######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.UrjanunJadid.Hindawi52817516 #META# Tags: philosophy #META# ID: 52817516 #META# Title: الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة #META# AuthorID: 18486316 #META# Author: فرانسيس بيكون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 24079572 #META# Translator: عادل مصطفى #META# Related_books: 1035FrancisBacon.NovumOrganum (TRANSL) #META#Header#End# # إهداء‏ # تصدير‏ # 1 - شذرات في تفسير الطبيعة وفي مملكة الإنسان1‏ # 2 - شذرات في تفسير الطبيعة أو في مملكة الإنسان‏ # إهداء‏ # تصدير‏ # 1 - شذرات في تفسير الطبيعة وفي مملكة الإنسان1‏ # 2 - شذرات في تفسير الطبيعة أو في مملكة الإنسان‏ # | الأورجانون الجديد # | الأورجانون الجديد # | إرشادات ~~صادقة في تفسير الطبيعة # تأليف # فرانسيس بيكون # ترجمة # عادل مصطفى # | إهداء # إلى شباب الثورة المصرية # ثمة لحظات في تاريخ الأمم كأن الزمن فيها يقفز ولا يمشي. # لحظات انتقال بين قديم استنفد نفسه وجديد يريد أن يولد وأن يتملص من ~~الوأد. # لحظات «بيكونية» تهيب بالعقول الشريفة أن تنفض عنها أوهام الماضي، وألا ~~تتمادى في تجريب المجرب، وألا تعرف للفكر الميت إلا كرامة واحدة، الدفن. # التقدم البشري كله يمكن أن يرد إلى هذه اللحظات الفذة التي تطفر فيها العقول ~~الجسورة؛ لكي تخرج من كهفها الآسن، وتتلقى إبر النور، ولا تجعل بينها وبين الطبيعة ~~وسطاء يدعون وصلا بليلى، ولا بينها وبين الواقع حجبا من الكتب المغبرة ~~التي تنقل السل ولا تنقل الحقيقة. # فإلى هذه العقول الفتية الباسلة أقدم لهم إمامهم فرنسيس بيكون في هذا النص ~~الشهير من عيون الفكر الغربي. # عادل مصطفى # 17 / 3 / 2012 # | تصدير # أولئك الذين تصدوا للإفتاء في شأن الطبيعة وكأن أمرها محسوم ومفروغ منه - سواء كان ذلك ~~عن ثقة ساذجة بالنفس أو عن تقعر أكاديمي - أولئك قد ألحقوا بالفلسفة وبالعلوم أشد الضرر، ~~لقد نجحوا في خنق البحث وإغلاق باب التساؤل بقدر نجاحهم في نشر رأيهم وكسب الآخرين إليه، ~~ولم تؤت جهودهم ذاتها من شيء يعوض ما جنت أيديهم بإخماد جهود غيرهم وإفسادها، أما ~~أولئك الذين اتخذوا اتجاها معاكسا وقالوا باستحالة معرفة أي شيء، سواء عقدوا هذا الرأي من ~~جراء بغضهم لقدامى السوفسطائيين أو من جراء تردد العقل أو حتى من فرط المعرفة، فمن المؤكد ~~أنهم قدموا لذلك أسبابا لا يستهان بها، إلا أنهم لم يصدروا في رأيهم من مقدمات صحيحة، ~~ولم ينتهوا إلى استنتاجات منصفة، فقد جرفهم الحماس والتكلف بعيدا عن كل حدود الاعتدال ~~والقصد. أما ms001 اليونانيون الأقدم (الذين ضاعت كتاباتهم) فقد اتخذوا موقفا أكثر حصافة بين ~~هذين الطرفين - بين التوقح الدوجماطيقي واليأس الارتيابي ... بين التجرؤ بالإفتاء في كل ~~شيء واليأس من معرفة أي شيء - وبرغم شكواهم الكثيرة المريرة من مصاعب البحث وغموض الأشياء ~~فقد ظلوا قابضين على الجمر # 1 # مواصلين مسعاهم ومشتبكين مع الطبيعة، وقد ارتأوا، فيما يبدو، أن أفضل طريقة ~~لحسم هذه المسألة ذاتها - مسألة إمكان المعرفة - هي المحاولة لا المجادلة، غير أنهم هم ~~أيضا اتكئوا على قوة أفهامهم وحدها، فلم يبتنوا قواعد محددة، وعولوا في كل شيء على حدة ~~الذهن وعلى النشاط العقلي الدائب والمتصل. # إن منهجي، على الرغم من صعوبته في التطبيق، سهل في الشرح، منهجي هو أن نرسي درجات ~~متزايدة من اليقين ... أن نستمر في الأخذ بشهادة الحواس، ونساعدها ونحصنها بنوع من التصويب، ~~ولكن نرفض، بصفة عامة، العملية العقلية التي تتلو الإحساس، بل نفتح مسارا جديدا للعقل ~~أكثر وثوقا يبدأ مباشرة من الإدراكات الحقيقية الأولى للحواس نفسها. كانت هذه بدون شك ~~وجهة أولئك الذين أولوا المنطق دورا كبيرا، فمن الواضح أنهم كانوا يبحثون عن نوع من ~~الدعم للعقل، ولا يأمنون لعملياته الطبيعية التلقائية، غير أن هذا العلاج يأتي متأخرا ~~جدا بعد أن استفحل الداء وضاع كل شيء، وأصبح العقل من خلال عادات الحياة اليومية ~~ومداولاتها محشوا بمذاهب فاسدة وأوهام فارغة، هنالك يسهم فن المنطق، الذي وصل ~~للإنقاذ متأخرا وسقط في يده، يسهم في تثبيت الأخطاء لا في كشف الحقيقة، # 2 # ولا يبقى ثمة إلا أمل واحد للخلاص: وهو أن نبدأ العمل العقلي كله من جديد، ولا ~~نترك العقل لحاله وطبيعته منذ البداية، بل نرشده في كل خطوة، وننفذ العمل كما لو كان يتم ~~بمساعدة آليات ميكانيكية، فلو أن الناس في الأمور الميكانيكية شرعوا في العمل بأيديهم وحدها ~~دون قوة الأدوات وعونها، مثلما يفعلون بلا تردد في الأمور الفكرية؛ إذ يركنون إلى أفهامهم ~~وحدها، لما استطاعوا أن ينجزوا شيئا مهما بذلوا من جهد ومهما تآزروا فيه، وأود أن نتوقف ~~لحظة عند هذا ms002 المثال لنتأمل كما لو أننا ننظر في مرآة، ولنسأل: لو أن هناك مسلة هائلة ~~الجرم دعت الحاجة إلى نقلها (لتزيين احتفال نصر أو أي أبهة من هذا القبيل)، وأن على الناس ~~أن تشرع في العمل بأيديها العارية، ألن يراهم أي مشاهد واع مجرد مجانين؟ ولو أنهم لجئوا ~~إلى استدعاء مزيد من الأفراد عساهم أن يقدروا على ذلك، ألن يراهم المشاهد أكثر جنونا؟ ~~فإذا ما راحوا عندئذ ينتقون فيستغنون عن الأيدي الأضعف ويقصرون العمل على الأقوياء الأشداء، ~~ألن يراهم المشاهد غارقين في الجنون؟ وأخيرا، إذا لم يقنعوا بذلك فقرروا الاستعانة بفن ~~الرياضة، واشترطوا أن يأتي كل رجالهم بأيد وأذرع وعضلات مدهونة بالزيت ومدلكة وفقا ~~لأصول فن الرياضة، ألن يصيح المشاهد متعجبا مما يتجشمونه من أجل أن يضفوا رشدا ومنهجا ~~على الجنون؟ غير أن هذا بالضبط هو حال الذين يمضون في أمر الفكر - بنفس الصنف من الجهد ~~المجنون والتآزر العابث - حين يأملون خيرا من العدد ومن الإجماع أو من نبوغ الأفراد وحدة ~~ذكائهم، وحين يحاولون باستخدام المنطق (الذي هو بمثابة نوع من الفن الرياضي) تقوية عضلات ~~الفهم، ولكن بالرغم من كل هذه الدراسة وكل هذا الجهد، فمن البين لكل ذي نظر أنهم لا ~~يستخدمون إلا الذهن الغفل طوال الوقت، غير أن كل عمل يدوي عظيم يستحيل أداؤه بدون أدوات ~~ومعدات، سواء لزيادة قوة كل فرد أو لتوحيد قوى الأفراد. # بعد هذه المقدمات الضافية أخلص إلى نقطتين أود أن أوجه إليهما عناية الناس فلا يغفل ~~عنهما أحد؛ الأولى: إنه من حسن الطالع فيما أرى، والذي يزيل النقمة والامتعاض، أنني لا ~~أمس الوقار الواجب للقدماء ولا أنتقص منه، فيما أبسط تصوراتي وفيما يسعني في الوقت نفسه ~~أن أحصد ثمار تواضعي؛ ذلك أنني إذا قلت إن لدي شيئا أفضل مما يقدمه القدماء بينما أنا ~~أتخذ نفس الطريق الذي اتخذوه، فمعنى ذلك أن هناك مجالا للمقارنة والمنافسة بيننا، لا مفر ~~بأي تفنن لفظي من الإقرار به، من حيث النبوغ والذكاء، ورغم أن هذا ليس أمرا جديدا ms003 أو ~~غير جائز (إذ لو كان ثمة أي شيء أساءوا فهمه أو أخطئوا وضعه، فما الذي يمنعني، إذ أستخدم ~~الحرية المتاحة للجميع، من أن أنتقدهم وأبين خطأهم؟) إلا أن المنافسة، على عدالتها وجوازها، ~~ستكون غير متكافئة نظرا لقدراتي المحدودة، ولكن ما دام هدفي هو فتح طريق جديد للفهم لم ~~يطرقوه ولم يعرفوه، فإن الأمر يختلف: فلا تحزب في الأمر ولا منافسة، وما أنا إلا دليل ~~يشير إلى الطريق، وهو مركز ضئيل النفوذ ويعتمد على نوع من الحظ أكثر مما يعتمد على القدرة ~~أو النبوغ، هذه النقطة تتعلق بالأشخاص، أما النقطة الأخرى التي أود أن أذكر الناس بها ~~فتتعلق بالموضوع نفسه. # فليكن هناك إذن مصدران للمعرفة وسبيلان لنشرها (ربما لمصلحة الاثنين)، وليكن هناك بنفس ~~الطريقة عشيرتان أو فصيلان من طلاب الفلسفة - فصيلان غير متعاديين أو مغتربين الواحد عن ~~الآخر، بل مرتبطان بروابط التعاون المتبادل - ليكن هناك باختصار منهج لتنمية المعرفة وآخر ~~لاكتشافها، أما بالنسبة لأولئك الذين يفضلون المنهج الأول، سواء بدافع العجلة أو لدواعي ~~العيش، أو بسبب قصور قدرتهم العقلية عن استيعاب المنهج الآخر والتمكن منه (وهو بالضرورة حال ~~الأغلبية العظمى)، فأنا أتمنى لهم النجاح فيما يصبون إليه. أما إذا كان هناك من لا يقنع ~~بالركون إلى استخدام المعرفة التي تم اكتشافها بالفعل، ويأملون في مزيد من الاختراق لكي ~~يقهروا خصما في جدل، بل لكي يقهروا الطبيعة في عمل، وباختصار لا لكي يقدموا آراء مدبجة ~~وجيهة، بل لكي يعرفوا معرفة يقينية برهانية، فلينضموا إلي كأبناء حقيقيين للمعرفة، ~~حتى نعبر الأفنية الخارجية للطبيعة، تلك التي وطئتها الحشود، فنفتح منفذا في النهاية إلى ~~غرفها الداخلية، ولكي أوضح ما أعنيه وأقربه إلى الأفهام بإعطائه اسما، فقد رأيت أن أسمي ~~أحدهما «استباق العقل» # anticipation of the mind ~~، والآخر ~~«تفسير ~~الطبيعة» # interpretation of ~~nature ~~. # يبقى لدي طلب ينبغي أن أتقدم به، لقد حرصت من جانبي كل الحرص على أن تأتي اقتراحاتي ~~التي سوف أعرضها لا صائبة فحسب بل واضحة سهلة الولوج إلى عقول الناس (تلك التي ms004 تم استهواؤها ~~وتعويقها على نحو عجيب)، غير أني لا أشق على الناس (وبخاصة في مثل هذا التجديد الكبير ~~للمعرفة والعلوم) إذ أسألهم فضلا من جانبهم في المقابل: أن من يرغب في إبداء رأي أو إصدار ~~حكم بخصوص أفكاري في هذا العمل، سواء من خلال ملاحظاته الخاصة، أو من خلال حشد من الثقات، ~~أو خلال صور البرهان (التي اكتسبت اليوم سلطة القوانين القضائية)، فلا يحسبن أن بوسعه أن ~~يفعل ذلك بلا تدقيق، أو وهو بصدد شيء آخر، إنما عليه أن ينظر في الأمر مليا، عليه هو نفسه ~~أن يجرب الطريق الذي أصفه وأعبده، عليه أن يتمرس بدقة الطبيعة التي تبينها الخبرة، ~~عليه أخيرا أن يصحح، بتؤدة ومهل، العادات الفاسدة والمتجذرة للعقل، وعندئذ فقط فليستخدم ~~(إذا شاء) حكمه الخاص، وقد شرع في أن يكون سيد نفسه. # فرنسيس بيكون # الكتاب الأول # | شذرات في تفسير الطبيعة وفي مملكة الإنسان1 # (1) الإنسان هو الموكل بالطبيعة والمفسر لها، وهو بهذه الصفة لا يملك أن يفعل أو ~~يفهم إلا بالقدر الذي تتيحه له ملاحظته التي قام بها لنظام الطبيعة، سواء كان ذلك في الواقع ~~أو في الفكر، وليس بوسعه أن يعرف أو يعمل أكثر من ذلك. ~~••• ~~(2) ليس لليد وحدها ولا للعقل وحده أية قدرة تذكر، إنما يجري العمل بالأدوات ~~والعدد، تلك التي يحتاجها الفكر بقدر ما تحتاجها اليد، ومثلما تقوم أدوات اليد بحفز ~~حركتها وترشيدها، كذلك تقوم أدوات العقل بحفز الفهم أو وقايته. ~~••• ~~(3) المعرفة البشرية والقدرة البشرية صنوان؛ لأن الجهل بالعلة يمنع المعلول، ذلك أن ~~الطبيعة لا يمكن قهرها إلا بإطاعتها، وما يعد علة في مجال الفكر النظري يعد قاعدة ~~في مجال التطبيق. ~~••• ~~(4) كل ما يستطيع الإنسان أن يعمله لكي يحقق نتائج # 2 # هو أن يضم أجساما طبيعية معا أو يفرقها، والطبيعة تتولى الباقي ~~داخليا. ~~••• ~~(5) يتمرس بالطبيعة من أجل نتائج عملية كل من الميكانيكي والرياضي والفيزيائي والخيميائي # 3 # والساحر؛ # 4 # ولكن جميعهم - كما يشي الحال - لا يظفر إلا بنتاج هزيل ونجاح قليل. ~~••• ~~(6) إنه لمن الخطل والتناقض الذاتي أن ms005 نتوقع أن الأشياء التي لم تنجز حتى الآن على ~~الإطلاق يمكن أن تنجز، ما لم يكن ذلك بوسائل لم تجرب حتى الآن قط. ~~••• ~~(7) تبدو نواتج العقل واليد وفيرة جدا إذا قدرت بعدد الكتب والسلع، غير أن كل هذا ~~النتاج المتنوع لا يعدو أن يكون تنقيحا مفرطا واستنباطات من عدد قليل مما تمت معرفته، ~~ولا يعبر عن عدد المبادئ # 5 ~~(المكتشفة). ~~••• ~~(8) وحتى النواتج التي اكتشفت بالفعل إنما تم اكتشافها بطريق المصادفة والخبرة أكثر ~~مما هو بطريق العلوم؛ ذلك أن علومنا الراهنة لا تعدو أن تكون تنظيمات لائقة لأشياء سبق ~~اكتشافها، وليست طرائق للكشف أو موجهات لعمليات جديدة. ~~••• ~~(9) سبب وأصل كل خلل تقريبا في العلوم هو هذا وحده: أننا في غمرة إعجابنا الخاطئ ~~وإطرائنا لقوى العقل البشري لا نبحث عن دعائم حقيقية له. ~~••• ~~(10) الطبيعة تفوق دقة الحواس والفكر أضعافا، بحيث إن جميع تلك التأملات والتنظيرات ~~والشروح المنمقة التي ينغمس فيها الناس هي محض جنون، كل ما في الأمر أنه لا أحد هنالك ~~ليلحظها. ~~••• ~~(11) مثلما أن العلوم في وضعها الحالي لا تجدي نفعا في اكتشاف نتائج جديدة، كذلك ~~المنطق الذي بحوزتنا لا جدوى منه في اكتشاف العلوم. ~~••• ~~(12) نسق المنطق الحالي يفيد في تثبيت وترسيخ الأخطاء (القائمة على الأفكار السائدة) أكثر ~~مما يفيد في البحث عن الحقيقة، ومن ثم فإن ضرره أكبر من نفعه. ~~••• ~~(13) لا ينطبق القياس # syllogism # على مبادئ العلوم، ولا ~~جدوى من تطبيقه في المبادئ الوسطى، إذ إنه لا يجاري الطبيعة في دقتها، وهو من ثم يفرض ~~الموافقة على القضية دون أن يمسك بالأشياء. ~~••• ~~(14) يتكون القياس من قضايا، والقضايا من كلمات، والكلمات هي مقابلات رمزية لأفكار، وعليه ~~فإذا كانت الأفكار نفسها (وهذا هو جذر المسألة) مختلطة ومنتزعة برعونة من الوقائع، فلن ~~يكون هناك ثبات فيما يبنى فوقها، لذا فلا أمل لنا إلا في الاستقراء # induction # الصحيح. ~~••• ~~(15) لا شيء صحيح في أفكارنا سواء في المنطق أو في الفيزياء، فلا «الجوهر» ولا «الكيف» ~~ولا «الفعل» ولا «العاطفة» ولا «الوجود» نفسه أفكار واضحة، وأقل منها ms006 وضوحا بكثير فكرة ~~«ثقيل»، «خفيف»، «كثيف»، «رقيق»، «رطب»، «يابس»، «كون»، «فساد»، «جذب»، «طرد»، «عنصر»، ~~«مادة»، «صورة»، وما إلى ذلك، كأنها أفكار وهمية وغير محددة. ~~••• ~~(16) إن أفكارنا عن الأنواع الأقل عمومية - مثل: «الإنسان»، «الكلب»، «الحمام»، وعن ~~الإدراكات المباشرة للحواس، مثل: «الحار»، «البارد»، «الأسود»، «الأبيض» - لا تخدعنا ~~كثيرا، ولكن حتى هذه قد تضطرب في بعض الأحيان من جراء تدفق المادة وتغيرها وامتزاج الأشياء ~~بعضها ببعض، وكل ما عدا ذلك مما استخدمه البشر إنما هو زيغ وضلال، وغير مستمد ولا مستخلص ~~من الأشياء على نحو قويم. ~~••• ~~(17) وليس تشييد «المبادئ» # axioms # بأقل تهافتا وزيغا ~~من تكوين الأفكار، ولا حتى تلك المبادئ نفسها التي تعتمد على الاستقراء المعتاد، # 6 # غير أن التهافت والزيغ يبلغ مبلغا أعظم من كل ذلك في حالة المبادئ والقضايا ~~الدنيا المستقاة من الأقيسة. ~~••• ~~(18) إن كل ما اكتشف حتى الآن في العلوم ينسجم على قدر الأفكار الشائعة، ولكي نحقق ~~اختراقا إلى الأعماق الباطنة والقصية من الطبيعة يتعين أن نستخلص الأفكار والمبادئ من ~~الأشياء بطريقة أكثر وثوقا وحذرا، ويتعين اتخاذ إجراء فكري أكثر وثوقا وصحة. ~~••• ~~(19) ليس هناك - ولا يمكن أن يكون - سوى طريقتين اثنتين للبحث عن الحقيقة وكشفها: الأولى ~~تقفز من الحواس والجزئيات إلى أكثر المبادئ عمومية، ثم تنطلق من هذه المبادئ - وقد سلمت ~~تسليما بصدقها - لكي تقرر المبادئ الوسطى وتكشفها، وهذه هي الطريقة الراهنة، أما الثانية ~~فتستمد المبادئ من الحواس والجزئيات، ثم ترتقي في صعود تدريجي غير منقطع حتى تصل في النهاية ~~إلى أكثر المبادئ عمومية، وهذه هي الطريقة الصحيحة وإن لم يجربها أحد حتى الآن. ~~••• ~~(20) إذا ترك الفكر لحاله فإنه يمضي في نفس الطريق الذي يتخذه عندما يسترشد بالمنطق (أي ~~يتخذ أولى الطريقتين السابقتين)، فالعقل مغرم بالقفز إلى العموميات لكي يتجنب العناء؛ ~~ولذا فإنه سرعان ما يضيق ذرعا بالتجربة، غير أن هذه الآثام تتفاقم بالمنطق؛ لأنه يغري ~~بالمماحكة والمراء. ~~••• ~~(21) حين يترك الفكر لحاله لدى عقل يقظ وحصيف وجاد (وبخاصة إذا كان غير معوق ~~بمذاهب سائدة)، فإنه يبذل محاولة ما في الطريق ms007 الصحيح، لكن دون جدوى؛ ذلك أن الفكر بغير ~~توجيه ومساعدة لا حول له على الإطلاق، ولا قدرة على فض لغز الأشياء. ~~••• ~~(22) إن كلتا الطريقتين تبدأ من الحواس والجزئيات وتخلص إلى أعلى العموميات، غير أنهما ~~مختلفتان اختلافا بعيدا: فالأولى تمر على التجربة والجزئيات مرور الكرام، أما الثانية ~~فتتمعن فيها كما يجب وتوليها كل اهتمامها. الأولى تضع منذ البداية تعميمات معينة مجردة ~~وعقمية، أما الثانية فتصعد درجة درجة إلى تلك المبادئ التي هي أعم حقا في نظام ~~الطبيعة. ~~••• ~~(23) إن البون لبعيد بين أوهام العقل البشري وأفكار العقل الإلهي، أي بين ما هو مجرد ~~آراء فارغة وما هو السمة أو البصمة الحقيقية المطبوعة على المخلوقات كما نجدها في ~~الطبيعة. ~~••• ~~(24) هيهات لمبادئ تم استخلاصها بالجدل أن تعين أحدا في كشف نتائج جديدة؛ لأن الطبيعة ~~أدق وأحذق من الجدل أضعافا مضاعفة، أما المبادئ التي تستخلص من الجزئيات بطريقة وافية ~~قويمة فإنها تشير وتومئ بسهولة إلى جزئيات جديدة، وهذا ما يضفي الفاعلية على ~~العلوم. ~~••• ~~(25) المبادئ المستخدمة في الوقت الحالي هي مبادئ مستمدة من حفنة من الخبرة ونزر ~~يسير من الجزئيات الشائعة الحدوث، وكثيرا ما توسع وتمط لكي تنطبق عليها، ومن ثم ~~فلا عجب إذا كانت هذه المبادئ لا تقودنا إلى جزئيات جديدة، فإذا ما صادفنا مثال مضاد لم ~~نلحظه من قبل ولم نعرفه، فإننا ننقذ المبدأ ونبقي عليه بواسطة تمييز عبثي حيث يكون ~~التصرف الأقوم هو أن نصوب المبدأ نفسه. # 7 ~~••• ~~(26) آثرت - من باب الإيضاح - أن أطلق على الاستدلال الذي يطبقه الناس عادة على ~~الطبيعة اسم «استباق الطبيعة» # anticipation of nature ~~؛ ~~لأنه عمل طائش ومبتسر، وأن أطلق على ما هو مستنبط من الأشياء على نحو منهجي صحيح اسم ~~«تفسير الطبيعة» # interpretation of nature ~~. ~~••• ~~(27) تتمتع الاستباقات # anticipations # بقوة ورسوخ يكفي ~~لانتزاع الإجماع، فحتى إذا أصيب البشر جميعا بالجنون بدرجة متساوية فسيكون بوسعهم ~~الاتفاق فيما بينهم اتفاقا كبيرا. ~~••• ~~(28) الحق أن «الاستباقات» أقوى بكثير على كسب الإجماع من «التفسيرات»، فلأنها مستقاة من ~~أمثلة قليلة (شائعة مألوفة في الأغلب) فهي ms008 تمس الفهم على الفور وتملأ المخيلة، على حين أن ~~التفسيرات - إذ تستجمع وقائع شديدة التنوع والتناثر - لا يمكنها أن تنفذ إلى الفهم للتو، ~~ومن ثم فلا مناص لها من أن تبدو للنظرة الشائعة شيئا صعبا وناشزا وأشبه بأسرار ~~الإيمان. ~~••• ~~(29) يحق للعلوم القائمة على الآراء والاعتقادات أن تستخدم «الاستباقات» والجدل؛ ذلك أن ~~غايتها أن تفرض القبول (بالقضية) لا السيطرة على الأشياء. ~~••• ~~(30) حتى لو اجتمعت كل العقول من كل العصور وتآزرت جهودها جميعا فلن يتحقق تقدم كبير ~~في العلم من طريق «الاستباقات»؛ ذلك أن الأغلاط المتجذرة في جبلة العقل الأولى لا سبيل ~~إلى الشفاء منها بأية جهود أو علاجات لاحقة مهما بلغت عبقريتها. ~~••• ~~(31) من العبث أن نتوقع أي تقدم كبير في العلوم من عملية إضافة وتطعيم # 8 # أشياء جديدة على القديمة، لا بد لنا من بداية جديدة # 9 # تتناول الأسس نفسها إذا شئنا ألا نظل ندور إلى الأبد في حلقة لا تفضي إلى أي ~~تقدم يذكر. ~~••• ~~(32) كرامة المؤلفين القدماء محفوظة، وكذا كرامة الجميع، فنحن لا ندخل في مقارنة من ~~حيث العقول أو الملكات، بل مقارنة في الطرق والمناهج، ونحن لا نضطلع بدور القاضي بل بدور ~~المرشد. ~~••• ~~(33) فلنقلها صراحة: ليس ثمة حكم صائب يمكن إصداره على منهجنا ولا على الكشوف ~~الناجمة عنه بواسطة تلك «الاستباقات» التي تشكل طريقة التفكير السائدة في الوقت الحالي، ~~فليس ثمة ما يحملنا على أن نتقبل حكم المنهج الذي هو نفسه يحاكم. # 10 ~~••• ~~(34) ولا هو بالأمر السهل أن نشرح أو نفسر ما نحن بصدده؛ ذلك أن كل ما هو جديد سيظل ~~يفهم من خلال الإشارة إلى ما هو قديم. ~~••• ~~(35) كان بورجيا # 11 # يقول عن حملة الفرنسيين إلى إيطاليا: إنهم جاءوا بطباشير في أيديهم كي يسموا ~~بها مساكنهم، وليس بأسلحة كي يقتحموا بها طريقهم، وبنفس الطريقة أريد لفلسفتي أن تنفذ ~~بهدوء إلى العقول الممهدة لتلقيها، فلا محل للدحوضات ما دمنا نختلف في المبادئ الأولى ~~وفي الأفكار ذاتها، بل وحتى في صور البرهان. ~~••• ~~(36) ليس أمامنا سوى طريقة واحدة بسيطة لطرح قضيتنا: ms009 هي أن نضع الناس وجها لوجه أمام ~~الجزئيات نفسها وأمام تسلسلها ونظامها المطرد، وعليهم بدورهم أن يتخلوا برهة عن أفكارهم ~~ويبدءوا في التعارف مع الأشياء. ~~••• ~~(37) يتفق منهجنا في بداية الطريق بعض الشيء مع منهج أولئك الذين أنكروا إمكان الوصول ~~إلى اليقين، غير أنهما يفترقان في النهاية غاية الاختلاف ويتعارضان كل التعارض، فهم ~~يذهبون ببساطة إلى أننا لا يمكننا أن نعرف شيئا، وأنا أيضا أذهب إلى أننا لا يمكننا أن ~~نعرف شيئا يذكر في الطبيعة بواسطة المنهج المستخدم الآن، إلا أنهم يمضون إذاك لكي ~~يدمروا سلطة الحس والفهم، بينما نمضي نحن لكي نبتكر لهما مساعدات ونزودهما بدعائم. ~~••• ~~(38) تلك الأوهام والتصورات الزائفة - التي استحوذت على الذهن البشري وما زالت متجذرة ~~فيه بعمق - لا ترين فقط على عقول البشر فلا تجد الحقيقة منفذا إليها، بل حتى إذا ~~وجدت الحقيقة منفذا فإن هذه الأوهام سوف تلاحقنا مرة أخرى في عملية تجديد العلوم ~~نفسها، وتضع أمامنا العوائق ما لم يأخذ البشر حذرهم ويحصنوا أنفسهم منها قدر ما ~~يستطيعون. ~~••• ~~(39) ثمة أربعة أنواع من «الأوهام» # 12 # تحدق بالعقل البشري، وقد قيضت لكل منها اسما بغرض التمييز بينها، ~~فأطلقت على النوع الأول: «أوهام ~~القبيلة» # idols of the tribe ~~(idola tribus) ~~، وعلى النوع ~~الثاني: «أوهام ~~الكهف» # idols of the cave ~~(idola specus) ~~، وعلى الثالث: ~~«أوهام ~~السوق» # idols ~~of the market place ~~(idola fori) ~~، وعلى الرابع: ~~«أوهام ~~المسرح» # idols of the theatre ~~(idola theatric) ~~. ~~••• ~~(40) لا شك أن تكوين التصورات والمبادئ بواسطة الاستقراء الصحيح هو العلاج الناجع للتخلص ~~من الأوهام وإزالتها، إلا أن التعرف على الأوهام هو أيضا أداة مفيدة للغاية، فدراسة ~~«الأوهام» # idols # هي بالنسبة إلى «تفسير الطبيعة» مثل ~~دراسة «الدحوضات السوفسطائية» # sophistic refutations # 13 # بالنسبة للمنطق العادي. ~~••• ~~(41) «أوهام القبيلة» (أوهام الجنس) # idola tribus # مبيتة في الطبيعة البشرية وفي القبيلة البشرية نفسها أو الجنس البشري نفسه، فالرأي ~~القائل بأن حواس الإنسان هي مقياس الأشياء إنما هو رأي خاطئ، فالإدراكات جميعا، الحسية ~~والعقلية، هي - على العكس - منسوبة إلى الإنسان وليس إلى ms010 العالم، والذهن البشري أشبه بمرآة ~~غير مستوية تتلقى الأشعة من الأشياء وتمزج طبيعتها الخاصة بطبيعة الأشياء فتشوهها ~~وتفسدها. ~~••• ~~(42) أما «أوهام الكهف» # idola specus # فهي الأوهام ~~الخاصة بالإنسان الفرد، إن لكل فرد - بالإضافة إلى أخطاء الطبيعة البشرية بعامة - كهفا أو ~~غارا خاصا به يعترض ضياء الطبيعة ويشوهها، قد يحدث هذا بسبب الطبيعة الفريدة والخاصة ~~لكل إنسان، أو بسبب تربيته وصلاته الخاصة، أو قراءاته ونفوذ أولئك الذين يكن لهم ~~الاحترام والإعجاب، أو لاختلاف الانطباعات التي تتركها الأشياء في أذهان مختلفة: في ذهن ~~قلق متحيز، أو ذهن رصين مطمئن ... إلخ. الروح البشرية إذن (بمختلف ميولها لدى مختلف ~~الأفراد) هي شيء متغير، وغير مطرد على الإطلاق، ورهن للمصادفة العشواء، وقد صدق ~~هيراقليطس حين قال: إن الناس تلتمس المعرفة في عوالمهم الصغرى الخاصة، وليس في العالم ~~الأكبر أو العام. ~~••• ~~(43) ثمة أيضا أوهام تنشأ عن تواصل الناس واجتماعهم بعضهم ببعض، والتي أسميها ~~«أوهام السوق» # idola fori ~~، بالنظر إلى ما يجري بين ~~الناس هناك من تبادل واجتماع، فالناس إنما تتحادث عن طريق القول، والكلمات يتم اختيارها ~~بما يلائم فهم العامة، وهكذا تنشأ مدونة من الكلمات سيئة بليدة تعيق العقل إعاقة ~~عجيبة، إعاقة لا تجدي فيها التعريفات والشروح التي دأب المثقفون على التحصن بها أحيانا: ~~فما تزال الألفاظ تنتهك الفهم بشكل واضح، وتوقع الخلط في كل شيء، وتوقع الناس في ~~مجادلات فارغة ومغالطات لا حصر لها. ~~••• ~~(44) وأخيرا هناك تلك الأوهام التي انسربت إلى عقول البشر من المعتقدات المتعددة ~~للفلسفات المختلفة، وكذلك من القواعد المغلوطة للبرهان، وهذه أسميها «أوهام المسرح» # idola theatric ~~، ذلك أني أعتبر أن كل الفلسفات التي ~~تعلمها الناس وابتكروها حتى الآن هي أشبه بمسرحيات عديدة جدا تقدم وتؤدى على ~~المسرح، خالقة عوالم من عندها زائفة وهمية، ولا ينسحب حديثي على الفلسفات والمذاهب ~~الرائجة اليوم فحسب، ولا حتى على المذاهب القديمة، فما يزال بالإمكان تأليف الكثير من ~~المسرحيات الأخرى من نفس النمط وتقديمها بنفس الطريقة المصطنعة وإضفاء الاتفاق عليها، ما ~~دامت أسباب أغلاطها الشديدة التعارض هي أسباب ms011 مشتركة إلى حد كبير، ولا أنا أقصر حديثي على ~~الفلسفة الكلية، وإنما أشمل أيضا كثيرا من العناصر والمبادئ الخاصة بالعلوم، والتي اكتسبت ~~قوتها الإقناعية من خلال التقليد والتصديق الساذج والقصور الذاتي، غير أننا ينبغي أن نعرض ~~لكل صنف من الأوهام على حدة بتفصيل أكبر؛ كيما نحصن الفهم البشري ضدها. ~~••• ~~(45) من طبيعة الفهم البشري الخاصة أنه يميل إلى أن يفترض في العالم نظاما واطرادا ~~أكثر مما يجده فيه، ورغم وجود أشياء كثيرة في الطبيعة فريدة في نوعها وعديمة النظير، فإن ~~الذهن البشري يخترع لها أشباها ونظائر وصلات لا وجود لها، ومن هنا يأتي الوهم القائل بأن ~~جميع الأجرام السماوية تتحرك في دوائر مكتملة، بينما تستبعد تماما المسارات اللولبية ~~والمتمعجة (إلا في الاسم)، ومن هنا كذلك إدخال عنصر النار ومداره؛ لكي يكون رباعيا مع ~~العناصر الثلاثة الأخرى التي تدركها الحواس، وكذلك فرض نسبة عشرة إلى واحد على العناصر (كما ~~يطلق عليها) بشكل اعتسافي، والتي هي نسبة كثافاتها على التوالي، وما إلى ذلك من الهراء، ~~ولا تقتصر هذه الحماقة على النظريات، بل تمتد أيضا إلى التصورات البسيطة. ~~••• ~~(46) # 14 # من دأب الفهم البشري عندما يتبنى رأيا (سواء لأنه الرأي السائد أو لأنه يروقه ~~ويسره) أن يقسر كل شيء عداه على أن يؤيده ويتفق معه، ورغم أنه قد تكون هناك شواهد ~~أكثر عددا وثقلا تقف على النقيض من هذا الرأي، فإنه إما أن يهمل هذه الشواهد السلبية ~~ويستخف بها، وإما أن يختلق تفرقة تسول له أن يزيحها وينبذها؛ # 15 # لكي يخلص - بواسطة هذا التقدير السبقي المسيطر والموبق - إلى أن استنتاجاته ~~الأولى ما زالت سليمة ونافذة؛ ولذا فقد كان جوابا وجيها ذلك الذي بدر من رجل أطلعوه ~~على صورة معلقة بالمعبد لأناس دفعوا نذورهم ومن ثم نجوا من حطام سفينة؛ عساه أن ~~يعترف الآن بقدرة الآلهة، فما كان جوابه إلا أن قال: «حسنا، ولكن أين صور أولئك الذين ~~غرقوا بعد دفع النذور؟!» # 16 # وهكذا سبيل الخرافة، سواء في التنجيم أو في تفسير الأحلام أو الفأل أو ms012 ما شابه، ~~حيث تجد الناس - وقد استهوتهم هذه الضلالات - يلتفتون إلى الأحداث التي تتفق معها، أما ~~الأحداث التي لا تتفق - رغم أنها الأكثر والأغلب - فيغفلونها ويغضون عنها الطرف، على أن ~~هذا الأذى يتسلل بطريقة أشد خفاء ودقة إلى داخل الفلسفة والعلوم، حيث يفرض الحكم الأول ~~لونه على ما يأتي بعده، ويحمله على الإذعان له والانسجام معه، ولو كان الجديد أفضل ~~وأصوب بما لا يقاس، وفضلا عن ذلك - وبغض النظر عن ذلك الهوى والضلال الذي ذكرت - فإن من ~~الأخطاء التي تسم الفكر الإنساني في كل زمان أنه مغرم ومولع بالشواهد الموجبة أكثر ~~من الشواهد السالبة، # 17 # حيث ينبغي أن يقف من الاثنين على حياد. والحق أنه في عملية البرهنة على أي مبدأ ~~صحيح يكون المثال السلبي هو أقوى المثالين وأكثرهما وجاهة وفعالية. ~~••• ~~(47) إن أكثر ما يشغف الفهم البشري هو تلك الأشياء التي تلفت العقل وتنفذ إليه فورا ~~وفجأة، فتجعل المخيلة تمتلئ للتو وتتمدد، ثم يتراءى له (أي الفهم) ويفترض أن كل شيء ~~آخر هو بطريقة ما - وإن تكن خفية غير مدركة - شبيه بتلك الأشياء القليلة التي استحوذت ~~على العقل، أما في الترحال إلى أمثلة بعيدة وغير متجانسة تختبر المبادئ اختبار النار ~~فإن الفكر بطيء جدا وغير مؤهل ما لم تحمله على ذلك قواعد قاسية وسلطة ~~نافذة. ~~••• ~~(48) إن الفهم البشري في نشاط دائب، ولا يمكنه أن يتوقف أو يستكن، وما يزال يبتغي ~~المضي قدما وإن كان ذلك بغير جدوى؛ ولذا فمن غير المتصور أن يكون هناك حد ما ~~للعالم أو نقطة نهاية؛ إذ يبدو لنا دائما - بما يشبه الضرورة - أن هناك شيئا ما وراء ذلك ~~الحد أو النهاية، ولا هو من المتصور أيضا كيف تدفقت الأبدية نزلا إلى يومنا هذا؛ لأن ~~هذا التحديد المتفق عليه للانهاية في الماضي واللانهاية في المستقبل لا يمكن أن يصمد، إذ ~~سيترتب أن هناك لا نهاية أكبر من لا نهاية أخرى، وأن اللانهائية تتآكل وتؤول إلى نهائية، ~~وثمة نفس الصعوبة فيما يتعلق بقابلية الخطوط للانقسام إلى ما ms013 لا نهاية، والناجمة عن انفلات ~~فكرنا وعجزه عن التوقف، # 18 # على أن هذا الانفلات من جانب العقل يكون أكثر إيذاء في عملية اكتشاف العلل، ~~فعلى الرغم من أن المبادئ الأكثر عمومية في الطبيعة ينبغي أن تكون وقائع خاما هي كما ~~وجدت عليه ولا يمكن أن تحال حقا إلى علة، إلا أن الفهم البشري في عجزه عن التوقف ما ~~يزال يتلمس شيئا ما سابقا في نظام الطبيعة، ثم هو في غمرة جهاده في المضي إلى ما هو ~~أبعد إذا به يرتد إلى ما هو أقرب مأخذا، أعني إلى العلل الغائية، # 19 # تلك التي تمت بالصلة إلى طبيعة الإنسان أكثر مما تمت إلى طبيعة العالم، ~~وهي من جراء هذا المنشأ قد أفسدت الفلسفة على نحو عجيب، على أن الفيلسوف الذي يلتمس ~~العلل في العموميات القصوى ليس أقل خرقا وسطحية من ذلك الذي يتوانى عن التماسها في ~~الأشياء التابعة والفرعية. ~~••• ~~(49) الفهم الإنساني ليس مجبولا من ضياء صرف، # 20 # وإنما هو مشرب بالإرادة والعواطف، # 21 # من هنا تأتي المعرفة التي يمكن أن تسمى «معرفة حسب الطلب»، فالإنسان ~~أميل دائما إلى تصديق ما يفضله، ولذا فهو ينبذ الأمور الصعبة؛ لأنها تجشمه الصبر ~~في البحث، وينبذ الاعتدال لأنه يضيق حدود أمله، وينبذ التعمق في الطبيعة؛ لأنه - أي ~~الإنسان - مرتهن للخرافة، ويرفض نور التجربة؛ لأنه متغطرس مكابر يظن أن العقل لا يليق ~~به أن يهدر وقته في أشياء مبذولة متغيرة، ويرفض كل ما هو غير تقليدي خوفا من رأي العامة، ~~صفوة القول: إن العاطفة تدمغ العقل وتصبغه بطرائق لا حصر لها، وطرائق خفية تند عن ~~الإدراك في بعض الأحيان. ~~••• ~~(50) غير أن أكبر عائق للفهم البشري على الإطلاق وأكبر زيغ إنما يأتي من بلادة الحواس ~~وقصورها وخداعها، فالأشياء التي تمس الحواس لها الأرجحية على الأشياء التي لا تمسها مباشرة ~~مهما علا شأنها، هذا ما يجعل التأمل يتوقف في أغلب الأحوال حيثما يتوقف البصر، بحيث لا ~~يؤبه للأشياء غير المرئية، وبذلك يبقى كل فعل الأرواح المكنونة في الأجسام الملموسة ms014 # 22 # خفيا غير ملحوظ من الناس، وخفية بالمثل تلك التغيرات البنيوية # 23 # الأدق في أجزاء الأشياء الكثيفة (والتي تشيع تسميتها بالتغير ولكنها في حقيقة ~~الأمر حركة جسيمات دقيقة)، ولكن ما لم يتم بحث هذين الأمرين المذكورين وإخراجهما إلى ~~واضحة النهار فلن يمكن تحقيق نتائج ذات قيمة في الطبيعة، وكذلك الطبيعة الجوهرية للهواء ~~المشاع ولجميع الأجسام الأقل كثافة من الهواء (وهي كثيرة جدا) فهي أيضا مجهولة ~~تقريبا؛ ذلك أن الإحساس بحد ذاته كليل وعرضة للخطأ، ولا تفيده كثيرا الأدوات ~~المستخدمة لتوسيعه وشحذه، أما التفسير الأصدق للطبيعة فإنما يتحقق بواسطة الشواهد ~~وبواسطة التجارب المناسبة وذات الصلة، حيث يحكم الحس على التجربة وحدها، بينما تحكم ~~التجربة على الطبيعة والشيء ذاته. ~~••• ~~(51) الفهم البشري يميل بطبيعته الخاصة إلى التجريد، ويفترض جوهرا (ثابتا) وواقعا فيما ~~هو عابر ومتغير، غير أنه أفضل لنا أن نشرح الطبيعة إلى أجزاء من أن نجردها، وهذا ما ~~فعلته مدرسة ديمقريطس التي حققت تقدما أكبر من غيرها في اختراق الطبيعة، إن المادة - ~~وليست الصور - هي ما ينبغي الالتفات إليه: المادة وبنيتها وتغيرات هذه البنية والفعل المحض # 24 # وقانون هذا الفعل، أما الصور فما هي إلا وهم العقل البشري، إلا إذا أطلقنا ~~اسم «الصور» على قوانين الفعل. ~~••• ~~(52) هكذا هي أوهام القبيلة، التي تنشأ إما عن اطراد جبلة الروح البشرية أو عن تحيزاتها ~~أو قصور ملكاتها أو حركتها الدائبة أو عن تأثير الانفعالات أو عن عجز الحواس أو عن شكل ~~انطباعاتها. ~~••• ~~(53) أما «أوهام الكهف» # idola specus # فتصدر عن ~~الطبيعة الخاصة لعقل كل فرد وجسمه، وعن ثقافته أيضا وعاداته وظروفه، ورغم أن هذه الفئة ~~متنوعة ومركبة إلا أننا سنتناول منها تلك الجوانب الأكبر خطرا وأشد إفسادا لصفاء ~~الفهم. ~~••• ~~(54) يقع الناس في غرام قطاعات معينة من المعرفة والأفكار، إما لأنهم يظنون أنفسهم ~~مؤلفيها ومبتكريها، وإما لأنهم أنفقوا فيها جهدا كبيرا وصاروا على إلف كبير بها، إذا ~~عمد مثل هؤلاء الناس إلى الفلسفة والتأملات ذات الصبغة الكلية فإنهم يلوون بها ويفسدونها ~~لكي تلائم خيالاتهم المسبقة، ولدينا من ms015 أرسطو نموذج واضح لهؤلاء: لقد أخضع فلسفة الطبيعة ~~تماما لمنطقه، فجعل منها شيئا خلافيا ولا خير فيه، ولدينا أيضا جماعة الخيميائيين، ~~فقد شيدوا فلسفة خيالية ضيقة النطاق للغاية، قوامها بضع تجارب في الأتون، وكذلك ~~جلبرت # Gilbert # 25 # فبعد أن كرس جهدا كبيرا في دراسة الحجر المغناطيسي وملاحظته توجه للتو ~~إلى تلفيق فلسفة كاملة أخضعها لموضوعه الأثير. ~~••• ~~(55) أما أكبر الفروق بين العقول وأكثرها جذرية في مجال الفلسفة والعلوم، فهو أن بعض ~~العقول أقدر وأميل إلى ملاحظة الفروق بين الأشياء، وبعضها الآخر إلى ملاحظة التشابهات ~~بينها، فالعقول المدققة الدءوبة بوسعها تثبيت الانتباه وتركيزه فترات طويلة على كل فارق ~~طفيف، أما العقول الرصينة الاستدلالية فبوسعها التفطن إلى أخف التشابهات وأعمها ~~والمضاهاة بينها، وكلا الصنفين من العقول عرضة للشطط، سواء بالتشبث بالفروق التافهة أو ~~بخيالات التشابه. ~~••• ~~(56) ثمة عقول أشربت بإعجاب لا حدود له بالقديم، وعقول أخرى مغرمة بالجديد، ~~وقلما نجد من يقف موقفا متوازنا فلا يبخس القدماء إنجازاتهم الصائبة ولا يزدري ~~الإسهامات الوجيهة للمحدثين، وهذا خسران مبين للعلوم والفلسفة، فهذه ليست أحكاما مستبصرة ~~بل مجرد ولوع بالقديم أو بالجديد، أما الحقيقة فينبغي ألا تلتمس في حظوة زمن بعينه، ~~فهذا أمر غير مضمون، بل في ضوء الطبيعة والتجربة، وهو شيء أزلي، علينا إذن أن نجتنب مثل ~~هذه الأهواء ونعيذ فكرنا أن ينساق إليها. ~~••• ~~(57) إن ملاحظة الطبيعة والأجسام في أجزائها البسيطة من شأنها أن تكسر الفهم وتشتته، ~~في حين أن ملاحظة الطبيعة والأجسام في تكوينها الكلي وبنيتها المركبة من شأنه أن يذهل ~~الفهم ويوهنه، وهذا التمييز نراه في أوضح صورة عند مقارنة مدرسة ليوسيبوس وديمقريطس # 26 # بغيرها من الفلسفات، فهذه المدرسة مشغولة بالجزئيات بحيث أغفلت البنية إلى ~~حد كبير، بينما المدارس الأخرى منبهرة بمشاهدة البنية فلا تكاد تنفذ إلى بساطة الطبيعة. ~~ينبغي إذن أن نتناوب هذين الصنفين من الملاحظة، بحيث نجعل الفهم ثاقبا وشاملا في الوقت ~~نفسه، ونتلافى العيوب المذكورة لكل من الطريقتين والأوهام التي تنجم عنها. ~~••• ~~(58) كذا فليكن الحذر في الملاحظة، الكفيل بنفي أوهام الكهف، ms016 تلك الأوهام التي ~~تنشأ في معظمها من غلو في التركيب أو شطط في التقسيم، ومن التحيز لعصور تاريخية ~~بعينها، ومن كبر موضوعات الملاحظة أو صغرها، # 27 # وبصفة عامة: فعلى كل دارس للطبيعة أن ينظر بارتياب إلى كل ما يفتن عقله ويأخذ ~~بلبه، وأن يجعل ذلك همه الأكبر في هذا الصنف من البحث؛ كيما يحفظ ذهنه صافيا ~~ومتوازنا. ~~••• ~~(59) غير أن «أوهام السوق» # idola fori # 28 # هي أكثر الأوهام إزعاجا، تلك الأوهام التي انسربت إلى الذهن من خلال تداعيات ~~الألفاظ والأسماء؛ ذلك أن الناس يظنون أن عقلهم يتحكم في الألفاظ، بينما الحقيقة أيضا أن ~~الألفاظ تعود وتشن هجوما مضادا على الفهم، وهذا ما جعل الفلسفة والعلوم مغالطة وعقيمة؛ ~~لأن الألفاظ تكونت في معظمها لكي تلائم قدرة العامة من الناس، وهي تحدد الأشياء بخطوط ~~تقسيم تسهل على الذهن العامي، وحالما أراد ذهن أكثر حدة أو ملاحظة أكثر تدقيقا ~~أن تغير هذه الخطوط لتلائم التقسيمات الأصوب للطبيعة فإن الألفاظ تعترض الطريق وتقاوم ~~التغيير، ومن ثم تنتهي الحوارات الرفيعة والجليلة - في كثير من الأحيان - إلى خلافات ~~حول ألفاظ وأسماء؛ ولذا فمن الأسلم (اقتداء بحذر علماء الرياضيات) أن نبدأ منها ونضفي ~~عليها النظام باستخدام التعريفات، إلا أن مثل هذه التعريفات لا يمكنها أن تعالج هذا الخلل ~~إذا كان موضوع الدراسة هو الطبيعة والمادة؛ لأن التعريفات نفسها تتكون من ألفاظ والألفاظ ~~تولد ألفاظا؛ ولذا فإن علينا أن نلجأ إلى شواهد محددة وإلى تسلسلها المطرد ونظامها، كما ~~سنذكر حالا عندما نعرض للمنهج والطريقة فيما يتصل بتكوين التصورات والمبادئ. ~~••• ~~(60) هناك نوعان من الأوهام تفرضهما اللغة على الفهم، وهما إما أسماء لأشياء لا وجود لها ~~(فإلى جانب الأشياء التي تفتقر إلى أسماء؛ لأنها لم تلاحظ بعد، هناك أيضا أسماء تفتقر ~~إلى أشياء؛ لأنها وليدة افتراضات خيالية لا تناظرها أشياء في الواقع)، وإما أسماء لأشياء ~~موجودة ولكنها مختلطة وغير محددة؛ لأنها انتزعت من الأشياء على عجل ودون تدقيق، من ~~الصنف الأول لفظ # fortune # 29 # و«المحرك الأول» و«الأفلاك الكوكبية» # 30 # وعنصر «النار»، ms017 إلى غير ذلك من الخيالات التي تعود في نشأتها إلى النظريات ~~الزائفة العقيمة، هذا الصنف من الأوهام يسهل التخلص منه، إذ من الممكن استئصالها بواسطة ~~التفنيد المستمر أو التخلي عن النظريات نفسها، أما الصنف الثاني من الأوهام فهو معقد ~~ومتجذر؛ لأنه ناتج من تجريد مغلوط وأخرق، ولنأخذ كمثال كلمة «رطب»، وننظر إلى أي حد تتسق ~~الأشياء المشار إليها بهذه اللفظة، وسنجد أن كلمة «رطب» لا تعدو أن تكون علامة تستخدم ~~بتسيب وخلط لتدل على أفعال متباينة لا يجمعها أي اطراد أو قاسم مشترك، فهي تشير إلى ذلك ~~الذي ينشر نفسه حول شيء آخر، وذلك الذي لا تخوم له ولا ثبات، وذلك الذي يستسلم في كل ~~اتجاه، وذلك الذي يسهل انقسامه وتناثره، وذلك الذي يسهل تدفقه وتحريكه، وذلك الذي يسهل ~~التصاقه بجسم آخر وترطيبه، وذلك الذي يرد بسهولة إلى الحالة السائلة، أو هو صلب يسهل ~~انصهاره، ومن ثم فإذا أتيت إلى استعمال هذا اللفظ فستجد من جهة أن اللهب رطب، ومن جهة ~~أخرى أن الهواء رطب، ومن أخرى أن التراب الدقيق رطب، ومن أخرى أن الزجاج رطب، # 31 # هكذا يتبين بسهولة أن هذا التصور قد انتزع على عجل من الماء والسوائل ~~الشائعة والعادية فحسب بدون أي تمحيص واجب. # ثمة درجات من القصور والخطأ في الألفاظ، فأقل فئات الألفاظ خطأ أسماء المواد وبخاصة ~~النوع الأقل تجريدا وأكثر تحديدا (تصور الطباشير والطين حسن، وتصور التراب سيئ)، تليها ~~أسماء الأفعال مثل «يولد» «يفسد» «يغير»، أما أكثر الفئات خطأ فأسماء الكيفيات ~~(باستثناء الموضوعات المباشرة للإحساس)، مثل: «ثقيل» «خفيف» «مخلخل» «كثيف» ... إلخ، على أنه ~~في جميع الفئات تكون بعض التصورات بالضرورة أفضل قليلا من البعض الآخر، وفقا لكثرة أو قلة ~~الأشياء التي تقع في نطاق الحواس. ~~••• ~~(61) أما «أوهام المسرح» # idola theatric # فليست فطرية ~~ولا هي تسترق إلى الذهن سرا، وإنما يتم إدخالها علنا وتقبلها عن طريق النظريات ~~الخرافية والقواعد المغلوطة للبرهان، ولكن ليس بما يتفق مع ما أعلنته آنفا أن أحاول أو ~~أضطلع بتفنيدها، فما دمنا ms018 لا نتفق حول المبادئ ولا حول البراهين فلا محل للجدل، وهذا من حسن ~~الحظ بقدر ما يحفظ للقدماء كرامتهم، فأنا لا أنتقص من قدرهم، إذ لا يعنيني في مذهبي كله إلا ~~الطريق الذي يتبع، وكما يقول المثل: «الأعرج على الطريق الصحيح يسبق العداء على ~~الطريق الخطأ.» بل إن الذي يتخذ الطريق الخطأ يزداد ضلالا وبعدا عن المقصد كلما كان ~~أمهر وأسرع. # إن منهجي في الكشف مصمم بحيث لا يعول على حدة الموهبة الفردية وقوتها، بل إنه يكاد ~~يسوي بين الملكات والأفهام، فمثلما أن رسم خط مستقيم أو دائرة دقيقة يعتمد كثيرا على ~~ثبات اليد ودربتها بينما لا حاجة لأي ثبات ودربة إذا ما استخدمت مسطرة أو فرجار، ~~كذلك الأمر بالضبط في منهجي المقترح، ولكن رغم أني لا أعرض لتفنيدات بعينها، إلا أن ~~شيئا ما ينبغي أن يقال، أولا عن مذاهب هذه النظريات وأنواعها، ثم عن وجود دلائل خارجية ~~على ضعفها، وأخيرا عن أسباب مثل هذا الفشل ومثل هذا التشبث الطويل بالخطأ والإجماع عليه، ~~أتغيا من ذلك أن أجعل المسلك إلى الحقيقة أقل عثارا، والفهم البشري أكثر نزوعا إلى ~~التطهر ونبذ الأوهام. ~~••• ~~(62) هناك الكثير من «أوهام المسرح» أو أوهام ~~النظريات، ويمكن أن تكون هناك وربما ستجد فيما بعد أوهام أخرى كثيرة، إذ لولا أن عقول ~~الناس قد انشغلت أحقابا طويلة بالمسائل الدينية واللاهوتية، والحكومات المدنية (وبخاصة ~~الملكيات) قد أبغضت مثل هذه التجديدات حتى في الفكر (بحيث لا يمكن لأحد أن ينخرط فيها دون ~~خطر وضرر، ولا يعدم الثواب فحسب بل يلحقه الازدراء والحسد)، لولا ذلك لكانت أدخلت ~~- بلا شك - مذاهب فلسفية ونظرية أخرى كثيرة مثل تلك التي ازدهرت مرة بوفرة وتنوع كبير عند ~~اليونان، فمثلما يمكن تشييد نظريات خيالية كثيرة من ظواهر السماء، فمن الممكن ~~- بل والأيسر - تشييد اعتقادات متنوعة كثيرة من ظواهر ~~الفلسفة، وفي مسرحيات هذا المسرح الفلسفي قد تلاحظ نفس الشيء الموجود في مسرح الشعراء: أن ~~القصص المؤلفة للمسرح أكثر تماسكا ووجاهة وإمتاعا من القصص الحقيقية من التاريخ، ~~وأقرب ms019 لرغبات الناس. # وبصفة عامة فإن الناس يأخذون كأساس لفلسفتهم: إما أشياء كثيرة جدا من موضوعات قليلة، ~~وإما أشياء قليلة جدا من موضوعات كثيرة، وفي كلتا الحالتين تتأسس الفلسفة على أساس ~~ضيق جدا من التجربة والتاريخ الطبيعي، وتقرر الأحكام بناء على شواهد أقل مما ~~يجب، فالفلاسفة العقليون يلتقطون من التجربة تنويعة من الأمثلة العامة لم يتم فهمها ~~بدقة ولا فحصها ووزنها بعناية، ويعتمدون فيما تبقى على التأمل والنشاط الفكري. # وهناك أيضا فئة أخرى من الفلاسفة ما يكادون يعكفون بعناية وصدق على بضع تجارب حتى ~~يسارعوا باستنباط فلسفاتهم منها ويشيدوها تشييدا، ويلوون كل الوقائع الأخرى بطرق عجيبة لكي ~~تنسجم مع هذه الفلسفات. # وهناك بعد صنف ثالث من الفلاسفة يحملهم إيمانهم ووقارهم على أن يخالطوا فلسفتهم ~~باللاهوت والتعاليم، من هؤلاء من بلغ بهم الغرور مبلغا جعلهم يحاولون اشتقاق العلوم ~~من الأرواح والعفاريت. ثمة إذن ثلاثة مصادر للخطأ وثلاثة أنواع من الفلسفة الزائفة: السوفسطائية # 32 # والتجريبية العشوائية والخرافية. ~~••• ~~(63) وأوضح مثل على الصنف الأول من الفلاسفة هو أرسطو، الذي أفسد الفلسفة الطبيعية ~~بمنطقه، وشيد العالم بمقولاته، ونسب إلى الروح البشرية - أنبل الجواهر جميعا - ~~جنسا يقوم على كلمات من المقصد الثاني، # 33 # وحول التفاعل بين الكثيف والمخلخل (الذي به تشغل الأجسام محلا أكبر أو ~~أصغر) إلى تلك التفرقة الباردة بين القوة والفعل، وأكد أن لكل جسم حركة فريدة خاصة به، ~~فإذا شارك في حركة أخرى فإن هذه الحركة تعود إلى علة خارجية، وفرض على الطبيعة أشياء ~~أخرى لا حصر لها وفقا لهواه، فقد كانت تعنيه دائما التعريفات والدقة في صياغة قضاياه ~~أكثر مما تعنيه الحقيقة الداخلية للأشياء، يتجلى هذا في أوضح صورة إذا ما قارنا فلسفته ~~بغيرها من الفلسفات الذائعة بين اليونان: فال «هومويوميرا» # 34 ~~(الأجزاء المتماثلة) عند أنكساجوراس، والذرات عند ليوسيبوس وديمقريطس، والسماء ~~والأرض عند بارمنيدس، والتنافر والانسجام عند أمبدوقليس، وتلاشي الأجسام في الطبيعة غير ~~المتمايزة للنار ثم عودتها إلى الصلابة مرة أخرى عند هيراقليطس، كل أولئك يحمل داخله شيئا ~~من الفلسفة الطبيعية ومن حس ms020 الطبيعة والتجربة والأجسام، في حين لا تكاد تسمع في فيزيقا ~~أرسطو أي شيء عدا مصطلحات المنطق، والتي أعاد تدويرها مرة أخرى في ميتافيزيقاه تحت تسمية ~~أكثر جلالا، زاعما أنه واقعي # realist # أكثر منه ~~اسميا # nominalist ~~، ولا يخدعن أحدا كثرة التجائه ~~إلى التجربة في كتبه «عن الحيوان» و«مشكلات» ورسائل أخرى، فحقيقة الأمر أنه قد حسم أمره ~~مسبقا ولم يستشر التجربة حق المشورة كأساس لأحكامه ومبادئه. إنه يعتسف أحكامه ~~اعتسافا ثم يلوي بالتجربة حتى تلائم أفكاره، ويجرها كما يجر أسير في موكب، ومن ~~ثم فهو أفدح ذنبا من تابعيه المحدثين (الأسكولائيين) الذين هجروا التجربة تماما ~~ونفضوا أيديهم منها. # 35 ~~••• ~~(64) تتولد عن المدرسة التجريبية معتقدات أكثر تشوها ومسخا مما تنتجه المدرسة ~~السوفسطائية أو العقلية؛ ذلك لأن هذه المعتقدات لا تتأسس في ضوء التصورات العامة (التي رغم ~~ضعفها وسطحيتها فهي بشكل ما عمومية وتشير إلى أشياء كثيرة)، بل تقوم على أساس ضيق ومعتم ~~من حفنة تجارب، مثل هذه الفلسفة تبدو محتملة وشبه يقينية عند أولئك الذين ينخرطون كل يوم في ~~مثل هذا الصنف من التجارب فأفسدوا مخيلتهم بها، أما لغيرهم فتبدو بعيدة عن التصديق وغير ~~ذات جدوى، ولدينا عليها مثال صارخ في أهل الخيمياء ومعتقداتهم، وهي عدا ذلك نادرة الوجود في ~~زمننا هذا، ربما باستثناء فلسفة جلبرت، ويبقى علينا رغم ذلك أن نحذر من مثل هذه الفلسفات؛ ~~ذلك أننا ندرك ونتوقع أنه إذا أصغى الناس لنصيحتنا وكرسوا أنفسهم حقا للتجربة (بعد أن ~~ودعوا المذاهب السفسطائية) فإن هذه الفلسفة ستكون مصدر خطر حقيقي على أقل تقدير، وذلك بسبب ~~تسرع العقل وتهوره، وقفزه أو طيرانه إلى العموميات وإلى مبادئ الأشياء، ذلك الخطر الذي ~~ينبغي من ثم أن نكون متأهبين - حتى في هذه اللحظة - لمواجهته. ~~••• ~~(65) على أن الفساد الذي يأتي الفلسفة من الامتزاج بالخرافة والثيولوجيا هو أوسع انتشارا ~~وأشد ضررا عليها، سواء على منظوماتها الكلية أو على أجزائها، فتأثر العقل البشري بالخيال ~~لا يقل عن تأثره بالأفكار الشائعة. إن الصنف الجدلي والسوفسطائي من الفلسفة يوقع العقل في ms021 ~~شرك، أما الصنف الآخر أي الفلسفة الخيالية الطنانة شبه الشعرية فتغويه. إن بالإنسان ~~ضربا من طموح الفكر لا يقل عن طموح الإرادة، وبخاصة لدى الشخصيات الشامخة النبيلة. # وهناك مثال لافت على هذا بين اليونان نجده في فيثاغوراس، وإن كانت الخرافة لديه فظة ~~ثقيلة، ومثال آخر في أفلاطون ومدرسته حيث الخرافة أخطر وأرقى، وهذا الإثم نجده أيضا في ~~جوانب من الفلسفات الأخرى، متمثلا في القول بالصور المجردة والعلل الغائية والأولى، # 36 # مع إغفال كثير للعلل الوسطى وما إليها. إن علينا أن نتخذ أشد الحذر هنا، فليس ~~ثمة ما هو أسوأ من تمجيد الخطأ، فحين تؤله الحماقة فذلكم بلاء يحيق بالفكر، في هذه ~~الحماقة انغمس بعض المحدثين، وبغفلة متناهية حاولوا أن يؤسسوا فلسفة طبيعية على ~~الفصل الأول من سفر التكوين # Genesis # وسفر أبواب وأجزاء ~~أخرى من الكتاب المقدس، باحثين - هكذا - عن الموتى بين الأحياء، # 37 # ومثل هذه الحماقة يجب أن توقف وتقمع بكل قوة، فمن هذا المزج غير الصحي بين ~~البشري والإلهي لا تنبثق فقط فلسفة وهمية، بل ودين هرطقي، ومن ثم فإن رأس الحكمة ~~والاتزان أن نعطي للإيمان ما هو للإيمان ولا نتزيد. ~~••• ~~(66) بحسبنا هذا عن السلطة الخبيثة للفلسفات القائمة على تصورات عامة أو تجارب قليلة أو ~~على الخرافة، ويبقى أن نتحدث عن الموضوعات الخاطئة للتأمل العقلي، وبخاصة في الفلسفة ~~العقلية، إن العقل يضل السبيل إذ ينظر إلى ما يجري في الفنون الميكانيكية، حيث الأجسام ~~تتغير تماما عن طريق التركيب والتفريق، فيفترض أن شيئا شبيها بذلك يحدث في الطبيعة ~~الكلية للأشياء، وهذا هو مصدر الوهم القائل ب «العناصر» # elements # واحتشادها لتكوين الأجسام الطبيعية، كذلك عندما يتأمل ~~الإنسان في الطبيعة وهي تعمل بحرية، فإنه يلتقي بأجناس شتى من الأشياء: حيوانات، نباتات، ~~معادن، ومن هنا ينزلق بسهولة إلى تصور أن في الطبيعة صورا أولية للأشياء تريد أن تنتجها، ~~وأن ما عدا ذلك من تنويعات إنما يأتي من جراء عوائق وأخطاء للطبيعة في إنجاز مهمتها، أو من ~~صراع بين الأجناس المختلفة، أنتجت الفرضية الأولى ms022 مذهب الخواص الأولية، والثانية أنتجت ~~مذهب الخواص الخفية والقوى النوعية، وكلا التصورين ينتميان إلى تلك الفئة من المختصرات ~~الفكرية الفارغة التي فيها يسترخي العقل وينصرف عن موضوعات أكثر أهمية، وحسنا يفعل ~~الأطباء حين يكبون على الخواص الثانوية للمادة وعمليات الجذب والطرد والتكثيف والبسط ~~والقبض والتشتيت والنضج وما إلى ذلك، # 38 # ولقد كانوا حريين بتحقيق تقدم أكبر لو لم يعمدوا إلى التصورات المبسوطة ~~التي تحدثت عنها (أي الخواص الأولية والقوى النوعية) فيفسدوا بها هذه الملاحظات القويمة ~~باختزالها إلى خواص أولية وأخلاط دقيقة غير قابلة للمقايسة، أو بعدم تتبعها بملاحظات أكثر ~~قوة ودقة إلى خواص ثالثة ورابعة، والتوقف فجأة عن الملاحظة قبل الأوان، مثل هذه القوى (أو ~~ما شابهها) لا ينبغي أن نبحث عنها بين أدوية الجسم البشري فحسب، بل أيضا في العوامل التي ~~تغير الأجسام الطبيعية الأخرى. # وأشد خطرا من ذلك أنهم يبحثون ويتقصون المبادئ الساكنة للأشياء التي «منها» أتت ~~الأشياء نفسها إلى الوجود وليس المبادئ المتحركة التي «بواسطتها» أتت، # 39 # فالأولى تتعلق بالحديث، والثانية بالعمل، وليس ثمة أي قيمة في التمييزات ~~الشائعة للحركة والتي نلحظها في الفلسفة الطبيعية التقليدية، مثل: الكون والفساد والزيادة ~~والنقصان والتغير والحركة الموضعية، فكل ما تعنيه هو أنه إذا ما تحرك جسم - هو على ما هو ~~عليه فيما عدا ذلك - من مكانه، فهذه هي الحركة الموضعية (النقل)، فإذا تغير في الكيف ~~بينما بقي المكان والنوع على حاله فهذا هو «التغير» # alteration ~~، أما إذا نتج من هذا التغير أن الكتلة نفسها وكم الجسم لم ~~يظلا كما هي فهذه هي حركة «الزيادة» # augmentation # و«النقصان» # diminution ~~، فإذا استمر التغير إلى أن تبدل ~~النوع نفسه والجوهر ذاته، فهذا هو «الكون» # generation # و«الفساد» # corruption ~~، ولكن كل هذه أمور معلومة ~~ومبتذلة، ولا تنفذ إلى عمق الطبيعة على الإطلاق؛ لأنها تشكل مقاييس الحركة وحدودها وليس ~~الأنواع المختلفة للحركة، فهي تشير إلى «كم» (إلى أي درجة) وليس إلى «كيف» (بأية وسيلة) أو ~~«من أين» (من أي مصدر)، ولا تخبرنا بأي شيء عن نزوع الأجسام ms023 أو عن صيرورة أجزائها، بل تحدس ~~فحسب بتقسيم للحركة عندما تظهر هذه الحركة للحواس بطريقة واضحة أن شيئا ما لم يعد كما ~~كان من قبل، وحتى عندما يريدون تفسير شيء ما عن علل الحركات وأن يؤسسوا تقسيما لهذه العلل، ~~فإنهم يضعون تمييزا بين الحركة الطبيعية والحركة العنيفة، وهي نقلة غاية في العقم؛ لأن هذا ~~التمييز هو نفسه مستمد تماما من تصور عامي، حيث إن الحركة العنيفة هي أيضا في الحقيقة ~~حركة طبيعية، أي علة خارجية تجعل الطبيعة تعمل بطريقة مختلفة عما كانت عليه من قبل. # ولكن لنضرب صفحا عن كل هذا، فإذا ما لاحظ أي شخص - على سبيل المثال - أن في الأجسام ~~نزوعا إلى الاتصال المتبادل، بحيث لا تسمح لوحدة الطبيعة أن تنفصم أو تنحطم تماما وللفراغ ~~بالتالي أن يتكون، أو إذا لاحظ أي شخص أن في الأجسام نزوعا إلى استعادة أبعادها أو ضغطها ~~الطبيعي، بحيث إذا ضغطت أو مطت أكثر من ذلك أو أقل جهدت على الفور لاستعادة واسترداد ~~حجمها وامتدادها السابق، أو إذا لاحظ أي شخص أن في الأجسام نزوعا إلى التجمع مع كتل ~~الأشياء التي من صنفها، أي نزوع الأجسام الثقيلة إلى الأرض، والأشياء الهزيلة والخفيفة إلى ~~محيط السماء؛ فكل هذه الأشياء وأمثالها هي في الحقيقة أنواع فيزيقية من الحركة، أما تلك ~~الأشياء الأخرى فهي نظرية ومدرسية قلبا وقالبا كما هو واضح جلي من هذه المقارنة فيما ~~بينها. # وليس أهون من ذلك أنهم في فلسفاتهم وملاحظاتهم يهدرون جهودهم في بحث وتناول المبادئ ~~الأولى للأشياء والعلل القصوى ~~للطبيعة # ultimatibus naturae ~~، رغم أن كل الجدوى وفرص التطبيق تكمن في العلل الوسطى # in mediis ~~؛ لذا لا يكف الناس عن تجريد الطبيعة إلى أن يصلوا إلى مادة ~~ممكنة وغير مشكلة، ولا هم من الجهة الأخرى يكفون عن تشريح الطبيعة إلى أن يصلوا إلى ~~الذرة، وهي أشياء - حتى لو صدقت - قلما تجدي نفعا في تحسين حالة الجنس البشري. # 40 ~~••• ~~(67) على الذهن أيضا أن يأخذ حذره من الإفراط الذي تبديه المذاهب الفلسفية في ms024 إبداء ~~الموافقة أو الامتناع عنها، ويبدو أن هذا الإفراط يرسخ الأوهام وأنه بطريقة ما يطيل ~~عمرها، غير تارك أي منفذ للوصول إليها والتخلص منها. # ثمة نوعان من هذا الإفراط: الأول هو الذي يأتيه أولئك الذين يتسرعون في إصدار الأحكام، ~~فيجعلون العلوم جازمة تسلطية، والثاني يأتيه أولئك الذين ينكرون أن بإمكاننا أن نعرف أي ~~شيء ( # acatalepsia ~~)، فيفتحون المجال لنوع هائم من البحث لا ~~يهدف إلى شيء ولا ينتهي إلى شيء، من شأن النوع الأول أن يقمع الذهن، أما الثاني فيوهنه، ~~فبعد أن فرغت الفلسفة الأرسطية من تدمير الفلسفات الأخرى (على طريقة العثمانيين تجاه إخوتهم) # 41 # بتفنيدات عدائية، أخذ أرسطو يؤسس أحكاما في كل شيء، ثم أخذ هو نفسه يطرح ~~اعتراضات من عنده؛ كيلا يلبث أن يتصدى لها، بحيث لا يترك أمرا إلا وهو يقيني محسوم، وهي ~~طريقة ما زالت قائمة اليوم بين أتباعه. # أما مدرسة أفلاطون فأدخلت مذهب الشك، بدأ ذلك هزلا وتهكما من جراء استيائها من ~~قدامى السوفسطائيين - بروتاجوراس وهيبياس وغيرهما - الذين كانوا يستخذون من الظهور بمظهر ~~من يتردد بإزاء أي شيء، غير أن الأكاديمية الجديدة تصلبت في الشك واتخذته عقيدة، إنه ~~لمنهج أكثر صدقا من الترخص في سك الأحكام؛ لأنهم قالوا بأنهم لا يقوضون كل بحث ~~بأي حال مثلما كان يفعل فيرون و«المتوقفون عن الحكم» # Ephectici ~~، بل يسمحون باستقصاء بعض الأمور على أنها احتمالية، وإن لم يسمحوا بأي شيء أن ~~يؤخذ كحقيقة، غير أن العقل البشري ما إن ييأس من العثور على الحقيقة حتى يأخذ شغفه بكل ~~الأشياء في الخمود، وينتهي الأمر بأن ينصرف الناس إلى مناقشات وأحاديث لطيفة، وإلى نوع ~~من التطواف حول الأشياء دون المثابرة على البحث الجاد، ولكن - كما أسلفنا في البداية وكما ~~نؤكد على الدوام - فإن علينا ألا ننتقص من سلطة الحواس البشرية والفهم البشري - على قصورهما ~~- بل علينا أن نزودهما بما يساعد ويعين. ~~••• ~~(68) انتهينا الآن من عرض لمختلف ضروب «الأوهام» # idola # وخصائصها، وكلها أوهام ينبغي التخلي عنها وشجبها، وتطهير العقل وتحريره منها، حتى لا ms025 يبقى ~~ثمة إلا مدخل واحد إلى مملكة الإنسان، المدخل القائم على العلوم، مثلما أنه «لا مدخل إلى ~~مملكة السماء إلا عبر طهارة الطفولة». # 42 ~~••• ~~(69) غير أن البراهين الزائفة هي حصون «الأوهام» ودفاعاتها، والبراهين التي لدينا في ~~المنطق لا تعدو أن تخضع العالم وتسخره للأفكار البشرية، وتخضع الأفكار للألفاظ، ~~ولكن البراهين هي نفسها - بمعنى ما - فلسفات وعلوم، فكيفما تكن البراهين سديدة أو واهية ~~تكن الفلسفات والتأملات المترتبة عليها، غير أن البراهين التي نستخدمها في العملية بأكملها ~~التي تمضي من الحواس والأشياء إلى المبادئ والاستنتاجات هي براهين مغلوطة وواهية؛ # 43 # فأولا: انطباعات هذه الحواس نفسها خاطئة؛ لأن الحواس تخذلنا وتخدعنا، ولا بد ~~من أن نعالج الثغرات ونصحح الأخطاء، وثانيا: التصورات تستمد من انطباعات الحواس بطريقة ~~غير قويمة، وهي ملتبسة ومشوشة حيث ينبغي أن تكون محكمة ومحددة المعالم ، وثالثا: ~~الاستقراء الذي نستخدمه خاطئ؛ لأنه يقرر مبادئ العلم بناء على التعداد البسيط، ودون ~~استخدام الاستبعاد والفصل أو التحليل الصحيح للطبيعة، وأخيرا: فإن طريقة الكشف والبرهان ~~التي تبدأ بوضع المبادئ الأعم ثم تجعل منها محكا للمبادئ الوسطى فتختبر المبادئ الوسطى ~~بمضاهاتها بالمبادئ العامة، هذه الطريقة هي أم الأخطاء، وهي كارثة كل العلوم، وإذا كنا ~~الآن نمر على هذه الأشياء مرورا عابرا فسوف نعرض لها باستفاضة حين نتناول الطريقة ~~الصحيحة لتفسير الطبيعة، بعد أن ننتهي من عملية تنقية العقل وتطهيره. ~~••• ~~(70) ولكن أفضل برهان على الإطلاق هو التجربة، شريطة أن يبقى ذلك لصيقا بالتجربة ~~الفعلية، فمن المغالطة الامتداد بها إلى أشياء أخرى شبيهة في الظاهر ما لم يكن يتم هذا ~~الاستدلال بطريقة منهجية حذرة، أما الطريقة التي يجري بها الناس التجارب # 44 # في الوقت الحالي فهي طريقة عمياء بلهاء، ومن ثم فإنهم يهيمون ويتخبطون ~~دون أي مسار واضح، مرتهنين للمصادفات يتأدون منها هنا وهناك دون أن يحرزوا ~~تقدما يذكر، وهم - بين رجاء حينا وتشتت حينا آخر - يجدون دائما بارقا جديدا ~~يسعون نحوه؛ ذلك أن الناس في الأغلب يجرون تجاربهم بغير اكتراث ولا جدية، واضعين ~~تنويعات ضئيلة على ms026 التجارب المعروفة بالفعل، فإذا لم تجبهم التجربة بشيء تبرموا بها ~~وأقلعوا عن المحاولة، وحتى عندما يكبون على عملهم بجد وكد ومثابرة فإنهم يهدرون ~~وقتهم في سبر موضوع واحد معين، كشأن جلبرت مع المغناطيس، وشأن الخيميائيين مع الذهب. مثل ~~هذا المسلك لا ينم فحسب على غياب المهارة بل أيضا على غياب الرؤية: فما كان لأحد أن ينجح ~~في كشف طبيعة شيء ما بالنظر إلى الشيء وحده، بل لا بد للبحث من أن يكون نطاقه أوسع ~~ومجال رؤيته أعم. # وحتى عندما يشيد الناس نوعا ما من العلم والنظرية على التجارب، فإنهم - في الأغلب - ~~يهرعون بحماس أهوج إلى التطبيق العملي، لا لكي يجنوا منها ثمارا مرتقبة فحسب، بل لكي ~~يجدوا توكيدا في شكل نتاج جديد بأن سعيهم جدير بالمواصلة ولن يكون مضيعة للوقت، ~~بالإضافة إلى توطيد شهرتهم واكتساب صيت جيد لمجال عملهم، هم إذن أشبه بأتالانتا # Atalanta # يتركون طريقهم لكي يلتقطوا التفاحة الذهبية ~~فيقطعون العدو ويفوتهم الفوز. إنما علينا - في دأبنا على الطريق الصحيح للتجربة ~~ومواصلته لبلوغ نتائج جديدة - أن نقتدي بالحكمة والتدبير الإلهيين: ففي اليوم الأول للخلق ~~اكتفى الرب بخلق النور وكرس يوما كاملا لهذا العمل، ولم يخلق أي شيء مادي في ذلك ~~اليوم، نحن أيضا علينا أولا أن نحاول - بشتى ضروب التجارب - أن نكتشف العلل والمبادئ ~~(القوانين) الحقيقية، وأن نلتمس التجارب التي تقدم النور لا الأثمار، فما إن يتم اكتشاف ~~المبادئ وصياغتها على نحو صحيح حتى تقدم للممارسة عونا هائلا لا محدودا، وتجر ~~وراءها أرتالا غفيرة من النتائج، وسوف نعرض لاحقا لطرق التجربة التي سدت وقطعت ~~مثلما سدت طرق الحكم، فأنا لم أقل حتى الآن إلا أن البحث التجريبي المعتاد هو نوع رديء ~~من البرهان، غير أن المقام يقتضيني أن أضيف شيئا ما عن العلامات التي سبق ذكرها والتي ~~تشير إلى أن الفلسفات والملاحظات المستخدمة الآن عاجزة، وعن أسباب ما يبدو للوهلة الأولى ~~عجيبا لا يصدق، فمعرفة هذه العلامات الخارجية تمهد للتصديق، وتفسير الأسباب يزيل ~~العجب، وهذان الشيئان مفيدان غاية الفائدة ms027 في تطهير الذهن من الأوهام بسهولة ويسر. ~~••• ~~(71) تأتي العلوم التي لدينا - في معظمها - من اليونان؛ إذ إن ما أضافه الرومان والعرب أو ~~الكتاب الأحدث هو شيء قليل ومحدود الأهمية، ومبني كيفما كان على أساس من كشوف اليونان، # 45 # إلا أن حكمة اليونان كانت احترافية وميالة إلى الجدل، وذاك لون من الحكمة ~~معاكس للبحث عن الحقيقة، وهكذا فإن اسم «السوفسطائيين» الذي رفضه بازدراء أولئك الذين ~~ودوا أن يعتبروا فلاسفة وأطلقوه على الخطباء: جورجياس، بروتاجوراس، هيبياس، ~~بولس Polus ~~، هذا الاسم يمكن أن ينطبق على العشيرة ~~بأكملها: أفلاطون وأرسطو وزينون وأبيقور وثيوفراسطس، وخلفهم كريسبوس وكارنيادس والبقية، ~~والفارق الوحيد بين أولئك وهؤلاء هو أن الأولين كانوا مرتزقة جوالين يطوفون بين ~~البلدان المختلفة ويعرضون حكمتهم ويطلبون أجرا عليها، في حين أن الآخرين كانوا أكثر ~~تبجيلا وسعة، إذ كانت لهم مقارهم الثابتة ومدارسهم المفتوحة، وكانوا يعلمون ~~الفلسفة دون مقابل، إلا أن كلتا المجموعتين (رغم اختلافهما في الجوانب الأخرى) كانت ~~احترافية، وتحول كل موضوع إلى مجادلات، وتؤسس مذاهب وعقائد فلسفية وتنافح عنها، ~~ومن ثم كانت مذاهبهم في معظمها (مثلما قال ديونيزيوس - بحق - عن أفلاطون): «حديث ~~عجائز متبطلين إلى شبان جاهلين.» # 46 # على أن اليونانيين الأقدم مثل أنبدوقليس وأنكساجوراس وليوسيبوس وديمقريطس ~~وبارمنيدس وهيراقليطس وزينوفان وفيلولاس والآخرين (وأنا أستثني فيثاغوراس باعتباره مشعوذا) ~~لم يفتحوا مدارس على حد علمي، بل نذروا أنفسهم للبحث عن الحقيقة في صمت وجدية وبساطة ~~أكثر: أي بادعاء واستعراض أقل؛ لذا فقد كانوا - في رأيي - أكثر نجاحا، لولا أن أعمالهم ~~قد غشت عليها بمرور الزمن تلك الأعمال الأقل وزنا التي راقت أفهام السوقة وأذواقهم، ~~فالزمن (كالنهر) يجلب لنا ما هو خفيف منتفخ ويغرق ما هو ثقيل صلب، # 47 # وحتى هؤلاء الأقدمون لم يبرءوا تماما من عيوب قومهم، فقد كانوا مأخوذين ~~بغرور وطموح لتأسيس مذهب وانتزاع إعجاب عامة الناس، ولا تؤمل خيرا في البحث عن ~~الحقيقة إذا تدنى إلى مثل هذه التفاهات، ولا ننس في هذا المقام ذلك الحكم بل النبوءة ~~التي تفوه بها أحد الكهنة المصريين ms028 عن اليونانيين بأنهم «دائما أطفال، يعوزهم قدم ~~المعرفة ومعرفة القدم.» # 48 # فهم بالتأكيد يشتركون مع الأطفال في الميل إلى الكلام والعجز عن الإنجاب، ~~فحكمتهم لفظية لا تثمر نتائج، وعليه فإن العلامات التي نتلقاها من منبع الفلسفة السائدة ~~ومسقط رأسها هي علامات غير مبشرة. ~~••• ~~(72) ولا العلامات المستفادة من طبيعة الزمن والعصر بأفضل حالا من تلك المستفادة من ~~المكان والشعب، فقد كانت المعرفة في ذلك العصر معرفة محدودة هزيلة، سواء المعرفة عن ~~الزمن أو عن العالم، وهذا حقا شيء غير محمود على الإطلاق وخاصة بالنسبة لأولئك الذين ~~يعتمدون على التجربة في كل أمر؛ لأنهم ليسوا بإزاء ألف عام من التاريخ تستحق اسم التاريخ، ~~بل بإزاء قصص خيالي وتقاليد عتيقة، لم يكن أهل ذلك العصر يعلمون سوى جزء صغير من أصقاع ~~العالم وبلدانه، فقد كانوا يسمون كل شعوب الشمال # Scythians # وكل شعوب الغرب # Celts # دون تمييز، ولا يعرفون عن أفريقيا أي ~~شيء يتجاوز الجزء الأقرب من إثيوبيا، ولا من آسيا ما يتجاوز ال # Gangs ~~، وأقل من ذلك كثيرا عن أقاليم «العالم الجديد» ~~ولو من طريق الروايات أو الشائعات المقبولة. الحق أن معظم الأقاليم المناخية والأصقاع التي ~~تعيش وتتنفس فيها أمم لا تحصى كانت تعد عندهم غير قابلة للسكنى، بل كانوا ~~يكبرون رحلات ديمقريطس وأفلاطون وفيثاغوراس التي كانت أقرب إلى نزهات الضواحي، بينا في ~~أزمنتنا صارت كثير من أجزاء العالم الجديد وكل أطراف العالم القديم معروفة جيدا، وزادت ~~ذخيرتنا من الخبرات زيادة لا متناهية، وعليه فإذا كان لنا - شأن الفلكيين - أن نستقي علامات ~~من ميقات مولدهم أو ظهورهم فليس لدينا ما ينبئ بشأن عظيم لهذه المنظومات الفلسفية ~~المبكرة. ~~••• ~~(73) ليس بين العلامات جميعا ما هو أوثق وأوجه من ~~الثمار، فاكتشاف الثمار والنتائج بمثابة كفالة أو ضمانة لصدق أي فلسفة من الفلسفات، ~~فانظر الآن إلى كل هذه الفلسفات اليونانية، وعلى العلوم الجزئية المتشعبة منها، ليس بوسعك ~~أن تورد بعد انقضاء كل هذه السنين تجربة واحدة تفضي إلى التخفيف عن الإنسان وتحسين ~~حاله، ويمكن أن ترجع الفضل ms029 فيها - بحق - إلى تنظيرات تلك الفلسفات ومذاهبها، يعترف ~~سيلسوس # Celsus # 49 # بصراحة وحكمة أن خبرات الطب تم اكتشافها أولا، ثم بنى الناس عليها ~~فلسفاتهم بعد ذلك وسعوا في التماس العلل وتحديدها، ولم يحدث الأمر في الاتجاه العكسي: أي ~~لم تكتشف الخبرات بواسطة الفلسفة وتستمد منها ومن معرفة العلل، لا عجب إذن في أن ~~المصريين (الذين أسبغوا قداسة وألوهة على أصحاب الابتكارات الجديدة) كانت لديهم صور ~~للحيوانات أكثر مما للبشر، وتفسير ذلك أن الحيوانات اجترحت الكثير من الكشوف بغريزتها ~~الطبيعية، في حين لم يقدم البشر شيئا يذكر من خلال الجدل والاستنباط العقلي. # صحيح أن صناعة الخيميائيين قد أثمرت بضع نتائج، ولكن ذلك حدث بالمصادفة وبشكل عابر، أو ~~من خلال تنويع تجاربهم (كما يفعل الميكانيكيون أيضا)، وليس على أساس فن مقرر أو نظرية، ~~فالنظريات التي تخيلوها تربك التجارب أكثر مما تعينها. كذلك حال أولئك الذين انشغلوا ~~بالسحر الطبيعي كما يسمونه، فلم يقدموا إلا نتاجا هزيلا وأقرب إلى الدجل؛ لذا فمثلما ~~نتعلم في الدين أن نظهر إيماننا في أعمالنا فإن المبدأ نفسه ينسحب على الفلسفة، فنحكم ~~عليها من خلال ثمارها، فإذا كانت الفلسفة عقيمة بلا نتاج فهي عبث لا نفع فيه، وهي بعد ~~أكثر عبثا إذا كانت بدلا من ثمار العنب والزيتون تثمر قتادا وأشواكا من الجدل ~~والمماحكة. ~~••• ~~(74) ثمة علامات أخرى ينبغي أن تستفاد من تنامي ~~وتقدم فلسفات وعلوم معينة، فتلك التي تتأسس على الطبيعة تنمو وتزداد، أما التي تقوم على ~~الرأي فتتغير ولكنها لا تنمو؛ ولذا فلو أن هذه الفلسفات التي ذكرناها بعيدة الشبه عن نبات ~~مقتلع من جذوره، بل متصلة دوما برحم الطبيعة آخذة غذاءها منه لما كان بالإمكان أن يحدث ~~ما رأيناه الآن لألفين من السنوات: لألفين من السنوات والعلوم واقفة حيث هي وباقية كما هي ~~دون تقدم ملحوظ، بل إنها بالعكس تعيش ذروة ازدهارها في ظل مؤسسها الأول ثم لا تلبث أن ~~تنحط من بعده، بينما نرى أن العكس هو ما يحدث في حالة الفنون الميكانيكية التي تتأسس على ms030 ~~الطبيعة وفي ضوء التجربة، فهي ما دامت رائجة فهي في ازدهار ونمو مستمر كأنها ممتلئة بنفس ~~الحياة، تبدأ فجة ثم تصير ملائمة ثم فاخرة، وعلى الدوام في تقدم. ~~••• ~~(75) ثمة - بعد - علامة أخرى يجب أن نلحظها (إن جاز تسميتها علامة، إذ إنها بالأحرى ~~شهادة، بل هي حقا أقوى شهادة): وهي الاعتراف الفعلي للكتاب أنفسهم الذين يتبعهم الناس ~~اليوم، فحتى هؤلاء الذين يفرضون حكمهم على الأشياء بثقة كبيرة، ما يزالون من وقت لآخر عندما ~~يردون إلى القصد، يعمدون إلى الشكوى من ألغاز الطبيعة وغموض الأشياء وضعف الفهم البشري، ~~فلو أنهم اقتصروا على هذا فقد يكون رادعا لغيرهم من ذوي المزاج الهياب عن المضي في البحث، ~~وحافزا لذوي العقول الأكثر حدة وثقة إلى مزيد من التقدم، غير أنهم لا يكتفون بمناجاة ~~أنفسهم، بل يعتبرون كل شيء لم يعرفوه ولم يلمسوه بأنفسهم - هم أو معلموهم - كشيء وراء حدود ~~الإمكان، ويعلنون - من موقع السلطة في فنهم - أنه من المحال أن يعرف أو يعمل، ومن ~~ثم فإنهم بكل غطرسة يحولون ضعف كشوفهم إلى افتراء على الطبيعة وتثبيط لغيرهم من ~~الخلق. هكذا نشأت الأكاديمية الجديدة التي اعتنقت مذهب الشك وحكمت على البشر بالظلام ~~الأبدي، وهكذا نشأ الرأي القائل بأن «الصور» # forms # أو ~~الفروق الحقيقية بين الأشياء (التي هي في الحقيقة قوانين الفعل الخالص) مستحيلة الكشف ودون ~~منال الإنسان، وهكذا نشأت الآراء الخاصة بالجانب النشط والعملي من العلم: أن حرارة الشمس ~~وحرارة النار هما صنفان من الحرارة مختلفان تماما، فلا يطمعن أحد في أن يستخلص أو يكون - ~~من خلال إعمال النار - شيئا ما شبيها بالأشياء الموجودة في الطبيعة، وهكذا نشأ الرأي ~~القائل بأن التركيب # composition # فقط بوسع الإنسان، أما ~~المزج # mixture # فهو فعل الطبيعة وحدها، فلا يطمعن أحد ~~من طريق الفن أن يخلق أو يحول أجساما طبيعية، هكذا سوف يتسنى للناس أن يروا في هذه ~~العلامة ما يزعهم أن يرهنوا مصائرهم وجهودهم بعقائد ليست يائسة فحسب، بل مكرسة ~~لليأس. ~~••• ~~(76) وهاك علامة أخرى لا ينبغي إغفالها: أنه كان هناك ms031 خلافات كثيرة جدا بين الفلاسفة ~~وتباين بين المدارس، الأمر الذي يظهر - بوضوح - أن الطريق من الحواس إلى الفكر لم يكن ~~ممهدا بشكل جيد ما دام الأساس الفلسفي الواحد (أي طبيعة الأشياء) قد تمزق وتشظى إلى ~~أخطاء شديدة الاختلاف والتشعب، ورغم أن الاختلافات والتباينات حول المبادئ الأولى ~~والمنظومات الفلسفية الكلية قد انتهت تقريبا في زمننا الحالي، # 50 # فما زالت هناك أسئلة وخلافات لا تحصى حول الأجزاء الفرعية للفلسفة، مما يدل ~~على أنه لا يوجد أي شيء مؤكد أو صحيح لا في المنظومات نفسها ولا في طرائق البرهان. ~~••• ~~(77) نعرض الآن للرأي الشائع القائل بأن هناك شبه ~~إجماع على فلسفة أرسطو، حيث إنه عقب ذيوعها توارت الفلسفات الأقدم وطواها النسيان، ثم لم ~~يكتشف في الأزمنة اللاحقة شيء أفضل منها، ومن ثم بات مؤكدا ومقررا أنها بسطت ~~ظلها على العصرين معا، ردا على ذلك أقول: أولا: إن القول بأن الفلسفات القديمة انتهت ~~عقب صدور فلسفة أرسطو هو قول خاطئ، فقد عاشت أعمال الفلاسفة القديمة طويلا بعد ذلك، وظلت ~~قائمة حتى زمن شيشرون والقرون التالية له، الخطب أنه في زمن لاحق، عندما تحطمت سفينة ~~المعرفة البشرية - إن صح التعبير - إثر طوفان البرابرة الذي غمر الإمبراطورية الرومانية، ~~هنالك كانت فلسفة أرسطو وأفلاطون أشبه بألواح أخف وزنا وأقل صلابة، فظلت طافية فوق أمواج ~~الزمن وكتبت لها النجاة، ثانيا: مسألة الإجماع هي أيضا خادعة ولا تصمد للتمحيص، ~~فالإجماع الحقيقي هو ذلك الذي ينطلق من أحكام حرة تلتقي جميعا - بعد فحص المسألة - في نقطة ~~واحدة، ولكن الغالبية العظمى من الذين قبلوا فلسفة أرسطو قد ارتهنوا أنفسهم لها من خلال ~~الحكم المسبق وسلطة الآخرين، الأمر إذن أقرب إلى الاتباع والتحزب منه إلى الاتفاق، ~~وحتى لو كان اتفاقا حقيقيا وعريضا فمن الخطأ الذريع أن نعده تأييدا صادقا وصلبا، ~~ذلك الاتفاق الذي يتضمن قرينة قوية إلى العكس، فبئس الدليل الإجماع في المسائل الفكرية ~~(باستثناء الأمور الإلهية والسياسية حيث يحق للاقتراع أن يقرر)، فلا شيء أثلج لصدور ~~الطغام من ذلك الذي يفتن الخيال ms032 ويوثق العقل في أغلال الآراء الشائعة كما لاحظنا ~~آنفا، وما أجدرنا إذن أن نستعير قول فوشيون Phocion # 51 # من مجال الأخلاقيات إلى مجال الفكر: «إذا ما غمرك الدهماء بالتأييد ~~والإعجاب فتحسس أخطاءك!» هذه العلامة إذن من أخطر العلامات. ها قد فرغنا الآن من ~~عرض فكرتنا: أن كل ما يتخذ دليلا على صدق الفلسفات والعلوم وصحتها هو دليل غير صحيح، سواء ~~كان مستمدا من منشئها أو من نتاجها أو من تقدمها أو من اعترافات واضعيها أو من ~~الإجماع (عليها). ~~••• ~~(78) نأتي الآن إلى أسباب هذه الأخطاء، والأسباب التي جعلت الناس تتعثر بها طيلة هذه ~~القرون، هذه الأسباب هي من الكثرة والقوة بحيث يزول معها أي عجب من أن تخفى هذه الاعتبارات ~~التي طرحتها عن ملاحظة الناس حتى يومنا هذا، العجب الوحيد هو أن تطرأ اليوم أخيرا في ~~ذهن واحد من الناس وتصبح موضوعا لفكره، أنا شخصيا أعتبر ذلك حقا نتاج مصادفة سعيدة ~~وليس فضل موهبة استثنائية عندي، هي بنت الزمن وليست بنت الذكاء. # فأنت أولا إذا نظرت إلى الأمر على حقيقته لوجدت أن هذه القرون الطويلة تختزل في ~~نطاق صغير جدا، ففي هذه القرون الخمسة والعشرين - التي تحيط بها الذاكرة والمعرفة ~~البشريتان - لن تستطيع أن تفرد أكثر من ستة قرون كانت خصبة في العلوم ومواتية لتقدمها. ~~إن للزمن فيافيه وقفاره مثلما لأصقاع الأرض، ونحن لا نستطيع أن نعد عن حق إلا ~~ثلاث ثورات وفترات ذروة في الفلسفة: الأولى بين اليونان، والثانية بين الرومان، والثالثة ~~بيننا نحن أمم أوروبا الغربية، ولن تزيد الفترة المقيضة لكل واحدة منها عن قرنين من ~~الزمن، أما العصور الوسطى للعالم فلم تكن خصبة في إنتاج محصول وفير وغني من العلوم، ~~وليس ثمة ما يدعو إلى ذكر العرب والأسكولائيين الذين محقوا العلوم برسائلهم العديدة في ~~الزمن الوسيط أكثر مما أضافوا إلى وزنها، جملة القول: إن السبب الأول لهذا التقدم الهزيل ~~في العلوم يعود إلى ضآلة الفترات الزمنية التي كانت مواتية للعلم. ~~••• ~~(79) في المقام الثاني هناك سبب يطرح نفسه، وهو ms033 بالتأكيد على أعلى درجة من الأهمية، وهو ~~أنه في تلك العصور نفسها - التي ازدهر فيها الذكاء البشري والمعرفة ازدهارا كبيرا أو حتى ~~ازدهارا متوسطا - لم يكن الناس يولون الفلسفة الطبيعية إلا جزءا ضئيلا من جهدهم، غير ~~أن هذه نفسها هي التي ينبغي أن تعد الأم العليا للعلوم، فكل فن أو علم ينبت عن هذا ~~الجذر، قد يصقل ويعدل للاستخدام العملي، ولكنه لن ينمو على الإطلاق، ومن المعلوم أنه ~~بعد أن انتشرت المسيحية واشتد عودها، فإن أغلب العقول النابغة اشتغلت باللاهوت، حيث كانت ~~تقدم أعلى المنح وتبذل بسخاء كل ضروب الإعانات، هذا التكريس للاهوت احتل ذلك ~~الجزء الثالث أو الفترة الثالثة بيننا نحن الأوروبيين الغربيين، لا سيما أنه في الوقت ~~نفسه بدأ الأدب في الازدهار والخلافات الدينية في الاندلاع، أما في العصر السابق - أي ~~طوال الفترة الثانية بين الرومان - فكانت تأملات الفلاسفة وجهودهم منصرفة بالدرجة الأساس ~~إلى الفلسفة الخلقية التي كانت عند الوثنيين بمثابة اللاهوت عندنا، إلى جانب ذلك انشغلت ~~العقول النابغة بالشأن العام (السياسة)؛ نظرا لضخامة الإمبراطورية الرومانية وما تتطلبه من ~~خدمات عدد كبير من الأشخاص، أما العصر الذي بدا فيه أعلى ازدهار للفلسفة الطبيعية بين ~~اليونان فلم يمتد طويلا، ففي الفترة المبكرة كرس الفلاسفة المعروفون ب «الحكام السبعة» ~~(باستثناء طاليس) أنفسهم للفلسفة الخلقية والسياسة، وفي الفترة المتأخرة - بعد أن أنزل ~~سقراط الفلسفة من السماء إلى الأرض - ازداد رواج الفلسفة الخلقية وصرفت عقول الناس عن فلسفة ~~الطبيعة. # بل إن الفترة نفسها التي ازدهر فيها البحث في الطبيعة قد أفسدتها الخلافات اللفظية، ~~والمنافسة في وضع آراء جديدة، وجعلتها عديمة الجدوى، وهكذا خلال هذه الفترات الثلاثة ~~أهملت الفلسفة الطبيعية أو أعيقت، فلا عجب ألا يحقق الناس غير تقدم يسير في هذا ~~المجال؛ إذ كان اهتمامهم منصرفا إلى شيء مختلف تماما. ~~••• ~~(80) أضف إلى ذلك أن الفلسفة الطبيعية قلما وجدت - حتى بين أولئك الذين مارسوها ~~- من يكرس لها كل وقته، وخاصة في الأزمنة الحديثة (إلا ~~إذا عثر المرء ربما على نموذج أو اثنين في ms034 راهب في صومعته أو نبيل في بيته الريفي)، # 52 # فقد عوملت الفلسفة الطبيعية كمجرد معبر أو جسر إلى مطالب أخرى. # هكذا أكرهت هذه الأم العليا للعلوم - بجور غريب - على أن تؤدي مهام خادمة، فتلبي ~~حاجات الطب أو الرياضيات، أو تغسل الأذهان غير الناضجة للشباب وتنقعها في نوع من الصبغة ~~الأولى حتى يتسنى لها لاحقا أن تمتص صبغة أخرى وتثبتها، كذلك لا يتوقعن أحد أي ~~تقدم كبير في العلوم (وبخاصة في جانبها العملي) ما لم توصل الفلسفة الطبيعية بالعلوم ~~الخاصة، وترد العلوم الخاصة ثانية إلى الفلسفة الطبيعية، وبسبب افتقارها إلى هذا نجد ~~علوم الفلك والبصريات والموسيقى وعددا من الفنون الميكانيكية والطب نفسه (ويا للعجب) ~~والفلسفة الأخلاقية والسياسة وعلوم المنطق؛ نجدها جميعا تفتقر إلى العمق، ولا تمس الأشياء ~~إلا مسا سطحيا عابرا؛ ذلك أنها بعد أن انفصلت وتأسست كعلوم خاصة لم تعد تتغذى ~~بالفلسفة الطبيعية التي كانت كفيلة بأن تمدها بقوة جديدة ونماء من خلال التأمل الأصيل ~~للحركة والأشعة والأصوات وبنية الأجسام وهيئتها وللانفعالات والعمليات الذهنية، ومن ~~ثم فلا عجب ألا تنمو العلوم إذا ما انفصلت عن جذورها. ~~••• ~~(81) ثمة سبب آخر مهم وقوي لعدم إحراز العلوم إلا تقدما قليلا: فليس بالإمكان أن ~~تتقدم في المضمار كما ينبغي إذا كان الهدف نفسه لم يوضع على نحو صحيح، فالهدف الحقيقي ~~والمشروع للعلوم هو أن تزود الحياة الإنسانية باكتشافات وموارد جديدة، والكثرة الكاثرة من ~~الناس لا يعرفون شيئا عن هذا، إن هم إلا مأجورون ومحترفون، ربما يتصادف أن صانعا ما ذا ~~عبقرية حادة وطموح للشهرة يكرس نفسه لعمل اختراع جديد، والذي يكون دائما على نفقته ~~الخاصة، غير أن الغالبية من الناس لا يحدثون أنفسهم بأن يزيدوا حصيلة العلوم والفنون، ~~فهم لا يأخذون من الحصيلة المتوافرة لديهم ولا يلتمسون منها إلا ما يمكنهم أن يحولوه إلى ~~استعمال حرفي أو ربح أو صيت أو ما شابه ذلك من المزايا، وإذا كان في هذا الحشد واحد يسعى ~~إلى المعرفة بحب صادق ولأجل المعرفة فحسب، فحتى هذا سنجد أن ms035 هدفه هو التأملات والمذاهب ~~المتنوعة وليس البحث الصارم الجاد عن الحقيقة، وحتى إذا كان هناك من هو باحث أكثر كدا ~~عن الحقيقة فهو أيضا سوف يضع أمامه وصفا للحقيقة من شأنه أن يرضي عقله وفهمه في تقديم ~~علل للأشياء معلومة أصلا، لا وصفا يقود إلى نتائج جديدة ونور جديد من المبادئ، # 53 # وهكذا إذا كانت «غاية» العلوم لم توضع بعد على نحو صحيح، فلا عجب أن يكون ~~الناس قد أخطئوا في أمر «الوسائل». ~~••• ~~(82) ومثلما أن الناس لم تحدد غاية العلوم وهدفها كما ينبغي، فإنهم حتى لو حددوا ذلك ~~تحديدا جيدا، إنما يتخذون إليه طريقا خاطئا ومسدودا تماما، وإنه لمن أعجب العجب ~~لمن يتأمل الأمر أن لا يعنى أحد ولا يهتم بفتح طريق ممهد ومعبد للفهم الإنساني ~~ينطلق من الحواس عبر التجربة المنظمة المحكمة، بل يترك كل شيء نهبا لغيوم التقاليد ~~ودوامة الجدل، أو لتقلبات الصدفة ومتاهاتها والخبرة العارضة غير المنظمة، فليتأمل أي ~~منا بتيقظ وعناية في نوعية الطريق الذي اعتاد البشر اتخاذه في بحث أي شيء واكتشافه، ~~فإنه - بدون شك - سيلحظ أولا منهجا بسيطا غير علمي للكشف مألوفا جدا للبشر، وهو ~~لا يعدو أن يكون كالتالي: عندما يعد أي شخص نفسه للكشف فإنه يستعلم عن كل ما سبق ~~أن قيل في الموضوع ويلم به، ثم يضيف تأملاته الخاصة، ويقلب الأمر في ذهنه ويستنطق ~~روحه الخاصة ويهيب بها أن توحي إليه، هذا منهج يفتقر إلى أي أساس، وتذهب به الآراء كل ~~مذهب. # وآخر قد يستدعي المنطق لكي يعينه في الكشف، والمنطق لا صلة له بهذا الغرض سوى صلة ~~اسمية، فالمنطق لا يكتشف المبادئ والقضايا الرئيسية التي تتألف منها الفنون، بل يكتشف فحسب ~~تلك القضايا التي تبدو متسقة معها، # 54 # فإذا ما أخذك الفضول وألححت عليه في السؤال عن براهينه على المبادئ أو ~~القضايا الأولى فلن تجد من المنطق سوى رد واحد معروف جيدا، وهو أن يحيلك ثانية ~~إلى الإيمان وقسم الولاء الذي ينبغي أن يؤدى لمبادئ كل فن على حدة. # لا ms036 تبقى هناك إلا الخبرة المحضة، والتي إذا جاءت بنفسها سميت مصادفة، وإذا جيء بها ~~سميت تجربة، ولكن هذا النوع من الخبرة ليس أكثر من مكنسة بدون رباط (كما يقولون) مجرد ~~تحسس، شأن أناس في الظلام يتحسسون حولهم عساهم أن يجدوا طريقهم الصحيح، بينما الأفضل لهم ~~جدا أن ينتظروا ضوء النهار أو ضوء شمعة ثم يتقدموا، على النقيض من ذلك يبدأ النظام ~~الصحيح للخبرة بإيقاد ضوء، ثم بكشف الطريق في هذا الضوء، منطلقا من التجربة الممنهجة ~~المنظمة لا التجربة الملفقة العشوائية، ومنها يستنبط المبادئ، وعلى هذه المبادئ يؤسس تجارب ~~جديدة، ذلك أنه حتى «كلمة الرب» لا تؤتي فعلها في الخليقة إلا بمنهج. # لذا فلا عجب للناس إذا كانت العلوم قد تعثرت عن إكمال الطريق، فلقد ضلت سبيلها إذا ~~تركت التجربة وهجرتها تماما، أو أوقعت نفسها في شرك متاهاتها وجعلت تتخبط في حلقات ~~مفرغة، في حين أن المنهج المنظم القويم يتخذ جادة آمنة خلال غابة الخبرة تفضي إلى رحبة ~~المبادئ. ~~••• ~~(83) ولقد زاد في تعقيد المشكلة بدرجة عجيبة اعتقاد أو تصور عميق الجذور على أنه ~~متغطرس ومؤذ، مفاده أن مما يحط من قدر الذهن البشري أن يظل عاكفا ومكبا على ~~التجارب وعلى الأشياء الجزئية التي هي موضوعات للحس ومقصورة على المادة، لا سيما وأن هذه ~~الأمور تقتضي في العادة جهدا في البحث، وأنها لا تليق بالتأمل ولا بالحديث ولا بالممارسة، ~~وأنها مفرطة في الدقة، وهكذا لم يعد الطريق الحق مهجورا فحسب بل معترضا ومغلقا، لم ~~يقتصر الأمر على تجاهل التجربة وإساءة تطبيقها، بل تم نبذ التجربة وازدراؤها. ~~••• ~~(84) إن توقير العصور القديمة ونفوذ الرجال الذين حظوا بمكانة كبيرة في الفلسفة ~~والإجماع العام، كل أولئك أمور عاقت الناس عن التقدم في العلم، وأسرتهم إلى حد كبير، ~~أما عن الإجماع فقد تناولته فيما سبق، «وأما عن الرأي الذي يرفع به الناس من قيمة ~~القدم فهو رأي عقيم تماما ولا يكاد يتفق مع اللفظة؛ ذلك لأن كبر العالم وتقدمه في ~~العمر هو ما ينبغي أن يعتبر «قدما» ms037 في حقيقة الأمر، وهذه هي الصفة المميزة لزمننا نحن ~~لا للعمر المبكر للعالم في أزمنة القدماء، فإذا كان هؤلاء الأخيرون بالنسبة لنا قدماء ~~مسنين فإنهم بالنسبة للعالم محدثون صغار، ولما كنا نتوقع من الشخص الأكبر معرفة ~~أكبر بالشئون البشرية وحكما أنضج مما نتوقعه من الصغير - بفضل خبرة الكبير وبفضل كثرة ~~وتنوع ما رآه وسمعه وتأمل فيه - فإن لنا أن نتوقع من عصرنا أمورا أعظم مما نتوقعه من ~~العصور القديمة، ما دام العالم قد تقدم في العمر وازدادت ذخيرته واكتنزت بما لا نهاية له ~~من التجارب والملاحظات، وينبغي أيضا أن نأخذ في اعتبارنا أن كثيرا من الأشياء الجديرة بأن ~~تلقي الضوء على الفلسفة قد اكتشفت وأميط عنها اللثام بفضل الرحلات والأسفار الطويلة ~~التي زخرت بها أيامنا، إنه ليكون مخزيا حقا للجنس البشري أن تستكشف أصقاع العالم ~~المادي - الأرض والبحر والنجوم - وتستظهر على هذا النحو المذهل، بينما تبقى حدود ~~العالم الفكري محصورة في الكشوف الضيقة للقدماء.» # أما عن السلطة فهي من الجبن بحيث تولي ثقة غير محدودة لمعلمين معينين بينما تغمط ~~الزمن حقه، الزمن هو معلم المعلمين، ومن ثم فهو سلطة كل سلطة، فقد صدق من ~~أطلق على الحقيقة «بنت الزمن» لا بنت السلطة، لا عجب - إذن - إذا كانت قيود القدم ~~والسلطة والإجماع قد كبلت قوى البشر فصاروا عجزة (كما لو كانوا مسحورين) عن مقاربة ~~الأشياء ذاتها. ~~••• ~~(85) ليس الإعجاب بالقدم والسلطة والإجماع فقط هو ما أجبر جهود الإنسان على أن تقف ~~قانعة بالكشوف التي تم تحقيقها، بل الإعجاب أيضا بالأعمال نفسها التي صارت بحوزة الجنس ~~البشري، فمن يستعرض مختلف الأشياء والأدوات الرائعة التي جمعتها الفنون الميكانيكية ~~وأدخلتها من أجل خدمة البشر، فمن المؤكد أنه سيكون أميل إلى الإعجاب بثراء الإنسان منه ~~إلى الشعور بفقره، غير مدرك أن الملاحظات الأصلية وعمليات الطبيعة (التي هي أشبه بالروح ~~أو المبدأ المحرك لكل تلك الأشياء) ليست بالكثيرة ولا العميقة، وأن بقية الأمر تعزى - ~~ببساطة - إلى الصبر وإلى خفة ودربة حركة اليد والأداة، ولنأخذ صناعة الساعات كمثال: ms038 إنها ~~بالتأكيد شيء حساس ودقيق، وتبدو تروسها محاكية للمدارات السماوية ولضربات قلب الحيوانات ~~في حركتها الموصولة المنتظمة، ورغم ذلك فهي تعتمد على مبدأ طبيعي واحد أو مبدأين. # مرة ثانية، إذا تأملت الحذق المتبدي في الفنون الحرة، # 55 # أو حتى في إعداد الأجسام الطبيعية في الفنون الميكانيكية، وتأملت في أشياء مثل: ~~اكتشاف الحركات السماوية في علم الفلك والهارمونيا في الموسيقى وأحرف الأبجدية (غير مستخدمة ~~حتى الآن في الصين) # 56 # في النحو، ومنتجات باكوس وسيريس، أي تحضير النبيذ والجعة وعمل الخبز، أو حتى ~~مشتهيات المائدة والتقطير وما إلى ذلك، وإذا تفكرت أيضا كم استغرقت هذه الأشياء من ~~أحقاب (إذ إنها جميعا قديمة باستثناء التقطير) حتى بلغت الدرجة الراهنة من الكمال، وكم هي ~~قليلة (كما في مثال الساعات) تلك الملاحظات والقوانين الطبيعية التي يمكن أن ترد إليها، ~~وكم كانت بسيطة عملية اكتشافها (من خلال فرص مواتية وملاحظات عابرة)، إذا تأملت ذلك ~~فسينقطع إعجابك للتو وسترثي لحال البشر، بالنظر إلى ضآلة المكتشفات خلال هذه الأحقاب ~~الطويلة من الزمن، ولكن حتى المكتشفات التي ذكرناها كانت أقدم من الفلسفة ومن العلوم ~~الفكرية؛ ولذا فإن شئت الحقيقة فمنذ أتت العلوم العقلية والدوجماطيقية إلى الوجود انقطع ~~اكتشاف منتجات نافعة. # وإذا تحول أي شخص عن الورشة إلى المكتبة، وأخذه الإعجاب بالتنوع الهائل للكتب التي ~~يراها هناك، فدعه فقط يعاين ويفحص بدقة موضوعاتها ومحتوياتها، ولسوف يغير رأيه بكل ~~تأكيد، فعندما يكتشف ألا نهاية للتكرار، وكم يعيد الناس الفعل والقول نفسه مرات ومرات، ~~فسينصرف من الإعجاب بالتنوع إلى الاندهاش من فقر وقلة المادة التي شغلت عقول الناس ~~واستحوذت عليها إلى يومنا هذا. # وإذا تنازل الشخص لينظر في تلك الفنون التي تعد أقرب إلى الغرابة منها إلى ~~المعقولية، وتأمل بدقة في أعمال الخيميائيين أو السحرة، فربما يقع في حيرة ولا يدري ~~أينبغي عليه أن يضحك أم يبكي، فالخيميائي يتعلق بأمل أبدي، وعندما تفشل جهوده يلوم نفسه ~~ويعزو الفشل إلى خطأ ما قد ارتكبه، فلعله لم يحسن فهم كلمات فنه أو كلمات معلميه ms039 (ومن ~~ثم يرجع إلى التعاليم والهمسات السرية)، أو لعله ارتكب زلة في الأوزان أو في توقيت ~~الإجراء (لذا فإنه يمضي في إعادة المحاولة إلى غير نهاية)، وفي نفس الوقت عندما يقع في ~~تجاربه العابرة على شيء يبدو جديدا أو على درجة ما من النفع، فإنه يغذي روحه بهذه الوعود ~~ويبالغ فيها ويذيعها، معلقا أمله في النتيجة النهائية: «لا يمكن لأحد أن ينكر أن ~~الخيميائيين قد اجترحوا اكتشافات عديدة، وقدموا للجنس البشري اختراعات نافعة، غير أنهم ~~تنطبق عليهم حكاية الرجل العجوز الذي ترك لأبنائه تركة من الذهب مدفونة في حقله، ~~متظاهرا بأنه لا يعرف موقعه بالتحديد، فظل الأبناء يكدون في حفر الحقل، ورغم أنهم لم ~~يجدوا ذهبا فإن الحقل أنتج محصولا أوفر بفضل عملهم.» # 57 # أما أتباع السحر الطبيعي - الذين يفسرون كل شيء بالتوافق والنفور - فقد عزوا إلى ~~الأشياء قوى زائفة وتأثيرات عجيبة، على أساس تخمينات عقيمة لا مسوغ لها، وإذا هم حققوا ~~نتائج على الإطلاق فهي نتائج أقرب إلى الطرافة والجدة منها إلى النفع والفائدة. # وأما في السحر الخرافي (إذا كان علينا أن نتناوله أيضا) فينبغي أن نلاحظ - بصفة خاصة - ~~أن الموضوعات التي عملت فيها الفنون الغريبة والخرافية، أو بدا أنها عملت، أي شيء - ~~بين جميع الأمم وجميع العصور بل وجميع الأديان - هي موضوعات من صنف محدود وخاص؛ لذا فلنغض ~~عنها الطرف، ولا عجب - في الوقت نفسه - أن اعتقادنا الكاذب بالغنى قد أفضى بنا إلى ~~الفقر. ~~••• ~~(86) هذا الإعجاب الذي أولاه الناس للفنون والمعارف، والذي هو في حد ذاته فج وشبه ~~طفولي، قد زاده مكر أولئك القائمين بالعلوم وناقليها إلى الأجيال التالية، إنهم يقدمونها ~~إلينا بكثير من الاستعراض والتعمل، ويعرضونها على الخلق في صورة مضللة مقنعة حتى ~~تعطينا انطباعا بأنها تامة مكتملة من كل جانب، فلو تأملت منهجهم # 58 # وتقسيماتهم لبدا لك أنها قد تضمنت كل ما يتصل بالموضوع واشتملت عليه، ~~ورغم أن هذه التقسيمات أسيء ملؤها وأنها أشبه بالقرب الفارغة فإنها تتخذ - في نظر الذهن ~~السوقي - شكل العلم الكامل ومظهره، ms040 أما الباحثون الأوائل والأقدم عن الحقيقة، فقد ~~كانوا أكثر أمانة وسدادا بحيث صاغوا المعرفة التي أرادوا استخلاصها من تأمل الأشياء، ~~وعمدوا إلى حفظها للاستعمال في شكل شذرات # aphorisms # أو ~~عبارات قصيرة ومتناثرة غير موصولة معا بمنهج اصطناعي، دون تظاهر أو ادعاء باشتمالها على ~~أي علم كامل، ولكن وفقا لما صارت إليه الحال الآن فلا عجب إذا كانت الناس لا تبحث عما ~~يتخطى ما قدم إليهم على أنه كامل مكمل. ~~••• ~~(87) اكتسبت النظريات القديمة أيضا دفعة قوية لسمعتها وصيتها من غرور وخفة دعاة ~~الجديد، وبخاصة في الجانب العملي والتطبيقي من الفلسفة الطبيعية، فلقد ظهر الكثير من ~~المتحدثين السطحيين والحالمين، تدفعهم السذاجة من جانب والادعاء من جانب آخر، فأمطروا ~~الخلق بالوعود معلنين ومتبجحين بإطالة العمر وتأخير الشيخوخة وإزالة الآلام وعلاج ~~العيوب الخلقية وخداع الحواس، وفن كبح الانفعالات وإطلاقها، وتنوير وإعلاء الملكات ~~الذهنية، وتحويل المواد، وتقوية الحركة ومضاعفتها بلا حدود، والطبع في الهواء والتغيير فيه، ~~والتحكم في التأثيرات الفلكية واستشفاف المستقبل وتمثيل الأشياء البعيدة وكشف الأشياء ~~الخفية وما إلى ذلك. إن المرء لا يجانبه الصواب إذا لاحظ - فيما يتصل بهؤلاء الأدعياء - أن ~~هناك فرقا في الفلسفة بين وعودهم الفارغة وبين العلم الحقيقي يضاهي الفرق في التاريخ بين ~~مآثر قيصر # 59 # والإسكندر ومآثر أماديس ديجول وآرثر أوف بريتين: # 60 # فنجد أن هذين القائدين العسكريين (قيصر والإسكندر) قد اجترحا بالفعل أشياء أعظم ~~مما يحلم بتحقيقه هذان البطلان الخياليان (أماديس وآرثر)، ومن طريق الفعل الحقيقي لا الفعل ~~الخيالي الغرائبي، ولكن ليس معنى ذلك أن نفقد الثقة بالتاريخ الحقيقي؛ لأنه شوه أحيانا ~~وانتهكته الخرافات، وفي الوقت نفسه فلا عجب إن كان الأدعياء الذين حاولوا مثل هذه الأشياء ~~قد أوغروا الصدور ضد الاجتهادات الجديدة (وبخاصة إذا اقترنت بذكر النتائج العملية ~~المنتظرة)، إذ إن غرورهم المفرط والنفور الذي خلفه - حتى في يومنا هذا - قد دمرا كل ~~اعتقاد في مشاريع من هذا النوع. ~~••• ~~(88) وأذى أكبر من ذلك بكثير لحق بالعلوم من جراء وهن العزيمة وضآلة المشروعات التي ~~اضطلعت بها الصناعة الإنسانية، ms041 والأسوأ من كل ذلك أن يأتي هذا الوهن الروحي مصحوبا بلون ~~معين من الغطرسة والاستعلاء. # هناك أولا مبرر أصبح شائعا في كل فن من الفنون، «وهو أن يحول أصحاب هذا الفن ~~ضعف فنهم نفسه إلى افتراء على الطبيعة، فكلما فشل فنهم في تحقيق شيء ما أعلنوا أن هذا ~~الشيء غير ممكن في الطبيعة، ومن المؤكد أنه لا يمكن أن يدان الفن إذا كان الفن هو قاضي ~~نفسه!» وحتى الفلسفة الرائجة اليوم تطوي جوانحها على مواقف واعتقادات معينة الغرض منها ~~(إذا تأملتها جيدا) إقناع الناس بأن ليس هناك شيء من الأشياء الصعبة أو التي تنطوي ~~على تسخير الطبيعة وإخضاعها يمكن أن نتوقعه من الفن أو الجهد البشري، وقد سبق أن ضربنا ~~مثلا الفرق الكيفي المزعوم بين حرارة الشمس وحرارة النار، وبين المركب # composition # والمزيج # mixture ~~. عند الملاحظة المتمعنة نجد أن كل هذا الميل إلى مثل هذه ~~المواقف مقصود منه تقييد القدرة البشرية وبث اليأس من وسائل الابتكار والاختراع، ومن شأن ~~ذلك ألا يفضي فقط إلى قص أجنحة الأمل، بل إلى قطع أطناب الصناعة ومحفزاتها، بل إهدار فرص ~~الخبرة ذاتها، كل ذلك من أجل أن يظهروا فنهم الخاص بمظهر الكمال، ومن أجل الادعاء ~~المتغطرس الموبق بأن كل ما لم يكتشف بعد ويفهم فلا ينبغي أن ننتظر أن يكتشف أو ~~يفهم في المستقبل، وحتى إذا حاول أي شخص أن يكرس نفسه للأشياء ويكتشف شيئا ما جديدا ~~فلن يزيد على أن يبحث بدقة وتفصيل اكتشاف شخص آخر، فيبحث في أشياء من قبيل طبيعة ~~المغناطيس أو الجزر والمد أو النظام الفلكي وما إلى ذلك، والتي تبدو خفية إلى حد ما، ~~وما زالت تبحت حتى الآن دون تقدم يذكر: «إنه لمن الخرق والرعونة أن تجهد في دراسة ~~الشيء الواحد على حدة، فالطبيعة التي تبدو كامنة وخفية في بعض الأشياء تكون ظاهرة ~~ومفهومة في أشياء أخرى، والتي تثير الاستغراب في الحالة الأولى لا تكاد تجذب الانتباه في ~~الحالة الثانية.» # 61 # ذلك هو الحال في طبيعة «القوام» # consistency ms042 # الذي لا نقف ~~عنده في حالة الخشب والصخر، بل نشير إليه إشارة عابرة على أنه «صلب» دون مزيد من البحث عن ~~مقاومته للانفصال أو لانهيار متصليته # continuity ~~، ~~بينما في حالة فقاعات الماء فالشيء نفسه يبدو أكثر دقة ورهافة؛ لأنها تلف نفسها في طبقات ~~رقيقة متشكلة على نحو غريب في هيئة كرة، حتى تتجنب - للحظة - انهيار متصليتها. # 62 # وبصفة عامة فإن الأشياء التي تظن خفية ملغزة لديها طبيعة مفتوحة مشاع في حالات أخرى، ~~ولن يتسنى لأحد الاطلاع عليها إذا اقتصر بحث الناس على الأشياء بمعزل وعلى حدة، غير أن ~~الناس دأبوا كلما أضاف أحد في الأعمال الميكانيكية لمسة نهائية أكثر رهافة على أشياء ~~مكتشفة منذ زمان، أو يزينها بأناقة أكثر، أو يضم أشياء معا ويدمجها، أو يجعلها أسهل في ~~الاستخدام، أو يعرضها في نماذج أكبر أو أصغر أو أخف ... إلخ، دأبوا على أن يعدوا ذلك ~~اكتشافا جديدا! # ليس عجيبا إذن ألا تظهر إلى النور اكتشافات عظيمة تليق ببني الإنسان، ما دام الناس ~~قد قنعوا ورضوا بهذه المهمات التافهة الصبيانية، بل توهموا أنهم بذلك كانوا يسعون إلى ~~هدف عظيم أو يحققونه. ~~••• ~~(89) ولا يفوتنا أن نلاحظ أن الفلسفة الطبيعية كان لها خصم مزعج وعنيد في كل عصر ألا ~~وهو الخرافة والحماس الأعمى والمتطرف للدين، فنحن نرى بين اليونان أن أولئك الذين كشفوا ~~العلل الطبيعية للرعد والعواصف - لأول مرة - لأناس لم يسمعوا قط عن هذا الشيء قد ~~أدينوا بالكفر، # 63 # كما أن معاملة بعض آباء الكنيسة الأوائل لم تكن أفضل حالا مع أولئك الذين ~~أثبتوا بأوثق البراهين (بحيث لا يعترض عاقل عليها الآن) أن الأرض كروية، وبالتالي أكدوا ~~وجود النقاط المتقابلة # antipodes ~~. # 64 # وحتى في الوضع الحالي فإن الحديث عن الطبيعة قد غدا أصعب وأخطر بسبب الخلاصات ومناهج العرض # 65 # التي وضعها اللاهوتيون السكولائيون، الذين بعد أن ردوا اللاهوت إلى نظام ~~مطرد قدر استطاعتهم، وصبوه في شكل علم، راحوا يمزجون فلسفة أرسطو الشائكة ~~والخلافية بجوهر الدين أكثر مما ينبغي. # ونفس الميل تبدى - وإن بطريقة ms043 مختلفة - في رسائل أولئك الذين لم يتورعوا عن ~~استنباط وتأييد صدق الدين المسيحي من مبادئ الفلاسفة وسلطتهم، وهللوا لزواج الإيمان ~~والعقل كما لو كان شرعيا، وفتنوا عقول الناس بتنويعة سارة من الأشياء، إلا أنهم في ~~الوقت نفسه خلطوا الأشياء الإلهية بالأشياء البشرية وهو اتحاد غير متكافئ، ليس في هذه ~~الأخلاط اللاهوتية الفلسفية مكان إلا لما هو مقبول سائد في الفلسفة، أما المذاهب ~~الجديدة - وإن تكن تغييرات إلى الأفضل - فلا تقابل إلا بالرفض والاستبعاد. # أخيرا سوف تجد أن بعض اللاهوتيين في جهلهم يوصدون تماما كل منفذ إلى الفلسفة مهما ~~نقحت، فبعضهم يحمله ضعفه على التوجس من البحث المتعمق في الطبيعة خشية أن يتجاوز ~~الحدود المسموح بها للفهم الرصين، وهم يسيئون تفسير ما يقوله الكتاب المقدس - في حديثه ~~عن الأسرار الإلهية - ضد التحديق في أسرار الرب، ويطبقونه خطا على أسرار الطبيعة التي هي ~~غير محظورة بأي تحريم، والبعض الآخر - بمكر أكبر - يخمنون ويتخيلون أنه إذا كانت العلل ~~الوسطى غير معلومة فمن الممكن أن تعزى الأحداث المفردة بسهولة أكبر إلى يد الرب ~~وعصاه (وهو في ظنهم شيء في مصلحة الدين بدرجة عظيمة): هذه - ببساطة - محاولة «لإرضاء الرب بكذبة»، # 66 # والبعض يخشى من مثال سابق أن الحركات والتغيرات في الفلسفة سوف تنتهي إلى غزو ~~الدين، وأخيرا هناك من يبدو متخوفا من أن تفضي دراسة الطبيعة إلى اكتشاف ما يطيح ~~بالدين أو يهز سلطته على الأقل وبخاصة بين الجهلاء، والخوفان الأخيران أتشمم فيهما رائحة ~~حكمة جسدية، وكأن الناس أحست في أعماق عقلها وفي سرائرها شكا في قوة الدين وهيمنة ~~الإيمان على العقل؛ فتملكها الخوف وأحست أنها مهددة من بحث الحقيقة في الطبيعة، ولكن ~~إذا وضعت الأمر في نصابه الصحيح فإن الفلسفة الطبيعية - بعد كلمة الرب - هي أقوى علاج ضد ~~الخرافة، وأسلم غذاء للإيمان؛ لذا فقد استحقت أن تقدم للدين بوصفها أخلص خدمه، ~~إذ إن أحدهما يظهر إرادة الرب، والآخر يظهر قدرته، ولم يجانب الصواب من قال: «تضلون ~~إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله.» # 67 ms044 # تمزجون بذلك وتخلطون الوحي المتعلق بإرادته والتأمل المتعلق بقدرته، ولا عجب ~~أن تقدم الفلسفة الطبيعية قد أوقف منذ اختطف الدين - أكبر قوة مؤثرة على عقل ~~البشر - بواسطة جهل البعض وحماستهم الهوجاء، وحمل على أن ينضم إلى جانب العدو. ~~••• ~~(90) فإذا التفت إلى تقاليد ونظم المدارس والجامعات، وما إليها من مؤسسات قصد بها أن ~~تكون مقاما للعلماء وسببا إلى تقدم المعرفة، وجدت كل شيء مناوئا لتقدم العلوم. ستجد ~~أن المحاضرات والتدريبات مصممة بحيث لا يخطر لأي شخص أن يفكر أو ينظر في أي شيء خارج ~~المضمار الاعتيادي، # 68 # فإذا ما خطر لأحد أن يستعمل حريته في الحكم فعليه أن يركن إلى نفسه ولن يجد ~~له معينا من زملائه، فإذا تجشم ذلك فسوف يجد اجتهاده واتساع أفقه عبئا عليه في ~~مسعاه العلمي؛ ذلك أن دراسات الناس في هذه الأماكن مقصورة ومحصورة في كتابات مؤلفين بعينهم، ~~وإذا جرؤ أي شخص على مخالفتهم فإنه يهاجم للتو بوصفه ثوريا مثيرا للقلاقل. على أن ~~هناك بالتأكيد فارقا كبيرا بين الأمور المدنية السياسية والأمور الفنية أو العلمية من حيث ~~حجم الخطر الناجم عن التجديد في كل من الحالتين، أما في الأمور السياسية فحتى التغيير إلى ~~الأفضل يعد مقلقا نظرا للاضطراب الذي يثيره؛ ذلك أن السياسة تقوم على السلطة والاتفاق ~~والصيت والرأي، ولا تقوم على البرهان، وأما في الفنون والعلوم - كما في المناجم - فإن كل ~~شيء يجب أن يعج بأعمال جديدة وتقدم جديد، هذا ما يجب أن يكون - وفقا للعقل السليم - ~~وليس ما هو كائن في واقع الحال. إن ما هو قائم في عملية إدارة العلم وتسييره من شأنه أن ~~يعيق تقدم العلم بدرجة خطيرة. ~~••• ~~(91) وحتى لو توقفت هذه المناوأة الغيورة، فسوف يتكفل بوقف نمو العلم أن تمضي هذه ~~المحاولات والاجتهادات دون إثابة؛ ذلك أن تنمية العلوم وتمويلها ليسا في يد واحدة: نمو ~~العلوم يأتي بالضرورة من عقول كبيرة، أما المنح والاعتمادات فهي في أيدي العامة أو ~~الوجهاء وهم بالكاد (باستثناءات قليلة جدا) متوسطو الثقافة، بل إن هذا النوع ms045 من التقدم ~~ليس فقط محروما من التمويل والإغداق من جانب أفراد بل محروما أيضا من التقدير والتمجيد ~~من جانب العامة؛ ذلك أنه فوق فهم الأغلبية من الناس، وعرضة للانسحاق والانطفاء بعواصف ~~الرأي العام، ولا عجب أن ما لا يمجد لا يزدهر. ~~••• ~~(92) غير أن أكبر عقبة على الإطلاق أمام تقدم العلوم وفتح ارتيادات وآفاق جديدة فيها إنما ~~تكمن في اليأس البشري وانقطاع الرجاء، فأصحاب المزاج الرصين الحذر من الناس يميلون إلى ~~فقدان الثقة تماما بإزاء هذه الأمور، إذ يتأملون في أنفسهم استغلاق الطبيعة وقصر العمر ~~وخداع الحواس وضعف ملكة الحكم وصعوبة التجربة وما إلى ذلك؛ ولذا يفترضون أن هناك نوعا ~~من الجزر والمد في المعرفة عبر انعطافات الزمن وعبر العصور، إذ تنمو المعرفة وتزدهر في ~~فترات معينة، وتنحدر وتذبل في فترات أخرى، ودائما تخضع لهذا القانون: إنها إذا ما وصلت ~~مستوى وحالة معينة فلا يمكنها أن تمضي أبعد من ذلك. # وعليه فإذا اعتقد شخص أو وعد بأكثر من ذلك فإنهم يرون أن هذا علامة على عقل منفلت ~~غير ناضج، وأن مثل هذه المحاولات أولها مبهج وأوسطها مجهد وآخرها خلط، وحيث إن ~~هذه الأفكار سريعة الولوج إلى عقول ذوي الرصانة والحكمة من الناس، فإن واجبنا أن نحذر من ~~أن يأسرنا حبنا لما هو أنبل وأجمل، وأن نتريث ونخفف من غلوائنا! وأن نتمعن أي شعاع من ~~الأمل يتسلل إلينا، ومن أي اتجاه يأتي، وأن نرفض النفحات الأخف من الأمل فيما نحن نحلل ~~ونزن بدقة تلك التي تبدو الأصح والأقوم. علينا أيضا أن نتذرع في نصحنا بحصافة سياسية ~~دأبها التحرز وتوقع الأسوأ في كل الشئون البشرية؛ لذا فإن علي الآن أن أتحدث عن ~~الأمل، وبخاصة أنني لا أنجرف إلى وعود براقة، ولا أريد أن أصادر على أحكام الناس ولا أن ~~أنصب لها الفخاخ، بل أن أقودهم طواعية بملء إرادتهم، ولعل أقوى علاج على الإطلاق لبث ~~الأمل هو أن أقودهم إلى الجزئيات، وبخاصة كما هي ملخصة ومرتبة في قوائمي الكشفية (يدرج هذا ~~الموضوع جزئيا في ms046 الجزء الثاني من «الإحياء» # Instauration # ولكنه يندرج بالدرجة الأساس في الجزء الرابع)، فهي ليست مجرد ~~أمل بل الشيء ذاته. على أن واجبي لكي أفعل كل ذلك بتلطف أن أمضي في خطئي لإعداد عقول الناس، ~~وإن نشر الأمل ليس بالجزء الهين من هذا الإعداد، فبدونه يكون كل ما قلته أدعى إلى الأسى ~~منه إلى حفز النشاط وإحياء الهمة إلى التجربة، إذ يخيب ظنهم في الأشياء، ويقوي ~~إدراكهم وشعورهم ببؤس حالهم، ومن ثم فإن علي أن أكشف عن حدوسي التي تبرر الأمل في ~~النجاح، وأن أضع ذلك في الصدارة، تماما كما فعل كولمبس قبل رحلته المدهشة عبر الأطلنطي، إذ ~~أبدى أسباب ثقته بإمكان العثور على أراض وقارات جديدة وراء تلك المعروفة من قبل، وهي ~~أسباب قوبلت بالرفض في البداية، إلا أن التجربة اللاحقة أيدتها، فغدت سببا وبداية ~~لأمور عظيمة. ~~••• ~~(93) ينبغي أن نبدأ من الرب، إذ إن عملنا - بما يتضمنه ويتصف به من خير عميم - هو بداهة ~~من الرب، الذي هو مصدر الخير وأبو الأنوار، وفي أعمال الرب فإن البدايات مهما كانت ضئيلة ~~تفضي يقينا إلى غايتها، ومثلما يقال في الأمور الروحية: إن «مملكة الله لا تأتي من الملاحظة.» # 69 # فإن ذلك يصدق أيضا في كل الأعمال العظيمة للعناية، بحيث يسير كل شيء يسيرا ~~هينا دون خلط أو ضجيج، ويتم الأمر قبل أن يعي الناس أنه بدأ، ولا يفوتنا أن نذكر نبوءة ~~دانيال عن الأيام الأخيرة للعالم: «كثيرون سيروحون ويجيئون والمعرفة ستزداد.» # 70 # بما يومئ - بوضوح - إلى أن القدر (أي العناية) سيقضي بأن الإحاطة بالعالم ~~(التي تبدو بعد كثير من الرحلات الطويلة أنها اكتملت أو في سبيلها إلى الاكتمال) وازدياد ~~المعرفة سيحدثان في نفس الحقبة. ~~••• ~~(94) والآن نأتي إلى أهم سبب يدعونا إلى الأمل، ~~وهو مستفاد من أخطاء الماضي، ومن الطرق التي جربت حتى هذه اللحظة، ثمة تأنيب وجيه ~~بدر ذات يوم من شخص ما على الإدارة السيئة لأحد المواقف السياسية إذ يقول: «إن الشيء ~~الأسوأ بالنسبة للماضي ينبغي أن يعتبر الأفضل للمستقبل؛ لأنك ms047 إذا كنت قد عملت كل ما ~~يقتضيه واجبك ولم ينصلح أمرك فلا أمل لك في إمكان انصلاحه، أما وقد تعسر حالك، لا ~~بسبب قهر الظروف، بل بسبب أخطائك أنت، فإنه لمن دواعي الأمل أنك إذا تجنبت هذه الأخطاء أو ~~قومتها فإن تغيرا عظيما إلى الأفضل حقيق أن يحدث.» وبنفس الطريقة، فلو أن الناس ~~طوال هذه الأحقاب قد لزموا الطريق الصحيح إلى الكشف وإلى نمو العلوم وعجزوا مع ذلك عن تحقيق ~~تقدم أكثر مما أحرزوه، هنالك يكون من التوقح والطيش أن نقول بأن بالإمكان أن يحرزوا المزيد، ~~أما إذا كانوا قد ضلوا الطريق وبددوا جهدهم فيما لا طائل من ورائه؛ لتبين من ذلك ~~أن مكمن الأزمة ليس في الأشياء ذاتها (وذاك شيء ليس لنا به يد)، بل في الفهم البشري ~~واستخدامه وتطبيقه، وذاك شيء قابل للعلاج والشفاء؛ لذا فإن أفضل شيء هو أن نبين ما هي هذه ~~الأخطاء؛ لأن كل خطأ كان يشكل عقبة في الماضي هو داع من دواعي الأمل في المستقبل، ورغم ~~أننا ألمحنا إلى هذه الأخطاء سابقا، فمن الملائم أيضا أن نفردها هنا بطريقة مختصرة ~~واضحة بسيطة . ~~••• ~~(95) هناك فصيلان من الذين تناولوا العلوم: أهل التجربة وأهل الاعتقاد، # 71 # أهل التجربة أشبه بالنمل، يجمعون ويستعملون فحسب، وأهل العقل أشبه بالعناكب، ~~تغزل نسيجها من ذاتها، أما النحلة فتتخذ طريقا وسطا بين الاثنين، تستخلص مادة من أزهار ~~البستان والحقل، غير أنها تحولها وتهضمها بقدرتها الخاصة، وعمل الفلسفة الحقيقي لا يختلف ~~عن هذا، فهي لا تعتمد على قوتها العقلية وحدها، ولا تختزن المادة التي يقدمها التاريخ ~~الطبيعي والتجارب الميكانيكية في ذاكرتها كما هي، بل تغيرها وتعمل فيها الفكر، ومن ~~ثم فإننا نأمل الكثير من خلال اتحاد هاتين الملكتين (التجريبية والعقلية) اتحادا أوثق ~~وأصفى مما تم لهما حتى الآن. ~~••• ~~(96) ليس لدينا حتى الآن فلسفة في حالة خالصة، بل لدينا فلسفة طبيعية مشوبة ومفسدة: ~~مفسدة في فلسفة أرسطو بالمنطق، وفي فلسفة أفلاطون باللاهوت الطبيعي، وفي المدرسة ~~الأفلاطونية الثانية - عند بروكلوس # 72 # وغيره - بالرياضيات، التي ms048 عليها أن تضع حدودا فحسب للفلسفة الطبيعية، لا أن ~~تنشئها أو تخلقها، إنما الأمل في نتائج أفضل معقود على فلسفة طبيعية خالصة غير ~~مشوبة. ~~••• ~~(97) لم يوجد أحد حتى الآن هو من صحة العزم وصرامة الفكر بحيث أخذ نفسه بأن ينفض عنه ~~جميع النظريات والأفكار الشائعة، ويستخدم عقله من جديد - مطهرا نزيها - في دراسة ~~الجزئيات، هكذا تأتى أن يكون الفهم البشري الذي لدينا مجرد خليط مضطرب وكتلة فجة مجبولة ~~من كثير من السذاجة والمصادفة والأفكار الطفولية التي تشربنا فيها صغرنا. # ولكن إذا جاء شخص ناضج السن، ذو فهم غير معاق وعقل مبرأ من التحيز، وانكب من جديد ~~على الخبرة والجزئيات، فإن آمالا أكبر ستنعقد عليه، وفي هذه المهمة أبشر نفسي بمصير مماثل ~~للإسكندر الأكبر، ولا يتهمني أحد بالغرور حتى يسمع القصة؛ لأن الشيء الذي أعنيه يهدف إلى ~~محو كل غرور. يتحدث إسكينيز # Aeschines # 73 # عن الإسكندر ومآثره هكذا: «نحن بالتأكيد لا نعيش حياة الفانين، بل ولدنا ~~لهذا: لأن تتحدث عنا الأجيال القادمة وتشيد بمعجزاتنا.» كما لو أنه يعد بطولات ~~الإسكندر إعجازية، إلا أنه في العصر الذي تلا هذا نظر تيتوس ليفيوس إلى المسألة نظرة أفضل ~~وأعمق، قائلا في الإسكندر ما معناه: «لم يفعل شيئا أكثر من أنه كانت لديه الشجاعة لاحتقار ~~التوافه.» وأحسب أن الحكم نفسه سوف ينسحب علي في العصور القادمة: أنني لم أفعل أشياء ~~عظيمة، بل - ببساطة - أسبغت قيمة أقل على الأشياء التي تعد مهمة، في الوقت نفسه - كما ~~قلت آنفا - لا أمل إلا في ميلاد جديد للعلم، أي تشييده باطراد من الخبرة وبنائه من جديد، ~~الأمر الذي لن يجرؤ أحد (في اعتقادي) على الجزم بأنه قد عمل حتى الآن أو خطر ~~ببال. ~~••• ~~(98) أما عن أسس الخبرة (إذ ينبغي أن نركز التفكير عليها) فقد ظلت حتى الآن إما لا وجود ~~لها أو ضعيفة جدا، ولم يحاول أحد، أو يتم له، الحصول على مجموعة أو مخزون من الجزئيات ~~حقيق من حيث العدد أو النوع أو الوثوق أن يزود العقل بمعلومات، ms049 أو واف على أي نحو من ~~الأنحاء، إذ على العكس من ذلك تقبل أهل العلم (الكسالى الخاملون في الحقيقة) - في بناء ~~فلسفتهم وتأييدها - روايات عن الخبرة أشبه بالإشاعات والأراجيف وأعطوها وزن الأدلة ~~المشروعة، ولك أن تتخيل مملكة أو دولة تسير مستشاريها وشئونها بناء على أقاويل الشارع ~~لا بناء على خطابات وتقارير من السفراء والمراسلين ذوي المصداقية، هذا بالضبط هو نوع ~~الإدارة الذي أدخل في الفلسفة فيما يتعلق بالخبرة، لا يحتوي التاريخ الطبيعي على شيء تم ~~بحثه كما ينبغي، لا شيء محقق، لا شيء محصى، لا شيء موزون، لا شيء مقيس، وكل ما غمض ~~والتبس كملاحظة فهو خادع ومضلل كمعلومة، ومن يستغرب هذا القول ويظنه شكوى غير ~~منصفة (فأرسطو - وهو نفسه رجل عظيم جدا ومدعوم من ملك عظيم جدا - ألف تاريخا ~~دقيقا للحيوان، وغيره ممن يعملون بجد أكثر وصخب أقل قد أضافوا إضافات كثيرة، وسواهم قد ~~ألفوا تواريخ ضافية وملاحظات عن النباتات والمعادن والمتحفرات)، من يقل ذلك فهو لم ~~يفهم ما نحن بصدده على نحو صحيح، فرق بين تاريخ طبيعي مؤلف من أجل ذاته وبين تاريخ طبيعي ~~يحصل لتزويد الذهن بمعلومات من أجل أن يؤسس فلسفة، فهما يختلفان من وجوه عديدة، ولكن ~~أهم وجوه الاختلاف أن الأول يحوي تنويعات الأجناس الطبيعية فحسب بدون تجارب الفنون ~~الميكانيكية، ومثلما أنه في مجال السياسة لا تنكشف شخصية الإنسان الحقيقية وخفايا عقله ~~وطوايا ضميره إلا عندما يكون في أزمة، كذلك الحال مع الطبيعة: إن أسرار الطبيعة تكشف عن ~~نفسها تحت مشاكسات الفن أسرع مما تكشف إذا تركت لحال سبيلها، ومن ثم فنحن لا نؤمل ~~في فلسفة طبيعية إلا بعد أن يجمع التاريخ الطبيعي (الذي هو قاعدتها وأساسها) على نحو ~~أفضل، وليس قبل ذلك. ~~••• ~~(99) ومع وفرة التجارب الميكانيكية فقليلة جدا هي ~~التجارب التي تضيء الفهم وتعينه على أفضل نحو، فالفني الميكانيكي - الذي لا يعنيه بحال ~~استكشاف الحقيقة - قلما يوجه ذهنه أو يمد يده إلى أي شيء غير ذي نفع له في عمله، غير أن ~~تقدم العلوم ms050 لا أمل في أن يتحقق ما لم يكتسب التاريخ الطبيعي ويراكم الكثير من التجارب ~~التي هي غير ذات نفع في ذاتها، ولكنها - ببساطة - تساعد على اكتشاف العلل والمبادئ ~~(القوانين)، وقد أطلقت على هذه التجارب # Experimenta ~~Lucifera ~~(تجارب النور، التجارب المضيئة)؛ لأميزها عن تلك التي أسميها # Expermenta Fructifera ~~(تجارب الثمار، تجارب المنفعة ~~والنتائج)، لمثل هذا النوع من التجارب خاصية وطبيعة مدهشة، إنها لا تخدع ولا تخيب على ~~الإطلاق، فلما كانت تجرى لا لتحصيل ثمرة ما بل لكشف العلة الطبيعية لشيء ما، فإنها تلبي ~~الغاية منها بنفس القدر أيا كان ما تسفر عنه ما دامت قد حسمت السؤال. # 74 ~~••• ~~(100) ولكن إذا كان علينا أن نبحث عن مخزون أكبر من التجارب ونحصل عليه، وعن تجارب من صنف ~~مختلف عما أجريناه حتى الآن، فإن لزاما علينا أيضا أن ندخل منهجا مختلفا تماما ~~ونظاما وعملية لمواصلة الخبرة والتقدم بها، فالخبرة التي تترك لتجول في مضمارها مرخاة ~~العنان هي مجرد تحسس في الظلام (كما قلنا آنفا)، وهي تدهش ولا تخير، أما عندما تمضي ~~الخبرة قدما بقواعد محددة # 75 # بنظام مطرد ودون انقطاع، سيكون لنا أن نعقد آمالا أكبر على العلوم. ~~••• ~~(101) ولكن حتى بعد أن نحصل على هذا المخزون، من التاريخ الطبيعي والخبرة، الضروري لعمل ~~الفكر أو للعمل الفلسفي، يظل الفكر عاجزا تماما عن أن يشتغل على هذه المادة بنفسه ~~وبالاتكاء على ذاكرته، فشأنه في هذا كشأن من يريد أن يستظهر حسابات روزنامة ويحتفظ بها في ~~ذاكرته، ورغم ذلك فما زال التأمل يقوم حتى الآن بدور أكبر من دور التدوين (التسجيل) في ~~أعمال الاستكشاف، ولم تدون تجارب حتى الآن في صحائف، غير أن علينا ألا نقبل بأي طريقة ~~للكشف بغير تدوين، وحين يدخل في الكشف نظام التدوين، وتتعلم الخبرة أن تقرأ وتكتب، ~~سيكون لنا أن نعقد آمالا أكبر. ~~••• ~~(102) وفضلا عن ذلك، فما دام هناك عدد هائل وجيش من الجزئيات، وما دام هذا الجيش ~~مبعثرا منتشرا بطريقة تشتت الفهم وتربكه، فلا ينبغي أن نأمل كثيرا في المناوشات ~~والتحرشات ms051 الضئيلة والحركات العابرة المضطربة من جانب الفكر، ما لم ننظم كل الجزئيات ~~التي تتعلق بموضوع البحث ونصفها بواسطة قوائم للكشف ملائمة وجيدة التنظيم ومفعمة ~~بالحياة (إن شئت)، فيشرع العقل عندئذ في العمل على هذه الخلاصات المنظمة من الوقائع التي ~~تقدمها هذه القوائم. ~~••• ~~(103) ولكن بعد أن نكون قد وضعنا أمام أعيننا هذا المخزون من الجزئيات على النحو المنظم ~~القويم، ينبغي ألا نمضي مباشرة إلى بحث واستكشاف جزئيات أو أعمال جديدة، أو على الأقل إذا ~~فعلنا ذلك فينبغي ألا نقر هناك قانعين بذلك، فرغم أننا لا ننكر أنه بعد أن توضع جميع ~~التجارب لجميع الفنون وتنظم وتتاح أمام ملاحظة وحكم شخص واحد يكون انتقال التجارب ~~من فن لآخر سببا لاكتشاف أشياء جديدة من شأنها أن تفيد المجتمع والجنس البشري من خلال ما ~~أسميه # literate experience ~~(الخبرة الكتابية/المتعلمة/غير ~~الأمية)، رغم ذلك فلا يؤمل من هذا إلا نتائج متواضعة. أما الشيء الأهم فإنما يأتي من ~~الضياء الجديد من المبادئ (القوانين/القضايا) التي تستنبط بمنهج وقاعدة وثيقين من ~~الجزئيات المذكورة، والتي قد تشير بدورها إلى جزئيات جديدة، ذلك أن طريقنا لا يمضي عبر سهل ~~مستو، بل ينجد ويتهم، صاعدا أولا إلى المبادئ ثم هابطا إلى النتائج. ~~••• ~~(104) ولكن علينا ألا نسمح للفهم بأن يقفز ويطير من الجزئيات إلى المبادئ القصية والشديدة ~~العمومية (كتلك التي تسمى «المبادئ الأولى» للفنون والأشياء)، ثم ينطلق منها - مسلما ~~بيقينها الذي لا يتزعزع - ليبرهن بها على المبادئ الوسطى ويفصلها، وهو المتبع حتى ~~الآن، إذ إن العقل ميال بطبعه لأن يفعل ذلك، بل هو مدرب عليه ومعتاد من خلال نموذج ~~البرهان «القياسي» # syllogistic ~~، ولكننا لا نأمل خيرا من ~~العلوم إلا عندما ننتقل على سلم أصيل صاعد بدرجات متتالية بلا ثغرات أو كسور، من ~~الجزئيات إلى المبادئ الصغرى، ثم إلى المبادئ الوسطى، الواحد تلو الآخر، انتهاء بالمبادئ ~~الأعم، ذلك أن المبادئ الدنيا غير بعيدة من الخبرة الخام، والمبادئ العليا (كما هي ~~متصورة حاليا) تصورية ومجردة وتفتقر إلى الصلابة، إنما المبادئ الوسطى هي الصادقة ~~السليمة الحية ms052 التي تقوم عليها الشئون البشرية والمصائر البشرية، وأيضا المبادئ التي ~~فوقها، وهي حقا الأكثر عمومية على أنها عندي غير مجردة بل محدودة بالمبادئ الوسطى. # لذا ينبغي ألا نزود الفهم البشري بأجنحة، بل بالأحرى بأثقال مدلاة حتى نعقله عن ~~الوثوب والطيران، وهذا ما لم يعمل حتى الآن، وعندما يعمل سيكون لنا في العلوم أمل ~~أكبر. ~~••• ~~(105) في عملية تكوين المبادئ، # 76 # ينبغي أن نبتكر شكلا آخر من الاستقراء غير المستخدم حتى الآن، وينبغي أن ~~نستعمله لإثبات واكتشاف لا «المبادئ ~~الأولى» # first principles ~~(كما يطلق عليها) فحسب بل المبادئ الصغرى # 77 # أيضا والوسطى وجميع المبادئ في الحقيقة؛ ذلك أن الاستقراء الذي ينطلق من ~~التعداد البسيط هو شيء طفولي، استنتاجاته قلقة وعرضة للخطر من أي شاهد مضاد، وهو - ~~بصفة عامة - يحكم بناء على عدد صغير جدا من الوقائع، وعلى تلك الوقائع المتوافرة ~~فحسب، أما الاستقراء الذي نريده من أجل اكتشاف العلوم والبرهنة عليها فينبغي أن يحلل ~~الطبيعة بواسطة عمليات نبذ واستبعاد مناسبة، وعندئذ بعد عدد كاف من السوالب يصل إلى ~~استنتاج عن الأمثلة الموجبة، وذاك شيء لم يعمل حتى الآن بل لم يحاول، باستثناء أفلاطون ~~الذي استخدم حقا على الشكل من الاستقراء إلى حد ما بغرض تمحيص التعريفات والأفكار، ولكن ~~لكي نهيئ هذا الاستقراء أو البرهان لعمله تهيئة جيدة ومناسبة: ثمة أشياء كثيرة جدا ~~يجب تقديمها، والتي لم يفكر فيها أحد من الخلق حتى الآن، حتى إننا سيلزمنا بذل جهد فيه ~~أكبر مما بذل حتى الآن في القياس، # 78 # وهذا النوع من الاستقراء يتعين استخدامه ليس فقط لاكتشاف المبادئ، بل أيضا ~~لتكوين المفاهيم، وإنما على هذا الاستقراء ينعقد أملنا الأكبر. ~~••• ~~(106) ولكن في عملية تكوين المبادئ بواسطة هذا النوع من الاستقراء يتعين علينا أيضا أن ~~ندرس ونتفحص ما إذا كان المبدأ المتكون مفضلا على مقاس تلك الجزئيات فحسب التي ~~استمد منها، أم هو أكبر من ذلك وأوسع مجالا، فإذا كان ذا مجال أكبر وأوسع فإن علينا أن ~~ننظر هل يقدم هذا المبدأ تأييدا لهذا المجال ms053 الأعرض - كما بنوع من الضمانة الإضافية - بأن ~~يدلنا على جزئيات جديدة، بحيث لا نكون متشبثين فقط بأشياء معروفة أصلا، ولا قابضين بطيش ~~على ظلال وأشكال مجردة لا على أشياء صلبة مقومة في المادة، وعندما نسلك في عملنا هذا ~~المسلك، هنالك سيكون لدينا ما يدعونا إلى الأمل الحقيقي. ~~••• ~~(107) وهنا أيضا نكرر ما قلناه آنفا # 79 # عن مد نطاق الفلسفة الطبيعية لتستوعب داخلها العلوم الجزئية، ورد العلوم ~~الجزئية إلى الفلسفة الطبيعية، بحيث لا تنبت أفرع المعرفة عن الجذع، فبغير هذا لا ~~نتوقع أي تقدم يذكر. ~~••• ~~(108) هكذا تكون الملاحظات التي نريدها، من أجل أن نمحو اليأس ونحيي الأمل بالتخلي عن ~~أخطاء الماضي أو تصحيحها، والآن علينا أن ننظر إن كان ثمة أي دواع أخرى للأمل، وسرعان ما ~~يخطر لنا هذا الخاطر: إذا كانت هناك اكتشافات كثيرة نافعة قد وقعت لبني الإنسان من طريق ~~المصادفة أو الظروف، وبدون دراسة أو انتباه من جانبهم، فلا بد بالضرورة أن نسلم بأن ~~اكتشافات أكثر بكثير قمينة بأن تظهر إلى النور من طريق البحث والانتباه إذا ما تما ~~باطراد ونظام، وليس بتسرع وتقطع، فرغم أنه يحدث بين الحين والحين أن يقع شخص ~~بالمصادفة على شيء ما سبق أن تمنع على جهوده الكبيرة وتحقيقاته المضيئة، إلا أن الحال ~~بغير شك هو العكس بصفة عامة؛ ولذا فإن لنا أن نأمل من العقل الإنساني والكد والمنهج ~~والتطبيق أكثر مما نأمله من الصدقة والغريزة الحيوانية الصرف وما شابه ذلك، والتي كانت هي ~~مصدر الاكتشاف حتى هذه اللحظة. ~~••• ~~(109) وسبب آخر من أسباب الأمل: أن بعض الاكتشافات التي تمت فيما مضى لم تكن لتخطر على ~~بال أحد، بل كان أي شخص حقيقا بأن يرفضها - ببساطة - كشيء مستحيل؛ ذلك أن الناس قد ~~اعتادت أن تستشف ما هو جديد من خلال مثال مما هو قديم، وبخيال مسكون بالقديم ومصطبغ ~~به، وتلك طريق مغالطة للغاية في تكوين التصورات، فالتيارات المستمدة من منابع الطبيعة ~~لا تتخذ دائما المجرى القديم. # فلو أن واحدا قبل اختراع المدفع وصف هذا الشيء ms054 بتأثيراته، وقال مثلا: إن ثمة اكتشافا ~~جديدا يمكن بواسطته زعزعة أقوى الحصون والأسوار وتدميرها من مسافة بعيدة، من المؤكد أن ~~الناس عندئذ ستشرع في التفكير في طرائق زيادة قوة المنجنيق ومعدات الحصار بواسطة ~~الأثقال والعجلات وما شابه من آليات الرجم والقذف، أما فكرة ريح نارية تتمدد فجأة وبعنف ~~وتنفجر، تلك فكرة ما كانت لترد في تصور أحد أو خياله؛ ذلك أنه لم يشهد بنفسه شيئا ~~شبيها بذلك في حياته، ربما باستثناء زلزال أو صاعقة، وهي أشياء قمينة بأن يستبعدها الناس ~~على الفور باعتبارها خوارق أو غرائب الطبيعة التي لا يمكن أن يحاكيها البشر. # وبنفس الطريقة فإنه لو قال أحد قبل اكتشاف الحرير إن هناك صنفا اكتشف من الخيط لغرض ~~اللبس والأثاث أرقى من الكتان أو الصوف، وفي الوقت نفسه يفوقها في القوة وأيضا في الجمال ~~والنعومة، عندئذ سيشرع الناس في التفكير في نبات ناعم ما أو في الشعر الأنعم لحيوان ~~معين أو في ريش أو زغب طائر، أما أن تكون خيوط دودة صغيرة، دودة وفيرة الإنتاج تجدد ~~نفسها كل عام؛ فهذا ما لم يكن يخطر ببال أحد، بل إذا قال أحد ذلك عن إحدى الديدان ~~لأثار السخرية منه على أنه يتوهم نوعا جديدا من نسيج العنكبوت. # كذلك لو أن أحدا - قبل اكتشاف البوصلة البحرية - أشار إلى أن أداة قد اكتشفت يمكن ~~بها أخذ اتجاهات ونقاط السماء وتمييزها بدقة، فسوف يأخذ الناس في التخمين في الأمر ~~والحديث عن تطوير أدوات فلكية أكثر دقة وما إلى ذلك، أما فكرة أن يكتشف أي شيء يتفق في ~~حركته تماما مع الأجرام السماوية وليس هو نفسه جرما سماويا بل مجرد حجر أو مادة معدنية، ~~فذاك شيء سيبدو بعيدا تماما عن التصديق، غير أن هذا وأمثاله من الأشياء قد ظل خفيا ~~على البشر عصورا طويلة، ولم تكتشفها الفلسفة ولا الفنون الميكانيكية، بل اكتشفت بالحظ ~~والصدفة؛ ذلك أنها حقا (كما قلنا آنفا) من نوع مختلف تماما وبعيد كل البعد عن أي شيء ~~معروف من قبل، فلم يكن ms055 لأي تصور سابق على الإطلاق أن يقود إليه. # ومن ثم فإن لنا أن نأمل في أن الكثير من الأشياء الرائعة والمفيدة ما زالت مذخورة في ~~حشا الطبيعة، بعيدة الشبه جدا عن الأشياء التي تم اكتشافها، وبعيدة جدا عن منال ~~تخيلنا، وما زالت غير مكتشفة، ولكنها بغير شك سوف تظهر إلى النور في وقت ما خلال انعطافات ~~القرون وتحولاتها، تماما مثلما ظهر غيرها، ولكن ليس بغير المنهج الذي نعالجه الآن يمكنها ~~أن تظهر وتستبق بسرعة وفورية وتزامن. # 80 ~~••• ~~(110) ولكن هناك صنفا آخر من الاكتشافات يبرهن على أنه قد تكون هناك كشوف قابعة تحت ~~أقدامنا، ومع ذلك يعبرها البشر دون أن يلحظوها، فإذا كان اكتشاف البارود والحرير ~~والمغناطيس والسكر والورق وما إليها يعتمد على خصائص معينة للأشياء ذاتها وللطبيعة، فليس ~~ثمة في تقنية الطباعة أي شيء غير ظاهر وغير مكشوف، إلا أن البشر - لغفلتهم - سلخوا ~~أحقابا طويلة بدون هذا الاكتشاف الجميل الذي قدم خدمة جليلة في تقدم المعرفة؛ ذلك ~~أنهم - لغفلتهم - لم يلاحظوا أنه رغم أن صف أحرف الطباعة أصعب من كتابة الأحرف بحركة ~~اليد إلا أن أحرف الطباعة ما إن يتم صفها حتى تمكننا من أخذ ما لا يحصى من ~~الطبعات، في حين لا تسمح الأحرف المكتوبة باليد إلا بنسخة واحدة، وأنهم - لغفلتهم - لم ~~يلاحظوا أن الحبر يمكن أن يكثف بحيث يسم # 81 # من غير جري، وبخاصة إذا كانت الأحرف متجهة إلى أعلى وفعل الطبع يجرى من ~~أعلى. # وهكذا هو حال العقل البشري في سيرة الكشف، لقد مرن في أغلب الأحيان على التعثر ~~والخرق، فهو في البداية غير واثق من نفسه، ثم محتقر لها بعد ذلك. في البداية يبدو له ~~هذا الاكتشاف أو ذاك بعيدا عن التصديق، وبعد أن يتحقق الاكتشاف تبدو له غفلته نفسها ~~بعيدا عن التصديق، إذ كيف تفوت البشر هذه الملاحظة كل هذا الزمن؟! وهذا نفسه قد يكون من ~~دواعي الأمل، بمعنى أن هناك حشدا هائلا من الكشوف تنتظرنا، نستنبطها ونخرجها إلى النور ~~بمساعدة الخبرة الكتابية (المتعلمة) التي ms056 تحدثت عنها، ليس فقط باكتشاف طرائق غير معروفة، ~~بل أيضا بنقل الطرائق المعروفة ومضاهاتها وتطبيقها. ~~••• ~~(111) ثمة سبب آخر للأمل ينبغي ألا نغفله، فكر مجرد تفكير في الإنفاق الهائل، من ~~الوقت والثروة والموهبة، الذي ينفقه البشر في أشياء وفي مساع أقل فائدة وقيمة بكثير، ~~فلو أن جزءا يسيرا منه وجه إلى موضوعات جادة قويمة؛ لأمكن التغلب على كل صعوبة، ~~ولقد أصبت إذ أضفت هذه الملاحظة؛ لأني أعترف - بصدق - أن مجموعة من التاريخ الطبيعي ~~والتجريبي - مثلما تقصيتها في عقلي وكما ينبغي لها - هي عمل عظيم، وعمل ملكي إن ~~شئت، وعمل يتطلب جهدا وتكلفة كبيرين. ~~••• ~~(112) في الوقت نفسه، لا ينبغي لأحد أن ينزعج من كثرة الجزئيات، فهذه الحقيقة نفسها ~~أدعى إلى الأمل، إذ إن الظواهر الجزئية للفنون والطبيعة ما هي إلا حفنة إذا قورنت ~~بترهات العقل عندما تنبت عن الواقع وتفقد الصلة ببينة الأشياء، وإن نهاية هذا ~~المنهج الذي أدعو إليه واضحة وقريبة نوعا ما، أما الطريق الآخر فلا آخر له، بل هو ~~متاهة لا نهائية؛ ذلك أن الناس حتى الآن لم تعكف على الخبرة إلا قليلا ولم تمسها إلا ~~مسا عابرا، بينما ضيعوا وقتا هائلا في التفكر النظري وفي التهاويم الذهنية، فإذا ~~تسنى لأي أحد من بيننا أن يجيب حقا عن تساؤلاتنا عن وقائع الطبيعة، فإن اكتشاف جميع ~~العلل وجميع العلوم لن يستغرق إلا بضعة أعوام. ~~••• ~~(113) أظن أيضا أن الناس يمكن أن تستمد بعض الأمل من خلال النموذج الذي أمثله أنا ~~شخصيا، ولست أقول هذا من باب التفاخر بل لأن من المفيد أن أقوله، فلينظر إلي من ~~يقنطون ولا يثقون في قدراتهم: هاكم رجل هو الأكثر انشغالا بين مجايليه بشئون الدولة، ~~رجل ليس في تمام الصحة (ومن شأن ذلك إضاعة الكثير من الوقت)، ومستكشف أول يرود وحده هذا ~~الطريق، لا يقتفي خطى أحد ولا يشاور في أفكاره أحدا، ولكن بمجرد أن وضعت قدمي بثبات على ~~الطريق الصحيح مسلما عقلي للطبيعة، فإنني أجرؤ على القول بأني حققت للمسألة التي ~~أعالجها دفعة ما إلى ms057 الأمام، فما بالكم بما يمكن أن يتوقع (بعد أن تبين الطريق على ~~هذا النحو) من أناس لديهم وفرة من الوقت، ومن جهود متآزرة، ومن توالي العصور، على طريق ~~غير مقصور على عابر واحد في الوقت الواحد (مثلما هو شأن التأمل العقلي)، بل طريق يمكن فيه ~~لأعمال الناس وجهودهم (وبخاصة في جمع الخبرة) أن تتوزع على أفضل نحو ثم تتحد، فلن يدرك ~~الناس قوتهم إلا عندما لا تعود الأعداد الكبيرة تقوم كلها بنفس الشيء، بل يتولى ~~كل واحد شيئا واحدا ويقدم إسهاما مختلفا عن الآخر. # 82 ~~••• ~~(114) أخيرا، حتى لو باتت نسمة الأمل الآتية من هذه «القارة الجديدة» أوهن وأخفت ~~بكثير، فما زلت أعتقد أن علينا أن نحاول بأي شكل (إلا إذا شئنا أن نركن للضعة)؛ ذلك أن ~~ما نخسره من عدم المحاولة يفوق كثيرا ما نخسره من عدم النجاح، فعدم المحاولة من شأنه أن ~~يضيع علينا احتمال أن نجني خيرا هائلا، أما عدم النجاح فلن نخسر منه إلا القليل من ~~الجهد الإنساني، ولكن استنادا إلى ما قلته وإلى كثير غيره لم أقله فإنه يبدو لي أن ~~لدينا ما يدعونا إلى الأمل الكبير، لا يدعو الجسورين فحسب إلى المحاولة، بل ويدعو ~~الحذرين المتحرزين إلى التصديق. ~~••• ~~(115) ها قد انتهيت من الحديث عن إزالة اليأس، اليأس الذي كان من أقوى الأسباب التي ~~عطلت وأخرت تقدم العلوم، وأكملت عرضي لعلامات الخطأ وأسبابه، وللعطالة والجهل ~~السائدين، وأرجعت الأسباب الأكثر خفاء - والتي تند عن إدراك العامة وملاحظتهم - ~~إلى ما قيل عن «أوهام العقل». # هنا أيضا ينبغي أن أختتم الجزء الهدمي من «الإحياء» # Instauration ~~، والذي يتكون من ثلاثة تفنيدات: (1) تفنيد العقل الإنساني ~~الطبيعي حين يترك على سجيته. (2) تفنيد البراهين. (3) تفنيد النظريات أو الفلسفات ~~والمذاهب السائدة. وقد كان تفنيدي لها مثلما أمكن أن يكون، أي يكشف علامات الخطأ وتقديم ~~بينة عن أسبابه، وهذا هو الشكل الوحيد المتاح لي من التفنيد ما دمت لا أتفق مع غيري حول ~~مبادئ البرهان وصوره. # لذا فقد حان الوقت لأن نأتي إلى الفن نفسه ms058 وإلى معيار تفسير الطبيعة، ولكن تبقى هناك ~~ملاحظة مبدئية ينبغي ألا تفوتنا، فبينما هدفت من هذا الكتاب الأول من الشذور إلى أن ~~أعد عقول الناس لفهم وتقبل ما سيأتي، فالآن وقد طهرت العقل وصقلته وسويته، يبقى ~~علي أن أضع العقل في وضع جيد، وبواجهة مواتية (إن شئت) لما سوف أعرض أمامه؛ ذلك أنه ~~في أي عمل جديد لا يأتي التحيز فقط من تأثير رأي قديم مسيطر، بل أيضا من استباق أو توقع ~~زائف للشيء الجديد الذي يقدم، ومن ثم فقد حرصت على أن أبث انطباعات جيدة ~~وصحيحة عن الأشياء التي أقدمها، حتى لو كان هذا من باب التشويق فحسب، حتى تتم رؤية الشيء ~~نفسه على نحو واضح مكتمل. ~~••• ~~(116) أود إذن قبل كل شيء ألا يفترض أحد أنني أطمح إلى تأسيس أي مذهب فلسفي على طريقة ~~قدامى اليونان أو بعض المحدثين من أمثال: تيليزيوس أو باتريزي أو سيفيرينوس، # 83 # إذ ليس هذا هدفي، ولا أنا أعتقد أنه يهم كثيرا لمصائر الناس ماذا يضمر ~~المرء من تصورات مجردة عن الطبيعة وعن مبادئ الأشياء، لا شك هناك أن كثيرا من مثل هذه ~~الآراء القديمة قد يعاد إلى الحياة، وأن أفكارا جديدة قد تدخل، تماما مثلما يمكن أن ~~نفترض نظريات كثيرة عن السماء، والتي توافق الظواهر إلى حد كبير ولكنها غير متوافقة ~~إحداها مع الأخرى. # وهكذا فإن جهدي ليس منصبا على هذه الأمور النظرية والعقيمة في الوقت نفسه، وإنما هدفي ~~على العكس هو أن أحاول إيجاد أساس أمتن لقدرة الإنسان وعظمته، ومد حدودهما إلى آماد ~~أوسع، ورغم أن لدي - في موضوعات معينة وبصورة غير كاملة - نتائج أعتبرها أصوب وأوثق ~~كثيرا وأنفع أيضا من تلك السائدة (وقد جمعت هذا في الجزء الخامس من كتابي «الإحياء» # Instauration ~~)، ولا أنا آمل أن أعمر حتى أكمل ~~الجزء السادس من «الإحياء» (المقيض للفلسفة المكتشفة بواسطة التفسير المشروع للطبيعة)، ~~بل أقنع لو أني مضيت - بخطى رزينة ومثمرة - في الأجزاء الوسطى من مسعاي، ناثرا للأجيال ~~المقبلة بذور حقيقة أكمل، ومؤديا دوري ms059 في افتتاح المشروع العظيم. # 84 ~~••• ~~(117) وكما أني لا أدعي أني أؤسس مذهبا، كذلك أنا لا أقدم ولا أعد بتقديم ~~نتائج معينة، ومن ثم قد يعترض البعض قائلا: أنت يا من تكثر من الحديث عن النتائج ~~وتعلق كل شيء على هذه الغاية، ألا يليق بك أن تقدم أيضا بعض عينات منها؟! غير أن ~~طريقتي ومنهجي (كما قلت كثيرا بوضوح، وكما يسرني أن أكرر) ليس أن أستخلص نتائج من نتائج ~~أو تجارب من تجارب (مثلما يفعل التجريبيون العشوائيون # empiricis ~~)، بل من النتائج والتجارب أستخلص العلل ~~والمبادئ، ومن تلك العلل والمبادئ أعود فأستخلص نتائج وتجارب عديدة، شأن مفسر شرعي ~~للطبيعة. # ورغم أنه في قوائمي الكشفية (التي تشكل الجزء الرابع من «الإحياء»)، وفي أمثلة الأشياء ~~الجزئية (التي قدمتها في الجزء الثاني)، وأيضا في ملاحظاتي في التاريخ (الذي وصفته في ~~الجزء الثالث)، سيلاحظ أي قارئ متوسط الذكاء والاستبصار إشارات هنا وهناك وإلماعات إلى ~~نتائج مهمة كثيرة، إلا أني أعترف بصدق أن التاريخ الطبيعي الذي بحوزتي الآن، سواء جمعته من ~~الكتب أو من بحوثي الخاصة ليس من الكمال ودقة التحقيق بحيث يخدم أغراض تفسير ~~مشروع. # ومن ثم فإذا كان هناك من هو أقدر في الأشياء الميكانيكية وأفضل تدريبا، ومن هو ~~قدير في اصطياد النتائج من مجرد التعارف على التجارب ، فليضطلع بالمهمة الصعبة في جمع محصول ~~جيد من تاريخي ومن قوائمي وهو في طريقه، ويستخدمها في إنتاج نتائج، آخذا عربونا مؤقتا ~~حتى يتسنى له أخذ المبلغ، أما عني فإن لي هدفا أكبر، وأنا أنكر أي نشاط مبتسر وسابق ~~لأوانه من هذا النوع، وأشجبه بوصفه «كرات أتلانتا» # 85 ~~(كما أحب أن أسميها)، أنا لا ألاحق كالطفل تفاحات ذهبية، بل أراهن على ~~انتصار الفن على الطبيعة في السباق، ولا أنا متلهف على جز الطحلب أو قطع الذرة الخضراء، بل ~~أنتظر الحصاد في إبانه. ~~••• ~~(118) وسوف يخطر للبعض - بغير شك - عند قراءة التاريخ (الطبيعي) وقوائم الكشف الخاصة بي: ~~أن هناك بعض أشياء في التجارب نفسها غير مؤكدة أو ربما خاطئة تماما، ms060 وربما يظن لهذا السبب ~~أن اكتشافاتي تقوم على أسس ومبادئ خاطئة ومشكوك فيها، ولكن لا بأس في ذلك البتة، فمثل هذه ~~الأمور لا مناص منها في البدايات، فهي أشبه بما يحدث في الكتابة أو الطباعة، إذ يتصادف أن ~~يكون هناك حرف أو اثنان فيهما خلل أو انحراف، ولكنهما لا يسببان أي إزعاج للقارئ، إذ يتولى ~~الحس تصحيحهما بسهولة، كذلك ينبغي أن يدرك الناس أن كثيرا من التجارب في التاريخ ~~الطبيعي قد تكون اندرجت فيه بطريق الخطأ، والتي سرعان ما تتدارك بعد ذلك وتحذف عند ~~اكتشاف العلل والمبادئ، ولكن من الحق رغم ذلك أنه إذا ما زادت هذه الأخطاء في التاريخ ~~الطبيعي والتجارب وتكررت واستمرت، فلن يتسنى لأي حذق أو فن أن يصححها وينقحها، فإذا ~~كان هناك أي أخطاء أو أغلاط في الجزئيات حتى في تاريخي الطبيعي الذي بحث وجمع بكل جد ~~ودأب، ولعلي أقول بعناية دينية: فما بالكم بالتاريخ الطبيعي الشائع، المهمل والمهلهل ~~بالقياس إلى تاريخي؟ أو بالفلسفة والعلوم المؤسسة على مثل هذه التربة الهشة (أو بالأحرى ~~الرمال المتحركة)؟ ومن ثم فلا داعي للانزعاج من هذه الزاوية. ~~••• ~~(119) وفي التاريخ (الطبيعي) والتجارب الخاصة بي سيكون هناك أيضا أشياء كثيرة تافهة ~~وشائعة، وأخرى هابطة وفجة، وأخرى مفرطة الدقة وتأملية خالصة وغير ذات جدوى، وقد يكون ذلك ~~مدعاة لانصراف الناس. # بالنسبة للأشياء الشائعة يجب أن يدرك الناس أنهم دأبوا على أن يردوا علل الأشياء ~~النادرة الحدوث إلى تلك الأكثر حدوثا، دون أي تمحيص لعلل هذه الأشياء الكثيرة الحدوث ~~ذاتها، فهم يسلمون بها تسليما ويأخذونها على علاتها، وعليه فإنهم لا يدرسون علل الوزن ~~ودوران الأجرام السماوية والحرارة والبرودة والخفة والصلابة والرخاوة والتخلخل والكثافة ~~والسيولة والصلابة والحياة واللاحياة والتشابه والاختلاف والعضوية وما إلى ذلك؛ لا يبحثون ~~علل كل ذلك، بل يسلمون بها كشيء جلي وواضح بذاته، بينما يتنازعون ويعملون الحكم ~~حول أشياء أخرى أقل حدوثا وتواترا وإلفا. # ولكني أنا من يعرف جيدا أن من غير الممكن الحكم على الأشياء النادرة ~~واللافتة - ناهيك بالأشياء الجديدة التي ms061 ظهرت إلى النور - ~~ما لم تبحث أولا علل الأشياء الشائعة وعلل تلك العلل على نحو واف وتكتشف. أنا ~~الذي أعرف ذلك كنت مضطرا إلى أن أفسح مكانا للأشياء المعتادة في تاريخي الطبيعي، بل في ~~اعتقادي أنه لم يعرقل تقدم الفلسفة شيء مثلما عرقلها أن الأشياء المألوفة الكثيرة الحدوث ~~لا تأسر انتباه الناس ولا تحظى بالتفاتهم وتأملهم بل يمرون عليها مرور الكرام، ولا ~~يتساءلون عن عللها، إنما يلزمنا أن نولي انتباها للأشياء المعروفة أكثر مما يلزمنا أن ~~نحصل معلومات عن الأشياء غير المعروفة. ~~••• ~~(120) أما عن الأشياء الوضيعة أو حتى الدنسة - التي علينا (كما يقول بليني # pliny ~~) # 86 # أن نعتذر عليها - فيجب أن ندرجها في التاريخ الطبيعي بما لا يقل عن أفخم ~~الأشياء وأقيمها، فالتاريخ الطبيعي لا يتلوث منهما، فالشمس تدخل القصر والبالوعة دون ~~تفرقة فلا تتلوث، نحن لا نبني أو نكرس كابيتولا أو هرما لزهو الإنسان، بل نضع أساسا في ~~الفهم الإنساني لمعبد مقدس على غرار نموذج العالم. أنا إذن أتبع النموذج، فأيما شيء ~~يستحق الوجود فهو يستحق المعرفة، فالمعرفة هي صورة الوجود، والأشياء الوضيعة والرفيعة ~~موجودة على السواء، وفضلا عن ذلك فكما أن أفضل العطور يستخرج أحيانا من أشياء عفنة كشأن ~~المسك والزباد، كذلك قد يصدر ضوء ومعرفة رائعان من أشياء وضيعة وقذرة، ولكن بحسبنا ~~هذا القدر، فمثل هذه الرهافة ما هي إلا طفولية وتخنث. ~~••• ~~(121) ولكن هناك اعتراضا آخر ينبغي أن ننظر فيه بتمعن أكبر، وهو أن ثمة أجزاء كثيرة في ~~هذا التاريخ (الطبيعي) ستبدو للفهم العام - أو لأي فهم معتاد على الأشياء الراهنة ~~- دقيقة بشكل خيالي غير مفيد، ومن ثم فقد قلت ~~منذ البداية بخصوص هذه المسألة، ويجب أن أكرر ثانية، أنني أبحث عن «تجارب النور لا تجارب ~~الثمار»، مقتديا في ذلك بمثال الخلق الإلهي الذي برأ النور وحده في اليوم الأول، ~~وقيض كل هذا اليوم لخلق النور ولم يزد عليه أي عمل مادي. # لذا فكل من يظن أن مثل هذه الأشياء غير مفيدة يشبه ذلك الذي يظن أن ms062 الضوء غير مفيد؛ ~~لأنه ليس صلبا وليس ماديا، والحق أن معرفة الطبائع البسيطة بتمحيص ودقة هي أشبه بالضوء، ~~فهو يقدم منفذا إلى كل أسرار مشغل الطبيعة، ولديه قدرة على أن يمسك ويجر وراءه فيالق ~~كاملة وأرتالا من النتائج، ومصادر المبادئ الأعلى قيمة، وإن كان هو في ذاته غير ذي نفع ~~كبير، كذلك الحال مع أحرف الأبجدية، فهي بذاتها وبمعزل لا معنى لها ولا فائدة، ولكنها مع ~~ذلك بمثابة الخامة الأولى لتركيب وإعداد كل حديث، وكذلك بذور الأشياء، قيمتها الكامنة ~~كبيرة، ولكنها لا نفع لها البتة إلا في نموها، وكذلك الأشعة المشتتة للضوء نفسه لا تؤتي ~~فائدة ما لم تجمع وتتركز. # ولكن إذا تأذى أحد من الدقائق النظرية فماذا تراه يقول عن السكولائيين وانغماسهم ~~المهول في الدقائق؟ لقد أهدروا تلك الدقائق في الألفاظ أو في التصورات العامة (وهي تئول ~~إلى نفس الشيء)، وليس في الأشياء وفي الطبيعة، وكانت تلك الدقائق غير مثمرة لا في مبدئها ~~ولا في منتهاها، ولا تشبه من قريب أو بعيد دقائقنا نحن التي هي غير مفيدة في البداية ولكن ~~نتائجها ذات فوائد لا نهائية، فليعلم الناس علم اليقين أن كل حذق في الجدل والاستدلال لا ~~يؤتى به إلا بعد أن يتم اكتشاف المبادئ إنما هو حذق بائر في غير موضعه، أما الوقت ~~الصحيح والمناسب للحذق أو أفضل وقت على كل حال فهو إبان روز الخبرة وتقييمها وتكوين ~~المبادئ منها، أما النوع الآخر من الحذق فهو إن أمسك بالطبيعة أو تشبث بها فهيهات له أن ~~يقبض عليها أو يأسرها. إن الطبيعة ليصدق فيها كل الصدق ما قيل في الحظ أو الفرصة: «لها ~~من الأمام خصلة، ولكنها من الخلف صلعاء.» # وباختصار أقول لأولئك الذين يزدرون أي جزء من التاريخ الطبيعي باعتباره مبتذلا أو ~~وضيعا أو مفرط الدقة والرهافة أو غير مفيد في بدايته، أقول لهم ما قالته امرأة فقيرة لملك متغطرس # 87 # رفض الإصغاء إلى طلبها بوصفه شيئا تافها ولا يليق بجلالته: «كف إذن عن أن ~~تكون ملكا.» فمن ms063 المؤكد أن من لن يلتفت إلى أشياء مثل هذه على أنها تافهة وضئيلة فلن يفوز ~~بمملكة الطبيعة ولن يحكمها. ~~••• ~~(122) سيعترض أيضا بأنه من الغرابة والفظاظة أن نتخلص من جميع العلوم وجميع الثقات ~~مرة واحدة وبضربة واحدة، ولا نستعين بأي من القدماء، بل نعتمد على قوتنا ~~الخاصة. # ولكني أعلم أنني لو كنت اخترت أن أكون أقل صدقا لما كان صعبا علي أن أعزو منهجي ~~الحالي إلى القرون القديمة قبل اليونان (عندما كان العلم الطبيعي ربما أكثر ازدهارا وإن ~~كان أقل صخبا، قبل أن يتوصل إلى مزامير اليونان وطبولهم)، أو حتى أعزوه - في شطر منه - ~~إلى بعض اليونان أنفسهم، فأكون قد كسبت منهم العون والمجد معا، كشأن محدثي النعمة؛ إذ ~~ينتحلون لأنفسهم شرف التحذر من سلالة ما عريقة بمساعدة علوم الأنساب، # 88 # ولكني أستند إلى بينة الأشياء، وأرفض كل صنف من الخيال والادعاء، ولا ~~أعتقد أنه يهم لعملي الحالي هل الكشوف التي ستأتي كانت ذات يوم معروفة للقدماء وجعلت ~~تغيب وتعود مع تقلبات الأشياء وكر العصور، لا يهم هذا لعملي أكثر مما يهم للجنس البشري ~~ما إذا كان العالم الجديد هو جزيرة أطلنطا # 89 # الشهيرة التي عرفها القدماء أم هو أرض جديدة تكتشف الآن للمرة الأولى؛ ذلك أن ~~الكشوف الجديدة يجب أن تؤخذ من نور الطبيعة، لا أن تسترد من غياهب القدم. # أما عن نقدي العام للعلوم القديمة، فمن الواضح ~~تماما للنظرة المنصفة أن هذا الشجب ليس فقط أكثر قبولا، بل أيضا أكثر تواضعا مما كان ~~يمكن أن يكونه أي شجب متحيز، فلو لم تكن الأخطاء متجذرة في التصورات الأولية لكان ~~هناك بالضرورة بعض الاكتشافات الصحيحة، ولقدر لهذه الاكتشافات الصحيحة أن تقوم ~~الاكتشافات الخاطئة، ولكن لأن الأخطاء كانت أساسية، ومن طبيعة أدت بالناس إلى أن تغفل ~~الأشياء وتعمى عنها لا أن تحكم عليها حكما متهافتا أو غير صحيح، فلا عجب إذا كان الناس ~~لم يبلغوا ما لم يحاولوه، ولم يدركوا هدفا لم يحددوه، ولم يكملوا سباقا لم يدخلوه ~~ولم يخوضوه. # وأما عن ms064 الغطرسة المتضمنة فيه فأقول: من المؤكد أنه إذا ادعى شخص أنه يستطيع رسم ~~خط أكثر استقامة أو دائرة أكثر اكتمالا مما يستطيعه أي شخص آخر بثبات اليد وحدة ~~البصر، فإنه يدعو إلى منافسة للقدرات، أما إذا أقر شخص بأنه يستطيع رسم خط أكثر استقامة ~~أو دائرة أكثر اكتمالا بمساعدة مسطرة أو فرجار، فمن المؤكد أنه لا يتفاخر على الإطلاق، ~~ولننتبه إلى أن هذه الملاحظة لا تنطبق فحسب على محاولتي هذه التمهيدية، بل تنطبق أيضا على ~~أولئك الذين يكرسون أنفسهم لهذا الموضوع في المستقبل؛ لأن منهجي الكشفي في العلوم يسوي ~~بين الأذهان، ولا يترك للامتياز الفردي إلا القليل؛ لأنه يؤدي كل شيء بواسطة أوثق القواعد ~~والبراهين؛ ولذا فأنا أعزو إسهامي - كما قلت مرارا - إلى الحظ لا إلى القدرة، وأعده ~~سليل الزمن لا الذكاء، فهناك - بلا شك - عنصر من المصادقة في أفكار الناس لا يقل عما في ~~أعمالهم وأفعالهم. ~~••• ~~(123) لذا يجب أن أطلق على نفسي النكتة القديمة (إذ إنها تصيب كبد المسألة): «شارب ~~الماء وشارب النبيذ لا يمكن أن يفكرا بنفس الطريقة.» # 90 # فجميع البشر - قديمهم وحديثهم سواء - قد شربوا في العلوم شرابا بسيطا كالماء، ~~جاريا تلقائيا من الفهم، أو مستمدا بواسطة المنطق كما ببكرات من بئر، بينما أشرب ~~وأجعل أنخابي من شراب معد من أعناب كثيرة، في إبانها تامة النضج، جمعت وقطفت ~~من أفرع منتخبة، ثم عصرت في معصرة النبيذ، ثم صفيت وخمرت في الدن، ليس ~~مستغربا إذن أنني لا أفكر كما يفكرون. ~~••• ~~(124) كذلك سيوجه إلي بدون شك اعتراض مفاده أنني لا أستهدف من العلم غايته ~~الصحيحة، أو أفضل غاية له (وهو نفس الشيء الذي أعيبه على الآخرين)، إذ إن تأمل الحقيقة هو ~~شيء أكرم وأرفع من كل منفعة أو امتداد للنتائج، بينما هذا التشبث الطويل بالتجربة والمادة ~~وبالأحوال المتقلبة للأشياء الجزئية يقيد العقل بالأرض، أو بالأحرى يلقي به في جحيم من ~~الفوضى والاضطراب، وينأى به عن سكينة الحكمة المجردة وصفاتها، وهي حالة أكثر سموا ~~وقداسة، وأنا أقبل هذا التوجه بكل ms065 ارتياح، فهذا الذي يدعون إليه ويعلون شأنه هو بالتحديد ~~ما أتغياه وأصبو إليه؛ وذلك أني أشيد في الفهم الإنساني نموذجا حقيقيا للعالم مثلما ~~هو عليه في الواقع لا كما شوهه عقل الإنسان، وذاك أمر لا يتحقق إلا بتشريح العالم بكل ~~دقة، غير أني أعلن أنه لا بد من القضاء التام على تلك التقليدات الحمقاء والهزيلة والقردية ~~للعالم التي كونتها أوهام الناس في مختلف المذاهب الفلسفية، فليدرك الناس إذن ~~الفرق الهائل (كما قلت آنفا) # 91 # بين أوهام العقل البشري ( # idols ~~) وأفكار العقل ~~الإلهي ( # ideas ~~)، فما الأولى إلا تجريدات اعتباطية، أما ~~الأخرى فهي طابع الخالق نفسه على مخلوقاته، وقد انطبع على المادة وتحدد فيها بخطوط ~~حقيقية رائعة، ومن ثم فإن الحقيقة هنا والمنفعة شيء واحد، # 92 # وقيمة النتائج نفسها - بوصفها ضمانات للحقيقة - أعظم من قيمة المنافع التي ~~تقدمها لحياة الإنسان. ~~••• ~~(125) قد يعترض آخرون بأني لا أفعل غير ما كان ~~يفعل من قبل، وأن القدماء أنفسهم اتخذوا نفس المسار الذي أتخذه الآن؛ ومن ثم فمن ~~المرجح أنني - أنا أيضا - بعد كل هذا العناء والصخب سوف أرسو في واحد من هذه المذاهب التي ~~سادت في الأزمنة القديمة، فالقدماء أيضا كانوا حين يبدءون تنظيراتهم يذخرون مخزونا ~~هائلا من الأمثلة والجزئيات، ويرتبونها في رسائل بأبواب وعناوين، ويشيدون منها فلسفاتهم ~~وفنونهم، وبعد ذلك عندما يفهمون المسألة يذيعونها على العالم، مضيفين بضعة أمثلة هنا وهناك ~~للبرهان والتوضيح، ولكنهم كانوا يرون أن من الزائد والمضجر أن يطبعوا ملاحظاتهم عن الجزئيات ~~ومدوناتهم ورسائلهم، وهكذا كان شأنهم شأن البنائين الذين بعد أن ينتهوا من بناء البيت ~~يزيلون السقالات والسلالم من المشهد، هذه بغير شك هي العملية التي كانت تتم ولا يمكن أن ~~يتصورها المرء غير ذلك، غير أن هذا الاعتراض (أو بالأحرى الوسواس) سيكون من السهل أن ~~يرد عليه أي شخص لم ينس تماما ما قلته آنفا، فأنا أيضا أسلم بأن هناك شكلا ~~من البحث والكشف كان بين القدماء، وهم أنفسهم قد بينوه بوضوح في كتاباتهم، وهو ببساطة أنهم ~~من خلال ms066 بضعة أمثلة وجزئيات (مع إضافة تصورات شائعة وربما جرعة ما من أكثر الآراء رواجا) ~~كانوا يقفزون قفزا إلى المبادئ الأكثر عمومية أو المبادئ الأولى للعلم، وإذ يأخذون صدق هذه ~~المبادئ الأولى كأمر ثابت لا يتزعزع، فإنهم ينطلقون منها إلى استنباط الاستنتاجات الدنيا ~~بواسطة قضايا وسطى، ويختبرونها بعرضها على محك المبادئ الأولى الصادقة صدقا ثابتا لا ~~يتزعزع، ومنها يشيدون الفن، وأخيرا فإنهم إذا ظهرت في الأفق جزئيات جديدة تناقض وجهات ~~نظرهم فإنهم إما يسلكونها بمهارة في المذهب بواسطة تحديدات وتفسيرات لقواعدهم نفسها، # 93 # وإما يتخلصون منها برعونة على أنها استثناءات، أما الجزئيات التي لا تتعارض ~~مع قواعدهم فكانوا يقيضون لها - بتكلف وعنت - عللا ~~تتماشى مع مبادئهم، ولكن ليس هذا هو التاريخ الطبيعي والخبرة كما كان ينبغي أن يكونا، كما ~~أن قفزهم إلى التعميمات قد دمر كل شيء. ~~••• ~~(126) واعتراض آخر قد يوجه ضدي، هو أنني ~~بتحرزي من أن يصدر الناس آراء ويضعوا مبادئ معينة حتى يصلوا على نحو واف إلى ~~العموميات عبر الخطوات الوسطى؛ أنني بذلك أعلق الحكم وأقود إلى ما يسميه اليونان # acatalepsia ~~(الشك)، غير أن ما أقصده وما أدعو إليه ليس ~~الأكاتالبسيا «الشك» (إنكار قدرة العقل على فهم الحقيقة)، بل اليوكاتالبسيا «الاعتقاد ~~السليم» (تأهيل العقل للفهم الصحيح)، فأنا لا أنتقص من سلطة الحواس بل أعينها بمساعدات، ~~ولا أستهين بالفهم بل أنظمه، ولأن نعرف بقدر ما يلزمنا أن نعرف ثم نرى أن معرفتنا ~~ناقصة خير من أن نرى أن معرفتنا كاملة ثم لا نعرف أي شيء تلزمنا معرفته. ~~••• ~~(127) كذلك قد يسأل البعض (من باب التشكك لا من باب ~~الاعتراض) عما إذا كان منهجي معنيا بإنهاض العلم الطبيعي وحده أم يهدف أيضا إلى إنهاض ~~العلوم الأخرى كالمنطق والأخلاق والسياسة، إنني بالتأكيد أهدف من منهجي أن ينسحب على العلوم ~~جميعا، ومثلما أن المنطق الشائع الذي ينظم الأمور بواسطة القياس لا يقتصر على العلم ~~الطبيعي بل يمتد ليشمل كل العلوم، فإن منهجي الاستقرائي هو أيضا يشملها جميعا، فأنا أضع ~~تاريخا وقوائم كشف للغضب والخوف ms067 والخجل وما شابهها وللأمور السياسية، وكذلك للعمليات ~~العقلية للذاكرة والتركيب والتقسيم # 94 # والحكم وما شاكلها، تماما كما أضع للحرارة والبرودة أو للضوء أو النمو النباتي ~~... إلخ، ولكن لما كان منهجي التفسيري بعد إعداد التاريخ واستيفائه لا يقتصر على عمل العاقل ~~وخطابه فحسب (كما يفعل المنطق الشائع) - بل يشمل أيضا طبائع الأشياء - فقد زودت العقل ~~بقواعد وتنظيم بحيث يعمل نفسه في كل شأن على نحو ملائم لذلك الشأن؛ ولهذا فقد قدمت ~~قواعد كثيرة ومتنوعة في مذهبي التفسيري بحيث تكيف منهج الكشف - بدرجة ما - وفقا ~~لنوعية موضوع البحث وحالته. ~~••• ~~(128) وليس لأحد أن يتشكك في موقفي من الفلسفة والفنون والعلوم القائمة ويظن أني راغب ~~في تدميرها، فأنا أبعد ما أكون عن ذلك، بل يسرني أن أراها تستخدم وتنمى وتقدر، ~~فأنا لا أتدخل بأي حال لتثبيط هذه الفنون الرائجة عن أن تستخدم لإثراء المناقشة وتجميل ~~الخطاب، وأن تكون في خدمة الأساتذة ورجال الأعمال، وأن تحظى بالقبول العام كنوع من العملة ~~المتداولة، بل إني أعلن بوضوح أن ما أقدمه الآن لا يصلح لهذه الأغراض، إذ هو غير مهيأ ~~لكي تفهمه العامة إلا من خلال نتائجه وآثاره، أما عن تعاطفي الصادق ونيتي الحسنة تجاه ~~العلوم السائدة فهو شيء تشهد به كتاباتي المنشورة (وبخاصة «في النهوض بالعلم» # On the ~~advancement of learning ~~) شهادة تغنيني عن الكلام، وأكتفي بأن أنبه علانية وبغير انقطاع أن المناهج ~~المستخدمة حاليا لا يمكن أن تؤدي إلى تقدم كبير في الجانب النظري والتأملي من العلم، ~~ولا إلى آثار (عملية) واسعة النطاق. ~~••• ~~(129) يبقى أن أقول بضعة أشياء عن نبل الغرض (من عملي هذا)، وإذا كنت قد عرضت قبلا ~~لهذه الأشياء، فربما بدا ذلك من جانبي مجرد أماني، فأما وقد أحييت الأمل وأزلت ~~التحيزات، فلعلها تكون الآن أثقل وزنا، وإذا كنت قد أكملت العمل بنفسي دون أن أهيب بأحد ~~أن يشارك بقسط فيه وأن يمد إلي يد العون، فإن علي الآن أن أقلع عن ذلك؛ لئلا ~~يظن بي ادعاء التميز والاستحقاق، إنما يليق بي أن ms068 أستدعي إلى ذاكرة الناس نقاطا معينة ~~ما دمت أريد أن أثير همتهم وأشعل حماستهم. # أولها إذن أن إدخال اختراعات كبيرة هو العمل الذي يحتل المكانة الأولى، غير مدافع، ~~بين الأعمال البشرية جميعا، وهكذا كان رأي القدماء فيه، فقد كانوا يخلعون على أصحاب ~~الاختراعات ألقاب الشرف الإلهية، بينما يعزون أمجادا بطولية فحسب لأصحاب الإنجازات ~~السياسية الكبرى (مثل مؤسسي المدن والإمبراطوريات والمشرعين ومحرري أوطانهم من المحن ~~المقيمة وقاهري الطغاة ومن إليهم)، ومن يقارن بين الفصيلين مقارنة عادلة سيجد أن ~~القدماء كانوا على حق في حكمهم؛ ذلك أن منافع الاختراعات تعم الجنس البشري كله، أما ~~المنافع السياسية فهي مقصورة على مناطق بعينها، وهي لا تدوم إلا زمنا، بنيما تدوم منافع ~~الاختراعات إلى أبد الدهر، كما أن الإصلاح السياسي قلما يتم دون عنف واضطراب، أما ~~الاختراعات فإنها تسبغ نعمة وتقدم منفعة دون أن تلحق بأحد أي أذى أو ~~ضرر. # كما أن الاختراعات هي ضروب من الخلق الجديد، ومن المحاكاة للأعمال الإلهية، وكما قال الشاعر: # 95 ~~«كانت أثينا - تمجد اسمها - ذات يوم هي أول من منح الجنس البشري ~~البائس حصادا مثمرا، وأعاد خلق حياتهم، وصنع لهم قوانين.» # وهنا لا ننسى أن سليمان رغم سطوته وذهبه وأعماله العظيمة وبلاطه وخدمه وأسطوله وبهاء ~~اسمه وإعجاب البشر غير المحدود به، لم يكن يعد مجده في أي شيء من ذلك، بل كان يعلن أن ~~«مجد الله أن يخفي شيئا ما، ولكن مجد الملك أن يكتشفه.» # وفضلا عن ذلك، فليتأمل أي شخص في الفارق الهائل بين حياة الناس في أرقى البلاد الأوروبية ~~وحياتهم في أي منطقة همجية وبربرية من مناطق الهند الجديدة، ولسوف يجد أن الفارق قد بلغ من ~~الضخامة بحيث يصح أن يقال: إن «الإنسان إله للإنسان.» # 96 # ليس فقط باعتبار العون والمنافع المتبادلة، بل من مقارنة الوضعين، وهذا الفارق ~~لا يأتي بفضل التربية أو المناخ أو العرق، بل بفضل «الفنون». # كذلك ينبغي أن نلاحظ قوة المخترعات وتأثيرها ونتائجها، والتي تظهر في أوضح صورة في تلك ~~المخترعات الثلاثة التي ms069 لم يعرفها القدماء: الطباعة والبارود والبوصلة، فقد غيرت هذه ~~المكتشفات الثلاثة وجه وحالة العالم بأسره، الأول في الأدب، والثاني في فن الحرب، والثالث ~~في الملاحة، ثم ترتب عليها تغيرات لا تحصى، بحيث يمكن القول بأنه لم يكن لأي إمبراطورية ~~أو مذهب أو نجم أي قوة أو تأثير في الشئون البشرية يفوق ما كان لهذه الكشوف ~~الميكانيكية. # كذلك يصح أن نميز بين ثلاثة أنواع ودرجات من الطموح البشري؛ الأول: طموح أولئك الذين ~~يريدون بسط سطوتهم على بلدهم الأصلي، وهو نوع سوقي ومنحط من الطموح، والثاني: طموح ~~أولئك الذين يسعون إلى بسط سلطان بلادهم على البشر، وهذا طموح أسمى من سابقه بالتأكيد، ~~وإن لم يكن أقل جشعا، ولكن إذا سعى إنسان إلى تأسيس وبسط سطوة الجنس البشري نفسه وسلطانه ~~على العالم، فإن طموحه - إن جازت هذه التسمية - أسلم وأنبل من سابقيه. إن سلطان الإنسان ~~على الأشياء ليعتمد كليا على الفنون والعلوم، إذ إننا لا يمكن أن نحكم الطبيعة إلا ~~بإطاعتها. # كذلك إذا كانت فائدة أي اختراع معين قد حرك الناس إلى أن تعتبر أي شخص أمكنه أن ~~يسبغ مثل هذا النفع على الجنس البشري كله؛ تعتبره أكثر من إنسان، فأي تمجيد سوف يحظى به ~~ذلك الكشف الذي يؤدي إلى تسهيل اكتشاف كل شيء آخر؟! ومع ذلك (لكي نقول الحقيقة) فمثلما أن ~~فوائد الضوء لا نهاية لها في تمكيننا من السير في طريقنا ومن ممارسة الفنون ومن القراءة ومن ~~تمييز أحدنا الآخر، على أن إبصار الضوء نفسه أروع وأجمل من شتى استخدامات الضوء، كذلك فإن ~~تأمل الأشياء كما هي - دون خرافة أو خداع أو خطأ أو اضطراب - هو بذاته أقيم من كل ثمرات ~~الكشوف. # وأخيرا: فإذا طرح اعتراض بأن العلوم والفنون قد انحرفت إلى جهة الشر والترف وما إلى ~~ذلك، فلا ينزعجن أحد من هذا الاعتراض، فالشيء نفسه يمكن أن يقال في كل خير أرضي: الذكاء، ~~الشجاعة، القوة، الجمال، الثروة، والضوء نفسه، وكل شيء آخر، فقط دع الإنسان يستعيد حقه ~~على الطبيعة - ذلك ms070 الحق الذي خصه الله به وكفله له - ودعه يتملك هذه القوة التي ~~سيكون استخدامها محكوما بالعقل السليم والدين الصحيح. ~~••• ~~(130) والآن حان الوقت لأن أقدم الفن نفسه - فن تفسير الطبيعة - الذي لا أدعي أنه ~~ضروري بشكل مطلق (أي لا يمكن فعل أي شيء بدونه)، ولا أنه كامل مكمل، وإن كنت ~~أعتقد أنني قدمت فيه قواعد صحيحة وبالغة الفائدة؛ ذلك أن لدي قناعة بأنه إذا توافر ~~للناس تاريخ طبيعي جيد وخبرة جيدة، وإذا أخلصوا العمل عليهما، وألزموا أنفسهم ~~بقاعدتين: ~~(1) # التخلي عن الآراء والتصورات الشائعة. ~~(2) # الامتناع عن التعميمات المتسرعة؛ فإن بوسعهم بإعمال قوى عقلهم الأصلية ~~والأصيلة لا أكثر أن يعثروا على طريقتي في التفسير بغير معونة من أي فن؛ ذلك ~~أن التفسير هو الفعل الحقيقي والطبيعي للعقل عندما يتم تحريره من العوائق. ~~ومن الحق مع ذلك أن قواعدي التي أقدمها سوف تجعل كل شيء أسرع وأوثق. # غير أني لا أدعي أن ليس بالإمكان إضافة أي شيء على هذه القواعد، فأنا - على العكس - ~~إذ أنظر إلى العقل لا في قدراته الذاتية فحسب بل في اتحاده بالأشياء، أذهب بالضرورة إلى أن ~~فن الكشف يمكن أن ينمو مع نمو الكشوف ذاتها. # الكتاب الثاني # | شذرات في تفسير الطبيعة أو في مملكة الإنسان # (1) مهمة «القوة» البشرية وهدفها هو أن تولد وتحدث في جسم معطى طبيعة ~~جديدة أو طبائع جديدة، أما مهمة «المعرفة» البشرية وهدفها فهو أن تكتشف في طبيعة ~~معطاة «صورتها» أو تميزها الحقيقي أو طبيعتها المسببة لها أو المصدر الذي ~~انبعثت منه إلى الوجود (فهذه هي أقرب الكلمات التي بحوزتي لوصف هذا الشيء الذي أتحدث ~~عنه)، ويندرج تحت هاتين المهمتين الأوليتين مهمتان ثانويتان وأقل أهمية: تحت الأولى تندرج ~~مهمة تحويل الأجسام العينية من شيء إلى آخر، ما أمكن ذلك، ويندرج تحت الثانية مهمة اكتشاف ~~- في كل تكوين وحركة - العملية الكامنة والمستمرة المؤدية من العلة الفاعلة الملحوظة والعلة ~~المادية الملحوظة إلى الصورة المسبغة، وبالمثل اكتشاف البنية الكامنة في الأجسام التي في ~~حالة السكون وليست في حالة حركة. ~~••• ~~(2) إن ms071 الحالة المؤسفة للعلم البشري اليوم واضحة حتى من خلال الأقوال الشائعة عنه، لقد ~~صدق من قال: إن المعرفة الحقة هي معرفة العلل. ولا بأس أيضا من تقسيم هذه العلل إلى ~~أربعة أنواع: المادية والصورية والفاعلة والغائية، غير أن النوع الأخير من هذه العلل - أي ~~العلل الغائية - هو أبعد ما يكون عن الفائدة، والحق أنه يفسد العلوم إلا ما كان منها ~~يتناول الأفعال البشرية. لقد انقطع أمل الناس في اكتشاف العلل الصورية، ولكن العلل الفاعلة ~~والمادية (بالطريقة التي تبحث بها والآراء السائدة عنها، أي بمعزل عن العمليات الكامنة # latent processes # التي تفضي إلى «الصورة» # form ~~) هي شيء ضحل وسطحي ولا يكاد يسهم بأي شيء في العلم ~~الأصيل والمنتج، لست ناسيا أنني أشرت سابقا إلى - وحذرت من - خطأ يقع فيه العقل ~~البشري إذ يعزو إلى الصور الدور الأساسي في الوجود، # 1 # ولكن إذا كان في الطبيعة لا يوجد إلا الأجسام الفردة # 2 # التي تؤدي أفعالا فردية خالصة وفقا لقانون، ففي مجال العلم يعد هذا ~~القانون نفسه (ودراسته واكتشافه وتفسيره) هو أساس كل من المعرفة والتطبيق العملي، إن ~~هذا القانون وبنوده هو ما أعنيه بكلمة «صورة» # form ~~، ~~مستخدما هذه اللفظة لأنها جارية ومألوفة. ~~••• ~~(3) إذا اقتصرت معرفتك على علة وجود طبيعة ما (كالبياض أو الحرارة) كما هي قائمة في ~~موضوعات محددة، فإن معرفتك العلمية غير مكتملة، وإذا اقتصرت قدرتك على إحداث نتيجة ~~ما في بعض المواد القابلة لها فإن قدرتك أيضا غير مكتملة، وإذا لم تعرف غير العلة الفاعلة ~~والعلة المادية سيكون بإمكانك الوصول إلى كشوف جديدة في المادة المماثلة بصفة عامة والمؤهلة ~~لذلك من الأصل، ولكنك لن تطال الأغوار القصية للأشياء؛ ذلك أن العلل متنوعة ولا تعدو أن ~~تكون حاملات وليس بقدرتها نقل الصور إلا في بعض الحالات، أما إذا عرفت الصور فسوف تفهم ~~وحدة الطبيعة فيما يبدو من المواد شديدة التباين، ومن ثم ستكون قادرا على أن تكتشف ~~وتحدث أشياء لم تحدث من قبل على الإطلاق، ولم تحدث مثلها تقلبات الطبيعة ولا ms072 ~~الجهود التجريبية ولا حتى المصادفة، ولم تكن لتخطر أبدا على عقل البشر؛ اكتشاف الصور - إذن ~~- يفضي إلى الفكر الحق والممارسة الحرة. ~~••• ~~(4) رغم أن طريقي القوة والمعرفة البشريتين متوازيان ومتماهيان تقريبا، إلا أنه بسبب ~~العادة الموبقة والمتأصلة - عادة الانغماس في التجريدات - فإن من الأسلم جدا أن نقيم ~~العلوم منذ البداية على أسس ذات توجه عملي، وأن ندع التوجه العملي نفسه يؤطر الجانب ~~النظري ويحدده، ومن ثم فإذا أردنا خلق طبيعة معينة أو إحداثها في جسم معطى فإن ~~علينا أن ننظر أي نوع من التعليمات يلزمنا وأي نوع من القواعد والإرشادات، وأن نضع هذه ~~بلغة بسيطة لا غموض فيها ولا تعقيد. # هب أن لديك فضة وأنت تريد أن تسبغ عليها صفرة الذهب أو زيادة في الوزن (مراعيا ~~قوانين المادة)، أو أن لديك حجرا معتما تريد أن تجعله شفافا، أو أنك تريد أن تسبغ ~~القوة على الزجاج، أو النماء على ما ليس نباتا، أقول: إن علينا أن ننظر أي نوع من القواعد ~~أو الإرشادات تفضلها؛ أولا: أنت - بلا شك - ستريد أن نقدم لك شيئا ناجعا في النتيجة ~~وغير مخيب في التجربة، ثانيا: ستود أن نصف لك شيئا لا يجبرك ولا يقصرك على طرائق أو ~~وسائل معينة من الأداء، إذ ربما لا تحوز هذه الوسائل ولا يتسنى لك تدبيرها، أما إذا ~~كان ثمة طرائق أو مناهج أخرى (غير ما نصفه) لإنتاج هذه الطبيعة فربما ستكون في حوزتك ~~ولكنها ستكون هدرا غير مستخدم بسبب ضيق القاعدة، وستحرم من جني أي نتيجة، ثالثا: ~~ستود أن يقدم لك شيء ليس في صعوبة العلمية التي تريد أن تجريها ولكنه أقرب إلى ما ~~هو عملي. # لذا فإني أعلن أن القاعدة الحقة والكاملة للممارسة ينبغي أن تكون محددة ومفتوحة ومواتية ~~للفعل أو مفضية إليه، وهذا هو بعينه اكتشاف «الصورة» الحقة، فصورة طبيعة ما هي ذلك الذي ~~إن حضر حضرت الطبيعة إثره على اليقين، ومن ثم فإن «الصورة» حاضرة دائما ما حضرت ~~الطبيعة؛ لأنها تدعمها وتتأصل في كليتها، والصورة نفسها من ms073 شأنها أنها إذا زالت تزول ~~الطبيعة المعنية على اليقين، فما دامت الطبيعة غائبة فالصورة غائبة، إذ هي ليست هناك ~~لتدعمها، وهي لا توجد في أي طبيعة أخرى، وأخيرا، فإن من شأن الصورة الحقة أن تجلب الطبيعة ~~المعنية من مصدر وجودي ما قائم في أشياء كثيرة وأكثر إلفا من الصورة نفسها؛ لذا فإني ~~أعلن وأوصي بأن يكون المبدأ الحق والتام للمعرفة هو التالي: اكتشف طبيعة أخرى قابلة للتحول ~~إلى الطبيعة المعنية ولكنها مثال معين لطبيعة معروفة أكثر ولنوع حقيقي، غير أن هاتين ~~القاعدتين - العملية والنظرية - هما في الحقيقة شيء واحد: ما هو أنفع عمليا هو الأصدق ~~نظريا. ~~••• ~~(5) ثمة نوعان من القاعدة أو المبدأ الخاص بتحول الأجسام؛ الأول: ينظر إلى الجسم ~~باعتباره جماعا أو حزمة من الطبائع البسيطة، في حالة الذهب مثلا تلتقي الخصائص ~~التالية: فهو أصفر اللون، ثقيل وله وزن معين، قابل للسحب والطرق إلى درجة معينة، غير ~~طيار، لا يفقد شيئا من مادته بالنار، ينصهر إلى درجة معينة من السيولة، يمكن استخلاصه ~~وإذابته بطرق معينة، وهكذا في بقية الطبائع التي توجد معا في الذهب، إذن هذا النوع من ~~المبدأ يستنبط الشيء من صور الطبائع البسيطة، فمن يعرف الصور وطرائق إضفاء صفرة اللون ~~والثقل وقابلية السحب والطرق والثبات والانصهار والسيولة ... إلخ ودرجاتها وحالاتها، فسيجد ~~أن بالإمكان الجمع بينها في جسم ما وينتج عن ذلك تحوله إلى ذهب، # 3 # هذا النوع من العمليات هو فعل أولي، إذ إن منهج إنتاج طبيعة واحدة هو نفسه ~~منهج إنتاج طبائع عدة، مع فارق واحد هو أن إنتاج طبائع عديدة في آن معا هو أمر عليه ~~قيود وحدود، وليس من السهل ضم طبائع كثيرة معا إلا بالطرائق المألوفة الشائعة من الطبيعة، ~~على أننا ينبغي أن نقول: إن هذا المنهج من مناهج العمل (الذي ينظر بعين الاعتبار إلى ~~الطبائع البسيطة وإن كانت في جسم مركب) ينطلق مما هو ثابت أزلي كلي في الطبيعة، ويتيح ~~فرصا هائلة للقدرة البشرية مما لا يحيط به ولا يتصوره الفكر البشري في ms074 حالته ~~الراهنة. # أما النوع الثاني من المبدأ (الذي يعتمد على اكتشاف العملية الكامنة): فلا ينطلق من ~~الطبائع البسيطة، بل من الأجسام المركبة كما توجد في الطبيعة في السياق المعتاد للأشياء، ~~مثال ذلك: إن موضوع البحث قد يكون عن البدايات الأولى والطريقة والمراحل التي يتكون بها ~~الذهب (أو أي معدن أو حجر آخر) من المواد أو العناصر الأصلية إلى المعدن المكتمل، أو بالمثل ~~العملية التي تتكون بها النباتات بداية من تصلب النسغ في التربة أو من البذور، وحتى ~~النبات المكتمل خلال التتابع المنظم للتغيرات والجهود المتنوعة والدائبة للطبيعة، أو التقدم ~~المنتظم لتكون الحيوانات منذ الإخصاب حتى الولادة، وكذلك الأمر في بقية الأجسام. # فهذا البحث لا ينظر فقط في تكون الأجسام، بل ينظر أيضا في الحركات والعمليات الأخرى ~~للطبيعة، فينظر مثلا إلى الحالة التي يكون فيها موضوع البحث هو عن العملية الكلية والفعل ~~المستمر للتغذية، بداية من تناول الغذاء وحتى التمثل التام، # 4 # أو يكون موضوع البحث هو عن الحركة الإرادية في الحيوانات، بداية من الانطباع ~~الحسي الأصلي، مرورا بالنشاط المستمر للروح وصولا إلى ثني الأطراف أو تحريكها، أو يكون ~~موضوع البحث هو تفسير حركة اللسان والشفاه وبقية الأعضاء وصولا إلى تلفظ الكلمات ~~ونطقها، فهذه الأبحاث أيضا متعلقة بطبائع مركبة، أي طبائع متواشجة في بنية، وتأخذ ~~بالاعتبار عادات معينة وخاصة للطبيعة دون القوانين الأساسية والعامة التي تشكل ~~«الصور» # Forms ~~، إلا أن على المرء أن يعترف أن هذا ~~المنهج يبدو أسهل من المنهج الأولي وأقرب منه تناولا وأوثق وعدا بالنتائج. # وبنفس الطريقة فإن الجانب العملي المناظر لهذا الجانب النظري يتوسع في نشاطه ويمتد به من ~~الأشياء الاعتيادية المألوفة في الطبيعة إلى الأشياء اللصيقة بها أو غير البعيدة عنها ~~كثيرا، أما العمليات الأكثر عمقا وجذرية على الطبيعة فتعتمد اعتمادا كليا على ~~المبادئ الأولية، وفضلا عن ذلك، فحيثما انتفت قدرة البشر على فعل أي شيء عدا المعرفة، ~~مثلما هو الحال في علم الفلك (فليس بوسع الإنسان أن يؤثر على الأجرام السماوية أو يغيرها ~~أو يحولها) ms075 فإن دراسة الوقائع نفسها - إلى جانب معرفة العلل والتوافقات - لتعود بالمرء ~~إلى المبادئ الكلية الأولية عن الطبائع البسيطة (عن طبيعة الدوران التلقائي مثلا، أو طبيعة ~~الجذب أو القوة المغناطيسية، أو عن أشياء أخرى عديدة أكثر إلفا من الأجرام السماوية ~~نفسها)، فلا يأملن أحد في حسم مسألة هل الأرض أم السماء هي التي تدور في الحركة ~~اليومية ما لم يفهم أولا طبيعة الدوران التلقائي. ~~••• ~~(6) غير أن «العملية الكامنة» # latent process # التي ~~سأتحدث عنها هي شيء مختلف تماما عما يمكن أن يدور بخلد الناس بالنظر إلى شواغلهم ~~الراهنة، فأنا لا أعني بها مقاييس معينة أو علامات أو مراحل نمو مشهودة في الأجسام، بل ~~أعني عملية مستمرة تماما تفلت في معظمها من إدراك الحواس. # مثال ذلك: أنه في كل عملية تكون أو تحول لجسم من الأجسام فإن علينا أن نسأل: ما ~~الذي يفقد أو يتبدد؟ وما الذي يبقى أو يضاف؟ ما الذي يتمدد وما الذي ينكمش؟ ما الذي ~~يتحد وما الذي يفترق؟ ما المتصل وما المنقطع؟ ما الذي يدفع وما الذي يصد؟ ما الذي يسود ~~وما الذي ينزوي؟ وكثير من مثل هذه الأشياء. # هنا أيضا لا تتوقف التساؤلات عند حالات تكون الأجسام أو تحولها، بل علينا في جميع ~~حالات التحور والتبدل أن نتساءل بالمثل: ما الذي يسبق وما الذي يلحق؟ ما السريع وما البطيء؟ ~~ما الذي يقدح الحركة وما الذي ينظمها؟ وما إلى ذلك، غير أن كل هذه الأشياء لا تعرفها ولا ~~تحاولها العلوم في وضعها الحالي البليد البائر، فإذا كان كل فعل طبيعي هو نتاج جزيئات دقيقة ~~لا متناهية الصغر (أو على الأقل أصغر من أن تدركها الحواس) فلا يأملن أحد في السيطرة على ~~الطبيعة أو تعديلها دون أن يفهم هذه الدقائق ويتخذ الوسائل الملائمة لملاحظتها. ~~••• ~~(7) كذلك فإن دراسة وكشف «البنية ~~الكامنة» # latent structure # في الأجسام هو شيء جديد، مثله مثل كشف «العملية الكامنة» # latent process # و«الصورة» # form ~~، ومن الواضح أننا حتى الآن كنا نتلكأ في ردهات الطبيعة، ولم ~~نلج بعد إلى ms076 غرفاتها الداخلية، ولكنك لا تستطيع أن تضفي طبيعة جديدة على جسم ما أو ~~أن تنجح في تحويله على نحو ملائم إلى جسم جديد دون أن تكون على دراية جيدة بكيفية تغيير ~~الجسم وتحويله، وإلا فسوف تخب في إجراءات غير مجدية (أو صعبة ومرتبكة على أقل تقدير)؛ ~~لأنها غير ملائمة لطبيعة الجسم الذي تعمل عليه، فهنا أيضا لا بد لك من أن تفتح الطريق وأن ~~تمهده. # من الواضح أن جهدا كبيرا ومفيدا قد بذل في تشريح الأجسام العضوية (مثل أجسام البشر ~~والحيوانات)، وهذا الفرع من البحث يبدو دقيقا وينم عن تفحص جيد في الطبيعة، غير أن هذا ~~النوع من التشريح يجرى على مستوى ما هو مرئي ومدرك بالحواس، ولا يلائم إلا الأجسام ~~العضوية، كما أنه واضح وقريب المأخذ إذا قورن بالتشريح الحقيقي للبنية الكامنة في الأجسام ~~التي تعتبر متماثلة، وبخاصة الأشياء التي لها نفس الطابع في كل أجزائها كالحديد والحجر، ~~أو الأجزاء المتجانسة للنبات والحيوان، مثل: الجذر والورقة والزهر واللحم والدم والعظم ... ~~إلخ، على أن الجهد البشري لم يهمل تماما هذا النوع من التشريح، فلدينا مثال منه في فصل ~~الأجسام المتماثلة بواسطة التقطير والطرق الأخرى للإذابة؛ ليتبين عدم تجانس مركب ما من ~~خلال اتحاد الأجزاء المتجانسة. هذا شيء نافع ويسهم في بحثنا وإن كان نتاجه خادعا في كثير ~~من الأحيان، إذ إن كثيرا من الطبائع تنسب إلى المادة المستخلصة كما لو كانت موجودة من ~~قبل في المركب، بينما الحقيقة أن النار والحرارة والمذيبات الأخرى تسبغ عليها طبيعة ~~إضافية جديدة، على أي حال فحتى هذا لا يعدو أن يكون جزءا يسيرا من العمل اللازم لاكتشاف ~~البنيات الحقيقية في المركبات، وهي أشياء أخفى وأدق بكثير، بحيث إن تأثير اللهب يغشي ~~عليها ولا يظهرها، ويحجبها ولا يجلوها. # لذا فإن فصل وحل الأجسام ينبغي ألا يجرى بالنار، بل بالعقل والاستقراء الصحيح، # 5 # بمساعدة التجارب وبمقارنتها مع أجسام أخرى، وردها إلى الطبائع البسيطة وصورها ~~التي تلتقي وتمتزج في المركب، وباختصار: علينا أن ننتقل من «فولكان» # Vulcan ms077 # إلى «منيرفا» # Minerva # إذا شئنا ~~إلقاء الضوء على النسيج الحقيقي والبنية الحقيقية للأجسام التي تعتمد عليها كل خاصية خفية ~~(أو كما يقولون نوعية) وكل فعالية للأشياء، ومنه أيضا يمكن أن نستمد كل قاعدة للتغيير ~~الفعال والتحويل المؤثر. # علينا مثلا أن نسأل بإزاء كل جسم ما الروح # 6 # الموجودة فيه، وما الماهية العينية، أما عن الروح فينبغي أن نعرف ما إذا كانت ~~وفيرة غزيرة أم ضئيلة واهية، خفيفة أم كثيفة، هوائية أم نارية، نشطة أم بليدة، ضعيفة أم ~~قوية، متقدمة أم متراجعة، منقطعة أم مستمرة، متآلفة مع البيئة الخارجية أم متنافرة، ~~وبالمثل نتناول الماهية العينية (وهي ليست أقل تنوعا من الروح) بشعرها وأليافها ونسيجها ~~المتنوع، وكذلك توزع الروح خلال الكتلة الجسمية بثقوبها ومساراتها وعروقها وخلاياها، ~~والمراحل أو المحاولات الأولى البدئية لجسم عضوي، فهنا أيضا - وبالتالي في كل كشف لبنية ~~كامنة - فإن المبادئ الأولية بالتأكيد هي التي تلقي الضوء الذي يبدد كل ظلام ويكشف كل ~~غموض. ~~••• ~~(8) ورغم ذلك فنحن لن ينتهي بنا المطاف بالذرات، التي تفترض مسبقا وجود فراغ، وأن ~~المادة لا تقبل التغير (وكلا الافتراضين خطأ)، بل ننتهي إلى الجزئيات الحقيقية مثلما هي ~~عليه، ولكن ليس لأحد أن يشيح عن هذه الدقة على أنها عسيرة على التفسير، بل على العكس كلما ~~اتجه البحث إلى الطبائع البسيطة صارت الأشياء جميعا في ضياء شفاف واضح، فالإجراء يمضي من ~~المتعدد إلى البسيط، من غير المقيس إلى المقيس، من العشوائي إلى المحسوب، من الغامض وغير ~~المحدد إلى الدقيق والمحدد، مثلما هو حال الأحرف في الكتابة والنغمات في الموسيقى . إنما ~~ينجح البحث الطبيعي أفضل نجاح إذا انتهى الفيزيائي في الرياضي، فلا يخش أحد من الأعداد ~~الكبيرة والكسور الصغيرة، وفي مجال الحسابات الرياضية فإن تناول العدد ألف هو بسهولة تناول ~~العدد واحد، وتناول جزء من الألف من شيء ما هو بسهولة تناول الكل. ~~••• ~~(9) هذان الصنفان من المبادئ اللذان عرضت لهما آنفا هما الأساس الذي تقوم عليه القسمة ~~الحقيقية للفلسفة والعلوم، شريطة أن نأخذ الألفاظ بالمعنى الذي أقصده ms078 لا بمعانيها التقليدية ~~التي لا تشير إلا إشارة تقريبية إلى الحقيقة، وعليه فإن الميتافيزيقا عبارة عن دراسة الصور، ~~التي هي أزلية ثابتة (في نظر العقل على الأقل وفي قوانينها الخاصة)، أما الفيزيقا ~~فتتألف من دراسة العلل الفاعلة والعلل المادية والعمليات الكامنة والبنيات الكامنة (وكل ~~منها يتعلق بالمسار المعتاد والمطرد للطبيعة لا بالقوانين الأساسية والأزلية)، كما ينضوي ~~تحت كل من هذين المبحثين علم عملي: تحت الفيزيقا تنضوي الميكانيكا، وتحت الميتافيزيقا ~~ينضوي السحر (بمعناه الأنقى) بالنظر إلى طرائقه الواسعة وسلطانه على الطبيعة. ~~••• ~~(10) بعد أن وضعنا هدف المعرفة علينا أن نمضي قدما إلى قواعدها، وفي أوضح نظام ~~وأقومه، تشتمل اتجاهاتي لتفسير الطبيعة على قسمين عريضين: الأول يتعلق بكيفية استخلاص ~~المبادئ من الخبرة، والثاني يتعلق باستنباط تجارب جديدة من المبادئ، ينقسم الأول بثلاثة ~~طرق إلى ثلاث مهام: مهمة الحواس ومهمة الذاكرة ومهمة الذهن أو العقل. # علينا أولا أن نعد تاريخا طبيعيا وتجريبيا وافيا ودقيقا، فهذا هو أساس ~~المشروع كله، إذ إن علينا ألا نخترع أو نتخيل ما تقوم به الطبيعة أو تخضع له، بل أن ~~نكتشفه. # غير أن التاريخ الطبيعي والتجريبي هو من التنوع والتشتت بحيث يربك العقل ويشتته، ما لم ~~يتم تنسيقه وعرضه بتنظيم ملائم؛ ولذا فإن علينا أن نكون قوائم وترتيبات للشواهد، بطريقة ~~أو نظام يمكن العقل من التعامل معها. # وحتى بعد أن نقوم بذلك فإن الذهن إذ يترك لحاله وطرائقه فهو غير قادر وغير لائق لتكوين ~~المبادئ ما لم يتم توجيهه ودعمه؛ لذا فإن علينا في المقام الثالث أن نستخدم استقراء صحيحا ~~ومشروعا يكون هو المفتاح نفسه للتفسير، وإنما علي أن أبدأ بالحديث عن هذا الأخير، ثم ~~أعود أدراجي إلى البقية. ~~••• ~~(11) تمضي دراسة الصور كمنا يلي: بالنسبة لأي طبيعة معطاة علينا أولا بإحضار جميع ~~الأمثلة (الشواهد) # 7 # المعروفة المتفقة في نفس الطبيعة أمام الذهن، مهما تباينت موادها واختلفت، يجب ~~وضع هذه المجموعة على هيئة تاريخ، وبدون أي تنظير سابق لأوانه أو تنقيح مفرط، خذ مثلا هنا ~~بحث صورة الحرارة. # قائمة 1: شواهد ms079 تتفق في طبيعة الحرارة ~~(1) # أشعة الشمس، وبخاصة في الصيف وفي الظهيرة. ~~(2) # أشعة الشمس منعكسة ومركزة، كما هو الحال بين الجبال أو على الحوائط، ~~وكما هو الحال بخاصة في العدسات المحرقة. ~~(3) # الشهب. ~~(4) # الصواعق الحارقة. ~~(5) # ثوران اللهب من تجاويف الجبال. ~~(6) # أي لهب. ~~(7) # المواد الصلبة المحترقة. ~~(8) # الينابيع الطبيعية الحارة. ~~(9) # السوائل المسخنة أو الغالية. # 8 ~~(10) # البخار والدخان الساخن، والهواء نفسه القابل للسخونة الشديدة والعنيفة ~~إذا انضغط، كما يحدث في الأفران الارتدادية. ~~(11) # بعض حالات الطقس الصحو والساطع، من خلال تكوين الهواء نفسه، ودون اعتبار ~~للوقت من السنة. ~~(12) # الهواء المحبوس تحت الأرض في بعض الكهوف، وبخاصة في الشتاء. ~~(13) # كل المواد الزغباء، مثل: الصوف وجلود الحيوانات وريش الطيور، بها بعض ~~الدفء. ~~(14) # جميع الأجسام: صلبة أو سائلة، كثيفة أو خفيفة (كالهواء نفسه)، حين توضع ~~بعض الوقت بقرب النار. ~~(15) # الشرار المنقدح من الصوان والصلب بالقرع الشديد. ~~(16) # أي جسم يحك بشدة كالحجر والخشاب والقماش ... إلخ، مثلما تعلق النار ~~أحيانا بسكان العجلات ومحاورها، ومثلما يقدح الهنود الغربيون النار ~~بالاحتكاك. ~~(17) # كثيرا ما تشتعل النباتات الخضراء الرطبة المخزونة والمحتك بعضها ببعض ~~كالورد والبازلا في السلال، مثلما يشتعل القش في كثير من الأحيان إذا كان ~~رطبا عند تكديسه. ~~(18) # الجير الحي المرشوش بالماء. ~~(19) # الحديد إذ يذاب بالأحماض في كأس دون استخدام اللهب، وكذلك القصدير ~~وغيره، وإن بدرجة أقل. ~~(20) # الحيوانات، وبخاصة باطنها، حيث هي دافئة بصورة دائمة، وإن كانت حرارة ~~الحشرات لا تدرك باللمس لصغر حجمها. ~~(21) # روث الحصان، وما إليه من فضلات الحيوانات، وهو طازج. ~~(22) # لزيت الكبريت القوي وزيت الزاج القوي مفعول الحرارة في حرق ~~الكتان. ~~(23) # كذلك لزيت العترة وما إليه أثر حراري في حرق المادة العظمية ~~للأسنان. ~~(24) # للكحول المقطر القوي أثر حراري، فإذا غمس فيه بياض بيضة فإنه ~~يتصلب ويبيض مثلما يبيض بالغليان، وإذا غمس فيه الخبز فإنه ينشف ~~كالخبز المحمص. ~~(25) # التوابل والأعشاب الحارة، مثل اللوف والكبوسين القديم ... إلخ رغم أنها ~~لا تحرق اليد (لا النبتة الكاملة ولا المسحوق)، ولكنها بعد قليل من المضغ ~~يجدها الفم والحنك حارة وتكاد تكون حارقة. ~~(26) # الخل القوي وجميع الأحماض ms080 تسبب ألما لا يختلف كثيرا عن ألم الحرارة إذا ~~لامست جزءا من الجسم غير مكسو بالبشرة، مثل العين أو اللسان أو أي جزء ~~مجروح أو أزيل جلده. ~~(27) # حتى البرد الشديد الحاد يسبب نوعا من الإحساس الحارق؛ ذلك أن «برد ريح ~~الشمال الشديد برد حارق!» ~~(28) # أمثلة أخرى. # وأنا أطلق على هذه القائمة «قائمة ~~الوجود أو الحضور» # table of existence of presence ~~. ~~••• ~~(12) علينا ثانيا إحضار «شواهد» (أمثلة) # instances # أمام الذهن خلو من الطبيعة المعنية؛ لأن الصورة - كما قلنا - يتعين أن تغيب إذا ~~غابت الطبيعة المعنية مثلما يتعين أن تحضر إذا حضرت، ولكن تسجيل كل هذه الشواهد ~~سيكون عملا لا آخر له. # ولذا فإن علينا أن نقرن شواهد سالبة بشواهدنا الموجبة، ولا نستقصي شواهد الغياب إلا ~~في الموضوعات الوثيقة الصلة بأخرى توجد فيها الطبيعة المعنية وتظهر، وأنا أسمي هذه ~~قائمة «الانحراف» أو قائمة شواهد «الغياب القريبة الصلة». # القائمة 2: شواهد (أمثلة) قريبة الصلة تخلو من طبيعة الحرارة ~~(1) # المثال السلبي الأول أو المقترن بالمثال الموجب الأول: أشعة القمر أو ~~أشعة النجوم أو المذنبات وجد أنها غير حارة للمس، بل إن أشد البرد ~~ليلاحظ حدوثه في تمام القمر، غير أن النجوم الثابتة الكبرى يعتقد أنها ~~تزيد حرارة الشمس قوة وحدة عندما تمر تحتها أو تقترب منها، مثلما يحدث ~~عندما تكون الشمس في برج الأسد # Leo ~~، أو في ~~أيام ~~الشعرى # Dog ~~days ~~. ~~(2) # مثال سلبي للمثال الموجب الثاني: ~~لا تعطي أشعة الشمس حرارة لما يسمى المنطقة الوسطى من الجو، والتفسير ~~الشائع لهذا تفسير معقول تماما، فهذه المنطقة ليست قريبة اقترابا ~~كافيا من جرم الشمس الذي تنبعث منه الأشعة، ولا من الأرض التي تنعكس بها، ~~يتضح هذا من قمم الجبال (ما لم تكن شاهقة جدا) حيث الجليد موجود بصفة ~~دائمة، ومن جهة أخرى فقد لاحظ الرحالة أنه في قمة تينيريف Peak of Tenerife # 9 # وكذلك سلسلة جبال أندس # Andes # 10 # في بيرو؛ تخلو قمم الجبال من الجليد، ولا يوجد جليد إلا على ~~المنحدرات الدنيا. كذلك لوحظ في الذرى الحقيقية ms081 أن الهواء ليس باردا ~~ولكنه خفيف حاد، بحيث إن حدته المفرطة في أندس تلسع العين وتؤذيها، وتلسع ~~الفم أيضا والمعدة وتسبب القيء، كذلك لاحظ الكتاب في العصر الإغريقي ~~القديم أن الهواء على قمة الأوليمب خفيف جدا، بحيث يتعين على من ~~يرتقيها أن يأخذ معه إسفنجا مغمسا في الخل والماء ويضعه من وقت لآخر على ~~فمه وأنفه؛ لأن خفة الهواء تجعله غير كاف للتنفس، كان يقال أيضا عن هذه ~~القمة: إنها ساكنة غير مضطربة بالمطر أو الجليد أو الريح، بحيث إن آثار ~~الأحرف المتروكة على رماد الأضاحي على مذبح جوبيتر التي تخطها أصابع ~~المضحين تبقى كما هي حتى العام التالي، وحتى في يومنا هذا يصعد ~~الصاعدون إلى قمة تينيريف أثناء الليل لا النهار، وينصحهم مرشدوهم أن ~~يأخذوا في الهبوط السريع بعد شروق الشمس مباشرة، لكي يتجنبوا الخطر (الناجم ~~فيما يبدو عن خفة الهواء) الذي يعوق تنفسهم ويصيبهم بالاختناق. # 11 ~~(3) # مثال سلبي للمثال الموجب الثاني: ~~في المناطق القريبة من الدوائر القطبية، وجد أن انعكاس أشعة الشمس ضعيف ~~جدا ولا ينتج حرارة؛ لذا فإن الهولنديين الذين كانوا يشتون في ~~نوفا زمبلا # Nova Zembla # ويتوقعون أن ~~تتحرر سفينتهم من كتلة الجليد التي تعترضها، قد خاب توقعهم واستيأسوا من ~~ذلك في بداية يوليو تقريبا واستقلوا مراكبهم الطويلة؛ لذا فإن أشعة الشمس ~~المباشرة ضعيفة التأثير فيما يبدو حتى على الأرض المنبسطة، وكذلك الأشعة ~~المنعكسة ما لم تتعدد وتتضام مثلما يحدث عندما تقترب الشمس من الخط ~~العمودي؛ ذلك أن الأشعة في ذلك الوقت تكون زوايا حادة تماما فتكون ~~خطوطها متقاربة بعضها من بعض، أما عندما يزيد الميل فإن الزوايا تكون ~~منفرجة جدا، وبالتالي تتباعد خطوط الأشعة بعضها من بعض، ومع ذلك فمن ~~الجدير بالملاحظة أن هناك عمليات كثيرة لأشعة الشمس مرتبطة أيضا بطبيعة ~~الحرارة، لا تلائم حاسة اللمس عندنا، فلا تنتج حرارة لدينا، ولكنها ~~تنتج بالفعل تأثيرات حرارية في بعض الأجسام الأخرى. ~~(4) # مثال سالب للمثال الموجب الثاني: أجر التجربة التالية: ضع عدسة مقعرة ~~(عكس العدسة الحارقة) بين ms082 أشعة الشمس وبين يديك، ولاحظ ما إذا كانت تنقص ~~من حرارة الشمس (التي تزيدها العدسة الحارقة وتكثفها)، إذ من الواضح ~~في حالة الأشعة البصرية أن الصور تبدو أعرض أو أضيق بحسب سماكة العدسة في ~~المنتصف وفي الأطراف على التوالي، فالشيء نفسه ينبغي أن يدرس بالنسبة ~~للحرارة. ~~(5) # مثال سالب للمثال الموجب الثاني: أجر بعناية تجربة تبين ما إذا كان ~~يمكن بواسطة عدسات حارقة غاية في القوة والجودة حصر أشعة القمر وتجميعها ~~لكي تنتج ولو أيسر درجة من الحرارة، فإذا كانت الدرجة من الضآلة والدقة ~~بحيث تخفى على إدراك حاسة اللمس، فإن علينا أن نجرب ترمومترات تشير إلى ~~حالة الطقس الحارة أو الباردة، ونجعل أشعة القمر تسقط خلال عدسة حارقة على ~~رأس هذا الترمومتر، ونلاحظ عندئذ ما إذا كان الماء يهبط بالحرارة. ~~(6) # مثال سلبي للمثال 2 الموجب: جرب عدسة حارقة على أجسام حارة غير مشعة أو ~~مضيئة مثل حديد أو حجر مسخن - ولكن غير متقد - أو ماء ساخن أو ما ~~شابه، ولاحظ ما إذا كانت الحرارة تزداد وتتكثف مثلما يحدث مع أشعة ~~الشمس. ~~(7) # مثال سلبي للمثال 2 الموجب: جرب العدسة الحارقة أيضا على اللهب ~~العادي. ~~(8) # مثال سلبي للمثال 3 الموجب: المذنبات (إذا كان لنا أن نعتبرها نوعا ~~من النيازك) لم يلحظ أن لها تأثيرا مطردا أو واضحا في زيادة حرارة ~~الموسم القائم، وإن كان من الملاحظ أن نوبات الجفاف تتبعها في كثير من ~~الأحيان، كما أن الخطوط والأعمدة والفجوات المضيئة وما إلى ذلك تظهر في ~~الشتاء أكثر منها في الصيف، وبخاصة في موجات البرد الشديد والتي هي أيضا ~~موجات جفاف، غير أن البرق والومض والرعد قلما يحدث في الشتاء، بل في أوقات ~~الحر الشديد، أما ما يسمى النجوم الساقطة فالاعتقاد الشائع أنها ~~تتكون من مادة معينة دبقة براقة وملتهبة وليست من طبيعة شديدة الحرارة، ~~ولكن هذا بحاجة إلى مزيد من البحث. ~~(9) # مثال سلبي للمثال 3 الموجب: ثمة بعض البرق الخلب الذي يصدر ضوءا ~~ولكن بدون احتراق، ومثل هذه البروق تأتي دائما غير ms083 مصحوبة برعد. ~~(10) # مثال سلبي للمثال 4 الموجب: ثوران وانفجار اللهيب يحدث في المناطق ~~الباردة مثلما يحدث في المناطق الحارة على حد سواء، مثال ذلك: في أيسلند ~~وجرينلند، كما أن الأشجار في المناطق الباردة تكون أحيانا أكثر قابلية ~~للاشتعال وأكثر قارا وراتنجا مما هي في المناطق الحارة، مثال ذلك: أشجار ~~التنوب والصنوبر وغيرها، أما في أية مواقف أو تضاريس يحدث هذا الثوران ~~عادة فليس لدينا أبحاث كافية تمكننا من أن نقرن مثالا سلبيا لهذا ~~المثال الموجب. ~~(11) # مثال سلبي للمثال 6 الموجب: كل ما هو لهب فهو حار دائما، وليس هناك مثال ~~سلبي يقرن بذلك، إلا أنه يقال: إن الوهج المستنقعي (كما يطلق عليه) - ~~الذي يستقر أحيانا حتى على الجدران - ليس فيه حرارة كبيرة، شأنه ربما شأن ~~لهب الكحول وهو لهب خفيف لطيف، إلا أن أخف منه ذلك الذي يقال في قصص ~~تاريخية جادة وثيقة: إنه ظهر حول رأس وشعر أولاد وبنات، وبدلا من أن ~~يحرق رءوسهم كان يتراقص بنعومة حولها، ومن المؤكد أيضا أن نوعا من ~~الوميض خلوا من أي حرارة واضحة قد تبدى حول حصان يعرق أثناء ترحاله ~~بالليل في جو صاف. منذ بضعة أعوام وقع حدث معروف كان ينظر إليه كنوع ~~من المعجزة: فقد كان حزام إحدى الفتيات يومض إذا هزه أحد قليلا أو ~~حكه. قد يكون ذلك بسبب الشب أو الأملاح المستخدمة في الصبغة، والتي بقيت ~~سميكة بعض الشيء وكونت قشرة وكانت تنكسر بالاحتكاك، ومن المؤكد أيضا ~~أن كل السكر - سواء المكرر أو الخام ~~ما دام صلبا تماما - يتلألأ عندما يكسر أو يحت بالسكين في الظلام، ~~كذلك لوحظ أن ملح مياه البحر يومض بالليل عندما يضرب بالمجاديف بشدة، ~~وفي العواصف الشديدة الاهتياج يصدر زبد البحر وميضا، كان الإسبان ~~يسمون هذا الوميض «رئة البحر». أما بخصوص حرارة اللهب الذي كان ~~البحارة القدامى يسمونه # Castor and Pollux # ويسمى الآن «لهب القديس إلمو» # St Elmo’s Fire ~~، # 12 # فلم تتم دراسة كافية له. ~~(12) # مثال سلبي للمثال 7 الموجب: كل شيء أحرق حتى ms084 تحول إلى أحمر متقد ~~فهو دائما حار حتى من غير لهب، ولا يوجد مثال سالب لهذا الموجب، وأقرب شيء ~~للمثال السلبي - فيما يبدو - هو الخشب العطن، الذي يومض بالليل ولكنه ~~غير ساخن، وحراشف السمك الفاسد، والذي يومض أيضا بالليل ولكنه ليس حارا ~~باللمس، ولا هو حار باللمس جسم ~~الحباحب # glow-worm # ولا الذبابة التي يقال لها اليراعة # firefly ~~. ~~(13) # للمثال 8: لم تتم دراسة كافية لمواقع وطبيعة الأرض التي تنبجس منها ~~الينابيع؛ لذا فلا يوجد مثال سلبي يلحق به. ~~(14) # للمثال 9: المثال السلبي المقترن بالسوائل الحارة هو السائل نفسه في ~~طبيعته ذاتها، فليس ثمة سائل ملموس وجد أنه حار بطبيعته ويبقى حارا ~~على الدوام، إنما الحرارة تحدث لبعض الوقت فقط كطبيعة طارئة؛ لذا ~~فالسوائل الأعلى حرارة في قوتها وتأثيرها، مثل: الكحول والزيوت العطرية ~~الكيميائية، وزيوت الزاج والكبريت وما شابه، التي تسبب الاحتراق السريع، هي ~~سوائل باردة باللمس في البداية، وماء الينابيع الحارة إذا جمع في وعاء ~~وأبعد عن الينابيع فإنه يبرد، شأنه بالضبط شأن الماء الذي سخن على ~~النار. صحيح أن المواد الزيتية أقل برودة باللمس من المواد المائية، إذ إن ~~الزيت أقل برودة من الماء، والحرير أقل برودة من الكتان، ولكن هذا شيء ~~يندرج في قائمة «درجات البرودة». ~~(15) # للمثال 10: بالمثل فإن المثال السالب الذي أقرنه بالبخار الحار هو طبيعة ~~البخار نفسه كما نخبره، فانبعاثات المواد الزيتية - رغم أنها سريعة ~~الاشتعال - لا نجدها حارة ما لم تكن منبعثة للتو من جسم حار. ~~(16) # للمثال 10: كذلك بالضبط المثال السلبي الذي أقرنه بالهواء الحار هو طبيعة ~~الهواء نفسه، فنحن لا نخبر الهواء نفسه كشيء حار ما لم يحبس أو يتعرض ~~للاحتكاك أو يسخن بوضوح بهجير الشمس أو بجسم آخر حار. ~~(17) # للمثال 11: المثال السلبي الذي أقرنه هنا هو الطقس الأكثر برودة مما هو ~~معتاد في ذلك الوقت من العام، والذي نجده يحدث أثناء ريح الشرق وريح ~~الشمال، بالضبط كما أن لدينا طقسا من النوع المقابل مع ريح الجنوب وريح ~~الغرب؛ لذا فإن ميلا لهطول الأمطار - وبخاصة في زمن ms085 الشتاء - يصاحب الطقس ~~الدافئ، وميلا إلى الصقيع يصاحب الطقس البارد. ~~(18) # للمثال 12: المثال السلبي الذي أقرنه هو الهواء المحبوس في الكهوف في زمن ~~الصيف، والحق أن طبيعة الهواء المحبوس تحتاج منا إلى بحث أكثر دقة: ~~أولا لأن صفة الهواء من حيث الحرارة والبرودة في طبيعته ذاتها هي شيء قد ~~يكون موضع شك، فمن الواضح أن الهواء يتلقى الحرارة من تأثير الأجرام ~~السماوية، ويتلقى البرودة ربما بواسطة انبعاث من الأرض، وفيما يسمى ~~المنطقة الوسطى للجو من الأبخرة الباردة والثلج، ومن ثم لا يمكن الحكم ~~على طبيعة الهواء من دراسة الهواء الطلق، بل ربما يكون حكمنا أكثر دقة ~~إذا درسنا الهواء المحبوس، ومن الضروري أيضا أن يكون الهواء محبوسا في ~~وعاء من مواد لا تضفي عليه حرارتها أو برودتها هي ولا تسمح أن يطاله تأثير ~~الهواء الخارجي؛ لذا يجب أن نجري التجربة بجرة خزفية مغطاة بطبقات ~~عديدة من الجلد لكي يحميها من الهواء الخارجي، ونختمها جيدا ونحفظ ~~الهواء فيها لثلاثة أيام أو أربعة، ونأخذ القراءة بعد فتح الجرة، إما ~~باليد أو بترومتر مدرج. ~~(19) # للمثال 13: ثمة شك مماثل فيما إذا كانت الحرارة في الصوف والجلود ~~والريش وما إليها تأتي من حرارة ضئيلة متأصلة فيها من حيث هي منسلخة من ~~الحيوانات، أو بسبب طبيعتها الدهنية والزيتية التي تنسجم مع الحرارة، أو ~~لمجرد انحباس الهواء وانعزاله الذي تحدثت عنه في الفقرة السابقة، إذ إن أي ~~هواء يعزل عن الاتصال بالهواء الخارجي يمتلك - فيما يبدو - درجة معينة من ~~الدفء، فلنجر إذن تجربة بمواد ليفية من الكتان وليس من الصوف أو الريش ~~أو الحرير التي هي منتزعة من الحيوانات. لاحظ أيضا أن كل نوع من المسحوق ~~(الذي يحبس هواء بشكل واضح) هو أقل برودة من المواد التي أتى منها وهي ~~كاملة (غير مسحوقة)، تماما مثلما نتخيل الرغوة (التي تحتوي على هواء) أقل ~~برودة من السائل نفسه. ~~(20) # للمثال 14: ليس هناك مثال سلبي ملحق بهذا، فنحن لا نجد شيئا سواء كان ~~ملموسا أو روحيا لا يكتسب حرارة عندما يوضع بقرب ms086 النار، إلا أن هذه ~~الأشياء تختلف فيما بينها في أن بعضها يمتص الحرارة بسرعة، مثل الهواء ~~والزيت والماء، بينما البعض الآخر أبطأ في امتصاص الحرارة، مثل: الحجر والمعادن، # 13 # غير أن هذا يندرج في «قائمة الدرجات» # Table of Degrees ~~. ~~(21) # للمثال 15: ليس هناك إلا مثال سلبي واحد يقترن بهذا المثال: لاحظ أن ~~الشرر لا يضرم بالصوان والصلب - أو أي مادة صلبة - ما لم تقتطع شظايا ~~دقيقة من الحجر أو المعدن من المادة نفسها، وأن الهواء حين يحك لا يكون ~~شررا بنفسه كما يعتقد الناس، كما أن الشرر نفسه ينطلق إلى أسفل وليس إلى ~~أعلى، بسبب وزن الجسم المتقد، وعندما ينطفئ يتحول إلى مادة ~~سخامية. ~~(22) # للمثال 16: أعتقد أنه ليس هناك مثال سالب يلحق بهذا المثال، فنحن لا ~~نعرف أي جسم ملموس لا يكتسب دفئا واضحا بالاحتكاك، من هنا كان القدماء ~~لا يتصورون أي وسيلة أو قوة أخرى تخلق بها الأجرام السماوية الحرارة غير حك ~~الهواء بواسطة الدوران السريع والعنيف، ولكن علينا في هذا الموضوع أن نسأل ~~سؤالا آخر: هل الأجسام المقذوفة من الآلات (مثل الكرات المقذوفة من ~~المدافع) تكتسب بعض الحرارة من الانفجار نفسه، إذ نجدها حارة جدا ~~عندما تسقط؟ إن الهواء المتحرك يبرد ولا يسخن، كما يظهر من الريح ~~والكير والنفخ بالفم المنقبض، إلا أن مثل هذه الحركة ليست بالسرعة التي ~~تسبب حرارة، وهي حركة كتلة من الهواء وليست حركة جزيئاته، فلا عجب إذن ~~أنها لا تولد حرارة. ~~(23) # للمثال 17: ينبغي أن نجري مزيدا من البحث الدءوب في هذا المثال، ~~فالأعشاب والخضروات الخضراء والرطبة بها - فيما يبدو - شيء من الحرارة ~~الكامنة، حرارة ضئيلة لا تدرك باللمس في العينات الصغيرة، ولكن عندما ~~تتضام وتحبس بحيث لا تنسرب روحها إلى الهواء، بل تدفئ إحداها الأخرى، ~~تظهر حرارتها على الفور، بل يظهر اللهب أحيانا في المواد الملائمة. ~~(24) # للمثال 18: هنا أيضا علينا أن نجري مزيدا من البحث الدءوب، فالجير ~~الحي عندما يرش بالماء يولد حرارة يبدو أنها بسبب تركيز الحرارة التي ~~كانت قبل ذلك متفرقة (كما ms087 قلنا سابقا عن النباتات المخزونة)، أو لأن الروح ~~النارية أثيرت وأغضبت بواسطة الماء الماء، وحدث شيء من الصراع والرفض ~~من الروح المضادة، وبوسعنا أن نبين أي هذه الأسباب هو السبب الصحيح إذا ~~استعملنا الزيت بدلا من الماء؛ لأن الزيت سيكون له نفس تأثير الماء في ~~التضام مع الروح المحصورة بدون إثارتها، ويجب توسيع التجربة أكثر من ذلك ~~باستخدام رماد أجسام مختلفة وصدئها الكلسي، وبرش سوائل مختلفة ~~عليها. ~~(25) # للمثال 19: يقرن بهذا المثال السالب لمعادن أخرى أكثر ليونة وقابلية ~~للذوبان، فرقاقة الذهب المذابة بواسطة الماء الملكي # aqua Regis # 14 # لا يسبب حرارة باللمس، ولا الرصاص المذاب في الماء القوي # aqua fortis ~~، # 15 # ولا الزئبق (على ما أذكر)، ولكن الفضة تبعث بعض الحرارة، وكذلك ~~النحاس (على ما أذكر)، وكذلك - وبشكل أوضح - النحاس، وأكثر من كل ذلك ~~الحديد والصلب اللذان لا يبعثان فقط حرارة شديدة في الذوبان بل وبقبقة ~~عنيفة؛ لذا فيبدو أن الحرارة تتسبب عن الصراع، إذ تخترق المذيبات القوية ~~تلك المواد وتحفر فيها وتمزق أجزاءها إربا إربا بينما المواد ذاتها ~~تقاوم، أما إذا أذعنت المواد بسهولة أكبر فقلما تتولد حرارة. ~~(26) # للمثال 20: ليس هناك مثال سلبي لحرارة الحيوانات إلا الحشرات (كما ذكرت ~~سابقا)، بسبب صغر حجم أجسامها، ففي الأسماك - مقارنة بحيوانات اليابسة - ~~فإن الملاحظ وجود درجة منخفضة من الحرارة وليس غياب الحرارة، أما في ~~الخضروات والنباتات فليس ثمة حرارة مدركة باللمس لا في مادتها الصمغية ~~ولا في نسغها حين يكشف، وأما في الحيوانات فنجد تنوعا كبيرا في ~~درجات الحرارة، سواء في أجزائها (إذ إن كمية الحرارة حول القلب وفي الدماغ ~~وفي الأطراف تتفاوت جميعا) أو في حالاتها العارضة مثل الجهد الجسماني ~~العنيف والحميات. ~~(27) # للمثال 21: قلما نجد مثالا سلبيا لهذا المثال، وحتى فضلات الحيوان غير ~~الطازجة بها حرارة كامنة، مثلما نرى من تخصيبها للتربة. ~~(28) # للمثال 22، 23: للسوائل (سواء المائية أو الزيتية) اللاذعة بشدة فعل ~~يشبه الحرارة في تمزيق الأجسام وحرقها في النهاية، وإن لم تكن حارة للمس في ~~البداية، ولكن مفعولها يتوقف على قابليتها وعلى ms088 مسامية الجسم الذي تلامسه، ~~فالماء الملكي يذيب الذهب، ولكن لا يذيب الفضة، بينما الماء القوي يذيب ~~الفضة ولا يذيب الذهب، وكلاهما لا يذيب الزجاج وهكذا البقية. ~~(29) # للمثال 24: جرب الكحول على الخشب وعلى الزبد وعلى الشمع وعلى القار؛ ~~لترى ما إذا كان يذيبها بحرارته، فالمثال 24 يبين أن له خواص تماثل خواص ~~الحرارة في إحداث التحميص، أجر أيضا تجربة باستخدام ترمومتر مدرج # 16 # مقعر من قمته، وصب في تجويفه كحولا جيد التقطير وأغلقه ~~بغطاء لتحفظ حرارته، وانظر ما إذا كان يسبب هبوط الماء في الترمومتر بفعل ~~حرارته. ~~(30) # للمثال 25: التوابل والأعشاب الحريفة حارة في الحلق، وأشد حرارة في ~~المعدة، لاحظ إذن على أية مواد أخرى تؤتي تأثيراتها الحرارية، وينبئنا ~~البحارة بأنه عندما تفتح كميات كبيرة من التوابل فجأة بعد انغلاقها ~~لمدة طويلة فهناك خطر من الحمى والالتهاب على من يقلبها أو ~~يخرجها، بوسعنا إذن إجراء تجربة لمعرفة ما إذا كانت هذه التوابل والأعشاب ~~عندما تسحق تجفف السمك واللحم المتدلي عليها مثلما يفعل ~~الدخان. ~~(31) # للمثال 26: هناك تأثير لاذع ونفاذ في كل من الأشياء الباردة كالخل وزيت ~~الزاج، والأشياء الحارة كزيت العترة وأشباهه، وكلاهما لذلك يسبب ألما في ~~المواد الحية، وتأثيرا ممزقا وأكولا للأجزاء غير الحية، وليس هناك أي ~~مثال سلبي لهذا، ولا هناك أي ألم في الحيوان غير مصحوب بإحساس ~~الحرارة. ~~(32) # للمثال 27: ثمة تأثيرات كثيرة مشتركة بين الحرارة والبرودة، وإن يكن ذلك ~~بطريقة جد مختلفة، فالصبية يجدون أن الثلج بعد فترة كأنما يحرق أيديهم، ~~والبرد يحفظ اللحم من الفساد بقدر ما تفعل الحرارة، والحرارة تقلص ~~الأجسام مثلما تفعل البرودة، ولكن من الأنسب أن نتناول هذه المسائل ~~وأمثالها في «دراسة البرودة». ~~••• ~~(13) ثالثا: علينا أن نعرض أمام العقل الأمثلة التي توجد فيها الطبيعة محل البحث ~~بدرجة معينة، قد يتم ذلك بمقارنة زيادتها ونقصانها في الموضوع نفسه، أو بمقارنة مقدارها ~~في موضوعات مختلفة بين موضوع وآخر، فما دامت صورة الشيء هي الشيء عينه، وما دام الشيء ~~لا يختلف عن صورته إلا كما يختلف الظاهر عن الحقيقي ms089 وكما يختلف الخارج عن الداخل أو ~~يختلف الشيء كما يتبدى لنا عن الشيء في حقيقته وفي ذاته؛ فإنه يترتب على ذلك بالضرورة ~~أن الطبيعة لا يمكن أن تؤخذ مأخذ الصورة الحقة ما لم تكن تنقص دائما بنقصان الطبيعة ~~المعنية وتزداد بزيادتها؛ لذا أطلق على هذه القائمة «قائمة الدرجات أو قائمة ~~المقارنة». # قائمة 3: قائمة الدرجات أو المقارنة في حالة الحرارة # لذا سأتحدث أولا عن تلك المواد التي لا تتضمن على الإطلاق أي درجة حرارة مدركة ~~باللمس غير أنها تبدو مشتملة على نوع من الحرارة الكامنة ... استعداد للحرارة أو قابلية ~~للحرارة، ثم أنتقل بعد ذلك إلى الأشياء الحارة بالفعل أو الحارة للمس، وأعرض لشدتها ~~ودرجتها. ~~(1) # لا يوجد بين الأجسام الصلبة والملموسة شيء هو حار في طبيعته من الأصل، ~~فلا حجر ولا معدن ولا كبريت ولا متحجر ولا خشب ولا جثة ~~حيوان وجد أنها حارة، والمياه الحارة ~~في الينابيع الطبيعية يبدو أنها تسخن عرضا، سواء بواسطة لهب تحت ~~الأرض أو بواسطة نار كالتي تنفجر من إتنا # Etna # وعدد من الجبال الأخرى، أو باحتكاك أجسام معينة مثل ~~الحرارة المتسببة من ذوبان الحديد والقصدير. ليس ثمة إذن أي درجة من ~~الحرارة الملموسة في المواد الحية، ولكنها تختلف في درجات البرودة، فالخشب ~~ليس في برودة المعدن، غير أن هذا يندرج تحت «قائمة درجات البرودة». ~~(2) # أما بخصوص الحرارة الكامنة وقابلية الاشتعال فنجد الكثير من المواد غير ~~الحية قابلة لذلك بشدة، مثل الكبريت والنافثا والملح الصخري. ~~(3) # الأشياء التي كانت حارة من قبل تظل محتفظة ببقايا كامنة من حرارتها ~~السابقة، مثلما يحتفظ روث الحصان بحرارة الحيوان، ويحتفظ الجير - وربما ~~الرماد أو السخام - بحرارة النار، هكذا تنضح الأجسام المدفونة في روث ~~الحصان بسوائل معينة وتتحلل، وهكذا تنبعث الحرارة في الجير حين ينضح ~~بالماء كما بينت آنفا. ~~(4) # وبين الخضروات ليس ثمة نبات أو جزء من نبات (كالراتنج أو النسغ) وجد ~~أنه حار للمس ، إلا أن الأعشاب الخضراء المخزونة (كما قلنا آنفا) تسخن ~~بالفعل، وبعض الخضروات وجد أنه حار والبعض بارد للمس ms090 الداخلي، أي للحلق ~~والمعدة، بل حتى للمس الخارجي بعد فترة معينة (كما في حالة الكمادات ~~والمراهم). ~~(5) # لا شيء وجد حارا للمس البشري من بين أجزاء الحيوانات بعد أن تموت ~~أو تفصل من الجسم، وحتى روث الحصان يفقد حرارته ما لم يحصر ويدفن، ~~ومع ذلك فيبدو أن كل روث به حرارة كامنة كما في عملية تسميد الحقول، كذلك ~~جثث الحيوانات بها حرارة مستترة أو كامنة من هذا النوع، فنجد أن الأرض في ~~المقابر - حيث تتم دفنات كل يوم - تكتسب نوعا من الحرارة الخفية التي ~~تلتهم الجسد الحديث الدفن أسرع كثيرا مما تفعل الأرض النقية، ويقال: إن ~~الناس في الشرق كانوا يعرفون نوعا من القماش اللين الناعم المصنوع من ريش ~~الطيور كان يمكنه صهر الزبد الملفوف فيه بلطف بواسطة دفئه الخاص. ~~(6) # الأشياء التي تخصب الحقول - مثل الروث بأنواعه والطباشير ورمل البحر ~~والملح وما شابه - لها ميل معين إلى الحرارة. ~~(7) # كل تعفن يشتمل على آثار من حرارة ضعيفة فيه، وإن لم تصل إلى درجة يمكن ~~الإحساس بها باللمس، فلا الأشياء من قبيل اللحم والجبن التي تتعفن وتتحلل ~~إلى كائنات صغيرة، # 17 # ولا الخشب المعطن الذي يومض في الظلام هي أشياء دافئة للمس، ~~غير أن حرارة الأشياء المتعفنة تتمثل أحيانا في رائحة قوية ~~منفرة. ~~(8) # إذن الدرجة الأولى للحرارة في ~~المواد المدركة كأشياء حارة للمس البشري هي - فيما يبدو - حرارة الحيوانات ~~التي لها نطاق واسع جدا من الدرجات، فالدرجة الدنيا (كما في الحشرات) لا ~~تكاد تدرك باللمس، والدرجة العليا قلما تبلغ درجة حرارة أشعة الشمس في ~~المناطق والمواسم الأشد حرا، وليست من الشدة بحيث لا تحتملها اليد، ولكن ~~يقال عن قنسطنتيوس ونفر آخر من ذوي الجبلة والبنية الجسمية الشديدة ~~اليبوسة، يقال: إنهم كانوا إذا أصابتهم حمى شديدة يسخنون بحيث تكاد اليد ~~التي تلمسهم أن تحترق. ~~(9) # ترتفع حرارة الحيوانات من جراء الحركة والجهد الجسماني، ومن جراء الخمر ~~والأكل ومن الجنس ومن الحميات الحارقة ومن الألم. ~~(10) # عندما تصاب الحيوانات بنوبات الحميات المتقطعة تأخذها في البداية ~~قشعريرة وبرد، ms091 ولكن سرعان ما ترتفع حرارتها للغاية، مثلما ترتفع منذ ~~البداية في حالة الحميات الحارقة والمهلكة. ~~(11) # علينا أن نجري مزيدا من البحث في الحرارة المقارنة في مختلف الحيوانات، ~~مثل الأسماك وذوات الأربع والثعابين والطيور، ووفقا للنوع أيضا، مثل: ~~الحرارة عند الأسد والحدأة والإنسان، فالرأي الشائع أن الأسماك هي الأقل ~~حرارة داخليا، وأن الطيور هي الأعلى حرارة، وبخاصة الحمام والصقور ~~والعصافير. ~~(12) # علينا إجراء مزيد من البحث في الحرارة المقارنة في الحيوان نفسه، في ~~مختلف أعضائه وأجزائه، فاللبن والدم والمني متوسط الحرارة، وأقل حرارة من ~~اللحم الخارجي للحيوان أثناء الحركة والتهيج، كذلك لم يقم أحد حتى الآن ~~بالبحث في درجة الحرارة في الدماغ والمعدة والقلب ... إلخ. ~~(13) # في الشتاء والطقس البارد تكون الحيوانات جميعا باردة من الخارج، ولكن ~~يعتقد أنها في الداخل حارة بل أعلى حرارة من المعتاد. ~~(14) # حتى في أحر جزء من العالم وفي أحر الأوقات من العام ومن اليوم، فإن ~~حرارة الأجرام السماوية لا تبلغ درجة تحرق أو تسفع الخشب أو القش أو حتى ~~الصوفان الأشد جفافا، ما لم تكثف الحرارة بواسطة العدسات الحارقة، غير ~~أنها يمكن أن تبعث بخارا من المادة الرطبة. ~~(15) # تعاليم الفلكيين تجعل بعض النجوم أحر وبعضها أبرد، فالمريخ يقال: ~~إنه الأشد حرا بعد الشمس يليه المشتري ثم الزهرة، أما القمر ~~فيقال: إنه بارد، وزحل أبردها جميعا، وبين النجوم الثابتة يقال: إن ~~«الشعرى اليمانية» هو الأعلى حرارة، يليه «قلب الأسد» أو «الملك الصغير» ثم ~~«الكلب» ... إلخ. ~~(16) # كلما اقتربت الشمس من الخط العمودي أو من «السمت» # Zenith # بعثت حرارة أكبر، وربما ينسحب هذا أيضا ~~على الكواكب الأخرى وفقا لدرجتها الحرارية، ف «المشتري» مثلا يكون أعلى ~~حرارة عندما يقع تحت «السرطان» أو «الأسد» منه عندما يكون تحت «الجدي» ~~أو «الدلو». ~~(17) # ينبغي أيضا أن نتوقع من الشمس نفسها ومن الكواكب الأخرى أن تبعث ~~حرارة عندما تكون في «الحضيض» (أقرب نقطة في مدارها للأرض) - لاقترابها من ~~الأرض - أكبر مما تبعثها عندما تكون في «الأوج» (أبعد نقطة في مدارها عن ~~الأرض)، ولكن إذا تأتى ms092 للشمس في أي منطقة أن تكون في «الحضيض» وأقرب إلى ~~الخط العمودي في الوقت نفسه فلا بد أنها ستكون أشد حرا مما تكونه في ~~منطقة تكون فيها في «الحضيض» وفي موقع أكثر ميلا؛ ومن ثم فإن علينا ~~أن نعقد دراسة مقارنة لارتفاعات الكواكب من حيث اقترابها من الخط العمودي ~~وميلها عنه في المناطق المختلفة. ~~(18) # يعتقد أيضا أن الشمس والكواكب الأخرى تكون أشد حرا عندما تكون ~~بمقربة من نجوم ثابتة أكبر، فإذا كانت الشمس في برج الأسد فإنها تكون أقرب ~~من «قلب الأسد» و«ذيل الأسد» و«سنبلة العذراء» و«الشعرى اليمانية» و«نجم ~~الكلب» منها عندما تقع في برج السرطان، حيث تكون رغم ذلك أقرب إلى الخط ~~العمومي، وينبغي أن نفترض أن بعض أجزاء السماء تبعث حرارة أكبر (وإن تكن ~~غير مدركة باللمس)؛ لأنها مفروشة بعدد أكبر من النجوم، وبخاصة النجوم ~~الأكبر. ~~(19) # بصفة عامة تزداد حرارة الأجرام السماوية بثلاث طرق: بالتعامد وبالاقتراب ~~من الحضيض وبالتجمع أو الترافق مع النجوم. ~~(20) # بصفة عامة فإن حرارة الحيوانات وحرارة الأشعة السماوية أيضا (كما ~~تصلنا) تختلف كثيرا عن اللهب، حتى أخف أنواع اللهب، وعن الأجسام ~~المتقدة، وأيضا عن السوائل أو الهواء نفسه عندما يسخن بالنار ~~تسخينا شديدا، فلهب الكحول - حتى في شكله الطبيعي غير المركز - يظل ~~قادرا على إشعال القش أو الكتان أو الورق، وهو ما لا تقدر عليه حرارة ~~الحيوانات أو حرارة الشمس بدون عدسات حارقة. ~~(21) # هناك رغم ذلك درجات من القوة والضعف في حرارة اللهب والأشياء المشتعلة، ~~ولكن حيث إنها لم تدرس بعناية فإن علينا أن نمر عليها مرورا عابرا، ~~فبين جميع ضروب اللهب يبدو أن لهب الكحول ألطفها، ربما باستثناء وهج ~~المستنقع أو الوميض الصادر من عرق الحيوانات، يلي ذلك - فيما أفترض - اللهب ~~الصادر من المادة النباتية الخفيفة والمسامية كالقش ونبات السمار ~~والأوراق اليابسة، ولا يختلف عنها كثيرا اللهب الصادر من الشعر والريش. ~~ربما يأتي بعد ذلك لهب الخشب، وبخاصة تلك الأنواع من الخشب الأقل احتواء ~~على الراتنج أو القار، علما بأن لهب الأخشاب الأقل ثقلا ms093 (التي تربط ~~عادة في حزم) ألطف من لهب جذوع الأشجار وجذورها، يعرف ذلك كل من لديه ~~خبرة بالأفران التي تصهر الحديد، حيث لا يجدي فيها الحطب وفروع الأشجار، ~~يلي ذلك - فيما أعتقد - اللهب الصادر من الزيت والشحم الحيواني والشمع وما ~~إليها من المواد الدهنية الهينة اللسع، أما اللهب الأشد قوة فيوجد في ~~القار والراتنج، وأشد منه في الكبريت والكافور والنافثا والملح الصخري ~~والأملاح (بعد إفراغ المادة الخام) وفي مركباتها كالبارود، والنار ~~الإغريقية (التي يطلق عليها # wild fire ~~) ~~وأنواعه المختلفة التي لديها حرارة عنيدة بحيث لا يسهل إطفاؤها ~~بالماء. ~~(22) # أعتقد أيضا أن اللهب الذي يصدر من بعض المعادن الرديئة هو لهب قوي وعنيف ~~جدا، ولكن كل هذه الأشياء تحتاج إلى مزيد من البحث. ~~(23) # يبدو أن اللهب المنبعث من البرق ~~الشديد يفوق في قوته كل ما سبق، فقد تبين أنه يصهر حتى الحديد المطرق ~~إلى قطرات، وهو ما لا تقدر عليه تلك الضروب الأخرى من اللهب. ~~(24) # هناك درجات مختلفة من الحرارة في الأجسام المشتعلة، وهو ما لم ينل دراسة ~~جادة حتى الآن، وأعتقد أن أضعفها هو لهب الصوفان، كالذي نستخدمه لنقدح به ~~النار، وكذلك اللهب المنبعث من الخشب المسامي أو القيطان الجاف الذي ~~يستخدم لإشعال المدفع، يلي ذلك الخشب أو الفحم المتقد والقرميد أيضا - ~~وما إليه - المسخن حتى الاشتعال، ولكن أحر المواد المشتعلة جميعا فيما ~~أعتقد هو المعادن المشتعلة كالحديد والنحاس ... إلخ، ولكن هذا يحتاج إلى مزيد ~~من البحث. ~~(25) # بعض الأجسام المتقدة وجد أنها أشد حرارة من بعض أنواع اللهب، الحديد ~~المتقد مثلا أكثر حرارة وإتلافا من لهب الكحول. ~~(26) # كذلك وجد أن من المواد غير المتقدة بل المسخنة بالنار فحسب - كالماء ~~المغلي أو الهواء المحبوس في الأفران - ما يفوق في حرارته كثيرا من ضروب ~~اللهب والمواد المتقدة. ~~(27) # الحركة تزيد الحرارة، وبوسعك أن ترى ذلك في حالات النفخ بالكير والنفخ ~~بالنفس، فتجد المعادن الأصلب لا تذوب ولا تنصهر بالنار الخامدة أو ~~الهادئة حتى تضطرم بالنفخ. ~~(28) # أجر تجربة بعدسات حارقة يحدث فيها (على ما ms094 أذكر) ما يلي: إذا وضعت ~~عدسة حارقة (مثلا) على بعد شبر (تسع بوصات) من جسم قابل للاحتراق، ~~فإنها لا توقده أو تحرقه بنفس السرعة التي تحرقه بها لو أنها وضعت على ~~مسافة خمس بوصات (مثلا) ثم سحبت بالتدريج وببطء إلى مسافة عشر بوصات. ~~إن مخروط الأشعة وبؤرتها رغم ذلك هما نفس المخروط والبؤرة، ولكن مجرد ~~الحركة تزيد تأثير الحرارة. ~~(29) # يعتقد أن الحرائق التي تحدث عندما تهب ريح قوية تمتد عكس الريح أكثر ~~مما تمتد مع الريح؛ وذلك لأن اللهب يرتد عندما تهن الريح بحركة أسرع من ~~حركته إذ يتقدم عندما تكون الريح مواتية. ~~(30) # لا يضطرم اللهب أو يزداد ما لم يكن لديه مكان فارغ لكي يتحرك فيه ويعمل، ~~إلا في حالة اللهب المتفجر للبارود - وما شابه - حيث انضغاط اللهب ~~وانحباسه يزيده ضراوة. ~~(31) # يسخن السندان كثيرا بالمطرقة، فإذا كان سندان مصنوعا من لوح معدني ~~رقيق، فإن لنا أن نفترض أنه يمكن أن يحمر كالحديد المتقد تحت الضربات ~~المستمرة للمطرقة، ولكن ينبغي لذلك أن يثبت بالتجربة. ~~(32) # في حالة المواد المسامية المشتعلة التي بها مكان للنار لتتحرك فيه، فإنها ~~تنطفئ للتو إذا أخمدت حركتها بضغط قوي، كما يحدث عندما يطفأ الصوفان ~~أو ذبالة الشمعة المشتعلة أو المصباح أو حتى الفحم المشتعل أو قطعة الفحم ~~النباتي بغطاء مطفئ أو تهرس تحت القدم أو ما إلى ذلك، فيتوقف نشاط النار ~~على الفور. ~~(33) # تقريب الشيء من جسم حار يزيد الحرارة وفقا لدرجة الاقتراب، والأمر نفسه ~~ينسحب على حالة الضوء، فكلما قربت الشيء من الضوء زادت قابليته ~~للرؤية. ~~(34) # تضام الحرارات المختلفة يزيد الحرارة ما لم تمزج المواد المختلفة، ~~فوجود لهب كبير ولهب صغير في نفس المكان من شأنه أن يزيد كل منهما حرارة ~~الآخر، إلا أن سكب ماء دافئ في ماء مغلي يبرد هذا الماء ~~المغلى. ~~(35) # استمرار التجاور مع جسم حار يزيد الحرارة، فالحرارة تستمر في الصدور ~~والانبعاث والامتزاج بالحرارة الموجودة مسبقا فتضاعفها، فاللهب مثلا ~~لا يدفئ غرفة في نصف ساعة مثلما يدفئها في ساعة، ولكن هذا ms095 لا ينطبق على ~~الضوء، فالمصباح أو الشمعة الموضوعة في نقطة معينة لا تصدر ببقائها هناك ~~ضوءا أكثر مما كانت تصدره في البداية. ~~(36) # الاستثارة القادمة من برودة محيطة من شأنها أن تزيد الحرارة، مثلما ~~يمكنك أن ترى في حالة الحرائق التي تشب في البرد القارس، ولا أعتقد أن هذا ~~ناجم عن انحباس الحرارة وانضغاطها (وهو نوع من الاتحاد) فحسب، بل أيضا ~~استثارتها، فالهواء أو العصا التي تثنى أو تلوى بشدة لا ترتد فحسب إلى ~~النقطة التي كانت عليها، بل ترتد أبعد من ذلك في الجهة المعاكسة، فلنجر ~~إذن تجربة دقيقة بوضع عصا - أو شيء من هذا القبيل - في اللهب، وملاحظة ما ~~إذا كان الاحتراق يجري على نحو أسرع في أطراف اللهب أم في وسطه. # 18 ~~(37) # ثمة درجات عديدة لقابلية الحرارة، لاحظ أولا كيف أنه حتى الحرارة ~~الضئيلة الضعيفة تغير وتدفئ بعض الدفء، حتى الأجسام الأقل قابلية ~~للحرارة، فحتى حرارة اليد تضفي شيئا من الدفء على كرة من الرصاص أو من أي ~~معدن آخر تقبض عليها اليد لفترة وجيزة، فما أسهل انتقال الحرارة وإثارتها! ~~يحدث ذلك في جميع المواد دون حدوث أي تغير ظاهر فيها. ~~(38) # أسرع المواد جميعا التي نعرفها اكتسابا للحرارة وفقدانا لها هو ~~الهواء، يتبدى ذلك على أفضل نحو في الثرمومترات (زجاجات قياس الطقس) التي ~~تتكون كالتالي: أحضر زجاجة لها بطن أجوف ورقبة رفيعة طويلة، واقلبها ~~وضعها بحيث تتجه فوهتها إلى أسفل داخل وعاء زجاجي آخر يحتوي على ماء، ~~بحيث تجعل نهاية الأنبوبة يمس قعر الوعاء، بينما الأنبوبة نفسها مائلة ~~قليلا على الحافة بحيث تكون واقفة وثابتة على فوهة الوعاء ومستندة إليه، ~~ولكي تسهل ذلك ضع قليلا من الشمع على الحافة، بحيث يثبت الأنبوبة دون ~~أن يسد فوهة الوعاء فيمنع الهواء من الهروب فيعوق الحركة التي سنتحدث ~~عنها الآن، والتي هي حركة شديدة الدقة والرهافة. # قبل إدخال الزجاجة الأولى في الثانية يجب تدفئة جزئها الأعلى (أي بطن ~~الزجاجة) على النار، ثم عند وضعها بالطريقة التي وصفتها فإن الهواء (الذي ~~تمدد ms096 بالحرارة)، بعد أن ترك له وقت كاف لأن يفقد الحرارة الإضافية، ~~سيعود ويقلص نفسه إلى نفس الأبعاد الخاصة بالطقس الخارجي أو العام لحظة ~~الغمر بالماء، وسينجذب الماء إلى أعلى في الأنبوب بالدرجة المتناسبة، يجب ~~أن نلصق بالأنبوبة شقة نحيلة طويلة من الأوراق مقسمة بدرجات عديدة مثلما ~~تريد، سترى عندئذ - إذ يأخذ الطقس في الدفء أو في البرودة - أن الهواء ~~يكمش نفسه إلى حيز أقل في الطقس البارد ويمدد نفسه في الطقس الدافئ، وهو ما ~~سيتمثل في ارتفاع الماء مع انكماش الهواء وانخفاض الماء مع تمدد الهواء. إن ~~حساسية الهواء للحرارة والبرودة أدق وأرهف بكثير من حاسة اللمس البشرية، ~~بحيث إن شعاعا من الشمس أو حرارة النفس، بل حتى حرارة اليد إذ توضع على ~~قمة الأنبوبة، تسبب انخفاضا فوريا واضحا في مستوى الماء، إلا أني ~~أعتقد أن روح الحيوانات تمتلك قابلية للحرارة والبرودة أكثر رهافة بكثير، ~~ولكن تعوقها وتبلدها كتلة الجسم. ~~(39) # أكثر المواد حساسية للحرارة بعد الهواء هي في اعتقادي تلك الأجسام التي ~~تم تغيرها حديثا وانضغاطها بالبرد، مثل الجليد والثلج، فهي تبدأ في ~~الانصهار والذوبان مع أهون حرارة، يأتي بعد هذه ربما الزئبق، ثم المواد ~~الدهنية كالزيت والزبد وما إليها ثم الخشب ثم الماء، ويأتي في النهاية ~~الحجارة والمعادن التي لا تسخن بسهولة وبخاصة من الداخل، غير أنها ما ~~إن تكتسب حرارة حتى تحتفظ بها فعلا لمدة طويلة جدا؛ لذا فإن القرميد ~~أو الحجر أو الحديد - الذي تم تسخينه ثم غمس وغمر في حوض من الماء ~~البارد - يحتفظ بكثير جدا من الحرارة بحيث لا يمكن لمسه لمدة ربع ساعة ~~تقريبا. ~~(40) # كلما صغرت كتلة الجسم زادت سرعة احتراره عندما يوضع بقرب جسم حار، ~~وهذا يثبت أن كل حرارة نعرفها في خبرتنا هي - بشكل ما - مناوئة لمادة عينية. # 19 ~~(41) # الحرارة شيء متفاوت ونسبي فيما يتعلق بالحواس وباللمس البشري، فالماء ~~الفاتر يحس حارا إذا كانت اليد باردة ، ولكنه يحس باردا إذا كانت ~~اليد حارة. ~~••• ~~(14) قد يرى أي شخص بسهولة كم هو قاصر على ms097 هذا التاريخ الذي أقدمه، إذ كثيرا ما ~~أضطر في القوائم السابقة إلى استخدام عبارات «أجر تجربة» أو «أجر مزيدا من ~~البحث»، ناهيك عن حقيقة أنني بدلا من التاريخ المحقق والشواهد الثابتة أضع تقاليد ~~وحكايات (وإن نوهت إلى أن مصداقيتها أو سلطتها مشكوك فيها). ~~••• ~~(15) أطلقت على مهمة ووظيفة هذه القوائم الثلاثة «عرض الشواهد أمام الذهن»، وبعد أن ~~تم العرض يجب أن يبدأ «الاستقراء» نفسه في العمل، فبالإضافة إلى «عرض» كل مثال يجب أن ~~نكتشف أية طبيعة تظهر دائما مع الطبيعة المعنية أو لا تظهر، أيها تزيد معها أو تقل، ~~وأيها تعد حدا (كما قلنا آنفا) لطبيعة أعم، إذا حاول العقل أن يفعل ذلك على ~~نحو إيجابي # 20 ~~(وهو ما سيفعله دائما إذا ترك لحاله)، هنالك ستبرز أوهام وتخمينات ~~وأفكار غير محددة ومبادئ تحتاج إلى تصحيح كل يوم، ما لم يؤثر المرء أن ينافح عن ~~الباطل (كشأن المدرسيين)، وإن كانت هذه - بغير شك - ستكون أفضل أو أسوأ بحسب قدرة وذكاء ~~الفكر الذي يعمل، غير أن الله وحده (خالق الصور وبارئها) - أو ربما الملائكة والعقول ~~العليا - من يملك معرفة مباشرة بالصور بالإيجاب ومنذ بداية التفكير. من المتيقن أن ~~هذا فوق قدرة الإنسان، الذي قدر عليه ألا ينطلق إلا من خلال «الأمثلة السالبة»، فلا ~~يخلص إلى «الأمثلة الإيجابية» إلا بعد أن يستنفد كل ما هو مستبعد. ~~••• ~~(16) لذا ينبغي أن نقوم بتحليل كامل واستخلاص للطبيعة، لا بالنار بل بالعقل الذي ~~هو نار إلهية، والمهمة الأولى ل «الاستقراء» الصحيح هي رفض أو استبعاد الطبائع المفردة ~~غير الموجودة في شاهد توجد فيه الطبيعة المعنية، أو الموجودة في شاهد لا توجد فيه ~~الطبيعة المعنية، أو التي وجد أنها تزيد في شاهد تقل فيه الطبيعة المعنية وتقل ~~عندما تزيد هذه الطبيعة، وليس قبل أن يتم إجراء «الرفض» و«الاستبعاد» على نحو قويم ~~سيتبقى ثمة (في قاع القارورة إن شئت) صورة إيجابية وصلبة وصادقة ومحددة (وقد تبددت ~~الأفكار الطيارة الآن إلى دخان)، من السهل أن نقول هذا، ولكن علينا أن نصل ms098 إليه بطريق ~~التفافي، وسأحاول جهدي رغم ذلك ألا أغفل أي شيء يمكن أن يساعدنا في بلوغ هذه ~~الغاية. ~~••• ~~(17) إذا كنت أعزو ل «الصور» مثل هذا الدور الهام، فلا يحسبن أحد أنني أعني بها تلك ~~الصور التي درجت عليها تأملات الناس وأفكارهم حتى اليوم. # فأنا أولا لا أتحدث في الوقت الحالي عن الصور المركبة، التي هي (كما قلت) ~~تجمعات من الطبائع البسيطة كما هو معهود في الأشياء، مثل: الأسد والنسر والورد والذهب ... ~~إلخ، وسيكون ملائما أن أتناولها عندما آتي إلى «العمليات الكامنة» # latent processes # و«البنيات ~~الكامنة» # latent structures # واكتشافها كما توجد فيما يسمى الجوهر # substances # أو الطبائع المركبة. # ثم إن ما قلته يجب ألا يفهم على أنني أعني (حتى عند تناول الطبائع البسيطة) أي صور ~~أو أفكار مجردة، سواء غير محددة في مادة على الإطلاق أو سيئة التحديد، فحين أتحدث عن ~~الصور فإنما أعني ببساطة تلك القوانين وحدود الفعل البسيط (المحض) التي تنظم وتكون أي ~~طبيعة بسيطة من قبيل الحرارة، الضوء، الوزن، في كل نوع من المادة والموضوع القابل لها. ~~صورة الحرارة إذن أو صورة الضوء هي هي قانون الحرارة أو قانون الضوء، وما يكون لي أن ~~أنعزل عن الأشياء ذاتها وعن الجانب العملي؛ ولذا فعندما أقول (مثلا) في بحث صورة ~~الحرارة «ترفض الخفة» # 21 # أو «الخفة لا ترتبط بصورة الحرارة»، فكأنني قلت: «من الممكن أن تحدث ~~حرارة في جسم خفيف»، أو «من الممكن أن تسحب حرارة أو تمنعها عن جسم خفيف». # ولكن إذا تصور أي شخص أن صوري أيضا من صنف مجرد بعض الشيء؛ لأنها تمتزج وتتحد ~~بعناصر متباينة (إذ إن حرارة الأجرام المساوية وحرارة النار تبدوان مختلفتين اختلافا ~~بعيدا، وحمرة الورد أو ما إليها مختلفة جدا عن الحمرة الظاهرية في قوس قزح أو في ~~أشعة أوبالة # 22 # أو ماسة، كذلك الموت بالغرق والموت بالحرق أو بطعنة سيف أو بسكتة دماغية أو ~~بالجوع، ومع ذلك فكلها تلتقي في وجود طبيعة الحرارة والحمرة والموت)، وليعلم كل من ~~يفكر هكذا أن عقله ms099 واقع في أسر العادة، أو في أسر المظهر السطحي للأشياء أو آراء ~~الناس، فمن المؤكد أن هذه الأشياء - رغم اختلافها وتباينها - إنما هي متماثلة في الصورة ~~أو القانون الذي يحكم الحرارة والحمرة والموت، ومن المتعذر على القدرة البشرية أن ~~تتحرر وتنعتق من المجرى الشائع للأشياء وتنفتح وتسمو إلى قدرات جديدة وطرائق جديدة من ~~الأداء إلا بكشف هذه الصور وإماطة اللثام عنها، وبعد أن أفرغ من الحديث عن هذه الوحدة ~~في الطبيعة - وهي نقطة في غاية الأهمية - سوف أتحدث لاحقا عن أقسام الطبيعة ~~وتفريعاتها، سواء المعتادة أو الباطنة الصميمة، وأعرض لذلك في موضعه. ~~••• ~~(18) علي الآن أن أقدم مثالا لاستبعاد أو رفض الطبائع التي وجد من خلال ~~«قوائم الحضور» أنها لا تندرج في صورة الحرارة، مع ملاحظة أنه ليست القوائم فحسب كافية ~~ل «رفض» طبيعة ما، بل كل مثال من الأمثلة الفردية المندرجة تحتها، فمن الواضح مما ~~قلته أن كل «مثال مضاد» يقوض فرضية عن «صورة» ما، غير أني - من أجل الوضوح ومن أجل ~~مزيد من التبيين لكيفية استخدام القوائم - قد أقدم أحيانا مثالين أو أكثر ~~للاستبعاد. # مثال لاستبعاد أو رفض طبائع من صورة الحرارة ~~(1) # بالنظر إلى أشعة الشمس تستبعد طبيعة العناصر. ~~(2) # بالنار الشائعة، وبخاصة النار الباطنية في جوف الأرض (وهي أبعد ما تكون ~~وأقل تأثرا بأشعة الأجرام السماوية)، تستبعد الطبيعة ~~السماوية. ~~(3) # بالنظر إلى أن الأجسام بجميع أنواعها (أي المعادن والخضر والأجزاء ~~الخارجية للحيوانات والماء والزيت والهواء ... إلخ) تسخن بمجرد الاقتراب من ~~النار أو أي جسم ساخن، تستبعد شتى الأنسجة الدقيقة للأجسام. ~~(4) # بالنظر إلى الحديد والمعادن المسخنة التي تعطي الأجسام الأخرى حرارة ~~دون أن تفقد شيئا من وزنها أو مادتها، يستبعد الانتقال أو المزج من مادة ~~جسم آخر فيه حرارة. ~~(5) # بالنظر إلى الماء الغالي والهواء الحار، وأيضا المعادن والمواد الصلبة ~~التي سخنت ولكن لم تبلغ نقطة الاشتعال أو الاحمرار، تستبعد ~~الإضاءة واللمعان. ~~(6) # بأشعة القمر والنجوم الأخرى (عدا الشمس)، تستثنى كذلك الإضاءة ~~واللمعان . ~~(7) # بالمقارنة مع الحديد المتقد ولهب الكحول (حيث يظهر أن الحديد ms100 أكثر حرارة ~~وأقل لمعانا وأن الكحول أقل حرارة وأكثر لمعانا)، تستبعد كذلك ~~الإضاءة واللمعان. ~~(8) # بالذهب المسخن وغيره من المعادن - التي تمتلك أعلى كثافة نوعية - ~~تستبعد الخفة. ~~(9) # بالهواء الذي يظل خفيفا مهما اكتسب من برودة، تستبعد كذلك ~~الخفة. ~~(10) # بالحديد المسخن الذي لا يزيد في الحجم بل يحتفظ بحدوده المرئية نفسها # 23 # تستبعد حركة الجسم الموضعية أو التمددية في ~~الجملة. ~~(11) # بالنظر إلى تمدد الهواء في الترمومترات وما إليها - الذي يتحرك في ~~المكان دون أن يكتسب زيادة واضحة في الحرارة - يستبعد كذلك حركة الكل ~~الموضعية أو التمددية. ~~(12) # بالنظر إلى سهولة تسخين جميع الأجسام دون أي تلف أو تغير ملحوظ، ~~تستبعد طبيعة التلف أو الاتصال العنيف بأي طبيعة جديدة. ~~(13) # بالنظر إلى توافق وتطابق الآثار المتشابهة الناجمة عن البرودة والحرارة، ~~تستبعد حركة التمدد والانكماش في الجملة. ~~(14) # بالنظر إلى تولد الحرارة من احتكاك الأجسام معا تستبعد الطبيعة ~~الرئيسية أو الأساسية، التي أعني بها تلك التي توجد في الأشياء مستقرة فيها ~~ولا تتسبب عن طبيعة سابقة. # هناك طبائع أخرى غير ما ذكرت، إنما قصدت بهذه القوائم ضرب أمثلة ولم أقصد بها الحصر ~~والاستيفاء. # ليس بين الطبائع المدرجة أي طبيعة تنتمي إلى صورة الحرارة، وليس على المرء أن يتقيد ~~بأي منها في تجاربه على الحرارة. ~~••• ~~(19) يتأسس «الاستقراء» الصحيح على «الاستبعاد» # exclusion ~~، والحق أن الاستبعاد نفسه ليس كاملا بأي حال ولا يمكن ~~أن يكون كذلك في البداية، فمن الواضح تماما أن «الاستبعاد» هو «رفض» طبائع بسيطة، ولكن ~~إذا لم تكن لدينا بعد أفكار صحيحة عن الطبائع البسيطة، فكيف نبرر استبعادنا لأي ~~منها؟! إن بعض التصورات المذكورة أعلاه غامضة أو غير محددة (مثل فكرة طبيعة العناصر ~~وطبيعة الأجرام السماوية وطبيعة الخفة)، إنني أعي وأضع نصب عيني دائما ضخامة المهمة ~~التي أضطلع بها (ألا وهي أن أجعل الفهم البشري على مستوى الأشياء والطبيعة)، ومن ~~ثم لا أقنع بما أرسيت حتى الآن من قواعد، بل أمضي قدما لأبتكر وأقدم عونا ~~أقوى لاستخدام الذهن، وهو ما سأضيفه الآن، والحق أن على العقل في ms101 عملية «تفسير الطبيعة» ~~أن يوطن نفسه على أن يضع قدمه على مراحل ودرجات ملائمة من اليقين، وأن يتذكر مع ~~ذلك (وبخاصة في البداية) أن ما هو أمامه يعتمد كثيرا على ما يبقى وراءه. ~~••• ~~(20) ولكن لما كانت الحقيقة تأتي من الخطأ بأسرع مما تأتي من الخلط، رأيت أن من ~~المفيد أن ندع الفهم حرا في أن يجهد نفسه ويحاول تفسير الطبيعة بالطريقة ~~الموجبة، بعد أن شيد القوائم الثلاثة وتمعنها (مثلما فعلت)، من خلال الشواهد ~~الواردة فيها والشواهد التي يصادفها في أي مكان آخر، وقد أسميت هذه المحاولة الأولى ~~«حرية الذهن» أو «المقاربة الأولى للتفسير» أو «القطف الأول» # first vintage ~~. # 24 # قطف أول لصورة الحرارة # لاحظ (كما هو واضح مما قلت) أن صورة شيء ما ~~قائمة في كل مثال فردي يوجد فيه هذا الشيء، وإلا لما كانت صورة، ويترتب على ذلك أن من ~~المستحيل وجود مثال مضاد، على أن الصورة تكون أوضح وأجلى في بعض الشواهد عنها في ~~غيرها، أي تكون أوضح حيثما كانت طبيعة الصورة غير مقيدة وغير معوقة وغير مزاحمة ~~بطبائع أخرى، وقد أسميت هذه الشواهد «الأمثلة الجلية أو اللافتة»، فلنتقدم إذن إلى ~~«القطف الأول» لصورة الحرارة. # من خلال مسح للشواهد - جملة وتفصيلا - يتبين أن الطبيعة التي تعد الحرارة إحدى ~~حالاتها الخاصة هي الحركة، يتمثل هذا بوضوح شديد في حالة اللهب الذي هو دائما في حالة ~~حركة، وفي السوائل الغائية أو الفائرة، التي هي أيضا في حالة حركة دائبة، ويتبين هذا ~~أيضا في تحفيز الحرارة أو زيادتها بواسطة الحركة، كما يحدث بالنفخ والرياح (انظر مثال ~~29 من القائمة 3)، كذلك الشأن مع الأنواع الأخرى من الحركة (انظر مثال 28، 31 من ~~القائمة 3)، ويتبين كذلك في حقيقة أن كل جسم ينحطم أو على الأقل يتغير كثيرا بواسطة أي ~~لهب أو حرارة قوية وعنيفة؛ لذا فمن الواضح تماما أن الحرارة تسبب اضطرابا وتهيجا ~~وحركة عنيفة في الأجزاء الداخلية لأي جسم، فتفضي به إلى الانحلال تدريجيا. # ينبغي ألا يؤخذ ما قلناه عن الحركة (أنها بمثابة ms102 «الجنس» # genus # بالنسبة للحرارة)، على أنه يعني أن الحرارة تولد الحركة ~~أو أن الحركة تولد الحرارة (وإن كان كلاهما صحيحا في بعض الحالات)، بل إن الحرارة ~~الفعلية ذاتها أو ماهية الحرارة هي الحركة ولا شيء غير الحركة، وإن كانت مقيدة ب «فروق» ~~معينة سأضيفها حالا، بعد إضافة بعض المحاذير لتجنب الالتباس. # والحرارة المحسة هي شيء نسبي، وليست عمومية بل نسبية بحسب كل فرد، وتعتبر - ~~بحق - مجرد تأثير الحرارة على الروح الحيوانية، كما أنها في حد ذاتها شيء متغير، إذ إن ~~الشيء الواحد يفضي إلى إدراك لكل من السخونة والبرودة (بحسب حالة الحواس)، كما هو ~~واضح من المثال 41 من القائمة 3. # وينبغي ألا تختلط صورة الحرارة بتوصيل الحرارة أو طبيعتها الانتقالية التي بواسطتها ~~يسخن جسم ما بالاتصال مع جسم آخر ساخن، فالحرارة غير الإحرار (التسخين)، وبالإمكان ~~أن تثار الحرارة بالاحتكاك دون وجود مسبق لأي حرارة، وهو مثال يستبعد الإحرار من صورة ~~الحرارة، وحتى عندما تنتج باقتراب جسم حار، فإن هذا لا ينطلق من صورة الحرارة، بل ~~يعتمد كليا على طبيعة أعلى وأكثر عمومية، وهي طبيعة التمثيل أو التكثر الذاتي، ~~وهذا موضوع يتطلب بحثا منفصلا. # وفكرة النار فكرة عامية ولا نفع لها، فهي تتكون من تضام الحرارة والإضاءة في أي جسم، ~~كما هو الحال في اللهب المعتاد وفي الأجسام المسخنة حتى الاحمرار. # بعد أن أزلت كل الالتباس آتي الآن إلى «الفروق» الحقيقية التي تحدد الحركة ~~وتشكلها بوصفها صورة الحرارة. # الفرق الأول: # أن الحرارة حركة متمددة، بها يسعى جسم ما إلى أن يتحرك في نطاق أو ~~بعد أكبر مما كان يشغله من قبل، وهذا الفرق هو أوضح ما يكون في اللهب، ~~حيث الدخان أو البخر المتلبد يتمدد بوضوح ويتفجر إلى لهب. # وهو ظاهر أيضا في جميع السوائل الغالية، التي تنتفخ بشكل واضح وتعلو ~~وتزبد، وتواصل عملية تمددها حتى تتحول إلى جسم أكثر امتدادا واتساعا ~~بكثير من السائل نفسه، ألا وهو البخار أو الدخان أو الهواء. # وهو ظاهر كذلك في الخشب وفي كل المواد ms103 القابلة للاحتراق، حيث هناك نضح ~~أحيانا وتبخر دائما. # وظاهر أيضا في المعادن المنصهرة، التي بسبب تكتلها الشديد لا تنتفخ ولا ~~تتمدد بسهولة، ولكن روحها إذ تتمدد في ذاتها - فتجد رغبة في مزيد من ~~التمدد - تدفع وتحفز الأجزاء الأصلب إلى شكل سائل، فإذا اشتدت الحرارة ~~أكثر فإنها تذوب وتحول كثيرا من مادتها إلى حالة طيارة. # وهو ظاهر أيضا في الحديد والصخور، وإن كانت لا تنصهر أو تذوب، ولكنها ~~مع ذلك تلين، وهذا هو الحال أيضا مع ألواح الخشب، فهي تصير مرنة عندما ~~تدفأ بلطف في رماد ساخن. # ولكن هذا النوع من الحركة يرى على أفضل نحو في الهواء، الذي يتمدد ~~باستمرار وبوضوح مع أقل حرارة، كما يتضح في المثال 38 بالقائمة 3. # وهو ظاهر أيضا في الطبيعة المضادة: طبيعة البرودة، فالبرودة تكمش كل ~~مادة وتضيقها، # 25 # فنجد أنه في موجات الصقيع الشديد تتساقط المسامير من الجدران، ~~وتتشقق الأشياء البرونزية، ونجد الزجاج الذي كان ساخنا ثم تعرض للبرودة ~~المفاجئة ينشرخ وينكسر، والهواء بالمثل ينكمش بأقل تبريد إلى حيز أصغر، كما ~~في مثال 38 بالقائمة 3، ولكني سأعرض لذلك بتفصيل أكبر في بحث ~~البرودة. # ولا عجب إذا كانت البرودة والحرارة تظهران كثيرا من التأثيرات المشتركة ~~(انظر في ذلك مثال 32 بالقائمة 2)، إذ إن اثنين من الفروق التالية (التي ~~سأتحدث عنها حالا) ينتميان إلى كلتا الطبيعتين، رغم أنه في الفرق الحالي ~~نجد تأثيراتهما متضادة تماما، فالحرارة تسبب حركة تمددية توسعية والبرودة ~~تسبب حركة انكماشية تقلصية. # والفرق الثاني: # هو تنويع على الفرق الأول، وهو ~~أن الحرارة حركة تمددية أو حركة تجاه الخارج، ولكن في الوقت نفسه تحمل ~~الجسم إلى أعلى، فلا شك أن هناك كثيرا من الحركات المركبة، مثال ذلك: ~~أن السهم أو الرمح يتحرك حركة دورانية وتقدمية معا، يدور وهو يطير ~~ويطير وهو يدور، كذلك حركة الحرارة، فهي توسع وصعود معا في ~~آن. # وهذا الفرق يتضح في الملقط أو مذكي النار إذ يوضع في اللهب، فأنت إذا ~~وضعته قائما وأنت تمسكه بيدك من أعلى فسرعان ما ms104 يحرق يدك، أما إذا ~~أمسكته مائلا أو من أسفل فسيكون أبطأ بكثير في حرق يدك. # ومن الواضح أيضا في عملية التقطير بواسطة معوجة، والتي تستخدم مع ~~الأزهار الرقيقة التي تفقد عطرها بسهولة، وقد وجد بالخبرة أن على المرء ~~أن يضع اللهب من أعلى وليس من أسفل حتى يقل سفع اللهب، إذ إن كل حرارة ~~- وليس اللهب فحسب - تتحرك إلى أعلى. # وفي ذلك: أجر تجربة على الطبيعة المضادة للبرودة، وما إذا كانت ~~البرودة تكمش الجسم بالهبوط إلى أسفل، مثلما أن الحرارة تمدد الجسم ~~بالصعود إلى أعلى، خذ قضيبين من الحديد أو أنبوبتين زجاجيتين ~~(متماثلتين في كل شيء آخر) وسخنهما بعض الشيء، وضع إسفنجة ممتلئة ~~بالماء البارد أو الثلج تحت إحداهما وفوق الأخرى، وافتراضي هو أن التبريد ~~في طرفيهما سيكون أسرع في القضيب ذي الثلج بأعلاه من القضيب ذي الثلج ~~بأسفله، بعكس الذي يحدث في حالة الحرارة. # والفرق الثالث: # هو أن الحرارة هي حركة تمددية ليست متجانسة في الجسم كله، بل تمددية ~~خلال جزيئاته الصغرى، وهي مقيدة ومثبطة ومرتدة في آن معا، ومن ثم ~~فهي تلوب جيئة وذهابا، وفي عجلة دائمة وضغط وصراع وغضب من النخس ~~الذي يلحقها، ومن هنا يأتي عنف اللهب والحرارة. # يظهر هذا الفرق على أوضح نحو في اللهب وفي السوائل الغالية التي تجيش بلا ~~توقف وتعلو في نقاط متفرقة وتهبط. # وهو أيضا ظاهر في الأجسام الصلبة ~~البنيان، بحيث لا تنتفخ أو تتمدد في كتلتها عندما تسخن أو تتقد، مثل الحديد ~~المسخن حتى الاحمرار حيث الحرارة فيه عنيفة جدا. # وهو ظاهر أيضا في مدفأة النار التي تذكو أشد ما تذكو في الطقس ~~الأبرد. # وظاهر كذلك في حقيقة أنه لا تلحظ حرارة عندما يتمدد الهواء في ترمومتر ~~دون عائق أو ضغط مضاد، أي بتجانس وتساو، ولا تلحظ حرارة كبيرة في ~~الرياح التي سكتت ثم هبت بعنف شديد؛ وذلك لأن الحركة هنا تؤثر على الكل دون ~~أي حركة متبادلة في الجزيئات. أجر تجربة في هذا لنرى ما إذا كان اللهب لا ms105 ~~يتوقد في الجوانب أكثر مما يتوقد في وسطه. # وهو ظاهر أيضا في واقعة أن كل احتراق يتقدم بواسطة المسام الدقيقة ~~للأجسام المحترقة، فيتلفها ويخترقها ويخزها ويشكها كما لو كان بألف سن ~~إبرة، هذا ما يجعل للأحماض القوية (إذا ماثلت الجسم الذي تعمل عليه) تأثير ~~النار بسبب طبيعتها الأكولة الحادة. # هذا الفرق المحدد (الذي أتحدث عنه الآن) ينسحب أيضا على طبيعة البرودة، ~~ففي البرد تتقيد الحركة الانكماشية بواسطة الحركة التمددية المضادة، مثلما ~~أنه في الحر تتقيد الحركة التمددية بواسطة الحركة الانكماشية ~~المضادة. # وهكذا سواء كانت جزيئات الجسم تعمل إلى الداخل أو إلى الخارج، فإن طريقة ~~الفعل واحدة في الحالتين وإن اختلفت القوة؛ ذلك لأننا لا نخبر على الأرض ~~أي شيء مفرط البرودة، انظر المثال 27 بالقائمة 1. # والفرق الرابع: # هو تنويع على سابقه، وهو أن حركة الوخز والاختراق لا بد أن تكون سريعة ~~وليست بطيئة بحال، وأنها تحدث لا على مستوى الجزيئات البالغة الدقة بل ~~الجزيئات الأكبر بعض الشيء. # يتضح هذا الفرق من مقارنة تأثيرات النار بتأثيرات الزمن: فالزمن أيضا ~~يذوي ويستنفد ويتلف ويحيل إلى رماد مثلما تفعل النار، وربما على نحو ~~أدق، ولكن لأن حركته بطيئة جدا، ولأنه يهاجم الجزيئات البالغة الدقة، لا ~~تلحظ في الأمر حرارة. # ويتضح أيضا من مقارنة ذوبان الحديد وذوبان الذهب، فالذهب يذوب دون أن ~~يثير أية حرارة، بينما يذوب الحديد مع إثارة عنيفة للحرارة وإن كان ذلك في ~~فترة متساوية من الزمن؛ ذلك لأنه في حالة الذهب يكون دخول الحامض الفاصل ~~رفيقا وحذرا وتذعن جزيئات الذهب بسهولة، أما في حالة الحديد فيكون ~~الدخول عنيفا مقتحما وجزيئات الحديد أكثر عنادا. # ويتضح أيضا إلى حد ما في بعض حالات الغنغرينا وتعفن اللحم، حيث تنتج ~~حرارة ضئيلة وألم قليل بسبب الطابع الرفيق للتعفن. # وهذا هو «القطف الأول» أو «التفسير المبدئي» لصورة الحرارة، إذ يضعه ~~الذهن في تساهل ودعة. # وبناء على هذا «القطف الأول» فإن الصورة أو التعريف الحقيقي للحرارة ~~(الحرارة كفكرة عمومية لا كشيء نسبي - للحرارة معتبرة بالنسبة للعالم ms106 ~~وليس بالنسبة للحس)، هي - باختصار - ما يلي: «الحرارة هي حركة تمددية ~~تتقيد وتصارع خلال جزيئات الأجسام.» غير أن التمدد يعدل هكذا: «فبينما ~~يحدث التمدد في جميع الاتجاهات، فإن لديه نزوعا إلى أعلى.» والصراع في ~~الجزيئات يتعدل أيضا: «إنه ليس بطيئا، بل يحدث بعجلة وببعض ~~العنف.» # أما بخصوص التعريف الإجرائي فالأمر واحد، إذا ما استطعت أن تثير حركة ~~تمددية أو توسعية في أي جسم طبيعي، وأن تكبت هذه الحركة وتغلبها على أمرها ~~بحيث لا تسمح للتمدد أن يتقدم بالتساوي، بل أن يكون مدفوعا جزئيا ~~ومكبوتا جزئيا، ستكون بغير أدنى شك منتجا حرارة، سواء كان الجسم من ~~الأرض (من العناصر كما يسمونها) أو مشربا بتأثير علوي، مضيئا أو معتما، ~~خفيفا أو كثيفا، متمددا محليا أو محتوى داخل حدود أبعاده الأولى، ~~مائلا إلى الذوبان أو في حالة ثابتة، حيوانا أو نباتا أو معدنا، ماء ~~أو زيتا أو هواء أو أي مادة أخرى على الإطلاق قابلة لمثل هذه الحركة، ~~والحرارة المدركة بالحس هي نفس الشيء ولكن معتبرة بالنسبة للحواس، ~~ولنتقدم الآن إلى مساعدات أخرى. ~~••• ~~(21) بعد إكمالنا لقوائم العرض الأول، وبعد «الرفض» أو «الاستبعاد»، وبعد إتمام ~~«القطف الأول» على أساسها، علينا أن نتقدم إلى مساعدات أخرى للذهن في «تفسير الطبيعة» ~~وفي «استقراء» صحيح وتام، وسوف أظل في تقديمها أستخدم الحرارة والبرودة عندما نحتاج إلى ~~القوائم، أما عندما لا يتطلب الأمر إلا أمثلة قليلة فسوف أستخدم أي أمثلة أخرى بحيث ~~أوسع نطاق المذهب دون أن أشوش على البحث. # سأتناول إذن في المقام الأول الأمثلة أو «الشواهد ذات الامتياز» # privileged instances ~~، # 26 # وأتناول ثانيا مدعمات (دعائم) الاستقراء، وثالثا تنقيح الاستقراء، ~~ورابعا تكييف البحث وفقا لطبيعة الموضوع، وخامسا الطبائع ذات الامتياز من حيث ~~الدراسة، أو ما ينبغي أن يأتي أولا وما ينبغي أن يأتي لاحقا في البحث، وسادسا حدود ~~البحث أو ملخص جميع الطبائع الموجودة في العالم، وسابعا التطبيق على الأغراض العملية ~~أو ما يتصل بالإنسان، وثامنا التجهيزات الخاصة بالبحث، وتاسعا وأخيرا المقياس الصاعد ~~والهابط للمبادئ. ~~••• ~~(22) من بين ms107 «شواهد الامتياز» سأضع أولا الأمثلة أو «الشواهد الانفرادية (المنعزلة)» # solitary instances ~~، # 27 # والشواهد الانفرادية هي شواهد تظهر الطبيعة محل البحث في موضوعات لا ~~تتفق فيما بينها في أي شيء عدا هذه الطبيعة، أو التي لا تظهر الطبيعة محل البحث في ~~موضوعات تتماثل في كل شيء عدا هذه الطبيعة، ومن الواضح أن شواهد من هذا النوع من شأنها ~~أن تختصر الطريق وتعجل بعملية الاستبعاد وتقويها، بحيث يستوي أن تضع منها شواهد ~~قليلة أو كثيرة. # فمثلا إذا كنا نبحث في طبيعة اللون فإن المنشور والبلورات والندى - أيضا - ومثل ~~تلك الأشياء التي لا تتلون فحسب في ذاتها بل تلقي بالألوان خارجها على الحائط، تعد ~~«شواهد انفرادية»؛ ذلك أنها لا تتفق في شيء مع الألوان الثابتة في الأزهار والأحجار ~~الملونة والمعادن والأخشاب ... إلخ عدا اللون. نخلص من ذلك بسهولة إلى أن اللون ما هو إلا ~~تعديل في شعاع الضوء المتلقى على الشيء، في الحالة الأولى خلال درجات مختلفة للحدث، ~~وفي الثانية خلال مختلف أنسجة الجسم وبنياته، # 28 # وهذه الأمثلة انفرادية من حيث التماثل. # وأيضا في نفس البحث فإن العروق المميزة البيضاء والسوداء في الرخام، وتنوعات اللون ~~في الأزهار التي هي من جنس واحد، هي «شواهد انفرادية»؛ فالخطوط البيضاء والسوداء في ~~الرخام، والبقع الحمراء والبيضاء في القرنفل، تتفق في كل شيء تقريبا عدا اللون نفسه، ~~ومن هنا نخلص ببساطة إلى أن اللون لا شأن له بالطبيعة الداخلية للشيء، بل يعتمد ببساطة ~~على الترتيب العيني وشبه الميكانيكي للأجزاء، وهذه «شواهد انفرادية» من حيث الاختلاف، ~~وأنا أسمي كلا النوعين شواهد «انفرادية» أو «آبدة» # ferine # مستعيرا المصطلح من الفلكيين. ~~••• ~~(23) في المرتبة الثانية من «شواهد الامتياز» سأضع «شواهد الانتقال» # instances of transition ~~، # 29 # حيث الطبيعة محل البحث هي في طور التكوين إذا كانت غير موجودة قبلا، أو ~~في طور الاختفاء إذا كانت موجودة قبلا؛ ولذا ففي كلتا هاتين الحركتين المتضادتين فإن ~~هذه الشواهد هي دائما مزدوجة، أو بالأحرى شاهد واحد يستمر في حركته ومروره حتى يصل إلى ~~الحالة العكسية، ms108 مثل هذه الشواهد لا تسرع وتقوي عملية الاستبعاد فحسب، بل أيضا ~~تخفض الإثبات (الإيجاب) أو الصورة نفسها إلى نطاق ضيق، فصورة الشيء يجب بالضرورة أن ~~تكون شيئا ما يدخل بواسطة نوع من الانتقال أو من الجهة الأخرى يزال أو يباد بواسطة ~~نوع آخر، ورغم أن كل استبعاد يشجع «إيجابا»، فإن هذا يتم بشكل أكثر مباشرة عندما ~~يحدث في نفس الموضوعات منه في موضوعات مختلفة، والصورة (كما هو واضح جدا مما قلت) ~~التي تنكشف في حالة مفردة تمهد الطريق إلى اكتشافها في كل الحالات، وكلما كان الانتقال ~~أبسط وجب أن يزيد تقديرنا للشاهد (المثال)، كما أن «شواهد الانتقال» مفيدة تماما من ~~الجهة العملية؛ لأنها إذ تعرض الصورة مرفقة بالسبب الذي يجعلها كذلك أو يمنعها من أن ~~تكون كذلك، فإنها تقدم توجيها واضحا للممارسة في بعض الحالات التي يسهل الانتقال ~~منها إلى الحالات التالية، على أن هناك خطرا فيها يتطلب تحذيرا، فقد تدفعنا إلى ربط ~~الصورة ربطا زائدا بالعلة الفاعلة، وقد تشرب الذهن - أو على الأقل تغمسه - برؤية ~~زائفة للصورة في علاقتها بالعلة الفاعلة، فتعرف العلة الفاعلة دائما على أنها ليست ~~أكثر من وعاء أو حامل للصورة، يمكن علاج هذه المشكلة بسهولة بواسطة التطبيق القويم ~~للاستبعاد. # علي الآن أن أقدم مثالا ل «شاهد انتقال»، ولتكن الطبيعة المطلوبة هي البياض، فمثال ~~لإنتاجه هو الزجاج السليم والزجاج المسحوق، وكذلك الماء الرائق والماء المزبد (الذي ~~قلب حتى أزبد)، فالزجاج السليم والماء الرائق شفافان لا أبيضان، أما الزجاج ~~المسحوق والماء المزبد فأبيضان لا شفافان؛ ولذا فإن على المرء أن يسأل ماذا حدث للزجاج ~~أو للماء كنتيجة للانتقال، فمن الواضح أن «صورة» البياض انتقلت وأدخلت بواسطة سحق ~~الزجاج وتهييج الماء، ولا شيء آخر نجد أنه حدث عدا تفتت الزجاج والماء إلى أجزاء دقيقة ~~وعدا دخول الهواء، ليس بالشيء اليسير تجاه اكتشاف «صورة» البياض أن جسمين شفافين في ~~ذاتهما (أي الهواء والماء أو الهواء والزجاج) يظهران بياضا بمجرد تشظيهما إلى كسر ~~دقيقة بسبب الانكسار غير المتساوي لأشعة الضوء. ms109 # ولكن ينبغي في نفس الوقت أن نقدم مثالا على الخطر والتحذير الذي ألمعت إليه، لا شك ~~أن العقل الذي أضله ذلك الصنف من العلة الفاعلة سوف يقع له على الفور أن الهواء ~~ضروري دائما لصورة البياض، أو أن البياض لا ينتج إلا بواسطة الأجسام الشفافة، وهما ~~افتراضان زائفان تماما، وثبت زيفهما باستبعادات كثيرة. الحق أنه سيظهر بالأحرى (بغض ~~النظر عن الهواء وما شابهه) أن الأجسام المتساوية كليا في جزيئاتها التي تؤثر على ~~البصر هي أجسام شفافة، والأجسام غير المتساوية وذات نسيج بسيط هي أجسام بيضاء، والأجسام ~~غير المتساوية وذات البنية المركبة - ولكنها متجانسة - هي أجسام ملونة غير سوداء، ~~والأجسام غير المتساوية وذات البنية المركبة المضطربة وغير المتجانسة على الإطلاق هي ~~أجسام سوداء، هذا إذن مثال ل «شاهد انتقال» تجاه الوجود في الطبيعة المطلوبة للبياض، ~~أما «شاهد الانتقال» تجاه عدم الوجود في طبيعة البياض نفسها فهو انحلال الزبد ~~(الرغوة) وذوبان الثلج، فهما يفقدان بياضهما ويكتسبان شفافية الماء في حالته الصافية ~~بدون هواء. # ولا يفوتنا بحال أن نذكر أن علينا أن ندرج تحت شواهد الانتقال لا الشواهد المتجهة ~~إلى الوجود وإلى عدم الوجود فحسب، بل أيضا تلك الشواهد المتجهة إلى الزيادة أو ~~النقصان؛ لأنها أيضا تساعد في كشف الصورة، كما هو واضح من تعريفنا للصورة ومن قائمة ~~الدرجات، ومن ثم فإن الورق - الذي هو أبيض عندما يكون جافا - يقل بياضه عندما ~~يبتل (من جراء استبعاد الهواء وإدخال الماء) ويميل أكثر إلى الشفافية، والتفسير مماثل ~~للتفسير في الأمثلة السالفة. ~~••• ~~(24) وبين شواهد الامتياز سأضع في المرتبة الثالثة «الشواهد الكاشفة» # revealing instances # 30 # التي أشرت إليها في «القطف الأول» عن الحرارة، وأسميها أيضا «الشواهد ~~الجلية أو المتحررة أو السائدة»، وهي شواهد تكشف الطبيعة محل البحث عارية ومستقلة، ~~وفي أوجها أيضا وفي درجتها العليا من القوة، أي المتحررة والمنعتقة من العواتق، أو ~~على الأقل السائدة عليها والقامعة والمقيدة لها بقوة خواصها، ولأن كل جسم ينطوي على ~~ضروب كثيرة من الطبائع متحدة معا في حالة عينية، فإنها ms110 كثيرا ما يمحق بعضها بعضا ~~ويقمعه ويكسره ويقيده وتحتجب الصور المفردة، إلا أننا نجد بعض الموضوعات تنفرد فيها ~~الطبيعة محل البحث عن غيرها في عنفوان، إما لغياب العوائق أو لأن صفتها سائدة، مثل هذه ~~الشواهد كاشفة للصورة على نحو لافت، ولكن حتى في هذه الشواهد يجب الحذر، ويجب أن نكبح ~~تسرع الذهن. يجب أن نشك في أي شيء يقحم علينا صورة ما ويقذفها في ذهننا، وعلينا ~~إذاك أن نعتصم ب «استبعاد» # exclusion # صارم ~~ودقيق. # افترض مثلا أن الطبيعة هي الحرارة، فالمثال الكاشف للحركة التمددية - التي (كما ~~لاحظنا) تؤلف الجزء الرئيسي لصورة الحرارة - هو الترمومتر، فرغم أن اللهب يظهر تمددا ~~بشكل واضح، فهو لا يكشف تقدم التمدد بسبب انطفائه الفوري، والماء الغالي أيضا لا يكشف ~~تمدد الماء جيدا في شكله نفسه بسبب تحوله السريع إلى بخار وهواء، والحديد المحمى ~~وما شابهه هو أبعد ما يكون عن كشف تقدم، وعلى العكس فإن روحه مكبوتة ومضعضعة بواسطة ~~جزيئاته الكثيفة والمدمجة (التي تروض التمدد وتكبحه)، فتمنع التمدد الحقيقي من أن يكون ~~واضحا تماما للحواس، أما الترمومتر فيكشف التمدد في الهواء بوضوح كشيء جلي ومتقدم ~~ودائم لا مؤقت. # خذ مثالا آخر، ولتكن الطبيعة المطلوبة هي الثقل، ف «الشاهد الكاشف» للثقل هو الزئبق، ~~فهو يفوق كل شيء في الثقل باستثناء الذهب، فهو أثقل قليلا من الزئبق، والزئبق شاهد ~~أفضل من الذهب لكشف الثقل؛ لأن الذهب صلب ومدمج بسبب كثافته فيما يبدو، بينما الزئبق ~~سائل ويعج بالروح، ومع ذلك يفوق الماس وزنا ويفوق المواد التي تعتبر شديدة ~~الصلابة، وهذا يكشف أن صورة الثقل أو الوزن تعتمد ببساطة على كم المادة وليس على مبلغ ~~اندماجها. ~~••• ~~(25) وبين شواهد الامتياز أضع في المرتبة الرابعة «الشواهد المتوارية» # concealed instances ~~، # 31 # التي أسميها أيضا «شواهد ~~الشفق» # instances of the twilight ~~، وهي على التقريب عكس «الشواهد الكاشفة»، فهي تعرض الطبيعة ~~محل البحث في أدنى درجات قوتها، كأنها في مهدها وبداءتها، تجاهد وتبذل نوعا من ~~المحاولة الأولى، غير أنها متوارية تحت الطبيعة المضادة وخاضعة ms111 لها، غير أن هذه الشواهد ~~عظيمة الأهمية في كشف الصور، فكما أن الشواهد الكاشفة تفضي بسهولة إلى الفروق، فإن ~~الشواهد المتوارية هي أفضل مرشد إلى «العموميات» # genera # أي تلك الطبائع العامة التي لا تعدو الطبائع المقترحة أن ~~تكون حالات خاصة منها. # وعلى سبيل المثال: افترض أن الطبيعة محل البحث هي «القوام» # consistency ~~، أي ذلك الذي يحدد شكله وهيئته، والذي ضده السيولة، من ~~شأن «الشواهد المتوارية» أن تعرض درجة ما ضعيفة ومنخفضة من القوام في السائل، مثل فقاعة ~~الماء، فهي نوع من الغشاء الصلب ذي الشكل المحدد مصنوع من مادة الماء، كذلك الحال في ~~تنقيط الماء، فإذا استمر الماء في الدفق فإن القطرات تطيل ذاتها إلى خيط رفيع جدا ~~لكي تحفظ استمرارية الماء، ولكن إذا لم يكن ثمة ماء كاف للدفق، عندئذ تسقط على شكل ~~قطرات دائرية، وهو أفضل شكل يحفظ استمرارية الماء من التصدع، وفي اللحظة التي يتوقف ~~فيها خيط الماء ويبدأ الماء سقوطه في قطرات فإن خيط الماء يرتد إلى أعلى لكي يتجنب ~~مثل هذا التصدع، أما في حالة المعادن التي تكون في الانصهار سائلة - ولكن شديدة ~~التماسك - فإن القطرات المنصهرة كثيرا ما ترتد وتبقى معلقة، وشاهد آخر مشابه إلى ~~حد ما هو المرايا التي يصطنعها الأطفال من اللعاب على القصب، فهنا أيضا نجد قشرة ~~(غشاء) صلبة من الماء، ولكن هذا يظهر على نحو أفضل بكثير في لعب الأطفال، إذ يأخذون ~~الماء ويزيدون لزوجته قليلا بالصابون وينفخونه من خلال قصبة جوفاء، فيحولون الماء إلى ~~شيء أشبه بخزان فقاقيع، ومن خلال مزجه بالهواء يتخذ صلابة بحيث يمكن قذفه مسافة في ~~الهواء دون أن ينفجر، يرى هذا على أفضل نحو في الرغوة والثلج اللذين يتخذان قواما ~~بحيث يمكن تقريبا قطعهما بالسكين، ومع ذلك فإن كلا الجسمين مكون من هواء وماء، ~~وكليهما لا قوام له، كلا هذين يشير بوضوح إلى أن السائل والصلب ما هي إلا أفكار عامية ~~مكيفة للحواس، وأن في جميع الأجسام ميلا إلى تجنب التصدع وتحاشيه، وهو ميل واهن ms112 ~~وضعيف في الأجسام المكونة من أجزاء متجانسة (كما في حالة السوائل)، ولكنه أكثر جلاء ~~وقوة في تلك المكونة من أجزاء غير متجانسة، ويرجع ذلك إلى أن إضافة مادة غير متجانسة ~~من شأنه أن يدمج الأجسام معا، بينما دخول مادة متجانسة من شأنه أن يحل الأجسام ~~ويفككها. # مثال آخر: افترض أن الطبيعة محل البحث هي «الجذب» # attraction # أو تضام الأجسام معا، فأبرز «الشواهد الكاشفة» هو ~~المغناطيس، الطبيعة المضادة للجذب هي عدم الجذب، حتى في المادة نفسها، فالحديد مثلا لا ~~يجذب الحديد، ولا الرصاص يجذب الرصاص، ولا الخشب الخشب، ولا الماء الماء، أما ~~«الشاهد المتواري» فهو المغناطيس المدرع بالحديد، أو بالأحرى الحديد في مغناطيس ~~مدرع، فطبيعته هي أن المغناطيس المدرع لا يجذب الحديد الذي على مسافة منه بأشد مما ~~يفعل المغناطيس غير المدرع، ولكن إذا قرب الحديد بما يكفي لأن يلمس الحديد الذي في ~~المغناطيس المدرع، فإن المغناطيس المدرع يمسك بثقل من الحديد أكبر كثيرا مما يمسكه ~~المغناطيس البسيط غير المدرع؛ بسبب تشابه المادة؛ الحديد مقابل الحديد. هذا التأثير ~~كان «متواريا» تماما وكامنا في الحديد قبل إدخال المغناطيس. من الواضح إذن أن صورة ~~التضام هي شيء جلي وقوي في المغناطيس، وضعيف وكامن في الحديد، لوحظ كذلك أن السهام ~~الخشبية الصغيرة - غير ذات الأطراف الحديدية المسددة من آلات كبيرة - تخترق الأشياء ~~الخشبية (مثل جوانب السفن أو ما شابه) اختراقا أعمق مما تفعل نفس السهام وهي مسننة ~~بالحديد؛ وذلك بسبب تشابه المواد (خشب لخشب)، رغم أن هذا كان مخبوءا في الخشب من قبل، ~~وبالمثل فرغم أن الأجسام الهوائية الكلية لا تجذب الهواء بشكل واضح، ولا الماء الماء، ~~إلا أن الفقاعة حين تقارب فقاعة أخرى فسرعان ما تنحل الاثنتان؛ بسبب ميل الماء إلى أن ~~يتضام مع الماء، والهواء مع الهواء. مثل هذه «الشواهد المتوارية» (التي هي ذات نفع عظيم ~~كما قلت) تفصح عن نفسها أكثر في الأجزاء الصغيرة من الأجسام؛ ذلك أن الكتل الأكبر ~~تتبع صورا أكثر عمومية وشمولا، كما سوف يتبين في موضعه. ~~••• ~~(26) بين ms113 «شواهد الامتياز» سأضع في المرتبة الخامسة «الشواهد المقومة» # constitutive ~~، # 32 # التي أسميها أيضا «شرذمية» # manipular ~~، ~~وهي تلك التي تشكل نوعا مفيدا من الطبيعة محل الدراسة، نوعا من «الصورة الصغرى»، ~~فحيث إن الصور الأصيلة (التي هي دائما قابلة للتحول مع الطبائع محل البحث) عميقة وغير ~~دانية وغير سهلة الاكتشاف، زد على ذلك وهن الذهن الإنساني، فإن الصور المعينة التي ~~تجمع معا مجموعات معينة من الشواهد (وإن لم تكن كلها) في فكرة عامة ما، ينبغي ألا ~~تغفل بل تلاحظ بدأب، فأيما شيء يوحد الطبيعة - وإن على نحو غير كامل - يمهد ~~الطريق إلى اكتشاف الصور؛ لذا فإن الشواهد التي تفيدنا في هذا الصدد هي شواهد لا يمكن ~~الاستهانة بقوتها، وشواهد على شيء من الامتياز. # غير أن على المرء أن يتخذ أقصى ضروب الحيطة هنا؛ حتى لا يستنيم الذهن - بعد أن يعثر ~~على قليل من هذه الصور المعينة، ويؤسس أقساما أو أفرعا للطبيعة المعنية - ويقنع بها ~~بدلا من أن يتقدم إلى الاكتشاف الحقيقي ل «الصورة» العظيمة، ويسلم بأن الطبيعة ~~جذريا متعددة ومتشعبة، ويزدري ويرفض أي مزيد من الوحدة في الطبيعة كترف زائد وميل ~~إلى التجريد المحض. # افترض - على سبيل المثال - أن الطبيعة محل البحث هي الذاكرة، أو ذلك الذي يحفز ~~الذاكرة ويساعدها، فال «الشواهد المقومة» هي النظام أو الترتيب الذي من الواضح أنه ~~يساعد الذاكرة، وأيضا «المواضع» (الأماكن) في الذاكرة الاصطناعية، التي قد تكون أماكن ~~بالمعنى الحرفي للكلمة كالباب والزاوية والشرفة وما شابه، أو أشخاصا معروفين ومألوفين، ~~أو أي شيء على الإطلاق (شريطة أن يوضعوا في نظام معين) كالحيوانات والنباتات والكلمات ~~أيضا والأحرف والشخصيات والأشخاص التاريخيين ... إلخ، وإن كان بعض هذه أكثر ملاءمة من ~~بعض. مثل هذه المواضع المصطنعة تساعد الذاكرة على نحو مدهش وتعلو بها كثيرا فوق ~~قدراتها الطبيعية، وكذلك الشعر يسهل حفظه وتذكره أكثر من النثر، من هذه المجموعة ~~من الشواهد الثلاثة - الترتيب والمواضع الاصطناعية والشعر - يتألف نوع من العون للذاكرة، # 33 # يمكن أن نسمي هذا النوع من العون «تحديد غير المحدود»، ms114 فعندما يحاول ~~المرء أن يتذكر شيئا ما أو يستحضره في الذهن، فمن المؤكد أنه إذا لم تكن لديه فكرة ~~مسبقة أو تصور عما يبحث عنه فإنه سيظل يفتش ويجهد ويتخبط هنا وهناك وكأنه متورط في ~~اللانهاية، أما إذا كانت لديه فكرة محددة فسرعان ما تختصر اللانهاية ويبقى مجال ~~الذاكرة ضمن حدود. ثمة فكرة واضحة ومحددة في الشواهد الثلاث المذكورة: في الأول يجب ~~أن يكون ثمة شيء ما يتفق مع الترتيب، وفي الثاني يجب أن يكون ثمة شكل يحمل علاقة ما أو ~~اتفاقا مع المواضع المحددة، وفي الثالث يجب أن تكون هناك ألفاظ لها إيقاع الشعر، هكذا ~~يتحدد اللامحدود، وهناك شواهد أخرى ستقدم لنا نوعا آخر: أيما شيء يجعل الفكرة ~~الذهنية تصدم الحواس فهو يساعد الذاكرة (وهذه هي الطريقة الغالبة في الذاكرة ~~الصطناعية)، وشواهد أخرى ستنتج لنا نوعا آخر، فالذاكرة يعينها أي شيء يترك ~~انطباعه بواسطة انفعال قوي، فيبث الخوف مثلا أو الإعجاب أو الخجل أو البهجة، وشواهد ~~أخرى ستقدم لنا نوعا رابعا، فالأشياء التي تنطبق على العقل وهو صاف وغير مشغول بأي ~~شيء قبله ولا بعده - مثل ما نتعلمه في الطفولة أو ما نفكر فيه قبل ذهابنا إلى النوم، أو ~~الخبرة الأولى بأي شيء - تظل عالقة بالذاكرة زمنا أطول، وشواهد أخرى تقدم النوع ~~التالي، فهناك تشكيلة كبيرة من الظروف أو الوسائل تساعد الذاكرة، مثل تقطيع النص إلى ~~أقسام، أو القراءة أو التلاوة الجهرية، وشواهد بعد ستقدم لنا نوعا أخيرا، فالأشياء ~~المستبقة والمثيرة للانتباه تعلق بالذاكرة أكثر مما تعلق الأشياء التي تمر ~~مرورا عابرا، فأنت إذا أعدت قراءة أي شيء عشرين مرة فلن تحفظها عن ظهر قلب بالسرعة ~~التي تحفظها بها إذ تقرؤها عشر مرات محاولا تلاوتها غيبيا من وقت لآخر وأن تعود ~~إلى النص عندما تفشل ذاكرتك، هكذا يستوي لنا نحو ست ~~«صور صغرى» لأشياء تعين الذاكرة، وهي: (1) تحديد غير المحدود. (2) رد الفكري إلى ~~الحسي. (3) الطبع على انفعال قوي. (4) الطبع على عقل صاف. (5) تنوع كبير للأدوات. (6) ~~الاستباق. # ومثال آخر مماثل: ms115 افترض أن الطبيعة محل البحث هي الذوق، فالشواهد التالية شواهد ~~مقومة: ~~(1) # الأشخاص الذين لا يمكنهم الشم ومحرومون بطبيعتهم من هذه الحاسة يعجزون عن ~~ملاحظة أو تمييز الطعام الفاسد أو العفن بالذوق، أو من الجهة الأخرى ~~الطعام المطبوخ بالثوم أو ماء الورد أو ما إلى ذلك. ~~(2) # أما أولئك الذين انسدت مناخرهم بسبب عارض (كالبرد) فلا يميزون أي ~~مادة فاسدة أو زنخة من أي شيء منضوح بماء الورد. ~~(3) # إذا ضرب أولئك المصابون ببرد أنوفهم بقوة في اللحظة ذاتها التي يكون ~~فيها الشيء الفاسد أو المعطر في أفواههم أو في حلوقهم، فإنهم في تلك اللحظة ~~يكون لديهم إدراك واضح بالعفن أو العطر، هذه الشواهد تقدم وتقوم هذا ~~النوع، أو بالأحرى هذا الجزء من الذوق، وهو أن هذا الجزء لا يعدو أن يكون ~~شما داخليا، والذي يمر هابطا خلال المسالك العليا للمنخرين إلى ~~الفم والحنك، ولكن من جهة أخرى فإن أولئك الذين يعانون من فقدان حاسة الشم ~~أو انسدادها يدركون ما هو ملح وحلو ولاذع وحمضي وقاس ومر ... إلخ، شأنهم ~~شأن أي شخص آخر؛ وعليه فإن من الواضح أن الذوق شيء مركب من الشم الداخلي ~~ومن نوع مرهف من اللمس لن نعرض له هنا. # ومثال مشابه آخر: افترض أن الطبيعة محل البحث هي توصيل كيفية ما دون خلط المادة، ~~يقدم لنا مثال الضوء أو يشكل نوعا من التوصيل، وتقدم الحرارة والمغناطيس نوعا آخر، ~~فتوصيل الضوء لحظي وفوري ويتوقف فور إزالة المصدر الضوئي، أما الحرارة والقوة ~~المغناطيسية فتنقل - أو بالأحرى تثار - في جسم آخر، ثم تمكث وتبقى فيه لفترة كبيرة ~~من الزمن بعد إزالة المصدر. # وأخيرا فإن امتياز «الشواهد المقومة» مهم جدا في الحقيقة، من حيث إنها تسهم ~~إسهاما عظيما في تكوين التعريفات (وبخاصة التعريفات الخاصة) وفي تقسيم أو تجزئة ~~الطبائع، وقد صدق أفلاطون حين قال: «ينبغي أن يعد إلها ذلك الذي يعرف جيدا ~~كيف يعرف وكيف يقسم.» ~~••• ~~(27) وبين «شواهد الامتياز» سأضع في المرتبة السادسة «شواهد التشابه» # instances of resemblance ~~، # 34 # أو «شواهد المماثلة» # analogous ms116 instances ~~، ~~التي أسميتها أيضا «الموازيات» # parallels # أو ~~«التشابهات الفيزيقية»، وهي شواهد تكشف تشابهات أو روابط بين الأشياء، لا في الصور ~~الصغرى (وهو دور «الشواهد المقومة») بل في الشيء العيني الفعلي، وهي من ثم أشبه ~~بالخطوات الأولى والسفلى تجاه وحدة الطبيعة، وهي لا تؤسس مباشرة أي مبدأ، بل تشير فقط ~~وتلاحظ توافقا معينا بين الأجسام، ولكن رغم أنها لا تساعد كثيرا في اكتشاف الصور، ~~فهي مفيدة غاية الفائدة في إماطة اللثام عن بنية أجزاء العالم، وتؤدي نوعا من التشريح ~~على أعضائه، وبالتالي فإنها تفضي بنا أحيانا بتؤدة ورفق إلى مبادئ جليلة ونبيلة ~~تتعلق ببنية العالم لا بالصور والطبائع البسيطة. # من أمثلة «شواهد التشابه»: العين والمرآة، تكوين الأذن وتكوين الأماكن التي ترجع ~~الصدى، من مثل هذا التشابه وبغض النظر عن الملاحظة الفعلية للتماثل والتي تفيد في أغراض ~~كثيرة، يكون من السهل أن تكون المبدأ التالي: إن أعضاء الحس ذات طبيعة شبيهة بالأشياء ~~التي تقدم انعكاسات إلى الحواس، وما إن يلم الذهن بهذه الحقيقة حتى يصعد بسهولة إلى ~~مبدأ أعلى وأنبل. إن الفرق الوحيد بين الأجسام الحاسة والأجسام غير الحية في هذه الأمور ~~التي يتفقان فيها أو يتجانسان هو هذا: إنه في الأجسام الحاسة توجد روح # 35 # حيوانية مضافة إلى تنظيم الجسم، بينما تغيب في الأجسام غير الحية؛ لذا فمن ~~الجائز أن يكون ثمة حواس في الحيوانات بعدد نقاط الاتفاق مع الأجسام غير الحية إذا كان ~~الجسم الحي مخترقا يسمح بنفاذ الروح إلى عضو مهيأ جيدا للفعل كعضو رائق، وهناك ~~- بغير شك - حركات في الجسم الجامد الخالي من روح حيوانية بعدد الحواس في الحيوانات، ~~وإن تعين أن تكون الحركات في الأجسام غير الحية أكثر من الحواس في الأجسام الحية؛ ~~وذلك لوجود عدد قليل جدا من أعضاء الحس، والمثال الشديد الوضوح على هذا نجده في ~~الألم، فرغم وجود أنواع كثيرة من الألم في الحيوانات ذات خصائص متباينة (آلام الحروق، ~~ألم البرد الشديد، ألم الوخز، الألم الضاغط، الألم الشاد ... إلخ مختلفة إحداها عن الأخرى ~~تمام ms117 الاختلاف)، فمن المتيقن أنها من حيث هي حركة تحدث في الأجسام غير الحية، كالخشب ~~أو الصخر عندما يحترق أو ينكمش بالبرد أو يثقب أو يقطع أو ينثني أو يتهشم، وكذلك ~~الحال في الأشياء الأخرى، رغم غياب الإحساس فيها لغياب الروح الحيوانية. # كذلك جذور وفروع النباتات (على غرابة هذا القول) هي شواهد تشابه، فكل ما هو نبات ~~ينتفخ ويمد أطرافه في بيئته إلى أعلى وإلى أسفل، والفرق الوحيد بين الجذور والفروع هو ~~أن الجذر مدفون في الأرض والفروع معرضة للهواء والشمس، خذ فرع شجرة صغيرا نضرا ~~واثنه واجعله ملاصقا لكتلة من التربة - حتى لو لم يكن مثبتا بالأرض - وستجده على ~~الفور ينتج جذرا لا فرعا، وعلى العكس إذا وضعت التربة من فوق وأثقلت إلى أسفل ~~بحجر أو بأي جسم صلب بحيث تحصر النبات وتمنعه من التفرع إلى أعلى، فستجده يمد فروعه ~~في الهواء إلى أسفل. # وصمغ الشجر ومعظم صمغ الصخر هو أيضا من «شواهد التشابه»، فكلاهما هو - ببساطة - نضح ~~ورشح لعصائر مستمدة في الأول من الشجر وفي الثاني من الصخر، وتكتسب اللمعان والصفاء ~~من الترشيح المرهف الدقيق، وهذا أيضا هو السبب في أن شعر الحيوانات أقل جمالا وألقا ~~في لونه من ريش معظم الطيور؛ ذلك أن العصائر لا ترشح خلال جلد الحيوان بالرهافة ~~التي ترشح بها خلال الريش. # من «شواهد التشابه» أيضا الصفن عند الذكور والرحم عند الإناث، ومن ثم فإن ~~البناء المشهود الذي يفرق بين الجنسين هو - فيما يظهر - مسألة خارج وداخل، إذ إن ~~الحرارة الأقوى في الجنس الذكري تدفع أعضاء الجنس إلى الخارج، بينما الحرارة في الإناث ~~أضعف من أن تفعل ذلك، فتبقى الأعضاء بالداخل. # وحراشف السمك وأقدام ذوات الأربع أو أقدام وأجنحة الطيور هي كذلك «شواهد تشابه»، وقد ~~أضاف أرسطو التموجات الأربع في حركة الثعابين، وهكذا في البنية العامة للأشياء، فإن ~~حركة المخلوقات الحية تبدو في كثير من الأحيان معتمدة على مجموعات من أربعة مفاصل أو ~~انثناءات. # وأسنان حيوانات اليابسة ومناقير الطيور هي أيضا «شواهد تشابه» يتضح منها ms118 أنه في جميع ~~الحيوانات المكتملة اتجاه لتجمع نوع من المادة الصلبة في الفم. # كذلك ليس محالا أن هناك تشابها وتماثلا بين الإنسان والنبات المقلوب، فالرأس هو ~~جذر الأعصاب والملكات في الحيوان، والأجزاء البذرية الناسلة هي السفلى (بإغفال الأطراف ~~السفلى والعليا)، بينما في النبات يقع الجذر (والذي يشبه الرأس) دائما أسفل جزء، ~~والبذور في أعلى جزء. # وأخيرا ينبغي أن نصر إصرارا ونعلن مرارا أن جهد الإنسان في بحث التاريخ الطبيعي ~~وتدوينه ينبغي أن يتغير تماما، ويسلك مسلكا معاكسا للنظام الحالي، فقد كرس ~~الناس حتى الآن شطرا كبيرا من العمل الجاد والدقيق في تسجيل تنوع الأشياء وتفسير ~~الملامح المميزة للحيوانات والنباتات والمتحفرات، التي أغلبها شذوذات للطبيعة أكثر مما ~~هي فروق حقيقية ذات جدوى للعلوم، مثل هذه المساعي شيء مبهج بالتأكيد، ومفيدة عمليا في ~~بعض الأحيان، ولكنها لا تسهم بشيء في تشكيل رؤية دقيقة للطبيعة؛ ولذا فإن علينا أن ~~نوجه كل انتباهنا إلى التماس التشابهات والتماثلات وتدوينها في الكلات وفي الأجزاء ~~معا، فتلك هي الأشياء التي توحد الطبيعة وتضع الأساس للعلوم. # ولكن على المرء في كل هذا أن يكون صارما وحذرا جدا ولا يقبل ك «تشابه» إلا تلك ~~«الشواهد» التي تشير إلى تماثلات فيزيقية (كما قلت من البداية) أي تماثلات حقيقية ~~وجوهرية مرسخة في الطبيعة لا عرضية وظاهرية، ولا تماثلات خرافية وغرائبية ما يزال ~~يصورها المؤلفون في السحر الطبيعي (وهم أبلد الناس الذين لا يليق ذكرهم في مقام جاد ~~كالذي نحن بصدده) الذين يعرضون بغرور وحمق بالغين، بل يخترعون أحيانا تشابهات ~~وتجانسات فارغة. # وبغض النظر عن هذه الأشياء، فإن علينا ألا نغفل «شواهد التشابه» في الأمور الأكبر، ~~حتى في الشكل الحقيقي للأرض، مثل: أفريقيا ومنطقة بيرو ذات الخط الساحلي الممتد إلى ~~مضيق ماجلان، فكلتا المنطقتين بها برازخ متماثلة وقنن جبال متماثلة، وهذا شيء لا يحدث ~~بالصدفة. # كذلك الحال بالنسبة للعالم الجديد والعالم القديم، فكلاهما مستعرض ممتد تجاه الشمال، ~~وضيق مستدق تجاه الجنوب. # ومن «شواهد التشابه» اللافتة للغاية ذلك البرد الشديد في المنطقة التي ms119 يسمونها ~~المنطقة الوسطى للهواء، والنيران الشديدة العنف التي كثيرا ما تشاهد متفجرة من نقاط ~~تحت الأرض، وهما شيئان يتشابهان في أنهما متناهيان ومتطرفان: أقصى طبيعة البرودة - ~~مثلا - هو تجاه حد السماء، وأقصى طبيعة الحرارة تجاه مركز الأرض، يجمعهما طابع التضاد ~~أو رفض الطبيعة المضادة. # وأخيرا ثمة في مبادئ العلوم «شواهد تشابه» جديرة بالملاحظة، فالمجاز البلاغي ~~المسمى # surprise ~~(المباغتة/مخالفة التوقع) تماثل ما ~~يسمى في الموسيقى # avoidance of the cadence ~~(تجنب ~~القرار أو محط النغم)، وكذلك المسلمة الرياضية القائلة بأن المساويين لثالث ~~متساويان تماثل بنية «القياس» # syllogism # في المنطق، ~~الذي يربط أشياء تتفق في الحد الأوسط. إن من المفيد غاية الفائدة في مناح كثيرة أن ~~يكون لدى أكبر عدد ممكن من الناس درجة معينة من الفطنة في تعقب واقتفاء التشابهات ~~والتماثلات الفيزيقية. # 36 ~~••• ~~(28) بين شواهد الامتياز سأضع في المرتبة السابعة الشواهد الفريدة أو الفذة» # unique instances ~~، # 37 # التي أردت أيضا أن أسميها «الشواهد الشاذة أو غير القياسية» # irregular or heteroclite instances ~~(مستعيرا المصطلح من النحويين)، تلك هي الشواهد التي تكشف عيانيا ~~الأجسام التي تبدو استثنائية فائقة للعادة، ولا تشبه غيرها من الأشياء التي من صنفها، ~~فإذا كانت «شواهد التشابه» يشبه أحدها الآخر، فإن «الشواهد الفريدة» هي «نسيج وحدها» # sui generis ~~، وفائدة الشواهد الفريدة مماثل ~~لفائدة «الشواهد المتوارية»، وهو أن ترفع الطبيعة وتوحدها بغرض اكتشاف أنواع أو طبائع ~~مشتركة يتعين بعد ذلك أن تحد بواسطة فروق حقيقية، وعلينا ألا نتخلى عن البحث حتى ~~نرد الخصائص والكيفيات الموجودة في تلك الأشياء التي قد تعد من غرائب الطبيعة، نردها ~~ونستوعبها تحت صورة معينة أو قانون محدد، وبذلك يتكشف أن الشذوذ أو الفرادة تعتمد على ~~صورة مشتركة معينة، وأن الغرابة ما هي إلا في الفروق المحددة وفي الدرجة وفي ندرة ~~التضام لا في النوع نفسه، في حين لا تعدو أفكار الناس أن تنعت هذه الأشياء بأنها أسرار ~~الطبيعة أو عجائبها، وبأنها أشياء بلا علة، وأنها شواذ عن القواعد العامة. # من أمثلة الشواهد الفريدة: الشمس والقمر بين ms120 النجوم، والمغناطيس بين الأحجار، والزئبق ~~بين المعادن، والفيل بين ذوات الأربع، والإحساس الجنسي بين ضروب اللمس، وحدة الشم ~~عند الكلاب بين ضروب الشم، وكذلك يعد حرف # S # عند ~~النحويين حرفا فريدا لسهولة تضامه مع الحروف الساكنة (الصوامت)، فقد يلتصق بصامتين ~~أحيانا بل بثلاثة، وهو ما لا تحتمله بقية الأحرف، مثل هذه الشواهد ينبغي أن تقدر ~~حق قدرها؛ لأنها ترهف البحث وتنشطه، وتنعش الذهن الذي تبلد بفعل العادة وبفعل ~~المجرى المعهود للأشياء. ~~••• ~~(29) وبين «شواهد الامتياز» سأضع في المرتبة الثامنة «شواهد الانحراف» # deviant instances ~~، # 38 # أي أغلاط الطبيعة أو الفلتات والمسوخ، حيث تنحرف الطبيعة، وتزيغ عن ~~مسارها المعتاد، والفرق بين أغلاط الطبيعة وبين «الشواهد الفريدة» هو أن الشواهد ~~الفريدة هي غرائب الأنواع بينما أغلاط الطبيعة هي غرائب الأفراد، غير أن الفائدة واحدة ~~في الحالتين؛ لأنها تحصن العقل في مواجهة العادة (إذ تصوب الانطباعات الخاطئة التي ~~تومئ بها الظواهر المعتادة إلى الذهن) وتكشف الصور المشتركة، هنا أيضا ينبغي علينا ~~مواصلة البحث حتى نكتشف سبب الانحراف، إلا أن هذا السبب لا يرقى إلى أن يكون صورة، بل ~~فقط إلى «العملية الكامنة» التي تؤدي بنا إلى الصورة، إن من يعرف طرائق الطبيعة ~~قمين أيضا أن يميز الانحرافات بسهولة أكبر، وفي المقابل من يميز الانحرافات قمين ~~أن يقف على الطرائق على نحو أدق. # وهي أيضا تختلف عن الشواهد الفريدة في أنها تقدم عونا أكبر للجانب العملي ~~والتطبيقي، فأن ننتج أنواعا جديدة ذلك أمر شديد الصعوبة، وأيسر من ذلك بكثير أن ~~ننوع في الأنواع المعروفة فننتج بذلك كثيرا من الأشياء النادرة وغير المألوفة، # 39 # إنه انتقال سهل من غرائب الطبيعة إلى غرائب الفن، فما إن تلاحظ إحدى ~~الطبائع في تنوعها، ويعرف سبب ذلك بوضوح، حتى يتسنى لنا أن نوجد تلك الطبيعة ~~بواسطة الفن بنفس الدرجة التي وصلت إليها بواسطة المصادفة، لا في حالة واحدة فحسب، بل ~~في غيرها أيضا، فالأغلاط في جانب ما تكشف وتميط اللثام عن الأغلاط والانحرافات في ~~جميع الجوانب، لا حاجة هنا إلى أمثلة ms121 كثيرة جدا، فإن علينا أن نضع مجموعة أو تاريخا ~~طبيعيا خاصا لجميع الشوهات والنواتج المعجزة للطبيعة، ولكل جدة أو ندرة أو ~~شذوذ في الطبيعة، على أن نتخذ في ذلك أشد درجات الحذر حتى نضمن المصداقية، وسوف نشك ~~- بصفة خاصة - في الأشياء التي تعتمد على الديانة بأي شكل من الأشكال، مثل المعجزات عند ~~ليفي # Livy ~~، # 40 # ومثل ما نجده عند المؤلفين في السحر الطبيعي أو الخيمياء ومن على هذه ~~الشاكلة من أولئك المشغوفين بالحكايات الخرافية، فالحقائق إنما ينبغي أن تلتمس في ~~تاريخ رصين وأمين وفي روايات موثقة. ~~••• ~~(30) في المرتبة التاسعة من شواهد الامتياز سأضع «الشواهد الحدية» # borderline instances # 41 # التي أسميتها أيضا «شواهد ~~المشاركة» # instances of sharing ~~، # 42 # وهي الشواهد التي تعرض تلك الأنواع من الأجسام التي تبدو مركبة من نوعين ~~أو من عنصرين، أو تبدو بداءات بين نوع وآخر، قد تعتبر هذه الشواهد بحق شواهد فريدة ~~أو غير قياسية (شاذة)، من حيث إنها نادرة أو غير معتادة في المخطط الشامل للأشياء، إلا ~~أنها ينبغي أن تصنف وتعرض على حدة، وذلك لقيمتها الخاصة؛ فهي مؤشرات ممتازة ~~لتركيب الأشياء وبنيتها، وهي تشير إلى أسباب عدد ونوعية الأنواع المطردة في العالم، ~~وتقود الذهن مما هو كائن إلى ما هو ممكن. # من أمثلة ذلك: الطحلب # 43 # الذي يقع بين العفن والنبات، بعض المذنبات بين النجوم والشهب المتوهجة، ~~الأسماك الطائرة # 44 # بين الطيور والأسماك، الخفافيش # 45 # بين الطيور وذوات الأربع، و«القرد، ذلك المخلوق المنفر، كيف يشبهنا؟» # 46 # والنسل الحيواني الهجين والأنواع المزيجة وما إلى ذلك. ~~••• ~~(31) في المرتبة العاشرة من شواهد الامتياز سأضع «شواهد القوة» # instances of power # 47 # أو «شواهد الصولجان» # instances of scepter ~~(مستعيرا اللفظ من شارات الملك)، والتي أسميها أيضا «شواهد فطنة الإنسان أو أدواته ~~(يديه)»، وهي الأعمال الأنبل والأكمل، والروائع في كل فن، فلما كان هدفنا الرئيسي هو أن ~~نجعل الطبيعة تسهم في خدمة الشئون والمصالح البشرية، فإن الخطوة الأولى تجاه هذه الغاية ~~هي أن نسجل ونعدد الأعمال التي في قدرة الإنسان ms122 من الأصل (الأقاليم المحتلة والمخضعة ~~من الأصل)، وبخاصة تلك الأعمال الأكثر رهافة وكمالا؛ لأنها تقدم الطريق الأيسر ~~والأسرع إلى أشياء جديدة لم تكتشف بعد، فإذا ما تأملها المرء بدقة ثم بذل جهدا ~~دءوبا ومتصلا، فلا ريب أنه إما أن يطورها بعض الشيء وإما أن يطور شيئا ما قريب ~~الصلة بها، بل قد يطبقها وينتقل بها إلى غاية أرفع. # ليست هذه نهاية المطاف، فمثلما أن أعمال الطبيعة النادرة وغير العادية تحفز الذهن لكي ~~يبحث ويكتشف أيضا الصور التي تشملها، كذلك تفعل الأعمال الفنية الرائعة والمدهشة، بل ~~تفعل ذلك بدرجة أكبر؛ لأن طريقة خلق وتشييد هذه العجائب الفنية واضحة في أغلب الحالات، ~~في حين أن غرائب الطبيعة غامضة في الأغلب الأعم، ولكن علينا هنا أيضا أن نتوخى ~~الحذر كله؛ لئلا ندعها تثبط العقل وتقيده إلى الأرض. # فثمة خطر بأن مثل هذه الأعمال الفنية - التي تبدو أشبه بقمم السعي البشري وذراه - ~~قد تذهل الفكر وتقيده وتنفث فيه سحرها الخاص فلا يعود قادرا على تناول أي شيء آخر، ~~بل سيظن أن ليس بوسعه عمل شيء من هذا النوع إلا بنفس الطريقة التي عملت بها هذه ~~الروائع، ربما بجهد أكبر بعض الشيء أو بإعداد أدق. # أما الشيء المؤكد فهو على العكس من ذلك، فقلما تجدينا الطرق والوسائل المكتشفة ~~حتى الآن والمعروفة لإنتاج أي شيء أو عمل، وإنما يعتمد التأثير الحقيقي على الصور ~~ويستمد من مصادرها، ولا شيء من ذلك تم اكتشافه حتى الآن. # ولذا (مثلما قلت سابقا) فليس بوسع من يتأمل آلات القدماء ومنجنيقهم أن يخلص إلى ~~اختراع مدفع يعمل بالبارود مهما أخلص السعي، وحتى لو قضى فيه عمره كله، ولا هو بوسع من ~~قصر أفكاره وملاحظاته على أعمال الصوف والقطن أن يكتشف بهذه الوسيلة طبيعة دودة ~~القز أو الحرير المستمد منها. # هكذا (لو تفكرت) يتبين أن كل ما يمكن أن ~~يعد اختراعا عظيما إنما أتى إلى الوجود بمحض الصدفة، وليس من خلال تطوير قليل أو ~~توسع في الفنون، يستغرق إنجاز الصدفة قرونا لكي يواتي، ms123 ولا شيء يأتي بتلك المخترعات ~~أسرع من ذلك إلا اكتشاف الصور. # لسنا بحاجة إلى تقديم أمثلة على تلك الشواهد ~~لأنها كثيرة جدا، أما الذي نحتاج إليه مسيس الحاجة فهو أن نقيم مسحا دقيقا ~~وفحصا لجميع الفنون الميكانيكية والفنون الحرة أيضا (بقدر ما تتناول تطبيقات عملية)، ~~ثم نقيم تصنيفا أو تاريخا خاصا للإنجازات الكبرى والروائع العظيمة والأعمال ~~المكتملة في كل فن، ونرفق بها المنهج المتبع في تنفيذها. # غير أني لا أقصر الجهد الذي علينا بذله في هذا التصنيف على ما يعد روائع وأسرارا ~~في كل فن، والتي تثير الدهشة، فالدهشة بنت الندرة، فالشيء النادر يثير الدهشة دائما ~~حتى لو كان مركبا من طبائع عادية، على حين أن الأشياء التي تستدعي الدهشة حقا بسبب ~~فرق محدد يميزها عن الأنواع الأخرى قلما تلفت النظر ما دمنا نألفها حولنا في استخدامنا ~~الشائع. إن علينا أن نلتفت إلى «الشواهد الفريدة» في الفن بالإضافة إلى الشواهد الفريدة ~~في الطبيعة كما قلنا آنفا، ومثلما أدرجنا الشمس والقمر والمغناطيس ... إلخ بين الشواهد ~~الفريدة في الطبيعة وإن كانت على فرادتها مألوفة لنا تماما، كذلك ينبغي أن نفعل الشيء ~~نفسه تجاه «الشواهد الفريدة» في الفن. # الورق على سبيل المثال، ذلك الشيء المألوف تماما، هو «شاهد فريد» للفن، فأنت إذا ~~أنعمت النظر في الموضوع فستجد أن المواد الصناعية هي إما منسوجة من خيوط عرضية وطولية ~~كالقماش المصنوع من الحرير أو الصوف أو الكتان ... إلخ، وإما مصنوعة من سوائل مجففة من ~~قبيل القرميد أو الخزف أو الزجاج أو المينا أو الصيني ... إلخ، وهي قابلة للصقل إذا ~~أدمجت، فإذا لم تدمج تصير صلبة دون أن تصقل. إن كل ما هو مصنوع من سوائل مجففة ~~هو شيء هش وليس دبقا أو متماسكا، ورغم ذلك فإن الورق مادة متماسكة يمكن أن تقطع ~~وتمزق، فتحاكي وتكاد تنافس جلد الحيوان أو أغشيته أو ورق النبات، وما إلى ذلك من ~~النواتج الطبيعية، وهو ليس هشا كالزجاج ولا منسوجا كالقماش، وله بالتأكيد ألياف ولكن ~~ليس له خيوط محددة، شأنه ms124 شأن المواد الطبيعية تماما؛ ولذا فالورق لا يشبه المواد ~~الصناعية الأخرى من قريب أو بعيد، وإنما هو فريد كل الفرادة، ومن المؤكد أن الضروب ~~الأفضل من المواد الصناعية هي إما تلك التي تحاكي الطبيعة محاكاة وثيقة، وإما تلك التي ~~تهيمن عليها وتغير مسارها. # مرة ثانية، بين شواهد فطن الإنسان ويديه يجب ألا نستهين بالخدع والألعاب السحرية، ~~فرغم أنها تلهيات عابثة وغير ذات جدوى، إلا أنها قد تقدم معلومات ذات قيمة. # وأخيرا فإن مسائل الخرافة والسحر (بالمعنى الشائع للكلمة) ينبغي ألا نغفلها كليا، ~~فمثل هذه الأشياء مطمورة عميقا تحت ركام هائل من الزيف والخرافات، ولكن يظل على المرء ~~أن ينظر فيها قليلا ليرى هل ثمة عملية طبيعية ما تقبع كامنة في أي منها، مثلما هو ~~الحال في الرقى وفي تقوية الخيال وتوافق الأشياء عن بعد، وانتقال الانطباعات من ~~روح لروح مثلما تنتقل من جسم لجسم وما إلى ذلك. ~~••• ~~(32) من الواضح مما قيل أن الفئات الخمس الأخيرة من الشواهد (أي شواهد التشابه ~~والشواهد الفريدة وشواهد الانحراف والشواهد الحدية وشواهد القوة) ينبغي ألا ترجأ حتى ~~نكون بصدد بحث طبيعة معينة (مثلما ينبغي للشواهد الأخرى التي وضعتها أولا وأغلب ~~الشواهد التي تليها) بل ينبغي البدء فورا بمجموعة منها كنوع من التاريخ الخاص؛ لأنها ~~تساعد على تنظيم المادة التي تدخل الذهن، وتصوب عادته الفاسدة، إذ إنه بالضرورة ~~مشرب بالانطباعات اليومية والاعتيادية ومفسد بها ومنحرف ومشوه. # علينا أن نستخدم هذه الشواهد كإعداد مبدئي لتصويب الذهن وتطهيره، فكل ما يصرف الذهن ~~عن الأشياء المعتادة من شأنه أن يسوي ويصقل سطحه لتلقي الضياء الصريح الصافي ~~للأفكار الصادقة. # مثل هذه الشواهد أيضا تمهد وتعبد الطريق الذي يؤدي إلى تطبيق عملي، كما سوف ~~يتبين في موضعه عندما أعرض للحديث عن الاستنباطات المؤدية إلى ممارسة عملية ~~(الاستنباطات العملية). # 48 ~~••• ~~(33) في المرتبة الحادية عشرة من شواهد الامتياز سأضع «شواهد الصحبة ~~والعداء» # instances of accompanying and enmity # 49 # التي أسميتها أيضا «شواهد القضايا ~~الثابتة» # instances of unchanging propositions ~~، وهي الشواهد التي تعرض جوهرا ms125 أو شيئا عيانيا فيه تكون ~~الطبيعة محل البحث: إما حاضرة على الدوام كالرفيق اللصيق، وإما منسحبة دائما ومستبعدة ~~من الارتباط كالعدو أو الخصم، ونحن على أساس هذه الشواهد نكون قضايا كلية يقينية إما ~~موجبة وإما سالبة، سيكون فيها الموضوع جسما عينيا ويكون المحمول هو الطبيعة نفسها ~~محل البحث؛ ذلك أن القضايا الجزئية ليست ثابتة على الإطلاق، إنها قضايا نجد فيها ~~الطبيعة المقصودة سائلة غير ثابتة في شيء عيني، أي إنها طبيعة مقتربة أو مكتسبة، أو ~~على النقيض مبتعدة أو منفصلة، وهكذا فالقضايا الجزئية ليس لها امتياز كبير إلا في حالة ~~«الانتقال» التي عرضنا لها آنفا، ورغم ذلك فحتى القضايا الجزئية تكون ذات قيمة عندما ~~توازن وتقارن بالقضايا الكلية، كما سوف أبين في موضعه، ولكن حتى في القضايا ~~الكلية نحن لا نتطلب الإثبات أو النفي التام والمطلق، ويكفي لغرضنا أن تتيح استثناء ما ~~فريدا أو نادرا. # بذا تكون وظيفة «شواهد الصحبة» هي تضييق مجال ~~الموجب (الإثبات)، فمثلما تضيق «شواهد الانتقال» مجال الموجب بحيث تكون الصورة ~~هي شيء يقبل أو يرفض بواسطة فعل الانتقال، كذلك تضيقه «شواهد الصحبة» حيث يتعين ~~علينا أن نميز الصورة كشيء يدخل في تركيب هذا الجسم أو - على العكس - يأبى أن يدخل، ~~بذا يصبح كل من هو على إلف بتركيب أو هيئة هذا الجسم قريبا من تسليط الضوء على صورة ~~الطبيعة محل البحث. # افترض على سبيل المثال أن الطبيعة المطلوبة هي الحرارة، إن «شاهد الصحبة» هنا هو ~~اللهب، ففي الماء والهواء والحجر والمعدن ومعظم الأشياء الأخرى تتباين الحرارة، ويمكن ~~أن تأتي وأن تذهب، أما اللهب فكله حار، فالحرارة تصحب تكوين اللهب، وليس ثمة «شاهد ~~عداء» (أو نفور) للحرارة في خبرتنا، ليست لدينا خبرة حسية بأحشاء الأرض، ولكننا لا نعرف ~~بين جميع الأجسام تكوينا واحدا غير قابل للحرارة. # أو افترض أن الطبيعة المطلوبة هي الصلابة، فشاهد العداء هو الهواء، فالمعدن قد يكون ~~منصهرا وقد يكون صلبا وكذلك الزجاج، وحتى الماء قد يكون صلبا وذلك عندما يتجمد، إلا ~~أن من ms126 المحال دائما أن يتصلب الهواء أو يفقد سيولته. # 50 # يبقى هناك تحذيران حول «شواهد القضايا الثابتة» يتصلان بهذا العرض؛ أولا: إذا لم ~~يكن ثمة أي قضية كلية مطلقة - موجبة أو سالبة - فإن علينا أن نسجل بعناية تلك الحقيقة ~~الواقعة ذاتها كشيء غير موجود، تماما مثلما فعلنا في حالة الحرارة، حيث السالب الكلي ~~(في حدود خبرتنا) غير قائم في الطبيعة، وبالمثل إذا كانت الطبيعة محل البحث أبدية أو ~~غير قابلة للفساد فإن الموجب الكلي غير متاح في خبرتنا، فالأبدية وعدم القابلية للفساد ~~لا يمكن أن يحملا على أي جسم يقع تحت سمائنا وفوق أحشاء أرضنا، والتحذير الثاني هو ~~أن القضايا الكلية - السالبة والموجبة كلتيهما - عن الشيء العياني لها أشياء عيانية ~~مرتبطة بها تقترب، فيما يبدو، من العدم (الجواهر غير الموجودة)، مثال ذلك: في حالة ~~الحرارة اللهب الفائق اللطف والأقل إحراقا، وفي حالة عدم القابلية للفساد: الذهب، فهو ~~أقرب شيء إلى ذلك؛ كل هذه الأشياء تشير إلى التخوم الطبيعية بين الوجود والعدم، وتفيد ~~في تحديد حدود الصور فلا تنتفخ وتضل وراء شروط المادة. ~~••• ~~(34) وفي المرتبة الثانية عشرة من شواهد الامتياز سأضع تلك «الشواهد الإضافية» # accessory instances # 51 # التي تحدثت عنها في الشذرة السابقة، والتي أسميتها أيضا «شواهد النهاية أو الشواهد ~~النهائية» # instances of the end or terminal instances ~~، هذه الشواهد ليست مفيدة فحسب عندما ترتبط بالقضايا ~~الثابتة، بل هي أيضا مفيدة في ذاتها ومفيدة بطبيعتها الخاصة؛ ذلك أنها تميز بوضوح ~~الأقسام الحقيقية للطبيعة: مقاييس الأشياء، وإلى أي حد في كل حالة يمكن للطبيعة أن ~~تفعل (أي شيء) أو تنفعل، ثم الانتقال من طبيعة إلى طبيعة أخرى، مثال ذلك: في الثقل ~~الذهب، وفي الصلابة الحديد، والحوت في حجم الحيوان، والكلب في الشم، ولهب البارود في ~~سرعة التمدد ... إلخ، وهي شواهد تبين الدرجات النهائية في قاع المقياس مثلما تبينه في ~~قمته، كشأن الكحول في الوزن، والحرير في النعومة، ودويدة الجلد في حجم الحيوان ... ~~إلخ. ~~••• ~~(35) وفي المرتبة الثالثة عشرة من شواهد الامتياز سأضع «شواهد التحالف ms127 أو الاتحاد» # instances of alliance or of union ~~، # 52 # وهي الشواهد التي تصهر وتوحد الطبائع التي تظن غير متجانسة وتدون ~~وتدرج كذلك في التقسيمات السائدة. # تبين «شواهد التحالف» أن العمليات والتأثيرات المنسوبة إلى طبيعة ما قد تنتمي ~~أيضا إلى طبائع متباينة أخرى، وأن هذا التباين يتكشف أنه غير حقيقي أو جوهري بل مجرد ~~تعديل لطبيعة عامة، وهي من ثم ذات نفع عظيم في العلو والارتفاع بالعقل من ~~الفروق إلى «العموميات» # genera ~~، وفي التخلص من الأوهام ~~والصور الزائفة للأشياء كما تصادفنا متخفية في مواد عيانية. # افترض على سبيل المثال أن الطبيعة محل البحث هي «الحرارة»، ثمة - فيما يبدو - تمييز ~~معتاد ومصدق بين ثلاثة أنواع من الحرارة: حرارة الأجرام السماوية وحرارة الحيوانات ~~وحرارة النار، هذه الأنواع (وبخاصة أحدها بالمقارنة بالاثنين الآخرين) مختلفة ومتباينة ~~تماما في ماهيتها وجنسها الحقيقيين أو في طبيعتها الخاصة، فحرارة الأجرام السماوية ~~والحيوانات تخلق وتغذو، بينما حرارة النار تفسد وتدمر؛ لذا فمن «شواهد التحالف» ~~تلك الخبرة الشائعة جدا من إحضار فرع من الكرم إلى منزل لا تخبو النار في مدفأته، ~~فينضج عنبه سابقا الخارج بشهر، بوسع المرء إذن أن يسرع نضج الفاكهة حتى إذا كانت ~~مدلاة على الشجرة، وذلك باستخدام نار، وإن كان ذلك - فيما يبدو - هو التأثير الخاص ~~للشمس، من هذه البداية يشرع العقل في رفض وجود تباين جوهري، ويرتقي للتو إلى بحث أي ~~فروق حقيقية توجد بين حرارة الشمس وحرارة النار فتجعل عمليهما جد متباينين رغم ~~اشتراكهما في طبيعة عامة. # سيتبين أن الفروق هي أربعة: ~~(1) # حرارة الشمس أخف وألطف درجة بكثير بالمقارنة بحرارة النار. ~~(2) # وهي أرطب بكثير من حيث النوعية (على الأقل كما تصلنا خلال ~~الهواء). ~~(3) ~~(وهذا هو الفرق الرئيسي) أنها متفاوتة للغاية، تعلو وتزداد ثم تهبط ~~وتقل، الأمر الذي يسهم إسهاما كبيرا في تكوين الأجسام، وقد صدق أرسطو ~~حين قال بأن السبب الرئيسي لكون الأشياء وفسادها هنا على سطح الأرض هو ~~المسار المائل للشمس خلال دائرة البروج # Zodiac ~~، والذي ينتج عنه التفاوت الغريب في حرارة الشمس، ms128 ~~بتغير النهار والليل من جانب، وبتعاقب الصيف والشتاء من جانب، إلا أن أرسطو ~~سرعان ما أفسد وحرف ما أصاب في اكتشافه، فهو بصفته حكما على الطبيعة ~~فقد قرر جازما أن اقتراب الشمس هو سبب الكون، وابتعادها سبب الفساد، ~~بينما الصواب أن كليهما - الاقتراب والابتعاد - هما سبب الكون والفساد دون ~~تفرقة ودون تتابع، إذ إن تفاوت الحرارة يخدم الكون والفساد، بينما تساوي ~~الحرارة يخدم الحفظ فقط. ~~(4) # هناك أيضا فرق رابع بين حرارة الشمس وحرارة النار، وهو فرق ذو دلالة ~~هائلة، فالشمس تنشر عملياتها خلال آماد طويلة من الزمن، بينما عمليات النار ~~(بإلحاح من عجلة الإنسان) تحمل على أن تنتج أثرا في فترة قصيرة ~~نسبيا، ومع ذلك فبوسع المرء أن يراعي بدأب أن يتحكم في حرارة لهب ~~ويخفضه إلى درجة خفيفة ومعتدلة (وهناك طرق كثيرة لذلك)، وبوسعه أيضا أن ~~يرد رطوبة ويمزجها بها، وبوسعه خاصة أن يحاكي تفاوت حرارة الشمس، ثم ~~أن يصبر على الوقت الذي تأخذه (لن يكون طويلا كالوقت الذي تستغرقه عمليات ~~الشمس، ولكنه أطول على كل حال مما دأب الناس على أخذه في استعمالات ~~النار)، إذا فعل المرء كل ذلك فسوف يطرح بسهولة فكرة عدم تجانس ~~الحرارة، وسوف يقترب - باستخدام حرارة النار - من عمليات الشمس أو يتساوى ~~معها، وربما يفوقها في بعض الحالات، ثمة «شاهد تحالف» مماثل، وهو عملية ~~إنعاش الفراش المدوخ ونصف المقتول بالبرد بقليل من التدفئة من اللهب، ~~بوسعك في هذا الشاهد أن ترى بسهولة أن النار تنعش حياة الحيوانات مثلما ~~هي تنضج النباتات، كذلك من الواضح أن اختراع فراكاسترو # Fracastoro # الشهير للوعاء المسخن ~~(الذي يحجم # 53 # به الأطباء رءوس ضحايا السكتة الدماغية الميئوس من حالاتهم) ~~يمدد أرواح الحيوان التي أخمدتها وأطفأتها تقريبا أمزجة الدماغ ~~وانسداداته، وتحفزها إلى النشاط، إنها تعمل كما تعمل النار على الماء أو ~~الهواء، إلا أن لها أثر استعادة الحياة، والبيض أيضا قد يفقس بواسطة ~~حرارة النار، في محاكاة مباشرة لحرارة الحيوان، وهناك شواهد أخرى عديدة من ~~هذا القبيل، بحيث لا تدع لأحد ms129 مجالا للشك في أن حرارة النار - في موضوعات ~~كثيرة - يمكن أن تلطف لتكون شكلا من ~~حرارة الأجرام السماوية أو حرارة الحيوانات. # وبالمثل، افترض أن الطبيعتين المطلوبتين هما الحركة والسكون، ثمة ~~- فيما يبدو - تقسيم شائع هو أيضا مستمد من قلب الفلسفة، يفيد أن الأجسام ~~الطبيعية إما تدور وإما تتحرك في خط مستقيم وإما تقف وتبقى في سكون، فثمة ~~إما حركة بغير نهاية، وإما سكون في نهاية، وإما حركة تجاه نهاية، يبدو أن ~~الحركة الدائرية الدائمة تخص الأجرام السماوية، وأن المكوث أو السكون يخص ~~كوكب الأرض نفسه، ولكن الأجسام الأخرى التي ينعتونها بالثقل والخفة - أي ~~الأجسام التي هي خارج أماكنها الطبيعية - تتحرك في خط مستقيم تجاه محيط ~~السماء، والأجسام الثقيلة إلى أسفل تجاه الأرض، كل هذا كلام جميل. # والمذنب المنخفض هو «شاهد تحالف»، ورغم أنه أخفض من السماء بكثير ~~فإنه يدور، وقد تم منذ زمن طويل تكذيب الخيال الأرسطي القائل بأن المذنب ~~مربوط بنجم معين أو تابع لنجم معين، ليس فقط لأن تفسيره غير محتمل، بل ~~بسبب الحقيقة الملاحظة لحركة المذنبات الهائمة وغير المنتظمة خلال مناطق ~~مختلفة من السماء. # وشاهد تحالف آخر هو حركة الهواء، الذي يبدو أنه يدور من الشرق إلى الغرب ~~داخل المنطقة الاستوائية (حيث حلقات الدوران أكبر). # وشاهد آخر هو جزر البحر ومده، شريطة أن تكون المياه نفسها قد ~~شوهدت تتحرك بحركة دائرية (وإن تكن بطيئة وصعبة الملاحظة) من الشرق إلى ~~الغرب، ولكن بحيث تنحسر مرتين في اليوم، فإذا كان الأمر كذلك لتبين أن ~~الحركة الدائرية غير مقصورة على السماء، بل يشارك فيها الهواء ~~والماء. # وحتى تلك الخاصية للمواد الخفيفة - أي ميلها للحركة إلى أعلى - هي خاصية ~~متفاوتة بعض الشيء، خذ مثلا فقاعة الماء كشاهد تحالف في هذه الحالة، ~~فإذا كان الهواء تحت الماء فإنه يرتفع بسرعة تجاه سطحه بواسطة الحركة ~~اللاكمة (كما يسميها ديمقريطس) التي يضرب بها الماء الهابط الهواء ~~ويرفعه إلى أعلى، وليس بواسطة سعي أو جهد من جانب الهواء نفسه، وحال وصول ~~الهواء إلى سطح الماء ms130 تمنعه من الصعود أكثر تلك المقاومة الهينة التي ~~يجدها في الماء الذي لا يسمح بالانفصال الفوري لأجزائه، وهكذا فميل الهواء ~~نفسه للصعود لا بد أنه ميل ضئيل جدا. # افترض أيضا أن الطبيعة المقصودة هي الثقل، إن من التمييزات المقبولة ~~تماما أن الأشياء الكثيفة الصلبة تميل إلى الاتجاه نحو مركز الأرض، بينما ~~تميل الأشياء الخفيفة القليلة الكثافة إلى الاتجاه نحو محيط السماء ... أي ~~إلى أماكنها الصحيحة، أما عن الأماكن فمن العبث والطفولية أن نعتقد (وإن ~~كان مثل هذا النوع من الأفكار منتشرا في المدارس) أن المكان له أي تأثير ~~على الإطلاق؛ لذا فإن الفلاسفة يهرفون إذ يقولون: إنه إذا ثقبت الأرض ~~فإن الأجسام الثقيلة سوف تتوقف عندما تصل إلى مركز الأرض. إنه ليكون ضربا ~~غريبا حقا من العدم المؤثر أو النقطة الرياضية المؤثرة، هذا المركز إذا ~~كان يؤثر على الأجسام أو تسعى إليه الأجسام! فالجسم لا يؤثر عليه إلا جسم، ~~أما الميل إلى الحركة إلى أعلى أو إلى أسفل فهو يعتمد إما على بنية الجسم ~~المتحرك وإما على تجانسه أو توافقه مع جسم آخر، فإذا ما وجد أي جسم هو ~~كثيف وصلب ولكنه لا يميل إلى الحركة تجاه الأرض فإن هذا التمييز يتقوض، ~~أما إذا قبلنا رأي جلبرت بأن القوة المغناطيسية للأرض الجاذبة للأشياء ~~الثقيلة لا تتجاوز نطاقها الخاص (الذي يمتد دائما إلى حد معين ولا يتخطاه)، # 54 # وإذا ثبت ذلك بشاهد ما، فسيكون هذا الشاهد أحد «شواهد ~~التحالف» في هذا الموضوع، إلا أنه لم يقع تحت الملاحظة شاهد مؤكد وواضح ~~على هذه النقطة حتى الآن، وأقرب الأشياء إليه - فيما يبدو - هو أعمدة الماء ~~التي كثيرا ما يشاهدها المسافرون خلال المحيط الأطلنطي إلى أي من الهندين. ~~إن كتلة وقوة الماء المدفوع فجأة بهذه الأعمدة تبدو هائلة بحيث تنم عن ~~تراكم مسبق للماء الذي يبقى ثابتا حيث تكون، حتى يحمله على السقوط فيما ~~بعد سبب ما عنيف غير الحركة الطبيعية لثقله، ومن ثم فقد يخمن المرء ~~بأن كتلة فيزيقية كثيفة ومدمجة على ms131 مسافة كبيرة من الأرض ستظل معلقة ~~كالأرض نفسها ولن تسقط ما لم تحمل على السقوط، غير أني هنا لا أدعي ~~أمرا يقينيا، وفي هذا وكثير غيره سنرى بوضوح كم نحن معوزون في التاريخ ~~الطبيعي، ما دمنا نضطر أحيانا إلى تقديم افتراضات بدلا من تقديم شواهد ~~أكيدة. # افترض كذلك أن الطبيعة المقصودة هي إعمال العقل، إن التمييز بين عقل ~~الإنسان وغريزة الحيوان يبدو صائبا تماما، غير أنه في بعض الأحيان تومئ ~~أفعال الحيوانات إلى أنها تمر خلال سلسلة من الاستدلال: يحكى أن غرابا ~~اشتد عليه العطش في قحط عظيم حتى كاد يقتله، فلمح بعض الماء في جذع ~~شجرة أجوف، ولما كان الجذع أضيق من أن ينفذ فيه، فقد جعل يسقط حصوات في ~~التجويف الواحدة تلو الأخرى لكي يرتفع منسوب الماء فيتمكن من الشرب، وقد ~~جرى ذلك فيما بعد مجرى الأمثال. # 55 # وافترض أيضا أن الطبيعة المقصودة هي الرؤية، ثمة تمييز يبدو حقا ~~ويقينا تماما بين الضوء وهو المرئي الأصلي والمصدر الأولي للإبصار، وبين ~~اللون وهو مرئي ثانوي ولا يبصر بغير الضوء، ومن ثم يبدو أنه ~~مجرد صورة أو تعديل للضوء لا أكثر، إلا أن هناك - فيما يبدو - «شواهد ~~تحالف» في ذلك لكلا الجانبين: الجليد بكميات كبيرة، ولهب الكبريت، يظهر في ~~أحدهما أن هناك لونا يصير ضوءا، وفي الآخر أن هناك ضوءا ينحدر تجاه اللون. # 56 ~~••• ~~(36) وبين شواهد الامتياز سأضع في المرتبة الرابعة عشرة «الشواهد الصليبية» # crucial instances ~~، # 57 # مستعيرا اللفظة من المشيرات الإصبعية التي تنصب عند مفارق الطرق؛ لكي ~~تشير إلى الاتجاهات المختلفة، وقد أسميتها أيضا «الشواهد الفاصلة» # decisive instances # و«القاضية» # judicial ~~، وفي بعض الحالات أسميها «الشواهد النبوئية» # oracular # أو «الآمرة» # commanding ~~، وتعمل طبيعتها كما يلي: في بحثه عن طبيعة ما قد يقر ~~الذهن في محله ولا يمكنه أن يقرر إلى أي من طبيعتين (أو أكثر) ينبغي أن يعزو ~~سبب الطبيعة محل البحث؛ إذ إن طبائع كثيرة تقع معا في العادة، هناك تنهض الشواهد ~~الفاصلة بتبيان أن تصاحب إحدى الطبائع مع ms132 الطبيعة محل البحث هو تصاحب دائم لا انفصام ~~له، بينما تصاحب الأخرى متقطع وغير دائم، من شأن ذلك أن يحسم البحث فتؤخذ الأولى ~~على أنها السبب بينما ترد الثانية وترفض، بذلك يقدم هذا النوع من الشواهد ضوءا ~~كثيفا وسلطانا عظيما بحيث ينتهي ويتم فيها مسار التفسير. قد تقع الشواهد الفاصلة ~~ببساطة إذ توجد بين شواهد مألوفة طويلة العهد، إلا أنها - في الأغلب - تكون جديدة ~~ومستخدمة عمدا ومطبقة خصيصا، وتتطلب دأبا واجتهادا للكشف عنها. # افترض مثلا أن الطبيعة محل البحث هي الجزر والمد المتكرر مرتين في اليوم - أي ست ~~ساعات لكل مجيء وذهاب - مع بعض التفاوت وفقا لحركات القمر، وفيما يلي حالة من حالات ~~افتراق الطرق. # هذه الحركة لا بد أن تكون مسببة إما عن حركة الماء جيئة وذهابا مثل الماء الذي ~~يتخبط في حوض فيترك جانبا من الحوض عندما يغطي الجانب الآخر، وإما عن ارتفاع ماء ~~البحر من القاع ثم هبوطه مرة ثانية مثل الماء الغالي، ولكن المرء في شك: إلى أي من ~~هذين السببين يعزو الجزر والمد، إذا قبلنا الأول لترتب أنه عندما يكون هناك مد ~~على جانب من البحر لتعين أن يكون هناك في الوقت نفسه جزر في مكان ما على الجانب ~~الآخر؛ لذا فهذا هو الشكل الذي سيتخذه البحث، ولكن أكوستا # Acosta # وكثيرين غيره قد لاحظوا (بعد بحث دقيق) أن هناك مدا عاليا ~~في الوقت نفسه على شواطئ فلوريدا وعلى الشواطئ المقابلة لها لإسبانيا وأفريقيا، وكذلك ~~يوجد جزر خفيض في الوقت نفسه، وليس العكس، أي ليس هناك جزر خفيض بشواطئ إسبانيا ~~وأفريقيا عندما يكون هناك مد عال بشواطئ فلوريدا، ورغم ذلك فإذا أنعمت النظر في ~~ذلك لوجدت أنه لا يبرهن على حركة صاعدة ولا يفند حركة أمامية، فمن الجائز أن يحدث أن ~~تتحرك المياه قدما بينما تغمر كلا الشاطئين بمدة ماء في الوقت نفسه، بمعنى أن تلك ~~المياه معرضة لقوة وضغط من اتجاه آخر، مثلما يحدث في الأنهار، حيث يحدث المد والجزر ~~على كلتا الضفتين في الوقت ms133 نفسه رغم أن الحركة أمامية بشكل واضح، حركة المياه الداخلة ~~إلى فم النهر من البحر؛ لذا فمن الممكن بالمثل أن تدفع مياه آتية بكتلة كبيرة من ~~المحيط الهندي الشرقي وتنغمد في حوض البحر الأطلنطي، وبذلك تغمر كلا الجانبين في الوقت ~~نفسه، علينا من ثم أن نسأل ما إذا كان هناك حوض آخر يمكن للمياه من خلاله أن تفيض ~~وتنحسر في الوقت نفسه، وهناك المحيط الجنوبي الذي يطرح نفسه للتو، والذي لا يقل عن ~~المحيط الأطلنطي، بل هو أعرض وأوسع مما هو مطلوب لهذا الأثر. # ها نحن أولاء قد وصلنا إلى «المثال الفاصل» في هذا الموضوع، إذا ما تبين على ~~اليقين أنه عندما يكون هناك مد عال في الشاطئين المتقابلين لكل من فلوريدا ~~وإسبانيا في المحيط الأطلنطي، هناك في الوقت نفسه مد عال في شواطئ بيرو وقرب البر ~~الرئيسي للصين في البحر الجنوبي؛ لوجب علينا إذن بهذا «الشاهد الفاصل» أن نرفض ~~القول بأن المد والجزر (موضوع البحث) يحدث بحركة أمامية، فليس ثمة بعد أي بحر أو ~~مكان آخر حيث يمكن أن يكون ثمة انحسار أو جزر في الوقت نفسه، ويمكن أن نعرف ذلك على ~~نحو مريح للغاية إذا ما سئل سكان بنما وليما (حيث المحيطان الأطلنطي والجنوبي ~~يفصلهما برزخ صغير) عما إذا كان المد والجزر على جانبي البرزخ يحدثان في الوقت نفسه ~~أم العكس هو ما يحدث، أي إن المد يكون على جانب عندما يكون الجزر على الجانب الآخر، ~~هذا الحكم أو الرفض يبدو يقينيا إذا سلمنا بأن الأرض ثابتة، أما إذا كانت الأرض ~~تدور فربما يكون الحال هو أن دوران الأرض ودوران مياه البحر غير متساويين (في السرعة ~~والقوة)، فيترتب على ذلك ضغط عنيف يدفع المياه إلى أعلى في كومة والتي هي المد ~~العالي، يعقبه سقوط المياه (عندما لا يسعها أن تظل مكومة) والذي هو الجزر، يتطلب ~~هذا بحثا منفصلا، ولكن بناء على هذا الافتراض يظل صائبا بالمثل أنه يتعين أن يكون ~~هناك جزر في مكان ما في الوقت ذاته ms134 الذي يوجد فيه مد عال في أماكن أخرى. # افترض أيضا أن الطبيعة محل البحث هي الحركة الثانية من الحركتين اللتين افترضناهما، ~~أي حركة البحر ارتفاعا وهبوطا، إذا رفضنا بالفعل - بعد تفحص دقيق - الحركة ~~الأمامية، فسيكون لدينا عندئذ تفرع ثلاثي في الطريق: فالحركة التي ترتفع بها المياه ~~وتهبط في جزرها ومدها دون إضافة مياه أخرى تتدفق فيها، تمضي بالضرورة بطريقة من ~~ثلاث طرق، فقد تتسبب من أن كتلة عظيمة من الماء تنفجر إلى أعلى من جوف الأرض ثم تغطس ~~فيه مرة ثانية، أو من أن كمية الماء ثابتة بلا زيادة، ولكن هذه المياه نفسها تمد ~~أو ترقق بحيث تشغل مكانا وبعدا أكبر، ثم تنكمش بعد ذلك، أو لأن الكمية والامتداد ~~لا يزيدان ولكن المياه نفسها (هي هي من حيث الكم والكثافة والخفة) تعلو وتهبط بواسطة ~~قوة مغناطيسية معينة من فوق تشدها وتجذبها من خلال الاتفاق، # 58 # ولندع جانبا الحركتين الأوليين ونقصر بحثنا (من فضلكم) على هذا ~~الاحتمال الأخير، ولنجر البحث فيما إذا كان ثمة أي علو مثل هذا بالاتفاق أو بقوة ~~مغناطيسية، فمن الواضح أولا أن المياه جميعا هي قابعة في خندق البحر أو قاعه لا ~~يمكنها أن ترتفع معا في الوقت نفسه، إذ لن يكون هناك شيء يحل محلها في القاع، فإذا كان ~~للماء أي ميل من هذا القبيل إلى الارتفاع فلسوف تصده قيود الطبيعة وتكبحه، أو (كما ~~يقال) لكي تمنع حدوث فراغ، ولا يبقى إلا تفسير واحد، وهو أن المياه تعلو في مكان، ~~ولهذا السبب تهبط وتنحسر في مكان آخر. والحق أنه سوف يترتب على ذلك بالضرورة أنه ~~ما دامت القوة المغناطيسية لا يمكن أن تعمل على الكل، فإنها تعمل بشدة أكبر على المركز ~~فترفع المياه في الوسط، وحين ترتفع المياه في الوسط تنحسر عن الأجناب وتتركها عارية مكشوفة. # 59 # ها نحن قد وصلنا أخيرا إلى «شاهد فاصل» في هذا ~~الموضوع، إذا وجد أثناء الجزر يكون سطح المياه في البحر أكثر تقوسا واستدارة، ~~إذ ترتفع المياه في وسط البحر ms135 وتنحسر في الأطراف وهي الشواطئ، وأنه أثناء المد يكون نفس ~~السطح أكثر استواء وانبساطا إذ تعود المياه إلى وضعها السابق. يمكننا إذن بهذا ~~«الشاهد الحاسم» أن نقبل بالتأكيد فكرة الارتفاع بواسطة القوة المغناطيسية، وإلا فإن ~~علينا أن نرفضها كليا، وبميسورنا تبيان ذلك باستخدام خيوط سبر في المضايق، أي تبيان ~~ما إذا كان الماء أعلى وأعمق تجاه مركز البحر أثناء الجزر مما هو أثناء المد، مع ~~ملاحظة أنه إذا صح ذلك، فإن الحقيقة (على عكس ما يعتقد) هي أن المياه تعلو في ~~الجزر ولا تهبط إلا في المد؛ كيما تغطي الشواطئ وتغمرها. # وافترض بالمثل أن الطبيعة محل البحث هي حركة الدوران التلقائية، وبخاصة ما إذا كانت ~~الحركة اليومية التي تطلع بها الشمس والنجوم في نظرنا وتغور هي حركة دوران حقيقية في ~~السماء أم هي حركة ظاهرية في السماء ولكنها حركة حقيقية في الأرض، قد يكون لدينا «شاهد ~~فاصل» في هذا الموضوع كما يلي: إذا وجدنا في المحيط حركة من الشرق إلى الغرب مهما كان ~~ضعفها وبطؤها، وإذا وجدنا نفس الحركة على نحو أسرع قليلا في الهواء، وبخاصة داخل ~~المنطقة الاستوائية حيث يسهل رصدها لأن محيطها أكبر، وإذا وجدنا الحركة نفسها في ~~المذنبات الدنيا، وهي الآن في هيئة قوية وحيوية، وإذا وجدنا الحركة نفسها في الكواكب، ~~وإن على نحو محصص ومدرج بحيث كلما قصرت مسافتها من الأرض كانت أبطأ، وكلما ~~بعدت كانت أسرع، وتكون أسرع ما تكون في سماء النجوم. إذن علينا بالتأكيد أن نعترف ~~بحقيقة الحركة اليومية في السماء، وأن ننكر حركة الأرض، إذ سيكون واضحا أن الحركة من ~~الشرق إلى الغرب تمضي خلال الكون وتقوم على توافق الكون كله، وأنها تبلغ أقصى سرعتها في ~~أعالي السماء، وتخفت بدرجات حتى تهن وتتوقف في النقطة غير المتحركة، أي الأرض. # لنفترض أيضا أن الطبيعة محل الدراسة هي حركة الدوران الأخرى التي كثيرا ما تحدث ~~عنها الفلكيون، وهي الحركة المقاومة والمضادة للحركة اليومية، أي الحركة من الغرب إلى ~~الشرق، التي يعزوها الفلكيون القدامى إلى ms136 الكواكب وإلى سماء النجوم أيضا، ولكن ~~كوبرنيقوس وتلاميذه يعزونها كذلك إلى الأرض، ولكن لنسأل: هل ثمة أي حركة من هذا القبيل ~~في الطبيعة؟ أم هي بالأحرى شيء مختلق ومفترض من أجل اختصار الحساب وتيسيره، ومن أجل ~~تلك الفكرة الجميلة التي تفسر الحركات السماوية بواسطة الدوائر التامة؟ فهذه الفكرة عن ~~السماء لم يثبت بأي حال أنها صادقة أو حقيقية، لا بإخفاق كوكب في العودة في حركته ~~اليومية إلى نفس النقطة من الكرة السماوية ولا بالتفاوت بين أقطاب دائرة البروج وأقطاب ~~الأرض، وهما الشيئان اللذان شجعا فكرة هذه الحركة؛ فالظاهرة الأولى تفسر أفضل ~~تفسير بافتراض أن النجوم الثابتة تسبق الكواكب وتتركها وراءها، والثانية بافتراض حركة ~~في خطوط حلزونية، فيكون التفاوت في العودة والانحدار نحو المنطقة الاستوائية تعديلات ~~للحركة اليومية الواحدة وليس حركات معاكسة أو حركات حول أقطاب مختلفة. إن من المؤكد ~~تماما لو أننا اتخذنا للحظة وجهة نظر الإنسان العادي (ونفضنا يدنا من أوهام ~~الفلكيين والمدرسيين الذين دأبوا على مناوأة الحس المشترك بلا داع، وشغفوا بكل ما هو ~~مبهم) أن الحركة تبدو للحس المشترك كالذي وصفته، والذي مثلته مرة على هيئة آلة ~~مكونة من أسلاك حديدية. # وبوسعنا أن نأخذ الشاهد التالي كشاهد فاصل في ~~هذا الموضوع: إذا وجدنا في أي تاريخ ذي مصداقية أنه قد تأتى لأي مذنب - سواء كان ~~مرتفعا أو منخفضا - ألا يدور في توافق ظاهر (وإن غير منتظم) مع الحركة اليومية بل في ~~الاتجاه المعاكس، فبوسعنا عندئذ بقدر ما تسمح هذه الملاحظة أن نقرر إمكان مثل هذه ~~الحركة في الطبيعة، أما إذا لم يوجد شيء من هذا فلا بد أن نعتبره محل شك، وأن نلجأ ~~إلى شواهد فاصلة أخرى في هذا الأمر. # افترض أيضا أن الطبيعة محل البحث هي الوزن أو الثقل، هنا سيكون تفرع الطريق كما ~~يلي، فالأشياء الثقيلة يتعين بالضرورة إما أن تميل بطبيعتها ذاتها تجاه مركز الأرض ~~بسبب بنيتها الخاصة، وإما أن تشد وتجذب بواسطة الكتلة الفيزيقية للأرض نفسها، ~~كاجتماع الأشياء الشبيهة، وتتحرك نحوها بالتوافق ~~( # agreement/consensus ms137 ~~)، ولكن إذا كان الثاني هو ~~السبب لترتب عليه أنه كلما اقتربت الأشياء الثقيلة من الأرض كانت حركتها تجاهها أقوى ~~وأعنف، وكلما ابتعدت عنها كانت حركتها أضعف وأبطأ (مثلما هو الحال مع الجذب ~~المغناطيسي)، وأن هذا الفعل محصور في حدود معينة، فإذا ما كانت هذه الأشياء من البعد ~~عن الأرض بحيث لا يمكنها أن تؤثر عليها، فسوف تبقى معلقة، مثل الأرض نفسها، ولن تسقط أبدا. # 60 # ولذا يمكن لما يلي أن يكون «شاهدا فاصلا» في هذه المسألة: خذ ساعة من تلك الساعات ~~التي تتحرك بواسطة أثقال الرصاص، وساعة أخرى من تلك الساعات التي تتحرك بواسطة زنبرك ~~من الحديد، وجربهما بدقة لتتأكد أن ليست إحداهما أسرع ولا أبطأ من الأخرى، ثم ضع ~~الساعة التي تتحرك بالأثقال في قمة كنيسة شاهقة الارتفاع، واترك الأخرى أسفل، ثم لاحظ ~~ما إذا كانت الساعة العليا تتحرك أبطأ لأن أثقالها صارت (بالارتفاع) أقل قوة، أجر نفس ~~التجربة في قاع المناجم عميقا تحت الأرض؛ لترى ما إذا كانت ساعة من هذا القبيل لا ~~تتحرك أسرع مما كانت لأن أثقالها صارت أشد قوة، فإذا وجدت أن قوة الأثقال تقل في ~~الأعالي وتزيد تحت الأرض، فإن لك أن تأخذ الجذب من الكتلة الفيزيقية للأرض كسبب ~~للثقل. # افترض كذلك أن الطبيعة محل البحث هي قطبية إبرة ~~حديدية عندما تمس بالمغناطيس، سيتفرع الطريق إزاء هذه الطبيعة إلى فرعين كما يلي: ~~إن لمس المغناطيس لا بد بالضرورة إما أنه يضفي من ذاته قطبية تجاه الشمال والجنوب على ~~الإبرة، وإما أنه يحفز الحديد ويؤهله، بينما الحركة تتأتى من وجود الأرض، مثلما يعتقد ~~جلبرت، ويحاول بكل جد أن يبرهن عليه؛ ولذا فإن كل ملاحظاته التي جمعها بدأب مستبصر ~~تئول إلى هذا: (1) فالمسمار الحديدي الذي وضع زمنا طويلا في اتجاه الشمال والجنوب، ~~يكتسب قطبية من هذه العادة دون أن يلمسه مغناطيس، كأنما الأرض ذاتها التي تعمل بضعف ~~بسبب المسافة (إذ إن السطح أو القشرة الخارجية للأرض ليس لها - في رأيه - قوة ~~مغناطيسية) تعمل رغم ذلك عمل ms138 المغناطيس إذا منحت زمنا كافيا، وتحفز الحديد ~~وتحوله وتغيره. (2) إذا سخنت قطعة من الحديد حتى الاحمرار ثم بردت وهي في وضع ~~الشمال/الجنوب، فهي أيضا تكتسب قطبية دون لمس مغناطيس، وكأنما أجزاء الحديد إذ تدفع ~~إلى الحركة بالتسخين ثم تنكمش بعد ذلك بالتبريد، فإنها في اللحظة ذاتها التي تبرد فيها ~~تكون أكثر قابلية وحساسية للقوة الصادرة من الأرض منها في اللحظات الأخرى، ومن ثم ~~تثار بها، غير أن هذه الأشياء - رغم أنها ملاحظة جيدا - لا تبرهن على مزاعمه ~~برهانا كاملا. # قد يكون فيما يلي «شاهد فاصل» في هذا الموضوع، ~~خذ بوصلة مغناطيسية وضع علامة على كل من قطبيها، ثم ضعها وقطباها في اتجاه ~~شرق/غرب، وليس شمال/جنوب، ثم ضع عليها إبرة حديدية غير ممغنطة واتركها في هذا الحال ~~لمدة ستة أو سبعة أيام، حين تكون الإبرة على المغناطيس (ولا محل للشك في هذه النقطة) ~~فسوف تغفل قطبي الأرض وتأخذ اتجاه قطبي المغناطيس؛ ولذلك فما دامت باقية على هذه ~~الحال فإنها تشير إلى الشرق والغرب، ولكن إذا أزلنا الإبرة من المغناطيس ووضعناها على ~~محور، فإذا وجدنا أنها تتحول للتو إلى الشمال/الجنوب، أو حتى تتحرك تدريجيا في هذا ~~الاتجاه، فعلينا إذن أن نسلم بأن وجود الأرض هو السبب، أما إذا تحولت (كما فعلت ~~من قبل) إلى الشرق/الغرب أو فقدت القطبية، فإن علينا أن نضع السبب موضع التساؤل، ونجري ~~مزيدا من البحث. # وافترض أيضا أن الطبيعة المطلوبة هي الجوهر الفيزيقي للقمر، أهو خفيف يتكون من ~~لهب أو هواء (كما ذهب معظم الفلاسفة القدامى)، أم كثيف وصلب (كما يعتقد جلبرت وكثير من ~~المحدثين وبعض القدامى)؟ # 61 # ويستند الرأي الثاني على حقيقة أن القمر يعكس أشعة الشمس، ويبدو أن انعكاس ~~الضوء لا يكون إلا من أشياء صلبة. # ومن ثم ستكون «الشواهد الفاصلة» في هذا ~~الموضوع هي تلك (إن وجدت) التي تعرض انعكاسا من جسم خفيف، مثل اللهب إذا ما ~~تحلى بقدر كاف من الكثافة، من المؤكد أن أحد أسباب الشفق - بين غيره من الأسباب - ~~هو انعكاس # 62 ms139 # أشعة الشمس من الجزء الأعلى من الجو، وأحيانا ما نرى أيضا أشعة الشمس ~~منعكسة في الأماسي الصافية من حواف السحب المخضلة ببهاء لا يقل عن ذلك المنعكس من ~~جرم القمر، وربما أكثر تألقا وروعة، ولكن ليس من الثابت أن هذه السحب تندمج في ~~جسم كثيف من الماء، كما أننا في الليل نرى الهواء المعتم يعكس ضوء الشمعة في النافذة ~~الزجاجية مثلما يعكسها جسم كثيف، # 63 # علينا أيضا أن نجرب تسليط أشعة الشمس خلال ثقب في لهب أزرق قاتم؛ لأننا ~~حقا نرى أن أشعة الشمس الطليقة الساقطة على اللهب الباهت تخفته وتجعله يبدو أشبه ~~بالدخان الأبيض منه باللهب، هذا ما يحضرني ك «شواهد فاصلة» في هذه المسألة، وربما ~~يمكن العثور على شواهد أفضل، ولكن على المرء دائما أن يضع في اعتباره أنه لا ~~يتوقع انعكاس من لهب ما لم يكن لهذا اللهب عمق معين، وإلا يوشك أن يكون شفافا، ~~أما الذي لا شك فيه فهو أن الضوء (الساقط) على جسم مستو هو دائما إما يؤخذ ويمر ~~خلاله وإما ينعكس. # افترض أيضا أن الطبيعة محل البحث هي حركة ~~القذائف خلال الهواء كالرماح والسهام والكرات، يفسر المدرسيون هذه الحركة - كدأبهم ~~دائما - بكثير من عدم الاكتراث، قانعين بتمييزها باسم الحركة العنيفة عن ذلك الذي ~~يسمونه الحركة الطبيعية، وبتعليل الضربة الأولى أو الدفعة الأولى بقولهم: «لا يمكن ~~لجسمين أن يكونا في نفس المكان، وإلا كان ثمة اختراق للأبعاد.» ثم لا يقلق خاطرهم على ~~الإطلاق كيف تمضي هذه الحركة بعد ذلك، ولكن تفرع طريق هذا البحث هو كالتالي: إما أن ~~الحركة تتسبب عن أن الهواء يحمل الجسم المقذوف ويتجمع وراءه، مثلما يفعل النهر بالقارب ~~أو الريح بالذرات، وإما أن الحركة تتسبب عن أن أجزاء الجسم نفسه لا تحتمل الضغط فتدفع ~~نفسها إلى الأمام لكي تتخفف منه. يتبنى فراكاسترو الرأي الأول وكذلك كل الذين ~~انخرطوا - تقريبا - في هذا البحث بأي درجة من الحذق، ومما لا شك فيه أن الهواء يلعب ~~دورا ما في هذا الأمر، إلا أن ms140 الرأي الثاني هو الصحيح بالتأكيد، كما تثبت تجارب لا ~~حصر لها، من بين «الشواهد الفاصلة» في هذا الموضوع ما يلي: اثن شريحة من الحديد أو ~~قطعة متينة من السلك الحديدي أو حتى قصبة أو قلما منفصما نصفين، إذ يضغط إلى شكل ~~قوس بين إصبع وبين الإبهام تجده يطفر بعيدا، فمن الواضح أن هذه الحركة لا يمكن أن ~~تعزى إلى الهواء إذ يتجمع وراء الجسم؛ لأن مصدر الحركة هو في منتصف الشريحة أو القصبة ~~وليس في طرفيها. # كذلك لتكن الطبيعة محل البحث هي الحركة التمددية القوية السريعة للبارود إلى لهب، ~~التي تحطم الأشياء الضخمة وتطلق أثقالا هائلة كما نشاهد في المناجم وفي المدافع، فيما ~~يتصل بهذه الطبيعة يتفرع الطريق كما يلي: إما أن الحركة يحفزها مجرد ميل الجسم إلى ~~التمدد عندما يحترق، وإما يحفزها ذلك جزئيا ويحفزها من جهة أخرى ميل الروح الخام في ~~الجسم، التي تفر بعيدا عن النار وتنفجر بعنف من قبضتها كأنما تفر من سجن، غير أن ~~المدرسيين والرأي الشائع لا يتناولون إلا الميل الأول؛ فالناس تتوهم نفسها بلغت ذروة ~~الفلسفة عندما يقررون أن اللهب مزود - بحكم صورته الأولية - بنوع من الضرورة لشغل ~~مكان أكبر مما كان يشغله عندما يكون على شكل مسحوق، وأن هذا هو السبب الذي يفضي إلى ~~الحركة، غير أنهم يفشلون في ملاحظة أنه رغم أن هذا ~~صحيح (إذ إن اللهب مندلع بالفعل) إلا أن تولده يمكن ~~منعه بكتلة من المادة تخمده وتخنقه، فلا تبلغ العملية تلك الضرورة التي يتحدثون عنها، ~~فإذا كانوا على حق في أن اللهب إذا اندلع فلا بد أن يحدث تمدد وأن يتبعه انبعاث أو ~~انطلاق للجسم الذي يسده، إلا أن من الواضح أن هذه الضرورة تمتنع إذا كبتت ~~الكتلة الصلبة اللهب قبل أن يندلع، ونحن نشاهد أن اللهب - وبخاصة في بداية تولده - ~~يكون خفيفا لطيفا ويتطلب حيزا أجوف يعمل فيه ويبلو قوته، ومن ثم لا يمكننا ~~أن نعزو مثل هذا العنف للهب بحد ذاته، إنما الحقيقة هي أن اندلاع هذه ms141 النيران العاصفة ~~أو العواصف النارية يحدث كنتيجة صراع بين مادتين من طبيعتين متناقضتين تماما: ~~إحداهما شديدة القابلية للاشتعال وهي طبيعة الكبريت، والأخرى كارهة للاشتعال وهي الروح ~~الخام للنترات، والنتيجة هي صراع هائل، فالكبريت يشعل نفسه جهد ما يستطيع (فالمادة ~~الثالثة، أي فحم خشب الصفصاف، لا يعدو دوره أن يربط المادتين الأخريين ويوحد بينهما)، ~~بينما تنفجر روح النترات بكل قوتها وتتمدد في الوقت نفسه (فالهواء أيضا وكل المواد ~~الخام والماء كذلك يستجيب للحرارة بالتمدد)، وفيما هي تفر وتتفجر فإنها تنفخ لهب ~~الكبريت في كل الاتجاهات، كأنها كبر خفي. # قد يكون لدينا نوعان من «الشواهد الفاصلة» في هذا الموضوع؛ الأول: يتكون من المواد ~~الشديدة القابلية للاشتعال، مثل: الكبريت والكافور والنافثا ... إلخ، مع مركباتها التي ~~تلتقط النار بأسرع وأسهل مما يلتقطها البارود إذا لم تقمع (وهو ما يبين بوضوح أن ~~الميل إلى التفجر إلى لهب لا يفضي بحد ذاته إلى هذا الأثر الهائل)، والثاني: يتكون من ~~المواد التي تتجنب النار وتكرهها، مثل الأملاح جميعا، فنحن نشاهد أنها إذا ألقيت في ~~النار فإن روحها المائية تنفجر بطقطقة صاخبة قبل أن تبدأ النار، ويحدث هذا أيضا بشكل ~~أخف حتى مع أوراق الشجر المتيبسة بعض الشيء، إذ يتفجر الجزء المائي منها قبل أن يلتقط ~~جزؤها الزيتي النار، ولكن هذا يشاهد في أوضح صورة في الزئبق، الذي صدق من أسماه ~~ماء معدنيا، فبخلاف التقاطه النار فهو يكافئ تقريبا قوة البارود في مجرد التفجر ~~والتمدد، ويقال أيضا: إنه حين يخلط بالبارود فإنه يزيده قوة. # افترض أيضا أن الطبيعة محل البحث هي الطبيعة المؤقتة للهب وانطفائه الفوري، فلا يبدو ~~أن طبيعة اللهب هي شيء ثابت دائم هنا على الأرض، بل تتولد كل لحظة وتنطفئ كل لحظة، ~~فمن الواضح أنه في حالة النيران - في خبرتنا - التي تستمر وتدوم، فإن استمرارها الذي ~~نراه ليس استمرار اللهب المفرد نفسه، بل يتسبب من تتابع لهب جديد يتولد باطراد، ولا ~~اللهب يبقى في هوية إحصائية، يتبين ذلك بسهولة من حقيقة أن اللهب يموت بمجرد ms142 أن تسحب ~~وقوده أو غذاءه، في هذه المسألة يتفرع الطريق كما يلي: تنشأ الطبيعة المؤقتة إما ~~لتوقف السبب الذي أنتج اللهب في البداية، كما في حالة الضوء والأصوات وما يسمى ~~الحركات العنيفة، وإما لأن اللهب - وإن يكن قادرا بطبيعته ذاتها على البقاء معنا - ~~يعاني عنفا من طبائع أخرى مضادة تحيط به وتقوضه. # لذا فقد نأخذ ما يأتي كشاهد فاصل في هذه المسألة: نحن نرى في النيران الكبيرة كم ~~يرتفع اللهيب، فكلما اتسعت قاعدة اللهب ارتفعت ذروته؛ لذا فيبدو أن الانطفاء يبدأ ~~حدوثه في الحواف حيث يقمع اللهب بالهواء ويكون ضعيفا، ولكن قلب اللهب - الذي لا يمسه ~~الهواء بل يحيطه لهب آخر من كل الجوانب - يبقى في هوية إحصائية، ولا ينطفئ حتى يضغطه ~~الهواء المحيط تدريجيا، وهذا ما يجعل كل لهب على شكل هرم، فهو أعرض عند القاعدة قرب ~~الوقود، ولكنه مدبب عند القمة، حيث الهواء مناوئ والوقود شحيح، أما الدخان - وهو أضيق ~~عند القاعدة - فيتسع كلما ارتفع، ويكون أشبه بهرم مقلوب؛ ذلك لأن الهواء يقبل ~~الدخان ويضغط اللهب، ولا يتصورن أحد أن اللهب المشتعل هو هواء، إذ إنهما في ~~الحقيقة مادتان مختلفتان تماما. # ولكن قد يكون لدينا «شاهد فاصل» أنسب في هذا الأمر إذا أمكن بالصدفة أن تتم التجربة ~~بنيران ذات ألوان مختلفة؛ لذا خذ شمعدانا معدنيا صغيرا، وثبت فيه شمعة متقدة، ~~وضع الشمعدان في وعاء ضحل عريض واسكب حوله قليلا من الكحول لا يصل إلى حافته، ثم أشعل ~~الكحول، فالآن سيعطي الكحول لهبا أزرق بينما تعطي الشمعة لهبا أصفر، ثم لاحظ ما إذا ~~كان الأخير (الذي يفترق بسهولة عن لهب الكحول باللون، فالنيران لا تمتزج فورا كما تفعل ~~السوائل) يبقى هرميا، أم يميل أكثر إلى اتخاذ شكل كرة؟ إذ ليس ثمة شيء يدمره أو يضغط ~~عليه)، فإذا لاحظت النتيجة الأخيرة فينبغي أن يكون في حكم المؤكد أن اللهب يبقى في ~~هوية إحصائية ما دام محصورا داخل لهب آخر وغير معرض للفعل المناوئ من جانب ~~الهواء. # وبحسبنا من «الشواهد الفاصلة» ms143 ما ذكرنا، وقد قصدت أن ألبث عندها طويلا حتى يتعلم ~~الناس بالتدريج عادة تكوين أحكام عن الطبيعة بواسطة «الشواهد الفاصلة» والتجارب ~~الكاشفة، وليس بواسطة الاستدلالات الاحتمالية. ~~••• ~~(37) وفي المرتبة الخامسة عشرة بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد التباعد» # instances of ~~divergence ~~(شواهد الطلاق # instantiae divortii ~~) التي تشير إلى ~~انفصال الطبائع التي تحدث معا، وهي تختلف عن الشواهد الملحقة ب «شواهد الصحبة»؛ لأن ~~هذه الأخيرة تعلن انفصال طبيعة ما عن الشيء العيني الذي توجد فيه عادة، بينما «شواهد ~~التباعد» تشير إلى انفصال طبيعة عن طبيعة أخرى، وهي تختلف أيضا عن «الشواهد ~~الفاصلة»؛ لأنها لا تحسم شيئا، بل تشير فقط إلى انفصال طبيعة عن أخرى، وتكمن قيمتها ~~في أنها تكشف الصور الزائفة وتبدد التنظيرات المتسرعة التي يوحي بها ظاهر الأمور ~~وعابر الأشياء، بحيث يجوز القول بأنها تضيف صابورة وثقلا للذهن. # 64 # افترض على سبيل المثال أن الطبائع محل البحث هي الطبائع الأربع التي أسماها تيليسيو ~~رفقاء ومن نفس الأسرة، وهي الحرارة والضوء والخفة والحركة أو التأهب للحركة، إلا أن ~~كثيرا من «شواهد التباعد (الطلاق)» يمكن اكتشافها فيما بينها، فالهواء خفيف وسهل ~~الحركة، ولكنه ليس حارا ولا مضيئا، والقمر مضيء بغير حرارة، والماء الغالي حار بدون ~~ضوء، وحركة الإبرة الحديدية على محور هي حركة سريعة ورشيقة ولكن في مادة هي باردة ~~وكثيفة ومعتمة، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى. # افترض كذلك أن الطبائع محل البحث هي الجسم ~~الفيزيقي والفعل الطبيعي، يبدو أن الفعل الطبيعي لا يحدث إلا في وجود جسم، ولكن حتى في ~~هذه الحالة ربما يوجد «شاهد تباعد (طلاق)»، مثل الفعل المغناطيسي الذي به ينجذب الحديد ~~إلى المغناطيس، وبه تنجذب الأشياء الثقيلة إلى كرة الأرض، وبوسعنا أن نضيف بعض العمليات ~~الأخرى التي تتم عن بعد: فمثل هذا الفعل يحدث في الزمان ويشغل لحظات لا مجرد وهلة من ~~الزمن، ويحدث أيضا في المكان ويمر خلال درجات ومسافات. ثمة إذن لحظة معينة من الزمان ~~ومسافة معينة من المكان تكون فيها القوة أو الفعل معلقا بين الجسمين المنتجين ms144 ~~للحركة، فينتقل سؤالنا من ثم إلى: هل الجسمان اللذان هما طرفا الحركة يؤثران على - ~~أو يغيران - الأجسام التي بينهما بحيث تتحرك القوة من طرف إلى الطرف الآخر بواسطة ~~تتابع من التلامس الحقيقي وتعيش زمنا ما في الجسم البيني، أم ليس ثمة إلا الأجسام ~~والقوى والأماكن؟ في الأشعة البصرية والأصوات والحرارة وبعض الأشياء الأخرى التي تعمل ~~عن بعد ربما تكون الأشياء البينية متأثرة ومتغيرة، ويزداد ذلك إذا كان الأمر يتطلب ~~وسطا ملائما لحمل مثل هذه العملية، أما القوة المغناطيسية أو الجاذبة فلا تكترث ~~بالوسط، ولا تعاق في أي صنف من الوسط، ولكن إذا كانت القوة أو الفعل لا يشبه الجسم ~~البيني في شيء لترتب على ذلك أنها حركة طبيعية أو فعل يعيش زمنا ما في مكان ما دون ~~جسم؛ إذ إنها لا تعيش لا في الطرفين ولا في الوسط، ومن ثم فإن الفعل المغناطيسي ~~قد يكون «شاهد تباعد (طلاق)» في مادة فيزيقية وفعل طبيعي، وثمة شيء ما ينبغي أن يضاف ~~إلى ذلك كنتيجة ضرورية مترتبة أو فائدة لا يصح إغفالها: إنه حتى في التفلسف على أساس ~~الحواس قد يستوي للمرء برهان على وجود كيانات وجواهر منفصلة وغير جسمية، فإذا أمكن ~~للقوة والفعل الطبيعيين الصادرين من جسم أن يعيشا في زمن ومكان ما بلا جسم ~~كلية، فإنه أيضا قريب من القدرة على أن يصدر في أصله من جوهر غير جسمي؛ ذلك أن ~~الجوهر المادي يبدو متطلبا لإدامة الفعل الطبيعي وحمله مثلما هو متطلب لبدئه أو ~~توليده. ~~••• ~~(38) والآن يترتب لدينا خمس فئات من الشواهد، رأيت أن أسميها باسم عام ~~واحد: «شواهد المصباح، أو المعلومات المباشرة» # instances of the lamp or of first information ~~، وهي ~~تلك التي تعين الحواس، فبما أن كل تفسير الطبيعة يبدأ بالحواس ويفضي - بطريق مستقيم ~~مستو معبد - من إدراكات الحواس إلى إدراكات الذهن، التي هي أفكار ومبادئ صحيحة، ~~يترتب إذن بالضرورة أنه كلما كانت تمثلات الحواس نفسها أكمل وأدق سار كل شيء على نحو ~~أيسر وأنجح. # من هذه الشواهد الخمسة ms145 للمصباح فإن الأول يقوي الأفعال المباشرة للحواس ~~ويكبرها ويصححها، والثاني يجعل غير المحسوس محسوسا، والثالث يشير إلى العمليات ~~الموصولة أو سلاسل تلك الأشياء والحركات التي لا تلاحظ في معظمها إلا في نهايتها أو ~~خواتيمها، والرابع يزودنا ببديل عن الحواس حيث لا تملك الحواس أن تفعل أي شيء، والخامس ~~يثير انتباه الحواس وملاحظتها، وفي نفس الوقت يحد من غموض الأشياء وخفائها، وعلي ~~الآن أن أعرض لكل واحد على حدة. ~~••• ~~(39) في المرتبة السادسة عشرة بين «شواهد الامتياز» سأضع «شواهد الباب أو البوابة» # 65 ~~(الشواهد التي تفتح الأبواب أو البوابات) # instances that ~~open doors or gates ~~، هذا هو الاسم الذي أعطيه لتلك الشواهد التي ~~تساعد الأفعال المباشرة للحواس، من الواضح أن البصر يحتل المكان الأول بين الحواس ~~فيما يتعلق بالمعلومات، ومن ثم فهذه هي الحاسة التي ينبغي أن نجتهد في المقام ~~الأول لكي ندبر لها معينا، ويظهر أن هناك ثلاثة أنواع من المعينات: فإما أن ~~نمكن البصر أن يدرك ما لا يدركه أو أن يدرك أبعد مما يدركه، أو أن يدرك على نحو ~~أكثر دقة وتحديدا. # إذا ضربنا صفحا عن النظارات وما إليها، التي تنحصر وظيفتها في تصحيح وإزالة الضعف في ~~النظر الضعيف، ومن ثم لا تقدم معلومات جديدة، فإن من شواهد النوع الأول ~~الميكروسكوبات - التي اخترعت أخيرا - التي تكشف الأجزاء الدقيقة الخفية وغير ~~المرئية للأجسام وتراكيبها الكامنة بتكبير حجمها بدرجة مدهشة، وبواسطتها نشاهد، باندهاش ~~عظيم، الشكل والتكوين الدقيق لدى البرغوث والذبابة والديدان، وكذلك ألوانها وحركاتها ~~التي كانت في السابق غير مرئية، ويقال أيضا: إن الخط المرسوم بقلم الحبر أو الرصاص ~~يرى خلال هذه العدسات شديد الاعوجاج والتموج، وتأويل ذلك: أنه لا حركة اليد مهما ~~استعانت بمسطرة، ولا انطباع الحبر أو اللون، بالشيء المستوي في حقيقة الأمر، رغم أن عدم ~~الاستواء هو من الدقة بحيث لا يمكن كشفه بدون هذه العدسات. هنا أيضا قدم الناس ~~نوعا من الملاحظة الخرافية (كشأنهم مع كل شيء جديد ومدهش)، وهو أن مثل هذه ~~الميكروسكوبات تشيد بأعمال الطبيعة ms146 وتهين أعمال الفن، ولكن هذا يعود ببساطة إلى أن ~~نسيج الطبيعة أدق بكثير من النسيج الصناعي، فهذا الميكروسكوب لا يصلح إلا للأشياء ~~الدقيقة، فلو أن ديمقريطس قد شهد عدسة مكبرة لقد كان قمينا ربما أن يثب فرحا؛ ~~ظنا منه أن قد اخترعت وسيلة لرؤية الذرة (التي أكد أنها غير قابلة للرؤية على ~~الإطلاق)، ولكن قصور هذه الميكروسكوبات في ملاحظة أي شيء عدا الأجسام البالغة الدقة (بل ~~قصورها حتى في هذه الأخيرة حين تكون جزءا من جسم أكبر) يدمر فائدتها؛ ذلك أن هذا ~~الاختراع لو أمكن أن يمتد إلى الأجسام الأكبر أو الأجزاء الدقيقة للأجسام الكبيرة، ~~بحيث تبدو قطعة القماش أشبه بشبكة، وبحيث تشاهد وتميز الملامح والتعاريج الخفية ~~للجواهر والسوائل والبول والدم والجروح والكثير من الأشياء الأخرى؛ لأمكننا - بغير شك - ~~أن نجني فوائد عظيمة من هذا الاختراع. # ومن شواهد النوع الثاني: الإنجاز العظيم لجاليليو؛ التلسكوب، الذي يفتح اتصالا أقرب، ~~وكأن بقوارب أو بسفن بيننا وبين أجرام السماء؛ فبفضل مساعدة التلسكوب تأكدنا أن درب ~~التبانة هو مجرد عقدة أو كوكبة من النجوم الصغيرة منمازة ومنفصلة بشكل واضح، وهو ما لم ~~يكن يعرفه القدامى إلا ظنا وتخمينا، ويبدو أيضا أنه يثبت أن الفضاءات فيما بين ما ~~يسمى أفلاك الكواكب ليست خلوا تماما من نجوم أخرى، بل إن السماء يبدأ التماعها ~~بالنجوم من قبل أن تصل إلى الكرة السماوية النجمية نفسها، وإن كانت تلك نجوما أصغر من ~~أن تشاهدها بغير مساعدة التلكسوب، يمكن للمرء بهذا التلسكوب أن يشاهد مجموعات النجوم ~~الصغيرة حول كوكب المشتري (وقد يحدس من هذا أن هناك أكثر من مركز واحد في حركات ~~النجوم)، وبه ترى تفاوتات النور والظل على سطح القمر وتحدد على نحو أوضح، بحيث ~~يمكن عمل نوع من الخريطة للقمر، وبه يمكن للمرء أن يرى البقع في الشمس، وما إلى ذلك، ~~وكلها بالتأكيد كشوف جليلة إذا أمن المرء لصدق هذا الضرب من البراهين، غير أننا في ~~شك كبير من مثل هذه الأشياء؛ لأن الخبرة تتوقف عند هذه الأشياء ms147 القليلة، ولأن أشياء ~~أخرى كثيرة تستحق الدراسة بالمثل لم يتم اكتشافها بنفس الوسيلة. # 66 # ومن شواهد النوع الثالث: قضب قياس الأرض - الأسطرلاب وما شابهه - التي لا تكبر ~~حاسة البصر بل تصححها وتركزها، وإذا كان ثمة شواهد أخرى تساعد الحواس الأخرى في أعمالها ~~الفردية المباشرة، فإنها بعد لا تسهم في مشروعنا ما لم يكن من شأنها أن تضيف إلى ~~الرصيد الفعلي من المعلومات التي بحوزتنا الآن؛ ولذلك لم أتطرق إليها. ~~••• ~~(40) وفي المرتبة السابعة عشرة بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد الاستدعاء» # summoning instances ~~، # 67 # مستعيرا اللفظة من المحاكم المدنية؛ لأنها تستدعي للمثول الأشياء التي ~~لم تفعل ذلك من قبل، وأسميتها أيضا «شواهد ~~الاستشهاد» # invoking ~~(citing) instances ~~، تتسم هذه الشواهد بأنها ترد إلى مجال الحواس تلك ~~الأشياء التي لا تقع فيه بشكل مباشر. # تند الأشياء عن الحواس إما بسبب بعدها وإما بسبب تدخل أجسام أخرى، وإما ~~لأنها غير قادرة على ترك انطباع على الحواس، وإما لأن كم الشيء لا يكفي لإثارة ~~الحواس، وإما لأن الزمن غير كاف لتنبيه الحواس، وإما لأن الحواس لا تحتمل تأثير ~~الشيء، وإما لأن شيئا ما قد ملأ الحواس وملكها مسبقا فلم يبق متسع لحركة ~~أخرى. هذه العوامل تخص البصر في المقام الأول واللمس في المقام الثاني، تسهم ~~هاتان الحاستان بشدة في تزويدنا بالمعلومات عن الأشياء العادية، بينما لا تقدم الحواس ~~الثلاث الباقية أي معلومات إلا بطريق مباشر وإلا عن أشياء خاصة بكل حاسة. ~~(1) في الحالة الأولى لا يوصل الشيء إلى الحواس إلا إذا كان الشيء الذي لا تمكن ~~رؤيته قد أضيف إليه أو استبدل به شيء يمكن أن يغير أو يؤثر في الحواس عن بعد، ~~مثلما تحمل الأخبار عن طريق النيران والأجراس وما شابه. ~~(2) في الحالة الثانية يحدث التوصيل حين يؤتى بالأشياء التي يبطنها الجسم ولا ~~يسهل عرضها، يؤتى بها أمام الحواس بواسطة أشياء على السطح أو أشياء تخرج من الداخل، ~~كما تكشف حالة جسم بشري بواسطة النبض والبول وما إلى ذلك. ~~(3)، (4) توصيل النوع الثالث والرابع ينطبق على ms148 أشياء كثيرة، وينبغي أن نفطن لها ~~دائما في أبحاثنا في الطبيعة، مثال ذلك: من البين أن الهواء والروح والأشياء التي ~~من هذا القبيل التي تتسم في كل جوهرها باللطف والخفة، من البين أنها لا يمكن أن ترى ~~أو تلمس، من الضروري للغاية في دراسة مثل هذه الجواهر أن نلجأ إلى ضروب التوصيل ~~(الرد). # وافترض أن الطبيعة محل البحث هي فعل وحركة الروح الحبيسة في الأجسام العينية ~~(الملموسة)، فكل جسم عيني على الأرض يحتوي روحا غير مرئية وغير ملموسة، الجسم ~~يغلفها ويكسوها، وهذا هو المصدر الثلاثي القوي والمدهش لعملية الروح في الجسم ~~العيني. حين تتحرر الروح التي بداخل الشيء العيني تنكمش الأجسام وتيبس، وحين تستبقى ~~فيها تطرى وتلين، وحين لا تتحرر تماما ولا تستبقى تماما فهي تشكلها وتمنحها ~~الأعضاء، وتتمثل وتهضم وتستهلك وتنظم ... إلخ، كل هذا يوصل إلى الحواس بواسطة ~~الآثار المرئية. # ففي كل جسم عيني وغير حي تتكاثر الروح الحبيسة أولا وتتغذى على الأجزاء العينية ~~المتاحة والمتوافرة وتهضمها وتذيبها وتحولها إلى روح، ثم تهربان معا ، هذا التكاثر ~~والذوبان بواسطة الروح يوصل إلى الحواس في هيئة نقصان الوزن، فعندما يجف أي شيء فإن ~~شيئا ما يفقد من كمه، وهذا النقصان ليس من الروح التي كانت فيه من قبل بقدر ما هو ~~من المادة التي كانت عينية من قبل وشرعت للتو في التحول، إذ إن الروح لا ثقل لها، والآن ~~فإن خروج الروح وانطلاقها يتمثل للحواس في صدأ المعادن وغيره من مظاهر التحلل التي ~~تتوقف قبيل أن تصل إلى بداءات الحياة التي تنتمي إلى الجنس الثالث من العملية، # 68 # ففي المواد المدمجة لا تجد الروح مسام ومنافذ تخرج منها، ومن ثم ~~تضطر إلى طرد الأجزاء العينية خارجا ودفعها أمامها فتبرز معها، ومن هنا يحدث الصدأ ~~وما شابهه. يوصل تقلص الأجزاء العينية عقب انطلاق بعض من الروح (متبوعا بالجفاف)، ~~يوصل إلى الحس بواسطة زيادة في صلابة الشيء، ولكن بدرجة أكبر من ذلك بكثير بواسطة ~~تشقق لاحق وانكماش وتجعد وانثناء في الأجسام، فقطع الخشب ms149 تذبل وتنكمش، والجلود ~~تتجعد، ليس هذا فحسب، بل (بعد انطلاق مفاجئ للروح بواسطة حرارة لهب) تميل بشدة إلى ~~الانقباض بحيث تلتوي وتلتف على نفسها. # وعلى النقيض من ذلك، حين تستبقى الروح بينما تتمدد، وتنبه بالحرارة أو ما شابهها ~~(كما يحدث في حالة المواد الصلبة والمتماسكة)، عندئذ تطرى الأجسام كما في الحديد ~~الساخن، أو تسيل مثل المعادن، أو تنصهر مثل الصمغ والشمع وما شابه، هكذا تفسر ~~بسهولة التأثيرات المتضادة للحرارة (بعض الأشياء يتصلب بالحرارة وبعضها يسيل)، ففي ~~الحالة الأولى تنطلق الروح وفي الثانية تثار الروح ولكنها تستبقى، والأخير هو فعل ~~الحرارة والروح ذاتهما، والأول هو فعل الأجزاء العينية، وما انطلاق الروح إلا مناسبة ~~الفعل لا أكثر. # أما إذا كانت الروح لا هي مستبقاة كليا ولا متحررة كليا، بل تناضل وتكافح داخل ~~قيودها، وفي حوزتها الأجزاء العينية التي تطيع وتذعن وتتبع الروح للتو حيثما تقودها، ~~فإن النتيجة هي تكون جسم عضوي، نمو الأعضاء والأنشطة الأخرى للحياة، في كل من ~~النباتات والحيوانات، توصل هذه الأشياء إلى الحواس عن طريق الملاحظة الدقيقة ~~للبدايات والبداءات المبكرة أو محاولات الحياة في المخلوقات الدقيقة التي تولد من ~~التحلل، مثل: بيض النمل والديدان والذباب والضفادع بعد المطر ... إلخ، فلكي تنتج ~~الحياة لا بد من وجود حرارة لطيفة ومادة ملائمة، بحيث لا تهرب الروح بسرعة ولا هي ~~تمنع بمقاومة الأجزاء من ثني هذه الأجزاء وتشكيلها كالشمع. # مرة ثانية هناك شواهد كثيرة جدا للتوصيل تضع أمام أعيننا الفروق الأهم والأعرض ~~مجالا بين الأرواح: الروح المعزولة، والروح المتفرعة، والروح المتفرعة والخلوية في آن ~~معا، الأولى: روح الأجسام غير الحية، والثانية: روح النباتات، والثالثة: روح ~~الحيوانات. # من الواضح أيضا أن أنسجة الأشياء وبنياتها الأدق هي غير مدركة لا بالبصر ولا باللمس ~~(رغم أن الجسم الكلي مرئي وملموس)؛ ولذا ففي هذه الحالات أيضا تأتي المعلومات عن طريق ~~التوصيل (الرد)، ولكن الفرق الأكثر جذرية وأولية بين البنيات يعتمد على مقدار المادة ~~الأكبر أو الأقل الذي يشغل نفس المكان أو البعد، وجميع الأشكال الأخرى (التي ms150 تعود إلى ~~الملامح المعينة للأجزاء المتضمنة في نفس الجسم وأماكنها وأوضاعها النسبية) ثانوية فحسب ~~بالنسبة إليه. # افترض أن الطبيعة محل البحث هي تمدد المادة في الأجسام وانكماشها، أو كم من المادة ~~يشغل كم من المكان في كل جسم، فليس ثمة ما هو أصدق انطباقا على الطبيعة من القضية ~~المزدوجة القائلة: «لا شيء يأتي من لا شيء»، و«لا شيء يئول إلى لا شيء»، # 69 # وإنما الكمية المعطاة من المادة أو الكمية الكلية ثابتة لا تزيد ولا تنقص، ~~وليس أقل صدقا أنه «من كمية معطاة من المادة ثمة كمية أكبر أو أقل تحتوى داخل نفس ~~الحيز أو الأبعاد بحسب الفرق بين الأجسام»، مثال ذلك: إن الماء يحتوي أكثر مما يحتويه ~~الهواء؛ لذا إذا ذهب أحد إلى أن كمية معطاة من الماء يمكن أن تتحول إلى نفس الكمية من ~~الماء، فهو كأنما قال: إن من الممكن أن يئول شيء إلى لا شيء، وفي المقابل إذا ذهب أحد ~~إلى أن كمية معطاة من الهواء يمكن أن تتحول إلى كمية مساوية من الماء، فكأنما قال: إن ~~من الممكن أن يأتي شيء من لا شيء، وفكرتا «الكثافة» و«الخفة» اللتان تستخدمان - ~~بتسيب - بمعان متنوعة، إنما ينبغي أن تستمدا على نحو قويم من هذه الوفرة أو ~~الندرة في المادة. ينبغي أيضا أن نعدها يقينية تماما هذه الدعوى الثالثة القائلة ~~بأن كمية المادة التي نقول: إنها في هذا الجسم أو ذاك يمكن أن ترد (بالمقارنة) إلى ~~أرقام، إلى مقاييس مضبوطة أو مضبوطة تقريبا، ليس من الخطأ مثلا أن نقول: إنه في كمية ~~معطاة من الذهب ثمة تراكم من المادة تقتضي من الكحول 21 ضعفا من الحيز الذي يشغله ~~الذهب لكي يساوي هذه الكمية من المادة. # غير أن تراكم المادة وكميتها النسبية توصل إلى الحس بواسطة الثقل، فالثقل يناظر ~~كمية المادة، من حيث أجزاؤها العينية، أما الروح وكميتها من المادة فيجب ألا تحسب ~~بالوزن، فهي تخفف الوزن ولا تزيده، وقد وضعت قائمة دقيقة لهذا الشيء، أدرجت فيها ~~أوزان وأحجام كل ms151 المعادن والأحجار الرئيسية والأخشاب والسوائل والزيت ومعظم الأجسام ~~الأخرى سواء الطبيعية أو الصناعية، وهو إجراء مفيد للغاية من حيث كل من النظرية ~~والتطبيق، وقادر على كشف كثير من النتائج غير المتوقعة، وهو أيضا ذو قيمة في البرهنة ~~على أن النطاق الكامل للأجسام العينية المعروفة لنا (أعني الأجسام المدمجة لا الأجسام ~~الإسفنجية الجوفاء المليئة بالكثير من الهواء) لا تتجاوز نسب 1: 21، محدودة هي الطبيعة ~~أو على الأقل ذلك الجزء من الطبيعة الألصق بنا وبخبرتنا. # وقد وجدت من الجدير باهتمامي أيضا أن أرى ما إذا كان بالإمكان تحديد نسبة الأجسام ~~غير العينية (الروحية) إلى الأجسام العينية، وقد حاولت ذلك بالوسيلة التالية: أخذت ~~زجاجة صغيرة يمكن أن تسع أوقية تقريبا (استخدمت وعاء صغيرا لكي يتحقق التبخر ~~الناتج بحرارة أقل)، وملأت هذه الزجاجة حتى رقبتها تقريبا بالكحول، وقد اخترت الكحول؛ ~~لأنه - بحسب قائمة سابقة - هو الأخف، والمحتوي على أقل كم من المادة في حيز معطى ~~بين الأجسام العينية المدمجة غير الجوفاء، ثم سجلت بدقة وزن السائل والزجاجة، ثم ~~أخذت كيسا يحتوي باينتين # 70 # وطردت كل الهواء قدر استطاعتي حتى تلامست جوانبه، وقد دلكت الكيس قبل ~~ذلك بلطف بالزيت لكي أجعله غير منفذ للهواء بإغلاق مسامه بالزيت، وربطت الكيس ~~بإحكام حول فوهة الزجاجة، وشمعت الخيط لكي أجعله ألصق وأكثر إحكاما، ثم وضعت ~~الزجاجة على فحم ساخن في مجمرة، وسرعان ما تمدد بخار الكحول بالحرارة وتحول إلى ~~شكل غازي، ونفخ الكيس شيئا فشيئا وشده في كل اتجاه مثل شراع، وبمجرد أن تم ~~لي هذا رفعت الزجاجة من النار ووضعتها على بطانية حتى لا تتكسر بالبرودة، وفي الحال ~~أيضا ثقبت قمة الكيس حتى لا يعود البخار عند توقف الحرارة إلى الشكل السائل وينزل ~~فيفسد القياسات، ثم رفعت الكيس نفسه وأخذت مرة ثانية وزن الكحول المتبقي، ثم ~~حسبت الكمية التي تحولت إلى بخار أو إلى شكل غازي، وكم هو الحيز الذي شغله الجسم في ~~شكله الكحولي في الزجاجة، وكم هو الحيز الذي شغله في شكله الغازي في الكيس، وطرحت ms152 ~~النتيجتين فتبين بوضوح أن الجسم إذا تحول وتغير اكتسب تمددا مئة ضعف فوق ~~حالته السابقة. # وافترض أيضا أن الطبيعة محل البحث هي الحرارة أو البرودة التي تبلغ من الضعف درجة ~~تجعلها مدركة بالحواس، وتوصل هذه إلى الحواس بواسطة الترمومتر، مثلما بينت سابقا، ~~فالحرارة والبرودة ليستا مدركتين باللمس في ذاتهما، بل الحرارة تمدد الهواء والبرودة ~~تكمشه، وبدوره ليس تمدد الهواء أو انكماشه مدركا بالبصر، بل الهواء المتمدد يدفع ~~الماء إلى أسفل، والهواء المنكمش يرفعه إلى أعلى، ولا يحدث التوصيل إلى البصر إلا عند ~~هذه النقطة لا قبلها ولا بأي طريقة أخرى. # افترض كذلك أن الطبيعة محل البحث هي مزج الأجسام، أي ماذا تحوي من ماء وزيت وروح ~~ورماد وملح ... إلخ، أو (لكي نأخذ شاهدا معينا) كم مقدار الزبد والخثارة والمصل ~~المتضمن في اللبن، يوصل هذا إلى الحس بواسطة ضروب الفصل الصناعية والحرفية، ولا ~~تدرك طبيعة الروح فيها بشكل مباشر، بل تكشف في مختلف الحركات والميول التي تظهرها ~~المواد العينية في نفس فعل وعملية الفصل، وأيضا مرارة ولذع وشتى ألوان وروائح ومذاقات ~~نفس المواد بعد الفصل، وقد بذل الناس في هذه المهمة جهودا كبيرة بالتأكيد، عن طريق ~~ضروب التقطير والفصل الحرفي، ولكن دون نجاح يتجاوز ما في طريقتهم المعهودة للتجريب: ~~تحسس مناهج وطرق مسدودة وجهد أكبر من الذكاء، و(الأسوأ من كل ذلك لا محاكاة أو ~~مضاهاة بالطبيعة)، بل تدمير ب (الحرارة العالية أو القوى المفرطة) كل البنية الأرقى ~~التي تكمن فيها - بشكل رئيسي - القوى الخفية للأشياء وتوافقاتها، ولا يقلق أفكارهم أو ~~ملاحظاتهم في مثل هذا الفصل التحذير الآخر الذي أطلقته في موضع آخر، وهو أنه في ~~العمليات العنيفة التي يجرونها على الأجسام - سواء ~~بواسطة اللهب أو بطرائق أخرى - فإن كثيرا من الكيفيات تتسبب عن النار نفسها والمواد ~~المستخدمة في صنع التحليل والتي لم تكن في المركب من قبل، ومن هنا تأتي أغلاط عجيبة، ~~فليس كل البخار مثلا المنطلق من الماء بواسطة النار كان يوجد كبخار أو هواء في الماء، ~~بل تكون معظمه ms153 عن طريق تمدد الماء بواسطة حرارة النار. # لذا فإن هذا هو الموضع الذي تحال إليه جميع الطرق الدقيقة لاختيار المواد - سواء ~~الطبيعية أو الصناعية - التي تميز الأصلي من المغشوش والجيد من الأقل جودة؛ لأنها ترد ~~غير المحسوس إلى المحسوس، لذا ينبغي أن نفتش عنها في كل سبيل ونجد في ~~طلبها. ~~(5) أما عن الطريقة الخامسة التي تجعل الأشياء تفلت من إدراك الحواس، فمن البين ~~أن فعل الحس يحدث كحركة، والحركة تحدث في الزمن، فإذا ما كانت حركة الجسم بطيئة جدا ~~أو سريعة جدا بحيث لا توافق السرعة التي يحدث بها فعل الحواس؛ فإن الشيء لا يدرك ~~على الإطلاق، مثلما هو الحال في حركة عقرب الساعة أو حركة رصاصة، أما عن الحركة التي ~~لا ترى بسبب بطئها الشديد فمن السهل والشائع أن توصل إلى الحواس عن طريق جمع ~~حركاتها، وأما الحركات الفائقة السرعة فلا يمكن قياسها بدقة حتى الآن، وإن كان بحث ~~الطبيعة يتطلب منا أن نفعل ذلك في بعض الحالات. ~~(6) الحالة السادسة حيث يعاق الحس بسبب القوة المفرطة للشيء، يمكن أن ترد إلى ~~الحس عن طريق تحريك الشيء بعيدا عن الحواس، أو بتخفيف تأثيرها بوضع حائل أمامه بحيث ~~يضعفه دون أن يزيله، أو بجعله ينعكس واستقبال انعكاسه إذا كان انطباعه المباشر ~~مفرط القوة، كما في حالة انعكاس الشمس في حوض من الماء. ~~(7) الحالة السابعة التي لا يتمكن الشيء فيها من أن يظهر هي الحالة التي يقمع ~~فيها الحس قمعا شديدا بشيء معين، بحيث لا تترك فرصة لأي شيء آخر لكي يؤثر على ~~الحس، وهذه حالة مقصورة إلى حد ما على الروائح، وغير ذات صلة كبيرة بهذا العرض، ~~وبحسبنا هذا من حديث عن طرائق رد غير المحسوس إلى المحسوس. # في بعض الأحيان لا يتم التوصل إلى حس الإنسان، بل إلى حس حيوان آخر معين، والذي يفوق ~~الحواس البشرية في بعض الحالات، مثال ذلك: توصيل بعض الروائح إلى حس الكلب، وتوصيل ~~الضوء الكامن في الهواء غير المضاء من خارج نفسه؛ توصيله إلى حس ms154 القط والبومة ~~والحيوانات التي ترى بالليل، وقد صدق تيليسيوس في ملاحظته أن ثمة بالفعل نوعا من ~~الضياء الداخلي في الهواء نفسه، وإن كان ضعيفا وواهنا وغير مجد في معظمه لأعين ~~البشر أو معظم الحيوانات، إذ إن الحيوانات التي حواسها مكيفة على هذا النوع من الضوء ~~ترى بالليل، ومن غير الممكن تصديق أن هذا يحدث بدون ضوء أو بضوء داخلي. # لاحظ أيضا أنني الآن أتعامل مع أوجه قصور الحواس وعلاجاتها، فأغلاط الحواس يجب أن ~~تحال إلى الأبحاث الخاصة بالحس والمحسوسات، باستثناء الغلط الكبير للحواس، وهو أنها ~~ترسم خطوط الطبيعة بالإطار المرجعي للإنسان لا بالإطار المرجعي للعالم، والذي لا يمكن ~~تصحيحه إلا بالعقل العالمي والفلسفة العالمية. ~~••• ~~(41) وفي المرتبة الثامنة عشرة بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد الطريق» # instances of the road ~~، # 71 # التي أسميتها أيضا «شواهد ~~مرتحلة» # traveling instances # و«شواهد ~~مفصلية» # jointed instances ~~، وهي الشواهد التي تشير إلى الحركات المستمرة بالتدريج في ~~الطبيعة. هذا النوع من الشواهد يتجنب ملاحظتنا لا حواسنا، فالناس هنا غافلون بشكل ~~عجيب. حقيقة الأمر أنهم لا يلاحظون الطبيعة إلا بطريقة عابرة ومتقطعة وبعد أن تتم ~~الأجسام وتكتمل وليس أثناء عمل الطبيعة عليها، فأنت إذا أردت أن ترى مهارات رجل حرفي ~~وتلاحظ عمله، فأنت لن تشاء أن تشاهد المواد الخام لحرفته فحسب، بل تريد أن تكون هناك ~~أثناء قيامه بعمله وتشكيل منتجه، كذلك الأمر بالنسبة للطبيعة، وعلى المرء أن يقوم ~~إزاءها بشيء مشابه، مثال ذلك: إن على كل من يدرس نمو النباتات أن يلاحظها منذ بذر ~~البذور فصاعدا (يمكن بسهولة أن يعمل ذلك بأن يأخذ كل يوم تقريبا بذورا لها في الأرض ~~يومان وثلاثة أيام وأربعة وهكذا ويدرسها بعناية)، إن عليه أن يلاحظ كيف ومتى تبدأ ~~البذرة في الامتلاء والانتفاخ وتملأ بالروح (إن جاز القول)، وكيف تبدأ عندئذ في فتق ~~القشرة وإخراج شطئها، وتشق طريقها في الوقت نفسه إلى أعلى بعض الشيء ما لم تكن التربة ~~ثقيلة جدا، وكيف تطلع أيضا فروعا، بعضها لأسفل كجذور، والبعض لأعلى كجذوع، ~~وأحيانا تزحف ms155 جانبا إذا استطاعت أن تجد تربة مفتوحة وأيسر من هذا الاتجاه، وهناك ~~أشياء أخرى عديدة عليه أن يلاحظها، وعلى المرء أن يفعل نفس الشيء إزاء عملية فقس البيض، ~~حيث عملية بداية الحياة وتشكلها تفصح عن نفسها، وتكشف أي الأجزاء يأتي من المح وأيها ~~يأتي من بياض البيضة وهكذا، وتقدم الحيوانات المتولدة من التحلل تقدم منهجا مماثلا. ~~إنه ليكون غير إنساني أن تجرى مثل هذه الأبحاث على الحيوانات التامة التشكل والجاهزة ~~للولادة بفصل الأجنة إلى خارج الرحم، باستثناء الإجهاضات العرضية وفي الصيد وما إلى ~~ذلك؛ ولذا يتعين على المرء أن يعكف على نوع من الملاحظة الدءوب للطبيعة على مدار ~~الساعة، إذ إنها تكشف عن نفسها للفحص أثناء الليل أفضل مما تفعل أثناء النهار، فهذه ~~الملاحظات قد تعتبر ليلية؛ لأن مصباحنا ضئيل ولكنه دائم الإضاءة. # والشيء نفسه ينبغي أن يجرب في حالة الأشياء غير الحية، مثلما فعلنا في دراسة تمدد ~~السوائل بواسطة اللهب، فهناك طريقة للتمدد في الماء، وأخرى في النبيذ، وأخرى في الخل، ~~وأخرى في عصير العنب، وطريقة مختلفة جدا في اللبن والزيت ... إلخ، بوسعك أن ترى هذا ~~بسهولة بأن تغليها في وعاء زجاجي على نار هادئة، حيث يمكن لكل شيء أن يرى بوضوح، ~~وأنا هنا أمر مرورا سريعا بهذا الموضوع؛ لأني سأعرض له بدقة وإسهاب أكبر عندما أصل ~~إلى اكتشاف «العملية الكامنة» # latent process # للأشياء، ~~فعلينا دائما أن نضع في اعتبارنا أننا لا نتناول الأشياء ذاتها هنا، بل نقدم أمثلة لا ~~أكثر. ~~••• ~~(42) وفي المرتبة التاسعة عشرة بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد التكملة أو ~~الاستبدال» # instances of supplement or subsitution ~~، # 72 # التي أسميها أيضا «شواهد ~~الملجأ الأخير» # instances of last resort ~~، وهي الشواهد التي تزودنا بمعلومات عندما تخذلنا ~~الحواس خذلانا تاما، ولذلك نلجأ إليها إذا ما عجزنا عن الحصول على شواهد ملائمة، ~~يحدث هذا الاستبدال بطريقتين: إما بالتقريب المتدرج وإما بالمماثلة (الأنالوجي)، ~~مثال ذلك: لا يوجد وسط معروف يوقف تماما عمل المغناطيس في جذب الحديد، فلا الذهب - ~~حين تضعه بينهما - يوقفه ms156 ولا الفضة ولا الحجر ولا الزجاج ولا الخشب ولا الماء ولا الزيت ~~ولا القماش ولا المواد الليفية ولا الهواء ولا اللهب ... إلخ، إلا أنه قد يكتشف وسط ~~ما - بالاختبار الدقيق - يمكن أن يضعف عمل المغناطيس أكثر من غيره بشكل نسبي ~~وبدرجة ما، مثلا قد يكتشف المرء أن المغناطيس لا يجذب الحديد خلال سمك من الذهب ~~مثلما يجذبه خلاله نفس السمك من الهواء، أو لا يجذب الحديد خلال الفضة الساخنة مثلما ~~يجذبه خلال الفضة الباردة، وهكذا في حالات مماثلة، وأنا لم أجر تجارب في هذه وإنما ~~أوردها كأمثلة، وبالمثل لا يوجد جسم معروف في الخبرة البشرية لا يكتسب حرارة حين يوضع ~~قرب نار، ولكن الهواء يكتسب الحرارة أسرع بكثير مما يكتسبها الحجر، ذلك هو الاستبدال ~~بالتدرج. # أما الاستبدال بالمماثلة (الأنالوجي) فهو بالتأكيد أكثر نفعا ولكنه أقل يقينا، ~~ومن ثم ينبغي أن يستخدم بشيء من الحذر، وهو يحدث حين يوضع شيء غير محسوس ~~أمام الحواس، لا بعمليات مدركة من جانب الجسم غير المدرك نفسه، بل بملاحظة جسم ~~مدرك مشابه، افترض مثلا أننا ندرس مزيجا من الأرواح - التي هي أجسام غير مرئية - ~~فيظهر أن هناك نوعا من الألفة بين الأجسام ووقودها أو المادة التي تغذيها، فوقود اللهب ~~(غذاؤه) هو - فيما يبدو - الزيت والمواد الدهنية، ووقود الهواء الماء والمواد المائية؛ ~~لأن اللهب يشتد على أبخرة الزيت، والهواء يتغذى على بخار الماء. علينا إذن أن ندرس مزيج ~~الماء والزيت، إذ هو مدرك بالحواس؛ لأن مزيج الهواء والنار يند عن الحواس، غير أن ~~الزيت والماء لا يمتزجان - حين تضمهما أو تقلبهما - إلا امتزاجا ضئيلا متعثرا ~~للغاية، ولكن في العشب والدم وأجزاء الحيوانات تمتزج نفس الأشياء امتزاجا تاما ~~سلسا، ومن ثم قد يكون هناك شيء مماثل لذلك في حالة مزج أجزاء نارية وهوائية في ~~الأرواح، فالأشياء التي لا تمتزج بسهولة بمجرد إضافتها معا يبدو أنها تمتزج في أرواح ~~النباتات والحيوانات، خاصة أن كل روح حي يتغذى على مواد رطبة من كلا النوعين - ~~المائي والدهني - كوقود مناسب. # كذلك ms157 إذا كان بحثنا لا يتناول مزيجا تاما للأرواح بل مجرد مركب منها، أي نبحث ما ~~إذا كانت الأرواح مندمجة معا بسهولة أم أن هناك - مثلا - رياحا أو أبخرة أو أجساما ~~روحية أخرى لا تمتزج بالهواء العادي بل تتعلق وتطفو به فحسب في هيئة حبيبات وقطرات، ~~وتتكسر وتنشطر بالهواء، غير مدخلة وغير مدمجة فيه، هذا الشيء لا يمكن إدراكه ~~بالحواس في الهواء العادي والأجسام الروحية الأخرى؛ بسبب خفتها المتناهية، غير أن ~~بوسعنا أن نتصور ما يحدث عن طريق نوع من الصورة أو التمثيل مستفاد من السوائل كالزئبق ~~والزيت والماء، وأيضا في الدخان الكثيف، وأخيرا في التراب المثار المعلق في الهواء، ~~وفي كل حالة من هذه لا يوجد دمج، هذا التمثيل الذي وضعته في هذا الموضوع لا بأس به ~~شريطة أن نبحث أولا بدقة: هل يمكن أن يكون هناك مثل هذا التباين بين الأرواح مثلما ~~هو موجود بين السوائل؛ لأنه إذا أمكن ذلك فقد يتسنى استبدال هذه الصور بواسطة ~~المماثلة دون مصاعب. # ورغم أني قلت: إن بالإمكان الحصول على معلومات من هذه «الشواهد المكملة» كملجأ أخير ~~إذا أعوزتنا الشواهد المباشرة، إلا أني أود أن يكون مفهوما أنها أيضا ذات نفع ~~كبير عندما تكون الشواهد المباشرة متوافرة، وذلك بغرض تعزيز المعلومات التي تقدمها ~~الشواهد المباشرة، إلا أني سوف أعرض لها بدقة أكبر عندما يفضي بنا الحديث - في موضعه - ~~إلى تناول «دعائم ~~الاستقراء» # supports of induction ~~. ~~••• ~~(43) وفي المرتبة العشرين بين شواهد الامتياز سأضع «الشواهد الباضعة» # cleaving instances ~~، # 73 # التي أسميتها أيضا «الشواهد ~~المقتلعة» # plucking instances # ولكن لسبب مختلف. أسميها الشواهد «المقتلعة»؛ لأنها تمسك ~~بالعقل وتسحبه، و«الباضعة» لأنها تشق الطبيعة شقا؛ لذا أيضا أسميها «شواهد ديمقريطس»، # 74 # إنها شواهد تذكر الذهن بالدقة المدهشة والمعجبة للطبيعة، فتثيره ~~وتوقظه وتحضه على أن يولي الطبيعة الانتباه والملاحظة والتمحيص الذي تستحقه، مثال ذلك: ~~أن نقطة من الحبر يمكن أن تخط كل هذه الحروف أو السطور، أن قطعة من الفضة مذهبة من ~~الخارج فحسب يمكن أن تمط إلى كل هذا ms158 الطول من السلك المذهب، أن دودة دقيقة كالتي ~~توجد في الجلد تحتوي على روح وعلى بنية محددة من الأجزاء، أن قليلا من الزعفران يصبغ ~~ويلون برميلا كاملا من الماء، أن قليلا من الزباد # civet # أو المسك يملأ حجما أكثر بكثير من الهواء ويفعمه برائحته، ~~أن قليلا من البخور يبعث سحابة هائلة من الدخان، أن فروقا دقيقة من الأصوات المنطوقة ~~في كلمات تحمل خلال الهواء بطريقة ما وتخترق حتى ثقوب ومسام الخشب والماء (وإن ~~بصورة أضعف) ويرجع صداها حقا بهذه السرعة والدقة، أن الضوء واللون يتخلل بسرعة - ~~حتى من مسافة بعيدة - المادة الصلبة للزجاج والماء ويملؤها بهذا التنوع المدهش من الصور ~~وينكسر أيضا وينعكس، أن المغناطيس مؤثر خلال كل صنف من المادة حتى أشده صلابة. وأعجب ~~من هذا بعد أنه في هذه الأشياء جميعا تجد فعل أحدها في وسط محايد كالهواء لا ~~يعيق الآخر، بحيث إن فضاءات (أماكن) الهواء في الوقت نفسه تحمل صورا كثيرة جدا ~~كروائح البنفسج والورد، وكذلك الحرارة والبرودة والقوى المغناطيسية، كلها - أكرر - في ~~الوقت نفسه ودون أن يمنع أحدها الآخر، كأنما لكل منها طرائقه ومساراته الخاصة ~~بمعزل، ودون أن يصدم أحدها الآخر أو يكتسحه. # ولكن هناك ملحقا مفيدا أضيفه إلى «الشواهد الباضعة »، وهو ما أسميه «حدود البضع»؛ ~~ذلك أنه في الأشياء التي ذكرتها فإن الفعل لا يعرقل أو يعوق الفعل الذي من نوع مختلف، ~~غير أنه قد يقهر ويطفئ فعلا آخر من نفس النوع، كما يفعل ضوء الشمس بضوء الشمعة، وصوت ~~المدافع بالصوت العادي، وكما تغلب الرائحة النفاذة الرائحة الألطف، والحرارة ~~الشديدة الحرارة الخفيفة، وكما تعوق شرائح الحديد المدسوسة بين مغناطيس وقطعة ~~حديد أخرى، تعوق عمل المغناطيس، ولكن هذا الموضوع أيضا سوف يجد موضعه الملائم بين ~~«دعائم الاستقراء». ~~••• ~~(44) فرغنا الآن من الحديث عن الشواهد التي تساعد الحواس، والتي تفيد الجانب ~~المعلوماتي من مشروعنا بصفة رئيسية، فالمعلومات تبدأ من الحس، ولكن المشروع ككل ينتهي ~~في الممارسة، هذه هي نهاية الأمر كما أن المعلومات هي بدايته؛ لذا فالشواهد التالية ms159 ~~ستكون تلك التي تفيد الجانب العملي بصفة رئيسية وهي نوعان، وهناك سبعة منها، وقد أطلقت ~~عليها جميعا الاسم العام «الشواهد ~~العملية» # practical instances ~~. هناك عيبان في الجانب العملي وقسمان مناظران من الشواهد ~~المهمة، فالممارسة إما أن تخذلنا وإما أن تجهدنا، والسبب الرئيسي في الفشل في ~~التطبيق (خاصة بعد أن تكون الطبائع قد درست بعناية) هو عدم تحديد قوى الأجسام ~~وأفعالها وعدم قياسها على نحو دقيق، توصف قوى الأجسام وأفعالها، وتقاس بواسطة ~~أبعاد المكان أو بواسطة لحظات الزمن أو بواسطة وحدات الكم (المقدار) أو بفعالية ~~غالبة، إذا لم تقس هذه العوامل الأربعة بأمانة ودقة فستكون لدينا - ربما - علوم جيدة ~~نظريا، ولكنها فارغة من النتائج العملية، وأنا أطلق على الشواهد الأربعة التي تناظر ~~هذه اسما واحدا هو «الشواهد ~~الرياضية» # mathematical instances # و«شواهد القياس» # instances of ~~measurement ~~. # تجهدنا الممارسة: إما بسبب خلط أمور لا فائدة فيها، أو من خلال كثرة الأدوات، أو ~~بسبب ضخامة المادة والأجسام التي تصادف أن تتطلبها مهمة ما؛ لذا ينبغي أن نثمن ~~الشواهد التي توجه العمل إلى الأشياء الأكثر نفعا للبشرية، أو الشواهد التي تقتصد ~~في عدد الأدوات، أو التي تقتصد في المادة أو المعدات، وأنا أسمي الشواهد الثلاثة التي ~~تخدمنا هنا بالاسم الواحد «الشواهد السمحة أو المحسنة» # propitious or benevolent instances ~~، وسأعرض الآن لهذه الشواهد السبعة ~~كل على حدة، وأختم بها هذا القسم من موضوعي المتعلق بشواهد الامتياز. ~~••• ~~(45) في المرتبة الحادية والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد القصبة أو ~~المسطرة» # instances of the rod or of the ruler ~~، # 75 # التي أسميها أيضا «شواهد النطاق أو الحد ~~الأقصى» # instances of range or furthest limit ~~؛ ذلك أن قوى الأشياء وحركاتها تعمل وتؤثر على مسافات ليست ~~تصادفية وغير محددة، وإنما هي ثابتة ومحددة؛ ولذا فمن الأهمية العملية الكبيرة أن ~~نلاحظها ونسجلها في كل طبيعة نريدها، لا لتجنب الخطأ العملي فحسب بل أيضا لتحسين ~~الممارسة ومد سلطانها؛ ذلك أن بإمكاننا أحيانا أن نوسع نطاق قوانا وأن نقلص ~~المسافات، كما في حالة استعمال ms160 التلسكوب على سبيل المثال. # لا تعمل أغلب القوى وتؤثر على الأشياء الأخرى إلا بالتلامس الظاهر، كما في حالة ~~تصادم الأجسام، حيث لا يحرك أحدهما الآخر من مكانه ما لم يتلامسا، كذلك الأدوية ~~المستعملة من الظاهر - مثل: المراهم واللزقة - لا تمارس مفعولها إلا بالتلامس الجسمي، ~~وكذلك لا تؤثر الأشياء على حواس اللمس والذوق إلا عندما تلامس الأعضاء. # كما أن هناك قوى أخرى تعمل عن بعد، وإن يكن بعدا صغيرا جدا، ولم يلحظ منها ~~حتى الآن إلا عدد قليل وإن يكن هناك عدد أكبر مما يتصور البشر، مثال ذلك (لنأخذ أمثلة ~~شائعة): إن الكهرمان الأسود يجذب القش، والفقاعة تفجر الفقاعة الأخرى حين تقترب منها، ~~وبعض المسهلات تدر ارتشاحات ... إلخ، والقوة المغناطيسية التي تسحب الحديد إلى ~~المغناطيس، أو تسحب المغناطيس إلى غيره، تعمل داخل مجال معين للقوة وإن يكن مجالا ~~صغيرا، أما إذا كانت هناك قوة مغناطيسية تصدر من الأرض نفسها (من تحت السطح ~~مباشرة) إلى إبرة من الصلب وتؤثر على قطبيتها، فإن التأثير يكون من مسافة ~~عظيمة. # مرة ثانية إذا كان هناك أي قوة مغناطيسية تعمل بالتوافق بين كوكب الأرض والأجسام ~~الثقيلة، أو بين كوكب القمر ومياه البحر (والذي يبدو محتملا جدا في المد العالي ~~والمنخفض مرتين في الشهر)، أو بين السماء النجمية والكواكب، والتي بها تجذب الكواكب ~~إلى نقاط أو جهات، فإن جميع هذه الأشياء ستكون عاملة على مسافات عظيمة جدا . # هناك أيضا بعض حالات النار تبدأ أو تندلع في ~~بعض المواد من مسافات كبيرة جدا، مثلما يحكى عن النفط في بابل، فالحرارة تسافر ~~مسافات شاسعة وكذلك البرودة، فأهالي كندا يشعرون من بعيد بالبرد الناجم عن كتل الجليد ~~التي تتحطم وتطفو على المحيط الشمالي وتحمل خلال الأطلنطي تجاه سواحلهم، والروائح ~~أيضا تؤثر من مسافات كبيرة (وإن بدا أن هناك أيضا انبعاثا فيزيقيا ما في حالتها)، ~~كما يلاحظ البحارة على طول سواحل فلوريدا أو بعض أجزاء إسبانيا حيث توجد غابات كاملة من ~~أشجار الليمون وأشجار البرتقال ومثل هذه النباتات العطرة، أو أدغال ms161 من إكليل الجبل # rosemary # والعترة وما شابه، وأخيرا فإن إشعاع ~~الضوء وانطباعات الصوت تعمل على مسافات كبيرة. # ولكن جميع هذه القوى - سواء تعمل على مسافة كبيرة أو صغيرة - تعمل بالتأكيد في حدود ~~مسافة محددة، ثابتة ومعلومة من جانب الطبيعة، ومن ثم هناك حد يعتمد على كتلة ~~الأجسام أو مقدارها، أو على عرامة هذه القوى أو ضعفها، أو على الوسط المحيط موات هو ~~أم مقاوم، وكل منها ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار ويلاحظ، وينبغي أيضا أن نلاحظ ونحسب ~~حدود الحركات العنيفة من قبيل القذائف والمدافع والعجلات ... إلخ، فمن البين أن لها ~~أيضا حدودها الثابتة. # هناك أيضا حركات وقوى معينة ذات طبيعة مضادة لتلك التي تعمل بالتلامس وليس عن ~~بعد، أي تلك التي تعمل على بعد وليس بالتلامس، وتلك التي تعمل عملا ضعيفا على ~~المسافة القصيرة وتؤثر تأثيرا أقوى على المسافة الأكبر. البصر مثلا لا يؤدى ~~بالتلامس على نحو جيد، بل يحتاج إلى وسط وإلى مسافة، غير أني أذكر أني سمعت رواية ~~من شخص ذي مصداقية قال: إنه كان يعالج الكاتاراكت # 76 # بعينيه (كان العلاج أن تدخل إبرة فضية صغيرة تحت الغشاء الأول للعين ~~لكي تزيل غشاء الكاتاراكت وتدفع به إلى ركن العين)، فرأى الإبرة وهي تتحرك فوق الحدقة ~~الحقيقية بوضوح شديد، ولكن مهما يكن نصيب هذا من الصدق، فمن الواضح أن الأشياء الأكبر ~~لا ترى جيدا أو بوضوح إلا على رأس مخروط حيث تلتقي الأشعة من الشيء على مسافة ~~ما، وفضلا عن ذلك فالمسنون من الناس يبصرون على نحو أفضل حين يوضع الشيء أبعد ~~قليلا لا أقرب، وفي حالة القذائف فمن المؤكد أن المفعول ليس كبيرا جدا من المسافة ~~المفرطة القصر مثلما هو من مسافة أبعد بعض الشيء، هذه الأشياء ومثيلاتها هي ما ينبغي ~~علينا ملاحظته في قياس الحركات في صلتها بالمسافة. # هناك أيضا نوع ثان من القياس المكاني للحركة ~~ينبغي ألا نغفله، وهو لا يتصل بالحركات الخطية بل بالحركات الكروية، أي بتمدد الأجسام ~~إلى كرة أكبر، أو انكماشها إلى كرة أصغر، ms162 فبين قياساتنا للحركات يجب أن ندرس أي درجة ~~من الضغط أو التمدد تحتمله الأجسام (وفقا لطبيعتها) بسهولة وطواعية، وعند أية نقطة ~~تبدأ في المقاومة إلى أن تنفد ولا يعود الجسم يحتمل، مثلما يحدث عندما يضغط كيس ~~منتفخ، فهو يتحمل بعض الضغط على هوائه، ولكن بعد نقطة معينة لا يعود الهواء يحتمل الضغط ~~وينفجر الكيس. # وقد اختبرت هذا على نحو أدق بتجربة مرهفة، فأخذت جرسا معدنيا صغيرا رقيقا ~~وخفيفا جدا مثل المملحة، وغطسته في حوض من الماء، بحيث يأخذ معه إلى قاع الحوض ~~الهواء الذي يحمله في تجويفه، ووضعت أولا كرة صغيرة في القاع ليستقر عليها الجرس، ~~وكانت النتيجة أنه إذا كانت الكرة صغيرة جدا (بالنسبة للتجويف) كان الهواء ينسحب إلى ~~منطقة أصغر، وينضغط ببساطة ولا يطرد، أما إذا كانت الكرة كبيرة جدا لا تسمح ~~للهواء أن ينسحب طوعا، فإن الهواء لا يمكنه تحمل الضغط الأكبر، بل كان يرفع الكرة ~~جزئيا ويصعد إلى أعلى على شكل فقاعات. # ولكي أختبر التمدد والانضغاط الذي يسمح به الهواء لجأت إلى التجربة التالية: أخذت ~~بيضة زجاجية بها ثقب في أحد أطرافها، وسحبت الهواء منها خلال الثقب بواسطة شفاط قوي، ~~ثم سددت الثقب للتو بإصبع، وغطست البيضة في الماء ثم نزعت الإصبع. كان الهواء ~~تحت ضغط بواسطة التوتر الذي أحدثه الشفط، ومنتفخا بدرجة تتجاوز طبيعته، وفي محاولته ~~لكي يرتد وينكمش (بحيث إذا لم تكن البيضة قد غطست في الماء لكانت سحبت هواء إلى ~~داخلها يصفر في دخوله) فقد سحب إلى الداخل كمية من الماء كافية لكي يستعيد أبعاده الأولى. # 77 # من المؤكد أيضا أن الأجسام الخفيفة (مثل الهواء) تسمح بانكماش ملحوظ كما لاحظنا ~~سابقا، أما المواد العينية (مثل الماء) فلا تسمح بذلك إلا بصعوبة أكبر وبقدر أقل، ~~وقد بينت بالتجربة التالية إلى أي حد تسمح بذلك: # أخذت كرة من الرصاص تسع حوالي 2 باينت، جوانبها سميكة بحيث تحتمل قوة كبيرة، ~~وملأتها ماء خلال ثقب فيها، ثم ختمت برصاص سائل، بحيث أصبحت كرة صلبة تماما، ثم ~~فلطحتها ms163 على جانبين متقابلين بواسطة مطرقة ثقيلة، بذلك اضطررت الماء بداخلها إلى ~~الانضغاط إلى حيز أصغر؛ إذ إن الكرة أكثر الأشكال سعة، وعندما لم تعد الطرق ~~تجدي كنتيجة لمقاومة الماء للانكماش، استعملت طاحونة أو معصرة، وبذلك لم يعد الماء ~~يحتمل ضغطا أكبر، فأخذ يرتشح خلال السطح الصلب للرصاص (مثل الندى الخفيف)، عندئذ ~~حسبت كم نقص الحجم بالانضغاط واستنتجت أن الماء (ولكن فقط عندما أخضع لمثل هذه ~~القوة الكبيرة) قد عانى هذا القدر من الانضغاط. # ولكن الانضغاط أو التمدد الذي تحتمله الأجسام الأكثر صلابة وجفافا واندماجا، مثل ~~الخشب والحجارة والمعادن، أقل من هذا، ولا يكاد يدرك، فمثل هذه المواد تخلص نفسها ~~بالانكسار أو بالتحرك أو بمناورات أخرى، مثلما يظهر في انثناء الخشب أو المعدن، وفي ~~الساعات التي تتحرك بالزنبرك وفي القذائف وفي الطرق بالمطرقة، وفيما لا يحصى من ~~الحركات الأخرى، كل هذه الأشياء مع قياساتها يجب أن تستكشف وتختبر في دراسة ~~الطبيعة، إما في صورتها الدقيقة أو بالتقدير أو بالمقارنة، حسبما تسمح الحالة. ~~••• ~~(46) وفي المرتبة الثانية والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد المضمار» # instances of the course # 78 ~~(شواهد العدو # running instances ~~)، التي ~~أسميها أيضا «شواهد الماء»، مستعيرا اللفظة من الساعات المائية عند القدماء، التي ~~كانت تملأ بالماء لا بالرمل، إنها تقيس الطبيعة بلحظات الزمان، مثلما تقيسها «شواهد ~~المسطرة» بوحدات المكان، فكل حركة أو فعل طبيعي إنما يجري في الزمان أسرع أو أبطأ، إلا ~~أنه يجري في لحظات محددة ومقدرة بدقة من جانب الطبيعة، وحتى الأفعال التي يبدو ~~وقوعها فوريا وفي طرفة عين (كما نقول) وجد أنها تستغرق مدة من الزمن. # في المقام الأول إذن نرى أن دورات الأجرام السماوية تحدث في فترات زمنية محسوبة، ~~وكذلك الجزر والمد، وإن حركة الأشياء الثقيلة تجاه الأرض والخفيفة تجاه السماء تشغل ~~لحظات معينة يحددها الجسم المتحرك والوسط الذي يتحرك فيه، ومخور السفن وحركات ~~الحيوانات ومسارات القذائف كلها تحدث في آماد من الزمن يمكن قياس مجملها، ونرى ~~الحواة بحركات سلسة رشيقة يقلبون أقداحا مملوءة بالنبيذ أو ms164 الماء رأسا على عقب ~~ويعدلونها ثانية دون أن تند قطرة واحدة ومثل هذا كثير، كذلك انكماش وتمدد ~~وتفجر الأجسام يحدث بسرعة أو ببطء بحسب نوع الجسم والحركة، إلا أنها جميعا تستغرق ~~قدرا محددا من الزمن، وفضلا عن ذلك عند انطلاق عدة مدافع في نفس الوقت، والذي يسمع ~~أحيانا على مبعدة ثلاثين ميلا، فإن أولئك القريبين من موقع الانطلاق يسمعون صوته ~~قبل الذين هم أبعد، وفي حالة البصر (حيث الفعل سريع جدا) من الواضح أيضا أنه يحتاج ~~لحظات معينة من الزمن لكي يعمل عمله، بدليل أن الأشياء الفائقة السرعة لا ترى، كما هو ~~الحال عندما تنطلق رصاصة من بندقية، فانطلاق الرصاصة هو من السرعة بحيث لا يسمح ~~بانطباع لصورته يصل إلى العين. # هذا الشاهد وأشباهه قد أدخل في روعي أحيانا ~~شكا عجيبا فيما إذا كنا نرى صفحة السماء الرائقة والنجوم في لحظة وجودها حقا، ~~أم بعدها بقليل، وما إذا كان هناك (بالنسبة لمظهر الأجرام السماوية) زمن حقيقي وزمن ~~مدرك، كما في حالات البارالكس # parallaxes # 79 # حيث لاحظ الفلكيون أن هناك مكانا حقيقيا ومكانا مدركا، فيبدو صعبا ~~علي جدا أن أصدق أن صور أو أشعة الأجرام السماوية يمكن أن توصل للتو إلى ~~البصر خلال هذه المسافات الهائلة، بدلا من أن تستغرق زمنا ملحوظا وهي ترتحل إلينا، # 80 # ولكن هذا الشك (بخصوص أي فرق كبير بين الزمن الحقيقي والظاهري) تبدد ~~تماما بعد ذلك عندما تأملت في الفقدان والنقصان المتناهي في الحجم بين المقدار ~~الحقيقي والمقدار الظاهري للنجم ، والناتج عن بعده، وعندما لاحظت أيضا عظم المسافة ~~(60 ميلا على الأقل) التي يمكن منها للتو رؤية الأجسام البيضاء فقط هنا على الأرض، إذ ~~لا شك أن ضوء الأجرام السماوية يفوق - في قوة إشعاعه - لا نصاعة اللون الأبيض فحسب بل ~~أيضا ضوء أي لهب معروف لنا هنا على الأرض، كما أن السرعة الهائلة للأجسام نفسها كما ~~ترى في حركتها اليومية (والتي أذهلت حتى المفكرين الجادين بحيث جعلتهم أميل إلى ~~تصديق أن الأرض تتحرك) يجعل حركة انطلاق ms165 الشعاع منها (مذهل السرعة كما قلت) أقرب إلى ~~التصديق، ولكن النقطة الأكثر إقناعا لي، من كل ما عداها، هي أنه إذا كان ثمة أي فترة ~~ملحوظة من الزمن تتوسط بين الواقع والإبصار لترتب على ذلك أن ستعترض الصور في كثير من ~~الأحيان وتشوش بالسحب الصاعدة في نفس الوقت وما شابه ذلك من الاضطرابات في الوسط، ~~وبحسبنا ذلك من حديث عن القياسات البسيطة للزمن. # غير أننا لا يجب علينا فقط أن ندرس قياس ~~الحركات والأفعال في ذاتها، بل أيضا وأهم أن ندرسها على نحو مقارن، فهذا شيء عظيم ~~النفع ولأغراض كثيرة، فنحن نجد أن نار البندقية يرى ومضها أسرع مما يسمع صوتها، ~~رغم أن الرصاصة لا بد أنها ضربت الهواء قبل أن يستطيع اللهب الذي وراءها أن يخرج، ~~ولا بد أن يكون هذا راجعا إلى أن حركة الضوء أسرع من حركة الصوت، ونحن نرى أيضا أن ~~الصور المرئية تستقبل بالنظر بسرعة أكبر من السرعة التي تمحى بها، ولهذا السبب فإن ~~وتر الكمان الذي ينقر بالإصبع يظهر مزدوجا أو مثلثا؛ وذلك لأن صورة جديدة تستقبل ~~قبل أن تكون القديمة قد محيت، ولنفس السبب فإن الحلقات الدوارة تظهر كروية، ~~والمشعل المتوهج المحمول بسرعة ليلا يبدو كأن له ذيلا، وعلى هذا الأساس من تباين سرعة ~~الحركات بنى جاليليو تصوره عن الجزر والمد، فالأرض تدور بسرعة أكبر، والماء بسرعة ~~أقل، ولذلك يتكوم الماء عاليا ثم يعود فيهبط مرة ثانية، مثلما يظهر في زهرية من ~~الماء حركت بسرعة، غير أنه بنى هذا على افتراض لا يصح أن يفترض (وهو أن الأرض ~~تتحرك)، ودون أن يحيط علما بحقيقة حدوث المد كل ست ساعات. # إن النقطة التي نحن بصددها هي القياس المقارن للحركات، في ذاتها وفي منفعتها الكبيرة ~~(التي تحدثت عنها للتو)، والمثال اللافت في ذلك هو الألغام التي توضع تحت الأرض ~~وتحشى بالبارود، وفيه تجد أن مقدارا ضئيلا من البارود يدمر ويطيح في الهواء بكتل ~~ضخمة من الأرض والمباني وما إليها؛ وسبب ذلك - بغير شك - هو أن ms166 حركة تمدد البارود ~~أسرع بكثير من حركة الجاذبية التي تقاومها، بحيث تنتهي الأولى قبل أن تبدأ الحركة ~~الثانية المضادة، ومن ثم فهناك غياب للمقاومة في البداية، وهذا يفسر لنا لماذا في ~~كل قذيفة تكون للضربة - التي ليست قوية بقدر ما هي حادة وسريعة - قوة قذف عالية ~~جدا، والسبب الوحيد الذي يمكن كما صغيرا من الأرواح الحيوانية - وخاصة ~~الضخمة الجثة كالحيتان والأفيال - من أن تقود وتتحكم في هذه الكتلة الجسمية الضخمة، هو ~~أن حركة الروح سريعة جدا وحركة الجسم بطيئة وتبذل مقاومة. # وأخيرا، هذا هو أحد الأسس الرئيسية لتجارب السحر، التي سوف أعرض لها لاحقا: أي ~~عندما تتحكم كمية صغيرة من المادة في كمية أكبر منها بكثير وتنظمها، وعندي أن هذا ما ~~يحدث إذا استبقت الأولى الأخرى بسرعة حركتها قبل أن تهم هذه بالفعل. # وأخيرا، هذا التمييز بين «القبل» و«البعد» ~~ينبغي أن يلاحظ في كل فعل طبيعي، مثلا: في عملية إشراب الراوند، فإن القوة ~~المسهلة تظهر أولا ثم القوة القابضة، وقد رأينا شبيها لذلك في نقع البنفسج في ~~الخل، حيث الأريج الجميل الرقيق يلاحظ أولا، ثم الجزء الترابي من الزهرة الذي ~~يفسد الأريج؛ وعليه فإذا نقعت بنفسجات يوما كاملا تكون الرائحة أضعف من أن ~~تلاحظ، أما إذا نقعت ربع ساعة فقط ثم أخرجت، و(حيث إن الروح المعطرة في ~~البنفسج صغيرة) وضع بنفسج جديد كل ربع ساعة، وتكرر ذلك ست مرات، فإن المنقوع يكون ~~في النهاية ثريا رغم أنه لم يوجد بنفسج في الخل - مهما تجدد - لأكثر من ساعة ~~ونصف، تتبقى فيه رغم ذلك رائحة زكية في قوة البنفسج نفسه تدوم عاما كاملا، ومع ذلك ~~فإن على المرء أن يلاحظ أن الرائحة لا تبلغ قوتها الكاملة إلا بعد شهر من النقع، وفي ~~تقطير الطيوب العطرية المشربة في الكحول، من الواضح أنه في البداية ينشأ سائل مائي غير ~~ذي فائدة، ثم ماء به كحول أكثر، وبعد ذلك فقط ماء بأريج أكثر، وتوجد كثير جدا من مثل ~~هذه الأشياء في عمليات التقطير وتستحق أن ms167 تلاحظ، ولكن بحسبنا الأمثلة التي ~~ذكرناها. ~~••• ~~(47) وفي المرتبة الثالثة والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد الكمية» # instances of quantity ~~، # 81 # التي أسميها أيضا «جرعات ~~الطبيعة» # doses of nature ~~(مستعيرا اللفظة من الطب)، هذه هي الشواهد التي تقيس القوى ~~بواسطة كميات الأجسام، وتبين أية كمية من الجسم تؤدي إلى كمية معينة من القوة، وهناك ~~أولا بعض القوى التي لا توجد إلا في «كم كوني» أي في «كم» منسق مع شكل العلم ~~وبنيته؛ فالأرض مثلا ثابتة برسوخ، وأجزاؤها تسقط، والماء في البحر يمد ويجزر، وليس ~~الماء في الأنهار إلا إذا فاض البحر فيها، مرة ثانية إذن يعتمد تأثير كل القوى تقريبا ~~على ما إذا كان هناك كثير أم قليل من المادة، فالكتل الكبيرة من الماء لا تتلوث ~~بسهولة والصغيرة تتلوث، وجديد النبيذ والجعة ينضج ويطيب للشراب في القرب الصغيرة ~~أسرع مما يفعل في البراميل الكبيرة. إذا وضع عشب في كمية كبيرة من السائل، ينقع ~~العشب ولا يمتص السائل، وإذا وضع في كمية أقل لا يحدث انتقاع ويمتص السائل. ~~الحمام في تأثيره على الجسم غير الرذاذ الخفيف، والندى الخفيف كذلك لا يسقط أبدا في ~~الهواء، بل يتبدد ويدمج فيه، وبالزفير على الجواهر قد ترى الرطوبة الضئيلة تنحل على ~~الفور مثل غمامة صغيرة في الجو، وكسرة من المغناطيس لا تجذب حديدا كثيرا كالذي ~~يجذبه المغناطيس الكامل، وهناك أيضا قوى تكون فيها للكمية الصغيرة تأثير أكبر، ~~فالسن الحاد أسرع في الاختراق والثقب من السن المثلم، والماس المدبب يحفر على الزجاج ~~... وهكذا. # هنا أيضا علينا ألا نتلبث طويلا مع نتيجة غامضة، بل أن نبحث في النسبة الدقيقة ~~لكمية المادة إلى كمية القوة، إذ إن من الطبيعي أن يفترض المرء أن القوة تحمل ~~تناسبا دقيقا مع الكمية، بحيث إنه إذا أخذت كرة من الرصاص وزنها أوقية وقتا ~~معينا لكي تسقط على الأرض، فإن كرة وزنها أوقيتان لا بد أن تسقط بضعف سرعة الأولى، ~~وهو افتراض خاطئ تماما، ولا تنطبق هذه بالنسبة في كل صنف من القوة، فالفروق ms168 في ذلك ~~كبيرة جدا، ومن ثم فإن من الضروري أن نبحث عن هذه القياسات في الأشياء نفسها ~~وليس على أساس الشبه أو التخمين. # وأخيرا، علينا في كل بحوثنا في الطبيعة أن نلاحظ ما هي الكمية - أو الجرعة - من ~~الجسم المطلوبة من أجل كل تأثير معين، وأن نأخذ جذرنا في الوقت نفسه من تقديرها ~~تقديرا زائدا أو ناقصا. ~~••• ~~(48) وفي المرتبة الرابعة والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد الصراع» # instances of struggle ~~، # 82 # التي أسميها أيضا «شواهد ~~السيطرة (الهيمنة)» # instances of dominance ~~، وهي تشير إلى الهيمنة والخضوع المتبادلين بين ~~القوى، وتبين أيهما هو الأقوى والمسيطر وأيهما هو الأضعف والمستسلم، فحركات ~~الأجسام وجهودها تتراكب وتتفكك وتتعقد شأنها شأن الأجسام ذاتها؛ لذا فسوف أقدم أولا ~~الأنواع الرئيسية للحركة أو القوة النشطة عسانا أن نتمكن من مقارنتها بوضوح أكبر من ~~حيث القوة، وبناء على ذلك نعرض ونميز «شواهد الصراع أو الهيمنة». ~~(1) # لتكن الحركة الأولى هي حركة «المقاومة» في المادة، والتي توجد في كل جزء ~~منها، وبها تأبى المادة أن تنعدم، فلا النار ولا الثقل أو الضغط ولا العنف ~~ولا القدم أو العمر الزمني، يمكن أن يرد حتى أصغر جزء من المادة إلى ~~العدم، بل هي دائما شيء ما وتشغل حيزا ما من المكان، وعند الضرورة فهي ~~إما أن تخلص نفسها بتغيير شكلها أو مكانها، وإما (إذا لم يتح لها ~~ذلك) أن تبقى كما هي، ولا تنتهي أبدا إلى نقطة كونها لا شيء أو في لا ~~مكان. هذه الحركة يشير إليها المدرسيون (الذين يسمون الأشياء ويعرفونها ~~دائما بمعلولاتها ونواتجها السلبية لا بعللها الداخلية )، إما بالمبدأ ~~القائل: «لا يمكن لجسمين أن يكونا في مكان واحد.» وإما يسمونها «حركة ~~منع اختراق الأبعاد»، لست بحاجة إلى أن أقدم أمثلة لهذه الحركة؛ لأنها ~~ملازمة لكل جسم. ~~(2) # ولتكن الحركة الثانية ما أسميه «الارتباط» # connection # وبها تأبى الأجسام أن تنتزع في أي جزء من ~~أجزائها من صلتها بجسم آخر، كما لو كانت تستمتع بالوصل أو بالاتصال ~~المتبادل، هذه الحركة يسميها المدرسيون الحركة ms169 ل «تجنب الفراغ»، مثلما ~~يحدث حين يسحب الماء بالشفط أو خلال حقنة، أو يسحب اللحم بكأس الحجام، ~~أو عندما يمكث الماء ولا يهرب من الجرة ما لم تفتح فوهة الجرة بما يسمح ~~بدخول الهواء، وما لا يحصى من الشواهد المماثلة. ~~(3) # ولتكن الحركة الثالثة هي حركة ال # liberty ~~(الحرية) كما أسميها، والتي ~~بها تكافح الأجسام لكي تحرر نفسها من الضغط أو التوتر غير الطبيعي ~~وتستعيد نفسها إلى الأبعاد التي تلائم الجسم، هناك أمثلة لهذه الحركة تفوق ~~الحصر، مثل (لكي نبدأ بالتحرر من الضغط) حركة الماء في السباحة، وحركة ~~الهواء في الطيران، وحركة الماء في التجديف، وحركة الهواء في هبات الرياح، ~~وحركة الزنبرك في الساعات، والمثال الدقيق على حركة المنضغط يشاهد في ~~بندقية الهواء عند الأطفال، إذ يجوفون فرعا من جار الماء أو شيئا من ~~هذا القبيل، ثم يحشونه من كلا طرفيه بجذر لحيم أو شيء من هذا القبيل، ثم ~~بقضيب تنظيف (مدك بندقية) يحشون جذرا أو عصا من أحد الطرفين، فيدفع ~~الجذر الذي عند الطرف الآخر خارجا ويقذف بصوت مسموع قبل أن يمسه ~~الجذر أو العصا أو المدك المدخل من الطرف القريب، أما عن التحرر من ~~التوتر فهذه الحركة تفصح عن نفسها في الهواء المتبقي في البيض الزجاجي بعد ~~الشفط وفي الأوتار وفي الجلد والقماش الذي يستعيد شكله بعد مطه ما لم ~~يستمر المط فترة طويلة بحيث يصير مستديما، هذه الحركة يشير إليها ~~المدرسيون تحت اسم «الحركة وفقا لصورة العنصر»، وهي تسمية من الجهل بمكان، ~~إذ إن هذه الحركة ذات صلة لا بالهواء أو الماء أو النار فحسب، بل بطيف ~~الأجسام الصلبة جميعا كالخشب والحديد والرصاص والقماش والرق ... إلخ، حيث ~~لكل جسم حد من بعده المميز الخاص، ومن الصعب أن يسحب خارجه إلى أي ~~امتداد يذكر، ولكن لأن حركة التحرر هي الأشد وضوحا ولها عدد لا نهاية له ~~من الأشكال، فمن الحكمة أن نضع بعض التمييزات الواضحة الجيدة؛ لأن البعض ~~يخلط بإهمال بين هذه الحركة وحركة المقاومة والارتباط، فيخلط التحرر من ms170 ~~الضغط بحركة المقاومة، ويخلط التحرر من التوتر بحركة الارتباط، كما لو أن ~~الأجسام تحت الضغط تذعن أو تمتد لكي تتجنب «اختراق أبعادها»، وأن الأجسام ~~تحت التوتر ترتد وتنقبض لكي تتجنب «الفراغ»، ولكن إذا حاول الهواء المنضغط ~~أن يتقلص حتى يبلغ كثافة الماء، أو يبلغ الخشب كثافة الحجر، لما كان ثمة ~~حاجة إلى «اختراق أبعاد»، ومع ذلك سيكون ذلك انضغاطا له أشد كثيرا مما ~~يسمح به فعليا، وبنفس الطريقة إذا حاول الماء أن يتمدد ويبلغ خفة ~~الهواء، أو يبلغ الحجر خفة الخشب، لما كان ثمة حاجة ل «الفراغ»، ومع ~~ذلك سيكون ثمة تمدد له أكبر كثيرا مما يسمح به فعلا. المسألة إذن ليست ~~مسألة «اختراق أبعاد» و«فراغ»، إلا في المراحل الأخيرة من التكثيف ~~والخلخلة. إن هذه الحركات تتوقف قبل بلوغ هذه المراحل بكثير، وهي ~~- ببساطة - محاولات للأجسام أن تحفظ قوامها الخاص (أو - إن شاءوا # 83 ~~- صورها الخاصة) وألا تفقدها فجأة، إلا إذا كانت تغير ~~بطرائق لطيفة وطوع إرادتها الخاصة، ولكن أهم من ذلك بكثير (لكثرة ما يترتب ~~عليه) أن نطبع في أذهان الناس أن الحركة العنيفة (التي أسميها «ميكانيكية»، ~~ويسميها ديمقريطس الذي هبط في تفسير حركاته الأولى إلى ما دون أنصاف ~~الفلاسفة، يسميها حركة «اللكمة») هي ببساطة حركة حرية، أي حركة من الانضغاط ~~إلى الاسترخاء، فسواء كانت اندفاعا بسيطا أو هروبا خلال الهواء، فليس ~~ثمة إزاحة أو حركة مكانية حتى تعاني أجزاء الجسم على نحو غير طبيعي بواسطة ~~ضغط القوة الدافعة، عندئذ يتحرك الجسم كله إذ يدفع كل جزء الآخر على ~~التوالي، لا حركة أمامية فقط بل حركة دائرية في الوقت نفسه، فبهذه الطريقة ~~تصبح الأجزاء أيضا قادرة على الهروب أو المشاركة في الحمل بالتساوي، ~~وبحسبنا ذلك من حديث عن هذه الحركة. ~~(4) # ولتكن الحركة الرابعة هي الحركة التي أسميتها «حركة المادة»، هذه الحركة ~~هي بمعنى ما عكس حركة الحرية التي تحدثت عنها للتو، ففي حركة الحرية فإن ~~الأجسام تكره وترفض وتتجنب بعدا جديدا أو حجما جديدا أو تمددا ~~أو انكماشا جديدا ms171 (هذه الألفاظ المتعددة تعني نفس الشيء)، وتجاهد بكل ~~قوتها لكي ترتد وتستعيد قوامها السابق، وفي المقابل ففي هذه الحركة - «حركة ~~المادة» - تتوق الأجسام لاكتساب حجم أو بعد جديد، وتحاول ذلك طواعية ~~وبلهفة، وأحيانا بجهد شديد جدا (كما في حالة البارود)، وأدوات هذه ~~الحركة - لا الوحيدة بل الأقوى أو على الأقل الأكثر حدوثا - هي الحرارة ~~والبرودة، مثلا: إذا تمدد الهواء بالتوتر (بالشفط مثلا في البيض ~~الزجاجي)، فإنه يبذل جهدا عظيما لكي يستعيد نفسه، أما إذا استخدمت ~~الحرارة فإنه يجهد - على العكس - لكي يتمدد، ويتوق إلى حجم أكبر، فيمر ~~ويرحل إليه باطراد كأنما ينتقل إلى صورة (كما يسمونها) جديدة، وبعد درجة ~~معينة من التمدد لا يعود يعبأ بالعودة ما لم يستنفر لذلك باستخدام ~~البرودة، والتي هي ليست عودة في الحقيقة بل تحولا ثانيا، وبنفس ~~الطريقة أيضا إذا حصر الماء بالضغط فهو يقاوم ويحاول أن يكون ما كان ~~عليه من قبل، أي أكثر تمددا، ولكن إذا وقعت برودة شديدة مستمرة فإنه ~~يتغير طوعا إلى المادة الكثيفة للثلج، فإذا استمرت البرودة دون انقطاع ~~ودون تدخل نوبات من الدفء (كما يحدث في الكهوف والكهوف العميقة) فإنه يتحول ~~إلى بلور أو مادة شبيهة بالبلور، ولا يستعيد صورته أبدا. ~~(5) # ولتكن الحركة الخامسة هي حركة «التماسك» # cohesion ~~(أو «المتصلبة» # continuity ~~)، ولست أعني التماسك الأولي البسيط مع جسم ~~آخر (فهذه هي حركة الارتباط # connection ~~) ~~بل التماسك الذاتي في الجسم الواحد. من المؤكد تماما أن الأجسام تكره ~~انحلال تماسكها، البعض أكثر كرها والبعض أقل، ولكن الجميع يكره انحلاله ~~بدرجة ما، في الأجسام الصلبة (كالصلب أو الزجاج) تكون مقاومة الانحلال ~~قوية وشديدة جدا ، ولكن في السوائل أيضا - حيث تبدو هذه الحركة مفتقدة ~~أو على الأقل ضعيفة جدا - فإنها ليست غائبة تماما، بل واضحة فيها ~~بدرجة جد منخفضة، وتكشف عن نفسها في تجارب كثيرة، مثال ذلك: في الفقاعات، ~~في دائرية القطرات، وفي الخيوط الدقيقة للماء الساقط من السقف، في تماسك ~~الأجسام الدبقة ... إلخ، يكشف هذا الميل عن نفسه على أفضل نحو إذا ms172 حاول ~~المرء أن يكسر شيئا ما إلى فتات صغير جدا، فالمدقة (يد الهاون) لا ~~يمكنها أن تفعل شيئا بعد أن تكون المادة قد دقت إلى درجة معينة، والماء ~~لا يمكنه أن ينفذ من الشقوق المتناهية الدقة، وحتى الهواء - رغم خفة جسمه ~~نفسه - لا يمكنه أن يمر على الفور من خلال مسام أوعية على شيء من ~~الصلابة، بل ينسرب انسرابا مزمنا. ~~(6) # ولتكن الحركة السادسة هي ما أسميه الحركة من أجل «الاكتساب» # gain ~~، أو حركة «الاحتياج» # want ~~، وهي الحركة التي بها تسعى الأجسام عندما توضع بين أجسام ~~أخرى مختلفة عنها تماما في النوع وشبه مناوئة لها، إن تسنى لها تجنب هذه ~~الأجسام المناوئة، تسعى إلى أن تصل نفسها بأشياء أكثر تجانسا (حتى لو ~~كانت هذه على غير اتفاق وثيق معها)، فتمسك بها على الفور وتفضلها وتبدو ~~أنها تعتبرها شيئا «مكتسبا» (ومن هنا استعرت الاسم) كأنها كانت «بحاجة» ~~إلى هذه الأجسام، مثال ذلك: رقائق الذهب، شأنها شأن رقائق المعادن الأخرى، ~~لا تحب أن تحاط بالهواء، ومن ثم فإذا تمكنت من أن تمسك بجسم عيني ~~سميك (إصبع، ورقة، أو ما شئت) فإنها تلتصق به على الفور، ولا تنتزع ~~بسهولة، وكذلك الورق والقماش وما شابه لا يستحب أن يدخله الهواء ويستقر في ~~مسامه، ومن ثم يطيب له أن يتشرب الماء أو السائل، وأن ينفي ~~الهواء، كذلك قطعة السكر أو الإسفنج إذا غمست من طرف في الماء أو ~~النبيذ بينما الطرف الآخر بعيد فوق السطح، فإنها تسحب الماء أو النبيذ ~~رويدا رويدا إلى أعلى. # 84 # ومن هنا نستمد قاعدة ممتازة لفتح الأجسام وحلها، (فبغض النظر عن ~~المواد الكاوية والأحماض، التي تفتح لنفسها طريقا) إذا أمكن العثور على ~~جسم ملائم أكثر قبولا لجسم صلب وأشبه به من الجسم الذي ألحق به ~~بالقوة، فإنه سرعان ما ينفتح ويطمئن ويتقبله في داخله بينما يرفض الآخر ~~ويلفظه، هذه «الحركة من أجل الاكتساب» لا تعمل وتؤثر بالتلامس فحسب، ~~فالعملية الكهربية (التي روى عنها جلبرت ومن بعده هذه الحكايات) لا ~~تعدو أن ms173 تكون شهية جسم عندما يثار باحتكاك لطيف، شهية لا تتحمل الهواء ~~بل تفضل أي جسم عيني آخر يمكن أن تجده بقربها. ~~(7) # ولتكن الحركة السابعة هي حركة «الاحتشاد الأكبر» # major aggregation ~~(كما أسميه) التي بها تنجذب الأجسام ~~تجاه حشد الأجسام ذات الطبيعة المماثلة: الأجسام الثقيلة إلى الأرض، ~~والخفيفة إلى محيط السماء، وقد أطلق المدرسيون على هذه الحركة اسم «الحركة ~~الطبيعية»، وذلك لاعتبارات سطحية، إما لعدم وجود سبب خارجي ظاهر يمكن أن ~~يحدث هذه الحركة (ومن ثم فقد افترضوا أنها فطرية ومتأصلة في الأشياء ~~ذاتها)، أو ربما لأنها لا تتوقف أبدا، ولا عجب في ذلك، فالسماء والأرض ~~موجودان دائما، بينما أسباب معظم الحركات الأخرى ومنشؤها موجودة أحيانا ~~وغائبة أحيانا أخرى؛ ولذا اعتبر المدرسيون هذه الحركة فطرية ودائمة ~~وبقية الحركات إضافية؛ لأن هذه الحركة غير متقطعة بل تبدأ فور توقف ~~الحركات الأخرى، ولكن الحقيقة أن هذه الحركة ضعيفة وواهنة للغاية؛ لأنها ~~(إلا في حالة الأجسام ذات الكتل الكبيرة) تذعن وتستسلم للحركات الأخرى، ~~ورغم أن هذه الحركة قد شغلت أفكار الناس بحيث ألقوا بقية الحركات إلى ~~الظل، إلا أن الناس لا تعلم عنها شيئا يذكر، بل يتورطون في أخطاء كثيرة ~~بشأنها. ~~(8) # ولتكن الحركة الثامنة هي حركة «الاحتشاد الأصغر» # minor aggregation ~~، وبها تنفصل الأجزاء المتجانسة في ~~جسم ما عن الأجزاء غير المتجانسة، وتندمج فيما بينها، وبها أيضا تتحد ~~الأجسام الكاملة وتتضام بسبب تشابه الجوهر، وأحيانا تتجمع وتتجاذب وتلتقي ~~من بعد، مثلما يحدث عندما تتجمع القشدة شيئا فشيئا في أعلى اللبن، وترسو ~~عكارة النبيذ وثفالته إلى القاع، هذه الأشياء لا تحدث بسبب الثقل أو الخفة ~~فترتفع أجزاء إلى أعلى وتهبط أجزاء إلى أسفل، بل بسبب رغبة الأشياء ~~المتجانسة إلى الاتحاد والتضام معا، وهذه الحركة تختلف عن «حركة الاحتياج» ~~في شيئين: الأول أنه في حركة الاحتياج يكون الحافز الأكبر هو حافز شر، ~~طبيعة مضادة، ولكن في هذه الحركة (بشرط عدم وجود عوائق قيود) تتحد الأجزاء ~~من خلال الألفة وإن لم تكن هناك طبيعة غريبة لكي تخلق صراعا، ms174 والشيء ~~الثاني أن الاتحاد أوثق وأكثر انتقائية، ففي «حركة الاحتياج» تتحد الأجسام ~~غير الوثيقة الصلة لا لشيء إلا لتتقي أجساما غريبة، بينما في هذه الحركة ~~ثمة اتحاد أجسام يربطها تشابه قرابة وثيقة، وتنصهر في كيان واحد، تحدث ~~هذه الحركة في جميع الأجسام المركبة وهي قمينة بأن تفصح عن نفسها للتو لو ~~لم تكن مقيدة ومكبوحة بواسطة ميول وضرورات أخرى للأجسام تعيق ~~الاتحاد. # تعاق هذه الحركة عادة بثلاث طرق: ببلادة الأجسام وبقوة جسم مسيطر ~~وبحركة خارجية، أما عن بلادة الأجسام فمن المؤكد أن في الأجسام العينية ~~نوعا من الكسل بدرجة تزيد أو تقل، ونفورا من الحركة المكانية، فهي قمينة ~~- ما لم يثرها مثير - أن تقنع بحالتها (أيا ما تكون) لا أن تتجشم ~~التغيير إلى حالة أفضل. هناك ثلاث طرق لكسر هذه البلادة: إما بالحرارة، ~~وإما بقوة فائقة لجسم مشابه، وإما بحركة ناشطة قوية، أما عن ~~العون الذي تقدمه الحرارة فبسببه قيل: إنها هي «التي تفصل الأشياء ~~المتباينة وتوحد الأشياء المتجانسة»، وقد كان جلبرت محقا حين رفض ~~بازدراء هذا التعريف الخاص بالمشائين، # 85 # قائلا: إنه تعريف مستمد من المعلولات فقط، والمعلولات ~~الجزئية فحسب، كما لو أن على المرء أن يعرف الإنسان بأنه ذلك الشيء الذي ~~يبذر الحنطة ويزرع الكرم، بل إن هذا التعريف أسوأ من ذلك؛ لأن هذه ~~المعلولات (أيا ما تكون) لا تنجم من خاصية الحرارة إلا عرضا (إذ إن ~~للبرد أيضا نفس التأثير كما سأبين لاحقا)، وإنما تنجم من رغبة الأجزاء ~~المتجانسة في أن تتحد، في حين أن الحرارة تساعد فحسب في كسر البلادة التي ~~كانت من قبل تقيد الرغبة، وأما عن العون الذي تقدمه قوة جسم مشابه ~~فيشاهد على نحو مدهش في المغناطيس المدرع بالحديد، فهو يثير في الحديد ~~قوة الالتصاق بالحديد بوصفه مادة متجانسة. إن بلادة الحديد تكسر بواسطة ~~قوة المغناطيس، وأما عن العون الذي تقدمه الحركة فيشاهد في أمثل صورة في ~~السهام الخشبية ذات السن الخشبي أيضا، فبعد أن تكسر الحركة السريعة بلادة ~~الخشب فإن هذه السهام ms175 تخترق القطع الخشبية بدرجة أعمق مما لو كانت ~~سنها حديديا، وذلك لتماثل المادة، وقد عرضت لهاتين التجربتين ~~أيضا في شذرة «الشواهد ~~المتوارية» # concealed instances ~~. # 86 # يشاهد القيد على حركة «الاحتشاد الأصغر» الناجم عن جسم مسيطر، يشاهد ~~في انحلال الدم والبول بواسطة البرودة، إذ ما دامت هذه المواد ممتلئة ~~بالروح النشطة، التي تنظم وتضبط كلا من أجزائها بوصفها الحاكم المهيمن ~~على الكل، فإن الأجزاء المختلفة العديدة لا تتجمع، وذلك بسبب هذا القيد ~~المفروض عليها، ولكن عندما تكون الروح قد تبخرت أو اختنقت بالبرد، عندئذ ~~تتحرر من القيد وتتبع رغبتها الطبيعية في الاتحاد، وهذا هو السبب في أن ~~جميع الأجسام التي تحتوي على روح حادة (مثل الأملاح وما إليها) تبقى بدون ~~انحلال، بفضل القوة الدائمة والباقية للروح المسيطرة والمهيمنة. # أما القيد على حركة «الاحتشاد الأصغر» الناجم عن حركة خارجية فيشاهد ~~على أفضل نحو في ذلك الاضطراب للأجسام الذي يمنع التحلل، فكل تحلل يقوم على ~~اتحاد أجزاء متجانسة، ينتج عنه أن الطبيعة السابقة (كما يسمونها) تفسد ~~بالتدريج وتتولد طبيعة جديدة، فالتحلل الذي يمهد الطريق إلى تولد صور ~~جديدة يسبقه عادة انحلال الصور القديمة، وهو نفسه اتحاد لخلق تجانس، إذا ~~لم يقاطع هذا الانحلال فإن ما يحدث هو انحلال بسيط، أما إذا صادف ~~عوائق مختلفة فإن التحلل يتبعه، وهذه هي البدايات لتكون جديد، ومع ~~ذلك فإذا كان ثمة اضطراب متكرر من حركة خارجية (وهو ما يعنينا الآن) فإن ~~حركة الاتحاد (التي هي حركة مرهفة وحساسة وتحتاج إلى حماية من الحركات ~~الخارجية) تضطرب وتتوقف، ونحن نرى هذا يحدث في حالات لا حصر لها، فإثارة ~~الماء أو تصريفه يوميا يمنع التحلل، والرياح تمنع الوباء في الهواء، ~~والحبوب في المخازن تبقى نقية إذا حركت وقلبت، حقيقة الأمر أن أي ~~شيء يهز من الخارج لا يتعفن بسهولة من الداخل. # ولا يفوتني أخيرا أن أذكر أن اتحاد أجزاء الأجسام هو السبب الرئيسي ~~للتصلب والتجفيف، فحين تهرب الروح أو الرطوبة - التي تحولت إلى روح - من ~~جسم مسامي (مثل الخشب والعظم ms176 والرق وما شابه)، فإن الأجزاء الأكثر كثافة ~~تنكمش وتتضام بقوة أكبر، وتكون النتيجة هي التصلب والجفاف، وهو ما أعتقد ~~أنه لا يعود إلى حركة التجمع لتجنب الفراغ بقدر ما يعود إلى حركة الألفة ~~والاتحاد. # أما عن التجمع عن بعد، فهو نادر ولكنه يحدث في حالات أكثر مما نفطن ~~إليه، نلحظ ذلك عندما تحل فقاعة فقاعة أخرى، وعندما تجذب الأدوية ~~أمزجة # humors # لأن جوهرها مشابه لها، ~~وعندما يسبب وتر في آلة وترية حدوث نفس الصوت في وتر لآلة أخرى ... إلخ، ~~أعتقد أيضا أن هذه الحركة منتشرة جدا في أرواح الحيوان وإن كنا نجهل ~~ذلك تماما، وهي واضحة بالتأكيد في المغناطيس وفي الحديد الممغنط، ومع ذلك ~~فإن علينا أن نتحدث عن الحركات المغناطيسية أن نضع تمييزا حادا، فهناك ~~أربع قوى أو عمليات في المغناطيس ينبغي ألا نخلط بينها وإن كان الناس قد ~~وضعوها - بسب دهشتهم واستغرابهم - في فئة واحدة؛ الأولى: هي اتحاد ~~المغناطيس بمغناطيس أو الحديد بمغناطيس أو الحديد الممغنط بالحديد، ~~والثانية: هي قطبيته تجاه الشمال والجنوب، وتفاوت هذه القطبية، والثالثة: ~~هي نفاذ مفعوله خلال الذهب والزجاج والحجر وكل شيء، والرابعة: هي اتصال ~~قوته من الحجر إلى الحديد، ومن الحديد إلى الحديد دون اتصال المادة، غير ~~أني أتحدث هنا عن قوته الأولى فقط: قوة الاتحاد، ومن اللافت أيضا حركة ~~اتحاد الزئبق والذهب، فالذهب يجذب الزئبق حتى عندما يستخدم هذا في شكل ~~مرهم، وأولئك الذين يعملون بين أبخرة الزئبق يعتادون أن يضعوا قطعة من ~~الذهب في أفواههم لتجمع انبعاثات الزئبق حتى لا تهاجم رءوسهم وعظامهم، ~~وهذه القطعة سرعان ما تتحول إلى اللون الأبيض، وبحسبنا هذا من حديث عن ~~«الاحتشاد الأصغر». ~~(9) # ولتكن الحركة التاسعة هي الحركة المغناطيسية، وهي بصفة عامة حركة «احتشاد ~~أصغر»، ولكنها إذا عملت من مسافات عظيمة وعلى كتل كبيرة، فإنها ~~تستحق بحثا منفصلا، وبخاصة إذا كانت لا تبدأ من التلامس كما تفعل معظم ~~الحركات، ولا تواصل فعلها حتى يحدث التلامس، كما تفعل كل الحركات ~~الاحتشادية، بل ترفع الأجسام فحسب، أو تجعلها ms177 تنتفخ أو تتمدد دون أي تأثير ~~آخر، فإذا كان القمر يرفع المياه، أو يجعل الأشياء الرطبة تنتفخ أو تتمدد، ~~وإذا كان المحيط النجمي يجذب الكواكب تجاه نقاط أوجها، أو الشمس تحفظ ~~الزهرة وعطارد على مسافة محددة من جرمها لا يتجاوزانها، فليس من ~~الملائم - فيما يبدو - أن تدرج هذه الحركات كحركات احتشاد أكبر أو أصغر، ~~فيبدو أنها صور وسطى وغير كاملة من الاحتشاد، وينبغي من ثم أن تشكل ~~نوعها الخاص. ~~(10) # ولتكن الحركة العاشرة هي «حركة ~~الاجتناب» # motion of avoidance ~~، وهي حركة عكس حركة «الاحتشاد الأصغر»، في ~~«حركة الاجتناب» تفر الأجسام - بدافع الكراهية الفطرية - من الأجسام ~~المعادية وتعزل نفسها عنها، وتأبى أن تمتزج بها، وقد تبدو هذه الحركة من ~~بعض الوجوه مجرد حركة طارئة - كعرض ونتاج - على حركة الاحتشاد الأصغر، ~~إذ إن الأشياء المتجانسة لا يمكنها أن تندمج معا دون أن تستبعد وتتخلص من ~~الأشياء غير المتجانسة، إلا أنها ينبغي أن تصنف كحركة في ذاتها وتجعل ~~نوعا بذاته؛ لأنه في حالات كثيرة نجد أن الرغبة في الاجتناب تطغى على ~~الرغبة في التضام. # هذه الرغبة واضحة على نحو خاص في حالة فضلات الحيوانات، وبنفس الدرجة في ~~الأشياء المنفرة لبعض الحواس وبخاصة الشم والذوق، فالرائحة الكريهة ~~ترفضها حاسة الشم رفضا عنيفا بحيث تحدث بالتوافق حركة طرد في فم ~~المعدة، والطعم المر الكريه يرفضه الحنك أو الزور رفضا عنيفا، بحيث ~~يحدث بالتوافق اهتزازا بالرأس ورعشة، تحدث هذه الحركة أيضا في أشياء ~~أخرى، فهي تلاحظ في أشكال معينة من ردود الأفعال، مثلما يحدث في المنطقة ~~الوسطى من الهواء، حيث يبدو أن البرد نتيجة لاستبعاد طبيعة البرودة من ~~منطقة الأجرام السماوية، مثلما أن تلك الحرارة العظيمة وذلك اللهب الشديد ~~الموجود في المناطق تحت الأرضية هما استبعاد لطبيعة الحرارة من باطن الأرض؛ ~~ذلك أن الحرارة والبرودة - في مقادير صغيرة - تفني إحداهما الأخرى، أما ~~إذا حدثتا في كتل أكبر أو قل بكامل قوتهما، عندئذ تكافحان حقا لكي ~~تستبعد وتطرد كل منهما الأخرى من الأماكن، يقال أيضا: إن القرفة ~~والأشياء ms178 الزكية تحتفظ برائحتها فترة أطول عندما توضع بمقربة من المراحيض ~~والأماكن الكريهة؛ لأنها ترفض أن تخرج وتختلط بالروائح العطنة، ومن المؤكد ~~أن الزئبق يمنع من الرجوع إلى صورته الكاملة، كما يميل إذا ترك لحاله ~~بواسطة لعاب الإنسان أو شحم الخنزير أو زيت التربنتينة وما إلى ذلك، الذي ~~يمنع أجزاءه من الاتحاد لعدم توافقها مع أجسام من هذا القبيل، وعندما تحاط ~~بمثل هذه الأجسام فإنها تنسحب، وهكذا يكون «اجتنابها» للمواد الدخيلة أقوى ~~من رغبتها في الاتحاد مع الأجزاء التي تشبهها، وهذا ما يسمونه # mortification of quicksilver ~~(إماتة/غنغرينا الزئبق)، وحقيقة أن الزيت لا يمتزج بالماء لا تعود فقط إلى ~~اختلاف النقل، بل أيضا إلى عدم التوافق فيما بينها، كما يمكننا أن نشاهد ~~من الكحول الذي هو أخف من الزيت ولكنه يمتزج بالماء امتزاجا جيدا، ~~وأوضح الأمثلة جميعا هو حركة «الاجتناب» في النيتر # 87 # وما إليها من المواد الخام - التي لديها ذعر من النار - كما في ~~البارود والزئبق والذهب أيضا، إلا أن «اجتناب» الحديد لأحد قطبي المغناطيس ~~- كما بين جلبرت بشكل جيد - ليس «اجتنابا» بالمعنى الصحيح، بل هو ~~إذعان وقبول للوضع الأنسب. ~~(11) # ولتكن الحركة الحادية عشرة هي «حركة التمثل» # motion of assimilation # أو «التضاعف (التكاثر) الذاتي» # self-multiplication # أو «التكون البسيط» # simple generation ~~، ~~ولست أعني ب «التكون البسيط» تكون الأجسام الكاملة - كما في النباتات ~~والحيوانات - بل تكون الأجسام البسيطة، بهذه الحركة تقوم الأجسام ~~الشبيهة بتغيير أجسام أخرى مقاربة لها أو على الأقل ميالة لها، ~~وتحويلها إلى مادتها وطبيعتها الخاصة، مثل: اللهب الذي يتضاعف بالأبخرة ~~والمواد الزيتية ويكون لهبا جديدا، والهواء الذي يتضاعف فوق الماء ~~والمواد المائية ويكون هواء جديدا، والروح النباتية والحيوانية التي ~~تتضاعف فوق الأجزاء الأرق من المواد المائية والزيتية بالطعام وتكون ~~روحا جديدة، والأجزاء الصلبة للنبات والحيوان مثل الأوراق والأزهار واللحم ~~والعظم ... إلخ والتي يتمثل كل منها ويكون مادة جديدة كل يوم من عصير ~~غذائها، إذ يجب ألا يهذي أحد مع باراسيلسوس Paracelsus ~~(فلربما أعمته خيباته) الذي ذهب إلى أن ~~التغذية لا ms179 تحدث إلا بالانفصال، وأن العين والأنف والدماغ والكبد كامنة في ~~الخبز، والجذور والأوراق والأزهار كامنة في رطوبة الأرض، فمثلما يجبل ~~الفنان من الكتلة الخام للحجر أو الخشب بالفصل والاستبعاد لما هو زائد ~~ورقا وزهرا وعينا وأنفا ويدا وقدما ... إلخ، كذلك يجبل أركيوس # Archaeus # الفنان الداخلي من الطعام بالفصل ~~والاستبعاد شتى أعضاء جسمنا وأجزائه، ولكن بعيدا عن هذا الهراء فإن من ~~المؤكد تماما أن جميع أجزاء النباتات والحيوانات - سواء المتجانسة أو ~~العضوية - تجذب أولا تلك العصائر المتضمنة في طعامنا، والتي هي مشتركة ~~تقريبا أو على الأقل غير شديدة الاختلاف، ثم تتمثلها وتحولها إلى طبيعتها ~~الخاصة، هذا التمثل أو التكون البسيط ليس وقفا على الأجسام الحية، وإنما ~~الأجسام غير الحية أيضا تشارك في نفس الخاصية (كما قلنا عن اللهب ~~والهواء)، وتلك الروح الواهنة المتضمنة في كل مادة حية عينية تعمل - بلا ~~توقف - على الأجزاء الأكبر وتهضمها وتحولها إلى روح، والتي تهرب بعد ذلك؛ ~~مما يسبب فقدان الوزن والجفاف كما قلنا في موضع آخر، وفي حديثنا عن ~~«التمثل» ينبغي ألا نغفل عن ذكر ال # accretion ~~(النمو الالتحامي) الذي ~~يتميز عادة عن التغذية، مثلما يحدث عندما يتصلب الطين الذي بين الأحجار ~~ويتحول إلى مادة صلبة، وعندما تتصلب المادة القشرية على الأسنان ~~وتتحول إلى مادة لا تقل صلابة عن الأسنان ذاتها ... إلخ، فأنا على الرأي ~~القائل بأن في الأجسام جميعا رغبة للتمثل لا تقل عن الرغبة في الاتحاد ~~بمواد مجانسة لها، إلا أن هذه القوة مقيدة كالأخرى تماما، وإن لم يكن ~~بنفس الطرائق، وعلينا أن ندرس هذه الطرائق بكل جد وكذلك انحلالها؛ لأنها ~~ذات صلة بإنعاش القوة الحيوية في الشيخوخة، وأخيرا يجدر بالملاحظة أنه في ~~الحركات التسع السابقة تبدو الأجسام ساعية فقط إلى حفظ طبيعتها الخاصة، ~~أما في هذه فتبدو ساعية إلى التكاثر. ~~(12) # ولتكن الحركة الثانية عشرة هي حركة «الإثارة» # stimulation ~~، تبدو هذه الحركة نوعا من «التمثل»، وأنا ~~أحيانا أسميها بنفس الاسم دون تمييز، فهي حركة منتشرة واتصالية وانتقالية ~~وتضاعفية، شأنها شأن الأخرى، ومتفقة معها ms180 - على الإجمال - في تأثيرها وإن ~~بطريقة أخرى في إحداثه وفي موضوعها، فحركة «التمثل» تمضي كأنما بقوة ~~وسلطان، تأمر وتضطر المادة المتمثلة إلى أن تتحول وتتغير إلى المادة ~~التي تتمثلها، أما حركة «الإثارة» فتمضي كأنما بفن وتلميح وخلسة، ~~وبمجرد إغراء المادة المثارة وتكييفها بطبيعة المادة التي تثيرها، كما أن ~~حركة «التمثل» تضاعف الأجسام والمواد وتحولها تماما، فتنتج لهبا ~~أكثر وهواء أكثر وروحا أكثر ولحما أكثر. أما في حركة «الإثارة» فإن ~~القوى فقط هي ما يتضاعف، فتنتج حرارة أكبر ومغناطيسية أكثر وتحلل أكثر، ~~وتتجلى هذه الحركة - بشكل خاص - في الحرارة والبرودة، فالحرارة لا ~~توصل ذاتها في عملية تسخين الأجسام الأخرى بأن تقاسمها حرارتها الأصلية، ~~بل بإثارة أجزاء تلك الأجسام إلى تلك الحركة التي هي «صورة الحرارة»، والتي ~~تحدثت عنها في «القطف الأول لطبيعة الحرارة»؛ لذا فإن الحرارة تثار في ~~الحجر أو المعدن بشكل أبطأ كثيرا وصعوبة أكبر مما تثار في الهواء؛ لأن ~~هذه الأجسام غير مكيفة وغير قابلة لتلك الحركة، ومن ثم فمن المحتمل ~~أن هناك بعض المواد تجاه مركز الأرض غير قادرة مطلقا على أن تسخن؛ ~~بسبب كثافتها الكبيرة التي قد تجردها من الروح التي بها تثار هذه الحركة، ~~وبالمثل أيضا يخلق المغناطيس في الحديد ميلا جديدا في أجزائه وحركة ~~مطاوعة دون أن يفقد أي شيء من قوته، وكذلك خميرة الخبز وخميرة الجعة ~~والإنفحة وبعض السموم تثير وتحفز حركة مستمرة ومتتابعة في كتلة العجين ~~والجعة والجبن أو في الجسم البشري، ليس بسبب قوة الجسم المثير بقدر ما هو ~~بسبب استعداد الجسم المثار واستسلامه. ~~(13) # ولتكن الحركة الثالثة عشرة هي «حركة الطبع» # motion of impression ~~: هذه الحركة أيضا هي نوع من «التمثل»، وهي ~~الأكثر رهافة بين الحركات المنتشرة، وقد ارتأيت أن أجعلها نوعا بعينه من ~~الحركة بسبب اختلافها الملحوظ عن الحركتين الأخريين، فالحركة البسيطة ل ~~«التمثل » تحول الأجسام نفسها، بحيث إذا أزلت الفاعل الأول فلن تقلل ~~من تأثير ما سيتلوه، وهكذا فلا الشرارة الأولى للهب ولا التحول الأول إلى ~~هواء له أي تأثير ms181 على اللهب أو الهواء المتولد كنتيجة، كذلك تدوم «حركة ~~الإثارة» في صورتها الكاملة لفترة طويلة جدا بعد زوال مصدر الحركة، ~~مثلما يحدث في الجسم المسخن عندما يزول مصدر الحرارة، وفي الحديد المثار ~~عندما يبعد المغناطيس، وفي كتلة العجين عندما تزال الخميرة، أما حركة ~~الطبع فرغم أنها منتشرة وانتقالية، فهي تعتمد - فيما يبدو - على المحرك ~~الأول دائما وأبدا، بحيث إذا أزيل أو توقف تفشل الحركة وتنتهي للتو؛ ~~ولذا فإن تأثيرها لا يلبث غير لحظة أو أمد زمني قصير جدا على الأقل، وقد ~~أطلقت على «التمثل والإثارة» اسم حركات «ولادة جوبيتر»؛ لأن التكون ~~يستمر، أما هذه فأسميها حركة «ولادة زحل»؛ لأنها ما إن تولد حتى تلتهم ~~وتبتلع، تفصح هذه الحركة عن نفسها في ثلاثة أشياء: في أشعة الضوء، وفي ~~قرع الصوت، وفي المغناطيسية من حيث اتصالها. فأنت إذا ذهبت بالضوء فإن ~~الألوان وصوره الأخرى تختفي في الحال، وإذا ذهبت بالقرع الأصلي ~~والاهتزازات الجسمية التي يحدثها يذهب بالصوت فورا، فرغم أن الأصوات ~~تضطرب في انتقالها خلال الوسط بفعل الرياح كما لو كان بفعل أمواج، إلا أن ~~على المرء أن يلاحظ بعناية أن الصوت الأصلي لا يبقى طوال الوقت الذي يستمر ~~فيه الرنين، فأنت حين تقرع جرسا فإن الصوت يبدو مستمرا فترة ممتدة، ~~فيغريك ذلك بأن تفترض أن الصوت يظل طوال الوقت طافيا وعالقا في الهواء، ~~وهو غير صحيح على الإطلاق، # 88 # فالرنين ليس هو الصوت ذاته بل تجدد له، يتضح ذلك حين تكبت ~~أو توقف الجسم الذي قرع، فإذا مسكت بالجرس بقوة بحيث لا يمكنه أن ~~يتحرك فإن الصوت يسكت في الحال ولا يعود ثمة رنين، وإذا لمست الوتر بعد ~~ضربه (بإصبع في حالة القيثار، أو بالريشة في حالة السبنيت) # 89 # يتوقف الرنين في الحال، وإذا أبعدت المغناطيس يسقط الحديد ~~للتو، غير أن القمر لا يمكن إبعاده عن البحر ولا الأرض عن ثقل كبير ~~يهوي، ومن ثم لا يمكننا إجراء تجربة في هذه الحالات، غير أن المبدأ ~~واحد. ~~(14) # ولتكن الحركة الرابعة عشرة هي ms182 «حركة الهيئة أو الوضع» # motion of configuration or ~~position ~~، وبها تبدو الأجسام راغبة لا في ~~الاتحاد أو الانفصال، بل في الوضع والارتصاف مع غيرها، هذه الحركة غامضة ~~جدا ولم تدرس جيدا، وهي تبدو في بعض الأشياء بلا علة، وإن كانت ~~في الحقيقة غير ذلك (على حد اعتقادي)، فإذا سأل سائل: لماذا تدور السماء من ~~الشرق إلى الغرب لا من الغرب إلى الشرق؟ أو لماذا تلف على قطبين قريبين ~~من الدب لا من الجوزاء أو جزء آخر من السماء؟ فإن مثل هذا السؤال يبدو غير ~~معقول تماما؛ إذ إن هذه الظواهر ينبغي قبولها على أساس الخبرة وكوقائع ~~عجماء، والحق أن هناك بالتأكيد بعض أشياء في الطبيعة هي نهائية ولا علة ~~لها، ولكن ما نحن بصدده لا يبدو أنه من بينها، فأنا أعتقد أن سببه تناغم ~~وتوافق معين في العالم لم يدخل بعد تحت الملاحظة، والأسئلة نفسها تبقى ~~قائمة إذا قبلنا أن حركة الأرض هي من الغرب إلى الشرق، فهي أيضا لا بد ~~تدور حول أقطاب معينة، فلماذا يجب أن تكون هذه الأقطاب حيث هي بدلا من أن ~~تكون في أي موضع آخر؟ وبالمثل تعزى قطبية البوصلة واتجاهها وانحرافها إلى ~~هذه الحركة، يلاحظ أيضا في الأجسام الطبيعية والصناعية معا - وبخاصة ~~إذا كانت صلبة وغير سائلة - ارتصاف معين ووضع للأجزاء ولما قد نسميه ~~شعرا وأليافا، وهو أمر يحتاج إلى بحث دقيق؛ لأننا إذا لم نكتشفه ونفهمه ~~فلن يمكننا أن نعرض لهذه الأشياء ونتحكم فيها على نحو صحيح، أما تلك ~~التيارات في السوائل التي بها يخفف بعضها عن بعض حين تكون تحت ضغط، حتى ~~يتوزع العبء بالتساوي ريثما تستطيع أن تحرر نفسها، فإنها تنتمي على نحو ~~أصح إلى «حركة ~~الحرية» # motion of liberty ~~. ~~(15) # ولتكن الحركة الخامسة عشرة هي «حركة المرور» # motion of passage ~~، أو «الحركة وفقا ~~للمسارات» # motion according to pathways ~~، التي بها تعاق قوى الأجسام أو تعزز ~~بواسطة الوسط الذي هي فيه، بحسب طبيعة الأجسام وقواها النشطة وبحسب الوسط ~~أيضا؛ فهناك وسط يلائم ms183 الضوء، وآخر يلائم الصوت، وثالث يلائم الحرارة ~~والبرودة، ورابع يلائم القوى المغناطيسية، وهلم جرا. ~~(16) # ولتكن الحركة السادسة عشرة هي الحركة «الملكية» # royal ~~(كما أسميها)، أو الحركة «السياسية» التي ~~بها تقوم الأجزاء المسيطرة والحاكمة من الجسم بتقييد الأجزاء الأخرى ~~وترويضها وإخضاعها وتنظيمها وإرغامها على أن تتحد وتتفرق وتتوقف وتتحرك ~~وتتخذ مواضعها المحددة، لا برغبتها الخاصة بل وفق نظام معين ووفق ما هو ~~أنسب لخير الجزء الحاكم وصالحه. ثمة إذن نوع من الهيمنة أو الحكومة ~~يمارسها الجزء الحاكم على الأجزاء المحكومة، تتجلى هذه الحركة في أظهر ~~صورة في روح الحيوان، التي تلطف جميع حركات الأجزاء الأخرى ما دامت هي ~~في قوتها، وتوجد أيضا بدرجة أقل في الأجسام الأخرى، كما قلنا عن الدم ~~والبول اللذين لا ينحلان حتى تطرد أو تخنق الروح التي مزجت أجزاءهما ~~معا، وليست هذه الحركة حكرا على الأرواح، وإن كانت الأرواح مسيطرة في ~~معظم الأجسام بفضل سرعة حركتها ونفاذها، ففي الأجسام الكثيفة غير الممتلئة ~~بروح قوية وحيوية (مثلما هو الحال في الزئبق والزجاج)، فإن الأجزاء ~~الأغلظ هي المسيطرة، ومن ثم فلا أمل في أي تحويل جديد لهذه الأجسام ما ~~لم ينزع هذا النير أو الكابح بحيلة فنية ما. ولا يتصورن أحد أني قد ~~نسيت موضوع الحديث بالنظر إلى أنني (وإن لم أبغ من هذا الاستعراض الوصفي ~~لضروب الحركة إلا البحث الأفضل لهيمنتها، من خلال شواهد الصراع) أتناول ~~الآن الهيمنة فيما بين الحركات نفسها؛ ذلك أنني في وصف «الحركة الملكية» ~~لا أعالج هيمنة الحركات أو القوى، بل هيمنة أجزاء الأجسام، تلك هي ~~«الهيمنة» التي تشكل هذا النوع من الحركة. ~~(17) # ولتكن الحركة السابعة عشرة هي «حركة ~~الدوران التلقائية» # spontaneous motion of ~~rotation ~~، التي بها تكون الأجسام الميالة ~~للحركة والموجودة في وضع موات مستمتعة بطبيعتها الخاصة، تسعى إلى ذاتها ~~فحسب، لا إلى الأجسام الأخرى، وتريد أن تعانق ذاتها، فيبدو أن الأجسام ~~إما تتحرك بغير حد، وإما تبقى ساكنة تماما، وإما تميل إلى حد وحين ~~تبلغه فإنها - بحسب طبيعتها - إما أن تدور أو ms184 تسكن. تتحرك الأجسام ذات ~~الوضع الجيد والتي تحب الحركة، تتحرك في دائرة، أي في حركة أبدية ولا ~~نهائية، أما الأجسام ذات الوضع الجيد والتي تكره الحركة فإنها ببساطة ~~تسكن، وأما الأجسام التي ليست في وضع جيد فتتحرك في خط مستقيم (بوصفه ~~أقصر طريق) إلى رفقة أجسام من نفس الطبيعة، ولحركة الدوران تسعة عناصر ~~مختلفة؛ الأول: المركز الذي حوله تدور الأجسام، والثاني: الأقطاب التي ~~عليها تتحرك، والثالث: المحيط أو الفلك (المدار) بحسب بعدها من ~~المركز، والرابع: سرعتها، أكانت تتحرك أسرع أو أبطأ، والخامس: اتجاه ~~حركتها، من الشرق إلى الغرب أم من الغرب إلى الشرق، والسادس: انحدارها عن ~~الدائرة الكاملة في خطوط حلزونية بعيدة نوعا ما عن مركزها، والسابع: ~~انحدارها عن الدائرة الكاملة في خطوط حلزونية بعيدة نوعا ما عن أقطابها، ~~والثامنة: طول أو قصر المسافة بين هذه الخطوط الحلزونية، والتاسع ~~والأخير: تنوع الأقطاب نفسها، إذا كانت قابلة للحركة، وهذه الأخيرة لا ~~علاقة لها بالدوران إلا إذا كان دائريا. هذه الحركة - في الاعتقاد الشائع ~~والقديم العهد - يعتقد أنها الحركة التي تليق بالأجرام السماوية، غير أن ~~هناك جدلا حول هذه الحركة بين بعض المحدثين بالإضافة إلى بعض القدماء ~~الذي يعزون «الدوران» إلى الأرض، ولكن هناك خلافا آخر وربما يكون أكثر ~~معقولية بكثير (إن لم يكن فوق الخلاف تماما) فيما إذا كانت (بالتسليم بأن ~~الأرض ثابتة) هذه الحركة مقصورة على السماء أم أنها تهبط وتصل نفسها ~~بالهواء والمياه، إلا أني أعزو «الدوران» في القذائف والحراب والسهام ~~والرصاص ... إلخ، أعزوه بالكامل إلى حركة «الحرية». ~~(18) # ولتكن الحركة الثامنة عشرة هي حركة «الارتعاش» # trembling ~~، ليس بالمعنى الذي يفهمه الفلكيون، والذي لا ~~أعتقد فيه كثيرا، إلا أن هذه الحركة تواجهنا حين نجد في البحث الشامل ~~عن ميول الأجسام الطبيعية، وينبغي - فيما يبدو - أن تمثل نوعا بذاتها، ~~إنها أشبه بحركة الأسر الأبدي إن جاز التعبير، أي عندما تكون الأجسام في ~~وضع ليس هو الأمثل لطبيعتها إلا أنه ليس وضعا موئسا، هنالك ترتجف ~~الأجسام ارتجافا مستديما ، وتعيش في عدم الاستقرار، ms185 لا هي تقنع بمكانها، ~~ولا هي تجرؤ على المضي قدما، تجد هذه الحركة في قلب الحيوانات ونبضها، ~~وهي لا بد موجودة في جميع الأجسام التي تعيش في حالة بين بين، بين يسر ~~وعسر، ومن ثم تجاهد تحت الضغط أن تحرر نفسها فتصد، ثم تعاود ~~المحاولة ثانية وهكذا دواليك. ~~(19) # ولتكن الحركة التاسعة عشرة والأخيرة هي الحركة التي قلما ينطبق عليها اسم ~~الحركة، ولكنها في الحقيقة حركة، ولنطلق عليها حركة «الرقاد» # repose # أو حركة «النفور من الحركة»، بهذه ~~الحركة تقف الأرض في كتلتها نفسها بينما أطرافها تتحرك تجاه الوسط لا تجاه ~~مركز تصوري، بل تجاه الاتحاد، هذه أيضا هي الرغبة التي بها تبغض جميع ~~الأجسام العالية الكثافة الحركة، ولا ترغب إلا في شيء واحد هو ألا تتحرك، ~~ومهما تستفز لكي تتحرك وتستثر بألف طريقة فإنها تبقى محتفظة بطبيعتها ~~(ما وسعها ذلك)، وإذا أرغمت على الحركة فإنها تتحرك - فيما يبدو - لا ~~لشيء إلا لكي تستعيد سكونها ووضعها، وفي هذه العملية تظهر نفسها نشطة ~~حقا وتبذل جهودا رشيقة وسريعة (كأنها في سأم فعلا ولا تصير على أي ~~تأخير)، ونحن لا نملك إلا رؤية جزئية لهذه الرغبة؛ لأن الأجسام العينية هنا ~~على الأرض ليست كثيفة لأقصى درجة، بل هي ممزوجة ببعض الروح، وذلك بفعل ~~الأجرام السماوية وتأثيرها. # ها نحن أولاء قد عرضنا المبادئ أو العناصر البسيطة للحركات والميول ~~والقوى النشطة الأوسع انتشارا في الطبيعة، ورسمنا فيها معالم قسط غير ~~يسير من العلم الطبيعي، ولست أدعي استحالة إضافة أنواع أخرى، كما أن ~~التقسيمات نفسها قد تعدل لتلائم الخطوط الحقيقية للأشياء على نحو ~~أفضل، وقد تختزل إلى عدد أصغر، ولكني لا أعني أن هذا مجرد تقسيم تجريدي، ~~كما لو أن على المرء أن يقول: إن الأجسام ترغب في حفظ ذاتها أو في النمو أو ~~التكاثر أو الاستمتاع بطبائعها الخاصة، أو أن حركات الأشياء تميل إلى ~~المحافظة والمصلحة الخاصة، إما بالكل (كما في حالة المقاومة والارتباط)، ~~أو بالوحدات الكبيرة كما في حركة «الاحتشاد الأكبر» و «الدوران» و«النفور من ms186 ~~الحركة»، أو بالصور الخاصة كما في الحالات الأخرى، فرغم صحة هذه الأشياء ~~إلا أنها تظل نظرية وقليلة الجدوى ما لم تتحدد مادتها وبنيتها تحديدا ~~صحيحا، غير أنها في الوقت الحالي ستكون كافية ومفيدة جدا في تقدير ~~هيمنة القوى، وفي استقصاء شواهد الصراع التي تشكل موضوعنا الحالي. # فبعض الحركات التي قدمتها لا يقهر على الإطلاق، وبعضها أقوى من البعض ~~وبوسعها أن تقيده وتكبحه وتتحكم فيه، والبعض يمتد إلى مسافات أبعد، والبعض ~~يفوق غيره في الوقت والسرعة، والبعض يكلأ غيره ويقويه ويزيده ~~ويسرعه. # إن حركة «المقاومة» # indestructibility # هي حركة عنيدة تماما ولا تقهر، أما حركة «الارتباط» # connection/bonding # فلست على يقين من ~~أنها لا تقهر، إذ إني لا أجزم بأن هناك فراغا، سواء كان فراغا مجتمعا ~~في مكان واحد أو كان ممتزجا بالمادة، غير أني موقن من شيء واحد، وهو أن ~~السبب الذي دفع ليوسيبوس وديمقريطس إلى القول بوجود الفراغ (وهو أنه لولا ~~وجود الفراغ لما استطاعت نفس الأجسام أن تحتوي وتملأ الأماكن على اختلاف ~~أحكامها) هو سبب زائف؛ ذلك أن المادة قادرة على أن تطوي ذاتها في المكان ~~وتنشرها داخل حدود معينة، دون تدخل فراغ، وليس ثمة فراغ في الهواء ~~عشرون ضعفا من الفراغ الموجود في الذهب، وهو ما تحتمه فرضيتهما. وأنا ~~على قناعة كافية بذلك بالنظر إلى القوى الشديدة للأجسام الهوائية (وإلا ~~لظلت طافية في مكان فارغ مثل ذرات الغبار)، وإلى براهين أخرى كثيرة، أما ~~عن الحركات الأخرى فهي تحكم وتحكم بدورها وفقا لقوتها وكميتها ~~وسرعتها وقوة دفعها والمواتيات والمعوقات التي تقابلها. # مثال ذلك: إن هناك بعض المغناطيسات المدرعة بوسعها أن تمسك بأثقال ~~حديدية ستين ضعف وزنها، إلى هذا الحد تهيمن «حركة الاحتشاد الأصغر» على ~~«حركة الاحتشاد الأكبر»، ولكن إذا زاد الوزن عن ذلك فإنها تستسلم، وبوسع ~~رافعة ذات طول معين أن ترفع ثقلا ضخما، إلى هذه الدرجة تهيمن حركة ~~«الحرية» على حركة «الاحتشاد الأكبر»، ولكن إذا زاد الثقل عن ذلك تستسلم، ~~والجلد المشدود حتى درجة معينة لا ينقطع ، إلى هذه ms187 النقطة تهيمن حركة ~~«التماسك» على حركة «التوتر»، ولكن إذا زاد التوتر عن ذلك ينقطع الجلد ~~وتستسلم حركة «التماسك»، والماء المنسرب من شق بحجم معين، إلى هذه النقطة ~~تهيمن حركة «الاحتشاد الأكبر» على حركة «التماسك»، ولكن إذا كان الشق ~~صغيرا جدا فإن حركة «الاحتشاد الأكبر» تستسلم، وتسود حركة «التماسك»، ~~وإذا وضعت مسحوق كبريت بسيط في بندقية بها رصاصة وأطلقت النار فإن الرصاصة ~~لا تنطلق، في هذه الحالة تهيمن حركة «الاحتشاد الأكبر» على «حركة المادة»، ~~ولكن إذا وضعت بارودا فإن «حركة المادة» في الكبريت تسود، إذ تؤازرها هذه ~~الحركة وحركة «الاجتناب» في النيتر (النترات)، وهكذا في البقية، فشواهد ~~الصراع (التي تشير إلى هيمنة القوى، وفي أية مقادير ونسب هي تهيمن أو ~~تستسلم) يجب أن يبحث عنها في كل مكان باجتهاد شديد ومتواصل. # علينا أيضا أن نجري دراسة جادة لطرائق وأسباب استسلام الحركات، فهل ~~هي مثلا تتوقف تماما، أم هي تظل تقاوم ولكنها تغلب على أمرها؟ ففي ~~الأجسام التي هنا على الأرض ليس ثمة راحة حقيقية، لا في الكلات ولا في ~~الأجزاء، بل هناك فحسب مظهر الراحة، وهذه الراحة الظاهرية تنجم إما عن ~~«التوازن» وإما عن «الهيمنة» المطلقة للحركات: عن «التوازن» في حالة ~~الموازين التي تقف ساكنة إذا كانت الأوزان متساوية، وعن «الهيمنة» في حالة ~~الجرار المثقوبة، حيث يمكث الماء في مكانه ويمنع من السقوط بهيمنة حركة ~~«الارتباط»، إلا أن على المرء أن يلاحظ (كما قلت آنفا) كم تبذل الحركات ~~المستسلمة من جهد، فإذا ثبت شخص أرضا، ممددا ومربوط الذراعين ~~والرجلين، أو مقيدا بطريقة أخرى، إلا أنه يحاول بكل قوته أن يقوم، فإن ~~مقاومته ليست أقل وإن كانت غير ناجحة. إن الموقف الحقيقي هنا (أي ما إذا ~~كانت حركة الاستسلام منعدمة بواسطة «الهيمنة» أم أن المقاومة مستمرة وإن ~~كنا لا نراها) ربما سيظهر في تزامن الحركتين وإن غم علينا في ~~صراعهما، ولنجر تجربة في الرماية على سبيل المثال: احسب المدى الذي ~~تقطعه الرصاصة المنطلقة من البندقية في خط مستقيم (قبل أن تنحدر) أو ms188 # at point-blank range ~~(كما يقولون)، ثم ~~انظر ما إذا كان الرمي إلى أعلى سيجعل الرمية أوهن من الرمي إلى أسفل، حيث ~~حركة الجاذبية تعضد حركة الرمي. # علينا أيضا أن نجمع قواعد «الهيمنة» التي نجدها، مثلا: قاعدة أنه ~~كلما كان الخير المستهدف من الحركة أعم كانت الحركة أقوى، هكذا فحركة ~~«الارتباط» المتضمنة في وحدة العالم أقوى من حركة الجاذبية المتضمنة في ~~اتحاد الأجسام الثقيلة، مثال آخر: قاعدة أن الرغبات التي هي خبرات خاصة لا ~~تسود عامة على الرغبات التي هي أميل إلى الخير العام، إلا حيث تكون ~~المقادير صغيرة، ويا ليتها تكون القاعدة في السياسة! ~~••• ~~(49) وفي المرتبة الخامسة والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «الشواهد المشيرة» # suggestive instances ~~، # 90 # أي الشواهد التي تومئ إلى أو تشير إلى منافع بشرية؛ ذلك أن مجرد القدرة أو ~~المعرفة في ذاتهما إنما تعظمان الطبيعة البشرية ولا تجعلانها سعيدة؛ لذا فمن بين جملة ~~الأشياء ينبغي أن ننتقي تلك التي هي أنفع للبشرية، على أنه سيكون لدينا فرصة أفضل ~~للحديث عن هذه عندما نعرض للمتضمنات العملية، كما أنني في عملية التفسير نفسها سوف ~~أقيض مكانا في كل موضوع ل «الجدول ~~الإنساني» # human chart # أو «قائمة الأشياء التي يليق بنا أن نرغب فيها»، ذلك أن ~~الرغبة الصحيحة هي جزء من العلم، شأنها شأن الأسئلة الصحيحة. ~~••• ~~(50) وفي المرتبة السادسة والعشرين بين شواهد الامتياز سأضع «الشواهد المتعددة الغرض» # multipurpose instances ~~، # 91 # وهي تلك الشواهد التي تتعلق بمواضيع متنوعة وتحدث بتواتر كبير، وهي بذلك ~~تعفينا من الكثير من الجهد والبراهين الجديدة، والموضع الصحيح للحديث عن الآلات ~~والأجهزة نفسها هو حين آتي للحديث عن التطبيقات العملية ومناهج التجريب، وتلك التي تم ~~اكتشافها بالفعل ووضعت قيد الاستخدام سوف أتناولها في التاريخ الخاص بكل فن، وسأضع ~~الآن بعض الملاحظات العامة عنها كمجرد أمثلة لهذا الاستخدام المتعدد الغرض. # يعمل الإنسان على الأجسام الطبيعية (إلى جانب مجرد التجميع والتفريق) بسبع طرق معينة: ~~باستبعاد كل ما يعيق ويربك بالضغط والمط والهز ... إلخ، بالحرارة والبرودة، بالاحتفاظ ~~بالشيء في مكان ms189 ملائم، بتقييد وضبط الحركة، بتوافقات معينة أو بتبادل موقوت وملائم، أو ~~بتسلسل وتعاقب لبعض ما سبق أو كله. ~~(1) # بخصوص الطريقة الأولى: ثمة اضطراب ~~كبير يسببه الهواء العام الذي ينتشر من حولنا ويمارس ضغطا، وتسببه أشعة ~~الأجرام السماوية؛ لذا فإن كل ما يساعد على استبعادها قد يعد بحق من ~~الأشياء «المتعددة الغرض»، يندرج تحت هذا مادة وسمك الأوعية التي توضع ~~فيها الأجسام التي نهم بأن نشتغل عليها، وكذلك وسائل إغلاق الأوعية ~~بإحكام بتصليبها أو بما يسميه الكيميائيون «معجون الحكمة» # putty of wisdom ~~، كذلك من الأشياء ~~المفيدة جدا عزل الهواء عن طريق كسب سائل فوق سطح، كما يحدث عندما ~~يسكبون زيتا فوق النبيذ أو عصير أعشاب، والذي ينتشر على قمة النبيذ مثل ~~الغطاء ويحميه جيدا من الهواء. والمساحيق أيضا مساعدة؛ لأنها - رغم ~~احتوائها على بعض الهواء - تطرد قوة الهواء الطلق المحيط، مثلما يحدث ~~عندما يحفظون الكروم والفاكهة في الرمل والدقيق. الشمع أيضا والعسل والقار ~~ومثل هذه المواد الصمغية تستخدم استخداما جيدا لكي تجعل عزل الهواء ~~أكثر إحكاما وتزيل تأثيرها وتأثير الأجرام السماوية، وقد جربنا أيضا في ~~بعض الأحيان وضع الوعاء أو الأجسام الأخرى داخل الزئبق وهو الأكثف بلا ~~منازع بين المواد التي يمكن سكبها حول الأشياء. الكهوف أيضا والتجاويف تحت ~~الأرضية مفيدة للغاية في منع التعرض للشمس وللتأثير الفتاك للهواء الطلق، ~~وفي شمال ألمانيا يستخدمونها كمخازن للحنطة، وهذا أيضا ما يرمي إليه حفظ ~~الأشياء تحت الماء، وأذكر أني سمعت بمن كان يحفظ قرب النبيذ في بئر ~~عميقة (لكي تبقى باردة)، ثم نسيها فمكثت هناك سنوات طويلة، وعندما ~~استخرجها وجد أن النبيذ لم يعد تفها عديم النكهة بل كان أطيب مذاقا ~~ونكهة؛ بسبب امتزاج أجزائه - فيما يبدو - امتزاجا أكثر دقة واكتمالا، ~~فإذا تطلب الأمر أن تغمر الأجسام في عمق الماء - النهر مثلا أو ~~البحر - دون أن يمسها الماء، ودون أن تعزل في أوعية مختومة بل تكون ~~محاطة بالهواء فقط، فإن من المفيد أن نستخدم ذلك الوعاء الذي استخدم ~~أحيانا تحت الماء فوق السفن ms190 الغريقة، لكي يتمكن الغواصون من البقاء تحت ~~الماء طويلا ومن التنفس بين الحين والحين، وهو عبارة عن حوض معدني أجوف ~~يغمر في الماء بحيث يكون قعره موازيا لسطح الماء، وهو بذلك يحمل معه ~~إلى قاع البحر كل الهواء الذي يحتويه. يقف هذا الوعاء على ثلاثة أقدام، ~~بطول أقل قليلا من قامة إنسان، بحيث كلما نفد نفس الغواص فإن بوسعه ~~أن يضع رأسه في تجويف الوعاء ويأخذ نفسا ثم يستأنف العمل، وقد سمعت عن ~~جهاز اخترع مؤخرا يشبه السفينة الصغيرة أو القارب، يمكن أن يحمل الناس ~~تحت الماء لمسافة معينة، على أن أي جسم يمكن أن يعلق بسهولة تحت مثل ~~هذا الوعاء الذي وصفته، وهذا ما جعلني أورد هذه التجربة. # ثمة مزية أخرى للإغلاق المحكم والتام للأجسام، فهو لا يمنع الهواء ~~الخارجي من الدخول فحسب (وهو ما تحدثت عنه للتو) بل يمنع روح الجسم أيضا ~~- التي هي عملية داخلية - من الهرب، فكل من يشتغل في الأجسام الطبيعية ~~يتعين عليه أن يكون متيقنا من الكميات الكلية التي لديه، أي أن يكون ~~متيقنا من أنه لا شيء قد تبخر أو تسرب، فعندئذ - وعندئذ فقط - تحدث ~~تغيرات عميقة في الأجسام عندما تمنع الطبيعة الفناء ويمنع الفن أيضا ~~فقدان أو تبدد أي جزء، وقد سادت فكرة زائفة بخصوص هذه المسألة (والتي إذا ~~صحت لما عاد هناك أمل في حفظ كمية معينة دون نقصان)، وهي أن أرواح ~~المواد والهواء - الذي قد تخلخل من جراء درجة عالية من الحرارة - لا يمكن ~~الاحتفاظ بأي منها في أي وعاء مختوم، إذ لا بد أن يتسرب من خلال المسام ~~الدقيقة التي في الوعاء، وقد جر الناس إلى هذا الاعتقاد تلك التجربة ~~الشائعة التي فيها يوضع كوب مقلوب فوق ماء به شمعة أو ورقة مشتعلة، إذ ~~ينتج عن ذلك أن يسحب الماء إلى أعلى، وكذلك تجربة أكواب الحجامة التي ~~تسحب اللحم إلى أعلى عندما تسخن فوق لهب، فهم يظنون في كلتا التجربتين ~~أن الهواء المتخلخل يطرد ومن ثم تقل «كميته»، وبالتالي ms191 يرتفع الماء ~~أو اللحم عن طريق حركة «الارتباط»، غير أن هذا خطأ كبير؛ لأن الهواء لم ~~يقل في «الكمية»، بل انكمش في المكان، ولا تبدأ الحركة التالية للماء أو ~~اللحم إلا حين ينطفئ اللهب أو يبرد الهواء؛ ولذا يضع الأطباء إسفنجا ~~مشربا بماء بارد على أكواب الحجامة، وعليه فلا داعي للخوف الزائد من هروب ~~الهواء أو الأرواح بسهولة، فرغم أن أصلب الأجسام لها حقا مسامها ~~الخاصة، إلا أن الهواء أو الروح لا يسمح لنفسه أن يتخلخل لمثل هذه الدرجة ~~المفرطة، مثلما أن الماء يأبى أن يهرب من خلال شق دقيق. ~~(2) # بخصوص الطريقة الثانية من الطرق السابعة المدرجة، لاحظ - بصفة خاصة - ~~أن الضغط وأشباهه من القوى العنيفة لها أقوى التأثير في إنتاج حركة في ~~المكان، كما في الآلات أو القذائف، حتى إنه قد يسبب دمار الأجسام العضوية ~~ودمار القوى التي تتألف كليا من الحركة، فالضغوط تدمر كل نوع من الحياة، ~~بل تدمر كل لهب ونار، وتدمر وتشل كل آلة، ولها القدرة أيضا على تدمير ~~القوى التي تتألف من ترتيب الأجزاء وتباينها الكبير، كما في الألوان ~~(الزهرة المرضوضة ليس لها نفس اللون الذي للزهرة السليمة، وقطعة الكهرمان ~~الكاملة ليست بلون نفس القطعة وهي مسحوقة)، كذلك الشأن في الطعوم، فالكمثرى ~~الفجة ليس لها نفس المذاق الذي لكمثرى ضغطت باليد وطريت فصارت أكثر ~~حلاوة بدرجة واضحة، غير أن هذه القوى العنيفة ليس لها تأثير كبير على ~~التحولات والتغيرات الأبرز للأجسام المتشابهة؛ لأنها لا تكسب الأجسام ~~حالة جديدة ثابتة ومستديمة، بل حالة مؤقتة تجهد دائما لكي تتحرر وتعود ~~إلى صورتها الأصلية، على أننا لن نعدم فائدة إذا نحن أجرينا تجارب دقيقة ~~في هذا السياق، لنرى ما إذا كان تكثيف أو خلخلة جسم متجانس تماما (كالهواء ~~والماء والزيت ... إلخ) إذا أحدثناه بعنف يمكن أن يصير دائما وثابتا ويصبح ~~نوعا من الطبيعة، وهذا الأمر ينبغي التحقق منه أولا بمنحه - ببساطة - ~~فسحة من الوقت، ثم التحقق منه باستخدام أدوات وتوافقات، وقد كنت قمينا ~~أن أفعل ذلك بسهولة (لو ms192 أنه خطر ببالي) عندما كنت أضغط الماء (كما ذكرت ~~آنفا) بطرقه وكبسه قبل أن يتفجر. لقد كان ينبغي علي أن أترك الكرة ~~المفلطحة بضعة أيام قبل أن أخرج الماء؛ لأشاهد بالتجربة هل يملأ في الحال ~~نفس الحجم الذي كان له قبل التكثيف، فإذا لم يفعل ذلك لا على الفور ولا بعد ~~قليل؛ لأمكن التحقق بوضوح من أن التكثيف ثابت، أما إذا فعل ~~لتبين أن الارتداد للحالة الأصلية قد حدث، وأن الانضغاط كان مؤقتا، ~~وكان علي أن أفعل شيئا مماثلا لذلك مع الهواء في البيض الزجاجي: كان ~~علي أن أضع ختما محكما عليها فور الشفط القوي، ثم كان علي أن أترك ~~البيض مختوما بعض الأيام، وعندها فقط أرى ما إذا كان الهواء يسحب من ~~الفتحة مع صفير، أو ما إذا كانت نفس الكمية من الماء تندفع إلى الداخل عند ~~الغمر كالتي كانت حرية أن تدخل في البداية إذا لم تكن ثمة فترة ~~انتظار، فمن المحتمل (أو على الأقل جدير بالاختبار) أن هذا حدث أو يمكن أن ~~يحدث باعتبار أن لمضي فترة من الوقت تأثيرا مماثلا في الأجسام التي ~~هي أقل تجانسا بعض الشيء، حين تنثني عصا بالضغط فإنها بعد زمن معين لا ~~يمكنها أن ترتد كما كانت، ولا ينبغي أن يعزى ذلك إلى أي نقصان في كمية ~~الخشب في ذلك الوقت؛ لأن الشيء نفسه سيحدث لشريحة من الصلب (بعد فترة ~~أطول) الذي لا يتبخر، ولكن إذا لم تنجح التجربة بمجرد مرور الوقت فلا تترك ~~المشروع، بل حاول استخدام مساعدات أخرى، فإنه ليكون ذا نفع كبير إذا كان ~~بالإمكان فرض طبائع ثابتة مستقرة على الأجسام بواسطة القوى العنيفة، بهذه ~~الطريقة يمكن للهواء أن يتغير إلى ماء بالتكثيف، ويمكن عمل كثير من مثل ~~هذه الأشياء، فالإنسان هو سيد الحركات العنيفة أكثر مما هو سيد الحركات ~~الأخرى. ~~(3) # ثالث الطرق السبع تتعلق بتلك الأداة العظيمة لعمليات الطبيعة والفن، وهي ~~الحرارة والبرودة، من الواضح أن القوة البشرية في هذا الموضوع تظلع ~~برجل واحدة، فنحن نمتلك حرارة ms193 النار، التي هي أقوى وأشد من حرارة الشمس ~~(كما تصلنا) ومن حرارة الحيوانات بما لا يقاس، ولكننا لا نمتلك البرودة ~~إلا ما يمكن أن نحصل عليه في الشتاء أو في الكهوف أو بإحاطة الأشياء ~~بالجليد والثلج، # 92 # الذي قد يقارن في الدرجة بحرارة شمس الظهيرة في البلاد ~~الاستوائية عندما تشتد بانعكاسات الجبال والجدران، هذه الحرارة والبرودة ~~يمكن أن تتحملها الحيوانات لمدة قصيرة، ولكنها لا تقارن بحرارة التنور ~~الفائر أو بالبرودة المناظرة لها في الدرجة؛ لذا فإن جميع الأشياء التي ~~بيننا هنا تميل إلى الخلخلة والجفاف والنفاد، ولا شيء تقريبا يميل إلى ~~التكثيف والطراوة إلا عن طرق المزج والطرق الاصطناعية؛ لذا فإن علينا أن ~~نبذل غاية الجهد لجمع شواهد البرودة، مثلما يحدث - فيما يبدو - لدى تعرض ~~الأجسام فوق المباني في البرد القارس، وفي الكهوف تحت الأرض، وفي الإحاطة ~~بالثلج والجليد في أماكن عميقة محفورة لهذا الغرض، وفي إنزال الأشياء في ~~الآبار، وفي تغطيتها بالزئبق والمعادن، وفي غمرها بالسوائل التي تحول ~~الخشب إلى حجر، وفي دفنها في الأرض (يقال: إنها الطريقة التي يصنع بها ~~الصينيون الخزف الصيني، حيث يقال: إن كتلا من المادة الملائمة لهذا الغرض ~~تبقى تحت الأرض أربعين أو خمسين عاما، لكي تستخرج للورثة مثل نوع من ~~المعدن الصناعي) ... وهلم جرا، علينا أيضا أن ندرس التكثيفات التي تحدث ~~في الطبيعة والتي تنجم عن البرد، حتى إذا ما علمنا أسبابها فقد نطبقها في ~~الفنون، مثلما نرى في تعرق الرخام والأحجار، وفي الندى المتكثف على ~~زجاج النوافذ من الداخل تجاه الفجر بعد برد الليل، وفي تكون الضباب ~~وتجمعه إلى ماء جوفي، والذي ينبجس في شكل ينابيع، وفي أي شيء آخر من هذا ~~النوع. # إلى جانب الأشياء الباردة في اللمس، هناك أشياء وجد أن لها تأثيرا ~~مبردا، وهذه أيضا لها تأثير مكثف، إلا أنها لا تعمل - فيما يبدو - ~~إلا على أجسام الحيوانات، ولا تكاد تؤثر على أي شيء آخر، ولدينا أمثلة ~~كثيرة على هذا الصنف بين الأدوية واللزقات، بعضها يكثف اللحم والأجزاء ~~العينية، ms194 مثل الأدوية القابضة والمخثرة، وبعضها الآخر يكثف الأرواح، ~~وأفضل مثال عليه الأدوية المنومة ، وهناك طريقتان يتم بهما تكثيف الأرواح ~~بواسطة الأدوية المنومة؛ الأولى: بتهدئة الحركة، والأخرى: بطرد الأرواح، ~~فالبنفسج والورد الجاف والخس والمواد اللطيفة والرقيقة تعمل - عن طريق ~~أبخرتها اللينة والمبردة بلطف - على دعوة الأرواح إلى الاتحاد وتهدئة ~~حركتها العنيفة والقلقة، كذلك ماء الورد الموضوع على الأنف في حالات ~~الإغماء ينعش الأرواح المفرطة التفكك والتراخي ويرأمها، غير أن الأفيون ~~- وأشباهه من المواد - تطرد الأرواح تماما بواسطة طبيعتها العدائية ~~الخبيثة؛ ولذا فحين توضع على جزء خارجي فإن الأرواح تهرب على الفور من هذا ~~الجزء ولا تعود إليه بسهولة، وحين تؤخذ داخليا فإن أبخرتها تصعد إلى ~~الدماغ وتشتت الأرواح المحتواة في بطينات الدماغ تشتيتا تاما، وبينما ~~تنسحب الأرواح ولا تجد مكانا تهرب إليه، فإنها تتحد وتتكثف، وأحيانا ~~تختنق تماما وتخمد، ورغم ذلك فإن هذه الأفيونات نفسها في جرعات معتدلة، ~~ومن خلال تأثير ثانوي (وهو التكثيف الذي يعقب الاتحاد) تقوي الأرواح ~~وتنشطها وتكبح حركاتها الشعبية غير المقيدة، وكنتيجة لذلك تسهم بقدر كبير ~~في علاج الأمراض وإطالة العمر. # ينبغي أيضا ألا نغفل تهيئة المواد لتلقي البرودة، مثال ذلك أن الماء ~~الدافئ قليلا سوف يتجمد بسهولة أكثر مما يفعل الماء الشديد البرودة (!) ~~وهكذا. # كما أن علينا - بالنظر إلى ندرة ما تقدمه لنا الطبيعة من البرد - أن ~~نقتدي في ذلك بالصيادلة، إذ عندما يشح لديهم مكون بسيط يلجئون إلى أخذ ~~بديل أو # quid pro quo # كما يسمونه، ~~فيستخدمون الصبر بديلا عن البلسم، والسنا بديلا عن القرفة، كذلك علينا ~~أن نفتش بعناية عما إذا كان ثمة أية بدائل للبرد، أي كيف يمكننا أن نحدث ~~التكثيف بطريقة أخرى غير البرد، يبدو أن هناك أربعة أنواع فقط من التكثيف ~~هي المعروفة حتى الآن؛ «الأول» يبدو أنه يحدث من خلال الضغط البسيط، وهو ~~قليل الجدوى في إحداث تكثيف دائم؛ بسبب مرونة المواد وارتدادها، ولكنه قد ~~يفيد كعامل مساعد، و«الثاني» يحدث من خلال انقباض الأجزاء الأكثف من الجسم ~~بعد تبخر أو ms195 هروب الأجزاء الأدق، مثلما يحدث عندما تتصلب الأشياء بالنار ~~أو عندما تسقى المعادن مرارا ... إلخ ، و«الثالث» بدمج الأجزاء ~~المتجانسة من الجسم والأشد صلابة، والتي تم فصلها من قبل ومزجها بأجزاء أقل ~~صلابة، كما في عودة الزئبق المصعد إلى حالته البسيطة، والتي تشغل حيزا ~~أقل بكثير من حالته وهو مسحوق، والشيء نفسه قد يلاحظ في تنظيف جميع ~~المعادن من الخبث، و«الرابع» يحدث من خلال التوافق، باستخدام مواد تتكثف ~~بقوة ما خفية، هذه التوافقات ما زالت حتى الآن غير مدركة، وليس هذا ~~بالأمر المستغرب، إذ ينبغي ألا تتوقع الكثير من بحث في التوافقات قبل أن ~~نحرز تقدما في اكتشاف الصور والبنيات، وفيما يتعلق بأجسام الحيوانات، ~~فمما لا شك فيه أن هناك أدوية عديدة تؤخذ داخليا وخارجيا أيضا تسبب ~~تكثيفا كأنما بواسطة التوافق كما قلت آنفا، أما في الأشياء غير الحية ~~فمثل هذا التأثير نادر، صحيح أن هناك لغطا كثيرا في الكتب وفي الشائعات ~~معا عن قصة الشجرة التي بإحدى جزر الأزورس أو الكناري (لست أذكر أيهما) ~~والتي تقطر بصفة دائمة، ومن ثم تزود الأهالي ببعض حاجتهم من الماء، ~~ويتحدث باراسيلسوس عن عشبة تسمى # Sun-Dew ~~(ندى الشمس) تمتلئ بالندى وقت ~~الظهيرة تحت الشمس الحارقة حين تكون الأعشاب الأخرى جافة من حولها، وظني ~~أن كلتا القصتين خرافية، أما إذا كانت صادقة فإن هذه الشواهد ستكون عظيمة ~~الفائدة وأحق شيء بالدراسة، لست أتصور أيضا أن تلك الأنداء المعسولة - ~~كالمن الذي يوجد على أوراق السنديان في شهر مايو - تتكون وتتكثف بسبب ~~توافق أو خاصية لورق السنديان، ولكن في حين تسقط بالتساوي على جميع الأوراق ~~فإنها تمسك ويحتفظ بها على ورق السنديان؛ لأنه متضام جيدا وليس ~~مساميا شأن معظم الأوراق الأخرى. # أما عن الحرارة فإن لدى الإنسان حقا نصيبا وافرا منها وسطوة ~~كبيرة عليها، غير أن الملاحظة والبحث شحيحان في بعض المسائل البالغة ~~الضرورة مهما تبجح الكيميائيون. فالعمليات التي تتضمن حرارة جد شديدة ~~يتم اقتفاؤها وملاحظتها، أما العمليات التي تتضمن حرارة ألطف وأقرب ~~لطرائق الطبيعة فإنها تغفل ms196 ويغض عنها الطرف، ومن ثم تند عن ~~الملاحظة؛ ولذا فنحن نرى في تلك الأفران التي تحظى بكل الاهتمام أن أرواح ~~الأجسام تثار بشدة، كما في الأحماض القوية وبعض الزيت الكيميائية، بينما ~~الأجزاء العينية تتصلب، وأحيانا تتثبت عندما يهرب العنصر الطيار، ~~والأجزاء المتجانسة تنفصل والأجزاء غير المتجانسة تندمج وتتكتل في كتل ~~أكبر، وأهم من ذلك ارتباط الأجسام المركبة، والبنيات الخفيفة تتحطم ~~وتختلط، إلا أن عمليات الحرارة الألطف كان ينبغي أن تجرب وتستكشف، ~~والتي كان يمكن أن تفضي إلى خلق واستخراج أمزجة أخف وبنيات أكثر انتظاما، ~~على غرار عمل الطبيعة وبمحاكاة تأثيرات الشمس، والتي ألمعت إلى أمثلة ~~منها في الشذرات الخاصة ب «شواهد التحالف»، فعمليات الطبيعة تتأدى بأجزاء ~~أقل كثيرا وترتيبات أدق وأكثر تنوعا من عمليات النار كما نستخدمها ~~الآن. إن الإنسان قمين حقا أن يزيد سلطانه إذا ما استطاع من خلال النار ~~والقوى الصناعية أن يحاكي عمليات الطبيعة في النوع، ويتمها في القوة، ~~وينوعها في العدد، وينبغي أن أضيف إلى ذلك: ويسرعها في الوقت، فالصدأ ~~يستغرق وقتا طويلا لكي يعمل على الحديد، ولكن تأثير ال # sesquioxide # يظهر في الحال، وكذلك ~~الشأن مع الزنجار والرصاص الأبيض، والبلور (الكريستال) يستغرق وقتا ~~طويلا حتى يكتمل نموه، ولكن الزجاج ينفخ في لحظة، والصخور تأخذ سنوات ~~لكي تتكون، ولكن قوالب القرميد تخبز سريعا ... وهكذا؛ ولذلك (لكي نعود إلى ~~موضوعنا) ينبغي لجميع تنويعات الحرارة مع تأثيراتها المقابلة أن تجمع من ~~كل مصدر وتدرس بجد ودأب: حرارة الأجرام السماوية خلال الأشعة المباشرة ~~والمنعكسة والمنكسرة والمركزة في العدسات الحارقة وحرارة البرق واللهب ~~والفحم المتقد ولهب المواد المختلفة، النار المفتوحة والنار المغلقة والنار ~~المقحمة والنار المحتدمة، النار المعدلة بمختلف مواد الأفران، النار ~~المثارة بالنفخ، النار الهادئة وغير المثارة، النار على مسافات مختلفة، ~~النار وهي تسري خلال مختلف الوسائط، الحرارة الرطبة، مثل # Mary’s baths ~~، الروث، الحرارة الخارجية ~~للحيوانات، الحرارة الداخلية للحيوانات، القش المخزون في مكان مغلق، ~~الحرارة الجافة، مثل الرماد والجير والرمل الساخن، وكل صنف حقا من ~~الحرارة بدرجاتها. # وعلينا فوق ms197 كل شيء أن نحاول أن ندرس ونميط اللثام عن تأثيرات وعمليات ~~اقتراب الحرارة وابتعادها بالدرجات، وبالتدريج وباطراد وعلى فترات وعلى ~~مسافات محددة وفترات محددة من الوقت، هذه التفاوتات المنظمة هي حقا بنت ~~السماء وأم التكوين، ولا تنتظر أي نتيجة عظيمة من حرارة عنيفة مفاجئة أو ~~منقطعة، وهذا شيء واضح جدا حتى في حالة النباتات، ولكن هناك أيضا ~~تفاوتا عظيما في الحرارة في أرحام الحيوانات من جراء الحركة والنوم ~~والطعام وانفعالات الأنثى الحامل، وأخيرا في رحم الأرض نفسها، الرحم الذي ~~تتكون فيه المعادن والأحافير، يجد هذا التفاوت مكانه وقوته؛ الأمر الذي ~~يكشف جهل بعض الخيميائيين من المدرسة المصلحة الذين ظنوا أن بوسعهم بلوغ ~~طموحاتهم عن طريق الحرارة الثابتة للمصابيح وما شابهها من الأشياء تحترق ~~بمعدل ثابت مطرد، وبحسبنا هذا من حديث عن عمليات وتأثيرات الحرارة، فليس ~~هذا وقت بحثها بدقة قبل أن يتم بحث صور الأشياء وبنيات الأجسام ويكشف ~~عنها الغطاء، فعندما تتم لنا معرفة النماذج سيكون الوقت قد أذن لكي نبحث ~~عن أدواتنا ونستخدمها ونهيئها. ~~(4) # طريقة العمل الرابعة هي بالاستمرارية والمواصلة (مرور الوقت) وهو أمين ~~مخزن الطبيعة وناظرها، وأمين صندوقها بمعنى ما، وأنا أسميها الاستمرارية ~~عندما يترك جسم ما لحاله فترة معتبرة من الزمن، محميا ومحصنا طوال ~~ذلك من كل قوة خارجية؛ لأن الحركات الداخلية تشرع في ممارسة ذاتها والكشف ~~عنها عندما تتوقف الحركات الخارجية والعرضية. إن أعمال الزمن لأدق وأخفى ~~دبيبا من أعمال النار، فالنبيذ لا يمكن أن يبلغ ذلك الصفاء بالنار مثلما ~~يبلغه من خلال مرور الزمن، ولا الرماد الذي تخلفه النار بأدق من التراب ~~الذي تتحلل وتئول إليه الأشياء بكر العصور، وإن الدمج والمزج الفوري ~~الذي تحدثه النار على عجل لأدنى بكثير من ذلك الذي يحدثه مرور ~~الزمن، وإن التكوينات المتعددة والمتباينة التي تتخذها الأجسام خلال مرور ~~الزمن (مثل أشكال التحلل المختلفة) لتفسدها النار أو الحرارة المتوسطة؛ ~~لذا فنحن لا نخرج عن الجادة إذا سجلنا أن حركات الأجسام التي انحبست تماما ~~تمارس نوعا من العنف عليها؛ وذلك ms198 لأن الحبس يعيق الحركات التلقائية ~~للجسم، وعليه فإن مرور الزمن في وعاء مفتوح يحفز الانفصال، وفي وعاء ~~محكم الإغلاق يحفز الامتزاج، وفي الوعاء المغلق بلا إحكام - بحيث يسمح ~~بقليل من الهواء - يحفز التعفن، على أن شواهد عمل الزمن وتأثيراته ينبغي ~~حقا أن تلتمس بدأب وتجمع بعناية من كل صوب وحدب. ~~(5) # توجيه الحركة (وهو الطريقة الخامسة من طرق العمل) له أيضا تأثير لا ~~يستهان به، وأنا أطلق هذا الاسم عندما أتحدث عن جسم يلتقي بآخر فيوقف ~~حركته الأصلية أو يطردها أو يسمح بها أو يوجهها، وهو يتمثل عادة في أشكال ~~الأوعية ووضعها، فالمخروط القائم يساعد على تكثيف الأبخرة في الإمبيق، ~~أما المخروط المعكوس فيساعد تكرير السكر في الأوعية المستقبلة، وأحيانا ~~ما يكون الالتواء مطلوبا، وأحيانا الضيق والاتساع على التوالي وهكذا، ~~وكل تقطير يعتمد على هذا المبدأ: أن يفتح الجسم المتلقي الطريق لشطر من ~~الجسم المتلقى ويغلقه عن شطر آخر، وليس كل تقطير أو توجيه آخر للحركة ~~يحدث دائما من الخارج، بل يمكن أيضا أن يتم بواسطة جسم داخل الجسم، ~~مثلما يحدث عندما يوضع الحصى في الماء لكي يجمع الوحل، وعندما تصفى ~~الأشربة ببياض البيض فتلتصق به الأجزاء الأكثف ويمكن فصلها بعد ذلك، وقد ~~بلغ الأمر بتلسيوس إلى أن يعزو أشكال الحيوانات إلى هذا التوجيه للحركة، ~~فادعى أنها تعود إلى قنوات وانثناءات الرحم، وقد كانت تلك ملاحظة خرقاء ~~وسطحية، وقد كان عليه أن يلحظ تكوينا مماثلا للأجنة داخل قشرات البيض ~~جميعا، حيث لا تعاريج ثم ولا تفاوت، من الحق رغم ذلك أن توجيه الحركة ~~يمنح الأشكال في حالة الصب والقولبة. ~~(6) # العمل بواسطة التوافق (الانسجام) والنفور (وهو الطريقة السادسة) كثيرا ~~ما يكون خبيئا في العمق، فهذه الخصائص السرية والخاصة (كما تسمى) ~~«الانسجام (التعاطف) ~~والكراهية» # sympathies and antipathies # هي إلى حد كبير فساد فلسفي، لا يمكننا أن ~~نتوقع الكثير من اكتشاف توافقات الأشياء قبل اكتشاف الصور والبنيات ~~البسيطة؛ ذلك أن التوافق لا يعدو أن يكون تماثلا متبادلا للصور ~~والبنيات. # غير أن التوافقات الأكبر والأكثر ms199 عمومية ليست غامضة تماما؛ ولذا فإن ~~علينا أن نبدأ منها، والتمييز الأول والأساسي بينها هو هذا: هناك أجسام ~~تختلف فيما بينها في وفرة وندرة مادتها، ولكنها تتفق في البنية، وهناك ~~أجسام أخرى تتفق في وفرة وندرة مادتها ولكنها تختلف في البنية؛ لذا فقد ~~أصاب الكيميائيون - في مبادئهم الثلاثة - إذ لاحظوا أن الكبريت والزئبق ~~يتخللان العالم - إن جاز التعبير - (فما أضافوه عن الملح باطل ولم يدخلوه ~~ليشمل الأجسام الترابية واليابسة والثابتة)، أما هذان (الكبريت والزئبق) ~~فيتراءى فيهما حقا نوع من التوافق الطبيعي من الصنف الأعم والأشمل، ~~فهناك توافق بين الكبريت وبين الزيت والأبخرة الدهنية واللهب وربما مادة ~~النجوم، وهناك توافق كذلك بين الزئبق وبين الماء وأبخرة الماء والهواء، ~~وربما الأثير الخالص بين النجوم، ومع ذلك فهاتان المجموعتان الرباعيتان أو ~~المملكتان العظيمتان من الأشياء (كل داخل نظامها) تختلفان اختلافا ضخما ~~في مقدار المادة والكثافة، ولكنهما تتفقان اتفاقا وثيقا في البنية، مثلما ~~هو ظاهر في حالات عديدة، من الجهة الأخرى تتفق المعادن ~~بينها اتفاقا كبيرا في المقدار ~~والكثافة (وخاصة حين تقارن بالنباتات ... إلخ)، ولكنها تختلف فيما بينها ~~اختلافا واسعا في البنية، وبالمثل فعلى حين تختلف النباتات والحيوانات ~~اختلافا لا نهاية له تقريبا في البنية، إلا أنها من حيث مقدار المادة أو ~~الكثافة لا تختلف إلا في أضيق الحدود. # والتوافق التالي بين التوافقات الأكثر عمومية هو التوافق بين الأجسام ~~الفردة وبين تلك التي تزودها بأسباب المعيشة، أي المواد الأساسية والغذاء؛ ~~لذا فإن على المرء أن يبحث في أي مناخ وفي أي تربة وفي أي عمق يتكون كل ~~معدن، كذلك الأمر بالنسبة للأحجار الكريمة، سواء المنتجة في الصخور أو في ~~المناجم، وفي أي نوع من التربة تنمو الأشجار المختلفة والأجمات والنباتات ~~أفضل نمو وتزدهر أعظم ازدهار، وكذلك المخصبات الأكثر عونا سواء السماد ~~بأنواعه أو الطباشير أو رمل البحر أو الرفات ... إلخ، وأيهما هو الأكثر ~~ملاءمة وعونا لكل نوع من التربة، كذلك من الأشياء المعتمدة على التوافق ~~بشدة: غرس وتطعيم الأشجار والنباتات وطرائقه المختلفة، أي ما ms200 هي النباتات ~~الأنسب للتطعيم على هذا الصنف أو ذاك من النبات أو الشجر؟ من التجارب التي ~~يمكن أن تكون شائقة في هذا الصدد - والتي ~~سمعت أنها أجريت حديثا - تجربة تطعيم أشجار الغابة (لم يجرب حتى ~~الآن عادة إلا مع أشجار الحديقة)، والنتيجة أن يزداد الورق والجوز زيادة ~~كبيرة ويقدم الشجر ظلا أكثر، وبنفس الطريقة يجب أن يلاحظ الغذاء ~~الخاص بكل نوع من الحيوان والغذاء الذي لا يصلح له، فاللواحم لا يمكنها ~~البقاء إذا غذيت على الأعشاب، وهذا أيضا هو السبب في نظام ال # Feuillans # 93 ~~(رغم أن إرادة الإنسان لها سطوة أكبر على جسدها مما هو لدى ~~الحيوانات الأخرى) اختفى تقريبا بعد إجراء التجربة (كما يروى)، كأنما ~~الطبيعة البشرية لم تحتملها، يجب أيضا أن نلاحظ المواد المختلفة في التعفن ~~والتي تتولد منها مخلوقات دقيقة. # وتوافقات الأجسام الرئيسة مع تابعيها (فالأشياء التي ذكرتها قد تعد ~~كذلك) أمر واضح تماما، وقد أضيف إلى هذه توافقات الحواس مع موضوعاتها، ~~وحيث إن هذه التوافقات واضحة كل الوضوح وملاحظة جيدا وممحصة ~~بدقة، فقد تلقي ضوءا على التوافقات الأخرى الخفية الكامنة. # غير أن التوافقات والتنافرات أو الصداقات والعداوات بين الأجسام (فقد ~~سئمت من كلمتي: # sympathies # و # antipathies ~~؛ بسبب الخرافات والغباوات ~~المرتبطة بهما) تنسب خطأ إلى حكايات خرافية أو تمتزج بها، أو تند عن ~~المعرفة بسبب الإهمال، فإذا قيل: إن هناك عداوة بين الكروم والكرنب لأنهما ~~عندما يزرعان متجاورين لا ينموان على ما يرام، فإن السبب واضح، وهو أن ~~كليهما عصاري ماص للماء منهك للتربة، ومن ثم فإن كليهما يسرق من ~~الآخر، وإذا قيل: إن هناك توافقا وصداقة بين الذرة والقنطريون # cornflower # العنبري أو الخشخاش البري؛ ~~لأن هذه النباتات تنمو حصريا تقريبا في الحقول المزروعة، فقد كان ينبغي ~~عليه أن يقول بدلا من ذلك: إن هناك عداوة بينها؛ لأن كلا الخشخاش ~~والقنطريون ينموان من عصير معين في التربة تتركه الذرة وترفضه، ومن ثم ~~فإن بذر الذرة يجهز الأرض لنموهما. ثمة عدد كبير من مثل هذه الترابطات ~~الزائفة، ms201 أما عن الحكايات الخرافية فينبغي أن تستأصل تماما، يبقى هناك ~~مخزون ضئيل جدا من التوافقات التي تم إثباتها بتجارب مؤكدة، مثل توافق ~~المغناطيس والحديد والذهب والزئبق ... إلخ، وهناك بعض الحالات اللافتة وجد ~~في التجارب الكيميائية أنها تتصل بالمعادن، وأكثرها شيوعا (وهو عدد قليل ~~على كل حال) يوجد في بعض الأدوية، والتي بسبب خواصها السرية والخاصة (كما ~~يسمونها) لها علاقة بالأعضاء أو الأمزجة # humors # أو الأمراض أو أحيانا بالطبائع الفردية، ولا ~~يفوتنا أن نذكر التوافقات بين حركات وأطوار القمر وبين أحوال الأجسام ~~الدنيا بقدر ما يمكن أن تجمع وتقبل من خلال تجارب في الزراعة والملاحة ~~والطب، أو من أي منحى آخر بتمحيص دقيق وصادق، أما الشواهد العامة على ~~التوافقات الأكثر خفاء وسرية فكلما كانت أقل وأندر ازدادت حاجتها إلى ~~البحث الجاد من خلال التقارير والروايات الصادقة والأمينة، شريطة أن يتم ~~ذلك بدون حماقة أو سذاجة، بل بتحري درجة قصوى من التحوط والقناعة المرتابة ~~(إن جاز التعبير)، ويبقى هناك توافقات الأجسام التي ليست اصطناعية في طريقة ~~عملها ولكنها متعددة الغرض في تطبيقها، والتي علينا بالتأكيد ألا نغفلها بل ~~نبحثها بملاحظة دقيقة، وهي تضام أو اتحاد الأجسام، والذي قد يكون سهلا ~~أو صعبا، ويتم بالتركيب أو بمجرد التراص، فبعض الأجسام تمتزج وتندمج معا ~~بسهولة وحرية، وبعضها بصعوبة وكراهة، المساحيق مثلا تندمج أفضل اندماج ~~بالمياه، والكلس (الجير) والرماد بالزيوت، وهكذا وعلينا ألا نكتفي بجمع ~~الشواهد على ميل الأجسام (أو نفورها) للامتزاج، بل نجمع أيضا شواهد على ~~ترتيب أجزائها وتوزعها وهضمها بعد امتزاجها، وأخيرا على مدى غلبتها ~~بمجرد أن يتم المزج. ~~(7) # وتبقى الطريقة السابعة والأخيرة من ~~طرق العمل السبع، وهي العمل الذي تتبادل فيه الطرق الست الأخرى وتتناوب، ~~ولكن قبل أن يتعمق بحثنا أكثر في كل واحدة على حدة فلن يكون من الحكمة أن ~~نعطي أمثلة، إنه شيء صعب في الاكتشاف وبالغ التأثير في التطبيق أن نطور ~~سلسلة من هذا النوع من التناوب ونكيفه لنتائج معينة، غير أن البشر ~~يفتقرون إلى الصبر افتقارا تاما، سواء ms202 في البحث أو في التطبيق، رغم أنه ~~هو هو خيط المتاهة في كل الأعمال العظيمة، ولكن بحسبنا هذا كمثال على تعدد ~~الأغراض. ~~••• ~~(51) في المرتبة السابعة والعشرين والأخيرة بين شواهد الامتياز سأضع «شواهد السحر» # instances of magic ~~، # 94 # وأعني بهذا الاسم تلك الشواهد حيث المادة أو العلة الفاعلة ضئيلة أو صغيرة ~~بالقياس إلى عظم المعلول أو النتيجة التي تنجم عنها، ومن ثم فحتى إذا كانت شائعة ~~فإنها تبقى أشبه بمعجزة، البعض في النظرة الأولى، والبعض حتى بعد ملاحظة يقظة، لا تقدم ~~الطبيعة هذه الشواهد من تلقاء ذاتها إلا على نحو شحيح، فماذا تراها فاعلة عندما تفض ~~جعبتها بعد أن تكتشف الصور والعمليات والبنيات؟ هذا ما سوف يكشفه المستقبل وتبديه ~~الأيام، ولكن هذه النتائج السحرية (وفقا لتخميني الراهن) تحدث بثلاث طرق؛ تحدث ~~أولا: من خلال التكثير الذاتي، كما في حالة النار، وما يسمى السموم النوعية، ~~وأيضا: في الحركات التي تزداد قوة بالانتقال من عجلة إلى عجلة، وتحدث أيضا بإثارة أو ~~جذب في جسم آخر، كما في حالة المغناطيس الذي يثير ما لا يحصى من الإبر دون أن يفقد أي ~~شيء من قوته، وكما في الخميرة وما شابهها، وتحدث ثالثا: في توقع حركة كما في الحالة ~~التي ذكرتها عن البارود والمدفع واللغم. تتطلب الطريقتان الأوليان بحثا في التوافقات، ~~وتتطلب الثالثة قياس الحركات. ليس لدي حتى الآن أي مؤشرات وثيقة بما إذا كان ثمة أي ~~طريقة لتغيير الأجسام من خلال أجزائها الصغرى أو ~~ال # minima ~~(كما يسمونها)، ولتحويل البنيات الأدق ~~للمادة (والتي تحدث في كل صنف من تحول المادة، بحيث يمكن للفن أن يعمل في زمن قصير ~~ما تنجزه الطبيعة خلال التفافات كثيرة)، ومثلما أتغيا ما هو صلب وحق لكي أحقق ~~أهدافي النهائية العليا، سأظل أمقت كل ما هو فارغ طنان، وأبذل وسعي للتخلص ~~منه. ~~••• ~~(52) أكتفي بذلك عن «شواهد الامتياز» أو «شواهد الطبقة الأولى»، ولكن ينبغي أن أذكر ~~بأنني في «أورجانوني» هذا إنما أتناول المنطق لا الفلسفة، ولكن لما كان منطقي يوجه ~~ويرشد الفهم ms203 حتى لا يقبض بكلابات العقل الصغيرة على تجريدات محضة ويتشبث بها، بل ~~يخترق الطبيعة بالفعل ويكتشف خواص الأجسام وقواها وقوانينها المنقوشة في المادة، ومن ~~ثم فإن هذا العلم لا ينبع من طبيعة العقل فقط بل من طبيعة الأشياء، فلا عجب إذن أن ~~يمتلئ بإيضاحات وملاحظات مبثوثة في تضاعيفه وتجارب في الطبيعة كأمثلة على الفن الذي ~~أعلمه. من الواضح إذن مما أسلفت قوله أن هناك سبعة وعشرين نوعا من «شواهد ~~الامتياز» هي: الشواهد الانفرادية، وشواهد الانتقال، والشواهد الكاشفة، والشواهد ~~المتوارية، والشواهد المقومة، وشواهد التشابه، والشواهد الفريدة (الفذة)، وشواهد ~~الانحراف، والشواهد الحدية، وشواهد القوة، وشواهد الصحبة والعداء، والشواهد الإضافية، ~~وشواهد التحالف، والشواهد الفاصلة، وشواهد التباعد، وشواهد الباب أو البوابة، وشواهد ~~الاستدعاء، وشواهد الطريق، وشواهد التكملة، والشواهد الباضعة، وشواهد القصبة أو ~~المسطرة، وشواهد العدو، وجرعات الطبيعة، وشواهد الصراع، والشواهد المشيرة، والشواهد ~~المتعددة الغرض، والشواهد السحرية. تتميز هذه الشواهد عن الشواهد العادية بأن استخدامها ~~يتعلق تحديدا إما بالنظرية أو بالتطبيق أو بكليهما معا. فيما يخص النظرية فإنها ~~تساعد إما الحواس أو الفهم: الحواس، كما في «شواهد المصباح» الخمسة، والفهم إما ~~بتسريع الطريقة الاستبعادية للوصول إلى الصورة كما في «الشواهد الانفرادية»، وإما ~~بحصر ما هو مثبت (إيجابي) للصورة وتعيينه بدقة، كما تفعل «شواهد الانتقال» و«الشواهد ~~الكاشفة» و«شواهد الصحبة» وكذلك «الشواهد الإضافية»، وإما بالارتفاع بالفهم وإرشاده ~~إلى الطبائع العامة والشائعة، والذي تعمله إما مباشرة كما تفعل «الشواهد المتوارية» ~~و«الشواهد الفريدة» و«شواهد التحالف»، أو بدرجة عالية كما تفعل «الشواهد المقومة»، أو ~~بدرجة ضئيلة فحسب كما تفعل «شواهد التشابه»، أو بإرشاده إلى الصورة العظيمة أو بنية ~~الكل، كما تفعل «الشواهد الحدية»، أو بالتحذير من الصور والعلل الزائفة كما تفعل ~~«الشواهد الفاصلة» و«شواهد التباعد»، وأما فيما يخص الجانب العملي فإن «شواهد ~~الامتياز» إما أن تعينه أو تقيسه أو تسهله؛ تعينه بأن تبين من أين نبدأ حتى ~~لا نكرر ما قد عمله غيرنا، كما تفعل «شواهد القوة» أو تبين ما يجب أن نرمي إليه إذا ~~واتتنا الفرصة، كما تفعل «الشواهد ms204 المشيرة»، وتقيسه ب «الشواهد الرياضية» الأربعة، ~~وتسهله ب «الشواهد المتعددة الغرض» و«شواهد السحر». # مرة أخرى: بعض هذه الشواهد السبعة والعشرين ينبغي أن نجمعه الآن منذ البداية ودون ~~انتظار بحث خاص في الطبائع، تلك هي: «شواهد التشابه» و«الشواهد الفريدة» و«شواهد ~~الانحراف» و«الشواهد الحدية» و«شواهد القوة» و«شواهد الباب أو البوابة» و«الشواهد ~~المشيرة» و«الشواهد المتعددة الغرض» و«الشواهد السحرية»، فهذه الشواهد إما تساعد أو ~~تعالج الفهم والحواس، أو تؤثث ممارستنا بصفة عامة، أما بقية الشواهد فإن علينا جمعها ~~عندما ننتهي من وضع «قوائم الحضور» بغرض تفسير أي طبيعة معينة، فالشواهد التي منحت ~~وتميزت بهذه «الامتيازات» هي مثل الروح بين شواهد الحضور العادية، ومثلما قلت في ~~البداية فإن القليل منها يساوي الكثير من البقية؛ لذا فعندما نكون بصدد تشييد قوائمنا ~~ينبغي أن نجد في البحث عنها بكنه الهمة ونضعها في «قوائم»، وقد تعين علي ~~أن أتناولها أولا؛ لأني سوف يتعين علي أن أتحدث عنها فيما يلي. # ولكن علي الآن أن أمضي إلى تناول «مساعدات الاستقراء وتصويباته»، ثم إلى «الأشياء ~~العيانية» و«العمليات الكامنة» و«البنيات الكامنة»، وغيرها من الأشياء التي أحصيتها ~~بترتيب مناسب في الشذرة 21، فأنا أريد في النهاية (شأن الأوصياء المخلصين والأمناء) أن ~~أسلم الناس ثروتهم عندما يكون فهمهم قد تحرر من الوصاية وبلغ سن الرشد، الأمر ~~الذي يترتب عليه بالضرورة تحسن حالة الإنسان وبسط سلطانه على الطبيعة؛ ذلك أن ~~الإنسان إثر «السقوط» خسر في الوقت ذاته حالة البراءة، خسر سيادته على الخلائق، وكلتا ~~الخسارتين يمكن تعويضهما إلى حد ما حتى في هذه الحياة: الأولى بالدين والإيمان، ~~والثانية بالفنون والعلوم؛ ذلك أن «اللعنة» لم تجعل الخلق مطرودا تماما وأبدا، ~~وإنما بمقتضى القرار الإلهي: «بعرق جبينك تغمس خبزك» (التكوين 19: 3)، فإن الإنسان، ~~بجهوده المتنوعة (لا بالمجادلات بالتأكيد ولا بالطقوس السحرية) يجبر الخلق - أخيرا ~~وبقدر - على أن يزوده بخبزه، أي بحاجات حياته البشرية. ms205