######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.MughalatatMantiqiyya.Hindawi86048474 #META# Tags: philosophy #META# ID: 86048474 #META# Title: المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري #META# AuthorID: 24079572 #META# Author: عادل مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # 1 - المصادرة على المطلوب‏ # 2 - مغالطة المنشأ‏ # 3 - التعميم المتسرع‏ # 4 - تجاهل المطلوب (الحيد عن المسألة)‏ # 5 - الرنجة الحمراء‏ # 6 - الحجة الشخصية (الشخصنة)‏ # 7 - الاحتكام إلى سلطة‏ # 8 - مناشدة الشفقة (استدرار العطف)‏ # 9 - الاحتكام إلى عامة الناس‏ # 10 - الاحتكام إلى القوة (منطق العصا، اللجوء إلى ~~التهديد)‏ # 11 - الاحتكام إلى النتائج‏ # 12 - الألفاظ الملقمة: الألفاظ المشحونة (المفخخة)‏ # 13 - المنحدر الزلق (أنف الجمل)‏ # 14 - الإحراج الزائف (القسمة الثنائية الزائفة)‏ # 15 - السبب الزائف (أخذ ما ليس بعلة علة)‏ # 16 - السؤال المشحون (المركب)‏ # 17 - التفكير التشبيهي (الأنالوجي الزائف)‏ # 18 - مهاجمة رجل من القش‏ # 19 - مغالطة التشييء‏ # 20 - انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد)‏ # 21 - إغفال المقيدات‏ # 22 - مغالطات الالتباس‏ # 23 - مغالطة التركيب والتقسيم‏ # 24 - إثبات التالي‏ # 25 - ذنب بالتداعي‏ # 26 - مغالطة التأثيل‏ # 27 - الاحتكام إلى الجهل‏ # 28 - سرير بروكرست (البروكرستية)‏ # 29 - مغالطة المقامر‏ # 30 - المظهر فوق الجوهر‏ # 31 - الاحتكام إلى القديم (الاحتكام إلى التقاليد)‏ # 32 - النبوءة المحققة لذاتها‏ # 33 - الخطأ المقولي (خلط المقولات، خلط الأوراق)‏ # 34 - الأنثروبومورفيزم‏ # 35 - الأمن المنطقي‏ # الإهداء‏ # 1 - المصادرة على المطلوب‏ # 2 - مغالطة المنشأ‏ # 3 - التعميم المتسرع‏ # 4 - تجاهل المطلوب (الحيد عن المسألة)‏ # 5 - الرنجة الحمراء‏ # 6 - الحجة الشخصية (الشخصنة)‏ # 7 - الاحتكام إلى سلطة‏ # 8 - مناشدة الشفقة (استدرار العطف)‏ # 9 - الاحتكام إلى عامة الناس‏ # 10 - الاحتكام إلى القوة (منطق العصا، اللجوء إلى ~~التهديد)‏ # 11 - الاحتكام إلى النتائج‏ # 12 - الألفاظ الملقمة: الألفاظ المشحونة (المفخخة)‏ # 13 - المنحدر الزلق (أنف الجمل)‏ # 14 - الإحراج الزائف (القسمة الثنائية الزائفة)‏ # 15 - السبب الزائف (أخذ ما ليس بعلة علة)‏ # 16 - السؤال المشحون (المركب)‏ # 17 - التفكير التشبيهي (الأنالوجي الزائف)‏ # 18 - مهاجمة رجل من القش‏ # 19 - مغالطة التشييء‏ # 20 - انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد)‏ # 21 - إغفال المقيدات‏ # 22 - مغالطات الالتباس‏ # 23 - مغالطة التركيب والتقسيم‏ # 24 - إثبات التالي‏ # 25 - ذنب بالتداعي‏ # 26 - مغالطة التأثيل‏ # 27 - الاحتكام إلى الجهل‏ # 28 - سرير بروكرست (البروكرستية)‏ # 29 - مغالطة المقامر‏ # 30 - المظهر فوق الجوهر‏ # 31 - الاحتكام إلى القديم (الاحتكام إلى التقاليد)‏ # 32 - النبوءة المحققة لذاتها‏ ms001 # 33 - الخطأ المقولي (خلط المقولات، خلط الأوراق)‏ # 34 - الأنثروبومورفيزم‏ # 35 - الأمن المنطقي‏ # | المغالطات المنطقية # | المغالطات المنطقية # | فصول في المنطق غير الصوري # تأليف # عادل مصطفى # شيء من المنطق # المغالطات المنطقية # طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي ~~(فصول في المنطق غير الصوري) # | الإهداء # إلى الأخ الكريم اللواء د. هاني مصطفى خضر نابغة جراحة الأنف والأذن والحنجرة ~~صديق العمر وشريك الذكريات. # عادل مصطفى # كم يكون رائعا لو أمكننا أن نقيض لكل خدعة جدلية اسما مختصرا ~~وبين الملاءمة، بحيث يتسنى لنا كلما ارتكب أحد هذه الخدعة المعينة أو ~~تلك أن نوبخه عليها للتو واللحظة. # آرثر شوبنهاور # | مقدمة # الحكيم هو من يفصل اعتقاده على قد البينة. # ديفيد هيوم ~~*** # دفعني إلى كتابة هذه الفصول ما أشاهده كل يوم في الفضائيات التليفزيونية، ووسائل الإعلام ~~الأخرى من أغلاط أساسية في منطق الحوار والجدل، تجعل المناقشات غير مجدية من الأصل، ~~وتجعلها عقيمة أو مجهضة منذ البداية، فلم أجد بدا من العودة بالقارئ إلى أصول الحوار ~~المثمر وقواعد الجدل الصحيح، التي أصبحت الآن مبحثا قائما بذاته هو «المنطق غير الصوري» # Informal logic ~~(أو «المنطق العملي» # practical logic ~~). # وإذ أخذت نفسي دائما بأن أحاول، جهد ما أستطيع، أن «أعلم القارئ كيف يصطاد بدلا ~~من أقدم إليه سمكا» - فقد رأيت أن أعود إلى هذا المبحث، الحديث نسبيا، وأسلط عليه ~~الضوء، وأقدمه إلى القارئ بطريقة سائغة قريبة المأخذ، مرتكزا في ذلك على الجانب السلبي ~~من المبحث، وهو «المغالطات المنطقية»: تعريفها وتشريحها، وكيف نكشفها ونتجنبها، والحالات ~~التي تصح فيها ولا تعود مغالطة. ~~(1) ما هو المنطق غير الصوري؟ # المنطق غير الصوري هو استخدام المنطق في تعرف الحجج، وتحليلها وتقييمها، كما ~~ترد في سياقات الحديث العادي ومداولات الحياة اليومية: # 1 # في المحادثات الشخصية، والإعلانات، والجدل السياسي والقضائي، وفي شتى ألوان ~~التعليقات التي نصادفها في الصحف والإذاعة المرئية والمسموعة وشبكة الإنترنت وغير ذلك ~~من وسائل الإعلام. # كان الدافع من وراء نشأة هذا المبحث الجديد هو الرغبة في إيجاد سبل لتحليل الاستدلال ~~العادي وتقييمه، سبل يمكن أن تندرج كجزء من ms002 التعليم العام، ويمكن أن ترشد تفكير ~~الناس وترتقي بالمناقشات والمساجلات اليومية، من هذه الوجهة تلتقي هموم المنطق غير ~~الصوري بهموم «حركة التفكير ~~النقدي» # Critical Thinking Movement # التي تهدف إلى تطوير نموذج للتعليم يولي اهتماما أكبر ~~بالتساؤل النقدي، ويفضي إلى فهم علاقة اللغة بالمنطق، فيمكن الطالب من تحليل ~~الأفكار ونقدها والدفاع عنها، ومن التفكير الاستقرائي والاستنباطي، ومن استخلاص نتائج ~~وقائعية حصيفة قائمة على استدلالات سليمة مستقاة من قضايا، معرفية أو اعتقادية، ~~واضحة لا لبس فيها. # 2 # ترتبط نشأة المنطق غير الصوري بالحركات الاجتماعية والسياسية في ستينيات القرن ~~العشرين، وما صحبها من دعوة إلى تعليم عال أوثق اتصالا بالحياة والتصاقا بالواقع ~~المعيش، هنالك ألحت الحاجة إلى تطبيق التحليل المنطقي على أمثلة حية ملموسة من ~~تفكير الحياة اليومية، والتخلي عن الأمثلة المصطنعة والحجج المفتعلة التي تعج بها ~~كتب المنطق القديمة، على أن المنطق غير الصوري لم يتأسس كفرع بحثي مستقل إلا في أواخر ~~السبعينيات من أعمال رالف جونسون وأنتوني بلير، الفردية والمشتركة، وإصدارهما صحيفة ~~«المنطق غير الصوري». # وعلى الرغم من مرور أكثر من ربع قرن على نشأة المنطق غير الصوري، فإنه ما زال في طور ~~التكوين، تصطرع فيه تيارات متباينة وتتنازعه اتجاهات مختلفة، وما زال يتلمس طريقه ~~ويفتش عن هويته، وما زال يتساءل عن جدوى نظرية المغالطات ومبادئ المنطق الصوري ~~بالنسبة إليه، وعن أهمية استخدام الرسوم البيانية، وعن دور نظريات التواصل والاعتبارات ~~الديالكتيكية والحوارية في تقييم الحجج، وما زال في كل ذلك يلتمس العون من أفرع ~~بحثية قريبة ويتداخل معها: علم البلاغة (الخطابة)، علم اللغة، الذكاء الصناعي، علم ~~النفس المعرفي، التواصل الكلامي ... إلخ. # كان اهتمام المنطق غير الصوري في بداياته منصبا على «المغالطات المنطقية» # logical ~~fallacies ~~، غير ~~أنه تجاوز مبحث المغالطات وجعل يوسع من حقله كلما تبين له أن دراسة الحجج ~~المصوغة باللغة العادية تتطلب ارتياد أصقاع جديدة من البحث، تتضمن هذه الدراسة ~~المكونات التالية: # التمييز بين الأصناف المختلفة من الحوار التي يمكن للحجة أن ترد فيه ~~(النقاش العلمي مثلا غير التفاوض أو ms003 عقد الصفقات). # تحديد المعايير العامة للحجة الصائبة (الاستنباطية والاستقرائية ~~...) # دراسة مفهوم اللزوم - أو الترتب - المنطقي، الذي يفسر لنا متى يصح ~~أن نقول إن هذه الجملة تترتب منطقيا عن تلك. # دراسة المغالطات المنطقية وأهميتها في تقييم الحجج. # دراسة المواضع التي يصح فيها ما نأخذه عادة مأخذ المغالطة (الاحتكام ~~الصائب إلى السلطة، الهجوم المبرر على شخص الخصم، التفكير الدائري الصحيح ~~... إلخ). # تفهم الدور الذي تضطلع به المشاعر (الباثوس) والشخصية (الإيثوس) ~~وغيرهما من المفاهيم البلاغية في تحليل الحجة وتقييمها. # تبيان الواجبات الجدلية المنوطة بالحجج في أنواع معينة من ~~السياقات. ~~(2) أهمية الإلمام بالمنطق غير الصوري # يقول أفلاطون في محاورة جورجياس: «في جدال حول الغذاء يدور أمام جمهور من الأطفال ~~فإن الحلواني كفيل بأن يهزم الطبيب، وفي جدال أمام جمهور من الكبار فإن سياسيا ~~تسلح بالقدرة الخطابية وحيل الإقناع كفيل بأن يهزم أي مهندس أو عسكري، حتى ~~لو كان موضوع الجدال هو من تخصص هذين الأخيرين، وليكن تشييد الحصون أو الثغور! إن ~~دغدغة عواطف الجمهور ورغباته لأشد إقناعا من أي احتكام إلى العقل.» # حقا ... ليس بالحق وحده تكسب جدالا أو تقهر خصما أو تقنع الناس، من هنا يتبين ~~لنا أهمية دراسة الحجة كما ترد في الحياة الحقيقية وتتجسد في اللغة العادية. # ذلك أن الحجة حين ترد في الواقع الحي لا تأتي مجردة مصفاة، ولا تكشف صيغتها ~~المنطقية للمتلقي بسهولة وطواعية؛ إذن لكان تمحيصها أيسر عليه بما لا يحد، إنما ~~تأتي الحجة دائما ممتزجة بلحم اللغة ودمها، متلفعة بانفعالات الناس وأعرافهم، ~~مؤربة بتضاريس الواقع، وبشئون الناس وشجونها. # وما تشكل الصيغة المجردة للحجة (المقدمات المؤدية إلى نتائج) إلا لبا ضئيلا ~~أو هيكلا نحيلا متواريا وراء طبقة كثيفة من الاعتبارات الدلالية # semantic # والتداولية # pragmatic # للغة، # 3 # ومن طبيعة الخصم وأيديولوجيته وسيكولوجيته، ومن مقام الحديث وسياق الجدل، ~~ومن عواطف جمهور الحاضرين وانتماءاتهم وتحيزاتهم. # ونحن في مجال المنطق غير الصوري إنما ينصب جهدنا على هذه الطبقة الكثيفة التي ~~تغلف اللب الصوري للحجة، نتلمسها ونتناولها بالتحليل والتفتيت، وننفذ منها إلى ذلك ms004 ~~اللب الصوري المفترض. في مجال المغالطات، على سبيل المثال، يكون عملنا أشبه ب ~~«أخذ صورة أشعة» # x-raying # للحجة المطروحة، عسانا ~~نطلع على هيكلها الصوري المطمور، ونقدر نصيبه من الصواب والخطأ، ويكون ~~معيارنا في ذلك هو المعيار المنطقي الصوري العتيد: صدق المقدمات وصواب الاستدلال، ~~وكثيرا ما تجبهنا صورة الأشعة بغياب أي لب صوري وانعدام أي هيكل منطقي في ~~الحجة! ~~(2-1) أمثلة لعملية التجريد في المنطق غير الصوري # مثال 1 # نقتبس هذا المثال من بين تلك «الحجج ~~المندمجة» # coalescent arguments # التي أشار إليها ميشيل جلبرت، والتي تعبر في زعمه عن ~~جملة من المواقف سئ والاعتقادات والمشاعر ~~والحدوس التي تميز صاحب الحجة، فهذه طالبة جامعية تبكي في مكتب الأستاذ؛ كي تبثه ~~قلقها للأهمية التي يوليها الأستاذ لحصول الطالب على درجة # A # في مادة معينة، # 4 # بوسعنا أن نؤول هذا على أنه «قياس ~~مضمر» # enthymeme # 5 # تقديره: # إنه لمن أشد دواعي البؤس والجزع ألا أحصل على درجة # A ~~. ~~(مقدمة 1) # إن عليك ألا ترمي بي في حضيض البؤس والجزع. ~~(مقدمة 2) # عليك، إذن، أن تمنحني درجة # A ~~. ~~(النتيجة) # ورغم أننا نسلم بأن هذه الحجة تندرج ضمن فئة «الحجج الانفعالية» التي ~~تحدث عنها جلبرت، فليس ما يمنع أن نعاملها كغيرها من الحجج، فنفحص مقدماتها ~~ونقيمها من حيث القبول والرفض، وننظر فيما إذا كانت النتيجة فيها تلزم عن ~~المقدمات. # ولا يخفى على القارئ الآن أن المقدمة «2» فيها نظر! فالأستاذ، بعد كل شيء، يعمل ~~بمرفق التعليم العالي وليس بمرفق الشئون الاجتماعية، إن عليه أن يعين الطالب ~~ويدعمه بأن يقرب إليه مادته العلمية ويذلل قطفها، وليس بأي طريق آخر، والحجة من ~~ثم تندرج في مغالطة «الاحتكام إلى ~~الشفقة» # ad misericordiam ~~. # مثال 2 # هذا إعلان مصور عبارة عن رأس أسد يزأر مكتوب عليه «كينا بسليري الحديدية»، ~~إذا تأملنا إعلانا كهذا وجدنا أنه لا يعدو أن يكون «استعارة بصرية» # visual metaphor # مفادها أن تناول كينا ~~بسليري الحديدية بانتظام تجعل المرء قويا مفعما بالنشاط، وبالنظر إلى أنه إعلان ~~تجاري فإن بوسعنا تأويله إلى ms005 «قياس مضمر» أيضا تقديره: # إذا تناولت كينا بسليري صرت قويا مفعما ~~بالنشاط. ~~(مقدمة 1) # النشاط والقوة أمران مرغوبان. ~~(مقدمة 2) # إذن من المرغوب فيه أن تتناول كينا بسليري ~~(تشتريها). ~~(النتيجة) # فإذا ما أمعنا في التجريد خلصنا إلى الصورة التالية: ~~«ق» تلزم عنها «ك»، ~~«ك» مرغوبة؛ # إذن «ق» مرغوبة. # وهو قياس مغلوط صوريا لأنه يقع في خطأ «إثبات التالي» # affirming the consequent ~~، ~~بوسعنا تبيان خطأ هذا القياس بأمثلة كثيرة مثل: ~~(1) # منع مباريات الكرة كفيل بمنع حوادث الشغب في الملاعب. # منع الشغب في الملاعب أمر مرغوب؛ # إذن علينا منع مباريات الكرة. ~~(2) # إلغاء خطوط السكك الحديدية يفضي إلى انتفاء تصادم القطارات. # انتفاء تصادم القطارات أمر مرغوب؛ # إذن ينبغي إلغاء خطوط السكك الحديدية. ~~(3) # وجودي في العتبة يعني أنني في القاهرة. # أنا الآن في القاهرة؛ # إذن أنا الآن في العتبة. ~~(3) أهمية دراسة المغالطات المنطقية # قلنا إن اهتمام المنطق غير الصوري كان متركزا في البداية على مبحث المغالطات، وكان ~~التعريف التقليدي للمغالطات هو «تلك الأنماط من الحجج الباطلة التي تتخذ مظهر الحجج ~~الصحيحة»، ولعل من الأصوب أن نقول إنها أنماط شائعة من الحجج الباطلة التي يمكن كشفها ~~في عملية تقييم الاستدلال غير الصوري. # لمنطق المغالطات آباء قدامى، يأتي في مقدمتهم أفلاطون في محاورة «يوثيديموس» # Euthydemus # وأرسطو في كتابه # on ~~sophistical refutations ~~، ويلحق بهما في القرون التالية فلاسفة ~~كثيرون من أبرزهم جون لوك، وواتلي، وشوبنهاور، وجون ستيوارت مل، وجريمي بنتام، وما ~~يزال مبحث المغالطات يثير اهتمام كثير من المناطقة حتى اليوم، غير أن هذا الاهتمام ~~بدأ ينحسر بعض الشيء مع تطور المنطق غير الصوري وارتياده آفاقا جديدة من البحث. وقد ~~ذهب بعض المناطقة، وبخاصة منهم من تأثر بنظرية التواصل، إلى أن دراسة المغالطات ليست ~~بديلا عن دراسة مبادئ الاستدلال الصحيح، فما دامت المغالطات هي انحراف عن القواعد ~~الضمنية التي تحكم شتى أصناف التداول الحواري فإن الأجدر بنا أن نركز على دراسة هذه ~~القواعد وألا نقنع بدراسة الانحرافات، يرى هؤلاء أن دراسة المغالطات لا تكفي لإجادة ~~التفكير الاستدلالي مثلما أن ms006 معرفة الأخطاء في لعبة كرة القدم مثلا لا تكفي لإجادة ~~اللعب، إنما ينبغي أن نتجه مباشرة إلى دراسة قواعد الجدل الصحيح ومعايير الاستدلال ~~الصائب. # ورغم وجاهة هذا الرأي فإن تفشي المغالطات المنطقية في واقعنا اليومي، وطغيانها ~~على تفكيرنا كله، حقيق بأن يرد إلى نظرية المغالطات أهميتها الأولى ويعيدها إلى ~~الصدارة من جديد، يقول مالبرانش: «لا يكفي أن يقال إن العقل قاصر، بل لا بد من ~~إشعاره بما هو عليه من قصور، ولا يكفي أن يقال إنه عرضة للخطأ، بل يجب أن نكشف له عن ~~حقيقة هذا الخطأ.» وهذا قول صادق، إذ لا يكفي من أجل تمييز الحق أن نحدد شروطه فحسب، ~~بل لا بد أيضا لكي يكون التمييز واضحا كل الوضوح أن نبين أين يكون الغلط حتى ~~يظهر الحق أجلى وأوضح، كالنور يكون أجلى بجوار الظلمة منه لو أخذ وسط فيض آخر من ~~النور، ثم إن الأضداد إن لم تكن واحدة كما يقول هيجل، فهي على الأقل مرتبطة تمام ~~الارتباط سواء من الناحية العقلية ومن الناحية الوجودية؛ ولهذا كان العلم بالأضداد كما ~~يقول أرسطو علما واحدا، فإذا كان تمييز اليقين في التفكير الإنساني موضوع المنطق، ~~فكذلك تمييز الخطأ فيه يدخل في بابه، # 6 # يؤثر عن الإمام الشافعي قوله: «مثل من يطلب العلم جزافا كمثل حاطب ~~ليل يقطع حزمة حطب فيحملها، ولعل فيها أفعى تلدغه وهو لا يدري.» # ويقول شوبنهاور: «يتوجب على من يدخل في مناظرة أن يعرف ما هي حيل الخداع، ذلك أن ~~من المحتم عليه أن يصادفها ويتعامل معها.» عليك إذن أن تلم إلماما جيدا بالمغالطات ~~المنطقية حتى يتسنى لك أن تتجنب الطرق المسدودة أثناء الحوار وتتعرف على «النقلات ~~الخاطئة» في الجدل، وأن تظهر خصمك على الخطأ الاستدلالي الذي ارتكبه، بل أن ~~تقيض لهذا الخطأ اسما؛ لكي يعلم الخصم أنك تجيد التفكير، وتفهم حجته ربما أكثر ~~منه! كما أن كشف المغالطة وتسميتها وتحليلها من شأنه أن يقصي الحجة الباطلة من ساحة ~~الجدل إقصاء نهائيا ولا يكتفي بإضعافها أو تحجيمها، ms007 ذلك أن الخصوم المتمرسين بالجدل ~~والمراء لديهم من الخبرة والمهارة ما يمكنهم من إنعاش حجتهم الجريحة وإعادة تجنيدها ~~في حلبة الصراع. ~~(4) فن التعامل مع المغالطات # غير أن الناس - الخصم الفكري أو السياسي، والقضاة، وجمهور الحاضرين - ليسوا ~~جميعا مناطقة ملمين بفقه المغالطات وسبل كشفها وإقصائها؛ ومن ثم فإن عليك أن ~~تتقن فن التعامل مع المغالطات وكشفها وإقصائها؛ حتى لا تفشل حملتك وتأتي بعكس المرجو ~~منها وتجعلك غرضا للتهكم والسخرية، عليك باختصار أن تجعل ردك جزءا من مساق الحديث، ~~غير ناشز أو مستغرب، عليك أن تسمي المغالطة باسمها، بالعربية واللاتينية إن ~~استطعت، وأن تبادر بتبيان ما تعنيه المغالطة، ولماذا هي مغالطة، وأن تفعل ذلك بليونة ~~وخفة وإيجاز، دون أن تعلوك سيماء التعالم والتكلف والحذلقة، عليك أن تذكر اسم ~~المغالطة وفحواها كما لو كنت تعيد على مسامع القاضي الذكي شيئا بسيطا يعرفه من ~~الأصل، ثم تثني بمثال بالغ الوضوح يزيد مقصدك جلاء وسطوعا، ثم تختم حجتك ~~وكأنك تداوي خصمك وتفتح له طريقا آخر للجدل غير مغالطته البائدة، قل شيئا ~~كهذا: ~~«إن توجهك يا سيدي يتكئ بشدة على التأييد الشعبي وعلى فوزه الساحق في الاستفتاء ~~الأخير، لقد صوت أغلب الناس لهذا التوجه، نعم وهذا حقهم في بلد ديمقراطي يتولى ~~فيه الشعب حكم نفسه وعلى مسئوليته، غير أنه لا يجعل من الرأي السائد حقا بالضرورة، ~~إنه خطأ.. «الاحتكام إلى عامة الناس» # ad populum # كما ~~تعلمون إن عدد الأصوات المؤيدة ليس معيارا للحق ولا يجعل الرأي حقا بالضرورة، ~~فالحق والباطل لهما معايير أخرى تعرفونها، لقد قفز هتلر إلى السلطة من صناديق ~~الاقتراع، وقاد ألمانيا إلى الهاوية بتأييد شعبي عارم، لقد حظي الرق يوما ما ~~بتأييد الأغلبية في بعض الولايات الأمريكية، لقد كانت الأرض ذات يوم هي مركز الكون ~~في اعتقاد الجميع عدا جاليليو، دعنا إذن من هذه الحجة المغالطة، ولننصرف الآن عن ~~التفكير بصندوق الاقتراع إلى التفكير بالعقل، يبقى أن حجتك الأكثر وجاهة وسدادا هي ~~...» ~~(5) التفكير النقدي مرحلة متقدمة من النمو المعرفي # يقسم جان بياجيه مراحل ms008 النمو المعرفي للإنسان إلى أربع مراحل، يعدها بيولوجية ~~عمومية تشمل أفراد البشر جميعا: الأولى: هي المرحلة الحسية الحركية # sensorimotor ~~«من الولادة إلى سن سنتين» حيث لا توجد بناءات ذهنية ~~(مخططات)، وحيث يسعى الرضيع إلى تكوين هذه البناءات من خلال استكشاف البيئة. ~~والمرحلة الثانية: هي مرحلة ما قبل ~~العمليات # pre-operational ~~«من سن سنتين إلى سبع»، وفيها يكتسب الطفل اللغة، ويكون ~~بناءات ذهنية أكثر تعقيدا، وإن تكن قبل-منطقية # pre-logical ~~، فما يزال غير قادر على أن يفهم أن جوهر الشيء لا يتغير، ~~وإن تغير شكله وهيئته، ولا يزال غير قادر على «فض ~~المركزية» # decentering # أي الانفصال عن ذاته ورؤية الأشياء من منظور مختلف. ~~والمرحلة الثالثة: هي مرحلة تفكير العمليات ~~العيانية # concrete operational ~~«من سن سبع سنوات وحتى المراهقة »، وفيها يتفهم ثبات الجوهر، ~~ويتخذ منظورات مغايرة، ويبدأ في التساؤل عن الحياة ويحل المشكلات ولكن بشكل عشوائي، ~~إنها عمليات منطقية ولكنها ما تزال لصيقة بالعالم المادي العياني والأفعال المادية ~~العيانية. والمرحلة الرابعة: هي مرحلة العمليات ~~الصورية # Formal operational ~~، وفيها تواتيه القدرة على التفكير المنطقي المعقد، والتفكير ~~التجريدي غير المرتبط بالأشياء والأحداث المادية، والتفكير الافتراضي، والحل المنطقي ~~للمشكلات. # يقترح بعض المنظرين إضافة مرحلة خامسة أرقى من هذه المراحل الأربع، هي مرحلة ~~التفكير الجدلي # Dialectical thinking ~~، وهي مرحلة ~~بعد - منطقية، إن صح التعبير، وفيها يكتسب المرء التفكير النقدي، ويدرك مفارقات ~~الحياة، ويتناول الأسس التحتية التي يقوم عليها المنطق ويحللها ويضعها موضع التساؤل ~~والنقد، وهي مرحلة غير عمومية وغير بيولوجية ولا يبلغها المرء إلا بالتعلم والتدريب ~~والممارسة. # يتألف التفكير النقدي من ثلاث مراحل: (1) الوعي بوجود افتراضات # assumptions # 7 # أساسية. (2) التصريح بهذه الافتراضات وإخراجها إلى واضحة النهار. (3) تسليط ~~أضواء النقد على هذه الافتراضات: هل هي ذات معنى؟ هل تنسجم مع الواقع كما نفهمه ونعيشه؟ ~~متى تصح هذه الافتراضات ومتى تبطل؟ # في غياب التفكير النقدي نكون رهائن للمؤثرات المحيطة: فلا يسعنا إلا أن نكرر، ~~تكرارا أعمى، تلك الاستجابات التي تعلمناها من قبل، ولا يسعنا إلا أن نقبل، قبولا ~~أعمى، كل ms009 ما يقال لنا في أبواق الدعاية السياسية والتجارية، وفي الصحافة والكتب، وكل ~~رأي يصدر عن «سلطة». # إن التفكير النقدي والعلمي ليس شيئا فطريا نأتيه بالطبيعة ونعرفه بالسليقة، وإنما ~~هو عمل حرفي يتطلب حذقا ومهارة، ليس من الصحيح أن لدينا قدرة طبيعية على التفكير ~~الواضح والنقدي بغير تعلم وبغير ممارسة، ولا ينبغي أن نتوقع من غير المدرب أن يفكر ~~تفكيرا واضحا أكثر مما نتوقع من غير المدرب أن يجيد لعب التنس أو الجولف أو العزف ~~على البيانو. # ذلك أننا إذ نمارس التفكير العلمي والنقدي إنما نمضي ضد مقاومة شديدة ونسبح ضد تيار ~~عارم من التحيزات المتأصلة والأوهام الجبلية، ونتجشم اجتياز العديد من العوائق ~~«الطبيعية» التي تحول بيننا وبين التفكير الواضح: فنحن بطبيعتنا لا نتحمل الغموض ولا ~~نطيق معايشة السر! وإن بنا نزوعا طبيعيا إلى طلب اليقين حيث لا يقين، والتماس ~~الإجابات البسيطة عن الأسئلة المعقدة، وشغفا بالدعاوى العريضة و«نظريات كل شيء» محمولة ~~على ظهر بينة ضامرة هزيلة، وميلا إلى الأخذ بالفرضيات التي ترضي رغائبنا وتدغدغ ~~أمانينا، والالتفات إلى أضغاث من الأمثلة التي تؤيد فرضيتنا وغض الطرف عن تلال من ~~الأمثلة المفندة، وإلى تذكر الرميات الصائبة وتناسي الرميات الخائبة، وإلى أخذ ~~الاستعارات التوضيحية والتشبيهات المقربة مأخذ الدليل، وإلى الانضواء مع القطيع ~~والتلفع بالرايات والانضمام إلى «الزفة»، وإلى قتل الرسل بدلا من تفنيد الرسالة، ~~وإلى التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، وإلى الاستدلالات الدائرية ~~وتحصيلات الحاصل، وإلى التعويل الزائد على السلطة والانبهار الزائد بالمشاهير، وإلى ~~التعميم الكاسح المتسرع، وإلى تحويل التعاقب أو الاقتران إلى علية، ... إلى آخر تلك ~~الأغاليط التي نغرق فيها إلى الأذقان، والتي يتناولها هذا الكتاب بالتحليل ~~والدرس. # يمضي التفكير النقدي ضد هذه المقاومات الشرسة، فيحتاج إلى طاقة نفسية كبيرة، غير ~~مقصورة على الذكاء الذهني المحض ... يحتاج إلى شيء من «الذكاء ~~الانفعالي» # emotional ~~intelligence ~~: إلى التسامح، والتعاطف، و«المواجدة» # empathy # أي قدرة المرء على أن يضع نفسه موضع الآخر، ويرى الأمور ~~من وجهة نظر الآخر، ويتخذ الإطار المرجعي للآخر، القدرة ms010 على اكتشاف «ماذا يشبه أن يكون» # what it is like # أن يعتقد المرء تلك ~~الأفكار التي يضعها موضع التساؤل # 8 # قبل أن يهم بتقويضها. # إنها رحلة طويلة شاقة، ليس لها خرائط محددة، غير أننا لا نعدم بعض المبادئ المرشدة: # فكر بنفسك لنفسك؛ ذلك لأن التقدم في التفكير النقدي لا يتم إلا كرحلة ~~فردية وكدح شخصي، صحيح أن هناك سبلا كثيرة يمكن أن تجعل من الفلسفة ~~جهدا مشتركا ومهمة جماعية، شأنها في ذلك شأن العلم، إلا أن على كل شخص في ~~النهاية أن يفكر لنفسه، وألا يكل إلى غيره أن يفهم نيابة عنه («افهم لي ~~ذلك من فضلك» هو نموذج لطلب مستحيل!) # 9 # اكتسب القدرة على الانفصال عن رأيك، و«موضعته»، ووضعه على محك ~~التحليل والنقد، مثلما تفعل مع آراء الغير. # لا تصدق كل ما تسمع، ونصف ما ترى ! ولا تبخل بجهد من أجل الخروج من ~~«مركزية العرق» # ethnocentrism ~~... من ~~كهف الآراء الشائعة في عرف جماعتنا الإثنية، والتمييز بين حقائق العالم ~~وبين مجرد المسايرة لما تصادف أن يكون هو رأي الأسلاف أو اتفق أن يكون ~~هو الرأي السائد في مسقط رأسنا وزمان وجودنا. # كن على استعداد، من حيث المبدأ، للتخلي عن رأيك إذا ما تبين خطؤه، ~~اسأل سؤالا حقيقيا، سؤال من يبحث عن الحق لا عن مجرد تبرير لما يعتقده ~~سلفا. # تعلم كيف تسل الافتراضات التي تتبطن الرأي، وتضعها تحت أضواء النقد، ~~ليكن ولعك بالأسس، وانتحاؤك إلى الأسس. # لا تسقط رغباتك على الأشياء ولا تجعل من أمانيك معيارا للحق، فأكبر ~~الظن أن العالم لم يخلق من أجلها ولم يفصل على مقاسها. ~~«خذ» البلاغة، ولا «تؤخذ» بها، وفرق دائما بين الخطابة والبرهان، ولا ~~يخلبك زخرف القول عن جوهر الحجة، ولا تقف عند التشبيه البليغ وتظنه ~~المحطة النهائية وتأخذه مأخذ الدليل. # لا تجعل من درجة حرارة الاعتقاد معيارا لصوابه، فكثيرا ما تتناسب قوة ~~هذا الانفعال عكسيا مع قوة البينة، بحيث يمكننا تعريف «التحيز اللامعقول» ~~بأنه «ما يجلب الغضب عند مساءلته»، ويمكننا أن نحدد مكمن ms011 تحيزاتنا بأن ~~نلاحظ متى أخرجتنا الآراء الأخرى عن طورنا وأثارت غضبنا! # ومهما بلغ نضجك في التفكير النقدي ستظل بحاجة أبدا إلى تحصيل العلم ~~واكتساب المادة المعرفية التي تعمل فيها فكرك النقدي، ولا يغب عن بالك ~~قول رسل «المنطق والرياضيات هما أبجدية كتاب الطبيعة، وليسا الكتاب ~~نفسه!» # وأخيرا، تعود صحبة السر، وتذوق لذة التساؤل. # الأجوبة تثقلك وتطفئك وتجمدك، # وحدها الأسئلة ما يشوقك ويهزك ويحدوك، # وربما اقتضى المرء عمره كله كي يعرف أن هذا الشوق وهذا الولوع هو الغاية القصوى ~~والثروة النهائية. # عادل مصطفى Philoadel@yahoo.com # الفصل الأول # | المصادرة على المطلوب # | begging the question; petitio ~~principii # وفسر الماء بعد الجهد بالماء. ~~*** # المصادرة على المطلوب هي التسليم بالمسألة المطلوب البرهنة عليها من أجل البرهنة عليها! ~~وذلك بأن تفترض صحة القضية التي تريد البرهنة عليها وتضعها بشكل صريح أو ضمني في إحدى ~~مقدمات الاستدلال، وأنت بذلك تجعل النتيجة مقدمة وتجعل المشكلة حلا وتجعل الدعوى ~~دليلا! وهو ضرب من الحجة الدائرية # arguing in a circle ~~، ~~والاستدلال الدائري ليس مغالطا في صميمه، ولكنه يغدو كذلك حيثما استخدم لكي يموه على ~~فشل في حمل عبء البرهان، وتنجم المشكلة حيثما كانت النتيجة المراد إثباتها مفترضة أصلا ~~داخل المقدمات التي يتعين على الخصم أن يسلم بها ويبدأ منها. # 1 # ذلك أن الأصل في البرهان أن يكون أوضح وأوثق معرفة مما يراد البرهنة عليه، ومن ~~البديهي أننا حين نختلف حول شيء فإننا نلجأ إلى شيء آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه ~~على ذلك الشيء الخلافي، ولكي تكون للحجة قوة إبستمولوجية أو ديالكتيكية يتوجب أن تبدأ من ~~مقدمات معروفة ومقبولة أصلا لدى الحضور، ثم نتقدم منها لكي نستخلص النتيجة غير المعروفة أو ~~غير المقبولة، أما أن «نصادر على المطلوب» ونستند إلى ذات النتيجة الخلافية وقد تنكرت ~~كمقدمة، وأما أن ندور في حلقة مفرغة ونحاول أن نخلص إلى نتيجة تستند إلى مقدمات ملقمة ~~بها أصلا (أي تستند إلى ذاتها!) فهذا فكر عبثي فارغ لا يمكن أن يفضي إلى أي تقدم في ~~المعرفة ms012 البشرية. # تتلون المصادرة على المطلوب بألوان كثيرة، وتتخذ أشكالا متعددة، وتجيد التخفي أحيانا ~~في هيئة يتعذر كشفها إلا على المنطقي الخبير. # من أبسط صور المصادرة على المطلوب وأكثرها شيوعا أن تجعل المقدمة صيغة أخرى من النتيجة ~~المراد البرهنة عليها، مثال ذلك: # تستلزم العدالة أجورا مرتفعة؛ وذلك لأن من الحق والصواب أن يكون الناس أقدر ~~على الكسب الوفير. (وهي لا تعدو أن تقول إن العدالة تتطلب زيادة الأجور لأن ~~العدالة تتطلب زيادة الأجور!) # يجب إلغاء المواد غير المفيدة كاللغة الإنجليزية من مقررات الكلية؛ وذلك لأن ~~إنفاق اعتمادات لمادة غير مفيدة للطالب هو شيء لا يقره أحد. (نحن أيضا لا ~~نوافق على تبديد أموال في تدريس مواد غير مفيدة، غير أن الحجة هنا لم تثبت لنا ~~أن الإنجليزية مادة غير مفيدة، وهو لب المسألة، وكل ما فعلته هو أن «صادرت ~~على المطلوب» وكررت النتيجة في المقدمات، دون التفات إلى المقدمة المحذوفة في ~~هذا «القياس المضمر» # enthymeme ~~، وهي: «اللغة ~~الإنجليزية مادة غير مفيدة».) # أيما شيء أقل كثافة من الماء سوف يطفو فوقه؛ وذلك لأن مثل هذه الأشياء لا ~~يمكن أن تغطس في الماء. # ما دمت لا أكذب، فأنا إذن أقول الحقيقة. # قد يبدو للقارئ المبتدئ أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة واضحة للعيان سهلة الانكشاف، ~~وليست بحاجة إلى دراسة وتحليل يختلق صعوبة حيث لا صعوبة، غير أن الأمر ليس دائما ببساطة ~~الأمثلة السابقة، ويكفي أن نقول إن عقلا بحجم عقل أرسطو، المعلم الأول ومؤسس المنطق ~~الصوري، قد ارتكب مصادرة على المطلوب بينها جاليليو «حينما أراد أرسطو أن يثبت أن ~~الأرض في وسط العالم، فقال: الأجسام الثقيلة تميل بطبعها إلى مركز العالم والأجسام الخفيفة ~~تبتعد بطبعها عنه، والتجربة تدلنا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة ~~تتبعد عنه؛ إذن مركز الأرض هو بعينه مركز العالم.» (إن المقدمة الكبرى هنا فيها مصادرة على ~~المطلوب، فإن التجربة تدلنا حقا على أن الأجسام الثقيلة تميل إلى مركز الأرض والخفيفة ~~تبتعد عنه، ولكن من أين يقول ms013 لنا أرسطو إنها تميل إلى مركز العالم، إذ لم يكن يفترض أن مركز ~~الأرض هو بعينه مركز العالم؟ وهذا هو المطلوب البرهنة عليه!) # 2 # بديه أن أرسطو كان ممتلئا ب «مركزية الأرض» # geocentrism # وهو يصوغ هذه الحجة، وإنه لمن العسير حقا أن تصوغ حججا منتجة لميول أيديولوجية أو ~~التزامات انفعالية، ولعل هذا هو السبب الذي يجعل السياسيين يخدعون الناس عن قصد ويخدعون ~~أنفسهم عن غير قصد، ويمطروننا بوابل من المصادرات على المطلوب التي تبدو دائما كفرض عام ~~يقدمونه لكي يدعم حالة جزئية، بينما الحالة الجزئية لا تعدو أن تكون شطرا من ذلك الفرض ~~العام، انظر إلى المثال التالي: # يجب ألا نسمح ببيع هذه القطع من مقتنيات توت عنخ آمون إلى أي بلد أجنبي مهما ~~كان الثمن؛ وذلك لأن آثار مصر العظيمة ليست للتصدير. # نحن أيضا نأبى أن يباع أي شيء من الآثار المصرية مهما غلا الثمن، غير أن الحجة لم تقل ~~لنا لماذا، وكل ما فعلته هو أن أعادت صياغة النتيجة (لا بيع لبلد أجنبي) في المقدمة (لا تصدير). # 3 # ليس من المستغرب أن تكون أحفل الحجج بالمصادرة على المطلوب هي الحجج الأيديولوجية ~~والأخلاقية، ذلك أن هذه الحجج تكون موجهة غالبا إلى الشكاك، وأنها تتناول مجالات تفتقر ~~بطبعها إلى قضايا وقائعية # factual # يلمسها الجميع؛ ومن ~~ثم تكون المصادرة على المطلوب خطرا محدقا بها ومنزلقا سهلا، وكثيرا ما تكون الألفاظ ~~المستخدمة في هذه الحجج هي ألفاظ ملقمة (مشحونة) # loaded ~~؛ أي ألفاظ تختزن داخلها افتراضات خفية ونظريات بتمامها (مثال ~~ذلك: رجعي، انتحاري، استشهادي، ضحية، اضطهاد، إرهاب ...) وكأنها مصادرات «جاهزة» للاستعمال ~~الفوري، يخوض المفكرون معاركهم وفي جعبتهم مخزون ضخم من هذه الألفاظ، وبخاصة حين يريدون أن ~~يخبرونا ماذا نفعل وكيف نسلك، إن الواجبات التي يريدون أن يفرضوها علينا إنما هي مخبوءة ~~سلفا في هذه الألفاظ المفخخة، تبدو هذه الألفاظ كأنها تصف «وقائع» # facts # خالصة لا شية فيها، غير أنها تنطوي على «ينبغية» # oughtness # مطمورة في ثناياها و«إلزام» مضمر، ~~ولكي تتم الخدعة يجب أن ms014 تبدو المصادرة على المطلوب في هيئة حجة، أي تتلى بمفاصل منطقية من ~~قبيل: لأن، حيث إن، بما أن، إذن، وبناء عليه، ومن ثم ... إلخ، حتى لو كانت المسألة مجرد ~~تكرار بسيط للألفاظ. # أمثلة ~~(1) ~~«ينبغي ألا نصدر أسلحة لماليزيا؛ لأن من الخطأ أن نزود الأمم الأخرى ~~بأدوات القتل.» قد يبدو هذا كأنه حجة أو برهان، غير أنه مجرد إعادة صياغة لنفس ~~العبارة بألفاظ أخرى: # من الخطأ أن = ينبغي ألا. # نزود = نصدر. # الأمم الأخرى = الهند والصين وغانا ... وماليزيا ... إلى آخر قائمة ~~الأمم. # أدوات القتل = الأسلحة. # في ضوء هذا التحليل البسيط يتكشف أن الحجة لم تقل أكثر من: «ق» صادقة؛ لأن «ق» ~~صادقة. ~~(2) ~~«التجارة الحرة سوف تكون خيرا لهذا البلد؛ والسبب في ذلك واضح للغاية: أليس ~~من الواضح أن العلاقات التجارية غير المقيدة سوف تغدق على هذا البلد كل أنواع ~~المنافع التي تنجم عندما لا تكون ثمة عوائق تعترض تدفق البضائع فيما بين بلدان ~~العالم؟» # لا يعدو الأمر هنا أيضا أن يكون إعادة صياغة، أو تكرارا للعبارة نفسها ~~بألفاظ أخرى، (لاحظ أن «العلاقات التجارية غير المقيدة» هو تعبير مطول بعض ~~الشيء عن «التجارة الحرة»، وأن بقية العبارة هي تعبير مطول أكثر عن قولك «خير ~~لهذا البلد».) ~~(3) ~~«السرقة فعل غير مشروع؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما كان حرمها ~~القانون.» # تتظاهر هذه الحجة بأنها تبين السبب الذي من أجله تعد السرقة خطأ أو ~~عملا غير مشروع، غير أنها ليست أكثر من تكرار للقول نفسه بصيغة أخرى، ولا تعدو ~~في نهاية التحليل أن تقول: السرقة ضد القانون لأن السرقة ضد القانون، أو: ~~السرقة غير مشروعة لأن السرقة غير مشروعة! ~~(4) ~~«التلباثي (التخاطر) خرافة لا وجود لها؛ لأن الانتقال المباشر للأفكار بين ~~الأشخاص هو أمر مستحيل.» ~~(التلباثي = الانتقال المباشر للأفكار بين الأشخاص؛ خرافة = مستحيل.) ~~(5) ~~«إن السماح لكل إنسان بحرية مطلقة في الحديث ينبغي أن نعده أمرا في مصلحة ~~الدولة؛ وذلك لأن من الأمور التي تصب دائما في مصلحة المجتمع أن يتمتع كل فرد ~~بحرية كاملة غير منقوصة ms015 في التعبير عن عواطفه.» ~~(6) ~~«القتل الرحيم # active euthanasia # مقبول ~~أخلاقيا، إن من اللطف والرحمة وحسن الخلق أن تعين كائنا إنسانيا آخر على ~~أن ينجو من المعاناة والألم من خلال الموت.» # لنضع ذلك في صورة مقدمة ونتيجة: # من اللطف وحسن الخلق ... إلخ أن تعين إنسانا ... من خلال الموت؛ # إذن القتل الرحيم مقبول أخلاقيا. # والآن إذا نحن ترجمنا المقدمة سنجد أن القائل لم يعد في حقيقة الأمر أن ~~كرر الشيء نفسه مرتين: «من اللطف وحسن الخلق» تعني شيئا قريبا جدا من ~~«مقبول أخلاقيا»، «تعين إنسانا آخر ... من خلال الموت» تعني «القتل الرحيم»، ~~هكذا نجد أن الحجة لم تقدم لنا أسبابا عقلية تجعل القتل الرحيم مبررا ~~أخلاقيا، وتترك السؤال لدى المتلقي مفتوحا: «حسن، لماذا إذن نعتقد أن القتل ~~الرحيم جائز؟» ~~(7) # الإجهاض هو القتل غير المبرر لكائن إنساني، وهو، من ثم، قتل، وما دام القتل ~~جريمة نكراء، فالإجهاض جريمة في جميع الأحوال. # نحن أيضا لا نريد إباحة الإجهاض دون قيد أو شرط؛ غير أن الحجة السابقة تجعل ~~النتيجة متضمنة سلفا في المقدمات، وتصادر منذ البداية بأن الإجهاض قتل غير ~~مبرر دون أن تبين لنا لماذا كان ذلك. ~~(1) الاستدلال الدائري # reasoning in a circle ~~«هناك أحوال أخرى فيها لا يفترض مباشرة صحة المطلوب معبرا عنه في المقدمات بطريقة ~~أخرى، وأما الذي يفترض فهو شيء تتوقف صحته على صحة النتيجة؛ أي لا يمكن البرهنة عليه ~~إلا بالنتيجة فيكون هنا حينئذ دور # vicious circle ~~»، # 4 # يمكن تجريد الصورة المنطقية لهذا الدور كالتالي: ~~«أ» صادقة لأن «ب» صادقة. ~~«ب» صادقة لأن «أ» صادقة. # نحن إذن بإزاء شكل من أشكال المصادرة على المطلوب يعتمد فيه صدق الدعوى المقدمة على ~~دليل يعتمد بدوره على الدعوى ذاتها التي يفترض أن يبرهن عليها، وبذلك يدور البرهان في ~~دائرة مغلقة وتعتمد كل قضية فيه على الأخرى. # وقد تطول سلسلة الدائرة أكثر من ذلك، بحيث تعتمد كل قضية على تاليتها، وتعتمد القضية ~~الأخيرة بدورها على الأولى فتنغلق الدائرة، ولا يتوافر خارج السلسلة دليل مستقل ms016 عنها: ~~«أ» صادقة لأن «ب» صادقة. ~~«ب» ... ... «ج» ... ~~«ج» ... ... «أ» ... # ويعد الاستدلال الدائري مغالطة لنفس السبب الذي يجعل المصادرة على المطلوب مغالطة: ~~وهو أنه لا يقدم لنا دليلا مستقلا عن الدعوى ذاتها، وأنه يفشل في أن يربط لنا ما ~~هو غير معروف أو غير مقبول بما هو معروف ومقبول، وفقا لقاعدة «الأصل في البرهان أن ~~يكون أوضح وأوثق معرفة مما يراد البرهنة عليه»، وكل ما يفعله الاستدلال الدائري هو ~~أنه يقدم لنا مجهولين (أو أكثر) كل منهما مشغول بتعقب ذيل الآخر! بحيث لا يتسنى له ~~أبدا أن يصل نفسه بالواقع. # أمثلة ~~(1) # الروح جوهر بسيط لأنها خالدة، لا تتجزأ ولا تتحلل ولا تفسد. # والروح لا بد لها من أن تكون خالدة؛ لأنها جوهر بسيط. ~~(2) # أنا لم أفعلها أيها المعلم، وزميلي علي يضمن لك صدقي. # ولماذا يتعين علي أن أثق بكلام علي؟ # علي؟! إنني الضامن لك أنه صادق أيها المعلم. ~~(3) # نحن نعرف عن طبيعة الرب وصفاته من الإنجيل. # ونحن نعرف أن ثقتنا في الإنجيل مطلقة؛ لأنه موحى به من الرب. ~~(4) # إنني أطلب منك أن تضطلع بهذه المهمة لأنني أقدر كفاءتك. # وكيف أعرف أنك تقدر كفاءتي؟ # هل كنت أطلب منك أن تضطلع بمثل هذه المهمة لو لم أكن أقدر كفاءتك؟! ~~(5) # هذه اللآلئ السبع التي سرقناها سوف نقسمها على ثلاثتنا: خذ أنت اثنتين، ~~وأنت اثنتين، وأنا آخذ ثلاثا. # ولماذا تستأثر لنفسك بثلاث؟ # لأنني «الريس». # وما الذي نصبك «ريسا» علينا؟! # لأن لدى كل منكما لؤلؤتين ولدي ثلاث لآلئ أيها الغبي! ~~(1-1) هل كل استدلال دائري هو مغالطة بالضرورة؟ # إذا نظرنا إلى المنطق الاستنباطي للقضايا فإن المصادرة على المطلوب («ق» إذن «ق») ~~صائبة استنباطيا، أين يكمن الخطأ إذن؟! ومتى تكون المصادرة على المطلوب أو الحجة ~~الدائرية مغالطة؟ # إذا عدنا تاريخيا إلى المعلم الأول، أرسطو، نجده يتناول المصادرة على المطلوب ~~تناولا مزدوجا: # في «التحليلات (الأنالوطيقا) الأولى» يتناول المصادرة على المطلوب في ~~ضوء قوله المأثور بأن البرهان يمضي مما هو أكثر يقينا أو أوثق معرفة: ~~فإذا حاول المرء ms017 أن يثبت ما هو غير واضح بذاته عن طريق افتراضه ~~والتسليم به بادئ ذي بدء، فإنه بذلك يصادر على المطلوب الأول، أو ~~يسلم بالمسألة الأصلية، إنه يفترض ما ينبغي عليه إثباته، يعد هذا ~~توصيفا إبستيميا للمغالطة: فأن تصادر على المطلوب هو أن تنتهك ~~المبدأ الإبستيمي القائل بالأولوية المعرفية للمقدمات فوق النتيجة في ~~أي برهان من البراهين. # غير أن أرسطو في «الطوبيقا» (المواضع الجدلية) يتناول المصادرة على ~~المطلوب من حيث هي واردة في نزاع جدلي بين طرفين أو خصمين: تقع ~~المصادرة على المطلوب عندما يطلب صاحب دعوى ما «ق» إلى خصمه المعارض ~~أن يسلم ب «ق» إلى خصمه المعارض أن يسلم ب «ق» كمقدمة عليه ~~قبولها، ويعد هذا توصيفا جدليا للمغالطة. # يقدم أرسطو خمس طرق يمكن للحجة بها أن تصادر على المطلوب، ويتفاوت تناوله ~~للمغالطة بعض الشيء بحسب السياق الذي يتناول فيه المغالطة: السياق الإبستيمي (في ~~تناوله للبرهان على سبيل المثال) أو السياق الجدلي (كما في الطوبيقا). # ربما يكون ذلك هو الخيط الذي يمكن أن يوصلنا إلى فهم اللغز: متى تكون الحجة ~~الدائرية خطأ منطقيا؟ يبدو أن هناك عاملا إضافيا يحسم أمر الحجة الدائرية ~~ويحدد نصيبها من الصواب المنطقي: ذلك هو «السياق» # context ~~، ونعني به السياق الجدلي الذي تنسلك فيه الحجة، أو سياق ~~الجدل القائم بين متحاورين لكل منهم التزاماته الاعتقادية الخاصة. # من هنا يجب أن نميز بين «الدلالة» (السيمانطيقا) و«التداولية» (البراجماطيقا) في ~~المنطق، مثلما ميز أرسطو قديما بين السياق الإبستيمي والسياق الجدلي، تعرف ~~«السيمانطيقا» # Semantics # أو علم دلالة ~~الألفاظ، أو المعاني، بأنها الدراسة التي تتناول علاقة العلامات اللغوية بالعالم ~~الواقع خارج اللغة # extra-linguistic world ~~، أما ~~«البراجماطيقا» (التداولية) # pragmatics # فتعرف ~~بأنها العلاقة بين العلامات اللغوية ومستخدميها من بني البشر، فليست اللغة بأية حال ~~شيئا مخزنا بالمعاجم وكتب النحو، بل هي شيء في استخدام متصل بين بني الإنسان، ~~وللبشر طرائقهم في تداول اللغة فيما بينهم بما يتجاوز الدلالة المباشرة للعلامات ~~ويتجاوز النحو وتركيب الجملة بحد ذاته، من أهم الموضوعات التي تندرج في ms018 مبحث ~~التداولية: الأفعال الكلامية # speech acts ~~، ~~والإضمار الحواري # conversational implicature ~~، ~~التفرقة بين المعجم والموسوعة، وبين الاستعمال والذكر ... إلخ. # في ضوء هذه التفرقة الأساسية بين الدلالة والتداولية يمكننا أن نمضي فنقول إن ~~الحجج الدائرية ليست مغالطة بالضرورة، وإنما يتوقف الأمر على السياق الحواري للحجة ~~وعلى الالتزامات الاعتقادية لدى المتحاورين، يمكننا بتعبير تقني أن نقول إن ~~المصادرة على المطلوب أو الحجة الدائرية هي «مغالطة تداولية» # pragmatic fallacy ~~: أي قصور يتعين تقييمه بالنظر إلى الطريقة التي ~~استخدمت بها الحجة في سياق حواري معين، لا تكون المصادرة على المطلوب مغالطة إلا ~~إذا فشلت في تحقيق وظيفة مهمة من وظائف الحجة هي الوظيفة البرهانية؛ أي إذا لم تغير ~~شيئا في درجة الثقة التي يكنها الخصم في النتيجة المعنية (المسألة المطلوب ~~إثباتها)، الأمر هنا يتوقف على ما يعتقده متلقي الحجة وعلى درجة الثقة التي كان ~~يوليها للمسألة التي يتم البرهنة عليها، الأمر هنا يتفاوت بحسب الالتزامات ~~الاعتقادية الأصلية للطرف المتلقي، فإذا كانت الحجة تكرر النتيجة في المقدمات (أي ~~تثبت المسألة بذاتها أو تفترض ما يطلب الخصم إثباته) متوجهة بذلك إلى خصم لا يعتقد ~~أصلا في هذه النتيجة ولا يلتزم بها، فإنها عندئذ لا تؤدي وظيفتها البرهانية ~~المنوطة بها، وهي بهذا المعنى وفي هذا السياق تعتبر مغالطة. # أما عندما تقدم نفس الحجة (من الوجهة السيمانتية/هوية سيمانتية) إلى طرف ~~متلق يعتقد في النتيجة ويلتزم بها اعتقاديا، فإنها في هذا السياق التداولي ~~المختلف لا تعتبر مغالطة. # ولمزيد من التبيان نقول: إن من أهم وظائف الحجة «الوظيفة البرهانية» # probative function ~~، أي وظيفة إزالة ~~الشك (أو خفضه)، والتي تفترض الإطار التالي للحوار: ثمة طرف «المتلقي» لديه شكوك ~~أو تساؤلات تتصل بنتيجة معينة، وثمة طرف آخر «صاحب الحجة أو الداعي» مهمته في ~~الحوار هي إثبات هذه النتيجة إثباتا يقنع المتلقي ويرضيه وفقا لمقتضيات عبء ~~البرهان المناسبة لنوع الحوار وللحالة المعنية، فالآن إذا طرح الداعي حجة ~~دائرية من الصنف الذي لا يتسنى فيه خفض شكوك المتلقي أو تدعيم المقدمات إلا ~~بإثباتها من النتيجة، ms019 عندئذ تكون الحجة مصادرة على المطلوب، مثال ذلك هذا الحوار ~~بين مؤمن وشاك: ~~- سيظل القرآن الكريم إلى يوم القيامة محفوظا من كل التصحيف والتحريف. ~~- ما الدليل على ذلك؟ ~~- الدليل أن الله يقول في كتابه العزيز: # إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~. # من البين أن هذه الحجة تنطوي على مصادرة على المطلوب لأن المتلقي ليس لديه ~~التزام عقائدي بالقرآن، ومن ثم فإن الدليل المطروح لا يضمن عنده أن يبقى ~~القرآن محفوظا بما فيه # إنا نحن ~~. # أما عندما ترد هذه الحجة بحذافيرها في سياق تداولي آخر يجري بين داع مؤمن ~~ومتلق مؤمن أيضا ولديه التزام عقائدي بالقرآن، هنالك تضطلع الحجة بوظيفتها ~~البرهانية وتكون حجة صائبة مائة بالمائة وبريئة من أية مصادرة على المطلوب، هكذا ~~تتجلى أهمية أن يتقن «الداعية» # 5 # منطق الجدل، وألا يغفل لحظة هوية المخاطب والتزاماته الاعتقادية ~~المبدئية، وأن يتجنب تأييد المذهب «من داخله» (المصادرة على المطلوب)، ويلتزم ~~دائما بالحجج التي تؤيد المذهب «من خارجه». # ها نحن بإزاء حجة واحدة (من حيث الصورة السيمانتية) تصادر في حالة ولا تصادر في ~~أخرى؛ وذلك لاختلاف السياق التداولي، إنها ترد في سياق تداولي فتكون مغالطة ومصادرة ~~على المطلوب، وترد في سياق تداولي آخر فتكون صحيحة لا شية فيها، نخلص من ذلك ~~إلى أن المصادرة على المطلوب هي مغالطة تداولية بالدرجة الأساس. # 6 # في كتابه «نسق في المنطق» # a system of logic # ذهب ~~جون ستيوارت مل إلى أن جميع صور الاستدلال الاستنباطي ترتكب مغالطة «المصادرة على المطلوب»، فالقياس # syllogism # يتضمن دورا أو ~~مصادرة على المطلوب؛ لأن المقدمة الكبرى فيه تفترض صحة النتيجة، يذكر مل هذا ~~القياس الشهير: # كل إنسان فان، # أفلاطون إنسان؛ # إذن أفلاطون فان. # ويقول: إن المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» تفترض النتيجة مسبقا بمعنى أننا لا ~~يمكن أن نوقن بصدقها ما لم نكن موقنين بصدق النتيجة «أفلاطون فان»، فإذا كان من ~~المشكوك فيه أن أفلاطون فان فسوف يكون من المشكوك فيه، بنفس الدرجة على أقل تقدير، ~~أن جميع البشر فانون. # هنا ms020 أيضا يسعفنا تصور «السياق ~~التداولي» # pragmatic context # كمحك لهذه المغالطة، هل ثمة دور منطقي في القياس ~~السابق؟ ذلك أمر يتوقف على ما إذا كان سياق الحجة يتضمن (ربما استقرائيا) بينة ~~على المقدمة الكبرى «كل إنسان فان» مستقلة عن النتيجة ... بينة بيولوجية مثلا على ~~فناء الحيوانات، غير أن هذا يطرح سؤالا مربكا عن دور البينة الخلفية # background evidence # في سياق الحجة، ~~ويعود بنا من ثم إلى مشكلة ما الذي يمكن أن يعد، أو لا يعد، «مقدمة» # premise # لحجة معينة. # 7 ~~(1-2) أمثلة أخرى للحجة الدائرية ~~(أ) الخطة القومية # يذكر البريطانيون تلك «الخطة القومية 1964-1970م»، وهي ممارسة للتخطيط ~~الاقتصادي القومي الذي كان صيحة رائجة في ذلك الوقت: فقد طلب من الشركات أن ~~تتخذ معدل نمو قدره 3,8٪، وأن تقدر على هذا الأساس ما ستكونه خططها الخاصة ~~للتوسع، ثم أضافت الحكومة هذه التقديرات المختلفة، واستنتجت أن الخطط ~~المشتركة للصناعة البريطانية تومئ إلى معدل نمو قدره 3,8٪! لا غرو كانت الخطة ~~القومية لا قيمة لها وما تزال، اللهم إلا لخبراء المغالطة المنطقية ممن يسعدهم ~~الحظ بالحصول على نسخ منها لدى باعة الكتب المستعملة! ~~(ب) الدور الديكارتي # يعرف كل قارئ لديكارت أنه بدأ فلسفته بافتراض الشك في كل شيء على الإطلاق: ~~في شهادة الحواس وأحكام العقل ووجود العالم ... إلخ، حتى عثر على اليقين الأول ~~الذي لا يتطرق إليه الشك، وهو يقين الفكر، يقين الكوجيتو: «أنا أفكر فأنا إذن ~~موجود»، لقد أثبت وجود الذات بالفكر، ثم التمس للفكر سندا في الوجود الواقع، ~~فأثبت وجود الله بالفكر ذاته ليكون ضامنا لمعرفته الواضحة المتميزة عن العالم ~~الخارجي، بذلك يتبين الخطأ المنطقي الذي وقع فيه ديكارت بوضوح تام: فهو لم يخرج ~~من شكه إلا بدور منطقي ظاهر: فمن جهة يجب للبرهنة على وجود الله الاعتماد ~~على العقل والأفكار الواضحة كوسائل لا تخدع، ومن جهة أخرى لأجل التحقق من أن ~~العقل والأفكار الواضحة لا تخدع يجب العلم أولا بوجود الله وصدقه! # 8 ~~(ج) التحليل النفسي # تعج كتابات رائد التحليل النفسي ms021 وأتباعه بمصادرات على المطلوب تؤدي لدرس ~~المنطق أضعاف ما تؤديه لدرس السيكولوجيا من خدمات! # في كتابه «تفسير الأحلام» يقول فرويد بالنص الحرفي: «وأرادت ~~مريضة أخرى (هي أمهر حالماتي) أن تنقض نظريتي في الأحلام، فأمكن أن ~~يحل حلمها حلا أقل تعقيدا وإن ظل متفقا مع ذات القاعدة: أن عدم ~~تحقق إحدى الرغبات معناه تحقق أخرى، ذلك أنني شرحت لها يوما أن ~~الحلم يحقق رغبة، فأتتني في اليوم التالي بحلم رأت فيه أنها تسافر ~~مع زوجة أبيها لتقضيا فصل الصيف في الريف، وكنت أعلم أنها قد ثارت ~~ثورة عارمة على فكرة المصيف قريبا من زوجة أبيها، وأنها قبل ذلك ~~بأيام قد أفلحت لحسن حظها في الإفلات من هذه الصحبة المخوفة؛ ~~فاستأجرت منزلا في الريف يبعدها عن حيث كانت امرأة أبيها كل ~~البعد، وها هو ذا الحلم قد أتى فإذا هو يقلب هذا الوضع رأسا على ~~عقب، ألا ينقض ذلك نظريتي في تحقق الرغبة بوساطة الحلم أقطع نقض؟ ~~يقينا، ولا يحتاج المرء إلى أن يستخرج النتيجة التي تخلص من هذا ~~الحلم لكي يحصل على تفسيره: إن الذي يخلص من هذا الحلم هو أنني كنت ~~على خطأ، وهكذا فقد كانت رغبتها هي أن أكون على خطأ والحلم يريها ~~تحقق هذه الرغبة.» # 9 # يذهب أنصار التحليل النفسي إلى أن المشاهدات الإكلينيكية تؤيد ~~نظرياتهم، من حيث هي وقائع تجريبية تربط النظرية بالعالم ربطا ~~اختباريا فتمنحها الصفة العلمية، غير أن هذه الملاحظات ~~الإكلينيكية، شأنها شأن كل الملاحظات الأخرى، هي تأولات في ضوء ~~النظرية؛ ولهذا السبب وحده تكتسب مظهر المدعم لتلك النظريات ~~التي تم في ضوئها تفسير هذه الملاحظات، إنها أشبه بثوب خلع «من» ~~النظرية ثم خلع «عليها» ... فهالهم أنه انطبق على النظرية ~~وأيدها تأييدا، وهو منطق معكوس يقع فيه كل من يقرأ فكرته ~~ويتأولها في كل شيء ويراها في كل شيء لأنه لا يرى إلا بها! ~~وهو منطق معكوس تجد له أمثلة لا تحصى في النظريات الميتافيزيقية ~~التي تبدو الوقائع مؤيدة لها، ولو دققنا النظر في هذه ms022 الوقائع ~~لتبين لنا أنها اختيرت في ضوء النظريات عينها التي نريد ~~اختبارها بها. # قلما يخضع التحليل النفسي للاختبار في الممارسة الحقيقية، وحتى ~~حين يعرض للاختبار فإن الاستدلال كثيرا ما يكون دائريا، بمعنى ~~أن تفسير المعطيات نفسها يتطلب افتراض صدق النظرية، مثال ذلك ما ~~ورد عن نتائج دراسة حول عقدة ~~أوديب # Oedipus Complex # حيث كانت نسبة الفتيات أكبر من نسبة ~~الأولاد بدرجة عالية الدلالة فيما يتصل بتخيل الصورة الذكرية ترتقي ~~الدرج وتدخل الغرفة، وهو بالطبع أقوى دليل على صدق نظرية فرويد، ~~حيث إن ارتقاء السلم في نظرية فرويد هو رمز للجماع، # 10 # مثل هذا الدليل مشكوك فيه إلى حد كبير؛ لأن هذا الفرق ~~المذكور بين الذكور والإناث لا ينهض دليلا على صدق نظرية فرويد ~~إلا إذا تبنى التفسير الرمزي الذي يتضمن أن الفتيات يفكرن في ~~الاتصال الجنسي بأبيهن، أي ب «مصادرة على المطلوب»، وما من نتيجة ~~إلا ويمكن أن تكون مؤيدة إذا نحن أفرغنا عليها التفسير المطلوب ~~تأييده. ~~(2) تفسيرات تحصيل الحاصل # يلحق هذا أيضا بما يسمى «تفسيرات ~~تحصيل الحاصل» # tautological explanations ~~، وهي صفة الفكر الأجوف، والعلم الأجوف الخالي من ~~المحتوى المعلوماتي الحقيقي. # و«تحصيل الحاصل» # tautology # هو عبارة صادقة بالضرورة ~~بسبب صورتها المنطقية ذاتها، مثال ذلك: «إنها تمطر أو لا تمطر»، وتعد تحصيلات ~~الحاصل بصفة عامة خلوا من المعلومات، وتحصيل الحاصل ليس عيبا وليس سبة حين يجول في ~~مجاله: فالمنطق والرياضة البحتة هما من قبيل تحصيل الحاصل، بمعنى أن نتائجهما لا تأتي ~~بجديد لم يكن قابعا، على طريقته، في المقدمات غير أن العلوم التجريبية تريد أن تخبرنا ~~خبرا عن العالم المحدد الذي تصادف أننا نعيش فيه، تريد أن تقول شيئا جديدا لم يكن ~~لنا به علم، ومن ثم يتعين عليها أن تتنكب تفسيرات تحصيل الحاصل التي لا تحمل في ~~جعبتها خبرا جديدا - لا تحمل «محتوى معلوماتيا» يزيدنا علما، بل تقول لنا ببساطة: ~~إن «أ» هو «أ» (!). # ويعرف «تفسير تحصيل الحاصل» بأنه ذلك التفسير الذي يكون فيه «المفسر» # explanans ~~(أي القضية التي تضطلع ms023 بالتفسير) لا يقول ~~شيئا أكثر من «المفسر» # Explanandum ~~(القضية المطلوب ~~تفسيرها)، مثال ذلك سخرية موليير المأثورة من تفسير مهنة الطب في زمنه لظاهرة نوم الناس ~~على أثر تعاطي الأفيون بأن الأفيون يجعل الناس تنام «لأن له تأثيرا منوما»، أي أن ~~«الأفيون ينوم لأنه ينوم!» لاحظ أن هذه العبارة ليست كاذبة بحد ذاتها («أ = أ» ~~عبارة صائبة في حقيقة الأمر)، الخطب أنها لا تفسر شيئا ولا تضيف إلى علمنا شيئا لم ~~نكن نعلمه! # وكثير من العلم الزائف والعلم غير الناضج لا يعدو أن يكون من هذا الصنف، يقول ~~ب. ووتون # B. Wootton # في كتابه «علم الاجتماع ~~والباثولوجيا الاجتماعية» (1959م): «في حالة الفعل المضاد للمجتمع الذي يقال إنه ينتج ~~عن المرض النفسي، فإن من غير الممكن أن يستدل على وجود المرض من حقيقة أن الفعل قد ~~ارتكب لا أكثر.» # 11 # لا يعدو هذا التفسير أن يقول: إن الناس تنغمس في العنف والسلوك المضاد ~~للمجتمع؛ لأنهم أناس ينغمسون في العنف والسلوك المضاد للمجتمع! كذلك الشأن في تفسير ~~التحليل النفسي للانتحار والتدمير (تدمير النفس أو الغير) بأنه ناجم عما يسميه غريزة ~~«الموت» # thanatos # وهي نزوع بالإنسان إلى العودة إلى ~~الحالة الجمادية، نعم هناك انتحار وهناك تدمير وهناك سلوك مضاد للمجتمع ... إلخ، ولكن على ~~التفسير العلمي أن يقدم شيئا أكثر من ترجيع الصدى وتحصيل الحاصل. # في حديثه عن أرسطو في كتابه «مراجعات في الآداب والفنون» يقدم العقاد لمحة ذكية في ~~نقد «الأخلاق النيقوماخية» فيقول: إن كل فضيلة عند أرسطو هي وسط بين رذيلتين، وكأن ~~الاختلاف بين الفضائل والرذائل في تفسيره لا يكون إلا من قبيل الاختلاف بينها في ~~الدرجات والزيادة والنقصان، وهو رأي منتقد عابه عليه كانت # Kant # بحق فقال: «إن الاختلاف بين الفضيلة والرذيلة لا يمكن أن يكون ~~مسألة درجات بل لا بد أن يعتمد على معادنها الطبيعية أو قوانينها ... إن تفسير أرسطو ~~أولا لا يبين لنا الحد الذي يجب على كل منهما أن يقف عنده، وثانيا هو في الواقع ~~«تحصيل حاصل» إذ إن ms024 أرسطو يقول «إن الإنسان يجب عليه أن يجتنب الخطأ بالزيادة عن الحد ~~والخطأ بالنقص منه.» (دون أن يبين ما عساه أن يكون ذلك الحد!) فكأن النتيجة أن الواجب ~~هو أن لا تفعل أكثر ولا أقل من الواجب!» وهذا هو تحصيل الحاصل كما يقول كانت؛ لأن ~~تعريفنا الواجب بأنه شيء لا يزيد ولا ينقص عن الواجب هو من اللغو الذي يشبه قول ~~القائل: # كأننا والماء من حولنا # قوم جلوس حولهم ماء # 12 # والحق أن كثيرا من الفكر الأخلاقي الرائج لا يقول أكثر من ذلك! «افعل ما فيه ~~المصلحة» (وما المصلحة؟!) «لا تفعل ما فيه مفسدة» (وما المفسدة؟!) «كن وسطيا» (بين ~~ماذا؟!) وقلما يدرك المتحدث المخلص أنه في حقيقة الأمر لم يزد مستمعيه علما بأي شيء، ~~وأنه في حقيقة الأمر لا يزيدهم إلا رضا ذاتيا زائفا، وأنه لا يغادرهم إلا وقد زاد ~~طبعهم جفاء وزاد أرواحهم غلظة! ~~••• # وبعد، فمن شأن الحجة السديدة لإثبات دعوى معينة أن تقدم دليلا مستقلا لتبرير ~~الاعتقاد بهذه الدعوى، وأن تتجنب الاعتماد على الدعوى، أو شطر من الدعوى، لإثبات ~~ذاتها، وما يكون لعاقل أن يفترض، كدليل أو بينة، ذات الشيء الذي يحاول أن يثبته، غير ~~أننا كثيرا ما يجرفنا الانفعال الأيديولوجي والالتزام بصدق مذهبنا السياسي أو الأخلاقي ~~ويعصب أعيننا عن رؤية أننا، في حقيقة الأمر، نفترض مقدما صدق ما نريد أن نبرهن ~~عليه؛ ولذلك تجد المصادرة على المطلوب مرتعا خصيبا لها في مثل هذه المجالات، وحيثما ~~فرغت ساحة من البراهين الصلبة والحجج الوقائعية المستقيمة تم استدعاء الحجج الدائرية ~~لتولي الأزمة واتخاذ اللازم، ولو أن هناك براهين مقنعة على الأيديولوجيات، ~~المتكثرة تكثر الأهواء والمصالح، لكان عسيرا على ذوي العقول أن يختلفوا حولها، ومن ~~البين المتواتر أنه كلما توافر للناس حجج أكثر قبولا وصلابة زاد انصرافهم عن الحجج ~~الدائرية لتبرير دعواهم. # ربما تخدع المصادرة على المطلوب قائلها أكثر مما تخدع متلقيها؛ لأن المرء حين يكون ~~مشربا منذ البداية بموقف ما فإن من السهل أن يتراءى له كل مكافئ أو صنو ms025 لهذا ~~الموقف كأنه برهان عليه، ثمة فرق بين أن تعتنق رأيا وبين أن تكون قادرا على تبرير ~~هذا الرأي، وعلى محبي الحكمة أن يتعلموا من درس الفلسفة أن هناك فرقا بين الموقف ~~نفسه وبين الحجج التي يستند إليها الموقف، ومن لم يتعلم هذا التمييز سيكون عرضة ~~دائما للانخداع بمغالطة «المصادرة على المطلوب». # الفصل الثاني # | مغالطة المنشأ # | genetic fallacy; damning the origins # الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فإنه أحق بها. # حديث شريف # خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت. # حديث شريف # وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها # فإن في الخمر معنى ليس في العنب # المتنبي # تولد الفكرة، # تنهض على أرجلها الخاصة، # تتوكأ على ذاتها، # وتغادر بيت أبيها، # ولا تعود تسقط بسقوطه، # أو تنجرح بانجراحه. ~~*** # قوة الفكرة لا تكمن في الأصل الذي ينميها بل في المنطق الذي يزكيها. # وصواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذي منه أتت بل الدليل الذي إليه تستند. # ثمة فرق بين السبب الذي يجعل الناس تعتقد في شيء ما # ratio ~~credentis # وبين السبب الذي يجعل هذا الشيء حقا أو صوابا # ratio veritatis ~~. # في أمثل الأحوال يكون الحق مبررا للاعتقاد، غير أنه لا يندر أن تنعكس الآية ويستخدم ~~المرء مصدر اعتقاده (مرده وأصله ومنشأه) كما لو كان دليلا على صدق هذا الاعتقاد، ~~فيقبل الشيء أو يرفضه بحسب أصل هذا الشيء ومصدره، وموقع ذلك من نفسه بين القبول والرفض ، ~~هنالك يكون قد «خرج عن الموضوع» وتنكب «الصلة» # relevance # ووقع في خطأ منطقي عتيد يطلق عليه «المغالطة ~~المنشئية» # genetic fallacy ~~. # قد تعد المغالطة المنشئية ضربا من «البخل» المعرفي أو الذهني، فالبحث والتقصي لمعرفة ~~التبرير المنطقي لاعتقاد ما قد يكون مرهقا ويتطلب وقتا وجهدا سخيا، ونحن قلما نسخو ~~بالطاقة الذهنية عندما تتوافر لدينا خيارات أقل كلفة، من ذلك أن ننظر في أصل الاعتقاد ~~ونتخذه معيارا لتقدير نصيبه من الصدق، لعلنا قد تبنينا هذا اللون من الاقتصاد الذهني ~~عبر تطورنا النوعي؛ لأنه يسعفنا في أحيان كثيرة، وبخاصة عندما يكون الاستقصاء الدقيق ~~بطيئا بدرجة خطرة، ms026 غير أن علينا أن نعترف أن هذه الآلية وإن تكن معينة على البقاء فهي ~~ليست أوثق الطرق لاكتشاف الحقيقة. # بالإنسان إذن ولع متأصل بمعرفة مصدر الحجة، وقلما يولي الناس ثقتهم بآراء جاءت من ~~مصدر يمقتونه، بغض النظر عن المزايا الفعلية لهذه الآراء نفسها، وكأنهم يقولون: فلتذهب هذه ~~الآراء إلى الجحيم مع أصحابها؛ ربما لذلك تسمى هذه المغالطة أحيانا # damning the origin ~~(لعن المصدر أو الأصل)، يتناسى ~~هؤلاء أن الحجة إنما تنهض على أرجلها الخاصة وتستند إلى معايير صدقها وتقف بمعزل عن أصلها ~~ولا تستقي منه قوة ولا ضعفا. # تجد هذه الآلية الفكرية مرتعا خصيبا في عالم الأفكار الرائجة والصيحات الفكرية السائدة، ~~فيكفي أن تجلس في جمع من أدعياء الثقافة وتقول «هكذا قال رولان بارت أو جاك دريدا.» أو ~~«هكذا يذهب تيار ما بعد الحداثة.» لكي يحظى قولك بالإكبار والإعجاب، كذلك حين تأتي ~~التزكية للفكرة، أو للعمل، من مصدر ذي مكانة واعتبار فلا تدرك وجاهتها إلا منعكسة من ~~وجاهة المصدر، كأنما تستعير منه الهيبة والجدارة، يذكر أن طاغور عندما أسندت إليه ~~جائزة نوبل تنادى قومه لتكريمه والاحتفال به، فقال في شيء من الاستهانة والازدراء «إنهم ~~يكرمون التكريم!» أي إنهم لم يفطنوا إلى قيمته من قبل، وإنما جاءوا لتكريمه بعد أن ~~جاءته جائزة نوبل. # 1 # وفي محاورة فايدروس لأفلاطون يبين سقراط حجة معينة باختراع أسطورة صغيرة عن المصريين ~~القدماء، فيرد عليه فايدروس بقوله: إن بوسع سقراط بطبيعة الحال أن يخترع قصصا عن المصريين ~~القدماء أو عن أي مكان يشاء، عندئذ يرد سقراط على هذا النقد باختراع أسطورة إضافية: # يروى أن أولى النبوءات قد صدرت عن شجرة بلوط في محراب زيوس في دودونا، ولم يكن ~~الناس قديما في بساطتهم على شاكلتكم معاشر الشباب في فلسفتكم، بل كانوا لا ~~يستنكفون أن يسمعوا الحقيقة ولو من شجرة بلوط أو صخرة، فبحسبهم أنها الحقيقة، ~~أما أنت فلا تقنع فيما يبدو بما إذا كان شيء ما حقا أم لا، بل يعنيك من القائل ~~ومن أي بلاد تأتي ms027 الرواية. # في هذه الفقرة يذكرنا سقراط بأن ما تعنينا معرفته عن عبارة معينة هو ما إذا كانت حقا أم ~~باطلا، أما المصدر الذي جاءت منه العبارة، سواء كان شجرة أو صخرة أو أسطورة مصطنعة خصيصا، ~~فأمر خارج عن الموضوع. # وفي كتابه «النقد الفني» يصوغ جيروم ستولنيتز المغالطة المنشئية (مغالطة الأصل) صياغة ~~محكمة فيقول: # وبالاختصار فإن منشأ «س» شيء، و«س» ذاتها شيء آخر، وما إن تبدأ «س» في الوجود حتى تصبح ~~لها حياة خاصة بها، إن جاز التعبير، وسوف يصبح لها - شأنها شأن النظرية أو الكائن ~~البشري - تركيب وقيمة، وتدخل في علاقات مع الأشياء الأخرى، لا يمكن فهمها تماما من ~~خلال أصلها الأول، فلا بد لنا من دراسة هذه السمات لكي نعرف كنهها. # 2 # أمثلة ~~«إن مستشار ألمانيا الحالي كان طفلا في الثالثة عندما كان هتلر في السلطة، ~~وبالنظر إلى هذه الخلفية فإن خطة «الإصلاح» التي يقدمها ستكون برنامجا نازيا ~~بالضرورة.» ~~«كيف تسمح لنفسك أن تتخذ خاتم زواج (دبلة) وأنت تعلم أن هذا الرمز يعود إلى ~~أصول بدائية همجية، عندما كانت المرأة تسلسل من أعقابها بعقال، كالدواب ~~المملوكة؛ حتى لا تفر من زوجها؟!» ~~«إن هذا الدواء مستمد من نبات سام، فهو إذن سيضر بي أشد الضرر إذا أنا ~~استعملته، حتى لو كان طبيبي ينصحني بذلك.» (الخطأ هنا هو في الانتقال غير ~~المشروع من أصل الدواء «النبات السام» إلى استنتاج أنه سام بالضرورة في أي شكل ~~وأي موقف.) ~~«اليوجينيا (تحسين النسل) # eugenics # علم ضار ~~على نحو مطلق، والعبث بالجينات عمل فاشي نازي، هكذا كان هتلر يحاول من قبل، ~~فكيف نمضي في شيء بدأه شخص مثل هتلر؟!» ~~(1) مصدر النظرية العلمية # ويلح فيلسوف العلم كارل بوبر في غير موضع من كتاباته على أن مصدر النظرية العلمية هو ~~أمر لا صلة له البتة بوضعها العلمي، أي بتحديد ما إذا كانت النظرية علمية أم لا، ~~فالنظرية لا تكون علمية ما لم تكن «قابلة ~~للتكذيب» # Falsifiable ~~، يستوي في ذلك أن تكون النظرية قد جاءت من المختبر أو ms028 من ~~نفحة إلهام، بالطبع قد تكون إحدى الطرق أكثر خصوبة من غيرها كوسيلة لإنتاج نظريات ~~أصيلة، ولكن هذا لا علاقة له بالسؤال عما إذا كانت عبارة ما هي عبارة علمية أم غير ~~علمية، ولا علاقة لها بالسؤال عن مدى أصالتها العلمية إن كانت عبارة علمية، ليست هناك ~~طريقة آلية يمكن بها للعلم أن يحقق تقدما، وبوبر في ذلك يرخي العنان للتأمل الخيالي ~~الجريء، فالعلم ليس أقل احتياجا للخيال من أي فن آخر من الفنون، وفي معرض نقده ~~لفرويد لم يأخذ عليه طريقته في الكشف ولم يعرض لهذا الأمر قط، فهو لا يعنيه مصدر ~~النظرية بل يعنيه منطق الاختبار، وهو لا يسأل العالم من أين جاء بنظريته بل يسأله عما ~~أعد لها من اختبارات قاسية، وقد لاحظ أينشتين من قبل أنه بينما يمكن للنظرية أن ~~تختبر بالبينة # evidence # فليس هناك طريق من البينة ~~إلى النظرية! ويظهرنا تاريخ الممارسة العلمية على أن الاقتحامات الكبرى في العلم ~~تأتي عن طريق الحدس، ثمة دائما قفزة إبداعية تتجاوز المعلومات المتاحة وتضيف إليها ~~شيئا ما مستجدا، وأحيانا ما تأتي ومضة الاستضاءة من الأحلام بالمعنى الحرفي! # أحيانا ما يحلم العلماء نظرياتهم حلما! وفي كتابهما «الإبداعية العالية: تحرير ~~اللاوعي من أجل انطلاق الاستبصارات» يعرض وليز هارمن وهوارد راينجولد عددا هائلا من ~~الأحلام العلمية، مثل: حلم كيكوليه ببنية حلقة البنزين إذ رأى في منامه أفعى تعض ~~ذيلها (وقيل عدة أفاع تعض كل واحدة ذيل تاليتها)، وحلم نيلز بور بالنظام الشمسي كنموذج ~~للذرات، وحلم ديمتري مندليف بالجدول الدوري للعناصر، لا لم يكن مصدر النظرية مما يعني ~~بوبر من قريب أو بعيد، فلتأت النظرية من حيث تأتي، المهم أن تكون علما، أي قولا يحمل ~~نبأ عن العالم المحدد الذي وجدنا فيه، ويحمل في تضاعيفه تنبؤات قابلة للاختبار. # 3 # ويذكر أن نظرية التطور خطرت لألفرد والاس بينما كان في حالة هذيان # delirium ~~، ومن الأحاديث الشهيرة ما يؤثر عن أرشيميدس من ~~أنه توصل إلى مبدأ الثقل النوعي وقانون الطفو (الإزاحة) بينما كان يغتسل، ms029 فقفز من ~~الحمام صائحا «وجدتها!» # Eureka! ~~. ~~(1-1) منشأ الدولة عند هوبز # ذهب هوبز إلى أن أصل الدولة يرجع إلى العداوة والمنازعات المستمرة بين أشخاص ~~أنانيين، يعيشون خارج نطاق أي نظام اجتماعي، وأن الدولة تنشأ من محاولة الحد من هذه ~~العداوات، ولكن حتى لو صح هذا، لما كان تفسيرا بالضرورة لطبيعة الدولة في الوقت ~~الراهن، فمن الممكن أن تتجاوز الدولة نطاق وظيفتها الأصلية، وتضع لنفسها أهدافا ~~مختلفة كل الاختلاف، وتركيبا من نوع آخر، وعندئذ لا يمكننا القول إن من طبيعة ~~الدولة ذاتها أن تقوم بالقمع والتنظيم، فمن الممكن أن يكون تبرير سلطتها مختلفا كل ~~الاختلاف عما تصوره هوبز، الذي انتهى إلى موقفه هذا استدلالا من وصفه «المنشئي» # genetic ~~. # 4 ~~(1-2) منشأ العمل الفني # في مجال تذوق الأعمال الفنية، وتفسيرها وتقييمها، نكون عرضة بصفة خاصة لارتكاب ~~المغالطة المنشئية، وذلك حين نتجه باهتمامنا كله إلى حياة الفنان وشخصيته وسيرته ~~الذاتية، ونظن أننا بذلك نقارب العمل مقاربة فنية جمالية، بينما نحن نبتعد عن ~~عالم الفن بقدر ما نلج في عالم الفنان الشخصي ومفردات حياته، ليس ما يهمنا، من وجهة ~~النظر الجمالية، هو تاريخ العمل وظروف نشأته، وإنما العمل ذاته، واقفا على قدميه، ~~قد يتمكن الباحث الفرويدي، على سبيل المثال من أن يبين كيف دخل التخييل في العمل ~~ذاته، غير أن هذا لا يؤدي في ذاته إلى تفسير قيمة العمل، فالعمل ليس مجرد تخييل، ~~وإنما هو تخييل صيغ وشكل في بناء فني وباستخدام وسائل فنية، وهو قد أصبح ~~جزءا لا يتجزأ من نموذج من الألوان أو الأصوات أو الكلمات، فعلينا ألا ننسى ~~أبدا عناصر العمل التي تجعله على ما هو عليه في طبيعته الباطنة. # 5 # كذلك يمكن أن يؤثر نوع متشابه تماما من الإحباط (على مذهب فرويد) في فنانين ~~مختلفين، وقد يتخيلان إشباعا بديلا من نوع مماثل إلى حد بعيد، ومع ذلك فإن ~~الأعمال التي يبدعانها قد تكون مختلفة تماما من حيث القيمة، فيكون أحدهما ضئيل ~~القيمة والآخر عظيما، وعندئذ يكون ذلك راجعا إلى عوامل ms030 مثل الجاذبية لا يمكن أن ~~توجد إلا في العمل الفني، لا في منشئه. # وما إن نفهم المغالطة المنشئية حتى يصبح كلامنا وتفكيرنا أشد حذرا ودقة، إذ إن ~~هذا الفهم يجعلنا نحذر الاستدلالات المتسرعة، غير النقدية، من حياة الفنان عن طبيعة ~~عمله، فليس في وسعنا أن نفترض بسهولة أن كون الفنان في حالة نفسية معينة في وقت ~~الخلق الفني يؤدي بالضرورة إلى انعكاس هذه الحالة النفسية على العمل، ذلك أن للعمل ~~طابعا خاصا به، بل إن هناك في الواقع فارقا هائلا بين الحالة النفسية التي ~~تشيع في العمل، وبين حالة الفنان في وقت خلقه لهذا العمل، من ذلك أن السيمفونية ~~الثانية البهيجة لبتهوفن كتبت في وقت كان يعاني فيه ألما شخصيا مبرحا، ومن ~~ذلك أيضا شهادة تشايكوفسكي الشخصية إذ يقول: «إن العمل الذي يؤلف في أسعد ~~الظروف قد يصطبغ بألوان قاتمة كئيبة.» # 6 # وهناك شهادة أخرى لكاتبة أمريكية كبيرة هي كاترين آن بورتر، تفرق ~~بدورها بين الحالة النفسية للخلق وبين العمل الفني، فتقول: «ليس في وسعي أن أقول لك ~~ما الذي يضفي على العمل حرارة حقيقية ... إنها ليست متعلقة بما تشعر به في أية لحظة ~~بعينها، وليست قطعا متعلقة بما تشعر به لحظة الكتابة، وربما كان البرود هو أنسب ~~الحالات لذلك، في معظم الأحيان.» # كذلك ينبغي تجنب مغالطة الأصل عندما يكون العامل المنشئ اجتماعيا لا شخصيا، ~~مثال ذلك أن كثيرا من موضوعات الفن البدائي التي نضعها في المتاحف كانت في الأصل ~~تستخدم لأغراض عملية، فهذه الأواني والملاعق والأوعية كانت من قبل موضوعات عادية ~~تستخدم في الحياة اليومية، ومع ذلك لا يمكننا القول إن النظر إليها بطريقة جمالية، ~~بدلا من الطريقة العملية، ينطوي على تشويه لطبيعتها الحقة، ففي هذا القول خلط بين ~~الموضوع، الذي يمكن النظر إليه على أنحاء شتى، وبين منشئه. # 7 ~~(1-3) المنشأ السيكولوجي (والاجتماعي) للأفكار # ليس هناك أدنى شك في أن العوامل الاجتماعية والنفسية ضالعة في نشأة الأفكار ~~والمذاهب، وأن فهم هذه العوامل هو شرط لا بد منه لفهم ms031 هذه المذاهب وتقييمها، ~~وقد دبج «فيلسوف القرن» برتراند رسل سفرا ضخما في تاريخ الفلسفة أسماه: ~~«تاريخ الفلسفة الغربية: وصلته بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور إلى ~~اليوم» (نعني أنه عرف صلة هذه الظروف بفكر الفلاسفة، ولا نعني أنه اقتصر ~~عليها). # غير أن الاقتصار على تقييم الأفكار وفقا للظروف الاجتماعية التي اكتنفتها ~~والدوافع السيكولوجية التي أوقدتها، والاكتفاء بتحليل هذه الدوافع كبدليل عن تناول ~~الحجج ذاتها - يعد سقوطا مزريا في المغالطة المنشئية، فإذا أمكن لعلم النفس أن ~~يكشف شيئا من الآليات السيكولوجية التي كانت تعتمل بنفس المفكر وهو يبدع مذهبه، ~~فإنه يقف أعزل أمام البناء الاستنباطي للمذهب والنسيج المنطقي للأفكار، فإذا ما ~~نزغ له مبحثه السيكولوجي أن يعمل أدواته ومقولاته في تلك الأقاليم المنطقية فإنه ~~يهزل ويهتر، ويغرب ويغترب، ويقع في «خطأ ~~مقولي» # category mistake # 8 # فاضح فيصف الشيء بما لا يوصف به! # هذا ما يمكن أن يحدث في أمثل الأحوال ومع أعتى علماء النفس وأفقههم، أما ما يحدث ~~في الواقع الفعلي ويغثينا كل يوم في الجرائد والكتب والدوريات ووسائل الإعلام ~~فهو ضرب من «السيكولوجيا الشعبية» # pop psychology # الركيكة التي ترتجل الديناميات النفسية ارتجالا وتكتفي لتفنيد الفكرة بإلصاق دوافع ~~سلبية لا دليل عليها، بله أن تكون دليلا على خطأ الفكرة. # فهذا معارض للحكومة لأنه عانى في طفولته من علاقات متعسرة مع والديه ~~أدت به إلى صعوبة في تقبل السلطة، وفي تقبل كل «صورة والديه» # parental figure ~~! # وهذا نشأ في أسرة مفككة، أو أسرة معدمة، أو أسرة ثرية بورجوازية، ~~وهذا تعرض للإيذاء في طفولته الباكرة، وهذا أفرط أبواه في تدليله ~~(أو تكديره)، وهذا كان أبوه قاسيا (أو لينا) ... إلخ. # ومهما تكن أوضاع الخصم فلن تعدم أن تقيض له دوافع سيكولوجية توظف لتقويض ~~فكرته! # الفصل الثالث # | التعميم المتسرع # | hasty generalization # ولا تشيد صرحا من الأوهام المزعجة على أساس غير متين من ملاحظاته ~~الناقصة. # شكسبير، عطيل # ما نكاد نتلقى «حبة» من الوقائع # facts # حتى نشيد منها «قبة» من التعميمات. # جوردور أولبورت # تقول الديكة الرومية: # الفلاح ms032 قدم الذرة لنا اليوم، # الفلاح قدم الذرة لنا أمس، # الفلاح قدم الذرة أمس الأول، # الفلاح يقدم لنا الذرة منذ أشهر عديدة، # الفلاح سيظل يقدم لنا الذرة إلى الأبد، # الفلاح يحبنا ويحرص على حياتنا وراحتنا. ~~*** # افترض أنك كنت في مكتبة فلاحظت أن الكتب ~~المرصوصة في قسم معين تتضمن عناوين مثل: ميرامار، بين القصرين، المعذبون في الأرض، عودة ~~الروح، وا إسلاماه، شيء من الخوف، سارة، بين الأطلال، قد تستنتج من ذلك أن كل، أو أغلب، ~~الكتب في هذا القسم هي في الرواية، إن مقدمتك تقوم على ملاحظتك لمجموعة بعينها من الكتب، ~~وإن نتيجتك معممة لتشمل المجموعة الأكبر من الكتب التي يشتمل عليها هذا القسم من ~~المكتبة. # هذه هي عملية «التعميم ~~الاستقرائي» # inductive generalization # التي من خلالها نستمد خصائص فئة كلية من خصائص «عينة» # sample # من هذه الفئة، أو نستخلص نتيجة حول «جميع» الأعضاء ~~في مجموعة ما من خلال ملاحظات عن «بعض» أعضاء هذه المجموعة: # ملاحظة 1: «س1» يتسم بالخاصة «ص». # ملاحظة 2: «س2» يتسم بالخاصة «ص». # ملاحظة 3: «س3» يتسم بالخاصة «ص». # وهكذا ... # إذن كل «س» يتسم بالخاصة «ص». # يستخدم التعميم الاستقرائي في مجالات كثيرة مثل البحث العلمي والمسح الاجتماعي ~~واستطلاعات الرأي السياسية ... إلخ، غني عن القول إن ملاحظة جميع الأفراد (المجتمع الأصلي # population ~~) في المجموعات الهائلة العدد هو أمر صعب ~~ومكلف وكثيرا ما يكون مستحيلا عمليا، الأمر الذي يلجئنا إلى إجراء «أخذ عينة» # sampling ~~، وفحص هذه العينة لتبين خصائصها، ثم ~~«تعميم» # generalization # هذه الخصائص على جميع أعضاء ~~المجموعة الأصلية (المجتمع الأصلي)، ولكي يكون هذا التعميم صائبا أو قريبا من الصواب ~~ينبغي أن تكون العينة «ممثلة» # representative # للمجموعة ~~بكاملها غير متحيزة لجانب دون جانب أو مأخوذة من ركن دون ركن. # هناك طرق كثيرة لاختيار العينة بحيث تقترب من النموذج المثالي لما ينبغي أن تكونه العينة، ~~مثل طريقة «الاختيار العشوائي» # random sampling ~~، ولكي توصف ~~العينة بالعشوائية لا بد من أن تخضع للقرعة وأن تكون أمام جميع أفراد «المجتمع الأصلي ~~المدروس» # population # فرص متساوية للوقوع في العينة. ms033 # والطريقة الثانية هي أخذ «عينة ~~طبقية» # stratified sample ~~، بحيث تكون ممثلة للمجتمع الأصلي أو المجموعة الأصلية ومستلة من ~~جميع أطرافها وتضاعيفها وزواياها، فتشتمل على فئاتها كافة وعلى خصائصها الأساسية وبنفس نسب ~~تواجدها في المجموعة الأصلية، فإذا كانت المجموعة الأصلية تتكون من ثلثين من الذكور وثلث ~~من الإناث، وكان نصفها من القاهرة وربعها من شمالها وربعها الباقي من جنوبها لتوجب أن ~~تكون هذه النسب جميعا منطبقة أيضا في العينة. # والطريقة الثالثة هي أخذ عينة (عشوائية أو طبقية) ثم العودة لأخذ عينة أخرى على أقل تقدير ~~بعد انقضاء فترة دالة من الزمن، ومقارنة العينتين لتبين أي تغيرات طرأت، بذلك تكون العينة ~~أكثر إحاطة بالمجتمع المدروس لأنها تمثل أفراده في أكثر من فترة زمنية واحدة، وتسمى ~~هذه العينة # time-lapse sample ~~. # يميل الناس كثيرا إلى التحيز في أخذ العينة، إما بسبب ميلهم (عمدا أو غير عمد) إلى ~~التماس العينات التي توافق نظريتهم، وإما بسبب الرعونة والكسل والاستسهال الذي يدفعهم إلى ~~انتقاء ما هو موات قريب المأخذ ويصرفهم عن بذل العناء والوقت من أجل استخلاص عينة ~~صحيحة. ~~••• # هب أن لديك دلوا به كريات من البلي حمراء وخضراء وصفراء وبيضاء، إن ~~عينة مكونة من ثلاث كريات من المحال أن تمثل المجموعة الكلية أيا كان عددها، وفي المقابل، ~~هب أن لديك قدرا ضخما من الحساء أو من المعكرونة قيد الطبخ، إن بإمكانك الحكم على ملوحة ~~الحساء بتذوق ملعقة واحدة، وبإمكانك الحكم على درجة نضج المعكرونة بتذوق واحدة منها، ذلك ~~أن التجانس تام في هاتين المجموعتين بحيث تكفي عينة مكونة من فرد واحد للحكم على الكل، كذلك ~~الحال بإزاء مجموعة كبيرة من الفئران المستنسخة التي يكاد كل فرد منها يطابق الآخر مطابقة ~~تامة، لعلك الآن قد تبينت الصعوبة الكامنة في تحديد كم العينة التي تعد كافية لتمثيل مجتمع ~~من المجتمعات أو مجموعة من المجموعات، والذي قد يتطلب تقنيات إحصائية ورياضية معقدة، ويبقى ~~رغم ذلك أمرا غير يقيني ويهيب بملكة الحكم لدينا وربما باعتقاداتنا المسبقة عن أفراد ~~المجموعة المعنية. ms034 # ويزداد الأمر تعقيدا عندما نكون بإزاء مجموعة ضخمة مترامية الأطراف متعددة الأطياف غير ~~متجانسة، هنالك يتطلب الأمر شرطا آخر بالإضافة إلى حجم العينة: أن تكون «ممثلة كيفيا» ~~أي عشوائية وطبقية تتوزع بالقسطاس على المجموعة المفحوصة بحيث تمثلها بكل نواحيها ~~وأرجائها، إن ثمانية شبان متحلقين على طاولة في مقهى أرستقراطي لا يمكن أن يكونوا عينة ~~كافية لتحديد الميول السياسية داخل بلد بأكمله، تلك عينة غير كافية من جهة، وغير عشوائية ~~ولا طبقية من جهة أخرى. # من الأمثلة التاريخية الصارخة لعينة غير موفقة، لا بسبب صغرها بل بسبب تحيزها وعدم ~~تمثيلها للمجتمع الأصلي، ذلك الاستطلاع الذي قامت به مجلة # Literary ~~Digest # قبيل الانتخابات الأمريكية عام 1936م لمحاولة التنبؤ بمن يفوز ~~بالرئاسة فرانكلين روزفلت أم ألفرد لاندون، حيث تم جمع مليونين وثلاثمائة ألف رأي، كانت ~~نتيجتها تشير إلى فوز لاندون بأغلبية كبيرة، وقد جاءت نتيجة الانتخابات الفعلية مخيبة لهذا ~~الاستطلاع إذ فاز روزفلت بأغلبية ستين بالمائة، فأين كان يكمن الخطأ؟! # كانت المجلة ترسل بطاقات الاستطلاع إلى أسماء اختارتها عشوائيا من واقع دليل التليفونات ~~ومن قوائم المشتركين في المجلة نفسها ومن قوائم مالكي السيارات، المشكلة أن مالكي الهواتف ~~والسيارات ومشتركي المجلة كانوا في الأغلب من الطبقة الأعلى دخلا بالولايات المتحدة، ومن ~~ثم فهي لم تمثل الطبقات الأدنى دخلا من المجتمع الأمريكي في زمن كان فيه مستوى الدخل ~~ذا صلة قوية بالميول السياسية والحزبية، ومن ثم، فعلى الرغم من ضخامة العينة المختارة ~~فإنها كانت «عينة متحيزة» # biased sample ~~«غير ممثلة» # unrepresentative # للمجتمع الأمريكي بجميع شرائحه ~~وطبقاته. # يفضي هذان الخطآن في عملية اختيار العينة (الصغر والتحيز) إلى ما يسمى مغالطة ~~«التعميم المتسرع» # hasty generalization ~~. ~~(1) أمثلة للعينة غير الممثلة كميا (الصغيرة/غير الكافية) # Quantitatively unrepresentative sample ~~(1) ~~«كلما شاهدت الأخبار في هذه القناة الفضائية وجدت زنوجا يجري القبض ~~عليهم لجرائم سرقة، إذن جميع الزنوج، أو معظمهم، لصوص.» ~~(2) ~~«جلست إلى هذه الصديقة ثلاث مرات، وتبين لي في كل مرة أن مزاجنا مؤتلف ~~وذوقنا متفق في كل شيء، إذن هذه أصلح ms035 امرأة في العالم لأن تكون زوجة ~~لي.» ~~(3) ~~«تزوجت مرتين وفي كل مرة كان زوجي يطمع في ثروتي ولا يخلص لشخصي؛ ولذا ~~قررت ألا أتزوج إلى الأبد لأن الرجال كلهم يفتقرون إلى النزاهة ~~والإخلاص.» ~~(4) ~~«ما كدت أخطو خطوتين في مطار لندن حتى وجدت موظف الجمارك دمثا ودودا، ~~وعندما خرجت وجدت سائق الأجرة مبتسما كريما، فعرفت أن الإنجليز شعب طيب ~~مفرط في الود والسماحة.» (يقول المثل المصري: لا تذم ولا تشكر إلا بعد سنة ~~و«ست» اشهر.) ~~(5) ~~«لماذا كل هذه الجلبة التي تثيرها لي كلما انعطفت بالسيارة على طريق ~~رئيسي؟! إنني أقود سيارتي منذ عشر سنوات ولا أتوقف عند منعطفات الطرق ~~الرئيسية ولم أصب بحادث واحد؟!» ~~(6) ~~«كان صديقا مثاليا لي طيلة عقدين من الزمان، ولكن منذ عبس في وجهي ~~في ذلك الاجتماع الكبير أيقنت أنه ليس بالصديق الوفي، وقررت أن أتركه.» ~~(يقول المتنبي: # 1 # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا # فأفعاله اللائي سررن ألوف) ~~(7) ~~«كنت جدتي تعاني من هذا الألم اللعين نفسه، وقد وصف لها خل التفاح ~~ممزوجا بصفراء العجل، فلما تناولته شفيت على الفور، ولم يعد ينتابها هذا ~~الألم، فلماذا تذهب إلى الأطباء وتبدد نقودك وتدخل نفسك في دوامة ~~موبقة من الفحوصات والعمليات لن تخرج منها إلا إلى القبر؟!» ~~(8) ~~«فشلت هذه المرأة في قيادة المقاتلة النفاثة وحطمت طائرتها في أول طلعة ~~لها، وهذا دليل على أن النساء لا يصلحن لقيادة الطائرات المقاتلة.» ~~(2) أمثلة للعينات غير الممثلة كيفيا (المتحيزة) # qualitatively ~~unrepresentative sample ~~(1) ~~«استطلعنا رأي مائتي طالب بمدرسة المساعي المشكورة، فأجمعوا على أن ~~امتحان الرياضيات كان عسيرا جدا هذا العام؛ ولذا قدمنا مذكرة عاجلة ~~بذلك للوزارة للنظر في تعديل النتيجة.» ~~(2) # التفاحات على وجه الصندوق تتألق نضرة وبهاء، إذن جميع التفاحات في ~~الصندوق من الصنف الممتاز. ~~(3) # يقينا إن دخل المحامين في مصر مرتفع جدا ، هناك خمس عشرة فيلا فاخرة في ~~مارينا يتملكها محامون مصريون. ~~(4) # في استطلاع ضخم في الإسكندرية وبورسعيد تبين أن اثنين وثلاثين بالمائة ~~ممن شملهم الاستطلاع يقضون شهرا على الأقل كل عام على ms036 شاطئ البحر، إذن ~~يمكننا أن نستنتج أن حوالي ثلث سكان مصر يقضون شهرا على الأقل على ~~البحر. ~~(3) النصوع المضلل # misleading vividness # يلحق بالتعميم المتسرع ما يعرف ب «النصوع المضلل»، حيث يؤخذ مثال واحد (أو حفنة من ~~الأمثلة) بأكثر من دلالته الإحصائية بسبب وهجه ودراميته، يعود ذلك إلى الأثر النفسي ~~الذي يتركه الحدث الدرامي في الذهن، وكأنه يقوم في حساب الذاكرة مقام عشرة أحداث عادية ~~خاملة، يعزو السيكولوجيون هذا الأثر النفسي إلى فرضية كشفية معرفية تسمى # availability heuristic ~~، من ذلك أن شخصا نجا من ~~حادث تحطم طائرة قد يميل حقا إلى الاعتقاد بأن معدلات كوارث الطيران أكبر من معدلات ~~غيرها من الكوارث، وأن السفر بالطائرة أخطر من السفر بأي وسيلة أخرى، وإن كانت ~~الإحصائيات تقطع بخطأ هذا الاعتقاد. ~~••• # وبعد، فحين يسمح المرء لعقله أن يشيد تعميمات عريضة على أساس معلومات ~~شحيحة أو أدلة هزيلة أو أمثلة قليلة أو عينة غير ممثلة فلن يعييه أن يقيض ~~أدلة لكل شيء ويجد بينة لأي دعوى مهما بلغت من البطلان والسخف، ولن يعجزه أن ~~يؤيد أي شيء يميل إلى الاعتقاد به ما دام يعنيه الاعتقاد ولا تعنيه الحقيقة. # لعل التعميم المتسرع من أكثر المغالطات شيوعا، فهو يتبطن كثيرا من التحيزات ~~العرقية والعنصرية والنعرات الشوفينية والطائفية والطبقية والتعصب الديني والأيديولوجي، ~~كذلك يتبطن التعميم المتسرع كثيرا من الأوصاف النمطية عن الشعوب المختلفة (الإنجليزي، ~~الهندي، الإيطالي ...) وعن أهل الأقاليم المحلية (المنوفي، الشرقاوي، الدمياطي، الطنطاوي، ~~البحيري، الصعيدي ...) وربما يتبطن كثيرا من اعتقاداتنا حول أصناف المنتجات وماركات ~~الأجهزة التي تقوم في الغالب على بضعة أمثلة من واقع خبرتنا الحياتية القصيرة ~~المحدودة. # والحق أننا مضطرون إلى التعميم في حياتنا العملية، ولا يسعنا إلا التعميم إذا شئنا ~~أن نفكر في أي شيء أو نتخذ أي قرار، ويبقى أن نتبع الأسلوب العلمي في استخلاص ~~التعميمات، وأن نتجنب التعميم المتسرع جهد استطاعتنا، وأن نملك تعميماتنا ولا تملكنا؛ ~~أي أن نجعل منها مجرد فروض عمل قابلة للمراجعة والتنقيح لا اعتقادا دوجماويا صلبا ~~يأخذ علينا سبل ms037 التأمل ويسد علينا منافذ التفكير. # ملاحظتان # أحيانا ما نضطر اضطرارا إلى اتخاذ عينة صغيرة جدا، وذلك عندما لا ~~تكون في حوزتنا غيرها، ومن الغبن أن يتهم المرء بالتعميم المتسرع إذا ~~كانت العينة المتاحة للدراسة محدودة جدا ولم يتسن له أي مصدر آخر ~~للمعلومات، كثيرا ما يضطر علماء الكتابات القديمة مثلا إلى استخلاص ~~أصولها من عينات شحيحة للغاية مثل حجر رشيد، وكثيرا ما يضطر علماء ~~البيولوجيا مثلا، وبخاصة علماء الحفريات، إلى دارسة عينة وحيدة عن حيوان ~~ما. # قد يفضي التعميم المتسرع، شأنه شأن أي مغالطة أخرى، إلى نتيجة صادقة، ~~ولا يندر أن تأتي نتيجة صادقة عن استدلال مغلوط، ولكن ما دام الاستدلال ~~مغلوطا فليس ثمة مبرر لقبول نتيجة قائمة على مثل هذا الاستدلال. # الفصل الرابع # | تجاهل المطلوب (الحيد عن المسألة) # | ignoratio elenchi; missing the point # إذا كان الرماة رماة سوء # أحلوا غير مرماها السهاما # شوقي # المقدمات أخطأت هدفها، # وحادت عن مرماها # عمدا أو فرط انفعال، # غير أنها تستقبل بالتهليل # لأنها تحمل صيدا على كل حال! ~~*** # في هذه المغالطة يتجاهل المرء الشيء الذي يتوجب أن يبرهن عليه، ويبرهن على شيء آخر، ~~وقد يبدو استدلاله معقولا بحد ذاته، ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير ~~النتيجة المطلوبة التي يتعين عليه أن ينصرف إليها دون غيرها، بذلك تتسم الحجة بسمتين: ~~أنها قد خرجت عن الهدف المحدد لها، وأنها قد اتجهت مباشرة إلى نتيجة أخرى. # يقف محامي الادعاء في جريمة قتل، وبدلا من أن يبرهن بالحجة على أن المتهم هو مرتكبها، ~~يشرع في إثبات بشاعة القتل وبشاعة الجريمة، قد ينجح الادعاء في تقديم مرافعة عصماء ويثبت ~~هول جريمة القتل بألف حجة، غير أنه إذا جعل من ذلك دليلا على أن المتهم مذنب بها يكون ~~قد ارتكب مغالطة «تجاهل ~~المطلوب» # ignoratio elenchi ~~. # تتمتع هذه الحجة المغالطة بجاذبية خفية، وتكمن قوتها في أن هناك نتيجة تم إثباتها على ~~نحو صائب، وهذا الصواب هو الذي يصرف انتباه المستمعين بعيدا عن المغالطة. # وتلقى هذه المغالطة رواجا ms038 خاصا في مجال التشريع الاجتماعي؛ فكثيرا ما يقترح برنامج ~~بعينه لبلوغ غاية كبرى متفق عليها من الجميع، ثم يدعم البرنامج بحجج تثبت بالفعل أهمية ~~هذه الغاية الكبرى، غير أنها لا تقول شيئا ذا صلة بالبرنامج المعني، ولا تثبت أن هذه ~~الغاية الكبرى تبلغ بهذا البرنامج المحدد دون غيره! قد يتم ذلك عن عمد وقد ينجم عن فرط ~~الحماس لهذه الغاية الكبرى، والذي قد يغشي على أنصار البرنامج المحدد، وعلى مستمعيهم، ~~فلا يرون خروج حجتهم عن الموضوع. # من ذلك أنه في برنامج محدد لمكافحة الفقر، قد يفيض دعاة البرنامج في ترديد حجج تثبت ~~أن الفقر ينبغي مكافحته والفقراء ينبغي إنصافهم، دون أن يثبتوا لنا أن ذلك حري أن يتم من ~~خلال برنامجهم دون غيره! # وعندما نناقش تطوير نظام دفاعي معين باهظ التكلفة فإن حجتنا تخطئ هدفها إذا جعلت تبرهن ~~على أهمية تطوير دفاعتنا دون أن تعرض لهذا النظام المحدد وتثبت حاجتنا الحقيقية إليه وتبرهن ~~على أنه أجدى لنا من غيره على ثقل تكلفته. # كذلك الحال بالنسبة لكل الأهداف الكبرى التي تطرح على نحو شديد العمومية: الأمن ~~القومي، السكن الصحي، مكافحة الفقر، مكافحة الجريمة، علاج عجز الميزانية ... إلخ، من أيسر ~~الأمور أن نصدق على هذه الأهداف العامة ونصبو إلى تحقيقها، أما الأسئلة الصعبة حقا ~~فهي: هل هذا البرنامج المحدد حقيق ببلوغ هذا الهدف المنشود؟ وهل هو أجدى في بلوغ هذا الهدف ~~من غيره من البرامج الأخرى الممكنة؟ إن تغافل هذه الأسئلة، والتعتيم عليها بتعميمات براقة ~~عن هدف مأمول أكبر، يجعلنا نحيد عن القصد ونطيش عن المرمى ونقع في مغالطة «تجاهل ~~المطلوب». # أمثلة أخرى ~~(1) # محامي الدفاع: «كيف يكون موكلي قد أمر بارتكاب جريمة القتل وقد برهنت لكم بما ~~لا يدع مجالا للشك أنه لم يكن بالبلد كلها وقت وقوعها؟» (حسن، ولكن هل هذا ~~دليل على أنه لم يأمر بها قبل سفره؟ أو أنه لم يرتبها بالهاتف مثلا؟) ~~(2) # ألم يحدث يا سيادة الوزير أن مستويات معيشة الفقراء قد تدنت في زمن توليك ~~بدرجة كبيرة ms039 قدرتها إحصائيات علمية بحوالي 28٪؟ # هذه وثائق رسمية تثبت أننا رفعنا معاش الأرامل بنسبة 5٪ ورفعنا أجور قطاع ~~النفط بنسبة 10٪ وزدنا دعم الخبز بنسبة 12٪ وهذا ما لم يفعله خصومنا في فترة ~~توليهم (وهكذا كلما قدم منتقد للساسة سؤالا محددا فجاءه الرد وابلا من ~~الدعاية الصاخبة عن مزايا الحكومة، فثم مغالطة «تجاهل المطلوب» # ignoratio elenchi ~~). ~~(3) ~~«إن إساءة استخدام الدعم وعدم وصوله إلى مستحقيه لظاهرة تفشت هذه الأيام ~~بدرجة مخيفة، والبديل الوحيد الذي أراه هو إلغاء الدعم برمته.» ~~(4) ~~«لدي دراسات تثبت أن رياضة العدو في الطريق العام قد تضر بالصحة أكثر مما ~~تفيدها؛ ولذلك أنادي بأن تحظر رياضة الجري في الشوارع.» (حتى لو كان ذلك ~~صحيحا فهل هو حجة تؤيد حظر الجري في الطريق؟) # الفصل الخامس # | الرنجة الحمراء # | red herring # الكلاب تجد في طلب الطريدة، # الرائحة ترسم طريق الطراد، # تعبر الرنجة الحمراء، فيتحول المسار؛ # ينسى الطريق طريقه. # الرنجة الحمراء، بشميمها الأنفذ # بركة آلهة الفرار، # وملاذ كل من أثخنه الجدل. ~~*** # هي حيلة كان يستخدمها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بسحب ~~سمكة رنجة حمراء عبر مسار المطاردة، فتجتذب الكلاب رائحتها الشديدة عن رائحة الطريدة ~~الأصلية، وقد استعيرت للتعبير عن كل محاولة لتحويل الانتباه عن المسألة الرئيسية في الجدل، ~~وذلك بإدخال تفصيلات غير هامة، أو بإلقاء موضوع لافت أو مثير للانفعالات وإن يكن غير ذي ~~صلة بالموضوع المعني ولا يشبهه إلا شبها سطحيا، فيقذف بالخصم خارج مضمار ~~الحديث. # من دأب محترفي هذه المغالطة أن يستهلكوا الخصم في ترهات خارجة عن الجادة، وأن يثيروا ~~مشاعر المستمعين وانتباههم بطرح مسألة براقة أخاذة وإن تكن بعيدة عن موضوع الحديث، فتهوي ~~إليها أفئدة الحضور ولا يعود أحد يذكر الموضوع الأصلي، إنهم بذلك لا يحاجون بل يصخبون ~~ويتلاعبون ويتداهون وينفثون سحابات التمويه والتعمية، ويتحدثون في أي شيء إلا الشيء ~~المعني، وكثيرا ما ينجحون في صرف الانتباه وتحويل مسار الحديث وتبديد النقاش، فينفردون ~~بالساحة حقا ويبدون منتصرين في الجدل، وكأنهم يفوزون لتغيب الخصم! # تجتمع لجنة على سبيل المثال لمناقشة إجراء ms040 جديد للحد من تلوث الهواء، فينبري أحد الأعضاء ~~ويتحدث عن الأعباء الضريبية التي تثقل كاهل المواطن، ويتصدى عضو آخر بحديث مطول عن سطوة ~~الشركات المتعددة الجنسية التي تملك زمام العالم، وينبغي أن نضع حدا لهيمنتها وتسلطها، ~~ويفيض ثالث في الحديث عن نوعية المناخ قديما وكيف كان الهواء أكثر (أو أقل) نقاء عندما ~~كان طفلا يمشي كل يوم ثلاثة كيلومترات ليصل إلى مدرسته البسيطة التي كانت تقدس التعليم ~~وتجعل منه رسالة لا وسيلة للابتزاز والربح ... إلخ. انظر هل ترى في هذه الاستطرادات أي صلة ~~بالموضوع الرئيسي الذي اجتمعت من أجله اللجنة، وهو بالتحديد: هل من شأن هذا الإجراء الجديد ~~أن يحد من تلوث الهواء؟ هل ستكون إيجابياته أكثر من سلبياته؟ وهل ثمة إجراء أفضل من ذلك ~~للحد من تلوث الهواء؟ ~~(1) متى يكون التحول عن الموضوع مشروعا؟ # كثيرا ما تتخذ المسائل المعقدة تراتبا هرميا بحيث يتعذر حسم مسألة معينة قبل أن ~~يتم حسم مسألة أخرى، مثال ذلك ما يجري في كثير من محاورات أفلاطون؛ في محاورة ~~الجمهورية، على سبيل المثال، يتحول مسار الحديث إلى مسائل ميتافيزيقية وإبستمولوجية ~~مجردة؛ وذلك لأننا لا يتسنى لنا الإجابة عن أسئلة عملية عن معاقبة المجرمين أو تربية ~~الأطفال حتى نعرف أولا ما هي «العدالة»، ولن نعرف ما هي العدالة حتى نعرف المقصود ~~بمفهوم «الخير»، وهذه بدورها تتطلب تحليلا كاملا لعلاقة الأفكار بالعالم ~~الفيزيقي! # هكذا نتبين أن الوصول إلى اتفاق عقلاني قد يتطلب العودة بالحوار إلى أسئلة أكثر ~~أساسية، ثمة إذن تحول مشروع عن موضوع الحوار في بعض الأحيان: ذلك هو التحول إلى مسألة ~~جذرية تمهد المسرح لمناقشة الموضوع المعني وتفضي إليه، إنها لا تغشي عليه بل ~~تزيده وضوحا، ولا تذهب به طي النسيان بل تؤدي إليه وتضعه في نصابه. # أما مغالطة الرنجة الحمراء فليست من ذلك في شيء؛ لأن الموضوع الجديد الذي يلقى به ~~في مسار الجدل ليس أكثر أساسية بل أكثر بريقا وشحنا انفعاليا فحسب، ولأن الموضوع ~~الجديد لا يفضي بطبيعته إلى الموضوع الأصلي بل يقصي ms041 عنه وينسيه ويصرف دونه ~~الانتباه والذاكرة. ~~(2) الفرق بين مغالطة الرنجة الحمراء ومغالطة تجاهل المطلوب # في مغالطة «تجاهل المطلوب» # ignoratio elenchi # ثمة ~~صيد تم الظفر به ولكنه غير المطلوب، وثمة نتيجة محددة تصل إليها الحجة ولكنها غير ~~النتيجة المطلوبة، إنه خطأ في الاستدلال، أما في مغالطة «الرنجة الحمراء» # red herring # فإن الحجة تنحرف في اتجاه مختلف ولا تصل إلى شيء: ~~فهي إما حيود خارج الموضوع # diversionary irrelevance # إلى موضوع آخر مثير انفعاليا فحسب، وإما تمويه ~~وسحابة تعمية # pettifogging # لا تفضي إلى شيء ذي بال، ليس هنا استدلال أخطأ ~~هدفه، بل خداع للمستمع واستهلاك له وانحراف عن الموضوع برمته إلى مسألة أخرى. # أمثلة ~~(1) ~~«كيف توافق على حظر الماريجوانا؟ الماريجوانا لا ضرر منها البتة، إنني ~~لأحس بأمان حين يكون السائق يدخن الماريجوانا أكثر بكثير مما أحسه حين ~~يكون السائق تحت تأثير الخمر، إن الخمر حقا هي أم المشاكل، أتعرف أن ~~إباحة الخمر تكلف العالم سنويا، بين ثمن صناعتها وتعاطيها وثمن ~~الكوارث التي تلحقها، أكثر من تريليون دولار!» (لاحظ أن الموضوع الأصلي ~~ليس كوارث الخمر، بل كوارث الماريجوانا ومبررات حظرها). ~~(2) ~~«مواقف السيارات؟ أعرف أن الأستاذ الدكتور سليم السيد كان يشكو في ~~الاجتماع الأخير من ضيق أماكن الانتظار بالكلية، ولكن هل تدري أنه تم ضبطه ~~في علاقة مشبوهة مع إحدى طالباته؟ إلى متى يحيد التعليم العالي عن هدفه ~~ويتحول إلى كمين للتحرش والابتزاز؟ بالله لا تحدثني عن هذا الرجل مرة ~~أخرى»، (المسألة الأصلية هي ضيق أماكن الانتظار، وليست قصة مثيرة عن علاقة ~~أستاذ بطالبة أو عن فساد التعليم العالي). ~~(3) ~~«يقول صديقك: إن قهوة تسترتشويس أفضل مذاقا من قهوة فولجرز؟ يبدو أنه ~~يتجاهل حقيقة أن تسترتشويس تنتجها شركة «نسله» التي أنتجت ذلك الحليب الذي ~~أحدث ضجة كبيرة، لقد صدرته لدول العالم الثالث، فراح ضحيته آلاف ~~الأطفال عندما كان الحليب الجاف يمزج بماء ملوث.» (إن مسألة وفيات الأطفال ~~لمثيرة حقا، ومن ثم كانت جديرة بصرف الانتباه عن الموضوع الأصلي: أي ~~المذاقين أفضل؟) ~~(4) ~~«تقول صحيفة كونسيوم ديجست: إن ms042 لمبات جي إي أطول عمرا من لمبات ~~سيلفانيا، ولكن هل تعلم أن جي إي هي أكبر منتج للأسلحة النووية؟ إن الأضرار ~~الناجمة عن سلوكها غير المسئول تفوق التصور، وليس أقلها أنها تخلف آلاف ~~الأطنان من النفايات النووية التي لا تعرف أين تواريها.» (لاحظ أن الموضوع ~~الأصلي «أي اللمبات أطول عمرا؟» قد اختفى تماما تحت سحابة الأسلحة ~~الفتاكة والنفايات النووية.) ~~(5) ~~«إن أنصار البيئة ليقيمون الدنيا ويقعدونها في حديثهم عن مخاطر القوة ~~النووية، غير أن للكهرباء مخاطر جمة بغض النظر عن مصدرها، هناك صواعق ~~طبيعية، وهناك كهرباء المصانع والمصاعد والبيوت، إن آلاف البشر كل عام ~~يصعقون بسبب الإهمال والجهل، ومن الممكن تجنب هذه الأخطار المحيقة ~~بمزيد من إجراءات الاحتياط والتوعية.» ~~(6) # ثمة كثير من اللغط هذه الأيام عن الحاجة إلى حظر استخدام المبيدات في ~~حقول الخضروات وبساتين الفواكه، غير أن كثيرا من هذه الأطعمة ضروري ~~لصحتنا، فالجزر مصدر ممتاز لفيتامين أ، والقرنبيط غني بالحديد، والبرتقال ~~وغيره من الموالح تحتوي على نسب عالية من فيتامين ج ... إلخ. # الفصل السادس # | الحجة الشخصية (الشخصنة) # | argumentum ad hominem # خذي رأيي وحسبك ذاك مني # على ما في من عوج وأمت # المعري # هي أن تحاول تسفيه حجة ما بالقدح في الشخص الذي يعبر عنها فيبدو كأن ~~العكس قد ثبت. # هنري هازلت # الحجة حجة، وأنت لا يسعك إلا أن تأخذ حججهم بعين الاعتبار ما ~~دامت صائبة، أما الشهادة فيجوز لك أن ترفضها. # صموئيل جونسون، الحياة، 1784م ~~*** # تعني مغالطة «الحجة الشخصية» # argumentum ad hominem # أن ~~يعمد المغالط إلى الطعن في «شخص» القائل بدلا من تفنيد «قوله»، أو قتل «الرسول» بدلا ~~من تفنيد «الرسالة»، إن ما يحدد قيمة صدق عبارة، وما يحدد صواب حجة، هو في عامة الأحوال ~~أمر لا علاقة له بقائل العبارة أو الحجة من حيث شخصيته ودوافعه وسيكولوجيته، فعبارة «2 + 2 ~~= 4» هي عبارة صحيحة سواء كان قائلها عدوا أو مغرضا أو معتوها أو كافرا، وإن ما يحدد ~~قيمة الصدق في عبارة «السماء تمطر» هو، ببساطة، الطقس المحلي، وهو شيء ms043 قائم «هناك» ومستقل ~~تماما عن شخص القائل. # وأنت تقع في هذه المغالطة حين تقوم في معرض الجدل بمهاجمة شخص الخصم بدلا من مهاجمة ~~حجته، فيبدو، بالتداعي # association ~~، كأن حجته قد دمغت، ~~مثله، وأصيبت، والحق أنك قد تسدد سهام النقد إلى شخص خصمك (بواعثه ودوافعه، صدقه وإخلاصه، ~~أهوائه وأغراضه، ذكائه وفهمه ...) فتدميه وتصميه وحجته بعد حية ترزق! فهي من حيث هي ~~حجة تبقى سالمة لم يمسسها سوء، وإن حامت حولها الشكوك لحظة واكتنفتها الريب، # 1 # انظر إلى المثال التالي: ~~«أنتم تعرفون جميعا أن النائب «س» كذاب غشاش وغير موثوق بذمته المالية ومستفيد أول بخفض ~~الضرائب، فكيف توافقون على مشروعه الضريبي المطروح؟» # قد يكون النائب «س» كذابا حقا ومغرضا ولديه مصلحة مكتسبة في المشروع الضريبي المطروح ~~للمناقشة، غير أن هذا لا يمس المشروع من حيث هو مشروع، وما هكذا ينبغي أن تناقش المشروعات، ~~إنما يجمل أن نتجه إلى المشروع مباشرة ونبين ما له وما عليه، لا أن ننصرف إلى شخص القائل ~~بالطعن والتجريح، ونحول مناقشة المشروع من تحليل اقتصادي إلى تحليل سيكولوجي، ونحول منصة ~~المجلس من منبر للرأي إلى مسلخ للبشر. # هناك أربعة أنواع من مغالطة الحجة الشخصية: ~~(1) # القدح الشخصي ~~(السب) # ad hominem-abusive ~~. ~~(2) # التعريض ب «الظروف ~~الشخصية» # ad hominem-circumstantial ~~. ~~(3) # مغالطة «أنت أيضا» (تفعل هذا) # tu ~~quoque ~~. ~~(4) # تسميم البئر # poisoning the well ~~. ~~(1) القدح الشخصي (السب) # ad hominem-abusive # أقلي اللوم عاذل والعتابا # وقولي أن أصبت لقد أصابا # جرير # في هذا الصنف من المغالطة يقوم القدح الشخصي بصرف الانتباه «عن» الحجة الأصلية «إلى» ~~شخص قائلها وعيوبه ومثالبه، فيبدو، من خلال التداعي السيكولوجي، كأن حجته أيضا هي ~~معيبة مثله! # أمثلة ~~(1) ~~«إن سياسات لنكولن كلها حمقاء مفسدة، فهو سكير وقرد وبليد ومأفون ومضلل» ~~(صحافة الجنوب في ستينيات القرن التاسع عشر). ~~(2) ~~«لا أثق في فلسفة فرنسيس بيكون؛ لقد كان رجلا غير أمين، وقد جرد من ~~منصب قاضي القضاة لتقاضيه رشاوى.» ~~(3) ~~«لماذا أبالي بآراء هؤلاء الصحفيين؟ إنهم حفنة من المرتزقة.» ~~(4) ~~«كان ألبرت أينشتين موظفا حقيرا يوم كتب نظرياته؛ إذن ms044 الطاقة لا تساوي ~~الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء.» ~~(5) ~~«والآن نأتي إلى اقتراح السيد سليم النقيب بضم الشركتين معا، لم أكن أود ~~أن أنكأ جروحا قديمة ولكني مضطر إلى أن أطلعكم على محاضر تفيد بأنه ~~كان متورطا منذ عشر سنوات في قضية تحرش وفي قضية سكر.» # في الأمثلة السابقة نجد الصورة المنطقية التالية: ~~«س» يقدم الدعوى «ق»، ~~«س» يتصف بالعيب «ك»؛ # إذن الدعوى «ق» باطلة. # إن القدح الشخصي ليس مغالطة بحد ذاته، إنما تأتي المغالطة حين نجعل العيب الشخصي ~~أساسا لرفض دعوى غير ذات صلة بهذا العيب، فالحجج إنما ينبغي أن تقوم على أرجلها الخاصة ~~أو تسقط بعيبها الخاص. ~~(2) متى يكون القدح الشخصي غير مغالط # هناك مواطن وسياقات يكون فيها شخص القائل ذا صلة بالدعوى المطروحة: في الحملات ~~الانتخابية مثلا وفي مقابلات التوظيف وفي الشهادة القضائية تكون السمات الخلقية، وربما ~~الجسدية، هي المسألة المعنية على وجه التحديد، فنحن لا نتصور مصرفا على استعداد ~~لتعيين موظف غير أمين، ولا ناخبين يسرهم التصويت لمرشح غير ذكي أو سياسي غير مخلص، وفي ~~سياق استجواب الشهود في المحاكمات القضائية، وفي كل سياق يتضمن «شهادة» # testimony # لا «حجة» # argument # في واقع الأمر، يكون الطعن في شخص الشاهد، من حيث السمات ~~الأخلاقية والسلوكية والكفاية العقلية والإدراكية واتساق عباراته، غير خارج عن موضوع ~~الشهادة وبالتالي غير مغالط من الوجهة المنطقية. # ربما يستند ذلك إلى «استدلال ~~استقرائي» # inductive inference # مفاده أن الشخص الذي سبق له أن أدلى بمعلومات غير صحيحة أو ~~اعتاد سلوكا غير قويم في الماضي هو شخص قمين بأن يفعل مثل ذلك في المستقبل، صحيح أن ~~الاستدلال الاستقرائي هو استدلال ظني في أفضل الأحوال، غير أنه كفيل في مواضع كثيرة أن ~~يجرح الشهادة أو الجدارة وأن ينقل عبء البينة. # في ضوء هذه الحالات التي يكون فيها القدح الشخصي غير مغالط يليق بنا أن نعدل ~~الصورة المنطقية للمغالطة الشخصية، لتغدو أكثر تحوطا ودقة، إلى الصورة التالية: ~~«س» يقدم الدعوى «ق»، ~~«س» يتصف بالعيب «ك»، ~~«ك» غير ذي ms045 صلة بالدعوى «ق»؛ # إذن الدعوى «ق» باطلة. ~~(3) التعريض بالظروف الشخصية ~~«الحجة الشخصية ~~الظرفية» # ad hominem-circumstantial # في هذه المغالطة «يكتفي » المغالط بأن يشير إلى أن ظروف خصمه الخاصة هي التي ألجأته ~~إلى تبني الرأي الذي يتبناه وأن له مصلحة مكتسبة في أن يمرر هذا الرأي ويسود، ونحن لا ~~نريد أن نهون من سطوة الظروف والمصالح بشتى أنواعها على سيكولوجية الفرد وطريقة ~~تفكيره، غير أننا إذا شئنا أن نتناول حجة الخصم تناولا منطقيا فإن ظروفه الخاصة ~~لا يعود لها ثقل منطقي ولا تعود لها صلة بالحجة بما هي حجة # argument ~~qua argument ~~. # أمثلة ~~(1) ~~«أنت تقول بأن خطط المحافظين الضريبية كفيلة بتقليص ميزانية الخدمات ~~الصحية، ولكنك ليبرالي وتود لو تتخلص من الخدمة الصحية برمتها.» ~~(2) # بالطبع نحن لا نتوقع منك إلا أن تؤيد قرار رفع ميزانية التسليح، فقد ~~عرفنا أنك تعمل في مؤسسة كبرى لتجارة الأسلحة. ~~(3) # نفهم أنك لا بد أن تبغض نظرية ~~التطور # evolutionism ~~، فأنت كاهن تعظ بنظرية الخلق # creationism # ليلا ونهارا، وتكسب قوتك من تلاوة ~~سفر التكوين # Genesis ~~. ~~(4) # إن لك عذرا في أن ترى هذا الرأي الخاطئ، فأنت من عتاة الديمقراطيين ~~(الجمهوريين، الشيوعيين، الإسلاميين، ... إلخ). ~~(5) # أنت بورجوازي مرتهن لوضعك الطبقي، معصوب العين عن رؤية أي شيء يتجاوز ~~مصالحك الطبقية، ومن ثم فإن كتاباتك لا قيمة لها مهما بلغت مزاياها ~~الشكلية والأسلوبية. # إننا نولي انتباها شديدا لصراع المصالح في سياقات كثيرة: وبخاصة السياق القضائي ~~والصحفي والسياسي والتجاري، ولدينا في ذلك كل الحق، فنحن نطالب قضاتنا، على سبيل ~~المثال، بإعفاء أنفسهم من القضايا التي يمكن لمصالحهم الشخصية أن تؤثر فيها على قرارهم ~~النزيه، ونحن نجزع كثيرا إذا اكتشفنا أن قادتنا السياسيين إنما تسهم في تمويل حملاتهم ~~الانتخابية شركات لديها مصلحة في منحاهم السياسي الخاص ومنهجهم في إقرار المشروعات، لقد ~~علمتنا التجارب أن القرارات تتأثر بالمصالح المكتسبة لصانعها، وإن لدينا ما يدفعنا ~~إلى الاحتياط والتوقي بإزاء صراعات المصالح. # وإنما تفعل مغالطة الظروف الشخصية فعلها لأنها تحاكي حذرنا المشروع من صراع المصالح ~~أو تلعب على وتره، ms046 غير أن الحجج شيء والقرارات شيء آخر: فقد يؤدي صراع المصالح بشخص ~~ما إلى التفكير الخطأ وبالتالي إلى القرار الخطأ، غير أن صراعه الخاص ينبغي ألا يؤثر ~~على تقييمنا لحجته، وعلينا أن نقرر أنقبل حجته أم لا نقبلها، فالقرار الآن هو ~~قرارنا نحن لا قراره، وعليه فمن الحصافة الآن أن نتوقى صراع مصالحنا نحن، أما صراع ~~مصالحه فهو تشتيت خارج عن الموضوع. ~~(4) أنت أيضا (تفعل ذلك) # Tu quoque # يا أيها الرجل المعلم غيره # هلا لنفسك كان ذا التعليم # لا تنه عن خلق وتأت بمثله # عار عليك إذا فعلت عظيم ~~؟؟ # يحرم فيكم الصهباء صبحا # ويشربها على عمد مساء # إذا فعل الفتى ما عنه ينهى # فمن جهتين لا جهة أساء # المعري # تعني عبارة # tu quoque ~~: أنت أيضا؛ أي أنت أيضا تفعل ~~ذلك، هنا يقلب المغالط الطاولة على خصمه، باعتباره لا يفعل ما يعظ به، أو لا يجتنب ما ~~ينهى عنه، ويظن المغالط أنه قد تم له بذلك تفنيد الخصم ورد سهمه إلى نحره، وكأن الخطأ ~~يشرع الخطأ أو كان «خطأين يصنعان ~~صوابا» # two wrong make a right ~~. # أمثلة ~~(1) # أقلع عن التدخين يا بني فهو ضار بالصحة متلف للمال. # لست أقبل حجتك يا أبي فقد اعتدت أنت نفسك التدخين حين كنت في مثل ~~سني. ~~(2) ~~«كيف أستمع إلى نصيحة هذا الطبيب بخفض وزني إذا كان هو نفسه بدينا ~~كالدب؟!» # تعمد هذه المغالطة إلى صرف الانتباه عن حجة الخصم إلى سلوكه، أو إلى أفكاره الأخرى، ~~الراهن منها أو الماضي، فالحق أن تورط الخصم في ذات الخطأ لن يحول الخطأ إلى صواب، ~~وأن الدفع بتورط الغير في الفعل نفسه إنما هو تشتيت لا صلة له بصدق التهمة الأصلية، على ~~أنه تكتيك يضلل الخصم عن صلب الموضوع ويؤثر تأثيرا بالغا في مسار الجدل، إذ إنه يضع ~~الخصم في موضوع دفاع وكثيرا ما يستنفد جهده في الدفاع عن نفسه! إن المغالط هنا لم ~~يتناول التهمة المطروحة ولم يجب عن السؤال الموجه، بل حول التهمة ببساطة إلى الخصم ~~أو ms047 السؤال إلى السائل! لقد خرج عن الموضوع وغالط لأن اتهامه للخصم حتى لو صح فهو لا ~~يمس التهمة الأولى ولا يتصل بالسؤال الأصلي، وأقصى ما يمكنه تحقيقه هو أن يثبت أن الخصم ~~منافق لا أن حجته باطلة. # ولعل أفضل تصرف تأتيه إذا واجهك خصمك بهذه المغالطة هو أن تبتسم معترفا، ثم ~~ترده في الحال إلى حجتك الأصلية التي لم يرد عليها بعد، بذلك تحبطه عن تشتيتك وإخراجك ~~عن الموضوع، وبوسعك، إن شئت، أن ترجئ انتصافك لنفسك إلى مقام آخر. ~~(4-1) دفع الظلم بالظلم # ادفع بالتي هي أحسن ~~السيئة ~~(المؤمنون: 96). # أجدر بمن ذاق مرارة الظلم أن يعفي منه ضحايا جددا. # يبدو أن العدالة تقتضي أن يكون الطرف المتضرر هو نفسه بريء الساحة، يتجلى ذلك ~~فيما نأخذ به عادة من مبادئ تحملنا على كف الملام عن الطرف المتهم إذا كان ~~المجني عليه يرتكب الفعل ذاته: # من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. # اللي بيته من إزاز ... # وكثيرا ما يستغل هذا الميل الفطري لدى البشر لخلق تعاطف مع المتهم وصرف ~~الانتباه عن جريمته النكراء بتبيان أن المتضرر نفسه يرتكبها، ذلك منطق الاستحلال ~~والاستباحة، وهو منطق مغلوط؛ لأن قصارى ما يمكن أن يبرهن عليه هو أن الطرفين ~~كليهما على خطأ. # لا شك أن العدالة تقتضي المعاملة بالمثل، غير أن هذا المبدأ نفسه لا يجعل من ~~الخطأ صوابا، وإلا اختلطت الأمور واغتفرت الجرائم وبرئ المجرمون، بل ~~كوفئوا، بالنظر إلى أن الآخرين قد ارتكبوا في حقهم نفس الظلم. # تتغذى العداوات والضغائن، بين الأفراد وبين الشعوب، على هذه المغالطة العتيدة، ~~وعليها تقوم جريمة الثأر وتجد تبريرا وجيها، فمظالم الماضي تظل حية صارخة تفسد ~~على الناس حاضرهم وتهدد مستقبلهم، إنما الدولة هي من يتولى تصويب أخطاء ~~الأفراد، والمجتمع الدولي هو من ينبغي عليه أن يتولى تقويم زيغ الشعوب؛ حتى لا ~~نقنع بدفع الظلم بالظلم وتصويب الخطأ بالخطأ. ~~(4-2) خطآن يصنعان ~~صوابا # Two wrongs make a right # تعد مغالطة «أنت أيضا» فرعا من مغالطة أعم هي «الإشارة إلى خط ms048 آخر» # pointing to another wrong # أو «خطآن ~~يصنعان صوابا»، حيث يستبدل بضمير ~~المخاطب # second person # ضمير ~~الغائب # third person ~~، في هذه المغالطة الأعم يتذرع المغالط بأن هناك من ~~يصنع الشيء نفسه، أو ينوه بأن الخطأ الذي يرتكبه إنما هو حقيقة قائمة في طرف آخر ~~من أطراف الأرض وأمر واقع في بقعة أخرى من بقع العالم. # ليشتد التعذيب في سجوننا، فإن التعذيب لشديد في سجون أخرى من ~~العالم. # لماذا كل هذا الجزع من الفساد في بلادنا، إن الفساد لينخر في أرقى ~~بلاد العالم. # لقد وقع ظلم من قبل على البولنديين في وارسو، ينبغي إذن أن يقع ظلم ~~مماثل على الألمان في برسلو. # وقد تتمادى المغالطة في الشطط والغلو حتى تأخذ المفترض المقدر مأخذ الواقع ~~الحاصل! وتتخذ صيغة «هو أيضا كان جديرا أن يفعل ذلك لو استطاع»، أو «هم أيضا ~~كانوا سيفعلون نفس فعلتنا لو وضعوا موضعنا» ... إلخ. # لنسرق هؤلاء اللصوص فإنهم لو تمكنوا منا لجردونا من ثيابنا. # لنخرب ديارهم ونيتم أطفالهم، فوالله إنهم لو حكموا فينا لما ~~فعلوا أقل من ذلك. # يجسد المتنبي هذا المنطق تجسيدا بديعا يستبد بالذاكرة ويجري مجرى ~~الأمثال: # ومن عرف الأيام معرفتي بها # وبالناس روى رمحه غير راحم # فليس بمرحوم إذا ظفروا به # ولا في الردى الجاري عليهم بآثم # يريد أن من عرف الناس حق المعرفة - كمعرفته هو بهم - قتلهم غير راحم لهم؛ ~~لأنهم إذا ظفروا بغريمهم لم يرحموه، فإذا قتلهم، إذن، فلا إثم عليه، على أنه إذا لم ~~يبادر بقتلهم فإنهم ميتون حتف أنفهم على كل حال! ~~••• # كان فرنسيس بيكون، الفيلسوف الإنجليزي الكبير، يتولى منصب قاضي القضاة في عهد ~~جيمس الأول، وفي عام 1620 تم عزله وإدانته بتقاضي رشاوى (في صورة هدايا) من كلا ~~الطرفين المتنازعين في القضايا التي تولاها، وقد تعلل جميع كتاب سيرته ~~الذاتية بأن تقاضي هدايا من كلا الطرفين المتنازعين كان عرفا شائعا على نطاق ~~واسع في ذلك العصر، ومن الدال حقا في هذا الصدد أن بيكون نفسه لم يستند إلى ~~هذه الحجة ms049 حين تحدث في المحاكمة بالأصالة عن نفسه، بل قال ببساطة: «لا أبرئ ~~نفسي، إنني لأعترف بصراحة ووضوح بأنني مذنب بالفساد، وإنني لأرفض كل الدفوع، ~~وإنما أناشد سيادتكم فحسب أن تأخذكم الرأفة بقصبة منكسرة.» ~~(5) تسميم البئر Poisoning the well # تلك المحاولة الدنيئة من جانبه لكي يشق الأرض من تحت قدمي - يسمم مقدما ~~عقول الناس ضدي، أنا جون هنري نيومان، ويغرس في مخيلة قرائي الشك والارتياب ~~في كل شيء عساني قائله في الرد عليه، ذلك أسميه تسميم الآبار. # الكاردينال جون هنري نيومان # أن تسمم بئرا هو أن تبادر بضربة وقائية ضد خصمك، وتصمه بأن لا يولي الحقيقة ~~أي اعتبار فيتضمن ذلك أنه مهما يقل فيما بعد فلن يثق به أحد، قد يكون التسميم، شأنه في ~~ذلك شأن الحجة الشخصية الاعتيادية، إما بالسب # abusive # وإما بالتعريض بالظروف الشخصية # circumstantial ~~. # أمثلة ~~(1) # لا تصدق ما «سيقول»، إنه وغد. (تسميم بالسب.) ~~(2) # ليس سوى مأفون من يعارض إضافة الفلورين إلى الماء. (تسميم ~~بالسب.) ~~(3) # إن خصمي طبيب أسنان وبالطبع سوف يعارض إضافة الفلورين إلى الماء، فذلك ~~سوف يفقده كثيرا من الزبائن. (تسميم بالتعريض بالظروف الشخصية.) ~~(4) # لكم كنت أود لو بإمكان الرجال أن يتفهموا هذه المسألة (الإجهاض)، غير ~~أنهم بحكم موقعهم الذكوري لا يملكون رؤية هذا الأمر من منظور المرأة، وكم ~~كنت أتمنى لو أن هناك عددا أكبر من النساء في هذا المجلس لكي يتحدثن في ~~هذا الشأن من زاوية نسوية، فالرجال لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ولا ينبغي أن ~~يصدروا فيه حكما، وإن أصدروا فليحفظوه لأنفسهم. (تسميم بالتعريض بالظروف ~~الشخصية.) ~~(5) # هذا رجل فاشي معروف، وأي رأي يبدر منه «سيكون» محل ارتياب ويصب في مصلحة ~~العدو في نهاية المطاف. (تسميم بالسب.) # الفرق، كما ترى، بين تسميم البئر وبقية ضروب الحجة الشخصية، هو أن التسميم يتم ~~مقدما؛ أي قبل أن يأخذ الخصم فرصة لعرض قضيته، وقد يكون له تأثير عظيم على مسار ~~الجدل وقد يحبط المعارضة ويعيقها بدرجة كبيرة، وعلى كل من يدخل نقاشا كهذا أن يخطو ~~بجسارة فوق ms050 الإهانة وأن يلج إلى صميم الموضوع، والحق أن تسميم البئر ليس مغالطة ~~بالمعنى الدقيق؛ لأنه ليس حجة، إنه أشبه، بالأحرى، بشرك غفلة منصوب لكي يغري ~~الجمهور الغافل بارتكاب مغالطة الحجة ~~الشخصية # ad hominem ~~، وعلينا في هذا المقام، كما في غيره، أن نتذكر أن الحجة ينبغي ~~أن تقف على أرجلها الخاصة أو تسقط بعيبها الخاص، بغض النظر عن شخص قائلها أو ~~عيوبه. # الفصل السابع # | الاحتكام إلى سلطة # | ad verecundiam; appeal to authority # إياك واحذر أن تكو # ن من الثقات على ثقة # ابن فارس # كذب الظن لا إمام سوى العق # ل مشيرا في صبحه والمساء # المعري ~~*** # يعني «مذهب السلطة» (في الأخلاق وغيرها) # authoritarianism # أن المصدر النهائي للمعرفة هو سلطة من نوع ماء، سلطة قيمة على أمر بعينه، قد تكون ~~هذه السلطة نظاما كالكنيسة، أو نصا كالكتاب المقدس، أو قانونا أخلاقيا أو مدنيا، أو ~~شخصا، سلطة أهل العلم والاختصاص كل في مجاله، في العصور الوسطى المتأخرة، على سبيل المثال، ~~صارت فلسفة أرسطو عقيدة راسخة لا تناقش وكانت أقواله ~~تستحضر لحسم الجدال لا لإثرائه، وقد بلغ شخص أرسطو من الجلال والهيبة بحيث صار يعرف ب # Ille Philosophus ~~(الفيلسوف، بألف لام التعريف)، وصار ~~الاستشهاد بقوله يعرف ب # ipse dixit ~~(هو، نفسه، قال ~~...) # يقع المرء في مغالطة «الاحتكام إلى ~~سلطة» # ad verecundiam # عندما يعتقد بصدق قضية أو فكرة لا سند لها إلا سلطة قائلها، قد ~~تكون الفكرة صائبة بطبيعة الحال، وإنما تكمن المغالطة في اعتبار السلطة بديلا عن ~~البينة، أو اتخاذها بينة من دون البينة! # لا بأس على الإطلاق في الاحتكام إلى سلطة، وإننا لنحتكم بالفعل إلى سلطة الخبراء في كل ~~مجال كلما أعوزتنا الخبرة أو المعرفة الكافية في ذلك المجال، فالمعرفة تخصص، والخبراء هم ~~الأشخاص الذين نذروا عمرهم في دراسة مجال بعينه والتمرس به حتى حصلوا فيه معرفة تجعلهم ~~أبصر بأصوله وفروعه وأقرب صلة بالحقيقة في شئونه وشجونه، ومن ثم فإن لنا كل الحق في ~~أن نستفتيهم ونسألهم الرأي والمشورة في مجالهم لأن لدينا ما ms051 يدعونا إلى الاعتقاد بأن رأيهم ~~في ذلك أقوم من رأينا وخبرتهم أصدق من خبرتنا، فإذا ألم بالمرء مرض لا خبرة له به فإنه ~~يلجأ إلى الطبيب المختص ويأخذ بمشورته ويتبع إرشاداته، وإذا استعصى عليه خلل بجهاز الحاسوب ~~فإنه يلجأ إلى خبير بالحواسيب ليصلح له الخلل، وهكذا الحياة وبخاصة في العصر الحديث: ~~تخصصات وأفرع موكل بها خبراء متخصصون نثق برأيهم ونأتمر بأمرهم ونحتكم إلى سلطتهم، ليس ~~في الأمر هنا حجب للدليل أو استهانة بالبينة، بل توجه إليهما والتماس لهما (في ~~مظانهما)! فما جعل الخبير خبيرا في نظرنا إلا ثقتنا بأن عنده الدليل ولديه ~~البينة. # على أن الأمور على صعيد الواقع لا تسير دائما هذا السير الهين ولا تسلك دائما هذا ~~الجدد الآمن، يبدأ التعثر والوقوع في الاحتكام المغالط إلى السلطة في الأحوال ~~التالية: ~~(1) إذا كان الاحتكام إلى السلطة غير ضروري # ذلك أن كثيرا من الأمور تخضع للملاحظة المباشرة أو الحساب المحض، هنالك يلتقي المرء ~~التقاء مباشرا بالبينة ويكون الالتجاء إلى السلطة لطلب البينة هو عبث لا معنى له وكسل ~~يستوجب اللوم، إنه أشبه بالتيمم وقد حضر الوضوء! ذلك أن الملاحظة المباشرة أعلى يقينا ~~من السلطة وتجب أي سلطة، هكذا كانت ثورة «النهضة» ضد سلطة أرسطو وسلطة الكتاب ~~المقدس، تلك الثورة التي أعقبت تطورا علميا حقيقيا لم تشهد البشرية مثله في ~~العصور السوالف، لقد كان رأي أرسطو في العصور الوسطى يؤخذ مأخذ التسليم حتى في الأمور ~~الإمبيريقية التي تمكن معرفتها بسهولة بواسطة الملاحظة، وكأن ذهن أرسطو أصدق رؤية من ~~نواظر الخلق! # كذلك كان يستشهد بالكتاب المقدس كسلطة لا معقب لها، حتى في المسائل التجريبية ~~والرياضية ومن الطريف أن قيمة ال # pi ~~(النسبة بين طول ~~محيط الدائرة وقطرها، ط) كانوا يدعون أنها ثلاثة استنادا إلى فقرات معينة بالعهد ~~القديم! غير أن قيمة ط هي مسألة رياضية يحددها علم الحساب (وهي اثنان وعشرون على سبعة) ~~والالتجاء فيها إلى السلطة هو أمر غير ذي صلة. # وكيف تنسى البشرية زمنها الذي ضاع ودماءها التي أريقت من ms052 جراء الخضوع لسلطة ~~الكنيسة طيلة العصور الوسطى، حين ارتهن الناس لديها حواسهم وملكاتهم الإدراكية التي ~~أودعوها لتكون أوثق الأدلة وأصدق الرسل، وأخذوا على الاعتقاد بأن الشمس تدور حول ~~الأرض فهكذا يقول الكتاب المقدس ولو كان كتاب الكون يقول غير ذلك، وأخذوا على الاعتقاد ~~بأن تاريخ البشر على الأرض لا يعدو السبعة آلاف سنة، ولو دل علم الحفريات على أنهم ~~أقدم من ذلك بما لا يقاس. ~~(2) إذا كانت الدعوى غير داخلة في مجال خبرة الشخص الذي ~~يحتكم إليه كسلطة # حين يطرح الشخص دعوى معينة في مسألة تخرج عن ~~نطاق خبرته فإنه لا يعود خبيرا في هذا السياق الجديد، ولا يعود بإمكانه أن يدعم رأيه ~~بالدرجة المطلوبة من الخبرة، ولا يعود هناك فرق بين رأيه في هذا الأمر ورأي سواه من ~~عامة الناس، لقد تركته سلطته لدى الباب فدخل وحده وصار في هذا المجال الغريب واحدا من ~~«غير المتخصصين» # laymen ~~. # ومن الأهمية بمكان أن نتذكر في هذا الصدد أن تضخم المعارف في العصر الحديث قد جعل ~~التخصص الدقيق فرضا محتما على كل من يريد أن ينجز في العلم إنجازا حقيقيا وتستوي ~~لديه خبرة كافية في مجال ما، الأمر الذي يجعل الخبراء الحقيقيين في أغلب الأحيان على ~~غير دراية كبيرة بما يقع خارج تخصصاتهم، ليس هذا فحسب، بل إنه كثيرا ما يحدث أن يكون ~~تعليم المرء وخبرته في ميدان معين عائقا فعليا في وجه قدرته على إصدار أحكام خبيرة ~~في ميدان معين آخر، يطلق على هذا الصنف من العجز الناجم عن التمرس الكبير بمجال معين ~~«العجز ~~المكتسب» # learned ~~incapacity ~~، فالتعليم العلمي مثلا قد يحول بين المرء وبين إصدار أحكام ~~في الميدانين الفني والأدبي. # ومن الأمور الشائعة في عصرنا - ذلك الاستغلال للسلطة، المسمى بالإعلان عن طريق الشهادة # testimonial advertising ~~، حيث يقوم ~~نجوم الشاشة والرياضة ومعبودو الجماهير في مختلف الميادين بالإعراب عن إعجابهم بأنواع ~~من السجائر والصابون وغير ذلك من السلع، ففي كل الأحوال تقريبا لا تكون لهذه الأحكام ~~أية قيمة مشروعة؛ لأن العلاقة بين ms053 من يصدر الحكم وبين السلعة هي ذاتها العلاقة بين ~~المستهلك العادي وبين هذه السلعة ذاتها، فعندما تعلن ممثلة السينما الآنسة «س» أنها ~~تدخن سيجارة من نوع «ص» وحده، فإنها لا تعبر دون شك إلا عن تفضيل شخصي، قد لا يكون ~~أعمق في نقده أو تحليله من رأي المدخن العادي، والنتيجة الضمنية التي يود المعلن أن ~~يحملها إلى أذهان الجمهور هي أن ذوقها في السجائر على مستوى يتناسب مع شهرتها من حيث ~~هي شخصية من شخصيات الشاشة، أما مسألة كون المعلن ينجح في ذلك أم لا، فينبغي أن تترك ~~للمسئولين عن ميزانيات هذا النوع من الإعلان، فلا بد أن يكون أصحاب الإعلانات ~~مقتنعين بأن الإهابة بسلطة النفوذ هي وسيلة مربحة. # 1 ~~(3) إذا كان هناك خلاف بين الخبراء في المسألة المعنية # في هذه الحالة تكون كل من الدعوى ونقيضها مدعما برأي بعض الخبراء الثقات، بحيث لا ~~يعود ممكنا حسم المسألة بمجرد الالتجاء إلى رأي الخبراء. # ثمة مجالات علمية كثيرة تعج بالخلافات الداخلية بين أهلها حتى في المسائل المحورية ~~والأسس الكبرى للتخصص، من هذه المجالات علم الاقتصاد، فقد يذهب بعض خبرائه الثقات إلى ~~أن «العجز» هو العامل المفتاحي في مجال الاقتصاد بينما يذهب آخرون، ليسوا أقل خبرة، إلى ~~العكس، من ذلك تماما، ومن المجالات المشهرة بالخلافات بين خبرائها علم النفس والطب ~~النفسي، حيث نجد مدارس مصطرعة بينها شقاق حاد في تصور السواء والمرض وفي منهج التشخيص ~~والعلاج. # يتبين من ذلك أن الخبير الذي يحتكم إليه في شأن من الشئون التخصصية قد لا يكون ~~ممثلا لرأي جميع الخبراء في ذلك المجال، والحق أنه في قطاعات كبيرة من البحث البشري ~~يكون بوسع المرء أن يجد خبيرا يدعم له أي رأي يراه أو موقف يريده، يذكرنا ذلك ~~بالقول المأثور: «افعل أي شيء تقرره وستجد نصا يبرره!» # ذلك أن الخبراء هم في النهاية بشر، يصيبون ويخطئون، حتى في مجال تخصصهم، ولعل هذا هو ~~ما يبرر أخذ «رأي ثان» (وربما ثالث) في الحالات الطبية حين يكون تشخيصها غامضا ms054 غير ~~محسوم، يفهم أغلب الناس المغزى في أخذ رأي ثان حين يتعلق الأمر بحياتهم وصحتهم، ~~غير أنهم كثيرا ما يتشبثون برأي واحد لا يمثل آراء الخبراء جميعا حين يكون هذا الرأي ~~موافقا لهواهم ومدعما لتحيزاتهم. ~~(4) إذا كان الخبير متحيزا أو تكتنفه شبهة التحيز # قلنا إن الخبراء بشر، والبشر غير معصومين من ~~التحيز والهوى كيفما كانوا، وليس ثمة شخص يمكنه أن يدعي الموضوعية المطلقة، ومهما ~~يبلغ أحدنا من النزاهة والحياد يبق لديه شيء من الهوى والميل تجاه آرائه الخاصة، وربما ~~كان علينا أن نقبل درجة ما من التحيز لدى كل شخص ما دامت ضئيلة الأثر، أما في الحالات ~~التي يكون الخبير فيها في موقع يميل به ميلا شديدا في اتجاه رأي بعينه فإن لنا كل ~~الحق في أن ننصرف عن الاحتكام إلى رأيه بوصفه «مجروحا» على أعلى تقدير، من ذلك على ~~سبيل المثال نتائج أبحاث خبراء طبيين عن أضرار التدخين على غير المدخنين حين تمولها ~~شركات التدخين الكبرى ذاتها! # قد يأخذ التحيز والميل ألوانا أخرى عديدة، من ذلك أن الخبير قد يتأثر بموضعه الشخصي ~~ومآزقه الخاصة، فالمحامي الذي يدافع عن نفسه، والطبيب الذي يحاول تشخيص مرضه الخاص (أو ~~مرض أحد أبنائه)، هو عرضة للميل والحيود، وقمين بالخطأ الناجم عن التفكير الآمل # Wishful ~~thinking # أو ~~الخوف. ~~(5) إذا كان مجال خبرة ذلك الخبير هو علم زائف أو مبحث ~~معرفي غير مشروع # الخبرة بالوهم ليست خبرة على الإطلاق، ولا قيمة من ثم لأي خبرة مهما كبرت، ومهما ~~ازدانت بالشهادات والرخص، إذا كان مجالها نفسه علما زائفا أو مبحثا معرفيا ~~كاذبا، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: التنجيم # astrology # والفأل، الفراسة وتحديد الشخصية من شكل الجمجمة # phrenology ~~، العلاج بطرد الأرواح الشريرة. ~~(6) إذا كانت الخبرة، أو الفتوى، غير معاصرة # لأن المعرفة تتقدم بسرعة هائلة، والتقدم في المعرفة يكاد يكون مرادفا للمراجعة ~~والتصحيح، الأمر الذي يجعل كثيرا من الآراء العلمية عرضة للنسخ والتعديل خلال سنوات ~~قليلة وربما أشهر. ~~(7) إذا كان الخبير المزعوم مجهولا أو غير محدد ms055 # حين تكون السلطة غير محددة فإنه يكون من المحال ~~التحقق مما إذا كانت تلك سلطة على الإطلاق، وكثيرا ما يلجأ الناس إلى تدعيم مواقفهم ~~بادعاء أنها مصدقة من جانب خبراء ثقات أو مؤسسات أو منظمات، دون تحديد شيء من ذلك ~~بالاسم، ودون ذكر البينة التي تستند إليها هذه المنظمات أو أولئك الخبراء، وكثيرا ما ~~يشار إلى هذه السلطة المجهولة بلفظ عام من قبيل: «العلماء»، «الأطباء»، «القادة»، ~~«المختصون»، أو حتى بمجرد «شخص ما»، «هم يقولون»، «قرأت في صحيفة»، «قرأت في بحث »، ~~«شاهدت في التلفاز» ... إلخ. # والحق أننا كثيرا ما نشير باللفظ العام إلى فئة الخبراء، ويكون ذلك معقولا تماما ~~وبخاصة إذا كان هناك إجماع بين أهل المجال على الرأي الذي نطرحه، والأجدى على كل حال ~~أن نشفع ذلك بذكر البينة التي تستند إليها هذه السلطة غير المسماة، غير أن الأمور ليست ~~دائما بهذه البراءة، فكثيرا ما يدل هذا الأسلوب على التميع والغموض وعدم الإلمام ~~بالمسألة، وإلا فإن ذكر الخبير بالاسم ليس بالأمر العسير، وكثيرا ما يتبين أن الدعوى ~~المطروحة هي مجرد إشاعة، والإشاعات كما نعلم هي دعاوى مجهولة المصدر في الأغلب الأعم، ~~وكثيرا ما تنسج عمدا لتشويه صورة الخصم. # أمثلة ~~(1) # الشمس تدور حول الأرض لأن الكتاب المقدس يقول ذلك بوضوح لا لبس ~~فيه. ~~(2) # يؤكد العالم الكبير وليم جينكينز الحائز على نوبل في الفيزياء أن فيروس ~~الإنفلونزا سوف يتم القضاء عليه بجميع أنواعه بحلول عام ألفين وخمسين، ومثل ~~هذا العالم الفذ لا يستهان برأيه. (خبير في غير مجاله.) ~~(3) # ليس للتدخين كبير ضرر على المدخنين، هكذا أثبتت دراسة فريق الأطباء ~~الباحثين الذين يعملون لدى شركة مارلبورو. (خبرة متحيزة أو مجروحة.) ~~(4) # لقد حددت رقم حظي وتعرفت على شريك حياتي الملائم: لقد استشرت في ذلك ~~الأستاذ جبور جبور الفلكي الشهير في عيادته. (مبحث معرفي زائف.) ~~(5) # يقول «المتخصصون» إن سنسوداين هو أفضل معجون يضمن سلامة الأسنان. (خبرة ~~غير محددة.) ~~(6) # لا شك أن برسيل هو مسحوق الغسيل الأفضل لجميع الألوان، هكذا أثبتت ~~«الأبحاث العلمية». ~~(7) # لا أستعمل غير ms056 عطر أوبيام؛ لأنه أفضل العطور جميعا، هكذا يقول عمر ~~الشريف في الإعلان. # ومهما يكن من شأن السلطة وهيبتها وجدواها فهي في نهاية المطاف ليست ~~معرفة من المنبع # first hand # بل معرفة بالوساطة # second hand ~~، وهي في نهاية المطاف معيار غير أساسي ~~وغير مباشر، بل مشتق من غيره ومتكئ على سواه، ويعلمنا التاريخ قديمه وحديثه أن ~~السلطات تخطئ وتجهل وتتضارب وتصطرع، وتتخذ هي ذاتها معايير للحق متباينة مختلفة؛ ولذا ~~فإن المعرفة المستمدة من السلطة لا تعدو أن تكون «ظنا» أو «دوكسا»، ولا ترقى إلى أن ~~تكون معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة، ويجمل بنا بعد كل شيء أن نتجنب الاحتكام فلنشفعه ~~بعرض البينة التي تستند إليها هذه السلطة بقدر ما يسعفنا الإلمام والفهم. # الفصل الثامن # | مناشدة الشفقة (استدرار العطف) # | Ad misericordiam; appeal to pity # إذا قيل حلما قال للحلم موضع # وحلم الفتى في غير موضعه جهل # المتنبي # في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبت الادعاء، في محكمة فرجينيا ~~بالدليل الدامغ ضلوع صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من الدفاع سوى أن ~~دفع ببراءة الصبي قائلا: «أليس يكفي أنه أصبح يتيما لا أحد يتولى ~~أمره؟!» # ووضع الندى في موضع السيف بالعلا # مضر كوضع السيف في موضع الندى # المتنبي ~~*** # العطف شعور نبيل يتحلى به كل ذي أصل كريم، والشفقة عاطفة نبيلة يتسم بها كل ذي معدن ~~طيب، لا بأس قط باستدرار العطف والشفقة إذا استدعى السياق وخلصت النية، إنما يكمن الخطأ ~~في أن تسند إلى العطف وظيفة البينة، وأن تأخذ الشفقة مأخذ الحجة. # أمثلة ~~(1) ~~«... فلتأخذكم الشفقة بهذه المتهمة يا حضرات القضاة، فإنها إذا أودعت ~~السجن فسوف تتحطم حياتها وحياة من تقوم برعايتهم. أليس الأولى أن ننقذ حياة ~~لا أن نحطم حياة؟» (ليست الشفقة هنا في غير موضعها فحسب (لم يذكر الدفاع حال ~~المجني عليه الآن وحال عياله!) بل إنها خارجة عن الموضوع وغير ذات صلة بعملية ~~الدفع.) ~~(2) ~~«... لا بد أن الحل الذي توصلت إليه لهذه المسألة الرياضية هو حل صحيح: لقد ~~توصلت إليه بعد عناء ms057 خمس ساعات من اعتصار الفكر والتركيز المتصل.» (إن الفكرة ~~الخطأ هي فكرة خطأ سواء كانت نتاجا لخمس دقائق من التفكير أو لخمسة عقود! وإن ~~الزمن الذي أنفق أو الجهد الذي بذل في فكرة ما لا ينبئنا بشيء عن صوابها ~~أو خطئها، إنه، ببساطة، خارج عن الموضوع.) ~~(3) ~~«... ينبغي تيسير الامتحانات على جميع الطلبة؛ لأنكم تعرفون مدى البؤس الذين ~~يرين على الطالب المتوسط أو الضعيف حين يحصل على درجات متدنية أو حين يرسب.» ~~(للحلم «موضع» حقا، هو بالنسبة لهذا المثال في وزارة الشئون الاجتماعية لا ~~في وزارة التربية والتعليم أو وزارة التعليم العالي، وما أفسد التعليم مثل هذا ~~«التيسير» الذي يتملق الحشود ويذبح النوابغ ويطمس بريقهم ويسويهم ~~بالأواسط الأنصاف # mediocres ~~، وينتخب ~~ثفالة من الحفظة وعادمي الملكة يليق بهم القعر، ويضعهم على قمة الهرم ~~الاجتماعي والعلمي، ثم يطلب منهم أن يجروا المجتمع إلى الأمام! وما هكذا تتقدم ~~المجتمعات وتقلع الأمم.) # 1 ~~(4) ~~«... كيف ترفض رسالتي للدكتوراه؟ لقد عكفت على كتابتها سبع سنوات ~~متصلة!» ~~(5) ~~«كيف تقول إن الكرة خارج الخط؟ إنها داخله، ثم إني مهزوم عشرة إلى ~~واحد!» ~~(6) ~~«نحن نأمل أيها الزملاء أن تقبلوا خطتنا التي تقدمنا بها، لقد بذلنا في ~~إعدادها ثلاثة أشهر من العمل الإضافي المضني.» ~~(7) ~~«ينبغي أن تمنحني درجة # A # في هذا الفصل: إن ~~جدتي مريضة ولو سمعت بأني رسبت ربما تموت بنوبة قلبية.» # قد تكون مخاطبة الوجدان أو مناشدة العطف، أو غيره من الانفعالات، مشروعة ~~منطقيا، وذلك حين يكون هذا الانفعال هو نفسه موضوع الحجة، أو يكون سببا ذا صلة بقبول ~~النتيجة: فقد أختار أن أشتري نفس الجريدة بنفس السعر من بائع ضرير؛ لكي أهون عليه عمله ~~الشريف، وقد يقدر الأستاذ ظروف طالب صدمته شاحنة في طريقه إلى الامتحان فيحتفظ له ~~بامتحان إكمال، وفي رواية كنديد يستعرض فولتير أمثلة للبؤس المستشري في العالم لكي يفند ~~مذهب ليبنتز القائل بأن هذا هو أفضل العوالم الممكنة جميعا. ~~••• # ومهما يكن من شيء فإن انفعال العطف ليس من جنس الحجة: للعطف أن يدفعنا إلى استباق ms058 ~~الخيرات واجتراح المكارم، ولكن هيهات له أن ينهض دليلا على رأي أو أساسا لاعتقاد. # الفصل التاسع # | الاحتكام إلى عامة الناس # | ad populum; appeal to people; appeal to ~~gallery; appeal to the ~~mob # إن موافقة الكثرة ليست دليلا على الحقائق العسيرة الكشف، وإنه لأقرب ~~إلى الاحتمال أن يجدها رجل واحد من أن تجدها أمة بأسرها. # ديكارت # إن واقعة أن رأيا ما قد انتشر على نطاق واسع ليست دليلا البتة على ~~أن هذا الرأي ليس باطلا كل البطلان، والحق أنه بالنظر إلى سخف أغلبية بني ~~الإنسان، فإنه لأقرب إلى الاحتمال أن يكون الاعتقاد الواسع الانتشار ~~اعتقادا سخيفا من أن يكون اعتقادا معقولا! # برتراند رسل # ما يزال بالإنسان شيء من أسلافه القردة، ليس هذا فحسب، بل إن به خصلة ~~متبقية من أسلافه الخراف! # كلايف بل # لا رأي للناس في نفع ولا ضرر # وما لهم قط من حكم وتقدير # العقاد ~~*** # تتضمن هذه المغالطة الاحتكام إلى الناس بدلا من الاحتكام إلى العقل (أو على حساب ~~العقل)، ومحاولة انتزاع التصديق على فكرة معينة بإثارة مشاعر الحشود وعواطفهم بدلا من ~~تقديم حجة منطقية صائبة، تكاد هذه الطريقة أن تكون أداة من أدوات عمل رجال الدعاية ~~والإعلان، والديماجوجيين من الساسة ورجال الأحزاب والدعاية الانتخابية، فإذا كان «الجميع ~~يعتقد ذلك» أو «الكل يفعل ذلك» أو «استطلاعات الرأي تشير إلى ذلك» فلا بد من أن يكون ~~«ذلك» صحيحا! # غير أن التاريخ يعلمنا أن أفكار الكثرة واعتقاداتهم كثيرا ما تبين خطؤها الذريع ~~وبطلانها التام، وقد تكرر ذلك وتواتر بما يكفي لدعم قاعدة تفيد أن قبول الحشود من البشر ~~لقضية معينة على أنها حق لا يقدم ضمانا عقليا بأنها كذلك، وقد كان يسع المرء أن ~~يمضي إلى نهاية الشوط فيقول: إن التاريخ ربما يعلمنا، على العكس، أن اعتقاد الجموع بشيء ~~ما يرجح بطلان هذا الشيء، لولا أن هذه الطريقة ما هي إلا الوجه الآخر لذات ~~المغالطة. # ذلك أن «الاعتقاد» غير «البينة»، وأن اتساع نطاق الاعتقاد بقضية ما هو أمر غير ذي ~~صلة ms059 بصدق القضية ذاتها أو كذبها، إنما يتحدد ذلك بالوسائل العقلانية الخاصة التي تستخدم ~~الأدلة والمعلومات الصحيحة التي يمكن أن تستمد منها النتائج بطريقة منطقية. يعود رواج هذه ~~المغالطة وانتشارها إلى ميل الكائنات البشرية إلى أن تسلك مسلك الخراف، فتنضوي معا حول ~~المريح والمألوف والسائد، ويروقها الانقياد والائتلاف ومجاراة القطيع في وجهته. # في عمق الروح الإنسانية التي ألقي بها في حومة الوجود على غير اختيار منها تقبع حاجة ~~إلى الاتصال بآخرين من صنوها، حاجة تبلغ من الإلحاح والشدة مبلغا يضطر الناس إلى أن ~~تسلم ضميرها وبصيرتها لطغيان ثقافتها الجاهزة وتقاليدها الموروثة، حتى لو كانت تلك ~~ثقافة جاهلة وتقاليد حمقاء، وقليل هم الأفراد الذين يمكنهم أن يأتمروا بأوامر عقولهم ~~الخاصة ويهتدوا بهدي بصائرهم الشخصية حتى عندما تكون تلك مغايرة للشائع ومخالفة ~~للمألوف. # في مسرحية شكسبير «يوليوس قيصر» يعمد مارك أنطونيو، في خطبة الجنازة المشهورة، إلى ~~استثارة انفعالات الجمهور، ولا يفوته أيضا أن يهيب بمصالحهم الشخصية، لقد كانت القضية ~~التي استدعي الملأ لمواجهتها هي: (1) هل كان قيصر مذنبا بالتآمر للإطاحة بالجمهورية ~~وتنصيب نفسه ملكا؟ (2) هل ينبغي اتخاذ أي إجراء ضد قاتليه؟ لا تعرض خطبة أنطونيو لهذه ~~القضية، وبدلا من ذلك يعمد أنطونيو إلى تذكير الرومانيين بأنهم كانوا يحبون قيصر ذات ~~يوم: # كلكم أحببتموه ذات مرة، لا لغير سبب، # فأي شيء يمنعكم إذن أن تندبوه؟ # ويؤكد لهم أنه، أنطونيو، ليس داهية وليس مفوها (وأنه من ثم جدير ~~بالتصديق). # فما أنا بالخطيب مثل بروتس، # لكني كما تعرفونني جميعا رجل غر صريح، # أحب صديقي، وهم إذ يعرفون ذلك حق المعرفة، # أذنوا لي على الملأ بالتحدث عنه. # غير أنه يبرع في إثارة عواطفهم ضد بروتس وشركائه ببلاغة اللغة وبلاغة الدم: # لاحظوا كيف تبعها دم قيصر، # كأنما اندفع يطل من الباب ليتأكد، # أهو بروتس الذي طرق هذه الطرقة المنكرة، أم سواه؟ # فلقد كان بروتس كما تعلمون ملاك قيصر. # اشهدوا أيها الآلهة بأي إعزاز أحبه قيصر! # هذه كانت أقسى الطعنات جميعا # فإن قيصر النبيل لما رآه يطعن # كان الجحود، ms060 وهو أفتك من أسلحة الخونة، # هو الذي أجهز عليه! فعندما انصدع فؤاده الكبير ... # سقط قيصر العظيم # وأية سقطة كانت يا بني وطني؟ # حينئذ سقطت أنا، وسقطتم أنتم، وسقطنا جميعا # بينما تشامخت الخيانة السفاكة علينا ... # ذلك أني لا أملك من البديهة، ولا من الألفاظ، ولا من القيمة أو العمل، # ولا من الذلاقة، ولا من قوة الخطاب، ما أهيج به دماء الناس، # وإنما أنا أتكلم على رسلي، فأخبركم بما تعرفونه أنفسكم، # وأريكم جراح قيصر الحنون، تلك الأفواه الخرساء المسكينة، # وأسألها أن تتكلم نيابة عني، غير أني لو كنت بروتس وكان بروتس أنطونيو، # لكان ثمة أنطونيو يضرم في نفوسكم نارا، ويصنع لسانا # في كل جرح من جراح قيصر، خليقا بأن يحرك # حجارة روما لكي تهب وتثور. # ويختتم أنطونيو خطبته بتذكير الجمهور بمصالحهم الشخصية، فيتم له استهواء العامة ~~واختلابهم وتحريكهم حيث شاء: # ها هي ذي وصية قيصر # إنه يهب كل مواطن روماني، # كل رجل بمفرده، خمسة وسبعين دراخما ... # عدا هذا، ترك لكم كل جنائنه، # وعرائشه الخاصة، وبساتينه الحديثة الغرس، # على هذا الجانب من «التيبر»، ترك ذلك لكم، # ولذراريكم إلى الأبد، رياضا مشاعة. # تتنزهون فيه وتروحون عن أنفسكم # ذلك كان قيصر، فمتى يجود الزمان بمثله؟ # ومتى هاجت عواطف الدهماء وسال لعابها فقد انفلتت الفتنة من عقالها، وتنحى العقل أو ديس ~~تحت سنابك المغالطات: # أيتها الفتنة، إنك لعلى ساق # فاسلكي أي سبيل تشائين ... # إن القدر منشرح الصدر، # وهو في هذه الحال لا يضن علينا بشيء. # هناك ثلاثة أشكال أساسية لمغالطة «الاحتكام إلى الناس»: ~~(1) عربة الفرقة (الموسيقية) # bandwagon # هذا الطريق المعبد ينحدر ليصل إلى تلك الأنوار المتلألئة في الجهة ~~المقابلة، # العجول محمولة بالشاحنات ثلاثة ثلاثة، # رءوسها تنوس بثقل وراحة بال، # العجول محمولة بالشاحنات، # لا أحد يمكن أن يفهمها: # إنها ذاهبة إلى المذبح! # رءوسها تنوس بثقل وراحة بال. ~~«إلى المذبح»، ناظم حكمت # ألا تعتبر نفسك مفندا منذ البداية يا سقراط حين تطرح آراء لا يمكن أن ~~يقبلها أحد؟ عجبا ... اسأل أي شخص من الحضور! # أفلاطون، محاورة جورجياس # في ms061 أي مجتمع كبير، من الآمن لك أن تكون مخطئا مع الأغلبية من أن تكون ~~صائبا وحدك. # جون كينيث جلبرايت # الغوغاء أقرب إلى أن يقعوا ضحية كذبة كبيرة منهم إلى كذبة صغيرة. # أدولف هتلر، كفاحي # تتجه مغالطة «عربة الفرقة» # bandwagon # إلى ميلنا ~~الغرزي لأن ننضوي مع الحشد، ومفادها أنه ما دام عامة الناس تعتقد شيئا ما أو تختار ~~مسلكا معينا من الفعل، فلا بد أن يكون هذا الاعتقاد صحيحا وأن يكون هذا المسلك ~~أحق أن يتبع. # وتأتي التسمية من «عربة الفرقة الموسيقية»: فقد كان المرشحون فيما مضى يستقلون، في ~~حملاتهم الانتخابية، عربة كبيرة تتسع لفرقة موسيقية، ويجوبون المدينة، وكان الناس ~~يعبرون عن تأييدهم للمرشح باعتلاء العربة أو الصعود إلى ظهرها، ومنها تأتي عبارة ~~«هلم إلى عربة الموسيقى»، «اقفز إلى العربة»، أي شارك الحشد وانضم إلى «الزفة»، التي ~~صارت تعني الانضواء في أمر ما بحكم شعبيته، ويمكن تجريد صورتها كالتالي: # الفكرة «ق» رائجة؛ # إذن الفكرة «ق» صحيحة. # وفي مجال علم النفس يتحدث السيكولوجيون عن «أثر عربة الفرقة» (ظاهرة عربة الفرقة) # bandwagon effect ~~، وهي ظاهرة اجتماعية ~~يشعر فيها الأشخاص بضغط الانصياع لموقف معين، أو رأي، عندما يدركونه على أنه موقف، أو ~~رأي، الأغلبية في جماعتهم أو مجتمعهم. # وفي مجال الدعاية هناك ما يعرف ب «تكنيك ~~عربة الفرقة» # bandwagon technique ~~، ويتضمن الادعاء بأن أغلبية من الناس يتخذون موقفا أو ~~اعتقادا ما؛ وذلك لكي يتسنى إقناع آخرين بتبني ذلك الموقف أو الاعتقاد. # أمثلة ~~(1) # الناس كلها، أو معظمها، تفضل الماركة «س». # إذن علي أيضا أن أشتري الماركة «س». ~~(2) ~~«ثمانية مليون فرنسي لا يمكن أن يكونوا على خطأ.» ~~(3) # في يوم من الأيام كان أغلب البشر في بقاع كثيرة من الأرض يعتقدون برسوخ ~~أن الأرض مسطحة، أو أن الأرض هي مركز الكون، أو أن الشمس تدور حول الأرض، ~~وقد تبين أن كل ذلك باطل. ~~(4) # في يوم من الأيام كان أغلب البشر (بما فيهم أرسطو وغيره من خيرة العقول) ~~يعتقدون أن القلب هو عضو الشعور والتفكير، وهو اعتقاد غير ms062 صحيح. ~~(5) # كان أغلب البشر فيما مضى يعتقدون أن الصرع هو روح شريرة تتلبس المريض، ~~وقد تبين بالدليل العلمي الدقيق أن الصرع هو اضطراب في النشاط الكهربي ~~لخلايا المخ. ~~(6) # كان البشر يوما يعتقدون أن الإنسان لا يمكنه مواصلة الحياة وهو على ~~سرعة أكبر من خمسة وعشرين ميلا في الساعة! ~~(7) # استطلاعات الرأي تشير إلى فوز ساحق للحزب الوطني، ومن ثم ينبغي أن ~~تصوت للحزب الوطني. ~~(8) # كان أينشتين مناصرا لمذهب اللاعنف، فأراد جماعة من العلماء أن يفندوا ~~رأيه في ذلك ويضادوا تأثيره ويسجلوا مناوأتهم لمذهب اللاعنف، فنشروا مجموعة ~~مقالات في كتاب أسموه «مائة عالم ضد أينشتين»، حين سمع أينشتين بهذا ~~العنوان قال: «لو كنت على خطأ فقد كان يكفي عالم واحد!» ~~(9) # في القرن التاسع عشر كانت أغلبية الناس في بعض الولايات الأمريكية تعتبر ~~العبودية أمرا مقبولا، إلا أن هذا الرأي لا يجعلها كذلك. ~~(2) التنفج (التأسي بالنخبة) # snob ~~appeal # في هذه المغالطة يتم الاقتداء بالصفوة المختارة بدلا من عامة الناس، وصورتها: # جميع، أو أغلب، الممتازين من الناس يعتقدون، أو يفعلون «ق» إذن «ق» صحيحة. # أمثلة ~~(1) # سراة الناس يفضلون الماركة «س»؛ # إذن علي أنا أيضا أن أستعمل «س». ~~(2) # صفوة المثقفين يعنقون الماركسية هذه الأيام؛ # إذن الماركسية هي الفلسفة الصحيحة وعلي أن أعتنقها. ~~(3) التلويح بالعلم؛ التذرع بالوطنية # flag waving ~~appeal to patriotism # الوطنية هي آخر ملاجئ الأوغاد. # صموئيل جونسون # في هذه المغالطة يلجأ المتحدث إلى المشاعر القومية أو الوطنية ليدعم بها حجته أو ~~موقفه، أو ليقوض موقفا آخر باعتباره منافيا للوطنية أو القومية، ويندرج في هذه ~~المغالطة التلويح بأي رمز أو التلفع بأي راية: سياسية أو مذهبية أو دينية، حين يكون ~~ذلك افتعالا وتكلفا غير ذي صلة بالحجة المعنية؛ تصديقا لقول موليير «ما أبعد ~~البون بين الوجه والقناع.» ~~(3-1) الاحتكام الصائب إلى الأغلبية # ليست الحقيقة ديمقراطية بالضرورة، فقد يصيب شخص واحد في التفكير مثلما يصيب ~~مائة شخص، وقد يخطئ مائة مثلما يخطئ واحد، وما ينبغي لموقف ما أن يكون حقا ~~لمجرد أنه موقف أغلب الناس، ولا ms063 لموقف أن يكون باطلا لمجرد أنه موقف القلة، تلك ~~حقيقة ما يزال يلح عليها درس المنطق ودرس التاريخ، إنما تستند الحجة على ~~دعائمها المنطقية الخاصة وليس على عدد مؤيديها، وكم اعتقد الناس اعتقادات بلغت ~~مرتبة اليقين وجرت مجرى البديهيات، ثم تبين بعد ذلك أن تلك الاعتقادات الكبرى كانت ~~أخطاء كبرى! # غير أن علينا أن نتجنب الغلو في الاستهانة برأي الأغلبية، وبخاصة إذا كان العدد ~~هنا يحمل مغزى المراجعة ويضطلع بوظيفة التدقيق والتنقيح والتحقيق: وإلا فما معنى ~~مراجعة الحسابات (وهو عمل محاسبين متعاقبين)، ومراجعة النظراء # peer review # في مجال البحث العلمي، وشرط تعدد الشهود في ~~الجرائم، واتفاق القضاة والمحلفين في الأحكام، وتكرار التجارب # replication # في العلم؟! العقلانية إذن تعني التذرع بالمبررات ~~العقلية التي تثبت للنقد العام، أي التمحيص، قد يكون الفرد شاذا في مبررات ~~اعتقاده، ولا يصبح عقلانيا بحق إلا حين يدرك أن عليه ألا يكتفي بإقناع نفسه بل ~~أن يقنع كل من يتفحص أدلته وبراهينه، الحقيقة ليست ديمقراطية ... نعم ولكن ~~التبرير العقلي يجب أن يكون منفتحا على النقد العام وأن يتم في وضح النهار. # ثمة أيضا حالات يكون فيها التذرع بالجموع مبررا وغير خارج عن الموضوع، وذلك ~~عندما يكون اعتقاد الأغلبية، أو اعتقاد النخبة المنتقاة، هو المحدد للحقيقة في ~~المسألة المعنية: # تعريفات الألفاظ مثلا هي مسألة اصطلاحية تتوقف على ما اتفق عليه ~~عموم الأشخاص في جماعة لغوية معينة. # الاستخدام القياسي للرموز في جماعة بعينها هو أمر يتوقف على اتفاق ~~الناس ككتلة وحشد. # صيحات الأزياء وغيرها من الموضات في شتى المجالات هي، بحكم التعريف، ~~ميل الأغلبية من الناس، أو ميل سراة الناس وصفوتهم، في مجال معين في ~~زمن معين. # التوجه السياسي في البلاد الديمقراطية يحدده الشعب بوصفه شعبا، ومن ~~ثم فلا مفر في هذا المجال من الاحتكام إلى الاقتراع العام ~~والاحتكام إلى اختيار الأغلبية، «تستند هذه الأشكال السياسية ~~الديمقراطية إلى فكرة أنه ليس هناك فرد بلغ من الحكمة أن يعرف للآخرين ~~مصالحهم ووسائل سعادتهم وخيرهم أكثر منهم وأن يفرضها عليهم بغير ms064 رضاهم، ~~كل فرد يتأثر في فعله ومتعته بحالته المترتبة على النظام السياسي الذي ~~يعيش في ظله، ومن ثم فإن له حقا في تحديد هذا النظام.» # 1 # الفصل العاشر # | الاحتكام إلى القوة (منطق العصا، اللجوء إلى ~~التهديد) # | ad baculum; appeal to force # جلوا صارما وتلوا باطلا # وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم # المعري # ليست هذه هي الطريقة التي ينبغي ~~على الكائن العاقل أن يعتنق بها الحقيقة، ليس هذا عرفانا بالحقيقة، وما ~~الحقيقة التي يعتقد بها على هذا النحو سوى خرافة كبيرة التصقت ~~بالمصادفة بالألفاظ التي تشير إلى حقيقة. # جون ستيوارت مل، عن الحرية # إلى أوكسفورد أرسل الملك فرقة من الفرسان؛ # لأن التوريين لا يعرفون الحجة بل القوة، # وإلى كمبردج أرسل نفس القدر كتبا؛ # لأن الهوجيين لا يسلمون بالقوة بل بالحجة. # وليم براون # حين يقول ستالين: «ارقص» فإن الرجل الحكيم يرقص . # خروتشوف ~~*** # ليست الحرية شيئا «يضاف» إلى الفكر، فيكون لدينا فكر حر بعد أن كان لدينا فكر غير ~~حر، فالفكر الحقيقي لا يكون إلا حرا، الفكر حر بحكم ماهيته وحكم تعريفه، الحرية ليست ~~«محمولا» # predicate # للفكر بل «كيفية وجود» أو «أسلوب ~~كينونة»، الحرية ليست شيئا «يعرض» للفكر بل هي شيء «يكونه»! بدون حرية أنت لا تفكر ... ~~بل تردد وتكرر ... وتصفر كجنادب الليل ... وتبيع إحدى جوارحك كالبغي لتشتري السلامة، ~~والفكر غير الحر ليس فكرا، وإنما هو ك «النقطة الممتدة» و«المربع المستدير» ... تناقض ذاتي. # 1 # تعني كلمة # baculum # باللاتينية: العصا، ومن ثم تعني هذه ~~المغالطة اللجوء إلى التهديد والوعيد من أجل إثبات دعوى لا تتصل منطقيا بانفعال الخشية ~~والرعب الذي تهيب به، تقبع في صميم هذه المغالطة فكرة «القوة تصنع الحق» # might makes right ~~، وهي مغالطة لأن التهديد يعمل على مستوى دافعي مغاير ~~لمستوى القناعة الفكرية، بوسعك أن تفرض السلوك القويم بالقوة، ولكن ليس بوسع أحد قط أن يفرض ~~الرأي العقلي بالقوة، وإن ألف سيف مصلت على رقبتك لن تنهض لك دليلا على أن اثنين ~~واثنين تساوي خمسة مثلا! قد تشتري رقبتك بالطبع وتسلم للمأفونين بأنها ms065 لكذلك، ولكن ~~الانصياع لا يعني الاقتناع. # هكذا فعل جاليليو حين أذعن للتفتيش وآثر السلامة، وبقيت الأرض تدور في ملته ~~واعتقاده حيث لا تفتيش ثم ولا محاكم، وهذا ما لم يفعله جيوردانو برونو # G. Bruno ~~(1548-1600) من قبله، فقد ذهب برونو إلى أن هناك أنظمة ~~شمسية عديدة تسبح في فضاء لا نهائي، وهددته الكنيسة بالموت ما لم يغير آراءه، إلا أنه ~~لم يرضخ لمنطق العصا، وآثر الموت حرقا على الخازوق عام 1600. # أمثلة ~~(1) # ينبغي أن توافق على السياسة الجديدة للشركة، هذا إذا كنت تريد أن تحتفظ ~~بوظيفتك. ~~(2) # هناك براهين وفيرة على صدق الكتاب المقدس، وكل من يرفض التسليم بهذا الصدق ~~سيكون مصيره العذاب. ~~(3) # أتعرف يا دكتور أدهم أني بحاجة إلى تقدير «ممتاز» في هذه المادة؟ يسرني أن ~~أمر عليك فيما بعد لنتحدث في ذلك، إنني سأكون بجوار مكتبك على أي حال أزور ~~والدي، إنه عميد كليتك بالمناسبة ، مع السلامة، أراك بخير. # يمكن تجريد مغالطة العصا في الصورة التالية: # اقبل الحجة «أ» وإلا فإن الحدث «س» سوف يحدث # الحدث «س» مؤذ أو مدمر أو مهدد # إذن الحجة «أ» حجة سديدة. # غني عن البيان هنا أن القياس خاطئ بل عابث، وأن انفعال الخوف أو الرعب الذي يثيره ليس ~~من جنس الحجة ولا من عنصر البرهان، ومن ثم فإنه لا يمس القضية التي يريد دحضها ولا ~~تتقابل قرونهما في نطاح، # 2 # لا معنى على الإطلاق لأن تفرض رأيا بالقوة؛ لأن بين القوة والرأي فجوة لا ~~تعبر، تذكرنا ب «فجوة هيوم» بين عالم القيمة وعالم الوقائع من حيث تباين العالمين ~~واستحالة العبور من أحدهما إلى الآخر. ~~(1) متى تكون العصا صائبة منطقيا؟ # قد يكون التهديد، أو التذكير بالخطر، صائبا منطقيا، وذلك حين يكون ذا صلة مباشرة ~~بنتيجة الحجة، أو حين يكون الخطر هو نفسه موضوع الحجة: # مثال 1: «توقفوا عن التجارب النووية في هذه المنطقة القريبة من القطب؛ لأنها ربما ~~تعقب زلازل وفيضانات وإشعاعات.» # في هذا المثال يناهض أنصار البيئة إجراء التجارب النووية، وفيه نجد أن الخطر متصل ms066 ~~منطقيا بالحجة؛ لأن احتمال حدوث النتائج الخطرة هنا مترتب سببيا وليس صادرا عن ~~قرار أو توجيه. # مثال 2: «ذاكر جيدا وإلا انخفضت درجاتك.» ~~••• # من المؤسف حقا أن شطرا كبيرا من الحوار عندما لم يعد محتكما إلى العقل بل إلى ~~العصا، إنه أقرب إلى لعبة «التحطيب» منه إلى لعبة الجدل، فنحن لا ننظر إلى الاختلاف في ~~الرأي على أنه ثراء وخصب، بل على أنه انحراف وخيانة، وما نزال نلوح بالعصا كلما ~~أعوزتنا الحجة، ومن المؤسف في أمر العصا أن التهديدات، الصريحة أو المستترة، الظاهرة ~~أو المقدرة، بوسعها أن تخلق وهما بأن امرءا ما قد تم إقناعه أو إفحامه، وبوسعها ~~أن تخرس الخصم فعلا وتثنيه عن المضي في الجدال، وتترك انطباعا زائفا بأنه قد خسر ~~المناظرة. # العصا أفشل أداة للإقناع، وأفشل مفتاح للعقل والقلب. # واللجوء إلى العنف لدعم قضية كاللجوء إلى الممحاة لإزالة الظل! # يوشك العنف أن يكون اعترافا بغياب أي منطق وانعدام أي دليل. # بوسع العصا أن تشج الرأس وبوسعها أن تزهق الروح، ولكن هيهات لها أن تقيم برهانا أو ~~تثبت حجة، وقلما يكون التلويح بالعصا سببا لاعتقاد أي شيء، فهو في أمثل الأحوال ~~«وازع» أو «دافع» لتغيير السلوك لا لتغيير الرأي، وكثيرا ما يدفع الناس إلى التظاهر ~~باعتقاد ما لا يعتقدونه، فالتهديد، كما أسلفنا، ليس من فصيلة الحجة، ومن ثم فهو لا ~~يخلف الاعتقاد بل النفاق، ولا يؤتي من الثمار إلا أنكدها، هكذا تتجلى لنا روعة ~~الآية الكريمة التي تحسم أمر التهديد حسما منطقيا سديدا، ولا توليه إلا استفهاما ~~«إنكاريا» ساخرا: # أفأنت تكره الناس حتى ~~يكونوا مؤمنين ~~(يونس: 99). # الفصل الحادي عشر # | الاحتكام إلى النتائج # | ad consequentiam appeal to ~~consequences # إن كايوس فان حقا، وإن حقا عليه أن يموت، أما أنا ... إيفان إليش، بكل ~~أفكاري وعواطفي، فشيء مختلف تماما، إن من المستبعد أنني ينبغي أن أموت، ~~إن ذلك ليكون شيئا مرعبا غاية الرعب. # تولستوي، موت إيفان إليش # الحقيقة ليست ملزمة بأن تتبع أهواءنا، وإنما نحن الملزمون بأن ~~نتبع الحقيقة. ~~*** # ليس الفكر عبدا ms067 «يخدم» على أهوائنا ويدغدغ أمانينا، ويعمل على راحتنا واسترخائنا، ~~وإنما هو «وظيفة بشرية» تتعلق بتعرف الحقيقة كما هي وإماطة الوهم كيفما كان، ومن ثم ~~فإن من المغالطة أن نستخدم «النتائج» (العواقب، التبعات، المترتبات، اللوازم، التوالي) # consequences ~~، السلبية أو الإيجابية، المترتبة على ~~اعتقاد ما كدليل على كذب هذا الاعتقاد أو صدقه. # يمكن تجريد الصورة المنطقية لهذه المغالطة كالتالي: # الاعتقاد بأن «ق» يؤدي إلى نتائج مرغوبة؛ # حيث النتائج المرغوبة غير ذات صلة بصدق «ق»؛ # إذن «ق» صادقة. # أو كالتالي: # الاعتقاد بأن «ق» يؤدي إلى نتائج بغيضة؛ # حيث النتائج البغيضة غير ذات صلة بكذب «ق»؛ # إذن «ق» كاذبة. # إن القضية الصادقة هي قضية صادقة، بغض النظر عن شعورنا تجاه نتائجها، ومن الحصافة أن ~~نسلم بأن العالم لم يفصل حسب طلبنا، وأن الأشياء لا تأتي على مقاس رغباتنا ومصالحنا، ~~وأن ما نود أن يكون عليه الحال هو أمر غير ذي صلة بما هو عليه الحال بالفعل ، ليس ثمة علاقة ~~منطقية تربط ما بين نتائج اعتقادنا في قضية ما وبين «قيمة صدق» هذه القضية (أي نصيبها من ~~الصدق والكذب). # ربما يستدعي ذلك في الذهن قول فرويد في «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي»: «أوذي ~~الإنسان ثلاث مرات في غروره واعتزازه بنفسه وبمكانته في العالم: كانت المرة الأولى عندما ~~تم التحول الأكبر في عصر النهضة من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس على يد كوبرنيكوس ~~(1473-1543م) الذي افترض أن أرضنا ليست هي مركز الكون، وكان من الضروري أن يستخلص الإنسان ~~من ذلك أنه ليس تاج الخليقة وأن العالم لم يخلق من أجله، وكانت المرة الثانية عندما قدم ~~تشارلس دارون (1809-1882م) كتابه عن أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، فأثرت نظريته ~~في التصور الديني بوجه خاص عن كون الإنسان صورة الله وخليفته في الأرض، أما المرة ~~لثالثة فكان الأذى أشد قسوة وأعمق جرحا، إذ جاء من جانب البحث السيكولوجي الراهن الذي ~~يريد أن يثبت للأنا أنها لا تملك حتى أن تكون سيدة في بيتها الخاص، وإنما تظل معتمدة على ms068 ~~أنباء شحيحة عما يجري بصورة غير واعية في حياتها النفسية» (محاضرات تمهيدية في التحليل ~~النفسي، محاضرة 18). # أمثلة ~~(1) # لا بد من أن تكون «مركزية ~~الأرض» # geocentrism # نظرية صحيحة، وإلا لكان الإنسان كائنا هامشيا شديد ~~التفاهة وليس صورة الله وخليفته في الأرض. ~~(2) # من المؤكد أن «نظرية التطور» نظرية مغلوطة، وإلا لكان الإنسان قريبا لبقية ~~الحيوانات، وكان له أن يفعل فعلها ويسلك مسلكها. ~~(3) # اعتقاد الطفل في وجود بابا نويل يجعله سعيدا ومستبشرا ومهذبا، إذن بابا ~~نويل موجود. ~~(4) # من المحال أن تنشب حرب نووية في أي وقت من الأوقات، إن ذلك كفيل بأن ~~يجعلني متوجسا هلعا لا أذوق للنوم طعما. ~~(1) رهان بسكال # pascal’s wager # تقوم حجة الرهان الشهيرة للفيلسوف الفرنسي بليز بسكال على الموازنة بين النتائج ~~المترتبة على الإيمان وتلك المترتبة على عدم الإيمان، وقد آثرت أن أفرد لرهان بسكال ~~عنوانا منفصلا؛ وذلك لأنه محل خلاف بين الفلاسفة منذ زمن طويل، فهو مغالطة أكيدة لدى ~~البعض، وبخاصة من أصحاب المذهب الطبيعي ، وهو حجة سديدة لدى البعض الآخر، مثل وليم جيمس ~~الذي أسهب في تبيانه في كتابه «إرادة ~~الاعتقاد» # the will to believe ~~، يقول بسكال في «الخواطر» # Les Pensées ~~: «إما أن الله موجود أو غير موجود، ولا يملك العقل وحده أن ~~يحسم هذا الأمر، وما دام الاختيار هنا لا بد منه فلتنظر إليه على أنه «رهان»: إذا ما ~~راهنت على أن الله موجود وسلكت في حياتك وفقا لذلك ثم ربحت ربحت نعيما أبديا، أما ~~إذا خسرت فلن تخسر شيئا يذكر.» # وقد سبق لأبي العلاء المعري أن صاغ هذه الحجة عينها صياغة بليغة محكمة في لزومياته ~~إذ يقول: # قال المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # يقول وليم كليفورد # William K. Clifford # في ~~«أخلاق الاعتقاد» # ethics of belief # مفندا حجة ~~الرهان: «إن الإيمان يفقد قداسته إذا ما تعلق بعبارات لا دليل عليها ولم توضع موضع ~~التساؤل، لمجرد راحة المؤمن ولذته الشخصية، فلو قبل الإيمان على ms069 أساس أدلة غير كافية ~~فإن اللذة تكون لذة مختلسة، حتى لو كان الإيمان صحيحا.» يرى البعض أن المراهنة على ~~الرب تحمل المرء على أن يختان نفسه وينتهك بذلك واجبا «كانتيا» تجاه ذاته، ويصر ~~كليفورد على أن اعتقاد الفرد في شيء بلا دليل كاف هو أمر يؤذي المجتمع كله؛ لأنه ~~يعزز السذاجة ويعدي مثلما تعدي الأوبئة! «وإنه لمن الخطأ دائما وفي كل مكان، ولكل ~~شخص، أن يؤمن بأي شيء على أساس أدلة غير كافية.» ~~(2) متى يكون الاحتكام إلى النتائج صائبا منطقيا؟ # فطن الفلاسفة منذ أرسطو إلى أهمية الاحتكام إلى النتائج للمفاضلة بين القضايا ~~المختلفة في حالة تساويها في كل شيء، يقول أرسطو في «الطوبيقا»: «حين يكون شيئان من ~~التماثل بحيث يصعب تفضيل أحدهما على الآخر فإن علينا أن نحتكم إلى نتائجهما، وذلك الشيء ~~الذي يفضي إلى نتائج أفضل هو الجدير بالاختيار، أما إذا كانت نتائج كليهما شرا فإن ~~علينا أن نختار أقلهما شرا.» # غير أن أرسطو، وغيره من الفلاسفة، إنما يحتكمون إلى النتائج في مجال «العقل العملي» ~~لا النظري؛ أي حين يكون الاختيار هو بين مسارين من الفعل، أو بين نهجين من السلوك، ~~والحق أنه من الوضوح الذي يجري مجرى البدائه ونوافل القول إن الموازنة بين الأفعال إنما ~~يتم بالموازنة بين تبعاتها ونتائجها المتوقعة، أما إذا كان السؤال هو عن الحق أو ~~الصواب فإن الاحتكام إلى النتائج يكون أمرا خارجا عن الموضوع، ومن الخطأ دائما أن ~~نوجس من كل نظرية علمية جديدة تكشف جانبا من الحقيقة، أو نرفضها، لا لشيء إلا ~~لأنها تتحدى قناعاتنا الثقافية، أو تجرح كبرياءنا البشرية، أو تمس عواطفنا ~~الاجتماعية. # الفصل الثاني عشر # | الألفاظ الملقمة: الألفاظ المشحونة (المفخخة) # | Loaded words; prejudiced ~~language; question-begging ~~epithets # بواسطة الدعاية الذكية والمتواصلة يمكنك أن تحمل الناس على أن ترى ~~الفردوس جحيما، والعكس أيضا أن ترى أشقى أنماط الحياة على أنها النعيم ~~المقيم. # أدولف هتلر، كفاحي ~~«أنا» صارم ... «أنت» عنيد ... «هو» خنزيري الرأس. # برتراند رسل # ولأني كهل غروبي # فظلالي دائما أطول مني، # وهي ms070 أرق مني وأدق # وأكثر نفاذا وبثا، # لم أكن أتنقل إلا حاملا خنجري تحت العباءة # ترافقني ظلالي الطويلة، # وتلازمني حاشية هائلة. # توبة اللفظ ~~*** # لكل لفظ من ألفاظ اللغة ضربان من المعنى أو الدلالة: المعنى الحقيقي ~~(المباشر/الإشاري/المعجمي/الأولي) # denotation # والمعنى ~~الضمني (الإضافي/الإيحائي/الثانوي) # connotation ~~، أما المعنى ~~الحقيقي فهو المعنى الذي يعبر عن العلاقة الموضوعية بين اللفظ والواقع الذي يشير إليه: ~~فمعنى كلمة «زهرة» هو ذلك الجزء من النبات الذي يضطلع بإنتاج البذور، ويعبر عن طور من ~~أطوار نموه، ومعنى كلمة «وردي» هو لون ذو خصائص فيزيائية محددة، وأما المعنى الضمني فهو ~~المتضمنات الانفعالية والتقويمية التي يستحضرها المعنى في الذهن والتي تعبر عن الجانب ~~الشخصي من المعنى، وربما تختلف من شخص لآخر ومن جماعة لأخرى، فكلمة «باص» على سبيل المثال ~~قد تستدعي في أذهان البعض انطباعات من قبيل الرخص، الازدحام، الفقر ... وقد تستدعي في أذهان ~~التلامذة معاني الراحة والمرح والزمالة، غير أن المتضمنات تكون مشتركة في أغلب الأحوال؛ ~~وذلك لتشارك الناس في كثير من الخبرات وظروف المعيشة، من ذلك أن كلمة «وسط المدينة» ~~تستدعي في ذهن معظم الناس متضمنات من قبيل: الصخب، الزحام، الإثارة، التراب، اللهو، الذنب ~~... إلخ. # حين أقول «هذا كذب» فإن ما أقوله هو عبارة بسيطة من حيث الصيغة اللغوية، غير أنها ~~بساطة خادعة: فإذا ما قمنا بتحليل لمعنى العبارة «ق كذب» وجدنا أنها تصدق إذا ما توافرت ~~الشروط الأربعة التالية: ~~(1) ~~«ق» غير صادقة. ~~(2) # قائل «ق» يعرف أنها غير صادقة، ~~(3) # القائل يقصد أن يقول «ق»، ~~(4) # القائل يقصد أن يجعل المستمع يعتقد «ق». # رغم أن كلا من هذه الشروط هو شرط «ضروري» # necessary # لمعنى كلمة «كذب» فإن الشروط الأربعة ليست «كافية» # sufficient ~~؛ ذلك أنها لا تفي إلا بالمعنى ~~الإشاري المباشر # denotation # لكلمة «كذب»، ويظل هناك نطاق عريض لمعان إضافية ~~ضمنية # connotation ~~، فالمرء لا يمكن أن يكون جادا في ~~قوله «هذا كذب» ما لم يعمد أيضا إلى إهانة القائل ووصمه وتقريعه؛ ومن ثم فكلمة «كذب» ~~تعني أيضا، فيما تعني، الازدراء، السخط، الإدانة، الشجب، الردع ... إلخ. ms071 # تلك هي الوظيفة «الإيعازية» # perlocutionary # للغة، التي ~~تحدث عنها جون أوستن # J. Austin ~~(1911-1960م) رائد نظرية ~~«أفعال الكلام» # speech acts ~~. في هذا المستوى من ~~الأفعال الكلامية يريد القائل من قوله أن يحدث تأثيرات في المتلقي: إقناعا، خشية، رهبة، ~~ردعا، إسخاطا ... إلخ. # وتلك أيضا هي الوظيفة الانفعالية # emotive function # للغة، التي تحدث عنها أوجدن ورتشاردز، ومنذ أن أشارا ~~إلى أهمية الوظيفة الانفعالية للغة في كتابهما «معنى المعنى» تخلق اتجاه إلى شجب ~~المصاحبات الانفعالية المحتومة للكلمات والجزع من كثرة الظلال الإضافية للألفاظ كمصدر ~~للزلل والمغالطة، وما تقدم العلم تقدما متصلا إلا لالتماسه لغة محايدة دقيقة ~~للتواصل، وتخليه عن المتضمنات العاطفية والخيالية للألفاظ في لغته ومعادلاته، وقد أدرك ~~المفكرون أهمية أن تحذو المناقشات السياسية والدراسات الإنسانية في ذلك حذو العلم، وتشيد ~~نماذج لغوية خالية من الضوضاء الانفعالية قدر المستطاع، ومنذ أفلاطون، في حقيقة الأمر، ~~نهضت تيارات تستنكر ميل البشر إلى الاستمالة العاطفية بدلا من الإقناع العقلي، وتحذر ~~من إساءة استخدام الوظيفة الانفعالية للغة في إعاقة التفكير المنطقي والتعتيم على الحقيقة، ~~وفي زمننا المعاصر علت صيحات مدوية ضد «الألفاظ ~~الملونة» # colored words # وضد «استبداد ~~الكلمات» # tyranny of words ~~. # حين تكون اللفظة محملة بمتضمنات انفعالية وتقويمية زائدة، بالإضافة إلى معناها ~~المباشر، يقال لها «لفظة ملقمة» # loaded word # أو مشحونة، ~~فالكلمة الملقمة مثل البندقية الملقمة بالذخيرة، والمعنى الانفعالي أو التقويمي هو الرصاصة، ~~حين أستعمل لفظة «بهيمة» بدلا من «حيوان»، ولفظة «رشوة» بدلا من «حافز» ... إلخ، فأنا ~~عندئذ أستخدم ألفاظا ملقمة تفعل فعلا آخر غير مجرد رصد الحالة الموضوعية: إنها تحكم ~~وتقوم وتحرض وتوعز، انظر أيضا في هذه القائمة من الكلمات: # صارم # عنيد # واثق # متعجرف # ودود # مداهن # مجامل # متملق # متساهل # متسيب # سهو # إهمال # كائن متعايش # طفيل # مجتمع نام # مجتمع متخلف # بدائي # همجي # بسيط # ساذج # يقول # يدعي # مدقق # موسوس # ليست كل لغة مشحونة هي لغة مغالطة بالضرورة، وإلا لكان كثير من الدراسات، وكل الأدب ~~والشعر، ركاما من المغالطات! ونحن نريد، في حقيقة الأمر، أن نكون قادرين في بعض ms072 الأحيان أن ~~نسخر الطاقات الانفعالية والخيالية للكلمات في خدمة الحقيقة، نريد أن نقول للقتلة ~~الدمويين: أنتم سفاحون مجرمون، ولا نقول: أنتم حراس النظام الجديد ومبطلو الثورة المضادة! ~~ونريد أن نقول للإرهابي: أنت أناني مشوش تتوهم حلا سحريا لمأزقك الوجودي وتؤمن ~~لنفسك مستقبلا أخرويا على حساب غيرك. وأن نقول للمتزمتين: أنتم تغالبون ربكم، وتريدون ~~إزالة اللون من لوحة الدنيا، وأن تجعلوا الحياة هامشا سمجا على متن الموت. # ما أتعسنا حقا لو تخلينا عن انفعالية اللغة وقصصنا أجنحة الكلمات، وكم ترين البلادة ~~على أحاديثنا لو أننا توخينا الحياد العلمي في كل شيء، وبدلا من أن نقول مع الشاعر ~~(الشريف الرضي): # وتلفتت عيني فمذ خفيت # عني الطلول تلفت القلب # قلنا (وما أبلدنا إذ نقول): وبقيت أدرك الأطلال بحاسة البصر، فلما أصبحت خارج مجالي ~~البصري بدأت أستدعيها في الذاكرة. # ومهما يكن من شيء فإن الألفاظ المشحونة كثيرا ما تكون فخاخا منطقية تدفع المرء إلى أن ~~يقفز إلى استنتاجات تقويمية غير مشروعة، وتأتي المغالطة حين يستخدم المجادل ألفاظا ~~مشحونة بدلا من الحجة، أو حين يتأثر المتلقي باللغة الملونة التي تغلف بها الحجة بدلا ~~من أن يلتفت إلى مناقب الحجة بحد ذاتها. # أمثلة ~~(1) # يدعي السيد نبيل سالم أن التصدير سوف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. (لاحظ أن ~~كلمة «يدعي» تفترض ضمنا أن ما يقوله السيد نبيل كاذب أو باطل.) ~~(2) # بديه أن يجد اقتراحنا رفضا من البيروقراطية الحكومية. (قارن: بديه أن يجد ~~اقتراحنا رفضا من مسئولي الحكومة.) ~~(3) # كل عاقل في هذا البلد يعرف أن الإجراءات المتخذة لا تصب في مصلحة المواطن. ~~(لاحظ أن كلمة «عاقل» قد صادرت بصواب العبارة المطروحة.) ~~(4) # مرة ثانية تضبط إنجلترا وهي تتملق الديكتاتوريات. (قارن: مرة ثانية نرى ~~إنجلترا تعمد إلى أن تحتفظ بعلاقات ود مع الأنظمة المتشددة.) ~~(5) # سرقت اسكتلندا هدفا في الشوط الأول، ولكن إنجلترا في الشوط الثاني نشطت ~~واستفاقت، وتوجت جهودها بهدف. (بوسعك بالطبع أن تتعرف على انتماء ~~المعلق.) ~~(6) # بوسع الجماهير أن تفرق بين رشاوى مرشحي العمال وعربونات مرشحي ~~المحافظين. ~~(7) # ألست متأثرا بالقضية ms073 العادلة التي يلهج بها ألوف المتظاهرين الواعين ~~بالخارج؟ # هيهات أن أنجرف بثغاء حشد من الغوغاء! ~~(1) النعوت المصادرة على المطلوب # من البين أن اللغة المشحونة تنطوي دائما على «مصادرة على المطلوب» # begging the question ~~؛ لأنها تفترض ~~مسبقا حكما تقويميا لم تتم البرهنة عليه بعد؛ ولذا كان جريمي بنتام # J. Bentham # يطلق على هذه المغالطة اسم ~~«النعوت ~~المصادرة على المطلوب» # question-begging ~~epithets ~~، إنها تدس مواقف انفعالية في داخل ~~العبارة التي تحملها، وهذه المواقف ليست جزءا من الحجة، وإنما جرى استدعاؤها على ~~نحو غير مشروع لكي تؤتي أثرا ما كان للحجة أن تؤتيه بمفردها، وبعبارة أخرى تعد هذه ~~المواقف الانفعالية غير ذات صلة بقيمة صدق العبارة؛ أي بتأسيس صدق العبارة المطروحة أو ~~كذبها. # وصفوة القول أن الحجة السديدة تتطلب أن يبذل المرء جهدا واعيا لكي يصوغ حجته ~~صياغة محايدة قدر المستطاع، بحيث تقف حجته على قدميها ولا تتوكأ على عكازات انفعالية ~~وتقويمية مقحمة عليها ومن غير جنسها. # الفصل الثالث عشر # | المنحدر الزلق (أنف الجمل) # | slippery slope; camel’s nose # قال البدوي لنفسه: «إذا تركت الجمل يدس أنفه في خيمتي في هذه الليلة ~~الباردة، فإنه يوشك بعد ذلك أن يدس رأسه كله، ثم لا يلبث أن يدس ~~رقبته، وسرعان ما أجد الجمل برمته وقد اقتحم علي الخيمة .» ~~*** # هكذا شيد البدوي في خياله سيناريو تنتهي فيه الأحداث أسوأ نهاية، وتفضي إلى كارثة ~~تزعه أن يتخذ الخطوة الأولى. # تعني مغالطة المنحدر الزلق أن فعلا ما، ضئيلا أو تافها بحد ذاته، سوف يجر وراءه سلسلة ~~محتومة من العواقب تؤدي في نهاية المطاف إلى نتيجة كارثية، كل حدث في هذه السلسلة هو نتيجة ~~ضرورية لما قبله وسبب للحدث الذي يليه، الأمر هنا أشبه بخطوات الشيطان إذا خطوت منها خطوة ~~واحدة فسوف تتبعها خطوات تنتهي بك إلى الجحيم ضربة لازب، أو أشبه بالتفاعل الذري المتسلسل ~~إذا بدأ فسوف يمضي في تتابع لا مرد له ينتهي بانفجار نووي هائل، أو أشبه بالمنحدر ~~الزلق يكفي أن تطأه وطأة واحدة حتى تزل قدمك ms074 وتهوي مترديا إلى القاع. # إن الحذر وجيه تماما إذا انطبقت هذه التشبيهات، غير أنها في مغالطة المنحدر الزلق لا ~~تنطبق (وإلا لما كانت مغالطة)، ويمكننا تجريد الصورة المنطقية لهذه المغالطة كالتالي: # إذا كان «أ» كان «ب»، # إذا كان «ب» كان «ج»، # وهكذا حتى «ن». ~~(حيث «ن» نتيجة كارثية، وحيث لا يوجد لزوم منطقي في موضع أو أكثر من السلسلة المفترضة، ولا ~~يوجد سبب لافتراض أننا لا يمكننا أن نتوقف ببساطة عند نقطة ما في هذا المنحدر.) # أمثلة ~~(1) # إذا استثنيتك أنت من هذا القرار فسوف يكون علي أن أستثني ~~الجميع. ~~(2) # إذا أقرضتك جنيها اليوم، فسوف تقترض مني غدا جنيهين، ثم عشرة جنيهات، ولن ~~يمضي وقت طويل حتى تقترض مني ألوفا وتأتي على كل ثروتي. ~~(3) # إذا سمحنا اليوم ببعض الضوابط القانونية على الحديث العام أو الكتابة ~~الصحفية، فسوف نسمح غدا بمزيد من القيود، وهكذا حتى يأتي اليوم الذي نجد ~~أنفسنا فيه نعيش في ظل دولة بوليسية فاشية. ~~(4) # إذا سمحنا للناس باختيار نوع الجنين، فسوف نسمح لهم غدا باختيار لون عينيه ~~وشعره، وما نزال نترخص في هذا الأمر حتى نسمح لهم بإنسال أطفال بمواصفات ~~حسب الطلب. ~~(5) # إذا أكلت أيس كريم جالاكسي فسوف يزداد وزنك، وزيادة وزنك باطراد تعني أنك ~~تصاب بالسمنة، وما تزال السمنة تتفاقم حتى تموت بانسداد الشريان التاجي، إذن ~~أيس كريم جالاكسي يسبب الوفاة فلا تقربه. ~~(6) # ينبغي أن يبقى اختيار المقررات التي تدرس بالجامعات أمرا متروكا ~~للأساتذة؛ لأننا إذا سمحنا لرغبات الطلبة بالتأثير في هذا الاختيار فسوف ~~يتصورون أنهم يديرون التعليم، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى انهيار النظام، وسرعان ~~ما نجدنا بإزاء جامعات لا تعلم شيئا. # الفصل الرابع عشر # | الإحراج الزائف (القسمة الثنائية الزائفة) # | false dilemma; bifurcation; black and white ~~fallacy # «أبيض» أو «أسود» # عكازان يتوكأ عليهما كل ذهن مقعد، # عاجز عن التحليق في الفضاء الحقيقي # الرمادي. ~~*** # يقع المرء في هذه المغالطة عندما يبني حجته على افتراض أن هناك خيارين فقط أو نتيجتين ~~ممكنتين لا أكثر، بينما هناك خيارات أو ms075 نتائج أخرى، إنه يغلق عالم البدائل الممكنة أو ~~الاحتمالات الخاصة بموقف ما، مبقيا على خيارين اثنين لا ثالث لهما، أحدهما واضح البطلان ~~والثاني هو رأيه دام فضله. # أمثلة ~~(1) # إما أنك معنا وإما أنك ضدنا. ~~(2) # America love it or leave it ~~. ~~(3) # إما أن توافق على خفض الضرائب، وإما أن تكون راضيا عن الخراب العاجل الذي ~~سيحيق بهذا البلد. ~~(4) # إما أن تشن معنا هذه الحرب من أجل الحفاظ على منهجنا في الحياة، وإما أن تكون ~~خائنا جبانا. ~~(5) # إما أن توافق على خفض الدعم الحكومي، وإما أن تكون سعيدا بفشلنا في علاج عجز ~~الميزانية. ~~(6) # إما أن تستعمل صابون دوف، وإما أن تعرض جلدك لضروب خطيرة من التهيج ~~والحساسية. ~~(7) # إما أن نفرض حظرا على «س» من الأمور، وإما أن نترك شخصيتنا ومنظومتنا ~~الحياتية مهددة بالخطر. ~~(8) # علينا أن نبيح الإجهاض دون قيد أو شرط، وإلا فإننا نرغم الأطفال على أن ~~ينشئوا في كنف آباء لا يريدونهم. ~~(9) # إما أن نسرح نصف الموظفين وإما أن تفلس الدولة قبل يناير ~~القادم. ~~(10) # إما أنني موهوب بقدرات نفسية خارقة، وإما أنني دجال مخادع، ولكنني لست ~~دجالا ولم أخدع في حياتي أحدا قط! (هناك احتمال ثالث تم إغفاله: وهو أن ~~أكون موهوما.) ~~(11) # إما أن يكون هذا الشاهد قد رأى حقا مخلوقات فضائية، وإما أن يكون مجنونا، ~~ولكنه غير مجنون، ولم نعرف عنه ولا شهدنا من تصرفاته ما ينم على أي خلل ذهني ~~على الإطلاق. ~~(12) # إما أن تكون هذه السيدة قد اختطفت حقا في أطباق طائرة وأعيدت ثانية إلى ~~الأرض، وإما أنها تعاني من ذهان متقدم، ولكنها في تمام العقل والاتزان ~~وملتزمة في عملها ولم يسبق لها قط أن أدخلت إلى مصحة للأمراض العقلية. # تروج هذه المغالطة بصفة خاصة في أقوال الباعة ومندوبي الدعاية الذين يضيقون على ~~العميل نطاق الخيارات حتى لا يبقى له خيار إلا في سلعتهم المعروضة؛ وتروج على ألسنة ~~السياسيين الذين يحيلون كل من ليس مواليا لهم إلى عدو مبين، ولا يتركون خانة للحياديين ~~مثلا في منظومتهم التصنيفية المتصورة؛ ms076 وتروج في خطاب المتطرفين الدينيين على اختلاف ~~مشاربهم، أولئك الذين يقدمون للسذج وكسالى العقل تأويلا للعالم مفرطا في التبسيط ~~والتسطيح والزيف والتشويه. # يمكن تجريد الصورة المنطقية للإحراج الزائف كما يلي: # إما «ق» وإما «ك»، # لا «ق»؛ # إذن «ك». # من الواضح أن هذا القياس صحيح بحد ذاته ولا غبار عليه، مثال ذلك: # إما أن سليمان ميت وإما أنه حي، # سليمان ليس ميتا؛ # إذن سليمان حي. # ومثال آخر: # إما أن عمر لديه رخصة قيادة وإما أنه غير مسموح له بالقيادة، # عمر لم يحصل على رخصة قيادة؛ # إذن عمر غير مسموح له بالقيادة. # ويأتي الخلل دائما إذا كانت «ق» و«ك» لا تستغرقان جميع الاحتمالات القائمة بحيث يحق ~~لنا تجريد الصورة المنطقية للإحراج الزائف، بغية الإيضاح والدقة، كما يلي: ~~(1) # إما أن تختار «ق» وإما أن تختار «ك»، ~~(2) # ليس هناك اختيارات أخرى، ~~(3) # لا يمكنك أن تختار «ق»؛ # إذن لا بديل لك من أن تختار «ك». # ويكمن الخلل هنا في كذب المقدمة 2؛ ومن ثم لا يلزمك لكي تفند للخصم حجته وتظهره على ~~خطئه سوى أن تكشف له هذه المقدمة المضمرة أو الافتراض المسبق: «ليس هناك بدائل أخرى»، ~~وتخرجه إلى واضحة النهار. # حين يعم الاستقطاب الذهني ويتواتر يصبح سمة شخصية تميز الفرد، أو أيديولوجية جمعية تميز ~~الجماعة، وهو على المستويين لا يورث إلا العجز والجمود، يقول د. آرون بك رائد العلاج ~~المعرفي: «يميل العصابي إلى التطرف والشطط في التفكير حين تكتنفه مواقف تمس الجوانب ~~الحساسة من نفسه، مثل تقديره لذاته في حالة الاكتئاب، واحتمالات الخطر الشخصي في حالة عصاب ~~القلق، وقد يقتصر الشطط الفكري على مناطق قليلة، ويعني الشطط (التطرف الفكري # thinking in extremes ~~) أن نسم الأحداث والوقائع ~~بأنها بيضاء أو سوداء، حسنة أو سيئة، رائعة أو فظيعة، وقد أطلق على هذه الخاصة اسم ~~«التفكير المنقسم» # dichotomous thinking # أو ~~«التفكير ثنائي ~~القطبية» # bipolar ~~thinking ~~، شأن المقدمات الأساسية التحتية لهذا النوع من التفكير أن تصاغ ~~في حدود مطلقة مثل «دائما» أو «مطلقا».» # 1 # ويتجلى الاستقطاب الذهني الجمعي في ms077 أوضح صورة في ظاهرة العنصرية أو ما يعرف ~~بمركزية العرق # ethnocentrism ~~، وتعني مركزية العرق ~~النظر إلى الأشياء على أن جماعتنا هي محور كل شيء والإطار المرجعي الذي يقاس عليه كل شيء ~~آخر وتقيم به كل الجماعات الأخرى: جماعتنا هي الصواب وغيرها الخطأ ... هي الحق وغيرها ~~الباطل، هذه العنصرية الصميمة هي التي تحمل كل شعب على أن يغلو في أية عناصر يجدها خاصة به ~~وحده ومميزة له عن الآخرين، وهذا الاستقطاب الذهني هو الذي يفضي بالحضارات إلى التجمد ~~والذبول، وهو الذي يذكي الضغائن بين الجماعات المختلفة ويورطها في صراعات منهكة ويزجي بها ~~إلى حروب مقدسة في وهم الطرفين، ويعطلها في هذا العصر عن الاندماج في المجتمع الكوكبي ~~الجديد. إن أول ما يحيد بالجماعات عن المنطق السديد وعن الاندماج الجديد هو التفكير ~~المستقطب: عقلية «نحن-مقابل-هم»، حيث يقيم كل طرف بتبسيط مفرط: فإما خير كله وإما ~~شر كله. # 2 # الفصل الخامس عشر # | السبب الزائف (أخذ ما ليس بعلة علة) # | false cause; non causa pro causa # تتقاطر الأحداث في الزمان، # لا تأبق منه # موثوقة بآناتها دائما، # ولكن غير موثوقة بجاراتها بالضرورة. ~~*** ~~(1) لماذا تحدث الأشياء؟ # يميل البشر بطبيعتهم إلى تفسير الأحداث وإدراك سببها؛ ولذلك أسسوا العلم، الأصيل ~~منه والزائف. ما سبب المرض؟ ما سبب الدمار، والحروب، والكسوف والخسوف، والزلازل، ~~والأعاصير، والركود الاقتصادي ...؟ إن في جبلة العقل البشري أن يربط الأشياء لتكون ~~نمطا أو هيئة أو شكلا، وأن يصل النقاط المنفصلة، ويملأ الثغرات، ليستوي له نمط ~~ذو معنى لديه، وهو يرتبك ويتأزم إذا لم يميز أنماطا؛ لأن به ولوعا بالتنبؤ، ورغبة في ~~السيطرة على الأحداث. # تطرد الأحداث أمام الإدراك البشري في أنماط معينة من التصاحب والتعاقب والتجاور ~~في المكان والزمان، فيستل من ذلك «علاقات ارتباط» تثير فيه عادة «التوقع»، وقد ~~تترسخ فيه عادة التوقع فتحول علاقة «الارتباط» # correlation # إلى «علية» (سببية) # causality ~~، # 1 # فكلما ارتبط حدثان معا في الزمان والمكان كان ذلك دليلا عنده على أن ~~أحدهما «علة» (سبب) # cause # للآخر، وكلما تعاقب ~~حدثان كان سابقهما ms078 سببا للاحق. # كل ذلك حسن وجميل، وهل العمل العلمي، في شطر كبير منه إلا اقتفاء للارتباطات ~~التجريبية وتشييد نظريات علمية تفسر هذه الارتباطات بلغة الضرورة القانونية # nomic necessity ~~؟ # 2 # تأتي المغالطة، على كل حال، عندما يخلط العقل بين «المعية» # togetherness/association # و«السببية» # causality ~~، ويجعل مجرد الارتباط بين حدثين دليلا ~~على أن أحدهما سبب للآخر، دون أي بينة أبعد من ذلك # cum hoc ergo ~~propter hoc ~~. # إن إثبات وجود علاقة سببية بين حدثين يستلزم أكثر من مجرد الارتباط: يستلزم الاطراد ~~الدائم، والارتباط الدائم بين نمطي الحدثين، إيجابا وسلبا، وعدم وجود أي أمثلة مضادة، ~~ذلك أن مجرد «المعية» قد يكون مرده إلى: ~~(1) # المصادفة البحتة # coincidence ~~. ~~(2) # وجود سبب ثالث أعم من وراء كلا الحدثين، وتسمى المغالطة عندئذ: ~~«إغفال سبب ~~مشترك» # ignoring a common cause ~~، أو «المعلول ~~المزدوج» # joint effect ~~. ~~(3) # كما أن الاتجاه الحقيقي للعلاقة السببية قد يكون معكوسا، وتسمى المغالطة ~~هنا: «الاتجاه ~~الخطأ» # wrong direction ~~. ~~(2) الخلط بين السببية ومجرد المصادفة ~~(1) # وجدت ارتباطات شبه تامة بين معدل الوفيات في حيدر أباد بالهند من ~~1911 إلى 1919 وبين تغييرات في عضوية الرابطة الدولية لعلماء الميكانيكا ~~خلال نفس الفترة، ولا يمكن لأي عاقل أن يعتقد حقا في وجود أي شيء يتجاوز ~~المصادفة المحضة في هذه الواقعة العجيبة (والتافهة في الوقت نفسه!) ~~(2) # وجد ارتباط إحصائي وثيق بين مستويات تمويل الفنون في بريطانيا وبين ~~أعداد طائر البطريق في القطب الجنوبي! ~~(3) # وجد ارتباط كبير بين أعداد طائر اللقلق في أماكن معينة من أوروبا وبين ~~معدل المواليد من الأطفال. (من الخطل أن نستدل من هذا الارتباط وحده على ~~أن وجود طائر اللقلق سبب لولادة الأطفال!) ~~(3) إغفال سبب مشترك # neglect of a common cause ~~(المعلول المزدوج # joint effect ~~) # يكثر الخلط بين المعية والسببية حين يتم إغفال سبب مشترك للحدثين كليهما؛ أي حين ~~يكون الحدثان ناتجين عن حدث ثالث، أو معلولين لعلة مشتركة. # أمثلة ~~(1) # قبيل اندلاع الحروب يتزايد معدل التسليح لدى الأطراف المتصارعة؛ إذن ~~زيادة التسليح تؤدي إلى اندلاع الحروب. (ربما يكون الصواب ms079 أن التوتر ~~والخلاف بين الأمم يفضي إلى كل من التسلح والحرب.) ~~(2) # الحمى (ارتفاع الحرارة) تؤدي إلى الطفح الجلدي. (قد يكون فيروس الحصبة هو ~~السبب من وراء كل من الحمى والطفح الجلدي.) ~~(3) # وجد ارتباط قوي بين معدلات بيع الأيس كريم وبين معدلات الجريمة؛ إذن ~~تناول الأيس كريم يؤدي إلى ارتكاب الجرائم! (الصواب أن ارتفاع حرارة الجو ~~هو السبب في ارتفاع معدلات الجريمة (بما يفضي إليه من توتر قلق) وفي ~~ارتفاع مبيعات الأيس كريم.) ~~(4) # كلما كبر مقاس حذاء الطفل كان خطه أفضل! إذن كبر حجم القدم يسهل ~~عملية الكتابة! (الصواب أن النمو المتصل للطفل يؤدي إلى كل من زيادة حجم ~~القدم ونمو القدرات المدرسية جميعا بما فيها خط اليد.) ~~(5) # ثمة انخفاض ملحوظ في البارومتر أثناء هبوب عاصفة؛ إذن العاصفة سببت ~~انخفاض البارومتر. (الصواب أن انخفاض الضغط الجوي هو سبب كل من العاصفة ~~وانخفاض البارومتر.) ~~(6) # كشفت التحليلات وجود بكتريا معينة بكمية كبيرة لدى أحد المرضى، فاستنتج ~~الطبيب أن البكتريا هي سبب المرض، ثم تبين أن البكتريا غير ذات خطر وأن ~~هناك فيروسا هو سبب كل من المرض ونمو البكتريا الانتهازية التي تكاثرت ~~نتيجة ضعف المريض. ~~(7) # خلال العشر سنوات الأولى من انتشار أجهزة التليفزيون في أي بلد من ~~البلدان وجد أن معدلات جرائم القتل ترتفع إلى الضعف؛ إذن التليفزيون هو ~~السبب في العنف. (الصواب أن انتشار أجهزة التليفزيون هو مجرد عرض لتغيرات ~~اجتماعية عريضة النطاق، تشمل اكتمال بنية تحتية كهربائية، وتكون طبقة ~~وسطى كبيرة قادرة على شراء أجهزة التليفزيون وغيرها من الأدوات، من السذاجة ~~إذن أن نعد التليفزيون في هذه الحالة متغيرا مستقلا تماما.) ~~(8) # في بعض الولايات الأمريكية وجد أن معدلات الإدمان تتزايد مع زيادة ~~الفقر؛ إذن الفقر يؤدي إلى الإدمان. (الصواب أن التمييز العنصري في هذه ~~الولايات كان يفضي إلى الإحباط والتراخي فيؤدي إلى كل من الفقر والإدمان ~~معا.) # مثل هذه الطريقة التبسيطية في التفكير لن تؤدي إلا إلى حلول تبسيطية، ولن تؤدي الحلول ~~التبسيطية إلا إلى الفشل وإهدار الوقت والجهد، ما دام ms080 «السبب المشترك» # common cause # يقبع هناك آمنا من الملاحظة والرصد، وبالتالي من ~~التناول والعلاج. ~~(4) الاتجاه الخطأ (للعلاقة السببية) # wrong ~~direction # في هذه المغالطة نجد العلاقة بين العلة والمعلول (السبب والنتيجة) معكوسة، حيث يؤخذ ~~المعلول كعلة وتؤخذ العلة كمعلول. # أمثلة ~~(1) # انتشار مرض الإيدز ناتج عن زيادة الثقافة الجنسية. (العكس هو الصحيح: وهو ~~أن زيادة الثقافة الجنسية ناتجة عن انتشار الإيدز وتخوف الناس ~~منه.) ~~(2) # يزداد انتشار الأمراض الفصامية بين الطبقات الاجتماعية الدنيا؛ إذن ~~تدني الطبقة الاجتماعية يؤدي إلى الفصام العقلي. (الصواب أن المرض ~~العقلي المزمن يؤدي إلى تدهور أداء المريض الدراسي والمهني والاجتماعي، ~~فيهبط به شيئا فشيئا إلى طبقة اجتماعية أدنى، وهكذا من يصاب وراثيا من ~~نسله، وتسمى هذه الظاهرة # drift ~~phenomenon ~~) ~~(3) # وجد أن هناك ارتباطا بين معدل امتلاك السلاح في بعض الولايات ومعدل ~~ارتكاب الجرائم؛ إذن امتلاك السلاح يؤدي إلى انتشار الجرائم. (الصواب أن ~~انتشار الجرائم يقلق المواطنين الآمنين فيستخرجون رخص الأسلحة للتحوط ~~والحماية.) ~~(5) بعد هذا إذن بسبب هذا (المغالطة البعدية/بعقبه إذن بسببه) # post-hoc ergo propter hoc a posteriori ~~fallacy # ذات يوم في الزمان # أخذ الديك غرور قاتل، # فصاح معجبا: إنني حقا ملك المزبلة، بل ملك العالم، # إني لأستل الفجر من مكمنه بصياحي، # وبوسعي إن شئت أن أكف عن الصياح فأجعل الليل سرمدا، # جذب الصوت شقيا كان يفتش في المزبلة عن رزق، # فجعل من الديك وجبة دسمة ~~... # هذا ولم يزل الفجر يطلع على الأرض إلى يومنا هذا. # يصيح الديك قبل الفجر، ثم يأتي الفجر وينبلج الصباح، إذن صياح الديك ~~يطلع الصبح ويسل الشمس من مكمنها، هكذا فكر الديك وهكذا تمضي «المغالطة البعدية» # a posteriori fallacy ~~، تفيد المغالطة ~~البعدية أنه ما دام شيء ما قد أتى بعد شيء آخر فهو إذن قد أتى بسببه، لقد حدث ~~بعقبه إذن فقد حدث بسببه، أليست المعلولات دائما تأتي في أعقاب العلل؟ # إن المعلومات لتأتي حقا بعد عللها، غير أن هذا «شرط ضروري» # necessary condition # لعلاقة العلية وليس ~~«شرطا كافيا» # sufficient condition ~~، فلكي يوصف ~~حدث ما ms081 «أ» بأنه «سبب» لحدث آخر «ب» ليس يكفي أن يأتي قبله، فإثبات علاقة العلية يتطلب ~~ما هو أكثر من مجرد التعاقب أو الارتباط: يتطلب أن جميع أفراد فئة «ب»، في عينات وافرة ~~وممثلة للفئة «ب»، تأتي دائما وأبدا بعد جميع أفراد فئة «أ»، وتغيب دائما «ب» في غياب «أ»، ~~مع شيء من التجاور في المكان والزمان، وغياب أي عامل آخر قد يكون وراء حدوث الاثنين ~~معا ... إلى آخر ذلك مما فصله البحث العلمي عن شروط إثبات العلاقة السببية، والطرائق ~~العملية والإحصائية لإثبات ذلك. # أما الاكتفاء بمجرد التعاقب الزمني كدليل على ~~علاقة السببية فهو تفكير شديد الفجاجة والسوقية، وهو سوقي لأنه يتسم بالشيوع والدخل، ~~وبه يتقوم كل التفكير الخرافي والسحري وحكايا العجائز والوصفات الطبية الشعبية ~~وثرثرة مجالس الفراغ والتبطل. # حين نضع جانبا ذلك التصور اليومي عن العلة والمعلول، ونتأمل الأمر بدقة وحيدة وعمق ~~نجد أننا، رغم توهمنا فهم الآليات التي يؤدي بها كل حدث إلى الآخر، لا نشهد في الحقيقة ~~شيئا اسمه «العلية»، وكل ما نشهده هو تواترات وارتباطات وتتابعات من الأحداث، ~~بحيث تئول فكرة السببية في النهاية إلى «توقعنا» للاطراد والارتباط، تقترب الإصبع من ~~اللهب فتتألم، فنسمي اللهب «سببا» # cause # والألم ~~«مسببا» # effect # أو «معلولا» أو «نتيجة»؛ لأننا ~~نتوقع الثاني كلما حدث الأول، ونحن بالطبع نلفق تفسيرات لنملأ الثغرات غير المرئية بين ~~الحدثين، فكيف عرفنا أن هذه الأحداث غير المنظورة هي الأسباب حقا؟! لا شيء ... إنها ~~تتوالى دائما ويعقب بعضها بعضا! # 3 # هذه الفجوة في معرفتنا هي مرتع خطيب وملاذ آمن للمغالطات. # كان مؤرخو الإغريق دائما يفسرون الكوارث الطبيعية كنتاج لأفعال البشر، فإذا حدث ~~زلزال مروع مثلا ودمر مدينة بكاملها، فإن هيرودوت يعمد بهمة وجد إلى تفصيل ~~الأحداث البشرية السابقة على الزلزال، ثم يستنتج أن المذبحة التي ارتكبها أهل المدينة، ~~مثلا ، قبل الزلزال كانت سببا في وقوعه. # وقد قدم عالم الاجتماع الأمريكي جراهام سمنر نظريته فيما أسماه ب «الطرق الشعبية» ~~أو «العادات الشعبية» # folkways ~~، التي ترد الأحكام ~~الأخلاقية إلى مظاهر ms082 لا عقلية في أساسها، لقوى اجتماعية هي ذاتها غير عقلية، هذه الطرق ~~الشعبية هي عادات شعبية مستقلة عن أفكارنا عنها، ولا تسير حسب قواعد معقولة، وهي لا ~~تتفق إلا مع المزاج أو الموقف العام لزمانها ومكانها المعينين، ولها ما يمكن أن يعد ~~حياة خاصة بها، ذلك أن سمنر يرى أنها تولد وتكبر وتموت ولا يمكن أن يؤثر فيها تأثيرا ~~يذكر إلا قوى قليلة (منها التعليم)، # 4 # من هذه الطرق ما هو ناتج عن استدلال خاطئ، وبخاصة خطأ «السبب الزائف»، يقول ~~سمنر: إن الطرق الشعبية قد تكونت بطريق المصادفة، أو بواسطة فعل غير عقلاني وقائم ~~على معرفة زائفة، من ذلك أن وباء الطاعون لما تفشى في مولمبو # Molembo # عقب وفاة أحد البرتغاليين اتخذ الأهالي كل الاحتياطات الممكنة ~~لكي لا يموت رجل أبيض بعد ذلك في بلدهم، ومن ذلك ما حدث في جزر نيكوبار على أثر وفاة ~~بعض من السكان الأصليين كانوا قد بدءوا لتوهم في مزاولة حرفة الخزف، إذ انفض الجميع عن ~~مزاولة هذا الفن ولم يقربه أحد بعد ذلك على الإطلاق، ومن ذلك ما حدث في إحدى قرى جنوب ~~أفريقيا حين أهدى البيض رجلا من البوشمن عصا مرصعة بالأزرار كرمز للسيادة، إذ توفي ~~الرجل وخلف العصا لابنه، وسرعان ما توفي الابن، فأعاد البوشمن العصا إلى من أهداها خشية ~~أن يموت الجميع، وقد تصادف مرة أن انتشر الجدري بين شعب الياكات بعد أن شهدوا جملا ~~لأول مرة، فوقر في ظنهم أن الجمل هو الذي أحدث المرض ... وبوسعنا أن نجمع ما لا يحصى من ~~هذه الشواهد، وهي في الحقيقة تمثل الطريقة المتبعة في الاستدلال العقلي لدى الشعوب ~~البدائية، فمن عادة هؤلاء الأقوام إذا حدث شيء «بعد» شيء آخر أن يستدلوا من ذلك أنه ~~حدث «بسببه». # 5 # وما تزال هذه الطريقة في التفكير تعشش في ~~أذهاننا حتى اليوم ، فالتسونامي الآسيوي سببه تفاقم ذنوب البشر (مع أن التسونامي نتاج ~~زلزال تحت المحيط ناجم عن انزلاق طبقي، والضحايا ربما كانوا أقل أهل الأرض ذنوبا) ~~وإعصار ms083 كاترينا سببه السياسة الأمريكية (مع أن الأعاصير سببها حركة الرياح فوق ماء ~~المحيط)، وما دامت هناك حقا فجوة في معرفتنا، فلن يمكنك أن تقنع من مال به هواه إلى ~~تفسير معين دون سواه. # على هذه المغالطة السوقية تقوم حرف وترتزق طوائف: العرافة والفأل والتنجيم ~~والرقي والتعازيم والكهانة والعلاج الشعبي. # يبشرك العراف بأحداث سعيدة، وتأتيك أحداث سعيدة؛ لأن الأحداث السعيدة تحدث ~~طوال الوقت على كل حال، وينذرك المنجم بعواقب وخيمة، وتنزل بك نوازل غير سارة؛ ~~لأن النوازل غير السارة تنزل دائما على كل حال، ويصف لك المشعوذ حجابا يشفي مرضك، ~~ثم تشفى من المرض؛ لأن أغلب الأمراض يشفى تلقائيا بمرور الوقت (وإلا لما بقي حي ~~على الأرض إلى اليوم) يتذكر الناس الرميات الصائبة والتوقعات الناجحة، ويتداولونها فيما ~~بينهم مضخمة ومنتقاة، فتستقر في ذاكرتهم دليلا على صدق العراف أو المنجم أو ~~المعالج، بينما تنسى تلقائيا تلك الرميات الخائبة والتوقعات الفاشلة، وهي الأكثر ~~والأعم بما لا يقاس، وتنسدل عليها ستائر النسيان. # تسمى هذه الظاهرة في العلم «مشكلة درج السجلات» (أو درج الملفات) # file drawer problem ~~: وهي مشكلة تنجم حين يحاول ~~العلماء تحديد ما إذا كانت نتيجة ما هي حقيقية أم زائفة بناء على التراث البحثي ~~المنشور، تأتي المشكلة عندما تكون هذه النتيجة هزيلة (أو غير موجودة) ولا تحدث إلا ~~مصادفة، ومن ثم فإن من يقع عليها من الباحثين يسجلها وينشرها، مصحوبة بالهتاف ~~والتهليل، أما الباحثون الذين لم يقعوا على هذه النتيجة قط فإنهم لا ينشرون أبحاثهم ~~عادة وإنما يلقون بها في أدراج السجلات، هكذا تبدو الظاهرة الزائفة حقيقة علمية، لا ~~لشيء إلا لأن الأبحاث العديدة المكذبة لها قد طويت في الأدراج، بينما نشرت الأبحاث ~~القليلة الشاذة التي تؤيد الظاهرة، فكانت لافتة للأنظار بصخبها وبريقها. # أمثلة أخرى ~~(1) # لبست هذا القميص اليوم وذهبت إلى الامتحان فأجبت عن جميع الأسئلة ~~بإجادة تامة، إذن هذا القميص فأل حسن ولسوف أرتديه في كل الامتحانات ~~القادمة. (غني عن البيان أنني أجدت في الامتحان لأني كنت مستعدا له ~~استعدادا طيبا ms084 بالمذاكرة والدرس، وليس لأنني لبست هذا القميص أو ~~ذاك!) ~~(2) # تكسف الشمس، فيهرع أفراد القبيلة عن بكرة أبيهم، ويظلون يدقون ~~الطبول بعنف، ثم تبرز الشمس من وراء الحجاب، إذن دق الطبول يسترد الشمس ~~ويخرجها من كسوفها. ~~(3) # أصيب حسن بصداع شديد، فعجنت له جدته عجينة من الدقيق والخل وزيت السمك ~~وبول الأرنب، لصقها برأسه ونام، فذهب عنه الصداع بعد دقائق. (كثيرا ما ~~يذهب الصداع تلقائيا بذهاب سببه الحقيقي.) ~~(4) # تشوشت الصورة في تلفاز سعيد، فخبط بقوة على التلفاز، فانصلحت الصورة، ~~إذن خبط الجهاز هو أيسر طريقة لإصلاح أعطال التلفاز. ~~(5) # عطس منصور في منزله بالقلعة، وبعد ثوان وقع تسونامي المحيط الهندي، إذن ~~عطسة منصور فجرت كارثة التسونامي. ~~(6) تذييل: الأثر البلاسيبي # placebo effect # نزغ في قلب البحث الطبي # ثمة ظاهرة ينبغي إلحاقها بمغالطة السبب الزائف، وهي ظاهرة طبية لافتة يقال لها ~~«الأثر البلاسيبي» # placebo effect ~~، وهو تحسن ~~صحي، محس أو ملاحظ أو مقيس، لا يعزى إلى العلاج، وتعبير # placebo # هو تعبير لاتيني يعني «سوف أسر» أو ~~«سوف أرضي»، والبلاسيبو هو دواء، أو إجراء علاجي، يعتقد المعالج أنه خامل أو «لا ~~يضر»، قد يكون البلاسيبو حبوبا من السكر أو من النشا، وحتى الإجراء الجراحي الزائف، ~~أو العلاج النفسي الزائف، قد يعد ضربا من «البلاسيبو». # وفي الدراسات الطبية عن الأثر العلاجي الحقيقي لدواء مقترح يستخدم الباحثون، إلى ~~جانب مجموعة المرضى الذين يعالجون بالدواء، «مجموعة ~~ضابطة» # control group # تتناول البلاسيبو بدلا من الدواء الحقيقي، وذلك حتى يتسنى ~~ملاحظة الفرق بين تأثير العلاج الحقيقي وتأثير العلاج الوهمي (إذ إن للعلاج الوهمي ~~تأثيرا!) وقياس مدى أفضلية الدواء الجديد على البلاسيبو، والبرهنة من ثم على أنه ~~علاج حقيقي فعال. # يرد بعض الباحثين هذا الأثر البلاسيبي إلى مجرد شعور «ذاتي» بالتحسن كنتيجة للاعتقاد ~~في العلاج والإيمان بتأثيره الشفائي، ويرده البعض إلى «المسار الطبيعي» # natural course # للمرض، بما يعتريه من ~~«اشتدادات» # exacerbations # و«هدآت» # remissions # وفترات هجوع طويلة وتراجع طبيعي، وربما ~~الشفاء التلقائي التام كمآل طبيعي لكثير من الأمراض والإصابات. # غير أن تراكم الأبحاث ms085 وتواتر الملاحظات المؤيدة للأثر البلاسيبي يشير إلى أن الأمر ~~أكبر من مجرد إحساس ذاتي زائف: ثمة تحسن حقيقي مشهود وموثق ومقيس، حتى في بعض ~~الأمراض العضوية المكينة: # يزيل بعض الأطباء أنواعا من الزوائد الجلدية بدهانها بصبغة خاملة براقة ~~والوعد بأنها تزول مع زوال الصبغة! # وفي دراسات عن الربو الشعبي تبين أن استنشاق بلاسيبو يوسع الشعب ~~الهوائية توسيعا حقيقيا مقيسا. # وفي التهابات القولون وجد تحسن حقيقي في خمسين بالمائة من المرضى إثر ~~تعاطيهم دواء خاملا (بلاسيبو). # ومن الروايات البحثية الفذة ما سجله أحد أطباء القلب بصدد الإجراء ~~الجراحي المعروف بربط الشريان الثديي الداخلي في بعض حالات الذبحة الصدرية ~~(لزيادة المدد الدموي إلى عضلة القلب): فقد وجد الأطباء، بالمصادفة، أن ~~الجراحة الوهمية المتضمنة لمجرد الفتح الجراحي من دون ربط الشريان قد أدت ~~إلى نفس الأثر العلاجي. (وهو تحسن 90٪ من المرضي!) # في ضوء هذه النتائج الملموسة الثابتة ربما يكون التفسير الأمثل لظاهرة «الأثر ~~البلاسيبي» هو التفسير البيوسيكولوجي، فمن الواضح أننا بإزاء ظاهرة معقدة ربما لا يسعها ~~إلا تفسير مركب يضفر التفسير النفسي بتفسير بيوكيميائي: فمن شأن «الاعتقاد» في العلاج، ~~ومشاعر الاهتمام والرعاية، والمساندة والتشجيع والأمل، التي يبثها الموقف العلاجي، أن ~~تستفز في الجسم آليات فسيولوجية تفضي إلى أثر فيزيقي حقيقي: # قد يكون هذا الأثر من خلال إطلاق «الإندورفينات» # endorphins # في مواضعها ومساراتها العصبية. # وقد يكون من خلال حفز جهاز المناعة. # وقد يكون من خلال تنشيط محور عصبي هرموني هو «محور المهاد ~~التحتي-النخامية-الكظرية» # hypothalamo-hypophyseal-adrenal axis ~~. # لعل هذا الهامش الشفائي الذي يتيحه الأثر البلاسيبي (إلى جانب الهجوع التلقائي ~~للمرض) هو الباب الموارب الذي ينفذ منه الدجالون والأدعياء، والكثير من ألوان ما يسمى ~~ب «الطب البديل» # alternative medicine ~~، إلى الساحة ~~العلاجية: العلاج بالرقى، العلاج بالزار، العلاج بالعطور، «العلاج المثلي» # homeopathy ~~، «الانسجام الحيوي» # bioharmonics ~~، «الكيروبراكتيك» (العلاج بتقويم العمود الفقري ~~يدويا) # chiropractic ~~... إلخ. # قد يقول قائل: وما الضير؟! وماذا يجديني أن أعرف كيف يحدث الشفاء ما دام الشفاء ~~يحدث؟ # والجواب أن هذه الضروب من «تناسخات البلاسيبو»، على فوائدها ms086 التصادفية في بعض ~~الحالات، إنما تغشي على المسار الجاد للبحث الطبي الحقيقي، وتضل عن التماس ~~العلاج الصحيح في مظانه الصحيحة، وتستبدل به هراء بلاسيبيا «تفته» لأناس ذاهلين ~~بالمرض غارقين في الأغاليط، إن البلاسيبو لن يستأصل ورما، ولن يجبر كسرا، ولن يكبح ~~صرعا، ولن يوقف نزيفا، ولن يغسل كلى، ولن ينقذ حالة حرجة ... ولو كان هامش ~~البلاسيبو يكفي لعلاج الناس لما نشأ المرفق الطبي لدى البشر منذ البداية. # وبعد، فإن تناسخات البلاسيبو تريد أن تبيعنا بضاعة بأكثر من ثمنها، فالأثر البلاسيبي ~~قائم ومبذول ومتضمن ومبيت سلفا في كل دواء وفي كل إجراء علاجي، إنما تسعى الأبحاث ~~الدوائية إلى إثبات جدوى علاجية تتجاوز الأثر البلاسيبي بفارق ذي دلالة. # الفصل السادس عشر # | السؤال المشحون (المركب) # | loaded question (complex question) # سأل ألكسينس من إليس أحد الفلاسفة على سبيل السفسطة: «هل أقلعت عن ضرب ~~أبيك؟» فما كان جواب الفيلسوف إلا أن قال: «لم أكن أضربه ولم ~~أقلع!» # لا تسلم بالأسئلة ... حلل السؤال قبل أن تجيب عليه. # جون سيرل # درس الفلسفة هو كيف تسأل لا كيف تجيب. ~~*** # السؤال المشحون أو المركب هو تكنيك يعمد إلى دس «فروض مسبقة» # presuppositions # غير مبررة وغير داخلة في التزامات الخصم، داخل سؤال واحد، ~~بحيث إن أي جواب مباشر يعطيه المجيب يوقعه في الاعتراف بهذه الفروض، والمثال التقليدي ~~على المغالطة. ~~«هل توقفت عن ضرب زوجتك؟» # فأيا ما كان الجواب، نعم أو لا، فإن المجيب يعترف بالفرض المسبق وهو أنه كان في وقت ما ~~يضرب زوجته، حين يكون هذا الفرض المسبق كاذبا أو غير مبرهن عليه يكون هذا مثالا لمغالطة ~~السؤال المركب أو الملغوم، إنه شرك أو أحبولة؛ لأنه يضيق على المجيب نطاق الخيارات ~~إلى صنف واحد من الإجابة المباشرة، أو عدد ضئيل من احتمالات الجواب المباشر من شأنها جميعا ~~أن تزعزع موقفه في الحوار. # انظر أيضا إلى هذا السؤال المفخخ: ~~«متى أقلعت عن تعاطي المخدرات؟» # إنه مصوغ بحيث يتضمن داخله عبارتين أخريين لم تتم البرهنة عليهما، ويسلم بهاتين ~~القضيتين تسليما دون ms087 دليل؛ أي أنه ينطوي على «مصادرة ~~على المطلوب» # petitio principii ~~؛ لأنه يفترض مسبقا أجوبة محددة عن أسئلة سابقة غير مصرح ~~بها، مثل هذا السؤال لا يمكن الرد عليه ببساطة بالإيجاب أو بالامتناع، إنه ليس سؤالا ~~بسيطا بل يتركب من عدة أسئلة معبأة معا في سؤال واحد: ~~(1) # هل كنت تتعاطى المخدرات فيما مضى؟ ~~(2) # وإذا كنت قد تعاطيت المخدرات فهل توقفت عن التعاطي؟ ~~(3) # وإذا كنت قد توقفت عن التعاطي فمتى كان ذلك؟ # لا بأس باستخدام هذه الخدعة لإظهار الحقيقة في بعض المواقف، # 1 # فقد دأب المحققون على أن يستخدموا هذا التكنيك لإيقاع المتهم في الاعتراف، يسأل ~~المحقق مثلا: «أين أخفيت جسم الجريمة؟» «أين خبأت المال الذي سرقته؟» «ما الذي دفعك ~~إلى تزوير هذه الوثيقة؟» # والرد الذكي عندما يواجه المرء بهذا السؤال الملغوم هو أن يحلل مكوناته إلى أجزاء، ثم ~~يجيب عن السؤال المضمر الأول أو يناقشه أو يفنده، عندئذ يتبدد السؤال الصريح من تلقاء ~~نفسه. # وقد يشتمل السؤال الواحد على عبارتين متصلتين بحرف عطف، كما لو كانتا مرتبطتين أو كانت ~~إحداهما تستلزم الأخرى بالضرورة، بحيث يتوقع من المجيب أن يقبلهما معا أو يرفضهما ~~معا، بينما إحداهما في حقيقة الأمر مقبولة لديه والأخرى مرفوضة منه! # أمثلة ~~(1) # هل تؤيد خفض الضرائب وزيادة رفاهية الشعب؟ ~~(2) # هل أنت مع حرية المواطن وحقه في استخراج ترخيص بحمل أسلحة؟ ~~(3) # هل تؤيد حرية السوق وترك الرخاء يعم كل أرجاء العالم؟ ~~(4) # هل تؤيد المادة 76 التي تنص على حرية النشر وعلى حرية إبداء الرأي، وتحكم ~~بالسجن لمدة لا تزيد عن السنتين على من ينشر قولا يؤدي إلى البلبلة ويوقع ~~الفرقة بين شرائح المواطنين؟ ~~(5) # هل تؤيد زيادة مصروفات التعليم العام ورفع نوعيته ومستواه؟ ~~(6) # هل تريد أن تدرس الموسيقى وتضيع وقتك؟ ~~(7) # أنت تركت العمل وأوعزت إلى زملائك بالإضراب، حدث هذا أم لا؟ # من البين أن السؤال هنا يتضمن عدة أمور ويطلب الرد بجواب واحد! والصورة المنطقية لهذا ~~السؤال هي: # هل تريد (تعتقد/توافق/فعلت ...) «أ» و«ب» (و«ج» و«د» ...)؟ # بينما يمكن للسؤال أن ينقسم إلى: ms088 # هل تريد «أ»؟ هل تريد «ب»؟ ... إلخ. # فإن كان «أ» و«ب» مرتبطين حقا فلا مغالطة هناك، أما إذا كان بالإمكان الإجابة عن كل ~~سؤال بجواب مختلف فإننا نكون بصدد مغالطة منطقية هي «السؤال المركب» # complex question ~~. ~~••• # يؤكد الفيلسوف الأمريكي المعاصر جون ~~سيرل # John R. Searle ~~، بصفة خاصة، على ضرورة أن نحلل السؤال الفلسفي تحليلا دقيقا قبل ~~محاولة الإجابة عليه، وأن نتجنب المضي في عرض وجهة النظر الفلسفية قبل الوقوف على عناصر ~~السؤال وحدوده وما ينطوي عليه من افتراضات؛ الأمر الذي يؤدي إلى غموض في الفهم وخطأ في ~~الاستدلال، فضلا عن أنه لا يؤدي إلى أي تقدم في حل المشكلات الفلسفية. # 2 # وفي هذا المعنى يقول سيرل في كتابه «الوعي واللغة»: «والطريقة التي أحاول أن ~~أبدأ بها هي أن أحلل السؤال أولا، وبالفعل هذا هو الدرس العظيم الذي تعلمنا إياه ~~الفلسفة اللغوية في القرن العشرين: لا تسلم بالأسئلة، حلل السؤال قبل أن تجيب ~~عليه، إنني أحاول أن أستهل عملي بتحليل السؤال لإدراك ما إذا كان يرتكز على افتراض عقلي ~~خاطئ، أو ما إذا كان يشبه المشكلة موضع البحث بفئة غير ملائمة من النماذج (الخطأ المقولي)، ~~أو ما إذا كانت المصطلحات المستخدمة في السؤال غامضة نسقيا، وأجد بطريقة أو بأخرى أن ~~المشكلات الفلسفية تتطلب على نحو مميز تفكيكا وإعادة بناء قبل أن تعرف طريقها إلى الحل.» # 3 # الفصل السابع عشر # | التفكير التشبيهي (الأنالوجي الزائف) # | false analogy; analogical fallacy # وقد يتقارب الوصفان جدا # وموصوفاهما متباعدان # المتنبي # وجهك يا عمرو فيه طول # وفي وجوه الكلاب طول # مقابح الكلب فيك طرا # يزول عنها ولا تزول # ابن الرومي ~~*** # يفيد «الأنالوجي» (المماثلة) # analogy # بحد ذاته وجود مماثلة جزئية بين ملامح شيئين أو ~~حدثين أو تصورين تسمح بمقارنة ما بينهما. # ويمكن تجريد الصورة المنطقية لقياس الأنالوجي كالتالي: ~~«أ» يشبه «ب»، ~~«ب» هو «ج»؛ # إذن «أ» هو «ج» مثل «ب». # ويقع المرء في مغالطة «الأنالوجي الزائف» # false analogy # أو الضعيف عندما يعقد مقارنة بين أمرين ليس بينهما وجه للمقارنة، ms089 أو أمرين بينهما مجرد ~~تشابه سطحي وليس بينهما وجه شبه يتصل بالشأن المعني الذي تريد الحجة أن تثبته. # يتألف «الأنالوجي الزائف» من افتراض أن الأشياء المتشابهة في وجه من الوجوه لا بد من ~~أن تكون متشابهة في وجوه أخرى، وعليه فما دام شيئان، «أ» و«ب»، متماثلين في جانب من الجوانب ~~فإنهما، إذن، متماثلان في جوانب أخرى، أو في جميع الجوانب! ~~(1) أهمية الأنالوجي ومشروعيته # من الحق أن قدرا كبيرا من معرفتنا يقوم على إدراك التشابه بين الأشياء؛ ومن ثم ~~تصنيفها في فئات، ويقوم على التعميم من أمثلة محددة إلى صور عامة أو مبادئ مجردة، ~~وعلى التعلم من سابقات الوقائع من أجل تعزيز الفائدة وتجنب الضرر، وعلى تطبيق معرفتنا ~~بشيء ما في تناولنا لشيء آخر مشابه. في القياس الفقهي مثلا يستخدم الأنالوجي ~~استخداما مشروعا ولا غنى عنه، ويعرف بأنه «إلحاق جزئي بجزئي آخر في حكمه لمعنى ~~مشترك بينهما، مثال ذلك أن نقول: النبيذ كالخمرة فهو حرام.» # 1 # وفي مجال القضاء كثيرا ما يستخدم القياس على سابقة (أو سوابق) قضائية لوجود ~~مماثلة مع القضية الراهنة، بل إن معنى القوانين وروحها لا تتبلور ولا تبزغ إلا بكدح ~~القضاة في تطبيقها على الحالات الخاصة قاضيا تلو آخر، وحالة تلو أخرى، ويكون ~~الأنالوجي في ذلك هو قوام الفهم وملاك التأويل. # وليس من قبيل المبالغة أو الغلو أن نقول إن كل صور الاستدلال وإعمال العقل، وكل ضروب ~~الإدراك الحسي والذهني، إنما تستند إلى قدرتنا على تمييز أوجه التشابه ذات الصلة ~~ومعاينة القواسم المشتركة من خلال هذا التدفق الكاليدوسكوبي لأشياء العالم وأحداثه ~~ومرائيه. ~~(2) حدود الأنالوجي ومخاطره # غير أن الأشياء (وكذلك المواقف والأحداث والتصورات) لا يمكن أن تتماثل تماما، وإلا ~~لكانت العلاقة بينها علاقة «هوية» # identity # لا مجرد ~~«تماثل» # analogy ~~(راجع مبدأ ليبنتز)، # 2 # فهناك دائما نقطة ينهار عندها التماثل ويبدأ تدفق الاختلافات، ثمة دائما ~~نقطة فراق ما دام أعضاء كل فئة إنما يجمعهم التماثل لا الهوية، هنالك يكون التمادي ~~بالتماثل حيث لا تماثل هو ضرب من السخف والامتناع ms090 والعته الصميم، أشبه بمحاولة الكتابة ~~على الماء أو محاولة تشييد الصروح على الرمال المتحركة . ~~(3) الأنالوجي المجازي ~~(البياني/التصويري) # figurative analogy # تعد الصور البيانية، من تشبيه واستعارة ... إلخ، وسائط ضرورية لنقل الأفكار وتوصيل ~~المعلومات وتقريبها إلى الأذهان، تتيح لنا الصور البيانية أن نتحدث عن مفاهيم جديدة ~~غير مألوفة للمستمعين في حدود قديمة مألوفة لديهم، استنادا إلى وجه شبه معين بين ~~الفكرة المجهولة التي نريد إيضاحها لهم والفكرة المألوفة التي يعرفونها من الأصل، ~~وامتدادا بخصائص أخرى للمألوف لكي توازي خصائص أخرى للمجهول، تضطلع هذه الملكة ~~التصويرية البيانية بدور كبير في التفكير والتواصل، وتمثل عنصرا حيويا من عناصر ~~الفهم والإفهام. # غير أن الصور البيانية لا يمكن أن تستخدم استخداما مأمونا إلا كوسيلة إيضاح لمعنى ~~معين يرمي إليه المتحدث، إنها أدوات للتعبير وليست مصادر للمعرفة، إنها وسائل ~~لتقريب الأفكار لا للبرهنة عليها، وسائط للتوصيل لا للتدليل، للإفهام لا للإفحام، إذا ~~أراد المرء مثلا أن يفسر التغيرات التي تعتور الإنسان وهو يتقدم من الشباب إلى ~~الشيخوخة فإن له أن يكتب فقرة بيانية منمقة يقول فيها: # ما أشبه الحياة بالنهر: يدرج كغدير مرح، ثم يستوي تيارا عاتيا، ثم ~~يرزح في نهاية المطاف واهنا كليلا حتى يتبدد في البحر. # ولكن ليس لأحد أن يستمد من هذا، ومن معرفته بالأنهار، مبادئ عن إدارة الأعمال أو عن ~~العلاقات الإنسانية! # وانظر إلى هذا الرأي التشبيهي للملك جيمس الأول: # النظام الجمهوري هو نظام زائف ومدمر؛ ذلك لأن الملك هو رأس الدولة، وإذا ~~أنت فصلت الرأس عن الجسد فلن تعود بقية الأعضاء تؤدي وظائفها، وسيموت ~~الجسد كله. # هكذا يتبدى بؤس التفكير التشبيهي: فالدولة لا تشبه الجسد الحي إلا مجازا ~~وتصويرا بيانيا، ولا يمكن أن يستنبط من هذا التماثل أي قواسم مشتركة حقيقية تجمع ~~بين الجسد والدولة. # وقد يذهب جميع الشموليين نفس المذهب، فيقولون إن الدولة أشبه بالجسد، يعمل على أفضل ~~نحو إذا كان ثمة دماغ حاد يديره؛ لذا فإن الحكومات المتسلطة أكثر كفاءة من غيرها ~~من الحكومات. # لا تتطرق أي من هذه التشبيهات ms091 الزائفة التي تشبه الدولة بالجسم الحي إلى الحديث ~~عن كبد الدولة أو بنكرياسها أو آليات الإخراج بها! # ويلحق بذلك تشبيه الحضارات بالكائن الحي، وهو تشبيه تزخر به تفسيرات التاريخ ~~ونظرياته، ففي محاولة إضفاء معنى ما على مسار التاريخ تبزغ كل صنوف المقارنة. إن جميع ~~الحضارات السالفة تشترك في أنها الآن ماض وأنها كانت ذات يوم حضارات وأنها قبل ذلك ~~لم تكن، ومن هذه الحقائق الثلاث النافلة المبتذلة ~~خلص كثير من المؤرخين إلى «تشبيه دورة الحياة» # life ~~cycle analogy ~~: فالتعاقب البسيط «غير حي ~~← # حي ~~← # لم يعد ~~حيا» يستدعي مقارنة لا تقاوم بالكائن الحي، وقد بلغ الغلو بالبعض إلى أن يمتد ~~بالتشبيه إلى تبرير الاستعمار، ذلك أن الحضارة حين تبلغ أشدها فمن الطبيعي أن تنزع إلى ~~التكاثر بأن تنثر بذورها في أماكن بعيدة! # وفي مجال نظرية العلاقات الدولية ثمة مغالطة شهيرة يطلق عليها # domestic analogy ~~، تقوم على تشبيه العلاقات بين ~~الدول بالعلاقات بين الأفراد بحيث إن الأمور البينشخصية # interpersonal ~~- أخلاقياتها وعلاجها - يتم إسقاطها على مبادئ السياسة ~~الخارجية! # وجدير بالذكر أن تأثير الأنالوجي الزائف قد يكون مدمرا إذا انقلب ضد من استخدمه، ~~فمن التقنيات الفعالة في فن المناظرة أنه إذا استخدم الخصم تشبيها لكي يدعم حجته فما ~~عليك سوى أن تمسك بطرف هذا التشبيه وتمطه في اتجاه يخدم حجتك أنت، فينقلب السحر على ~~الساحر! عندئذ سيضطر خصمك إلى التسليم بأن تشبيهه لم يكن موفقا، وسيخسر نقاطا في نظر ~~الجمهور، مثال ذلك أن يقول رئيس اللجنة (في مشروع لا تستريح له أنت ولا تأمن ~~عواقبه): # ونحن إذ نبحر قدما في لجنتنا الجديدة دعوني أعرب عن أملي في أن نتكاتف ~~سويا من أجل رحلة سلسة. # فبوسعك عندئذ أن تقول: # السيد رئيس اللجنة على حق، ولكن تذكروا أن المجذفين كانوا دائما يوضعون ~~في سلاسل ويضربون بالسياط، وكانوا إذا غرقت السفينة يغرقون معها! ~~(4) أنالوجي يتلمظ بدم بشري! # إنك لا يمكنك أن تصنع عجة دون أن تكسر بيضا. # لينين # منذ أن جادت قريحة لينين بهذه الصورة المعجبة أصبح ms092 هذا التشبيه البياني في القلب من ~~فلسفة الثورات والانقلابات، وغدا ذريعة مقنعة غاية الإقناع لسحق المعارضة دون رحمة: ~~أية رحمة؟! إنك في مرحلة شديدة الخصوصية من مراحل سير التاريخ، أنت فيها إما قاتل وإما ~~مقتول، وعندما تقتل وأنت في هذه المرحلة فإن عليك أن تستأصل؛ لكي تستيقن من أنك ~~واريت العدو وثأره، أي أن تتخلص من الطبقة الحاكمة والمعارضة وكل من لديه بهما ~~أدنى صلة حتى الأجنة في البطون! حسن فالغاية تبرر الوسيلة على كل حال، وقسوتك، بعد كل ~~شيء، مبطنة بالرحمة: الرحمة بالطبقات الكادحة وهي الغالبية العظمى دائما ~~وأبدا! # غير أن هذه «المرحلة التاريخية» (التي تصور دائما على أنها عابرة مؤقتة) تظل ~~«مقيمة» لا تبرح! فلما كانت الأهداف المثالية البعيدة المنال يتأخر مجيئها طويلا، ~~وفترة خنق النقد والمعارضة تطول أكثر فأكثر، فإن الاضطهاد والاستبداد سيزدادان حدة ~~(وإن خلصت النوايا)، وبالضبط لأن المقاصد والأهداف ترى مثالية فإن الفشل المستمر في ~~تحقيقها جدير بأن يؤدي إلى القذف بالتهم وادعاء أن «شخصا ما يهز القارب!» - لا بد ~~أن هناك تخريبا، أو تدخلا أجنبيا، أو قيادة فاسدة (إذ إن جميع التفسيرات الممكنة ~~التي تستثني الثورة نفسها تتضمن بالضرورة خبثا وشرا من جانب شخص ما)، حينئذ تبرز ~~ضرورة كشف المذنبين واستئصال شأفتهم، ومن طلب مذنبين وجد مذنبين! وهنا يكون النظام ~~الثوري قد غرق إلى الأذقان في دم غليظ. # 3 # ولعل الترياق الشافي من هذا الأنالوجي الدموي هو أنالوجي مثله! هو تشبيه «قارب ~~نويرات» (نسبة إلى أوتو نويرات # Otto Neurath # من حلقة فينا): # إن البشر أشبه ببحارة سفينة في عرض البحر: يمكنهم أن يصلحوا أي جزء من ~~السفينة التي يعيشون فيها، ويمكنهم أن يصلحوا السفينة كلها جزءا جزءا، ولكن ~~لا يمكنهم أن يصلحوها كلها دفعة واحدة. ~~(4-1) أمثلة أخرى للتفكير التشبيهي # من العبث أن نبذل كل هذا الجهد في محو أمية الكبار، ذلك أنه لا ~~فائدة، بعد كل شيء من البكاء على اللبن المسكوب. # التعليم المدرسي كالعمل التجاري يحتاج إلى استراتيجية تنافسية تؤدي ~~إلى تزايد ms093 الربح. # يجب أن نسمح للطلاب باصطحاب كتبهم في الامتحانات، ألا يستخدم ~~المحامون المذكرات القضائية في مرافعاتهم، ويستشير الأطباء الأشعة في ~~جراحاتهم؟ (لاحظ أن العنصر الجوهري في هذه الأفعال مختلف: فالمرافعة ~~والجراحة هي «تطبيق» للمعرفة، أما الامتحانات فمن المفترض أنها ~~«اختبار» للمعرفة.) # المسدس كالمطرقة، كلاهما أداة معدنية من الممكن أن تستخدم في القتل، ~~فلماذا يباح تداول المطارق ويحظر تداول المسدس؟ # المستخدمون أشبه بالمسامير، فالمسامير لا تؤدي فعلها ما لم تطرقها ~~على رأسها، وكذلك المستخدمون. # العلم أشبه بالكعك، يحسن أن تصيب منه جزءا يسيرا، فإذا أسرفت ~~في تناوله أصاب أسنانك بالتسوس، كذلك العلم إذا أوغلت فيه وتبحرت ~~أصاب عقلك بالجنون. ~~«الإنسان ليس جزيرة (منعزلة) ... إلخ.» (دائما ما يستخدم هذا ~~الأنالوجي لتبرير رؤية جمعية أو تمرير أجندة اشتراكية أو شمولية، ولكن ~~هذا بالطبع ما يكونه كل إنسان على التحقيق: الفرد فرد، يولد وحده ويموت ~~وحده ويملك وحده امتياز الدخول إلى عالمه الذاتي الخبروي.) # تدفق الكهرباء أشبه بتدفق الماء، فكلما زاد سمك السلك زاد التيار ~~الكهربي المتدفق. # العقول كالأنهار، قد تكون عريضة (المجال)، وكلما كان النهر أعرض كان ~~أكثر ضحالة، إذن كلما زاد العقل اتساعا زاد سطحية أو ~~ضحالة! # إن لدينا قوانين نقاء الأطعمة، وقوانين سلامة الأدوية، فلماذا لا ~~تكون لدينا قوانين تضمن نقاء أفلام السينما والروايات والقصص؟ # الشعر أرقى من الرواية؛ لأن قارورة عطر واحدة أثمن من مائة شتلة من ~~الفل. (يمكنك بنفس التشبيه أن تقول: نعم ولكن النزهة في مشاتل الفل هي ~~أبهى وأبهج من حبسه في قارورة!) # 4 ~~(5) كتابنا والتفكير التشبيهي # من المؤسف حقا أن كثيرا من كتابنا ومتحدثينا الأكثر رواجا وإقناعا لا يفعلون ~~في أغلب الأحيان أكثر من أن يلبسوا أفكارهم أثوابا من الاستعارات والتشبيهات، قلنا ~~إنه لا بأس بذلك البتة، وربما يكون ضرورة لتيسير الفهم وتقريب التناول، غير أنهم يظنون ~~أن مهمتهم انتهت عند هذا الحد، ويتوهمون أنهم بهذه التشبيهات والمماثلات قد فرغوا من ~~عبء البرهان وأثبتوا نظرياتهم بما لا يدع للشك مجالا! الحق أنهم إذا أثبتوا شيئا ~~فإنما ms094 يثبتون أنهم ما زالوا سادرين في التفكير البدائي «قبل المنطقي» # pre-logical # من حيث الولوع بمجرد الشبه وأخذه مأخذ ~~البينة. # من طلب شبها وجده ... ثمة دائما وجه شبه بين أي شيئين من أشياء العالم مهما ~~تباينا واختلفا، وإذا أدمن المرء التفكير التشبيهي فلن يعجزه أبدا أن يجد لكل ~~شيء شبيها وأن يقيض لكل شيء مثلا. # ومن طرائف ذلك أن لويس كارول قدم لقرائه لغزا ~~عبثيا لا معنى له: ما وجه الشبه بين الغراب والمكتب؟! غير أنه لم يعدم من بين ~~قرائه من وجدوا أوجه شبه كثيرة! منها ما كتبه إليه أحد القراء من أن وجه الشبه ~~بين الغراب والمكتب هو أن إدجار ألان بو كتب عن الأول وعلى الثاني! ~~( # wrote on both ~~). # الفصل الثامن عشر # | مهاجمة رجل من القش # | straw man fallacy # من يدري لعل التاريخ ~~(الذي كتبه المنتصرون) # قد حجب عنا نصف الحقيقة، # واستبدل به رجالا من القش! ~~*** # هي تلك المغالطة العتيدة التي يعمد فيها المرء إلى مهاجمة نظرية أخرى غير حصينة بدلا من ~~نظرية الخصم الحقيقية، وذلك تحت تعمية من تشابه الأسماء أو عن طريق إفقار دم النظرية ~~الأصلية وتغيير خصائصها ببترها عن سياقها الحقيقي أو بإزاحتها إلى ركن قصي متطرف، ويشبه ~~هذا الجهد العقلي العقيم، سواء حسنت النية أو ساءت، أن يكون رميا لخصم من القش بدلا من ~~الخصم الحقيقي، أو قصفا لكتيبة هيكلية بدلا من قصف الكتيبة الحقيقية! إنه لأيسر كثيرا ~~أن تنازل رجلا «دمية» من أن تنازل رجلا حقيقيا. # وتأتي التسمية من تلك الممارسة التي كانت شائعة في العصور الوسطى، والتي تستخدم فيها ~~دمية على هيئة رجل محشوة بالقش لكي تمثل «الخصم» في ممارسة المقارعة بالسيف، وما تزال ~~صيغ من هذه الممارسة شائعة حتى الآن، وبخاصة في مواقف التعبير عن الاحتجاج والكراهية وفي ~~مظاهرات المناهضة السياسية. # تحمل هذه الممارسة مسحة من بقايا الفكر البدائي قبل المنطقي، حيث يلتئم الرمز والمرموز ~~إليه، ويقوم الجزء مقام الكل، ويعامل اسم الشخص أو خصلة من شعره أو أي أثر من ms095 آثاره كأنه ~~بديل له. # 1 # تتم مغالطة رجل القش بأن يجبل المحاورة حجة هشة سهلة المنال غير حجة الخصم الحقيقية ~~وينسبها إلى الخصم، ثم يعمل فيها معاول الهدم والتقويض، فيضفي انطباعا زائفا بأنه نجح ~~في التفنيد، ويعلن انتصاره على خصمه، قد يتم ذلك عن عمد فيكون حيلة قذرة وينم على الخبث ~~وسوء النية والافتقار إلى الأمانة في الجدل، وقد يتم عن غير عمد فينم على الغفلة أو الجهل ~~ويكون، في كل الأحوال، مضيعة للوقت وإهدارا للجهد في معركة وهمية غير ذات صلة وترهة ~~خارجة عن الموضوع! # ثمة طرائق مختلفة لاتخاذك رجل القش: فقد تقدم الجوانب الأضعف من نظرية الخصم ~~وتتظاهر بأنك تفند النظرية من كل جوانبها، وقد تقدم حجة الخصم في صورة مضعفة أو ~~مبسطة، وقد تشوه أو تحرف حجة الخصم أو تسيء تمثيلها، وقد تختلق شخصا وهميا تنسب إليه ~~أقوالا وأفعالا وعقائد وتتظاهر بأنه يمثل الطائفة التي ينتمي إليها الخصم. # لم ترد مغالطة رجل القش في تراث أرسطو على نحو صريح، غير أنه أوصى بالأمانة ~~والإخلاص # fidelity # في تمثيل آراء الآخرين على حقيقتها، ~~واعتبرها شرطا للجدل الحقيقي، وحذر من الاكتفاء بإسباغ مظهر الآراء الأخرى دون جوهرها، ~~واعتبر ذلك ضربا من السفسطة، تدل هذه الوصايا الأرسطية على أنه أدرك مغالطة رجل القش ~~وميزها، وإن لم يدرجها في قائمة المغالطات ويسبغ عليها اسما. ~~(1) التحريف بالتجزيء # قد تتناول جزءا صغيرا من موقف الخصم، فتأخذه ~~بأكثر من حجمه، وتفرط في تعميمه فتعامله كما لو كان ممثلا لموقفه الكلي، بينما هو لا ~~يمثل شيئا ذا قيمة، وإنه لتبديد للطاقة وإجهاض للجدل، فضلا عن كونه إجحافا ~~ومغالطة، أن تتناول بالتفنيد جانبا هامشيا من جوانب المذهب أو صيغة ضعيفة مفرطة ~~التبسيط لموقف الخصم، إن الأيديولوجيات التي كسبت أنصارا ودامت حقبا هي، على الأرجح، ~~أنساق تتمتع بمزايا معينة عليك أن تقف عليها وتكتنهها؛ حتى يتسنى لك أن تفندها في ~~جوانبها القوية، فالمسألة الجديرة حقا بالتناول إنما ينبغي التماسها في هذه الجوانب ~~القوية وعلى هذا المستوى الرفيع. ~~(2) التصنيف ms096 والتنميط # يميل العقل البشري بطبيعته إلى تصنيف الأشياء وتنميطها (حتى ليغدو ذلك شرطا من شروط ~~الإدراك)؛ لأن العقل لا محيد له عن أن يفرض نظاما على الفوضى ويضفي معنى على الشواش، ~~ربما لذلك يميل المرء أحيانا إلى أن يصنف الخصم تصنيفا خاطئا ويتوسم فيه غير ما ~~هو، ويسقط عليه من تصنيفاته الفئوية الخاصة ما لا يناسبه، وكان المرء هنا يكشف عن ذات ~~نفسه أكثر مما يكشف عن الآخر، ويسري عليه قول سبينوزا: «إن ما يقوله بولس عن بطرس ~~يخبرنا عن بولس أكثر مما يخبرنا عن بطرس.» # وقد يميل المرء إلى «التنميط» # stereotyping # فيدمغ ~~الخصم بصفات معينة تميز الجماعة أو الطائفة التي ينتمي إليها، بينما الخصم يرى رأيا ~~يحيد كثيرا عن تلك الطائفة أو يذهب مذهبا يمثل جناحا معينا منها، والذي قد يختلف ~~اختلافا مهما عن آراء الأجنحة الأخرى من نفس الطائفة. ~~(3) رجل القش المتطرف # ويجري مجرى التبسيط أن ترمي الخصم بالتطرف وهو معتدل، وبالمطلقية وهو نسبي، والحق أن ~~أمثل النماذج لرجل القش هو أن تهول من موقف الخصم وتزيحه من الأواسط إلى الأطراف، ذلك ~~أن المواقف المتطرفة أسهل في التفنيد لأنها لا تسمح باستثناءات، انظر إلى هذا الطيف من المواقف: # كل «أ» هو «ب». # معظم «أ» هو «ب». # بعض «أ» هو «ب». # بعض «أ» ليس «ب». # معظم «أ» ليس «ب». # لا أحد من «أ» هو «ب». # الأطراف هنا هي: «كل «أ» هو «ب»»، «لا «أ» هو «ب»»، هذه ~~المواقف هي الأيسر تفنيدا، ولا يلزم لتقويضها إلا «مثال مضاد» # counterexample # واحد، مثل هذه القضايا الكلية هي عادة كاذبة (ما لم تكن ~~«أ» و«ب» مرتبطتين بالتعريف)، وذلك بحكم طبيعة العالم وتكوينه، وتزداد صعوبة هذه القضايا في ~~التفنيد تدريجيا حتى تبلغ أوج الصعوبة في أوسطها: «بعض «أ» هو «ب»»، «بعض «أ» ليس «ب»»، فلكي ~~تفند إحدى هاتين القضيتين يتعين عليك أن تثبت أحد الطرفين: «لا «أ» هو «ب»» أو «كل «أ» هو «ب»» ~~على الترتيب، المتطرفون إذن هم القائلون بمذاهب تبدأ ب «كل» ms097 أو «لا أحد»، فالمتطرفون في ~~قضية الإجهاض مثلا هو القائلون: «كل إجهاض مباح.» أو «كل إجهاض حرام.» من هنا دأبت ~~مغالطة رجل القش على مهاجمة الأفكار أو الاتجاهات في صورتها المتطرفة حيث هي أضعف ما ~~تكون . # قد يكون رأي الخصم «تعميما مقيدا» ~~(أو مشروطا) # qualified generalization # فتأخذه أنت مأخذ «التعميم المطلق» # absolute generalization ~~؛ لكي تسهل على ~~نفسك مهمة تفنيده بذكر مثال مضاد أو بضعة أمثلة، إنك إذن تقع في مغالطة «إغفال المقيدات» # secundum quid ~~. # 2 # وقد يكون رأي الخصم معتدلا فتزيحه أنت إلى حافة الشطط والغلو التي كثيرا ما ينقلب ~~عندها الرأي إلى مسخ غريب منفر (أو شيطان # demon ~~) هو ~~أبعد ما يكون عن الموقف المتوازن الذي يتخذه الخصم: فينقلب «التحرر» مثلا إلى «تحلل»، ~~أو ينقلب «التحفظ» إلى «تزمت»، أو ينقلب «الحزم» إلى «قسوة»، أو تنقلب «الحصافة» إلى ~~«جبن» ... إلخ، يطلق على هذه العملية، أي عملية قلب الموقف المعتدل إلى موقف متطرف، اسم ~~«شيطنة» # demonization ~~(إضفاء الصبغة الشيطانية)، ~~ويمكن بالتالي تسمية هذه المغالطة الفرعية اسم # straw ~~demon ~~(شيطان القش). # كان دور رجل القش تاريخيا هو أن يهول مخاطر التغيير! يذكرنا التاريخ أن بضعة من ~~المفكرين والمصلحين يدعون إلى التحرر والتسامح قد تم سحقهم بفيالق جرارة من «رجال من ~~القش» يدعون إلى الفوضى والإباحة وتدمير المجتمع ... إلخ، وكان دور رجل القش سياسيا، ~~وما يزال، هو تأليب الرأي العام بالتعبير الخاطئ عن مواقف الخصوم السياسيين أو زعماء ~~الأحزاب الأخرى. ~~(4) كيف نحدد موقف الخصم الذي سنتناوله بالتفنيد # علينا، مثلما أوصى أرسطو من قبل، أن نمثل رأي الآخرين، تمثيلا أمينا وكاملا ~~وجوهريا، ولن يتسنى ذلك إلا بأن نحدد قائمة التزامات الخصم بكاملها، تلك الالتزامات ~~التي ألزم نفسه بها في الحوار، والمسجلة عليه كتابيا أو صوتيا من خلال أسئلته أو ~~إقراراته التي طرحها طوال الحوار، المشكلة هنا مشكلة عملية: كيف يمكنك أن تثبت أن ~~موقفا ما لخصم ما قد تم تحريفه في حالة معينة؟ الأمر هنا يتوقف على تأويل ما عناه ~~الخصم بقوله، واستشفاف موقفه ms098 الحقيقي في مسألة معينة، وهي مهمة صعبة أحيانا بسبب تعدد ~~التأويلات الممكنة. # من الأفضل بطبيعة الحال أن يتم التسجيل الدقيق لمجريات الحوار: صوتا وكتابة ~~وشهودا؛ وذلك لتجنب عثرة «أنت قلت/لا لم أقل»، غير أنه ليس من الميسور في المجالات ~~اليومية المعتادة أن نتجنب هذه العثرة، وذلك لقصور الذاكرة البشرية من جهة، ولتفاوت ~~الفهم وتأويل الأقوال من جهة أخرى. ~~(5) مبدأ الإحسان # principle of charity # وهنا تتجلى أهمية المبدأ المسمى «مبدأ الإحسان» في تأويل النصوص وفهم الآخرين: فحيثما ~~تشعبت التأويلات الممكنة لقول الخصم، فإن من الحكمة أن تفسر الشك لمصلحة الخصم وأن ~~تتناول التأويل الأوجه والأقوى بالنقد والتفنيد. # وقد استن كارل بوبر في مواجهة خصومه الفكريين مبدأ جديدا يعد في ذاته درسا من ~~أهم الدروس المنهجية المستفادة من كتاباته، لقد دأب المفكرون طوال تاريخ الجدل ~~والمناظرة على مهاجمة النقاط الضعيفة في دعوى الخصوم، لا نستثني من ذلك أعتى المجادلين ~~من أمثال فولتير، غير أن لهذه الطريقة عيوبا كبيرة: ذلك أن لكل دعوى جوانب قوية وجوانب ~~أضعف، ومن البديهي أن جاذبية أي دعوى إنما تكمن في جوانبها القوية دون الضعيفة؛ ولذا ~~فإن مهاجمة الجوانب الضعيفة في النظرية قد تحرج دعاتها، ولكنها لن تقوض الجوانب القوية ~~التي يرتكزون عليها بدرجة أكبر، لعل هذا هو السر في أننا قلما نجد الناس تتنازل عن ~~آرائها بعد أن تخسر جدلا، فالأغلب أن تؤدي مثل هذه الخسارة في النهاية إلى تقوية ~~موقفهم، إذ تدفعهم إلى التخلي عن الجوانب الضعيفة من نظريتهم أو تقويتها. # أما بوبر فقد كانت طريقته هي أن يواجه نظرية الخصم من زاويتها القوية، بل يحاول تقوية ~~نظريته أكثر فأكثر وسد ثغراتها وتزويدها بمزيد من الحجج والدعامات قبل أن يشرع في شن ~~هجومه، إنه يريد أن يجعل من خصمه «خصما جديرا بمهاجمته»، وأن ينقض على نظريته وهي ~~في أوج قوتها وجاذبيتها، إنها طريقة مثيرة وشائقة، ونتائجها، إذا ما نجحت، قاصمة ~~مدمرة، ومن الصعب أن تقوم لنظريته قائمة بعد أن يكون كل ما لديها من ذخر ومصادر ms099 إمداد ~~قد تم تدميره. # 3 ~~(6) أمثلة لمهاجمة رجل من القش ~~(1) # السيد النائب يطلب خفض الزيادات المخصصة للخدمات الصحية بنسبة 20٪، ولكن ~~كيف لنا أن نبخس الصحة نصيبها من اهتمامنا ونحرم أطفالنا من حقهم في ~~التطعيم والرعاية. (قد لا نوافق النائب على اقتراحه، ولكن لاحظ أن الخفض ~~الذي يطالب به النائب هو خفض في زيادات مضافة، وليس خفضا فيما هو قائم، ~~وأن النسبة المطلوب خصمها (الخمس) لا تبلغ أن تكون «بخسا»، وأن محصلة ~~الاقتراح لن تفضي إلى النتيجة الكارثية المزعومة (لا تطعيمات، لا رعاية)، ~~وأن النسبة المدخرة قد تقيض لمرفق آخر ليس أقل أهمية من الصحة، كالتعليم ~~والبحث العلمي ... إلخ.) ~~(2) ~~«إن التصويت لجولد ووتر إنما هو تصويت للحرب النووية» (ليندون جونسون في ~~حملته الانتخابية عام 1964). ~~(3) ~~«كيف تحظى نظرية أينشتين بكل هذا القبول وهي تذهب إلى أن كل شيء ~~مباح، وأن الأخلاق إنما هي شأن نسبي يختلف من بيئة ثقافية إلى أخرى.» (لاحظ ~~الخلط بين نسبية أينشتين # theory of ~~relativity # الفيزيائية الخالصة والنسبية، أو النسبوية، ~~الأخلاقية # moral relativism # التي تتحدث عن ~~المجال الأخلاقي والقيمي ولا صلة لها بمجال الفيزياء من قريب أو ~~بعيد.) ~~(4) # كثيرا ما تؤخذ المادية الحديثة، والتي تسمى أحيانا «المذهب الفيزيائي» # physicalism # بجرائر المادية ~~الكلاسيكية الساذجة القديمة. ~~(5) # وكثيرا ما تفند الوضعية ~~المنطقية # logical positivism # تفنيدا لا ينطبق إلا على وضعية كونت. ~~(6) # وكثيرا ما يؤخذ المذهب الشكلي عند أمثال كلايف بل على أنه تركيز على ~~الشكل على حساب المضمون، بينما تعني نظرية كلايف بل شيئا مختلفا تماما ~~ويكاد يتجه إلى العكس! ~~(7) # ينبغي زيادة الدعم للأمهات المطلقات العاطلات عن العمل خلال العام الأول ~~من الولادة حتى يتسنى لهن تقديم الرعاية اللازمة لمواليدهن. # إنك تطالب بأن تنال بضع طفيليات عاطلات متبطلات ما طاب لهن من عرق دافعي ~~الضرائب من المواطنين العاملين الشرفاء. ~~(7) الاستخدام المشروع لرجل القش # أحيانا ما تظهرنا الصورة الكاريكاتورية على مميزات وعيوب لم نكن نلحظها في الشخص ~~الأصلي، وكذلك يفعل التقليد الفكاهي للشخصيات والمحاكاة الأسلوبية الساخرة للمؤلفين ~~(الباروديا # parody ~~)، وليس ما يمنع ms100 أن يستعين المرء ~~بصورة هزلية كاريكاتورية للرأي الذي سوف يتناوله بالتحليل والنقد، ما دام يعلن ذلك ~~إعلانا ويسلم بأن هذا ليس رأي الخصم على وجه الدقة، ولكنه كاريكاتور فيه تضخيم ~~لعيوب دقيقة ربما تلطف على ملاحظة القارئ العادي، إنه يقدمه على سبيل التوطئة؛ لكي لا ~~يلبث أن يسدل عليه الستار دون طعن ويركز الضوء على هذه النقاط الدقيقة بحجمها الطبيعي ~~وبكل الأمانة في التمثيل والطرح، في هذه الحالة يكون رجل القش تقنية بيداجوجية، أو ~~وسيلة إيضاح مسعفة، تتغيا المزيد من الدقة في التمثيل، وتتبرأ من التحريف والتشويه ~~ولي الحقائق. ~~••• # ومهما يكن من شيء فإن مهاجمة خصم من القش بدلا من الخصم الحقيقي هي في أغلب الأحيان ~~ضرب من الغش والجبن، وخروج عن الموضوع، ومضيعة للوقت والجهد، ومحاولة بائسة لإحراز ~~انتصار رخيص، تنم بالأحرى عن افتقار إلى انتصارات حقيقية غير مختلقة، وتعطش إلى ~~نجاحات واقعية غير موهومة. # كن رجلا إذن، ولا يكن ديدنك أن تنسج الدمى وتحشوها قشا وتوسعها لكما، ~~متحاشيا بين ذلك التقاء الخصوم وبأس الرجال: # وإذا ما خلا الجبان بأرض # طلب الطعن وحده والنزالا # كن محسنا لخصمك، واعرض حجته في أدق صورة وأقواها، ثم قوضها تكن قد فعلت ~~شيئا يذكر. # الفصل التاسع عشر # | مغالطة التشييء # | Reification; hypostatization; ~~substantialization of abstracta # ركبه التشييء، # فراح يفك محرك سيارته، بحثا عن العشرين حصانا # التي هي «قوة المحرك»! ~~*** # أراد جحا أن يتزوج، فبنى دارا تتسع له ولأهله، وطلب من النجار أن يجعل خشب السقوف على ~~أرض الحجرات ويجعل خشب الأرض على السقوف، فراجعه النجار دهشا، ولم يفهم ما يعنيه، قال ~~جحا: «أما علمت يا هذا أن المرأة إذا دخلت مكانا جعلت عاليه سافله؟ اقلب هذا المكان الآن ~~يعتدل بعد الزواج.» # 1 # في هذه النادرة الكوميدية «يشيئ» جحا تعبيرا بيانيا رائجا، ويحمل استعارة ~~بريئة ما لا تحتمل ويأخذها بغير ما قصدت إليه، وفي هذه النادرة تضخيم كاريكاتوري ~~لمغالطة شائعة نقع فيها جميعا، ربما كل يوم، ونبتلعها جميعا، ربما كل لحظة، حين ~~تأتي في صورة ms101 أشد خفاء، وتكتسي برداء أكثر اعتيادا وإلفا. ~~«التشييء» (الأقنمة) # reification/hypostatization # هو ~~أن تعامل المجردات أو العلاقات كما لو كانت كيانات (كائنات) عينية # concrete entities ~~، أو أن تنسب وجودا حقيقيا ~~للتصورات العقلية أو البناءات الذهنية. # لقد برع بنو الإنسان حقا في خلق تصورات مجردة ومفاهيم ذهنية تساعدهم على حصر الأشياء ~~والأحداث، وتصنيفها واختزالها اختزالا يتيح لهم من الاقتصاد الذهني ما يمكنهم من الإحاطة ~~بأشياء العالم وتناولها، غير أن المأساة تكمن في أن هذه العملية قد تجري أيضا في الاتجاه ~~العكسي: أي معاملة التصور المجرد كما لو كان «شيئا» حقيقيا، حين يحدث ذلك نكون بإزاء ~~مغالطة منطقية عتيدة مبيتة في صميم العقل البشري ذاته وفي طريقة أدائه لوظيفته. # لا غرو تعد «مغالطة التشييء» # reification # من أهم ~~المغالطات وأكثرها شيوعا، وإن أنساقا فلسفية بكاملها، ومذاهب سياسية واجتماعية وأخلاقية، ~~ونظريات علمية، لتقوم على هذه المغالطة الكبيرة وتتأسس عليها، وإذا كان للفلاسفة مطلق ~~الحرية في أن يقرروا أي الأشياء يعد حقيقيا وأيها غير حقيقي، فليس من حقهم أن ~~يرحلوا تشييآتهم إلى الحقول الأخرى من البحث ملحقين بها اضطرابا وخلطا كان منه بد ... ~~يعج تاريخ العلم والاجتماع والسياسة، وحتى الرياضيات، بعثرات كبرى عطلت مساره حقبا، ~~كنتيجة لإلحاح المفكرين في طلب «تعريفات حقيقية» تقرر ما «تكونه» الأشياء استنادا إلى «ما ~~ينبغي أن تكونه» في تصورهم، وإنكار أصقاع كاملة من البحث بوصفها غير حقيقية أو غير ~~صالحة. # للتشييء رغم ذلك مجاله الذي يستخدم فيه، عن قصد وإدراك، لخدمة الحقيقة والتعبير عن ~~الواقع، ذلك هو المجال البياني البلاغي كما يتجلى في ألوان الاستعارة والمجاز والتشخيص، وهي ~~وسائل لغوية شديدة الأهمية والجدوى في الأدب والشعر (بل في العلم نفسه في بعض الأحيان!) ~~وبعيدة عن المغالطة بحكم طبيعة التعبير ذاته وموقفنا فيه ومأخذنا له، على ألا نمتد بتلك ~~الاستعارات البريئة إلى غير مقصدها ونحملها على غير محملها. # الحق أن التشييء ليس أكثر من استخدام «استعارة» # metaphor ~~، غير أنه، حين يكون مغالطة، يأخذ الاستعارة ~~بعيدا، أو يأخذنا بها؛ حتى ننسى أنها استعارة ms102 ونبدأ في الاعتقاد بأن كياناتنا التصورية ~~المجردة لديها الخصائص العيانية التي أضفيناها عليها على سبيل الاستعارة، إن طريقتنا في وصف ~~الشيء لها بالغ الأثر فيما نعتقده عن الشيء، يعني ذلك أن انطباعنا عن الواقع تشيده، إلى ~~حد كبير، اللغة التي نستخدمها في وصف الواقع، هكذا تهيب بنا دراسة «التشييء» أن نتوخى ~~الحذر في طريقتنا في وصف الأشياء، لئلا نشرع، دون أن ندري، في تصور أن وصفنا يحوي ماهية ~~موضوعية خارج اللغة ذاتها. # من الحالات النمطية للبارانويا، أو الفصام البارانوي، أن يعاني المريض من اعتقاد راسخ ~~بأنه مضطهد من قبل إخوته وأقاربه وزوجته وجيرانه وأصدقائه وزملاء عمله، وقد يكون هناك شيء ~~من الاضطهاد الطفيف كرد فعل لسلوكه العدواني تجاههم، وقد يكون هؤلاء انفضوا عنه نتيجة ~~شكوكه واضطرابه، غير أن المريض لا يعني ب «الاضطهاد» هنا مجرد وصف لسلوك هؤلاء، ولا «يرده» ~~إلى مجموع استجاباتهم السلوكية تجاهه، بل «يشيئ» ~~(يؤقنم) # reify, hypostatize # الاضطهاد ويوقن بأن هناك «قوة سرية» من وراء هذه الاستجابات ~~السلبية، ليس «الاضطهاد» عنده مجرد «فئة» من الأحداث يصنف تحتها سلوكات الآخرين حياله، بل ~~هي «كيان حقيقي» مستقل عن العالم يقبع من وراء هذه السلوكات ويسببها بطريقة سرية، وما ~~الإخوة والأقارب والزوجة والجيران وزملاء العمل إلا عملاء لهذه «القوة»، إنها كيان واقعي ~~أفلاطوني قائم، يتمتع بوجود حقيقي ووضع أنطولوجي. # إن التشييء ضرب من الجنون العقلي سهل الانكشاف في حالة البارانويا، غير أنه أصعب ~~انكشافا في الحالات الأكثر اعتيادا وإلفا، والتي نصادفها كل لحظة في حياتنا اليومية وفي ~~حواراتنا وقراءاتنا ومشاهداتنا التليفزيونية. # يشيئ العرافون وزبائنهم مفهوم «المستقبل» وكأنه «شيء» يمكن أن يقبع في المرمدة أو ~~الفنجان أو كرة البلور، أو كأنه نوع من البلاد قائم هناك حيث تجري الحوادث التي سوف يعاد ~~إنتاجها على هذه الأرض حين يأتي أوانها، إنها «هناك» تمكن رؤيتها على نحو غامض في الكف ~~وثفالة البن وأوراق اللعب، وما عليك سوى انتظار وصولها مثلما تنتظر خطابا هو في البريد ~~بالفعل. # يقول هيجل: # الدولة هي الفكرة الإلهية كما ms103 توجد في الحاضر ... إنها القوة المطلقة على الأرض، ~~إنها غاية ذاتها وموضوع ذاتها، إنها الغاية النهائية التي لها الحق الأعلى على ~~الفرد. # ورغم أننا يمكن أن نفهم هيجل فهما استعاريا يبرئه من التشييء، إلا أن كلماته صارت ~~تفهم فهما تشييئيا لدى ملايين البشر من مختلف الاتجاهات: منها الماركسي، ومنها النازي ~~وغيره من ضروب الشوفينية البغيضة، وصارت تعني أن الأمة غاية عليا بمعزل عن رخاء الفرد ~~وصالحه، بمعنى أن هناك كائنا عملاقيا قائما يسعد ويشقى ويصح ويمرض يقال له «الأمة» ~~نضحي من أجله بالأفراد ونذبحهم تقدمة لجلاله. # يقول سلفادور دي مادارياجا # Salvador de Madariaga # في ~~تعليقه على هذا الاتجاه: «كلا وألف كلا، الغاية العليا هي الفرد، وينبغي ألا تكون ~~للمؤسسات الجمعية سلطة عليه إلا بقدر ما يلزم لنموه الفردي الخاص.» # 2 # وكثيرا ما يتحدث هواة السيكولوجيا عن «الأنا» # ego # و«الهو» # id # كأنها أنفس بديلة تتناوب الأمر داخل الرأس ~~(مثل «الشبح داخل الآلة» # the ghost in the machine # على حد ~~تعبير جلبرت رايل ساخرا من ثنائية ديكارت). # ويشيئ أغلب الناس الحب وكأنه كائن شبحي يتلبس المحب فيسهده ويبليه، الحب ليس ~~«جوهرا» # substance # بل «علاقة» # relation ~~، ليس «كائنا» بل انسجام كائنين، ولعل هذا التشييء هو ما يجعل ~~المحب يستسلم للحب ولا يرجو مهربا من حبائله، ظنا منه أن الأمر برمته قدر لا ~~فكاك منه، لقد سكن الحب قلبه وأقام به فكيف له أن يطرد هذا الساكن المقيم؟! ويظل المحب ~~يسقط نموذجه الأنثوي المثالي على محبوبته الحقيقية «الأرضية» فيجعل منها إلها لا وجود له ~~إلا في خياله، حتى إذا ما اقترب منها اقترابا واقعيا خاب أمله وأخنت عليه الحقيقة، وسقط ~~على صخرة الواقع فشجته بقدر ما علا بالمثال، وصدق فيه قول المتنبي: # مما أضر بأهل العشق أنهم # هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا # تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم # في إثر كل قبيح وجهه حسن # أمثلة أخرى ~~(1) ~~«الطبيعة تبغض الفراغ» (لاحظ أن الطبيعة لا تبغض شيئا). ~~(2) ~~«أغراض الطبيعة دائما نبيلة، ومن ثم ينبغي علينا أن نقبل ms104 بالطبيعة» ~~(لاحظ أن الطبيعة لا أغراض لها). ~~(3) ~~«وحدها القوانين العادلة ما يداوي آلام المجتمع» (القوانين لا «تداوي» شيئا، ~~و«المجتمعات» لا تتألم). ~~(4) ~~«الصناعة خطر على الطبيعة والمجتمع» (الصناعة ليست «شيئا»، ولا تجترح أي ~~فعل، والطبيعة والمجتمع ليسا «أشياء» لكي يفعل بها أي شيء، بعض الصناعات قد ~~تسبب ضررا ببعض الأشياء الطبيعية أو بعض الأشخاص في مجتمع ما، غير أن معاملة ~~أي من هذه ككيانات، حتى لو كانت كيانات جمعية، هي مغالطة). ~~(5) # ماذا تساوي الاعتبارات الشخصية إلى جانب حاجات المجتمع، ومصير الأمة، والحفاظ ~~على الثقافة ؟ (لاحظ أنه ما دام «المجتمع» لا حاجات له، و«الأمم» لا مصائر لها، ~~وليس هناك «شيء» من قبيل «الثقافة» لكي تحفظه، فإن الاعتبارات الشخصية في حقيقة ~~الأمر هي كل ما يتبقى هناك!) # يمكننا بالطبع أن نفهم «الطبيعة» و«المجتمع»، و«الصناعة»، و«الأمة»، و«الثقافة» في ~~الأمثلة السابقة فهما استعاريا مجازيا فلا تعود في الأمر مغالطة، غير أن الناس كثيرا ~~ما تعامل مثل هذه «الأنساق» الكلية كم لو كانت «كيانا شبيها بالشيء»، وهنا تبدأ ~~بالمغالطة. # كان هتلر في أواخر أيامه، وقد صار على يقين من الهزيمة، يتحدث عن «الأمة» وكأنها كائن ~~حقيقي قائم بمعزل عن الأفراد ... كائن أعلى ينبغي أن يفديه الأفراد جميعا بأرواحهم حتى لو ~~قضوا عن آخرهم! # الفصل العشرون # | انحياز التأييد (التأييد دون التفنيد) # | Confirmation bias # دلف إلى المناظرة التليفزيونية يتأبط أضابير منتفخة # بقصاصات ووثائق تؤيد دعواه، # ولعله بنصف هذا العرق # كان قمينا أن يجمع ضعفيها # من القصاصات والوثائق المفندة! ~~*** # في تجربة شهيرة # 1 # عرض على المشاركين أربع بطاقات، كل بطاقة منها تحمل عددا على أحد وجهيها ~~وحرفا أبجديا على وجهها الآخر، مثل هذا: # ثمة فرضية في هذه البطاقات تقول بأنه: «إذا كان في البطاقة حرف متحرك على أحد وجهيها، ~~فإن على وجهها الآخر عددا زوجيا بالضرورة.» والمطلوب من المشارك أن يقدم أسرع طريقة ~~لاختبار هذه الفرضية (أو يطلب منه، بصيغة أخرى، تحديد بطاقتين اثنتين فقط عليه أن يقلبهما ~~لكي يختبر صدق هذه الفرضية). # في هذه التجربة وقع جميع المشاركين ms105 تقريبا في الاختيار الخطأ (وهو: # E ~~، # 4 ~~) ولم يهتدوا إلى ~~الجواب الصحيح (وهو: # E ~~، # 7 ~~)، ~~ذلك أن عليك أن تقلب بطاقة # E # لتكشف إن كان هناك عدد زوجي ~~على ظهرها، فإذا لم يكن فالفرضية كاذبة، يتعين عليك أيضا أن تقلب البطاقة # 7 # لكي تتيقن من أنها لا تحمل في ظهرها حرفا متحركا، ~~فإذا وجدته فالفرضية كاذبة، وما دامت البطاقة # E # بها عدد ~~زوجي والبطاقة # 7 # ليس بها حرف متحرك فإن الفرضية صادقة، ولا ~~يهم ما يكون على ظهر البطاقة # 4 # والبطاقة # K # ولا يغير من الأمر شيئا. # 2 ~~«والآن ما هو مصدر الضلال هنا؟» ~~«لماذا نميل فعلا إلى اختيار البطاقة # 4 # بدلا من # 7 ~~؟» # يبدو أن لدينا ميلا صميما إلى أن «نؤيد» # confirm # مثل ~~هذه الفرضيات بدلا من أن «نفندها» # disconfirm ~~، إننا ~~نقلب البطاقة # 4 # لأننا نبحث فقط عن أمثلة موجبة للفرضية وليس ~~أمثلة سالبة، إننا أميل إلى البحث عن دليل «مؤيد» حتى إذا كان الدليل «المفند» أكثر ~~دلالة بكثير. # يفكر الواحد منا بمثل هذه الطريقة: «إذا قلبت بطاقة العدد الزوجي ووجدت حرفا متحركا ~~أكون قد أيدت العبارة» غير أن العثور على مثال يؤيد القاعدة لا يثبت أن القاعدة صادقة، ~~بينما العثور على مثال واحد يكذب القاعدة هو أمر يكفي لأن يثبت كذبها على نحو نهائي ~~حاسم ويقضي عليها قضاء مبرما. # انظر أيضا إلى المثال التالي: فهذا سياسي يرى أن إلغاء الضرائب المحلية سوف يؤدي إلى ~~انخفاض معدلات الجريمة؛ ومن ثم فقد طلب من الباحثين لديه أن يجمعوا أمثلة لحالات ~~ألغيت فيها الضرائب المحلية ثم انخفضت معدلات الجرائم، وجد الباحثون أن هناك مائة من ~~هذه الأمثلة، إذاك خلص السياسي إلى أنه محق في افتراض أنه بخفض الضرائب المحلية يمكنه أن ~~يقلص الجريمة. # لقد أراد السياسي أن «يؤيد» فرضيته فحسب، لا أن «يفندها»، وربما يكون بذلك قد ضل ~~السبيل، ولعل باحثيه لو جدوا في الطلب لأتوا له بمائتي حالة ارتفعت فيها الجريمة بعد ~~إلغاء الضرائب المحلية! # في مجال الاستدلال الإحصائي يعد ms106 انحياز «التأييد» # confirmation ~~(أو «التحقيق» # verification ~~) ~~ضربا من الانحياز المعرفي تجاه تأييد الفرضية محل الدراسة، ومن أجل معادلة هذا الميل ~~البشري الملاحظ يتم تشييد المنهج العلمي بطريقة تلزمنا بأن نحاول تفنيد # disconfirmation ~~(أو تكذيب # falsification ~~) فرضياتنا. # وفي مجال السيكولوجيا يعرف انحياز التأييد بأنه ظاهرة تتميز بميل صانعي القرار إلى ~~ملاحظة الأدلة المؤيدة لدعاواهم والاحتفاء بها والتماسها بهمة، بينما يميلون إلى تجاهل ~~الأدلة التي قد تنال من الدعاوى، وإلى التقاعس عن طلبها والبحث عنها، وهي بهذا المعنى تعد ~~صورة من صور «الانحياز الانتقائي» # selection bias # في جمع ~~الأدلة. # يذهب البعض إلى أن انحياز التأييد قد يكون هو السبب من وراء الاعتقادات الاجتماعية ~~«المخلدة لذاتها » و«المحققة لذاتها»، وقد يكون سبب هذا الانحياز هو أن الذهن البشري ~~بحكم تكوينه يجد صعوبة في «معالجة» # processing # الإشارات ~~السالبة أكثر مما يجده في معالجة الإشارات الموجبة. # وتشير الدراسات الحديثة رغم ذلك إلى أنه بينما تسود مغالطة التأييد كحالة مبدئية، فإن ~~تكرار ورود البيانات المفندة يحدث تحولات في التفكير النظري، فالمسلك العام لدى الباحثين ~~هو استبعاد البيانات المفندة في البداية باعتبارها نتاج زلل أو سهو أو عوامل دخيلة، غير ~~أن تكرار البيانات المفندة وتراكمها وإلحاحها في الظهور يحدث تغيرا في استراتيجيات ~~الاستدلال السببي. # 3 ~~(1) كارل بوبر: مذهب التكذيب # falsificationism ~~«كان بوبر مناوئا لفكرة أن المعرفة العلمية تتراكم عن طريقة تأييد الفرضيات أو ~~تحقيقها، وفي تصور شديد الاختلاف والجدة لدينامية العلم ذهب بوبر إلى أن الفرضيات لا ~~تكون جديرة حقا بالقبول ما لم تكن قابلة للتكذيب، كانت فكرته مدمرة وبسيطة: من ~~السهل أن تجد أمثلة مؤيدة للفرضيات، سهولة تجعل من المستبعد أن يكون هذا هو طريق العلم ~~الصحيح، تأمل مثلا فرضية بسيطة مثل: «جميع النباتات تتكاثر جنسيا»، فإذا كان كل ما ~~يلزمني هو الشواهد المؤيدة لذلك، فإن بميسوري أن أهرع إلى الحديقة وأكتشف أن جميع ~~الزنابق الستمائة وأربع وستين تتكاثر جنسيا، وهلم جرا، وسرعان ما يجتمع لدي ~~عدد هائل من الأمثلة الموجبة، ومع ذلك فلو اطلع أي عالم ms107 نبات على عملي فلن يأبه ~~له؛ لأنني لم أحاول أن أجد مثالا «مفندا»، لم أنظر إلى حالات يمكن أن تكون ~~«أمثلة مضادة» # counter-examples ~~، فقبل تبني أي ~~فرضية ينبغي علي أن أفحص كثيرا من الأنواع المختلفة من النباتات المزهرة، وأن أفحص ~~الأعشاب والسراخس، وبعامة، يجب علي أن أحاول جهد ما أستطيع أن «أكذب» # falsify # فرضيتي. # تأمل فرضية أخرى، وهي الفرضية القائلة بأن «منطقة بروكا» هي التي تتحكم في إنتاج ~~الكلام، فلكي يبرهن المرء على هذه الفرضية فلن يكفيه أن يعثر على ارتباط موجب بين ~~حالات تلف منطقة بروكا وبين فقدان الكلام، فلا بد للمرء أن يكشف ما إذا كان هناك ~~مرضى بتلف في منطقة بروكا بدون فقدان للنطق ، وأن يكشف ما إذا كانت هناك حالات فقدان ~~نطق مع تلف في مناطق أخرى، عندئذ سيكون الفشل في التكذيب ذا دلالة، بعكس تجميع الحالات ~~المؤيدة، تفيد دعوى بوبر أن العالم إذا قبل الفرضيات عن طريق إيجاد أمثلة مؤيدة فسوف ~~ينتهي به المطاف إلى قبول ما لا يحصى من الفرضيات الكاذبة والسير فيما لا يحصى من ~~الطرق المسدودة، أما إذا ظفر بفرضية صمدت لمحاولات عنيفة لتكذيبها، فعندئذ يمكنه ~~قبول هذه الفرضية، لا باعتبارها صادقة، ولا باعتبارها مؤيدة، بل باعتبارها أفضل فرضية ~~متاحة حتى الآن.» # 4 # يمكننا أن نفسر العلاقة المنطقية بين التحقيق والتكذيب كما يلي: تتنبأ النظرية ~~القائلة بأن الدببة القطبية يجب أن تكون بيضاء بأن الدب الذي سأراه في المرة القادمة ~~سيكون أبيض، فإذا حدث أن كان الدب القادم أبيض حقا فقد يغريني ذلك بأن أقول إن ~~مشاهدتي هذه تؤيد النظرية، ولكن الحقيقة أن هذه المشاهدة لا يمكن أن تعد برهانا ~~نهائيا على صدق النظرية؛ ذلك لأن هناك احتمالا سيظل قائما أبدا بأن يأتي دب قادم ~~في رتل الملاحظة غير أبيض، وإذا حدث هذا تكون هذه الملاحظة وحدها كافية لتكذيب ~~النظرية بصفة نهائية، هكذا يتبين لنا أن التأييد لا يحسم أمر النظرية بينما التكذيب ~~يمكن أن يكيل للنظرية ضربة واحدة قاضية. # التكذيب إذن، ms108 وليس التأييد، هو معيار العلم. # أما عن التأييد فإن بوسع أي نظرية أن تجد لها ما شاءت من الأدلة التي تتسق معها ~~وتؤيدها، وتزعم معظم النظريات التي تدعي الصفة العلمية أنها مشيدة أصلا على أساس ~~التفكير الاستقرائي؛ أي استقراء كل الحالات المعروفة واستخلاص تعميم يشملها جميعا، ~~وماذا يكون التأييد هنا سوى الإتيان بمزيد من نفس الصنف من الحالات؟! إن هذا من الوجهة ~~المنطقية هو عقم لم يأت بجديد، أما المنهج المجدي عند بوبر فهو أن نفكر استنباطيا ~~ونفتش عن حالات مفندة للنظرية؛ لأن العثور على مثال مضاد واحد سيكون كافيا للإجهاز ~~عليها، أما إذا صمدت النظرية ستعد قوية وأهلا بالأخذ بها باعتبارها أفضل فرضية متاحة ~~آنيا. ~~(2) فرنسيس بيكون : المثال السلبي فوق المثال الإيجابي # اقرأ واستمع: لا لكي تماري وتفحم، ولا لكي تعتقد وتسلم، ولا لكي تظفر ~~بحديث أو قول، بل لكي تروز وتمحص. # فرنسيس بيكون # يقول بيكون في «الأورجانون الجديد» # Novum Organum ~~: ~~«من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيا (سواء لأنه الرأي السائد أو لأنه راقه وأعجبه) ~~أن يقسر كل شيء عداه على أن يؤيده ويتفق معه، ورغم أنه قد تكون هناك شواهد أكثر عددا ~~وثقلا تقف على النقيض من هذا الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه الشواهد السلبية ويستخف بها، ~~وإما أن يختلق تفرقة تسول له أن يزيحها وينبذها، لكي يخلص، بواسطة هذا التقدير ~~السبقي المسيطر والموبق، إلى أن استنتاجاته الأولى لا تزال سليمة ونافذة؛ ولذا فقد كان ~~جوابا وجيها ذلك الذي بدر من رجل أطلعوه على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا ~~نذورهم ومن ثم نجوا من حطام سفينة، عساه أن يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان ~~جوابه إلا أن قال: «حسنا، ولكن أين صور أولئك الذين غرقوا بعد دفع النذور؟!» # وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ما شابه، حيث ~~نجد الناس، وقد استهوتهم هذه الضلالات، يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما ~~الأحداث التي لا تتفق، رغم أنها الأكثر والأغلب، فيغفلونها ms109 ويغضون عنها الطرف. # على أن هذا الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم، حيث يفرض ~~الحكم الأول لونه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ولو كان ~~الجديد أفضل وأصوب بما لا يقاس، وفضلا عن هذا، وبغض النظر عن ذلك الهوى والضلال ~~الذي ذكرت، فإن من الأخطاء التي تسم الفكر الإنساني في كل زمان أنه مغرم ومولع ~~بالشواهد الموجبة أكثر من الشواهد السالبة، حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد، ~~والحق أنه في عملية البرهنة على أي قانون صادق يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين ~~وأكثرهما وجاهة وفعالية» (الأورجانون الجديد، الكتاب الأول، شذرة 46). # الفصل الحادي والعشرون # | إغفال المقيدات # | Ignoring qualifications; secundum ~~quid # قالت القاعدة للاستثناء: لماذا تعلق بجناحي دائما وتقيدني # ولا تدعني أبسط ظلي على العالم؟ # رد الاستثناء على القاعدة: # أفيقي ... أنا لست عالقا بجناحك، # أنا منك ... أنا أكبر قوادمك، # وأشد مؤيديك. ~~*** # يتألف شطر كبير من حديثنا اليومي من عبارات حول ما تكونه الأشياء على وجه الإجمال، وكيف ~~يسلك الناس بصفة عامة ... إلخ، ونحن نستند إلى هذه الأحكام العامة في جدلنا السياسي والأخلاقي ~~وفي أغلب الشئون الهامة في الحياة الاجتماعية، غير أن علينا أن نحذر من التعنت في تطبيق هذه ~~التعميمات على حالات خاصة قد لا تنطبق عليها، ذلك أن الظروف والملابسات تغير الحالة، ~~والتعميم الذي يصدق على الإجمال قد لا يصدق في حالة معينة؛ لأسباب وجيهة تتعلق بالظروف ~~الخاصة (أو «العرضية» # accidental ~~) لتلك الحالة، حين نطبق ~~تعميما على حالات فردية لا يشملها التعميم على نحو صحيح ~~فنحن نرتكب إذاك «مغالطة العرض ~~(المباشر)» # fallacy of accident ~~، أما حين نفعل العكس ونتناول، عن غفلة أو عن قصد، مبدأ يصدق ~~على حالة استثنائية معينة ثم نمده لينسحب على المجرى العام للحالات، فإننا نرتكب ~~«مغالطة العرض ~~المعكوس» # fallacy of converse ~~accident ~~، والحق أن مكمن الخطأ واحد في الحالتين، وهو إغفال المقيدات أو ~~المحددات أو الشروط التي ينطوي عليها التعميم، واستخدام القاعدة ذات الاستثناءات المقبولة ~~على أنها ms110 قانون مطلق. # ذلك أن بمقدور التنطع أن يخلط بين صنفين مختلفين من التعميم: ~~(1) ~~«التعميم الشامل أو المطلق»: وهو تعميم لا يسمح بأي استثناء، ويكفي ~~«مثال مضاد» # counter-example # واحد لدحضه ~~أو تكذيبه. ~~(2) ~~«التعميم القابل للإبطال # defeasible # أو ~~المقيد # qualified ~~»: وهو تعميم يسمح ~~باستثناءات، ويتساوق مع وجود أمثلة مضادة معينة، إنه تعميم غير صارم، بل ~~اختباري وقابل للتعديل والتطوير. # إلى هذا الصنف الأخير من التعميم تنتمي أغلب القواعد والمبادئ الأخلاقية والاجتماعية ~~والمدنية والعرفية، وكذلك التعميمات التجريبية والفروض المسبقة، والحكم والأمثال ~~والأقوال المأثورة، ويعج الحس المشترك بمثل هذه القواعد العامة التي تصدق على الجملة لا على ~~الإطلاق، إننا نعيش فيها وبها، ونعرف بفضلها وجهتنا وننظم حياتنا وندخر طاقتنا، على أن ~~نأخذها مأخذ الأداة التي ينبغي أن نستخدمها لا أن تستخدمنا، فهي، شأن كل أداة، قد تجلب ~~الضرر مثلما تجلب النفع، وذلك حين يساء استخدامها، وإساءة استخدام القواعد هي أن نأخذها ~~مأخذ المطلقات حين نكون بصدد الاستثناء، أو، على العكس، حين نأخذ الاستثناء مأخذ ~~القاعدة. # إن أصلب القواعد العملية وأشدها ثابتا وبداهة إنما تقوم على المألوف المتاح في البيئة، ~~وتنتسب إلى السياق الثقافي والتاريخي للمرء (مثال ذلك أن قولنا «معظم الطيور قادرة على ~~الطيران» إنما هو تعميم تجريبي من الخبرة المتاحة، وليس ما يمنع أن تكون هناك أعداد غفيرة ~~من طيور البطريق في القارة المتجمدة الجنوبية تقلب الآية وتجعل الصواب أن «معظم الطيور لا ~~تطير»). # تعلمنا الخبرة أنه ما من تعميم، مهما اتسع تطبيقه وعم نفعه، إلا وله استثناءات ~~تفلت من طائلته، في مجال القانون مثلا نجد أن المبادئ التي تصح في عموم الأحوال لا تخلو من ~~حالات استثنائية محددة، من ذلك أن مبدأ «بطلان شهادة الشاهد بما سمع من الغير» (شهادة ~~الرواية أو السماع عن الغير) # hearsay testimony ~~(أي أن ~~الشهادة عن الغير لا تقبل كدليل أو بينة) لا يسري إذا كان الطرف المروي عنه متوفى أو ~~عندما يكون ناقل الشهادة يفعل ذلك ضد مصلحته الشخصية الأكيدة. # وفي محاورة يوثيديموس ينتزع سقراط من ms111 يوثيديموس، الذي يعتزم أن يصير رجل دولة، التزاما ~~أو تعهدا بكثير من الحقائق الأخلاقية المتفق عليها: «من الخطأ أن تخدع»، «من الظلم أن ~~تسرق» ... إلخ، عندئذ يقدم سقراط سلسلة من الحالات الافتراضية التي تخرق المبدأ العام، ~~فلا يجد يوثيديموس فكاكا من أن يوافق على أنه قد يبدو أن من الصواب أن تخدع (لكي تنقذ ~~مواطنيك)، وأن من العدل أن تسرق (لتنقذ حياة صديق) ... إلخ. ~~(1) أمثلة من مغالطة العرض المباشر # accident # سيارة الإسعاف التي عبرت الآن تستحق مخالفة لأنها كسرت الإشارة ~~الحمراء. # لا شأن لي بنزيف أنفك، التعليمات صريحة: غير مسموح لأي طالب بالذهاب إلى ~~الحمام إلا بعد جرس الحصة. # لا يسمح للسيارات بتجاوز حدود السرعة. # سيارات الشرطة هي سيارات؛ # إذن لا يسمح لسيارات الشرطة بتجاوز حدود السرعة. # قطع أجساد الناس بالسكين جريمة. # الجراحون يقطعون أجساد الناس بالسكين؛ # إذن الجراحون مجرمون. ~~«حسنا ما قلت يا كيفالوس، ولكن لننظر في الفضيلة ذاتها، أي العدالة، ~~فما هي؟ أهي الصدق في القول والوفاء بالدين فحسب؟ ألا ترى معي أن هذين ~~الأمرين ذاتهما قد يكونان صوابا أحيانا وخطأ أحيانا أخرى؟ لنفرض أن ~~صديقا أودع لدي أسلحة، ثم أصيب بالجنون فيما بعد، أتراني ملزما بردها ~~إليه؟ لن يقول أحد إنني ملزم بذلك، أو أنني أكون على حق لو فعلت ذلك، كما ~~أن أحدا لن يعتقد بأن من واجبي قول الصدق لمن كان في مثل حالته» (أفلاطون، ~~الجمهورية، الكتاب الأول). # 1 # لا تكذب. # إذن لو سألك مجرم خطير عن مكان ضحيته المستهدفة فلا تكذب عليه. # لا تقتل، # ولا حتى النمل الأبيض الذي يهاجم بيتك، ولا أعداءنا القادمين ~~لقتالنا. # الديمقراطية تمنح الجميع حق الاقتراع؛ # إذن ينبغي السماح للأطفال والمجرمين بالاقتراع. # ما دامت حرية القول مكفولة للجميع؛ # إذن من حقي أن أصرخ «حريق ... حريق» في مسرح مزدحم. # ما دمت قد تعهدت بحفظ قططك داخل المنزل عندما تبنيتها من ~~الجمعية؛ # إذن ينبغي ألا تدعها تخرج خارج البيت حتى لو شب فيه حريق. # ما دام الأسبرين مفيدا لمرضى القلب؛ # إذن هو ms112 مفيد أيضا لأخي المريض بالقلب وقرحة المعدة (من المعلوم طبيا ~~أن الأسبرين يفاقم قرحة المعدة). ~~(2) أمثلة لمغالطة العرض المعكوس # converse ~~accident # الزهور البرية ليست دليلا على أن الصحراء هي أصلح تربة للزراعة. # ما دمنا نسمح لمرضى المراحل الأخيرة ومرضى احتشاء القلب بتناول ~~المورفين؛ # إذن ينبغي أن يسمح لكل فرد بتناول المورفين. # ما دمت سمحت للطالب «س» الذي صدمته شاحنة بتقديم بحثه فيما ~~بعد؛ # إذن يجب أن تسمح للفصل كله بتقديم الأبحاث فيما بعد. # ها أنتم ترون هذا الرجل الذي يعيش على السمك المقلي والبطاطس المقلي طوال ~~حياته ومستوى الكولسترول في دمه أقل من المعدل. # إذا أبحنا للمصابين بالجلوكوما باستخدام الماريجوانا الطبية؛ # إذن كل شخص من حقه أن يستخدم الماريجوانا. # الفصل الثاني والعشرون # | مغالطات الالتباس # fallacies of ambiguity # كثيرا ما يتبدل معنى الكلمات أو التعبيرات أثناء الحديث أو في مساق حجة، قد يحدث ذلك ~~عن غفلة وقد يحدث عن عمد، فيحمل الحد معنى معينا في إحدى المقدمات، ويحمل معنى مختلفا ~~تماما في النتيجة، عندما يعتمد الاستدلال على مثل هذه التبدلات يكون مغالطا بطبيعة ~~الحال، ويطلق على هذا الفصيل من المغالطات «مغالطات الالتباس» # fallacies of ambiguity ~~، وهي في أغلب الأحيان مغالطات فجة سهلة الكشف، غير ~~أنها قد تدق في بعض الأحيان وتخفى على متلقيها أو حتى على مرتكبها! # قد يخلق الالتباس خلطا خطيرا حتى لو لم يأت في مساق حجة، ومن الأمثلة المشهورة على ~~ذلك حوادث اصطدام السفن والطائرات من جراء الالتباس في لغة الاتصال، في السابع والعشرين من ~~مارس عام 1977 لقي 583 شخصا حتفهم عندما اصطدمت طائرتا ركاب على المدرج الذي خيم عليه ~~الضباب في تينيريف بجزر الكناري، قال قائد الطائرة في رسالته اللاسلكية إلى التحكم الأرضي: ~~«نحن الآن # at the take off ~~» بمعنى «نحن في نقطة الإقلاع عن ~~المدرج»، إلا أن المتحكم الأرضي أخذ الرسالة بمعنى أن الطائرة كانت منتظرة على ~~المدرج، وكانت النتيجة أن قضى المئات نحبهم في الصدام، تبين مثل هذه الحالات أن ~~المشكلات التي تنجم عن ms113 الالتباس لا يستهان بها، وهي مشكلات شائعة جدا في الوقت نفسه، ~~في القضايا القانونية على سبيل المثال، وفي التعاملات التجارية والتعاقدات المدنية ~~والاتفاقيات الدولية يشكل الالتباس وتعدد التأويلات للنص الواحد مشكلة عتيدة، وما تزال ~~مشكلة «الانسحاب من أراض، أو الانسحاب من الأراضي» تسكن ذاكرة كل منا، وهي مشكلة ~~ناجمة عن الالتباس المبيت في صميم اللغة الإنجليزية وأدوات التعريف والتنكير ~~بها. ~~(1) الاشتراك (الالتباس المعجمي/اشتراك اللفظ) # equivocation # الورع ... ها هو ذا التباس، # بوسعه أن يلعب على الكفتين، مرجحا أيا منهما على ~~الأخرى، # كم ارتكب من الخيانات زاعما أنها في سبيل الله، # ولكن هيهات له أن يلبس شيئا على رب السماء. # مكبث، الفصل الثاني، مشهد 3 # معظم ألفاظ اللغة هي ألفاظ «مشتركة» # equivocal # لها ~~أكثر من معنى واحد، # 1 # ولبعض الألفاظ نطاق كبير من المعاني، يقول أبو حامد الغزالي في كتابه ~~«المستصفى»: # وأما الألفاظ المشتركة فهي الأسامي التي تنطبق على مسميات مختلفة لا تشترك في ~~الحد والحقيقة البتة: كاسم «العين» للعضو الباصر، وللميزان، وللموضع الذي يتفجر ~~منه الماء - وهو العين الفوارة - وللذهب، وللشمس، وكاسم «المشتري» لقابل عقد ~~البيع، وللكوكب المعروف. # الغزالي، المستصفى، ج1 # ينشأ الاشتراك نتيجة للتطور التاريخي للغات الطبيعية، والتي نعلم اليوم أنها تقوم ~~على «المواضعة» # convention # والاتفاق، وأن علاقة الدال ~~بالمدلول فيها هي علاقة «اعتسافية» ~~(اعتباطية) # arbitrary # لا ضرورة فيها، وأنها تتطور ببطء ونادرا ما تكون التغيرات ~~التي تلحق بها متعمدة من جانب الأفراد أو الجماعات، وقد كان هذا الاشتراك القائم في ~~صميم المعجم اللغوي حريا أن يهدد الوضوح والإفصاح ويعطل الوظيفة الاتصالية للغة، ~~لولا أن اللغة تتغلب على الالتباس الكامن في ألفاظها بواسطة السياق الصريح الذي يتكفل، ~~في أغلب الأحوال، ببيان المعنى المقصود، يقول لودفيج فتجنشتين: ليس للكلمة الواحدة من ~~كلمات اللغة معنى محدد دقيق، وإنما للكلمة الواحدة، كما هي مستخدمة بالفعل في الحياة ~~اليومية، معان لا حصر لها تتحدد بحسب السياقات والظروف المختلفة التي تستخدم فيها، ~~فالكلمة مطاطة تتسع استخداماتها وتضيق وفقا للظروف والحاجات، ومثلها كمثل أدوات النجار ~~- ليس ms114 لكل أداة استخدام واحد وإنما استخدامات مختلفة في الظروف والحاجات المختلفة، ولا ~~يوجد بين الاستخدامات المختلفة للكلمة الواحدة عنصر مشترك محدد، وإنما يوجد بينها ~~«تشابهات عائلية» # family resemblances # متداخلة ~~مندمجة كالتي نراها بين أفراد الأسرة الواحدة. # السياق إذن من وسائلنا للتغلب على التباس الألفاظ، ومن وسائلنا الأخرى أن نستخدم ~~«التعريف» فنتواضع على الطريقة التي سوف نستخدم بها هذه الكلمة أو تلك في سياق معين من ~~القول، وينشأ الالتباس حين يعجز كل من السياق والتعريف عن حصر نطاق المعاني الخاص بكلمة ~~ما في معنى واحد بعينه، ونحن حين نقوم بخلط المعاني المختلفة لكلمة أو تعبير، عفوا أو ~~عن قصد، فإننا إذن نستخدم اللفظة استخداما مشتركا # equivocally ~~، وحين نفعل ذلك في مساق «حجة» # argument # نكون قد ارتكبنا «مغالطة الاشتراك» # fallacy of equivocation ~~، ذلك أن الحجة لا تكون منتجة منطقيا، ولا تؤدي ~~فعلها كحجة، ما لم تكن ألفاظها تحمل ذات المعنى في كل مرة ترد فيها، سواء في المقدمات ~~أو في النتيجة. # حين أقول لك «كن مؤمنا» فقد يعني ذلك «ثق في رحمة الله» وقد يعني «اعتقد في وجود ~~الله»، وحين أقول «إنني أعتقد في» الرئيس فلان فإن ذلك يعني أنني أثق في كفاءته كرئيس، ~~ولكن حين أقول «إنني أعتقد في» التلباثي (التخاطر) فإنني أستخدم التعبير نفسه ولكن ~~بمعنى جد مختلف، وهو أنني أعتقد في وجود ظاهرة التخاطر. # كذلك تحمل الألفاظ النسبية، من قبيل «جيد»، «قصير»، «صغير» ... إلخ، خطر الاشتراك حين ~~يساء استخدامها، من ذلك أن النملة «الكبيرة» تظل حيوانا «ضئيلا»، والفيل «الصغير» ~~يظل حيوانا «ضخما»! والباحث «الجيد» قد يكون محاضرا «رديئا» والجنرال «القدير» قد ~~يكون رئيسا «ضعيفا»، والانتقال من أي حد من هذه الحدود إلى الآخر يعد انتقالا ~~مغالطا. # أمثلة أخرى ~~(1) # كل قانون ينبغي أن يطاع. # قانون الجاذبية هو قانون؛ # إذن قانون الجاذبية ينبغي أن يطاع. ~~(هنا تستخدم لفظة «قانون» بمعنيين مختلفين، ويسمى هذا الصنف من ~~المغالطة «مغالطة التباس الحد الأوسط».) ~~(2) # كل العلوم تؤدي إلى الفهم الأفضل للعالم؛ # إذن علوم السحر تؤدي ms115 إلى فهم أفضل للعالم. ~~(حيث تستخدم كلمة «علوم» بمعنيين مختلفين.) ~~(3) # كل قتلة الأطفال غير إنسانيين (بمعنى غير رحماء)؛ # إذن ليس هناك قاتل أطفال ينتمي إلى النوع الإنساني (بمعنى الإنسان ~~العاقل # homo ~~sapiens ~~). ~~••• # للاشتراك طاقات بلاغية هائلة حين يستخدم للتأثير البياني والشعري والخطابي، ومن ~~الأمثلة المأثورة للاستخدام البلاغي الموفق للاشتراك قول بنيامين فرانكلين: ~~«إذا لم نتعلق ببعضنا البعض فسوف نتعلق على انفراد.» # if we don’t hang together، we will hang ~~separately. # حيث «نتعلق» الأولى تعني «نتضامن»، والثانية تعني «نشنق» غير أن الحجة صائبة لأننا ~~حقا إذا لم نتضامن في مراحل الصراع أو الثورة فثمة احتمال كبير بأن نفشل ونعدم ~~شنقا، وباستخدام ذات الكلمة بأكثر من معنى فقد تبلورت الفكرة واستوت في صياغة موفقة ~~تستقر في الذاكرة بسهولة ورسوخ. # ومن الاستخدامات المأثورة للاشتراك قول الإمام الشافعي: «ما جادلت عالما قط إلا ~~غلبته، وما جادلت جاهلا قط إلا غلبني!» # 2 # ومنها: «دولة الظلم ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة.» ~~«من الفن ألا يظهر الفن!» (حيث كلمة «فن» الأولى تعني # art # وكلمة «فن» الثانية تعني الصنعة # techne ~~). # ليس الاشتراك بحد ذاته مغالطا، غير أنه يبقى شركا لغويا منصوبا يجعلنا ~~عرضة للوقوع في المغالطة، وذلك حين ينجح الاشتراك في أن يجعل الحجة المغلوطة تبدو ~~حجة صائبة. ~~(2) التشابه (التباس المبنى/اشتراك التركيب) # Amphiboly # من الحيل المألوفة للعرافين أن يقدموا تنبؤاتهم بطريقة غامضة تجعلها عصية ~~على الإخفاق، تجعلها غير قابلة للدحض. # كارل بوبر # تعد العبارة «متشابهة» # amphibolous # إذا كان معناها ~~غير محدد، نتيجة لتفكك مبناها وتعثر الطريقة التي تتضام بها ألفاظها، بحيث تكون ~~قابلة، بسبب تركيبها، لأكثر من تفسير واحد، أي «حمالة أوجه»، # 3 # قد تكون العبارة المتشابهة صادقة وفقا لتأويل معين، وكاذبة وفقا ~~لتأويل آخر، فإن أوردناها كمقدمة على تأويل الصدق، واستخلصنا منها نتيجة على تأويل ~~الكذب، نكن قد وقعنا في «مغالطة التشابه» أو «الاشتباه» أو الالتباس النحوي أو التركيبي ~~(التباس المبنى) # amphiboly fallacy ~~. # من حيل المنجمين والكهان منذ أقدم العصور أن يصوغوا تنبؤاتهم في صيغ «متشابهة» ms116 ~~غامضة ملتبسة، بحيث تتملص من أي شيء كان حقيقا أن يكذب التنبؤ لو أنه كان محددا ~~دقيقا، إنها «خدع تحصينية» # immunization stratagems # تجعل النبوءة متمنعة على التكذيب أصلا وأساسا، وتجعلها مساوقة لكل ملاحظة ~~ممكنة، وموافقة للشيء ونقيضه، ومهما يكن مآل الأمور فإنه سيكون متفقا مع تأويل ~~معين من تأويلات العبارة، وقد دأب الناس بدورهم على أن يسبغوا على النبوءة التأويل ~~الذي يريدون، إن مغالطة التشابه مكينة في حياة البشر ضاربة في صميم العقل ~~الإنساني. # كانت المنطوقات المتشابهات هي عدة كاهنات الوحي في دلفي باليونان القديمة، يروي ~~هيرودوت أن الملك كروسوس ملك ليديا أخذ مشورة كاهنة الوحي في دلفي قبل أن يشرع في ~~حربه ضد سيرس (قورش) ملك فارس، فكانت النبوءة: # إذا ذهب كروسوس ليحارب سيرس فسوف يدمر مملكة عظيمة. # ابتهج كروسوس للنبوءة، وقد فهم أنها تعني أنه سوف يدمر مملكة فارس العظيمة، ~~فزحف بجيشه لقتال سيرس ولكنه مني بالهزيمة على يد ملك الفرس، وإذ كتب له البقاء فقد ~~عاد إلى دلفي وشكا مر الشكوى مما لحق به بعد أن تلقى مشورة الوحي، هنالك ردت ~~الكاهنات بأن نبوءة دلفي كانت صادقة تماما: «بذهابه إلى الحرب دمر كروسوس مملكة ~~عظيمة - مملكته هو!» والحق أنك لو أنعمت النظر في منطوق النبوءة فسوف تلاحظ أنها لم ~~تبين بوضوح أي «مملكة» تلك التي سيلحق بها الدمار، وقد ألمح هيرودوت إلى أن كروسوس ~~كان ينبغي عليه، لو أنه فطن حقا، أن يعود ثانية ليسأل الكاهنة أي «مملكة» ~~تعني. # وفي مسرحية مكبث لشكسبير تقول إحدى نبوءات الساحرات: «كن جريئا رابط الجأش فاقد ~~الرحمة، فلن يستطيع حي وضعته أنثى أن يضر بمكبث.» فلما اقتتل مكبث وعدوه ماكدوف قال ~~مكبث: «محال أن تحاول: ليس في طاقتك أن تسفك دمي، أكثر مما في قدرتك أن تطبع في الهواء ~~أثر حسامك، اذهب وحارب غيري ممن تمس جسومهم، أما جسمي ففي حماية رقية سحرية، لا ~~يحلها إلا رجل لم تضعه امرأة.» هنالك قال ماكدوف: «أنا ذلك الرجل، دع وهم رقيتك ~~السحرية، واعلم ms117 أن ماكدوف نزع من بطن أمه نزعا، ولم تضعه أمه وضعا.» لقد ولد ~~ماكدوف ولادة أشبه بالقيصرية ولم تلده أمه ولادة طبيعية، حين أدرك مكبث «التشابه» # amphiboly # الذي أضاعه صاح قائلا: # لا يحسن بعاقل منذ اليوم أن يصدق الشياطين الخداعين الذين يغروننا ~~بألفاظ ذات معنيين، فيسرون آذاننا بالمواعيد ثم يخيبون آمالنا - لن ~~أقاتلك. # أمثلة أخرى ~~(1) ~~«لا تقتل نفسك هكذا يا رجل، دعنا نساعدك.» ~~(2) # يقول الرجل لزميله في بلاد نيام نيام أكلة البشر: «الزعيم يريدك ~~للغداء.» ~~(3) ~~«إنني ضد الضرائب التي تعطل النمو الاقتصادي» (ماذا يريد هذا السياسي أن ~~يقول: هل يعني أنه مناوئ لكل الضرائب لأنها جميعا تعطل نمو الاقتصاد، أو ~~أنه مناوئ فقط لذلك الصنف من الضرائب التي من شأنها أن تعطل نمو الاقتصاد؟ ~~بوسعك بالطبع أن تؤول العبارة وفقا لهواك السياسي وبرنامجك الاقتصادي ~~وتحيزاتك الخاصة، وأن تضرب صفحا عن التأويل المضاد). ~~(4) ~~«في مقابل دهان مصنعي فأنا أتعهد بأن أدفع للسيد عطا الله مرزوق مبلغ ~~عشرة آلاف جنيه، وأن أعطيه سيارتي الفيات فقط إذا انتهى من الدهان قبل ~~يناير 2007» (إذا أنعمت النظر في منطوق هذا التعهد فسوف تجد أنه يحتمل أكثر ~~من ثلاثة تأويلات). ~~(5) ~~«كان ضرب زيد مبرحا» (لا يبين لنا تركيب الجملة ما إذا كان زيد ~~هو الضارب أو المضروب). ~~(6) # وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به ~~(المعنى إذا وقف على «الله» مغاير للمعنى إذا وقف على # والراسخون في العلم ~~). ~~(3) النبر # accent ~~(3-1) النبر على الأحرف داخل الكلمة (أرسطو) ~~«النبر» (الارتكاز، التشديد، التوكيد) من المغالطات الثلاث عشرة التي بينها ~~أرسطو في عمله الرائد # On sophistical refutations ~~، وهو ~~بالتحديد من الأغاليط الست المعتمدة على اللغة، والتي يقول عنها أرسطو: «تلك هي الطرق ~~التي قد نعجز بها عن أن نعني ذات الشيء باستخدام ذات الأسماء أو التعبيرات.» النبر، ~~إذن، عند أرسطو هو ضرب من مغالطة «الالتباس» # ambiguity ~~. # ولكي نفهم ما عناه أرسطو بالنبر ينبغي أن نعلم بعض الأشياء عن اللغة اليونانية ~~المكتوبة في زمنه، فإذا كانت اليونانية ms118 الآن تحتوي على علامات نبر تستخدم لتحديد ~~النطق، فإن هذه العلامات لم يكن لها وجود في الكتابة اليونانية القديمة، وإنما كان ~~يعرفها القارئ الملم باليونانية المنطوقة (مثلما هو الحال بالنسبة للغة العربية ~~القديمة الخالية من الإعجام؛ أي النقط، والتشكيل)؛ لذا كانت بعض الكلمات تنطق على ~~نحو مختلف بينما تكتب على نحو واحد، الأمر الذي يفتح باب الالتباس في اللغة ~~المكتوبة. # مثال ذلك أنه في الإنجليزية قد تنطق الكلمات المتشابهة الهجاء بالنبر على المقطع ~~الأول لتدل على الاسم، وبالنبر على المقطع الثاني لتدل على الفعل: من ذلك # record ~~= تسجيل، # record ~~= يسجل، وفي الإيطالية كلمة # capito # تعني «أصل» بينما # capito # بالنبر على حرف # i # تعني «فهمت»، وفي العربية: # ومن عنده علم الكتاب ~~(الرعد: 43) تقرأ أيضا «ومن عنده ~~علم الكتاب». # 4 ~~(3-2) النبر على الكلمة داخل العبارة # تعد حجة ما مخادعة وباطلة إذا تبدل المعنى داخلها نتيجة تبدل النبر على ~~كلماتها أو أجزائها، فإذا ما أتينا بمقدمة تعتمد في معناها على نبر كلمة معينة، ثم ~~استخلصنا منها نتيجة تعتمد على معنى الكلمات نفسها منبورة على نحو مختلف، نكون قد ~~ارتكبنا «مغالطة النبر» # fallacy of accent ~~. # أمثلة ~~(1) # ينبغي أن نكون «أمناء» مع أصدقائنا. # ينبغي أن نكون أمناء مع «أصدقائنا». # فهي بالنبر على كلمة «أمناء» تعني أننا ينبغي أن نكون أمناء بعامة ~~وفي المقام الأول، وهي بالنبر على كلمة «أصدقائنا» تعني أننا في حل ~~من الالتزام بالأمانة مع غير أصدقائنا. ~~(2) # جميع الناس خلقوا «سواسية». # جميع الناس «خلقوا» سواسية. # فإذا كان التشديد، أو النبر، على كلمة «سواسية» فإنها تعني المساواة ~~بين الناس على الإطلاق، أما إذا كان التشديد على كلمة «خلقوا» فقد ~~توحي بضدها: أي بأن جميع الناس ليسوا الآن سواسية، بذلك يتيح النبر ~~للناطق أن يومئ إلى السامع باستدلال معين ثم يتنصل منه فيما بعد ~~وينكر أنه قال ذلك! ~~(3-3) الاجتزاء ~~(الاقتباسات المنتزعة من سياقها/النبر على عبارات أو فقرات من سياق أعم.) # يلحق بعض المناطقة تلك الاقتباسات بالنبر، باعتبار أن الاجتزاء أو الاقتباس ~~المنبت عن ms119 سياقه يغير الارتكاز على نحو مضلل، بينما يعده البعض مغالطة ~~التباس منفصلة باعتبار أن ما يفعله فقدان السياق هو أكبر من ذلك: إنه السماح ~~بعودة الغموض الطبيعي للكلمات لكي يؤكد نفسه، ذلك أن السياق، مثلما ألمحنا من قبل، ~~هو قوام المعنى ومحدد القصد ومانع الالتباس، وفي غياب السياق يختلط حابل المعنى ~~بنابله، ويمكن للمغالط أن يأسر ما شاء من المقاطع «السائبة» ويرتكز عليها ~~ويحملها أي معنى يريد! # أمثلة ~~(1) # في الحملة الانتخابية عام 1966م ادعى الجمهوريون أن ألجور، نائب ~~الرئيس، قد قال «ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة»، وإنه ~~لقائلها! غير أن سياق عبارته كالتالي: «بعض علماء شركات الدخان سوف ~~يدعون بصفاقة أن ليس هناك صلة مؤكدة بين التدخين وسرطان الرئة ...» غير ~~أن الأدلة الراجحة المقبولة لدى الأغلبية الساحقة من العلماء تقول: ~~«نعم، التدخين يسبب سرطان الرئة.» ~~(2) # في ظهر كتابه الأخير ادعى المؤلف فوسيدال أن سيدني بلومنثال يقول ~~عنه: «يعتبره الكثيرون أنبه صحفيي جيله»، وهي عبارة منتزعة من سياق ~~ينتقد فيه بلومنثال المفكرين المحافظين ويقول، قاصدا تسفيههم بمثال: ~~«بين اليمنيين المحافظين فإن واحدا مثل فوسيدال «يعتبره الكثيرون أنبه ~~صحفيي جيله»!» ~~(3) # في إعلان للدعاية: تخفيضات تصل إلى 90٪ (مع تكبير 90٪ وتصغير «تصل ~~إلى») أما إذا استعرضت السلع فسوف تجد أن ما «وصل» تخفيضه إلى تسعين ~~بالمائة هو جانب لا يذكر من السلع، بينما الغالبية العظمى من ~~التخفيضات هي أقل كثيرا من ذلك. ~~(4) # حتى الصدق الحرفي يمكن أن يستخدم للخداع بالنبر: كان قبطان إحدى ~~السفن ممتعضا من معاونه الأول الذي كان مخمورا على الدوام أثناء ~~العمل، فجعل يكتب كل يوم تقريبا بسجل الأداء: «المعاون سكران اليوم»، ~~فلما تولى المعاون عملية التسجيل إذ كان القبطان مريضا، فقد ثأر ~~لنفسه وكتب في السجل: «القبطان غير سكران اليوم!» ~~(5) # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلاة ~~(النساء: 43)، # فويل ~~للمصلين ~~(الماعون: 4). ~~(3-4) ألوان أخرى من النبر # يعرف الموسيقيون وقائدو الأوركسترا أننا لو غيرنا الارتكازات في العزف لخلقنا ~~لحنين مختلفين! ويعرف التشكيليون أننا لو غيرنا الارتكازات في اللوحة ms120 لخلقنا ~~دلالتين مختلفتين، والنبر في الشعر أيضا يسمى «ارتكازا» # ictus # إذ تتميز بعض المقاطع عن بعض بالشدة أو اللين ~~(الارتفاع أو الانخفاض) ويكون ذلك ناشئا عن احتشاد الجهاز الصوتي عند إخراج بعض ~~المقاطع دون بعض، وفي عروض الشعر العربي يضطلع النبر بدور مهم ما زال قيد الدراسة ~~والبحث، وقد قدم الدكتور شكري عياد مشروع دراسة علمية بعنوان «موسيقى الشعر العربي» ~~أفاض فيها في تبيان تأثيرات النبر على الوقع الموسيقي للشعر، # 5 # ويذهب الدكتور محمد النويهي في كتابه «قضية الشعر الجديد» إلى أن النبر ~~يمكن أن ينشئ نظاما جديدا للعروض العربي، مثال ذلك أن في العروض العربي بحرا ~~شديد الارتباط بنظام النبر والتأثر به، وهو بحر المتدارك أو الخبب، فالنبر «يلون» ~~الإيقاع في بحر الخبب ويخرجه من أسر النظام الكمي الدقيق، ويمضي الدكتور النويهي ~~إلى أبعد من ذلك فيقول: إن هذا البحر ينقسم إلى قسمين عظيمين يكاد كل منهما يكون ~~بحرا مستقلا إذا استمعنا إلى النظام النبري الغالب فيه. # وفي المذاهب والأيديولوجيات تقوم «الأولويات» مقام النبر، بمعنى أننا لو غيرنا ~~ترتيب الأولويا ت في مذهب أو عقيدة لخرجنا بمذهب آخر وعقيدة أخرى من حيث النتاج ~~والأثر، يعرف ذلك كثير من الأيديولوجيين حتى ليذهب بعضهم إلى أن إصلاح مذهب أو ~~عقيدة ربما تطلب تغيير الأولويات دون مساس بجوهر أي مفهوم فرعي بحد ~~ذاته! # الفصل الثالث والعشرون # | مغالطة التركيب والتقسيم # composition and division # تتمثل مغالطة التركيب والتقسيم في الانتقال غير المشروع من خصائص الكل إلى خصائص أجزائه ~~المكونة (تقسيم # division ~~)، أو الانتقال، على العكس، من ~~خصائص المكونات إلى الكل (تركيب # composition ~~)، إنها ل ~~«نقلة خاطئة» تخرق قواعد الاستخدام اللغوي والمنطقي السليم أن تنسب صفات الكل إلى ~~الأجزاء، أو، في الاتجاه المقابل، أن تنسب صفات الأجزاء إلى الكل بوصفه كلا، ذلك أن خصائص ~~الكل (بوصفه كلا) وخصائص الجزء (إذ يفرد على حدة) ليست دائما بالشيء الواحد، ولا ينبغي ~~أن نتوقع تطابقها في جميع الأحوال. ~~(1) مغالطة التركيب # composition # هي مغالطة إضفاء صفات الجزء على الكل. ms121 # يقع المرء في مغالطة التركيب حين يذهب إلى أن ما يصدق على أفراد فئة ما، أو أجزاء ~~كل ما، يصدق أيضا على الفئة (معتبرة كوحدة واحدة) أو على الكل بوصفه كلا. # ألا نشهد كل يوم مدربا رياضيا يستورد، من الخارج والداخل، خيرة اللاعبين ~~وأعلاهم سعرا، ويشكل منهم فريقا كل أفراده نجوم متلألئة، فإذا بفريق الأحلام هذا ~~يفشل في كل المسابقات فشلا مستغربا، لا تفسره مهارات لاعبيه ونجوميتهم؛ ذلك أن ~~الفريق هو الكل العضوي المتآلف وليس المجموع الجبري لأعضائه. # يعرف ذلك أيضا قائدو الأوركسترا المتمرسون، فقد تضم الأوركسترا أمهر العازفين ~~قاطبة ثم لا تتألف منهم فرقة ناجحة؛ ربما لأن كل عازف من هؤلاء يكون مأخوذا أكثر مما ~~ينبغي بعرض براعته بحيث لا يأتي النغم الكلي وحدة متسقة. # كذلك هو الحال في ميادين القتال، فقد يعن لقائد عمليات خاصة أنه حين يضم في فوجه ~~أقوى رجال الجيش جميعا يستوي له أقوى فرق العمليات، غير أن قوة الفوج تعتمد على عوامل ~~أخرى غير قوة كل جندي على حدة: تعتمد على انسجام الأداء وسرعته، والروح المعنوية للفريق ~~وقدرته على العمل تحت أصعب الظروف وأقل الإمدادات. # تكمن المغالطة هنا في عدم القدرة على إدراك أن الجماعة كيان قائم بذاته ومتميز عن ~~أعضائه، ويتصف من ثم بخصائص قد لا تنطبق على الأفراد، ومهما تقدم من بينة لإثبات ~~جودة هؤلاء الأعضاء، كل على حدة، فإن هذه البينة غير ذات صلة حين يتعلق الأمر بتقييم ~~الجماعة. # وكثيرا ما نشهد في حياتنا الواقعية أمورا تصدق على الأفراد، أو قطاعات من الأفراد، ~~غير أنها لا تعود كذلك إذا توسعنا فيها لتشمل الجماعة بأسرها: خذ الدعم الحكومي كمثال: ~~تدعم الحكومة الحبوب فيستفيد المزارعون، وتدعم الجلود فيستفيد منتجو الجلود ... وهكذا. ~~من التسرع رغم ذلك أن «نمد تقديرنا الاستقرائي» # extrapolation # ونقول: إن الاقتصاد كله حقيق ~~بالفائدة إذا دعمنا جميع المنتجات، ذلك أن المزارعين ومنتجي الجلود لا يستفيدون إلا إذا ~~كانوا ضمن فئة صغيرة تستفيد من الدعم على حساب كل فرد آخر، فإذا ما ms122 امتد المبدأ ليشمل ~~الجميع فإن كل فرد ينال الدعم، وكل فرد يدفع الضرائب للحكومة لكي تقدم الدعم، وكل فرد ~~من ثم يخسر الكثير مما يصب في جيب البيروقراطية التي تدير هذه التحويلات! # حين ننعم النظر إلى مفهوم ال «كل» # Whole # نجد ~~لدينا صنفين من الكل: هناك «الكل البنائي أو ~~التركيبي» # structured whole # 1 # أي الكل «المركب» من أجزاء مثل: الآلة، ~~فريق الكرة، العمل الروائي ... إلخ، وهو بالطبع أكثر من مجموع أجزائه، وهناك أيضا ~~«الكل غير التركيبي» # unstructured whole # أو الكل ~~التراكمي، وهو كومة من الوحدات أو العناصر التي تؤلف هذا الكل، في هذه الحالة يكون الكل ~~هو مجرد مجموع عناصره لا أكثر، مثال ذلك حبات الفول في العلبة أو حبات الرمل في حفنة ~~الرمل أو النسخ المفردة في الرزمة، وفقا لهذا التقسيم لمفهوم «الكل» يمكننا أيضا تصور ~~صنفين من مغالطة التركيب: ~~(1) # مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الأجزاء إلى خصائص الكل بوصفه ~~كلا، مثال ذلك أن نقول: «كل جزء من أجزاء هذه الآلة خفيف الوزن؛ إذن هذه ~~الآلة خفيفة الوزن.» أو أن نقول: «كل مشهد في هذه المسرحية متقن فنيا؛ ~~إذن هذه المسرحية متقنة فنيا.» أو أن نقول: «كل قطعة من الأسطول جاهزة ~~للقتال؛ إذن الأسطول جاهز للقتال.» ~~(2) # مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الأفراد أو العناصر إلى خصائص ~~الفئة الكلية التي تضم هذه العناصر، مثال ذلك أن نقول «الباص يستهلك ~~بنزينا أكثر من السيارة الخاصة؛ إذن الباصات (كفئة) أكثر استهلاكا ~~للبنزين من السيارات.» # بوسعنا أن نرد هذا الصنف من مغالطة التركيب إلى الخلط بين الاستعمال «الإفرادي» # distributive # والاستعمال «الجمعي» # collective # للحدود العامة أو الكلية، الحق أننا ~~نستخدم أحيانا الأسماء العامة، أو حتى كلمة «كل» نفسها، ونقصد بها «كل فرد» من الفئة ~~معتبرا على حدة، ونستخدمها أحيانا أخرى ونعني بها «الفئة» ككل. نعم، الباصات تستهلك ~~بنزينا أكثر من السيارات الخاصة «إفراديا» # distributively # أي باعتبار كل باص وكل سيارة على حدة، أما «من الوجهة الجمعية» # collectively # فالسيارات الخاصة أكثر ~~استهلاكا بكثير ms123 نظرا لكثرتها العددية. تكمن المغالطة هنا في القول بأن ما يمكن إسناده ~~إلى اللفظة الكلية على نحو «إفرادي» يمكن إسناده إليها أيضا على نحو «جمعي». ~~(1-1) متى يكون الانتقال من خصائص الأجزاء إلى خصائص ~~الكل مشروعا؟ # الحق أن الانتقال بين خصائص الأجزاء وخصائص الكل يكون مشروعا في كثير من الأحيان ~~(وربما في أغلبها)، إنما نهدف من تحليل المغالطات إلى أن نضبط تفكيرنا في جميع ~~الأحوال، وأن نقف على الأساس المنطقي الذي يجعل نقلتنا الاستدلالية صحيحة ويزعنا ~~من النقلات الخاطئة في التأمل وفي الجدل، انظر إلى الأمثلة التالية وجميعها صائبة ~~في الانتقال من خصائص الأجزاء إلى خصائص الكل: # جميع أجزاء هذا الكرسي بيضاء؛ # إذن هذا الكرسي أبيض. # جميع أجزاء هذا الجلباب قطنية؛ # إذن هذا الجلباب قطني. # كل جزء من هذه الآلة حديدي؛ # إذن هذه الآلة حديدية. # ما الذي يجمع بين هذه الخصائص «أبيض للكرسي»، «قطني للرداء»، «حديدي للآلة»، ~~ويجعل الانتقال مشروعا من الجزء إلى الكل؟ # يردنا هذا السؤال إلى تقسيم للخصائص من حيث كونها: # مطلقة أو نسبية. # معتمدة على البنية أو مستقلة عن البنية. # الخصائص المطلقة: # هي التي لا تنطوي على مقارنة، صريحة أو ضمنية، بشيء آخر، أو ~~بمعيار أو محك مثال ذلك أسماء الألوان، أو الخامة المصنوع منها شيء ~~ما، أو الصفات المتعلقة بالشكل أو الحقائق الثابتة مثل قابلية ~~الاشتعال أو السمية أو قابلية الأكل ... إلخ، أمثلة للخصائص ~~المطلقة: أبيض، أحمر، قطني، دائري، مربع، سام ، قابل للاشتعال ~~... # الخصائص النسبية: # هي التي تنطوي على مقارنة، صريحة أو ضمنية، بشيء آخر، أو بمعيار ~~ما، مثل وزن الشيء، ومثل المقاسات (الطول والعرض والعمق والحجم ... ~~إلخ)، ومثل القوة، السعر، صفات الشخصية، المظهر ... إلخ. # الخصائص ~~المستقلة عن البنية # structure-independent properties ~~: # مثالها: أخضر، نحاسي، ثقيل، خفيف، قوي ... # الخصائص المعتمدة ~~على البنية # structure-dependent properties ~~: # مثالها: جيد، رديء، مثلث، مربع، قوي، قابل للأكل. # خلص بعض المناطقة إلى أن الانتقال بين صفات الكل وصفات الجزء لا تكون مشروعة إلا ~~في حالة الخصائص «المطلقة المستقلة عن البنية»، وفيما عدا ذلك ms124 من الخصائص يكون ~~الانتقال عرضة لخطأ التركيب والتقسيم. # أمثلة أخرى لمغالطةالتركيب # جميع أجزاء هذه الآلة خفيفة الوزن؛ # إذن هذه الآلة خفيفة الوزن. # جميع مكونات هذا العقار رخيصة؛ # إذن هذا العقار رخيص. # كلا العددين 1، 3 هو عدد فردي. # 1، 3 هما كل أجزاء العدد 4؛ # إذن العدد 4 هو عدد فردي. # الذرات لا لون لها. # الكرة مكونة من ذرات؛ # إذن الكرة لا لون لها. # الصوديوم والكلور كلاهما سام للإنسان؛ # إذن كلوريد الصوديوم (ملح الطعام) سام للإنسان. # الهيدروجين غاز قابل للاشتعال، والأكسجين غاز يساعد على الاشتعال؛ ~~إذن المادة المكونة من اجتماعهما (الماء) ينبغي أن تكون غازا هائل ~~الاشتعال. # أعرف أنك تحب الحليب، وتحب التمر، وتحب السمك وقد خلطها لك جميعا ~~في هذا الطبق الذي تشتهيه! # الفيل يأكل أكثر مما يأكله الفأر أضعافا مضاعفة؛ # إذن الفيلة (كفئة) تأكل أكثر مما يأكله جميع الفئران على ~~الأرض. # القنبلة النووية أكثر تدميرا من القنبلة العادية؛ # إذن القنابل النووية التي ألقيت في الحرب العالمية الثانية خلفت ~~دمارا أكثر مما خلفته جميع القنابل الأخرى. # كل عضو في المحكمة العليا لديه تحيزاته الشخصية؛ # إذن قرارات المحكمة ككل هي النتاج المحتوم لهذه العناصر الشخصية. ~~(لاحظ أن فكرة القرارات الجمعية ذاتها هي أن تجمع المعرفة يمهد ~~لحكم أقرب إلى الصواب من حكم أي عضو واحد من المجموعة إذ يفكر ~~بمفرده.) # أفاد أحد أعضاء المجلس بأن فرض تعريفة على اللحوم سوف يفيد منتجي ~~اللحوم، وفرض تعريفة على الفحم سوف يفيد عاملي المناجم، وفرض تعريفة ~~على لعب الأطفال سوف يفيد منتجي اللعب، وبالتالي فإن فرض تعريفة على كل ~~السلع سوف يفيد منتجيها، وبالتالي سوف يفيد المجتمع ككل. (لاحظ أن جميع ~~المنتجين هم أيضا مستهلكون، وبالتالي فإن فرض تعريفة على كل شيء قد ~~يكلف الناس، إجماليا، أكثر مما يفيدهم، كما أنه يفضي إلى مضاعفات ~~وخيمة على التجارة الدولية وعلى الإنتاج المحلي.) # جميع أجزاء هذا الشكل مثلثة؛ # إذن هذا الشكل مثلث! ~~(2) مغالطة التقسيم # division # مغالطة التقسيم هي، ببساطة، مقلوب مغالطة التركيب أو ظلها؛ أي إضفاء خصائص الكل ms125 ~~على المكونات، أو الانتقال غير المشروع من خصائص الكل إلى أجزائه المكونة، يقع المرء في ~~هذه المغالطة حين ينسب إلى أفراد جماعة شيئا لا يصدق إلا على الجماعة كوحدة، أو حين ~~يظن أن ما يصدق على الكل لا بد له من أن يصدق أيضا على أجزائه. # يمكننا تصنيف هذه المغالطة أيضا، وفقا لتصنيف مفهوم «الكل» إلى «كل تركيبي ~~بنيوي»، و«كل تراكمي غير بنيوي»، إلى نوعين: ~~(1) # مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الكل بوصفه كلا إلى خصائص أجزائه ~~المكونة، مثال ذلك أن تقول: هذه الآلة ثقيلة، أو معقدة أو ثمينة، إذن هذا ~~الجزء أو ذاك من الآلة هو بالضرورة ثقيل (أو معقد أو ثمين)، أو أن تقول إن ~~سكن الطلاب ضخم جدا، إذن غرفة هذا الطالب المقيم في هذا السكن لا بد ~~من أن تكون غرفة كبيرة. ~~(2) # مغالطة الانتقال غير المشروع من خصائص الفئة الكلية إلى خصائص الأفراد أو ~~العناصر المكونة لهذه الفئة، مثال ذلك أن تقول: إن طلاب الجامعة يدرسون ~~الطب والهندسة والقانون والأسنان والعمارة، إذن هذا الطالب الجامعي أو ذاك ~~يدرس الطب والهندسة والقانون والأسنان والعمارة، ذلك أن طلاب الجامعة من ~~«الوجهة الجمعية» # collectively # يدرسون ~~فعلا كل هذه الأفرع، غير أن من الخطأ أنهم «إفراديا» # distributively # يدرسون كل هذا، ~~وكثيرا ما تبدو الحجج المعتمدة على هذه المغالطة شبيهة جدا بالحجج ~~الصائبة؛ وذلك لأن من الحق أن ما يصدق «إفراديا» على الفئة الكلية يصدق ~~أيضا على كل عضو فيها (إذا كانت الجماعة «س» مثلا هم من الأطباء، فمن ~~البين أن هذا العضو أو ذاك من هذه الفئة هو بالضرورة طبيب) ومن ثم ~~ينبغي التفطن إلى المغالطة الخفية التي تنتقل من صفة تصدق «جمعيا» على فئة ~~كلية وتلصقها بكل فرد من أفراد هذه الفئة (مثال ذلك: التعليم في الأردن ~~رفيع المستوى، إذن هذا الخريج الأردني رفيع المستوى). # كثيرا ما تستخدم مغالطة التقسيم لجلب شرف شخصي إلى حوزتنا بفضل انتمائنا لفئة تستحق ~~التقدير، مثال ذلك أن أقول لك: ~~«المصريون نوابغ في الطب ms126 منذ أقدم العصور، إذن دع لي هذا المريض وكن مطمئنا.» # وكثيرا ما تستخدم، بنفس القياس، لجلب الخزي إلى مناوئينا بسبب انتمائهم لفئة موصومة ~~بشيء معين. ~~(2-1) أمثلة أخرى لمغالطة التقسيم # العدد 4 عدد زوجي. # 1، 3 هما كل أجزاء العدد 4؛ # إذن 1، 3 هما عددان زوجيان. # الكرة زرقاء؛ # إذن الذرات التي تكون الكرة هي أيضا زرقاء. # الخلية الحية هي مادة عضوية؛ # إذن المواد الكيميائية المكونة للخلية لا بد من أن تكون أيضا ~~مادة عضوية. # كلوريد الصوديوم (ملح الطعام) مادة قابلة للأكل؛ # إذن كل من الكلور والصوديوم هو مادة قابلة للأكل. # القنابل التقليدية أحدثت دمارا أكثر مما أحدثته قنبلتا هيروشيما ~~وناجازاكي في الحرب العالمية؛ إذن القنبلة التقليدية أشد تدميرا من ~~القنبلة النووية. # هذا الجدار القرميدي طوله عشرة أقدام؛ # إذن قوالب القرميد في هذا الجدار طولها عشرة أقدام. # المخ قادر على التفكير والوعي؛ # إذن كل خلية مخية قادرة على التفكير والوعي. # مجلس الوزراء متردد في اتخاذ القرار؛ # إذن الوزراء مترددون في اتخاذ القرار. (لاحظ أن المجلس، معتبرا ككل، ~~قد يكون مترددا لا لشيء إلا لأن نصف أعضائه يرون بحسم عكس ما يراه ~~النصف الآخر بحسم مثله.) # يستطيع النمل أن يدمر شجرة؛ # إذن هذه النملة تستطيع أن تدمر شجرة. # الشعراء في مصر ينقرضون؛ # إذن الشاعر مسعد عبد العاطي ينقرض. # الفصل الرابع والعشرون # | إثبات التالي # affirming the consequent # العبارة الشرطية # conditional # هي العبارة التي تضع ~~شرطا # condition ~~(يسمى المقدم # antecedent ~~) ثم تمضي (في «التالي» # consequent ~~) لتتحدث عما يلزم عن هذا الشرط؛ أي لتتحدث عما يكون عليه الحال ~~إذا ما تحقق هذا الشرط، وفي مغالطة إثبات التالي يتم الانتقال في الاتجاه العكسي، من إثبات ~~التالي إلى إثبات المقدم. # في كتابه «المنطق الصوري والرياضي» يقول د. عبد الرحمن بدوي: «يقع المرء في هذه الأغلوطة ~~حينما يعتقد أن الشرط ولازمه (أي المقدم والتالي) في القضية الشرطية منعكسان؛ أي أن ~~بوسعه أن يعكس القضية فيمضي من التالي إلى المقدم، مثلما هو يمضي من المقدم إلى التالي، ~~كأن يقول: # إذا كان ms127 الحكم النيابي صالحا لمصر لبقي فيها مدة طويلة، # وما دام الحكم النيابي قد بقي في مصر مدة طويلة؛ # إذن هو حكم صالح لمصر. # وترتكب هذه الأغلوطة في كل حالة نعتقد فيها أن ~~نظرية ما صحيحة لأن نتائجها التي لا بد أن توجد إذا كانت صحيحة هي نتائج موجودة؛ فنظن أن ~~التحقيق # verification # كاف للبرهنة على صحة النظرية، ~~والاستنتاج في هذه الأحوال لا يكون صحيحا إلا في الحالة التي نجزم فيها بأن هذه النظرية ~~وحدها هي التي تفسر حدوث هذه النتائج، وفيما عدا ذلك لا يكون الاستنتاج مفيدا لليقين.» # 1 # يرى البعض أن هذا في حقيقة الأمر هو أساس المنهج العلمي: فإذا كانت النظرية العلمية «أ» ~~يلزم عنها التنبؤ «ب»، فإن كل ملاحظة صادقة للتنبؤ «ب» تزيد من احتمال صدق النظرية «أ»: # إذا صدقت النظرية «أ» لوجد التنبؤ «ب»، # التنبؤ «ب» موجود؛ # إذن النظرية «أ» صادقة. # وهو كما ترى مأزق حقيقي تقع فيه نظرية «التحقيق» # verification ~~(أو التأييد # confirmation ~~) ~~فمهما جمعنا من ملاحظات عن «ب» التي تلزم عن «أ»، فسوف يظل هناك احتمال قائم أبدا بأن تأتي ~~الملاحظة القادمة مكذبة للنظرية «أ». ~~••• # والآن انظر إلى الحجة التالية: # إذا كان شيء ما إنسانا فهو إذن فان. # سقراط إنسان؛ # إذن سقراط فان. # إنها بالطبع حجة صائبة تماما ولا غبار عليها البتة، ولكن انظر إلى الحجة القادمة التي ~~يتم فيها عكس القضية والمضي من إثبات التالي إلى البرهنة على المقدم: # إذا كان شيء ما إنسانا فهو فان، # سالي فانية؛ # إذن سالي إنسان. # وهنا يتبدى الخطأ بوضوح، فالحق أن سالي قد تكون قطة، فانية بكل تأكيد، ولكنها ليس ~~إنسانا. وانظر إلى الحجة التالية: # إذا كنت أنا أطول من سلمى، لكانت سلمى قصيرة. # سلمى قصيرة؛ # إذن أنا أطول من سلمى. # ومن الشائق حقا أن دراسة أجريت على الأشخاص غير المدربين في المنطق قد كشفت أن أكثر ~~من ثلثي المشاركين يقبلون مثل هذه الحجج المغلوطة، # 2 # إنها حجج تتشبه بالحجة الأولى الصحيحة التي صورتها: # إذا كان «أ» ms128 كان «ب»، وما دام هناك «أ»، إذن هناك «ب». # أو بتعبير آخر: # إذا «أ» إذن «ب»، ~~«أ» # إذن «ب». # غير أنها تختلف عن هذا اختلافا مهما؛ لأن صورتها كالآتي: # إذا كان «أ» كان «ب»، وما دام هناك «ب»؛ إذن هناك «أ». # أو بتعبير آخر: # إذا «أ» إذن «ب»، ~~«ب» # إذن «أ». # فالمشكلة هنا هي وجود افتراض مضمر مفاده أن «أ» فقط هي التي يلزم عنها «ب»، وهو افتراض لم ~~يرد في القياس، ذلك أن قياس الحجة يترك الاحتمالات مفتوحة لأشياء أخرى يلزم عنها «ب». يمكن ~~أن يترجم هذا إلى الصورة التالية: # إذا «أ» إذن «ب»، # إذا «ج» إذن «ب»، ~~«ب» # إذن «أ». # وهو كما ترى قياس بين الخطأ، ولا يصح عكس القضية الشرطية إلا إذا أخذت صورة: إذا - وفقط ~~إذا - «أ» إذن «ب» # if, and only if, A then B ~~. ~~••• # يندر أن ينخدع أحد بهذه المغالطة حين تأتي في صورة صارخة فجة، غير أنها قد تخفى على ~~أفطن الناس عندما تأتي متسربلة بنصوص جليلة أو مشحونة بعواطف قوية، وكثيرا ما نصادف هذا ~~الخطأ المنطقي في الإعلانات التليفزيونية والخطب السياسية: # إذا كنت فتى رياضيا جذابا قوي الشخصية فسوف ترغب في شراء سيارة # BMW ~~. # وباقي القياس مضمر تقديره: # أنت ترغب في شراء سيارة # BMW ~~. # أنت، إذن، فتى رياضي جذاب قوي الشخصية. # ومن الثابت المسجل تاريخيا أن كلا الطرفين في المناقشات عن الإرهاب في بريطانيا قبل ~~تفجيرات 7 يوليو 2005 كانا يستخدمان هذه المغالطة، فقد كان بعض أعضاء الحكومة البريطانية ~~يحاج بأن القوانين البريطانية المضادة للإرهاب كافية لمنع أي هجمات إرهابية، ومن حيث إنه ~~لم تحدث هجمات إرهابية في بريطانيا، إذن القوانين البريطانية المضادة للإرهاب كافية: # إذا كانت القوانين المضادة للإرهاب كافية فلن تحدث؛ إذن هجمات إرهابية، # لم تحدث هجمات إرهابية؛ # إذن القوانين المضادة للإرهاب كافية. # هكذا استخدم أعضاء الحكومة البريطانية حجة «إثبات التالي» # affirming the consequent ~~، والتي تبين خطؤها في 7 يوليو 2005، أما الطرف الآخر، ~~أنصار الحريات المدنية، فقد حاجوا بأنه لا ms129 حاجة لبريطانيا إلى قوانين جديدة لأن ~~الإرهابيين لا يستهدفون سوى الولايات المتحدة، وكان تبريرهم لذلك هو أنه لو كان الإرهابيون ~~معنيين بمهاجمة بريطانيا لحدثت هجمات إرهابية، وهو ما لم يحدث: # إذا كان الإرهابيون معنيين ببريطانيا لحدثت هجمات إرهابية، # لم تحدث هجمات إرهابية؛ # إذن الإرهابيون غير معنيين ببريطانيا. # وهو أيضا مثال ل «إثبات ~~التالي» # affirming the consequent # الذي تبين خطؤه في السابع من يوليو 2005. ~~(1) أمثلة أخرى لمغالطة إثبات التالي # إذا كنت في الإسكندرية فأنا في مصر. # أنا في مصر؛ # إذن أنا في الإسكندرية. # إذا كانت الطاحونة تلوث مياه النهر لزادت حالات موت الأسماك. # حالات موت الأسماك في ازدياد؛ # إذن الطاحونة تلوث مياه النهر. (من الواضح أن موت الأسماك يمكن أن يحدث ~~لأي سبب آخر، كاستخدام المبيدات الحشرية.) # أنت تكذب في قولك، وأنت لا تجيد الكذب فيحمر وجهك دائما عندما ترتكبه، ~~وها هو وجهك متورد وأنت تتحدث. # إذا سقط المطر لابتل الرصيف. # الرصيف مبتل؛ # إذن لا بد من أن يكون المطر قد سقط. (قد تكون البلدية قد غسلت الرصيف ~~للتو!) # إذا كان ستيفن كينج هو الذي كتب الأناجيل لكان كاتبا رائعا. # ستيفن كينج كاتب رائع؛ # إذن ستيفن كينج هو الذي كتب الأناجيل. # جميع الفصاميين يتصرفون بطريقة غريبة. # هذا الشخص يتصرف بطريقة غريبة؛ # إذن هذا الشخص فصامي. # إذا كان هذا المتهم أهلا للمحاكمة فسوف يجيب بالتأكيد عن 80٪ على الأقل ~~من أسئلة هذا الاختبار. # هذا المتهم أجاب عن 87٪ من أسئلة الاختبار؛ # إذن هذا المتهم أهل للمحاكمة (بالطبع قد يكون فاقدا للأهلية لدواع أخرى ~~لا يحصرها الاختبار). # إذا حظرنا مباريات الكرة بجميع مستوياتها لقضينا على ظاهرة الشغب في ~~الملاعب. # القضاء على ظاهرة الشغب في الملاعب أمر مرغوب؛ # إذن حظر المباريات جميعا أمر مرغوب . # إذا حظرنا كل علاقة جنسية لقضينا على مرض الإيدز. # القضاء على مرض الإيدز أمر مرغوب؛ # إذن حظر العلاقات الجنسية أمر مرغوب. # إذا كان لسالي جراء فإنها بالضرورة كلبة أنثى. # سالي كلبة أنثى؛ # إذن سالي لها جراء. ~~(2) إنكار المقدم # denying the antecedent # قلنا ms130 إن القضية الشرطية هي العبارة التي تضع شرطا (يسمى «المقدم» # antecedent ~~) ثم تمضي (في «التالي» # consequent ~~) لتتحدث عما يكون عليه الحال إذا ما تحقق ~~هذا الشرط، أي ما يلزم عن هذا الشرط، وفي مغالطة إنكار المقدم تقرر المقدمة الأولى ~~عبارة شرطية؛ ثم تقوم المقدمة الثانية بإنكار مقدم هذه العبارة الشرطية (أي إنكار ~~الشرط) ثم تدعي الحجة أنه يترتب على ذلك إنكار التالي (أي إنكار اللازم الذي يترتب على ~~الشرط). # وبعبارة أخرى: يقع المرء في مغالطة إنكار المقدم إذا قام في قضية شرطية بنفي المقدم ~~واستنتج من ذلك نفي التالي، كما في المثال الآتي: # إذا كنت نائما فإن عيني تكون مغمضة، # أنا لست نائما؛ # إذن عيني ليست مغمضة. # وصورته: # إذا «أ» إذن «ب» # لا «أ»؛ # إذن لا «ب». # إن حقيقة أن عيني تكون مغلقة أثناء النوم لا تمنع احتمال أن أغلقها وأنا في تمام ~~اليقظة، غير أن هذا النوع من الاستنباط قد يكون خادعا جدا إذا كان مطمورا في حجة ~~أكثر تعقيدا؛ وذلك بسبب الخلط بين معنى «إذا» ومعنى «إذا وفقط إذا»، فالحق أن الحجة ~~السابقة تكون صائبة إذا كانت المقدمة الأولى تقرر أنني لا أغلق عيني إلا عندما أكون ~~نائما. # يكثر استخدام هذه المغالطة من قبل المحامين، إذ يدعون أن غياب دليل معين هو ~~برهان على براءة المتهم، فإذا اختفى الشخص س، مثلا، والذي تشير الأدلة إلى أن المتهم ~~قد قام بقتله، فإن المحامي قد يدفع بأنه من دون جثة فليس بالإمكان إثبات القتل: # إذا عثر على جثة «س» فقد يكون موكلي قد قتله، # لم يعثر على جثة «س»؛ # إذن موكلي لا يمكن أن يكون قد قتل «س». # وهي كما ترى مغالطة، يعبر عنها بالمبدأ المأثور «غياب الدليل ليس دليلا»، وإن تكن ~~المغالطة أعقد من ذلك. ~~(2-1) أمثلة أخرى لمغالطة إنكار المقدم # كل الطيور لها أجنحة. # الخفاش ليس من الطيور؛ # إذن الخفاش ليس له أجنحة (بالطبع كون الطيور جميعا ذوات أجنحة لا ~~يمنع أن تكون هناك مخلوقات أخرى، كالحشرات والخفافيش، ms131 ذات ~~أجنحة). # سعيد يلعب الشطرنج دائما على الغداء يوم الأربعاء. # وبما أن اليوم هو الخميس؛ # إذن من المحال أن سعيدا يلعب الشطرنج الآن. ~~(بالطبع لا شيء يمنع سعيدا من أن يلعب الشطرنج في الأيام ~~الأخرى.) # إذا كانت السماء تمطر فإن الرصيف يكون مبتلا. # السماء لا تمطر منذ أسبوع؛ # إذن الرصيف لا بد من أن يكون جافا. ~~(بالطبع ليس هناك استحالة في أن يكون الرصيف قد تم غسله ~~للتو.) # إذا كنت في الإسكندرية فإنا إذن في مصر. # أنا لست في الإسكندرية؛ # إذن أنا لست في مصر. # كل الطماطم حمراء (إذا كان شيء ما هو طماطم فلا بد من أن يكون ~~أحمر). # هذا ليس من الطماطم؛ # إذن هذا ليس أحمر. # إذا كانت سياساته ناجعة فإن البطالة سوف تنكمش. # ولكن سياساته غير ناجعة؛ # إذن البطالة لن تنكمش. ~~(بالطبع قد تكون هناك أسباب أخرى تفضي إلى انكماش البطالة رغم سوء ~~السياسات.) # إذا كان هذا الاختبار قائما على معايير مخادعة، فسوف يكون إذن ~~اختبارا غير صادق. # ولكن المعايير ليست مخادعة؛ # إذن فالاختبار صادق. # الفصل الخامس والعشرون # | ذنب بالتداعي # guilt by association # يقع المرء في هذه المغالطة حين يذهب إلى أن رأيا ما هو باطل بالضرورة بالنظر إلى ~~معتنقيه، أو أن دعوى معينة هي كاذبة لا لشيء إلا لأن أناسا يبغضهم يقبلونها ويأخذون ~~بها، فيعمد إلى رفض الدعوى؛ لأنها «مرتبطة» في ذهنه بما لا يحب. # تستمد هذه المغالطة سطوتها من ميل فطري لدى البشر جميعا؛ فالإنسان لا يحب أن يقرن بمن ~~لا يحب، لكأنما الحق أو الباطل ينتقل ب «التداعي» # association # من أصحاب الشيء إلى الشيء، أو من أنصار الرأي إلى ~~الرأي. # يتخذ هذا الاستدلال الصورة التالية: # من الثابت أن أناسا (أنظمة، جماعات، ...) يبغضهم الشخص «س» يقبلون الدعوى «ص»؛ # إذن «ص» كاذبة. # غني عن البيان أن هذا استدلال خاطئ فاحش الخطأ: إن نفور المرء من أن يقرن بمن يبغضهم ~~هو أمر سيكولوجي لا دخل له بصدق القضايا، ولا يبرر رفض أي دعوى، إن سفلة الناس ~~يعتقدون ms132 (شأنهم شأن عليتهم) بكروية الأرض فهل ينال ذلك من هذه الحقيقة؟! أو هل ينبغي أن ~~يسوءنا الاقتران بهم حين نعتقد في هذا الأمر اعتقادهم؟! # كانت المكارثية ذات يوم صيغة خاصة من مغالطة «ذنب بالتداعي»: # 1 # إذ كان الشخص، أو المنظمة أو الرأي، يقرن على نحو ما بالشيوعية، وكان ~~الاقتران يعقد من خلال فكرة مشتركة، من ذلك أن دعاة الحقوق المدنية، مثل مارتن لوثر كنج، ~~كانوا يتهمون بالشيوعية، بالنظر إلى أن الشيوعيين يؤيدون، هم أيضا، الحقوق المدنية، ~~ولتبيان هذا الخطأ نعيد صياغة هذه الحجة في القياس التالي: # جميع الشيوعيين من دعاة الحقوق المدنية، # مارتن لوثر كنج من دعاة الحقوق المدنية؛ # إذن مارتن لوثر كنج شيوعي. # وهو قياس خاطئ صوريا، وكثير من الأمثلة الأخرى لمغالطة «ذنب بالتداعي» تقع في نفس ~~الخطأ. # أمثلة أخرى ~~(1) # كان النازيون دعاة ل «اليوجينيا» (تحسين ~~النسل) # eugenics ~~؛ # إذن لا بد من أن يكون تحسين النسل شرا مستطيرا. ~~(2) # كان هتلر نباتيا # vegetarian ~~؛ # إذن النباتية إثم ينبغي اجتنابه. ~~(3) # كيف تؤيد ملكية الدولة للصناعات الحيوية؟ ألا تعلم أن ستالين أيضا كان يفعل ~~ذلك؟ ~~(4) # كيف تضيف الثوم إلى الثريد (الفتة)؟ ألا تعلم أن اليهود أيضا يفعلون ~~ذلك؟ ~~(5) # لن أصوت أبدا للدكتور حسان لعمادة الكلية، أعرف أنه أجدر المرشحين ~~وأكثرهم كفاءة ونزاهة، ولكني أعرف أيضا أن الخنزيرين سلمان ومؤنس يؤيدانه ~~ويصوتان له. # الفصل السادس والعشرون # | مغالطة التأثيل # etymological fallacy # ثمة اعتقاد خاطئ يقر في أذهان الكثيرين مفاده أن المعنى الحقيقي لأي كلمة يجب أن ~~يلتمس في الأصل التاريخي الذي أتت منه الكلمة، أو ما يسمى في اللسانيات بالإتيمولوجيا أو ~~«التأثيل» # etymology ~~، «والتعريف اليوناني لكلمة ~~إتيمولوجيا يوضح هذا المفهوم: فهو تفتح الكلمات الذي من خلاله تبدو معانيها الأصلية جلية»، # 1 # هذا الاعتقاد بأن المعنى كله قابع في أصل اللفظة هو اعتقاد خاطئ فيه تبسيط ~~مفرط لطبيعة اللغة ومنشئها وقوانينها المسيرة: ~~(1) # من ذلك أن كلمة «فنان» تأتي من كلمة «فن» وهو اللون (في لسان العرب: قال أبو ~~منصور واحد الأفنان إذا أردت بها الألوان فن)، ms133 قد تلقي هذه المعلومة ضوءا ما ~~على استخدامنا الحديث لكلمة «فن» وكلمة «فنان»، غير أنه ضوء شحيح واهن لا ~~يغني كثير غناء في دراستنا لمعنى الفن وفلسفته وتجلياته وتذوقه وتقويمه ~~ووظيفته في الزمن المعاصر والأزمنة السالفة. ~~(2) # وليس ما يمنع أن ينبري متحذلق بتسفيه كل أدب شفاهي مروي، باعتبار أن ~~كلمة # literature ~~(أدب) مشتقة من الكلمة ~~اللاتينية # litera # التي تعني الحرف الأبجدي ~~(المكتوب). ~~(3) # ولا ما يمنع أن يجبهنا متحذلق آخر بأن التعليم لا ينبغي أن يكون إلزاميا، ~~باعتبار أن كلمة # education ~~(تعليم) مشتقة من ~~الكلمة اللاتينية # educere # التي تعني يغريه ~~بالكلام بحرية، وقد تفيد معنى الملاطفة والاجتذاب كمقابل للقسر ~~والإرغام. ~~(4) # يعني ذلك إذن أن كلمة # prevent ~~(يمنع) كان ~~ينبغي لها أن تعني «يسبق» أو «يستبق» لأنها مشتقة من الكلمة اللاتينية # prae # وتعني «قبل»، وكلمة # venire # وتعني «يذهب»! ~~(5) # أو أن كلمة # nice # كان ينبغي أن تكون لفظة ~~ازدراء وقدح؛ لأنها مشتقة من كلمة فرنسية قديمة تعود إلى القرن الثالث عشر ~~وتعني «أحمق» أو «غبي»! # إنما يعول مستخدمو اللغة على السياق لاستشفاف المعنى المقصود للكلمة، # 2 # ولا يفكرون كثيرا في «التأثيل» # etymology ~~؛ ~~أي رد الكلمة إلى أصلها التاريخي، والذي قد لا يكون واضحا على الإطلاق وبخاصة إذا كان ~~مؤسسا على لغة أجنبية أو لغة قديمة بائدة. # تتناسى مغالطة التأثيل أن اللغة ليست كيانا كلسيا ثابتا، وأن هناك تغيرات كثيرة ~~تعتري اللغة، منها التغير الصوتي، والتغير النحوي، والتغير الدلالي (وهو ما يعنينا في هذا ~~المقام)، وللتغير الدلالي # semantic change # أنواع عديدة ~~منها ما يعرف ب «الانحدار الدلالي» # semantic deterioration # وهو تغير يلحق بمعنى اللفظة فيكسبها دلالة سلبية، مثال ذلك ما حدث لكلمة # notorious # التي كانت في الأصل تعني «مشهور» ثم انحدرت ~~دلالتها وصارت تعني «مشهر» أي مشهور بشيء قبيح، وكلمة # dogmatic # التي كانت تعني «موقن» أو «راسخ الاعتقاد» ~~وصارت الآن تعني «جازم متصلب غير عقلاني في اعتقاده»، وتقابل ظاهرة الانحدار الدلالي ظاهرة ~~«التحسن الدلالي» # amelioration # حيث تكتسب اللفظة دلالة ~~إيجابية أو يزايلها ما كان ms134 لها في الأصل من دلالة سلبية، مثال ذلك كلمة # minister ~~(وزير) فقد كانت قديما تعني «خادم» (وما تزال ~~تستعمل كفعل بمعنى يسعف أو يعين أو يقدم خدمة)، وكلمة # nice # سالفة الذكر، والتي كانت تعني قديما «غبي» أو ~~«أحمق»، وهناك أمثلة أخرى يخطئها الحصر. # تعود تسمية هذه المغالطة ( # etymological fallacy ~~) إلى ~~جون ليونز # John Lyons ~~، ويعني بها خطأ التأثيليين حين ~~يحاجون بأن كلمة ما تعود إلى أصل يوناني أو لاتيني أو عربي ... إلخ؛ ولذا فإن معناها ينبغي أن ~~يكون مطابقا لما كانت عليه في الأصل، ويبدو زيف هذه الحجة في أن الافتراض الضمني بوجود ~~«صلة حقيقية» أو «مناسبة» في الأصل بين المبنى والمعنى، وهو ما تستند إليه هذه الحجة، هو ~~شيء لا يمكن التحقق منه. # 3 # لقد كانت المسألة الهامة التي أثارها الإغريق، والتي تركت بصماتها على الدراسات اللغوية ~~اللاحقة حتى عصرنا الحاضر، تتعلق بطبيعة اللغة ونشأتها، فقد رأى بعضهم أن اللغة ظاهرة ~~طبيعية، وأن الكلمات وأصواتها جزء لا يتجزأ من المعنى، بينما رأى الفريق الآخر، ومنهم ~~أرسطو، أن اللغة ظاهرة اجتماعية وأن أصواتها رموز اصطلاحية ليس لها بالمعاني علاقة طبيعية ~~أو مباشرة، وقد نشأت عن هذا الاختلاف النظريتان المعروفتان: النظرية التوقيفية والنظرية ~~الاصطلاحية (أو التواضعية)، واللتان امتد الجدل فيهما حتى العصر الحاضر، وقد نشأ عن النظرية ~~الأولى نظريات متعددة عن أصل اللغات جميعا منها: أن اللغة «توقيف» ووحي من الله، ومنها أن ~~أصل اللغات جميعا يرجع إلى محاكاة أصوات الطبيعة أو أصوات الحيوانات إلى آخره، ووصل الأمر ~~بالبعض إلى أن يقول إن للصوت بحد ذاته قيمة تعبيرية. # 4 # وقد تأثر العرب بكلتا المدرستين، واتخذ بعضهم، مثل ابن فارس في القرن الرابع الهجري، موقف ~~المدافع عن النظرية التوقيفية، واتخذ آخرون، مثل ابن جني (في بعض فقرات «الخصائص» دون ~~بعضها الآخر)، النظرية الاصطلاحية، يقول ابن جني «إن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما ~~هو تواضع واصطلاح، لا وحي وتوقيف.» كان ابن فارس يستشهد في نظريته التوقيفية بالآية ~~الكريمة # وعلم آدم ms135 الأسماء كلها ~~، أما ابن جني ~~فيئول الآية بأن المقصود بكلمة «علم» هو «أقدر» أي أن الله أعطى آدم القدرة على الكلام ~~والتسمية وترك له الوضع والاصطلاح بالنسبة للتفاصيل. # 5 # في محاورة «كراتيلوس» عرض أفلاطون منطق التأثيليين عرضا مسهبا، وبين أنهم يعتقدون ~~بوجود علاقة طبيعية (غير اصطلاحية) وضرورية بين الدال والمدلول، وأنهم بالتنقيب في الماضي ~~عن أصل الكلمة، والكشف عن معناها الحقيقي إنما يصلون إلى حقيقة من حقائق الطبيعة، أو يميطون ~~اللثام عن «ماهية» الشيء الذي تدل عليه الكلمة! # وشبيه بهذا ما يفعله بعض الباحثين عندما يفسرون المعنى الاصطلاحي لمفهوم ما بمعناه ~~اللغوي، مع احتمال ألا يكون المعنى الاصطلاحي مرتبطا بالمعنى اللغوي ارتباطا وثيقا، وقد ~~سبق لابن تيمية وابن قيم الجوزية أن اعترضا على استخدام أنصار المجاز للمنهج التاريخي في ~~التمييز بين الحقيقة والمجاز رغم صعوبة التثبت من أصل اللفظ، وعدم وجود ما يفيد تاريخيا ~~بسبق أحدهما على الآخر. # 6 # والحق أن التأثيل منهج مستخدم اعتمد عليه الكثير من اللغويين اعتمادا كبيرا، وبخاصة في ~~القرن التاسع عشر، حيث أقيم على أسس أمتن مما كان عليه قبل ذلك، وما زال مستخدما حتى ~~الآن، ويعد فرعا معتبرا من اللسانيات التاريخية (الدياكرونية)، وله دعائم منهجية خاصة ~~تتوقف على كمية الشواهد المؤيدة ونوعها، إلا أنه بات واضحا للتأثيليين في القرن التاسع ~~عشر، وسلم به اللسانيون عامة في الوقت الحاضر، أن معظم كلمات المعجم في أي لغة لا يمكن أن ~~تعزى إلى أصولها، وقد انتكس المنهج التاريخي بعد دعوة دي سوسير إلى الفصل بين الدراسات ~~التزامنية (السينكرونية) والدراسات التاريخية (التعاقبية/الدياكرونية)، وكرس مبدأ ~~«اعتباطية العلامة اللغوية» # arbitrariness of the sign # على نحو نهائي حاسم، ومنح الصدارة للسينكروني على الدياكروني، ولفت الانتباه إلى أهمية ~~الدراسة الوصفية التي تقتصر على النظر إلى «حالات» اللغة، وضرورة استبعاد العامل التاريخي ~~عند دراسة «حالة» من حالات اللغة، فاللغة عند سوسير هي مجرد نسق أو نظام وتؤدي وظيفتها ~~باعتبارها «بنية» لا تنطوي في ذاتها على أي بعد تاريخي، من ذلك أن تاريخ كلمة ms136 ما كثيرا ~~ما يكون بعيدا كل البعد عن أن يفيدنا في فهم المعنى الراهن لهذه الكلمة. ~~(1) اعتباطية العلامة اللغوية # يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط «الدال» # signifier # ب «المدلول» # signified # علاقة اعتباطية، ولما كنت أعني ~~بالعلامة اللغوية النتيجة الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز ~~وبساطة: العلامة اللغوية علامة اعتباطية، ففكرة «الأخت» # sister # لا ترتبط بأية علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات # s-o-r # التي تستعمل كدال بالنسبة لهذه الفكرة في ~~اللغة الفرنسية، إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات، وأكبر ~~دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال # b-o-f # على طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، ~~و ~~(ochs) o-k-s # على الطرف الآخر، # 7 # لقد استخدم لفظ «رمز» # symbol # للدلالة على ~~العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة للدلالة على ما نسميه «الدال»، ولكن هناك بعض ~~المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه؛ وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه، فللرمز خاصية أنه لا ~~يدرك دوما اعتباطيا، فهو ليس فارغا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال ~~والمدلول، فرمز العدالة مثلا، أي الميزان، لا يمكن أن يستبدل به أي شيء آخر: دبابة ~~مثلا أو عربة! # 8 # يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعا بأن ~~أمر اختيار الدال متروك تماما للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمكنة أي أحد أن يغير شيئا من ~~علامة لغوية استتبت في مجتمع لغوي ما) إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ليس ~~لها من سبب؛ أي أن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية. # 9 ~~(2) ليونارد بلومفيلد: بؤس الإتيمولوجيا # في كتابه «اللغة» يعرض ليونارد بلومفيلد لمنهج التأثيل، ويكشف لنا بؤس الإتيمولوجيا، ~~ويبين أن منهج الحفر التاريخي في اللغة لا يفضي إلى شيء، يقول بلومفيلد: خذ مثلا كلمة # blackbird ~~(الشحرور) وتتكون من # black # و # bird ~~، وتطلق ~~على نوع من الطير، وهذا النوع من الطير إنما سمي بهذا الاسم بسبب لونه الأسود، وهذه ~~حقا ms137 تسمية صادقة تصدق على هذه الطيور: فهي طيور، وهي سوداء ... وجريا على هذا المنطق، ~~أكان من الممكن أن يستنتج علماء اليونان أن ثمة صلة باطنة عميقة بين ال # gooseberry ~~(عنب الثعلب) وال # goose ~~(الإوز)! ... إن التحليل في جميع اللغات لا ~~يسمح بذلك ولا يجود به، ولنا في اليونانية والإنجليزية أمثلة كثيرة من الكلمات التي ~~تستعصي على هذا النوع من التحليل الذي يتصوره التأثيليون: كلمة # early # أي مبكرا، تنتهي بمثل ما تنتهي به كلمة # manly # بمعنى رجولي، فاللاحقة # ly # مضافة إلى # man ~~(رجل)، ولكن إذا جردنا الكلمة الأولى من اللاحقة # ly # فماذا يتبقى؟ يتبقى # ear ~~(أذن)، فهل تعطي فائدة؟ إنها ~~بقية غامضة لا تفيد ... وكذلك كلمة مثل # woman ~~(امرأة): ~~إنها تلتقي مع كلمة مثل # man ~~(رجل)، ولكن ما دور المقطع # wo # في هذا؟ إن هذا المقطع هو الذي يفصل بين دلالة ~~هذه الكلمة ودلالة الكلمة الأخرى من الناحية الشكلية الصوتية، ولكن ما قيمة هذا المقطع ~~الأول # wo # في التحليل الاشتقاقي، إنه لا دور له، ولا ~~دلالة له كذلك ... وعلى هذا النحو تواجهنا صعوبات في تحليل الكلمات القصيرة أو البسيطة، ~~التي هي أقل من السابقة، فكلمات مثل # man, boy, good, bad, eat, ~~run ~~... وغيرها كثير، لا يعين فيها التحليل الإتيمولوجي ~~(التأثيلي/الاشتقاقي) على كشف صلة بين الكلمة وما تشير إليه ... ولكن علماء اليونان، ~~ومثلهم تلامذتهم من علماء الرومان كانوا في مثل هذه الحالات يلجئون إلى الحدس والتخمين ~~... إن صيغ الكلام تتغير وإنها قابلة للتغير لأنها ثابتة على حين أن المسميات لا تتغير، ~~وكذلك المعاني ثابتة لا تتغير ... أي أنه لا توجد علاقة طبيعية ضرورية، أو منطقية عقلية، ~~بين الاسم والمسمى أو بين الدال والمدلول ... وصفوة القول عند بلومفيلد أن التحليل ~~التأثيلي لا يؤدي إلى شيء، وأنه لا طائل من ورائه ... وإنما هو دليل على أنه لا توجد ~~علاقة ولا رابطة عقلية ضرورية بين الاسم والمسمى. # 10 ~~(3) ابتذال المصطلح العلمي # تبلغ المغالطة التأثيلية مداها، وتصبح مسخا كاريكاتوريا، حين تعمل أدواتها ~~التاريخية في المصطلح العلمي ms138 أو التكنيكي حيث الطابع الاصطلاحي المطلق للعلامة، وتحاول ~~أن تفهم المصطلح الفني المتخصص بمعناه اللغوي الدارج! وهو ما يمكن أن نطلق عليه ~~«ابتذال المصطلح» # vernacularization ~~، # 11 # إن اللفظ اللغوي العادي حين يوضع بين هلالين ويتحول إلى مصطلح علمي فإنه ~~يفارق داره وينسى ماضيه، ويكتسي معنى جديدا قد لا يكون له بمعناه اللغوي الدارج أي ~~علاقة، وبالتالي فليس يجدي نفعا تنقيبنا عن أصله وفصله ولا يقربنا إلى فهم المصطلح ~~في وضعه الجديد، يقول جاستون باشلار في كتابه «المادية والعقلانية»: «إن اللفظ عندما ~~يوضع بين مزدوجتين فهو يبرز وتحتد نغمته، إنه يأخذ فوق اللغة العادية نغمة ~~علمية، ما إن يوضع لفظ من ألفاظ اللغة العادية بين مزدوجتين حتى يكشف عن تغير في منهج ~~معرفة تتعلق بميدان جديد للتجربة، وبإمكاننا أن نذهب حتى القول من وجهة نظر الباحث ~~الإبستمولوجي إن هذا اللفظ علامة على قطيعة وانفصال في المعنى، وإصلاح للمعرفة.» # 12 ~~••• # وبعد، فحين يحاج المرء بأن دعواه صائبة لا لشيء إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة ~~يفيد ذلك، فإنه يقع في ضرب من الاستدلال الدائري، وفضلا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات ~~يجب أن تبقى لصيقة بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفال عبثي للطبيعة ~~الاصطلاحية للغة وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها. # إن اللغة لفي سيرورة دائمة وتحول دائب، وهناك ألف سبب يلح على الألفاظ أن تخرج ~~من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم، وما دامت اللغة في تغير ~~مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط ~~حركتها، وأن يكون نهج العلوم توترا محسوبا بين «المعيارية» و«الوصفية»: معيارية تصون ~~اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقا للتطور والارتقاء. # الفصل السابع والعشرون # | الاحتكام إلى الجهل # | appeal to ignorance; ad ignoratiam # كان جحا غزير الشعر، فسأله أحد جلسائه مداعبا: كم عدد شعرات رأسك يا ~~جحا؟ فأجابه جحا دون تردد: عددها واحد وخمسون ألفا وثلاثمائة وتسع وستون ~~شعرة، فقال له جليسه متعجبا: وكيف ms139 عرفت ذلك؟ فأجابه جحا: إذا كنت لا ~~تصدقني فقم أنت وعدها! ~~*** # بديه أن جهل الجليس بعدد شعرات جحا، من جراء الاستحالة العملية لعدها، لا يقوم دليلا ~~على أن عددها هو 51369 شعرة! إن جحا في هذا السياق «يقرر» أمرا و«يثبت» حكما، ومن ثم ~~فإن «عبء البينة» # burden of proof # في ذلك يقع عليه، ومكمن ~~الخطأ هنا هو أن جحا يريد أن يعفي نفسه من هذا العبء ويضعه على عاتق جليسه دون وجه حق، ~~ويحمله على أن يؤدي له عمله نيابة عنه! # تفيد مغالطة «الاحتكام إلى الجهل» # ad ignoratiam # أن ~~شيئا ما هو حق بالضرورة ما دام أحد لم يبرهن على أنه باطل، والعكس أيضا صحيح: أي أن ~~شيئا ما هو باطل بالضرورة ما دام أحد لم يثبت بالدليل أنه حق، في كلا الحالين يؤخذ «غياب ~~الدليل» مأخذ «الدليل»، ويتم التذرع بغياب المعلومات التي تثبت شيئا ما كدليل على بطلان ~~ذلك الشيء، أو المحاجة بأنه ما دام الخصم لا يستطيع أن يدحض دعوى ما فإن هذه الدعوى هي إذن ~~حق بالضرورة. # الجهل جهل، والجهل ليس دليلا على شيء إلا على أننا نجهل. ~~(1) تحقيقات مكارثي: مغالطة أربكت أمة! # من يعتذر إنما يتهم نفسه. # مثل فرنسي # من أشهر الأمثلة على مغالطة # ad ignoratiam # تلك ~~التحقيقات التي كان يقوم بها السيناتور جوزيف ~~مكارثي # Joseph R. McCarthy # في أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم: في سلسلة من جلسات ~~الاستماع التليفزيونية وجه مكارثي تهمة الشيوعية إلى عدد كبير من الأشخاص الأبرياء، ~~في مناخ ارتيابي يذكر بمطاردة ~~الساحرات # witch hunt # في القرون الوسطى، لم تكن تلك الاتهامات قائمة على أساس ~~ولا مستندة إلى دليل وإن كانت بالغة الضرر شديدة الإيذاء، كان مكارثي يظهر في تلك ~~الجلسات حاملا حقيبة منتفخة بالملفات الخاصة بالمتهمين، غير أنه في معظم الحالات لم ~~يكن يقدم بينة حقيقية، وكان الشخص يتهم على أساس أنه ليس في ملفات مكارثي ما يدحض ~~ميوله الشيوعية! عن إحدى تلك الحالات يقول مكارثي في اجتماع مجلس الشيوخ عام 1950: ~~«ليس ms140 لدي معلومات وفيرة في هذا الشأن عدا ما ورد في التقرير العام للوكالة من أنه ~~لا يوجد في الملفات ما يثبت أنه غير متصل بجهات شيوعية.» # 1 # كان مكارثي في هذه الحالة متورطا في مغالطة # ad ~~ignoratiam ~~: لقد نقل «عبء ~~البرهان» # burden of proof ~~، وبدلا من أن يبرهن على ادعائه بالدليل فإنه يؤسسه على عدم ~~وجود أدلة تفند الادعاء، وهي مغالطة لأن مكارثي ينطلق في حجته من مقدمة تفيد غياب ~~المعرفة (أي تفيد الجهل) إلى نتيجة إيجابية تفيد أنه بذلك قد «عرف»، أو «أثبت»، أن ~~الشخص المعني مدان بالميول الشيوعية، إن التهمة التي يوجهها مكارثي هي تهمة خطيرة ~~يتحتم أن تحمل عبء البينة وألا تلصق بشخص لمجرد أنه لا يملك أدلة تدحضها. # هب أن واحدا من ضحايا مكارثي أذعن للموقف الاتهامي وشرع يثبت براءته من الميول ~~الشيوعية بشتى الوسائل، فجعل يفرد لنا جدوله اليومي، والجماعات التي يلتقي بها في ~~تعاملاته المهنية، والأنشطة التي ينخرط فيها في إجازته الأسبوعية، والأماكن التي يتواجد ~~بها في حله وترحاله، إنه لو فعل ذلك فإنه يفتح على نفسه طوفانا من المساءلات ~~والاستجوابات من جانب مكارثي، ويستهدف لمزيد من الشبهات، ويظهر في النهاية بمظهر ~~المذنب المريب! # يحذر واتلي # Whately # من هذه الاستراتيجية الموبقة ~~في الجدل ويشبهها بتصرف الجيش الذي يحتل حصنا منيعا يستطيع الدفاع عنه كل الاستطاعة، ~~فإذا به يبرز طواعية من حصنه ويتبعثر في ميدان مفتوح، فيأتيه أعداؤه من كل صوب ~~ويمزقونه كل ممزق! كذلك الأمر في الجدل: فإذا فاتك لحظة أن تستمسك بخلو جانبك حين ~~يكون على خصمك عبء البينة، ورحت بدلا من ذلك تنسج حججا إيجابية (قد تكون ضعيفة) لكي ~~تبرئ ساحتك وتثبت براءتك، فإنك بذلك تسلم سلاحك الأقوى بلا داع وتستبدل به سلاحا ~~أضعف، يقول المثل الفرنسي «من يعتذر إنما يتهم نفسه!» # qui s’excuse, ~~s’accuse ~~، يعني ذلك أنك تولي ظهرك للواثبين ~~وتتخذ مظهر المذنب تجاه الاتهامات الموجهة ضدك إذ تحمل نفسك عبء الدليل حيث كان ~~واجبك الوحيد هو أن تتحدى خصمك أن ms141 يبرهن هو على اتهاماته لك برهانا ساطعا. # 2 # أمثلة أخرى ~~(1) # ليس هناك دليل على أن الأشباح (العفاريت) غير موجودة؛ # إذن الأشباح موجودة. ~~(2) # أعتقد أن بعض الناس لديها قوى نفسية خارقة. # وما دليلك على ذلك؟ # دليلي أنه لا أحد استطاع أن يثبت أن الناس لا تملك قوى نفسية ~~خارقة. # لاحظ أننا لسنا بصدد نفي وجود الأشباح أو نفي وجود قوى خارقة، إنما ننفي أن تكون ~~الحجة الواردة صائبة منطقيا، إن ما يميز هذا الصنف من الحالات هو أن من الصعب أن ~~نعرف ماذا عساه أن يكون دليلا على مثل هذه الدعاوى أو دليلا ضدها، فها هنا مشكلة ~~خاصة بقابلية التحقق # verifiability ~~: لأنه لا يوجد ثمة، ~~فيما يبدو، أي ملاحظة إمبيريقية قابلة للتكرار بحيث تفي بمعايير البينة العلمية في ~~مثل هذه الحالات، تنطوي أمثلة الأشباح والقوى الخارقة إذن على عدة أخطاء منطقية، غير أن ~~أبرز أخطائها هو «الاحتكام إلى الجهل» (التذرع بالجهل) # ad ~~ignoratiam ~~، إنها حجج لا ~~تقدم دليلا حقيقيا، بل تستغل غياب أدلة مضادة لكي تقفز إلى نتيجة «عريضة» لا تقوم ~~على ذلك الصنف من البينة الذي يتوجب التماسه لكي تحظى مثل هذه النتيجة بالقبول. ~~(2) متى تكون الحجة المستفادة من الجهل غير مغالطة؟ ~~(1) # يبدو أن هناك أحوالا كثيرة يكون فيها «الاحتكام إلى الجهل» # ad ignoratiam # مقبولا تماما كموجه للفعل ~~الحصيف، مثال ذلك اتباع مبدأ السلامة في تناول الأسلحة: فإذا كنت «لا تعرف» ~~(تجهل) ما إذا كان السلاح ملقما بالذخيرة أم لا فإن عليك أن تتعامل معه ~~على أنه ملقم، وأن تفتح خزانته قبل أن تلوح به، لكي تستوثق من أنه ~~غير ملقم. # 3 ~~(2) # في كثير من الأحوال يكون من المقبول عمليا أن ننتقل من واقعة أن شيئا ~~معينا لم يتم العثور عليه إلى استنتاج أن هذا الشيء لا وجود له، شريطة أن ~~يكون البحث جادا وقمينا في حسابنا باكتشاف الشيء: من ذلك أن الأدوية ~~الجديدة يتم اختبارها على الحيوانات، كالقوارض، للتثبت من أنها مأمونة ~~غير سامة، هنا يؤخذ غياب الدليل (على ms142 سمية الدواء) مأخذ الدليل (على أنه ~~مأمون للإنسان)، ونحن في مثل هذا السياق لا نستند إلى «الجهل» بل إلى ~~«المعرفة» (معرفتنا بأنه لو كان للنتيجة التي تهمنا أن تنجم لنجمت في ~~حالة ما من حالات الاختبار، وهو ما لم يحدث)، # 4 # كذلك في موقف اتهام شخص أو دولة بإحراز شيء محظور فإن إرسال ~~مفتشين مؤهلين للبحث عن ذلك الشيء، والذي نفترض أنه قابل للكشف ومستحيل ~~إخفاؤه عادة، وحقيقة أنهم فشلوا في العثور عليه بعد فترة كافية، ليمثل ~~دليلا معقولا على عدم وجود ذلك الشيء. ~~(3) # في مجال التاريخ يسمى هذا الصنف من الحجة # ex ~~silentio ~~(بحكم الصمت)، مثال ذلك أن نقول إنه لم يكن ~~من عادة الرومان أن يقلدوا الأوسمة شخصا بعد وفاته، وذلك بناء على ~~«الدليل السلبي» بخصوص هذه الأوسمة، فالكتابات المدونة وشواهد القبور لم ~~تسجل قط تقليد أية أوسمة لجنود ماتوا في الحرب، بينما تسجل حالات كثيرة ~~لجنود تقلدوا الأوسمة أحياء بعد الحرب، هكذا يمكننا أن نحاج على أساس ~~سلبي بأنه لو كان مثل ذلك التقليد موجودا لتبدى لنا بشكل أو بآخر في ~~الشواهد القائمة، وحيث إنه لا يوجد أي شاهد على ذلك فإن بإمكاننا، بواسطة ~~حجة الصمت # ex silentio ~~، أن نستنتج أن ~~من المقبول بعامة أن الرومان لم يقلدوا أحدا وساما بعد وفاته. # 5 ~~(4) # وفي مجال البحث العلمي يطلق اسم «الدليل السلبي» # negative evidence # على ذلك الصنف من البينة حيث تلتمس ~~نتيجة معينة بالاختبار فلا تحدث، تعد البينة السلبية في العلم غير عديمة ~~القيمة، إلا أن الأبحاث التي تسجل نتائج إيجابية تحظى بقبول أكبر مما تحظى ~~به الأبحاث التي تسجل نتائج سلبية، ويميل العلماء بصفة عامة إلى نشر ~~أبحاثهم الإيجابية، ولعل هذا ضرب من ضروب الانحياز القائمة في مرفق البحث ~~العلمي، والذي يجعله أميل إلى التركيز على تحصيل نتائج إيجابية، ذلك أن ~~النتائج السلبية هي أيضا نتائج، ولها فوائد ليس أقلها أنها تعصم المؤسسة ~~العلمية من تبديد الجهد والمال في أبحاث لا طائل منها. ~~(5) # وفي مجال الحاسوب ومجال ms143 العلوم الاجتماعية تعرف الحجة المستقاة من ~~الجهل باسم «الاستدلال ~~القائم على افتقاد المعرفة» # lack of knowledge inference ~~، والذي يتم عندما تلتمس ~~معلومة معينة في قاعدة البيانات فلا يعثر عليها، ومن ثم يعقد الاستدلال ~~السلبي بأن هذه القضية كاذبة بالاستناد إلى القرائن، من ذلك أن برنامجا ~~حاسوبيا يسمى «الأستاذ» # Scholar # وجه ~~إليه هذا السؤال: «هل تنتج جويانا المطاط؟» إن «الأستاذ» يعرف حق المعرفة ~~أن بيرو وكولومبيا تنتجان المطاط، ويحيط علما بكل شيء عن إنتاج المطاط في ~~أمريكا الجنوبية، ومن ثم فإن لديه أسبابا وجيهة للاعتقاد بأنه لو كانت ~~دولة ما منتجة كبرى للمطاط لعرفها، غير أن «الأستاذ» ليس لديه علم بما ~~إذا كانت جويانا تنتج المطاط أم لا (أي ليست القضية ولا نفيها داخلا بشكل ~~صريح في قاعدة بيانات «الأستاذ») فما هو الجواب الذي ينبغي على الأستاذ أن ~~يجيبه؟ يجيب الأستاذ كما يلي: «إن لدي من العلم ما يجعلني أميل إلى ~~الاعتقاد بأن المطاط ليس من المنتجات الزراعية لجويانا»، إنه يعقد ~~استدلال غياب المعرفة، فيرى أنه ما دامت جويانا ليست في قاعدة بياناته ~~كمنتج للمطاط فإن له أن يستنتج بدرجة متوسطة من الثقة أن جويانا لا تنتج ~~المطاط. # والآن، هل هذا الاستدلال القائم على افتقاد المعرفة هو «احتكام إلى الجهل» # ad ignoratiam # بالمعنى المنطقي ~~لهذا التعبير؟ ليس هناك اتفاق بين المناطقة بهذا الشأن: فالبعض يذهب إلى أنه «احتكام، ~~غير مغالط، إلى الجهل»، بينما يرى آخرون أنه، في حقيقة الأمر، احتكام إلى المعرفة! ذلك ~~أن «الأستاذ» يحوز معرفة إيجابية عن منتجي المطاط بأمريكا الجنوبية أمكنه في ظلها أن ~~يستبعد جويانا. ~~(3) الانغلاق الإبستيمي # epistemic closure # حين أقول: إن قائمة المحطات التي يقف عندها هذا الديزل السريع هي «القاهرة، وبنها، ~~وطنطا، ودمنهور، والإسكندرية»، فإن بوسعي عندئذ أن أستنتج أنه لا يقف عند كفر الدوار؛ ~~وذلك لأن اسم هذه البلدة لم يرد في قائمة المحطات، وبعبارة أخرى يمكننا أن نفترض أن ~~قاعدة البيانات هنا كاملة أو تامة (مغلقة ~~إبستيميا # epistemically closed ~~)، باعتبار انه لو كان ms144 ثمة محطات توقف إضافية لوردت ~~في القائمة المدرجة، يفيد مبدأ «الانغلاق الإبستيمي» أنه «إذا كان «س» حقا لعرفته» ~~أو «ما دمت أعرف أنه لا يمكن أن تكون «س» حقا دون أن أعلم بذلك، فإن لي أن أستنتج من ~~غياب «س» أن «س» كاذبة»، أو «إذا كانت «س» صادقة لورد ذلك في قاعدة بياناتي، ولكن «س» لم ترد ~~في قاعدة بياناتي، إذن «س» كاذبة.» # ومن أمثلة الانغلاق الإبستيمي قوائم أسماء الناجحين في الامتحانات، إنها مغلقة تماما ~~من الوجهة الإبستيمية، ومن ثم فمن لم يرد اسمه في القائمة فهو راسب؛ لأنه لو كان ~~ناجحا لورد اسمه في القائمة. ~~(4) الاستدلال بالقرينة # presumption # على أن الانغلاق الإبستيمي لا يكون تاما في أغلب الأحيان، ورغم ذلك يظل للاستدلال ~~العملي مجاله، كما في مثال «برنامج الأستاذ»، فنحن لا نتوقف عند الاستدلال في حياتنا ~~العملية الملحة، بل تبقى لدينا ضروب من الاستدلال في ضوء الغايات العملية التي ~~نتوخاها، وبدرجات متفاوتة من اليقين. # من هذه الاستدلالات العملية ما يعرف ب «الاستدلال ~~بالقرينة» # presumption ~~، وهو «فعل ~~كلامي» # speech act # يقع موقعا وسطا بين الإقرار (أو الإثبات) # assertion # وبين مجرد الافتراض # assumption ~~، إنه ضرب من الاستدلال المقبول عمليا يتيح لنا أن ~~نستنبط شيئا، بصفة مبدئية، وعلى نحو قابل ~~للإبطال # defeasible ~~، من واقعة معينة في الأحوال المعتادة، مثال ذلك أن نقول «إن ~~من يتغيب أكثر من سبع سنوات دون تفسير يعتبر في عداد المتوفين»، ونشفع ذلك بعبارة ~~«ما لم يثبت عكس ذلك» # till proved otherwise ~~، ~~بمعنى أنه استنتاج «ظاهر الوجاهة يؤخذ به ما لم ينقض بدليل» # prima ~~facie # أي أن له قوة مفترضة تظل قائمة ما لم تنقض باعتبار ~~أعلى. # يستند الاستدلال بالقرينة على مفهوم عبء البينة، فالسمة المحورية لهذا الاستدلال هي ~~أنه يعكس عبء البينة وينقلها إلى الطرف الآخر، فالدواء الذي تبين أنه غير سام للقوارض ~~يعد مأمونا للإنسان مبدئيا، ولا تسقط عنه هذه الصفة ما لم يثبت بالدليل أنه سام ~~للإنسان، ذلك أنه قد ينقذ حياة المرضى، وقد يسعفنا ms145 في العلاج، ومن «الحكمة العملية» # phronesis # أن نجيز استعماله في ضوء معرفتنا ~~المتاحة، ما لم يبرز لنا دليل جديد في المستقبل يشير إلى أضرار للدواء لم تكن ~~بحسباننا. # وفي مجال العقل العملي نحن نسترشد بمجموعة من القواعد الأخلاقية حين تدعونا مواقف ~~الحياة إلى الفعل الفوري ولا تتيح لما وقتا للتفكر والتروي: لدينا قاعدة أخلاقية ~~بألا نقتل، ولا نكذب، ولا نفشي الأسرار ... إلخ، إنها قواعد «قابلة للإبطال أو الإلغاء» # defeasible ~~، بمعنى أنها تظل نافذة ~~ملزمة ما لم تنقض بحجة عكسية ساطعة، إنها تضع عبء البينة على من يريد نقضها في موقف ~~معين، مثال ذلك أن هناك قاعدة أخلاقية ضد الكذب: إن إطاعة هذه القاعدة ليست بحاجة إلى ~~تبرير خاص، غير أن هناك ظروفا قد يجوز فيها أن يكذب المرء، عندئذ تكون البينة عليه، ~~أي أن عليه أن يبرر كذبه بالحجة. # 6 # وفي مجال القضايا الجنائية يقع عبء الدليل على الادعاء، وعلى الدفاع أن يبين الثغرات ~~أو نقاط الضعف في حجة الادعاء، وليس عليه أن يثبت براءة المتهم ابتداء (لأن الأصل ~~براءة الذمة)، ذلك مثال للمبدأ القائل: «البينة على من ادعى» # He who asserts must prove ~~، والحكمة في ذلك الانحياز المبدئي (إلى جانب ~~المتهم) هي أن الدليل في القضايا الجنائية قد يكون ظنيا لأنه يقوم على إعادة بناء ~~أحداث الماضي، وهو أمر يعتمد بالضرورة على الحدس والتخمين، ومن ثم فاحتمال الخطأ ~~قائم؛ لذا يقوم المشرع بتقنين الجدل القانوني بطريقة من شأنها أن تقلص حالات ~~إدانة أشخاص أبرياء إلى أدنى حد ممكن، حتى لو كان ذلك يكلفنا إفلات أشخاص مذنبين من ~~العقاب في أحيان كثيرة، باعتبار أن الظلم الحاصل من إدانة بريء واحد يفوق الحاصل من ~~تبرئة عدة مذنبين. # وفي القضايا المدنية يقع عبء البينة على المدعي # plaintiff ~~: # 7 # فإذا ادعى شخص، على سبيل المثال، أن مؤسسة للغسيل الجاف قد ضيعت بذلته، ~~فإن عليه أن يبرز إيصال الاستلام كدليل، وفي حالة عدم وجود إيصال لديه وعدم وجود ~~إيصاله في سجلات المؤسسة فإن الدعوى ms146 تسقط لغياب الدليل، أما أن يحاج المدعي بأن ~~المؤسسة ليس لديها ما يثبت عدم استلامها للبذلة فإنه عندئذ يقع في مغالطة «الاحتكام إلى ~~الجهل» # argumentum ad ~~ignoratiam ~~. # الفصل الثامن والعشرون # | سرير بروكرست (البروكرستية) # | Procrustean bed (Procrusteanism) # ترى كم «ثيسيوس» يلزمنا اليوم # لكي نبرأ من تحيزاتنا المكينة، # ونعدل منطقنا المقلوب؟ ~~*** # كان بروكروست، في الميثولوجيا اليونانية، قاطع طريق يعيش في أتيكا، وكانت له طريقة ~~خاصة جدا في التعامل مع ضحاياه، فقد كان يستدرج ضحيته ويضيفه ويكرم وفادته، ~~وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدي الشخصي، إنه سرير لا مثيل له بين ~~الأسرة إذ كان يتميز بميزة عجيبة: هي أن طوله يلائم دائما مقاس النائم عليه أيا كان، ~~غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يتأتى لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف ~~أطوالهم، حتى إذا ما اضطجع الضحية على السرير بدأ بروكرست عمله، فجعل يربطه بإحكام ويشد ~~رجليه إن كان قصيرا ليمطهما إلى الحافة، أو يبترهما بترا إن كان طويلا ليفصل منها ما ~~تجاوز المضجع؛ حتى ينطبق تماما مع طول السرير! وظل هذا دأبه إلى أن لقي جزاءه العدل ~~على يد البطل الإغريقي ثيسيوس # Theseus # الذي أخضعه لنفس ~~المثلة، فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبته لينسجم مع طول سريره. # يشير مصطلح «سرير بروكرست» Procrustean bed ~~(أو ~~«البروكرستية Procrusteanism ~~») إلى أية نزعة إلى «فرض ~~القوالب» على الأشياء (أو الأشخاص، أو النصوص ...) أو لي الحقائق وتشويه المعطيات وتلفيق ~~البيانات لكي تنسجم قسرا مع مخطط ذهني مسبق، إنه القولبة الجبرية، والتطابق المعتسف، ~~والانسجام المبيت، إنه افتئات على الواقع قلما يفلت من غضبة المنطق وانتقام ~~الحقيقة. ~~(1) ألوان من البروكرستية # إنهم يلوون بها ويفسدونها لكي تلائم خيالاتهم المسبقة. # فرنسيس بيكون ~~(الأورجانون الجديد 1: 17) ~~(1-1) البروكرستية التأويلية ~~... وتتكلم بعبارات غامضة ... تدفع السامعين إلى التأويل، فيلجئون إلى ~~التخمين ويحورون الألفاظ لكي توافق أفكارهم. # شكسبير، هملت # حين نفرض على النصوص توقعاتنا وتحيزاتنا وإسقاطاتنا المسبقة، دون أن نكلف ~~خاطرنا بمراجعة هذه الإسقاطات في ضوء ما يبزغ أمامنا في ms147 فعل القراءة، حين نخرس ~~النص ونفرض عليه ما ليس فيه - فثم «البروكرستية التأويلية»، وعسى أن يعي ذلك بعض ~~النقاد الذين يفرضون قوالبهم على الأعمال الأدبية أو الفنية ويلبسونها المعنى ~~الذي يتلبس بهم، أو المذهب الفني الذي يستحوذ على اهتمامهم، وعسى أن يفهم ذلك ~~هواة «المعجزات العلمية» الذين لا يخشعون لجلال النص القرآني، ويريدون أن «يحشروا ~~الأكبر في الأصغر!» وأن يفرغوا النص من «بلاغه» # kerygma # الحقيقي ويجندوه فيما لا يقصده ولا يعنيه. # وفي مقام مماثل يقول فرنسيس بيكون في ~~«الأورجانون الجديد» # Novum Organum ~~، الكتاب الأول: شذرة 54: «ومثل هذه الحماقة ~~يجب أن توقف وتقمع بكل حزم، فمن هذا المزج غير الصحي بين البشري والإلهي لا تنبثق ~~فحسب فلسفة وهمية، بل ودين هرطقي! ومن ثم فإن رأس الحكمة والرصانة أن نعطي ~~للإيمان ما هو للإيمان ولا نتزيد.» ~~(1-2) البروكرستية الإكلينيكية # حين ينخذل الطبيب المبتدئ أمام «الحالة»، فيرهن ذهنه لتشخيص مسبق يكيف عليه ~~الأعراض والعلامات ويلوي بها لتأتي على مقاس تشخيصه، حين يمضي من التشخيص إلى ~~العلامات بدلا من أن يتجه من العلامات إلى التشخيص، فإنه يرتكب خطأ «البروكرستية ~~الإكلينيكية»، وما كان للواقع العنيد أن يرضخ لحيل العقل والتواءاته ويدخل طواعية ~~في قوالب مسبقة لا تلائمه ولا تحكمه، إنك لا تجني من الشوك العنب، وأكبر الاحتمال ~~أن يؤدي التشخيص الخطأ إلى العلاج الخطأ، ومن ثم إلى تفاقم المرض وتردي ~~المآل. ~~(1-3) الاستخبارات البروكرستية # حين توعز الإدارة السياسية لمرفق الاستخبارات بأن يفصل لها معلومات ~~استخباراتية على مقاس قرار سياسي مبيت، بدلا من أن يكيف القرار السياسي ~~وفقا للمعلومات الاستخباراتية، نكون بإزاء صنف خبيث من البروكرستية ربما تودي ~~بمرتكبها قبل أن طرف آخر. ~~(1-4) بروكرستية العولمة الثقافية # يطمح دعاة العولمة إلى صب الثقافات جميعا في قالب واحد، ظنا منهم أن إزالة ~~الحواجز بين الأمم وتدفق الأفكار والمعلومات والبشر عبر الحدود من شأنه أن ينشر ~~قيم التسامح والحرية وفهم الآخر، وأن يدمج البشر في ثقافة عالمية متجانسة، لم ~~يتفطن هؤلاء إلى أن الانفتاح والاجتياح يثير في النفوس ms148 أيضا غريزة المحافظة ~~والانكماش والتجمد والبحث عن حدود الذات وتدعيمها لإثبات الهوية وتجنب ~~الانمحاء، هكذا انبعثت مع العولمة نزعات ~~الانفصال والتفكك الداخلي وظواهر التطرف والعنف والانتماءات الأولية (القبلية ~~والإثنية والطائفية)، وتفككت دول في الشرق والغرب وواجهت دول أخرى خطر التفكك، لم ~~يقدر دعاة العولمة الأوائل سطوة الثقافات المحلية والنزعات القومية والأصولية ~~ومقاومتها للتغيير، وإلى الأثر العكسي لقوى العولمة: مزيد من التفكك والحروب ~~الطائفية والعرقية، وتصاعد قوى اليمين المتطرف وانتشار التزمت والإرهاب وصحوة ~~الانتماءات البدائية الهاجعة. # 1 ~~(1-5) البروكرستية السياسية # تعمد البروكرستية السياسية إلى صب ~~المواطنين جميعا في قالب واحد؛ تعميما للخير والتماسا للعدالة، تتجذر ~~البروكرستية السياسية في «مذهب ~~الماهية» # essentialism # الفلسفي، وهو الرأي القائل بأن «للأشياء خصائص ماهوية» # de re essential properties ~~، أي ~~خواص ضرورية بمعزل عن تصنيفاتنا وتعريفاتنا، للإنسان، من ثم، وماهية حقيقية ~~تميزه عن غيره من الكائنات: قد تكون هذه الماهية هي الروح العاقلة (الإنسان حيوان ~~عاقل)، وقد تكون هي الميل إلى الحياة في تجمعات مدنية (الإنسان حيوان مدني) ... ~~إلخ، المهم أن هناك ماهية ثابتة محددة للإنسان بها يكون إنسانا وبدونها يكون ~~أي شيء آخر، هناك «مثال أفلاطوني» أو «صورة» # eidos # أو «فكرة» # idea # أزلية ~~للإنسان ينبغي على الإنسان الحقيقي الأرضي أن يسعى إلى تجسيدها ويقترب منها. # كل أولئك أفكار ميتافيزيقية مأمونة، لا ضير أن يتداولها الفلاسفة فيما بينهم ~~ويختلفوا حولها على مقاعدهم النظرية الوثيرة، يبدأ الخطر، رغم ذلك، حين تقع مثل ~~هذه الأفكار في أيدي (أو بالأحرى رءوس) السياسيين أولي البأس وذوي القدرة على ~~استخدامها في الواقع الحي ووضعها موضع التنفيذ، حين يقع للطاغية «المثالي» # idealist # تصور واضح عما تكونه الطبيعة البشرية ~~فقد يرى نفسه مضطرا إلى فرضها بالقوة على رعاياه وصبهم في قالبها ضربة لازب، وسحق ~~كل من تحدثه نفسه بالتمرد على هذا القالب الأزلي الواحد. # هكذا ينشأ ما يسميه أنتوني فلو # Antony Flew ~~، ~~مؤلف كتاب «سياسة بروكرست» ب «البروكرستية الاشتراكية» # socialist Procrusteanism # أو «العدالة المحافظة» # conservative justice ~~، إنها ضرب من ~~اليوتوبيا الاجتماعية تريد أن تفرض ms149 التجانس على الناس، وتفرض المساواة المطلقة ~~على المواطنين، فتأخذ من البعض وتعطي البعض الآخر حتى يعتدل الميزان. # 2 # إن أنتوني فلو هو بمثابة «ثيسيوس معاصر» يريد أن يحطم البروكرستية بأن يكشف ~~زيفها وتهافتها ويفضح طبيعتها المؤذية المظلمة ويخرجها إلى وضح النهار: الأمر ~~هنا ليس مجرد مبدأ شخصي يدعو إليه من يدعو، بالحكمة والموعظة الحسنة، أو ربما ~~بتقديم مثال في التضحية والبر (على طريقة ليو تولستوي مثلا)، ولكنه منهج سياسي ~~وإداري يراد فرضه على نطاق هائل بقوة الآلة الحكومية الجبارة. # لم يقف جنون البروكرستيين السياسيين عند حد: # فمنهم من لم يقنع بإعادة توزيع الثروة على الأفراد بالعدل والقسطاس، ~~فذهب إلى ضرورة تحطيم «نظام الأسرة» - منبع التفاوت بين الناس ومعقل ~~اللامساواة وحصنها الحصين. # ومنهم من ذهب إلى ضرورة فرض «المساواة المعرفية» # cognitive equality ~~، فلا ينبغي أن «يعرف» شخص أكثر ~~مما يعرف الآخرون. # بل ذهب بعضهم إلى ضرورة «تحسين النسل» (اليوجينيا # eugenics ~~) لاجتثاث التفاوت من المنبع ... من ~~البيولوجيا! # من السخرية أن البروكرستية يمكن أن تبلغ مأربها وتشفي صدرها ب «المساواة في ~~الجهل» بقدر ما تشفيه ب «المساواة في العلم»، وأن تقضي وطرها بالإساءة بقدر ما ~~تقضيه بالإحسان! إن مذهب المساواة هو عماد الرفاه، وعماد الضنك أيضا، ما لم ~~يستبدل به مبدأ آخر من مبادئ الواجب. # يذهب أنتوني فلو إلى أن مثل المساواة في الحرية وتكافؤ الفرصة لا تتفق مع مثل ~~المساواة في الحال المعيشية أو في النتيجة (وهي البروكرستية الحقيقية)، يبدو أن ~~هناك توترا معينا بين بعض القيم التي نصبو إليها ونود أن نحققها جميعا، ~~بحيث إن الترتيبات الاجتماعية التي تدعم إحداها من شأنها بالضرورة أن تنال من ~~الأخرى: ثمة توتر بين «العدل» و«الكفاية الاقتصادية»، وتوتر بين «المساواة» (في ~~الحال) و«الحرية»! ويبقى أن نختار القيمة الأكثر أهمية للمجتمع والأولى من ثم بالتحقيق. # 3 # تقوم الفكرة الديمقراطية على أن الناس سواسية قانونيا وسياسيا، صحيح أنهم ~~خلقوا غير سواسية في المواهب الطبيعية، إلا أن هذا التفاوت ليس حجة على المساواة ~~وإنما هو حجة لها، فالمساواة ms150 أمام القانون ليست حقيقة موضوعية ولا قانونا ~~طبيعيا، إنما هي مطلب سياسي قائم على قرار أخلاقي، ولا علاقة لها البتة ~~بالنظرية القائلة بأن الناس ولدوا سواسية بالطبيعة، بل إن المساواة «في الفرصة» ~~هي التي تضمن وترعى التفاوت العقلي بين بني البشر؛ لأن مساواة الفرصة تضمن للمواهب ~~الفردية حق التميز والنمو، وتحمي أصحاب المواهب من أن ينالهم اضطهاد ممن يقلون ~~عنهم موهبة. # في رواية «ثيسيوس» لأندريه جيد يقول ثيسيوس بعد أن أسهب في تبيين طريقته في فرض ~~المساواة: «وقد استمع بيريتوس لهذه الخطبة التي ألقيتها على السادة، فقال لي إنها ~~خطبة رائعة، ولكنها سخيفة، وكان يعلل ذلك بأن المساواة بين الناس ليست طبيعية بل ~~ليست شيئا يبتغى، فمن العدل أن يتفوق الأخيار على طغام الناس بما تخولهم ~~الفضيلة من امتياز، وهؤلاء الطغام إذا لم تثر بينهم التنافس والتزاحم والغيرة ~~ظلوا هامدين خامدين أشبه شيء بالماء الراكد الآسن، فليس لهم بد من حافز إلى العمل ~~... وسواء أردت أم لم ترد فإن هذه التسوية الأولى التي تطمح إليها وهي تكفل للناس ~~جميعا تكافؤ الفرص ليسعوا إلى الحياة من مستوى واحد، ستنتهي قطعا إلى اختلاف ~~والتفاوت، فتنشأ طبقات تتأثر بما يتمايز الأفراد به من الكفاية وحسن البلاء، ستنشأ ~~طبقة العامة الشقية والأرستقراطية السعيدة.» # وفي كتابه الكلاسيكي «نظرية في ~~العدل» # a theory of justice # يطرح جون رول # John Rawl ~~(1921-...) نظرية ربما تكون أهم نظريات العقد الاجتماعي المعاصرة وأبعدها أثرا، ~~فيصور المجتمع العادل بأنه ذلك المجتمع الذي سوف تختاره الكائنات العاقلة لو أنها ~~حملت على اختيار المؤسسات والقوانين «من وراء حجاب من الجهل» # behind a veil of ignorance # أي ~~دون أن تعلم ما ستكونه مراكزهم الاجتماعية الفعلية، قد يسبق إلى الظن أن مثل هذه ~~الكائنات حرية عندئذ أن تختار حالة من المساواة المطلقة كأفضل رهان لها. إلا ~~أن رول يبدهنا بغير ذلك، ويقنعنا بالحجة أن هؤلاء المتعاقدين الأصليين الذين ~~حجبت عنهم الحقيقة هم حريون أن يختاروا (ويعدوه عدلا) نظاما ~~اجتماعيا ينطوي على تفاوت في الثروة ما ms151 دام هذا التفاوت يجعل أقل المواطنين ~~حظا هو أفضل حالا مما يكون عليه تحت أي توزيع بديل، بذلك يمكن أن تقوم حجة، ~~باتباع طريقة رول، بأن الرأسمالية التنافسية هي نظام عادل رغم أن بعض الناس فيها ~~أغنى من الآخرين بما لا يقاس، إذ إن الأقل حظا في هذا النظام سيكون أسوأ حالا ~~وأشد فقرا لو أنه كان في نظام آخر أكثر مساواة (ولكن أقل في الكفاية الاقتصادية). # 4 # وعلى ذكر نظريات العدل والبروكرستية الاشتراكية تقفز إلى الذهن أبيات للعقاد ~~تترجم شطرا كبيرا من هذا النقاش السياسي المحتدم، يقول العقاد (على طريقته في ~~استقصاء المعنى): # إنا نريد إذا ما الظلم حاق بنا # عدل الأناسي لا عدل الموازين # عدل الموازين ظلم حين تنصبه # على المساواة بين الحر والدون # ما فرقت كفة الميزان أو عدلت # بين الحلي وأحجار الطواحين ~~(1-6) بروكرستية الإدراك الحسي # ثمة عنصر بروكرستي في كل إدراك حسي، وربما في كل إدراك ذهني على الإطلاق، ~~فالإحساس البصري المحض، على سبيل المثال، لا يقدم لنا أكثر من بقع فسيفسائية ~~مبعثرة، هي «المعطيات الحسية» # sense data (sensa) ~~، ~~ثم يأتي «المخطط الذهني» # schema ~~، أو «النموذج» أو ~~«الجشطلت»، فيضفي هيئة ومعنى معينا على هذا الهلام الحسي الغفل، ونحن في ~~إدراكنا الحسي لا نملك إلا أن نملأ الفراغات ونسد الثغرات ونسبغ الكمال على الأشكال ~~الناقصة، ونضفي الاتصال على المنفصل، والاستمرار على المتقطع ... إلى آخر تلك الآليات ~~التي فصلها الجشطلتيون في سيكولوجية الإدراك. ~~«المخطط الذهني» أو «البناء ~~الذهني» # mental construct # أو «النموذج المرشد» ... هو شرط ضروري للإدراك، فنحن في ~~حقيقة الأمر لا نرى موضوعات محددة من مثل البشر والحيوانات والأشجار والموائد ~~والكراسي ... بل نرى بقعا لونية مشتتة، ومن هذه الخامة الحسية «نستدل» عندئذ على ~~العالم المعتاد أو «نشيده»، الإدراك الحسي إذن هو في حقيقته «تشييد ذهني» # mental construction # تضطلع فيه قوالب العقل ~~المسبقة (أسرة بروكرست) بدور محوري! # وقد أشار الفيلسوف الأمريكي شارلس ساندر بيرس إلى أن الإدراك الحسي هو ضرب من ~~التأويل أو الاستدلال: «... فالأمر اللافت في ms152 «الخدع» # illusions # البصرية جميعا هو أن نظرية معينة لتأويل الصورة تبدو ~~معطاة في الإدراك بوضوح تام، وحين تنكشف لنا للمرة الأولى تبدو خارجة تماما عن ~~سيطرة النقد العقلي شأنها شأن أي إدراك حسي.» # تلك هي البروكرستية المقدرة على الكائن البشري والمبيتة في كل إدراك يدركه، ~~والتي تجعلنا نرى ما نتوقع أن نراه، ذلك أن إدراكنا يعتمد تماما على مخططاتنا ~~التصورية، وهذه الأخيرة تعتمد بدورها على خلفياتنا الاجتماعية والثقافية، على ~~«نظرياتنا»! يقول نلسون جودمان: «ليست هناك عين بريئة! المادة الخام للرؤية لا ~~يمكن استخلاصها من المنتج النهائي، قد تتغير مخططاتنا وتتطور، قد تنقح ~~وتستبدل، قد توحي بها أو ترشدها عوامل من كل صنف، غير أنه بدون مخطط ما فلن ~~يكون إدراك.» # 5 # هذا ما عناه نوروود رسل هانسون # N. R. Hanson # بقوله، الذي أصبح من مأثورات فلسفة العلم الجديدة، «الإدراك محمل بالنظرية» Perception is theory-laden ~~، ~~فخلفياتنا النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل ~~في كيفية رؤيتنا له، ويجرنا ذلك تلقائيا إلى الحديث عن بروكرستية الملاحظة ~~العلمية. ~~(1-7) بروكرستية الملاحظة العلمية # على الرغم من أن الواقع قائم «هناك» بمعزل عن الملاحظ، فإن إدراكنا للواقع ~~متأثر بنظرياتنا التي تحدد طريقتنا في تفحص الواقع، يشمل ذلك إدراكاتنا ~~ويشمل أيضا أدواتنا العلمية التي هي امتداد لإدراكاتنا، مثال ذلك أن حجم ~~التلسكوبات كان دائما يشكل ويعيد تشكيل فكرتنا عن حجم الكون، فحين نصب إدفين ~~هوبل تلسكوباته الجديدة في جنوب كاليفورنيا أتاح للفلكيين لأول مرة تمييز النجوم ~~المفردة في المجرات الأخرى، هنالك تبين أن تلك الأشياء الغائمة المسماة ~~«سدما»، والتي كنا نحسبها ضمن مجرتنا، هي في الحقيقة مجرات منفصلة. # في القرن التاسع عشر كان «قياس ~~الجمجمة» # craniometry # يحدد الذكاء بأنه حجم المخ، وابتكرت أجهزة معينة ~~لقياس الذكاء على هذا التعريف، واليوم يعرف الذكاء بأنه كفاءة الأداء في مهمات ~~معينة يقيسها جهاز آخر هو «اختبار ~~الذكاء» # I.Q. test ~~، يوضح سير أرثر ستانلي هذه المشكلة بتشبيه حاذق: فلنتصور ~~أن عالما في الأسماك # ichthyologist # يستكشف الحياة ~~في ms153 المحيط، فيلقي بشبكة في الماء ثم يخرج تنويعة سميكة، وإذ يقوم بفرز صيده فإنه ~~يمضي على الطريقة المعتادة للعلماء وينظم ما اكتشفه، فيصل إلى تعميمين: # ليس هناك كائن بحري يقل طوله عن بوصتين. # جميع الكائنات البحرية لها خياشيم. # في هذا «الأنالوجي» يرمز الصيد إلى مادة المعرفة التي تشكل العلم الطبيعي، وترمز ~~الشبكة إلى الأدوات الحسية والفكرية التي نستخدمها في تحصيل المعرفة، وترمز عملية ~~إلقاء الشبكة إلى الملاحظات. # قد يعترض مشاهد بأن التعميم الأول خاطئ: «فهناك كائنات بحرية كثيرة أقل طولا من ~~بوصتين، كل ما في الأمر أن شبكتك غير مكيفة للإمساك بها.» غير أن عالم الأسماك يرد ~~على هذا الاعتراض بازدراء قائلا: «كل ما لا يمكن إمساكه بشبكتي هو، بحكم طبيعته ذاتها # ipso facto ~~، خارج عن النطاق المعرفي ~~لعلم الأسماك وليس جزءا من مملكة الأسماك التي تم تعريفها بأنها الموضوع المعرفي ~~الذي ينصب عليه علم الأسماك، أو، باختصار، ما لا يمكن لشبكتي أن تمسك به فهو ~~ليس سمكا.» # كذلك الحال بالنسبة للتلسكوب والذكاء: ما لا يراه تلسكوبي ليس موجودا هناك، وما ~~لا يقيسه اختباري ليس ذكاء، من البديهي أن المجرات موجودة، والذكاء موجود، الخطب ~~أن طريقة قياسنا وفهمنا لها تتوقف بشدة على أدواتنا المتاحة. ~~(1-8) بروكرستية البحث الأكاديمي # كلما طال الأمد على البحث الأكاديمي ترسخت فيه معايير معينة للدراسة، تتحول ~~في النهاية إلى «سرير بروكرستي» علينا أن نطوع له عملنا وننتقي ملاحظاتنا ~~وبياناتنا بحيث تفي بالمعايير وتأتي على مقاس السرير! # يطول الأمد فننسى أننا أصحاب المنهج وصانعوه، وأننا مسئولون «عنه» بقدر ما نحن ~~مسئولون «أمامه»! وما المنهج في نهاية التحليل؟ إنه عادات تحدد لنا الطريقة التي ~~نعرف بها الأشياء ونمارس العمل، عادات شكلتها أيديولوجيات خفية (يسميها ~~رولان بارت بالأساطير في السيميوطيقا الخاصة به)، ثم تكلست بفعل التكرار حتى ~~أصبحت سريرا بروكرستيا جاسيا يحدد لنا حدود ما نقبله وما نرفضه، ويضع لنا ~~مسبقا معايير «الصدق» # validity # 6 # في عمل يفترض فيه أنه ابتكار دائم وكشف للخفي وارتياد ~~للمجهول، وما كان للحقيقة ms154 أن ترضخ لمنهج صنعناه بأيدينا ثم عبدناه كإله من الحلوى، ~~وما ظنك بمآل ذلك في كل مرحلة من مراحل العلم القياسي؟ إنه العقم وجفاف الدم في ~~عروق البحث، تعقبه «أزمة» # crisis # وتراكم ~~«شذوذات» # anomalies # ثم «ثورة علمية» # scientific revolution # تمس المنهج نفسه فيما ~~تمس. # الحق أن «المنهج» # method # و«الموضوع» # object # لا يمكن أن ينفصلا: لقد حدد لنا المنهج ~~مقدما ما سوف نراه! لقد أنبأنا ماذا يكون الموضوع بوصفه موضوعا؛ لهذا السبب يعد ~~كل منهج تأويلا بحد ذاته، غير أنه أحد التأويلات فحسب، والموضوع الذي يرى بمنهج ~~آخر سيكون موضوعا آخر. # 7 # يبدو أن فكرة «المنهج» بألف لام التعريف لا تستقيم وفكرة «المجهول» الذي نريد ~~ارتياده وكشفه، المجهول «مجهول» بطبيعته وتعريفه فكيف نريد اصطياده بمنهج ~~«معلوم» يحدد لنا سلفا ما سوف نصطاد؟! إنما يبزغ «المنهج» على رسله ~~«بعديا» # a posteriori # من البحث وفي البحث، ~~ربما لذلك لم تعد هناك إبستمولوجيا عامة تصلح لكل شيء، وانتقلنا الآن إلى ~~«إبستمولوجيات جهوية» # modal epistemology # على ~~حد تعبير جاستون باشلار، يقول باشلار في «فلسفة لا»: «في اعتقادنا أن مهام ~~فلسفة العلوم تطرح في مستوى كل مفهوم على حدة: فكل افتراض وكل نقطة، كل تجربة وكل ~~معادلة تتطلب فلسفتها الخاصة.» # ويبدو أننا بحاجة، فضلا عن مناهج البحث التقليدية، إلى منطق آخر للحدس الذكي، ~~لتلك اللحظة الفنية من لحظات الكشف العلمي، لتلك القفزة الإبداعية التي تتجاوز ~~دائما المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئا غيبيا لم يكن مبذولا للإدراك ~~العادي، نحن بحاجة إلى معايير أخرى لما هو افتراضي، مبدئي، تأملي، معايير إستطيقية ~~معينة تقدر جمال الظني والحدسي. ~~(2) المناعة الأيديولوجية، أو «مشكلة بلانك» # من دأبنا جميعا، في حياتنا اليومية كما في صعيد العلم، أن نقاوم أن أي تغيير في ~~النموذج المعرفي الأساسي (النموذج الشارح # paradigm ~~)، ~~يطلق عالم الاجتماع ستيوارت سنيلسون على هذه الظاهرة «جهاز المناعة الأيديولوجي» # ideological immune system ~~، يذهب ~~سنيلسون إلى أنه كلما تراكمت المعرفة لدى الأفراد وترسخت نظرياتهم فإن ثقتهم بهذه ~~النظريات يتعاظم ويكتسبون «مناعة» ضد أي نظريات ms155 جديدة لا تعزز النظريات السابقة، ويطلق ~~مؤرخو العلم على هذه الظاهرة «مشكلة ~~بلانك» Plank problem ~~، نسبة إلى عالم الفيزياء الشهير ماكس بلانك الذي أبدى هذه ~~الملاحظة فيما يتعلق بالعلم: فقلما اتفق لتجديد علمي هام أن يشق طريقا هينا سلسا ~~ويحمل مناوئيه على التخلي عن نموذجهم والتحول إليه طواعية واقتناعا، فمن النادر أن ~~يتحول «شاول» إلى «باول»، # 8 # أما الذي يحدث بالفعل فهو أن المعارضين يموتون عن نموذجهم واحدا بعد ~~الآخر، وينشأ الجيل القادم على إلف بالفكرة الجديدة منذ البداية! ومن النتائج البحثية ~~اللافتة ما وجده عالم النفس ديفيد بيركينز من ارتباط موجب بين درجة الذكاء (كما ~~تقدرها اختبارات الذكاء القياسية) وبين القدرة على تعضيد الرأي والدفاع عنه، وارتباط ~~سالب بين الذكاء وبين القدرة على أخذ الآراء البديلة بعين الاعتبار، وبتعبير أبسط: كلما ~~ارتفع معدل الذكاء كان الفرد أكثر مناعة أيديولوجية وأقل قدرة على الاستجابة للفتوحات ~~الفكرية الجديدة (!). # ويبدو أن المناعة الأيديولوجية هي شيء متأصل في الأداء البحثي العلمي، حيث تعمل ك ~~«مرشح» أو «مصفاة» ترشد اندفاع التجديدات العلمية وتردها إلى الحصافة والحذر، من ~~دأب المجتمع العلمي أن يقاوم التجديدات العلمية الثورية لا أن يفتح لها ذراعيه! لأن لكل ~~عالم ناجح مصلحة مكتسبة (فكرية واجتماعية بل ومالية) في الحفاظ على الوضع القائم، ~~ولو أن كل فكرة جديدة ثورية استقبلت بالترحاب لكانت النتيجة هي فوضى كاملة وشواش ~~تام. # بوسعنا تعميم ذلك على أصعدة الحياة جميعا فنرى إلى مسيرة التقدم في كل شيء على أنه ~~توتر محسوب بين بروكروست وثيسيوس! بين التقليد والتجديد، بين الموالاة والمعارضة، بين ~~اليمين واليسار، في مسرحية «أوديب» لأندريه جيد يلخص «كريون» هذه القضية تلخيصا ~~محكما في الفصل الثاني، إذ يقول لأوديب: «... لو لم نكن متباينين إلى هذا الحد لما وجد ~~أحد منا هذه المتعة حين يفهم عن صاحبه: وإني أيها الصهر العزيز لأحب حديثك؛ لأنك تفتح ~~لي آفاقا لم أكن لأهتدي إليها وحدي، فلك الابتكار والتجديد، أما أنا فيقيدني الماضي، ~~وأنا من أجل ذلك أحترم التقاليد والعادات والقوانين ms156 المقررة، ولكن ألا ترى أن من ~~الخير للدولة أن يمثل هذا كله، وأني أحقق التوازن المفيد بإزاء عقلك المجدد، فأحول بينك ~~وبين الاندفاع أو أهدئ من مغامراتك الجريئة التي توشك أن تحطم نظام الجماعة إذا لم ~~تؤخذ بشيء من القصد يأتيها من هذا السكون، ومن هذا التشبث بالقديم ...» # 9 # الفصل التاسع والعشرون # | مغالطة المقامر # gambler’s fallacy # تنطوي مغالطة المقامر على خطأ في فهم فكرة الاحتمالات # probability # وفكرة الأرجحية # odds ~~، # 1 # ونحن نرتكب هذه المغالطة عندما نظن أن ما وقع في الماضي له تأثير على الأرجحية ~~- أو الاحتمالات - الحالية، حين نرمي قطعة العملة رمية ترجيح فإن احتمال «الصورة» في كل ~~رمية هو 50٪ واحتمال «الكتابة» 50٪، ولا صلة لاحتمالات كل رمية بالرمية السابقة عليها ولا ~~بأية رمية أخرى على الإطلاق، فإذا رمى شخص ست رميات كانت جميعا «صورة» واستنتج من ذلك أن ~~الرمية القادمة لا بد لها من أن تكون «كتابة» لأن «الكتابة» طال غيابها ولا بد أنها ~~الآن متوقعة أو مرجحة جدا، يكون هذا الشخص قد ارتكب «مغالطة المقامر»، ذلك أن نتائج ~~الرميات السابقة «لا ضغط لها» البتة على الرمية السابعة، فالرمية السابعة لديها احتمال 50٪ ~~للكتابة و50٪ للصورة مثلها مثل أي رمية أخرى. # أمثلة ~~(1) # لقد اشتريت ثماني بطاقات حظ الأسبوع الماضي، ولم تكن بينها أي بطاقة رابحة، ~~وحيث إن فرص الكسب هي واحد لكل تسعة، فإن بطاقتي القادمة ستكون رابحة على ~~الأرجح. ~~(2) # أما زلت تشتري أوراق اليانصيب هذه؟ # نعم، لقد ظللت أشتريها بانتظام لمدة سنتين ولم أربح. # إذن لماذا تحرص على شرائها؟! # حسن، بما أنني لم أربح حتى الآن، فإن الوقت قد حان لكي أربح عاجلا. ~~(3) # أما زلت مصمما أن تراهن على الحصان «فارس»؟ لقد خسر ثلاثة من سباقاته ~~الأربعة الأخيرة. # لذلك سوف أراهن عليه الآن، لقد راجعت السجلات وعرفت أن «فارس» قد ربح نصف ~~سباقاته في العامين الأخيرين، وحيث إنه خسر ثلاثة من سباقاته الأربعة الأخيرة، ~~فلا بد من أنه سيفوز في هذا السباق. # هل أنت واثق من ذلك؟ # بالتأكيد، لقد ms157 حان فوزه الآن. # في كل مثال من الأمثلة السابقة يأخذ شخص احتمال وقوع حدث «أ» خلال فترة من الوقت، ~~ويلاحظ أنه خلال الشطر الأول من تلك الفترة كان الحدوث الفعلي ل «أ» أقل بكثير من المتوقع، ~~فيستدل من ذلك على أن حدوث «أ» سيكون أكثر احتمالا في بقية الفترة، وهو استدلال مغلوط ~~بالنظر إلى مفهوم الاحتمالات والأرجحية. # وقد تمضي المغالطة أيضا في الاتجاه المقابل: فيفترض المرء أن الحدوث الزائد عن المتوقع ل ~~«أ» لا بد من أن يؤدي إلى انخفاض احتمالية «أ» فيما سيأتي؛ وذلك لكي تتحقق الاحتمالات ~~وتستوي الأمور في نصابها: ~~- أتشتري بطاقات الحظ ثانية هذا الأسبوع؟ ~~- نعم. ~~- أي الأرقام سوف تختار؟ ~~- حسن، إن الأرقام التي كثر فوزها حتى الآن هي 3، 7، 28؛ لذا فلن أختارها بكل تأكيد، فقد ~~آن لها أن تتلقى نصيبها من الخسارة لفترة غير قصيرة. # وصفوة القول في المقامرة إن ما تم حدوثه حتى اللحظة الآنية هو شيء لا يقدم ولا يؤخر ~~في احتمالات السحبة القادمة، ولا يؤثر على أرجحيتها، بحد ذاتها، مثقال ذرة من التأثير، ~~فاحتمال «الصورة» في رمية العملة القادمة هو 50٪ مهما تكن النتائج السابقة، واحتمال فوز أي ~~رقم في اليانصيب الأسبوعي للمملكة المتحدة هو واحد إلى أربعة عشر مليونا. # الفصل الثلاثون # | المظهر فوق الجوهر # | style over substance # وسرى في فؤاده زخرف القو # ل يراه مستعذبا وهو داء # شوقي # بني الآداب سرتكم قديما # زخارف مثل زمزمة الذباب # المعري # اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل. # الجاحظ، البيان والتبيين # ليس بالأمر جديرا # كل من ألقى خطابا # أو رأى أمية فاخ # تلب الجهل اختلابا # شوقي # ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحياة الدنيا ~~(البقرة: 204) ~~*** # يقع المرء في هذه المغالطة عندما يولي أهمية زائدة للأسلوب الذي تم به عرض حجة ما، ~~بينما يهمش، أو يتغافل، مضمون الحجة ومحتواها. # للطلاء دائما رونق يموه ما تحته، ورواء يشغل العين عن تبين الثغرات والتشققات ~~والتجاعيد والأخاديد، وللبيان دائما سحر يعمل عمله بمعزل عن الفحوى، وللقول ms158 سحر يفتن ~~المرء عن المقول، هكذا يقر في روع الناس أن مظهر الحجة ينم عن جوهرها ويضيف إلى مفادها ~~ومؤداها، ويؤثر بطريقة ما في تحديد قيمة صدقها. # أمثلة ~~(1) # من المؤكد أن حجة رئيس المجلس ضعيفة وأنه قد خسر الجدال، ألا ترى كم كان ~~جبينه يتفصد عرقا ووجهه يحمر ارتباكا؟ ~~(2) # لا شك أن هذه الغسالة الكهربائية هي الأفضل صنعة والأطول عمرا من غيرها؛ ~~لأن البائع كان يتحدث عنها بطلاقة وإقناع، كما أنه شديد التأنق والوسامة ~~وتبدو عليه أمارات الذكاء والفهم. ~~(3) # إن مرسي يعرف كيف يختلب الجمهور، لا ريب أنه على صواب فيما يقول. ~~(4) # مربع ثلاثة هو تسعة. تسع رصاصات يفقأن عينك أيها الفاشل الأبله. # بل ستة، ولا داعي لهذه البذاءة وهذا التجريح. ~~(لاحظ أن البذاءة والإفحاش في القول لا دخل لهما في صواب العبارة: «مربع ثلاثة هو تسعة» ~~قول صائب وإن كرهنا بذاءة قائله وإقذاعه في الحديث، «مربع ثلاثة هو ستة» قول خطأ ولو ~~شفعه قائله بنهج البردة!) # الفصل الحادي والثلاثون # | الاحتكام إلى القديم (الاحتكام إلى التقاليد) # | Appeal to antiquity; appeal to ~~tradition Ad antiquitatem; ad ~~traditio # إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون ~~(الزخرف: 23) # التغير يحفظ نظام الأشياء، ويبقي العالم صبيا على الدوام. # ماركوس أوريليوس # الإنسان يحيا بالتغير، الحياة لم تعط له لكي يحفظها، بل لكي ~~يغيرها. # أدونيس # عار على الجنس البشري أن يستكشف العالم المادي على هذا النحو المذهل ~~بينما تبقى حدود العالم الفكري محصورة في الكشوف الضيقة للقدماء. # فرنسيس بيكون # عار أن نظل يقودنا أطفال سذج قليلو العلم والتجارب، يقال لهم ~~الأجداد! # لا معنى للتمسك ببناء فوقي بعد أن انفصم عن بنائه التحتي الذي ~~أفرزه. # فليكن النقد بالنسبة لنا هو العادة والتقليد والعرف. ~~*** # يعد الاحتكام إلى القدم، أو إلى التقاليد، نوعا من «الاحتكام إلى سلطة» # ad verecundiam ~~، وهي هنا سلطة ~~العرف أو التقاليد الجمعية، والحق أن هناك فرقا دقيقا بين الاحتكام إلى القدم والاحتكام ~~إلى التقاليد، وما جمعنا بينهما إلا توخيا للتبسيط. # ف «الاحتكام إلى القدم» ms159 # appeal to antiquity # يجعل من ~~عمر الفكرة معيارا لصوابها، ومن مجرد قدمها دليلا على صحتها، وصورته: # س قديم؛ # إذن «س» صائب. # أما الاحتكام إلى التقاليد الثقافية الراسخة، وصورته: # س تقليدي؛ # إذن «س» صائب. # فإنه يضيف شيئا ما إلى قدم الفكرة؛ فالتقليد أو العرف ليس مجرد شيء قديم، إنه شيء ~~«مجرب»، شيء اختبره الأقدمون وأثبت نجاعة، فتبنته الأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل، ~~وترسخ في وعيها (أو في لا وعيها) بوصفه حقا بذاته ولذاته وفي غنى عن مزيد من ~~الاختبار والنقد. لقد تكفل السلف بالاختبار وأعفى الخلف من مئونته، وها هم يتبعون ~~آباءهم ولا يعرفون - ولا يلزمهم أن يعرفوا - لماذا يفعلون ذلك، إن من الأسلم والأضمن والآمن ~~لك أن تأخذ بما هو مجرب ومألوف ومعروف. ~~••• # وبعد، فمن البين أن عمر الفكرة «غير ذي ~~صلة» # irrelevant # 1 # بنصيبها من الصواب أو الخطأ إلا بقدر ما يعكس ثباتها لاختبارات متعاقبة ~~وقاسية، أما القدم بحد ذاته فليس ضامنا لصواب فكرة، وكم من فكرة اعتنقتها الأجيال ~~أحقابا طويلة ثم تبين خطؤها الذريع، وكم من نظام تفشى في الأمم دهورا ثم هجرته ~~لما تبين لها ضرره وفساده. # أمثلة # نظام الرق. # وأد الإناث. # ختان الإناث. # الاعتقاد بأن السحرة والأرواح الشريرة سبب لكثير من الأمراض الجسمية ~~والنفسية. # الاعتقاد بثبات الأرض، ومركزية الأرض، وانبساط الأرض، وضخامة الأرض بالنسبة ~~لحجم الكون. # الاعتقاد بأن القلب هو عضو الشعور والتفكير. ~~(1) فرنسيس بيكون: تحليل مفهوم «القدم» # للفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626) وقفة عز مع هذه المغالطة، ففي كتابه ~~«الأورجانون الجديد» # novum organum # يحذرنا بيكون ~~مما أسماه «أوهام المسرح» # idola theatri # المتمثلة ، ~~أحيانا، فيما تكتسبه المذاهب والنظريات القديمة من نفوذ بحكم قدمها لا بحكم صدقها، ~~ويعتبر هذا الوهم وغيره عيوبا في تركيب العقل يحب أن نعالجه منها لكي يعود لوحا ~~مصقولا تنطبع عليه أشياء الوجود كما هي في الواقع ودون تدخل وتشويش من ذواتنا، ~~ويسفه القديم إلى حد أن اعتبر القدم قرينة تنتقص من نصيب الفكرة من الحق، بعكس ~~ما يراه العقل الصنمي المريض بالأوهام ms160 الأربعة. # يحلل بيكون لفظة «القدم» # antiquity # نفسها، ويكشف ~~تهافت فهمنا لها في هذا المقام، يقول بيكون في الشذرة 84 من الكتاب الأول من ~~«الأورجانون الجديد»: «إن توقير العصور القديمة، ونفوذ الرجال الذين حظوا بمكانة كبيرة ~~في الفلسفة، والإجماع العام، كل أولئك أمور عاقت الناس عن التقدم في العلم، وأسرتهم ~~إلى حد كبير، أما عن الإجماع فقد تناولته فيما سبق، وأما عن الرأي الذي يرفع به الناس ~~من قيمة القدم فهو رأي عقيم تماما ولا يكاد يتفق مع اللفظة؛ ذلك لأن كبر العالم ~~وتقدمه في العمر هو ما ينبغي أن يعتبر «قدما» في حقيقة الأمر، وهذه هي الصفة المميزة ~~لزمننا نحن لا للعمر المبكر للعالم في أزمنة القدماء، فإذا كان هؤلاء الأخيرون بالنسبة ~~لنا قدماء مسنين فإنهم بالنسبة للعالم محدثون صغار، ولما كنا نتوقع من الشخص الأكبر ~~معرفة أكبر بالشئون البشرية وحكما أنضج مما نتوقعه من الصغير، بفضل خبرة الكبير وبفضل ~~كثرة، وتنوع، ما رآه وسمعه وتأمل فيه، فإن لنا أن نتوقع من عصرنا أمورا أعظم مما ~~نتوقعه من العصور القديمة، ما دام العالم قد تقدم في العمر وازدادت ذخيرته واكتنزت بما ~~لا نهاية له من التجارب والملاحظات، وينبغي أيضا أن نأخذ في اعتبارنا أن كثيرا من ~~الأشياء الجديرة بأن تلقي الضوء على الفلسفة قد اكتشفت، وأميط عنها اللثام بفضل ~~الرحلات والأسفار الطويلة التي زخرت بها أيامنا، إنه ليكون مخزيا حقا للجنس ~~البشري أن تستكشف أصقاع العالم المادي - الأرض، والبحر، والنجوم - وتستظهر على هذا ~~النحو المذهل، بينما تبقى حدود العالم الفكري محصورة في الكشوف الضيقة ~~للقدماء.» ~~(2) جراهام سمنر والمنشأ البدائي للتقاليد # الأعراف لا تحفز الفكر بل تثبطه ... الأعراف ليست أسئلة بل أجوبة. # سمنر # في مقاله الشهير «الأخلاق نسبية» يذهب عالم الاجتماع الأمريكي وليام جراهام سمنر إلى ~~أن منهج المحاولة والخطأ، ومعيار اللذة والألم يتحكمان في اختيار الجماعات البشرية ~~الأولى للطرق الأنسب عمليا لفعل الأشياء، أي الطرق التي يثبت نفعها، وكان الجميع في ~~بداية الأمر يتبنون نفس الطريقة للوصول إلى نفس الغرض، ms161 ومن ثم تحولت الطرق إلى ~~عادات اجتماعية وأصبحت ظواهر جمعية ... تتصف «الطرق ~~الشعبية» # folkways # بالاطراد والشمول والطابع الآمر والثبات، وبمرور الزمن تزداد ~~طبيعتها التعسفية والقطعية والأمرية، وإذا سئل البدائيون لماذا يسلكون بطريقة معينة ~~في حالات معينة، فإنهم يجيبون دائما بأنهم هم وأسلافهم كانوا دائما يفعلون ذلك. # 2 # الطرق الشعبية إذن لا يبتكرها البشر عن عمد أو تفطن، إنها أشبه بنواتج قوى الطبيعة ~~التي يديرها الإنسان عن غير وعي، أو هي أشبه بالطرق الغريزية للحيوان؛ إذ تنجم من ~~الخبرة وتصل إلى شكل نهائي يحقق أقصى تكيف بإزاء غرض ما، وتصير تقليدا ينتقل من جيل ~~إلى جيل ولا تقبل استثناء أو شذوذا، غير أنها يمكن أن تتغير لتوافق ظروفا جديدة ولكن ~~تغيرها يتم في حدود الطرق نفسها ودون تفكر أو قصد عقلي. # تتحدد الطرق من جانبها السلبي؛ أي بواسطة «المحرمات» # taboos ~~، والطريقة الصحيحة هي الطريقة التي اتبعها الأسلاف، والتي ~~أورثوها الأخلاف، التقليد هو برهان ذاته ومسوغ نفسه، التقاليد تحمل في ذاتها ~~مبرراتها، فهي لا تقع في النفس موقعا يعرضها للتحقيق بالخبرة، إن فكرة «الصواب» ~~قابعة في الطرق الشعبية، الصواب لا يأتي من الخارج، من مصدر مستقل، لكي يختبرها ~~ويتحقق منها، فأيما شيء تقوله الطرق الشعبية فهو حق؛ ذلك لأنها تقليدية موروثة تنطوي في ~~داخلها على سلطة أرواح السلف. # هكذا ينبغي أن نتصور الأعراف على أنها نسق عريض من الأحكام التي تشمل الحياة كلها ~~وتخدم مصالحها جميعا، وتحمل في ذاتها مبرراتها عن طريق التقليد الموروث والاستخدام ~~والعادة، ويسلم الناس بها خضوعا لسطوة سرية باطنة إلى أن تؤسس، عن طريق التأمل ~~العقلي، تعميماتها الفلسفية والأخلاقية الخاصة ، والتي ترقى عندئذ لتصبح «مبادئ» الحق ~~والصواب. # تسيطر الأعراف على كل جيل ناشئ وتخضعه لسلطانها، والأعراف لا تحفز الفكر بل ~~تثبطه، فالتفكير قد تم وقضي أمره وتجسد في الأعراف، ولا تحمل الأعراف على الإطلاق أي ~~احتمالات بمراجعتها وتعديلها، فالأعراف ليست أسئلة بل أجوبة - أجوبة عن مسائل الحياة، ~~وهي تقدم نفسها كشيء نهائي وغير قابل للتغيير؛ لأنها تمثل أجوبة ms162 مقدمة بوصفها ~~«الحقيقة». # ليس بوسع أية فلسفة شعبية أن تقدم نفسها كشيء ~~مرحلي وغير مكتمل وقابل للدحض غدا مع نمو المعرفة، فهذا التوجه الفلسفي حديث للغاية، ~~ذلك أنه يكلف المرء عنتا ذهنيا شديدا، إن جميع الشعوب التي نرى أعرافها أدنى مستوى ~~من أعرافنا هي على قناعة تامة بما لديها من أعراف مثلما نحن على قناعة بما لدينا، ~~فالأعراف إنما تقيم بمدى تجاوبها مع ظروف الحياة ومصالحها في زمان ومكان معينين، ~~ومن ثم فمن الصلاح والتيسير ألا يوليها أحد تفكيرا أو تأملا بل أن يتعاون الجميع ~~في تنفيذها غريزيا. ~~(3) اختبار الزمن # قد يقول قائل: ولكن كيف يتسنى لاعتقاد ما أن يدوم كل هذا الزمن لو لم يكن هذا ~~الاعتقاد حقا وصوابا؟! أليس بقاء الفكرة أو العادة ردحا طويلا من الزمن دليلا على ~~نجاحها وصحتها وإسعافها للناس في حياتهم على الأرض؟ أليس دليلا على أنها قد ~~«اجتازت اختبار الزمن» # passed the test of time ~~، ~~وأثبتت فاعليتها في مواقف متتالية وتجارب متعاقبة؟ ألا يقيم العلم نفسه وزنا لما ~~يسمى «اختبار الزمن»، ولما يسمى «تكرار ~~التجربة» # replication ~~؟ ~~«الحق أن الاحتكام إلى التقاليد كثيرا ما يعكس ضروبا معقدة من التكيف مع البيئة، ~~ما إن تنشأ هذه التكيفات حتى تنتقل على نحو ثقافي وليس كحجة ممنطقة، فيكون الناس على ~~وعي بحكمة تقاليدهم أو على غير وعي، وأغلب الاحتمال أن تكون التقاليد صائبة في البيئة ~~الثابتة حيث أتيح لكثير من الاختلافات أن تختبر في الماضي، على أن التقاليد تميل إلى ~~أن تبلى وتندثر في البيئة السريعة التغير.» # 3 ~~(4) الوراثة الثقافية والضغط الانتخابي # في كتابه «التكيف البشري» يذهب ستيفن تولمن إلى أن تطور الأفكار العلمية شبيه ~~بالعمليات التطورية الأخرى، وإن لم يكن تطورا داروينيا بالمعنى الحرفي: ف ~~«المتخالفات» (المتغايرات) # variants # في العلم ليست ~~«سمات» # traits # بل «أفكارا» مخالفة، والضغط ~~الانتخابي في العالم الفكري يعود إلى «شدة النقد»، إن «التفكير النقدي» ليقدم لنا ~~بديلا عن «الانتخاب الطبيعي». # 4 # من الواضح أن تولمن متأثر في دراساته بأفكار كارل بوبر عن ms163 تطور المعرفة البشرية ~~والنظريات العلمية، يذهب بوبر إلى أننا نحقق تقدما في معرفتنا، ونقارب الحقيقة، بواسطة ~~عملية محاولة وخطأ، ويقدم نظرية تطورية لنمو المعرفة، مفادها أننا نبدأ من مشكلة معينة ~~(م1)، نقوم إزاءها باقتراح «حل ~~اختباري» # tentative solution # أو «نظرية اختبارية»، ثم نحاول عندئذ استبعاد النظريات ~~الكاذبة بتعريضها لاختبار قاس ونقد شديد، عندئذ يبرز موقف جديد أو مشكلة جديدة ~~(م2) نتناولها على نفس النحو، وهكذا تنمو المعرفة باطراد، في حلقات متتالية تبدأ من ~~مشكلة وتنتهي بمشكلة، لكنها ليست دائرية، فهي لا تنتهي من حيث بدأت، بل تنتهي بموقف ~~جديد ومشاكل جديدة، هذه الجدة هي التي تكفل التقدم المستمر للمعرفة. # 5 # صفوة القول إن «الوراثة ~~الثقافية» # cultural inheritance # قد تعد تكيفية، وأن الثقافات قد تتطور لأنها تقدم للجنس ~~البشري «مزايا انتخابية»، ففي البيئة الثابتة يمكن أن تتطور تقاليد ثقافية تكيفية، من ~~أمثلة ذلك استمرار عادة أكل الباقلاء # fava beans # ألوفا من السنين بين شعوب متوسطية عديدة، برغم خطره على بعض من لديهم استعداد جيني ~~معين، فقد تبين أن الجين الذي يؤدي إلى حساسية للباقلاء يضفي أيضا مقاومة ~~للملاريا، ومن ثم فقد كان هذا الجين ينتخب طبيعيا في المناطق الموبوءة ~~بالملاريا، وهكذا كان لأكلة الباقلاء في هذه المناطق مزايا بقاء جعلتهم أكثر عددا ~~بفضل مقاومتهم للملاريا، وهكذا فإن سمة ثقافية انتقلت من جيل إلى جيل قد انتخبت ~~طبيعيا، وسادت المجتمع بعد أجيال عديدة. # 6 # ومن ذلك أيضا أن فلاحي الريف الأوروبي الإقطاعي درجوا على أكل البطاطس والجبن ~~والبيض، دون أن يعانوا من زيادة دهون الدم ومن تصلب الشرايين، وغير ذلك من الأمراض ~~المتوقعة من مثل هذا الطعام الدهني أو العالي السعرات، توارث الناس أكل هذا الطعام ~~وأصبح عادة راسخة، ولم يفطنوا إلى السبب من وراء ذلك: فقد كانت الكثافة السكانية آنذاك ~~عالية ومصادر الطعام شحيحة، ومن ثم كان هذا الطعام هو الأنسب لمن يعيش على ~~الكفاف. # ومن ذلك عادة أكل الطفل (الطين) في جبال بيرو! لقد ترسخت لدى السكان هذه العادة ~~الغريبة ms164 دون أن يسألوا عن السبب من وراء ذلك، كان هؤلاء السكان يأكلون صنفا معينا من ~~البطاطس مغذيا ولكنه سام، وقد تبين أن أكل الطفل مع هذا الطعام هو بمثابة ترياق له ~~إذ يمتص المواد الكيميائية السامة. # 7 # غير أن اختبار الزمن في الممارسات الاجتماعية قد تم في بيئة محددة وظروف بعينها، ~~وينبغي أن نكون على استعداد لإعادة تقييمها إذا ما تغيرت الظروف: # فإذا ما تبنت البلاد الموبوءة بالملاريا مشاريع صرف ونجحت برامج ~~مكافحة البعوض في القضاء على الملاريا، هنالك قد يغدو أكل الباقلاء عادة ~~بالية. # وإذا قدر لشخص أوروبي حديث (حيث وفرة الطعام وقلة المجهود) أن يعيش ~~حياته على البطاطس والجبن والبيض فبشره بطول بقاء في العناية المركز ~~لأمراض الشريان التاجي. # 8 # وإذا ما تقدمت المجتمعات اقتصاديا وتكنولوجيا لم يعد ثمة معنى لبقاء ~~المرأة في البيت، وقد صار بوسعها تقلد وظيفة مريحة ومضاعفة دخل ~~الأسرة. # زد أن الممارسات المنتخبة إنما هي محض «تكيف» مع الموقف وليست «مبررا» له ~~بحال. ~~(5) هابرماس وعلاقات القوة في الوراثة الثقافية # ليكن النقد والتمحيص والتنقيح هو العادة والتقليد والعرف. # يذهب الفيلسوف الألماني يورجين هابرماس # J. Habermas # إلى أن التقاليد قد تخلق بنى اجتماعية وعلاقات قوة كفيلة بدورها أن تقمع الحجة ~~وفقا للعلاقات القائمة على السلطة أو الثروة، ومن ثم فإن على المرء أن يميز بين ~~تقليد تؤيده أجيال من الاختبارات وتقليد تفرضه السيطرة والطغيان وتحول دون ~~اختباره: إن التقاليد قد تفرض بالقوة لكي تصب في مصلحة الطبقة المسيطرة، وإن الظلم ~~الاجتماعي ليعوق تطور المجتمعات إذ يمنع انتخاب التنوعات التكيفية. # 9 # وإذا كانت الممارسات الثقافية الثابتة هي أفضل ما أتيح تجريبه في الماضي، فقد تكون ~~بعض التنويعات الجديدة التي لم يتم تجريبها جديرة بأن تأخذ حظها من الاختبار الحصيف، ~~وها هنا يكون الاتصال بين المجتمعات مصدرا ثريا للبدائل الجديدة والتحسينات الممكنة، ~~ربما يكون الطب الشعبي، على سبيل المثال، أفضل العلاجات المكتشفة لدى ثقافة ما، ولكن ~~أفضلية الطب الحديث في علاج الأمراض المعقدة، كالسرطان، هي أمر لم يعد ms165 محل ~~جدال. # صحيح أن التقاليد القديمة كانت عمليات منتقاة بالضغط الانتخابي، عمليات مجربة ~~أثبتت نجاعة في زمنها وتحت ظروفها، ولكن ليس من الحكمة التمسك ببناء فوقي بعد أن ~~انفصم عن بنائه التحتي الخاص، وليس من الحكمة التشبث بتقاليد عتيقة بعد أن انبتت ~~صلتها بأساسها القديم ولم تعد تلائم الأزمنة المتغيرة. # من الحكمة، كما يقول جون ستيوارت مل، إن نفسح المجال لشيء من «التجريب» في الفعل ~~والسلوك، وأن نتحلى برحابة الصدر والعقل تجاه كل غريب مختلف، ذلك أن تعدد التجارب ~~البشرية دليل ثراء وخصب، مثلما أنه سبيل تقدم وارتقاء، ومن شأن الزمن وحده أن يبين لنا ~~أي هذه التجارب هو الأفضل والأجدى والأنجع فنأخذ به كعادة ونكتسبه اكتسابا. # 10 # لم يشهد تاريخ البشرية حقبة تزعزعت فيها الروابط بين المجال البيئي والمجال ~~الاجتماعي مثل هذه الحقبة التي نعيش فيها: النمو السكاني، الميكنة، التجديدات ~~التكنولوجية المتسارعة، نحن اليوم بإزاء إيقاع من تغير الظروف بلغ من السرعة مبلغا ~~لم تعرفه الأجيال السابقة، يفرض علينا أن نعول على ملكاتنا النقدية، وأن نغامر ~~بتجريب طرائق جديدة واختبارها وانتخاب أفضلها، وأن نجعل النقد نفسه، والتجريب ~~والاختبار، تقليدا وعادة وديدنا. ~~(6) التطويع الاجتماعي؛ غسيل الدماغ المحتوم ~~«تتم صياغة «الأنا الأعلى» # super-ego ~~(أو ~~«البيئة المدخلة» # internalized environment ~~) في فترة دقيقة خاصة من حياة الكائن البشري: فترة طفولة جبرية طويلة، فيها يتصل الكائن ~~بالواقع لأول مرة، معتمدا في إشباعاته على من يحيطونه من الوالدين وأشباههما من ~~البالغين السابقين في تجربة الوجود، غير قوي على غير الخضوع والطاعة التماسا للإشباع ~~وتجنبا للحرمان. # في هذه الفترة المتطاولة من الضعف والاعتمادية يتم دمج النماذج السلوكية الموروثة ~~والمعايير الخلقية المقررة، يتم دمجها في الذات العليا مشكلة أصل ما يسمى ~~بالضمير، وجذور ما يسمى بال «محافظة» (السياسية - الأخلاقية - الفنية - اللاهوتية ... ~~إلخ) التي تتحدد مهمتها في إطالة عمر «الوضع ~~القائم» # status quo # ودعم التقاليد والنظم الاجتماعية السائدة التي أفرزتها ~~ضرورات اقتصادية واجتماعية سالفة، وربطها بأعماق النفس وتغليفها بالهيبة والقداسة، ~~ومقاومة كل تغيير فكري أو اجتماعي مهما تكن ms166 بداهته ووجاهته وجدارته بتخفيف آلام ~~المجتمع وتحسين أحواله. # في هذه الفترة المستطيلة من الضعف والاعتمادية يتم بتر الدهشة وإخصاء التساؤل واصطياد ~~«النقد» في الماء العكر. # وإن شيئا تمت صياغته في ظروف من القهر والجبر، وفي حدود مما كان ومما هو كائن، لا ~~يجمل ائتمانه على ما يأتي ولا استفتاؤه فيما ينبغي.» # 11 ~~«وإنه ليعجزنا أن نحزر كيف كان يمكن أن يكون حال عالمنا لو لم يداخل الشك بعض ~~العقول الباسلة والبصائر النبيلة، فيسول لها أن تركل كهفها الدافئ وتذبح أمانها ~~السمين، كيما تستنطق الحق وتستجوب الطبيعة، وكيف كان يمكن أن يكون حاله لو أن كل ~~رهط من البشر ظلوا قابعين في حظيرتهم، متحككين كالخراف، غير منبتين عن جهالة ~~الآباء أو متجاوزين «لطفولة» الأجداد!» # 12 ~~(7) متى يكون القدم معيارا صائبا؟ # يزداد شغفي بك على مر الليالي، # كأنك الخمر أو العطر أو العود أو اللؤلؤ، # أو أي من تلك الأشياء المحظية القليلة # التي استأثرها الزمن بمودته، # وتبناها الفلك في دورته، # فهو يرضعها ولا يدوسها # ويكرمها ولا يهينها، # ويغليها ولا يرخصها. # غني عن القول أن القدم قد يكون معيارا للجودة في بعض السياقات: # فبعض الآلات الموسيقية يزداد رنينها بقدر ما يجف خشبها بفعل ~~الزمن. # والنبيذ المعتق، والجبن المعتق، والعطر القديم ... # والأثر التاريخي، والوثيقة التاريخية، والأثر الفني ... # واللؤلؤ جوهر نفيس يستغرق تكوينه زمنا هائلا في جوف المحارة. # والصداقة، وغيرها من العلاقات الإنسانية، تتقوت بالزمن، وتزداد مع ~~الأيام قوة ورسوخا. # ها هنا يكون الزمن طرفا فاعلا، ويكون القدم «ذا ~~صلة» # relevant # بقيمة الشيء. ~~(8) الاحتكام إلى الجدة # appeal to novelty # بعض العقول مغرم بالقديم، وبعضها متيم بالجديد ... بينما الحقيقة ينبغي ~~ألا تلتمس في هناءة أي عصر، فذاك شيء غير مستقر، بل تلتمس في ضوء الطبيعة ~~والتجربة، فذاك شيء خالد. # فرنسيس بيكون # مغالطة الاحتكام إلى الجدة هي معكوس المغالطة السابقة، وتفترض أن جدة الفكرة دليل ~~على صدقها، وصورتها: # س جديد؛ # إذن «س» صحيح أو أفضل. # ومن ثم تعد هذه المغالطة وثيقة الصلة ب «مغالطة ~~عربة الفرقة» # bandwagon ms167 fallacy ~~. # أمثلة # هذا المنتج حديث؛ إذن فهو أفضل. # هذه الأغنية جديدة؛ إذن فهي جيدة. # هذه النظرية أحدث؛ إذن فهي أصوب. # هذا الاتجاه الفكري أحدث؛ إذن فهو أصوب. # تستقي هذه المغالطة جاذبيتها من مصادر كثيرة: # منها ذلك الالتزام الشديد للثقافة الغربية بفكرة أن الأشياء الجديدة لا ~~بد أن تكون أفضل من الأشياء القديمة. # ومنها فكرة «التقدم» # progress # أي ~~الاعتقاد بأن الأزمنة المتأخرة هي تحسينات على الأزمنة المتقدمة، وأن ~~الأشياء الأحدث عهدا أرقى من الأشياء الأقدم، ويبدو أنه اعتقاد مستمد ~~جزئيا من فكرة «التطور» # evolution ~~. # ومنها وسائط الدعاية التي كثيرا ما تدس رسالة ضمنية بأن الأحدث لا ~~بد أن يكون هو الأفضل. # بديه أن عمر الفكرة لا صلة له بنصيبها من الحق أو الصواب، وأن كون الشيء جديدا هو ~~أمر لا يضمن جودة ذلك الشيء، ويكفي أن نذكر أنه ما من فكرة بالية نرفضها اليوم ~~باعتبارها هراء باطلا إلا وكانت فكرة جديدة في يوم من الأيام! ~~(9) متى تكون الجدة معيارا صائبا؟ # الاحتكام إلى الجدة، شأنه شأن غيره من المغالطات، قد يصح في بعض السياقات ويكون له ~~ما يبرره: متى يصح الاحتكام إلى الجدة؟ عندما تكون الجدة ذات صلة بالجودة: # فلبن اليوم لا شك أفضل من لبن الأمس لأنه طازج لم تعمل فيه عوامل ~~الفساد. # وعلوم العصر أصوب من العلوم القديمة؛ لأنها تراكم عليها وتصحح ~~أخطاءها. # ومدارك الناس، من ثم، في زمننا أوسع بما لا يقاس من مدارك الأسلاف في ~~القرون الغابرة. # الفصل الثاني والثلاثون # | النبوءة المحققة لذاتها # Self-fulfilling prophecy # ثمة صنف من النبوءات يتصف بصفة عجيبة: أنه يصدق إذا صدقناه! يطلق على مثل هذه ~~النبوءات «النبوءات المحققة لذاتها». # النبوءة المحققة لذاتها هي تنبؤ يؤدي بنفسه، على نحو مباشر أو غير مباشر، إلى أن يصبح ~~حقا، فرغم أنه في البداية تحديد زائف للموقف، إلا أنه يحفز سلوكا جديدا من شأنه أن ~~يجعل التصور الزائف الأصلي يتحقق ويصير واقعا ، يعمل هذا الصواب الخادع للنبوءة على استتباب ~~الخطأ ودوامه؛ لأن المتنبئ سوف يستشهد بالمجرى الفعلي ms168 للأحداث كبرهان على أنه كان صادقا ~~منذ البداية، وبعبارة أخرى: فإن تنبؤا معلنا على أنه صادق (بينما هو في الحقيقة كاذب) قد ~~يؤثر في الناس (من خلال الخوف، أو الخلط المنطقي، أو الإحجام، أو الإقدام، أو الحماس، أو ~~الفتور، أو التشجيع، أو التثبيط ...) بحيث تفضي استجاباتهم في النهاية إلى تحقيق التنبؤ الذي ~~كان كاذبا من قبل. # يعود مصطلح «النبوءة المحققة ~~لذاتها» # self-fulfilling prophecy # إلى عالم الاجتماع في القرن العشرين روبرت مرتون، ويستند مفهومه ~~إلى «مبرهنة توماس» القائلة بأنه «إذا عرف الناس المواقف على أنها حقيقية تكون حقيقية في ~~نتائجها.» يذهب توماس إلى أن الناس لا تستجيب للمواقف فحسب، بل تستجيب أيضا، وبصفة أساسية ~~في الغالب، للطريقة التي يدركون بها المواقف والمعنى الذي يضفونه على هذه المواقف، وبالتالي ~~فإن سلوكهم يحدده (جزئيا) هذا الإدراك وهذا المعنى لا المواقف ذاتها، فما إن يقتنع الناس ~~أنفسهم بأن لموقف معين معنى معينا على الحقيقة، وبغض النظر عما إن كان كذلك بالفعل، ~~فسوف يتخذون من جرائه أفعالا جد حقيقية. # أمثلة ~~(1) إفلاس مصرف # تصور مصرفا (بنكا)، كأفضل وأمثل ما يكون المصرف، يدار على نحو أمين قويم، وهو ~~كأي مصرف لديه سيولة نقدية معقولة، ولكن معظم أصوله بطبيعة الحال مستثمرة في أعمال ~~ومشروعات، وذات يوم تصادف أن كان هناك تزاحم على المصرف، وهو ما أزعج العملاء فسرت ~~شائعة بأن المصرف موشك على الإفلاس، وسرعان ما تقاطر بقية العملاء على المصرف يطالبون ~~بسحب ودائعهم، وبالطبع لم تتوافر السيولة الكافية لسد مطالبهم، فنفدت السيولة وأعلن ~~المصرف إفلاسه! # تبين لنا هذه الحكاية الخيالية أن التعريفات الشائعة لموقف ما (التنبؤات أو ~~التوقعات) تصبح جزءا مدمجا بالموقف، وتؤثر بذلك على التطورات اللاحقة، وهو أمر يخص ~~الشئون البشرية ولا يوجد في الطبيعة المستقلة عن الفعل الإنساني: من ذلك أن التنبؤات ~~بعودة مذنب هالي لا تؤثر في مداره الفعلي، بينما أثرت إشاعة إفلاس المصرف في المآل ~~الفعلي للمصرف، إن نبوءة الإفلاس أدت إلى تحقيق ذاتها! ويخلص مرتون إلى أن الطريقة ~~الوحيدة لكسر حلقة «النبوءة ms169 المحققة لذاتها» هي أن نعيد تحديد القضايا التي تستند ~~إليها من الأصل افتراضاتها الكاذبة. ~~(2) التلاميذ وتوقعات المدرس # وفي المجال التربوي لوحظ دائما أن أداء التلاميذ يأتي متفقا مع توقعات مدرسيهم، وفي ~~دراسة شهيرة أجريت عام 1968 أنبأ الباحثون عددا من مدرسي المرحلة الابتدائية بأن بعض ~~تلاميذهم تبين امتلاكهم قدرات كبيرة للنمو المعرفي، على حين أن هؤلاء التلاميذ كان ~~قد تم تحديدهم عشوائيا! وبعد انقضاء ثمانية أشهر أجريت اختبارات ذكاء على تلاميذ ~~المدرسة، فحصل هؤلاء التلاميذ المحددون عشوائيا على درجات أعلى بصفة عامة من أقرانهم، ~~وقد صارت هذه الظاهرة تعرف باسم «أثر ~~بيجماليون» Pygmalion effect # نسبة إلى مسرحية برنارد شو. ~~(3) النعي المميت! # ومن الحكايات الواقعية الشهيرة ما حدث في يناير عام 1940: فقد كان ماركوس جرافي، ~~داعية التعاون الأفريقي، يعاني سكتة دماغية نجا منها بالفعل، غير أنه فوجئ بنعيه ~~منشورا بطريق الخطأ في جريدة شيكاغو دفندر، واصفا إياه بأنه «انسحق وحيدا مغمورا»، ~~فصدم جرافي حين قرأ هذا النعي صدمة شديدة أصابته بسكتة دماغية ثانية توفي على أثرها، ~~وبذلك صدق النعي! ~~(4) كارل بوبر و«الأثر الأوديبي» # وقد أشار كارل بوبر إلى هذه الظاهرة وأسماها «الأثر الأوديبي» # Oedipal effect ~~، بمعنى تأثير النظرية أو التوقع أو النبوءة على ~~الحدث الذي تتنبأ به أو تصفه، إذ كانت السلسلة السببية التي أدت إلى قتل أوديب لوالده ~~في الأسطورة قد بدأت بنبوءة «الوحي» بهذا الحدث، يقول بوبر في «عقم المذهب التاريخي»: ~~«... أود أن أطلق اسم الأثر الأوديبي على تأثير النبوءة في الحادث المتنبأ به، أو على ~~تأثير المعرفة عامة في وقوع الحادث أو في منعه ... ومن أمثلة التأثير المنعي أن التنبؤ ~~بأن سعر الأسهم سوف يأخذ في الارتفاع على مدى ثلاثة أيام، ثم يهبط بعدها سوف يدفع الناس ~~إلى أن تبيع أسهمها في اليوم الثالث، وبذلك يهبط السعر ويكذب التنبؤ، نحن إذن في العلوم ~~الاجتماعية بإزاء تفاعل شامل معقد بين المشاهد والمشاهد، بين الذات والموضوع، ومن ~~المحتمل أن يكون لوعينا بوجود الاتجاهات التي قد تسبب في المستقبل حادثا معينا، ms170 ~~ولإدراكنا أيضا أن التنبؤ قد يؤثر هو نفسه في الحوادث المتنبأ بها - من المحتمل أن ~~تكون لكل ذلك آثاره في مضمون التنبؤ، وقد يكون من شأن هذه الآثار أن تخل بموضوعية ~~التنبؤات وغيرها من نتائج البحث في العلوم الاجتماعية.» ~~(5) النبوءة المحققة لذاتها في البيولوجيا! # ويقول بوبر في كتابه # Unended Quest ~~: «كنت أعتقد يوما ~~أن الأثر الأوديبي يميز العلوم الاجتماعية عن العلوم الطبيعية، ولكن في البيولوجيا ~~أيضا، وحتى في البيولوجيا الجزيئية، كثيرا ما تلعب التوقعات دورا في إحداث ما كان ~~متوقعا.» # للدكتور رسل فيرنالد # R. D. Fernald ~~، عالم الأعصاب في ~~ستانفورد، أبحاث كثيرة مثيرة عن تأثير التغيرات الاجتماعية على خلايا المخ (مثال ساطع ~~على «العلية الهابطة» # downward causality ~~)، من ~~ذلك أبحاثه الشهيرة على سمك البلطي الأفريقي التي أيدت الرأي القائل بأن كيفية التفاعل ~~الاجتماعي لذكر السمك تغير خلايا دماغه المسئولة عن حجمه ولونه وقدرته على التكاثر، ~~فقد وجد أن الذكر العدواني المسيطر على منطقة نفوذ كبيرة تكون الخلايا الدماغية في ~~مهاده التحتي # hypothalamus # أضخم ستة أضعاف من ~~خلايا الذكور الألطف طبعا، وقد وجد فضلا عن ذلك أن أبعاد هذه الخلايا ذات «طواعية» # plasticity # ومرونة: فإذا ما صادف الذكر المسيطر ذكرا ~~آخر أكبر منه وأشد عدوانية فإن نيورونات (خلايا عصبية) المهاد التحتي للذكر المهزوم ~~سرعان ما تنكمش، وكذلك تنكمش خصيه وتقل قدرته على الإنجاب، ومن الممكن إحداث هذه ~~التغيرات في المختبر بدفع الذكر الفرد بيئيا إلى اتخاذ الدور المسيطر أو الخاضع، ~~فتتبع ذلك مباشرة تغيرات خلايا الدماغ، لقد تم التحقق بدقة من أن التغيرات السلوكية ~~تحدث أولا وتفضي إلى التغيرات الدماغية. ~~(لمعرفة المزيد عن التأثيرات السلوكية على الدماغ انظر بحث د. رسل د. فيرنالد ~~بالاشتراك مع س. أ. هوايت: # Behavioral influences on the brain. Progress in Hormone Research, 52: 455-474 ~~.) ~~(6) في الدراسات السلوكية للفعل الإنساني ~~«في مجال دراسة النفس البشرية كثيرا ما يتعذر التحقق من الفروض بالطريقة العلمية ~~المعيارية من خلال تكرار المواقف، وضبط التفاعلات بين الأحداث واستجابات الأشخاص موضوع ~~الدراسة، وفي العلوم ms171 الإنسانية بعامة فإن تكرار موقف تاريخي فردي أو جماعي هو أمر ~~مستحيل في الأساس، ورغم ظهور ما يبدو أنه تكرار، فإنه في كل حالة نتاج جهد خادع وهمي ~~لتجريد الذات من التاريخ، وهي طريقة أساسية تستخدم لاختزال المسئولية الفردية وما ~~يصاحبها من قلق، وفي محاولة ضبط المتغيرات، فإن النموذج العلمي المعاصر يعزو دورا ~~سلبيا ضمنيا للأشخاص، ففي مثل هذه التجارب يعرض الشخص لمنبه، ويخضع لظروف ~~مضبوطة معينة، ويعامل على أنه شيء من الأشياء! وتدرس الاستجابة المجزأة المضبوطة ~~بعناية بدلا من أن يدرس الفعل الإنساني، ومن ثم فإن السلوك يخطط له بصورة يصعب ~~فيها التعرف عليه، ومن الواضح أن ذلك نوع من «النبوءة المحققة لذاتها» يتعرض فيه الناس ~~لقواعد تتحكم في التجربة، وتحرمهم من المبادأة والابتكارية أو حرية الفعل ... إن الأشخاص ~~الذين يعاملون بهذه الطريقة يغلب أن يستجيبوا طبقا لذلك، وطبقا لنفس القواعد الوظيفية ~~للسلوك كما تفعل الحمائم أو الفئران أو الأسماك، ويقرر زيمباردو أنه في الظروف ~~المعيارية يستطيع القائم بالتجربة أن يفترض وجود استمرارية في السلوك، وقد خلقها بصورة مصطنعة.» # 1 ~~(7) أثر المجرب (القائم بالتجربة) # experimenter ~~effect # ثمة دلائل متزايدة على أن فرضية العالم السلوكي يمكن أن تعمل بمثابة «نبوءة محققة ~~لذاتها» من خلال عمليات تواصل خفية دقيقة بين المجرب والمجرب عليه. # ذات يوم في هارفارد وجد عالم الاجتماع و. روزنثال نفسه مدفوعا إلى أن يعيد التحليل ~~الإحصائي لبيانات رسالته للدكتوراه عن آلية «الإسقاط» الدفاعية الفرويدية، غير جاد ~~وغير مضطر، فوجد أن تحليله يومئ بشدة إلى أن فرضيته أو توقعه عما ينبغي أن تكون عليه ~~استجابة مفحوصيه كان يستشف من جانبهم بطريقة ما بحيث يحتمل أن تكون فرضيته قد ~~صارت نبوءة محققة لذاتها! عكف روزنثال أكثر من ثلاثين عاما على دراسة ما أسماه ~~«أثر التوقع» # expectancy ~~effect # أو «الأثر المجرب» # experimenter effects ~~. # يروي روزنثال قصة مثيرة عن تجربة بحثية أجراها تلاميذه على فئران متاهة، فقد أنبأ ~~تلاميذه أنه قد طور سلالة من الفئران حادة الذكاء يمكنها أن تجتاز المتاهة بسرعة، ms172 ~~ثم دفع لهم بفئران عادية تماما على نحو عشوائي، قائلا لنصف التلاميذ إن لديهم ~~الفئران «الذكية»، وللنصف الآخر أن لديهم الفئران «الغبية». # كانت النتيجة أن الفئران المزعوم ذكاؤها كانت تتحسن يوما بعد يوم في اجتياز المتاهة، ~~فكانت تجري بشكل أكثر سرعة ودقة، كانت الفئران «الغبية» تحرن عن نقطة البداية 29٪ من ~~الوقت، بينما كانت الفئران «الذكية» تحرن 11٪ من الوقت فقط! # ربما كان التلاميذ يتعجلون ضغط زر المؤقت بعض الشيء في حالة الفئران ~~«الذكية». # وربما كانوا يتناولون فئران كل من الفئتين قبيل الجري تناولا مختلفا. # وربما كانت الفئران تتأثر بطريقة ما بتوقعات المجربين. # وربما كان التلاميذ يقدمون لأستاذهم البيانات التي يرون أن أستاذهم كان ~~يتوقعها. # غير أن «تأثر التوقع» قد وقع! وقد سجل روزنثال تأثيرات للتوقع في عديد من المواقف ~~والسياقات: يتأثر المستخدم بتوقعات مستخدمه ويقدم له ما يتوقعه من أداء، وكذلك يفعل ~~التلميذ تجاه مدرسه، والمريض تجاه طبيبه، ثمة تواصل غير لفظي: نغمة الصوت، حركات ~~الجسم، تعبيرات الوجه، يجعل توقعات الطرف الأول تصل إلى الطرف الآخر عفويا وتلقائيا ~~وضمنيا، ويحفز الطرف الثاني على أن يلبي هذه التوقعات ويكون على مستواها. # يستخدم الوجه الإيجابي لظاهرة «النبوءة المحققة لذاتها» في التعامل مع الأمراض ~~النفسية المزمنة مثل اضطراب القلق أو الألم المزمن، وتشير الدراسات المعرفية السلوكية ~~إلى أن إدراك مسار مرض ما وإدراك مآله يمكن أن يؤثر في خبرة المرض، يركز العلاج ~~المعرفي السلوكي على تعلم تغيير الإدراك من أجل تخفيف الألم المزمن أو تقليل أحداث مثل ~~نوبات الهلع، بهذه الطريقة أدى فهمنا للنبوءة المحققة لذاتها إلى نجاح أكبر في علاج ~~الأمراض العصية. ~~(8) العربية عاجزة عن نقل العلوم ... نبوءة محققة لذاتها! # نحن نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب. # حين نتنبأ بأن العربية عاجزة عن نقل العلوم فإننا نتردد ونتلكأ في التعريب، ويطول ~~هجرنا وإهمالنا للعربية فتجف وتضمر، وتهزل وتذبل، وتعجز عن العطاء لأنها حرمت من ~~الأخذ! ومن ثم يرفع نذر الشؤم عقيرتهم ويعلنون عجزها وقد جعله تنبؤنا حقا! # يقول الأستاذ ساطع الحصري (رائد القومية العربية): «لا ms173 شك أنها إن أمست اليوم عاجزة ~~وفقيرة، بعد أن كانت بالأمس غنية وقديرة، فما ذلك إلا لأن المتكلمين بها قد انقطعوا عن ~~مزاولة العلوم منذ قرون، ولأنهم حبسوا أذهانهم في دائرة ضيقة من الأدبيات والشرعيات، ~~منصرفين إليها عن كل ما سواها، وكأني باللغة العربية قد ظلت داخل هذه الشرنقة المعنوية ~~جامدة خامدة، لا تتحول ولا تتكيف، ولا تنمو ولا تتطور.» # 2 # ويقول أ. حسام الخطيب: «إن اللغة العربية غير مخدومة لغويا وعلميا ~~وتربويا وإعلاميا، وإنها تحتاج إلى جهود علمية-عملية حتى تنتقل من عبء نفسي عند ~~مستخدميها إلى بهجة ويسر ودافع إيجابي.» # 3 # ويقول الأستاذ إبراهيم اليازجي: «اللغة بأهلها، تشب بشبابهم وتهرم ~~بهرمهم، وإنما هي عبارة عما يتداولونه بينهم، لا تعدو ألسنتهم ما في خواطرهم، ولا ~~تمثل ألسنتهم إلا صور ما في أذهانهم ... ولذلك فإن كان ثمة هرم فإنما هو في الأمة لا في ~~اللغة؛ لأن ما عرض لها من الهجر والإهمال غير لاحق بها ولا ملحق بها وهنا وعجزا، ~~وإنما هو عجز في ألسنة الأمة ومداركها وتأخر في أحوالها واستعدادها.» # 4 # اللغة، جوهريا، استعمال، منشأ اللغة الاستعمال، واستواء اللغة بالاستعمال، وتطور ~~اللغة في الاستعمال، تموت اللغة حين تهجر اللسان، نحن لا نستعمل العربية، وبمنطق ~~«النبوءة المحققة لذاتها» فإننا نهملها فتذبل، ونستصعبها فتصعب، ونجفوها فتشحب ~~وتنسحب، ولا يزال الناعي الكاذب ينعب حتى يصدق نعيه! # الفصل الثالث والثلاثون # | الخطأ المقولي (خلط المقولات، خلط الأوراق) # | category mistake # تريد أن تقطع الجبال بموسى الحلاقة؟ # أن تتخذ تلسكوبا لقراءة الجريدة؟ # أن تتخذ ممحاة لإزالة الظل؟ # أفق لقد أطبق عليك عمه المقولة. ~~*** # المقولة # category # تعني: فئة، جنس، عائلة، نمط، نوع ... ~~إلخ، وهو مصطلح يستخدم ليدل على شريحة أساسية في تصنيف الواقع. # 1 # والخطأ المقولي هو أن تضع الشيء في الفئة الخطأ، أو أن تعرض أشياء أو وقائع من نوع ما كما ~~لو كانت تنتمي إلى نوع آخر، أو أن تنسب لشيء ما خاصية لا يمكن أن تخص هذا الشيء. # أن ترتكب خطأ مقوليا هو أن تقرن ms174 أشياء من تصنيفات مختلفة لا يجوز عقلا أن تجتمع، كأن ~~تقول: أعداد حمراء، فضائل بدينة، قضايا غير قابلة للأكل، # 2 # أو أن ترى الاعتقادات على أنها أشياء تشغل حيزا مكانيا في الرأس، أو ترى ~~الأعداد كأشياء مكانية كبيرة، أو الزمن كشيء يتدفق ... إلخ. # ولما كانت جميع الأخطاء القضوية تتضمن ضربا ما من الإسناد الخاطئ للخصائص، فإن بإمكاننا ~~القول بأن أي خطأ هو، بمعنى ما، «خطأ مقولي»: وضع شيء ما في فئة غير فئته الصحيحة، أو ~~إدراجه في تصنيف أو شريحة لا تخصه، على أن مصطلح «خطأ مقولي» في الاستخدام الفلسفي الدارج ~~يبدو أسوأ أنواع الإسناد الخاطئ، إذ يتضمن التصديق على ما هو في الحقيقة «محال منطقيا». # أن تقول «هذه الذاكرة بنفسجية» فأنت تضفي على كيان معين خاصة «لا يمكن» أن يمتلكها هذا ~~الكيان، لا مجرد أنه «تصادف» ألا يمتلكها، أما حين تقول «معظم الأمريكيين سود» فأنت رغم خطأ ~~عبارتك لا ترتكب «خطأ مقوليا»: ذلك أن كون معظم الأمريكيين بيضا هو صدق «عرضي» (طارئ، حادث) # contingent # فحسب، وليس ثمة استحالة منطقية ~~في أن تنتظم الوقائع وتنصرف الأمور بحيث يكون معظمهم سودا، لكي يكشف المرء خطأ مقوليا ~~يتعين أن يبين أنه ما إن يفهم الظاهرة المعنية فهما صحيحا حتى يتجلى لعقله أن الدعوى ~~المطروحة لا يمكن «من حيث ~~المبدأ» # in ~~principle # أن تكون حقا. # تلتقي جميع ضروب الخطأ المقولي في أنها تتضمن إساءة فهم لطبائع الأشياء التي تتحدث عنها، ~~فهي تتجاوز الأخطاء العادية والبسيطة كالتي تحدث حين ننسب لشيء صفة لا يتصف بها ولكن كان ~~من الجائز أن يتصف بها: الخطأ المقولي هو أن ننسب للشيء صفة من المحال منطقيا، وفي جميع ~~الأحوال الممكنة، أن يتصف بها. ~~(1) جلبرت رايل والخطأ الديكارتي # كان جلبرت رايل # G. Ryle ~~(1848م) هو من أدخل فكرة ~~«الخطأ المقولي» كطريقة لتبديد الخلط المتفشي في نظرية ديكارت في العقل، وتبديد الكثير ~~من المشكلات الظاهرة في فلسفة العقل، افترض ديكارت أن العقل «شيء» بنفس الطريقة التي ~~يكون بها الجسد شيئا، ms175 ثم طفق يتساءل: كيف يتفاعل هذان الشيئان؟ # ذهب رايل إلى أن من الخطأ أن نعامل العقل على أنه شيء مكون من جوهر لا مادي؛ لأن ~~محمولات الجوهر غير ذات معنى إذا كنا بإزاء مجموعة من الاستعدادات والميول والقدرات (أي ~~العقل)، إن ديكارت «يشيئ» الأحداث العقلية بدلا من أن ينظر إلى الأوصاف العقلية ~~على أنها مجرد نوع واحد من وصف الأشخاص واستعداداتهم. # يضرب رايل ثلاثة أمثلة للخطأ المقولي: ~~(1) # فهذا زائر غريب لجامعة أكسفورد، اطلع على مختلف المدرجات والمكتبات ~~والمعامل والملاعب والمكاتب الإدارية ... إلخ، وإذا به يسأل بعد كل ذلك: ~~«حسن، ولكن أين الجامعة؟» لقد أخطأ الزائر ~~إذ افترض أن الجامعة شيء آخر يضاف إلى ~~ما رآه، إنما الجامعة اسم كلي ينتمي لنمط منطقي أعلى من نمط المكاتب ~~والملاعب والمكتبات والمعامل والمدرجات، الجامعة هي الطريقة التي تنتظم بها ~~كل تلك الأشياء التي شهدها الزائر، وليست شيئا من بينها. ~~(2) # وهذا طفل يشاهد عرضا عسكريا لفرقة من الجيش، وبعد أن شهد الكتائب ~~وبطاريات المدفعية وأسراب الطائرات ... إلخ، إذا به يسأل: «ومتى ستظهر ~~الفرقة؟» إن العرض لم يكن عرضا لكتائب وبطاريات وأسراب «و» فرقة # and a division ~~، بل كان عرضا لكتائب ~~وبطاريات وأسراب فرقة # of a ~~division ~~. ~~(3) # وهذا زائر غريب يشاهد مباراة كريكت، وبعد أن أطلعناه على الضاربين ~~والرماة والممسكين والملعبيين ... إلخ، إذا به يسأل: «ولكن من ذا الذي، ~~بعد، سيجسد روح الفريق؟» لقد أخطأ الغريب خطأ مقوليا حين وضع نشاط ~~«تجسيد روح الفريق» في نفس النمط أو الفئة الخاصة بالرمي والضرب والإمساك، ~~ذلك أن تجسيد روح الفريق ليس وظيفة خاصة مثل الضرب والرمي والإمساك، وإنما ~~هو طريقة تؤدي بها هذه الوظائف الخاصة. # ويقترح رايل محكا لكشف «الفروق المقولية» # category differences ~~، وهو أن نرى ما إذا كان استبدال تعبير ~~مكان آخر في نفس الجملة يؤدي إلى نوع من اللامعقولية يطلق عليه # absurdity ~~(محال، باطل، خلف، سخف). # 3 # من المعلوم أن ديكارت قال بمذهب «الثنائية» # dualism # ومفاده أن الإنسان مكون من جوهرين متمايزين: النفس (وهي فكر)، ms176 والجسم (وهو امتداد)، ~~وأن بين هذين الجوهرين المختلفين «تفاعلا» # interaction ~~(متبادلا)، لم ينجح ديكارت بعد أن أكد ثنائية الجوهر في ~~أن يفسر كيف يحدث هذا التفاعل الثابت والمشهود بين النفس والجسد، وقد تناول رايل هذه ~~الثنائية الديكارتية بالنقد الشديد وأسماها عقيدة «العفريت في الآلة» # the ghost in the machine ~~، يقول رايل: «إن ~~هذه العقيدة تؤكد على وجود أجسام وعقول معا، وتؤكد على وجود عمليات فيزيائية وعمليات ~~عقلية، وأن هناك أسبابا آلية للحركات الجسدية وأسبابا عقلية للحركات الجسدية، وسوف ~~أثبت أن هذه العبارات العطفية محالة، ولكن يجب أن نلاحظ أن الحجة لن تثبت أن أية قضية ~~من القضايا المعطوفة على نحو غير منطقي محالة في ذاتها، فأنا لا أنكر، مثلا، وجود ~~عمليات عقلية (فإجراء عملية القسمة الطويلة في الحساب هي عملية عقلية) ولكنني أقول إن ~~عبارة «توجد عمليات عقلية» لا تعني نوع الشيء الذي تعنيه عبارة «توجد عمليات فيزيائية»، ~~ومن ثم لا يكون معقولا أن نربط بينهما أو نفصلهما.» # 4 # لقد أخطأ ديكارت عندما زعم أن العقل جوهر وشيء، ووضعه في نفس مقولة الجسم، ولكنه أضفى ~~عليه مجموعة مركبة من السمات غير الفيزيائية، أما رايل ف «العقل» عنده لا يدل على شيء ~~من أي نوع، سواء كان فيزيائيا أو غير فيزيائي، إنه اسم جمعي نستعمله للدلالة على ~~نماذج من السلوك # patterns of behavior ~~، واللغة ~~تخدعنا أحيانا فنظن أن كل اسم لا بد من أن يدل على شيء ما ... فالعقل اسم، ولكن هذا ~~لا يقتضي أن يكون اسما لشيء ما، العقل لا يسمي شيئا على الإطلاق، وإنما هو كلمة ~~عامة نستعملها للدلالة على نماذج السلوك، والميول، والاستعدادات للسلوك بطرق معينة، ~~عندما نقول إن الناس لهم أجسام وعقول، فمن الخطأ أن نفسر ذلك على أنه يشبه القول إن ~~الطيور لها مناقير وريش أو إن القطط لها أرجل وذيول. # 5 ~~(2) خطأ مقولي في الميثودولوجيا (المنهج العلمي) # بعد أن بين بوبر أن الملاحظات في العلم «محملة ~~بالنظرية» # theory-laden ~~، وأنها سليلة النظرية وليست محايدة، وأنها من ms177 ثم جديرة أن ~~تبدو مدعمة للنظرية ما لم نفطن لذلك ونعتصم بالملاحظات التفنيدية القاسية والمناوئة ~~وبغير ذلك من عناصر منطق التكذيب ومنهجه - بعد أن أسهب في تبيان ذلك طفق يرسم طريقا ~~لتقدم العلم في مراحل أربع، يعنينا منها في هذا المقام المرحلة الثانية: بعد التثبت من ~~الاتساق الداخلي (الصوري) للنظرية والتأكد من غياب أي تناقض منطقي بين فروضها الأساسية، ~~تبدأ مرحلة ثانية «شبه صورية» # semiformal # يتم فيها ~~التمييز بين العناصر الإمبيريقية والعناصر المنطقية، أي فصل القضايا التي لها نتائج أو ~~مترتبات إمبيريقية عن القضايا التي ليس لها، ذلك أن معظم النظريات تشتمل على عناصر ~~«تحليلية» # analytic ~~«قبلية» # a priori # وأخرى «تركيبية» # synthetic ~~«بعدية» # a posteriori ~~، ~~وبهذه الخطوة التمييزية يبرز العالم الصورة المنطقية للنظرية ويجعلها صريحة معلنة، ~~ومن شأن التهرب من هذه الخطوة أن يؤدي إلى «أخطاء ~~مقولية» # category mistakes # تؤدي بالعالم إلى أن يسأل السؤال الخطأ، ويفتش عن معطيات ~~إمبيريقية حيث لا توجد معطيات (فلعل النظرية كلها من قبيل «تحصيل الحاصل» # tautology ~~)، افترض ديكارت، على سبيل المثال، أن «النفس» جوهر ~~بسيط مفكر (والجسم امتداد قابل للقسمة)، وأنها رغم اختلافها الجوهري عن الجسم فهي ليست ~~حالة فيه حلول النوتي في السفينة بل متحدة به اتحادا جوهريا، غير أنه في مواضع ~~أخرى من كتبه يتحدث عن النفس كأنها حالة في الجسم مجرد حلول، واختار لها الغدة ~~الصنوبرية مقاما أو «قمرة قيادة» يحدث عبرها التأثير ~~المتبادل # interaction # بين النفس والجسم، لقد سأل ديكارت السؤال الخطأ، وفتش في ~~المكان الخطأ (الغدة الصنوبرية) عن شيء لا وجود له في هذا المكان! ~~(3) الخطأ المقولي في فهم الفن ~~(3-1) الفن والحياة # ليس الفن هو الحياة، وإلا لكان إضافة عديمة النفع ولكان عبثا لا حاجة ~~لنا به. # سترثرزبيرت، زيف الواقعية # مهما تكن علاقته بالحياة فالفن غير الحياة! صحيح أنه ينبثق عن الإنسان ويشطأ من ~~تربة الحياة، إلا أنه شأنه شأن كل كيان «انبثاقي» # emergent ~~- مستقل عن منشئه مغاير لأصله ولا يمكن «رده» إلى ~~عناصره الأولى، الفن فن والحياة ms178 حياة، ومن يتعامل مع الفن بمنطق الحياة أو يقيسه ~~بمعايير الحياة يقع في «خطأ مقولي» ذريع، وقوله خطل لا تجدر مناقشته، إنه، على حد ~~تعبير كلايف بل، «يقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، أو يستخدم تلسكوبا لقراءة جريدة.» # 6 # الفن عالم قائم بنفسه شأن عالم الرياضيات أو عالم الوجد الصوفي ... من الخطأ ~~الفادح أن نحاول فهم الموضوع الإستطيقي بإدخاله في إطاراتنا الذهنية المعتادة، ~~فالعمل الفني هو من نفسه بمثابة عالمه الخاص! ولا سبيل إلى فهمه إلا على أرضه، ~~وبلوائحه وشروطه، «ومن شاء أن يحس دلالة الفن فعليه أن يتضع أمامه، أما الذين ~~يرون أن الأهمية الرئيسية للفن أو الفلسفة هي في علاقتهما بالسلوك أو النفع العملي، ~~أولئك الذين لا يستطيعون أن يقدروا الأشياء كغايات في ذاتها، أو كسبيل مباشر إلى ~~الانفعال على أية حال، فما يكون لهم أن يظفروا من أي شيء بخير ما يمكن أن ~~يمنحه، وأيا ما كان عالم التأمل الإستطيقي فهو ليس عالم المشاغل والأهواء ~~البشرية، إنه عالم لا تسمع فيه لغو الوجود المادي وصخبه، أو تسمعه كمجرد صدى ~~لتوافق آخر أكثر جوهرية.» # 7 ~~(3-2) الفن والأخلاق # الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخله الخير ضعف. # الأصمعي # بين الفن والأخلاق علاقة منطقية دقيقة حتى المفارقة، وتحتاج منذ البداية إلى ~~حنكة كبيرة في ترسيم الحدود وفض الاشتباك، وإلا فهي تفضي إلى جدل عقيم لا يثمر، ~~ونزاع طويل لا ينتهي، فالفن موكل بمقولة «الإستطيقي»، والأخلاق موكلة بمقولة ~~«الخير»، وبديه أن مقولة «الإستطيقي» مختلفة عن مقولة «الخير»، وأن الفن يوصف ~~بالجودة أو الرداءة (الفنية)، ولا يصح أن يوصف بالشر أو الخير (الأخلاقي)، ومن يفعل ~~ذلك يقع في «خطأ مقولي» # category mistake ~~، «إن ~~عادة إقحام اعتبارات أخلاقية في عملية الحكم بين أعمال فنية معينة لن يكون لها ما ~~يبررها، فليقم الداعية الأخلاقي حكما على الفن ككل، وليقيض له ما يرى أنه مكانه ~~الصحيح بين وسائل الخير، ولكن إذا كان المقام مقام أحكام إستطيقية؛ أي أحكام ~~مقارنة بين أعضاء فئة واحدة، أي بين الأعمال ms179 الفنية بوصفها أعمالا فنية، فليمسك ~~هذا الداعية لسانه.» # 8 ~~(3-3) الفن والصدق # جماعة القاهرة يظنون أن الصدق في الفن معناه قول الحقيقة! # أمين نخلة # إن في بردي جسما ناحلا # لو توكأت عليه لانهدم # بشار (وكان ضخم الجثة!) # كلفتمونا حدود منطقكم # والشعر يغني عن صدقه كذبه # البحتري # يعلم دارسو الجماليات أن للفن صدقه، وأن الفن يوصف بالصدق والكذب، وأن الصنف ~~الرفيع من الفن صادق بالضرورة، ولكن «الصدق الفني» غير الصدق الوقائعي # factual ~~، ومن يخلط بينهما يقع في «خطأ مقولي» ~~ثقيل، ثمة «حقيقة» يعبر عنها العمل الفني، غير أنها ليست من صنف الحقيقة التي نجدها ~~في العلم أو الفلسفة، وإذا لم يتم التخلص من الخلط بين الحقيقة الفنية والحقيقة ~~العلمية «ضاع الوضوح وأصبح الحديث أو النقاش عقيما لأن المتحدثين، ببساطة، لا ~~يتحدثون عن شيء واحد.» # 9 # قد يخطئ الشاعر خطأ علميا جسيما وتبقى قصيدته مثالا للصدق ~~الفني. # الصدق صفة للقضايا، فتوصف القضية بالصدق إذا كان ما تقرره مطابقا للوقائع التي ~~يفترض أنها تصفها، وتوصف بالكذب إذا كان غير مطابق، بيد أن هناك قطاعات عريضة من ~~التعبير البشري لا تتحدث عن وقائع موضوعية، وبالتالي لا تحتمل الصدق والكذب بالمعنى ~~الدارج، تلك هي الأحكام التقويمية وعبارات الأمر والتمني وغيرها من الصيغ التي ~~تضمر مشاعر ووجدانات ذاتية تند بطبعها عن التحقق الموضوعي، ومنها بيت بشار ~~السابق الذي يصف نفسه فيه بالنحافة والضعف بينما كان هائل الجرم كأنه جاموس، # 10 # إنه تقرير عن مواجيد نفسية وليس تقريرا طبيا يتضمن بنودا عن ~~الوزن والضغط والنبض وسرعة الترسيب ... إنه رقعة فنية، تستعصي بطبعها على التحقق ~~الموضوعي، غير أن هذا لا يحرمها من أن تتمتع بصدق من صنف آخر، وحقيقة من نوع ~~مختلف. # تلك هي «الحقيقة الفنية» في مقابل «الحقيقة الواقعية»، وهي حقيقة تتحد بمدى ~~جودة التعبير وتوفيقه في نقل التجارب التي انبرى لنقلها ومعادلة المشاعر التي اضطلع ~~بمعادلتها، وقديما قال أرسطو: «إذا أسهمت الكذبة في التأثير الجمالي للعمل فينبغي ~~أن نقبلها.» # نعم ... حين يكون الأمر أمر تجارب وجدانية ms180 ومشاعر ذاتية يخف وزن الجزئيات ~~الموضوعية بعض الشيء ويتضاءل شأنها، وهل كان لغلطة كيتس الواقعية خطر يذكر على ~~سونيتته «عند القراءة الأولى لترجمة تشابمان لهوميروس» التي يقول فيها: # عندها شعرت بأني أشبه بكورتيز الفتي، # وهو يحدق إلى المحيط الهادي بعيون النسر بينما كل رجاله # يتطلع بعضهم إلى بعض في دهشة بالغة، # وهو واقف في صمت فوق قمة جبل دارين. # كورتيز مكتشف المحيط الهادي! خطأ جسيم إذا كان المقام مقام تاريخ بحري، ولكن ~~سيان ان يكون المكتشف هو كورتيز أو غيره داخل هذا «التكوين الفني» أو هذه «البنية ~~الرمزية» المستقلة التي تتحدد مهمتها في نقل أو معادلة شعور كيتس لحظة بهرته ~~قراءة هومر بترجمة تشابمان الإليزابيثي للمرة الأولى، فسونتة كيتس - وهي من عيون ~~الشعر الإنجليزي - لم تكتب لتلقي علينا درسا في التاريخ أو الجغرافيا، ولكن ~~كتبت لتنقل لنا شعورا بمتعة التذوق ودهشة الفن. # هي «حقيقة ل» # truth-to # 11 # أكثر مما هي «حقيقة ~~عن» # truth-about ~~. # وهي «فعل» # action # 12 # أكثر منها «مقالا عن فعل». # وهي صادقة إذا ما احترمنا انطواءها واكتفاءها الذاتي واستقلالها الجمالي، ~~واتخذنا، ولو إلى حين، إطارها الإشاري الخاص، ثم لجأنا بها إلى معيار «التطابق» # correspondence ~~، # 13 # مع الواقع النفسي لا الواقع العيني، وطبقناه فانطبق. # 14 ~~(4) مغالطة التركيب والتقسيم خطأ مقولي نموذجي # في حديثنا عن مغالطة التركيب # composition # والتقسيم # division # قلنا إن الانتقال من خصائص الكل ~~إلى خصائص أجزائه المكونة (تقسيم # division ~~)، أو ~~الانتقال - على العكس - من خصائص المكونات إلى خصائص الكل (تركيب # composition ~~) هو انتقال غير مشروع؛ وذلك لأن الكل ينتمي ~~إلى نمط منطقي (أو مقولة) أعلى من النمط الذي تنتمي إليه أجزاؤه، إن خصائص الكل وخصائص ~~الجزء ليست دائما بالشيء الواحد، ولا ينبغي أن نتوقع تطابقها في جميع الأحوال. # 15 ~~(5) المغالطة الوجدانية خطأ مقولي # المغالطة الوجدانية # pathetic fallacy # هي إضفاء ~~الخصائص الإنسانية، المشاعر بخاصة، على الطبيعة والجمادات، من مثل قولنا: الأغصان ~~الراقصة، الأمواج القاسية، الهواء الساخن «يريد» أن يصعد لأعلى ... إلخ، ويلحق بذلك كل ما ~~هو «أنسنة» (أنثروبومورفيزم) ms181 أي إضفاء الصبغة الإنسانية على ما ليس بشريا، إن في ذلك ~~خلطا للمقولات، وفيه مصادرة لا دليل عليها: هي أن الطبيعة (أو الكائنات الأخرى) تحاكي ~~في مسلكها سلوك الإنسان! انظر تفاصيل ذلك في موضعها. # أمثلة أخرى # هأنذا قد اطلعت على غرفة الجلوس وغرفة النوم والبهو والشرفة والحمام ~~والمطبخ، حسن فأين البيت؟ # أين ال 15,5 طفل الذين هم «معدل المواليد» في هذا المستشفى؟ # عدد سكان الصين برتقالي (الحقائق المتعلقة بعدد السكان تنتمي إلى مقولة ~~مختلفة عن الحقائق المتعلقة بالألوان). # هذا دافع ضرائب، وهذا دافع ضرائب، وهذا وهذا ... حسن فأين «الدافع ~~المتوسط» # average ~~taxpayer ~~؟ # من سيحلب هذا الثور؟ ~~«قيصر عدد أصم» (المثال الذي قدمه كارنب). # ما هي رائحة اللون البنفسجي؟ # إن ألمي أخضر. # أين زوجة هذا الأعزب؟ # أيهما أكبر: المتر أم اللتر؟ # الفصل الرابع والثلاثون # | الأنثروبومورفيزم # Anthropomorphism # تتألف كلمة أنثروبومورفيزم من كلمتين يونانيتين: # Anthropos # وتعني «إنسان»، ~~و # morphe # وتعني «شكل»، الأنثروبومورفية إذن هي «أنسنة» ~~غير الإنسان، أو أخذ اللاإنساني مأخذ الإنساني، أو إضفاء صبغة بشرية على ما ليس بشرا، ~~والأنثروبومورفية (الأنسنة) وفقا لمعجم أكسفورد الفلسفي هي «تمثيل الآلهة، أو الطبيعة، أو ~~الحيوانات غير البشرية، على أن لديها أفكارا ومقاصد إنسانية، أحيانا ما يكون ذلك تمثيلا ~~استعاريا معلنا، فتكون المشكلة إذاك أن نفهم وجه الاستعارة.» # 1 # وقريب من ذلك مصطلح «المغالطة ~~الوجدانية» # pathetic fallacy ~~، أي إسباغ الخصائص الإنسانية، المشاعر بخاصة (أو الانفعال أو ~~«الوجدان» # pathos ~~) على الطبيعة والجمادات، من مثل ~~قولنا: السماء الضاحكة، البحر الغاضب، إعصار لا يرحم، بحيرة هادئة، أشجار حزينة ... ~~إلخ. # الأمر كما ترى هو نوع من «التمركز على ~~الإنسان» # anthropocentrism # يصادر بأن كل شيء آخر في الوجود لا بد يشبهنا على نحو ما، ~~أو هو محاولة منا، نحن البشر، لفهم أي شيء لا نملك إليه منفذا معرفيا مباشرا، فنتخيل ~~أنه يسلك مثلنا تماما، وقد يوغل العقل، البدائي بخاصة، إلى حد أنسنة أرواح الأشياء ~~والظواهر الطبيعية، الرياح والأنهار والرعد ... إلخ، والأحداث كالحرب والموت ... إلخ، والمفاهيم ~~المجردة كالحب والكره والجمال والخصام ... إلخ! ms182 ~~(1) في الميثولوجيا والثيولوجيا # كانت الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية أنثروبومورفية قلبا وقالبا، سواء في هيئتها ~~أو في علاقاتها العائلية والاجتماعية، ففي قصائد هوميروس نجد الآلهة تسكر وتتزوج وتختصم ~~وتتزين، شأنها شأن البشر تماما، ولكي يميز الإغريق بين الآلهة والبشر فقد أضفوا على ~~الآلهة وحدهم صفتي الخلود والشباب الدائم، كان للآلهة طعام خاص يتكون من النكتار # nectar # والأمبروزه # ambrosia ~~(التي تعني حرفيا «غير فان») يصير إلى سائل مختلف عن ~~الدم البشري يجري في أجسادهم اسمه أيكور # ichor ~~. # وكان بالإمكان في الميثولوجيا الإغريقية أن يتهاجن الآلهة والبشر، وانفرد الآلهة ~~بالقدرة على اتخاذ هيئة غير هيئتهم البشرية بواسطة «التحول» (الميتامورفوسيس) # metamorphosis ~~، وظل الخلود والشباب الدائم ~~حكرا على الآلهة، ومن طرائف الأساطير الإغريقية أن إيوس إلهة الفجر أحبت الفاني ~~تيثونوس ووعدته أن تلبي له أي شيء يطلبه، فطلب الخلود، ونسي أن يذكر معه الشباب الدائم، ~~ومن ثم فقد أخذ يشيخ ويشيخ حتى لم يبق من ذاته الجسدية إلا صوته! # كان الفيلسوف اليوناني زينوفان # Xenophanes ~~(ولد على ~~الأرجح عام 565ق.م) أول من استخدم مصطلح الأنثروبومورفية، ليصف كيف كان الناس يتصورون ~~آلهتهم شبيهة بهم في شكلهم ودوافعهم، فكانت الآلهة عند اليونان شقراء الشعر زرقاء ~~الأعين، بينما كانت آلهة الأثيوبيين سمراء الجلد سوداء الأعين، وبعبارة أخرى فقد كانت ~~الأوصاف الأنثروبومورفية تكشف عن واصفيها من البشر أكثر مما تكشف عن المقدس. صوب ~~زينوفان سهام نقده إلى الأنثروبومورفية قائلا: «إن الإله الأعظم لا يشبه الإنسان لا ~~في صورته ولا في عقله.» وشن هجوما عنيفا على الآلهة التقليدية، وكان هدفه الرئيسي ~~استئصال مجموعة آلهة الأوليمب التي اتخذ كل منها صورة الإنسان. # 2 # وكان أفلاطون أيضا مناوئا للتمثيل البشري للآلهة، وفي محاورة «الجمهورية» بصفة ~~خاصة يعترض على عملية إسباغ المثالب البشرية على كائنات إلهية. كان أفلاطون، شأنه شأن ~~زينوفان، يرمي إلى تطهير العقيدة بتنقيتها من العناصر التي يعدها بدائية وفجة. # جاءت الديانات السماوية مناوئة بشدة للأنثروبومورفية، ومنزهة للرب عن أي شبه ~~بالإنسان، صحيح أننا نصادف في الكتاب المقدس كثيرا من التعبيرات الأنثروبومورفية ms183 مثل ~~«صورة الرب»، «يد الرب»، «ذراعه الممدودة»، «عيني الرب»، «مسند قدميه» ... إلا أن التأويل ~~السائد هو أن التوراة تتحدث بلغة الناس، وأن الكتاب المقدس يستخدم مثل هذه الألفاظ ~~لأنها اللغة الوحيدة التي يمكن للبشر أن يفهموها، غير أن عليهم ألا يأخذوها بمعناها ~~الحرفي، إن هي إلا استعارات لوصف ما يستحيل وصفه على أي نحو آخر؛ لذا كان أحبار ~~الحقبة التلمودية يلجئون إلى تعبيرات عديدة لتفادي الفهم الحرفي: تعبيرات مثل «إن جاز ~~أن نقول ذلك»، وكان المترجمون يضيفون أحيانا كلمة أو كلمتين لدرء التشبيه: من ذلك أن ~~الآية 8: 12 من سفر العدد «سأتحدث إليه فما لفم» ترد في النسخة اليونانية هكذا: ~~«سأتحدث إليه فما لفم ظاهريا.» ~~(2) الأنسنة استراتيجية إدراكية # إن المبدأ عين نرى بها. # إمرسون # الحقيقة أن إسناد فاعلية بشرية للأشياء والظواهر هو استراتيجية تفسيرية عظيمة ~~الفاعلية رغم فشلها في بعض الأحيان، فنحن بعد كل شيء نعيش في بيئة يشكل البشر جانبها ~~الأهم والأكثر تواترا وأشد تأثيرا؛ ومن ثم فلا مفر لنا من أخذ كل ما هو بشري في ~~الاعتبار الأول، ولا مفر لنا في حالة عدم وضوح الرؤية من الرهان على التفسير ~~الأنثروبومورفي، إن بناءاتنا التصورية والإدراكية لتميل بنا غرزيا إلى النزعة ~~الإحيائية # animism # والنزعة الأنثروبومورفية، كما ~~أن توصيل الحقيقة إلى البشر لا يتسنى له أن يتم إلا عبر وسيط من الأفكار البشرية، ولا ~~يمكن التعبير عنه إلا بلغة ملائمة لفهم البشر. # إن مقولات الفهم ومخططات الإدراك المبيتة في أدمغتنا قد شيدتها تجارب بشرية ولغات ~~بشرية ومواضعات بشرية، ولا مندوحة لنا عن استخدام هذه المقولات # categories # وتلك المخططات # schemata # إن كان لنا أن نحظى بأي إدراك أو فهم على الإطلاق. # إن العالم يتراءى أمام أعيننا في تدفق كاليدوسكوبي مضطرب، ونحن نحدس أو نخمن بما ~~نراه وفقا للنموذج القائم في أدمغتنا عن العالم، والذي شيدته أدمغتنا خلال تخمينات ~~سابقة وما آلت إليه تلك التخمينات، في سلسلة لا نهاية لها من المحاولة والخطأ، وبعبارة ~~أخرى فإن ما نراه يتوقف على النموذج الذي ms184 نستخدمه، وإن النموذج الذي نستخدمه إنما شيدته ~~تجاربنا السابقة في الرؤية. يلخص توماس كون هذه الفكرة بقوله في كتابه «بنية الثورات ~~العلمية»: «شيء يشبه البارادايم # paradigm ~~(النموذج ~~الشارح) هو متطلب أساسي حتى في الإدراك نفسه، إن ما يراه المرء يعتمد على ما ينظر إليه ~~لتوه، بالإضافة إلى خبرته البصرية السابقة وما علمته أن يرى.» ويقول فييرابند: «حين ~~نعطى مثيرات ملائمة ولكن مع أنساق مختلفة من التصنيف (تهيؤ ذهني مختلف) فإن جهازنا ~~الإدراكي ينتج موضوعات إدراكية لا تمكن المقارنة بينها بسهولة.» ويقول الأنثروبولوجي ~~جون بيتي: «إنما يرى الناس ما يتوقعون أن يروه، ذلك أن تصنيفات إدراكهم تحددها إلى حد ~~كبير، إن لم يكن كليا، خلفيتهم الاجتماعية والثقافية.» ويلخص فيلسوف العلم ~~نوروود رسل هانسون # N. R. Hanson # كل ذلك في تعبير ~~واحد أصبح مصطلحا مأثورا ومفهوما محوريا في فلسفة العلم، هو أن الإدراك ~~«محمل بالنظرية» # theory-laden ~~، ذلك أن خلفيتنا ~~النظرية، تصوراتنا واعتقاداتنا وتوقعاتنا، تؤثر فيما نراه، أو على الأقل في كيفية ~~رؤيتنا له. # 3 # ويذهب الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر إلى أن من المحال أن يتم فهم على الإطلاق بغير ~~فروض مسبقة أو «تحيز» # prejudice # ما! فمحاولة الوصول ~~إلى تأويل مبرأ من أي تحيز أو فهم مسبق هي محاولة عابثة؛ لأنها تمضي في الحقيقة ضد ~~الطريقة التي يتم بها الفهم. إن ما يظهر من الشيء أو «الموضوع» # object # هو ما يسمح له المرء أن يظهر، وذاك أمر يتوقف على فروضه ~~المسبقة ومنظومته اللغوية، ومن السذاجة أن نفترض أن ما هو «هناك حقا» هو أمر «واضح ~~بذاته»، بل إن تعريف ما نفترض وضوحه الذاتي هو نفسه شيء يقوم على حشد غير مرئي من ~~الفروض المسبقة، تلك الفروض الحاضرة العتيدة في كل بناء تأويلي يشيده المؤول الذي ~~يظن نفسه «موضوعيا» وبريئا من الفروض المسبقة. لقد أماط هيدجر اللثام عن هذا الحشد ~~من الفروض المسبقة القائمة والمندسة في كل تأويل ممكن، وذلك في تحليله لعملية الفهم. # 4 ~~(3) ستيوارت جوثري: «وجوه في الغمام» # في كتابه # Faces in ms185 the Clouds ~~(وجوه في السحاب أو ~~الغمام) يذهب جوثري # S. Guthrie # إلى أن ميلنا إلى أن ~~نعثر على خصائص إنسانية في العالم غير الإنساني ينجم عن استراتيجية إدراكية غائرة: ~~فبإزاء اللايقين الشامل بما نراه فنحن «نراهن» على التأويل الأوثق دلالة بالنسبة لنا: ~~فإذا كنا في الغاب مثلا ولمحنا شبحا داكنا من بعيد قد يكون صخرة وقد يكون دبا، ~~فمن الحصافة أن نظنه دبا: فإذا كنا على خطأ لم نخسر شيئا، وإذا كان على حق فقد ربحنا ~~الكثير! # هكذا كلما تفرسنا العالم فنحن نفتش فيه عما يعنينا أكثر من غيره نفتش عن الأشياء ~~الحية، وبخاصة الأشياء البشرية، وحتى الحيوانات تفتش عن الخصائص والأمارات البشرية، ~~مثلما يتبدى عندما تتجنب الطيور الفزاعات (خيال المآتة)! وباختصار فنحن نتبع مبدأ ~~السلامة، ذلك المبدأ الذي أعان الجنس البشري على البقاء حين كان الرهان الإدراكي ~~باهظا. # هكذا يتحلى الإدراك الأنثروبومورفي بقيمة بقاء جعلت الضغوط التطورية تنتخب أولئك ~~الذين اتبعوا مبدأ السلامة ورهنوا على الرؤية الأنثروبومورفية، وهكذا أورثنا ~~أسلافنا هذه النزعة الطبيعية: أن نخطئ، إن أخطأنا، في جانب السلامة، وهكذا صار ~~مبيتا في الدماغ البشري أن يتوسم وجود بشر آخرين، أو آثار بشر، في الظواهر الطبيعية. # 5 ~~(4) في الإيثولوجيا # 6 # في كتابه «علم البيولوجيا» يقول و. ت. كيتون: «إن كل ألفاظنا تقريبا تشتمل على نوع ~~من الدلالة البشرية، ومن تضمين الدافعية البشرية والغرض البشري، غير أن هذه الدافعية ~~والغرض قد لا تكون لها صلة بسلوك الحيوانات الأخرى، وعلينا دائما الاحتراز من إضفاء ~~خصائص بشرية لا مسوغ لها على الأجناس الأخرى، فالتفكير الأنثروبومورفي والغائي لا ~~مكان له في الدراسة العلمية لسلوك الحيوان ... واللغة الإنجليزية، شأنها شأن جميع اللغات ~~الإنسانية، إذ تنشأت حول الأنشطة البشرية والتفسيرات البشرية، لم يكن لها بد من ~~أن تعكس هذه الأنشطة والتفسيرات ... ومن ثم ينبغي أن يتفطن المرء إلى المزالق التي ~~ينطوي عليها أي تطبيق للغة ذات التوجه البشري على أنشطة الحيوانات الأخرى.» # 7 # وقد جرى العرف في المجتمع العلمي على الانتقاص من اللغة الأنثروبومورفية ms186 التي تومئ ~~إلى أن الحيوانات لديها مقاصد وعواطف، واعتبارها دليلا على افتقاد الموضوعية، وقد دأب ~~علماء البيولوجيا على تجنب الفرضية القائلة بأن الحيوانات تشارك البشر نفس القدرات ~~العقلية والاجتماعية والانفعالية، معولين بدلا من ذلك على الأدلة القابلة للملاحظة ~~بشكل صارم، فالحيوانات كما يقول بافلوف «ينبغي أن تدرس دون حاجة إلى اللجوء إلى ~~تأملات خيالية عن احتمال وجود أي حالات ذاتية.» والمنهج العلمي يتضمن ملاحظات ~~وتعريفات وقياسات لموضوع البحث، أما «المواجدة» # empathy # فلا تعد أداة نافعة عند جمهور العلماء. # غير أن دراسة القردة العليا في بيئتها الخاصة قد غيرت المواقف تجاه الأنثروبومورفية، ~~فقد غدا من المقبول على نطاق واسع أن المواجدة قد تلعب دورا مهما في البحث، يقول ~~فرانس دي وال «لقد طالما اعتبر خطيئة علمية أن نسبغ عواطف إنسانية على الحيوانات، غير ~~أننا إذ نفعل ذلك نغامر بفقدان شيء أساسي عن الحيوانات وعن البشر معا.» # 8 # وقد واكب ذلك بزوغ وعي متزايد بالقدرات اللغوية للقردة العليا، وتبين ~~أنها صانعة للأدوات وأن لديها فردية وحضارة. # لعل الموقف الصائب هو موقف بين بين: فرغم أنه من الواضح أن للحيوانات انفعالات ~~معينة، إلا أنه قد لا تكون انفعالات بشرية تماما، وقد يميل عشاق الحيوانات المنزلية ~~المدللة إلى إضفاء صفات إنسانية على حيواناتهم، غير أن الطفل المحب لقطته قد يصدم حين ~~يراها تقتل فرخ طائر صغير مدفوعة بالغريزة، ومسيرة بإشارات خاصة بها لا يدري عنها ~~شيئا، وإذا كانت الأنسنة تسهل فهمنا للأشياء التي تبدو غريبة، فإنها إذا تجاوزت ~~حدها فقد تفضي بنا إلى عمى إدراكي يعوقنا عن اتخاذ المنظور الصحيح للكائنات ~~الأخرى. ~~(5) في العلوم الطبيعية # الطبيعة تكره الفراغ. # الهواء يكره التزاحم، وعندما يضغط سيحاول الهرب إلى منطقة أقل ضغطا. # الجسم المتحرك، بسبب كتلته، يريد أن يبقى متحركا. # تريد الكرة أن تتدحرج إلى أسفل التل. # لا تستطيع مادة أن تشتعل في غياب الأكسجين؛ لأن الأكسجين يساعدها على الاشتعال. # قد يظن أستاذ العلوم الطبيعية أنه يساعد تلاميذه على فهم الظواهر الطبيعية باستخدام ~~استعارات أنثروبومورفية من هذا ms187 القبيل، غير أنه في أغلب الأحيان لا يعدو أن يشوش فهمهم ~~للسبب الذي يجعل العالم الطبيعي يسلك بالطريقة التي يسلك بها، ويرتد بهم إلى صوفية ~~القرون الوسطى، ويحول بين أفهامهم وبين الاستبصارات الحديثة إزاء سلوك الطبيعة. # لست مضطرا حين تشرح سلوك العالم الطبيعي إلى أن تفسر «لماذا» يسلك هذا المسلك، ~~وبحسبك أن «تصفه»، فإذا كان عليك أن تقدم تفسيرا فليكن تفسيرا علميا صحيحا لا ~~مصادرة أنثروبومورفية لا دليل عليها مفادها أن «الطبيعة تحاكي سلوك الإنسان». # لقد أورثنا أسلافنا إرثا ذهنيا مغلوطا حين تصوروا العالم الطبيعي على شاكلة ~~بيئتهم البشرية، ذلك التصور الذي أعانهم على البقاء واجتبته ضغوطهم الانتخابية الخاصة ~~بزمنهم، إن حقيقة أن معظم عمليات الكون وظواهره تنجم عن قوى لا شخصية ذاتية التنظيم لا ~~عن أفعال قصدية، هذه الحقيقة هي شيء لا يقع لنا على نحو طبيعي غرزي، لقد استغرق الأمر ~~قرونا طويلة من التجريب الدقيق والعمل النظري الشاق لكي تسفر الحقيقة عن وجهها، ~~على أننا حين نسلم فروضنا للنظام الصارم للعلم الطبيعي الحديث نحس باغتراب عن ~~عملياتنا الفكرية الطبيعية ... وذلك عندما نكتشف كم هي متمركزة على الإنسان نظرتنا إلى ~~العالم، وكم هي أنثروبومورفية هذه النظرة في حقيقة الأمر. ~~«يبدو أن تخلص الفكر الإنساني من الأنثروبومورفية هو شيء بعيد الاحتمال جدا، في ~~المستقبل المنظور على أقل تقدير، ولا نحن راغبون في ذلك، فمثل هذا التخلص قد يكون له ~~آثار جانبية غير مرغوبة، ليس أقلها فقدان الإبداعية والخيال، والقدرة على استبانة دببة ~~في الغاب، لقد أثبتت الأنثروبومورفية أنها موصولة ببقائنا كنوع بحيث غدت، ربما، جزءا ~~من الكائن الإنساني يتعذر اقتلاعه، ومن ثم فقصارى ما نأمله عندما ندرك ونخلق ~~أشكالا في السحاب هو أن ننمي القدرة على أن ننظر فيما وراء إدراكاتنا، أن نكتشف وجها، ~~وأن نعترف بجماله، وأن نسلم بأنه لا وجود له.» # 9 ~~(6) متى تصح الأنثروبومورفية؟ # لا بأس بالأنسنة عند تناول الإنسان. # هايك # في كتابه (المشترك) «النفس ودماغها» يقول كارل بوبر بمعرض حديثه عن تشبيه أفلاطون ~~للعقل بربان سفينة ms188 الجسم: «هذه امتدادات قد ترفض على أنها ضروب من الأنثروبومورفيزم ~~(الأنسنة)، ولكن لا بأس بأن يكون المرء أنثروبومورفيا في تناول الإنسان كما قد ~~ذكرنا هايك.» # كان الفيلسوف جيامباتيستا فيكو # G. Vico # في كتابه ~~«العلم الجديد» ينكر إمكانية تطبيق نماذج العلم الطبيعي على الطبيعة الإنسانية، ويعلن ~~أن الدراسة العلمية للطبيعة الإنسانية لا بد لها أن تقوم على أساس صيغة إنسانية بحتة ~~من التفاعل والتفاهم، يرى فيكو أن هناك هوة لا يمكن اجتيازها بين البشري والطبيعي، بين ~~ما شيده البشر وما هو معطى في الطبيعة ... ويرى أن منتجات العمل البشري، كالفن والقانون ~~والتاريخ نفسه، وبالضبط لأنها من صنع الإنسان، يمكن فهمها فهما أفضل من فهم العالم ~~الطبيعي، حيث إن العالم الطبيعي هو عالم مغاير لنا بشكل لا حيلة فيه وغير قابل لأن نعرف ~~حقيقته النهائية. # 10 # في كتابه «ضد التيار، مقالات في تاريخ الأفكار»، يلخص إيزايا برلين حجة فيكو في قوله: ~~«إذا كانت الأنسنة هي أن نسبغ على عالم الجماد عقلا وإرادة دون وجه حق، فهناك عالم لعل ~~من الصواب أن نضفي عليه هذه الصفات بالتحديد، هذا العالم هو عالم الإنسان، عليه يمكن ~~القول إن أية محاولة لدراسة البشر على أنهم كيانات طبيعية صرف، شأنهم شأن الأنهار ~~والنباتات والأحجار، هي عمل يقوم على خطأ أساسي، ونحن البشر نعد فيما يتعلق بأنفسنا ~~ملاحظين نتمتع بامتياز خاص هو الرؤية من الداخل (الرؤية الباطنة)، ويعد تجاهل ذلك ~~سعيا وراء مثال من العلم الموحد لكل ما هو موجود وطريقة عالمية مفردة للبحث، يعد ~~إصرارا على الجهل وتعمدا له». # 11 # الفصل الخامس والثلاثون # | الأمن المنطقي # حديث صحفي مع طلبة السنة الرابعة بكلية الإعلام، جامعة القاهرة. # حول كتاب «المغالطات المنطقية» # بإشراف الطالبة/حنان إبراهيم ~~• # هل من الممكن أن تتفشى مغالطة بعينها حسب المجتمع الذي ~~يحيا فيه الفرد؟ ~~- بكل تأكيد ... فإذا كان اللب أو الهيكل الصوري للحجج يندرج تحت «المنطق الصوري»، وهو ~~شيء عالمي عمومي شأنه شأن الرياضيات، فإن الغلاف الكثيف الذي يطبق على هذا الهيكل النحيل ~~هو شيء نسبي ms189 يختلف من مجتمع إلى آخر؛ لأنه ممتزج بلغة الناس وهمومهم وانفعالاتهم ~~وانتماءاتهم وتحيزاتهم، بل بمناخهم وتضاريس واقعهم. ~~• # هل الخلفية المرجعية أو أيدلوجية الشخص تلعب دورا في ~~كثرة وقوعه في مغالطة بعينها أكثر من غيرها ... بمعنى، هل يتحد الماركسيون مثلا في الوقوع في ~~مغالطة «س» بينما يتفق الإسلاميون في الوقوع في المغالطة ك؟ ~~- نعم، إلى حد كبير، فأغلب الأيديولوجيات تنطوي على مصاعب منطقية لا تتسنى تسويتها ~~(ظاهريا) إلا بشيء من المغالطة، هناك أيديولوجيات لا تسترد اتساقها (الظاهري) إلا ~~بمغالطات من قبيل: التأييد دون التفنيد، التخلص من عبء البرهان وإلقائه على عاتق الخصم، ~~الأنالوجي الزائف أو التفكير التشبيهي، الاحتكام إلى سلطة ... إلخ، بل إن بعض الأيديولوجيات ~~لا تعدو أن تكون مصادرة كبيرة على المطلوب: فهي تنطلق من مسلمات أولى لا دليل عليها ~~تنسج منها وعليها نسيجا هائلا من التفكير الدائري وتحصيلات الحاصل! ~~• # إلى أي مدى يساهم غياب التفكير النقدي في ظهور ~~المغالطات المنطقية؟ وما أكثر المغالطات شيوعا نتيجة لذلك؟ ~~- التفكير النقدي مرحلة متقدمة من النمو المعرفي، حيث يرتقي العقل النامي إلى الوعي بوجود ~~افتراضات تحتية أساسية يقوم عليها بناؤه الفكري، وإخراج هذه الافتراضات إلى واضحة النهار، ~~ووضعها تحت أضواء النقد، التفكير النقدي ليس شيئا سليقيا فطريا، بل يحتاج إلى تعلم ~~وممارسة، في البدء كان الخطأ، في البدء كانت المغالطة، في البدء كانت التحيزات المتأصلة ~~والأوهام الموروثة الغائرة، وحين يمارس المرء التفكير النقدي إنما يسبح ضد هذا التيار ~~ويجتاز هذه «العوائق الطبيعية». في غياب التفكير النقدي تتدفق المغالطات تدفقا تلقائيا ~~طبيعيا غير موقوفة وغير معترضة # unopposed ~~، ومن ثم ~~فإن أكثر المغالطات شيوعا هي تلك المغالطات المبيتة في بنية الدماغ البشري نفسه: ~~الأنالوجي الزائف، والتعميم المتسرع، والتشييء، والبروكروستية، ومن أكثر المغالطات شيوعا ~~بصفة خاصة تلك الطرائق من التفكير التي خدمت الجنس البشري في مراحله الأولى، وأعانته على ~~البقاء حين كان الرهان الإدراكي والتفسيري باهظا: مغالطة المنشأ، والأنسنة (تشبيه ~~اللاإنساني بالإنساني)، والاحتكام إلى التقاليد. ~~• # الأصل في التدليل على الحجة هو رد ما هو غير مقبول ms190 إلى ~~ما هو مألوف ... إلى أي مدى يكون هناك نجاح في الوصول إلى أصل مقبول أو مألوف لجميع ~~الناس؟ ~~- كثيرا ما تكون المماحكة في الجدل ميسورة حتى في أكثر الأفكار خطلا وبعدا عن العقل، ~~وقد أوضح كارل بوبر أن تجنب التفنيد هو أمر ميسور دائما، وأفاض في تبيان آليات ذلك، غير أن ~~من البين المتواتر أيضا أنه كلما توافر للناس حجج أكثر قبولا وصلابة ازداد بعدهم عن ~~الحجج المغالطة. إن الوقائع # facts # الصلبة قائمة مشهودة ~~قلما يختلف عليها الناس، وقوانين الفكر الثلاثة (الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع) ~~وقوانين المنطق الصوري بصفة عامة هي شيء عمومي لا خلاف عليه، من الممكن في أغلب الأحوال أن ~~ننصرف عن الشيء الذي نختلف حوله إلى شيء آخر لا نختلف حوله، ونحاول أن نستدل منه على ذلك ~~الشيء، على أن نعترف في النهاية بأن من الناس من يعتصم في جدله بدرجة من التنطع ~~والمماحكة يستحيل معها أي نقاش منتج. ~~• # أجرينا استبيانا على عينة من المثقفين حول قضية ~~«الدولة الدينية والدولة العلمانية»، وجاءت أكثر المغالطات ظهورا في العينة مغالطة «تجاهل ~~المطلوب» تليها «المصادرة على المطلوب» ... ما دلالة ذلك من وجهة نظرك؟ ~~- مغالطة «تجاهل المطلوب» # ignoratio elenchi # مغالطة ~~جذابة حقا! لأن الحجة فيها منتجة، غير أنها منتجة لشيء آخر غير الشيء المطلوب البرهنة ~~عليه، الأهداف التي تسعى إليها الدولة الدينية (وغير الدينية في حقيقة الأمر) هي أهداف ~~نبيلة مرجوة، ولكن السؤال الصعب حقا هو: هل البرنامج المحدد لهذه الدولة كفيل ببلوغ هذه ~~الأهداف؟ وهل هو أجدى في بلوغ هذه الأهداف من غيره من البرامج الممكنة؟ إن التغافل عن هذا ~~السؤال الأصلي وتغييبه في عموميات براقة وغايات كبرى، يجعلنا «نحيد عن المسألة» ونطيش عن ~~المرمى، ونقع في مغالطة «تجاهل المطلوب». # أما «المصادرة على المطلوب» # begging the question # فهي ~~طريقة أثيرة لدى أصحاب الدعوات الكبرى. إن من السهل دائما أن يجرفنا انفعالنا الأيديولوجي ~~ويقيننا المذهبي ويعصب أعيننا عن رؤية أننا في حقيقة الأمر نفترض مقدما صدق ما نريد أن ms191 ~~نبرهن عليه. ثمة فرق كبير بين السبب الذي يجعلك تعتقد شيئا # ratio ~~credentis # وبين السبب الذي يجعل هذا الشيء حقا أو صوابا # ratio veritatis ~~. ~~• # في إحدى فقرات الكتاب تقول «وفي محاورة فايدروس يبين ~~سقراط حجة معينة باختراع أسطورة صغيرة عن القدماء المصريين، فيرد عليه فايدروس بقوله إن ~~بوسع سقراط أن يخترع قصصا عن المصريين القدماء أو عن أي مكان يشاء، عندئذ يرد سقراط ~~باختراع أسطورة أخرى ...» إن كان فايدروس قد وقع في مغالطة المنشأ ... أفلا يعتبر الاعتماد على ~~أساطير في تبرير الحجة مثلما فعل أفلاطون مغالطة منطقية؟ ~~- لا، ولو قلنا ذلك لوقعنا نحن في «مغالطة المنشأ»، إن للحق أو الصدق معايير ليس من بينها ~~منشأ القضية، هب أن مجنونا قال لك إن 2 + 2 = 4 فهل تعد جنونه دليلا على خطأ العبارة؟! ~~والحقيقة أننا نظلم الميثولوجيا كثيرا لو فهمناها بهذه الطريقة وأخذناها هذا المأخذ، إنما ~~الأسطورة استعارة كبيرة! وينبغي أن نفهمها فهما مجازيا استعاريا، وقد سبق لي أن ~~تناولت هذه القضية في كتابي «فهم الفهم» وتساءلت: ما الذي يخاطبنا في الأسطورة ومن خلالها؟ ~~ليست الأسطورة وهما او كذبة أو خرافة، إنها حقيقة كبرى نضجت على مهل في ضمير الأجيال ~~كما ينضج اللؤلؤ في ضمير الصدف، فاكتسبت قواما واتخذت شكلا وصارت مشهدا حيا يملأ ~~علينا مسارح الوجدان ويأخذ بمجامع الوعي، ويوقظ فينا شيئا هاجعا ما كنا لنذكره، وما كنا ~~لننساه. ~~• # في فقرة أخرى خاصة بمغالطة الحجة الشخصية ... ذكرت أن ~~«بيكون» أثناء مثوله أمام القضاء لم يدافع عن نفسه بقوله إنه ليس الأول والأخير الذي يقبل ~~هدايا من الطرفين المتنازعين ... لكن قال في نهاية دفاعه «ولكن أناشد سيادتكم وحسب أن تأخذكم ~~الرأفة ببوصة منكسرة.» ألم يقع «بيكون» بقوله هنا في مغالطة مناشدة الشفقة؟ ~~- نعم لو أنه أراد بذلك إثبات أي شيء، إنه يقول صراحة: «لا أبرئ نفسي، إنني لأعترف بأنني ~~مذنب وأرفض كل الدفوع.» الشفقة ليست من جنس الحجة، والشفقة هنا تجول على مستوى مختلف عن ~~مستوى الحجة، فرنسيس بيكون عقل كبير، ms192 وهو هنا لا يريد من شيخوخته وضعفه إلا أن يكونا بمثابة ~~ظرف خاص يراعى من أجل «تخفيف ~~المسئولية» # diminishing responsibility # بمصطلح أهل القانون. ~~• # هل هناك ترافق في حدوث بعض المغالطات ... مثل مغالطة ~~إغفال المقيدات وسرير بروكرست، التركيب والتقسيم والتعميم المتسرع؟ ~~- لقد وضعت يدك هنا على خاصة أساسية في المغالطات المنطقية، فالحقيقة أن المغالطات ~~جميعا متداخلة متشابكة، بل متبادلة «متعاوضة» # interchangeable # في أحيان كثيرة، في كل مغالطة شيء من المغالطات الأخرى! ولا ~~ننس أن المنطق غير الصوري مبحث حديث ما زال في طور التكوين، وربما يشهد في المستقبل ~~كثيرا من الصقل والتحسين والتطوير. هناك خلافات كثيرة بين رواد هذا المبحث في مسائل ~~كثيرة: هناك مغالطات صورية بحتة (مثل «إثبات التالي» و«إنكار المقدم») وهناك مغالطات ليس ~~حجة أصلا حتى تكون مغالطة (مثل الاحتكام إلى القوة مثلا)، إلى غير ذلك من الاشتباهات ~~والالتباسات، غير أن هذا لا ينفي أهمية مبحث المغالطات - حتى في صورته الراهنة الناقصة - في ~~تنبيهنا إلى طرائق خاطئة من التفكير، وحثنا على تجنبها. ~~• # أحيانا قد يتضمن تبرير حجة ما تناقضا في مضمونه ... ~~ألا يعتبر الوقوع في التناقض مغالطة منطقية؟ ~~- الوقوع في التناقض خطأ في جميع الأحوال، و«قانون التناقض» # law of contradiction ~~(أو عدم التناقض في حقيقة الأمر) من قوانين الفكر ~~الأرسطية الثلاثة، وهي من أسس المنطق الصوري، ولا ننس أن المنطق الصوري عمومي، وأنه هو ~~المعيار النهائي حتى في مجال المنطق غير الصوري، فنحن في مجال المغالطات المنطقية يكون ~~عملنا أشبه ب «أخذ صورة أشعة» # x-raying # للحجة المطروحة، ~~تصور هيكلها الصوري المطمور، لكي نقدر نصيبه من الصواب والخطأ وفقا للمعيار المنطقي ~~الصوري العتيد: صدق المقدمات وصواب الاستدلال. ~~• # هل يمكن اعتبار مغالطة الاحتكام إلى السلطة جزءا من ~~مغالطة المنشأ؟ ~~- التداخل وارد جدا في حالات كثيرة، قد يكون الاحتكام إلى سلطة احتكاما إلى مصدر ~~أجله وأحبه وأثق فيه، والعكس أيضا قد يصح في أحوال كثيرة، فقد أعتبر مصدر الفكرة سلطة ~~قيمة على الأمر المعني وأبصر مني بأصوله وفروعه. ~~• # متى يمكن اعتبار مناشدة ms193 الشفقة جزءا من الحجة وليس ~~مغالطة منطقية؟ ~~- حين يكون انفعال العطف هو نفسه موضوع الحجة، أو حين يكون سببا ذا صلة بقبول النتيجة: ~~هذا طالب أصيب وهو في طريقه للامتحان إصابة بليغة، إن من حقه «إذن» أن يمتحن لاحقا وأن ~~يحتفظ له بالتقدير، بل أن أيسر عليه بعض التيسير ما دمت مقتنعا بمصابه مقدرا ~~لظروفه مدركا لأثر الإصابة على استعداده وعلى أدائه. ~~• # ما هو الخط الفاصل بين استقراء الواقع والخروج من ذلك ~~بنتائج والوقوع في مغالطة المنحدر الزلق؟ ~~- توجيه الاتهام بمغالطة «المنحدر الزلق» يستلزم أولا استقراء الواقع بيقظة ودقة، ~~والتيقن من أن الكوارث المتوقعة بعيدة الاحتمال، وأن من الممكن التوقف ببساطة عند نقطة ما ~~على ذلك المنحدر. إذا كان استقراء الواقع ينبئ فعلا بحدوث العواقب المذكورة في الحجة فلا ~~مغالطة في الأمر، أما إذا كانت سلسلة الأحداث المنتهية بكارثة هي مجرد مبالغة وتنطع ~~ووسواس لا وجود له إلا في عقل صاحبه فهي مغالطة «المنحدر الزلق» أو «أنف الجمل»، الخط هنا ~~خط تقديري يتوقف على الحالة المذكورة. ~~• # كيف يمكن الحيد بأفراد المجتمع عن الوقوع في المغالطات ~~المنطقية؟ وهل ترى كيفية معينة من خلالها يمكن التوعية بمبادئ المنطق غير الصوري؟ ~~- دراسة المغالطات المنطقية ينبغي أن تكون جزءا من التعليم الأساسي، وجزءا من برامجنا ~~الثقافية، وحتى الترفيهية، على جميع الوسائط؛ وينبغي أن نجند لها كل المرافق التربوية وكل ~~المنابر الإعلامية. الفراغ الفلسفي والمنطقي هو أفتك ضروب الفراغ؛ لأن الدماغ البشري ~~يبغض الفراغ، ويبحث عما يملؤه، وفي غياب المناخ التنويري الصحي فإن «الخرافة» هي أسرع ما ~~يملأ هذا الفراغ، العقول الفارغة الكسولة الموقوفة النمو، ربيبة عقود الفساد والتجهيل ~~المنظم، تستمرئ الخرافة وتستزيدها؛ لأنها تقدم لها أجوبة سهلة على الأسئلة الصعبة، ولا ~~تجشمها جهدا يذكر لاستيعاب هذه الأجوبة، ها هو خبزنا اليومي: مصادرات صفيقة على ~~المطلوب، تفكير دائري يفسر الماء بالماء، احتكام إلى سلطة مزعومة سرقت صولجان السلطة في ~~غفلة من الزمن، احتكام إلى الأغلبية ولو كانت الأغلبية غثاء كغثاء السيل، هجوم شخصي ~~رقيع يؤذي ms194 الشخص ولا يمس حجته، تحويل المخالفين إلى دمى من القش، تلفع بالرايات ~~واحتماء بالقطيع وانضمام إلى الزفة، تلويح بالعصا (أفشل أداة للإقناع وأفشل مفتاح للعقل ~~والقلب) تمحل أمثلة مؤيدة وغض الطرف عن تلال الأمثلة المفندة، تلفيق البيانات وملأ ~~الثغرات ولي أعناق النصوص وإكراهها على البغاء! # لقد أصبحت تربية التفكير النقدي ضرورة بقاء لنا جميعا؛ لأن الجهل الذي عشش في دارنا ~~عقودا وباض وأفرخ وطاب له المقام لن يتركنا بسهولة ولن يفارقنا طوعا، وها هو التفكير ~~البدائي الضيق يهز قاربنا بعنف ويهدد وحدتنا ويوشك أن يودي بالجميع، الأمن الحقيقي في ~~مثل هذه القلاقل الناجمة عن علل «عقلية» غائرة إنما هو أمن «عقلي» بالدرجة الأساس، أمن ~~فلسفي، أمن منطقي! ms195