان ~~متزوجا طوال سبعة وعشرين عاما. وقد قرر حديثا أن ينفصل عن زوجته. تقدم ~~ديفيد للعلاج بسبب القلق الذي كان يساوره وهو يترقب مواجهة زوجته بهذا ~~القرار. # يعد هذا الموقف من أوجه عديدة سيناريو نموذجيا لمنتصف العمر. ~~كان للمريض ولدان أتما تعليمهما وتخرج أصغرهما توا في الجامعة. كان ms77 ~~الأبناء من وجهة نظره هم العنصر الوحيد الذي يربطه بزوجته، وها قد أصبحوا ~~في كامل النضج والاعتماد على النفس، ولم يعد هناك ما يبرر استمرار ~~الزواج. يروي ديفيد أنه لم يكن قط قانعا بزواجه طوال هذه السنوات. وقد ~~سبق له أن ترك زوجته ثلاث مرات، ولكنه سرعان ما كان يعود إلى بيته بعد ~~أيام قليلة خزيان منكسرا. وانتهى إلى قناعة أن زواجه على رداءته وسوئه ~~كان أهون على كل حال من حياة الوحدة. # كان السبب الأساسي لتعاسته الزوجية هو الملل. لقد التقى بزوجته وهو ~~في السابعة عشرة من عمره، في وقت كان فيه عديم الثقة بنفسه، خاصة في ~~علاقته بالنساء. كانت زوجته أول امرأة في حياته تبدي اهتماما به. ~~ينحدر ديفيد - وكذلك زوجته - من عائلة من الطبقة الكادحة. كان موهوبا ~~ذهنيا بدرجة غير عادية، وأول فرد من عائلته يلتحق بالجامعة. فاز ديفيد ~~بمنحة دراسية بإحدى الكليات النظرية. وحصل على درجتين من الدراسات ~~العليا. وانطلق في سيرة بحثية أكاديمية بارزة. لم تكن زوجة ديفيد ~~موهوبة ذهنيا، ولم تشأ أن تلتحق بالجامعة. وكانت تعمل في السنوات ~~الأولى من الزواج لتسانده ماديا أثناء دراسته العليا. # كانت الزوجة مكبة معظم الوقت على رعاية الأبناء، بينما كان ~~ديفيد يواصل مسيرته المهنية بشدة وعرامة. كان دائم الملل من صحبتها ودائم ~~الإحساس بخواء علاقتهما الزوجية. فهي في رأيه متواضعة الذهن للغاية ~~ومحدودة الآفاق؛ بحيث يبرم من الانفراد بها ويتحرج أن يقدمها لأصدقائه. ~~كان يحس أنه يتحول وينمو بلا توقف، بينما هي تزداد على الأيام تصلبا ~~وجمودا وعجزا عن تقبل الأفكار الجديدة. # ويتم السيناريو المعهود لرجل في أزمة منتصف العمر ينشد الطلاق، ~~بظهور «المرأة الأخرى»؛ كانت امرأة ذكية جذابة مفعمة بالحيوية، تصغره ~~بخمسة عشر عاما. # كان علاج ديفيد طويلا معقدا برزت أثناءه تيمات وجودية ~~عديدة. # من هذه التيمات تيمة «المسئولية». فقد كانت المسئولية مسألة على ~~جانب كبير من الأهمية في قراره ترك زوجته. هناك أولا المعنى الأخلاقي ~~للمسئولية. إن زوجته، بعد كل شيء، هي التي أولدته أولاده وربتهم، ms78 ودعمته ~~ماديا خلال دراسته العليا. أما باعتبار السن فهو الآن بالمقارنة بزوجته ~~يعد أكثر رواجا بكثير. فهو أقدر منها كثيرا على كسب العيش. وهو لا ~~يزال من الوجهة البيولوجية قادرا على إنجاب أطفال وتنشئتهم. السؤال ~~إذن: ما هي مسئولية ديفيد الأخلاقية تجاه زوجته؟ # كان لدى ديفيد حس أخلاقي عال كفيل أن يعذبه بقية عمره بهذا ~~السؤال. وكان لا بد لهذا السؤال أن يطرح أثناء العلاج ويمحص. ومن ثم ~~كان لا بد للمعالج أن يواجه ديفيد صراحة بموضوع المسئولية الأخلاقية ~~أثناء عملية صنع القرار. كانت أفضل طريقة للتعامل مع هذا الكرب التوقعي ~~هي ألا يدخر ديفيد وسعا في محاولة تحسين أوضاعه الزوجية، وبالتالي إنقاذ ~~زواجه. # التحم المفهوم الوجودي للمسئولية بعملية إنقاذ الزواج هذه. وبدأ ~~المعالج يمحص مدى مسئولية ديفيد عن فشل الزواج. فإلى أي حد كان ~~ديفيد مسئولا عن حياة زوجته وشكل وجودها معه؟ لم يكن خافيا على المعالج ~~ما يتمتع به ديفيد من بديهة حاضرة وخاطر سريع رشيق. بل لعل المعالج ~~نفسه كان يحس بشيء من التهيب إزاء عقل ديفيد، وبشيء من الخشية من أن ~~ينتقده ديفيد أو يدينه. فإلى أي حد كان ديفيد انتقاديا مدينا؟ أليس من ~~المحتمل أن هذا الرجل هو الذي سحق زوجته وأخمد جذوتها؟ وأنه كان ~~بإمكانه أن يساعدها على أن تزيد حصيلتها من المرونة والتلقائية والوعي ~~بالذات؟ # قام المعالج أيضا بمساعدة ديفيد على استقصاء مسألة أخرى على جانب ~~عظيم من الأهمية: هل كان زواج ديفيد مجرد رمز لشيء آخر هو هو مصدر الكرب ~~في حياته؟ هل كان يعلق على شماعة الزواج خيبات تنتمي إلى بقاع أخرى ~~من حياته؟ ما إن بدأ ديفيد يبحث هذه المسألة حتى قاده البحث إلى قلب ~~الديناميات الأزلية لأزمة منتصف العمر. فقد روى ديفيد حلما مهد ~~الطريق إلى بعض الديناميات الهامة: ~~«كان لدي مشكلة بخصوص تميع الأرض بالقرب من حمام السباحة ~~عندي. جون (صديق كان يشارف الموت بالسرطان) يغوص في الأرض. كأنما هي ~~رمال متحركة. أخذت أثقب أسفل الرمال المتحركة بحفار ms79 ضخم. كنت ~~أتوقع أن أجد نوعا من الفراغ تحت الأرض، ولكن بدلا من ذلك وجدت ~~لوحا من الأسمنت على بعد خمسة إلى ستة أقدام إلى أسفل. وجدت على ~~اللوح إيصالا نقديا بموجبه دفع لي أحد الأشخاص مبلغ 501 دولار. ~~كنت في الحلم قلقا جدا من أمر هذا الإيصال، لأن المبلغ كان أكبر ~~بكثير مما يحق أن يكون.» # من أهم الموضوعات التي يدور حولها هذا الحلم موضوع الموت والشيخوخة. ~~فهناك أولا مسألة هذا الصديق المصاب بالسرطان. حاول ديفيد أن يعثر على ~~صديقه باستخدام مثقاب ضخم. أحس ديفيد في الحلم شعورا بالتحكم والقوة ~~أثناء عملية الحفر. بدا واضحا أن الحفار رمز قضيبي، وأتاح ذلك استقصاء ~~مفيدا للجانب الجنسي؛ كان ديفيد دائما مدفوعا جنسيا، وقد أوضح الحلم ~~كيف أنه كان يستخدم الجنس (وبخاصة مع امرأة شابة) كوسيلة يتغلب بها على ~~الشيخوخة والموت. وأخيرا يفاجأ باللوح الأسمنتي (الذي يثير تداعيات ~~المشرحة والقبور وأحجار القبور). # وقد أدهشته الصور الرقمية في الحلم؛ فاللوح كان على عمق خمسة إلى ستة ~~أقدام، والإيصال كان بخمسمائة وواحد دولار بالضبط. وقد قدم ديفيد في ~~تداعياته ملاحظة مثيرة؛ هي أن عمره خمسون عاما، وأن ليلة الحلم كانت ~~ليلة ميلاده الحادي والخمسين. ورغم أنه لم يكن مشغولا بعمره على مستوى ~~الشعور، فقد كشف الحلم أنه كان مهموما على مستوى اللاشعور بكونه قد ~~تجاوز الخمسين. فإلى جانب اللوح الذي كان على عمق خمسة إلى ستة أقدام، ~~والإيصال الذي تجاوز الخمسمائة دولار توا، كان هناك أيضا قلقه ~~البالغ في الحلم من ضخامة المبلغ الذي يحمله الإيصال. لقد كان ديفيد ينكر ~~علو سنه على مستوى الشعور. وكان موقفه الغالب هو أنه ينمو ويتوسع ~~بسرعة كبيرة، وأنه أوفر صحة من أي وقت مضى، وأنه جعل حديثا يجري عشرة ~~أميال كل يوم. أما عن مسيرته المهنية فقد كان يعتبر نفسه في مرحلة نمو ~~سريع، وأنه مشرف على تحقيق كشف علمي اختراقي كبير. # فإذا كانت أزمة ديفيد الكبرى نابعة من وعيه المتنامي بشيخوخته ~~واضمحلاله، إذن يكون تعجيله بالانفصال ms80 عن زوجته بمثابة رمية خاطئة، أو ~~محاولة لحل مشكلة غير المشكلة الحقيقية. هذا ما جعل المعالج يدفع ديفيد ~~إلى استقصاء دقيق لمشاعره تجاه شيخوخته وفنائه. فلم يكن بد من ~~الإحاطة التامة بهذه الأمور قبل أن يكون بوسعه تقدير الحجم الفعلي ~~لمصاعبه الزوجية. وقد قام المعالج والمريض باستقصاء هذه المسائل شهورا ~~عديدة، حاول ديفيد خلالها أن يكون أكثر صدقا وإخلاصا من ذي قبل في ~~معاملة زوجته، كما استعان هو وزوجته بمعالج زواجي لعدة أشهر. # بعد أن اتخذ ديفيد هذه الخطوات واستنفد هذه الوسائل، قرر هو وزوجته ~~أن لا سبيل إلى إنقاذ الزواج، فانفصلا بالفعل. كانت الأشهر التي أعقبت ~~الانفصال شديدة الصعوبة. وقد أمده المعالج بالطبع بالمساندة اللازمة خلال ~~هذه المدة، ولكنه لم يحاول أن يحمل ديفيد على إزالة قلقه، بل حاول ~~بالأحرى أن يساعده على أن يوظف القلق بشكل بناء. كان ديفيد أميل إلى ~~التعجيل بزواج ثان، بينما ظل المعالج مصرا على أن يتريث ديفيد ~~وينظر بعين الاعتبار إلى مسألة خوفه من العزلة، ذلك الخوف الذي كان يرده ~~إلى زوجته عقب كل انفصال سابق. أصبح يتعين على ديفيد الآن أن يتثبت من ~~أن الخوف ليس هو دافعه إلى التعجيل بزواج ثان. # كان صعبا على ديفيد أن يأبه بهذه النصيحة. فقد كان يحس بعاطفة حب ~~جارفة تجاه المرأة الجديدة في حياته. إن حالة كون الإنسان «في حب» هي ~~إحدى الخبرات العظيمة في الحياة، غير أنها في الموقف العلاجي تطرح مشكلات ~~كثيرة. فكثيرا ما يكون الانجذاب للحب الرومانسي من القوة بحيث يكتسح ~~أمامه أشد الجهود العلاجية وأكثرها هديا وحصافة. لقد وجد ديفيد أن ~~رفيقته الجديدة امرأة مثالية، وأن ليس له امرأة سواها. وكان يحاول جهده ~~أن يقضي معها كل وقته. فقد كان في وجودها يحس بحالة من النعمة الموصولة، ~~تتلاشى فيها كل جوانب «الأنا» المنعزلة ولا تبقى إلا حالة مباركة من ~~«النحن». # أما الشيء الذي حمل ديفيد في النهاية على أن يجد في العلاج، ~~فهو أن صاحبته الجديدة بدأت تتخوف بعض الشيء من ms81 عنف ضمته، عندئذ فقط ~~بدأ ديفيد يلتفت إلى خوفه البالغ من الوحدة ورغبته الانعكاسية في الاتحاد ~~بامرأة. وشرع في برنامج لخفض الحساسية للوحدة، فكان يراقب مشاعره ويدونها ~~في مفكرة يومية ويتناولها في جلسات العلاج بجد ومثابرة. دون ديفيد ~~مثلا أن أيام الأحد كانت أصعب الأيام على الإطلاق. كان جدول ديفيد ~~المهني مزدحما لأقصى درجة، فلم يكن لديه أية مصاعب طوال الأسبوع. أما ~~عطلة الأحد فكانت يوم الفزع الأكبر. لقد بدأ يعي أن جزءا من هذا القلق ~~كان مرده أن عليه يوم الأحد أن يرعى نفسه ويعتني بشئونه. فإذا أراد ~~أن يفعل شيئا فعليه هو أن يجدول هذا النشاط. فهو لم يعد الآن يتكئ إلى ~~ما كانت تعمله له زوجته. اكتشف ديفيد أن من أهم وظائف الطقوس في الثقافات ~~المختلفة والجدولة المزدحمة في حياته الخاصة هو إخفاء الفراغ والخواء، ~~وانعدام أي بنية أو نظام أو أرضية من تحت المرء. # 4 # أدت هذه الملاحظة بديفيد خلال الجلسات العلاجية إلى أن يرى ويجابه ~~حاجته، إلى أن يرعى ويحمى. وظلت مخاوف العزلة والحرية تتخطفه ~~شهورا عديدة. ولكنه تعلم شيئا فشيئا كيف يكون وحيدا في العالم، وماذا ~~يعني أن يكون مسئولا عن وجوده الخاص. باختصار، تعلم ديفيد أن يكون هو ~~أمه وأباه، وهو دائما هدف من أهم الأهداف العلاجية في العلاج ~~النفسي. # | خلاصة # ينظر العلاج الوجودي إلى المريض كشخص مباشر موجود، وليس كمركب من ~~الدوافع والنماذج البدئية والارتباط الشرطي، صحيح أن للشخص دوافع غريزية ~~وتاريخا، ولكنها غير داخلة في العلاج الوجودي إلا بصفتها أجزاء أو جوانب ~~لكائن إنساني يفكر ويشعر ويكافح ... كائن له صراعاته الفريدة وله آماله ~~ومخاوفه وعلاقاته. يؤكد العلاج الوجودي أن القلق السوي والشعور بالذنب ~~كلاهما موجود في كل حياة إنسانية، ولا يلزمنا أن نغير بالعلاج إلا الصور ~~العصابية منها. ولن يكون بمقدور الشخص أن يتحرر من القلق والذنب العصابيين ما ~~لم يميز القلق والذنب السويين في نفس الوقت. # أما الانتقاد القديم للعلاج الوجودي - كعلاج مغرق في الفلسفة - فقد بدأ ~~يخف منذ أدرك ms82 الناس أن كل علاج نفسي فعال لا يخلو من متضمنات ~~فلسفية. # يهتم العلاج الوجودي بخبرة الوجود أو خبرة «أنا موجود»، وبالثقافة ~~(العالم) التي يعيش فيها المريض، ودلالة الزمن وأهميته، وذلك الجانب من الوعي ~~الذي يقال له «العلو» أو «التجاوز» # transcendence ~~. # يؤكد العلاج الوجودي على الأهمية الكبرى لفعل «الحضور» # presence # وفعل المواجهة أو الملاقاة # encounter # من جانب المعالج. وقد تمثل ذلك ~~في فيلم «الناس العاديون» حيث كانت الصفة الرئيسية للمعالج هي حضوره المواكب ~~بإزاء عدوانية أحد المراهقين. # وقد وضع كارل ياسبرز - وهو طبيب نفسي صار فيما بعد فيلسوفا وجوديا - ~~يده على أهمية الحضور وخطورة افتقاده: ~~«كم فوتنا على أنفسنا من فرص للفهم، لأننا في لحظة حاسمة فريدة، ~~ورغم كل ما نختزنه من معرفة، كنا نفتقد تلك الفضيلة البسيطة؛ فضيلة الحضور ~~الإنساني المليء.» # إن هذا الحضور هو ما يريدنا العلاج الوجودي أن ننميه. # كانت الغاية المحورية لمؤسسي العلاج الوجودي هي أن تؤثر مفاهيمهم ~~ومرتكزاتهم في جميع المدارس العلاجية، وقد كان. # يتجلى عمق الأفكار الوجودية فيما يطلق عليه «العصاب الوجودي» # existential neurosis ~~. ويشير العصاب ~~الوجودي إلى حالة الشخص الذي يشعر أن حياته لا معنى لها. وما يزال هذا ~~العصاب يرى بشكل متزايد في المرضى من جميع المدارس العلاجية. كان فرويد في ~~سنوات تكوينه لا يكاد يعاين إلا حالات هستيريا. أما الآن فتقرر جميع المدارس ~~العلاجية أن مرضاها قلما يكونون من الهستيريين، ولكنهم مصابون في الأغلب ~~الأعم بما نسميه بعصاب الشخصية أو الطبع # character ~~neurosis # الذي هو صورة أخرى من صور العصاب الوجودي. # ينظر العلاج الوجودي إلى المريض دائما في سياق ثقافته الخاصة. فمعظم ~~مشاكل البشر الآن هي الوحدة، والعزلة، والاغتراب. # إن عصرنا الحاضر هو عصر تفسخ الأعراف التاريخية والثقافية. الحب ~~والزواج، الأسرة، العقائد الموروثة، وهلم جرا. هذا التفسخ هو الذي جعل ~~العلاج النفسي في القرن العشرين يزدهر وينتشر بجميع أنواعه. الناس تصرخ طلبا ~~للعون بسبب مشكلاتهم التي يخطئها الحصر. بذلك تشير كل التوقعات إلى أن ~~التوكيد الوجودي على مختلف جوانب العالم (البيئة، والعالم ms83 الاجتماعي، ~~والعالم الذاتي) ستزداد أهمية على مر الأيام. ويتنبأ الجميع أن المدخل ~~الوجودي في العلاج سيكون له عندئذ السهم الوافر والاستخدام الأوسع. # | المراجع # Arieti, S. (1977). Psychotherapy of severe ~~depression. American Journal of Psychiatry, 134, ~~864-68. # Becker, E. (1973). Denial of Death. New York: ~~Free Press. # Binswanger, L. (1956). Existential analysis and ~~psychotherapy. In E. Fromm-Reichmann and J. L. Moreno (Eds.), Progress in psychotherapy (pp. 144, 168) New York: Grune & ~~Stratton. # Boss, M. (1957a). The analysis of dreams. London: ~~Rider & Co. # Boss, M. (1957b). Psychoanalyse und ~~Daseinsanalytik. Bern & Stuttgart: Verlag Hans ~~Huber. # Boss, M. (1982). Psychoanalysis and ~~daseinanalysis. New York: Simon & Schuster. # Bugental, J. (1956). The search for authenticity. ~~New York: Holt, Rinehart and Winston. # Bugental. J. (1976). The search for existential ~~identity. San Francisco: Jossey-Bass. # Bynner, W. (Ed.) (1946). The way of life. ~~according to Lao Tzu (An American version). New York: John ~~Day. # Donne, J. (1952). Complete poetry and selected ~~prose. New York: Modern Library. # Farber. L. (1966). The ways of the will: Essays ~~toward a psychology and psychopathology of will. New York: Basic ~~Books. # Farber, L. (1976). Lying, despair, jealousy, ~~envy, sex, suicide, drugs, and the good life. New York: Basic ~~Books. # Frankl, V. (1963). Man’s search for meaning: New ~~York: World Publishing. # Havens, L. (1974). The existential use of the ~~self. American Journal Psychiatry, 131. # Heidegger. M. (1962). Being and time. New York: ~~Harper & Row. # Horney, K. (1950). Neurosis and human growth. New ~~York: Norton. # Jung, G. G. (1966). Collected Works: The practice ~~of psychotherapy (Vol. 16). New York: Pantheon, Bollingen ~~Series. # Kaiser, H. (1950). Learning theory and ~~personality dynamics. New York: Ronald Press. # Kaiser, H. (1965). Effective psychotherapy. New ~~York: Free Press. # Kant, I. (1954). The encyclopedia of philosophy ~~(Vol. 4). P. Edwards (Ed.) New York: Macmillan and Free Press. # Keirkegaard, S. (1954). Fear and trembling and ~~the sickness unto death. Garden City. NY: ~~Doubleday. # Koestenbaum, P. (1978). The new image of man. ~~West Port, CT: Greenwood Press. # Lasch, C. (1979). The ms84 culture of narcissism. New ~~York: Norton. # May, R. (1953). Man’s search for himself. New ~~York: Norton. # May, R. (1961). Existential psychology. New York: ~~Random House. # May, R. (1969). Love and will. New York: ~~Norton. # May, R. (1977). The meaning of anxiety (rev. ~~ed.). New York: Norton. # May, R. (1981). Freedom and destiny. New York: ~~Norton. # May, R. (1982). The Problem of evil: An open ~~letter to Carl Rogers. Journal of Humanistic Psychology, 3, ~~16. # May, R., Angel, E., & Ellenberger, H. ~~(Eds.). (1958). Existence: A new dimension in psychiatry and ~~psychology. New York: Basic Books. # Mijuskovic. B. (1979). Loneliness in philosophy, Psychology and literature. The Netherlands: Van ~~Gorcum. # Mowrer, O. H. (1950). Time as a determinant in ~~integrative learning. In O. H. Mowrer (Ed.). (pp. 418-454). ~~Learning theory and personality dynamics. New York: Ronald Press. # Mowrer, O. H., & UIIman, A. D. (1952). Time ~~as a determinant in integrative learning. Psychological Review, ~~61-90. Perls, F. (1969). Gestalt therapy verbatim. Moab, ~~UT: Real People Press. # Raskin, N. (1978). Becoming A therapist, A ~~person, a partner, and a parent. Psychotherapy: Theory, Research ~~and Practice, 4, 15. # Sartre. J. P. (1956). Being and nothingness. New ~~York: Philosophical Library. # Sequin. C. (1965). Love and psychotherapy. New ~~York: Libar Publishers. # Spence. K. (1956). Behavior therapy and ~~conditioning. New Haven, CT: Yale ~~University. # Spinoza, B. (1954). Cited by M. De Unamuno in The ~~tragic sense of life (E. Flitch, Trans). New York: ~~Dover. # Tillich, P. (1952). The courage to be. New Haven. ~~CT: Yale University Press. # Tolstoy, L. (1960). The death of Ivan Illych and ~~other stories. New York: Signet. # Van Kaam, A. (1966). Existential foundations of ~~psychology. Pittsburgh: Duquesne University Press. # Weisman, A. (1965). Existential core of ~~psychoanalysis: Reality sense and responsibility. Boston: Little, ~~Brown. # Yalom, 1. (1981). Existential psychotherapy. New ~~York: Basic Books. ms85