######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.Taammulat.Hindawi39571313 #META# Tags: philosophy #META# ID: 39571313 #META# Title: التأملات #META# AuthorID: 57096308 #META# Author: ماركوس أوريليوس #META# EditorID: 36490696 #META# Editor: أحمد عتمان #META# TranslatorID: 24079572 #META# Translator: عادل مصطفى #META# Related_books: 0001MarcusAurelius.TaEisHeauton (TRANSL) #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # التأملات: ماركوس أوريليوس النص الكامل‏ # الكتاب الأول1‏ # الكتاب الثاني‏ # الكتاب الثالث‏ # الكتاب الرابع‏ # الكتاب الخامس‏ # الكتاب السادس‏ # الكتاب السابع‏ # الكتاب الثامن‏ # الكتاب التاسع‏ # الكتاب العاشر‏ # الكتاب الحادي عشر‏ # الكتاب الثاني عشر1‏ # التأملات: ماركوس أوريليوس دراسة وتعليق‏ # الفصل الأول: ماركوس أوريليوس والرواقية‏ # الفصل الثاني: رواقية ماركوس أوريليوس قراءة في «التأملات»‏ # الفصل الثالث: العلاج الرواقي‏ # قطوف من «التأملات»‏ # قطوف من «التأملات»1‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # التأملات: ماركوس أوريليوس النص الكامل‏ # الكتاب الأول1‏ # الكتاب الثاني‏ # الكتاب الثالث‏ # الكتاب الرابع‏ # الكتاب الخامس‏ # الكتاب السادس‏ # الكتاب السابع‏ # الكتاب الثامن‏ # الكتاب التاسع‏ # الكتاب العاشر‏ # الكتاب الحادي عشر‏ # الكتاب الثاني عشر1‏ # التأملات: ماركوس أوريليوس دراسة وتعليق‏ # الفصل الأول: ماركوس أوريليوس والرواقية‏ # الفصل الثاني: رواقية ماركوس أوريليوس قراءة في «التأملات»‏ # الفصل الثالث: العلاج الرواقي‏ # قطوف من «التأملات»‏ # قطوف من «التأملات»1‏ # | التأملات # | التأملات # تأليف # ماركوس أوريليوس # مراجعة وتقديم # أحمد عتمان # ترجمة # عادل مصطفى # هذا الكتاب ترجمة للنص الكامل لكتاب «التأملات» للإمبراطور الفيلسوف ماركوس أوريليوس، عن ~~الترجمتين الإنجليزيتين التاليتين: # Marcus Aurelius, Meditations. Translated by Martin Hammond, Penguin Classics, 1996. # Marcus Aurelius, The Meditations. Translated by G. Long, ~~Amherst: Prometheus, 1991. # | الإهداء # إلى جيل الأخطار والخطايا - جيل «أهل الثقة» و«ذوي القربى» والولاء والرياء، ~~الجيل الذي حول مصر من مهجر إلى مزجر، من حضن أم رءوم إلى ظهر قط ~~مغضب - عساه أن يتعلم شيئا من ماركوس أوريليوس الذي ارتقى العرش بكفاءته لا ~~بولائه، وكان يفضل خطوة في الواقع على خطوات في الوهم، ويعرف أن ما لا يفيد ~~السرب لا يفيد النحلة، ويتعلم كيف يحكم نفسه قبل أن يحكم العالم، وكيف ~~يتطهر بالاعتراف قبل أن يطهره زواله. # عادل مصطفى # | تصدير # | تأملات في «تأملات» الإمبراطور الرواقي # بقلم د. أحمد عتمان # يحفل التاريخ الروماني بأحداث وشخصيات عجيبة لا مثيل لها، مما يجعل هذا التاريخ ~~سفرا شائقا إذا شرعت في تصفحه فليس بوسعك أن تتركه دون أن تكمله، بل وتطلب ~~المزيد والمزيد من المعرفة به وملابساته وتطوراته منذ أن كانت روما حصنا صغيرا على ~~نهر التيبر، ثم صارت ms001 عاصمة لإمبراطورية ضخمة لا سابق لها في التاريخ؛ فهي تغطي كل ~~العالم المعروف آنذاك من حدود الهند وأواسط آسيا شرقا إلى الجزر البريطانية غربا. # ومن أعجب الشخصيات التي تزين سماء ذلك التاريخ الرائع هو مؤلف هذا النص الذي ~~نقدم لترجمته بهذه السطور البسيطة. # وتعد فترة حكم «الأباطرة الخيرين» أسعد فترة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية ~~ويطلق عليها «العصر الأنطونيني». كانت حياة أنطونينوس # Anotoninus Pius ~~(138-161م)، كلها طاهرة ونقية قضاها في الكفاح من أجل إسعاد ~~رعاياه، فساد النظام والهدوء. كان رجلا واضحا خيرا مرحا، هادئا وبريئا، استطاع أن ~~يقدم صورة مثالية للوثنية في أزهى عصورها. ويأتي عهده هكذا على النقيض من حكم الطغيان ~~الفاسد والمستبد الذي تلا عصر أوغسطس وكذا الفترة الكئيبة والفوضى التي ستسود القرن ~~الثالث الميلادي. # وبناء على رغبة هادريانوس كان أنطونينوس قد تبنى ابن عمه وصهره ماركوس أوريليوس ~~أنطونينوس (الفيلسوف) # Marcus Aurelius Antoninus # الذي امتد ~~حكمه من 161م إلى 180م، وكان رجلا فاضلا بمعنى الكلمة، كرس حياته كلها للأدب والفلسفة ~~ولا سيما المدرسة الرواقية، ووصلنا كتابه «تأملات» # Meditationes # أو باليونانية # Ta eis heauton # أي إلى نفسه) الذي يسجل فيه ~~بالإغريقية أفكاره وأحاسيسه عن المسائل الأخلاقية والدينية. وفي عهده بدأت الأمم على حدود ~~الإمبراطورية الشمالية تثير القلاقل وقامت حروب بين الماركومانيين # Marcomanni ~~(في بلاد تقع الآن على أرض بوهيميا وبافاريا الحديثة) ~~وقبائل جرمانية أخرى وبين الرومان. ومات ماركوس أوريليوس في مارس 180م. # ولعله من المفيد أن نلقي نظرة سريعة على نشأة الفلسفة الرواقية لكي نفهم الأفكار ~~المطروحة في «التأملات». # عاش زينون # Zeno # في كيتيون (335-263ق.م) كان أبوه تاجرا ~~ويدعى مناسياس # Mnaseas # وعمل زينون نفسه في بداية حياته ~~بالتجارة. وفي سن الثلاثين تحول إلى الفلسفة. وهناك رواية تقول إنه كان في سفينة تحمل ~~بضاعة من أرجوان فينيقيا فتوجه بها إلى أثينا فغرقت على مقربة من بيريه. ونجا ~~زينون واستقر في أثينا وكان الأثينيون يلقبونه بالفينيقي. وهو الذي أسس المدرسة ~~الرواقية في أثينا حوالي 301ق.م. لقد بدأ بدراسة فلسفة سقراط عن طريق ms002 كتابات كسينوفون ثم ~~انتقل إلى أنتيسثنيس الشكاك (الكلبي) فدرس هذه الفلسفة مع الميجاريين ديودوروس وكراتيس، ~~وكان للأخير التأثير الأكبر على حياته. بعد ذلك تتلمذ زينون على بوليمون Polemon # في الأكاديمية، وتأثر بكل من ستيلبو # Stilpo # وكسينوكراتيس # Xenokrates ~~. # كان زينون طويل القامة نحيف الجسم شديد سواد الجلد، رأسه مائل على كتفه. وكان يرتدي ~~الأقمشة البسيطة الرخيصة، ويقنع في مأكله بالقليل من الخبز والتين والعسل والقليل من ~~النبيذ. وكان سلوكه سلوك الرجل الوقور، وتبدو على هيئته سمات الجد والانقباض، ولكنه لم ~~يكن يأنف أن يغشى أحيانا مجالس الأنس والمرح، فإذا سئل في ذلك أجاب بأن طبيعة الترمس ~~المرارة، فإذا نقع بالماء مدة طاب مساغا. وكان زينون يؤثر الصمت على الثرثرة في حين كان ~~الأثينيون يميلون إلى كثرة الكلام. يروون أن زينون قال في ذلك: «إن لنا لسانا واحدا ~~وأذنين؛ لنعلم أننا ينبغي أن ننصت أكثر مما نتكلم.» وكان زينون موجز العبارة، لم ~~يعن في كتابته بفصاحة ولا أسلوب. كان بنشأته يميل إلى السليقة ويحتقر التصنع أو ~~التكلف على أن خشونة الطبع وغلظة القول، وسط قوم مغرمين بالرشاقة والجمال، لم يكونا ~~ليحولا بين زينون وبين التأثير في مستمعيه أبلغ تأثير. أجمع القدماء على أن زينون كان على ~~خلق عظيم، وأن حياته على بساطتها كانت دائما قدوة طيبة ومثالا أخلاقيا عاليا. بلغ ~~هذا الحكيم من قوة الإرادة وطول الصبر وضبط النفس والعفة والسيطرة على الهوى، مبلغا ~~أدهش معاصريه؛ فكان الأثينيون يضربون به المثل قائلين «أضبط لنفسه من ~~زينون!» # عاش زينون حتى بلغ من العمر 98 سنة. ولما مات رثاه الأثينيون رثاء رسميا، وأصدر ~~أولو الأمر قرارا أعلنوا فيه أنه استحق تقدير الوطن لخدماته وحثه الشبيبة على الفضيلة ~~والحكمة؛ ولذلك منحوه تاجا من ذهب وقبرا من مدافن العظماء. # وفي سن صغيرة كتب «جمهورية ~~الحكماء» Politeia ton spoudaion # والتي من بعض الجوانب قدمت التبرير الفكري لفتوحات الإسكندر ~~الأكبر وحلمه؛ أي الحكومة العالمية والإخاء بين البشر. وبذلك قدم زينون النموذج الذي ~~احتذاه الرومان وغيرهم من مؤسسي الإمبراطوريات ms003 فيما بعد. كانت جمهورية زينون الرواقية ~~يوتوبيا أفلاطونية النزعة والنكهة، وإن كان بها ما يتناقض مع أفلاطون ومبادئه فهي تركز ~~على المبادئ الكلبية والأفكار الأقدم عن «الحياة وفق الطبيعة» التي يحياها الحكيم ~~الرواقي، وهو ما صار يعرف فيما بعد في روما # ad naturam ~~vivere ~~. كانت الآلهة عند زينون كائنات كونية وليست أنثروبومورفية ~~هومرية. إنها الشمس والقمر والنجوم، إنها آلهة تعيش في عالم واحد مع البشر # Cosmopolis # حيث تشاركهم كل شيء. وهنا نلاحظ تأثير ~~الفلك البابيلوني على زينون. وهذه المبادئ الرواقية تجسد القانون الطبيعي الإلهي ~~والعدالة الكونية، التي جاءت استجابة أخلاقية للفرد اليائس والمغترب بعد فقدان نظام ~~دولة المدينة Polis # وطغيان القوى الكبرى والضاغطة على ~~الكيانات الصغرى وفي مقدمتها الفرد. في تلك الظروف لم يعد من هاد للبشرية في هذه المتاهة ~~الحديثة سوى اللجوء للمنطق، الحب، الحرية، الوئام وما شابه ذلك. وجمهورية زينون يحكمها ~~الحكماء الممتازون # Spoudaioi # ويتبعهم الباقون ويعتمدون ~~عليهم. كان بوسع أي واحد من هؤلاء الأفراد العاديين أن يصعد إلى قمة الحكمة مثل هؤلاء ~~الحكماء بالتدريب والتمرين والمثابرة وبممارسة الفضيلة أيضا؛ فالسعي في حد ذاته إلى ~~الفضيلة فضيلة. # ولقد ضرب زينون نفسه القدوة التي تحتذى؛ لأنه عاش زاهدا يواصل الليل بالنهار في دراساته ~~وتأملاته التي اعتبرها رسالة سماوية كلف بأدائها. ولقد ورد عند ديوجينيس لائيرتيوس ~~هذه الأبيات في وصف زينون: # لا برد الشتاء القارس ولا وابل السيل المنهمر على ~~الدوام، # ولا شعلة الشمس القائظة ولا المرض العضال، # لا شيء يقهره أو ينال من قواه، # بل إن جمهرة الناس بلا عدد ودون أن ينفد لها ~~دأب، # تزحف إليه وتلتف حول درسه ليل نهار. # ومن بين أتباع زينون لا مفر من الإشارة إلى برسيوس Perseus ~~، من كيتيون؛ فهو من أفضل تلاميذه، وكان قد أرسله إلى أنتيجونوس جوناتاس # Antigonos Gonatas ~~(320-239ق.م) ملك مقدونيا لكي ~~يقوم على تعليم ابنه وتثقيف شعبه. هذا في قبرص أما خارجها فكان أتباع الرواقية من ~~الكثرة بحيث لا يمكن حصرهم. ونشير فقط إلى بعضهم هنا. وكان ديموناكس # Demonax ms004 ~~(القرن الثاني الميلادي) من أشهر القبارصة الرواقيين وكان ~~صديقا لإبكتيتوس # Epictetus ~~(50-138م). وكان ألمعيا ~~وساخرا، كان فيلسوفا كلبيا بالأساس وكتب لوكيانوس سيرته. ومع أنه كان من أسرة ثرية ~~إلا أنه فضل العيش في زهد. هذا مع أنه تجنب مغالاة بعض الرواقيين إلا أنه صام ~~وامتنع عن الطعام حتى الموت وهو في سن المائة تقريبا. أما عبارته «محظوظ ذلك الذي لا ~~يخاف ولا يأمل»، فلربما كانت مصدر النقش الموجود على قبر كازانتزاكيس الروائي والشاعر ~~اليوناني الحديث في هيراكليون بكريت «لا أخاف شيئا لا آمل في شيء إني حر.» ومن أتباع ~~الرواقية كذلك فيلولاوس Philolaus # من كيتيون (القرن ~~الأول الميلادي)، وأريستوديموس # Aristodemos # القبرصي كذلك ~~(القرن الأول-الثاني الميلاديين). # أما سينيكا الفيلسوف الشاعر الروماني (4ق.م-65م)، فهو الشخصية الثانية من حيث الأهمية بعد ~~زينون في سجل المدرسة الرواقية، ويقول عن مؤسسها القبرصي: # نحن بالفعل الذين نقول إن كلا من زينون وخريسيبوس حققا إنجازات أكبر مما لو ~~كانا قد قادا الجيوش أو تقلدا المناصب أو سنا التشريعات؛ لأن السنة التي ~~سناها لم تك لدولة ما بعينها، وإنما للبشرية أجمعين؛ ولذا فلماذا لا يكون وقت ~~الفراغ ملائما للرجل الفاضل، في خلاله يستطيع أن يهيمن على الأجيال القادمة ~~ويوجهها ويخاطب ليس فقط القلة المحدودة حوله، بل أيضا كل البشر في سائر الأمم ~~الموجودة الآن والتي ستأتي من بعد؟ باختصار شديد أسألك: هل عاش كل من كليانثيس ~~وخريسيبوس وزينون وفق التعاليم التي نادوا بها؟ وبدون شك ستجيب أنهم بالفعل ~~عاشوا على النهج الذي قالوا إنه من الواجب اتباعه في الحياة. # وورد عن سينيكا أيضا ما يلي: # من الشائع أن هوميروس لم يمتلك سوى عبد واحد، وكان لأفلاطون ثلاثة، أما زينون ~~مؤسس المدرسة الرواقية الصارمة والرجولية فلم يكن لديه ولا عبد واحد. # ويركز الدكتور عثمان أمين على تأثير زينون في الفلاسفة العرب والمسلمين ويشير إلى ما ~~حفظه الشهرستاني من حكم وأمثال كثيرة منسوبة لزينون؛ فقد ذكر الشهرستاني حكما كثيرة ~~أثرت عن زينون وهي تلائم ما نعرفه من أخلاقه ... ونورد هنا ms005 بعضها: رأى زينون فتى على شاطئ ~~البحر محزونا يتلهف على الدنيا، فقال له: «يا فتي، ما يلهفك على الدنيا؟ لو كنت في ~~غاية الغنى، وأنت راكب في لجة البحر، قد انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق، وكانت ~~غاية مطلوبك النجاة ويفوت كل ما في يدك؟» قال: «نعم.» قال: «لو كنت ملكا على الدنيا، وأحاط ~~بك من يريد قتلك، كان مرادك النجاة من يده؟» قال: «نعم.» قال: «فأنت الغني وأنت المالك ~~الآن.» وقيل لزينون: «أي الملوك أفضل: ملك اليونانيين أم الفرس؟» قال: «من ملك ~~شهوته وغضبه.» ونعي إليه ابنه فقال: «ما ذهب ذلك علي، إنما ولدت ولدا يموت وما ~~ولدت ولدا لا يموت!» وقيل له، وقد كان لا يقتني إلا قوت يومه: «إن الملك يبغضك.» ~~فقال: «وكيف يحب الملك من هو أغنى منه؟» # وفي مقامنا هذا لا نملك إلا أن نسلط الضوء في عجالة على بعض مبادئ الرواقية الرئيسة. ~~وأول هذه المبادئ الذي يعد مفتاحا لكل الفلسفة الرواقية هو مبدأ «العيش وفق ~~الطبيعة»: # ad naturam vivere. # to kata physin zein. # وكلمة الطبيعة # natura, physis # تعني هنا طبيعة الإنسان ~~نفسه والطبيعة الكونية؛ ففي إطار الفلسفة الرواقية لا فرق بينهما، وهما متداخلان ~~ومتفاعلان ويشكلان معا كيانا عضويا؛ فالعيش وفق الطبيعة إذن يعني الانسجام ~~والوئام بين الإنسان والبيئة من حوله. وأدعو القارئ الحصيف أن يتأمل الآن فيما يجري في ~~دنيانا الراهنة من تغير مناخي وتلوث البيئة والكوارث الطبيعية المتتالية ... # أفليس هذا كله نذيرا لنا بأننا لا نعيش وفق الطبيعة؟ # النار هي خالقة الأشياء، وهي أسمى عناصر الكون. أما النفس الإنسانية فهي من هواء ~~ساخن؛ فهي متصلة بأسمى العناصر وخالق الأشياء أي النار. وأي خلل يصيب النظام الكوني ~~من الطبيعي أن يصيب النفس الإنسانية، التي هي أيضا إذا تعرضت للخلل أصابت النظام ~~الكوني بالخلل. ويتمثل الخلل الذي يصيب النفس الإنسانية في هزيمة العقل أمام العاطفة ~~والأهواء. هذه الهزيمة المنكرة تتجسد شرا مستطيرا في تراجيديات سينيكا؛ فعلى سبيل ~~المثال تعشق فايدرا في المسرحية التي تحمل اسمها (أو ms006 اسم هيبوليتوس) عنوانا؛ ابن زوجها ~~الشاب العفيف هيبوليتوس، وعندما يصدها وقبل أن تموت تترك رسالة تتهمه لدى أبيه بأنه ~~اغتصبها. عاطفة مستعرة وشر مستطير حطم الأسرة جميعا والمدينة بأكملها، ثم امتد ~~الشر إلى الطبيعة نفسها حيث خرج من البحر وحش أسطوري لا مثيل له أصاب خيول عربة ~~هيبوليتوس بالجنون، فمزقت الخيول صاحبها إربا إربا ... كوارث طبيعية تصيب النظام ~~الكوني بالخلل؛ لأن العقل داخل النفس الإنسانية تلقى هزيمة فادحة على يد جحافل ~~العاطفة والأهواء الفتاكة. # على أن النار خالقة الأشياء وحارسة النظام الكوني تحرق الأشياء جميعا في حريق كوني هائل # ekpyrosis ~~. هذا الحريق الكوني يحدث على فترات ~~متباعدة جدا بهدف تطهير الكون من أكوام الدنس المتراكمة عبر العصور. # إنها إذن النار الإلهية الخلاقة التي تدمر الكون لتخلقه من جديد. هذه النار الإلهية ~~لا يمكن مقارنتها بالنار البشرية التي نستخدمها كل يوم؛ فهي نار مدمرة تحرق الأشياء ولا ~~تعيد خلقها. ومن هنا كان حرق الموتى - ولا سيما حرق الأباطرة بعد موتهم - جزءا من طقوس ~~تأليههم؛ إذ يخلصهم الحرق من أدران الجسد، ويطير بروحهم إلى السماء لتتحد مع النجوم التي ~~هي إحدى التجليات للنار الإلهية الخلاقة. # الحكيم الرواقي # sapiens stoicus # هو الحر الوحيد، ~~وهو السعيد الوحيد، وهو الملك بحق، وهو المنتصر الأوحد. لماذا؟ لأنه أولا وأخيرا قهر ~~نفسه، ومن قهر نفسه فقد قهر العالم. إنه قهر في نفسه الطمع في أي شيء؛ ولذا فهو ~~حر وسعيد، وقهر في نفسه الخوف من الموت. هو قاهر الموت فماذا يخشى بعد ذلك؟ يقسم ~~الرواقيون الأشياء إلى: # أشياء مهمة وضرورية فهي خير. # أشياء غير مهمة وغير ضرورية فهي شر. # أشياء وسط # media # أو لا هي خير ولا شر؛ أي ~~كما يترجمها المترجم لنص أوريليوس «لا ~~فارقة» # idifferentia # إنها أشياء يمكن أن تكون خيرا ويمكن أن تكون شرا. ~~المهم أن نعرف ما هي هذه الأشياء الوسط بالنسبة للرواقيين هي: الفقر والغنى، ~~المرض والصحة، الحكم والملك ... إلخ. # وأهم شيء في هذه الأشياء الوسط الموت؛ فالموت بالنسبة للرواقيين هو كأي ms007 شيء في حياتنا ~~لا هو خير في حد ذاته ولا هو شر في حد ذاته، بل إن الموت أحيانا يكون بابا للحرية ~~والخلاص والسعادة الأبدية، فلماذا نخاف الموت؟ جبان ذلك الذي يقبل الحياة بأي ثمن، وحكيم ~~رواقي بحق من يقدم على الموت، بل يطلبه إذا سدت كل السبل أمامه ولم يعد هناك من ~~وسيلة ليحفظ كرامته وحريته ومبادئه. إذن لا استسلام وإنما إقدام على الموت. ويأخذ البعض ~~على الرواقيين هذه الدعوة إلى الانتحار، وهذا سوء فهم وسوء تفسير؛ فهم أي ~~الرواقيون لا يحبذون الانتحار لأسباب ~~تافهة # ex frivolis causis # وإنما الانتحار هو الحل الأخير لحفظ كرامة الحكيم الرواقي ~~ومبادئه. إنه بهذا الانتحار يقهر قاهره وينتصر عليه؛ فالموت في مثل هذه الحالة هو النصر ~~المبين. ويقول سينيكا في ذلك: «ليس شقيا قط من تيسرت له سبل الموت.» ويقول أيضا إن ~~الطبيعة نفسها تعلمنا. لقد جئنا جميعا للحياة من طريق واحد هو رحم الأم، أما الخروج من ~~الحياة فله آلاف الطرق. # ومن اللافت للنظر في «تأملات» ماركوس أوريليوس أنها أشبه ما تكون بمفكرة دون فيها ~~هذه التأملات، ربما وهو في خضم المعارك وفوق الجبال أو في أعماق الغابات، وربما كان ~~أحيانا في قصره المنيف. المهم أنها تأملات مكتوبة بعيدا عن قصدية الدرس المتعمق أو ~~الخطاب المنمق وما شابه. ومع ذلك فالمرء يدهش من كثرة الإشارات لعيون الكتب ~~والمؤلفات في الأدب الإغريقي واللاتيني؛ فليس الأمر قاصرا على الرواقيين السابقين، ~~بل يشمل كل المدارس الفلسفية والمذاهب الأدبية عند الإغريق والرومان. هذه التعددية في ~~مصادر أوريليوس تدل دلالة واضحة على عمق ثقافته وغزارة اطلاعه. # أما الترجمة التي نقدم لها فتنم عن دارس مجتهد للفلسفة وذواقة للأدب. إنه ~~مترجم يحب المادة التي يترجمها ويعيش المبادئ التي يشرحها؛ لذلك كان أسلوبه في الترجمة ~~مستساغا، ومع أنه يترجم النص الإغريقي عن الإنجليزية فإنه لم يفقد الكثير من روح النص ~~الإغريقي الأصلي الذي وضعته أمامي وأنا أراجع الترجمة. # لقد نجح المترجم في أن يصل إلى صيغة شائقة لأفكار الفيلسوف ms008 الرواقي. وأنا على يقين ~~تام من أن القارئ العربي سيجد متعة فائقة، وفائدة ملموسة في قراءة هذا النص الذي يمكن ~~أن نجد فيه العزاء الوافي عما نقاسيه في أيامنا هذه. # والله ولي التوفيق. # الجيزة، فبراير 2010 # | مقدمة # إذا شئت أن تملك سيطرة على الألم فافتح كتابه المبارك وأوغل فيه، ولسوف يتسنى لك ~~بغدق فلسفته أن ترى كل المستقبل والحاضر والماضي، ولسوف تدرك أن كلا من الفرح ~~والترح لا يعدو أن يكون دخانا. # قارئ يوناني للتأملات # 1 # نفس كبيرة، تنسل كل يوم من ضجيج الجيش ومن عجيج المعسكر على ضفاف الدانوب، لكي تدون ~~خواطرها، في منبلج الصباح، وتسجل خلجاتها وتقيد أوابدها، وتفرغ بعض حين من حكم ~~العالم لكي تؤكد حكمها لنفسها! # ذلك هو ماركوس أوريليوس (121-180م) الفيلسوف الرواقي ورأس الإمبراطورية الرومانية، ~~الملقب ب «الفيلسوف على العرش»؛ إذ تحققت فيه، إلى حد كبير، صورة الحاكم الفيلسوف ~~التي تمثلها أفلاطون في جمهوريته، وكان «الحاكم المطلق» على العالم المتحضر كله آنذاك، ~~وبلغ من الحكمة والأستاذية ما لم يبلغه أحد من معاصريه، وكان مثالا لرقة القلب، ~~وللعدالة التي لا يشوبها شيء اللهم إلا السماحة الزائدة، على حد قول ~~جون ستيوارت مل. # كتب ماركوس هذه اليوميات باليونانية، لغة الصفوة من مثقفي الرومان في ذلك الوقت، ~~ووسمها بعبارة غامضة: # ta eis heauton # وتعني «إلى نفسه»؛ ~~أي إن «الإمبراطور في هذه الصحائف يخاطب نفسه ولا يخاطب جهة أخرى.» تمييزا لها عن الوثائق ~~الأخرى التي تودع في خزانته، ولا هو يبيت في كتابتها نية النشر على القراء، ولا ~~نية التخطيط لمؤلف يتركه لقومه وللأجيال من بعده. ~~(1) لم الكتابة؟! # الكتابة «تضايف» # 2 # بقارئ (قراء): الكاتب يعرف أنه جزء من مجتمع، يكتب الكاتب وفي خاطره ~~وضميره قراء يتوجه إليهم بحديثه ويناجيهم بما يجد، فيكون القارئ هو «المكمل ~~الضروري منطقيا» لعلاقة الكتابة؛ كالشراء بالنسبة للبيع، والابن للأب، والتلميذ ~~للأستاذ، والزوج للزوجة، يأخذ كل منهما من الآخر معناه ومأتاه. # فلماذا إذن يكتب ماركوس وقد انتفت لديه نية النشر؟! # وفي غياب القارئ ماذا يبقى ms009 من غرض للكتابة؟! # يبقى الكثير. الكتابة ارتقاء من الخصوصية إلى العمومية، تحقيق لما هو كامن في ~~العقل، وتحديد لما هو غائم، وتثبيت لما هو هائم، بل هي بحث عن المجهول من خبايا ~~النفس، ومعرفة بما هو ضائع في تضاعيف الذات. # لست أعرف بالضبط ما أنا أفكر فيه؛ ربما لذلك شرعت في كتابته. # بذلك يتحول «الذاتي» إلى «موضوعي» (ينتقل من «العالم 2» إلى «العالم 3» بلغة كارل ~~بوبر)، فتتملكه الذات بعد أن كان يتملكها! وتتناوله بالاستيعاب والهضم والمراجعة ~~والتصويب، وربما تحوله، بالمران والتكرار، إلى كيانها وبنيتها، فيصير نسيجا من ~~أنسجتها، وعضوا من أعضائها (يتحول «الميروس» إلى «ميلوس» بلغة ماركوس)، عضوا جاهزا ~~للاستعمال طوع إرادتها وتحت إمرتها ورهن إشارتها. # 3 ~~(2) لم التكرار في التأملات؟ # التكرار بحاجة إلى رد اعتبار. التكرار ضرورة بيداجوجية (تتعلق بأصول التربية ~~والتدريس)؛ فماركوس إذ يخط تأملاته إنما هو في مران وتدريب، إنه يخاطب نفسه، ومن ~~البين أن هذه النفس قد انقسمت قسمين: نفسا عاقلة عليا تواجه نفسا واهنة دنيا ~~انزلقت إلى مواقف غير فلسفية وتنكبت طريق الفضيلة، وتلح عليها بالتنبيه ~~والتذكير: «اذكر ...» «تذكر ...» «ضع في اعتبارك ...» «لا تنس ...» التكرار هنا تدريب ~~رواقي و«صباغة للنفس بالأفكار»، وتحويل ل «المعرفة» الأخلاقية، بالمجاهدة والكدح، ~~إلى خليقة مكينة وسلوك ثابت (تحويل «اللوجوس» # logos # إلى «هكسيس» # hexis # بلغة ~~أرسطو). ~~(3) ماركوس أوريليوس الفيلسوف # الرواقية فلسفة عملية، تعلمنا كيف نتحلى بالثبات ونتحمل المحنة ونخرج من ~~رماد الفشل. نشأت الرواقية بعد أرسطو وامتدت قرونا في الحقبة الهلينستية وما ~~بعدها؛ ومن ثم فقد كانت الرواقية، شأنها شأن المذاهب التي أعقبت أرسطو، فلسفة ~~عملية بالدرجة الأساس؛ إذ كانت، كأخواتها، وليدة اضطرابات وفكر أزمة. # وفي فترات الأزمات الاجتماعية والسياسية ~~العنيفة يلح الجانب العملي للفكر وتعلو نبرته وتحتد، وينتزع الصدارة من الجانب النظري ~~الذي يتراجع إلى الخلفية، وكثيرا ما يبدو كأنه وضع وضعا لكي يدعم المذهب العملي ~~ويلم شعثه ويسد ثلمته. وكثيرا ما تبقى الثمار العملية يانعة نضرة، وتعيش ~~عمرا ثانيا بعد أن يزهق المذهب النظري وتتقوض أركانه. # يقول ثورو: «أن تكون ms010 فيلسوفا لا تعني أن تكون لديك أفكار حاذقة، ولا حتى أن تؤسس ~~مدرسة، بل أن تحب الحكمة بحيث تحيا وفقا لإملاءاتها، حياة بساطة واستقلال وسماحة ~~وصدق. أن تكون فيلسوفا هو أن تحل بعض مشكلات الحياة، لا حلا نظريا فقط، بل عمليا ~~أيضا.» # كان ماركوس أوريليوس قائدا عسكريا محنكا، ومنتصرا في كل ما خاض غماره. غير ~~أن موقفه الفلسفي من السلك العسكري تترجمه الشذرة العاشرة من الكتاب العاشر من ~~«التأملات»: «العنكبوت فخورة حين تصطاد ذبابة، والإنسان فخور بصيده - أرنبا ~~مسكينا، سمكة صغيرة في شبكة، خنازير ، دببة، أسرى من الصرامطة. # 4 # والجميع من حيث الدافع لصوص.» # وكان ماركوس ملكا وحاكما قديرا، يدير شئون إمبراطورية تمتد عرضا من الفرات إلى ~~المحيط الأطلسي، وتمتد طولا من جبال اسكتلندا الباردة إلى رمال أفريقيا المتلظية، ~~ولكن موقفه من الملك كموقفه من الحياة العسكرية: الملك عبء وابتلاء، ولكنه لا يعفيك ~~من الفضيلة، بوسعك أن تحيا حياة فاضلة حتى في قفص البلاط: «حيثما أمكن لإنسان أن ~~يعيش أمكنه أيضا أن يعيش حياة صالحة، ولكن عليه أن يعيش في قصر - إذن بوسعه أن يعيش ~~في القصر حياة صالحة» (التأملات: 5-16). «احذر أن تتقيصر أو تتلطخ بالأرجوان ...» ~~(6-30). «قدر الملوك أن تفعل الخير وتذم عليه» (7-36). # القيادة العسكرية والحكم المدني كانا عبئين اضطلع ماركوس بحملهما بمهارة واقتدار، ~~امتثالا للواجب الاجتماعي وليس شغفا بالقيادة والملك. أما الفلسفة فإنه لينتحي ~~إليها ببوصلة روحه، ويعدها أمه إذا كانت الوظيفة هي زوجة أبيه. كانت الفلسفة ~~ملاذه وراحته، كيما يحتمل القصر ويحتمله القصر. الفلسفة هي الشيء الوحيد الذي يمكنه ~~أن يخفرنا في مغترب وجودنا. # تأثر ماركوس بكثير من الفلاسفة السابقين ~~عليه، ولكن أكثرهم تأثيرا كان سقراط، وهيراقليطس، وإبكتيتوس. أما سقراط فقد كان ~~التجسيد الحي لمثال «الحكيم» # Sophos # عند الرواقيين ~~عبر تاريخهم كله؛ موقفه عند المحاكمة، رفضه للهرب وقد عرض عليه، ثباته ورباطة جأشه ~~في مواجهة الموت، ويقينه بأن مرتكب الظلم إنما يؤذي نفسه أكثر مما يؤذي ضحيته، وأن ~~الفضيلة علم والرذيلة جهل، وأن لا أحد ms011 يرتكب الإثم عن قصد أي عن علم، وعدم اكتراثه ~~بالحر والبرد، وبساطة مأكله وملبسه، وتجرده من كل ضروب الترف والرفاهية الجسدية. # 5 # وأما هيراقليطس فقد أخذ عنه نظرية اللوجوس، والعود الأبدي، ونهر ~~التغير، واغتراب المنبت (عن مجموع البشر)، والأسلوب المقطعي. وأما إبكتيتوس فقد أخذ ~~عنه مواضيع # topoi # الدراسة الثلاثة: الانفعال (الرغبة ~~والنفور) وهو منوط بعلم الطبيعة، والنزوع (الإقدام والإحجام) وهو منوط بعلم الأخلاق، ~~والحكم # judgement # أو التصديق # assent # ومجاله علم المنطق. وعنه استمد التدريبات الفلسفية التي ~~تترجم هذه المباحث النظرية إلى سلوك وأفعال. # ثمة تناقضات في فكر ماركوس النظري أشرنا إليها في مواضعها . غير أن ما يعنينا من ~~«التأملات» ليس المذهب النظري بل الحكمة العملية. ولعل هذه التناقضات عينها هي ما ~~أضفى على «التأملات» جاذبية باقية على مر العصور، وحفظ لها مكانها الراسخ في ~~«الفلسفة الخالدة» # philosophia perennis ~~، فلو أن ~~ماركوس ظل متسقا مع نفسه إلى نهاية الشوط لما خرج علينا إلا بمذهب رواقي متحجر، ~~يولد ميتا، أو يزول على أفضل تقدير بزوال مبرراته التاريخية. يقول رسل: «إن منطق ~~المدرسة الرواقية قد أفضى إلى مذاهب متصلبة هذبتها إنسانية أتباعها، الذين كانوا ~~أفضل حالا بكثير مما كان يمكن أن يكونوا عليه لو أنهم كانوا متسقين مع مذهبهم.» # 6 # لعلها فرصة لمدح التناقض! # أليس التناقض، أحيانا، أنبل وأحمد من التمادي في الاتساق حيث يفضي الاتساق إلى ~~نهايات وبيلة؟ أليس التطرف المقيت، أحيانا، هو ثمرة التعنت في الاتساق والتشبث ~~به إلى نهاية الشوط؟ يبدو أن ذكاء الفكر لا يستغني عن ذكاء الشعور، كما يقول ~~السيكولوجيون هذه الأيام، ويبدو أن من اعتاد الفضيلة ولم يحد عن سواء الفطرة يعرف ~~بالسليقة متى يتمسك بالاتساق ومتى يدعه، ويعرف أن لكل قاعدة شواذ ولكل تعميم ~~«مقيدات» # qualifications ~~، وأن الفضيلة شيء ~~علوي لا يصطدم بغثائنا الأرضي ولا يعرفه. يقول ماركوس في «التأملات»: «أعلى ~~وأسفل، هنا وهناك، تمضي حركة العناصر. أما حركة الفضيلة فلا تتخبط هكذا أبدا؛ فهي ~~شيء أكثر قدسية، وعلى طريق ليس من السهل تبينه تمضي قدما ms012 في غبطة» ~~(6-17). # توفي ماركوس في معسكره على جبهة الدانوب في السابع عشر من مارس عام 180م، وقد ناهز ~~التاسعة والخمسين، تاركا في خاتمة التأملات أذانا برحيله: «أيها الإنسان الفاني، ~~لقد عشت كمواطن في هذه المدينة العظيمة. ماذا يهم إذا كانت هذه الحياة خمسة أعوام ~~أو خمسين؟ على الجميع تسري قوانين المدينة. فماذا يخيفك في انصرافك من المدينة؟ إن من ~~يصرفك ليس قاضيا مستبدا أو فاسدا، إنها الطبيعة ذاتها التي أتت بك. إنها أشبه ~~بمدير الفرقة الذي أشرك ممثلا كوميديا في الرواية وهو يصرفه من المسرح. ~~- ولكني لم أمثل مشاهدي الخمسة، مثلت ثلاثة فقط. ~~- حقا، ولكن في الحياة قد تكون ثلاثة مشاهد هي الرواية كلها. # استئناف الحياة إنما يحدده الكائن الذي ركبك أول مرة والذي هو الآن يفنيك، وما لك ~~من دور في أي من العلتين، اذهب بسلام إذن؛ فالرب الذي يصرفك هو في سلام معك» ~~(التأملات: 12-36). # جاد ماركوس بنفسه «فاتحا ذراعيه لشيء أبعد، حبا في الشاطئ الأبعد.» # 7 # كما يقول ماثيو أرنولد، حقا إن ما تشير إليه «التأملات» لأرحب ~~كثيرا مما تقوله. # يقول ماثيو أرنولد عن ماركوس أوريليوس: «ربما يكون أجمل الشخصيات في التاريخ كله. إنه ~~واحد من تلك العلامات التي تواسي وتبث الأمل، وتقف إلى الأبد لتذكر جنسنا ~~البشري الواهن والمنخذل - تذكره بالأعالي التي بلغتها الفضيلة الإنسانية والدأب ~~البشري ذات يوم، ويمكن أن يبلغاها مرة ثانية.» # 8 ~~(4) ظل من التأملات # الذات الخالية من الانفعالات قلعة وحصن ومنتجع. ~~«الآخر» قريبك في العقل، ولا يأثم إلا عن جهل منه بما هو خير، إذن ~~علمه أو احتمله. # لا تنبت عن إخوانك في البشرية فتكون ورما على جسم العالم. # ألا تصير مثل الذي أساء إليك ... ذلك هو خير انتقام. ~~«التغير» أنطولوجيا ... أسلوب للطبيعة في عملها. فلتألفه مثلما ~~تألف وجودك. # العقل مبثوث كالهواء في كل مكان طوع من يريد أن يتشرب به. # اللحظة الحاضرة هي ملكك النهائي. اقبض على اللحظة. أطياف الماضي وهواجس ~~المستقبل تجتمع على التهام الحاضر الذي لا نملك سواه. ms013 # لا تعلق سعادتك على آراء الآخرين فيك ولا تضع هناءك في أيديهم. ذلك ~~«استرقاق» طوعي و«مصادرة» حياة و«نفي» خارج الذات. وما كنت لترضى ~~أيا من ذلك لو كنت تعرف اسمه الحقيقي. # لكل شيء في الطبيعة دوره في حبكة «الكل»، حتى النائم وحتى المخرب، ~~حتى مخلفات الطبيعة وعوارضها الضارة هي نواتج بعدية للنبيل ~~والجميل. # فعل الخير ثواب ذاته. # أحب قدرك: قدر الإنسان هو رفيقه وحاديه معا. القدر يحدو ~~العقلاء ويجرجر الحمقى. # اصطبغ بالأفكار الصائبة حتى تصبح فيك طبيعة وسوية. مبادئك ~~الرواقية هي عدتك في الطوارئ. # طول الحياة غير فارق. لا جديد. إذا بلغت الأربعين فقد رأيت كل شيء، وقد ~~أفرغت دنياك طرافتها. الموت فعلك الطبيعي الأخير، فلتنجزه ~~ولتتقنه. # لا تكن دمية تحركها خيوط الرغبة. # العالم وطنك، والبشر إخوتك، «وخير البلاد ما حملك.» # لا تزايد على المدركات بما ليس منها. الأذى لا يأتيك إلا من ذاتك. ~~الأشياء بريئة وخاملة ومحايدة. ليست الأشياء ما يكربك بل فكرتك ~~عنها. # ناور العقبات، واتخذ منها وقودا لفضيلتك، واسع إلى مقاصدك بتحفظ ~~يخفف عنك صدمة الإخفاق. # لا مجد لك بمعزل عن مجد قومك. ما لا يفيد السرب لا يفيد النحلة. لا ~~مجد لنحلة في خلية منهارة. # الزهو بالخلو من الزهو هو أثقل ضروب الزهو وأصعبها على الاحتمال. ~~أثقل الغرور التواضع الزائف. # خذ نظرة من فوق لترى الأشياء بحجمها الحقيقي كما تتراءى في أعين ~~الأفلاك. # هذا غيض من فيض «التأملات» التي دونها ماركوس أوريليوس في أضابير كتب عليها ~~«إلى نفسه»، ولدينا ما يدل بقوة على أنه لم يقصد بها أن تكون كتابا يقرأ أو مذهبا ~~فلسفيا يشيد ويذاع على الناس؛ فهي في أغلب الأحيان شخصية للغاية وموجهة إلى ~~الداخل، وهي كثيرة التكرار، ولا ينتظمها نسق معين، وهي في بعض الأحيان اقتباسات ~~مشفوعة باسم صاحبها، وفي أحيان أخرى اقتباسات غير مشفوعة باسم، وهي غامضة مبهمة ~~في غير موضع لا نعرف فيها ماذا يقصد ومن يعني وإلام يشير، مما يدل على أنه يكتب حقا ~~لنفسه، ولا يملي على سكرتيره اليوناني ms014 أبولونيوس. ~~••• # مؤتنسا بخلوته، وبعقله الثري ونفسه الرحبة، راح ماركوس أوريليوس يخط على صحائفه: ~~«قل لنفسك حين تقوم ... تمادي في إيذاء ذاتك أيتها النفس ... إنهم يطلبون منتجعات لهم ... ~~كن مثل رأس الأرض في البحر ... تأمل مليا كيف يزاح كل ما هو قائم ... لكأنما ألقي ~~على الأشياء حجاب كثيف ... طريق الطبيعة قصير، نقب في ذاتك ... الأشياء واقفة خارجنا ... ~~أتقن الموت ...» # لم يكن هناك من أحد يشوب خلوة ماركوس، غير «كائن اعتباري» مهيب كأني به قد أقحم ~~نفسه على هذه الوحدة الجلل: إنه «التاريخ» بلحيته الشهباء وقوامه السامق النحيل. ~~إنه «الزمان»، «غزل القدر»، يشهد ميلاد الأحرف ويرمقها من وراء كتفه، فيكتم ~~غبطته ويسر إلى نفسه: # هذا كلام أكبر من زمنه، ونغم أفسح من عوده. ليست «إلى نفسه» هذه ~~الصحائف بل «إلى الأجيال» جميعا. سأدبر لها سببا وأحفظها من عوادي ~~الضياع؛ لتكون لمن خلفه مثلما كانت له. # عادل مصطفى محمد # الكويت في 1 / 12 / 2008م # | التأملات: ماركوس أوريليوس النص الكامل # كانت كتابات ماركوس أوريليوس هي أرفع ما أنتجه العقل القديم في الفكر ~~الأخلاقي، ولم تكن تختلف اختلافا يذكر عن أخص تعاليم المسيح. # جون ستيوارت مل، عن الحرية # | الكتاب الأول1 # (1-1) من جدي # 2 # فيروس # Verus # تعلمت الدماثة وضبط ~~النفس. ~~(1-2) ومما سمعت عن أبي، # 3 # وما أتذكره عنه، تعلمت التواضع والنخوة. ~~(1-3) ومن والدتي تعلمت التقوى والإحسان والتعفف عن فعل السيئات وعن مجرد ~~التفكير فيها. وتعلمت منها أيضا بساطة العيش؛ بساطة غير معهودة في الأثرياء على ~~الإطلاق. ~~(1-4) ومن جدي الأعلى # 4 # تعلمت ألا أختلف إلى المدارس العامة، وأن يكون لدي معلمون ~~ممتازون بالمنزل، وأن أعرف أنه في مثل هذا يليق بالمرء أن ينفق بسخاء. ~~(1-5) ومن معلمي تعلمت ألا أكون من مشجعي «الأخضر» أو «الأزرق» في السباقات، ~~ولا أشايع «الخفاف» أو «الثقال» من المجالدين في المدرج، وأن أحتمل المشاق ~~وأكتفي بالقليل، وأن أعمل بيدي وأن أنصرف إلى شأني وأترك ما لا يعنيني. # 5 ~~(1-6) من ديوجنيتوس # Diognetus # 6 # تعلمت ألا أنشغل بالتفاهات، وألا ms015 أصدق حديث المشعوذين ~~والدجالين عن الرقى والتعاويذ وطرد الشياطين وما شابه، ولا أربي طيور العراك # 7 # ولا أتحمس لمثل هذه الرياضات، وألا أضيق بالصراحة، وأن أنجذب إلى ~~الفلسفة، وأحضر أولا محاضرات باخيوس ثم تانداسيس وماركيانوس، وأكتب محاورات منذ ~~نعومة أظفاري، وأحب السرير النقال والدثار وكل ما ينتمي إلى نظم التدريب اليوناني. # 8 ~~(1-7) من رستيكوس # Rusticus # 9 # تلقيت الانطباع بأن شخصيتي بحاجة إلى تحسين وتدريب، وتعلمت ألا ~~أنجذب إلى الخطابة فأكتب خواطري أو ألقي خطبي الوعظية الصغيرة، أو آرائي بمظهر ~~المتنسك أو المحسن، وأن أبتعد عن البلاغة وقرض الشعر وكتابة الإنشاء، وألا أتجول ~~في البيت بالملابس الرسمية، أو أفعل فعلا من هذا القبيل، وإذا كتبت رسائل أن أكتبها ~~بأسلوب بسيط مثل رسالته التي كتبها إلى والدتي من سينوئيسا، وأن أكون مرحبا ~~بالصلح مع من أساءوا إلي بمجرد أن يجنحوا للسلم، وأن أقرأ بتمعن ولا أكتفي ~~بأفكاري السطحية أو أسارع بقبول آراء المتفيهقين، وإنني لمدين له بتعرفي على ~~«مذكرات إبكتيتوس» # 10 # التي تفضل علي بنسخته الخاصة منها. ~~(1-8) ومن أبولونيوس # Apollonius # 11 # حرية الإرادة، وعدم الحيود عن الهدف أو التعويل على أي شيء آخر سوى ~~العقل، وأن أظل كما أنا لا يبدلني الألم المفاجئ أو فقدان طفل أو المرض الطويل، وأن ~~أرى فيه مثالا حيا يبين أنه بوسع المرء أن يجمع بين الشدة واللين، ولا يكون ~~فظا في إصدار تعليماته، وأرى أمام عيني إنسانا يعتبر خبرته ومهارته في بسط ~~نظراته الفلسفية هي أقل مواهبه. وتعلمت منه أيضا كيف أتلقى من الأصدقاء أفضالا ~~عظيمة فلا يحط ذلك من قدري عندهم ولا أنا أنكر فضلهم أو أغفله. ~~(1-9) من سكستوس # Sextus # 12 # تعلمت الأريحية، ونمطا من العائلة التي تحكم بطريقة أبوية، ومفهوم ~~الحياة التي تعاش وفقا للطبيعة، ووقارا في غير تكلف، ورعاية مصالح الأصدقاء، ~~والتسامح تجاه الجهال من الناس وتجاه راكبي رءوسهم، والتلطف مع الجميع بحيث كانت ~~متعة الحوار معه أعظم من أي تملق، وكان مجرد حضوره يجلب إليه الإجلال من جميع ~~جلسائه. ms016 كان لديه ملكة اكتشاف وتنظيم المبادئ الضرورية للحياة بطريقة ذكية ~~ومنهجية. لم يتملكه الغضب قط أو أي انفعال آخر، بل كان خليا تماما من ~~الانفعال وشدة الرقة والعطف، وكان بوسعه أن يعبر عن استحسانه بلا صخب، وكان ~~يمتلك معرفة عريضة بلا تظاهر ولا ادعاء. ~~(1-10) ومن الإسكندر النحوي تعلمت ألا أتسقط الأخطاء، وألا أقرع من ~~يرتكب خطأ في المعجم أو التركيب أو النطق، بل أدخل بحذق نفس التعبير الذي كان ~~ينبغي استخدامه، وذلك في شكل إجابة أو توكيد، أو بالاشتراك في مناقشة حول الشيء نفسه ~~لا حول الصياغة، أو بأي لون آخر من مثل هذا التنبيه اللبق. ~~(1-11) ومن فرونتو # Fronto # 13 # تعلمت أن أفهم فعل الشك والهوى والنفاق في ممارسة الاستبداد، وأن ~~أغلب من نسميهم «النبلاء» Particii # يفتقرون إلى ~~العطف الإنساني. ~~(1-12) ومن الإسكندر الأفلاطوني تعلمت ألا أقول أو أكتب لأي شخص بأني مشغول ~~جدا ما لم تكن هناك ضرورة فعلية، وألا أنتحل أعذارا قهرية للتنصل من واجباتي ~~تجاه إخواني وتجاه من أعيش معهم. ~~(1-13) ومن كاتولوس # Catulus # 14 # تعلمت ألا أرفض أي نقد موجه من صديق، حتى لو كان نقدا لا مبرر له، ~~بل أؤلف قلبه وأعيده إلى صفائه المعتاد، وأن أذكر أساتذتي بخير وعرفان قلبي، ~~مثلما كان يذكر دوميتيوس وأثينودوتوس، وأن أحب أبنائي حبا حقيقيا. ~~(1-14) ومن أخي سيفيروس # Severus # تعلمت أن أحب ~~أقربائي وأحب الصدق وأحب العدل، ومن خلال عونه لي صرت أفهم ثراسيا وهيلفيديوس ~~وكاتو وديو وبروتوس، ومنه تلقيت فكرة دولة يسري فيها القانون الواحد على الجميع، ~~دولة تقوم على المساواة في الحقوق والمساواة في حرية الرأي، وفكرة حكومة ملكية ~~تحترم حرية المحكومين فوق كل شيء. وتعلمت منه أيضا توقير الفلسفة توقيرا دائما ~~وثابتا لا يتزعزع. وتعلمت منه الإحسان والكرم والتفاؤل، والثقة بشعور الأصدقاء، ~~والصراحة في الانتقاد، والوضوح فيما يريد وما لا يريد بحيث لا يلجئ أصدقاءه في ذلك ~~إلى الحدس والتخمين. ~~(1-15) ومن مكسيموس # Maximus # 15 # تعلمت ضبط النفس، والتمنع على النزوات العابرة، والمرح ms017 في جميع ~~الظروف حتى في المرض، وتوازنا حميدا في الشخصية بين اللطف والوقار، وأن أؤدي ما ~~ينبغي أداؤه مهما كلفني ذلك من جهد، والثقة التي يبثها في الجميع بأنه يعني ما يقول ~~وأنه حسن النية فيما يفعل، لا تتملكه الدهشة ولا الهلع، ولا يعرف العجلة ولا ~~التردد، ولا يكل ولا يتوانى، ولا يرتبك ولا يغتم، ولا يضحك ليداري غيظه، ولا ~~ينفعل في الوقت نفسه ولا يشك. وقد دأب على فعل الخير وكان سمحا وصادقا، يتخذ ~~الطريق المستقيم طوعا لا كرها، لم يشعر أي إنسان قط أنه ازدراه يوما أو استعلى ~~عليه، وكان فكها رقيق الحاشية. ~~(1-16) من أبي # 16 # تعلمت الرفق، وصحة العزم في القرارات التي يخلص إليها بعد ترو ~~تام، وألا أنخدع بتلك الأشياء التي يسميها الناس مبعث فخر، وتعلمت منه حب ~~العمل والمثابرة، والإصغاء لكل من لديه اقتراح من أجل الصالح العام، وأن أعطي كل ذي ~~حق حقه، وأن أعرف متى أشتد ومتى ألين، وأن أتعفف عن الغلمان. كان يعفي من ~~بالبلاط من ضرورة الحضور الدائم معه على العشاء أو مرافقته خارج المدينة، ولم يجد ~~الذين يضطرهم التزام آخر بالابتعاد أي حرج في ذلك ولا آنسوا منه استنكارا. وكان ~~دقيق البحث في كل الأمور التي يتشاور حولها في المجلس، ولا يقنع بالانطباعات الأولى ~~ويترك أمرا دون تدبر، وكان حريصا على أصدقائه، لا يضجر منهم سريعا ولا يسرف في ~~محاباتهم، متماسكا مرحا في جميع الظروف، بعيد النظر في الأمور الطويلة الأمد، ~~حاسبا لأدق التفاصيل دون تنطع، يلجم أي تهليل أو مداهنة، ساهرا على احتياجات ~~الإمبراطورية، مدبرا في الإنفاق، متسامحا تجاه نقد البعض له في هذه المسألة. لم ~~يكن مشعوذا تجاه الآلهة، ولا متقربا للناس بالهدايا لاسترضائهم، ولا مداهنا ~~للجماهير، بل كان رصينا في كل شيء وحازما لا تسهويه المباذل والبدع. # وكل ما يفضي إلى لين العيش، وقد منحه الحظ الكثير؛ فقد كان يستمتع به من غير تباه ~~ولا اعتذار، فإذا جاءه تمتع به دون تكلف، وإذا غاب عنه لم ms018 يطلبه. لم يكن يوما ~~مخادعا أو دجالا أو متحذلقا، بل كان محنكا خبيرا لا ينطلي عليه التملق، ~~وقادرا على إدارة شئونه وشئون غيره. # وبالإضافة إلى ذلك فقد كان يوقر من هم فلاسفة حقيقيون، ولا يغلظ القول لأدعياء ~~الفلاسفة وإن كان يكشفهم بسهولة. وكان اجتماعيا أيضا وذا حس فكاهي من غير أي ~~تكلف ممجوج. وكان يهتم بصحته الجسدية اهتماما معقولا، لا عن حرص زائد على الحياة ~~أو على المظهر الشخصي، ولا بإهمال أيضا؛ بحيث إن اعتناءه بنفسه لم يترك لديه أدنى ~~حاجة إلى الأطباء ولا إلى الجرعات الدوائية ولا الدهانات. # وأهم من ذلك جميعا استعداده للإذعان بلا تحفظ لأولئك الذين لديهم قدرة خاصة ~~معينة، في البلاغة مثلا أو في دراسة القوانين والعادات أو أي موضوع آخر، وكان يدعمهم ~~ويساعدهم على أن يصلوا في مجالاتهم إلى ما يستحقونه من مكانة. وكان دائما يراعي ~~التقاليد وإن لم يجعل الحفاظ على التقاليد هدفا معلنا. وكان لا يحب التغيير ولا ~~يعتمد على الحظ بل على المثابرة والدأب في نفس المواقع ونفس الممارسات. وكان إثر ~~نوبات الشقيقة التي تنتابه يعود للتو نشطا وعفيا إلى استئناف أعماله المعتادة. لم ~~يكن يخفي أسرارا إلا أقل القليل، وذلك في شئون الدولة فحسب. وكان حصيفا مقتصدا ~~في المظاهر والعروض والمشاهد الشعبية وتشييد المباني العامة والعطايا والمنح، وما ~~شابه؛ فقد كان ينظر إلى ما يلزم عمله لا إلى مجرد الصيت المستفاد من عمله. # لم يكن يغشى الحمامات طوال الوقت، ولم يكن مغرما ببناء منازل واستراحات، ولا ~~مغرما بالطعام، ولا مهتما بلون ثيابه وخامتها، ولا بجمال عبيده. كان كساؤه يأتي من ~~لوريوم ويرسل من مقره الريفي هناك. وانظر إلى طرائق عيشه في لانوفيوم، وكيف تعامل ~~مع اعتذار المراقب الحكومي في توسكولوم، ومثل هذه الأنماط السلوكية جميعا. # لم يكن فيه أي جفاء أو غلظة أو عنف، أو قل أي شيء يخرج به عن طوره، بل كان يمنح ~~كل شيء حظه من الوقت والفحص وكأنه متفرغ له. كان ديدنه المهل والنظام والنشاط ~~والاتساق في ms019 كل شيء. وقد ينطبق عليه ما عرف عن سقراط من أنه كان بوسعه الامتناع ~~والاستمتاع تجاه الأشياء التي يضعف أمامها الكثيرون ولا يستطيعون الانغماس فيها من غير ~~إفراط. # أما أن تكون قويا بما يكفي لاحتمال هذا والامتناع عن ذاك حسب الحالة، فتلك شيمة ~~الإنسان ذي النفس الكالة التي لا تقهر، مثلما تجلى في مرض ماكسيموس. ~~(1-17) وأنا مدين للآلهة التي منحتني أجدادا صالحين وآباء صالحين وأختا صالحة، ~~ومعلمين وأسرة وأقارب وأصدقاء صالحين؛ كل شيء تقريبا، وأحمدها على أنني لم ~~أزل بالإساءة إلى أي منهم رغم أن بي نزعة كانت كفيلة بأن تحملني على مثل ذلك ~~الزلل إذا دعت الظروف؛ ولكن من فضل الآلهة أنها لم تضعني قط في هذا الامتحان. ~~ومن فضل الآلهة أنها لم تطل نشأتي في كنف خليلة جدي، وأنني حافظت على زهرة ~~شبابي، وحافظت على براءتي، ولم أشرع في ممارسة رجولتي إلا في الوقت الصحيح، وربما بعده ~~بقليل. وأحمد أنني نشأت في كنف حاكم وأب انتشلني من الغرور وبصرني بأنه بوسع ~~المرء أن يعيش في قصر دون أن يشعر بحاجة إلى حرس شخصي أو ملابس مزركشة، أو شمعدانات ~~أو تماثيل أو الزخارف الأخرى لمثل هذه الأبهة، بل بوسعه أن يعيش حياة قريبة جدا ~~من حياة المواطن العادي دون أن يفقد أي كرامة أو بأس في إدارة مسئوليات الحاكم ~~تجاه الصالح العام. # وقد أنعمت علي بأخ # 17 # كان قادرا بشخصيته القويمة على أن يحثني على الاهتمام بنفسي، وكان ~~يغدق علي في الوقت نفسه احترامه وعطفه. وأحمدها على أن أبنائي لم يكونوا محدودي ~~الذكاء أو مشوهي الجسم. # 18 # وأحمدها على أنني لم أتماد في طلب البلاغة والشعر وغير ذلك من الأغراض ~~التي كنت حريا أن أستغرق فيها لو آنست أنها طريقي الصحيح. وأنني لم أبطئ في ~~ترقية معلمي إلى المناصب العامة التي كانوا يصبون إليها ولم أسوف ذلك بحجة ~~أنهم صغار السن مع وعود بالترقية في المستقبل. وأنني عرفت أبولونيوس وروستيكوس ~~وماكسيموس. # وأنني اكتسبت صورة واضحة وثابتة عما تعنيه ms020 الحياة وفقا للطبيعة، بحيث إنه من ~~ناحية الآلهة وعطاياها وعونها وإلهامها فلا شيء يعوقني الآن عن حياة الطبيعة، وإذا كنت ~~مقصرا عن ذلك بعض الشيء فالخطأ خطئي والتقصير تقصيري في الالتفات إلى إشارات الآلهة ~~ولا أقول تعليماتها. # 19 # وأحمد الآلهة أن جسدي قد صمد حتى الآن في حياة مثل حياتي. وأنني لم أمس قط ~~بنديكتا أو ثيودوتوس، # 20 # وأنني شفيت بعد ذلك من سعار الشبق بعد أن وقعت فيه. وأنني رغم كثرة ~~خلافاتي مع روستيكوس فلم أفعل في ذلك قط ما أندم عليه. وأن والدتي رغم وفاتها ~~المبكرة فقد عاشت سنيها الأخيرة معي. # وأنني ما رغبت في مساعدة أحد في عوز أو أي حاجة أخرى فقيل لي إن الموارد لا ~~تسمح، وأنني شخصيا لم أقع قط في عوز واحتياج إلى عون مالي من أحد، وأن زوجتي، # 21 # مثلما هي، جد مطيعة ومحبة وتلقائية. وأنني وجدت لأبنائي كثيرا من ~~المعلمين الممتازين. # وأن العلاجات كانت توصف لي في الأحلام، وبخاصة كيف أتجنب بصاق الدم ونوبات ~~الدوار. وأنني حين شغفت بالفلسفة لم أقع في يد سفسطائي، ولم أضع وقتي في تحليل ~~الأدب أو المنطق، أو أشغل نفسي ببحث الظواهر الكونية؛ فهذه الأشياء تحتاج إلى «عون ~~الآلهة ومحاباة الحظ». # | الكتاب الثاني # كتب بين القادي # Quadi # 1 # على نهر جران # 2 ~~(2-1) قل لنفسك حين تقوم في الصباح: اليوم سألقى من الناس من هو متطفل ومن هو جاحد ~~ومن هو عات عنيف، وسأقابل الغادر والحسود ومن يؤثر نفسه على الناس. لقد ابتلي كل ~~منهم بذلك من جراء جهله بما هو خير وما هو شر، # 3 # أما أنا وقد بصرت بطبيعة الخير وعرفت أنه جميل، وبطبيعة الشر ~~وعرفته قبيحا، وأدركت أن مرتكب الرذائل لا يختلف عني أدنى اختلاف في طبيعته ~~ذاتها - فنحن لا تجمعنا قرابة الدم والعرق فحسب بل قرابة الانتساب إلى نفس العقل ~~ونفس القبس الإلهي - أما أنا وقد بصرت بهذه القرابة فلن يسوءني أي واحد من ~~هؤلاء ولن يعديني بإثمه. وليس لي أن أنقم ms021 منه قرابتي أو أسخط عليه؛ فقد خلقنا ~~للتعاون، شأننا شأن القدمين واليدين والجفنين وصفي الأسنان. التشاحن ضد ~~للطبيعة، وضدها، من ثم، العداوة والبغضاء. # 4 ~~(2-2) أيا ما كنت فإنني مجبول من قطعة لحم ونفس وعقل موجه. ألق بكتبك ~~وأقلع عن تعطشك إليها ... لا تشتت نفسك ... لات حين # 5 ~~... بل انظر إلى الأمر نظرة المودع الراحل: احتقر الجسد ... إنه دم وعظام ~~... مجرد نسيج وشبكة من الأعصاب والأوردة والشرايين. وتأمل النفس أيضا ما هو ... ~~إنه هواء، وليته ثابت دائم، إنما هو يزفر كل حين ويشهق مرة ثانية. لم يبق الآن ~~إلا الشطر الثالث: العقل الموجه. لقد بلغت من الكبر عتيا فلا تدع عقلك ~~الموجه يستعبد مرة ثانية؛ لا تحركك نوازع الجسد مثل الدمى تحركها الخيوط، # 6 # لا تبرم بحاضرك أو توجس من المستقبل. ~~(2-3) أعمال الآلهة مفعمة بالعناية، وأعمال القدر ليست منفصلة عن الطبيعة أو عن ~~النسيج الذي تنسجه العناية. من ذلك تصدر الأشياء جميعا، إلى جانب مصدرين آخرين ~~هما الضرورة ومصلحة «الكل» الذي أنت جزء منه. على أن كل جزء من الطبيعة يستفيد مما ~~تحدثه طبيعة «الكل» ومن كل ما يحفظ هذه الطبيعة. ونظام العالم تحفظه التغيرات التي ~~تعتور العناصر مثلما تحفظه التغيرات التي تعتور الأشياء المكونة من هذه العناصر، # 7 # بحسبك هذه المبادئ ولتكن لديك بمثابة مذهب ثابت، وأقلع عن تعطشك للكتب ~~حتى لا تموت محنقا بل تلقى الموت بابتهاج وتسليم وحمد للآلهة من القلب. ~~(2-4) كم ذا تسوف هذا وترجئه، وكم ذا تمنحك الآلهة فرصة فتضيعها. ألم يأن لك ~~أن تفهم هذا العالم الذي أنت جزء منه وتفهم مدبر هذا العالم الذي أنت فيض منه؟ ~~ألا تدرك أن هناك حدا لعمرك، فإذا لم تستغله لتبديد غيومك فسوف يذهب العمر وسوف ~~تذهب ولن تعود الفرصة مرة أخرى؟ ~~(2-5) في كل لحظة من حياتك أول كل انتباهك، كروماني وكإنسان، إلى أن تؤدي ~~المهمة التي بين يديك بتحليل دقيق، ورزانة غير متكلفة، وتعاطف إنساني، وعدالة ~~ونزاهة، وأن تفرغ عقلك من كل أفكاره ms022 الأخرى. ولسوف تمنح عقلك انفراجا إذا أديت ~~كل فعل كما لو كان آخر شيء تؤديه في حياتك؛ نافضا عنك روح الإهمال وانعدام ~~الهدف، وكل نفور عنيف من أوامر العقل، وكل رياء وكل أثرة، وكل تبرم ~~من نصيبك المقسوم. أرأيت كم هي قليلة تلك الأشياء التي تلزم المرء لكي يعيش حياة ~~هادئة تقية؟ الآلهة نفسها لا تطلب من المرء أكثر من أن يراعي هذه الأشياء. ~~(2-6) تمادي في إيذاء ذاتك أيتها النفس # 8 ~~... إن هي إلا لحظة ولن يعود لديك متسع لاعتبار ذاتك. الحياة لحظة، ~~ولحظتك الخاصة توشك على النهاية. والسعادة تتعلق على تقدير الذات لذاتها، وما زلت ~~تحرمينها من ذلك وتعلقين سعادتك على الآخرين؛ ذواتهم وآرائهم وتقديراتهم. # 9 ~~(2-7) لماذا تشتتك الماجريات الخارجية كل هذا التشتيت؟ أعط نفسك قسطا من ~~الفراغ لكي تتعلم درسا جديدا مفيدا، وكف عن التخبط هنا وهناك. وعليك بعد ذلك ~~أن تحذر ضربا آخر من التخبط. إنه لضرب آخر من الكسل والموات ما يأتيه أولئك ~~الذين يكدحون بلا هدف ويضربون في الأرض بلا وجهة، لا وجهة في الفعل، ولا وجهة، ~~بالأحرى، في القول والتفكير . ~~(2-8) ما كان يوما جهل المرء بما يدور في رءوس الآخرين سببا للتعاسة والشقاء. ~~إنما الشقي من لا ينتبه إلى خطرات عقله هو، ولا يهتدي؛ من ثم، بهديه ~~وإرشاده. ~~(2-9) ضع نصب عينيك دائما هذه الأشياء: ما هي طبيعة «الكل»؟ ما هي طبيعتي الخاصة؟ ~~ما علاقة هذه الطبيعة بتلك؟ أي صنف من الجزء لأي صنف من الكل؟ وأن ليس بإمكان أحد ~~أن يحول بينك وبين أن تقول ما تقول وتعمل ما تعمل وفقا لتلك الطبيعة التي أنت جزء ~~منها. ~~(2-10) في مقارنته بين مختلف الذنوب، تلك المقارنة التي تتفق فيها الفلسفة مع رأي ~~الرجل العادي، يقول ثيوفراسطس # Theophrastus # 10 # إن ارتكاب الخطيئة بدافع الرغبة أشد من ارتكابها بدافع الغضب؛ إذ يبدو أن ~~من أثاره الغضب إنما يحيد به عن العقل شيء من الألم والتشنج غير الإرادي، أما ~~المدفوع إلى الخطيئة بالرغبة فيبدو ms023 إذ يستسلم للذة أكثر تهتكا في إثمه وأقل ~~رجولة. كان ثيوفراسطس إذن مصيبا وفيلسوفا بحق حين قال إن خطيئة الرغبة أجدر باللوم ~~من خطيئة الغضب؛ إذ إن الأول أشبه بشخص أوذي فاضطره الألم إلى الغضب، أما الثاني ~~فإنه هو هو مصدر نزوته ومنشأ اندفاعته إلى الإثم حين تحدوه الشهوة إلى ارتكاب ما ارتكب. # 11 ~~(2-11) ربما تغادر الحياة في أية لحظة؛ فلتضع هذا الاحتمال نصب عينيك في كل ما ~~تفعل أو تقول أو تفكر به. غير أن مغادرة دنيا البشر ليست بالأمر المخيف إذا كان ~~الآلهة موجودين، فما كان الآلهة ليضيروك في شيء. أما إذا كان الآلهة غير موجودين، ~~أو كانوا لا يلقون بالا لبني البشر؛ فما قيمة الحياة لي في عالم خلو من الآلهة أو ~~خلو من العناية؟ غير أن الآلهة موجودون حقا، ويلقون بالا لبني الإنسان. ولقد ~~جعلوا بمقدور الإنسان أن يتجنب السقوط في الشرور الحقيقية. فإذا كان هناك أي شيء ~~ضار في بقية الخبرة فلا بد أنهم قدموا ما يلزم لذلك أيضا لكي يجعلوا بقدرة ~~أي إنسان أن يتجنب السقوط فيه. ومن حيث إنه لا يمكن لأي شيء أن يجعل الإنسان أسوأ ~~فكيف يمكنه أن يجعل حياته أسوأ؟ # وما كان لطبيعة العالم أن تغفل عن ذلك، لا من خلال الجهل ولا من خلال العجز عن ~~تفادي هذه الأشياء وتصحيحها. ولا هو من الممكن أن تكون قد ارتكبت خطأ بهذه الجسامة، ~~لا من خلال الضعف ولا من خلال الرعونة؛ بحيث يحل الخير والشر بالأخيار والأشرار من غير ~~تمييز. صحيح أن الموت والحياة، النباهة والخمول، الألم واللذة، الغنى والفقر؛ صحيح أن ~~كل هذه الأشياء تقع بالأخيار والأشرار على السواء، غير أنها ليست في ذاتها حسنة أو ~~سيئة، وبالتالي ليست في ذاتها خيرا ولا شرا. # 12 ~~(2-12) سرعان ما تزول الأشياء جميعا، في العالم تزول الأجساد نفسها، وفي الزمن تزول ~~ذكراها، ما هي الأشياء المحسة - وبخاصة تلك التي تغري باللذة أو تروع بالألم أو ~~تزدهي ببريق الغرور - كم هي حقيرة ms024 تافهة زائلة وميتة؛ عبر لمن يعتبر. ومن يكونون ~~أولئك الذين تتوقف سمعتنا على أحكامهم وأصواتهم؟ # وما الموت؟ إن من يتأمل الموت في ذاته، ويعمل فيه التحليل العقلي ليجرده مما ~~يرتبط به من دلالات سوف يخلص إلى أنه لا يعدو أن يكون وظيفة طبيعية. ومن يرتاع ~~لوظيفة من وظائف الطبيعة فهو طفل غرير. ليس الموت وظيفة طبيعية فحسب بل إنه أيضا ~~لخير الطبيعة وصالحها. # تأمل أيضا كيف يدنو المرء من الألوهة، بأي شطر من وجوده؟ ومتى يدنو هذا الشطر ~~وأي ميل يميل؟ ~~(2-13) ما أشقى ذلك الإنسان الذي يظل دوما لائبا محوما حول كل شيء، كما يقول بنداروس، # 13 ~~«منقبا في أحشاء الأرض». متحرقا إلى استشفاف ما يدور ببال جيرانه. ~~وما يدري أن بحسبه أن ينصرف إلى الألوهة التي بداخله ويكون لها خادما حقيقيا # 14 # تلك الخدمة هي أن يظل مبرءا من الانفعال والطيش والسخط على ما ~~قسمته له الآلهة؛ فما يأتي من الآلهة يستحق الإجلال من أجل عظمتهم، وما يأتي من البشر ~~ينبغي أن نعزه أيضا من أجل قرابتهم لنا، بل أحيانا ما يثير شفقتنا، بشكل ما، ~~بسبب جهلهم بالخير والشر. وهو ضرب من العجز لا يقل بحال عن العجز الذي يحرمنا من ~~القدرة على تمييز الأبيض من الأسود. # 15 ~~(2-14) حتى لو قدر لك أن تعيش ثلاثة آلاف عام، أو عشرة أضعاف ذلك، فاذكر دائما ~~أن لا أحد يفقد أي حياة غير تلك التي يحياها، أو يحيا أي حياة غير تلك التي ~~يفقدها. ينتج من ذلك أن أطول حياة وأقصرها سيان؛ فاللحظة الحاضرة واحدة في الجميع؛ ~~ومن ثم فإن ما ينقضي متساو أيضا. يتبين إذن أن الفقدان إنما هو فقدان لحظة لا ~~أكثر؛ ذلك أن المرء لا يمكن أن يفقد الماضي ولا المستقبل، فكيف يمكن أن يسلب ما ليس يملك؟! # 16 # تذكر إذن هذين الشيئين: (1) أن الأشياء جميعا هي ما هي منذ الأزل، تبدأ وتعود ~~دواليك، وسيان أن يرى المرء نفس المشهد لمائة عام أو مائتين أو ما لا ms025 نهاية من الأعوام. # 17 ~~(2) أن ما يسلب من المعمر هو ما يسلب من أقصر الناس عمرا؛ فليس غير ~~اللحظة الحاضرة ما يمكن أن يسلب من الإنسان. فإذا صح أن هذه اللحظة هي كل ما يملكه ~~فمن غير الممكن أن يفقد ما ليس يملك. ~~(2-15) ثمة اعتراضات واضحة على مقولة مونيموس # 18 # الكلبي «كل شيء هو كما يريده الفكر أن يكون». ولكن قيمة هذه الحكمة ~~واضحة أيضا إذا أخذنا لبابها، بقدر ما فيه من حق. ~~(2-16) إنما تؤذي النفس نفسها، أول ما تؤذي، عندما تصبح - ما أمكنها ذلك - ~~كيانا منفصلا، أشبه بورم على جسد العالم؛ فالسخط على أي شيء تجري به الأقدار ~~هو تمرد انفصالي عن الطبيعة التي تضم معا الطبائع الجزئية لجميع الأشياء ~~الأخرى. وتؤذي النفس نفسها ثانيا حين تنأى بجانبها عن كائن إنساني آخر أو حين ~~يلج بها الخصام فتعمد إلى إيذائه. تلك هي حال الأنفس التي استبد بها الغضب. ~~وتؤذي النفس نفسها، ثالثا، حين تستسلم للذة أو للألم. وتؤذي نفسها رابعا حين ~~تتكلف وترائي، وتفعل أو تقول غير الصدق وغير الحق. وخامسا عندما تفقد الهدف ~~في أي فعل من أفعالها أو ميل من ميولها، فتحيد عن القصد وتخبط خبط عشواء؛ فالفعل ~~مهما صغر ينبغي أن يؤدي لغاية ويرمي إلى هدف. وغاية الكائنات العاقلة هي أن تتبع ~~العقل وتلتزم قانون أقدم دولة وحكومة؛ العالم. ~~(2-17) المرء في الحياة زمانه لحظة، ووجوده في انسياب، وإدراكه في ضباب، وبدنه كله ~~في اندثار، وعقله دوامة، ومصيره غير معروف، ومجده غير متيقن. وباختصار، كل ما في ~~الجسد ينساب بعيدا وكل ما في العقل أحلام وأوهام. الحياة صراع ومقام غربة، والمجد ~~الوحيد الباقي هو الخمول. أي شيء إذن بوسعه أن يخفرنا في طريقنا؟ شيء واحد، وواحد ~~فقط: الفلسفة. وما الفلسفة سوى أن تحفظ ألوهتك التي بداخلك سالمة من العنف والأذى، ~~وأن ترتفع فوق الألم واللذة، ولا تفعل شيئا بلا هدف أو بلا صدق أو بلا أصالة، وأن ~~تترك ما لا يعنيك مما يفعله الآخرون ms026 أو لا يفعلونه. وأن تقبل كل ما يجري عليك ~~ويقدر لك بوصفه آتيا من نفس المصدر الذي منه أتيت. وأخيرا أن تنتظر الموت بنفس ~~منشرحة على أنه مجرد انحلال للعناصر المكونة لكل شيء حي. فإذا لم يكن بأس في ~~التحرك الدائم للعناصر من عنصر إلى آخر ففيم التوجس من تغير العناصر جميعا ~~وانحلالها؟ ذلك شيء موافق للطبيعة، ولا ضير البتة في أي شيء موافق للطبيعة. # | الكتاب الثالث # كتب في كارننتم # 1 ~~(3-1) ينبغي أن نضع في حسباننا، ليس فقط أن الحياة تنقضي يوما بعد يوم وأن رصيدنا ~~الباقي يتناقص، بل أيضا أننا إذا امتد بنا الأجل فلا ضامن لنا أن عقولنا ستظل ~~محتفظة بالقدرة على فهم العالم وتأمله، تلك القدرة التي تشكل خبرتنا بالأمور ~~الإلهية والإنسانية. فإذا أدركنا العته فلن يتوقف فينا التنفس ولا الغذاء ولا ~~الخيال ولا الرغبة، بل قبل أن تذهب هذه سيذهب استخدام المرء لنفسه استخداما صحيحا، ~~تقديره الدقيق لما يتوجب فعله، قدرته على تحليل الانطباعات، وعلى معرفة هل عليه أن ~~يرحل مختارا عن الحياة # 2 # أو لا، هذه وكل الأمور الأخرى التي تتطلب حسابا حصيفا. ~~فلنعجل إذن، ليس فقط لأن الموت يدنو حثيثا، بل ~~أيضا لأن قدرتنا الفكرية على معرفة الطبيعة الحقة للأشياء وتسيير أفعالنا وفقا ~~لهذه المعرفة سيعروها الزوال قبلنا. # 3 ~~(3-2) شيء آخر عليك أن تلحظه؛ أنه حتى النواتج العرضية لما يتم وفقا للطبيعة لا ~~يخلو من فتنة وجاذبية. حين يخبز رغيف، على سبيل المثال، فلا بد من أن تحدث ~~تشققات هنا وهناك ضد ما يقصده الخباز. على أن هذه التشققات غير المتعمدة تجذب ~~العين بطريقة ما وتثير الشهية. التين أيضا ينفلق عند تمام نضجه. وفي حالة الزيتون ~~الذي ينضج على شجرته فإن قرب التحلل نفسه يمنح ثمرته رونقا معينا. كذلك ~~سنابل القمح المنحنية إلى الأرض، وجفن الأسد المغضن، والزبد المتدفق من فم ~~الخنزير، وغير ذلك كثير؛ كل أولئك أشياء تبدو بعيدة عن الجمال حين تؤخذ على حدة، ~~ولكن ترتبها على عمليات الطبيعة يضفي ms027 عليها جمالا وجاذبية. ومن ثم فأي ~~إنسان لديه شعور واستبصار عميق بتشغيلات «الكل» سوف يجد لذة ما في كل جانب منها ~~تقريبا، بما في ذلك النواتج العرضية. مثل هذا الإنسان سوف تبهجه زمجرة الوحوش ~~بهجة لا تقل عن بهجته بكل تمثيلات المصورين والمثالين، سوف يرى لونا من ~~التفتح والوسامة في امرأة أو رجل عجوز. ومثل هذا الإنسان سيكون قادرا على أن ينظر ~~بتوقر إلى الفتنة الآسرة في غلمانه أنفسهم. وكثير من مثل تلك المدركات لن تروق ~~كل إنسان بل ذلك الذي أصبح على ألفة حقيقية مع الطبيعة ومع أعمالها. ~~(3-3) شفى أبقراط # 4 # ما لا يحصى من الأمراض ثم مرض هو نفسه ومات. # 5 # تنبأ المنجمون الكلدانيون بموت الكثير من الناس ثم لم يلبث كل منهم ~~أن وافته منيته. الإسكندر، وبومبي، ويوليوس قيصر، أفنوا مدنا بكاملها يوما بعد ~~يوم وذبحوا عشرات الآلاف من الفرسان والرجل في ميادين المعارك، غير أن أجلهم هم ~~أيضا قد حان لكي يفارقوا الحياة. طويلا ما تأمل هيراقليطس # 6 # في الحريق النهائي للعالم، غير أن ماء الاستسقاء ملأ بطنه ومات مكسوا ~~بكمادة من روث البقر. مات ديمقريطس بالقمل، وقتلت سقراط حشرات من صنف آخر. # 7 # ماذا يعني كل هذا؟ لقد صعدت السفينة، أقلعت، رسوت، فارحل الآن. فإذا كان ~~لحياة أخرى فلن يخلو حتى هذا الشاطئ من الآلهة، وإذا لم يكن هناك أي حياة أو حس ~~فلن تعود تعاني من الآلام واللذات، # 8 # ولن تعود مستعبدا لوعاء جسدي هو سيد بالغ الدناءة بقدر ما إن ~~عبده بالغ الرفعة؛ فهذا عقل وروح، وذاك مجرد تراب ودم. # 9 ~~(3-4) لا تضيع ما تبقى من عمرك في الانشغال بالغير، ما لم يكن ذلك تصلا بوجه ~~ما من أوجه الخير العام. لماذا تجرد نفسك من الوقت من أجل مهمة أخرى؟ أعني أن التفكير ~~حول فلان، ماذا عساه يفعل ولماذا يقول أو يضمر أو يخطط وكل هذا الخط من التفكير، ~~يضل بك عن التأمل الدقيق في عقلك الموجه نفسه. # لا ... عليك أن ms028 تجتنب في مسار فكرك كل ما ليس له هدف أو فائدة، وبخاصة كل ما هو ~~فضولي خبيث. رض نفسك على ألا تجيل بخاطرك إلا تلك الأفكار التي بوسعك إن سئلت ~~فجأة: «فيم تفكر الآن؟» أن تقول لتوك ما هي بصراحة فتكون إجابتك دليلا على أن ~~أفكارك مستقيمة وحسنة وتليق بكائن اجتماعي لا يلقي بالا لخيالات اللذة أو المتع ~~الحسية على الإطلاق، ومبرأ من أي غيرة أو حسد أو شك أو أي شيء يخجل المرء ~~من أن يعترف أنه خطر له. # فإنسان مثل هذا، إذا لم يعد يتنازل عن مكانه بين الصفوة الأخيار، هو أشبه بكاهن ~~وخادم للآلهة، إنه يلبي نداء الألوهة القابعة داخله، والتي تجعل المرء غير ملطخ ~~بالملذات وغير منغص بالآلام، لا تناله الإهانة ولا يعرف الخبث ... مقاتلا في أنبل ~~حرب ... لا يجرفه أي انفعال، متشربا بالعدل حتى النخاع، يتقبل بملء قلبه ~~كل ما يصيبه وكل ما هو مقسوم له، وقلما يتطلع إلى الآخرين ما عساهم يقولون أو ~~يفعلون أو يفكرون؛ فبحسبه ما يكب عليه من عمل لكي يتمه، وبحسبه نصيبه ~~المقدور من «الكل» لكي ينصرف إليه بهمة لا تنقطع. فأما عمله فيتقنه أيما إتقان، ~~وأما نصيبه المقدور فهو قانع به؛ فنصيب كل امرئ هو رفيق رحلته وهو حاديه في آن ~~معا. # وهو يذكر أيضا أن كل كائن عاقل هو قريبه، وأن رعاية جميع البشر هي أمر تقتضيه ~~طبيعة الإنسان. وعلى المرء ألا يتخذ آراء الجميع بل آراء الذين يعيشون وفق الطبيعة ~~فحسب. أما أولئك الذين لا يعيشون كذلك فإنه ليذكر دائما أي صنف من البشر هم في ~~بيوتهم وخارجها، في ليلهم ونهارهم، يذكر ماذا يكونون ومع من يعيشون حياتهم الآثمة؛ ~~وبالتالي فهو يزدري أي إطراء يأتي من مثل هؤلاء، إنهم أناس غير راضين حتى عن أنفسهم. # 10 ~~(3-5) لا تفعل شيئا ضد إرادتك، أو دون اعتبار للصالح العام، أو دون روية، أو ~~بدوافع مصطرعة. لا تصغ أفكارك في أسلوب متكلف مبهرج. # 11 # لا تكن ثرثارا متطفلا، ثم لتكن ms029 الألوهة التي داخلك هي حارسة الكائن ~~الذي تكونه؛ كرجل، مسن، سياسي، روماني، حاكم، رجل يقوم بوظيفته مثل جندي رهن ~~إشارة استدعاء من الحياة، ومستعد للذهاب، # 12 # لا يحتاج إلى قسم ولاء ولا إلى شهادة أي إنسان. كن مرحا أيضا، ~~وغنيا عن أي عون خارجي وعن أي سكينة تأتيك من الآخرين. واجبك أن تقوم بذاتك ولا ~~تقوم بغيرك. # 13 ~~(3-6) إذا عثرت في حياة الإنسان على أي شيء يفضل العدالة والصدق والاعتدال ~~والشجاعة - وباختصار شيء يفضل اكتفاء عقلك بذاته، ذلك الاكتفاء الذي يمكنك من ~~العمل وفقا للعقل الصحيح ومن قبول ما ليس لك به يد من أحكام القضاء - أقول إذا أمكنك ~~أن ترى شيئا أفضل من هذا فاتجه إليه بكل قلبك وتمتع بما وجدته أفضل. ولكن إذا لم ~~يتبين لك ما يفضل الإله نفسه القابع في داخلك والذي يحكم جميع اندفاعاتك، ~~ويمحص أفكارك، والذي نأى بنفسه، على حد قول سقراط، عن كل إملاءات الحواس، والذي ~~يعنو للآلهة ويرعى بني الإنسان؛ إذا وجدت كل ما عداه ضئيلا حقيرا بالقياس إليه فلا ~~تأبه لكل ما عداه؛ فأنت إذا ملت مرة إلى أي بديل آخر فسيكون من العسير والمعنت ~~أن تستعيد الصدارة لذلك الخير الذي تملكه ولا تملك غيره؛ ذلك أن من الضلال أن يوضع أي ~~شيء آخر، من مثل إطراء الناس أو السلطة أو الثروة أو اللذة، في منافسة مع الخير ~~العقلي والاجتماعي. قد تروقك كل هذه الأشياء لحظة صغيرة، ولكنها قد تأخذ بزمامك فجأة ~~وتحملك بعيدا؛ فعليك، مرة أخرى، ببساطة وحرية، أن تختار الأفضل وتتشبث به. ~~- «ولكن الأفضل هو ما ينفع.» ~~- إذا كان نافعا لك ككائن عاقل فاتخذه، ولكن إذا كان نافعا لك كمجرد حيوان ~~فانبذه وتمسك بحكم العقل دون مكابرة. كن فقط على بينة من أنك قد أعملت الرأي ~~على نحو صحيح. ~~(3-7) لا تعده نافعا لك أي شيء سوف يضطرك يوما إلى أن تخلف وعدك، أو تتخلى ~~عن وقارك، أو تكره أحدا، أو تشك، أو تلعن، أو ترائي، أو تشتهي ms030 أي شيء يتطلب ~~التستر بالحيطان والحجب؛ فالرجل الذي أسلم قياده لعقله وألوهته وقدس علوها ~~وامتيازها، لا يجعل من حياته مأساة، ولا يئن، ولا يلجأ إلى الوحدة ولا إلى الصحبة ~~الزائدة. والأهم أنه سوف يعيش دون سعي إلى الموت ولا فرار منه، ولن يبالي على الإطلاق ~~بما إذا كانت مدة إقامة روحه في جسده ستطول أو تقصر. وحتى إذا تعين عليه أن يرحل هنا ~~والآن فسوف يرحل بسهولة كما لو كان يؤدي أي عمل آخر تقتضيه الأمانة واللياقة. إن شغله ~~الوحيد طول حياته هو ألا يحيد بفكره عن أي شيء ينتمي إلى الكائن العاقل ~~والاجتماعي. ~~(3-8) في عقل من هذب وطهر لن تجد أثرا لصديد أو لقروح متهيجة أو لتهيج ~~مؤلم تحت الجلد. إن أجله لا يوافيه قبل أن تكتمل حياته كشأن ممثل يغادر المسرح ~~قبل أن ينتهي دوره وتتم المسرحية. وفضلا عن ذلك، فلن تجد فيه أي تذلل عبودي أو ~~تصنع أو اعتماد على الآخرين أو انفصال عنهم، أو أي شيء يستجوب عليه أو أي شيء ~~يتستر له. ~~(3-9) احترم ملكة الرأي؛ فإليها يرجع كل شيء وعليها يتوقف ما إذا كان عقلك ~~الموجه ما زال يضمر أي حكم غير متفق مع الطبيعة أو مع جبلة الكائن العاقل. ~~وهذه الملكة هي التي تكفل لك التفكير المتأني، والألفة بالآخرين والطاعة ~~للآلهة. ~~(3-10) تمسك بهذه الأشياء المعدودة وأعرض عما سواها؛ اذكر أن كلا منا لا يعيش ~~إلا اللحظة الحاضرة، وما أضألها في الزمن، وأن كل ما سواها من العمر هو إما ماض غير ~~عائد وإما مستقبل غير معلوم؛ فما أقصر مدة المرء إذن في هذه الحياة، وما أصغر ~~البقعة التي يقطنها على الأرض! وقصير أيضا مجده بعد وفاته مهما امتد، # 14 # فهو قائم على تعاقب قليل من البشر سرعان ما يموتون ولا يعودون يعرفون ~~أنفسهم ناهيك بمن مات منذ زمن بعيد! ~~(3-11) أضف هذا إلى القواعد المذكورة للتو؛ ضع لنفسك دائما تعريفا أو وصفا للشيء ~~الذي يعرض لعقلك؛ بحيث يمكنك أن تتبين بوضوح ms031 أي صنف من الأشياء هو في جوهره ~~وتجرده، وفي كليته وفي أجزائه، وبحيث يمكنك أن تفضي إلى نفسك باسمه الصحيح وأسماء ~~تلك العناصر التي يتركب منها والتي سوف ينحل إليها. # 15 # لا شيء يؤدي بك إلى سمو العقل مثل قدرتك على أن تعرض كل عنصر من عناصر خبرتك ~~في الحياة على الفحص المنهجي والصادق، وقدرتك على أن تنظر إلى الأشياء دائما بحيث ~~يمكنك في الوقت نفسه أن تتأمل أي صنف من العوالم هذا وأي دور يسهم به هذا الشيء أو ~~ذاك في هذا العالم، وأي قيمة يتحلى بها كل شيء بالنسبة إلى «الكل» وبالنسبة إلى ~~الإنسان الذي هو مواطن هذه المدينة العليا التي تعد سائر المدن مجرد عائلات ~~فيها. # سل نفسك إذن ماذا يكون هذا الشيء الذي يعرض لي الآن؟ وأي نوع من الفضائل يلزمني ~~لمواجهته؛ اللطف مثلا أم الشجاعة أم الصدق أم الولاء أم البساطة أم الاكتفاء الذاتي ... ~~إلخ. إذن علينا في كل حالة أن نقول: هذا جاء من الله، هذا من تصريف القدر وغزله، ~~أو شيء أشبه بالمصادفة والاتفاق، وهذا من أحد إخوتي من بني الإنسان، قريبي وزميلي، وإن ~~كان لا يعرف ما يليق بطبيعته ذاتها. غير أني أعرف؛ ومن ثم أعامله برفق وعدل، ~~متبعا في ذلك القانون الطبيعي للأخوة، على أن أحاول برغم ذلك أن أعطيه ما يستحقه ~~بالضبط في الأمور المحايدة أخلاقيا. ~~(3-12) إذا ما انصرفت إلى المهمة التي بين يديك ، متبعا العقل الصحيح بكل العزم والجد ~~وخلوص النية، دون أن تسمح لأي شيء أن يشتتك، بل حافظت على الجانب الإلهي فيك نقيا ~~ثابتا كما لو كان مقدرا عليك أن تقبض حالا، إذا تمسكت بذلك غير طامع في شيء ولا ~~متوجس من شيء، بل راضيا بما تفعله الآن وفقا للطبيعة وبصدق بطولي في كل ما تقول ~~وتقصد، فلسوف تعيش سعيدا، ولم يملك أي إنسان أن يصدك عن ذلك. ~~(3-13) تماما مثلما أن الأطباء دائما جاهزون بأدواتهم ومباضعهم لعلاج أي حالة ~~طوارئ، ينبغي أن تكون لديك مبادؤك ms032 العقلية جاهزة لفهم الأمور الإلهية والإنسانية، # 16 # وأداء كل فعل، مهما كان ضئيلا، بوعي بالرابطة التي تربط الإلهي ~~بالإنساني؛ فلن يتسنى لك أن تجيد أي عمل يتعلق بالإنسان دون أن يكون لديك أيضا ~~مرجعية إلى الأمور الإلهية، والعكس بالعكس. ~~(3-14) لا تتخبط ولا تخدع نفسك أكثر من ذلك؛ فما أحسبك سوف تقرأ مدوناتك، ولا ~~تواريخك عن قدماء الإغريق والرومان، ولا مختاراتك من الأدب التي أعددتها لزمن شيخوختك. ~~أسرع إذن إلى النهاية، وأقلع عن الآمال الزائفة. أنقذ نفسك إن كان لنفسك عندك ~~أدنى اعتبار، قبل أن يفوت الأوان. ~~(3-15) إنهم # 17 # لا يعرفون كل ما تعنيه هذه الكلمات؛ السرقة، والبذر، والشراء، ~~والاستجمام، والواجب؛ فذاك شيء يحتاج إلى رؤية أخرى غير رؤية العين. ~~(3-16) الجسد، النفس، العقل. إلى الجسد تنتمي إدراكات الحس، وإلى النفس تنتمي ~~النوازع، وإلى العقل تنتمي الأحكام. أما استقبال انطباعات الحس فتشارك فيه الأنعام. ~~وأما الاستجابة لخيوط دمى الرغبة فتشارك فيه الوحوش والمأبونون ومن على شاكلة فالاريس # 18 # أو نيرون. وأما امتلاك العقل كمرشد إلى ما يبدو فعلا مناسبا فيشارك ~~فيه أولئك الذين لا يؤمنون بالآلهة، والذين يخونون أوطانهم، والذين يقترفون الإثم من ~~وراء الأبواب المغلقة. # فإذا كان كل شيء آخر مشتركا مع كل ما ذكرت، يبقى هناك ذلك الذي يميز الإنسان ~~الصالح؛ أن يرضى ويقنع بما يجري عليه به القضاء وتنسجه خيوط قدره، وألا يدنس ~~ألوهته التي تقبع داخل صدره أو يعكر صفوها بخليط من الانطباعات المشوشة، بل ~~يحفظها في سكينة واتصال وثيق بالله، لا يقول غير الحق ولا يفعل غير العدل. # وإذا أنكر كل الناس أنه يعيش حياة بسيطة ومتواضعة وراضية فإنه لا يغضب على أي ~~منهم، ولا يتنكب الطريق التي تؤدي إلى الغاية النهائية للحياة؛ إلى هذه الغاية ~~ينبغي أن يأتي نقيا، مطمئنا، متأهبا للرحيل، مصطلحا تماما مع قدره دون أي ~~إكراه. # | الكتاب الرابع # (4-1) تلك القوة الحاكمة بداخلنا، حيثما كانت في توافق مع الطبيعة، تتخذ موقفا ~~مرنا مع الظروف وتكيف نفسها دائما بسهولة ويسر مع ms033 ما يعرض لها من أحداث، # 1 # فهي لا تتطلب مادة معينة لعملها، بل تتجه إلى غرضها بأسلوب تكيفي فتحول ~~أي عقبة في طريقها إلى مادة لاستعمالها. إنها أشبه بنار تسيطر على أي شيء يسقط ~~في جوفها. قد تنطفئ الجذوة النحيلة إثر ذلك، أما النار المضطرمة فتتملك المادة ~~التي تركم عليها، وتلتهمها وتنزو فوقها بفضل هذه المادة نفسها. ~~(4-2) لا تفعل شيئا من غير هدف، أو من غير وفاق مع مبادئ الفن؛ فن الحياة. ~~(4-3) إنهم يبحثون عن منتجعات لهم؛ في الريف، على البحر، على التلال، وأنت بصفة ~~خاصة عرضة لهذه الرغبة المشبوبة، ولكن هذا من شيم الطغام؛ فما زال بإمكانك كلما ~~شئت ملاذا أن تطلبه في نفسك التي بين جنبيك؛ فليس في العالم موضع أكثر هدوءا ولا ~~أبعد عن الاضطراب مما يجد المرء حين يخلو إلى نفسه، وبخاصة إذا كانت نفسه ثرية ~~بالخواطر التي إذا أظلته غمرته بالسكينة التامة والفورية، # 2 # ولست أعني بالسكينة إلا الحياة التي يحكمها العقل ويحسن قيادها. # فلتمنح نفسك دائما هذا الاستجمام، ولتجدد نفسك. ولتكن المبادئ العقلية التي سوف ~~تعود إليها هناك وجيزة وأساسية وكافية لأن تذهب بكل ألمك في الحال وتعيدك إلى ~~أمورك المستأنفة خاليا من السخط عليها أو التبرم بها. # فعلام أنت ساخط؟ على اللؤم البشري؟ تذكر أن الكائنات العاقلة قد خلقت من ~~أجل بعضها البعض، وأن الصفح جزء من العدل، وأن الناس تفعل الشر عن غير عمد، واذكر كم ~~من الناس قد قضوا حياتهم في عداوة وشك وبغضاء وحرب معلنة ، ثم لفتهم الأكفان ~~وصاروا رمادا، وكف عن لجاجتك. # أم تراك ساخطا على ما قسم لك من نصيب في «الكل»؟ إذن فاذكر أنك مضطر إلى أن ~~تختار؛ فإما عناية مدبرة وإما ذرات عمياء تلتقي كيفما اتفق وتفترق. واذكر ~~البينات الكثيرة على أن العالم نوع من المجتمع السياسي وكف عن لجاجتك، أم لعلك ما ~~تزال واقعا في قبضة الحاجات الجسدية؟ إذن فاذكر أن العقل ما إن يسل نفسه ويكتشف ~~قواه الخاصة حتى ينفصل بذاته عن ms034 حركة النفس الجسدية سواء أكانت هذه الحركة هادئة أم ~~عنيفة. واذكر أيضا كل ما سمعته وتبينته عن الألم واللذة، وكف عن ~~لجاجتك. # أم لعلك إذن تتحرق إلى شيء من المجد، فاذكر كم هو سريع النسيان هذا العالم، واذكر ~~الفجوة الزمنية السابقة للحاضر واللاحقة عليه، وكم هو فارغ ذلك الإطراء الذي تجده من ~~الآخرين وكم هم متقلبون وعديمو الرأي أولئك الذين يتظاهرون بتأييدك، وكم هي ضيقة ~~تلك المساحة التي يجول فيها مجدك. الأرض برمتها مجرد نقطة في الفضاء؛ فما ~~أهون ذلك الركن الذي تقطنه وما أقلهم وأهونهم أولئك الذي ترتقب منهم ها هنا ~~التمجيد والمدح. # لن يبقى سوى هذا؛ حصنك الصغير الذي بين جنبيك، فأو إليه ... حيث لا كرب، على الأقل، ~~ولا وصب. كن سيد نفسك، وانظر إلى الأشياء كرجل، كإنسان، كمواطن، ككائن فان. ~~وبين أسرع الأفكار تلبية وإسعافا لك اتجه إلى هاتين؛ الأولى: أن الأشياء لا ~~يمكنها أن تمس العقل؛ إنها خارجية وخاملة، والاضطرابات لا تأتي إلا من رأيك الداخلي. ~~والثانية: أن جميع تلك الأشياء التي تراها حولك ما تكاد تنظر إليها حتى تتغير ثم ~~تزول. واعتبر دائما بكل ما شهدته بنفسك وقد تغير وزال، العالم هو التغير ... ~~والحياة هي الرأي. ~~(4-4) ما دام الجزء المفكر مشتركا بيننا، فالعقل مشترك أيضا، وهو ما يجعلنا ~~كائنات عاقلة. ومشترك بيننا أيضا الآمر الذي يملي علينا ما نفعل وما لا نفعل. وإذا ~~صح ذلك فبيننا أيضا قانون مشترك؛ ومن ثم فنحن مواطنون، نستظل معا بدستور واحد. ~~إذا صح ذلك فالعالم كله كأنه دولة واحدة وإلا فكيف يمكن للمرء أن يقول إن الجنس ~~البشري كله يشارك في دستور عام؟ من هناك إذن، من هذه المدينة؛ الدولة المشتركة، نستمد ~~عقلنا نفسه، قانوننا، وإلا فمن أين نستمد؟ فكما أن الشطر الترابي مني مستمد من ~~تراب ما، والمائي من عنصره، والنفس الهوائي من مصدر ما، والحار الناري من مصدره الخاص ~~(فلا شيء يأتي من لا شيء، ولا يعود إلى لا شيء) كذلك العقل لديه أيضا مصدره. ~~(4-5) ms035 الموت، شأنه شأن الميلاد، سر من أسرار الطبيعة؛ تضام، ثم انحلال، للعناصر ~~نفسها. لا عار في الأمر بكل تأكيد؛ فلا شيء فيه مناقض لطبيعة الكائن العاقل، أو ~~مناقض لمبدأ تكوينه. # 3 ~~(4-6) من الطبيعي، والضروري، أن تأتي مثل هذه الأفعال من مثل هؤلاء الناس، وإلا فهل ~~تؤمل في التين ألا يعود ينتج أنفحته؟ تذكر على كل حال أن كليكما سوف يموت ~~وشيكا جدا، ولن يعود يذكر بعد ذلك حتى اسماكما. ~~(4-7) أزل الحكم، تكن قد أزلت فكرة «لقد تضررت». أزل فكرة «لقد تضررت» ~~بنا يكون الضرر نفسه قد أزيل. # 4 ~~(4-8) ما لا يجعل المرء أسوأ لا يمكن أن يجعل حياته أسوأ؛ فليس بوسعه أن يضيره لا ~~من داخل ولا من خارج. ~~(4-9) كان من المفيد للطبيعة أن يكون (الشيء) هكذا؛ ومن ثم كان من ~~الضروري. ~~(4-10) «كل ما يحدث في العالم فهو حق.» تأمل هذا القول بعناية ولسوف تجد أنه حق. ~~لست أعني بالحق هنا مسار الأسباب، بل أعني به «العدل» - وكأن قاضيا ما يحصص لكل ~~شيء استحقاقه. # 5 # ضع هذا إذن نصب عينيك كلما شرعت في عمل، أيا كان، وأيما شيء ~~تؤديه فأده أداء رجل صالح بالمعنى الدقيق للرجل الصالح، والزم ذلك في كل ~~فعل. ~~(4-11) لا تحكم على الأمور كما يحكم عليها من آذاك، أو كما يريدك أن تحكم، بل انظر ~~إلى الأشياء كما هي عليه في الحقيقة. ~~(4-12) كن دائما على استعداد للعمل بهذين المبدأين؛ أولا: ألا تفعل إلا ما يملي ~~عليك العقل الحاكم والمشرع أن تفعله لخير الإنسانية. ثانيا: أن تغير موقفك إذا ~~كان هناك في الحقيقة من يصحح لك رأيا ما ويرشدك إلى ما هو أقوم. على أن ينبع ~~هذا التحول عن اقتناع بالعدل أو بالخير العام، وأن تعدل مسارك وفقا لذلك ~~وليس لمجرد اللذة أو الشعبية. ~~(4-13) هل تملك عقلا؟ ~~- «نعم.» ~~- ولماذا لا تستعمله إذن؟ فإذا كان هذا يؤدي وظيفته فماذا عساك تطلب أكثر من ~~ذلك؟ ~~(4-14) لقد وجدت كجزء من الكل. ولسوف ms036 تتلاشى في ذلك الذي أتى بك، أو بالأحرى سوف ~~تسترد مرة ثانية، بالتحول العنصري، إلى المبدأ المولد (للعالم). ~~(4-15) حبات بخور كثيرة على نفس المذبح. إحداها تسقط أولا، الأخرى لاحقا ... لا فرق. # 6 ~~(4-16) خلال عشرة أيام سوف تبدو إلها لأولئك الذين تبدو لهم الآن بهيمة أو قردا، ~~إذا ما عدت إلى مبادئك وإلى عبادة العقل. ~~(4-17) لا تتصرف كما لو كنت سوف تعمر آلاف السنين. الموت يترصدك؛ فما دمت ~~تعيش، وما دام بإمكانك ... كن خيرا. ~~(4-18) ما أهنأ باله ذلك الذي لا يتطلع إلى ما يقوله جيرانه وما يفعلون وما ~~يفكرون، بل ينصرف إلى أفعاله هو ليجعلها عادلة موقرة مشربة بالخير. لا ~~تلتفت إذن إلى الشخصيات السوداء عن يمينك وشمالك، بل امض أمامك سعيا في الطريق ~~المستقيم لا تنحرف عنه. ~~(4-19) لا يدرك المتلهف على المجد وبقاء الذكر أن كل واحد من مخلدي ذكره ~~سوف يموت هو نفسه عاجلا جدا، وكذلك سيكون حال الأخلاف جميعا إلى أن تنطفئ ذكراه ~~تماما في انتقالها عبر أناس يعجبون ببلاهة ويفنون. وحتى لو افترضنا خلود من ~~يذكرونك وخلود ذكراك فماذا يجديك من ذلك؟ وليست أعني مجرد جدواه للموتى بل للأحياء ~~أيضا؛ ما جدوى المديح (إلا أن يكون ذا نفع إجرائي معين)؟ لكأني بك ترفض هبة ~~الطبيعة التي أودعتك إياها والتي لا تعتمد على أقوال الآخرين، وتتشبث بشيء ~~آخر ... # 7 ~~(4-20) كل ما هو جميل على أي نحو من الأنحاء إنما هو جميل «في ذاته»، يذخر ~~جماله في لبه وصميمه وليس المديح جزءا منه؛ فالمديح لا يجعل الشيء أفضل مما هو ولا أسوأ، # 8 # يسري ذلك على ما درج الناس على اعتباره جميلا؛ كالأشياء المادية والأعمال ~~الفنية. الجميل حقا هو في غنى عما سواه ... شأنه في ذلك شأن القانون، وشأن الحقيقة، أو ~~الإحسان أو التواضع. فهل مثل هذه الأشياء تجمل بالمدح أو تذوي بالدم؟ هل ينتقص من ~~قيمة الزمردة ألا تزجي لها المديح؟ أو ينتقص من الذهب أو العاج أو الأرجوان أو ~~القيثار أو ms037 الخنجر أو الزهرة أو الشجيرة؟ ~~(4-21) لعلك تسأل: إذا كانت الأرواح خالدة فكيف يمكن للهواء أن يستوعبها جميعا منذ ~~بداية الزمان؟ حسن ... فكيف تستوعب الأرض كل تلك الأجساد التي تدفن بها منذ تلك ~~البداية السحيقة؟ فمثلما هو الحال هنا على الأرض؛ إذ تتحول الأجسام بعد مقامها على ~~الأرض، طال أو قصر، وتتحلل فتترك مكانا لغيرها، كذلك الشأن بالنسبة للأرواح المرتحلة ~~إلى الهواء؛ تبقى ردحا من الزمن ثم تتغير وتندثر وتتخذ طبيعة نارية إذ يتلقاها ~~المبدأ المولد للعالم، بذلك تترك مكانا للمقيمين اللاحقين، هذا هو الجواب عن ~~مسألة خلود الأرواح. # ينبغي ألا نقتصر على النظر إلى الأجساد التي تدفن هكذا بل نتأمل أيضا كم من ~~الحيوانات تؤكل كل يوم، نأكلها نحن وتأكلها المخلوقات الأخرى؛ مقادير ضخمة تستهلك ~~وتدفن، بمعنى ما، في أجساد آكليها. ومع ذلك فهناك مكان لها؛ لأنها تتحول إلى دم ~~وإلى عنصري الهواء والنار. # كيف نتحقق من صدق هذه المسألة؟ بالتمييز بين ما هو مادي وما هو صوري سببي. # 9 ~~(4-22) لا تتخبط هنا وهناك، ولكن في كل حركة من حركاتك كن عادلا، وفي كل خطرة ~~من خطراتك التزم ملكة الرأي والفهم. ~~(4-23) أيها العالم، كل شيء يلائمني إذا لاءمك، وكل ما هو في أوانه بالنسبة إليك فهو ~~كذلك عندي، لا متقدم لدي ولا متأخر. أيتها الطبيعة، كل ما تجلبه مواسمك فهو ثمرة ~~لي: كل شيء منك يأتي وفيك يعيش وإليك يعود. يقول الشاعر: # 10 ~~«عزيزتي مدينة كيكروبس # Cecrops ~~»، # 11 # ألا تقول أنت: «عزيزتي مدينة زيوس»؟ # 12 ~~(4-24) يقول ديمقريطس «إذا شئت أن تعيش سعيدا فلا تعمل إلا أقل القليل.» ولكن ~~أليس من الأفضل أن تقول «لا تعمل إلا ما هو ضروري» إلا ما يتطلبه عقل كائن ~~اجتماعي بالطبيعة وكيفما يتطلبه؟ فمن شأن هذا أن يجلب السكينة الناجمة عن الفعل ~~الصحيح وعن الفعل القليل أيضا. الحق أن أكثر ما نقول وما نفعل هو غير ضروري. فإذا ~~اطرحت الزائد فسوف يكون لديك وقت أكثر وعسر أقل؛ لذا ففي كل حالة ms038 على المرء أن ~~يسأل نفسه: «هل هذا شيء ضروري؟» وعليه ألا يطرح غير الضروري من الأفعال فحسب ~~بل من الأفكار أيضا؛ حتى لا تحمله الأفكار الزائدة على أعمال لا لزوم لها. # 13 ~~(4-25) جرب أيضا كيف توافقك حياة الإنسان الصالح، حياة ذلك القانع بنصيبه ~~المقسوم من «الكل»، وبأفعاله العادلة وميوله الخيرة. ~~(4-26) أرأيت إلى ذلك؟ فانظر إلى هذا أيضا: لا ترهق نفسك، كن بسيطا دائما. هل ~~أساء إليك أحد؟ إنما إلى نفسه أساء، هل ألم بك شيء؟ حسن، كل ما ألم بك كان ~~مقدرا لك من «الكل» منذ البداية ومنسوجا لك. وباختصار، الحياة قصيرة؛ اغتنم ~~اللحظة الحاضرة بالعقل والعدل. كن صاحيا في استرخائك. ~~(4-27) إما عالم منظم وإما خليط من العناصر المضطربة. غير أنه عالم. ~~وإلا فكيف يمكن أن يبقى داخلك نظام معين بينما الاضطراب يعم «الكل». وهذه ~~أيضا: أن جميع الأشياء، رغم انفصالها وتمايزها، يتخلل بعضها بعضا ويستجيب بعضها لبعض. # 14 ~~(4-28) شخصية سوداء، مخنث، عنيد، وحشي، صبياني، غبي، محتال، فظ، مرتزق، مستبد. # 15 ~~(4-29) إذا كان غريبا في العالم من لا يعرف مكوناته، فليس أقل غربة من لا يعرف ~~ماجرياته. إنه هارب إذا تملص من المبدأ الاجتماعي، أعمى إذا غض عين العقل، ~~شحاذ إذا اعتمد على الآخرين ولم يذخر في نفسه كل ما يحتاج في الحياة، ورم في ~~الكون إذا انسحب وفصل نفسه عن مبدأ طبيعتنا المشتركة بتبرمه بنصيبه (إذ إن الطبيعة هي ~~التي تجيء بنصيبك مثلما تجيء بك)، إنه منشق خارج على المجتمع إذا سل روحه من روح ~~الكائنات العاقلة جميعا، والتي هي وحدة. ~~(4-30) هذا فيلسوف لا يملك لباسا، # 16 # وآخر لا يملك كتابا، وهذا نصف عريان يقول «ولكني ملتزم بالعقل.» أما أنا ~~فأقول: إنني أفتقر إلى الغذاء التربوي والتعليمي، ولكني لا أحيد عن العقل . ~~(4-31) أحب الفن الذي تعلمته، أيا كان، وارض به، واقض ما تبقى من حياتك ~~كإنسان نذر نفسه للآلهة بكل قلبه واحتسب عندها كل ما لديه، ولا تجعل من نفسك طاغية ~~على ms039 أي إنسان ولا عبدا له. ~~(4-32) تأمل مثلا عصر فيسباسيانوس، # 17 # فسوف ترى الأشياء نفسها؛ ناس تتزوج، وتنجب أطفالا، ويدركها المرض، ~~وتموت، وتقاتل، وتعيد، وتتاجر، وتفلح الأرض، وتجامل، وتتدافع، وتشك وتتآمر، وتتمنى ~~موت الآخرين، وتتذمر على نصيبها المقسوم، وتقع في الحب، وتكنز المال، وتتوق إلى ~~منصب القنصل والملك، والآن انقضت حياتهم وزالت. # ثم عرج على زمن ترايانوس، # 18 # سترى أيضا الأشياء نفسها، والحياة انقضت أيضا. # وانظر كذلك في الأزمنة الأخرى، والأمم كلها في الحقيقة، وسترى حيوات كثيرة من الكدح ~~تنتهي بسقوط سريع وتحلل إلى العناصر، # 19 # وأهم من كل شيء أن تستعرض في ذهنك أولئك الذين رأيتهم بنفسك في صراعات ~~فارغة، لا يسلكون وفقا لفطرتهم الطبيعية ولا يتمسكون بها ولا يرضون عنها. وعليك في ~~هذا المقام أن تأخذ كل شيء بقيمته وحجمه، فبذلك لن تبتئس إذا عبرت على ~~التوافه ولم تعرها وقتا أطول مما تستحق. ~~(4-33) الألفاظ التي كانت شائعة قديما هي الآن مهجورة، كذلك أيضا أسماء الذين ~~كانوا مشاهير ذات يوم هي بمعنى ما مهجورة؛ كاميللوس، كايسو، فوليسوس، دينتاتوس، ~~وبعدها بقليل سكيبيو وكاتو، ثم أوغسطس أيضا، ثم هادريان وأنطونينوس. كل الأشياء تتلاشى ~~وسرعان ما تتحول إلى أسطورة سرعان أيضا ما يلفها النسيان. هذا بالنسبة للذين ~~تألقوا على نحو مدهش. أما البقية فما يكادون يلفظون أنفاسهم الأخيرة حتى ~~يختفون عن العين والفكر؛ فماذا تكون الذكرى الخالدة إذن؟ لا شيء؟ # وإلى أين إذن ينبغي على المرء أن يسعى؟ إلى هنا فقط؛ فكر صائب وفعل للخير العام، ~~وقول لا يعرف الكذب، وتقبل لكل ما يجري كشيء ضروري وعادي ونابع من مبدأ ومصدر ~~من الصنف نفسه. ~~(4-34) أسلم نفسك طواعية إلى كلوثو # Clotho ~~، # 20 # إحدى إلهات القدر، ودعها تغزل خيط عمرك على أي شكل شاءت. ~~(4-35) الكل زائل، الذاكر والمذكور معا. ~~(4-36) تأمل دائما كل ما يأتي به التغير، ورض نفسك على فكرة أن طبيعة «الكل» ~~لا تولع بشيء قدر ولعها بتغيير كل شكل من الوجود إلى شكل آخر، شبيه ولكن ~~جديد. كل ms040 ما يوجد هو بمعنى ما بذرة لما يأتي بعده؛ فإذا كان مفهوم «البذرة» عندك ~~محصورا فيما يوضع في الأرض، أو في الرحم، فذاك لعمري تفكير مغرق في ~~السوقية. ~~(4-37) ستموت وشيكا وما زلت لا تتمتع بوضوح الفكر وصفاء النفس، ولم تتحرر بعد من ~~الخوف من الأذى الخارجي، وما زلت غير ودود تجاه الجميع، وغير موقن بأن العدل هو ~~ملاك الحكمة. ~~(4-38) انظر إلى عقولهم الموجهة، حتى أولئك الذين يعدون حكماء، انظر أي ~~الأشياء يجتنبونها ويفرقون منها، وأي الأشياء يلتمسونها ويسعون إليها. ~~(4-39) لا أذى لك يقبع في عقل غيرك، ولا حتى في أي تبدل أو تغير لغطائك ~~الجسدي، أين إذن يقبع الأذى؟ في ذلك الجزء منك الذي يضطلع بتكوين الأحكام عن الأذى. كف ~~عن الحكم بأن بك إذن تكون قد سلمت منه. # 21 # ولو أن أقرب شيء منه، وهو جسدك، تعرض لسكين أو كي، أو ترك ليتقيح ~~أو يموت؛ فإن الملكة التي تحكم هذه الأحكام ينبغي أن تظل هادئة؛ أي ينبغي ألا تعتبره ~~خيرا ولا شرا ذلك الذي يمكن أن يصيب الأشرار والأخيار على حد سواء؛ ذلك لأن ما ~~يمكن أن يصيب الإنسان بغض النظر عن مدى إذعانه للطبيعة ليس بحد ذاته متفقا مع ~~الطبيعة أو مضادا لها. # 22 ~~(4-40) انظر دائما إلى العالم على أنه كائن حي واحد، يتكون من مادة واحدة وروح ~~واحدة. انظر كيف يذوب الكل في هذا الوعي الواحد، كيف تخضع كل أفعاله لنزوع واحد، كيف ~~تتعاون الأشياء جميعا في كل ما يحدث، انظر أيضا الغزل الدائم لخيط الشبكة ~~ونسيجها. ~~(4-41) أنت روح ضئيلة هنا وهناك ... حاملة جثة. (كما اعتاد إبكتيتوس أن ~~يقول). ~~(4-42) التغير: لا شيء في العملية شيء في ذاته، ولا شيء في النتيجة خير في ~~ذاته. ~~(4-43) الزمن أشبه بنهر من الأحداث الجارية وتيار عنيف، # 23 # فما يكاد شيء يعن حتى ينجرف بعيدا (إلى الماضي) ويحل غيره محله، فما ~~يلبث أن ينجرف بدوره . ~~(4-44) كل ما يحدث فهو معتاد ومألوف كالزهر في الربيع ms041 والفاكهة في الصيف، كذلك ~~أيضا المرض والموت، الافتراء والتآمر؛ وكل ما يسر الحمقى أو يؤلمهم. ~~(4-45) في سلاسل الأشياء فإن اللاحق يكون دائما مرتبطا بما سبقه، لا مجرد إحصاء ~~بسيط لأشياء منفصلة ومجرد تعاقب ضروري، بل ارتباط عقلي، ومثلما أن الأشياء الموجودة ~~مترابطة بينها بانسجام، كذلك عمليات الصيرورة لا تعرض مجرد تتابع، بل انسجاما ~~صميما مدهشا. ~~(4-46) تذكر دائما قول هيراقليطس: «موت التراب هو أن يصبح ماء، وموت الماء ~~ميلاد الهواء، وموت الهواء هو النار، وعود على بدء.» تذكر أيضا تصوره عن الإنسان ~~الذي نسي طريقه إلى داره، وقوله إن الناس في خصام مع ألصق رفيق؛ «العقل» الذي يحكم ~~العالم، وأن الأشياء التي يصادفونها كل يوم تبدو لهم غريبة. وتذكر أننا ينبغي ~~ألا نعمل أو نتحدث كما لو كنا نياما، وأن النوم يجلب الوهم القولي والفعلي، وأننا ~~ينبغي ألا نحذو حذو الأطفال مع آبائهم؛ فنقبل ببساطة كل ما يقال ~~لنا. ~~(4-47) كما لو أن إلها أخبرك أنك ستموت غدا أو بعد غد على الأكثر فلم تعلق ~~أهمية على فرق يوم واحد (ما لم تكن مفرطا في الهلع، فما أضيق الفرق)؛ كذلك ينبغي ~~عليك ألا تتصور فارقا يذكر بين أن تموت بعد سنين طويلة وأن تموت غدا. ~~(4-48) اذكر دائما كم من الأطباء ماتوا بعد أن عقدوا الحاجبين فوق مرضاهم، كم من ~~المنجمين ماتوا بعد أن تنبئوا بموت غيرهم بخيلاء عظيمة، وكم من الفلاسفة بعد ~~مداولات لا نهاية لها عن الموت أو الخلود، وكم من الطغاة بعد أن تسلطوا على حياة ~~الناس بغطرسة وحشية كما لو كانوا هم أنفسهم مخلدين في الأرض، واذكر أيضا كم ~~مدن بأسرها قد زالت؛ هيليكي، # 24 # بومبي، هيركيولانيوم، # 25 # وغيرها مما لا يحصى. وأضف إلى الإحصاء كل أولئك الذين عرفتهم، واحدا ~~تلو الآخر، يمشي أحدهم في جنازة الآخر، ثم ما يلبث أن تلفه الأكفان بدوره ~~ويشيعه آخر، # 26 # وكل ذلك في زمن وجيز. وصفوة القول أن انظر دائما كم هي قصيرة رخيصة ~~حياة الإنسان ، بالأمس كان ms042 بذرة وغدا مومياء أو رمادا. # عليك إذن أن تقضي هذه الكسرة الضئيلة من الزمان في انسجام مع الطبيعة، وغادرها ~~راضيا، مثلما تسقط زيتونة حين تبلغ النضج، مباركة الأرض التي حملتها، ~~وشاكرة للشجرة التي منحتها النماء. ~~(4-49) كن مثل رأس الأرض في البحر تتكسر عليه الأمواج بلا انقطاع وهو ثابت وطيد ~~يخمد من حوله جيشان الماء، # 27 # أفتقول «ما أتعس حالي إذا أصابني هذا»؟ لا بل قل: «ما أسعدني إذ أصابني هذا ~~الأمر وما زلت خاليا من الحزن والأسى، لم يحطمني الحاضر ولم يخفني المستقبل.» ~~فقد ينزل مثل هذا المصاب بأي إنسان ولكن ليس كل ~~إنسان بقادر على أن يحتمله من غير ألم. لماذا إذن تبتئس بالمصاب أكثر مما تستبشر ~~بقدرتك على احتماله؟! # 28 # وهل تسميه مصابا للإنسان، على كل حال، ذلك الذي لا يشذ عن طبيعة الإنسان؟ أو ~~تسميه شذوذا عن طبيعة الإنسان ذلك الذي لا يتعارض مع أهداف طبيعته؟ حسن إذن. لقد ~~تعلمت ما هي هذه الأهداف، هل ثمة من شيء في هذا المصاب يمنعك من أن تكون عادلا ~~وشهما ومعتدلا وحصيفا وصادقا وشريفا وحرا، أو غير ذلك من الصفات التي تحقق في ~~اجتماعها طبيعة الإنسان الحقة؟ تذكر إذن في كل حدث منغص هذا المبدأ: «ليس هذا ~~بالحظ السيء، بل احتمال هذا بنبالة وكرم هو حظ سعيد.» ~~(4-50) ثمة طريقة سوقية على أنها مسعفة لك في أن تضع الموت في حجمه الصحيح؛ ~~وهي أن تستعرض في ذهنك قائمة بأولئك الذين تشبثوا بالحياة فترة طويلة. ماذا ~~ربحوا من ذلك أكثر مما ربح من مات مبكرا؟ من المؤكد أنهم يرقدون الآن جميعا في ~~قبورهم؛ كايديكيانوس، فابيوس، يوليانوس، ليبيدوس، # 29 # وأمثالهم جميعا من الذين ساروا في جنازات كثيرة ثم جاءت جنازة كل منهم، ~~ما أقصر المسافة بين الميلاد والموت، انظر أي عناء نحتمله في هذه المسافة، وأي صحبة ~~تكتنفنا فيها ومع أي صنف من الناس، وفي أي جسد واهن نقطعها بجهد جهيد، ليست الحياة ~~إذن بالشيء الثمين، انظر إلى هول فجوة الماضي ms043 من ورائك وإلى اللانهاية الأخرى من ~~أمامك. ما الفرق من هذا المنظور بين رضيع عاش ثلاثة أيام ونستور # 30 # عاش ثلاثة أجيال؟ ~~(4-51) اسلك دائما الطريق القصير، وطريق الطبيعة قصير، # 31 # وابتغ ما هو أقوم وأسلم في كل قولك وعملك؛ فمثل هذا العزم كفيل بأن ~~يحرر المرء من العناء والجهد والاضطرار إلى التحايل والرياء. # 32 # | الكتاب الخامس # (5-1) في الصباح، عندما تجد نفسك غير راغب في القيام، قل لنفسك: «إنني أصحو من نومي ~~لكي أؤدي عملي كإنسان، أما زلت كارها أن أذهب لكي أؤدي ما خلقت من أجله وما ~~وجدت في العالم لكي أؤديه؟ أم تراني خلقت لكي ألف نفسي بالأغطية وأبقى ~~دافئا؟ ~~- «ولكن هذا أهنأ وألذ.» ~~- أتراك إذن خلقت لكي تنعم باللذة من دون أي شيء من العمل والكد؟ ألا تنظر ~~إلى الأشياء من حولك؛ النبت، والطير، والنمل، والعناكب، والنحل؛ # 1 # كيف تسعى سويا، كل في عمله الخاص؛ لكي تحفظ نظام العالم، بينما تعرض ~~أنت عن عملك ككائن إنساني، ولا تخف إلى أداء ما تقتضيه طبيعتك ذاتها؟ ~~- «ولكن المرء بحاجة إلى الراحة أيضا.» ~~- حقا إنه لبحاجة إلى الراحة، غير أن الطبيعة وضعت حدودا للراحة، مثلما ~~وضعت حدودا للطعام والشراب، بينما أنت تتجاوز هذه الحدود، تتجاوز حاجتك. أما في ~~الأعمال المنوطة بك فأنت تقصر عن الحد وتقف دون الحد الأدنى من قدراتك. إنك إذن ~~كاره لنفسك؛ فلو كنت تحبها لأحببت طبيعتك وإملاءاتها. ~~- «ولكن أولئك المحبين لصنائعهم يرهقون أنفسهم في أدائها فلا يغتسلون ولا ~~يطعمون.» ~~- ولكن اعتبارك لطبيعتك أدنى من اعتبار الحداد لحرفة الحدادة، والراقص لحرفة ~~الرقص، ومحب المال لماله، ومحب الظهور لمجده الضئيل. على أن هؤلاء حين يأخذهم ~~الحماس يتجافون عن الطعام والنوم حتى يتقنوا الأشياء التي يصبون إليها. أترى أنت ~~أن العمل لصالح الجماعة هو أقل أهمية من هذا وأقل استحقاقا للجهد؟! ~~(5-2) ما أيسر أن تطرد من عقلك كل انطباع منغص أو عارض وتمحوه محوا، ~~وتنعم للتو بلحظة حاضرة مفعمة بالراحة والسكينة. # 2 ~~(5-3) قل وافعل كل ما ms044 تقتضيه الطبيعة واعلم أنه ملائم لك أيضا، ولا يصرفك عنه ~~ملام تتوقعه من الناس أو من كلامهم؛ # 3 # فما دام الشيء خيرا فافعله أو قله ولا تستنكف من ذلك؛ فأولئك الناس ~~إنما تحدوهم عقولهم وتسوقهم أهواؤهم. فلا تأبه لها وامض قدما في طريقك، متبعا ~~طبيعتك الخاصة والطبيعة العامة؛ فطريق هاتين الطبيعتين واحد. ~~(5-4) سأبقى سائرا في طريق الطبيعة حتى أسقط وأخلد إلى الراحة، فألفظ أنفاسي ~~الأخيرة في هذا الهواء ذاته الذي تنفسته عبر أيام عمري، وأسقط على ذات الأرض ~~التي منحت أبي بذرته ومنحت أمي دمها ومنحت مرضعتي لبنها، الأرض التي أطعمتني ~~يوما بعد يوم وسقتني سنوات طوالا، الأرض التي احتملت وطأتي عليها واحتملت مني ~~كل ضروب الإساءة. ~~(5-5) تقول إنك تفتقر إلى حضور البديهة التي تنتزع به إعجاب الناس. حسن، ولكن هناك ~~خصالا كثيرة لا يمكن أن تتذرع بأنها لا تدخل ضمن قدراتك الطبيعية، فلتطهر إذن ~~تلك الفضائل التي هي في حوزتك بالكامل؛ الإخلاص، الوقار، الكد، إنكار الذات، الرضا، ~~الإحسان، الصراحة، القناعة، الطيبة، الاستقلال، البساطة، التعقل، الشهامة. أرأيت كم من ~~الفضائل بوسعك أن تأتيها ولا تتملص منها بحجة افتقاد الموهبة أو الملكة ثم ما ~~تزال راضيا بأن تقصر فيها عن الحد؟ وهل حقيقة افتقادك الموهبة الفطرية تبيح لك أن ~~تتذمر وتقتر وتتزلف وتنحي باللوم على جسدك ~~وتتملق الناس وتتباهى وتوقع عقلك في هذا الاضطراب؟ كلا، بحق السماء، لعله كان ~~بوسعك أن تتخلص من كل هذا منذ زمن طويل فلا تعاب، إن أعبت، إلا بالعي ~~والفهاهة. وحتى هذان بمقدورك أن تعالجهما ما لم تستنم إلى العي وتستمرئ ~~الفهاهة. ~~(5-6) من الناس من إذا أسدى جميلا إلى شخص سارع بتسجيله في حسابه كدين مستحق. ~~ومنهم من لا يسارع بذلك غير أنه يضمر في نفسه أن هذا الشخص مدين له ويعي جيدا بما ~~فعله. وهناك صنف ثالث هو بمعنى ما لا يعي ما أتاه ولا يحشد له ذهنه، وإنما هو ~~كالكرمة التي أهدت عناقيدها ولا ترتقب أي مقابل. # 4 # الفرس وقد أتم ms045 السباق، والكلب وقد طارد «اللصوص»، والنحلة وقد أفرغت ~~عسلها، والإنسان الذي أسدى معروفا؛ لا يلحظ أي من هؤلاء ما صنع ولا يلتمس عليه ~~شهودا، بل يمضي إلى فعل جديد كما تمضي الكرمة لتقدم عناقيد جديدة في الموسم ~~الجديد. فلتكن واحدا من هؤلاء الذين يجترحون الخيرات دون أن يلاحظوها. ~~- «نعم ولكن هذا بالضبط ما يجب أن يكون المرء واعيا به؛ لأن من شأن الإنسان؛ الحيوان ~~الاجتماعي، أن يكون على دراية بفعله الاجتماعي، وأن يهيب برفاقه حقا أن يكونوا ~~واعين به أيضا.» ~~- حقا، غير أنك أسأت فهم ما أعنيه الآن؛ ولذا فسوف تقع ضمن إحدى الفئات الأولى ~~التي ذكرتها؛ فهم أيضا قد أضلهم نوع ما من المنطق المعقول، ولكن إن شئت أن تتبع ما ~~أعنيه فلا تخش من أن يفضي بك إلى أي تقصير في الفعل الاجتماعي. ~~(5-7) يقول دعاء الأثينيين: ~~«أمطر ... أمطر أيها العزيز زيوس، # أمطر على حقول القمح، # وعلى سهول أثينا.» # هكذا يجب أن يكون دعاؤنا، بسيطا وصريحا، وإلا فلا كان الدعاء. # 5 ~~(5-8) مثلما نقول جميعا إن الطبيب # 6 # قد «وصف» لهذا ركوب الخيل، ولهذا حمامات باردة، ولهذا المشي حافي ~~القدمين؛ فإن لنا أن نقول بنفس المعنى إن طبيعة الكل قد «وصفت» لهذا المرء المرض ~~أو العجز أو الفقدان أو أي شيء آخر من هذه البلايا. في الحالة الأولى تعني كلمة ~~«وصف» شيئا من هذا القبيل؛ أن الطبيب قد أوصى بهذا الإجراء لهذا الشخص لكي يجلب له ~~الصحة. وفي الحالة الثانية تعني أن ما يقع لكل شخص هو مدبر بطريقة ما لكي يفضي ~~إلى مصيره. ونحن نتحدث عن ملاءمة هذه الأحداث مثلما يتحدث البناءون عن ملاءمة قوالب ~~الحجر في الجدران أو الأهرامات عندما يتراص بعضها فوق بعض في وضع معين. # ذلك أنه في كلية الأشياء ثمة توافق واحد. ومثلما تتحد الأجسام المادية جميعا ~~لتجعل العالم جسما واحدا، كلا منسجما، كذلك تتحد الأسباب جميعا لكي تجعل القدر ~~سببا منسجما واحدا. ذلك شيء يفهمه حتى أقل الناس علما؛ فهم يقولون: «القدر ms046 أحدث ~~له هذا.» فإن كان القدر «أحدث» فقد «وصف» أيضا. ولنقبل هذه الوصفات مثلما نقبل وصفات ~~الطبيب؛ فكثيرا ما تكون قاسية ولكننا نقبلها التماسا للشفاء. # فلتأخذ تمام الأشياء وكمالها في تقدير الطبيعة مأخذك لصحتك: واقبل إذن كل ما ~~يحدث لك حتى لو بدا قاسيا بعض الشيء، ما دامت غايته تؤدي إلى صحة العالم وازدهاره وهنائه، # 7 # فما كان لزيوس أن يحدث هذا لذاك لو لم يكن فيه صالح الكل. وما كان لأي ~~مبدأ طبيعي أن يحدث شيئا غير ملائم لما يحكمه. # ثمة إذن سببان يحملانك على الرضا بما يجري لك؛ الأول أن ما حدث لك كان موصوفا ~~لك، وهو متعلق بك، خيط من القدر مغزول لك منذ الأزل بأقدم الأسباب. والثاني أن ما ~~يصيب كل شخص هو جزء ضالع في صلاح الكل واكتماله بل اتساقه مع نفسه؛ ذلك أن «الكل» ~~يتشوه إذا أنت قطعت أدنى كسرة من سياقه واتصاله؛ يصدق هذا على أجزائه المكونة ~~كما يصدق على أسبابه. وإنك لتقطع شيئا - بقدر ما يمكنك ذلك - كلما تبرمت ~~بنصيبك. إنك تدمر، بمعنى ما، وتخرب! ~~(5-9) لا تنفر وتقنط وتسخط إذا لم تنجح في عمل كل شيء كما تقتضي المبادئ ~~الصحيحة، ولكن كلما فشلت فعد مرة ثانية، واقنع إذا كان الشطر الأكبر من عملك ~~متسقا مع طبيعة الإنسان، وأحب هذا الذي تعود إليه. لا تعد إلى الفلسفة كما يعود ~~الطفل إلى المعلم، بل كما يعود الأرمد إلى إسفنجته ومرهمه، أو يعود آخر إلى كمادته ~~وغسوله، بذلك سوف تبرهن على أن إطاعة العقل ليست عبئا كبيرا، وإنما هي مصدر راحة. # 8 # تذكر أيضا أن الفلسفة لا تريد إلا ما تريده طبيعتك، في حين تطلب ~~أنت شيئا يجافي هذه الطبيعة؛ فأي شيء أدعى إلى القبول من حاجات طبيعتك نفسها؟ هذه ~~هي ذات الطريقة التي تخدعنا بها اللذة، ولكن انظر ألست ترى شيئا أكثر قبولا في ~~الشهامة والكرم والبساطة والاتزان والتقوى؟ وأي شيء أكثر قبولا من الحكمة ذاتها إذا ~~كان ما يهمك هو التدفق المطمئن ms047 والدائم لملكتنا الخاصة بالفهم والمعرفة؟ ~~(5-10) لكأنما ألقي على الأشياء حجاب كثيف حتى لقد بدت لعدد غير قليل من ~~كبار الفلاسفة غير قابلة للفهم على الإطلاق. وحتى الرواقيون أنفسهم بدت لهم الحقائق ~~عصية على الفهم، وبدا لهم كل تصديق عقلي لإدراكاتنا شيئا عرضة للخطأ. # 9 # فليس هناك من هو معصوم. التفت إذن إلى الأشياء ذاتها؛ كم هي زائلة ~~وتافهة، حتى ليملكها المأبون والبغي واللص، ثم التفت إلى أخلاق من يعيشون معك. ~~إنه لمن الصعب احتمال حتى أفضلهم، # 10 # دعك من أن المرء ليشق عليه حتى احتمال نفسه. # في كل هذا الضلال والتخبط، في كل هذا التدفق للوجود، الزمن، الحركة، الأشياء ~~المتحركة، يعجزني أن أجد أي شيء جدير بالثمين أو جدير حتى بالسعي الجاد، بل، على ~~العكس، ينبغي على المرء أن يعلل نفسه بارتقاب الخلاص الطبيعي، وألا يضجر من ~~انتظاره، وإنما يلتمس السلوى في هاتين الفكرتين فحسب؛ الأولى: أنه لن يصيبني إلا ما هو ~~متناغم مع طبيعة «الكل»، والثانية: أن بوسعي ألا أقترف أي شيء فيه عصيان لإلهي ~~وللألوهة التي بداخلي. لا يمكن لأحد أن يرغمني على هذا الإثم. ~~(5-11) في أي شيء أستعمل نفسي الآن؟ سل نفسك هذا السؤال في كل مناسبة. تفحص ~~نفسك. ماذا يدور الآن في ذلك الجزء من نفسي الذي يسمونه العقل الموجه؟ أي صنف ~~من النفوس لدي الآن؟ نفس طفل، أم صبي، أم امرأة، أم طاغية، أم حيوان ~~مستأنس أم حيوان وحشي؟ ~~(5-12) هاك طريقة لفهم نوعية الأشياء التي تعتبرها الأغلبية خيرا؛ فأنت إذا تصورت ~~في ذهنك الخيرات الحقيقية - من مثل الحكمة والتعقل والاعتدال والعدل والشجاعة - فلن ~~يسعك عندئذ قبول القول الشائع «ثراء طائل لا يترك محلا لقضاء الحاجة.» إذ لا ينطبق ~~هذا المثل في هذا المقام. غير أنك حين تتصور في عقلك ما تعده الأغلبية ضمن ~~الخيرات فإنه ما يزال بوسعك أن تسمع هذا القول من الشعر الكوميدي وتقبله من فورك ~~كتعليق صائب. # 11 # حتى الأغلبية بوسعها أن تدرك الفرق، وإلا لما كنا نأخذ هذا ms048 ~~القول، على ما يثيره فينا من استياء وامتعاض، كتعليق دال وظريف يصف حال الثروة ~~وامتيازات الفخامة والشهرة. امض إذن واسأل هل ينبغي أن نثمنها ونعدها خيرات تلك ~~الأشياء التي إذا ما تصورناها في أذهاننا جاز لنا بحق أن نصف صاحبها بأنه «بلغ من ~~الوفرة مبلغا لم يترك له محلا يقضي فيه حاجته»؟ ~~(5-13) مكون أنا من صورة ومادة، ولن تفنى أي منهما وتصير إلى عدم، كما أن ~~أيا منهما لم تأت من عدم. إذن كل جزء مني سوف يقيض له مكانه الجديد في جزء ما ~~من العالم، وهذا الجزء سوف يتغير بدوره إلى جزء آخر من العالم، وهكذا إلى غير نهاية. ~~وثمة تسلسل مماثل من التغير أتى بي إلى الوجود، وبوالدي من قبل، وهكذا ~~رجعا إلى ما لا نهاية في الاتجاه المقابل. هذا حكم لا ينقضه شيء حتى لو كان ~~العالم مقدرا له أن يمر بدورات من العود الأبدي. ~~(5-14) العقل وفن إعمال العقل هما ملكتان تكفيان ذاتهما بذاتهما وبعملياتهما ~~الخاصة؛ فهما تبدآن من المقدمة المعينة وتتخذان طريقهما إلى الغاية المقدرة ~~لهما؛ لهذا السبب تسمى أعمال العقل «أعمالا صائبة أو صحيحة» # catorthoseis # وهي لفظة تدل على أنهما تمضيان في ~~الطريق الصحيح. # 12 ~~(5-15) لا شيء من هذه الأشياء ينبغي أن يسمى «إنسانيا» تلك التي لا تنتمي إلى ~~الإنسان بما هو إنسان. إنها لا تلزمه كإنسان، ولا تهيب بها طبيعة الإنسان. إنها ليست ~~كمالات لهذه الطبيعة؛ ومن ثم فهي لا تشكل غاية الإنسان أيضا، ولا حتى أية وسيلة ~~لهذه الغاية الإنسانية التي هي الخير. وفضلا عن ذلك، إذا كانت أي من هذه الأشياء ~~تنتمي إلى الإنسان لما حق لأي امرئ أن يزدريها أو يصدف عنها، ولما كنا نطري ~~أي امرئ يبدي استغناءه عنها لو صح أنها خيرات حقا، ولما أمكن لمن يزهد في ~~أي منها أن يكون امرءا صالحا، ولكن الحقيقة أنه كلما حرم المرء نفسه من هذه ~~الأشياء وأشباهها، أو حرم من أي منها، كان أصبر عنها وأكثر احتمالا لفقدانها، ms049 ~~وكان بنفس الدرجة ... أكثر إنسانية. ~~(5-16) كيفما تكون أفكارك المعتادة تكون طبيعة عقلك؛ فالنفس تصطبغ بالأفكار، # 13 # اصبغ نفسك إذن بسلسلة متصلة من الأفكار مثل هذه؛ حيثما أمكن الإنسان أن ~~يعيش أمكنه أيضا أن يعيش حياة صالحة ، ولكن عليه أن يعيش في قصر؛ إذن بوسعه أن يعيش ~~في القصر حياة صالحة. # مرة ثانية: كل مخلوق إنما خلق من أجل مخلوق آخر، ومساره موجه إلى ذلك الذي ~~خلق من أجله، وغايته تكمن في ذلك الذي يتجه إلى مساره، وحيثما كانت غايته فثم أيضا ~~خيره وصلاحه. ينتج من ذلك أن خير المخلوق العاقل هو الجماعة. ولقد طالما انعقد الدليل ~~على أننا خلقنا للجماعة. أليس من الواضح أن المخلوقات الدنيا جعلت من أجل المخلوقات ~~العليا، والعليا من أجل بعضها البعض؟ ولكن الأشياء الحية أعلى من غير الحية، والأشياء ~~العاقلة أعلى من مجرد الحية. # 14 ~~(5-17) طلب المحال جنون، ومحال على الشرير أن يعمل على غير شاكلته. ~~(5-18) لن يصيب الكائن أي شيء لم تؤهله الطبيعة لتحمله، هاك شخص آخر ~~أصابه ما أصابك. ولأنه لا يدرك ما وقع له أو لأنه يتجمل ويتظاهر بالشجاعة فهو يبقى ~~هادئا. أليس من المؤسف إذن أن يكون الجهل والادعاء أقوى من الحكمة؟! ~~(5-19) لا يمكن للأشياء ذاتها أن تمس النفس أقل مساس. ليس لدى الأشياء مدخل ~~إلى النفس وليس بمكنتها أن تدير النفس أو تحركها. إنما النفس تدير ذاتها ~~وتحرك ذاتها، وتقيم لنفسها ما تراه ملائما من الأحكام على ما يعرض لها من أشياء. # 15 ~~(5-20) من جهة، أعد الإنسان هو أقرب شيء لي ما دام علي أن أفعل الخير للبشر ~~وأن أحتملهم، ولكن إذا جعل البعض من أنفسهم عقبات أمام أفعالي الصالحة يصبح الإنسان ~~بالنسبة لي شيئا من ضمن «الأشياء الأسواء»، # 16 # غير الفارقة # indifferentia ~~، شأنه شأن الشمس أو الريح ~~أو الحيوان البري. قد تعيقني هذه الأشياء عن بعض نشاطي، نعم، ولكنها لا تشكل عوائق ~~أمام وجداناتي ونوازعي؛ من حيث إن بها يقبع الالتزام المشروط وقوة التكيف. ms050 إن العقل ~~ليتكيف ويدور حول أي عائق للفعل لكي يخدم هدفه؛ فيحول ما هو عائق عن عمل ~~معين إلى معين على ذلك العمل، ويحول العقبة في طريق ما إلى تقدم على تلك ~~الطريق. ~~(5-21) وقر القوة الجوهرية في العالم؛ إنها ما يصرف الأشياء جميعا ويوجه ~~الأشياء جميعا، على أن توقر بالمثل القوة الجوهرية في نفسك؛ فهذه مثيلة لتلك. ~~وهذه فيك أيضا هي ما يصرف كل ما عداها، وحياتك موجهة بها. # 17 ~~(5-22) ما لا يضير المدينة لا يضير مواطنيها أيضا. ومتى وقع في ظنك أن قد ~~مسك ضر فطبق هذا المعيار: إذا كانت المدينة بخير فأنا إذن بخير. أما إذا ~~لحق أذى حقا بالمدينة فإن عليك ألا تغضب بل أن تبين لمرتكبه ما عجز عن ~~رؤيته بنفسه. ~~(5-23) انظر مليا كيف يزاح كل ما هو قائم وكل ما هو قادم ويصير ماضيا ويزول ~~زوالا. الوجود مثل نهر في تدفق دائم، وأفعاله تعاقب ثابت للتغير! وأسبابه لا ~~تحصى في تنوعها. لا شيء يبقى ثابتا حتى ما هو حاضر عتيد. تأمل أيضا الهوة ~~الفاغرة للماضي والمستقبل التي تبتلع كل شيء. أليس بأحمق من يعيش وسط هذا كله ثم ~~تحدثه نفسه أن يلج في الأمل أو يهلك في الكفاح أو يسخط على نصيبه؟! وكأن أي ~~شيء من هذا دائم له أو مقدر أن يؤرقه طويلا. ~~(5-24) انظر في الوجود كله؛ الذي أنت أصغر أجزائه، وانظر في الزمان كله، الذي قسمت ~~لك منه لحظة وجيزة وهاربة، وانظر في القدر وما هو معقود بالقدر، وكم أنت جزء ضئيل ~~منه. ~~(5-25) هل أساء إلي شخص آخر؟ دعه وشأنه. إنه سيد نزعاته وسيد أفعاله. أما أنا ~~فأملك ما تقتضيني الطبيعة الكلية أن أملك، وسوف أفعل ما تقتضيني طبيعتي أن ~~أفعل. ~~(5-26) ينبغي أن يبقى الجزء الموجه والحاكم من نفسك محصنا من أي مجرى يجري في ~~الجسد. ~~(5-27) «عش مع الآلهة»، وإنه ليعيش مع الآلهة ذلك الذي يرون أن روحه قانعة ~~بنصيبها، تؤدي ما تمليه الألوهة ... ذلك الشطر ms051 من نفسه الذي وهبه زيوس لكل شخص ~~لكي يحرسه ويرشده. هذه الألوهة في كل منا هي فهمه وعقله. ~~(5-28) هل أنت محنق على الرجل المنتن أو الأبخر؟ ماذا تريده أن يفعل؟ هكذا حال ~~فمه وهكذا حال آباطه. ومن المحتم أن تنبعث هذه الروائح من هذه الأشياء. ~~- «ولكنه أعطي عقلا بوسعه إذا شاء أن يكتشف مكمن الأذى منه.» ~~- أفادك الله، إذن أنت أيضا لست أقل منه عقلا. فليكن عقلك محفزا لعقله ~~وأظهره على خطئه، ابذل له النصح. فإذا ما استمع إلى نصحك فسوف تبرؤه من دائه، ~~ولا داعي إلى الغضب. لا تكن منافقا (تتجنب المسألة) ولا بغيا (تحتملها)! ~~(5-29) بمقدورك أن تعيش هنا في هذا العالم تماما مثلما تعتزم أن تعيش إذا ما غادرته، ~~ولكن إذا لم يكن ذلك متاحا لك فإن عليك أن ترحل عن الحياة ذاتها. على ألا ترحل كما ~~لو كان ذلك إحدى البلايا «الحريق يدخن فأغادر المنزل». # 18 # لماذا تعد ذلك أمرا جللا؟ # ولكن ما دمت غير مضطر لمثل ذلك فلسوف أبقى رجلا حرا لا يملك أحد أن يمنعني من ~~أن أفعل ما أود فعله؛ وما أود فعله هو أن أتبع ما تمليه طبيعة الكائن العاقل ~~والاجتماعي. ~~(5-30) فكر «الكل» هو فكر اجتماعي. ومن المتيقن أنه جعل الأشياء الدنيا من ~~أجل الأشياء العليا، وسلك الأشياء العليا في تناغم بعضها مع بعض. ألا ترى كيف ~~سخر بعض المخلوقات، ونسق بين البعض، ووضع كلا في مكانه اللائق، وضم الكائنات ~~العليا معا في وحدة العقل؟ ~~(5-31) كيف كان مسلكك حتى الآن تجاه الآلهة، وتجاه والديك وإخوتك وزوجك وأبنائك ~~ومعلميك ومربيك وأصدقائك وأقاربك وخدمك؟ هل كان مبدؤك مع كل هؤلاء هو «لا تؤذ ~~إنسانا بالقول ولا بالفعل»؟ ذكر نفسك كم قاسيت وكم تحملت، وأن رواية حياتك قد ~~تمت الآن وخدمتك قد انتهت، وكم شهدت من جمال، كم ازدريت من لذة وألم، وكم ~~ازدريت من مجد، وكم كنت طيبا مع غير الطيبين. ~~(5-32) لماذا تعمد النفوس الجاهلة والحمقاء إلى مضايقة من لديه ms052 معرفة وحكمة؟ حسن، ~~أية نفس إذن تلك التي لديها معرفة وحكمة؟ إنها تلك النفس التي تعرف الأصل والغاية، ~~وتعرف «العقل» الذي يتخلل الوجود كله ويدير العالم عبر الزمان كله في دورات ~~ثابتة. ~~(5-33) سرعان ما ستصير رمادا أو عظاما، مجرد اسم أو حتى لا اسم، والاسم ماذا ~~يكون غير صوت وصدى؟ وكل ما نعليه ونغليه في الحياة هو شيء فارغ وعفن وتافه؛ ~~جراء يعض بعضها بعضا، وأطفال تتشاجر ... تضحك ... وما تلبث أن تبكي. أما الإخلاص والشرف ~~والعدل والصدق فتفر «إلى أوليمبوس من كل أرجاء الأرض المترامية». # 19 # إذن ماذا تبقى لنا هنا لنبقى؟ إذا كانت موضوعات الحس متبدلة دوما ولا تبقى ~~على حال، وأعضاء الإدراك كليلة مضللة، والنفس المسكينة ذاتها مجرد بخرة من الدم، ~~والصيت في هذا العالم شيئا فارغا. لماذا إذن لا ترتقب نهايتك ساكنا مطمئنا فإما ~~فناء وإما تحول، وإلى أن يحين ذلك فماذا يلزمنا؟ أن نمجد الآلهة ونحمدها، # 20 # وأن نصنع الخير للبشر، وأن نتحمل ونتزهد، # 21 # وأن نتذكر أن كل ما يقع في حدود جسمنا المسكين وأنفاسنا القليلة ليس ~~ملكا لنا ولا في طائلة قدرتنا. ~~(5-34) بوسعك أن تقضي حياتك في فيض متدفق من السعادة إذا أمكنك أن تمضي في الطريق ~~القويم، وأن تتبع طريق العقل في أحكامك وأفعالك، ثمة شيئان تشترك فيها جميع ~~الأنفس العاقلة؛ بشرا وآلهة؛ أنها محصنة من العوائق الخارجية، وأن الخير الذي ~~تطلبه يقبع في النزوع إلى العدالة وممارستها، وأنها لا ترغب فيما عدا ذلك. ~~(5-35) ما دام هذا ليس إثما من جانبي ولا هو نتاج لإثمي، وما دامت الجماعة بخير، ~~فلماذا أعني نفسي به؟ وأي ضير منه على الجماعة؟ ~~(5-36) لا تدع انطباع الحزن لدى الآخرين يأخذك بعيدا دون تمييز، أعنهم نعم، ~~كأفضل ما يكون العون وبقدر ما يقتضي الموقف، حتى لو كان حزنهم هو لفقدان شيء ~~«غير فارق» # indifferent ~~، ولكن لا تتوهم أن ما ~~فقدوه يمثل ضررا حقيقيا؛ تلك عادة سيئة في التفكير، بل عليك أن تقتدي بذلك الرجل ~~العجوز ms053 في المسرحية إذ طلب استرداد لعبة متبناه في النهاية، دون أن ينسى قط أنها ~~مجرد لعبة. # 22 # فلتفعل أنت أيضا في حالتك هذه مثل فعله. عندما كنت تصرخ على ~~المنبر أكنت قد نسيت كم تساوي هذه الأشياء؟ ~~- «حسن، ولكنها مهمة عند القطيع.» ~~- وهل هذا يبرر أن تشارك القطيع حماقته؟ ~~(5-37) «كنت ذات يوم رجلا محظوظا، لا يتخلى عني الحظ في كل صغيرة وكبيرة، واليوم ~~تخلى عني لا أعلم كيف .» ~~- ولكن كلمة محظوظ تعني ذلك الرجل الذي حدد لنفسه حظا سعيدا، والحظ السعيد هو ~~نزوع النفس إلى الخير، هو الوجدانات الخيرة والأفعال الخيرة. # | الكتاب السادس # (6-1) مادة «الكل» مذعنة مطواع. والعقل الذي يوجه هذه المادة ليس لديه ما ~~يدعوه إلى فعل الشر؛ فليس به شر ولا يلحق شرا بأي شيء ولا يضار به أي شيء. غير ~~أن كل الأشياء تبدأ وتنتهي وفقا لهذا العقل. ~~(6-2) ما دمت تؤدي واجبك فلا تعبأ بما إذا كنت باردا أو دافئا، نعسان أو ~~يقظا، يمدحك الناس أو يذمونك، وبما إذا كنت تحتضر أو تفعل شيئا آخر! فحتى هذا ... ~~فعل الاحتضار ... هو أحد أفعال الحياة ... وبحسبك هنا أيضا أن تتقن ما تفعله جهد ما ~~تستطيع. ~~(6-3) انظر إلى الداخل؛ لا تدع نوعية أي شيء ولا قيمته تفلتان منك. ~~(6-4) يوشك كل ما هو موجود أن يتغير؛ فإما أن يتحول بخارا، إذا كانت المادة ~~حقا واحدة، وإما يتبدد ذرات. ~~(6-5) العقل المدبر يعرف ما يريد، وما يعمل، وعلى أي مادة يعمل. ~~(6-6) أن تأبى أن تكون مثل من أساء إليك ... ذلك هو خير انتقام. ~~(6-7) لتكن بهجتك وراحتك في شيء واحد؛ أن تمضي من عمل اجتماعي إلى عمل اجتماعي ~~آخر، والله في خاطرك وضميرك. ~~(6-8) العقل الموجه هو ذلك الذي يوقظ نفسه ويكيف نفسه، ويضفي على نفسه ~~الطبيعة التي يريدها، ويجعل كل ما يحدث له يبدو على النحو الذي يريده. ~~(6-9) كل شيء يتم وفقا لطبيعة «الكل»؛ فمن المؤكد أنه لا يتم وفقا لأي طبيعة ~~أخرى سواء ms054 كانت طبيعة تفهم هذه من الخارج، أو كانت طبيعة تفهم داخل هذه الطبيعة، ~~أو طبيعة خارجة عن هذه ومستقلة عنها. ~~(6-10) الكون لا يخرج عن حالين اثنين؛ فإما أنه فوضى واضطراب وتشتت (إلى ~~ذرات)، وإما أنه وحدة ونظام وعناية. فإذا صح الافتراض الأول فلماذا أرغب في ~~المكوث في عالم مركب عشوائيا ويعاني من مثل هذا الاختلاط؟ ولماذا أعني نفسي ~~بشيء آخر غير تحول التراب إلى تراب؟ وفيم يخالج نفسي اضطراب؟ فالتناثر سوف يصيبني ~~إذن مهما فعلت. وإذا صح الافتراض الثاني أقدم إجلالي، واقفا ثابتا لا أتزعزع، ~~متوكلا على من بيده تصريف كل الأمور. ~~(6-11) إذا قذفت بك الظروف في نوع من الكرب فعد إلى نفسك سريعا، ولا تبق خارج ~~الإيقاع أطول مما ينبغي؛ فسوف يزداد تمكنك من التناغم بدوام العودة إليه. ~~(6-12) إذا كان لك زوجة أب وأم في الوقت نفسه، فسوف ترعى زوجة أبيك ولكن التجاءك ~~الدائم سيكون إلى أمك، فليكن البلاط والفلسفة بالنسبة لك كزوجة الأب والأم، لتكن ~~الفلسفة لك ملاذا دائما ومستراحا وموئلا، حتى تجعل القصر يبدو محتملا لك، وحتى ~~تبدو أنت محتملا في القصر. ~~(6-13) ما أطيب، عندما يكون أمامك لحم مشوي أو ما شابه من الأطايب، أن تستحضر في ~~ذهنك أن هذا جثة سمكة، وهذا جثة طائر أو خنزير، ثم أن هذا النبيذ الفاليرني # 1 # مجرد عصير عنب، وأن رداءك الأرجواني ليس أكثر من فراء خروف منقوع ~~في دم المحار! وفي الجماع أنه ليس أكثر من احتكاك غشاء ودفقة مخاط. ما أنجح هذه ~~الإدراكات في الوصول إلى قلب الشيء الحقيقي والنفاذ فيه ورؤيته كما هو. كذلك فليكن ~~دأبك طوال حياتك؛ حيثما تبدت الأشياء خلابة المظهر فجردها وتفرس في ~~طبيعتها الزائفة واخلع عنها كل دعاوى الزهو والخيلاء. # 2 # الخيلاء هي أعظم مفسد للعقل؛ وحيثما تكن واثقا كل الثقة في أهمية عملك ~~تكن في الوقت نفسه مخدوعا بها كل الخداع. فلتنظر إذن ماذا قال أقراطيس (كراتيس) عن ~~زينوقراطيس (كيسنوكراتيس) نفسه. # 3 ~~(6-14) معظم الأشياء التي تعجب العوام ms055 تنتمي إلى أشد الفئات عمومية، تلك التي ~~تنضوي معا ب «التماسك» # cohesion ~~، أو بالنماء الطبيعي؛ ~~مثل الحجارة والخشب وشجر التين والكروم والزيتون. أما الأشياء التي تعجب من هم أكثر ~~عقلانية بقليل فتنتمي إلى فئة الأشياء التي يجمعها مبدأ الحياة: كالقطعان والأسراب. ~~أما التي تعجب من هم بعد أكثر رقيا فتنحصر في المخلوقات العاقلة، ولكن بقدر ~~ما يسعفها العقل في حرفة يدوية أو أية مهارة أخرى، أو شأن المولعين بمجرد ~~امتلاك جمع من العبيد. أما الإنسان الذي يقدر الروح حق قدرها من حيث هي عاقلة ~~وسياسية في آن فلا يعنيه إلا أن تظل روحه في حالة نشاط عقلي واجتماعي دائم، ~~وأن يتعاون مع أضرابه من أجل هذه الغاية. ~~(6-15) بعض الأشياء تحث الخطو إلى الوجود، وبعضها يحث الخطو إلى الخروج ~~منه، وبعض ما يولد يكون هالكا من الأصل. التجدد والتغير يجدد العالم على ~~الدوام، كما يجدد المسير الدائب للزمن أمد العصور إلى الأبد. في هذا التيار ~~المتدفق؛ حيث لا ثبات لقدم، ماذا يمكن للمرء أن يجل من كل ما يتدافع أمامه؟ ~~لكأنه ما يكاد يولع بعصفور يطير أمامه حتى يكون قد اختفى عن بصره. شبيه بذلك حياتنا ~~نفسها؛ عابرة كزفير من الدم أو كشهيق من الهواء. لا فرق بين شهقة تأخذها وتعيدها إلى ~~الهواء، مثلما تفعل كل لحظة، وبين أن ترد كل قدرتك التنفسية، التي اكتسبتها ~~عند ولادتك أمس أو أمس الأول، إلى العالم الذي سحبتها منه أول مرة. ~~(6-16) لا فضل في النتح، كما هو الحال في النبات، ولا في التنفس كما في الأنعام ~~والوحوش، ولا في تلقي الانطباعات الحسية بمظهر الأشياء، ولا في التحرك بالرغبات كما ~~تتحرك الدمى بالخيوط، ولا في التجمع القطيعي، ولا في تناول الغذاء (فلا فرق في ~~شيء بين فعل الغذاء وفعل إخراج فضلات الغذاء)، أي شيء إذن ينبغي أن نفضله ونعلي ~~قدره؟ أن نستقبل بالتصفيق؟ كلا، ولا أن نستقبل بهتاف الألسنة؟ فهتاف الجماهير ~~هو مجرد تصفيق بالألسنة. إذن فقد اطرحت زيف المجد أيضا. فماذا يبقى ms056 هناك ذا ~~قيمة حقيقية؟ يبقى هذا من وجهة نظري؛ أن تفعل، أو تحجم عن الفعل، وفقا لفطرتك الحقة، ~~الفطرة التي إلى غايتها تفضي كل الأعمال والفنون؛ فكل فن يتغيا أن يكيف الشيء ~~المصنوع للعمل الذي من أجله صنع. الكرام الذي يعتني بالكرم، وسائس الخيل ومربي ~~الكلاب ... كلهم يرمون إلى هذه الغاية، فماذا تكون الغاية التي ترمي إليها تربية النشء ~~وتعليمهم؟ # ها هنا إذن تكمن القيمة الحقيقية؛ وإذا أنت قبضت على هذه القيمة فلن تصبو إلى ~~اكتساب أي شيء آخر، ولن تعود تعلي من شأن كثير من الأشياء الأخرى إلى جانبها. وإلا ~~فلن تكون حرا أو مكتفيا بذاتك أو خاليا من الانفعال، وستضطر إلى الحسد والغيرة ~~والتوجس ممن لديهم القدرة على أن يسلبوا منك هذه الأشياء، والتآمر على من يملكون ما ~~تراه ثمينا. وباختصار، فكل من يشعر بالحاجة إلى أي شيء من هذه الأشياء يكون بالضرورة ~~منغص العيش، بل سيدفعه ذلك في أحيان كثيرة إلى أن يتذمر على الآلهة. أما ~~توقيرك لعقلك وإكبارك له فسوف يجعلك راضيا منسجما مع رفاقك متوافقا مع الآلهة؛ أي ~~حامدا لهم كل ما يمنحون وكل ما قضوا به. # 4 ~~(6-17) أعلى وأسفل، هنا وهناك، تمضي حركة العناصر. أما حركة الفضيلة فلا تتخبط هكذا ~~أبدا؛ فهي شيء أكثر قدسية، وعلى طريق ليس من السهل تبينه تمضي قدما في ~~غبطة. ~~(6-18) عجبا لبني الإنسان ... إنهم لم يمجدوا من يعيش بين ظهرانيهم في زمان ~~واحد، ولكنهم يصبون إلى أن تمجدهم الأجيال القادمة التي لا يرونها ولن يروها ~~أبدا، ولكن، هل يسوءك أن الأجيال السابقة لم تسمع بك ولم تمجدك قط؟ فهذا وذاك ~~سيان. ~~(6-19) لا تتصور أن ما هو صعب عليك تحقيقه هو مستحيل على أي إنسان، بل إذا كان شيء ~~ممكنا للإنسان وملائما لطبيعته فاعتبره أيضا ممكنا لك وداخلا في نطاق قدرتك ~~ومنالك. ~~(6-20) في حلبة اللعب قد يخدشك خصم بأظافره، أو ينطحك برأسه. غير أننا لا ~~نصمه من أجل ذلك ولا نتأذى ولا نتوجس منه بعد ذلك ms057 كرفيق خائن. صحيح أننا قد نأخذ ~~حذرنا منه، لا كعدو أو مريب، بل بمودة وهدوء نتنحى عن طريقه فحسب. كذلك ينبغي أن ~~يكون الحال في جوانب الحياة الأخرى؛ هناك أناس هم «خصوم في اللعب» وعلينا أن ~~نغضي عما يفعلونه، وبوسعنا أن نتجنبهم، كما قلت، من غير ارتياب أو ~~عداوة. ~~(6-21) إذا ما استطاع إنسان أن يثبت لي أني على خطأ ويبين لي خطئي في أي فكرة أو ~~فعل، فسوف أغير نفسي بكل سرور، إن أريد إلا الحق، وهو مطلب لم يضر أي إنسان قط، ~~إنما الضرر هو أن يصر المرء على جهله ويستمر في خداع ذاته. ~~(6-22) إنني أؤدي واجبي، ولا تعنيني الأشياء الأخرى؛ فهي إما أشياء غير حية، ~~وإما غير عاقلة، وإما تاهت ولا تعرف الطريق. ~~(6-23) تعامل مع الحيوانات العجماء، وجميع الأشياء بعامة، بكرم وتسامح، ما دمت ~~تملك عقلا وهي محرومة منه. أما البشر، من حيث إن لديهم عقلا، فتعامل معهم بروح ~~اجتماعية. وادع الآلهة في كل أمر. ولا تكرث نفسك بطول الزمن الذي سوف تحياه في هذا ~~العمل؛ فمجرد ساعات ثلاث تقضيها هكذا تكفي. ~~(6-24) الموت سوى بين الإسكندر المقدوني وسائس بغاله؛ فإما أنهما استردا إلى ~~نفس المبدأ المولد للعالم، وإما تشتتا معا بين ذرات الكون. ~~(6-25) تأمل كم من الأحداث، الجسدية والعقلية، يجري في داخل كل منا في نفس الآنة ~~الزمنية الضئيلة. عندئذ لن يأخذك العجب إذا كانت أحداث أكثر، أو بالأحرى كل ما يأتي ~~إلى الوجود، تعيش معا في الواحد والكل الذي نسميه العالم. ~~(6-26) إذا سألك سائل كيف يكتب اسم «أنطونينوس» فسوف تبين له ذلك بتشديدك على ~~مقاطع الكلمة. فماذا لو ماراك الناس في ذلك؟ أستغضب أنت أيضا، أم تمضي بهدوء فتبين ~~لهم تعاقب الأحرف الواحد تلو الآخر؟ كذلك الحال في حياتك هنا، تذكر أن كل مهمة ~~هي المجموع المكتمل لأفعال معينة. عليك أن تراعي ذلك وألا تضطرب أو تجيب على ~~غضب الآخرين بغضب مثله، بل تمضي في كل مهمة أمامك بمنهجية حتى تتمها. ms058 ~~(6-27) ما أقسى أن تمنع الناس من السعي إلى ما يبدو لهم مسايرا لمصلحتهم ونفعهم. ~~غير أنك تمنعهم، بمعنى ما، حين يغضبك أنهم على خطأ؛ فمن المتيقن أنهم مدفوعون إلى ~~صالحهم ونفعهم. ~~- «ولكنهم مخطئون في ذلك.» ~~- إذن علمهم، وأرشدهم، دون أن تغضب عليهم. # 5 ~~(6-28) الموت انعتاق من الاستجابة للحواس، ومن خيوط دمى الرغبة، ومن العقل ~~التحليلي، ومن خدمة اللحم. # 6 ~~(6-29) من العار أن تخذلك الروح في هذه الحياة قبل أن يخذلك جسمك. ~~(6-30) احرص ألا تتحول إلى قيصر، # 7 # وألا تصطبغ بهذه الصبغة؛ فقد تقع في ذلك إذا لم تتوخ الحذر. فكن ~~دائما بسيطا، طيبا، جادا، غير مراء، محبا للعدل، خاشعا لله، لينا، رفيقا، ~~ذا همة في كل ما تندب له. كن موقرا للآلهة وراعيا للناس؛ فالحياة قصيرة والتقوى ~~والعمل الصالح هما الثمرة الوحيدة لهذه الحياة الأرضية. # كن تلميذا لأنطونينوس # 8 # في كل شيء؛ في مضاء عزمه في كل ما يأمر به العقل، وفي رصانته الدائمة، ~~وتقواه، وصفاء محياه، وعذوبته، وتواضعه، واجتهاده في فهم الأمور حتى لا يدع أمرا ~~يمر دون أن يمحصه بدقة ويفهمه بوضوح. واذكر كيف كان يحتمل من يلومه ظلما دون أن ~~يرد على الملام بمثله، ولا يندفع في أي شيء، ولا يصغي إلى الافتراءات ولا ينافق، وكيف ~~كان يقنع بالقليل في سكناه وفراشه ولباسه وطعامه وخدمه. واذكر حبه للعمل ~~وصبره وجلده. # لقد كان رجلا يكب على الأمر سحابة يومه فلا يتركه حتى يحل المساء، ولا يفكر ~~حتى في قضاء حاجته إلا في ساعته المعتادة. كذلك كان مقتصدا في طعامه. وكان مخلصا ~~وعادلا في صداقاته، متسامحا مع المعارضة السافرة لآرائه، مرحبا بالمشورة التي ~~ترشده إلى ما هو أقوم، خاشعا لله من غير شعوذة أو خرافة. # فلتكن لك فيه أسوة حسنة؛ حتى تلقى الله وأنت على ضمير نقي كهذا النقاء. ~~(6-31) أفق من نومك، وعد إلى رشدك، لتدرك أن كل الذي عكر صفوك كان أضغاث ~~أحلام. والآن وقد استعدت وعيك مرة ثانية انظر إلى هذه الأشياء ms059 مثلما كنت تنظر إلى ~~تلك الأحلام. # 9 ~~(6-32) لقد جبلت من جسد وروح؛ فبالنسبة لهذا الجسد الهزيل كل الأشياء سواء ~~(غير فارقة) # indifferent ~~؛ فهو لا يستطيع أن ~~يميز أي فارق. أما بالنسبة للعقل فاللافارق هو ما ليس داخلا ضمن نشاطه الخاص؛ وكل ~~ما هو من نشاطه هو تحت سيطرته، ولكن من بين هذه الأشياء فإن العقل لا يعنيه إلا الحاضر؛ ~~فأنشطته في المستقبل وفي الماضي هي أيضا لا فارقة في أية لحظة حاضرة. ~~(6-33) ما دامت القدم تعمل عمل القدم واليد تعمل عمل اليد فإن عملهما، أيا كان، ~~غير مضاد للطبيعة. كذلك الإنسان ما دام يعمل عمل الإنسان فإن عمله لا يمكن أن يكون ~~ضد الطبيعة. وما دام عمله ليس ضد الطبيعة فهو غير مشين له أيضا. ~~(6-34) أما اللذة فإن القراصنة والمأبونين وقتلة آبائهم والطغاة ليتمتعون بها ~~غاية المتعة، لو كانت السعادة هي اللذة لكان اللصوص والمأبونون وقتلة آبائهم والطغاة ~~هم أسعد الناس. # 10 ~~(6-35) ألا ترى كيف يطاوع الحرفيون عامة الناس إلى حد معين، على أنهم ~~يتمسكون بمبدأ الحرفة ولا يطيقون تركه، # 11 # أليس غريبا إذن أن يولي النحات والطبيب احتراما لمبدئهما الحرفي ~~الموجه أكثر مما يوليه الإنسان لمبدئه الموجه - العقل - الذي يشارك فيه ~~الآلهة؟! ~~(6-36) آسيا وأوروبا مجرد ركنين صغيرين من العالم. كل محيط هو نقطة في العالم. ~~جبل أثوس # Athos # 12 # حفنة تراب في العالم. الزمن الحاضر كله هو ثقب دبوس في الأبدية. كل ~~الأشياء ضئيلة وسريعة التغير وزائلة، كل الأشياء تأتي من هناك ... من ذلك العقل الكلي ~~الحاكم، إما مباشرة وإما كنتيجة؛ لذا حتى فكا الأسد المفتوحان، وحتى السم، وكل ~~مؤذ من الأشياء، كالشوك، كالطين، هي نواتج بعدية للنبيل والجميل. # 13 # فلا تحسبنها غريبة عما تقدسه، بل تأمل، وأنصف، ينبوع الأشياء جميعا. # 14 ~~(6-37) من رأى الحاضر فقد رأى الأشياء جميعا؛ كل ما كان من الأزل، وكل ما سيكون إلى ~~الأبد؛ كل الأشياء عشير واحد وصورة واحدة. ~~(6-38) تأمل مليا ترابط الأشياء جميعا في العالم ms060 وقرابتها. جميع الأشياء، ~~بطريقة ما، متواشجة، ولديها من ثم مشاعر ود بعضها تجاه بعض؛ فالشيء يتلو الشيء ~~في نظام منضبط، من خلال توتر الحركة والروح الشاملة التي تلهمها ووحدة الوجود ~~كله. ~~(6-39) تلاءم مع الأشياء التي قسمت لك، وأحب هؤلاء الناس الذين ألقى بك القدر ~~بينهم. على أن يكون حبك صادقا مخلصا. ~~(6-40) أداة، عدة، وعاء ... كل هذا جيد ما دام يؤدي الوظيفة التي من أجلها صنع. ~~على أن الصانع في مثل هذه الحالات خارج عن الشيء المصنوع. أما في حالة الأشياء التي ~~تمسكها معا طبيعتها العضوية فإن القوة التي صنعتها باطنة فيها ومحايثة لها. # 15 # ولذا فإن عليك أن توقرها أكثر، وترى أنك إذا امتثلت لإرادتها في وجودك ~~وفعلك سيكون كل شيء فيك موافقا للعقل. كذلك الأمر أيضا في «الكل»؛ فكل الأشياء التي ~~تنضوي فيه تمتثل لعقل «الكل». ~~(6-41) إذا كنت تعدها خيرا أو شرا تلك الأشياء الخارجة عن سيطرتك فسوف يترتب ~~على ذلك بالضرورة أن تتذمر على الآلهة وتبغض البشر كلما أصابك هذا الشر أو كلما ~~فقدت ذلك الخير (باعتبار سبب المصاب أو الفقدان). إننا لنرتكب ظلما عظيما ~~باكتراثنا بهذه الأشياء واعتبارها «فارقة». أما إذا قصرنا صفة الخير والشر على ما ~~يقع في نطاق قدرتنا فلن يعود ثمة مبرر لاتهام إله أو لاتخاذ موقف عدائي من ~~إنسان. ~~(6-42) كلنا نعمل معا للغاية نفسها، البعض عن قصد ودراية، والبعض عن غير دراية؛ ~~تماما كما قال هيراقليطس، فيما أعتقد، إنه حتى النائمون هم عمال مشاركون في صنع كل ~~ما يحدث في العالم، لكل واحد عمله المقيض له، وهناك وظيفة حتى للمناوئ الذي يريد ~~أن يفسد الإنتاج؛ فالعالم بحاجة إليه أيضا. يبقى إذن أن تقرر في أية فئة من ~~العاملين تريد أن تضع نفسك؛ فمن المؤكد أن حاكم «الكل» سوف يجد لك استخداما نافعا ~~وسوف يسلكك في القوة العاملة لأداء دور ما في هذا العمل المشترك، ولكن احرص ألا ~~تكون البيت الرديء والمبتذل والمسف في المسرحية، على حد تعبير خريسيبوس. # 16 ms061 ~~(6-43) هل تضطلع الشمس بعمل المطر؟ أو إسكليبوس # 17 # بعمل إلهة الحصاد؟ وماذا عن كل نجم من النجوم؟ أليست هذه مختلفة ~~متمايزة ولكن تعمل سويا لنفس الغاية؟ ~~(6-44) إذا كانت الآلهة قد فكرت في شأني وفي شأن الأمور التي يجب أن تحدث لي فإن ~~قضاءها الخير؛ فليس من اليسير أن نتصور، مجرد تصور، إلها بلا فكر. ثم ماذا ~~يدعو الآلهة إلى أن تريد بي الأذى؟ أية جدوى تعود من ذلك عليها أو على الخير العام ~~الذي هو الغاية الرئيسة للعناية؟ وحتى إذا لم أكن قد خطرت بفكرها كفرد فمن المؤكد ~~أنها قد فكرت في خير «الكل» على أقل تقدير. وما دام الذي يصيبني إنما هو نتاج لهذا ~~الخير العام فإن علي أن أقبله وأرحب به. # أما إذا كانت الآلهة لا تفكر في أي شيء ولا يعنيها أمر أحد - وهو اعتقاد باطل ~~وضلال - لكان لنا أن نكف عن تقديم الضحايا، ورفع الدعاء والصلوات، والقسم بالآلهة، ~~وكل الشعائر التي تقوم على افتراض أن الآلهة حاضرة معنا ومشاركة في حياتنا. فإذا لم ~~تكن تعنيها شئوننا فإن لي أن أعنى بشأني؛ وشأني ما هو خير. وما هو خير لكل فرد هو ~~ما يلائم حالته وطبيعته. وطبيعتي هي طبيعة عقلية واجتماعية معا. # فبصفتي أنطونينوس فإن مدينتي هي روما، وبصفتي إنسانا فمدينتي هي الكون. # 18 # لذا فإن ما هو خير لهاتين المدينتين هو وحده الخير بالنسبة لي. ~~(6-45) كل ما يحدث للفرد هو لمنفعة «الكل». إلى هنا كل شيء واضح، ولكن إذا أمعنت ~~النظر فسوف ترى أيضا، كقاعدة عامة، أن ما ينفع شخصا ينفع الآخرين أيضا. على أن ~~«المنفعة» هنا يجب أن تؤخذ بمعناها الدارج إذ تقال عن أشياء لا فارقة - لا هي خير ~~ولا هي شر. ~~(6-46) مثلما يحدث لك في المدرج # amphitheater # وما ~~شابه ذلك من الأمكنة؛ حيث ثبات المنظر ورتابة المشهد يبعثان على الضجر، كذلك الحال في ~~خبرتك بالحياة ككل؛ كل شيء، هنا وهناك، هو نفس الشيء، وبنفس الأسباب. فإلى متى؟! ~~(6-47) تأمل ms062 مليا في كل ضروب البشر، ومختلف المهن، وشتى أمم الأرض التي بادت؛ ~~ثم اهبط إلى فيليستيون وفويبوس وأرويجانيون، # 19 # وعرج الآن على الفئات الأخرى من الناس. نحن أيضا مقدر علينا أن ~~نغير مقامنا إلى ذلك العالم الآخر؛ حيث هناك الكثير الكثير من الخطباء المفوهين ~~والفلاسفة الأعلام - هيراقليطس، فيثاغوراس (ميثاجوراس)، سقراط - وأبطال من الأزمنة ~~القديمة وقادة من بعدهم وملوك. أضف أيضا يودوكسوس، # 20 # وهيبارخوس، # 21 # وأرشيميدس، # 22 # وأضف رجالا آخرين خارقي الذكاء، ورجالا ذوي رؤى عظيمة، ورجالا ~~مكرسين لعملهم. وأضف أوغادا ومتعصبين، وحتى هجائين لهذه الحياة الفانية ~~العابرة مثل مينيبوس # 23 # وأضرابه. وتأمل كيف طواهم الموت منذ زمان وغيبهم التراب. فهل خسروا ~~بذلك من شيء؟ بل هل خسر شيئا أولئك الخاملون الذين ضاعت أسماؤهم ذاتها؟ لا قيمة في هذه ~~الحياة إلا لشيء واحد؛ أن تقضي عمرك في صدق وعدل، متسامحا حتى مع أولئك الذين لا ~~يعرفون الصدق ولا العدل. ~~(6-48) كلما أردت أن تبهج نفسك فاستحضر في ذهنك فضائل الذين يعيشون معك؛ نشاط ~~هذا، وتواضع ذاك، وكرم ثالث، ومنقبة أخرى لرابع ... ليس أبهج للنفس من طابع الفضيلة ~~يتجلى في خصال رفاقنا - وحبذا لو تكاثر عليك منها المزيد. فلتكن حاضرة لديك ~~دائما. ~~(6-49) تراك تتبرم بوزن جسمك؛ بأن تزن كذا من الأرطال ولا تزن ثلاثمائة رطل ~~مثلا؟! لماذا إذن تتبرم بأمد حياة من عدد كذا من السنين وليس أكثر؟ فمثلما تقنع ~~بمقدار المادة المقسومة لك ينبغي أن تقنع بحصتك الزمنية من العمر. # 24 ~~(6-50) حاول أن تقنعهم، ولكن عليك أن تعمل ضد إرادتهم، إذا ما كان مبدأ العقل ~~والعدل يقضي بذلك. فإذا اعترض أحد طريقك بالقوة فتذرع بالهدوء وحول العائق إلى ~~تمرس بصنف آخر من الفضيلة. # 25 # وتذكر أن محاولتك كانت بتحفظ، أنك لم ترد أن تعمل المستحيل. ماذا ~~تريد إذن؟ جهدا ما مقيدا بشرط. ولقد حققت هذا. ~~(6-51) كيف تفهم خيرك الخاص؟ عاشق الشهرة يجعل خيره في استجابات غيره. وعاشق اللذة ~~يجعل خيره في خبرته السلبية. أما الحكيم فيرى خيره هو ms063 أفعاله ذاتها. ~~(6-52) ما يزال في إمكاننا أن نجهل شيئا ونظل مع ذلك في صفاء عقلي؛ ذلك أنه ليس ~~لدى الأشياء نفسها خاصة طبيعية تجعلها قادرة على تشكيل أحكامنا. # 26 ~~(6-53) تعود أن تصغي بانتباه إلى ما يقوله آخر، وانفذ، قدر المستطاع، في عقل المتحدث. # 27 ~~(6-54) ما لا يفيد السرب لا يفيد النحلة. # 28 ~~(6-55) إذا ما سب البحارة قبطانهم، وسب المرضى طبيبهم، فإلى من عساهم يصغون؟ ~~أو كيف يتسنى للقبطان أن يضمن سلامة الرحلة لركابه؟ أو يتسنى للطبيب أن يضمن الصحة ~~لعملائه؟ ~~(6-56) كم رفاق أتيت معهم إلى العالم هم الآن غيب. ~~(6-57) مظاهر: # العسل مر لدى المصابين باليرقان. # والماء رعب لدى من عضتهم كلاب مسعورة. # الكرة بهجة لدى صغار الأطفال. # لماذا أنا غاضب إذن؟ أم ترى أن الحكم الزائف أقل تأثيرا من الصفراء للمصاب ~~باليرقان، أو السم في المصاب برهاب الماء. ~~(6-58) لن يمنعك أحد من أن تعيش وفقا لمبدأ طبيعتك الخاصة. ولن يحدث لك شيء مخالف ~~لمبدأ طبيعة العالم. ~~(6-59) أي صنف من البشر أولئك الذين يسترضيهم الناس؟ ومن أجل أية أهداف؟ وبأي صنف ~~من الأفعال؟ ما أسرع ما يهيل الزمن التراب على كل شيء. وما أكثر ما أهيل عليه التراب ~~بالفعل. # | الكتاب السابع # (7-1) ما الشر؟ إنه ما رأيت مرارا وتكرارا. فلتكن هذه تذكرة لك كلما صادفك أي ~~شيء من هذا: «لقد رأيت هذا من قبل مرارا.» وأينما تول فسوف تجد الأشياء ذاتها ~~التي يعج بها تاريخ العصور، القديمة منها والوسيطة والحديثة، وتعج بها المدن ~~والديار في يومنا هذا. لا جديد ... كل شيء مألوف ومعروف ... وزائل. ~~(7-2) كيف يمكن أن تموت مبادؤك ما لم تمت التصورات العقلية المناظرة لها؟ # 1 # ولكن بيدك أن تروح هذه التصورات باستمرار وتحيي ضرامها، «بوسعي أن ~~أتخذ هذا الرأي الذي ينبغي اتخاذه في هذا الشيء، وما دام ذلك بوسعي فلماذا أبتئس؟ كل ما ~~يقع خارج عقلي لا شأن له به على الإطلاق.» تعلم هذا تقف ثابتا. بوسعك أن تعيش مرة ms064 ~~أخرى. انظر إلى الأشياء مرة ثانية كما اعتدت أن تنظر إليها، فهكذا تسترد حياتك ~~وتستأنفها. ~~(7-3) الأبهة الفارغة للمواكب والاحتفالات، عروض المسرح، القطعان والأسراب، عروض ~~المبارزة (المقارعة بالسيف)، عظمة ملقاة للجراء، # 2 # فتات ملقى لسمك البركة، نمل يكدح وينوء بأحماله، عدو فئران ~~مذعورة، دمى ترقصها خيوطها، هكذا أشياء العالم. عليك أن تظل سمحا بين هذا كله، ~~وألا تسخر منه. على أن تضع في اعتبارك أن قدر المرء إنما يقاس بقيمة الأشياء التي ~~يقدرها. ~~(7-4) في مجال القول عليك أن تصغي إلى ما يقال، وفي مجال الفعل عليك أن تلاحظ ما ~~يفعل. في الثاني أن تدرك مباشرة الغاية التي يرمي إليها الفعل، وفي الأول أن تشهد ~~بدقة المدلول الذي يشير إليه القول. ~~(7-5) هل فهمي قادر على هذه المهمة أو لا؟ إذا كان قادرا فسوف أستخدمه كأداة للعمل ~~وهبتني إياها طبيعة «الكل». وإذا لم يكن فإما سوف أتنحى عنها وأتركها لمن هو أقدر ~~عليها مني، وإما، إذا لزم الأمر، سوف أحاول أن أنفذها جهد ما أستطيع بالاستعانة بمن ~~يمكنه بالتعاون مع عقلي الموجه أن يحقق ما هو ملائم للمجتمع في هذه اللحظة ~~المحددة ومفيد للصالح العام. وأيا كان ما أفعل، بنفسي أو مع غيري، فينبغي أن ~~ينصب على شيء واحد؛ ما هو مفيد وملائم للمجتمع. ~~(7-6) ما أكثر الذين حلقوا إلى أعالي المجد يوما ما وهم الآن في غمرة الخمول! ~~وما أكثر الذين تغنوا بمجد هؤلاء واندثروا منذ زمن طويل! ~~(7-7) لا تستح من طلب العون. # 3 # إن مهمتك أن تؤدي الواجب المنوط بك، شأنك شأن جندي في مفرزة ~~ارتقاء حصن؛ فماذا إذن لو كنت أعرج ولا تستطيع تسلق الجدار بنفسك بينما ~~يمكنك ذلك بمساعدة آخر؟ ~~(7-8) لا تحمل هم الأمور القادمة، فلسوف تأتي إليها، إذا لزم الأمر، مسلحا ~~بنفس العقل الذي تستخدمه الآن في الأمور الحالية. ~~(7-9) جميع الأشياء متواشجة متشابكة، يربطها معا رباط مقدس، لا شيء غريب عن ~~الأشياء الأخرى؛ فجميعها قد رتبت معا لكي تتعاون على تحقيق «النظام» ms065 الواحد للعالم؛ ~~ذلك أن «العالم» المؤلف من جميع الأشياء واحد، # 4 # والإله المنبث في كل الأشياء واحد، والمادة واحدة، والقانون واحد، ~~والعقل الشائع في جميع الموجودات العاقلة واحد، والحقيقة واحدة؛ لأن الحقيقة هي كمال ~~الموجودات العاقلة المشاركة في عقل واحد. ~~(7-10) كل شيء مادي سرعان ما يتبدد في مادة العالم. وكل شيء سببي (صوري) سرعان ~~ما يرد إلى عقل العالم، وذكرى كل شيء سرعان ما تطمر في الأبدية. ~~(7-11) بالنسبة لكل كائن عاقل فالعمل وفقا للطبيعة هو أيضا العمل وفقا ~~للعقل. ~~(7-12) قم بنفسك ... أو بغيرك. # 5 ~~(7-13) الكائنات العاقلة كأعضاء الجسد الواحد خلقت للتعاون، ستتبين هذا بوضوح ~~شديد كلما قلت لنفسك إنني «عضو» # melos # في منظومة ~~الكائنات العاقلة. أما إذا قلت إنني «جزء» # meros ~~... ~~بتغيير الحرف الواحد # 1 # إلى # r ~~، فأنت بعد لا تحب رفاقك البشر من قلبك، وفعلك ~~الخير لا يبهجك كغاية في ذاته ... ما زلت تفعل البر بوصفه أدبا وواجبا وليس بوصفه ~~برا بنفسك. ~~(7-14) دع ما يصيبك من الخارج يصيب، ودع الأجزاء التي يمكن أن تتأثر به تشكو ما ~~شاءت، فلست مضارا إلا إذا عقدت الرأي بأنه ضرر، وبوسعي ألا أرى هذا الرأي. # 6 ~~(7-15) مهما يقل أي شخص أو يفعل فإن علي أن أكون رجلا صالحا، شأنه شأن ~~زمرد أو ذهب أو أرجوان ما فتئ يقول: «مهما يقل أي شخص أو يفعل فإن علي أن ~~أكون زمردا وأن أحتفظ بلوني.» ~~(7-16) العقل الموجه لا يكرث نفسه؛ فلا هو يروعها ولا هو يسوقها إلى الرغبة. ~~فليروعها ما شاء أو يؤلمها فإنه بذاته وبحكمه الخاص لن يعمد إلى الالتفات إلى مثل ~~هذه الحالات. فليحرص الجسد على تجنب الألم ما وسعه ذلك، ولتقل النفس الحاسة إني ~~أخاف أو أتألم. أما ذلك العقل الذي يضع التقييم العام لكل هذه الأشياء فلن يعاني ~~على الإطلاق؛ لن يندفع بنفسه إلى أي من هذه الأحكام؛ فالعقل الموجه بحد ذاته ليس ~~به حاجة ما لم يخلق الحاجة بنفسه؛ ومن ثم فهو لا يضر ms066 ولا يعاق ما لم يضر نفسه ~~أو يعق نفسه. ~~(7-17) السعادة إله طيب أو شيء طيب. لماذا إذن، أيها الخيال، تفعل ما تفعله؟ اذهب، ~~ناشدتك الآلهة، اذهب من حيث أتيت، فلست بحاجة إليك. لقد أتيت على عادتك القديمة ... ~~ولست غاضبا منك. فقط دعني واذهب. # 7 ~~(7-18) هل يخشى أحد من التغير؟ حسن، فأي شيء يمكن أن يحدث من دون تغير؟ أو أي ~~شيء أعز على طبيعة «الكل» وأقرب إليها من التغير؟ هل بوسعك أنت نفسك أن تغتسل ~~إذا لم ينل التغير خشب الموقد؟ هل بوسعك أن تأكل دون أن يتغير ما تأكله؟ هل يمكن ~~أن يتحقق أي شيء نافع في الحياة بدون تغير؟ ألست ترى، إذن، أن التغير بالنسبة لك ~~هو الشيء نفسه، وأنه ضروري بنفس الدرجة لطبيعة «الكل»؟ # 8 ~~(7-19) في مادة العالم، كما في تيار جارف، تذهب جميع أجسادنا؛ فهي بطبيعتها متحدة ~~بالكل ومتعاونة معه، مثلما تتعاون أعضاء الجسد الواحد بعضها مع بعض، كم خريسيبوس، وكم ~~سقراط، وكم إبكتيتوس ابتلعته الأبدية؟ # 9 # وليبدهك هذا التصور بخصوص كل إنسان وكل شيء. ~~(7-20) لا أخشى إلا من شيء واحد؛ أن أفعل شيئا ما؛ لا تسمح به فطرة الإنسان، أو ~~بطريقة لا تسمح بها الفطرة، أو أفعل ما لا تسمح به الآن. ~~(7-21) سرعان ما ستكون قد نسيت كل شيء، ويكون قد نسيك كل شيء. ~~(7-22) من الطبيعة الإنسانية أن تحب حتى من يزلون ويسقطون. يتبين ذلك إذا ما ~~أخذت باعتبارك، حين يخطئون، أن البشر إخوة، وأنهم يخطئون عن جهل وليس عن عمد، وأن ~~الموت لا يلبث أن يطويك ويطويهم. والأهم، أن المخطئ لم يضرك، ولم يجعل عقلك ~~الموجه في وضع أسوأ مما كان عليه من قبل. # 10 ~~(7-23) تستخدم الطبيعة مادة العالم مثلما يستخدم الشمع؛ فتارة تخلق منه كهيئة ~~حصان، ثم تصهره وتستخدم مادته لخلق شجرة، ثم إنسان، ثم شيء آخر. كل شيء من هذه ~~الأشياء لا يدوم إلا قليلا. ليس صعبا على الوعاء أن ينحطم، مثلما لم يكن صعبا ms067 عليه ~~أن يستوي من قبل وعاء. ~~(7-24) التجهم شيء مضاد للطبيعة. وإذا أصبح عادة متكررة فإن صباحة الوجه ~~وتعبيره يموتان رويدا رويدا. وربما ينطفئان في النهاية انطفاء لا ضرم بعده. حاول ~~أن تخلص من هذه الحقيقة ذاتها إلى أن التجهم شيء مضاد للطبيعة؛ ففي مجال السلوك ~~الأخلاقي فإننا لو فقدنا إدراكنا لفعل الشر فلن يبقى لنا أي سبب للعيش بعد ذلك. ~~(7-25) كل ما تراه سوف يتغير في لحظة، تغيره الطبيعة التي تحكم «الكل»؛ ستخلق ~~أشياء أخرى من هذه المادة، ثم أشياء أخرى من هذه، وهكذا بحيث يبقى العالم صبيا على الدوام. # 11 ~~(7-26) إذا ألحق بك شخص أذى ما، فانظر للتو أي حكم عن الخير أو الشر أدى به إلى ~~إيذائك. عندئذ سوف ترثي له ولن يأخذك شعور بالعجب أو بالغضب؛ ذلك أنك إما تشاركه ~~رأيه في الخير أو ترى رأيا قريبا منه، فتكون قمينا إذ ذاك أن تعذره، وإما أنك لا ~~ترى في مثل هذه الأشياء خيرا ولا شرا، هنالك سيكون بميسورك أن تصبر على جهل الجاهل. # 12 ~~(7-27) لا تحلم بامتلاك ما لا تمتلكه، بل تأمل النعم الكبرى فيما تملكه. وذكر ~~نفسك كم ستفتقد هذه الأشياء لو لم تكن لديك. # 13 # ولكن احرص ألا تدع التنعم بها يجعل منك مدمنا لها معتمدا عليها؛ ~~كيلا تبتئس إذا ما فقدتها يوما ما. # 14 ~~(7-28) اتجه إلى ذاتك. # 15 # إن من طبيعة العقل الموجه أن يكون قانعا بنفسه حين يعمل ما هو صالح، ~~وينعم في ذلك بالسكينة. ~~(7-29) امح أثر الخيال. أوقف حركة خيوط الدمى التي تتجاذبك. انصرف إلى اللحظة ~~الحاضرة، تفهم جيدا ما يحدث لك أو لغيرك. حلل الحدث وقسمه إلى شطر ~~صوري (سببي) وشطر مادي. فكر في ساعتك الأخيرة. وأعرض عن الشر الذي فعله ~~آخر واتركه حيث فعله. # 16 ~~(7-30) ركز انتباهك على ما يقال. ودع فهمك ينفذ إلى ما يحدث وإلى ما ~~يحدثه. ~~(7-31) تجمل بالبساطة والتواضع وعدم الاكتراث بما ليس خيرا ولا شرا. # 17 # أحب البشر، ms068 أطع الله. يقول ديمقريطس: «كل ما عدا ذلك خاضع لقانون ~~العرف، وحدها العناصر هي مطلقة وحقيقية.» ولكن بحسبك أنت أن تذكر أن الكل خاضع ~~للقانون؛ فالقواعد ترد إلى عدد قليل جدا. ~~(7-32) عن الموت؛ سواء كان الأمر تشتتا أو تحللا إلى ذرات أو عدما فإنه إما ~~فناء وإما تغير. ~~(7-33) عن الألم: الألم إن زاد عن الحد وضع نهاية لحياتنا، أما إذا كان مزمنا ~~فمن الممكن احتماله. والعقل بترفعه بنفسه يحتفظ بسكينته. العقل الموجه لا يعوقه ~~الألم، وللأجزاء المتأثرة بالألم أن ترى فيه ما تراه. # 18 ~~(7-34) عن الشهرة: انظر إلى عقولهم، أولئك الذين يبتغون الشهرة، إلى طبيعة تفكيرهم، ~~وأي صنف من الأشياء يريدون وأي صنف يتجنبون. وانظر كيف تغشي الأحداث اللاحقة على ~~السابقة، كما تتراكم أكوام الرمال فينهال لاحقها على سابقها ويواريه. # 19 ~~(7-35) «إذن، لدى إنسان أوتي عقلا ساميا ورؤية للزمان كله؛ ترى هل ستبدو هذه ~~الحياة الإنسانية على أي درجة من الأهمية؟» # 20 ~~- محال. ~~- «إذن هل يمكن لمثل هذا الإنسان أن يرى في الموت ما يدعو إلى الفزع؟» ~~- بالطبع لا. ~~(7-36) «قدر الملوك أن تفعل الخير وتذم عليه.» # 21 ~~(7-37) من المخجل أن يطيع الوجه أوامر العقل ويشكل تعبيراته وفق إملاءاته، ~~بينما يعجز العقل عن أن يفرض شكله ونظامه على نفسه. ~~(7-38) «لا ينبغي أن تسخط على الأشياء والوقائع المحضة؛ لأنها لا عقل لها حتى ~~تكترث بسخطك.» # 22 ~~(7-39) «هلا أرضيت الآلهة الخالدة وأرضيتنا؟» # 23 ~~(7-40) «السنابل الناضجة ينبغي أن تحصد، وكذلك حياة كل منا؛ واحدة تقوم، وأخرى تسقط.» # 24 ~~(7-41) «إذا لم تعبأ الآلهة بي ولا بأبنائي، فثمة ما يبرر ذلك.» # 25 ~~(7-42) «لأن الخير والحق يقفان إلى جانبي.» # 26 ~~(7-43) لا تشارك الآخرين في النحيب، ولا في الانتشار الصاخب. ~~(7-44) ولكن بوسعي أن أقدم لهذا الرجل جوابا شافيا فأقول له: «لقد جانبك ~~الصواب يا صديقي إذا حسبت أنه يجب على أي إنسان على أي قدر من الصلاح أن يحسب ~~حسابا لمخاطر الحياة أو الموت. إنما ms069 عليه في أي فعل من أفعاله ألا ينظر إلا إلى ~~شيء واحد؛ هل ما يفعله صواب أو خطأ؟ فعل إنسان صالح أو إنسان شرير؟ ~~(7-45) «فالحق أقول لكم، إخوتي الأثينيين، أينما كان الموقع الذي اتخذه امرؤ، سواء ~~رآه الأفضل له أو حدده له قائده، هنالك يتوجب عليه، فيما أرى، أن يثبت ويصمد ~~للمخاطر، لا يقيم وزنا للموت ولا لغيره بالقياس إلى عار التخلي عن موقعه.» # 27 ~~(7-46) «ولكن، يا صديقي العزيز، ألا يمكن أن تكون النبالة والفضيلة شيئا آخر غير ~~السلامة والنجاة؟ وأن الرجل الحقيقي ينبغي ألا يكترث بمدة الحياة، أو بمجرد العيش من ~~أجل العيش؟ إنما عليه أن يترك ذلك لله وأن يعتبر بقول النساء إنه لا مهرب لأحد من ~~أجله. إنما يجب أن ينصرف فكره إلى هذا السؤال الثاني: كيف يعيش على أفضل نحو ذلك ~~الزمن المقدر عليه أن يعيشه؟» # 28 ~~(7-47) تأمل مسارات النجوم كما لو أنك تسير ~~معها حيث تسير، وتأمل دوما تحولات العناصر بعضها إلى بعض. جديرة هذه التأملات أن ~~تغسل عنك أدران الحياة الأرضية. # 29 ~~(7-48) ثم عندما تتحدث عن بني الإنسان فلتنظر إلى الأشياء الأرضية كأنك تنظر إليها ~~من نقطة عالية - الجموع، الجيوش، المزارع، أحداث الزواج والطلاق والميلاد والموت، صخب ~~المحاكم، الصحاري، شتى الأمم الأخرى، الاحتفالات، الجنازات، الأسواق؛ خليط كل ~~الأشياء والاتحاد المنظم للأضداد. # 30 ~~(7-49) انظر وراءك إلى الماضي؛ إلى كل تلك التحولات الشديدة للأسر الحاكمة، ~~وبوسعك عندئذ أن تتنبأ أيضا بما سوف يكون؛ فمن المؤكد أنه سيكون مشابها لذلك ~~تماما وأنه لا يمكن أن يحيد عن إيقاع الحاضر؛ ومن ثم فإنه سيان أن تتأمل الحياة ~~البشرية أربعين سنة وأن تتأملها لعشرة آلاف من السنين؛ فأي جديد عساك تراه؟ ~~(7-50) # ما يأتي إلى الأرض فإلى الأرض يعود، # أما ما يشطأ من بذرة سماوية، # فيعود إلى حيث جاء؛ إلى السماء. # 31 # وإلا فهو هذا؛ انحلال رابطة الذرات، وتشتت مماثل للعناصر غير ~~الحاسة. ~~(7-51) # بطعام أو شراب، أو بسحر ماكر، # يريد أن يشق طريقا ms070 للهروب من الموت. # 32 # الريح التي أرسلها الله، # علينا أن نتحملها ... وأن نكدح، # دون أن نشكو. # 33 ~~(7-52) أكثر قدرة على الإطاحة بخصمه أرضا، ولكن ليس أكثر قدرة ~~على الود أو التواضع، أو دربة على مواجهة الأحداث، أو العفو عن زلات جيرانه. # 34 ~~(7-53) حيثما أمكننا أن ننفذ مهمة ما وفقا للعقل، الذي يشارك فيه الآلهة والبشر، ~~فليس ثمة شيء نخشاه؛ فما دام بإمكاننا أن نجني فائدة من عمل يمضي في الطريق ~~القويم والمساير لفطرتنا البشرية فليس علينا أن نتوجس من أي أذى يترصدنا. ~~(7-54) أينما كنت ووقتما كنت فإن بوسعك أن تمجد الله راضيا بحالك، وأن ~~تعامل من معك من الناس بالعدل، وأن تنعم النظر في كل انطباع راهن في عقلك بحيث لا ~~تدع شيئا يفلت من منال فهمك. ~~(7-55) لا تتلفت حولك لكي تنقب في عقول الآخرين، بل انظر أمامك إلى هذا، ما ~~تقودك إليه الطبيعة؛ إلى طبيعة العالم فيما يحدث لك، وإلى طبيعتك فيما يجب أن تفعله، كل ~~مخلوق ينبغي أن يفعل ما تمليه عليه فطرته الخاصة، ولقد جبلت بقية المخلوقات على خدمة ~~الكائنات العاقلة (مثلما أنه في كل شيء آخر يوجد الأدنى من أجل الأعلى)، أما ~~الكائنات العاقلة فقد جبلت على أن يخدم بعضها بعضا. # المبدأ الرئيس، إذن، في جبلة الإنسان هو المبدأ الاجتماعي. والمبدأ الثاني هو ~~ألا يستسلم لإلحاحات الجسد؛ فمن الخصائص التي ينفرد بها العقل أنه يعزل نفسه ولا ~~يتأثر بنشا الحواس أو نشاط الرغبات؛ فهذان النشاطان حيوانيان، بينما غاية النشاط ~~العقلي أن يتسيد عليهما ولا يسلم قياده لهما؛ لأن طبيعته ذاتها هي أن يضع كل هذه ~~الأشياء تحت إمرته. والعنصر الثالث في الجبلة العقلية هو الحكم المتأني الحصيف، ~~فليبق عقلك الموجه، إذن، أمينا لهذه المبادئ، وليتخذ الطريق المستقيم، حتى يبلغ ما ~~هو أهل له. ~~(7-56) تخيل أنك الآن ميت، وأن حياتك انتهت في هذه اللحظة، ثم عش ما تبقى لك ~~من العمر في وفاق مع الطبيعة. ~~(7-57) لا تحب إلا ما ألم بك ms071 ونسج لك من خيط مصيرك؛ فأي شيء أنسب لك من ~~هذا؟ ~~(7-58) في كل حادث يطرأ عليك ضع نصب عينك أولئك الذين مروا من قبل بنفس الخبرة ~~واستجابوا لها بالحنق أو بعدم التصديق أو بالشكوى. فأين هم الآن؟ في لا مكان. هل تريد، ~~إذن، أن تفعل مثلهم؟ لماذا لا تدع هذه الأمزجة الغريبة عن الطبيعة لمن أثارها ولمن ~~أثير بها، وتنصرف بكل همتك إلى كيف تستخدم هذه الأحداث التي ألمت بك؟ فعندئذ ~~ستستخدمها استخداما حسنا، وستكون مادة خاما في يديك. فقط انتبه وحاذر وحاول، جهد ~~ما تستطيع، أن تكون إنسانا صالحا في كل فعل تفعله. # 35 ~~(7-59) نقب في ذاتك. ها هنا بالداخل ينبوع خير جاهز لأن يتدفق في أي لحظة إذا ما ~~بقيت تنقب. ~~(7-60) الجسد أيضا يجب أن يبقى متماسكا، وألا يتقلب في الحركة أو في الوضع. ~~ومثلما يمارس العقل تأثيرا على الوجه فيضفي عليه سيماء الذكاء والجاذبية، فإن شيئا ~~كهذا ينبغي أن يطلب أيضا للجسد ككل، على أن يلحظ كل هذا من دون تعمل أو ~~تكلف. ~~(7-61) فن الحياة أشبه بفن المصارعة منه بفن الرقص؛ فهو أيضا يتطلب أن يكون المرء ~~مستعدا لمواجهة ما يحدث بغتة وعلى غير انتظار. ~~(7-62) عليك دائما أن تلحظ من هؤلاء الذين تريد أن تحظى بإطرائهم، وما هي العقول ~~التي توجههم. فإذا ما نظرت إلى مصادر حكمهم ورغباتهم فلن تلوم من ينالك منهم دون ~~قصد ولن تشعر بحاجة إلى استحسانهم. ~~(7-63) يقول أفلاطون: «ليست هناك نفس تريد عمدا أن تحرم من الحقيقة.» والشيء نفسه ~~ينسحب على العدالة، والاعتدال، والإحسان، وكل هذه الفضائل. من المهم للغاية أن تضع هذا ~~دائما باعتبارك؛ فبذلك سوف تكون أرفق بالجميع. ~~(7-64) كلما عانيت ألما فاذكر أن الألم لا يشينك ولا يمس فكرك الموجه بأذى، ~~لا من حيث طبيعته العقلية ولا الاجتماعية. وفي أغلب حالات الألم سوف يسعفك قول ~~إبكتيتوس: «ليس الألم بالشيء غير المحتمل ولا هو بالشيء الدائم ما دمت تذكر حدوده ~~ولا تضخمه في خيالك.» وتذكر ms072 أيضا أن كثيرا من الأشياء التي نجدها غير مريحة ~~هي في حقيقة الأمر تشارك الألم في طبيعته؛ الخمول الزائد مثلا، والحر الشديد، وفقدان ~~الشهية؛ لذا كلما وجدت نفسك تشكو من أي من هذه الأشياء قل لنفسك: «إنك تستسلم ~~للألم.» ~~(7-65) إياك أن تعامل مبغضي البشر مثلما يعاملون البشر. ~~(7-66) كيف لنا أن نعرف أن شخصية # Telauges # 36 # لم تجعل منه إنسانا أفضل من سقراط؟ ليس يكفي أن سقراط مات ميتة أمجد، أو ~~أنه كان يجادل السوفسطائيين جدلا أكثر براعة؟ أو أنه كان أكثر جلدا إذ قضى ليلة ~~كاملة في الصقيع، أو أنه كان أشجع إذ قرر رفض الأمر باعتقال ليون من سلاميس، أو أنه ~~كان يمشي مختالا في الشوارع # 37 ~~(وإن كان للمرء أن يشك تماما في صحة ذلك). كلا ... إن ما يلزمنا بحثه هو ~~طبيعة نفس سقراط. علينا أن نسأل: هل كان بوسعه أن يقنع بأن يكون عادلا تجاه الناس ~~وتقيا تجاه الآلهة، فلا هو يشجب نقائص الناس جملة ولا هو يتملق جهل أي شخص، ولا ~~يستنكر أي نصيب مقسوم له من «الكل» أو يراه حملا ينوء به، ولا يسمح لعقله أن يميل ~~مع الأهواء البائسة للجسد؟ ~~(7-67) ما كان للطريقة التي مزجتك بها الطبيعة بالكل المركب أن تحول بينك وبين ~~أن ترسم حدا يحدك ويحفظ ما هو لك تحت سيطرتك. تذكر هذا دائما. وتذكر أيضا ~~أن الحياة السعيدة تعتمد على أقل القليل. ولا تظن أنك لمجرد يأسك من أن تصبح ~~فيلسوفا أو عالما ينبغي أن تيأس من أن تكون ذا روح حرة، وتواضع، وضمير حر، وطاعة ~~لله. إن بإمكانك تماما أن تكون «إنسانا إلهيا» دون أن يلحظ ذلك أحد! ~~(7-68) اذرع حياتك دون أي ضغط قهري، وفي أتم سكينة عقلية، حتى لو هتف العالم ~~كله ضدك، وحتى لو مزقت الوحوش أعضاء هذه الكتلة الجسدية البائسة الملتحمة حولك؛ فأي ~~شيء في كل هذا يحول بين عقلك وبين أن يبقي نفسه في سكينة، وأن يحتفظ بالحكم السليم على ~~الظرف والاستعداد ms073 لأن يستعمل أي حدث يقدم له؛ بحيث يقول «الحكم» # Judgement # ل «الظرف» # Circumstance ~~: هكذا أنت في الحقيقة وإن ظهرت في رأي الناس على أنك من ~~صنف آخر»، ويقول «الاستعمال» # Use # ل «الحدث»: # Event ~~«أنت ما كنت أبتغيه ... فأنا من يأخذ دائما ~~ما يعرض له ليجعل منه مادة خاما لممارسة الفضيلة العقلية والاجتماعية؛ وباختصار، ~~لممارسة الفن الذي ينتمي إلى الإنسان أو الإله.» ذلك أن كل شيء يحدث يتعلق إما ~~بالإله أو بالإنسان، وليس هو بالشيء الجديد ولا العصي على التناول، إنما هو معتاد ~~ومادة طيعة للعمل. # 38 ~~(7-69) كمال الخلق في هذا؛ أن تعيش كل يوم كما لو كان آخر أيامك، بغير سعار، وبغير ~~بلادة، وبغير رياء. # 39 ~~(7-70) الآلهة، الذين لا يموتون، لا يضيقون بواجبهم طوال الزمان في أن يتحملوا البشر ~~كما هم وعلى ما هم عليه من الشر. وفوق ذلك فإنهم يرعونهم بكل الطرق. أما أنت، أيها ~~المقدر عليه أن يزول سريعا، تراك تضيق بتحمل الأشرار؟ وتضيق بهم وأنت واحد ~~منهم؟! ~~(7-71) عيب على الإنسان ألا يفر من رذائله، وهو ممكن، بينما يحاول الفرار من رذائل ~~الآخرين، وهو غير ممكن. ~~(7-72) أيما شيء تجده الملكة العاقلة والاجتماعية غير عاقل ولا اجتماعي، فإنها ~~تعده، بحق، دونها في الدرجة. ~~(7-73) ما دمت فعلت خيرا وتلقاه آخر، فمالك لا تزال تترقب، كالأبله، شيئا ~~ثالثا إلى جانب هذين؛ أن تنال صيتا بفعل الخير، أو تتلقى مقابلا؟ ~~(7-74) لا أحد يسأم من تلقي ما هو نافع. والعمل وفقا للطبيعة هو منفعتك الخاصة. ~~لا تسأم إذن من المنافع المحصلة بواسطة المنافع المبذولة. ~~(7-75) طبيعة «الكل» هيأت نفسها لتخلق عالما؛ فالآن إما أن كل شيء أتى إلى ~~الوجود قد صدر من ذلك كنتيجة منطقية، وإما أنه حتى الغايات الرئيسية التي هيأ لها ~~العقل الموجه للعالم حركته الخاصة هي غايات لا عقلانية. إذا تذكرت هذا فسوف ~~يعينك على أن تكون أكثر سكينة في أمور كثيرة. # | الكتاب الثامن # (8-1) هذه الخاطرة أيضا قد تذهب عنك الزهو والادعاء؛ إذ ms074 لم يعد بوسعك الآن ~~أن تقضي حياتك كلها، أو فترة الرشد من حياتك على الأقل، كفيلسوف؛ فقد بات واضحا ~~للكثيرين، وأنت منهم، أنك أبعد ما تكون عن الفلسفة. لقد تبدد أملك إذن وتقطعت ~~بك السبل وصار من الصعب عليك الآن أن تنتزع لقب فيلسوف، كما أن خطك في الحياة يمضي ~~عكس ذلك، # 1 # فإذا كنت ما تزال على تبصر بحقيقة الأمور فأقلع عن الرغبة في الصيت، ~~واقنع بأن تعيش ما تبقى من حياتك، أيا كان ما تبقى منها، مثلما تريد لك طبيعتك. ~~عليك إذن أن تلحظ ما تريده هذه الطبيعة وألا تدع شيئا يصرفك عنه. لقد طوفت ما ~~طوفت ومضيت في دروب كثيرة ولم تعثر على السعادة في أي درب منها؛ لم تعثر عليها ~~في المنطق، ولا في الثروة، ولا في المجد، ولا في المتعة، ولا في أي شيء. أين إذن يمكن ~~أن تجدها؟ في أن تفعل ما تقتضيه طبيعة الإنسان. وكيف تفعل ذلك؟ بأن تكون لديك مبادئ ~~تحكم رغباتك وأفعالك. ما هي هذه المبادئ؟ تلك المتصلة بالخير والشر؛ اليقين بأنه لا شيء ~~يعد خيرا للإنسان ما لم يجعله عادلا، ومعتدلا، وشهما، وحرا، ولا شيء يعد ~~شرا ما لم يجعله عكس ذلك. ~~(8-2) في كل فعل تهم به اسأل نفسك: «هل يلائمني ذلك؟ هل سأندم عليه؟ لسوف أموت بعد ~~برهة وينقضي كل شيء. ماذا أطلب أكثر إذا كان هذا العمل الذي أؤديه هو عمل كائن ~~عاقل واجتماعي، يشارك الله قانونا واحدا؟» ~~(8-3) الإسكندر، يوليوس قيصر، بومبي؛ فيم يختلف هؤلاء عن ديوجينيس # 2 # وهيراقليطس وسقراط؟ لقد بصر هؤلاء الأخيرون بالواقع وصورته ومادته، ولم ~~يكن لهم سيد سوى عقلهم الموجه. أما الثلاثة الأول فكانوا عبيدا لطموحاتهم جميعا. # 3 ~~(8-4) حتى لو انفجرت من الغيط فسوف يمضون على سنتهم ويعملون على شاكلتهم. ~~(8-5) قبل كل شيء لا تبتئس، فكل شيء يمضي وفق طبيعة العالم. وبعد برهة ستكون لا ~~شيء وفي لا مكان، مثلما هو الآن هادريانوس وأوغسطس. ثم انصرف إلى عملك الذي تؤديه ms075 ~~وانظر إليه ماذا يكون. وتذكر أن واجبك أن تكون رجلا صالحا وتذكر ما يقتضيه ~~ذلك. ثم امض في عملك لا تلوي على شيء. وتحدث بما تراه الأصوب. على أن تفعل ذلك ~~دائما برفق وتواضع وبغير رياء. ~~(8-6) تنشغل طبيعة العالم بهذا العمل؛ أن تحول الواقع إلى آخر، أن تغير ~~الأشياء، أن تأخذها من هنا وتضعها هناك. كل الأشياء تغير. # 4 # على أن هناك اطرادا في توزيعها. كل شيء مألوف؛ وليس ثم ما يدعونا ~~إلى الخوف من أي شيء جديد. # 5 ~~(8-7) كل كائن حي قانع بنفسه إذا هو اتبع الطريق الصحيح لطبيعته. والطريق الصحيح ~~للطبيعة العاقلة هو ألا تساير أي شيء زائف أو مبهم فيما ينطبع على عقلها، وأن ~~توجه نزعاتها إلى الفعل الاجتماعي وحده. وألا ترغب أو تتجنب إلا في حدود ~~قدرتها، وأن ترضى بكل ما قسمته لها طبيعة العالم؛ ذلك أنها جزء من طبيعة العالم، ~~مثلما أن طبيعة الورقة جزء من طبيعة النبات؛ عدا أن طبيعة الورقة تفتقر إلى الإدراك أو ~~العقل، وأنها عرضة للإعاقة. أما طبيعة الإنسان فهي جزء من طبيعة غير معاقة، طبيعة ~~عاقلة وعادلة؛ فهي تقدر لكل كائن قدره العادل من الزمن والمادة والصورة والنشاط ~~والخبرة، ولكن هيهات أن تجد تناظر واحد لواحد بين كل شيء وضريبه من الأشياء، بل ~~ستجد بالأحرى تكافؤا كليا بين هذا الشيء وذاك في جملتهما وعمومهما. ~~(8-8) ليس لديك متسع للدرس والتحصيل، ولكن لديك متسع لأن تكف الغطرسة، ولديك ~~متسع لأن تعلو فوق اللذة والألم، ولديك متسع لأن ترتفع فوق حب الشهرة والمجد، ~~وألا تحنق على البليد والجاحد، بل - حقا - أن ترعاهما. # 6 ~~(8-9) لا تعد تسمع أحدا تذمرا من حياة البلاط، ولا حتى نفسك. # 7 ~~(8-10) الندم هو نوع من توبيخ الذات على إهمالها شيئا ما نافعا. غير أن ما هو خير ~~ينبغي أن يكون شيئا نافعا يحرص عليه الشخص الخير جد الخير، ولكننا لا نرى إنسانا ~~خيرا جد الخير يندم على فوات لذة حسية. اللذة إذن ليست خيرا ms076 ولا نفعا. # 8 ~~(8-11) هذا الشيء؛ ما هو في ذاته، في جبلته؟ ما جوهره ومادته؟ ما وظيفته في ~~العالم؟ وكم من الزمن يعمر؟ # 9 ~~(8-12) إذا وجدت نفسك تقوم من النوم كرها فتذكر أن من جبلتك وطبيعتك البشرية أن ~~تؤدي أفعالا اجتماعية، في حين أن النوم شيء مشترك أيضا مع الحيوانات غير ~~العاقلة. ولكن ما يتفق مع طبيعة كل فرد هو أيضا شيء ألصق بهذه الطبيعة وأنسب لها ~~وأكثر قبولا وسواغا في حقيقة الأمر. # 10 ~~(8-13) اختبر دوما انطباعاتك الذهنية - كل انطباع على حدة إذا أمكن - طبق عليها ~~مبادئ الفيزياء والأخلاق والجدل. # 11 ~~(8-14) كلما قابلت شخصا اسأل نفسك أولا هذا السؤال المباشر: «ما هي الأحكام التي ~~يأخذ بها هذا الشخص حول الخير والشر في الحياة؟» ذلك أنه إذا كان يعتقد هذا الاعتقاد ~~أو ذاك عن اللذة والألم ومكوناتهما، وعن الشهرة والخمول، وعن الحياة والموت، إذن فلن ~~يكون مستغربا لدي أو عجيبا إذا ما تصرف بهذه الطريقة أو تلك، وسوف أتذكر أنه ~~ليس لديه خيار إلا أن يسلك كما سلك. # 12 ~~(8-15) أعجيب أن تنبت شجرة التين تينا؟ فأي عجب في أن ينتج العالم هذه ~~الأشياء أو تلك مما هو منتجه؟ أيعجب الطبيب لحمى مريض، أويعجب القبطان لريح ~~معاكسة؟ ~~(8-16) تذكر أن تغييرك لرأيك أو قبولك لتصويب يأتي من غيرك هو شيء يتسق مع حريتك ~~قدر اتساق عنادك وإصرارك على خطئك؛ فالفعل فعلك، تحثه رغبتك أنت وحكمك، وفهمك في ~~حقيقة الأمر. ~~(8-17) إذا كنت مخيرا في هذا الشيء فلماذا فعلته؟ أما إذا كان غيرك هو المخير فيه ~~فمن تراك تلوم؛ الذرات (المصادفة) أم الآلهة؟ كلاهما حماقة؛ فلا محل للوم، بل قوم ~~هذا الفاعل إن استطعت، فإذا لم تستطع فقوم الشيء على الأقل. فإذا لم تستطع فأي هدف ~~يحققه اللوم؛ إذ كل فعل ينبغي أن يتم لهدف. ~~(8-18) كل ما مات لا يسقط خارج العالم، بل يبقى هنا ويتغير، وهنا أيضا يتحلل من ~~مكوناته الصحيحة التي هي عناصر العالم وعناصرك. هذه ms077 أيضا تتغير ولا ~~تتذمر. ~~(8-19) كل شيء إنما أتى إلى الوجود لهدف. الحصان مثلا ، الكرمة، أتعجب لهذا؟ فحتى ~~الشمس ستقول «أتيت إلى الوجود لهدف.» وكذلك بقية الآلهة، فلأي هدف إذن أتيت أنت؟ من ~~أجل لذتك؟ انظر هل يقبل العقل هذا؟ # 13 ~~(8-20) تقيض الطبيعة لكل شيء نهايته مثلما تقيض له بدايته ودوامه. الأمر هنا ~~أشبه برجل يقذف كرة إلى أعلى؛ فأي فضل للكرة إذ تقذف إلى أعلى، وأي ضير عليها إذ ~~تهبط إلى أسفل أو حتى إذ ترتطم بالأرض؟ أي خير للفقاعة إذ تنتفخ، وأي شر إذ تنفجر؟ ~~الشمعة أيضا شأنها شأن الكرة وشأن الفقاعة. ~~(8-21) قلب الجسد ظهرا لبطن، وانظر أي صنف من الأشياء هو، أي صنف من الأشياء ~~إذ يكبر، وأي صنف إذ يمرض، وإذ يموت. # قصيرة هي حياة المادحين والممدوحين معا، الذاكرين والمذكورين. كل هذا في ~~مجرد ركن من قارة واحدة. وحتى هنا ليس الجميع في تناغم بعضهم مع بعض، ولا حتى ~~الفرد في تناغم مع نفسه، والأرض برمتها مجرد نقطة في الفضاء. ~~(8-22) انصرف إلى المسألة التي أمامك، سواء أكانت رأيا أم عملا أم كلمة، إنك تستحق ~~ما أنت فيه؛ لأنك اخترت أن تكون صالحا غدا لا أن تكون صالحا اليوم. ~~(8-23) هل أنا فاعل شيئا؟ أفعله وعيني على خير البشرية، هل ألم بي شيء؟ ~~أتلقاه فأنسبه إلى الآلهة وإلى المصدر الكلي الذي تصدر منه الأشياء جميعا ~~مرتبطة متواشجة. ~~(8-24) ماء الغسل؛ زيت، عرق، قذر، أسن؛ كل ما هو مغث. كذلك حال كل جزء من ~~الحياة، وحال كل شيء فيها. # 14 ~~(8-25) دفنت لوكيلا فيروس، ثم ما لبثت لوكيلا أن ماتت ودفنت. وسيكوندا دفنت ~~ماكسيموس، ثم ماتت هي بدورها. كذلك إبيتينخانوس وديوتهوس، وأنطونينوس وفاوستينا. القصة ~~هي القصة دائما وأبدا. مشى كيلير في جنازة هادريانوس، ثم مضى فيما بعد إلى قبره. أين ~~هم الآن، أين تلك العقول الذكية، سواء المتنبئون أو المتزمتون؟ لا شك أن خاراكس ~~وديميتريوس ويودايمون وأمثالهم كانوا عقولا ذكية، ولكن الكل زائل، والكل ميت ms078 منذ ~~زمان. البعض اختفى الآن حتى من الأسطورة. # إذن تذكر هذا؛ أن هذا المركب الهزيل، الذي هو أنت، لا بد أنه سوف يتبدد، ~~أو أن روحك الضئيلة سوف تبيد، أو ستهاجر وتتخذ مقاما آخر. ~~(8-26) بهجة الإنسان أن يؤدي العمل اللائق بالإنسان. والعمل اللائق بالإنسان هو ~~الإحسان إلى جنسه الإنساني، وازدراء نزغات الحواس، وتكوين حكم سليم من الظواهر ~~المقبولة، والتفكر في طبيعة العالم وكل ما يجري فيه. ~~(8-27) لديك ثلاث علاقات؛ الأولى بالجسد الذي يحيط بك، والثانية بالسبب الإلهي الذي ~~يصدر عنه كل ما يجري للبشر، والثالثة برفاقك ومعاصريك من الناس. ~~(8-28) إما أن الألم شر للجسد؛ إذن فلتدع الجسد يقول فيه ما يراه، وإما للروح، ~~ولكن بوسع الروح أن تحتفظ بصفائها وسكينتها وألا تقيم الألم على أنه شر؛ لأن كل رأي ~~وحركة ورغبة ونفور هو في الداخل، حيث لا شر يمكن أن يبلغ إليه. ~~(8-29) امح خيالاتك، بأن تقول لنفسك دوما: «بمقدوري الآن أن أحفظ روحي بعيدة عن أي ~~رذيلة أو انفعال، أو أي اضطراب على الإطلاق، فأرى الأشياء كما هي في طبيعتها وأستخدم ~~كلا منها بحسب قيمته.» تذكر هذه القدرة التي منحتك إياها الطبيعة. ~~(8-30) عندما تتحدث في مجلس الشيوخ، أو إلى أي شخص كان، كن جادا مستقيما غير ~~متحذلق. استخدم لغة واضحة تنضح بالصدق. ~~(8-31) بلاط أوغسطس قيصر؛ الزوجة، الابنة، الأحفاد، أبناء الزوجة، الأخت، أجريبا، ~~الأقارب، الأهل، الأصدقاء، أريوس، مايكيناس، الأطباء، العرافون؛ البلاط كله ميت، ~~والتفت الآن إلى الباقين، غير ناظر إلى موت إنسان واحد، بل إلى موت أسرة حاكمة ~~بأسرها، مثل آل بومبي. والتفت إلى النقش الذي تراه على أحجار القبور: «آخر ~~سلالته.» تأمل كم اهتم السابقون بأن يتركوا وراءهم وريثا على العرش، وكيف أن ~~واحدا لا بد من أن يكون آخر العائلة الحاكمة. هنا أيضا انظر إلى موت عائلة ~~بأسرها. ~~(8-32) من واجبك أن تنظم حياتك تنظيما جيدا في كل فعل مفرد، وأن تقنع إذا كان ~~كل فعل يحقق هدفه على أفضل نحو ممكن، وليس ms079 بمكنة أحد أن يحول بينك وبين تحقيق ~~هذا الهدف. ~~- «ولكن عائقا خارجيا ما سوف يقف في طريقي.» ~~- لا شيء سيقف في طريق الفعل العادل الرصين الحصيف. ~~- «ولكن ربما أعيق أي مصدر آخر للنشاط.» ~~- حسن، تقبل العائق كما هو، وحول جهدك بحكمة ليواجه الظرف القائم، وسرعان ما ~~سوف يحل فعل جديد محل السابق متلائما مع هذا الوضع الذي نتحدث عنه. # 15 ~~(8-33) بلا زهو تقبل الرخاء إذا أتى، وكن مستعدا لفقدانه إذا ذهب. ~~(8-34) إذا كنت قد رأيت يوما ما يدا مقطوعة أو قدما، أو رأسا مفصولا واقعا ~~في مكان ما بعيدا عن بقية الجسم، فهذا مثل ما يفعله بنفسه، ما وسعه ذلك، من لا يرضى ~~بقسمته ويعزل نفسه عن الآخرين أو يقوم بأي فعل غير اجتماعي. هبك قد فصلت نفسك ~~عن وحدة الطبيعة - فلقد ولدت جزءا منها ولكنك الآن فصلت نفسك عنها - فثمة رغم ~~ذلك مفارقة، وهي أن الخيار ما زال مفتوحا لك بأن تعود إلى تلك الوحدة مرة أخرى. لم ~~يمنح الله هذه الميزة لأي جزء آخر؛ وهو أن يلتئم بالكل مرة ثانية بعد أن انفصل ~~عنه. انظر إلى مدى النعمة التي اختص بها الإنسان؛ لقد جعله غير منفصل عن الكل، وجعله ~~قادرا إذا انفصل أن يعود ويتحد ويسترد مكانه كجزء من الكل. # 16 ~~(8-35) مثلما أن طبيعة «الكل» هي مصدر جميع الملكات الأخرى في كل مخلوق عاقل فقد ~~وهبتنا هذه القدرة أيضا - بنفس الطريقة التي تحول بها الطبيعة أي شيء معيق أو ~~مضاد إلى غرضها الخاص واضعة إياه في المخطط المقدور للأشياء وجاعلة إياه جزءا ~~منها - كذلك بوسع الكائن العاقل أن يحول كل عائق إلى مادة لاستعماله الخاص، وأن ~~يستخدمه لمصلحة غرضه الأصلي أيا كان هذا الغرض. ~~(8-36) لا تزعج نفسك بالتأمل في المشهد الكلي لحياتك، لا تدع فكرك يضم في آن ~~معا كل ما أزعجك فيما مضى وكل ما يمكن أن يزعجك فيما بعد، بل اسأل نفسك في كل ظرف ~~حاضر: «أي شيء في هذا يفوق احتمالي ms080 وينوء بي؟» ولسوف تخجل من مثل هذا الإقرار. ثم ~~ذكر نفسك أنه لا المستقبل ولا الماضي هو ما يثقل عليك، بل الحاضر وحده، وكم يهون عبء ~~الحاضر إذا أمكنك فقط أن تحدده وتضعه في حجمه ، وأن توبخ عقلك إذا كان يكل عن ~~الصمود لشيء مخفف كل هذا التخفيف. ~~(8-37) ألا تزال بانثيا أو بيرجاموس تقعد عند قبر فيروس؟ أو تجلس خابرياس أو ~~ديوتيموس عند قبر هادريان؟ وا أسفاه. وإذا كن جالسات هناك فهل يدري الموتى بذلك؟ ~~وإذا كانوا يدرون فهل يسرهم ذلك؟ وهل سرورهم يخلد الباكين على موتهم؟ أليس مصير ~~هؤلاء أيضا أن يكبروا ويصيروا شيوخا وشيخات ثم يموتون؟ وماذا عسى موتاهم السابقون ~~أن يفعلوا عندئذ؟ الأمر كله عفن وفساد في كيس من العظام. ~~(8-38) إذا كنت ذا بصر حاد فاستعمله، ولكن، كما يقول الشاعر، # 17 # أضف إليه البصيرة والحكمة. ~~(8-39) لست أرى في جبلة الكائن العاقل فضيلة مضادة للعدل، ولكني أرى فضيلة ~~مضادة للذة؛ وهي فضيلة الاعتدال. ~~(8-40) إذا نحيت حكمك على أي شيء يبدو مؤلما فأنت نفسك ستكون محصنا ~~تماما من الألم. ~~- «نفسك؟ أية نفس؟» ~~- العقل. ~~- «ولكني لست مجرد عقل.» ~~- حسن، إذن دع عقلك بمعزل عن الألم، وإذا كان جزء آخر منك يتضرر فدعه يكون حكمه لنفسه. # 18 ~~(8-41) إعاقة الإدراكات الحية شيء مؤذ للطبيعة الحيوانية. وإعاقة الرغبات شيء مؤذ ~~بالمثل للطبيعة الحيوانية (شيء آخر سيكون كذلك معيقا ومؤذيا لطبيعة النبات). يترتب ~~على ذلك أن إعاقة العقل شيء مؤذ للطبيعة العاقلة. # الآن طبق كل هذا على نفسك؛ هل يؤثر فيك الألم أو اللذة الحسية؟ ذلك شأن الحواس، هل ~~اعترضك عائق في سعيك إلى شيء ما؟ إذا كان سعيك حقا غير مشروط فسيكون هذا العائق ~~بالتأكيد مؤذيا لك ككائن عاقل. أما إذا قبلت المسار المعتاد للأشياء فليس ثمة ~~من أذى بعد ولا عائق، أترى ... لا أحد سواك سوف يعوق الوظائف القويمة للعقل؛ فلا الناس ~~ولا الحديد ولا الطغيان ولا السب يمكن أن يمس العقل. # 19 # فمنذ أصبح العقل دائرة ms081 مكتملة فإنه ما يزال في وحدته دائرة مكتملة. # 20 ~~(8-42) ليس لدي ما يدعوني إلى إيلام نفسي؛ فأنا لم أتعمد حتى إيلام شخص ~~آخر. ~~(8-43) تختلف المباهج من شخص إلى آخر. أما أنا فبهجتي في أن أحتفظ بعقلي الموجه ~~نقيا فلا أزدري أي إنسان أو أي شيء يحدث لإنسان، بل أنظر إلى كل شيء نظرة احتفاء ~~وأستخدم كل شيء بحسب قيمته. ~~(8-44) اغتنم اللحظة الحاضرة؛ فإن الذين ينصرفون عنها ابتغاء المجد بعد الموت لا ~~يقدرون أن الأجيال التالية سيكون بها أناس يشبهون تماما أولئك الذين يبغضونهم ~~الآن. وهؤلاء أيضا سوف يموتون. وماذا يجديك على كل حال إذا كان هؤلاء القادمون في ~~مقبل الأيام يلهجون بهذا أو ذاك ويرون فيك هذا الرأي أو ذاك؟ ~~(8-45) خذني وارم بي في أي مكان شئت؛ فأينما كنت فسوف أحفظ الجانب الإلهي مني ~~سعيدا؛ أي قانعا، ما دام وجداني وفعلي يتبعان فطرته الخاصة. # هل هذا التغير في المكان سبب كاف لأن تشقي نفس ويسوء مزاجها فتكتئب أو تتوق أو ~~تنكمش أو تخجل؟ وهل ستجد في المكان الجديد أي سبب يدعو إلى ذلك؟ ~~(8-46) لا شيء يحدث للإنسان خارج نطاق الخبرة الطبيعية للإنسان. كذلك الأمر في ~~الثور فلا شيء في خبراته غريب على طبيعة الثور، والكرمة لا شيء لديها غريب على طبيعة ~~الكرم، والحجر لا شيء لديه خارج خصائص الحجر. فإذا كان كل شيء يخبر ما هو معتاد ~~وطبيعي بالنسبة له ففيم تشكو؟ ما دامت طبيعة العالم لم تجلب لك شيئا فوق ~~احتمالك. ~~(8-47) إذ كان بك كرب من شيء خارجي فإن ما يكربك ليس الشيء نفسه بل رأيك عن الشيء؛ ~~وبوسعك أن تمحو هذا الرأي الآن. فإذا كان ما يكربك هو شيء في موقفك أنت فمن ذا الذي ~~يمنعك من أن تصحح رأيك؟ وحتى لو كنت محزونا لأنك لا تحقق شيئا معينا ترى ~~أنه ذو فائدة، فلماذا لا تواصل السعي بدلا من الشكوى؟ ~~- «ولكن أمامي عقبة كئودا لا أستطيع التغلب عليها.» ~~- إذن ليس لك أن ms082 تبتئس ما دام الأمر خارجا عن إرادتك. ~~- ولكن الحياة لا تستحق أن تعاش إذا ما فشلت في ذلك». ~~- حسن، فلترحل إذن عن هذه الحياة راضيا مثلما يرحل عنها من يحقق كل أهدافه، وفي ~~وئام أيضا مع تلك الأشياء التي وقفت في طريقك. # 21 ~~(8-48) تذكر أن عقلك الموجه لا يقهر إذا ما اعتصم بنفسه مكتفيا بذاته غير ~~فاعل شيئا لا يريد أن يفعله، حتى لو كان موقفه مجرد عناء؛ فما بالك إذا كان ~~الحكم الذي يكونه مؤيدا بالعقل والروية؛ لذا فإن العقل الخالي من الانفعالات هو ~~قلعة؛ ليس ثمة ملاذ للناس أقوى منه، ومن يأوي إليه فهو في حصن حصين؛ فما أجهله ~~من لا يرى هذه القلعة، وما أتعسه من لا يلوذ بهذا الحصن. # 22 ~~(8-49) لا تزايد على رواية الانطباع الأول بشيء من عندك. افترض أنه قد جاءك أن ~~شخصا ما يعيبك؛ هذا ما روي، أما أنك قد أضرت فهذا ما لم يرو. أو هبني أرى طفلي ~~مريضا، هذا ما أراه، أما أنه في خطر فشيء لا أراه. هكذا التزم دائما بالانطباع ~~الأول ولا تضف عليه شيئا من أفكارك أنت. وهكذا كل ما في الأمر، وإلا فإن بوسعك أن ~~تضيف ما لا نهاية له إضافة من يعرف كل ما يجري في العالم. # 23 ~~(8-50) القثاءة مرة؟ ألق بها. أغصان شائكة في الطريق؟ تنح عنها. هذا كل ما ~~يلزمك، ولا داعي لأن تسأل «ولماذا جعلت مثل هذه الأشياء في العالم؟» فهذا سؤال ~~مضحك عند دارس الطبيعة، مثلما يضحك عليك النجار أو الإسكاف إذا رآك تستاء لمنظر ~~قشارة أو قصاصات، متخلفة عن عملهما، على أرض الورشة. على أن لدى هذين مكانا ما ~~لإلقاء مخلفاتهما، أما طبيعة «الكل» فلا شيء لديها خارج ذاتها. والعجيب في فنها أنها ~~حددت حدودها، وكل ما يفسد داخلها أو يشيخ أو ينتهي استعماله فإنها تعيد دورته داخلها ~~وتخلق أشياء جديدة أخرى من هذه المادة نفسها؛ بحيث لا تحتاج إلى مادة من الخارج ولا ~~إلى مكان تلقي فيه ms083 نفاياتها، إنها تامة إذن ومكتفية بمكانها، ومادتها، وفنها. # 24 ~~(8-51) لا تكن متثاقلا في فعلك، ولا مشوشا في محادثتك، ولا غامضا في تفكيرك. ~~ولا تترك عقلك نهبا للانقباض ولا للتيه، واجعل في وقتك ساعة للفراغ والترويح. ~~- «إنهم يقتلونني، يمزقونني، يلعنونني.» ~~- وكيف يمكن لكل ذلك أن يحول بين عقلك وبين الصفاء والحكمة والرصانة والعدل؟ هب ~~واحدا أتى إلى نبع من الماء النمير وأخذ يلعنه، فهل سيمنع النبع من أن يظل يتدفق ~~بالماء الزلال؟ وهبه ألقى فيه بشيء من الطين والروث ... فلن يلبث النبع أن ~~يفتته ويزيحه ويعود إلى نقائه. كيف إذن تؤمن لنفسك نبعا دائما لا مجرد صهريج؟ ~~بأن توطن نفسك طول الوقت على الحرية، وتظل قانعا، بسيطا، متواضعا. ~~(8-52) من لا يعرف ما هو العالم لا يعرف أين هو. ومن لا يعرف لأي غاية وجد العالم ~~لا يعرف من هو ولا ما هو العالم. ومن يجهل أي شيء من هذه لا يمكنه حتى أن يقول لماذا ~~وجد هو ذاته. ما رأيك إذن في ذلك الرجل الذي يتجنب أو يطلب المديح من أناس لا ~~يعرفون أين هم ومن هم؟! ~~(8-53) هل ترغب في أن يمدحك إنسان يلعن نفسه ثلاث مرات كل ساعة؟ هل تود أن ~~ترضي إنسانا لا يستطيع أن يرضى عن نفسه؟ وهل يمكن أن يرضى عن نفسه من يندم على كل ~~شيء يفعله؟ ~~(8-54) لا تعد تتنفس فقط من الهواء المحيط، بل خذ فكرك أيضا من العقل الذي يضم ~~الأشياء جميعا؛ فالقوة العاقلة منتشرة، كالهواء، في كل مكان ومتخللة في كل شيء، ~~طوع من يشاء أن يتشربها، تماما كالهواء لمن يستطيع أن يتنفسه. ~~(8-55) عموم الشر لا يضر العالم بشيء على الإطلاق، والشر المفرد لا يضر ~~متلقيه بشيء، إنما يضر مرتكبه فحسب. وبوسع هذا أن يتخلى عنه، بمجرد أن يقرر ذلك. # 25 ~~(8-56) بالنسبة لإرادتي الحرة فإن إرادة جاري غير ~~فارقة # indifferent ~~، شأنها في ذلك شأن نفسه وجسده. صحيح أننا خلقنا من أجل بعضنا ~~البعض، ولكن لعقل كل منا ms084 سيادته الخاصة. وإلا لكان خبث جاري هو ألمي أنا، والله لم ~~يرد هذا ولم يدع شقائي في يد شخص آخر. ~~(8-57) تبزغ الشمس لكي تريق نفسها. ينتشر ضياؤها حقا في كل اتجاه ولكن تياره لا ~~ينفد؛ فهذا التدفق امتداد خطي؛ لذا تسمى خطوطه أشعة؛ لأنها تشع في خطوط ممتدة، # 26 # يمكنك أن تعرف ما هو الشعاع إذا لاحظت ضوء الشمس ينفذ إلى حجرة مظلمة ~~من خلال فتحة ضيقة. إنه يمتد في خط مستقيم وحين يلتقي بجسم صلب أصم ينقسم ~~وينقطع ولكنه لا ينزلق ولا يسقط بل يبقى هناك. # شيء شبيه بذلك ينطبق على تدفق عقل العالم وانتشاره؛ ليس تيارا ينفد بل إشعاع ~~دائم. ولن يكون ثمة قهر أو عنف في اصطدامه بالعقبات التي يلتقي بها؛ لن يسقط بل ~~سيستقر هناك ويضيء كل شيء يتلقاه. وكل ما هو غير عاكس سوف يحرم نفسه من هذا ~~الضياء. ~~(8-58) من يخشى الموت إنما يخشى فقدان الحس أو يخشى حسا من صنف آخر. فإذا كنت ~~سوف تفقد الحس فلن تشعر أيضا بأي أذى. أما إذا كنت ستكتسب شعورا مختلفا، فسوف ~~تكون كائنا آخر ولن تتوقف الحياة. ~~(8-59) خلق البشر من أجل بعضهم البعض. إذن علمهم أو تحملهم. # 27 ~~(8-60) يتحرك السهم بطريقة، ويتحرك العقل بطريقة أخرى. ومع ذلك فإن العقل، حتى عندما ~~يمارس الحيطة أو يدور حول بحث معين، إنما يتحرك بنفس الاستقامة، ويمضي قدما إلى ~~هدفه. ~~(8-61) انفذ إلى العقل الموجه لكل إنسان، ودع كل إنسان ينفذ إلى عقلك الموجه. # 28 # | الكتاب التاسع # (9-1) الظلم إثم. فإذا كانت طبيعة العالم قد فطرت الكائنات العاقلة من أجل بعضهم ~~البعض وعلى أن يعين بعضهم بعضا وفق ما يستحق، لا أن يؤذيه بأي شكل من ~~الأشكال؛ فإن من يتعدى على إرادتها فهو مذنب على نحو واضح تجاه أكبر الآلهة؛ ذلك ~~أن طبيعة العالم هي طبيعة الواقع النهائي الذي ينتمي إليه كل وجود راهن. # الكذب أيضا إثم تجاه نفس الإلهة. إن اسمها «الحق» # Aletheia = ~~Veritas ~~، وهي السبب ms085 الأصلي لكل ما هو حق. إن من يكذب عن عمد فهو ~~آثم بقدر ما يسببه كذبه من ظلم، ومن يكذب بلا عمد آثم بقدر ما هو خارج عن ~~التناغم مع طبيعة «الكل» وبقدر ما يربك النظام بمناوأته لطبيعة العالم. وهو مناوئ ~~حين يسمح لنفسه أن تمضي ضد الحقيقة؛ فلقد وهبته الطبيعة قدرة أهملها فلم يعد ~~قادرا على التمييز بين الحق والباطل. # كما أن السعي إلى اللذة على أنها خير وتجنب الألم على أنه شر يمثل إثما ؛ فمن ~~يفعل ذلك قمين أن يتبرم بطبيعة العالم للتوزيع غير العادل بين الأشرار والأخيار ما ~~دام شرار الناس كثيرا ما يتقلبون في اللذات والممتلكات التي توفر اللذة بينما ~~نصيب الأخيار في الأغلب هو الألم والأحوال التي تورث الألم. # كذلك من شأن من يخشى الألم أن يخشى أحيانا بعض الأشياء التي ستقع في العالم، وهذا ~~إثم مباشر. ومن شأن من يقتفي اللذة ألا يقلع عن الظلم - وهو إثم مبين. أما الذين ~~يريدون أن يتبعوا الطبيعة ويشاركوا في عقل الطبيعة فيجب أن يكونوا هم أنفسهم غير ~~مكترثين بتلك الأزواج من الأضداد التي لا تكترث لها طبيعة العالم؛ فما كانت الطبيعة ~~لتخلق هذه الأضداد لو لم تكن غير مكترثة بأي منها؛ لذا فإن كل من يكترث بالألم ~~واللذة، الحياة والموت، الشهرة والخمول - تلك الأشياء التي تعاملها الطبيعة بعدم ~~اكتراث - إنما يرتكب إثما على نحو قاطع. # وحين أقول «طبيعة العالم تعامل هذه الأشياء بعدم اكتراث» فإنما أعني أن هذه ~~الأشياء تحدث بدون تحيز بواسطة السبب والنتيجة لكل ما يأتي إلى الوجود وتدين ~~بوجودها لتحقق دفعة أصلية من «العناية». تحت هذه الدفعة شرعت العناية من ~~مقدمة أولى لتؤسس النظام الحالي للعالم. لقد ارتأت مبادئ معينة لما سيكون ~~وحددت قوى مولدة لكي تخلق المواد والتحولات والتجدد المتعاقب. ~~(9-2) أسعد الحظ كله أن تغادر الناس ولم تعرف قط طعم الكذب ولا الرياء ولا ~~الأبهة ولا الغرور. ويلي هذه الرحلة في السعد أن تغثى، على الأقل، من هذه الأشياء ~~قبل أن تلفظ ms086 آخر أنفاسك. أم تراك تفضل أن تبقى مقيما مع الخبث، ولم تقنعك ~~الخبرة أن تنأى عن هذا الوباء؟ ذلك أن فساد العقل وباء أشد وأنكى من ذلك التلوث ~~الذي يصيب الجو المحيط الذي نتنفسه؛ فهذا ينال الكائنات الحيوانية ويصيبها في ~~طبيعتها الحيوانية. أما ذلك فينال الكائنات الإنسانية ويصيبها في إنسانيتها. ~~(9-3) لا تحتقر الموت، بل رحب به لأنه جزء أيضا مما تريده الطبيعة؛ فمثلما ~~نشب ونشيخ، ومثلما نكبر وننضج، وتنمو أسناننا ولحانا وشعرنا الرمادي، ومثلما نتزوج ~~وننجب، كذلك نموت ونتحلل؛ فمن ألف التفكير والتعقل لا يجزع من الموت ولا يبتئس له ~~ولا ينفر منه، بل ينتظره كما ينتظر فعلا من أفعال الطبيعة. # 1 # وكما أنك الآن قد تكون منتظرا طفلا حملته امرأتك أن يولد من رحمها، ~~كذلك ينبغي لك أن تتشوف إلى اللحظة التي تنسل فيها روحك من هذا الغلاف. # 2 # أما إذا كنت تريد معيارا آخر، سوقيا على أنه يمس القلب، فسوف يهون عندك لقاء ~~الموت إذا نظرت إلى الأمور التي سوف يعفيك منها والشخصيات التي لن تعود تنغص ~~روحك. صحيح أنك ينبغي ألا تسيء إليهم بل ترعاهم وتتحملهم بلطف ورحمة؛ ولكن تذكر ~~أن رحيلك لن يكون رحيلا عن أشباهك في المبدأ (فهذا هو الشيء الوحيد، إن وجد، الذي يمكن ~~أن يشدنا إلى الحياة؛ أن يتاح لنا أن نعيش مع أشباهنا في المبدأ)، ولكن ها أنت ترى كم ~~هو مضجر أن تعيش في غير تناغم مع رفاقك، بحيث يحق لك أن تقول: «أقبل وعجل أيها ~~الموت، وإلا نسيت نفسي أنا أيضا.» ~~(9-4) المذنب يذنب في حق نفسه، والظالم يظلم نفسه لأنه يجعلها آثمة. # 3 ~~(9-5) قد يرتكب الظلم بالإحجام عن الفعل، مثلما يرتكب بإتيانه. ~~(9-6) بحسبك ثلاث؛ أن يكون حكمك الراهن قائما على الفهم، وفعلك على الخير ~~الاجتماعي، وميلك على الرضا بكل ما يحدث. ~~(9-7) امح الخيال، اكبح الرغبة، أخمد الشهوة؛ حتى يظل عقلك الموجه سيد ~~نفسه. ~~(9-8) تشترك المخلوقات غير العاقلة في حياة واحدة، وتشترك المخلوقات العاقلة في ms087 روح ~~عاقلة واحدة، تماما مثلما أن هناك أرضا واحدة لكل الأشياء الأرضية، ونورا واحدا ~~نرى به، وهواء واحدا نتنفسه جميعا نحن ذوي البصر والحياة. ~~(9-9) كل شيء منجذب إلى صنوه. كل شيء ترابي يميل إلى التراب. وكل مائي يتفق ~~معا، وكذلك الهواء؛ لذا يستلزم فصلها عوائق فيزيائية. ويرتفع اللهب إلى أعلى بسبب ~~عنصر النار، غير أنه ميال بشدة إلى أن يشعل أي نار في الأسفل بحيث إن أي مادة ~~بلغت مبلغا من الجفاف تشتعل بسهولة، بسبب نقص المكونات التي تعوق ~~الاحتراق. # وعليه فإن كل الأشياء التي تجمعها طبيعة عاقلة مشتركة تميل بنفس الدرجة، بل بدرجة ~~أكبر، إلى الانجذاب بعضها إلى بعض. وبقدر ارتفاع منزلتها على بقية الموجودات فإنها أكثر ~~استعدادا للائتلاف والامتزاج بجنسها. # فبداية من المخلوقات غير العاقلة بوسعنا أن نرى خلايا النحل وقطعان الماشية، ~~وطيورا ترعى صغارها، وبمعنى ما؛ ضروبا من الحب؛ فثمة أرواح حيوانية تعمل ~~عملها. وبارتفاع المرتبة تزداد الرابطة الجمعية قوة لا نجدها في النباتات أو الأحجار ~~أو الأشجار. حتى إذا بلغنا الكائنات العاقلة وجدنا المجتمعات السياسية، والصداقات، ~~والعائلات، والاجتماعات. وفي الحروب نجد المعاهدات والهدنات. وبمزيد من الارتقاء في ~~المنزلة ثمة نوع من الاتحاد حتى على بعد، كما هو الحال بين النجوم. إذن يمكن ~~للمراتب العليا من الوجود أن تضفي شعورا بالزمالة حتى إذا كان الأعضاء ~~منفصلين بعضهم عن بعض. # انظر إذن إلى ما يحدث الآن. وحدها المخلوقات العاقلة قد نسيت ذلك الميل ~~المتبادل إلى الاتحاد، وحدها من افتعل الفرقة والتباعد. غير أنهم مهما جهدوا ~~لتجنب الوحدة فإنهم مأخوذون بها؛ فتلك هي قوة الطبيعة. # 4 # دقق النظر ولسوف ترى ما أعنيه. إنه لأيسر لك أن ترى التراب يشيح عن ~~التراب من أن ترى الإنسان منبتا عن الإنسان. ~~(9-10) الإنسان، والله، والعالم؛ كل يثمر أو يؤتي أكلا في أوانها، ولا يهم إذا ~~كان الاستخدام الشائع يقصر معنى الإثمار على الكروم وأشباهه؛ فالعقل أيضا له ~~ثمره، العمومي والخاص؛ ثمة أشياء أخرى تنمو منه وتشارك في طبيعته. ~~(9-11) إذا استطعت ms088 فبين لهم الطريق الأقوم، وإذا لم تستطع فتذكر أنه لذلك ~~السبب قد أوتيت ملكة السماحة. # 5 # والآلهة أيضا متسامحون مع هؤلاء الناس، وربما شملوهم بإحسانهم فأعانوهم ~~على تحقيق بعض أهدافهم؛ الصحة، الثروة، المجد. وبوسعك أيضا أن تفعل ذلك. وإلا فقل ~~لي ماذا يعيقك؟ ~~(9-12) العمل؛ لا تمارس العمل كبائس معذب، أو ملتمسا أي شفقة أو إعجاب. ليكن ~~هدفك الوحيد هو أن تدفع نفسك أو توقفها حسبما يقتضي الفعل الاجتماعي. ~~(9-13) اليوم هربت من كل المنغصات، أو بالأحرى نحيتها جانبا، لم تكن هذه ~~شيئا خارجيا، بل كانت بداخلي ... إنها أحكامي ليس إلا. # 6 ~~(9-14) جميع الأشياء كما هي؛ مألوفة في الخبرة، عابرة في الزمن، دنيئة في ~~المادة. كل شيء الآن هو كما كان في أيام من دفناهم. # 7 ~~(9-15) الأشياء واقفة خارجنا، قائمة بذاتها، لا تعرف شيئا عن نفسها ولا تدلي ~~بشيء. ما الذي يدلي إذن؟ عقلنا الموجه. ~~(9-16) الخير أو الشر بالنسبة للكائن الاجتماعي العاقل لا يكمن في الانفعال بل في ~~الفعل، مثلما أن فضيلته أو رذيلته ليست فيما يحسه بل فيما يفعله. ~~(9-17) حجر ملقى في الهواء؛ ليس شرا له أن يهوي إلى أسفل، ولا هو خير أن يصعد ~~إلى أعلى. ~~(9-18) انفذ إلى عقولهم الموجهة ولسوف ترى أي صنف من النقاد تخشى وأي صنف من ~~النقاد هم لأنفسهم. # 8 ~~(9-19) جميع الأشياء في عملية تغير. أنت نفسك في تبدل مستمر وتفسخ تدريجي. ~~كذلك هو العالم بأسره. ~~(9-20) عليك أن تترك خطأ غيرك حيث ارتكب. # 9 ~~(9-21) انتهاء عمل، توقف نشاط أو حكم ... هذا نوع من الموت، ولكن لا ضير فيه. ~~تحول الآن إلى أطوار حياتك؛ الطفولة مثلا، المراهقة، الشباب، الشيخوخة. هنا أيضا كل ~~تغير هو موت (المرحلة): هل ثمة من شيء مخيف؟ وتحول الآن إلى حياتك مع جدك، ~~ثم مع أمك، ثم مع أبيك. وحيثما وجدت أمثلة أخرى عديدة للتحلل أو التغير أو ~~الانتهاء فاسأل نفسك: «هل كان ثمة أي شيء يدعو إلى الخوف؟» بالمثل؛ فلا شيء مخيف ms089 ~~في انتهاء، وتوقف، وتغير حياتك بأسرها. # 10 ~~(9-22) هلم إلى عقلك الموجه، وإلى عقل «الكل»، وإلى عقل هذا الشخص بعينه؛ إلى عقلك ~~لتقومه، وإلى عقل الكل لتتذكر الأصل الذي أنت جزء منه، وإلى عقل هذا الشخص ~~عساك تعرف هل تصرف عن جهل أو عن علم، وعساك تتبين أيضا أن عقله قريب ~~لعقلك. ~~(9-23) مثلما أنك أنت نفسك جزء مكمل بمنظومة اجتماعية، كذلك كل فعل من أفعالك يجب ~~أن يكمل حياة مبدأ اجتماعي. فإذا لم يكن لأي فعل من أفعالك صلة، مباشرة أو غير ~~مباشرة، بغاية اجتماعية، فإنه يمزق حياتك إربا إربا ويحطم وحدتها. إنه نوع ~~من التمرد، كشأن من يحب أن ينشق عن الجماعة ويشذ عن التناغم العام . # 11 ~~(9-24) تشاغب أطفال ولعبهم، # 12 ~~«أرواح ضئيلة تحمل جثثا.» # 13 # هكذا شأن كل شيء؛ إن العالم السفلي في «الأوديسية» ليبدو للعين أكثر واقعية! # 14 ~~(9-25) إذا شئت أن تتأمل شيئا ما فاتجه مباشرة إلى صورته وقيمها بمعزل عن ~~العنصر المادي، ثم حدد الزمن؛ أقصى زمن قدرت الطبيعة لشيء على هذه الصورة أن يدوم. # 15 ~~(9-26) لقد احتملت من الكوارث ما لا يحصى عددا؛ لأنك لم تدع عقلك الموجه ~~يفعل ما خلق لكي يفعله، ولكن بحسبك ذاك. ~~(9-27) إذا لامك شخص آخر أو كرهك، أو تحدث الناس عنك بما يسوء، فاقترب من نفوسهم ~~المسكينة وانفذ إليها لترى أي صنف من البشر هم. ولسوف تكتشف أنه ليس ثم ما يدعو ~~إلى الابتئاس لرأيهم فيك، ولكن عليك أيضا أن ترفق بهم؛ فهم رفاقك بالطبيعة. والآلهة ~~أيضا تعينهم بشتى الطرق، بالأحلام، بالرؤى، للحصول على ما يروقهم. # 16 ~~(9-28) يكرر العالم نفس الحركات الدورية، أعلى وأسفل، من عصر إلى عصر؛ فإما أن ~~عقل العالم يتحرك خصيصا لكل حالة على حدة، وفي هذه الحالة عليك أن ترضى بالنتيجة. ~~وإما أنه تحرك حركة أصلية واحدة يتسلسل عنها كل شيء كنتيجة، وماذا يضيرك في ~~ذلك؟ وباختصار؛ إذا كان ثمة إله فبها ونعمت، وإذا كانت المصادقة هي التي ~~تسير العالم ms090 لغير غاية، فإن عليك أن تخلق غايتك لنفسك. # توشك الأرض أن تطمرنا جميعا، ثم ما تلبث الأرض أيضا أن تتغير، ثم تتوالى ~~التغيرات إلى غير نهاية. فإذا ما تأمل المرء التبدلات والتحولات التي يتلو ~~بعضها بعضا كالأمواج، وحين يتأمل سرعة تدفقها، فلسوف تهون في عينه كل الأشياء ~~الفانية الهالكة. ~~(9-29) السبب الكوني أشبه بسيل جارف يكتسح كل شيء في طريقه. إذن، ماذا يعني ذلك ~~عندك أيها الإنسان؟ اعمل ما تقتضيه الطبيعة في هذه اللحظة. شمر للأمر ما دام في ~~قدرتك ولا تنظر حولك لترى هل كان أحد يلحظك. لا تؤمل في جمهورية أفلاطون الطوباوية، ~~بل اقنع بأصغر خطوة إلى الأمام، ولا تستهن بهذا الإنجاز. ما أتفه أولئك البؤساء ~~الذين ينخرطون في الأمور السياسية ويظنون أن أعمالهم لها صفة فلسفية! إنهم جميعا ~~يهرفون. ومن ذا يستطيع أن يغير آراءهم؟ وبدون تغير الرأي ماذا هناك غير ~~العبودية؛ أناس يئنون وهم يتظاهرون بالطاعة؟ # 17 # امض إذن، وحدثني الآن عن الإسكندر وفيليب # 18 # وديميتريوس الفاليري؛ فقد كنت خليقا أن أتبعهم لو أنهم رأوا ما تريده ~~طبيعة العالم وتتلمذوا عليها. أما إذا كانوا ببساطة يمثلون أدوار أبطال الدراما، فأنا ~~بحل من أن أقلدهم. بسيطة هي ومتواضعة مهمة الفلسفة، فلا تمل بي إلى ~~الخيلاء والغرور. ~~(9-30) خذ نظرة من فوق؛ انظر إلى ألوف القطعان والأسراب، وألوف الشعائر ~~والاحتفالات الإنسانية، وما لا يحصى من ضروب الترحال في العاصفة والهدأة، وألوان ~~الاختلاف بين من يولدون ومن يعيشون معا ومن يموتون. واذكر أيضا الحيوات التي ~~عاشها أناس قبلك بزمن طويل، وتلك التي ستعاش من بعدك، وتلك التي تعاش الآن بين ~~الأمم البربرية، وكم من الناس لم يسمع حتى باسمك، وكم منهم سوف ينسى اسمك في القريب ~~العاجل، وكم من الناس قد يمدحك الآن ثم لا يلبث أن يلومك، وأن لا قيمة البتة لأي ذكرى ~~(بعد الوفاة) أو شهرة أو أي شيء آخر على الإطلاق. # 19 ~~(9-31) لا تعكر صفوك بأي شيء يأتي من الأسباب الخارجية، وتقبله بهدوء. ~~أما الذي ms091 تأتيه أنت بسبب من إرادتك الداخلية فليكن كله عدلا وقصدا. وبعبارة أخرى، ~~ليكن سعيك وفعلك مفضيا إلى المسلك الاجتماعي الذي هو تعبير عن طبيعتك ~~الخاصة. ~~(9-32) بوسعك أن تنحي الكثير من المنغصات غير الضرورية التي تكمن بأكملها ~~في حكمك أنت. عندئذ ستوفر لنفسك مكانا رحبا بأن تفهم الكون كله وتستوعبه في عقلك، ~~وبأن تتفكر في أبدية الزمان، وتتأمل في التغير السريع الذي يعتري كل شيء في كل ~~جانب؛ ما أضيق البون بين الميلاد والفناء، وما أوسع الفجوة الزمنية التي سبقت ~~مولدك والفجوة اللانهائية المماثلة التي تعقب فناءك. ~~(9-33) كل ما تراه سوف يزول سريعا، وأولئك الذين يشهدون زواله سوف يزولون هم أنفسهم. ~~مت في أرذل العمر أو مت قبل أوان موتك ... كلاهما سيان. ~~(9-34) ما الذي يوجه عقول هؤلاء الناس؟ ماذا يشغل بالهم؟ ماذا يحكم خياراتهم ~~وتفضيلاتهم؟ درب نفسك على أن تنظر إلى نفوسهم عارية مجردة. فإذا كانوا يظنون أنهم ~~يضرون بملامهم أو ينفعون بمديحهم، فهم جد واهمين. ~~(9-35) الفقدان ليس أكثر من تغير. طبيعة العالم تفرح بالتغير، وكل ما يجري من ~~الطبيعة إنما يجري من أجل الخير. # 20 # مثل هذا حدث منذ الأزل، ومثله سوف يحدث إلى الأبد. لماذا تقول إذن إن كل ~~شيء كان وسيظل دائما شرا، وما كان لكل تلك الآلهة قدرة على إصلاحه، وإن العالم ~~مقدر عليه أن يكون في شقاء أبدي؟! # 21 ~~(9-36) تعفن المادة الأصلية لكل شيء؛ الماء، التراب، العظام، القذر. مرة أخرى؛ ~~الرخام مجرد راسب في الأرض، الذهب والفضة مجرد رواسب، رداؤك شعر حيوان، أرجوانك دم ~~محارة، وهلم جرا. # 22 # والروح الحية هي أيضا من نفس الصنف، تتغير من هذا إلى ذاك. ~~(9-37) كفاك من هذه الطريقة البائسة في الحياة، من هذا التذمر والتصنع. ماذا ~~يشقيك؟ ما الجديد في هذا؟ ماذا يقض مضجعك؟ صورة الشيء؟ إذن واجهها. أم تراها ~~المادة؟ إذن واجهها، ولا شيء هناك عدا هذين. توجه إلى الآلهة إذن، وإن تكن قد ~~تأخرت، وكن أكثر بساطة وخيرا. سيان أن نبحث هذه ms092 الأشياء مائة عام، أو نبحثها ~~ثلاثة أعوام. ~~(9-38) إذا كان هذا قد أخطأ، فالضرر يقع عليه، ولكن يجوز أنه لم يخطئ. ~~(9-39) إما أن جميع الأشياء تفيض من مصدر عاقل وتعرض كأنها في جسد واحد، فلا ~~ينبغي للجزء أن يبتئس لما يحدث لمنفعة الكل. وإما أن الكل ذرات وأن الأمر لا يعدو ~~أن يكون خلطا ثم تبديدا، ما الذي يشقيك إذن؟ قل لعقلك الموجه: «أأنت ميت، ~~متحلل، هل تحولت إلى حيوان، هل تتظاهر وترائي، هل تنضوي مع القطيع وتشاركه طعامه؟» # 23 ~~(9-40) إما أن الآلهة قادرة أو غير قادرة. فإذا لم تكن قادرة فلماذا أدعوها؟ وإذا ~~كانت قادرة فلماذا لا أدعوها لكي تهبني نعمة ألا أخاف من أي شيء مما أخاف منه، ~~وألا أرغب في الأشياء التي أرغبها، وألا أتألم من أي شيء؛ لا أن تجعل أي شيء من ~~هذه الأشياء يحدث أو لا يحدث؛ فمن المؤكد أنها إذا كانت تعين البشر فإن بوسعها أن ~~تعينهم على هذه الغايات. # ولكن لعلك قائل: «لقد جعلت الآلهة هذه الأشياء في قدرتي.» حسن، أليس أليق بك ~~إذن أن تستعمل ما في قدرتك كرجل حر من أن ترغب على نحو عبودي دنيء ما ليس في قدرتك؟ ~~ومن قال لك إن الآلهة لا تعيننا حتى في الأشياء التي في قدرتنا؟ ابدأ الآن على كل حال ~~وادع هذه الدعوات وسوف ترى. من الناس من يدعو: «كيف السبيل إلى أن أضاجع هذه المرأة؟» ~~فادع أنت: «كيف السبيل إلى أن أفقد الرغبة في أن أضاجعها؟» وآخر يدعو: «كيف أنقذ ~~طفلي الصغير؟» وأنت: «كيف أتعلم ألا أخاف من فقده؟» وهكذا. حسن، جرب أن ~~تحول دعواتك على هذا النحو وانظر ماذا يكون. ~~(9-41) يقول أبيقور: «أثناء مرضي لم يكن حديثي يدور حول آلام جسمي، ولم أكن أخوض مع ~~عوادي في هذا المزاج، بل أمضي في شرح المبادئ الرئيسية للفلسفة الطبيعية مع إشارة ~~خاصة إلى هذه النقطة عينها؛ كيف يشارك العقل في مثل هذه الاضطرابات الجسدية بينما يظل ~~محتفظا بهدوئه وساعيا ms093 إلى خيره.» ويستطرد أبيقور قائلا: «ولا كنت أترك لأطبائي ~~فرصة لكي تعلوهم سيماء الوجاهة والجلال لأي إنجاز عظيم، غير أن حياتي مضت سليمة ~~ومعافاة.» هذا مثال لك إذن في المرض، إذا كنت مريضا، وفي أي ظرف آخر. تتفق جميع ~~المدارس على أنك ينبغي ألا تهجر الفلسفة تحت أي ظرف من الظروف، وألا تشارك ~~الجهال والعوام لغوهم الفارغ، بل انصرف إلى عملك الذي أنت فيه، وإلى السبل ~~التي تتخذها في إنجازه. # 24 ~~(9-42) كلما أساء إليك شخص وقح فإن عليك أن تبادر إلى سؤال نفسك: «إذن أكان من ~~الممكن ألا يكون في العالم وقحون؟» غير ممكن. فلا تطلب غير الممكن؛ فهذا الشخص مجرد ~~واحد من الوقحين الذين لا بد من وجودهم في العالم. والأمر نفسه ينسحب على ~~الأوغاد، والخونة، وكل صنف من الآثمين. وإدراك أن هذه الطائفة من الناس لا بد من ~~وجودها حري أن يجعلك أكثر رفقا بكل فرد منهم. # ومن المفيد عمليا أيضا أن تعي هذا كلما صادفته؛ وهو تلك الفضيلة التي وهبتنا ~~إياها الطبيعة لكي نقابل بها كل فعل خبيث. وهبتنا الرفق ليكون ترياقا للقسوة، ~~وخصالا أخرى نواجه بها إساءات أخرى. وبصفة عامة، بوسعك دائما أن تعيد تعليم ~~من ضل طريقه، وكل من يفعل الشر فقد أخطأ هدفه الحقيقي وضل طريقه. # وأي أذى، بعد، قد لحق بك؟ فلسوف تجد أن لا أحد ممن أثار غضبك قد فعل أي شيء يمكن ~~أن ينال عقلك بأي سوء؛ إنما العقل، والعقل وحده، هو محل الأذى أو الضرر الذي يمكن أن ~~ينالك؛ فليس للأذى والضرر أي وجود آخر. # أين هو الأذى، بعد، وما هو الغريب في أن يسلك الجاهل مسلك الجهال؟ تأمل ذلك ~~وانظر: ألا ترى أنك أحق باللوم لأنك لم تتوقع من هذا الرجل أن يفعل هذا الخطأ؟ فلقد كان ~~لديك من العقل ما تبصر به أن هذا الخطأ حقيق أن يأتي من هذا الرجل، ولكنك نسيت ~~وجعلت تعجب من أنه أخطأ. # وفوق كل ذلك، إذا اتهمت أحدا بالخيانة والجحود فالتفت ms094 إلى نفسك؛ فمن الواضح أن ~~الخطأ خطؤك إذا كنت قد وضعت الثقة في رجل بهذا الخلق، أو إذا كنت قد أسبغت معروفا ~~دون أن تجعل هذا المعروف غاية في ذاته، وتجعل فعلك هو ثواب ذاته الذي لا يفتقر إلى أي ~~ثواب آخر؛ فأي شيء آخر تريده أيها الإنسان من فعل المعروف؟ أليس بكاف أنك قد فعلت ~~شيئا متناغما مع طبيعتك ذاتها؛ أتريد الآن أن تضع ثمنا له؟! وكأن العين تطلب ~~مقابلا على الرؤية، أو القدم على المشي! فمثلما خلق هذان لغرض معين ويحققان ~~طبيعتهما القويمة بأن يعملا وفقا لفطرتهما الخاصة، كذلك الإنسان خلق لكي يفعل الخير، ~~وحيثما فعل خيرا أو أسهم في الخير العام فقد فعل ما خلق من أجله ونال ما هو له. # 25 # | الكتاب العاشر # (10-1) أيتها النفس، أما آن لك أن تكوني صالحة، بسيطة، واحدة، متجردة، أوضح ~~وأجلى من الجسد الذي يغلفك؟ أما آن لك أن تذوقي حلاوة النزوع إلى الحب والعطف؟ أما ~~آن لك أن تصبحي كاملة خلية من الحاجة لا تفتقدين أي شيء ولا ترغبين في أي ~~شيء، حي أو غير حي، تلتمسين فيه اللذة، ولا ترغبين في مهلة لمزيد من المتعة، ~~أو لين المكان والمناخ، أو الصحبة الهانئة؟ أما آن لك أن تقنعي بحالك الراهن ~~وتجدي متعة فيما هو الآن بين يديك؟ ألن تقتنعي بأن لديك كل شيء، وأن كل ما يأتي ~~فهو من الآلهة، وكله خير لك وسيكون خيرا لك أي شيء يرضيهم وأي شيء سوف ~~يمنحونه لحفظ الوجود الحي الكامل، الخير والعادل والجميل، الذي يولد ويحفظ معا كل ~~الأشياء، ويحتوي ويضم كل الأشياء بينما تندثر لتنتج أشياء أخرى مماثلة؟ أما آن ~~لك أن تصبحي جديرة بالمقام مع الآلهة والبشر من دون أي انتقاد لهم أو إدانة ~~منهم؟ ~~(10-2) لاحظ ما تتطلبه طبيعتك المادية ككائن خاضع لشرط الحياة المحضة، ~~ثم افعله واقبله ما دامت طبيعتك ككائن حي لن تضار به في شيء، ثم لاحظ ~~ما تتطلبه طبيعتك ككائن حي، واقبل كل ذلك لنفسك ms095 ما دامت طبيعتك ككائن عاقل لن ~~تضار به في شيء. على أن «الكائن العاقل» يتضمن مباشرة «الكائن الاجتماعي». اتبع ~~هذه القواعد ولا تكرث نفسك بأي شيء آخر. ~~(10-3) أيما شيء يحدث فهو إما يحدث بطريقة من شأن طبيعتك أن تتحملها، وإما ~~بطريقة لم تفطر بالطبيعة على تحملها. فإذا كان الحدث من الصنف الأول فلا تبتئس ~~منه، بل تحمله كما أهلتك الطبيعة لذلك. أما إذا كان من الصنف الثاني فلا تبتئس ~~أيضا؛ فلسوف يأتي عليك قبل أن يترك لك مجالا للابتئاس. تذكر رغم ذلك أنك خلقت ~~بالطبيعة لكي تتحمل كل ما تراه ملكة الرأي عندك محتملا إذا ما وعيته كشيء من ~~مصلحتك، أو من واجبك، أن تأتيه. # 1 ~~(10-4) إذا كان على خطأ فعلمه برفق وبين له خطأه. فإذا كنت لا تستطيع ذلك ~~فلتوجه اللوم لنفسك، أو لا تلم حتى نفسك. ~~(10-5) أيما شيء يحدث لك فقد كان يعد لك منذ الأزل، وكان مقتضى الأسباب يغزل ~~لك منذ الأزل خيط وجودك وخيط هذا الحدث المحدد. ~~(10-6) سواء أكان الأمر ذرات عشوائية أم نظاما طبيعيا، فينبغي أن تكون ~~المقدمة الأولى أنني جزء من «الكل» المحكوم بالطبيعة، والثانية أن لي صلة وثيقة ~~بالأجزاء الأخرى التي هي من نوعي. من هاتين المقدمتين أخلص إلى أنني بصفتي جزءا ~~لن أستاء لأي شيء يقيضه لي «الكل»؛ فلا شيء مفيدا للكل يمكن أن يضر بالجزء، ولا ~~«الكل» يتضمن شيئا لا يفيده. لجميع الطبائع العضوية هذه الصفة المشتركة، غير أن ~~طبيعة العالم تتسم بصفة إضافية هي أنه لا يمكن لأي سبب خارجي أن يقهرها على أن ~~تخلق أي شيء ضار بها. # إذن بتذكر أنني جزء من «كل» سأكون راضيا بكل ما يحدث لي. وبقدر ما لي من صلة ~~قرابة بالأجزاء الأخرى فلن أفعل أي شيء غير اجتماعي، بل سأضع نصب عيني خير ~~عشيرتي وأوجه كل سعيي للصالح العالم وأصرفه عما دون ذلك. إذا ما تم ذلك فإن ~~الحياة سوف تسير سيرا حسنا، مثلما ترى أن حياة مواطن ما ms096 تسير سيرا حسنا عندما ~~يواصل سعيا فيه مصلحة لرفاقه من المواطنين ويرضى بكل ما تخصصه له ~~مدينته. ~~(10-7) أجزاء «الكل» - كل ما يكون الطاقم الطبيعي للعالم - يتعين بالضرورة أن ~~تهلك. و«تهلك» يجب أن تؤخذ هنا بمعنى «تتغير». ~~والآن إذا كانت الطبيعة قد جعلت هذا «الهلاك» للأجزاء متلفا لها وضروريا أيضا ~~فلن يتسنى البقاء للكل ما دامت أجزاؤه دائما على شفا التغير ومؤهلة خصيصا ~~للهلاك، فهل تعمدت الطبيعة أن تتلف أجزاءها وتجعلها عرضة للأذى وصائرة إليه ~~بالضرورة؟ أو حدثت مثل هذه النتائج دون علمها؟ الحق أن كلا الافتراضين بعيد عن ~~التصديق. # ولكن إذا رفض أحد مفهوم الطبيعة وفسر هذه الأشياء على أنها «هكذا هي لا أكثر ولا ~~أقل.» فليس له أن يعجب أو يستاء من القول بأن أجزاء الكل عرضة بطبيعتها للتغير كما ~~لو كان هذا التغير شيئا مضادا للطبيعة؛ خاصة أن تحلل كل شيء هو إلى العناصر ~~التي يتكون منها؛ فالتحلل هو إما تشتت العناصر المكونة أو تحول الصلب إلى ~~تراب والروح إلى هواء؛ بحيث ينضوي هذان في عقل «الكل»، سواء أكان الكل يتحول دوريا ~~إلى نار أم يجدد نفسه من خلال التحولات الأبدية. # ولا يتصورن أحد أن هذا الصلب وهذه الروح هما نفس الشيء الذي كاناه في الأصل عند ~~الولادة؛ فكل هذا لم يجتمع إلا أمس أو أمس الأول من تدفق الغذاء المستهلك ~~والهواء الذي شهق؛ فالذي يتغير هو التدفق المجتمع وليس الشيء الذي ولدته أمك. ~~افترض الآن أن هذا التدفق متضمن في صميم نفسك الفردية، فما أرى أن ذلك يؤثر ~~في الحجة. # 2 ~~(10-8) إذا ما اكتسبت النعوت: «صالح»، «متواضع»، «صادق»، «عقلاني»، «متزن»، «شهم»؛ ~~فاحرص على ألا تتنازل عنها، وإذا خسرتها فعجل بالعودة إليها. تذكر أيضا أن ~~لفظة «عقلاني» قد قصد منها أن تدل على الانتباه المميز لكل التفاصيل والفكر ~~النشيط، وأن «الاتزان» هو القبول الطوعي لما قسمته لك طبيعة العالم، وأن «الشهامة» ~~هي علو التفكير فوق مؤثرات الجسد السارة أو المؤلمة، وفوق المجد الفارغ أو الموت ~~أو ms097 أي شيء آخر غير فارق # indifferent ~~. فإذا بقيت ~~مخلصا لهذه النعوت، لا عن مجرد رغبة في أن يناديك بها الآخرون، فسوف تكون إنسانا ~~جديدا وتدخل حياة جديدة. # أما أن تظل نفس الإنسان الذي كنته حتى الآن، أن تتمزق وتتشوه في هذه الحياة ~~التي تحياها، فهو مجرد حرص بليد على الحياة، أشبه بحال المجالدين # gladiators # الذين أكلت الوحوش نصف أبدانهم ~~وهرستهم وسربلتهم بالدم، ولا يزالون يتوسلون للإبقاء على حياتهم إلى اليوم ~~التالي رغم أنهم في اليوم التالي سيتعرضون في نفس الحالة إلى نفس المخالب ~~والأنياب. # تشبث إذن بهذه النعوت. وإذا أمكنك البقاء فيها فابق كما لو أنك نقلت إلى ~~فردوس ما؛ «جزر السعداء». # 3 # أما إذا أحسست أنك تسقط وتفقد اتزانك فالجأ بنفس راضية إلى ركن ~~ما حيث تستعيد توازنك. وإلا فاجعل لك مخرجا عاجلا من الحياة، لا بانفعال بل ~~ببساطة وحرية وتواضع، جاعلا هذا الرحيل إنجازا واحدا مشرفا في حياتك على أقل تقدير. # 4 # وسوف يعينك كثيرا على تذكر هذه النعوت أن تتذكر الآلهة، وتتذكر أنها لا تريد منا ~~التملق الذليل بل تريد لكل الكائنات العاقلة أن تصبح على صورتها الخاصة؛ تريد لشجرة ~~التين أن تؤدي عمل شجرة تين، وتريد للكلب عمل كلب، وللنحلة عمل نحلة؛ وتريد من الإنسان ~~أن يؤدي العمل الصحيح لإنسان. ~~(10-9) الفارس (الهزل) # farce ~~، والحرب، والسعار، ~~والبلادة، والعبودية! # 5 # ستمسح يوما بعد يوم مبادئك المقدسة، كلما تصورتها وسلمت بها دون أن ~~تخضعها لاختبار الفلسفة الطبيعية، ولكن واجبك أن تجمع بين النظر والعمل، فتكون لديك ~~القدرة على التعامل مع الظروف بما تقتضيه، وأن تمارس التأمل النظري، فتحتفظ بالثقة ~~التي تأتي من الإحاطة بكل شيء خاص، دون أن تظهرها ودون أن تخفيها. # فمتى سوف تتمتع بالبساطة؟ ومتى ستتمتع بالرصانة؟ ومتى ستتمتع بمعرفة كل شيء مفرد؛ ~~ما هي طبيعته الجوهرية، ومكانه في العالم، والعمر الطبيعي لوجوده، وما هي مكوناته، ~~ولمن يمكن أن ينتمي، ومن القادر على منحه وعلى منعه؟ ~~(10-10) العنكبوت فخورة حين تصطاد ذبابة. والإنسان فخور بصيده؛ أرنب ms098 مسكين، سمكة ~~صغيرة في شبكة، خنازير، دببة، أسرى من الصرامطة. # 6 # والجميع من حيث الدافع لصوص. ~~(10-11) اتخذ طريقة منهجية لترى كيف تتحول الأشياء جميعا الواحد منها إلى ~~الآخر. أول انتباها دائما لهذا الجانب من الطبيعة ودرب نفسك عليه؛ فلا شيء أقدر ~~منه على السمو بالعقل. يسمو من يتدرب عليه كأنما نضا عنه جسده، فيتبين أنه، بأسرع مما ~~يتصور أحد، لا بد تارك كل هذا وراءه وراحل من عالم البشر. ويكرس نفسه تماما ~~للعدل في أفعاله، ويذعن لطبيعة العالم في كل شيء يحدث. ولا يفكر أدنى تفكير ~~فيما عسى أن يقوله الآخرون عنه أو يفترضوه فيه أو يدبروه ضده، بل يكتفي بهذين ~~الشيئين؛ أن يتحرى العدل في كل ما يفعله الآن، وأن يتقبل بسرور رزقه الآني. لقد ~~صرف عنه كل المشاغل والأطماع، ولم يعد يرغب إلا في أن يسير على الطريق المستقيم ~~وفقا للقانون، وفي سيره المستقيم يتبع طريق الرب. ~~(10-12) فيم التوجس والشك إذا كان بوسعك أن تبحث وتدرك ما ينبغي فعله، ~~وبوسعك أن ترى طريقك وتمضي فيه راضيا ولا تتلفت وراءك. إذا كنت لا تتبين ~~الطريق فتوقف وخذ مشورة أفضل ناصحيك. فإذا حالت حوائل أخرى دون النصيحة فامض ~~وفق قدراتك الحالية ولكن بترو واجب، ملتزما دائما بما يبدو لك عدلا؛ فالعدل ~~هو أفضل ما تتغياه، والعدل هو الشيء الذي يحق أن يقال إننا نفتقده، وإذا أخفقنا أن ~~يكون إخفاقنا هو في السعي إليه. # من يتبع العقل في كل شيء فإنه يجمع في نفسه بين السكينة والإقدام، وبين الحماسة ~~والاتزان. ~~(10-13) سائل نفسك فور يقظتك من النوم: «هل ثمة من فارق بالنسبة لك إذا ما ~~انتقد الآخرون ما هو في الحقيقة عدل وصدق؟» كلا ... لا فارق. ولعلك لم تنس قط ماذا ~~يكون هؤلاء الذين يصهلون في مدح الآخرين ولومهم، وما شأنهم في الحل والترحال، ~~وماذا يفعلون وماذا يتجنبون أو يطلبون، وكيف يغشون وكيف يسرقون، لا بالأيدي ~~والأقدام بل بأعز جزء من أنفسهم؛ الجزء الذي به، إذا شاء المرء، تتأتى ms099 الأمانة ~~والتواضع والصدق والقانون وروح السعادة. ~~(10-14) الطبيعة تعطي كل شيء وتسترد كل شيء مرة ثانية. يقول لها من تعلم وتواضع: ~~«هبي ما شئت واستردي لك ما شئت.» يقولها لا بروح التحدي، بل ببساطة كأحد رعاياها ~~المخلصين. ~~(10-15) قصير هو ما تبقى لك من العمر، عشه كما لو كنت فوق جبل؛ هنا أو هناك لا ~~فرق، ما دمت حيثما عشت تتخذ العالم كوطن لك، فليشهدك الناس، وليعرفوا رجلا ~~يعيش وفقا للطبيعة. فإذا لم يطيقوه فليقتلوه؛ فلهذا أفضل من أن يعيش حياة ~~كحياتهم. ~~(10-16) بحسبك من كلام عما ينبغي أن يكون عليه الرجل الصالح؛ كن رجلا ~~صالحا. ~~(10-17) تأمل دوما الزمان كله والوجود كله، تجد كل شيء مفرد بمقياس الوجود مجرد ~~بذرة تينة، دورة مخرز. ~~(10-18) انظر إلى أي شيء موجود ولاحظ أنه منذ الآن في عملية فناء وتغير، يتجدد، ~~بمعنى ما، من خلال الفساد أو التبدد، وبعبارة أخرى؛ انظر إلى أي ضرب من «الموت» ~~يولد كل شيء. ~~(10-19) أي صنف من الناس هم حين يأكلون ويرقدون ويضاجعون ويقضون حاجتهم ... إلخ؟ ثم ~~أي صنف من الناس هم حين يتولون السلطة على الناس؟ متجبرين، متحجري القلب. ~~ورغم ذلك كيف كانوا منذ قليل عبيدا لكل تلك الحاجات وكل تلك الأشياء. وأي منقلب، ~~بعد قليل، سينقلبون. ~~(10-20) ما تقدمه طبيعة العالم لكل شيء فهو لخيره، وإنه لخيره في لحظة ~~تقديمه. ~~(10-21) «الأرض تحب المطر، والسماء الجليلة تحب أن تمطر.» # 7 # العالم كله يحب أن يخلق المستقبل. أقول للعالم إذن: «إنني أبادلك الحب.» ~~أليس هذا ما قيل أيضا من أن «هذا يحب أن يحدث»؟ # 8 ~~(10-22) إما تعيش هنا، وقد ألفت العيش، وإما تتقاعد، وهذا قرارك، وإما تموت، ~~فقد انتهت خدمتك. وليس من خيار آخر. ابتهج إذن ... ابتهج. ~~(10-23) ليكن واضحا لك دائما أن العشب ليس أكثر خضرة في أي مكان آخر. # 9 # وأن كل شيء هنا مثل كل شيء على قمة جبل أو على شاطئ بحر أو حيثما شئت. # 10 # فلن تجد قدامك إلا ms100 قول أفلاطون: «السكنى بين جدران مدينة كالسكنى ~~في شق جبل.» # 11 ~~(10-24) ماذا يكون عقلي الموجه الآن بالنسبة لي؟ ماذا أجعل منه وفيم أستعمله؟ هل ~~نضب فيه الفهم؟ هل انبت عن حياة المجتمع؟ هل انصهر في الجسد الهزيل والتحم به فجعل ~~يتأرجح على تياراته؟ ~~(10-25) العبد الذي يهرب من سيده هو آبق، والقانون هو سيدنا؛ من يخالف القانون، ~~إذن، فهو آبق. كذلك من يأسى أو يغضب أو يخاف إنما يرفض نظاما ما، في الماضي أو ~~الحاضر أو المستقبل، فرضه مدبر الأشياء جميعا؛ وهو القانون، الذي يقسم لكل ~~إنسان نصيبه، من يخاف إذن أو يحزن أو يغضب إنما هو آبق. ~~(10-26) يودع الرجل بذرته في الرحم ويرحل. بعدها يتولى الأمر سبب آخر ويؤدي ~~عمله وينتج طفلا. أية نتيجة هائلة من أية بداية! ثم يزدرد الطفل الغذاء في زوره، ~~وهنا يتولى الأمر تعاقب سببي آخر فيخلق إحساسا وحركة، وحياة بأسرها وقوة ~~وشتى الأشياء الأخرى الرائعة. # تأمل إذن ما يجري في مثل هذا الأمر الخفي. وانظر «القوة» وهي تفعل فعلها، ~~تماما مثلما نرى «القوة» وهي تحمل الأشياء إلى أسفل وإلى أعلى. انظر «القوة» لا ~~بالعين، وإن لم تكن أقل وضوحا. ~~(10-27) تأمل دوما كيف أن ما يحدث الآن قد حدث من قبل، وسوف يحدث في المستقبل بنفس ~~الطريقة. شاهد بعين عقلك مسرحيات كاملة، بنفس المشاهد - كل ما تعرفه من خبرتك أو من ~~التاريخ الأقدم - كل بلاط هادريان على سبيل المثال، بلاط أنطونينوس بأكمله، بلاط فيليب، ~~الإسكندر، كرويسوس. # 12 # كل أولئك كان مسرحيات كالتي تراها الآن، ولا اختلاف إلا في فرقة ~~الممثلين. ~~(10-28) ما أشبه الإنسان المتبرم بكل شيء والساخط على كل شيء بخنزير الأضحية ~~يرفس ويصرخ. كهذا الخنزير أيضا ذلك الإنسان الذي يندب، صامتا، في مخدعه كل ~~القيود التي تربطنا بها. وحده الإنسان العاقل من ألهم أن يختار الاستسلام طوعا لما ~~يحدث. على أن الاستسلام المحض ضرورة مفروضة علينا جميعا. # 13 ~~(10-29) في كل شيء تقوم به تعود أن تسأل نفسك: «ترى هل ms101 الموت أمر يدعو إلى ~~الخوف لأنه سيحرمني من هذا؟» # 14 ~~(10-30) كلما أخطأ شخص في حقك التفت فورا إلى نفسك وانظر كيف تخطئ أنت أيضا بنفس ~~الطريقة؛ قد يكون ذلك بإسباغ قيمة على المال أو اللذة أو الصيت، أو ما شابه. # 15 # بالتفاتك إلى نفسك سيخمد غضبك في الحال، وبخاصة إذا أضفت إلى ذلك أن ~~الإنسان مدفوع إلى ما يفعله؛ فماذا عساه أن يفعل غير هذا؟ أو، إذا كان بوسعك، ~~فأزح عنه هذا الدافع. ~~(10-31) عندما ترى ساتيريون أو يوتيخيس أو هيمن، فتصورهم في حلقة سقراط؛ عندما ~~ترى يوتيخيون أو سيلفانوس فتصور إيوفراتيس # Euphiate ~~، ~~وعندما ترى تروبايوفوروس تصور ألكيفرون، وعندما ترى سيفيروس تصور كريتو أو ~~كسينوفون؛ لكل واحد إذن ضريب في الماضي. عندئذ ~~تأمل هذا أيضا؛ أين أولئك الناس الآن؟ في لامكان، أو لا أحد يعرف أين. هكذا ستنظر ~~دائما إلى الحياة الإنسانية كمجرد دخان ولا شيء، وبخاصة إذا تذكرت أيضا أن ~~ما تبدل ذات يوم لن يعود إلى أبد الدهر. لماذا إذن هذا الكرب؟ لماذا لا تقنع ~~بأن تقضي أمدك الزمني القصير بسلاسة ونظام؟ # ومن أي موقف مادي أو أي فرصة للفعل تريد أن تتهرب؟ وهل كل ذلك غير تدريب ~~لذلك العقل الذي تفحص كل شيء في الحياة بنظرة دقيقة وعلمية؟ ابق إذن حتى ~~تتمثل كل هذا أيضا، كالمعدة القوية تتمثل كل طعام، أو كالنار الذكية ~~تحيل كل ما يلقى فيها إلى لهب وضياء. ~~(10-31) لا تجعل نفسك عرضة لأن يقال عنك بحق إنك غير مخلص أو غير صالح، بحيث ~~لا ينالك بهذا إلا كاذب أفاك. إن هذا الأمر راجع إليك بالكامل، فمن ذا الذي يحول ~~بينك وبين أن تكون صالحا أو مخلصا؟ عليك فقط أن تقرر ألا تظل على قيد الحياة ما ~~لم تمتلك هذه الخصال؛ فالعقل أيضا لا يحبذ أن يعيش من لا يمتلكها. # 16 ~~(10-33) في أي ظرف مادي معطى؛ ما الذي بوسعك أن تفعله أو تقوله بأقصى ~~انسجام مع العقل والرشد؟ فأيا ما كان ذلك ms102 فإن بإمكانك أن تفعله أو تقوله، ولا تنتحل ~~عذرا بأي «عوائق في طريقك»؛ فما أراك تكف عن عويلك ما لم يذق عقلك نفس اللذة التي ~~يجدها المنغمسون في الترف حين يستجيب لأي ظرف عارض استجابة إنسانية قويمة ~~منسجمة مع الفطرة؛ إذ ينبغي على المرء أن يعده متعة أي فعل يمكنه أن يؤديه ~~وفقا لطبيعته. وإن بوسعه ذلك في كل مكان. # والآن، إذا كانت العجلة لم تمنح القدرة على مواصلة حركتها حيثما أرادت، ولا ~~الماء ولا النار ولا أي شيء محكوم بالطبيعة أو غير عاقل فما أكثر العقبات ~~والعوائق التي تعترضها؛ فإن العقل لديه القدرة، بطبيعته وبإرادته، على أن يمضي خلال ~~كل عقبة. # 17 # ضع نصب عينيك هذه الإمكانية التي تمكن العقل من أن يمضي خلال كل الأشياء، ~~كالنار إلى أعلى، كالحجر إلى أسفل، كالعجلة تنزلق على المنحدر، ولا تبحث عن أي ~~شيء آخر؛ فأي عوائق أخرى إما أن يقتصر تأثيرها على الجسد الذي هو شيء ميت، وإما ~~ألا تأثير لها على الإطلاق إلا من خلال الحكم (الرأي) ومن خلال استسلام العقل ~~نفسه. # وإلا فإن كل من يصادف عقبة سيصبح هو نفسه سيئا في الحال. والآن، في جميع الكائنات ~~العضوية الأخرى فإن أي أذى يلحق بأي منها يجعلها أسوأ في ذاتها. أما في حالة ~~البشر فإن الشخص في الحقيقة يصبح أفضل وأجدر بالثناء إذا استخدم الظروف التي تصادفه ~~استخداما صحيحا. وتذكر بعامة أن لا شيء يضر مواطن الطبيعة إلا ما يضر ~~الدولة، ولا شيء يضر الدولة إلا ما يضر القانون. ولا شيء مما نسميه المحن يضر ~~بالقانون. إذن ما هو غير ضار بالقانون فهو لا يضر الدولة ولا المواطن. # 18 ~~(10-34) من تشرب المبادئ الصحيحة تكفه تذكرة شديدة الاختصار والشيوع لكي ~~يتخلص من كل ألم وخوف. مثال ذلك: # أوراق # 19 # البعض تبعثره الريح على الأرض ... # هكذا هي أجيال البشر. # 20 # أطفالك أيضا مجرد «أوراق». «أوراق» أيضا تلك الأصوات التي تهتف ~~بمدح الملك، وتلك اللعنات من مناوئيك، وهذا الملام الصامت أو السخرية ms103 المكتومة ... ~~مجرد «أوراق» مماثلة أيضا أولئك الذين سيتلقون وينقلون مجدك المستقبلي للأزمنة ~~التالية؛ فكل هذه الأشياء «تنتج في فصل الربيع»، كما يقول الشاعر، # 21 # ولكن لا تلبث الريح أن تذروها، ثم تنتج الغابة أوراقا أخرى مكانها. كل ~~الأشياء قصيرة العمر، فما لك تلتمس وتتجنب كل شيء كما لو كانت الأشياء باقية ~~إلى الأبد. بعد برهة ستغمض أنت أيضا عينيك، وسرعان ما سيأتي آخرون ينعون الرجل ~~الذي يدفنك. ~~(10-35) العين السليمة ينبغي أن ترى كل ما هو قابل للرؤية ولا تقول: «أريد الأشياء ~~الخضراء فقط.» فهذا حال عين مريضة، والسمع السليم والشم السليم يجب أن يكون مؤهلا ~~لإدراك كل ما يمكن أن يسمع أو يشم. والمعدة ~~السليمة ينبغي أن تتقبل كل الطعام بنفس الطريقة التي تتقبل بها الطاحونة كل ما ~~صنعت لطحنه. وكذلك العقل السليم ينبغي أن يكون مستعدا لكل الاحتمالات. العقل الذي ~~يقول: «أطفال يجب أن يعيشوا.» أو «ينبغي أن يمتدح الناس كل ما أفعل.» هو عين تريد ~~الألوان الخضراء أو أسنان تطلب الطري من الطعام. ~~(10-36) ليس ثمة من بلغ من السعد بحيث لا يقف حول فراش موته من هو سعيد بما ~~سيحيق به. هبه كان صالحا وحكيما، ألن يكون هناك واحد لحظة وفاته يقول لنفسه: ~~«أخيرا يمكننا أن نتنفس الصعداء، ألا بعدا لهذا «الناظر»، صحيح أنه لم يكن فظا ~~تجاه أي منا، ولكني كان بوسعي أن أحس بنقده الصامت لنا جميعا.» هذا ما يقال عن رجل ~~صالح. أما في حالتنا نحن فكم من أشياء أخرى تجعل الكثيرين يرغبون في التخلص منا. ~~تذكر ذلك إذن عندما يحين موتك ولسوف تكون في رحيلك أكثر ارتياحا إذا قلت لنفسك: ~~«إنني راحل عن مثل هذه الحياة التي يتمنى فيها حتى رفاقي الذين جاهدت كثيرا من أجلهم ~~وصليت لهم ورعيتهم؛ يتمنون أن أرحل عنها عسى أن يجدوا في موتي بعض الفرج ~~والفائدة؛ ففيم التشبث بهذه الأرض والرغبة بهذه الحياة؟» # على ألا يدفعك هذا الشعور بأية جفوة تجاههم وأنت راحل من هذه الحياة، بل ms104 كن وفيا ~~لمبدئك وخلقك؛ ودودا، رفيقا، محسنا، ومن جهة أخرى لا يكن تركك إياهم كأنه انخلاع ~~من الحياة، بل انسلال يسير للروح من غلاف الجسد كما يخبره من يموتون في هدوء؛ فقد ~~ربطتك الطبيعة بهم وجعلتهم رفاقك ويحلو لها الآن أن تحل هذا الرباط. فليكن ~~انصرافك كانصراف المرء عن أهل وعشير، ولكن من غير مقاومة أو إرغام؛ فهذه أيضا واحدة ~~من طرق اتباع الطبيعة. ~~(10-36) تعود، جهد ما تستطيع، أن تسأل نفسك كلما فعل أي شخص فعلا: «ماذا ~~يرمي هذا الشخص بهذا الفعل؟ ما هي نقطته المرجعية هنا؟» ولكن ابدأ بنفسك ووجه ~~السؤال إلى نفسك قبل أي شخص آخر. ~~(10-37) تذكر أن ما يحركنا ويشد خيوطنا هو ذلك الجزء الخفي في داخلنا؛ إنه ~~القوة على الفعل، إنه مبدأ الحياة، إنه، إذا جاز القول، الإنسان نفسه؛ لذا تلتفت وأنت ~~تتأمله إلى الوعاء الذي يحتويه والأعضاء المشيدة حوله؛ ~~فهذه أداة، كالفأس، لا تختلف إلا في أنها متصلة ~~بالجسد. ولا جدوى في هذه الأعضاء من دون القوة الفاعلة التي تحركها وتوقفها أكثر ~~من جدوى المكوك من دون النساج، أو القلم من دون الكاتب، أو السوط من دون الحوذي. # 22 # | الكتاب الحادي عشر # (11-1) هذه خصائص الروح العاقلة: إنها ترى ذاتها، وتشكل ذاتها، وتجعل نفسها أي ~~شيء تريد، وتجمع لنفسها الثمار التي تحملها (بينما لغيرها تحمل النباتات ثمارها، ~~والحيوانات نتاجها ). وهي تحقق غايتها حيثما وضع حد الحياة. فإذا كان من شأن ~~الانقطاع في باليه أو مسرحية أن يجهض العمل كله، فإن الروح العاقلة، في أي مشهد حيثما ~~قوطعت، تكون قد أكملت عملها بتمامه؛ بحيث يحق لها أن تقول «هذا ما عندي.» # 1 # والروح العاقلة، فضلا عن ذلك، تجتاز العالم كله والخلاء المحيط به، وتستكشف شكله، ~~وتمد نفسها في لانهاية الزمان، # 2 # وتحيط بالتجدد الدوري ل «الكل» وتفهمه. وتفهم أن من سيأتي بعدنا لن ~~يشاهد شيئا جديدا، مثلما أن من سبقنا لم يشهد أكثر مما نشهده. هكذا اطراد ~~الأشياء؛ فمن بلغ الأربعين ولديه أدنى درجة ms105 من الفهم فإنه بمعنى ما قد شهد كل ما ~~كان وكل ما سيكون. # 3 # من خصائص الروح العاقلة أيضا حب الجار، والصدق، والتواضع، وأن ترفع نفسها فوق كل ~~شيء، وهذه الأخيرة من خصائص القانون أيضا. لا فرق إذن بين مبدأ الفلسفة الحقيقي ~~ومبدأ العدالة. ~~(11-2) سترخص عندك قيمة الأغنية أو الرقصة المسلية، أو مباراة المصارعة، إذا ما ~~فككت الخط اللحني للأغنية إلى نغمات مفردة وسألت نفسك في كل واحدة: «هل هذا شيء ~~يتملكني؟» ولسوف تتراجع عن الاعتراف بذلك. كذلك الأمر إذا أخذت الرقصة بتحليل مماثل ~~لكل حركة وكل رقصة، وكذلك الأمر في المصارعة. تذكر إذن، باستثناء الفضيلة والأفعال ~~الفاضلة، أن تتجه مباشرة إلى الأجزاء المكونة لأي شيء، وفي تشريحك له ستتخلص من ~~سحره. وعليك أن تطبق المنهج نفسه على الحياة كلها. # 4 ~~(11-3) ما أنبل النفس التي تكون مستعدة، إذا اقتضى الأمر، أن تفارق البدن ~~لساعتها لكي تفنى أو تتناثر أو تبقى بعد البدن. # 5 # ولكن ليكن ذلك الاستعداد نابعا من رأي المرء ذاته واقتناعه الخاص، لا من ~~مجرد الرغبة في المعارضة ومخالفة المألوف، كما هو شأن المسيحيين. # 6 # ليكن استعدادا متعقلا جادا صادقا طبيعيا خاليا من التصنع والمسرحة. # 7 ~~(11-4) هل صنعت شيئا ما من أجل الصالح العام؟ إذن فقد تلقيت أجري. لتكن هذه ~~دائما قناعتك ولا تكف أبدا عن صنع الخير. ~~(11-5) ما هي حرفتك؟ أن أكون إنسانا صالحا، ولكن هذا لا يتأتى إلا خلال المفاهيم ~~الفلسفية؛ المفاهيم الخاصة بطبيعة العالم، والمفاهيم الخاصة بالطبيعة الحقة ~~للإنسان. ~~(11-6) في البداية عرضت التراجيديات على المسرح لكي تذكر الناس بالأمور التي ~~يمكن أن تحدث لهم، وبأن هذه الأحداث تحتمها الطبيعة، وأن ما يؤثر فيك في المسرح ~~ينبغي ألا يكرثك على المسرح الأكبر للحياة. بوسعك أن ترى كيف يتعين على الأشياء ~~أن تتبدل وأنه حتى من يصيحون، # 8 ~~«أي كيثايرون!» ينبغي عليهم أن يتحملوها. # ثمة أيضا بعض الأقوال المفيدة عند التراجيديين، وبخاصة: ~~«إذا لم تعد الآلهة تكترث بي وبطفلي؛ فهذا أيضا له ms106 ما يبرره.» # 9 # ثم: ~~«الأشياء المجردة، الوقائع العجماء، ينبغي ألا تثير غضبك.» # 10 # ثم: ~~«السنابل الناضجة تحصد، وكذلك حياة الكائنات.» # 11 # وبعد التراجيديا أدخلت الكوميديا القديمة. # 12 # وكان ثمة قيمة تعليمية في صراحتها غير المحددة، وهذا الكلام ~~المكشوف كان بنفسه تحذيرا مفيدا من الغرور - ديوجينيس أيضا تبنى هذه السمة لهدف مماثل. # 13 # وبعد هذا انظر في طبيعة الكوميديا الوسيطة، والغرض من التبني اللاحق ~~للكوميديا الجديدة، التي انحدرت بالتدريج إلى مجرد فن التقليد. صحيح أن هؤلاء ~~الكتاب أيضا قالوا بعض الأشياء الجيدة، ولكن انظر إلى أية غاية انتهت الحركة ~~بأكملها لهذا الصنف من الشعر والدراما؟ ~~(11-7) من الجلي البين أنه ليس ثمة حالة حياتية أنسب لممارسة الفلسفة من ~~هذه الحالة التي تمر بها الآن. # 14 ~~(11-8) الفرع الذي ينبت عن الفرع المجاور ينبت بالضرورة عن الشجرة كلها. ~~كذلك الإنسان الذي ينفصل عن إنسان آخر، يكون قد سقط من المجتمع كله. وإذا كان فرع ~~الشجرة ينقطع بفعل غيره فإن الإنسان يفصل نفسه بنفسه عن جاره، بسبب كراهيته هو ورفضه، ~~غير مدرك أنه بذلك إنما فصل نفسه عن المجتمع الأوسع لرفاقه المواطنين. غير أن هناك ~~هبة منحنا إياها زيوس الذي جمع المجتمعات؛ وهي أن بوسعنا أن نلتئم مرة أخرى بجارنا ~~ونستعيد مكاننا في الكيان الكلي. غير أنه إذا تكرر ذلك مرارا فإن مثل هذا الانفصال ~~يجعل من الصعب على من عزل نفسه أن يندمج مرة ثانية ويستعيد وضعه السابق. جملة القول ~~أن الفرع الذي ينمو مع الشجرة منذ البداية ويشاركها حياتها ليس كالفرع الذي انفصل ثم ~~أعيد وصله، إنما ينطبق عليه قول البستانيين: «إنه يشارك بقية الأفرع في الجذع ~~ولكن لا يشاركها في العقل.» # 15 ~~(11-9) كما أن أولئك الذين يقفون في طريقك ليصدوك عن المضي في الطريق المستقيم ~~لن يستطيعوا أن يصرفوك عن الفعل القويم؛ كذلك ينبغي عليك أن توازن بين الجانبين، ~~فتكون ثابت الرأي والفعل من جهة ورفيقا من جهة أخرى بمن يضع العثرات في طريقك أو ~~ينقم عليك تقدمك؛ فأن ms107 تسخط عليهم هو أيضا ضعف منك، مثله مثل أن تنحرف عن مسارك ~~أو ترتدع عنه؛ فكلاهما بمثابة إهمال الواجب؛ أن ترعوي عنه أو أن تصطدم بعشيرتك ورفاقك ~~في الطبيعة. ~~(11-10) «ليست هناك طبيعة أدنى من الفن.» # 16 # فالفنون ما هي إلا محاكاة لطبيعة الأشياء. فإذا صح ذلك فإن تلك الطبيعة ~~التي هي الأكمل والأشمل بين كل الطبائع لا يمكن أن تكون أقل شأنا من أي ابتكار فني. ~~فإذا كانت الفنون جميعا تنتج الأدنى من أجل الأعلى، فإن هذا أيضا هو سبيل الطبيعة ~~الكونية. والحق أنه ها هنا يكمن مصدر العدالة الذي تستمد منه بقية الفضائل وجودها؛ ~~إذ لن يكون للعدالة أثر إذا نحن ركزنا اهتمامنا على الأشياء اللافارقة # indifferentia # أو إذا كنا سذجا لا نثبت على مبدأ. # 17 ~~(11-11) لا تفرض الأشياء الخارجية، التي تطلبها أو تتجنبها، نفسها عليك فرضا، ~~إنما أنت، بمعنى ما، من يخرج إليها. فليهدأ حكمك عليها وسوف تهدأ هي بدورها، ولن ~~تراك تسعى إليها بعد ولا تتجنبها. # 18 ~~(11-12) الروح كروية الشكل تظل محتفظة بهيئتها ما لم تنتأ تجاه شيء أو تنكمش ~~من شيء، وما لم تشب أو تخمد، بل تبقى محتفظة بنور دائم ترى به حقيقة الأشياء ~~جميعا وترى به «الحقيقة في ذاتها». ~~(11-13) فلان يحتقرني؟ هذا شأنه. أما أنا فسأظل حريصا على ألا يبدر مني أي لفظ ~~أو فعل يستوجب الازدراء. سيكرهني فلان؟ هذا شأنه. أما أنا فسأظل رفيقا حسن النية ~~تجاه الجميع، ومستعدا لأن أظهر فلانا هذا على خطئه؛ لا بتأنيب ولا بتصنع ~~التسامح، بل بنبالة وإخلاص حقيقيين، مثل فوكيون العظيم (ما لم يكن متهكما في قوله). # 19 # هكذا ينبغي أن يكون ضميرنا الباطن، الذي تراه أعين الآلهة: ينبغي أن ترانا ~~الآلهة غير ساخطين ولا شاكين. وماذا يضيرك إذا كنت الآن تفعل ما تسيغه ~~طبيعتك وما يفي بالغرض الحاضر لطبيعة العالم - إنسانا أسند إليه تحقيق الخير ~~العام على هذا النحو أو ذاك؟ ~~(11-14) يحتقر بعضهم بعضا، وينافقه رغم ذلك. يريدون العلو والترقي، وينبطحون ms108 ~~رغم ذلك! ~~(11-15) ما أشد كذبه وتصنعه ذلك الذي يقول: «لقد عقدت النية على أن أكون ~~مخلصا لك.» ماذا تفعل أيها الرجل، وما الداعي لهذه المقدمات؟ الأفعال سوف تكشف كل ~~شيء. الإخلاص ينبغي أن يكون مكتوبا على جبينك، متجليا في نغمة صوتك وبريق عينيك، ~~تماما كما يقرأ المحبوب كل شيء في أعين محبيه. للصلاح والإخلاص شميم نافذ لا ~~يخطئه العابر. أما تكلف الإخلاص فأشبه بالخنجر. لا شيء أكثر شينا من صداقة ~~الذئاب. فبعدا لها. الرجل الصالح والطيب والخير تنضح نظرته بهذه الصفات كلها ~~ولا تخطئه العين. ~~(11-16) عش الحياة على أفضل نحو ممكن. بوسع الروح أن تفعل ذلك إذا كانت غير ~~مكترثة بالأشياء غير الفارقة # indifferent ~~. وستكون ~~غير مكترثة بهذه الأشياء إذا نظرت إليها ككل وإلى كل منها على حدة، وتذكرت ~~أن لا شيء من هذه الأشياء يصدر حكما عن نفسه أو يفرض نفسه علينا؛ فالأشياء ذاتها ~~خاملة. وإنما نحن الذين ننتج الأحكام عنها ونطبعها في عقولنا. وإن بوسعنا ~~ألا نطبعها على الإطلاق، وأن نمحو في الحال أي حكم تصادف انطباعه. تذكر ~~أيضا أن انتباهنا إلى هذه الأشياء لا يمكن أن يدوم إلا لحظة قصيرة ثم تنتهي ~~الحياة. وما الصعب في ذلك على أية حال؟ فإذا كانت هذه الأشياء متفقة مع الطبيعة ~~فتقبلها وستجدها سهلة يسيرة، وإذا كانت ضد الطبيعة فابحث عما هو متفق مع طبيعتك ~~واسع في طلبه حتى لو لم يأت معه بمجد؛ فمن حق كل إنسان أن يلتمس ما هو خير ~~له. ~~(11-17) في كل شيء يعرض للخبرة انظر في مصدره الذي منه أتى، وفي مكوناته، ~~وإلى أي شيء يتحول ، وأي صنف من الأشياء سيكون بعد أن يتحول، وأن التغير لن يضيره ~~شيئا. ~~(11-18) إذا ما أساء إليك أي شخص فانظر: # أولا: # ماذا تكون، في نظري، علاقتي بهم، وحقيقة أننا خلقنا من أجل بعضنا ~~البعض، ومن جهة أخرى أنني خلقت لأكون قائدهم، مثلما يقود الكبش ~~سربه والثور قطيعه؟ ولكن ابدأ من المبادئ الأولى. إذا كانت الأشياء ~~جميعا ms109 ليست مجرد ذرات عشواء، إذن فالطبيعة تحكم الكل، والأدنى، ~~بالتالي، خلق من أجل الأعلى، والأعلى من أجل بعضهم بعضا. # ثانيا: # أي صنف من الناس هم على موائدهم، وفي فراشهم ... إلخ؟ والأهم، أي ~~صنف من السلوك تمليه آراؤهم عليهم. وبأي اعتزاز ورضا ذاتي يفعلون ~~ما يفعلون؟ # ثالثا: # إذا كان ما يفعلونه صوابا، فبها ونعمت، وإذا كان خطأ فمن الواضح ~~أنهم يفعلونه عن جهل ومن غير قصد؛ فمثلما تكره النفس أن تحرم من ~~الحقيقة، كذلك تكره أن تحرم من القدرة على أن تعامل كل شخص كما ~~يستحق؛ وبالتالي فإن الناس يسوءهم أن يوصفوا بالظلم أو الجحود أو ~~الطمع. وباختصار؛ أن يوصفوا بأنهم يسيئون لجيرانهم. # رابعا: # أنت نفسك ترتكب أخطاء كثيرة، وإن كنت تحجم عن ارتكاب مثل ~~أخطائهم بدافع الخوف أو اعتبار السمعة أو غير ذلك من الدوافع ~~الدنيئة. # خامسا: # لست حتى واثقا من أنهم يخطئون؛ فكثير من الأشياء يجري فعلها ~~كجزء من خطة أكبر. وعلى المرء بصفة عامة أن يعرف الكثير قبل أن ~~يمكنه أن يقطع بحكم على أفعال شخص آخر. # سادسا: # عندما يأخذك الحنق أو الضجر فتذكر أن حياة المرء مجرد ~~لحظة وسرعان ما سنكون جميعا في قبورنا. # سابعا: # ليست أفعالهم هي ما يسوءنا؛ لأن لها أساسها في عقلهم الموجه، ~~بل حكمنا نحن على هذه الأفعال. فامح هذه الأحكام، واعقد العزم على ~~أن تتخلى عن تقييمك لجرم مفترض، وسيذهب غضبك في الحال. وكيف تمحو ~~الأحكام؟ بأن تذكر أن جرم غيرك لا يلحق بك عارا؛ فالعار هو ~~الضرر الوحيد وإلا لكنت أنت أيضا مذنبا بإلحاق الكثير من ~~الضرر وصرت لصا وغدا. # ثامنا: # أكبر الألم إنما يأتي من الغضب والحنق الناتجين، لا من الأسباب ~~الأصلية لغضبنا وحنقنا. # تاسعا: # للرفق تأثير فعال لا يقهر، بشرط أن يكون أصيلا لا تصنع فيه ولا ~~نفاق؛ فماذا عسى أن يفعل لك أعنف الناس إذا ما بقيت رفيقا به، وبذلت ~~له النصح ما استطعت وبينت له خطأه في نفس الوقت الذي يحاول فيه ~~إيذاءك؟ «لا يا بني إنما ms110 خلقنا لغايات أخرى غير هذا. لا سبيل إلى ~~أن تصيبني بأذى؛ فما تؤذي إلا نفسك يا ولدي.» وترفق إليه في ~~الحديث وبيدك المبدأ العام الذي يقضي بذلك؛ فالنحل لا تفعل ذلك ~~ولا أي مخلوقات جبلتها الطبيعة على الاجتماع. ولا يشوبن نصحك ~~أي شيء من السخرية أو التوبيخ. وليكن نصحا مترفقا غير ~~جارح، ولا تحدثه كأنك تلقي محاضرة تريد أن تنتزع بها إعجاب ~~الآخرين، بل تحدث إليه وكأنه وحده من غير شهود. # تذكر هذه المبادئ التسعة كأنها هدايا من ربات الفنون. ولتكن إنسانا ما حييت. ~~وتجنب التملق بقدر ما تتجنب الغضب في التعامل معهم؛ فكلاهما ضار ولا ~~يؤدي إلى الصالح العام. وتذكر في نوبات غضبك أن الغضب ليس من الرجولة في شيء، ~~وأن الرحمة واللين أكثر إنسانية وبالتالي أكثر رجولة؛ فالرحماء هم ذوو ~~القوة والبأس والشجاعة وليس القساة ولا الساخطون. فكلما تحكمت في انفعالاتك ~~كنت أقرب إلى القوة. # 20 # فالغضب دليل ضعف شأنه شأن الجزع؛ فالغاضب والجزع كلاهما أصيب ~~وكلاهما استسلم. # ودونك هدية عاشرة من قائد ربات الفنون (أبولو)؛ أن من الجنون أن تتوقع من ~~الأشرار ألا يقعوا في الخطأ؛ أن تطلب ذلك هو أن تطلب المستحيل، ولكن أن تسمح لهم ~~أن يفعلوا مثل ذلك بالغير ولا يفعلوه بك هو خطل واستبداد. ~~(11-19) ثمة أربعة أدواء أساسية تصيب العقل الموجه كن على حذر دائم منها ~~كلما صادفتها، وقل في كل حالة: «هذه الفكرة لا لزوم لها.» «هذه قد تضعف وشائج ~~المجتمع.» «هذا الذي تهم بقوله لا يعبر عن قناعتك الحقيقية.» (أن تقول ما لا تقتنع ~~به هو قمة التناقض). أما الرابع فهو عندما تبكت نفسك على أي شيء؛ فهذا دليل على ~~أن الجزء الأكثر ألوهة فيك قد خضع واستسلم للجزء الأدنى والفاني - أي الجسد - ~~ولذاته العنيفة. ~~(11-20) كل ما هو من عنصري الهواء والنار فيك يميل بطبيعته إلى أعلى. ورغم ذلك فهو ~~يطيع ميل «الكل» ويظل راضخا هنا في الكتلة المركبة (الجسد). وكل ما هو من ~~التراب والماء فيك، رغم ميله ms111 إلى الهبوط إلى أسفل، يرفع إلى أعلى ويبقى في وضع ~~غير طبيعي بالنسبة له. إذن حتى العناصر تعنو ل «الكل»، وترغم على البقاء في موضعها ~~المخصص لها، حتى يأتي نذير الفناء مرة أخرى من المصدر نفسه. # أليس من العجيب إذن ألا يتمرد، ويتبرم بمكانه الممنوح له، إلا الجزء العاقل ~~منك؟ ورغم ذلك فليس مفروضا عليه شيء غير ما يتفق مع طبيعته، ولكنه ما يزال يأبى أن ~~يذعن، وما يزال يرتد في الاتجاه المعاكس؛ فكل اتجاه نحو الظلم والإفراط والغضب ~~والأسى ما هو إلا ردة عن الطبيعة. وفضلا عن ذلك، فمتى أحس العقل الموجه ~~بالاستياء من أي حدث فهذا أيضا تخل عن واجبه المنوط به؛ فهو لم يفطر على العدل ~~إلى البشر فحسب بل فطر أيضا على تمجيد الرب وخدمته؛ فهذا أيضا شكل من أشكال ~~التناغم مع الفطرة ولعله أهم وأوجب من أفعال العدل. ~~(11-21) «من لا يثبت على غاية واحدة في الحياة لا يمكن أن يبقى هو نفسه واحدا ~~طوال حياته.» # 21 # لا يكتمل هذا المبدأ ما لم تضف إليه أيضا ماذا ينبغي أن تكون هذه ~~الغاية؛ فمثلما تتعدد الآراء حول ما يعتبره الأغلبية خيرا بطريقة أو بأخرى ولا ~~ينتزع الإجماع إلا فئة واحدة من الأشياء وهي الأشياء التي تصب في الصالح العام؛ ~~كذلك ينبغي أن يكون هدفنا الذي نكرس له أنفسنا هو هدف اجتماعي؛ أي صالح إخواننا ~~المواطنين؛ فمن يوجه كل جهوده إلى هذا الهدف فسيكون متسقا في كل أفعاله، ويكون، ~~من ثم، هو الشخص نفسه طوال حياته. ~~(11-22) قارن فأر الجبل بفأر المنزل: انظر كم هو مروع مستنفر فأر ~~المنزل. ~~(11-23) اعتاد سقراط أن يطلق على الاعتقادات الشائعة اسم «بعبع»؛ أشياء تخيف بها الأطفال. # 22 ~~(11-24) دأب الإسبرطيون في احتفالاتهم على أن يضعوا مقاعد للغرباء في الظل، وأن ~~يجلسوا هم أنفسهم حيثما شاءوا. ~~(11-25) اعتذر سقراط لبيرديكاس المقدوني عن عدم تلبية الدعوة لزيارته قائلا: ~~«حتى لا أموت أسوأ ميتة؛ أن أتقبل معروفا لن أكون قادرا على رده.» # 23 ms112 ~~(11-26) ثمة قاعدة في الكتابات الأبيقورية تشير بأن تتمثل في ذهنك على الدوام ~~واحدا من أولئك الذين كانوا يتبعون طريق الفضيلة في الأزمنة السابقة. ~~(11-27) يقول الفيثاغوريون: «تأملوا السماء في الفجر.» كي نذكر أنفسنا بثبات ~~تلك الأجرام السماوية، التي تؤدي الشيء نفسه على الدوام وبالطريقة نفسها، ونذكر ~~أنفسنا أيضا بنقائها وتجردها؛ فليس على نجم حجاب. ~~(11-28) تذكر سقراط بملابسه الداخلية عندما أخذت كسانثيبي # 24 # سترته ومضت، واذكر ماذا قال لأصدقائه الذين أجفلوا منه خجلا عندما ~~رأوه بهذه الحال. ~~(11-29) لا في الكتابة ولا في القراءة يمكنك أن تعلم قبل أن تتعلم، كذلك الأمر، ~~وأكثر، في الحياة. ~~(11-30) «أنت عبد ... فلا صوت لك.» # 25 ~~(11-31) «وكان قلبي يضحك في داخلي.» # 26 ~~(11-32) «سوف يلعنون الفضيلة، ويغلظون القول.» # 27 ~~(11-33) ليس غير مجنون من يطلب تينا في الشتاء؛ ومجنون بالمثل من يأمل في طفل ~~بعد فوات الأوان. # 28 ~~(11-34) اعتاد إبكتيتوس أن يقول: عندما تقبل طفلك ينبغي أن تقول لنفسك «ربما تموت ~~غدا.» ~~- «ولكن هذا شؤم.» ~~- يرد إبكتيتوس: «كلا، ليس شؤما ما يشير إلى عملية طبيعية، وإلا لكان شؤما أن ~~تتحدث عن حصاد القمح.» ~~(11-35) عنب فج، عنقود ناضج، زبيب؛ كله تغير، لا إلى عدم، بل إلى شيء ~~غير موجود بعد. # 29 ~~(11-36) ليس بمكنة لص أن يسرق إرادتك. # 30 ~~(11-37) يقول إبكتيتوس أيضا: علينا أن نكتشف منطقا للقبول، وفي مجال رغباتنا أن ~~نحرص على أن تكون كل حركة مشروطة، ذات هدف اجتماعي، ومتناسبة مع قيمة هدفها. أما ~~عن الرغبة الحسية فيجب أن نظل بمنأى كامل عنها. وأما النفور فعلينا ألا نبديه ~~بإزاء أي شيء خارج عن قدرتنا. ~~(11-38) مرة ثانية: «الخلاف هنا ليس هينا ... إنها مسألة الجنون أو العقل.» # 31 ~~(11-39) اعتاد سقراط أن يسأل: «ماذا تريدون؟ نفوس الكائنات العاقلة أم غير ~~العاقلة؟» ~~«العاقلة.» ~~- أي صنف من الكائنات العاقلة؟ الصالحة أم غير الصالحة؟ ~~- «الصالحة.» ~~- لماذا إذن لا تسعون إليها؟ ~~- «لأنها لدينا.» ~~- لماذا إذن تقتتلون وتصطرعون؟ # 32 # | الكتاب الثاني عشر1 # (12-1) كل ms113 ما تتمنى يوما بلوغه بطريق ملتو بوسعك الآن أن تناله إذا كنت ~~منصفا لنفسك؛ أي إذا تركت الماضي وراء ظهرك وأوكلت المستقبل للعناية، ووقفت ~~الحاضر على التقوى والعدل. # 2 # على التقوى فترضى بنصيبك المقسوم؛ فقد جعلته لك الطبيعة وجعلتك له. ~~وعلى العدل فتكون صادقا صريحا في قولك وفعلك، تقول الحق وتلتزم بالقانون والقسط في ~~كل ما تفعل. ولا يصدك عن طريقك خبث الخبثاء ولا تقول المتقولين، # 3 # ولا إحساسات اللحم البائس الذي تنامى عليك. وعلى الجانب المتضرر أن ~~ينظر في شأنه. # 4 # حتى إذا ما اقترب رحيلك وقد تركت كل شيء وراء ظهرك، لا يعنيك إلا عقلك ~~الموجه والألوهة التي بداخلك، ولا تخشى من أن يحل أجلك بل من أن تكف عن ~~الحياة وفقا للطبيعة، ستكون إذ ذاك إنسانا جديرا بالعالم الذي أتى بك، ولن تعود ~~غريبا في وطنك، # 5 # ولن تعود مأخوذا بالأمور اليومية كما لو كانت غير متوقعة، ولن تعود ~~معلقا أملك على هذا أو ذاك. ~~(12-2) الله يرى عقولنا جميعا مجردة من غطائها المادي ومن قشورها وخبثها، لا ~~صلة له إلا بفكرنا الذي صدر منه وتدفق إلى هذه الأبدان. إذا عودت نفسك أيضا أن ~~تصنع نفس الصنع فسوف تضع عنك كثيرا من إصرك. إن من يصرف نظره عن الجسد البائس ~~الذي يغلفه قلما يكرث نفسه بالنظر إلى الملبس أو المسكن أو الصيت، أو أي شيء ~~من هذه الزخارف والمشاهد المسرحية. ~~(12-3) ثلاثة هي مكوناتك؛ جسد، ونفس (حياة)، وعقل. أما الأولان فهما خاصتك ~~بقدر ما هو من واجبك أن ترعاهما. وأما الثالث فهو خاصتك بتمام المعنى. فإذا ما ~~نفضت عن نفسك؛ أي عن عقلك، كل ما يقوله الآخرون ويفعلونه، وكل ما قلته أنت ~~وفعلته، كل ما ينغصك عن المستقبل، كل ما يجلبه عليك جسدك الذي يغلفك ~~ونفسك الذي يصاحبك على غير اختيار منك، وكل ما يدوم في الدوامة الخارجية ~~التي تحيط بنا، # 6 # بحيث يمكن لقوة عقلك، وقد تجاوزت الآن كل الروابط العرضية، أن توجد ~~بذاتها، خالصة حرة ms114 تفعل ما هو عدل، وتريد ما يحدث لها وتقول ما هو صدق. أقول إذا ~~نفضت عن عقلك الموجه ما يرين عليه من انطباعات الحس ومن هموم الآتي والماضي، ~~جاعلا نفسك مثل كرة أمبدوقليس: «تامة الاستدارة مبتهجة في نعيم وحدتها.» لا ~~تبتغي إلا أن تعيش ما هو حياتك الحقة - أي الحاضر - سيكون بوسعك أن تقضي ما تبقى لك ~~من العمر في هدوء وسكينة وسلام مع روحك الحارس. ~~(12-4) كم تعجبت من أن كل إنسان يحب نفسه أكثر من أي شخص آخر، بينما يضع رأيه ~~في نفسه موضعا أدنى من رأي الآخرين فيه؛ فماذا لو ظهر له إله أو معلم حكيم وسأله: ~~ألا يضمر في نفسه أي فكرة أو نية لا يود أن تذاع على الملأ في الحال؟ ما ~~أحسبه يحتمل هذا الأمر يوما واحدا. حقا، إذن، إننا نبالي بما سيراه فينا ~~الآخرون أكثر مما نراه في أنفسنا. ~~(12-5) كيف يتأتى أن الآلهة بعد أن هيأت كل شيء بكل هذه الجودة وكل هذا الحب ~~للبشر، يفوتها هذا الشيء الوحيد؛ وهو أن بعض الناس، وخيرة الناس جميعا، أولئك الذين ~~اتصلوا بالألوهة أوثق اتصال، وبلغوا منها أقرب مكان خلال أعمال التقوى والشعائر، ~~أنهم فور موتهم يلاقون فناء أبديا ولا يعود لهم أي وجود؟! # ولكن إذا كان هذا هو الحال فثق أنه لو كان ينبغي أن يكون غير هذا لكانت الآلهة ~~فعلته؛ لأنه إذا صح لكان ممكنا أيضا، وإذا كان متفقا مع الطبيعة لكانت الطبيعة ~~فعلته، إذن فحقيقة أنه ليس شيئا آخر (إن كانت هذه هي الحقيقة فعلا) يجب أن تطمئنك ~~أنه ما كان ينبغي أن يكون غير هذا. # 7 # لعلك تلحظ بنفسك أنك بهذا التساؤل الجريء إنما تتنازع مع الآلهة، وما ~~كنا لندخل في مثل هذا النزاع مع الآلهة لولا أنها غاية في الخير والعدل. وإذا كان ذلك ~~كذلك فما كان لها أن تدع أي جانب من تدبيرها المحكم للعالم يفلت منها عن ~~تفريط في العدل أو العقل. # 8 ~~(12-6) درب نفسك حتى على ms115 ما يئست من التمكن منه؛ فاليد اليسرى، لنقص الممارسة، ~~خرقاء في أغلب المهام، غير أنها أشد إمساكا باللجام من اليد اليمنى؛ فلقد تدربت ~~على ذلك. ~~(12-7) تفكر كيف يكون حال المرء، جسدا وروحا، بعد أن يدركه الموت، وتأمل في ~~قصر الحياة، وفي الهوة السحيقة للزمان الماضي والمستقبل، وفي هوان كل شيء ~~مادي. ~~(12-8) تأمل المبادئ الصورية (الصور) للأشياء مجردة من غطائها، تأمل الغايات ~~الخفية للأفعال، تأمل: ما هو الألم؟ وما هي اللذة؟ وما هو الموت؟ وما هو المجد؟ ومن منا ~~ليس هو نفسه السبب في كربه الشخصي، وليس قلقه من صنع يديه؟ تأمل: ليس ثمة امرؤ ~~يعاق بغيره، وإنما كل شيء هو كما يجعله التفكير كذلك. # 9 ~~(12-9) في تطبيقك لمبادئك كن كالملاكم لا المجالد؛ فالمجالد # gladiator # مرتهن لسيفه الذي يستخدمه، يرفعه أو ~~يسقط عنه ويقتل. أما الملاكم فلديه دائما يده، وليس عليه إلا أن يستخدمها. # 10 ~~(12-10) انظر ماذا تكون الأشياء في ذاتها، مقسما إياها إلى مادة وصورة وغرض ~~(غاية). ~~(12-11) أعلى مراتب الحرية والقوة هي ألا يفعل الإنسان إلا ما يرضي الله، وأن ~~يتقبل كل ما يقسمه الله له. ~~(12-12) لا تلم الآلهة؛ فهي لا ترتكب خطأ، لا عن عمد ولا عن غير عمد. # ولا تلم البشر؛ فهم لا يرتكبون الخطأ إلا عن غير عمد. # لا أحد، إذن، ينبغي أن يلام. # 11 ~~(12-13) كم هو عابث وغريب تماما عن العالم الذي يستغرب أي شيء يجري في الحياة. # 12 ~~(12-14) إما أن الأمر قدر محتم ونظام لا يسمح بأي حيود. وإما عناية ~~رحيمة. # وإما فوضى لا غاية لها ولا موجه. # فإذا كان الأمر ضرورة لا تقهر فلماذا تقاوم؟ # وإذا كان عناية تستجيب للدعاء فاجعل نفسك أهلا للعون الإلهي. # وإذا كان فوضى غير محكومة فافرح بأن لديك في مثل هذه العاصفة عقلا موجها ~~خاصا بك، وحتى إذا جرفك الطوفان فليأخذ جسدك البائس ونفسك الضئيل وكل شيء ~~آخر، أما العقل فلن يأخذه. ~~(12-15) يظل المصباح يضيء ولا يفقد بهاءه حتى ينطفئ. ms116 فهل تخذلك الحقيقة والعدل ~~والاعتدال قبل نهايتك؟ ~~(12-16) إذا عرض لي انطباع بأن شخصا ما قد ارتكب خطأ فكيف أعرف أن هذا كان خطأ؟ ~~وإذا كان هذا خطأ حقا فكيف أعرف أنه لم يكن يبكت نفسه، وهو بذلك كمن يمزق وجهه ~~نفسه؟ # أن تريد من الشرير ألا يفعل الشر مثل أن تريد من شجرة التين ألا تحمل أنفحة ~~في تينها، ومن الرضيع ألا يبكي، ومن الحصان ألا يصهل، أو أي شيء آخر من الحقائق ~~الضرورية للطبيعة؛ فماذا يتعين أن يفعل إنسان لديه هذا الطبع؟ فإذا كنت حريصا حقا ~~فاشفه من حالته! # 13 ~~(12-17) إذا لم يكن صوابا لا تفعله، وإذا لم يكن صدقا لا تقله. ~~(12-18) بإزاء كل شيء انظر دائما ماذا يكون هذا الشيء الذي أحدث في عقلك انطباعا، ~~وحلله بتقسيمه إلى الصورة، والمادة، والغاية، والأمد الزمني الذي لا بد أن ينتهي ~~خلاله. ~~(12-19) أدرك أخيرا أن بداخلك شيئا ما أقوى وأكثر بهاء من الأشياء التي تولد ~~شتى الانفعالات التي تحركك بخيوطها كالدمية. ماذا لديك الآن في عقلك في هذه اللحظة ~~بالضبط؟ هل هو خوف؟ شك؟ رغبة؟ شيء آخر من هذا الصنف؟ ~~(12-20) أولا: لا تفعل شيئا من غير هدف أو من غير غاية. # ثانيا: لا تقصد إلى أية غاية سوى الخير العام. ~~(12-21) تذكر أنك بعد برهة ستكون لا شيء وفي لامكان، وكذلك كل ما تراه الآن وكل ~~من هو الآن حي. إنها طبيعة الأشياء جميعا أن تتغير، وأن تهلك، وأن تتحول؛ لكي ~~يتاح لغيرها أن يأتي إلى الوجود على التتابع. ~~(12-22) تذكر أن ملكة الرأي هي كل شيء، وأن رأيك بيدك. امح رأيك إذا شئت، ~~وستجد السكينة. ستكون كالبحار الذي يدور حول رأس الأرض، فيجد ماء هادئا، وخليجا ~~ساجيا بلا أمواج. # 14 ~~(12-23) ما من نشاط يضيره أن يتوقف ما دام قد توقف في الوقت المناسب، ولا فاعله ~~يضيره شيئا أن هذا النشاط المعين قد توقف؛ وعلى ذلك فإذا بلغت جملة أفعاله، التي ~~تشكل حياته، نهايتها في ms117 الوقت المناسب فلا ضير عليها من مجرد التوقف، ولا ~~ضير على من ختم هذه السلسلة من الأفعال في الوقت المناسب. أما الوقت والأجل ~~فتحددهما الطبيعة؛ طبيعة الإنسان أحيانا كما في الشيخوخة، وطبيعة العالم في كل ~~الأحيان، والتي من خلال التغيير الدائم لأجزائها المكونة تبقي العالم كل صبيا ~~وعفيا. # وكل ما ينفع العالم فهو حسن وفي إبانه؛ لذا فلا بأس على الإطلاق بأن تنتهي حياة ~~كل منا؛ فلا النهاية عيب ولا اختيار ولا هي ضد الصالح العام، بل هي خير؛ إذ تقع في ~~التوقيت الملائم ل «الكل»، وتصب في صالحه، وتنسجم معه؛ فكذلك أيضا يمشي المرء ~~بعون الرب إذا مضى باختياره ووجهته على طريق الرب. ~~(12-24) لتكن هذه المبادئ الثلاثة نصب عينيك: # أولا: # في أفعالك لا تفعل شيئا بلا هدف، أو بهدف غير ما تقتضيه العدالة. ~~وفيما يلم بك من الخارج فاذكر أنه إما يحدث بالمصادفة وإما ~~بالعناية، وعليك ألا تلوم المصادفة ولا تتهم العناية. # ثانيا: # تأمل ما يكونه كل كائن منذ هو بذرة إلى أن يتلقى الروح، ~~ومنذ تلقيه الروح إلى أن يسلمها مرة ثانية، وما هي العناصر التي ~~كونته والتي سوف ينحل إليها في النهاية. # ثالثا: # إذا ما رفعت فجأة إلى ارتفاع هائل وأمكنك أن تنظر تحتك إلى ~~مشاغل البشر بشتى أصنافها؛ لأن مجال نظرك سوف يضم أيضا حشدا هائلا ~~من الأرواح التي تأهل الفضاء والسماء، ولأنك مهما أعدت الكرة ~~فسوف ترى الأشياء نفسها؛ الرتابة والزوال، هل هذه الأشياء تستدعي الزهو والخيلاء؟! # 15 ~~(12-25) اطرح الحكم تجد الخلاص. ومن ذا الذي يمنعك من هذا الاطراح؟ # 16 ~~(12-26) حين تتكدر في أي ظرف فقد نسيت عدة أشياء؛ نسيت أن كل ما يجري فبإرادة ~~طبيعة الكل، وأن الإثم لا يضير إلا مرتكبه، ونسيت أن كل شيء يحدث فقد كان يحدث ~~هكذا فيما مضى، وسيظل يحدث هكذا في المستقبل، وما ينفك يحدث الآن في كل مكان، وأن ~~الكائن الإنساني وثيق القرابة بالجنس البشري كله، لا قرابة دم أو بذرة؛ بل مجتمع ~~عقلي. ms118 ونسيت أيضا أن عقل كل إنسان إله ودفقة من الألوهية، وأن لا شيء ملك ~~لنا، بل حتى طفلنا وجسدنا وروحنا نفسه إنما جاء من ذلك المصدر، وأن كل شيء هو كما ~~أراده التفكير أن يكون، وأن كلا منا لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة، ولا يفقد إلا إياها. # 17 ~~(12-27) استحضر في ذاكرتك دائما أولئك الذين كانوا يفرطون في الغضب والشكاة، ~~أولئك الذين بلغوا ذرى المجد أو النكبة أو العداوة أو أي صنف آخر من الحظ. ثم ~~توقف وفكر: أين كل أولئك الآن؟ دخان ورماد، حكاية رويت بل حكاية نسيت. ~~واستحضر أيضا في ذهنك طائفة بأسرها من الأمثلة؛ فابيوس كاتولينوس في داره ~~الريفية، لوسيوس لوبوس في بساتينه بالمدينة، ستيرتينيوس في بابي، تيبيريوس في كابري، ~~فيليوس روفوس؛ وبصفة عامة كل سعي محموم تصحبه الخيلاء. تأمل كم هو عبث كل هذا ~~الجهد المضني، وكم هو أجدر بالحكيم أن يستخدم ما يعرض له لكي يجعل نفسه عادلا، ~~معتدلا، مطيعا للآلهة، وأن يفعل هذا ببساطة تامة؛ فالزهو بالخلو من الزهو هو ~~أثقل ضروب الزهو وأصعبها على الاحتمال. ~~(12-28) إلى من يسألون: أين رأيت الآلهة؟ أو كيف عرفت أنهم موجودون فعبدتهم؟ أجيب: ~~أولا، هم قد يرون حتى بالعين. ثانيا، إنني لم أر روحي أيضا ومع ذلك أوقرها. ~~كذلك شأني مع الآلهة؛ فمن معاينتي الدائمة لآثارهم المرة تلو الأخرى أتيقن من ~~وجودهم، وأوقرهم. ~~(12-29) الخلاص في الحياة يكمن في أن ترى كل شيء في ذاته وفي جملته، مدركا مادته ~~وصورته، وفي أن تكرس كل نفسك لفعل الصواب وقول الحق. فماذا يبقى غير متعتك بأن ~~تحيا سلسلة متصلة من الأفعال الصالحة لا تفصل بينها أدنى فجوة. ~~(12-30) ثمة ضوء واحد للشمس وإن تشتت على الجدران والجبال وما لا يحصى من ~~الأشياء. ثمة مادة عامة واحدة وإن تكسرت إلى ما لا يحصى من الأجسام لكل ~~منها صورته وخصائصه. ثمة روح حيوانية واحدة وإن توزعت بين ما لا يحصى من ~~الأنواع والأفراد، وروح عاقلة واحدة وإن بدت مقسمة. # والآن، في ms119 الأشياء المذكورة فإن جميع الأجزاء الأخرى - كتلك التي هي حياة محضة أو ~~مادة لا تحس - ليس بينها أخوة؛ ورغم ذلك فحتى هنا ثمة صلة تتكون بنوع من ~~التضام وانجذاب الشبيه إلى الشبيه. أما العقل فلديه هذه الخاصة الفريدة؛ وهي أنه ~~يميل إلى ما هو من عشيرته ويتحد معه؛ بحيث لا تنقطع مشاعر الألفة ولا تنفصم. # 18 ~~(12-31) ماذا تريد بعد؟ أن تبقى على قيد الحياة؟ حسن، تريد أن يكون لديك ~~حس؟ حركة؟ نمو؟ ثم تتوقف مرة ثانية عن النمو؟ أن تستخدم صوتك؟ عقلك؟ ماذا في كل ~~هذه الأشياء يستحق أن تصبو إليه وأن تندم على فقده؟ إذا كان كل من هذه الأشياء ~~جديرا بالازدراء فامض إذن إلى الغاية النهائية، وهي أن تتبع العقل وتتبع الرب؛ فإنه ~~لا يتسق مع تمجيدك للعقل والرب أن تبتئس لأن الموت سوف يحرمك من هذه الأشياء الأخرى. # 19 ~~(12-32) ما أصغر نصيب كل منا من الزمن؛ حصته الضئيلة من الهوة الزمانية ~~اللانهائية، لسرعان ما تبتلعها الأبدية. وما أضأل حصته من مادة «الكل» وروح «الكل». ~~ما أضألها في جملة الأرض تلك البقعة التي تزحف عليها. تأمل في كل هذا ولا تكبر ~~شيئا سوى الكدح إلى حيث تقودك طبيعتك، والتسليم بما تأتي به طبيعة العالم. # 20 ~~(12-33) كيف يوظف عقلك نفسه؟ هذا هو السؤال. وكل ما عداه، سواء كان باختيارك أو ~~لا، فمجرد رماد ميت ودخان. ~~(12-34) أوضح نداء يدعونا إلى ازدراء الموت هو أنه حتى أولئك الذين يعتبرون اللذة ~~خيرا والألم شرا كانوا رغم ذلك يزدرونه. # 21 ~~(12-35) بالنسبة إلى هذا الرجل الذي يعد ما يأتي في إبانه هو الخير الوحيد، ~~والذي يستوي لديه أن تكثر أو تقل فرصته لأن يعبر عن العقل السليم في أفعاله، ~~والذي لا يجد فارقا بين أن يتأمل العالم لفترة أطول أو أقصر؛ بالنسبة لهذا الرجل ~~... حتى الموت ليس بالشيء المخيف. # 22 ~~(12-36) أيها الإنسان الفاني، لقد عشت كمواطن في هذه المدينة العظيمة. ماذا ~~يهم إذا كانت هذه الحياة خمسة أعوام ms120 أو خمسين؟ على الجميع تسري قوانين المدينة، ~~فماذا يخيفك في انصرافك من المدينة؟ إن من يصرفك ليس قاضيا مستبدا أو فاسدا، ~~إنها الطبيعة ذاتها التي أتت بك. إنها أشبه بمدير الفرقة الذي أشرك ممثلا كوميديا في ~~الرواية وهو يصرفه من المسرح. ~~- «ولكني لم أمثل مشاهدي الخمسة، مثلت ثلاثة فقط.» ~~- حقا، ولكن في الحياة قد تكون ثلاثة مشاهد هي الرواية كلها. # استئناف الحياة إنما يحدده الكائن الذي ركبك أول مرة والذي هو الآن يفنيك. وما ~~لك من دور في أي من العلتين، اذهب بسلام إذن؛ فالإله الذي يصرفك هو في سلام ~~معك. # | التأملات: ماركوس أوريليوس دراسة وتعليق # تأملات ماركوس أوريليوس هي أعز قراءاتي جميعا إلى نفسي. # الرئيس بل كلينتون # | الفصل الأول: ماركوس أوريليوس والرواقية # (1) حياة ماركوس أوريليوس # ولد ماركوس أوريليوس أنطونينوس، واسمه الحقيقي ماركوس أنيوس فيروس، في السادس ~~والعشرين من أبريل عام 121م، في عهد الإمبراطور هادريانوس، لأسرة نبيلة قيل إنها ~~تنحدر من «نوما» # Numa # الملك الثاني لروما ويعد ~~أكثر الملوك الأوائل تقوى وأشدهم ورعا. شغل والد ماركوس، أنيوس فيروس، منصب ~~البرايتور أي الحاكم القضائي، وشغل جده، واسمه أيضا أنيوس فيروس، منصب القنصل ~~ثلاث مرات. وقد توفي الوالد وماركوس بعد طفل صغير فكفله جده. # وقد أعجب الإمبراطور هادريانوس (حكم من 117-138م) بشخصية ماركوس وتوسم فيه ~~نبوغا وتقوى ورأى فيه مخايل. وكان يحب أن يدعوه # Verissimus ~~(الأصدق) بدلا من # Verus ~~(الصادق). وقد تزوج أنطونينوس بيوس من ~~عمة ماركوس، أنيا جاليريا فاوستينا، وتبنى ماركوس فصار اسمه ماركوس أوريليوس ~~أنطونينوس نسبة إلى أبيه بالتبني أنطونينوس ~~بيوس # Antoninus Pius ~~(واسمه الحقيقي أوريليوس أنطونينوس، ولقب «بيوس» يعني ~~«التقي») الذي تسنم العرش بعد هادريانوس عام 138م وماركوس إذ ذاك في السابعة ~~عشرة من عمره. وزوجه ابنته فاوستينا # Faustina # عام 145م. وحين توفي أنطونينوس بيوس عام 161م ارتقى ماركوس عرش الإمبراطورية. ~~وحين اعتلى العرش أشرك معه، ضد رغبة مجلس الشيوخ، أخاه بالتبني لوكيوس فيروس # Lucius Verus # الذي تبناه أيضا أنطونينوس ~~بيوس، كابنه الأصغر، مع ماركوس؛ ومن ثم فقد ms121 صار للإمبراطورية حاكمان على العرش ~~في وقت واحد. # لم يكد ماركوس يرتقي العرش حتى تقاطرت عليه المتاعب من كل صوب؛ في الشرق ~~يتمرد البارثيون # 1 # ويدمرون فيلقا رومانيا كاملا ويهاجمون سوريا، فيبعث لهم ماركوس ~~بأخيه فيروس على رأس جيش ليقمع هذه الثورة. وينجح فيروس، الذي انغمس في الشراب ~~والفسق، في مهمته بفضل قادة جيشه. # وما تكاد تضع حروب الشرق أوزارها حتى تتحالف قبائل جرمانية قوية شمال الدانوب، ~~الماركوماني والقادي والصرامطة والقاتي، لتهاجم الحدود الشمالية للإمبراطورية ~~وتهدد إيطاليا وبانونيا واليونان، فيزحف إليها ماركوس وفيروس على رأس فرق ~~رومانية لتأمين جبهة الدانوب. # وفي روما ذاتها كان الطاعون، الذي انتقل من الشرق مع جيش فيروس، يفتك بالناس. ~~وأتلفت فيضانات التيبر كميات هائلة من الحبوب وتسببت في مجاعة شديدة ~~اضطرت ماركوس إلى بيع المجوهرات الملكية ليواجه المجاعة ويدبر الاحتياجات ~~الملحة. وفي عام 169م مات فيروس فجأة، وانفرد ماركوس بإدارة الإمبراطورية، وظل ~~في رباط بقية عمره، وتمكن من تحقيق الاستقرار في الإمبراطورية ومن قهر ~~أعدائه بفضل حنكته العسكرية وحكمته في اختيار قادة جيوشه. # وفي عام 175م فجع ماركوس بخيانة أفيديوس ~~كاسيوس # Avidius Cassius # قائد جيوشه في آسيا، والذي حاز مجدا في الحروب البارثية؛ ~~إذ أعلن نفسه إمبراطورا على الرومان ظنا منه أن ماركوس، المعتل الصحة في ذلك ~~الوقت، قد مات. وقبل أن يصل ماركوس إلى آسيا لمواجهة هذا الأمر قتل كاسيوس على يد ~~بعض ضباطه. وحين وصل ماركوس إلى آسيا قدم إليه رأس كاسيوس فأسف لمقتله ورفض ~~مقابلة قاتليه لأنهم حرموه من غبطة تحويل عدو إلى صديق، وأبدى رأفة مذهلة ~~بأسرة كاسيوس وأنصاره، ولا تزال رسالته إلى مجلس الشيوخ، يناشدهم فيها الرفق ~~بالجناة، باقية حتى اليوم تشهد بنبالة هذا الرجل وسعة صدره وصفاء ~~سريرته. # خلال هذه الرحلة إلى الشرق توفيت زوجته فاوستينا فجزع لموتها جزعا ~~شديدا، وظل وفيا لذكراها حتى آخر يوم من حياته. وما لبث أن استأنف حروبه على ~~الجبهة الشمالية مكللة بالنصر. غير أنه أصيب في معسكره بعدوى قاتلة، قيل ~~إنها الطاعون، وقضى ms122 نحبه في السابع عشر من مارس عام 180 وهو يوصي جنوده بألا ~~يبكوه بل يقاوموا الوباء الذي يفتك بالناس؛ فكان يوم وفاته، على حد قول إرنست ~~رينان، «يوما مشئوما على الفلسفة وعلى المدنية.» وخلفه ابنه كومودوس، الوحيد من ~~أبنائه الباقي على قيد الحياة آنذاك، وحكم روما اثنتي عشرة سنة، فكان إمبراطورا ~~ضعيفا فاشلا، وأفسد كثيرا من حملات أبيه بعقد سلام متسرع غير حصيف، وكان ~~مستبدا عنيفا على غير طائل؛ حتى ليقال إن العيب الوحيد الذي ينال من مكانة ~~ماركوس أوريليوس هو أنه أنجب مثل هذا الغلام التافه الدموي. # على أن أخطاء ماركوس لا تقتصر على إنجابه كومودوس، فقد كان إشراكه فيروس، أخاه ~~بالتبني، في الحكم خطأ كبيرا تغمده عفو الأقدار بصلابة ضباطه وبوفاته ~~المبكرة. غير أن هذه السابقة التي استنها ماركوس أعقبت وبالا على ~~الإمبراطورية في عصر دقلديانوس وشقت الإمبراطورية إلى نصفين. ومن أخطاء ماركوس ~~مركزيته الزائدة في الإدارة المدنية، وكذلك اضطهاده للمسيحيين، أو، بالأدق، ~~تراخيه عن حمايتهم من الاضطهاد. # 2 # أما مزايا حكمه فأكثر من أن تحصى؛ فقد كان قائدا عسكريا قديرا، على ~~تواضع بنيته، وإداريا حصيفا ذا ضمير حي. وعلى الرغم من ممارسته للفلسفة ~~وشغفه بها فإنه لم ينزلق إلى محاولة إعادة تشكيل العالم وفقا لأي مخطط نظري ~~أو تصور مسبق، وهو منزلق من السهل أن يقع فيه أي فيلسوف يتسنى له، مثل ~~ماركوس، حكم العالم، بل اكتفى بالسير على الطريق الذي مهده أسلافه، لا يطمح إلا ~~في أن يؤدي واجبه جهد ما يستطيع، ويقاوم الفساد ما أمكنه. يقول ماركوس: «لا ~~تؤمل في جمهورية أفلاطون الطوباوية، بل اقنع بأصغر خطوة إلى الأمام، ولا ~~تستهن بهذا الإنجاز، ما أتفه أولئك البؤساء الذين ينخرطون في الأمور السياسية ~~ويظنون أن أعمالهم لها صفة فلسفية. إنهم جميعا يهرفون. ومن ذا يستطيع أن ~~يغير آراءهم؟ وبدون تغير الرأي ماذا يكون هناك غير العبودية؛ أناس يئنون ~~وهم يتظاهرون بالطاعة؟ امض إذن، وحدثني الآن عن الإسكندر وفيليب وديميتريوس ~~الفاليري؛ فقد كنت خليقا أن أتبعهم لو ms123 أنهم رأوا ما تريده طبيعة العالم ~~وتتلمذوا عليها. أما إذا كانوا ببساطة يمثلون أدوار أبطال الدراما، فأنا بحل ~~من أن أقلدهم، بسيطة هي ومتواضعة مهمة الفلسفة، فلا تمل بي إلى الخيلاء ~~والغرور» (التأملات: 9-29). # انصرف ماركوس في إدارته إلى إرساء العدالة وحماية الولايات من الظلم وإعانة ~~المدن المنكوبة، وإيجاد قوانين داخلية لحماية الضعفاء والتخفيف عن العبيد، ~~ورعاية الأطفال الضعفاء والأيتام وتعليمهم، جاعلا من نفسه أبا لمن فقد أباه ~~وراعيا لمن فقد الرعاية. # يتفق جيبون مع أغلب كتاب القرن الثامن عشر في اعتبار فترة حكم الأنطونيين ~~كعصر ذهبي، والأنطونيون هم الأباطرة الذين حكموا روما في القرن الثاني الميلادي؛ ~~تريانوس وهادريانوس وأنطونينوس بيوس وماركوس أوريليوس (وكومودوس الذي نستثنيه من ~~هذا الإطراء). يقول جيبون: «إذا سئل إنسان أن يحدد الحقبة من تاريخ العالم ~~الذي بلغت فيها حالة البشرية غاية في السعادة والازدهار، لذكر بلا تردد تلك ~~الفترة التي امتدت من وفاة دوميتيانوس إلى تولي كومودوس.» ذلك أن كلا من هؤلاء ~~الأنطونيين كان يخلف سلفه لا من طريق الوراثة بل من طريق التبني القائم على ~~اختيار الأفضل وتعهده وتدريبه. # غير أن برتراند رسل يرى في ذلك رأيا آخر، ويقول إن من الصعب القبول برأي جيبون ~~على علاته؛ فلقد كانت حقبة الأنطونيين مثقلة، كغيرها من الحقب، بالشرور ~~والآثام؛ فالرق يستنزف عافية العالم القديم، وعروض المبارزة ومصارعة الوحوش ~~تنبئ بتحجر قلب من يستمتع بمثل هذه المشاهد، والنظام الاقتصادي سيئ للغاية؛ ~~الزراعة منحسرة في إيطاليا وأهل روما يعتمدون على محاصيل الأقاليم، والفقر ~~يطحن مزارعي الأقاليم وبروليتاريا المدن، والمركزية الإدارية خانقة مفرطة، ~~والظلم ضارب أطنابه، وعوامل الضعف والهشاشة ~~لا تخفى على النظر الثاقب الذي يتجاوز الظاهر الوردي إلى الباطن المتآكل. ~~«وعندما نقارن بين نبرة ماركوس أوريليوس ونبرة بيكون أو لوك أو كوندرسيه نرى ~~الفرق بين عصر مجهد وعصر مبشر. من الممكن للناس في العصر المبشر احتمال ~~الشرور الراهنة لأنهم يرونها إلى زوال. أما في العصر المجهد فحتى الخيرات ~~الحقيقية تفقد مذاقها. لقد كانت الأخلاق الرواقية ملائمة لزمن إبكتيتوس ms124 وماركوس ~~أوريليوس لأن شرعتها كانت شرعة التجلد لا شرعة الأمل.» # 3 # وما كانت مظاهر البؤس والذبول لتخفى على عيني ماركوس ~~الثاقبتين، وإنها لتاركة في نبرته حزنا وأسى وانقباضا يشيع في ثنايا ~~«التأملات»، ويبرر قول القائل إن ماركوس أويليوس يمثل الرواقية وقد صبغها ~~أفول روما بلون قاتم. # لم تكن الديانة الرومانية الوثنية في ذلك العصر لتغني النفوس الكبيرة كثير ~~غناء ؛ فأكثر أساطيرها طفولية ممتنعة، وأكثر تعاليمها لا يمت إلى الأخلاق ~~بصلة وثيقة؛ فقد كانت الديانة الرومانية، في حقيقة الأمر وصميمه، أقرب إلى ~~«الصفقة» بين الإنسان والآلهة؛ يبذل الناس للآلهة تضحيات معينة ويؤدون ~~طقوسا شكلية؛ لكي تسدد لهم الآلهة ثمن ذلك حظوة وأنعما، سواء أحسنوا أم ~~أساءوا، وبغض النظر عن نواياهم واستحقاقهم. فلم يكن أمام النفوس الورعة سوى ~~الفلسفة تلوذ بها وتلتمس لديها السكينة الروحية والرضا العقلي، وكانت الفلسفتان ~~السائدتان في ذلك الوقت هما الأبيقورية والرواقية. ~~(2) الأبيقورية # ولد أبيقور # Epicurus # عام 241ق.م لأبوين ~~أثينيين، وفي سن الثامنة عشرة انتقل من ساموس إلى أثينا، ثم رحل إلى آسيا الصغرى ~~حيث جذبته فلسفة ديمقريطس. وفي عام 307ق.م وصل إلى أثينا مع جماعة من أتباعه ~~وأسس «الحديقة» # the Garden # إلى الجنوب من ~~أكاديمية أفلاطون. عاش أبيقور واتباعه في «الحديقة» حياة جمعية بعيدة عن صخب ~~الحياة المدنية ونزاعاتها. وقد وصل إلينا المذهب الأبيقوري في أوضح صورة في ~~قصيدة الشاعر الروماني لوكريتيوس # Lucretius ~~(حوالي ~~99-55ق.م) المسماة «في طبيعة الأشياء» # De Rerum ~~Natura ~~. وفي الوقت الذي كتب فيه لوكريتيوس قصيدته ~~كان المذهب الأبيقوري قد انتشر خلال العالم المتوسطي كله، وحظي باحترام صفوة ~~المجتمع الروماني لاتجاهاته التحررية ومحاربته للخرافة، وإن كانت الرواقية ~~قد أخذت تحل محله بالتدريج. # ينقسم المذهب الأبيقوري إلى ثلاثة أقسام؛ نظرية المعرفة، والطبيعيات، والأخلاق. ~~أما نظرية المعرفة فتقوم على الإدراك الحسي؛ فالحواس هي منفذنا الوحيد إلى ~~العالم، والإحساسات هي معيار الحق؛ فالنفس عند أبيقور لا تعدو أن تكون نوعا من ~~المادة تختلط جزئياته بالذرات المكونة للجسم. ويفسر الإحساس بأنه تصادم ~~انبعاثات من الأشياء المدركة مع ذرات ms125 النفس. وقد تخدعنا بعض الانبعاثات فتبدي ~~لنا الشيء على غير ما هو عليه، مثل انثناء العصا في الماء؛ لذا يفرق الأبيقوريون ~~بين الإحساسات # sensations # والأحكام # judgements # ويذهبون إلى أن الإحساسات بحد ذاتها ~~لا تخطئ وإنما يأتي الخطأ من الأحكام؛ ومن ثم فهناك أحوال لا نملك فيها البت ~~في أمر الأحكام المتضاربة حين تكون مدعمة بنفس الدرجة بأدلة حسية ~~ومتوافقة معها. # والنظرية الطبيعية الوحيدة التي توافق إحساساتنا وتؤيد بها هي النظرية الذرية # atomism # ولذلك اقتفى الأبيقوريون أثر ~~ديمقريطس وذهبوا إلى أن العالم مكون من عدد لانهائي من الذرات تتحرك في ~~الخلاء. صحيح أنهم لم يوافقوا ديمقريطس في قوله بعشوائية حركات الذرات إلا أنهم ~~أدخلوا مفهوم «الانحراف» # swerve # ليفسروا ~~اصطدام الذرات واجتماعها وافتراقها، وهو يؤثر في حركة الذرات في مواضع زمنية ~~ومكانية تتعذر على التحديد؛ ومن ثم فهم لا يتركون في نظريتهم مكانا للغائية ~~الأرسطية والأفلاطونية، بل كل شيء عندهم قابل للتفسير في حدود اجتماع الذرات ~~وافتراقها على نحو عرضي لا غاية فيه، ويتركون في الوقت نفسه مسحة من حرية ~~الإرادة في عالم آلي محدد فيما عدا ذلك تحديدا تاما. # 4 # والأبيقورية في صميمها نظرية أخلاقية. والهدف من دراسة الطبيعة عند ~~الأبيقوريين هو أن تسهم بعد كل شيء في سعادة الإنسان وهنائه. غير أنهم، على ~~عكس أرسطو، يماهون بين السعادة واللذة؛ فاللذة حالة إنسانية طبيعية، وهي لا تعدو ~~أن تكون غياب الألم. والألم هو، ببساطة، إعاقة الحالة الطبيعية؛ ومن ثم فأن ~~يلتمس المرء اللذة هو أن يلتمس العيش وفقا للطبيعة. والفضائل الأخلاقية ~~ضرورية من أجل العيش وفقا للطبيعة ولكنها ليست ~~مكونات لهذا العيش، إنها وسائل لغاية، والغاية هي اللذة. الخير إذن هو اللذة. ~~والأبيقورية هي نظرية «هيدونية» # hedonistic # غير ~~أنها تختلف عن اللذة الصاخبة التي أشيعت عن الأبيقورية بغير حق؛ فأغلب اللذات ~~الجسدية يعقبها الألم (لذة الخمر مثلا يعقبها الخمار). أما لذات العقل فلنا ~~عليها سيطرة أكبر. والحق أن أبيقور وجماعته كانوا يحيون حياة متقشفة، على عكس ~~ما يظنه عنهم أغلب الناس! ms126 والقلق النفسي هو أشد أنواع الألم؛ لذا فإن الخلو من ~~القلق هو أعظم اللذات. ومن هنا تأتي أهمية دراسة الطبيعة؛ إذ تساعدنا في نيل أعظم ~~اللذات الخالصة؛ فالنظرية الذرية في الطبيعة تفيدنا في التخلص من أقسى ضروب القلق ~~وهو الخوف من الموت، فحين يحل الموت تفقد ذرات النفس تماسكها مع الجسم وتتبعثر، ~~وتظل باقية بوصفها ذرات ولكنها لا تعود قادرة على الإحساس؛ ومن ثم فإن الخوف ~~من الموت يتنافى مع العقل لأن الموت ليس شيئا يمكننا أن نجربه. # 5 # فلا النفس ولا الإحساس ولا الوعي يدوم بعد الموت لأن الموت، ~~ببساطة، هو تشتت الذرات التي نتكون منها. # 6 # وصفوة القول في الأخلاق الأبيقورية أن على المرء أن يسلك سبيل القصد ~~والاعتدال لكي يبلغ حالة من التوازن الذي لا يعكر صفوه شيء، هذا التوازن هو ~~أرفع اللذات جميعا؛ ومن ثم فهو الخير الأسمى عند الأبيقوريين ~~الحقيقيين. ~~(3) الرواقية # قامت الرواقية، شأنها شأن أكثر المذاهب الفلسفية التي أعقبت أرسطو، استجابة ~~لحاجة عملية لا لترف نظري، ولكي تعين الإنسان في الشدائد والمحن، وتعلمه كيف ~~يصمد في الخطوب ويثبت في الأزمات العنيفة التي اعتورت المجتمع في العصر ~~الهلينستي. # ومن يوغل في الفلسفة الرواقية فسوف يتنسم عبيرا لا يمت إلى أثينا بقدر ~~ما يذكره بنفحات الشرق وحكمائه وأنبيائه. وليس بدعا أن يصفها البعض بأنها ~~أشبه ب «بوذية أوروبية»، أو «يوجا غربية»؛ ذلك أن أغلب مؤسسيها الأوائل كانوا ~~شرقيين سوريين. # 7 # أما شيخ الرواقيين الأوائل فهو زينون # Zeno # الفينيقي الذي ولد في كتيوم # Kition # بقبرص في ~~النصف الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد. وقد جاء إلى أثينا في شأن تجاري ~~لأسرته فجذبته الفلسفة، فأقام في أثينا وجعل يتنقل من مدرسة فلسفية إلى أخرى، ~~استزادة من العلم، حوالي عشرين سنة، وحضر دروس كسينوكرانيس الأكاديمي واستلبون ~~الميجاري وتتلمذ بخاصة على أقراطيس (كرايتس) الكلبي، ثم أنشأ مدرسة خاصة به، واتخذ ~~«الرواق ~~المزخرف» # Stoa Poikile # مكانا لإلقاء دروسه. وهو إيوان عند مدخل الأجورا في ~~أثينا، ذو أعمدة مزدانة بنقوش من ريشة ms127 المصور بولجينوط، كان من قبل منتدى ~~للأدباء والفنانين، ومنه جاء اسم «الرواقية» # Stoicism ~~. كان زينون انتقائيا يأخذ من كل مذهب ما يروقه، ~~غير أن آراء المدرسة الكلبية كانت الأقرب إلى مزاجه، وعنها أخذ ازدراء التقاليد ~~والأوضاع القائمة والآراء السائدة والمال والجاه والموت نفسه، واتباع الفطرة ~~والعودة إلى الطبيعة؛ فالسعادة هي في أن يستكفي المرء بنفسه ويستقل عن غيره، إنها ~~شيء داخلي أمره بيدنا ومرده إلينا وحدنا ولا يملك أحد أن يسلبنا إياه. وأخذ ~~عن الكلبيين أيضا نزعتهم الاسمية # nominalism # و«مواطنة العالم» # cosmopolitanism ~~. وعن ~~هيراقليطس أخذ فكرة العقل الكلي المتجسد في اللوجوس الذي يشمل عقل العالم وعقل ~~الكائنات الإنسانية، وفكرة نهر التغير والصيرورة، وفكرة «الاحتراق الكوني» # ekpyrosis/conflagratio # والتجدد ~~الدوري و«العود الأبدي». # 8 # لم يبق لنا من أعمال زينون إلا مقتطفات ضئيلة، نعرف منها أنه يعرف الإله ~~بأنه العقل الناري للعالم، وأنه جوهر مادي، وأنه يتخلل العالم كما يتخلل الماء في ~~الرمل أو كما يتخلل الشهد في الخلايا. وكان زينون، وفقا لديوخينيس اللائيرتي، يرى ~~أن القانون الكلي، أي العقل الذي يتخلل كل شيء، هو نفسه زيوس الحكم الأعلى ~~للعالم؛ فالإله، والعقل، والقدر، وزيوس، شيء واحد. القدر هو القوة التي تحرك ~~المادة، و«العناية» و«الطبيعة» أسماء أخرى للشيء نفسه. ويبدو أن زينون كان يؤمن ~~بالتنجيم والعرافة، ويعزو إلى النجوم قوة تنبئية. أما المذهب الرواقي في ~~الفضيلة فلا يظهر في المقتطفات المتبقية من زينون وإن بدا أنه كان يعتقده ويذهب ~~إليه. # أما كليانثيس # Cleanthes ~~، خليفة زينون في ~~الرواق (ولد عام 331ق.م)، فلم يبق من مصنفاته إلا مقتطفات صغيرة أهمها ~~قصيدته الرائعة «أنشودة إلى زيوس» التي لم يبق منها إلا أربعون بيتا، والتي تشيع ~~فيها نبرة مسيحية ندهش لصدورها عن فيلسوف وشاعر وثني. وفيها خلاصة للطبيعيات ~~والأخلاقيات الرواقية. ونظم كليانثيس أيضا دعاء صغيرا في الإذعان للقدر، ~~بقيت منه أبيات ذكرها إبكتيتوس الرواقي في دروسه (الموجز، 53) وترجمها سينيكا ~~بتصرف إلى اللاتينية. يقول الدعاء: # قدني يا زيوس، وأنت أيها القدر، # إلى حيثما رسمتما لي الطريق؛ # فأنا متبعكما دون ms128 تردد، وحتى لو أخذني الارتياب، # فتثاقلت وتملصت، فلن أكون مع ذلك أقل متابعة لكما. # أما خريسبوس # Chrysippus ~~(280-207ق.م)، الذي ~~خلف كليانتس على الرواق، فكان أغزر الرواقيين إنتاجا وأقدرهم على ~~الجدل. ولد في مدينة صول بقبرص، وتولى إدارة الرواق فكان مجتهدا دءوبا دقيقا ~~في مواعيد دروسه. وكان واسع الاطلاع دائب التأليف فكتب في المنطق والطبيعيات ~~والأخلاقيات، ويقال إنه كتب نيفا وسبعمائة كتاب، لم يبق منها إلا شذور ~~قصيرة. يعد خريسبوس أول من قدم عرضا منهجيا مترابطا للرواقية، وبفضله ~~أصبحت الرواقية فلسفة مكتملة الأركان واضحة المعالم، حتى قيل بحق إنه «لولا ~~خريسبوس لما كان الرواق.» وهو المؤسس الحقيقي للمنطق الرواقي والسيكولوجيا ~~الرواقية. ويقول شيشرون إن خريسبوس هو صاحب النظرية التي يفرق فيها بين العلل ~~الأولى والعلل الثانية، ليوفق بين نظرية القضاء والقدر وبين فكرة المسئولية ~~والحرية الأخلاقية. # 9 # ويقال إنه ذهب إلى أن الإله لا دخل له في إحداث الشر، وإن كنا لا نعرف ~~كيف أمكنه أن يوفق بين ذلك وبين مذهب الحتمية. وفي موضع آخر يتعامل خريسبوس مع ~~مشكلة الشر على طريقة هيراقليطس قائلا: إن الأضداد يتضمن أحدها الآخر، وإن الخير ~~بدون الشر مستحيل منطقيا؛ فوجود الخير يتطلب بالضرورة وجود الشر. ومما يؤثر عن ~~خريسبوس قوله إن الإنسان الصالح سعيد دائما والشرير غير سعيد، وتشدده في ~~مسألة «الأشياء الأسواء أو غير الفارقة» # indifferentia # التي ليست خيرا ولا شرا، ~~كالحياة والموت واللذة والألم والصحة والمرض والغنى والفقر ... إلخ، وكذلك فكرته عن ~~الجماعة العقلية الروحية التي تقول بأن الفيلسوف لا وطن له أو أن وطنه هو العالم ~~كله، وتأكيده على أهمية دراسة المنطق باعتبارها ركنا أساسيا للرواقية، وعدم ~~تسامحه في ذلك شأن غيره من الرواقيين الذين جعلوا للأخلاق الصدارة المطلقة ~~على المنطق. # الرواقية الوسطى: يمثلها بنايتيوس وبوسيدونيوس. ولد بنايتيوس في رودس حوالي ~~عام 198ق.م، وتأثر بفكر أفلاطون وأرسطو، فعمد إلى تعديل بعض الأفكار الرواقية ~~والتخفيف من صرامتها. واتسمت كتابته بالطلاوة والفصاحة. تأثر به شيشرون الذي ~~يعد أهم من عرف الرومان بأصول الرواقية. أما ms129 بوسيدونيوس فهو مؤرخ ~~وفيلسوف سوري الأصل، عاش من سنة 153ق.م حتى سنة 51ق.م، تتلمذ على بنايتيوس الذي ~~توفي حوالي عام 110ق.م، واشتهر بسعة معارفه؛ فكان مؤرخا كبيرا واصل أعمال ~~المؤرخ بوليبيوس، وعالما طبيعيا وفلكيا بارزا # 10 # وفيلسوفا لاهوتيا، قام بأسفار كثيرة، بعضها للدراسة المحضة، وصادق ~~الكثيرين من عظماء الرومان، وتتلمذ عليه شيشرون وتأثر به أكثر مما تأثر بنايتيوس. ~~حاول التوفيق بين الرواقية والأفلاطونية. وله إسهامات في الجغرافيا ونظريات في ~~الرياضيات. وصل وبوسيدونيوس إلى أدق تقدير، في العالم القديم، لبعد الشمس عن ~~الأرض، وقدر أنه بالإبحار غربا من قادش يمكن بلوغ الهند بعد 70,000 ستاديون ~~(مقياس طول يوناني قديم)، وقد أخذ كولمبس فيما بعد بهذه الملاحظة وكانت وراء ~~ثقته فيما أزمع عمله. # مذاهب الرواقية القديمة # الفلسفة عند الرواقيين طريقة حياة قبل أن تكون ترفا ذهنيا أو ثراء ~~معرفيا. إنها ضرب من العمل أو الممارسة يكفل للمرء حياة منسجمة سعيدة، ~~أو هي في عبارة واحدة «فن ~~الحياة» # ars vivendi # بتعبير شيشرون؛ فالعلوم الجزئية لا تقدم لنا إلا ~~معارف جزئية تفيدنا في معرفة ما ينبغي علينا أن نصنعه بشيء بعينه أو في ~~مواضع بعينها، ولكنها لا تدلنا على الموقف الذي ينبغي لنا أن نتخذه تجاه ~~الحياة في عمومها أو تجاه الأشياء في كليتها؛ فذاك أمر يحتاج إلى علم آخر ~~فوق العلوم الجزئية، هو «الحكمة» التي لا يبلغها المرء إلا بممارسة شاقة ~~دءوب للفلسفة. والفلسفة عند الرواقيين هي «علم الأمور الإلهية والأمور ~~البشرية.» كما يقول شيشرون. وحيث إنهم ذهبوا إلى أن العقل عنصر مشترك بين ~~الكائنات الإلهية والبشرية فإن الفلسفة عندهم هي علم الموجودات العاقلة، أو علم ~~الأشياء كلها؛ الأشياء الطبيعية عندهم مندمجة في الأشياء الإلهية. والفلسفة ~~عند الرواقيين هي الشعور بكمون العقل في الطبيعة؛ ومن ثم فإن واجب ~~الفيلسوف هو نبذ كل ما يخالف العقل سواء في طبيعة الكون أم في سلوك ~~الإنسان، والتفطن إلى أن ما يبدو أحيانا مخالفا للعقل إنما هو في حقيقة ~~الأمر معقول ومقبول حين تدرجه النظرة الفلسفية العميقة ms130 في سياقه الأوسع ~~وتسلكه في إطاره الكلي العريض. # والفلسفة مبحث واحد متصل، وإن اضطر الرواقيون إلى تقسيمه، لدواعي الدرس ~~والتعليم، إلى ثلاثة أقسام كبرى؛ المنطق (ويتضمن عندهم الميتافيزيقا واللاهوت ~~والنفس)، والأخلاقيات. تتراتب هذه الأقسام في الأهمية عند أغلب الرواقيين؛ ~~فالأخلاقيات لها الصدارة لدى عموم الرواقيين، # 11 # وإذا كان بعضهم يقدم عليها علم الطبيعة فإنما يعني بذلك أن ~~الأخلاقية الصحيحة تقوم على معرفة الطبيعة وتنتج عنها مباشرة؛ فمن المحال ~~أن يكون للإنسان مذهب في الأخلاق دون أن يستند على أساس من الطبيعة ~~والميتافيزيقا؛ إذ لا يستطيع أن يكون له قواعد للسلوك دون فكرة عامة عن ~~الكون الذي يحيا فيه. # 12 # وقد شبهوا الفلسفة ببستان؛ المنطق سوره، والطبيعيات أشجاره، ~~والأخلاق ثمره. وشبهها البعض بالمدينة المحصنة؛ المنطق حصونها، والطبيعة ~~سكانها، والأخلاق دستورها. والبعض شبهها بالبيضة؛ المنطق قشرتها، والطبيعة ~~بياضها، والأخلاق محها (صفارها). وجملة القول أن التراتب الذي وضعه ~~الرواقيون للفلسفة، سواء في التعليم أو في التصنيف، هو الذي يصعد من الأدنى ~~إلى الأرفع؛ فيبدأ بالمنطق، ويصعد إلى الطبيعة، وينتهي إلى الأخلاق؛ ذروة ~~الفلسفة وثمرتها وغايتها. # المنطق الرواقي # أخذ الرواقيون بالمذهب الحسي في نظرية المعرفة: «لا شيء في الذهن ما لم يكن ~~قبل ذلك في الحس.» # 13 # ويشبهون، مثل أرسطو من قبل، الذهن قبل ورود الإحساسات عليه ~~بالصحائف البيضاء التي لم ينقش عليها شيء؛ فالإدراك الحسي هو المصدر الأساسي ~~للمعرفة، وخداع الحواس إنما هو في حقيقة الأمر «حكم» # judgement # زائف، وبالإمكان تلافيه بقليل من التحوط. # وإلى جانب الإدراك الحسي أخذ الرواقيون بما يعرف ب «المعاني الأولية» ~~أو «الأفكار الفطرية» أو «الأوليات»؛ ذلك أن المنطق اليوناني الاستنباطي، ~~وكذلك البحث العلمي بعامة، يثير مشكلة المقدمات الأولى؛ فالمقدمات الأولى ~~ينبغي أن تكون عامة (على الأقل جزئيا)، وليس ثمة طريقة لإثباتها. ذهب ~~الرواقيون إلى أن ثمة مبادئ معينة واضحة بذاتها ويسلم بها البشر ~~جميعا، يمكن أن توضع، شأن الهندسة الإقليدية، كأساس للاستنباط. يمكن للأفكار ~~الفطرية كذلك أن توضع كنقاط بدء للتعريفات. وقد ظلت هذه الوجهة من الرأي ~~سائدة ms131 طوال العصور الوسطى، وأخذ بها بعض أصحاب المذهب العقلي من ~~المحدثين؛ فهي تعد حجر الأساس، من الوجهة الميتافيزيقية، في المنهج الديكارتي. # 14 # تبدأ المعرفة عند الرواقيين ب «الانطباع» أو «التصور» أو «التمثيل» # representation (phantasia) # وهو الأثر ~~الذي يطبعه على الذهن شيء خارجي كما ينطبع الخاتم على الشمع. وهو بمثابة ~~أول حكم على الأشياء يعرض للنفس فتمنحه «القبول» أو «التسليم» أو ~~«التصديق» # assent ~~، وهذا «التصديق» قد يكون ~~على حق وقد يكون على غير حق. فإذا كان على حق تكون النفس قد بلغت الفهم ~~أو «الإحاطة» # comprehension # أي إدراك الأمور ~~على نحو يطابق تصورها. وأول مراتب اليقين هو «التصور المحيط» أي ~~الانطباع الواضح ~~القاهر # phantasia kataleptike # الذي له من القوة والبداهة ما يحملنا على التصديق به ~~والإذعان له. ويذهب زينون إلى أن الإنسان حين يقع في الخطأ، فيصدق شيئا ~~باطلا، فإثم ذلك عليه هو لا على الأشياء كما وردت عليه وتأدت إليه دون أن ~~تفرض عليه اعتقاده، بل تركت له من الحرية والاختيار ما لم يحسن الاستفادة ~~منه. ولقد سلم الرواقيون بأن أغلب الإدراكات الحسية لا يجبرنا، بل يترك ~~لنا وجود الاختيار في الاعتقاد، وأن الحكمة عبارة عن معرفة هذه الوجوه ~~والتوقف عن الحكم والإمساك عن التصديق والاعتقاد. # 15 # يقول ماركوس في «التأملات»: «لا شيء من هذه الأشياء يصدر حكما ~~عن نفسه أو يفرض نفسه علينا؛ فالأشياء ذاتها خاملة، وإنما نحن الذين ننتج ~~الأحكام عنها ونطبعها في عقولنا. وإن بوسعنا ألا نطبعها على الإطلاق، وأن ~~نمحو في الحال أي حكم تصادف انطباعه.» # 16 ~~(11-16). # أراد الرواقيون أن يؤسسوا منطقا لا تتعارض فيه المعرفة الحسية مع المعرفة ~~العقلية، فبحثوا عن «الحقيقة» في الأمور الوجودية الواقعية التي يشهدها الناس ~~في تجارب حياتهم، ومن هنا أخذوا ب «المذهب ~~الاسمي» # nominalism # ومؤداه أنه لا يوجد خارج الذهن إلا أفراد جزئيون ~~وأشياء مفردة مشهودة محسوسة. أما «الأجناس» و«الأنواع» و«الصور» و«المثل» ~~وغير ذلك من المعاني العامة أو «الكليات» فهي في الحقيقة مجرد «أسماء» ليس لها ~~أي وجود خارج ms132 الذهن. إنها اختلافات عقلية، لا وجود لها خارج الأشياء (كمثل ~~أفلاطون) ولا هي موجودة في الأشياء (كما هي عند أرسطو). إنها مجردات ذهنية ~~قائمة في عالم الأذهان ولا يقابلها شيء في عالم الأعيان أو العالم ~~الواقعي. # من هنا يصدر حرص الرواقيين في منطقهم على ألا يستعملوا إلا قضايا ~~شخصية؛ أي ألفاظا تعبر عن وقائع وأحداث فردية. وهم بذلك يستبقون منطق جون ~~ستيوارت مل، ويستبقون كذلك المنطق الجديد # logistic ~~، وبخاصة منطق رسل، بحرصه الدائم ~~على التعبير عن الوقائع واعترافه بالعلاقة الوثيقة بين نشاط الفكر والوجود ~~الواقع. # وقد صاغ الرواقيون نظرية القياس الشرطي والانفصالي # hypothetical and disjunctive ~~syllogism # وهم أول من أدخل مصطلح ~~«الانفصال» في المنطق، واكتشفوا علاقة منطقية مهمة تسمى في المصطلح ~~الحديث بالتضمن (أو اللزوم) المادي. # 17 # كذلك اخترع الرواقيون مصطلحات للنحو الذي أصبح لأول مرة على ~~أيديهم ميدانا للبحث العلمي المنظم؛ فأسماء الحالات النحوية اختراع ~~رواقي. وقد وصلت الترجمات اللاتينية لهذه الحالات إلى اللغات الأجنبية ~~الحديثة عن طريق النحويين الرومان، وما زالت تستخدم حتى اليوم. # 18 # الطبيعيات الرواقية # يستغرق علم الطبيعة في عرف الرواقيين عددا كبيرا من المباحث تشمل ~~الطبيعة وما بعد الطبيعة واللاهوت والنفس. ولدراسة الطبيعة عند الرواقيين ~~غاية أخلاقية بالدرجة الأساس؛ فالأخلاق لا تقوم في فراغ، ومن المحال أن ~~يؤسس الإنسان قواعد للسلوك من غير أن يكون له علم بالعالم الذي يعيش فيه. ~~والرابطة الوثيقة بين الميكروكوزم (الإنسان) والماكروكوزم (العالم) تحتم على ~~عالم الأخلاق أن يدرس الطبيعة والمنطق لكي يبلغ مقصده على النحو الصحيح. فإذا ~~كانت الفضيلة هي الحياة في وفاق مع الطبيعة فمن المتعين على الإنسان أن ~~يلم بهذه الطبيعة التي يتعين عليه أن يعيش في وفاق معها. # ثمة مبدآن أولان في الطبيعيات الرواقية؛ المبدأ المنفعل وهو ~~المادة (بوصفها ماهية غفلا من كل صفة)، والمبدأ الفاعل والإلهي وهو العقل ~~الكامن في المادة ويحدث الأشياء جميعا بإعطائها صورها. وذهب الرواقيون ~~فضلا عن ذلك إلى أنه لا قدرة على الفعل ولا قابلية للانفعال إلا للأجسام؛ ومن ~~ثم فالشيء ms133 لا يكون حقيقيا (واقعيا، موجودا) ما لم يكن جسمانيا. وحتى ~~المبدأ العاقل لا يخلو من أن يكون جسمانيا. إنه جسم لطيف يداخل المادة ~~وينساب فيها كما تنساب النطفة في أجسام الكائنات الحية. وقد أغرق الرواقيون ~~في ماديتهم حتى قالوا بأن خواص الأجسام وصفاتها، كاللون والرائحة والطعم ~~والشكل والصوت؛ كلها أجسام، بل إن الصفات الأخلاقية نفسها، كالخيرات والفضائل ~~هي أيضا أجسام! وإذا كان كل موجود جسما فلا وجود للاجسميات. واللاجسميات ~~هي المعاني العامة، والمعبر عنه (المعنى أو اللكتون) والخلاء والمكان ~~والزمان. وهنا تتورط الطبيعيات الرواقية في ضروب من الغموض والتناقض. # 19 # وللرواقيين نظرية في الطبيعيات تسمى «المداخلة» # total compenetration # مفادها باختصار ~~شديد أن الأجسام تتمازج وتتداخل بعضها في بعض تداخلا تاما ؛ بحيث يحتوي كل ~~جزء، بمعنى ما، على جميع الأجزاء الأخرى، ويمكن لأصغر الأجسام أن يداخل ~~أكبرها جرما ويجوس خلاله؛ ورب قطرة من الخمر تملأ البحر كله بل العالم أجمع! ~~غير أن الأجسام تظل محتفظة بخواصها كلها؛ فالمداخلة لا تترك علاقة واضحة # asamos # أو # asemos # فهي بمثابة الرشح الذي لا يكون فيه ~~الجسم المتداخل في الآخر قابلا لأن ينفصل ولا أن يستحيل جسما آخر. وعلى هذا ~~النحو ينتشر الجسم الفاعل خلال الجسم المنفعل، وينتشر العقل خلال المادة والنفس ~~خلال البدن؛ فالأشياء لا يؤثر بعضها على بعض تأثيرا من بعد، بل إن شئت ~~فقل إن كل جسم هو بوجه ما كامن في جميع الأجسام الأخرى، ماثل في العالم ~~بأسره، والعالم كله حاضر في كل واحد. # 20 # يوجز ماركوس أوريليوس فكرة المداخلة في قوله: «... إن جميع ~~الأشياء، رغم انفصالها وتمايزها، يتخلل بعضها بعضا ويستجيب بعضها لبعض» ~~(التأملات: 4-27). # والطبيعة عند الرواقيين شيء واحد، وهي كائن حي مفكر عاقل، جسمه ~~العالم ونفسه الإله المنبث في كل مكان (وحدة الوجود، بانتيزم). إنه ~~اللوجوس أو العقل الأزلي أو النار المبدعة التي تشكل المادة وفقا ~~لخطتها. وهذه الخطة يتم تنفيذها ويعاد مرة ومرات إلى غير نهاية (العود ~~الأبدي)، بدءا من حالة النار الخلاقة التي تتولد منها العناصر ms134 الأخرى، ~~إلى خلق العالم الذي نعرفه، ثم عودة إلى النار مرة ثانية (الاحتراق العام # ekpyrosis/conflagratio ~~) وهو احتراق ~~هادئ غير عنيف، وملائم للطبيعة وموافق لنظام الكون؛ ولذا يسميه زينون ~~وخريسبوس «تطهير العالم» أي إعادته إلى كمال حاله. وتشبه هذه النار ~~الخلاقة بالجرثومة التي تحتوي مبادئ الأشياء جميعا وحكاياها التي سوف تجري ~~لاحقا؛ ولذا يسمى الإله أيضا ب «القدر»، على أن نضع بالاعتبار أنه ~~يدبر أمر الكون ويسيره «من داخله» وليس «من خارجه» كشأن الخالق في ~~محاورة أفلاطون «طيماوس». ومذهب «العود الأبدي» يعني أن العالم الذي ينشأ عن ~~«الاحتراق العام» مشابه لسابقه طبق الأصل، تعيش فيه نفس الشخوص ويشهد نفس ~~الأحداث، ولا جديد تحت الشمس. # الإنسان: # والإنسان مكون من نفس وبدن، والنفس متصلة بالبدن، وهي ~~من ثم جسم؛ إذ لا يمكن أن يتصل جسم إلا بجسم، وهي مبدأ ~~حياة الإنسان ومبدأ حركاته وأفكاره. وإذا مات الإنسان فارقت ~~النفس البدن، ولكنها تبقى بعد فنائه حتى يحترق العالم. والنفس ~~مكونة من ثمانية أجزاء، أهمها ما يسمى «العقل المدبر أو ~~المهيمن أو الموجه» # Hêgemonikon # وهو أهم أجزاء ~~النفس جميعا ومصدر أفكارنا ومشاعرنا ووعينا ووجداننا. وحين ~~يولد الإنسان يكون عقله الموجه خلوا كالصفحة البيضاء، ثم ~~تملؤها الانطباعات الحسية التي ترد عليه، ويكون منها ذكريات ~~يتألف من مجموعها تجارب الإنسان. وبعد ذلك ترتسم الأفكار؛ ~~فبعضها وارد من التربية التي يحصل عليها الإنسان، وبعضها يعود ~~إلى جهده الذاتي، وبعضها فطري سابق على كل تجربة. والعقل ~~البشري هو مجموع هذه الأفكار. # 21 # القضاء والقدر: # قلنا إن الرواقيين يأخذون بمذهب «وحدة الوجود» ~~(البانتزم)، ومفاده أن الإله والكون شيء واحد، وأن اللوجوس ~~(العقل) هو مصدر الأشياء جميعا وجوهرها الماثل في كل مكان. ~~واللوجوس هو قانون يربط الأشياء رباطا لا انفصام له ولا ~~فكاك منه. وهذا القانون هو «القضاء والقدر»؛ أي تسلسل العلل ~~أو الأسباب تسلسلا يجعل كل حادث معلولا لعلة، وكل علة ~~معلولا لأخرى، وهكذا إلى غير نهاية، ووفقا لقدر مرسوم. ~~والزمان في الحقيقة لا يأتي بجديد، ولا شيء يحدث إلا ms135 وكان ~~متضمنا من قبل في أصل الأشياء. وكل شيء في العالم خاضع ~~للضرورة أو القضاء والقدر. غير أنها ضرورة عاقلة. والعناية ~~الإلهية قد دبرت العالم أحسن تدبير، وكل ما في الكون ينم ~~على حكمة عالية لا تخبط فيها ولا مصادفة ولا عشوائية؛ ~~فالقضاء المحتوم هو نفسه عناية وتدبير يتغيا الخير، والعالم ~~القائم هو خير العوالم الممكنة. ومن السخف القول، مع ~~أبيقور، بأن العالم ناتج من التقاء الذرات بالمصادفة ~~والاتفاق؛ فمثل هذا القول يعني أننا لو ألقينا عشوائيا عددا ~~هائلا من الأحرف الأبجدية لأمكن لهذه الأحرف أن تقع مرتبة ~~بحيث يتألف منها تاريخ «إنيوس» على حد قول شيشرون. # وكل موجود فلوجوده غاية، ولا شيء يوجد عبثا من غير قصد. ~~والأدنى موجود من أجل الأعلى؛ فالنبات والحيوان موجودان من أجل ~~الإنسان؛ فالإنسان غاية الأشياء ومدارها. # عن الطبيعة واللاهوت الرواقيين تنجم مشكلتان لا بد ~~للرواقي من حلهما حتى يبرأ المذهب من التناقض ويسترد ~~شيئا من الاتساق؛ الأولى مشكلة القدر وحرية الإنسان، ~~والثانية مشكلة الشر. # القدر وحرية الإرادة الإنسانية: # ثمة توتر ظاهر بين الحتمية العلية والحرية ~~الإنسانية، بين الضرورة الكونية والإرادة البشرية. وقد أخذ ~~الرواقيون بكلا الضدين؛ فقد ذهبوا إلى أن الأشياء جميعا ~~تمضي بقانون محتوم وقدر مرسوم وتسلسل سببي لا اعتباط فيه ~~ولا مصادفة. وذهبوا في الوقت نفسه إلى أن للإنسان حرية ~~إرادة، وبوسعه أن يفعل أو يحجم عن الفعل وفق إرادته ~~واختياره. وقد سبق أن ألمعنا إلى محاولة كريسبوس حل هذه ~~المشكلة بالتفرقة بين العلل الثانية أو الأصلية التي ~~تعبر عن طبيعة الشيء الذي نحن بصدده، والعلل الأولى أو ~~القريبة أو المساعدة التي تعبر عن الفعل الذي ينصب على ~~الشيء من خارج. مثال ذلك أن الأسطوانة أو المخروط لا يمكنهما ~~أن يتحركا إلا إذا جاءتهما الحركة من الخارج (علل أولى ~~قريبة)، ولكن أسلوبهما الخاص في الحركة ودورانهما حول نفسيهما ~~إنما يجيئانهما من طبيعتهما الخاصة (علل ثانية أصلية). كذلك ~~الحال بالنسبة للإنسان؛ فإرادته الحرة هي العلة الأصلية ~~الكبرى للفعل، وما «التصور المحيط» القاهر ms136 الذي يستولى على ~~النفس إلا علة مساعدة لا أكثر. وإذا كانت الأسطوانة لا ~~تملك اختيار التوقف عن الدوران فإن الإنسان قادر بنفسه ~~على النزوع و«التصديق» # assent # أو الإعراض والرفض؛ وهو على كل ~~حال يستطيع أن يقبل أو يرفض «الانطباع» أو «التصور» الذي ~~يأتيه عن طريق الظروف الخارجية، كما يستطيع أن يتجه إلى ~~الأشياء أو يزور عنها إذا شاء؛ فالإنسان إذن حر وله ~~كسب واختيار. و«القدر» ليس هو العلة الأصلية في حصول ما ~~يحصل، بل إن سلطانه لا يعدو الظروف الخارجية والعلل ~~المساعدة للأفعال. # 22 # مشكلة الشر: # جابهت مشكلة الشر الرواقيين جميعا، من حيث وجود ~~توتر ظاهر بين العناية الإلهية، التي أخذوا بها ~~وأكدوها، وبين وجود الشر في العالم وجودا واقعيا ملموسا ~~لا سبيل إلى إغفاله. وقد اختلفت معالجاتهم لهذه المشكلة، ~~فذهب البعض إلى أن الشر في العالم مترتب على هبة الحرية ~~الإنسانية. وأخذ البعض بالحل الهيرقليطي، اجتماع الأضداد، ~~ومفاده أن الخير ضد الشر، ولا يوجد الضد من غير ضده، فوجود ~~الخير إذن يستدعي وجود الشر، والشر إنما يخدم الخير، ومن الخطأ ~~أن نريد أحدهما دون الآخر. وذهب البعض إلى أنه لا شر هناك ~~إذا نظرنا إلى الأمر نظرة كلية كونية؛ فلكل شيء في الكون ~~مكانه ووظيفته وغايته وطبيعته، وما يسميه الناس شرا إنما ~~هو شر من حيث الجزء لا من حيث الكل، بينما هو يتجه في ~~الحقيقة إلى كمال المجموع، ووجود الشر في الجزئيات شرط لخير ~~الكل. # الأخلاق الرواقية # الرواقية مذهب أخلاقي عملي، والفلسفة عند الرواقيين هي ممارسة ~~الفضيلة، وما البحث النظري وأفرعه العديدة سوى روافد لهذا المذهب الأخلاقي، ~~أو وسائل لهذه الغاية العملية. وقد يختلف الرواقيون في جانب أو جوانب من ~~المنطق أو الطبيعيات، أما المذهب الأخلاقي فواحد لا خلاف عليه إلا فيما ~~ندر. # وإذا كانت السعادة هي مطمح البشر جميعا فإن الرواقيين يساوون بين ~~السعادة وممارسة الفضيلة، ويعرفون السعادة، والفضيلة، بأنها الحياة وفاقا ~~للطبيعة؛ أي وفاقا للعقل. ولما كان العقل عندهم منبثا في العالم ~~ومتغلغلا في الوجود كله ms137 وشاملا لعقل الإنسان وعقل الكون، فإن ممارسة الفضيلة ~~تعني الحياة وفقا للقانون الكلي الذي يحكم العالم، والحياة وفقا للعقل تعني ~~الحياة وفقا للطبيعة الخاصة والطبيعة العامة في آن معا. والحكيم هو «مواطن ~~العالم»، يقبل طوعا كل ما يغزله له قدره ومصيره، حتى ما يبدو للنظرة ~~الضيقة مصابا أو نكبة؛ لأن نكبته الفردية أو مصابه الجزئي إنما هو شيء ~~منسلك في النظام الكلي والقضاء الإلهي، وفيه خير العالم وصالحه حين ينظر ~~إليه النظرة الشاملة الكلية، وكل ما هو خير للكل فهو خير لأجزائه في نهاية ~~التحليل، مهما بدت الأمور غير ذلك لكل أناني يريد أن يعيش في خلاف مع مجموع ~~الأشياء كأنه الورم في جسم العالم أو كأنه الغريب في المدينة الكبرى، ويريد أن ~~يتمرد على قدره فلا يسوقه تمرده إلا حيث أرادت الأقدار. # وإذا كانت السعادة هي مطمح الناس جميعا، فإن من يعلق سعادته على الظروف ~~الخارجية سيعيش مرتهنا لتقلبات الزمن، تتقاذفه الأحداث وتتناهشه المخاوف ~~والوساوس، فيكون فريسة للشرور الخارجية كالفقر والمرض والإهانة والأذى، ~~وللشرور الداخلية كالجزع والفزع والرعب والحزن والشك والندم. أما الرواقية ~~فتعد مريدها بسعادة دائمة وهناء مقيم؛ ذلك أن سعادة الإنسان، في نظر ~~الرواقية، لا تخضع للظروف الخارجية بل لإرادة الإنسان الداخلية وقراره ~~الشخصي؛ فالأشياء الخارجية لا تقتحم علينا وجودنا الباطن ولا تؤثر بذاتها في ~~شعورنا الداخلي، وإنما المؤثر الحقيقي هو استعدادنا النفسي الذي يجعلنا ~~نقيم وزنا لهذه الظروف ونحكم عليها أحكاما قيمية؛ أي نصفها بالحسن أو ~~القبح، بالخير أو بالشر. أمر السعادة إذن منوط بأحكامنا نحن وإرادتنا ~~وقرارنا. وبوسعنا دائما أن نتوقف عن هذه الأحكام أو نمحوها من خاطرنا محوا ~~وننعم في الحال بالهناء و«الطمأنينة» # ataraxia ~~. # وحتى «الانفعالات» # emotions # النفسية، كالألم ~~والخوف، التي تبدو ناجمة مباشرة عن المؤثرات الخارجية هي في حقيقة الأمر ~~تصورات و«أحكام» # judgements # عقلية؛ فبين ~~المؤثر الخارجي (والداخلي أحيانا) والاستجابة الانفعالية هناك دائما عنصر ~~فكري أو «معرفي» # cognitive # يتوسط الأمر ~~ويكون هو السبب المباشر للانفعال؛ إنه حكمنا، أو رأينا، أو تقييمنا للمؤثر، ~~وهو ms138 من ثم أمر في يدنا وتحت تصرفنا وبوسعنا تعديله أو تصويبه إذا ~~شئنا. يفرق الرواقيون مثلا بين الألم الجسمي، وهو شيء خارج عن إرادتنا، ~~وبين موقفنا النفسي من الألم وهو شيء خاضع لإرادتنا وبمقدورنا أن نقرر ~~بحرية أن نستسلم للألم أو لا نستسلم. # والحكيم الرواقي يتمتع بمنعة نفسية كاملة، لا سلطان للأهواء والانفعالات ~~والأوهام على قلبه، لا يجزع في المحن ولا ينخذل في الشدائد، لا يرهن نفسه ~~للأمل ولا يصغي لكاذب الرجاء. يحيا في سعادة دائمة، بالمعنى الرواقي ~~للسعادة، أي الحياة المتدفقة في غبطة، المسترسلة في دعة وحنو واكتفاء ورضا، ~~الموافقة للعقل. ومهما تألم جسده وتبرم يظل عقله بمعزل، «محصنا من أي ~~مجرى يجري في الجسد» (التأملات، 5-26)، عاليا فوق الغضب والكدر، وإن شئت ~~فقل: «إن الحكيم لا يحس شيئا من هذه الأمور التي تضطرب بها نفوس الناس» ~~(سينيكا، ثبات الحكيم، 10-3). # وصفوة القول أن الأشياء، أو الأحداث، بحد ذاتها لا تقحم نفسها على العقل ~~بل تقف هناك، خاملة محايدة، لا هي خير ولا شر، ولا هي حسنة ولا قبيحة، بل ~~هي جميعا «سواء» أو «أسواء» أو «لا ~~فارقة» # indifferentia ~~؛ الفقر والغنى، الصحة والمرض، الحياة والموت، اللذة ~~والألم، الشهرة والخمول ... إلخ، ليست بذاتها خيرا ولا شرا؛ فالخير الوحيد هو ~~السلوك العقلاني الفاضل، والشر الوحيد هو السلوك الشرير المنافي ~~للعقل. # ذلك أن الخير عند الرواقيين هو الشيء النافع لصاحبه تحت كل الظروف. فهل ~~ينطبق هذا التعريف على المال مثلا؟ كلا؛ فلا يندر أن يستخدم المرء المال في ~~معاقرة الإثم ويستخدم صحته في الظلم والبطش. المال، إذن، والصحة، ليسا خيرا ~~في ذاتهما، وإنما هما كمثل غيرهما من الأشياء التي يتكالب عليها الناس؛ ~~«أشياء لا فارقة» # indifferentia ~~. # على أن الرواقيين يقرون بأن هناك أشياء تناسب طبيعة الكائن ~~للوهلة الأولى # prima ~~facie ~~، وله أن «يفضلها» على غيرها «في حالة تساوي بقية العوامل» # ceteris paribus ~~، ~~وأطلقوا على هذه الأشياء «المفضلات» # preferables ~~. فإذا خيرنا مثلا بين الصحة والمرض، ~~بافتراض تساوي بقية الظروف، لاخترنا الصحة، وإذا خيرنا ms139 بين الغنى والفقر ~~لاخترنا الغنى. والفعل الذي يتغيا هذه الأشياء المفضلة يقال له «فعل مناسب»، # 23 # غير أن البون عريض بين هذا «الفعل المناسب» وبين «الفعل المستقيم» # 24 # الذي هو حق على الإطلاق. والحكيم يقوم كغيره بأفعال «مناسبة»، ~~غير أنه على استعداد دائما للعدول عنه لكي يؤدي «فعلا مستقيما»؛ فهو يطلب ~~الصحة في العادة، ولكنه إذا أدرك أن مصيره المرض اتجه من تلقاء نفسه إلى المرض، ~~وقد يفضل الحياة في العادة، ولكنه على استعداد دائما لتقبل الموت ما دام ~~ذلك أمرا موافقا للطبيعة. وبصفة عامة فإن ما تقضي به خطة العناية هو دائما ~~عقلاني قلبا وقالبا؛ ومن ثم فإن كل ما سيجري به القضاء ينبغي أن يتقبله ~~الحكيم باعتباره موافقا لطبيعته، ومنصبا في مصلحته. # مصاعب منطقية ~~: ثمة مصاعب منطقية ~~في صلب المذهب الرواقي. فإذا كانت الفضيلة هي وحدها الخير للزم عن ذلك أن ~~تكون العناية مهتمة بأن تحدث الفضيلة ولا شغل لها غير إحداث الفضيلة، غير ~~أن قوانين الطبيعة قد أنتجت ما لا يحصى من الآثمين. وإذا كانت الفضيلة هي ~~الخير الوحيد لما كان هناك مبرر لإدانة القسوة والظلم، حيث إن القسوة ~~والظلم يقدمان لضحيتهما أفضل فرصة لممارسة الفضيلة. وما دام العالم ~~مسيرا تماما بالحتمية فإن قوانين الطبيعة هي التي تحدد هل سأكون صالحا ~~أو غير صالح. فإذا كنت شريرا فلقد أرغمتني «الطبيعة» على أن أكون شريرا، وقد ~~انتفت عني الحرية التي يفترض أن تمنحها الفضيلة. # 25 # من الصعب على العقل الحديث أن يتحمس لحياة صالحة إذا لم يكن ثمة شيء ~~سوف تحققه الحياة الصالحة، فنحن نقدر الطبيب الذي يعرض حياته للخطر في ~~وباء طاعون؛ لأننا نرى المرض شرا ونأمل في التوقي منه، ولكن إذا لم يكن ~~المرض شرا فإن للطبيب أن يلزم بيته مستريحا. وبالنسبة للرواقي فإن فضيلته ~~تعد غاية في ذاتها لا شيئا يفعل الخير. وحين نمضي معه إلى آخر المدى فإن ~~مآل الأمور جميعا هو احتراق العالم وتكرار العملية بأسرها. فهل هناك ما هو ~~أكثر عبثية وامتناعا؟ ms140 قد يحدث تقدم هنا أو هناك حينا من الوقت، ولكن ~~النهاية الوحيدة هي التكرار (الرجعة/العود). فإذا ما شهدنا شيئا مؤلما ~~غير محتمل فإننا نأمل أن تنتهي مثل هذه الويلات بمرور الزمن. على أن ~~الرواقيين يؤكدون لنا أن ما يحدث الآن سوف يحدث مرارا وتكرارا. ~~وكأنا بالعناية التي تشهد الكل سوف يعروها الضجر واليأس في النهاية بكل تأكيد. # 26 # ثمة إلى جانب ذلك برود معين في التصور الرواقي للفضيلة. لا ~~تدين الرواقية الانفعالات السيئة فحسب بل جميع الانفعالات؛ فالحكيم خلو من ~~الانفعالات لا يشعر بالتعاطف؛ فإذا ماتت زوجته أو أبناؤه فإنه يقول لنفسه إن ~~هذا المصاب ليس عقبة أمام فضيلتي؛ ومن ثم فإنه لا يعاني منه معاناة ~~عميقة. أما الحياة العامة فقد يكون من واجبك الانخراط فيها لأنها تمنحك فرصة ~~لممارسة العدل والعزيمة ... إلخ. على ألا تكون مدفوعا برغبة في نفع الجنس ~~البشري، حيث أن المنافع التي يمكن أن تقدمها - كالسلام أو وفرة الطعام - ليست ~~منافع حقيقية، ولا شيء يهمك على كل حال إلا فضيلتك ذاتها؛ فالرواقي ليس ~~فاضلا لكي يفعل الخير، ولكنه يفعل الخير لكي يكون فاضلا، ولم يخطر له أن يحب ~~جاره كنفسه؛ فالحب، إلا في معناه السطحي، غير موجود في مفهومه عن الفضيلة. ~~«وحين أقول هذا إنما أعني الحب كعاطفة لا كمبدأ؛ فالحب الكوني مبدأ بشرت ~~به الرواقية، وقال به سينيكا وخلفاؤه، ولعلهم قد أخذوه عن الرواقيين ~~الأوائل. إن منطق المدرسة الرواقية قد أفضى إلى مذاهب متصلبة؛ مذاهب ~~خففتها وهذبتها إنسانية أتباعها، الذين كانوا أفضل حالا بكثير مما كان ~~يمكن أن يكونوا عليه لو أنهم كانوا متسقين مع مذهبهم». # 27 ~~(4) الرواقية الرومانية # حين دخلت الرواقية روما اصطبغت بالصبغة العملية، فنبذت التعقيدات ~~المنطقية وتخلصت من كثير من تفصيلات علم الطبيعة، وركزت جل اهتمامها على ~~الجانب الأخلاقي من المذهب. كان سينيكا، على سبيل المثال، يزدري علم المنطق ~~ويتنكب الطبيعيات إذا عرضت له في أحاديثه (باستثناء كتابه «المسائل ~~الطبيعية») وكان إبكتيتوس أيضا يمر على الطبيعيات في أحاديثه مر الكرام. أما ~~ماركوس ms141 أوريليوس فلا يعرض لها أصلا، وفي الكتاب الأول من «التأملات» نجده يحمد ~~الإله أنه لم يضع وقته في تحليل المنطق ولم يشغل نفسه ببحث الطبيعيات ~~(1-17). ~~«لقد كان المذهب الرواقي، في تصوره للإنسان، أكرم من نظريات العصر ~~الكلاسيكي. فإذا كان أرسطو قد ذهب إلى حد الاعتراف بأن اليوناني ينبغي ألا يكون ~~عبدا لأي واحد من البشر، فإن الرواقية ذهبت إلى أن الناس جميعا، بمعنى ما ~~متساوون، وكانت في ذلك تسير على هدى الممارسة التي اتبعها الإسكندر، وإن كان الرق ~~قد انتشر خلال عصور الإمبراطورية على نطاق أوسع مما كان في أي عهد مضى. وفي ضوء ~~هذا الاتجاه الفكري أدخلت الرواقية التمييز بين القانون الطبيعي وقانون ~~الأمم. والمقصود بالحق الطبيعي هنا ما يكون من حق الإنسان بناء على طبيعته ~~البشرية وحدها. ولقد كان لنظرية الحقوق الطبيعية بعض التأثيرات النافعة على التشريع ~~الروماني؛ لأنها خففت من محنة أولئك الذين حرموا من أن يكون لهم مركز ~~اجتماعي بالمعنى الكامل. وقد أعيد إحياء هذه النظرية، لأسباب مماثلة في الفترة ~~التالية لعصر النهضة الأوروبية، وذلك خلال الصراع ضد فكرة حقوق الملوك الإلهية.» # 28 # والحق أن الرواقية قد بثت مبادئها السمحة في القانون الروماني فأصلحته ~~وهذبته وصبغته بصبغة عقلية أخلاقية كونية حتى صار، في عمومه، قانون الأمم ~~المتحضرة حتى يومنا هذا: # الحياة وفقا للطبيعة أو طبقا للعقل # honeste ~~vivere ~~(أي إن الأخلاق قد صارت أساسا للحق نفسه ~~الذي سيصبح قانون الإنسان في الجماعة). # عدم الإضرار ~~بالغير # alterum non laedere ~~(وتشمل عدم المساس بحرية الغير وسمعته ~~وحياته). # إعطاء كل ذي حق ~~حقه # suum cuique tribuere ~~(وتشمل احترام الملكية). # تلك هي قواعد التشريع الروماني، التشريع الذي وضعه كبار المشرعين الرومان في ~~القرن الثاني الميلادي، وكلهم رواقيون أو متأثرون بالرواقية. يقول إرنست ~~رينان: «إن المبدأ الذي يذهب إلى أن على الدولة إزاء أفرادها واجبات كواجبات ~~الآباء قبل الأبناء هو مبدأ أعلن لأول مرة على رءوس الأشهاد في عهد ~~الإمبراطور والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس.» # 29 # سينيكا # ولد سينيكا # Seneca # بقرطبة ms142 حوالي العالم ~~الثالث قبل الميلاد، لأسرة إسبانية أرستقراطية مثقفة. وانتقل إلى روما ~~وهو صبي يافع، ودرس الفلسفة، ثم اشتغل بالمحاماة والخطابة ونجح فيهما نجاحا ~~باهرا، ومارس العمل السياسي حتى صار مستشارا للإمبراطور نيرون والذي كان قد ~~أشرف على تربيته منذ صباه. وفي عهد كلاوديوس نفي إلى كورسيكا بناء على طلب ~~ميسالينا زوجة كلاوديوس. ويبدو أن سينيكا، وكان آنذاك عضو مجلس شيوخ، كان كثير ~~الانتقاد لسلوك الإمبراطورة المثير للشبهات. وبقي في منفاه ثمانية أعوام ثم ~~عاد إلى روما بعد مقتل ميسالينا لكي يتولى تربية نيرون، وريث العرش الإمبراطوري ~~الذي أنجبه كلاوديوس من زوجته الثانية أجريبينا. وحين تولى نيرون وأمعن في ~~الطغيان والبطش والدموية فشل سينيكا، مربيه ومستشاره، في رده إلى ~~الاعتدال والقصد، واتهمه نيرون بالتآمر ضده، وأوعز إليه أن ينتحر، على الطريقة ~~السائدة آنذاك، بقطع شرايينه. وقد أخذ سينيكا يلقي خطبة من أبلغ خطبه ~~على جمع من رفاقه والدم يسيل من جراحه. وقد مات ميتة رواقية متفقة مع ~~فلسفته، على الرغم من أن حياته لم تكن في عمومها متسمة بالطابع الرواقي؛ ~~فقد جمع ثروة طائلة اكتسب معظمها من إقراض البريطانيين بأرباح ضخمة، وكان ~~أرستقراطي المزاج يحتقر الجماهير ويؤثر أن يتحدث إلى مستمع واحد، وكثير ~~من آرائه نعرفها من خلال رسائله التي بعث بها إلى تلميذه «لوكيليوس» ومن أعماله ~~النثرية الأخرى إلى جانب مسرحياته. # 30 # في هذه الرسائل يدعو سينيكا تلميذه إلى الرواقية، وإلى أن يترك الترف ~~الأبيقوري ويأخذ نفسه بشيء من التقشف الرواقي، وأن ينصرف عن الآراء ~~الشائعة بين الدهماء، ويعتزل المجالس والمجتمعات والمنتديات والشئون العامة، ~~ويخلو إلى نفسه ويظل رغم ذلك من أهل المدينة الكبرى، مدينة العالم، وهي أحق ~~المدن بالحكيم. # لم يقدم سينيكا ميتافيزيقا واضحة المعالم، ولم يكن يولي الطبيعيات أهمية ~~إلا ما كان منها ذا صلة بالأخلاق. وفي أخلاقه كان انتقائيا يوفق بين ~~الآراء المختلفة، ويتجنب التطرف في أي اتجاه؛ فالطبيعة تكره الإسراف؛ ~~فلننصرف عن شئون الدنيا، ولكن في بساطة ومن غير ضجة ولا إعلان؛ فإن فضل ~~المجاهد ms143 لا يقاس بتجهم الملامح وقذارة الأسمال. ولنحسن إلى الغير ولكن ~~الإحسان في السر لا يعدله أي ضرب من الإحسان الظاهر. ولنصبر على الحياة، ~~ولكن لنختر الموت طوعا إذا كان الموت هو آخر معقل للحرية وآخر ملاذ ~~للكرامة. ولننصرف عن عبادة المال، ولكن إذا جاءنا المال فليس من الحكمة أن ~~ننبذه؛ فهو ابتلاء علينا أن نحتمله. وإنه لمن الضعف أن يعجز المرء عن ~~احتمال الثروة. # 31 # ولنصبر على موت الأحباب، ولكن ليس من الممكن دائما أن يمسك الأب ~~دموعه عند فقد ولد عزيز. ولنغبط عيش الأكواخ التي عاش فيها آباؤنا ~~الأولون، ولكننا لا نستطيع أن نحمل سريا من سراة الناس على أن يعيش في ~~برميل. ولنعتدل في الشراب ولكن «كاتو» كان يدعونا أن نغرق فيه أحزاننا من ~~حين إلى حين. # وقد حظي سينيكا في العصور اللاحقة بما هو أهل له من التمجيد والتشريف. وصار ~~اسمه مرتبطا بمبادئه النبيلة وكتاباته الآسرة أكثر من ارتباطه بممارساته ~~العملية التي لا تخلو من أشابة. وقد زعم العديد من آباء الكنيسة أنه مسيحي، ~~وقيل إنه كانت هناك مراسلات بينه وبين القديس بولس، ويسلم بذلك رجال من ~~طبقة القديس جيروم. # 32 # إبكتيتوس # يوناني ولد في هيرابوليس بآسيا الصغرى حوالي عام 50م (وقيل 60م). وأرسل ~~إلى روما ليكون عبدا لرجل من خلصاء نيرون هو إبافروديتوس # Epaphroditus ~~، ومن هنا جاء اسم ~~«إبكتيتوس» # Epictetus # وتعني باليونانية ~~«العبد». وقد تركت فيه فترة العبودية من حياته آثارا سيئة؛ عرجا دائما ~~واعتلالا صحيا عاما. # تعلم إبكتيتوس الفلسفة وسط العبودية والبؤس. وتعلم أن يتحرر أخلاقيا ~~قبل أن يتحرر رسميا، ومن أقواله: «لا تقل إني مشتغل بالفلسفة فهذا غطرسة ~~وتوقح، بل قل إني مشتغل بتحرير نفسي.» وبعد أن نال حريته قام بتدريس الفلسفة ~~في روما حتى عام 91م، عندما أمر الإمبراطور «دوميتيانوس» بطرد الفلاسفة من ~~إيطاليا لأنهم كانوا ينتقدون حكم الإمبراطور الإرهابي ويشكلون قوة معنوية ~~تقف في وجه العرش الإمبراطوري، فهاجر إلى نيكوبوليس # Nicoplois # في الشمال الغربي لليونان، وفتح بها مدرسة ~~فلسفية كان الشباب الروماني ms144 الأرستقراطي يفد إليها ليتعلم من العبد الذي ~~سعى إليه المجد على كره منه، وعلا شأنه لدى رجال البلاط في روما. # لم يكتب إبكتيتوس بنفسه أي كتاب في الفلسفة، وإنما يعود الفضل إلى تلميذه ~~«أريانوس»، وكان من قادة الجيش الروماني وحاكما على «كبادوكيا»، في حفظ أقوال ~~إبكتيتوس، فكتب كتابا أسماه «المذكرات» أو «محادثات ~~إبكتيتوس» # Discourses ~~(Entretiens) # بقي لنا منه أربعة أبواب، ونشر كتابا اسمه ~~«الموجز» أو «المجمل» أو «الكتيب» # Manual # اختصر فيه فلسفة إبكتيتوس اختصارا قويا ~~متقنا. # عرف إبكتيتوس كيف يلائم بين الرواقية القديمة وبين الطبع الروماني العملي ~~وحاجات العصر الجديد، فآثر الصياغة القصيرة المحكمة للخواطر الأخلاقية، ~~وأعرض عن الخوض في الطبيعيات؛ لأنها مما يصعب إدراكه، فضلا عن أنها قليلة ~~الغناء؛ لأن غاية الفلسفة عنده ليست البحث في العلل الأولى بل إصلاح النفس ~~وتزكية الروح. # من الطبيعي لإنسان ذاق الرق في مطلع حياته أن تكون الحرية هي مدار حديثه ~~وملاك تفكيره، «فالاشتغال بالفلسفة هو الاشتغال بتحرير النفس.» و«نحن لا نملك ~~إلا حريتنا.» والحرية هي «أغلى النعم التي نحوزها في هذه الحياة.» والحرية هي ~~أن يسلك الإنسان وفقا لإرادته واختياره فلا يقهره أحد على غير ما يريد. إنها ~~حرية النفس التي تعرف كيف تحكم نفسها وفق قانون تسنه لنفسها. # وإذا تأمل الإنسان نفسه «ليعرفها» وفقا لمبدأ سقراط، فسوف يتبين له أنه ~~مستعبد لأشياء كثيرة؛ فهو عبد لجسمه، عبد للمال، عبد للجاه والسلطان. ~~فإذا ما أراد لنفسه الحرية الحقيقية فليلتمسها لا في الأشياء الخارجية، ولا في ~~جسمه ولا في ماله وجاهه؛ فكل ذلك مجرد رق أخلاقي، بل إنه واجدها في نفسه ~~وفي شيء مستقل كل الاستقلال؛ وهو «قدرته على الحكم والإرادة ... ولا شيء من ~~الخارج يستطيع أن ينال حرية النفس بسوء» (المحادثات، 1: 17-21). فحرية الإنسان ~~تفلت من سلطان الناس وسلطان الأشياء، و«نحن لا نملك إلا حريتنا» (المحادثات، 1: ~~4-27). والإله الذي منحنا الحرية محال أن يسلبنا إياها؛ فالمنحة الإلهية لا ~~تسترد كالمنح البشرية. # 33 # والفيصل في أمر الحرية هو أن يفرق الإنسان بين ما ms145 في قدرته وما ليس في ~~قدرته. ثمة أشياء ليست في قدرتنا واختيارنا؛ أجسامنا وأموالنا ومناصبنا ... ~~إلخ، وأشياء في قدرتنا وتحت تصرفنا ونستطيع أن نوجهها كما نشاء؛ أفكارنا ~~وعواطفنا وإرادتنا وأفعالنا وأحكامنا. علينا أن نتخذ أحكاما موافقة لطبيعة ~~الأشياء، فنعرف أن حدوث الأشياء أمر ضروري فنذعن لها ونتقلبها كما أوجدها ~~مصرفها جل وعلا، وألا يصيبنا منها أي كدر أو ابتئاس؛ فليست الأشياء هي ~~ما يكدرنا بل حكمنا على الأشياء وتقييمنا لها. أما الأشياء ذاتها فمتساوية ~~القيمة # indifferent # أي ليست بذاتها خيرا ولا ~~شرا، إنما الخير والشر في إرادتنا؛ فإرادتنا وحدها تستطيع بإقرارها أو رفضها ~~أن تعطي الأشياء قيمها. وإذا كان الحكيم الرواقي قد ألغى في نفسه كل انفعال ~~فإنما يفعل ذلك لكي يخلي المكان لفعل الإرادة. ~~«احتمل وتزهد» ... ربما تكون هذه خلاصة فكر إبكتيتوس ولباب الأخلاق ~~الرواقية. احتمل (ما أصابك، وما ليس في مقدورك تغييره، ما ليس في ذاته خيرا ~~ولا شرا)، وتزهد (فيما لا تملكه، ما ليس في مقدورك بلوغه، ولا هو في ذاته ~~خير ولا شر). # ويتحدث إبكتيتوس عن أواصر القربى بين الإله والناس! ويجعلها مبدأ لفكرة عظمة ~~النفس وفكرة الإخاء بين بني الإنسان، ويفضلها، كوثاق يربط الناس جميعا، ~~على فكرة اشتراك الناس في العقل. # | الفصل الثاني: رواقية ماركوس أوريليوس قراءة في «التأملات» # (1) رواقية معدلة # كانت رواقية ماركوس أوريليوس رواقية معتدلة ومعدلة؛ فقد اطرح ماركوس ~~بعض مبادئ الرواق، ولم يغل في بعضها الآخر غلو القدامى، وتجنب الخوض في ~~المنطق والطبيعيات، ودون خواطره الشخصية بأسلوب بسيط، في الأغلب الأعم، تجنب ~~فيه ذكر المصطلحات الفنية والتخريجات المعقدة، بذلك قدم للرواقية صيغة ~~سلسلة سائغة قريبة المأخذ، فكانت «آخر رسالة بعث بها العالم القديم إلى الأجيال ~~المقبلة.» # من ذلك أنه رفض زعم الرواقيين بإمكان المعرفة اليقينية، وأخذ برأي منتقديهم ~~القائل بأن الحكيم الذي يملك المعرفة اليقينية لا وجود له: «لكأنما ألقي على ~~الأشياء حجاب كثيف حتى لقد بدت لعدد غير قليل من كبار الفلاسفة غير قابلة ~~للفهم على الإطلاق. وحتى الرواقيون أنفسهم بدت ms146 لهم الحقائق عصية على الفهم، ~~وبدا لهم كل تصديق عقلي لإدراكاتنا شيئا عرضة للخطأ؛ فليس هناك من هو معصوم ...» ~~(5-10). # ومن ذلك أنه رفض أن توضع الآثام جميعا في مرتبة واحدة، فقد ذهب قدامى ~~الرواقيين إلى أن الفضيلة «كل» واحد بسيط لا يتجزأ، تملكها كلها أو لا تملك ~~منها شيئا، وكذلك الأمر في الرذيلة، ورفضوا فكرة التدرج الأخلاقي، وجاءوا في ذلك ~~بتشبيه معجب فقالوا بأن الإنسان إما أن يكون فاضلا وإما غير فاضل، ولا يعد ~~فاضلا من لم يبلغ الفضيلة بتمامها، كما أن الغريق لا يكون أقل غرقا على بعد شبر ~~من سطح الماء منه إذا كان في قاع البحر. يقول ماركوس: «إن ارتكاب الخطيئة بدافع ~~الرغبة لأشد من ارتكابها بدافع الغضب؛ إذ يبدو أن من أثاره الغضب إنما يحيد ~~به عن العقل شيء من الألم والتشنج غير الإرادي، أما من دفعته الرغبة إلى ~~الخطيئة فاستسلم للذة فيبدو أكثر تهتكا في إثمه وأقل رجولة. إن الأول أشبه ~~بشخص أوذي فاضطره الألم إلى الغضب، أما الثاني فإنه هو هو مصدر نزوته ~~ومنشأ اندفاعته إلى الإثم حين تحدوه الشهوة إلى ارتكاب ما ارتكب» (2-10). # ومن ذلك أنك لا تجد في كلامه نبرة الثقة الزائدة والاعتداد بالرأي الذي تجده في ~~أقوال قدامى الرواقيين. يقول ماركوس مخاطبا نفسه: «ليس لديك متسع للدرس ~~والتحصيل، ولكن لديك متسعا لأن تكف الغطرسة، ولديك متسعا لأن تعلو فوق ~~اللذة والألم، ولديك متسعا لأن ترتفع فوق حب الشهرة والصيت، وألا تحنق على ~~البليد والجاحد، بل، حقا، أن ترعاهما» (8-8)، «احرص ألا تتقيصر، وألا تصطبغ ~~بهذه الصبغة؛ فقد تقع في ذلك إذا لم تتوخ الحذر ...» (6-30). # ومن ذلك أنه، بخلاف الرواقيين القدامى، أخذ بفكرة أفلاطون عن الواجب ~~الاجتماعي والسياسي؛ فلما كان الإنسان كائنا اجتماعيا فإن من واجبنا أن نقوم ~~بدورنا في الشئون السياسية العامة. يقول ماركوس: «إنني أصحو من نومي لكي أؤدي ~~عملي كإنسان، أما زلت كارها أن أذهب لكي أؤدي ما خلقت من أجله وما ~~وجدت في العالم لكي ms147 أؤديه؟ ...» (5-1). # لقد قدر لماركوس أوريليوس أن يكون إمبراطورا فيلسوفا، # 1 # فلم يجتنب لحظة صحبة الفلسفة، ولم يفرط في واجبات الملك والقائد ~~العسكري. واستطاع أن يخفف من هذا التوتر الظاهر بين مسئوليات الحاكم ومسئوليات ~~الفيلسوف، وقنع بأن الفضيلة يمكن أن تجد لها منفذا إلى القصور، وبأن ممارسة ~~الفلسفة يمكن أن تلطف من جفاء الحاكم وتجعله أكثر قبولا وأحسن موقعا في القلوب ~~«لتكن الفلسفة لك ملاذا دائما ومستراحا وموئلا، حتى تجعل القصر يبدو محتملا ~~لك، وحتى تبدو أنت محتملا في القصر» (6-12). # والحق أن الوظيفة العسكرية لم تكن متفقة مع روح الفيلسوف لدى ماركوس أوريليوس، ~~على الرغم من إتقانه لهذه الوظيفة. يرشح ذلك من حديثه بين الحين والآخر: ~~«العنكبوت فخورة حين تصطاد ذبابة، والإنسان فخور بصيده؛ أرنب مسكين، سمكة صغيرة ~~في شبكة، خنازير، دببة، أسرى من الصرامطة، والجميع من حيث الدافع لصوص» ~~(10-10). ~~(2) قلعة الذات # لعل أهم ما يؤثر عن ماركوس وصفته العلاجية بالرجوع إلى الذات، والخلو إلى ~~النفس من وقت لآخر التماسا للأمان والسكينة، باعتبارها الحصن الداخلي المنيع. إنه ~~المنتجع العقلي حيث الاستجمام الحقيقي والتجدد الدائم . وهو الحصن الذي كان يلجأ ~~إليه ماركوس أثناء حملاته الشمالية وراء الدانوب، والذي يهيب بنا ماركوس أن نبحث ~~عن مثله داخل أنفسنا. # يقول سينيكا: «لذ بذاتك.» # secede te ipsum # ويقول ماركوس: «إنهم يبحثون عن منتجعات لهم؛ في الريف، على البحر، على التلال، ~~وأنت بصفة خاصة عرضة لهذه الرغبة المشبوبة، ولكن هذا من شيم الطغام، فما زال ~~بإمكانك كلما شئت ملاذا أن تطلبه في نفسك التي بين جنبيك؛ فليس في العالم موضع ~~أكثر هدوءا ولا أبعد عن الاضطراب مما يجد المرء حين يخلو إلى نفسه، وبخاصة إذا ~~كانت نفسه ثرية بالخواطر التي إذا أظلته غمرته بالسكينة التامة والفورية. ولست ~~أعني بالسكينة إلا الحياة التي يحكمها العقل ويحسن قيادها. فلتمنح نفسك دائما ~~هذا الاستجمام، ولتجدد ذاتك. ولتكن المبادئ العقلية التي سوف تعود إليها هناك ~~وجيزة وأساسية وكافية لأن تذهب بكل ألمك في الحال وتعيدك إلى أمورك ms148 ~~المستأنفة خاليا من السخط عليها أو التبرم بها» (4-3). «تذكر أن عقلك ~~الموجه لا يقهر إذا ما اعتصم بنفسه مكتفيا بذاته غير فاعل شيئا لا يريد أن ~~يفعله، حتى لو كان موقفه مجرد عناد، فما بالك إذا كان الحكم الذي يكونه ~~مؤيدا بالعقل والروية؛ لذا فإن العقل الخالي من الانفعالات هو قلعة؛ ليس ~~ثمة ملاذ للناس أقوى منه، ومن يأوي إليه فهو في حصن حصين؛ فما أجهله من لا ~~يرى هذه القلعة، وما أتعسه من لا يلوذ بهذا الحصن» (8-48). ~~(3) علمهم أو احتملهم # أخذ ماركوس بالفكرة السقراطية القائلة بأن «الفضيلة علم والرذيلة جهل.» وألا ~~أحد يرتكب الشر عن قصد؛ أي عن علم. ينتج عن ذلك، منطقيا، أن علينا تجاه مرتكب ~~الخطأ أن نعلمه ونبصره بجهله، وإلا نعلمه فلنتسامح معه ولا نحمله ~~فشلنا نحن وتقصيرنا في إرشاده إلى المسلك الصحيح. «... ليست هناك نفس تريد عمدا أن ~~تحرم من الحقيقة، والشيء نفسه ينسحب على العدالة، والاعتدال، والإحسان، وكل هذه ~~الفضائل. من المهم للغاية أن تضع هذا دائما باعتبارك، فبذلك سوف تكون أرفق ~~بالجميع» (7-63). «لقد ابتلي كل منهم بذلك من ~~جراء جهله بما هو خير وما هو شر، أما أنا وقد بصرت بطبيعة الخير وعرفت أنه ~~جميل، وبطبيعة الشر وعرفته قبيحا، وأدركت أن مرتكب الرذائل لا يختلف عني أدنى ~~اختلاف في طبيعته ذاتها - فنحن لا تجمعنا قرابة الدم والعرق فحسب بل قرابة ~~الانتساب إلى نفس العقل ونفس القبس الإلهي - أما أنا وقد بصرت بهذه القرابة ~~فلن يسوءني أي واحد من هؤلاء ولن يعديني بإثمه، وليس لي أن أنقم منه قرابتي ~~أو أسخط عليه ...» (2-1). «سل نفسك ماذا يكون هذا الشيء الذي يعرض لي الآن؟ وأي ~~نوع من الفضائل يلزمني لمواجهته: الرفق مثلا أم الشجاعة أم الصدق، إلخ؟ ... هذا جاء ~~من أحد إخوتي من بني الإنسان، قريبي وزميلي، وإن كان لا يعرف ما يليق بطبيعته ~~ذاتها. غير أني أعرف؛ ومن ثم أعامله برفق وعدل، متبعا في ذلك القانون ~~الطبيعي للأخوة ...» (3-11). «من المفيد ms149 عمليا أن تعي هذا كلما صادفته؛ وهو تلك ~~الفضيلة التي وهبتنا إياها الطبيعة لكي نقابل بها كل فعل خبيث. وهبتنا الرفق ليكون ~~ترياقا للقسوة، وخصالا أخرى نواجه بها إساءات أخرى. وبصفة عامة، بوسعك ~~دائما أن تعيد تعليم من ضل طريقه، وكل من يفعل الشر فقد أخطأ هدفه الحقيقي وضل ~~طريقه» (9-42). «من الطبيعة الإنسانية أن تحب حتى من يزلون ويسقطون. يتبين ذلك ~~إذا ما أخذت باعتبارك، حين يخطئون، أن البشر إخوة، وأنهم يخطئون عن جهل وليس عن ~~عمد، وأن الموت لا يلبث أن يطويك ويطويهم. والأهم، أن المخطئ لم يضرك، ولم يجعل ~~عقلك الموجه في وضع أسوأ مما كان عليه من قبل» (7-22). «إذا استطعت فبين لهم ~~الطريق الأقوم، وإذا لم تستطع فتذكر أنه لذلك السبب قد أوتيت ملكة السماحة» ~~(9-11). ~~(4) نهر التغير # أخذ ماركوس عن هيراقليطس فكرة التغير الدائم لكل شيء؛ فالوجود تغير وصيرورة، ~~ولا شيء يثبت على حاله اللهم إلا التغير نفسه! يقول هيرقليطس: «إنك لا يمكن أن ~~تنزل النهر نفسه مرتين؛ لأن مياها جديدة تتدفق # 2 # عليك بلا انقطاع.» ويقول ماركوس إن «التغير هو أسلوب الطبيعة في ~~عملها» (8-6). «تنشغل طبيعة العالم بهذا العمل؛ أن تحول الواقع إلى آخر، أن ~~تغير الأشياء، أن تأخذها من هنا وتضعها هناك. كل الأشياء تغير» (8-6). ~~فالتغير ليس «صفة» للأشياء بل «أسلوب وجود». «الزمن أشبه بنهر من الأحداث ~~الجارية وتيار عنيف؛ فما يكاد شيء يظهر للعين حتى ينجرف بعيدا (إلى الماضي) ويحل ~~غيره محله، فما يلبث أن ينجرف بدوره» (4-43). «تأمل دائما كل ما يأتي به ~~التغير، ورض نفسك على فكرة أن طبيعة «الكل» لا تولع بشيء قدر ولوعها بتغيير كل ~~شكل من الوجود إلى شكل آخر، شبيه ولكن جديد ...» (4-36). «فنظام الأشياء تحفظه ~~التغيرات التي تعتور العناصر مثلما تحفظه التغيرات التي تعتور الأشياء ~~المكونة من هذه العناصر» (2-3). «هل يخشى أحد من التغير؟ حسن، فأي شيء يمكن أن ~~يحدث من دون تغير؟ أو أي شيء أعز على طبيعة «الكل» وأقرب ms150 إليها من التغير؟ هل ~~بوسعك أنت نفسك أن تغتسل إذا لم ينل التغير خشب الموقد؟ هل بوسعك أن تأكل دون أن ~~يتغير ما تأكله؟ هل يمكن أن يتحقق أي شيء نافع في الحياة بدون تغير؟ ألست ترى، إذن، ~~أن التغير بالنسبة لك هو الشيء نفسه، وأنه ضروري بنفس الدرجة لطبيعة الكل؟» (7-18). ~~والتغير يحفظ نظام الأشياء ويبقي العالم صبيا على الدوام: «... وطبيعة العالم، التي ~~من خلال التغيير الدائم لأجزائها المكونة تبقي العالم كله صبيا وعفيا» ~~(12-23). «بعض الأشياء تحث الخطو إلى الوجود، وبعضها يحث الخطو للخروج منه، وبعضها ~~يولد هالكا من الأصل. التغير يجدد العالم على الدوام، كما يجدد المسير الدائب ~~للزمن أمد العصور إلى الأبد. في هذا التيار المتدفق، حيث لا ثبات لقدم، ماذا يمكن ~~للمرء أن يجل من كل ما يتدافع أمامه؟ لكأنه ما يكاد يولع بعصفور يطير أمامه حتى ~~يكون قد اختفى عن بصره ...» (6-15). ~~(5) أهمية دراسة الطبيعيات # لم يكن ماركوس أوريليوس شغوفا بالمنطق والطبيعيات، غير أنه أوصى بدراستهما ~~بالنظر إلى الصلة الوثيقة بين الإنسان والكون (بين الميكروكوزم والماكروكوزم). «من ~~لا يعرف ما هو العالم لا يعرف أين هو، ومن لا يعرف لأي غاية وجد العالم لا يعرف من ~~هو ولا ما هو العالم، ومن يجهل أي شيء من هذه لا يمكنه حتى أن يقول لماذا وجد هو ~~ذاته، ما رأيك إذن في ذلك الرجل الذي يتجنب أو يطلب المديح من أناس لا يعرفون أين ~~هم ومن هم؟» (8-52). «ضع نصب عينيك دائما هذه الأشياء؛ ما هي طبيعة «الكل»؟ ما ~~هي طبيعتي الخاصة؟ ما علاقة هذه الطبيعة بتلك؟ أي صنف من الجزء لأي صنف من الكل؟ ~~وأن ليس بإمكان أحد أن يحول بينك وبين أن تقول ما تقول وتعمل ما تعمل وفقا لتلك ~~الطبيعة التي أنت جزء منها» (2-9). «لا شيء يؤدي بك إلى سمو العقل مثل قدرتك على ~~أن تعرض كل عنصر من عناصر خبرتك في الحياة على الفحص المنهجي والصادق، وقدرتك على ~~أن تنظر إلى ms151 الأشياء دائما بحيث يمكنك في الوقت نفسه أن تتأمل أي صنف من العوالم ~~هذا وأي دور يسهم به هذا الشيء أو ذاك في هذا العالم، وأي قيمة يتحلى بها كل ~~شيء بالنسبة إلى «الكل» وبالنسبة إلى الإنسان الذي هو مواطن هذه المدينة العليا ~~التي تعد سائر المدن مجرد عائلات فيها» (3-11). ~~(6) الكوزموس # ذهب ماركوس إلى أن العالم كله ليس إلا كائنا واحدا حيا مترابط الأعضاء متواشج ~~الأجزاء. وأن ما يحدث في الجزء يؤثر في الكل والعكس بالعكس، وأن الله والطبيعة ~~شيء واحد (وحدة الوجود/البانتزم). «انظر دائما إلى العالم على أنه كائن حي واحد، ~~يتكون من مادة واحدة وروح واحدة، انظر كيف يذوب الكل في هذا الوعي الواحد، كيف ~~تخضع كل أفعاله لنزوع واحد، كيف تتعاون الأشياء جميعا في كل ما يحدث، انظر أيضا ~~الغزل الدائم لخيط الشبكة ونسيجها» (4-40). «ثمة ضوء واحد للشمس وإن تشتت ~~على الجدران والجبال وما لا يحصى من الأشياء، ثمة مادة عامة واحدة وإن ~~تكسرت إلى ما لا يحصى من الأجسام لكل منها صورته وخصائصه، ثمة روح حيوانية ~~واحدة وإن توزعت بين ما لا يحصى من الأنواع والأفراد، وروح عاقلة واحدة وإن ~~بدت مقسمة» (12-30). «جميع الأشياء متواشجة متشابكة، يربطها معا رباط مقدس. لا ~~شيء غريب عن الأشياء الأخرى فجميعها قد رتبت معا لكي تتعاون على تحقيق ~~«النظام» الواحد للعالم؛ ذلك أن «العالم» المؤلف من جميع الأشياء واحد، والإله ~~المنبث في كل الأشياء واحد، والمادة واحدة، والقانون واحد، والعقل الشائع في جميع ~~الموجودات العاقلة واحد، والحقيقة واحدة؛ لأن الحقيقة هي كمال الموجودات العاقلة ~~المشاركة في عقل واحد» (7-9). «تأمل مليا ترابط الأشياء جميعا في العالم ~~وقرابتها، جميع الأشياء، بطريقة ما، متواشجة، ولديها من ثم مشاعر ود بعضها ~~تجاه بعض؛ فالشيء يتلو الشيء في نظام منضبط، من خلال توتر الحركة والروح الشاملة ~~التي تلهمها ووحدة الوجود كله» (6-38). «جميع الأشياء، رغم انفصالها وتمايزها، ~~يتخلل بعضها بعضا ويستجيب بعضها لبعض» (4-27). «في سلاسل الأشياء فإن اللاحق يكون ~~دائما ms152 مرتبطا بما سبقه، لا مجرد إحصاء بسيط لأشياء منفصلة ومجرد تعاقب ضروري، ~~بل ارتباط عقلي. ومثلما أن الأشياء الموجودة مترابطة بينها بانسجام، كذلك عمليات ~~الصيرورة لا تعرض مجرد تتابع، بل انسجاما صميما مدهشا» (4-45). # ويذهب الرواقيون إلى أن جوهر العالم هو العقل الكلي أو «اللوجوس»، وأن هذا ~~العقل مبثوث في كل شيء وفي كل مكان، يقول ماركوس: «لا تعد تتنفس فقط من الهواء ~~المحيط، بل خذ فكرك أيضا من العقل الذي يضم الأشياء جميعا؛ فالقوة العاقلة ~~منتشرة، كالهواء، في كل مكان ومتخللة في كل شيء، طوع من يشاء أن يتشربها، تماما ~~كالهواء لمن يستطيع أن يتنفسه» (8-54). # الاقتصاد الكوني ~~: يرى ماركوس أن كل جزء من ~~أجزاء الطبيعة ضروري لها ومنسجم مع «الكل» ومتمم له ... حتى مخلفات الطبيعة ~~ونفاياتها هي أشياء مقبولة ومعقولة في السياق الكلي، تعاد دورته داخل الكل المكتفي ~~بذاته: «... ولا تسأل لماذا جعلت مثل هذه الأشياء في العالم؛ فهذا سؤال مضحك عند ~~دارس الطبيعة، مثلما يضحك عليك النجار أو الإسكاف إذا رآك تستاء لمنظر قشارة أو ~~قصاصات، متخلفة عن عملهما، على أرض الورشة. على أن لدى هذين مكانا ما لإلقاء ~~مخلفاتهما، أما طبيعة «الكل» فلا شيء لديها خارج ذاتها. والعجيب في فنها أنها حددت ~~حدودها، وكل ما يفسد داخلها أو يشيخ أو ينتهي استعماله فإنها تعيد دورته داخلها ~~وتخلق أشياء جديدة أخرى من هذه المادة نفسها، بحيث لا تحتاج إلى مادة من الخارج ~~ولا إلى مكان تلقي فيه نفاياتها، إنها تامة إذن ومكتفية بمكانها، ومادتها، ~~وفنها» (8-50). «كل الأشياء تأتي من هناك ... من ذلك العقل الكلي الحاكم، إما مباشرة ~~وإما كنتيجة؛ لذا حتى فكا الأسد المفتوحان، وحتى السم، وكل مؤذ من الأشياء، ~~كالشوك، كالطين، هي نواتج بعدية للنبيل والجميل. فلا تحسبنها غريبة عما تقدسه، ~~بل تأمل، وأنصف، ينبوع الأشياء جميعا» (6-36). «وحتى النواتج العرضية لما ~~يتم وفقا للطبيعة لا يخلو من فتنة وجاذبية. حين يخبز رغيف، على سبيل المثال، فلا ~~بد من أن تحدث تشققات هنا وهناك ضد ms153 ما يقصده الخباز. على أن هذه التشققات غير ~~المتعمدة تجذب العين بطريقة ما وتثير الشهية. التين أيضا يتفلق عند تمام نضجه. ~~وفي حالة الزيتون الذي ينضج على شجرته فإن قرب التحلل يمنح ثمرته رونقا معينا. ~~كذلك سنابل القمح المنحنية إلى الأرض، وجفن الأسد المغضن، والزبد المتدفق من فم ~~الخنزير، وغير ذلك كثير، كل أولئك أشياء بعيدة عن الجمال حين تؤخذ على حدة، ولكن ~~ترتبها على عمليات الطبيعة يضفي عليها جمالا وجاذبية؛ ومن ثم فأي إنسان لديه ~~شعور واستبصار عميق بتشغيلات «الكل» سوف يجد لذة ما في كل جانب منها تقريبا، ~~بما في ذلك النواتج العرضية» (3-2). لكل شيء في الطبيعة، إذن، دوره في حبكة ~~«الكل»، ولكل شخص وظيفته حتى النائم وحتى المخرب: «حتى النائمون هم عمال ~~مشاركون في صنع ما يحدث في العالم، لكل واحد عمله المقيض له، وهناك وظيفة حتى ~~للمناوئ الذي يريد أن يفسد الإنتاج، فالعالم بحاجة إليه أيضا» (6-42). «تستخدم ~~الطبيعة مادة العالم مثلما يستخدم الشمع؛ فتارة تخلق منه كهيئة حصان، ثم تصهره ~~وتستخدم مادته لخلق شجرة، ثم إنسان، ثم شيء آخر. كل شيء من الأشياء لا يدوم إلا ~~قليلا. ليس صعبا على الوعاء أن ينحطم، مثلما لم يكن صعبا عليه أن يستوي من ~~قبل وعاء» (7-23). «ستخلق أشياء أخرى من هذه المادة، ثم أشياء أخرى من هذه، ~~وهكذا بحيث يبقى العالم صبيا على الدوام» (7-25). # يفضي الاعتقاد بالكوزموس (الكون الواحد المنظم) إلى الإيمان بالعناية ورفض ~~نظرية التقاء الذرات بالمصادفة التي تقول بها الأبيقورية. لقد كانت الأبيقورية في ~~زمن ماركوس هي الفلسفة المنافسة للرواقية في الاستحواذ على قلوب الشبيبة ~~الرومانية؛ ومن ثم فهو كثيرا ما يضع طبيعياتها (الذرات) كمقابل للطبيعيات ~~الرواقية (الكون المنظم/العناية)، ويفرض على نفسه الاختيار: «... أم تراك ساخطا ~~على ما قسم لك من نصيب في الكل؟ إذن فاذكر أنك مضطر إلى أن تختار؛ فإما ~~عناية مدبرة وإما ذرات عمياء تلتقي كيفما اتفق وتفترق» (4-3). على أنه في ~~بعض الفقرات يخلص إلى نتائج أخلاقية واحدة من ms154 المقدمات الرواقية والأبيقورية ~~على السواء، فيستهل القياس بعبارة: «سواء كان الأمر ذرات أو عناية.» ومن ثم ~~فإنه يتيح ل «اللاأدري» # agnosticist # في مجال ~~الطبيعيات أن يكون «رواقيا» # stoicist # في مجال ~~الأخلاق: «الكون لا يخرج عن حالين اثنين: فإما فوضى واضطراب وتشتت (إلى ~~ذرات)، وإما أنه وحدة ونظام وعناية. فإذا صح الافتراض الأول فلماذا أرغب في ~~المكوث في عالم مركب عشوائيا ويعاني من مثل هذا الاختلاط؟ ولماذا أعني ~~نفسي بشيء آخر غير تحول التراب إلى تراب؟ وفيم يخالج نفسي اضطراب؟ فالتناثر ~~سوف يصيبني إذن مهما فعلت. وإذا صح الافتراض الثاني أقدم إجلالي، واقفا ثابتا ~~لا أتزعزع، متوكلا على من بيده تصريف كل الأمور» (6-10). ~~(7) الأشياء اللافارقة # Indifferentia # قلنا إن الرواقيين يذهبون إلى أن الخير الوحيد هو في الفعل العقلاني الفاضل، ~~والشر هو في السلوك الأرذل المنافي للعقل. أما الأشياء الخارجية التي درج الناس ~~على اعتبارها خيرات وشرورا، كالمال والجاه والصحة والمرض والحياة والموت والشهرة ~~والخمول واللذة والألم ... إلخ، فهي أشياء «سواسية» أو «غير فارقة» # Indifferentia ~~، أي لا يمكنها بذاتها أن ~~تؤثر في العقل الموجه أو الحالة الداخلية للإنسان، وبالتالي فإنها ليست في ~~ذاتها خيرا ولا شرا. «... الموت والحياة، النباهة والخمول، الألم واللذة، الغنى ~~والفقر ... ليست هذه الأشياء في ذاتها حسنة ولا سيئة؛ وبالتالي ليست في ذاتها خيرا ~~ولا شرا» (2-11). «تجمل بالبساطة والتواضع وعدم الاكتراث بما ليس خيرا ولا ~~شرا» (7-31). «عش الحياة على أفضل نحو ممكن، بوسع الروح أن تفعل ذلك إذا ~~كانت غير مكترثة بالأشياء غير الفارقة. وستكون غير مكترثة بهذه الأشياء إذا نظرت ~~إليها ككل وإلى كل منها على حدة، وتذكرت أن لا شيء من هذه الأشياء يصدر ~~حكما عن نفسه أو يفرض نفسه علينا» (11-16). # إن إسباغ قيمة على هذه الأشياء اللافارقة ليس مجرد خطأ في الحكم، بل إن له ~~نتائج عملية وبيلة. «إذا كنت تعدها خيرا أو شرا تلك الأشياء الخارجة عن ~~سيطرتك فسوف يترتب على ذلك بالضرورة أن تتذمر على الآلهة وتبغض البشر كلما أصابك ms155 ~~هذا الشر أو كلما فقدت ذلك الخير ... إننا لنرتكب ظلما عظيما باكتراثنا بهذه ~~الأشياء واعتبارها «فارقة». أما إذا قصرنا صفة الخير والشر على ما يقع في نطاق ~~قدرتنا فلن يعود ثمة مبرر لاتهام إله أو لاتخاذ موقف عدائي من إنسان» ~~(6-41). «القيمة الحقيقية هي أن تفعل أو تحجم وفقا لفطرتك الحقة ... وإذا أنت ~~قبضت على هذه القيمة فلن تصبو إلى اكتساب أي شيء آخر، ولن تعلي من شأن كثير من ~~الأشياء الأخرى إلى جانبها. وإلا فلن تكون حرا أو مكتفيا بذاتك أو خاليك من ~~الانفعال، وستضطر إلى الجسد والغيرة والتوجس مما لديهم القدرة على أن يسلبوك ~~هذه الأشياء، والتآمر على من يملكون ما تراه ثمينا. وباختصار، فكل من يشعر بالحاجة ~~إلى أي شيء من هذه الأشياء يكون بالضرورة منغص العيش، بل سيدفعه ذلك في أحيان ~~كثيرة إلى أن يتذمر على الآلهة» (6-16). ~~(8) السعي إلى الأشياء «بتحفظ» # من هنا ينبغي السعي إلى الأشياء المفضلة (المفضلات # preferables ~~)؛ أي الأشياء اللافارقة الملائمة للإنسان بادي ~~الرأي، بتحفظ، ومن غير لهفة زائدة؛ حتى لا نجعل صدمة الإخفاق تنال من سعادتنا ~~وهنائنا، فلتسع إلى ما يناسبك «ولكن احرص ألا تدع التنعم به يجعل منك مدمنا ~~له معتمدا عليه، كيلا تبتئس إذا ما فقدته يوما ما» (7-27). «... وتذكر أن ~~محاولتك كانت بتحفظ. إنك لم ترد أن تعمل المستحيل، ماذا تريد إذن؟ جهدا ما ~~مقيدا بشرط. ولقد حققت هذا» (6-50). «بلا زهو تقبل الرخاء إذا أتى، وكن ~~مستعدا لفقدانه إذا ذهب» (8-33). ~~(9) التعامل مع العقبات # ترتبط فكرة التحفظ في السعي إلى الأهداف بفكرة أخرى تتصل بالتعامل مع المصاعب. ~~فإذا كان الخير هو السلوك العقلاني الفاضل، فماذا لو صادفتنا العوائق واعترضت ~~سبيلنا العقبات؟ يجيب ماركوس ببساطة: لا شيء، ستكون تلك فرصة أخرى لممارسة ~~الفضيلة: «... إن العقل لديه القدرة، بطبيعته وبإرادته، على أن يمضي خلال كل عقبة. في ~~جميع الكائنات العضوية الأخرى فإن أي أذى يلحق بأي منها يجعله أسوأ في ذاته، ~~أما في حالة البشر فإن الشخص في الحقيقة ms156 يصبح أفضل وأجدر بالثناء إذا استخدم ~~الظروف التي تصادفه استخداما صحيحا» (10-33). «فإذا اعترض أحد سبيلك بالقوة ~~فتذرع بالهدوء، وحول العائق إلى تمرس بصنف آخر من الفضيلة» (6-50). «هل ~~اعترضك عائق في سعيك إلى شيء ما؟ إذا كان سعيك حقا غير مشروط فسيكون هذا ~~العائق بالتأكيد مؤذيا لك ككائن عاقل. أما إذا قبلت المسار المعتاد للأشياء ~~فليس ثمة من أذى بعد ولا عائق، أترى ... لا أحد سواك سوف يعوق الوظائف القويمة ~~للعقل؛ فلا الناس ولا الحديد ولا الطغيان ولا السب يمكن أن يمس العقل؛ فمنذ أصبح ~~العقل دائرة مكتملة فإنه ما يزال في وحدته دائرة مكتملة» (8-41). «تلك القوة ~~الحاكمة بداخلنا، حيثما كانت في توافق مع الطبيعة، تتخذ موقفا مرنا من الظروف، ~~وتكيف نفسها دائما بسهولة ويسر مع ما يعرض لها من أحداث؛ فهي لا تتطلب ~~مادة معينة لعملها، بل تتجه إلى غرضها بأسلوب تكيفي فتحول أي عقبة في طريقها ~~إلى مادة لاستعمالها. إنها أشبه بنار تسيطر على أي شيء يسقط في جوفها. قد تنطفئ ~~الجذوة النحيلة إثر ذلك، أما النار المضطرمة فتتملك المادة التي تركم ~~عليها، وتلتهمها وتنزو فوقها بفضل هذه المادة نفسها» (4-1). «قد تعيقني هذه ~~الأشياء عن بعض نشاطي، نعم ولكنها لا تشكل عوائق أمام وجداناتي ونوازعي، من حيث ~~إن بها يقبع الالتزام المشروط وقوة التكيف. إن العقل ليتكيف ويدور حول أي عائق ~~للفعل لكي يخدم هدفه؛ فيحول ما هو عائق عن عمل معين إلى معين على ذلك ~~العمل، ويحول العقبة في طريق ما إلى تقدم على تلك الطريق» (5-2). «إذن حيثما ~~وقف عائق في طريقك فتقبل العائق كما هو وحول جهدك بحكمة لمواجهة الظرف القائم، ~~وسرعان ما سوف يحل فعل جديد محل السابق متلائما مع هذا الوضع الجديد الذي نتحدث ~~عنه» (8-32). ليس في هذه المداورة العقلية أي حيود أو زيغ عن طريق العقل: «يتحرك ~~السهم بطريقة، ويتحرك العقل بطريقة أخرى، ومع ذلك فإن العقل، حتى عندما يمارس ~~الحيطة أو يدور حول بحث معين، إنما يتحرك ms157 بنفس الاستقامة، ويمضي قدما في طريقه» ~~(8-60). ~~(10) منعة العقل # ذلك أن العقل من نفسه في حصن حصين، إنه بمعزل وبمنجاة من الأشياء الخارجية، ~~«وما إن يسل نفسه ويكتشف قواه حتى ينفصل بذاته عن تقلبات الجسد» (4-3). وليس ~~للأشياء الخارجية أي سلطان على العقل؛ إنها «هناك» ... خاملة محايدة لا تملك للعقل ~~ضرا ولا رشدا. يقول ماركوس: «لا يمكن للأشياء ذاتها أن تمس النفس أقل مساس. ~~ليس لدى الأشياء مدخل إلى النفس وليس بمكنتها أن تدير النفس أو تحركها. إنما ~~النفس تدير ذاتها وتحرك ذاتها، وتقيم لنفسها ما تراه ملائما من الأحكام على ما ~~يعرض لها من أشياء» (5-19). «لا تفرض الأشياء الخارجية، التي تطلبها أو ~~تتجنبها، نفسها عليك فرضا، إنما أنت، بمعنى ما، من يخرج إليها. فليهدأ حكمك ~~عليها وسوف تهدأ هي بدورها، ولن تراك تسعى إليها بعد ولا تتجنبها» (11-11). ~~«الأشياء واقفة خارجنا، قائمة بذاتها، لا تعرف شيئا عن نفسها ولا تدلي بشيء، ما ~~الذي يدلي إذن؟ عقلنا الموجه» (9-15). «ينبغي أن يبقى الجزء الموجه والحاكم ~~من نفسك محصنا من أي مجرى يجري في الجسد» (5-29). «... فمن الخصائص التي ينفرد ~~بها العقل أنه يعزل نفسه ولا يتأثر بنشاط الحواس أو نشاط الرغبات؛ فهذان النشاطان ~~حيوانيان، بينما غاية النشاط العقلي أن يتسيد عليهما ولا يسلم قياده لهما؛ لأن ~~طبيعته ذاتها هي أن يضع كل هذه الأشياء تحت ~~إمرته» (7-55). «العقل الموجه هو ذلك الذي ~~يوقظ نفسه، ويضفي على نفسه الطبيعة التي يريدها، ويجعل كل ما يحدث له يبدو على ~~النحو الذي يريده» (6-8). وإذا كان الجسد يعاني أو يتألم فذاك شأنه، أما الروح ~~فبمقدورها «أن تحتفظ بصفاتها وسكينتها وألا تقيم الألم على أنه شر؛ لأن كل رأي ~~وحركة ورغبة ونفور هو في الداخل؛ حيث لا شر يمكن أن يبلغ إليه» (8-28). «العقل ~~الموجه لا يكرث نفسه؛ فلا هو يروعها ولا هو يسوقها إلى الرغبة، فليروعها ~~ما شاء أو يؤلمها فإنه بذاته وبحكمه الخاص لم يعمد إلى الالتفات إلى مثل هذه ~~الحالات. ms158 فليحرص الجسد على تجنب الألم ما وسعه ذلك، ولتقل النفس الحاسة إني ~~أخاف أو أتألم. أما العقل الذي يضع التقييم العام لكل هذه الأشياء فلن يعاني على ~~الإطلاق؛ لن يندفع بنفسه إلى أي من هذه الأحكام؛ فالعقل الموجه بحد ذاته ليس ~~به حاجة ما لم يخلق الحاجة بنفسه؛ ومن ثم فهو لا يضر ولا يعاق ما لم يضر ~~نفسه أو يعق نفسه» (7-16). «وحتى إذا جرفك الطوفان فليأخذ جسدك البائس ونفسك ~~الضئيل وكل شيء آخر، أما العقل فلن يأخذه» (12-13). «... والعقل بترفعه بنفسه ~~يحتفظ بسكينته، العقل الموجه لا يعوقه الألم، وللأجزاء المتأثرة بالألم أن ترى ~~فيه ما تراه» (7-33). ~~(11) الضرر لا يكون إلا ذاتيا # يترتب على ما سبق أن ليس ثمة من أذى حقيقي يمكن أن يصيب الإنسان إلا ما ~~يجره العقل على نفسه، وذلك حين يخطئ في أحكامه، ليس ثمة أذى إلا الأذى ~~الذاتي. «هل أساء إليك أحد؟ إنما إلى نفسه أساء» (4-26). «لا أذى لك يقبع في عقل ~~غيرك، ولا حتى في أي تبدل أو تغير لعطائك الجسدي. أين إذن يقبع الأذى؟ في ذلك ~~الجزء منك الذي يضطلع بتكوين الأحكام عن الأذى. كف عن الحكم بأن بك أذى تكن قد ~~سلمت منه. ولو أن أقرب شيء منه، وهو جسدك، تعرض لسكين أو كي، أو ترك ليتقيح ~~أو يموت؛ فإن الملكة التي تحكم هذه الأحكام ينبغي أن تظل هادئة ...» (4-39). «إنما ~~تؤذي النفس نفسها عندما تصبح كيانا منفصلا أشبه بورم على جسد العالم؛ ~~فالسخط على أي شيء تجري به الأقدار هو تمرد انفصالي عن الطبيعة ... وحين تنأى ~~بجانبها عن كائن إنساني آخر أو حين يلج بها الخصام فتعمد إلى إيذائه. تلك هي ~~حال الأنفس التي استبد بها الغضب، وحين تستسلم للذة أو للألم، وحين تتكلف وترائي ~~وتفعل أو تقول غير الصدق وغير الحق، وحين تفقد الهدف وتخبط خبط عشواء، فالفعل ~~مهما صغر ينبغي أن يؤدى لغاية ويرمي إلى هدف. وغاية الكائنات العاقلة هي أن ~~تتبع العقل وتلتزم قانون أقدم ms159 دولة وحكومة؛ العالم» (2-16). ~~(12) الاستقلال عن إرادة الآخرين # يؤذي الإنسان نفسه حين يجعل سعادته معلقة على آراء الآخرين فيه وحديثهم عنه، ثم ~~يريد أن يحصل عليها تسولا واستجداء! «إنه شحاذ إذا اعتمد على الآخرين ولم ~~يذخر في نفسه كل ما يحتاج إليه في الحياة» (4-49). «السعادة تتعلق على تقدير الذات ~~لذاتها، وما زلت تحرمها من ذلك وتعلق سعادتك على الآخرين؛ ذواتهم وآرائهم ~~وتقديراتهم» (2-6). «ما جدوى المديح؟ لكأني بك ترفض هبة الطبيعة التي أودعتك ~~إياها، والتي لا تعتمد على أقوال الآخرين، وتتشبث بشيء آخر» (4-19). «كل ما هو ~~جميل على أي نحو من الأنحاء إنما هو جميل «في ذاته»، يذخر جماله في لبه وصميمه ~~وليس المديح جزءا منه؛ فالمديح لا يجعل الشيء أفضل مما هو ولا أسوأ» (4-20). «لا ~~تتلفت حولك لكي تنقب في عقول الآخرين، بل انظر أمامك، إلى ما تقودك إليه ~~الطبيعة ...» (7-55). «ما أهنأ باله ذلك الذي لا يتطلع إلى ما يقوله جيرانه وما ~~يفعلون وما يفكرون، بل ينصرف إلى أفعاله هو ليجعلها عادلة موقرة مشربة ~~بالخير» (4-18). «كيف تفهم خيرك الخاص؟ عاشق الشهرة يجعل خيره في استجابات غيره، ~~وعاشق اللذة يجعل خيره في خبرته السلبية. أما الحكيم فيرى خيره هو أفعاله ذاتها» ~~(6-51). ~~(13) تقبل قدرك # كل ما يصيب الإنسان هو مقدر له منذ الأزل، وملائم له لأنه ملائم لطبيعة ~~العالم، وخير له لأنه خير ل «الكل»، وعلى المرء أن يرضى بنصيبه ويتقبل قدره؛ ~~لأنه خير له من جهة، ولأنه لا مفر منه من جهة أخرى. «هل ألم بك شيء؟ حسن، ~~كل ما ألم بك كان مقدرا لك من «الكل » منذ البداية ومنسوجا من أجلك» (4-26). ~~«لا تحب إلا ما ألم بك ونسج لك من خيط مصيرك، فأي شيء أنسب لك من هذا؟» ~~(7-75). # يقول سينيكا: «القدر يحدو العقلاء ويجرجر الحمقى.» ويقول ماركوس: «أسلم ~~نفسك طواعية إلى «كلوثو»، إحدى إلهات القدر، ودعها تغزل خيطك على أي شكل ~~شاءت» (4-34). «ما أشبه الإنسان المتبرم بكل شيء والساخط على ms160 كل شيء بخنزير ~~الأضحية يرفص ويصرخ. كهذا الخنزير أيضا ذلك الإنسان الذي يندب، صامتا، في ~~مخدعه كل القيود التي تربطنا بها. وحده الإنسان العاقل من ألهم أن يختار ~~الاستسلام طوعا لما يحدث. على أن الاستسلام المحض ضرورة مفروضة علينا جميعا» ~~(10-28). «مثلما نقول جميعا إن الطبيب قد «وصف» لهذا ركوب الخيل، ولهذا حمامات ~~باردة، ولهذا المشي حافي القدمين؛ فإن لنا أن نقول بنفس المعنى إن طبيعة «الكل» ~~قد «وصفت» لهذا المرء المرض أو العجز أو أي شيء آخر من هذه البلايا. في الحالة ~~الأولى تعني كلمة «وصف» شيئا من هذا القبيل؛ أن الطبيب قد أوصى بهذا الإجراء لهذا ~~الشخص لكي يجلب له الصحة. وفي الحالة الثانية تعني أن ما يقع لكل شخص هو مدبر ~~بطريقة ما لكي يفضي إلى مصيره. ونحن نتحدث عن ملاءمة هذه الأحداث مثلما يتحدث ~~البناءون عن ملاءمة قوالب الحجر في الجدران أو الأهرامات عندما يتراص بعضها ~~مع بعض في وضع معين؛ ذلك أنه في كلية الأشياء ثمة توافق واحد، ومثلما ~~تتحد الأجسام المادية جميعا لتجعل العالم جسما واحدا، كلا منسجما، كذلك تتحد ~~الأسباب جميعا لكي تجعل القدر سببا منسجما واحدا. ذلك شيء يفهمه حتى أقل ~~الناس علما؛ فهم يقولون «القدر أحدث له هذا.» فإن كان القدر «أحدث» فقد «وصف» ~~أيضا. ولنقبل هذه الوصفات مثلما نقبل وصفات الطبيب؛ فكثيرا ما تكون قاسية ~~ولكننا نقبلها التماسا للشفاء» (5-8). ~~(14) المبادئ الرواقية جاهزة للاستعمال # حين يتم تدريب الحكيم الرواقي تغدو العقلانية فيه اعتيادا ذهنيا وتغدو ~~الفضائل طبيعة ثانية، وتصبح مبادؤه العقلية ملازمة له لا تفارقه؛ لأنها جزء ~~منه، «في تطبيقك لمبادئك كن كالملاكم لا المبارز أو المجالد # gladiator ~~: فالمجالد مرتهن لسيفه الذي ~~يستخدمه، يرفعه أو يسقط عنه ويقتل، أما الملاكم فلديه دائما يده، وليس عليه ~~إلا أن يستخدمها» (12-9). «تماما مثلما أن الأطباء دائما جاهزون بأدواتهم ~~ومباضعهم لعلاج أي حالة طوارئ، ينبغي أن تكون مبادؤك العقلية جاهزة لفهم الأمور ~~الإلهية والإنسانية، وأداء كل فعل، مهما كان ضئيلا، بوعي بالرابطة التي ms161 تربط ~~الإلهي بالإنساني؛ فلن يتسنى لك أن تجيد أي عمل يتعلق بالإنسان دون أن يكون لديك ~~أيضا مرجعية إلى الأمور الإلهية، والعكس بالعكس» (3-13). إن الحكمة تطبيق وممارسة ~~واعتياد بقدر ما هي تنظير وتحصيل وتأمل، وإن النفس ل «تصطبغ بالأفكار» حتى ~~تصبح فيها سليقة وخليقة وماهية. ~~(15) فعل الخير ثواب ذاته # كذلك الخير حين يصبح في الإنسان طبيعة وسجية فإنه يأتيه عفوا من غير تكلف ~~ولا جهد. إنه لينضح بالخير مثلما ينضح الإناء بما فيه، أو مثلما يؤدي الكائن ~~وظيفته الطبيعة لا يفتعلها ولا يكاد يعيها. «من الناس من إذا أسدى جميلا إلى شخص ~~سارع بتسجيله في حسابه كدين مستحق. ومنهم من لا يسارع بذلك غير أنه يضمر في ~~نفسه أن هذا الشخص مدين له، ويعي جيدا بما فعله. ~~وهناك صنف ثالث هو بمعنى ما لا يعي ما أتاه ولا ~~يحشد له ذهنه، وإنما هو كالكرمة التي أهدت عناقيدها ولا ترتقب أي مقابل. الفرس ~~وقد أتم السباق، والكلب وقد طارد، والنحلة وقد أفرغت عسلها، والإنسان الذي أسدى ~~معروفا؛ لا يلحظ أي من هؤلاء ما صنع ولا يلتمس عليه شهودا، بل يمضي إلى فعل ~~جديد كما تمضي الكرمة لتقدم عناقيد جديدة في الموسم الجديد. فلتكن واحدا من ~~هؤلاء الذين يجترحون الخيرات دون أن يلاحظوها» (5-6). # إن الرحمة غاية في ذاتها وفعل الخير ثواب ذاته، يقول المعري في ذلك: # ولتفعل النفس الجميل لأنه # خير وأفضل لا لأجل ثوابها # ويقول ابن الرومي: # ليس الكريم الذي يعطي عطيته # على الثواب وإن أغلى به الثمنا # إن الكريم الذي يعطي عطيته # لغير شيء سوى استحسانه الحسنا # وإن الحكيم، بحسه الاجتماعي وبتوحده برفاقه البشر، إنما يؤتي الخير إنصافا ~~لذاته وبرا بنفسه قبل أي شيء آخر! «وإلا فأنت بعد لا تحب رفاقك البشر من ~~قلبك، وفعلك الخير لا يبهجك كغاية في ذاته ... ما زلت تفعل البر بوصفه أدبا ~~وواجبا وليس بوصفه برا بنفسك» (7-13). «ما دمت فعلت خيرا وتلقاه آخر، ~~فما لك ما تزال تترقب، كالأبله، شيئا ثالثا إلى ms162 جانب هذين؛ أن تنال صيتا بفعل ~~الخير، أو تتلقى مقابلا؟» (7-73). «هل صنعت ~~شيئا ما من أجل الصالح العام؟ إذن فقد تلقيت أجري. لتكن هذه دائما قناعتك ولا ~~تكف أبدا عن فعل الخير» (11-4). «الخطأ خطؤك إذا كنت قد أسبغت معروفا دون ~~أن تجعل هذا المعروف غاية في ذاته، وتجعل فعلك هو ثواب ذاته الذي لا يفتقر إلى أي ~~ثواب آخر، فأي شيء آخر تريده أيها الإنسان من فعل المعروف؟ أليس بكاف أنك قد ~~فعلت شيئا متناغما مع طبيعتك ذاتها؛ أتريد الآن أن تضع ثمنا له؟! وكأن العين ~~تطلب مقابلا على الرؤية، أو القدم على المشي! فمثلما خلق هذان لغرض معين ~~ويحققان طبيعتهما القويمة بأن يعملا وفقا لفطرتهما الخاصة، كذلك الإنسان خلق ~~لكل يفعل الخير، وحيثما فعل الخير أو أسهم في الخير العام فقد فعل ما خلق له ونال ~~ما هو له» (9-42). ~~(16) انصرف إلى اللحظة الحاضرة ~~«يرقد صاحيا، يحسب المستقبل، # يحاول أن يحل خيوط الماضي والآتي، # وينشرهما ويفك ألغازهما ويضمهما معا، # بين منتصف الليل والفجر، حيث الماضي خداع كله، # والمستقبل لا مستقبل له.» # ت. س. إليوت # يذهب ماركوس إلى أن المرء لا يملك في حقيقة الأمر إلا اللحظة الحاضرة؛ لأن ما ~~عداها هو إما ماض ذهب أو مستقبل غير معلوم وغير مضمون. ينتج عن ذلك أن المرء ~~لا يمكن أن يخسر إلا هذه اللحظة التي في يده؛ لأنه لا يملك شيئا آخر حتى يخسره! ~~«حين تتكدر في أي ظرف فقد نسيت ... أن كلا منا لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة ولا ~~يفقد إلا إياها» (12-26). # يترتب على ذلك أمور كثيرة ينبغي أن نلتفت إليها؛ أولها أننا يجب ألا نسوف ~~الخير، ويجب أن ننصرف إلى اللحظة الحاضرة ولا نكدرها بأطياف مشاهد مضت، ولا ~~بهواجس أمور تأتي ولا تأتي. «انصرف إلى المسألة التي أمامك، سواء أكانت رأيا ~~أم عملا أم كلمة. إنك تستحق ما أنت فيه؛ لأنك اخترت أن تكون صالحا غدا لا أن ~~تكون صالحا اليوم» (8-22). # ويترتب على ذلك أن ms163 الشهرة والمجد وخلود الذكر أوهام لا وجود لها: «اذكر أن كلا ~~منا لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة، وما أضألها في الزمن، وأن كل ما سواها من العمر هو ~~إما ماض غير عائد وإما مستقبل غير معلوم» (3-10). # ويترتب عليه أن عبء اللحظة الحاضرة هو العبء الوحيد الذي ينبغي أن نحمله، وينبغي ~~ألا نثقله بما ليس منه: «لا تزعج نفسك بالتأمل في المشهد الكلي لحياتك، ~~لا تدع فكرك يضم في آن معا كل ما أزعجك فيما مضى وكل ما يمكن أن يزعجك فيما ~~بعد، بل اسأل نفسك في كل ظرف حاضر: «أي شيء في هذا يفوق احتمالي وينوء بي؟» ولسوف ~~تخجل من مثل هذا الإقرار. ثم ذكر نفسك أنه لا المستقبل ولا الماضي هو ما يثقل ~~عليك، بل الحاضر وحده. وكم يهون عبء الحاضر إذا أمكنك فقط أن تحدده وتضعه في ~~حجمه، وأن توبخ عقلك إذا كان يكل عن الصمود لشيء مخفف كل هذا التخفيف» ~~(8-36). ~~(17) طول الحياة غير فارق # ويترتب على ذلك أيضا أن طول الحياة غير فارق ما دمنا لا نملك إلا اللحظة ~~الضئيلة الحاضرة ولا نخسر إلا إياها: «حتى لو قدر لك أن تعيش ثلاثة آلاف عام، ~~أو عشرة أضعاف ذلك، فاذكر دائما أن لا أحد يفقد أي حياة غير تلك التي يحياها، ~~أو يحيا أي حياة غير تلك التي يفقدها. ينتج من ذلك أن أطول حياة وأقصرها سيان؛ ~~فاللحظة الحاضرة واحدة في الجميع؛ ومن ثم فإن ما ينقضي متساو أيضا. يتبين ~~إذن أن الفقدان إنما هو فقدان لحظة لا أكثر؛ ذلك أن المرء لا يمكن أن يفقد الماضي ~~ولا المستقبل؛ فكيف يمكن أن يسلب ما ليس يملك؟! تذكر إذن هذين الشيئين؛ أن ~~الأشياء جميعا هي ما هي منذ الأزل، تبدأ وتعود دواليك، وسيان أن يرى المرء نفس ~~المشهد لمائة عام أو مائتين أو ما لا نهاية من الأعوام. وأن ما يسلب من ~~المعمر هو ما يسلب من أقصر الناس عمرا؛ فليس غير اللحظة الحاضرة ما يمكن أن ms164 ~~يسلب من الإنسان. فإذا صح أن هذه اللحظة هي كل ما يملكه فمن غير الممكن أن يفقد ما ~~ليس يملك» (2-14). # ينبغي إذن أن يتخلص الإنسان من هاجس التشبث بالحياة وكأن امتداد الأجل عاما أو ~~أعواما يمكن أن يحدث أي فارق. «كما لو أن إلها أخبرك أنك ستموت غدا أو بعد غد ~~على الأكثر فلم تعلق أهمية على فرق يوم واحد ... كذلك ينبغي عليك ألا تتصور ~~فارقا يذكر بين أن تموت بعد سنين طويلة وأن تموت غدا» (4-47). «استعرض في ذهنك ~~قائمة بأولئك الذين تشبثوا بالحياة فترة طويلة، ماذا ربحوا من ذلك أكثر مما ربح ~~من مات مبكرا؟ من المؤكد أنهم يرقدون الآن جميعا في قبورهم ... انظر إلى هول ~~فجوة الماضي من ورائك وإلى اللانهاية الأخرى من أمامك. ما الفرق من هذا المنظور ~~بين رضيع عاش ثلاثة أيام ونسطور عاش ثلاثة أجيال؟» (4-50)، «كل ما تراه سوف يزول ~~سريعا، وأولئك الذين يشهدون زواله سوف يزولون هم أنفسهم. مت في أرذل العمر أو مت ~~قبل أوان موتك ... كلاهما سيان» (9-33)، «ما من نشاط يضيره أن يتوقف ما دام توقف ~~في الوقت المناسب، ولا فاعله يضيره شيئا أن هذا النشاط المعين قد توقف. وعلى ~~ذلك فإذا بلغت جملة أفعاله، التي تشكل حياته، نهايتها في الوقت المناسب فلا ~~ضير عليها من مجرد التوقف، ولا ضير على من ختم هذه السلسلة من الأفعال في ~~الوقت المناسب. أما الوقت والأجل فتحددهما الطبيعة؛ طبيعة الإنسان أحيانا كما في ~~الشيخوخة، وطبيعة العالم في كل الأحيان، والتي من خلال التغيير الدائم لأجزائها ~~المكونة تبقي العالم كله صبيا وعفيا. وكل ما ينفع العالم فهو حسن وفي ~~إبانه؛ لذا فلا بأس على الإطلاق بأن تنتهي حياة كل منا؛ فلا النهاية عيب ولا ~~اختيار ولا هي ضد الصالح العام، بل هي خير؛ إذ تقع في التوقيت الملائم ل «الكل»، ~~وتصب في صالحه، وتنسجم معه. فكذلك أيضا يمشي المرء بعون الرب إذا مضى باختياره ~~ووجهته على طريق الرب» (12-23). «فلتأخذ دورك» في ms165 الفناء ولا تنخذل، مت بحرية على ~~أقل تقدير! «حبات بخور كثيرة على نفس المذبح، إحداها تسقط أولا، الأخرى لاحقا ... ~~لا فرق» (4-15). ~~(18) لا جديد تحت الشمس # وإذا كان المشهد الحياتي واحدا منذ الأزل فماذا يجديك من تكرار رؤيته؟ يقول ~~لبيد بن ربيعة: # ولقد سئمت من الحياة وطولها # وسؤال هذا الناس كيف لبيد # ويقول ماركوس: «مثلما يحدث لك في المدرج وما شابه ذلك من الأمكنة؛ حيث ثبات ~~المنظر ورتابة المشهد يبعثان على الضجر، كذلك الحال في خبرتك بالحياة ككل؛ كل شيء، ~~هنا وهناك، هو نفس الشيء، وبنفس الأسباب، فإلى متى؟» (6-46). «انظر وراءك إلى ~~الماضي؛ إلى كل التحولات الشديدة للأسر الحاكمة، وبوسعك عندئذ أن تتنبأ أيضا ~~بما سوف يكون؛ فمن المؤكد أنه سيكون مشابها لذلك تماما وأنه لا يمكن أن يحيد عن ~~إيقاع الحاضر؛ ومن ثم فإنه سيان أن تتأمل الحياة البشرية أربعين سنة وأن ~~تتأملها عشرة آلاف من السنين؛ فأي جديد عساك تراه؟» (7-49). # يقول المعري في لزومياته: # وآخرها بأولها شبيه # وتصبح في عجائبها وتمسي # قدوم أصاغر ورحيل شيب # وهجرة منزل وحلول رمس # ويقول ماركوس أوريليوس: «تأمل مثلا عصر فيسباسيان، فسوف ترى نفس الأشياء؛ ناس ~~تتزوج، وتنجب أطفالا، ويدركها المرض، وتموت، وتقاتل، وتعيد، وتتاجر، وتفلح الأرض، ~~وتجامل، وتتدافع، وتشك وتتآمر، وتتمنى موت الآخرين، وتتذمر على نصيبها المقسوم، ~~وتقع في الحب، وتكنز المال، وتتوق إلى منصب القنصل والملك، والآن انقضت حياتهم ~~وزالت. ثم عرج على زمن تراجان، سترى أيضا نفس الأشياء، والحياة انقضت أيضا. ~~وانظر كذلك في الأزمنة الأخرى، والأمم كلها في الحقيقة، وسترى حيوات كثيرة من ~~الكدح تنتهي بسقوط سريع وتحلل إلى العناصر» (4-32). «كل ما يحدث فهو معتاد ~~ومألوف كالزهر في الربيع والفاكهة في الصيف. كذلك أيضا المرض والموت، الافتراء ~~والتآمر؛ وكل ما يسر الحمقى أو يؤلمهم» (4-44). «... وأينما تول فسوف تجد ~~الأشياء ذاتها التي يعج بها تاريخ العصور، القديمة منها والوسيطة والحديثة، ~~وتعج بها المدن والديار في يومنا هذا، لا جديد ... كل شيء مألوف ومعروف ... وزائل» ~~(7-1). ~~(19) التأهب ms166 للموت ~~«وما الموت؟ إن من يتأمل الموت في ذاته، ويعمل فيه التحليل العقلي ليجرده مما ~~يرتبط به من دلالات سوف يخلص إلى أنه لا يعدو أن يكون وظيفة طبيعية. ومن يرتاع ~~لوظيفة من وظائف الطبيعة فهو طفل غرير. ليس الموت وظيفة طبيعية فحسب بل إنه ~~أيضا لخير الطبيعة وصالحها» (2-12). # يرى ماركوس أنه لا وجه للخوف من الموت على كل الأحوال. لقد ولدت أيها الإنسان ~~وكبرت وخبرت كل ما تملكه الحياة من طرافة. «... فارحل الآن، فإذا كان لحياة أخرى ~~فلن يخلو حتى هذا الشاطئ من الآلهة، وإذا لم يكن هناك أي حياة أو حس فلن تعود تعاني ~~من الآلام واللذات، ولن تعود مستعبدا لوعاء جسدي هو سيد بالغ الدناءة بقدر ما ~~إن عبده بالغ الرفعة؛ فهذا عقل وروح، وذاك مجرد تراب ودم» (3-3)، «من يخشى ~~الموت إنما يخشى فقدان الحس أو يخشى حسا من صنف آخر. فإذا كنت سوف تفقد الحس فلن ~~تشعر أيضا بأي أذى. أما إذا كنت ستكتسب شعورا مختلفا فسوف تكون كائنا آخر ولن ~~تتوقف الحياة» (8-58). # الموت وظيفة طبيعية لا عار فيها، وفعل طبيعي ينبغي أن يؤديه المرء بإتقان كأي ~~فعل آخر! «ما دمت تؤدي واجبك فلا تعبأ بما إذا كنت باردا أو دافئا، نعسان أو ~~يقظا، يمدحك الناس أو يذمونك، وبما إذا كنت تحتضر أو تفعل شيئا آخر! فحتى هذا ... ~~فعل الاحتضار ... هو أحد أفعال الحياة. وبحسبك هنا أيضا أن تتقن ما تفعله جهد ~~ما تستطيع» (6-2). «الموت، شأنه شأن الميلاد، سر من أسرار الطبيعة: تضام، ثم ~~انحلال، للعناصر نفسها، لا عار في الأمر بكل تأكيد؛ فلا شيء فيه مناقض لطبيعة ~~الكائن العاقل أو مناقض لمبدأ تكوينه» (4-5). # وما بال الإنسان يخشى الموت وكأنه لم يجربه من قبل ويطلع على نماذج منه ~~في حياته السالفة؛ الموت تبدل مراحل، ولقد تبدلت عليك من قبل مراحل وأطوار ~~فهل كان في ذلك ما يدعو إلى الخوف؟! «انتهاء عمل، توقف نشاط أو حكم ... هذا نوع من ~~الموت، ولكن لا ms167 ضير فيه. تحول الآن إلى أطوار حياتك؛ الطفولة مثلا، ثم المراهقة، ~~الشباب، الشيخوخة. هنا أيضا كل تغير هو موت (المرحلة): هل ثمة من شيء ~~مخيف؟ وتحول الآن إلى حياتك مع جدك، ثم مع أمك، ثم مع أبيك. وحيثما وجدت ~~أمثلة أخرى عديدة للتحلل أو التغير أو الانتهاء فاسأل نفسك: «هل كان ثمة أي ~~شيء يدعو إلى الخوف؟» بالمثل، فلا شيء مخيف في انتهاء، وتوقف، وتغير حياتك ~~بأسرها» (9-21). # وللموت مباهجه أيضا! ألم يقل المعري في سقط زنده: # ضجعة الموت رقدة يستريح ال # جسم فيها والعيش مثل السهاد # وفي لزومياته: # ما أوسع الموت يستريح به ال # جسم المعنى ويخفت اللجب # ويقول ماركوس: «... فسوف يهون عندك لقاء الموت إذا نظرت إلى الأمور التي سوف ~~يعفيك منها والشخصيات التي لن تعود تنغص روحك» (9-3). «الموت انعتاق من ~~أي استجابة للحواس، ومن خيوط دمى الرغبة، ومن العقل التحليلي، ومن خدمة اللحم» ~~(6-28). «انظر أي عناء نحتمله في هذه المسافة (بين الميلاد والموت)، وأية صحبة ~~تكتنفنا فيها ومع أي صنف من الناس، وفي أي جسد واهن نقطعها بجهد جهيد» (4-50). ~~ألا يكفي أن الموت يخرجك من ضجر الرتابة والتكرار: «... كل شيء هنا وهناك هو ~~نفس الشيء وبنفس الأسباب، فإلى متى؟» (6-46). ~~«عليك إذن أن تقضي هذه الكسرة الضئيلة من الزمان في تناغم مع الطبيعة، وأن ~~تغادرها راضيا، مثلما تسقط زيتونة حين تبلغ النضج، مباركة الأرض التي ~~حملتها، وشاكرة للشجرة التي منحتها النماء» (4-48). ~~••• # تناقضات ومصاعب منطقية ~~: ثمة صعوبة ~~يجدها المرء لدى جميع الرواقيين في التوفيق بين الحتمية وحرية الإرادة. يقول ~~ماركوس «خلق البشر من أجل بعضهم البعض.» عندما يفكر في واجبه كحاكم. ويقول في ~~الصفة نفسها «الشرير لا يؤذي غيره.» عندما يفكر في المذهب القائل بأن الإرادة ~~الفاضلة هي وحدها الخير، ولم يستدل قط على أن خير الواحد من البشر لا يقدم ~~خيرا لغيره، وأن ماركوس ما كان ليؤذي أي شخص غير نفسه لو أنه كان إمبراطورا ~~سيئا كنيرون، مع أن هذه النتيجة تبدو مترتبة ms168 على مقدماته. يقول ماركوس: «من ~~الطبيعة الإنسانية أن تحب حتى من يزلون ويسقطون، يتبين ذلك إذا ما أخذت ~~باعتبارك، حين يخطئون، أن البشر إخوة، وأنهم يخطئون عن جهل وليس عن عمد، وأن الموت ~~لا يلبث أن يطويك ويطويهم. والأهم، أن المخطئ لم يضرك؛ ولم يجعل عقلك ~~الموجه في وضع أسوأ مما كان عليه من قبل.» ويقول «أحب الجنس البشري ... اتبع ~~الله ... ويكفي أن تذكر أن القانون يحكم الكل.» هذه الفقرات تكشف بجلاء شديد تلك ~~التناقضات الصميمة في الأخلاق واللاهوت الرواقيين؛ فالعالم كل واحد حتمي ~~تماما بحيث إن كل ما يحدث فإنما هو معلول لعلل سابقة. والإرادة الفردية في الوقت ~~نفسه مستقلة تمام الاستقلال، ولا يمكن أن يرغم أحد على الإثم بأسباب خارجية. ~~هذا تناقض. وهناك تناقض آخر وثيق الصلة به؛ فحيث أن الإرادة مستقلة، والإرادة ~~الخيرة هي وحدها الخير؛ فمن غير الممكن لأحد أن يلحق بغيره خيرا أو ضرا؛ ~~الإحسان إذن وهم! # 3 # أما الحصانة والمنعة اللتان يتمتع بهما العقل الرواقي (لا يضر ولا يعاق ما ~~لم يضر نفسه أو يعق نفسه ... بوسعه أن يحتفظ بسكينته وألا يقيم الألم على أنه ~~شر، وعلى الجسد المتضرر أن يرى في الأمر ما يراه). أما هذه المنعة أو الحصانة ~~العقلية فأمر يتناقض مع الوقائع الإمبيريقية؛ إن أقل اضطراب جسدي، من مثل عسر ~~الهضم، كفيل بأن يؤدي إلى عس المزاج ويؤثر على فضيلة المرء. وثمة أفانين ~~من التعذيب تؤدي إلى انهيار عزيمة أي إنسان. كذلك العقاقير، كالأفيونات أو ~~الكوكايين، يمكن أن تكسر إرادة أي إنسان وتطوعه وتفل عزيمته؛ فالإرادة ليست ~~مستقلة عن الطاغية إلا إذا كان الطاغية غير ملم بالعلوم. يبدو أن الإرادة، ~~الخيرة والشريرة، تخضع لأسباب وتتأثر بعوامل، وليست مستقلة إلى الحد الذي ~~تصوره ماركوس والرواقيون. # 4 # وثمة تناقض آخر؛ ففي حين يدعو الرواقي إلى الإحسان إلى الغير، فإنه يؤمن، ~~نظريا، بأن لا أحد يمكن أن يقدم خيرا ولا شرا لغيره، ما دامت الإرادة ~~الفاضلة هي وحدها الخير وما دامت الإرادة الخيرة مستقلة ms169 عن الأسباب الخارجية. ~~إنه تناقض شديد الوضوح فكيف أغفله الرواقيون؟ أغفلوه لأن لديهم ضربين من ~~الأخلاق؛ أخلاقا عليا تخص الرواقيين وأخلاقا دنيا تخص الطغام. عندما ~~يفكر ماركوس الرواقي عن نفسه فإنه يؤمن أن الخيرات الدنيوية غير فارقة # indifferent # والانشغال بها قد يضر المرء ~~ويجعله يتمرد على إرادة «الكل». غير أنه في الصعيد العملي حيث يدير ~~الإمبراطورية الرومانية فإنه يعرف جيدا أن هذا الفكر النظري لن يفيد. إن واجبه أن ~~يرى أن شحنات الحبوب من إفريقيا تصل إلى روما في أوانها، وأن الإجراءات تتخذ ~~لتخفيف ويلات الطاعون، وأن الأعداء البرابرة لا يجب أن يسمح لهم باختراق الحدود؛ ~~أي إنه فيما يتعلق برعاياه، الذين لا يعتبرهم فلاسفة رواقيين، يذعن للمعايير ~~الأرضية المعتادة فيما هو خير أو شر. إنه يطبق هذه المعايير الدنيا لكي ~~يؤدي واجبه كحاكم، والتناقض هنا أن هذا الواجب نفسه هو ما ينبغي على الحكيم ~~الرواقي الالتزام به، مع أنه مستنبط من منظومة أخلاقية يعدها الحكيم ~~الرواقي مغلوطة في الصميم. # 5 # | الفصل الثالث: العلاج الرواقي # مدرسة الفيلسوف عيادة طبيب. ~~(محادثات إبكتيتوس، 3: 23-30) ~~(1) الفلسفة طب العقول # يقول شي شرون: «ما لم يتم علاج الروح، وهو أمر لا يمكن بلوغه إلا بالفلسفة، فلن ~~تكون ثمة نهاية لأوصابنا.» ويقول سينيكا: «الفلسفة تشكل النفس وتشيدها، ~~وتنظم الحياة وترشد السلوك، وتبين ما يجب فعله وما يجب تركه، وتجلس على ~~دفة القيادة وتهدي مسارنا ونحن نتأرجح وسط السكينة.» ويقول ماركوس أوريليوس: «لا ~~تعد إلى الفلسفة كما يعود الطفل إلى المعلم، بل كما يعود الأرمد إلى إسفنجته ~~ومرهمه، أو يعود آخر إلى كمادته وغسوله. بذلك سوف تبرهن على أن إطاعة العقل ~~ليست عبئا كبيرا، وإنما هي مصدر راحة. تذكر أيضا أن الفلسفة لا تريد إلا ما ~~تريده طبيعتك، في حين تطلب أنت شيئا يجافي هذه الطبيعة؛ فأي شيء أدعى إلى القبول ~~من حاجات طبيعتك نفسها؟ هذه هي ذات الطريقة التي تخدعنا بها اللذة. ولكن انظر ~~ألست ترى شيئا أكثر قبولا في الشهامة والكرم والبساطة والاتزان والتقوى؟ وأي ms170 ~~شيء أكثر قبولا من الحكمة ذاتها إذا كان ما يهمك هو التدفق المطمئن والدائم ~~لملكتنا الخاصة بالفهم والمعرفة؟» (5-9). # الفلسفة عند ماركوس هي علاج وملاذ، ورفقة حياة: «الحياة صراع ومقام غربة، ~~والمجد الوحيد الباقي هو الخمول. أي شيء إذن بوسعه أن يخفرنا في طريقنا؟ شيء ~~واحد، وواحد فقط؛ الفلسفة. وما الفلسفة سوى أن تحفظ ألوهتك التي بداخلك (عقلك) ~~سالمة من العنف والأذى، وأن ترتفع فوق الألم واللذة، ولا تفعل شيئا بلا هدف، أو ~~بلا صدق أو بلا أصالة، وأن تترك ما لا يعنيك مما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه. وأن ~~تقبل كل ما يجري عليك ويقدر لك بوصفه آتيا من نفس المصدر الذي منه أتيت. ~~وأخيرا أن تنتظر الموت بنفس منشرحة على أنه مجرد انحلال للعناصر المكونة لكل ~~شيء حي. فإذا لم يكن بأس في التحرك الدائم للعناصر من عنصر إلى آخر ففيم ~~التوجس من تغير العناصر جميعا وانحلالها؟ ذلك شيء موافق للطبيعة، ولا ضير ~~البتة في أي موافق للطبيعة» (2-17). فإذا كان عملنا وتخصصنا مفروضا علينا، ~~كزوجة الأب، فلتكن الفلسفة لنا أما طبيعية نلوذ بها على الدوام بالفطرة والغريزة، ~~فنعود من ثم إلى عملنا نحتمله ويحتملنا: «إذا كان لك زوجة أب وأم في الوقت ~~نفسه، فسوف ترعى زوجة أبيك ولكن التجاءك الدائم سيكون إلى أمك. فليكن البلاط ~~والفلسفة بالنسبة لك كزوجة الأب والأم، لتكن الفلسفة لك ملاذا دائما ومستراحا ~~وموئلا؛ حتى تجعل القصر يبدو محتملا لك، وحتى تبدو أنت محتملا في القصر» ~~(6-12). # ليست الرواقية مجرد مذهب فلسفي يحتوي، فيما يحتويه، على نظرية للعلاج ~~النفسي، إنما يمكن اعتبار الرواقية في صميمها علاجا نفسيا وإن كان قائما على ~~أساس فلسفي عريض، # 1 # الحياة السعيدة (اليوديمونية) عند الرواقيين، أي الحياة السلسة ~~التدفق الخالية من الاضطراب والانفعال، هي الحياة الصالحة، الحياة وفقا ~~للفضيلة. والفضيلة هي الوفاق مع الطبيعة أي مع العقل؛ العقل الكلي والعقل الفردي ~~(وهو جزء من العقل الكلي). يقول ماركوس: «بالنسبة لكل كائن عاقل فالعمل وفقا ~~للطبيعة هو أيضا العمل ms171 وفقا للعقل» (7-11). والفضيلة هي في الفعل العقلاني ~~المستقيم المتجرد من أي غرض آخر. وتماهي الرواقية بين السعادة والحكمة ~~والفضيلة؛ فالرجل السعيد هو الرجل الصالح وهو الرجل الحكيم ... مواطن العالم؛ الكون ~~مدينته، والبشر إخوانه، وكل ما عدا ذلك من انتماءات هي أمر ثانوي عرضي. والحكيم ~~يحب قدره ويحتضن مصيره ويرضى بنصيبه من «الكل». يقول ماركوس: «لا تحب إلا ما ~~ألم بك ونسج لك من خيط مصيرك؛ فأي شيء أنسب لك من هذا؟» (7-57). # تلح الرواقية على الثبات في الشدائد وتحمل المحن والخطوب، حتى لقد أصبحت ~~كلمة «رواقي» # stoical ~~، شأنها شأن كلمة ~~«فلسفي» # philosophical ~~، مرادفة للثبات ~~والسكينة وضبط النفس، والمناعة ضد المفاجئ والمباغت. «فن الحياة أشبه بفن ~~المصارعة منه بفن الرقص؛ فهو أيضا يتطلب أن يكون المرء مستعدا لمواجهة ما يحدث ~~بغتة وعلى غير انتظار» (7-61). «اذرع حياتك دون أي ضغط قهري، وفي أتم سكينة ~~عقلية، حتى لو هتف العالم كله ضدك، وحتى لو مزقت الوحوش أعضاء هذه الكتلة ~~الجسدية البائسة الملتحمة حولك» (7-68). «كن مثل رأس الأرض في البحر تتكسر عليه ~~الأمواج بلا انقطاع وهو ثابت وطيد يخمد من حوله جيشان الماء ...» (4-49). ~~«تذكر في نوبات غضبك أن الغضب ليس من الرجولة في شيء، وأن الرحمة واللين ~~أكثر إنسانية وبالتالي أكثر رجولة؛ فالرحماء هم ذوو القوة والبأس والشجاعة وليس ~~القساة ولا الساخطون؛ فكلما تحكمت في انفعالاتك كنت أقرب إلى القوة؛ فالغضب ~~دليل ضعف شأنه شأن الجزع، فالغاضب والجزع كلاهما أصيب وكلاهما استسلم» ~~(11-18). # لكي تكون لدينا نظرية علاجية ينبغي أن يكون المدخل العلاجي مستمدا مباشرة ~~من نظرية سيكوباثولوجية شاملة. ولكي تكون لدينا نظرية في السيكوباثولوجيا ينبغي ~~أن تشتمل هذه النظرية على تعريف ل «السواء» # normality # ووصف للنمو الإنساني السوي. # يذهب الرواقيون إلى أن الميول السوية للكائنات، أي النزعات الأولى السابقة على ~~أي روية أو إرادة هي نوعان؛ ميول ترمي إلى حفظ الفرد نفسه، وميول ترمي إلى حفظ ~~الجماعة التي ينتمي إليها الفرد؛ فكل موجود حي إنما يملك في الأصل بنيته ms172 ~~الخاصة وله شعور بها؛ ومن أجل ذلك كان دائم البحث عما يلائمها والبعد عما لا ~~يلائمها. ومن قال إن اللذة هي أول ما ترغب فيه الموجودات فقد أخطأ، # 2 # إنما تحصل اللذة للموجود حين يجد ما يتفق مع بنيته. والخير لكل موجود ~~هو موافقته طبيعته الخاصة، وموافقة الطبيعة عند الإنسان عبارة عن الحياة وفاقا ~~للعقل، والعقل هو الجزء الرئيسي فينا الذي يقوم ماهيتنا بما نحن ناس. ويلزم عن ~~ذلك أن الحياة وفاقا للطبيعة هي الحياة وفاقا للعقل. لكن الإنسان حين يحيا ~~وفاقا للعقل، لا يكون موافقا لنفسه فحسب، بل يكون موافقا لمجموع الأشياء أي ~~للكون بأسره؛ لأن العقل لا يختص بالإنسان وحده، بل هو أيضا من خصائص الموجود ~~الكلي؛ أي من خصائص الكون. والعقل الإنساني ليس إلا جزءا من العقل الكلي الشامل؛ ~~فبالعقل نحيا في وئام مع أنفسنا، كما نحيا على وئام مع العالم أجمع. # 3 # يحدد آرون بك في كتابه «العلاج المعرفي والاضطرابات الانفعالية» خمسة شروط ~~للنظرية السيكوبالوجية الصالحة، نراها جميعا مستوفاة في العلاج الرواقي: (1) أن ~~تفسر الظاهرة التي تتناولها بأقل تعقيد ممكن. (2) أن تكون من المرونة بحيث ~~تتيح إنشاء تقنيات جديدة، دون أن تكون من التسيب أو التعقيد بحيث تسمح لكل ~~دخيل أو مرتجل من الإجراءات وتجد له تبريرا. (3) أن تكون «قابلة للتحقق» ~~التجريبي # verifiable # أي قابلة للاختبار. (4) أن ~~تكون النظرية السيكولوجية وثيقة الصلة بالعلاج النفسي الخاص بها؛ أي أن تكون ~~المبادئ العلاجية المستفادة مستمدة منطقيا منها. (5) أن تقدم أساسا ~~يبين لنا لماذا تعد التقنيات العلاجية المستمدة منها فعالة وناجعة؛ أي ~~يكون المبرر المنطقي للعلاج وطريقة عمله متضمنين في النظرية. ~~(2) العلاج العقلاني الانفعالي والعلاج المعرفي # ولعل من المفيد لنا في فهم النموذج العلاجي الرواقي أن نضاهي بينه وبين غيره ~~من النماذج العلاجية. ومن النماذج العلاجية الحديثة التي تأسست بالكامل على النظرية ~~الرواقية: العلاج العقلاني الانفعالي عند ألبرت إليس، والعلاج المعرفي السلوكي ~~عند آرون بك. # يقول ألبرت إليس: «يعود أصل العلاج العقلاني الانفعالي إلى الفلاسفة ~~الرواقيين، وبخاصة إبكتيتوس وماركوس ms173 أوريليوس.» ورغم أن أغلب الكتابات ~~الرواقية الأولى ضاعت فإن زبدتها قد جاءتنا من خلال إبكتيتوس الذي كتب، في القرن ~~الأول الميلادي، في «المحادثات» # Discourses ~~: «ليست ~~الأشياء هي ما يكرب الناس، بل فكرتهم عن الأشياء.» # 4 # يصف إليس التسلسل الذي ينتقل من الحدث إلى الاستجابة الانفعالية، ويسمي هذا ~~النموذج # ABC ~~: حيث # A # هي المنبه المنشط أو الحدث ~~المثير # Activating event # و # C # هي الاستجابة الشرطية # Conditioned response ~~، ~~و # B # هي الفراغ # Blank # 5 # الكائن في ذهن المريض، والذي يمكن حين يملؤه أن يكون بمثابة جسر يصل ~~بين # A # و # C # بذلك يصبح ~~ملء الفراغ، بمادة مستمدة من المنظومة ~~الاعتقادية # Belief system # للمريض؛ هو المهمة العلاجية الأساسية. وبتعبير آخر ~~فإن # A # هو الحدث الذي يحدث للفرد، ~~و # B # هو المنظومة الاعتقادية # Belief # للفرد، أي تأويله الشخصي للحدث # A ~~، و # C # هي ~~النتيجة الانفعالية التي يخبرها الفرد. ورغم أن معظم الناس يظن أن الحدث هو الذي ~~يؤدي إلى انفعالهم، فإن إليس يجبهنا بغير ذلك؛ فالحقيقة أن تأويل الفرد للحدث، أي ~~اعتقاده عن الحدث، هو ما يؤدي إلى استجابته الانفعالية؛ فالاعتقادات العقلانية ~~تفضي إلى استجابات انفعالية عقلانية، والاعتقادات غير العقلانية تفضي إلى عكس ~~ذلك. الاعتقادات غير العقلانية، إذن، هي العنصر الممرض في هذه المنظومة. ~~والتقنيات العلاجية هي تقنيات مصممة لكي نفند بها هذه الاعتقادات ونستبدل ~~بها اعتقادات جديدة أكثر عقلانية تؤدي في النهاية إلى استجابات انفعالية ~~جديدة. # أما آرون بك، مؤسس العلاج المعرفي، فيقول في كتابه «العلاج المعرفي ~~والاضطرابات الانفعالية» بصريح العبارة: «هذا المنهج الجديد يقوم في الحقيقة على ~~دعائم فلسفية ليست جديدة، بل هي موغلة في القدم، وتعود إلى زمن الرواقيين. ~~لقد اعتبر الفلاسفة الرواقيون أن فكرة الإنسان عن الأحداث، وليست الأحداث ذاتها، ~~هي المسئولة عن اختلاله الانفعالي. إلى هذا المنطق الرواقي يستند هذا العلاج ~~الجديد؛ العلاج المعرفي؛ فالمشكلات النفسية ترجع بالدرجة الأساس إلى أن الفرد ~~يقوم بتحريف الواقع ولي الحقائق بناء على مقدمات مغلوطة وافتراضات خاطئة. ~~وتنشأ هذه الأوهام عن تعلم خاطئ ms174 حدث له أثناء مراحل نموه المعرفي. وبصرف النظر ~~عن منشأ الأوهام، فإن صيغة العلاج تفصح عن نفسها ببساطة؛ فعلى المعالج أن يساعد ~~المريض على كشف مغالطاته الفكرية وتعلم طرائق بديلة أكثر واقعية لصياغة خبراته.» # 6 ~~«ولكن ماذا عن تلك الانفعالات التي تقع للإنسان فجأة في غياب أي حدث خارجي ~~يفسرها؟ في تأويل ذلك نقول إنه بالإمكان دائما أن نتحقق من وجود «حدث معرفي» # congnitive event ~~، وهو فكرة أو ذكرى أو ~~صورة، مندمج في المجرى الطليق للوعي، ومسبب لهذه الاستجابة الانفعالية. وقد ~~يكون هذا الاتجاه المعرفي السائد هو علة استمرار الانفعالات غير السارة في ~~الاضطرابات الانفعالية كالاكتئاب والقلق. كثير من السلوكيين لا يوافقوننا على أن ~~الفكر يلعب دورا محوريا في تشكيل الانفعال. ويحاول بعضهم أن يثبت أن ~~المنبهات الخارجية تولد الاستجابة الانفعالية بصورة مباشرة وأن الشخص ~~يقحم تقييمه المعرفي للحديث بعد ذلك باستعادته وتأمله؛ أي «بأثر رجعي»، ولكننا ~~نستطيع أن نؤكد أن الشخص الذي تدرب على أن يرصد أفكاره ويمسك بها بمقدوره ~~أن يلاحظ مرارا وتكرارا أن تفسيره للموقف يسبق استجابته الانفعالية؛ فهو إذ ~~يرى سيارة منطلقة نحوه على سبيل المثال، فإنه يفكر أولا: «إنها ستصدمني» ثم يشعر ~~بالقلق، بل إنه قد يغير تقييمه للموقف فتتغير استجابته الانفعالية. إن من ~~الصعب في الحقيقة أن نتصور كيف يكن لشخص أن يستجيب لحدث ما قبل أن يقيم طبيعة ~~الحدث. وعلى النقيض من المنبهات المعملية البسيطة مثل رنين الجرس أو صدمات ~~الكهرباء، الشائعة في التجارب السلوكية، فإن مفرداتنا البيئية الدالة تتسم عامة ~~بالتركب والتعقيد بحيث تتطلب منا «ملكة ~~الحكم» # judgement # لكي نقرر ما إذا كان موقف ما مأمونا غير ذي خطر، وما ~~إذا كان شخص ما صديقا أو عدوا. تتجلى أهمية الكشف عن الوجه المعرفي للشخص بشكل ~~خاص حين نكون بصدد استجابات انفعالية نقيضية؛ فحين نقف على المحتوى المعرفي ~~ندرك على الفور أن ما يبدو مفرطا غير واقعي من الغضب أو القلق أو الحزن ~~الذي يبديه الشخص يستند في الحقيقة إلى تقديراته الشاذة للحدث. ms175 وفي أمراض ~~الانفعال تسود وتطغى هذه التقديرات الشاذة.» # 7 # هذه الدعوى القائلة بأن المعنى الخاص للحدث هو الذي يحدد الاستجابة الانفعالية ~~له، تشكل جوهر النموذج المعرفي للانفعال واضطراباته. يذخر هذا المعنى في ~~مفردة ~~معرفية # a ~~cognition # هي عادة فكرة أو صورة خيالية. وفي بعض الأحيان تتألف ~~المفردة المعرفية من دلالة إضافية # connotation # أو ~~حكم قيمة # value judgement # من قبيل «مخيف» أو ~~«رائع». ومن المألوف أن نصادف انفعالا معينا لا يربطه سبب واضح بالماجريات ~~الخارجية، فإذا طاف بنا في لحظة ما طائف من خيال أو كنا نجتر خاطرا ما، فإن ~~انفعالنا إذ ذاك سيكون وليد الرؤيا أو الفكرة من دون المثير الخارجي. ثم إننا إذا ~~حرفنا واقعة ما أو أسأنا تأويل موقف ما إساءة بالغة فإن استجابتنا ستتكون وفقا ~~لتحريفاتنا لا لواقع الموقف، وانفعالنا سيأتي تابعا للوهم لا للحقيقة. # 8 # يتألف العلاج المعرفي بمعناه الواسع من كل المداخل التي من شأنها أن تخفف ~~الكرب النفسي عن طريق تصحيح المفاهيم الذهنية الخاطئة والإشارات الذاتية المغلوطة. ~~ولا يعني تركيزنا على التفكير أن نغمط أهمية الاستجابات الانفعالية التي هي المصدر ~~المباشر للكرب بصفة عامة. إنما يعني ببساطة أننا نقارب انفعالات الشخص من خلال ~~معرفته أو من طريق تفكيره. وبتصحيح الاعتقادات الخاطئة يمكننا أن نخمد أو نغير ~~الاستجابات الانفعالية الزائدة وغير المناسبة. # 9 # إن مساعدة المريض في التعرف على تحريفاته وتصحيحها هي عملية تتطلب استخدام ~~مبادئ إبستمولوجية معينة. إن المعالج لينقل إلى المريض ويبلغه، بصورة مباشرة ~~أو غير مباشرة، مبادئ معينة؛ أولا: أن إدراكه للواقع ليس هو الواقع نفسه، بل هو ~~على أفضل تقدير صورة استقرابية للواقع؛ فالعينة التي يلتقطها للواقع هي عينة ~~محدودة بحدود وظائفه الحسية - البصر والسمع والشم ... إلخ. وهي حدود متأصلة مفطورة. ~~ثانيا: أن تأويلاته للمدخل ~~الحسي # sensory input # تتوقف على عمليات معرفية من قبيل دمج المنبهات ~~(المثيرات) وتفريقها، وهي علميات عرضة بطبيعتها للخطأ. إن العمليات (والمداخلات) ~~الفسيولوجية والسيكولوجية قد تغير إدراكنا وفهمنا للواقع تغييرا كبيرا. # كلنا يعرف جيدا أن تحريف الواقع ms176 قد يحدث عندما يكون المرء تحت تأثير العقاقير، ~~أو عندما يكون في حالة إجهاد أو نقص في الوعي أو في حالة من الاستثارة الشديدة. ~~وقد سبق أن رأينا أيضا أن تقييم الواقع قد يعتريه الخلل من جراء بعض الأنماط ~~الفكرية اللاواقعية؛ ففي عصاب القلق، على سبيل المثال، يتمثل المريض جميع ~~المنبهات، حتى المأمونة منها، بطريقة تجعلها توحي بالخطر وتنذر به. يستلزم ~~استخدام التقنيات السيكولوجية لعلاج هذا العصاب أن يكون المريض قادرا من الأصل ~~على أن يميز ويدرك الفوارق بين الواقع الخارجي (المثيرات المحايدة غير ~~المؤذية) من جهة والظاهرة السيكولوجية (تقييم الخطر) من جهة أخرى. ليس بمقدور بعض ~~المرضى (كمرضى الانسمام بالعقاقير ومرضى الذهان الحاد ذي الضلالات) أن يعي أو ~~يميز هذا الفرق. # كذلك يتوجب على المريض أن يكون قادرا على أن يختبر الفرضيات ويمحصها قبل أن ~~«يصدق» # assent # عليها ويسلم بها كحقائق؛ ~~فالمعرفة التي يعول عليها تعتمد جوهريا على امتلاك معلومات كافية تسمح لنا ~~باختيار الأصح والأقوم من بين فروض بديلة. # 10 # مجمل العلاج المعرفي: صفوة القول أن العلاج المعرفي يقوم على نظرية في الشخصية ~~ترى أن الفكر هو الذي يحدد الشعور والسلوك؛ أي إن الطريقة التي يفكر بها ~~المرء هي التي تحدد الطريقة التي يشعر بها والأسلوب الذي يسلك به في أفعاله؛ ومن ~~ثم يتألف العلاج من عملية تحقق تجريبي واختبار للواقع وحل للمشكلات يتحالف ~~فيها المعالج والمريض ويتعاملان مع الأفكار اللاتكيفية للمريض بوصفها فرضيات ~~قابلة للاختيار، ويحاولان البحث عن أدلة تدحض هذه الفرضيات وتؤيد اعتقادات ~~تكيفية بديلة تفضي إلى التغير العلاجي المنشود. # ترى هذه النظرية أن عملية معالجة المعلومات لها دور حاسم في حياة الكائن العضوي ~~وبقائه؛ فلو لم يكن للإنسان جهاز وظيفي يتلقى المعلومات ذات الصلة من البيئة ويقوم ~~بمعالجتها وتركيبها ويصوغ خطة للفعل بناء على هذا التركيب لكان مصيره الهلاك ~~العاجل. # وما يحدث في الحالات المرضية من اكتئاب وقلق ووسواس ورهاب وبارانويا ... إلخ هو أن ~~هناك تحيزا منظما يتدخل في عملية معالجة المعلومات. ثمة تحيز محدد ms177 ~~يلعب دورا في منظومة الأعراض الخاصة بكل مرض من هذه الأمراض. فإذا كان تفكير ~~المرء يميل انتقائيا إلى تركيب ثيمات الخسارة والفقدان والهزيمة فهو حري أن ~~يصير مكتئبا. وإذا كان تفكيره يميل إلى تأويل المثيرات البيئية كدلائل خطر فهو ~~مستهدف للقلق ... وهكذا. # وما دام منشأ المرض هو وجود تحيز وميل انتقائي يتدخل في عملية معالجة ~~المعلومات، فإن الهدف العلاجي المباشر هو «تحويل» جهاز معالجة المعلومات إلى وضع ~~أكثر حيادا بحيث يقيم الأحداث بطريقة أقرب إلى الاعتدال. الأمر هنا أشبه ~~ببرنامج الحاسوب؛ فلكل اضطراب برنامج خاص هو الذي يملي صنف المعلومات المسموح ~~بإدخالها ويحدد السلوك الناتج. في عصاب القلق، مثلا، يتم تشغيل «برنامج حفظ ~~الذات أو البقاء»؛ فيلتفت الشخص انتقائيا لإشارات الخطر، ولا يلتفت لإشارات ~~الأمان. ويكون السلوك الناتج متسقا مع الطريقة التي تدمج بها هذه المعلومات، وهو ~~سلوك يفرض على المرء أن يتفاعل مع المثيرات الهينة والمأمونة على أنها تمثل ~~مخاطر كبرى، ويستجيب لها استجابة التجنب أو الهروب؛ ومن ثم تتألف التقنيات ~~العلاجية من إيقاف مثل هذا البرنامج اللاتكيفي و«تحويل» الجهاز المعرفي إلى وضع ~~أكثر اعتدالا، ويتم هذا التحويل عن طريق فحص منهجي للتأويلات الخاطئة وتصحيحها، ~~والقيام بتغذية النظام بالمعلومات الصحيحة تغذية راجعة؛ الأمر الذي يحفز على ~~إعادة التوافق ويدعم التوافق الجديد. ~~(3) السيكوباثولوجيا الرواقية # إذا عدنا الآن إلى المصطلح الرواقي في السيكوباثولوجيا، نجد أن حجر الزاوية في ~~النمو الأخلاقي عند الرواقيين هو «الاستخدام الصحيح أو القويم للانطباعات» ~~(المحادثات، 1: 1-7؛ 2: 22-29؛ 4: 6-34). وقد قلنا آنفا أن المعرفة عند ~~الرواقيين تبدأ ب «الانطباع» # impression ~~(phantasia) # أو «التمثيل» # representation # أو «المظهر» # appearance ~~، وهو الأثر الذي يطبعه في الذهن شيء خارجي كما ينطبع ~~الخاتم على الشمع. والانطباع هو أكثر من مجرد مادة حسية خام. إن خبرة حسية ~~مصوغة على هيئة «قضية» # proposition # أو موضوعة في ~~شكل «قضوي» # propositional ~~، قد تكون هذه خبرة ~~خارجية مدركة بواسطة الحواس أو خبرة داخلية من قبيل الذكريات أو ~~التخيلات. # ولكي يكون الانطباع «قضويا» # propositional # فلا بد من أن يكون ms178 «تأويلا» من صنف ما. قد تقول عند هذه المرحلة إن شخصا ما ~~لديه «انطباع ب» شيء ما # impression of ... ~~(انطباع ~~بقطة على البساط مثلا). ثم تأتي المرحلة الثانية، وتأتي سريعا بحيث لا ~~يميز الناس المرحلة الأولى ولا يلتفتون إليها، وهي أن لديه «انطباعا بأن» ~~شيئا ما # impression that ... ~~(انطباعا بأن هناك ~~قطة على البساط). قد يكون الانطباع صادقا؛ أي إن البقعة السوداء على البساط تشبه ~~القطة حقا. ولكن المرحلة الثانية قد تقدم تأويلا مختلفا، مثل وجود «انطباع ~~بأن» هناك سترة على البساط (أي إنها لم تكن قطة على الإطلاق). إن المرحلة الأولى ~~هي وجود وعي بشيء ما أو بآخر، أما المرحلة الثانية فهي «التزام بتأويل» يفيد ~~أن شيئا ما أو آخر هو القائم. ذلك هو «التصديق» # assent # العقلي على الانطباع الغفل، وهذا التصديق يخلق ~~«اعتقادا» بأن القضية المحتواة في «الانطباع بأن» صادقة. في الانتقال من «انطباع ~~ب» إلى «انطباع بأن» فإن الفرد يصدر «حكم قيمة»، أو يطبق «تقييما» بما إذا كان ~~هذا الشيء مرغوبا أو غير مرغوب (سائغا أو غير سائغ/مواتيا أو غير موات)، وإلى ~~أي حد، أو بما إذا كان «غير فارق» # indifferent ~~، ~~ولماذا هو كذلك. ويبقى التحدي الأبستمولوجي هو العثور على «معيار» يحدد صدق ~~«الانطباع» وبالتالي يجيز لنا «التصديق» # assent # عليه. قلنا آنفا إن الرواقيين خلصوا إلى أن هذا المعيار هو «التصور المحيط» ~~أو القاهر # phantasia katalêptikê ~~؛ أي الانطباع ~~الأبلج الواضح الذي يحمل في داخله آية صدقه ويتحلى بقوة تحملنا على التصديق به، # 11 # غير أنه في حالة الانطباعات المركبة التي تنطوي داخلها على حكم ~~قيمة تتعقد الأمور ويصبح «التصديق» على الانطباع أمرا صعبا. يرى الرواقيون أن ~~أغلب البشر بعيدون عن المعيار العقلاني للحكيم المثالي بعدا كبيرا؛ ومن ثم فمن ~~المقدر عليهم أن يصدقوا على انطباعات زائفة. وينصحنا الرواقيون بأن نمارس ~~أشد الاحتياط والتريث حين نقوم بالتصديق على انطباعات محملة بالقيمة # value-laden ~~، وأن نتوقف عن الحكم إذا ~~كان ثمة ما يدعو إلى أقل شك. # منظومة القيم الرواقية، إذن، ms179 هي جوهر الفلسفة الرواقية ولباب العلاج ~~الرواقي؛ فهي تقدم المعيار الذي تقيم به الانطباعات، وهي عرضة لسوء فهم ~~كبير، وهي صادمة لتوقعات الناس، وحتى إذا أمكنهم فهمها بدقة فإن من الصعب على ~~معظمهم قبولها. غير أنها النتيجة المنطقية لوجهة النظر الرواقية فيما يشكل ~~الحياة السعيدة أو المزدهرة. # تتطلب الحياة السعيدة حصول الفرد دائما على الأشياء التي يتوق إليها، ~~وتجنبه دائما للأشياء التي لا يريدها. إلى هنا يتفق الرواقيون مع غيرهم ويبدو ~~الأمر من نوافل القول. تكمن المشكلة بالطبع في أن هذه الحال تستعصي على منالنا في ~~أوقات كثيرة. قد أرغب في المال الوفير، أو الصحة الجيدة، ولكن قد يحول دون ذلك ~~حوائل ليس لي بها يد. وبقدر ما يواتيني ما يسرني وينصرف عني ما يسوءني تحت ~~رحمة مجموعة من العوامل الخارجية، ويجعل حياتي، في الأغلب الأعم، في تقلب ~~انفعالي دائم. # والحل الرواقي لهذه المعضلة هو أن نقصر رغباتنا على تلك المجالات التي لدينا ~~عليها سيطرة مطلقة. وبقدر ما تتقلص رغباتنا تتقلص معها فرصة إحباطها. وفي نهاية ~~التحليل نجد أننا لا نملك، في الحقيقة، سلطة مطلقة إلا في مجال واحد، وهو مجال ~~أفكارنا؛ كيف نحكم على الأمور، ما نفكر فيه، اعتقاداتنا ومواقفنا ... وباختصار: ما ~~نفعله بالانطباعات، أو «استخدامنا للانطباعات» أو المظاهر على حد تعبير إبكتيتوس. ~~غير أن قدرتنا على السيطرة على أحكامنا لا تمثل إلا نصف المعادلة، فإذا كانت ~~أحكامنا خاطئة فأية فائدة وأي فرق في أن تكون تحت سيطرتنا. إن الحياة السعيدة ~~ستفلت منا على أية حال. # يرى الرواقيون أن الاستخدام الصحيح للانطباعات يتطلب: (1) تقديرا صحيحا لصدق ~~الانطباع. (2) تقديرا صحيحا لقيمة الانطباع. ويرون أن جميع الانطباعات أو ~~المظاهر غير قادرة على منح السعادة ولا قادرة على منعها. إنها «لا فارقة» # indifferent # في هذا الشأن. وهكذا فحكمك بأن ~~مرض شخص تحبه هو شر إنما هو حكم خاطئ، وحكمك بأن شفاءه خير هو حكم خاطئ ~~بالمثل. يقول إبكتيتوس: «تعود منذ البداية أن تقول لكل انطباع مزعج: أنت ~~انطباع، ولست الطريقة الوحيدة لرؤية ms180 الشيء الذي يعرض. ثم افحصه وقدره ~~بمعيارك الذي لديك» (المحادثات: 1-3). ويصف الموقف الصحيح تجاه المظاهر أو ~~الانطباعات في فقرة مأثورة يقول فيها: «ليست الأشياء ذاتها ما يكرب الناس، بل ~~أحكامهم عن الأشياء. الموت مثلا ليس شيئا مريعا، وإلا لرآه سقراط أيضا كذلك، ~~وإنما المريع جحا هو الحكم بأن الموت مريع؛ لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو ~~الاضطراب أو الحزن فإن علينا ألا نلوم غير أنفسنا، أعني غير أحكامنا نحن» (الموجز، ~~6). إصدار أحكام قيمية صائبة، إذن، هو الشطر الثاني من المعادلة في مسألة ~~«الاستخدام الصحيح للانطباعات». # لإساءة الحكم على الانطباعات عواقب وخيمة، ليست مباشرة بالضرورة، وليست مقصورة ~~على مجال الانفعالات. والنظرية الرواقية في ذلك أكثر عمقا وإحاطة من نظريات ~~العلاج العقلاني والمعرفي. يرى إليس، على سبيل المثال، أن الانخراط في التفكير غير ~~العقلاني من شأنه أن يورث انفعالات مفرطة وغير تكيفية، وأن هذه الانفعالات هي ~~ما يشير إلى الحاجة إلى العلاج. من جهة أخرى قد يعتقد شخص بأن امتلاكه منزلا ~~للاستجمام في العطلات هو «خير»، رغم أنه وفق المنظومة القيمية الرواقية شيء ~~«غير فارق» # indifferent ~~، فما دام المنزل ~~سليما فليس ثمة نتائج سلبية ناجمة عن هذا ~~الحكم الخاطئ، ولا داعي للتدخل العلاجي في نظر المدارس السيكولوجية الحديثة بما ~~فيها العلاج العقلاني الانفعالي. غير أن الرواقيين يرون رأيا آخر؛ إن إساءة ~~الحكم ذاتها مرض، حتى لو لم تصحبه أعراض انفعالية؛ فالأمراض الانفعالية، إن ~~وجدت، هي مجرد نتاج ثانوي للمرض. إنما تكون العادات المعرفية السلوكية ~~اللاتكيفية، والتي هي النتاج المزمن للأحكام، هي ما يستحق التدخل العلاجي؛ ~~فالأحكام الصائبة تربي عادات معرفية وسلوكية إيجابية، والعكس بالعكس. # يقول ماركوس: «والتقدم بالنسبة للطبيعة العاقلة هو ألا تساير أي شيء زائف أو ~~مبهم فيما ينطبع عليها» (8-7). و«الموضوعية الرواقية» تعني القدر على التمييز ~~والفصل بين الطبيعة الداخلية والطبيعة الخارجية، «اعرف نفسك» ... ذلك المبدأ ~~السقراطي المنقوش على معبد كاهنة أبولو في دلفي، هو جوهر المنطق الرواقي. غير أن ~~هذه المعرفة تتخذ في الرواقية طابعا خاصا؛ فالمعرفة الحقة هي ms181 بالضبط تلك ~~القدرة على تبين حدود الذات الداخلية؛ أي التمييز الدائم، في اللحظة الراهنة، بين ~~الطبيعة الداخلية والطبيعة الخارجية؛ أي بين العقل والمادة. يقول ماركوس أوريليوس: ~~«ما كان للطريقة التي مزجتك بها الطبيعة بالكل المركب أن تحول بينك وبين أن ترسم ~~حدا يحدك ويحفظ ما هو لك تحت سيطرتك» (التأملات: 7-67). ويقول إبكتيتوس: «أن ~~تتعلم (تتدرب في الفلسفة) تعني بالضبط أن تعرف أي الأشياء نملكه وأيها لا نملكه» ~~(المحادثات، 4: 5-7). وبوسعنا أن نصور هذا التمييز برسم حد تصوري؛ دائرة حول ~~حدود الذات الحقيقية. وقد وصف الرواقيون عقل الحكيم المثالي المكتمل التحديد على ~~أنه «مسيج نفسه»، و«قلعة داخلية» منيعة، و«كرة في توازن تام». وماهية النفس عند ~~الرواقيين أنها «فعل مستقل للإرادة الحرة»؛ نوايانا، وأفكارنا، وقراراتنا. هذه ~~رؤية وجودية عميقة إلى النفس؛ الإنسان هو، جوهريا، إرادة حرة في حالة فعل، وكل ~~ما عدا ذلك فهو خارج عن النفس. «اليقظة الرواقية» إذن تعني الوعي الذاتي الدائم ~~بحركات العقل متحملا كل المسئولية عن أحكامنا وأفعالنا ومخاوفنا ورغباتنا. تقتضي ~~اليقظة أيضا أن نتملك أفكارنا، ونسترد إسقاطاتنا ونعلق كل الأحكام القيمية ~~والانفعالية. إن أفكارنا تسقط معنى وشكلا على إدراكاتنا الحسية، وبفصل هذه عن ~~تلك نصل إلى الحقيقة والموضوعية. يقول ماركوس: «العين السليمة ينبغي أن ترى ~~كل ما هو قابل للرؤية ولا تقول «أريد الأشياء ~~الخضراء فقط»؛ فهذا حال عين مريضة ... والمعدة السليمة ينبغي أن تتقبل كل الطعام بنفس ~~الطريقة التي تتقبل بها الطاحونة كل ما صنعت لطحنه. وكذلك العقل السليم ينبغي أن ~~يكون مستعدا لكل الاحتمالات» (10-35). # والمبدأ المحوري للمنطق الرواقي هو «ليست الأشياء ما يكرب الناس بل أحكامهم عن ~~الأشياء.» إنه مبدأ علاجي جرى على أقلام لا حصر لها: # يقول ماركوس: «إذا كان بك كرب من شيء خارجي، فإن ما يكربك ليس الشي ~~نفسه بل رأيك عن الشيء، وبوسعك أن تمحو هذا الرأي الآن» (8-47)، ~~«فالأشياء ذاتها خاملة، وإنما نحن الذين ننتج الأحكام عنها ونطبعها في ~~عقولنا. وإن بوسعنا ألا نطبعها على الإطلاق، وأن نمحو ms182 في الحال أي حكم ~~تصادف انطباعه» (11-16). # ويقول شكسبير: «ليس ثمة شيء حسن أو قبيح، بل الفكر هو الذي ~~يجعله كذلك» (هملت، الفصل 2، المشهد 2). # ويقول سبينوزا: «ورأيت أن كل ما كنت أخشاه وكل ما كان يخيفني لم ~~يكن هو في ذاته حسنا أو سيئا. إنما كان كذلك بحسب ما كان العقل يراه ~~ويتأثر به.» # والمعنى نفسه يصوغه المتنبي شعرا في قوله: # وما الخوف إلا ما تخوفه ~~الفتى # ولا الأمن إلا ما يراه الفتى ~~أمنا # ويصوغه المعري في اللزوميات: # إذا تفكرت فكرا لا يمازجه # فساد عقل صحيح هان ما ~~صعبا # ورسم كرافاجو مرة صورة جنونية لنفسه، كميدوسة، جاعلا بدلا من ~~الشعر أفاعي فأظهر نفسه وقد عذبته لدغا ثعابين دماغه. # 12 # وفي كتابه «غزو السعادة» يقول برتراند رسل: «أعتقد أن التعاسة تعود، ~~إلى حد كبير جدا، إلى آراء خاطئة عن العالم، وإلى نظريات ~~أخلاقية خاطئة، وعادات حياتية خاطئة.» # ويقول مارك توين: «إنني رجل مسن عركت الحياة وعانيت ويلات لا ~~تحصى عددا. غير أن معظمها لم يحدث قط!» # فإذا ما انتقلنا إلى «تأملات» ماركوس أوريليوس وجدناه يلح على هذه الفكرة ~~المحورية مرارا وتكرارا: «لا تزايد على رواية الانطباع الأول بشيء من عندك. ~~افترض أنه قد جاءك أن شخصا ما يعيبك، وهاذ ما روي، أما أنك قدا أضرت فهذا ما لم ~~يرو. أو هبني أرى طفلي مريضا، هذا ما أراه، أما أنه في خطر فشيء لا أراه. ~~هكذا التزم دائما بالانطباع الأول ولا تضف عليه شيئا من أفكارك أنت. وهكذا كل ~~ما في الأمر، وإلا فإن بوسعك أن تضيف ما لا نهاية له إضافة من يعرف كل ما يجري في ~~العالم» (8-49). «بوسعك أن تنحي الكثير من المنغصات غير الضرورية التي تكمن ~~بأكملها في حكمك أنت» (9-32). «اطرح الحكم تجد الخلاص. ومن ذا الذي يمنعك من هذا ~~الإطراح؟» (12-25). «اليوم هربت من كل المنغصات، أو بالأحرى نحيتها جانبا. ~~لم تكن هذه شيئا خارجيا، بل كانت بداخلي ... إنها أحكامي ليس إلا» (9-13). «ما ~~أيسر أن ms183 تطرد من عقلك كل انطباع منغص أو عارض وتمحوه محوا، وتنعم للتو بلحظة ~~حاضرة مفعمة بالراحة والسكينة» (5-2). «العسل مر لدى المصابين باليرقان. والماء ~~رعب لدى من عضتهم كلاب مسعورة. الكرة بهجة لدى صغار الأطفال. لماذا أنا غاضب إذن؟ ~~أم ترى أن الحكم الزائف أقل تأثيرا من الصفراء للمصاب باليرقان، أو السم في المصاب ~~برهاب الماء؟» (6-57). «أفق من نومك، وعد إلى رشدك، لتدرك أن كل الذي عكر صفوك ~~كان أضغاث أحلام ، والآن وقد استعدت وعيك مرة ثانية انظر إلى هذه الأشياء مثلما ~~كنت تنظر إلى تلك الأحلام» (6-31). «وعليك أن تأخذ كل شيء بقيمته وحجمه؛ فبذلك لن ~~تبتئس إذا عبرت على التوافه ولم تعرها وقتا أطول مما تستحق» (4-32). «لا تحلم ~~بامتلاك ما لا تمتلكه، بل تأمل النعم الكبرى فيما تملكه ...» (7-27). «أزل الحكم ~~تكن قد أزلت فكرة «لقد تضررت». أزل فكرة «لقد تضررت» يكن الضرر نفسه قد أزيل» ~~(4-7). «... فلست مضارا إلا إذا عقدت الرأي بأنه ضرر، وبوسعي ألا أرى هذا الرأي» ~~(7-14). «إذا نحيت حكمك على أي شيء يبدو مؤلما فأنت نفسك ستكون محصنا ~~تماما من الألم» (8-40). «من منا ليس هو السبب في كربه الشخصي، وليس قلقه من صنع ~~يديه؟ تأمل: ليس ثمة امرؤ يعاق بغيره، وإنما كل شيء هو كما يجعله التفكير كذلك» ~~(12-8). # ومن التقنيات العلاجية التي يلح عليها ماركوس في «التأملات» ذلك التحليل ~~الجوهري الذي يجرد الأشياء من قشورها وواجهاتها الخارجية الزائفة، وصولا إلى ~~«الانطباع الموضوعي» الذي «يصدق» عليه الحكيم ولا يصدق على شيء سواه: «ما أطيب، ~~عندما يكون أمامك لحم مشوي أو ما شابه من الأطايب؛ أن تستحضر في ذهنك أن هذا ~~جثة سمكة، وهذا جثة طائر أو خنزير، ثم أن هذا النبيذ الفاليري مجرد عصير عنب، ~~وأن رداءك الأرجواني ليس أكثر من فراء خروف منقوع في دم المحار! كذلك فليكن دأبك ~~طوال حياتك: حيثما تبدت الأشياء خلابة المظهر فجردها وتفرس في طبيعتها ~~الزائفة واخلع عنها كل دعاوى الزهو والخيلاء ...» (6-13). «... مرة ms184 أخرى: الرخام ~~مجرد راسب في الأرض، الذهب والفضة مجرد رواسب، رداؤك شعر حيوان، أرجوانك دم ~~محارة، وهلم جرا ...» (9-36). ~~(4) المواجدة ... النفاذ إلى عقول الآخرين # يلح ماركوس في «التأملات» على رابطة القربى بين بني البشر، تلك الآصرة ~~القائمة على انتسابهم إلى عقل واحد، والتي تلزم الإنسان بالتعاون مع الآخرين ~~والرفق بهم واحتمال أخطائهم، والنفاذ إلى عقولهم الموجهة واستكشافها. وهي وصايا ~~مطابقة لمبادئ كارل روجرز وغيره في «التقبل غير المشروط» و«الفهم الإمباثي» ~~(المواجدة # empathy ~~)، «... وانفذ قدر المستطاع ~~في عقل المتحدث» (6-53). «انفذ إلى عقل كل إنسان، ودع كل إنسان ينفذ إلى عقلك» ~~(8-61). «هلم إلى عقلك الموجه، وعقل «الكل»، وعقل هذا الشخص بعينه؛ إلى عقلك ~~لتقومه، وإلى عقل الكل لتتذكر الأصل الذي أنت جزء منه، وإلى هذا الشخص عساك ~~تعرف هل تصرف عن جهل أو عن علم، وعساك تتبين أيضا أن عقله قريب لعقلك» ~~(9-22). # في ظل هذه المبادئ لا يعود هناك توتر بين المصلحة الفردية ومصلحة المجموع؛ ~~فالرجل الحكيم يماهي بين مصلحته الخاصة ومصلحة البشر جميعا: «ما لا يضير المدينة ~~لا يضير مواطنيها أيضا، إذا كانت المدينة بخير فأنا إذن بخير» (5-22). «ما لا يفيد ~~السرب لا يفيد النحلة» (6-54). «خلق البشر من أجل بعضهم البعض، إذن علمهم أو ~~تحملهم» (8-59)، «بهجة الإنسان أن يؤدي العمل اللائق بالإنسان. والعمل اللائق ~~بالإنسان هو الإحسان إلى جنسه الإنساني» (8-26). ~~(5) طبقات الانتماء # أقول للعالم إذن: إنني أبادلك الحب ~~(ماركوس أوريليوس، 10-21) # الرواقي، إذن، هو «مواطن ~~العالم» # cosmopolitan ~~، الكون مدينته والبشر إخوانه. هذا الانتماء ~~«الكوزموبوليتاني» لا يتعارض بحال مع انتماء المرء لجماعته الخاصة؛ فهو إذ يعصمه من ~~الشوفينية البغيضة لا يمس عشيرته ولا بلدته ولا قوميته بل «يتراكز» معها فحسب. إنما ~~الانتماء أشبه بدوائر متراكزة (متحددة المركز): «فبصفتي أنطونينوس فإن مدينتي ~~هي روما، وبصفتي إنسانا فمدينتي العالم؛ لذا فإن ما هو خير لهاتين المدينتين هو ~~وحده الخير بالنسبة لي» (6-44). «هنا أو هناك لا فرق، ما دمت حيثما عشت تتخذ ~~العالم وطنا لك» (10-15). «خذني ms185 وارم بي في أي مكان شئت؛ فأينما كنت فسوف ~~أحفظ الجانب الإلهي مني سعيدا؛ أي قانعا، ما دام وجداني وفعلي يتبعان فطرته ~~الخاصة. هل هذا التغير في المكان سبب كاف لأن تشقى نفس ويسوء مزاجها ~~فتكتئب أو تتوق أو تنكمش أو تخجل؟ وهل ستجد في المكان الجديد أي سبب يدعو إلى ~~ذلك؟» (8-45). «... وأن الكائن الإنساني وثيق القرابة بالجنس البشري كله، لا قرابة دم ~~أو بذرة، بل مجتمع عقلي» (12-26)، «أيها العالم ... كل ما هو ملائم لك فهو ملائم ~~لي، وكل ما هو في أوانه بالنسبة لك فهو كذلك عندي، لا متقدم لدي ولا متأخر.» ~~يقول الشاعر: «عزيزتي مدينة سيكروبس»، ألا تقول أنت «عزيزتي مدينة زينوس»؟ ولا يخفى ~~على قارئ «مدينة الله» للقديس أوغسطين أنه قد تأثر فيها بعض الشيء بأفكار ماركوس ~~أوريليوس. # تلك هي «الجامعة الروحية» الرواقية التي يحل فيها «الإنسان» محل «المواطن»، ~~والوحدة العقلية محل الوحدة السياسية، والتي هذبت القانون الروماني وآزرت الدعوة ~~المسيحية إلى المحبة والرحمة، وألهمت مفكري التنوير بفكرة الإخاء الإنساني ~~والحرية والمساواة، وتزداد حاجتنا إليها في زمن العولمة وقد بات واضحا للجميع أن ~~البشرية مقبلة على حقبة جديدة ستكون فيها وحدة البقاء هي البشرية بأسرها لا ~~الفرد الواحد ولا مجموعة الأفراد ولا المجتمع المحلي. # 13 ~~(6) أصداء وجودية # الحياة مشروع، ولكي تتحقق كل ممكنات الإنسان وقدراته الكامنة ينبغي أن ينظر إلى ~~حياته على أنها عمل فني عليه أن يبدعه إبداعا وينقحه ويراجعه، «العقل الموجه ~~هو الذي يوقظ نفسه ويكيف نفسه، ويضفي على نفسه الطبيعة التي يريدها، ويجعل كل ~~ما يحدث له يبدو على النحو الذي يريده» (6-8). من أجل ذلك لا بد للمرء من ~~التوقف كل يوم بعض حين وإرجاء الاستجابات الاعتيادية، والالتفات اليقظ إلى ~~النفس، ووضع كل شيء على محك النقد والتمحيص. «إن حياة لا تخضع للنقد هي حياة لا ~~تستحق أن تعاش.» كما يقول سقراط. # في كتابه «تأملات لغير زمانها» يطرح نيتشه سؤاله عن الذات الحقة ويحدد ~~الطريق إلى هويتها ووحدتها؛ فالإنسان يحيا حياته ms186 مستسلما للكسل والنوم، غارقا في ~~بحر العادات والرغبات ومشاغل كل يوم. وفجأة يناديه صوت آت من أعماق ضميره: كن ~~نفسك. كل ما تفعله الآن وتفكر فيه وتتوق إليه شيء مختلف عنك. وتصحو «النفس ~~الشابة» من غفوتها وتحاول أن تسترد ذاتها. ها هي ذي تناجي نفسها قائلة: حقا ~~لست شيئا من هذا كله. ما من أحد يمكنه أن يتولى عنك بناء الجسر الذي يتحتم عليك ~~أن تعبريه فوق نهر الحياة، ما من أحد غيرك. صحيح أن هناك طرقا وجسورا وأنصاف ~~آلهة لا حصر لها تريد أن تحملك عبر النهر، لكن ذلك سيكلفك الثمن الباهظ، والثمن ~~الباهظ هو أن ترهني نفسك وتضيعيها. لا يوجد في العالم غير طريق واحد، ولا أحد ~~يمكنه أن يسير عليه سواك. لا تسألي إلى أين يؤدي هذا الطريق؟ عليك أن تقطعيه. ~~«كل نفس شابة تسمع هذا النداء ليل نهار فترتجف؛ لأنها تشعر بالقدر المقسوم لها ~~من السعادة منذ الأزل عندما تفكر في تحررها الحقيقي، غير أنها لن تبلغ ~~هذه السعادة ما بقيت مأسورة في أغلال الخوف ~~والآراء الشائعة. وكم تصبح الحياة مجدبة من كل معنى ومن كل عزاء إذا حرمت هذا ~~التحرر؛ فليس في الطبيعة مخلوق أولى بالرثاء أو أدعى إلى النفور والاشمئزاز من ~~إنسان تهرب من روحه الحارس وراح يطوف بعينيه فيما حوله، ويتلفت مرة ناحية ~~اليمين وأخرى لليسار أو الخلف. إن مثل هذا الإنسان لا يستحق حتى أن نهاجمه؛ لأنه ~~مجرد قشرة خارجية منزوعة اللب، ثوب بال منتفخ ملطخ بالألوان، شبح بائس لا ~~يستطيع حتى أن يثير فينا الخوف، وهو يقينا لا يستثير فينا العطف أو الإشفاق.» # 14 # أليس هذا وثيق الصلة بقول ماركوس في «التأملات»: «ما أشقى ذلك الإنسان الذي يظل ~~دوما لائبا محوما حول كل شيء، كما يقول بندار، منقبا في أحشاء الأرض!» ~~متحرقا إلى استشفاف ما يدور ببال جيرانه، وما يدري أن بحسبه أن ينصرف إلى ~~الألوهة التي بداخله ويكون له خادما حقيقيا» (2-13). # الروح رحبة عميقة لا يكاد يلم صاحبها بما ms187 يجري فيها، والتعلم هو اليقظة ~~والإفاقة؛ إذ يتعلم العقل المنتبه كيف يسترد خبرته من أسن العادة والتقليد ~~والغفلة. على الروح أن تضطلع بنفسها بهذه المهمة من خلال ممارستها اليومية للنقد ~~الذاتي، على طريقة ماركوس في تأملاته: «اتجه إلى ذاتك» (7-28). «حصنك الصغير الذي ~~بين جنبيك» (4-3). «ينبوع خير جاهز لأن يتدفق ...» (7-59). «كيف تؤمن لنفسك نبعا ~~دائما لا مجرد صهريج؟ بأن توطن نفسك طول الوقت على الحرية» (8-51). «لماذا ~~تشتتك المجريات الخارجية كل هذا التشتيت؟ اعط نفسك قسطا من الفراغ لكي تتعلم ~~درسا جديدا مفيدا، وكف عن التخبط هنا وهناك ...» (2-7). «ما كان يوما جهل ~~المرء بما يدور في رءوس الآخرين سببا للتعاسة والشقاء. إنما الشقي من لا ينتبه إلى ~~خطرات عقله هو، ولا يهتدي؛ من ثم، بهديه وإرشاده» (2-8). «السعادة تتعلق على ~~تقدير الذات لذاتها، وما زلت تحرمينها من ذلك وتعلقين سعادتك على الآخرين؛ ~~ذواتهم وآرائهم وتقديراتهم» (2-6). «ما أهنأ باله ذلك الذي لا يتطلع إلى ما يقوله ~~جيرانه وما يفعلون وما يفكرون، بل ينصرف إلى أفعاله هو ليجعلها عادلة موقرة ~~مشربة بالخير» (4-18). «كم تعجبت من أن كل إنسان يحب نفسه أكثر من أي شخص آخر، ~~بينما يضع رأيه في نفسه موضعا أدنى من رأي الآخرين فيه» (12-4). # في ضوء ما سبق يمكننا أن نقول، بلغة سيكولوجية معاصرة، إن شطرا كبيرا من ~~العلاج الرواقي يقوم على «نقل موقع الضبط». يشير مفهوم «موقع الضبط» # locus of control # إلى إدراك الشخص لما ~~تكونه الأسباب الرئيسية لأحداث الحياة؛ هل تعتقد أن مصائرك تصنعها أنت بنفسك، أو ~~تعتقد أن مصائرك يصنعها الآخرون أو يصنعها الحظ أو المصادفة؟ هل تعتقد أن سلوكك ~~تسيره قراراتك الداخلية، أو تعتقد أن سلوكك تسيره الظروف الخارجية؟ هل ترى أن ~~نتائج أفعالنا مترتبة على ما نفعله نحن (ضبط ~~داخلي # internal L.O.C ~~) أو ترى أنها مترتبة على أحداث خارج سيطرتنا الشخصية ~~(ضبط خارجي # external L.O.C ~~)؟ # يعد «موقع الضبط» جانبا مهما من جوانب الشخصية. وهو مفهوم أسسه ~~جوليان روتر # Jullian ms188 Rotter # في الستينيات من ~~القرن العشرين، وكان يسميه «موقع ضبط ~~التدعيم» # L.O.C of reinforcement ~~. يعقد روتر صلة بين السيكولوجيا السلوكية ~~والسيكولوجيا المعرفية؛ فقد ذهب إلى أن السلوك تسيره «التدعيمات» # reinforcements ~~(المكافآت والعقوبات، أو ~~الثواب والعقاب)، وأنه من خلال التدعيمات يؤسس الناس اعتقاداتهم عن أسباب أفعالهم، ~~ثم تقوم هذه الاعتقادات بدورها بتحديد الاتجاهات والمواقف والسلوكات التي ~~يتبنونها. # بصفة عامة، وبشيء من التبسيط والتقريب، يعد الضبط الداخلي أفضل تكيفيا من ~~الضبط الخارجي. وتقوم كثير من التدخلات العلاجية النفسية والتعليمية على نقل ~~موقع الضبط لدى الشخص من الخارج إلى الداخل حتى يصبح مالكا لإرادته متحكما في ~~أفعاله محددا لمصيره. والرواقية، من بين جميع الفلسفات والعلاجات، خير ما ~~يغرس في الإنسان «موقع ضبط داخليا»؛ فالحكيم الحق هو شخص لا سلطان للأهواء ~~والانفعالات على نفسه . وإن سهام الحوادث لتنكسر تحت قدميه (على حد تعبير سينيكا). ~~وإنه لا يعرف الهم ولا الوجل ولا الأسف ولا الرجاء، غني من غير مال، ملك من غير ~~مملكة (بتعبير شيشرون). يضاف إلى هذه الخصال شيء أهم؛ هو أن لا شيء في الوجود ~~يستطيع أن يسلبه إياه. # 15 ~~(7) قهر الخوف من الموت # التأمل في قصر الحياة وزوالها، والتأهب للرحيل عن الحياة، ثيمة متواترة في ~~«التأملات»، وفي غيرها من كتابات الرواقيين. ولقد كان سقراط، الأب الروحي ~~للرواقيين وقدوتهم، يؤكد على أن الفلسفة برمتها هي استعداد وتأهب للموت! ~~يقول سينيكا: «القلب الذي طردت منه رهبة الموت لن يجرؤ الخوف على دخوله.» # وفي «هملت» شكسبير نجد صدى رواقيا لتأمل الموت، في مشهد المقبرة؛ حيث يتناول ~~هملت جمجمة يوريك، مضحك الملك، قائلا: «... ويحك يا يوريك المسكين! لقد كنت أعرفه ~~يا هوراشيو. كانت دعابته لا تنتهي، وخياله بارعا كل البراعة. لقد حملني على ظهره ~~ألف مرة، والآن تعاف نفسي تصور ذلك ... من هنا كانت تتدلى الشفتان، اللتان ~~قبلتهما مرارا يخطئها العد، أين نكاتك الآن ودعاباتك؟ وأغانيك وفكاهاتك ~~البارعة، التي أثارت القهقهة حول الموائد؟ ألم تبق لديك نكتة واحدة تسخر بها من ~~فمك المفتوح؟ هل أخنى عليك ms189 الدهر تماما؟ اذهب الآن إلى مخدع السيدة العظيمة، وقل ~~لها عبثا تضعين الأصباغ سمكها بوصة. إن هذا سيكون مصيرك. اجتهد لتجعلها تضحك من ~~هذه النكتة ...» (هملت، الفصل 5، المشهد الأول). # وفي «التأملات» يقول ماركوس: «لا تحتقر الموت، بل رحب به لأنه جزء أيضا مما ~~تريده الطبيعة؛ فمثلما نشب ونشيخ، ومثلما نكبر وننضج، وتنمو أسنانا ولحانا وشعرنا ~~الرمادي، ومثلما نتزوج وننجب، كذلك نموت ونتحلل؛ فمن ألف التفكير والتعقل لا ~~يجزع من الموت ولا يبتئس له ولا ينفر منه، بل ينتظره كما ينتظر فعلا من أفعال ~~الطبيعة. وكما أنك الآن قد تكون منتظرا طفلا حملته امرأتك أن يولد من رحمها، ~~كذلك ينبغي لك أن تتشوف إلى اللحظة التي تنسل فيها روحك من هذا الغلاف» ~~(9-3). # وحين يتحدث المعالجون الوجوديون، مقتفين في ذلك أثر هيدجر، عن الوجود الأصيل - إلى - ~~الموت # authentic being towards-death ~~، فإنما يرددون ثيمة رواقية ويتخذون تقنية علاجية ~~فلسفية قديمة هي «التأمل في ~~الموت» # melete thanatou ~~. يقول ماركوس في «التأملات»: «انظر إلى أي ضرب من الموت ~~يولد كل شيء» (10-18). ويرى الوجوديون أن الوجود الإنساني هو «وجود للموت» ... وجود ~~متجه نحو الموت؛ فبمجرد أن يولد الإنسان يكون ناضجا للموت، وكل حي يحمل جرثومة ~~موته بين جوانحه منذ اللحظة الأولى، ولكن الناس يوهمون أنفسهم بالمنعة من الموت ~~ويتعامون عن حقيقته رغم أن فيها يتم الشعور بالفردية إلى أقصى درجة؛ فكل محتضر ~~يموت وحده ولا يسع أحدا أن يموت نيابة عنه؛ فالموت هو الحادثة الوحيدة في حياة ~~الإنسان التي هي خاصة به بشكل فريد مطلق. وفي هذا القلق أعلى ما يكشف عن الوجود ~~الذاتي الحق، وفيه ما ينتشل الإنسان من الخسران اليومي ويرده إلى الوجود الأصيل ... ~~يرده إلى نفسه. إن الموت هو أصدق الممكنات الإنسانية وأكثرها جوهرية وأصالة. وليست ~~هذه فلسفة تشاؤمية بل هي بالأحرى مذكر حي بأهمية العيش ذاته وجديته، ~~ونفاسة كل آنة من آنات الحياة؛ فالعزيمة هي الثمرة الطبيعية ل «الوجود للموت» ~~تكرسنا لوجود أصيل، وتحملنا على أن نعرف قيمة وجودنا ونأخذه ms190 مأخذ الجد، وأن ~~نسعى ملء الممكن ونعيش ملء اللحظة. # 16 # الموت هو بين الهموم النهائية أكثرها وضوحا وجلاء؛ فليس بخاف على الجميع أن ~~الموت آت لا مرد له. إنها حقيقة مرعبة. ونحن نستجيب لها في المستويات الأعمق من ~~دواخلنا برعب أكبر؛ فكل شيء كما يقول سبينوزا «يريد أن يبقى على حاله.» إنه ~~لصراع صميمي ذلك الناشب بين وعينا بالموت المحتوم وبين رغبتنا الآنية في ~~البقاء. تلك هي الرؤية الوجودية. فالموت يضطلع بدور كبير في خبرة المرء الداخلية، ~~ويرادوه كما لا يراوده أي شيء آخر، الموت يدمدم بلا توقف تحت غشاء الحياة. ~~وهم الموت يغمر الإنسان منذ نعومة أظفاره؛ فالتعامل مع خطر المحو والإزالة هو ~~من المهام الكبرى التي يتعين على الطفل أن ينهض بها في رحلة نموه. وليس لنا من ~~سبيل كي نصمد أمام هذا الخطر المصلت إلا أن ننصب دفاعات ضد الوعي بالموت. وهي ~~دفاعات قائمة على التعامي والإنكار، وتدخل في تشكيل بنية الشخصية، فإذا كانت ~~دفاعاتنا غير توافقية أدى بنا ذلك إلى أمراض سوء التوافق؛ فالمرض النفسي ينجم إلى ~~حد كبير عن فشلنا في تخطي حقيقة الموت والعلو عليها، والأعراض النفسية ~~والبنية الشخصية السيئة التوافق تنبع جميعها من رعب الموت وخوف المرء من الفناء والزوال. # 17 # وليس كالرواقية فلسفة تؤهل الإنسان للاعتراف بحقيقة الموت والصلح مع هذه ~~الحقيقة، بل إلى التأهب للموت و«إتقانه» شأنه شأن أي عمل آخر يؤديه الإنسان! ~~«فحتى هذا ... فعل الاحتضار ... هو أحد أفعال الحياة ... وبحسبك هنا أيضا أن تتقن ما ~~تعمله جهد ما تستطيع» (6-2). «وما الموت؟ إن من يتأمل الموت في ذاته، ويعمل فيه ~~التحليل العقلي ليجرده مما يرتبط به من دلالات سوف يخلص إلى أنه لا يعدو أن ~~يكون وظيفة طبيعية، ومن يرتاع لوظيفة من وظائف الطبيعة فهو طفل غرير. ليس الموت ~~وظيفة طبيعية فحسب بل إنه أيضا لخير الطبيعة وصالحها» (2-12). ~~(8) النظرة من فوق # خذ نظرة من فوق. ~~(التأملات: 9-30) # من التقنيات العلاجية الرواقية اتخاذ منظور إلهي تجاه نجاحاتنا وإخفاقاتنا، ~~وتجاه ms191 جميع الأحداث والأشياء. «إنما يأتي العزاء من محاولة العلو إلى رؤية أحداث ~~العالم كما يراها الله بقدر المستطاع وبقدر ما يمكن أن يتاح للبشر. وإنما يأتي ~~القنوط نتيجة للرؤية الضيقة والمغرقة في البشرية والأرضية. مهمة الفلسفة أن ~~ترتفع ببصائر الإنسان وأن تهبه شيئا من الرؤية الإلهية. وما دام للفلسفة مثل ~~هذه القدرة فإنها أمل الإنسان في العزاء. إن من المتعذر عليك أن تفهم المحنة ~~بمعزل أو تفهم البلاء على حدة، بل يتعين أن تضعه في المخطط الكلي للأشياء. أن ~~تفعل ذلك يعني أن تتفلسف. إن الفلسفة لا تغير الأحداث ولا تعكس الحظ، غير أنها ~~تقدم فهما تعود بعده أحداث الحياة مقبولة بل ممتعة. # 18 # في «حلم سكيبيو» لشيشرون يظهر جده الأعلى ويشير له من مجرة «درب اللبانة» ~~إلى كوكب الأرض الضئيل الهزيل. وفي الكوميديا الإلهية يقول دانتي: «أرجعت البصر ~~خلال السموات السبع، فرأيت هذا الكوكب ضئيلا جدا وضائعا في الفضاء، فابتسمت ~~مرغما لمثل هذا المنظر المؤسف» (الكوميديا الإلهية، الفردوس 22: 133-135). وفي ~~«التأملات» يقول ماركوس أوريليوس: «تأمل مسارات النجوم كما لو أنك تسير معها ~~حيث تسير، وتأمل دوما تحولات العناصر بعضها إلى بعض، جديرة هذه التأملات أن ~~تغسل عنك أدران الحياة الأرضية» (7-47). «ثم عندما تتحدث إلى بني الإنسان فلتنظر ~~إلى الأشياء الأرضية كأنك تنظر إليها من نقطة عالية؛ الجموع، الجيوش، المزارع، ~~أحداث الزواج والطلاق والميلاد والموت، صخب المحاكم، الصحاري، شتى الأمم الأخرى، ~~الاحتفالات، الجنازات، الأسواق؛ خليط كل الأشياء والاتحاد المنظم للأضداد» (7-48). ~~«خذ نظرة من فوق؛ انظر إلى ألوف القطعان والأسراب، وألوف الشعائر والاحتفالات ~~الإنسانية، وما لا يحصى من ضروب الترحال في العاصفة والهدأة، وألوان الاختلاف بين ~~من يولدون ومن يعيشون معا ومن يموتون ...» (9-30). «إذا ما رفعت فجأة إلى ~~ارتفاع هائل وأمكنك أن تنظر إلى مشاغل البشر بشتى صنوفها، هل هذه الأشياء تستدعي ~~الزهو والخيلاء؟» (12-24). «... كم هي ضيقة تلك المساحة التي يجول فيها مجدك، الأرض ~~برمتها مجرد نقطة في الفضاء؛ فما أهون ذلك الركن الذي تقطنه وما أقلهم ms192 ~~وأهونهم أولئك الذين ترتقب منهم ها هنا التمجيد والمدح. لن يبقى لك سوى هذا؛ حصنك ~~الصغير الذي بين جنبيك، فأو إليه ... حيث لا كرب، على الأقل، ولا وصب» (4-30). «ما ~~أقصر مدة المرء في هذه الحياة، وما أصغر البقعة التي يقطنها على الأرض. وقصير ~~أيضا مجده بعد وفاته مهما امتد، فهو قائم على تعاقب قليل من البشر سرعان ما ~~يموتون ولا يعودون يعرفون أنفسهم ناهيك بمن مات منذ زمن بعيد!» (3-10). «قصيرة هي ~~حياة المادحين والممدوحين معا، الذاكرين والمذكورين. كل هذا في مجرد ركن من ~~قارة واحدة. وحتى هنا ليس الجميع في تناغم بعضهم مع بعض، ولا حتى الفرد في تناغم ~~مع نفسه. والأرض برمتها مجرد نقطة في الفضاء» (8-20). «آسيا وأوروبا مجرد ~~ركنين صغيرين من العالم. كل محيط هو نقطة في العالم. جبل أثوس حفنة تراب في ~~العالم. الزمن الحاضر كله هو ثقب دبوس في الأبدية. كل الأشياء ضئيلة وسريعة ~~التغير وزائلة ...» (6-36). «بوسعك أن تنحي الكثير من المنغصات غير الضرورية ~~التي تكمن بأكملها في حكمك أنت. عندئذ ستوفر لنفسك مكانا رحبا بأن تفهم الكون ~~كله وتستوعبه في عقلك، وبأن تتفكر في أبدية الزمان، وتتأمل في التغير السريع الذي ~~يعتري كل شيء في كل جانب؛ ما أضيق الفجوة الزمنية التي سبقت مولدك والفجوة ~~اللانهائية المماثلة التي تعقب فناءك» (9-32). «ما أصغر نصيب كل منا من الزمن؛ ~~حصته الضئيلة من الهوة الزمانية اللانهائية، لسرعان ما تبتلعها الأبدية. وما أضأل ~~حصته من مادة «الكل» وروح «الكل». ما أضألها في جملة الأرض تلك البقعة التي تزحف ~~عليها. تأمل في كل هذا ولا تكبر شيئا سوى الكدح إلى حيث تقودك طبيعتك، ~~والتسليم بما تأتي به طبيعة العالم» (12-32). ~~(9) تصويب الاستخدام اللغوي («قل ولا تقل» الرواقية) # ضع لنفسك تعريفا او وصفا للشيء الذي يعرض لعقلك ... بحيث يمكنك أن تفضي إلى ~~نفسك باسمه الصحيح. ~~(التأملات: 3-11) # من التقنيات التي ألمح إليها الرواقيون بصدد التخلص من الانفعالات الضارة؛ ~~تعديل الرصد اللفظي للموقف المنغص حتى تنكمش المحنة ms193 الموهومة وتتقلص، وربما ~~تتبدد فيدرك المرء أنها لا وجود لها في حقيقة الأمر. # في مقاله «علاقة التفكير والسلوك الاعتياديين باللغة» يقول بنيامين ورف إن نعت ~~«فارغ» حين يلصق ببرميل بنزين يصبح حاملا لخطر الحريق! إن الموقف هنا خطر من ~~الوجهة المادية، غير أن الضرورة اللغوية تضطرنا إلى استخدام لفظة توحي بالخلو من ~~الخطر، وتضرب صفحا عن «امتلاء» البرميل في حقيقة الأمر ب «الأبخرة» وبقايا ~~السائل والمخلفات القابلة للاشتعال. # 19 # واللغة عند الرواقيين هي فعل للإرادة، به ينظر إلى العالم بطريقة من شأنها ~~أن تحصر الخبرة في صورة ثابتة؛ ومن ثم فإن تعلم استخدام ألفاظ مختلفة هو ~~نوع من تغيير زاوية تقاطع الذات مع الحياة الجارية. إنه لا يغير الأشياء وإنما ~~يراها رؤية جديدة أكثر واقعية ودقة، يراها في نصابها الصحيح: يقول إبكتيتوس: «لا ~~تقولن عن أي شيء: «لقد فقدته.» بل قل: «لقد رددته.» هل مات ولدك؟ لقد «استرد»، ~~هل ماتت زوجتك؟ لقد «استردت»، هل أخذت منك ممتلكاتك؟ ألم تسترد هذه ~~أيضا؟» # وفي «التأملات» يقول ماركوس أوريليوس إن كلمة «الفقدان» لا تعني أكثر من ~~«التغير»، وهو بذلك يذيب الوقع السيئ لكلمة «فقدان»: «الفقدان ليس أكثر من ~~تغير، طبيعة العالم تفرح بالتغير، وكل ما يجري من الطبيعة إنما يجري من أجل ~~الخير» (9-35). كذلك الشأن في كلمة «موت» أو «هلاك»: «وتهلك يجب أن تؤخذ هنا ~~بمعنى تتغير» (10-7). # وطوال تأملاته تجد وقفات كثيرة للمراجعة اللغوية والتصويب اللفظي، وتجد ~~استباقا مدهشا لفكر بنيامين ورف: «كل ما يوجد هو بمعنى ما «بذرة» لما يأتي ~~بعده. فإذا كان مفهوم «البذرة» عندك محصورا فيما يوضع في الأرض، أو في الرحم، ~~فذاك لعمري تفكير مغرق في السوقية» (4-36). «إنهم لا يعرفون ما تعنيه هذه ~~الكلمات: «السرقة»، «البذر»، «الشراء»، «الاستجمام»، «الواجب»؛ فذاك شيء يحتاج إلى ~~رؤية أخرى غير رؤية العين» (3-15). ويبدو أنهم أيضا لا يعرفون ما تعنيه كلمة ~~«قدرة»: «أكثر قدرة على الإطاحة بخصمه أرضا، ولكن ليس أكثر قدرة على الود أو ~~التواضع، أو مواجهة الأحداث، أو ms194 العفو عن زلات جيرانه» (7-52). ولا يعرفون معنى ~~كلمة «مصاب»: «... وهل تسميه «مصابا» للإنسان، على كل حال، ذلك الذي لا يشذ عن ~~طبيعة الإنسان؟ أو تسميه «شذوذا» عن طبيعة الإنسان ذلك الذي لا يتعارض مع أهداف ~~طبيعته؟» (4-50)، «... كل يثمر ويؤتي أكلا في أوانها، ولا يهم إذا كان الاستخدام ~~الشائع يقصر معنى الإثمار على الكروم وأشباهه؛ فالعقل أيضا له ثمره، العمومي ~~والخاص؛ ثمة أشياء أخرى تنمو منه وتشارك في طبيعته» (9-10). «ستتبين هذا بوضوح ~~شديد كلما قلت لنفسك إنني «عضو» # melos # في منظومة ~~الكائنات العاقلة. أما إذا قلت إنني «جزء» # meros ~~... بتغيير الحرف الواحد # l # إلى # r ~~، فأنت بعد لا تحب رفاقك البشر من قلبك، ~~وفعلك الخير لا يبهجك كغاية في ذاته، ما زلت تفعل البر بوصفه أدبا وواجبا ~~وليس بوصفه برا بنفسك» (7-13). # وانظر إليه كيف يعالج الألم الناجم عما يظنه الناس «نحسا» أو «سوء حظ»؛ علاجا ~~«لغويا» محضا: ~~- كنت ذات يوم رجلا محظوظا، لا يتخلى عني الحظ في كل صغيرة وكبيرة، واليوم ~~تخلى عني لا أعلم كيف. ~~- «ولكن كلمة «محظوظ» تعني ذلك الرجل الذي حدد لنفسه حظا سعيدا، و«الحظ ~~السعيد» هو نزوع النفس إلى الخير، هو الوجدانات الخيرة والأفعال الخيرة» (5-37). ~~«تذكر إذن في كل حدث منغص هذا المبدأ: ليس هذا بالحظ السيئ، بل احتمال هذا ~~بنبالة وكرم هو حظ سعيد» (4-49). «أسعد الحظ كله أن تغادر الناس ولم تعرف قط طعم ~~الكذب ولا الرياء ولا الخيلاء ولا الغرور ...» (9-2). «... فلماذا لا أدعو الله أن ~~يهبني نعمة ألا أخاف من أي شيء مما أخاف منه، وألا أتشهى ما أتشهاه، وألا أتألم ~~من أي شيء، لا أن يجعل أي شيء من هذه الأشياء يحدث أو لا يحدث، جرب إذن أن ~~تحول دعاءك على هذا النحو وانظر ماذا يكون» (9-40). ~~(10) البعد السلوكي في العلاج الرواقي # بحسبك من كلام عما ينبغي أن يكون عليه الرجل الصالح؛ كن رجلا ~~صالحا. ~~(التأملات: 10-26) # للعلاج الرواقي مرحلتان؛ الأولى مرحلة تعليمية بالاستخدام الصحيح للانطباعات، ~~ونقل ms195 موقع الضبط، وتعلم المنظومة القيمية الرواقية، والثانية مرحلة تطبيقية ~~ترمي إلى إعادة بناء العادات المعرفية وإعادة بناء العادات السلوكية. # ذلك أن تصويب الأخطاء المعرفية، على ضرورته، ليس يكفي لنسخ سنوات طويلة من ~~الاعتياد الخاطئ، إنما التدريب الذاتي المستمر، على طريقة ماركوس أوريليوس، هو أمر ~~لا بد منه لتحويل الحكم الصحيح إلى «عادة» وخليقة وطبيعة وسجية، إلى شيء لا ~~ينفصل عن المرء لأنه صار جزءا منه. يقول ماركوس: «في تطبيقك لمبادئك كن كالملاكم ~~لا كالمجالد: فالمجالد # gladiator # مرتهن لسيفه ~~الذي يستخدمه، يرفعه أو يسقط منه ويقتل، أما الملاكم فلديه دائما يده، وليس ~~عليه إلا أن يستخدمها» (12-9). # في «الأخلاق النيقوماخية» (الجزء الأول، القسم 4) يقول أرسطو أن مساواة الخير ~~بالمعرفة، على طريقة سقراط وأفلاطون، هي مبالغة وشطط، وقد أعاد الأمر إلى نصابه بأن ~~أوضح أن أساس المعرفة الأخلاقية عند الإنسان هو المجاهدة والكدح وتطورهما إلى ~~خليقة مكينة وسلوك ثابت # hexis ~~، وإن اللفظة نفسها # ethics # لتدل على أن أرسطو يقيم الفضيلة ~~على الممارسة وعلى الإيثوس # ethos ~~... أي الطبع، ~~الشخصية. # ينصح إبكتيتوس الطالب المبتدئ في الفلسفة بأن يوغل في التدريب برفق ، ولا يتصدى ~~في البدايات لما لا طاقة له به؛ فقد يكون إغراء المواقف الحياتية أشد من قدرة ~~العقل على الحكم الصحيح، و«ليس من العدل أن تتبارى الجرة النحاسية والجرة الخزفية ~~كما تقول الحكاية»، # 20 # المباراة، مثلا، بين المرأة الفاتنة والشاب المبتدئ في الفلسفة ليست ~~مباراة متكافئة. والحل هنا ليس المزيد من المعرفة بل المزيد من التدريب والمران ~~وتقوية العادة. يقول ماركوس: «درب نفسك حتى على ما يئست من التمكن منه؛ ~~فاليد اليسرى، لنقص الممارسة، خرقاء في أغلب المهام، غير أنها أشد إمساكا ~~باللجام من اليد اليمنى؛ فلقد تدربت على ذلك» (12-6). «كيفما تكن أفكارك ~~المعتادة تكن طبيعة عقلك؛ فالنفس تصطبغ بالأفكار. اصبغ نفسك إذن بسلسلة متصلة ~~من الأفكار مثل هذه ...» (5-16). «التجهم شيء مضاد للطبيعة. وإذا أصبح عادة ~~متكررة فإن صباحة الوجه وتعبيره يموتان رويدا رويدا. وربما ينطفئان في النهاية ~~انطفاء لا ضرم ms196 بعده» (7-24). «... كيف يمكن أن تموت مبادؤك ما لم تمت التصورات ~~العقلية المناظرة لها؟ ولكن بيدك أن تروح هذه التصورات باستمرار وتحيي ~~ضرامها» (7-2). «إذا قذفت بك الظروف في نوع من الكرب فعد إلى نفسك سريعا، ~~ولا تبق خارج الإيقاع أطول مما ينبغي؛ فسوف يزداد تمكنك من التناغم بدوام ~~العودة إليه.» # د. عادل مصطفى # philoadel@yahoo.com # | قطوف من «التأملات» # | قطوف من «التأملات»1 # تذكر أن ملكة الرأي هي كل شيء، وأن رأيك بيدك. امح رأيك إذا شئت، وستجد ~~السكينة. ستكون كالبحار الذي يدور حول رأس الأرض، فيجد ماء هادئا، وخليجا ساجيا ~~بلا أمواج. ~~*** # أعلى مراتب الحرية والقوة هي ألا يفعل الإنسان إلا ما يرضي الله، وأن يتقبل كل ~~ما يقسمه الله له. ~~*** # يقول الفيثاغوريون: «تأملوا السماء في الفجر.» كي نذكر أنفسنا بثبات تلك ~~الأجرام السماوية، التي تؤدي الشيء نفسه على الدوام وبالطريقة نفسها، ونذكر أنفسنا ~~بنقائها وتجردها؛ فليس على نجم حجاب. ~~*** # يحتقر بعضهم بعضا، وينافقه رغم ذلك. يريدون العلو والترقي، وينبطحون رغم ~~ذلك. ~~*** # تذكر في نوبات غضبك أن الغضب ليس من الرجولة في شيء، وأن الرحمة واللين أكثر ~~إنسانية وبالتالي أكثر رجولة؛ فالرحماء هم ذوو القوة والبأس والشجاعة وليس القساة ~~ولا الساخطون؛ فكلما تحكمت في انفعالاتك كنت أقرب إلى القوة؛ فالغضب دليل ضعف ~~شأنه شأن الجزع؛ فالغاضب والجزع كلاهما أصيب وكلاهما استسلم. ~~*** # حين تتكدر في أي ظرف فقد نسيت عدة أشياء؛ نسيت أن كل ما يجري فبإرادة ~~طبيعة «الكل»، وأن الإثم لا يضير إلا مرتكبه، ونسيت أن كل شيء يحدث فقد كان ~~يحدث هكذا فيما مضى، وسيظل يحدث هكذا في المستقبل، وما ينفك يحدث الآن في كل مكان. ~~وأن الكائن الإنساني وثيق القرابة بالجنس البشري كله، لا قرابة دم أو بذرة؛ بل مجتمع ~~عقلي. ونسيت أيضا أن عقل كل إنسان إله ودفقة من الألوهية. وأن لا شيء ملك لنا، ~~بل حتى طفلنا وجسدنا نفسه إنما جاء من ذلك المصدر. وأن كل شيء هو كما أراده ~~التفكير أن يكون، وأن كلا منا لا يعيش ms197 إلا اللحظة الحاضرة، ولا يفقد إلا ~~إياها. ~~*** # ما من نشاط يضيره أن يتوقف ما دام قد توقف في الوقت المناسب، ولا فاعله يضيره ~~شيئا أن هذا النشاط المعين قد توقف؛ وعلى ذلك فإذا بلغت جملة أفعاله، التي ~~تشكل حياته، نهايتها في الوقت المناسب فلا ضير عليها من مجرد التوقف، ولا ضير ~~على من ختم هذه السلسلة من الأفعال في الوقت المناسب. أما الوقت والأجل ~~فتحددهما الطبيعة؛ طبيعة الإنسان أحيانا كما في الشيخوخة، وطبيعة العالم في كل ~~الأحيان، والتي من خلال التغيير الدائم لأجزائها المكونة تبقي العالم كله صبيا ~~وعفيا. وكل ما ينفع العالم فهو حسن وفي إبانه؛ لذا فلا بأس على الإطلاق بأن تنتهي ~~حياة كل منا؛ فلا النهاية عيب ولا اختيار ولا هي ضد الصالح العام، بل هي خير؛ إذ ~~تقع في التوقيت الملائم ل «الكل»، وتصب في صالحه، وتنسجم معه؛ فكذلك أيضا يمشي ~~المرء بعون الرب إذا مضى باختياره ووجهته على طريق الرب. ~~*** # تأمل إذن ما يجري في مثل هذا الأمر الخفي، وانظر «القوة» وهي تفعل فعلها، تماما ~~مثلما نرى «القوة» وهي تحمل الأشياء إلى أسفل وإلى أعلى. انظر «القوة» لا بالعين، وإن ~~لم تكن أقل وضوحا. ~~*** # إذا نفضت عن عقلك ما يرين عليه من انطباعات الحس ومن هموم الآتي والماضي، جاعلا ~~نفسك مثل كرة أمبدوقليس: «تامة الاستدارة تتقلب في نعيم وحدتها.» لا تبتغي إلا أن ~~تعيش ما هو حياتك الحقة - أي الحاضر - سيكون بوسعك أن تقضي ما تبقى لك من العمر ~~في هدوء وسكينة وسلام مع روحك الحارس. ~~*** # أوراق، # 2 # البعض تبعثره الريح على الأرض، # هكذا هي أجيال البشر. # أطفالك أيضا مجرد «أوراق». أوراق أيضا تلك الأصوات التي تهتف بمدح ~~الملك، وتلك اللعنات من مناوئيك، وهذا الملام الصامت أو السخرية المكتومة ... مجرد ~~أوراق مماثلة أيضا أولئك الذين سيتلقون وينقلون مجدك المستقبلي للأزمنة الآتية؛ ~~فكل هذه الأشياء «تنتج في فصل الربيع» ... ولكن لا تلبث الريح أن تذروها ... ~~*** # الأرض تحب المطر، والسماء الجليلة تحب أن تمطر. العالم كله يحب ms198 أن يخلق المستقبل. ~~أقول للعالم إذن: «إنني أبادلك الحب.» ~~*** # أما أن تظل الإنسان نفسه الذي كنته حتى الآن، أن تتمزق وتتشوه في هذه ~~الحياة التي تحياها؛ فهو مجرد حرص بليد على الحياة، أشبه بحال المجالدين # gladiators # الذين أكلت الوحوش نصف أبدانهم ~~وهرستهم وسربلتهم بالدم، ولا يزالون يتوسلون للإبقاء على حياتهم إلى اليوم التالي ~~رغم أنهم في اليوم التالي سيتعرضون في نفس الحالة إلى نفس المخالب والأنياب. إذا ~~أحسست أنك تسقط وتفقد توازنك فالجأ بنفس راضية إلى ركن ما حيث تستعيد اتزانك. ~~وإلا فاجعل لك مخرجا عاجلا من الحياة، لا بانفعال بل ببساطة وحرية وتواضع، ~~جاعلا هذا الرحيل إنجازا واحدا مشرفا في حياتك على أقل تقدير. ~~*** # أيما شيء يحدث لك فقد كان يعد لك منذ الأزل، وكان مقتضى الأسباب يغزل لك ~~منذ الأزل خيط وجودك وخيط هذا الحدث المحدد. ~~*** # تشاغب أطفال ولعبهم، أرواح ضئيلة تحمل جثثا، هكذا شأن كل شيء؛ إن العالم ~~السفلي في «الأوديسة» ليبدو للعين أكثر واقعية! ~~*** # عليك أن تترك خطأ غيرك حيث ارتكب. # اليوم هربت من كل المنغصات، أو بالأحرى ألقيت بها جانبا. لم تكن هذه شيئا ~~خارجيا، بل كانت بداخلي ؛ إنها أحكامي ليس إلا! ~~*** # الأشياء واقفة خارجنا، قائمة بذاتها، لا تعرف شيئا عن نفسها ولا تدلي بشيء. ما ~~الذي يدلي إذن؟ عقلنا الموجه. ~~*** # قد يرتكب الظلم بالإحجام عن الفعل، مثلما ~~يرتكب بإتيانه. ~~*** # لا تكن متثاقلا في فعلك، ولا مشوشا في محادثتك، ولا غامضا في تفكيرك. ولا ~~تترك عقلك نهبا للانقباض ولا للتيه. واجعل في وقتك ساعة للفراغ والترويح. ~~- «إنهم يقتلونني، يمزقونني، يلعنونني.» ~~- وكيف يمكن لكل ذلك أن يحول بين عقلك وبين الصفاء والحكمة والرصانة والعدل؟ هب ~~واحدا أتى إلى نبع من الماء النمير وأخذ يلعنه، فهل سيمنع النبع من أن يظل ~~يتدفق بالماء الزلال؟ وهبه ألقى فيه بشيء من الطين والروث ... فلن يلبث ~~النبع أن يفتته ويزيحه ويعود إلى نقائه. كيف إذن تؤمن لنفسك نبعا دائما لا ~~مجرد صهريج؟ بأن توطن نفسك طول الوقت على الحرية، وتظل ms199 قانعا، بسيطا، ~~متواضعا. ~~*** # العقل الخالي من الانفعالات هو قلعة؛ ليس ثمة ملاذ للناس أقوى منه، ومن يأوي ~~إليه فهو في حصن حصين؛ فما أجهله من لا يرى هذه القلعة! وما أتعسه من لا يلوذ بهذا ~~الحصن! ~~*** # تذكر أن تغييرك لرأيك أو قبولك لتصويب يأتي من غيرك هو شيء يتسق مع حريتك ~~قدر اتساق عنادك وإصرارك على خطئك؛ فالفعل فعلك، تحثه رغبتك أنت وحكمك، ~~وفهمك في حقيقة الأمر. ~~*** # نقب في ذاتك. ها هنا بالداخل ينبوع خير جاهز لأن يتدفق في أي لحظة إذا ما ~~بقيت تنقب. ~~*** # تخيل أنك الآن ميت، وأن حياتك انتهت في هذه اللحظة، ثم عش ما تبقى لك من العمر ~~في وفاق مع الطبيعة. ~~*** # كمال الخلق في هذا؛ أن تعيش كل يوم كما لو كان آخر أيامك، بغير سعار وبغير ~~بلادة وبغير رياء. ~~*** # تستخدم الطبيعة مادة العالم مثلما يستخدم الشمع؛ فتارة تخلق منه كهيئة حصان، ثم ~~تصهره وتستخدم مادته لخلق شجرة، ثم إنسان، ثم شيء آخر. كل شيء من هذه الأشياء لا ~~يدوم إلا قليلا. ليس صعبا على الوعاء أن ينحطم، مثلما لم يكن صعبا عليه أن يستوي ~~من قبل وعاء . ~~*** # الأبهة الفارغة للمواكب والاحتفالات، عروض المسرح، القطعان والأسراب، عروض ~~المقارعة بالسيف؛ عظمة ملقاة للجراء، فتات ملقى لسمك البركة، نمل يكدح ~~وينوء بأحماله، عدو فئران مذعورة، دمى ترقصها خيوطها. هكذا أشياء ~~العالم. ~~*** # الموت انعتاق من الاستجابة للحواس، ومن خيوط دمى الرغبة، ومن العقل التحليلي، ومن ~~خدمة اللحم. ~~*** # من العار أن تخذلك الروح في هذه الحياة قبل أن يخذلك جسمك. ~~*** # كم رفاق أتيت معهم إلى العا # لم يوما أراهم الآن غيب ~~*** # سرعان ما ستصير رمادا أو عظاما، مجرد اسم أو حتى لا اسم. والاسم ماذا يكون غير ~~صوت وصدى؟ وكل ما نعليه ونغليه في الحياة هو شيء فارغ وعفن وتافه؛ جراء يعض ~~بعضها بعضا، وأطفال تتشاجر، تضحك، وما تلبث أن تبكي. أما الإخلاص والشرف والعدل ~~والصدق فتفر إلى أوليمبوس من كل أرجاء الأرض المترامية. ~~*** # انظر مليا كيف يزاح كل ms200 ما هو قائم وكل ما هو قادم ويصير ماضيا ويزول زوالا. ~~الوجود مثل نهر في تدفق دائم، وأفعاله تعاقب ثابت للتغير! وأسبابه لا تحصى ~~في تنوعها. لا شيء يبقى ثابتا حتى ما هو حاضر عتيد. تأمل أيضا الهوة ~~الفاغرة للماضي والمستقبل التي تبتلع كل شيء. أليس بأحمق من يعيش وسط هذا كله ~~ثم تحدثه نفسه بأن يلج في الأمل أو يهلك في الكفاح أو يسخط على نصيبه؟! ~~وكأن أي شيء من هذا دائم له أو مقدر أن يؤرقه طويلا. ~~*** # ثراء طائل لا يترك محلا لقضاء الحاجة! ... ذلك حال الثروة وامتيازات الفخامة ~~والشهرة. ~~*** # سأبقى سائرا في طريق الطبيعة حتى أسقط وأخلد إلى الراحة، فألفظ أنفاسي ~~الأخيرة في هذا الهواء ذاته الذي تنفسته عبر أيام عمري، وأسقط على ذات الأرض ~~التي منحت أبي بذرته ومنحت أمي دمها ومرضعتي لبنها، الأرض التي أطعمتني ~~يوما بعد يوم وسقتني سنوات طوالا، الأرض التي احتملت وطأتي عليها واحتملت ~~مني كل ضروب الإساءة. ~~*** # اسلك دائما الطريق القصير. وطريق الطبيعة قصير. وابتغ ما هو أقوم وأسلم في ~~كل ما تقول وتعمل؛ فمثل هذا العزم كفيل بأن يحرر المرء من العناء والجهد ~~والاضطرار إلى التحايل والرياء. ~~*** # عليك أن تقضي هذه الكسرة الضئيلة من الزمان # 3 # في انسجام مع الطبيعة. وغادرها راضيا، مثلما تسقط زيتونة حين تبلغ ~~النضج، مباركة الأرض التي حملتها، وشاكرة للشجرة التي منحتها ~~النماء. ~~*** # الناس في خصام مع ألصق رفيق؛ العقل! ~~*** # إذا كان غريبا في العالم من لا يعرف مكوناته، فليس أقل غربة من لا يعرف ~~ماجرياته. إنه آبق إذا تملص من المبدأ الاجتماعي، أعمى إذا غض عين عقله، ~~شحاذ إذا اعتمد على الآخرين ولم يذخر في نفسه كل ما يحتاج إليه في الحياة، ورم في ~~الكون إذا انسحب وفصل نفسه عن مبدأ طبيعتنا المشتركة بتبرمه بنصيبه ... منشق خارج ~~على المجتمع إذا سل روحه من روح الكائنات العاقلة جميعا، والتي هي وحدة. ~~*** # كم هي ضيقة تلك المساحة التي يجول فيها مجدك. ~~*** # ليس في العالم موضع أكثر هدوءا ms201 ولا أبعد عن الاضطراب مما يجد المرء حين يخلو إلى ~~نفسه، وبخاصة إذا كانت نفسه ثرية بالخواطر التي إذا أظلته غمرته بالسكينة التامة ~~والفورية. ~~*** # ما أشقى ذلك الإنسان الذي يظل دوما لائبا محوما حول كل شيء، منقبا في ~~أحشاء الأرض، متحرقا إلى استشفاف ما يدور ببال جيرانه. وما يدري أن بحسبه أن ينصرف ~~إلى الألوهة التي بداخله ويكون خادما حقيقيا لها. ~~*** # وعليك بعد ذلك أن تحذر ضربا آخر من التخبط؛ إنه لضرب آخر من الكسل والموات ما ~~يأتيه أولئك الذين يكدحون بلا هدف ويضربون في الأرض بلا وجهة، لا وجهة في الفعل، ~~ولا وجهة، بالأحرى، في القول والتفكير. ~~*** # انظر إلى أي شيء موجود ولاحظ أنه منذ الآن في عملية فناء وتغير، يتجدد، بمعنى ~~ما، من خلال الفساد أو التبدد. وبعبارة أخرى: انظر إلى أي ضرب من «الموت» يولد كل ~~شيء! ms202