######OpenITI# #META# URI: 1450CadilMustafa.WahmThawabit.Hindawi36161402 #META# Tags: philosophy #META# ID: 36161402 #META# Title: وهم الثوابت: قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس #META# AuthorID: 24079572 #META# Author: عادل مصطفى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - وهم الثوابت أو «النزعة الماهية»‏ # 2 - نزعة الماهية في البيولوجيا‏ # 3 - بين الماهوية والوجودية‏ # 4 - فتجنشتين ونزعة الماهوية‏ # 5 - اللاماهوية عند كارل بوبر‏ # 6 - الماهوية اللغوية‏ # 7 - الماهوية في علم التصنيف1‏ # 8 - الماهوية الجينية‏ # 9 - الماهوية وتقسيم الاضطرابات النفسية‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - وهم الثوابت أو «النزعة الماهية»‏ # 2 - نزعة الماهية في البيولوجيا‏ # 3 - بين الماهوية والوجودية‏ # 4 - فتجنشتين ونزعة الماهوية‏ # 5 - اللاماهوية عند كارل بوبر‏ # 6 - الماهوية اللغوية‏ # 7 - الماهوية في علم التصنيف1‏ # 8 - الماهوية الجينية‏ # 9 - الماهوية وتقسيم الاضطرابات النفسية‏ # | وهم الثوابت # | وهم الثوابت # | قراءات ودراسات في الفلسفة والنفس # تأليف # عادل مصطفى # | الإهداء # إلى الزميل النابه والفنان القدير د. سيد الرفاعي، الذي جعل حياتنا بالفن أجمل وربما ~~خرج بنا منها إلى آفاق قصية ومباهج علوية ما كنا لنبلغها بالخبز ~~وحده. # لا أحد ينزل النهر نفسه مرتين؛ # فلا النهر هو ذات النهر، # ولا الشخص هو ذات الشخص. # هيراقليطس # 540-480ق.م # لا شيء في الوجود لديه طبيعة، # لا شيء هنالك سوى امتزاج العناصر وانفصالها، # وما «الطبيعة» سوى «الاسم» الذي يخلعه عليها الإنسان. # أمبدوقليس # 490-430ق.م # | مقدمة # كثيرا ما يدس الناس هذا التعبير في مجادلاتهم: «ثوابت كذا»، «ثوابتنا»، «الثوابت» ... ~~إلخ. وكثيرا ما يبلس الخصم إثر هذا التعبير كأنما ألقم الحجر. # وقلما ينتبه أحد إلى هذا التعبير نفسه لكي يضعه ~~على المحك ويرى فيه رأيا. وقلما يدور بخاطر أحد أن يفك هذا الغلاف لكي يتيقن من أن ~~بداخله شيئا. ذاك ضرب نادر من «خفة ~~اليد» # sleight of hand # التي تلطف على الخصم وعلى الشهود وعلى القائل نفسه! # ينتمي هذا التعبير إلى ما يسمى «الألفاظ المشحونة ~~(الملقمة/المفخخة)» # loaded words ~~؛ لأنها تفترض مسبقا حكما برمته لم تتم ~~البرهنة عليه بعد؛ لذا كان جريمي بنتام # J. Bentham # يطلق ~~على مثل هذه التعبيرات اسم «النعوت المصادرة ~~على المطلوب» # question-begging epithets ~~، إنها تصادر بما لم تثبت، وتسلم تسليما بما قد لا ~~نسلم به أصلا، وتدس مواقف انفعالية في داخل العبارة التي تحملها. وهذه المواقف ~~ليست جزءا من ms001 الحجة، وإنما جرى استدعاؤها على نحو غير مشروع لكي تؤتي أثرا ما كان ~~للحجة أن تؤتيه بمفردها. وبعبارة أخرى تعد هذه المواقف الانفعالية «غير ذات صلة» # irrelevant # بقيمة صدق العبارة؛ أي بتأسيس صدق ~~العبارة المطروحة أو كذبها. ~~(1) نزعة الماهية # ما ظنك بمن يعامل المتحول معاملة الثابت؟ # ويعامل السائل معاملة الصلب؟ # ومن ينظر إلى الغامض المتشابه على أنه دقيق محكم؟ # وإلى الممتد المتصل على أنه متقطع منفصل؟ # يقال لمثل هذا الشخص: إنه «ماهوي» # essentialist # تملكته «نزعة الماهية» # essentialism ~~، فجعل ينظر ~~إلى كل شيء على أنه «مثول» # instantiation # لطبيعة ~~محددة ثابتة، مسيجة كتيمة لا تمتزج بغيرها ولا تلتئم بسواها. # يبدو أننا جميعا هذا الشخص (الماهوي) على اختلاف الدرجة، وأن الاعتقاد بوجود ماهية ~~ما - ظاهرة أو خفية - لكل شيء هو اعتقاد عام يشمل البشر جميعا، وأنه اعتقاد «غير ~~واع بذاته، إن صح التعبير؛ أي إننا نضمره دون أن نعي أننا نضمره. # 1 # ويبدو أننا نحن البشر قد تبنينا هذا النزوع الماهوي خلال تطورنا النوعي كنتيجة ~~لنجاعته التكيفية في تفاعلاتنا مع البيئة، بحيث أصبح هذا النزوع شاملا لجميع الثقافات ~~والأحقاب، ودامغا لجميع مراحل العمر، بدءا من الطفولة الباكرة. # ينبئنا علماء النفس الذين يدرسون نمو اللغة بأن الأطفال ماهويون طبيعيون، وربما ~~توجب عليهم أن يكونوا كذلك إذا كان لهم أن يحتفظوا بقواهم العقلية بينما تقوم ~~عقولهم النامية بتقسيم الأشياء إلى «فئات ~~تصنيفية» # categories # متمايزة، كل فئة منها موسومة باسم فريد. # لقد تركت الماهوية بصمة غائرة في «معمارنا المعرفي» # cognitive architecture ~~، وضربت أطنابها في «حسنا المشترك» # common sense ~~، فصار من الصعب اقتلاعها، ~~وأصبحت تشكل عائقا لنا في مجالات البحث التي تتطلب تبني نماذج لا ماهوية. # ونحن في هذا العمل الوجيز لا نعرض للماهوية من جميع أطرافها؛ فإن ذلك يكون عملا لا ~~آخر له؛ ولا نحن ننحاز لها أو عليها؛ فإن هذا يرمي بنا في مماحكات جدلية لا طائل من ~~ورائها ولا هي داخلة في موضوعنا، وإنما نتخذ لنا (في حدود هذا العمل فحسب) وجهة من ~~الرأي ms002 يمكن أن نطلق عليها «اللاماهوية ~~الجزئية (أو الموضعية)» # local anti-essentialism ~~؛ أي الرأي المضاد للماهوية في مجال بعينه ~~وسياق بذاته، نحن باختصار نريد أن نحذر من الأخطاء التي يمكن أن تنجم حيثما سول ~~لنا الوهم أن نتصور ماهية حيث لا ماهية . # والكتاب شأنه شأن بعض أعمالي القديمة، # 2 # ليس بحثا أكاديميا صرفا يلتزم بضوابط الرسائل الأكاديمية المستتبة، ~~وإنما هو فصول متفرقة، مزيج من التأليف والتصنيف، منه ما هو ابتكار شخصي خالص، ~~ومنه ما هو قراءة مباشرة لأدبيات فلسفية وعلمية راسخة أشرت إليها في مواضعها. ~~(2) فتجنشتين ومفهوم «التشابه العائلي» # في كتاباته المتأخرة دفع فتجنشتين بمفهوم جديد قدم للفلسفة وللبحث العلمي خدمة ~~جليلة، وجعل بميسورنا أن نستخدم الأسماء العامة دون أن نكون مضطرين بهذا الاستخدام إلى ~~أن نسلم بوجود ماهية وراء الاسم، ذلك هو «مفهوم التشابه ~~العائلي» # family-resemblance ~~concept ~~، ومفاده أن الأشياء التي يشير إليها حد من الحدود قد ترتبط ~~معا لا بخاصة أو صفة واحدة بل بشبكة من المشابهات العديدة والمتداخلة جزئيا كشأن ~~الأشخاص الذين تشترك وجوههم في ملامح مميزة لعائلة معينة. # هذا المفهوم الجديد - الذي توسع فيه العلماء ونوعوا عليه وطبقوه في مجالات متنوعة ~~واتخذ أسماء عديدة # 3 ~~- كان اقتحاما جريئا وحصيفا في الوقت نفسه لمصاعب مفهوم «الماهية» # essence # التي لا حصر لها. # لم يعرض فتجنشتين لوجود الماهيات على نحو صريح، ولم يتورط قط في هذا المسلك الوعر. ~~وكل ما أقر به هو أن مستخدمي اللغة لا يعرفون أي تعريف/ماهية للشيء عندما يستعملون ~~اسمه استعمالا صحيحا، وأن معرفة مثل هذا التعريف الماهوي غير ضرورية للاستعمال الصحيح ~~لأية لفظة. وصفوة القول أن دعوى فتجنشتين لا تعدو أن تكون دعوى «إبستمولوجية» تفيد فقط ~~أن معرفة التعريفات ليست شرطا للاستخدام اللغوي الصحيح (وليست دعوى «أنطولوجية» تفيد ~~عدم وجود خاصة مشتركة ماهوية). بذلك يؤتي مفهومه الجديد تأثيرا «علاجيا» من حيث إنه ~~يجعل المشكلات الفلسفية المرتبطة بالماهيات (التعريفات) تختفي تماما، ويجعل التعريفات ~~الماهوية «أشبه بتروس قطعت صلتها بالآلية». # وقد استخدم العلماء هذا المفهوم الجديد في مجالات ms003 بحثية عديدة، مثل البيولوجيا ~~والميثودولوجيا والتاكسونوميا (علم التصنيف) والنوزولوجيا (علم تقسيم الأمراض)، فأسعفهم ~~وأتاح لهم تقدما ملحوظا في فهم هذه المجالات، وأعفاهم من استنفاد جهودهم في غير ~~طائل. ~~(3) آثام أفلاطونية/أرسطية # منذ دفع أفلاطون بنظريته في المثل # ideas ~~، وقفى ~~عليه أرسطو بنظريته في التعريف؛ استتبت نزعة الماهية ورانت على العقل البشري أكثر من ~~ألفي عام، وصارت الماهوية مكونا أصيلا من مكونات الحس المشترك عاق العقل عن تصور ~~أشياء كثيرة، وعطل علوما كثيرة عن التقدم الحثيث الذي أحرزته الفيزياء على سبيل ~~المثال. ~~(4) في علم التصنيف # في علم التصنيف # taxonomy # ظل النزغ الماهوي يلاحق العلماء حتى بعد أخذهم بنظرية تطور ~~الأنواع. يقول ديفيد هول في مقاله الرائد «تأثير الماهوية في علم التصنيف، ألفا سنة من ~~الركود»: «والآن فقط يبلغ علم التصنيف مرحلة من النضج تضاهي نضج الفيزياء منذ 300 عام ~~مضت، أو تضاهي غيره من العلوم البيولوجية منذ خمسين أو مائة عام. فما السبب؟ يجيب كارل ~~بوبر عن هذا السؤال بقوله: إنه بقدر استخدام كل تخصص لمنهج أرسطو في التعريف فقد ظل هذا ~~التخصص موقوفا في حالة من الحشو اللفظي الفارغ والاسكولائية العقيمة. وإن العلوم ~~المختلفة قد حققت درجة من التقدم بقدر ما تمكنت من التخلص من منهج البحث الماهوي. ~~لا تصدق هذه العبارة في أي علم من العلوم بقدر ما تصدق في علم التصنيف؛ ذلك أن أهمية ~~التعريف لا تتجلى في أي علم قدر تجليها في علم التصنيف.» ~~(5) في البيولوجيا # يقول إرنست ماير: إن فرضية دارون عن التطور الطبيعي لم تكن مجرد نظرية جديدة. إنما هي ~~نوع جديد من النظرية: نظرية أطاحت بالطرائق الماهوية في التفكير البيولوجي، واستبدلت ~~بها ما أسماه ماير # population thinking ~~. تعامل ~~الماهوية البيولوجية الجمال والأرانب والسلاحف كما لو كانت مثلثات أو معينات أو ~~قطوعا متكافئة؛ فالأرانب التي نراها هي ظلال شاحبة للفكرة التامة للأرانب: الأرنب ~~الأفلاطوني الماهوي المثالي المعلق حيث هو في فضاء تصوري إلى جانب جميع الصور ~~الهندسية التامة. إن الأرانب ذات اللحم والدم قد تتباين، ولكن ms004 تبايناتها هي دائما ~~نشوز عن الماهية المثالية للأرنب. # إن النظرة التطورية لهي على تضاد جذري مع هذه النظرة الأفلاطونية/الأرسطية ~~السالفة؛ إذ من الجائز أن يبتعد الأخلاف عن صورة حياة الأسلاف ابتعادا لا نهاية له، ~~وكل ابتعاد يصبح سلفا ممكنا لتنوعات مستقبلية. # إذا كان ثمة «أرنب قياسي» فإن هذا اللقب لا يعني إلا مركز توزع جرسي الشكل ~~لأرانب حقيقية تقفز وتعدو. وهذا التوزع يتبدل مع الوقت. ومع تتالي الأجيال قد تأتي ~~بالتدريج نقطة غير محددة بوضوح عندها سيكون معيار ما نسميه أرانب قد ابتعد كثيرا بحيث ~~يستحق اسما آخر. ليس ثمة «أرنبية» دائمة، ماهية للأرانب معلقة في السماء، بل هناك فحسب ~~«مجتمعات/سكان # populations ~~» من الأفراد الطويلة ~~الآذان المكسوة بالفراء المرتعشة الشوارب التي تبدي توزعا إحصائيا من التباين في ~~الحجم والشكل واللون والميول. # بالنسبة للعقل المغشى بغمامات أفلاطونية فإن أرنبا ما هو أرنب. أما القول بأن ~~نوع الأرانب يشكل ضربا من الغيمة المتنقلة ... سديم إحصائي من المتوسطات الإحصائية، أو ~~أن الأرنب النموذجي في يومنا هذا قد يكون مختلفا عن الأرنب النموذجي الذي كان منذ ~~مليون سنة، أو الأرنب النموذجي الذي سيكون بعد مليون سنة؛ فإن هذا القول هو انتهاك ~~لتابو داخلي. # إن التأخر المزري في وصول دارون إلى المشهد (القرن 19) يعود إلى أننا جميعا كنا ~~قد أشربنا الماهوية وأضمرناها في صميم جيناتنا العقلية. ~~(6) الماهوية الجينية # هي وجهة الرأي القائلة بأن ماهية الكائنات البشرية تقبع في جيناتها، وبأن سلوك ~~الإنسان تحدده جيناته على نحو حتمي لا مرد له، وما تكاد الناس تتلقى خبرا ~~جديدا عن اكتشاف أساس جيني لشيء ما (مرض، سمة شخصية، سلوك ...) حتى تشرئب تحيزاتهم ~~الماهوية السيكولوجية وتسبغ على هذا الشيء صفة الثبات والديمومة والحتمية، وتضرب عرض ~~الحائط بالعوامل البيئية والحرية الشخصية والاختيار الفردي. # الحق أن العلاقة بين النمط الجيني # genotype # والنمط الظاهري # phenotype # قد تكون شديدة التعقيد، ~~حيث تنبثق الأنماط الجينية كنتيجة لتفاعل متبادل لجينات عديدة حين تتوافر ظروف ~~بيئية معينة، وحين يمكن للجينات أن تحدد أي البيئات يسعى إليها ms005 الشخص وبالتالي يتأثر ~~بها، مثل هذه العلاقات المعقدة تتحدى أي جواب ماهوي، وبسبب تعقد التفاعل بين ~~«الطبيعة والتنشئة» # nature and nurture # يستسهل ~~الناس التفسير الجيني ويغضون الطرف عن العلل البيئية والخبروية أو التفاعلية بين ~~الجينات والبيئة. # ليس بميسور عامة الناس أن يتصوروا تعقد العلاقة بين الجينوتايب والفينوتايب، ~~ويتفهموا أن التعبيرات الجينية احتمالية وتحكمها الخبرات والتفاعلات مع الجينات ~~الأخرى، ويستوعبوا كيف يمكن للجينات أن تؤثر في طرائق تفاعلنا معها؛ ومن ثم كيف ~~تشكلها بيئاتنا، وكيف تضطلع العوامل «التخليقية ~~المتعاقبة» # epigenetic # بدور جوهري في نشأة مختلف السمات وشتى الأمراض. ولو أنهم ~~علموا مبلغ تعقد العلاقات بين الجينات ومآلاتها؛ لاستجابوا للتقارير الجينية ~~استجابة صحيحة ووضعوا أمرها في نصابه، واستردوا اهتمامهم بدور البيئة في تشكيل ~~السلوك، وأدركوا صدارة الإرادة الفردية والاختيار الحر. # ويبدو أن فترة المراهقة هي أنسب المراحل العمرية للتحولات المعرفية والوجدانية ~~الكبرى في حياة الإنسان؛ ومن ثم تبدو التدخلات التعليمية لحلحلة الماهوية ~~السيكولوجية الراسخة ملائمة جدا أثناء فصول العلم في المدرسة المتوسطة والعليا. في ~~هذه السن لا يبدي المراهقون ماهوية سيكولوجية قوية كالتي يبديها الأطفال الأصغر، ~~ولا يكون أوان الحتمية الجينية للبالغين قد جاء بعد. # يستمد الناس معلوماتهم عن الجينات من وسائل الإعلام، والإعلام بغريزته يميل إلى ~~الفرقعة والمبالغة والإثارة، ولا يقدم إلا تبسيطات مخلة تومئ إلى تفسيرات جينية ~~قوية للظواهر تتجاوب مع حدوس الناس المشربة بالماهوية، وبذلك تنشأ حلقة موبقة من ~~التدعيم والتحريف يصعب الفكاك منها. ومن شأن التحيز الماهوي أن يدعم «التنميط» # stereotyping # و«التمييز» # discrimination # بشتى تجلياتهما: العنصرية والجندرية والجنسية ... إلخ. وهكذا ~~تسهم نزعة الماهية في تخليد هذه التحيزات، وتضع عوائق في طريق التقدم العلمي والخلقي ~~للجنس البشري. # وقد كانت «اليوجينيا» (علم تحسين النسل) # eugenics # سليلة شرعية للماهوية الجينية أضلت كثيرا من الناس في النصف الأول من القرن ~~العشرين، ودفعتهم إلى ارتكاب أفعال شائنة وتبرير إجراءات فظة، وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا ويسعون إلى تحسين الجنس البشري. ~~(7) الماهوية اللغوية # من آثام الماهوية التي لا تغتفر أنها عطلت الفهم البشري قرونا ms006 طويلة عن فهم ~~طبيعة اللغة ومنشئها، وما استتبعه ذلك من نتائج بعيدة الأثر ثقيلة الوطأة. وقد كان تأخر ~~ظهور فرديناند دي سوسير (1857-1913م) في اللغويات مزريا كتأخر ظهور دارون في ~~البيولوجيا. # وقد بلغت عواقب الماهوية في حالة اللغة العربية حدا لم تبلغه في أية لغة من اللغات، ~~وكانت وراء ما نعانيه اليوم من ازدواجية لغوية حقيقية (فصحى/محكية) وجمود إبداعي ~~مقيم وعقدة نقص غائرة. # من شأن نزعة الماهية أن تحمل العقل على أن يتصور اللغة كيانا أزليا ثابتا مكتملا ~~نشأ بتدبير مدبر وفعل فاعل، وأن تجعل تصور اللغة كظاهرة «انبثاقية» # emergent # تنجم عفويا من عملية الاجتماع، تجعله ~~أمرا يند عن الإدراك ويستعصي على الفهم. ومن شأنها أن تجعله يتوهم وجود «مناسبة» ~~بين اللفظ والمعنى، أو رابطة طبيعية منطقية بين الأصوات ومدلولاتها. # مثل ذلك الماهوي لن يسعه في دراسة اللغة سوى أن يتخذ منهجا «معياريا»، وأن يميل ~~إلى المحافظة على «الحالة» اللغوية ومنعها من التحول والتغير، وفرض قواعدها الموروثة ~~بكل حزم وصرامة. لقد أملى عليه «مذهبه» في منشأ اللغة «منهجه» في دراستها، وخلق منه ~~شرطيا لغويا جافيا، وإرهابيا نحويا فظا، يحفظ الوضع القائم ويحارب كل ~~تجديد ويسميه «خطأ» ينبغي رده إلى الصواب؛ أي إلى القديم. # يعمه الماهوي عن ظاهرة أساسية في اللغة هي «التغير اللغوي» # language change ~~. اللغة كيان متغير، كيان سائل. التغير - إن شئت ~~الدقة - ليس من «خواص» # properties # اللغة بل من ~~«أنطولوجيا» اللغة. التغير ليس «محمولا» # predicate # للغة، بل «كيفية وجود» أو «أسلوب كينونة». اللغة - بحكم ~~طبيعتها ذاتها # ipso facto ~~- متغيرة؛ وذلك لأسباب كثيرة أهمها الطابع «المحايث» ~~للبنية ذاتها؛ أي الميول الباطنة في صميم البنية اللغوية والمسئولة عما يعرض لها من ~~تغيرات. # لم يدرك قدامى اللغويين هذا الجانب الأساسي من أنطولوجيا اللغة: التغير، وكانوا في ~~عمه # agnosia # عنه. لقد اعتبروا كل تغير خطأ، ~~وتوفروا على رصد الخطأ ومطاردته (بدلا من أن يقوموا بعملهم الحقيقي ويقننوا التغير!) ~~ودبجوا في ذلك أسفارا ومجلدات. # لم يدرس قدامى اللغويين التغير؛ لأنهم اعتبروه «لحنا» فدرسوا ms007 اللحن. ~~«كان يجب على قدامى النحاة بعد الفراغ من دراستهم لتلك المرحلة (الفترة من منتصف ~~القرن الثاني قبل الهجرة إلى منتصف أو نهاية القرن الثاني الهجري) ألا يدوروا حول ~~أنفسهم فيها، وإنما يدرسوا ويوصوا بمتابعة الدراسات المتعاقبة ويتتبعوا الظواهر ~~المتغيرة في كل أوضاعها على مر العصور وفي مختلف البيئات ... فلو أنهم رصدوا حركات ~~التطور لأفادوا اللغة التي حاولوا المحافظة عليها، بالإضافة إلى أنهم كانوا ربما اهتدوا ~~إلى معرفة قوانين التطور وإلى تسخيرها لمصلحة اللغة (غير واقفين في وجه سننها) ... ~~وبذلك يكون علاجهم لها علاجا مبنيا على أسس علمية.» # 4 ~~«وليس من حق الباحث في اللغة أن يفترض فيها التوقف عند فترة معينة أو جيل خاص أو عدة ~~أجيال، فيجمد الدراسة ويترك عمله الحقيقي في ملاحظة اللغة الدائبة التغير، وينصرف ~~إلى تفريعات ومماحكات وعنت ذهني عقيم لا حاجة باللغة إليه، ثم يفرض ما لاحظه عن ~~اللغة في فترة من فتراتها على فترة أخرى أدى إليها تطورها. وهذا عكس لمهمة الدارس من ~~الوصف إلى التحكم، ومن الملاحظة إلى المصادرة.» # 5 # هكذا يتبين لنا أن هواة «قل ولا تقل» ليسوا أكثر من نفر لم يكملوا تعليمهم اللغوي؛ ~~لأنهم لم يدرسوا «التغير اللغوي» بما هو تغير لغوي لا بما هو لحن ... بما هو صواب لا ~~بما هو خطأ. # لقد توقف النحاة في تقعيداتهم عند زمن معين لا يتجاوزونه، بينما اللغة الحقيقية ~~تمضي في سبيلها غير عابئة بهم، توقفت القواعد بينما العرف اللغوي يتغير مع الزمن، ~~فاتسعت الفجوة بينهما وصارت هوة. هكذا انشطرت لغتنا إلى لغتين بينهما ثأر وخصام ~~ولدد: المحكية والفصحى. وهكذا تجمدت الدماء في عروق الفصحى وتخلفت عن ركب اللغات، ~~فصرنا ندرس العلم بلغة أجنبية، ونتنفج بلغة الغير وقد غرقنا في الدونية إلى ~~الأذقان. # هذا ما فعلت بنا الماهوية: لقد قتلت العربية وغربتها: غربة الزمان لا المكان، ~~وجعلتها لغة أجنبية يتجافى عنها اللسان وتمجها السليقة. ~~(8) في فهم الأمراض النفسية وتقسيماتها # كان لنزعة الماهية أثر سلبي على فهمنا للأمراض النفسية وطريقتنا في تقسيمها؛ فرغم ms008 ~~أن الفئات التشخيصية في الطب النفسي هي مجرد تصورات تنظم الخبرة الإكلينيكية وترشد ~~القرارات العلاجية، فما يكاد يعم استخدام مفهوم تشخيصي - كالفصام ... إلخ - حتى ~~تتناوله النزعة الماهوية بداخلنا بالتشييء # reification # وكأنه كيان واقعي حقيقي أو «ماهية» محددة تقبع وراء أعراض المريض وتفسرها. ورغم أن ~~واضعي الدليل التشخيصي والإحصائي حريصون على الإشارة إلى أن كل فئة تشخيصية ليست كيانا ~~مسيجا منفصلا عن غيره من الفئات وعن السواء # normality ~~، فإن مجرد إدراج التصور التشخيصي في دليل نوزولوجي رسمي، ~~وتزويده بتعريف مركب دقيق يحفز نزعتنا الماهوية الصميمة، ويحملنا على هذا التشييء ~~الماكر. # يبدو أن تفاوت الأعراض الطبنفسية هو شيء متصل، ولا يتكتل في تجمعات ذات تخوم حادة، ~~وأن معظم الفئات التشخيصية هي مجرد مواضع اعتسافية في فضاء متعدد الأبعاد. على أن ~~«العقل المتقطع» (بتعبير ر. دوكنز) لا يعي ذلك، ولا يفكر إلا بلغة قاطيغورية (لغة ~~الفئات التصنيفية المنفصلة)، ولا يختزن معرفته الإكلينيكية إلا بهذا الفورمات. يشكل هذا ~~«عائقا طبيعيا» لتقدم الطب النفسي وتقدم البحث العلمي في هذا المجال. # هب أنك تقدم لقطاع البحث العلمي عينات من الحالات المرضية تمثل فئات تشخيصية ~~معينة، اجتزئت وفقا لهذا التوجه الذهني الماهوي، وطلبت منه أن يستكشف لك تلك ~~الماهية القابعة وراء الأعراض: الخلل الجيني على سبيل المثال. إنك لا تجني من الشوك ~~عنبا، ولا من الوهم واقعا؛ لذا تسفر الأبحاث الجينية لعيناتك عن «خلل جيني ~~غير محدد # non-specific ~~». وكذلك الحال في بقية ضروب ~~السببيات. # لقد طالما سلم القائمون على الطب النفسي وعلم النفس بأن هدف أي نسق نوزولوجي ~~(متعلق بتقسيم الأمراض) هو «تقطيع الطبيعة من مفاصلها». يتضمن ذلك أن ثمة مفصلا وأن ~~المرء لا ينشر في العظم. ولكن إذا لم يكن ثمة حدود طبيعية بين الزملات النوزولوجية، ~~فمن يدرينا - حقا - أننا لا ننشر في العظم؟ # إن من الخطأ أن نفهم الزملات الطبنفسية على أنها فئات تصنيفية محددة بحدود ولها شروط ~~داخلية ضرورية وكافية لتشخيصها؛ فهذه طريقة غير صائبة في النظر إلى أي شيء؛ لأنها ~~تصادر بأننا ننظر ms009 إليه كما بعين إله، وبأن هناك وصفا دقيقا واحدا لما يكونه هذا ~~الشيء في الواقع، بمعزل عن الطريقة التي نتصوره بها. وعلى الأطباء النفسيين أن ~~يكفوا عن مثل هذه النظرة، سواء تبنوا النموذج الطبي أو النموذج السيكومتري (الخاص ~~بالقياس النفسي). إنما تتخذ الاضطرابات الطبنفسية متصلا # continuum # من «الأنواع العملية»، وأفضل طريقة لتصورها هي الطريقة ~~البراجماتية. ~~(9) الوجودية # الوجودية نقيض الماهوية وضدها المميز. ~~*** # لقد كانت الفلسفات الكبرى في التاريخ فلسفة ماهيات ، تقول بأن للإنسان طبيعة سابقة ~~على وجوده تطبعه بطابعها وتقولبه بقالبها، شأنه في ذلك شأن غيره من الكائنات: إن فكرة ~~التمثال في خيال المثال تسبق عملية نحت التمثال، وتصميم المبنى في مخطط المهندس يسبق ~~بناءه، وطبيعة الشجرة تسبق «وجودها ~~بالفعل» # actual being # وتكمن في بذرتها الصغيرة وتوجد فيها «وجودا بالقوة» # potential being ~~، والإنسان الفرد ما هو إلا ~~نسخة جزئية لنموذج سابق هو الطبيعة الإنسانية العمومية. الماهية إذن - وفقا لهذه ~~الفلسفات - سابقة على الوجود (على تفاوت معنى السبق). # وتأتي الوجودية لتعكس الآية وتقول: بل الوجود هو السابق على الماهية. إنما يوجد ~~الإنسان أولا غير محدد بصفة، ثم يجبل هويته بنفسه، ويبتكر أسلوبه في الوجود، ~~ويختار ما يريد أن يكونه. إن عليه أن يحمل عبء حريته، شاء ذلك أم أبى؛ فهو «موجود لذاته» # pour soi ~~، موجود حر واع بذاته، وليس ~~«موجودا في ذاته» # en soi # وجود العجماوات ~~والجمادات الغارقة في سبات الضرورة وسكينتها. إنه مشروع يظل قيد التحقق على الدوام ولا ~~يكتمل إلا بالموت. # يطبق الشعور بالحرية على الإنسان فيغمره بالقلق، ويبهظه بالمسئولية (القلق دوار ~~الحرية). فينزغ له ما يسميه سارتر # mauvais foi ~~، وهو ~~لون من خداع النفس يزين له العبودية والاستسلام، والتخلص من عبء الحرية باعتباره ~~مسيرا غير مخير، وضحية قوى بيولوجية وتاريخية واجتماعية حتمية قاهرة ليس له ~~بها يد، وكأنه مجرد «شيء» من الأشياء أو «موضوع» من الموضوعات. # لا جدوى رغم ذلك من محاولة الهروب من الحرية؛ فالإنسان «محكوم عليه بالحرية»، ~~يمارسها بواسطة اختيارات عليه أن يجترحها كل لحظة؛ فالاختيار محتوم، ms010 وحتى عدم ~~الاختيار هو نوع من الاختيار أو هو اختيار مقنع. # كادت الحرية عند سارتر أن تكون ماهية الإنسان، وكاد سارتر من ثم أن يكون ~~ماهويا. # لا فكاك من الحرية ... لقد قذف بالإنسان قذفا في هذا العالم ورمي ~~بحريته. # الحرية هي «الأمانة» التي قدر على الإنسان أن يحملها، فإذا هو كائن مخير ~~مريد تقف القوانين السببية عنده مستأذنة، وتتحدد مصائره بيقين الحتمية مضروبا في «لا ~~يقين» الحرية. إنه المخلوق الخالق الذي يوجد خارج واقعه وخارج ماهيته. إنه الكائن الذي ~~يدخل «الوعي» في نسيج العالم، ويجلب «القيمة» إلى باحة الخليقة، ويسبغ «المعنى» ~~على صمت الكون، ويفرز «عدما» من حوله في قلب الوجود الشيئي المكتمل. إنه الدودة في ~~التفاحة ... أرق في سبات الضرورة، صدع بين «الأشياء»، مملكة داخل المملكة. ~~(10) ابن نفسه! # من الناس من يترك غيره يعبث بعمره ويجبله على هواه، # ويسكه طبعة من قالب مسبق، # طبعة تحمل بلادة القالب وصفاقة الحجر، # وجوده تكرار ... عدم مكثف، # الكون يرمقه بسأم وملال: # حياته نسخة مكرورة، ما أبشعها وإن حسنت! ~~... ... ... ... ... # ومن الناس من يأبى إلا أن يجعل من عمره تجربة كبرى، # ابن نفسه يغمدها في كل أفق جديد وطريق بكر، # الكون يرمقه بغبطة واختلاج ودهش وتشوف: # حياته قطعة من خلقه، ما أجملها وإن ساءت! # عادل مصطفى # الكويت في 28 / 12 / 2015م # الفصل الأول # | وهم الثوابت أو «النزعة الماهية» # مدخل عام # ثمة خطأ نقع فيه جميعا مرارا وتكرارا، وسنظل نرتكبه حتى لو أدركنا أننا نفعل ~~ذلك. # ذلك أنه خطأ معرفي مفيد يتبطن الإدراك في معظمه، وأنه خطأ ضروري لنا ضرورة الماء ~~والهواء. ونحن إذا كنا نعمد هنا إلى تسميته وتشريحه، فلكي نكتسب استبصارا بحدود إدراكنا ~~البشري وبكيفية عمله. إنه خطأ محتوم لأنه مبيت في صميم جهازنا الإدراكي نفسه. # يطلق على هذا الخطأ اسم «نزعة الماهية» أو «مذهب الماهية» أو «الماهوية» # essentialism ~~، وهو الرأي القائل بأن لكل صنف معين من ~~الكيانات (الكائنات) # entities # مجموعة من الخواص لا بد لكل ~~فرد من أفراد هذا الصنف أن يمتلكها كيما ms011 يندرج تحت هذا الصنف (لكي يكون ذلك الصنف من ~~الأشياء). يطلق على هذه الخواص اسم «الخواص ~~الجوهرية أو الماهوية» # essential properties # كمقابل لل «الخواص العرضية» # accidental properties # التي قد يتصف بها الشيء ~~أو لا يتصف ولكنها غير داخلة في ماهيته ولا هو محتم عليه أن يتصف بها لكي يندرج تحت ~~هذا الصنف الذي يندرج تحته. # 1 # إن جرثومة الماهوية قابعة في بيولوجية الإدراك نفسه. ويبدو أن الكائن الإنساني محكوم ~~عليه بنزعة الماهية، ومقدر عليه أن يقارب الفهم الكامل للواقع دون أن يصل إليه أبدا. ~~ثمة استثناءات لهذا الوضع، كالرياضيات مثلا، سنعرض لها وشيكا. وعلى المفكر الحصيف أن يعي ~~جيدا كل هذا، وأن يعي هل هو بإزاء القاعدة (استحالة الوصول إلى الفهم الكامل للواقع) أم ~~بإزاء الاستثناء. وإن غياب هذا الوعي لمن أهم الأسباب التي تجعل العقل المحض عرضة لأن ~~يجر استنتاجاتنا في اتجاهات عشوائية وخاطئة تماما. # تتعامل أدمغتنا مع رموز # symbols ~~. يتناول الدماغ ~~تمثيلات الواقع ويستخدم هذه التناولات الافتراضية (الخائلية) لكي يقود سلوكنا. وقد ضرب ~~باول بلوم لذلك المثال التالي: حين أشعر بالعطش فإنني آخذ كوبا وأملؤه من الصنبور؛ ذلك ~~أنني أعرف لأي غرض جعلت الأكواب والصنابير. يتطلب هذا تفكيرا رمزيا، حيث «كوب» ~~و«صنبور» رمزان يمكن لدماغي تناولهما، ويجيء كل منهما مرتبطا بالمعلومات الخاصة بما ~~يعرفه؛ فالكوب هو أداة تجعل الشرب أيسر، والصنبور هو جهاز لجلب الماء ... إلخ. هذا ~~الوصف نظري بالتأكيد؛ غير أن هناك العديد من العلماء الثقات الذين يأخذون بهذا الرأي، ~~منهم جاري ماركوس في مقاله الهام «كيف يعمل الدماغ؟ استبصارات من البيولوجيا». # 2 # ثمة طريقة لوصف فكرة الرموز تأتينا من المنطق/الرياضيات في شكل «فئات التكافؤ» # equivalence classes ~~. فئات التكافؤ هي ~~عناوين/بطاقات يمكن استخدامها كأوصاف اختزالية لمجموعة معطاة من الصفات (الكوب - مثلا - ~~هو كوب إذا كان من الممكن استخدامه لتيسير الشرب بالطريقة الفلانية). فئات التكافؤ أدوات ~~معرفية قوية للغاية؛ لأنها تسمح باطراح كل التفاصيل التافهة وحصر الانتباه فيما هو ذو ~~صلة. فئات التكافؤ إذن هي لبنات البناء لجميع ms012 النماذج. والنماذج # models # بمختلف ضروبها أمر ضروري لللإدراك والتفكير والتواصل. ~~(1) مغالطة نزعة الماهية # المشكلة هي أن فئات التكافؤ جد مسعفة (ولا يمكن تفاديها؛ إذ إن كل ما يسع المرء أن ~~يعمله هو أن يتناول رموزا لا أن يتناول الأشياء الحقيقية)، بحيث إنها ما إن تطبق ~~على شيء من الأشياء حتى يكون من السهل أن ننسى أن الرمز ليس هو الشيء الحقيقي ~~(الواقعي). # العقل يتعامل مع رموز وليس مع الأشياء؛ ومن ثم فإن الواقع - بمعنى ما وإلى حد ~~ما - غير قابل للمعرفة! نحن ننسى أن نتعامل مع «فئات تكافؤ»؛ ومن ثم نبيع الدقة في ~~مقابل السهولة ... في مقابل التبسيطات المفيدة. # يستخدم العلماء فئات التكافؤ لكي يشيدوا نماذج مفيدة؛ غير أنهم عندئذ ينجرفون ~~بعيدا، ويشرعون مثلا في الظن بأن النمور تتسم ب «نمرية» ما مطلقة وموضوعية، ~~بينما «النمرية» لا وجود لها في الحقيقة، ولا تعدو أن تكون النتاج المباشر للطريقة ~~التي تعمل بها أدمغتنا. # والفلاسفة بدورهم يقعون في نفس الخطأ، بل قد يفعلون ذلك متبعين أفلاطون بطريقة ~~صريحة ومنظمة. إنما يتوجب علينا بدلا من ذلك أن نكون - ونحن ننخرط في عملية فهم الواقع ~~- على دراية بأن «فهم الواقع» هو عملية البحث عن تبسيطات مفيدة (ثم استغلالها فيما ~~بعد). فنحن بالتأكيد لسنا بصدد البحث عما هو أكثر واقعية من أشياء الواقع (كما يشير ~~أفلاطون). # إن الانخداع بمغالطة الماهوية يفضي إلى كل ضروب الخطأ. وبعض هذه الأخطاء قد يفسر لنا ~~أفظع ويلات التاريخ البشري. ~~(2) الذهن المتقطع # يطلق ريتشارد دوكنز على نزعة الماهية «استبداد الذهن ~~المتقطع» # tyranny of discontinuous ~~mind ~~، ويردها إلى أفلاطون ورؤيته المعينة للأشياء التي هي رؤية ~~مهندس إغريقي؛ فالدائرة المرسومة على الرمل هي تقريب للدائرة الأفلاطونية المثالية ~~المعلقة في مكان تجريدي ما. مثل هذا يجوز بالنسبة للأشكال الهندسية كالدوائر؛ غير أن ~~الماهوية قد طبقت على الأشياء الحية. ولعل هذا هو ما أفضى إلى التأخر الشديد في ~~اكتشاف التطور فلم تدركه البشرية إلا في القرن التاسع عشر. فإذا كنت تنظر إلى الأرانب ~~الحقيقية ms013 ذات اللحم والدم على أنها تقريبات غير تامة لأرنب أفلاطوني مثالي، فلن يخطر ~~لك أن الأرانب قد تكون تطورات من سلف غير أرانب، وأنها قد تتطور إلى خلف غير أرنب. ~~إذا كنت تفكر متبعا التعريف المعجمي للماهوية أن «ماهية» # essence # الأرنب «سابقة» على وجود الأرانب (أيا ما كان معنى «السبق» ~~هنا) فلن يكون لفكرة التطور أن تقفز طوعا إلى ذهنك، وستقاومها إذا أوحى بها أحد ~~إليك. # سيختلف علماء الحفريات فيما بينهم أشد الاختلاف حول ما إذا كانت حفرية معينة هي ~~مثلا: «أسترالوبيثيكوس» # Australopithecus # أم ~~«هومو» # Homo ~~؛ غير أن أي عالم تطور يعرف أن ثمة ~~بالتأكيد أفرادا كانوا بين الاثنين تماما. إنه لمن الحماقة الماهوية أن تصر على ~~ضرورة حشر حفريتك داخل أحد الأنواع أو الآخر. لم توجد قط أم أسترالوبيثيكوس أنجبت ~~طفلا هومو؛ لأنه ما من طفل ولد إلا وينتمي إلى نفس النوع الذي تنتمي إليه أمه. إن ~~المنظومة بأسرها - منظومة تسمية الأنواع بأسماء متقطعة غير متصلة - هي منظومة مكيفة ~~لشريحة زمنية هي الحاضر، حيث تفرض المواءمة حذف أجداد لنا من مجال درايتنا. إنه ~~ليكون من المستحيل تبني التسمية المتقطعة لو أن كل جد - بفعل معجزة ما - ظل ~~قائما كحفرية محتفظ بها. وما «الفجوات» التي يولع أعداء التطور ولوعا مضللا ~~بالدفع بها لإحراج التطوريين إلا نعمة تصادفية للمصنفين الذين يريدون بحق أن يعطوا ~~الأنواع أسماء منفصلة منمازة. # 3 # وإن الخلاف حول ما إذا كانت حفرية معينة هي حقا لأسترالوبيثيكوس أم لهومو ~~هي أشبه بالخلاف حول ما إذا كان جورج يجب أن يسمى «طويلا» أم لا. إن طوله خمسة ~~أقدام وعشر بوصات؛ أليس ينبئك هذا بما تحتاج إلى معرفته؟ # وتشرئب الماهوية برأسها القبيح في المصطلح العرقي. إن معظم «الأفريقيين الأمريكيين» ~~عرق مختلط. إلا أن رسوخ التوجه الذهني الماهوي يلزم كل واحد منا أن يؤشر في ~~النماذج الرسمية الأمريكية بعلامة في أحد مربعات العرق، فإما هذا وإما ذاك وإما ~~ذلك ... ولا مكان للبينيات. وثمة نقطة أخرى ولكنها أيضا خبيثة: هي أن الشخص ms014 سوف يدعى ~~«أفريقيا أمريكيا» حتى لو كان واحد فقط من جدوده الأعلين ينحدر من أصل أفريقي. ~~إنني أريد فحسب أن ألفت الانتباه إلى تصميم مجتمعنا، تصميما ماهويا، على أن يخضع ~~كل شخص لفئة منفصلة أو أخرى. يبدو أننا غير مؤهلين ذهنيا للتعامل مع طيف متصل ~~من البينيات. يبدو أننا لا نزال موبوئين بماهوية أفلاطون. # ونفس الوباء قد طال المجادلات الأخلاقية حول الإجهاض والقتل الرحيم # euthanasia ~~؛ فعند أية نقطة يعد «ميتا» ذلك المصاب بحادث أدى إلى ~~موت دماغه؟ وعند أية لحظة أثناء النمو يصبح الجنين «شخصا»؟ إن الجنين لينمو تدريجيا ~~من زيجوت وحيد الخلية إلى طفل حديث الولادة، وليس ثمة نقطة بعينها إذا بلغها يعد ~~«شخصا». ينقسم العالم إلى أولئك الذين يعون هذه الحقيقة وأولئك الذين يتذمرون ~~منها. قد يقول قائل: «ولكن لا بد أن تكون ثمة لحظة ما يصبح الجنين عندها شخصا.» ~~والجواب: كلا. لا وجود في الحقيقة لمثل هذه اللحظة، مثلما أنه لا وجود ليوم بعينه يصبح ~~فيه الشخص الكهل شيخا. ولعل من الأفضل (وإن لم يكن مثاليا بعد) أن تقول: إن الجنين ~~يمر بمراحل كونه ربع إنسان، نصف إنسان، ثلاثة أرباع إنسان ... يجفل الذهن الماهوي من ~~مثل هذه اللغة ويتهمني بكل ضروب الفظائع لإنكاري «ماهية» البشرية. # والتطور أيضا تدريجي شأنه شأن نمو الجنين. فكل فرد من أسلافنا، رجعا إلى الجذر ~~العام الذي نشترك فيه مع الشمبانزي، وما وراءه، ينتمي إلى نفس النوع الذي ينتمي إليه ~~أبواه وأطفاله. وكذلك الشأن بالنسبة لأسلاف أحد الشمبانزي، رجعا إلى نفس الحد الأعلى ~~المشترك. نحن نتصل بالشمبانزيات الحديثة بواسطة سلسلة على شكل # V # من الأفراد الذين عاشوا يوما ما وتنفسوا ~~وتكاثروا، كل وصلة في السلسلة هي عضو في نفس النوع الذي ينتمي له جيرانه في السلسلة، ~~مهما حاول المصنفون أن يقسموهم عند نقاط مريحة ويقحموا عليهم عناوين متقطعة. ولو ~~أن كل الأفراد البينية رجعا إلى تفريعات ال # V # من ~~الجد المشترك، لو أنه تصادف لهم البقاء، لاضطر الأخلاقيون إلى التخلي عن عادتهم ~~الماهوية ms015 في وضع «النوع» البشري على نصب مقدس منفصلا كليا عن جميع الأنواع ~~الأخرى. ولن يعود الإجهاض أكثر اغتيالا من قتل شمبانزي، أو بنفس القياس، من قتل أي ~~حيوان. الحق أن الجنين البشري المبكر - وهو بدون جهاز عصبي ومجرد فيما يفترض من الألم ~~والخوف - لا يستحق حماية أخلاقية أكثر مما يستحقها خنزير بالغ من الواضح أنه مؤهل ~~جيدا للمعاناة. إن دافعنا الملح تجاه تعريفات صلبة لكلمة «بشري» (في مطارحات الإجهاض ~~وحقوق الحيوان)، وكلمة «حي» (في مطارحات القتل الرحيم وقرارات إنهاء الحياة) ليس لها ~~معنى في ضوء التطور وغيره من الظواهر التدريجية. # ونحن نعرف «خط» الفقر، فأنت إما فوقه وإما تحته؛ غير أن الفقر «متصل» # continuum # فلم لا تعبر عن مدى فقرك الفعلي ~~بالمعادلات الدولارية؟ # بوسعك بالتأكيد أن تذكر العديد من الأمثلة الأخرى على «إثم أفلاطون» # the dead hand of Plato ~~؛ أعني ~~«الماهوية». إنها مشوشة علميا وخبيثة أخلاقيا ويتعين أن تحال إلى التقاعد. ~~(3) مفارقة الكومة # sorites paradox # مفارقة الكومات هو الاسم الذي أعطي لفئة من الحجج المفارقة (تعرف أيضا ب ~~«حجج شيئا فشيئا» # little-by-little arguments ~~) ~~التي تنشأ كنتيجة لعدم التحديد الذي يكتنف الحدود التي تنطبق عندها «المحمولات» # predicates ~~. مثال ذلك أن مفهوم الكومة يفتقر إلى ~~حدود حادة. إن «ماصدقات» # extensions # المحمول «يكون ~~كومة» غير محددة؛ ومن ثم فليس ثمة حبة قمح واحدة يمكن أن تصنع الفارق بين ما هو كومة ~~وما ليس كومة. وما دامت حبة قمح واحدة لا تصنع كومة فيبدو كنتيجة أن حبتين لا تصنعان ~~كومة، وأن ثلاث حبات بالتالي لا تصنع كومة ... إلخ. يبدو في النهاية أن ليس ثمة قدر من ~~القمح يمكن أن يصنع كومة، ونحن بإزاء «مفارقة» إذ نصل من مقدمات ظاهرة الصدق - ومن خلال ~~استدلال صحيح بغير خلاف - إلى نتيجة ظاهرة الكذب. # تسمى هذه الظاهرة القابعة في القلب من المفارقة ب «الغموض» # vagueness ~~. والغموض ليس وقفا على «المحمولات»؛ فقد يوجد الغموض في ~~عناصر سياقية غير «المحمول»؛ فالأسماء والصفات والظروف ... إلخ كلها عرضة لمفارقة الكومة ~~بمعنى أو ms016 بآخر. # وتأتي كلمة # sorites # من اللفظ اليوناني # soros # ويعني «كومة». وكانت تشير في الأصل لا إلى ~~مفارقة، بل إلى لغز (أحجية) # puzzle # تعرف ب «أحجية ~~الكومة»: هل لك أن تصف حبة قمح واحدة بأنها كومة؟ لا. تصف حبتين بأنهما كومة؟ لا ... إن ~~عليك أن تعترف بوجود كومة إن عاجلا أو آجلا؛ إذن أين تمد الخط؟ # كانت هذه واحدة من سلسلة أحاجي تنسب إلى يوبوليديس الملطي المنطقي الميجاري (والبعض ~~يقتفي أصلها إلى زينون الإيلي). تتضمن الأحاجي أيضا أحجية الكذاب: (رجل يقول إنه كاذب؛ ~~هل ما يقوله صادق أم كاذب؟) وأحجية الأقرع: (هل تصف رجلا ذا شعرة واحدة في رأسه بأنه ~~أقرع؟ نعم. فهل تصف رجلا ذا شعرتين بالقرع؟ نعم ... إذن عليك ألا تصف رجلا لديه عشرة ~~آلاف شعرة في رأسه بأنه أقرع؛ إذن أين عساك تمد الخط؟ # هذه الأحاجي القديمة يكثر وصفها الآن بأنها «مفارقات» # paradoxes ~~. ورغم أن هذه الأحاجي يمكن تقديمها بطريقة غير صورية ~~كسلسلة من الأسئلة التي تضفي عليها طبيعتها الملغزة قوة ديالكتيكية، فإن بالإمكان ~~تقديمها كحجة صورية ذات بنية منطقية. # الصورة التالية لحجة الكومة كانت شائعة: # حبة قمح واحدة لا تصنع كومة. # إذا كانت حبة قمح واحدة لا تصنع كومة؛ إذن حبتا قمح لا تصنعان كومة. # إذا كانت حبتا قمح لا تصنعان كومة؛ إذن ثلاثة حبات لا تصنع كومة. ~~... # إذا كانت 9,999 حبة لا تصنع كومة؛ إذن 10,000 لا تصنع كومة/10,000 حبة قمح لا ~~تصنع كومة. # إن فرق حبة واحدة هو - فيما يبدو - من الضآلة بحيث لا يصنع أي فارق في تطبيق المحمول. ~~إنه فارق همل لا يصنع فارقا ظاهرا لقيم الصدق الخاصة بالمقدمات والتوالي ~~المتعاقبة. # غير أن النتيجة ظاهرة الكذب. هكذا واجهت المفارقة الرواقيين مثلما واجهت المنطقي ~~الكلاسيكي الحديث. كما أن مثل هذه المفارقات ليست ألغازا منعزلة، فمن الممكن التعبير ~~بهذه الطريقة عن مفارقات كومة لا حصر لها. بإمكان المرء على سبيل المثال أن يطرح أحجية ~~«الرجل الأقرع» بهذه الطريقة، فما دام رجل ذو شعرة واحدة في ms017 رأسه هو رجل أقرع، وإذا ~~كان رجل ذو شعرة واحدة أقرع؛ إذن رجل ذو شعرتين هو أقرع. ومرة ثانية إذا كان رجل ذو ~~شعرتين أقرع؛ إذن رجل ذو ثلاث هو أقرع ... وهكذا؛ إذن رجل ذو عشرة آلاف شعرة في رأسه هو ~~أقرع؛ غير أننا نشعر بحق أن مثل هذا الرجل غزير الشعر؛ أي ليس أقرع. ويبدو حقا أن أي ~~محمول غامض يتيح مثل هذه المفارقة: مفارقة الكومة والمحمولات الغامضة موجودة في كل حدب ~~صوب. # ومثلما تمضي مفارقة الكومة والرجل الأقرع بالإضافة، فإن بالإمكان أيضا أن تمضي ~~بالعكس، بالطرح. فإذا كان المرء مهيئا لأن يسلم بأن عشرة آلاف حبة رمل تصنع كومة فإن ~~بإمكانه إذن أن يحاج بأن حبة واحدة تصنع كومة؛ حيث إن إزالة أي حبة رمل واحدة لا يمكن ~~أن تصنع الفارق. وبالمثل إذا كان المرء مهيئا لأن يسلم بأن رجلا ذا عشرة آلاف شعرة في ~~رأسه ليس أقرع، فلن يمكنه إذن أن يحاج بأنه ليس أقرع حتى لو كان ذا شعرة واحدة في رأسه؛ ~~حيث إن إزالة شعرة واحدة من فروة رأسه المشعرة أصلا لا يمكن أن تصنع الفارق. هكذا كان ~~متبينا حتى في العصر القديم أن حجج الكومة تأتي في أزواج، مستخدمة: «ليس كومة» ~~و«كومة»؛ «أقرع» و«مشعر»؛ «فقير» و«غني»؛ «قليل» و«كثير»؛ «صغير» و«كبير»؛ «قصير» ~~و«طويل» ... وهكذا. فلكل حجة تمضي بالإضافة هناك حجة أخرى معكوسة تمضي بالطرح. # ومن عجب أن المفارقة لم تنل - فيما يبدو - اهتماما لاحقا يذكر حتى أواخر القرن ~~التاسع عشر، فنجد من المدرسة الهيجلية الجديدة فلاسفة ماركسيين مثل بليخانوف يذكر ~~المفارقة كدليل على فشل المنطق «المعتاد» وعلى أفضلية «منطق التناقض». هكذا حاول بعض ~~المنظرين الماركسيين تأسيس انتصار الديالكتيك. وفي نفس الوقت أخذ المنطق الصوري في ~~الفلسفة الأنجلو أمريكية مرة ثانية دورا محوريا، وفي صورته الكلاسيكية برزت لفريجه ~~ورسل مشكلات في تناول ظاهرة «الغموض». وقد أقرا بأن ظاهرة الغموض ومفارقة الكومة ~~المرتبطة بها هما أشياء خارج مجال المنطق؛ ومن ثم لا يشكلان تحديا له. ومنذ زوال ms018 ~~مذهبي اللغة المثالية عند رسل وفريجه في النصف الثاني من القرن العشرين زاد الاهتمام ~~بأوهام اللغة العادية (وبخاصة مفارقة الكومة) زيادة عظيمة. ~~(4) عود إلى «الذهن المتقطع» # متى تبدأ الحياة إذن ومتى تنتهي؟ للوهلة الأولى يبدو الأمر واضحا؛ فنحن في ظروف ~~الحياة اليومية لا نجد مشكلة في تقرير ما إذا كان شخص ما «ميتا» أم «حيا»، ولكن ~~المشكلة هي أن «الحياة» (شأنها شأن جميع «فئات ~~التكافؤ» # equivalence classes # التي توجد لأنها تبسيطات نافعة غاية النفع) ليست «ماهية»؛ ~~فحدودها غائمة ضبابية لا يمكن تحديدها بدقة. هب أنني انتزعت من رأسي شعرة؛ ثمة ~~احتمال بأن تكون هذه الشعرة محتفظة ببصيلتها، وهذه البصيلة مكونة من خلايا حية؛ ومن ~~ثم فإن بوسعنا أن نستنتج أن البصيلة حية. ولكن هل هي كذلك حقا ؟ إن هذه الخلايا سوف ~~تموت بالتأكيد وهي خارج جسمي ولن تكون لها فرصة ل «الحياة» بمعزل. # ودمي أيضا مليء بالخلايا الحية، ولكن من ذا الذي يعتبر قطرة من الدم شيئا حيا؟ ~~وماذا عن الخلايا المزروعة في صحفة بتري Petri dish # بالمختبر؟ هي بكل تأكيد حية، ولكن ما الفرق بالضبط بينها وبين قطرة الدم؟ لا فرق؛ فمن ~~قال: إنه من غير الممكن بالضرورة حفظ الخلايا البيضاء - في قطرة دم - حية في صحفة ~~بتري؟ # إن الأمثلة السابقة تافهة وقد استعنت بها خصيصا خشية أن تشوش أطروحتي متضمنات ~~أخلاقية. الفكرة الأساسية هي أننا ما إن نشرع في النظر إلى المنطقة التي تبدأ فيها ~~الحياة وتنتهي حتى نراع لعدم وجود خطوط فاصلة محددة؛ ومن ثم لا يمكننا عزل الحياة ~~وتعريفها بأي طريقة موضوعية. إن مفهوم «الحياة» يصبح بلا معنى عندما تطلب تعريفا ~~موضوعيا. ولا يتحلى بالمعنى إلا إذا تقبل المرء (أو بالأحرى أغفل) استحالة التعريف ~~الدقيق. # هكذا تجد المغالطة الماهوية أرضا خصبة لتبدي كل خبثها. يغفل معظم الناس استحالة ~~تعريف الحياة ويمضون في استخدام المفهوم حتى حيث يكون مريبا حقا؛ أي عند بداية حدود ~~الحياة ونهايتها. يفضي ذلك إلى أخطاء وفظائع وأباطيل، حيث باسم الحياة قد نطيل ms019 عذاب ~~أجسام شبه ميتة (بما يكافئ تماما في بعض الحالات «إنقاذ» قطرة دم باستنباتها في صحفة ~~بتري)، أو نقرر اعتباطيا أن زيجوتا ما هو «شخص» مسبغين على خلية فردة أهمية لا ~~تتناسب معها، متناسين في الأغلب ذلك الشخص التام التكوين الذي يحملها. # هذه الحالات الأخيرة - كما ترى - ليست موضوعات فلسفية تافهة تليق بالأرائك الوثيرة، ~~إنها موضوعات حقيقية تهمنا جميعا، ولكن ما زال موقفنا العام تجاهها هو أننا نقاربها ~~بألفاظ ماهوية، حتى إذا بات واضحا للجميع أن ذلك ليس خطأ تصوريا فحسب، بل خطرا ~~أيضا وخسرانا مبينا. # إذا كنت غير مقتنع بعد فانظر إلى العرق: نحن نشير إلى الناس على أنهم قوقازيون، ~~سود، سمر ... إلخ، وبألف طريقة بناء على مظهرهم الخارجي. ولكن الحقيقة العلمية هي أن من ~~غير الممكن وضع حدود واضحة للعرقية؛ فنحن جميعا «مخلطون» إلى حد ما. بل إننا لنقيم ~~سياساتنا على هذه التصنيفات التي لا أساس لها. قد يكون هناك ما يبرر هذه التصنيفات في ~~بعض الحالات، ولكن المشكلة هي أن معظمنا يكون سعيدا بإغفال حقيقة أن التعريفات القائمة ~~على الإثنية هي من بين أبشع ما يمكن من التبسيطات، وينبغي أن تعامل على أنها كذلك؛ غير ~~أن الكثير من الناس يكون سعيدا إذ يعتقد أن الأعراق شيء تحدده ماهية أو أخرى؛ الأمر ~~الذي يديم (ولا أقول يولد) العنصرية وجميع الفظائع التي تترتب عليها. # وتنطبق نفس المخاطر على أغلب الاعتبارات الأخلاقية؛ فنحن نحكم على الناس وعلى الأحداث ~~بناء على فئات عريضة وغير محددة موضوعيا، ونتخذ من ثم قرارات وكأن هذه الفئات ~~فئات حقيقية. من شأن هذا أن يولد الكثير من الأخطاء المريعة والمؤذية، ونحن كالعادة ~~لا نلحظ ذلك. ما أريد أن أقوله هو أن مغالطة الماهوية ليست فقط عادة فكرية معتمة وغير ~~ذات صلة؛ إنها مصدر بعض من أفدح الأخطاء التي تم ارتكابها على الإطلاق. إنها شائعة في ~~كل مكان، وتؤثر فينا جميعا بمن فينا الأساتذة والعلماء والفلاسفة، بل الأسوأ هو أنها ~~شائعة بين رجال الدين والسياسيين والمواطنين. ~~(5) الاستثناءات ms020 # كل ما قلناه آنفا إنما هو حجة تصورية، هي ذاتها تتناول رموزا، وهي تستحق الاستكشاف؛ ~~لأنها - فيما نرجو - تبسيط مفيد؛ لذا فإن ثمة تنبؤا واضحا: أنها لا يمكن أن تكون ~~حقيقة مطلقة، ولا بد أن هناك استثناءات. أبرز هذه الاستثناءات الرياضيات. ولكن بصفة ~~عامة فإن الأفكار نفسها قد لا تكون عرضة للأخطاء الماهوية، حين يكون موضوع تفكيري ~~مجبولا من فئات التكافؤ مباشرة، حينئذ يتناول الذهن موضوعه مباشرة ولا يتناول مجرد ~~رموز لموضوعه. ومن الجهة النظرية: إذا كنت أفكر حول فئات تكافؤ فإنني أفكر حول النوع ~~الوحيد من البناءات التي لها حقا ماهية. ينتج من ذلك أن المرء حين يفكر حول مفاهيم ~~فإن بوسعه (نظريا على الأقل) أن يؤسس حقائق مطلقة. وهذا يختلف جذريا عن «البحث عن ~~تبسيطات مفيدة». والمثال النموذجي هنا هو الرياضيات: فهي تتعامل حصرا مع مفاهيم مجردة؛ ~~ولذا يمكنها إيجاد الكثير من الحقائق المطلقة. إن 2 + 2 تساوي 4 بلا استثناءات. # والأمر نفسه ينطبق على عملية تقييم نظريات مختلفة ومتنافسة أو منظومات من «التبسيطات ~~المفيدة». إن بوسعي بغير شك أن أستنتج أن فكرة استواء الأرض أقل دقة من تقريب العالم ~~على أنه كروي. إن كلتا الفكرتين خطأ، ولكن الأخيرة أقل خطأ. والشيء نفسه ينطبق على ~~نظرية الخلق ونظرية التطور؛ فلا شك أن نظرية التطور تقريب للعالم أفضل من نظرية ~~الخلق. وبوسعي في كلتا الحالتين أن أدعي أن النتيجة موضوعية؛ لأنها تتعلق بمفاهيم هي ~~نفسها مكونة من فئات تكافؤ. # كذلك الحال بالنسبة للمصنوعات أو المنتجات - الكوب مثلا - إنه من صنع الإنسان، ونتاج ~~تفكير تدفعه فئات التكافؤ. وهو مصنوع بشكل معين ومادة معينة؛ لأن مصممه كانت لديه ~~بالفعل فكرة عما ينبغي أن تكون عليه الأكواب. إن جانبا على الأقل مما تكونه جميع ~~الأكواب هو نتاج تفكير ماهوي. لقد صنع الكوب بقصد مثول نسخة من الفئة التصورية ~~«كوب»؛ ومن ثم فإن بوسع المرء أن يقول بأن للكوب جانبا ماهويا حقا. # هذا حق، ولكن فهم الأشياء الصنعية في حدود ماهياتها (المقصودة) على ms021 وجه الحصر يظل ~~منكرا (أو غير مكترث) لفيزيقيتها الخاصة. والنتيجة النهائية هي أننا بإزاء حافة غائمة ~~أخرى: إن للأشياء المصممة (إلى حد ما وإلى حد متفاوت) ماهية، وهي من ثم أقل ~~تعرضا لمغالطة الماهوية؛ غير أنها تبقى بناءات فيزيقية، ولها بما هي كذلك بعض الصفات ~~أيضا التي لا يمكن وصفها تماما في حدود ماهوية. وكلما ازداد الجانب التصوري للشيء ~~(مثال ذلك العتاد الرخو # software # بل والكتب والرواية ~~أيضا) كان أكثر قابلية للتحليل الماهوي. # وصفوة القول: إنه ينبغي على جميع الجهود الفكرية أن تكون على وعي جيد بالمغالطة ~~الماهوية، وأن تكيف مناهجها ودعاويها وفقا لدرجة انطباق هذه المغالطة على مجالها ~~الخاص؛ ذلك أن إغفالنا لذلك قد يؤدي إلى أخطاء كارثية، وبعض هذه الأخطاء قد أفضى بالفعل ~~إلى أفظع مشاهد التاريخ البشري. ~~(6) نزعة اللامعصومية # fallibilism # يهيب بنا التفكير العلمي أن نتخذ موقفا إبستمولوجيا هو «اللاعصمة» أو ~~«اللامعصومية» # fallibilism ~~(استحالة العصمة من ~~الخطأ). ينسب هذا المذهب أو هذه النزعة إلى الفيلسوف الأمريكي تشارلس بيرس # C. Pierce ~~(1839-1914م)، وتعني أن ليس من الضروري ~~أن تكون الاعتقادات يقينية أو مبنية على اليقين؛ فإن لنا أن نقنع أحيانا باعتقاداتنا ~~في الظروف التي نتشوف فيها إلى دليل جديد يدفعنا إلى مراجعة رأينا؛ غير أنه قد ~~يوافينا في أوانه. وفي الحق أن علينا - ما دام هذا هو حالنا دائما - أن نعتصم بهذه ~~الروح ونتذرع بهذا الموقف وإلا وقعنا في الارتيابية # skepticism ~~. وبذلك يعد هذا الموقف بمثابة «منزلة بين منزلتين»، ~~ويفرغ له مكانا وسطا بين موقفين كلاهما معيب: الموقف الدوجماطيقي الوثوقي من جهة، ~~والموقف الارتيابي الشكي من جهة أخرى. # 4 # وقد اتخذ كارل بوبر # k. Popper ~~(1902-1994م) هذا الموقف الحصيف، وذهب إلى أننا لا يمكننا على الإطلاق أن نبرهن على أن ~~نظرية ما هي نظرية صادقة؛ ذلك أننا لا يمكننا على الإطلاق أن «نعرف»، بمعنى أن نؤسس ~~صدق نظرية ما بشكل نهائي لا يعود بعده أي احتمال بأن نكون مخطئين. إن من المتعذر أن ~~نكون على يقين تام بأننا ms022 قد عثرنا على الحقيقة. إن جميع نظرياتنا هي افتراضات حدسية ~~وتخمينات مفتوحة دوما للاختبار. ولعل بإمكاننا إذاك أن نقول إن بعض الحدوس أفضل من ~~بعض؛ لأنها صمدت للاختبارات أكثر من غيرها. # 5 # قلنا إن التفكير العلمي يحملنا على أن نتخذ اللاعصمة موقفا إبستمولوجيا، فنكون ~~متهيئين لاحتمال أن نبدل بنماذجنا الحالية نماذج أفضل وأقرب إلى الحقيقة. إن مشكلة ~~التصنيفات الماهوية للأشياء (الأنواع ~~الطبيعية # natural kinds ~~) أنها تميل بنا ميلا متحيزا إلى الاعتقاد بأننا اكتشفنا ~~رؤية نهائية لموضوع بحثنا، كما بعين إله، وأننا قد عرفنا البنية الداخلية الثابتة ~~للفئة التصنيفية المعنية، وعرفنا أنها حق في جميع العوالم الممكنة. # ويهيب بنا التفكير العلمي فضلا عن ذلك أن نتخذ موقفا أنطولوجيا ضد التصنيفات ~~الماهوية، فلا نكتفي باجتناب التفكير عن العالم بلغة الماهية الثابتة (الأنواع ~~الطبيعية)، بل أن نعي أن هذه الماهيات الثابتة لا وجود لها. لقد علمنا البحث ~~العلمي في المائة والخمسين سنة الأخيرة أن العالم لا ينتظم ببساطة في ماهيات ثابتة ~~(أنواع طبيعية)، وأن الأشياء ليس لها ماهيات حقيقية. # 6 # وبناء عليه يمكننا أن نخلص من ذلك إلى أن الماهوية هي شيء مستمد من ~~خصوصيات السيكولوجيا البشرية. # الماهيات لا تقبع في العالم، بل في الذهن البشري الذي يدرك العالم. وقد بينت جلمان ~~وكولي وجتفريد (1994م) أن الأطفال تتبنى التحيزات الماهوية بخصوص العالم البيولوجي منذ ~~بلوغهم الرابعة من العمر. أطفال الرابعة أرسطيون بالسليقة يفترضون أن الكائنات الحية ~~لديها ماهيات داخلية، وأن هذه الماهيات هي التي تجعل الكائنات ما هي وتجعلها تسلك مثلما ~~تسلك. ويبدو أن هذا التحيز ينشأ بمعزل إلى حد ما عن التعليمات الوالدية. ويبدو أيضا ~~أنه تحيز مكين يبدأ مبكرا جدا، ويتعمم بسهولة كبيرة بحيث لا تجدي إزاءه أي ~~أدلة مضادة. # 7 # ويذهب إرنست ماير # Earnst Mayr ~~(1988م) إلى أن ~~التحيزات الماهوية ذات أثر ضار؛ لأنها يمكن أن تعيق التقدم العلمي. ويرى ماير من وجهة ~~نظره أن الافتراضات الماهوية عن الأنواع تجعل صعبا على الناس أن تتقبل تفسير دارون ~~لأصل الأنواع. ومن ms023 المحتمل من زاوية فلسفة العلم أن العلماء من كافة فروع البحث يميلون ~~في البداية - شأن كل إنسان آخر - إلى التفكير في موضوعهم على نحو ماهوي؛ غير أنهم - إذ ~~يكتسبون الخبرة في مجالهم المختار - يشرعون في إدراك أن العالم أعقد مما يوحي به ~~النموذج الماهوي للحس المشترك. سل أي عالم فيزياء ما هو «العنصر» # element ~~؟ وسل أي عالم وراثة ما هو «الجين» # gene ~~؟ وسل أي عالم حيوان ما هو «النوع» # species ~~؟ فقد يقدمون لك جوابا ماهويا؛ لأنه الجواب الأيسر في ~~الفهم. ولكنهم سيضيفون أيضا أن ما قالوه لتوهم هو في الحقيقة تبسيط وأن الواقع أعقد ~~من ذلك بكثير. # ويذهب بيتر زاتشار Peter Zachar ~~(2001م) إلى أن ~~التحليل الفلسفي قد يعيننا في فهم العلاقة بين التصنيفات العلمية والتصنيفات الشعبية، ~~أو بين المفاهيم العلمية ومفاهيم الحس المشترك. صحيح أن العلم في الرواية التقليدية ~~مضاد للحس المشترك (مثال ذلك أن المائدة الخشبية «الصلبة» وفقا للحس المشترك هي وفقا ~~لعالم الفيزياء فضاء فارغ تقريبا! فهذا الشيء ليس صلبا في الحقيقة وإنما «يبدو» ~~صلبا فحسب). وصحيح أن بعض المفكرين في الفلسفة قد استخدم أمثلة من هذا القبيل ليعلن أن ~~هناك تمييزا صارما بين المفاهيم العلمية ومفاهيم الحس المشترك؛ غير أن التعارض المؤقت ~~بين مفاهيم علمية معينة ومفاهيم أخرى للحس المشترك لا تثبت أن ثمة تعارضا مستديما ~~بين العلم والحس المشترك؛ ذلك أن مفاهيم الحس المشترك يمكن أن تكون مرنة بعض الشيء، وأن ~~التفكير العلمي يميل إلى أن يندمج مع الوقت في الحس المشترك. مثال ذلك أنه ليبدو اليوم ~~أن الاعتقاد باستواء العالم أو بدوران الشمس حول الأرض هو ضرب من الخرف، إلا أن هذا ~~الاعتقاد كان يوما ما تصورا نموذجيا سائدا من تصورات الحس المشترك. # 8 # على الحس المشترك أن يدمج المفاهيم العلمية في جهازه التصوري ولا يجفل منها، وأن ~~يتعلم شيئا فشيئا أن ينظر إلى الأشياء نظرة مختلفة. لقد بين بعض التطوريين - ~~مثل كوزميديس وتوبي # Cosmides and Tooby ~~(1994م) - أن ~~معمارنا المعرفي # cognitive architecture # الطبيعي ms024 - ~~الذي قد يتضمن التحيز الماهوي - لم يتطور لكي يحل تلك الضروب من المشكلات التي تبزغ في ~~برامج البحث العلمي. إن من الأيسر علينا بكثير أن نتبنى النموذج التصنيفي التقليدي؛ ~~لأنه طبيعي للغاية بالنسبة لنا. أما النموذج اللاماهوي فهو مضاد للحدس. ورغم ذلك فإن ~~تمرسنا بالخبرة العلمية كثيرا ما يتضمن دمج القضايا المضادة للحدس في نموذجنا العامل ~~في تخصصنا العلمي. وإن من الخير للتخصصات العلمية المختلفة أن يقوم أصحابها بإعادة ~~تشكيل افتراضات الحس المشترك لديهم وتصور موضوعات بحثهم على نحو لا ماهوي. # 9 ~~(7) نزعة الماهية عند الأطفال # الماهيات قائمة في العقل لا في العالم، و«نزعة الماهية» تحيز عقلي دائم وشامل ~~يؤثر على عملية التصنيف لدى الإنسان تأثيرا جسيما. إنها متجذرة في أجهزتنا التصورية، ~~تنشأ في سن صغيرة جدا عبر سياقات ثقافية شديدة التنوع. وهي لا تعلم على نحو ~~مباشر، ولا هي ترجع ببساطة إلى قراءة المشعرات الماثلة «هناك» في العالم. ورغم أنها ~~تحيز معرفي (إدراكي) في المقام الأول إلا أنها تتدعم أيضا وتتشكل باللغة. # يعتقد الناس أن فئات تصنيفية معينة # categories # هي ~~«أنواع طبيعية» # natural kinds ~~: إنها حقيقية (غير ~~مصطنعة من جانب البشر)، وإنها مكتشفة (لا مخترعة)، وإنها متجذرة في الطبيعة. وحين ~~نقول: «يعتقد الناس ...» فإنما نعني اعتقادات أو افتراضات حدسية لا دخل للوعي بها؛ فهي ~~ليست اعتقادات صريحة معلنة واعية بذاتها؛ أي ليست اعتقادات عن الاعتقادات، وليست ~~إدراكا للإدراك # metacognition ~~. # ويعتقد الناس أن ثمة خاصة غير منظورة - هي «الماهية» # essence ~~- تجعل الأشياء ما هي عليه. وأن الماهية تسبب التشابهات ~~الملاحظة التي يشارك فيها أعضاء الفئة التصنيفية المعينة. # ويعتقد الناس أن ألفاظ الحياة اليومية تعكس بنية العالم الحقيقي؛ فألفاظ مثل: كلب، ~~شجرة، ذهب، فصام ... ترسم في اعتقادهم الأنواع الطبيعية للعالم على نحو مباشر (ليست ~~جميع الألفاظ بالطبع تفعل ذلك، بل الألفاظ التي تشير إلى الأنواع الطبيعية، وكثير من ~~الألفاظ الخاصة بالفئات الاجتماعية). ~~(8) ألوان من الماهوية # تفرق سوزان جلمان # 10 # بين الماهوية كموقف فلسفي والماهوية كاعتقاد شعبي؛ فالأولى تتناول طبيعة ~~العالم الموضوعي ms025 ويعنيها ما إذا كانت الماهيات قائمة في العالم أم لا (سؤال ~~ميتافيزيقي)؛ أما الثانية فتتناول طبيعة تمثلات الناس للعالم وتجتنب إلى حد كبير ~~السؤال الميتافيزيقي، ويمكن أن تتمثل في المنظومات الاعتقادية الدارجة (الماهوية ~~السيكولوجية)، وفي اللغة (الماهوية الاسمية)، وفي الممارسات الثقافية (الماهوية ~~الثقافية). # وتفرق جلمان بين الماهية التصنيفية والماهية العلية والماهية المثالية. أما ~~الماهية التصنيفية # sortal essence # فهي مجموعة ~~الخصائص المميزة التي يشارك فيها جميع (وفقط) أعضاء الفئة. وهي الماهية كما حصرها ~~تمييز أرسطو بين الخواص الجوهرية (الماهوية) والخواص العرضية، حيث الخواص الجوهرية ~~تشكل الماهية؛ مثال ذلك: أن ماهية الجدة هي خاصة كونها أم الأم (أو الأب) وليس كونها ~~تتخذ نظارة أو أن شعرها أشيب إلى غير ذلك من الخواص العرضية. # أما الماهية العلية # causal essence # فهي الجوهر ~~أو القوة أو الكيفية أو العملية أو العلاقة أو الكيان الذي يسبب الخواص المميزة ~~للفئة ويجعلها تظهر وتدوم ويمنح الشيء هويته. ولعل فقرة جون لوك الشهيرة في «مقال يتعلق ~~بالفهم الإنساني» خير تصوير للماهية العلية. يقول جون لوك: «الماهية هي الوجود نفسه ~~بالنسبة لأي شيء من الأشياء ، الذي به يكون الشيء ما هو. وهكذا فإن التكوين الحقيقي ~~الداخلي للأشياء، والمجهول رغم ذلك في عامة الأحوال، والذي تعتمد عليه صفاتها القابلة ~~للكشف، يمكن أن يسمى ماهيتها.» # تستخدم الماهية العلية لتفسير الخواص الملاحظة لأعضاء الفئة. وإذا كانت الماهية ~~التصنيفية يمكن أن تنطبق على أي كيان (الأقلام وسلال المهملات والنمور كلها فئات لها ~~خواص معينة قد تكون «ماهوية» أي حاسمة لتحديد عضوية الفئة)، فإن الماهية العلية لا ~~تنطبق إلا على الكيانات التي فيها خواص باطنة خفية تحدد الكيفيات الملاحظة. مثال ذلك: ~~أن ماهية الماء قد تكون شيئا من قبيل # H # 2 # O # والمسئول عن شتى الخواص ~~الملاحظة للماء. أما مجموعة الخواص (لا لون، لا طعم، لا رائحة) فهي ليست ماهية ~~علية للماء رغم أنها تصدق على كل ما ينتمي لفئة «الماء»؛ ذلك لأن هذه الخواص ~~الأخيرة تفتقد القوة العلية. # وأما الماهية المثالية فليس لها مثول ms026 حقيقي في العالم. مثال ذلك: أن ماهية ~~«الخيرية» هي كيفية ما مجردة خالصة تتحقق على نحو غير مكتمل في أمثلة الأشخاص الذين ~~يجترحون أفعالا خيرة. لا واحد من هذه الأفعال الخيرة يجسد «الخير» تجسيدا تاما، بل ~~يعكس كل منها جانبا ما من الخير. وتمثل أسطورة كهف أفلاطون هذه الوجهة من الرأي. ~~وبذلك تقف الماهية المثالية في مقابل كل من الماهية التصنيفية والعلية المتعلقتين ~~بكيانات العالم الحقيقي وصفاتها. # من التأويلات الماهوية ما هو محدد ويمكن أن نجده في مفاهيم متباينة مثل «الروح» ~~و«الدنا # DNA ~~»؛ غير أن الماهوية قد تكون استقرابية ~~وضمنية: أي الاعتقاد بأن فئة ما لديها صميم أو لب دون معرفة ماذا يكون ذلك الصميم ~~أو اللب. يطلق على مثل هذا اللب الذي تحل فيه الماهية دون أن نعرفه بالتحديد ~~«محل الماهية» # essence placeholder ~~. # 11 # مثال ذلك: أن الطفل قد يعتقد - حتى قبل أن يتعلم أي شيء عن الكروموزومات أو ~~الفيزيولوجيا البشرية - أن البنات لديها كيفية ما خفية داخلية تميزها عن الأولاد وتسبب ~~الفروق الكثيرة الملاحظة في المظهر والسلوك بين الأولاد والبنات. وإذا كان أولئك الذين ~~أوتوا العلم قد تستوي لديهم اعتقادات مفصلة تماما عن ماهية ما (مثل أن ماهية الذهب ~~هي أن له العدد الذري 79)، فإن مثل هذه التصورات نادرة في تفكير الحياة اليومية، وما ~~نراه بعامة هو أن الناس تضمر اعتقادا حدسيا بأن ماهية ما موجودة حتى وإن عز ~~عليهم كشف تفاصيلها. من مترتبات ذلك أن الماهية لا يمكن أن تكون جزءا من الصميم ~~السيمانتي (الدلالي) للفظة، ولا يمكن أن تحدد ماصدقات # extensions # اللفظة؛ غير أن لها متضمنات لاعتقادات الناس من حيث عمق ~~وثبات مفهوم من المفاهيم. # الماهوية الكلية والماهوية الجزئية: دأب الفلاسفة على أن يتناولوا «نزعة الماهية» ~~كما لو كانت مذهبا كليا؛ أي كما لو أنها فلسفة موحدة تتبناها العلوم جميعا أو ~~ترفضها العلوم جميعا. اتخذ كارل بوبر - على سبيل المثال - رأيا كليا في الماهوية؛ ~~فهو يراها عائقا كبيرا للعقلانية العلمية # 12 # وكذلك فعل كواين، فتمنى - لأسباب ms027 سيمانتية (دلالية) وإبستمولوجية - لو ~~ينفي الماهوية من الخطاب العلمي كله. # 13 # أما بنتام # 14 # وكريبك # 15 # فقد أيدا مذاهب ماهوية، وذهبا إلى أن على كل علم أن يدرس الخواص الماهوية ~~للأنواع الطبيعية التي تشكله. وفي مقابل هذه النظرات الكلية ثمة من يرفض الماهوية في ~~مجال بعينه، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «اللاماهوية الجزئية أو ~~الموضعية» # local ~~anti-essentialism ~~. من أمثلة ذلك: رفض ماير للماهوية في مجال البيولوجيا. يذهب ماير # 16 # إلى أن فرضية داروين عن التطور بالانتخاب الطبيعي لم تكن مجرد نظرية جديدة، ~~إنما هي نوع جديد من النظرية، نظرية أطاحت بالطرائق الماهوية في التفكير البيولوجي ~~واستبدلت بها ما أسماه ماير «التفكير السكاني ~~(المجتمعي)» # population thinking ~~. ~~••• # لدراسة النزعة الماهوية لدى الأطفال أهمية كبرى لأسباب عديدة، أولها أنها شاملة بدرجة ~~لافتة؛ فهي شاملة عبر الزمن (تناولها المفكرون عبر ما لا يقل عن ألفي عام)، وعبر ~~تعاليم فلسفية مختلفة فيما بينها اختلافا جذريا (اعتنقها - على سبيل المثال - مفكران ~~متباينان تباين أفلاطون وجون لوك)، وربما عبر الثقافات. من المهم إذن أن نكشف سر هذه ~~المجموعة من الافتراضات الراسخة، وأن نفحص منشأها ومتضمناتها الحسنة والسيئة للفكر ~~البشري. # والسبب الثاني أنها تكشف لنا قدرات لدى الأطفال لم نكن نتوقعها في السابق. لقد كانت ~~الفكرة الواسعة الانتشار هي أن مفاهيم الأطفال محدودة داخل الصفات العيانية والحسية ~~والواضحة، فإذا بدراسة الماهوية في الأطفال تكشف أنهم يدمجون ضروبا شتى من الملامح ~~الخفية داخل تصوراتهم تتضمن الأجزاء الداخلية والوظائف والعلل والتمييزات ~~الأنطولوجية. من شأن ذلك أن يلهمنا تحولا في نظراتنا الخاصة بنمو المعرفة، فإذا ~~كانت البناءات غير الملاحظة قائمة منذ البداية، فلا يمكن إذن أن تكون الملامح السطحية ~~الملاحظة هي الأكثر امتيازا أو بساطة أو أساسية. تلك هي «المتضمنات الحسنة» ~~للماهوية بالنسبة للتفكير البشري. # السبب الثالث أن الماهوية - فيما يبدو - تعزز «التنميط» # stereotyping # وتتبطنه. وتلك هي «المتضمنات السيئة» للماهوية في التفكير ~~البشري. لنقل صراحة: إن التنميط يستعير الإطار اللغوي والتصوري للماهوية. فتعامل ~~الجماعات البشرية المختلفة على أنها منمازة (متمايزة) ms028 على نحو خفي عميق، ويفترض في ~~الفروق بين الجماعات الاجتماعية أنها محتومة وثابتة ومتأصلة جبليا. وبقدر ما ~~يتقبل الناس هذه الطريقة في التفكير سيكون لهم أساس للتعامل مع الفروق الجماعية ~~الاجتماعية على أنها محورية لهوية فرد من الأفراد، ولجلب استنتاجات عن الفرد قائمة على ~~الجماعة التي ينتسب إليها الفرد، ولإلصاق دوافع وتفسيرات مختلفة بأولئك الذين ينتمون ~~لجماعات اجتماعية مغايرة لجماعتنا. إن الشخص الذي يمارس التنميط يعامل الجماعات ~~الاجتماعية على أنها «أنواع ~~طبيعية» # natural kinds ~~. # وسبب آخر من الأهمية بمكان، وهو أن لدراسة الماهوية متضمنات تعليمية واجتماعية؛ فقد ~~أشار بعض الباحثين إلى أن الافتراضات الماهوية تعيق محاولات تدريس نظرية التطور. وبصفة ~~أعم يمكننا أن نقول: إن الكثير من معرفتنا عن العالم إنما نتوصل إليه بواسطة ~~الاستدلالات وليس بالتدريس المباشر؛ ومن ثم فإن أي وصف مكتمل لعملية اكتساب المعرفة ~~ينبغي أن ينظر بعين الاعتبار إلى الشروط التي تعزز وتشجع التفكير الاستدلالي لدى ~~الأطفال. إن الافتراض الماهوي عن الفئات التصنيفية، واللغة الماهوية عن الفئات يؤثران ~~تأثيرا بليغا في استدلالات الأطفال. # ثمة من يفسر تفشي الماهوية بأنها ظاهرة عرضية تاريخيا؛ فهي نتاج الفكر الغربي ~~الحديث والتقاليد الثقافية والسياسية والتكنولوجيا؛ فنحن ماهويون في هذه الحقبة من ~~التاريخ؛ إذ صار بوسعنا أن نطلع على العلوم ونلم بكيانات غير منظورة مثل الدنا ~~والجزيئات؛ غير أن عزو نزعة الماهية للعرض التاريخي لا يتسنى له أن يفسر لماذا ~~يماهي الأطفال قبل سن المدرسة! # وثمة من يرى أن الماهوية نتيجة مبيتة ومستأصلة في فعل التسمية؛ فنحن إذ نعطي أشياء ~~محددة نفس الاسم إنما نقرر ضمنا وجود شيء تحتي ثابت تتشارك فيه هذه الأشياء؛ ~~فالماهوية إذن نتيجة منطقية لاستخدام اللغة. ولكن إذا صح أن الماهوية هي نتاج استخدام ~~الأسماء، فلماذا نحن نماهي في بعض المجالات أكثر مما نفعل في غيرها؛ لماذا تكون ~~الماهوية «محددة المجال» # domain-specific ~~؟ # وعلى خلاف ذلك تذهب سوزان جلمان إلى أن الماهوية عادة عمومية (عالمية) للعقل تشمل ~~الناس جميعا؛ فالناس ماهويون بمعزل عن تفضل العلم وعن جمهورية أفلاطون، ms029 والناس ~~ماهويون بمعزل عن اللغة واستخدامها. وتقول جلمان: إن رأيها أقرب إلى موقف التكيف ~~التطوري الذي يقول بأن البشر قد طوروا نزوعا ماهويا عموميا؛ لأنه ذو فائدة في ~~تفاعلاتهم مع العالم. يستمد هذا الموقف جاذبيته من قدرته على تفسير توارد الماهوية عبر ~~الثقافات وعبر الأحقاب وعبر أعمار النمو. ~~(9) دور اللغة في نزعة الماهية # من الأسباب التي تبث في النفس شيئا من نزعة الماهية أن ثمة كلمات معينة تعتمد ~~معانيها - فيما يبدو - على شيء ما غير الخواص السطحية المعروفة. ويحاج كريبك وبنتام بأن ~~معاني أسماء الأعلام «كريبك» وأسماء الأنواع الطبيعية «بنتام» لا تتأسس على قائمة من ~~الخواص المعروفة بل بالأحرى على خواص «أعمق»؛ ما يمكن أن نسميه «خواص محملة بالنظرية» # theory-laden properties # متضمنة تلك ~~الخواص التي قد لا تكون معروفة بعد. مثال ذلك أن الاسم «علي شوقي» لا يعرف بمجموعة ~~من العلامات من قبيل «يرتدي نظارة طبية، يعمل ضابطا بالمطار، أقرب صديقين له يسميان ~~رفعت ويوسف ...» ذلك أن علي شوقي إذا كان قد توفي عند ولادته لما كان له أي وصف من هذه ~~الأوصاف؛ ومن ثم فهي لا يمكن أن تكون محددة لكونه علي شوقي. أما الملمح الوحيد ~~الذي يبدو أنه متصل «بالضرورة» باسم «علي شوقي» فهو أنه ولد لأبوين معينين. يقول ~~كريبك: إن أسماء الأعلام تشير ولكنها لا تصف. وأي وصف مرتبط باسم من الأسماء إنما ~~يساعدنا فحسب في اختيار المرجع # referent ~~(المشار ~~إليه)، ولكنه لا يعرف المرجع. # وقد نقل كريبك وبنتام بخاصة هذا التحليل لأسماء الأعلام إلى ألفاظ النوع الطبيعي. ~~وهما يحاجان بأنه بالرغم من أن مجموعة من الملامح المعروفة قد تستخدم لتعريف أعضاء ~~فئة نوع طبيعي ما، فإن الملامح لا تعمل كمعايير ضرورية وكافية. مثال ذلك: أن الحيتان ~~لها شكل شبيه بالأسماك، وتعيش وتسبح في الماء كما تفعل الأسماك، ولكنها ليست أسماكا. ~~وبالمثل يقدم بنتام مثالا، فمعظمنا لا يمكنه التفرقة بين شجر الدردار وشجر الزان، ورغم ~~ذلك يقرر أن كلمتي: «دردار» و«زان» مختلفتان في المعنى. يبدو أننا نفترض ms030 أن أشجار ~~الدردار وأشجار الزان نوعان مختلفان من الأشياء؛ أي نفترض أن الفروق قائمة هناك في ~~العالم بانتظار اكتشافنا لها، وأن بإمكان الخبراء أن يخبرونا أيها هذا وأيها ذاك (مشيرة ~~أن التمييز واقعي). بذلك يحاج بنتام بقوة ضرورة التقسيم الاجتماعي-اللغوي للعمل، الذي ~~وفقا له لا يلزم الناطق العادي أن يعرف كيف يميز ما إذا كان شيء ما هو «شجرة دردار» ~~مثلا، ولكن الخبراء في المجتمع لديهم القدرة على هذا التمييز. وكما يؤثر عن بنتام فإن ~~«المعاني ليست في الرأس». صحيح أن المعاني قد لا تكون في الرأس، لكن الأسس التصورية ~~لمثل هذه المنظومة تتضمن نوعا من الماهوية «في الرأس». # تبين هذه المراجعة الموجزة أن اللغة تعمل وفقا لافتراضات ماهوية معينة؛ غير أنها ~~تترك السؤال مفتوحا عما إذا كانت اللغة بما هي كذلك تسهم في التفكير الماهوي؛ فقد يكون ~~الأمر غير ذلك ويكون التفكير الماهوي هو الذي يسهم في كيف تستخدم الألفاظ. # ثمة نظريات في دور اللغة في الفكر؛ وهي نظريات شديدة التفاوت، بدءا من تلك التي ~~تدعي أن اللغة هي العدسة التي ننظم من خلالها الواقع، وأن اللغات المختلفة تفضي ~~بأصحابها إلى تبين رؤى مختلفة للعالم # worldviews ~~(فرضية سابير/ورف)، وانتهاء بتلك التي تدعي أن اللغة ليس لها أي تأثير جوهري في ~~الإدراك البشري (اللهم إلا بعض التأثيرات الشديدة الفرعية مثل تسجيل بعض مكونات الذاكرة ~~في صيغة لفظية). وبعد سنوات طويلة من رفض تأثير اللغة على الفكر عادت الدراسات الأحدث ~~لتحيي الاهتمام بتأثير اللغة في الفكر وبخاصة من منظور نمائي، وتومئ إلى تأثيرات مهمة ~~للغة في هذا الشأن. # تتخذ سوزان جلمان موقفا وسطا بين هذين الطرفين، وتذهب إلى أن اللغة بحد ذاتها لا ~~تحملنا على أن نماهي، وإلى أن اللغات المختلفة لا تماهي بدرجات مختلفة جذريا وإن ~~كانت بينها فروق طفيفة في ذلك؛ غير أن اللغة تحدد متى تستخدم الماهوية، وثمة صيغتان ~~لغويتان بصفة خاصة توحيان للأطفال بمنظور ماهوي إلى الفئات، وهما: الأسماء العامة # common nouns # والتعبيرات الاسمية التعميمية # generic noun ms031 phrases ~~. # الفصل الثاني # | نزعة الماهية في البيولوجيا # إثم أفلاطون # The Dead Hand of Plato # ذهب أفلاطون إلى أن «الواقع» الذي نحسب أننا نراه لا يعدو أن يكون ظلالا تلقيها على جدار ~~كهفنا نيران مخيم خارجي (كان أفلاطون - شأنه شأن غيره من المفكرين الإغريق الكلاسيكيين - ~~مهندسا في حقيقة الأمر)، فكل مثلث مرسوم في الرمل إن هو إلا ظل غير دقيق للماهية الحقيقية ~~للمثل؛ ذلك أن خطوط المثلث الماهوي هي خطوط إقليدية لها طول وليس لها عرض، تعرف بأنها ~~خطوط لا متناهية الضيق لا تلتقي أبدا إذا كانت متوازية، ومجموع زوايا المثلث يساوي ~~قائمتين لا يزيد نقيرا عن ذلك ولا يقل. وهذا شيء لا ينطبق بحال على مثلث مرسوم في الرمل، ~~فمثلث الرمل عند أفلاطون هو مجرد ظل قلق للمثلث الماهوي المثالي. # وقد ابتليت البيولوجيا - كما يقول إرنست ماير - بصيغتها الخاصة من «الماهوية». تعامل ~~الماهوية البيولوجية الجمال والأرانب والسلاحف كما لو كانت مثلثات أو معينات أو قطوعا ~~مكافئة: فالأرانب التي نراها هي ظلال شاحبة للفكرة التامة للأرنب؛ الأرنب الأفلاطوني ~~الماهوي المثالي، المعلق حيث هو في فضاء تصوري إلى جانب جميع الصور الهندسية التامة. إن ~~الأرانب ذات اللحم والدم قد تتباين، ولكن تبايناتها هي دائما نشوز عن الماهية المثالية ~~للأرنب. # تلك صورة لا تطورية بدرجة تدعو إلى القنوط؛ فالأفلاطوني يعتبر أي تغير في الأرانب ~~انحرافا وزيغا عن الأرنب الماهوي، وستكون هناك مقاومة دائما للتغير؛ كما لو كانت ~~الأرانب الحقيقية موثوقة بطول مرن غير مرئي بالأرنب الماهوي الكائن في السماء. أما ~~النظرة التطورية فهي على تضاد جذري: إذ من الجائز أن يبتعد الأخلاف عن صورة حياة الأسلاف ~~ابتعادا لا نهاية له، وكل ابتعاد يصبح سلفا لتنوعات مستقبلية. وليس من قبيل الصدفة ~~أن يطلق رسل والاس # Russel Wallace ~~، المشارك لداروين في ~~اكتشاف التطور بواسطة الانتخاب الطبيعي بمعزل عنه، أن يطلق على دراسته: «في ميل التنوعات ~~إلى الابتعاد اللانهائي عن النمط الأصلي». # إذا كان ثمة «أرنب قياسي»؛ فإن هذا اللقب لا يعني إلا مركز توزع جرسي ms032 الشكل لأرانب ~~حقيقية متنوعة تقفز وتعدو. وهذا التوزع يتبدل مع الوقت، ومع تتالي الأجيال قد تأتي بالتدريج ~~نقطة غير محددة بوضوح، عندها سيكون معيار ما نسميه أرانب قد ابتعد كثيرا بحيث يستحق اسما ~~آخر. # ليس ثمة «أرنبية» دائمة؛ ماهية للأرانب معلقة في السماء، بل هناك فحسب «مجتمعات/سكان» # populations # من الأفراد الطويلة الآذان المكسوة ~~بالفراء المرتعشة الشوارب التي تبدي توزعا إحصائيا من التباين في الحجم والشكل واللون ~~والميول. فما دأب على أن يكون نهاية أطول أذنا للتوزع القديم قد يجد نفسه مركزا ~~لتوزع جديد فيما بعد في الزمن الجيولوجي. ومع تتابع عدد كبير بما يكفي من الأجيال، فقد لا ~~يكون ثمة تداخل بين توزعات الخلف والسلف؛ فقد يكون الأطول آذانا بين الأسلاف أقصر من ~~الأقصر آذانا بين الأخلاف. كل شيء في سيولة. كما قال فيلسوف يوناني آخر هو هيراقليطس: ~~لا شيء ثابت. وبعد انقضاء مائة مليون عام قد يكون من الصعب الاعتقاد بأن الحيوانات الأخلاف ~~كان لها أرانب بين أسلافها؛ غير أنه ما من جيل أثناء العملية التطورية إلا ويشبه الجيل ~~السابق عليه ولا يبتعد نمطه السائد كثيرا عن النمط السائد في الجيل السابق. # هذه الطريقة في التفكير هي ما يطلق عليه أرنست ماير «التفكير المجتمعي/السكاني» # population thinking ~~. وهذا التفكير ~~السكاني عند ماير هو نقيض الماهوية. ويرى ماير أن التأخر المزري في وصول داروين إلى مشهد ~~(أواسط القرن 19) يعود إلى أننا جميعا - سواء تحت التأثير اليوناني أو لأي سبب آخر - ~~كنا قد أشربنا الماهوية وأضمرناها في صميم جيناتنا العقلية. # يصف ماير الماهوية بأنها المذهب القائل بأن «هناك عددا محدودا من «الأفكار» الثابتة ~~تتبطن التنوع الملاحظ في الطبيعة، حيث «الصورة» # eidos ~~(الفكرة/المثال) هي وحدها الشيء الثابت والحقيقي، بينما التنوع الملاحظ ليس له واقع أكثر ~~مما لظلال شيء ما على جدار كهف. وفي المقابل يؤكد صاحب «الفكر المجتمعي/السكاني» # population thinking # فرادة كل شيء في ~~العالم العضوي. فجميع الكائنات العضوية والظواهر العضوية تتكون من ملامح فذة ولا يمكن وصفها ~~في مجموعها إلا بلغة إحصائية. ms033 تشكل الأفراد - أو أي نوع من الكيانات العضوية - مجتمعات يمكن ~~تحديد المتوسط الحسابي وإحصاء التنوع لها. لا تعدو المتوسطات أن تكون تجريدات إحصائية، وليس ~~ثمة واقعية إلا للأفراد الذين يتكون منهم «المجتمع» # population ~~. يخلص كل من المفكر المجتمعي والمفكر النمطي إلى نتائج نهائية ~~متضادة تماما: فينتهي النمطي إلى أن النمط # eidos # هو ~~الحقيقي والواقعي وأن التنوع وهم، بينما ينتهي المجمتعي إلى أن النمط (المتوسط) تجريد، وأن ~~التنوع وحده هو الحقيقي والواقعي. ليس بوسع طريقتين في النظر إلى الطبيعة أن تكونا أشد ~~تباينا من ذلك. # 1 # بالنسبة للعقل المغشى بغمامات أفلاطونية، فإن أرنبا ما هو أرنب. أما القول بأن ~~نوع الأرانب يشكل ضربا من الغيمة المتنقلة ... سديم إحصائي من المتوسطات الإحصائية، أو أن ~~الأرنب النموذجي في يومنا هذا قد يكون مختلفا عن الأرنب النموذجي الذي كان منذ مليون سنة، ~~أو الأرنب النموذجي الذي سيكون بعد مليون سنة؛ فإن هذا القول هو انتهاك لتابو داخلي. والحق ~~أن علماء السيكولوجيا الذين يدرسون نمو اللغة ينبئوننا بأن الأطفال ماهويون طبيعيون. وربما ~~توجب عليهم أن يكونوا كذلك إذا كان لهم أن يحتفظوا بقواهم العقلية بينما تقوم عقولهم ~~النامية بتقسيم الأشياء إلى فئات تصنيفية منمازة كل فئة منها موسومة باسم فريد. وليس من ~~المستغرب أن تكون المهمة الأولى لآدم في قصة «التكوين» # Genesis # هي أن يعطي كل الحيوانات أسماء. # لا عجب إذن - في رأي ماير - أن تنتظر البشرية داروينها حتى أواسط القرن التاسع عشر. ولكي ~~نجسد كم هي مضادة نظريته للماهوية فلننظر ما يلي: من وجهة نظر التفكير المجتمعي/السكاني ~~التطوري، فإن كل حيوان موصول بكل حيوان آخر؛ الأرنب مثلا بالنمر، بسلسلة من الحيوانات ~~الوسطى حيث كل حيوان يشبه تاليه بحيث يمكن لكل وصلة معاشرة جارتها في السلسلة وإنتاج ذرية ~~خصبة، هذا انتهاك للتابو الماهوي ما بعده انتهاك. وهذا واقع وليس تجربة فكرية غامضة ~~خيالية؛ فمن وجهة نظر تطورية ثمة حقا سلسلة من الحيوانات الوسطى تصل الأرنب بالنمر كل ~~حيوان منها عاش وتنفس، وكل حيوان منها كان ms034 حقيقا أن يندرج تماما في نفس النوع الذي ~~ينتمي إليه جاراه على جانبي المتصل الانزلاقي الطويل. فكل حيوان في السلسلة هو حقا ابن ~~جاره الذي على جانبه ووالد جاره الذي على الجانب الآخر. ورغم ذلك فالسلسلة كلها تشكل جسرا ~~متصلا من الأرنب إلى النمر (رغم أنه لم يوجد قط، كما سوف نرى، «أرنب- نمر»). وهناك جسور ~~شبيهة من الأرنب إلى الحصان، ومن النمر إلى سرطان البحر، ومن كل حيوان (أو نبات) إلى كل ~~حيوان آخر. لعلك ساءلت نفسك: لماذا تترتب هذه النتيجة المروعة بالضرورة من رؤية العالم ~~التطورية؟ ولكن لأفصح عنها على كل حال سأطلق عليها تجربة دبوس الشعر: (البنسة) الفكرية. خذ ~~أرنبة - أي أرنبة (لنلتزم جزافيا بالإناث على سبيل التيسير: وهو لا يؤثر على الحجة ~~أدنى تأثير) - وضع أمها تالية لها، والآن ضع جدتها تالية لأمها، وهكذا رجعا في الزمن، ~~رجعا خلال ملايين الأعوام، في خط يبدو لا نهاية له من إناث الأرانب، كل منها محصورة بين ~~ابنتها وأمها. ونحن الآن نسير على خط من الأرانب رجعا في الزمن متفحصين إياها بدقة ~~كقائد يتفقد الجند. سنلاحظ في النهاية - ونحن نخطو على هذا الخط - أن الأرانب القديمة التي ~~نمر بها مختلفة اختلافا طفيفا عن الأرانب الحديثة التي اعتدنا عليها. على أن معدل التغير ~~سيكون من البطء بحيث لن نلحظ الاتجاه من جيل إلى جيل، تماما مثلما لا يمكننا أن نرى حركة ~~عقرب الساعات في ساعات يدنا، وتماما مثلما لا يمكننا أن نرى طفلا وهو يكبر (لا يمكننا إلا ~~لاحقا أن نراه وقد أصبح مراهقا، ثم فيما بعد راشدا). # ورغم ذلك فإذا مضينا القهقرى خلال الزمن - باطراد وتدرج - سوف نصل إلى أسلاف تبتعد ~~شيئا فشيئا عن هيئة الأرنب وتقترب شيئا فشيئا إلى هيئة الزبابة. # 2 # إحدى هذه المخلوقات سأسميه منحنى أو منعطف البنسة؛ لأسباب سوف تتضح. هذا ~~الحيوان هو السلف العام الأحدث الذي تشارك فيه الأرانب النمور. # نحن لا نعرف بالضبط ماذا يشبه هذا المخلوق، ولكن يترتب من وجهة النظر التطورية أنه ms035 لا بد ~~أن يوجد. وكان - شأن جميع الحيوانات - عضوا في نفس النوع الذي تنتمي له بناته وأمه. نحن ~~الآن نستمر في طريقنا؛ غير أننا قد اجتزنا منعطف الدبوس ونمضي الآن قدما في الزمن متجهين ~~صوب النمور (من بين أخلاف الدبوس العديدين والمتنوعين؛ ذلك أننا سوف نقابل تشعبات في الخط ~~باستمرار، حيث نختار بثبات ذلك التشعب الذي سيفضي في النهاية إلى النمور) وكل حيوان شبيه ~~بالزبابة على طول المسار المتجه أماما هو الآن متبوع بابنته. وبالتدريج وبمراحل غير ~~مدركة سوف تتغير الحيوانات الشبيهة بالزبابة عبر حيوانات وسطى قد لا تشبه كثيرا أي ~~حيوان حديث، ولكن يشبه كل منها الآخر بشدة، حتى نصل في النهاية - دون أن نلحظ أي تغير مفاجئ ~~من أي نوع - إلى النمر. # ثمة عدة أشياء يجب أن تقال عن هذه التجربة الفكرية: # أولا: # أننا قد تصادف أن اخترنا الطريق من الأرنب إلى النمر، ولكن كان من الممكن ~~أن نختار الطريق من الشيهم إلى الدولفين، أو من الكنغر إلى الزراف، أو ~~من الإنسان إلى أسماك الحدوق. زبدة القول: أن بين أي حيوانين ثمة بالضرورة ~~طريق بنسي؛ لسبب بسيط هو أن كل نوع يشارك كل نوع آخر في سلف ما: كل ما ~~علينا فعله هو أن نمضي القهقرى من النوع إلى السلف المشترك ثم ننثني خلال ~~ثنية الدبوس ونمضي قدما إلى النوع الآخر . # ثانيا: # لاحظ أننا لا نتحدث إلا عن تحديد سلسلة حيوانات تصل حيوانا حديثا ~~بحيوان آخر حديث. نحن بالتأكيد لا نطور أرنبا إلى نمر، بل أفترض أن ~~بوسعك القول بأننا «ندهور» رجعا إلى منحنى الدبوس ثم «نطور» قدما ~~إلى النمر من هناك. علينا للأسف أن نعيد مرارا وتكرارا أن الأنواع ~~الحديثة لا تتطور إلى أنواع حديثة، بل تتشارك السلف فحسب؛ فهي أبناء عم. ~~هذا هو جواب الشكوى الشائعة على نحو مزعج: «إذا كان البشر متطورين من ~~الشمبانزي فكيف يتأتى أن تكون ثمة شمبانزيات بين ظهرانينا؟» # ثالثا: # في طريقنا القادم من حيوان منعطف الدبوس نحن نختار اعتسافيا الطريق ~~المؤدي ms036 إلى النمر. هذا طريق حقيقي في تاريخ التطور، ولكن مرة ثانية نحن ~~نختار أن نغفل نقاط تفرع كثيرة حيث كان بوسعنا أن نتبع التطور إلى نقاط ~~وصول أخرى لا حصر لها؛ ذلك أن حيوان المنعطف هو السلف الأكبر لا للأرانب ~~والنمور فحسب بل لقسم كبير من الثدييات الحديثة. # رابعا: # رغم أن الفروق بين نهايتي الدبوس (الأرنب والنمر مثلا) جذرية وهائلة، ~~فكل خطوة في السلسلة التي تصل بينهما ضئيلة شديدة الضآلة. فكل فرد على طول ~~السلسة مشابه لجاريه على الجانبين تشابه الأمهات وبناتها، وشبهه بجاريه ~~في السلسلة أكبر من شبهه بالأعضاء النموذجيين من المجتمع المحيط به. # لقد كان الناس مشربين بنزعة الماهية بحيث تعذر عليهم تقبل نظرية التطور. لم يذكر ~~داروين في أعماله لفظة «ماهوية»؛ فهي لم تبتكر إلا عام 1954م، ولكنه كان على إلف تام ~~بالصيغة البيولوجية منها وهي فكرة «ثبات ~~الأنواع» # immutability of species ~~، ووجه الكثير من جهده لمحاربتها تحت هذا الاسم. ولن يدرك ~~المرء جيدا ما كان داروين بصدده في كثير من أعماله ما لم يتذكر جيدا أن مستمعيه كانوا ~~ماهويين لا يشكون البتة في ثبات الأنواع. # الفصل الثالث # | بين الماهوية والوجودية # الحرية هي ذلك «اللاوجود» الذي يفصل الإنسان دائما عن ماهيته. # سارتر # لا تفهم «الوجودية» # existentialism # إلا بنقيضها: ~~«الماهوية» # essentialism ~~؛ فالمقولة الرئيسية التي ~~تنسب لسارتر: «الوجود سابق على الماهية» لا تفهم حق الفهم إلا بنقيضها: «الماهية سابقة ~~على الوجود». لقد كانت الفلسفات الكبرى في التاريخ فلسفة ماهيات # essences ~~؛ # 1 # بمعنى أن للإنسان طبيعة سابقة على وجوده تطبعه بطابعها وتقولبه بقالبها، شأنه ~~في ذلك شأن غيره من الكائنات، «الشجرة مثلا ماهيتها تسبق ظهورها في عالم الوجود. لقد كانت ~~يوما ما بذرة صغيرة تنطوي على كل إمكانات الشجرة الكبيرة، وتوافرت لها شروط معينة ~~يقتضيها الجو وطبيعة التربة ... إلخ. فترعرعت الشجرة ~~وحققت كل ما كانت تنطوي عليه تلك البذرة الصغيرة من قوى كامنة. وكل ما سوف يحدث لتلك ~~الشجرة من تطورات هو مما يمكن التنبؤ به وتحديده.» # 2 # إن فكرة ms037 التمثال في خيال المثال تسبق عملية نحت التمثال وتشكيله، وتصميم المبنى في مخطط ~~المهندس يسبق بناءه وتنفيذه. «وإذ يخلق الله الإنسان فإن فكرة الإنسان تكون قابعة في ~~فكره كما تقبع السكين في عقل الصانع الذي يصنعها، بحيث يأتي خلقها طبقا لمواصفات خاصة ~~وشكل معين ...» # 3 # الإنسان الفرد إذن - وفقا لهذا الخط من التفكير - ما هو إلا نسخة جزئية لمثال كلي مسبق ~~أو نموذج قبلي عام، هو الطبيعة الإنسانية التي تشمل كل أفراد البشر، هذه هي فكرة الماهية ~~السابقة على الوجود، تلك الفكرة التي ظلت مسيطرة على الفكر الإنساني منذ نشأته اليونانية، ~~وبقيت مسيطرة على أذهان الكثيرين، «فنجدها» عند «ديدرو» وعند «فولتير» وحتى عند «كانت»؛ ~~فالإنسان له طبيعة بشرية، وهذه الطبيعة البشرية هي ما يصاغ عليها الإنسان، وهي ما يتسم به ~~كل إنسان، أو يشترك في صفاتها مع غيره من البشر. وبذلك تكون الإنسانية كلها أو أفرادها قد ~~خلقوا طبقا لفكرة عامة أو مفهوم عام أو نموذج عام يجب أن يكون عليه البشر. ويغالي ~~«كانت» في وصف هذه الطبيعة العامة للبشرية، بحيث يساوي بين رجل الغابة والإنسان الطبيعي ~~والبورجوازي، ويجعلهم الثلاثة يشتركون في صفات عامة. وهكذا نجد فكرة الإنسان في التاريخ ~~أسبق على حقيقته؛ بمعنى أننا نجد أنه لا يوجد بشر معينون وكل منهم يختلف عن الآخر، ولكن ~~توجد فكرة عامة وإطار عام يجمع البشر جميعا ويساوي بينهم، ثم هناك بعد ذلك الآحاد المتميزة ~~من البشر؛ أي إن الماهية تسبق على الوجود مرة أخرى. # 4 # ويأتي سارتر ليعكس الآية ويقول: بل الوجود هو الأصل وهو السابق؛ فالإنسان يوجد أولا ~~ثم يتحدد بعد ذلك. وليس ثمة طبيعة إنسانية موجودة سلفا أو ماهية مسبقة تفرض نفسها على ~~الإنسان وتصبه في قالبها ضربة لازب، بل الإنسان هو ~~الذي يخلق ماهيته؛ فالإنسان في أول وثبته نحو الوجود ليس شيئا. لقد قذف به إلى عالم ~~غير مكترث فهو في وضع مستيئس وعليه أن يختار ويفعل دون أية مرجعية. إنه يوجد أولا غير ~~محدد بصفة، ثم يغمد ms038 نفسه في المستقبل ويبرأ ماهيته بنفسه عن طريق اختياراته ومقاصده ~~وأفعاله التي يؤديها عن حرية هي نظير المخاطرة؛ لأنه يؤديها دون أية قاعدة مسبقة ودون أية ~~ضمانات. إنه ينحت هويته كل لحظة ويصنع تعريفه ويخترع طريقته في الوجود. إنه مشروع ~~دائم يظل يتحقق ولا يكتمل إلا بالموت. # 5 # في كتابه: «الوجودية مذهب إنساني» يقول سارتر: «... يوجد على الأقل مخلوق واحد قد تواجد قبل ~~أن تتحدد معالمه وتبين. وهذا المخلوق هو الإنسان ... وحين نقول: إن الوجود سابق على الماهية ~~فإننا نعني أن الإنسان يوجد أولا، ثم يتعرف إلى نفسه، ويحتك بالعالم الخارجي، فتكون له ~~صفاته، ويختار لنفسه أشياء هي التي تحدده، فإذا لم يكن للإنسان في بداية حياته صفات محددة؛ ~~فذلك لأنه قد بدأ من الصفر، بدأ ولم يكن شيئا. وهو لن يكون شيئا إلا بعد ذلك، ولن يكون ~~سوى ما قدره لنفسه ... إن الإنسان يوجد ثم يريد أن يكون، ويكون ما يريد أن يكونه بعد ~~القفزة التي يقفزها إلى الوجود.» # 6 ~~«الإنسان ليس سوى ما يصنعه هو بنفسه. هذا هو المبدأ الأول من مبادئ الوجودية، وهذا هو ~~ما يسميه الناس «النزعة الذاتية» للوجودية مستخدمين هذه الكلمة ليوجهوا بها النقد إلينا. ~~لكننا لا نعني بها سوى أن للإنسان كرامة أكبر مما للحجارة أو المنضدة؛ لأننا نعني أن نقول: ~~إن الإنسان يوجد أساسا ثم يكون، وهو يكون شيئا يمتد بذاته نحو المستقبل، وهو يعي أنه يمتد ~~بها إلى المستقبل؛ فالإنسان مشروع، مشروع يمتلك حياة ذاتية، بدلا من أن يكون شيئا كالطحلب.» # 7 # الإنسان إذن كائن «محكوم عليه بالحرية»، يمارسها عن طريق اختيارات يقوم بها في كل لحظة؛ ~~فالاختيار حتم، حتى عدم الاختيار هو نوع من الاختيار أو هو اختيار مقنع. وما دام ~~الإنسان حرا مختارا فهو مسئول عن وجوده وعما يكون ~~عليه. المسئولية هي توءم الحرية. وهذه المسئولية ليست وقفا عليه بوصفه فردا بل تمتد ~~لتشمل الناس جميعا؛ فالإنسان يختار للآخرين فيما يختار لنفسه، ويفعل للآخرين فيما يفعل؛ ~~لأنه باختياره وفعله هذين ms039 يرسم الإنسان كما يرى أن يكون، ويدس «القيم» في قلب العالم، ~~وبتشكيله لصورته يشكل في الوقت نفسه صورة الإنسان بعامة. وحين يختار قيمة أو فعلا ما فإن ~~ما يأتيه يمس الآخرين بالضرورة وينعكس عليهم، المسئولية إذن باهظة ثقيلة؛ لأنها تمس الناس ~~جميعا؛ ومن ثم ترتبط الحرية والفعل الحر دائما بالكرب والقلق. «القلق دوار الحرية»، ~~وهو مما ينزغ للإنسان أن يضع عن كاهله عبء الحرية والمسئولية، وأن يخفض نفسه من مرتبة ~~«الموجود لذاته» # le pour soi ~~؛ الوجود الإنساني الحر ~~الواعي بذاته، إلى مرتبة «الموجود في ذاته» # l’en soi # وجود ~~العجماوات والجمادات الغارقة في سبات الضرورة وسكينتها. # هذا النزغ هو الذي يسميه سارتر # mauvais-foi ~~، وهو لون من ~~خداع النفس يزين للإنسان العبودية والاستسلام باعتباره مسيرا غير مخير، وضحية ~~قوى بيولوجية وتاريخية واجتماعية حتمية قاهرة ليس له فيها يد، وكأنه مجرد «شيء» من الأشياء ~~أو «موضوع» # object # من الموضوعات. ويمعن سارتر في توكيد ~~الحرية إلى أقصى مدى، فيقول: إن الإنسان إذ يتمتع بالوعي الذاتي، فإن بإمكانه أن يعي حتى ~~أسباب فعله ومحددات سلوكه، وهو من خلال هذا الوعي الانعكاسي يقف على دوافعه ويراها؛ ومن ~~ثم يمتلك زمامها ويصبح حرا إزاءها وفي حل من اتباعها. إن الكائن الإنساني محكوم ~~عليه أن يوجد خارج ماهيته وخارج دوافعه وأسبابه. # 8 # قد يعترض البعض على هذا التوجه الوجودي بقوله: إن وجود الإنسان هو أيضا يتوقف على ~~عوامل كثيرة، لعل أهمها وراثته وبيئته والتربية التي تلقاها ... إلخ. فليس الوجود الإنساني ~~بخارج على النظام الكوني الشامل، بل نحن خاضعون لتلك الآلية الطبيعية التي تجعل اختيارنا ~~متوقفا تماما على طبيعة الشيء المختار نفسه. وهنا يرد أنصار الوجودية فيقولون: إنهم لا ~~ينكرون بحال توقف الإنسان على العالم، خصوصا وأنهم يشعرون تمام الشعور (مع فيلسوف مثل ~~هسرل # Husserl # مثلا) بأن «الوجود في العالم» حقيقة ~~جوهرية هامة بالنسبة إلى الشعور الإنساني؛ فالوجوديون ~~مجمعون على أن الوجود الإنساني ليس وجودا عاما مطلقا، بل هو وجود زماني تاريخي، ~~وجود له ظروفه ومواقفه، وجود متجه نحو ms040 العالم الخارجي، مؤتلف من مجموعة روابط أو علاقات مع ~~هذا العالم بما فيه من ذوات وأشياء. ولكن هذا لا يمنعنا من أن نقرر أن لدى الإنسان من ~~الحرية ما يفصله عن باقي الموجودات؛ لأن كل ما عداه هو بالنسبة إليه مجرد «معطيات محضة» ~~يستطيع أن يخلع عليها بحريته المعنى الذي يختاره.» # 9 # صحيح أنني لم أستشر في اختيار والدي أو مسقط رأسي أو تكويني البيولوجي، فكل ~~هذه أوضاع مفروضة علي ولا سبيل إلى إلغائها؛ غير أن لدي مطلق الحرية في اتخاذ الموقف ~~الذي أراه منها، فأكون مثلا فخورا بها أو مستخذيا، متقبلا أو متمردا. فإذا كنت غير ~~مخير في هذه الأوضاع، فإنني جد مخير في استجابتي لها وموقفي منها. # لا فكاك من الحرية. لقد قذف بالإنسان في هذا العالم ورمي بحريته! # قد يتفنن الإنسان للتخلص من هذه الحرية العبء: فيوهم نفسه بأنه أسير الضرورة، ويعمد إلى ~~أن يعيش حياة الأشياء «القابعة في ذاتها»، ويتهيأ للخضوع لكافة ألوان السلطة، ويروغ من ~~مواقف الاختيار أو يكل إلى غيره أن يتخذ القرارات نيابة عنه؛ ذلك بأن الحرية توءمها ~~القلق. القلق يلازم الحرية كظلها؛ فالقلق شعور عام مبعثه ضرورة الاختيار نفسها: «ذلك لأن ~~على الإنسان أن يختار دون أن يكون لديه أي مبدأ للاختيار، بل دون أن يكون لديه أي معيار ~~يستطيع بمقتضاه أن يتحقق مما إذا كان قد أحسن أو أساء الاختيار. فليس القلق هنا عبارة عن ~~خوف من خطر معين، وإنما هو تعبير عن ذلك الشعور الحاد الذي يغمر الإنسان حينما يتحقق من أنه ~~قد قذف به إلى هذا العالم بدون إرادته، وأنه قد حكم عليه بأنه يختار دون أن يكون في ~~وسعه أن يتنبأ بنتائج أفعاله، بل دون أن يستطيع تبريرها؛ فالقلق شعور أليم، وإن كان في ~~الوقت نفسه لا يخلو من نبل، وهو الأصل في شعورنا بما لدينا من حرية شاملة ومسئولية مطلقة ~~أمام ذواتنا وأمام الآخرين؛ فنحن نصنع مثال الإنسان حينما نصنع ذواتنا؛ لأننا بفعلنا نخلق ~~المثل ونبدع القيم ms041 لا لأنفسنا فقط بل للجميع أيضا ... يقول سارتر: إن الإنسانية تحدق ~~بعينيها إلى كل ما يعمله الإنسان لكي تتخذ منه نظاما تسير ~~بمقتضاه وتعمل على هديه، فعلى كل إنسان أن يسائل ~~نفسه: هل أنا بحق ذلك الموجود الذي يجدر بالإنسانية أن تعمل على هدي أفعاله؟» # 10 # يطبق الشعور بالحرية على الإنسان، ويغمره بالقلق ويبهظه بالمسئولية، فيحاول أن يجد ~~منفذا من هذا الحرج بأن يتصور نفسه من الخارج وكأنه بإزاء شيء من الأشياء، أو بتعبير ~~آخر: يحاول أن «يموضع» نفسه. هكذا نحاول أن نتخلص من عبء الحرية فندرس أنفسنا على أننا ~~رهائن في يد الوراثة أو النشأة أو الماضي الذي فرض علينا فرضا. وكأننا نحسد الأشياء ~~الجامدة القارة في ذاتها على سكينتها وطمأنينتها السلبية، فنحاول أن نبرهن على أننا مجبرون ~~مسيرون تحت نير ماهيتنا المسبقة المقدرة علينا. «وهذا هو الأصل في تلك المذاهب الفلسفية ~~التي تحاول أن تدرج الوجود الإنساني في نطاق الوجود العام (وجود الأشياء) كأن الإنسان ~~مجرد موضوع لا يفهم وجوده إلا على ضوء ماهيته. وإذا كان لدى الإنسان حنين مستمر إلى ~~الوجود الموضوعي - وجود الأشياء - فذلك لأنه يرى أن تلك الأشياء كائنة بالفعل، بينما هو لا ~~يملك سوى حياة متقلبة تتأرجح باستمرار بين الوجود والعدم؛ فالأشياء هي ما هي في حين أن ~~الإنسان لا يمكن قط أن يكون ما هو؛ لأنه لا يكف مطلقا عن أن يختار لنفسه ما يريد أن يكون.» # 11 # وهكذا يستحيل على مشروع الإنسان أن يكتمل إلا بموته! # من هنا نفهم قول سارتر بأن الكائن الإنساني ثغرة في الوجود أو تصدع في حائط الوجود ~~العام؛ لأنه هو الذي يسبب انعدام التجانس في نسيج الكون. إنه الدودة في التفاحة! إنه ~~الموجود الذي بفعله ينفذ العدم إلى الوجود! إنه المخلوق الذي يفرز من حوله عدما يعزله عن ~~باقي الوجود العام. وهو ليس حرا إلا لأن وجوده وجود ناقص يتخلله العدم من كل جانب، فليست ~~الحرية سوى ذلك «العدم» الذي يفصل الإنسان دائما عن ماهيته. # هذا ما ms042 يدفعنا إلى محاولة الهروب من حريتنا، والعمل وفقا لماهيتنا، وكأن لدينا - كبقية ~~الأشياء - ماهية سابقة على وجودنا. «وهكذا نحسد تلك اللامسئولية التي تتمتع بها الأشياء، ~~فننزع إلى ذلك الوجود الثابت الأزلي، وجود الأشياء الغارقة في سكون الطمأنينة واليقين، ~~ونعمل على توكيد دعائم تلك الحالة السلبية بإطاعة قوانين صارمة (محددة تحديدا سابقا) أو ~~بالاستناد إلى أحكام أناس آخرين نتخذ منهم قادة ومعلمين، أو بابتداع التزامات موهومة نحو ~~الطبيعة أو الله (كذا) نحاول أن نعمل بمقتضاها ... إلخ. وهذه كلها في نظر سارتر ليست سوى ~~أساليب متنوعة لخداع النفس؛ فهي في صميمها مجرد محاولة يقصد بها القضاء على الحرية.» # 12 # انتهج مارتن هيدجر المنهج الفينومينولوجي فأسس فلسفة في الوجود الكلي أو الأنطولوجيا ~~تقوم على تحليل الوجود المتعين المفرد (الدازاين) # Dasein # بوصفه مدخلا لمبحث الكينونة ذاتها مختلطا بها ومشتركا معها في الحدود. وأول ما يتصف به ~~هذا الوجود المتعين المفرد هو «الوجود في العالم». هذا هو القوام الوجودي الأساسي للكائن ~~البشري. يجب أن نفهم «الوجود في العالم» كظاهرة واحدة غير مجزأة؛ فالوجود الإنساني ليس ~~راقدا في العالم رقود حصاة على الشاطئ، ولا هو سابح فيها سبح سمكة في البحر. بل هو ~~معطى في سياق العالم ... مخلوط بالعالم، بحيث يجد في متناوله الأشياء التي يستطيع أن ~~يتناولها ويتخذها أدوات، ويجد نفسه في ذات الوقت محددا بالأشياء التي يجب أن يعاني ~~منها. يترتب على هذا القوام الأساسي للكائن الإنساني نتائج بعيدة الأثر، أهمها انتفاء ~~الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع، تلك الثنائية التي استهلها أفلاطون وعمقها ~~ديكارت وكرسها تكريسا نهائيا فبقيت صدعا في الفكر الغربي وعائقا عطل علم النفس ~~قرونا عدة. الوجود الإنساني إذن ممزوج بعالم «مضروب» به، بحيث إن هناك عنصرا من العالم ~~داخلا في صميم وجودنا. # ويتصف الوجود الإنساني أيضا بأنه انبثاق وصيرورة؛ فالإمكان هو جوهر الوجود الإنساني. ~~فما الإنسان على الحقيقة إلا ممكناته. الإنسان مشروع نفسه على الدوام؛ ومن ثم ~~فالمستقبل هو اللحظة الجوهرية في وجوده. أن يعيش المرء تعني أن يتولى امتلاك مشروع ms043 وجوده ~~الخاص، أن يكون مشدودا بهدف مستقبلي هو الذي يملي عليه ما يفعله هنا والآن، أن يعي ذاته ~~لا بما كانه أو بما هو عليه، بل بما يمكن أن يكونه ... أن ينطلق في اتجاه نفسه الحقيقية ... أن ~~يعلو على ذاته ... أن يتخطاها إلى أقصى ما تسمح له ممكنات وجوده. هذا البعد الوجودي هو ما ~~يسميه هيدجر «العلو» أو «التجاوز» # transcendence ~~. # يقول سارتر: «إن الإنسان خارج نفسه دائما، وهو بامتداده خارج ذاته وإضاعة نفسه خارج ذاته ~~يوجد! بوسع الإنسان أن يوجد بأن يسعى وراء أهداف متعالية؛ فالإنسان كائن متعال بطبعه، ~~يتجاوز ذاته ويعامل الأشياء معاملة مرجعها هذا العلو (التجاوز). إنه إذن في صميم العلو ... ~~وهو كإنسان لن يحقق وجوده الإنساني باتجاهه نحو ذاته، بل بتجاوزه لذاته وسعيه نحو غايات ~~خارج ذاته. بهذه الطريقة وحدها يحرر ذاته ويحقق وجوده كإنسان.» # 13 ~~••• # صفوة القول: إن الماهوية تذهب إلى أن الكائنات تولد على خواص ثابتة محددة دائمة هي التي ~~تشكل ماهيتها أو تعريفها، بينما تزعم الوجودية أن الناس تولد بغير تعريف محدد، وأن على ~~الفرد أن يضفي المعنى على حياة خلو في صميمها من المعنى، وأن يبدع ماهيته من خلال ~~الفعل الحر والالتزام المسئول. # تذهب الماهوية إلى أن الحياة لها معنى صميم وغاية مسبقة وعلى الفرد أن «يعثر» على هذا ~~المعنى وتلك الغاية، بينما تنكر الوجودية ذلك وتضع على عاتق الفرد أن «يبتكر» معنى حياته ~~وغايتها، ويخلق ماهيته بنفسه، تهيب الماهوية بالتفكر والاستبطان لاكتشاف الماهية القائمة ~~من الأصل، بينما تهيب الوجودية بالفعل الذي يسبغ الغاية على حياة لا معنى لها بحد ذاتها ~~ولا غاية. # وبتعبير آخر: تذهب الماهوية إلى أن الماهية قائمة وتكتشف، بينما تؤكد الوجودية أن ~~الماهية غائبة وتبتكر. # الفصل الرابع # | فتجنشتين ونزعة الماهوية # ذهب فتجنشتين في مراحله المتأخرة إلى ضرورة أن يعود الفلاسفة إلى اللغة العادية وأن ~~يتخلوا عن أية محاولة لإقامة لغة مثالية؛ ذلك لأن المشكلات الفلسفية تنشأ في نظره من سوء ~~استخدام الفلاسفة للغة العادية أو تجاهلها، واستخدام الألفاظ بمعان ms044 بعيدة كل البعد عن ~~الاستخدام المألوف. إنهم عنده مرضى مصابون بداء القلق والحيرة والوهم بسبب استخدامهم لغة ~~فنية اصطلاحية تلصق بالألفاظ معاني غريبة من خلق عقولهم ولا أساس لها في الاستخدام ~~العادي، مما أوقعهم في مآزق فكرية. ورأى فتجنشتين أن مهمة الفيلسوف الجديدة هي نوع من ~~«العلاج الفلسفي» لهؤلاء المرضى الذين تسيطر على أذهانهم نماذج لغوية معينة، وأن علاجهم هو ~~في عودتهم إلى اللغة العادية وصياغة المشكلات الفلسفية في إطارها، بحيث نحل المشكلة حلا ~~أفضل أو يتبين لنا أنها مشكلة وهمية لا وجود لها إلا في عقول الفلاسفة. # 1 # ينقسم التاريخ الفكري للودفيج فتجنشتين # L. Wittgenstein ~~(1889-1951م) بصفة عامة إلى مرحلتين: مرحلة «دراسة # 2 # منطقية فلسفية» # tractatus ~~logico-philosophicus # وهو الكتاب الوحيد الذي في حياته، ومرحلة متأخرة هي ~~مرحلة «بحوث فلسفية» # philosophical investigation # وهو ~~عبارة عن مذكرات محاضراته ومجموعة أبحاثه التي نشرت عام 1953م (بعد وفاته). # في المرحلة الأولى - مرحلة «الدراسة» # tractatus ~~- كان ~~فتجنشتين يطمح إلى إمكان تحليل جميع القضايا إلى مكونات نهائية بسيطة لا تقبل مزيدا من ~~التجزيء؛ ولذلك سميت نظريته «الذرية ~~المنطقية» # logical atomism ~~، «وهي تشترك في الكثير مع نظريات أسبق منها عن المكونات ~~النهائية البسيطة التي قال بها العقلانيون # rationalists ~~. ~~وهذه الفكرة هي أساس جميع محاولات وضع لغة كاملة تعبر عن كل شيء بأقصى درجة من الدقة. ~~أما في المرحلة المتأخرة فقد أنكر فتجنشتين إمكان إيجاد مثل هذه اللغة، فمن المستحيل أن ~~نقضي على الخلط قضاء مبرما.» # 3 # يمكن تلخيص الفكرة الأساسية لنظرية فتجنشتين المتأخرة في أن «معنى أية كلمة هو طريقة ~~استخدامها». وهو يستخدم تشبيه «الألعاب ~~اللغوية» # language games # لكي يبين فكرة أن المعنى هو طريقة الاستخدام . إن الاستخدام ~~الفعلي لجزء معين من اللغة هو أشبه بلعبة كالشطرنج مثلا. ولهذه اللعبة قواعد معينة ينبغي ~~على كل من يمارسونها أن يراعوها. كما أن هناك قيودا معينة على الحركات المسموح بها. إننا ~~حين نتعلم كيف نلعب عددا من الألعاب اللغوية المتنوعة نكتسب معنى الكلمات عن طريق ~~استخدامها ومن خلاله ms045 ... وبتعبير آخر: «إننا نتعلم النحو # grammar # أو المنطق الخاص بكلمة معينة.» «وهكذا فإن إثارة المشكلات ~~الميتافيزيقية ينجم عندئذ عن نقص في إدراك «النحو» الخاص بالكلمات؛ ذلك لأننا بمجرد أن ~~نفهم القواعد فهما صحيحا لا تظل لدينا رغبة في طرح مثل هذه الأسئلة بعد أن يكون «العلاج ~~اللغوي» قد شفانا من هذه الرغبة.» # 4 # إن اللغة العادية تكفي، وإنما تنشأ المشكلات الفلسفية عن سوء الاستخدام. # إن معظم المشكلات الفلسفية التي حيرت الفلاسفة التقليديين هي وليدة نزغ أو وسواس يتلبس ~~بالفلاسفة إذ يحولون التعبيرات المستخدمة في اللغة بطريقة معينة إلى مجالات أخرى لا ~~تنطبق فيها على الإطلاق، ويسيئون فهم بعض ضروب التماثل اللفظي، وينخدعون بالتركيب الظاهري ~~لبعض العبارات أو الكلمات؛ الأمر الذي يولد المفارقات اللفظية العجيبة والمتناقضات ~~اللغوية الصارخة التي طالما غصت بها مؤلفات الفلاسفة الميتافيزيقيين. لقد دأبوا على ~~القذف باللغة بعيدا عن تروس الحياة، فلا عجب في أن ~~نراهم يستخدمون اللغة استخداما هجينا غير مألوف. وليس من علاج لهذه الظاهرة الشاذة إلا ~~بإخضاع الفلاسفة أنفسهم لضرب من العلاج النفسي حتى نظهرهم على منشأ تلك الأوهام ~~الميتافيزيقية التي طالما وقعوا تحت سطوتها؛ وبذلك نعينهم على الاهتداء إلى المعاني ~~الحقيقية لما يفوهون به من كلمات. إن مهمة الفلسفة عند فتجنشتين سلبية صرفة، ما دامت كل ~~وظيفتها لا تكاد تتعدى إزالة العوائق التي تقف حجر عثرة أمامنا في سبيل فهم معاني اللغة العادية. # 5 ~~(1) من الماهية إلى «التشابه العائلي» # الكلمات أدوات. ومعنى الكلمة لا يتمثل في «موضوع» يفترض أن الكلمة تقوم مقامه. ~~وواقع الحال في الممارسة اللغوية الحقيقية أننا حين نتحدث عن معنى أية كلمة فإننا نتحدث ~~عندئذ عن الطريقة التي تستخدم بها تلك الكلمة، وحين نقول عن أي شخص: إنه قد تعلم ~~أو فهم معنى أية كلمة فإننا نعني بذلك أن هذا الشخص قد تعلم أو أصبح يفهم كيف ~~يستخدم تلك الكلمة، وأصبح بالتالي عضوا في جماعة لغوية معينة. للغة إذن طابع اجتماعي ~~يجعل منها أكثر من مجرد وسيلة لتصوير الوقائع. # 6 # للغة ms046 استعمالات كثيرة غير مجرد الوصف أو التصوير، منها الأمر والتحذير ~~والتوبيخ والتحضيض والتعبير عن المشاعر ... إلخ. # المعنى هو الاستخدام، لا تسأل عن المعنى ولكن اسأل عن الاستخدام. ومعنى اللفظة ليس ~~غير طريقة (أو طرق) استخدامنا لها في حياتنا اليومية. فبينما يؤكد الفلاسفة أن الفكر ~~الواضح منوط بالتعبير مما يستوجب أن يكون لكل كلمة معنى محدد، فإن فتجنشتين يبدهنا ~~بغير ذلك؛ فليس للكلمة الواحدة من كلمات اللغة معنى محدد دقيق، وإنما للكلمة الواحدة ~~كما هي مستخدمة بالفعل في الحياة اليومية معان لا ~~حصر لها تتحدد بحسب السياقات والمواقف والظروف المختلفة التي تستخدم فيها الكلمة؛ ~~فالكلمة مطاطة تتسع وتضيق وفقا للظروف والحاجات المختلفة، ولا يوجد بين الاستخدامات ~~المختلفة للكلمة الواحدة عنصر مشترك محدد، وإنما توجد بينها تشابهات متداخلة متشابكة ~~كالتي نراها بين أفراد العائلة الواحدة. # 7 # و«التشابه العائلي» # family resemblance # هو الظاهرة ~~التي بينها فتجنشتين في كتاباته المتأخرة، ومفادها أن الأشياء التي يشير إليها حد ~~من الحدود قد ترتبط معا لا بخاصة مشتركة واحدة بل بشبكة من التشابهات، كشأن الأشخاص ~~الذين تشترك وجوههم في ملامح مميزة لعائلة معينة. و«مفهوم التشابه العائلي» # 8 # يعني كل مفهوم يضم مجموعة من الأشياء أو الموضوعات وينطبق عليها لا بفضل ~~سمة فريدة عامة بل لوجود تشابهات بينها عديدة ومتداخلة جزئيا بعضها مع بعض. # للغة إذن استعمالات عديدة. وقد يكون من العبث أن نحاول البحث عن عنصر مشترك بين هذه ~~الاستعمالات المختلفة، وكأن ثمة «ماهية» # essence # شاملة ~~للمعنى تكمن من وراء تلك الاستعمالات. ولعلنا نكون أقرب إلى جادة الحق لو أننا حاولنا ~~أن نشبه فهم الإنسان للاستعمالات المختلفة للألفاظ بفهمه للقواعد التي لا بد من ~~مراعاتها في كل لعبة من الألعاب. فاللغة هي أشبه ما تكون باللعبة من حيث إنه لا بد من ~~التزام بعض القواعد في كل منها. وكما أن الاختلاط لا بد أن يشيع بين اللاعبين لو أن كل ~~لاعب سمح لنفسه بابتداع قواعد جديدة للعبة أثناء استمراره في اللعب، فكذلك يشيع ~~الاختلاط لو عمد الناطق ms047 باللغة إلى مخالفة القواعد المرعية، ولا سبيل إلى بلوغ الوضوح ~~المطلوب حول معنى أية كلمة إلا بالرجوع إلى طرق استعمالها. # 9 # وحسبنا أن نمعن النظر في الوظائف المتنوعة التي تضطلع بها اللغة لكي نتحقق من سذاجة ~~تلك النظرة المنطقية التي طالما اصطنعها الفلاسفة في تحليلهم لبناء اللغة، أو في تصورهم ~~للغة مثالية يكون فيها رمز واضح محدد لكل موضوع بسيط أو لكل خاصية بسيطة ... ليست اللغة ~~مجرد عملية لصق بطاقات على بعض الموضوعات، ولا هي مجرد «حساب منطقي». وليس أدل على ~~مرونة اللغة (من وجهة النظر الصورية أو الشكلية) من أنها تقبل التعبير عن العديد من ~~الاستعمالات الجديدة، فضلا عن أنها قد تنهض بتحمل مهام جديدة غير تلك التي دأبت على ~~النهوض بها. # 10 # وليس ثمة سبيل لفهم طبيعة اللغة أفضل من النظر إلى الطريقة العملية التي تستخدم بها ~~اللغة في صميم حياتنا الاعتيادية، على نحو ما ينظر المرء إلى أي جهاز آلي أثناء تحركه ~~أو دورانه، فيفهمه أو يدرك طريقة استخدامه. # 11 # يقول فتجنشتين: «أن نفهم لغة ما هو أن نفهم شكلا من أشكال الحياة.» ويبدو أن هذا ~~القول يحمل في تضاعيفه دعوة تلزم أولئك الذين يرغبون في دراسة اللغة أن يفعلوا بإزاء ~~عشائرهم الخاصة شيئا شديد الشبه بما يفعله الإثنوغرافيون/الأنثروبولوجيون بإزاء ~~العشائر التي يدرسونها، يتضمن ذلك على أقل تقدير ترسم معنى إجمالي لجملة ~~الممارسات اللغوية وغير اللغوية التي تؤلف شكلا من أشكال الحياة. # 12 ~~(2) التشابهات العائلية: عن نص فتجنشتين حرفيا PI ~~65-67 ~~( # 65 ~~) هنا نواجه السؤال الكبير الذي يكمن خلف كل هذه ~~الاعتبارات؛ إذ قد يعترض أحد علي بقوله: «لقد سلكت الطريق السهل! فأنت تتكلم عن جميع ~~أنواع ألعاب اللغة، لكنك لم تذكر ماهية اللعبة اللغوية؛ ومن ثم ماهية اللغة: ولا ما ~~هو مشترك بين كل هذه المناشط أو الفعاليات على نحو يجعل منها لغة أو أجزاء من اللغة، ~~وبذلك تكون قد استبعدت من بحثك ذلك الجزء الذي سبب لك صداعا، وهو ذلك الجزء الخاص ~~بالصورة العامة للقضايا ms048 وللغة.» وهذا حق ... فبدلا من التوصل إلى شيء يكون مشتركا بين ~~كل ما نسميه لغة، أقول بأنه لا يوجد شيء واحد مشترك بين تلك الظواهر اللغوية يكون من ~~شأنه أن يجعلنا نستخدم لفظا واحدا بالنسبة لها جميعا، وإنما هي مترابطة الواحدة منها ~~بالأخرى بطرق عديدة مختلفة، وإنه بسبب علاقة الترابط هذه أو العلاقات، فإننا نسميها ~~جميعا باسم «اللغة». وسوف أحاول الآن أن أفسر هذا القول. ~~( # 66 ~~) لنأخذ مثلا العمليات أو الأفعال التي نسميها ب ~~«الألعاب»؛ وأعني بذلك الألعاب ذات الرقعة، وألعاب الورق، وألعاب الكرة، والألعاب ~~الأوليمبية، وغير ذلك. ما الذي يكون مشتركا بينها جميعا؟ لا تقل: «لا بد من وجود شيء ~~مشترك وإلا ما أسميناها جميعا بأنها «ألعاب».» بل انظر وشاهد ما إذا كان هناك أي شيء ~~مشترك بينها جميعا؛ لأنك إذا نظرت إليها فلن تشاهد شيئا مشتركا بينها جميعا، وإنما ~~ستشاهد تماثلات وعلاقات بل سلسلة كاملة منها. # أكرر: لا تفكر، لكن انظر وشاهد! # انظر مثلا إلى الألعاب ذات الرقعة بعلاقاتها العديدة المترابطة. ثم انتقل إلى ألعاب ~~الورق؛ هنا تجد تناظرات كثيرة بينها وبين المجموعة الأولى، إلا أنك تجد صفات مشتركة ~~عديدة بينها اختفت، بينما تظهر صفات أخرى غيرها. وحينما ننتقل بعد ذلك إلى ألعاب الكرة؛ ~~نجد أن كثيرا مما هو مشترك يظل باقيا، في حين يزول الكثير أيضا. # هل هي جميعها تتصف بأنها «مسلية»؟ قارن لعبة الشطرنج بلعبة السلم والثعبان. أم هل ~~هناك دائما مكسب وخسارة، أو تنافس بين اللاعبين؟ فكر في الصبر (أثناء ممارسة هذه ~~الألعاب). في ألعاب الكرة مكسب وخسارة، لكن حينما يرمي طفل بكرته إلى الحائط ثم يمسك ~~بها مرة ثانية نجد أن هذه السمة تزول. انظر إلى الدور الذي تلعبه المهارة ويلعبه الحظ، ~~والفرق بين المهارة في الشطرنج والمهارة في التنس. فكر الآن في الألعاب الدائرية؛ # 13 # هنا عنصر التسلية موجود، لكن كم من الصفات الأخرى قد اختفت! ويمكننا أن ~~نستمر على هذا النحو في ذكر مجموعات كثيرة أخرى من الألعاب، ويمكننا أن نتبين كيف ms049 تنشأ ~~التشابهات أو التماثلات، وكيف تزول وتختفي. # ونتيجة هذا التأمل هي أننا نرى شبكة مركبة من التماثلات تتداخل وتتقاطع؛ وهي أحيانا ~~تماثلات شاملة، وأحيانا أخرى تماثلات تفصيلية. ~~( # 67 ~~) أعتقد أنني لا أكاد أجد تعبيرا يحدد هذه ~~التماثلات أفضل من القول بأنها «تشابهات عائلية»؛ لأن أوجه التشابه العديدة بين أفراد ~~العائلة الواحدة، مثل: البنية والملامح ولون العينين وطريقة المشي والمزاج ... إلخ تتداخل ~~وتتقاطع بنفس الطريقة. # أنا أقول: إن «الألعاب تكون عائلة» بهذا المعنى السابق، وكذلك فإن أنواع العدد ~~تكون عائلة بنفس الطريقة. لماذا تسمي شيئا بأنه «عدد»؟ حسنا، ربما لأنه يرتبط ~~بعلاقة مباشرة مع أشياء أخرى سميت حتى الآن باسم العدد. بهذه الطريقة يمكن القول ~~بأننا نربطه بعلاقة غير مباشرة مع غيره من الأشياء التي نسميها بالاسم نفسه ...» # 14 ~~(3) هل «التشابه العائلي» رفض صريح للماهوية؟ # تذهب القراءة السائدة لحديث فتجنشتين عن «التشابه العائلي» (بحوث فلسفية 65-67) إلى ~~أن فتجنشتين رافض صريح لنزعة الماهية، وأن المفهوم التشابه العائلي عنده يتضمن «دعوى ~~أنطولوجية»، مفادها أنه لا وجود لخاصة مشتركة ماهوية للألعاب، وليس ثمة تعريف ماهوي ~~تحليلي يحصر السمة المشتركة للألعاب أو يقبض على «ماهية» الألعاب. # والحقيقة أن نص فتجنشتين في «بحوث فلسفية» لا يفيد ذلك، بل يفيد أن الألفاظ لا يلزمها ~~أن يكون لها تعريفات ماهوية (تحصر الخواص المشتركة) لكي تعمل كألفاظ؛ فمفهوم التشابه ~~العائلي لا يرمي إلى رفض الماهوية، بل إلى جعل هذا المذهب الماهوي غير ذي صلة، وإلى ~~تبديد وطأته الفلسفية؛ فالأفضل أن نقرأ هذه الشذرات من فتجنشتين في ضوء هدفه من منهجه ~~الفلسفي كما نص عليه مثلا في الشذرة 133 من «بحوث فلسفية»، وهو أن «المشكلات الفلسفية ~~(المتصلة بالماهوية في هذا الصدد) يجب أن تختفي تماما.» # 15 # إذا كان التفسير السائد للتشابه العائلي يتضمن «دعوى أنطولوجية» (عدم وجود خاصة ~~مشتركة ماهوية)، فإن القراءة الصحيحة للشذور الثلاث يتضمن «دعوى إبستمولوجية» تتحدث عما ~~يتعين على الناطقين أن يعرفوه لكي يستخدموا كلمة ما استخداما صحيحا، ويراد بها أن ~~تكون «وصفا» ذا صلة فلسفية ms050 (علاجية) دالة. ولكي نتحقق من دقتها فإن علينا أن ننزل إلى ~~أرض الواقع وننظر إلى استعمال الكلمات ونتفحص ما يفعله الناطقون عندما يستخدمونها. إن ~~الدور المنوط ب «استعمال» اللفظة لهو دور أساسي في المنهج الفلسفي عند فتجنشتين المتأخر. # 16 # يعني ذلك أن فتجنشتين لم يقل بصريح العبارة: إن الماهيات لا وجود لها؛ فالشذور الثلاث ~~لم تصرح بما إذا كانت التعريفات الماهوية موجودة أو غير موجودة. إنما تقرر فحسب أن ~~معرفة التعريفات ليست إلزامية أو إجبارية من أجل الاستخدام الصحيح. # وبتعبير آخر: لم يكن الغرض الذي يصوب إليه فتجنشتين سهام نقده في فقرات التشابه ~~العائلي (65-67) هو الدعوى الماهوية الصريحة، «ثمة ماهيات للألعاب (محصورة في التعريف ~~الماهوي)»، بل كان الغرض المستهدف هو رأي من قبيل «الناطقون بحاجة إلى معرفة ~~تعريف/ماهية لكي يستخدموا اللفظ على نحو صحيح»؛ فالوصف الواقعي لعملية استعمال اللغة ~~يكشف أن الناطقين لا يعرفون أي تعريف/ماهية للألعاب عندما يستخدمون لفظة «لعبة» ~~استخداما صحيحا، إذن معرفة مثل هذا التعريف الماهوي ليست ضرورية للاستعمال الصحيح لأي ~~لفظة. والتأثير الذي ترمي إليه هذه القراءة المراجعة لفتجنشتين هو تناول اللب الماهوي ~~لا بالرفض بل بالإذابة إن صح التعبير؛ فالقوة التأسيسية المفترضة للماهوية ينبغي أن ~~تحيد ما دامت التعريفات الماهوية لا دخل لها ولا دور في استخدامنا لمفهوم من ~~مفاهيم اللغة الطبيعية، وباستعارة التعبير الأثير لفتجنشتين فإنها «أشبه بتروس قطعت ~~صلتها بالآلية». # وفي ضوء هذه القراءة فإن الأثر المنشود للمنهج الفلسفي عند فتجنشتين ليس أثرا ~~مبالغا فيه؛ فلقد بدا لنا الآن كيف ولماذا ينبغي للمشكلات الفلسفية المرتبطة ~~بالماهوية (التعريفية) أن «تختفي تماما» (بحوث فلسفية، 133). وهذا مثال من الأمثلة ~~التي تقوض ما تدعيه الميتافيزيقا التقليدية من أنها تقدم لنا نتائج «تأسيسية» # foundational # وكشوفا عن طبيعة الواقع نفسه؛ فنحن ~~عندما نتبين أن استعمالنا للغة مستقل عما يمكن لمثل هذا المشروع الميتافيزيقي أن يكتشفه ~~(إن كان يكتشف شيئا على الإطلاق)؛ تتبدد أمام أعيننا أية صلة يريدها الميتافيزيقي ~~لبحثه في طبيعة الأشياء. يذهب فتجنشتين إلى أن ادعاء الفلاسفة ms051 بتقديم أسس تصورية (بمعنى ~~تزويدنا بتبريرات أسسية لاستخدامنا المفاهيم) هو - ببساطة - مجرد وهم، فالفلسفة الأصيلة ~~تترك كل شيء كما هو، بينما تجهد الفلسفة الزائفة من أجل الأسس. وإذا وقر الاعتقاد ~~بالعثور على هذه الأسس فإن النتيجة المباشرة المترتبة على ذلك هي أن تلج الفلسفة ~~(الزائفة) في اقتراح إصلاحات لغوية، معيقة بذلك الاستعمال الفعلي لمفاهيم اللغة الطبيعية. # 17 # الفصل الخامس # | اللاماهوية عند كارل بوبر # كان كارل ريموند بوبر (1902-1994م) من أشد المناوئين لنزعة الماهية والرافضين لفكرة وجود ~~«واقع نهائي» علينا أن نكتشفه ونفسر في ضوئه كل شيء آخر، في كتابه (المشترك) «النفس ~~ودماغها» يعرض بوبر لعالم المثل الأفلاطونية فيقول: إن عالم المعقولات عند أفلاطون رغم ~~شبهه بالعالم 3 عند بوبر، فإنه شديد الاختلاف عنه من نواح كثيرة، فهو يتكون مما أسماه ~~«الصور» # forms ~~، أو «الأفكار/المثل» # ideas ~~، أو «الماهيات» # essences ~~؛ أي الأشياء التي تشير إليها المفاهيم أو الأفكار العامة. ~~وأهم الماهيات في عالم الصور أو الأفكار المعقولة عند أفلاطون هي «الخير» و«الجمال» ~~و«العدالة». وهو يتصور هذه الأفكار على أنها ثابتة، ولا زمنية أو «أزلية»، ومن مصدر إلهي. ~~وعلى خلاف ذلك فإن العالم 3 عند بوبر هو صنيعة الإنسان من حيث مصدره (رغم استقلاله الجزئي). ~~وهو رأي كان كفيلا أن يمثل صدمة لأفلاطون. يقول بوبر: «بينما أؤكد على وجود أشياء العالم ~~3، فأنا لا أعتقد أن الماهيات لها وجود، بمعنى أنني لا أسبغ أي وضع على الموضوعات أو ~~المسميات الخاصة بمفاهيمنا أو أفكارنا. إن التأملات النظرية في الطبيعة الحقيقية أو التعريف ~~الحقيقي للخير أو للعدالة؛ تؤدي - في رأيي - إلى مماحكات لفظية وعلينا اجتنابها؛ فأنا من ~~المناهضين لما أسميته «نزعة الماهية» # essentialism ~~... لقد ~~وصف أفلاطون عملية فهم الصور أو الأفكار على أنها نوع من الرؤية. إن عيننا العقلية (النوس، ~~العقل)، «عين الروح»، قد وهبت حدسا فكريا وبوسعها أن «ترى» الفكرة أو الماهية أو ~~الشيء الذي ينتمي إلى عالم المعقولات. وما إن نتمكن من أن نراه - أن نفهمه - فإننا نعرف هذه ~~الماهية، نستطيع أن نراها «في ms052 ضوء الحقيقة». هذا الحدس الفكري متى يتم الوصول إليه فهو ~~معصوم من الخطأ.» # يذهب بوبر إلى أن هناك شيئا من قبيل الحدس الفكري ولكنه يؤكد أنه بعيد عن المعصومية، ~~وأنه يخطئ أكثر مما يصيب. ويذهب إلى أننا لا نملك شيئا من قبيل «عين العقل» أو عضو الإحساس ~~الفكري، رغم أننا قد اكتسبنا ملكة - شيئا ما أشبه بعضو ~~- للجدل أو الاستدلال. ويرى أننا نفهم موضوعات العالم 3 ~~من خلال عملية صنعها أو إعادة خلقها، وهي قدرة تنتج عن الممارسة؛ فنحن نتعلم بالممارسة وليس ~~بالتأمل المباشر، نتعلم بالإسهام النشط، نتعلم كيف نصنع موضوعات العالم 3 وكيف نفهمها وكيف نراها. # 1 # كان بوبر يكره أسئلة «ما هو؟ ما هي الجاذبية؟ ما هي الحياة؟ ... إلخ». إن أسئلة من هذا ~~القبيل هي أسئلة لا يرجى منها أن تصنع تقدما في العلم، مثلما أن «ما هي الحرية؟ ما هي ~~العدالة؟ ... إلخ» لا تصنع تقدما في السياسة. مثل هذه المحاولات شبه السحرية لحبس ماهية ~~الواقع في تعريف هو ما حدا ببوبر إلى أن يدرجها تحت تصنيف «الماهوية». ومن طبيعة هذا ~~المدخل الماهوي في السياسة أن يؤدي إلى اليوتوبية والصراع المذهبي. أما الأسئلة الأكثر ~~أصالة وجدوى فهي أسئلة من قبيل: «ماذا ينبغي علينا أن نفعل في هذه الظروف؟» «ما هي ~~مقترحاتك؟» ... فإجابات مثل هذه الأسئلة يمكن أن تناقش وتنقد بطريقة مثمرة، فإذا صمدت ~~لذلك فهي جديرة بأن نجربها عمليا؛ فالعمل الأجدى في السياسة - كما في العلم - ليس تحليل ~~المفاهيم بل التمحيص النقدي للنظريات وتعريضها لاختبار التجربة. # 2 ~~(1) نقد نظرية التعريف الأفلاطونية-الأرسطية # الخطر الأكبر على فلسفتنا - عدا الكسل والتشوش - هو السكولائية ... التي تعامل ما ~~هو غامض على أنه دقيق محدد. # فرانك رامزي # في الفصل الأول من الجزء الثاني من كتابه «المجتمع المفتوح وأعداؤه» يعرض بوبر في ~~استطرادة مهمة للمنهج الماهوي في التعريفات عند أرسطو. يقول بوبر: إن مشكلة التعريفات ~~و«معنى المصطلحات» غير ذي وقع مباشر على التاريخانية؛ غير أنه كان مصدرا لا ينقطع ~~للخلط؛ ولذلك الضرب من الحشو اللفظي ms053 الذي اتحد بالتاريخانية في عقل هيجل؛ فأنتج ذلك ~~المرض الفكري السام الذي ألم بزمننا نحن والذي أسميه «الفلسفية النبوئية» # oracular philosophy ~~، وهو أهم مصدر ~~للتأثير الفكري المدمر لأرسطو، لكل تلك التاريخانية اللفظية والفارغة التي لا تنتاب ~~العصور الوسطى فحسب بل ترين على فلسفتنا المعاصرة نفسها؛ فحتى فلسفة في حداثة فلسفة ~~فتجنشتين لم تسلم من هذا التأثير! # يذهب بوبر إلى أن بوسعنا أن نجمل تطور الفكر منذ أرسطو بأن نقول: إنه ما من مبحث لا ~~يزال يستخدم المنهج الأرسطي في التعريف إلا ظل موثقا في حالة من الحشو اللفظي الفارغ ~~والسكولائية العقيمة، وإن مختلف العلوم لم تتمكن من إحراز أي تقدم إلا بقدر ما تمكنت من ~~التخلص من هذه المنهج الماهوي. (وهذا هو السبب في أن كثيرا من «علومنا الاجتماعية» ما ~~زالت تنتمي إلى العصور الوسطى). # سيتعين على عرض هذا المنهج أن يكون مجردا بعض الشيء؛ ذلك أن المشكلة قد عانت ~~تشوشا عظيما على يد أفلاطون، وعلى يد أرسطو بصفة خاصة؛ فقد أدى نفوذهما إلى تحيزات ~~بلغت من الرسوخ مبلغا جعل تبديدها أمرا ليس بالهين. ورغم كل ذلك فإن تناول مصدر هذا ~~الخلط والحشو الكثير بالتحليل قد لا يخلو من الفائدة والتشويق. # يفرق أرسطو - مقتفيا في ذلك أثر أفلاطون - بين المعرفة # knowledge # والرأي # opinion ~~؛ فالمعرفة ~~عنده سديدة لا تخطئ، وصادقة على نحو نهائي مطلق، بينما الرأي لا يعول عليه، وقد ~~يكون كاذبا أحيانا. تتكون المعرفة عند أرسطو من العبارات العلمية التي تم إثباتها ~~أو البرهنة عليها، أو «المبادئ» # principles # التي لا ~~يمكن إثباتها. وقد كان أرسطو على صواب بغير شك حين أصر على أن علينا ألا نحاول إثبات كل ~~معرفتنا، فكل برهان يتعين أن ينطلق من مقدمات؛ ومن ثم فإن البرهان بحد ذاته - أي ~~الاستقاء من المقدمات - لا يمكن أن يحسم صدق أي نتيجة، بل يبين فحسب أن النتيجة لا بد ~~أن تصدق شريطة أن تكون المقدمات صادقة. فإذا كان علينا أن نطلب البرهنة على المقدمات ~~بدورها، فإن مسألة الصدق تكون ms054 قد ترحلت خطوة إلى ~~الخلف - ليس إلا - إلى مجموعة جديدة من المقدمات. ~~وهكذا إلى غير نهاية. ولكي نتجنب هذا النكوص اللانهائي # infinite regression (regress) # فقد علمنا أرسطو أن نفترض بالضرورة أن هناك ~~مقدمات صادقة لا تقبل الشك ولا تحتاج إلى أي برهان، وهو يسميها «المبادئ». إذا سلمنا ~~بالمناهج التي نشتق بها النتائج من هذه المبادئ فإن بوسعنا أن نقول - وفقا لأرسطو: إن ~~المعرفة العلمية كلها متضمنة في المبادئ، وإننا حقيقون بتملكها لو كان بمكنتنا فقط ~~أن نحصل قائمة موسوعية من المبادئ. ولكن كيف نحصل هذه المبادئ؟ ذهب أرسطو - ~~شأنه شأن أفلاطون - إلى أننا نحصل كل معرفة بشكل جوهري بإدراك ماهية ~~الأشياء. # يقول أرسطو: «ليس بوسعنا أن نعرف شيئا ما إلا بمعرفة ماهيته»، و«أن نعرف الشيء هو أن ~~نعرف ماهيته». و«المبدأ» # principle # وفقا لأرسطو ليس ~~إلا عبارة تصف ماهية شيء ما. ولكن هذه العبارة هي بالضبط ما يسميه «تعريفا» # definition ~~. بذلك تكون كل «المقدمات الأساسية ~~للبراهين»؛ أي كل «المبادئ» هي «تعريفات» # definitions ~~. # كيف يبدو التعريف؟ قد يكون مثالا لتعريف أن نقول: «الجرو هو كلب صغير.» إن ~~الموضوع # subject # في هذه الجملة-التعريف (لفظة ~~«جرو») يسمى «الحد المعرف» # the defined term ~~، ~~أما كلمتا: «كلب صغير» فيطلق عليها «الصيغة المعرفة» # the defining formula ~~. وكقاعدة: تكون الصيغة المعرفة أطول من الحد ~~المعرف وأكثر تعقيدا وبكثير جدا في بعض الأحيان. ويعتبر أرسطو الحد المعرف ~~اسما لماهية الشيء، والصيغة المعرفة وصفا لهذه الماهية. وهو يؤكد أن الصيغة ~~المعرفة يجب أن تقدم وصفا جامعا للماهية، أو الخواص الماهوية للشيء المعني. هكذا ~~فإن عبارة مثل «الجرو له أربع أرجل» - رغم صدقها - ليست تعريفا قويما، من حيث إنها لا ~~تجمع (تستنفد) ما قد يسمى ماهية كون الشيء جروا، بل تصدق أيضا على الحصان. ~~وبالمثل فإن العبارة: «الجرو بني اللون»، رغم أنها قد تصدق على الجراء، فإنها لا ~~تصدق على جميع الجراء، وهي من أجل ذلك تصف ما هو غير جوهري (غير ماهوي) وما هو مجرد ~~خاصة عرضية # accidental property # للحد ms055 ~~المعرف. # ولكننا لم نجب حتى الآن عن سؤال كيف يمكننا أن نحصل على التعريفات أو المبادئ ~~ونتيقن من أنها صحيحة. رغم أن أرسطو غير واضح تماما في هذه النقطة فليس ثمة شك في أنه ~~بعامة يقتفي أثر أفلاطون مرة أخرى. فقط كان أفلاطون ~~يعلم أن بوسعنا فهم «المثل/الأفكار» # ideas # عن طريق ~~نوع معين من «الحدس الفكري» # intellectual intuition ~~؛ ~~أي إننا نراها أو ننظر إليها ب «عين العقل» # mental eye # لدينا، وهي عملية يتصورها أفلاطون كشيء مماثل للرؤية، ولكن يعتمد كليا على الفكر ~~ويستبعد أي عنصر يعتمد على حواسنا. ورغم أن وجهة نظر أرسطو في هذا الشأن أقل جذرية ~~وإلهاما من وجهة نظر أفلاطون فإنها تفضي إلى نفس الشيء؛ ذلك أن أرسطو وإن كان يعلم ~~أننا لا نصل إلى التعريف إلا بعد أن نكون قد قمنا بكل الملاحظات الممكنة؛ فهو يعترف بأن ~~الخبرة لا يمكن على الإطلاق أن تحدد تعريفا تحديدا تاما، ويفترض في النهاية أننا ~~نمتلك حدسا فكريا، تلك الملكة العقلية أو الفكرية التي تمكننا من أن ندرك ماهيات ~~الأشياء وأن نعرفها؛ ويفترض كذلك أننا إذا ما عرفنا ماهية ما حدسيا نكون بالضرورة ~~قادرين على وصفها؛ ومن ثم على تعريفها. # ونحن إذ نجمل هذا التحليل المختصر يمكننا - فيما أعتقد - أن نقدم وصفا مقبولا ~~للمثال الأرسطي للمعرفة التامة والكاملة إذا قلنا: إنه ذهب إلى أن الهدف النهائي ~~للمعرفة هو في جمع موسوعة تحتوي على تعريفات جميع الماهيات؛ أي تحتوي على أسمائها مع ~~صيغاتها التعريفية، وإنه اعتبر أن تقدم المعرفة عبارة عن تراكم تدريجي لهذه الموسوعة، ~~والتوسع فيها وملء الثغرات بها. # يتضح الآن دون أدنى شك أن جميع هذه الآراء الماهوية تقف على النقيض التام من مناهج ~~العلم الحديث. أولا: رغم أننا في مجال العلم نبذل قصارى جهدنا لكي نصل إلى الحقيقة، ~~فنحن على دراية بأننا لا يمكننا على الإطلاق أن نتيقن من أننا وضعنا يدنا عليها. لقد ~~سبق أن تعلمنا من الإحباطات الكثيرة في مجال العلم أننا ينبغي ألا نطمح إلى ms056 الحقيقة ~~المطلقة. ولقد تعلمنا ألا نحزن إذا ما تقوضت نظرياتنا العلمية؛ لأن بوسعنا في ~~حالات كثيرة أن نحدد بثقة كبيرة أية نظرية من النظريتين هي الأفضل. بوسعنا إذن أن نعرف ~~أننا نحرز تقدما، وإن هذه المعرفة لهي العوض - لدى معظمنا - عن انقشاع وهم ~~الحقيقة المطلقة ووهم اليقين. نحن بعبارة أخرى نعرف أن نظرياتنا العلمية ينبغي لها ~~دائما أن تظل فرضيات، ولكننا نعرف أيضا أن بوسعنا في حالات كثيرة مهمة أن نبين ما إذا ~~كانت فرضية جديدة تفوق فرضية قديمة أم لا؛ ذلك لأنهما إذا كانتا مختلفتين فسوف ~~تؤديان إذن إلى تنبؤات مختلفة، والتي يمكن في الأغلب اختبارها تجريبيا؛ وعلى أساس هذه ~~التجربة الفاصلة يمكننا أحيانا أن نبين أن النظرية الجديدة تؤدي إلى نتائج مرضية ~~في حين تقصر النظرية القديمة عن ذلك وتتقوض. بذلك يمكننا أن نقول: إننا في بحثنا ~~عن الحقيقة قد استبدلنا باليقين العلمي التقدم العلمي، إن هذه الوجهة من الرأي في ~~المنهج العلمي يعززها تطور العلم؛ فالعلم لا ينمو بتراكم موسوعي تدريجي للمعلومات كما ~~كان أرسطو يعتقد، بل بطريقة أكثر ثورية بكثير. إنه يتقدم بواسطة الأفكار الجريئة، ~~بواسطة تقديم نظريات جديدة وشديدة الغرابة (مثل نظرية أن الأرض ليست مسطحة، وأن المكان ~~ليس مسطحا)، وبواسطة الإطاحة بالنظريات القديمة. # ولكن هذه الرؤية للمنهج العلمي تعني أن ليس في العلم «معرفة» بالمعنى الذي فهم به ~~أفلاطون وأرسطو هذه الكلمة؛ أي المعنى الذي يتضمن النهائية. ليس لدينا في العلم مبرر ~~كاف على الإطلاق للاعتقاد بأننا قد بلغنا الحقيقة، وإن ما اعتدنا أن نطلق عليه ~~«المعرفة العلمية» هو كقاعدة ليس معرفة بهذا المعنى، وإنما هو معلومات تتعلق بشتى ~~الفرضيات المتنافسة وكيف صمدت لشتى الاختبارات. إنه - باستخدام لغة أفلاطون وأرسطو - ~~معلومات تتعلق بآخر «رأي» # opinion # علمي. # هذه الرؤية تعني - فضلا عن ذلك - أننا في العلم ليس لدينا براهين (باستثناء ~~الرياضيات البحتة والمنطق بطبيعة الحال). أما في العلوم الإمبيريقية - التي بمكنتها ~~وحدها أن تزودنا بمعلومات عن العالم الذي نعيش فيه - فالبراهين لا تحدث، إذا كنا ms057 ~~نعني ب «البرهان» # proof # حجة تؤسس صدق نظرية ما مرة ~~وإلى الأبد. (أما الذي قد يحدث فهو تفنيدات النظريات العلمية). ومن الجهة الأخرى فإن ~~الرياضيات البحتة والمنطق - اللذين يسمحان بالبراهين - لا يقدمان لنا معلومات عن ~~العالم، بل يطوران فحسب وسائل وصفه. بذلك يسعنا أن نقول (كما أشرت في موضع آخر): «بقدر ~~ما تشير الجمل العلمية إلى عالم التجربة يتعين عليها أن تكون قابلة للدحض، وبقدر ما ~~تكون غير قابلة للدحض، فإنها لا تشير إلى عالم التجربة.» ولكن على الرغم من أن البرهان ~~لا يلعب أي دور في العلوم الإمبيريقية فما تزال الحجة تلعب دورا، بل إن دورها مساو في ~~الأهمية على أقل تقدير للدور الذي تلعبه الملاحظة والتجربة. # كما أن دور التعريفات في العلم بخاصة مختلف تماما عما كان يقر في ذهن أرسطو. كان ~~أرسطو يعلم أننا في التعريف نشير أولا إلى الماهية بتسميتها ثم نصفها تماما كما ~~في جملة عادية مثل: «هذا الجرو بني اللون.» نحن نشير أولا إلى شيء معين بقولنا: ~~«هذا الجرو»، ثم نصفه بأنه «بني اللون». وكان يعلم أننا بوصفنا هكذا للماهية التي ~~يشير إليها الحد المعرف فنحن نحدد أيضا أو نفسر «معنى» الحد. يعني ذلك أن التعريف قد ~~يجيب في وقت واحد عن سؤالين مرتبطين أشد الارتباط: السؤال الأول هو «ما هو؟» مثلا: ~~«ما هو الجرو؟» وهو يسأل: ما هي الماهية التي يشير إليها الحد المعرف؟ والسؤال الثاني ~~هو «ماذا تعني؟» مثلا: «ماذا تعني لفظة «جرو»؟» وهو يطلب معنى حد ما (أي معنى الحد ~~الذي يشير إلى الماهية). وليس من الضروري في السياق الحالي أن نميز بين هذين السؤالين. ~~أما المهم فهو أن نرى ما يتشاركان فيه، وأود بخاصة أن ألفت الانتباه إلى حقيقة أن ~~كلا السؤالين يطرحهما الحد الذي يقع في التعريف على الجانب الأيسر (الأيمن في اللغة ~~العربية)، وتجيب عنهما الصيغة المعرفة التي تقع على الجانب الأيمن (الأيسر في ~~العربية). هذه الحقيقة تميز وجهة النظر الماهوية التي يختلف عنها المنهج العلمي ~~للتعريف اختلافا ms058 جذريا . # فبينما يمكننا القول بأن التأويل الماهوي يقرأ التعريف «اعتياديا»؛ أي من اليسار ~~إلى اليمين (العكس في العربية)، فإن بوسعنا القول بأن التعريف العلمي يجب أن يقرأ من ~~الخلف إلى الأمام، أو من اليمين إلى اليسار (العكس في العربية)؛ لأنه يبدأ بالصيغة ~~المعرفة ويطلب تسمية قصيرة لها. بذلك تكون النظرة العلمية للتعريف «الجرو هو كلب ~~صغير» أنه جواب عن السؤال: «ماذا سنسمي الكلب الصغير؟» وليس جواب السؤال: «ما هو ~~الجرو؟» (إن أسئلة من قبيل «ما هي الحياة؟» أو «ما هي الجاذبية؟» هي أسئلة لا تلعب أي ~~دور في العلم). هذه النظرة العلمية للتعريف التي تتسم بالمقاربة «من اليمين إلى اليسار» ~~(العكس في العربية) يمكن أن نطلق عليها تأويله «الاسمي» # nominalist ~~، كمقابل لتأويله الأرسطي أو «الماهوي» # essentialist ~~. في العلم ليس ثمة إلا تعريفات اسمية؛ ~~أي إدخال رموز أو تسميات اختزالية من أجل اختصار قصة طويلة. من هذا يمكننا أن نرى ~~للتو أن التعريفات لا تلعب أي دور بالغ الأهمية في العلم؛ ذلك أن الرموز الاختزالية - ~~بطبيعة الحال - يمكن دائما أن يستبدل بها التعبيرات الأطول، الصيغ المعرفة التي ~~ترمز إليها هذه الرموز. من شأن هذا أن يجعل لغتنا العلمية شديدة البطء في بعض الحالات، ~~وأن يهدر الوقت والورق؛ غير أننا لن نفقد أبدا مثقال ذرة من المعلومات الوقائعية. إن ~~«المعرفة العلمية» # scientific knowledge ~~- بالمعنى ~~القويم لهذا المصطلح - تظل دون أدنى مساس إذا ما استبعدنا جميع التعريفات. الشيء ~~الوحيد الذي يتأثر هو لغتنا التي ستفقد لا نقول الدقة بل الإيجاز فحسب (ليس يعني ذلك ~~أنه لا يمكن في العلم أن تكون ثمة حاجة عملية ملحة إلى إدخال تعريفات من أجل ~~الإيجاز). هذه النظرة للدور الذي تلعبه التعريفات تقف على النقيض التام من نظرة أرسطو؛ ~~فالتعريفات الماهوية عند أرسطو هي المبادئ التي تستمد منها معرفتنا كلها؛ فهي بذلك ~~تتضمن كل معرفتنا، وهي تعمل على أن تستبدل بالصيغة الطويلة صيغة أقصر. أما التعريفات ~~العلمية أو الاسمية فهي على النقيض من ذلك لا تحتوي على أي ms059 معرفة كانت، ولا حتى أي ~~«رأي» # opinion ~~، وكل ما تعمله هو إدخال تسميات ~~مختزلة اعتسافية جديدة، إنها تختصر رواية طويلة. # لهذه التسميات أعظم النفع في الممارسة، ويكفينا لكي ندرك ذلك أن نتأمل المصاعب ~~الشديدة التي ستعرض إذا كان على عالم بكتريا كلما تحدث عن سلالة معينة من البكتريا ~~أن يكرر وصفها كله (بما فيه طرائق الصباغة إلخ التي تميزها عن عدد من الأنواع ~~الشبيهة). ولعلنا نفهم أيضا - بتأمل مماثل لذلك: لماذا أغفل كثيرا جدا - حتى من ~~جانب العلماء - أن التعريفات العلمية يجب أن تقرأ «من اليمين إلى اليسار» (العكس في ~~العربية) مثلما أوضحنا آنفا؛ ذلك أن معظم الأشخاص عندما يدرسون علما ما - وليكن ~~البكتريولوجيا - للمرة الأولى يجب أن يحاولوا كشف معاني كل هذه المصطلحات الفنية التي ~~تصادفهم. وهم بهذه الطريقة - في حقيقة الأمر - يتعلمون التعريف «من اليسار إلى اليمين»، ~~كما لو كان تعريفا ماهويا، مستعيضين عن رواية طويلة جدا بأخرى قصيرة جدا؛ غير ~~أن هذا مجرد عرض سيكولوجي، وقد يمضي معلم أو مؤلف كتاب دراسي حقا بطريقة مختلفة ~~تماما، بمعنى أنه قد لا يدخل أي مصطلح فني إلا بعد أن تعرض له الحاجة لهذا ~~المصطلح. # لقد حاولت حتى الآن أن أبين أن الاستخدام العلمي أو الاسمي للتعريفات مختلف تماما عن ~~المنهج الماهوي لأرسطو في التعريفات. ولكن بالإمكان أيضا تبيان أن النظرة الماهوية في ~~التعريفات هي ببساطة أمر مغلوط بحد ذاته. وسأكتفي - لكي لا أطيل هذا الاستطراد فوق ما ~~ينبغي - بأن أنقد مذهبين فقط من المذاهب الماهوية، مذهبين لهما أهمية من حيث إن بعض ~~المدارس الحديثة الذائعة لا تزال قائمة عليهما. الأول هو المذهب الخفي الخاص بالحدس ~~الفكري، والآخر هو المذهب الشديد الرواج القائل بأننا يجب أن «نعرف مصطلحاتنا» إذا ~~شئنا الدقة. # ذهب أرسطو مع أفلاطون إلى أننا نمتلك ملكة - هي الحدس الفكري - يمكننا بها أن ~~نبصر الماهيات ونتحقق أي التعريفات هو الصحيح، وكثير من الماهويين المحدثين قد أعادوا ~~هذا المذهب، وذهب فلاسفة آخرون - مقتفين أثر كانت - إلى أننا لا نملك ms060 أي شيء من هذا ~~القبيل. ورأيي أن بوسعنا أن نسلم طوعا بأننا نملك شيئا ما قد يوصف على أنه ~~«حدس فكري» # intellectual intuition ~~، أو بتعبير ~~أدق: أن لدينا خبرات فكرية معينة قد توصف كذلك. إن كل من «يفهم» فكرة ما أو وجهة نظر ~~أو طريقة رياضية كالضرب مثلا، بمعنى أنه قد «أحس بها» قد يقال: إنه يفهم هذا الشيء ~~حدسيا، وهناك خبرات لا حصر لها من هذا الصنف؛ غير أني من جهة أخرى أود أن أؤكد أن ~~هذه الخبرات - على أهميتها لجهودنا العلمية - لا يمكن على الإطلاق أن تفيد في تأسيس صدق ~~أية فكرة أو نظرية مهما اشتد شعور المرء حدسيا بأنها صادقة بالضرورة أو أنها ~~«واضحة بذاتها» # self-evident ~~. مثل هذه الحدوس لا ~~يمكن أن تعمل حتى كحجة، رغم أنها قد تشجعنا على البحث عن حجج؛ فقد يكون هناك شخص آخر ~~لديه حدس - ليس أقل قوة - بأن نفس النظرية خاطئة. إن ~~طريق العلم مرصوف بنظريات بائدة كانت تعد يوما ما واضحة بذاتها، لقد كان فرنسيس ~~بيكون - على سبيل المثال - يسخر من أولئك الذين أنكروا الحقيقة الواضحة بذاتها بأن ~~الشمس والنجوم تدور حول الأرض التي كانت تبدو ثابتة على نحو واضح. إن الحدس ليلعب ~~بغير شك دورا عظيما في حياة العالم، مثلما يفعل بالضبط في حياة الشاعر. إنه يقوده إلى ~~اكتشافاته، ولكنه قد يقوده أيضا إلى إخفاقاته. وهو يظل دائما شأنه الخاص كيفما كان، ~~فالعلم لا يسأله كيف حصل على أفكاره. العلم لا تهمه إلا الحجج التي يمكن أن يختبرها ~~كل شخص. وقد وصف الرياضي العظيم جاوس هذا الموقف وصفا غاية في الدقة عندما قال ~~متعجبا: «لقد حصلت على نتيجتي، ولكني لا أعرف بعد كيف الحصول عليها!» كل هذا ينطبق ~~بالطبع على مذهب أرسطو في حدس ما يسمى بالماهيات، الذي انتقل بواسطة هيجل، وفي ~~زمننا نحن بواسطة إدموند هسرل وتلاميذه الكثيرين، وهو يشير إلى أن «الحدس الفكري ~~للماهيات» أو «الفينومينولوجيا الخالصة» - كما يسميه هسرل - هو منهج لا يخص العلم ولا ~~الفلسفة. ms061 «من الميسور حسم السؤال الذي كثر الجدل حوله: أهو ابتكار جديد كما يعتقد ~~أصحاب الفينومينولوجيا الخالصة أم هو ربما صيغة من الديكارتية أو الهيجلية؟ فالجواب أنه ~~صيغة من الأرسطية.» # والمذهب الثاني الذي أتناوله بالنقد هو أكثر ارتباطا بالآراء الحديثة حتى من مذهب ~~الحدس الفكري، ويتصل بصفة خاصة بمشكلة النزعة ~~اللفظية # verbalism ~~. منذ أرسطو أصبح من المعروف على نطاق عريض أن المرء لا يمكن ~~أن يبرهن على جميع العبارات، وأن مثل هذه المحاولة مقدر عليها الإخفاق؛ لأنها لن ~~تفضي إلا إلى نكوص لا نهائي للبراهين. ولكن لا أرسطو ولا العديد من الكتاب ~~المحدثين - فيما يبدو - يدركون أن المحاولة المماثلة بتعريف معاني جميع حدودنا تفضي ~~بنفس الطريقة إلى نكوص لا نهائي للتعريفات. والفقرة التالية من كتاب كروسمان «أفلاطون ~~اليوم» خير تعبير عن وجهة من الرأي مبيتة في اعتقاد الكثير من الفلاسفة المعاصرين ~~ذائعي الصيت (فتجنشتين على سبيل المثال): «... إذا لم نكن نعرف بدقة معاني الألفاظ التي ~~نستخدمها فلن يمكننا أن نناقش أي شيء على نحو مفيد؛ فمعظم مجادلاتنا العبثية التي نضيع ~~فيها الوقت جميعا تعود بالأكثر إلى حقيقة أن كلا منا لديه معان غامضة خاصة به ~~للألفاظ التي يستخدمها ويفترض أن خصمه يستخدمها بنفس المعنى. فإذا ما بدأنا بتعريف ~~ألفاظنا لكان بإمكاننا أن نخلص إلى نقاشات أكثر فائدة بكثير. مرة ثانية: بحسبنا أن ~~نقرأ الصحف اليومية لكي نلحظ أن الدعاية (النظير الحديث للخطابة) تعتمد اعتمادا كبيرا ~~من أجل نجاحها على خلط معاني الألفاظ. إنه لو أجبر السياسيون بالقانون على أن ~~يعرفوا أي لفظ يريدون أن يستخدموه لفقدوا الشطر الأكبر من جاذبيتهم الشعبية، ~~ولصارت خطبهم أقصر، ولتبين أن كثيرا من خلافاتهم هي خلافات لفظية محضة.» هذه ~~الفقرة مميزة جدا لواحدة من التحيزات التي نعزوها لأرسطو، ومفادها أن اللغة يمكن ~~أن تجعل أكثر دقة عن طريق استخدام التعريفات. فلننظر هل يمكن حقا إدراك هذه ~~الغاية. # يمكننا أولا أن نرى أن «السياسيين» (أو أي شخص آخر) إذا «أجبروا بالقانون على ~~أن يعرفوا أي لفظ يريدون ms062 أن يستخدموه»، فلن تقصر خطبهم بل ستطول إلى غير حد ؛ ~~ذلك أن التعريف لا يمكن أن يؤسس معنى حد من الحدود أكثر مما يمكن للبرهان أو ~~الاستنباط أن يؤسس صدق عبارة؛ فكلاهما لا يملك إلا أن يزيح هذه المشكلة إلى الخلف. # 3 # أما الاستنباط فينقل مشكلة الصدق خلفا إلى المقدمات، وأما التعريف فينقل ~~المشكلة خلفا إلى الحدود المعرفة (أي الحدود التي تكون الصيغة المعرفة)؛ غير أن ~~هذه (الحدود المعرفة) من المرجح لأسباب كثيرة ألا تكون أقل غموضا وخلطا من الحدود ~~التي بدأنا بها؛ وسيكون علينا على أية حال أن نمضي لكي نعرفها بدورها؛ الأمر الذي ~~يؤدي إلى حدود جديدة ينبغي تعريفها كذلك ... وهكذا إلى غير نهاية. بوسع المرء أن يرى أن ~~المطلب الخاص بضرورة تعريف جميع ألفاظنا هو مطلب لا يقل تمنعا عن المطلب الخاص ~~بضرورة البرهان على جميع عباراتنا. # للوهلة الأولى قد يبدو هذا النقد غير منصف؛ فقد يقال بأن ما يعنيه الناس إذا ~~التمسوا تعريفات هو التخلص من الالتباسات التي كثيرا جدا ما ترتبط بكلمات من قبيل ~~«الديمقراطية»، «الحرية»، «الواجب»، «الدين» ... إلخ. وإن من الواضح أن من غير الممكن ~~تعريف جميع ألفاظنا، ولكن من الممكن تعريف بعض من هذه المصطلحات الأكثر خطورة وتركها ~~عند ذلك الحد، وأن الألفاظ التعريفية ينبغي قبولها فحسب؛ أي إن علينا أن نتوقف بعد خطوة ~~أو اثنتين كيما نتجنب النكوص اللانهائي؛ غير أن هذا الدفاع مغلوط: فصحيح أن الألفاظ ~~المذكورة يساء استخدامها كثيرا، إلا أني أنكر أن محاولة تعريفها يمكن أن تصلح ~~الأحوال؛ إذ لا يمكنها إلا أن تجعل الأحوال أسوأ. إن من الواضح أن تعريف السياسيين ~~لمصطلحاتهم ولو مرة واحدة وترك الألفاظ المعرفة غير معرفة لن يمكنهم من تقصير ~~خطبهم؛ ذلك أن أي تعريف ماهوي - أي الذي يعرف ألفاظنا (كمقابل للتعريف الاسمي الذي ~~يدخل مصطلحات فنية جديدة) - يعني استبدال قصة طويلة بقصة قصيرة كما رأينا. وفضلا عن ~~ذلك فإن محاولة تعريف الحدود لن يؤتي إلا المزيد من الغموض والخلط؛ فما دمنا لا نستطيع ms063 ~~أن نطالب بتعريف جميع ألفاظنا المعرفة بدورها فإن بوسع السياسي أو الفيلسوف الحاذق ~~بسهولة أن يجيب مطلب التعريفات. فإذا سئل مثلا ماذا يعني ب «الديمقراطية» فإن بوسعه ~~أن يقول: «حكم الإرادة العامة» أو «حكم روح الشعب». وحيث إنه الآن قد قدم تعريفا، ~~ووفى من ثم بأعلى معايير الدقة، فلن يجرؤ أحد على نقده مرة ثانية. وكيف يمكن ~~حقا أن ينقد ما دام مطلب تعريف ألفاظ «الحكم» أو «الشعب» أو «الإرادة» أو «الروح» ~~بدورها تضعنا على طريق نكوص لا نهائي مؤكد، بحيث تجعل أي شخص يتردد في طرح ذلك؛ على ~~أنه إذا طرح هذا المطلب رغم كل هذا فبالإمكان إجابته بنفس السهولة. ومن جهة أخرى فإن ~~النزاع حول مدى صواب أو صدق التعريف لا يمكن أن يؤدي إلا إلى خلاف فارغ حول ~~ألفاظ. # هكذا تنهار وجهة الرأي الماهوية حتى إذا لم تحاول مع أرسطو تأسيس «مبادئ» معرفتنا ~~واكتفت بالمطلب الذي يبدو أكثر تواضعا، وهو أن علينا «أن نعرف معنى حدودنا». # ولكن لا شك أن مطلب أن نتحدث بوضوح وبدون التباس هو مطلب شديد الأهمية وينبغي أن ~~يجاب. فهل بوسع وجهة الرأي الاسمية أن تفي به؟ وهل يمكن للاسمية أن تتلافى النكوص ~~اللانهائي؟ # نعم يمكنها؛ فليس ثمة صعوبة لدى الموقف الاسمي تتعلق بالنكوص اللانهائي؛ فالعلم - كما ~~قد رأينا - لا يستخدم التعريفات لكي يحدد معاني حدوده، بل لكي يدخل تسميات مختزلة ~~يسيرة الاستخدام لا أكثر. وهو لا يعتمد على التعريفات؛ فجميع التعريفات يمكن أن تحذف ~~من العلم دون فقدان للمعلومات التي ينقلها. ينتج من ذلك أنه في العلم «يجب أن تكون جميع ~~الحدود التي يحتاجها حقا حدودا غير معرفة». كيف تؤمن العلوم إذن بمعاني ~~مصطلحاتها؟ لقد اقترحت أجوبة شتى على هذا السؤال، ولكني لا أظن أن من بينها أي جواب ~~شاف؛ فالموقف - فيما يبدو - هو هذا: لقد أنبأتنا الفلسفة الأرسطية وما لف لفها ~~لزمن طويل كم هو مهم أن نحصل على معرفة دقيقة بمعنى حدودنا، بحيث صرنا جميعا نميل إلى ~~تصديقها، ونحن ما ms064 زلنا متشبثين بهذه العقيدة برغم الحقيقة التي لا تقبل الشك بأن ~~الفلسفة - التي جعلت همها معنى المصطلحات طيلة عشرين قرنا - ليست تعج باللفظية فحسب، ~~بل هي أيضا غامضة على نحو مريع، في حين أن علما مثل الفيزياء لا يكاد يكترث بالألفاظ ~~ومعانيها بل بالوقائع قد بلغ درجة عظيمة من الدقة. من المؤكد أن هذه الحقيقة ينبغي أن ~~تلفتنا إلى أنه تحت النفوذ الأرسطي تمت المبالغة الشديدة في أهمية معاني الحدود؛ غير ~~أني أراها تشير إلى ما هو أكثر حتى من ذلك؛ فهذا التركيز على مشكلة المعنى لا يفشل فحسب ~~في تأسيس الدقة، بل إنه هو نفسه المصدر الرئيسي للغموض والخلط. # نحن في العلم نحرص على أن تكون عباراتنا لا تعتمد مطلقا على معنى ألفاظنا. وحتى ~~عندما تعرف مصطلحاتنا فنحن لا نحاول على الإطلاق أن نستمد أي معلومات من التعريف، أو ~~نؤسس عليه أية حجة؛ لذا لا تسبب مصطلحاتنا أدنى اضطراب، نحن لا نبهظها، ونحن لا نأخذ ~~«معناها» بجدية شديدة. نحن على وعي دائما بأن مصطلحاتنا غامضة بعض الشيء (ما دمنا ~~قد تعلمنا ألا نستخدمها إلا في تطبيقات عملية)، ونحن نبلغ الدقة لا بإنقاص هامش الغموض ~~منها بل بالبقاء في صميمه، بصياغة جملنا بعناية بحيث لا يكون للظلال الممكنة لمعنى ~~مصطلحاتنا شأن يذكر. هذا هو سبيلنا في تجنب الاصطراع حول ألفاظ. # من المؤكد أن الرأي القائل بأن دقة العلم ولغة العلم تعتمد على دقة مصطلحاته هو رأي ~~جد مقبول ظاهريا، إلا أنه مجرد تحيز؛ فدقة أي لغة إنما تعتمد على حقيقة أنها تحرص ~~على ألا تثقل ألفاظها بمهمة أن تكون دقيقة. إن لفظا مثل «كثيب (رملي)»، أو «ريح» هو ~~لفظ شديد الغموض بدون شك (فكم بوصة يتعين أن يكون طول الكثيب حتى يسمى كثيبا؟ ~~وبأية سرعة يتعين أن يتحرك الهواء كيما يسمى «ريحا»؟) ورغم ذلك فهذان اللفظان ~~يتحليان بدقة كافية تماما لكثير من أغراض عالم الجيولوجيا، وإذا ما تطلب الأمر ~~درجة أعلى من التمييز فإن بوسعه دائما أن يقول: «كثبان رملية ms065 طولها بين 4-20 قدما» ~~أو «ريح سرعتها بين 20-40 ميلا في الساعة». وكذلك الحال في العلوم الأكثر دقة. في ~~القياسات الفيزيائية - على سبيل المثال - نحرص دائما أن نضع اعتبارا للنطاق الذي قد ~~يحدث فيه خطأ، ولا تتمثل الدقة في محاولة إنقاص هذا النطاق إلى صفر، أو نتظاهر بعدم ~~وجود مثل هذا النطاق، بل في تمييزه الصريح. # وحتى حيثما أوقع مصطلح ما إزعاجا، كمصطلح # simultaneity ~~(تزامن) في الفيزياء على سبيل المثال؛ ~~فإن ذلك لم يكن لأن معناه كان غير دقيق أو كان ملتبسا، بل بسبب تحيز حدسي معين حملنا ~~على أن نثقل المصطلح بقدر كبير من المعنى، أو بدقة زائدة في المعنى، وليس لأننا ~~أضفينا عليه قدرا قليلا من المعنى أو من دقة المعنى. إن ما وجده أينشتين في نقده ~~للتزامن هو أن الفيزيائيين في حديثهم عن الأحداث المتزامنة كانوا يضمرون افتراضا ~~ضمنيا (افتراض إشارة لا متناهية السرعة) تبين أنه مصطنع. لم يكن الخطأ أنهم لم ~~يعنوا أي شيء أو أن معناهم كان ملتبسا أو أن المصطلح لم يكن دقيقا بما فيه الكفاية؛ ~~بل ما وجده أينشتين هو أن التخلص من افتراض نظري كان خفيا حتى حينه بسبب وضوحه الذاتي ~~الحدسي - قد تكفل بإزالة صعوبة كانت قد برزت في العالم؛ ومن ثم فقد كان أينشتين ~~غير معني في الحقيقة بمسألة معنى المصطلح بل بصدق إحدى النظريات، وإنه لمن المستبعد ~~جدا أنه كان سيجدي كثيرا لو أن المرأ كان قد بدأ بمعزل عن مشكلة فيزيائية محددة في ~~تحسين مفهوم التزامن عن طريق تحليل «معناه الجوهري»، أو حتى بتحليل ما «يعنيه ~~الفيزيائيون حقا» عندما يتحدثون عن التزامن. # أعتقد أننا يمكن أن نتعلم من هذا المثال أننا يجب ألا نحاول أن نعبر جسورنا قبل أن ~~نصل إليها، وأعتقد أيضا أن من المؤكد أن الانشغال بأسئلة تتعلق بمعنى المصطلحات (مثل ~~غموضها أو التباسها) لا يمكن تبريره باللجوء لمثال أينشتين. إنما يستند مثل هذا ~~الانشغال على الافتراض القائل بأن شيئا كثيرا يتوقف على معنى مصطلحاتنا وأننا ms066 نعمل ~~بواسطة هذا المعنى؛ ومن ثم فهو لا بد أن يؤدي إلى النزعة اللفظية والسكولائية. من ~~هذه الزاوية يمكننا أن ننتقد مذهبا مثل مذهب فتجنشتين الذي يقول بأنه في حين أن العلم ~~يبحث في الوقائع فإن مهمة الفلسفة هي أن توضح معنى المصطلحات؛ وبذلك تنقي لغتنا ~~وتتخلص من الأحاجي اللغوية. إن السمة المميزة لآراء هذه المدرسة أنها لا تفضي إلى أية ~~سلسلة من الحجة يمكن أن تخضع للنقد العقلاني، وأنها من ثم لا تتوجه بتحليلاتها ~~الدقيقة إلا لدائرة حصرية صغيرة من المكرسين. يشير ذلك فيما يبدو إلى أن أي انشغال ~~بالمعنى ينزع إلى أن يؤدي إلى تلك النتيجة التي تسم المذهب الأرسطي بصفة خاصة: ~~النزعة السكولائية والتصوف. # لننظر الآن باختصار كيف نشأت هاتان النتيجتان المميزتان للأرسطية. لقد كان أرسطو يؤكد ~~أن البرهان والتعريف هما المنهجان الأساسيان لتحصيل المعرفة. بالنظر أولا إلى مذهب ~~البرهان، فلا سبيل إلى إنكار أنه قد أدى إلى محاولات لا حصر لها لإثبات أكثر مما يمكن ~~إثباته. وتعج الفلسفة القروسطية بهذه السكولائية، ويمكن أن نلاحظ الميل نفسه في ~~القارة حتى زمن كانت. لقد كان نقد كانت لجميع محاولات إثبات وجود الله هو ما أدى إلى ~~رد الفعل الرومانسي عند فخته وشيلنج وهيجل. وتتمثل النزعة الجديدة في إغفال البراهين ~~ومعها كل نوع من الحجة العقلانية. ومع الرومانسيين فإن نوعا جديدا من الدوجماطيقية ~~يصبح صيحة رائجة في الفلسفة وفي العلوم الاجتماعية أيضا. إنها تجابهنا بقولها الفصل ~~وعلينا أن نأخذها أو ندعها. يصف شوبنهاور هذه الفترة الرومانسية لفلسفة نبوئية، والتي ~~أطلق عليها «عصر الغش»، قائلا: «إن سمة الأمانة - تلك الروح الخاصة بمشاركة القارئ في ~~الاضطلاع ببحث ما، والتي تتخلل أعمال كل الفلاسفة السابقين - تختفي هنا كليا. وإن ~~كل صفحة تشهد بأن هؤلاء المدعوين فلاسفة لا يحاولون أن يعلموا القارئ بل أن ~~يسحروه.» # وثمة نتيجة مماثلة أنتجها مذهب أرسطو في التعريف. لقد أدى أولا إلى كم كبير من ~~المماحكة اللفظية؛ غير أن الفلاسفة بدءوا يشعرون فيما بعد بأن المرء لا يمكنه ms067 أن يحاج ~~حول التعريفات. بهذه الطريقة فإن الماهوية لم تشجع النزعة اللفظية فحسب، بل أدت أيضا ~~إلى خيبة أمل في الحجة؛ أي في العقل. السكولائية والصوفية واليأس من العقل، هذه هي ~~النتائج المحتمة لماهوية أفلاطون وأرسطو. وتصبح ثورة أفلاطون المعلنة ضد الحرية - مع ~~أرسطو - ثورة سرية ضد العقل. # وكما نعلم من أرسطو نفسه، فإن الماهوية ونظرية التعريف عندما دفع بهما لأول مرة قد ~~ووجها بمعارضة قوية، وبخاصة من أنتستين الرفيق القديم لسقراط، الذي يبدو أن نقده كان ~~معقولا للغاية، إلا أن هذه المعارضة قد انهزمت للأسف، وإن نتائج هذه الهزيمة لفادحة ~~بالنسبة للتطور الفكري للجنس البشري. # الفصل السادس # | الماهوية اللغوية # إثم تصوري يكبل اللغة ويعوق انطلاق العقل. ~~*** # ثمة توتر في اللغة بين النزعة الماهوية المحافظة من جهة والنزعة ~~التقدمية الواقعية العملية من جهة أخرى. # هل للغة ماهية مسبقة، ثابتة، تامة، دائمة؟ # أم اللغة من الناس، وبالناس، وللناس؟ # هل من المحتمل أن يكون للتعاليم اللغوية العسيرة التي نفرضها على التلاميذ دور ما في ~~تجميد إبداعيتهم وتعويق تدفقهم؟ # من الذي يقرر أن القواعد الموروثة صواب والاستعمال الحديث خطأ؟ # يبدو أن النزعة الماهوية هي في القلب من كل مذهب محافظ في اللغة، وأن موقف المرء من ~~الماهوية هو الذي يحدد مذهبه في فقه اللغة: # في أصل اللغة: توقيف هي أم اصطلاح؟ # في طبيعة اللغة: علاقة الدال بالمدلول؛ أهي علاقة طبيعية ضرورية أم هي ~~مواضعة واتفاق؟ هل اللغة شيء ثابت أم شيء متغير؟ # في علوم اللغة: أينبغي لها أن تكون معيارية حاكمة أم وصفية سمحة؟ # سيقول من أشرب بالنزعة الماهوية إن اللغة ~~توقيفية، طبيعية، ثابتة، حاكمة. وسيقول من عوفي من الماهوية بغير ذلك. ~~(1) توقيف أم اصطلاح؟ # سيقول الماهوي: إن اللغة البشرية هبطت من السماء وظهرت فجأة بطريقة إعجازية خارقة، في ~~لحظة زمنية واحدة، مستوية مكتملة، كما ولدت منرفا من رأس زيوس! اللغة عند هؤلاء ~~هي «توقيف» أو وحي أو إلهام من الله. # من الثابت الآن في ضوء اللغويات الحديثة وعلم ~~الاجتماع الحديث «أن اللغة ms068 ليست إلا ظاهرة اجتماعية، وتلك الظواهر الاجتماعية لا تقوم ~~إلا على غير ما تصوره الأقدمون من أمور عقلية منطقية وأعمال صناعية تحكمية» # 1 ~~... تلك الظواهر الاجتماعية ليست صناعة فرد بعينه أو أفراد بعينهم، ولا عمل ~~جيل بذاته، ولا توجيه فيها لعقل الفرد، أو الإرادة الفردية، ولا تأثير له عليها، فلا هو ~~يستطيع دفعها إذا أراد، ولا هو يستطيع صدها إذا شاء، وما هو ولا قومه مجتمعين بمستطيعين ~~أن يقدموا من أمرها شيئا أو يؤخروه. فلا هم يتدخلون تدخلا إراديا في وجودها، ولا ~~هم يسهمون في تنظيمها، ولا هم يختطون طريقها؛ وكل ما تتعرض له وما يواجهها من دوافع ~~أو موانع ... وما ينالها من تغير وتحول، أو توسط وتبسط، أو توقف وتعطل، لا يكون شيء منه ~~إلا من نتائج العقل الجمعي، ومقتضيات الوجود التجمعي، وهو ما لا ينفي فيه منطق الأفراد ~~ولا يثبت، ولا تعطي فيه إرادتهم ولا تمنع، ولن يغيروا أبدا من واقع تحتمه القوانين ~~الاجتماعية الثابتة المطردة.» # 2 # هذا أمر ينبغي تفهمه ابتداء حتى يتبين لنا خطأ القدماء الأولي فيما ذهبوا إليه. ~~«فاللغة في كل مجتمع نظام عام يشترك الأفراد في اتباعه، ويتخذونه أساسا للتعبير عما ~~يجول بخواطرهم، وفي تفاهمهم بعضهم مع بعض. واللغة ليست من الأمور التي يصنعها فرد معين ~~أو أفراد معينون، وإنما تخلقها طبيعة الاجتماع، وتنبعث عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه ~~هذه الحياة من تعبير عن الخواطر وتبادل للأفكار. وكل فرد منا ينشأ فيجد بين يديه نظاما ~~لغويا يسير عليه مجتمعه فيتلقاه عنه تلقيا بطريق التعليم والمحاكاة، كما يتلقى سائر ~~النظم الاجتماعية الأخرى، ويصب أصواته في قوالبه، ويحتذيه في تفاهمه وتعبيره.» # 3 ~~(2) من خصائص العقل القديم # لم يكن العقل الإنساني في تلك المرحلة التاريخية من تطوره لحظة تأسيس علوم اللغة، ~~لم يكن قد تخلص بعد من آثار الشفاهية والبدائية وسذاجة الطفولة البشرية. كان عقلا ~~قديما يهيمن عليه «بارادايم» # 4 # قديم بائد؛ وما يزال يتلقط رواية من هنا وأسطورة من هناك يسد بها ~~الثغرة وينفي الحيرة. وكان ms069 التاريخ عنده لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين؛ ومن ثم لم ~~يكن بوسع الإنسان في هذا التاريخ المقزم أن يصنع شيئا هائلا كاللغة. من هنا تنفذ ~~الأسطورة وتستوي وتتربع. # وجه الأمر أن كفاح الإنسان على الأرض بدأ منذ ملايين السنين، كما تدلنا علوم ~~الأنثروبولوجيا والجيولوجيا، وأن اللغة ظاهرة اجتماعية نشأت على رسلها كنتيجة ~~حتمية للحياة في جماعة أفرادها يجدون أنفسهم مضطرين إلى اتخاذ وسيلة للتواصل والتعبير ~~وتبادل الأفكار والخواطر. اللغة ظاهرة اجتماعية تظهر بظهور المجتمع وتتأثر بعاداته ~~وتقاليده وطرائق سلوكه وتفكيره، وتخضع لسنن التطور التي يخضع لها المجتمع، فترتقي ~~بارتقائه وتنحط بانحطاطه. # ولم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة من ~~تطوره ينفر من التناقض نفورنا منه الآن. ولم يكن «قانون التناقض» # law of contradiction # فاعلا فيه، هذا ما يجب ~~أن نعيه ونحن نشهد النقائض متراصة في فكر القدماء جنبا إلى جنب # juxtaposed # في وئام وسلام، مثلما تتراص في أحلامنا! ونشهد ~~التصورات الميثوبية # 5 # والغيبية تبتلع ببساطة تدعونا إلى العجب. كان الفكر القديم «يدرك ~~العلاقة بين السبب والنتيجة (العلة والمعلول)، ولكنه لن يدرك ما نراه من سببية ~~(علية) تعمل كالقانون آليا ودونما أي هوى شخصي؛ وذلك لأننا قد ابتعدنا كثيرا ~~عن عالم التجربة المباشرة بحثا عن الأسباب الحقيقية ... إنه أعجز من أن ينسحب كل هذا ~~الانسحاب عن الحقيقة المحسوسة. كما أنه لن يقنع بأفكارنا، فإذا بحث عن السبب، فإنه يبحث ~~عن «من» لا عن «كيف». إنه يبحث عن إرادة ذات غرض تأتي فعلا معينا.» # 6 # هذا ما جعل مسألة «اللغة» كظاهرة «انبثاقية» # emergent # تنجم تلقائيا من طبيعة الاجتماع شيئا عصيا على ~~إدراكه، بعيدا عن منال فهمه. # اللغة إذن «ظاهرة اجتماعية يتميز بها كل مجتمع إنساني. وهي ظاهرة إنسانية لا علاقة ~~لها بالآلهة، ولم تهبط من عل، بل نشأت من أسفل، وتطورت بتطور الإنسان ذاته، ونمت بنمو حضارته.» # 7 # لقد اخترعت اللغة - كما يقول هيردر - «بوسائل الإنسان الخاصة، ولم ~~تبتكر بصورة آلية بطريق التعليمات الإلهية. لم يكن الله هو الذي اخترع اللغة ms070 للإنسان، ~~ولكن الإنسان نفسه هو الذي اضطر إلى اختراعها بطريق ممارسته قدراته الخاصة.» ~~(3) طبيعة اللغة # ما هي العلاقة بين الكلمات والأشياء؟ بين الدال والمدلول؟ بين الألفاظ وما تشير إليه ~~الألفاظ؟ # ثمة جوابان ممكنان على هذا السؤال: الأول يقول: إن العلاقة بين الكلمة ومدلولها ~~علاقة طبيعية ضرورية تجعل هذه الكلمة بعينها هي المقيضة للتعبير عن هذا الشيء بعينه، ~~وهي المناسبة - دون غيرها من الأصوات الممكنة - للإشارة إلى هذا المعنى المحدد؛ ~~وبالتالي فإن أمر الدلالة (أو التدليل # signification ~~) ~~غير متروك للمصادفة أو الاعتساف. ذلك هو «المذهب ~~الطبيعي» # naturalism # في اللغة. # والجواب الثاني يقول: إن العلاقة القائمة بين العلامات اللغوية - كالكلمات - وبين ~~معانيها هي في عامة الأحوال مسألة «عرف» أو «اصطلاح» أو «تواطؤ» أو «مواضعة» # convention ~~. «إن الرموز اللغوية لا تحمل قيمة ذاتية ~~طبيعية تربطها بمدلولها في الواقع الخارجي. فليس هناك أي علاقة بين كلمة «حصان» ومكونات ~~جسم الحصان. والعلاقة كامنة فقط عند الجماعة الإنسانية التي اصطلحت على استخدام هذه ~~الكلمة اسما لذلك الحيوان. ومعنى هذا أن قيمة هذه الرموز اللغوية تقوم على العرف؛ أي ~~على ذلك الاتفاق الكائن بين الأطراف التي تستخدمها في التعامل. وهذا معناه أن المؤثر ~~والمتلقي متفقان على استخدام هذه الرموز اللغوية المركبة بقيمتها المعرفية.» # 8 # وليس هناك ما يحتم على كلمة # dog # أن تعني ~~ذلك الصنف المستأنس من الكلبيات. إنما يجعل هذه الكلمة تعني ما تعنيه هو أن الناطقين ~~بالإنجليزية يرقب بعضهم بعضا ويتوقعون فيما بينهم أن يلتزم كل منهم بالعرف المتفق ~~عليه والذي يربط كلمة # dog # بالكلب، # 9 # ذلك هو «المذهب الاصطلاحي أو ~~التواضعي» # conventionalism # في اللغة. # شغلت هذه المسألة عقول المفكرين اللغويين منذ أقدم العصور. وفي زمن الإغريق طرح ~~هذا السؤال طرحا ناضجا، وانقسم الفلاسفة فيه بين قائل بالمذهب الطبيعي مثل هيراقليطس ~~وكراتيلوس، وقائل بالمذهب الاصطلاحي مثل ديمقريطس وهيرموجينيس. ~~(4) اعتباطية العلامة اللغوية # هناك أكثر من طريقة لتجزئة العالم وتقطيعه، وكل لغة من اللغات الطبيعية تقوم بذلك على ~~نحو مختلف بعض الشيء. هذه العرفية المزدوجة لكل العلامات ms071 اللغوية هي ما يعرف ~~حاليا ب «اعتباطية العلامة» # arbitrariness of sign ~~، ~~وهو مصطلح مأثور عن فرديناند دي سوسير (1807-1913م). يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط ~~«الدال» # signifier # ب «المدلول» # signified # علاقة اعتباطية. ولما كنت أعني بالعلامة ~~اللغوية النتيجة الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز وبساطة: ~~العلامة اللغوية علامة اعتباطية. ففكرة «الأخت» # sister # لا ترتبط بأية علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات # s-o-r # التي تستعمل كدال بالنسبة لهذه الفكرة في ~~اللغة الفرنسية؛ إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات. وأكبر ~~دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال # b-o-f # على طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، ~~و # o-k-s (ochs) # على الطرف الآخر. # 10 # لقد استخدم لفظ «رمز» # symbol # للدلالة ~~على العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة: للدلالة على ما نسميه «الدال». ولكن هناك بعض ~~المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه، وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه؛ فللرمز خاصية أنه لا ~~يدرك دوما اعتباطيا؛ فهو ليس فارغا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال ~~والمدلول؛ فرمز العدالة مثلا - أي الميزان - لا يمكن أن يستبدل به أي شيء آخر: دبابة ~~مثلا أو عربة! # 11 # يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعا بأن ~~أمر اختيار الدال متروك تماما للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمكنة أي أحد أن يغير شيئا في ~~علامة لغوية استتبت في مجتمع لغوي ما). إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ~~ليس لها سبب؛ أي إن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية. # 12 # والاستثناء الوحيد الممكن لهذه الطبيعة الاعتباطية للعلامة اللغوية هو ما يعرف ~~بالأونوماتوبيا # onomatopoeia # أي التسمية بالمحاكاة ~~الصوتية، حيث تقوم بعض الكلمات بمحاكاة الأصوات التي تسميها (مثل كلمة # boom # بمنى هدير أو أزيز، وكلمة # bow-wow # بمعنى نباح). # 13 # غير أن دي سوسير سرعان ما يهون من شأن الأونوماتوبيا ويضعها في حجمها: «قد تتخذ ~~الكلمات الأونوماتوبية كدليل على أن اختيار ms072 الدال ~~ليس اعتباطيا دائما؛ غير أن الكلمات الأونوماتوبية ليست عناصر حيوية (عضوية) في بناء ~~النظام اللغوي، ثم إن عددها أقل بكثير مما يعتقد ... كما أن أونوماتوبيتها إنما جاءت ~~نتيجة تصادفية للتطور الصوتي فيها.» # أما الكلمات التي هي أمثلة حقيقية للعلاقة بين الصوت والمعنى، مثل: # glug-glug ~~، # tuik-tick # فهي قليلة العدد، فضلا عن أن اختيارها ~~يكون عادة بصورة اعتباطية؛ لأنها محاولات تقريبية تعتمد أيضا على العرف، في محاكاة ~~بعض الأصوات (مثال ذلك # bow-wow # في الإنجليزية يقابله # ouaoua # في الفرنسية (نباح الكلب)). ثم إن هذه ~~الكلمات ما إن تدخل اللغة حتى تصبح إلى حد ما خاضعة للتطور اللغوي - الصوتي والصرفي ~~إلخ - الذي تخضع له الكلمات الأخرى (مثال ذلك: كلمة # pigeon ~~(حمام) مشتقة من اللاتينية العامية # pipio ~~) وهذه الكلمة بدورها مشتقة من الصوت الذي ~~يوحي به صوت الطائر). وهذا دليل واضح على أن هذه الكلمات تفقد شيئا من صفتها الأولى؛ ~~لكي تكسب الصفة العامة للعلامة اللغوية وهي صفة الاعتباطية (انعدام الصلة ~~الطبيعية). # وأما ألفاظ التعجب، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالكلمات الأونوماتوبية (التي توحي ~~أصواتها بمعانيها)، ويصح عليها أيضا النقد السابق؛ فهي ليست دليلا على بطلان حجة ~~الاعتباطية في العلامة اللغوية. وقد ينظر المرء إلى ألفاظ التعجب على أنها تعابير ~~تلقائية للحقيقة تمليها على المتكلم القوى اللغوية الطبيعية. ولكننا نستطيع أن نبين ~~عدم وجود علاقة ثابتة بين المدلول والدال في معظم ألفاظ التعجب؛ فما علينا إلا أن نقارن ~~بين هذه الألفاظ في لغتين حتى نرى اختلافها من لغة إلى أخرى (فلفظة # aie! # الفرنسية يقابلها # ouch! # في الإنجليزية). # 14 # ثم إننا نعلم أن كثيرا من ألفاظ التعجب كانت في وقت ما كلمات لها معان ~~محددة، لاحظ: الكلمة الفرنسية # diable ~~(اللعنة)، # mordieu ~~(الله) من # mort ~~dicu ~~(في الإنجليزية: # Zounds ~~goodness ~~). إذن فالألفاظ التي توحي بمعناها وألفاظ التعجب ذات ~~أهمية ثانوية، وأصلها الرمزي موضع خلاف. # 15 # وقع كثير من النحاة العرب في الغلو في خصائص اللغة، وذهب بهم إعجابهم باللغة العربية ~~بعيدا بحيث تصوروا فيها ما لا وجود ms073 له إلا في خيالهم، ~~وأضفوا عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ~~ولا تتصف به لغة من لغات البشر. # 16 # من ذلك أنهم كانوا يؤمنون إيمانا قويا بوجود «مناسبة» بين اللفظ ~~والمعنى، أو رابطة عقلية منطقية بين الأصوات ومدلولاتها، ولا يتصورون أن الأمر يمكن أن ~~يكون اعتباطيا مرده إلى التكرار والعادة، وأن يكون وهميا ناتجا عن التداعي وميل ~~العقل إلى الربط والتعميم. يقول ابن جني في كتابه : «التمام في تفسير أشعار هذيل مما ~~أغفله أبو سعيد السكري»: «وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية ~~الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا أبعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها ~~بعض، ألا ترى أن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس، وبين الرطب واليابس ما بين الخاء ~~والقاف من الرخاوة والصلابة ... وهذا باب إنما يصحب وينجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى ~~له، ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: «بحثت» التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات ~~الحادثة عنده؛ فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب، والحاء فيما بعد كصوت رسوب ~~الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض، والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن ~~فيه غموضا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة، ~~فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا تترك الحقيقة إلى المجاز إلا لضرب من ~~المبالغة، ولولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز.» # 17 # وفي «الخصائص»: «فإن كثيرا من هذه اللغة وجدته مضاهيا بأجراس حروفه أصوات الأفعال ~~التي عبر بها عنها، ألا تراهم قالوا: قضم في اليابس، وخضم في الرطب؛ وذلك لقوة ~~القاف وضعف الخاء، فجعلوا الصوت الأقوى للفعل الأقوى، والصوت الأضعف للفعل الأضعف. ~~وكذلك قالوا: صر الجندب، فكرروا الراء لما هناك من استطالة صوته، وقالوا: صرصر ~~البازي، فقطعوه، لما هناك من تقطيع صوته، وسموا الغراب غاق حكاية لصوته، والبط ~~بطا حكاية لأصواتها. وقالوا: «قط الشيء» إذا قطعه عرضا، و«قده» إذا قطعه ~~طولا؛ وذلك لأن منقطع الطاء أقصر مدة من ms074 منقطع الدال. وقالوا: «مد الحبل» و«مت ~~إليه بقرابة» فجعلوا الدال - لأنها مجهورة - لما فيه علاج، وجعلوا التاء - لأنها ~~مهموسة - لما لا علاج فيه.» # 18 # ثم يقول في الفقرة التالية عليها: «نعم، وقد يمكن أن تكون أسباب التسمية ~~تخفى علينا لبعدها في الزمان عنا.» وهو شبيه بقول أفلاطون في كراتيلوس: «إن العصور ~~القديمة قد ألقت عليه حجابا.» ~~(5) التغير اللغوي # يقول فرديناند دي سوسير: «إن الزمن يغير كل شيء، إذن ليس من سبب يجعل اللغة لا تخضع ~~لهذا القانون العام ... فاللغة لا حول لها في الدفاع عن نفسها في مواجهة القوى التي ~~تغير من لحظة إلى أخرى العلاقة بين المدلول والدال. وهذه إحدى نتائج الطبيعة ~~الاعتباطية للعلامة.» # 19 # وحيثما كان هناك جماعة بشرية تسير في الزمان فثم تغير سيعروها شاءت أم ~~أبت. وليست اللغة من ذلك ببعيد؛ فالحق أن «الزمن إذ يفكك المدلول والدال فإنه لا يعمل ~~في فراغ بل في مجتمع المتكلمين، فلا وجود للغة خارج الإطار الاجتماعي. وإذا نظرنا إلى ~~اللغة ضمن الزمن وأهملنا مجتمع المتكلمين (تصور فردا لوحده يعيش عدة قرون) ربما لا ~~نلاحظ أي تغيير؛ فالزمن إذاك لن يؤثر في اللغة. وعلى العكس من ذلك، فإذا أخذنا - ~~بعين الاعتبار - مجتمع المتكلمين وأهملنا الزمن لما رأينا أثر القوى الاجتماعية التي ~~تؤثر في اللغة.» # 20 ~~«التطور أمر لا مناص منه، ولا توجد لغة واحدة في العالم تقاومه. فما إن تمضي فترة من ~~الزمن حتى تدون بعض التغييرات الواضحة. إن التغيير أمر لا بد منه، حتى إنه ليظهر في ~~اللغات الاصطناعية (غير الطبيعية). بوسع من يخترع لغة ما أن يسيطر عليها قبل أن توضع ~~موضع الاستخدام. ولكن ما إن تدخل في مجال الاستخدام لتحقيق الغاية التي وضعت من ~~أجلها حتى تصبح ملكا لجميع الأفراد، فيفقد صاحبها السيطرة عليها.» # 21 # يقول فونت في كتابه «عناصر السيكولوجيا ~~الشعبية»: «اللغة يستحيل أن يخلقها فرد من الأفراد. صحيح أن أفرادا قاموا باختراع ~~الإسبرانتو وغيرها من اللغات الاصطناعية، إلا أن هذه الاختراعات كان من المستحيل ~~تحقيقها ms075 ما لم تكن هناك لغة أصلا. بل لم تستطع أي من هذه اللغات أن تعيل نفسها، ~~ومعظمها لم يعش إلا بفضل عناصر مستعارة من لغات طبيعية.» # 22 # وعن هذه اللغة الاصطناعية يقول سوسير: # 23 ~~«ولنأخذ الإسبرانتو # 24 # على سبيل المثال: إذا نجحت هذه اللغة ستتحرر من القيد الذي فرض عليها، ~~فأغلب الظن أن الإسبرانتو بعد أن توضع قيد الاستخدام تدخل مرحلة من الحياة الكاملة ~~للعلامة اللغوية. وتنتقل طبقا لقوانين تختلف تماما عن تلك التي وضعت لتلائم ~~طبيعتها المنطقية الأولى، ولن تعود إلى هذه الطبيعة أبدا. إن الذي يقترح لغة ثابتة ~~تستخدمها الأجيال المقبلة وتقبلها بطبيعتها الأولى، فإنه مثله كمثل الذي يضع تحت ~~الدجاجة بيضة البط؛ فاللغة التي يخلقها هذا الرجل يجرفها - رغم صاحبها - التيار الذي ~~يجرف بقية اللغات.» # 25 # يسير الزمن فتتغير حاجات الناطقين باللغة، وتتبدل الأجيال والأحوال وأشكال الحياة ~~وأنماط التفكير وأدوات العمل ووسائط المعلومات. تتغير اللغة بتغير الحياة. تتغير ~~الأشياء وغطاؤها الرمزي. ~~(6) أسباب التغير اللغوي # مبدأ الاقتصاد # أي ميل الناطقين إلى التعبير المفيد بأقل مبذول من الطاقة. مثال ذلك: التخلص من ~~الهمزة في لهجة قبائل الحجاز وفي معظم اللهجات العربية الحديثة، وانكماش ~~«الأصوات المركبة» # diphthong ~~؛ فتحول نطق ~~«يوم» إلى «يوم»، و«نوم» إلى «نوم»، و«بيت» إلى «بيت»، و«عين» إلى ~~«عين»، واندثار الأصوات الأسنانية (الثاء والذال والظاء) في بعض اللهجات العربية ~~الحديثة، والقضاء على التفريعات الكثيرة والأنواع المختلفة للظاهرة الواحدة في داخل ~~اللغة. مثال ذلك: الاكتفاء بالتاء كعلامة تأنيث والاستغناء بها عن الألف المقصورة ~~(فنقول: سلمه، عدوه، فتوه، بدلا من: سلمى، عدوى، فتوى)، وعن الألف الممدودة ~~(فنقول: حمره، صحره، شقره، بدلا من: حمراء، صحراء، شقراء). # يشير فراي إلى أن ما درج على تسميته بالأغلاط في الاستعمال اللغوي العادي ما هو ~~إلا محاولة لتبسيط التنظيم اللغوي باتجاه الانتفاع إلى أقصى حد من المجهود الذي ~~يقوم به متكلم اللغة من حيث الإنتاج اللغوي، فينم الاستعمال اللغوي عن حاجة ثابتة ~~إلى الاختصار اللغوي والدقة في التعابير والتناسب المنطقي في التركيب ... # 26 # مبدأ القياس ms076 # ويعني «القياس» # analogy # في اللغة ارتجال ما لم ~~نسمعه قياسا على ما سمعناه، أو ابتكار كلمة أو تصريف من عندنا بالقياس على ما ~~لدينا من كلمات أو تصريفات تشبهه. ويدخل القياس ضمن مبدأ «الاقتصاد» في المجهود ~~وتخفيف العبء على الذاكرة، من خلال الحمل على الشائع المطرد وإقصاء الصيغ ~~النادرة الشاذة وإعادة صياغتها على القاعدة المطردة؛ فتزول الاختلافات وتتوحد ~~الظاهرة ويجري المختلف مجرى المؤتلف # leveling ~~. # مثال ذلك: أن الأفعال الشاذة الأنجلو سكسونية قد خضعت لتأثير القياس على المطرد ~~في الألف سنة الماضية. من ذلك أن الفعل ~~(help) ~~helpan # كان يصرف إلى الماضي # healp # والتصريف الثالث # holpen ~~، ولكن بحلول القرن الرابع عشر كان هذا ~~الفعل منتظما على القاعدة المطردة للأفعال الإنجليزية ( # help, ~~helped, helped ~~). # الاتصال بلغة أخرى # من أسباب التغير في اللغة: اتصالها بلغة أخرى من خلال الغزو أو الهجرة أو ~~التجارة. ومن أهم صور التغير في حالة احتكاك اللغات «الاقتراض»؛ فقد اقترض العرب - ~~على سبيل المثال - ألفاظا أعجمية من لغات كثيرة، عن طريق الاشتقاق والنحت والمجاز، ~~أو عن طريق تعريب اللفظة الأجنبية إذا كانت تدل على معنى اصطلاحي دقيق يخشى ~~ضياعه في ثنايا اللفظ العربي. # أما ما أخذته اللغات الأخرى من العربية فلا يكاد يحصى؛ فمعظم مفردات الفارسية ~~الحديثة عربي الأصل، ومعظم مفردات التركية عربي أو فارسي، وثلاثة أرباع مفردات ~~الأردية عربي أو فارسي، وفي الإنجليزية الحديثة كلمات كثيرة من أصل عربي، مثل: # lemon, muslin, saffron, sherbet, syrup, sugar, camphor, ~~candy, coffee, cotton, crimson, cumin, damask # وهي على ~~الترتيب: الليمون، الموصلي (نسيج خاص ينسب إلى الموصل)، الزعفران، الشراب، السكر، ~~الكافور، القنوة (عسل القصب المجمد)، القهوة، القطن، القرمزي، الكمون، الدمشقي (نسيج). # 27 # تغير أشكال الحياة # من أسباب التغير اللغوي تغير أشكال الحياة ومعالم الثقافة ووسائط الاتصال، وبزوغ ~~مفاهيم جديدة تتطلب مصطلحات جديدة؛ من ذلك أن ~~كثيرا من الألفاظ العربية قد تجردت من معانيها العامة القديمة وأصبحت تدل على ~~معان خاصة تتصل بالعبادات والشعائر، أو شئون السياسة والإدارة والحرب، أو مصطلحات ~~الفلسفة والكلام ms077 والفقه، أو مصطلحات النحو والصرف والعروض ... إلخ. # تأثير الكتاب والمترجمين والمجامع العلمية # للكتاب والأدباء والمترجمين أثر كبير في نهضة اللغة وتهذيبها واتساع نطاقها ~~وزيادة ثروتها. والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم. فأكبر الفضل في نهضة ~~العربية في العصر العباسي يعود إلى العلماء والأدباء والمترجمين عن اليونانية ~~والفارسية. لقد اقتبسوا مفردات أجنبية وطوعوها لمقتضيات العربية، فاتسع متن اللغة ~~وازدادت مرونة وقدرة على التعبير عن العلوم والآداب. كذلك الأمر في عصر النهضة ~~الحديثة في مصر والشام؛ إذ أفاد الكتاب والأدباء والعلماء من أساليب اللغات ~~الأوروبية وتأثروا بها، وترجموا وعربوا الكثير من مصطلحات الأدب والعلم، ونقلوا ~~الكثير من مذاهب الفن والأدب والفكر. # عوامل داخلية في ذات اللغة # إن بنية اللغة ذاتها - متنها وأصواتها وعناصر كلماتها ودلالاتها وقواعدها - تنطوي ~~على خصائص تعمل هي نفسها في صورة آلية على التطور اللغوي وعلى توجيهه وجهة خاصة. ~~إنه الطابع «الكموني» أو «المحايث» # immanent # لل ~~«بنية» # structure # الذي ألح عليه البنيويون ~~واضطلع جيل دولوز بتبيانه: إن كل ما يطرأ على «البنية» من أحداث أو عوارض لا يقع ~~لها «من الخارج»، وإنما ينبع مما تنطوي عليه البنية ذاتها من ميول كامنة واتجاهات ~~باطنة تكون هي المسئولة عن كل ما يعرض لها من تغيرات. # 28 ~~(7) أنواع التغير الدلالي # من الأمثلة النموذجية على التطور الدلالي ما حدث لكلمة «السيد»؛ فقد كانت هذه اللفظة ~~في البداية هي متضايف # correlative # كلمة «عبد»؛ فالسيد ~~هو من له عبد، أو هو مقابل العبد. ثم تطور استعمال كلمة «السيد» لتدل على صاحب النفوذ ~~والسلطان. ثم أصبحت كلمة «سيد» تعني «الهاشمي»، وهي عند الإخوة الشيعة لقب للمرجع ~~الشيعي العلمي. وفي العصر الحديث وبعد تقليص الفوارق بين الطبقات وإلغاء الألقاب أصبح ~~الناس جميعا يلقبون ب «السيد»، وصارت الكلمة لقبا يسبق الأسماء جميعا على سبيل ~~الاحترام والتأدب. وقد استجدت في الفترة الأخيرة كراهة معينة لاستعمال هذه الكلمة في ~~بعض الأوساط العربية المتحفظة. ~~(8) توسيع المعنى (التعميم) # widening/extension # وذلك نتيجة إسقاط بعض الملامح التمييزية للفظ، فيتسع «مفهومه» # intension # وتزداد «ماصدقاته» ms078 # extension ~~؛ أي إن معنى الكلمة يتسع ويمتد لتشمل ما ~~لم تكن تشمله في الماضي، أمثلة ذلك: # كلمة # salary # التي تعني الراتب، وهي كلمة ~~من أصل لاتيني كانت تعني في بدايتها القديمة حصة الجندي من الملح، ثم صارت ~~بمرور الزمن تعني مرتب الجندي، وانتهت في زمننا الحديث إلى أن تعني أي مرتب ~~لأي عمل. # كلمة # picture # كانت تطلق على اللوحة ~~المرسومة، واتسع معناها الآن ليشمل أي صورة بما فيها الصورة ~~الفوتوغرافية. # كلمة # dog # كانت قديما تعني سلالة معينة ~~من الكلاب، وصارت الآن تشمل جميع السلالات. # كلمة # girl # كانت تعني طفلة صغيرة، وقد ~~اتسع معناها ليشمل أيضا أي امرأة من أي عمر. # القافلة: في الأصل هي الرفقة الراجعة من السفر، ثم اتسع المعنى ليشمل ~~رفقة السفر ذاهبة كانت أو راجعة. # 29 # الورد: في الأصل إتيان الماء، ثم اتسع معناها ليشمل إتيان كل ~~شيء. # الورد: تطلق على ذلك الصنف المعروف من الأزهار، وقد اتسع معناها وصارت ~~تطلق أيضا على كل زهر. # العربة: كانت مقصورة على العربة التي تدفع باليد أو تجرها الدواب، ~~وصارت تشمل كل السيارات الآلية. # اللبن: كان يخص لبن الناقة والشاة وغيرهما من الدواب (أما الذي ~~ترضعه الأم ابنها فهو لبان)، وقد تطور معنى اللبن ليشمل الناقة والشاة ~~والمرأة المرضع التي كان يختص بها اللبان. # الرائد: في الأصل طالب الكلأ، ثم صار طالب كل حاجة رائدا. # البأس: في الأصل الحرب، ثم كثر استخدامه في كل شدة. ~~(9) التضييق (التخصيص) # narrowing # وهو تقلص نطاق المعنى واقتصاره على شيء بعينه من بين الأشياء التي كان يشملها في ~~الماضي، وذلك نتيجة إضافة بعض الملامح التمييزية أو المكونات الدلالية للفظ، فكلما زادت ~~المكونات الدلالية لشيء قل عدد أفراده (كلما ضاق المفهوم قل الماصدق). والتضييق هو ~~التغير الدلالي الأغلب في اللغة. # من أمثلة التضييق في الدلالة: # كلمة # mete # في الإنجليزية القديمة كانت ~~تشير إلى الطعام أو الغذاء بصفة عامة، وما زال أثر المعنى العام في كلمة # sweetmeat ~~(مربى أو حلوى). وقد ضاق ~~معناها الآن ليخص صنفا واحدا ms079 من الطعام. # كلمة # hound # الإنجليزية كانت في الأصل ~~تشير إلى جميع الكلاب، وقد ضاق معناها الآن ليخص نوعا بعينه منها. # كلمة # poison ~~(سم) الإنجليزية كانت تعني ~~«الجرعة من أي سائل». # كلمة # corpse # الإنجليزية كانت تعني ما ~~يعنيه أصلها اللاتيني # corpus # أي «الجسم» ~~البشري أو غير البشري حيا أو ميتا، وقد ضاق معناها ليخص جثة الإنسان ~~الميت. # حريم: كانت في الأصل تدل على كل محرم لا يمس، ثم أصبحت تدل على ~~النساء. # العيش: ضاق معناها لتدل على «الخبز» (في مصر)، وعلى «الأرز» (في بعض ~~البلاد العربية). # مأتم: في الأصل تعني اجتماع الناس نساء ورجالا في الخير والشر، في ~~الفرح والحزن. وقد ضاق معناها لتعني اجتماع النساء للموت. وهي الآن تعني ~~اجتماع الناس في الأحزان. # طرب: كانت تعني خفة تعتري المرء في الفرح أو الحزن. # 30 # ثم تطور معنى الطرب وسقط منه ملمح الحزن واستبقي ملمح الفرح، ~~وصارت الكلمة تعني الفرح فحسب، أو اهتزاز النفس للجمال من نغم أو ~~تعبير. # وعد: كانت تستعمل في الخير والشر ~~أيضا # النار وعدها الله الذين ~~كفروا ~~(الحج: 72). وقد صارت الآن تستعمل في الخير فقط، ~~واختصت كلمة «وعيد» بالشر. # حمام: كانت تطلق على ذوات الأطواق وما أشبهها كالفواخت والقمارى ~~واليمام والقطا. ثم ضاق معناها ليدل على ذلك النوع بعينه من ~~الطيور. # المدام: في الأصل كل ما سكن ودام، ثم شاع استعمالها في الخمر لدوامها في ~~الدن، أو لأنه يغلى عليها حتى تسكن. ~~(10) التحول (النقل) # shift # أي انتقال الكلمة من مجموعة من الأحوال إلى أخرى: # كانت كلمتا «ملاحة» # navigation # و«ميناء» # port # مقصورتين على مجال ~~السفن أو المجال البحري والنهري، وقد انتقل معناهما الآن ليشمل المجال ~~الجوي والبري، ويمكن أن يعد هذا أيضا ضمن «التوسيع» الدلالي # widening ~~. # كلمة # bead ~~(خرزة) كانت في الإنجليزية ~~القديمة # gebet # وتعني التضرع والدعاء؛ إذ ~~كان الكهنة الكاثوليك يعدون تسبيحاتهم وأدعيتهم على حبات منظومة في خيط. ثم ~~صارت # bead # أو # bede # في الإنجليزية الوسيطة تدل على ~~المعنيين: دعاء، وحبات عد الأدعية. # شنب: كانت تعني جمال ms080 الثغر وصفاء الأسنان. وصارت الكلمة الآن تعني ~~الشارب عند العامة. # السفرة: كانت تعني الطعام الذي يصنع للمسافر، وصارت تعني المائدة وما ~~عليها من الطعام. # طول اليد: كان يكنى به عن السخاء، وصار يكنى به عن الميل إلى ~~السرقة. # التنزه: كانت في الأصل تعني «التباعد» عن الأقذار، وأحيانا عن المياه ~~والريف، وقد تطورت الآن لتعني البعد عن الصخب والفلوات إلى البساتين ~~والخضر. # القطار: هو في الأصل عدد من الإبل على نسق واحد تستخدم في السفر وفي ~~النقل. وقد تغير الآن معناها لتطور وسائل النقل. ~~(11) الاستعمال المجازي # figurative use # وهو تحول في المعنى قائم على مماثلة أو مشابهة بين الأشياء: # كلمة # crane ~~(كركي) وهو طائر طويل العنق، ~~وتستعمل الآن لتعني الرافعة أيضا. # كلمة # bureau ~~(مكتب) في الأصل تدل على نوع ~~من نسج الصوف الغليظ، ثم أطلقت على قطعة الأثاث التي تغطى بهذا ~~النسج، ثم على قطعة الأثاث التي تستعمل للكتابة أيا كانت، ثم على ~~الغرفة التي تحتوي على هذه القطعة من الأثاث، ثم على الأعمال تعمل في ~~هذه الغرفة، ثم على الأشخاص الذين يقومون بهذه الأعمال، ثم على أية مجموعة ~~من الأشخاص تقوم بإدارة إحدى الإدارات أو الجمعيات. # 31 # يقول الأستاذ محمد المبارك: «ينتقل اللفظ من الدلالة الحسية (الحقيقية) ~~إلى الدلالة المعنوية (المجازية) نتيجة كثرة الاستعمال وتأثير مرور الزمن، ~~فاستعماله بالمعنى الجديد في بادئ الأمر عن طريق المجاز، ولكنه بعد كثرة ~~الاستعمال وشيوعه بين الناس تذهب عنه هذه الصفة وتصبح دلالته على مدلوله ~~الجديد حقيقة لا مجازية.» # 32 # ويقول د. أحمد مختار عمر: «وعادة ما يتم الانتقال المجازي ~~بدون قصد، وبهدف سد فجوة معجمية. ويميز الاستعمال المجازي من الحقيقي ~~للكلمة عنصر النفي الموجود في كل مجاز حي، وذلك كقولنا: رجل الكرسي ليست ~~رجلا، وعين الإبرة ليست عينا ... وقد يحدث بمرور الوقت أن يشيع الاستعمال ~~المجازي فيصبح للفظ معنيان، وقد يشيع المعنى المجازي على حساب المعنى ~~الحقيقي ويقضي عليه، وميز بعضهم بين الأنواع الثلاثة الآتية ~~للمجاز: ~~(1) # المجاز الحي: الذي يظل في عتبة الوعي، ms081 ويثير الغرابة والدهشة ~~عند السامع. ~~(2) # المجاز الميت أو الحفري # fossil ~~: وهو النوع الذي ~~يفقد مجازيته ويكتسب الحقيقية من الألفة وكثرة التردد. ~~(3) # المجاز النائم أو الذاوي # faded ~~: ويحتل مكانا وسطا ~~بين النوعين السابقين. والفرق بين المجاز الميت والمجاز النائم ~~هو جزئيا سؤال عن درجة الوعي اللغوي.» # 33 # أمثلة أخرى # المجد: معناه الأصلي امتلاء بطن الدابة من العلف، ثم كثر استخدامه مجازا ~~في الامتلاء بالكرم وطيب السمعة وبعد الصيت، وانقرض معناه الأصلي، وأصبح ~~حقيقة في هذا المعنى المجازي. # الأفن: هو قلة لبن الناقة، وانتقل إلى نقص العقل. # الوغى: هو اختلاط الأصوات في الحرب، وانتقل إلى الحرب نفسها. # بنى الرجل على امرأته: عبارة كانت كناية عن دخوله بها؛ لأن الشاب ~~البدوي كان إذا تزوج يبني له ولأهله خباء جديدا، وقد فقدت الآن معناها ~~الأصلي لانقراض هذا النظام، وإن كانت لا تزال تستخدم كناية عن ~~الزفاف. # الراوية: تعني في الأصل الجمل الذي يحمل قربة الماء. وقد صارت تعني ~~القربة نفسها (مجاز مرسل)؛ لعلاقة المجاورة بين البعير الذي يحمل الماء في ~~آنيته وبين الإناء المحمول. # البريد: في الأصل الدابة التي تحمل عليها الرسائل، ثم تطور مدلولها ~~لتطلق على الرسائل المنقولة، وعلى النظم والوسائل المتخذة لهذه الغاية في ~~العصر الحاضر. # الغفر والغفران: من الستر، وانتقل إلى الصفح عن الذنوب. # ساق الرجل إلى المرأة مهرها: كان هذا التعبير يستخدم قديما حينما كان ~~المهر عددا من الأنعام. ولكن بعد أن تغير العرف وصار المهر نقودا أعطي ~~الفعل معنى أوسع واحتفظ بحيويته. # 34 # لسان القوم (أو المتحدث باسم ...): صار يستعمل بمعنى المتكلم عن قومه أو ~~مؤسسته على سبيل المجاز المرسل (إطلاق اسم الجزء على الكل). ~~(12) الانحطاط الدلالي # deterioration/pejoration # هو تغير يلحق بمعنى اللفظة فيكسبها دلالة سلبية، ومن أمثلته: # كلمة # Sir # و # Lady ~~: هي في الأصل ألقاب شرف رفيعة لا ~~تحظى بها إلا الطبقة العليا أو من تمنحه الأمة هذا اللقب تقديرا لمكانته ~~الاستثنائية (مثل سير كارل بوبر)؛ غير أنه شاع إطلاقها اليوم على الأشخاص ~~العاديين نتيجة التغيرات الكبيرة الاجتماعية ms082 والسياسية التي شهدتها أوروبا ~~في العصر الحديث. # كلمة # notorious # كانت في الأصل تعني ~~«مشهور»، ثم انحدرت دلالتها وصارت تعني «مشهر» أي مشهور بشيء ~~قبيح. # كلمة # dogmatic # في الأصل تعني «ذو اعتقاد ~~راسخ»، وكانت كلمة # dogma # تعني عقيدة أو ~~مبدأ هاديا ومرشدا. وقد انحدرت دلالتها واقتصرت على اليقين المتصلب ~~الجازم اللاعقلاني. # كلمة # skeptic # تأتي من الكلمة اليونانية ~~القديمة # skeptikos # التي تعني «متسائل» أو ~~«مستعلم» # inquiring ~~؛ أي الشخص الذي ~~يسأل ويلتمس الإجابات ولم يصل بعد إلى اعتقادات راسخة، ثم تغير معناها ~~وصارت تعني «الشاك» أو «المرتاب». # حاجب: كانت تعني في الدولة الأندلسية «رئيس الوزراء»! # أفندي: تركية كانت تعني في الأصل مركزا رفيعا ومنصبا مرموقا. ~~(13) «الارتقاء» أو «التحسن» ~~الدلالي # melioration/amelioration # يقابل الانحطاط الدلالي الارتقاء الدلالي، حيث تكتسب اللفظة دلالة إيجابية أو ~~يزايلها ما كان لها في الأصل من دلالة سلبية، ومن أمثلتها: # كلمة # Marshal # الإنجليزية (مشير): كلمة من ~~أصل جرماني معناه السايس أو خادم الإصطبل أو الغلام الذي يتعهد الأفراس # mares ~~. # كلمة # angel # كانت تدل على «الرسول» الذي ~~يشبه «موزع البريد» في أيامنا، ثم رفع الفقهاء هذا اللفظ باستعماله للدلالة ~~على الكائن الوسيط بين العقل الإلهي والعقل الإنساني. # 35 # كلمة # Knight # التي تعني الآن لقب «فارس» ~~أو «سير»، وكانت تعبر في فروسية القرون الوسطى عن مركز مرموق، وقد انحدرت ~~إلى اللغات الأوروبية من معنى أصلي هو «ولد خادم». # 36 # كلمة # minister ~~(وزير) كانت قديما تعني ~~«خادم» (ولا تزال تستعمل كفعل بمعنى يسعف أو يعين أو يقدم ~~خدمة). # كلمة # wicked # بمعنى شرير أو خبيث، صارت في ~~السياقات العامية تعني «ذكي» أو «متألق» أو كقولنا في عاميتنا: ~~«شاطر». # كلمة # mischievous ~~(مؤذ) فقدت كثيرا من ~~حدتها وصارت تعني «مزعج بظرف ومرح» أو كقولنا في عاميتنا: «شقي». # كلمة # nice ~~(لطيف) تنحدر من كلمة فرنسية ~~قديمة بمعنى «غبي» أو «أحمق». # بيت: في الأصل هو المسكن المصنوع من الشعر، ثم صار يعني كل بيت حتى ~~«البيت الأبيض»! ~~(14) قل ولا تقل # ماذا يعني أن تقول في اللغة: «هذا خطأ»؟ # يعني ms083 أنه لا يراعي «مستوى ~~صوابيا» # standard of correctness # معينا كان ينبغي أن يراعيه. يقول جاردنر في كتابه: «الكلام ~~واللغة» (1933م): «ومن أجل هذا يجب أن نسأل أنفسنا أولا: ما هي اللغة؟ ومن صاحب ~~السلطة في وضع القواعد والأسس والاستعمالات والكلمات التي يجب التزامها وتفرض على ~~الجميع؟ وهذه أسئلة سهلة، ولكن الإجابة عليها عسيرة؛ فهناك تقدير تقريبي للموضوع من ~~رأيه أنه كما يقف الفرد وراء كلامه ليدافع عنه، فإن «المجتمع اللغوي» يقف أيضا من وراء ~~اللغة عموما» ... # 37 # وكان السائد في الجيل الماضي اتجاه اللغويين إلى النظرة للغة نظرة معيارية ~~صرفا: فمهمة النحو تدريس قواعد صحة الكلام، ووظيفة المعجم ليست إعطاء معاني الكلمات ~~فقط، بل الإشارة أيضا إلى ما يجب أن تعنيه الكلمات. ولكن الاتجاه الآن يسير ضد هذا ~~الاتجاه المعياري؛ إذ أصبحت جل المؤلفات اللغوية «تصف» الاستعمال اللغوي في صورتيه ~~الماضية والحاضرة ... مع وضع «التغير اللغوي» في الاعتبار؛ «لأن اللغة في أي لحظة من ~~لحظاتها ليست فقط ما هو كائن بالفعل وإنما ما سيكون في المستقبل؛ فاللغة في حركة دائمة ~~وفي تحول دائم.» # 38 # لم يكن قدامى اللغويين العرب يبحثون أسباب التغير، ربما لأنهم عدوا التغير خطأ ~~وحثوا العامة على اجتنابه، وقصروا جهدهم على تعقب الخطأ ورصده؛ بغية التحرز منه ~~واجتنابه، في «أدب الكاتب» - على سبيل المثال - أفرد ابن قتيبة بابا بعنوان: «باب ~~معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه.» # 39 # صفوة القول: إن قدامى اللغويين لم يدرسوا التغير؛ لأنهم عدوه لحنا فدرسوا ~~اللحن! # وحين نقول: إن السلطة اللغوية هي المجتمع اللغوي، فإنما نعني تلك «الجماعة التي ~~تستعمل نظام الكلام بطريقة موحدة» على حد قول بلومفيلد؛ ففي كل وسط اجتماعي متجانس ~~السكان نجد عادة أن للغة شيئا من الوحدة، بل إن لشرط أساسي لوجود اللغة أن يحرص ~~من يتكلمونها على استخدام نفس الوسائل للتعبير؛ # 40 # فالجماعة المتزاملة لغويا تستعمل - كما يقول فيرث - ما يتقاسمونه من ~~تجارب مشتركة، وهم يستمسكون بهذا التماثل ويحرصون عليه؛ لأنه شرط الفهم والإفهام في ~~بيئتهم الخاصة. ms084 # 41 # والأفراد يكتسبون اللغة من بيئتهم وفي عصرهم الذي عاشوا فيه؛ ومن ثم فإنهم يراعون ~~اللغة كما تنطق في عصرهم لا كما تنطق في عصور سبقت، ولا كما ينبغي أن تنطق وفق ~~نموذج مثالي لعصر ذهبي غيبته الأيام. اللغة في تغير مستمر، وقد يكون هذا التغير ~~بطيئا لا يتضح إلا بمرور جيل أو أجيال، ولكنه يحدث ولا ينفيه بطء حدوثه. ونحن إذ ~~نفترض الثبات اللغوي فإنما نفعل ذلك لدواعي التشريح والدراسة، وبغية اقتناص «حالة ~~لغوية» سينكرونية لضرورة الرصد والتقعيد، بينما اللغة في حركة مستمرة والعرف اللغوي في ~~تغير دائب. الثبات اللغوي إذن ليس أكثر من حيلة إجرائية ووهم عملي. # نخلص من ذلك إلى تعريف المستوى الصوابي على أنه: «مراعاة العرف اللغوي المقتصر على ~~بيئة خاصة في زمن خاص، مع اعتبار التطور في اللغة؛ يتوافق معه نشاط المتكلم ويلاحظه ~~الباحث بهذه الصفات.» # 42 # يتبع ذلك بالضرورة تغير ما يراعيه المتكلم على حسب العرف اللغوي الجديد ~~الذي يفرض نفسه عليه كي يتوافق معه، ويترتب عليه أن مستعمل اللغة لا يطالب بغير مراعاة ~~المستوى الصوابي في اللغة الذي اكتسبه من الجيل الذي هو أحد أفراده، ومن عرف العصر ~~الذي عاش فيه. # 43 # ليس هذا الحديث دعوة إلى إلغاء القواعد والانصراف عن جهات الاختصاص اللغوي، بل دعوة ~~إلى أن تراعي جهات الاختصاص طبيعة القواعد ومنشأها وحركتها، بحيث تأتي القواعد متفقة ~~مع استعمال اللغة وتطورها وتبرأ من التعسف والجمود، وتأتي المقترحات الجديدة متوافقة مع ~~طبيعة اللغة، بوصفها ظاهرة اجتماعية تخضع للعرف الاجتماعي العام والعرف اللغوي الخاص، ~~ولا تكون محاولات دونكيشوتية تحارب في غير ميدان، ومماحكات تكد الذهن في غير ~~طائل. # لقد توقف النحاة في تقعيداتهم عند زمن معين لا يتجاوزونه، بينما اللغة الحقيقية ~~تمضي في سبيلها غير عابئة بهم، توقفت القواعد بينما العرف اللغوي يتغير مع الزمن، ~~فاتسعت الفجوة بينهما وصارت هوة. هذا ما أربك الفصحى وصعب قواعدها وجعلها أشبه بلغة ~~أجنبية في دراستها وفي استخدامها. ~~«إن التطور اللغوي (الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي والدلالي) ليستتبع ms085 تغييرا في ~~المستوى الصوابي من الناحية التاريخية كذلك، فما كان صوابا في الماضي يصبح خطأ في ~~الوقت الحاضر، ويصبح خطأ اليوم صواب الغد إذا رأى المجتمع اللغوي أن يتبناه في الاستعمال.» # 44 ~~«وليس من حق الباحث في اللغة أن يفترض فيها التوقف عند فترة معينة أو جيل خاص أو عدة ~~أجيال، فيجمد الدراسة ويترك عمله الحقيقي في ملاحظة اللغة الدائبة التغير، وينصرف ~~إلى تفريعات ومماحكات وعنت ذهني عقيم لا حاجة باللغة إليه، ثم يفرض ما لاحظه عن ~~اللغة في فترة من فتراتها على فترة أخرى أدى إليها تطورها. وهذا عكس لمهمة الدارس من ~~الوصف إلى التحكم، ومن الملاحظة إلى المصادرة.» # 45 ~~«ولو أن الاستشهاد لم يقف عند حد على يد النحاة ~~العرب لأمكن أن تجري دراسة اللغة على مراحل وعصور باستقراء ما يجد من النصوص إلى ~~أيامنا هذه، ولاعتبر كل ميل غير فردي إلى مخالفة القواعد السابقة تطورا في ~~الاستعمال اللغوي يتطلب تطورا في النظرة إلى هذه القواعد في ظل منهج وصفي لدراسة ~~اللغة. ولكن إيقاف الاستشهاد عند حد معين جعل النحاة - وقد جفت روافد الاستقراء عندهم ~~- يلجأون إلى ما لديهم من القواعد، فيجعلونها مادة الدراسة بدل النصوص التي أعوزهم ~~الجديد منها، وما دامت القواعد نفسها هي الهدف وهي مادة الدراسة فلا مهرب إذن من النظرة ~~إلى هذه القواعد باعتبارها مقاييس ومعايير من صلب المنهج، لبيان الصحيح والخطأ من ~~التراكيب؛ أي إن المستوى الصوابي بدل أن يكون فكرة اجتماعية يراعيها المتكلم أصبح فكرة ~~دراسية يراعيها الباحث. وبهذا توقف العمل بالمنهج الوصفي في دراسة اللغة، وأصبح ~~لزاما علينا الآن أن ننظر إلى الدراسات اللغوية العربية باعتبارها دراسة تصف مرحلة ~~معينة من تطور الفصحى، ولكن هذه المرحلة تشتمل في الحقيقة على مراحل، وقد كان مؤرخو ~~الأدب أسرع إلى الاعتراف بعصور اللغة من النحاة، وكان أولى بالنحاة أن يعترفوا بهذه ~~المراحل ويدرسوا كل واحدة منها دراسة وصفية على حدة كما فعل أصحاب تاريخ الأدب. # 46 # وقد أصبح لزاما علينا أيضا إذا أردنا دراسة ms086 ما جد من تطور في هذه ~~الفصحى أن نبدأ بدراسة مرحلتنا هذه التي نعيش فيها دراسة وصفية، وأن نتطرق منها إلى ما ~~سبقها من المراحل التاريخية التي حدثت منذ توقف الاستشهاد وأن نقطع النظر عن نفوذ هذه ~~الدراسات القديمة على تفكيرنا، ونبدأ بالدراسة على أساس منهج وصفي يتوخى الاستقراء ~~والتقعيد من جديد.» # 47 ~~(15) خطأ مشهور # تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها! # يسبرسن # التغير «عملية» و«حالة»: «عملية» # process # ابتداع ~~وتجديد (فردي في الأغلب) مخالف «بطبيعة حاله» # ipso ~~facto # للعرف السائد، تتبعها «حالة» # state # يستتب فيها الطارف المستجد ويدخل متن اللغة فلا يعود جديدا ~~وهكذا دواليك. يقول أولمان: إن التغير في اللغة يقع على مرحلتين: الأولى هي مرحلة ~~التغير نفسه وما يطلق عليه «الابتداع ~~والتجديد» # innovation # ويحدث هذا في الكلام الفعلي، وقد يقوم به فرد من الأفراد ~~بإدخال عناصر جديدة في استعمال اللغة، والثانية هي مرحلة «انتشار التغير» # dissemination # بأن تتداوله الجماعة فيما بينها، ~~وإذا حدث ذلك أصبح التغير عنصرا من عناصر نظام اللغة، ما دام قد سمح له بالاستعمال ~~العام بين الناطقين بها؛ فالتغير يبدأ أولا فرديا بما يدخله فرد أو أفراد على ~~نظام اللغة من استعمالات جديدة، مما ينظر إليه أولا على أنه «مخالفة» (خطأ!) لما ~~عليه الجماعة، فإذا قدر لهذه «المخالفات» (الأخطاء!) أن تلقى قبولا من غيرهم، ~~فإنها تأخذ الطابع الاجتماعي العام، وتصبح القاعدة التي يتبعها كل الناطقين باللغة. # 48 # هذا تأويل قول يسبرسن عن بعض اللغويين: «إن تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ ~~الأخطاء اللغوية فيها.» # 49 ~~(16) شرعية اللغة الشيوع # ومن ثم فإن عبارة «خطأ مشهور» شأنها شأن «مربع مستدير» ... تناقض ذاتي! فإذا ما وجدت ~~الخطأ المشهور أكثر جمالا ووضوحا وإبانة، فاعلم أن شهرته مشروعة مستحقة: الجمال ~~والوضوح والإبانة. وماذا يكون «الصواب» أكثر من ذلك؟! «خطأ مشهور» هي ذاتها خطأ ~~مشهور! # حين تشيع مجاوزة لغوية وتنشر رايتها على الألسنة يتحول عنصرها وتتبدل صفتها وتأخذ ~~رتبة «قاعدة»؛ قاعدة لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق. وما كان لهذه ms087 «المخالفة» أن تبسط ~~سلطانها لو لم تكن تقدم فكرا وتحقق وصلا وتسد فراغا وتثبت نجاعة. لقد تمت لها ~~«المواضعة» # convention # فصارت ~~من ثم «لغة»، ومن السفه أن نتنازل عنها بدعوى قل ~~ولا تقل! وهل اللغة إلا «مواضعة» جدت - على رسلها - لتحقيق التواصل بعد أن كانت ~~وسيلة التواصل فأفأة و«قاعدته» صراخا و«نحوه» صفيرا ونخيرا. هل اللغة إلا ذاك ~~«الخروج» على الصراخ والمروق من الحبسة؟ وإذا كان الخطأ هو خروج عن المتبع وتململ ~~عن المستقر؛ فاللغة بقضها وقضيضها هي بهذا المعنى خطأ مشهور، وإن امتاز عن غيره من ~~الأخطاء بأنه خطأ كبير ... بحجم العالم. ~~••• # ومن الحق أن «مذهب» المرء في منشأ اللغة يملي عليه «منهجه» في دراستها: فأنت إذا ~~قنعت بأن اللغة عرف اجتماعي اتفاقي، فسوف تقنع في دراستها بالوصف المحايد ~~والاستقراء السمح. أما إذا امتلأت بأنها ماهية مقدرة و«توقيف» إلهي # 50 # فسوف تصطنع في دراستها القاعدة الصارمة والمعيار الملزم، وسوف تتحول إلى ~~شرطي لغوي وإرهابي نحوي! # ولكن ما احتيالك فيمن شرع في بحثه اللغوي وقد وقر في قلبه أن اللغة ماهية ~~ثابتة وتوقيف إلهي أو وضع حكماء أو سليقة سحرية؟ إنه مدفوع بأحسن نية إلى حفظها ~~والذود عنها ضد أي تحول أو تغير. ومدفوع إلى فرض قواعدها الموروثة بلا هوادة. ومدفوع ~~إلى البحث عن «الحكمة» القابعة في هذه الظواهر اللغوية التي لم تأت عبثا ولم تنشأ ~~اعتباطا. يقول السيوطي في «الاقتراح»: «إن العرب لم تبتدع اللغة العربية، وإنما هي من ~~صنع الله سبحانه، وعلى النحاة أن تبحث عن حكمة الله فيما صنعه» (التوقيف). ويقول ~~سيبويه: «وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها» (حكمة العرب). # إنما اللغة ملك مستخدميها، اللغة لمن ينطقها، لمن يتواصل بها، والصواب هو الصواب ~~التواصلي، والتغير اللغوي نفسه ضرب من القول، يترجم البيئة القائمة، ويعكس الثقافة ~~الراهنة، ويشفر الخبرة الجديدة. وعلى منظري اللغة أن يلاحقوا الكلمة المنطوقة ~~ويتأقلموا معها لا العكس ... أن يصفوها لا أن يحاكموها! ولو كان شكسبير قد اتبع مبدأ قل ~~ولا تقل لما ms088 أرفد الإنجليزية بفيض من التعبيرات الجريئة والألفاظ المبتكرة تحفظ رمقها ~~وتجدد دماءها، مثل: # eyeball, obscene, hot-blooded, ~~epileptic, alligator ... etc. ~~. ~~••• # إن فينا قوما تملكهم «إرهاب معجمي» و«سادية لغوية»، يقومون من زمن بوظيفة شرطة ~~لغوية مولعة بتحرير المخالفات، وبلعبة قل ولا تقل، ينصبونها للتسلط والتسلي، ~~«كفعل الهر يحترش العظايا!» ويغالون في ذلك إلى حد «تصحيح الصحيح»! يظن هؤلاء أنهم ~~يحسنون إلى اللغة وهم يؤذونها غاية الإيذاء وينشرون فيها الفوضى والاضطراب، ويبثون ~~في الناس اليأس من الفصحى والانصراف عنها، وها هي العربية تحتضر على أيديهم الخشنة، ~~وليس موت اللغة سوى أن تهجر اللسان. يظن هؤلاء أنهم يصلحون اللغة وهم يهزون القارب ~~وينخرون فيه نخرا منكرا. لقد أضلتهم القواعد (البعدية) فسلبتهم السليقة ~~(القبلية)، وكأنا بالذيل يهز الكلب وبالعربة تتقدم الحصان. # لماذا كان العربي القديم يتكلم بسجية تعنو لها القواعد وتأتي بعدها ووراءها وعلى ~~قدها، حتى لقد شرع السماع وأصبح الذوق قواعد، بينما قلبنا نحن الآية وبدأنا ~~بالقواعد نتحنث في محرابها ونطوع لها الذوق، حتى ضجر الناس من العربية، ~~وانفضوا عن الخطأ والصواب، وفقدوا الذوق والقواعد؟! ~~••• # إن اللغة لفي سيرورة دائمة وتحول دائب، وهناك ألف سبب يلح على الألفاظ أن ~~تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم. وما دامت اللغة في ~~تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة ~~اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم اللغوية توترا محسوبا بين «المعيارية» ~~و«الوصفية»: معيارية تصون اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقا للتطور والارتقاء. # 51 # الفصل السابع # | الماهوية في علم التصنيف1 # يمكننا تحديد عام 1543م كبداية للثورة العلمية الحديثة، حيث نشر عمل كوبرنيكوس في ~~الفلك وعمل فيزاليوس في التشريح، وخلال أقل من مائة عام بلغت الفيزياء الكلاسيكية موسم ~~إثمارها في كتاب نيوتن «المبادئ» Principia ~~، بينما لم يتم ~~أي إنجاز نظري في البيولوجيا يضارع إنجازات الفيزياء. ولم تبلغ البيولوجيا سن الرشد حتى ~~مجيء القرن التاسع عشر مع أعمال داروين ولا مارك في التطور، وأعمال مندل في ms089 الوراثة، ~~وباستير في البكتريا، وشليدن وغيره في نظرية الخلية. أما في علم التصنيف # taxonomy # فكان مسير الثورة العلمية أبطأ حتى من ذلك. ورغم ~~بعض تقدم حققه كارولوس لينيوس وجون راي في ميثودولوجيا علم التصنيف فهما لم يقدما إسهامات ~~مهمة لنظرية التصنيف كما ابتكرها أرسطو. وبينما تخلفت البيولوجيا عن الفيزياء في التخلص من ~~التأثير السكولائي فقد تخلف علم التصنيف وراء غيره من العلوم البيولوجية في هذا الشأن. وعلى ~~العكس من الرأي الشائع؛ فإن هذه العملية في الحقيقة أبعد ما تكون عن التمام. والآن فقط يبلغ ~~علم التصنيف مرحلة من النضج تضاهي نضج الفيزياء منذ 300 عام مضت، أو تضاهي غيره من العلوم ~~البيولوجية منذ خمسين أو مائة عام. فما السبب؟ # يجيب كارل بوبر عن هذا السؤال بقوله: «يمكن فيما أرى أن نجمل تطور الفكر منذ أرسطو بأن ~~نقول: إنه بقدر استخدام كل تخصص لمنهج أرسطو في التعريف فقد ظل هذا التخصص موقوفا في حالة ~~من الحشو اللفظي الفارغ والإسكولائية العقيمة، وإن العلوم المختلفة قد حققت درجة من التقدم ~~بقدر ما تمكنت من التخلص من منهج البحث الماهوي.» # 2 # لا تصدق هذه العبارة في أي من العلوم بقدر ما تصدق في علم التصنيف؛ ذلك أن أهمية ~~التعريف لا تتجلى في أي علم قدر تجليها في علم التصنيف. فليس في أي علم من الحشو اللفظي ~~الفارغ حول معنى لفظة قدر ما في علم التصنيف من حشو عن معنى لفظة «نوع» # species ~~؛ غير أن داروين قد وضع حدا لذلك فيما يفترض. ~~يقول داروين نفسه في تعليقه على هذه الخلافات التي لا نهاية لها: «عندما يعترف عند الكافة ~~بالآراء التي قدمتها في هذا العمل سيكون بوسعنا أن نتنبأ بأنه ستكون ثمة ثورة كبيرة في ~~التاريخ الطبيعي. سيكون بوسع علماء تصنيف الأحياء أن يمضوا في جهودهم كما الآن، ولكنهم لن ~~ينتابهم على الدوام ذلك الظل من الشك فيما إذا كان هذا الشكل أو ذاك نوعا حقيقيا. وهذا - ~~وأنا على ثقة وأتحدث عن خبرة - انفراج ليس بالهين.» ms090 # 3 # لقد أصبحت آراء داروين عن تطور الأنواع مسلما بها بعامة. ثمة ثورة كبيرة حدثت في ~~التاريخ الطبيعي (التصنيف الفيلوجيني)، ولكن شبح نزعة الماهية ظل ينتاب عالم التصنيف. يقول ~~إرنست ماير على سبيل المثال: «إنها لمفارقة عجيبة أن كثيرا جدا من علماء التصنيف لا ~~يزالون يلتزمون بتصور للأنواع إستاتيكي صارم، بالرغم من أنهم يسلمون طوعا بوجود التطور.» # 4 # ومرة ثانية: «إنها لمفارقة عجيبة في تاريخ البيولوجيا أن إعادة اكتشاف قوانين ~~مندل أدى إلى تصور للأنواع لدى التجريبيين أكثر بعدا عن الواقع مما كان سابقا.» # 5 # فمع اكتشاف أهم نظريتين في البيولوجيا كان المرء حقيقا أن يتوقع لشيء أساسي ~~مثل وحدة التصنيف أن يقع في منظور أكثر وضوحا لا أن يصبح أكثر ضبابية. في المرحلة الأولى ~~يسلم علماء التصنيف بأن الأنواع تتطور، ولكنهم يجدون ~~تحديد أسماء الأنواع وفقا لذلك أمرا غير ممكن. وفي المرحلة الثانية يسلمون بوجود ~~استمرارية جينية بين أعضاء نوع ما ولكنهم ينكرون أي واقع للنوع. وقد اجتمع الاثنان ~~ليسهما في استمرار مشكلة الأنواع. # وكما بين كين # A. J. Cain # 6 # فإن تأويل مفارقات ماير يكمن في وجود بقية من نزعة الماهية لم يتم إقصاؤها ~~تماما من علم التصنيف. هذه الأثارة الماهوية هي المسئولة عن تمسك علماء التصنيف بما يمكن ~~أن نسميه على التقريب «مفهوم ثبات الأنواع»، وهو بدوره مسئول عن وجود أنواع في التصنيف ~~عارية عن الواقع. ثمة بالطبع أسباب أخرى حملت علماء التصنيف على التمسك بفخاخ التعريف ~~الأرسطي، وهي - في الغالب - نفس الأسباب التي أدت بأرسطو في الأساس إلى ابتكار منظومته؛ ~~فالمصنف إذ يجد نفسه بإزاء خليط من الصور المتباينة عليه أن يقسمها؛ فإن بوسعه أن ~~يبسط مهمته تبسيطا كبيرا إذا ما زعم أن خواص معينة هي خواص «جوهرية/ماهوية» للتعريف؛ ~~غير أن فعله هذا لن يعدو كونه «زعما»؛ إذ إن أسماء الأصانيف لا يمكن تعريفها في حدود خصائص ~~جوهرية دون تزييف كبير لن ينطلي على أقل الباحثين نقدية وأقلهم معرفة بالكائنات الجاري ~~تصنيفها. # لقد أغفل المصنفون الأوائل ms091 هذا التوتر بين الواقع والنظرية إغفالا كبيرا؛ لأنهم لم ~~يفهموا بوضوح منطق التعريف الأرسطي، ولأنه حتى العلماء لديهم ما يجعلهم لا يلحظون ما ~~يتعارض مع فروضهم الفلسفية المسبقة. ليس غرضنا الآن على كل حال تبيان أن التعريف الأرسطي ~~كان مسئولا عن عجز المصنفين عن تعريف أسماء الأصانيف # taxa # بطريقة ملائمة (وإن كان هذا صحيحا بالتأكيد)، بل تبيان أن التعريف الأرسطي مسئول عن عجز ~~المصنفين عن تعريف «النوع» # species # على نحو قويم. إن ~~توزع الخواص فعليا بين الكائنات قد دفع المصنفين في النهاية إلى التخلي عن التعريفات ~~الأرسطية لأسماء الأصانيف # taxa # وليس ثمة توتر مماثل يدفعهم ~~للتخلي عن محاولاتهم لتعريف «الأنواع» # species # بالطريقة ~~الأرسطية؛ غير أن التعريف الأرسطي متخبط بالنسبة للأنواع # species # مثلما هو متخبط بالنسبة للأصانيف # taxa ~~. ~~••• # يعرف بوبر نزعة الماهية كما يلي: «استخدم اسم «الماهوية المنهجية» # methodological ~~essentialism # لتعين الرأي الذي اتخذه أفلاطون وكثيرون من تابعيه، والقائل بأن مهمة المعرفة الخالصة ~~أو «العلم» هي أن يكتشف ويصف الطبيعة الحقيقية للأشياء؛ أي الواقع الخفي أو الماهية.» يعود ~~إلى أفلاطون ذلك الاعتقاد العجيب بأن ماهية الأشياء المحسة يمكن أن توجد في أشياء أخرى ~~أكثر واقعية في أسلافها أو صورها. وإذا كان كثيرون من الماهويين المنهجيين - مثل أرسطو - لم ~~يتبعوه تماما في تحديد هذا، فجميعهم متفق مع أفلاطون في تحديد مهمة المعرفة الخالصة على ~~أنها اكتشاف الطبيعة الخفية للأشياء، أو صورها، أو ماهيتها، وجميعهم أيضا متفق مع أفلاطون ~~في القول بأن هذه الماهيات قد تكتشف أو تدرك بمساعدة الحدس الفكري، وبأن لكل ماهية ~~اسما مناسبا لها هو الاسم الذي يطلق على كل من الأشياء المحسة، وبأن الماهية قد توصف ~~في كلمات، وهم يطلقون على وصف ماهية شيء من الأشياء «تعريفا» # a definition ~~. # 7 # وقد أصبح يطلق على هذا الموقف في علم التصنيف «علم ~~الأنماط» # typology ~~. ثمة ثلاثة معتقدات لعلم الأنماط: (1) الإقرار الأنطولوجي بوجود ~~الصور. (2) الإقرار الميثودولوجي بأن مهمة التصنيف كعلم هي أن يدرك ماهيات الأنواع. (3) ~~الإقرار المنطقي المتعلق بالتعريف. إن علينا أن ms092 نميز هذه المعتقدات المنفصلة الثلاثة إذا ~~شئنا أن نجتنب اجتراح عبارات مثل تلك التي تتهم داروين ولامارك بأنهما من «علماء الأنماط». ~~لقد كانا عالمي أنماط بمعنى أنهما احتفظا بجزء من العنصر الثالث للماهوية؛ أي منطق ~~التعريف الأرسطي، وليس بأي معنى آخر. يقول بوبر: «وفقا لنزعة الماهية (وبخاصة في صيغتها ~~الأرسطية) فإن التعريف هو ترديد الماهية الداخلية أو طبيعة الشيء. وهو في الوقت نفسه يذكر ~~معنى لفظة، معنى الاسم الذي يسمي الماهية.» # 8 # يذهب أرسطو إلى أن هناك ثلاثة أشياء يمكن أن تعرف عن أي كيان (كائن): ماهيته ~~وتعريفه واسمه. الاسم يسمي الماهية، والتعريف يقدم وصفا جامعا تاما للماهية. الاسم ~~إذن هو اسم الكيان والتعريف وصف له. «يعتبر أرسطو أن الحد يعرف بأنه اسم لماهية الشيء، ~~والصيغة المعرفة بأنها وصف الماهية. وهو يؤكد أن الصيغة المعرفة يجب أن تقدم وصفا ~~جامعا للماهية أو للخواص الجوهرية (الماهوية) للشيء المعني.» # 9 # وبغض النظر عن كل ما قيل عن الماهيات، فإن ما يدعو إليه أرسطو - إذا استخدمنا المصطلح ~~الحديث - هو التعريف بالخواص المرتبطة بالاقتران والتي إذا أخذت متفرقة فكل منها ~~«ضروري» # necessary # وإذا أخذت مجتمعة فهي ~~«كافية» # sufficient ~~. مثال ذلك: أن كون الشيء شكلا ~~مغلقا مستويا ثلاثي الأضلاع هو ضروري وكاف لكونه مثلثا. مثل هذا الضرب من التعريف ~~ملائم - كما هو معلوم - لتعريف الصور الأزلية. ولكنه ليس ملائما تماما لتعريف أسماء ~~الأنواع التي تتطور ، أو لتعريف «النوع» # species # نفسه؛ ورغم ~~ذلك فإن هذا الضرب من التعريف هو بعينه ما افترض أنه التعريف المسموح به حتى عهد قريب. لقد ~~كانت نظرية التطور بالضرورة تحديا للإقرار الأنطولوجي بأن الأنواع كصور موجودة. ومن ~~الواضح تماما أنها كانت أيضا تحديا للإقرار الميثودولوجي. فإذا لم يكن ثمة صور فلن يمكن ~~أن تكون مهمة علم التصنيف أن يدركها. ولكن لنظرية التطور نتيجة ثالثة بالنسبة لعلم التصنيف، ~~وهذه النتيجة الثالثة هي ما لم يره داروين وأتباعه. لقد تعين التخلي عن التعريف ~~الأرسطي لأسماء الأنواع وللأنواع، وأمكن لعلماء الأنماط التغاضي عن التوزع ms093 الفوضوي ~~للخواص بين الكائنات الحية في واقع الحال، وعن تنوع طرق التكاثر المستعملة لإبقاء النوع. ~~أما علماء التطور فلم يمكنهم التغاضي. ~~(1) التعريف الأرسطي والتطور # كان علماء التصنيف منذ البداية يهدفون إلى شيئين: تعريف ل «النوع» # species # من شأنه أن يفضي إلى أنواع حقيقية، ومبدأ موحد من شأنه ~~أن يفضي إلى تصنيف طبيعي. تتضح الحماسة التي بحث بها علماء التصنيف عن مثل هذا المبدأ ~~الموحد في الاقتباس التالي للينوس: «لقد جهدت طويلا لكي أجده، وقد اكتشفت أشياء ~~كثيرة ولكني لم أتمكن من العثور عليه، وسوف أستمر في البحث عنه ما حييت.» # 10 # وقد عثر التصنيفيون أخيرا على مبدئهم الموحد في نظرية التطور؛ فالتصنيف ~~الطبيعي هو ذلك التصنيف الذي «مثل» الفيلوجينيا (تطور النوع) بمعنى ما من المعاني. # 11 # تلقى بعض التصنيفيين البرنامج الفيلوجيني بحماسة في الترحيب لا يضارعها إلا ~~حماسة غيرهم في الرفض. من الواضح لماذا عارض علماء الأنماط التصنيف الفيلوجيني؛ غير أن ~~التصنيف الفيلوجيني لقي معارضة أيضا من التصنيفين الذين قبلوا نظرية التطور، ولكنهم ~~أنكروا أي صلة لهم بعلم التصنيف. أصبحت هذه المجموعة الأخيرة تعرف باسم التقسيميين # classificationists ~~، ونظراؤهم المحدثون هم ~~التصنيفيون العدديون # numerical taxonomists ~~. ~~وتفسير موقف التقسيميين الأوائل يمكننا أن نجده أيضا في العنصر الثالث للماهوية. فرغم ~~أن جميع الفيلوجينيين الأوائل ومعظم التقسيميين هجروا التقريرين الأولين للماهوية فكلا ~~الطرفين لم يهجر التعريف الأرسطي. # بسبب التطور أحس علماء التصنيف بأنهم بإزاء ورطة؛ فإذا تقبلوا نظرية التطور بوصفها ~~المبدأ الموحد لتقسيم طبيعي، فإن عليهم أن يتخلوا عن أي أمل في أن يكون لديهم يوما ~~نوع طبيعي. وإذا شاءوا التمسك بأنواع حقيقية فإن عليهم أن يتخلوا عن أي أمل في أن يكون ~~لديهم يوما تقسيم طبيعي. بوسعنا أن نرى الأساس المنطقي وراء هذه المعضلة في الاقتباسات ~~التالية من لامارك وليل وداروين. يقول لامارك على سبيل المثال: «إن ذلك الشطر من عمل ~~العلماء الطبيعيين المتعلق بتحديد ما يسميه المرء «نوعا» يزداد اختلالا يوما بعد ~~يوم؛ أي يصبح أكثر تعقدا وأكثر اضطرابا؛ لأنه يجري في ms094 الافتراض السائد عالميا ~~تقريبا بأن منتجات الطبيعة تشكل أنواعا متميزة دوما بخصائص لا تتغير، ووجودها قديم ~~قدم الطبيعة نفسها.» # 12 # لقد خلص لامارك عندئذ بأنه ما دامت الأنواع لا يمكن تحديدها بقائمة ~~ثابتة من الخصائص فإنها لا يمكن أن تكون حقيقية، ويرد ليل بقوله: «إذا كانت الأنواع ~~غير حقيقية فالنتائج الواضحة لذلك مزعجة: فالتغير غير المحدود يصبح ممكنا بل ضروريا، ~~ولن يعود للأنواع حدود دقيقة، وسيصبح التقسيم ممارسة اعتباطية خالصة، وسيجوز لأي نوع ~~أن يتحول بسهولة إلى نوع آخر.» # 13 # وبصيغة أخرى فإن الأساس الوحيد للتقسيم ~~الطبيعي هو نظرية التطور، ولكن وفقا لنظرية التطور فإن الأنواع تنشأ بالتدريج ويتغير ~~النوع منها إلى نوع آخر. فإذا كانت الأنواع قد تطورت بهذا التدريج فإنها لا يمكن أن ~~تحد بواسطة خاصة فردة أو مجموعة من الخواص. وإذا كانت الأنواع لا يمكن أن تحد فإن ~~أسماء الأنواع إذن لا يمكن أن تعرف بالطريقة التقليدية. وإذا كانت أسماء الأنواع لا ~~يمكن أن تحد بالطريقة التقليدية فإنها، إذن، لا يمكن أن تعرف على الإطلاق. وإذا ~~كانت لا يمكن أن تعرف على الإطلاق فالأنواع إذن لا يمكن أن تكون حقيقية (واقعية). ~~وإذا كانت الأنواع غير حقيقية فإن «النوع» # species ~~، ~~إذن ليس له سند (مرجع/مشار إليه) والتصنيف أمر عشوائي تماما. # ثمة عناصر من نفس الحجة يمكن أن نجدها في كتابات علماء التصنيف المحدثين. يقول ~~كين # A. J. ~~Cain # مثلا ما يلي: ~~«ولكن عندما تتاح سلسلة جيدة فإن الأشكال التي تبدو نوعا جيدا في أي وقت معين تصبح ~~غير محددة ما دامت هي مراحل متعاقبة في خط تطوري واحد تتداخل بسلاسة بعضها في بعض ...» # 14 # وبمرور الزمن تتغير باستمرار وتتحول بالتدريج إلى نوعين جديدين بدون أي ~~انقطاع مفاجئ يمكن أن يستخدم كحد معين. وتعد حدود الأنواع التحتية والأنواع داخل ~~جنس ما اعتباطية بنفس القدر؛ إذ ليس ثمة سبب لأن تضع قطعا في سلسلة ممتدة عند نقطة ~~معينة دون غيرها. ويخلص كين إلى أن المشكلة لا حل لها. ويقول سيمبسون ms095 # G. G. Simpson ~~: «من المؤكد أن خط النسب يجب أن ~~يقطع إلى قطع لأغراض التصنيف. وهذا التقطيع يجب أن يكون اعتباطيا ... لأنه ليس ~~ثمة طريقة غير اعتباطية لتقسيم خط ممتد ...» # 15 # ورغم كل المثالب المذكورة الخاصة بال «نوع» يقول كين: إن الأنواع كخطوط عرقية «أقل ~~اصطناعا وأقل ذاتية وأقل اعتباطية من أي رتبة أخرى.» # 16 # ويقول ماير: «إن الأنواع وحدة مهمة في التطور وفي الإيكولوجيا وفي العلوم ~~السلوكية وفي البيولوجيا التطبيقية # 17 ~~... إن لها دلالة بيولوجية محددة جدا.» # 18 # ويقول سيمبسون: «مثل هذه التقسيمات الفرعية الاعتباطية لا تنتج بالضرورة ~~أصانيف «غير واقعية» أو «غير طبيعية» ... ولكي نوضح ذلك بمماثلة بسيطة ولكن كافية للتفسير ~~فإن قطعة من السلك تتدرج لونيا من الأزرق مثلا عند أحد الأطراف إلى الأخضر عند الطرف ~~الآخر، فإن قطع هذا السلك إلى شطرين هو فعل اعتباطي، ولكن الجزأين الناتجين هما قسمان ~~واقعيان تماما من السلك يوجدان كجزأين طبيعيين من الكل قبل أن يفصلا.» # 19 # من الواضح تماما أن علماء التصنيف ما زالوا يعتقدون بأن ثمة مشكلة للنوع، وفي القلب ~~من هذه المشكلة فكرة التعريف، تلك الفكرة الفاترة بيولوجيا الحاسمة منطقيا. ~~(2) أسماء الأصانيف بوصفها مفاهيم ~~عنقودية # cluster concepts # لم يصل العلماء إلى اتفاق حول هذه الأسئلة خلال القرنين السابقين رغم وفرة الجهود ~~المبذولة. ويقول ماير: إن المرء ليشعر بأن ثمة سببا خفيا وراء هذا الاختلاف الكثير. ~~من أسباب عدم التوصل إلى اتفاق في هذا الشأن أن علماء التقسيم وعلماء الفيلوجينيا ~~يختلفون في الغرض من التصنيف؛ فالزمرة الأولى تريد أن تكون وحدة التقسيم هي وحدة ~~التعرف، والأخرى تريدها أن تكون وحدة التطور. ولكن هناك أيضا سببا خبيئا لهذا ~~الاختلاف الكثير، وهو قابلية كل من الطرفين من التصنيفيين للتأثر بالتعريف الأرسطي. ~~من دلائل خطأ التعريف الأرسطي تلك النتيجة التي وصل إليها ماير وجميع التصنيفيين ~~الآخرين تقريبا الذين تناولوا مشكلة النوع، وهي أنه «ربما يكون سبب الاختلاف هو حقيقة ~~أن هناك أكثر من صنف من «النوع»، وأنه يلزمنا تعريف مختلف لكل ms096 من هذين «النوعين».» # 20 # وأفضل طريقة لكشف تأثير التعريف الأرسطي على علماء التصنيف هي أن نبحث تعريف نوع من ~~الحدود هجر التصنيفيون بسببه التعريف الأرسطي بالفعل؛ وهو تعريف أسماء التصانيف # taxa ~~. نحن ندرك الآن ببساطة ما أدركه أدانسون منذ ~~مائتي عام تقريبا من أن أسماء الأصانيف لا يمكن أن تعرف بواسطة مجموعات من الخواص ~~الضرورية حين تؤخذ فرادى والكافية حين تؤخذ مجتمعة؛ ذلك أنه قلما تكون أي خاصة ~~ذات أي قيمة تصنيفية موزعة بين أعضاء أي أصنوفة # taxon # على نحو جامع مانع معا؛ فالخواص التي تستخدم لتعريف ~~أسماء الأصانيف لا تخضع لحدود تصنيفية (لا تحترم حدودا تصنيفية). مثال ذلك: هل النصف ~~حبليات داخلة في شعبة الحبليات أم هي شعبة مستقلة؟ ليس ثمة بين الخواص المستخدمة ~~لتعريف «الحبليات» # chordate # ما هو ضروري وكاف معا، ~~فإذا كانت النصف حبليات متضمنة داخل الحبليات فإن قليلا من الخواص هو الذي تمتلكه ~~الحبليات بشكل حصري، مثل: حبل ظهري، حبل عصبي أجوف ظهري، جهاز عضلي قسامي، هيكل ~~داخلي من غضروف أو عظم، وجهاز دوري مغلق. ولكن عندئذ لا يكون بين الخواص ما هو موجود ~~بشكل جامع، ربما يكون شق الخيشوم أقرب شيء لأن يكون موزعا بشكل جامع، ومع ذلك فإن ~~بعض نصف الحبليات لا يمتلك أي شيء يمت لشق الخيشوم من قريب أو بعيد. فإذا لم ندخل نصف ~~الحبليات من جهة أخرى في الحبليات، فإن كثيرا من الخواص المعرفة يصبح ممتلكا ~~للحبليات بشكل جامع، مثل: حبل ظهري، حبل عصبي أجوف ظهري، وشقوق خيشومية، ولكن عندئذ ~~ستصبح كثير من الخواص التي كانت ممتلكة حصريا للحبليات غير حصرية، مثل: حبل عصبي ~~أجوف ظهري. الخاصة الوحيدة التي تمتلكها الحبليات بشكل جامع مانع هو الحبل الظهري، وإن ~~كانت بعض الفقاريات وحبليات الذيل تمتلك واحدا في طور الجنين أو اليرقة فحسب. وحتى لو ~~أخذنا الأشكال الحالية فقط بالاعتبار فإن التعريف الأرسطي ببساطة لن يجدي. # جرى العرف على أن تعد لفظة ما معرفة على نحو صريح إذا - وفقط إذا - أمكن إعطاء ~~مجموعة ms097 من الخواص بحيث تكون كل خاصة على حدة ضرورية وتكون المجموعة الكلية للخواص ~~كافية إذ تؤخذ مجتمعة. من ذلك أن الأعزب هو: الإنسان البالغ الذكر الذي لم يتزوج قط، ~~فإذا كانت # A # كلمة مطلوبا تعريفها ~~و # d ~~، # c ~~، # b ~~، # a # خواص، فإن ~~البنية المنطقية لهذا التعريف هي # ADF a. b. c. d ~~، يمكن ~~للألفاظ أن تعرف أيضا بالفصل دون انتهاك لروح التعريف الأرسطي. من ذلك أن ال # sibling # هو أخو المرء أو أخته، ~~وال # uncle # هو أخو والد المرء أو أخو أمه أو زوج ~~إحدى عماته أو خالاته. والبنية المنطقية لمثل هذا التعريف هي: # ADF ~~aVbVcVd ~~، في هذا التعريف الفصلي كل خاصة كافية على حدة وامتلاك ~~واحدة على الأقل من الخواص كاف. # ومع ذلك فكل من هذين الصنفين من التعريف ليس صالحا لتعريف أسماء الأصانيف؛ وبالتالي ~~لتحديد الأصانيف. وسواء من وجهة نظر التصنيف الفيلوجيني أو العددي، فإن أسماء الأصانيف ~~لا يمكن أن تعرف إلا بواسطة مجموعات من الخواص المتغيرة المشاركة إحصائيا ~~والمنتظمة في تعريفات فصلية طويلة إلى غير نهاية. والبنية المنطقية لمثل هذا التعريف ~~هي: # ADF a. b. c. dVb. c. d. eVa. c. d. f and so on ~~. ~~ليس ثمة - في العادة - خاصة معينة أو مجموعة من الخواص ضرورية، ولا أي مجموعة عددية ~~كافية. من أمثلة ذلك في الخطاب العادي لكلمة لا يمكن تعريفها إلا بهذه الطريقة كلمة ~~«ليمون». يتضمن وصف الليمونة خواص من قبيل: ثمرة لنوع معين من الأشجار، لها طعم حامض، ~~بيضية الشكل ... إلخ. لا شيء من هذه الخواص ضروري، حيث إن الفاكهة قد تفتقر لأي واحدة ~~منها وتبقى ليمونة. ثمة مجموعات عديدة ومختلفة ولكن متداخلة من الخواص هي وفقا لذلك كافية. # 21 # في تعريفهم لأسماء الأصانيف كمفاهيم ~~عنقودية # cluster concepts # تبنى علماء التصنيف (سواء أدركوا ذلك أم لا) موقفا ~~فلسفيا جديدا ومثيرا للجدل بعض الشيء. لقد هجروا القسمة الثنائية البسيطة بين ~~العلاقات التحليلية والتركيبية في التعريف. لقد جرى العرف بأن الخاصة المعرفة إما ~~أن تكون مرتبطة ms098 تحليليا باللفظة التي تعرفها أو لا تكون. وليس ثمة وسط في ذلك. ~~وفقا لإحدى صيغ الموقف الجديد فإن «أي خاصة مرتبطة بأخرى بحيث لا يكون ثمة معنى لأن ~~ننكر انطباقها ستسمى مرتبطة تحليليا بها. مثال ذلك ارتباط ال # brotherhood # بال # siblinghood ~~. أما الخاصة التي لا تفي بهذا ~~المتطلب ولكنها رغم ذلك حقيقة بأن تدخل في أي تفسير دقيق لمعنى اللفظة ستسمى مرتبطة ~~معياريا بها. وأي ارتباطات أخرى غير ذلك ستسمى تركيبية.» # 22 # إن الخواص التي تقع في تعريف أسماء الأصانيف (مع استثناءات نادرة) كلها ~~مرتبطة معياريا، وهي ليست مرتبطة تحليليا؛ لأن أي فرد أو أي مجتمع أفراد يمكن أن ~~يفتقر إلى خاصة أو بضع خواص ويبقى مع ذلك عضوا في الأصنوفة؛ غير أنها ليست مجرد خواص ~~تحليلية؛ لأنها الخواص الوحيدة المستخدمة في التعريفات. # في تسمية خواص معينة «خواص معيارية» ثمة قوانين متضمنة. في حالة التصنيف الفيلوجيني ~~فإن هذه القوانين هي قوانين النظرية التطورية والنظرية الجينية. تحدد هاتان النظريتان ~~أي الخواص هي خواص معيارية وما مدى أهمية كل خاصة للتعريف. في العادة يعارض أنصار ~~التعريف الأرسطي وأنصار التمييز الحاد البسيط «تحليلي/تركيبي» محاولات تعريف الألفاظ ~~كمفاهيم عنقودية، وذلك بإحدى نقلتين: فهم يدعون أن ~~مثل هذه الألفاظ «تستخدم بطريقة غائمة من جانب المستخدمين العرضيين، ولكن (1) ~~هؤلاء المستخدمين يمكن في العادة إقناعهم بقبول شروط ضرورية وكافية معينة على أنها ~~تحليلية ورفض الروابط الأخرى على أنها تركيبية. و(2) ينبغي أن يستبدل بالمفهوم الغائم ~~مفهوم أكثر تحديدا يمكن أن يعرف بالطريقة التقليدية.» # 23 # كلا هذين البديلين غير قابل للتطبيق في حالة أسماء الأصانيف. فمن المؤكد أن علماء ~~التصنيف لا يستخدمون أسماء الأصانيف عرضا، ولا يمكنهم أن يقبلوا شروطا ضرورية ~~وكافية معينة على أنها تحليلية حتى لو أرادوا ذلك، مثلما بين مثال الحبليات. ولا ~~هو بإمكانهم أن يستبدلوا بأسماء الأصانيف التي بحوزتهم الآن أسماء أكثر تحديدا وتبقى ~~وافية بأغراض التصنيف الفيلويجيني. مثال ذلك: أن جميع - وفقط - الفقاريات وحبليات ~~الرأس وحبليات الذيل تمتلك حبلا ظهريا في وقت ما ms099 من نموها الإنتوجيني؛ وليس ثمة خاصة ~~أخرى هي متغير مشارك لهذه الخاصة. ورغم ذلك فإن أصنوفة «حبليات الظهر» # notochordata # يمكن أن تتكون بجعل امتلاك حبل ظهري شرطا ضروريا ~~وكافيا معا. ومن جهة أخرى فإن الفقاريات وحبليات الظهر وحبليات الذيل والإنتيروبنيوست ~~والبتيروبرانش (وكلاهما من النصف حبليات) وإكينوديرم منقرض تمتلك شقوقا خيشومية في وقت ~~معين من نموها الأنتوجيني. وليس ثمة خاصة أخرى هي متغير مشارك لهذه الخاصة. فإذا جعلنا ~~امتلاك شقوق خيشومية شرطا ضروريا وكافيا معا لأمكن لأصنوفة «خيشوميات» أن تعرف ~~تقليديا. ولكن التعريفات السابقة لا تعدو أن تكون ذلك الصنف من التعريف لأسماء ~~الأصانيف الذي جهد علماء التصنيف المحدوثون لتجنبه. وسواء جعل التصنيف ليكون ~~مفيدا فحسب (موقف التصنيف العددي) أو مفيدا ودالا أيضا من الوجهة الفيلوجينية ~~(الموقف الفيلوجيني) فإن أسماء الأصانيف لا يمكن أن تعرف إلا بواسطة مجموعات من ~~الخواص المتغيرة المشاركة إحصائيا. # تتصف جميع أمثلة المفاهيم العنقودية المقدمة حتى الآن بخصيصة ثانية. بعد تقديم ~~بنود عديدة من الفصل فإن التعريف ينتهي بتعبير «إلخ» أو «وهكذا». لا يعود السبب في ~~ذلك في حالة معظم أسماء الأصانيف إلى أن قائمة الفصل طويلة جدا ولا إلى أنها معروفة ~~جدا، بل إلى أن القائمة لا يمكن أن تكتمل؛ فهي قائمة تطول إلى غير نهاية. هذه ~~اللانهائية ليست مؤذية لأغراض التصنيف الفيلوجيني بل جوهرية. # ليس قبل أن تتوقف الأنواع عن التطور، الأنواع التي يجب أن نميز بعضها من بعض، يمكننا ~~أن نقرر أي الخواص كاف (وما عددها) لتمييزها مرة وإلى الأبد؛ فقليل جدا من الخواص ~~- على سبيل المثال - تكفي لتمييز الإنسان الحديث عن أية أنواع أخرى. ورغم ذلك فإذا ما ~~شرع نوع من القردة في التطور عبر نفس الخطوط التي قطعها الإنسان واكتسب خواص مساوية، ~~فإن تعريف ال # Homo sapiens # سوف يتعين أن يمتد لكي ~~يستبعد هذا الشكل الجديد إذا كان لل # Homo sapiens # أن ~~يبقى أحادي الجذر. وحتى إذا أراد أحد علماء التصنيف فإنه يعجز عن تقديم هذه الخواص ~~التمييزية مقدما. ولكن حتى يقع ms100 مثل هذا الحادث البعيد الاحتمال، فليس ثمة سبب لتعقيد ~~التعريف. ليس بوسع علماء التصنيف أن يكونوا جاهزين مقدما لجميع الطوارئ. وكل ما ~~يلزمهم هو أن يستوعبوا الطوارئ التي تبزغ بالفعل عندما تبزغ. # وفي حالة الأنواع المنقرضة تماما، فإن من الممكن، من حيث المبدأ على الأقل، أن ~~نعرف أسماء هذه الأنواع مرة وإلى الأبد إذا ما توافر سجل حفري للنوع المعني ~~وجيرانه من الأصانيف. فإذا كان السجل الحفري غير كامل، فإن تعريف اسم نوع منقرض ما ~~يتعين تغييره إذا ما تم اكتشاف حفريات لأنواع شبيهة. وهكذا فإن لتعريفات أسماء الأصانيف ~~- كمفاهيم عنقودية - خصيصة أخرى، فإنها على خلاف التعريفات التقليدية لا يمكن أن تكون ~~معزولة إلى الأبد عن الاكتشافات الإمبيريقية، وكلما تراكم مزيد من الأدلة سيكون من ~~المتعين أن تتغير لكي تستوعب هذه الأدلة. # الفصل الثامن # | الماهوية الجينية # الماهوية الجينية # genetic essentialism # هي النظرة ~~الردية إلى الكائنات البشرية على أنها كائنات تكمن ماهيتها في جيناتها. ويمكن وصف قيمتها ~~بلغة علم الوراثة. وترتبط الماهوية الجينية ارتباطا وثيقا ب «الحتمية الجينية» # genetic determinism ~~، وهي الاعتقاد بأن سلوك ~~الإنسان تحدده مسبقا بنيته الجينية، وأن سمات الشخص هي شيء دائم وقابل للتنبؤ ومحتم منذ ~~الإخصاب ومبيت في جبلته البدنية، ولا يؤثر فيه السياق الاجتماعي تأثيرا يذكر. ~~يقول جيمس واطسون - أحد مكتشفي الحلزون المزدوج للدنا # DNA ~~: ~~«لقد درجنا على الاعتقاد بأن مستقبلنا مكتوب في النجوم. أما الآن فقد عرفنا أنه مكتوب ~~في جيناتنا.» # الحق أن هذا الحديث شديد الخطر باهظ التبعات فادح العواقب؛ إذ لو صحت الحتمية الجينية ~~لانقلب بناؤنا النظري (بل المؤسساتي) - الخلقي والاجتماعي والسياسي والجنائي - رأسا على ~~عقب، وانتفت حرية الإرادة والمسئولية الفردية والاجتماعية والجنائية، وجاز البطش حيث ينبغي ~~التسامح، والتساهل حيث ينبغي الحزم؛ إلى غير ذلك مما سيأتي ذكره بتفصيل مناسب. # يفضي التفكير الماهوي إلى تحيزات معرفية شديدة حين يتعلق الأمر بالحديث عن الجينات ~~وصلتها الوثيقة بسلوك ما أو حالة أو فصيل اجتماعي. يؤدي الفهم المبتسر لدور الجينات في ~~إحداث شتى الحالات البشرية إلى ms101 مجموعة من التصورات حول هذه الحالات، فتدرك على أنها: # ثابتة لا تتغير. # حتمية لا احتمالية. # ذات علة محددة. # متجانسة ومنمازة عن غيرها. # طبيعية # natural ~~؛ أي «هكذا خلقت» (الأمر ~~الذي يؤدي إلى «مغالطة المذهب ~~الطبيعي» # naturalistic fallacy ~~؛ أي القول بأن الخير يقوم على أساس طبيعي وأن القيمة ~~تستخلص من الواقع وأن ما ينبغي أن يكون يستخلص مما هو كائن). # 1 # ثمة بالطبع حالات نادرة يكون فيها التفسير الجيني وجيها ومقبولا ومتفردا، حيث يطلق ~~عليه «التفسير الجيني القوي» # strong genetic explanation ~~؛ ~~غير أن الناس تميل إلى أن تنسب إلى العامل الجيني تأثيرا أكبر من تأثير العوامل الأخرى في ~~حالات «التفسير الجيني الضعيف» # weak genetic explanation ~~، ~~ينظر الناس إلى العنصر - على سبيل المثال - والجنوسة (الجندر)، والتوجه الجنسي والإجرام ~~والمرض العقلي والسمنة، بعدسات ماهوية، فيرونها في صورة محرفة لا ترصد حقيقتها رصدا ~~أمينا، تظاهرهم في ذلك وسائل الإعلام التي تنقل إليهم الكشوف الجينية الجديدة بطريقة ~~تحيد عن الحقيقة وتميل إلى المبالغة والتهويل والإثارة والفرقعة الإعلامية ~~الهستيرية. # يبدو أن الجينات تسير كل شيء في هذه الحياة. يرث البشر جينات تحدد لهم صفاتهم الجسمية ~~ومواقفهم السياسية وميولهم الدينية وسماتهم الشخصية واهتماماتهم المهنية ومخاوفهم الشخصية. # 2 # كما أن تحليل الدنا يمكن أن ينبئنا - بشيء من الدقة - أين نشأ بعض أسلافنا، ~~ومدى احتمال أن نصاب ببعض الأمراض. إنه ليكون مثيرا حقا أن نعرف شيئا عن لبنات ~~البناء المادية بداخلنا، والتي تجعلنا، فيما يبدو، ما نحن (أو بتعبير آخر «تشكل ~~ماهيتنا»). # يؤثر الخطاب الجيني بحد ذاته على الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الأشياء، ويدعم ~~ماهويتنا السيكولوجية القائمة سلفا، وتؤثر ماهويتنا ~~السيكولوجية الصميمة في الطريقة التي نتلقى بها الكشوف الجينية الجديدة، وتصبها في ~~قالبها. بذلك تنشأ حلقة خبيثة من التدعيم والتحريف يصعب الفكاك منها. ومن شأن التحيز ~~الماهوي الجيني أن يدعم التنميط # stereotyping # والتعصب ~~العرقي والجنسي. وقد وجد في تيار اليوجينا # eugenics ~~(تحسين النسل) - بشتى تطبيقاته - مراغما كثيرا لممارسة دوره وترسيخ ذاته . ~~(1) الماهوية السيكولوجية # تميل الناس إلى أن ms102 تماهي # essentialize # كيانات معينة ~~تصادفها في الحياة، فتدرك الفئات «الطبيعية» من قبيل المعادن والمواد الكيميائية ~~والكائنات الحية بصفة خاصة، على أن هناك طبيعة أساسية تحتية تجعلها ما هي. وتتجلى ~~الماهوية السيكولوجية لدى الناس عندما تدرك طبيعة أولية أو «ماهية» غائرة وغير ~~منظورة، وهي العلة التي تجعل الكيانات الطبيعية ما هي؛ إذ تولد الخصائص المشتركة ~~الظاهرة لأعضاء فئة معينة من الكيانات؛ فماهية القطة على سبيل المثال تتسبب في أن تكون ~~لها شوارب وفراء ناعم ومخالب حادة وميل إلى أن تخرخر عندما تكون راضية. إن الماهية ~~تضبط الخصائص المنظورة ولكنها لا تحدد بها؛ فقد تتغير الخصائص الملاحظة لأعضاء فئة ~~ما (قطط بدون شعر مثلا) دون أن يتضمن ذلك تغيرا في ماهية هؤلاء الأعضاء. # 3 # من العناصر المحددة للماهية تلك العلاقة العلية بين الماهية والخصائص المتوقعة. ~~ومنها عنصر الثبات؛ فماهية القطة من المفترض أنها لا تتغير حتى إذا تحولت السمات ~~الملاحظة بفعل تغيرات جسمية أو بيئية مباشرة كأن يحلق شعرها أو يجرى لها تغيير ~~جراحي. # تشير ماهية النوع الطبيعي إلى أن أعضاء فئة هذا النوع تدرك على أنها متجانسة فيما ~~بينها ومتميزة عن أعضاء الفئات الأخرى. ثمة شيء ما يجعل القطط جميعا تدرك على أنها ~~قطط وعلى أنها متميزة عن بقية أنواع الحيوانات. إن الماهية الفريدة المستترة لكل فئة ~~تقدم للمدرك «إمكانا ~~استقرائيا» # inductive potential # لكي يقيم استدلالات فسيولوجية وسلوكية محددة تتعلق ~~بأعضاء فئة معينة. # 4 # يستند الناس إلى الماهيات لكي يفهموا طبيعة الأنواع، بل إنهم - فضلا عن ذلك - يضعون ~~أحكاما ماهوية إذا أرادوا أن يفهموا سلوك الجماعات الاجتماعية. إن شرائح من قبيل ~~العنصر # race ~~، والجنوسة # gender ~~- رغم أنها من اصطناع البشر - لتتناولها نزعة الماهية ~~بنفس الطريقة التي تتناولها بها الأنواع الطبيعية. من ذلك أن جيل وهوايت (2001م) وجدا ~~أن الجماعات القبلية المنغولية يطبقون هذه الفرضية الكشفية فينظرون إلى البطون القبلية ~~على أن لها قدرات فطرية متفاوتة، ويعتقدون أن هذه القدرات لا تتبدل حتى لدى الأشخاص ~~الذين يتبنون عند ولادتهم وينشئون في كنف ms103 جماعات أخرى . # 5 # يدرك الناس أعضاء الجماعات الاجتماعية على أنهم يشكلون فئات متجانسة وثابتة، ~~ويسبغون عليهم أوصافا نمطية لا تتبدل، ويطلق على هذه العملية «التنميط» # stereotyping ~~. # ورغم أن ماهية أي فئة هي شيء باطن غير منظور فإن من المفترض أنها السبب من وراء ~~خصائص يتصف بها أعضاء هذه الفئة، بعض هذه الخصائص معروف وبعضها لما يزل بانتظار الكشف. ~~هذه الطبيعة الخفية والملغزة للماهية لا تنال من أهميتها عند الناس ولا تقلل من ~~استخدامهم لهذا البناء الذهني المجرد، وهم يتغلبون على هذه الصعوبة باستخدام # essence placeholder ~~(ماسك مكان الماهية/محل ~~الماهية)، وهو ما يتيح لهم أن يستقوا استدلالات علية من الماهية إلى الخصائص ~~الملاحظة دون الحاجة إلى إعطاء الماهية وصفا ماديا قد يحدها، وقد يحول دون ~~إجراء استدلالات ماهوية عن ما هو غير مكتشف بعد. ونحن نرى أن «الجينات» (أو على الأقل ~~الطريقة التي يتصورها بها عامة الناس) تعمل كماسك مكان لهذه الماهية المتخيلة، وهو ما ~~يفسر لنا الطرائق التي يستجيب بها الأفراد عندما يتلقون معلومات جينية عن الناس. ~~(2) الماهوية الجينية # ثمة مكون هام للماهوية السيكولوجية، وهو فكرة «الإمكان الفطري» # innate potential ~~. إن العضوية في نوع من الأنواع تفرض على خصائص ~~الأعضاء ضوابط معينة؛ ذلك أن الماهية تنحدر خلال النسل البيولوجي. ترتبط الماهية ~~الثابتة بالفطرية من جهة، وترتبط الفطرية بالجينات من جهة أخرى، مما يشير إلى أن ~~الخصائص الملاحظة لجماعة ما يفترض أنها تقوم على أساس جيني مشترك. # تتماثل العناصر المقومة للماهوية السيكولوجية (ثابتة، أساسية، متجانسة، منمازة، ~~طبيعية) مع التصور العامي الشائع عن الجينات. يومئ هذا التشابه إلى أن الأعضاء ~~المشتركين في بنية جينية محددة مشتركون أيضا في ماهيتهم. هكذا تعمل الجينات في فهم ~~الناس عمل «ماسك مكان الماهية»، وتتيح لهم أن يستدلوا على قدراتهم وميولهم وقدرات ~~غيرهم وميولهم بناء على جينات مشتركة مفترضة. يطلق على هذا الميل إلى استنتاج خصائص ~~شخص ما وتصرفاته كشيء يقوم على بنيته الجينية مصطلح «الماهوية الجينية». يصوغ نلكن ~~وليندي هذا المعنى بقولهما: «ترد الماهوية الجينية النفس ms104 إلى كيان جزيئي؛ إذ ~~تساوي بين الكائنات الإنسانية بكل تعقيداتها الاجتماعية والتاريخية والأخلاقية وبين جيناتها.» # 6 # ما إن يتلقف الناس خبرا عن أساس جيني لأي شيء حتى تستيقظ تحيزاتهم الماهوية ~~السيكولوجية وتضفي على هذا الشيء صفة الثبات والدوام والحتمية، بمعزل عن التأثيرات ~~البيئية والحرية الشخصية والاختيار الفردي، فما دام الجين موجودا فالمآل متوقع ~~والمصير محتوم. وما دام الجين موجودا فالحالة موجودة، وما دام غائبا فالحالة ~~مستبعدة، ولا وزن هنالك لأية عوامل أنتوجينية أو بيئية أو خبروية. # من شأن الماهوية الجينية أن تحمل الناس على أن يتصوروا الجماعات المشتركة في الأساس ~~الجيني على أنها «متجانسة» و«منمازة» (عن غيرها)، وكأن الحالة الجينية والجماعة ~~مشتركتان في الحدود؛ فجميع أعضاء الجماعة المشتركين في الماهية الجينية لديهم نفس ~~الصفة. وهذه الصفة تغيب بالضرورة عن أولئك الذين لا يشاركون في الأساس الجيني ~~التحتي. # كما أن العلل الجينية تدفع الناس إلى تصور نتائجها على أنها «طبيعية» # natural ~~، الأمر الذي قد يستحث «مغالطة المذهب ~~الطبيعي» (أي أن تستمد خواص أخلاقية (خير، حق، ... إلخ) من خواص طبيعية (طويل، أخضر، ...) ~~أو أن تستمد «ما ينبغي أن يكون» من «ما هو كائن»). إن النزوع الذي نراه «طبيعيا» ~~سيكون عندنا أكثر قبولا من الذي نراه «غير طبيعي». من ذلك أن الجنسية المثلية سينظر ~~إليها - إن تبين لها أساس جيني - نظرة أكثر إيجابية مما إذا كانت اختيارا ~~حياتيا إراديا حرا. # هكذا تشكل الماهوية الجينية عدسات أشبه بالمنشور ~~ننظر من خلالها إلى الأشياء فيتشوه فهمنا لها. إن التحيز الماهوي الجيني كفيل بأن يغير ~~رؤيتنا للأشياء، وأن يجعلنا نقيم الأمور تقييما مختلفا عن تقييمنا لها إذا لم تكن ~~مرتبطة عندنا بأي أساس جيني. ~~(3) هل الماهوية الجينية غير معقولة؟ # نحن نسلم بأن الماهوية تعكس استجابة متحيزة - وغير مرغوبة في الأغلب - لما نتلقاه ~~من معلومات جينية. ولكن للمرء أن يتساءل: ألا يمكن أن تعتبر مثل هذه الاستجابة ~~عقلانية؟ أليس من المعقول أن معرفة المرء بالأساس الجيني التحتي لحالة ما ينبغي أن ~~تدفعه إلى أن يستنتج أن الحالة ms105 محتمة، وأن لها سببا محددا وأنها متجانسة وطبيعية ؟ ~~مثال ذلك: أنه إذا كان لشخص ما سلسلة من عدد كاف من تتابعات مكرورة من ثلاث قواعد # CAG # في الموضع الصحيح في نهاية كروموزوم 4، فإنها ~~سوف تنتج مرض هنتنجتون ما لم تمت قبل الأوان لسبب آخر. بل إن بداية حدوث الأعراض يمكن ~~التنبؤ بها بناء على عدد التتابعات المكرورة في الكروموزوم. وبجميع المقاييس فإن مرض ~~هنتنجتون محتم، وذو سبب محدد ومتجانس وطبيعي، وتصوره بهذه السبل الجبرية هو تصور ~~وجيه وهو الطريقة الصحيحة لفهمه. # على أن الجينات تؤثر في الأنماط الظاهرية # phenotypes # بطرق مختلفة. من ناحية يمكن للجينات أن تؤثر في الأنماط الظاهرية من خلال مسالك ~~بيوكيميائية كبرى يمكن أن تقاس وتفهم، وهو ما يطلق عليه توركهايمر (1998م) «التفسيرات ~~الجينية القوية». هكذا الأمر في حالة الأمراض الوحيدة ~~الجين # monogenic # والحالات التي تشمل عددا صغيرا من الجينات. في مثل ~~هذه الحالات يبدو معقولا حقا أن نتصورها محتمة ~~وذات سبب واحد ومتجانسة وطبيعية، كنتيجة لمعرفتنا بأساسها الجيني التحتي. ومن جهة أخرى ~~فإن التفسير الجيني القوى يبدو أنه يمثل الاستثناء أكثر مما يمثل القاعدة. لا تشكل ~~الأمراض الوحيدة الجين إلا حوالي 2٪ من الأمراض ذات الأساس الجيني. # 7 # والقاعدة هي أن جينات عديدة تتشارك، ويزيد الأمر تعقيدا أن نفس ~~الأليل # allele # يمكن أن يعبر عنه على أنحاء ~~مختلفة بحسب العوارض البيئية. يذكر كرافت وهنتر بمعرض تلخيص الأدلة المؤيدة للتنبؤ ~~بالخطر المرضي على أساس الجينات أن «الكثير - وليس القليل - من أليلات الخطر مسئولة عن ~~أغلب الخطر الموروث لكل مرض شائع.» # 8 # إن العلاقات بين الجينوتايب (النمط الجيني) والفينوتايب (النمط الظاهري) ~~يمكن أن تكون بالغة التعقيد، حيث تنبثق الأنماط الجينية كنتيجة لتفاعل متبادل لجينات ~~عديدة عندما تتوافر ظروف بيئية معينة، وحيث يمكن للجينات أن تحدد أي البيئات يسعى ~~إليها الشخص ومن ثم يتأثر بها، مثل هذه العلاقات المعقدة تتحدى أي جواب ~~ماهوي. # يستخدم تركهايمر تعبير «تفسير جيني ضعيف» ليشير به إلى تلك الحالات المعلوم أن لها ~~أساسا جينيا ( # i.e. ms106 heritability > 0 ~~)؛ غير أن ~~الآليات التي تنقله غير معروفة إلى حد كبير أو غير قابلة للمعرفة. إن أغلب الطرائق التي ~~ترتبط بها الجينات بالحالات البشرية يمكن أن توصف بأنها تفسيرات جينية ضعيفة. وإن كل ~~السلوكات البشرية تقريبا مورثة (بما فيها التصويت الانتخابي والتدخين والطلاق) وإن ~~كانت المسالك الجينية التحتية لها غير يسيرة. وكلما ضعفت الرابطة بين الجينات والحالات ~~كانت الاستجابة الماهوية أكثر لا معقولية. # وحيث إن الجينات تؤثر في الأنماط الظاهرية في الأغلب الأعم بطريق التفسيرات الضعيفة ~~(برفع تقديرات الخطر، بزيادة القابلية، برفع الاحتمالات) فإن الاستجابات الماهوية ~~للترابطات الجينية كثيرا ما تكون غير ملائمة. ورغم ذلك - وكما يحاج هينشو وستير في ~~معرض حديثهما عن الوصمة والأمراض النفسية - فعندما يعزو الناس حالة ما إلى أساس جيني ~~فإنهم كثيرا ما يغفلون منظورات أخرى مثل مدى تلاؤم الشخص مع البيئة، أو كيف أثر ~~نمو الشخص في نشوء حالته؛ أي إن الغزو الجيني كثيرا ما يمنح أولوية فوق الضروب الأخرى ~~من العزو بالنسبة للظواهر. توجد هذه التعقيدات في معظم الظواهر البشرية التي تتفاعل ~~فيها الطبيعة والتنشئة. وبسبب تعقد التفاعل بين الطبيعة والتنشئة يستسهل الناس تبني ~~التفسير الجيني القوي على حساب الأسباب البيئية والخبروية أو التفاعلية بين الجينات ~~والبيئة. ليس هذا نكرانا للدور الجيني بل للمبالغة فيه. # 9 ~~(4) فهم العامة لعلم الوراثة # مما يعقد المصاعب الخاصة بالتفكير العقلاني حول التفسيرات الجينية أن معرفة الناس ~~بعامة عن علم الوراثة هي معرفة محدودة (في بحث لاني وآخرين (2004م) مثلا تبين أن نصف ~~المشاركين في الدراسة لا يعلمون أن الجينات تقع في الخلايا!) ولكن رغم فهمهم المحدود ~~للجينات فإن الناس لا تتورع عن إسداء تفسيرات جينية لسلوك الآخرين بشكل تلقائي عفوي. ~~يصدق ذلك حتى على الأطفال؛ فقد بينت دراسة هيمان وجلمان (2000م) أن الأطفال ~~يستدعون الجينات بشكل صريح لتفسير سلوك الآخرين رغم انعدام فهمهم تقريبا لعلم ~~الوراثة. # يستقي عامة الناس معلوماتهم الجينية من وسائل الإعلام، والإعلام لا يقدم إلا تبسيطات ~~مخلة توحي بتفسيرات جينية قوية للظواهر تتجاوب مع ms107 الفهم الحدسي (والخاطئ) للعامة عن ~~الجينات، وهو فهم مشبع بالحتمية الجينية ويؤثر بشدة في فهمهم للآخرين ولأنفسهم. مثل هذه ~~التحيزات الماهوية الجينية هي ما يقبع من وراء ظاهرتي: «التنميط» # stereotyping # و«التمييز» # discrimination # بجميع تجلياتهما: في العنصر، والجنوسة (الجندر)، والتوجه ~~الجنسي، والإجرام، والمرض العقلي، والسمنة ... إلخ. # تكشف لنا كثير من البحوث أن الناس تبدي النزعة الماهوية عندما تكون بصدد تقييم ~~الجماعات الأخرى، وتشتد تحيزاتهم الماهوية عندما يدركون الجماعات على أنها تشارك في ~~بنية جينية عامة، الأمر الذي يقدم أرضا خصبة لنمو التحيز والتنميط. ينظر الناس إلى ~~أعضاء الجماعات المختلفة على أنها تشترك في ملامح فطرية وثابتة ومحددة للجماعة تتسبب ~~في سلوكاتهم وخصائصهم المميزة، وأن بعض هذه الملامح المحددة ذات منشأ جيني. # وقد بينت دراسة باستيان وهسلام 2006م أن هناك ارتباطا بين العزو الجيني ~~والتنميط؛ فقد وجد أن «مقياس الأساس البيولوجي للماهوية» # 10 # يرتبط ارتباطا موجبا مع درجة تصديق الناس على شتى ضروب التنميط الخاصة ~~بشتى الجماعات الاجتماعية. لقد تبين أن الميل إلى تفسير السلوك في حدود بيولوجية هو من ~~أقوى الخصال التي تنبئ بالتنميط. كذلك الأمر في «مقياس الاعتقاد في الحتمية الجينية» ~~(الذي يتضمن بنودا من قبيل: «مصير كل شخص يقبع في جيناته»)، فهو يرتبط ارتباطا موجبا ~~مع التحيز والتنميط العنصري السلبي والنزعة القومية والنزعة الوظيفية. # 11 # وبالمجمل فإن أولئك الذين ينظرون إلى الجماعات البشرية على أنها تشترك في ~~ماهية جينية عامة هم أميل إلى اعتناق اعتقادات تنميطية عن تلك الجماعات. ~~(5) الماهوية الجينية والعنصر والإثنية # يعد العنصر # race # والإثنية - ربما بدرجة أقل - ~~اثنين من التصنيفات الاجتماعية العتيدة. ونحن لا تعوزنا الأدلة على أن الناس يولون ~~عنصر الناس وإثنيتهم أهمية هائلة. وقد قام الباحثون في السيكولوجيا بدراسة دور هذين ~~البناءين بالنسبة لقطاع عريض من الظواهر، مثل: التنميطات والتحيز والإدراكات داخل ~~الجماعة وخارج الجماعة والهوية والقدرات والآليات المعرفية المرتبطة. # وفي ترسيمه لصورة الشخصية المتحيزة أشار جوردون ألبورت 1954م إلى أن الاعتقاد في ~~الماهية له قوة عجيبة على تخليد الآراء العنصرية المتحيزة لدى الناس. ms108 «ثمة ماهية يهودية ~~متأصلة في كل يهودي»: «الروح الشرقية»، «الدم الزنجي»، «آرية هتلر»، «العبقرية الخاصة ~~لأمريكا»، «الإنسان الفرنسي المنطقي»، «الإنسان اللاتيني المشبوب العاطفة»؛ كل أولئك ~~يمثل اعتقادا في الماهية. ثمة «مانا» (قوة طبيعية مجسدة) سرية - للخير أو الشر - ~~تقيم في الجماعة، ويشارك فيها جميع أعضائها. # 12 # ونحن نحاج بأن الناس كثيرا ما تتصور الجينات على أنها تتبطن هذه «المانا»، ~~ومن شأن ذلك أن يعزز طائفة من ردود الأفعال (البغيضة في الأغلب). # هل ثمة أساس جيني للعنصر؟ ذاك سؤال قد خضع لتمحيص علمي مكثف. ورغم أن غالبية المجتمع ~~العلمي والرابطات السياسية الدولية تؤكد عدم وجود أساس بيولوجي لمفهوم العنصر، بمعنى أن ~~التنوع داخل لعنصر أوضح بكثير جدا من التنوع بين العناصر، فما زال الناس يستخدمون ~~العنصر كأمارة بيولوجية لعمل استدلالات. إن استخدام الناس للتصنيفات العنصرية ~~المستلهمة للجينات يماثل استخدام التصنيفات القائمة على الأنواع # species # في أنها تضم الأفراد في فئات تصنيفية منمازة # discrete # طبيعية ثابتة ضرورية. # 13 # وقد ارتبط هذا الإدراك الماهوي للعنصر بالتشابهات الجينية المدركة بين ~~أعضاء هذه الجماعات. # وقد أجريت أبحاث حديثة لدراسة تأثير العزو الجيني في إدراك الفروق العنصرية ~~والإثنية. قام بعض الباحثين بدراسة كيف ترتبط الاعتقادات حول الفروق الجينية بين ~~العناصر بالتحيز والتمييز. فقد قام جاياراتني وآخرون - على سبيل المثال - بدراسة العزو ~~الجيني المتعلق بالعنصر والخاص بالأمريكيين البيض. وقد قاموا بتقدير العزو الجيني ~~للفروق العنصرية عن طريق قياس كم شخصا صدقوا على دور الجينات في تشييد فروق عنصرية ~~في الذكاء وفي الدافعية للنجاح، وفي العنف، فوجدوا أن الأشخاص الأكثر عزوا جينيا قد ~~حصلوا على درجات أعلى على مقاييس العنصرية التقليدية (مثل الاستجابة السلبية من جانب ~~والد أبيض تجاه زواج ابنه أو ابنته من شخص أسود) والعنصرية الحديثة (مثل الاعتقاد بأن ~~السود أنفسهم مسئولون عن سوء حالهم). # 14 # لقد صيغ الذكاء في حدود ماهوية قوية كما لم يصغ أي بناء ~~سيكولوجي آخر. في عام 1934م عرف أحد الباحثين الأوائل في الذكاء، هو سير سيريل بيرت، ~~عرف الذكاء بأنه ms109 «قدرة فكرية إجمالية ... موروثة، لا تعود إلى التعليم أو التدريب ... ~~ولا تتأثر بالاجتهاد أو الحماس، وتدخل في كل ما نفعله أو نقوله أو نفكر فيه.» # 15 # كان التوكيد على الأساس الوراثي للذكاء واضحا في النشأة الأولى لاختبار الذكاء. وكان ~~هذا الاختبار حقا مكونا حاسما من مكونات حركة تحسين النسل (اليوجينيا) في بدايات ~~القرن العشرين. مثال ذلك: أن واقعة حصول الأمريكيين السود على درجات أقل من البيض في ~~اختبارات الذكاء قد فسرها بعض الباحثين على أنها تشير إلى أنه لا أمل في تحسين الأداء ~~الأكاديمي بين السود. # وفي تاريخ أحدث قال جيمس واطسون - الحائز على نوبل لاكتشافه البنية اللولبية المزدوجة ~~للدنا - في مقابلة للندن سنداي تايمز: إنه «حزين من الأعماق حول مستقبل أفريقيا»؛ لأن ~~«كل سياساتنا الاجتماعية قائمة على واقعة أن ذكاءهم مساو لذكائنا، بينما الاختبارات ~~تقول غير ذلك في الحقيقة»؛ أي إن المكون الموروث من الذكاء كثيرا ما تم تفسيره على أنه ~~يثبت أن الإمكانات الفكرية للناس ولكل أجناس البشر تقع دون منال أي تأثير بيئي أو ~~تعليمي. # ثمة مغالطتان أساسيتان في هذه الاستنتاجات، وكلتاهما تعكس بشكل ما سطوة الماهوية ~~الجينية التي لا تقاوم: الأولى هي فكرة أن التقديرات الوراثية المحسوبة داخل الجماعات ~~يفترض أنها تثبت أن الفروق بين الجماعات تعود إلى الجينات المفترضة التي تتبطن ~~الوراثة. تعكس هذه المغالطة كيف يفترض أن الجينات ~~التي تتبطن السمات الوراثية هي العامل الوحيد (أي إنها تمثل سببا محددا) وراء كل من ~~اختلاف الأفراد واختلاف الجماعات في النمط الظاهري (الفينوتايب). ويبين البحث العلمي - ~~مبرهنا على جاذبية هذه المغالطة - أن الأشخاص الذين يستخدمون التفسيرات الجينية للفروق ~~الفردية هم من الأرجح أيضا أن يستخدموا الجينات لتفسير الفروق المدركة بين الجماعات ~~في نفس السمة. # 16 # والمغالطة الثانية هي أن قابلية سمة ما للوراثة من المفترض أن تدل على أن هذه السمة ~~لا يمكن أن تعدلها عناصر بيئية؛ أي إن النمط الظاهري يرى على أنه مآل مقدر ~~سلفا وثابت للنمط الجيني التحتي (وغير المتبين رغم ذلك). ولكن ms110 موروثية أي سمة بالطبع ~~لا تقول أي شيء عن قابليتها للتعديل. إن تفسير الموروثية بهذه الطرق الخاطئة (وفي ~~مجالات أخرى بالإضافة إلى العنصر والذكاء) - حتى من جانب بعض علماء الوراثة السلوكية ~~والباحثين في الذكاء - ليؤكد كيف تتجاوب مثل هذه الحجج مع التحيزات الماهوية للناس. ~~كثيرا ما ينظر الناس إلى الذكاء في حدود ماهوية بوصفه نتاجا لسبب أساسي (النمط ~~الجيني) مشترك في الحدود مع عنصر الفرد، وما إن تثار هذه التحيزات الماهوية حتى يركز ~~الناس انتباههم - حصريا تقريبا - على الأساس الجيني التحتي المدرك؛ وبذلك يغمطون حق ~~التأثيرات البيئية في الذكاء. ~~(7) الماهوية الجينية والجندر (الجنوسة) # إذا كان الجنس # sex # محددا جينيا فالجنوسة # gender # بناء ~~اجتماعي # social construct # يضم عناصر بيولوجية مثل: الأعضاء الجنسية، وعناصر اجتماعية ~~مثل: الأدوار الاجتماعية الملائمة. ولعل الجنوسة هي أكثر التصنيفات الاجتماعية تعرضا ~~للماهوية؛ فقد وجد ميلر 2006م في دراسة لأربعين تصنيفا اجتماعيا مختلفا أن الجنوسة ~~كانت أكثرها احتمالا أن تدرك بنفس الطريقة التي تدرك بها الأنواع الطبيعية. إن ~~أطفالا في الرابعة من العمر يستخدمون الجنوسة كتصنيف ثري الاستدلال يمكنهم ~~من أن يستمدوا نتائج بخصوص السلوكات البشرية، حتى ~~إذا ناقضت مشعرات تصنيفية أخرى مثل المظهر والبيئة. وهكذا كلما ورد إلى الذهن أفكار ~~ماهوية عن الجنوسة ينظر الناس إلى خصائصها على أنها فطرية وثابتة وناتجة عن سبب واحد ~~وغير متداخلة. # يشير عدد من الدراسات الارتباطية إلى أن النظرة الماهوية للجنوسة ترتبط مع الإدراك ~~العالي للفروق الجنسية، وأنه كلما كان الشخص أميل إلى اعتبار فروق الجنوسة نتاجا ~~لعلل جينية كان أميل أيضا إلى النظر إلى الجنسين على أنهما متمايزان. # يشير البحث التجريبي إلى أن النظرة الماهوية للجنوسة تفضي إلى التنميط؛ ففي دراسة ~~بريسكول ولافرانس 2004م قام المشاركون بقراءة أحد مقالين مصطنعين يدعي كل منهما أن ~~القدرة على التعرف على النباتات تختلف بحسب الجندر. يقدم أحد المقالين تفسيرا جينيا ~~لهذا الفرق، ويقدم المقال الآخر تفسيرا اجتماعيا ثقافيا. وقد أسفر البحث عن أن ~~الذين قرءوا التفسير الجيني للفروق الجندرية كانوا أميل إلى الاعتقاد ms111 بأن الشخص لا ~~يمكنه أن يتغير، وأميل إلى التصديق بقوة على التنميطات الجندرية (أي عزو سمات ذكورية ~~نمطية للرجل المتوسط وسمات أنثوية نمطية للمرأة المتوسطة)، وذلك بالمقارنة بأولئك الذين ~~اطلعوا على تفسير اجتماعي ثقافي. يبرز هذا البحث كيف يمكن للنظرة الماهوية الجينية أن ~~تؤدي إلى اعتقادات سببية محددة؛ فإذا كانت الجينات تتبطن جانبا من الفروق الجنسية ~~(أي التعرف على النباتات) فهي أيضا السبب الجوهري للسمات الأنثوية والذكورية الأخرى. # 17 # وفي بحث آخر استطلع دارنيمرد وهايني 2006م كيف يؤثر التفسير الجيني لتفوق الذكور في ~~الرياضيات على أداء النساء في هذا المجال. # 18 # ثمة دعاوي بحثية بوجود أساس جيني للتفوق المزعوم للذكور في الرياضيات. وقد ~~أشار لورنس سمرز 2005م - وهو عندئذ رئيس جامعة هارفرد - أن نسبة الرجال الذين ~~يتمتعون بملكة رياضية متأصلة هي أكبر من نسبة النساء. فكيف يمكن للتعرض ~~لهذه المزاعم أن يؤثر على الأداء الفعلي للإناث في ~~الرياضيات؟ استخدم ستيل وأرونسون 1995م إطار «خطر ~~التنميط» # stereotype threat ~~(حيث يؤدي أعضاء الجماعات المنمطة أداء أسوأ في المهام ~~المنمطة عندما تبرز عضويتهم في الجماعة)، وعرضا المشاركين الإناث لإحدى المناورات ~~الأربع الآتية: (1) ادعاء بأن ليس ثمة فروق جنسية في الأداء الرياضياتي. (2) شيء ~~يذكرهن بجنسهن. (3) ادعاء بأن الفروق الجنسية في الرياضيات لها أساس جيني (وبخاصة ~~الزعم الكاذب بأن الرجال يفوقون النساء بمقدار 5٪). (4) ادعاء بأن الفروق الجنسية في ~~الرياضيات (فرق الخمسة بالمائة) لها أساس خبروي. أشارت النتائج - بالتساوق مع البحوث ~~السابقة عن خطر التنميط - إلى أن تذكير النساء بجنسهن جعل أداءهن في الاختبار الرياضي ~~اللاحق أسوأ من اللائي عرفن أنه ليس ثمة فروق جنسية في الرياضيات. ومن الطريف بصفة ~~خاصة أن أولئك اللواتي علمن بدعوى الأساس الجيني في الرياضيات جاء أداؤهن الرياضياتي ~~مساويا في تدنيه لأداء أولئك اللواتي كن يتذكرن أنوثتهن. يومئ ذلك إلى أن فهم النساء ~~الأصلي لحكاية التدني في الرياضيات يتصل بفرق جيني بين الرجال والنساء. أما أولئك ~~اللواتي أخبرن بأن الفروق الجنسية في الرياضيات تعود إلى أسباب خبروية، فهن - في ~~المقابل - لم ms112 يظهرن أي أمارة لخطر التنميط. تشير هذه النتائج إلى أن الميول ~~الطبيعية تجاه الرؤية الماهوية الجينية للجندر يمكن أن تبطلها - في بعض المواقف - ~~تفسيرات خبروية صريحة. # وبالمثل - في دراسة أخرى - قرأت المشاركات إما مقالا يناصر النظرية البيولوجية ~~للجندر وإما مقالا يؤيد نظرية اجتماعية للجندر. فكانت النتائج أن أولئك اللاتي قرأن ~~النظرية البيولوجية صدقن على الصفات الأنثوية التقليدية (مثل الحياء، الأنوثة، نعومة ~~الحديث) بدرجة أقوى من أولئك اللاتي قرأن النظرية الاجتماعية. # 19 # مجمل القول أن الناس تميل بطبيعتها إلى إدراك الفروق الجندرية إدراكا ماهويا ~~جينيا؛ أي على أنها حتمية محددة السبب متجانسة طبيعية. وتشير بعض الأبحاث إلى أن ~~تبيان التأثيرات البيئية على الفروق الجندرية يمكن أن تخفض الميول التنميطية لدى ~~الناس، وتشير بالتالي إلى طريقة ممكنة لمحاربة الماهوية الجينية. # وبينما يمثل العنصر والجندر تصنيفات اجتماعية تتأسس عضوية المرء فيها لحظة ~~الميلاد وتبقى ثابتة لا خلاف عليها (مع بعض الاستثناءات المهمة مثل المتحولين)؛ فإن ~~هناك تصنيفات اجتماعية لا تكون واضحة لحظة الميلاد. وفي بعض الحالات - مثل التوجه ~~الجنسي والإجرام والسمنة - ثمة مظاهر سلوكية متصاحبة تدخل فيها الإرادة على نحو ما ~~وتشكل سببا منافسا لغيره من الأسباب. وثمة تصنيفات أخرى - مثل المرض العقلي - من ~~الممكن ألا يقع فيها المرء إلا في مرحلة لاحقة من العمر كأن يصاب بالفصام. يختلف ~~العنصر والجندر عن هذه التصنيفات الفئوية الأخرى في أنهما قلما يدركهما الناس كشيء ~~يخضع للإرادة الشخصية، وهم في ذلك متأثرون بالتحيزات الماهوية الجينية كما قلنا ~~آنفا. ~~(8) الماهوية الجينية والتوجه الجنسي # ثمة تصنيف فئوي اجتماعي طالما ارتبط بالجينات، وهو «التوجه الجنسي» # sexual orientation ~~. في القرن التاسع عشر أشار ~~عدد من العلماء - من بينهم ك. م. بنكارت وباول مورو - بأن التوجه الجنسي شيء ~~مورث، وقد كان المنشأ الجيني للتوجه الجنسي محل نقاش طويل خلال القرن العشرين، ~~واكتسب مصداقية جديدة عندما ادعى هامر وآخرون # 20 ~~(1993م) أنهم اكتشفوا أمارة جينية ( # Xq28 ~~) ~~تتسبب جزئيا في الجنسية المثلية في الذكور. جذب هذا البحث انتباه وسائل الإعلام ~~بشدة، وأصبحت العلامة ms113 الجينية (وهي تضم مائة جين) تسمى # gay ~~gene # على الرغم من إخفاق المختبرات الأخرى في أن تكرر نتائج هذا ~~البحث. # تتالت بعد ذلك عشرات المقالات وأثارت نقاشا لعواقب هذا الكشف. وعلى الرغم من أن ~~البحث بحد ذاته كان مصوغا بعناية بوصفه كشفا مبدئيا لعلامة جينية قد تضم جينات ~~تضطلع بالتوجه الجنسي لدى الرجال؛ فإن الكثير من المقالات الصحفية بينت أن هذه ~~النتيجة المكتشفة تشير إلى أن الناس ليس لها خيار ~~في تبني أسلوب حياة مثلي. وركزت مقالات أخرى على هموم يوجينية مثل الإجهاض الانتقائي ~~للأجنة «المشبوهة» والاختبارات التشخيصية المصممة للتعرف على مثل هذه الأجنة. وكلتا ~~الاستجابتين تؤكد أن علاقة علية ثابتة بين الجينات والجنسية المثلية قد عرفت. إن ~~نفس النوع من الاستجابات الماهوية لم ينتج مثلا عن مقولة التحليل النفسي بأن الأم ~~المستبدة والأب المنفصل البارد مسئولان عن نشأة الميول المثلية في الطفل، رغم أن التحكم ~~الواعي للرضع في هذه الألوان من السلوك الوالدي ليس أقوى من تحكمهم في جيناتهم. ~~وهذا - مرة ثانية - دليل على أن الحجج الجينية تؤدي إلى ردود أفعال مختلفة كيفيا ~~عما تؤدي إليه الحجج البيئية. # يترتب على فرضية الأساس الجيني للمثلية أن المثلي مغلوب على أمره، ولا يد له في ~~توجهه الجنسي، ولا سلطان له على ميوله المثلية؛ ومن ثم فلا محل للومه وتقريعه ~~والتمييز ضده. وقد كان هذا هو الواقع في كثير من الأحيان؛ فإدراك الأساس الجيني للمثلية ~~من شأنه أن يؤدي إلى تقييمات إيجابية للمثليين. # هذه العلاقة بين إدراك الأساس الجيني وبين التسامح تجاه المثليين تبين كيف يمكن أن ~~تؤدي الماهوية الجينية إلى «مغالطة المذهب الطبيعي» في بعض المجالات، وفي مناخ سياسي ما ~~زال فيه بعض الناس يعتقدون أن المثليين «يختارون» أسلوب حياة «لا أخلاقيا»؛ فإن ~~معرفة أساس جيني للتوجه الجنسي لا يدفع الناس فحسب إلى اعتبار التوجه الجنسي شيئا ~~منفصلا ومحتما بسبب محدد، بل يدفعهم أيضا إلى خفض تحيزهم ضد المثليين. فمن الواضح ~~أن السلوكيات ذات المضامين الأخلاقية تفقد سطوتها الأخلاقية إذا نظر ms114 الناس إليها كشيء ~~يتجاوز إرادة الفرد. فما إن تربط حالة موصومة أخلاقيا بحالة جسدية (مثل ~~الاستعداد الجيني) حتى يراها الناس كحالة خارج السيطرة؛ مما قد يؤدي إلى تعزيز مشاعر ~~التعاطف مع أعضاء هذه الفئة، ويفضي إلى كف الملام والاستهجان. هكذا نرى أن الحجج ~~الجينية قد تخفف التقييمات السلبية في بعض المجالات. ولعل هذا أن يكون ملمحا إيجابيا ~~ممكنا للماهوية الجينية؛ غير أن على المرء أن يضع باعتباره أن السياقات السياسية ~~دينامية، وأن ما يؤخذ اليوم على أنه مخفف إيجابي للتعصب تجاه المثليين قد يتخذ ~~يوما ما ذريعة لممارسات يوجينية. # 21 ~~(9) الماهوية الجينية والإجرام # ثمة صلة مشهودة بين الجينات والإجرام تم تسجيلها في كثير من الحالات الإجرامية ~~الشهيرة، ونهضت كدعامة كبرى لحركة اليوجينيا في النصف الأول من القرن العشرين. وما ~~فتئ المنشأ الجيني للإجرام منذ ذلك الوقت يتحلى بقوة إقناعية. وفي عام 1965م نشر ~~بحث يشير إلى أن السلوك الإجرامي قد يكون مرتبطا بشذوذ كروموزومي، ولقي صدى ~~إعلاميا واسعا. # 22 # وقد وجد جاكوب وزملاؤه عددا غير عادي من الذكور لديهم كروموزوم # Y # زائد ( # XYY ~~) بين ~~نزلاء الإصلاحيات في أسكتلندا، وأومأ إلى أن هذا الشذوذ «يؤهل حامليه للسلوك العدواني ~~الزائد». وقد اندلع الاهتمام الشعبي وتوالت المناقشات حول سؤال المسئولية (الملومية، استحقاق اللوم # culpability ~~) والاختيار عند هؤلاء ~~«الحاملين» # carriers ~~. وسرعان ما بدأ الباحثون ~~يرفضون فكرة أن الكروموزوم # Y # الزائد مرتبط بالعدوانية، ~~مؤكدين وجود أخطاء ميثودولوجية واستدلالات متحيزة في دراسة جاكوب وزملائه. ورغم رفض ~~النتيجة الأصلية للبحث فقد ظل هناك ربط عام واضح بين هذا الشذوذ الكروموزومي والإجرام ~~بعد بضعة عقود. # والحقيقة أنه لا توجد حتى الآن أبحاث إمبيريقية حاشدة تكشف أساسا جينيا للسلوك ~~الإجرامي رغم أن الاهتمام العلمي بهذا الارتباط لا يزال قويا؛ غير أن الاعتقاد في ~~الأساس الجيني للإجرام هو اعتقاد شائع (مثال ذلك: أن 62٪ من الأمريكيين البيض يعتقدون ~~أن الميول الإجرامية هي شيء جيني، على الأقل جزئيا). وهذه الاعتقادات من الأهمية ~~بمكان؛ بسبب متضمناتها القانونية بصفة خاصة؛ فالأساس الجيني للسلوك المضاد ms115 للمجتمع ~~يمكن أن يؤدي إلى مغالطة المذهب الطبيعي وإلى النظر إلى فاعل الجريمة على أنه فاقد ~~للتحكم في نفسه؛ وبالتالي غير ملوم. ورغم أن السلوك الإجرامي الفعلي نفسه لن يدرك ~~أقل سلبية عندما يعزى إلى الجينات (المجتمع مثلا لا يمكن أن يطيق الاغتصاب بغض ~~النظر عن أسبابه التحتية) فإن فاعل الجريمة قد ينظر إليه نظرة أكثر تعاطفا إذا كان ~~سلوكه يرى كشيء خارج عن سيطرته. # من التصورات الأساسية لدى السلك القضائي ولدى عامة الناس على حد سواء أن المسئولية ~~الجنائية تستند إلى النية الإجرامية، والاختيار الحر (الإرادة)، وقدرة المرء على التحكم ~~في أفعاله. يقيم القضاة والمحلفون ما يسمى «العقل المذنب» # guilty mind/mens rea ~~؛ أي العنصر القصدي العمدي ~~في الجريمة. وفي غياب هذا العنصر قد يتلقى المتهم عقوبة مخففة أو حتى البراءة. إن ~~العلاقة الحتمية الواضحة بين الجينات تنقص من إدراكنا لمسئولية الفاعل الإجرامي ~~وامتلاكه لأفعاله، وقد تجعل سلوكه يبدو لنا خارجا عن إرادته وسيطرته. من الأمثلة ~~الطريفة لذلك ما حدث في المحكمة العليا بكاليفورنيا لحالتين متماثلتين للغاية، ~~لمحاميين متهمين باختلاس أموال زبائنهم يواجهان عقوبة الشطب (من جداول المحامين). لم ~~ينكر أي من المحاميين التهمة، وعزا كلاهما الأمر إلى تناول الكحول كسبب قريب ~~لسلوكه الشائن؛ غير أن أحد المحاميين حاج بأن لديه استعدادا جينيا للكحولية، ~~ووجدت المحكمة حجج التخفيف لدى صاحب الاستعداد الجيني أكثر قبولا، فوضع تحت ~~المراقبة وسمح له بالاستمرار في ممارسة عمله، بينما شطب المحامي الآخر من سلك المحامين. # 23 # ثمة مجموعة أخرى من الأبحاث أجريت لدراسة كيف يرتبط الاعتقاد في الحتمية بالسلوك ~~غير الأخلاقي (بغض النظر عن الأساس الجيني للسلوك ذاته). قسم المشاركون إلى قسمين: ~~قسم قرأ مقالا محايدا وقسم قرأ مقالا ينكر وجود الإرادة الحرة («فنحن في النهاية ~~حواسيب بيولوجية صممها التطور وشيدتها الجينات وبرمجتها البيئة»). عندئذ أتيح ~~للمشاركين بطريقة معينة فرصة للغش في مهمة أوكلت إليهم من أجل مكسبهم الشخصي. كانت ~~النتيجة أن المشاركين الذين قرءوا المقالات الحتمية ارتكبوا الغش أكثر من أولئك الذين ~~قرءوا مقالات ms116 محايدة. ورغم أنه من غير الواضح ما إذا كانت المقالات الحتمية قد أثرت ~~بسبب تبيان دور الجينات، فإنها تثبت العلاقة بين الاعتقادات القدرية والسلوك غير الأخلاقي. # 24 # صفوة القول: إن الاعتقاد في الأساس الجيني للسلوك الإجرامي يخفف من تقييم ملومية ~~الفاعل وسيطرته على أفعاله. وما زالت الأدلة المباشرة على الأساس الجيني للسلوك ~~الإجرامي محدودة نوعا ما، وإن ظل هناك احتمال بأن تكتشف أبحاث المستقبل ارتباطات ~~جينية أكثر مما لدينا ، وأن تكتشف تفاعلات بين الجينات والبيئة، ورغم ذلك فقد يكون ~~استخدام حجة: «إن جيناتي جعلتني أفعل ذلك» دفاعا قضائيا محدودا؛ ذلك أنه قد يكون ~~سلاحا ذا حدين، فنقص سيطرة المرء على سلوكه قد يخفف من الملومية المدركة؛ غير أنه في ~~الوقت نفسه يدعم تصور الثبات وصعوبة التغير، فإن كان غير مسئول فهو خطر على المجتمع ~~وقمين بأن يكرر فعلته إذا ترك طليقا! ~~(10) الماهوية الجينية والمرض العقلي # من الملاحظ منذ القدم أن الأمراض العقلية «تجري في عائلات». وقد كان انتشار هذه ~~الأمراض من بين الاهتمامات الرئيسية لحركة اليوجينيا في القرن الماضي. ورغم الأدلة ~~الكثيرة على العنصر الوراثي الجوهري في انتقال المرض العقلي فإن الحالات التي تعتمد على ~~بضعة جينات تقتصر على زملات (متلازمات) نادرة وبعض أمراض بيوكيميائية معينة (مثل ~~زملة كوهن # Cohen’s ~~syndrome ~~، ~~ومرض ويلسون # Wilson’s disease ~~). أما عامة ~~الأمراض النفسية فالانتقال الجيني فيها أمر معقد ويتضمن عددا هائلا من ~~الجينات. # تختلف نظرة الناس إلى المرض العقلي حين يدركونه كمرض جيني عنها حين يدركونه كمرض ~~ذي أساس اجتماعي بيئي. وبالنظر إلى أن المرض العقلي قد يتضمن أمورا أخلاقية فإن ~~العزو الجيني قد يثير مغالطة المذهب الطبيعي، ويقلل إدراكنا للفاعلية الإرادية فيه؛ ~~ومن ثم يثير التعاطف تجاه المصابين به. إن من البين المتواتر أن الناس تميل إلى ~~التعاطف مع الحالة المحددة بيولوجيا (واعتبارها لا إرادية وتبرئة صاحبها من المسئولية ~~والملومية) أكثر من تعاطفها مع الحالة المحددة اجتماعيا وثقافيا وبيئيا؛ ومن ~~ثم فإن من ينظرون إلى المرض العقلي على أنه مرض جيني وراثي يميلون ms117 إلى إعفاء المريض ~~من المسئولية عن أفعاله، وإلى توقع مآل سيئ للحالة، وإلى اتخاذ مسافة من المرضى ~~والتوجس من خطورتهم. وفي كل ذلك تفعل التحيزات الماهوية فعلها وتحمل الناس على تصور ~~المرض العقلي كتصنيف ثابت لا يتغير، وناتج عن سبب محدد ومتجانس ومنفصل ~~وطبيعي. # أما النظرة العلمية الحصيفة التي تضع الأمر في نصابه وترى إلى المرض العقلي كنتاج ~~لتفاعل البيولوجيا والبيئة - الطبيعة والتنشئة - فمن شأنها أن تخفف من التحيزات ~~الماهوية وترى الأشياء على ما هي عليه. # وصفوة القول - سواء بخصوص العنصر والجندر من جهة أو بخصوص التوجه الجنسي والإجرام ~~والمرض العقلي من جهة أخرى: إن الحجج التي تدعم الأساس الجيني تثير استجابات أكثر ~~قدرية مما تثيره الحجج التي تدعم العوامل الخبروية. يبدي الناس تحيزا عندما ~~يعلمون أن أعضاء الجماعات الإثنية/العنصرية يختلفون في جيناتهم، وتؤدي النساء أداء ~~أكثر تدنيا في الرياضيات عندما يسمعن أن الرجال يمتلكون جينات رياضية، وينال ~~المثليون تسامحا أكثر إذا قيل: إن هناك جينات للتوجه الجنسي، ويقل اللوم على المجرمين ~~إذا كان ثمة جينات تتعلق بإجرامهم، وتعد الأمراض العقلية أكثر خطورة إذا كان ثمة ~~جينات ضالعة فيها، ويأكل الناس كعكا أكثر إذا علموا أن هناك جينات للسمنة. # عندما ينظر إلى أعضاء جماعة اجتماعية معينة على أنهم مرتبطون جينيا فإنهم ~~يدركون ككيان ثابت وله علة محددة، ومتجانس، وطبيعي. ومثل هذه الإدراكات يمكن أن ~~تفضي إلى التنميط والتحيز، وبخاصة إذا كانت العضوية في الفئة الاجتماعية كائنة منذ ~~الولادة وثابتة إلى حد كبير، كما في حالة العنصر والجندر. ومع ذلك فعندما ترتبط ~~العضوية في فئة ارتباطا وثيقا بمظاهر سلوكية (مثل المثلية والسمنة والإجرام) فإن ~~إدراك الإرادة قد يقل ويقل معه إدراك مسئولية العضو في فئة موصومة، وينتج عن ذلك ~~تعاطف مع العضو وتخفيف الإدانة. كما أن إدراك طبيعية الأمر الناجمة عن إدراك السبب ~~الجيني قد يحفز مغالطة المذهب الطبيعي التي من شأنها أن تحسن التقييمات ~~السلبية. # وجدير بالذكر أن الأبحاث الجينية السلوكية تشير إلى أن أغلب السلوك هو وراثي بدرجة ~~ما؛ ms118 مما يومئ إلى أن هذه الألوان من التحيز الماهوي الجيني قد تظهر في كل المجالات ~~تقريبا التي يمكن فيها تبيان العنصر الوراثي. مثال ذلك: أنه يبدو محتملا أن التحيزات ~~الماهوية الجينية قد تتجلى أيضا في كيف ينظر الناس إلى الكحولية أو السلوكيات ~~الإدمانية الأخرى، أو كيف يتصورون شدة الأمراض ومآلها، أو كيف يتصورون مختلف أنواع ~~السمات والاتجاهات والقدرات. وقد يكشف البحث في المستقبل مجالات أخرى يؤثر فيها العزو ~~الجيني تأثيرا غير منضبط على أفكار الناس وسلوكهم. # ورغم أن الجينات تؤثر في معظم مصائر الحياة على نحو احتمالي؛ إذ يعتمد «التعبير الجيني» # gene expression # على وجود متغيرات بيئية ~~معينة، وإذ تتفاعل الجينات مع جينات غيرها؛ فإن الناس عندما يواجهون حججا جينية تنشط ~~تحيزاتهم الماهوية، وقد تنتهي بهم إلى أن يروا تلك المصائر بطرائق مختلفة اختلافا ~~بعيدا. إن الجينات - كما يتصورها عامة الناس على الأقل - يمكن أن تقدم تفسيرا ماديا ~~مكينا لسؤال: «لماذا يسلك الناس بالطريقة التي يسلكون بها؟» ~~(11) الماهوية الجينية والخطاب الشعبي # يتعرض الناس عديمو التمرس الرسمي بعلم الوراثة لحجج تتعلق بالصفات الوراثية للبشر. ~~وقد ظلوا يتعرضون لذلك طيلة قرون. وسوف نتناول فيما يلي كيف يتفاعل الحديث في الجينات ~~مع تحيزات الناس الماهوية الجينية، سواء في الماضي في الخطاب الدائر حول حركة اليوجينيا ~~(تحسين النسل) وما يتصل بها من سياسات عامة، أو في الأزمنة المعاصرة في التصورات ~~العامة عن البحث الجيني. ~~(12) الماهوية الجينية والأفكار اليوجينية # تتجلى قوة التحيزات الماهوية الجينية في تكرار صعود الأيديولوجيات اليوجينية عبر ~~التاريخ. ونحن نؤكد أن هذه الأيديولوجيات تترتب مباشرة على الأساليب التي يدرك بها ~~الناس الأسس الجينية على أنها ثابتة ومتجانسة وأساسية للشخصية الإنسانية. وما دامت ~~الجينات ترى على أنها مكمن العلية، فإنه ينتج عن ذلك أن الجهود الرامية لتحسين ~~البشرية سوف تتركز على تحسين الجينات أو «جميعة ~~الجينات» # gene pool # بصفة أعم. ونحن نتوقع أن الأيديولوجيات اليوجينية سوف تبقى ~~في صعود ما بقيت الناس تحاول دمج رؤيتها للعالم الاجتماعي بما تتلقاه من الكشوف ~~الجينية المتعلقة ms119 بالخصائص البشرية. وفيما يلي نصف باختصار طريق اليوجينيا وكيف ~~ترتبط بالماهوية الجينية. # كان أول تناول لليوجينيا في التراث الغربي واضحا في دعوة أفلاطون للحكام (الحراس) ~~إلى تحسين الدولة عن طريق التحكم في التناسل البشري (على أنه أدرك أن من المهم أن تبقى ~~هذه السياسة خفية عن عامة السكان). يعني ذلك أنه كان من المفهوم أن الناس تمتلك ماهية ~~قابلة للوراثة تختلف كيفيا بين الأفراد، رغم أن آليات هذه الوراثية لم تكن مفهومة ~~بعد، يترتب منطقيا على هذه المقدمة أن من يريد أن يحسن البشرية فإن عليه أن ~~يستنبت هذه الماهية الوراثية في الأجيال القادمة. # وقد تكررت في التاريخ محاولة وضع برامج لتحسين أمة أو عنصر؛ غير أن هذه الرغبة في ~~تحسين الذرية والخلف كانت تفتقر إلى أي أساس علمي، إلى أن صدر كتاب دارون «أصل ~~الأنواع». وكانت الصلة بين قول دارون بالسمات الوراثية المتفاوتة في الصلاحية وبين ~~الرغبة في تحسين ماهية الجنس البشري لافتة لا يمكن إغفالها. وها هو سير فرنسيس جالتون # Francis Galton ~~- عم دارون - يقترح أن نستخدم ~~مفهوم الانتخاب الاصطناعي لتحسين الجنس البشري. وما لبثت أفكار جالتون مستخدمة ~~استعارات ونتائج علمية من بحوث تربية الحيوان، تثير اهتماما متزايدا من المجتمع ~~العلمي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وانتشرت - في التربة الخصبة ~~لتحيزات الناس الماهوية الجينية - في العالم الصناعي انتشار النار في الهشيم. # لم يقتصر إغراء الأيديولوجيات اليوجينية على ذوي الفهم المحدود للوراثة أو الجينات. ~~فقد اعتنق بعض من أبرز علماء العصر الأفكار والممارسات اليوجينية بحذافيرها، من بينهم ~~كارل بيرسون ولوثر بربانك ورونالد فيشر، ولحق بهم أيضا وجوه بارزة مثل ألكسندر ~~جراهام بل وجورج برناردشو وتيودور روزفلت، جمعتهم رغبتهم في تحسين نوعية «الجيرم بلازم» ~~البشري. # في هذا الوقت المبكر لم يكن علم الوراثة متميزا عن اليوجينيا، فعلى سبيل المثال ~~فإن هيئة التحرير المؤسسة للمجلة الأمريكية لعلم الوراثة قد صدقت على حركة ~~اليوجينيا. واندفعت تنظيمات جديدة مثل رابطة اليوجينيا الأمريكية وتنظيم الأبوة ~~في تمجيد الأيديولوجيات اليوجينية، بينما كانت ms120 رابطة التربية الأمريكية تتحالف معها. # 25 # وقد وصلت الدعاية اليوجينية حتى إلى المعارض المحلية في قارات عدة، حيث تم تشجيع ~~اليوجينيا الإيجابية عن طريق المباريات التي قدمت ميداليات إلى العائلات والأزواج ~~والرضع الأكثر لياقة يوجينية. وقلما شهد العالم فكرة علمية تلقى مثل هذا ~~الرواج الشعبي، الذي يشهد كم تجاوبت الأيديولوجيات اليوجينية مع التحيزات الماهوية ~~للناس. # كانت نهاية الجاذبية الواسعة لحركة اليوجينيا سريعة إلى حد ما، ولكن من المهم أن ~~نلاحظ أن أفول الحركة لم يكن بسبب مآخذ علمية بالدرجة الأولى (وإن تنامت انتقادات ~~النظريات اليوجينية بالفعل طوال الثلاثينيات من القرن العشرين). إنما كان الموت المفاجئ ~~لحركة اليوجينيا نتيجة لتنامي الفهم والامتعاض تجاه اللاإنسانية التي تستلزمها ~~السياسات اليوجينية. # في أمريكا الشمالية تأثرت بعض السياسات بالأيديولوجية اليوجينية وما يزعم أنه ~~«معطيات علمية». فقانون الهجرة الأمريكي لعام 1924م خفض حصص الهجرة من البلاد التي ~~يزعم أن مواطنيها لديهم درجات كبيرة من القصور الموروث في الذكاء والأخلاق. وبحلول ~~الأعوام الأولى من القرن العشرين كانت معظم الولايات في أمريكا قد شرعت تحديدات ~~للزواج على المتخلفين عقليا لأسباب يوجينية صريحة، وامتدت هذه التحديدات إلى تحديدات ~~على الزواج بين-العنصري # interracial ~~. أعقبت ذلك ~~محاولات لتحديد النسل من خلال التعقيم. وقد شرعت 22 ولاية التعقيم القسري، فنتج عن ~~ذلك حوالي 20000 حالة تعقيم قانوني في أواسط الثلاثينيات. وشرعت كندا بالمثل ~~تعقيمات إجبارية في ولايتين. # وقد خفت رعب السياسات اليوجينية بأمريكا الشمالية في النهاية إثر صعود الاشتراكية ~~القومية في أوروبا واعتناقها المعلن للأيديولوجيات العنصرية اليوجينية. فرض ~~النازيون تحديدات على الزواج، تبعتها برامج تعقيم بحجم غير مسبوق بلغت ذروتها في ~~الإبادة المنظمة للعناصر غير المرغوب فيها (مثل اليهود، الغجر، المعاقين، المثليين). ~~وقد كان حجم المذبحة التي ارتكبها النازيون هو الذي ألهم عامة الناس والأغلبية الساحقة ~~للمجتمع العلمي أن يرفض الأيديولوجية اليوجينية بأكثر مما فعل أي تفنيد علمي على ~~الإطلاق، من الواضح أن هناك أسبابا كثيرة وراء صعود اليوجينيا، ولكننا نؤكد أن هذه ~~الأهوال ما كانت لتحدث لولا أن فكرة تحسين الجميعة ms121 الجينية راقت قطاعا عريضا من ~~السكان؛ لأن المنطق الذي تقوم عليه قد تجاوب مع تحيزات الناس الماهوية الجينية. # ورغم كل هذه الارتباطات السلبية العميقة لدى الكثيرين عن اليوجينيا فقد استمر التقدم ~~الملحوظ في البحث الجيني، واضطرنا إلى أن ننظر في طرائق جديدة لتحسين حياة الناس. لقد ~~أدى الفهم المتنامي للجينات من حيث التعرف عليها وتناولها إلى فتوحات علمية جديدة مثل ~~التدخل الغذائي لعلاج اضطرابات وحيدة الجين مثل الفينيل كيتونوريا # phenylketonuria ~~، والاستئصال الوقائي للثدي لحاملات الأليلات ~~المرتبطة بسرطان الثدي، والعلاج الجيني التجريبي لأمراض مثل نقص المناعة، والتشخيص ~~الجيني المسبق لأمراض مثل # Tay-Sachs # في الأجنة ... إلخ. ~~وجه الأمر هنا أن الناس عندما تفهم الجينات كسبب تحتي لمآلات الحياة فإنها ترغب غالبا ~~في التحكم في جيناتها بحيث تحسن تلك المآلات. # من الحق أن مثل هذه التقنيات الجينية ذات فائدة هائلة في تحسين حياة الناس؛ غير أننا ~~نلفت النظر هنا إلى كلفة لهذه الفتوحات قلما التفت إليها أحد: لقد دعمت التحيزات ~~الماهوية لدى الناس وألقت في روعهم أن مصدر مشكلات الحياة ومصدر حلها يقبع في جيناتهم، ~~وزينت لسير فرنسيس كريك # F. Crick # أن يقول: «لا يحق ~~لجنين أن يعلن إنسانا حتى يمر باختبارات معينة تخص هباته الجينية.» إن تحيزاتنا ~~الماهوية الجينية تزين لنا أن نرى إلى الجينات على أنها الحل النهائي للمشكلات ~~الاجتماعية، وأن تحسين حياتنا يجعل الأولوية للبحث التقني الجيني على غيره من ضروب ~~التدخل، تلك الضروب التي قد يثبت أنها أكثر تأثيرا وأقل كلفة. وكما لاحظ هورويتز «فإن ~~التركيز على الجينات يصرف الانتباه عن جهود تغيير البيئة إلى جهود تغيير الجينات ~~المعيبة.» إن تحيزاتنا الماهوية تسحرنا بنداء الحلول الجينية لمشكلات الحياة. # 26 # لقد كانت اليوجينيا والتحسين الجيني نزغا أضل كثيرا من حسني النية، ودفعهم إلى ~~ارتكاب وتبرير كثير من الأفعال الشائنة في أوائل القرن العشرين في جهد ضال لتحسين ~~الجنس البشري. ~~(13) الماهوية الجينية والتصور الشعبي للبحث الجيني # يسترعي البحث المتعلق بالجينات انتباها كبيرا من وسائل الإعلام. ومثلما هو الحال ~~مع التقارير العلمية ms122 الأخرى يتم تبسيط الظواهر العلمية المعقدة وصعبة الفهم للمستمعين؛ ~~غير أن التبسيط في حالة التقارير الجينية تبلغ الحد الذي قد يضل كثيرا من القراء عن ~~فهم الظاهرة. إن أغلب الناس لا يستقي معلوماته عن الجينات إلا من وسائل الإعلام؛ ومن ~~ثم كان من المهم النظر في كيفية توصيل هذه المعلومات. وقد قام كونراد 1977م بدراسة ~~علمية، درس فيها بتفصيل كبير كيف تسهم وسائل الإعلام في دعم الحتمية الجينية، فقد ~~بين عددا من التحيزات في عملية توصيل النتائج العلمية الجينية تبدو بها الجينات ~~مضطلعة بدور أكثر محورية وحتمية مما تقوله البيانات العلمية في حقيقة الأمر؛ ~~فالنتائج البحثية المؤيدة (للدور السببي المباشر للجينات في إحداث الأمراض والسلوكات) ~~تحظى بتغطية إعلامية أكبر بكثير من النتائج المفندة اللاحقة وهي كثيرة الحدوث في ~~الأبحاث الجينية بشكل خاص؛ # 27 # الأمر الذي يؤدي إلى تضخم انطباع الحتمية الجينية دون وجه حق. يذهب ~~كونراد 2002م إلى أن الإعلام ما فتئ يقدم صورة مفرطة التبسيط للبحث الجيني. وحين ~~تنعت الظاهرة ب # OGOD (one gene, one disease) ~~؛ أي جين ~~واحد مرض واحد، فإنها تتخذ علاقة «واحد لواحد» حتمية بين جين محدد ومرض أو سمة محددة، ~~وتشير إلى «تفسير جيني قوي». هكذا تنعت الظواهر الجينية في عناوين الإعلام: «اكتشف ~~الباحثون جينا للمثلية»، أو «جينا للتطور»، أو ما هو أسوأ بعد: «اكتشفوا جين ~~المثلية»، أو «جين التطور». إنهم بذلك يقدمون صيغة مفرطة التبسيط للنتائج الأصلية، أو ~~حتى يقدمون تمثيلا زائفا للبينة (مثلا: لم يتوصل إلى «جين مثلي» على الإطلاق). ~~ورغم أن علاقات واحد لواحد هذه موجودة فعلا في الأمراض الوحيدة الجين (مثل التليف الكيسي # cystic fibrosis ~~) فإنها تمثل شريحة صغيرة ~~للغاية من الأمراض، ومن أبعد الاحتمالات أن تكون السمات السيكولوجية نتاج بضعة جينات. ~~إن ظواهر «جين واحد مرض واحد»، وإن كانت تتجاوب بشدة مع تحيزات الناس الماهوية الجينية، ~~هي من الندرة بمكان. # قليلة هي الأبحاث السيكولوجية التي تبحث - بشكل مباشر - تأثيرات التعرض لتقارير ~~الإعلام في الجينات على اتجاهات الناس. واستثناء لذلك أجريت ms123 دراسة استكشفت ~~استجابات الأمهات للتقارير الإعلامية عن بحث جهير ادعى أن أداء الأولاد فاق أداء ~~البنات (من نفس المستوى التعليمي) في الرياضيات. بعد ثلاثة أشهر من التغطية الإعلامية ~~الأولى للبحث جمع إكلس وجاكوب 1986م بيانات أشارت إلى أن الأمهات اللاتي لم يعلمن بذلك ~~(uninformed mothers) # لم يجدن ~~اختلافا في تقييمات القدرة الرياضية لأطفالهن. أما الأمهات اللاتي قرأن عن هذا البحث ~~(misinformed mothers) # فقد ~~رأين أن بناتهن أقل قدرة في الرياضيات، وأنهن سيجدن فيها مصاعب أكبر، وأن عليهن بذلك ~~جهد أكبر في الرياضيات. وفضلا عن ذلك فقد بدا أن اعتقادات الأمهات عن مصاعب بناتهن ~~الرياضياتية قد كان لها أثر في زيادة قلق البنات في الرياضيات؛ وبالتالي كان منبئا ~~قويا بأدائهن الرياضياتي ونيتهن أخذ مجموعات تقوية في الرياضيات. # 28 # ومجمل القول: إن التعرض لحجج جينية بخصوص الفروق الجنسية في الأداء ~~الرياضياتي قد أثر على موقف البنات وسلوكهن أيضا تجاه الرياضيات. ويبقى أن نبحث ~~أيضا في مدى تأثير التغطية الإعلامية لضروب أخرى من النتائج الجينية على موقف الناس وسلوكهم. # 29 # غير أن الإفراط في تبسيط الأبحاث الجينية لا يلام عليه الإعلام وحده؛ فالحق أن ~~الباحثين أنفسهم قد يتنافسون في حب الظهور الإعلامي، وقد تدفعهم الرغبة في جذب اهتمام ~~الوكالات الممولة لأبحاثهم وإغرائهم بالمتضمنات الممكنة لأبحاثهم، فيتواطئون مع هيئة ~~العلاقات العامة لمؤسساتهم على وضع تقارير تشارك تقارير الإعلام في تبسيطاتها وفي ~~إخفاقاتها اللاحقة. # تتسم تغطية البحث الجيني بأشياء تتجاوب مع التحيزات الماهوية للناس؛ فالعلماء أولا ~~ينعتون الجينات التي يدرسونها بطرائق توحي بعلاقة «جين واحد مرض واحد»، بحيث إن توصيف ~~الجينات كثيرا ما يومئ إلى احتمال بإصابة حامليه أكبر من واقع الحال. مثال ذلك: # في حالة «سرطان الثدي 1» ( # BRC1 ~~) فإن ~~الأليل الشاذ يرتبط بخطر أكبر بسرطان الثدي؛ غير أن هذا يقدر بنحو 5٪ ~~فقط من حالات سرطان الثدي. # 71٪ من حاملي الأليل الخاص بما يسمى «جين ألزهيمر» ~~( # APOE e4 ~~) لا يصابون بمرض ألزهيمر على ~~الإطلاق. كما أن 44٪ من المصابين بالمرض لا يحملون أليل # APOE e4 ~~. كما أن ms124 هذا الأليل أقل ~~ارتباطا بالمرض في بعض الشعوب (مثل الشعب الهيسباني والأمريكيين الأفارقة) ~~منه في شعوب أخرى (مثل اليابانيين). # 30 # إن الأسماء الشائعة لهذه الجينات لا تعكس هذا الدور المتواضع؛ ~~والقراء من ثم خليقون أن يستنتجوا أن الجينات تلعب دورا في الأمراض ~~أكثر محورية مما تفعل في حقيقة الأمر. # وهناك ثيمة شائعة أخرى حافزة للماهوية كثيرا ما تظهر في المناقشات العلمية لعلم ~~الوراثة، وهي استخدام استعارات # metaphors # ماهوية لوصف ~~الجينوم البشري. لقد وصف «مشروع الجينوم البشري» على أنه البحث عن «ماهية الحياة» أو ~~«الكأس المقدسة» # Holly Grail # التي ستمكننا من فهم ~~البشرية. تقدم هذه التوصيفات إشارة صريحة إلى الجينوم بوصفه نوعا من الطبعة ~~الزرقاء المتبطنة للطبيعة البشرية. بوسع هذه الاستعارات أن تغلب القارئ على أمره، ~~فبالنظر إلى أن الناس كثيرا ما تفهم التصورات وتدرك المفاهيم من خلال الاستعارات، ~~فقد تفضي بالناس إلى أن تتصور أن الجينات تضطلع بدور جبري. # وثيمة ثالثة شائعة تحفز الماهوية هي أن الجينات أحيانا ما تعطى شكلا من الفاعلية ~~الإرادية؛ مما يفضي إلى تصورها كيانات واعية تجرد الشخص من إرادته. توصف الجينات ~~بأنها «أنانية» أو «محركة العرائس»، أو تسبغ عليها رغبات واعية (مثل: «الجينات ~~تريد كذا»). حين يستخدم هذا كلون من الاختزال الشعري فإنه لا يختلف عن قولنا: «كانت ~~الغيوم غاضبة في ذلك اليوم»؛ غير أن استخدام مثل هذه المصطلحات عند شرح الجينات يغير ~~موقع الوعي والضبط # locus of control # في تصورنا ويعزله ~~داخل الجينات. تسهم هذه الظاهرة في التعبيرات الماهوية في الأحاديث العامة حول علم ~~الوراثة. # وبالإجمال، تلعب اللغة دورا مهما في الطريقة التي نفكر بها. إن الصياغة الماهوية ~~المنيعة للمعلومات المتعلقة بارتباطات النمط الجيني والنمط الظاهري قد تلعب دورا ~~محوريا في ترسيخ الماهوية الجينية. وفي الوقت نفسه تؤدي الانحيازات الماهوية الجينية ~~بالعلماء والمعلقين على حد سواء إلى اختصار بحثهم مستخدمين أوصافا # OGOD # مفرطة في التبسيط، وترسيمات ذات إرادة فاعلة ~~واستعارات ماهوية تتسم جميعا بالتبسيط المخل. تشير هذه المراجعات التجريبية السابقة ~~إلى أن مثل هذه ms125 الانحرافات في طريقة توصيل البحث الجيني قد تكون لها نتائج سلبية ~~متعددة. والمحصلة أن الأشخاص الذين يستمدون معرفتهم عن الجينات من خلال الإعلام ~~حريون أن يدركوا التأثيرات الجينية بطريقة حتمية ثابتة وخاطئة في الصميم. ~~(14) كيف نحد من اعتناق الناس للماهوية الجينية # رأينا فيما سبق كيف أن الماهوية الجينية مكينة ومتغلغلة وذات عواقب سلبية شتى. فهل ~~ثمة طريقة نخفض بها هذه التحيزات؟ هل يمكننا أن نحمل الناس على أن تتفهم كيف أن ~~التعليل الجيني لمآل ما لا يعني بالضرورة أن المآل ثابت ومتجانس وطبيعي وذو سبب ~~محدد؟ كيف نحد من اعتناق الناس للماهوية الجينية؟ # من الاستراتيجيات التي من شأنها أن تضعف الحتمية الجينية أن نلفت انتباه الناس إلى ~~العلاقات التفاعلية بين الجينات والبيئة. من ذلك أن ووكر وريد 2002م وجدا أن الناس ~~تكون تقييما أكثر إيجابية للفصام عندما يتلقون تفسيرا تفاعليا بين الجينات ~~والبيئة من تقييمهم عندما يتلقون تفسيرا جينيا خالصا. يشير هذا إلى أن البحث الجيني ~~يمكن أن يوصل بطريقة تضعف التحيزات الماهوية، وذلك حين يتضمن تفسيرات جينية ~~ضعيفة (كمقابل للتفسيرات الجينية القوية). # 31 # ولعل الماهوية الجينية أن تضعف كلما أمكننا تبيان تعقد العلاقات بين ~~النمط الجيني والنمط الظاهري. قلما يتفهم الناس أن التعبيرات الجينية احتمالية ~~وتحكمها الخبرات والتفاعلات مع الجينات الأخرى، وقلما يتفهمون كيف يمكن للجينات أن ~~تؤثر في طرائق تفاعلنا معها؛ ومن ثم كيف تشكلها بيئاتنا. كما أن معظم الناس ربما لا ~~يدرون الدور الذي تلعبه العوامل «التخليقية ~~المتعاقبة» # epigenetic # في نشوء السمات والأمراض المعقدة. ربما لو وصل للناس ~~تعقد وثراء العلاقات بين الجينات ومآلاتها لاستجابوا للتقارير الجينية بطرائق أقل ~~حتمية. صحيح أن ذلك قد يستعصي على فهم الناس، ولكن عدم الفهم على كل حال خير من الفهم ~~الخاطئ. إن الحجج العلمية كثيرا ما تكون معقدة وقلما يتاح فهمها لمن هو خارج حلقة ~~الباحثين. معظم الناس مثلا لا يفهمون نظرية الأوتار (في الفيزياء)؛ غير أنهم لا ~~يسيرون حياتهم وفق الاعتقاد الخاطئ بأنهم يفهمون الفكرة العامة للنظرية أو يتخذون ms126 ~~قراراتهم الحياتية بناء على فهمهم الخاطئ. # تبدو التدخلات التعليمية من هذا النوع ملائمة جدا أثناء فصول العلم في المدرسة ~~المتوسطة والعليا. في هذه السن لا يبدي المراهقون عزوا طبيعيا قويا كالذي يبديه ~~الأطفال الأصغر، # 32 # ولا يكون أوان الحتمية الجينية للبالغين قد حل بعد، وينبغي خفض التوكيد ~~على أمثلة الظواهر أحادية الجين، مثل تجارب بازلاء مندل التي تشير إلى تفسير جيني قوي، ~~مقترنا بتوكيد عال على تفاعلات الجين والبيئة، تمهيدا لتعزيز فهم الناس للتفسيرات ~~الجينية الضعيفة. # وعلى الباحثين في علم الوراثة أن يتوخوا الحذر من إضفاء الصيغة الماهوية على ~~نتائجهم في تصريحاتهم الصحفية. وعلى وسائل الإعلام بدورها أن تتحمل مسئوليتها في هذا ~~الشأن. # وحيث إن الناس تميل إلى ارتكاب مغالطة المذهب الطبيعي عندما تتأمل حالات ذات أساس ~~جيني ومتضمنات أخلاقية، فإن تذكيرهم بهذه المغالطة أثناء تعلم أساس جيني لسمة ~~بشرية قمين أن يقلل التفكير الماهوي. كما أن التحيزات الماهوية يمكن إخمادها بأن يكون ~~عرض البحث الجيني مصاحبا بمفندات تلقي الضوء على الطرق اللاحتمية في علاقة ~~الجينات بمآلات الحياة. مثل هذه الضروب من صياغة الرسائل قد تساعد في تحصين الناس من ~~شحن التحيزات الماهوية. وسوف يلقي البحث المستقبلي في تأثيرات صياغة الرسائل وصياغة ~~الماهوية الجينية الضوء على هذا الموضوع الهام. # مجمل # يميل الناس بطبعهم إلى تفسير عوالمهم الاجتماعية وإضفاء معنى عليها. يصادف الناس ~~في حياتهم تنوعا بشريا كبيرا، وفي محاولتهم إضفاء معنى على كل ذلك فإنهم ~~يتأثرون بتفسيرين سببيين على الأقل: # التفسير الطبيعي الفطري. # والتفسير البيئي. # وخلال السياقات المختلفة والعصور المتعاقبة يتراوح البندول ميلا بين هذين ~~التفسيرين؛ غير أن المؤشرات تدل على أن البندول في المجتمعات الغربية المعاصرة يميل ~~تجاه التفسير الطبيعي الفطري، يعززه الحماس الذي توصل به وسائل الإعلام كشوف ~~الجينوم. ثمة أدلة ضافية اليوم في مجالات شتى - مثل: العنصر، الجندر، التوجه ~~الجنسي، الإجرام، المرض العقلي، السمنة - على وجود علاقات علية بين الجينات ~~وهذه التصنيفات الفئوية؛ غير أن السمة الغالبة على تصور الناس لهذه العلاقات أنه ~~يتجاوز البينة العلمية، ويأخذ ms127 التفسير الجيني الضعيف مأخذ التفسير الجيني القوي، ~~ويعزو قدرة سحرية للجين على تشكيل خصائص الفرد والجماعة، ويغفل العناصر ~~الاجتماعية الثقافية والبيئية. ما إن ينظر الناس في فكرة أن الجينات ذات صلة لفهم ~~بعض الحالات البشرية حتى يندفعوا إلى اعتبار أن المكون الوراثي هو الملمح ~~الجوهري للحالة مبالغين في تقدير تأثيره العلي. وما إن نصوغ الجينات على أنها ~~علة المشكلة حتى نكب على فكرة أن الجينات ستكون هي الحل، وأن الهندسة ~~الجينية أو السياسات اليوجينية تعدنا بالكثير. # والحق أن البحث الجيني لا يزال يقدم نتائج مهمة ومثيرة، قد تسهم هذه النتائج في ~~النهاية في زيادة جودة الحياة من جهات عديدة: زيادة إنتاج الغذاء بواسطة المحاصيل ~~المعدلة جينيا، تحسين الصحة من خلال العلاجات الجينية ... إلخ. ولكن من الجهة ~~الأخرى فإن الكشوف الجينية - بالطريقة التي توصل بها إلى عامة الناس من جانب ~~وسائل الإعلام - تميل إلى إثارة التحيزات الماهوية، ودعم الأفكار الجبرية، وصرف ~~الاهتمام عن دور البيئة في تشكيل السلوك الإنساني، وعن إدراك حجم الإرادة الفردية ~~والاختيار الحر. # فرغم أهمية البحث الجيني التي لا شك فيها، فإن اتخاذ خطوات حثيثة للحد من الأفكار ~~والسلوكات البغيضة التي لازمت دراسة الجينات حتى الآن ملازمة الكلب؛ سيكون فرضا ~~واجبا علينا حتى نحقق الآمال الكبرى التي نعلقها على هذا البحث. ~~(15) تذييل البروكرستية السياسية، سليلة نزعة الماهية # البروكرستية Procrusteanism # هي أية نزعة إلى «فرض ~~القوالب» على الأشياء (أو الأشخاص أو النصوص ...) أو لي الحقائق وتشويه المعطيات ~~وتلفيق البيانات لكي تنسجم قسرا مع مخطط ذهني مسبق. إنه القولبة الجبرية والتطابق ~~المعتسف والانسجام المبيت. # والبروكرستية السياسية هي أية نزعة إلى صب المواطنين جميعا في قالب واحد، تعميما ~~للخير والتماسا للعدالة. تتجذر البروكرستية السياسية في «مذهب الماهية» # essentialism # الفلسفي. وهو الرأي القائل بأن ~~«للأشياء خصائص ~~ماهوية» # de re essential properties ~~؛ أي خواص ضرورية بمعزل عن تصنيفاتنا وتعريفاتنا، للإنسان من ~~ثم ماهية حقيقية تميزه عن غيره من الكائنات؛ قد تكون هذه الماهية هي الروح ~~العاقلة (الإنسان حيوان عاقل)، وقد تكون هي الميل ms128 إلى الحياة في تجمعات مدنية (الإنسان ~~حيوان مدني) ... إلخ. المهم أن هناك ماهية ثابتة محددة للإنسان بها يكون إنسانا ~~وبدونها يكون أي شيء آخر. هناك «مثال أفلاطوني» أو «صورة» # eidos # أو «فكرة» # idea # أزلية ~~للإنسان ينبغي على الإنسان الحقيقي الأرضي أن يسعى إلى تجسيدها ويقترب منها. # كل أولئك أفكار ميتافيزيقية مأمونة، لا ضير أن يتداولها الفلاسفة فيما بينهم ~~ويختلفوا حولها على مقاعدهم النظرية الوثيرة. يبدأ الخطر - رغم ذلك - حين تقع مثل هذه ~~الأفكار في أيدي (أو بالأحرى رءوس) السياسيين أولي البأس وذوي القدرة على استخدامها في ~~الواقع الحي ووضعها موضع التنفيذ. حين يقع للطاغية «المثالي» # idealist # تصور واضح عما تكونه الطبيعة البشرية، فقد يرى نفسه ~~مضطرا إلى فرضها بالقوة على رعاياه وصبهم في قالبها ضربة لازب، وسحق كل من تحدثه ~~نفسه بالتمرد على هذا القالب الأزلي الواحد. # هكذا ينشأ ما يسميه أنتوني فلو # Antony Flew ~~- مؤلف ~~كتاب «سياسة بروكرست» - ب «البروكرستية ~~الاشتراكية» # socialist Procrusteanism # أو «العدالة ~~المحافظة» # conservative justice ~~. إنها ضرب من اليوتوبيا الاجتماعية تريد أن تفرض التجانس ~~على الناس، وتفرض المساواة المطلقة على المواطنين، فتأخذ من البعض وتعطي البعض ~~الآخر حتى يعتدل الميزان. # 33 # إن أنتوني فلو هو بمثابة «ثيسيوس معاصر» يريد أن يحطم البروكرستية بأن يكشف زيفها ~~وتهافتها ويفضح طبيعتها المؤذية المظلمة ويخرجها إلى وضح النهار؛ الأمر هنا ليس ~~مجرد مبدأ شخصي يدعو إليه من يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، أو ربما بتقديم مثال في ~~التضحية والبر (على طريقة ليو تولستوي مثلا)؛ ولكنه منهج سياسي وإداري يراد فرضه ~~على نطاق هائل بقوة الآلة الحكومية الجبارة. # لم يقف جنون البروكرستيين السياسيين عند حد: # فمنهم من لم يقنع بإعادة توزيع الثروة على الأفراد بالعدل والقسطاس، ~~فذهب إلى ضرورة تحطيم «نظام الأسرة»: منبع التفاوت بين الناس ومعقل ~~اللامساواة وحصنها الحصين. # ومنهم من ذهب إلى ضرورة فرض «المساواة المعرفية» # cognitive equality ~~؛ فلا ينبغي أن «يعرف» شخص أكثر ~~مما يعرف الآخرون. # بل ذهب بعضهم إلى ضرورة «تحسين النسل» (اليوجينيا # eugenics ~~) لاجتثاث التفاوت من المنبع ms129 ... من ~~البيولوجيا. # من السخرية أن البروكرستية يمكن أن تبلغ مأربها وتشفي صدرها ب «المساواة في الجهل» ~~بقدر ما تشفيه ب «المساواة في العلم»، وأن تقضي وطرها بالإساءة بقدر ما تقضيه ~~بالإحسان. إن مذهب المساواة هو عماد الرفاه وعماد الضنك أيضا ما لم يستبدل به ~~مبدأ آخر من مبادئ الواجب. # والحق أن النظم الشمولية - بمختلف تجلياتها وشتى تمثلاتها - ترتكز على عقيدة ~~ماهوية غائرة. إن لديها مفهوما راسخا لما يكونه الإنسان، وما يكونه خير الإنسان، ~~وتريد أن تفرضه على الجميع بآلية شاملة تستحق النقد وتطمس الاختلاف. # الفصل التاسع # | الماهوية وتقسيم الاضطرابات النفسية # مما لا شك فيه أن إدخال المعايير التشخيصية الصريحة والتقسيمات المرضية القائمة على ~~قاعدة - مثل تقسيم ال # DSM # و # ICD ~~- كان له عميق الأثر في الممارسة الطبنفسية من ~~وجوه عديدة: # فقد مكنت الممارسين من تحقيق اتفاق تشخيصي أفضل، ومن تحسين التواصل فيما ~~بينهم. # وساعدت العمل البحثي إذ قدمت معايير وأدوات تشخيصية أكثر دقة. # وساعدت عملية التدريس فأصبح يستند الآن إلى منظومة مرجعية دولية تقدم لغة ~~عالمية مشتركة. # ومن خلال اطلاع الجمهور على المعايير التشخيصية المستخدمة لدى ممتهني الصحة ~~النفسية، فقد حسنت التواصل مع متلقي الخدمة النفسية ومقدميها والمجتمع ~~بعامة. # غير أن هذه المزايا المقدرة ينبغي ألا تعمينا عن العيوب وعن أوجه القصور في التقسيمات ~~المرضية المعاصرة؛ فالطب النفسي اليوم في تحول دائب، والكشوف الجديدة في علم الأعصاب ~~والجينات قمينة أن تتحدى عاجلا الكثير من دعائمه النظرية الحالية، وبخاصة تلك التي تتعلق ~~بالتسبيب وبتعريف الاضطرابات النفسية، والعلاجات الجديدة التي تستهدف منظومات وظيفية بعينها ~~في الدماغ سوف تتطلب منه تقسيما أفضل تمييزا للشرائح الإكلينيكية المستفيدة. # في ضوء ذلك أخذ يتضح لنا كل يوم أن «صدق» # validity # المفاهيم التشخيصية المودعة بإجلال في التقسيمات المعاصرة للاضطرابات النفسية لا يمكن أن ~~تؤخذ على علاتها. إن علينا اليوم - وقد حققنا درجة جيدة من «ثبات» (عول) # reliability # التشخيصات - أن نلتفت إلى مشكلة «الصدق». # 1 # فالثبات ليس غاية المراد في العمل العلمي. «الثبات» ليس شرطا كافيا # sufficient condition ms130 # ل «الصدق»، والثبات لا يضمن ~~الصدق (مثلما نميل إلى الاعتقاد)؛ فليس ما يمنع أن يكون شيء ما خاطئا على نحو «ثابت»، ~~افترض أن ميزانا يبتعد مؤشره عن الصفر بخمسة كيلوجرامات. إنني سأسجل وزني عليه دائما ~~بزيادة خمسة كيلوجرامات عن الحقيقة. فهل القياس متسق؟ نعم، ولكنه اتساق الخطأ. وهل القياس ~~صحيح؟ كلا. إنه غير صحيح على نحو ثابت، إنه خاطئ ثابت الخطأ. # من أجل ذلك هناك الآن دعوة واسعة النطاق بأن دليلنا التشخيصي لن يكون أفضل من سابقيه ما ~~لم تتحسن درجة «صدق» مفاهيمه التشخيصية، وحبذا لو قيمنا صدق كل تشخيص وأدرجنا له درجة ~~صدق صريحة في الدليل تبين إلى أي مدى تم التحقق من هذا الصدق. ~~(1) معايير تأسيس صدق التشخيصات # أدرج روبنز وجوز # Rubins & Guze # 2 ~~(1970م) خمسة معايير هي: ~~(1) # الوصف الإكلينيكي (مثل الأعراض والخصائص الديموغرافية والعوامل ~~المرسبة). ~~(2) # الدراسات المختبرية (مثل الاختبارات السيكولوجية والأشعة واستقصاءات ما ~~بعد الوفاة). ~~(3) # المعايير المميزة للاضطراب عن الاضطرابات الأخرى. ~~(4) # دراسات المتابعة (متضمنة الأدلة على ثبات التشخيص أو تجانسه عبر ~~الزمن). ~~(5) # دراسات العائلة (لإثبات تواتر وجود الاضطراب المفترض في ~~العائلة). # استخدم روبنز وجوز هذه المعايير الخمسة لكي يثبتا أن الفصام ذا المآل الجيد ليس ضربا ~~خفيفا من الفصام، بل هو مرض مختلف. وقد أفضى ذلك لاحقا إلى التمييز في ~~ال # DSM III # بين الفصام والاضطراب الفصامي ~~الشكل # schizophreniform disorder ~~. # ثم جاء كندلر # Kendler ~~(1990م) وتوسع في هذه ~~القائمة مميزا بين ثلاثة أصناف من معايير الصدق: # معايير سابقة: مثل التواتر في العائلات والشخصية قبل المرض والعوامل ~~الديموغرافية والعوامل المرسبة. # معايير متزامنة: مثل الاختبارات السيكولوجية والاختبارات ~~البيولوجية. # معايير تنبؤية: مثل ثبات التشخيص عبر الزمن، الأداء الإجمالي عبر الزمن، ~~معدلات الانتكاس والشفاء، الاستجابة للعلاج. # واستخدم كندلر هذه المعايير الموسعة لكي يثبت أن البارانويا قد تكون زملة منفصلة ~~وليس نوعا فرعيا من الفصام. # 3 ~~(2) الافتراض الضمني بوجود «كيان ~~مرضي» # disease entity # كان الحصفاء من الممارسين على وعي منذ زمن طويل بأن الفئات # categories # التشخيصية هي مجرد تصورات، مبررة فقط بقدر ms131 ما تقدم إطارا ~~مفيدا لتنظيم وتفسير تعقد الخبرة الإكلينيكية؛ لكي نستمد منه استدلالات عن مآل ~~الاضطرابات ولكي يرشد قراراتنا العلاجية. ولكن المؤسف أنه ما إن يعم استخدام مفهوم ~~تشخيصي - مثل «الفصام» أو «زملة حرب الخليج» - حتى يناله «التشييء» # reification ~~؛ أي يتم اعتباره كيانا واقعيا يقبع ~~من وراء أعراض المريض ويفسرها ولا يصح الشك في صدقه. # و«التشييء» # 4 # خطأ عام في التفكير: لقد برع البشر في خلق تصورات مجردة تساعدهم في تصنيف ~~حشود غفيرة من الأشياء العيانية. ومن سوء الحظ أن هذه العملية يمكن أن تمضي أيضا في ~~الاتجاه العكسي، فيعامل المفهوم المجرد كما لو كان شيئا واقعيا. ورغم أن واضعي ~~الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية ~~(DSM) # وغيره من ~~الاضطرابات حريصون على الإشارة إلى أنه «ليس ثمة افتراض بأن كل فئة # category # تشخيصية للاضطراب النفسي هي كيان منفصل تماما ~~وذو حدود مطلقة تفصله عن بقية الاضطرابات النفسية أو عن السواء»؛ رغم ذلك فإن مجرد ~~إدراج التصور التشخيصي في مجموعة مصطلحات رسمية وتزويده بتعريف مركب دقيق ينزع إلى حفز ~~هذا التشييء الماكر. # لقد كان روبنز وجوز وكندلر - الذين اقترحوا معايير الصدق المذكورة آنفا - يفترضون ~~ضمنا أن الاضطرابات النفسية كيانات منفصلة قائمة بذاتها. أما احتمال أن ~~الاضطرابات قد يندمج أحدها بالآخر بدون حد طبيعي فيما بينهما فهو ببساطة شيء لم ~~يخطر لهم. لقد ظنوا مثلا أن انتشار الاضطراب بين الأقارب دليل على أن هذا الاضطراب ~~كيان صادق، في حين أن هذا الكشف يتوافق بنفس الدرجة مع وجود متصل # continuum # من التغيرات. ويبدو أن إمكان وجود ~~انتشار # prevalence # عال لأكثر من اضطراب واحد في ~~أقارب المريض لم يخطر لهم. وقد ظنوا أن محدودية النجاح في التنبؤ بمآل الاضطرابات ~~وتداخل نتائج الدراسات العائلية يدلان على أن معايير الفصل (بين الفصام ذي المآل الجيد ~~والفصام ذي المآل السيئ) بحاجة إلى مزيد من التحسين، ولم يدر بخلدهم أن النتائج ~~ربما قد حدثت بسبب عدم وجود حد طبيعي بينهما، وهي واقعة جديرة بأن تعثر جميع ~~محاولات التحسين القائمة على ms132 تهذيب المعايير التشخيصية. # وقد قام الكثيرون بمحاولات عديدة لإثبات وجود حدود طبيعية بين الزملات المرضية ~~المتقاربة أو بين زملة شائعة مثل الاكتئاب الجسيم، وبين السواء (إما بتحديد ~~منطقة خلاء # zone of rarity # أو بكشف علاقة غير ~~خطية بين صورة الأعراض وبين متغير مؤيد مثل المآل أو الوراثية)، ولكن أغلب هذه ~~المحاولات باءت بالفشل. # كما بينت مسوح عديدة لعامة السكان أن أقل فروق في تعريف الزملات الفردة (مثل ~~الاكتئاب الجسيم) قد يؤدي إلى فروق كبيرة في درجة الانتشار المسجلة. وهذا يعني أن ~~الحد الذي يرسمه التعريف لا يناظر نطاق خلاء طبيعيا؛ أي لا يمثل «تخما» # boundary # واقعيا حقيقيا. # وقد تبين في الوقت ذاته أن العديد من الجينات المختلفة يسهم في سببيات # etiology # أغلب الزملات الطبنفسية، وأن بعض هذه الجينات ~~هي عوامل خطر ضالعة في تسبيب زملات يفترض أنها غير متقاربة. كما أن العديد من ~~الزملات الأخرى في ال # DSM/ICD # تتواتر لدى أقارب مرضى ~~الفصام أو الاضطراب الوجداني؛ الأمر الذي أفضى إلى مفهوم اضطرابات «الطيف الفصامي والطيف ~~الوجداني» # schizophrenia spectrum and affective spectrum ~~. وقد وجد أيضا أن الخلل الجيني نفسه قد يؤدي إلى زملات ~~طبنفسية متباينة. مثال ذلك: أن 3 من مواضع الاستهداف المزعومة المرتبطة بالاضطراب ثنائي ~~القطبية (على الكروموزوم 13، 18، 22) تسهم أيضا فيما يبدو في تسبيب الفصام. # 5 # وفضلا عن ذلك فإن الأساس الجيني لاضطراب القلق المعمم مطابق تقريبا ~~للأساس الجيني للاكتئاب الجسيم. # 6 # والأساس الجيني للفصام يضم - فيما يبدو - طيفا من الاضطرابات الأخرى تشمل ~~اضطراب الشخصية فصامية النمط واضطراب الشخصية البارانويدية وحتى الاضطراب الوجداني الذهاني. # 7 # ويبدو أن مثل هذا التداخل في القابلية الجينية لزملات نحسبها متباعدة هو ~~القاعدة وليس الاستثناء. # وقد وجد أن العوامل البيئية الواحدة تفضي باحتمالات متساوية إلى زملات متباينة ~~عديدة. مثال ذلك: أن الإيذاء الجسدي والجنسي والإهمال في الطفولة يؤدي إلى الاستهداف ~~لكل من القلق والاكتئاب في مرحلة الرشد؛ والإيذاء الجنسي قد يؤدي إلى الاستهداف للشره ~~العصبي (النهام) وأيضا إلى الاعتماد على الكحول وسائر المواد. # 8 ~~(3) التحرر ms133 المتزايد من وهم فرضية «الكيان المرضي» # رغم شيوع لفظة «مرض» # disease # في كل من الخطاب ~~الطبي والخطاب العام؛ فإن هذه اللفظة في الحقيقة ليس لها تعريف خال من الالتباس ~~ويقبله الجميع، وإن كانت الغالبية تبتلع الوهم المريح القائل بأننا جميعا نعرف ما ~~تعنيه هذه اللفظة. # أدرج ألبرت وزملاؤه # Albert et al. ~~(1988م) # 9 # ستة تصورات عامة عما تكونه الحالات التي قد يقال إنها تشكل «مرضا»، ~~تتراوح من «الاسمية» # nominalism # والنظريات النسبية ~~الاجتماعية (أي إن شيئا ما يعد «مرضا» إذا سماه المجتمع أو مهنة ما في المجتمع ~~بهذا الاسم) والمثالية الاجتماعية (التقصير عن بلوغ مثال اجتماعي للصحة التامة)، إلى ~~المفاهيم الإحصائية المعيارية من الوجهة الاجتماعية (الانحراف عن «السواء» # normality # المعرف إحصائيا)، ومفهوم «واقعية المرض» # disease realism ~~(الحيود الثابت موضوعيا عن ~~الأداء البيولوجي التكيفي). وقد تبنى ألبرت وزملاؤه هذا النموذج الأخير على أنه ~~الأكثر ملاءمة للوضع الحالي للطب، فأكدوا أن الأعراض والعلامات الإكلينيكية لا تشكل ~~المرض، وأننا لا يمكننا أن نقول: إننا اكتشفنا المرض حقا (واقعيا) إلا إذا تعرفنا ~~بوضوح على الآليات العلية لهذا المرض. # ورغم أن كلا من هذه المفاهيم العامة للمرض قد استخدم في الطب النفسي في وقت من ~~الأوقات فإن نموذج «واقعية المرض» (في صيغتيه البيولوجية والسيكودينامية كلتيهما) هو ~~الذي ساد منذ نهاية القرن التاسع عشر. وقد ظل كربلين # Kraepelin ~~(وهو نصير مخلص ل «واقعية المرض») زمنا طويلا يعتقد أن ~~«العته المبكر» # dementia praecox # وجنون الهوس ~~الاكتئابي - المعرفين عن طريق الملاحظة الجاهدة لأعراضهما وعلاماتهما - يمثلان ~~نوعين متمايزين من المرض الدماغي سوف تكتشف الباثولوجيا العصبية والسيكولوجيا التجريبية ~~وعلم الوراثة آلياتهما العلية في النهاية. وبالرغم من ذلك فقد تخلى كربلين ~~أخيرا عن فرضية أن هذين الاضطرابين كيانان مرضيان متمايزان، واقترح بدلا من ذلك ~~نموذجا «بعديا» # dimensional # في الصميم. وفي نفس ~~الوقت تقريبا كتب ياسبرز أن فكرة الكيان ~~المرضي # disease entity # هي في الحقيقة فكرة بالمعنى الكانتي للكلمة: تصور لهدف لا ~~يمكن المرء الوصول إليه ولكنه يشير - مع ذلك - إلى طريق للبحث ms134 المثمر، ويقدم ~~توجها «صادقا» # valid # لبحوث إمبيريقية معينة. ~~وأضاف عندئذ أنه بالرغم من أن «فكرة الكيانات المرضية قد أصبحت التوجه المثمر لبحوث ~~الطب النفسي الخاص فإن الكيانات المرضية الفعلية لا وجود لها.» # 10 # يتصل هذا الحديث بالجدل الدائر حاليا بخصوص التقسيم المرضي في الطب النفسي من ~~وجهين: الأول: أن مفهوم الكيانات المرضية المنفصلة ومفهوم الأبعاد (متصل التغير) ~~ليسا سبيلين متخارجين (ينفي أحدهما الآخر) لتصور الاضطرابات الطبنفسية، فكلاهما ~~متوافق مع نموذج عتبة في «تصور» ~~المرض # threshold model of disease ~~، وقد يقدم تفسيرا للقطع المتباينة أو حتى المتداخلة من ~~المراضة الطبنفسية. والثاني: أن الظواهر السطحية للمرض النفسي (أي مجموعة الأعراض ~~والعلامات والمسار والمآل) لا تقدم أساسا مضمونا لتقرير صدق الفئة التشخيصية أو ~~العنوان التشخيصي، بمعنى رسم آلية بيولوجية محددة ضرورية وكافية. # وقد قدم عديد من المعلقين المطلعين أدلة تومئ إلى أنه لا توجد حدود طبيعية بين ~~الاضطراب النفسي المدرك وبين السواء أو الصحة. واقترح ويديجر وكلارك # Widiger and Clark # 11 ~~(2000م) أن التفاوت في الأعراض الطبنفسية قد يمثل بواسطة «وساد منظم ~~لأبعاد من مجموعات أعراض» أفضل مما يمثل بمجموعة من الفئات التصنيفية # categories # المنفصلة. ويذهب كلونينجر # Cloninger # 12 ~~(1999م) بقوة إلى أن «ليس هناك دليل إمبيريقي لحدود طبيعية بين الزملات ~~الكبرى»، وأنه «لم يجد أحد قط مجموعة أعراض أو علامات أو اختبارات تفصل الاضطرابات ~~النفسية تماما إلى فئات غير متداخلة»، وأن «المقاربة القاطيغورية مغلوطة في ~~الصميم». # ويشكو جينسبرج وزملاؤه # Ginsburg et al. ~~(1996م) - ~~وقد أحبطوا من فشل عقدين من البحث المضني لكشف أي جينات تتبطن الاضطرابات الطبنفسية ~~- أن «التقسيم المرضي الحالي المتضمن في ال # DSM IV # لا ~~يحدد أنماطا ظاهرية # phenotypes # من أجل البحث الجيني.» # 13 # وتمثل المراضة المتصاحبة # comorbidity # مشكلة ~~إضافية تزداد إلحاحا كلما تكشف امتدادها الكامل عن طريق الدراسات الاجتماعية # community studies ~~. وقد قال سوليفان وكندلر # Sullivan and Kendler ~~(1998م): إن مقياس ~~المراضة المتصاحبة بين الاكتئاب الجسيم ومختلف اضطرابات القلق وزملات الإدمان لا يتسق ~~مع النظرة التقليدية إلى هذه الاضطرابات ms135 الطبنفسية على أنها كيانات مرضية متمايزة. # 14 # والحق أن تقسيماتنا المرضية التي نحفظها بإجلال قد فشلت في أن تقدم لنا أي استبصارات ~~كبرى في سببيات أي من الزملات الرئيسية. # تراكمت هذه الضروب من الفشل والإحباط فأدت بألن فرنسيس - رئيس الحملة التي أنتجت ال # DSM IV ~~- وهيلين ~~إجر # Helen Egger # إلى تعليق حزين (على أنه ذو بصيرة، ربما، واستشفاف) بأننا في ~~الطب النفسي «نمر بالمرحلة الفلكية التدويرية التي كان فيها علم الفلك قبل كوبرنيقوس، ~~وكانت فيها البيولوجيا قبل دارون. لا شك أن نسقنا الوصفي الحالي المعقد وغير الأنيق # inelegant # سوف يستبدل به نماذج أكثر «بساطة» # simplicity # 15 # و«أناقة» # elegance ~~. # 16 # نحن نتفهم هذا الإحباط في ضوء فشل التقسيم الجديد الثوري الذي يقدمه ال # DSM III # وما تلاه في أن يفضي إلى استبصارات كبرى ~~في سببيات أي من الزملات الرئيسية؛ غير أن هذا ~~الإحباط قد لا يكون له ما يبرره حتى الآن، فرغم تنامي الافتراض (على الأقل داخل مجتمع ~~البحث العلمي) بأن أغلب الاضطرابات الطبنفسية المدركة حاليا ليست كيانات مرضية؛ ~~فإن هذا الاعتقاد لم تتم البرهنة عليه قط؛ لأن البرهنة على ذلك تتطلب أنماطا من البحث ~~لم نبلغ إليها حتى الآن. ~~(4) تطبيق مفهوم الصدق على التشخيصات # إذا كان تفاوت الأعراض الطبنفسية هو حقا شيء متصل ولا يتكتل في تجمعات ذات حدود ~~بينة، وإذا كانت أغلب الفئات التشخيصية لا تعدو أن تكون مواضع اعتسافية في فضاء ~~متعدد الأبعاد، فإن من الصعب أن نرى كيف يمكن أن تعد هذه الفئات التشخيصية «صادقة» ~~بصفة مشروعة. ومن جهة أخرى فإن ثمة قلة من الفئات التشخيصية في الطب النفسي مقبولة ~~بالإجماع كفئات صادقة. وأغلب هذه الفئات يسمي أسباب التخلف العقلي أو العته: ~~زملة داون، الفينيل كيتونوريا، مرض هنتنجتون، مرض جاكوب كروتسفيلد»؛ ومن ثم يقترح ~~روبرت كندل وأسين ~~جبلنسكي # R. Kendell and A. Jablensky # 17 ~~(2003م) أن الفئة التشخيصية توصف بالصدق إذا توافر فيها أحد الشرطين ~~التاليين: ~~(1) # إذا كانت الفئة تعرف زملة ثبت أنها كيان واقعي منفصل عن ms136 الزملات ~~المجاورة وعن السواء بواسطة منطقة ~~خلاء # zone of rarity ~~(حد طبيعي). # 18 ~~(2) # إذا كانت الخصائص التعريفية للفئة التشخيصية أكثر أساسية؛ أي إذا كانت ~~الفئة معرفة بواسطة خلل فيزيولوجي أو تشريحي أو هستولوجي أو كروموزومي ~~أو جزيئي. # فزملة داون تعرف بوجود كروموزوم 21 إضافي. # ومرض هنتنجتون يعرف بوجود جين شاذ في كروموزوم 4. # ومرض جاكوب كروتسفيلد يعرف بهستولوجيا مميزة (اعتلال ~~دماغي إسفنجي الشكل) يمكن تفرقته عن بقية الأمراض ~~المخية. # والحق أن وجود حدود واضحة أو فروق كيفية عند مستوى الخصائص المعرفة أهم من ~~السببيات ~~(etiology) # لتقرير صدق الفئة التشخيصية، ~~وذلك للأسباب التالية: ~~(1) # أن فهم السببيات ليس «كل أو لا شيء»، وكثيرا ما يتفتح بالتدريج أو يبزغ ~~على مراحل مع اتضاح شبكة معقدة من الأحداث المتفاعلة. ~~(2) # قد يكون الحد واضحا أو ثابتا قبل معرفة السبب التحتي بزمن ~~طويل. ~~(3) # معظم الاضطرابات النفسية (وبعض الاضطرابات النيورولوجية مثل الصعر # torticollis # والصداع النصفي وخلل التوتر المشوه # dystonia deformans ~~) ما ~~زالت تعرف بواسطة زملاتها الإكلينيكية؛ لأن سببياتها ما زالت مجهولة ~~إلى حد كبير. إن لدينا سببا وجيها لقبول أي زملة مجهولة السبب كفئة ~~صادقة إذا ما ثبت أن مثل هذه الزملة منفصلة عن الزملات المجاورة بواسطة ~~«منطقة خلاء»؛ فمثل هذا الدليل على وجود حد طبيعي يومئ بقوة (وإن لم ~~يبرهن) إلى أن سببيات هذه الزملة تختلف عن سببيات جيرانها، ومن شأن هذا ~~الدليل أن يعمل كحافز قوي على البحث العلمي من أجل تبيان سببيات ~~الزملات. # هكذا كان مسار العلم الطبي. ولكن ما دام الكثير من تصوراتنا الحالية الخاصة بالزملات ~~الطبنفسية لا تعكس انقطاعات أصلية في تغير الأعراض، فمن المستبعد أن تبقى بعد ~~الاستكشاف الناجح لأساسها البيولوجي. لقد بقيت زملة داون ومرض هنتنجتون بعد اكتشاف ~~أساسهما البيولوجي؛ لأنهما كانا قائمين على انقطاع حقيقي في الأعراض والعلامات. أما ~~تقسيمنا الطبنفسي فلا يفي بهذا الشرط؛ ومن ثم فسوف يتم التخلي عنه عاجلا أم آجلا ~~وتبني تقسيم «بعدي» # dimensional # بدلا منه. إن ~~جميع الفئات التصنيفية الموجودة سوف تختفي؛ لأنها «غير ~~صادقة» ms137 # invalid ~~، وسوف تحل محلها مجموعة من الأبعاد # dimensions ~~، وسوف تنتقل الأسئلة حينئذ إلى تلك الأبعاد: # كم بعدا هناك؟ # ما هي هذه الأبعاد؟ # هل هذه الأبعاد بدورها «صادقة» # valid ~~؟ # قلما يستخدم «نطاق الخلاء» (منطقة الخلاء) في تقسيم الاضطرابات الطبية الأخرى؛ ~~لأن كل الأمراض في أفرع الطب الأخرى معرفة على مستوى أكثر أساسية من زملاتها، ~~ومميز أحدها من الآخر بفروق جيدة التأسيس في الباثولوجيا والسببيات. وهذا هو السبب ~~في أن مسألة «صدق» التشخيص هناك قلما تطرح وقلما تناقش برغم أن كثيرا من ~~الأمراض في الطب تتشارك في زملات متشابهة للغاية: # فكثير من الحميات المعدية تتشارك في زملة أعراض هي ارتفاع الحرارة ~~والوهن والتعرق والصداع والطفح الجلدي واضطراب الجهاز الهضمي؛ غير أن ~~الجراثيم المسببة - المتباينة والتي يمكن تمييزها - هي خصائص تعريفية ~~حاسمة. # وقد يتمثل كل من الدرن ~~الرئوي # pulmonary tuberculosis # والسرطان ~~القصبي # bronchial ~~carcinoma # في صورة إكلينيكية متماثلة تماما؛ غير أنهما ~~أيضا متمايزان تماما حين نعاين عصيات ونعاين هيستوباثولوجيا ~~السرطان. # أما الطب النفسي الآن فهو بعيد عن مثل هذا اليقين التشخيصي. الطب النفسي الآن في ~~نفس الوضع الذي كان عليه معظم الطب منذ 200 عام، حيث كان مضطرا بعد إلى تعريف معظم ~~اضطراباته بواسطة زملاتها؛ ومن ثم فما دام الطب النفسي مضطرا إلى التمييز بين ~~اضطراباته بواسطة التمييز بين زملات فإن «صدق» المفاهيم التشخيصية يظل أمرا مهما في ~~الطب النفسي. وإن استخدام نطاقات الخلاء لتأسيس «صدق» التشخيصات هو أفضل استراتيجية ~~متاحة لنا في المرحلة الحالية من تطور الطب النفسي. # جدوى التشخيصات # قلنا: إن معظم الاضطرابات الطبنفسية الحالية - بما فيها الفصام - لا يمكن أن توصف ~~بأنها فئات تصنيفية «صادقة» # valid ~~؛ غير أن هذا لا ~~يعني بحال أنها غير ذات نفع أو جدوى. ويقال للعنوان التشخيصي: إنه نافع أو مجد ~~إذا كان يقدم معلومات معتبرة عن التنبؤ (التكهن/الإنذار) # prognosis # والمآل المرجح للعلاج، و/أو قضايا قابلة ~~للاختبار عن الملازمات # correlates # البيولوجية ~~والاجتماعية. # بهذا التصور للجدوى ينبغي أن نقول: إن كثيرا من مفاهيمنا النوزولوجية (الخاصة ~~بتصنيف الأمراض) ms138 الحالية مفيدة للممارسين الإكلينيكيين إلى أقصى حد؛ إنهم ببساطة لا ~~يستطيعون الاستغناء عنها؛ فهي تمدهم بمعلومات قيمة للغاية عن احتمالات الشفاء ~~والانتكاس والتدهور والعجز الاجتماعي، وترشد قراراتهم العلاجية، وتزودهم بمعلومات ~~ثرية عن المرضى المماثلين لمرضاهم عبر العالم: صورة أعراضهم وشخصياتهم قبل المرض ~~وخلفياتهم العائلية وتحولاتهم بمرور الزمن ونتائج التجارب الإكلينيكية لعلاجات ~~بديلة عديدة والبحث في سببيات الزملة، كل هذه معلومات مفيدة ولا غنى عنها ~~أحيانا، سواء كانت الفئة التشخيصية المعنية صادقة أم لا. # وهناك فرق آخر بين «الصدق» # validity # و«الجدوى» # utility ~~؛ فالصدق خاصية ثابتة للفئة ~~التشخيصية (الفئة - من حيث المبدأ - هي إما صادقة أو غير صادقة) وصدقها لا يعتمد ~~على السياق. أما الجدوى فليست خاصية «كل أو لا شيء»، بل خاصية متدرجة تعتمد ~~جزئيا على السياق # context-specific ~~: # فالفصام قد يكون مفهوما قيما للغاية للأطباء النفسيين الممارسين، ~~ولكنه قليل الجدوى للمحامي الجنائي أو للعالم الذي يستكشف الأساس ~~الجيني للذهان. # والاضطراب الوجداني ثنائي القطبية قد يكون مفهوما بالغ النفع في ~~وحدة حالات حادة بمستشفى (حيث تميز بين الحالات الذهانية التي تتطلب ~~علاجا دوائيا طويل الأمد والحالات التي لا تتطلب ذلك)، ولكنه مفهوم ~~أقل نفعا في برنامج تأهيلي. # اضطراب الشخصية الحدية مفهوم مفيد لكثير من العلاجات النفيسة، ولكن ~~ليس مفيدا لكثير من الأطباء النفسيين ذوي التوجه البيولوجي. # وهناك فرق ثالث هو أن التعريفات البديلة العديدة للمفهوم التشخيصي الواحد لا ~~يمكن أن تكون جميعا صادقة، ولكنها يمكن أن تكون جميعا مجدية في سياقات مختلفة؛ ~~فتعريف ال # DSM IV # للفصام مفيد بصفة خاصة في التنبؤ ~~بالمآل؛ إذ ينطوي على درجة ما من الإزمان. ولكن تعريفا أكثر اتساعا بكثير بحيث ~~يضم طيفا متنوعا هو أنفع في حصر زملة ذات قابلية وراثية عالية. # متضمنات ذلك في البحث العلمي # منذ مجيء ال # DSM III ~~(1980م) والنسخة البحثية لل # ICD 10 ~~(1993م) صار الباحثون تحت ضغط من ~~المنظمات الممولة ومحرري الدوريات العلمية لكي يستخدموا التعريفات والمعايير ~~الرسمية ويلتزموا بها في أبحاثهم، وقد حققوا بذلك ثباتا (عولا) # reliability # ودقة كبيرين ms139 لموضوعهم، وتمكنوا من ~~تكرار تجارب غيرهم متى شاءوا. # وعلى الرغم من ذلك فإن التمسك العبودي بتعريفات ومعايير الزملات الخاصة بال # DSM # و # ICD # تشكل ~~عائقا حقيقيا لتقدم العمل البحثي في أنحاء خاصة مثل السببيات والجينيات ... إلخ. ~~وما دامت هذه الفئات التصنيفية غير صادقة بالأساس فإن لدينا ما يدعونا إلى استخدام ~~معايير مغايرة تماما (مثل عرض محوري واحد، حد أدنى على مقياس ما، خلل معرفي ~~معين، خلل نيوروفيزيولوجي أو فارماكولوجي). حقا إن إحباط أهل البحث العلمي (في ~~الجينات والسيكولوجيا والطب النفسي) من المنظومة الزملاتية المعاصرة له وجاهته ~~ومبرراته. # كما أن ضغط الهيئات الممولة ومحرري الدوريات وإصرارهم على استخدام التعريف ~~«الرسمي» لزملة لم يثبت «صدقها» هو أمر لا مسوغ له، ويشير إلى أن الاعتبارات ~~السياسية والاجتماعية والقضائية تقحم نفسها عنوة على ما ينبغي أن يكون قرارا ~~علميا خالصا. # إذن رغم فوائد الالتزام بالتعريفات الرسمية فإن على الباحثين أن يكونوا أحرارا ~~في استخدام تعريف آخر من أجل إطلاق العمل البحثي في مجالات كثيرة، ومن أجل التغلب ~~على عيوب التعريف القياسي على أقل تقدير. # تعليق # لقد طالما سلم القائمون على الطب النفسي والسيكولوجيا بأن هدف أي نسق ~~نوزولوجي هو «تقطيع الطبيعة من مفاصلها»، يتضمن هذا أن ثمة مفصلا وأن المرء لا ~~ينشر في العظم. ولكن إذا لم يكن ثمة حدود طبيعية بين الزملات النوزولوجية فمن ~~يدرينا حقا أننا لا ننشر في العظم؟ # إن تقطيعنا (في مجال الطب النفسي) قد يكون أكثر رعونة حتى من ذلك، يذكر ~~كورنينج # Corning ~~(1986م) مثالا على التقسيم ~~بمجرد تشابه المظهر، فيذكر ما فعله طفله ذو الستة أعوام بمكتبه عندما تركه فيه بعد ~~الظهر ليرأس اجتماعا مهما: عاد كورنينج إلى مكتبه بعد الاجتماع ليجد أن طفله قد ~~«أعاد ترتيب نظام الملفات» في المكتب؛ فجمع الملفات البنية تجميعا أنيقا في ~~كومة على الأرضية. وكذا الحال مع الملفات الأخرى. وقد نزع الطفل الوثائق الموجودة ~~في كل ملف ووضعها في الكومات المناسبة لها (في نظره)؛ فالأوراق الصفراء ذات القطع ~~المعين وضعت في كومة، ms140 والبيضاء ذات الشكل المعين في كومة، والكراسات الصفراء ذات ~~القطع المعين في كومة، والأوراق البيضاء المطبوع عليها في كومة ... وهكذا. وعندما عاد ~~الأب وجد طفله يعلنه مفتخرا أنه «سوى له فوضى المكتب». # يومئ كورنينج أن تقسيم طفله مماثل للتقسيم الطبنفسي، حيث يأخذ تحليل قائم على ~~مظاهر خارجية مكان تحليل للفئات من جهة المعلومات التي تتضمنها. # 19 # إن ال # DSM # و # ICD # تقسيمان فئويان (قاطيغوريان)؛ غير أنه من حيث المبدأ يمكن للتنوع في أعراض الاضطراب ~~النفسي أن يمثل بواسطة مجموعة من «الأبعاد» # dimensions # وليس ب «فئات ~~تصنيفية» # categories # متعددة. # وإذا كانت تقسيمات المرض في أفرع الطب الأخرى قاطيغورية كلها بلا استثناء، فذلك ~~لأن: (1) من الخصائص الأساسية للذهنية البشرية والمطمورة في الأسماء العامة ~~(اسم الجنس) # generic ~~nouns # في ~~لغة الحياة اليومية، تمييز الفئات التصنيفية للأشياء (الكراسي، الأحصنة، الكواكب ... ~~إلخ). (2) قد تم التسليم تقليديا بأن معظم الأمراض هي كيانات متمايزة. # وقد درج الأطباء النفسيون في الماضي على افتراض أن الاضطرابات النفسية هي ~~أيضا كيانات متمايزة منفصل أحدها عن الآخر: إما بمجموعة محددة من الأعراض، وإما ~~بسببيات محددة ثابتة (وقد ثبت ذلك حقا بالنسبة لحالات قليلة مثل: زملة داون، ~~الفينيل كيتونوريا، مرض ألزهيمر، مرض جاكوب كروتسفيلد). # إلا أنه في العشرين عاما الماضية تزايد التشكيك في فرضية الكيان المرضي مع ~~تراكم الأدلة بأن الاضطرابات المرضية، مثل: الاكتئاب الجسيم واضطرابات القلق ~~والفصام والاضطراب ثنائي القطبية ... يلتحم خفية أحدها بالآخر وأحدها بالسواء. ~~وفضلا عن ذلك فإن العوامل الجينية والبيئية المتبطنة لهذه الزملات هي في الأغلب ~~«غير محددة» # non-specific ~~. # لقد بات واضحا يوما بعد يوم أن ليس هناك شيء من قبيل الحدود الطبيعية بين ~~الزملات الكبرى، وأن المقاربة القاطيغورية مغلوطة بالأساس؛ الأمر الذي حمل ~~الممارسين والباحثين المستنيرين على اقتراح مقاربة «بعدية» # dimensional ~~؛ أي القول بأن تفاوت الأعراض الطبنفسية قد يمثل ~~بواسطة الأبعاد أفضل مما يمثل بواسطة مجموعة من ~~الفئات التصنيفية، وبخاصة في مجال سمات الشخصية، وقد لاحظ الفيلسوف همبل # Hempel # منذ أكثر من نصف قرن أن معظم العلوم ms141 يبدأ ~~بتقسيم قاطيغوري لموضوعه ولكنه في الغالب يستعيض عنه بالأبعاد عندما يتيسر له ~~قياس أكثر دقة. # مزايا تأسيس التقسيمات القادمة على الأبعاد # من شأن ذلك أن تختفي مشكلة المرضى الذين يستوفون معايير فئتين أو أكثر من ~~الفئات التصنيفية في الوقت نفسه، أو الذين يقفون على الحدود بين فئتين ~~متجاورتين. # وأن تزول الحاجة «البروكرستية» إلى لي أعراض المريض الفرد لكي تنسجم ~~قسرا مع تصور نمطي مسبق. # وأن يتيح توصيل معلومات مفيدة أكثر من ذي قبل، ويدخل واقعية جديدة في ~~افتراضات الممارسين عن طبيعة الاضطرابات النفسية. # مساوئ تأسيس التقسيمات المرضية على أبعاد ~~(1) # لقد تعود الممارسون الإكلينيكيون على التفكير بلغة الفئات التصنيفية ~~التشخيصية # diagnostic categories ~~. إنهم يفكرون بلغة القاطيغوري، وكثير من معرفتهم ~~الإكلينيكية مخزونة بهذا الفورمات، ومعظم المعرفة القائمة عن أسباب الأمراض ~~النفسية وصورتها الإكلينيكية وعلاجها والتنبؤ بمسارها قد استفيدت ~~ونظمت مرتبطة بهذه الفئات التصنيفية. ~~(2) # اتخاذ القرارات الفورية والمناسبة عن علاج المرضى الأفراد يكون أيسر ~~بكثير إذا أمكن وضع المريض على نحو وثيق داخل فئة تشخيصية منه إذا ~~وضع في نقطة ما في فضاء متعدد الأبعاد. # بالنظر إلى هذه الأسباب وإلى عدم توافر نسق بعدي ناضج في الوقت الحالي ربما ~~يكون من الابتسار أن نندفع إلى وضع تقسيم نوزولوجي قائم كله على الأبعاد. إن من ~~الحصافة أن نقصر استخدام الأبعاد في الوقت الحالي على مجالات محدودة، مثل اضطرابات ~~الشخصية، وأن نختبر جدوى هذا الاستخدام بالمقارنة بالمدخل القاطيغوري. فإذا ما ~~تبين لنا أن النظام البعدي للشخصية يعمل جيدا وأنه مقبول من جانب الممارسين، ~~فقد يكون من الملائم آنذاك أن نستكشف جدوى المقاربات البعدية في مجالات أخرى مثل ~~الذهان واضطرابات المزاج. # الاضطرابات النفسية «أنواع ~~عملية» Practical Kinds # في ورقة علمية متميزة بعنوان «الاضطرابات الطبنفسية ليست أنواعا طبيعية» يتبنى ~~بيتر زاتشار Peter Zachar # 20 ~~(2000م) الإبستمولوجيا البراجماتية المضادة للماهوية، ويخلص إلى أن ~~الاضطرابات الطبنفسية، شأنها شأن كل شيء آخر، ليست أنواعا طبيعية. ينتقد زاتشار ~~الفكرة الماهوية القائلة بأن الاضطرابات الطبنفسية ينبغي تصورها على أنها أنواع ~~طبيعية ms142 تتحدد تماما بالإحالة إلى خواصها الباطنة، وإلا فإنها تكون فئات تصنيفية ~~اعتباطية. # يقول زاتشار إن تصور الاضطرابات الطبنفسية على أنها كيانات مسيجة في الطبيعة ~~هو تصور لا يتسق مع فهم الطب للمرض وفهم البيولوجيا التطورية للنوع # Species ~~. وعلى النقيض من ذلك يدفع زتشار بمفهوم ~~«الأنواع العملية» Practical Kinds ~~، وهي أنماط ~~مستقرة تعرف على مستويات متفاوتة من الصدق # Validity # والثبات # Reliability ~~، ~~ويذهب إلى أن هذا التفكير اللاماهوي هو أكثر اتساقا مع وجهة النظر العلمية إلى ~~العالم. # إن من الخطأ أن نفهم اللزمات الطبنفسية على أنها فئات تصنيفية محددة بحدود ولها ~~شروط داخلية، ضرورية وكافية، لتشخيصها؛ فهذه طريقة غير صائبة في النظر إلى أي شيء، ~~لأنها تصادر بأننا ننظر إليه كما بعين إله، وبأن هناك وصفا دقيقا واحدا لما ~~يكونه هذا الشيء في الواقع، بمعزل عن الطريقة التي نتصوره بها. وعلى الأطباء ~~النفسيين أن يكفوا عن مثل هذه النظرة سواء تبنوا النموذج الطبي أو النموذج ~~السيكومتري (الخاص بالقياس النفسي). إنما تتخذ الاضطرابات الطبنفسية متصلا # Continuum # من «الأنواع العملية»، وأفضل طريقة ~~لتصورها هي الطريقة البراجماتية. # و«العقار» # Drug # أو «الدواء»، كما يصفه ~~جورنشتاين # Gorenstein # 21 ~~(1992م)، مثال جيد للنوع العملي. فالدواء فئة تصنيفية عليا تصف الدور ~~الذي تضطلع به مجموعات متباينة من المركبات الكيميائية في الممارسة الطبية. تتضمن ~~الأدوية «مطهرات الحلق، وخافضات الكولستيرول، وبخاخات الأنف، وراخيات العضلات، ~~والمضادات الحيوية، والحفاضات الملطفة للطفح الجلدي». الكثير من شتى ضروب المركبات ~~يمكن أن تكون دواء. إذن كون الشيء دواء ليس خاصة باطنة متأصلة لأي مادة ~~كيميائية، بل هو «خاصة ~~علائقية» # Relational Property ~~. يرى جورنشتاين أن المرض النفسي نوع عملي من هذا ~~الصنف. # والأنواع العملية غائمة مهوشة # Fuzzy # بدرجة أكبر ~~من الأنواع الطبيعية، ولكنها ليست اعتباطية. ويتطلب تقسيم الأنواع العملية، إذ ~~تحدد سيكومتريا، معايير متوازنة تغير قيمها في السياقات المختلفة. ونتيجة ~~لذلك فليس ثمة «ثبات» # Reliability # تام للأنواع ~~العملية. ويمكن تصورها كائنة على «متصل» # Continuum # وبعضها أعلى ثباتا من بعض. # يذهب زاتشار إلى أن ال # DSM # نفسه لا ms143 يقوم على ~~النموذج التقليدي للفئات التشخيصية بل على نموذج «النمط البدني للفئات» Prototype Model of Categories ~~، وهي ~~محاولة لتبين كيف يصنف البشر بالفعل الأشياء والمفاهيم، وتستند إلى عمل عالمة ~~النفس إليانور روش، س. ~~ميرفيس # Eleanor Rosch and C Mervis # 22 ~~(1975م)، وهي طريقة مضادة للماهوية بشدة. تقتضي الفئات التقليدية ~~(الأنواع الطبيعية) أن تكون للفئة تخوم محددة؛ بحيث إن شيئا ما إما أن يكون عضوا ~~في الفئة أو لا يكون (المريخ إما كوكب أو لا، والشكل إما مثلث أو مربع ... ولا يمكن ~~أن يكون الاثنين معا). وللفئات التقليدية أيضا مجموعة من الخواص الضرورية ~~والكافية التي تعرفها. ويعد تعريف أرسطو للإنسان بأنه «حيوان عاقل» مثالا ~~للتفيئة التقليدية. وهكذا يعبر حد «حيوان عاقل» عن ماهية ما يعنيه أن يكون شيء ~~ما إنسانا. وبهذه الوجهة من الرأي فإن أي شخص استطاع أن يقرأ كتاب الطبيعة فقد ~~أمكنه أن يعرف ماذا يكون شيء ما حقا وصدقا. # وعلى النقيض من الفئات التقليدية فإن فئات ~~«نموذج النمط البدني» لها «حدود غائمة»؛ ومن ثم فليس واضحا دائما من يكون ومن لا ~~يكون عضوا في الفئة. وبعض الأعضاء أكثر نموذجية من غيرهم كأعضاء في الفئة. من ~~ذلك أن العصفور أكثر نموذجية كنمط بدئي للطيور من النعامة، وعرش الملك أكثر ~~نموذجية ككرسي من جوال حبوب. ولأية فئة معينة من هذا الصنف هناك أمثلة نموذجية ~~(العصفور طائر) وأمثلة غير نموذجية (الحوت من الثدييات) وأمثلة بين بين (مسند الكتب ~~جزء من الأثاث). كما أن فئات نموذج النمط البدني ليس لها شروط ضرورية وكافية ~~تعرف العضوية فيها. فأعضاء هذه الفئة لا يلزمهم أن يشاركوا في جميع الخواص، ~~وإنما يشاركون في «تشابه ~~عائلي» # Family Resemblance ~~. يعني ذلك أن ثمة معايير بديلة لوضع الشيء في فئة. فالمرضى ~~يشخصون في ال # DSM # بقدر ما يطابقون مجموعة من ~~المعايير، ولكن ليس ثمة معيار واحد (أو مجموعة معايير) ضروري وكاف. وتسمى هذه ~~الطريقة استراتيجية المعيار ~~المتعدد الخصائص Polythetic Criterion Strategy ~~، وهي صيغة من نموذج «النمط البدئي». وتنظم ~~مجموعات ms144 المعايير المتعددة الخصائص بحيث تدرج المعايير الأكثر نموذجية أولا. ~~وكما لاحظ ويديجر وفرانسيس # Widiger and Francis # 23 ~~(1994م) هناك 93 طريقة مختلفة للإيفاء بمعايير تشخيص المريض كاضطراب ~~الشخصية الحدية في # DSM-III-R ~~، و848 طريقة مختلفة ~~للإيفاء بمعايير اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع. إن زملة اضطراب الشخصية المضادة ~~للمجتمع هي عائلة من أنواع الشخصية وليست نوعا منفصلا واحدا. # ولكي يهدئ زاتشار من روع أصحاب الصرامة العقلية من القراء ممن لا يلمون ~~بتفاصيل البراجماتية يقول إن غياب معايير مطلقة لا يترك الممارسين مع مبدأ ~~«كله ماشي» # anything goes ~~؛ فالمعايير لا تزال ~~تفعل فعلا يتجاوز الهوى الشخصي. من ذلك أنه بالرغم من أن معايير الفصام والشخصية ~~الحدية تعد في طبيعتها ذات نمط بدني (حيث توجد حالات نموذجية لكل منهما وحالات ~~بينية) فما زال هناك فرق بين الفصام والشخصية الحدية. ورغم أن المشخصين لا يمكنهم ~~تقديم مجموعة واحدة من الشروط الضرورية والكافية (معا) لتشخيص الفصام فلا يزال ~~بالإمكان تميز الفصام عن غيره من الاضطرابات. كما أن بوسعنا أن نقدم الكثير من ~~الأسباب لقولنا إن «اضطراب الشخصية العنصرية» ليس اضطرابا طبنفسيا مشروعا دون ~~أن يضطرنا ذلك إلى القول بأننا نقطع الطبيعة من المفاصل. كلا، إن مبدأ «كله ماشي» ~~ليس خيارا مطروحا. # الإبستمولوجيا البراجماتية # تذهب البراجماتية إلى أن النظريات والنماذج ~~أدوات تساعدنا في أن نبحر خلال العالم. وصدق هذه النظريات يكمن في نفعها العملي. ~~والبراجماتيون، شأنهم شأن العلماء الطبيعيين، منفتحون على احتمال أن نموذجا أفضل ~~يمكن دائما أن يطور. وهذا يقيهم من الاعتقاد السهل بأن فئاتهم تناظر مباشرة ~~حال الأشياء كما هي عليه واقعيا. وأفضل تصور للنماذج أن نعتبرها «وصفات» Prescriptions ~~؛ أي أدوات ممكنة لفهم العالم، لا ~~«أوصافا» # Descriptions ~~؛ أي عبارات جازمة عما ~~يكونه العالم على الحقيقة. يتسق هذا الصنف من اللاماهوية البراجماتية أيضا مع ~~القضايا الثلاث التالية من لاكوف # Lakoff # 24 ~~(1987م): # ثمة عالم خارج الكائنات البشرية. # العالم هو، بطريقة ما، سبب معرفتنا. # بعض المنظومات الاعتقادية أفضل من غيرها. # النموذج الطبي مضاد للماهوية # كان التقسيم ولا يزال ms145 واحدا من أهم المشكلات في الطب النفسي. وهو يتضمن تقرير أي ~~الزملات ينبغي على الأطباء النفسيين أن يشخصوها ويعالجوها. يود أنصار النموذج ~~البيوطبي أن يعرفوا الزملات مثلا تعرف الزملات الأخرى في الطب: # فتشمل الخطوة الأولى تحليلا إكلينيكيا، حيث يلاحظ أن علامات ~~وأعراضا شتى تحدث معا بطريقة تشير إلى أن في الأمر شيئا يعمل أكثر ~~من الصدفة. هكذا يومئ تزامن التهاب الحلق وسيولة الأنف والصداع واحتقان ~~الصدر إلى زملة مندمجة، تصنف على أنها «الزكام» # Common Cold ~~. يسمى هذا بالمظهر ~~الإكلينيكي للمرض. # والخطوة التالية أن نصف مسار المرض، فنجد أن احتقان الحلق قد ~~يظهر أولا ويزول، ثم يحدث احتقان الجيوب الأنفية متمثلا في تصريف ~~أصفر، يتبعه تصريف شفاف عندما يصبح الشخص غير معد. وعند نقطة ما ~~في العملية ينشأ احتقان الصدر وقد يلبث أسابيع. والشفاء تلقائي. # في هذا النموذج تكون للزملات سببيات مشتركة وبالتالي علاج مشترك. أما ~~وصف الآليات الجسمية لإنتاج الزملة فهو لب لباب النموذج البيوطبي. ~~وما إن يتضح أن ثمة مثل هذه الآليات يطلق على الزملات «أمراضا» ~~وتصور تقليديا على أنها أنواع طبيعية. # إذا كانت الزملات الطبنفسية أنواعا طبيعية فقد تساعدنا المتغيرات البيولوجية، ~~مثل المدونات الجينية والاستجابة الدوائية، في فصل واقعها المتبطن لها. ~~يفترض بعض الأطباء النفسيين وبعض السيكولوجيين أنه ما دامت الأمراض الجسمية هي ~~الواقع الوطيد العلم الطب فإنه لكي نكون صائبين علميا فإن علينا أن نفهم الاكتئاب ~~والفصام على أنهما مرضان جسميان. وهما كمرضين لا بد أن لهما عمليات باثولوجية ~~تحتية. مثال ذلك أن الاضطراب الطبنفسي «الخزل ~~العام» # General Paresis # الذي كان وبائيا في يوم ما يمكن أن تتفاوت فيه الصورة ~~الإكلينيكية من زملة بارانويدية إلى زملة اكتئابية إلى زملة عظمة، غير أن العملية ~~الباثولوجية التحتية هي نفسها. # 25 # والعملية الباثولوجية التحتية هي زهري غير معالج # Untreated Syphilis ~~. ووجود البكتريا ~~الملتوية # Spirochete # ضروري وكاف لتشخيص ~~الزهري. # يرى ستاتس # Staats ~~(1991م) أن من خصائص العلم ~~الناضج والموحد هو القدرة على أن يرى كيف أن الظواهر المتباينة سطحيا هي في ms146 ~~الحقيقة مظاهر لنفس الظواهر، تجليات مثلا لعملية باثولوجية تحتية. إن تفسير الفصام ~~والاكتئاب مثلما تم تفسير الخزل العام هو هدف هام بالنسبة للنموذج ~~البيوطبي. # ورغم أن فكرة أن تصور الزملات كأمراض سوف يساعد أهل الصحة النفسية في اكتشاف ~~الأنواع الطبنفسية، فإن الأمراض لا يمكن أن تتصور فقط على أنها كيانات جسمية ~~منفصلة. وفيما يلي سنتفحص مفهوم النوع # Species # ونبين أن علماء البيولوجيا التطورية يرفضون فكرة الحدود المطلقة بين الأنواع. ~~فإذا كانت الأمراض والأنواع لا تعتبر أنواعا طبيعية فالاضطرابات الطبنفسية أيضا ~~ينبغي ألا تعتبر أنواعا طبيعية. # يقول روث وكرول # Roth and Kroll # 26 ~~(1986م): # هكذا، مثلا، ليس كل من يتعرض للدرن (السل) يصاب بالمرض في صورته ~~التامة. تعتمد حالة جهاز المناعة على التكوين الجيني للمضيف # host ~~، وحالته الغذائية، والعدوى الفيروسية ~~التي قد تؤدي إلى زملة نقص المناعة، والتعرض السابق لجراثيم ميكروبية ~~مشابهة، وحالة الإجهاد، وحالة القلق، ومستوى المعنويات ووجود اكتئاب، ~~وتغيرات حياتية كبرى مستجدة، وغير ذلك من العوامل السيكولوجية. # عصيات الدرن شرط ضروري ولكن ليس كافيا لمرض الدرن. توجد العدوى في المضيف، ~~وتنتج العمليات المرضية من التفاعل بين العدوى والمضيف. إنها خواص «علائقية» # Relational # لا خواص باطنة صميمة. ويبين ~~والاس # Wallace ~~(1991م) أن اللاماهوية تتعلق ~~بالعلاج أيضا. فيلاحظ أنه رغم أن الأمراض المعدية هي الأمراض الأكثر ارتكازا ~~فسيولوجيا في علم الطب فإن: # نفس العدوى في مريضين مختلفين قد لا تستجيب لنفس المضاد الحيوي أو ~~مضاد الفيروس. # العدوى الجرثومية المختلفة قد تستجيب لنفس الدواء. ينبغي أن تؤدي بنا ~~ملاحظات والاس إلى الشك في دعاوي بعض الأطباء النفسيين البيولوجيين ~~القائلة بأن كل اضطراب يستجيب للدواء المضاد للاكتئاب لا بد أن يكون ~~تنوعا من نفس الاضطراب. # 27 # لا يمكن تعريف الأنواع العملية تعريفا تاما في حدود خواصها الباطنة، ومن ثم ~~فإن المعايير الخارجية ضالعة في تعريفها. ويذكر جورنشتاين # Gorenstein ~~(1992م) أننا نخطئ إذ نخلط بين مسألة الأساس البيولوجي ~~لزملات مثل الفصام والشخصية الحدية وبين السؤال عما إذا كانت هذه الزملات ~~أمراضا. فإثبات أن لها ms147 أساسا بيولوجيا ليس برهانا على أنها أمراض، مثلما أن ~~إثبات وجود أساس بيولوجي للانبساط # Extroversion # ليس برهانا على أنه مرض. ذلك أن صفة «مرض» تنطوي على تقييم اجتماعي بسوء التكيف، ~~وهي مشكلة مختلفة عن مشكلة تقرير ما إذا كان الفصام موجودا. إن ادعاء أن شخصا ما ~~فيه مرض يعني في الحقيقة أن ثمة شيئا ما غير صحيح ويحتاج إلى أن يعالج. والأمراض، ~~شأنها شأن جميع الأنواع العملية، لا يمكن تعريفها بالتمام بالنظر إلى خواصها ~~الباطنة. # ومثال آخر على دور المعايير الخارجية في تعريف الأنواع العملية هو موقف رابطة ~~الطب النفسي الأمريكية إذ أعادت تصنيف الجنسية المثلية من انحراف جنسي باثولوجي ~~إلى تنوع سوي في التوجه الجنسي. فنحن (في الغرب) لا نزال ننظر إلى المثلية ~~كنوع من السلوك له أساس بيولوجي ولكننا لا نراه مرضا سيء التكيف. بل إن المثليين ~~ليتخذون الأساس البيولوجي للمثلية كدليل على أنهم أسوياء. منذ ثلاثين عاما كان ~~كشف أساس بيولوجي قمينا أن يعد تأييدا لوجود حقيقي لمرض ما. ولكن إذا كان ~~المجتمع لا يريد أن يسمي المثلية مرضا يحتاج إلى أن يعالج فإن أساسها الجيني ~~لن يسمى مرضا. # من الاستراتيجيات الواعدة التي اتخذت لإنقاذ نموذج الفئة التصنيفية # Category # التقليدي أن نستبدل بمفهوم «المرض» ~~مفهوم «الاضطراب». يعرف ويكفيلد # Wakefield ~~(1992م) الاضطراب النفسي على أنه «عسر وظيفي ضار». تشير لفظة «ضار» إلى واقعة أن ~~الحالة لها عواقب سلبية على الشخص، تشمل نقصان الهناءة، معرفة بواسطة القيم ~~والمعاني الاجتماعية. ويشير تعبير «عسر وظيفي» إلى واقعة أن شيئا ما غير حسن قد ~~لحق بآلية داخلية، فلم تعد تعمل بالطريقة التي كانت قد صممت لكي تعمل بها. # 28 # يتماشى تعريف ويكفيلد مع نموذج الفئة التصنيفية التقليدي في أن «فشل التصميم» ~~و«الضرر» هما، مجتمعين، ضروريان وكافيان لتسمية حالة معينة اضطرابا، حيث فشل ~~التصميم هو العملية الباثولوجية التحتية. يعرف ويكفيلد العسر الوظيفي مثلما كان ~~الفلاسفة التوماويون (أتباع توما الأكويني) يعرفون «الشر»، على أنه حرمان-غياب ~~شيء كان ينبغي أن يكون هناك. إنه ليس «كيانا» ms148 # Entity ~~. والتحدي الأكبر في استخدام هذا النموذج هو في تقرير ما ~~الذي ينبغي أن يكون هناك. # يقول بيتر زاتشار إنه غير مقتنع بأن مفهوم ويكفيلد عن العسر الوظيفي الضار ~~مطروح على أنه نوع طبيعي؛ لأن معيار الضرر لا يشير إلى خواص داخلية أو باطنة. ~~فللضرر عند ويكفيلد يعني سيئ التكيف. وما دام سوء التكيف جزءا من معنى الاضطرابات ~~الطبنفسية فإن تعريف الاضطرابات الطبنفسية على أنها مماهية لحالة داخلية ثابتة ~~سيكون غير كاف . لأنه بدلا من تعريف التكيف بوجود سمات ثابتة باطنة، يعرف ~~التكيف بأنه أيما شيء يضفي ميزة تنافسية. فإذا ما تغيرت البيئة المحلية فإن ما ~~يعد تكيفيا يتغير، بحيث إن السمات التكيفية في مواقف معينة قد تكون غير ~~تكيفية في مواقف أخرى. مثال ذلك أنك إن كنت في حالة سيكولوجية من التوجس لأنك ~~تعتقد أن المافيا تحاول أن تقتلك فإن حالتك تعد تكيفية إذا كنت مرشدا للحكومة ~~والمافيا تحاول فعلا أن تقتلك. وهذه الحالة السيكولوجية نفسها تكون سيئة التوافق ~~إذا كنت في «ضلال» # Delusion # والمافيا لا تحاول ~~قتلك. مثل هذه الحالات لديها ما يسميه الفلاسفة «مضمون ضيق»، ولا يمكن تقدير نصيبها ~~من التكيفية بمعزل عن شروط خارجية، وبخاصة المعايير والممارسات الاجتماعية. # حتى فشل التصميم لا يمكن أن يفهم بالإشارة إلى الخواص الداخلية وحدها، بل ينبغي ~~أن نسأل أية بيئة تلك التي يهدف التصميم إلى التكيف معها. إنما يعمل الانتخاب ~~الطبيعي على تفاعلات بين الكائن الحي والبيئة. وإن آليات داخلية واحدة قد تشكل ~~فشلا تصميميا لنوع فرعي # Subspecies # وكفاءة ~~تصميمية لنوع فرعي آخر، بحسب تاريخهما التطوري. فشل التصميم إذن ليس نوعا ~~طبيعيا يتحدد بالنظر فقط إلى خواص داخلية ثابتة. # أنواع الكائنات # Species # ليست أنواعا ~~طبيعية # قد يفيدك، إذا بدا لك النموذج اللاماهوي متساهلا ذهنيا أكثر من اللازم، أن ~~تعلم أن وجود الأنواع الطبيعية مشكوك فيه أيضا في علم الحيوان وعلم الحفريات. يقول ~~هول # Hull ~~(1989م) مثلا إن الأنواع تجريدات ~~إحصائية وليست ماهيات: # قلما يتمكن المرء في أية نقطة زمنية أن ms149 يكشف مجموعة من السمات ~~يمتلكها جميع أعضاء نوع ما ولا يمتلكها أي أعضاء في بعض الأنواع الأخرى. ~~وفضلا عن ذلك فإن أعضاء الأجيال المتتابعة لنفس النوع تتصف عادة بمجموعة ~~سمات مختلفة اختلافا طفيفا. # 29 # إن فكرة التطور نفسها مضادة لفكرة وجود ماهيات ثابتة، أو بنية باطنة ثابتة تحدد ~~جميع أعضاء النوع. لم يعد البيولوجيون يعتبرون علاقة «الفرد-النوع» # individual-species # مماثلة لعلاقة ~~«العضو-الفئة» # member-class # حيث ينتمي الأعضاء ~~للفئة بسبب اشتراكهم في خواص عامة (مشتركة)، وإنما ينظرون إليها على أنها أقرب إلى ~~علاقة «الخلية-المتعضي» # cell-organism # حيث ~~الخلايا الفردة تشيد متعضيا أكبر. وبدلا من لفظة # Organism # فإنهم يتبعون دارون في استخدام لفظة Population ~~(السكان/ مجتمع الأفراد). يعرف دارون الأنواع ~~في حدود سكان من أفراد متفردة وليس من أفراد يشتركون في ماهية عامة. و«السكان» ~~منظومة جينية وسلوكية وإيكولوجية يتنافس أعضاؤها فيما بينهم ويتنافسون ككل مع ~~أعضاء الأنواع الأخرى. بهذا الفهم لا تعود الفروق الفردية قصورات أو اختلالات أو ~~مصادفات كما يحلو للماهوي تسميتها، وإنما الفروق الفردية شيء محوري في فهم الطبيعة ~~السائلة للأنواع على المدى الطويل. # ارفع مزايا التقسيم قدر المستطاع وعوض عيوبه # إذا كان فلاسفة البيولوجيا على صواب فينبغي أن يكون منظرو النموذج الطبي ~~قادرين على اقتراح منظومات تصنيفية بديلة لتعريف الزملات، وقد يكون لدى كل منظومة ~~مجموعات مختلفة من الزملات. تنشأ المخططات التصنيفية على مستويات مختلفة من ~~التحليل، متضمنة (على سبيل المثال لا الحصر) المستوى الجيني، المستوى ~~النيوروكيميائي، المستوى التشريحي، المستوى الاجتماعي الثقافي. وقد لا تكون هذه ~~المخططات متشاكلة (يماثل أحدها الآخر في الشكل). وسيكون لكل تصنيف «صدق» # Validity # لأغراض معينة، ولكن لا يمكن أن يسمى أي ~~منها التصنيف الحق. # يفضل البعض النماذج «البعدية» التي تم اكتشافها بالقياس النفسي، وينتقدون ~~النماذج «القاطيغورية» المكتشفة إكلينيكيا لأنها عندهم «بناءات افتراضية»، ~~و«اعتباطية»، و«فئات غير حادثة طبيعيا». يؤكد هؤلاء أن مشكلة المراضة المصاحبة # Comorbility # في ال # DSM # غير مقبولة في منظومة يفترض أنها مكونة ~~من كيانات منفصلة. يومئ هذا النقد إلى أن أبعادهم القائمة على نموذج العوامل ms150 الخمسة ~~للشخصية بريء من هذا العيب وأنه سوف يقطع الطبيعة، بطريقة ما، من مفاصلها. فهل ~~هذا صحيح؟ # الحق أن هناك ما يدعونا إلى القول بأن مناهج القياس النفسي لكشف الأبعاد ~~السيكولوجية لا تقطع الطبيعة من مفاصلها. صحيح أنه ما إن يتم تعديد بارامترات ~~معينة حتى تبزغ حلول ثابتة نسبيا، ولكن غير البارامترات وسوف تظهر، ربما، حلول ~~مختلفة. ومن البديهي أننا في تقطيع الطبيعة ينبغي ألا نجد مفاصل مختلفة كلما ~~غيرنا السكاكين! وحين ننظر في الأمر تحت عنوان «الواقعية العلمية في مقابل ~~المذهب الأداتي» # Scientific Realism vs Instrumentalism # فإن النماذج البعدية لا تفي هي ذاتها ~~بالمعايير التي يستخدمها أنصارها لرفض النماذج القاطيغورية. # كما أن تسمية العوامل تتطلب أحكاما ذاتية إلى حد كبير. من ذلك أن عامل ~~«حي الضمير» # Conscientious # في نموذج الأبعاد ~~الخمسة للشخصية يمكن أيضا تسميته عامل «يعتمد عليه»، أو «مسئول»، أو «مدقق»، ~~أو «ملتزم»، أو حتى «متزلف»! (مثلما قال لي مرة شاب متمرد من مرضاي). ليست هذه ~~مجرد مترادفات: إنه أشبه بوصف شخص ما بأنه «مرن» مقابل وصفه بأنه «رخو»، أو ~~«متصلب» مقابل «صارم». فللألفاظ المختلفة ظلال مختلفة؛ وليست هذه بأنواع طبيعية. # كما أن ثمة خلطا بين العامل والمقياس المشتق من العامل. إن المقاييس ليست عوامل؛ ~~إن هي إلا بناءات مريحة عمليا. # في أوائل التسعينيات، أثناء وضع ال # DSM IV # اقترحت الأبعاد الخمسة كبديل لفئات اضطراب الشخصية. يقيس ال # NEO-PI # 30 # خمس سمات: العصابية # Neuroticism ~~، ~~الانبساطية # Extroversion ~~، الانفتاح # Openness ~~، الضمير (الحي) # Conscientiousness ~~، القبول # Agreeableness ~~. تسمى هذه «الخمس الكبار»، لأنها ظهرت في برامج بحثية ~~كبرى عديدة من التحليل العاملي عبر السنين. وفي مراجعتها لبداياتها التصورية يدعي ~~ماكري وكوستا # McCrae and Costa ~~(1990م) أن ال # NEO-PI # قائم على أوصاف الشخصية الموجودة في ~~اللغات الطبيعية، والتي يسميانها «الحكمة ~~الشعبية» # Folk Wisdom ~~. وهما يدعيان أن جميع السمات الهامة قد تم اختزانها ~~في اللغات الطبيعية عبر القرون؛ ويستخدمان أدلة على اتساق العوامل عبر الثقافات لكي ~~يخلصا إلى أنهما قد كشفا البنية العمومية (العالمية) للشخصية. ms151 # مثل هذا القول لن يلقى القبول من جميع الفلاسفة والسيكولوجيين. مثال ذلك أن ألفرد ~~نورث هويتهد (1938م)، فيما يسميه «مغالطة المعجم ~~المكتمل» # Fallacy of the Perfect Dictionary ~~، ينتقد الفكرة الخبيثة القائلة بأن «البشر قد خطر لوعيهم ~~جميع الأفكار الأساسية القابلة للتطبيق في خبرتهم.» # الحق أن الخمس الكبار (عند ماكري وكوستا) كانت قبل ذلك «الثلاث الكبار» عندهما ~~(العصابية، الانبساطية، الانفتاح)، ثم قررا فيما بعد أن بنية الشخصية تغيرت ~~وأضافا عاملين هما الضمير والانفتاح، وليس من المستبعد إن شاء أحد التحسين أن ~~يتغير النموذج مرة أخرى. # نموذج اللاتشخيص عند منينجر # من السخرية أن التقسيم البعدي شبيه غاية الشبه بالنموذج المضاد للتشخيص # anti-diagnostic model # عند ~~كارل منينجر # Karl Menninger # الذي ذهب إلى أن ~~الفئات التصنيفية في الكتب الدراسية لا يمكن أن تساعدنا حقا في فهم مشكلات الناس، ~~وأن علينا، بدلا من ذلك، أن نفكر بلغة المقاييس والمساطر: فمن يقع عند إحدى ~~نهايتي المقياس سيكون «سيء التوافق»، ومن يقع عند النهاية المقابلة يكون ~~«متوافقا»، وما إن يدخل الناس في مجال سيء التوافق حتى يفترض أن يساعدهم أهل ~~الصحة النفسية في اكتشاف كيف يحققون قدرا أكبر من حس «السواء». # 31 # تتطابق هذه التوصية بانسجام مع اقتراح ويديجر # Widiger ~~(1994م) بأن يشرع الممارسون الصحيون بتقدير درجة سوء ~~التوافق ثم يقرروا موقع الشخص على الأبعاد الأساسية للشخصية لكي يفهموا طبيعة سوء ~~التوافق عنده. # يدعي منينجر أن علينا، بدلا من استخدام حالات ثابتة تسمى «كيانات مرضية»، أن ~~نفكر بلغة المواقع المتبدلة على مقاييس متعددة للأداء الوظيفي للشخصية. وفي تواز ~~مثير مع الكريبلينية الجديدة يطلق منينجر على هذه الوجهة من الرأي اسم الجاكسونية ~~الجديدة، نسبة إلى هجلينج جاكسون. وهو يعني بذلك تركيزا على التمييز الكمي ~~(البعدي) بدلا من التمييز الفئوي (القاطيغوري) بين الأنواع المختلفة من المرض ~~النفسي. إن ما يقترح أنصار الاتجاه البعدي الجدد إضافته للطب النفسي الجاكسوني ~~الجديد هو نموذج مؤسس علميا للأداء الوظيفي للشخصية. # سمات الشخصية ذات الأساس الجيني ليست أنواعا طبيعية # قد يقع مفكرو القياس النفسي ms152 أيضا، شأنهم شأن بعض الأطباء، في الخلط بين وجود ~~أساس بيولوجي لشيء ما وكون هذا الشيء نوعا طبيعيا. مثال ذلك أن ليكين وتيليجين # Lykken and Tellegen ~~(1996م) يذهبان إلى أن ~~البناءات الشعبية من قبيل السلبية، والسعادة، والإيثار، لها أساس بيولوجي/جيني. # 32 ~~(كما تشير ساندرا سكار # Sandra Scar ~~(1987م) إلى أن 24-40٪ منا تفاوت الشخصية ينجم من الوراثة). # 33 # وبالنظر إلى هذه الكشوف قد يخلص السيكولوجيون إلى أن بعض السمات ~~النفسية موجودة واقعيا كأنواع طبيعية. # ولكن، أولا: فكرة أن السمات التي لها أساس بيولوجي هي السمات الموجودة واقعيا ~~هي فكرة ينبغي أن تكون مزدراة كتحصيل حاصل عند كل مفكر مادي؛ فجميع الحالات ~~المعرفية أو العاطفية لا يمكن أن توجد دون أدمغة. ووفقا للأطروحة المادية ~~«الدماغ بوصفه قواما» # brain-as-substrate # فإن كل حالة سيكولوجية لها ضرب ما من الأساس الجيني. فالسبب في أن الصخرة، مثلا، ~~لا يمكن أن تكتب أو تحب هو أنها لا تمتلك أساسا بيولوجيا للاكتئاب أو للحساب. إن ~~أي سمة (مثل الانبساطية) أو حالة معرفية انفعالية (مثل الاكتئاب) توجد بسبب ~~الاستعداد البيولوجي، وكل جانب من جوانب السيكولوجيا البشرية لها أساس ~~بيولوجي. # ثانيا: أن تقول إن شيئا ما له أساس جيني لا يعني أن هذا الشيء كيان منفصل على ~~مستوى الدنا # DNA ~~. فمثلا السمات الأخرى من مثل ~~التقليدية، التدين، الهناءة، الجنوح، الثبات الانفعالي، قوة الأنا، ومدة مشاهدة ~~التليفزيون ... قد تبين أن لها أيضا أساسا جينيا. ولسنا نظن أن أسلافنا ~~طوروا جينا لمدة مشاهدة التليفزيون! فالميول للاستجابة للاحتمالات التي تقدمها ~~ثقافة المرء لم تتطور وفي البال هذه الاحتمالات. # بالنسبة لمشاهدة التليفزيون يحتمل أن يكون هناك أساس جيني، برنامج تخليق بروتين ~~يخلق جهارا عصبيا ذا استعداد معرفي وجداني يبدأ عملية تفضي في النهاية إلى شخص ~~يكثر مشاهدة التليفزيون إن واتته الفرصة؛ غير أن النقطة النهائية في العملية ليست ~~أساسا بيولوجيا. ويصدق الشيء نفسه بالنسبة لسمات الشخصية، فهي نواتج نهائية ~~ولا يمكن أن ترد إلى معايير باطنة ضرورية وكافية. قد تكون الجينيات ضرورية كبادئة ms153 ~~عمليات، ولكنها ليست أسبابا كافية لأغلب السمات. # عندما ننظر إلى سمة ما (مثل الانبساطية) أو زملة ما (مثل الاضطراب ثنائي القطبية) ~~فإن التغاير المتصاحب # Covariation ~~، السيكولوجي ~~والسلوكي والبيولوجي، يعكس نوعا ما من التنظيم المترابط باتساق شديد بحيث يمكننا ~~القول بأن ثمة شيئا ما هناك، ولا يمكننا البتة رده إلى تغاير متصاحب بيولوجي فقط. ~~ليس ثمة خواص باطنة تجعل السمات والزملات ما هي. السمات والزملات أنواع ~~عملية. # خلاصة # ليس ثمة شروط باطنة للأشياء، ضرورية وكافية، تجعلها شيئا ما كالكرسي. الكراسي ~~ليست أنوعا طبيعية. ولدينا أيضا أسباب كثيرة لرفض الاعتقاد بأن الزملات، ~~والأمراض، وأنواع الأحياء، وسمات الشخصية، أنواع طبيعية. هذه خاصة لأي منظومة فئوية ~~(قاطيغورية) يمكن أيضا أن تعتبر متصلة أو بعدية # Dimensional # لا النموذج الطبي التقليدي ومناهجه لفصل المرض، ولا ~~المقاربة الرياضية للسيكولوجي في التصنيف، نجحت في فصل ما يمكن أن يسمى «أنواعا ~~طبيعية». صحيح أن كليهما اكتشف أنماطا ثابتة هي أكثر من مجرد اختراعات؛ غير أن ~~فكرة واقع باطن منفصل، قابل للتحديد باستخدام التجريب البيولوجي والتحليل الإحصائي ~~المعقد وحدهما هي فكرة مغلوطة. إنا يلزمنا الكثير جدا من المتغيرات والدلائل ~~الأخرى لكي نفرد الأنماط، ومن شأن تبني مناهج أخرى أو أولويات برهانية أخرى أن ~~يغير الأنماط التي تجدها. # يعرض ميهل # Meehl # 34 ~~(1986م) مزايا تصور الفئات التشخيصية على أنها مفاهيم مفتوحة، ~~ويعتبر أي استراتيجية أخرى «موبقة علميا» # Scientifically Malignant ~~. فالواقع سيكون دائما أعقد مما تحصره فئاتنا ~~التصنيفية # Categories ~~. فمهما كنا محددين في تعريف ~~اضطرابات مثل الفصام، فسوف يكون علينا دائما أن نعترف باستثناءات، بحالات لا تطابق ~~النموذج. وكلما زاد تحديد المعايير ازادت الاستثناءات التي يمكن توقعها. بوسعنا ~~تجنب مشكلة الاستثناءات باستخدام تعريفات أوسع، ولكن من شأن ذلك أن يقلل الثبات ~~(العول) # Reliability ~~. ليس ثمة ما يسوغ تصور ~~فئاتنا التصنيفية على أنها أنواع طبيعية؛ أي على أنها مفاهيم مطلقة مغلقة. وإنه ~~لأدعم للانفتاح العلمي على الدليل # evidence # أن ~~نعتبر الفئات التصنيفية # Categories # الطبنفسية ~~أنواعا عملية لا أنواعا طبيعية. ms154