######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.MughalatatLughawiyya.Hindawi90281793 #META# Tags: linguistics #META# ID: 90281793 #META# Title: مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة #META# AuthorID: 24079572 #META# Author: عادل مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # كلمة‏ # مقدمة‏ # 1 - جمع المادة اللغوية‏ # 2 - الخلط بين مستوى الشعر ومستوى النثر‏ # 3 - نشأة اللغة توقيف أم اصطلاح‏ # 4 - طبيعة اللغة‏ # 5 - اللغة والمنطق‏ # 6 - التغير اللغوي‏ # 7 - ازدواجيتنا اللغوية «العامية والفصحى»‏ # 8 - تعريب العلم‏ # 9 - مزايا العربية‏ # 10 - ضرورة الإصلاح‏ # تذييل‏ # من مراجع الكتاب ومصادره‏ # الإهداء‏ # كلمة‏ # مقدمة‏ # 1 - جمع المادة اللغوية‏ # 2 - الخلط بين مستوى الشعر ومستوى النثر‏ # 3 - نشأة اللغة توقيف أم اصطلاح‏ # 4 - طبيعة اللغة‏ # 5 - اللغة والمنطق‏ # 6 - التغير اللغوي‏ # 7 - ازدواجيتنا اللغوية «العامية والفصحى»‏ # 8 - تعريب العلم‏ # 9 - مزايا العربية‏ # 10 - ضرورة الإصلاح‏ # تذييل‏ # من مراجع الكتاب ومصادره‏ # | مغالطات لغوية # | مغالطات لغوية # | الطريق الثالث إلى فصحى جديدة # تأليف # عادل مصطفى # | الإهداء # إلى الأم الجليلة الجميلة الأزلية ... مصر، # وقد نال منها الوهن والشحوب، # داعيا الله أن يهون عليها آلام المخاض. # | كلمة # اللغة العربية لغة وعي ولغة شهادة، وينبغي إنقاذها سليمة بأي ثمن؛ للتأثير في اللغة ~~الدولية المستقبلة. # لوي ماسنيون # | مقدمة # سيكون هذا الخيط وصل ما بينك وبين الماضي فعد إليه، عد إلى نفسك؛ فلا شيء ينشأ من ~~لا شيء، ولن يعتمد مستقبل أمرك إلا على ماضيك الذي كنت فيه، وحاضرك الذي أنت ~~عليه. # أندريه جيد: ثيسيوس # تعاني الفصحى هذه الأيام وهنا وذبولا لم يعد محل جدال؛ فالركاكة أصبحت ظاهرة عامة ~~ومناخا شاملا، واللحن في مبادئ اللغة أصبح قاسما مشتركا، لا بين عامة الناس فحسب، بل ~~بين خاصة الأساتذة والإعلاميين والأدباء! وإن لغة تستعصي على سدنتها وأحبارها لهي لغة ~~تفقد طبيعة اللغة ووظيفتها، وتستحق من الجميع وقفة للتدبر والمراجعة والتمحيص. # العربية لغة كأي لغة، تجري عليها نواميس اللغات، وتخضع لقوانين علم اللغة العام، غير ~~أنها في ذلك تقف حالة خاصة بين اللغات ونسيج وحدها؛ فهي أعرض اللغات متنا وأطولها ~~عمرا، العربية لغة جسيمة هائلة الجرم؛ لأسباب حتمت ذلك: # أولا: # أنها في الأصل ليست (بمعنى ما) لغة واحدة، بل هي المجموع الجبري ~~للغة العربية المشتركة ولهجات القبائل الموثقة. # 1 # ثانيا: # أنها بعد الفتوحات بسطت ظلها ms001 على أصقاع مترامية من الأرض، وقضت على ~~لغات قديمة فيها (كالسريانية واليونانية والقبطية ... إلخ) بعد أن نقل ~~إليها، بالترجمة والتعريب، عصارة هذه اللغات وخبرات أهلها الذين أسلموا ~~واستعربوا؛ فصارت العربية في أدبها وعلومها نتاج كل هذه الأمم، وصارت، من ~~حيث الرصيد العلمي والحضاري، مجموعا جبريا لعدة لغات عريقة! # ثالثا: # أنها صينت، برغم التوسع الجغرافي، من التفتت إلى لغات منفصلة؛ ~~بفضل كتاب جامع وعقيدة موحدة وعلماء أفذاذ؛ فامتد بها الأجل أكثر من ~~سبعة عشر قرنا من الزمن محتفظة بأسسها ونحوها وجذرها الثلاثي، وهي مزية ~~لم تتح لأي لغة من اللغات. # من شأن هذه الظروف التاريخية الخاصة، وهذا الامتداد الجغرافي والزمني، وهذه البسطة ~~الأفقية والرأسية، أن تجعل من العربية لغة ضخمة واسعة، صعبة بطبيعة الحال، صعوبة ~~الاكتناز والثراء والغنى، وإذا كان قدرنا أن نبذل في تعلمها جهدا أكبر مما يبذله غيرنا في ~~لغته فإن جهدنا فيها لا يذهب دون مقابل. # يتضمن الكتاب الذي بين يديك مراجعة شاملة لفقه اللغة العربية، تتناول قصتها من مبدئها ~~إلى منتهاها، عسانا أن ندرك ما لهذا الكائن الجميل المقيم معنا وفينا من جلال وحسب؛ فنحتشد ~~لنصرته، ونتنادى لإنقاذه. ~~(1) أخطاء النحاة # في الفصل الأول والثاني تجد عرضا مفصلا لعملية جمع اللغة العربية على أيدي النحاة ~~الأوائل، أخطأ النحاة في جمع اللغة وتقعيدها أخطاء منهجية معروفة، عرضنا لها بشيء من ~~التفصيل، وأخذناها بحجمها، ووضعنا أمرها في نصابه. # قد تكون لبعض الأخطاء ثمار حلوة، وعواقب محمودة، ونواتج بعدية سائغة تتجاوز ~~منشأها، وتصبح قيمة بحقها الشخصي! مثلما ينتج اللؤلؤ عن خطأ حل بالمحار؛ فتغمدته ~~حظوة الزمن: # خلط اللهجات كان خطا منهجيا بغير شك، أفضى إلى لغة جسيمة داخلها ~~عنصر اصطناعي؛ لغة متخمة بالمترادف والمشترك والأضداد والغريب؛ لغة لم ~~يتحدث بها أحد في أي وقت على نحو طبيعي؛ ذلك أنها ليست لغة واحدة، كما ~~قلنا، بل حزمة لغات، غير أن هذه الجسامة صارت وديعة الزمن؛ الزمن الذي ~~يقصي ويصطفي، ويعجم ويجرب؛ فأخذها بالتنقيح والنخل، واجتبى منها ~~الأجمل والأسلس، فاستوت في النهاية لغة ms002 بديعة قسيمة تامة الخلق خلابة ~~البنيان. # وأخطأ النحاة حين استندوا إلى الشعر في أغلب شواهد اللغة، وهنا أيضا لا ~~نعدم أثرا إيجابيا لهذا الخطأ المنهجي؛ فاللغة التي استمدت مادتها ~~وشواهدها من الشعر لا يمكن إلا أن تكون «لغة شاعرة»، تؤثر النغم وتكره ~~الثقل، وتعرف الحذف والإيجاز واللمح، ويدخل المجاز منها في الصميم. # 2 # ثم عرضنا لرأي النحاة في نشأة اللغة وطبيعتها. لم يكن الإطار المعرفي الذي يفكر داخله ~~النحاة ليسمح لهم بأكثر مما رأوه، واستثنينا عبد القاهر الجرجاني الذي كانت نظريته في ~~«النظم» استباقا مدهشا لكثير من الأفكار الفلسفية واللغوية المعاصرة. # ثم انتقلنا في فصل «اللغة والمنطق» إلى قضية النحو العربي، وبينا أن تاريخ النحو ~~كان تاريخ صراع بين ثقافتين: ثقافة العرب وثقافة الموالي، كتب فيه النصر، للأسف، ~~لثقافة الموالي الذين بالغوا في تضخيم النحو وأثقلوه ومنطقوه، وجمدوا اللغة وأبعدوها ~~عما ألفته في «بيت أبيها» من رحابة وسماحة وسجية، وهذه تذكرة تحمل في ذاتها دعوة إلى ~~إعادة «تعريب النحو»! وتخليصه من اللحاء الأرسطي الثقيل، الذي أضر بالعربية وخنقها ~~وأوحى إلى الناس أن يهجروها. # وفي فصل «التغير اللغوي» نوهنا إلى ظاهرة التغير وعرضنا، بشيء من التفصيل، ~~لأسبابه وأنواعه، والتوتر القائم بين فكرة «التغير» وفكرة «اللحن» في أذهان اللغويين ~~القدماء والمحدثين، وبينا أن الخطأ المشهور لا يعود خطأ؛ إذ إن شرعية اللغة ~~الشيوع! وعرضنا نماذج من «تصحيح الصحيح»! جعلنا منها فرصا لتصويب الفكر قبل الكلمات، ~~وبينا أن كثيرا مما يقال له «خطأ» في اللغة هو خطأ اللغويين أنفسهم هواة «قل ولا ~~تقل»، الذين ثقل على أذهانهم الركام الأرسطي فعزلهم عن السليقة العربية، وأفقدهم ~~الفطرة اللغوية فجعلوا يخطئون الناس ويبثون فيهم اليأس من الفصحى والتوجس ~~منها. # وفي فصل «العامية والفصحى» عرضنا لقضية ازدواجيتنا اللغوية التي تهدد العقل العربي ~~بالانشطار والتشوش، وبينا أن سد الفجوة بين العامية والفصحى لا يكون باحتقار العامية، ~~بل بمهادنتها واسترفادها، ورصد فصيحها وترويجه وإدراجه في مناهج التعليم، حتى يأنس ~~النشء بلغتهم التي يدرسونها ولا يعودوا يحسون في دراسة الفصحى ms003 أنهم يتعلمون لغة ~~أجنبية. # وفي فصل «تعريب العلم» اقتحام لهذه المسألة الشائكة المعلقة، بينا فيه أن التعريب ~~ضرورة ملحة: قومية وعلمية ونفسية ولغوية، وأن التقاعس عن التعريب هو انتحار جماعي ~~بشع، وتخل عن أمانة تاريخية علينا أن نحملها ولا نشفق منها. # وفي فصل «مزايا العربية» بينا، بحيدة وموضوعية، ما تتمتع به العربية من فضائل ~~بنيوية ودلالية، وعرضنا لقضية غياب فعل الكينونة ودلالته الفلسفية، واحتمال وجود منهج ~~علمي وفلسفي مضمر في قلب العربية علينا أن نستكشفه ونستوحيه. # وفي فصل «ضرورة الإصلاح» عرضنا لمعنى الإصلاح وخصائصه، واقترحنا ما أسميناه «نظرية ~~الاستعمال» كوصفة شاملة للإصلاح اللغوي في مجال التقعيد والتعليم والتعلم، وأشرنا ~~بسهم إلى الطريق الثالث الذي ينبغي أن نتخذه في مسيرنا إلى الفصحى الجديدة التي علينا ~~أن نؤسسها، مثلما أسس دانتي الإيطالية، تواتينا في ذلك رياح الكوكبية وقوى العولمة التي ~~تحل لنا، من حيث لا نحتسب، مشكلة الحرف العربي، وتعكس الميول اللغوية القديمة؛ إذ ~~تقرب اللهجات وتوحد اللغة وتمنع انشعابها، وتيسر نشرها وتعلمها، وتلقيها على مسامع ~~الناس بالغدو والآصال، وقلنا: إن تلك فرصة سانحة علينا أن ننتهزها ولا ~~نضيعها. ~~(2) إحياء التراث # ليس ثمة تناقض بين تجديد اللغة وإحياء التراث كما قد يبدو للنظرة السطحية العجلى، ~~فالحق أن العربية لغة معمرة، تنمو من داخلها بالاشتقاق والتعريب، ويظل جذرها الثلاثي ~~حاضرا عتيدا، ويظل ماضيها موصولا بحاضرها يغذوه ويمسكه ويمده بأسباب النماء. # بإهاب كل مجدد كبير كلاسيكي كبير، وفي طي كل تجديد شيء من الإحياء! وإن ~~جيلا نسي ماضيه لهو جيل شائخ لا مستقبل له. ليس إحياء التراث غيابا في الماضي أو ~~اغترابا عن الحاضر وغفلة عن الآتي؛ فلا بناء بغير دعائم، ولا سموق بغير جذور، ليس ~~إحياء التراث ترفا بل ضرورة، ولا سباتا بل هو الصحو واليقظة والإفاقة، إنه ضرورة لكل ~~أمة تريد أن تسترد وعيها وتستعيد توجهها وتتعرف خط سيرها. إن حاضرا بلا ماض هو ذهول ~~وشرود وفقدان ذاكرة، وضرب في التيه بعد ضياع الخرائط واشتباه الطرق والتباس الأمام ~~والوراء. # ألفاظ مهجورة: من ms004 التجديد أن نبعث بعض الألفاظ المهجورة التي هي أكثر إسعافا لنا من ~~المشهور وأكثر حداثة من الحديث! ألست ترى أن نصف ألفاظ العلم هي جذور وضمائم لاتينية ~~ويونانية كانت ميتة فأحيتنا؟! كذلك الأمر في العربية: # هناك ألفاظ نهجرها لأننا لم نجدها ذات نفع لنا أو غناء في حياتنا ~~الجديدة. # وهناك ألفاظ تهجرنا لأنها لم تجدنا أكفاء لها، ولما كانت تذخره لنا ~~من ذهب المعنى. # هناك ألفاظ تموت عنا. # وهناك ألفاظ نموت عنها. ~~(3) خطورة القضية اللغوية # تولد كل الأجنة عارية إلا جنين الفكر فيولد متلبسا باللغة. # تعست فكرة رانت على البشر دهورا تقول إن اللغة مجرد وسيلة للتعبير عن الفكر ونقله ~~إلى الآخرين، تعرض له من خارج وهو تام مكتمل كأنها غلاف الهدية أو كساء البدن أو وعاء ~~السائل. # إنما شأن اللغة أبلغ من ذلك خطرا وأبعد نفوذا وأشد هولا. # اللغة هي ذخائر المقولات وخزائن المفاهيم، بحيث يستحيل عليك أن تفكر تفكيرا مركبا ~~ثريا بلغة ساذجة فقيرة. # اللغة هي «دالة الفكر» ونماذج الرؤية، بحيث لا تملك أن ترى من العالم إلا بقدر ما ~~تسمح لك لغتك أن ترى. # اللغة هي حاملة العالم، وأطلس الوجود، بحيث لا بجانبك الصواب إذا قلت إن حجم وجودك هو ~~حجم لغتك. # هكذا يتبين لنا مبلغ السفه الذي نأتيه إذا نحن تخلينا عن هذه اللغة الجميلة ~~الجليلة بعد كل الذي بلغته من الثراء والارتقاء. # التعريب شرط الحداثة والتغريب حياة بالانتساب. # من الحذق حين نثاقف العالم الغربي المتحضر أن نأخذ عنهم، ونهضم زادهم، ونتمثله ~~تماما، ونحيله، بحكم التمثل ذاته، إلى كياننا وبنيتنا، لا أن نمنحهم أنفسنا ونتقمصهم ~~تقمصا رخيصا، ونضحي بحقيقتنا دون مقابل. # آية الهضم التام أن يتحول المهضوم إلى الهاضم، فأنت، كما يقول بياجيه، حين تهضم ~~الملفوف وتتمثله تحوله إلى أنسجتك وبنائك العضوي ولا تتحول أنت إلى ملفوف! كذلك الحال ~~في هضم الفكر الغربي وتمثله، فمن شأن الفكر الذي تستوعبه بالفعل أن يتعضى فيك ويذوب ~~في كيانك ويصطبغ بصبغتك؛ فلا نكاد نتبين من ملامحه الأولى شيئا إلا ms005 من طريق الظن ~~والاستنباط، فهو يغيرك ويطورك فيما يتشتت داخلك ويتبدد فيك. # ذلك هو الفهم الحق والتمثل الأصيل. # وحالما تبينا في خطابك فكر غيرك كما هو، وتجلت لنا ملامحه بتمامها، فهو الدليل ~~على أنك لم تقدر على هذا الفكر ولم تفهمه، وإن كنت تستظهره وتردده، إنه الفكر الذي لم ~~تستوعبه بل استوعبك، ولم تهضمه بل هضمك. # ذلك هو التقليد السطحي والتقمص الرخيص. # لكي نقول: إننا استوعبنا الحداثة حقا يتعين أن نرى الحداثة استعربت وتحدثت العربية، ~~ولكي نقول: إننا فهمنا العلم حقا؛ ينبغي أن يكون لدينا ما يثبت أن العلم نفسه فهم ~~العربية، أي تعرب وتوطن في معجمنا وطاب له المقام! وما دون ذلك هو استعمال من ~~الظاهر، هو تمسح وتقول وتخلف مقلوب. # إن لدينا منتسبين كبارا يعيشون بيننا في الشرق كمواطنين بالانتساب في العالم الغربي، ~~يتلبسون بالنموذج الأوروبي الأمريكي، ويتشدقون في مجالسهم بالإنجليزية، ويوقعون بها ~~أعمالهم ورسائلهم، إن أسلوبهم يثير الشفقة، وإنجليزيتهم، بحكم الانتساب ذاته، ركيكة ~~عجماء، يظن هؤلاء أنهم متحضرون مجددون، وهم غارقون إلى الأذقان في تقليد آخر، لقد نسوا ~~لغتهم التي لن يبدعوا إلا بها، واستعاروا لغة غيرهم التي لن يعرفوها إلا بالنقل ~~والوساطة، ولو عرفوا من اللفظ معناه المباشر فإنهم في عمه عن شحناته وظلاله، ~~وإيحاءاته وتداعياته، وتجلياته الثانية وأقانيمه الأخرى، ومنشئه في التاريخ ومسيره في ~~الزمن، وهم بذلك يخسرون البعد الثالث للغة، ويتبنون لغة مسطحة مصمتة لن يفكروا بها ~~إلا تفكيرا مسطحا مصمتا. # إن حياة الانتساب هذه تضحية بالحياة وتنازل عن الإرث ونفي للذات، ووقر وفقر ~~وخزي، لقد باع أصحابنا أنفسهم مجانا وصاروا مسوخا لا تروق أعين الشرق أو الغرب، ~~واختاروا أن يكونوا أذيالا لا عمل لها إلا التبعية، ولا مكان إلا المؤخرة. ~~(4) في ظل الفصحى # اللغة «جين» آخر. # فكما أن الجينات شفرات أو مخططات يسير وفقا لها الكيان البشري جسميا ونفسيا، ~~فإن اللغة شفرة ومنظور ونماذج رؤية تشكل وعينا وإدراكنا الخاص للوجود، وتحكم وجهتنا ~~في الفكر والفعل، وطريقتنا في تصور ما هو كائن وما ينبغي ms006 أن يكون. # بهذا المعنى تكون العروبة قرابة رؤية بقدر ما هي قرابة دم، وتكون الدعوة إلى ~~الفصحى دعوة إلى الوحدة، وإلى لم الشمل، وإلى اجتماع الإخوة بعد افتراق وشتات ~~وغربة. # عادل مصطفى # 25 / 2 / 2010 # الفصل الأول # | جمع المادة اللغوية # من يتأمل علوم العربية، من نحو وصرف وأصوات ومعاجم وعروض ... لا يسعه إلا الإجلال لمن ~~ابتكروا هذه العلوم من العدم، وشيدوا هذه الصروح من الصفر، بعزم صادق وإخلاص نادر، وحذق ~~منقطع النظير. # 1 # على أن غاية الإجلال لهذا السلف العظيم أن نقتدي به في الخصلة التي جعلت منه سلفا ~~عظيما؛ في اجتهاده وابتكاره؛ فنجتهد نحن أيضا ونبتكر، وننخل ونغربل، ونراجع ~~ونصوب. ~~(1) الفصحى (المشتركة) واللهجات # يبدأ المشهد اللغوي بجزيرة العرب، نجد والحجاز ومنطقة الفرات، في القرن الخامس ~~والسادس الميلاديين، وقد انتظمتها لهجات محلية متعددة، تتحدث بها قبائل متفرقة أدى بها ~~اتساع الصحراء إلى عزلة نسبية، ولما كانت تلك القبائل على عزلتها تتبادل التجارة ~~وتتلاقى في الحج والأسواق والندوات، كان لا بد من وجود لغة «مشتركة» يتفاهم بها الناس ~~جميعا على اختلاف قبائلهم، كانت مكة، أم القرى، هي مهوى الأفئدة وملتقى الحج والتجارة ~~وأسواق الخطابة والشعر، وقد كفل لها نشاطها التجاري وثراؤها الاقتصادي ارتقاء حضاريا ~~وسلطانا سياسيا؛ الأمر الذي جعل اللهجة القرشية هي اللهجة الغالبة في تكوين اللغة ~~المشتركة، وإن لم تتطابق معها تمام التطابق، هذه الفصحى المشتركة هي التي يتخذها ~~الخطباء والشعراء، وهي التي تكتب بها المعاهدات وتتخذ في مواقف الوفادة والتشاور ~~والحروب والعبادة، وقد نزل بها القرآن الكريم ليفهمه العرب جميعا على اختلاف لهجاتهم ~~المحلية، وبذلك سادت المشتركة واستتبت وازدهرت وارتقت ارتقاء عظيما. # نحن إذن بإزاء مستويين لغويين متباينين: المستوى اللهجي من جهة، ومستوى الفصحى أو ~~المشتركة من جهة أخرى، ومن العبث وإهدار الطاقة أن نسأل الآن أيهما السابق على الآخر: ~~أهي لهجات تبلورت منها المشتركة (مرتكزة كثيرا على لهجة قريش)؟ أم هي المشتركة تفرعت ~~عنها اللهجات شأنها شأن غيرها من اللغات الكبرى كاللاتينية والجرمانية؟ ذلك أمر مختلط ~~ملتبس غامض ms007 يثير فيضا من الحدوس والتخمينات والفروض، ولا يؤدي إلى نتائج حاسمة ~~صلبة. # ثمة موقفان متمايزان أمام الباحث في أمر العلاقة بين المشتركة واللهجات: # الموقف الأول: # أن يعتبر كلا منهما مستوى خاصا ولا يخلط بينهما بالرغم من ~~إدراكه للتأثير المتبادل بينهما؛ فكل لهجة مستوى خاص ينبغي ألا ~~يختلط بغيره من اللهجات ولا بالمشتركة، كل لهجة مستوى متفرد في دلالة ~~الألفاظ وفي الأصوات والصيغ والتراكيب. # والموقف الثاني: # أن يعتبر المشتركة هي اللهجات نفسها، فتكون المشتركة (الفصحى) هي ~~المجموع الجبري ل «لغة قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة وبعض ~~الطائيين.» # الموقف الأول هو الموقف العلمي الصحيح (ما ينبغي أن يكون)، ولقد راود بعض النحاة على ~~نحو عارض لا يشكل اتجاها أو منهجا، والموقف الثاني هو الموقف الخاطئ من الجهة ~~العلمية، وهو الموقف الذي اتخذه النحاة مع الأسف (ما هو كائن)، فأدى إلى اضطراب الدراسة ~~وتعقد النحو، فتجد في المسألة الواحدة وجوها، وتجد لكل وجه توجيها، وتجد لهذه الوجوه ~~والتوجيهات سندها في اللغات واللهجات. # لقد اتخذت اللهجات تكأة في النحو العربي لكثير من التفريعات التي تتدارك على ~~القاعدة العامة أو تنقضها تماما، مما زاد من تعقيد النحو وصعوباته. قيل لأبي عمرو بن ~~العلاء كيف تصنع فيما خالفتك به العرب وهم حجة؟ فقال: أعمل على الأكثر وأسمي ما خالفني ~~لغات. وتفسير هذا المسلك العلمي هو فهم علمائنا للصلة بين الفصحى واللهجات، واعتبارهم ~~الفصحى هي نفس اللغات المتعددة مما أطلقوا عليه أنه «كلام العرب»، ولا تمكن دراسة هذا ~~الحشد الكبير المختلط إلا بهذه الطريقة، وهكذا جاء النحو العربي وفيه قواعد عامة ذات ~~احتمالات ولغات تتدارك عليها أو تنقضها، مثال ذلك أن العرب بعامة تقف على المنصوب ~~المنون بإبدال التنوين ألفا، ولكن أبا الحسن قطرب وأبا عبيد والكوفيين ذكروا أن من ~~العرب من يقف على المنصوب المنون بالسكون، فيقول «رأيت زيد»، وهي لهجة بعض فروع ربيعة. ~~إن الفصحى المشتركة لم تحمل هذا ليشيع ويوفق عليه عرفها، ولكن النحاة حملوه ودرسوه من ~~اللهجة، ووضعوا له قاعدة تمثل ظاهرة ms008 ضمها النحو العربي، ذاك الذي يفترض فيه أنه ~~للفصحى أساسا. # 2 ~~(2) سمات اللغة المشتركة # تتميز أي لغة مشتركة بصفات معينة؛ الأولى: أنها فوق مستوى العامة، بمعنى أن العامة ~~لا يستعملونها في خطابهم، وإذا سمعوا متكلما بها رفعوه فوق مستوى ثقافتهم، فاللغة ~~المشتركة العربية التي نظم بها الشعراء وخطب بها الخطباء، لم تكن في متناول العرب ~~جميعا، بل كانت في مستوى أرقى وأسمى مما يمكن أن يتناوله العامة، وحتى الإعراب الذي ~~يعد أهم مميزات الفصحى لم تكن كل العرب تقدر عليه، روي عن ابن أبي إسحق: «العرب ترفرف ~~على الإعراب ولا تتفيهق فيه.» وعن يونس: «العرب تشام الإعراب ولا تحققه.» وعن الخشخاش ~~بن الحباب: «العرب تقع بالإعراب وكأنها لم ترد.» # 3 # والسمة الثانية للغة المشتركة: أنها لا تنتمي صفاتها أو عناصرها إلى بيئة محلية ~~بعينها، بمعنى أن الخطيب باللغة المشتركة لا يكاد السامع يكشف عن بيئته المحلية؛ فاللغة ~~المشتركة لغة منسجمة موحدة لا يمكن أن تنتمي إلى بيئة خاصة من بيئات الجزيرة ~~العربية، فلا يحق لنا أن نقول مثلا: إن اللغة المشتركة هي لغة قريش أو تميم أو غيرها ~~من قبائل العرب، بل هي مزيج من كل هذا، تكونت له شخصيته وكيانه وأصبح مستقلا عن ~~اللهجات، وإن التمس هذا المزيج في نشأته بعض صفات هذه اللهجات بعد هضمه، من ذلك أن ~~المشتركة العربية تحقق الهمز، بينما لهجة قريش نفسها تسهيل الهمز، ومن ذلك «أن شعر ~~الشعراء من ربيعة لا يعرف ما اشتهر عن لهجتها من الكشكشة، وشعر الشعراء من تميم لا يعرف العنعنة»، # 4 # وفي ديوان الهذليين لا نكاد نجد ما عرف عن لهجة هذيل من فحفحة واستنطاء ~~ونحو ذلك. # 5 # والصفة الثالثة للغة المشتركة: أنها ليست لغة سليقة، ومعنى السليقة أن تتكلم لغة من ~~اللغات بغير شعور بما لها من خصائص، وباستحالة أن تخطئ فيها دون أن تدرك خطأك وتتداركه ~~على الفور. وأكبر دليل على أن الفصحى لم تكن لغة سليقة لكل العرب، تلك الروايات الكثيرة ~~التي تشير إلى وقوع ms009 اللحن من العرب، قبل الإسلام وبعده. إن صاحب اللغة الذي يتكلمها ~~بالسليقة، كما يقول د. إبراهيم أنيس، يستحيل عليه الخطأ في ظواهر تلك اللغة دون أن يدرك ~~أنه أخطأ؛ فالإنجليزي لا يخطئ في كلامه إلا إذا قسنا كلامه بمستوى لغوي آخر فوق كلام ~~الناس، ونحن في كلامنا بالعامية لا نخطئ، فإذا زل اللسان في لحظة ارتباك أو تلعثم رجعنا ~~عن هذا الزلل في لمح البصر، وأدركنا أننا وقعنا فيه، ولا يتصور وقوع الخطأ من صاحب ~~السليقة اللغوية في أي ظاهرة من ظواهر لغته: في تركيب أصواتها أو في ترتيب الكلمات ~~بجملها، أو في صيغها، أو في طريقة النفي والإثبات، أو في طريقة الاستفهام والتعجب ونحو ذلك. # 6 ~~(3) تشييء السليقة اللغوية # حين يتعلم الطفل لغة أهله بالمحاكاة والمران، والمحاولة والخطأ، فإنه يحتشد ويعمل ~~ذهنه فيما ينطق له ويركز فيما يقول، وإذا أخطأ فقد لا يعي أنه أخطأ حتى يظهره ~~الكبار على خطئه، حتى إذا اكتمل تعلمه وتمت له السيطرة على لغته فإنه يتحدث بها من ~~غير حاجة إلى احتشاد وتركيز وتيقظ، ودون وعي بخصائصها وتوجس من أخطائها، هنالك يقال إنه ~~يتكلم ب «السليقة»، السليقة إذن هي تمكن المرء من لغة ما بحيث يتكلم بها عفويا ~~وتلقائيا ودون التفات منه إلى قواعدها وضوابطها. يتحدث الطفل لغته الأم بالسليقة، ~~وبوسع المرء أن يتمكن من لغة أجنبية ويتكلمها بالسليقة إذا أولاها اهتماما متصلا ~~وثابر على تعلمها ولم ينقطع عن التدريب والممارسة. # يقول ابن خلدون: «اعلم أن اللغات كلها ملكات بالصناعة؛ إذ هي ملكات في اللسان ~~للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى ~~المفردات، وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ ~~المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى ~~الحال؛ بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصودة للسامع، وهذا هو معنى البلاغة، ~~والملكات لا تحصل إلا بتكرار الأفعال؛ لأن الفعل يقع أولا وتعود منه للذات صفة، ثم ~~يتكرر ms010 فتكون حالا، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي ~~صفة راسخة. فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام ~~أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال ~~المفردات في معانيها فيلقنها أولا، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ~~ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها ~~العجم والأطفال، وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع، أي بالملكة ~~الأولى التي أخذت عنهم ولم يأخذوها عن غيرهم.» # 7 # السليقة إذن ليست «شيئا» # Res # أو «كيانا» # Entity # سحريا يرتبط بالبداوة أو بالجنس العربي ~~ويمتنع على غير العربي مهما أخلص السعي وواصل التعلم، ولكن قدماء اللغويين العرب كان ~~لهم رأي آخر: فقد سيطرت عليهم فكرة أن الكلام بالعربية لا يستقيم لغير العربي، وكأن في ~~الأمر شيئا سحريا هو سر السليقة العربية؛ شيئا يجري في دماء العرب ويختلط برمالهم ~~ودمنهم، يورثه الآباء أبناءهم وترضعه الأمهات أطفالهن في لبانهن، إنه «تشييء» # Reification # أو «أقنمة» # Hypostatization # السليقة إن جاز التعبير، وهو الذي جعل نحاة الكوفة يأخذون ~~اللغة عن أي عربي يصادفونه، ويأخذون حتى عن الأطفال والمجانين (والنساء) كما ذكر ~~السيوطي في «المزهر»، وهم بذلك قد خلطوا بين مستويات الأداء المختلفة حيث كان ينبغي ~~الفصل بينها. ~~«على أن النحاة قصروا هذه السليقة على قوم معينين وعلى زمن معين وبيئة معينة، فنشأ ~~في مخيلاتهم ما يمكن أن يعبر عنه ب «ديكتاتورية الزمان والمكان» مغالين في الحرص على ~~العربية والاعتزاز بها.» # 8 ~~(4) ديكتاتورية الزمان # جمع قدماء النحاة المادة اللغوية التي تنتمي إلى فترة تمتد من منتصف القرن الثاني قبل ~~الهجرة وتنتهي في منتصف القرن الثاني الهجري أو نهايته، والحق أنه من الصعب، استنادا ~~إلى عدد من الشواهد، أن نقبل رأي من ذهب إلى أن حركة العمل اللغوي الميداني ms011 قد توقفت في ~~القرن الثاني الهجري، وبدأت ملاحظة التغير الذي يعتري الاستخدام اللغوي بعد القرن ~~الثاني، إذ نرى مثلا أن الأزهري (ت. 370ه) في القرن الرابع قد اعتمد في معظم المادة ~~التي وردت في معجمه «تهذيب اللغة» على النقل المباشر، إذ إنه جمعها من البدو الذين عاش ~~بينهم فترة من الزمن، ونميل إلى ما ورد لدى المصادر العربية من أن الاستشهاد باللغة ~~(العمل اللغوي الميداني) قد انتهى في القرن الرابع، # 9 # وقد اتخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة قرارا مؤداه «أن العرب الذين يوثق ~~بعربيتهم ويستشهد بكلامهم هم عرب الأمصار إلى نهاية القرن الثاني وأهل البدو من جزيرة ~~العرب إلى نهاية القرن الرابع»، # 10 # باعتبار أن لغة العرب بقيت نقية خالصة في البوادي حتى نهاية القرن الرابع ~~الهجري، وفي الحواضر حتى نهاية القرن الثاني الهجري، قبل أن يعتريها الفساد ويتسرب ~~إليها اللحن. # ولا يخفى على القارئ، فضلا عن ديكتاتورية الزمان، أن هذا خلط آخر: خلط عصور، فقد ~~امتدت الفترة التاريخية للغة المجموعة حوالي خمسة قرون، وتعامل النحاة مع هذه المادة ~~اللغوية على أنها تنتمي إلى نظام لغوي واحد، وتعذر عليهم أن يدركوا أن اللغة ظاهرة ~~اجتماعية تتغير عبر الزمن، وأن من الخطأ أن تأخذ مادة لغوية مستقاة من القرن الثاني ~~قبل الهجرة مأخذ مادة من القرن الرابع الهجري وتدرجها في نظام لغوي واحد (أو «حالة» ~~لغوية واحدة بتعبير فرديناند دي سوسير). لقد فطن النحاة إلى ظاهرة التغير اللغوي ~~الناجم عن عوامل خارجية فحددوا فترة الاستشهاد، غير أنهم فيما يبدو لم يفطنوا إلى ~~ظاهرة التغير اللغوي الناجم عن عوامل داخلية في اللغة ذاتها، وآية ذلك أنهم أخذوا ~~شواهدهم من فترة زمنية هي نفسها كافية لحدوث تغير كبير. # لم يشأ العرب، كما يقول د. كمال بشر، «أن يأخذوا عامل الزمن في الحسبان؛ فلم يعترفوا ~~على ما يبدو بأن اللغة ظاهرة اجتماعية قابلة للتطور على مدى الأيام، وقد جاءت خطة ~~دراستهم العامة على وفق هذا التصور غير الدقيق.» # 11 ~~(5) ديكتاتورية المكان # في منتصف القرن ms012 الثاني الهجري وما تلاه ازدهرت دراسة اللغة، ودأب العلماء والدارسون ~~على الترحل إلى الأعراب في مواطنهم للأخذ عنهم، وقام الأعراب في المقابل بالوفادة على ~~الحضر لتقديم المادة اللغوية للدارسين والعلماء. # لم يأخذ النحاة بلهجات القبائل كيفما اتفق، بل تواصوا على الأخذ من قبائل بعينها، هي ~~«القبائل الموثقة» التي يصح الأخذ عنها، وعلى ترك قبائل أخرى؛ لفساد لغتهم. وللفارابي ~~(ت 350ه) نص مشهور في ذلك ورد مختصرا جدا في كتاب «الحروف»، ومفصلا في ~~«الاقتراح» و«المزهر» للسيوطي، يقول الفارابي: «والذين عنهم نقلت اللغة العربية، وبهم ~~اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء هم ~~الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم ~~هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. # وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم ~~التي تجاور سائر الأمم الذين حولهم، فإنه لم يؤخذ لا من لخم ولا من جذام؛ فإنهم كانوا ~~مجاورين لأهل مصر والقبط، ولا من قضاعة ولا من غسان ولا من إياد؛ فإنهم كانوا مجاورين ~~لأهل الشام، وأكثرهم نصارى يقرءون في صلاتهم بغير العربية، ولا من تغلب والنمر؛ فإنهم ~~كانوا بالجزيرة مجاورين لليونانية، ولا من بكر؛ لأنهم كانوا سكان البحرين مخالطين للهند ~~والفرس، ولا من أزد عمان لمخالطتهم للهند والفرس، ولا من أهل اليمن أصلا، لمخالطتهم ~~للهند والحبشة، ولولادة الحبشة فيهم، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة، ولا من ثقيف ~~وسكان الطائف؛ لمخالطتهم تجار الأمم المقيمين عندهم، ولا من حاضرة الحجاز؛ لأن الذين ~~نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدءوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ~~ألسنتهم.» # تتصف القبائل الموثقة بأنهم يعيشون في وسط الجزيرة العربية بحيث تحققت لهم العزلة، ~~والعزلة مظنة النقاوة والخلوص، وأنهم يعيشون في البوادي لا الحضر، والبوادي مظنة العزلة ~~ويندر أن يجتازها الأغراب، أما القبائل غير الموثقة فتقع في أطراف الجزيرة فيكثر ~~اتصالها بغير العرب، أو ms013 تقع في الحضر فيكثر تعرضها لوفادات الأجانب ومخالطة الأعاجم، ~~وبصفة عامة تكون هذه القبائل ما يشبه السور الخارجي للقبائل الموثقة. يقول ابن جني ~~في «باب في ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر»: # 12 ~~«علة امتناع ذلك ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلاط والفساد ~~والخطل، ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يعترض شيء من الفساد للغتهم ~~لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر، وكذلك أيضا لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة ~~أهل المدر من اضطراب الألسنة وخبالها، وانتقاض عادة الفصاحة وانتشارها، لوجب رفض لغتها ~~وترك تلقي ما يرد عنها، وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا؛ # 13 # لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا، وإن نحن آنسنا منه فصاحة في كلامه، لم ~~نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه وينال ويغض منه»، # 14 # ويقول السيوطي في «الاقتراح»: «ومما افتخر به البصريون على الكوفيين أن ~~قالوا نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنتم تأخذونها عن أكلة ~~الشواريز وباعة الكوامخ.» # يختلف البصريون عن الكوفيين في منهج البحث والمعيار الذي حددوه للمصدر اللغوي الذي ~~يؤخذ عنه؛ لذا اختار البصريون قبائل بعينها للأخذ عنها، وتركوا قبائل أخرى باعتبارها ~~فاسدة اللغة، وأسموا لغاتها باللغات الشاذة التي لا يؤخذ بها، على حين كان الكوفيون ~~يوثقون كل القبائل على حد سواء، ويحتجون بكل ما يؤخذ عنها، ويؤسسون عليه نحوهم ~~وقواعدهم. # يرى د. رمضان عبد التواب أن «الفرق بين اللغة المشتركة واللهجات لم يكن واضحا في ~~أذهان اللغويين في هذه الحقبة من التاريخ وضوحا تاما؛ ولذلك سعى البصريون للأخذ عن ~~قبائل معينة، وهدفهم الوصول إلى تقعيد اللغة الأدبية المشتركة، غير أنهم لم يفرقوا ~~فيما أخذوه عن هذه القبائل بين تلك اللغة المشتركة ولهجات الخطاب، ومن هنا جاء الخلط ~~والاضطراب، ورأيناهم يؤولون كل مثال شذ عن قواعدهم. ولم يكن الكوفيون أقل منهم حظا ~~في الاضطراب والخلط؛ لأنهم أخذوا اللغة عن كل العرب، ولم يفرقوا كذلك بين اللغة ms014 ~~المشتركة ولهجات الخطاب.» # 15 # ويقول في حديثه عن المعاجم العربية: «تخلط هذه المعاجم كثيرا بين مستوى ~~العربية الفصحى واللهجات القديمة، في اللفظ والدلالة، بلا إشارة إلى ذلك في الكثير من ~~الأحيان، مثل: السراط والصراط والزراط، بمعنى الطريق مثلا، وكذكرها لكلمة ~~«العجوز» مثلا أكثر من سبعين معنى، من بينها: الإبرة، والجوع، والسمن، والقبلة، واليد ~~اليمنى، فمن المحال أن تكون هذه المعاني جميعا مستعملة في الفصحى.» # 16 # يقول ابن جني في الخصائص: «إذا كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسمعت في لغة ~~إنسان واحد فإن أحرى ذلك أن يكون قد أفاد أكثرها أو طرفا منها، من حيث كانت القبيلة ~~الواحدة لا تتواطأ في المعنى الواحد على ذلك كله، وذلك كما جاء عنهم في أسماء الأسد ~~والسيف والخمر وغير ذلك، وكما تنحرف الصيغة واللفظ واحد، نحو قولهم: هي رغوة اللبن، ~~ورغوته، ورغوته، ورغاوته، ورغاوته، ورغايته ... وكقولهم: جئته من عل، ومن عل، ~~ومن علا، ومن علو، ومن علو، ومن علو، ومن علو، ومن عال، ومن معال، فإن ~~أرادوا النكرة قالوا: من عل، وههنا من هذا ونحوه أشباه له كثيرة، وكلما كثرت الألفاظ ~~على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن تكون لغات لجماعات، اجتمعت لإنسان واحد، من هنا ~~ومن هنا، ورويت عن الأصمعي قال: اختلف رجلان في الصقر؛ فقال أحدهما الصقر (بالصاد)، ~~وقال الآخر السقر (بالسين)، فتراضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه، فقال: لا ~~أقول كما قلتما، إنما هو الزقر.» # 17 # لقد وقع النحاة في خطأ منهجي كبير إذ خلطوا بين اللهجات ولم يميزوا بين هذه ~~اللهجات؛ فاضطرهم ذلك في كثير من الحالات إلى التأويل والتخريج الذي أظهر اللغة بمظهر ~~الاضطراب، وخلطوا بين مستوى المشتركة وبين اللهجات معتبرين أن المشتركة تشمل لغات هذه ~~القبائل المتعددة؛ فأدى ذلك إلى بناء قواعد المشتركة (الفصحى) على ظواهر لهجية، وإلى ~~اختلاف الآراء حول المسائل اعتمادا على ما ورد من بعض القبائل، وإلى تضخم المعجمات ~~القديمة واشتمالها على الحوشي المتروك، وإلى ظاهرة الترادف المفرط، والاشتراك، ~~والأضداد، وكثرة ms015 الشذوذ، واضطراب أوزان الفعل الثلاثي وصيغه المختلفة. ~~(6) مسألة الثقة بالرواية # من أوجه النقد الشهيرة التي استهدفت عملية جمع اللغة عدم توافر الثقة بالرواة ثقة ~~تشابه ما توافر لرواية الحديث، فقد قيل إن بعض اللغويين كان غير موثوق به، كأن يكون ~~غير عدل، أو يروي عن صبيان، أو عن مجانين، أو كان راوية من أهل الأهواء، وكان بعض ~~الجامعين لا يتحرى الصدق بل يتيح لنفسه أن يضع، وقد ورد مثل هذا النقد على أقلام ~~المحدثين والأقدمين معا. في مجلة مجمع اللغة العربية ج8 ص209 يقول د. أحمد أمين إن بعض ~~جامعي اللغة لم يكن يتحرى في جمعه، بل يدون كل ما يسمع سواء سمع من ثقة أو غير ثقة. ~~وفي كتاب «اللغة بين المعيارية والوصفية» يقول د. تمام حسان: «وليس ببعيد أن يكون ~~الأعراب الضاربون في الصحارى التي طرقها الرواة قد فطنوا إلى ضالة هؤلاء الناس، وإلى ~~أنهم يجرون وراء غريب اللغة أو غريب التراكيب، ويحسنون إلى من ينيلهم هذا المطلب، ~~وليس ببعيد كذلك أن بعض الأعراب قد اتخذ من التجارة بالغريب وسيلة للرزق ليس من صالحه ~~أن تفنى، فإذا ما نضب معين ما عنده من اللغة عمد إلى الاختراع وبالغ في ذلك، ولا ~~سيما حين فطن إلى سرور الرواة بما يقول واحتفالهم به ... على أن الرواة واللغويين أنفسهم ~~لم يكونوا في بعض الأحيان فوق مستوى الشبهات، فقد كان الرواة يأخذون من كلام الأعراب ما ~~وافق هدفهم، ويتركون منه ما لا يعجب به الناس في الحاضرة، ولا ينفع اللغويين، أو لا ~~يحفل به اللغويون، لبعده عما قعدوه من قواعد.» # 18 # ثم يشير إلى ظاهرة اختلاق الروايات والنصوص التي تسد في التقعيد فراغا ~~صودف وحاجة عرضت. جاء في العقد الفريد عن الأصمعي: «ورأيت أعرابيا ومعه بني له ~~صغير ممسك بفم قربة وقد خاف أن تغلبه القربة، فصاح يا أبت! أدرك فاها، غلبني فوها، لا ~~طاقة لي بفيها.» يعلق د. تمام على هذا الخبر قائلا: «ولست أشك في أن هذا الخبر مختلق، ~~بل ms016 إن هذا النص الذي نطق به الغلام كما يرويه الأصمعي أو من ألصق به هذا الخبر ليبدو ~~كأنه منتزع من صفحة من صفحات كتب القواعد تتكلم عن إعراب الأسماء الخمسة، فالمسألة ~~إذن ليست مسألة موقف اجتماعي يسجل كما هو وتأتي النصوص فيه جزءا من هذا الموقف، لا ~~بل إن النص والخبر هنا يخلقان الموقف المصطنع الذي يدور الكلام فيه حول إعراب كلمة ~~بعينها، ولا يبدو لنا نصا لغويا ذا عنصر اجتماعي واضح.» # 19 # نحن هنا، كما في كثير من المواضع في تراثنا، أمام قلب لمنطق الأمور و«وضع للعربة ~~أمام الحصان» # Hysteron proteron # أمام قاعدة تلتمس لها ~~الشواهد، لا شواهد تستخلص منها القاعدة، أمام نص «احتيالي» # Ad hoe ~~، «قد» على مقاس المشكلة التي «قيض» لحلها؛ ذاك موقف ~~حرج يبتلي أخلص العلماء، ويزين له أن يرشو ضميره ويختان نفسه. ~~(7) ثقوب في المنهج # في بحث للدكتور محمد كامل حسين في مجلة مجمع اللغة العربية بعنوان «أخطاء اللغويين»، # 20 # يقول إنه «لا يستسيغ أن نستشهد بكلام أمة (عبدة) بلهاء؛ لأنها لم ~~تخالط الأعاجم، وأن نقبل كل ما يقوله الأعرابي مهما يكن حظه من الذكاء، وألا نثق بما ~~يقوله الجاحظ بذكائه وعلمه، وهناك ظاهرة أخرى أدى إليها تأخر التدوين في تاريخ اللغة ~~العربية، والرغبة الملحة في جمع اللغة من أفواه الناس قبل أن يفسدهم الاختلاط ~~بالأعاجم، ذلك أن اللغويين جمعوا كل ما سمعوه من العرب على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم، ~~وسموا ذلك كله اللغة العربية، وهي مجموعة لغات تتفق في أمور كثيرة وتختلف في أمور ~~كثيرة، وهذا هو التعليل الوحيد لوجود بابين للفعل الواحد. ولا أظن أن الرجل من تميم كان ~~ينطق بالفعل يوما من باب «نصر» ويوما من باب «فتح»، وإنما هو اختلاف اللهجات، ~~كما يقول أهل القاهرة «سمع» الكلام بكسرتين وما يقول أهل الشمال «سمع» الكلام ~~بفتحتين، ولا أدري داعيا للتمسك بالبابين للفعل الواحد إلا أن يكون هناك اختلاف في ~~المعنى كما نراه في فعل «حسب» و«كبر»، ولعل في هذا أيضا تعليل المصادر المتعددة ms017 للفعل ~~الواحد، ولعل من واجباتنا أن نحدد لكل مصدر معنى يختلف عن الآخر، فيكون «الإياب» من ~~السفر و«الأوب» من الخطأ والذنب.» # ويمضي د. كامل حسين في تبيان جرائر الخلط في اللهجات فيقول: «وهذا أيضا تعليل أسماء ~~الأضداد، وليس معقولا أن القبيلة الواحدة كانت تسمي الأسود والأبيض جونا، وإنما هو من ~~اختلاف لغات القبائل ، ليس علينا أن نتابع اللغويين فيما فعلوه من جمع اللهجات كلها، ومن ~~إغفالهم النص على أن لهجة بعينها كانت لقبيلة دون أخرى، وهم لم يذكروا شيئا عن ذلك إلا ~~نادرا.» # ثم يشير إلى خطأ منهجي يصل إلى قلب الأمور: «على أن هناك ظاهرة عجيبة حدثت إبان جمع ~~اللغة: وذلك أن اللغويين بدءوا بجمع أكبر عدد من الألفاظ التي سمعوها عن العرب، ~~وتنافسوا في كثرة ما حفظوه منها، ثم أخذوا بعد ذلك يبحثون عن مدلولات هذه الألفاظ، ~~جمعوا الأسماء أولا ثم بحثوا عن مسمياتها، على حين أن الأمر الطبيعي هو أن يعرف الناس ~~الأشياء ثم يبحثوا عن كلمات تدل عليها! ورأى اللغويون أن لديهم عددا كبيرا من الألفاظ ~~للشيء الواحد، ولو عنوا ببحث مصادرها لتبين لهم أن هذا جاء من اختلاف اللغة عند القبائل ~~المختلفة، ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، وأخذوا يخصصون معاني مختلفة للكلمات التي ~~جمعوها، ولست أشك أن هذا التخصيص كان من عمل اللغويين وحدهم، وكان لا بد من مثل هذا ~~التخصيص، فقد جمعوا للبن مثلا نيفا ومائة وستين كلمة، فوضعوا لكل منها معنى ~~خاصا بها، ومن غير المعقول أن يكون كل عربي في البادية يعرف مائة وستين حالة ~~للبن، وأنه وضع لكل حالة كلمة.» # يهون د. أمين علي السيد، العميد السابق لكلية دار العلوم وعضو المجمع اللغوي، من ~~مسألة اختلاف اللهجات العربية ومن جرائرها المحتملة: «واختلاف اللهجات أصبح بعد دراستها ~~أمرا مشهورا يعرفه كثير من أهل العلم، ولم يعد (لا يتعدى) هذا الاختلاف مسائل ~~محصورة لا تكاد تذكر بجانب ما أجمع عليه العرب، ولا يجوز لنا ترجيح لهجة على لهجة أخرى، ~~وإنما يجوز لنا ms018 أن نرجح الأكثر شيوعا؛ لأن لهجات القبائل العربية على اختلافها صحيحة، ~~وكل واحدة منها يصح أن تكون إماما لنا نقيس عليه.» # 21 # يبرر الأستاذ حفني ناصف منهج النحاة فيقول: «ولم ينظر نقلة اللغة إلى لغة كل قبيلة ~~على حدتها بل جمعوا الألفاظ التي يتكلم بها كل القبائل التي عولوا على الأخذ عنها ~~وجعلوها لغة واحدة مقابل اللغة الأعجمية، ولا يخطئ المتكلم إلا إذا خرج عنها كلها، ~~فلفظ «المدية» لغة دوس ولفظ «السكين» لغة قريش، فنقل الأئمة اللفظين وأباحوا لكل إنسان ~~أن يتكلم بأيهما شاء ولو لم يوجد في العرب من تكلم بهما معا، ومن هنا جاء الترادف في ~~اللغة والاشتراك اللفظي، ولو جمعوا لغة كل حي من العرب على حدتها لتكرر العمل وطال ~~الزمن. ثم نظروا بعد ذلك إلى المفردات فما كان منها كثير الدوران على ألسنة العرب ~~عدوه فصيحا، وما كان قليل الدوران على ألسنتهم عدوه غريبا وحشيا، يعد استعماله ~~مخلا بالفصاحة ولو كان معروفا عند المخاطبين، واستخرجوا من استعمالات العرب قواعد ~~تتعلق بأحوال أواخر الكلم وقواعد تتعلق بباقي أحوالها وسموها علم النحو والصرف وجعلوا ~~لبعض تلك القواعد قيودا واستثناءات حتى يكون الاستعمال الكثير مضبوطا بقوانين تحتذى ~~عند القياس، وما شذ عن ذلك جعلوه سماعيا يقبل من العربي ولا يقبل من المولد.» # 22 # سجل د. البدراوي زهران اعتراضات على منهج النحاة كما يعرضه حفني ناصف ويبرره، فيقول: ~~«يبرر الأستاذ حفني ناصف خلطهم هذا بأنهم لو جمعوا لغة كل حي من العرب على حدتها لتكرر ~~العمل وطال الزمن، وأرى أنه لا ضرر من أن يطول الزمن ولكن المهم أن تأتي النتائج صحيحة ~~وتكون الدراسة دقيقة فتتم خدمة لغة القرآن الكريم ولا يحدث مثل هذا الخلط ويكون للسيف ~~خمسون اسما وللحجر سبعون وللناقة مائة؛ وتمثل ظاهرة الترادف أو المشترك مشكلة لغوية ~~ضررها أكثر من نفعها. ثم ما الحكمة في أن يخلط المتكلم بين الخصائص اللغوية لقبائل ~~العرب؟ هل في هذا نفع للغة؟ هل هو الدقة؟» # 23 # ثم ينتقل إلى كثرة الدوران ms019 على الألسنة كمعيار للفصيح فيقول: «إنه حكم غير ~~علمي، فقد كان المفروض أن ما كان بلسان عربي أو بلغة قريش أو ورد في نصوص أدبية عالية ~~أي الذي يمثل اللغة النموذجية هو الفصيح، أما أن يعرف الفصيح بكثرة دورانه على الألسنة ~~فقد يكون لغة العامة، أو لغة قبائل غير قرشية.» # 24 # ويرى د. زهران أن الأخذ عن العربي دون المولد فيه مجافاة للمنهج العلمي، ~~أما المنهج الأمثل فهو «أن تدرس اللغة دراسة مستويات، فليعد العربي مستوى من ~~مستويات الدراسة، ويعد المولد مستويات الدراسة، فلو اتبع مثل هذا المنهج في ~~الدراسة، ودرست كل لهجة دراسة مستقلة، ودرس كل مستوى من مستويات اللغة دراسة ~~مستقلة؛ لكان ذلك معينا على فهم أساليب العربية وما فيها من أسرار، وكان ذلك أيضا ~~وسيلة للتفريق بين شعراء، وأدباء كل بيئة، بالإضافة إلى هذا، فإن ذلك كان سيحدد طريقة ~~الاستعمال؛ فمستعمل اللغة سوف يرتبط بمستوى معين من مستويات الأداء اللغوية؛ أما ~~والحال هكذا فعلى حد تعبير حفني ناصف فأي لفظ نطقت به فأنت مصيب، وأي استعمال جريت ~~عليه فلست بمخطئ ما دمت لم تخرج عن المنقول.» # 25 # وعن خلط اللهجات يقول د. زهران: «لا شك أن هذا الخلط في المستويات اللغوية ~~وبين اللهجات المختلفة لا يقره العرف اللغوي، فضلا عن مجافاته لروح البحث العلمي، ولك ~~أن تتصور شخصا يحدثك بعامية أهل مصر وبعامية المغرب والشام والعراق في آن واحد دون أن ~~يلتزم خصائص مستقلة للهجة واحدة (من حيث النطق والمفردات والتراكيب ...) هل يمكنك ~~متابعة حديثه وفهمه؟! إنه الخلط الذي لا تعترف به أية جماعة لغوية، ولا يقره أي منهج.» # 26 # ويرى د. زهران أن اللغويين «كان يجب عليهم بعد الفراغ من دراستهم لتلك ~~المرحلة ألا يدوروا حول أنفسهم فيها، وإنما يدرسوا ويوصوا بمتابعة الدراسات المتعاقبة ~~ويتتبعوا الظواهر المتغيرة في كل أوضاعها على مر العصور وفي مختلف البيئات، فلو أنهم ~~رصدوا حركات التطور لأفادوا اللغة التي حاولوا المحافظة عليها، بالإضافة إلى أنهم كانوا ~~ربما اهتدوا إلى معرفة قوانين ms020 التطور وإلى تسخيرها لمصلحة اللغة (غير واقفين في وجه ~~سننها) ... وبذلك يكون علاجهم لها علاجا مبنيا على أسس علمية.» # 27 ~~(8) إنصاف وتفهم # أن تفهم شيئا لا يعني أن تقره أو تبرره، وأن تفهم شخصا لا يعني أن تسوغ عمله ~~وتبتلع أخطاءه، بل أن تتمكن من أن تضع نفسك مكانه، وترى الأمور من زاويته، وتدرك العالم ~~من منظوره، أن «تقايضه المواقع في المخيلة» # 28 # أو كما يقول الإنجليز «تضع قدمك في حذائه»، أن «تواجده» # Empathize # أي تتمثل وجداناته، وتنفذ إلى خبرته، ~~وتجد ما يجد، «وعسير بلوغ هاتيك جدا» باستعارة شطر ابن الرومي. # لكي نفهم النحاة ونتفهم موقفهم لا بد لنا من أن نعي قضيتهم الملحة وسياقهم ~~التاريخي، لقد عاشوا في زمن لا يسعف بتقنيات ولا بمنهج علمي متطور، وواجهوا، كما ~~يقول الشيخ أمين الخولي، «أزمة اجتماعية لغوية هددت العربية؛ فسارعوا إلى جمعها كما ~~أمكن وكما لم يكن يمكن سواه، بجهد مشكور قدره الناقدون قبل تقدمهم بهذا النقد المتبغدد.» # 29 # ويتلخص هذا النقد في بدائية عملهم في الجمع، # 30 # وفي اقتصارهم على قبائل «موثقة» من العرب الخلص، فكانت الحصيلة لغة ~~ثرية في ألفاظ البداوة، فقيرة في ألفاظ الحضارة؛ مما اضطرهم، أو غيرهم، في العصر ~~العباسي إلى التعريب # 31 ~~«بعد أن أعرضوا عنه؛ نزولا على حكم الطبيعة وتطور العمران، وخلطوا ما ~~أخذوه عن القبائل بما عربوه عن الأمم المتمدنة، فأضاعوا بذلك القاعدة الأولى التي ~~رسموها لأنفسهم وهي الأخذ عن العرب الخلص فقط، ولو كانوا أدركوا هذه النتيجة لسمحوا ~~لأنفسهم من أول الأمر بالأخذ عن القبائل التي اختلطت بالعجم؛ فهم على الأقل أولى من ~~العجم الصرف الذين عربوا عنهم.» # 32 # والآن هل يصمد هذا النقد حين نضع أنفسنا مكان هؤلاء النحاة ونحمل همومهم التي حملوها؟ ~~لقد حاولوا الحفاظ على جوهر العربية ولبابها ليفهموا بها القرآن وينقذوا الأصل المهدد ~~بالضياع، وليعربوا بعد ذلك ألفاظ الحضارة ما شاءوا، ويصبغوها بالصبغة العربية ما ~~داموا قد استخلصوا هذه الصبغة نقية صحيحة. لقد كان همهم أن يتداركوا العربية في ms021 ألسنة ~~الخلص قبل أن تغيرها الحضارة بترقيق وسعة. يقول الأستاذ أمين الخولي «إنهم كانوا ~~يجمعونها ليجنبوها هذا الترقيق والتوسيع، ثم لا عليهم بعد ذلك أن يعربوا هم أو ~~غيرهم فيقدموا للحياة حاجاتها، ويضيفوا إلى جانب الفصيح الأصيل، الذي حفظ جوهر العربية ~~وروحها، ما عربوه هم فأكسبوه تلك الروح العربية، وأعطوه الصورة العربية، بعد أن عرفوا ~~هذا كله واستشفوه مما جمعوه من خالص العربية في لسان خلص أهلها، وهم لم يضيعوا ~~بهذا التعريب ولا بجمع الألفاظ الجديدة قاعدتهم الأولى التي رسموها لأنفسهم قط، بل لو ~~أخذوا من أول الأمر عن القبائل التي اختلطت بالعجم لأنهم على الأقل أولى من العجم الصرف ~~الذين عربوا عنهم؛ لو فعلوا ذلك لأضاعوا جوهر العربية وطابعها الذي يبغون الاحتفاظ به؛ ~~لاعتبارات دينية واجتماعية؛ إذ سيكون ما جمعوه من هذا الخليط ليس هو العربية التي ~~عرفها شعرهم المأثور وفنهم الموحي.» # 33 # هكذا يكون الفهم الحقيقي لتاريخ الأفكار، ف «التعريب» غير «العجمة»: التعريب يتناول ~~اللفظة الأعجمية ويعلمها العربية! العربية التي أنقذت وحفظت وصينت بفضل الأخذ عن ~~العرب الخلص، «وهل كانوا يعربون قبل أن يعرفوا طابع العربية الصميم الذي يريدون إضفاءه ~~على الكلم الأجنبية؟! لقد كان القوم أيقاظا لما يفعلون، وقد بينوه وأوضحوه بمثل ما قال ~~ابني جني في الخصائص عن ترك الأخذ عن أهل المدر كما أخذ عن أهل الوبر، # 34 # وزاده إيضاحا بقوله في موضع آخر من كتابه هذا: إن أهل الحضر يتظاهرون ~~بينهم بأنهم تركوا وخالفوا كلام من ينتسب إلى العربية الفصيحة، فهم يخلون بالفصيحة عن ~~قصد وعمد، ومع مثل هذه الحال لا يعمد القاصدون للظفر بجوهر العربية إلى مواطن الحضارة ~~الواسعة، الرقيقة العبارة، ليأخذوا عنها العربية!» # 35 # أما مشكلة الثقة بالرواية اللغوية فيرى الأستاذ أمين الخولي أن الأقدمين عرضوا لها ~~على نحو أدق وأوضح مما فعل المحدثون، وأفاضوا فيها، وتولوا الإجابة عن كل دقائقها ~~وتفريعاتها، فنجد السيوطي يعقد لها فصولا في «المزهر»: كفصل معرفة ما روي من اللغة ولم ~~يصح ولم يثبت، وفصل معرفة المصنوع، ms022 وفصل معرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات، ~~وكلها في الجزء الأول، ثم فصل معرفة آداب اللغوي، وفصل من سئل من علماء العربية عن شيء ~~فقال لا أدري، وفصل التحري في الرواية، والفرق بين مثله ونحوه، وفصل في كيفية العمل عند ~~اختلاف الرواة، وفصول أخرى تتصل بالرواية اللغوية وضبطها، تقرؤها في الجزء الثاني من ~~المزهر أيضا، «ولا معنى بعد ذلك لإيراد النقد مبتورا، والاحتجاج به إيرادا ~~واستشكالا، مع تجاهل نفضه وإبطاله، والتغافل عما هناك من الدلالة المسهبة على التحري ~~الممكن في الرواية.» # 36 ~~(9) خلاصة القصة # 37 # يرى الأستاذ أمين الخولي أن «هذه اللغة العربية لم نتلقها التلقي المباشر المشافه ~~الممارس، كما يتلقى الوارث الرشيد تركة من سلفه، كان قد شاركه في التدبير لها والخبرة ~~بها، بل تلقيناها تلقيا غير مباشر ولا مشافه ولا ممارس، كما يتلقى الوارث المحجور ~~الصغير السن تركة من سلف له، ما شاركه قبل في أمرها ولا اكتسب شيئا من الخبرة بها ~~قبل الانفراد؛ فأصبح وليس هو صاحب اليد عليها ولا الكلمة فيها، بل الأمر في ذلك ل «وصي» ~~أقيم، وولي أنيب، فهو الذي يدبر أمرها: يؤجر ويبيع ويشتري ويرهن، ولن تخلص تلك ~~التركة إلى وارثها إلا على حال لا عمل له فيها، ولا ذنب له في سوئها، ثم لا يد له ~~بإصلاح أمرها في يسر وسهولة، إن حاول تخليصها مما قيدت به أو أدينت أو عطلت. ~~(1) # الخرجة الكبرى: عاشت هذه اللغة في مهدها من الجزيرة العربية ما عاشت من ~~الزمن وشملها جميع، في عزة من أهلها، حتى كانت الخرجة الكبرى والهجرة ~~البعيدة المدى التي دفعهم إليها الإسلام لنشر دعوته وإقامة دولته، فخرجت ~~اللغة مع آلاف أهلها الذين خرجوا إلى المشرق القديم وأقصى المغرب ~~المعروف. ~~(2) # التذويب: تفرقت اللغة مع الخارجين أوزاعا # 38 # ومزقا، فما كانوا وكانت إلا كالشعرة أو الشعرات البيضاء في ~~الثور الأسود، وكأنما ذوبوا في هذه الدماء والألسنة والأجناس التي ~~خالطوها؛ وجعلت هذه العربية تتفاعل مع ما خالطت من لغات، فلا تعطي فقط بل ~~كانت تأخذ ms023 كذلك، هذا التذويب في المزج الذي صادفه أهلها في الواسع الفسيح ~~من أقطار الأرض حري بأن يخفف من كثافة مادتها وقوة تماسكها، ويخلخل نسيجها ~~منذ اللحظة الأولى التي بدأ فيها، فيدخل عليها الضعف والوهن في صوغها ~~وتركيبها وبيانها. ~~(3) # استشعار الخطر والتنادي للجمع: لم يغفل أهل العربية منذ أول الأمر عن هذا ~~الأثر، بل هالهم أمره، فهبوا يحاولون أن يحفظوا على العربية تماسكها ~~ويوقوها التخلخل والتحلل، ليظل لها من القوام ما تهدي به إلى مراد ~~الدين وغرض القرآن ومقصد الشرع، جدوا ليخلصوا جوهر العربية ويصفوا ~~معدنها، فالتمسوا ذلك عند العرب الخلص لا عند من ديف (خلط) بالعجمة؛ ~~فخرجوا إلى البادية واستقدموا من أهلها إلى الحواضر ليلقنوهم ما عندهم ~~وليتلقوا منهم بالممارسة المشافهة التي هي أسلم الطرق في كسب اللغة الحية، ~~وجمعوا ما شاء الله لهم وشاء لهم النشاط الجاد أن يجمعوا، وأيقنوا في الوقت ~~نفسه أن ما ضاع عليهم وأفلت من يدهم كثير بعد ما أمسكوا وحفظوا، ولكن لا ~~حيلة. ~~(4) # نفاد الرواية والتحول إلى المدارسة والتقعيد: ولما عزت الممارسة اللغوية ~~والتلقي المباشر عن مشافهة فزعوا إلى الطريقة الثانية، وهي المدارسة وكسب ~~اللغة بالتعلم، وهي طريقة تحتاج إلى القواعد والأصول والضوابط، فاستقرءوا ~~من مجموعهم في اللغة ما استقرءوا، واقتبسوا مما حولهم ما اقتبسوا، حتى ~~قرروا من أصولها ما قرروا، وكان علم العربية أو علومها المختلفة العدد على ~~الزمن. ~~(5) # التركة المثقلة: وفي هذه المقررات ومن تلك القواعد نتلمس مواطن الداء ~~ومواضع الوهن، إذا ما فحصنا تلك العلوم واختبرنا تلك المقررات؛ لأنها هي ~~سجلات الالتزامات والتصرفات التي أحدثها ذلك القيم (الوصي) خلال الدهر ~~الطويل، فقيد التركة وأسلمها إلى الخالفين مثقلة بما تم، وتناقلوها ~~جيلا بعد جيل على هذه الحال، ومع تلك القيود والارتباطات التي مهما تفترض ~~فيها حسن النية وطلب المنفعة فإنك لن تضمن تحقق ذلك دائما؛ لأن المستوى ~~العقلي والحياة الفكرية والخبرة العلمية لأولئك القوام المتصرفين لم تكن ~~لتسبق زمنهم وتتقدم دهرهم، والإخلاص وحده لا يكفي في هذا ولا يغني، ولم ~~يكن في ms024 الإمكان أبدع مما كان.» # 39 # الفصل الثاني # | الخلط بين مستوى الشعر ومستوى النثر # الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القرآن، الذي أنزله الله بلغة العرب، ~~رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا معرفة ذلك منه. # عبد الله بن عباس رضي الله عنه # الشعر لغة خاصة، الشعر حيود عن اللغة السوية بغية التأثير الاستطيقي (الجمالي الفني): # للشعر نظامه الموسيقي، هو الأوزان والقوافي التي استخلصها الخليل بن أحمد ~~بدقة متناهية وعبقرية نادرة. # للشعر، غالبا، ألفاظ معينة يؤثرها على غيرها، ويأبى التنازل عنها إلى ~~الألفاظ الشائعة المبذولة في مداولات الحياة العادية، ربما لكي يتخلص من مناخات ~~الحياة العادية التماسا لمناخات الفن. # 1 # الشعر عاطفة وخيال وليس مجرد فكرة وخبر، يرمي الشعر إلى إيصال «تجربة»، لا ~~مجرد «معرفة» عن التجربة. # يستخدم الشعر المجاز والصور، وينفر من التحديد والمباشرة، وينتحي إلى ~~الإيحاءات وظلال المعاني ( # Connotation ~~) ويشيح عن ~~المعاني الحقيقية الإشارية المحددة ~~( # Denotation ~~). # يميل الشعر إلى الإيجاز في اللفظ والإسهاب في المعنى! يريد أن يفجر أكبر ~~«طاقة» من المعاني بأقل «كتلة» من الألفاظ. # الشعر يخلخل التراكيب، ويتعمد الإخلال بالترتيب المألوف للكلمات، والخلو قدر ~~المستطاع من الأدوات والروابط وكل ما يطيل العبارة. # يقول أدونيس في «كلام البدايات»: «... فالحق أن اللغة الشعرية قيمة لا وسيلة: إنها ما لم ~~تقع المواضعة عليه؛ فهي ليست لغة المحكم بل لغة المتشابه، وهي جوهريا لغة مجازية؛ وهي ~~لذلك لغة التأويل من حيث إن للفظة في الشعر دلالات عديدة: فالشعر هو الخروج عن المواضعة ...» # 2 # لم تكن الفروق بين النثر والشعر خافية على علماء العرب، ومنهم من أفاض في الحديث عنها. ~~يقول أبو حيان التوحيدي في فضل النثر: «سمعت أبا عابد الكرخي صالح بن علي يقول: النثر أصل ~~الكلام، والنظم فرعه، والأصل أشرف من الفرع، والفرع أنقص من الأصل، لكن لكل واحد منهما ~~زائنات وشائنات، فأما زائنات النثر فهي ظاهرة؛ لأن جميع الناس في أول كلامهم يقصدون النثر، ~~وإنما يتعرضون للنظم في الثاني بداعية عارضة، وسبب باعث، وأمر معين ... قال: ومن شرفه ~~أيضا أن ms025 الوحدة فيه أظهر، وأثرها فيه أشهر، والتكلف منه أبعد، وهو إلى الصفاء أقرب ... قال: ~~وليس كذلك المنظوم؛ لأنه صناعي؛ ألا ترى أنه داخل في حصار العروض وأسر الوزن وقيد التأليف، ~~مع توقي الكسر، واحتمال أصناف الزحاف؛ لأنه لما هبطت درجته عن تلك الربوة العالية دخلته ~~الآفة من كل ناحية ... قال: ومن شرف النثر أيضا أنه مبرأ من التكلف، منزه عن الضرورة، ~~غني عن الاعتذار والافتقار، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرير ... إلخ، # 3 # وقال عيسى الوزير: النثر من قبل العقل ، والنظم من قبل الحس، ولدخول النظم في ~~طي الحس دخلت إليه الآفة، وغلبت عليه الضرورة، واحتيج إلى الإغضاء عما لا يجوز مثله في ~~الأصل الذي هو النثر.» # 4 # وفي فضائل الشعر يقول التوحيدي: «من فضائل النظم أن صار صناعة برأسها، وتكلم الناس في ~~قوافيها، وتوسعوا في تصاريفها وأعاريضها، وتصرفوا في بحورها، واطلعوا على عجائب ما استخزن ~~فيها من آثار الطبيعة الشريفة، وشواهد القدرة الصادقة؛ وما هكذا النثر، فإنه قصر عن هذه ~~الذروة الشامخة، والقلة العالية، فصار بذلة لكافة الناطقين من الخاصة والعامة ~~والنساء والصبيان.» وقال أيضا: «من فضائل النظم أنه لا يغنى ولا يحدى إلا به ... والغناء ~~معروف الشرف، عجيب الأثر، عزيز القدر، ظاهر النفع في معاينة الروح، ومناغاة العقل، وتنبيه ~~النفس، واجتلاب الطرب وتفريج الكرب، وإثارة الهزة، وإعادة العزة، وإذكار العهد، وإظهار ~~النجدة، واكتساب السلوة، وما لا يحصى عدده.» # 5 # ويقول ابن خلدون: «الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل ~~بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، ~~الجاري على أساليب العرب المخصوصة به، فقولنا الكلام البليغ جنس، وقولنا المبني على ~~الاستعارة والأوصاف فصل له عما يخلو من هذه، فإنه في الغالب ليس بشعر. وقولنا المفصل ~~بأجزاء متفقة الوزن والروي فصل له عن الكلام المنثور الذي ليس بشعر عند الكل. وقولنا مستقل ~~كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده بيان للحقيقة؛ لأن الشعر لا تكون أبياته إلا ~~كذلك ولم يفصل ms026 به شيء. وقولنا الجاري على الأساليب المخصوصة به فصل له عما لم يجر منه على ~~أساليب الشعر المعروفة، فإنه حينئذ لا يكون شعرا، إنما هو كلام منظوم لأن الشعر له ~~أساليب تخصه لا تكون للمنثور.» # 6 # ويقترب ابن خلدون كثيرا من الفكرة الحديثة عن خصوصية لغة الشعر واختلافها ~~الكيفي المقصود عن اللغة العادية، فيقول في الفصل نفسه من المقدمة: «ولا يكفي (في الشعر) ~~ملكة الكلام العربي على الإطلاق، بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب ~~التي اختصته العرب بها واستعمالها.» # 7 # وبالرغم من أن قدماء اللغويين عرفوا خصوصية نظام الشعر فإنهم تعاملوا مع النثر والشعر على ~~قدم المساواة في تقعيدهم القواعد، وخلطوا بينهما خلطا أدى إلى «اضطراب مادة اللغة وصفاتها ~~أمامهم، وانعكس تأثير ذلك على دراستهم؛ فالقواعد تتعارض، والآراء تتعدد، والاستدراكات تكثر ~~وتتشعب، وتستند تلك القواعد والآراء والاستدراكات على نصوص من الشعر أو النثر أو لغات ~~القبائل، وليس من حق أحد رفض شيء من ذلك ما دامت مستنداتها من مادة اللغة الموثقة.» # 8 # تلك استدراكات وتفريعات «لا يصح أن توصف بها لغة موحدة الخصائص والسمات، ~~تستخدم بين الناس في التفاهم وتحقيق الصلات الاجتماعية. وهذا التشتت المجهد يعود في ~~أحد أسبابه إلى ما نحن بصدده من الخلط بين المادة اللغوية التي تختلف كل منها في خصائصها عن ~~الأخرى. والأساس الصحيح الذي كان ينبغي مراعاته هو العرف الاجتماعي واللغوي لكل من الشعر ~~والنثر ولغات القبائل، ولو قد فعلوا ذلك لاستقامت لهم صحة النظرة وسلامة الخطة، ولخصوا ~~كلا من لغة الشعر ولغات القبائل بدراسة مستقلة، ولكانت بعض الجهود الطيبة التي ضمتها ~~موسوعات النحو كافية للوصول إلى نتائج أكثر اطرادا وفائدة، ولبرئت دراستهم من عيوب الخلط ~~في المادة اللغوية واضطراب الآراء حولها.» # 9 ~~(1) الشفاهية والشواهد الشعرية # أن تصوغ الخبرة في شكل يمكن تذكره، ذلك مفتاح الثقافة الشفاهية. # تتألف الكلمات في الثقافة الشفاهية (أي التي لم تعرف الكتابة والتدوين) من أصوات، ومن ~~أصوات فقط، ومن شأن ذلك أن يفرض ضوابط على أنماط التعبير ms027 والتفكير؛ ذلك أن «حالة ~~المعرفة» تعني الاحتفاظ بمادة المعرفة وإمكان استعادتها، الأمر الذي يمنح الذاكرة ~~وآلياتها سطوة كبرى في «عملية المعرفة». في الثقافة الشفاهية يجد المرء نفسه مدفوعا ~~إلى أن يصوغ تفكيره بطريقة يمكن تذكرها، إن كان له أن يظفر بمعرفة على الإطلاق، لا ~~مناص للمرء في الثقافة الشفاهية من أن يصب مادته الذهنية داخل أنماط حافزة للتذكر ~~وقابلة للتكرار الشفاهي، هنالك يتعين عليه أن يجبل مادته في أنماط ثقيلة الإيقاع، ~~متوازنة، أو في جمل متكررة أو متعارضة أو مسجوعة، أو في ثيمات ثابتة ، أو في أمثال ~~رنانة سهلة الترديد. تهيب الشفاهية بالمرء أن يعتصم بالأوزان والقوافي والأسجاع إن شاء ~~أن يحتفظ بأي مادة ذهنية؛ إن الحاجة التذكرية هنا هي التي تملي تركيب العبارة وتحدد ~~مجال الفكر الذي يمكن للمرء أن يروده. # لا غرو كان الشعر ديوان العرب، فالوزن «معين ~~للتذكر» # Mnemonic Device # لا يشق له غبار، ومن ثم كان الشعر أهم مادة ثقافية وعلمية في ~~المجتمع العربي الشفاهي؛ فالشعر هو الباقي في ذاكرة الفرد والقبيلة بعد أن يزول كل نثر ~~ويذهب أدراج الرياح. # يقول ابن قتيبة إن الذي لا يقيد مناقبه وأفعاله بالشعر «شذت مساعيه وإن كانت ~~مشهورة، ودرست على مرور الأيام وإن كانت جساما، ومن قيدها بقوافي الشعر وأوثقها ~~بأوزانه وأشهرها بالبيت النادر والمثل السائر والمعنى اللطيف؛ أخلدها على الدهر، ~~وأخلصها من الجحد، ورفع عنها كيد العدو، وغض عين الحسود». فليس الشعر معيارا للحياة ~~وحسب، وإنما هو كذلك معيار لتجاوز الموت؛ ذلك أنه يضمن الخلود. (عيون الأخبار: 2 / 185). # 10 # والحق أن النحاة اعتمدوا على الشواهد الشعرية بالدرجة الأساس في تقعيد القواعد، وكان ~~رائدهم في ذلك سيبويه نفسه؛ فقد ذهب سيبويه إلى أن رواية الشعر أدق من رواية النثر، ~~وتذكر المنظوم أيسر من تذكر المنثور، وأن احتمال التغيير والتبديل في الشعر أقل من ~~احتماله في المروي من النثر؛ لحرصهم على تصوير الأساليب العربية في أدق صورها. # إن النحاة لمعذورون في اعتقادهم بأن الشعر هو المادة اللغوية التي يمكن الاطمئنان ms028 إلى ~~صحتها وصحة روايتها، ما دام الوزن والقافية يعينان الذاكرة ويضبطان الرواية ضبطا ~~تلقائيا، غير أن هذا لا يعفيهم من مسئولية الخطأ الجسيم في استخلاص قواعد «اللغة ~~العامة» من شواهد «لغة خاصة»! يطبق علماء اللغة المحدثين على أن لغة الشعر، على دقة ~~روايتها، لا يصح أن تكون المصدر الذي تستخلص منه قواعد لغة من اللغات، لكأن النحاة ~~في ذلك يعملون بمنطق جحا إذ وقع منه درهم على رصيف معتم فذهب يبحث عنه على الرصيف ~~الآخر لأنه جلي مضاء بنور المصابيح! فالصبغة الشعرية في النحو العربي مسئولة ~~مسئولية مباشرة عما تعانيه قواعد النحو من اضطراب، وعن ذلك العنت في توجيه القواعد ~~والآراء والتخريجات الذهنية. # لم يكن لدى أحد من النحاة أي شك في أن الشعر هو المادة اللغوية الصالحة للاستشهاد؛ ~~لأن صورة المنظوم، كما جاء في «الإمتاع والمؤانسة»، محفوظة وصورة المنثور ضائعة، ولأن ~~الشواهد لا توجد إلا في الشعر، والحجج لا تؤخذ إلا منه. أعني أن العلماء والحكماء ~~والفقهاء والنحويين واللغويين يقولون: «قال الشاعر» و«هذا كثير في الشعر» و«الشعر قد ~~أتى به»؛ فالشاعر على هذا هو صاحب الحجة، والشعر هو الحجة، # 11 # وفي «المقدمة» يقول ابن خلدون «واعلم أن فن الشعر من بين الكلام كان شريفا ~~عند العرب؛ ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصلا يرجعون إليه ~~في الكثير من علوهم وحكمهم.» # 12 # لكن هذا الإعذار لهم، كما يقول د. محمد عيد، لا يمنع من ذكر المآخذ التي توجه إلى صبغ ~~النحو بالصبغة الشعرية، والصحيح في الدراسة الاعتماد على النثر أساسا باعتباره الممثل ~~الصحيح لاستعمال اللغة. لقد فرض النحاة نتائجهم التي استقرءوها من لغة الشعر على كل ~~استعمال للغة الفصحى، «وترتب على ذلك كثرة القواعد وتعددها وتعدد الآراء حولها، وتفرع ~~عليه الحكم بالضرورة والندرة والشذوذ؛ إذ تذكر القاعدة العامة مما يشمل الشعر والنثر، ~~ثم تدل نصوص الشعر على ما لا يتفق معها؛ فتذكر قاعدة أخرى بجوارها، أو تنفرد بعض نصوص ~~الشعر بما يخالف القاعدة، ولا تتوافر النصوص التي تؤيد ms029 اطرادها؛ فيتفرع على القاعدة ~~العامة آراء أو استعمالات في شكل تنبيهات أو استدراكات، أو يحكم على تلك المظاهر ~~المنفردة في لغة الشعر بالندرة أو الشذوذ، أو يحدث الطعن في هذه النصوص نفسها بعدم ~~الثقة في روايتها أو متنها.» # 13 ~~(2) خرافة الضرورة الشعرية # ليست الضرائر في الشعر رخصا بل عزائم! # وجد النحاة بعض الشواهد الشعرية لا تخضع لقواعدهم التي أسسوها، ففسروا ذلك بأن الشاعر ~~قد اضطر، غير باغ ولا عاد، إلى مخالفة الاطراد النحوي السائد حتى يسلم له الوزن، ~~وأسموا هذا المسلك ب «الضرورة»، مستعيرين اللفظة من الفقه، وقسموا هذه الخروجات الشاذة ~~بحسب درجة تواترها إلى ضرورات مباحة لا بأس بها (مثل صرف الممنوع وقصر الممدود ومد ~~المقصور)، وأخرى قبيحة يجمل بالشاعر اجتنابها ما استطاع (مثل منع المنصرف والعدول ~~بالكلمة عن أصل وضعها)، # 14 # وما كان أغناهم عن مثل هذا، كما يقول د. إبراهيم أنيس لو أنهم بحثوا الشعر ~~وحده وخصوه ببعض الأحكام التي تترك للشعراء وحدهم، باعتبارها من خصائص لغة الشعر، ~~بدلا من أن يصموا الشعر العربي بهذه الوصمة التي عطلت الفهم الأسلوبي للشعر قرونا ~~عديدة. # ولعل ابن جني (ت 392ه) هو أول من التفت إلى أن ما يسمى بالضرورة الشعرية قد تكون ~~اختيارا لا اضطرار فيه البتة، يقول ابن جني: «فإن العرب تفعل ذلك تأنيسا لك بإجازة ~~الوجه الأضعف؛ لتصح به طريقك، ويرحب به خناقك إذا لم تجد وجها غيره، فتقول: إذا ~~أجازوا نحو هذا ومنه بد وعنه مندوحة، فما ظنك بهم إذا لم يجدوا منه بدلا ولا عنه ~~معدلا، ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها، ليعدوها لوقت ~~الحاجة إليها، فمن ذلك قوله: # قد أصبحت أم الخيار تدعي # علي ذنبا كله لم أصنع # أفلا تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع، ولو نصب لحفظ الوزن وحمى جانب الإعراب من الضعف! ~~وكذلك قوله: # لم تتلفع بفضل مئزرها # دعد ولم تغذ دعد في العلب # كذا الرواية بصرف «دعد» الأولى، ولو لم يصرفها لما كسر وزنا، وأمن الضرورة ms030 أو ضعف ~~إحدى اللغتين.» # 15 # وجاء في «الأشباه والنظائر»: «قال أبو حيان: يعنون بالضرورة أن ذلك من تراكيبهم ~~الواقعة في الشعر، المختصة به، ولا يقع في كلامهم النثري، وإنما يستعملون ذلك في الشعر ~~خاصة دون الكلام، ولا يعني النحويون بالضرورة أنه لا مندوحة عن النطق بهذا اللفظ، وإنما ~~يعنون ما ذكرناه، وإلا كان لا توجد ضرورة؛ لأنه ما من لفظ إلا ويمكن الشاعر أن يغيره.» # 16 # ثم جاء ابن مالك في القرن السابع الهجري، فلمس فكرة التفريق بين ما هو «خاص بالشعر» ~~وما هو «ضرورة»؛ فجعل الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، وناقش الكثير من ظواهر الشعر ~~التي حكم النحاة عليها بالضرورة فرفض أن يكون الشاعر مضطرا إليها، وبين ما كان يمكن ~~للشاعر أن يقوله بدل الضرورة المزعومة، وأنه مختار ولا ضرورة تلجئه إلى ذلك، مثال ذلك ~~دخول «أل» على المضارع في قول الشاعر: # ما أنت بالحكم الترضى حكومته # ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل # وقال إن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة؛ لتمكن الشاعر أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي ~~حكومته؛ هذا إذن شيء «خاص بالشعر» وليس «ضرورة»، ولو أن من جاءوا بعد ابن مالك توسعوا ~~في تطبيق هذه الفكرة لأمكنهم عزل الكثير مما سمي «ضرورة» على أنه «خاص بالشعر»، ~~ولأمكن لدراسة الشعر أن تستقل بخصائصها كليا عن دراسة النثر، لكن شيئا من هذا لم ~~يحدث، وظل النحاة على مذهبهم في الضرورة؛ ذلك أن تمييز لغة الشعر عن لغة النثر يفتح ~~بابا لإعادة النظر في الطريقة التي تمت بها دراسة نصوص الكلام العربي جملة، وما كان ~~تقليد المتأخرين للمتقدمين يسمح بهذه المراجعة. # 17 # وفي شرح التلخيص للسبكي نجد التفاتا ذكيا إلى طبيعة «الضرورة» وطبيعة الاختلاف بين ~~لغة النثر ولغة الشعر. كان شراح التلخيص يعدون مخالفة القاعدة النحوية المطردة ضعفا ~~في التأليف وبعدا عن الفصاحة، ومن أمثلة ذلك «الإضمار قبل الذكر» لفظا ومعنى، كما في ~~قول الشاعر: # جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر # وحسن فعل كما يجزى سنمار # يرى السبكي أن ms031 هذا قد يكون ضعفا في النثر، أما في لغة الشعر فالأمر يختلف: «لأن ~~ضرورة الشعر كما تجيز ما ليس بجائز فقد تقوي ما هو ضعيف، فعلى البياني أن يعتبر ذلك، ~~فربما كان الشيء فصيحا في الشعر غير فصيح في النثر.» # ومن يتأمل البيت المذكور يدرك صواب السبكي فيما ارتآه، فحين انصهرت مثل هذه ~~«المجاوزة» في سبيكة الشعر لم نكد نحس أي نشوز أو اختلال، وربما أطربتنا المجاوزة ~~ذاتها ووجدنا لها وقعا جماليا معينا. وجدير بالذكر أن الإضمار قبل الذكر لم يعد ~~مستنكرا حتى في لغة النثر بعد أن وفد علينا بكثرة في الأساليب الأجنبية هذه الأيام. # 18 # لا لم تكن فكرة «الضرورة» إلا ضرورة النحاة أنفسهم في دراستهم وقد جبهتهم لغة الشعر ~~بما لا يتفق مع قواعدهم. انظر إلى سيبويه نفسه كيف اغترب عن بيت عمر بين أبي ~~ربيعة: # صددت فأطولت الصدود وقلما # وصال على طول الصدود يدوم # فقال: يحتمل الشعراء قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه، وإنما الكلام «قلما يدوم ~~وصال». # لم يوفق سيبويه في هذا المثال إلى تمييز الفرق الجوهري بين لغة النثر ولغة الشعر، ~~فهذا الحيود في لغة البيت ليس قبحا وليس اضطرارا، وإنما هو طريقة للشعر في الصوغ ~~والتركيب، أو هو «خاص بالشعر»، ولو أن البيت صيغ على غير ذلك لذهب ماؤه وزال موضع ~~التعجب منه. # لم يحتمل العلماء فكرة وجود لغتين أو مستويين لغويين للفصحى: لغة النثر ولغة الشعر، ~~بحيث يكون أغلب ما أسموه «ضرورة» هو، ببساطة، «خاص بالشعر». ولعل ابن فارس خير ممثل ~~لاتجاه عامة النحاة إلى تخطئة الشعراء في خروجهم على المطرد والقياسي من القواعد. في ~~رسالته «ذم الخطأ في الشعر» يذهب ابن فارس إلى أن الضرورة ضرب من الخطأ ومجانبة ~~الصواب، فالشعراء عنده يخطئون كما يخطئ الناس ويغلطون كما يغلطون، وما جعل الله الشعراء ~~معصومين يوقون الخطأ والغلط، فما صح من شعرهم فمقبول، وما أبته العربية وأصولها ~~فمردود، ورأى ابن فارس أن كلام النحويين في هذا الباب إنما هو ضرب من ms032 التوجيه لخطأ ~~الشعراء وتكلف التأويلات لأغلاطهم، # 19 # وذهب ابن رشيق إلى أن «الضرورة لا خير فيها»، # 20 # وقال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين»: «وينبغي أن تجتنب ارتكاب ~~الضرورات، وإن جاءت فيه رخصة من أهل العربية؛ فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه، ~~وإنما استعملها القدماء في أشعارهم لعدم علمهم - كان - بقباحتها، ولأن بعضهم كان صاحب ~~بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج ~~منها المعيب، كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنبوها.» # 21 # ونقل الدمنهوري عن السيوطي في الأشباه والنظائر النحوية ما نصه: # قاعدة: ما جاز للضرورة يقدر بقدرها، ومن فروعه: إذا دعت الضرورة إلى منع ~~المنصرف المجرور فإنه يقتصر فيه على حذف التنوين وتبقى الكسرة؛ لأن الضرورة دعت ~~إلى حذف التنوين فلا يتجاوز محل الضرورة. قاعدة: ما لا يؤدي إلى الضرورة أولى ~~مما يؤدي إليها. وخلاصة هذه الأحكام أن للشعر خصائص منها الضرورات، وأن هذه ~~الضرورات ينبغي أن تجتنب، ويجب أن يقتصر فيها على الحاجة فيقدر بقدرها، وأن ~~يعلم الشاعر أن ما لا يؤدي إلى الضرورة أولى مما يؤدي إليها. # 22 # قلنا: إن النحاة لم يحتملوا فكرة وجود مستويين للفصحى، وظنوا أن الشعر لا يعدو أن ~~يكون فنا من الكتابة التزم بما لا يلزم في النثر، طموحا إلى قيم تأثيرية كبرى، ~~فآده حمله الثقيل من وزن وقافية، وأعذره فيما اضطر إليه من ضروب التعثر والظلع ~~اللغوي. وحتى ابن جني في تمجيده للشاعر لم يعد أن مهد له عذرا ونوه ببسالته، ~~ولكنه لم يبلغ عمق الظاهرة الشعرية، # 23 # لم يفهم ابن جني أن الشاعر ليس بهلوانا يوفق فيكبر أو يسقط ~~فيعذر! «فالشاعر لا يتلقى اللغة تلقيا سلبيا، بل له عليها أثر إيجابي، بطبيعة ما ~~بينهما من علاقة جدلية يتأثر فيها الشاعر باللغة ويؤثر هو كذلك فيها. والضرورة الشعرية ~~يتجلى فيها عمل الشاعر الخلاق من جهة تناوله للغة تناولا مختلفا (وإن كان يتم في ~~أحضان اللغة نفسها)؛ فالشاعر يغير ms033 في اللغة بحكم ما له عليها من أثر إيجابي تتحقق به ~~المحافظة على روح اللغة ونموها معا (فاللغة ثبات وتغير وبهما يتحقق للغة شخصيتها ~~وحياتها معا).» # 24 # من آليات الدراسة الأسلوبية للعمل الأدبي «ملاحظة مواطن الخروج ومناهضة الاستعمال ~~الجاري عليه الكلام، ثم محاولة الكشف عن العلل الاستطيقية (الجمالية/الفنية) الباعثة ~~على ذلك، ويعد الألماني ليو سبتزر رائدا في هذا الباب، فهو يبحث عن روح الكاتب أو ~~الشاعر في لغته على ما تظهر في الخصائص التي يخرج فيها عن المعايير اللغوية الشائعة ~~ويتجاوزها، بحيث يلوح منها الطريق التاريخي الذي يختطه والتغير الطارئ عليه من روح ~~العصر والثقافة في الصورة اللغوية الجديدة. لقد اعتبرت المخالفات النحوية على أيدي ~~النقاد جميعا هفوات، ولكن الضرورة الشعرية باعتبارها خروجا على الاستعمال المألوف ~~للغة وما تقتضيه المعايير المقررة في النظام اللغوي؛ تكشف عن الخصائص الفردية التي بها ~~يظهر روح الشاعر أو الأديب، فمغالبة القوة التي يصنعها اطراد العادة اللغوية لا يمكن ~~تفسيره إلا بالتسليم بأن قوة مناهضة بعثت على النشاط الجديد الذي به خالف التعبير ما ~~استقر عليه الاستعمال. إن اطراد الاستعمال اللغوي من شأنه أن يصبح قوة تتسلط على كل ~~تعبير ناهض؛ إذ تتكون العادة اللغوية التي عليها يطرد التعبير، وتستقر في عقل الجماعة ~~اللغوية، فلا ينفك عنها أي تعبير جديد؛ ولهذا يلزم في بحث الظاهرة اللغوية الكشف عن ~~العلل الداخلية التي تستبطنها. فأي دراسة لا تنطلق في بحث الظاهرة من داخلها تقع في ~~الأوهام التي تقع فيها أي دراسة لا تقوم على الموضوعية؛ لأنها لا تظهر على شيء من حقيقة ~~الموضوع المبحوث»، # 25 ~~«وإذا كان الشاعر يناهض الأعراف اللغوية المستقرة؛ فلأن هذه الأعرف لم تعد ~~في خدمة الأغراض التي يسعى إليها الشاعر، فالواقع في الوهم أن الشعراء يتجنون على ~~اللغة، والصحيح أن الضرورة الشعرية إنما هي ضرورة تحتمها القوانين الداخلية للظاهرة ~~اللغوية، وهي في خدمة هذه القوانين وحدها؛ لأنها إنما تستمد وجودها منها، وأي قوانين ~~أخرى تسبق ميلاد الظاهرة نفسها مردودة لأنها أجنبية، والظاهرة إنما ms034 تحمل في باطنها ~~المبدأ الخالق لها.» # 26 # للشعر مناخه اللغوي الخاص، الشعر حيود عن جادة اللغة السوية - لغة النثر؛ لأن للنثر ~~مطلبا وللشعر مطلب آخر، الشعر يقدم المتأخر (أقيس أرى؟ - بالحسن أعدى ...)، ويؤخر ~~المتقدم (باد هواك - من الموجعات النجوم)، ويفصل المتصل (وما للسيف إلا القطع ~~فعل - تبزغ سائلها لماذا الشمس)، ويصل المنفصل (ما أنت بالحكم الترضى حكومته - الدرج ~~الرنا إلي عهدا)، ويكرر (لا يبصر الخطب الجليل جليلا - حتى خطاياه ما عادت خطاياه - كان ~~يا مبسمها كان أن - أخبرتها أخبرتها النجوم)، وينكر (عزيز أسى من داؤه الحدق ~~النجل - مررت كصحو ببال) ... إلخ. # يبحث الشاعر في مادة اللغة عما يحقق له الشكل الجمالي (الاستطيقي ) الدال، وإذا كان ~~للغة سلطان على الناس فللشاعر سلطان على اللغة، وهو في سعيه إلى الأثر الجمالي لا ~~يخرج عن اللغة بل يطورها وينميها ممتدا بها ومنها. وينبغي أن نفهم مواطن خروجه عن ~~المألوف المطرد على أنها كشوف لغوية: منافذ انعتاق، رءوس تبرعم، نقاط شطء، طلائع ~~نمو؛ فهمها النحاة فهما «ألكن» على أنها مواطن قصور وضعف وخطأ، سملها النحاة ~~فأوقفوا نمو اللغة. # في كتابه «بناء لغة الشعر» يخلص جون كوين إلى أن الشعر «انحراف» # Ecart # بالقياس إلى النثر، أو «مجاوزة» كما فضل د. أحمد درويش ~~ترجمتها: «الشعر خروج منظم على قواعد اللغة، والشعر ليس هو النثر مضافا إليه شيء ما، ~~ولكنه هو «المضاد للنثر»، ومن هذه الزاوية فإنه يبدو شيئا سلبيا تماما كأنه شكل ~~«معتل» للغة، لكن هذا العنصر الأول يتضمن عنصرا ثانيا إيجابيا هو أن الشعر لا يهدم ~~اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها وفقا لتخطيط أسمى». # 27 # وبالرغم من أن الشعر يستخدم الكلمات، ويحمل دائما مضمونا ذهنيا، وينطوي على معان ~~عقلية، فإن الكلمات في الشعر الرفيع تفقد ثقلها السابق، وتتخفف من ماضيها، ولا تعود ~~«أداة» تخدم الفكر وتحيل إلى معان. إنها تنصهر وتكتسب «الشكل» # Form # وتتحول إلى «غاية»، وتفارق صفة «العلامة» وتأخذ صفة «الرمز» ~~الملتحم بمعناه. وكأنما الشعر عودة باللغة إلى بدائيتها الأولى، وهو يصطنع من ms035 أجل هذه ~~العودة طرائق كثيرة، منها الوزن. فالوزن، كما أشار كرورانسوم، # 28 # هو طريقة لفرض الصورة صوتيا على الانتباه الذي قد ينهمك بدون الوزن في ~~معاني الألفاظ نفسها؛ وبذلك يخلق الوزن نوعا محببا من التشتيت يجعل من التلقي تجربة ~~جمالية، كما أن للوزن تأثيرا سيمانطيقيا (دلاليا) هائلا: فهو يضطر الشاعر إلى أن ~~يضحي بدقة الألفاظ الفكرية حتى يسلم له النغم، ويلوي بالتركيب النحوي ليسلم له العروض، ~~وفي هذه العملية يسترخي المعنى ويتفكك ويحقق الشعر ذاته؛ فيكون لغة بدائية صورية شيئية ~~غامضة، أفضل تسجيلا لكثافة الدنيا وروعتها وحيويتها الوهاجة. ولعل هذا هو السبب في أن ~~القصيدة تعني دائما أكثر مما تعنيه ترجمتها النثرية في لغة أخرى، من حيث إن بناءها ~~الشكلي والموسيقي قد جعل منها «رمزا» لا انفصام فيه بين الشكل ودلالته. # 29 # صفوة القول أن الضرورة الشعرية ليست معلولا مباشرا للوزن ولا تتحدد به، «وإنما ~~تتحدد بماهية الشعر نفسه من حيث هو مستوى من التعبير مختلف عما عليه سائر الكلام، ~~فللشعر تركيبات لغوية تختص به، وهذه هي محل الضرورة.» # 30 # ومما سبق يتبين لنا حجم الخطأ الذي وقع فيه النحاة حين اعتمدوا في جمع اللغة وتقعيدها ~~على الشعر بالدرجة الأساس، حيث كان ينبغي الاعتماد على النثر بوصفه اللغة السوية ~~القياسية، ويبقى الشعر مستوى آخر من اللغة جديرا بالدراسة بحقه الشخصي، وقد أدى هذا ~~الخلط الأساسي إلى تضخم القواعد واضطرابها وتناقضها، وإلى ضروب أخرى من الخلط ما زالت ~~الفصحى تعاني من آثارها وجرائرها إلى يومنا هذا. # الفصل الثالث # | نشأة اللغة توقيف أم اصطلاح # ذهب العرب مذهبين في تفسير أصل اللغة: # الأول أنها «توقيف» (إلهام/وحي) من الله، أي أن الله هو صانع اللغة. ويستند ~~هذا الرأي إلى قوله تعالى: # وعلم آدم الأسماء ~~كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ~~(البقرة: 31). # 1 # الثاني أنها «اصطلاح» (عرف/اتفاق/تواضع/تواطؤ)، بمعنى أن يصطلح اثنان أو ~~أكثر من الناس على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن ~~يليهم. # وبدا للعربي في ms036 ذلك الزمن أن ليس هناك احتمال ثالث لهذين الاحتمالين؛ فقد كان سقف ~~التاريخ البشري في إطاره الذهني وطيئا لا يتعدى بضعة آلاف من السنين لا تسمح بتخلق تلقائي ~~لمثل هذا النظام الهائل - اللغة - فلم يكن بد من صانع مباشر: إما الله (التوقيف)، وإما ~~غيره (الاصطلاح). # 2 # والحق أن هذا الإطار المعرفي كان يتلبس بالفكر اللغوي الغربي أيضا: «وقد كان ~~المدى الزمني لأي دراسة تاريخية للغات أقصر كثيرا مما هو متاح لدينا؛ فالناس، وبالتالي ~~لغتهم الإنسانية، ترجع - عبر قرون قليلة - إلى أسلافهم من الأبطال والآلهة والإلهات في ~~الأساطير المسلم بها، وقد اتجهت الجهود أساسا إلى الإجابة عن السؤال: كيف أمكن لمجموعة ~~من الكلمات الأولية المتوافقة صوتيا والتي منحتها أو علمتها الآلهة في البداية أن تتضاعف، ~~لتنتج الأعداد الهائلة من كلمات معجم اليونانية أولا ومعجم اللاتينية بعد ذلك، لتواجه ~~متطلبات المدنية ذات الثقافة الرفيعة؟» # 3 # يقول ابن فارس في كتاب «الصاحبي»: «اعلم أن لغة العرب توقيف، دليل ذلك قوله تعالى: # وعلم آدم الأسماء كلها ~~(البقرة: 31). كان ابن ~~عباس يقول: علمه الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض، وسهل ~~وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.» # 4 # استند القائلون بالتوقيف إلى ظاهر النص: فالأسماء كلها معلمة من عند الله بالنص، وكذا ~~الأفعال والحروف؛ لأن الأفعال والحروف أيضا أسماء، لأن الاسم ما كان علامة، والتمييز (بين ~~الأسماء والأفعال والحروف) من تصرف النحاة لا من اللغة، ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر. # 5 # واستندوا أيضا إلى استحالة أن يجري اصطلاح بدون لغة مسبقة يتواصل بها المصطلحون. يقول ~~السيوطي في «المزهر»: «لو كانت اللغات اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر ~~من لغة أو كتابة، ويعود إليه الكلام، ويلزم إما الدور أو التسلسل في الأوضاع، وهو محال، فلا بد من الانتهاء إلى التوقيف.» # 6 ~~(المزهر 1: 18). # ويرد القائلون بالاصطلاح بأن المقصود بقوله تعالى: # وعلم آدم ~~الأسماء كلها # أقدره عليها ومكنه من الكلام والتسمية، ويردون ~~على أهل التوقيف بطريقتهم: «لو كانت اللغات توقيفية فذلك ms037 إما بأن يخلق الله تعالى علما ~~ضروريا في العاقل أنه وضع الألفاظ لكذا، أو في غير العاقل، أو بألا يخلق علما ضروريا ~~أصلا، والأول باطل، وإلا لكان العقل عالما بالله بالضرورة؛ لأنه إذا كان عالما بالضرورة ~~بكون الله وضع كذا لكذا لكان علمه بالله ضروريا ولو كان كذلك لبطل التكليف. والثاني باطل؛ ~~لأن غير العاقل لا يمكنه إنهاء تمام هذه الألفاظ. والثالث باطل؛ لأن العلم بها إذا لم يكن ~~ضروريا احتيج إلى توقيف آخر، ولزم التسلسل.» (المزهر 1: 18). # جاء في كتاب الحروف للفارابي: «فهكذا تحدث أولا حروف تلك الأمة وألفاظها الكائنة عن تلك ~~الحروف، ويكون ذلك أولا ممن اتفق منهم، فيتفق أن يستعمل الواحد منهم تصويتا أو لفظة في ~~الدلالة على شيء ما عندما يخاطب غيره فيحفظ السامع ذلك، فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما ~~يخاطب المنشئ الأول لتلك اللفظة، ويكون السامع الأول قد احتذى بذلك فيقع به، فيكونان قد ~~اصطلحا وتواطآ على تلك اللفظة، فيخاطبان بها غيرهما إلى أن تشيع عند جماعة، ثم كلما حدث في ~~ضمير إنسان منهم شيء احتاج أن يفهمه غيره ممن يجاوره، اخترع تصويتا فدل صاحبه عليه وسمعه ~~منه فيحفظ كل واحد منهما ذلك وجعلاه تصويتا دالا على ذلك الشيء، ولا يزال يحدث التصويتات ~~واحدا بعد آخر ممن اتفق من أهل ذلك البلد، إلى أن يحدث من يدبر أمرهم ويضع بالإحداث ما ~~يحتاجون إليه من التصويتات للأمور الباقية التي لم يتفق لها عندهم تصويتات دالة عليها، ~~فيكون هو واضع لسان تلك الأمة، فلا يزال منذ أول ذلك يدبر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما ~~يحتاجون إليه في ضرورية أمرهم.» # 7 # وجدير بالملاحظة أن فكرتي «التوقيف» و«الاصطلاح» لم تكونا واضحتين في أذهان أصحابهما، كما ~~يتصور القارئ المعاصر، ولا متمايزتين إحداهما عن الأخرى تمام التمايز! # فبعض القائلين بالاصطلاح لا يستبعدون أن تكون اللغة من وضع مخلوقات ذكية سابقة على ~~الإنسان. يقول الغزالي في المنخول إن «قوله تعالى: # وعلم آدم ~~الأسماء كلها # ظاهر في كونه توقيفا وليس بقاطع، ويحتمل ms038 كونها مصطلحا ~~عليها من خلق الله تعالى قبل آدم» (المزهر 1: 23). # وبعض القائلين بالتوقيف يرون أن اللغات كلها تم صنعها في بدء الخليقة (المزهر 1: 11)، ~~وبعضهم يرى أن التوقيف لم يقع في الابتداء إلا على لغة واحدة، وأن اللغات الأخرى ثم ~~التوقيف عليها بعد الطوفان في أولاد نوح حين تفرقوا في أقطار الأرض (المزهر 1: 27)، ويرى ~~فريق ثالث أنه يجوز أن تكون اللغات التي تلت اللغة التوقيفية الأولى جاءت اصطلاحا أو ~~توقيفا (المزهر 1: 27)، ويرى آخرون أن اللغة الأولى فقط هي التوقيفية (وهي العربية - اللغة ~~التي نزل بها آدم من الجنة)، بينما نشأت اللغات الأخرى تحريفا (المزهر 1: 30). # ومن التوقيفيين من ذهب إلى أن اللغة العربية ظهرت أيضا في مرحلة متأخرة عندما حشر الله ~~الخلائق إلى بابل، جاء في «المزهر»: «... لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحا، ~~فاجتمعوا ينظرون لماذا حشروا له، فنادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره ~~واقتصد البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء، فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن ~~قحطان بن هود، أنت هو؟ فكان أول من تكلم بالعربية المبينة» (المزهر 1: 32). ومنهم من ذهب ~~إلى أن العربية ظهرت أول مرة بعد قدوم سيدنا إسماعيل عليه السلام إلى مكة واستقراره بها، ~~وأن أول من تكلم بالعربية ونسي لسان أبيه هو إسماعيل عليه السلام (المزهر 1: ~~32-33). # ويبدو أيضا أن النسق المذهبي لعالم اللغة كان يملي عليه الرأي في أصل اللغة، وأن تفكيره ~~في هذا الشأن لم يكن علميا خالصا، أو فلسفيا محضا، فثم مذهب كلامي كلي عليه أن ~~يخضع له ويضمن اتساقه. يقول د. إبراهيم أنيس: «إن الخلاف بين علماء العرب ظهر واضحا في ~~منتصف القرن الرابع الهجري وما بعده، فرأيناهم فريقين: أولا: أهل التقاليد من المحافظين ~~الذين اعتمدوا على النصوص من السنيين وأضرابهم، وهؤلاء كانوا ينادون بأن اللغة توقيفية وأن ~~لا يد للإنسان في نشأة ألفاظها أو كلماتها، وزعيم هؤلاء ابن فارس في كتابه «الصاحبي»، ~~والفريق الثاني من علماء اللغة الذين نادوا بأن اللغة ms039 اصطلاحية، وكان معظمهم من المعتزلة ~~الذين استمدوا أدلتهم من المنطق العقلي، وفسروا ما ورد من نصوص بحيث تلائم اتجاههم وتنسجم ~~مع منطقهم.» # 8 ~~(1) تردد ابن جني بين الاصطلاح والتوقيف # ولعل ابن جني هو خير من يعكس لنا حيرة فقيه اللغة في ذلك الزمن بين التوقيف ~~والاصطلاح، وقد سجل تردده في غير موضع من «الخصائص»، يقول ابن جني في «باب القول على ~~أصل اللغة إلهام هي أم اصطلاح»: «هذا موضع محوج إلى فضل تأمل، غير أن أكثر أهل النظر ~~على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف، إلا أن أبا علي رحمه الله، قال ~~لي يوما: هي من عند الله، واحتج بقوله تعالى # وعلم آدم ~~الأسماء كلها # وهذا لا يتناول موضع الخلاف، وذلك أنه قد يجوز أن ~~يكون تأويله: أقدر آدم على أن واضع عليها، وهذا المعنى من عند الله سبحانه لا ~~محالة، فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به ... ثم لنعد فلنقل في ~~الاعتلال لمن قال بأن اللغة لا تكون وحيا، وذلك أنهم ذهبوا إلى أن أصل اللغة لا بد فيه ~~من المواضعة، قالوا: كأن يجتمع حكمان أو ثلاثة فصاعدا، فيحتاجوا إلى الإبانة عن ~~الأشياء المعلومات، فيضعوا لكل واحد منها سمة ولفظا، إذا ذكر عرف به ما مسماه، ~~ليمتاز من غيره، وليغني بذكره عن إحضاره إلى مرآة العين، فيكون ذلك أقرب وأخف وأسهل من ~~تكلف إحضاره، لبلوغ الغرض في إبانة حاله ... فكأنهم جاءوا إلى واحد من بني آدم، فأومئوا ~~إليه، وقالوا: إنسان إنسان إنسان، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا ~~الضرب من المخلوق، وإن أرادوا سمة عينه أو يده أشاروا إلى ذلك، فقالوا: يد، عين، رأس، ~~قدم، أو نحو ذلك، فمتى سمعت اللفظة من هذا عرف معناها، وذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات ~~كلها إنما هو من الأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، وشحيح ~~الحمار، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما ms040 ~~بعد. وهذا عندي وجه صالح، ومذهب متقبل، واعلم فيما بعد، أنني على تقادم الوقت دائم ~~التنقير والبحث عن هذا الموضع، فأجد الدواعي والخوالج قوية التجاذب لي، مختلفة جهات ~~التغول على فكري؛ وذلك أنني إذا تأملت حال هذه اللغة الشريفة، الكريمة اللطيفة، وجدت ~~فيها من الحكمة والدقة، والإرهاف والرقة، ما يملك علي جانب الفكر، حتى يكاد يطمح به ~~أمام غلوة السحر ... وانضاف إلى ذلك وارد الأخبار المأثورة بأنها من عند الله جل وعز، ~~فقوي في نفسي اعتقاد كونها توقيفا من الله سبحانه وأنها وحي، ثم أقول في ضد هذا: كما ~~وقع لأصحابنا ولنا، وتنبهوا وتنبهنا، على تأمل هذه الحكمة الرائعة الباهرة، كذلك لا ~~ننكر أن يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا، وإن بعد مداه عنا، من كان ألطف منا ~~أذهانا، وأسرع خواطر وأجرأ جنانا؛ فأقف بين تين الخلتين حسيرا، وأكاثرهما فأنكفئ ~~مكثورا، وإن خطر خاطر فيما بعد، يعلق الكف بإحدى الجهتين، ويكفها عن صاحبتها، قلنا ~~به، وبالله التوفيق.» # 9 # وفي موضع آخر من الخصائص يقول ابن جني: «هذا كله وما أكني عنه من مثله - تحاميا ~~للإطالة به - إن كانت هذه اللغة شيئا خوطبوا به وأخذوا باستعماله، # 10 # وإن كانت شيئا اصطلحوا عليه، وترافدوا بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله ~~وترتيبه فهو مفخر لهم، ومعلم من معالم السداد دل على فضيلتهم.» # 11 # وفي موضع ثالث من الخصائص يقول بصريح العبارة: «قد تقدم في أول الكتاب القول على ~~اللغة: أتواضع هي أم إلهام؟ وحكينا وجوزنا فيها الأمرين جميعا، وكيف تصرفت الحال، ~~وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها؛ فإنها لا بد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج ~~فيما بعد إلى الزيادة عليه؛ لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئا فشيئا، إلا أنه على ~~قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه ...» # 12 # يرى د. لطفي عبد البديع «أن التوقيف يمكن حمله على الإلهام من الله تعالى للبشر ~~بالأسماء في مطلق معناها دون أن يكون في ذلك تعارض ما مع القول بالاصطلاح على معنى ms041 أن ~~يتواطأ اثنان فأكثر من أبناء لغة بعينها على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون ~~عليه هم ومن يليهم، ويكون التوقيف والاصطلاح أمرين «متكاملين» في الإنسان لا يتم أحدهما ~~إلا بالآخر فهما جانبان للغة التي تدرج على الأرض ولكنها تمد بسبب إلى السماء؛ ~~فالتوقيف كالأصل الميتافيزيقي للغة، والاصطلاح كالأصل الاجتماعي لها، وكلاهما له مكانه ~~السائغ في العمل اللغوي، أما ما أفاض فيه القائلون بهذا وذاك من حجج وأدلة فمبناه على ~~قضايا كلامية في جملتها ينقض بعضها بعضا ...» # 13 ~~(2) استكمال اللغة # وسواء على اللغوي أكان أميل إلى التوقيف أم الاصطلاح، فقد كان يشعر بأن اللغة لم توضع ~~مرة واحدة، وأنها قد تلاحق تابع منها بفارط، ليس بمعنى التطور الذي ندركه اليوم ~~(فالحق أن مفهوم اللغة عندهم ما زال يتمتع بكمال مرحلي معين) ولكن بمعنى آخر مقيد ~~أيضا بالتوقيف الإلهي أو بوضع الواضع الأول! يذهب ابن فارس مثلا إلى أن الله وقف آدم ~~على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، ثم علم آخرين من عرب الأنبياء ~~ما شاء أن يعلمهم، حتى انتهى الأمر إلى خاتم الرسل فلا نعلم لغة من بعده حدثت. ويميل ~~ابن جني إلى أن استكمال اللغة مقيد بوضع الواضع الأول، الذي لا يخالف عليه من بعده، ~~وأن خلاف من بعده ليس إلا أثرا لمتابعة المتأخر للمتقدم: ذلك أن الواضع الأول توقع ~~حاجات الخلف بحكمة استقبلت من أمر الحياة ما استدبر، # 14 # وتعرفت المستقبل فوضعت القياس الذي يأخذ به الخالف حين يحتاج إلى الزيادة ~~في اللغة أو يضطر إلى مخالفة الواضع الأول! # 15 ~~(2-1) كمال اللغة ورأي ابن حزم ~~«العربية خير اللغات» يقول العربي ... «اليونانية أفضل اللغات» يقول جالينوس ... ~~«العبرية لغة الرب، والملائكة لا يفهمون غير العبرية» يقول اليهود ... «السريانية لغة ~~الحساب في الآخرة ولغة أهل الجنة» يقول السريان ... «الفارسية لغة الجنة» يقول الفرس ~~... «أنا الحق وكل ما سواي الباطل» يقول «العرق» # Ethnos ~~! لاحظ أن بعض اللغات المذكورة لم يدم في الحياة لكي يلحق ~~بالآخرة! ms042 # لكي ننفي هذا التفضيل اللاهوتي للعربية (ولكل لغة) فمن الأقرب والأيسر أن نستشهد ~~بواحد من قدامى العلماء الأجلاء أنفسهم هو ابن حزم، القائل في «الإحكام في أصول ~~الأحكام»: «وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات، وهذا لا معنى له؛ وقد قال ~~تعالى: # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم ~~(إبراهيم: 4)، وقال: # فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ~~(الدخان: 58)، فأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه عليه ~~السلام لا لغير ذلك، وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات؛ ~~لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع. قال علي: وهذا ~~جهل شديد؛ لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر ~~جالينوس، ولا فرق ... وقد قال قومه: العربية أفضل اللغات لأن بها نزل كلام الله ~~تعالى، قال علي: وهذا لا معنى له؛ لأن الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولا ~~إلا بلسان قومه، وقال تعالى: # وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير ~~(فاطر: 24)، وقال تعالى # وإنه ~~لفي زبر الأولين ~~(الشعراء: 196)، فبكل لغة قد نزل كلام الله ~~ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل ~~الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.» # 16 ~~(2-2) ملاحظات واستدراكات ~~«الاصطلاح» عند قدماء النحاة يعني تواطؤ حكماء، من البشر أو غير ~~البشر، وهو مصطلح يختص بنشأة اللغة، وهو ضد «التوقيف». أما «الاصطلاح» ~~أو «المواضعة» # Convention # في فلسفة ~~اللغة الحديثة، والفلسفة الغربية بعامة، فهو مصطلح يختص بطبيعة اللغة، ~~ويعني العلاقة الاتفاقية التعسفية الاعتباطية بين «الدال» # Signifier # و«المدلول» # Signified ~~، وهي ضد العلاقة الضرورية ~~أو الطبيعية بين الدال والمدلول ~~( # Naturalism ~~)، وقد لزم التنويه ~~بذلك حتى لا يقع القارئ في الخلط ويظن أن قدماء النحاة كانوا يعنون ~~بالاصطلاح ما يعنيه هورموجينيس في محاورة أقراطيلوس (كراتيلوس)، أو ما ~~يعنيه دي سوسير ب «اعتباطية ~~العلامة» # Arbitrariness of sign ~~. # إن الكثير من فقهاء ms043 اللغة العرب كانوا يضمرون الاعتقاد في التوقيف ~~والاصطلاح معا: أن الله صنع العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف ~~عن حكمته فيما صنعه، وأن العرب صنعت العربية على أكمل وجه وعلى النحاة ~~الكشف عن حكمة العرب فيما صنعته. # إن المذهبين كليهما يلتقيان في أن اللغة كيان محكم، متناهي ~~الإتقان، ثابت الأركان، أتى بتدبير مدبر وفعل فاعل، ومن ثم فإن علينا ~~حفظه وتأمله، وليس لنا أن نعبث به ونتصرف فيه. # لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة من تطوره ينفر من التناقض ~~نفورنا منه الآن، ولم يكن «قانون التناقض» # Law of contradiction # فاعلا فيه! هذا ما يجب أن نعيه ~~ونحن نشهد النقائض متراصة في فكر القدماء جنبا إلى جنب # Juxtapose # في وئام وسلام، مثلما ~~تتراص في أحلامنا! ونشهد التصورات الميثوبية # 17 # والغيبية تتبلع ببساطة تدعونا إلى العجب. كان الفكر ~~القديم يدرك العلاقة بين السبب والنتيجة ، ولكنه لن يدرك ما نراه من ~~سببية تعمل كالقانون، آليا ودونما أي هوى شخصي؛ وذلك لأننا قد ~~ابتعدنا كثيرا عن عالم التجربة المباشرة بحثا عن الأسباب الحقيقية ... ~~إنه أعجز من أن ينسحب كل هذا الانسحاب عن الحقيقة المحسوسة، كما أنه لن ~~يقنع بأفكارنا، فإذا بحث عن السبب، فإنه يبحث عن «من» لا عن «كيف»، ~~إنه يبحث عن إرادة ذات غرض تأتي فعلا معينا، # 18 # هذا ما جعل مسألة «اللغة» كظاهرة «انبثاقية» # Emergent # تنجم تلقائيا من طبيعة ~~الاجتماع، شيئا عصيا على إدراكه، بعيدا عن منال فهمه. ~~(3) علم اللغة الحديث ونشأة اللغة # إن اختلافنا عن هذا السلف البعيد هو اختلاف «إطار ~~معرفي» Paradigm ~~(نموذج شارح) و«رؤية ~~عالم» # World-view ~~، يقول الأستاذ أمين الخولي: «لكن ما يبدو لنا غريبا لم يكن في ~~منطق القوم على هذه الغرابة، فإنك لتعرف أنهم يرون أن الدنيا نصف، قد ذهب خير نصفيها: ~~ويقررون أن الأول قد ذهب بالمعرفة كلها، كما ذهب بالخير كله، وأن أفضل القرون قد مضى ~~منذ أكثر من عشرة قرون ... فالنظام عندهم ليس ترقيا، بل هو تنزل وتدهور، بعد كمال ~~وفضل. ms044 ومن هنا تدرك أن أساس الخلاف فكري جوهري عام، يمتد إلى أشياء كثيرة، ولا يقتصر ~~على اللغة، بل يمس النظرة الكبرى في سير الوجود كله لا سير اللغة فقط.» # 19 # من الثابت الآن في ضوء اللغويات الحديثة وعلم الاجتماع الحديث «أن اللغة ليست إلا ~~ظاهرة اجتماعية، وتلك الظواهر الاجتماعية لا تقوم إلا على غير ما تصوره الأقدمون من ~~أمور عقلية منطقية، وأعمال صناعية تحكمية» # 20 ~~«تلك الظواهر الاجتماعية ليست صناعة فرد بعينه أو أفراد بعينهم، ولا عمل ~~جيل بذاته، ولا توجيه فيها لعقل الفرد، أو الإرادة الفردية، ولا تأثير له عليها، فلا هو ~~يستطيع دفعها إذا أراد، ولا هو يستطيع صدها إذا شاء، وما هو ولا قومه مجتمعين بمستطيعين ~~أن يقدموا من أمرها شيئا أو يؤخروه، فلا هم يتدخلون تدخلا إراديا في وجودها، ولا هم ~~يسهمون في تنظيمها، ولا هم يختطون طريقها، وكل ما تتعرض له وما يواجهها من دوافع أو ~~موانع، وما ينالها من تغير وتحول، أو توسع وتبسط، أو توقف وتعطل، لا يكون شيء منه إلا ~~من نتائج العقل الجمعي، ومقتضيات الوجود التجمعي، وهو ما لا ينفي فيه منطق الأفراد ولا ~~يثبت، ولا تعطي فيه إرادتهم ولا تمنع، ولن يغيروا أبدا من واقع تحتمه القوانين ~~الاجتماعية الثابتة المطردة.» # 21 # هذ أمر ينبغي تفهمه ابتداء حين يتبين لنا خطأ القدماء الأولي فيما ذهبوا إليه، ~~«فاللغة في كل مجتمع نظام عام يشترك الأفراد في اتباعه، ويتخذونه أساسا للتعبير عما ~~يجول بخواطرهم، وفي تفاهمهم بعضهم مع بعض. واللغة ليست من الأمور التي يصنعها فرد معين ~~أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه ~~هذه الحياة من تعبير عن الخواطر، وتبادل للأفكار، وكل فرد منا ينشأ فيجد بين يديه ~~نظاما لغويا يسير عليه مجتمعه فيتلقاه عنه تلقيا بطريق التعليم والمحاكاة، كما ~~يتلقى سائر النظم الاجتماعية الأخرى، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذيه في تفاهمه وتعبيره». # 22 ~~«واللغة من الأمور التي يرى كل فرد نفسه مضطرا إلى الخضوع لما ms045 ترسمه، وكل خروج على ~~نظامها، ولو كان عن خطأ، أو جهل، يلقى من المجتمع مقاومة تكفل رد الأمور إلى نصابها ~~الصحيح، وتأخذ المخالف ببعض أنواع الجزاء ... وإذا حاول فرد أن يخرج كل الخروج على النظام ~~اللغوي بأن يخترع لنفسه لغة يتفاهم بها فإن عمله هذا يصبح ضربا من ضروب العبث العقيم؛ ~~إذ لن يجد من يفهم حديثه، ولن يستطيع إلى نشر مخترعه هذا سبيلا». # 23 # والحق أن «علم اللغة» # Linguistics # الحديث من العلوم ~~الإنسانية الدقيقة التي بلغت في أدائها ونتائجها مستوى من الدقة العلمية يقترب من ~~مستوى العلوم الطبيعية، وصارت مثالا يحتذى لبقية العلوم الإنسانية. وقد أثبت هذا العلم ~~الحديث على نحو حاسم صلب «أن اللغة ظاهرة اجتماعية يتميز بها كل مجتمع إنساني، وهي ~~ظاهرة إنسانية لا علاقة لها بالآلهة، ولم تهبط من عل، بل نشأت من أسفل، وتطورت بتطور ~~الإنسان ذاته، ونمت بنمو حضارته»، # 24 # فإذا نحن سلطنا هذا الضوء العلمي الكاشف على آراء القدماء «فسنتبين سريعا ~~وفي وضوح أن ما زعمه الزاعمون من عمل الأفراد، أو الكثرة، في تكوينها ووضعها لا يؤيده ~~شيء من طبيعة اللغة! وسيتبين لنا كذلك بأسرع وأوضح مما سبق أن إدراك هذا الفرد الممتاز، ~~أو الكثرة الحكيمة، لمستقبل اللغة واحتياطهم لآخر أمرها ... كل ذلك لا تحتمل تصديقه ~~طبيعة اللغة على ما عرفها البحث الاجتماعي، فليس لوضع الواضع الأول، بحكمته وحسن ~~تأتيه - أو بغير ذلك - وجود ولا سند ... لأن اللغة ليست إلا نشاطا اجتماعيا، لا ~~اجتهادا عقليا وتدبيرا منطقيا ... وإذا ما استقرت هذه الحقيقة من خصائص اللغة بما ~~هي نظام اجتماعي، اتضح لنا أن اللغات الصناعية المبنية على خطة منطقية قد وضعت مقدما ~~غير ممكنة الوقوع إلا إذا كانت لغات خاصة: لغات فنية (تكنيكية) ولوائح إعلانات، ففي هذه ~~الحال يكفي الاتفاق بين الأشخاص المعدودين الذين يستعملونها للاحتفاظ بها كما خلقت دون تغيير.» # 25 # ولا يفوتنا، أخيرا، أن نتبين البون البعيد بين الإطار المعرفي الذي كان يوجه عقل ~~القدامى ويرشد بحثهم وبين النموذج المعرفي الحديث: كان ms046 «التنزل»، إن صح التعبير هو ~~الإطار القديم، كمقابل ل «التطور» في العقل الحديث، فالتطور «أصل أصيل في حياة اللغة ~~بما هي كائن اجتماعي، وأساس التطور هو الوجود البسيط أولا، ثم النماء المترقي ثانيا، ~~وخلال هذا الانتقال يتكون الكائن مترقيا، ويتغير تغيرات متدرجة ... وعلى ذلك لن نهتدي ~~إلى صواب من الرأي في مشكلات حياتنا اللغوية إلا إذا ما أخذنا أنفسنا في تبين هذه ~~المشكلات بالمنهج الذي يقرر عكس ما قرره الأقدمون في تكون اللغة العربية وحياتها؛ فإذا ~~ما قالوا: إنها كانت كاملة دقيقة أولا ثم فسدت واضطربت، قال هذا المنهج إنها كانت ~~نامية متغيرة مكتملة، ولها في ذلك تاريخ حيوي ومرضي لا بد من معرفته قبل أن تقولوا ~~بفسادها واضطرابها، أو بم فسدت؟ أو لم اضطراب؟! وتلك هي المهمة الكبرى، بل الهائلة، ~~لمن يتحدث عن مشكلات حياتنا اللغوية حتى يكون حديثه سليم الأساس.» # 26 # الفصل الرابع # | طبيعة اللغة # العلاقة بين الدال والمدلول علاقة ضرورية، لا في ذاتها ، بل في ذاتنا نحن! # ما هي العلاقة بين الكلمات والأشياء؟ بين الدال والمدلول؟ بين الألفاظ وما تشير إليه ~~الألفاظ؟ # ثمة جوابان ممكنان على هذا السؤال: الأول يقول إن العلاقة بين الكلمة ومدلولها علاقة ~~طبيعية ضرورية تجعل هذه الكلمة بعينها هي المقيضة للتعبير عن هذا الشيء بعينه، وهي ~~المناسبة، دون غيرها من الأصوات الممكنة، للإشارة إلى هذا المعنى المحدد؛ وبالتالي فإن أمر ~~الدلالة (أو التدليل # Signification ~~) غير متروك للمصادفة ~~أو الاعتساف، ذلك هو «المذهب الطبيعي» # Naturalism # في ~~اللغة. # والجواب الثاني يقول إن العلاقة القائمة بين العلامات اللغوية، كالكلمات، وبين معانيها هي ~~في عامة الأحوال مسألة «عرف» أو «اصطلاح» أو «تواطؤ» أو «مواضعة» # Convention ~~. «إن الرموز اللغوية لا تحمل قيمة ذاتية طبيعية تربطها بمدلولها ~~في الواقع الخارجي؛ فليس هناك أي علاقة بين كلمة «حصان» ومكونات جسم الحصان، والعلاقة كامنة ~~فقط عند الجماعة الإنسانية التي اصطلحت على استخدام هذه الكلمة اسما لذلك الحيوان، ومعنى ~~هذا أن قيمة هذه الرموز اللغوية تقوم على العرف، أي على ذلك الاتفاق ms047 الكائن بين الأطراف ~~التي تستخدمها في التعامل، وهذا معناه أن المؤثر والمتلقي متفقان على استخدام هذه الرموز ~~اللغوية المركبة بقيمتها المعرفية.» # 1 # وليس هناك ما يحتم على كلمة # Dog # أن تعني ذلك ~~الصنف المستأنس من الكلبيات، إنما يجعل هذه الكلمة تعني ما تعنيه هو أن الناطقين ~~بالإنجليزية يرقب بعضهم بعضا ويتوقعون فيما بينهم أن يلتزم كل منهم بالعرف المتفق عليه ~~والذي يربط كلمة # Dog # بالكلب، # 2 # ذلك هو «المذهب الاصطلاحي، أو التواضعي» # Conventionalism # في اللغة. # شغلت هذه المسألة عقول المفكرين اللغويين منذ أقدم العصور، وفي زمن الإغريق طرح هذا ~~السؤال طرحا ناضجا، وانقسم الفلاسفة فيه بين قائل بالمذهب الطبيعي، مثل هيراقليطس ~~وكراتيلوس، وقائل بالمذهب الاصطلاحي، مثل ديمقريطس وهيرموجينيس. ~~(1) أفلاطون # وقد أفرد أفلاطون لهذه المسألة محاورة كاملة، تنتمي إلى المرحلة الوسيطة من ~~محاوراته، هي محاورة «كراتيلوس» (أقراطيلوس). في هذه المحاور يجري نقاش طويل بين سقراط ~~ومحاوريه: هيرموجينيس وكراتيلوس، يمثل هيرموجينيس الموقف الاصطلاحي القائل بأن منشأ ~~اللغة هو عملية تواطؤ (اصطلاح/اتفاق/تواضع) بين أفراد المجتمع اللغوي على أن يطلق لفظ ~~ما لتسمية شيء معين، والاسم الذي نتفق عليه يغدو، بموجب هذا الاتفاق، هو الاسم الصحيح، ~~فإذا اتفقنا على تغييره والاستعاضة عنه باسم آخر؛ فإن الاسم الجديد يصبح هو الاسم ~~الصحيح. ونحن نغير أسماء عبيدنا فلا يكون الاسم الجديد أقل صوابا من القديم، الطبيعة ~~ليست موكلة بأن تطلق لنا أسماء على الأشياء، بل هذه مهمتنا نحن، التسمية صناعة بشرية ~~ومناط التسمية التكرار والاعتقاد والتواطؤ بين من يقومون بفعل التسمية، وليس ثمة ~~استحالة في أن تطلق نفس الأسماء على أشياء مختلفة تمام الاختلاف، أو أن تعطى نفس ~~الأشياء أسماء متباينة كل التباين، ما دام مستخدمو اللغة قائمين على اتفاقهم بهذا ~~الشأن. # أما كراتيلوس، نصير المذهب الطبيعي في اللغة، فيرى أن الأسماء لا يمكن أن تسبغ على ~~الأشياء كيفما اتفق كما يتصور أصحاب المذهب الاصطلاحي؛ لأن الأسماء تنتمي إلى مسمياتها ~~المحددة انتماء «طبيعيا» «ضروريا»، فإذا ما حاولت أن تتحدث عن شيء ما بأي اسم غير ~~اسمه ms048 الطبيعي فإنك ببساطة تفشل في الإشارة إليه فشلا ذريعا. ثمة بالطبيعة طريقة ~~صحيحة للتدليل على الأشياء، واسم صحيح لكل كائن في الوجود، عند الناس جميعا على ~~السواء. وقد كان هيراقليطس مهتما بتحليل الأسماء لأنها تعبر عنده عن ماهية الأشياء، ~~وتأتي بمشيئة إلهية، إنها «توقيف»، وحي، إلهام. # أما رأي أفلاطون، الذي يضعه - كعادته في محاوراته - على لسان سقراط، فهو محير حقا، ~~ويشبه أن يكون وسطا بين الاصطلاحية والطبيعية: طبيعية معدلة، وربما اصطلاحية معدلة! ~~فالأسماء في نظره لا يمكن أن تعطى للأشياء على نحو عشوائي كما يتصور الاصطلاحيون، بل ~~ينبغي أن تسك بمهارة وحذق لكي تؤدي الغرض منها، # 3 # والغرض منها هو فصل أو عزل الشيء الذي تسميه عن بقية الأشياء وإفراده في ~~عملية الإشارة بشكل دقيق، وذلك بأن يطابق الاسم طبيعة هذا الشيء على نحو ما ... أن ~~يحاكيه بطريقة ما، # 4 # غير أن واضعي الأسماء الأوائل ليسوا سلطة مطلقة، و«التأثيل» (البحث في أصل ~~الكلمات) # Etymology # ليس طريقا مأمونا لتأسيس الحقيقة؛ ~~فواضعو الأسماء قد يخطئون، ورغم أنهم كانوا موفقين في المجال الكوزمولوجي إلى حد ~~كبير، فقد أخطئوا في مجال الأخلاق أخطاء فادحة، تلك هي الشوكة المقيمة في صلب المذهب ~~الطبيعي، وفي صلب نظرية التوقيف: وجود الخطأ. كيف نفسر وجود الخطأ؟ إذا كانت هناك قوة ~~إلهية هي التي تطلق الأسماء على الأشياء، فمن أين يأتي الخطأ؟! من هنا رأى أفلاطون أن ~~الأسماء والألفاظ هي الجالبة للفساد ومنها ينشأ الضلال؛ # 5 # لذا وجب أن ننطلق من الأشياء عينها لا من الكلمات التي تشير إليها؛ ~~فالكلمات كالزئبق لا تستقر على حال، بينما الحقيقة ثابتة لا تقبل تغييرا ولا تبديلا. # 6 ~~(2) أرسطو # رأينا أن أفلاطون لم يتخذ في مسألة طبيعة اللغة مذهبا محددا، أما العلماء الذين ~~جاءوا بعده فاتخذوا مواقف أكثر حسما؛ فقد أفاد أرسطو من افتراضات أستاذه أفلاطون ~~وطورها، وذهب إلى أن اللغة ظاهرة اجتماعية وأصواتها رموز اصطلاحية ليس لها بالمعاني ~~علاقة طبيعية أو مباشرة أو ضرورية. يقول ابن سينا في تلخيص كتاب أرسطو في ms049 العبارة: ~~«فإنها إنما تدل بالتواطؤ، أعني أنه ليس يلزم أحدا من الناس أن يجعل لفظا من الألفاظ ~~موقوفا على معنى من المعاني، ولا طبيعة الناس تحملهم عليه، بل قد واطأ تاليهم أولهم ~~على ذلك وسالمه عليه ...»، # 7 # غير أن أرسطو يميز بين مستويين أساسيين: مستوى الكلمات والألفاظ والكتابة: ~~وهي تقوم على العرف والاتفاق والتواطؤ والاصطلاح وتختلف باختلاف الأمم والشعوب، ومستوى ~~الأفكار والمعاني والموجودات: وهي واحدة عند جميع الأمم والأجناس. موقف أرسطو إذن هو ~~موقف الاصطلاح على مستوى اللفظ، والضرورة على مستوى المعنى، # 8 # وللفارابي نص يلخص موقف أرسطو من جميع جوانبه، وربما الموقف الفلسفي ~~برمته من أصل اللغة وعلاقة الأسماء بمسمياتها، يقول فيه: «هذا رأي أرسطوطاليس في ~~القول وفي الألفاظ المفردة جميعا، فإن قوما يرون في الألفاظ المفردة الدالة أنها ليست ~~على طريق المواطأة، فبعضهم يرى أنها بالطبع، وبعضهم يرى أنها آلة استخرجت بالإرادة على ~~ما تستخرج آلات الصنائع، وذلك أنهم يقولون إن كل لفظة دالة فينبغي أن تكون محاكية ~~للمعنى المدلول عليه ومعرفة بطبعها لذات ذلك الشيء ، أو لغرض يكون ملاءمة للمدلول عليه ~~خاصة وتكون اللفظة بطبعها محاكية، مثل قولنا: هدهد، للطائر الذي يحاكي هذه اللفظة ~~صوته الخاص به ... وربما لم تكن بأسرها محاكية، ولكن بعض أجزائها مثل «طنبور» الذي يحاكي ~~الجزء الأول من هذه اللفظة صوت الآلة ... وآخرون رأوا أن الألفاظ المفردة الأولى ~~باصطلاح وتواطؤ، وأما المشتق عن الأول والأسماء المركبة عن الأول فليست باصطلاح، وإنما ~~ألزمت طبيعة الأمر المدلول عليه باسم مركب، أو باسم مشتق من الألفاظ المفردة الأول، ~~وقوم آخرون رأوا هذا في الأقاويل عن الألفاظ التي تدل على أجزاء الأمر المركب الذي يدل ~~عليه القول، وأرسطوطاليس يرى أن جميع ذلك باصطلاح وتواطؤ.» # 9 # اتخذ أرسطو إذن وجهة نظر عرفية بشكل حازم «فاللغة نتاج العرف، ما دامت الأسماء لا ~~تنشأ بشكل طبيعي، والمحاكاة الصوتية لا تحتم نقض هذا الرأي؛ نظرا لأن صيغ المحاكاة ~~الصوتية تختلف من لغة إلى أخرى، وهي قليلة في فونولوجيا كل لغة على ms050 حدة، ورأي أرسطو في ~~اللغة ملخص في بداية # De Interpretatione # كالتالي: ~~الكلام تمثيل للخبرات العقلية، والكتابة تمثيل للكلام.» # 10 # أما أبيقور (341-270ق.م) فقد اتخذ موقفا وسطا معتقدا أن صيغ الكلمات قد نشأت بشكل ~~طبيعي، ولكنها تغيرت عن طريق العرف. وبشكل أكثر أهمية في تاريخ علم اللغة فإن ~~الرواقيين قد تحيزوا للأساس الطبيعي للغة، معولين إلى حد كبير على المحاكاة الصوتية ~~والرمزية الصوتية: فالأسماء في رأيهم قد صيغت بشكل طبيعي، أي من الأصوات الأولى التي ~~تبدو مثل الأشياء التي تطلق عليها، وهذا الموقف يتفق في الواقع مع تأكيدهم الأعم على ~~الطبيعة بوصفها مرشدا للحياة الإنسانية اللائقة، # 11 # وفي بحثهم عن أصول الكلمات فقد أولوا أهمية كبيرة ل «الصيغ الأصلية للكلمات» Protai phonai # التي زعم أنها كانت ~~محاكاة صوتية، ولكنها فيما بعد خضعت لتغيرات من أنواع مختلفة. # 12 # هذان الرأيان المتعارضان لكل من أرسطو والرواقيين رأيان مهمان؛ لأنهما قادا إلى ~~الخلاف اللغوي الثاني للعصور القديمة، وهو القياس مقابل الشذوذ، وهذا الخلاف لم يظهر ~~بشكل جوهري قبل المعالجة الموسعة التي قدمها للمسألة الكاتب اللاتيني فارو # Varro # في القرن الأول قبل الميلاد ... ويبدو واضحا أن ~~أرسطو قد انحاز للقياس، وأن الرواقيين قد انحازوا إلى الشذوذ بوصفه السمة المسيطرة في اللغة، # 13 # فأرسطو في ذلك أشبه بعلماء البصرة (فيما سيأتي بعد أكثر من ألف عام!) ~~والرواقيون أشبه بالكوفيين. ~~(3) دي سوسير: اعتباطية العلامة اللغوية # ثمة شق آخر من العرف أو التواطؤ ينبغي أن نلتفت إليه: وهو أن هناك أكثر من طريقة ~~لتجزئة العالم وتقطيعه، وكل لغة من اللغات الطبيعية تقوم بذلك على نحو مختلف بعض ~~الشيء، هذه العرفية المزدوجة لكل العلامات اللغوية هي ما يعرف حاليا ب «اعتباطية العلامة» # Arbitrariness of sign ~~، وهو مصطلح مأثور عن ~~فرديناند دي سوسير (1807-1913)، يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط «الدال» # Signifier # ب «المدلول» # Signified # علاقة اعتباطية. ولما كنت أعني بالعلامة اللغوية النتيجة ~~الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز وبساطة: العلامة اللغوية ~~علامة اعتباطية، ففكرة «الأخت» # Sister ms051 # لا ترتبط بأية ~~علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات # s-o-r # التي تستعمل كدال بالنسبة لهذه الفكرة في اللغة الفرنسية، إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة ~~باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات، وأكبر دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، ~~بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال # b-o-f # على ~~طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، و ~~(Ochs) o-k-s # على ~~الطرف الآخر، # 14 # لقد استخدم لفظ «رمز» # Symbol # للدلالة على ~~العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة للدلالة على ما نسميه «الدال». ولكن هناك بعض ~~المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه؛ وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه: فللرمز خاصية أنه لا ~~يدرك دوما اعتباطيا، فهو ليس فارغا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال ~~والمدلول، فرمز العدالة مثلا، أي الميزان، لا يمكن أن يستبدل به أي شيء آخر: دبابة ~~مثلا أو عربة! # 15 # يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعا بأن ~~أمر اختيار الدال متروك تماما للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمكنة أي أحد أن يغير شيئا في ~~علامة لغوية استتبت في مجتمع لغوي ما)، إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ~~ليس لها من سبب، أي أن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية. # 16 # والاستثناء الوحيد الممكن لهذه الطبيعة الاعتباطية للعلامة اللغوية هو ما عرف ~~بالأونوماتوبيا # Onomatopoeia # أي التسمية بالمحاكاة ~~الصوتية، حيث تقوم بعض الكلمات بمحاكاة الأصوات التي تسميها (مثل كلمة # Boom # بمعنى هدير أو أزيز، وكلمة # Bow-wow # بمعنى نباح). # 17 # غير أن دي سوسير سرعان ما يهون من شأن الأونوماتوبيا ويضعها في حجمها: «قد تتخذ ~~الكلمات الأونوماتوبية كدليل على أن اختيار الدال ليس اعتباطيا دائما، غير أن ~~الكلمات الأونوماتوبية ليست عناصر حيوية (عضوية) في بناء النظام اللغوي، ثم إن عددها ~~أقل بكثير مما يعتقد ... كما أن أونوماتوبيتها إنما جاءت نتيجة تصادفية للتطور الصوتي ~~فيها. # أما الكلمات التي هي أمثلة حقيقية للعلاقة بين الصوت والمعنى، مثل # Tuik-Tick ~~، # Glug-Glug ~~، فهي قليلة العدد، فضلا عن ~~أن اختيارها يكون ms052 عادة بصورة اعتباطية؛ لأنها محاولات تقريبية تعتمد أيضا على العرف، ~~في محاكاة بعض الأصوات (مثال ذلك # Bow-Wow # في الإنجليزية ~~يقابله # Ouaoua # في الفرنسية (نباح الكلب))، ثم إن هذه ~~الكلمات ما إن تدخل اللغة حتى تصبح إلى حد ما خاضعة للتطور اللغوي - الصوتي والصرفي ~~إلخ - الذي تخضع له الكلمات الأخرى (مثال ذلك كلمة Pigeon ~~(حمام) مشتقة من اللاتينية العامية Pipio # وهذه الكلمة بدورها مشتقة من الصوت الذي يوحي ~~به صوت الطائر)، وهذا دليل واضح على أن هذه الكلمات تفقد شيئا من صفتها الأولى لكي ~~تكسب الصفة العامة للعلامة اللغوية وهي صفة الاعتباطية (انعدام الصلة الطبيعية). # وأما ألفاظ التعجب، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالكلمات الأونوماتوبية (التي توحي ~~أصواتها بمعانيها)، ويصح عليها أيضا النقد السابق، فهي ليست دليلا على بطلان حجة ~~الاعتباطية في العلامة اللغوية. وقد ينظر المرء إلى ألفاظ التعجب على أنها تعابير ~~تلقائية للحقيقة تمليها على المتكلم القوى اللغوية الطبيعية، ولكننا نستطيع أن نبين عدم ~~وجود علاقة ثابتة بين المدلول والدال في معظم ألفاظ التعجب، فما علينا إلا أن نقارن بين ~~هذه الألفاظ في لغتين حتى نرى اختلافها من لغة إلى أخرى (فلفظة # Aie ~~! الفرنسية يقابلها # Ouch ~~! في الإنجليزية)، # 18 # ثم إننا نعلم أن كثيرا من ألفاظ التعجب كانت في وقت ما كلمات لها معان ~~محددة ، لاحظ: الكلمة الفرنسية # Diable ~~(اللعنة)، # Mordieu ~~(الله) من # Mort ~~Dicu ~~(في الإنجليزية # Zounds ~~Goodness ~~)، إذن فالألفاظ التي توحي بمعناها وألفاظ التعجب ذات ~~أهمية ثانوية، وأصلها الرمزي موضع خلاف.» # 19 # وقع كثير من النحاة العرب في الغلو في خصائص اللغة، وذهب بهم إعجابهم باللغة العربية ~~بعيدا بحيث تصوروا فيها ما لا وجود له إلا في خيالهم، وأضفوا عليها من مظاهر السحر ما ~~لا يصح في الأذهان ولا تتصف به لغة من لغات البشر، # 20 # من ذلك أنهم كانوا يؤمنون إيمانا قويا بوجود «مناسبة» بين اللفظ ~~والمعنى، أو رابطة عقلية منطقية بين الأصوات ومدلولاتها، ولا يتصورون أن الأمر يمكن أن ~~يكون اعتباطيا مرده إلى التكرار والعادة، وأن ms053 يكون وهما ناتجا عن التداعي وميل ~~العقل إلى الربط والتعميم. يقول ابن جني في كتابه «التمام في تفسير أشعار هذيل مما ~~أغفله أبو سعيد السكري»: «وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية ~~الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا أبعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها ~~بعض، ألا ترى أن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس، وبين الرطب واليابس ما بين الخاء ~~والقاف من الرخاوة والصلابة ... وهذا باب إنما يصحب وينجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له، ~~ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: «بحثت» التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة ~~عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب، والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها ~~إذا ساخت في الأرض، والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضا. فأما ~~قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ~~ذلك المعنى، ولا تترك الحقيقة إلى المجاز إلا لضرب من المبالغة، ولولا ذلك لكانت ~~الحقيقة أولى من المجاز.» # 21 # وفي «الخصائص»: «فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال ~~التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا قضم في اليابس، وخضم في الرطب؛ وذلك لقوة القاف ~~وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف. وكذلك ~~قالوا: صر الجندب ، فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا: صرصر البازي، ~~فقطعوه؛ لما هناك من تقطيع صوته، وسموا الغراب غاق حكاية لصوته، والبط بطا حكاية ~~لأصواتها، وقالوا «قط الشيء» إذ قطعه عرضا، و«قده» إذا قطعه طولا؛ وذلك لأن ~~منقطع الطاء أقصر مدة من منقطع الدال. وقالوا «مد الحبل» و«مت إليه بقرابة» فجعلوا ~~الدال - لأنها مجهورة - لما فيه علاج، وجعلوا التاء - لأنها مهموسة - لما لا علاج فيه.» # 22 # ثم يقول في الفقرة التالية عليها: «نعم، وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية ~~تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا»، وهو شبيه بقول أفلاطون في كراتيلوس: «إن العصور ~~القديمة قد ألقت ms054 عليه حجابا.» # وقد ابتدع بعض النحاة، مثل ابن جني وابن فارس، فكرة «الاشتقاق الكبير» زاعمين أن ~~تقلبات الفعل الثلاثي تشير جميعا إلى معنى معين كيفما اختلف ترتيب أصواتها. وفي ~~الخصائص: «وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلا من الأصول الثلاثية فتعقد عليه وعلى ~~تقاليبه الستة معنى واحدا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن ~~تباعد شيء من ذلك (عنه) رد بلطف الصنعة والتأويل إليه.» # 23 # وهكذا رد ابن جني أصل «الكلام» (مادة «كلم» وتقاليبها) إلى معنى القوة ~~والشدة، وأصل «القول» (مادة «قول» وتقاليبها) إلى معنى الإسراع والخفة والحركة، ~~ومادة «جبر» إلى القوة والشدة، ومادة «قسو» إلى القوة والاجتماع، ومادة «سلم» إلى ~~الإصحاب والملاينة، وهو لا يدعي أن هذا مستمر في جميع اللغة، «بل لو صح من هذ النحو ~~وهذه الصنعة المادة الواحدة تتقلب على ضروب التقلب كان ذلك غريبا معجبا، فكيف به وهو ~~يكاد يساوق الاشتقاق الأصغر ويجاريه إلى المدى الأبعد؟» # 24 # وفي «باب في تصاقب # 25 # الألفاظ لتصاقب المعاني» يعرض ابن جني لأمثلة على تقارب الألفاظ لتقارب ~~معانيها: من ذلك: تؤزهم أزا، أي تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزهم هزا، ~~والهمزة أخت الهاء، فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة ~~لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهز؛ لأنك قد تهز ما لا بال له، ~~كالجذع وساق الشجرة ونحو ذلك. ومنه العسف والأسف، والعين أخت الهمزة، كما أن الأسف يعسف ~~النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من التردد بالعسف، فقد ~~ترى تقارب اللفظين لتقارب المعنيين، ومثله تركيب «ع ل م» في العلامة والعلم، ومنه تركيب ~~«ج ب ل» و«ج ب ن» و«ج ب ر» لتقاربها في موضع واحد، وهو الالتئام والتماسك، منه الجبل ~~لشدته وقوته، وجبن إذا استمسك وتوقف وتجمع، ومنه جبرت العظم ونحوه أي قويته، ومنه الغدر ~~والختل، والمعنيان متقاربان، واللفظان متراسلان، فذاك من «غ د ر» وهذا من «خ ت ل» ~~فالغين ms055 أخت الخاء، والدال أت التاء، والراء أخت اللام # 26 ~~... # وفي «باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني» يقول ابن جني: «اعلم أن هذا موضع شريف ~~لطيف، وقد نبه عليه الخليل وسيبويه، وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته. قال ~~الخليل: كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا: صر، وتوهموا في صوت البازي ~~تقطيعا فقالوا: صرصر. وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان: إنها تأتي ~~للاضطراب والحركة؛ نحو النقزان، والغليان، والغثيان، فقابلوا بتوالي حركات المثال ~~توالي حركات الأفعال، ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة ... وذلك أنك تجد المصادر ~~الرباعية المضعفة تأتي للتكرير، نحو الزعزعة، والقلقلة، والصلصلة، والقعقعة، ~~والجرجرة، والقرقرة ... ومن ذلك أنهم جعلوا «استفعل» في أكثر الأمر للطلب، نحو استسقى، ~~واستطعم، واستوهب، واستمنح، واستقدم عمرا، واستصرخ جعفرا ... ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير ~~العين في المثال دليلا على تكرير الفعل، فقالوا: كسر، وقطع، وفتح، وغلق ... ~~فلما كانت الأفعال دليلة المعاني كرروا أقواها، وجعلوه دليلا على قوة المعنى المحدث ~~به، وهو تكرير الفعل، كما جعلوا تقطيعه في نحو صرصر وحقحق دليلا على تقطيعه ... فأما ~~مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ... من ذلك قولهم خضم وقضم، ~~فالخصم لأكل الرطب، كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب، والقضم للصلب ~~اليابس، قضمت الدابة شعيرها، ونحو ذلك، وفي الخبر «قد يدرك الخضم بالقضم» أي قد ~~يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف؛ وعليه قول أبي الدرداء: «يخضمون ونقضم لليابس، حذوا ~~لمسموع الأصوات على محسوس الأحدث. ومن ذلك قولهم: النضح للماء ونحوه، والنضخ أقوى من ~~النضح، قال الله سبحانه: # فيهما عينان نضاختان # فجعلوا الحاء (لرقتها) للماء الضعيف، والخاء (لغلظها) لما هو أقوى منه ... ومن ذلك أيضا ~~سد وصد، فالسد دون الصد؛ لأن السد للباب يسد، والمنظرة ونحوها، والصد جانب الجبل ~~والوادي والشعب، وهذا أقوى من السد، الذي قد يكون لثقب الكوز ورأس القارورة ونحو ذلك ~~(فجعلوا الصاد لقوتها للأقوى، والسين لضعفها للأضعف)، ومن ذلك القسم والقصم، فالقصم ~~أقوى فعلا من القسم؛ لأن القصم يكون ms056 معه الدق، وقد يقسم بين الشيئين فلا ينكأ أحدهما؛ ~~فلذلك خصت بالأقوى الصاد، وبالأضعف السين ... وقولهم: بحث (عرضنا لها آنفا)، ومن ذلك ~~قولهم: شد الحبل ونحوه، فالشين بما فيها من التفشي تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل قبل ~~استحكام العقد، ثم يليه إحكام الشد والجذب، وتأريب العقد، فيعبر عنه بالدال التي هي ~~أقوى من الشين، لا سيما وهي مدغمة؛ فهي أقوى لصنعتها وأدل على المعنى الذي أريد لها ... ~~ومن ذلك أيضا جر الشيء يجره، قدموا الجيم لأنها حرف شديد، وأول الجر بمشقة على الجار ~~والمجرور جميعا، ثم عقبوا ذلك بالراء، وهو حرف مكرر، وكرروها مع ذلك في نفسها؛ وذلك ~~لأن الشيء إذا جر على الأرض في غالب الأمر اهتز عليها، واضطرب صاعدا عنها، ونازلا ~~إليها، وتكرر ذلك منه على ما فيه من التعتعة والقلق، فكانت الراء - لما فيها من ~~التكرير، ولأنها أيضا قد كررت في نفسها في «جر» و«جررت» - أوفق لهذا المعنى من جميع ~~الحروف غيرها. هذا محجة هذا ومذهبه ... ومن طريف ما مر بي في هذه اللغة التي لا يكاد ~~يعلم بعدها، ولا يحاط بقاصيها، ازدحام الدال والتاء والطاء والراء واللام والنون، ~~إذا مازجتهن الفاء على التقديم والتأخير، فأكثر أحوالها ومجموع معانيها أنها للوهن ~~والضعف ونحوهما، من ذلك «الدالف» للشيخ الضعيف، والشيء التالف ... و«الدنف» المريض ... ~~و«الترفة» لأنها إلى اللين والضعف ... «والطرف» لأن طرف الشيء أضعف من قلبه وأوسطه، ~~و«الفرد» لأن المنفرد إلى الضعف والهلاك ما هو ... و«الفتور» للضعف، و«الطفل» للصبي لضعفه ...» # 27 # ومع تقديرنا العميق لعبقرية ابن جني ونظره اللغوي الثاقب، فليس يخفى ما في بعض أمثلته ~~من التكلف والتعسف، وتمحل العلاقة حيث لا علاقة. يقول د. إبراهيم أنيس: «ألست ترى ~~فيما تقدم قدرا كبيرا من التكلف والتعسف؟ خذ مثلا المادة «سمح» التي لم نعمد إليها ~~عمدا، أو قصدنا إليها قصدا، وإنما كانت أول ما صادفنا حين فتحنا الجزء الأول من قاموس ~~المحيط، أليس منها السماحة التي هي لين ودعة وإشراق؟ ولكن منها أيضا «المسح» وهو ~~إزالة ومحو، ومنها «حمس» ms057 بمعنى اشتد وصلب في القتال، ومنها «السحم» الذي هو السواد ولا ~~إشراق في السواد، ثم منها «حسم» بمعنى قطع، والحسوم الشؤم، الليالي الحسوم التي تحسم ~~الخير عن أهلها! فإذا كان ابن جني قد استطاع، في مشقة وعنت، أن يسوق لنا للبرهنة على ~~ما يزعم بضع مواد من كل مواد اللغة التي يقال إنها في معجم صحاح اللغة تصل إلى أربعين ~~ألفا، وفي معجم لسان العرب تكاد تصل إلى ثمانين ألفا، فليس يكفي مثل هذا القدر الضئيل ~~المتكلف لإثبات ما يسمى بالاشتقاق الكبير.» # 28 ~~«هكذا نرى أن ابن جني كان ممن يؤمنون إيمانا قويا بوجود الرابطة العقلية ~~المنطقية بين الأصوات والمدلولات أو ما يسميه بعض المحدثين بالرمزية الصوتية، بل لقد ~~غالى ابن جني ومعه الثعالبي صاحب فقه اللغة، إذ جعلا مجرد الاشتراك في أصلين فقط من ~~الأصول الثلاثة دليلا على الاشتراك في معنى عام لبعض الكلمات، فيقرر أن المعنى العام ~~للتفرقة يكون بصوتي «الفاء والراء» والمعنى العام للقطاع يكون «بالقاف والطاء»، إلى غير ~~ذلك من تخيلات وتأملات تشبه أحلام اليقظة عند رجل اشتد ولعه وإعجابه باللغة العربية؛ ~~فتصور فيها ما ليس فيها، وأضفى عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ولا تتصف به ~~لغة من لغات البشر.» # 29 # ويرفض البحث اللغوي الحديث هذا كله وإلا فإنه يجب على هذا أن نتصور نوعا ~~من الارتباط بين حروف الفعل «أدرك» وحروف الفعل «فهم» لأن لكل منهما نفس الدلالة؛ وعليه ~~من جهة أخرى أن ننكر من اللغة تلك المئات من الكلمات التي اشتركت لفظا واختلفت معانيها ~~اختلافا بينا (من قبيل: ضرب، فصل، عين ...). # وفي كتابه «دلالة الألفاظ» يقول د. إبراهيم أنيس: «الأمر الذي لم يبد واضحا في علاج ~~كل هؤلاء الباحثين هو وجوب التفرقة بين الصلة الذاتية والصلة المكتسبة، ففي كثير من ~~ألفاظ كل لغة نلحظ تلك الصلة بينها وبين دلالتها، ولكن هذه الصلة لم تنشأ مع تلك ~~الألفاظ أو تولد بمولدها، وإنما اكتسبتها اكتسابا بمرور الأيام وكثرة التداول ~~والاستعمال، وهي في ms058 بعض الألفاظ أوضح منها في البعض الآخر، ومرجع هذا إلى الظروف الخاصة ~~التي تحيط بكل كلمة في تاريخها، وإلى الحالات النفسية المتباينة التي تعرض للمتكلمين ~~والسامعين في أثناء استعمال الكلمات. فإذا تصادف أن عني أحد المتكلمين بأصوات لفظ من ~~الألفاظ، واسترعى انتباهه أكثر من غيره، لا يلبث أن يعقد الصلة الوثيقة بينه وبين ~~دلالته، ويتصور نوعا من المناسبة بين تلك الأصوات وما تدل عليه، ويحاول نقل شعوره إلى ~~غيره ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإذا تصادف أيضا أن أحس فريق من الناس نفس الإحساس، ~~بدأت عملية ذهنية أخرى هي الربط بين هذه الأصوات وأشباهها من الكلمات الأخرى؛ لأن الذهن ~~الإنساني يميل إلى التجميع والتعميم، وتلتقي تلك العملية بعملية نفسية أخرى هي التي ~~تسمى بتداعي المعاني، أي أن المعنى حين يخطر في الذهن يدعو ما يشبهه أو يقاربه، وهنا قد ~~يخطر في الذهن فكرة الربط بين مجموعة من الألفاظ المتشابهة المتقاربة، بمجموعة من ~~المعاني المتشابهة أو المتقاربة، ويترتب على هذا أن يشيع بين أبناء اللغة نوع من الوهم ~~يشعرون معه بوثوق الصلة بين الألفاظ والمدلولات.» # 30 # وقد عرض الأستاذ العقاد لمسألة المحاكاة الصوتية في كتابه «أشتات مجتمات في اللغة ~~والأدب»، تعقيبا على رأي للأستاذ رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) في اختصاص بعض ~~الحروف بمعان معينة؛ فالفاء للإبانة والوضوح، والضاد للشؤم، والحاء للمعاني الشريفة ~~القوية . يقول العقاد: «كان الأستاذ برادة يبحث عن أثر الحروف في السمع وعلاقة ذلك ~~بالفصاحة والإقناع، ويعتقد أن الحاء أظهر الحروف أثرا في الإيحاء بمعاني السعة، حسية ~~كانت أو فكرية، ويعمم الحكم فيسوي بين موقع الحاء في أول الكلمة وموقعها في وسطها أو ~~آخرها، ويتمثل بكلمات الحرية والحياة والحكم والحكمة والحلاوة ... ولقد كان زميله ~~الهلباوي على عادته في الفكاهة والدعابة يسخر من فلسفته «الحائية» كما يسميها، ويقول إن ~~اسم «الحمار» مبدوء بالحاء، وإن أشيع اللفظات على ألسنة النادبات يتردد فيها حرف ~~«الحاء» ... إلا أننا كنا نخالف الأستاذ برادة في تعميم الحكم على الحرف بغير تفرقة بين ~~مواقعه في ms059 الكلمات ومواقعه في السماع، وقد ضربنا له المثل بكلمات لا تغيب عن المحامين ~~على التخصيص وهي كلمات «الحبس والحجر والحرج والحد والحساب والحرس» وغيرها من الكلمات ~~التي تناقض معاني السعة بالحس والتفكير.» # 31 # على أن الأستاذ العقاد ينتهي من هذه المناقشة بقبول مبدأ المحاكاة الصوتية ~~في اللغة العربية بشروط، وبأن العبرة بموقع الحرف من الكلمة لا بمجرد دخوله في تركيبها، ~~وبأن الاستثناء في الدلالة قد يأتي من اختلاف الاعتبار والتقدير، ولا يلزم أن يكون ~~شذوذا في طبيعة الدلالة الحرفية. وما كان العقاد ليفوت فرصة يبين فيها تميز العربية ~~عن غيرها من اللغات دون أن يفيد منها أقصى فائدة ممكنة. # الحق أن ابن جني لا يدعي أن مقارباته المذكورة تشمل اللغة جميعا (واعلم أنا لا ~~ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة)، # 32 # غير أن هذا يعد تقويضا لفكرة المناسبة بين اللفظ والمعنى، وفكرة العلاقة ~~الطبيعية أو الضرورية بين الدال والمدلول. وإذا كان دأب ابن جني التحرج من التعميم ومن ~~الاندفاع إلى وجهة واحدة من الرأي، فإن من تبعه في تأملاته، ومنهم بعض المحدثين من أهل ~~اللغة، لم يأتموا به في تأنيه وترويه وحصافته العلمية، وأخذهم التعميم المتسرع، ~~وفتنتهم الأمثلة المؤيدة، فقالوا بمناسبة اللفظ لمعناه ولم يتحرزوا من الأمثلة ~~المضادة وهي الأعم والأغلب بما لا يقاس. ~~(4) التعميم المتسرع # يقول جودور أولبورت: «ما نكاد نتلقى «حبة» من الوقائع، حتى نشيد منها «قبة» من ~~التعميمات.» ويقول شكسبير في مسرحية «عطيل»: «ولا تشيد صرحا من الأوهام المزعجة على ~~أساس غير متين من ملاحظاته الناقصة.» # لعل «التعميم المتسرع» # Hasty Generalization # من أكثر ~~الأغلاط المنطقية شيوعا؛ فهو يتبطن الكثير من التحيزات العنصرية والنعرات القومية ~~والتعصب الطائفي والأيديولوجي، كذلك يتبطن التعميم المتسرع كثيرا من الأوصاف النمطية ~~عن الشعوب المختلفة، وعن أهل الأقاليم المحلية، وربما يتبطن كثيرا من اعتقاداتنا حول ~~أصناف المنتجات وماركات الأجهزة التي تقوم في الغالب على بضعة أمثلة من واقع خبرتنا ~~الحياتية القصيرة المحدودة. # حين يسمح المرء لعقله أن يشيد تعميمات عريضة على أساس معلومات ms060 شحيحة أو أدلة هزيلة ~~أو أمثلة قليلة أو عينة «غير ممثلة»، فلن يعييه أن يقيض أدلة لكل شيء ويجد بينة ~~لأي دعوى مهما بلغت من السخف والبطلان، ولن يعجزه أن يؤيد أي شيء يميل إلى الاعتقاد به ~~ما دام يعنيه الاعتقاد ولا تعنيه الحقيقة. # ومن الحق أيضا أننا مضطرون إلى التعميم في حياتنا العملية، ولا يسعنا إلا التعميم ~~إذا شئنا أن نفكر في أي شيء أو نتخذ أي قرار، ويبقى أن نتبع الأسلوب العلمي في استخلاص ~~التعميمات، وأن نتجنب التعميم المتسرع جهد استطاعتنا، وأن نملك تعميماتنا ولا تملكنا، ~~أي أن نجعل منها مجرد فروض عمل قابلة للمراجعة والتنقيح لا اعتقادا دوجماطيقيا صلبا ~~يأخذ علينا سبل التأمل ويسد علينا منافذ التفكير. # 33 ~~(5) انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد) # يبدو أن لدينا ميلا صميما إلى أن «نؤيد» # Confirm # فرضياتنا بدلا من أن «نفندنا» # Disconfirm ~~، يفكر ~~الواحد منا هكذا: إذا عثرت على مثال موجب أو أمثلة موجبة أكون قد أيدت فرضيتي، غير ~~أن العثور على مثال يؤيد القاعدة لا يثبت أن القاعدة صادقة، بينما العثور على مثال ~~واحد يكذب القاعدة هو أمر يكفي لأن يثبت كذبها على نحو نهائي حاسم ويقضي عليها قضاء ~~مبرما، التكذيب إذن، وليس التأييد، هو معيار العلم. # 34 # وفي مجال الاستدلال الإحصائي يعد «انحياز ~~التأييد» # Confirmation Bias ~~(أو انحياز ~~التحقيق # Verification Bias ~~) ضربا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة. ~~ومن أجل معادلة هذا الميل البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي بطريقة تلزمنا بأن ~~نحاول «تفنيد» أو «تكذيب» # Falsification # فرضياتنا. # يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية ~~«المخلدة لذاتها» أو «المحققة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا الانحياز هو أن الذهن ~~البشري بحكم تكوينه يجد صعوبة في «معالجة» Processing # الإشارات السالبة أكثر مما يجده في معالجة الإشارات الموجبة. # 35 ~~(6) الجرجاني يومئ إلى مبدأ اعتباطية العلامة # لا نعدم من علماء العربية القدامى من نظر إلى اللغة نظرة أعمق، واستكنه جوهر ~~الظاهرة اللغوية، وتفطن إلى ms061 اعتباطية العلامة اللغوية بحد ذاتها؛ فهذا عبد القاهر ~~الجرجاني في «دلائل الإعجاز» يقول في مفتتح الفصل الثالث: «ومما يجب إحكامه بعقب هذا ~~الفصل الفرق بين قولنا حروف منظومة وكلم منظومة؛ وذلك أن نظم الحروف هو تواليها في ~~النطق فقط وليس نظمها بمقتضى عن معنى (أي ليس واجبا لمعنى اقتضاه) ولا الناظم لها ~~بمقتف في ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع ~~اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب» لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد. وأما نظم الكلم ~~فليس الأمر فيه كذلك؛ لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني وترتبها على حسب ترتيب المعاني ~~في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضم ~~الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق ...»، ويقول بمعرض بيان الإعجاز في نظم الكلم لا في الكلم ~~ذاته: «فقد اتضح إذن اتضاحا لا يدع للشك مجالا أن الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ ~~مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة، وخلافها في ملاءمة معنى ~~اللفظة لمعنى التي تليها أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ، ومما يشهد لذلك ~~أنك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر ...» # 36 # كان الجرجاني حقا ثاقب الفهم لطبيعة الظاهرة اللغوية، ومستبقا لكثير من ~~أفكار دي سوسير وفتجنشتين وسواهما . يقول الجرجاني في الفصل قبل الأخير من «الدلائل»: ~~«اعلم أن ها هنا أصلا أنت ترى الناس فيه في صورة من يعرف من جانب وينكر من جانب آخر، ~~وهو أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن ~~يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم (علم التراكيب # Syntactics ~~) والدليل على ذلك أنا إن زعمنا أن ~~الألفاظ التي هي أوضاع اللغة إنما وضعت ليعرف بها معانيها في أنفسها، لأدى ذلك إلى ms062 ما ~~لا يشك عاقل في استحالته، وهو أن يكونوا قد وضعوا للأجناس الأسماء التي وضعوها لها ~~لنعرفها بها حتى كأنهم لو لم يكونوا قالوا: رجل وفرس ودار، لما كان يكون لنا علم ~~بمعانيها، وحتى لو لم يكونوا قالوا: فعل ويفعل، لما كنا نعرف الخبر في نفسه وفي أصله، ~~ولو لم يكونوا قالوا: افعل، لما كنا نعرف الأمر من أصله ولا نجده في نفوسنا، وحتى لو لم ~~يكونوا قد وضعوا الحروف لكنا نجهل معانيها؛ فلا نعقل نفيا ولا نهيا ولا استفهاما ولا ~~استثناء. وكيف والمواضعة لا تكون ولا تتصور إلا على معلوم، فمحال أن يوضع اسم أو غير ~~اسم لغير معلوم، ولأن المواضعة كالإشارة فكما أنك إذا قلت: خذ ذاك، لم تكن هذه الإشارة ~~لتعرف السامع المشار إليه في نفسه ولكن ليعلم أنه المقصود من بين سائر الأشياء التي ~~تراها تبصرها، كذلك حكم اللفظ مع ما وضع له، ومن هذا الذي يشك أنا لم نعرف الرجل، ~~والفرس، والضرب، والقتل إلا من أساميها؟ لو كان لذلك مساغ في العقل لكان ينبغي إذا ~~قيل: زيد، أن تعرف المسمى بهذا الاسم من غير أن تكون قد شاهدته أو ذكر لك بصفة.» # 37 # النظم إذن هو مقصد المفردات، ومناط المعنى، وجوهر الفصاحة. ~~(7) الضرورة السيكولوجية في علاقة الدال/المدلول # في كتابه «مسائل في اللسانيات» يؤكد بنفنيست وجود علاقة ضرورية بين الدال والمدلول، ~~ولكن بمعنى سيكولوجي معين، يقول بنفنيست، مقتفيا مصطلحات دي سوسير ومحتذيا حذو حجته: ~~«إن العلاقة بين الدال والمدلول ليست اعتباطية بل هي على العكس علاقة ضرورية، فالفكرة ~~أو المفهوم (المدلول) «ثور» مماثل في وعيي بالضرورة للمجموع الصوتي (الدال) ث و ر، وكيف ~~يكون الأمر على خلاف ذلك؟ فكلاهما نقشا في ذهني، وكل منهما يستحضر الآخر في كل الظروف، ~~ثمة بينهما اتحاد وثيق إلى درجة أن الفكرة «ثور» هي بمثابة روح الصورة الصوتية ث و ر. ~~إن الذهن لا يحتوي على أشكال خاوية، أي لا يحتوي على أفكار غير مسماة، إن الذهن لا ~~يتقبل من الأشكال ms063 الصوتية إلا ذلك الشكل الذي يكون حاملا لتمثل يمكنه التعرف ~~عليه، وإلا رفضه بوصفه مجهولا وغريبا، فالدال والمدلول، التمثل الذهني والصورة ~~الصوتية، هما في الواقع وجهان لأمر واحد ويتشكلان معا كالمحتوي والمحتوى، فالدال هو ~~الترجمة الصوتية للفكرة، والمدلول هو المقابل الذهني للدال، إن هذه الوحدة الجوهرية ~~للدال والمدلول هي التي تضمن الوحدة البنيوية للعلامة اللسانية.» # 38 # وصفوة القول أن العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة ضرورية: ضرورية لا في ذاتها، بل ~~في ذاتنا نحن! ~~(8) سطوة اللغة # لو غيرنا أسماء الأشياء جميعا ونمنا، لصحونا على عالم جديد! # اللغة تشيد العقل وتصوغ الفكر، اللغة هي وسيلتنا لإدراك العالم والتعامل معه، لم ~~تعد اللغة مجرد نافذة شفافة تطل على الواقع الكائن هناك بمعزل عنها وعن الطريقة التي ~~تسمى بها الأشياء، يقول شكسبير: «إن ما نسميه (الوردة) سيظل ينشر عبيره ولو تسمى باسم ~~آخر»، وهو قول حق، وأحق منه إن ما نسميه الوردة سوف تختلف رائحته بعض الشيء لو تسمى ~~باسم آخر؛ لأن العناصر الصوتية للاسم الجديد بجميع مصاحباتها وتداعياتها الممكنة سوف ~~تنفذ إلى جماع الوعي وتعيد تشكيل الوقع الحسي المباشر للوردة. إن معرفتنا بالأشياء ~~وتناولنا للأشياء يتأثران حتما بتسميتنا للأشياء، فالأسماء، الدلالة الإشارية، التغطية ~~الرمزية، هي أداتنا لإدراك الواقع، ومهما بلغ بنا وهم الحرية فإن اللغة التي نستخدمها ~~هي التي ترسم الحدود النهائية للعالم كما نعرفه، وإن الشطر الأكبر من هذه اللغة هو شيء ~~مفروض علينا في حقيقة الأمر، شيء يأتينا «جاهزا» من ثقافتنا المحلية التي نعيش فيها ~~وتعيش فينا. ~~«وأمر اللغة ليس مقصورا على ما بينها وبين الأشياء والكائنات من مغايرة بل هي تتجاوز ~~ذلك إلى التأثير في تصورات الإنسان لها، فالكلمات لا تنزل من الحقيقة منزلة الصور التي ~~تشير إليها وتحاكيها، بل تنزل منزلة القوى التي تخلق عالمها وتقرره، بحيث يظهر الروح ~~لذاته في هذا الديالكتيك الذي لا توجد بمقتضاه إلا «حقيقة واحدة» هي ظهور الموجود ~~المتسق ذي السمات.» # 39 ~~«وكما قال همبولت بصدد مشكلة اللغة: يعيش الإنسان مع أشيائه كما ms064 تقدمها له ~~اللغة غالبا (بل لك أن تقول حصرا، في حقيقة الأمر، ما دام شعوره وفعله يتوقفان على ~~إدراكاته)، وبنفس العملية التي يغزل بها اللغة من قلب وجوده الخاص فإنه يوقع نفسه في ~~شركها، فكل لغة ترسم دائرة سحرية حول الشعب الذي تنتمي إليه، دائرة لا مفر منها إلا إذا ~~تخطاها إلى دائرة أخرى.» # 40 # الفصل الخامس # | اللغة والمنطق # هي العرب تقول ما تشاء. # من الطبيعي أن يكون بين اللغة والمنطق تداخل معين ومناطق اهتمام مشترك، فاللغة تعبير عن ~~الفكر، وعليها من ثم أن تراعي مقولاته وتراكيبه، والمنطق بحث في الفكر، وعليه من ثم أن ~~يبحث في أمر التعبير عن هذا الفكر، أي في أمر اللغة، وليس من قبيل المصادفة أن لفظة «منطق» ~~نفسها مشتقة من النطق أو الكلام، بل إن معناها الأصلي بالعربية هو «اللغة» أو «الكلام» # علمنا منطق الطير ~~. # يقول التوحيدي في «المقابسات» على لسان أبي سليمان السجستاني: «النحو منطق عربي، والمنطق ~~نحو عقلي، وجل نظر المنطقي في المعاني، وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ التي هي ~~لها كالحلل والمعارض، وجل نظر النحوي في الألفاظ، وإن كان لا يسوغ له الإخلال بالمعاني ~~التي هي لها كالحقائق والجواهر ... وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط، فكذلك ~~التقصير في تحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط ... النحو نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه ~~وتعتاده، أو تفرقه وتعلل منه، أو تفرقه وتخليه، أو تأباه وتذهب عنه وتستغني بغيره ... والمنطق ~~آلة بها يقع الفصل والتمييز بين ما يقال: هو حق أو باطل، فيما يعتقد؛ وبين ما يقال: هو ~~خير أو شر، فيما يفعل؛ وبين ما يقال: هو صدق أو كذب، فيما يطلق باللسان؛ وبين ما يقال: هو ~~حسن أو قبيح بالفعل ... قلت: فهل يعين أحدهما الآخر؟ قال: نعم، وأي معونة، إذا اجتمع المنطق ~~العقلي والمنطق الحسي فهو الغاية والكمال ... وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيبا يؤدي إلى ~~الحق المعروف أو إلى العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيبا يؤدي إلى الحق ms065 المعترف به ~~من غير عادة سابقة، والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل، والشهادة في النحو مأخوذة من ~~العرف، ودليل النحو طباعي، ودليل المنطق عقلي، والنحو مقصور، والمنطق مبسوط، والنحو يتبع ~~ما في طباع العرب وقد يعتريه الاختلاف، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس وهو مستمر على ~~الائتلاف ...» # 1 # وفي خاتمة المقابسة 24 يقول: «وبهذا يتبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمي بك إلى جانب ~~النحو، والبحث عن النحو يرمي بك إلى جانب المنطق، ولولا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن ~~يكون المنطقي نحويا والنحوي منطقيا، خاصة والنحو واللغة عربية، والمنطق مترجم بها ~~ومفهوم عنها ...» # 2 # كان هذا الفهم للطبيعة العرفية للنحو في مقابل الطبيعة العقلية للمنطق استباقا مبكرا ~~من التوحيدي والسجستاني للفهم الحديث الذي نجد بداياته في حركة # Vaugelas # في فرنسا الذي قال عبارته المشهورة «إن الفيصل ~~هو الاستعمال، وليس للعقل في اللغة مجال»، وكانت الأكاديمية الفرنسية من أنصار هذا الرأي، ~~إذ كانت تجعل مهمتها عرض «القواعد التي وضعها الاستعمال» و«استخلاص هذه القواعد من ملاحظة ~~اللغة الحية»، # 3 # فالشهادة في النحو مأخوذة من العرف وعادة أصحاب اللغة، فما تعودوه من أساليب ~~التعبير وما جرت به ألسنتهم وما ألفوه في كلامهم من طرق معينة في التعبير بالألفاظ؛ هذا هو ~~المصدر الوحيد لنحو كل لغة، والمقياس الوحيد للحكم على الصواب أو الخطأ في الحديث بتلك ~~اللغة. ~~(1) منطق اللغة # للغة منطقها الخاص الذي يختلف عن المنطق العقلي والفلسفي، فاللغة في نهاية التحليل هي ~~نتاج أفراد الجماعة اللغوية جميعا على اختلاف تكوينهم ومقتضى أحوالهم، وأفراد الجماعة ~~اللغوية ليسوا أجيالا من الفلاسفة متشربين بمنطق أرسطو. واللغة لا تستلزم من ~~مستخدميها أحكاما عقلية عميقة، وحسبها أن تكون تعبيرا واضحا مفهوما ومتفقا عليه ~~بين الجماعة، والسلطة اللغوية الحاكمة هي «الجماعة اللغوية»، وهي تحكم بموجب «عرف ~~لغوي»، ومحك الصواب والخطأ في اللغة هو السماع والاستعمال، والقواعد في اللغة قابعة في ~~هذا الاستعمال ومطمورة فيه، وينبغي أن تستخرج أو تستخلص منه ولا تفرض عليه من خارج. ~~اللغة ms066 عرف ومجاز ولا تسلك دائما مسلكا منطقيا. # سئل الكسائي عن شذوذ «أي» الموصولة في استعمالها عن سائر أخواتها الموصولات، فأجاب: ~~«أي ... هكذا خلقت.» وقد صارت عبارته هذه قولا مأثورا يدل على كل ما يتعين اتباعه ~~كما هو دون سؤال عن العلة العقلية، أو يدل على كل ما ليس له تعليل عقلي؛ لأنه، ببساطة، ~~عرف واتفاق وسماع، ومن ذلك: الظواهر اللغوية، فالظاهرة اللغوية بنت العرف والعادة ~~وليست بنت العقل والمنطق. # اللغة لغة والمنطق منطق، ومن يعمل مقولات المنطق في الظواهر اللغوية أو يقيس اللغة ~~بمعايير المنطق فإنه يغترب عن الظاهرة اللغوية، ويقع فيما يسمى «الخطأ المقولي» # Category mistake ~~، شأنه شأن من يقول: الأعداد ~~الحمراء، الفضائل البدينة، القضايا غير القابلة للأكل. إنه، باستعارة تعبير كلايف بل، ~~«يقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، أو يستخدم تلسكوبا لقراءة جريدة!» # يقول ابن جني: «... هذه اللغة أكثرها جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على ~~الحقيقة، وقد قدمنا ذكر ذلك في كتابنا هذا وفي غيره. فلما كانت كذلك، وكان القوم الذين ~~خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها، وانتشار أنحائها، جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه، ~~ويعتادونه منها، وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم، وعادتهم في استعمالها.» # 4 # في كتاب «من أسرار اللغة» يعرض د. إبراهيم أنيس لظواهر لغوية لا تخضع للمنطق، منها ~~«الإفراد والجمع»، فمن اللغات ما يميز الصيغة بين المفرد وغير المفرد (الجمع)، ويتفق في ~~هذا مع التقسيم المنطقي عند الحديث عن الكم ومنها (اللغات السامية) ما يتخذ في الكم ~~ثلاث صيغ: المفرد والمثنى والجمع، بل يذهب البعض إلى أن العربية أمعنت في التمييز فعرفت ~~جمع الكثرة وجمع القلة وجمع الجمع (وهو أمر غامض غير مطرد). وهناك لغات أفريقية تتخذ ~~صيغة للمفرد، وأخرى للمثنى، وثالثة للمثلث، ورابعة للجمع! وما قد يعد مفردا في لغة ~~قد يستعمل جمعا في لغة أخرى (مثل # Shoes # حذاء، # Trousers # بنطال، # Moustaches # شارب، # Scissors # مقص). وفي العربية لا نجمع امرأة ولا نفرد ~~نساء، وقد نستعمل «قدم» ونقصد المثنى (قدمين)، وقد ms067 نستعمل المثنى (قفا نبك) ونقصد ~~المفرد أو نقصد حتى الذات! وقد يستعمل الجمع ويراد المثنى # فقد ~~صغت قلوبكما ~~، # هذان خصمان ~~اختصموا ~~، وقد يستعمل المفرد ويراد الجمع # هؤلاء ~~ضيفي ~~، # فإنهم عدو لي ~~، # ثم نخرجكم طفلا ~~. يقول د. أنيس: «ومهما أجهد ~~اللغويون أنفسهم في تبرير مثل تلك الاستعمالات، فلن يستطيعوا إنكار أنها لا تمت ~~للمنطق العام بصلة؛ وذلك لأن للغات منطقها الخاص.» # 5 # ومن الظواهر اللغوية التي لا تخضع للمنطق «التذكير والتأنيث»: من اللغات ما يقسم ~~الكيانات إلى مؤنث ومذكر، ومنها ما يقسمها إلى مؤنث ومذكر ومحايد، ومنها ما قصر الأمر ~~على الحي والجماد! وقد يصيب التغير بعض الأسماء المؤنثة فتصبح مذكرا أو العكس، وقد ~~فقدت الفروع الحديثة للاتينية (الفرنسية والإسبانية والإيطالية، والبرتغالية ~~والرومانية) الصيغة المحايدة، وأصبحت الأسماء المحايدة في اللاتينية مؤنثة أو مذكرة في ~~اللغات الجديدة، وروي أن أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق ... ~~وأن بني تميم يذكرون كل ذلك. وقيل إن جمع الجنس كالبقر والتمر والشعير، يذكر ~~ويؤنث، وإن هنا أيضا بعض التفاوت بين القبائل في التذكير والتأنيث. ومعروف أن من ~~الكلمات ما هو مذكر في لغة ومؤنث في غيرها (الشمس مذكر في الفرنسية، مؤنثة في العربية، ~~جائزة الأمرين في العبرية والآرامية)، ويقسم النحاة العرب التأنيث إلى مؤنث حقيقي ~~ومؤنث مجازي، ولكل منهما أحكامه اللغوية، وقد تستعمل الصفة المذكرة للمؤنث (امرأة كاعب، ~~ناهد، عانس، طالق، عجوز، طروب، حامل، مرضع، أيم، عاقر، وبقرة فارض، وناقة شافع ... إلخ) ~~وتستعمل الصفة المؤنثة للمذكر (رجل داهية، علامة، باقعة، نابغة ...)، وتقبل العربية صيغا ~~مثل: «قالت الأعراب»، «قالت اليهود »، «بلدة ميتا»، «السماء ~~منفطر به»، «سبيل الرشد لا يتخذوه»، «هذه سبيلي»، # 6 # وفي مسألة التذكير والتأنيث بصفة خاصة تتجلى بوضوح عرفية الظاهرة اللغوية ~~وخصوصيتها وتأبيها على المنطق الصوري والرياضي. # و«الأزمنة» في اللغة وطريقة رصدها والتعبير عنها؛ تتفاوت بين اللغات ولا تخضع لمنطق ~~عام يشملها جميعا، ثمة تقسيم سباعي للزمن عند المحدثين: قبل الماضي - الماضي - بعد ~~الماضي - الحاضر - قبل المستقبل - المستقبل - بعد المستقبل. وكثير من اللغات ms068 ~~الهندوأوروبية تحرص على التعبير عن معظم تلك الأزمنة. وفي الإنجليزية على سبيل المثال ~~نجد صيغا محددة لهذه الأزمنة السبعة جميعا، أما في الفصيلة السامية فنرى أن معظم ~~لغاتها قد اتخذت صيغا قليلة العدد للتعبير عن تلك الأزمنة السبعة في صورة غامضة بعيدة ~~عن التحديد المنطقي. ويقسم النحاة العرب الأزمان إلى ثلاثة: الماضي والحالي والمستقبل، ~~مكتفين بتلك الأزمنة الأساسية، ولما رأوا للفعل ثلاث صيغ فقد اختصوا كلا منها بزمن من ~~تلك الأزمنة الثلاثة، وجعلوا الفعل المسمى بالماضي لكل حدث مضى وانتهى أمره، إلا أن ~~دخول «قد» على هذا الفعل يقربه من زمن الحال، وجعلوا الأمر للزمن الحالي، وخصصوا ~~المضارع بالمستقبل ولا سيما حين يتصل بالسين أو سوف، وفي قليل من الأحيان جعلوه للحال ~~أيضا، وحين رأوا الخلل يتسرب إلى تقسيمهم من نواح عدة، بدءوا كعادتهم يحملون ~~الكلام العربي ما ليس منه، ويتأولون من النصوص الصحيحة ما ليس بحاجة إلى تأويل أو ~~تخريج، فإذا استعمل الماضي مكان المضارع قالوا لحكمة أرادها المتكلم أو الكاتب، وإذا ~~استعمل المضارع مكان الماضي التمسوا في هذا نكتة بلاغية هللوا لها وكبروا، وما كان ~~أغناهم عن كل هذا التعسف لو أنهم نظروا إلى صيغ الفعل وأساليبها بعيدا عن الفكرة ~~الزمنية، من ذلك ما جاء في الأثر من أن المضارع قد يستعمل مكان الماضي، والعكس أيضا، ~~مثل قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # أي سيأتي، وقوله: # واتبعوا ما تتلو الشياطين # أي تلت، ومثل: # وكان الله غفورا رحيما # أي ولا يزال ~~... إلخ، ولا شك أن ربط الصيغة بزمن معين يحملنا في العربية على كثير من التكلف والتعسف ~~في فهم أساليبها، ومن الواجب أن نفصل بينهما، وأن ندرس أساليب الصيغ مستقلة عن الزمن، ~~دراسة لغوية لا منطقية؛ لندرك ما فيها من جمال وحسن ... وفعل الشرط وجوابه قد يكونان ~~مضارعين، وقد يكونان ماضيين، وقد يكون الأول ماضيا والثاني مضارعا! واستعمالات أخرى ~~مثل «بعتك الدار» أي أبيعك، و«رحمك الله» أي يرحمك، وغير ذلك من أساليب العربية، وفي ~~العبرية أسلوب شائع يستعمل ms069 الماضي مكان الأمر مثل: «اذهب وقلت لهذا الشعب»! وصفوة القول ~~أن اللغات بوجه عام قد سلكت طرقا متباينة في ربطها بين الزمن والصيغ، وأن سلوكها وإن ~~كان واضحا كل الوضوح من الناحية اللغوية، لا يمت للمنطق العام بصلة وثيقة. # 7 # وأخيرا يعرض د. أنيس ل «النفي اللغوي»، فيقول: إن للغات منطقها الخاص، والنفي في ~~اللغات رغم أنه معنى عقلي مشترك بين جميع العقول، عبرت عنه اللغات بسبل وأساليب لا ~~تطابق دائما الأساليب المنطقية أو الرياضية، من ذلك أن قانون عدم التناقض لا يسري على ~~التعبير اللغوي، فاللغة لا تمنع المتحدث من أن يقول إن فلانا غني وغير غني في آن واحد، ~~أو وطني وغير وطني، وفقا لمعنى معين أو تفسير ما، وفي الذكر الحكيم: # هو الأول والآخر والظاهر والباطن ~~، لم ~~يجد المفسرون أي صعوبة في فهم ذلك؛ فالله هو الظاهر لأن آثاره بادية للعيان، وهو الباطن ~~لأنه سبحانه لا تدركه الأبصار، وربما كان من أوضح الفروق بين النفي اللغوي والنفي ~~المنطقي أن نفي النفي ينتج الإثبات في المنطق، ولكنه من الناحية اللغوية ليس إلا ~~تأكيدا للنفي! فاللغات حين تكرر الأداة في موضع ما من الجملة إنما تهدف بهذا إلى توكيد ~~فكرة النفي، لا إلى الإثبات، مثال ذلك قول العامة من الإنجليز: # I ~~haven’t done nothing ~~، ومثله كثير في جميع اللغات قديمها وحديثها، ~~ذلك أن للغات منطقها الخاص، ولأساليبها طرقها الخاصة التي يجب عرضها وتفسيرها لا في ضوء ~~المنطق العام، بل في ضوء المنطق اللغوي والاستعمال اللغوي، وفي ضوء العوامل النفسية ~~التي قد يتأثر بها المتكلم والسامع حين التعبير عما يدور بخلد كل منهما، بأسلوب لغوي خاص. # 8 ~~(2) منهج البحث اللغوي # اللغة ظاهرة اجتماعية، شأنها شأن العادات والتقاليد والطقوس والملابس وطرائق المعيشة، ~~ومن ثم فإن المنهج المناسب لدراستها هو المنهج الاستقرائي الوصفي: ملاحظة الوقائع ~~الجزئية، ثم استخلاص المبادئ العامة التي تنتظمها، وليس المنهج الاستنباطي المعياري ~~الذي يتجه من العام إلى الخاص، ويفرض المبادئ العامة، من فوق؛ ليضمن صواب الفكر واتساقه ~~مع ms070 نفسه. يقول د. تمام حسان: «اللغة موضوع من موضوعات الوصف، كالتشريح، لا مجموعة من ~~القواعد كالقانون. والباحث في تشريح الجسم الإنساني لا يتوقع منه أن يعبر عن أفكاره ~~بقوله يجب أن تكون العضلة الفلانية بهذا الوضع، أو يجب أن يكون العظم الفلاني بهذا ~~الحجم أو الصورة، وكذلك الباحث في تشريح اللغة لا ينبغي أن يعبر عن موقفه من موضوعه ~~بالنص على ما يجوز وما لا يجوز، و«هم اللغوي لهذا السبب هو أن يصف الحقائق لا أن ~~يفرض القواعد»، وإن الدراسة الوصفية لتختار مرحلة بعينها، من لغة بعينها، لتصفها وصفا ~~استقرائيا، وتتخذ النواحي المشتركة بين المفردات الداخلة في هذا الاستقراء وتسميها ~~قواعد، فالقاعدة في الدراسة الوصفية ليست معيارا، وإنما هي جهة اشتراك بين حالات ~~الاستعمال الفعلية.» # 9 # وإذا كان النحاة الأوائل قد اتخذوا منهجا استقرائيا وصفيا يبدأ من جمع النصوص ~~اللغوية وملاحظتها، ويمضي إلى استخلاص القواعد العامة التي تنتظمها، فإن النحاة ~~المتأخرين قد اتخذوا «طريقا عكسيا» # Via negative ~~: ~~فبدءوا من القواعد العامة وفرضوها على النصوص، والحق أنه لم تكن القواعد في الحالتين ~~تعكس لغة العرب كما هي قائمة بالفعل، وإنما تعكس أفكار النحاة وعقولهم التي شكلها ~~المنطق الأرسطي وأثر فيها بالغ الأثر، يقول د. إبراهيم بيومي مدكور في بحثه الشهير ~~«منطق أرسطو والنحو العربي» (المجمع 148): «ولا شك في أن المنطق الأرسطي قد صادف في ~~القرون الوسطى المسيحية والإسلامية نجاحا لم يصادفه أي جزء آخر من فلسفة المعلم الأول: ~~فعرف أرسطو المنطقي قبل أن يعرف أرسطو الميتافيزيقي، وترجم الأرجانون قبل أن يترجم ~~كتاب الطبيعة أو كتاب الحيوان. وللأرجانون # 10 # في العالم العربي منزلة خاصة، فكانت أجزاؤه الأولى أول ما ترجم من الكتب ~~الفلسفية إلى اللغة العربية، ثم ألحقت الأجزاء الأخرى فترجمت وشرحت واختصرت، وتوالى ~~البحث في المنطق لدى المدارس الإسلامية المختلفة عند الفلاسفة والمتكلمين، بل وعند ~~الفقهاء ... ولم يقف الأمر فيما نعتقد عند الفقه والكلام والفلسفة، بل امتد إلى دراسات ~~أخرى من بينها النحو، وقد أثر فيه المنطق الأرسطي من جانبين: أحدهما ms071 موضوعي، والآخر ~~منهجي، فتأثر النحو العربي عن قرب أو بعد بما ورد على لسان أرسطو في كتبه المنطقية من ~~قواعد نحوية، وأريد بالقياس النحوي أن يحدد ويوضع على نحو ما حدده القياس ~~المنطقي.» # وقد أشار اللغوي الإنجليزي روبرت هنري روبنز في كتابه «موجز تاريخ علم اللغة» إلى ~~تأثر النحو العربي بالمنطق الأرسطي، إذ يقول: «نشأ تنافس مهم بين مدارس فقه اللغة ~~المختلفة في العالم العربي، ونلمس التأثير الأرسطي - خاصة في مدرسة البصرة - بوصفه ~~جزءا من التأثير الأوسع للفلسفة اليونانية والعلم اليوناني على المعرفة العربية، وقد ~~شددت مدرسة البصرة على الاطراد الصارم وعلى الطبيعة النظامية للغة بوصفها وسيلة الحديث ~~المنطقي عن عالم الظواهر، وهنا يمكن القول إن أفكار أرسطو عن القياس قد تركت أثرها، وقد ~~أولت مجموعة من العلماء اللغويين في الكوفة أهمية أكبر للاختلاف في اللغة كما هو ~~موجود بالفعل (السماع) بما في ذلك الاختلافات اللهجية وما هو واقع في النصوص كما أقرت، ~~وهذه المدرسة تعتنق إلى حد ما وجهات نظر «شذوذية» # Anomalist ~~... على أنه من المؤكد أن اللغويين العرب قد طوروا وجهات نظر ~~خاصة بهم في دراستهم النظامية للغتهم، ولم يفرضوا عليها بأي حال النماذج اليونانية ~~مثلما فعل النحاة اللاتين.» # 11 # ومن الحق أن «مذهب» المرء في منشأ اللغة يملي عليه «منهجه» في دراستها: فأنت إذا قنعت ~~بأن اللغة عرف اجتماعي اتفاقي فسوف تقنع في دراستها بالوصف المحايد والاستقراء السمح، ~~أما إذا امتلأت بأنها «توقيف» إلهي # 12 # أو اصطلاح حكماء أو سليقة عربية سحرية فسوف يتملكك وسواس البحث عن الحكمة ~~أو «العلة»، وسوف تصطنع في دراستها القياس والتعليل والتأويل. # ليست العربية توقيفا إلهيا، لقد اخترعت اللغة كما يقول هيردر «بوسائل الإنسان ~~الخاصة، ولم تبتكر بصورة آلية بطريق التعليمات الإلهية، لم يكن الله هو الذي اخترع ~~اللغة للإنسان، ولكن الإنسان نفسه هو الذي اضطر إلى اختراعها بطريق ممارسته قدراته ~~الخاصة.» وليست اللغة اصطلاحا بين حكماء، من البشر أو غير البشر، كما بينا ذلك في ~~موضعه، وليست اللغة سليقة عربية سحرية ms072 تتلبس بالأعراب وتسري منهم مسرى الدم وتجعلهم ~~المفوضين في اللغة وتكسبهم معرفة بمواقع الكلام وعللا تقوم في العقول، وإنما اللغة ~~اكتساب وتعلم اجتماعي بالممارسة والاعتياد. # فإذا ما تخلى الباحث عن المنهج الوصفي الاستقرائي ولجأ إلى التفكير القياسي المعياري ~~يكون قد نأى بنفس القدر عن مجال عمله وجعل دراسته مؤسسة على المنطق. وفي مستهل كتابه ~~«علم اللغة العام» يقول دي سوسير: «لقد اهتم الدارسون في بادئ الأمر بفرع من فروع ~~المعرفة سمي بالنحو. إن هذه الدراسة التي بدأها الإغريق وأخذها عنهم الفرنسيون اعتمدت ~~على علم المنطق، وهي تفتقر إلى النظرة العلمية ولا ترتبط باللغة نفسها، وليس لها من هدف ~~سوى وضع القواعد التي تميز الصيغ الصحيحة وغير الصحيحة، فهي دراسة معيارية تبتعد كثيرا ~~عن الملاحظة الخالصة للوقائع، ومجالها محدود ضيق.» # 13 # لقد كانت دراسة اللغة تدور في مبدأ الأمر على تلقي النصوص من أفواه الرواة، ومشافهة ~~الأعراب وفصحاء الحاضرة، فكان ثمة مجال للاستقراء واستخلاص القاعدة من تقصي سلوك ~~المفردات والأمثلة، ومن ثم رأينا الدراسات العربية الأولى تتسم بالوصف، وتنأى إلى حد ~~كبير عن المعيار، ثم وضع حد فاصل انتهى عنده عصر الاحتجاج، وجاء وقت كان الرواة عنده ~~قد أفرغوا ما في جعبتهم، وبذا جفت روافد الرواية، وانحسر المد الذي كان يفيض على ~~الحواضر، فوجد النحاة أنفسهم وجها لوجه مع تجربة جديدة، هي أن يتكلموا في النحو دون ~~اعتماد على روايات جديدة، وبذا أصبحت الروايات القديمة مقاييس متحجرة كان من الواجب في ~~رأي النحاة على طلاب الفصاحة أن يحتذوها، وبدأ الكلام عند هذا الحد فيما يجوز وفيما لا ~~يجوز من التراكيب، بل بدأ الكلام فيما يجب منها أيضا. # 14 # وثمة ما يشير من الوجهة التاريخية إلى أن المنطق الأرسطي نشأ متأثرا بالنحو ~~الإغريقي، وأن النحو العربي نشأ متأثرا بالفكر الأرسطي، فقد استعان أرسطو في وضعه ~~للوحة «المقولات» # Categories # بالتقسيمات اللغوية، ثم ~~جاء النحو العربي فورث عن أرسطو خلطه بين النحو والمنطق، وعمل على تطبيق المقولات ~~الأرسطية العشر على اللغة، كما أخذ عن ms073 أرسطو أقيسته المنطقية وعلله الأربع، وسعى إلى ~~تطبيقها في المسائل النحوية، وكانت النتيجة كارثية كشأن أي محاولة لفرض قوالب شيء على ~~شيء آخر من غير جنسه. ~~(3) المقولات الأرسطية # كلمة «قاطيغورياس» عند أرسطو تعني الإضافة أو الإسناد، ومن ثم فالمقولات # Categories # هي أمور مضافة أو مسندة أو «مقولة»، أي ~~«محمولات» Predicates ~~، أو بتعريف أدق: المقولة معنى كلي ~~يمكن أن يدخل محمولا في قضية. والمقولات الأرسطية العشر تقابل جميع الأجوبة التي تقال ~~عن جملة الأسئلة التي يمكن أن تثار بصدد شيء ما. وهذه الأسئلة عشرة يجاب عنها بعشرة ~~محمولات، فإذا اتخذنا من الإنسان مثلا كانت الأسئلة والأجوبة كما يأتي: # 15 # سؤال # جواب # ما هو؟ # جوهر # ما كميته؟ بدين أم نحيف؟ طويل أم قصير؟ # كم # أهو طيب أم رديء؟ عالم أم جاهل؟ # كيف # أهو أب أم ابن؟ سيد أم خادم؟ # إضافة # ماذا يفعل؟ # فعل # ماذا يقبل؟ ماذا يصيبه؟ # انفعال # ما مقره؟ أين هو؟ # مكان # في أي وقت؟ # زمان # ما هيئته؟ أهو جالس أم نائم أم قائم؟ # وضع # ماذا يلبس؟ # ملك # مقولة الجوهر: # نظر النحاة إلى اللغة نظرتهم إلى الأشياء فجعلوا للكلمة «جوهرا» # Substance ~~، ورأوا أن جوهر الكلمة لا ~~يتغير إلا بإعلال أو إبدال، بل إن للجملة جوهرا، ومن ثم فإذا غاب شيء ~~من هذا الجوهر تعين علينا تقديره، خذ مثلا عبارة «زيد قام»، فإن ~~«قام» هنا فيها ضمير فاعل تقديره «هو»، ولا يصلح «زيد» أن يكون فاعل ~~«قام» لأن الفاعل لا يتقدم على فعله (وفقا لمقولة المكان التي ستأتي)، ~~وإذ لا بد للفعل من فاعل فنحن «نقدره» هنا على أنه الضمير «هو». # مقولة الكم: # يقول د. تمام حسان إن النحاة «ربما عرفوا أن المدة # Duration # التي يستغرقها نطق صوت من ~~الأصوات لا تتناسب طردا ولا عكسا مع كميته الطولية # Quantity ~~، ومع هذا أصروا على خلق وحدات طولية ~~فكرية في دراسة الأصوات العربية، فالحرف المشدد بحرفين وإن قصرت مدته ~~عن مدة الحرف المفرد في بعض النطق، والفتحة نصف الألف اللينة في نظرهم ~~إذا كانت ms074 كتلك القصيرة المدة التي في آخر «منى» من قولنا «منى النفس»، ~~والتفكير المنطقي هنا واضح كل الوضوح، وعلى الأخص إذا عرفنا أن بعض ~~التجارب الآلية التي قمت بها على لهجة عدن قد برهنت إلى درجة تعزز ~~ملاحظتي الخاصة تعزيزا كاملا على أن الصوت المفرد الأخير الساكن في ~~الكلام أطول من نظيره المشدد في الوسط من جهة المدة وإن كان أقصر منه ~~من جهة الكم.» # 16 # مقولة الكيف: # يتضح تطبيقها من نسبة كيفيات استعدادية لبعض الأفعال الثلاثية (مثل ~~المقصور والأجوف والناقص) ولبعض الأسماء (المقصور، المنقوص ...) وبعض ~~الحروف (الألف اللينة)، ومن ذلك أيضا التقسيم إلى مفرد ومثنى وجمع ~~واتصاله بفكرة الكيفيات الكمية. # مقولة الزمان: # أما تطبيق مقولة الزمان على دراسة اللغة بلا تفريق بين الزمان ~~الفلسفي والزمن النحوي فواضح في تقسيم الفعل دون نظر إلى استعمالاته، ~~فالفعل إما ماض أو مضارع أو أمر، والماضي ما دل على حدث مضى قبل زمن ~~التكلم، والمضارع ما دل على حدث في الحال أو الاستقبال ... إلخ. ويضطر ~~النحاة بعد هذا التقسيم المنطقي أن يعتذروا كلما خذلهم الاستعمال ~~النحوي، فهم يعتذرون عن الفعل المضارع الدال على المضي حين يقترن بلم، ~~ويعتذرون عنه في تعبير مثل «إن تكن عاد قد بادت فما بادت خصالها»، ~~وعنه في قوله تعالى: # قد يعلم الله ~~المعوقين منكم ~~، وعن الماضي في قوله تعالى: # وكان الله غفورا رحيما ~~، وفي ~~قوله تعالى: # إذا جاء نصر الله ~~والفتح # إلخ، كل ذلك لخلطهم في التفكير بين الزمان ~~الفلسفي والزمن النحوي، ولو أعطوا للزمن النحوي وظيفة التفريق بين ~~الصيغ لا الدلالة على المضي والحضور والاستقبال لكان ذلك أشبه بالدراسة ~~النحوية. # مقولة المكان: # لهذه المقولة نفوذ كبير على تفكير النحاة يتجلى في: # تقدير الحركات على أواخر الكلمات سواء منع من ظهورها ~~الثقل أو التعذر. # فكرتي الإعلال (تغيير شكل في مكان معين) والإبدال (بوضع ~~شيء مكان شيء آخر). # ضرورة أن يكون الفاعل بعد الفعل، وقد سبق أن قلنا في ~~مقولة الجوهر: إنه في عبارة «زيد قام» لا بد للفعل «قام» ms075 ~~من فاعل، ولا بد أن يكون هذا الفاعل بعد الفعل، ومن الواضح ~~أن هذه قواعد ذهنية مفروضة على الصيغ، والصيغ في غنى عنها ~~ودالة بذاتها. # مقولة الإضافة: # فهم النحاة العرب كل فعل بالإضافة إلى فاعله، فإذا لم يكن للفعل فاعل ~~مذكور في الجملة فلا أقل من أن يقدره النحاة ليكون تفكيرهم متمشيا مع ~~منطق المقولات، وهنا نعود مرة أخرى إلى مثال ابن مضاء (زيد قام) ~~لنقول: إن زيدا برغم كونه موجودا في الجملة لم يصلح فاعلا لتحكم ~~فكرة المكان، فالفاعل يأتي بعد الفعل لا قبله، وإذا لم يصلح فاعلا فلا بد إذن أن نقدر فاعلا في الجملة، برغم أن صيغة الفعل الماضي تدل هنا ~~بشكلها ودون الحاجة إلى تقدير على أن الفاعل مذكر غائب، ولو كان غير ~~ذلك لغيرت صيغة الفعل، ومقولة الإضافة أيضا مسئولة عن فكرة الإمالة ~~فالاسم الممال إنما اعتبر ممالا بالإضافة إلى اسم آخر ألفه صريحة ~~بقطع النظر عن أن كلا منهما أصل في لهجته الخاصة به، ولو درسنا ~~اللهجة التي فيها الإمالة بمفردها ما احتجنا إلى التفكير في هذا الباب ~~على الإطلاق، ولكن النحاة العرب أبوا إلا أن يدرسوا مجموعة من اللهجات ~~في نحو واحد، ومن هنا جاءت شدة الاضطرار إلى التقسيم إلى شاذ ~~ومطرد. # مقولة الوضع: # مسئولة عن فكرة الوضع الإعرابي الذي يفرض على الجملة برغم امتناع ~~ظهور حركة إعرابية عليها، فتكون في محل رفع خبرا (مثل «قام» في زيد ~~قام)، أو في محل نصب حالا، أو في محل جر صفة، أو في محل نصب مقول ~~القول ... إلخ. # مقولة الملك: # مسئولة عن تهميش الحركات (الفتحة، الكسرة، الضمة، السكون ...) في اللغة ~~العربية، وتحولها إلى مجرد «علامات» على الحروف الصحيحة، رغم أنها حروف ~~في كل لغات العالم، فالحرف الصحيح في اللغة العربية يكون مضموما (ب) ~~أو مفتوحا (ب) أو مكسورا (ب) ... إلخ وكأن الحركة مجرد وصف للحرف ~~الصحيح و«ملك» يمين له! غير أن العروضيين قد قلبوا الأوضاع فأعلوا شأن ~~الحركات وألغوا الحرف إلغاء، فرمزوا بالشرطة إلى الحرف ms076 ذي الحركة ~~(متحرك -)، وبالدائرة إلى الحرف الساكن أو المد (ساكن ~~° ~~). # مقولة القابلية والفاعلية: # المقولة التاسعة مقولة «ينفعل» والانفعال هو قبول أثر المؤثر، ~~والمقولة العاشرة هي مقولة «يفعل» وهو التأثير في الشيء الذي يقبل ~~الأثر، مثل التسخين والتسخن، والقطع والانقطاع، # 17 # وهاتان المقولتان هما من وراء نظرية العامل في النحو، ~~«فإذا كان الشيء إما فاعلا وإما قابلا فلماذا لا تكون الكلمات كذلك؟ ~~ولماذا لا يكون بعض الكلمات عاملا في بعضها الآخر؟ مثال ذلك «حضر ~~زيد» فإن كلمة «زيد» قبلت تأثير الفعل «حضر» وهو الرفع على الفاعلية ~~وحركته (الضمة) هي ملك الحرف الأخير، الدال (مقولة الملك)، ومثال آخر: ~~«عليك نفسك» فإن كلمة «نفس» قبلت تأثير اسم الفعل «عليك» وهو النصب على ~~المفعولية، وحركته (الفتحة) تخص الحرف الأخير (السين) وتتبعه.» # لقد رأى النحاة الإعراب بالحركات وغيرها عوارض للكلام تتبدل بتبدل التركيب، على نظام ~~فيه شيء من الاطراد، فقالوا: عرض حادث لا بد له من محدث، وأثر لا بد له من مؤثر، ولم ~~يقبلوا أن يكون المتكلم محدث هذا الأثر؛ لأنه ليس حرا فيه يحدثه متى شاء، وطلبوا لهذا ~~الأثر عاملا مقتضيا، وعلة موجبة، وبحثوا عنها في الكلام، فعددوا هذه العوامل، ~~ورسموا قوانينها ... لقد تصوروا «عوامل» الإعراب كأنما هي موجودات فاعلة مؤثرة، قال ~~الإمام الرضي: «والنحاة يجرون عوامل الإعراب كالمؤثرات الحقيقية.» # 18 # وقد عدد الجرجاني العوامل المائة وقسمها إلى فئات، فبدت شديدة السهولة والوضوح، ~~غير أنها تعرضت في مطولات النحو للاضطراب والتعقيد من نواح عديدة: ناحية العامل الواحد ~~في إعماله أو إهماله، وناحية توجيه المعمول الواحد حسب عوامل مختلفة، وغير ذلك مما يشق ~~على الحبر المتخصص بله القارئ العادي، ومما جعل باحثا مثل د. تمام حسان يقول في ~~ختام تناوله لنظرية العامل في كتابه «اللغة بين المعيارية والوصفية»: «ما العامل إذن؟ ~~الحقيقة أنه لا عامل. إن وضع اللغة يجعلها منظمة من الأجهزة، وكل جهاز منها متكامل مع ~~الأجهزة الأخرى، ويتكون من عدد من الطرق التركيبية العرفية المرتبطة بالمعاني اللغوية، ~~فكل طريقة تركيبية منها تتجه ms077 إلى بيان معنى من المعاني الوظيفية في اللغة، فإذا كان ~~الفاعل مرفوعا في النحو فلأن العرف ربط بين فكرتي الفاعلية والرفع دون ما سبب منطقي ~~واضح، وكان من الجائز جدا أن يكون الفاعل منصوبا، والمفعول مرفوعا، لو أن المصادفة ~~العرفية لم تجر على النحو الذي جرت عليه. المقصود من أية حركة إعرابية إذن هو الربط ~~بينها وبين معنى وظيفي خاص، وقد جاءت هذه الحركة في نمطية اللغة على هذه الصورة لأن ~~العرف ارتضاها كذلك، والشرط الوحيد في كل ذلك أن يكون هناك ارتباط تام بين اختلاف ~~الحركات واختلاف الأبواب النحوية التي ترمز إليها، أي أن يراعى في الفرق بين باب الفاعل ~~وباب المفعول مثلا أن يعبر عنه بفرق شكلي يظهر بين الحركة الإعرابية الدالة على الفاعل ~~وبين الحركة الإعرابية الدالة على المفعول ... وذلك هو المقصود بقول ابن جني: ولو تكلف ~~متكلف نقضها لكان ذلك ممكنا.» # 19 ~~(4) العلة # مرت بنا هيفاء مقدودة # تركية تنمى لتركي # ترنو بطرف ساحر فاتر # أضعف من حجة نحوي ~~«العلة» هي ما يؤثر في غيره ويقابل «المعلول». والعلل عند أرسطو أربع: فاعلة كالنجار ~~الذي يصنع الكرسي، ومادية وهي الخشب الذي يصنع منه، وصورية وهي الهيئة التي يتم عليها ~~شكله، وغائية وهي الجلوس عليه. وقد تسرب التعليل من المنطق الأرسطي إلى النحو العربي، ~~ثم نما وتضخم وتحول إلى صناعة فكرية تجهد الذهن ولا تعود بفائدة على النطق. # فقد قسم النحاة العلل النحوية إلى نوعين: نوع يؤدي إلى معرفة كلام العرب، كقولنا: كل ~~فاعل مرفوع. ونوع آخر يسمى «علة العلة» مثل أن يقولوا: لم صار الفاعل مرفوعا والمفعول ~~به منصوبا؟ ولم إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحا قلبتا ألفا؟ وهذا ليس ~~يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما تستخرج منه حكمتها في الأصول التي وضعتها، ~~وتبين بها فضل هذه اللغة على غيرها من اللغات.» # 20 # يطلق الزجاجي على النوع الأول «العلل التعليمية»، وعلى الثاني «العلل ~~القياسية» و«العلل الجدلية والنظرية»، ويطلق ابن مضاء على النوع الأول «العلل الأول» ms078 ~~(بمعرفتها تحصل لنا المعرفة بالنطق بكلام العرب) في مقابل «العلل الثواني والثوالث» وهي ~~«لا تفيدنا إلا أن العرب أمة حكيمة»، ويقسم العلل أيضا إلى «علل كسب» تكسبنا أن نتكلم ~~كما تكلمت العرب، و«علل حكمة» تظهر لنا حكمتها في الأصول التي وضعتها. # ومنذ البداية يطالعنا خلط في استخدام النحاة لمصطلح «التعليل» نفسه! فهم تارة ~~يستخدمونه للإشارة إلى طريقة عمل النظام اللغوي، وهو ما نسميه اليوم ب «الوصف»، وتارة ~~يستخدمونه بمعنى «السبب الذي يجعل النظام اللغوي يعمل بالطريقة التي يعمل بها»، وهو ~~المعنى الصحيح والقويم لكلمة «التعليل». وإن هذا الخلط المبدئي ليعكس خلطا في الفهم ~~نفسه، ولقد كان ينبغي أن يقيض مصطلح خاص لكل من العمليتين المختلفتين اختلافا ~~نوعيا. # من المسلم به اليوم أن العلم لا يخوض في العلل الغائية للظواهر، وأن المنهج العلمي ~~لا يعنيه إلا وصف الظواهر واستخلاص القوانين التي تطرد عليها، وباختصار: لا يعنيه إلا ~~الإجابة عن «كيف»، أما إذا تخطى هذا النطاق إلى السؤال عن «لماذا» (لماذا تجري الظواهر ~~على هذا النحو) فإنه يكون قد تخطى مجاله وتنكر لطبيعته ولم يعد منهجا علميا، ~~«فالعلل الغائية غير معترف بها علميا لأنها تتكلم أكثر عن أمور غيبية لا سبيل إلى ~~اختبار صدقها أو كذبها ... ومن قبيل العلل الغائية علل النحاة التي يوردونها لرفع الفاعل، ~~والمبتدأ والخبر، ونائب الفاعل، واسم كان، وخبر إن، وفي نصب المنصوبات، وفي منع بعض ~~الأسماء من الصرف، وفي بناء المبنيات، وإعراب المعربات، وهلم جرا.» # 21 # ولكن ما احتيالك فيمن شرع في بحثه اللغوي وقد وقر في قلبه أن اللغة توقيف إلهي أو ~~وضع حكماء أو سليقة سحرية؟ إنه مدفوع إلى البحث عن «الحكمة» القابعة في هذه الظواهر ~~اللغوية التي لم تأت عبثا ولم تنشأ اعتباطا. يقول السيوطي في «الاقتراح»: «إن العرب ~~لم تبتدع اللغة العربية، وإنما هي من صنع الله سبحانه، وعلى النحاة أن تبحث عن حكمة ~~الله فيما صنعه» (التوقيف). ويقول سيبويه: «وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به ~~وجها» (حكمة العرب). ويقول الزجاجي ms079 في «الإيضاح في علل النحو»: «سئل الخليل بن أحمد ~~رحمه الله عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من ~~نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها ~~علله وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أصبت ~~العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا ~~محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو ~~بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: ~~«إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، ~~فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز ~~أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، ~~فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلولات فليأت بها»، وهذا ~~مستقيم وإنصاف من الخليل رحمة الله عليه.» # 22 ~~(4-1) تفصيل العلل # يشير السيوطي في «الاقتراح» إلى أن أبا عبد الله الحسين بن موسى الدينوري الجليس ~~قد ذكر أن «اعتلالات النحويين صنفان: علة تطرد على كلام العرب وتنساق إلى قانون ~~لغتهم، وعلى تظهر حكمتهم وتكشف صحة أغراضهم ومقاصدهم في موضوعاتهم، وهم للأولى ~~أكثر استعمالا وأشد تداولا، وهي واسعة الشعب إلا أن مدار المشهورة منها على أربعة ~~وعشرين نوعا ... وشرح ذلك التاج بن مكتوم في «تذكرته» فقال: قوله «علة سماع» مثل ~~قوله «امرأة ثدياء» ولا يقال «رجل أثدى»، وليس لذلك علة سوى السماع. و«علة تشبيه» ~~مثل إعراب المضارع لمشابهته الاسم، وبناء بعض الأسماء لمشابهتها الحروف. و«علة ~~استغناء» كاستغنائهم ب «ترك» عن «ودع». و«علة استثقال» كاستثقالهم الواو في ~~«يعد» لوقوعها بين ياء وكسرة. و«علة فرق» وذلك فيما ذهبوا إليه من رفع الفاعل ~~ونصب المفعول وفتح نون ms080 الجمع وكسر نون المثنى. و«علة توكيد» مثل تعويضهم الميم في ~~«اللهم» من حرف النداء. و«علة نظير» مثل كسرهم أحد الساكنين إذا التقيا في الجزم ~~حملا على الجر؛ إذ هو نظيره. و«علة نقيض» مثل نصبهم النكرة ب «لا» حملا على ~~نقيضها «إن». و«علة حمل على المعنى» مثل «فمن جاءه موعظة» ذكر فعل الموعظة وهي ~~مؤنثة حملا لها على المعنى وهي الوعظ. و«علة مشاكلة» مثل قوله: «سلاسلا وأغلالا». ~~و«علة معادلة» مثل جرهم ما لا ينصرف بالفتح حملا على النصب ثم عدلوا بينهما ~~فحملوا النصب على الجر في جمع المؤنث السالم. و«علة مجاورة» مثل الجر بالمجاورة في ~~قولهم «جحر ضب خرب»، وضم لام «لله» في «الحمد لله» لمجاورتها الدال. و«علة وجوب» ~~وذلك تعليلهم برفع الفاعل ونحوه. و«علة جواز» وذلك ما ذكروه في تعليل الإمالة من ~~الأسباب المعروفة فإن ذلك علة لجواز الإمالة فيما أميل لا لوجوبها. و«علة تغليب» ~~مثل # وكانت من القانتين ~~. و«علة اختصار» مثل ~~باب الترخيم # ولم يك ~~. و«علة تخفيف» كالإدغام. ~~و«علة أصل» ك «استحوذ» و«يؤكرم» وصرف ما لا ينصرف. و«علة أولى» كقولهم إن الفاعل ~~أولى برتبة التقديم من المفعول. و«علة دلالة حال» كقول المستهل: «الهلال»، أي «هذا ~~الهلال» فحذف لدلالة الحال عليه. و«علة إشعار» كقولهم في جمع موسى: موسون بفتح ما ~~قبل الواو إشعارا بأن المحذوف ألف. و«علة تضاد» مثل قولهم في الأفعال التي يجوز ~~إلغاؤها متى تقدمت وأكدت بالمصدر أو بضميره: لم تلغ؛ لما بين التأكيد والإلغاء من ~~التضاد، قال ابن مكتوم: وأما «علة التحليل» فقد اعتاص علي شرحها وفكرت فيها ~~أياما فلم يظهر لي فيه شيء. وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ: قد رأيتها مذكورة في ~~كتب المحققين كابن الخشاب البغدادي حاكيا له عن السلف، في نحو الاستدلال على اسمية ~~«كيف» ينفي حرفيتها لأنها مع الاسم كلام، ونفي فعليتها لمجاورتها الفعل بلا فاصل، ~~فتحلل عقد شبه خلاف المدعي، انتهى. وأما الصنف الثاني فلم يتعرض له الجليس ولا بينه.» # 23 # قال السيوطي: وبينه ابن السراج في «الأصول» أنه هو المسمى ms081 «علة ~~العلة»، مثل أن يقولوا: لم صار الفاعل مرفوعا والمفعول منصوبا؟ وهذا ليس يكسبنا ~~أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما يستخرج منه حكمتها في الأصول التي وضعتها. # ويتساءل د. محمد عيد في «أصول النحو العربي»: «لكن ... أحقا كان النحاة للأولى ~~أكثر استعمالا وأشد تداولا - كما يقول الدينوري - أم أنها، بفعل الصنعة، قد فقدت ~~سماتها، ووسمت بالصفة الثانية، فغلب عليها الجدل والنظر؟ إن كتب النحو المتأخرة ~~اختفت فيها العلل التي عرف بها كلام العرب تحت ركام هائل من المجادلات والمساجلات ~~في العلل.» # 24 ~~(4-2) اعتراضات ابن مضاء # كان ابن مضاء هو أول (وآخر!) من صرح بوضوح تام بضرورة سقوط هذا النوع من العلل ~~من النحو. يقول ابن مضاء في «الرد على النحاة»: «ومما يجب أن يسقط من النحو العلل ~~الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن «زيد» من قولنا «قام زيد» لم رفع؟ ~~فيقال لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول ولم رفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا ~~نطقت به العرب، ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر، ولا فرق بين ذلك وبين من ~~عرف أن شيئا ما حرام بالنص، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علة، لينقل حكمه على غيره، ~~فسأل لم حرم؟ فالجواب على ذلك غير واجب على الفقيه، ولو أجبت السائل عن سؤاله بأن ~~تقول له: للفرق بين الفاعل والمفعول فلم يقنعه، وقال: فلم لم تعكس القضية بنصب ~~الفاعل ورفع المفعول؟ قلنا له: لأن الفاعل قليل لأنه لا يكون للفعل إلا فاعل واحد، ~~والمفعولات كثيرة، فأعطي الأثقل، الذي هو الرفع، للفاعل، وأعطي الأخف، الذي هو ~~النصب، للمفعول؛ لأن الفاعل واحد والمفعولات كثيرة، ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ~~ويكثر في كلامهم ما يستخفون، فلا يزيدنا ذلك علما بأن الفاعل مرفوع، ولو جهلنا ذلك ~~لم يضرنا جهله، إذ قد صح عندنا رفع الفاعل الذي هو مطلوبنا، باستقراء المتواتر، ~~الذي يوقع العلم.» # 25 ~~(4-3) اعتراضات المحدثين # يقول الأستاذ عباس حسن: «إن علوم العربية على اختلاف فروعها وتعدد أنواعها ~~مستقاة من الكلام العربي الأصيل، ms082 ومردها جميعا إلى ما نطق به الفصحاء من أهل ~~الضاد الذين يستشهد بكلامهم ويحتج بلسانهم. فإذا نطقنا باللفظ المفرد أو المركب، ~~وصغنا الأسلوب صياغة خاصة، وجرينا في تأليفه على نظام معين؛ فلا تعليل لذلك إلا ~~محاكاة العرب والنسج على منوالهم، ولا شيء غير هذا، ولو أن سائلا سألني: لم بنيت ~~الكلمة على ثلاث أو أكثر؟ ولم ضبطت حروفها بضبط خاص؟ ولم جريت في تركيب الأسلوب ~~على نظام معين؟ ولم ... ولم ... ولم؟ ما كان الجواب إلا واحدا: هو أني في هذا المقام ~~أحاكي ما فعله العرب في مثله، وأنقل عنهم طريقتهم، وآخذ من مادتهم ووسائل استخدامها ~~مثل ما كانوا يأخذون. وكذلك جواب كل فرد؛ فالكلمات التي ننطق بها اليوم من حيث مادة ~~تكوينها ومن حيث مظاهر هيئاتها المتعلقة بوضعها في الجملة وبضبط حروفها، إنما نخضع ~~في شأنها للمأثور عن العرب وحده وليس ثمة ما نخضع له طائعين أو مرغمين إلا ذلك ~~المأثور، وكل إجابة غير هذه فضول وهزل لا صواب فيه ولا جد ولا أمانة.» # 26 # والأستاذ عباس حسن، كما هو معروف، حجة في علم النحو، وكتابه «النحو الوافي» هو ~~المرجع الأكبر في هذا العلم، ومن ثم كان لرأيه ثقل خاص في هذا الشأن. يقول الأستاذ ~~عباس حسن: «لم رفعت أواخر الكلمات؟ لم نصبت أو جرت أو جزمت؟ لم كانت على وزن ~~فعل، أو فاعل، أو ... أو ...؟ لم تقدمت في أسلوبها أو تأخرت؟ لم ذكرت أو حذفت؟ لم كان ~~هذا التعبير أبلغ وأقوى من ذاك؟ لم كان هذا أرق وأعذب؟ لم ... لم ...؟ لا شيء إلا ~~مجاراة العرب الفصحاء، والأخذ بمنهاجهم فيما نحن بصدده، مع التصرف المحمود في حدود ~~ذلك المنهاج، والتزام أصوله العامة بحيث نوائم بينه وبين حرية التصرف ~~المأمونة. # وإذا كان الأمر على ما وصفنا فما هذه العلل والتعليلات المرهقة التي تطفح بها ~~المراجع النحوية، وتضيق بها صدور المعلمين وأوقاتهم ممن كتب الله عليهم الرجوع إلى ~~تلك المطولات لاستخلاص بعض القواعد النحوية؟ إن النظرة العجلى الصائبة لتحكم من غير ~~تردد ms083 بأن جميع هذه العلل والتعليلات زائفة لا تمت للعقل بصلة ولو كانت واهية. ~~وإن احترام ذلك العقل يفرض علينا نبذها وتطهير النحو منها، اللهم إلا من ذلك النوع، ~~الصحيح والصادق الذي يسمونه: «علل التنظير» يريدون به ما أشرنا إليه قبلا حين ترفع ~~آخر كلمة أو تنصبه أو تجره، وحين تجعل الكلمة على وزن معين، وتسلك به في التركيب ~~مسلكا خاصا، لم رفعتها؟ لأنها نظير زميلتها في كلام العرب، ولم نصبتها أو ~~جررتها أو جزمتها؟ للسبب السالف، ولم جعلتها على وزن كذا؟ ولم قدمتها أو أخرتها؟ ~~لم استخدمتها أداة استفهام، أو حصر، أو نفي، أو مدح، أو ...؟ ...؟ لأن نظيرتها في كلام ~~العرب كذلك.» # 27 # ويرى د. تمام حسان أن استحواذ الفكر الغائي على عقول النحاة هو ما دفعهم إلى ~~انتحال العلل وانتفاخ كتب النحو بلا مبرر، «ولو لجأ النحاة إلى العرف فاعتبروه ~~مصدرا وحيدا للغة لما اضطروا إلى انتحال العلل ثم الدفاع عن ذلك الانتحال فيما بعد.» # 28 # وفي كتابه «أصول النحو العربي» يرصد د. محمد عيد تعليلات النحاة ويردها إلى: حكمة ~~الله، ونية العرب، والطبيعة والإحساس، وما نقل عن العرب: أما حكمة الله في الصيغ ~~وأوضاع الكلام، ونية العرب في النطق، فمما لا يدخل في طوق الباحث؛ لأنها أمور غيبية ~~لا شأن لها باللغة، وأما الطبيعة والإحساس (بالخفة أو الثقل، والأنس بالشيء أو ~~الاستيحاش منه) فمما لا يمكن ضبطه، بل ذلك مما يخضع فحساس النحوي وطبيعته، وأما ما ~~نقل عن العرب (من تعليلات لنطقهم) فهو تعليل ساذج لا يقاس بما صنعه النحاة من غرائب ~~العلل، والحقيقة أن ذلك كله تسويغ لما حدث، وليس حقيقة ما حدث . أما الحقيقة فهي ~~وقوع النحاة في تعليلهم تحت نفوذ التعليل الأرسطي. # 29 ~~(5) صراع بين ثقافتين # ويلك يا عمرو؛ إنك ألكن الفهم. # أبو عمرو بن العلاء # يقول د. لطفي عبد البديع في كتابه «عبقرية العربية»: «والدلالة اللغوية إنما تغاير ~~الدلالة العقلية في أنها دلالة ذاتية على معنى أن اللغة تختضن دلالتها في كيانها ... ~~والدلالة بعد ms084 ذلك لا تتم إلا بمخاطب ومتكلم يتواضعان على قدر مشترك من الفهم المبني ~~على مسلمات بعينها، والمتكلم مهما أوتي من بيان عاجز عن أن ينقل إلى سامعيه ما ~~يريد نقله إذا لم يكونوا على بينة مما يقول ... فكل لغة تئول إلى مسلمات تنزل منزلة ~~القيم التي تضفي على الدلالات حجية يتعاطاها أبناء اللغة فيما بينهم وربما عزبت # 30 # عن سواهم.» # 31 # بدأ النحو على أيدي العرب، وانتهى في أيدي الموالي، كان النحو في بدايته الأولى ~~عربيا خالصا، وكان النحاة الأوائل عربا، ومؤسس النحو أبو الأسود الدؤلي عربيا ~~خالصا، وكان الغرض من النحو في الأصل، وهو ما كان ينبغي ألا يخرج عنه فهم النحو، وضع ~~أسس للأعاجم ليتعلموا العربية، عساهم أن ينحوا «نحو» العرب في كلامها، ولم يقصد به أن ~~يكون سلطانا على أهل العربية فيما ينطقون به، فهم في غنى عنه لأنهم يتلقون اللغة ~~تلقيا أول ( # First hand ~~) بحكم عيشهم فيها ومعاشرتهم ~~لها. يروى أن رجلا من الموالي الفرس، هو سعد من أهل زندخال، سأله أبو الأسود: «ما لك ~~يا سعد؟ لم لا تركب؟»، فقال له الرجل: «إن فرسي ضالع»، أراد ظالعا، فضحك بعض من حضره، ~~فقال أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا إخوة، فلو ~~عملنا لهم الكلام، فوضع باب الفاعل والمفعول. # 32 # لم يكن الغرض من النحو وضع قواعد لتقييد اللغة؛ فقد كان واضعو النحو الأوائل على بينة ~~من أن اللغة لا تقيد، اللغة في حياة مستمرة ونمو متصل ولا يمكن فرض قواعد جامدة على شيء ~~حي متغير كاللغة، اللغة لا تقيد بل تواكب أو تلاحق وصفيا واستقرائيا فيما تتخذه ~~هي من اطرادات خاصة بها . # ومنذ البداية ظهر لعلماء العربية إفلاس النحو، وشعروا بالبون الواسع بين اللغة والنحو ~~لصعوبة السيطرة على اللغة بقوانين جامعة لأطرافها، أما أبو الأسود فوضع باب الفاعل ~~والمفعول ولم يزد عليه، ثم جاء رجل من بني ليث فزاد في ذلك الكتاب ثم نظر فإذا في كلام ~~العرب ما لا ms085 يدخل فيه فأقصر عنه. وأما أبو عمرو بن العلاء فحين سئل أيدخل كلام العرب ~~كله فيما وضعت مما سميته عربية؟ قال: لا، فلما سئل كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهم ~~حجة؟ قال: أعمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات. هذه الحيلة المنهجية ذاتها ... هذا ~~التمييز بين النحو وما يخالفه هو بعينه ما يجعل المفارقة ظاهرة بين النحو واللغة؛ ~~فاللغة باعتبارها ظاهرة متكاملة لا تقبل التمييز بين أطرافها. # 33 ~~«إلا أن النحو الذي ابتدأ عربيا خالصا من جهة المقولات الفكرية التي سيطرت عليه، ~~انقلب به الأمر فانتصرت فيه ثقافة الأعاجم على ما عداها بما سيطر عليه من مقولات فكرية ~~غريبة على طبيعة التفكير اللغوي العربي نفسه، وأريد به أن يكون سلطانا قائما على ~~العربية والشعراء.» # 34 # وبعبارة أخرى فإن النحو لم يلبث أن انفصل عن اللغة وجعل يدرسها بفكر غريب ~~عنها، واغترب عن مصدر الظاهرة اللغوية، وجعل يمتح من بئر أخرى! # كان اللقاء بين النحو واللغة بعد طبقة النحويين العرب الأوائل لقاء بين ثقافتين ~~مختلفتين: الثقافة العربية التي تشربها العرب بالاتصال المباشر، وثقافة الأعاجم التي ~~أخلص لها النحويون بطبيعة انتمائهم وكان أكثرهم من الموالي. وتؤرخ الخصومة بين موالي ~~النحويين وبين الشعراء العرب للصراع بين هاتين الثقافتين. والخصومة بين الفرزدق الشاعر ~~وعبد الله بن أبي إسحاق النحوي معروفة، فقد كان هذا النحوي يخطئ الفرزدق ويلحنه في ~~أبياته، والفرزدق يهجوه ويعنفه بشعر وأقوال شهيرة، نجتزئ منها ما يلي لدلالته على ~~جوهر الخصومة: # على ما يسوءك وينوءك، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا. # أما وجد هذا لبيتي مخرجا في العربية؟ # أما إني لو أشاء لقلت ... ولكني لا أقوله. # تترجم هذه الأقوال للفرزدق جوهر الصراع واختلاف الوجهة. لم تكن قوالب النحو وقضبانه ~~مما يعني الفرزدق، بل كان يتخذ مستوى صوابيا آخر، الفرزدق من الشعراء (أمراء الكلام، ~~الذين يحتج بهم ولا يحتج عليهم)، وقد كان يحس بعمق الأزمة وهول الخطر الذي يحدق ~~بالعربية في تلك الحقبة: ثمة مقولات غريبة تريد أن تلتف على العربية؛ كي ms086 تؤدبها ~~وتسلكها على اطراد واحد، ثمة لواء للفصاحة يوشك أن ينتزع، لكأنه يدفع عن اللغة غازيا ~~أجنبيا يريد أن يأسرها لا أن يفهمها! # وقد كان أحرى بالنحوي أن يقف من الفرزدق موقفا آخر، كموقف أبي عمرو بن العلاء فيما ~~سبق، وهو أن يأخذ أبيات الفرزدق على أنها مادة لغوية يضيفها إلى ما لديه؛ لكي يصف ~~ويستقرئ ويستخلص منها ما يكمن فيها من اتجاهات وميول لغوية، لا أن يقف هذا الموقف ~~المعكوس فيعايرها بما لديه من قواعد «مقيسة على الأكثر وتسمى ما خالفها» خطأ (لا لغات ~~كما كان أبو عمرو يسمي). # كان عيسى بن عمر النحوي يخطئ النابغة في قوله: # فبت كأني ساورتني ضئيلة # من الرقش في أنيابها السم ناقع # 35 # ويقول: موضعها ناقعا، وللأستاذ العقاد رد بليغ على هذه التخطئة وعلى الأساس الذي ~~تقوم عليه التخطئة، يقول العقاد: «وإن هذه الموسيقية لتعلم النحاة أحيانا كيف ينبغي أن ~~يفهموا الشعر في هذه اللغة الشاعرة؛ لأن المزية الشعرية في قواعد إعرابها أسبق من ~~المصطلحات التي يتقيد بها النحاة والصرفيون ... فينسى النحاة أن علامة الرفع في القافية ~~تدل على الصفة وتعطي الكلمة معناها الذي يلائم الوزن ويلائم الإعراب، وما أخطأ النابغة ~~حين قال «ضئيلة ناقع في أنيابها السم» ... ولا هو بمخطئ في تأخير الصفة إلى مكان ~~القافية؛ لأنها - وهي مرفوعة - لا تكون إلا صفة موافقة لموصوفاتها أينما انتقل بها ~~ترتيب الكلم المنظوم.» # 36 # الخطأ هنا خطا فهم قبل أن يكون خطأ لغة، والاختلاف هنا اختلاف ثقافة واختلاف منطق، ~~فالنحويون الموالي كانوا يقيسون اللغة بمقياس آخر غير لغوي، ويعايرون العربية بمعيار ~~غير عربي، وصدق فيهم قول أبي عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: «ويلك يا عمرو، إنك ألكن ~~الفهم ...»، لاحظ أنه يصف عقله (أي منطقه) باللكنة، أي بالافتقار إلى الصبغة العربية؛ ~~لأنه حفظ المنطق الأرسطي وغاب عنه المنطق العربي. # وهناك أبيات مشهورة للشاعر عمار الكلبي تترجم هذه الخصومة وتعبر عن جوهر هذا الصراع ~~بقوة وبراعة منقطعة النظير. يقول عمار الكلبي وقد عاب أحد النحاة ms087 بيتا من ~~شعره. # ماذا لقينا من المستعربين ومن # قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا # إن قلت قافية بكرا يكون بها # بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا # قالوا لحنت وهذا ليس منتصبا # وذاك خفض وهذا ليس يرتفع # وحرضوا بين عبد الله من حمق # وبين زيد فطال الضرب والوجع # كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم # وبين قوم على إعرابهم طبعوا # ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا # ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا # لأن أرضي أرض لا تشب بها # نار المجوس ولا تبنى بها البيع # تصور هذه الأبيات، ببراعة، عمق الخلاف بين الطرفين: الشعراء قوم مطبوعون على ~~فصاحتهم، والنحاة قوم متطبعون يحتالون لمنطقهم، الشاعر عربي الدم نشأ في أرض عربية غير ~~أعجمية لا تشب بها نار المجوس ولا تبنى البيع (إشارة إلى صراع الثقافتين)، «الشاعر ~~يتكفل بحياة اللغة وديمومتها، والنحوي يريد السيطرة على اللغة ولا يستطيع ملاحقتها في ~~تدفقها المستمر، فيسعى إلى تجميدها وإمساكها على وضع لا يتغير، الشاعر يبحث عن مطالبه ~~والنحوي يبحث عن مطالبه، وهي مطالب لا يتم بينها اللقاء.» # 37 # وهذه هي المغالطة النحوية المتأصلة منذ البداية، والتي جمدت اللغة وشلت ~~حركتها: قلب الأوضاع، وضع العربة أمام الحصان، رفع المعيارية على الوصفية. # وفي مقاله «النحو والمنطق الأرسططاليسي» يقول د. علي الوردي: «وبهذا صارت القواعد ~~النحوية في وضعها النهائي معقدة أو متشعبة جدا، فابتعدت عما تقتضيه السليقة الفطرية ~~من بساطة ووضوح. والذي يدرس القواعد النحوية الموجودة بين أيدينا دراسة موضوعية يشعر ~~بأنها قواعد اصطناعية غير طبيعية، وليس من المعقول أن يتكلم بها بشر على هذه الأرض.» ~~أما د. تمام حسان فيقول في نهايات كتابه «اللغة بين المعيارية والوصفية»: «كانت دراسة ~~النحو في مبدئها وسيلة إلى غاية، ولكنها سرعان ما أصبحت غاية في ذاتها متعددة الوسائل ~~والطرق، كانت في مبدئها تقوم على الاستقراء والتقعيد، فأصبحت بعد زمن تقوم على القاعدة ~~والتطبيق، وخلف من بعد الرعيل الأول من رجالها خلف وقفوا من النحو موقف المتكلمين من ~~الدين: كان الدين سمحا فطريا فجعله المتكلمون فلسفة ms088 وقضايا منطقية، وكان النحو ~~سهلا هينا وصفيا فجعله النحاة فلسفة وقضايا معيارية منطقية أيضا.» # 38 # بذلك يصدق قول الخليل بن أحمد، عن رواية الجاحظ في «الحيوان»: «لا يصل أحد ~~من علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه»، وكذلك قول ابن خالويه حين ~~طلب رجل أن يتعلم من العربية ما يقوم لسانه: «أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو وما ~~تعلمت ما أقيم به لساني!» # الفصل السادس # | التغير اللغوي # التغير يحفظ نظام الأشياء، ويبقي العالم صبيا على الدوام. # ماركوس أوريليوس # الإنسان يحيا بالتغير، الحياة لم تعط له لكي يحفظها، بل لكي يغيرها. # أدونيس # يقول فرديناند دي سوسير: «إن الزمن يغير كل شيء، إذن ليس من سبب يجعل اللغة لا تخضع لهذا ~~القانون العام ... فاللغة لا حول لها في الدفاع عن نفسها في مواجهة القوى التي تغير من ~~لحظة إلى أخرى العلاقة بين المدلول والدال، وهذه إحدى نتائج الطبيعة الاعتباطية للعلامة.» # 1 # وحيثما كان هناك جماعة بشرية تسير في الزمان فثم تغير سيعروها شاءت أم أبت، ~~وليست اللغة من ذلك ببعيد، فالحق أن «الزمن إذ يفكك المدلول والدال فإنه لا يعمل في فراغ بل ~~في مجتمع المتكلمين، فلا وجود للغة خارج الإطار الاجتماعي، وإذا نظرنا إلى اللغة ضمن الزمن ~~وأهملنا مجتمع المتكلمين (تصور فردا لوحده يعيش عدة قرون) ربما لا نلاحظ أي تغيير، فالزمن ~~إذاك لن يؤثر في اللغة، وعلى العكس من ذلك، فإذا أخذنا بعين الاعتبار مجتمع المتكلمين ~~وأهملنا الزمن لما رأينا أثر القوى الاجتماعية التي تؤثر في اللغة.» # 2 ~~«التطور أمر لا مناص منه، ولا توجد لغة واحدة في العالم تقاومه، فما إن تمض فترة من ~~الزمن حتى تدون بعض التغييرات الواضحة. إن التغيير أمر لا بد منه حتى إنه ليظهر في اللغات ~~الاصطناعية (غير الطبيعية). بوسع من يخترع لغة ما أن يسيطر عليها قبل أن توضع موضع ~~الاستخدام، ولكن ما إن تدخل في مجال الاستخدام لتحقيق الغاية التي وضعت من أجلها حتى تصبح ~~ملكا لجميع ms089 الأفراد؛ فيفقد صاحبها السيطرة عليها.» # 3 # يقول فونت في كتابه «عناصر السيكولوجية الشعبية»: «اللغة يستحيل أن يخلقها فرد من ~~الأفراد، صحيح أن أفرادا قاموا باختراع الإسبرانتو وغيرها من اللغات الاصطناعية، إلا أن ~~هذه الاختراعات كان من المستحيل تحقيقها ما لم تكن هناك لغة أصلا، بل لم تستطع أي من هذه ~~اللغات أن تعيل نفسها، ومعظمها لم يعش إلا بفضل عناصر مستعارة من لغات طبيعية.» # 4 # وعن هذه اللغة الاصطناعية يقول سوسير: # 5 ~~«ولنأخذ الإسبرانتو # 6 # على سبيل المثال: إذا نجحت هذه اللغة ستتحرر من القيد الذي فرض عليها، فأغلب ~~الظن أن الإسبرانتو بعد أن توضع قيد الاستخدام تدخل مرحلة من الحياة الكاملة للعلامة ~~اللغوية، وتنتقل طبقا لقوانين تختلف تماما عن تلك التي وضعت لتلائم طبيعتها المنطقية ~~الأولى: ولن تعود إلى هذه الطبيعة أبدا. إن الذي يقترح لغة ثابتة تستخدمها الأجيال ~~المقبلة وتقبلها بطبيعتها الأولى فإن مثله كمثل الذي يضع تحت الدجاجة بيضة البط، فاللغة ~~التي يخلقها هذا الرجل يجرفها، رغم صاحبها، التيار الذي يجرف بقية اللغات.» # 7 # يسير الزمن فتتغير حاجات الناطقين باللغة، وتتبدل الأجيال والأحوال، وأشكال الحياة وأنماط ~~التفكير وأدوات العمل ووسائط المعلومات، تتغير اللغة بتغير الحياة، تتغير الأشياء وغطاؤها ~~الرمزي. ~~(1) أسباب التغير اللغوي ~~(1-1) مبدأ الاقتصاد # من أسباب تغير اللغة مبدأ الاقتصاد في الجهد، أي ميل الناطقين إلى التعبير المفيد ~~بأقل مبذول من الطاقة، مثال ذلك التخلص من الهمزة في لهجة قبائل الحجاز وفي معظم ~~اللهجات العربية الحديثة، وانكماش «الأصوات ~~المركبة» # Diphthong ~~، فتحول نطق «يوم» إلى «يوم»، و«نوم» إلى «نوم»، ~~و«بيت» إلى «بيت»، و«عين» إلى «عين»، واندثار الأصوات الأسنانية (الثاء ~~والذال والظاء) في بعض اللهجات العربية الحديثة، والقضاء على التفريعات الكثيرة ~~والأنواع المختلفة للظاهرة الواحدة في داخل اللغة، مثال ذلك الاكتفاء بالتاء كعلامة ~~تأنيث والاستغناء بها عن الألف المقصورة (فنقول: سلمه، عدوه، فتوه، بلدا من: ~~سلمى، عدوى، فتوى) وعن الألف الممدودة (فنقول: حمره، صحره، شقره، بدلا من: ~~حمراء، صحراء، شقراء). # يشير فراي إلى أن ما درج على تسميته ms090 بالأغلاط في الاستعمال اللغوي العادي ما هو ~~إلا محاولة لتبسيط التنظيم اللغوي، باتجاه الانتفاع إلى أقصى حد من المجهود الذي ~~يقوم به متكلم اللغة، من حيث الإنتاج اللغوي، فينم الاستعمال اللغوي عن حاجة ~~ثابتة إلى الاختصار اللغوي والدقة في التعابير والتناسب المنطقي في التركيب # 8 ~~... ~~(1-2) مبدأ القياس # القياس هو أهم الآليات الضالعة في إحداث التغيرات اللغوية، ويعني «القياس» # Analogy # في اللغة ارتجال ما لم نسمعه قياسا على ~~ما سمعناه، أو ابتكار كلمة أو تصريف من عندنا بالقياس على ما لدينا من كلمات أو ~~تصريفات تشبهه، ويدخل القياس ضمن مبدأ «الاقتصاد» في المجهود وتخفيف العبء على ~~الذاكرة، من خلال الحمل على الشائع المطرد وإقصاء الصيغ النادرة الشاذة وإعادة ~~صياغتها على القاعدة المطردة؛ فتزول الاختلافات وتتوحد الظاهرة ويجري المختلف مجرى ~~المؤتلف # Leveling ~~. # مثال ذلك أن الأفعال الشاذة الأنجلو سكسونية قد خضعت لتأثير القياس على المطرد في ~~الألف سنة الماضية، من ذلك أن الفعل ~~(Help) Helpen # كان يصرف إلى الماضي # healp # والتصريف الثالث # Holpen ~~، ولكن بحلول القرن الرابع عشر كان هذا ~~الفعل منتظما على القاعدة المطردة للأفعال الإنجليزية ( # Help، ~~Helped، Helped ~~)، وفي الحقبة الإنجليزية الوسيطة المبكرة تم ~~انتظام أكثر من أربعين فعلا بنفس الطريقة (شاملة) # Walk، Climb، ~~Burn & Step ~~، على أن عوامل اجتماعية من قبيل نشأة اللغة ~~القياسية وتطور الطباعة قد أبطأت من عملية التغير؛ ولذا فما زالت الإنجليزية ~~الحديثة اليوم تضم الكثير من الأفعال الشاذة، وإن كنا نصادف القياس وهو يعمل عمله ~~عندما نسمع الناس تستخدم «القياس ~~الخاطئ» # False analogy # في مثل كلمة # Knowed ~~، ~~وعندما نسمع الأطفال وهم يتعلمون اللغة يجربون صيغة مثل # Goned ~~... إلخ. # 9 # حين يحدث القياس الخاطئ ثم يشيع ويدخل في متن اللغة يحدث التغير ثم يستتب، مثال ~~ذلك في العربية أن كلمة «سراويل»، وهي للمفرد في الفارسية، تشبه صيغة من صيغ الجمع ~~في العربية (فعاليل) فأخذ العرب يقيسونها على تلك الصيغة ويشتقون لها مفردا قياسا ~~على ذلك الجمع، فيقولون «سروال»، # 10 # ومثل ذلك بالضبط ما حدث في ms091 الكلمة اليونانية Paradeisos # فإنها مفرد، غير أن مشابهتها للجمع ~~(فعاليل) جعل العرب يشتقون منها مفردا، هو «فردوس»، وكذلك كلمة «كرونوس» # Kronos # في اليونانية، والكلمة الألمانية # Groschen # التي دخلت العربية بطريق التركية، ~~هاتان الكلمتان مفردتان في لغتيهما، غير أنهما تشابهتا في العربية مع صيغة الجمع ~~«فعول» فاشتق منها مفردان جديدان هما: «قرن» (من الزمان)، و«قرش» (من القروش)، # 11 # وهكذا أيضا دخلت كلمة Pea # في الإنجليزية، فمنذ أربعمائة سنة كانت كلمة Pease # تستخدم بمعنى بازلاء سواء واحدة أو حزمة، ولكن بمرور الزمن افترض الناس أن Pease # صيغة جمع واشتقوا منها مفردها فولدت ~~كلمة Pea ~~. # ويؤثر القياس أيضا في تراكيب الجمل، فالنمط «فاعل - فعل - مفعول» في اللغة ~~الأنجلوسكسونية كان ينطبق على العبارات الرئيسية فحسب بينما كان المفعول يسبق ~~الفاعل في العبارات الفرعية أو التابعة، أما في الإنجليزية الحديثة فكلا الصنفين من ~~العبارة يتخذ نفس النظام (فاعل - فعل - مفعول). # ليس من شأن القياس أن يخلق أنماطا نحوية جديدة، إنما هو، ببساطة، يوسع نطاق نمط ~~قائم بالفعل في اللغة، ثمة عمليات أخرى غير القياس تضطلع بدور أكثر جذرية فتخلق ~~أنماطا جديدة وتطمس أنماطا قديمة، من ذلك أن العلاقة بين الفاعل والفعل في ~~اللاتينية كانت تتمثل في نهايات إعرابية، ولم يكن لترتيب عناصر الجملة أهمية تذكر، ~~أما في اللغات الرومانية الاشتقاق # Romance Language # فمثل هذه العلاقات تتمثل في ترتيب الكلمات، وفي اللغات الهندوأوروبية المبكرة كانت ~~هناك ثلاث صيغ للجنوسة النحوية: المذكر # Masculine # والمؤنث # Feminine # والمحايد # Neuter ~~، وقد بقيت القسمة الثلاثية في الألمانية واليونانية، ~~واختزلت إلى اثنتين في السويدية (عام، ومحايد)، والفرنسية (مذكر، ومؤنث)، وتلاشت ~~تماما في الإنجليزية. # 12 ~~(1-3) الاتصال بلغة أخرى # من أسباب التغير في اللغة اتصالها بلغة أخرى من خلال الغزو أو الهجرة أو التجارة، ~~ومن أهم صور التغير في حالة احتكاك اللغات «الاقتراض». فقد اقترض العرب، على سبيل ~~المثال، ألفاظا أعجمية من لغات كثيرة، عن طريق الاشتقاق والنحت والمجاز، أو عن ~~طريق تعريب اللفظة الأجنبية إذا كانت تدل على معنى اصطلاحي دقيق يخشى ms092 ضياعه في ~~ثنايا اللفظ العربي. # من الألفاظ الفارسية التي انتقلت إلى العربية: الكوز، الإبريق، الطست، الخوان، ~~الطبق، السكرجة، السمور؛ الخز، الديباج، السندس؛ الياقوت، الفيروز، البلور؛ السميذ، الكعك، الفالوذج؛ الفلفل، الكرويا، القرفة، الزنجبيل، الخولنجان، ~~الدارصيني؛ النرجس، البنفسج، السوسن، الياسمين، الجلنار؛ المسك، العنبر، الكافور، ~~الصندل، القرنفل. # 13 # ومما انتقل من اليونانية إلى العربية: البطريق، القنطرة، الفردوس، القرميد، ~~القسطاس (الميزان)، القنطار، البطاقة، السجنجل (المرآة). ومما انتقل من اليونانية ~~من خلال السريانية: إنجيل، أسطوانة، أسقف، ناموس، إسفنج. ومن الآرامية: شيطان، ~~سكين، سارية. # 14 # ومن الألفاظ الأخرى الشهيرة التي أخذها العرب من الفارسية والسريانية ~~واليونانية: الديوان، العسكر، البند (العلم الكبير)، الصهريج، القيروان (القافلة)، ~~الطنبور؛ البابونج، الزرنيخ، الملنخوليا، الأصطرلاب، الطلسم، المغناطيس، القانون، ~~الأسطول، الفلسفة، الهيولي ... إلخ. # 15 # أما ما أخذته اللغات الأخرى من العربية فلا يكاد يحصى، فمعظم مفردات الفارسية ~~الحديثة عربي الأصل، ومعظم مفردات التركية عربي أو فارسي، وثلاثة أرباع مفردات ~~الأردية عربي أو فارسي، وفي الإنجليزية الحديثة كلمات كثيرة من أصل عربي مثل: # Lemon, Muslin, Saffron, Sherbet, Syrup, Sugar, Camphor, ~~Candy, Coffee, Cotton, Crimson, Cumin, Damask # وهي على ~~الترتيب: الليمون، الموصلي (نسيج خاص ينسب إلى الموصل)، الزعفران، الشراب، السكر، ~~الكافور، القنوة (عسل القصب المجمد)، القهوة، القطن، القرمزي، الكمون، الدمشقي (نسيج). # 16 ~~(1-4) تغير أشكال الحياة # من أسباب التغير اللغوي تغير أشكال الحياة ومعالم الثقافة ووسائط الاتصال، وبزوغ ~~مفاهيم جديدة تتطلب مصطلحات جديدة. من ذلك أن كثيرا من الألفاظ العربية قد تجردت ~~من معانيها العامة القديمة وأصبحت تدل على معان خاصة تتصل بالعبادات والشعائر، أو ~~شئون السياسة والإدارة والحرب، أو مصطلحات الفلسفة والكلام والفقه، أو مصطلحات ~~النحو والصرف والعروض ... إلخ، من ذلك: الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج؛ الخليفة، ~~الإمام، أمير المؤمنين، الوالي، القاضي، الكاتب، المشير، الشرطة؛ الوظيفة، القطائع؛ الجريدة، الصائفة، الشاتية، المرتزقة، المتطوعة، الشحنة، الثغور، العمارة، دار ~~الصنعة، ديوان الجند؛ ديوان الرسائل، ديوان الخاتم، السرير، السكة، الطراز، ~~المقصورة؛ التعجب، التوكيد؛ الحد، التعزير، الشبهة، القياس؛ التعريف، القضية، ~~السالبة، الموجبة، المقدمة، النتيجة؛ الصرع، الاستسقاء، الذبحة، الربو، الأمزجة؛المثلث، المربع، ms093 الدائرة؛ الكون، الحدوث، القدم، الوجود، العرض، الجوهر ... ومن ~~آثار الإسلام كذلك قضاؤه على كثير من الألفاظ العربية الجاهلية التي تدل على نظم ~~حرمها الإسلام كأسماء الأنصبة التي كانت لرئيس الحرب في الجاهلية (المرباع والصفايا ~~والنشيط والفضول)، وكألفاظ الإتاوة والمكس والحلوان والصرورة والنوافج. وقضى ~~الإسلام كذلك على أسماء الأيام والأشهر في الجاهلية لاتصال بعضها في أذهان العرب ~~بشئون وثنية أو نظم جاهلية واستبدل بها أسماءها الحالية. # 17 ~~(1-5) تأثير الكتاب والمترجمين والمجامع العلمية # للكتاب والأدباء والمترجمين أثر كبير في نهضة اللغة وتهذيبها واتساع نطاقها ~~وزيادة ثروتها. والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم، فأكبر الفضل في نهضة ~~العربية في العصر العباسي يعود إلى العلماء والأدباء والمترجمين عن اليونانية ~~والفارسية؛ لقد اقتبسوا مفردات أجنبية وطوعوها لمقتضيات العربية؛ فاتسع متن اللغة ~~وازدادت مرونة وقدرة على التعبير عن العلوم والآداب، كذلك الأمر في عصر النهضة ~~الحديثة في مصر والشام؛ إذ أفاد الكتاب والأدباء والعلماء من أساليب اللغات ~~الأوروبية وتأثروا بها، وترجموا وعربوا الكثير من مصطلحات الأدب والعلم، ونقلوا ~~الكثير من مذاهب الفن والأدب والفكر، وكان للأدباء والشعراء والعلماء فضل كبير في ~~إحياء الكثير من المفردات القديمة والمهجورة، فكثيرا ما يلجأ المبدعون إلى بعث ~~الألفاظ المنسية للتعبير عن معان لا يجدون لها مفردات راهنة تعبر عنها تعبيرا ~~دقيقا، أو يلجئون لذلك ترفعا عن المفردات المبتذلة التي لاكتها الألسنة. وبكثرة ~~الاستعمال تبعث هذه المفردات خلقا جديدا ويزول ما فيها من غرابة وتندمج في ~~المتداول المألوف. من ذلك أن البارودي وشوقي بعثا مئات الألفاظ من مرقدها فصارت ~~مألوفة واتسع بها متن اللغة وزادت قدرتها على التعبير، وكذلك فعل غيرهما من ~~الشعراء والناثرين فردوا إلى العربية شطرا كبيرا من ثروتها المفقودة، وكشفوا عن ~~عدة نواح من كنوزها المدفونة في أجداث المعجمات. # 18 # إن حاجة المبدع، كاتبا أو شاعرا، إلى توضيح الدلالة أو تقوية أثرها ~~في الذهن تحمله على ابتكار تعبيرات جديدة سرعان ما تجد طريقها إلى متن اللغة، كذلك ~~تقوم المجامع اللغوية والهيئات العلمية بالابتداع اللغوي حين تحتاج ms094 إلى استخدام لفظ ~~ما للتعبير عن فكرة أو مفهوم معين، وبهذا تعطي الكلمة معنى جديدا يبدأ أول الأمر ~~اصطلاحيا ، ثم قد يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك، ومثال ذلك ~~كلمة # Root ~~(جذر) التي يختلف معناها بحسب مهنة ~~المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي. # 19 ~~(1-6) عوامل داخلية في ذات اللغة # إن بنية اللغة ذاتها، متنها وأصواتها وعناصر كلماتها ودلالاتها وقواعدها، تنطوي ~~على خصائص تعمل هي نفسها في صورة آلية على التطور اللغوي وعلى توجيهه وجهة خاصة، ~~إنه الطابع «الكموني» أو «المحايث» # Immanent # لل ~~«بنية» # Structure # الذي ألح عليه البنيويون ~~واضطلع جيل دولوز بتبيانه: إن كل ما يطرأ على «البنية» من أحداث أو عوارض لا يقع ~~لها «من الخارج»، وإنما ينبع مما تنطوي عليه البنية ذاتها من ميول كامنة واتجاهات ~~باطنة تكون هي المسئولة عن كل ما يعرض لها من تغيرات. # 20 # من عوامل تطور أصوات اللغة تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض، وموقع الصوت من ~~الكلمة، وتناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض، فالأصوات الساكنة تتفاعل فيما بينها، ~~فيتجاذب المختلف ويتنافر الشبيه (مثلما تسلك الشحنات الكهربية!) فإذا تجاور في ~~الكلمة صوتان مختلفان أو تقاربا في المكان فقد يتحول أحدهما إلى صوت الثاني، مثل ~~كلمة «شمس» التي تحولت في بعض اللهجات العامية إلى «سمس» (بل تحولت في بعض لهجات ~~الصعيد إلى «شمش»)، وفقا لقانون «المماثلة» أو «التشاكل» # Assimilation ~~. وإذا تجاور صوتان متماثلان أو تقاربا في المكان فقد ~~يميل اللسان إلى ضروب من التغيير الذي يرمي إلى الفرار من الثقل، ذلك أن اللسان ~~يتعثر إذا اضطر إلى نطق حروف متشابهة تتكرر وتتتابع، فالصوتان المتماثلان يحتاجان ~~إلى جهد عضلي في النطق بهما في كلمة واحدة، ولتيسير هذا المجهود العضلي يقلب أحد ~~الصوتين صوتا آخر أو يحذفه، وفقا لقانون «المخالفة» # Dissimilation ~~، وقد فطن قدماء اللغويين لهذه الظاهرة وكانوا يعبرون ~~عنها أحيانا ب «كراهية التضعيف»، أو «كراهية اجتماع حرفين من جنس واحد» أو ~~«استثقلوا اجتماع المثلين» ... إلخ. # 21 # وقد وجد أن موقع ms095 الصوت في الكلمة يعرضه لصنوف من التطور والانحراف: فوقوع أصوات ~~اللين في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحيانا إلى تحولها إلى ~~أصوات أخرى، من ذلك ما لحق بالحركات (الفتحة والكسرة والضمة) في أواخر الكلمات، ~~وهي أصوات لين قصيرة، فقد سقطت في جميع اللهجات العامية، وبذلك سقطت أيضا وظيفتها ~~في الجملة وانقلب النظام اللغوي من نظام المرونة الإعرابية إلى نظام الترتيب ~~المقيد، كما أشرنا إلى ذلك في موضعه، كذلك تضاءلت أصوات اللين الطويلة الواقعة في ~~آخر الكلمات (فتحولت «رمى» مثلا إلى «رم»، و«ضربوا» إلى «ضرب»، و«مصطفى» إلى ~~«مصطف» ... إلخ)، كذلك فإن معظم أصوات اللين المتطرفة في اللاتينية قد انقرضت في ~~اللغات المنشعبة عنها. ووقوع الصوت الساكن في آخر الكلمة يجعله كذلك عرضة للتحول أو ~~السقوط، من ذلك ما حدث في العربية بصدد التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء ~~المتطرفتين (محمد ولد مطيع، الأولاد يعلبون، الهواء شديد، انتظرته ساعة كاملة ~~- تحولت إلى: محمد ولد مطيع، الأولاد بيلعب، الهو شديد، انتظرت ساع كمل)، # 22 # وفي اللاتينية انقرضت معظم الأصوات الساكنة من أواخر الكلمات في اللغات ~~الرومانية المنبثقة عنها. والحق أن سقوط الأصوات اللينة والساكنة من أواخر الكلمات ~~في جميع الألسنة قد أحدث انقلابا كبيرا في عالم اللغات: فقد كان من آثاره انقراض ~~«طريقة الإعراب» في كثير من اللغات التي كانت تسير عليها كالعربية واللاتينية وما إليهما، # 23 # ويرفض جاسبرين اعتبار سقوط الإعراب في اللغات المتفرعة عن اللاتينية ~~كمظهر انحطاط لغوي، ويرى في هذه الظاهرة تطورا باتجاه التبسيط بصورة عامة، ~~وباتجاه ملاءمة اللغة لظروف التعبير. # 24 # ووقوع الصوت في وسط الكلمة يعرضه كذلك لصنوف من التغير والانحراف. فمن ذلك ما حدث ~~بصدد الهمزة الساكنة الواقعة وسط الثلاثي، فقد تحولت إلى ألف لينة في العامية ~~(فيقال: فاس، راس، فال ... بدلا من فأس، رأس، فأل ... إلخ)، كذلك الياء والواو ~~الساكنتان في وسط الكلمة تحولتا إلى صوتي لين (عين تحولت إلى عين، يوم إلى ~~يوم ... وهكذا). # 25 # ووقوع الصوت في أول الكلمة يجعله كذلك ms096 عرضة للانحراف، فمن ذلك ما حدث في بعض ~~المفردات العربية المفتتحة بالهمزة، إذ تحولت همزتها في بعض اللهجات العامة إلى فاء ~~أو واو («أذن» تحولت في العامة إلى «ودن»، و «أين» إلى «فين» ...)، وقد تتبادل ~~الأصوات مواقعها في الكلمة ويحل بعضها محل بعض (النقل المكاني)، مثلما تتحول ~~«أرانب» في العامية المصرية إلى «أنارب» وتتحول «مسرح» إلى «مرسح» ... إلخ، وقد ~~تتناوب أصوات اللين (القصيرة كما تتمثل في تناوب الحركات وانحراف أوزان الكلمات في ~~العامية فتتحول «يعوم» إلى «يعوم» و«يضرب» إلى «يضرب» و«محمد» إلى «محمد» ... ~~إلخ، والطويلة كما تتمثل في الإمالة في بعض اللهجات ... إلخ)، كما تتناسخ الأصوات ~~الساكنة فتتحول الصاد إلى سين («مصير» إلى «مسير»، و«يصدق» إلى «يسدق» ... إلخ) ~~واللام إلى ميم («البارحة» إلى «إمبارح») والميم إلى نون («فاطمة» إلى «فاطنة»، ~~وهلم جرا). # 26 # ضروب التغير الدلالي # من الأمثلة النموذجية على التطور الدلالي ما حدث لكلمة «السيد»: فقد كانت هذه ~~اللفظة في البداية هي متضايف # Correlative # كلمة ~~«عبد»: فالسيد هو من له عبد، أو هو مقابل العبد، ثم تطور استعمال كلمة «السيد» ~~لتدل على صاحب النفوذ والسلطان، ثم استخدمت في الغزل: على سبيل المثال يقول ~~البحتري: # سيدي أنت ما تعرضت ظلما # لأجازى به ولا خنت عهدا # ثم أصبحت كلمة «سيد» تعني «الهاشمي»، وهي عند الإخوة الشيعة لقب للمرجع ~~الشيعي العلمي، وفي العصر الحديث، وبعد تقليص الفوارق بين الطبقات وإلغاء ~~الألقاب أصبح الناس جميعا يلقبون ب «السيد»، وصارت الكلمة لقبا يسبق الأسماء ~~جميعا على سبيل الاحترام والتأدب، وقد استجدت في الفترة الأخيرة كراهة معينة ~~لاستعمال هذه الكلمة في بعض الأوساط العربية المتحفظة. ~~(أ) توسيع المعنى ~~(التعميم) # Widening/Extension # وذلك نتيجة إسقاط بعض الملامح التمييزية للفظ، فيتسع «مفهومه» # Intension # وتزداد «ماصدقاته» # Extension ~~، أي أن معنى الكلمة يتسع ويمتد ~~لتشمل ما لم تكن تشمله في الماضي. أمثلة ذلك: # كلمة # Salary # التي تعني الراتب، ~~وهي كلمة من أصل لاتيني كانت تعني في بدايتها القديمة حصة الجندي ~~من الملح، ثم صارت بمرور الزمن تعني مرتب الجنود، وانتهت ms097 في زمننا ~~الحديث إلى أن تعني أي مرتب لأي عمل. # كلمة Picture # كانت تطلق على ~~اللوحة المرسومة، واتسع معناها الآن ليشمل أي صورة بما فيها الصورة ~~الفوتوغرافية. # كلمة # Virtue ~~(الفضيلة) كانت في ~~اللاتينية صفة ذكورية ، فاتسع معناها لتشمل كلا الجنسين. # كلمة # Barn # كانت تعني «مخزن ~~الشعير»، ثم صارت تعني مخزن أي نوع من الحبوب، وربما على أي مخزن ~~لأي شيء. # كلمة # Manuscript ~~(حرفيا أي ~~مخطوط باليد) تتسع الآن لأي مخطوط مكتوب باليد أو مطبوع بالآلة ~~الكاتبة. # كلمة # Dog # كانت قديما تعني سلالة ~~معينة من الكلاب، وصارت الآن تشمل جميع السلالات. # كلمة # Girl # كانت تعني طفلة صغيرة، ~~وقد اتسع معناها ليشمل أيضا أي امرأة من أي عمر. # كلمة # Arriver # الفرنسية كانت تدل ~~في الأصل، كما تشير بنيتها، على الوصول إلى الشاطئ، ثم صارت تستعمل ~~في كل وصول. # القافلة: في الأصل هي الرفقة الراجعة من السفر، يقال «قفلت» أي ~~رجعت فهي قافلة، وقفل الجند من مبعثهم، ولا يقال لمن خرج من مكة ~~إلى العراق قافلة حتى يصدروا (أدب الكاتب). ويقول ابن الأنباري: ~~«القافلة عند العرب الرفقة الراجعة من السفر، والعامة تظن أن ~~القافلة في السفر ذاهبة كانت أو راجعة»، ويقول ابن الجوزي: «وتقول ~~للرفقة الراجعة من السفر قافلة والعامة تقول لمن ابتدأ أو عاد»، ~~ويقول البغدادي: «القافلة هي الراجعة، فأما الذاهبة فالسفر، ولا ~~يقال قافلة إلا بطريق التفاؤل»، ويقول الجواليقي: «سميت قافلة ~~تفاؤلا بقفولها عن سفرها الذي ابتدأته، وما زالت العرب تسمي ~~الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلا بأن ييسر الله لهم ~~القفول وهو شائع في كلام فصحائهم» (اللسان، مادة قفل). وبذلك يكون ~~الجواليقي مخالفا لما أقره العلماء، غير أن رأيه صحيح على سبيل ~~المجاز، وعلى سنة العرب في كلامها. وقد سارت اللغة في السبيل التي ~~ارتآها، وكلنا يستعمل لفظة «القافلة» الآن لرفقة السفر ذاهبة كانت ~~أو راجعة. # 27 # الورد: في الأصل إتيان الماء، ثم اتسع معناها ليشمل كل ~~شيء. # الورد: تطلق على ذلك الصنف المعروف من الأزهار، وقد اتسع معناها ~~وصارت ms098 تطلق أيضا على كل زهر. # حمة: هي في الأصل سم العقرب وضرها، وقد صارت تستعمل لشوكتها ~~وسمها وضرها معا. # العربة: كانت مقصورة على العربة التي تدفع باليد أو تجرها ~~الدواب، وصارت تشمل كل السيارات الآلية. # اللبن: كان يخص لبن الناقة والشاة وغيرهما من الدواب، (أما الذي ~~ترضعه الأم ابنها فهو لبان)، وقد تطور معنى اللبن ليشمل الناقة ~~والشاة والمرأة المرضع التي كان يختص بها اللبان. # النجعة: أصلها طلب الغيث، ثم صار كل طلب انتجاعا. # الرائد: في الأصل طالب الكلأ، ثم صار طالب كل حاجة ~~رائدا. # البأس: في الأصل الحرب، ثم كثر استخدامه في كل شدة. ~~(ب) التضييق ~~(التخصيص) # Narrowing # وهو تقلص نطاق المعنى واقتصاره على شيء بعينه من بين الأشياء التي كان يشملها ~~في الماضي، وذلك نتيجة إضافة بعض الملامح التمييزية أو المكونات الدلالية للفظ، ~~فكلما زادت المكونات الدلالية لشيء قل عدد أفراده (كلما ضاق المفهوم قل ~~الماصدق). والتضييق هو التغير الدلالي الأغلب في اللغة، يقول السيوطي في ~~«الإتقان»: «ما من عام إلا ويتخيل فيه التخصيص.» ويقول د. إبراهيم أنيس: ~~«يرجع ذلك إلى أن الناس في حياتهم العادية يكتفون بأقل قدر ممكن من دقة ~~الدلالات وتحديدها، ويقنعون في فهم الدلالات بالقدر التقريبي الذي يحقق هدفهم ~~من الكلام والتخاطب.» # 28 # ويقول د. علي عبد الواحد وافي: «وكثرة استخدام الكلمة في مدلول ما؛ ~~لحدوث ما يدعو إلى ذلك في شئون الحياة الاجتماعية وما يتصل بها، يجردها - مع ~~تقادم العهد - من مدلولها الأصلي، ويقصرها على الناحية التي كثر فيها ~~استخدامها، فكثرة استخدام العام مثلا في بعض ما يدل عليه، لسبب اجتماعي ما، ~~يزيل مع تقادم العهد عموم معناه، ويقصر مدلوله على الحالات التي شاع فيها ~~استعماله، ولدينا في اللغة العربية وحدها آلاف من أمثلة هذا النوع، فمن ذلك ~~جميع المفردات التي كانت عامة المدلول ثم شاع استعمالها في الإسلام في معان ~~خاصة تتعلق بالعقائد أو الشعائر أو النظم الدينية: كالصلاة والحج والصوم ~~والمؤمن والكافر والمنافق والركوع والسجود ... وهلم جرا. فالصلاة مثلا معناها ~~في ms099 الأصل الدعاء (وقد جاء على الأصل قوله تعالى: # وصل ~~عليهم إن صلاتك سكن لهم ~~)، ثم شاع استعمالها في ~~الإسلام في العبادة المعروفة لاشتمالها على مظهر من مظاهر الدعاء، حتى أصبحت لا ~~تنصرف عن إطلاقها إلى غير هذا المعنى، والحج معناه في الأصل قصد الشيء والاتجاه ~~إليه، ثم شاع استعماله في قصد البيت الحرام، حتى أصبح مدلوله الحقيقي مقصورا ~~على هذه الشعيرة.» # 29 # من أمثلة التضييق في الدلالة # كلمة # Mete # في الإنجليزية القديمة ~~كانت تشير إلى الطعام أو الغذاء بصفة عامة، وما زال أثر المعنى ~~العام في كلمة # Sweetmeat ~~(مربى أو ~~حلوى)، وقد ضاق معناها الآن ليخص صنفا واحدا من الطعام. # كلمة # Hound # الإنجليزية كانت في ~~الأصل تشير إلى جميع الكلاب، وقد ضاق معناها الآن ليخص نوعا بعينه ~~منها. # كلمة Pill # الإنجليزية تعني «قرص» ~~من أي نوع، وقد صارت في الولايات المتحدة تعني أقراص منع الحمل ~~بخاصة، واحتفظ للمعنى العام لفظ # Tablet ~~. # كلمة Poison ~~(سم) الإنجليزية ~~كانت تعني «الجرعة من أي سائل». # كلمة # Corpse # الإنجليزية كانت ~~تعني ما يعنيه أصلها اللاتينية # Corpus # أي «الجسم» البشري أو ~~غير البشري، حيا أو ميتا، وقد ضاق معناها ليخص جثة الإنسان ~~الميت. # كلمة # Shtraf # الروسية، المأخوذة ~~من الألمانية، كانت تعني «العقوبة» بصفة عامة، ثم ضاق معناها لتدل ~~على «الغرامة المالية» فحسب. # حريم: كانت في الأصل تدل على كل محرم لا يمس، ثم أصبحت تدل على ~~النساء. # العيش: ضاق معناها لتدل على «الخبز» (في مصر)، وعلى «الأرز» (في ~~بعض البلاد العربية). # فاكهة: كان معناها في الأصل «الثمار كلها»، ثم تخصص معناها ~~ليقتصر على ثمار معينة مثل العنب والموز والبرتقال والتفاح ... ~~إلخ. # مأتم: في الأصل تعني اجتماع الناس، نساء ورجالا، في الخير ~~والشر، في الفرح والحزن، وقد ضاق معناها لتعني اجتماع النساء ~~للموت، وهي الآن تعني اجتماع الناس في الأحزان. # طرب: كانت تعني خفة تعتري المرء في الفرح أو الحزن، يقول ~~النابغة الجعدي: # وأراني طربا في إثرهم # طرب الواله أو كالمختبل # ويقول المتنبي: # لا يملك الطرب المحزون ms100 منطقه # ودمعه وهما في قبضة الطرب # والطرب في البيتين يعني الحزن، وقد تطور معنى الطرب وسقط منه ~~ملمح الحزن واستبقي ملمح الفرح، وصارت الكلمة تعني الفرح فحسب، أو ~~اهتزاز النفس للجمال من نغم أو تعبير. # وعد: وكانت تستعمل في الخير والشر أيضا ( # النار وعدها الله الذين كفروا ~~(الحج: ~~72))، وقد صارت الآن تستعمل في الخير فقط، واختصت كلمة «وعيد» ~~بالشر. # حمام: كانت تطلق على ذوات الأطواق وما أشبهها كالفواخت ~~والقماري واليمام والقطا، ثم ضاق معناها ليدل على ذلك النوع ~~بعينه من الطيور. # الرث: هو الخسيس من كل شيء، ثم قصر مدلولها على الخسيس مما ~~يفرش أو يلبس. # المدام: في الأصل كل ما سكن ودام، ثم شاع استعمالها في الخمر ~~لدوامها في الدن، أو لأنه يغلى عليها حتى تسكن. ~~(ج) التحول ~~(النقل) # Shift # أي انتقال الكلمة من مجموعة من الأحوال إلى أخرى. # كانت كلمتا «ملاحة» # Navigation # و«ميناء» Port # مقصورتين على ~~مجال السفن أو المجال البحري والنهري، وقد انتقل معناهما الآن ~~ليشمل المجال الجوي والبري، ويمكن أن يعد هذا أيضا ضمن «التوسيع» ~~الدلالي # Widening ~~. # كلمة # Bead ~~(خرزة) كانت في ~~الإنجليزية القديمة # Gebet # وتعني ~~التضرع والدعاء، إذ كان الكهنة الكاثوليك يعدون تسبيحاتهم وأدعيتهم ~~على حبات منظومة في خيط، ثم صارت # Bead # أو # Bede # في الإنجليزية الوسيطة ~~تدل على المعنيين: دعاء، وحبات عد الأدعية. # شنب: كانت تعني جمال الثغر وصفاء الأسنان، يقول ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس # وفي اللثاث وفي أنيابها شنب # وصارت الكلمة الآن تعني الشارب عند العامة. # السفرة: كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر، وصارت تعني ~~المائدة وما عليها من الطعام. # طول اليد: كان يكنى به عن السخاء، وصار يكنى به عن الميل إلى ~~السرقة. # التنزه: كانت في الأصل تعني «التباعد» عن الأقذار، وأحيانا عن ~~المياه والريف! وقد تطورت الآن لتعني البعد عن الصخب والفلوات إلى ~~البساتين والخضر. # القطار: هو في الأصل عدد من الإبل على نسق واحد تستخدم في السفر ~~وفي النقل، وقد تغير الآن معناها لتطور وسائل النقل. ~~(د) ms101 الاستعمال ~~المجازي # Figurative use # وهو تحول في المعنى قائم على مماثلة أو مشابهة بين الأشياء. # كلمة # Crane ~~(كركي) وهو طائر طويل ~~العنق، وتستعمل الآن لتعني الرافعة أيضا. # كلمة # Bureau ~~(مكتب) كانت في ~~الأصل تدل على نوع من نسج الصوف الغليظ، ثم أطلقت على قطعة الأثاث ~~التي تغطى بهذا النسج، ثم على قطعة الأثاث التي تستعمل للكتابة ~~أيا كانت، ثم على الغرفة التي تحتوي على هذه القطعة من الأثاث، ~~ثم على الأعمال تعمل في هذه الغرفة، ثم على الأشخاص الذين يقومون ~~بهذه الأعمال، ثم على أية مجموعة من الأشخاص تقوم بإدارة إحدى ~~الإدارات أو الجمعيات. # 30 # يقول الأستاذ محمد المبارك: «ينتقل اللفظ من الدلالة الحسية (الحقيقية) إلى ~~الدلالة المعنوية (المجازية) نتيجة كثرة الاستعمال وتأثير مرور الزمن، ~~فاستعماله بالمعنى الجديد في بادئ الأمر عن طريق المجاز، ولكنه بعد كثرة ~~الاستعمال وشيوعه بين الناس تذهب عنه هذه الصفة وتصبح دلالته على مدلوله الجديد ~~حقيقية لا مجازية.» # 31 # ويقول د. أحمد مختار عمر: «وعادة ما يتم الانتقال المجازي بدون ~~قصد، وبهدف سد فجوة معجمية، ويميز الاستعمال المجازي من الحقيقي للكلمة عنصر ~~النفي الموجود في كل مجاز حي، وذلك كقولنا: رجل الكرسي ليست رجلا، وعين ~~الإبرة ليست عينا ... وقد يحدث بمرور الوقت أن يشيع الاستعمال المجازي فيصبح ~~للفظ معنيان، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى الحقيقي ويقضي عليه، ~~وميز بعضهم بين الأنواع الثلاثة الآتية للمجاز: ~~(1) # المجاز الحي: الذي يظل في عتبة الوعي، ويثير الغرابة والدهشة عند ~~السامع. ~~(2) # المجاز الميت، أو الحفري # Fossil ~~: ~~وهو النوع الذي يفقد مجازيته ويكتسب الحقيقية من الألفة وكثرة ~~التردد. ~~(3) # المجاز النائم، أو الذاوي # Faded ~~: ويحتل مكانا وسطا بين النوعين السابقين، ~~والفرق بين المجاز الميت والمجاز النائم هو - جزئيا - سؤال عن ~~درجة الوعي اللغوي.» # 32 # أمثلة أخرى # المجد: معناه الأصلي امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم كثر ~~استخدامه مجازا في الامتلاء بالكرم وطيب السمعة وبعد الصيت، ~~وانقرض معناه الأصلي، وأصبح حقيقة في هذا المعنى المجازي. # الأفن: هو قلة لبن الناقة، وانتقل ms102 إلى نقص العقل. # الوغى: هو اختلاط الأصوات في الحرب، وانتقل إلى الحرب ~~نفسها. # بنى الرجل على امرأته: عبارة كانت كناية عن دخوله بها؛ لأن الشاب ~~البدوي كان إذا تزوج يبني له ولأهله خباء جديدا، وقد فقدت الآن ~~معناها الأصلي لانقراض هذا النظام، وإن كانت لا تزال تستخدم كناية ~~عن الزفاف. # الراوية: تعني في الأصل الجمل الذي يحمل قربة الماء، وقد صارت ~~تعني القربة نفسها (مجاز مرسل) لعلاقة المجاورة بين البعير الذي ~~يحمل الماء في آنيته وبين الإناء المحمول. # البريد: في الأصل الدابة التي تحمل عليها الرسائل، ثم تطور ~~مدلولها لتطلق على الرسائل المنقولة، وعلى النظم والوسائل ~~المتخذة لهذه الغاية في العصر الحاضر. # الغفر، والغفران: من الستر، وانتقل إلى الصفح عن الذنوب. # ساق الرجل إلى المرأة مهرها: كان هذا التعبير يستخدم قديما ~~حينما كان المهر عددا من الأنعام، ولكن بعد أن تغير العرف وصار ~~المهر نقودا أعطي الفعل معنى أوسع واحتفظ بحيويته. # 33 # لسان القوم (أو المتحدث باسم ...): صار يستعمل بمعنى المتكلم عن ~~قومه أو مؤسسته، على سبيل المجاز المرسل (إطلاق اسم الجزء على ~~الكل). ~~(1-7) الانحطاط الدلالي # Deterioration/pejoration # هو تغير يلحق بمعنى اللفظة فيكسبها دلالة سلبية، ومن أمثلته: # كلمة # Sir # و # Lady ~~: هي في الأصل ألقاب شرف رفيعة ~~لا تحظى بها إلا الطبقة العليا أو من تمنحه الأمة هذا اللقب تقديرا ~~لمكانته الاستثنائية (مثل سير كارل بوبر)، غير أنه شاع إطلاقها اليوم ~~على الأشخاص العاديين نتيجة التغيرات الكبيرة الاجتماعية والسياسية ~~التي شهدتها أوروبا في العصر الحديث. # كلمة # Constable # كانت تعني «كونت ~~الاصطبلات»، وهي شخصية سامية كانت توجد في البلاط الملكي في أوروبا في ~~العصور الوسطى، هذه الكلمة ما تزال تحتفظ بمكانتها الراقية في مثل: # Chief Constable ~~(رئيس الشرطة)، ~~ولكنها فقدت هذه المكانة في Police ~~Constable ~~(كونستابل شرطة). # 34 # كلمة # Notorious # كانت في الأصل تعني ~~«مشهور»، ثم انحدرت دلالتها وصارت تعني «مشهر» أي مشهور بشيء ~~قبيح. # كلمة # Dogmatic # في الأصل تعني «ذو ~~اعتقاد راسخ»، وكانت كلمة # Dogma # تعني ~~عقيدة أو مبدأ ms103 هاديا ومرشدا، وقد انحدرت دلالتهما واقتصرت على اليقين ~~المتصلب الجازم اللاعقلاني. # كلمة # Skeptic # تأتي من الكلمة ~~اليونانية القديمة # Skeptikos # التي تعني ~~«متسائل» أو «مستعلم» # Inquiring ~~، أي ~~الشخص الذي يسأل ويلتمس الإجابات ولم يصل بعد إلى اعتقادات راسخة، ثم ~~تغير معناها وصارت تعني «الشاك» أو «المرتاب». # حاجب: كانت تعني في الدولة الأندلسية «رئيس الوزراء»! # أفندي: تركية كانت تعني في الأصل مركزا رفيعا ومنصبا ~~مرموقا. ~~(1-8) «الارتقاء» أو «التحسن» الدلالي # Melioration/Amelioration # يقابل الانحطاط الدلالي الارتقاء الدلالي، حيث تكتسب اللفظة دلالة إيجابية أو ~~يزايلها ما كان لها في الأصل من دلالة سلبية، ومن أمثلتها: # كلمة # Marshal # الإنجليزية (مشير): ~~كلمة من أصل جرماني معناه السايس أو خادم الإصطبل أو الغلام الذي يتعهد ~~الأفراس ( # Mares ~~). # كلمة # Angel # كانت تدل على «الرسول» ~~الذي يشبه «موزع البريد» في أيامنا، ثم رفع الفقهاء هذا اللفظ ~~باستعماله للدلالة على الكائن الوسيط بين العقل الإلهي والعقل الإنساني. # 35 # كلمة # Knight # التي تعني الآن لقب ~~«فارس» أو «سير»، وكانت تعبر في فروسية القرون الوسطى عن مركز مرموق، ~~وقد انحدرت إلى اللغات الأوروبية من معنى أصلي هو «ولد خادم». # 36 # كلمة # Minister ~~(وزير) كانت قديما ~~تعني «خادم» (ولا تزال تستعمل كفعل بمعنى يسعف أو يعين أو يقدم ~~خدمة). # كلمة # Wicked # بمعنى شرير أو خبيث، ~~صارت في السياقات العامية تعني «ذكي» أو «متألق» أو كقولنا في عاميتنا ~~«شاطر». # كلمة # Mischievous ~~(مؤذ) فقدت كثيرا ~~من حدتها وصارت تعني «مزعج بظرف ومرح» أو كقولنا في عاميتنا ~~«شقي». # كلمة # Nice ~~(لطيف) تنحدر من كلمة ~~فرنسية قديمة بمعنى «غبي» أو «أحمق». # بيت: في الأصل هو المسكن المصنوع من الشعر، ثم صار يعني كل بيت حتى ~~«البيت الأبيض»! ~~(2) مغالطة التأثيل (الإتيمولوجيا) # ثمة اعتقاد خاطئ يقر في أذهان الكثيرين مفاده أن المعنى الحقيقي لأي كلمة يجب أن ~~يلتمس في الأصل التاريخي الذي أتت منه الكلمة، أو ما يسمى في اللسانيات ب ~~«الإتيمولوجيا» (التأثيل/الأصل الاشتقاقي/دراسة أصل الكلمة وتاريخها) # Etymology ~~، # 37 ~~«والتعريف اليوناني لكلمة إتيمولوجيا يوضح هذا المفهوم: فهو تفتح الكلمات ms104 ~~الذي من خلاله تبدو معانيها الأصلية جلية.» # 38 # ولعل القارئ الآن، بعد عرضنا للتغير اللغوي، قد أصبح محصنا ضد هذا ~~الاعتقاد وما ينطوي عليه من تبسيط مفرط لطبيعة اللغة ومنشئها وقوانينها ~~المسيرة. # وتعود تسمية هذه المغالطة ( # Etymological Fallacy ~~) إلى ~~جون ليونز # John Lyons # ويعني بها خطأ التأثيليين ~~حين يحاجون بأن كلمة ما تعود إلى أصل يوناني أو لاتيني أو عربي ... إلخ؛ ولذا فإن ~~معناها ينبغي أن يكون مطابقا لما كانت عليه في الأصل. ويبدو زيف هذه الحجة في أن ~~الافتراض الضمني بوجود «صلة حقيقية» أو «مناسبة» في الأصل بين المبنى والمعنى - وهو ~~ما تستند إليه هذه الحجة - هو شيء لا يمكن التحقق منه . # 39 # وقد سبق أن عرضنا لمنطق التأثيليين في حديثنا عن محاورة كراتيلوس في فصل طبيعة اللغة، ~~وتبينا أنهم يعتقدون بوجود علاقة طبيعية (غير اصطلاحية) وضرورية بين الدال ~~والمدلول، وأنهم بالتنقيب في الماضي عن أصل الكلمة والكشف عن معناها الحقيقي إنما يصلون ~~إلى حقيقة من حقائق الطبيعة، أو يميطون اللثام عن «ماهية» الشيء الذي تدل عليه ~~الكلمة! # وشبيه بهذا ما يفعله بعض الباحثين عندما يفسرون المعنى الاصطلاحي لمفهوم ما بمعناه ~~اللغوي، مع احتمال ألا يكون المعنى الاصطلاحي مرتبطا بالمعنى اللغوي ارتباطا وثيقا. ~~وقد سبق لابن تيمية وابن قيم الجوزية أن اعترضا على استخدام أنصار المجاز للمنهج ~~التاريخي في التمييز بين الحقيقة والمجاز رغم صعوبة التثبت من أصل اللفظ، وعدم وجود ~~ما يفيد تاريخيا بسبق أحدهما على الآخر. # 40 # والحق أن التأثيل منهج مستخدم اعتمد عليه الكثير من اللغويين اعتمادا كبيرا، وبخاصة ~~في القرن التاسع عشر، حيث أقيم على أسس أمتن مما كان عليه قبل ذلك، وما زال مستخدما ~~حتى الآن، ويعد فرعا معتبرا من اللسانيات التاريخية (الدياكرونية)، وله دعائم منهجية ~~خاصة تتوقف على كمية الشواهد المؤيدة ونوعها، إلا أنه بات واضحا للتأثيليين في القرن ~~التاسع عشر، وسلم به اللسانيون عامة في الوقت الحاضر، أن معظم كلمات المعجم في أي لغة ~~لا يمكن أن تعزى إلى أصولها، وقد انتكس ms105 المنهج التاريخي بعد دعوة دي سوسير إلى الفصل ~~بين الدراسات التزامنية (السينكرونية) والدراسات التاريخية (التعاقبية/الدياكرونية)، ~~وكرس مبدأ «اعتباطية العلامة اللغوية» على نحو نهائي حاسم، ومنح الصدارة للسينكروني ~~على الدياكروني، ولفت الانتباه إلى أهمية الدراسة الوصفية التي تقتصر على النظر إلى ~~«حالات» اللغة، وضرورة استبعاد العامل التاريخي عند دراسة «حالة» من حالات اللغة، ~~فاللغة عند سوسير هي مجرد نسق أو نظام وتؤدي وظيفتها باعتبارها «بنية» لا تنطوي في ~~ذاتها على أي بعد تاريخي، من ذلك أن تاريخ كلمة ما كثيرا ما يكون بعيدا كل البعد عن ~~أن يفيدنا في فهم المعنى الراهن لهذه الكلمة. # وفي كتابه «اللغة» يعرض ليونارد بلومفيلد لمنهج التأثيل، ويكشف لنا بؤس الإتيمولوجيا، ~~ويبين أن منهج الحفر التاريخي في اللغة لا يفضي إلى شيء. يقول بلومفيلد: خذ مثلا كلمة # Blackbird ~~(الشحرور) وتتكون من # Black # و # Bird ~~، وتطلق ~~على نوع من الطير، وهذا النوع من الطير إنما سمي بهذا الاسم بسبب لونه الأسود، وهذه ~~حقا تسمية صادقة تصدق على هذه الطيور: فهي طيور، وهي سوداء ... وجريا على هذا المنطق، ~~أكان من الممكن أن يستنتج علماء اليونان أن ثمة صلة باطنة عميقة بين ال # Gooseberry ~~(عنب الثعلب) وال # Goose ~~(الإوز)؟! ... إن التحليل في جميع اللغات لا ~~يسمح بذلك ولا يجود به، ولنا في اليونانية والإنجليزية أمثلة كثيرة من الكلمات التي ~~تستعصي على هذا النوع من التحليل الذي يتصوره التأثيليون: كلمة # Early # أي مبكرا، تنتهي بمثل ما تنتهي به كلمة # Manly # بمعنى رجولي، فاللاحقة # ly # مضافة إلى # Man ~~(رجل)، ولكن إذا جردنا الكلمة الأولى من اللاحقة # ly # فماذا يتبقى؟ يتبقى # Ear ~~(أذن)، فهل تعطي فائدة؟ إنها ~~بقية غامضة لا تفيد ... وكذلك كلمة مثل # Woman ~~(امرأة): ~~إنها تلتقي مع كلمة مثل # Man ~~(رجل)، ولكن ما دور المقطع # wo # في هذا؟ إن هذا المقطع هو الذي يفصل بين دلالة ~~هذه الكلمة ودلالة الكلمة الأخرى من الناحية الشكلية الصوتية، ولكن ما قيمة هذا المقطع ~~الأول # Wo # في التحليل الاشتقاقي؟ إنه لا دور له، ولا ms106 ~~دلالة له كذلك ... وعلى هذا النحو تواجهنا صعوبات في تحليل الكلمات القصيرة أو البسيطة، ~~التي هي أقل من السابقة، فكلمات مثل # Man, Boy, Good, Bad, Eat, Run ~~... ~~، وغيرها كثير، لا يعين فيها التحليل الإتيمولوجي ~~(التأثيلي/الاشتقاقي) على كشف صلة بين الكلمة وما تشير إليه ... ولكن علماء اليونان، ~~ومثلهم تلامذتهم من علماء الرومان كانوا في مثل هذه الحالات يلجئون إلى الحدس والتخمين ~~... إن صيغ الكلام تتغير وإنها قابلة للتغير لأنها غير ثابتة على حين أن المسميات لا ~~تتغير، وكذلك المعاني ثابتة لا تتغير ... أي أنه لا توجد علاقة طبيعية ضرورية، أو منطقية ~~عقلية، بين الاسم والمسمى أو بين الدال والمدلول ... وصفوة القول عند بلومفيلد أن ~~التحليل التأثيلي لا يؤدي إلى شيء، وأنه لا طائل من ورائه ... وإنما هو دليل على أنه لا ~~توجد علاقة ولا رابطة عقلية ضرورية بين الاسم والمسمى. # 41 # وتبلغ المغالطة التأثيلية مداها، وتصبح مسخا كاريكاتوريا، حين تعمل أدواتها ~~التاريخية في المصطلح العلمي أو التكنيكي حيث الطابع الاصطلاحي المطلق للعلامة، وتحاول ~~أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج! وهو ما يمكن أن نطلق عليه ~~«ابتذال المصطلح» # Vernacularization ~~. # 42 # إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلح علمي فإنه ~~يفارق داره وينسى ماضيه، ويكتسي معنى جديدا قد لا يكون له بمعناه اللغوي الدارج أي ~~علاقة؛ وبالتالي فليس يجدي نفعا تنقيبنا عن أصله وفصله، ولا يقربنا إلى فهم المصطلح في ~~وضعه الجديد. يقول جاستون باشلار في كتابه «المادية والعقلانية»: «إن اللفظ عندما يوضع ~~بين مزدوجتين فهو يبرز وتحتد نغمته، إنه يأخذ فوق اللغة العادية نغمة علمية. ما إن ~~يوضع لفظ من ألفاظ اللغة العادية بين مزدوجتين حتى يكشف عن تغير في منهج معرفة تتعلق ~~بميدان جديد للتجربة، وبإمكاننا أن نذهب حتى القول من وجهة نظر الباحث الإبستمولوجي إن ~~هذا اللفظ علامة على قطيعة وانفصال في المعنى، وإصلاح للمعرفة.» # 43 # وبعد، فحين يحاج المرء بأن دعواه صائبة لا لشيء إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة ~~يفيد ذلك - فإنه ms107 يقع في ضرب من الاستدلال الدائري. وفضلا عن ذلك فإن افتراض أن ~~الكلمات يجب أن تبقى لصيقة بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفال عبثي ~~للطبيعة الاصطلاحية للغة، وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها. # إن اللغة لفي سيرورة دائمة وتحول دائب، وهناك ألف سبب يلح على الألفاظ أن تخرج ~~من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم. وما دامت اللغة في تغير مستمر ~~فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، ~~وأن يكون نهج العلوم اللغوية توترا محسوبا بين «المعيارية» و«الوصفية»: معيارية تصون ~~اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقا للتطور والارتقاء. # 44 ~~(2-1) قل وقل وقل # يوشك هواة قل ولا تقل أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول. # ماذا يعني أن تقول في اللغة: «هذا خطأ »؟ # يعني أنه لا يراعي «مستوى ~~صوابيا» # Standard of correctness # معينا كان ينبغي أن يراعيه. يقول جاردنر في كتابه ~~«الكلام واللغة» (1933م): «ومن أجل هذا يجب أن نسأل أنفسنا أولا: ما هي اللغة؟ ~~ومن صاحب السلطة في وضع القواعد والأسس والاستعمالات والكلمات التي يجب ~~التزامها وتفرض على الجميع؟ وهذه أسئلة سهلة، ولكن الإجابة عليها عسيرة، فهناك ~~تقدير تقريبي للموضوع من رأيه أنه كما يقف الفرد وراء كلامه ليدافع عنه، فإن ~~«المجتمع اللغوي» يقف أيضا من وراء اللغة عموما» # 45 ~~... وكان السائد في الجيل الماضي اتجاه اللغويين إلى النظرة للغة ~~نظرة معيارية صرفا: فمهمة النحو تدريس قواعد صحة الكلام، ووظيفة المعجم ليست ~~إعطاء معاني الكلمات فقط بل الإشارة أيضا إلى ما يجب أن تعنيه الكلمات، ولكن ~~الاتجاه الآن يسير ضد هذا الاتجاه المعياري، إذ أصبحت جل المؤلفات اللغوية ~~«تصف» الاستعمال اللغوي في صورتيه الماضية والحاضرة ... مع وضع «التغير اللغوي» ~~في الاعتبار؛ «لأن اللغة في أي لحظة من لحظاتها ليست فقط ما هو كائن بالفعل ~~وإنما ما سيكون في المستقبل، فاللغة في حركة دائمة وفي تحول دائم.» # 46 # لم يكن قدامى اللغويين العرب يبحثون ms108 أسباب التغير، ربما لأنهم عدوا التغير ~~خطأ وحثوا العامة على اجتنابه، وقصروا جهدهم على تعقب الخطأ ورصده، بغية ~~التحرز منه واجتنابه، في «أدب الكاتب»، على سبيل المثال، أفرد ابن قتيبة بابا ~~بعنوان «باب معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه»، # 47 # صفوة القول أن قدامى اللغويين لم يدرسوا التغير لأنهم عدوه ~~لحنا، فدرسوا اللحن! # اللحن # منطق صائب وتلحن أحيا # نا وأحلى الحديث ما كان لحنا # للحن معان عديدة تدور حول معنى عام هو «الميل» وتحول الشيء من هيئته ~~المألوفة إلى أخرى غير مألوفة. من معاني اللحن: الغناء والتطريب، اللهجة ~~الخاصة، الفهم والفطنة، التعريض والإيماء والتورية، الخطأ في اللغة. # 48 # بعد أن اختلط العرب بالأعاجم بدأ اللحن يظهر على ألسنتهم؛ فكانت ردة الفعل ~~الطبيعية من جانب العلماء استهجان هذه الحال والتنادي لوضع حد لها، من هنا نشأت ~~حركة تصحيح لغوية كبيرة تنبه على الأخطار وتشير إلى وجه الصواب ، وأثمرت عددا ~~كبيرا من الكتب التي عرفت باسم «كتب اللحن»، وقد أشرنا إلى بعضها فيما ~~سبق. # من أسباب ظهور اللحن: # اختلاط الفصحى بغيرها من اللغات. # إقدام الكثير من الرواة على وضع الشعر واختلاقه؛ لإثبات قاعدة ~~نحوية أو صرفية، أو لنصرة مذهب سياسي أو كلامي أو لغوي. # وقوعه من ذوي الشأن كالخلفاء والوزراء والعلماء، والتماسهم من ~~ينقذهم من وهدته. # تنازع النحاة في المسألة الواحدة. ومن شأن ذلك أن يشجع اللاحنين ~~على ما هم فيه ما داموا يجدون من يلتمس الشاهد أيا كان ويصوب ~~الفاسد ويقوي الضعيف. # اغتفار اللحن في مواقف خاصة. # الاضطراب الاجتماعي والسياسي. # 49 # يستند المخطئون إلى معايير معينة يمكن تلخيصها فيما يلي: # عدم السماع: # أي عدم ورود اللفظة عند العرب الفصحاء في عصر ~~الاحتجاج. ولهذا المعيار عيبان أساسيان: (1) فهو يقصر في كثير من ~~الأحيان أمام حاجة العصر للألفاظ الجديدة، وقد أحسن مجمع اللغة ~~العربية المصري صنعا عندما حرر السماع من قيود الزمان والمكان، ~~ليشمل ما يسمع اليوم من طوائف المجتمع كالحدادين والنجارين وغيرهم ~~من أصحاب الحرف والصناعات، وأجاز الاعتداد بالألفاظ المولدة ~~وتسويتها ms109 بالألفاظ المأثورة عن القدماء. # 50 ~~(2) وهو يقتضي من يتخذه أن يكون مطلعا على كل ما ~~ورد عن العرب، وهذا شبه مستحيل، وفيه كثير من المجازفة. # عدم القياس: # القياس هو رد الشيء إلى نظيره، وقد روي عن الخليل ~~وسيبويه قولهما «ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم»، وقد أجاز ~~مجمع اللغة العربية بالقاهرة الأخذ بمبدأ القياس، ثم أطلقه ليشمل ~~ما قيس من قبل وما لم يقس، وقد قسم ابن جني كلام العرب من حيث ~~الاطراد والشذوذ إلى: (1) مطرد في القياس والاستعمال جميعا، مثل: قام زيد، ضربت زيد، ~~مررت بسعيد. (2) مطرد في القياس شاذ في الاستعمال: مثل الماضي من ~~«يذر» و«يدع». (3) مطرد في الاستعمال شاذ في القياس: مثل: استصوبت ~~الأمر، ولا يقال استصبت، ومثل: استحوذ، واستنوق الجمل، واستفيل ~~الجمل واستتيست الشاة. وهذا الضرب من الكلام لا بد من اتباع السمع ~~الوارد به فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره. (4) شاذ ~~في القياس والاستعمال جميعا: كتتميم مفعول فيما عينه واو، مثل: ~~ثوب مصوون، ومسك مدووف، وحكى البغداديون: فرس مقوود ورجل معوود من مرضه، # 51 # وقد أحسن ابن جني إذ لم يخطئ إلا ما شذ في القياس ~~والسماع معا. # عدم ورود اللفظة في المعاجم: # وهو معيار فيه مجازفة أيضا لأن ~~المعاجم لم تحط بكل ما قالته العرب. يقول أمين ظاهر خير الله في ~~كتابه «الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» (المطبعة ~~العلمية، بيروت، 1932): «هذا جانب صغير مما أغفلت المعاجم ذكره، ~~ولو اتسع لي المقام لجئت بمئات من الأفعال والأسماء وردت في كلام ~~أمراء الشعر والنثر ولم يرد الجلاء عنها في المعاجم.» # 52 # الاستناد إلى اللغة الأفصح: # ويعنون بالأفصح دائما المأثور ~~السائر الرائج بين الفصحاء، ولكن «الغريب» و«الشاذ» و«القليل» ~~و«النادر» جزء من ثروة اللغة، ولا خلاف في كونه من أسلم كلام ~~العرب، فقد ورد في القرآن والحديث وشعر العرب ونثرهم، وقد تكون ~~ندرته منسوبة إلى زمان معين أو مكان معين، كما أن الحكم بالشذوذ ~~والندرة والقلة فيه مجازفة لأنه يستدعي ms110 قراءة التراث كله، وما نحكم ~~عليه بالشذوذ قد لا يكون كذلك لو وصل إلينا كل ما قالته العرب. وقد ~~كان البصريون يبنون قواعدهم على الغالب الأعم من اللغة ويئولون ~~ما يرونه شاذا أو نادرا أو قليلا، بينما كان الكوفيون يقيسون ~~هذا الشاذ أو النادر، وقد ثبت في كثير من المسائل صحة ما ذهب إليه ~~الكوفيون: مثل إجازة النسبة إلى الجمع، وإضافة مضافين إلى مضاف ~~إليه واحد، وتقديم التمييز على عامله إذا كان فعلا متصرفا، وجواز ~~تعريف العدد المضاف إضافة معنوية ب «أل» ... إلخ. # 53 # الاستناد إلى قواعد النحو والصرف: # ولكن هذه القواعد نفسها لا ~~تخلو من الفساد في بعض الأحيان! وخاصة عندما منع النحاة اشتقاق وزن ~~«فاعل» من «فعل»، أو جمع «فعل» على «أفعال»، ومجيء «كافة» إلا ~~حالا، ودخول «أل» على «بعض»، وإضافة مضافين إلى مضاف إليه واحد، ~~واشتقاق أفعل التفضيل من اللون ... إلخ، وغير ذلك مما أثبت الاستقراء ~~اللغوي السليم صحته. # 54 # رفض المولد: # أي الذي استعمله الناس بعد عصر الرواية، وهو ~~معيار يفضي إلى تحنيط اللغة في ألفاظها ومعانيها، فكل لفظ قديم ~~كان ذات يوم «مولدا» إن جاز التعبير، وقبول المولد سنة ~~طبيعية في اللغات جميعا، ومظهر حيوي للغة يساعد على بقائها ~~ونمائها وتطورها. ~~(2-2) المستوى الصوابي # حين نقول: إن السلطة اللغوية هي المجتمع اللغوي، فإنما نعني تلك «الجماعة ~~التي تستعمل نظام الكلام بطريقة موحدة»، على حد قول بلومفيلد، ففي كل وسط اجتماعي ~~متجانس السكان نجد عادة أن للغة شيئا من الوحدة، بل إنه لشرط أساسي لوجود اللغة ~~أن يحرص من يتكلمونها على استخدام نفس الوسائل للتعبير، # 55 # فالجماعة المتزاملة لغويا تستعمل، كما يقول فيرث، ما يتقاسمونه من ~~تجارب مشتركة، وهم يستمسكون بهذا التماثل ويحرصون عليه؛ لأنه شرط الفهم والإفهام في ~~بيئتهم الخاصة. # 56 # والأفراد يكتسبون اللغة من بيئتهم وفي عصرهم الذي عاشوا فيه، ومن ثم فإنهم يراعون ~~اللغة كما تنطق في عصرهم لا كما تنطق في عصور سبقت، ولا كما ينبغي أن تنطق وفق ~~نموذج مثالي لعصر ms111 ذهبي غيبته الأيام، اللغة في تغير مستمر، وقد يكون هذا التغير ~~بطيئا لا يتضح إلا بمرور جيل أو أجيال، ولكنه يحدث، ولا ينفيه بطء حدوثه، ونحن إذ ~~نفترض الثبات اللغوي فإنما نفعل ذلك لدواعي التشريح والدراسة، وبغية اقتناص «حالة ~~لغوية» سينكرونية لضرورة الرصد والتقعيد، بينما اللغة في حركة مستمرة والعرف ~~اللغوي في تغير دائب، الثبات اللغوي إذن ليس أكثر من حيلة إجرائية ووهم ~~عملي. # نخلص من ذلك إلى تعريف المستوى الصوابي على أنه: «مراعاة العرف اللغوي المقتصر ~~على بيئة خاصة في زمن خاص، مع اعتبار التطور في اللغة، يتوافق معه نشاط المتكلم ~~ويلاحظه الباحث بهذه الصفات.» # 57 # يتبع ذلك بالضرورة تغير ما يراعيه المتكلم على حسب العرف اللغوي الجديد ~~الذي يفرض نفسه عليه كي يتوافق معه، ويترتب عليه أن مستعمل اللغة لا يطالب بغير ~~مراعاة المستوى الصوابي في اللغة الذي اكتسبه من الجيل الذي هو أحد أفراده، ومن عرف ~~العصر الذي عاش فيه . # 58 # ليس هذا الحديث دعوة إلى إلغاء القواعد والانصراف عن جهات الاختصاص اللغوي، بل ~~دعوة إلى أن تراعي جهات الاختصاص طبيعة القواعد ومنشأها وحركتها، بحيث تأتي القواعد ~~متفقة مع استعمال اللغة وتطورها وتبرأ من التعسف والجمود، وتأتي المقترحات الجديدة ~~متوافقة مع طبيعة اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية تخضع للعرف الاجتماعي العام والعرف ~~اللغوي الخاص، ولا تكون محاولات دونكيشوتية تحارب في غير ميدان، ومماحكات تكد الذهن ~~في غير طائل. # لقد توقف النحاة في تقعيداتهم عند زمن معين لا يتجاوزونه، بينما اللغة ~~الحقيقية تمضي في سبيلها غير عابئة بهم، توقفت القواعد بينما العرف اللغوي يتغير ~~مع الزمن، فاتسعت الفجوة بينهما وصارت هوة، هذا ما أربك الفصحى وصعب قواعدها ~~وجعلها أشبه بلغة أجنبية في دراستها وفي استخدامها. ~~«إن التطور اللغوي (الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي) ليستتبع تغييرا ~~في المستوى الصوابي من الناحية التاريخية كذلك، فما كان صوابا في الماضي يصبح خطأ ~~في الوقت الحاضر، ويصبح خطأ اليوم صواب الغد إذا رأى المجتمع اللغوي أن يتبناه في الاستعمال.» # 59 ~~«وليس من حق ms112 الباحث في اللغة أن يفترض فيها التوقف عند فترة معينة أو جيل خاص أو ~~عدة أجيال، فيجمد الدراسة ويترك عمله الحقيقي في ملاحظة اللغة الدائبة التغير، ~~وينصرف إلى تفريعات ومماحكات وعنت ذهني عقيم لا حاجة باللغة إليه، ثم يفرض ما ~~لاحظه عن اللغة في فترة من فتراتها على فترة أخرى أدى إليها تطورها، وهذا عكس ~~لمهمة الدارس من الوصف إلى التحكم، ومن الملاحظة إلى المصادرة.» # 60 ~~«ولو أن الاستشهاد لم يقف عند حد على يد النحاة العرب لأمكن أن تجري دراسة اللغة ~~على مراحل وعصور باستقراء ما يجد من النصوص إلى أيامنا هذه، ولاعتبر كل ميل غير ~~فردي إلى مخالفة القواعد السابقة تطورا في الاستعمال اللغوي يتطلب تطورا في ~~النظرة إلى هذه القواعد في ظل منهج وصفي لدراسة اللغة، ولكن إيقاف الاستشهاد عند ~~حد معين جعل النحاة وقد جفت روافد الاستقراء عندهم يلجئون إلى ما لديهم من ~~القواعد، فيجعلونها مادة الدراسة بدل النصوص التي أعوزهم الجديد منها، وما دامت ~~القواعد نفسها هي الهدف وهي مادة الدراسة فلا مهرب إذن من النظرة إلى هذه القواعد ~~باعتبارها مقاييس ومعايير من صلب المنهج؛ لبيان الصحيح والخطأ من التراكيب، أي أن ~~المستوى الصوابي بدل أن يكون فكرة اجتماعية يراعيها المتكلم، أصبح فكرة دراسية ~~يراعيها الباحث، وبهذا توقف العمل بالمنهج الوصفي في دراسة اللغة، وأصبح لزاما ~~علينا الآن أن ننظر إلى الدراسات اللغوية العربية باعتبارها دراسة تصف مرحلة معينة ~~من تطور الفصحى، ولكن هذه المرحلة تشتمل في الحقيقة على مراحل، وقد كان مؤرخو الأدب ~~أسرع إلى الاعتراف بعصور اللغة من النحاة، وكان أولى بالنحاة أن يعترفوا بهذه ~~المراحل ويدرسوا كل واحدة منها دراسة وصفية على حدة كما فعل أصحاب تاريخ الأدب. # 61 # وقد أصبح لزاما علينا أيضا إذا أردنا دراسة ما جد من تطور في هذه ~~الفصحى أن نبدأ بدراسة مرحلتنا هذه التي نعيش فيها دراسة وصفية، وأن نتطرق منها ~~إلى ما سبقها من المراحل التاريخية التي حدثت منذ توقف الاستشهاد وأن نقطع النظر عن ms113 ~~نفوذ هذه الدراسات القديمة على تفكيرنا، ونبدأ بالدراسة على أساس منهج وصفي يتوخى ~~الاستقراء والتقعيد من جديد.» # 62 # خطأ مشهور # تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها! # يسبرسن # التغير «عملية» و«حالة»: «عملية» Process # ابتداع وتجديد (فردي في الأغلب) مخالف «بطبيعة ~~حاله» # Ipso facto # للعرف السائد، تتبعها «حالة» # state # يستتب فيها الطارف المستجد ويدخل متن اللغة فلا ~~يعود جديدا، وهكذا دواليك. يقول أولمان إن التغير في اللغة يقع على مرحلتين: ~~الأولى هي مرحلة التغير نفسه وما يطلق عليه «الابتداع والتجديد» # Innovation # ويحدث هذا في الكلام الفعلي، وقد يقوم ~~به فرد من الأفراد بإدخال عناصر جديدة في استعمال اللغة، والثانية هي مرحلة ~~«انتشار التغير» # Dissemination # بأن ~~تتداوله الجماعة فيما بينها، وإذا حدث ذلك أصبح التغير عنصرا من عناصر نظام ~~اللغة، ما دام قد سمح له بالاستعمال العام بين الناطقين بها. فالتغير يبدأ ~~أولا فرديا بما يدخله فرد أو أفراد على نظام اللغة من استعمالات جديدة، ~~مما ينظر إليه أولا على أنه «مخالفة» (خطأ!) لما عليه الجماعة، فإذا قدر لهذه ~~«المخالفات» (الأخطاء!) أن تلقى قبولا من غيرهم، فإنها تأخذ الطابع الاجتماعي ~~العام، وتصبح القاعدة التي يتبعها كل الناطقين باللغة. # 63 # هذا تأويل قول يسبرسن عن بعض اللغويين: «إن تاريخ اللغة ليس سوى ~~تاريخ الأخطاء اللغوية فيها.» # 64 # شرعية اللغة الشيوع. # ومن ثم فإن عبارة «خطأ مشهور» شأنها شأن «مربع مستدير» ... تناقض ذاتي! فإذا ما ~~وجدت الخطأ المشهور أكثر جمالا ووضوحا وإبانة، فاعلم أن شهرته مشروعة ~~مستحقة: الجمال، والوضوح، والإبانة. وماذا يكون «الصواب» أكثر من ذلك؟! «خطأ ~~مشهور» هي ذاتها خطأ مشهور! # حين تشيع مجاوزة لغوية وتنشر رايتها على الألسنة، يتحول عنصرها وتتبدل صفتها ~~وتأخذ رتبة «قاعدة»؛ قاعدة لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق، وما كان لهذه ~~«المخالفة» أن تبسط سلطانها لو لم تكن تقدم فكرا، وتحقق وصلا، وتسد فراغا، ~~وتثبت نجاعة. لقد تمت لها «المواضعة» # Convention # فصارت من ثم «لغة»، ومن السفه أن نتنازل عنها بدعوى قل ولا تقل! ~~وهل اللغة ms114 إلا «مواضعة» جدت، على رسلها، لتحقيق التواصل بعد أن كانت وسيلة ~~التواصل فأفأة و«قاعدته» صراخا و«نحوه» لهاثا ونخيرا. هل اللغة إلا ذاك ~~«الخروج» على الصراخ والمروق من الحبسة؟ وإذا كان الخطأ هو خروج عن المتبع ~~وتململ عن المستقر؛ فاللغة بقضها وقضيضها هي بهذا المعنى خطأ مشهور، وإن امتاز ~~عن غيره من الأخطاء بأنه خطا كبير ... بحجم العالم. ~~(3) تصويب الفكر قبل الكلمات ~~(3-1) أمثلة من تصحيح الصحيح # وكأنا لم يرض فينا بريب ال # دهر حتى أعانه من أعانا # المتنبي # أما وجد هذا لبيتي مخرجا في العربية؟! # الفرزدق # أكثر اللغة مجاز لا حقيقة. # ابن جني # لسنا هنا بصدد تصويب # 65 # كلمة أو كلمات، وليس هذا من غرض الكتاب في شيء، إنما نحن بصدد تصويب ~~منطق وتقويم منهج وتصحيح فكر. إن فينا قوما تملكهم «إرهاب معجمي» و«سادية ~~لغوية»، يقومون من زمن بوظيفة شرطة لغوية مولعة بتحرير المخالفات، وبلعبة قل ولا ~~تقل، ينصبونها للتسلط والتسلي، «كفعل الهر يحترش العظايا!»، ويغالون في ذلك ~~إلى حد «تصحيح الصحيح»! يظن هؤلاء أنهم يحسنون إلى اللغة وهم يؤذونها غاية الإيذاء ~~وينشرون فيها الفوضى والاضطراب، ويبثون في الناس اليأس من الفصحى والانصراف عنها، ~~وها هي العربية تحتضر على أيديهم الخشنة، وليس موت اللغة سوى أن تهجر اللسان، يظن ~~هؤلاء أنهم يصلحون اللغة وهم يهزون القارب وينخرون فيه نخرا منكرا، لقد أضلتهم ~~القواعد (البعدية) فسلبتهم السليقة (القبلية)، وكأنا بالذيل يهز الكلب والعربة ~~تتقدم الحصان. # لماذا كان العربي القديم يتكلم بسجية تعنو لها القواعد وتأتي بعدها ووراءها وعلى ~~قدها، حتى لقد شرع السماع وأصبح الذوق قواعد، بينما قلبنا نحن الآية وبدأنا ~~بالقواعد نتحنث في محرابها ونطوع لها الذوق، حتى ضجر الناس من العربية، ~~وانفضوا عن الخطأ والصواب، وفقدوا الذوق والقواعد؟! # متحف # يقولون: قل متحف بضم الميم ولا تقل متحف بفتحها؛ لأنه اسم مكان لموضع التحف ~~الفنية، والأصل «أتحف» الرباعي وليس «تحف» الثلاثي الذي لم يرد، وعليه يكون اسم ~~المكان هو «مفعل» بضم الميم وفتح العين. # والآن علينا أن نسجل أولا أن ms115 كلمة «متحف» بضم الميم ثقيلة الظل تشارك ~~بسهم في كراهة اللغة العربية والازدراء بها والضحك عليها، وكلنا يحس بعد نطقها ~~بوعكة لا يدري كنهها، فاستفت قلبك فيها وإن أفتاك الناس. ثم علينا أن نتساءل: ~~لماذا كان ذلك؟ والجواب، ببساطة؛ لأنها خطأ، ولأنها غير ما نعنيه جميعا إذ ~~ننطق بهذه الكلمة البسيطة ونعني بها المكان الذي تجمع فيه التحف لا المكان الذي ~~تعطى فيه وتمنح (وهو ما لا يحدث في دور الآثار!)، إنها موضع «التحف» لا ~~«الإتحاف». وللأستاذ الدكتور محمد كامل حسين، عضو المجمع اللغوي، وقفة عز مع ~~هذه الكلمة وغيرها، يخلص منها إلى دروس لغوية ثمينة. يقول سيادته في مجلة ~~المجمع، ج22، 1967: «والمتحف» بضم الميم كلمة سقيمة سيئة المبنى، وهي خطأ، ~~وليس لها من العربية إلا انطباقها على قاعدة صرفية، وقد سبق أن وصفت الكلمات ~~المهجورة بأنها من ورق أهل الكهف، صحيحة ولكنها غير قابلة للتداول، أما كلمة ~~«متحف» فهي من العملة المزيفة التي ليس لها من العربية إلا مظهرها، وقد جاء في ~~«معجم الصواب اللغوي » أن مجمع اللغة العربية اعتمد على كثرة اشتقاق العرب من ~~الأسماء الجامدة مثل «أثث» بمعنى وطأ، و«تبغدد» بمعنى انتسب إلى بغداد أو ~~تشبه بأهلها، و«تفرعن» بمعنى تخلق بخلق الفراعنة، فأقر الاشتقاق من أسماء ~~الأعيان من غير تقييد بالضرورة لما في ذلك من إثراء للغة، وكان قد أقر أيضا ~~جواز تكملة فروع مادة لغوية لم تذكر بقيتها في المعاجم. وقد أقر المجمع ~~استعمال كلمة متحف بضم الميم وفتحها: بالضم على أنها اسم مكان من «أتحف» ~~وبالفتح على أنها اسم مكان مشتق من الفعل الثلاثي «تحف» المأخوذ من كلمة ~~«تحفة». # يقول د. محمد كامل حسين: «على أن معنى متحف ليس صحيحا إلا من حيث مطابقته ~~لقواعد الصرف، أما الذوق اللغوي فيأباه، والذوق يدق عن القواعد؛ ذلك أن اشتقاق ~~اسم المكان من أفعل المتعدي نادر جدا، وأكثره من الأفعال اللازمة، فإذا كان ~~الفعل يأتي لازما مثل أقام فإن اسم المكان يشتق من معناه اللازم فالمقام من ~~أقام ms116 بالمكان، ولا أعرف أن أحدا يسمي مكان الصلاة مقام الصلاة وإن صح ذلك من ~~جهة قواعد الصرف. ولا أريد أن أعرض لنظرية السماع والقياس، ولكني أقول إن ~~العربي الذي فرض اللغويون وجوده وسط الجزيرة العربية لا يختلط بالأعاجم هو الذي ~~قال ب «المأسدة»، # 66 # وهو في هذا بين أمرين: إما أن سليقته التي تحس بأدق القواعد خانته ~~فاشتق اسم المكان من الجامد، وهذا يقضي على نظرية السماع كلها، وإما أن يكون ~~وجد نفسه في حاجة إلى هذا الشذوذ؛ فوضع كلمة جديدة تدل على ما يريد ولم يعبأ ~~باشتقاقها. والحاجة التي دفعت العربي إلى صياغة فاسدة أو شاذة ليست أشد من ~~حاجتنا إلى صوغ كلمة تدل على مكان تكثر فيه التحف، وعلى ذلك تكون كلمة متحف ~~بفتح الميم هي الكلمة العربية الصحيحة.» # تقييم # إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب. # ابن جني # يقولون: لا تقل «تقييم» (الثمن، السلعة، العمل ...)، وقل «تقويم»، ولا تقل ~~«يقيم» وقل «يقوم»؛ لأن الفعل واوي، أما كلمة «قيمة» فياؤها منقلبة عن ~~واو، وفي الإعلال أن كل واو تقلب ياء إذا كانت ساكنة وكسر ما قبلها. # لا يخفى أن لكلمة «تقويم» معاني كثيرة (تحديد القيمة، التصويب، العقاب، حساب ~~الزمن، مواقع البلدان)، في هذه الحالة من الاشتراك اللفظي يتكفل السياق بتحديد ~~المعنى المقصود بسهولة ووضوح، فيما عدا التفرقة بين التصويب وتحديد القيمة، ~~مثال ذلك: «على المدرس أن يقوم أداء الطلاب»، ولا تدري أيحدد مستوى أدائهم أم ~~يصوبه ويعدل اعوجاجه، وفي كل سياق تأتي فيه كلمة «تقويم» بمعنى التصويب أو ~~بمعنى تحديد القيمة يلتبس المعنى على المتلقي التباسا شديدا بحيث لا يستطيع ~~التيقن من المقصود إلا إذا سأل المتحدث نفسه، وجها لوجه، عما يعنيه هنا ~~ويقصده. هذا مثال لحالة يكون فيها الصواب الصرفي (أو بالأحرى الاطراد) هو ~~الملتبس والغامض، وهذا شيء مضاد لطبيعة اللغة وطبيعة الإفصاح. ومن المعروف أن ~~العربي كان يلجأ إلى الشاذ إذا كان فيه الإبانة والخفة، «واللغويون يقبلون ~~الشاذ إذا سمع عن العرب كما في ms117 مادة «الديمة»، ويقولون إن هذا شيء سماعي لا ~~يقاس عليه، ولا يقول أحد بأن كل شاذ يصلح أن يقاس عليه، ولكن الحاجة التي حملت ~~العربي على الشذوذ قد تنشأ في كلمات أخرى، ويكون مباحا أن نقيس على صيغة شاذة ~~عند الحاجة، والحاجة عندنا إلى كلمة «تقييم» أشد من حاجة العربي إلى أن يقول ~~«ديمت السماء» حيث المعنى لا يختلف عن قوله «دومت السماء».» # 67 # على الرغم من أن أصل الكلمة هو الواو، إلا أن «العرب ربما قطعوا النظر عن أصل ~~حرف العلة، ونظروا إلى حالته الراهنة، ومن هنا أجاز مجمع اللغة العربية استعمال ~~«قيم» بالياء بمعنى حدد القيمة، للتفرقة بينه وبين «قوم» الشيء بمعنى ~~عدله، وقد جاءت المعاقبة بين الواو والياء المشددتين في أمثلة من كلام العرب ~~يستأنس بها في تصحيح ذلك، وقد أوردت المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد ~~هذه الكلمة، ونص الوسيط على أنها مجمعية.» # 68 # في «باب في تدريج اللغة» يقول ابن جني في الخصائص: «وذلك أن يشبه شيء ~~شيئا من موضع، فيمضي حكمه على الحكم الأول ثم يرقى منه إلى غيره ... ومن ذلك ~~قولهم: صبية وصبيان، قلبت الواو من صبوان وصبوة في التقدير - لأنه من صبوت - لانكسار الصاد قبلها، وضعف الباء أن تعتد حاجزا؛ لسكونها، وقد ذكرنا ذلك، فلما ~~ألف هذا واستمر تدرجوا منه إلى أن أقروا قلب الواو ياء بحاله وإن زالت ~~الكسرة، وذلك قولهم أيضا: صبيان وصبية، وقد كان يجب - لما زالت الكسرة - أن ~~تعود الياء واو إلى أصلها، لكنهم أقروا الياء بحالها لاعتيادهم إياها حتى ~~صارت كأنها كانت أصلا، وحسن ذلك لهم شيء آخر، وهو أن القلب في صبية وصبيان ~~إنما كان استحسانا وإيثارا، لا عن وجوب علة، ولا قوة قياس، فلما لم تتمكن على ~~القلب ورأوا اللفظ بياء قوي عندهم إقرار الياء بحالها؛ لأن السبب الأول إلى ~~قلبها لم يكن قويا، ولا مما يعتاد في مثله أن يكون مؤثرا ... ومن ذلك قولهم: ~~أبيض لياح، وهو من الواو؛ لأن ببياضه ما يلوح للناظر، فقلبت ms118 الواو ياء لانكسار ~~ما قبلها، وليس ذلك عن قوة علة، إنما هو للجنوح إلى خفة الياء مع أدنى سبب، وهو ~~التطرق إليها بالكسرة طلبا للاستخفاف ... ومن التدريج في اللغة قولهم: ديمة ~~وديم، واستمرار الكسر في العين للكسرة قبلها، ثم تجاوزوا ذلك لما كثر وشاع إلى ~~أن قالوا: ديمت السماء ودومت، فأما دومت فعلى القياس، وأما ديمت فلاستمرر القلب ~~في ديمة وديم ... فهو بالياء لهذا آنس، وجماع هذا الباب غلبة الياء على الواو ~~لخفتها، فهم لا يزالون تسببا إليها، ونجشا عنها، واستثارة لها، وتقربا ~~ما استطاعوا منها ...» # 69 # ومن هذا الباب كلمة «تريض» بمعنى «خرج للتنزه»، فقد رفضها من رفض لأن ~~الكلمة واوية، غير أن معجم «الأساسي» ذكرها بمعنى خرج للمشي على سبيل الرياضة، ~~وقد تبين لنا الآن أنها صحيحة بالاشتقاق المباشر من كلمة «الرياضة»، مثلما أن ~~«التقييم» صحيحة بالاشتقاق من كلمة «القيمة». # نفس، وعين # يقولون: لا تقل «جاء نفس الرجل»، والصواب «جاء الرجل نفسه»؛ لأن كلمتي «نفس، ~~وعين» إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكد، وأن تكونا مثله في الضبط ~~الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور حتما، يطابق هذا المؤكد في ~~التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع. # ونقول: نعم، لنلتزم بذلك وسعنا فهو أقوم وأسعد، ولكن أسبقية التوكيد تكون ~~أوضح وأسمح في سياقات معينة، فلم التضييق ومجال القول ذو سعة؟ ولماذا لا نطاوع ~~ضغط اللغة المحكية والأجنبية وكلتاهما تقدم التوكيد على المؤكد؟ العقل نفسه، ~~والخاطر والشعور، كثيرا ما يقدم التوكيد على المؤكد! وفي سياقات معينة ~~توقعنا القاعدة القديمة في اللبس والاضطراب، وبخاصة حين يكون المؤكد مضافا، ~~يعرف ذلك كل من له باع في الترجمة: هبني أريد أن أؤكد: بنود الوصية، أو درجات ~~الطالبة ... إلخ، هل أقول «في بنود الوصية نفسها»، و«على درجات الطالبة نفسها»، ~~أرأيت إلى الالتباس؟ تراني أؤكد هنا البنود أو الوصية؟ الدرجات أم الطالبة؟ ~~ويزداد الأمر اضطرابا إذا تعقد السياق: «بنود وصية السيدة نفسها»، «درجات ~~طالبة الدفعة نفسها»، هذه عقدة جوردية، حلها بسيط جدا: أن نقطع ms119 القاعدة بحد ~~السيف، ونقول: يجوز تقديم التوكيد على المؤكد إذا حكم التعبير واقتضى الحال ~~وساغ النغم. # جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «جاء في نفس الوقت» فصيحة: تستعمل كلمة «نفس» ~~للتوكيد المعنوي، وحينئذ لا بد أن يسبقها المؤكد وأن تضاف إلى ضميره، ويكون ~~استعمال النفس في غير التوكيد بمعنى الذات فصيحا، كما يكون أيضا استعمالها ~~للتوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي «النحوي» فصيحا، وقد أجاز مجمع ~~اللغة المصري هذا الاستعمال مستشهدا بما حكاه سيبويه عن العرب: «نزلت بنفس ~~الجبل»، ويقول الجاحظ: «لا بد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن ~~علمه في نفس المعرفة.» # 70 # وجاء في «موسوعة اللحن في اللغة»: «جئت في نفس الوقت (تقديم النفس - من ألفاظ ~~التوكيد - على المؤكد): ورد في كلام من يعتد بهم من العلماء، كابن جني في ~~قوله في الخصائص (1 / 295) «هي متعلقة بنفس تبا» يريد: بتبا نفسها، وجاء في ~~اللسان (نفس): ونفس الشيء: ذاته، ومنه ما حكاه سيبويه من قولهم: نزلت بنفس ~~الجبل، ونفس الجبل مقابلي.» # 71 # وقد صادفت «نفس » المقدمة على المؤكد في كتابات أئمة ثقات من القديم ~~والحديث: منهم: # ابن جني في الخصائص: «إنما هو منصوب بنفس عليك ...» (ج1، ص284)، ~~«لا لشيء رجع إلى نفس، أو» (ج1، ص349)، «وهذا نفس الحق» (ج3، ~~ص26). # د. طه حسين: «وإخضاعي إياه لنفس المثلة» (في ترجمة كتاب ثيسيوس ~~وأوديب لأندريه جيد، ص148). # د. شوقي ضيف: «يتخذون نفس لغات العلوم ...» (توحيد المصطلح العلمي ~~في النقل والتعريب، مجلة مجمع اللغة العربية ج45، 1980). # د. أحمد درويش: «هي نفس الفصحى ...» (لإنقاذ الفصحى من أيدي ~~النحاة، قضايا فكرية، العدد 17-18، 1997، ص83). # هام/مهم # في كتابه «قل ولا تقل» يسهب الدكتور مصطفى جواد في تبيان الخطأ في استعمال ~~«هام» بمعنى «مهم»، ويتكلف في ذلك عنتا كبيرا، ويحس القارئ وهو يتابع حججه ~~وشواهده أنه عاقد العزم على صرف الناس عن العربية وتيئيسهم منها، بل إنه لينقض ~~ما جاء في «لسان العرب» ويخطئه؛ تفضيلا للمنع على الإباحة، وانتصارا للعسر ~~على اليسر: ms120 «وجاء في لسان العرب ما يلبس المعنى على القارئ غير الفطن، قال: ~~«الهم: الحزن وجمعه هموم، وهمه الأمر هما ومهمة وأهمه فاهتم واهتم به»، أراد ~~بقوله: همه الأمر: أحزنه؛ لأنه بدأ المادة بتفسير الهم، مع أن قولنا: أهمني ~~الأمر يهمني يعني جعلني أهم به، بدلالة ما نقل صاحب اللسان بعد ذلك قال: وفي ~~حديث سطيح «شمر فإنك ماضي الهم شمير» أي إذا عزمت على شيء أمضيته، ~~والهم ما هم الإنسان في نفسه تقول: أهمني هذا الأمر. هذا ولو صحت دعوى أن ~~«همه الأمر» بمعنى أهمه الأمر الذي اشتق منه المهم وجمعه المهام والمهمات ~~لسمت العرب «المهم» باسم «الهام» ولجمعته على «هوام وهامات»، ولكن هذا لم ~~يكن ولم يصر إليه قط، فالهام لم يرد في لغة العرب بمعنى المهم ... نضيف إلى ذلك ~~أن «هم» لو صح بمعنى «أهم» في المعناة المشار إليها، لفضله الفصحاء على ~~الرباعي؛ لأن قاعدة الفصاحة العامة في ذلك تفضيل الثلاثي على الرباعي إذا كانا ~~بمعنى واحد إلا إذا نبه على العكس بالنص والتصريح، ف: نعشه أفصح من ~~أنعشه، ورجعه أفصح من أرجعه، ووقفه أفصح من أوقفه ، ونقصه أفصح من أنقصه، ~~وعاقه أفصح من أعاقه، ونتجه أفصح من أنتجه، وغاض الماء يغيضه أفصح من أغاض ~~الماء ...» # 72 # ولقد فضل الناس الثلاثي على الرباعي وقالوا «هام» # 73 # بمعنى «مهم» فما للدكتور جواد ينفس على المحدثين أن يكون لهم ذوق ~~كما كان للأسلاف ذوق! وما لنا نضيع جوهر «الظاهرة اللغوية» (العرف/الشيوع) في ~~رهج الشجار وفي غيابة الجدل؟ يقول الأستاذ محمد العدناني: «ويخطئون من يقول: ~~أمر هام، ولا خطأ في ذلك؛ لأن هناك فعلين: همه الأمر يهمه هما ~~ومهمة: أقلقه وحزنه، فهو هام، وهنالك أيضا: أهم الأمر فلانا: ~~أقلقه وحزنه، فهو مهم، وكلتا الكلمتين صحيحة، جاء في المصباح: أهمني الأمر: ~~أقلقني، وهمني هما (من باب قتل) مثله.» # 74 # وفي «معجم الصواب اللغوي»: «أمر هام: مرفوضة عند بعضهم لأن «الهام» مذكر ~~الهامة بمعنى الدابة وكل ذي سم قاتل. المعنى: يسترعي الاهتمام ويدعو ms121 إلى اليقظة ~~والتدبر، الرأي والرتبة: (1) أمر مهم (فصيحة). (2) أمر هام (فصيحة)، يرد في ~~المعاجم استعمال «هم» بمعنى «أهم»، ففي المصباح: «وأهمني الأمر، بالألف، ~~أقلقني، وهمني مثله»، كما نقل اللسان عن أبي عبيد في باب قلة اهتمام الرجل ~~بشأن صاحبه: «همك ما همك، ويقال: همك ما أهمك»، فالتبادل بين ~~الصيغتين وارد، ومن ثم يجوز استخدام اسم الفاعل من أيهما»، # 75 # وفي القاموس والتاج «همم» وهمه الأمر هما ومهمة: ~~حزنه وأقلقه، كأهمه. # 76 # تخرج من المعهد # يقولون: لا تقل «تخرج من كلية كذا» بل تخرج «فيها»، أي تعلم وتدرب، يقول ~~د. جواد: «وذلك لأن تخرج في هذه الجملة وأمثالها بمعنى «تأدب» و«تعلم» ~~و«تدرب»، فيقال: تعلم فلان في الكلية، وتأدب في الكلية وتدرب، ولا محل لحرف ~~الجر «من» فليس المقصود هو الخروج من الكلية، ولو كان المقصود الخروج لكان لكل ~~طالب في اليوم خرجة أو خرجتان، ولذهب المعنى المقصود.» # 77 # ويقول الأستاذ محمد العدناني: «الصواب تخرج في معهد كذا؛ لأن تخرج معناه تعلم ~~وتدرب، وهو خريج وخريج ومتخرج، أما الذي يتعلم في معهد ويفوز بشهادته ~~فنقول: إنه تخرج من معهد كذا، وفاز بشهادته.» # 78 # والآن لنخلع عصابة الزمت: نعم لقد تخرج «في» المعهد أو الكلية بالتأكيد، ~~ولكن ماذا عن «يوم التخرج» أو «تاريخ التخرج» الذي نعني به «اليوم» المحدد ~~الذي نال فيه الشهادة التي تشهد بأنه قد تعلم في الكلية «سنوات»، فإذا قلنا: ~~إنه قد تخرج «في» كلية الطب في السابع من يوليو عام 1977 والتزمنا بتزمت ~~المتزمتين فمعنى ذلك أنه تعلم فيها الطب في هذا اليوم الواحد، وهو باطل محال! ~~ولماذا لا نضيف للغة غنى وإمكانات دلالية جديدة فنقول: إنه «تخرج في» كلية ~~الطب في التسعينات و«تخرج منها» في يوليو 1997؟ # وقد تدارك معجم الصواب اللغوي، الذي يحرص على حياة اللغة لا على موتها، هذا ~~الأمر وحسمه حسما علميا حصيفا: «... تخرج» من «جامعة القاهرة صحيحة: الوارد ~~في المعاجم استخدام حرف الجر «في» مع الفعل «تخرج»؛ لأن المعنى: تدرب وتعلم، ~~ولكن أجاز اللغويون نيابة ms122 حروف الجر بعضها عن بعض، كما أجازوا تضمين فعل معنى ~~فعل آخر، فيتعدى تعديته، وفي المصباح (طرح): «الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن ~~يعمل عمله»، وقد أقر مجمع اللغة المصري هذا وذاك، ومجيء «من» بدلا من «في» ~~كثير في الكلام الفصيح كقوله تعالى # أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض ~~(فاطر: 40)، وقوله تعالى: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~(الجمعة: 9)، ويمكن تصحيح # 79 # التعبير المرفوض استنادا إلى ما جاء في كتب اللغة من أنه يقال: ~~خرجه من المكان إذا جعله يخرج، # 80 # ويكون الخروج هنا معنويا لا حسيا، بمعنى إنهاء الدروس، وقد ~~عداه الأساسي ب «من». # 81 # زوج/زوجان # يقولون: لا تقل «اشتريت زوجا من الأحذية» وقل «زوجين»؛ لأن الزوج في العربية ~~هو الفرد المزاوج لصاحبه. جاء في كتاب «درة الغواص» للحريري: «يقولون للاثنين: ~~«زوج»، وهو خطأ؛ لأن الزوج في كلام العرب الفرد المزاوج لصاحبه، وأما الاثنان ~~المصطحبان فيقال لهما: زوجان، كما قالوا: عندي زوجان من النعال ... وكذلك يقال ~~للذكر والأنثى من الطير: «زوجان»، كما قال تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ~~... وقال: # قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~(هود: 40)، أي ذكرا وأنثى.» # كل هذا حسن وجميل ، ولكن في سياقات معينة يكون ثقيلا ومسترذلا ومتعثرا في ~~الدلالة: هبني اشتريت سبع علب من الأحذية لي ولأبنائي في كل علبة زوجان، أو ~~هبني اشتريت ثلاث عشرة علبة، فماذا أقول بالله عليك: اشتريت أربعة عشر زوجا ~~من الأحذية، أو ستة وعشرين زوجا في الحالة الثانية؟ أهذا بربك يمكن أن يقال في ~~الحياة الحقيقية؟ أليس هذا بثقيل ملتبس الدلالة؟ أليس الأقرب للسليقة أن أقول ~~اشتريت سبعة أزواج من الأحذية، ومفهوم أن كل زوج هو حذاءان اثنان وليس فرد ~~حذاء بالطبع والبديهة؟! وماذا لو علمنا أن الصحاح واللسان والتاج ومد القاموس ~~ومتن اللغة قد أجازت جميعا أن يقال للاثنين: هما زوجان، وهما زوج؟ لماذا نضيق ~~على العربية مجال الدلالة وفيها متسع، لماذا نقلص الدلالة وننقصها من أطرافها؟ ~~ولمصلحة من نفقر هذه اللغة الرخية الرحيبة؟ وأي طائل دلالي ms123 أو جمالي ~~نناله من وراء التضييق؟ # لغتنا رخية سخية رحيبة: تجيز أن نستعمل المفرد بمعنى المثنى (اشتريت ~~حذاء جديدا، خلع نعله، تحلت أذناها بقرط، ضعف الشيء أي مثلاه، رأيته بعيني ~~...)، ونستعمل المثنى للمفرد (قفا نبك، قص شاربيه، يحمل همومه على كاهليه ...)، ~~والجمع للمفرد (قص شواربه، وأردف أعجازا ...)، والجمع للمثنى (فتوردت وجناته، ~~ضحك ملء أشداقه، كحلت عيونها، عريض الأكتاف، مشى على أقدامه، # قالتا أتينا طائعين ~~، # إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ~~...). # منسوب الماء # ويقولون: لا تقل «منسوب الماء» والصواب: «مستوى الماء»؛ لأن المنسوب في ~~العربية هو ذو الحسب والنسب، أو الشعر المنسوب أي الذي فيه نسيب أي غزل، أو ~~الخط المنسوب أي ذو القاعدة. وأقول: لماذا لا نضيف هذا المعنى الجديد إلى ~~المعاني القديمة؛ لدقته الدلالية وبخاصة في مجال العلم (منسوب الماء في البئر ~~أو في النهر أثناء الفيضان أو منسوب السائل في المخبار ...)، وكلها مختلفة في ~~معناها عن مجرد «المستوى»: إنها «الارتفاع» الحاصل في المستوى محددا ومقيسا، ~~لماذا نحبس الدلالة في حذاء صيني ونخنق العربية بأيدينا؟ لماذا نقف بالألفاظ ~~حيث وقف الأسلاف ونوجس من توسيع الدلالة في زمن تتسع فيه المعاني وتتفجر بلا ~~توقف ؟ # وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أنها صحيحة: «يشيع في الاستعمال المعاصر ~~قولهم: منسوب الماء، ويعنون به المستوى الذي يصل إليه في ارتفاعه، وهو معنى لم ~~يرد عن العرب، فهو من باب التوسيع الدلالي للكلمة، وقد أوردتها المعاجم الحديثة ~~بهذا المعنى الجديد، ونص الوسيط على أنها محدثة.» # 82 # يسري (الحكم) # يقولون: لا تقل «هذا الحكم يسري من أول الشهر» والصواب: يجري، أو ينفذ، أو ~~يمضي؛ لأن «سرى» في العربية معناه: سار ليلا، # 83 # وأقول: وماذا عن «يسري» بمعنى ينطبق ويشمل (لا يسري هذا القانون ~~إلا على الفئات التالية ...)؟ لماذا لا نضيف هذا المعنى المولد إلى المعاني ~~القديمة وهو معنى شائع ومستعمل ومحكي ومسعف؟ وكيف نتنازل عن خدماته الدلالية ~~في سياقات كثيرة قانونية وعلمية؟ # يقول الأستاذ العقاد: «... لم تبلغ مبلغها في ضبط المشتقات بالموازين التي تسري ms124 ~~على جميع أجزائها ...»، # 84 # ويقول الأستاذ أمين الخولي: «وهذه العادة سادت بين أهل القاهرة ~~الخاصة ثم سرت منها إلى بعض المدن الكبيرة كدمشق ...»، # 85 # وفي «معجم الصواب اللغوي»: «هذه الأوامر تسري على الجميع - صحيحة، ~~قال في المصباح: سرى فيه السم والخمر ... وسرى عرق السوء في الإنسان ... وسرى ~~التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء وليس ~~لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم. وبناء على هذا يصح قولهم: ~~تسري الأوامر على الجميع.» # 86 # استضاف # يقولون: لا تقل «يستضيف البرنامج الأستاذ ...»، أو «استضافت القاهرة أعضاء ~~المؤتمر»؛ لأن «استضاف» في العربية تعني: طلب من غيره أن ينزله عنده ضيفا، أي ~~طلب الضيافة، أو طلب أن يضيف. يقول ابن المقفع: «إن استضافك ضيف وأنت لا ~~تعرف أخلاقه فلا تأمنه على نفسك.» # وتفيد صيغة «استفعل» في العربية معاني كثيرة أهمها الطلب: مثل استغفر الله ~~أي طلب غفرانه، ومثل استطعم واستكتب واستفتى واستعطف ... إلخ، وإذا كان الطلب من ~~جانب الضيف هو السائد في الثقافة العربية بحكم الظروف البيئية فلقد تبدلت أشكال ~~الحياة وأصبح المضيف هو الذي يطلب الضيف، الطلب إذن ذو اتجاهين: فقد يكون من ~~الضيف إلى المضيف، وقد يكون من المضيف إلى الضيف، أي من المضيف إذ يطلب ضيافة ~~الغير عنده، أي «يستضيفه»؛ وعليه يجوز أن «يستضيف البرنامج الأستاذ ...»، وأن ~~«تستضيف القاهرة أعضاء المؤتمر». # استبدل ب # يقولون: لا تقل «أبدل ثوبه القديم بثوب جديد» لأن الباء تدخل على المتروك، ~~والحق أن هذه القاعدة مطردة إلى حد كبير، كما في قوله تعالى: # أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو ~~خير ~~(البقرة: 61)، وينبغي الالتزام بها منعا للبس، غير أنه في بعض ~~الأحيان قد يحكم السياق بترك القاعدة دون تضحية بالوضوح والإبانة. فحين قال ~~شوقي: «أنا من بدل بالكتب الصحابا» لم يحدث أي لبس من جراء هذه الرخصة التي هلل ~~لها بعض مناوئيه، وإن المتلقي ليدرك قصده مبرأ من أي التباس. وفي كتابه «مشكلات ~~حياتنا اللغوية» يقول الأستاذ أمين الخولي: «... أن بعض أهل ms125 القاهرة كان استخشن ~~نطق القاف فأبدله بالهمزة»، ولا نحسب أن في تعبير الخولي أي لبس، وهذا هو المحك ~~اللغوي الأول والأخير. وبمراجعة الأمر علميا وجدنا أنه «ورد في بعض المعاجم ~~جواز دخول الباء على غير المتروك، وهو ما أخذ به مجمع اللغة المصري، وإن كان ~~الأفضل إدخالها على المتروك منعا للبس.» # 87 # اعتد (بنفسه) # يقولون: لا تقل اعتد بنفسه وقل اعتز بنفسه؛ لأن اعتد تعني أشياء أخرى مثل: ~~صار معدودا، اعتد الأمر لعبا: حسبه وظنه، اعتد الشيء: أحضره، اعتد للشيء: ~~تهيأ له، اعتدت المطلقة: دخلت في أيام عدتها، لا يعتد به: لا يهتم به. # وأقول: «الاعتداد» المقصود في هذا المقام غير «الاعتزاز» وأكثر رهافة وعمقا، ~~هو يعتد بنفسه أي يقدرها ويحترمها ويعتبرها ويعدها شيئا، ألا تقول ~~العرب: «هذا شيء لا يعتد به»؟ فلنضف إلى معجمنا هذا المعنى الجديد الشائع ~~الراسخ، والجائز من ثم والمشروع، أضف إلى ذلك أن «اعتد» جاء في الوسيط بمعنى ~~اهتم، وفي الأساسي بمعنى وثق بنفسه، وفي المنجد بالمعنيين. # انطلى # يقولون: لا تقل «انطلت عليه الحيلة» والصواب «جازت عليه الحيلة»؛ لأن الفعل ~~المطاوع «انطلى» لا وجود له في كلام العرب. # وأقول: ولكن له وجودا مهما في الاستعمال الجاري ، لقد درجت اللفظة وشاعت ~~واستتبت وقدمت دلالة جديدة أخص وأدق وأقوى من «جازت»، ولن نعدم أكثر من ~~تخريجة لغوية تجعل منها استعمالا صحيحا، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي» أن ~~مجمع اللغة المصري أقر قياسية مجيء «انفعل» مطاوعا ل «فعل» المتعدي الدال ~~على معالجة حسية، ومن ثم أجاز استعمال «انطلى»، وقد أوردته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي. # 88 # رغم # يقولون: لا تقل «فعل كذا رغم كذا»، ولا تقل «رغم فلان» أو «رغم أنف فلان». ~~يقول د. جواد: واللغة العالية هي في استعمال «على»، أي «على الرغم من أنفه» ~~و«على رغم أنفه»، ودونها لغة استعمال الباء أي «برغم»، وغير الفصيح هو قولهم ~~«رغم»، وللشعر ضرورات لا تسوغ للناثر الحر المختار، فقل «على الرغم» و«بالرغم» ~~ولا تقل «رغم» إلا في الشعر. # وأقول: ms126 إن استعمال «رغم» فيه اقتصاد وخفة وليونة، سواء جاءت في بداية العبارة ~~أو في نهايتها، وكثيرا ما يحتم هذا الاقتصاد استعمالها، وبخاصة إذا كان الوزن ~~العروضي يحبذها. ألست ترى أن «على الرغم من» ليست أكثر من «رغم» وقد تعكنت ~~وثقلت بلا أي مقابل دلالي يذكر؟! وقد اعترف د. جواد بسواغها في الشعر، غير أن ~~للنثر موسيقاه وإيقاعه، كما بينت ذلك في موضعه (في فصل «مزايا العربية»)، ومن ~~ثم فإن علينا إجازة كل ما يثري جماليات الكتابة ويضع أمام الكاتب بدائل عديدة ~~يختار من بينها الأنسب، ما دامت هذه البدائل صحيحة فصيحة. # هذا هو المبدأ العام. ونأتي الآن إلى التخريجة العلمية: تستخدم «رغم» مسبوقة ~~بحرف جر: «على الرغم من ...»، «بالرغم من ...»، «برغم ...»، غير أن المجمع اعتبر ~~«رغم» صحيحة، مثل «رغم خطورة الموقف ...»، إما على تقدير حرف جر، أو على اعتبار ~~المصدر حالا على سبيل المبالغة. # 89 # الرئيس/الرئيسي # يقولون: لا تقل «القضية الرئيسية» و«الفكرة الرئيسية»، و«الأمر الرئيسي»، ~~و«العضو الرئيسي» وقل «القضية الرئيسة» و«الفكرة الرئيسة» و«الأمر الرئيس» ~~و«العضو الرئيس»؛ وذلك لأن «الرئيس» و«الرئيسة» صفة على وزن «فعيل»، مثل «شريف» ~~و«نجيب» و«كبير» و«كريم» ... إلخ ، ومن غير المألوف أن نضيف ياء النسب التي تفيد ~~الصفة إلى ما هو صفة أصلا: فنحن لا نقول: للشريف شريفي، وللعجيب عجيبي، ~~وللكبير كبيري، فذلك كما يقول د. جواد «عبث باللغة فظيع، قال الشريف الرضي في ~~كتابه المجازات النبوية: «لأن القلب سيد الأعضاء الرئيسة والأحناء الشريفة»، ~~وقال أبو حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة: «ولكل واحد من الحيوان ثلاثة ~~أرواح في ثلاثة أعضاء رئيسة»، وذكر ابن النديم في الفهرست كتابا اسمه «سير ~~العضو الرئيس من بدن الإنسان»، وذكر الخوارزمي في مفاتيح العلوم «الأعضاء ~~الرئيسة في الإنسان» ... وقال الصاغاني في كتابه مجمع البحرين «الأعضاء الرئيسة ~~عند الأطباء أربعة ...» ... وقد رأيت هذا الخطأ، أعني استعمال النسبة بغير باعث ~~عليها ولا ملجئ إليها، في كلام القلقشندي (وأما استيفاء الدولة فهي وظيفة ~~رئيسية) ... والصواب «وظيفة رئيسة» كما قدمناه، واستعمل الأتراك العثمانيون هذا ~~الغلط في عباراتهم ms127 فقد كانوا يقولون «رئيسي جمهور» بمعنى «رئيس جمهورية» وسرى ~~الخطأ من الجهتين إلى الكتاب حتى أعثرنا الله تعالى على الصواب.» # 90 # هذا تحليل تاريخي (دياكروني) يعنيه تخريج الخطأ، و«من طلب شيئا وجده»، ولكن ~~هل صحيح أن صفة «رئيسي» منسوبة إلى صفة؟ أي منسوبة إلى صفة الرياسة التي على ~~وزن فعيل (رئيس)؟ الحق أن صفة «رئيسي» هي صفة منسوبة ل «اسم ذات» (الرئيس: أي ~~كبير القوم وسيدهم)، و«الرئيس» بهذا المعنى هو اسم ذات وليس صفة، والمعروف أن ~~كثيرا من أسماء الذات يبدأ استعمالها تاريخيا كصفات ثم تتحول دلالتها إلى ~~اسم ذات: مثل «شاعر»، «كاتب»، «أديب»، «عامل» ... إلخ، وثمة ما يشير بقوة إلى أن ~~«الرئيس» (سيد القوم) مشتق من «الرأي» وأنه كان في الأصل صفة تحولت إلى اسم ذات ~~وشاع استخدامها بهذه الدلالة، ومن ثم اشتقوا منه اسم النسب «رئيسي»، وقد جاء في ~~«معجم الصواب اللغوي» أن الرئيسي هو «المنتمي إلى مفهوم رئيس (سيد القوم) وكأنه ~~فرد من أفراده؛ وعلى ذلك فرئيسي فصيح والوصف به غير الوصف برئيس (صفة الرياسة)، ~~وقد أقره مجمع اللغة المصري بشرط أن يكون المنسوب إليه أمرا من شأنه أن يندرج ~~تحته أفراد متعددة ... وقد ورد عن العرب كلمات مثل: أكثري، أولي، أساسي، عرضي، ~~ظاهري، باطني.» # 91 # جيب # أهمية هذا اللفظ أنه يمثل كلمة لم ترد بمعناها في كلام العرب؛ لسبب بسيط هو ~~أنهم لم تكن لديهم جيوب في ملابسهم! فالجيب عند العرب هو طوق الثوب عند النحر، ~~أي فتحة الثوب عند الرقبة، والجيب أيضا الصدر أو القلب، وقد كانت العرب تضع ~~الأشياء الثمينة في صدور ثيابها، وفي الذكر الحكيم: # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير ~~سوء ~~(النمل: 12)، # وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن ~~(النور: 31)، أي صدورهن أو موضع ~~القطع في القميص حيث يدخل الرأس. # لم تكن للعرب جيوب في ملابسهم. حسن، ولكن ماذا عن جيوبنا نحن التي في ~~ملابسنا؟ ماذا نسميها؟ أين غطاؤها الرمزي؟ ما أظن أن هذا السؤال يعني المتزمت ~~الذي وقف الزمن عنده في القرن ms128 الثاني أو الثالث الهجري. # لعب دورا # مثل: «لعب دورا مهما في السياسة الخارجية.» # أدرجنا هذا المثال لأنه يثير قضيتين أو يطرح مبدأين: # 92 ~~(1) التطور الدلالي الحثيث لبعض الألفاظ. (2) ضرورة الإذعان في بعض ~~الأحيان لضغط اللغة الأجنبية. # يخطئ البعض هذا الاستعمال لأن معناه اللهو وهو معنى غير مناسب في هذا ~~المقام، يقول الأستاذ العقاد في كتاب «أشتات مجتمعات في اللغة والأدب»، بصدد ~~ترجمة المفردات أو العبارات: «ومن ذلك قولهم: إن هذا أو ذاك، يلعب دورا خطيرا ~~في السياسة أو التاريخ أو شئون الحياة العامة»، وقد يقبح الذوق في اختيار ~~المواضع لهذه العبارة حتى يقول القائل: «إن الدين يلعب دورا جديا في المسائل ~~الاقتصادية»، أو يقول قائلهم: «إن ذاك البطل العظيم لعب دورا هاما في تشريع ~~زمانه» إلى أمثال هذا السخف الذي يتحرج منه أصحاب اللغة الأجنبية أنفسهم عند ~~استخدام هذه العبارات، ولو أنهم أخذوا مادة «اللعب» بحرفها كما وضعت أصلا لم ~~يكن لهذا الموقع المعيب عند سامعيها من العارفين بمعانيه؛ لأن أصل المادة عندهم ~~يشمل «الاشتغال» ويشمل «الحركة» التي تحمل الإنسان وراء مشيئته، ومنها جاءت ~~حركة الرقص وحركات اللعب والطرب، وأشباه هذه الحركات التي تدخل فيها حركة اللعب ~~الهازل وغير الهازل، ولكن الأصل في مادة «اللعب عندما يرجع إلى المهازل ~~الصبيانية ويأتي، على ما نرجح، من قولهم «لعب الصبي أي سال لعابه» ولعب فلان أي ~~صنع صنيع الصبيان، وليست الكلمة على معنى من معانيها الأصلية أو الطارئة بالتي ~~تصلح للاقتران بمعاني التقديس ومعاني الخطر والتعظيم.» # 93 # كتب الأستاذ العقاد رحمه الله هذا الكلام منذ أكثر من نصف قرن، وقد كان على ~~حق في وقته، غير أن نصف قرن من السنين حدثت فيه تحولات وجرت مياه كثيرة، ~~وتطورت دلالة «اللعب» تطورا عظيما، وأصبحت في جميع الثقافات معادلا للأداء ~~والممارسة، واتشحت بوشاح «الجد»، ودخل أنالوجي (مماثلة) «اللعب» في نظريات ~~فلسفية كثيرة، وحتى الألعاب الرياضية أصبحت مؤسسات محلية ودولية هائلة، لديها ~~تمويلات طائلة وفعاليات خطيرة. # قناعة # لديه قناعة بهذا الموضوع. # هذا شيء لا يمس ms129 قناعاته. # هذه أيضا لفظة راجت كثيرا في أحاديث المثقفين ومناقشاتهم بمعنى الرأي الذي ~~يقبله المرء ويضمره ويتبناه، ويخطئها البعض لأن هذا المعنى يختلف عن معنى ~~القناعة في العربية، وكلنا يعرف «القناعة» ويعرف أنها كنز لا يفنى؛ ولهذا ~~السبب نفسه فإن بوسعنا أن نتبنى الاستعمال الجديد ونحن بمأمن من اللبس؛ فالكلمة ~~حقا مرنة لينة أسيلة، وجمعها خفيف سائغ (قناعات # Convictions ~~)، وهي حقا مسعفة وسعيدة في سياقات كثيرة، وما هكذا ~~ضرتها الثقيلة «اقتناع». # هذا من جهة الوظيفة الدلالية والجمالية، فماذا عن الصواب المعجمي؟ «عندي ~~قناعة بالموضوع» صحيحة: يمكن تخريج العبارة على أن «قناعة» اسم مصدر للفعل ~~«اقتنع» لأنها ينطبق عليها تعريف اسم المصدر، أو أنها مصدر للفعل قنع بمعنى ~~رضي، فقد ذكرت المعاجم اقتنع بالشيء وقنع وتقنع، ومعنى هذا إمكانية استعمال ~~الفعلين قنع واقتنع بالتبادل، وحيث صح هذا في الفعل صح كذلك في المصدر، وقد ~~ذكرتها بعض المعاجم الحديث كالأساسي، والمنجد.» # 94 # هل «كذا» أم «كذا»؟ # يقولون: لا تقل هل كذا أم كذا؛ لأن «هل» لا تأتي بعدها «أم» المتصلة (وإنما ~~تأتي بعدها «أو»). # هذه أيضا قاعدة تعلمناها، وما أسهل تعلمها، فأورثتنا ثقلة في الأسلوب ~~والتباسا مجانيا كان منه بد. أكتب: # 95 ~~«هل معنى هذا أن نهادن أو ننتظر لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا؟ ~~وأكتب: «هل عندك طالب أو طالبان؟»، «هل معك درهم أو دراهم؟»، «هل أستدعي ~~محمدا أو عليا ليساعدنا؟» ... إلخ، فلا تدري أقصدت تعيين أحد الشيئين أم ألحقت ~~أحدهما بالآخر وأردفته وماثلته!» # والحقيقة أن اللغة العربية ذاتها بريئة من اللبس هنا لأن الأصل أن تختص «هل» ~~بطلب التصديق الإيجابي، فلا تستخدم لطلب تعيين أحد الشيئين؛ ولذا لا تقع بعدها ~~«أم» المتصلة التي يطلب بها وبأداة الاستفهام التعيين؛ «وذلك لأن الهمزة هي ~~الأصل في الاستفهام، قال الزمخشري في المفصل: «والهمزة أعم تصرفا في بابها من ~~أختها «هل»، تقول: أزيد عندك أم عمرو؟» فإذا استعملنا حرف العطف «أم» للتعيين ~~بعد الاستفهام وجب أن نستعمل معها همزة الاستفهام ولا نستعمل «هل»، كقوله ms130 ~~تعالى: # وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون ~~...» # 96 # غير أن استعمال «هل» لطلب التعيين قد شاع وانتشر بحيث لا يمكن رده، ويستخدمون ~~بعدها «أو» لتجنب الخطأ، ولكن «أو» توقع في الالتباس وهو الخطأ بعينه! ولا حل ~~لهذه العقدة إلا باتباع «ما ذهب إليه بعض النحاة من أن «هل» قد تكون بمعنى ~~«الهمزة» فيعطف ب «أم» بعدها: جاء في الحديث الشريف: «هل تزوجت بكرا أم ~~ثيبا؟» وقال الشاعر: # هل الله عاف عن ذنوب كثيرة # أم الله إن لم يعف عنها يعيدها؟ # 97 # بمثابة # يقولون: لا تقل «كان لي فلان بمثابة الأخ»، والصواب «كان لي كالأخ» أو «مثل ~~الأخ»؛ «لأن المثابة تعني: المنزل، والملجأ، والمرجع، ومجتمع الناس بعد تفرقهم، ~~ومبلغ تجمع ماء البئر، وما أشرف من الحجارة حول البئر، والجزاء.» # 98 # وأقول: لماذا نخسر هذا اللفظ المهم في معناه الجديد المولد الذي ~~يفوق الكاف و«مثل» في قوة الدلالة ورشاقة التعبير في سياقات معينة؟ يقول ~~الأستاذ العقاد: «... إن هذه القضية بمثابة خطر دائم على السلام.» # 99 # وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «ذكرت المعاجم أن المثابة هي ~~البيت والملجأ والمنزل، ولما كانت هذه المعاني يجمعها معنى المكان صح أن يقال : ~~أنت لي بمكان الأخ، أو بمثابة الأخ، وليس هذا الاستعمال حديثا، فقد ذكر دوزي ~~أنه ورد في الأحكام السلطانية للماوردي، ومقدمة ابن خلدون.» # 100 # كرس تكريسا # يقولون: لا تقل «كرس نفسه للعلم»، والصواب «وقف نفسه للعلم، أو على العلم»؛ ~~لأن «كرس» هنا لفظة دخيلة على العربية (يونانية)، أما في العربية فإن للفعل ~~«كرس» معاني أخرى: كرس الأشياء: ضم بعضها إلى بعض، كرس البناء: أسسه، كرس ~~اللآلئ والخرز: نظمها في خيوط، فهي مكرسة. # وأقول: إذا كانت كلمة «التكريس» # Devotion # يونانية تكون كلمة مولدة مهمة في سياقات كثيرة، ولا يصح التنازل عنها، ولا ~~بأس في هذه الحالة بأن نقترض من اللغات الأجنبية ونذعن لضغطها إذا كان من شأنه ~~أن يزيد العربية ثراء ودلالة. وإذا كانت «كرس» عربية، بمعنى جمع وضم أجزاء ~~الشيء بعضها إلى ms131 بعض، يكون تعبير «كرس حياته للعلم» صحيحا، وكأن من يكرس حياته ~~للعلم يجمع أوقات حياته كلها لأجل العلم. وقد أوردت بعض المعاجم الحديثة كمحيط ~~المحيط والأساسي الفعل «كرس» بهذا المعنى، كما تردد كثيرا في كتابات المعاصرين ~~مثل ميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم. # 101 # حار/احتار # يقولون لا تقل: «احتار في أمره»، والصواب «حار في أمره»؛ لأن الفعل «احتار» ~~لم تتفوه به العرب، # 102 # وأقول: لماذا لا نشتقها اشتقاقا صحيحا من «حار» (افتعل من فعل)، ~~ولماذا لا نجيزها بالشيوع ونماشي المحكية ما دام اللفظ خفيفا سائغا تستريح له ~~الآذان وتقبله السليقة؟ ولم يخذلنا «معجم الصواب اللغوي» واعتبر «احتار» صحيحة ~~«استنادا إلى اشتهاره وجريانه على القياس الصحيح، ويراد بهذه الزيادة حينئذ ~~المبالغة في الحيرة، وقد أثبتته بعض المعاجم الحديثة كالأساسي وتكملة المعاجم ~~العربية ... وسمى أحد الفقهاء كتابه ب «دليل المحتار» # 103 ~~(محتار اسم فاعل من احتار). # بواسل # يقولون: لا تقل هؤلاء الضباط البواسل، وقل: البسلاء والباسلون؛ لأن «بواسل» ~~جمع لغير العاقل وللمؤنث، تقول أسد باسل وأسود بواسل، وفتاة باسلة وفتيات ~~بواسل، أي باسلات ... والجمع الآخر «بسل» ... كتب د. مصطفى جواد: «قال العقاد: إن ~~بعض الفرسان البواسل، وإنما البواسل جمع باسلة للمرأة وباسل للحيوان كالأسد، ~~وللرجال يقال البسلاء والباسلون.» # 104 # والحقيقة أن «فاعل» يجمع قياسا على «فواعل» إذا كان اسما أو ~~وصفا لمؤنث عاقل أو وصفا لمذكر غير عاقل، أما إذا كان وصفا لمذكر عاقل فلا ~~يجمع عادة على «فواعل»، «ويدعون أن العرب لم تجمع من صفات المذكر العاقل على ~~«فواعل» سوى ثلاث كلمات، هي: هالك وفارس وناكس، فتصبح: هوالك وفوارس ونواكس، ~~ولكن بعض الباحثين المعاصرين اهتدى في الكلام الفصيح إلى جموع كثيرة جاوزت ~~الثلاثين، وكل واحد منها وصف لمذكر عاقل، منها: سابق سوابق، سابح سوابح، حاسر ~~حواسر، قارئ قوارئ، كاهن كواهن ...» # 105 # وقبل ذلك وقف العلامة عبد القادر البغدادي ... عند قول الفرزدق ~~«نواكس الأبصار» فعرض أمثلة من هذا الجمع جاوزت العشرة، ثم وصلت بعده إلى ما ~~يربي على الثلاثين، وذكر الفيومي في المصباح المنير ms132 والزبيدي في تاج العروس ~~أمثلة أخرى، وقال الزبيدي «إذا كان قوارئ جمع قارئ فلا مخالفة للسماع ولا ~~للقياس فإن فاعلا يجمع على فواعل.» # 106 # من الأفضل بالطبع ألا نجمع فاعلا المذكر العاقل على فواعل إلا للكلمات ~~الشهيرة الرائجة، حتى نحتفظ بفواعل للمؤنث العاقل (حوامل، عوانس، طوالق ...) ~~ونحفظ للغة فصاحتها ودقتها، وإنما ركزنا على هذه التخطئة لأنها تكشف لنا أن ~~الادعاء بأن العرب لم تقل كذا فيه مجازفة، وتهيب بنا ألا نسارع بتخطئة الناس. ~~وقد حسم المجمع هذا الأمر ف «أجاز جمع فاعل، وصفا لمذكر عاقل، على فواعل؛ وذلك ~~لما ورد من أمثلته الكثيرة في فصيح الكلام، وقد ورد الجمع «فواعل» في شعر أورده ~~ديوان الحماسة كقول الفرزدق: # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم # خضع الرقاب نواكس الأبصار # كما ورد في المعاجم الحديثة كالوسيط والأساسي والمنجد.» # 107 # كلل # كلنا يقول على السجية: «دون كلل» أو «لا يعرف الكلل»، ولا يخطر له أن هناك من ~~يخطئون هذه الكلمة لأنها لم ترد في المعاجم القديمة، والمستعمل في العربية: ~~الكلال والكلالة، أما الكلل والكلة فمعناها الحالة، فيقال: بات فلان بكلل ~~سوء، أي بحالة سوء، غير أن «السليقة» العربية تبقى غير مقتنعة: لماذا يجوز لي ~~أن أقول «ملل» ولا يجوز أن أقول «كلل»، والمبدأ يقول: ما قيس على كلام العرب ~~فهو من كلام العرب؟! لماذا يحظر علينا أن نقول: «دون كلل أو ملل»، ذلك التعبير ~~السلس الرفيق المسعف؟ # وقد حسم مجمع اللغة المصري هذه المسألة، واعتبر هذا الاستعمال صحيحا ~~«اعتمادا على سندين: (1) أن مصادر الثلاثي أغلبها سماعي. (2) عملا بقرار ~~مجمعي سابق بإجازة تكملة فروع مادة لغوية لم تذكر بقيتها في المعاجم.» # 108 # ولعلها فرصة للحديث عن قضية عامة هي أن ألفاظا عربية كثيرة لا تذكرها ~~المعاجم اللغوية ولكن عدم ذكرها لها لا ينفي عربيتها وأصالتها، وبالتالي تنتفي ~~حجة من يخطئ اللفظ لمجرد أنه لم يرد عن العرب أو لم يرد في المعاجم، يقول ~~المعري في «عبث الوليد»: «لا يمكن أن يحاط بجميع ما لفظت به القبائل؛ ms133 إذ كان ~~ذلك غاية ليست بالمدركة»، ويقول أبو عمرو بن العلاء: «ما انتهى إليكم مما قالت ~~العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير.» # 109 # ذلك أن العرب انشغلوا عن الشعر زمنا بالجهاد وغزو فارس والروم، ~~«فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر ~~فلم يئولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من ~~هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره.» # 110 # وهذا ابن فارس أحد أصحاب المعاجم الكبيرة يعقد في كتابه «الصاحبي» ~~فصلا عنوانه «باب القول على لغة العرب وهل يجوز أن يحاط بها» ويصدره بقوله: ~~قال بعض الفقهاء: كلام العرب لا يحيط به إلا نبي، «وإذا كانت اللغة بهذه السعة، ~~وقد ضاع مع ذلك كثير من شعر أصحابها على ما يقرره ابن سلام كذلك؛ فالقول بعدم ~~إحاطة المعاجم باللغة صحيح، والقول بأن من اللغة ما ليس في المعاجم صحيح، ~~والقول بأن في الإمكان تقرير عربية كلمة وأصالتها ولو لم ترد في المعاجم صحيح.» # 111 # ولا يفوتنا أن نحيل القارئ إلى بحث الأستاذ أمين ظاهر خير الله ~~«الرأي الحاسم في الكلام الذي خلت منه المعاجم» الذي سبقت الإشارة إليه في ~~حديثنا عن المعايير التي يستند إليها المخطئون، تحت العنوان الفرعي ~~«اللحن». # نوايا # يقولون: لا تقل «نوايا»، والصواب «نيات»، وأقول: نعم، جمع «نية» على «نوايا» ~~فيه شذوذ ولم تقل به العرب، ولكن «نوايا» شائعة وسلسة (نفترض حسن النوايا) ~~وميزانها الصرفي والعروضي مختلف عن «نيات»، فلماذا نتنازل عنها وهي تزيد من ~~ثراء العربية التعبيري والموسيقي، لماذا نقطع هذه النبتة اللفظية ~~الجميلة؟ # وهنا أيضا لا يتخلى عنا المجمع، فقد أجاز جمع «نية» على «نوايا» حملا لها ~~على «طوايا» في جمع «طوية» التي ترتبط بكلمة «نية» في الدلالة، وحملا ~~أيضا على نظائر أخرى كثيرة جمعت فيها «فعلة» على «فعائل»، وقد أجاز عدد من ~~المعاجم الحديثة هذا الجمع كالأساسي والمنجد.» # 112 # صدفة # يقولون: لا تقل «قابلته صدفة»، والصواب «مصادفة»؛ لأن «صدفة» ms134 لم ترد عن ~~العرب، و«صادفه» وجده أو لقيه أو قابله، وهي لا تحمل معنى المفاجأة، تقول «صادف ~~نجاحا عظيما» أي لقي نجاحا وإن كان متوقعا، واستخدامها بمعنى اللقاء على ~~غير موعد هو استخدام جديد مولد، أما الفعل «صدفه» فمعناه «صرفه»، ~~و«صدف» عنه: أعرض، وصدفه عن كذا أي أمال وعدل به «وفي الذكر الحكيم: # سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون ~~(الأنعام: 157)، أي: ~~يعرضون.» # هذه النبتة أيضا لماذا نقطعها؟ اللفظة خفيفة على اللسان (وأخف ظلا من ~~ضرتها وأسلس نغما)، # 113 # شائعة مستتبة، محكية رائجة، ودلالتها مهمة كثيرة التوارد، وبمأمن ~~تام من اللبس، وفي تفصيحها تقريب حميد بين العامية والفصحى نريد أن ~~نستنه. # ولم يخذلنا المجمع في نبتتنا: «قابلته صدفة - صحيحة: يصح استخدام «صدفة» على ~~اعتبارها مصدرا مستحدثا من الفعل «صدف» للدلالة على المعنى الجديد أو على ~~اعتبارها اسم مصدر من «صادف» وقد أقر مجمع اللغة المصري استعمالها بهذا المعنى، ~~وقد وردت الكلمة في عدد من المعاجم الحديثة كالمنجد والأساسي.» # 114 # مستديم/مستدام # كلمة «مستدام» من الألفاظ التي تسهم في توسيع الفجوة بين الفصحى والمحكية ~~دون مقابل. فكنتا درجنا على استخدام كلمة «مستديم»، كما في «مرض مستديم»، «عاهة ~~مستديمة»، «عجز مستديم»، ولم نصادف في ذلك مشكلة، ولم نسبب لأحد مشكلة ، حتى خرج ~~علينا من يقول «مستدام» ويلح في قولها، فوقر في ظن الجميع أنها الصواب، بحكم ~~قاعدة (تقر في أعماق الجميع) بأن الغريب أصوب من المألوف. # وتحقق في الأمر علميا فتجد أن الفعل «استدام» (الذي استعملته العرب في ~~الغالب متعديا بمعنى طلب الدوام وعليه يكون اسم المفعول «مستدام» فصيحا بمعنى ~~«مطلوب دوامه» - هذا الفعل قد ورد أيضا لازما بمعنى «دام»، فتكون مستديم ~~بمعنى «دائم»، وهي صحيحة وأفضل من «مستدام»: أولا لأنها آلف منها وأساس، ~~وثانيا لأنها اسم فاعل ولذا يليق استعمالها في جميع الأغراض دون حرج: ف ~~«التنمية المستديمة» هي التنمية الدائمة، و«العجز المستديم» هو العجز الدائم، ~~ولا يصح أن يقول أحد «عجز مستدام» لأن العجز لا يطلب دوامه! # وصفوة ms135 القول أننا إذا شئنا تيسير الاستخدام اللغوي ووضع الإصر عن مستخدمي ~~اللغة فمن الأسلم والآمن أن نعمم «مستديم»؛ لأنها صائبة في كل مقام، و«مستدام» ~~صائبة في مقام الخير وحده. # المباشر/المباشر # من تقاليع النطق أيضا هذه الأيام قول المذيعين «البث المباشر»، و«الاتصال ~~المباشر»، فما الخطب؟! # الفعل «باشر» في اللغة يعني «لامس البشرة»، ويفيد الاتصال بلا واسطة، ~~باشر زوجه: غشيها، يقول تعالى: # ولا تباشروهن ~~وأنتم عاكفون في المساجد ~~، وباشر الأمر: تولاه ~~بنفسه، وباشر الفعل: فعله من غير وساطة، وباشره النعيم: بدا عليه أثره، وباشر ~~الشيء مباشرة: جعله ملاصقا له، وفي الحديث: «اللهم إني أسألك إيمانا تباشر به قلبي.» # 115 # وفي المعجم الأساسي أن «مباشر» صفة للدلالة على ما ينجز حالا أو ~~بدون واسطة، وحين يقول المذيع «البث المباشر» (اسم مفعول) فقوله صحيح بمعنى ~~البث المباشر من قبل المذيع الذي يكون هو (أي المذيع) مباشرا له. # ولكن هل هذا، بعيش أبيك، هو المعنى الذي يقصده المذيع؟ الأغلب أن البث هو ~~الذي «يباشر» هنا، أي يباشر المشاهدين أو المستمعين، ويتصل بهم حالا بدون ~~واسطة، وأن المذيع لا يقصد غير هذا: البث مباشر للجمهور فكأنه يلامس بشرتهم ~~لأنه يتم بدون واسطة، ويتم حالا؛ وعليه فإن «مباشر» بكسر الشين أصح وأسلم في ~~عامة الأحوال من «مباشر». # مفاد/مفاد # يقولون: لا تقل «مفاد الأمر» وقل «مفاده»، ولا تقل «برقية مفادها كذا»، ~~وقل «مفادها»؛ وذلك لأنك تقول أفادت البرقية كذا، أي جاءت بفائدة خبرية هي ~~كذا، والمصدر الميمي من الرباعي «أفاد» هو «مفاد» بضم الميم، وعلى وزن اسم ~~المفعول، والمفاد هو المحتوى والمضمون والفحوى والفائدة الخبرية، مثل: المصاب، ~~المخرج، المدخل، المراد، المراغم ... إلخ. «أما «المفاد» فهو مصدر ميمي ~~لفعل من الأضداد، من معانيه حصول الفائدة والحياد، والموت والتبختر، وفي ~~استعماله التباس كثير، فضلا عن بعده عن المراد.» # 116 # وليس يخفى أن «مفاد» بفتح الميم أخف نطقا وأعم استخداما، ولكن هل هي حقا ~~خطأ صرفي ومعجمي وفي استعمالها التباس كثير؟ # ولنبدأ بالالتباس: لا يقاس الالتباس بكم المشترك، بل بإمكان التشابه ms136 في ~~السياقات المختلفة، ولا نظن أن حصول الفائدة يشتبه مع الحياد أو الموت أو ~~التبختر! وما دمت آمنا من الاشتباه فقل وثق بفهم المخاطب. # وأما من جهة الصرف والمعجم فإن «مفاد» بالفتح صحيحة فصيحة، فهي «مصدر ميمي ~~من «فاد» الثلاثي المجرد، الذي يدل على حدوث الفائدة، وفي اللسان: «الفائدة» ما ~~استفدت من علم أو مال، تقول منه: فادت له فائدة.» # 117 # تساءل/سأل # يقولون: لا تقل «تساءل الرجل عن الأمر» أو «تساءلت عن هذا الأمر»، وقل «سأل» ~~و«سألت»؛ لأن «تساءل» تقتضي المشاركة، مثل «تساءل الرجلان أو الرجال عن الأمر» ~~أي سأل بعضهم بعضا، فصيغة «تفاعل» تدل على المشاركة وهي غير متحققة ~~هنا. # ويبقى الذوق غير مستريح: ففي سياقات معينة أريد أن أقول «كنت أتساءل» ولا ~~أقول «كنت أسأل» (وما أسهلها وأبردها)، وخاصة حين أريد أن أبرز معنى التحير ~~والتقليب والتداول مع كيان آخر (ربما كياني نفسه!). وما زادت «تساءل» عن «سأل» ~~إلا لزيادة هذا المعنى بالذات، وفي هذه الحالة تكون «سأل» ناقصة قاصرة، وفاترة ~~كسولا غير مسعفة. # نخلص من ذلك إلى أن «تساءلت عن الأمر» صحيحة، وأن «استخدام صيغة «تفاعل» ~~بمعنى «فعل» أو «أفعل» كثير في لغة العرب، كما في تراءى بمعنى رأى، وتداعى ~~بمعنى دعا، وتساقط بمعنى سقط، ويمكن كذلك اعتبارها صحيحة على افتراض وجود طرف ~~ثان هو النفس، فيكون المعنى: تساءل فلان: سأل نفسه، وفي الأساسي: تساءل: سأل نفسه.» # 118 # ساهم/أسهم # وقريب من «تساءل وسأل» لفظا «ساهم وأسهم»، يقولون: لا تقل «ساهم في مناقشة ~~القضية» أو «ساهم في تأسيس الجمعية»؛ لأنها لم ترد في المعاجم القديمة بهذا ~~المعنى، وقل «أسهم»، ووجه الأمر أن كلا اللفظين صحيح فصيح، فقد شاع استخدام ~~الفعلين بمعنى «شارك» في اللغة المعاصرة، وأجاز المجمع المصري كلمة «ساهم» ~~لورودها في مقدمة معجم لسان العرب، بالإضافة إلى وروده في شعر لزهير، وقد ورد ~~في المعاجم الحديثة كالوسيط والمنجد والأساسي.» # 119 # داهم/دهم # يقولون: لا تقل «داهمنا العدو» أو «داهم رجال الشرطة وكر اللصوص» أو «الوقت ~~يداهمنا»؛ لاستخدام صيغة ms137 «فاعل» بمعنى «فعل»، وقل «دهمنا يدهمنا ~~دهما». # ونقول: بل قل دهم وداهم وفقا لذوقك، ووفقا لنغم الجملة، ووفقا لما تحس له ~~وقعا في نفسك؛ «لأن مزيدات الأفعال قياسية لا تحتاج إلى ورود بالمعاجم، وأصول ~~اللغة لا تمنع من استخدام «فاعل» بمعنى «فعل»، فهو كثير شائع في لغة العرب، ~~مثل: «حافظ»، و«بادر»، و«حاذر»، و«شاهد»، و«راقب»، و«دافع»، وقد ورد الفعل ~~«داهم» في بعض المعاجم الحديثة كالأساسي.» # 120 # اعتذر عن الحضور # لا تقل «اعتذر عن الحضور» وقل «اعتذر عن عدم الحضور»؛ لأن عدم الحضور، أو ~~الغياب، هو المعتذر عنه، وليس الحضور، نعلم ذلك، ولا أظن أن أحدا لم يسمع ~~بهذا الخطأ الشائع وتصويبه. # غير أن طبيعة الظاهرة اللغوية ليست دائما منطقية أرسطية على هذه الشاكلة، ~~وكلنا يقول «أعتذر عن الحضور» إذا ترك نفسه لسليقته، أو يتعمل ويقول «عن عدم ~~الحضور» وفي النفس شيء من هذا التصويب، وكأن لجنة الألفاظ والأساليب بالمجمع قد ~~آنست شيئا من ذلك فأجازت التعبير المرفوض، «على اعتبار «عن» للمجاوزة، ~~فالمعتذر يعتذر لأنه تجاوز الحضور الذي ينبغي له ألا يتجاوزه، بينما رفض مجلس ~~المجمع ومؤتمره قرار اللجنة.» # 121 # يقول العقاد في كتابه «أنا»: «كما لاحظ بحق أحد أصدقائي، حين علم مرة ~~باعتذاري من تلبية الدعوة إلى كثير من السياحات، وبعضها بغير نفقة على الإطلاق.» # 122 # حين كتب العقاد: «اعتذاري من تلبية الدعوة» وليس «اعتذاري من عدم ~~تلبية الدعوة»، كان يطير بجناح مضري يعبر كل لفظ نافل، ويكره الثقل النغمي ~~وكثرة المضافات، ويثق في فطنة سامعه، ويحذف كل ما دلت عليه القرينة، بينما ~~ظل هواة قل ولا تقل يعثرون عثارا أرضيا ويعكزون على عكازات أرسطية ~~ويدبون دبيبا! # نلعب في الوقت الضائع # إذا كانت اللغات جميعا لغات تمشي فإن العربية لغة تطير! # قريب من ذلك أيضا تعبير «يلعب في الوقت الضائع»، ونعلم جميعا أن الصواب ~~«يلعب في الوقت بدل الضائع»، بعد تدخل المعالجة «المنطقية» للمسألة، وإفسادها ~~لجمال التعبير الأصلي «في الوقت الضائع» الذي نحس له وقعا شعريا مؤثرا، # 123 # تقف الذائقة غير ms138 قريرة: ثمة قيمة أهدرت ... شيء من قلب اللغة قد ~~احترش ... شيء من سر العربية أهين، لكأن الكيان المجازي قد لم متاعه ~~ورحل! # قال تعالى: # هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون ~~، لا بدله أو نتاجه بل هو، ولقد ~~أهدرنا وقتا (ضائعا) وها نحن نلعبه (واحتذاء بالآية: هذا ما أضعتم من وقت ~~فالعبوا ما أضعتموه)، بل انظر إلى قوله تعالى: # إني ~~أراني أعصر خمرا # ولم يقل «عنبا» (باعتبار ما ~~سيكون). # لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولا أن نتعوذ من وسواس المنطق: اللغة ~~التي تجيز أن نقول: «عامر»، ونعني «معمور»، و«فاقد» ونعني «مفقود»، ونقول: «لا ~~عاصم»، ونعني «معصوم»، ونقول: «كاسية» ونعني «مكسوة»، ونقول: «لا غني ولا ~~فقير»، و«لا حلو ولا حامض»، و«لا شرقية ولا غربية»، ونقول لصبينا: اذهب إلى ~~السوق وهات عنبا حامضا، ونقول: أكل المال، شرب الكأس، قتل الوقت (لهوا)، قتل ~~الأمر (بحثا)، تركت لمن «كان» بعدي، والموعد الله - مثل هذه اللغة لا تؤتى ~~بالمنطق الأرسطي ولا الإقليدي، بل بمنطقها، هي لغة تتكئ على فهم المخاطب ~~وتلتئم بمعقوله وتثق في ذكائه. يقول الجاحظ: «للعرب إقدام على الكلام، ثقة ~~بفهم المخاطب من أصحابهم عنهم.» # كم ذا أضر باللغة وآذاها هواة قل ولا تقل، وها هو حصاد زرعهم: ناس طيبون ~~أصابهم القنوط، فانفضوا عن العربية (وفي القلب ثأر كظيم)، ولم يعودوا يقدرون ~~على صواب ولا على خطأ. # يقول د. محمد كامل حسين «إن اللغويين يخطئون حين يظنون أن الإضافة إلى اللغة ~~إضعاف لها، وأن المحافظة عليها بتقييدها، والمحافظة على لغة ما لا تكون إلا ~~بجعلها مطابقة لتفكير أهلها، وترك الحرية لكتابها أن يزيدوا ما دلهم عليه الذوق ~~والحاجة، وخطئ اللغويون في إسرافهم في تخطئة الناس، وجدلهم حول ما هو خطأ، ~~والجدل حول صحة كلمة «افتكر» و«احتار» و«اعتاد» لا داعي له، فكلها صحيحة، ~~والكاتب المتأنق يختار «تفكر» و«حار» و«تعود» حين يقتضي مستوى أسلوبه أن ~~يختار أرشق الألفاظ وأفصحها، ويجب أن نقدر أن عهد تحكم الأجرومية في اللغة ~~العربية قد انقضى أو كاد، ms139 وأن علينا أن نسارع إلى تنظيم يوائم عصرنا، والتفكير ~~اللغوي الحديث قوامه الوضوح والدقة، فإن لم نفعل فسيقوم عهد اللغة الجديد على ~~الفوضى والاضطراب وتحكم من لا ذوق لهم ومن لا علم لهم بأصول اللغات والأساليب.» # 124 # ورحم الله شيخنا أمين الخولي، القائل في خاتمة بحثه «لسان العرب اليوم» أمام ~~المجمع: «وقد بدا من واقع التاريخ أن تتبع الصواب وإعلانه أجدى من تتبع الخطأ ~~وإعلانه، وإلى هذا التصويب صار الأمر أخيرا، كما رأينا فهو سبيل التقريب أو ~~التوحيد، ورحم الله أبا حنيفة، في قياسه مع حجامه، حين قال له الحجام: إن ~~تتبع الأبيض من الشعر يكثره، فقال أبو حنيفة: تتبع مواضع السواد لعله يكثر، وقد ~~تتبعوا مواضع الغلط فاستفحل الأمر فيه، فهلا نتتبع مواضع الصواب فيشيع ويغلب، ~~وذلك ما تشهد به تجارب المصلحين والمربين ... تلك مواقف عملية، إن وافقتم عليها ~~فبها، وإلا فواقع الحياة أغلب.» # 125 # الفصل السابع # | ازدواجيتنا اللغوية «العامية والفصحى» # ليس لهذه الأدواء القومية التي تمتص من مصر حيويتها، من علة إلا هذه اللغة المتآكلة ~~التي لا تساير مطالب الجماعة الناهضة. # محمد العلاني # مقدمة «فن القول» لأمين الخولي # كتب الأستاذ العقاد في أبريل 1927م: «إن في كل أمة لغة كتابة ولغة حديث، وفي كل أمة ~~لهجة تهذيب ولهجة ابتذال، وفي كل أمة كلام # 1 # له قواعد وأصول وكلام لا قواعد له ولا أصول، وسيظل الحال على هذا ما بقيت لغة ~~وما بقي ناس يتمايزون في المدارك والأذواق.» # 2 # وفي الأربعينيات من القرن الماضي كتب د. علي عبد الواحد وافي: «فاختلاف لغة ~~الكتابة عن لغة التخاطب ليس إذن أمرا شاذا حتى نلتمس علاجا له، بل هو السنة الطبيعية ~~في اللغات، ولن تجد لسنة الله تبديلا.» # 3 # كان هذا الرأي حول الازدواجية اللغوية، الذي تلخصه فقرتا الأستاذ العقاد والدكتور وافي، ~~سائدا بين الكثير من النخبة المثقفة في النصف الأول من القرن العشرين، إذ كانت «النهضة» في ~~أوجها و«التنوير» يمضي في عنفوانه مطمئنا إلى نتائجه واثقا من مآله، # 4 # وأقرب ما ms140 ننعت به هذا الرأي المتفائل هو أنه «يحل المشاكل بإنكارها»، نعم، في ~~كل أمة لغة عامية ولغة فصحى، ولكن الفجوة بين العامية والفصحى في لغتنا ليست كنظيراتها في ~~اللغات، إن بين عاميتنا وفصحانا فروقا صوتية ونحوية وصرفية ومعجمية تجعل منهما، بقليل من ~~التجوز، لغتين منفصلتين، # 5 # كان هذا واضحا حتى لابن خلدون (في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي) ~~الذي يقول في «المقدمة»: «اعلم أن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضر القديمة ~~ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها بعيدة عن لغة مضر وعن لغة هذا الجيل ~~العربي الذي لعهدها، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها فهو ظاهر، يشهد له ~~ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنا.» # 6 # ثمة نسقان نحويان متعارضان في قلب العربية: النسق الإعرابي المرن في الفصحى، ~~ونسق إسقاط الإعراب والاعتماد على الترتيب المقيد لعناصر الجملة في العامية، يمثل هذان ~~النسقان مرحلتين نحويتين في تطور اللغة. وثمة فروق أخرى كبيرة: تخفيف الصوامت الثقيلة في ~~النطق، إلغاء الحروف الأسنانية (الظاء والذال والثاء)، تقديم الفاعل على الفعل، الاستفهام ~~دون حرف استفهام اعتمادا على تغيير مواضع النبر ... إلخ. # في بحث بعنوان «لسان العرب اليوم» المقدم إلى مجمع اللغة العربية عام 1961، يعرض الأستاذ ~~أمين الخولي لتاريخ الصراع بين الفصحى والعامية عبر الزمن، ويخلص إلى مواقف عملية في تقريب ~~اللغتين وصولا للوحدة، ومنها الأخذ من فصيح العامية وتعميم استعماله، وأخذ المجمع من ~~الحياة وعدم الاكتفاء بإعطائها، وفي مناقشات الأعضاء للبحث يعقب الدكتور إبراهيم مدكور ~~بقوله: «... لغة التخاطب تختلف نوعا ما عن لغة الكتابة في كل أمة وفي كل حضارة ... أما توحيد ~~هاتين اللغتين فلا محل له بحال، ولا يتفق مع علم اللغات المقارن في شيء ...» وفي تعقيب ~~الأستاذ أمين الخولي على التعقيب يقول: «... الصحيح أن الفرق هو بين لغة الأدب ولغة الحديث، ~~أما الفرق (بين لغة الكتابة ولغة الحديث) في اللغات الأجنبية فمعدوم أو كالمعدوم ...» ويكفي ~~أن يقارن المرء ms141 بين لغة فيلم إنجليزي ولغة نشرة إنجليزية ليدرك صواب الشيخ أمين الخولي فيما ~~ذهب إليه: فليس بين عامية الإنجليز وفصحاهم فرق نوعي يذكر. ~~(1) تجربة من مختبر الحياة # معيار اللهجة إمكان التفاهم: فمحك التفرقة بين اختلاف اللهجتين واختلاف اللغتين هو ~~إمكان الفهم المتبادل، بمعنى أن صاحبي اللهجتين المختلفتين يفهم أحدهما الآخر، بعكس ~~صاحبي اللغتين المختلفتين. إذا كان هذا هو المحك فإن لدينا دليلا حيا على أن عاميتنا ~~وفصحانا هما لغتان منفصلتان، وهو أن دارسي العربية الفصحى من الأجانب لا يفهمون شيئا ~~إذا أنت حدثتهم بالعامية الخالصة، يعرف ذلك كل من أتيح له هذا المشهد الطريف وتعامل مع ~~أشخاص أجانب ممن درسوا العربية في جامعاتهم وأتقنوها. ولسوف يضطر إلى التخاطب معهم ~~بالفصحى، حتى في أمور الحياة اليومية؛ لكي يفهموا عنه! هذه تجربة سديدة بوسعك إجراؤها ~~في مختبر الحياة و«إعادة إجرائها» # Replication # كما ~~تشاء. فهذا الأجنبي يتقن العربية الفصحى وقد درسها أكاديميا مثلما درسناها في ~~مدارسنا، غير أنه، بحكم ظروفه الجغرافية، لم يعرف العامية ولم يتعرض لها قط، أي أنه ~~خلو من الازدواجية اللغوية (الفصحى/العامية) التي نتحلى بها، إنه يمثل «الفصحى ~~الخالصة» أو المحضة التي لا تتوافر لأي منا من حيث إننا ثنائيون تعرضنا لكل من الفصحى ~~والعامية. مثل هذا الشخص هو وحده من يخبرنا أتكون الفصحى والعامية «لهجتين» أم ~~«لغتين». ~~(2) ثنائية إفقار لا إثراء # ازدواجنا اللغوي إذن ليس كغيره من ضروب الازدواج (لغة الكتابة/لغة الكلام) في اللغات ~~الأخرى، غير أن «ذلك الازدواج لا يعني امتيازا يتمثل في امتلاك لغتين، بل يعني ~~الافتقار إلى لغة واحدة منسجمة مكتملة الحلقات كلغة، بكل ما تعنيه حالة أمة بلا لغة، ~~أو حالة أمة ذات لغة تعاني من الازدواج والانشطار والتشوه.» # 7 ~~«العامية ليست لغة مكتملة الحلقات كما أن الفصحى ليست لغة مكتملة الحلقات، ~~ذلك أن الفصحى عاجزة منذ قرون وقرون عن الاستمرار كلغة كلام وحياة يومية. وهي بذلك لغة ~~ناقصة، كما أن هذا النقص، هذا الانفصال عن الحياة اليومية، يفقرها ويحرمها من حيوية ~~الحياة ويجردها من ms142 القدرة على التعبير عنها بالحيوية المطلوبة ... والعامية رغم كل ~~التطور الذي حققته والمكاسب التي أحرزتها تظل محرومة من ثروة خبرات الفصحى في التعبير ~~عن الثقافة العربية، فالفصحى هي حامل هذه الثقافة القومية. وهكذا نجد العامية عاجزة، ~~بحكم عدم الممارسة، وبحكم وقف النمو المفروض عليها، عن أن تكون لغة الفكر والفلسفة ~~والأدب ... إلخ، وبهذا يتضح أن الازدواج يعني عدم اكتمال حلقات الحياة اللغوية، وضرب ~~التمكن والإتقان في الصميم، وبالتالي حرمان اللغتين (الفصحى والعامية) من اكتمال صفة ~~الفصاحة الضرورية لكل لغة لتكون لغة بالمعنى الصحيح والكامل للكلمة.» # 8 # وإذا كانت اللغة هي الفكر أو «دالة الفكر» (دي لاكروا)، وإذا كانت كل أمة ~~تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم (هردر)، فإن العقل العربي المشطور بين الفصحى والعامية ~~مهدد بالتشوش والاضطراب وانعدام الوضوح والدقة. # يستهل الأستاذ أمين الخولي كتابه «مشكلات حياتنا اللغوية» بالحديث عن ظاهرة «الازدواج ~~اللغوي» التي تجعل المجتمعات العربية «تحيا وتشعر وتتعامل وتتواصل بلغة يومية مرنة ~~نامية متطورة مطاوعة، ثم هي تتعلم وتتدين وتحكم بلغة مكتوبة محدودة غير نامية، لا تطوع ~~بها الألسنة، وتتعثر فيها الأقلام، وهذا الازدواج اللغوي القهري يصدع وحدتها ~~الاجتماعية ويفرقها طبقات ثقافية وعقلية، وبهذه الوحدة المرضوضة الواهنة تمارس الحياة ~~العملية وهي خائرة التماسك فاترة التعاون إن لم تكن فاقدته ... اللغة التي هي وسيلة كسب ~~المعرفة قد صارت هي نفسها مادة صعبة التعلم سيئة النتائج ... وإذا الكثرة الكاثرة تحيا ~~حياة تئود كل تقدم وتعوق كل نهوض، بسبب من اللغة.» # 9 # للأستاذ محمد العلائي، وهو من «الأمناء» - تلامذة الشيخ أمين الخولي - نظرات تشخيصية ~~ثاقبة لأدواء العربية، منشئها وأعراضها ومخاطرها المحتملة. يقول في تقديمه لكتاب ~~أستاذه «فن القول»: «لقد كان لطبيعة الشخصية المصرية هذه منذ القدم نتائجها في استقبال ~~المجتمع للغة المفروضة، وفيما يأخذ به نفسه من المداراة والمصانعة، حين يتناول اللغة ~~الوافدة على أنها ضرورية، ويظل يلتوي بها وينحرف، حتى ينتزع من كيانها لباب دلالتها، ~~واضعا مكان هذا اللباب ما يلتئم مع الفطرة المصرية، ويلتقي بملابساتها الإقليمية، ~~مفهوما وإحساسا. ومن ms143 أعراض هذه الحكمة المصرية ما حدث للعربية الفصيحة، حين جاءت ~~المصريين محفوفة بسلطان الدين، وسيف السياسة، فتناولتها الروح المصرية المستترة ~~بالملاطفة والمسايرة، حتى أفقدتها خصائصها الجذرية، وأفعمتها من ذات شخصيتها وأجوائها؛ ~~ما أدى إلى انشعاب العربية إلى لغتين: عامية وفصيحة، وانزواء الفصيحة مكتفية بظاهر من ~~الحياة في أجواء البيئة التعليمية، وفي الرسميات المفروضة على الملكات والألسنة، تاركة ~~للعامية خصائصها المرهفة، في رصد الأعماق الشعبية، وفي تسجيل النزعات المتراجعة إلى هذه ~~الأعماق، بما تحمل من آلام وآمال، وجعلت أمواج العامية والفصيحة تلتقي وتتنافر، ~~وتتقارب وتتدافع، حتى أصبح الكيان المصري، في هذه الحالة الأخيرة، على وضع فني ممسوخ، ~~لا يتميز بلون ولا طعم ولا رائحة، وأصبح الفن القومي على وضعه ذلك يستقبل الحياة من ~~نوافذ العقل بلغة تغاير كل المغايرة وتختلف كل الاختلاف مع هذه اللغة التي يضطر إليها ~~حين يعبر عما استقبل من نوافذ الحياة، وتلك هي المحنة القومية البالغة، التي أمسكت ~~بالفن المصري وأصابته بالتيبس والجمود، وحالت بينه وبين أسباب النشاط، التي من شأنها أن ~~تعمل على خلق الإحساس بالكرامة القومية، وتنمية العقيدة التي تحمي هذه الكرامة، وتتكفل ~~بتنظيم وسائلها، وتشخيص مقوماتها، وتكون مسئولة أمام الوعي الجماعي عن استرخاء الملكات ~~الفنية وميوعة الضمير.» # 10 ~~(3) انسداد طرق التطور # لا نحن نحيي الفصحى بالاستعمال والتعريب، ولا نحن نترك العامية تنمو وتكتمل ~~وتنحيها. # إن حالنا في الثنائية اللغوية أشبه بحال أصحاب اللغات الرومانية # Romance languages ~~(الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ولغة ~~رومانيا) في نهاية العصور الوسطى وفي عصر النهضة وبداية العصر الحديث، فقد كان هؤلاء ~~ثنائيين: لغة كتابتهم لاتينية ولغة حياتهم عاميات تنمو على ظهر اللاتينية، وكانت ~~عاميتهم مختلفة عن اللاتينية اختلافا جوهريا في أصواتها ومفرداتها ودلالاتها ~~وقواعدها، «حتى إن الفرنسي مثلا الذي لم يكن قد تعلم اللاتينية ما كان يستطيع أن يفهم ~~شيئا يعتد به من اللغة التي كان يكتب بها الناس في بلده وهي اللاتينية. وقد ظلت ~~اللاتينية القديمة لغة كتابة حتى نضجت لهجات محادثاتهم وكمل نموها؛ فاستطاعت أن تنحي ~~اللاتينية عن ms144 وظيفتها وتحتل مكانها، فأصبحت الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية ~~ولغة رومانيا، التي كانت لهجات عامية تستخدم في المحادثة العادية فحسب، أصبحت لغات ~~كتابة وآداب، وقد تم ذلك حوالي القرن السابع عشر الميلادي.» # 11 # ثم بدأت لغة الكتابة هذه تتباعد رويدا رويدا عن لهجات الحديث، ولكنا نرى ~~أنها لا تختلف حتى الآن اختلافا نوعيا عن اللهجات، ولا نحسبها تختلف في المستقبل ~~المنظور نظرا لارتفاع نسبة التعليم ومستواه في هذه البلاد، وبالنظر إلى ثورة الاتصالات ~~التي تحول دون انعزال اللهجات وتحولها. # غير أن د. وافي سار بتقديراته في طريق آخر، ولا ننسى أنه كتب هذا الكتاب عام 1945، ~~فهو يرى أن الهوة بين عاميتهم وفصحاهم ستزداد اتساعا «حتى تصل هذه الأمم إلى حالة ~~شبيهة بالحالة التي كانت عليها وقت أن كانت لغة الكتابة فيها هي اللاتينية. فاختلاف ~~لغة الكتابة عن لغة التخاطب ليس إذن أمرا شاذا حتى نتلمس علاجا له، بل هو السنة ~~الطبيعية في اللغات، ولن تجد لسنة الله تبديلا.» ولعل من الواضح الآن أن حديث الدكتور ~~وافي، في أحسن تقدير، لم يكن متسقا مع ذاته، فهو من جهة يقول إن الانشعاب وانفصال ~~العاميات إلى لغات كتابة هو مآل محتوم تفرضه سنة التطور، ومن جهة أخرى يحذر من ~~كوارث الكتابة بالعامية، وينعى عليها اضطرابها وفقرها: «فاللغة العامية التي يرى هؤلاء ~~استخدامها في الشئون التي تستخدم فيها الآن العربية الفصحى لغة فقيرة كل الفقر في ~~مفرداتها، ولا يشتمل متنها على أكثر من الكلمات الضرورية للحديث العادي، وهي إلى ذلك ~~مضطربة كل الاضطراب في قواعدها وأساليبها ومعاني ألفاظها وتحديد وظائف الكلمات في جملها ~~وربط الألفاظ والجمل بعضها ببعض، وأداة هذا شأنها لا تقوى مطلقا على التعبير عن ~~المعاني الدقيقة، ولا عن حقائق العلوم والآداب والإنتاج الفكري المنظم.» # 12 # وإننا لنضطر اضطرارا في أحاديثنا العادية إلى اتخاذ الفصحى كلما احتجنا ~~إلى التعبير عن حقائق منظمة وأفكار مسلسلة لا تسعفنا فيها مفردات العامية ولا قواعدها، ~~«فإذا لم نجد أمامنا لا قدر الله إلا اللغة العامية نستخدمها في ms145 جميع شئون تفكيرنا ~~وتعبيرنا لتقطعت بنا أسباب الثقافة ونكصنا إلى الوراء قرونا عديدة، وقضي على نشاطنا ~~الفكري قضاء مبرما؛ لأن الفكر إذا لم تسعفه أداة مواتية في التعبير خمدت جذوته، وضعف ~~شأنه، وضاق نطاقه، واقتصر نشاطه على توافه البحوث وسفساف التأملات، فاللغة هي القالب ~~الذي يصب فيه التفكير: فكلما ضاق هذا القالب واضطربت أوضاعه ضاق نطاق الفكر واختل إنتاجه.» # 13 # ويمضي د. وافي في رصد الكوارث التي يمكن أن تلحقها الكتابة بالعامية، فيذكر منها ~~انعزال الأجيال القادمة عن تراث أمتها وعجزها عن فهمه والانتفاع به، والضرر القومي ~~البليغ المتمثل في تشرذم الأمة إلى جماعات لكل منها لغته الخاصة التي لا تفهمها ~~الجماعات الأخرى، كما أن العامية نفسها في كل بلد غير ثابتة على حال واحدة بل عرضة ~~للتطور السريع في أصواتها ومفرداتها ودلالاتها وقواعدها، وسرعان ما نجد أنفسنا أمام ~~المشكلة نفسها التي التجأنا في حلها إلى اتخاذ العامية لغة كتابة، «وذلك أن لغة الحديث ~~سوف تتطور وسوف ينالها كثير من التغير في أصواتها ودلالاتها وقواعدها وأساليبها، ولن ~~تزال كذلك حتى تبعد بعدا كبيرا عن لغة الكتابة؛ فنصبح وإذا بنا نكتب بلغة ونتخاطب ~~بلغة أخرى، فإذا صبرنا على هذا الازدواج ذهب كل ما عملناه في هذا السبيل أدراج الرياح، ~~وإذا أخذنا على أنفسنا العمل على القضاء عليه كلما ظهر باستخدام الوسيلة نفسها التي ~~استخدمناها في المرة الأولى، كان معنى ذلك أننا نضطر على رأس كل خمسين سنة أو كل قرن ~~على أكثر تقدير إلى تغيير لغة الكتابة بلغة أخرى: وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه ~~الفوضى في شعب إنساني.» # 14 # يضاف إلى هذا كله أن العامية تختلف داخل الشعب الواحد إلى عاميات بعدد ~~المناطق والطوائف، فالقضاء على الازدواج لا يكون إلا بأن تصطنع كل منطقة لغة كتابة تتفق ~~مع لغة حديثها، «وبذلك يصبح في البلاد العربية آلاف من لغات الكتابة بمقدار ما فيها من ~~مناطق ومدن وقرى، ولا أظن عاقلا ينصح بمثل هذه الفوضى.» # ويرى د. وافي أن حل ms146 الازدواجية بالصعود بلهجة الحديث إلى العربية الفصحى هي أمنية ~~غالية ولكنها غير ممكنة التحقيق؛ وذلك لسببين: الأول أن لغة المحادثة لا تفرض فرضا ~~ولا يمكن النكوص بها إلى الوراء لأن من سنتها التطور والتبدل وفقا لنواميس قاهرة لا ~~تخضع لإرادة الأفراد، والسبب الثاني أننا حتى لو افترضنا جدلا أننا نجحنا في تعميم ~~الفصحى وجعلنا كل العرب يتحدثون بالفصحى، فإن هذه اللغة المفترضة لا تلبث بعد تداولها ~~على الألسنة أن تخضع لجميع القوانين التي تخضع لها اللغات الطبيعية، وسرعان ما تختلف ~~هذه اللغة من جماعة إلى أخرى وفقا للظروف الجغرافية والاجتماعية والجينية الخاصة بكل ~~منها، وسرعان ما تختلف من جيل إلى جيل، وسرعان ما تنشعب هذه الفصحى الخيالية إلى لهجات ~~وتتسع الهوة بين هذه اللهجات «ولا بد أن تسير في المراحل نفسها التي سارت فيها العربية ~~الفصحى من القرن السابع الميلادي إلى الوقت الحاضر، وتنتهي إلى النتيجة نفسها التي ~~انتهت إليها. وهكذا لن يمضي زمن قصير أو طويل حتى تنبعث مرة أخرى المشكلة نفسها التي ~~حاولنا القضاء عليها، وحتى نرى الناس يتحدثون بلهجات تبعد بعدا كبيرا عن لغة الكتابة.» # 15 # تعاني تنظيرات د. وافي من عدم اتساق واضح؛ فقد أسهب في تبيان قوانين التطور وحتميته، ~~وحدد اتجاهه: من لغة كتابة تنشعب عنها عاميات ما تلبث أن تنضج وتنحي الفصحى القديمة ~~وتحل محلها ... ثم يحذر في الوقت نفسه من تبني العامية كلغة كتابة لأن مآلها التطوري ~~معلوم ووخيم! ومن البين أنه بذلك يسد الطرق أمام اللغة، ويتركنا في موقف أشبه ~~بالتوقف اللغوي: فلا نحن نملك إحياء الفصحى وتعميمها، ولا نحن ننصح بتبني العامية ~~وإنضاجها والكتابة بها! # وهناك موقف آخر يبدو متناقضا للوهلة الأولى ولكنه في الحقيقة متسق (مع ذاته على ~~أقل تقدير)، وهو موقف د. رمضان عبد التواب إذ أسهب في كتابيه «التطور اللغوي» و«بحوث في ~~فقه اللغة» في تبيان نواميس التطور وحتميته: «تلك سنة الحياة، وتاريخ اللغات يشهد بهذا، ~~ولا نعرف لغة على ظهر الأرض جمدت على شكل واحد مئات السنين»، ms147 ثم يعود ويستثني العربية ~~من هذه السنن لأن لها «ظرفا خاصا لم يتوفر لأية لغة من لغات العالم، وهذا الظرف ~~يجعلنا نرفض ما ينادي به بعض الغافلين، عن حسن نية أو سوء نية أحيانا، من ترك الحبل ~~على الغارب للعربية الفصحى، لكي تتفاعل مع العاميات، تأخذ منها وتعطي، كما يحدث في ~~اللغات كلها ... لأنها ارتبطت بالقرآن منذ أربعة عشر قرنا، ودون بها التراث العربي ~~الضخم ...» # 16 # ويدعم د. عبد التواب رأيه بقوله: «هذا هو السر الذي يجعلنا لا نقيس العربية ~~الفصحى بما يحدث في اللغات الحية المعاصرة، فإن أقصى عمر هذه اللغات، في شكلها الحاضر، ~~لا يتعدى قرنين من الزمان، فهي دائمة التطور والتغير، وعرضة للتفاعل مع اللغات ~~المجاورة، تأخذ منها وتعطي، ولا تجد حرجا؛ لأنها لم ترتبط في فترة من فترات حياتها ~~بكتاب مقدس، كما هو الحال في العربية.» # 17 # ويزيد د. عبد التواب موقفه قوة واتساقا (ذاتيا) بقوله: «إن العربية ~~تحمل في طبيعة تكوينها عنصر التجدد والحياة، إن أفاد أهلها من منهجها العظيم في القياس، ~~والاشتقاق، والنحت، والتعريب.» # 18 # غير أن الاحتضار المشهود للفصحى اليوم ربما ينال من «الاتساق الخارجي» لنظرية د. عبد ~~التواب، ويتركها بحاجة إلى اكتمال، ونحن نخشى أن تكون الغيرة المفرطة على الفصحى عاطفة ~~انتحارية أفضت إلى هذا الاحتضار المشهود. ويبدو أننا قد تجاوزنا مرحلة الكراهة والبغض ~~للفصحى إلى مرحلة السخرية والضحك، وهل تعد حية لغة يضحك منها أهلها ولا يفهمونها ولا ~~يتحدثون بها في جد ولا هزل؟ أرى أن الفصحى في موقف لا يحتمل أي نعرة أو تصلب أو ~~نرجسية جريحة، ويليق بنا أن نأخذ أمرها بشيء من اللين والحصافة والقصد. # لقد استنفد المحافظون جهدهم طوال قرن في مهاجمة العامية # 19 # وتتبع لحن العامية والتنديد به، بينما كانت العامية «تلقى هذا كله بقوة ~~خفية، توشك أن تكون سحرية، هي قوة الحياة، وقوة المجتمع، فهي من الحياة وفي الحياة، وهي ~~تستجيب لسنن الاجتماع مرنة طيعة، فلا تتأثر بتلك المهاجمة، بل مضت تنمو نموا مطردا، ~~فتثري ms148 في مفرداتها، وتزيد طاقاتها الفنية، فتتخذ أوزانا للفن القولي جديدة، غير تلك ~~التي عرفتها الفصحى، وبهذه القوة تقدمت فألزمت الفصحى مكانها المحدود، في الحياة ~~الرسمية، دينية وحكومية، ومبلغ أمرها، في أحسن تصوير، أنها لغة القلم، والعامية لغة ~~اللسان، وإنما اللغات صناعة الألسنة.» # 20 ~~(4) دانتي وفصاحة العامية # قلنا: إن حالنا في الازدواجية اللغوية أشبه بحال أصحاب اللغات الرومانية ~~(الرومانسية/الشعبية) # Romance languages # في عصر النهضة، ~~وكان دانتي واحدا من هؤلاء. في بداية القرن الرابع عشر كتب دانتي دراسة (لم يكملها ولم ~~تصدر إلا بعد قرنين من كتابتها) بعنوان «في ~~فصاحة العامية» # De Vulgari Eloquentia # 21 # مدح فيها مزايا اللغات المحكية التي يتعلمها الطفل تلقائيا وبشكل لا ~~شعوري، وقابل بينها وبين اللاتينية المكتوبة التي تكتسب بشكل واع في المدارس عن ~~طريق الأحكام القواعدية بوصفها لغة ثانية. لقد تمت دراسة التغيرات الصوتية وتم ~~التعامل مع ظاهرة التغير اللغوي بطريقة منهجية، وربما كانت هذه هي البداية الحقيقية ~~لعلم اللغة التاريخي كما نفهمه اليوم. لم تكن العاميات الرومانية مجرد لاتينية فاسدة ~~بل لغات ذات جدارة وقائمة بذاتها، ومرتبطة تاريخيا باللاتينية بطرق مثيرة. تمت ~~مناقشة هذا التغير اللغوي، وقد عزاه الكتاب إلى عوامل الاحتكاك والاختلاط اللغوي، وإلى ~~التغيرات التدريجية المستقلة التي تحدث مع انتقال اللغة المنطوقة من جيل إلى جيل. # 22 # يقول دانتي في كتابه «في فصاحة العامية»: «إنني أعرف العامية بأنها اللغة التي ~~يكتسبها الأطفال ممن حولهم عندما يبدءون في نطق الكلمات، وباختصار أكبر، هي اللغة التي ~~نتعلمها بدون أي قواعد على الإطلاق من خلال تقليدنا لمربياتنا.» # 23 # ويقارن دانتي هذا النوع من اللغة ب «النحو» # 24 # الذي يعني به اللغة الرسمية؛ لغة الكتابة، وهو ما يصطلح عليه الآن باللغة ~~الفصحى أو المعيارية (اللاتينية في زمن دانتي): «ولدينا بعدئذ كلام ثانوي آخر، سماه ~~الرومان النحو، وإن لدى اليونانيين وغيرهم أيضا هذا الشكل الثانوي للغة ... ولكن قلما ~~يكتسبها أحد لأن التمكن من قواعدها وفنها يتطلب وقتا طويلا ودراسة مثابرة.» وبين ~~اللغتين (العامية والفصحى) يعتبر دانتي أن العامية ms149 هي الأنبل: «والآن بين اللغتين ~~فالأنبل العامية: أولا لأنها اللغة الأولى التي نطق بها الجنس البشري، وثانيا لأن ~~العالم كله يستخدمها وإن بضروب متباينة من النطق والشكل، وثالثا لأنها طبيعية بالنسبة ~~لنا، بينما الأخرى أكثر اصطناعا وتعملا.» # وإن اللاتينية هي لغة الكنيسة، وهي لغة مقدسة، وسيبدو أقرب إلى الهرطقة إذا ما ~~اقترحنا أن اللغة العامية هي الأنبل، ولكن دانتي يعرب عن إعجابه بما هو «طبيعي» في ~~مقابل ما هو «اصطناعي»، أي كل ما يصنعه الفن # 25 ~~... فالفن إنساني في جوهره، في حين أن الطبيعة إلهية في مصدرها. وفي كتابه ~~«المأدبة» # Il Convito # الذي كتبه في نفس الفترة ~~التي كتب فيها «في فصاحة العامية»، يدعو دانتي إلى أن يستعمل الناس لغتهم الخاصة لأن ~~ذلك هو الأقرب والأوقع. # والحق أن العامية مغبونة، حتى في اسمها، الذي يومئ إلى تدنيها وسوقيتها، بينما هي ~~في الواقع «فصحى الحياة»، ويغلب الاعتقاد بأنها «انحراف» عن اللغة المعيارية، أو تدهور ~~لها أو فساد، بينما هي في أحيان كثيرة «تطور» نحو المرونة والسهولة والاقتصاد والنجاعة ~~الاتصالية، يقول الشيخ أمين الخولي: «كلما بذلت محاولة لتمكين العربية من ابتلاع ~~العاميات قيل إننا ندعو إلى العامية، وبناء على هذا تضيع جهود التيسير وتبقى الفصحى في ~~عزلتها عن لغة الحياة وتبتلعها العامية.» # 26 # لقد آن لنا أن نفرق بين ما هو عبث وتحلل لغوي و«لحن»، وما هو ارتقاء وإبداع ~~وحيوية ... أن نقاوم العبث والتحلل ونشجع الابتكار والتجديد، ونواكب كل ذلك بالتنظير ~~اللغوي الحصيف، وإلى جانب تيار «لحن العوام» و«قل ولا تقل» نشجع أيضا تيار «صواب ~~العامة» و«رفع الإصر» و«بحر العوام»، # 27 # فلا نتحرج من اعتماد الألفاظ المولدة واستلهام العامية واسترفادها والإفادة ~~مما صح منها وفصح وساغ، وأن ننزل هذا العامي الفصيح في معاجم رسمية مصدقة معتمدة، # 28 # وندرجه في مناهج اللغة بالمدارس؛ حتى يحس أبناؤنا أنهم لا يتعلمون لغة ~~أجنبية بل لغة حياتهم المألوفة لهم الرفيقة بهم، وتزول تلك الجفوة العتيدة بين الدرس ~~والدارس، ويصير التعلم جهدا ممتعا ولا يعود كابوسا ثقيلا ms150 وعذابا نكرا، هنالك تكون ~~هذه العامية المزدراة هي حبل نجاة الفصحى ومجددة دمائها وباعثتها إلى الحياة من ~~جديد! # الفصل الثامن # | تعريب العلم # تعليم الأمة بلغتها ينقل العلم بكليته إليها، أما تعليمها إياه بلغة غيرها فإنه ينقل ~~أفرادا منها إلى العلم. # الشيخ علي يوسف # تعليم المرء بغير لغته أمر شاذ بالغ الشذوذ، ومضاد لطبيعة الأشياء، ومضاد للبيولوجيا، ~~ولا تلجأ إليه الأمم إلا اضطراريا، ومرحليا. ليس في العالم، شرقه وغربه، أمة تعلم ~~العلم بغير لغتها القومية، باستثناء شعوب بدائية اللغة كالغجر والإسكيمو والأفريقيين، ~~وشعوب متعددة اللغات كالهنود. جميع دول العالم على اختلاف حجمها، وتعدادها، وعائلتها ~~اللغوية، ودرجة تقدمها، تعلم العلم بلغتها: ألبانيا، تركيا، بلغاريا، هولندا، فنلندا، ~~اليونان، إيطاليا، روسيا، الصين، كوريا، اليابان، إيران، إسرائيل ... «يروي د. إسحاق الفرحان ~~عضو مجمع اللغة العربية الأردني أنه كان بصحبة وزير التربية الأردني يحضران حفلا للسفارة ~~الكورية في عمان، فسأل وزير التربية السفير الكوري: بأي لغة تدرسون الطب والهندسة والعلوم ~~في بلادكم؟ فلم يجبه السفير، ولما كررت عليه أنا السؤال نظر إلي السفير قائلا: وهل هذا ~~سؤال يسأل؟ بالكورية طبعا!» # 1 # لم يفهم الرجل السؤال أول مرة، وظن أن في الأمر «لعبة»؛ فالسؤال غريب عنده غرابة التعريب ~~عندنا! لقد نشأنا نرى العلم يدرس عندنا بالإنجليزية فحسبنا ذلك أمرا طبيعيا، وما هو ~~بالطبيعي، وإنما «أعمانا الإلف فلم نعد نرى في الغريب غرابته» باستعارة تعبير د. زكي نجيب ~~محمود (في مقام آخر)، و«اكتسب المؤقت والاستثنائي (عندنا) ديمومة بل شرعية» باستعارة ~~تعبير د. مفيد أبو مراد. يبدو أن في جبلة العقل البشري، بوصفه رهين الثقافة وصنيعتها، أن ~~يعبر «فجوة هيوم» وثبا؛ فيقفز مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون، ويميل إلى أن يرى أوضاعه ~~التي نشأ عليها، مهما بلغت من سوء وشذوذ، لا كمجرد أوضاع معطاة «للوصف» و«النقد» ~~و«التغيير»، بل كمقاييس للصواب والسواء والخير و«معايير» للقيمة. هذا ما جعل أستاذا في ~~الطب مثل د. نادر عبد الدايم يصف دعوة تعريب الطب ب «النكبة» و«الكارثة»، وكأن تسمية ~~«الهارت» ب ms151 «القلب» ستصيبه بأزمة، أو أن تسمية «الأبدومن» ب «البطن» ستحول دون ~~فتحه! # الحق أن ما نحن فيه هو النكبة، وليتها نكبة واحدة أو ذات بعد واحد، ولكنها نكبة ~~تساقط نكبات، نكبة مركبة مطبقة ذات أبعاد أربعة، ذلك أن التعريب # 2 ~~(التعريب بحد ذاته) ضرورة قومية، وضرورة علمية، وضرورة نفسية/اجتماعية، وضرورة ~~لغوية! ~~(1) التعريب ضرورة قومية # لغة الأمة هي وعيها وضميرها، وكبرياؤها وعرضها، والأمة التي لا تصون لغتها من ~~العبث والتحلل لن يبقى لها شيء تصونه. # كان من روابط وحدة اليونانيين في مقاومة الغزاة الفرس أن المجتمع اليوناني ~~بأكمله تربطه صلة الدم الواحد واللسان الواحد. # هيرودوت # من شأن التعريب أن يقوي الشعور بالانتماء والنخوة القومية، ويعزز الثقة بالنفس ~~والاعتزاز بالهوية. يقول د. كمال بشر: «ليس من المقبول شكلا وموضوعا أن يظل العلم (أو ~~بعض فروعه) في البلاد العربية أسيرا للغات أجنبية تفكيرا وتناولا وتحصيلا حتى هذه ~~اللحظة، ذلك أن إيثار اللغات الأجنبية على لغتنا القومية فيه تقليل لشأنها وإضعاف ~~لمنزلتها بين الناس، وربما يؤدي ذلك في النهاية إلى خلق جو علمي ثقافي مضطرب لا هو ~~إلى الأجنبي ينتمي، ولا إلى العروبة ينتسب، وإنما هو جو فاقد الهوية مشتت السمات ~~مشرد القسمات، ليس له حدود ضابطة ولا أصول ثابتة، وهذا هو الضياع القومي والانهيار ~~الفكري الذي ينذر بمحو روح الانتماء التي تعد اللغة قطبها الذي يتجمع وتتمثل فيه كل ~~القيم والمثل وأنماط السلوك الفارقة بين قوم وقوم والمميزة لأمة عن أخرى.» # 3 # ويقول د. محمود فوزي المناوي: «... وتعليم أجنبي بلغة يزهو بها أصحابها وتزيد من تغريب ~~شبابنا وعدم انتمائه. إن العرب يعيشون الآن مرحلة العولمة وهم يعانون الضعف والوهن ~~الواضح، إننا أمام تحد خطير، فنحن في الوقت الذي نتطلع فيه إلى المستقبل بأمل ~~المشاركة الفعالة في الحضارة الإنسانية نضع أيدينا على قلوبنا خشية ضياع هويتنا، والخوف ~~كل الخوف من عدم استعمال الأسلوب العلمي في مواجهة العولمة، وأن يكون رد الفعل عندنا ~~يفتقر إلى العقلانية فيتحه إما إلى تطرف يتبنى الثقافة الغربية (التغريب) أو ms152 تطرف ~~ينحو نحو الانغلاق ورفض التعامل، وكلاهما كارثتان محققتان.» # 4 # تلك أصداء معاصرة لنذر تاريخية أقدم: يقول ابن حزم في «الإحكام»: «وأما من تلفت ~~دولتهم وغلب عليهم عدوهم، واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم، فمضمون منهم ~~موت الخواطر، وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم.» # 5 # وفي «المقدمة» يقول ابن خلدون: «... وربما بقيت اللغة العربية المضرية بمصر ~~والشام والأندلس بالمغرب لبقاء الدين طلبا لها، فانحفظت بعض الشيء، وأما في ممالك ~~العراق وما وراءه فلم يبق له أثر ولا عين، حتى إن كتب العلوم # 6 # صارت تكتب باللسان العجمي، وكذا تدريسه في المجالس.» # 7 # مهددون نحن بالذوبان في عصر العولمة إذا لم نحكم قبضتنا على جمرة ~~اللغة. # لم يعد الاحتلال احتلال أرض أو موارد مادية، إذن لكان الخلاص منه أيسر بما لا ~~يقاس، الاحتلال اليوم هو احتلال العقل، احتلال الوعي، يتأتى بالمعلومة وبالمخترع ~~وباللغة، ولا يتم الاحتلال اليوم بالقهر والإرغام، وإنما بالرضا والوفاق وطيب الخاطر، ~~وربما برغبة من المهزوم ولهفة وولوع. لم تعد كلمة «محتل» اسم فاعل بل اسم مفعول. ~~يذكرنا هذا الاحتلال الجديد بقصر اللابرنت الذي صنعه ديدالوس لمينوس ملك كريت، ومن ~~خصائصه أن من دخله لا يستطيع أن يجد منه مخرجا. في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد، يقول ~~ديدالوس مخاطبا ثيسيوس: «وقد قدرت أن ليس هناك سجن يستطيع أن يمتنع على رغبة ~~السجين في الفرار، وأن ليس هناك أسوار ولا خنادق تستعصي على الجراءة والعزم، فرأيت أن ~~الخير أن أقيم البناء وأنظمه بحيث لا يكون معجزا لساكنه عن الهرب بل مانعا له من ~~التفكير في الهرب، فجمعت في هذا البناء ما يستجيب لشهوات الناس على اختلافها ... وكان يجب ~~أيضا بل قبل كل شيء أن أضعف إرادتهم ... فاتخذت مواقد لا تخمد نارها في ليل أو في نهار ~~... والأبخرة التي تصاعد منها لا تنيم الإرادة وحدها، ولكنها تشيع سكرا خلابا، وتدفع ~~إلى فنون من الخطأ المغري، وإلى ضروب من النشاط الفارغ ... ولكن أشد من هذا كله غرابة أن ~~هذه العطور إذا استنشقها الإنسان ms153 حينا لم يستطع أن يستغني عنها؛ لأن الجسم والعقل قد ~~اتخذ منها متاعا لا قيمة بإزائه للحياة الواقعة ولا رغبة في العودة إليها، وإنما هو ~~البقاء المتصل باللابرنت.» # 8 # هذا هو حالنا اليوم في سجن العولمة، وفي لابرنت التبعية الاختيارية، والتنفج # 9 # والاستهلاك والتغريب. # كان غاندي يولي أهمية عظمى لقضية اللغة الوطنية، وينظر إليها باعتبارها رمزا ~~سياسيا، «وكان مما أعلنه غاندي عام 1920 أن الأمة قد عانت كثيرا من استخدام اللغة ~~الإنجليزية؛ مما حرم الأجيال من اكتساب الخبرات المتراكمة بلغة وطنية، وضرب غاندي مثلا ~~باليابان التي لا توجد بها لغة أجنبية تحل محل اللغة الوطنية في البحث والتعليم؛ مما ~~مكنها من تقديم كل شيء منافس للغربيين بلغتهم اليابانية، وقد تطلب منهم ذلك ترجمة ~~المفيد إلى اللغة الوطنية فحولوا التراث الغربي بذلك إلى تراث وطني.» # 10 # ومن نكد الدنيا على الحر أن يعظه خصمه، ويهديه عدوه سبل الرشاد: فها هي اللغة ~~العبرية تكشف إصداراتها من الكتب عن اعتزاز باللغة الوطنية: فمن بين 1147 عنوانا طبعت ~~عام 86 - 87 ظهر 84٪ منها ابتداء بالعبرية، و16٪ ترجمة إلى العبرية، دون إصدار شيء ~~بلغة أخرى. # 11 ~~«لم تحقق اللغة العبرية ما حققته من مكانة عن طريق القسر أو الضغط أو ~~الإكراه من أفراد أو مؤسسات، وإنما قامت من مرقدها، ودبت فيها الحياة في الأعوام ~~الأخيرة لتكون اللغة الوطنية لإسرائيل نتيجة لتنامي الشعور الوطني، والإرادة الجماعية ~~لليهود سواء المتكلمون منهم باللغة العبرية أو المتكلمون بغيرها من المهاجرين الجدد، ~~والاعتزاز بالذات من أفراد المجتمع الذي يستخدمها. وما يلفت النظر في التجربة اليهودية ~~السرعة المذهلة في تنفيذها، وفاعليتها وشمولها بدرجة جعلت هذه اللغة شبه الميتة - في ~~وقت قصير لا يزيد على مائة سنة - هي لغة الحياة، ووسيلة الاتصال داخل الدولة الحديثة، ~~ووافية بالمراد لكل الأفراد من كل الجنسيات، ولجميع الأغراض، سواء كانت اجتماعية أو ~~تقنية في مجتمع متقدم. وقد تم إحياء اللغة العبرية من خلال إرادة جماعة المتكلمين بها، ~~وليس من خلال القرارات المجمعية (أنشئت أكاديمية اللغة العبرية ms154 في إسرائيل عام 1953)، ~~أو المراسيم الحكومية، أو سياسة الأمر الواقع. وحين كانت اللغة العبرية تصادف بعض ~~المقاومة، كان الانتصار لها يأتي من الأفراد، ومن ضغط الرأي العام الذي يتحيز للغة ~~العبرية، ويعتبرها جزءا أساسيا من كيانه ووجوده، وقد حدث هذا عند إنشاء «معهد ~~التكنولوجيا» في حيفا، فقد ثار جدل حول استخدام اللغة الألمانية في البحث والتدريس ~~فيه، ولكن انتصرت اللغة العبرية لا بتشريع، ولا بقوة قانون، ولكن بقوة الضغط الجماهيري، ~~وبخاصة ضغط «اتحاد المعلمين».» # 12 # يخلص د. يحيى الرخاوي في مقاله «اللغة العربية وتشكيل الوعي القومي» إلى أن «لسان كل ~~أمة هو تاريخها الحيوي المتراكم في عمق وجودها الآني، ولغتها بالتالي هي منطلق معارفها ~~في مجال ما هو ظاهرة بشرية معرفية/وجدانية. إن اللغة الأصل (اللغة العربية هنا) في ~~حركيتها الموحية، لا تميز لساننا فحسب، بل تسهم بفاعلية أولية في تحديد طريقة تواجدنا ~~في الحياة، وطريقة منهجنا للمعرفة، وطريقة تشكيلنا للوعي. إن اللغة الأصل هي المسئولة، ~~من واقع صحتها وحركيتها، عن الإسهام الحقيقي في إبداع متميز لأي مجموعة من البشر. إن ~~اللغة العربية، بإيحاءاتها المنهجية يمكن أن تحتل مركزها المحوري في أي محاولة للتعرف ~~على حركية نمونا وإمكانية بعثنا، وبالتالي تصبح البدايات منها (لا مجرد الترجمة إليها) ~~هي أكبر إلزام مفروض على ضمائرنا ومحرك لفعل معرفتنا، وعلينا أن نتوقع إذا أحسنا ~~استلهامها أن تقف في مواجهة اللغات الأخرى والمناهج الأخرى، في حوار حضاري يعود على ~~الجميع بالتكامل المحتمل بل الحتمي.» # 13 # في كتابه «الشعرية العربية» يقول أدونيس: «والمشكلة هنا هي أن هذه اللغة التي ينظر ~~إليها بوصفها جوهر الكائن العربي، تبدو في الممارسة العملية ركاما من الألفاظ: هذا لا ~~يتقنها، وذاك يهجرها إلى لغة أخرى عامية أو أجنبية، وذلك لا يعرف أن يستخدمها ~~إبداعيا، فكأنها «مستودع» ضخم، ينفر منه بشكل أو آخر، بحجة أو أخرى، كل من يدخل ~~إليه ويغترف حاجته منه، فهناك مسافة بينها وبين من ينطق بها. وهذا يعني أن ما كان ~~غاية يبدو الآن مجرد وسيلة، وكيف يمكن ms155 التوفيق بين ماض يجعل من اللغة جوهر الإنسان، ~~وحاضر لا يرى فيها إلا أداة، ولا يتردد في الدعوة إلى تغيير بنائها، وإحلال العاميات ~~محلها؟ وإذا تذكرنا صلتها في الوعي العربي الأصلي بالمقدس، وتحديدا بالقرآن - أفلا نرى ~~أن في جهلها أو الدعوة إلى تغيير بنائها وإحلال العاميات محلها، نوعا من القول بوعي ~~آخر وهوية مغايرة؟» # 14 ~~(2) التعريب ضرورة علمية # كذلك لغة المرء هي الأقرب إليه؛ لأنها الألصق به إذ هي اللغة التي تحضر وحدها، ~~وقبل كل الأخريات، في عقله. # دانتي: المأدبة # إني لأعجب لمن يريد أن يتضلع في الفلسفة والعلم وهو لا يعرف العربية. # روجر بيكون (القرن 13) # إن التعليم بلغة أجنبية لا تحصل منه الفائدة المنشودة، ولا ينتج عنه توطين العلم ~~أو تعميم نفعه. # كلوت بك # من الحقائق المقررة في العلم # 15 # نفسه أن التعليم المثالي ينبغي أن يكون باللغة الأم؛ اللغة التي تشكل بها ~~العقل وصبت بها مقولات الفهم؛ وذلك لكي يكتمل الفهم والاستيعاب، والهضم والتمثل، ~~بدقة وسهولة واقتصاد ذهني، وحتى تعمل ملكة التحليل والجدل والنقد والتساؤل في أعلى ~~مستوى لها، وحتى يمكن إحالة المادة المدروسة إلى الكيان العضوي للمرء بما يسمح بالإضافة ~~إليها والإبداع فيها، تقول الأستاذة ليلى الشربيني الباحثة في معهد الإحصاء في اللغويات ~~الكمية، جامعة القاهرة: «اللغة هي نظام الترميز داخل الذاكرة، وهي التي تعطي بنية داخل ~~الذهن البشري، والإبداع هو إعادة تنظيم المعلومات داخل الذاكرة. نخلص من ذلك إلى أن من ~~يملك لغته امتلاكا جيدا تتاح له فرصة الإبداع حيث هي أول من ولد في ذهنه نظاما له بنية.» # 16 # وقد قام عدد من خبراء منظمة اليونسكو بإعداد تقرير شامل عن قضية استخدام اللغات ~~الوطنية في التعليم، يوصي باستخدام اللغة الأم في التعليم لأعلى مرحلة ممكنة، وشدد ~~التقرير على ضرورة تعليم التلاميذ في المراحل المدرسية الأولى بلغتهم الوطنية؛ لأنهم ~~يفهمون تلك اللغة ويتقنونها أكثر من غيرها. يقول د. عبد الحافظ حلمي العميد الأسبق ~~لكلية العلوم بجامعة عين شمس ورئيس الجمعية المصرية لتعريب العلوم وعضو مجمع اللغة ms156 ~~العربية: «إن تعريب لغة العلوم في بلادنا تعليما وتثقيفا قضية بالغة الخطر، وتنبع ~~أهميتها من الدور الجوهري الذي يؤديه العلم واللغة في حياة الأفراد والأمم. والدعوة ~~لتعريب العلوم مطلب قومي، والدافع لذلك أمران: «ضرورات ملزمة» و«منافع مؤكدة» ويقف في ~~سبيلهما «اعتراضات مفندة» و«تسويفات مفتعلة». ويشير د. عبد الحافظ حلمي إلى أن ~~المشكلة في العالم العربي في المعاهد والجامعات التي ما زال العلم يدرس فيها بلغات ~~أجنبية، وهذا يؤثر سلبيا على المستوى العلمي للطلاب فنجدهم في مواقف النقاش العلمي ~~ملجمي اللسان ومحجمين عن السؤال والجواب، هذا في الوقت الذي نجد فيه مزايا متعددة حين ~~نعلم أبناءنا باللغة العربية، كما تفعل أمم أخرى حين تعلم أبناءها بلغتها الأصلية، ~~ومن هذه المزايا جعل عملية التعليم عند الطالب أقرب إلى التمثيل البيولوجي الصحيح ~~للغذاء، ويحيل العلم جزءا من صحيح بنائه الذهني، له آثار أبقى وأقوى وأعمق، فتتجمع ~~عنده أدوات المقدرة على التحليل والمناقشة والنقد والفهم الدقيق، وكذلك يصبح تعلم العلم ~~عنده معرفة وثقافة، فضلا عن كونه تخصصا أو مهنة، ومن تعلم بالعربية سوف يكون قادرا ~~على أن يعلم بالعربية ويمارس عمله ويفكر بها.» # 17 # وخير مثال على ما نقول: تجربة اليابان في ترجمة العلوم إلى اليابانية وتعليمها العلم ~~بلغتها الوطنية، لقد بدأت اليابان نهضتها في القرن التاسع عشر، بعدنا بعدة عقود، ~~واستطاعت أن تحدث طفرة صناعية كبرى خلال نصف قرن، واستطاعت بعد الحرب العالمية الثانية ~~أن تقوم من كبوتها في زمن قياسي، ذلك أن اليابان وضعت بين أيدي عمالها وفنييها أحدث ~~النظريات التطبيقية في الصناعة الأمريكية والأوروبية بلغتهم القومية. جاء في تقرير ~~المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام 2004: «إن الموازنة بين بداية التعليم ~~العالي والنهضة الحديثة في مصر في عهد محمد علي، وبين المحاولات التي كانت تترسم خطاها ~~في اليابان لهي موازنة ذات مغزى عميق لمن يتدبرها، ولا شك أن العامل الأساسي الذي ~~ساعد اليابان على أن ترقى بصناعتها في خلال نصف قرن هو أنها وضعت أحدث النظريات ~~التطبيقية في الصناعة الأمريكية والأوروبية بين ms157 أيدي العمال والفنيين في اليابان بلغتهم القومية.» # 18 # وللدكتور عبد الملك عبد الرحمن أبو عوف تجربة تستحق التسجيل، فقد اضطر عندما انتدب ~~إلى جامعة دمشق أن يدرس الكيمياء العضوية باللغة العربية، فاستطاع أن يفعل ذلك بعد ~~أسابيع، ثم قارن بين عمله في القاهرة وفي دمشق في قوله: «وما أحب أن أركز عليه ... هو حسن ~~النتائج التي أحرزها الطلاب مقارنة بنتائج كلية الصيدلة بالقاهرة، وضخامة التحصيل وحسن ~~الاستيعاب الذي توصلوا إليه؛ لأن الطالب هناك كان يفهم دقائق الموضوع؛ مما كان يتيح له ~~فرصة استيعاب قدر أكبر من معلومات المادة المعطاة، فتفهم الطالب للغة المحاضرة والشرح ~~كان يعفيه من بذل مجهود مضاعف ينصرف نصفه لفهم اللغة والتعرف على المفردات الصعبة في ~~اللغة الجنبية التي يدرس بها، وذلك مهما تحرز المحاضر وتبسط، وينصرف النصف الآخر من ~~الجهد لاستيعاب المادة نفسها، فضلا عما يعتري ذهن الطالب أحيانا من غموض في المعنى ~~أو نقص فيه، يختل معه بناء المعلومات أو تنقل إليه بغير الصورة المقصودة من المحاضر ~~والمتفقة مع حقائق العلم الذي يدرسه الطالب. ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يتعداه إلى قطع ~~الصلة بين الأستاذ والطالب، فإن كثيرا من الطلبة يخشون ألا يستطيعوا التعبير عما ~~يريدون أمام أساتذتهم وزملائهم، فيمتنعون عن السؤال والمناقشة، ولو كانت العربية أداة ~~التعليم ما وقع هذا، ويزيد هذا الأمر سوءا الأعداد الغفيرة التي تمتلئ بها الجامعات ~~العربية، وتجعل التفاهم بلغة أجنبية قريبا من المحال.» # 19 ~~(2-1) اللغة الأجنبية تشجع الحفظ دون الفهم # تتساءل الأستاذة مديحة دوس أستاذة اللغة الفرنسية: «كيف يمكن لطفل في السادسة أو ~~السابعة من عمره أن يحصل على معلومات علمية بلغة أجنبية لم يكن قد اكتسبها بعد؟ هل ~~يمكن أن يصل إلى المعلومات فهمه وإدراكه من خلال لغة لا يملك منها إلا عناصرها ~~الأولية؟ أظن أن الرد هو بالطبع لا، ونتيجة لذلك فلم يعد أمام التلميذ سوى حل ~~واحد: هو الحفظ والاعتماد على الذاكرة في تعامله مع المواد العلمية، ومن هنا يلجأ ~~التلميذ إلى وسيلة الحفظ ms158 كحل وحيد. وقد أشار كل من اهتم بأمور التعليم وكل من ~~شارك في محاولات تقييمه إلى التعارض بين تنمية مهارات النقد والتحليل من ناحية ~~وعادة الحفظ أو الاستظهار من جهة أخرى. ثمة خطورة أخرى لعادة الاستظهار، وهي خلق ~~عقلية شفاهية عند التلميذ، وعند المجتمع بدرجة ما.» # 20 # وقد جاء في تقرير المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب والإعلام 2004 أن ~~«المناداة بأن تكون اللغة العربية لغة تلقي العلوم في المرحلة الجامعية الأولى ليس ~~مبعثه نعرة قومية أو اعتزازا باللغة العربية وغيرة عليها - وهي جديرة بهما ولا ~~ريب - وإنما هو استجابة لضرورات ملزمة يكابدها المعلمون والمتعلمون، وليست خيارا ~~يجوز تركه، فالكثرة الغالبة من طلاب الجامعات المصرية قد أصبحت - منذ عقود - بعيدة ~~كل البعد عن التمكن من اللغة الإنجليزية؛ ولذلك يضطر الأستاذ المحاضر إلى صرف جزء ~~كبير من وقت المحاضرة في تفسير ألفاظ وتراكيب إنجليزية عادية، وإلى اللجوء إلى ~~الشرح والتعليق باللغة العربية - أو بالأحرى العامية - مضمنا كلامه عددا من ~~الألفاظ المفككة والجمل البتراء باللغة الإنجليزية، ومتجنبا على قدر الإمكان ~~الألفاظ والعبارات الدقيقة، ويعلم الطالب أن المذكرة الرديئة الطباعة والإعداد، ~~أو الكتاب المدرسي المقرر - إن وجدا - ستعصيان عليه، فيلهث وراء المحاضر محاولا ~~تسجيل كل كلمة يتسقطها منه، في بنيان غير محكم، ولأنه يدرك أيضا عجزه الكامل ~~عن طلاقة التعبير باللغة الإنجليزية، يلجأ إلى استظهار ما دونه أو قرأه - على ~~علاته - استظهارا دون فهم حقيقي أو استيعاب عميق، وهكذا حين ينبغي للطالب ~~الجامعي أن يحلق ببصره إلى آفاق واسعة، ويتعمق في أغوار بعيدة، نجد اللغة ~~الإنجليزية قيدا محددا لأبعاد دراسته كما وكيفا، ومهددا التعليم الجامعي ~~بالضحالة وعدم الدقة. هذا عن أثر اللغة الإنجليزية على التحصيل والاستيعاب، أما عن ~~وظيفة اللغة الإنجليزية من حيث اكتساب الطالب مقدرة التعبير البين الصحيح ~~والمحاجة وتقليب الآراء، وإعمال الفكر، فيتجلى كونها قيدا على الطالب - في هذا كله ~~- حين نجد الطالب ملجم اللسان يعجز عن النقاش ويحجم عن الاستفسار أو الإجابة.» # 21 ~~«واللغة ليست أمرا ثانويا في حياة الإنسان، أو ms159 مجرد أداة تواصل في مجتمعه، بل ~~هي قوام فكره وخياله ووجدانه، وصيغة قيمه وعقائده، ودراسة العلوم بلغة أجنبية تضفي ~~هذا الوصف (الأجنبي) على العلوم نفسها، فما يحس الطالب إحساسا عميقا بأنها شيء ~~ينتمي إليه أو إلى بني قومه، بل إنها أقحمت على ذاكرته وفكره إقحاما، فآثارها ~~سرعان ما تزول، وحتى إذا احتاج الخريج إلى استعمال ما تعلم استعمله فنيا ~~ومهنيا، ولا يكون العلم والأسلوب العلمي جزءا عضويا من كيانه الفكري والسلوكي.» # 22 ~~«ومما يساق من الاعتراضات أن الإنجليزية تتخذ لغة لتدريس العلوم لأنها توفر ~~لقارئها مددا غنيا من المراجع، فضلا عن مصادر المعلومات الأخرى. ولكننا إذا ~~تأملنا واقع الحال وجدنا أن اللغة الإنجليزية تصبح - لقدرة الطالب المحدودة فيها - ~~أغلالا يرسف فيها الطالب مقيدا في متن واحد ضيق، حاول أستاذه جاهدا أن ~~يذلله له، ولا تمكنه قدراته اللغوية من ارتياد سواه، وعلى نقيض ذلك تماما لن ~~تكون اللغة عائقا أمامه للاستزادة من مراجع متعددة باللغة العربية لو أنه تعلم بها.» # 23 ~~(2-2) شهادة التاريخ للعربية # لقد سجل التاريخ للعربية كفاءتها التامة للوفاء بمتطلبات العلم والحضارة، ~~ولدينا شاهدا عدل فوق مظنة التحيز، أولهما الدكتور # G. A. ~~Russell ~~(1981) الأستاذ بمعهد ولكوم لتاريخ الطب في لندن، في ~~معجم حديث لتاريخ العلوم باللغة الإنجليزية. فبعد أن استعرض الأستاذ المعالم ~~الجوهرية للعلم الإسلامي قال ما ترجمته: «... وكانت العربية هي أداة هذا النشاط ~~العلمي كله، فلما كانت اللغة العربية لغة القرآن أصبح لها أهمية خاصة في الإسلام، ~~بيد أن طبيعة اللغة العربية نفسها هي التي قامت بالدور الحاسم، فمرونتها الرائعة قد ~~مكنت المترجمين من دمغ مفردات محكمة دقيقة للمصطلحات العلمية والتكنولوجية أو ~~ابتكارها، وهكذا اتخذت لغة الشعر اللغة العالمية للعلم والحضارة» ~~( # p. 215 ~~) 215)، وأما الشهادة الثانية فهي شهادة # Stephen Gaukroger # الأستاذ بكلية الفلسفة ~~بجامعة سيدني في مجلة # Metascience # إذ يصدر عرضه ~~لموسوعة عن العلم العربي صدرت في لندن عام 1996 بقوله: «كانت اللغة العربية لغة ~~العلم من القرن التاسع حتى نهاية القرن الحادي عشر، بمعنى أنها كانت ms160 اللغة العالمية ~~لعلماء المسلمين من سمرقند إلى غرناطة، أيا كانت لغاتهم الأصلية، وبمعنى أن ~~الحضارة العربية كانت مستودع العلم الكلاسيكي والمبتكرات العلمية المعاصرة في ذلك ~~الزمان.» يقول د. عبد الحافظ حلمي: «ولي تحفظ على مدى الزمن الذي أشار إليه ~~الأستاذ، فكثير من مؤرخي العلم يبدءونه من القرن الثامن ويمدونه حتى نهاية القرن ~~الخامس عشر الذي ظهر فيه ابن خلدون.» # 24 ~~(2-3) تحفظ د. فؤاد زكريا # في كتابه «خطاب إلى العقل العربي» يسجل د. فؤاد زكريا بعض التحفظات الوجيهة تجاه ~~مسألة التعريب، ويكشف عن الصعوبات التي تقف في طريقها، وينوه إلى الخطأ الكبير في ~~تشبيه حركة التعريب المعاصر بنظيرتها التي تمت في العصر العباسي، ويحذر من ~~التأثيرات العكسية التي يمكن أن يفضي إليها التعريب في ظروف التراجع والانهزام التي ~~نمر بها في الزمن الراهن. يقول د. فؤاد زكريا: «أول ما تنبغي ملاحظته، في صدر ~~المقارنة بين الحركتين القديمة والحديثة، أن الأولى كانت لنتاج ثقافي ينتمي إلى ~~حضارة كانت قد توقفت عن العطاء في الوقت الذي اهتدت فيه الثقافة العربية إليها ... ~~أما اتصالنا المعاصر بالحضارة الغربية وسعينا إلى تعريب نواتجها، فهو اتصال بحضارة ~~دائمة التغير، تتخذ في كل يوم موقعا جديدا، وتفاجئنا دائما بتحولات وثورات غير ~~متوقعة في ميادين العلم والفكر والأدب. وهكذا انقلبت الأدوار اليوم، فأصبحنا نحن ~~أصحاب التراث المحدد الذي توقف منذ وقت طويل عن التجدد والعطاء، وأصبحوا هم أصحاب ~~الثقافة المتوثبة الطموح، التي لا تظل لحظة واحدة في موقع ثابت. ويترتب على هذا ~~اختلاف آخر أساسي بين الحالتين: فقد حدثت حركة التعريب القديمة في إطار تفوق عربي ~~شامل، كانت فيه الشعوب التي نقلنا ثقافتها قد تدهورت، ولم يكن واحد منها ندا ~~للأمة العربية التي كانت صاحبة الكلمة العليا في تلك المرحلة من تاريخها، ولا جدال ~~في أن حركة التعريب التي تتم في ظل السيادة والتفوق تختلف كل الاختلاف عن تلك التي ~~تتم في ظروف التراجع والانهزام، وهي الظروف التي تميز موقفنا الراهن إزاء الحضارة ~~الغربية. هذه الأوضاع تشكل فوراق ms161 هامة ينبغي أن نعمل حسابها قبل أن نتسرع بتشبيه ~~حركة التعريب في أيامنا هذه بنظيرتها في عهد الخليفة المأمون. ففي عصرنا الراهن ~~يصنع التقدم العلمي والفكري عندهم، لا عندنا، وتظهر الكتابات والأبحاث التي تقف في ~~الصف الأول من إنتاج العقل البشري في بلادهم لا في بلادنا، وتظهر بلغاتهم لا ~~بلغتنا، وهذه الحقيقة البسيطة، والأليمة في نفس الوقت تضفي على حركة التعريب في ~~عصرنا الراهن سمات ينبغي أن نواجهها بصراحة وشجاعة؛ ذلك لأنها تفرض على التعريب ~~حدودا لا يستطيع أن يتعداها، فإذا كان التعريب على مستوى التعليم العام، وربما على ~~مستوى التعليم الجامعي أيضا، ضرورة قومية، فإنه لا يستطيع أن يمتد إلى المستويات ~~العليا من البحث العلمي المتخصص؛ وذلك لأنه من المستحيل عمليا تعريب ذلك الفيض ~~الهائل من الأبحاث التي تنتجها الدول المتقدمة علميا بمعدل متزايد، ومن ثم يتعين ~~على من يريد متابعة أعلى صور التقدم في ميدان تخصصه أن يقرأ ما يكتب بلغة أخرى غير ~~العربية. وفضلا عن ذلك فإن الفجوة بيننا وبينهم، في ظل أوضاعنا المتردية الراهنة، ~~تزداد اتساعا على الدوام، وفي كل عام يتدفق كم هائل من التعبيرات والمصطلحات ~~الجديدة، وتطرق ميادين لم تكن معروفة من قبل، وتتراكم خبرات لم نكتسبها وتجارب لم ~~نعشها. كل ذلك يضع أمام حركة التعريب صعوبات عملية ونظرية يكاد يكون من المستحيل ~~التغلب عليها ... وهكذا أصبحنا الآن نعيش في ظل أوضاع ثقافية تحتم علينا أن ندقق ~~ونعيد النظر في المفاهيم التي اعتدنا أن نتداولها على ألسنتنا، وأعني بها أن ~~التعريب هو في كل الأحوال طريقنا إلى خلق ثقافة قومية متميزة؛ ذلك لأن أمورا ~~كثيرة تتوقف على الجو العقلي والثقافي الذي يتم فيه التعريب، ففي كثير من الأحيان ~~قد يؤدي التعريب، إذا ما حدث في إطار من التدهور الثقافي، إلى مزيد من الاعتماد ~~على الثقافات الأجنبية، وأيا كان الأمر، فليس من الحكمة أن نسارع إلى تشبيه حركة ~~التعريب في عصرنا الراهن بما حدث في فترة ازدهار الحضارة العربية، وإنما ينبغي ~~علينا أن نضع حركة ms162 التعريب المعاصرة في إطارها الخاص، ونتنبه إلى الظروف المميزة ~~التي تتسم بها هذه الحركة، والتي تضع عقبات كأداء أمام تحقق الهدف المنشود ~~للتعريب، وأعني به خلق ثقافة قومية أصيلة.» # 25 # ليس من الحكمة أن نستهين بهذه المحاذير، ومن الحصافة أن نأخذها بعين الاعتبار وأن ~~نتركها تتفاعل جدليا مع دعوى التعريب، فنخلص إلى جماع رأي أقرب إلى الرشد بسطه د. ~~محمود محفوظ حين ألح على ضرورة إتقان اللغة الأجنبية و«التعلم» بها. يقول د. ~~محفوظ: إن العلوم ثابتة الأصل تنتقل بلغة ناقلها ومستخدمها؛ فالطب في الصين باللغة ~~الصينية وفي ألمانيا بالألمانية وفي فرنسا بالفرنسية، وهذا ما يعرف ب «التعليم»، ~~إنما التقدم العلمي هو الذي يتطلب القدرة والتمكن من لغة أجنبية شائعة في ربوع ~~المعرفة العلمية، فكما كانت العربية هي الشائعة في العصر الوسيط، واللاتينية في عصر ~~النهضة، فإن الإنجليزية هي الشائعة في عالمنا المعاصر، وعن طريق التمكن من اللغة ~~الأجنبية تأتي القدرة على استيعاب المعرفة والمعلومات، وسرعة نقلها من اللغة ~~الأجنبية إلى اللغة الوطنية، وهو ما يعرف ب «التعلم». على ذلك يكون «التعليم» ~~باللغة الأم، وأما «التعلم» والتقدم العلمي والتكنولوجي فيكون بالتمكن من اللغة ~~الأجنبية نطقا وكتابة؛ لأن الاطلاع على المراجع الأجنبية لا يتحقق بغيرها. # 26 # ومن الحجج الرئيسية التي يستند إليها مناهضو التعريب ضخامة المادة العلمية ~~الوافدة، والانفجار المعرفي، وسرعة تدفق المعلومات العلمية الجديدة وغزارتها، بحيث ~~تجعل من المستحيل ملاحقتها واستيعابها باللغة الأم. والحق أن مقدمة ~~(Premise) # هؤلاء، على صدقها، لا تفضي إلى ~~النتيجة # Conclusion # التي خلصوا إليها، وربما ~~كان العكس أقرب إلى الصواب! يقول د. نبيل علي، خبير المعلوماتية، «تزداد أهمية ~~تعريب العلوم مع تضخم المادة العلمية، حيث تساعد اللغة الأم على زيادة معدل ~~الاستيعاب ورسوخ المفاهيم.» # 27 ~~(بشرط تنشيط الترجمة بجميع مستوياتها وطرائقها). # ومن جانب آخر فإن اكتساب المتخصصين لمعارفهم بلغات أجنبية دون رابط من اللغة ~~الأم، يجعل من الصعوبة بمكان إقامة حوار بينهم، وهو الوضع الذي يتناقض في جوهره مع ~~تزايد النزعة الاندماجية لفروع العلوم المختلفة وانهيار كثير ms163 من الحواجز المنهجية ~~التي تفصل بينها (وميلاد الكثير من الأفرع التكاملية البينية # Interdisciplinary # وتزايد أهميتها)، وهو ما أدى بدوره إلى ~~الانتقال من تربية قائمة على التخصص الضيق إلى تربية تسعى إلى تنوع المعارف ~~والمهارات. وقد جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2003 أن قضية تعريب التعليم ~~العالي لم تعد قضية قومية فقط، وإنما باتت شرطا أساسيا لتنمية أدوات التفكير ~~وتنمية القدرات الذهنية والملكات الإبداعية، فضلا عن استيعاب المعرفة المتسارعة ~~المتجددة؛ لذا فإن عدم التسارع في تعريب العلوم يمثل عقبة أساسية في طريق إقامة ~~جسور التواصل بين التخصصات العلمية المختلفة، ذلك أن اللغة هي «رابطة العقد» في ~~منظومة المعرفة الإنسانية. # وكما تكون اللغة واسطة العقد أفقيا بين التخصصات المختلفة، فإنها واسطة العقد ~~بين مختلف المستويات العاملة في التخصص الواحد: بين العامل والفني والتكنولوجي ~~والمهندس، أو بين الفنيين الصحيين والممرضين والأطباء ... إلخ. ~~(2-4) المصطلحات ليست مشكلة ~~«ينغلق المصطلح على حاله ويتدرع بأقواسه؛ لكي يضمن ثباته في كل سياق، ويتفادى ~~ما في اللغة الطبيعية من غموض وتلون وتحول وسيولة.» # الانفجار المعرفي إذن هو شيء أدعى إلى التعريب، يعزز من ذلك أن المصطلحات ~~العلمية ليست هي المشكلة، فالمصطلحات هي: # قوالب لفظية متواضع عليها لكي تستوعب معاني محددة. # تنحو إلى التركيز والترميز لا إلى الحشو والإطناب المضادين للغة ~~العلوم. # نوعية في دقتها وترميزها، أي من طراز رياضي. # تواضعية صرف، للعلماء كامل الحرية في وضعها. # لا يعدو المصطلح أن يكون عنوانا أو رمزا لفكرة شاملة أو صورة ~~مملوءة بالتفاصيل التي لا يعبر عنها المعنى الحرفي إلا لماما، وقد ~~يتجاوز المصطلح معناه الحرفي تماما، على أن خاصة التواضع فيه تحول دون ~~الخلاف حوله ومن هنا قال القدماء: «لا مشاحة # 28 # في المصطلح.» # تحتاج إلى الشرح ولو كانت عربية. # عالمية مشاع بين الأمم على اختلاف لغاتها. # اصطناعية بالأساس، ولا شأن لها بالوساد اللغوي الطبيعي الذي ~~يحتويها. # من الممكن إذن، إذا فشلت الترجمة والتوليد والنحت، أن نعرب المصطلح، أي نجعله ~~عربيا بإخضاعه لمقتضيات العربية الصوتية والصرفية، ومن الممكن حتى ms164 إبقاؤه باللغة ~~التي وضع بها حتى يتم (أو لا يتم) الاتفاق على مقابل له بالعربية، فلا حياة للمصطلح ~~بدون استعماله، والمصطلح أيا كانت لغته ليس هو جوهر المشكلة وإنما المشكلة هي ~~اللغة من حيث هي وسيلة الطالب في التلقي والاستيعاب والتعبير، بل وفي التفكير ~~والتصور، والنص العلمي ليس مجموعة من المصطلحات بل هو وصف وشرح وعرض وتحليل تتخللها ~~المصطلحات، ولسنا في هذا الأمر بدعا بين الأمم؛ فإن روسيا تأخذ المصطلحات الغربية ~~وتكتبها بحروف سلافية، والصين تأخذ مصطلحات الفريقين وتكتبها بحروف صينية، ولا ننس ~~أن أسلافنا العرب في العصر العباسي عند بدء تعريبهم العلوم اليونانية القديمة ~~استعلموا الكثير من المصطلحات اليونانية كما هي فقالوا: قاطيغورياس، إيساغوجي، ~~طوبيقا، أنالوطيقا، أريتيميتي، الدوسانتر، المالينخوليا، الديابيطس ... إلخ. لم يكن ~~السلف في صعودهم يعانون عقدة النقاوة اللغوية؛ فأقبلوا بثقة على تعريب المصطلحات ~~التي تعذرت ترجمتها بمقابل عربي دقيق من السريانية والإغريقية والفارسية. ومن ~~المعلوم أن ابن سينا قد عرب ثلث المصطلحات التي استخدمها في الفلسفة ~~والطب. # للأستاذ محمد علي زيد، الرئيس السابق لشعبة الترجمة العربية باليونسكو، خبرة خاصة ~~بهذه المسألة يليق بنا أن نفيد منها. يقول سيادته: «ومن تجربتي في الترجمة على مدى ~~أكثر من أربعين عاما، أسجل هنا أن الترجمة الدقيقة تقتضي من المترجم في أحوال ~~كثرة أن يتبنى اللفظ الأجنبي بحروف عربية، وإلا اضطر إلى مقابلة اللفظ الواحد ~~بعبارة طويلة عديدة الكلمات فيما يمكن تسميته ب «الترجمة التفسيرية» التي يندر أن ~~يسمح بها السياق، في حين أن تبني اللفظ نفسه - مع شرح مدلوله في هامش مرة أو مرتين ~~- يحل المشكلة ويثري اللغة.» # 29 # ومنذ زمن مبكر (1945) عرض الأستاذ سلامة موسى لمشكلة المصطلح العلمي ورأى فيها ~~رأيا يجمع بين البساطة والعمق: «فالعلم تفكير جديد يحتاج إلى لغة جديدة، وهذا ما ~~حدث في أوروبا، فإن الأوروبيين حين شرعوا يفكرون تفكير المنطق والتجربة، تفكير ~~الذهن واليد، أي التفكير العلمي، وجدوا أن دقة التعبير تحتاج إلى كلمات جديدة ليست ~~لها أية ملابسات قديمة؛ فاخترعوا هذه الكلمات ليس من ms165 لغاتهم بل من لغات قديمة لا ~~يعرفها الجمهور، وبذلك أصبح لكل علم لغته الخاصة التي لا يمكن أن يقال: إنها ~~إنجليزية أو فرنسية أو روسية، بل هي لغة العلم، فكلمة «بيولوجية» لا يعرفها رجل ~~الشارع في لندن أو باريس أو نيويورك؛ لأنها كلمة مشتقة من اللاتينية، كي تعبر عن ~~معنى لم يكن الجمهور في حاجة إليه قبل مئتي سنة مثلا. وقس على هذا كلمات كثيرة ~~مثل: المندلية في الوراثة، اليوجينية في إصلاح النسل، السيميائية في المنطق اللغوي، ~~والإسبكتروسكوب، والتلسكوب، والميكروسكوب ... والتلغراف، والهرمونات من الغدد ~~والفيتامينات ... إلخ.» # 30 # كتب الأستاذ سلامة موسى هذا الكلام منذ ثلثي قرن، فلمس لب المشكلة وقدم حلا ~~لو انتبه إليه الأكاديميون في ذلك الوقت، وقدروه حق قدره، لعربوا العلم دون تردد ~~ووفروا على الجميع سنوات طوالا من التهيب والتوجس والمماحكة، فجميع هذه الكلمات ~~العلمية، وآلاف غيرها «يعرفها الياباني والإنجليزي والهندوكي والأرجنتيني، ولا ~~يحاول واحد منهم أن يترجمها إلى لغته؛ أولا: لأنه يحس أنه إذا اختار كلمة من لغته ~~فإنها تحمل معها ملابسات # 31 # لا يعرف كيف يتخلص منها، وثانيا: لأنه عندئذ ينعزل بكلمة خاصة ليست ~~في لغة هذا العلم التي يعرفها العلميون في الأقطار الأخرى ... وكلمات العلم أجنبية في ~~جميع اللغات، وليس علينا حرج أن تكون كذلك أجنبية في لغتنا، بل إن رجال العلم ~~الأوروبيين يأخذون كلمات المتوحشين حين تكون لها دلالة في الأنثروبولوجيا مثلا، ~~كما نرى في كلمتي «طبو» و«طوطم».» # 32 ~~«والمصري الذي يتخصص في علم ما، يحتاج إلى متابعة الدراسة مدى حياته لهذا العلم، ~~ولا غنى له عن كلمات هذا العلم التي يستعملها جميع المتخصصين فيه في القارات ~~الخمس، وهو يفكر بهذه الكلمات، ومن التكليف المرهق أن نطالبه بترجمة هذه الكلمات ~~إلى لغتنا؛ لأن كل ما نحتاج إليه أن نعرف هذه الكلمات وأن نصوغها في صيغة عربية ~~إذا كنا سنؤلف بها في لغتنا الدارجة، أو لا نصوغها إذا كانت ستبقى مقصورة على المتخصصين.» # 33 # نستثني من ذلك بالطبع كل ما له في العربية أصل ms166 رائج راسخ غير ملتبس، ومن مناقب ~~هذه النظرة إلى المصطلح أنها تعجل بالتعريب وتسد الطريق على الذين يشترطون توافر ~~المصطلحات والكتب العربية قبل بدء التعريب، واضعين العربة أمام الحصان، بل مغلقين ~~حلقة موبقة وفاتحين مجال التسويف إلى غير حد. يقول د. عبد الحافظ حلمي محمد، عضو ~~المجمع اللغوي: «إن تعويق مسيرة التعريب تحت دعاوى استكمال المصطلحات، والتي تزيد ~~يوما بعد يوم، لفرية سخيفة يراد لنا بها أن نوقف مسيرة التعريب، خاصة إذا علمنا ~~أن نسبة الكلمات العلمية في المراجع العلمية محدودة؛ فهي في مراجع الطب على سبيل ~~المثال لا تزيد عن 3,3٪، إن خير وسيلة لاستكمال مقومات تعريب التعليم هي الشروع ~~فيه، دون تسويف أو توان.» # 34 # والدكتور خليل النعيمي خير من يؤخذ رأيه في قضية كهذه، والدكتور النعيمي طبيب ~~وجراح سوري درس الطب في دمشق بالعربية ويعمل في فرنسا. يقول النعيمي: «عندما كنا ~~نتعلم الطب في جامعة دمشق باللغة العربية لم يكن يخطر لنا أن اللغة التي تتفتح ~~عليها مداركنا، والتي تملأ أرواحنا باشتقاقاتها البديعة يمكن أن تكون عائقا (كما ~~يزعم بعضهم) أمام تطورنا العقلي والمهني فيما بعد (وهي لم تكن كذلك أبدا). ~~وللحقيقة أؤكد، بعد هذه السنين من تخرجي، أن الفضل الأساسي الذي أحسبني مدينا به ~~لأساتذتي الكرام، هو «فضل اللغة»: «لغة علمتني، وسمحت لي أن أعبر عما يدور في رأسي ~~بلا تلعثم، لغة علمتني أن «القرحة» أسهل بالنسبة للعربي (طبيبا ومريضا) من ~~(الألسر) # Ulcer ~~، وأن الشاعر العربي قال ~~قديما: # ولي كبد مقروحة من يبيعني # بها كبدا ليست بذات قروح # وأن «العصب المبهم» أقرب إلينا من «لونير فاغ» # Vagus ~~Nerve ~~، وأن «الخثرة» كذلك أقرب إلينا وأسهل استيعابا من ~~«الترمبوز» # Thrombus ~~، وأن «الأبهر» أقرب إلى ~~فهمنا من «الأورطة » # Aorta ~~، فهو أبهر لأنه الشريان ~~الأساسي في الجسد، ولأن نزفه باهر ومخيف (الأبهر ألا يعبر الاسم نفسه، عن قوة العضو ~~وطاقته؟!) وأن الوريد «الأجوف» أسهل على الفهم أيضا من «لا فين كاف» # Vena Cava ~~، إنه أجوف لأنه يستقبل كامل الدم ~~تقريبا، ms167 ليوصله إلى القلب، إنه نوع من الجوف الوعائي الهائل، وهو أيضا غامض ومخيف ~~لأنه «أجوف»، ومعروف أن إصابته من أخطر الإصابات الوعائية على الحياة وأصعبها ~~إصلاحا. التعريب ليس دائما تخريبا، كما ترون، إنه على العكس سلاح إضافي بالنسبة ~~للطبيب العربي (مثلا) لأن لغة الدراسة ولغة الممارسة هي نفسها، وإذا ما قرر أن ~~يتخصص فإنه بالتأكيد سيكون قادرا على تخطي عوائق تعلم لغة جديدة (وبخاصة عندما ~~يكون قد تعلم أثناء دراسته الجامعية المصطلحات الأساسية باللغة الأجنبية كما هي ~~الحال في دمشق).» # 35 # يقول د. يحيى الرخاوي: «المسألة هي أن اللغة العربية تعلن عن، وتمثل، حضارة راسخة ~~سجلت بلسان عربي، وظلت نفس اللغة قائمة كما هي بأقل قدر من التشويه، أرسخ من ~~كل لغات العالم الحالية ... فهي تاريخ بشري قائم بيننا/فينا، وربما هو قادر على أن ~~يلحق بنا ينبهنا ولعله يسعفنا ونحن نتشوه بلغات جزئية نشأت في ظروف حضارية مشكوك في ~~بعض أوجه عطائها. ومسألة دراسة الطب بالعربية إن كانت مجرد ترجمة من لسان إلى لسان ~~فلا فرق ولا مبرر ولا تغيير، أما إذا كانت الدعوة هي انطلاقا من اللغة العربية بما ~~تعنيه من «كلية الحضور»، وفنية الترابط، ودفء العلاقات، والتناغم مع الطبيعة، فلا بد أن تختلف ممارسة الطب، عامة، من واقع العربية ليصبح أقرب إلى العلوم الإنسانية ~~التي تستعمل مفردات العلم، وليس مجرد صيانة أجزاء إنسان لها عمرها الافتراضي لا ~~أكثر ... وأهمية الطب بوجه خاص ليكون بلغة من يمارسه هو أن تاريخ هذا الفن يقول إنه ~~كان دائما من علامات حضارة أي أمة، فتقدم الطب هو من أول النشاطات الدالة على ~~نهضة أمة من الأمم، وهو يأتي في ذيل قائمة التدهور عند انحلال الأمم، أي أنه أول من ~~ينشط تقدما وآخر ما يضمحل تدهورا، أفلا ينبهنا هذا إلى أهمية أن يكون بلغة قومه ~~بأي ثمن؟» # 36 ~~(3) التعريب ضرورة لغوية # إن لغة لا تسقى بماء العلوم هي لغة في طريقها إلى الموت. # د. خليل النعيمي # أن نعرب العلم يعني أن نعلمن # 37 ms168 # العربية، أي نعلمن عقولنا وأطرنا الذهنية ومورفولوجيتنا الدماغية، أما أن ~~نتحدث العلم بالإنجليزية وعقولنا مصبوبة بلغة كهفية حرمت قرونا من النور فتعاطت ~~الوهم وتقولبت بالخرافة، فذاك انفصام معوق يجعلنا غرباء عن العلم مهما حفظناه ~~وتقولناه، ويجعلنا عاجزين عن الإضافة الحقيقية إليه والإبداع الأصيل فيه، وهو واقع ~~صلب لا محل فيه لجدل ولا نملك وجها لنقاشه. # إن جميع الألسن قد لحقت بركب العلم وامتزجت بنوره، «إلا لساننا الذي فاته قطار ~~التحديث فبقي يجتر ذاكرته التراثية كبديل عن الالتحاق بقافلة المعارف والعلوم التي ~~أقلعت في القرن السابع عشر بدونه.» # 38 # يقول شبلي شميل: «تحيا اللغة بحياة الأمم، وحياة الأمم إنما تكون بعلومها وصناعاتها، ~~وحياة العلوم والصناعات بالعلماء والصناع منها؛ فإذا خلت أمة منهم ذهب استقلالها وكان ~~القضاء عليها أمرا محتوما. ومن يوم تحول علم الطب في مدارس مصر وسورية إلى الإنجليزية ~~والفرنسية فقدت اللغة أقوى أركانها العلمية حتى صار من الصعب عليها جدا اللحاق ~~بالعلوم الطبيعية في سيرها السريع.» # 39 # وما لنا لا نقتدي بأسلافنا في العصر العباسي، الذين سادوا زمانهم، وملكوا لغتهم ~~فتصرفوا تصرف السادة الأحرار، لم تملكهم اللغة التي عشقوها وأجلوها، ولو أن ذلك حدث ~~لجمدوا وجمدوها، ولكنهم أحسنوا توظيفها في الحضارة الجديدة المتفتحة أمامهم، فطوعوها ~~وأغنوها، وجعلوها - كما رأينا - عنصرا أساسيا في قيام هذه الحضارة، بل في صياغة علم ~~عالمي ما زالت الإنسانية تجني ثماره المتجددة. # 40 # لقد أدى هذا السلف العظيم مهمته على خير وجه، وها نحن نقف على محك مماثل، وقد عرضت ~~علينا أمانة تاريخية فهل نحن حاملوها؟ أمانة خدمة اللغة وإثرائها وتجديد دمائها، ~~وعصرنتها بحيث يمكنها أن تكون لغة بحق: تعبر عن قضايا العصر وعلومه، وتسهم في بناء ~~الحضارة بسهم. ~~(3-1) تعريب العلم أفتك سلاح ضد الإرهاب # لا تعشش الخرافة وتفرخ إلا في خراب لغوي. # حين تجري الحداثة والمفاهيم العلمية والفلسفية الجديدة في عروق اللغة، فإنها ~~بالفعل ذاته تجري في العقول التي تشكلها اللغة. العلم حق، ويوم يتحدث العلم ~~بالعربية ستتبدد من عقولنا، تلقائيا، قطع الظلام ms169 وتفر الخرافة التي لا تعشش ولا ~~تفرخ إلا في العقول المظلمة الكسولة. تعريب العلم خروج بنا من كهفنا التاريخي، ~~وحل لكل ما نعانيه من موات واستنامة وانكفاء، العلم حق، وتعريب العلوم بمثابة ~~جيش من جند الله الحقيقيين كفيل مع الزمن بدحر قوى الظلام في عقولنا دون إراقة ~~نقطة دم واحدة، لماذا لا نجرب هذا الحل؟ # يسيء الظن بالعربية من يخشى على العربية من لغة العلوم، العربية لغة شديدة ~~المرونة هائلة الجرم تتطور «من داخلها»، تهضم العلم ولا يهضمها العلم، وكل ما يتم ~~في العربية من ترجمة أو تعريب هو رصيد يضاف إلى العربية ويثريها، ويفتق فيها عوالم ~~جديدة، وينقل إليها أجواء ومناخات مغايرة، ولا ضير البتة من أخذ اللفظ الأجنبي ~~كما هو وتعليمه العربية! أعني «تعريبه»: أي تطويعه للمقتضيات الصوتية والصرفية للغة ~~العربية، بحيث «يستعرب» ويصبح عربيا ونكاد ننسى أصله الأجنبي: فنقول: «أكسجين»، ~~«أكسيد»، «هدرجة»، «بلمرة»، «بروتون»، «بروتين»، «هرمون»، «إنزيم»، «برلمان»، ~~«فلسفة»، «جيولوجيا»، «جغرافيا»، «بيولوجيا» ... من شأن ذلك أن يحيي العربية ويضيف ~~إليها البعد العلمي، ويبعثها من رقادها لتكون لغة حياة ولا تعود لغة موت، هنالك ~~يتعذر على الكهفيين اختطافها واختطاف «تراثها» المجيد وإخراسه وتسخيره لخدمة الظلام ~~والتخلف. ~~(3-2) النبوءة المحققة لذاتها # لا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يصدق نعيه! # ثمة صنف من النبوءات يتصف بصفة عجيبة: أنه يصدق إذا صدقناه! ~~«العربية عاجزة عن نقل العلوم» - تنتمي إلى هذا الصنف، فكيف كان ذلك: # النبوءة المحققة لذاتها هي تنبؤ يؤدي بنفسه، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى أن ~~يصبح حقا، فرغم أنه في البداية تحديد زائف للموقف، إلا أنه يحفز سلوكا جديدا ~~من شأنه أن يجعل التصور الزائف الأصلي يتحقق ويصير واقعا، يعمل هذا الصواب الخادع ~~للنبوءة على استتباب الخطأ ودوامه؛ لأن المتنبئ سوف يستشهد بالمجرى الفعلي للأحداث ~~كبرهان على أنه كان صادقا منذ البداية، وبعبارة أخرى: فإن تنبؤا معلنا على أنه ~~صادق (بينما هو في الحقيقة كاذب) قد يؤثر في الناس (من خلال الخوف، أو الخلط ~~المنطقي، أو الإحجام، ms170 أو الإقدام، أو الحماس، أو الفتور، أو التشجيع، أو التثبيط ...) ~~بحيث تفضي استجاباتهم في النهاية إلى تحقيق التنبؤ الذي كان كاذبا من قبل. # 41 # ونحن حين نتنبأ بأن العربية عاجزة عن نقل العلوم فإننا نتردد ونتلكأ في التعريب، ~~ويطول هجرنا وإهمالنا للعربية؛ فتجف وتضمر، وتهزل وتذبل، وتعجز عن العطاء لأنها ~~حرمت من الأخذ! ومن ثم يرفع نذر الشؤم عقيرتهم ويعلنون عجزها وقد جعله تنبؤنا ~~حقا! # يقول الأستاذ ساطع الحصري (رائد القومية العربية): «لا شك أنها إن أمست اليوم ~~عاجزة وفقيرة، بعد أن كانت بالأمس غنية وقديرة، فما ذلك إلا لأن المتكلمين بها قد ~~انقطعوا عن مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيقة من ~~الأدبيات والشرعيات، منصرفين إليها عن كل ما سواها، وكأني باللغة العربية قد ظلت ~~داخل هذه الشرنقة المعنوية جامدة خامدة، لا تتحول ولا تتكيف، ولا تنمو ولا تتطور.» # 42 # ويقول أ. حسام الخطيب: «إن اللغة العربية غير مخدومة لغويا وعلميا ~~وتربويا وإعلاميا، وإنها تحتاج إلى جهود علمية - عملية حتى تنتقل من عبء نفسي ~~عند مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي.» # 43 # ويقول الأستاذ إبراهيم اليازجي: «اللغة بأهلها، تشب بشبابهم وتهرم ~~بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا ~~تمثل ألسنتهم إلا صور ما في أذهانهم؛ ولذلك فإن كان ثمة هرم فإنما هو في الأمة لا ~~في اللغة، لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحق بها ولا ملحق بها وهنا ~~وعجزا، وإنما هو عجز في ألسنة الأمة ومداركها وتأخر في أحوالها واستعدادها.» # 44 ~~(4) التعريب ضرورة نفسية/اجتماعية # ولخزيهم الأبدي وبؤسهم أولئك الأوغاد من الإيطاليين الذين يمدحون لغة الأغيار ~~ويحتقرون لغتهم، أود أن أقول إن لديهم في ذلك خمسة بواعث مقيتة هي: عمى فكري، ~~وأعذار خبيثة، وتوق إلى الاختيار، وحجة قائمة على الحسد، وأخيرا وهن الروح أي ~~الجبن. ولكل من هذه الشرور أتباع كثر، وقلما يبرأ منها أحد. # دانتي: المأدبة # بدايات القرن الرابع عشر # يتنفج بلغة الغير # أصبح مستهلكا حتى ms171 للغة - بيت الوجود؛ مطبخ الخبرة # ومستعيرا حتى لدرجات صوته، وزفرات صدره، وخلجات ضميره # أصبح ذيلا بامتياز. ~~(4-1) التبعية اللغوية مظهر جديد للاستعمار العقلي # الإنسان الذي يتحدث لغة غيره دون ضرورة هو إنسان مستعمر، إنسان محتل، وليته ~~محتل في أرضه أو داره، إنه محتل في عمق أعماق وعيه، وقدس أقداس روحه، وإذا وجدت ~~أمة تتباهى بالحديث بلغة غيرها فاعلم أنها شاخت، وهانت على نفسها، وصارت على غيرها ~~أهون. # من السواء النفسي والاجتماعي أن يتحدث كل قوم بلغتهم، وأن يتحدث كل فرد بلغته، ~~مثلما يزفر بصدره ويصرخ بفمه ويمشي بقدميه، وإن قوما يجتمعون لكي يتحدثوا بلغة ~~غريبة لا يجيدونها هم قوم بلغ بهم الشذوذ والضعة والهوان مبلغا عظيما. ليست لهم ~~هذه اللغة التي يرتضخونها # 45 # وإنما لآخرين هم الذين يبدعونها ويطورونها ويعدلونها ويغيرونها، ~~وهي تتفتق من شئونهم وشجونهم، وتتخلق من أغوار تاريخهم وتضاريس إقليمهم ونزوات ~~طقسهم، وتتحلب من ميازيب أزقتهم ومسام جلودهم وأطراف أناملهم، التنفج بلغة الغير ~~إثم جماعي لا يمر بغير عقاب، وعقابه مزيد من التبعية والدونية والنقص، وشلل ~~الإرادة وعقم الخواطر. # للتعريب فوائد ليس أقلها استرداد الهوية واستعادة الثقة وانطلاق الإبداع، «خذ ~~أطفالنا في المدارس الأجنبية مثلا، خذ ما يدرسون ثم ما يصلهم من خلال المتاح في ~~وسائل الإعلام، تجدهم يبرمجون بأبجدية بعيدة عن خبراتهم الذاتية، فيضطرون إلى أن ~~يتشكلوا تبعا لها، وليس تبعا لما يعيشونه من واقع تركيبهم اللغوي المتجذر، فيترتب ~~على ذلك نوع مقابل من الاختزال والتشويه، إذ يتشكل الوعي مائعا مهتزا ومغتربا ~~عن أصله بما لا يسمح بإضافة أو إبداع.» # 46 ~~(4-2) جذور عقدة النقص ~~«بدأت محنة هذه اللغة العظيمة مع العصر العباسي الثاني حين كتب النصر للمعسكر ~~الداعي إلى التشبث بالقديم وعدم الحيدة عنه، على المعسكر الداعي إلى التجديد ~~والتطوير والمرونة، بفضل قوة اتصال الأول بالخلفاء وكثرة الأتباع والأشياع ولجوئه ~~إلى المكر ؛ إذ صبغ دعوته صبغة دينية. وقد أثرت هذه الدعوة تأثيرا ضارا لا في ~~اللغة العربية فحسب، بل وفي الأدب العربي كله، وفي تكييف العقلية ms172 العربية. والغريب ~~الشائق أن الغالبية العظمى من أصحاب الاتجاه المحافظ الرافض للتطوير والمرونة كانت ~~من الأعاجم المستعربين، فالأعجمي إذا استعرب كان قصارى همه وغايته أن يصل فنه إلى ~~العربي الأصيل، ولا تحدثه نفسه أن يبتكر في القديم، أو يجدد في الشيء الأصلي، # 47 # فكان أن قضي على المرونة باعتبارها مستنكرة، وأغلق باب الاجتهاد في ~~اللغة باعتباره بدعة.» # 48 # يشير ابن منظور في مقدمة معجمه «لسان العرب» إلى شيوع الخطأ على الألسنة في عصره ~~(القرن السابع الهجري)، وتراجع مكانة العربية، واتجاه الناس إلى النطق باللغات ~~الأجنبية، وما أشبه الليلة بالبارحة! فيقول: «فإنني لم أقصد بتأليفه سوى حفظ أصول ~~هذه اللغة النبوية وضبط فضلها؛ وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف ~~الألسنة والألوان، حتى لقد أصبح اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق ~~بالعربية من المعايب معدودا، وتنافس الناس في تصانيف الترجمات في اللغة الأعجمية، ~~وتفاصحوا في غير العربية. فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته ~~كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون.» # في مؤتمر المجمع اللغوي المنعقد في أبريل 1994 يستعرض الدكتور أحمد شفيق الخطيب، ~~عضو المجمع المراسل من فلسطين، جذور عقدة النقص، ويؤكد أن اللغة العربية لا تفتقر ~~إلى خصائص اللغة العلمية ولا مقوماتها، وأن الذين يتهمون العربية بالعجز عن مجاراة ~~التطورات الحضارية العلمية إنما يعترفون بعجزهم هم، وبعجزنا نحن أو غالبيتنا في ~~دنيا العرب. «أيام صدقت النية وشمخت المعنويات، عامرة بالثقة والإيمان، لم يجبن ~~السلف أمام تيارات الحضارة اليونانية والفارسية والهندية، فأخذوا وأعطوا وعربوا ~~وترجموا وألفوا وأبدعوا، وانطاعت لهم العربية فكان لهم جامعاتهم في بغداد وفاس ~~وقرطبة والقاهرة ودمشق وتونس. ثم دارت على العرب والعربية الدوائر؛ فركد العلم وخمد ~~البحث العلمي في دنيانا طوال عصر الانحطاط المديد فركدت اللغة العربية وخمدت. العجز ~~الذي يعزونه إلى اللغة العربية إذن ليس في العربية بل في أهلها اليوم، في بيئة ~~الجمود الاتكالية الغيبية والكسل العقلي والانهزامية والقصور؛ التي سادت نتيجة ~~لسياسات القهر والتجهيل طوال عهود ms173 الظلمة والانحطاط، قبيل السيطرة العثمانية ~~وخلالها، ثم استمرت بعدها، بدرجات وأشكال متباينة متفاوتة في مختلف أرجاء الوطن ~~العربي، بفضل المخططات الغربية الخبيثة السلسة الاندساس حينا والشرسة أحيانا، ولم ~~تنج حركة تعريب العلوم وتعريب التعليم إجمالا، منذ فواتحها، من بعض هذه المخططات.» # 49 # ويمضي د. الخطيب في تتبع المسار التاريخي للنهضة العربية الحديثة وموقفها من ~~التعريب، فيقول: «مع بدايات عصر النهضة العربية الحديثة أوائل القرن الماضي انطلقت ~~العربية تأخذ طريقها مجددا إلى دنيا العلوم والحضارة الحديثة، وكان طبيعيا أن ~~تتخذ مدارس محمد علي القاهرية منذ تأسيسها عام 1825، في الطب والهندسة والزراعة ~~والعسكريات، اللغة العربية وسيلة لها في تعليم المناهج على كل المستويات - مدعمة ~~بمدرسة الألسن وجهود المبعوثين في مختلف فروع العلم. وكذلك كانت الحال في الكلية ~~السورية الإنجيلية (الجامعة الأمريكية في بيروت لاحقا) أواسط القرن الماضي أيضا، ~~حيث مؤلفات المستشرقين الأمريكان تغطي برامج الدراسة في علوم الطب والفيزياء ~~والكيمياء والصيدلة والرياضيات والفلك وسواها بلغة عربية سليمة ومستوى علمي جيد، ~~ولم يكن يخطر ببال رواد النهضة الحديثة، عربا أو أجانب من المخلصين، التدريس بغير ~~العربية - تطبيقا لمنطق علمي براجماتي بسيط ما زال هو المنطق العلمي الصحيح اليوم ~~كما سيكون غدا.» # فماذا كانت استجابة العربية لمناخ العلم؟ انتعشت ونمت وأصدرت المعاجم التراثية ~~وجدد بعضها، وأصدرت معاجم علمية مترجمة، وقد كان يرجى للغة العربية في هذا العهد أن ~~تبلغ درجات الرقي لو أتيح لها أن تكون وتستمر لسان حال النهضة العلمية العصرية، ~~ولكن سياسات الغرب الاستعمارية حالت دون ذلك، فما إن ثبت الاجتياح البريطاني أقدامه ~~في مصر حتى عرقل هذه المسيرة - أولا بتحويل التدريس في مدرسة الطب إلى اللغة ~~الإنجليزية عام 1887، ثم إغلاق مدرسة الألسن ونفي رفاعة الطهطاوي ومؤيديه إلى ~~السودان، وتوجيه البعثات إلى إنجلترا (بدل فرنسا وإيطاليا)، «وما هو إلا عام أو ~~بعضه حتى حذا الأمريكيون في الكلية السورية الإنجيلية حذو البريطانيين، فتحول ~~التدريس فيها، للأسف، من العربية إلى الإنجليزية بدءا من 1890 (بعد حوالي ربع قرن ~~من تدريس الطب والصيدلة والعلوم الطبيعية ms174 الأخرى فيها بالعربية بمستوى راق ~~مرموق)، وهكذا حرمت اللغة العربية من فرصتها الذهبية وغرست بذور الشك والريبة في ~~نفوس أبناء العربية بلغتهم - بأهم مقومات أصالتهم وحضارتهم.» # ويوجز الأستاذ حسين أحمد أمين القصة بقوله: «... أغلق باب الاجتهاد في العصر ~~العباسي الثاني، ثم توالت المحن بتدهور حال الأمة، وحال الثقافة عند أبنائها، ثم ~~بالغزو العسكري فالغزو الفكري الأجنبيين، مما تسبب في انحسار ثقة العرب - خاصة من ~~الشباب - بأنفسهم، وبتراثهم ولغتهم ونظمهم، فضعفت حصيلة الشباب من اللغة العربية، ~~وكذا قدرتهم على التعبير بها عما يدور بنفوسهم من مشاعر، وبأذهانهم من أفكار. وقد ~~حرمهم فساد منهج تعليم اللغة العربية في مدارسنا من القدرة على النظر في كتب التراث ~~العربي القديم لعجزهم عن فهم لغتها، فإن نظروا فيها كان ذلك من قبيل الرغبة في ~~التندر على سخافة نظرة الأسلاف، خاصة من جانب المتفرنجين المبالغين في النظرة إلى ~~الغربيين وكأنهم أنصاف آلهة، والمبالغين في التحقير من شأن تراث أمتهم الذي حسبوه ~~المسئول عن التخلف الذي صرنا إليه. وبانقطاع صلتهم بتراثهم وماضيهم، تلاشت القدرة ~~على الاستعانة بالجانب الحي الإيجابي من التراث في مواجهة تحديات المستقبل.» # 50 # ونعود للدكتور أحمد شفيق الخطيب في بحثه العميق الشائق أمام مؤتمر المجمع، الذي ~~يمزج بين رصانة المادة وحرارة العاطفة، يقول سيادته: «إن العقبات التي كان يقال ~~باعتراضها سبيل التعليم باللغة العربية ممكن التغلب عليها، فقد تيسر ذلك للأتراك مع ~~أن لغتهم أحدث عهدا بالعلوم من اللغة العربية ودونها في غزارة المادة، أليس مؤسفا ~~ومذلا أن الأكثر من عشرين بلدا من بلاد العرب، مفردة ومجتمعة، تتعاجز عن تجاوز ~~صعوبات موهومة في معظمها، في حين نجح في تجاوزها قرابة المائتي بلد في عالمنا ~~اليوم، عدد سكان الكثير منها لا يتجاوز بضعة ملايين؟ قالوا هكذا عن تعليم العلوم ~~بالعربية في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم طبق تعريب هذه المواد ~~في مختلف هذه المراحل ولم ينخفض مستوى تعليم العلوم بسبب ذلك # 51 ~~... كذلك ثبت بطلان هذه المقولة في إنجازات الأطباء السوريين الذين ~~يتابعون دراساتهم في ms175 الخارج # 52 ~~... مشكلة الكتب والدوريات والمراجع والمصطلحات العلمية أيضا مشكلة ~~واحدة مترابطة، وهي في الواقع مشكلة كل لغة وليست خاصة باللغة العربية، وإلا ماذا ~~كان يقول الكوري والألباني والبلغاري واليوغوسلافي والإيراني والتركي والخمسون ~~ثقافة التي كانت تؤلف الاتحاد السوفيتي؟ وكلهم طبقوا توطين العلوم واستنباتها ~~بلغاتهم القومية بإمكانات لغوية ومادية وبشرية تتقزم أمام الإمكانات اللغوية ~~والمادية والبشرية العربية. الذين يطلبون توافر الكتب والمراجع والمصطلحات قبل ~~التعريب يضعون العربة أمام الحصان، ويقيني أنهم أدرى الناس بذلك، والتعريب حتى ~~يتجاوز كل ذلك لأنه قضية كرامة؛ كرامة لغة وكرامة أمة. والذين اغتصبوا أرضنا، يا ~~سادتي، ألم يعبرنوا العلوم على اختلافها، والأبحاث بمختلف تقاناتها، بلغة ~~موات؟ باللغة التي أقاموها من العدم، بعد دثور دام عشرين قرنا، فجعلوا منها لا ~~لغة التدريس في شتى العلوم والتقانات فقط، ولا أداة حضارية تقام بها الندوات ~~العلمية في علم الذرة وتقانة الإلكترونيات فحسب، بل جعلوا منها أيضا وسيلة ترابط ~~جامعة أسهمت في خلق الكيان الصهيوني وتوحيد شراذم المهاجرين إليه، المتعددي ~~المشارب واللغات.» # 53 # في كتابه «في التعريب والتغريب» يتساءل د. محمود فوزي المناوي حول التنفج المتفشي ~~بالكلمات الأجنبية، فيقول: «ويمكن لأي مواطن عندنا الآن أن يلحظ طوفان الكلمات ~~الدخيلة التي يستملحها البعض ويرددونها على ألسنتهم، بينما يوجد لها مقابل أجمل ~~وأوضح في التعبير تتمتع به لغتنا، ولا يعرف أحد على وجه اليقين لماذا يفضلون الدخيل ~~على الأصيل: أهي هجمة «التفرنج» عادت من جديد؟ أم هي اتجاه إلى نبذ أصالتنا وهجر انتمائنا؟» # 54 # ولعل القارئ الآن قد عرف على وجه اليقين لماذا كان ذلك: لعقدة الدونية المزروعة ~~في أعماقنا منذ قرون وقد اشتد عودها واستوت على سوقها، وجعلتنا بعد رحيل الاستعمار ~~المادي نهفو إلى الاستعمال العقلي وننشده طوعا واختيارا، وننشئ مزيدا من المدارس ~~الأجنبية ومدارس اللغات والأقسام الجامعية الأجنبية، ونحشر فيها الأنبغ والأقدر من ~~أبنائنا ليجري مسخه حثيثا، ونفتح سوق العمل ونمنح أعلى الأجور لمن يجيد الرطانة ~~ويحسن التنفج. ~~«هذا التباعد بين الإنسان العربي الحالي ولغته الأصيلة جعلها عبئا عليه، ms176 فراح ~~يتعامل معها كجسم غريب ناشز، أو في أحسن الأحوال كأثر تاريخي يوهم بفخر زائف: ~~أحدهما راح يندب حظها ويرثي مآلها، ثم يتمادى في تثبيت مواقعها في سجون معاجمها ~~وكهوف نحوها، أما الآخر فقد انصرف هربا منها وهو يتخلى عنها سرا وعلانية، ~~إهمالا أو تشويها، حتى ظهرت تلك البثور المتقيحة على وجهها: إما من لغات أخرى أو ~~من لا لغة أصلا. لعل ما آلت إليه حال لغتنا هكذا ليس إلا إعلانا عما آل إليه ~~حالنا كله في أكثر من مجال، هذا الرطان المتقيح يعلن فيما يعلن عن احتمال رطان ~~اقتصادي، ورطان اجتماعي، ورطان سياسي بشكل أو بآخر.» # 55 ~~«فما كان العلامة الأولى على حضور العرب، كيانيا وإبداعيا، يفسد ~~ويتراجع. فالعربي اليوم، بعبارة أخرى، لا «يعرف» الأساس الأول الذي عرف به الوجود، ~~وأسس حضوره في التاريخ. لقد فقد حس اللغة، بالمغنى الذي يتحدث عنه ابن خلدون، وفي ~~ذلك يبدو كأنه يجهل ما أعطاه هويته، أو يجهل ما هو.» # 56 # صفوة القول أن ما نفعله بأنفسنا هو انتحار جماعي بشع، يتضاءل بجانبه كل ما ~~عانيناه من كروب وحروب، وأن تعريب التعليم، العام والجامعي، قد أصبح ضرورة بقاء، ~~تستدعي منا استنفار كل جهودنا وتجنيد كل طاقاتنا. # الفصل التاسع # | مزايا العربية # لا يطالب العربي بحماية لسانه فحسب، ولكنه مطالب بحماية العالم من خسارة فادحة ~~تصيبه بما يصيب هذه الأداة العالمية من أدوات المنطق الإنساني بعد أن بلغت مبلغها ~~الرفيع من التطور والكمال. # عباس محمود العقاد ~~«اللغة الشاعرة» # تتمتع اللغة العربية بمرونة هائلة، واتتها بفضل الاشتقاق الذي لم يبلغ في لغة من اللغات ~~مبلغه في العربية من سعة وانضباط واطراد، «وتمتلك العربية، فضلا عن ضمائم محدودة تجتمع ~~أحرفها في لفظة «سألتمونيها»، أسلوبا آخر للتوالد تفتقر إلى مثله المجموعة الأوروبية، ~~ويقوم على زيادة الأحرف والحركات أو الانتقاص منها في داخل الكلمة الواحدة، فالعربية لغة ~~عمودية، تدور ألفاظها من حول الجذر أو «الجد» وفي داخل أحشائه، فيما تكتفي اللغات الأوروبية ~~بالتفرع الخارجي من خلال الضمائم وحسب، فتظل ms177 أفقية المنحى.» # 1 ~~«هذه المرونة التامة في اللغة العربية، وهذه القدرة على الاشتقاق والمجاز والقلب والإبدال ~~والنحت، هما اللتان مكنتا اللغة العربية من أن تكون لغة القرآن الكريم، والحديث الشريف، وما ~~فيهما من معان رفيعة سامية، وتعبيرات دينية واجتماعية وتشريعية، ولم يكن للعرب بها عهد في ~~جاهليتهم، كما استطاعت بعد ذلك أن تكون أداة لكل ما نقل من علوم الفرس والهند واليونان ~~وغيرهم، ففي نحو ثمانين عاما من بدء العصر العباسي، كانت خلاصة كل هذه الثقافات مدونة ~~باللغة العربية، على الرغم من أن العرب لم يكونوا يعرفون شيئا من مصطلحات الحساب والهندسة ~~والطب، ولا شيئا من منطق أرسطو وفلسفة أفلاطون، فإذا هم وقد أصبحوا يعبرون بالعربية عن أدق ~~نظريات إقليدس، وطب جالينوس، وحكم بزرجمهر، وسياسة كسرى، وما كانت تستطيع ذلك كله لولا ما ~~بلسانهم من حياة ومرونة ورقي، وبذا خرجت العربية من هذا المأزق سليمة قوية واسعة، هي لغة ~~الدين، ولغة العلم والفلسفة، ولغة الأدب، واضمحلت بجانبها كل لغات البلاد المفتوحة، فاللغة ~~السريانية التي ترجمت إليها الكتب اليونانية، أخذت تتدهور بعد أن نقل ما فيها إلى اللغة ~~العربية. والفرس في ذلك العصر أصبحت لغتهم العلمية والأدبية هي اللغة العربية، إن ألفوا ~~وشعروا أو كتبوا فبالعربية، أما اللغة الفارسية فإنما كانت تستخدم في الحديث بين عامة ~~الناس، أو في طقوس الديانة المجوسية. وكذلك اللغات الأخرى، من يونانية في الشام، أو قبطية ~~في مصر. وكسبت اللغة العربية من ذلك أنها أصبحت في تأليفها وأدبها وعلومها نتاج كل هذه ~~الأمم، تعبر عن كل أفكارهم، ويكسبون هم منها ما أفرزته من ثقافة دينية وأدبية.» # 2 ~~«كانت العربية لغة العولمة في خلال العصور الوسطى، وفرس الرهان لأعظم حضارات تلك الفترة ~~المديدة، مما لين مفصلاتها وأثرى عدتها الدلالية واللفظية، وأتاح إغناءها بالتعريب ~~والاشتقاق والنحت وتوليد المعاني والأساليب، فإذا أريد بالصعوبة (أي صعوبة العربية) الغنى، ~~جراء امتداد المدى الثقافي لأكثر من خمسة عشر قرنا، وفوق رقعة فسيحة من العالم القديم، ~~فتهمة الصعوبة هذه تشكل مدحا في باب ms178 الذم!» # 3 ~~(1) مزايا صوتية # تستخدم العربية جهاز النطق في الإنسان على أكمل نحو وأقومه، ولا تهمل منه أي شيء ~~بوسعه أن يؤديه. «إن جهاز النطق الإنساني أداة موسيقية وافية، لم تحسن استخدامها على ~~أوفاها أمة من الأمم القديمة أو الحديثة كما استخدمتها الأمة العربية؛ لأنها انتفعت ~~بجميع المخارج الصوتية في تقسيم حروفها، ولم تهمل بعضها، وتكرر بعضها الآخر بالتخفيف ~~تارة والتثقيل تارة أخرى، كما فعل المتكلمون بسائر اللغات المعروفة.» # 4 ~~«العربية هي أوفر اللغات عددا في أصوات المخارج التي لا تلتبس ولا تتكرر بمجرد الضغط ~~عليها، فليس هناك مخرج صوتي واحد ناقص في الحروف العربية، وإنما تعتمد هذه اللغة على ~~تقسيم الحروف على حسب موقعها من أجهزة النطق، ولا تحتاج إلى تقسيمها باختلاف الضغط على ~~المخرج الواحد، كما يحدث في الباء الخفيفة والباء الثقيلة التي يميزونها بثلاث نقط من ~~تحتها بدلا من النقطة الواحدة، أو كما يحدث في الفاء ذات النقطة الواحدة والفاء ذات ~~النقط الثلاث، أو كما يحدث في الجيم المعطشة وغيرها. وعلى هذه الصورة تمتاز اللغة ~~العربية بحروف لا توجد في اللغات الأخرى كالضاد والظاء والعين والقاف والحاء والطاء، أو ~~توجد في غيرها أحيانا ولكنها ملتبسة مترددة لا تضبط بعلامة واحدة.» # 5 # ليس هناك لبس بين مخارج الحروف في اللغة العربية، ولا إهمال لمخرج منها، ولا تكرار ~~نطق من مخرج واحد. والفصاحة هي امتناع اللبس، وهذه هي الخاصة النطقية التي تحققت في ~~العربية لمخارج الحروف كما تحققت للحروف، فليس في العربية حرف يلتبس بين مخرجين، وليس ~~في النطق العربي مخرج ينطبق فيه حرفان، ليس في العربية حرف يستخدم مخرجين كحرف «بسي» في ~~اليونانية وهو مختلط من الباء الثقيلة والسين، ولا كحرف «تشي» في تلك اللغة وهو خليط من ~~التاء والشين. لا تزدحم أصوات الحروف في العربية على مخرج واحد، كما قلنا، مع ترك ~~مخارج الحلق مهملة، وهي تتسع من أقصى الحلق إلى أدناه لسبعة حروف هي الهمزة والهاء ~~والألف والعين والحاء والغين والخاء، وهي مميزة في النطق والسمع ms179 بغير التباس ولا ازدواج ~~في الأداء.» # 6 ~~«واللسان العربي المبين يتجنب اللبس في الحركات الأصلية كما يتجنب اللبس في الحروف ~~الساكنة، فلا لبس بين الفتح والضم والكسر والسكون، وإذا وقعت الإمالة بين حركتين لم تكن ~~وجوبا قاطعا تثبته الحروف، بل كان قصاراه أنه نمط من أنماط النطق يشبه العادات الخاصة ~~عند بعض الأفراد أو بعض الجماعات في أداء الحركة وإشباعها أو قصرها، كيفما كان رسم ~~الحرف في الكلام المكتوب، وكيفما كان جوهره المميز في الكلام المسموع.» # 7 ~~(2) معاني الأبنية # من أهم مميزات العربية أن «الأصل الواحد فيها يتوارد عليه مئات من المعاني، بدون أن ~~يقتضي ذلك أكثر من تغيرات في حركات أصواته الأصلية نفسها مع زيادة بعض أصوات عليها أو ~~بدون زيادة، وأن كل ذلك يجري وفق قواعد مضبوطة دقيقة نادرة الشذوذ، ولم تصل أية لغة ~~سامية أخرى في ذلك إلى ما وصلت إليه العربية من ثراء ودقة: تقول علم علمنا ... ~~أعلم يعلم نعلم ... اعلم اعلمي ... علم نعلم ... تعلم ... تعالم ... ~~علم يعلم ... علم علم علامة علوم أعلام علامات عالم عليم علامة ~~علماء عالمون متعلم معلم معلم معلوم، عالم عالمون ... إلخ»، # 8 # ترى كم كلمة في الإنجليزية عليك أن تستظهرها بحقها الشخصي لكي تؤدي كل هذه ~~الألوان المتفاوتة من المعاني؟ أليس هذا أمرا يحسب في جانب السهولة # 9 # في العربية لا في جانب العسر؟ # ويطرد ورود بعض الأوزان في العربية للدلالة على معان خاصة، من ذلك أوزان أفعال ~~الماضي والمضارع والأمر وأوزان اسم الفاعل وصيغ المبالغة والصفة المشبهة واسم المفعول ~~وأفعل التفضيل والتعجب واسم الآلة والمصدر واسم الزمان والمكان وجموع التكسير. # الوزن في العربية هو قوام التفرقة بين أقسام الكلام، ولم تبلغ لغة مبلغ العربية في ~~ضبط المشتقات بالموازين التي تسري على جميع أجزائها، وتوفق أحسن التوفيق المستطاع بين ~~المبنى والمعنى. بعض هذه الأوزان لا يقتصر على الإشارة إلى مجمل مدلول الكلمة، بل يشير ~~كذلك إلى بعض تفاصيل تتعلق بهذا المدلول، الأمر الذي يمنح العربية دقة خاصة في الدلالة ~~والإمساك بالظلال ms180 الدقيقة للمعاني، ويتسنى به للكاتب بالعربية أن يطمح للتعبير العلمي ~~الأدق والتعبير الفني الأكثر إيحاء وأسرا، كل ذلك ببساطة وسهولة واطراد، واقتصاد ~~ذهني ورفق بالذهن والحافظة. # فصيغة «فعالة» تدل على حرفة أو ولاية، مثل: حياكة، نجارة، تجارة، عرافة، خلافة، ~~إمارة، سياسة، صناعة. وصيغة «فعال» تدل على الأدواء، مثل: سعال، زكام، سبات، فواق، ~~صداع، دوار؛ وعلى الأصوات، مثل: صراخ، نباح، ثغاء، خوار، رغاء. وصيغة «فعيل» تدل على ~~الأصوات أيضا، مثل: صهيل، هدير، هديل، هرير، زئير، خرير، صليل، نعيق، صرير، نهيق، ~~ضجيج، نعيب. وصفة «فعيل» تدل على الأوصاف الثابتة الملازمة للنفوس كشريف ونبيل وكبير ~~وحقير ووضيع وصغير. ووزن «فعلان» يدل على صفات من أحوال، مثل: عطشان، شبعان، ريان، ~~سكران، غضبان، حران، ظمآن. ووزن «فعول» يدل على الأدوية، مثل: اللعوق، والسعوط، ~~والنشوق، والقطور والذرور. ووزن «تفعال» يكون للتكثير والمبالغة: كالتجوال، ~~والتطواف، والتسيار، والترداد، والتهدار، والتلعاب، والتعداد، والتهداد. ووزن «فعيلة» ~~للأطعمة: كالعصيدة، والسخينة، والبسيسة، والنقيعة. ووزن فعللة يدل على حكاية الأصوات، ~~مثل: صرصرة، قرقرة، خشخشة، قعقعة، جلجلة، غرغرة. ووزن «أفعل» يدل على صفات بالألوان، ~~مثل: أبيض، أحمر، أسود، أصفر، أخضر، وكذلك على العيوب، مثل: أحول، أعور، أقرع، أعرج، ~~أخنف. وأكثر العادات في الاستكثار على «مفعال»، مثل: مضياف، مهذار، معطار. ووزن «فعلة» ~~من الثلاثي يدل على المرة كضرب ضربة. أما «فعلة» فيدل على الهيئة كجلس جلسة (جلسة ~~الأسد مثلا)، و«إذا قتلتم فأحسنوا القتلة»، و«مات ميتة تقوم مقام النصر». وصيغة ~~«فعال» في غير المبالغة من اسم الفاعل تدل على الاحتراف أو ملازمة الشيء كالبقال ~~والنجار والحداد. # وصيغ الأفعال وأوزانها في العربية عامل من عوامل ثروة اللغة وقدرتها على الدلالة على ~~فروق وظلال تنضاف إلى المعنى الأصلي، دون زيادة في اللفظ ومع الاحتفاظ بطابع التركيز ~~الذي تميزت به لغة القرآن: فصيغة «فعل» ترد بمعنى المبالغة، كقوله تعالى: # يذبحون أبناءكم ~~، # وغلقت ~~الأبواب ~~، وبمعنى النسبة، مثل: «جهله» إذا نسبه إلى الجهل، ~~و«ظلمه» إذا نسبه إلى الظلم، وبالمثل خطأ، أله، سفهه ... إلخ، وصيغة «فاعل » ~~تدل على المبادلة، مثل: ضاربه، وبارزه، ms181 وخاصمه، وحاربه، وقاتله. وصيغة «تفعل» ترد ~~بمعنى التكلف، مثل: تشجع، وتجلد، وتحلم، أي تكلف الشجاعة والجلد والحلم، وترد ~~بمعنى أخذ الشيء أو تلقيه، مثل: تأدب، وتفقه، وتعلم، أي تلقى الأدب والفقه والعلم. # 10 # وصيغة «استفعل» تكون بمعنى التكلف، نحو استعظم، أي تعظم، واستكبر، أي تكبر، ~~ويكون استفعل أيضا بمعنى الاستدعاء والطلب، نحو استطعم، استسقى، استوهب، ويكون استفعل ~~أيضا بمعنى فعل، نحو استقر أي قر، ويكون بمعنى صار، نحو استنوق الجمل، واستنسر ~~البغاث. وصيغة «انفعل» فعل مطاوعة، نحو كسرته فانكسر، وجبرته فانجبر، وقلبته فانقلب، ~~وسحبته فانسحب، شققته فانشق. ووزن «أفعل» تفيد التعدية، كأقام الدنيا وأقعدها، ~~وملكية الشيء، كألبن وأتمر، والدخول في المكان والزمان، كأشأم وأعرق وأصبح وأمسى، ~~والاستحقاق، كأحصد الزرع (استحق الحصاد)، وتعريض الشيء لأمر ما، كأرهنت المتاع ~~وأبعته (عرضته للرهن والبيع)، والتمكين، كأحفرته الأرض أي مكنته من حفرها. وصيغة ~~«افتعل» تفيد الاتخاذ، كاختتم واختدم أي اتخذ خاتما وخادما، والاجتهاد والطلب كاكتسب ~~واكتتب، والتشارك كاخصتم فلان وفلان واختلفا، والإظهار كاعتظم أي أظهر العظمة، ~~والمبالغة في معنى الفعل كاقتدر أي بالغ في القدرة، ومطاوعة الثلاثي، كعدلته فاعتدل ~~وجمعته فاجتمع. وصيغة «تفاعل» تفيد التشريك بين اثنين فأكثر كتجاذبا وتخاصما، والتظاهر ~~بالفعل كتجاهل وتمارض وتعالم وتصابى وتغابى، وحصول الشيء بالتدريج كتزايد الدخل وتواردت ~~الأخبار، ومطاوعة فاعل، كباعدته فتباعد. ووزن «افعوعل» تفيد المبالغة والتوكيد، مثل ~~اخشوشن الرجل في معيشته إذا بالغ في خشونة مأكله وملبسه ونحوهما، واعشوشبت الأرض إذا ~~كثر عشبها وعمها فلم يترك بها مكانا خاليا، واحلولى الزمان إذا ذهبت منغصاته وبدت ~~مسراته. وصيغة «فعال» المبني على الكسر للدلالة على الأمر (اسم فعل أمر) كحذار ~~وتراك # 11 ~~... ~~(3) الاشتقاق # العربية أكثر اللغات قبولا للاشتقاق، وهو مما يجعلها أكثر اللغات مرونة وتمثلا ~~للمعاني الجديدة. يعرف السيوطي الاشتقاق بأنه «أخذ صيغة من أخرى، مع اتفاقهما معنى ~~ومادة وهيئة تركيب؛ ليدل بالثانية على معنى الأصل بزيادة مفيدة لأجلها اختلفا حروفا ~~أو هيئة.» والاشتقاق في العربية يقوم بدور كبير في تنويع المعنى الأصلي وتلوينه، إذ ~~يكسبه خواص مختلفة، بين ms182 طبع، وتطبع، ومبالغة، وتعدية، ومطاوعة، ومشاركة، ومبادلة، مما ~~لا يتيسر التعبير عنه في اللغات الآرية مثلا إلا بألفاظ خاصة ذات معان مستقلة. # 12 # هذا المنهج الاشتقاقي أتاح للعربية ذخيرة من المعاني لا يسهل أداؤها في ~~اللغات الأخرى، ومن شأنه أن يتيح لها أن تؤدي معاني الحضارة الحديثة على اختلافها. «إن ~~هذه الطريقة في توليد الألفاظ بعضها مع بعض تجعل من اللغة جسما حيا، تتوالد أجزاؤه ~~ويتصل بعضها ببعض بأواصر قوية واضحة، وتغني عن عدد ضخم من المفردات المفككة المنعزلة ~~التي كان لا بد منها لو عدم الاشتقاق. وإن هذا الارتباط بين ألفاظ العربية الذي يقوم ~~على ثبات عناصر مادية ظاهرة، وهي الحروف أو الأصوات الثلاثة، وثبات قدر من المعنى، سواء ~~كان ماديا ظاهرا أو مختفيا مستترا، خصيصة عظيمة من خصائص هذه اللغة، تشعر ~~متعلمها بما بين معانيها من صلات حية، تسمح لنا بالقول بأن ارتباطها حيوي وأن طريقتها ~~حيوية توليدية، وليست آلية جامدة.» # 13 # خذ مثالا كلمة «العيد»: فكلمة العيد مصدر من مصادر كثيرة، يدل على صفة العودة أو على ~~هيئتها، ومن فعل «عاد» تؤخذ «العودة» للمرة من «العود»، وتؤخذ «العادة» للفعل أو الخلق ~~الذي يكثر الرجوع إليه، ويؤخذ «المعاد» لمكان البعث أو زمانه، وتؤخذ «العيادة» للزيارة ~~المتكررة، وتؤخذ «العائدة» لما «يعود» على الإنسان من نتائج عمله على معنى قريب من ~~معنى التبعة أو الجزاء، وتستعار «العوائد» لما يعطى أو يؤخذ مع التكرار والتوقيت؛ لأن ~~الإعطاء والأخذ معنى واحد من جانبين، فما يأخذه هذا هو عطاء من ذاك. ويأتي المضاعف ~~والمزيد فيوسع دلالة المادة اللفظية أو يسري منها إلى معان تناسبها وقد تخالفها في بعض ~~عوارضها. وهنا مجال واسع لمعاني الإعادة والاستعادة والتعويد والتعييد، ومجال واسع ~~للتفرقة بين المعيد والمستعيد وبين العود والمعاودة، والمعاد والمستعاد، ولا لبس في ~~موضع لفظ من هذه الألفاظ لأنه وزن دليل على موضعه من التعبير.» # 14 # لا يقارن الاشتقاق في العربية بالاشتقاق في غيرها من اللغات السامية من حيث السعة ~~وتقسيم القاعدة وتحكيم المتكلم في ms183 التعبير عن أغراضه على حسب كل احتمال معقول، ~~«فالاشتقاق العربي يعطي المتكلم من الأوزان بمقدار ما يحتاج إليه من المعاني المحتملة ~~على جميع الوجوه، والمتكلم هو صاحب الشأن في اختيار الكلمة وليست الكلمة هي العبارة ~~المفروضة عليه لأنها وضعت من أصلها ارتجالا أو محاكاة لصوت أو تلفيقا للأجزاء من ~~مختلف المواد، ولا يحتاج العقل المعبر صيغة للاشتقاق بعد استيفاء صيغ المصدر للمرة أو ~~للهيئة أو للدلالة على الجمع أو الجنس المجموع، ولا احتمال لصيغة مطلوبة بعد صيغ ~~المبالغة والتضعيف واسم الفاعل واسم المفعول والصفة الملازمة والصفة المرتهنة بالحدث ~~والزمان. فالمتكلم المعبر هنا هو صاحب الشأن في تصريف المشتقات على حسب أغراضه ~~واحتمالات تفكيره، واللغة قد وصلت على ألسنة المتكلمين بها إلى خلق القواعد التي يتبعها ~~تكوين المفردات، قبل أن تعرض لهم الحاجة إلى استخدام جميع تلك المفردات أو إنشاء ~~الكلمات المرتجلة مع كل مشاهدة تأتي للمتكلم بشيء جديد يحتاج إلى لفظ جديد.» # 15 ~~(4) الثراء الدلالي في تراكيب العربية # الجملة في العربية فعلية واسمية، وبخلاف الشائع من أن الجملة العربية فعلية أساسا ~~فإن الجملة الاسمية موجودة وكثيرة الاستعمال (الله يتوفى الأنفس/الشيطان ~~يعدكم/ والعمل الصالح يرفعه/الحزن يقلق والتجمل يردع/العبد يقرع ~~بالعصا ...)، «فليس تقديم الفعل على الفاعل فيها عجزا عن التركيب الذي يتقدم فيه الفاعل ~~على الفعل، ولكنه تقسيم الكلام على حسب مواضعه، وتصحيح لموقع الفعل وموقع الفاعل من ~~إرادة المتكلم وفهم السامع، ومتى ثبت لنا الفرق بين موقع الفعل والفاعل في الجملتين ~~الاسمية والفعلية فالاكتفاء بالجملة الاسمية كما تقع في كلام الأوروبيين نقص منتقد ~~وليس بالمزية التي تدل على الكمال والارتقاء، وليس في وسع من يفهم مواقع الكلم أن يجهل ~~الفارق بين قولنا «محمد حضر» وقولنا «حضر محمد»: فإننا نقول: «محمد حضر» إذا كنا ننتظر ~~خبرا عن محمد أو عن حضوره على الخصوص، ولكننا نقول: «حضر محمد» لمن يسمع خبرا من ~~الأخبار على إطلاقه ولا يلزم أن يكون الخبر عن محمد ولا عن الحضور بل لعل السامع كان ~~ينتظر كلاما عن حسن ms184 وعن علي كما ينتظره عن محمد، أو لعله خبر سفر وليس بخبر حضور ~~منتظر أو غير منتظر.» # 16 # وصيغة المجهول في العربية أوسع منها في اللغات الأخرى، وتنفرد العربية باستعداد ~~لإثبات الفاعل على حسب درجاته من الأثر أو درجات العلم به عند السامع: فبالإضافة إلى ~~صيغة المبني للمعلوم والمبني للمجهول تزيد العربية بصيغة لا وجود لها في اللغات الأخرى، ~~هي صيغة الفعل المطاوع، «فيقول القائل (انفتح الباب)، ويعبر بذلك عن معنى لا تدل عليه ~~دلالته الدقيقة كل من صيغة المبني للمعلوم وصيغة المبني للمجهول، ويظهر الفارق في ~~الدلالة على المعاني المختلفة في استخدام الفعل في الجمل المفيدة على حسب دلالتها: فإذا ~~قلنا: «فتح محمد الباب» فهذا لمن يهمه أن يعرف من الذي فتح الباب، وإذا قلنا: «فتح ~~الباب» فقد يكون الخبر موجها أيضا إلى سامع يهمه أن يعلم شيئا عن الفاعل، ولكن ~~المتكلم يخبره بأنه لا يعرفه أو يخبره بأنه يعرفه ولا يريد أن يذكره. ولكن هناك حالة ~~غير هذه وتلك، وهي حالة إنسان ينتظر فتح الباب ولا يعنيه من الذي فتحه كما لا يعنيه أن ~~يقول له المتكلم إنه يجهله أو يسكت عنه، في هذه الحالة يقول العربي: «انفتح الباب» ~~فيؤدي المعنى المطلوب بغير خلط بينه وبين الحالات التي ينتظر السامعون فيها خبرا عن ~~فاعل الفتح، معلوما كان أو مجهولا أو مسكوتا عنه مع علم السامع به تعمدا لإخفائه أو ~~لإهماله. واللغة الدقيقة التي استوفت وجوه الدلالة هي اللغة التي تلاحظ مقتضى الحال في ~~كل عبارة من العبارات الثلاث، ولا تستخدم عبارة واحدة لموضعين ملتبسين، بل تستخدم كل ~~عبارة لموضعها الذي لا لبس فيه.» # 17 ~~«على أن درجة الفاعلية في الاسم تثبت في اللغة العربية باستخدام صيغ أخرى تتمم هذه ~~الصيغة من صيغ البناء للمعلوم أو البناء للمجهول أو فعل المطاوعة، فهناك صيغة المبالغة ~~من مادة الفعل نفسه بغير حاجة إلى مادة مستعارة من غيرها، ففي اللغة العربية صيغ ~~للمبالغة تعطينا من مادة الفتح كلمة «فتاح» بمعنى الكثير الفتح ms185 والمقتدر على الفتح ~~على السواء، ولا مقابل لهذه الصيغة في اللغات الهندية الجرمانية إلا باستخدام جملة أو ~~عبارة مركبة من عدة كلمات. وفي اللغة العربية صيغة من صيغ المبالغة تحكي الصفة المشبهة ~~باسم الفاعل؛ لأنها تدل على حالة ملازمة بغير اعتبار للحدث والزمان ... مثال ذلك أننا ~~نقول: «كريم»، ولا نقول: «كارم»؛ لأننا نريد التعبير عن صفة ملازمة وعن خلق ثابت لا ~~يتوقف على حدث في زمن محدود ...» # 18 # تلك مزايا تستحق التنبيه إليها «في زمان يكثر فيه من يتحدثون من العرب أنفسهم عن ~~اللغات التي تصلح أو لا تصلح للتعبير السليم أو الفصيح في أبواب العلوم والآداب.» # 19 # يقول د. عبد السلام المسدي: «لأول مرة في تاريخ البشرية - على ما نعلمه من التاريخ ~~الموثوق به - يكتب للسان طبيعي أن يعمر حوالي سبعة عشر قرنا محتفظا بمنظومته ~~الصوتية والصرفية والنحوية، فيطوعها جميعا ليواكب التطور الحتمي في الدلالات دون أن ~~يتزعزع النظام الثلاثي من داخله، بينما يشهد العلم في اللسانيات التاريخية والمقارنة أن ~~الأربعة قرون كانت فيما مضى هي الحد الأقصى الذي يبدأ بعده التغير التدريجي لمكونات ~~المنظومة اللغوية.» # 20 ~~(5) الإعراب # الإعراب مطلب العقل في اللغة. # د. عثمان أمين # العربية لغة إفصاح وإبانة، والإعراب، أي تغير نهايات الكلمة وفقا للمعنى المقصود، من ~~آلياتها الرئيسة لتحقيق الدقة في الدلالة والوضوح في المعنى. # روي أن رجلا دخل على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فقال من غير إعراب: «قتل ~~الناس عثمان»، فقال له أمير المؤمنين: «بين الفاعل من المفعول رض الله فاك». وروي ~~أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته وهي تتأمل السماء: «ما أجمل السماء»، فقال لها: ~~«نجومها»، فقالت: «ما عن هذا أسأل، وإنما أنا أتعجب» فقال: «إذن فقولي: ما أجمل ~~السماء»، وسواء أصحت هذه الروايات أم كانت من خيال واضعيها، فإنها تكشف عن الوظيفة ~~الدلالية للإعراب. الإعراب ضروري للإفادة والإبانة وتماسك المعنى، والإعراب ضروري ~~للكتابة البليغة والشعر الرفيع؛ لأنه يتيح للكاتب التقديم والتأخير وهو بمأمن من اللبس ~~والغموض، فيكون حرا في الارتكاز ms186 على ما يشاء من عناصر الجملة، ويقدم الأهم على المهم، ~~ويحقق في السبك قيما تشكيلية وموسيقية ما كانت تتأتى لولا الإعراب الذي يضم حبات ~~الجملة في سمط واحد ويضمن لها ألا تنفرط مهما اختلف ترتيبها وتتابعها. واللغات التي ~~تتنازل عن الإعراب (مثل العامية، ومثل اللغات الأوروبية الحديثة بعامة) تضطر إلى تقييد ~~الترتيب في عناصر الجملة لكي يؤدي وظيفة الإعراب. مثل هذه اللغات أسهل من لغة الإعراب ~~بما لا يقاس، غير أنها تشتري السهولة بثمن باهظ: بالغل والقيد وتصلب الفقرات، ~~والثقلة الموسيقية والدلالية والبيانية. # وفي فن الشعر بخاصة تتجلى أهمية حركات الإعراب، «فإن هذه الحركات والعلامات تجري مجرى ~~الأصوات الموسيقية وتستقر في مواضعها المقدورة على حسب الحركة والسكون في مقاييس النغم ~~والإيقاع، ولها بعد ذلك مزية تجعلها قابلة للتقديم والتأخير في كل وزن من أوزان البحور؛ ~~لأن علامات الإعراب تدل على معناها كيفما كان موقعها من الجملة المنظومة، فلا يصعب على ~~الشاعر أن يتصرف بها دون أن يتغير معناها، إذ كان هذا المعنى موقوفا على حركتها ~~المستقلة الملازمة لها، وليس هو بالموقوف على رص الكلمات كما ترص الجمادات.» # 21 # قلنا: إن حركات الإعراب تدل على المعاني دلالة تسمح بالتقديم والتأخير ووضع الكلمة ~~في الموضع الذي يناسب مبنى البيت ولا يخل بمعناه، انظر هذا البيت للمتنبي: # أتى الزمان بنوه في شبيبته # فسرهم وأتيناه على الهرم # وانظر هذا البيت: # سوى وجع الحساد داو فإنه # إذا حل في قلب فليس يحول # وهذا: # قمرا نرى وسحابتين بموضع # من وجهه ويمينه وشماله # مثل هذه الطواعية وهذه الحرية لا تتاح للغة غير معربة، ومثل هذا النسق لا يستقيم ~~لشاعر ينظم بغير العربية؛ «لأن الترتيب الآلي يقيده بموضع لا يتعداه، حيث يطلقه ~~الإعراب «العربي» المعدود في عرف أعدائه الجهلاء قيدا من القيود!» # 22 # لا شك أن الإعراب يمثل صعوبة معينة، ولولا ذلك لما قال عبد الملك بن مروان: «شيبني ~~ارتقاء المنابر وتوقع اللحن»، ولكن لا يماري أحد في أن لغة الإعراب تهيب بالقارئ ~~أن يستجمع قواه الفكرية، وتدعوه ms187 إلى حسن التأهب لقطع أشواط الفهم. إن المران على صحة ~~الإعراب هو في الوقت نفسه مران على يقظة الوعي وجودة الفهم، فالعربية بحكم تركيبها ~~وبنائها تتطلب من المرء يقظة واعية وجهدا موصولا وبعدا عن الآلية، ومتى تعود ~~المرء بذل الجهد لاستجماع الفكر قبل أن يقرأ أو يكتب أو يسمع نشأ لديه استعداد للفهم ~~يلازمه طول حياته، وكان في أحكامه أقرب إلى الروية والتدبر وأبعد عن التهور والتحيز، # 23 # وهذه فضائل مستفادة أثمن بكثير مما بذل فيها وأنفق من أجلها. ~~(6) العروض # العربية لغة عروضية: «فالتركيب الموسيقي أصل من أصول هذه اللغة لا ينفصل عن تقسيم ~~مخارجها، ولا عن تقسيم أبواب الكلمات فيها، ولا عن دلالة الحركات على معانيها ومبانيها ~~بالإعراب أو بالاشتقاق.» # 24 # وهذا ما يسر النظم لأصحاب السليقة الشعرية من العرب منذ أقدم عصور ~~الجاهلية. كان الشاعر الجاهلي ينظم الشعر في مختلف بحوره بغير علم بهذه البحور، ثم جاء ~~الخليل بن أحمد فاستخلص الوزن الموسيقي الكامن في هذا الشعر، وقعد له قواعده وأحصى ~~بحوره، فإذا نحن بإزاء موازين دقيقة دقة رياضية، لا تقل عن دقة الموسيقى الخالصة ~~ومقاماتها وإيقاعاتها وسلمها، «لا حاجة بالشعر العربي إلى إيقاع الرقص الذي يصاحب ~~إنشاد الشعر في اللغات الأخرى؛ لأن أشعار تلك اللغات تستعير الحركة المنتظمة من دقات ~~الأقدام وحركات الأجسام في حلقات الرقص أو اللعب المنسق على حسب خطوات الإقبال والإدبار ~~والدوران، ولا حاجة بالشعر العربي إلى ملازمة الإيقاع المستعار من الرقص واللعب؛ لأن ~~أوزانه مستقلة بإيقاعها الذي يميز أقسامها وحدودها ويغنيها عن الأقسام والحدود ~~الأخرى، ولا حاجة بالشعر العربي إلى مصاحبة الغناء لترتيب أوقاته (أزمنته) وضبط مواقع ~~المد والسكون في كلماته؛ لأنه مرتب مضبوط في كل كلمة، بل في كل جزء من أجزاء الكلمة، ~~ويجمع بين الحركة والسكون، وما من وزن على وضع من الأوضاع لا تضبطه حركة الشعر المسموع ~~بغير حاجة إلى الغناء.» # 25 # وأبلغ من كل ما تقدم في الإبانة عن معدن اللغة العربية وعن هذه الخاصة الفنية فيها أن ~~أوزانها ms188 تتفق في كل ترتيل فصيح، ولو لم يكن شعرا مقصودا، كما اتفقت في الآيات الكثيرة ~~من القرآن الكريم، رغم أن القرآن ليس شعرا وما هو بقول شاعر: # مما يوافق وزن البحر الطويل: # يحلون فيها ~~من أساور من ذهب ~~، # فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر ~~. # ومما يوافق وزن الكامل: # صلوا عليه ~~وسلموا تسليما ~~، # إن الذين ~~يبايعونك إنما ~~، # ويتم ~~نعمته عليك ويهديك ~~. # ومما يوافق البسيط: # فأصبحوا لا يرى إلا ~~مساكنهم ~~، # وعندهم قاصرات ~~الطرف أتراب ~~. # ومما يوافق الخفيف: # وتوكل على العزيز ~~الرحيم ~~، # ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم ~~، # إن قارون كان ~~من قوم موسى ~~. # 26 # ومما يوافق الرمل: # إنهم رجس ومأواهم ~~جهنم ~~، # قل هو الرحمن آمنا ~~به ~~، # ولقد راودته عن ~~نفسه ~~. # ومما يوافق الوافر: # ويشف صدور قوم ~~مؤمنين ~~، # فهم في ريبهم ~~يترددون ~~، # وإذا مروا بهم ~~يتغامزون ~~. # ومما يوافق المتقارب: # وأخرجت الأرض ~~أثقالها ~~، # وينصرك الله نصرا ~~عزيزا ~~، # وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء ~~. # والسريع: # يا قوم إنما فتنتم ~~به ~~، # يا أيها الناس اتقوا ~~ربكم ~~. # الرجز: # وذللت قطوفها تذليلا ~~، # كأنهم أعجاز نخل خاوية ~~، # كأنهم أعجاز نخل منقعر ~~، # اذهب إلى فرعون إنه ~~طغى ~~. # المتدارك: # إنا أعطيناك ~~الكوثر ~~. # المجتث: # واصبر على ما أصابك ~~، # فما استطاعوا مضيا ~~، # وهو العلي العظيم ~~. # الهزج: # لقد آثرك الله ~~، # على الله توكلنا ~~، # وقالوا حسبنا الله ~~. # مخلع البسيط: # يقدر الليل ~~والنهار ~~. # مجزوء الرمل: # وجفان كالجواب وقدور ~~راسيات ~~، # لن تنالوا البر ~~حتى تنفقوا مما تحبون ~~. # مجزوء الخفيف: # ومن تزكى فإنما ~~يتزكى لنفسه ~~. # وتوكيدا لفكرة أن لغتنا استمدت أوزانها من صميم تكوينها، فقد نظرنا إلى الصفحة نفسها ~~التي كتب فيها العقاد ما يوافق البحور من الآيات (الصفحة 24 من كتاب اللغة الشاعرة)، ~~وأمكننا أن نحصي أربعة أشطر موزونة جاءت في حديثه النثري اتفاقا خلال بضعة ~~أسطر! ~~«وكما جاء في كلام الرسول» (الخفيف). ~~«ومما يوافق بحر الرمل» (المتقارب). ~~«مبلغ أوزان العروض العربية» (الرجز). ~~«من دقة التقسيم والتفصيل» (الرجز أو الكامل). # 27 # عروض النثر: للعربية عروضها وموسيقاها، حتى في النثر! النثر في العربية «موزون» ~~بمعنى ما، ويعرف كل ناثر عربي كبير ms189 أنه لا يكتب كيفما اتفق، ولكنه يعمد إلى ضرب من ~~التحكم النغمي المقصود، وأنه كثيرا ما يغير مواضع ألفاظه وينتقي مرادفات ويستبعد أخرى ~~تلبية لدواع نغمية خالصة، وكثيرا ما تقلقه عبارات صحيحة من جهة النحو والصرف ~~والمعجم، ولكنه يحس لها نشازا ما، فهو لا يسيغها صوتيا أو لا يستريح لها نغميا: ~~لكأن بها «كسرا» ما في عروض النثر! ولا يزال بها حتى يقوم زيغها ويسلس نغمها، ~~عساها أن تقع في سمع القارئ موقعا حسنا وتؤتي فيه أثرا. ~~(7) غياب فعل الكينونة # لكأن المثالية برمتها حاضرة في هذا الغياب. # في كتاب «الحروف» لاحظ الفارابي أن «فعل ~~الكينونة» # To be # لا يظهر في اللغة العربية لأن الوجود متضمن في الكلام ~~ولا يحتاج إلى إثبات، لكأن الديكارتية، بل المثالية الفلسفية بأسرها متضمنة في هذا ~~الحذف. # وقد يذهب البعض بعيدا في تفسير تجاهل فعل الكينونة في الجملة الاسمية، ويراه قصورا ~~ناجما عن طبيعة حياة الصحراء الساكنة الساجية الرتيبة، حيث لا شيء هناك وراء الأشياء ~~الواقعية البسيطة المحدودة، ليس ثمة فعل كلي، ليس ثمة فاعلية بشرية حضارية متراكمة، ~~ليس ثمة غير «وعي جماعي لم يتعرف على الأفعال الكبرى الفيزيقية للحضارات القديمة، لم ~~يدرب عقله للنظر إلى ما وراء الطبيعة من خلال علاقاته الإنتاجية التي يعرف من خلالها ~~عالمه الميتافيزيقي؛ لهذا غاب عنه أن يكون الوجود نتاجا لفعلي الكينونة والصيرورة، ~~واكتفى فقرا وعيا وثقافة وحضارة بالنبأ أو الخبر؛ لهذا فالسماء الممتدة مجرد مبتدأ ~~وخبر، وليست موضوعا أو جوهرا وفعل صيرورة مضمرا وصفة أو محمولا ... أخبار بني ... أخبار ~~القدماء ... أخبار الحروب القديمة ... ليس ثمة غير الخبر يحرك بركته الراكدة، خبر عن الحب، ~~السطو، الإغارة، المطر، الرياح، العواصف، الغائبين ... الصحراوي مستلب من الفعل المركب ~~العميق، الفعل الإنساني للحضارات الكبرى، الذي يستشف منه فعل الصيرورة الكامن في الوجود ~~والكون، الفاعلية البشرية المتراكمة، تفاعلها مع الطبيعية إلى القدر الذي يتمايز في ~~عقلها البشري، وفعلا الكينونة والصيرورة في الأشياء الكبرى التي تمس الوجود، حتى لو كان ~~فعل الآلهة، حيث المحيط الأزلي ... النطفة ms190 الأولى ... ومن ثم التكون والصيرورة.» # 28 # وباختصار، ليس ثمة غير خبر، أو انتظار لخبر. # أما د. حسن حنفي فيرى أن «فعل الكينونة ليس مجرد فعل، بل هو الوجود المتضمن فيه، يظهر ~~في اللغات الأجنبية ولا يظهر في اللغة العربية لأن الوجود متضمن في الكلام ولا يحتاج ~~إلى إثبات كما لاحظ الفارابي من قبل في كتاب الحروف.» # 29 # وأما د. عثمان أمين فيقف وقفة طويلة عند غياب فعل الكينونة في العربية، ويستكشف فيه ~~فلسفة بتمامها! يرى د. عثمان أمين أن لغتنا العربية في طبيعة بنيتها وتركيبها لا تحتاج ~~الجملة الخبرية فيها إلى إثبات فعل الكينونة، فنحن نقول في العربية، على سبيل الإخبار: ~~«فلان شجاع» دون حاجة إلى أن نقول: «فلان يكون شجاعا»، ونقول: «كل إنسان فان» دون ~~حاجة إلى أن نقول: «كل إنسان يكون فانيا». وإذا قلنا في العربية مثلا: إن «الأمة ~~العربية واحدة» ثبت هذا المعنى في نفوسنا ثبوتا لا يحتاج بعده إلى شيء من الخارج، لا ~~فعل الكينونة ولا أي رمز آخر من رموز اللغة أو أي أمر من أمور الحس. والفكرة المفهومة ~~من الارتباط واضحة ماثلة دائما في نفس العربي، يلتفت إليها حين يواجه المعنى، فإذا ~~أراد أن يبرزها أو أن يؤكدها مثلها بلفظ مثل قوله: «إنه هو الحق»، ومعنى هذا أن ~~الإسناد في اللغة العربية يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين «موضوع» و«محمول» أو مسند ~~إليه ومسند، دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة نطقا أو كتابة، في حين أن هذا الإسناد ~~الذهني لا يكفي في اللغات الهندوأوروبية إلا بوجود لفظ صريح مسموع أو مقروء، يشير إلى ~~هذه العلاقة في كل مرة، وهو فعل الكينونة في اصطلاحهم، ويسمونه في تلك اللغات ~~«رابطة» # Copula # من شأنها أن تربط بين الموضوع ~~والمحمول إثباتا أو نفيا، وقد التفت بعض المناطقة الغربيين في العصور الحديثة إلى ~~تكلف هذه «الرابطة» اللفظية في أكثر اللغات الهندوأوروبية: فقد بين جون ستيوارت مل ~~في كتابه «نسق في المنطق» أننا لا نحتاج في الحقيقة إلى شيء سوى ms191 «الموضوع» و«المحمول»، ~~وأن «الرابطة» إنما هي مجرد علامة على ارتباطهما من حيث هما موضوع ومحمول. # 30 # يرى د. عثمان أمين أن غياب فعل الكينونة ميزة فلسفية امتازت بها لغتنا على غيرها من ~~اللغات: فالعربية ترى من نافلة القول أن نضطر إلى إثبات فعل الكينونة في كل قضية كيما ~~نصدق بها، بل أكثر من هذا، أن العربية تفترض «أولانيا» # 31 # وابتداء أن مجرد إخطار المعنى في الذهن، ومجرد «ثبوت الإنية» - كما يقول ~~الفارابي وابن سينا - أو وجود الذات العارفة التي تقرر المعنى، كاف وحده لإثبات هذا ~~المعنى، وبعبارة أخرى إن العربية تفترض دائما أن شهادة الفكر أصدق من شهادة الحس أو، ~~بتعبير فلسفي شائع لدى فلاسفة العرب ومتكلميهم، أن العربية بطبيعة بنيتها وصياغتها تقرر ~~أن «الماهية متقدمة على الوجود» (تقدم رتبة وحيثية لا تقدم زمان أو وضع في ~~المكان). # ويعلم كل دراس للفلسفة الديكارتية أن فعل الكينونة هذا قد أحدث خلطا في فهم الكثيرين ~~للكوجيتو الديكارتي، وأدى إلى ارتباك ذهني كبير في الغرب في مستهل الفلسفة الحديثة. ~~مثل هذا الخلط لا يمكن أن يقع في اللغة العربية لأنها استغنت أولانيا عن فعل ~~الكينونة، ولم تسلم بأن له وظيفة منطقية، فضلا عن عدم التسليم بأنه «فعل» من ~~الأفعال اللغوية. ~~«إن «الكينونة»، تبعا لمنطق اللغة العربية، هي في الوجود الذهني، والوجود الذهني ~~متضمن في كل قضية صادقة كانت أو كاذبة، ومن أجل ذلك وجدت اللغة العربية من نافلة ~~القول أن تؤكد هذا الوجود بفعل الكينونة (الذي ليس في الحقيقة فعلا): فهذه اللغة ترى ~~أن كل ما يعرض للذهن، كل فكر، «كائن»، وهذا يصير بديهيا لمجرد كونه مفكرا فيه. وها ~~هنا مزية الذهن على المادة. إن الفلسفة الديكارتية التي تبدأ بالكوجيتو، ومنه تستخلص ~~التمييز الحاسم بين النفس والبدن، تسير سيرا مطردا في الطريق الذي رسمته فلسفة ~~اللغة العربية، وإن شئنا قلنا: إن اللغة العربية «مثالية» قبل مثالية ديكارت بمئات ~~السنين، والفلسفة الديكارتية تجد ولا ريب سندا لها راسخا في مطالب اللغة العربية التي ~~تفترض ms192 الوجود في الأذهان تحت كل فعل من أفعال العقل، وهي بهذا تقيم صدارة الفكر على كل ~~ما عداه.» # 32 ~~(8) لغة تحتضن منهجا # يقول د. عثمان أمين في كتابه «فلسفة اللغة العربية»: «فقد أظهرتنا بحوث الأستاذ لوي ~~ماسينيون على أن اللغة العربية قد امتازت بخصائص قل أن نجد لها مثيلا في اللغات ~~الأخرى؛ ففي حين أن اللغات الهندوأوروبية إنما جعلت للتعبير عن نظام العالم الخارجي، ~~نجد اللغة العربية وكأنها هي لغة التأمل الداخلي؛ تأمل الفكر والروح. العربية «تملك ~~ديالكتيك المعجزة» التي ترنو إلى الأبدي، وتصرف النظر عن المتغير وعن كل ما هو زائل، إن ~~في العربية استعدادا للرؤية الجوانية يتذوقه من نشئوا على التحدث بها، وفي العربية، ~~بفضل تركيبها الداخلي وطراز الخلوة التي توحي به، قدرة خاصة على التجريد والنزوع إلى ~~الكلية والشمول، ومن هنا كان للعرب الفضل في استكشاف رموز الجبر وصيغ الكيمياء ~~والمسلسلات الحسابية. ويذكر ماسينيون أن «واحدا من الأوروبيين المساكين» قال له مرة في ~~معرض الزراية على العرب: «ليس لهؤلاء الناس أدب» فأجابه: «لم نقل في ثلاثمائة جملة ما ~~يمكن أن يقال في سطر واحد؟»، يقول ماسينيون: «إن الشعوبية المتزمتة، شعوبية دولة ~~إسرائيل الجديدة، لا تؤمن بشيء قدر إيمانها بلغتها العبرية، وإن مدارسها الأولية تعلم ~~العبرية وفقا للإعراب العبري التقليدي المنقول عن اللغة العربية، ووفقا للأبجدية ~~القديمة. اللغة العربية لغة وعي، ولغة شهادة، وينبغي إنقاذها سليمة بأي ثمن، للتأثير في ~~اللغة الدولية المستقبلية، واللغة العربية بوجه خاص هي شهادة دولية يرجع تاريخها إلى ~~ثلاثة عشر قرنا.» # 33 # ويقول المستشرق الفرنسي هنري لوسل في مقال له بعنوان «اللغة العربية والحضارة العربية ~~الإسلامية تزودان الدارس لهما بنظرة جديدة إلى العالم»: «... يجد الطالب في العربية ~~معاني لغوية تختلف اختلافا كبيرا عن معاني الفرنسية أو اللاتينية أو أي لغة أوروبية ... ~~ويستوقف نظره في الوقت نفسه سير الكتابة العربية من اليمين إلى الشمال، ولكن هذا السير ~~يبدو مطابقا لحركة فزيولوجية أكثر اتفاقا مع الطبيعة. ثم إذا به يكتشف كلمات ذات أصول ~~ملحنة واضحة ms193 ونسقا صرفيا مبتكرا داخل الكلمة يستبعد كل إضافة خارجية من المقاطع ~~لأوائل الكلمات أو أواخرها، ويتيح ثروة من الاشتقاق من الأصل الواحد، وتقدم العربية ~~أيضا نسقا من قواعد الإعراب بسيطا وفيه قدر كبير من المرونة، كما تقدم أساليب من ~~تركيب الكلام تجمع بين البساطة والدقة، ونسقا من الأفعال يتسم بالبساطة، ويحير الناظر ~~أول الأمر ولكنه مع ذلك قد بلغ من التمام في منطقه ما بلغه النسق الفرنسي، ومع العربية ~~ينفتح أمام نظر التلميذ عالم جديد يخالف العوالم التقليدية المأثورة. لقد ذهب التعليم ~~الفرنسي إلى البلاد العربية، ولكنه عجز عن أن يفيد منها لنفسه نظرة جديدة عن الإنسان ~~يعود بها إلى فرنسا. إن دراسة القرآن، ولو كانت دراسة سطحية، تكشف للتلاميذ شيئا ~~فشيئا تصورا جديدا للعالم.» # 34 # وللأستاذ الدكتور يحيى الرخاوي خواطر وتساؤلات طليعية جريئة بشأن العربية والمنهج ~~العلمي الذي تضمره في داخلها، وعلينا نحن أن نستكشفه ونفيد منه، يتساءل د. الرخاوي: «هل ~~يتغير المنهج العلمي بتغير اللغة أم أن المسألة هي مجرد تغيير ألفاظ؟» ولا يفوته أن ~~يشير بسهم إلى إجابة: «... ولعل اللغة العربية بثباتها كل هذه القرون هي التي حافظت على ~~علاقتنا بالطبيعة، ولعلها توحي لنا مؤخرا - إذ نحاول الإفاقة - أن للحياة هدفا آخر، ~~وأن الإنسان ليس إلها وأن المنهج القائم الغالب والمحتكر لما يسمى علما لا يفي بسبر ~~غور الحقيقة كل الحقيقة، أو أغلبها، وأن لنا علاقة متصلة بالطبيعة غير الاقتحام ~~والسيطرة والاستنزاف ... إن الانطلاق من لغتنا العربية، تركيبا له بنيته الخاصة، وليس ~~ترجمة عاجزة عن الحركة المستقلة، لهو من العوامل الأساسية التي قد تتيح لنا الفرصة ~~لاختبار منهج آخر أكثر قدرة على سبر غور الحقيقة والإلمام بأبعاد المعرفة، وليس هنا ~~مجال لتفصيل أكثر، وإنما أكتفي بمجرد الإشارة إلى ما سبق أن أشرت إليه من أفول نجم هذا ~~المنهج التجريبي المعتمد على الرصد السلوكي كأساس يكاد يحتكر ما يسمى موضوعية المعرفة؛ ~~الأمر الذي يتواكب مع مناهج وطريقة تفكير تصبغ الطبيعة الحديثة والرياضة الحديثة، وتفتح ~~الأفق إلى مناهج ومنطق ms194 أكثر قدرة وكلية وإحاطة وتداخلا، وكلها مناهج أقرب إلى بنية ~~اللغة العربية القادرة منها إلى التنظيم الخطي المنفصل بعضه عن بعض في لغات أخرى ~~مسطحة بشكل أو بآخر. لو تبينا أننا نتميز عن غيرنا، ليس بالضرورة تفوقا فقط، مجرد ~~تميز، وأن هذا يسمح لنا بالحركة في مساحة أخرى، من منطلق آخر، وأن هذا وذاك يتيح لنا ~~فرصة اقتحام مجاهل المعرفة بشكل آخر في مسار آخر، وأن كل هذا يعني أن لنا توجها آخر؛ ~~لو حدث كل هذا فإنه يحتاج إلى أن نفعله من خلال بنيتنا العربية المتدينة الغائرة التي ~~بعض صورها النطق بهذا اللسان العربي. فالعقل العربي لا يستعيد استقلاله وحريته باستعادة ~~النطق بلسانه، وإنما تتاح له الفرصة من خلال استعمال لغته - تركيبا غائرا - بما يتيح ~~تجديدها، ثم هو يستعيد أو لا يستعيد - بحسب مسئوليته وإسهامه - دوره، فريادته على طريق ~~المعرفة/الحضارة/التطور، فإذا فعل عادت لغته إلى الحياة ثم تطورت بدورها فأعطت وتحاورت، ~~وإذا لم يفعل فهو الخاسر نفسه ولغته وعطاء غيره في آن، ولا يبقى له إلا أن يتبع ويطيع ~~(ويسمع الكلام)!» # 35 # الفصل العاشر # | ضرورة الإصلاح # نحن بين اثنتين: إما أن نيسر علوم اللغة العربية لتحيا، وإما أن نحتفظ بها كما هي ~~لتموت. # طه حسين # مستقبل الثقافة في مصر # في كتابه الذي صدر عام 1954 يقول الأستاذ سعيد عقل: «معضلة اللغة عرضت وستعرض لكل الشعوب ~~المتمدنة؛ لأن اللغة بطبيعتها تخلق لنفسها هذه المعضلة كل نحو من ألف عام، أما مبدأ الحل ~~فقد استخرج من الحياة: اللغة هي ما في الفم لا ما في الكتاب، ولو أن رقعة العالم الغربي، ~~على سعتها، من اسكتلندا إلى صقلية، مضافا إليها رومانيا، بقيت مسايرة عاطفية الشعب وما ~~تتوهمه من وحدة لغوية تربط بين أجزائه، لما كانت إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا اليوم ~~زعيمات العقل الغربي، ولما أطلعن عباقرة الشعر والفلسفة.» # 1 ~~... «معضلتان (اللغة والتدوين) على حلهما في الشرق يتوقف إيجاد اللغة التي هي حق ~~كل المؤسسات، وما بقي الحق خربا فعبثا نفكر باقتناء العطور، ms195 لا نهضة لنا في الشرق ما ~~لم نحل معضلتي اللغة والتدوين.» # 2 # وإذا كنا لا نتفق مع الأستاذ سعيد عقل في الحل الذي خلص إليه، فنحن نذكر له التفاته ~~المبكر للمشكلة وإدراكه العميق لخطرها. # موت اللغات هو ألا تعود تستعمل. # وما تعانيه العربية اليوم ليس محلا للجدل بل للملاحظة. # ما تعانيه العربية اليوم أشبه بالموت السريري: لكأنها ماتت ونحن نتكتم الخبر ونحفظ حياتها ~~اصطناعيا بمضخات التنفس والتقطير الوريدي. # وما أوصلنا لهذه الحال سوى سلف أغلق باب الاجتهاد، وخلف لج في التزمت، ومجمع تردد ~~في العلاج، وأساتذة ترددوا في التعريب، ومرفق تعليمي باع التعليم وأكل من خبز الهيكل، ~~وشعراء اغتربوا وأغربوا وآثروا أن يكتبوا لأنفسهم لا للناس، وعقل عربي عقم عن الإبداع ~~وهو مشطور بين فصحى لا يجيدها وعامية لا تجيده! ~~(1) تشبيه دورة الحياة # هذا جاثوم ما قصصته إلا لكي أنذر بحجم الخطر الذي يتهددنا، وحرج الموقف الذي نعيشه؛ ~~فاللغة وسيط التفكير والحس والشعور والإبداع، وموت اللغة يعني موت هذه الأشياء جميعا. ~~على أن الأمر لا يعدو أن يكون «تشبيها» أو «مماثلة» (أنالوجي): فالحق أن اللغة ~~«تشبه» الكائن الحي ولكنها ليست كائنا حيا، وقد سبق لفلاسفة التاريخ أن شبهوا ~~الحضارات بالكائن الحي وأخذوا ب «مماثلة دورة ~~الحياة» # Life Cycle Analogy ~~، فارتكبوا مغالطة، وبلغ الغلو بالبعض أن يمتد بالتشبيه إلى ~~تبرير الاستعمار! # 3 # وفاته أن الشبه غير الهوية، وأن التشبيه وسيلة إيضاح لا برهان، وأن التشبيه ~~قد ينطبق في جوانب ولا ينطبق في أخرى؛ وعليه فإذا كانت اللغة مثل الكائن الحي تنشأ ~~وتنمو وتشيخ وتموت، فإنها بعكس الكائن الحي قد تحتفظ بالحياة بل قد تعاد إلى الحياة إذا ~~شاء أهلها ذلك: فقد اختار اليابانيون الاحتفاظ بلغتهم في أحلك الظروف كأداة للعلم ~~وعنوان للهوية، وقد بعث جيراننا الألداء العبرية من مرقدها لتكون لغة حياة وأدب ~~وعلم، وإن مهمتنا تجاه العربية لأيسر بكثير من مهمتهم التي بدأوها وأكملوها! وإن لدينا ~~من الدواعي القومية والروحية مثل ما لديهم وزيادة. ~~(2) بين الحتمية الاجتماعية والمذهب العملي # تخضع ms196 اللغة في سيرها، كما يقول د. علي عبد الواحد وافي، لقوانين مطردة ثابتة، لا يد ~~لأحد على وقف عملها أو تغيير ما تؤدي إليه ، ولا نقصد بذلك أن نقرر مبدأ الجبرية ~~المطلقة في حياة اللغة، ولا أن ننكر إمكان التدخل في شئونها، ولكننا نقصد بذلك أن نبين ~~أن كل تدخل يتنافر مع القوانين الطبيعية التي تسير عليها اللغة في حياتها لن يغير شيئا ~~مما تقضي به هذه القوانين، وأن التدخل المنتج هو الذي يساير هذه القوانين، ويهيئ الظروف ~~المواتية لتحققها في الناحية المقصودة.» # 4 ~~«فما ذهب إليه فرنسيس بيكون بصدد التدخل في الظواهر الطبيعية إذ يقرر أنها ~~«لا تمكن السيطرة على ظواهر الطبيعة إلا بطاعتها ومسايرتها» يصدق كذلك على ظواهر اللغة ~~وما إليها من الظواهر الاجتماعية الأخرى.» # 5 # وفي المجال الاجتماعي والتاريخي يقول ماركس في «رأس المال»: «حتى إذا اهتدى مجتمع ما ~~إلى الطريق الصحيح لاكتشاف القوانين الطبيعية لحركته، فما هو بمستطيع، لا بقفزات جريئة ~~ولا بتشريعات قانونية، أن يزيل العقبات التي تفرضها المراحل المتعاقبة لنموه الطبيعي ... ~~فذلك أمر يتوقف على هذه القوانين نفسها، وعلى هذه الميول وهي تمضي بضرورة لا تلين إلى ~~نتائج محتومة» ... وبعبارة أخرى فإن معرفة المجتمع لقانونه الطبيعي الذي يعين حركته لن ~~تمكنه من تخطي المراحل الطبيعية لتطوره أو حذفها من الوجود بجرة قلم، وليس باستطاعته ~~أن يفعل إلا شيئا واحدا: هو التقليل من آلام الوضع والتقصير من مدتها، غير أن ~~الماركسية، وكل نزعة تاريخية حقيقية، لا تستلزم القول بالقدرية ولا تؤدي إلى التكاسل عن ~~العمل، بل الصحيح خلاف ذلك تماما، فكثير من التاريخانيين تظهر عندهم ميول واضحة نحو ~~«النزعة العملية» # Activism ~~، والمذهب التاريخاني ~~يعلم تمام العلم أن رغباتنا وأفكارنا وأحلامنا واستدلالاتنا، ومخاوفنا ومعارفنا، ~~ومصالحنا وأعمالنا، هي كلها قوى مؤثرة في تطور المجتمع. ولا يقول المذهب بعجزنا عن ~~إحداث أي شيء كان، وإنما يتنبأ بأنك لن تستطيع أن تحقق شيئا بأحلامك أو بما يركبه عقلك ~~طبقا لخطة مرسومة، فلا تأثير إلا للخطط التي تتمشى مع تيار ms197 التاريخ الرئيسي. ونرى الآن ~~على وجه الدقة أي نوع من العمل يعتبره التاريخانيون معقولا؛ فالأعمال المعقولة ليست ~~إلا ما يتلاءم مع التغيرات الوشيكة الوقوع ويساعد على تحقيقها ؛ إذن فالتوليد الاجتماعي ~~هو العمل الوحيد الذي يمكن أن يعتمد عليه على أساس من بعد النظر العلمي. إن المجتمع ~~متغير بالضرورة، ولكنه يسير في طريق مرسوم لا يمكن أن يتغير، ويمر بمراحل عينتها من ~~قبل ضرورة لا تلين، ومن ثم فالنزعة العملية لا يمكن تبريرها إلا إذا سايرت التغيرات ~~الوشيكة الوقوع وساعدت على تحقيقها. إن خضوعنا لقوانين التطور القائمة هو كخضوعنا ~~لقانون الجاذبية أمر لا مفر منه، وإن أكثر المواقف مطابقة للعقل هو أن يعدل المرء مجموع ~~القيم التي يأخذ بها بحيث تصير موافقة للتغيرات الموشكة على الوقوع. # 6 # هذا إسهاب مقصود حتى يعلم كل من يحاول إصلاحا لغويا أن عليه «أن يعمد قبل كل شيء ~~إلى دراسة حياة اللغة، ومناهج تطورها، وما تخضع له في حياتها من قوانين؛ حتى يتميز له ~~الممكن من المستحيل، ويستبين له ما يتفق مع السنن الكونية وما يتنافر مع طبيعة الأشياء، ~~وحتى تأتي إصلاحاته مسايرة لهذه الطبيعة، فتؤتي أكلها وتكلل بالنجاح.» # 7 # من هنا يأتي إلحاح المجددين في اللغة على معرفة السنن الخاصة بتطور العربية من أجل ~~تطويرها على نحو صحيح ناجح، يقول الأستاذ أمين الخولي: «هذا التطور يقتضينا عملا ~~جليلا جبارا في الدرس اللغوي للعربية، كشفا لمسارب سيره ومسالك تنقله، ليكون حديثنا ~~عن هذه العربية حديثا صحيح الأصل سديد الخطوات، وليكون عملنا في خدمتها أو إصلاح شيء ~~من أمرها صحيح الأساس، موفق الاتجاه، محققا لغاية ... حين يأخذ الوجهة التي يدل التطور ~~على اتجاهها إليها.» # 8 # وفي كتابه «مقدمة لدرس لغة العرب» يقول الأستاذ عبد الله العلايلي: «إن اللغة العربية ~~أخذت طريقها التطوري في الحياة، تمر من دور إلى دور، وتتغير تغيرا شاملا في أصولها ~~وكلماتها ودلالاتها وأسلوبها ومنهجها البياني، وحتى ظهور الإسلام لم تكن قد استقرت على ~~وجه التمام، بل ظلت غير خالصة من علائق الفوضى ms198 في غير ناحية، كالموازين وصيغ الجموع ~~وأبواب الأفعال ... إلخ، وذلك النقص لأسباب انقلابية مفاجئة، وقفت بها عند حد ما نراها ~~مسطورة في الكتب العجمية ... وقفت اللغة، ولم تنته، فكان لها انجذار مفاجئ أوقف ما فيها ~~من عناصر فعالة ... وقد بقي فيها شيء من مظاهر الطفولية، اجتهدت العربية بالتخلص منه، ~~ولكن بقي على بعض صوره، والمسافات الواسعة التي بقيت واضحة في منطق القبائل الشتى، ~~ومنطق القبيلة الواحدة، حتى ذهل من كثرتها علماء اللغة جميعا، وراحوا في تعليلها على ~~مذاهب متباينة، وابتدعوا لها وجوها من الاختلاف القبلي وتداخل اللغات والضرائر والشذوذ ~~والغلط، وهي في حقيقة الأمر ليست غير أثر من آثار التطور العامة، الذي تخضع له كل لغة ~~في سيرها الارتقائي، وتبقى هذه البواقي والمتخلفات؛ لأسباب مكانية وظرفية، أو لأن ~~التطور لم يتم دورته، والذي لا شك فيه أن العربية لم تستقر لعهد القرآن على وجه نهائي ~~... وكانت تصل إلى مستوى بعد ذلك لو ظلت في محيطها بجزيرتها دون خروج، لكن خروج العرب من ~~الجزيرة في الحركة الإسلامية منع ذلك.» # 9 # لقد مضت العربية في تطورها على مذهب خاص ومعقول عربي لو أدركناه لاستطعنا ~~أن نجعل العربية تتابع نماءها، وتحقق ما اتجه إليه ارتقاؤها، ولكنه توقف بخروج العرب من ~~الجزيرة عند الفتح الإسلامي وتوزعهم في الأنحاء، ثم تناول اللغويون للعربية تناولا ~~طابعه الجمع فقط، وفقدان النظرة العامة إلى اللغة، والوقوف في وجه كل اجتهاد. # 10 # يشيد الشيخ أمين الخولي بمحاولة العلايلي النظرية (مقدمة لدرس لغة العرب) والتطبيقية ~~(المعجم)، ويرى أن العلايلي لا يقف عند بيان هذا التطور، بل يمضي إلى ما وراء ذلك من ~~اهتداء بهذا التطور في دفع العربية اليوم إلى السير استئنافا لتطورها الذي أوقفه ~~خروجها من الجزيرة عند الفتح الإسلامي، فهو يهتدي بهذا التطور إلى معرفة «معقول» العربي ~~ووجهته في السير بلغته، أو سير الحياة بها، وما كان ينتظر أن ينتهي إليه الأمر في رقيها ~~واستقرار أمرها، والتخلص من ظواهر الفوضى أو الاضطراب في مادتها وصورتها، وبهذا الهدي ~~التطوري ms199 يرى أننا نستطيع رد الحياة إلى العربية، ودفعها إلى استكمال ما عوقتها الظروف ~~عن استكماله فتقرر اليوم النتائج التي دلنا التطور على أنها كانت تتجه إلى تقريرها، ~~وتبسط رقعة الوضع أمام الواضع الجديد اليوم، وبهذا تستبدل العربية بضمورها نماء، ~~وزيادة، على أنها ستنمو نموا داخليا ذاتيا بمواد من كيانها لا بمعربات من غيرها، ~~ولا منحوتات مصطنعة من كلمها. # 11 # من النتائج التي رتبها العلايلي على ما قال إنه معقول العربي ووجهته في السير بلغته، ~~والتي يرى أن علينا نحن أن نتابع تحقيقها لنصل بالعربية إلى الاستقرار والاستكمال ~~والتخلص من ظواهر الفوضى والاضطراب: # اختلاف أبواب الفعل الثلاثي مثل من عدم الاستقرار، ويظن العلايلي أن ~~العربي قصد طرد الأفعال المضارعة على الكسر دون تخلف، فالماضي يكون على وزن ~~«فعل» - بفتح العين مطلقا، إلا لحاجة معنوية فينقل قياسا إلى بابي «طرب» ~~و«كرم»، وهذا في غير الحلقي فيكون من باب «فتح» مطلقا؛ وعليه فكل ماض ~~بالفتح مطلقا، وكل مضارع بالكسر مطلقا، وكل حلقي بفتحتها مطلقا، وكل ~~اشتقاق مستقبل يلزم هذا السبيل وينطرد عليه، على أنه لا يخرق بهذا حرمة ~~النص، بل يتقيد بما مضت به المعاجم إذا كان محل وفاق، فإن اختلفت فيه ~~فالراجح الكسر (مقدمة لدرس لغة العرب). # المصادر من الثلاثي بقيت قلقة كذلك، وكذلك الجموع لم تستقر إلا في قلة من ~~الكلمات، غير أن العربي أخذ بصورة جدية لإقرارها. # لم تتحدد للصيغة دلالة على اطراد، فتحمل الكلمة معنيين أو معنى مؤلفا ~~مما تقيده الصيغة والمادة التي منها الاشتقاق، على أن العربية مع كل ما ترى ~~فيها من فوضى هذه الناحية لا ينكر أنها أخذت في سيطرة الاشتقاق وغلبته بهذا ~~النحو، وبقاء الموازين على فوضاها لا يتناسب مع المفاهيم العلمية الدقيقة، ~~التي تضطرنا لأن نجعل دلالة لازمة أبدا للهيئة الميزانية، ومن ثم لا يكون ~~عناء الوضع كبيرا، كما ترتسم للميزان أيضا صورة عند السامع، تكون على ~~مقدار من المعنى. فعلى الواضع الجديد أن يتوفر على تخصيص الموازين بما ~~يقارب أن يكون جامعا لشتى ms200 المشتقات عليها. # 12 # تلك مجرد شواهد على أن محاولة فهم التطور اللغوي للعربية تنتهي بالباحثين إلى نتائج ~~بعيدة وهامة، وأنه لا سبيل إلى رد الحياة على العربية وتيسير النماء الحي لها إلا إذا ~~عرف كيف دبت الحياة في هذه العربية، وكيف سارت الحياة بها لنعرف من ذلك كيف تتابع ~~سيرها في هذه الحياة. ~~(3) التزمت يخلق الثورة # مات الكسائي شيخ الكوفيين وهو لا يحسن «نعم» و«بئس»، وفارق تلميذه الفراء ~~الدنيا وفي نفسه شيء من «حتى». # الضغط يولد الانفجار، والتصلب الانكسار، والتزمت الثورة. ويوشك المحافظون ~~الغيورون أن يقتلوا العربية اختناقا، وفيما يلي أورد قطوفا من أقوال حقيقية لمجمعيين ~~حقيقيين، ثقات أئمة، في مناقشاتهم في دورات المجمع: ~~«... ولنقف عند هذا خشية أن ينتهي الأمر إلى اعتراف كامل بها (العامية) له ~~أخطاره ومغبته.» (د. بيومي مدكور) ~~«ومجمع اللغة العربية لا يؤخذ بأخطاء الناس، ولكنه يؤخذ إذا هو وضع خاتمه ~~الشرعي على أخطاء الناس، ولا يجوز لنا أن نجيز أخطاء الناس وإن كنا أحيانا ~~نسكت عنها. لعل إخواننا في مصر لا يدركون مدى الحملة على اللغة العربية في ~~أقطار أخرى، ولم يحسوا بالخطر الكامن وراء الدعوة إلى التمهيل والتبديل في ~~اللغة العربية، فرجاؤنا أن يشعروا معنا بذلك، وأن يظلوا السور الذي يحمي ~~لغتنا فلا يفتحوا فيه ثغرة جديدة.» (د. عمر فروخ) ~~«... يجب ألا نفتح ثغرة مهما كانت صغيرة ينفذ منها من يريدون القضاء على ~~العربية.» (أ. زكي المهندس) ~~«... فأما حملة د. محمد كامل حسين على اللغة العربية وأنها يجب أن تساير ~~العصر ويتساهل فيها فهذا غير ما بني عليه المجمع من المحافظة على سلامة ~~اللغة العربية، وحملته على الأشموني والألفية فيها تجن كثير، فهذه الكتب ~~حفظت لنا اللغة بدقائقها وتفاصيلها، وإذا كان فيها شيء من الصعوبة فلها من ~~يستسيغها ويفهمها.» (الشيخ محمد علي النجار) ~~«يجب أن تقوم الألسنة المعوجة لتستقيم على منهاجها الواضح المبين، لا ~~أن تعوج هي لتطاوع الألسنة المعوجة بحجة التيسير عليها لتبقي على ~~اعوجاجها.» (أ. عبد الفتاح الصعيدي) ~~«لا أرى أن نتخذ ms201 من القواعد ما نقر به المخطئ على خطئه، ومن الخير أن ~~نلتزم اللغة الفصحى، وننبه على أن المستعمل بخلافها في الصحف أو غيرها غير ~~مقبول، وليس من الخير أن نضع خاتم الشرع على أخطاء الكاتب أو المتحدث، ولو ~~أجزنا لكل مخطئ أن يخطئ فسينتهي بنا الأمر إلى تسويد لغة العامة.» (د. عمر ~~فروخ) # تلك أقوال محافظة اجتزأتها اجتزاء وانتقاء لكي تمثل المنطق المحافظ، مع كل ~~الإجلال للقائلين ونياتهم الطيبة. إنهم يتحدثون كأن المعيار هو التراث لا العرف، أو كأن ~~السلطة هي المجمع لا الحياة، ويصدرون الأحكام من غير سدة الحكم! ولقد تركتهم اللغة ~~يحافظون عليها في عالمهم الافتراضي ومضت في سبيلها لا تلوي على شيء. # لقد أتت جهودكم بعكس الذي توسموه، وها هي شواهد احتضار العربية تكاد تفقأ عين أوديب. ~~التطور لا يغالب بل يوجه ويضبط، وقديما قال ماكيافيللي للأمير «إذا أردت أن تتفادى ~~ثورة فاصنعها بنفسك!»، وقريب من ذلك قول د. محمد كامل حسين في مؤتمر المجمع، الدورة ~~28، 1961: «فيما يتعلق بالثورة على اللغة في لبنان أرى أن الطريقة إلى منع الثورة في كل ~~العالم هو التطور التدريجي، فلو تطور الروس ما قامت الثورة الروسية، والمحافظة الشديدة ~~على تفاصيل اللغة العربية الفصحى على صعوبتها ستؤدي إلى الثورة عليها وانتصار العامية، ~~والطريقة الوحيدة لتلافي ذلك هو التطور بالفصحى، وأؤكد أن التطور يكون إلى التقدم، ~~والتقدم أميل إلى التبسيط» (مجلة المجمع، ج15، ص80). # نعم، التبسيط يماشي سنن التطور ويساير اتجاهاته وميوله، وقد سبق أن قلنا: إن مبدأ ~~«الاقتصاد» من أهم السنن المسيرة للتطور اللغوي، وكذلك مبدأ «القياس» بمعنى الاطراد ~~والتجانس، ينبغي أن نعترف أن الفصحى على حالها الراهن صعبة عسيرة الدراسة والتمثل. ~~وهذا طه حسين، وهو سيد من سادة الفصحى، يقول في «مستقبل الثقافة في مصر»: «معنى ذلك أن ~~تيسيره (أي تعليم العربية) قد أصبح فرضا لا محيد عنه، وضرورة لا خلاص منها، فليس كل ~~الناس قادرا على أن يتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة وفهما مع ما تمتاز به قراءتها ~~وكتابتها وعلومها ms202 من الصعوبة والتعقيد، وليس كل الناس مستعدا لأن ينفق من حياته ~~الأعوام الطوال ليدرس أبواب النحو والصرف كما يريد هؤلاء السادة أن يحتفظوا بها، حتى ~~إذا أنفق من وقته ما أنفق، وبذل من جهده ما بذل.» # 13 ~~... «وأنا من أجل هذا أدعو إلى أن تتولى الدولة بواسطة العلماء القادرين ~~إصلاح علومها وتيسيرها والملاءمة بينها وبين الحياة الحديثة والعقل الحديث، وأنا نذير ~~للذين يقاومون هذا الإصلاح بخطر منكر ما أرى أنهم يحبونه أو يطيقونه أو يسعون إليه أو ~~يرغبون فيه، وهو أن اللغة العربية الفصحى إذا لم ننل علومها بالإصلاح صائرة، سواء ~~أردنا أم لم نرد، إلى أن تصبح لغة دينية ليس غير، يحسنها أو لا يحسنها رجال الدين ~~وحدهم ويعجز عن فهمها وذوقها فضلا عن اصطناعها واستعمالها غير هؤلاء السادة من الناس ... ~~فاللغة العربية في مصر لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية، لا يتكلمها الناس ~~في البيوت، ولا يتكلمها الناس في الشوارع، ولا يتكلمها الناس في الأندية، ولا يتكلمها ~~الناس في المدارس، ولا يتكلمونها في الأزهر نفسه أيضا ... فالخطر الذي أنذر به إذا لم ~~نتدارك اللغة وعلومها بالإصلاح والتيسير؛ إن لم يكن واقعا فهو قريب الوقوع، وتبعة هذا ~~كله إنما تقع على الذين يمانعون في الإصلاح والتيسير ... وينسون أن الذين أنشئوا هذه ~~العلوم (علوم اللغة) إنما أنشئوها لأسباب منها حماية اللغة من أن تفسد أو تضيع، كما ~~أننا نريد أن نصلحها ونيسرها لنحميها من أن تفسد أو تضيع ... أريد كما يقول بهي الدين ~~باشا بركات في هذه الأيام، وكما قال غيره من قبله، أن يقرأ الناس ليفهموا لا أن يفهموا ~~ليقرءوا ... والخير كل الخير أن نقبل على هذا الإصلاح عن رغبة ورضا، لا أن نعرض عنه حتى ~~تفرضه علينا الظروف إن انتصر، أو تموت اللغة العربية إن كتبت لها الهزيمة لا قدر الله.» # 14 # وها هو الأستاذ محمود تيمور، وهو أديب كبير وعضو مجمع، يقول: «لا خلاف على أن قراءة ~~الكلام غير المضبوط قراءة صحيحة أمر يتعذر ms203 على المثقفين عامة، بل إن المختصين في ~~اللغة الواقفين حياتهم على دراستها لا يستطيعون ذلك إلا باطراد اليقظة ومتابعة ~~الملاحظة، وإن أحدا منهم إذا حرص على ألا يخطئ لا يتسنى له ذلك إلا بمزيد من التأني ~~وإرهاف الذاكرة وإجهاد الأعصاب.» # 15 # ويقول حسام الخطيب: «ولا نعرف أناسا في الدنيا يستخدمون لغتهم بمثل ما ~~يصاحب استخدام اللغة العربية لدى أبنائها من تهيب وتحفز وتردد وتوتر نفسي ورهق.» # 16 # وها هو الدكتور محمد كامل حسين، وهو ضليع في اللغة وعضو مجمع، يقول في واحدة من ~~مداولات المجمع عام 1961: «أما فيما يتعلق بالإبقاء على اللغة العربية، فإننا نعمل جهد ~~الطاقة للحفاظ عليها، غير أننا لا نريد أن نبقيها متحجرة حتى لا يبعد عنها المثقفون، ~~وهذا لا يتأتى إلا بأن نغير منها بحيث تصبح مقبولة عند المحدثين، أما التمسك بجميع ~~تفاصيل قواعد النحو والصرف فهذا يتطلب أمة متفرغة للغة وقواعد اللغة، وهذا زمن انتهى ~~فلم يعد في الإمكان أن تكون جميع الحركات الفكرية العربية متعلقة باللغة وحدها، فوقتنا ~~لا يسمح مطلقا بأن تكون الثقافة العربية محصورة في اللغة وإلا احتاج الأمر إلى أن ~~نتفرغ لها مدى الحياة لكي نعرف ما هو الصحيح وما هو الخطأ، وحتى علماء اللغة دائمو ~~الرجوع إلى معاجمها، ونحن نفعل ذلك هنا (في المجمع) دائما وبيننا صفوة من علماء اللغة، ~~فمن يريد المحافظة على اللغة العربية لا يرضى لها أن تبقى متحجرة أو محنطة، بل يجعلها ~~مسايرة للحياة، ولمطالب المحدثين الذين يريدون لغة عربية مقبولة ... هذا النوع من ~~التفكير أصبح لا يطيقه العصر الحاضر، نريد أن نسهل هذه القواعد بحيث تصبح في متناول ~~المتكلمين؛ حتى لا يشعروا بالعجز وبأنهم دائما مخطئون، فكل منا مهما كان علمه سيجد من يخطئه.» # 17 # يقول أدونيس: «إن ما ينبغي أن نتمسك به ونحاكيه هو، بالأحرى، ذلك اللهب الذي حرك ~~أسلافنا، لهب السؤال، والبحث والمعرفة، من أجل أن ننتج ما يكمل نتاجهم، برؤية جديدة ~~للإنسان والكون، وبمقاربات معرفية جديدة، وهذا يقتضي تفكيك معارفهم ونظراتهم وتمثلها ms204 ~~نقديا، بحيث يبدو الجديد كأنه طالع من القديم، لكنه في الوقت نفسه، شيء آخر، مختلف ~~كليا، وفي هذا سر التواصل العميق الخلاق بين القديم والحديث.» # 18 ~~(4) الإصلاح لا يكون إلا جزئيا # هناك اعتبار آخر ينبغي أن يراعيه كل مصلح، لغوي أو غير لغوي، يريد لعمله أن يبلغ ~~غايته ولا يذهب أدراج الرياح، ذلك أنك لا تبدأ إصلاحك من «نقطة أرشيميدية» تقع خارج ~~العالم! ولا تبدأ من «رسم» # Blueprint # يوتوبي مثالي ~~كامل تريد أن تطبقه على واقع عنيد صلب له تعاريجه وتضارسه، وله ميوله واتجاهاته، وله ~~مقتضياته وإملاءاته، ثمة معطيات قائمة عليك أن تبدأ منها وبها، ومن ثم فإن الإصلاح ~~الحقيقي لا يكون إلا جزئيا متدرجا. إن البشر، كما يصفهم أوتو نويرات في تشبيه شهير، ~~«أشبه ببحارة سفينة في عرض البحر: يمكنهم أن يصلحوا أي جزء من السفينة التي يعيشون ~~فيها، ويمكنهم أن يصلحوا السفينة كلها جزءا جزءا، ولكن لا يمكنهم أن يصلحوها كلها ~~دفعة واحدة». # أول خطوة إصلاحية هي إعادة اختراع «الدولة»! وهي، إن شئت الدقة، ليست خطوة بل هي شرط ~~كل خطوة وأرضيتها: ثمة «أمر» لا بد له من «ولاة»! # ثمة علوم يجب أن تعرب، فلنبدأ بالتعريب أولا ثم نتناقش في أمر النتوءات العابرة ~~التي ستصادفنا والتي يذللها السير نفسه: لنبدأ، «اختباريا» # Tentatively # بقسم من الطلاب يدرسون بعض المواد بالعربية، مع كتابة ~~المصطلح الأجنبي إجباريا والإلمام به والسؤال فيه، لا معنى لتسويف هذه التجربة ~~البسيطة التي نوقن بنجاحها: بمنطق العقل، ومنطق الأشياء، وخبرة الأمم الأخرى، ثم نتدرج ~~في التعريب، وأول الغيث قطرة. # ثمة قنوات فضائية للأطفال، فلندبلج، وننتج، لهم أجود الرسوم والأفلام بعربية شائقة ~~ميسرة، ولنجند لذلك أقدر الممثلين والمخرجين، بإشراف المجمع، ورعاية الدولة ~~وإغداقها. # ثمة قنوات فضائية مرموقة وسابقة، كالجزيرة، تعمل بالعربية بنجاح تام وجاذبية مشهودة، ~~فلنعمم التجربة عندنا ونفرد قنوات تنطق بفصحى ميسرة، ترفرف كالعرب على الإعراب ولا ~~تتفيهق فيه وننتدب لها أكفأ الإعلاميين ونغدق. # ثمة ندوب وبثور في وجه القاهرة والمدن الأخرى: لافتات وإعلانات وواجهات بالإنجليزية ms205 ~~والعامية، لها أن تمهل للإزالة؛ حفاظا على الهوية القومية والذوق العام، ولسنا في ذلك ~~بدعا بين الأمم. # لنشجع حفظ القرآن، بغض النظر عن الديانة وبمعزل عن المسألة الدينية، ونجعل لحفظته ~~مزية كالتي لأبطال الرياضة في الشهادات العامة، وإن سلامة اللغة لمزية علمية كبيرة ~~يحق لصاحبها، من أي ديانة، أن يتميز على أقرانه. # لنتوقف عن السخرية من العربية ومن أستاذ العربية في أفلامنا وإعلامنا، ماذا يضحكنا في ~~ذلك؟ إنما يضحكنا جهلنا واغترابنا عن ذاتنا وخزينا في أنفسنا! إننا لفي غنى عن ضحكة ~~تباع لنا بثمن باهظ، وإن مجال الضحك من بعد ذلك لممدود ذو سعة. ~~(5) الاستعمال # وصفة شاملة للإصلاح اللغوي: # نريد لغة نستعملها لا لغة تستعملنا. # اللغة استعمال. # وهناك وجه شبه كبير بين اللغة والعملة التي يستعملها الناس في البيع والشراء ~~(النقد/النقود)، فالنقود، كما لاحظ ماريوباي، لا تعدو أن تكون «رمزا» لقوة شرائية ~~تواضع عليها الناس، ليس لورق النقود (أو معدنها) بحد ذاته قيمة تذكر بجانب قوتهما ~~الشرائية، ومن ثم فالقيمة الحقيقية للنقود هي خاصة يسبغها عليها المجتمع الذي يتعامل ~~بهذه العملة. وكذلك الأمر في اللغة: «فقيمة اللغة في التزام أهلها بها وبطريقتها في ~~التعبير، ورواجها بينهم، وتداولها على ألسنتهم، واحترامهم لها، وثقتهم بها في حمل ~~أفكارهم ومعتقداتهم والتعبير عن انفعالاتهم وعواطفهم.» وبالتالي فما من لغة إلا وهي ~~قادرة على التعبير عن أية فكرة متى قامت في نفوس أصحابها، وليس هناك معنى لأن تكون ~~لغة ما عاجزة عن التعبير عن أي معنى من المعاني متى قام هذا المعنى في نفوس المتكلمين ~~بها، «فالفكرة متى قامت في ذهن الإنسان استطاع التعبير عنها بلغته إن كان متمكنا من ~~هذه اللغة، وعاملا على رفعة شأنها.» # 19 # حياة اللغة أن تستعمل وموت اللغة ألا تستعمل ... الاستعمال يحيي ويميت. # مفتاح بسيط لمشكلة العربية، ولكنه عمومي شامل يسعفنا في مجال تقعيدها، وتعليمها، ~~والتعلم بها. ~~(5-1) في مجال التقعيد # التضخم علامة مرضية، هي دائما نتاج شيخوخة ونذير موت. # تضخم القوانين في التشريع، # وتضخم الطقوس في الديانة، # وتضخم القواعد ms206 في اللغة، # كلها تعبر عن ضمور الجوهر واللباب، وغلبة اللحاء والقشور، # وكلها دليل على الترهل والضعف، # وعبء على الحيوية، # وأذان بالزوال. # أسرف النحاة الأوائل في تضخيم قواعد اللغة وإثقالها بكل ما لا يفيد الاستعمال ~~الحقيقي للغة: من حذف وتأويل وقياس واستتار وتقدير، فلا يخلص المرء إلى تعلم ما ~~يفيده إلا وقد تعلم ما لا يفيده! يحكي الجاحظ أنه قال لأبي حسن الأخفش: أنت أعلم ~~الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم ~~أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟ قال الأخفش: أنا رجل لم أضع ~~كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلت ~~حاجاتهم إلي فيها ... وإنما قد كسبت في هذا التدبير إذ كنت إلى التكسب ذهبت، # 20 # وقد تفطن ابن مضاء القرطبي لهذه المأساة منذ ثمانية قرون، ودعا إلى ~~دراسة اللغة كما ينطقها العرب، لا كما تخيلها النحاة. # لسنا نتنازل عن درهم من زبدة اللغة، وإنما نريد إزالة هذا اللحاء اليابس ~~المتراكم الذي يخنقها ويثقل على حاملها فيصرفه عن قشرها ولبابها معا، ليبقى ~~جاهلا بها أبد الدهر. # ليكن مبدؤنا في استخلاص القواعد: كيف نستعمل اللغة كما استعملها العرب وكيف نربي ~~السليقة ونكونها، لا كيف نحفظ ألاعيب النحاة ونخب في كل لون من التعليل ~~والتأويل والتشذيذ ... إلخ مما لم يعرفه الأوائل سادة اللغة أنفسهم ولا خطر لهم في ~~بال! نريد قواعد تعيد إلينا سليقة هؤلاء، أو سليقة قريبة من سليقتهم، نريد لغة ~~نستعملها لا لغة تستعملنا! # وسأضرب مثالين على هذا اللحاء الثقيل الذي يمكن للطالب المبتدئ أن يستغني عنه ~~دون أن يفوته شيء من زبدة العربية أو من منطق العرب: # أسلوب التعجب: من قبيل «ما أجمل السماء». # 21 # الإعراب القياسي الحالي: # ما: نكرة تامة بمعنى شيء عظيم. # أجمل: فعل ماض/جامد/مبني على الفتح/فاعله مستتر/وجوبا/تقديره ~~هو/يعود على «ما». # السماء: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. # يكفي هنا، كما يقول د. أحمد مختار عمر، أن يعرف الطالب ~~شيئين: ms207 ~~(1) # أن هذا الأسلوب يبدأ ب «ما» متلوة بكلمة على وزن «أفعل» ~~يليها المتعجب منه. ~~(2) # أن الكلمة التي على وزن أفعل، والمتعجب منه يكونان ~~دائما منصوبين، (مع التجاوز عن أن الفتحة الأولى عند ~~النحاة فتحة بناء والثانية فتحة إعراب؛ لأنه لا أثر لذلك ~~في تصحيح النطق أو تقويم اللسان). # 22 # أسلوب لا سيما: مثل: «أكثروا من الضحك لا سيما خالد.» # في «تجديد النحو» يقول د. شوقي ضيف: «تكلف النحاة في إعراب صيغة لا ~~سيما صورا كثيرة من التكلف البعيد، فقد ذهب أبو علي الفارسي إلى أن ~~«سي» حال، وذهب ابن هشام في كتابه المغني إلى أن «لا» نافية للجنس، ~~و«سي» اسمها، و«ما» زائدة، و«خالد» بعدها مضاف إلى سي مجرور، أو مرفوع ~~على أنه خبر لمضمر محذوف أي «لا سيما هو خالد»، و«ما» حينئذ - إما ~~موصولة وإما نكرة موصوفة بالجملة بعدها، وذهب بعض النحاة إلى أن «لا ~~سيما» أداة استثناء وما بعدها منصوب. ويستخلص من هذه الآراء أن ما بعد ~~«لا سيما» يمكن أن يكون مجرورا أو منصوبا أو مرفوعا، وإذن ففيم كل ~~هذا العناء في الإعراب وما بعدها يجوز فيه الرفع والنصب والجر؟ طبيعي ~~لذلك أن يلغى إعراب لا سيما من الكتاب». # 23 # وهكذا نختصر قاعدة لا سيما في كلمات أربع: ~~«ما/بعد/لا سيما/مثلثة» # فلا يفوتنا شيء مما يتصل بالنطق العربي السليم، # 24 # وهكذا يتبين لنا أي نزيف للجهد يحيق بالطالب فيما لا طائل منه إلا ~~النهج والدوار، وثأر لا شعوري من هذا العلم الثقيل وهذا الكتاب المضجر. ~~(5-2) في مجال التعليم # توجز الدكتورة بنت الشاطئ أزمة تعليم العربية في فقرة مأثورة: # ليست عقدة الأزمة في اللغة ذاتها، العقدة فيما أتصور هي أن أبناءنا لا ~~يتعلمون أن اللغة لسان أمة ولغة حياة، وإنما يتعلمونها بمعزل عن سليقتهم ~~اللغوية، قواعد صنعة وقوالب صماء، تجهد المعلم تلقينا والتلميذ حفظا، ~~دون أن تكسبه ذوق العربية ومنطقها وبيانها. # ويقول أ. إبراهيم اللبان عضو المجمع اللغوي: «... ويهمني أن أشير إلى حل خاص كرجل ~~اشتغل بالتعليم في مصر ms208 وخارجها، وفي الشرق وفي إنجلترا: ذلك أن اللغة عادة؛ عادة ~~لسانية، وعلماء النفس يقولون إن العادة تتكون بالتكرار؛ لذلك يجب أن يعاد النظر في ~~أمر تعليم اللغة العربية، فهذا التعليم إذا اتجه إلى تكوين العادات المثالية بكل ~~عناية أمكن تذليل الكثير من العقبات.» (مجلة المجمع، ج15، ص80) # وفي كتابه «مشكلة اللغة العربية» يقترح الأستاذ محمد عرفة إلغاء تعليم القواعد في ~~المدارس الابتدائية، والتشديد على تعلم اللغة بالتكرار، والحفظ، والإكثار من ~~المطالعة، وحفظ الكثير من أدب العرب. # 25 # وللأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني حديث شائق عن قصته مع النحو، يخلص منها إلى ~~ضرورة تعليم اللغة كسليقة لا كعلم منفصل. والمازني من أساتذة النثر العربي في كل ~~العصور، وهو شاعر أيضا ومؤسس مدرسة شعرية (مدرسة الديوان مع رفيقيه العقاد وشكري). ~~يقول المازني: «كنت أقرأ ورقة الأسئلة (في الامتحان) وأترك النحو إلى آخر الوقت ثم ~~أتناوله وأروح أجمع طائفة من الأمثلة أستخلص منها القاعدة فأجعل هذا جوابي. هذه ~~كانت طريقتي، وقد استغنيت بها عن حفظ ما في كتب النحو، وأراني الآن أصبحت كاتبا، ~~وكنت في زماني شاعرا كذلك، وقد وسعني هذا وذاك بغير معونة النحو!» # 26 # ويحدثنا المازني عن الأسئلة التي كانت توجه إليه في الامتحانات الشفهية ~~فيقول: «وشرع يسألني عن كلمة (العدوان) ما فعلها الثلاثي؟ ولماذا يقال اعتديا بفتح ~~الدال للماضي واعتديا بكسرها للأمر؟ فلم أعرف لهذا جوابا؛ فقلت هكذا نطق العرب ~~وعنهم أخذنا. فألح في طلب الجواب المرضي؛ فقلت إن اللغة نشأت قبل القواعد، وأنا ~~أنطق وأكتب وأقرأ كما كان العرب يفعلون من غير أن يعرفوا قاعدة أو حكما، فساءه ~~جوابي ونهرني ...» ويقترح المازني أن تحل قراءة الأدب العربي محل النحو، وأن يتم وضع ~~مختارات صالحة لكل سن، وإذا كان لا بد من النحو فليكن ذلك عرضا وأثناء القراءة ~~وعلى سبيل الشرح وللاستعانة به على الفهم، وعلى ألا يكون ذلك درسا مستقلا يؤدى ~~فيه امتحان. وينتقل المازني إلى نقد طريقة تدريس العربية فيقول: «أما الطريقة التي ~~يتعلم بها أبناؤنا العربية فإني ms209 أراها مقلوبة لأنها تبدأ بما يجب الانتهاء إليه.» ~~ويعلق على طريقته المقترحة فيقول: «والطريقة التي أشير بها تجعل العربية سليقة على ~~خلاف ما هو حاصل الآن، فإن أبناءنا يتعلمون العربية كما يتعلمون الإنجليزية أو أية ~~لغة أجنبية أخرى لا يشعرون بصلة بينها وبين نفوسهم، وكثيرا ما يتفق أن يخرج ~~التلميذ وهو أعرف باللغة الأجنبية منه بالعربية، وليس بعد هذا فشل والعياذ بالله.» # 27 # تعليم اللغة باستعمالها. تماما مثلما يتعلم الطفل لغة الحياة، وهي تطرق سمعه ~~آناء الليل وأطراف النهار فيقلدها ويحاكيها، وكم ذا يقع في التعثر و«القياس ~~الخاطئ» فيقوم بإعادة الصواب على سمعه وليس بتلقينه قاعدة صماء، وهكذا ينبغي أن ~~يكون تعليم العربية بالمدارس: أن يقرأ التلميذ ويقرأ، ويسمع ويستمع، ويجول مستطلعا ~~دهشا في النصوص الشائقة الممتعة. أن يبدأ بكل ما هو وظيفي تطبيقي عملي، ثم تأتي ~~القواعد والأصول في المحل الثاني، ويأتي التنظير والحكمة في المرحلة الآخرة (مثل ~~بومة منرفا لا تشرع في التحليق إلا عندما يحل الغسق)، هكذا تواتيه القاعدة وتسقط في ~~يده كتفاحة ناضجة، فيراها بعينيه بعد أن كان يراها بأشواقه. ~~«معرفة أن» و«معرفة كيف» # ثمة تمييز شهير في نظرية المعرفة بين «معرفة ~~أن» # Knowing that # و«معرفة ~~كيف» # Knowing ~~how ~~، «فأن نعرف كيف نقود سيارة أو كيف نخبز كعكة الأناناس ~~المقلوبة، أو كيف نقف على أيدينا؛ تلك معرفة كيف، أو المعرفة كمهارة أو مقدرة، ~~ونحن عادة ما نعجز عن أن نعبر عنها بالألفاظ، فمثل تلك المعرفة تعلم ~~بالتمثيل لا بالكلام، ويطلق على المعرفة حين نعني بها «معرفة أن» اسم ~~«معرفة قضوية» Propositional Knowledge ~~، ~~ومن المفترض عامة أن المعرفة القضوية يمكن أن يعبر عنها لفظيا تعبيرا ~~تاما، بعكس «معرفة كيف».» # 28 # وفي ضوء هذا التمييز الإبستمولوجي بين «معرفة أن» و«معرفة كيف»، يمكننا أن ~~نقول بحسم: إن معرفة اللغة تنتمي إلى مقولة «معرفة كيف» أكثر مما تنتمي إلى ~~«معرفة أن»: فتعليم اللغة ليس عرضا لكم من المعلومات أو القضايا Propositions ~~، ولكنه بالدرجة الأولى ~~«مهارة». وإن تعليم النحو، كما يقول ms210 د. أحمد مختار عمر، لا يتحقق إلا إذا حول ~~القاعدة إلى مهارة، ومكن الدارس من استعمال العبارات استعمالا سليما دون ~~تفكير أو وعي بالقاعدة. وقد جاء عن ابن خلدون في «المقدمة» ما يشير إلى ~~التفاته لهذه المسألة، وسبقه في كل ما هو تحليلي علمي. يقول ابن خلدون في ~~الفصل الخمسين المعنون «في أن ملكة هذا اللسان غير صناعة العربي ومستغنية عنها ~~في التعليم»: «والسبب في ذلك أن صناعة العربية إنما هي معرفة قوانين هذه الملكة ~~ومقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية (أي هو معلومات عن الطريقة ~~وليس الطريقة نفسها)، فليست نفس الملكة وإنما هي بمثابة من يعرف صناعة من ~~الصنائع علما ولا يحكمها عملا مثل أن يقول بصير بالخياطة غير محكم ~~لملكتها: الخياطة هي أن يدخل الخيط في خرت الإبرة ثم يغرزها في لفقي الثوب ~~مجتمعين ويخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا ثم يردها إلى حيث ابتدأت ويخرجها ~~قدام منفذها الأول بمطرح ما بين الثقبين الأولين، ثم يتمادى على ذلك إلى آخر ~~العمل ويعطي صورة الحبك والتثبيت والتفتيح وسائر أنواع الخياطة وأعمالها، وهو ~~إذا طولب أن يعمل ذلك بيده لا يحكم منه شيئا، وكذا لو سئل عالم بالنجارة عن ~~تفصيل الخشب، فيقول هو أن تضع المنشار على رأس الخشبة وتمسك بطرفه وآخر قبالتك ~~ممسك بطرفه الآخر، وتتعاقبانه بينكما وأطرافه المضرسة المحددة تقطع ما مرت ~~عليه ذاهبة وجائية إلى أن ينتهي إلى آخر الخشبة، وهو لو طولب بهذا العمل أو ~~شيء منه لم يحكمه، وهكذا العلم بقوانين الإعراب مع هذه الملكة في نفسها، فإن ~~العلم بقوانين الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل؛ ولذلك نجد كثيرا من جهابذة ~~النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في ~~كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده؛ أخطأ فيها ~~عن الصواب وأكثر من اللحن.» # 29 ~~(5-3) في مجال التعليم باللغة ~~«لا توجد لغة يمكن أن تتهم - في ذاتها - بالقصور أو العجز؛ لأن أي ms211 لغة، على حد ~~تعبير هلمسليف، «تملك القوة الكامنة للتعبير عن الحاجات الضرورية لأي حضارة ... بمعنى ~~أنه لا توجد لغة يمكن أن يقال عنها إنها بدائية، أو إنها ناقصة التكوين.» # 30 # وليس هناك معنى لأن نقول: إن العربية عاجزة عن نقل العلوم بينما نحن لا نستخدمها ~~في نقل العلوم ! فاللغة لا تنمو في فراغ، وإنما تنمو نتيجة نمو أصحابها، وتزداد ~~ثروتها اللغوية بازدياد خبرات أهلها وتجاربهم، والدراسة النظرية وحدها لا تخلق لغة، ~~وإنما يخلقها الاستخدام والممارسة، وربطها باحتياجات أهلها وخبراتهم وحياتهم ~~العلمية واليومية.» # 31 # وقد أثبتت العربية قديما، وهي قريبة عهد بالبداوة وحياة الصحراء، قدرتها الهائلة ~~على نقل العلوم والفلسفات وهضمها والإضافة إليها، وكم بالحري أن تكون قادرة اليوم ~~على نقل العلوم بعد كل ما اكتسبته واختزنته، والعود أحمد. ~~(6) الفرصة السانحة # مما يدعو للاستبشار ويجعل الإصلاح المنشود أمرا ممكنا أننا في كدحنا الإصلاحي ~~المقترح إنما تظاهرنا قوة عارمة لم تكن تخطر ببال أحد من السلف: العولمة، وقوى ~~العولمة وبخاصة وسائط الاتصال. من شأن هذا الاندماج الجديد أن يعكس السنن القديمة ~~للتطور اللغوي! فلم تعد هناك «عزلة» تسبب انشعاب اللغة إلى لهجات ثم تبلور اللهجات إلى ~~لغات منفصلة. تؤدي قوى العولمة على العكس إلى تقريب اللهجات ثم توحيدها في النهاية، ~~ويبقى أن نسخر ذلك لخدمة فصحى جديدة تنشرها الفضائيات وتلقيها على سمع الناس بكرة ~~وعشيا، فصحى قريبة من عقول الناس وقلوبهم، ومعايشة لعصرهم وجيلهم، ومترجمة لشئونهم ~~وشجونهم، فصحى تسترفد العامية والأجنبية ولا تنفصل عنهما تمام الانفصال، فصحى يستعرب ~~فيها كل جديد ابتلعته وهضمته وأحالته إلى كيانها وبنيتها، فصحى جديدة نتآزر جميعا على ~~تأسيسها كما أسس دانتي الإيطالية، غير أنها لا تعزب عن فصحى التراث لأنها امتداد ~~لعربية أصيلة تتطور من داخلها ولا تفقد جذرها الثلاثي أبدا، فصحى تفهمنا وتفهم حياتنا ~~الجديدة العجيبة، ولا نزال نفهم بها حياة الأعشى والشنفري وتأبط شرا! # | تذييل # مقدمة كتاب: تجديد لا تبديد # 1 # بقلم د. عادل مصطفى # العربية في أزمة؛ يجفوها أهلها ويهجرها بنوها، ولا يكاد يتقنها ms212 سدنتها وأحبارها. # العربية على فراش المرض، تعاني من تضخم في القواعد والأصول، وفقر في المصطلح، وعجز عن ~~مواكبة الجديد ومجاراة العصر. # الداء واضح للعيان، ولم يعد بالإمكان إخفاؤه، فبئس الدواء إنكار المرض، وبئس الحل إنكار ~~المشكلة. # وقد رأيت الناس في هذا الأمر واحدا من اثنين: إما كاره للعربية بطبيعته ومستصعب بها ~~وراغب في أن يسمع نعيها في أسرع وقت، وإما متزمت يريد أن يحنطها كما هي ويقف بها حيث وقف ~~الأسلاف منذ أكثر من ألف عام، وفي الكتاب الذي بين يديك يخط الدكتور سليمان جبران طريقا ~~ثالثا أكثر واقعية وحصافة ونبلا. # هذا الحزب الثاني، حزب الغلاة الغيورين المحافظين، ليس بعيدا في مآله عن الأول: يوشك ~~تنطعهم القائم على أساس مغلوط ومصادرات باطلة أن يترك مركب اللغة يغرق بحمله، وتوشك ~~العربية في قبضتهم المتشنجة أن تموت اختناقا. # ينسى المحافظون، هواة قل ولا تقل، أن اللغة ليست كيانا كلسيا نهائيا، إنما ~~اللغة في سيولة دائمة، وفي تحول دائب وإن كان بطيئا لا يكاد يدرك إلا بمر العقود أو ~~القرون. علوم اللغة كانت تقعيدا للغة في لحظة زمنية معينة، وفي لحظة أخرى ينبغي أن تكون ~~هناك علوم أخرى. # ينسى هؤلاء أن اللغة في سيرورتها في الزمان تعتريها تغيرات كثيرة: منها التغير الصوتي ~~والتغير النحوي والتغير الدلالي أو «السيمانتي». # 2 ~~(1) العربية لا هي عاجزة ولا معجزة # يقوم الدرس اللغوي العربي على مصادرة نهائية، سواء صرح بها أو لم يصرح، مفادها أن ~~اللغة البشرية هبطت من السماء، وظهرت فجأة، بطريقة إعجازية خارقة، في لحظة زمنية ~~واحدة، مستوية مكتملة، كما ولدت منرفا من رأس زيوس! اللغة عند هؤلاء هي «توقيف» أو وحي ~~أو إلهام من الله، وحتى القلة من اللغويين العرب التي ذهب إلى أن اللغة «اصطلاح» أو ~~عرف أو تواضع بين ثلة من الحكماء (من البشر أو غير البشر)؛ حتى هذه القلة # 3 # لا تحيد كثيرا عن فكرة التوقيف في صميمها ولبابها: فاللغة، بعد كل شيء، هي ~~كيان نهائي ثابت محكم، خلاب الصورة مذهل البنيان، ms213 أتى بتدبير مدبر وفعل ~~فاعل. # لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة التاريخية من تطوره، لحظة تأسيس علوم اللغة، لم ~~يكن قد تخلص بعد من آثار الشفاهية والبدائية وسذاجة الطفولة البشرية، كان عقلا قديما ~~يهيمن عليه «باردايم» # 4 # قديم بائد، وما يزال يتلقط رواية من هنا وأسطورة من هناك يسد بها الثغرة ~~وينفي الحيرة. وكان التاريخ عنده لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، ومن ثم لم يكن بوسع ~~الإنسان في هذا التاريخ المقزم أن يصنع شيئا هائلا كاللغة؛ من هنا تنفذ الأسطورة ~~وتستوي وتتربع. # وجه الأمر أن كفاح الإنسان على الأرض بدأ منذ ملايين السنين، كما تدلنا علوم ~~الأنثروبولوجيا والجيولوجيا، وأن اللغة ظاهرة اجتماعية نشأت على رسلها كنتيجة حتمية ~~للحياة في جماعة أفرادها يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ وسيلة للتواصل والتعبير ~~وتبادل الأفكار والخواطر، اللغة ظاهرة اجتماعية تظهر بظهور المجتمع وتتأثر بعاداته ~~وتقاليده وطرائق سلوكه وتفكيره، وتخضع لسنن التطور الذي يخضع لها المجتمع، فترتقي ~~بارتقائه وتنحط بانحطاطه. # لم يكن العرب نسيج وحدهم حين نسبوا لغتهم إلى قوة عليا خارقة وأضفوا عليها صفة ~~الكمال وقالوا بأسبقيتها على بقية اللغات وبأفضليتها على سواها وباستحالة البيان بأي ~~لغة أخرى، تلك هي «مركزية العرق» أو «المركزية ~~الإثنية» # Ethnocentrism # التي تسم كل المجتمعات البشرية، وبخاصة في مراحل تطورها ~~الأولى، وتحمل كل شعب على أن يغلو ويتشدد في أية عناصر يجدها خاصة به وحده ومميزة له ~~عن الآخرين: جماعتنا هي الصواب وغيرها الخطأ ... هي الحق وغيرها الباطل. # الحق أن جميع الثقافات القديمة ذهبت إلى أن لغتها كانت هي اللغة الأولى، وكانت من صنع ~~الآلهة، وكانت أفضل اللغات. يقول جالينوس: «لغة اليونانيين هي أفضل اللغات؛ لأن سائر ~~اللغات تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع»، وقد ذهب المصريون القدماء إلى أن ~~اللغة الأولى هي اللغة المصرية، وأن أسلافهم الآلهة قد أنعموا بها على أهل مصر القديمة، # 5 # وكما قال أول فرعون مصري بإحضار اللغة للإنسان، كذلك قام الإمبراطور الصيني ~~تين تسو، ابن السماء، بفعل الشيء نفسه. أما ms214 في اليابان فقد كانت الإلهة إماتراسو، إلهة ~~الشمس، هي خالقة الإنسان ولغته، بينما قام إنليل بهذا الدور في الشرق الأوسط، # 6 # وقد ادعى اليهود أن لغة الرب ولغة الملائكة هي العبرية، وأن أول شيء كتب ~~على صفحة السماء السابعة بيد الله هو حروف هذه اللغة، كما ادعى الفرس أن لغتهم ستكون ~~لغة التخاطب في الجنة، وقبلهم قال السريان إن لغة أهل الجنة ولغة الحساب في الآخرة هي السريانية. # 7 # ليست العربية أم اللغات، ولا هي لغة مقدسة لا تتغير ولا تتبدل، ومثل هذه الدعاوى ~~المتعصبة لا تخدم اللغة في شيء، بل تؤدي إلى جمودها وموتها، ومن جهة أخرى ليست العربية ~~عاجزة، والحق أنه ليست هناك لغة عاجزة، وليس هناك معنى لقولك: «اللغة س عاجزة»، إنما ~~العجز صفة لأصحاب اللغة، فاللغة مرآة أصحابها كيفما كانوا، وأنت حين تقول: «اللغة س ~~عاجزة» تقع في «خطأ مقولي» # Category Mistake # خفي ~~وتصف الأشياء بما لا توصف به. والصواب أن تقول «الجماعة ص عاجزة لغويا في اللحظة ن»، ~~فإذا ما شب هؤلاء عن الطوق وأرادوا أن يرتقوا بقدراتهم الاتصالية والتعبيرية فلن ~~يعجزهم هنالك أن يجدوا الغطاء الرمزي اللازم، ستواكبهم لغتهم في تطورهم وترتقي ~~بارتقائهم، وليست العربية فاشلة في نقل العلوم، وإنما نحن من تحكمنا عقدة الفشل ~~فنتردد في التعريب ونتهيب التجربة ونسوفها، لتبقى العربية في مجال العلوم ضامرة ~~هزيلة، وتحقق النبوءة ذاتها: «العربية عاجزة عن نقل العلوم». ~~(2) الترادف، غنى أم ثرثرة؟ # في مقالة «الترادف: غنى أم ثرثرة؟» تجد تحليلا عميقا لنشأة الترادف في اللغة ~~العربية واتساع مداه، ونقدا سديدا لأثره وجدواه، وأود أن أفيض بعض الشيء فيما أشار ~~إليه المؤلف باقتضاب وهو يعرض لأسباب نشأة الترادف المفرط في اللغة العربية، أفيض في ~~ذلك لا لشيء إلا لأنه يلقي الضوء أيضا على نشأة العربية الفصحى بصفة عامة: إن من أسباب ~~الترادف عملية جمع المادة اللغوية على أيدي قدماء النحاة. # لقد قام قدماء النحاة بالخلط بين اللهجات العربية جميعا خلطا أدى إلى اضطراب ~~القواعد اللغوية بصورة تصل ms215 إلى حد التناقض، وقدموا لنا في النهاية وصفا لا ينطبق على ~~أي لهجة من اللهجات التي كان يتحدث بها العرب في ذلك الوقت. لقد كانوا يحتالون لجمع ~~المادة اللغوية من كل سبيل، بالارتحال إلى البادية، وباستقبال البدو في الحواضر والأخذ ~~عنهم، وهم في ذلك الأخذ لم يفرقوا بين قبيلة وأخرى، أو بين فرد وآخر، أو بين النثر (وهو ~~اللغة المعيارية المنضبطة) والشعر (وهو المدلل بالضرورات والرخص)، # 8 # ولم يفرقوا بين المثقفين والأجلاف، وربما أخذوا عن النساء (كذا) والصبيان ~~والمجانين دون تفطن منهم إلى وجود فوارق تركيبية ودلالية بين المستويات اللهجية ~~ومستوى اللغة الفصحى، لعل هذا الخلط في الأخذ والتلقي كان من الأسباب التي أدت إلى ~~اضطراب بعض القواعد، وإلى ظاهرة الترادف وكثرة المترادفات بدرجة غير معقولة، وإلى ~~الاضطراب الواضح في أوزان الفعل الثلاثي وصيغه المختلفة، بل إن كثيرا من المواد التي ~~استندت إليها أحكام قدماء النحاة هو من اختراع هؤلاء النحاة أنفسهم، ومن اختراع الأعراب ~~نتيجة لضغط النحاة، # 9 # ونتيجة لما صار إليه أمر الرواية إذ أصبحت حرفة مكتسبة تدر على صاحبها ~~دخلا وفيرا، فتحمله على أن يختلق الروايات من أجل الكسب المادي، # 10 # لقد آن لنا، كما يقول العلايلي في مقدمة «المعجم»: «أن نأخذ بمذهب الجد، ~~وإلا وضعت العربية في الموضع القلق والمحل المتهافت والمضمار الضيق، وتبعة كل أولئك ~~إنما تقع على كاهل اللغويين وحدهم حين وقفوا موقفا لا يحيد عما تواضعه سالفو اللغويين، ~~من قوانين لم تكن في أولها إلا وهما خاطئا، أو نتيجة درس غير مستقيم ولا محقق، كأكثر ~~ما نرزح تحته من تقاليد وعادات، لم تكن في الواقع البعيد الماضي أكثر من مغالط صيرها ~~التاريخ عقائد.» ~~(3) تصحيح الصحيح # يوشك هواة قل ولا تقل أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول. # في فصل «تصحيح الصحيح» يعرض المؤلف لصنيع المحافظين هواة «قل ولا تقل»، الذين يؤذون ~~العربية من حيث يريدون أن يصلحوها، يتكلف هؤلاء تسقط الأخطاء ويجعلون منه حرفة ~~تذكرنا بتصيد الساحرات في القرون الوسطى، يتناسى هؤلاء ms216 ظاهرة التطور اللغوي والتحول ~~الدلالي، ويعرضون الاستخدام الجديد على المحك القديم - المحك الخطأ، فاللغة هي، ببساطة، ~~ما يقوله الناس، وما يقوله الناس يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وتبدل الأحوال ~~والأوضاع. # حين يشيع خطأ لغوي شيوعا تاما، وتختلف عليه حقب وعقود، يتحول عنصره وتتبدل صفته، ~~ويغدو قاعدة «بوضع اليد»، لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق، على أن باطن الأمر أعمق من ~~ذلك: فما كان لهذا الخطأ أن يشيع كل الشيوع وينتشر كل الانتشار ويلقى كل القبول لو لم ~~يكن يقدم للغة خدمة ما، ويفي للفكر بحاجة ما، ويملأ فراغا اتصاليا كان شاغرا قبله، ~~ومن الخسران أن نضحي به ونفقد خدماته بدعوى الأخطاء الشائعة وحجة قل ولا تقل. # يقول لك المتزمت: قل «متحف» بضم الميم، فلماذا أباح العرب لأنفسهم تجنب اللفظة ~~الثقيلة حتى لو جرت على القاعدة، بينما نجعل نحن ذوقنا مطية؟ والله ما أنا قائل إلا ~~«متحف» الدارجة الرائجة المحكية صديقة لساني حتى لو شذت عن القاعدة، فما بالك إذا ~~كانت «متحف»، في حقيقة الأمر، صائبة بقاعدة الاشتقاق الثانوي من «تحفة»؟! والشيء نفسه ~~ينسحب على كلمة «تقييم» # Evaluation # التي يخطئها ~~الغلاة ويردوننا أن نقول: «تقويم»؛ لأن الأصل الواو، فلا يورثنا تصويبهم إلا خلطا ~~والتباسا مجانيا، ولا تدري أنعني من الكلمة: التصحيح أم العقاب أم حساب الزمن أم ~~مواقع البلدان أم تحديد القيمة! وما بالك إذا كانت «تقييم» صحيحة بالاشتقاق الثانوي من ~~«القيمة»؟ # يقول لك الزميت لا تقل «هام» وقل «مهم»، أو لو كانت «مهم» ثقيلة الظل بل مضحكة ~~في بعض السياقات؟ ثم تحقق في الأمر علميا فتجد أن لا خطأ هناك ولا خطية: فهناك ~~فعلان «هم» و«أهم» والاثنان بمعنى أحزن وأقلق، فتكون «هام» و«مهم» (اسما ~~الفاعل) كلتاهما صحيحة. ~~(4) على هامش التجديد والتقييد # في هذا الفصل الذي يعد الفصل الرئيسي في الكتاب يقدم المؤلف خطرات ثاقبة وتطبيقات ~~حية لأفكاره النظرية، ونماذج لما يجب أن يكون عليه العمل العلمي اللغوي كحارس للمسار ~~وضابط لإيقاع التحول، وعاصم للغة من الجمود والتحجر، ومن التنكس أيضا ms217 والتحلل ~~والميوعة، أنت هنا بإزاء لغوي خبير، باقعة حجة، محنك مجرب، عرك اللغة وسبر ~~أغوارها وأفنى في درسها وتدريسها زهرة العمر، يرفدك بتحليلات موضوعية عميقة، ~~وتخريجات أمينة سديدة، بعيدة عن خواطر الهواة الذين يتجرءون على اللغة ولم يمتلكوا ~~أدواتها، فتفضحهم عجمتهم وترد عليهم ركاكتهم ذاتها وتكفي خصومهم الرد، وتجرح كل ما قيل ~~منهم وكل ما سيقال. أنت، باختصار، أمام حكم من بيت اللغة، وشاهد من أهلها. ~~(5) دفاع عن اللغة العامية (المحكية) # لعله أهم مقالات الكتاب، أو المقال المفتاح؛ لأنه يفتح لنا الطريق إلى الإصلاح اللغوي ~~الواقعي، مؤلم هو في قراءته، لأنه يفتح جرحا أيضا، بل خراجا لا مفر من فتحه قبل أن ~~نتحدث عن أي إصلاح لغوي حقيقي. # ينبغي أن نعترف أن محكيتنا هي لغة قائمة بذاتها، وأننا، من ثم، شعب «ثنائي اللغة» # Bilingual ~~! وأن التزمت وانغلاق باب الاجتهاد ~~والتجديد عبر القرون هو ما أوصلنا إلى هذه الحال، لدينا لغة طبيعية هي المحكية ~~(العامية)، ولغة أخرى، صناعية بمعنى ما، هي ما يسمى الفصحى، لا يتحدث بها أحد في ~~حياته اليومية، وإنما هي مقصورة على الصحف والكتب والمؤتمرات والخطب المنبرية ونشرات ~~الأخبار والأفلام التسجيلية، نسمعها، أو نكاد، كلغة أجنبية، ونكتسبها كلغة أجنبية، ~~ونكتبها كلغة أجنبية. # نحن شعب معطوب لغويا قبل أي عطب آخر، فالطبيعي في كل المجتمعات الناطقة أن تكون ~~الفصحى والعامية امتدادا ومتصلا واحدا فردا، يتدرج من اللغة اليومية البسيطة إلى ~~اللغة الرسمية المركبة تدرجا سلسا لا خلجان فيه ولا صدوع ولا فجوات، بحيث إن الطفل ~~ليدرس في معهده تلك اللغة نفسها التي يتحدث بها في الطريق، ويقرأ ويكتب باللغة نفسها ~~التي يدهش بها ويضحك، ويحلم بها ويحب، أما نحن فذهننا منفصم مشطور بين لغتين بينهما ~~قطيعة تاريخية وثأر قديم، إن بين عاميتنا وفصحانا هوة فاغرة، بحيث يصح أنهما لغتان ~~منفصلتان، وأننا في واقع الحال شعب «ثنائي اللغة»، غير أنها ثنائية هولية شائهة: ~~عاميتها هي المركبة المتطورة الحية الجريئة، وفصحاها هي الهزيلة الضامرة الذابلة ~~المنطوية، وهي بهذا الوضع المقلوب ثنائية ms218 إفقار لا إثراء، ربما لذلك لا نبدع ولا نضيف، ~~ولا نعرف لذة العمق وعزاءه، ربما لذلك نبغض لغتنا ونضحك منها، ونطرب لكل أعجمي ألكن، ~~وننبطح لكي أجنبي أشقر، ونوشك أن نكفر بلغتنا ونعتنق لغة غيرنا ونكبرها ونتنفج بها ما ~~استطعنا إلى ذلك سبيلا، هذا هو العطب الصميم، ولا أحسبنا تقوم لنا قائمة ما لم نقتحم ~~هذه المشكلة ونر فيها رأيا. ~~(6) وصفة للإصلاح اللغوي # قلت: إن مقال «دفاع عن اللغة المحكية» يفتح لنا طريق الإصلاح اللغوي الواقعي، ~~فليأذن لي الدكتور سليمان أن أنطلق من مقاله إلى ما أظنه الإصلاح الحقيقي الحصيف. تتلخص ~~وصفتي في كلمة واحدة: «الاستعمال»، فإن استزدتني قلت «والاستعمال»، فما الخطب؟ # اللغة، جوهريا # Ultimately ~~، استعمال، منشأ اللغة ~~الاستعمال، واستواء اللغة بالاستعمال، وتطور اللغة في الاستعمال، تموت اللغة حين تهجر ~~اللسان، نحن لا نستعمل العربية، وبمنطق «النبوءة المحققة لذاتها» # Self-Fulfilling Prophecy # فإننا نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب، ~~ونجفوها فتشحب وتنسحب، ولا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يصدق نعيه! # ثمة أشياء في الحياة، كاللغة (والديمقراطية، والحرية، والتعريب)، تأتي إلى الوجود مثل ~~«درب هيدجر» الذي «يخط لا من أجل السير وإنما بفعله»! إنه طريق تعبده الأقدام ~~نفسها، ومن ثم فلا وجه ولا مبرر ولا معنى لتسويف السير، # 11 # لا بديل لنا عن «السعي اللغوي»، أو «الكدح اللغوي»: أن نضع لغتنا على ~~ألسنتنا، أن نستعمل لغتنا في كل مناشط الحياة، أن نعرب العلم ونوطنه في لغتنا، # 12 # فلا نكون عالة على غيرنا في القول؛ أن نلاحق كل جديد بالترجمة والتعريب، ~~وأن نعجل بذلك ولا نتمهله (في التأني اللغوي الندامة كما يقول العفيف الأخضر) والأهم ~~بعد ذلك أن نستعمل هذا المعرب والمترجم ونلح في استعماله حتى يهذبه الإلف ويصقله وينفي ~~عنه النبوة المعهودة في كل طارف مستجد، فنستسيغه، ولا نعود نستوحشه وننفر منه ~~(ذائقتك على ما عودتها)، ستقابلنا النتوءات والعقبات، ولن نعدم حلولا، سنشق الطريق ~~بالسير نفسه، ونستخلص الدواء من الداء. # تعريب العلوم، ممارسة التصنيع والتحديث، ممارسة الإبداع العلمي والفكري والفني ~~والشعري بخاصة (الشعر يغسل ms219 اللغة، يخلخل التراكيب، يفرغ الألفاظ من ماضيها ويعلمها أن ~~تقول ما لم تتعود قوله ...)، ممارسة الحرية (وهذه وصفة أدونيس)، # 13 # كل أولئك خطوط علاجية مهمة لتجديد العربية وإصلاح حالها. # سنسلم، مرحليا، بثنائية اللغة، وعلينا أثناء سيرنا على درب العربية الجديدة أن ~~نطاوع الضغطين: الخارجي (ضغط اللغة الأجنبية - الإنجليزية بخاصة)، والداخلي (ضغط اللغة ~~المحكية - العامية)، أن نهادن، مرحليا، ونعترف بسلطان هاتين اللغتين ونتعامل معهما ~~بود، ونسترفدهما بحيث تقترب لغتنا العربية من الثنتين وتفيد من مزاياهما، تأخذ عنهما ~~وتستوعب وتتمثل، ثم تحيل إلى كيانها وبنيتها، مثلما فعلت على مر العصور السابقة على ~~سيبويه والخليل. علينا أن نقرب الفصحى من المحكية (في الصحافة والإذاعة والفضائيات ~~كالجزيرة، والإنترنت، وبقية الوسائط)، وأن نقرب المحكية من الفصحى، كما يحدث تلقائيا ~~مع انتشار التعليم والثقافة، وكما يحدث حين نشجع الأدب المحكي الذي يماس الفصحى ولا ~~يكاد يختلف عنها اختلافا نوعيا (مثل أغنيات أحمد رامي في السابق، وأشعار ماجد يوسف ~~في الحاضر). # شيئا فشيئا ستنمو الفصحى وتنتعش، ولا تزال تذوب العامية في بطن الفصحى الجديدة حتى ~~تتقلص الفجوة الفاصلة بينهما وتصبح الفصحى الجديدة لغة محكية لا تفارق اللسان، تصبح ~~«لغة حية». # ثم علينا مواكبة التحول اللغوي أكاديميا، مع تقنينه وتقعيده أولا بأول، مثلما تفعل ~~الأمم المتطورة لغويا، إنه ضبط لإيقاع التحول حتى لا تسير الأمور كيفما اتفق ويذهب ~~القوم شذر مذر. «إن اللغة لفي سيرورة دائمة وتحول دائب، وهناك ألف سبب يلح ~~على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم، وما ~~دامت اللغة في تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد ~~الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم اللغوية توترا محسوبا بين ~~«المعيارية» و«الوصفية»: معيارية تحفظ اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح له ~~آفاقا للتطور والارتقاء.» # 14 ~~(7) هل العربية لغة صعبة؟ # لعل السؤال الصحيح في هذا المقام هو: هل هي صعوبة مجانية؟ صعوبة بلا مقابل؟! الحق ~~أنها إن كانت صعبة فإنما هي الصعوبة الناشئة عن ms220 الثراء كما يقول د. مفيد أبو مراد، ~~«والواقع أن العربية غنية جدا بفضل مؤهلات للغنى اللامحدود، أشهرها أربعة: ~~(أ) الغنى الاشتقاقي ... حتى إن المادة اللغوية الواحدة (الجذر الثلاثي) يمكن أن يتولد ~~منها عشرات بل مئات من المشتقات، التي لا يستعمل منها إلا جزء قليل، فهي أشبه برصيد ~~مصرفي مفتوح، لك أن تبقيه على حاله الأصلي، أو أن تسحب منه ما تشاء، مستخدما وسائل ~~متنوعة وأساليب عديدة للتنفيذ أو للإعمال. (ب) الغنى الجغرافي أو الأفقي، وينجم من تأثر ~~اللسان بالبيئتين الطبيعية والاجتماعية، ونظرا لاتساع رقعة الناطقين بالعربية، ~~والمتعاملين بها من مسلمين أعاجم ومستعربين غير مسلمين، فمن الطبيعي أن تتنوع أساليب ~~النطق، والتراكيب التعبيرية، والاصطلاحات ... إلخ. (ج) الغنى التاريخي أو العمودي الناجم ~~من تعاقب الاستعمالات والحضارات والمؤثرات. (د) الغنى الاقتباسي، بحيث يمكن توظيف ~~ألفاظ عربية لتأدية معنى مضاف كالملاءة المصرفية، والبرق، والتحويلات ... أو إدخال ~~ألفاظ أعجمية، تعرب فتجري مجرى المادة اللغوية العربية، كالفلسفة والفلم والفردوس ~~والكلية والهدرجة والأكسدة ... إلخ، ومن الطبيعي أن يتعذر على طالب العربية أن يحيط بجماع ~~هذه الثروة اللسانية المعجزة، ولكن أليس من الطبيعي أيضا أن يقصر الطالب همه اللساني ~~على ما يعنيه من أمر اللغة، فيكتسب ما تيسر من عناصر المادة الأولية اللغوية وأوليات ~~النحو والصرف، وأوليات البلاغة والعروض والألسنية؟ وهي عدة كافية لتوفير الحد الأدنى ~~من التراكيب والمفردات الضروري له للتعامل مع محيطه الاجتماعي والمهني، وللتصرف باللسان ~~كأحد أبنائه، بل كسيد من سادته، وهل يحتاج غير المتخصصين باللغة إلى أكثر من هذا؟!» # 15 # أما حركات الإعراب (أي اختلاف الحرف الأخير أو الأحرف الأخيرة في الكلمة حسب موقعها ~~من الإعراب) ونجد مثله في اللاتينية وفي اللغات السامية القديمة وفي كثير من اللغات ~~القديمة، فهو بغير شك صعوبة كبرى، غير أنه صعوبة مجزية، ووجوده في اللغة العربية يمنحها ~~مزايا تعبيرية وطاقات بيانية وموسيقية هائلة، هل الموقع من الإعراب سوى موقع من ~~المعنى؟ الإعراب يضمن تماسك المعنى فيتيح للعربية مراغما كثيرا للقيم الشكلية الدالة، # 16 # يتيح لها التقديم والتأخير (كأن ms221 عظامها من خيزران كما يقول مارون عبود)، ~~ويتيح تبديل الصدارة والخلفية بما يقتضي الحال («الله أعبد» غير «أعبد الله»، ~~معنويا وعروضيا)، وتيسير التقفية في الشعر وحشد الدلالة عند القافية بحيث تؤتي ~~أثرا شعريا جماليا وتنتزع السامع من نفسه وترمي به في الوجد. إنه الخاصة ~~البوليفونية الكامنة في العربية، والتي تجعلها مغردة بالطبيعة شعرية بالوراثة، وتسمح ~~لها أن تتأود دون أن تنقصف، وتتمايد دون أن تنخسف، وتتيح لها أن تتراقص بليونة وأرجلها ~~ثابتة على الأرض (بل لعله يتيح لها أن تكون أكثر دقة علمية وإبانة فكرية). # الكاتب بالعربية كالعازف على البيانو: لديه أكثر من اعتبار يراعيه في الوقت الواحد ~~وأكثر من إصبع ينقرها في ذات اللحظة! إنه لأمر عسير وخطة صعبة، ولكنها صعوبة ~~الثراء، صعوبة الجمال. # وحركات الكتابة صعوبة بلا ريب، ولكنا نعلم أنه بالنسبة للقارئ المتمرس لا لزوم ~~للتحريك في أغلب الكلام، وأما لغير المتمرس فإن تقنيات الطباعة الحديثة قد حلت هذه ~~المشكلة المزمنة من حيث لا نحتسب. العربية لغة تكتب على ثلاثة أسطر، وتقرأ مثلما تكتب ~~(بمراعاة قواعد بسيطة) بدقة تامة وكمال عجيب. # والمثنى وتصريفاته وإعرابه صعوبة بلا شك تكاد تنفرد بها العربية، ولكن أليس «اثنان» ~~عددا ذا وضع خاص؟ ثمة في الوجود علاقات لا تكون إلا «ثنائية»، وتنبئنا السيكولوجية ~~الحديثة أن «الجماعة» تبدأ من العدد «ثلاثة»، أما «الاثنان» فليسا «جماعة» بأي حال، وفي ~~العلاج النفسي الجمعي تمر الجماعة بمرحلة غير ناضجة تظهر فيها الثنائيات أو ~~«الأزواج» Pairs ~~، ولا تصبح الجماعة جماعة بحق ~~إلا بعد تلاشي هذه الثنائيات، الاثنان إذن تصنيف عددي قائم بذاته، واللغة التي تغطي ~~ذلك دلاليا هي، على صعوبتها، لغة أكثر إبانة وأدق تصويرا. # صفوة القول أن العربية، بعد كل الذي قلناه عن منشئها العشوائي الغامض والملتبس، وعن ~~«صناعيتها» و«لاطبيعيتها»، قد تجاوزت منشأها ولم تعد تنجرح بانجراحه، # 17 # هي لغة بديعة خلابة البنيان، وأنت مع العربية بإزاء وحش خرافي جسيم، لو ~~أمكنك أن تروضه وتستأنسه لفعلت به الأفاعيل، هي ثروة طائلة تركها لنا الأجداد سادة ~~الأرض ms222 في تجليهم، ومن السفه أن نتنازل عنها ببساطة. إنها بحاجة إلى هندسة إصلاحية ~~«جزئية» Piecemeal ~~«فابية» # Fabian # لا إلى ثورة عارمة هادمة لا تبقي ولا تذر، بحاجة إلى العلاج ~~لا البتر. بحاجة إلى أن نقتدي بالسلف في الخصلة التي جعلتهم سادة الأرض يوما، في روحهم ~~الاجتهادية ذاتها وليس في أي شيء آخر، فنفكر مثلما فكروا، ونجتهد مثلما ~~اجتهدوا. # لنعترف أن العربية تعاني من بعض الصعوبات المجانية، وأشهرها تمييز العدد، وبعض ~~العيوب البنيوية مثل : # غياب خاصية اللصق الأفقي (التركيب أو إدخال الضمائم - البادئة واللاحقة ~~أو البوادئ واللواحق)، وهي خاصية مهمة في لغة العلم والفكر. # عدم وجود كلمة تربط المضاف بالمضاف إليه، الأمر الذي يورث لبسا. # عدم السماح بأكثر من مضاف للمضاف إليه الواحد، # 18 # وهو عثرة بلا ضرورة. # تعذر النسبة إلى التسميات المركبة الطويلة ... # إلى غير ذلك من العيوب وأوجه القصور التي ينبغي أن نتناولها بالإصلاح والتعديل، ونجعل ~~منها مادة للتجديد اللغوي ومضمارا للسعي الإصلاحي الحثيث، والتي يعرض هذا الكتاب ~~لنماذج طليعية مهمة منها. # لا أتوقع ولا أنتظر أن يلبي شيوخنا المحافظون نداء التجديد، ومن يدري لعل وجود حزبهم ~~الغيور المحافظ أن يخدم مسيرة التجديد ويعصمها من الميل والشطط! # عادل مصطفى # 7 / 4 / 2009 # | من مراجع الكتاب ومصادره # د. إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1991. ~~--- ~~: من أسرار اللغة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط8، 2001. ~~--- ~~: موسيقى الشعر، مكتبة الأنجلو المصرية، ط6، 1988. ~~--- ~~: مستقبل اللغة العربية المشتركة، معهد الدراسات العربية العالية، مطبعة ~~الرسالة، القاهرة، 1960. ~~--- ~~: في اللهجات العربية، مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1952. # إبراهيم عبد القادر المازني: أحاديث المازني، الدار القومية للطباعة والنشر، ~~1961. # ابن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، ~~1999. ~~--- ~~: التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري، تحقيق ناجي ~~القيسي، بغداد، 1962. # ابن خلدون: المقدمة، دار صادر، بيروت، ط1، 2000. # ابن رشيق: العمدة، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، 1972. # ابن سلام: طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، القاهرة، 1973. # ابن فارس: الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق السيد أحمد صقر، ms223 مطبعة الحلبي، القاهرة، ~~بدون تاريخ. # ابن مضاء القرطبي: الرد على النحاة، تحقيق د. شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ~~1982. # ابن النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت، ط2، 1997. # أبو حيان التوحيدي: المقابسات، شرح وتحقيق حسن السندوبي، مكتبة الأسرة، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006. ~~--- ~~: الإمتاع والمؤانسة، صححه وضبطه أحمد أمين وأحمد الزين، منشورات دار مكتبة ~~الحياة، بيروت، بدون تاريخ. # حفني ناصف: الأسماء العربية لمحدثات الحضارة والمدنية، مطبعة جامعة القاهرة، ~~1956. # د. رمضان عبد التواب: «التطور اللغوي: مظاهره وعلله وقوانينه»، مكتبة الخانجي، ~~القاهرة، ط3، 1995. ~~--- ~~: بحوث في فقه اللغة، جامعة عين شمس، القاهرة، بدون تاريخ. # ر. ه. روبنز: موجز تاريخ علم اللغة، ترجمة د. أحمد عوض، عالم المعرفة، الكويت، ~~العدد 227، نوفمبر 1997. # الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن المبارك، دار النفائس، بيروت، ~~1972. # د. زكريا إبراهيم: مشكلة البنية، مكتبة مصر، القاهرة، 1976. # د. الزواوي بغورة: «الفلسفة واللغة: نقد «المنعطف اللغوي» في الفلسفة المعاصرة»، ~~دار الطليعة، بيروت، 2005. # ساطع الحصري: في اللغة والأدب وعلاقتهما بالقومية، بيروت، 1985. # ستيفن أولمان: دور الكلمة في اللغة، ترجمة د. كمال بشر، القاهرة، 1962. # د. سعيد حسن بحيري: المدخل إلى مصادر اللغة العربية، مؤسسة المختار للنشر ~~والتوزيع، القاهرة، 2000. # سعيد عقل: «غد النخبة»، في: «سعيد عقل: شعره والنثر»، المجلد الثاني، نوبليس، بيروت، ~~1991. # سلامة موسى: البلاغة العصرية واللغة العربية، سلامة موسى للنشر والتوزيع، ~~القاهرة، ط3، 1964. # السيوطي (جلال الدين): المزهر في علوم اللغة، المكتبة العصرية، صيدا، ~~1987. ~~--- ~~: الأشباه والنظائر، حيدر أباد، ط2، 1359ه. ~~--- ~~: الاقتراح في علم أصول النحو، تحقيق أحمد الحمصي ومحمد قاسم، جروس برس، ~~1988. # شعبان العبيدي: النحو العربي ومناهج التأليف والتحليل، جامعة قاريونس، ليبيا، ~~1989. # د. شوقي ضيف: تجديد النحو، دار المعارف، القاهرة، ط5، 2003. # د. طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر (1938)، دار المعارف، القاهرة، 1993. # د. عادل مصطفى: «كارل بوبر: مائة عام من التنوير ونصرة العقل»، دار النهضة ~~العربية، بيروت، 2002. ~~--- ~~: دلالة الشكل، دار النهضة العربية، بيروت، 2001. ~~--- ~~: «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، المجلس الأعلى للثقافة، ~~القاهرة، 2007. # عباس حسن: اللغة والنحو بين القديم والحديث، دار المعارف، القاهرة، 1966. # عباس محمود العقاد: اللغة الشاعرة، منشورات ms224 المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، بدون ~~تاريخ. ~~--- ~~: أشتات مجتمعات في اللغة والأدب، دار المعارف، القاهرة، ط6، 1988. # د. عبد الرحمن بدوي: المنطق الصوري والرياضي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط5، ~~1981. # د. عبد الصبور شاهين: في علم اللغة، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1988. # د. عبد الفتاح سليم: «موسوعة اللحن في اللغة: مظاهره ومقاييسه»، مكتبة الآداب، ~~القاهرة، ط2، 2006. # عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز في علم المعاني، صححه الإمام محمد عبده ~~والشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، وعلق عليه محمد رشيد الرضا، دار المعرفة، ~~بيروت، ط2، 1998. # د. عثمان أمين: فلسفة اللغة العربية، المكتبة الثقافية، عدد 144، نوفمبر ~~1965. # علي أبو المكارم: تقويم الفكر النحوي ، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ. # د. علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، ~~1998. ~~--- ~~: اللغة والمجتمع، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، 1971. # د. فؤاد زكريا: خطاب إلى العقل العربي، مكتبة مصر، القاهرة، 1990. # الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، 1970. # فرديناند دي سوسير: علم اللغة العام، ترجمة د. يوئيل يوسف عزيز، بيت الموصل، ~~1988. # قضايا معاصرة، الكتاب 17-18، دار قضايا معاصرة، القاهرة، 1997. # كامل صالح: «يوسف الخال: حياته ودعوته اللغوية»، دار الحداثة، بيروت، 1998. # د. لطفي عبد البديع: عبقرية العربية في رؤية الإنسان والحيوان والسماء والكواكب، ~~النادي الأدبي الثقافي، جدة، ط2، 1986. # د. مجدي إبراهيم محمد إبراهيم: بحوث ودراسات في علم اللغة، مكتبة النهضة المصرية، ~~القاهرة، 2004. # مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، جمهورية مصر العربية، 1980. # محمد بن سهل بن السراج: الأصول في النحو، تحقيق عبد الحسين الفتلي، مؤسسة ~~الرسالة، بيروت، 1996. # محمد سبيلا وعبد السلام بن عبد العالي: اللغة، دفاتر فلسفية (5)، دار توبقال ~~للنشر، المغرب، ط2، 1998. # محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، مكتبة لبنان ناشرون، ط2، 1980. # محمد عرفة: مشكلة اللغة العربية، مطبعة الرسالة، القاهرة، بدون تاريخ. # د. محمد عيد: أصول النحو العربي، عالم الكتب، القاهرة، ط5، 2006. ~~--- ~~: المستوى اللغوي للفصحى واللهجات، عالم الكتب، القاهرة، 1981. # محمد المبارك: فقه اللغة وخصائص العربية، دار الفكر، بيروت، 1968. # د. محمد محمد يونس علي: مدخل إلى اللسانيات، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، ~~2004. # د. محمود فهمي حجازي: مدخل إلى ms225 علم اللغة، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، ~~1978. # د. محمود فوزي المناوي: أزمة التعريب، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 2003. ~~--- ~~: في التعريب والتغريب، مركز الأهرام للترجمة والنشر، 2005. # د. مراد وهبة: المعجم الفلسفي، دار مأمون للطباعة، ط2، 1979. # د. مصطفى جواد: قل ولا تقل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2010. # The Cambridge Encyclopedia of Language. David Crystal, ~~Cambridge University press, 2 # nd # Edition, ~~1977. # Ernst Cassirer: Language and Myth, trans. Susanne Langer, Dover Publication INC. New York, 1853. # Fred West: the Way to language: an Introduction. Harcourt., ~~1975. # John Lyons: Language and Linguistics, an Introduction, ~~Cambridge University press, 1981. # Dante Alighieri: De Vulgari Eloquentia., Dante's semiotic ~~workshop., free online library, Gale, Cengage Learning. ~~2009. # William James Earle: Philosophy of language, In: Introduction ~~to Philosophy; McGraw-Hill, Inc., 1992. ms226