######OpenITI# #META# URI: 1450CaliCabdAllahBarakat.NayazikFiTarikh.Hindawi70749395 #META# Tags: history #META# ID: 70749395 #META# Title: النيازك في التاريخ الإنساني #META# AuthorID: 40515035 #META# Author: علي عبد الله بركات #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تقديم‏ # 1 - النيازك في التاريخ‏ # 2 - ما بين التصديق والإنكار‏ # 3 - ما بين التقديس والازدراء‏ # 4 - النيازك في التراث العربي‏ # 5 - لماذا ندرس النيازك؟‏ # 6 - أخطار النيازك بين الحقيقة والخيال‏ # 7 - من أين تأتي النيازك؟‏ # 8 - الصدمات النيزكية‏ # 9 - كنوز النيازك‏ # 10 - أسطورة «أطلانطس» والنيازك‏ # المراجع والهوامش‏ # تقديم‏ # 1 - النيازك في التاريخ‏ # 2 - ما بين التصديق والإنكار‏ # 3 - ما بين التقديس والازدراء‏ # 4 - النيازك في التراث العربي‏ # 5 - لماذا ندرس النيازك؟‏ # 6 - أخطار النيازك بين الحقيقة والخيال‏ # 7 - من أين تأتي النيازك؟‏ # 8 - الصدمات النيزكية‏ # 9 - كنوز النيازك‏ # 10 - أسطورة «أطلانطس» والنيازك‏ # المراجع والهوامش‏ # | النيازك في التاريخ الإنساني # | النيازك في التاريخ الإنساني # تأليف # علي عبد الله بركات # جلال الملك أيام وتمضي # ولا يمضي جلال الخالدينا # أحمد شوقي # من أقوال «جون بويل أوريلي» (1844-1890م) عن الحب والحياة: «النيزك حجر كثيف وداكن في ~~الفضاء، ولكن يشتعل كلهب ناري عندما يندفع في المجال الجوي؛ وكذلك حياتنا المملة مثل ~~نيزك، تتوهج في مجال الحب.» # 1 # | تقديم # يعنى علم دراسة النيازك «ميتوريتكس»، بدراسة المواد الصلبة الحديدية والحجرية، التي ~~تسقط على الأرض من الفضاء الخارجي. وهو من العلوم الحديثة نسبيا، التي يعود تاريخ ~~الاهتمام بها إلى بدايات القرن التاسع عشر، أي منذ حوالي 200 سنة خلت. وأخذ العلم ينمو ~~نموا كبيرا في الآونة الأخيرة، وأصبحت تطبيقاته تغزو مجالات العلوم المختلفة، التي من ~~أهمها أبحاث الفضاء، وما يرتبط به من علوم؛ كنشأة الكون، والمكونات الكيميائية للنجوم ~~والكواكب، وعلاقة الأجرام السماوية بالأرض، وبحث مسألة احتمال وجود حياة خارج الأرض. ويسهم ~~علم دراسة النيازك في تطور علوم الأرض، وتقدم الدراسات الخاصة بمراحل تطورها، وسير ~~العمليات الحيوية عليها، ونشأة بعض المعادن والصخور، التي تتكون من تأثيرات الصدمات ~~النيزكية بالأرض. # وكما كانت النيازك ترتبط ببعض المعتقدات في العصور القديمة، ولا تزال في بعض الثقافات، ~~ترتبط أيضا في الثقافة العلمية الحاضرة بكثير من المسائل العلمية التي تناقشها وسائل ~~الإعلام يوميا وتلقى اهتماما كبيرا من قبل الناس، مثل موضوع انقراض أنواع من الحياة ms001 ~~كالديناصورات، بل أيضا موضوع اختفاء حضارات إنسانية كحضارة «أطلانطس»، المفترضة، وخطورتها ~~على الحياة، وقضية وجود حياة على كواكب أخرى في المجموعة الشمسية، وفوائدها العلمية ~~والمادية، وتأثيراتها في فكر الإنسان عبر العصور، وإسهامها في تطور الفكر العلمي. # ويلمس هذا الكتاب موضوع النيازك، والظواهر المرتبطة بها، من وجهة تاريخية. ولا يقصد ~~بالوجهة التاريخية هنا تاريخ النيازك، فذاك موضوع مختلف ومتخصص، يعنى بتاريخ تكونها في ~~مصادرها الأصلية، وتاريخ سقوطها على الأرض. والمقصود بالوجهة التاريخية هنا، معرفة الإنسان ~~للنيازك وعلاقته بها. ويبدو أن الإنسان سجل سقوط النيازك خلال عصور ما قبل التاريخ؛ إذ توجد ~~رسومات ضمن تلك التي تركها الإنسان خلال تلك العصور، يفسرها البعض على أنها تمثل إشارات ~~صريحة لسقوط النيازك على الأرض. ومن بين تلك الرسومات التي تعد أقدم إشارات لتسجيل سقوط ~~النيازك، تلك التي توجد على جدران كهوف التاميرا الشهيرة في إسبانيا. وكذلك تلك التي توجد ~~على جدران أحد الجلاميد الصخرية بمنطقة جبل العوينات في أقصى جنوب غرب مصر. # وخلال العصور التاريخية، توجد إشارات لسقوط النيازك من السماء في شكل تلميحات لمصدر ~~الحديد الذي توفره النيازك الحديدية، يستدل منها على معرفة الإنسان لظاهرة سقوط النيازك ~~ثم تأتي التسجيلات الصريحة لسقوط الأحجار السماوية، واختلاف الباحثين عبر التاريخ حول هذه ~~الظاهرة، التي استمرت حتى القرن الثامن عشر؛ حيث كان البعض يرفض فكرة إمكانية سقوط ~~الأجسام الصلبة من السماء. وممارسات الإنسان تجاه النيازك، وتأثيراتها في معتقداته وأفكاره ~~العلمية، وما قدمت له من حديد خالص استغله في تشكيل أدواته الحديدية في العصور ~~القديمة، حيث لم يكن يعرف استخلاص الحديد من خاماته الأرضية، وما قدمته من كنوز معدنية، ~~استغلها الإنسان منذ عصور بعيدة. # الفصل الأول # | النيازك في التاريخ # «لفهم علم ما، لا بد من دراسة تاريخه.» (أوجيست كونت، 1798-1857م) ~~*** ~~(1) شذرات من التاريخ # عرف الإنسان الأحجار الصلبة التي تسقط من السماء على الأرض (النيازك) قديما في ~~التاريخ، لكن تسجيلاته الأولى والقديمة لها ضاعت في ظلام الحقب الزمنية البعيدة. ~~ولا يجد الباحث في تاريخ النيازك وممارسات الإنسان حيالها ms002 سوى إشارات، تارة تكون واضحة ~~وأخرى تكون غامضة مبهمة. وهكذا يجد الباحث نفسه أمام بيانات ناقصة في كثير من ~~الأحيان، عليه أن يكملها، بما لديه من خلفيات تاريخية، وهو يحاول أن يضع صورة ~~تاريخية لعلم وليد. وعلى الرغم من ملاحظة سقوط الأحجار السماوية قديما في التاريخ، ~~فلا توجد إشارات صريحة تذكر كلمة «نيازك» في السجلات التاريخية. ومن طبيعة النيازك ~~ومكوناتها وشغف الإنسان وحفاوته بالفلزات عبر العصور، والظواهر التي تصاحب سقوط ~~النيازك، كالأضواء الخاطفة والأصوات العالية؛ يمكن استقراء تاريخ معرفة الإنسان القديم ~~لها، ويمكن العثور على الإشارات الدالة عليها في الثقافات المختلفة عبر التاريخ، ~~ويمكن من خلال مطالعة رسومات إنسان ما قبل التاريخ، العثور على بعض الرسومات الدالة ~~على سقوط النيازك؛ فقد تشير بعض رسومات كهوف «التاميرا»، الموجودة في إسبانيا، التي ~~تعود إلى قرابة 20000 عام، إلى ظواهر نيزكية، فيما يمكن اعتباره أقدم إشارات إلى سقوط ~~نيازك. # 1 # وفي الآونة الأخيرة عثر الباحثون على رسم ملون، يعود لسكان ما قبل ~~التاريخ، على جدران أحد الجلاميد الصخرية بوادي كركور طلح، بالقرب من جبل العوينات، في ~~أقصى جنوب غرب مصر، ربما يمثل تسجيلا لحدث نيزكي. ويصور الرسم، الذي يوجد على سطح ~~أحد الجلاميد الجرانيتية الضخمة، جسما ساقطا تنتشر منه ستة خيوط سميكة لأعلى، ويظهر ~~الرسم - بالقرب من الجسم الساقط - رجلا يطلق ساقيه للريح هربا. ويقارب هذا الرسم ~~الملون أو يضاهي الرسومات التي وجدت خلال العصور التاريخية والتي تسجل ظواهر سقوط ~~النيازك على الأرض. ومن الإشارات غير المباشرة التي تعني معرفة الإنسان القديم ~~بالنيازك، ما حققه الباحثون # 2 # من دلائل، على أن سكان شرق آسيا في العصور الموغلة في القدم، اعتبروا ~~السماء مكونة من مادة حجرية. وتعكس هذه الإشارة أن الناس قديما عرفوا سقوط الأحجار ~~السماوية، تماما كما أشار قدماء المصريين للسماء على أنها سقف من الحديد، في إشارة إلى ~~معرفتهم بسقوط النيازك الحديدية. # رسم على جدران صخور كهوف «التاميرا» بإسبانيا، ربما يكون أقدم إشارة ~~لسقوط النيازك. # رسم على سطح أحد الجلاميد الجرانيتية بمنطقة ms003 جبل العوينات يبين ~~الجسم الساقط (على الجانب الأيسر) والرجل الذي يطلق ساقيه للريح ~~هربا. # ومنذ بداية عصور ما قبل التاريخ وحتى العصور الحديثة نسبيا، كان الناس لا يرون ~~النيازك سوى حديد يسقط من السماء، أو حديد يتكون من تأثير الصاعقة على الصخور ~~الأرضية؛ إذ تشمل النيازك الساقطة على الأرض من السماء نوعا مميزا، هو النيازك ~~الحديدية، التي تتشكل من سبيكة طبيعية من الحديد والنيكل؛ ومن ثم يوفر سقوطها ~~الحديد الفلزي. ويصاحب سقوط النيازك الأضواء الخاطفة، والكرات النارية، والأصوات ~~العالية المفزعة. ومن هذه الخيوط يستشف الباحثون - بطريقة غير مباشرة من قراءة ~~إشارات الإنسان القديم لمصادر الحديد الفلزي - مدى معرفة الإنسان قديما بوجود النيازك. ~~فماذا تذكر الكتابات القديمة عن مصادر الحديد؟ تكشف الدراسات الأركيولوجية عن وجود ~~إشارات إلى المصادر السماوية للحديد، في عدد من الكتابات القديمة؛ فالكتابات المصرية ~~القديمة، أطلقت على الحديد، خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد تسمية: «آن بار نا»، ~~التي تعني معدن أو فلز السماء، مما يعني معرفة قدماء المصريين بسقوط النيازك الحديدية ~~من السماء. وما يؤكد ذلك تصورهم الكون على أنه عبارة عن صندوق كبير بيضاوي إلى ~~مثلثي الشكل، طويل من الشمال إلى الجنوب، وقصير نسبيا من الشرق إلى الغرب، تشغل مصر ~~وسطه، وتحد سلسلة من الجبال شرقه وغربه، وتمثل السماء غطاءه. # 3 # ومن الطريف أنهم تخيلوا السماء سقفا من الحديد. وهذا يؤكد معرفتهم ~~بالنيازك الحديدية التي تسقط من السماء. # 4 # إشارة قدماء المصريين للحديد على أنه فلز سماوي. # وتوجد إشارات للنيازك في اللغة اللاتينية، التي أطلقت على الحديد تسمية «سيدروس»، ~~المشتقة من الكلمة «سيدوس»، التي تعني نجما، في إشارة إلى أصله السماوي. ومن ~~الإشارات الدالة على المصدر السماوي للحديد، إشارة السومريين القدماء للحديد باسم «آن ~~بار»، التي تعني في رأي بعض الباحثين «نار السماء»، # 5 # في إشارة صريحة للنيازك التي تسقط مصحوبة بالنيران. وكذلك كتابات الحيثيين ~~(2000-1200ق.م.)، التي أشارت، في رأي بعض الباحثين، للحديد باسم «كو آن» والتي تعني ~~أيضا «نار السماء»، وفي رأي البعض الآخر، باسم ms004 «آن بار»، والتي تعني فلز أو عنصر ~~السماء. ويؤكد بعض الباحثين أن هذه الإشارة تعني الحديد السماوي تحديدا، ولا تعني ~~شيئا آخر؛ إذ ورد في نفس تلك النصوص إشارات لبعض المواد التي من بينها الحديد مشفوعة ~~بمصادرها الأرضية، كما وجد في نص شعائري بمناسبة تشييد منزل: ~~«الديوريت (حجر أرضي من الصخور النارية) الذي أحضروه من الأرض. الحديد الأسود السماوي ~~الذي أحضروه من السماء. النحاس والبرونز الذي أحضروه من «تاجاتا» في «ألاسيا»، ~~قبرص». # 6 # ويرى الباحثون أن الإشارة إلى الحديد هنا تعني أنه من مصادر سماوية في ~~إشارة واضحة وجلية إلى النيازك الحديدية تحديدا. ومما يؤكد ذلك أن النص وصف الحديد ~~النيزكي، بأنه الحديد الأسود، في إشارة إلى الطبقة السوداء البراقة التي تغطي النيازك، ~~والتي تتكون من احتراق الجزء الخارجي من الجسم النيزكي أثناء مروقه في الغلاف الجوي ~~للأرض. وقد اعتبر الباحثون وصف الحديد باللون الأسود، يعني أن هذا النص يفرق بين ~~مصدرين للحديد، حديد سماوي وحديد أرضي، ورد ذكره أيضا في نفس الكتابات مجردا. فمثل ~~هذه الإشارات في الكتابات القديمة للحديد على أنه معدن أو فلز سماوي، تعني معرفة ~~القدماء بظواهر سقوط الأجسام الصلبة من السماء، خاصة الحديدية. وغني عن القول أن هذه ~~التفسيرات مجرد اجتهادات، لا ترقى لدرجة اليقين بأي حال من الأحوال؛ إذ قد يفسرها ~~باحثون آخرون بطريقة مخالفة. # رسم تخطيطي حديث يصور فكرة قدماء المصريين عن الكون. # ويرى بعض المهتمين بتاريخ تسجيلات حوادث سقوط النيازك أن الوثائق التاريخية تحوي ~~العديد من الإشارات الدالة على سقوط النيازك. ويعتبر حدث سقوط نيزك على «فرجيا» ~~(مملكة قديمة في الأناضول بآسيا الصغرى، تقابلها الآن تركيا) في حوالي عام 2000ق.م. ~~أقدم حدث مسجل في تاريخ علم النيازك. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن هذا النيزك حفظ ~~لسنوات طويلة في أحد المعابد حتى ينال التقدير والتبجيل، بوصفه جسما مقدسا لأنه سقط ~~من السماء. وخلال تمدد وسطوة نفوذ الإمبراطورية الرومانية، طلب «الملك أتالوس» # King Attalus # في عام 204ق.م. نقل الحجر إلى ~~روما في حفاوة ms005 كبيرة. ووصف الحجر بعض المؤرخين الرومان على أنه مخروطي الشكل له ~~قاعدة مستديرة عريضة، وينتهي إلى قمة ضيقة نسبيا ولونه أسود. وبقي الحجر في روما ~~مصانا لحوالي 500 عام؛ حيث فقد بعدها ولا يعرف مصيره. ويذكر أن الحجر ظل في معبد ~~بمدينة «بيسينوس» الأثرية التي تقع في الجزء الآسيوي من تركيا الحالية على نهر ~~«ساكارياط» (سانجاريوس)، حيث كان يقدس باعتباره «سيبيل» # Cybele ~~، أو «أم الجبل» أو رب الأرض. وتمت عملية نقل الحجر من ~~«فرجيا» إلى روما؛ بناء على إعلان أحد الكهان أن امتلاك هذا الحجر يضمن الازدهار ~~والرفاهية لروما. # ويذكر «تيتوس ليفيوس» # Titus Livius ~~(59ق.م.-17م)، ~~المعروف في اللغة الإنجليزية ب «ليفي»، في تاريخه عن مدينة روما والرومان، الذي عنونه ~~«فصول من تأسيس المدينة» وتناول فيه الأساطير والأقوال الخاصة بروما من بداية التأسيس، ~~التي امتدت للوراء حتى عام 753ق.م. يذكر حادثة سقوط وابل من الأحجار على «جبل البان»، ~~في حوالي 652ق.م. فأقر مجلس الشيوخ آنذاك القيام باحتفالية لمدة تسعة أيام، حفاوة ~~بهذا الحدث. # ويعد الصينيون القدماء أول من عني بتسجيل ~~الحوادث النيزكية في الحوليات التاريخية. وحقق باحثون حوالي 300 حدث نيزكي وجدت ~~مسجلة في الحوليات الصينية التاريخية بداية من عام 700ق.م. حتى عشرينيات القرن ~~العشرين. ومن الأحداث النيزكية المسجلة في حولية صينية تاريخية، كتبها المفكر والفيلسوف ~~الصيني «كونفوشيوس» (551-479ق.م.) يطلق عليها «حولية الربيع والخريف»؛ حدث سقوط خمسة ~~أحجار نيزكية على منطقة «سونج» في 24 ديسمبر، عام 645ق.م. # 7 # وسجل اليونانيون والرومان القدماء حوادث سقوط النيازك ضمن الحوادث ~~التاريخية ذات الدلالة على تاريخ الإنسان. وحقق باحثون أن أقدم نيزك سجله قدماء ~~اليونانيين والرومان هو حدث نيزك «إيجوسبوتامي»، الذي سقط على منطقة «ثراسيان ~~تشيرسونسيس» (شبه جزيرة جاليبولي الحالية)، ما بين 469-467ق.م. وسجل هذا الحدث على ~~لوحة رخامية توجد في «المدخل 57 من سجل الباريان»، كسرت إلى ثلاث قطع في عام 264ق.م. ~~وتسجل هذه اللوحة أهم الأحداث التاريخية؛ كالطوفان وسقوط طروادة ... إلخ، بداية من عام ~~3800ق.م. حتى عام 264ق.م. ويعد هذا الحدث من أكثر ms006 الأحداث النيزكية القديمة وضوحا ~~وشهرة؛ إذ ورد ذكره في العديد من الحوليات التاريخية، وشاع في الأدب اللاتيني ~~والروماني. ويرى بعض الباحثين أن هذا الحدث أثر في فكر اثنين من فلاسفة الإغريق، فيما ~~قبل عصر سقراط، هما: «أناكساجوراس» من «كلازومينا»، و«دياجونس »، من «أبولونيا»، عن ~~الكون والأجسام السماوية؛ فذكر الأول أن الشمس والقمر والنجوم أجسام حجرية نارية ~~تتكون من ثورات بعضها البعض، وأن الشمس والقمر والأجسام التي ترتبط بهما ولا ترى ~~نظرا لصغرها، تقع أسفل الشمس. أما «دياجونس» فقد تصور أن الأجسام السماوية هي أجسام ~~حجرية نارية (ملتهبة)، مثل الصخور التي تقذفها البراكين ملتهبة في الجو. وأهم إسهام ~~له في مجال الأحجار السماوية قوله إن هناك أجساما غير مرئية تدور في فلك الأجسام ~~السماوية المرئية. # 8 # وذكر «أرسطو» (384-322ق.م.) هذا الحدث في كتاباته، لكنه أنكر كونه جسما ~~ساقطا من السماء، معتبره قطعة من الصخور الأرضية، دفعتها الرياح القوية عاليا في ~~الجو، حيث عادت وسقطت مرة ثانية على الأرض. وذكر حادثة سقوط هذا النيزك «بليني الأكبر» ~~(كايوس بلينيوس سكوندوس # Gaius Plinius Secundus ~~، ~~23-79م)، وحدد تاريخ سقوطه، وأضاف أن الحدث وقع في وضح النهار، وأنه يشبه حمل العربة، ~~وأنه لا يزال موجودا في عصره، أي أنه ظل حوالي 550 عاما محفوظا بعد سقوطه. # 9 # وورد ذكر حدث النيزك في عدد كبير من الكتابات اللاحقة. # وحفل بأحداث سقوط الأحجار من السماء المؤرخون والكتاب العرب الذين سجلوها في شتى ~~المؤلفات، ضمن الحوادث التاريخية والظواهر الطبيعية المهمة، باعتبارها حوادث لها ~~مدلولها العلمي ولها تأثيراتها على الأرض. ويعتبر حدث سقوط نيزك السويداء بسوريا في عام ~~242ه/856م، أقدم حدث مسجل في التراث العربي؛ إذ سجل المؤرخون العرب سقوط نيزك حجري ~~عبارة عن خمسة أحجار، على قرية السويداء بسوريا. وذكروا أن أحجار النيزك نقلت للأراضي ~~المصرية في ذلك الوقت. وفي ليلة 19 مايو عام 861م، سقط حجر سماوي صغير يزن حوالي 472 ~~جراما، على قرية صغيرة باليابان تدعى «يشو»، بالقرب من مدينة «نوجاتا»، مصحوبا ~~بالأضواء الخاطفة، وبأصوات انفجارات شديدة، وارتطم ms007 بالأرض مشكلا حفرة صغيرة غار ~~فيها. وفي الصباح تقصى القرويون الحدث فعثروا على الحجر الساقط، وأخرجوه من ~~الحفرة. # 10 # ويمثل هذا النيزك، الذي يطلق عليه «نيزك نوجاتا»، أقدم عينة نيزكية ~~معروف تاريخ سقوطها على الأرض حتى الآن. # وفي عام 396ه/1005م سقط نيزك يقدر وزنه بحوالي 260كجم، على منطقة «جوزجانان» ~~[جورجان - جوزجان] التي تقع الآن ضمن حدود أفغانستان. وسجل حادثة السقوط، ووصف النيزك ~~الساقط ابن سينا (980-1037م) في كتابه الطبيعيات ضمن موسوعة «الشفاء»: «المعادن والآثار ~~العلوية». # 11 # وسجله كذلك عدد من المؤرخين والكتاب العرب. وتعد حادثة سقوط هذا النيزك من ~~أكثر حوادث سقوط النيازك شيوعا في التاريخ، حيث تناوله عدد من الفلاسفة والكتاب ~~والمؤرخين. ومن الوصف الذي قدمه ابن سينا للجسم الساقط في ذلك الوقت، أمكن تحديد ~~طبيعته، وتصنيفه على أنه نيزك حديدي حجري (بالاسيت). وفشل السلطان محمود بن سبكتكين في ~~ذلك الوقت في استغلال حديد النيزك الساقط في تشكيل سيف. وذكر البيروني أن النيزك الذي ~~سقط في هذه الحادثة استخدم أنجرا لتثبيت السفن؛ نظرا لأن حديده لم يكن ~~جيدا. # وعلى نفس المنوال في تسجيل حوادث سقوط الأحجار من السماء، قام مؤرخ صيني يدعى ~~«مو توان لين» # Mu Tuan Lin ~~(1245-1325م)، بجمع ~~التقارير الخاصة بحوادث سقوط الأجسام الصلبة من السماء (النيازك)، خلال قرنين من الزمن ~~ضمن سفر ضخم، يعرف باسم «موسوعة الصين ~~العظيمة» # Great Chinese Encyclopedia ~~. # 12 # ويورد «ألكساندر فون هومبولدت»، # 13 # عن تسجيلات تاريخية حدثا فريدا ومهما في موضوع تسجيلات سقوط النيازك، ~~حيث سقط نيزك كبير على هيئة وابل من الأحجار، في عام 1511م، على سهل «لومباردي» بالقرب ~~من ميلان إيطاليا. وتذكر الروايات المسجلة عن هذا الحدث، أن الدنيا أظلمت في ظهيرة يوم ~~4 سبتمبر 1511م؛ إذ ظهر في السماء فوق مدينة «كريما» شيء هائل مثل الطاووس العملاق، ~~ثم تحول الطاووس العملاق إلى شيء مثل الهرم، الذي عبر السماء من الغرب إلى الشرق في ~~سرعة كبيرة، لم تستغرق بضع دقائق. واختلط خلال تلك الفترة العصيبة دوي الرعود المفزعة ~~مع ومضات ms008 البرق التي تخطف الأبصار، والتي كانت تسمع وترى في ربع السماء. وظهرت أضواء ~~شديدة أضاءت المنطقة، حتى إن السكان في «بيرجامو» كان بإمكانهم رؤية كل سهل «كريما» ~~بوضوح تام في تلك الأثناء. وتذكر المدونات التاريخية: وقد يسأل المرء: ما الذي حدث ~~بعد هذه الفوضى العارمة المخيفة في الطبيعة؟ الذي حدث أن سهل «كريما» الذي لم يكن ~~بإمكانك من قبل أن ترى عليه حجرا في حجم بيضة صغيرة، قد غطت سطحه قطع من أحجار ~~كثيفة مختلفة الأحجام، قيل إن عشرة منها تزيد أوزانها عن مائة رطل. وقتلت الأحجار ~~الساقطة في طريقها الطيور والخراف وحتى بعض الأسماك. وبعد كل ذلك، كان بإمكان المرء ~~أن يرى السحابة السوداء التي سقطت منها الأحجار، باقية في السماء بنفس كثافتها. وتلقى ~~«أنجيرا» # Anghiera # بنفسه في إسبانيا، قطعة في حجم ~~قبضة اليد، من تلك الأحجار، وأراها للملك «فيردناند ~~الكاثوليكي» # Ferdinand the ~~Catholic ~~، في حضور المحارب المعروف «جونزولو دي قرطبة» # Gonzolo de ~~Cordova ~~. وجاء في ~~نهاية خطابه: «... أمدتنا إيطاليا بالأعاجيب والمعجزات، بالفيزياء وعلم اللاهوت، وبالذي ~~يتنبئون به، وكيف يأتون ليمضوا، سوف تتعلم الكثير ريثما جئت إلينا، مكتوب من ~~«بيرجوستو» إلى «فاجيادوس».» # ويذكر «ت. ل. فيبسون» # 14 # نفس الحدث، ويورد أن حادثة السقوط تلك ذكرها «سارينس كارثيسيان» راهب ~~«كولوجن»، في مذكراته، وذكرها أيضا «كاردان» في مدونته المعروفة ب «دي روم فاريتات». ~~ويضيف أن أحجار النيزك سقطت على موضع يعرف ب: «كريما» على شاطئ نهر «أيدا» قريبا من ~~مدينة «ميلان»، في الساعة الخامسة مساء يوم 4 سبتمبر عام 1511م. وبلغ وزن أكبر الأحجار ~~الساقطة حوالي 120 رطلا. وكانت تلك الأحجار شديدة الصلابة، وكانت تنبعث منها وقت ~~سقوطها رائحة كبريتية. ويذكر أن «بيتروس بارتير» أورد الحدث في مؤلفه الذي يحمل عنوان ~~«أوبيس إبيستولاروم»، وذكر أن عددا كبيرا من الأحجار قدر بحوالي 1120 حجرا، بعضها ~~يزن عدة أرطال، سقط على المنطقة في ذلك الحدث. وقد ضرب أحدها في طريقه أحد الرهبان، ~~فلقي حتفه في الحال. وأصابت الأحجار الساقطة الطيور، والخراف المنتشرة في ms009 المنطقة، ~~وقتلت حتى بعض الأسماك في النهر. ولوحظ أن السهل الذي كان خاليا من الأحجار قبل ~~الحدث، قد امتلأ بالأحجار الساقطة من النيزك. وكانت الأحجار الساقطة ثقيلة وذات لون ~~حديدي رمادي، تنبعث منها رائحة كبريتية. وصاحب عملية سقوط الجسم ظهور كرة نارية ~~هائلة، وسحابة سوداء كثيفة، ودوي انفجار عنيف. ويعتبر هذا الحدث من الأحداث المهمة في ~~تاريخ دراسة النيازك. ويشبه حدث سقوط وابل نيزك «سيكوتالين» # Sikhote-Alin # الذي سقط في 12 فبراير 1947م، ووابل نيزك «أليند» الذي ~~سقط في 8 فبراير سنة 1969م. # وفي سنة 679ه/1280م، سجل بعض المؤرخين العرب حادثة سقوط نيزك حديدي، على الجبل ~~الأحمر شرق القاهرة، ووصف الحدث على أنه صاعقة أحرقت الحجر الأرضي الذي أصابته، وكونت ~~نتيجة لذلك قطعة من الحديد. وفي ظهيرة السابع من نوفمبر عام 1492م، سقط نيزك حجري كبير ~~يزن حوالي 280 رطلا مصحوبا بأصوات انفجارات شديدة رجت المنطقة، وأصابت السكان ~~بالفزع، على حقل مزروع بالقمح في قرية صغيرة تدعى «إنيشيم» # Ensiheim ~~، من إقليم «ألساس»، التي تقع الآن في نطاق الأراضي ~~الفرنسية، والتي كانت في ذلك الوقت تخضع لألمانيا. ولا يزال هذا النيزك محفوظا حتى ~~الآن، وهو ثاني أقدم نيزك معروف في تاريخ سقوط النيازك. وفي أبريل عام 1621م سقط على ~~منطقة «جولاندهار» بإقليم البنجاب، التي تقع في حدود الهند الآن، نيزك حديدي يزن حوالي ~~150 «تولاس»، مصحوبا بالأضواء الشديدة، والأصوات العالية، وأحدث فزعا بين سكان ~~القرية. ووصف الحدث الإمبراطور «جهانكير» الذي حكم في الفترة من 1605 إلى 1627م، الذي ~~وقع الحدث في نطاق مملكته. وكان هذا الإمبراطور يتمتع بحس علمي مرهف؛ إذ أبدى ~~اهتماما ملحوظا بالظواهر الطبيعية، حيث سجل كسوفين حدثا للشمس في عصره. # وفي 13 ديسمبر عام 1795م سقط على منطقة «والد كوتج»، بالمملكة المتحدة، # 15 # نيزك حجري كبير. ووقع الحدث في نهار يوم خال من الغيوم، وشاهده عدد كبير ~~من الناس؛ ومن ثم لم يساور الناس شك في كونه شيئا آتيا من الفضاء؛ حيث لا توجد غيوم ~~في السماء، يمكن أن ms010 ينسب إلى اصطكاكها تكون الجسم الساقط، كما كان شائعا في ذلك ~~الوقت. ولقي الحدث اهتماما شعبيا كبيرا؛ إذ أقيم في عام 1799م نصب تذكاري يسجل ~~الحدث في الموضع الذي سقط عليه النيزك، ويذكر التوقيت الذي سقط فيه ووزنه. # الفصل الثاني # | ما بين التصديق والإنكار # «إنه لمن الأشياء التي لا يجب أن تغتفر في هذا الوقت أن نصدق مثل تلك المزاعم ...» ~~(النمساوي أندرياس كازفييه ستوتز، 1747-1806م) ~~*** # على الرغم من ملاحظة سقوط الأحجار السماوية قديما في التاريخ، فقد مر ~~الاعتراف العلمي الصريح بوجود ظاهرة سقوط المواد الصلبة من السماء، بمنعطفات كثيرة ما بين ~~التصديق والإنكار. ويعد المفكر والمؤرخ والفيلسوف اليوناني «أناكساجوراس» # Anaxagoras ~~، أول من ترك معلومات مدونة عن الأصل ~~السماوي للنيازك. ولد «أناكساجوراس» في «كلازومينا»، والتي تهجى أيضا كلازوميني # Klazomenai # أو # Clazomenae ~~، التي تقابلها في العصر الحاضر مدينة ~~«كيليزمان» # Kilizman # بتركيا، في عام 500ق.م. وتوفي في ~~عام 428ق.م. ويعتبر «أناكساجوراس» من أصحاب التاريخ الثري في تاريخ الفكر العلمي. وله مقولة ~~شهيرة صدر بها «فيلكس إم. كليف» كتابه عن فلسفة «أناكساجوراس»، تقول: «كل شيء يدار بالعقل» # All Has Been Arranged by Mind ~~. ويذكر أنه ~~أول من أدخل الفلسفة إلى أثينا، حيث نقلها من «آيونيا» # Ionia # في آسيا الصغرى. وحاول أن يقدم تفسيرات علمية للظواهر الطبيعية، ~~ككسوف الشمس، وقوس قزح، والشهب، والشمس التي اعتبرها جسما ناريا متقدا أكبر من ~~«بيلوبونيس» Peloponnese ~~، وهي شبه جزيرة كبيرة في جنوب ~~اليونان. واتهم على إثر ذلك بالتجديف في الدين؛ ومن ثم حكم عليه بالطرد إلى مدينة ~~«لامبساكوس» # Lampsacus ~~، التي يقابلها في الوقت الحاضر ~~«لابيسكي» # Lapseki ~~، حيث أسس مدرسة للفلسفة كان لها ~~تأثير كبير في نشر العلم والمعرفة، طوال العقدين الأخيرين من حياته التي حفلت بالنشاط ~~العلمي. # 1 # ويعتبر بعض الباحثين أن الفيلسوف الإغريقي ~~«دياجونس» # Diogenes # 2 # الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، أشار إلى أن النيازك ترتبط بالنجوم؛ ومن ~~ثم يعد ذلك اعترافا بوجود مادة صلبة تسقط من السماء. ولا توجد إشارات أخرى معروفة في ~~كتابات الأقدمين ms011 عن الأحجار السماوية، حتى عصر «أرسطو» (384-322ق.م.) الذي لمس الموضوع في ~~كتاباته عن الموضوعات الجيولوجية في مؤلفه المعروف ب «الآثار العلوية»؛ حيث تطرق إليها ~~ضمنا في محاولته تفسير ظاهرة البرق، التي تختلط مع ظاهرة سقوط الأجسام الصلبة من السماء، ~~معتبرها بمثابة دخان أرضي، يصعد عاليا في الأجواء حيث يتكاثف، ليعود ويسقط ثانية على الأرض ~~بقوة: «... والزفير الجاف عندما يخرج إلى الفضاء، وتحت ظروف خاصة يسبب الرعد والبرق والظواهر ~~الأخرى. وفي أوقات أخرى قد يتجمع كغيمة سوداء تتكاثف لتشكل الحجارة التي تقذف بقوة نحو ~~الأرض؛ لذا فقد سميت «القذائف ~~الرعدية» # Thunder bolts ~~. # 3 # ويذكر بعض الباحثين أن «أرسطو» أنكر ظاهرة سقوط أجسام صلبة من السماء، وفسر ~~ظاهرة سقوط بعض الأحجار من السماء، كما في حادثة سقوط نيزك «إيجوسبوتامي» التي سبق الإشارة ~~إليها، إلى أنها ناتجة عن اندفاع قطع من الصخور الأرضية بالرياح، ثم ما تلبث أن تسقط ثانية ~~على الأرض، مما كان له أثر في تراجع الاعتقاد بوجود ظاهرة سقوط الأحجار السماوية على ~~الأرض. # 4 # وتعتبر كتابات ابن سينا (القرن العاشر-الحادي عشر الميلادي) عن الصواعق؛ أهم الإسهامات ~~المباشرة في هذا المجال، والبداية الحقيقية لميلاد علم دراسة النيازك؛ فلقد أشار - في معرض ~~حديثه عن تكون الأحجار في كتابه «الشفاء» - إلى أن النيازك تأتي من مصادر سماوية، ~~باعتبارها ضربا من تكون الأحجار من تحول نيران الصاعقة إلى مواد صلبة، حديدية أو حجرية. ~~وقد خالف بذلك الآراء التي كانت شائعة آنذاك من أنها نواتج الزفير الأرضي، الذي يندفع في ~~الجو، ثم يتكاثف ليسقط ثانية على الأرض، لكن أهم وأكبر إسهام لابن سينا في مجال تطور علم ~~النيازك، هو ما قام به من دراسة وتحليل ما اعتبره نيازك، وخلص إلى طبيعة مكوناتها المعدنية ~~والكيميائية. ويعتبر ذلك أول محاولة معروفة من نوعها في تاريخ علم النيازك، لتحليل الأجسام ~~الساقطة من السماء والوقوف على مكوناتها الكيميائية. ثمة إسهام آخر لابن سينا في هذا ~~المجال؛ هو وصفه لحادثة سقوط نيزك كبير على «جوزجانان» (ضمن حدود أفغانستان الآن) في ms012 القرن ~~الحادي عشر الميلادي، حيث سجل صوت الانفجارات الهائلة التي صاحبت عملية السقوط تلك، والرعب ~~والفزع اللذين أصابا الناس، والرجة العنيفة التي أحدثها الجسم لحظة ارتطامه بالأرض. ثم ~~تطرق إلى ما يعد وصفا تفصيليا لتراكيب # Structures # النيزك، ومكوناته المعدنية، ومحاولة نقله من مكانه الذي سقط عليه، ومحاولات اقتطاع أجزاء ~~منه ووزنه. وأشار في وصفه الجسم الساقط إلى أنه يتكون من الحديد وحبيبات مستديرة صغيرة، ~~تشبه حبات «الجاورس» (الذرة الشامية). وقد مكن هذا الوصف الدقيق والوافي لطبيعة ومكونات ~~الجسم؛ الباحثين في العصر الحالي من معرفة نوع النيزك الذي سقط آنذاك، والتحقق من كونه أول ~~نيزك يوصف في تاريخ علم النيازك، من طائفة النيازك الحديدية الحجرية (مجموعة ~~البالاسيت). # 5 # واستمر الحال سجالا في مجال علم النيازك، ما بين ~~تقدم وانحسار. ومن أشد أوقات انحسار هذا العلم النصف الثاني من القرن الثامن عشر، الذي ~~يعد عصر ازدهار العلوم المختلفة؛ فخلال تلك الفترة ساد اعتقاد يكاد يكون عاما ينكر ظاهرة ~~سقوط الأحجار السماوية. ومن الأحداث المشهودة في ذلك الوقت إنكار واحد من أشهر الباحثين في ~~علم المعادن (النمساوي أندرياس كازفييه ستوتز 1747-1806م) لسقوط الأحجار السماوية، وسخريته ~~من التقارير التي تتعامل مع مثل تلك الحوادث؛ إذ انتقد بشدة وسخر من تقرير سجل وصفا ~~لحادثة سقوط نيزك حديدي في عام 1785م على مدينة «هراشينا» التي تقع في كرواتيا ~~الحالية. # 6 # حيث ذكر صراحة: «إنه لمن الأشياء التي لا يجب أن تغتفر في هذا الوقت، أن نصدق ~~مثل تلك المزاعم.» وفي نفس ذاك الوقت تقريبا، أنكر عالم المعادن السويسري الأصل «ج. أ. ~~ديلوك» هذه الظاهرة، وأضاف مؤكدا أنه: «لو رأى هو شخصيا حادثة سقوط حجر من السماء، فلن ~~يصدق عينيه.» وشاعت في تلك الأثناء الأفكار التي تنكر ظاهرة سقوط الأحجار السماوية، حتى ~~إن أشهر العلماء في ذلك الوقت تورطوا في إنكار هذه الظاهرة. ومن المواقف التي يجب أن يسلط ~~عليها الضوء بهذا الخصوص، موقف الكيميائي الفرنسي المشهور «أنطوان لوران لافوزاييه» # Lavoisier # الذي وقع في عام 1772م مع ms013 طائفة من علماء ~~الأكاديمية الفرنسية للعلوم مذكرة أنكر فيها إمكانية سقوط الأحجار السماوية. وهكذا شكك ~~العديد من الباحثين البارزين في ذلك الوقت، في ظاهرة سقوط النيازك، منهم كيميائيون ~~وفيزيائيون. ومن الطريف أنهم فسروا ظاهرة العثور على أجسام غريبة (نيازك) مصاحبة للأضواء ~~الشديدة التي تظهر في السماء، وتضرب الأرض؛ فسروها على أنها ناتجة من تأثير الصواعق على ~~الأرض. # 7 # وهذا يعود في الأساس إلى بعض الكتاب العرب القدامى الذين ربطوا بين الصاعقة ~~وتكون المواد الحديدية في الأرض، في محاولة منهم لتفسير ظاهرة وجود الأجسام الحديدية ~~(النيازك) التي يعثر عليها، عقب الأضواء الخاطفة، التي تسقط من السماء على الأرض. # ومن بين الذين كانوا يرفضون بقوة فكرة سقوط الأحجار الصلبة من السماء، أي يرفضون وجود ~~النيازك من الأساس، الرئيس الأمريكي «توماس جيفرسون» (1743-1826م) - ثالث رئيس في ترتيب ~~رؤساء الولايات المتحدة ، حيث شغل كرسي الرئاسة في الفترة ما بين عام 1801 إلى 1809م - شأنه ~~شأن غالبية علماء القرن الثامن عشر الميلادي، الذين كانوا ينكرون ظاهرة سقوط الأحجار ~~الصلبة من السماء، ويعتبرون أن ما يلاحظ من سقوط أحجار من السماء ما هي إلا مواد تخلقت في ~~جو الأرض، أو شظايا صخور أرضية دفعتها البراكين أو الرياح إلى الجو، ثم ما تلبث أن تعود ~~وتسقط ثانية على الأرض، فيراها الناس أثناء سقوطها. # 8 # وتفيد الروايات التي ذكرها بعض الكتاب بهذا الخصوص، أنه في سبتمبر من عام ~~1803م، تلقى الرئيس الأمريكي «جيفرسون» من صديقه المقرب «أندرو إليكوت» (1754-1813م)، سفير ~~الولايات المتحدة آنذاك في فرنسا، خبرا يقول إن أحجارا من السماء سقطت على فرنسا، وإن ~~الفلاسفة الفرنسيين هناك، في حيرة ما بين إذا كانت هذه الأحجار نشأت أصلا في الغلاف الجوي ~~للأرض، أم أنها أحجار سماوية دفعتها البراكين القمرية للأرض من سطح القمر. وتذكر الرواية ~~الخاصة بهذا الخبر أن «جيفرسون» تلقى هذه الأخبار باستخفاف قائلا: إنه لا يستغرب أن ~~يسمع عن سقوط الأحجار أو حتى الطواحين من السماء على فرنسا؛ إذ يوجد في فرنسا عدد كبير من ~~الفلاسفة، ms014 أكبر من عدد الفلاسفة في أي مكان آخر في العالم، لكنه أيضا عدد كبير من ~~الفلاسفة الكاذبين. وتلقى «إليكوت» بعد عامين عددا من الدراسات الفرنسية المنشورة، التي ~~تناولت بالدراسة والوصف تلك الأحجار التي تقول التقارير إنها شوهدت وهي ساقطة من السماء. ~~وتؤكد التقارير أنها تختلف عن الصخور الأرضية العادية، لكنها في نفس الوقت لم تحسم موضوع ~~كونها تكونت في الجو، أم أنها ساقطة من السماء. وأرسل «إليكوت» ليخبر «جيفرسون» بهذه ~~الأبحاث، لكنه أخبره أنه لم ير كل هذه الأبحاث، وإنما قرأ بحث الفرنسي «إزام» عن طبقات ~~الجو. وأضاف أنه لا ينفي أو يصدق الأخبار الواردة بخصوص ما يقال عن سقوط مواد صلبة من ~~السماء. # وبينما الحال على تلك الشاكلة، ظهرت في سماء ~~نيويورك كرة نارية كبيرة آتية من جنوب كندا، وأمطرت مدينة «وستون كونيتيكت» بنيويورك بعدد ~~من الأحجار. ودرست هذه الأحجار من قبل باحثين من «كلية ييل» أحدهما خبير المعادن والجيولوجي ~~والكيميائي «بنيامين سيليمان» (1799-1864م). وسقط حجر يزن 37 رطلا من هذه الأحجار، في حقل ~~«دانيل سلمون»، الذي أرسله على الفور إلى تاجر وخبير المعادن المعروف «أرشيبالد بروس» في ~~نيويورك لفحصه وتبيان طبيعته. واقتبس «سلمون» ما جاء في تقرير «بروس» من نتائج وسطر خطابا ~~للرئيس في عام 1808م، يقول فيه: إن هذا الحجر - بدون شك - من أصل سماوي (نيزكي)، وإنه يشبه ~~تلك الأحجار السماوية التي رآها «بروس» (تاجر وخبير المعادن الذي فحص الحجر الساقط) في كل ~~من لندن وباريس، كما أنه يشبه القطعة التي في حوزته من نيزك «إنستسيم» الفرنسي الشهير، الذي ~~سقط في عام 1492م. وسأل «سلمون» «جيفرسون» عما إذا كان ينبغي له أن يرسل هذا الحجر (الذي ~~أشار إليه بالزائر الجديد في الولايات المتحدة) للرئيس والهيئة التشريعية الوطنية للنظر في ~~أمره. وأجاب «جيفرسون» على خطاب «سلمون» في 15 فبراير، بخطاب يكشف تشككه في رواية أن هذا ~~الحجر من السماء؛ إذ ورد في رده: «لا يمكن للمرء أن ينكر كل ما لا يعرفه من أشياء؛ إذ إن ~~هناك العديد ms015 من الظواهر اليومية التي لا نستطيع أن نفسرها.» ويصل لخلاصة رأيه في الموضوع، ~~فيذكر: يصعب فهم كيف جاء هذا الحجر الذي بحوزتك إلى المكان الذي عثر عليه فيه، لكن من ~~السهل تفسير كيف وجد هذا الحجر في السحب التي من المفروض أنه سقط منها على الأرض. وفي ~~الحقيقة، الشيء الذي يجب أن يتم الآن، هو أن يتم فحص هذا الحجر من قبل من هم مؤهلون ~~لذلك، # 9 # إذ إنه لا يرى جدوى من إرسال الحجر، الذي يقال إنه سقط من السماء على مدينة ~~«ستون»، إلى الرئيس أو النواب. وهذا يعبر عن إصرار «جيفرسون» على عدم الاعتراف بوجود ظاهرة ~~سقوط الأحجار من السماء، وأنها تتكون في جو الأرض ثم تسقط على الأرض. وذكر بعض الباحثين ~~أن «جيفرسون» قال: «من السهل عليه قبول أن الأساتذة الذين درسوا هذا الحجر كاذبون، لكن يصعب ~~عليه تصديق كون هذا الحجر ساقطا من السماء .» # 10 # وأثرت تلك المفاهيم، التي سادت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سلبا على ~~تقدم علم دراسة النيازك، نظرا لأنها جاءت من قبل علماء بارزين لهم إسهاماتهم العلمية، ~~ومن ثم لهم تأثيرهم في انتشار الآراء العلمية أو انحسارها بين الناس. وتخلى عدد من ~~الباحثين، على إثر ذلك، عن دراسة الأجسام التي تسقط من السماء، وهجر الكتاب موضوع النيازك ~~ولم يتطرقوا إليه، ولم يعد أحد يحفل بالتقارير التي تتحدث عن ملاحظة سقوط أجسام صلبة من ~~السماء، وتخلص الباحثون مما كان بحوزتهم من عينات نيزكية كانت في انتظار الدراسة، ~~وتخلصت بعض المتاحف والهيئات العلمية من العينات النيزكية المحفوظة بها. فعلي سبيل المثال ~~تخلص متحف المقتنيات الملكية في «فيينا» من مجموعته النيزكية؛ نتيجة للحملة المعادية لظاهرة ~~وجود أجسام صلبة تسقط من السماء، التي تزعمها «بورن»، أحد العلماء البارزين في مجال ~~الدراسات المعدنية في ذلك الوقت. وهكذا ضاع عدد كبير من النيازك التي كانت بحوزة الأفراد ~~والهيئات العلمية، ببلدان غرب أوروبا في ذلك الوقت. # ومع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، بدأت «الأوساط ms016 العلمية» المهتمة ~~بالظواهر الطبيعية تناقش بقوة في محافلها ظاهرة النيازك، وظهرت بين أوساط المتعلمين ~~والمثقفين والفلاسفة آراء متباينة غاية التباين حول موضوع سقوط النيازك من السماء؛ فمنهم من ~~يرجع ظاهرة سقوط الأحجار الصلبة من السماء إلى انصهار مواد أرضية، من تأثير البرق الذي يصيب ~~الأرض؛ ومنهم من كان يرى أنها مواد أرضية تنثرها ثورات البراكين في الجو، ثم تعود وتسقط ~~ثانية على الأرض؛ ومنهم من كان يرى أنها تنشأ من تجمعات الأتربة في الغلاف الجوي، ثم تسقط ~~على الأرض على هيئة مواد صلبة؛ ومنهم من يرى أنها مواد غريبة عن كوكب الأرض، أي أنها من أصل ~~سماوي. وممن تبنوا الرأي القائل بالأصل السماوي «لابلاس» # Laplace ~~؛ حيث أكد أن الأحجار الصلبة التي تسقط على الأرض تأتي من القمر، ~~من تأثيرات ثورات البراكين القمرية. # ويعتبر الفيزيائي «إرنست فلورانس كلاندي» (1756-1827م) عضو «أكاديمية علوم سان بطرسبرج» ~~الروسية؛ أهم الباحثين الذين دفعوا علم دراسة النيازك في العصور الحديثة؛ إذ درس مجموعة ~~من الأجسام الصلبة التي ذكرت التقارير أنها سقطت من السماء، على أماكن مختلفة من أوروبا، ~~وأكد أنها ليست من أصل أرضي، وإنما من أصل سماوي. ووردت نتائج دراساته تلك في كتاب صغير صدر ~~في «ريجا» في عام 1794م، متحديا الأفكار السائدة آنذاك، التي كانت تدعي أنه لا يسقط شيء ~~من السماء، لكن آراء «كلاندي» لم تلق صدى كبيرا في حينها، وإن اعترف بها بعض من العلماء ~~البارزين، من أشهرهم «و. أولبيرس». # الفيزيائي «إرنست فلورانس كلاندي» (1756-1827م). # وفي سابقة هي الأولى من نوعها - في ذلك الوقت - أقدم الكيميائي البريطاني «إدوارد هوارد»، ~~في عام 1802م، على القيام بعمل تحاليل كيميائية على معادن الطور الفلزي، الموجودة ضمن ~~المكونات المعدنية لنيزك «والد كوتج»، بالمملكة المتحدة، الذي سقط في 13 ديسمبر عام 1795م. ~~وخلص «هوارد» من دراسته إلى أن المعادن الفلزية في هذا النيزك الحجري تشبه تلك التي توجد في ~~النيازك الحديدية، والتي قرأ عنها في كتاب «كلاندي». وأسهمت ملاحظات «هوارد» في إذكاء ~~إرهاصات مخاض الروح الجديدة التي ms017 تدعم الاعتراف بوجود ظاهرة الأحجار السماوية، والتي بدأ ~~يرسي دعائمها «كلاندي». وتكريما له من قبل الباحثين، أطلق اسمه على مجموعة من النيازك ~~تعرف الآن باسم «هوارديت». ويعد الباحثون في تاريخ تطور علم النيازك «هوارد» أول من قام ~~بعمل تحاليل كيميائية على نيزك. وفي الواقع أن من قام بذلك هو ابن سينا، لكن يمكن اعتبار ~~«هوارد» أول من قام بتحليل معادن الطور الفلزي في النيازك الحجرية. # ثم حدث تحول كبير نحو قبول آراء «كلاندي» بسقوط نيزك كبير على شكل وابل من الأحجار، ~~بالقرب من مدينة «لأجيل» التي تقع في شمال فرنسا، في 26 أبريل عام 1803م. حيث جعل الحدث ~~العلماء يفكرون جديا في أمر الأحجار الساقطة من السماء؛ إذ لا سبيل إلى التسويف إزاء حدث ~~سقوط آلاف الأحجار على مساحة كبيرة من الأراضي، تمكن من مشاهدته عدد كبير من الناس. ووصف ~~حادثة السقوط والأحجار التي جمعت من ذلك الحدث عالم مشهور هو «ج. ب. بويت»، وقدم أدلة ~~واضحة على أن مصادر هذه الأحجار هي من خارج نطاق الأرض، مما اضطر الأكاديمية الفرنسية ~~للعلوم إلى تغيير موقفها، والاعتراف بأن هناك أجساما صلبة تسقط على الأرض، في صورة أحجار ~~أو مواد حديدية، وهي ما يطلق عليها نيازك. # وفي تلك الأثناء، قام باحثون بعمل تحاليل كيميائية على بعض العينات النيزكية المحفوظة في ~~المؤسسات الروسية، ونشرت نتائج التحاليل في «دورية التكنولوجي» التي تصدرها أكاديمية علوم ~~سان بطرسبرج» الروسية. # 11 # وأصدر الفيزيائي «أفاناسي ستويكوفيتش»، أستاذ الفيزياء بجامعة «كاركوف»، في عام ~~1807م كتابا مهما بعنوان «عن الأحجار الهوائية وأصلها» بوبه في جزءين، ناقش في الجزء ~~الأول منه حوادث سقوط النيازك المعروفة، وقدم فيه نتائج الدراسات التي أجريت على النيازك ~~التي تم جمعها من حوادث السقوط التي وصفها، متضمنة التحاليل الكيميائية، والدراسات ~~المعدنية، ووصفا لكل النيازك المحفوظة. وفي الجزء الثاني من الكتاب ناقش بالتفصيل كل ~~الآراء المعروفة آنذاك عن أصل النيازك. ومن الطريف أنه فضل الرأي الذي يعتبر النيازك ~~شظايا أو قطعا شبيهة بالكويكبات (وهو الرأي السائد الآن). ms018 وكان لهذا الكتاب تأثير كبير في ~~انتشار مفاهيم علم دراسة النيازك في روسيا، التي كانت تحتفظ بأكبر مجموعة من النيازك ~~آنذاك، محفوظة في «أكاديمية علوم سان بطرسبرج»، والتي كانت تحوي عدد 7 نيازك مختلفة، على ~~حسب القائمة المنشورة في عام 1811م. # وفي عام 1819م، صدر كتابان عن النيازك أثريا مفاهيم العلم ولعبا دورا حاسما في انتشاره؛ ~~الأول أصدره «كلاندي» بعنوان: «الكرات النارية وما يسقط معها من أجسام»؛ والثاني أصدره ~~الكيميائي الروسي «إيفين موكين» عن «أكاديمية علوم سان بطرسبرج» الروسية، تحت عنوان: «عن ~~الزخات (الأمطار) غير العادية وعن الأحجار التي تسقط من الجو أو الهوائيات». ويناقش هذا ~~الكتاب ظاهرة الكرات النارية، ويقدم قائمة طويلة بأحداث سقوط الأحجار السماوية، التي حدثت ~~في بلدان مختلفة، منذ أقدم العصور وحتى وقت ظهوره. ولم يشاطر المؤلف في هذا الكتاب «كلاندي» ~~رأيه الخاص بالأصل الكوني للنيازك، بل انتقده معتقدا أن النيازك تتكون في جو الأرض، وإن ~~أشار إلى الحاجة لمعرفة المزيد عن مكونات الغلاف الجوي والنيازك؛ كي يصل الباحثون لرأي ~~قاطع في هذا الخصوص. ويبدو أن مؤلف هذا الكتاب كان ينهج نهج الكتاب العرب، في تسجيله ~~للحوادث التي تسقط فيها الأحجار من السماء. كما أن رأيه في أصل النيازك كان متأثرا بالفروض ~~القديمة التي كانت ترى أن النيازك تتكون في جو الأرض، ثم تسقط ثانية على الأرض. # وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم تعد دراسة النيازك قاصرة على وصف ظواهر ~~السقوط، وما يصاحبها من أضواء وأصوات مفزعة، ومحاولات عمل التحاليل الكيميائية المبدئية على ~~العينات التي يتم جمعها من النيازك الساقطة، ومحاولات فهم ظاهرية لمكوناتها المعدنية؛ إذ ~~أضاف اختراع المجهر (الميكروسكوب) المستقطب، في ستينيات القرن التاسع عشر (حوالي 1860م)، ~~بعدا جديدا لعلم النيازك، حيث أخذ الباحثون يدرسونها كدراسة الأحجار الأرضية العادية؛ ~~ليتعرفوا على تراكيبها الداخلية ومكوناتها المعدنية. وزاد الاهتمام بمثل هذه الدراسات في ~~روسيا، على وجه الخصوص، حيث بدأ الباحثون يهتمون بدراسة ظواهر جديدة في النيازك لم تؤخذ في ~~الاعتبار في الدراسات السابقة. وقام الكيميائي ms019 «أ. ف. جيبيل» بالتطرق لأهمية الأشكال ~~الخارجية للنيازك، في دراسة نشرها عام 1868م، وقدم وصفا تفصيليا للشكل الخارجي لنيزك ~~«كركيل» الذي سقط في عام 1840م، على مقاطعة «سيمبالاتبنسك». وأعقب ذلك الاهتمام بالتراكيب ~~الداخلية للنيازك، والوصف التفصيلي للأشكال التي توجد عليها المكونات المعدنية للنيازك. وقد ~~نال معدن الأوليفين الذي يوجد في نيازك البالاسيت اهتماما كبيرا، فنشر الأكاديمي الروسي ~~«ن. ي. كوكتشروف» في عام 1870م نتائج دراسته على الخصائص البلورية لمعدن أوليفين البالاسيت ~~في دراسة خاصة. ويعكس الكتاب المهم الذي أصدره «جوستاف ~~سكيرماك» # Gostav Tschermak ~~، في عام 1885م بعنوان «النيازك»، أثر المجهر المستقطب على ~~الدراسات النيزكية؛ إذ جاء كعلامة فارقة في دراسة المكونات المعدنية والتراكيب الداخلية ~~للنيازك، الأمر الذي مكنه من عمل تصنيفات علمية لمجموعات النيازك التي كانت معروفة ~~ومتاحة آنذاك. ولا يزال هذا الكتاب حتى اليوم من الدراسات المهمة التي يرجع إليها ~~الباحثون. # ثم كانت النقلة الكبيرة في هذا العلم في ثلاثينيات القرن العشرين (حوالي عام 1930م) مع ~~تقدم تقنيات التحاليل الكيميائية وتطبيقاتها العامة، حيث أخذ ينظر إلى مكونات النيازك ~~الكيميائية على أنها تمثل المكونات الكيميائية للكون، مما دفع الباحثين لعمل تحاليل دقيقة ~~للنيازك أفضت إلى تحديد محتواها من العناصر الشائعة والعناصر الشحيحة. وكان يتم نشر ~~الأبحاث الخاصة بالنيازك في الدوريات العلمية الخاصة بعلم الفلك والكيمياء والفيزياء ~~والميتالورجي والجيولوجيا. وظهرت في عام 1939م أول مجلة متخصصة لنشر نتائج الأبحاث ~~والدراسات التي تجرى على الأجسام النيزكية، أصدرها «الاتحاد السوفيتي السابق» تحت مسمى ~~«ميتيوريتكا» # Meteoritika ~~. ومنذ هذا التاريخ أخذ العلم ~~في الصعود حتى وقتنا الحاضر؛ حيث تشعبت فروعه وتطورت معارفه، وغدا دعما مباشرا لأبحاث ~~الفضاء التي ارتبط هذا العلم بها في كثير من النواحي. وأصدرت رابطة علم النيازك العالمية ~~بالولايات المتحدة، في الستينيات من القرن العشرين دورية فصلية متخصصة في علم النيازك ~~والعلوم المرتبطة به، أطلق عليها «ميتوريتكس» # Meteoritics ~~، ~~كانت تزين غلافها الرموز الهيروغليفية: «بيا آن ~~بيت» # bia n pit ~~، والتي تعني «فلز أو معدن السماء». ثم تغير اسمها إلى مجلة: ~~«النيازك وعلوم ms020 ~~الفضاء» # Meteoritics and Planetary ~~Science ~~، وهي المجلة التي تصدر شهريا الآن. # الفصل الثالث # | ما بين التقديس والازدراء # «إن الناس نظروا للأحجار التي تسقط من السماء باعتبارها أجساما تسقط من مواقع ~~مقدسة في السموات.» (طومسن جالي، موسوعة الأديان) إذا رأيت شهابا ساقطا من السماء ~~(النجم الساقط)، فتمن ما تشاء؛ فإن أمنياتك سوف تتحقق. ~~*** # شاهد الناس قديما سقوط النيازك من السماء، وتفاوتت نظرتهم إليها من مكان ~~لآخر، ومن زمن لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى، ما بين التقديس والازدراء. ~~(1) تقديس النيازك # عبد الإنسان قديما الأحجار التي كانت تمثل بالنسبة إليه أشياء غير عادية؛ فالأحجار ~~التي تظهر في الصحاري والحقول وتشبه صور الحيوانات والناس لفتت أنظار الإنسان القديم. ~~وأهم الأحجار التي لا بد أنها لاقت التقديس من الإنسان القديم، هي بطبيعة الحال ~~النيازك؛ فقد تخيل الناس أن النيازك التي تسقط من السماء على الأرض مصحوبة بالأضواء ~~الخاطفة والأصوات العالية تمثل رسائل من الآلهة لها مدلولاتها؛ ومن ثم نالت منهم ~~النيازك الحديدية (باعتبارها النوع الأكثر شهرة في التاريخ القديم) حظا كبيرا من ~~الإجلال والتقديس. # 1 # ويذكر «طومسن جالي»، في «موسوعة الأديان»، أن الناس نظروا للأحجار التي ~~تسقط من السماء باعتبارها أجساما تسقط من مواقع ~~مقدسة في السموات؛ ومن ثم نالت التقديس والاحترام من الناس في العصور القديمة. ويذكر ~~مثلا على ما يعرف بال «نومانا» من سكان وادي نهر النيجر بغرب أفريقيا، الذين يقدسون ~~السماء. هؤلاء الناس يقدسون حصوات صخرية صغيرة، يرون أنها ساقطة من السماء. ويشكلون ~~أقماعا من تراب الأرض بارتفاع 3 أقدام، ويضعون هذه الأحجار الصغيرة التي في حجم الحصى ~~فوق قمة الأقماع التي يشكلونها من التراب، ويحجون إليها ويقدسونها. وباعتبار أن هذه ~~الحصى ساقطة من السماء، فإنهم يعتبرونها أحجارا مقدسة من رب السماء. # 2 # وقد سبقت الإشارة إلى معرفة قدماء المصريين النيازك مبكرا، من خلال إشاراتهم للحديد ~~باعتباره من مصادر سماوية. ونالت لديهم النيازك الحديدية الإجلال والتقديس؛ إذ يرى عالم ~~المصريات الأستاذ زكي إسكندر أن قدماء المصريين كانوا لا يعتدون إلا ms021 بحديد النيازك، ولا ~~يعيرون الحديد الأرضي أهمية تذكر. # 3 # وربما تكون ظاهرة سقوط النيازك وراء اختيار قدماء المصريين للشكل الهرمي ~~الذي شيدوا عليه بعض مقابرهم ومسلاتهم. فمن بين المصادر التي ربما يكون قدماء المصريين ~~استوحوا منها الأشكال الهرمية؛ شكل أشعة الشمس التي تشع من نقطة واحدة ثم تتسع، كما لو ~~كانت قاعدة هرم. ولما كانت النيازك الساقطة على الأرض ترسم في الفضاء مخروطا من الضوء ~~والدخان على نفس شاكلة شعاع ضوء الشمس، فلماذا لا يكون قدماء المصريين تخيلوها في تشكيل ~~أشكال أهراماتهم؟ # ويرى بعض الباحثين أن تمثال الإلهة «ديانا» # Diana # في ~~«إفيسوس» والأثر المقدس في معبد «فينوس» في قبرص؛ مشكلان من مواد نيزكية. ومن مظاهر ~~الاعتداد بالحديد النيزكي واعتباره من المواد المقدسة في بعض المتقدات ما حققه بعض ~~الباحثين من أنه في عهد ملك روما «نوما بومبليوس» (753-715ق.م.) سقط نيزك حديدي من ~~السماء، فشكل منه الكهنة درعا صغيرا، نال بدوره حظا وفيرا من التقديس؛ إذ شاع أن ~~اقتناءه يحقق الحظ السعيد والحماية والسيادة. ومن الطريف أن بعض الكهنة - آنذاك - ~~صنعوا أحد عشر درعا صغيرا مزيفا من الحديد الأرضي، على نفس شاكلة الدرع النيزكي، كي ~~يقتنيها الناس تبركا بها. # 4 # ويرى بعض الباحثين، في مجال النيازك، أن المعابد وأماكن الصلوات والعبادات ~~القديمة، أقيمت في مواضع سقطت عليها أحجار سماوية، أو هي تتضمن في لبناتها ووحدات ~~بنائها أحجارا سماوية. وفي هذا الخصوص يظن بعض ~~الباحثين أن أحد أهم الأحجار المقدسة الذي يوجد في معبد «أبوللو» في ديلفي، أنه حجر ~~سماوي؛ اعتمادا على تفسيرات متضاربة للأساطير اليونانية الرومانية القديمة الخاصة ب ~~«جوبيتر»، الذي تقول عنه الأساطير إنه ابن «ريا» و«ساترون». وكان «ساترون» يأكل أولاده ~~قبل ولادة ابنه «جوبيتر»، فاحتالت «ريا» بعد ولادة «جوبيتر» فأعطته قطعة حجر ملفوفة ~~بالقماش، فأكلها وأنقذت الوليد «جوبيتر». ثم احتالوا بعد ذلك على «ساترون» فجعلوه يتقيأ ~~الحجر الذي أكله. وتستمر الأسطورة فتذكر أن السيكلوب (الكوكلوب) أعطى «جوبيتر» الرعد ~~والبرق كمكافأة على صنيعه. وتصف الأسطورة الحرب بين «جوبيتر» وبين المردة، ms022 الذين تسلقوا ~~السماء وأخذوا يقذفون الصخور التي سقط بعضها على البحر فكون الجزر، وسقط بعضها على ~~اليابسة فكون الجبال. # 5 # وغالبا ما يصور «جوبيتر» على شكل رجل مهيب يجلس على عرش، وبيده اليمنى ~~الصاعقة التي تمثل بكيفيتين؛ شعلة متقدة من طرفها؛ أو آلة مدببة ومزودة بسهمين، ~~وبيده اليسرى آلهة النصر. فالصاعقة في هذه الأسطورة تشير - في رأي بعض الباحثين - ~~للنيازك. والمعبد الذي بني هناك بني في الموقع الذي لفظ عليه الحجر الذي كان قد ~~ابتلعه «ساتورن»، أي نيزك سقط على المنطقة. # 6 # ويذكر الكاتب الروماني «بوسانياس» Pausanias ~~، الذي عاش في القرن الثاني الميلادي (180م)، أنه رأى ~~الحجر هناك، ووصفه بأنه حجر ليس كبيرا جدا، وأضاف أن كهنة معبد «ديلفي» كانوا يطلونه ~~بالزيت كل يوم. # وفي سنة 242ه/856م، سقطت خمسة أحجار على قرية السويداء ناحية مضر، بسوريا. ووقع حجر ~~منها على خيمة أعراب فاحترقت. ووزن حجر من الأحجار الساقطة فكان وزنه حوالي عشرين ~~كيلوجراما. ونقل النيزك إلى مصر؛ إذ ذكرت المصادر أن أربعة من الأحجار الساقطة نقلت ~~إلى الفسطاط وواحدا إلى «تنيس». ولم تذكر الروايات المختلفة التي ذكرت الحادثة في أي ~~مؤسسة أو مكان في الفسطاط أو «تنيس» وضعت هذه الأحجار؟ ولماذا نقلت من مواقعها إلى ~~مصر في ذلك الوقت؟ وهل كان في مصر باحثون بإمكانهم دراستها، أم نقلت لأغراض أخرى؟ ومن ~~ظاهر الرواية أن الناس احتفوا بهذا الحدث؛ بدليل قيامهم بوزن واحد من الأحجار الساقطة، ~~ونقلها إلى مصر. # وفي ليلة 19 مايو عام 861م، سقط حجر سماوي صغير يزن 472 جراما، على قرية صغيرة ~~باليابان تدعى «يشو»، بالقرب من مدينة «نوجاتا»، مصحوبا بالأضواء الخاطفة، وبأصوات ~~انفجارات شديدة، وارتطم بالأرض مشكلا حفرة صغيرة ~~غار فيها. وفي الصباح تقصى القرويون الحدث، فعثروا على الحجر الساقط وأخرجوه من ~~الحفرة، وحفظوه في معبد خاص بطائفة «الشنتو»، بقرية «سوجا جينجا» حيث ظل من وقتها إلى ~~الوقت الحالي. ولم يفطن أحد من الباحثين في تاريخ النيازك لهذه الحالة، حتى عام 1982م، ~~عندما قام باحثون بدراسة العينة، ms023 وتبينوا أنها عينة نيزكية. ووجدت العينة محفوظة في ~~صندوق خشبي صغير، مكتوب عليه تاريخ سقوط النيزك بالتقويم «الجولياني»، الذي يوافق 19 ~~مايو عام 861م. واتضح من الدراسة التي أجريت بخصوص هذا النيزك، أن العينة وضعت في ~~الصندوق بعد وقت طويل نسبيا من سقوطها. # 7 # ويمثل هذا النيزك، الذي يطلق عليه «نيزك نوجاتا»، أقدم عينة نيزكية معروف ~~تاريخ سقوطها على الأرض حتى الآن. # ومن القصص الكاشفة عن مدى الاهتمام والتبرك بالنيازك، ما حدث في ظهيرة السابع من ~~نوفمبر، عام 1492م، من سقوط نيزك حجري كبير، يزن حوالي 280 رطلا، مصحوبا بأصوات ~~انفجارات شديدة، رجت المنطقة وأصابت السكان بالفزع على حقل مزروع بالقمح، في قرية ~~صغيرة تدعى «إنيشيم» # Ensiheim ~~، من إقليم «ألساس»، ~~التي تقع الآن في نطاق الأراضي الفرنسية، والتي كانت في ذلك الوقت تخضع لألمانيا؛ إذ ~~احتفى الناس بذلك الحدث حفاوة كبيرة، كما أنه حظي بعناية الفنانين والشعراء، فرسم أحد ~~الفنانين على قطعة خشبية لوحة تصور حادثة سقوط النيزك. وتظهر اللوحة اثنين من الرجال ~~يرقبان سقوط النيزك من موقع قريب في الغابة. ونظم الشاعر الألماني «سيباستيان برانت» ~~(1457-1521م) قصيدة باللغة اللاتينية؛ تخليدا لهذا الحدث. وكتب: الكرة النارية (النار ~~التي صاحبت سقوط النيزك)، شوهدت عبر «سويسرا» و«برجانديا»، وأعالي وادي الراين، وأنذر ~~ذلك الحدث بانتشار الأمراض، عبر كل تلك المساحة الشاسعة التي شوهد فيها. ويؤكد بعض ~~الباحثين أن غلاما صغيرا فقط هو الذي شاهد تلك الحادثة، وهو الذي أرشد سكان البلدة ~~للموضع، الذي كانت ترقد فيه أحجار النيزك الساقطة من السماء، والذي كان على هيئة حفرة ~~يبلغ عمقها ثلاث أقدام، فسارع الناس إلى جمع القطع النيزكية الساقطة، واقتطاع أجزاء ~~منها للاحتفاظ بها، باعتبارها مواد لها تأثيرات خارقة، إلى أن أمرهم حاكم المقاطعة ~~بالتوقف عن ذلك. وتفقد موقع الحدث الإمبراطور «ماكسميلين الأول» # Maximilian I ~~، الذي زار المنطقة بعد ثلاثة أسابيع من وقوع ~~الحادثة، واعتبر النيزك الساقط بمثابة رسالة غضب من ~~الرب على الفرنسيين، الذين يحاربون الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأمر بأن يوضع ~~النيزك في أبرشية ms024 القرية؛ تذكيرا بتدخل الرب في النزاع القائم بين الطرفين لصالح ~~الإمبراطورية. # 8 # وتذكر بعض الروايات التاريخية أن الإمبراطور تبرك بهذه الظاهرة واعتبرها ~~ظاهرة مشجعة للقيام بالحروب الصليبية، وواقية من الغارات التركية على البلاد. # 9 # وبعد قيام الثورة الفرنسية، صدر النيزك من ~~الكنيسة، ونقل إلى متحف وطني جديد أقيم في «كولمار» # Colmar ~~، قريبا من القرية. واقتطع الباحثون أجزاء للدراسة من جسم ~~النيزك الرئيسي. كما وزعت قطع منه على المتاحف الخارجية. وبعد عشر سنوات تقريبا أعيد ~~الجزء المتبقي من النيزك، الذي أصبح يزن 122 رطلا فقط، إلى الكنيسة مرة أخرى. ثم ما ~~لبث أن نقل من الكنيسة إلى معرض خاص به في المدينة، حيث يوجد معروضا حتى الآن. وقد ~~كان لسنوات عديدة، يظن أن هذا النيزك يمثل أقدم نيزك معروف حتى عام 1982م؛ حيث اكتشف ~~نيزك «نوجاتا» الياباني الذي سقط عام 861م. # ويروي «فليت» في كتابه «النيازك»، الذي صدر في ~~عام 1887م، # 10 # أن أفراد قبيلتي «كرى» و«بلاكفيت» من الهنود الحمر، كانوا يحجون سنويا ~~إلى موقع نيزك «أيورن كريك»، على قمة تل عال، يبعد أكثر من 200كم إلى الجنوب من ~~«فيكتوريا»، بمقاطعة «ألبيرتا» بكندا؛ حيث كانوا يطلقون عليه «حجر الروح المقدس» # Manitou stone ~~. وقيل: إن أي فرد من أفراد ~~هاتين القبيلتين أو القبائل المجاورة لا يمكنه المرور بالقرب من موقع النيزك، دون أن ~~يزوره ويتقرب إليه. وكان أفراد القبيلتين يزعمون أن وزنه يزداد مع الوقت، وأنه يمثل ~~علاجا فعالا لشتى الأمراض. وفي عام 1869م نقل المستوطنون البيض هذا النيزك، الذي يبلغ ~~وزنه حوالي 360 رطلا، من موقعه الأصلي إلى «كلية فيكتوريا». واعتبر أفراد القبيلتين من ~~الهنود الحمر عملية نقل النيزك بمثابة كارثة حلت بهم. # ويتناقل أفراد قبيلة «هوبي» من الهنود الحمر، في الولايات المتحدة الأمريكية، أسطورة ~~مفادها أن «الروح العظيم» هبط ذات مرة من مقامة العالي على الأرض، تحيط به النار ~~والرعد، ودخل جوف الأرض من ثغرة كبيرة. ويشيرون إلى الثغرة التي دخل منها الروح العظيم ~~في الأرض، فإذا هي فوهة «الأريزونا» ms025 الشهيرة، التي يبلغ قطرها حوالي 1200 متر، وعمقها ~~175 مترا، والتي نشأت من سقوط نيزك حديدي ضخم في الماضي البعيد. وما يدهش الباحثين ~~حقا في هذه الأسطورة أن النيزك الذي أحدث هذه الفوهة، والذي يعرف بنيزك «كانون ~~ديابلو»، s سقط من زمن بعيد نسبيا (20000-30000 ~~عاما)، أي قبل أن يوجد أسلاف هؤلاء الناس بزمن كبير. فكيف توصلوا لهذه الحكاية؟ لا ~~أحد يدري على وجه اليقين! وتشير الدراسات الأركيولوجية في كل من الولايات المتحدة ~~والمكسيك إلى أن الهنود الحمر اكتشفوا نيزك «كانون ديابلو»، الذي توجد شظاياه متناثرة ~~في الموقع، داخل وحول الفوهة، وتاجروا في قطعه ونقلوها إلى أماكن بعيدة، منذ أزمنة ~~بعيدة، قبل أن يصل «كولومبس» إلى شواطئ العالم الجديد. # 11 # ويسجل «ه. ه. نينجر» # 12 # عددا من الحالات وجدت فيها النيازك ملفوفة بعناية، كما لو كانت مومياوات، ~~ومدفونة في منازل ومساكن الهنود الحمر؛ حيث عثر على نيزك حديدي كبير نسبيا (135 ~~رطلا)، ملفوفا في القماش والريش، في الركن الشمالي الشرقي لأطلال أحد المساكن ~~القديمة، التي كان يقطنها الهنود الحمر، إلى الجنوب من بلدة «وينونا»، بالقرب من «كامب ~~فيرد»، بولاية الأريزونا. ووجد النيزك مدفونا بنفس الطريقة التي يدفن بها الأطفال ~~الصغار، بمصاحبة بعض الأواني الفخارية. وأسهمت هذه الأواني في تحديد عمر الدفنة، الذي ~~قدر بحوالي 800 عام تقريبا. وعثر في عام 1928م، بأطلال مساكن حجرية تعود إلى حضارة ما ~~قبل التاريخ، على نيزك يزن حوالي 24كجم، بالقرب من بلدة «وينونا» أيضا، في صندوق حجري، ~~مدفونا على عمق 25سم. ويعبر دفن النيازك بهذه الطريقة عن اعتزاز الهنود الحمر بها، ~~وتقديسهم لها. # ويبدو أن عملية دفن النيازك لم تكن قاصرة على الهنود الحمر وحدهم؛ إذ عثر على عدد من ~~النيازك مدفونة بعناية في مناطق مختلفة من العالم. فعثر في عام 1845م على نيزك ~~بيردناسك، الذي يزن 2,365كجم في ركام دفنة من الدفنات بجنوب روسيا، وفي عام 1867م عثر ~~على نيزك «كاساس جرانديس» في مقبرة بالمكسيك، وفي عام 1892م عثر على نيزك «لوجان» ~~بالأرجنتين، ms026 على عمق 6 أمتار أسفل بقايا «نصب حجري» في رواسب الحقب الرابع. # 13 # ومن مظاهر تقديس النيازك والاعتزاز بها، إقامة نصب تذكاري بالموضع الذي سقط عليه نيزك ~~«والد كوتج» الحجري بإنجلترا، في 13 ديسمبر عام 1795م الذي سبق الإشارة إليه؛ إذ على ~~النقطة التي ارتطم بها النيزك بالأرض، رأى السيد «إدوارد توفام»، صاحب الأرض التي سقط ~~عليها النيزك، أن يخلد ذكرى هذا الحدث الجلل في تاريخ البلاد وقتها، وأن يقيم بناء ~~بالطوب الأحمر، يضم لوحة رخامية كبيرة، يسجل عليها البيانات الخاصة بهذا النيزك. وفي ~~عام 1799م أقام بالفعل النصب التذكاري للنيزك، وكتب ~~بخط مميز على اللوحة الرخامية التالي: # 14 # ترجمة ما كتب على اللوحة الرخامية في النصب التذكاري الذي أقامه في ~~عام 1799م السيد «إدوارد توفام» بموضع سقوط حجر «والد كوتج» ~~النيزكي. # ويذكر أحد الباحثين # 15 # أنه سقط في عام 1853م نيزك صغير يزن حوالي رطل واحد فقط، على منطقة تقع ~~بالقرب من شمال زنجبار، على الساحل الأفريقي الشرقي. وشاهد حدث السقوط صبية من الرعاة، ~~فالتقطوه على الفور. وحاول المبشرون الألمان الذين كانوا بالمنطقة شراء النيزك الساقط ~~بكل الطرق، لكن أفراد «الوانيكاس» المجاورين لموقع السقوط، الذين آل إليهم الحجر ~~النيزكي، رفضوا بيعه أو التفريط فيه رفضا باتا؛ إذ اعتبروه إلها؛ لأنه حجر مقدس ~~ساقط من السماء. وأخذوه ودهنوه بالزيت، ولفوه في القماش، وزينوه باللآلئ، وأقاموا له ~~ضريحا صغيرا. ولم يسمح لأي أحد من المبشرين أو وكلائهم برؤية الحجر، ولا مجرد ذكر ~~أي صفقة لشرائه منهم، لكن حدث بعد ذلك بثلاث سنوات أن هجم أفراد قبيلة «الماساي» ~~البدوية على القرية، ودمروها وقتلوا عددا كبيرا من أفراد «الوانيكاس» وأحرقوا القرية؛ ~~ففقد الحجر المقدس مكانته عند من قدسوه؛ ومن ثم باعه شيوخ القبيلة عند أول عرض تقدم ~~به المبشرون لشرائه. ونقل النيزك الصغير لألمانيا، وظل معروضا ضمن مقتنيات متحف ميونخ ~~في ألمانيا. # وما زالت بقايا ممارسات تقديس النيازك والتبرك بها موجودة في كثير من الثقافات، في ~~عدد كبير من البقاع. فعلى سبيل المثال ms027 لا يزال يحرص رجال بعض القبائل والطوائف في ~~الهند على جمع النيازك الساقطة، والاحتفاظ بها في دور العبادة الخاصة بهم، باعتبارها ~~أجساما مقدسة. ويتصارعون مع رجال المساحة الجيولوجية الهندية، المنوط بهم جمع النيازك ~~الساقطة على البلاد، بهدف دراستها ومعرفة طبيعتها. وما لم يسبق الباحثون في جمع النيازك ~~التي تشاهد وهي ساقطة، يسبق إليها الأهالي ويقتنصونها. # 16 # ومن المواقف التي تكشف عن الاعتزاز بالنيازك، باعتبارها مادة سماوية، إقدام ~~بعض الأهالي في قرية روسية على أكل حجر من أحجار نيزك سقط في أواخر عام 1886م، على قرية ~~«نوفا أوري» التي تقع بجمهورية «موردوفيا» الروسية. # 17 # ولا يعرف سبب ذلك التصرف من قبل هؤلاء الناس، وهل كان نوعا من التبرك ~~بالنيازك، أم ظنوها تمثل نوعا من العلاج الفعال؟ ~~(2) ازدراء النيازك # في الوقت الذي لاقت فيه النيازك التقدير والإجلال من بعض الأفراد والقبائل والشعوب، ~~لاقت التحقير والازدراء من البعض الآخر؛ حيث صارت مرادفة للعنة والهلاك والانتقام من ~~قبل السماء. وساد الاعتقاد في أوروبا، خلال العصور الوسطى على وجه الخصوص، أن الأحجار ~~الساقطة من السماء تمثل رسائل عقاب من الرب. ومما يدل على ارتباط النيازك بالشرور في ~~أذهان بعض الناس تخيلهم سقوط النيازك على أنها ثعابين ضخمة تسقط من السحب. وتروي ~~السجلات الروسية أنه في عام 1091م ذكر أحد القرويين أن ثعبانا ضخما سقط من السحب، ~~رج الأرض وأصاب الناس بالذعر. # 18 # ومن بين الحالات الطريفة التي ورد ذكرها في الوثائق التاريخية، أن الناس ~~كانوا يشيرون خلال القرون الوسطى إلى نيزك «إليبجين»، في «بوهيما»، الحديدي الذي يزن ~~حوالي 107كجم، ويصفونه باسم غريب؛ هو «البارون المسخوط». وعلى حسب الرواية التي ظل ~~الناس يتناقلونها فترة طويلة من الزمن عن هذا النيزك - الذي يرى بعض الباحثين أنه سقط ~~خلال عام 1400م - أن الرب سخط البارون السيئ، ومسخه ليبدو على شكل هذه القطعة من ~~الحديد. # 19 # ولا يدري أحد من الباحثين ما الذي دفع الناس لهذا الظن؟! وهل كان شكل ~~النيزك الخارجي يشبه شكل الإنسان، وهل كان شكله يوحي ms028 بوجود شبه بينه وبين وجه ذلك ~~البارون المكروه؟! # وفي أستراليا يتناقل السكان الأصليون ذكرى كارثة حلت بأسلافهم، عندما هوت ~~مجموعة من الأحجار السماوية الضخمة على منطقة «ولف جريك»، فأحدثت فجوات كبيرة غائرة ~~في الأرض، تشبه فوهات البراكين. ويشيرون إلى إحدى قطع النيازك الضخمة الموجودة بالقرب ~~من هذه الفوهة، على أنها صخرة الشيطان، ويرفضون الاقتراب منها؛ خشية أن تصيبهم ~~الكوارث. # 20 # رسم يصور النيازك على أنها ثعابين تسقط من السماء (مكسيكو، ~~1529م). # ويبدو أن «الإسكيمو» يحتقرون النيازك أيضا؛ إذ يعتقدون أن روح الشر المدعوة ~~«تينارسوك» قذفت من السماء بامرأة، ومعها كلبها وخيمتها، في إشارة إلى ثلاث قطع من نيزك ~~حديدي، وجدت في أرضيهم، واستغلوها في الحصول على أدوات حديدية، كالسكاكين والحراب ~~المدببة، لفترة كبيرة من الزمن. وكانوا يطلقون على إحدى تلك القطع اسم «المرأة» (إذ ~~بدت لهم على أنها أشبه بامرأة تحيك الثياب)، والقطعة الثانية أطلقوا عليها اسم ~~«الكلب»؛ نظرا لشبهها بجسم كلب، أما الثالثة، وهي أكبر تلك القطع، فقد أطلقوا عليها ~~اسم «الخيمة»؛ نظرا لشكلها المخروطي الذي يشبه الخيمة. وتعود قصة معرفة الباحثين لهذا ~~النيزك إلى عام 1818م، عندما كان الكابتن «جون روس» يقوم برحلته القطبية، ولاحظ أن رجال ~~«الإسكيمو» يستعملون حرابا مدببة ذات أطراف حديدية حادة وقاطعة، وسكاكين حادة، تستعمل ~~في اقتطاع الجليد وغير ذلك من المهام والأغراض المختلفة. وتوقع «روس» أن «الإسكيمو» ~~يحصلون على حديد السكاكين والحراب تلك من نيزك حديدي. وباءت محاولاته التي بذلها لمعرفة ~~موقع مصدر هذا الحديد بالفشل، حيث كان «الإسكيمو» يعتبرون ذلك من الأسرار الخطيرة في ~~حياتهم، التي لا يمكن أن يطلعوا عليها أحدا من الغرباء (المستكشفين البريطانيين ~~والدنماركيين)، الذين يحلون على أراضيهم، لكن الأميرال «روبرت أ. بيري» # Robert A. Peary ~~، الذي قام برحلات استكشاف ~~لمنطقة القطب الشمالي، في الفترة من 1886 إلى 1909م، تقرب كثيرا من أفراد قبيلة ~~«الإسكيمو» وتودد إليهم، فقدم لهم الكثير من الهدايا؛ كالسكاكين، والبنادق، والإبر، ~~والحراب، وغير ذلك من الأدوات التي غيرت حياتهم بشكل ملحوظ، فأصبح بالنسبة إليهم صديقا ms029 ~~حميما؛ ومن ثم وافق أفراد قبيلة «الإسكيمو» الصغيرة على إرشاده إلى الموقع، الذي كانوا ~~يجلبون منه الحديد. ووصل بالفعل إلى شرق «كاب يورك» ب «جرين لاند» في عام 1894م؛ حيث ~~ترقد قطع النيزك الثلاث. وفي عام 1895م رفعت القطعتان «المرأة والكلب» على ظهر سفينة ~~النجدة «كايت» # Kite ~~، في حين لم يتمكن الأميرال ~~«روبرت أ. بيري» ورجاله من رفع قطعة النيزك الأخرى التي يطلق عليها «الخيمة» نظرا ~~لثقلها، لا في هذه المرة ولا في المرة التي تلتها، خلال عام 1896م، لكنه تمكن هو ورجاله ~~من ذلك في عام 1897م. واستقرت القطع الثلاث في قاعة «هايدن للكواكب السيارة» بالمتحف ~~الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك؛ حيث يمر عليها آلاف الزوار كل عام. # 21 # وفي عام 1963م استطاع الباحث الدنماركي «فاجن بوشوالد» # 22 # العثور على قطعة أخرى كبيرة من نفس النيزك تزن حوالي 20 طنا، في نفس ~~المنطقة التي عثر فيها على القطع النيزكية الثلاث السالفة الذكر في «جرين لاند»، والتي ~~لم يكن رجال «الإسكيمو» يعرفونها أو يذكرونها. وقد نجح «بوشوالد» - باستخدام وسائل ~~بسيطة، وبدون اللجوء إلى استخدام معدات ثقيلة - في تحريك هذه القطعة النيزكية ودفعها ~~على سطح الجليد، وتحميلها على ظهر السفينة، التي نقلتها إلى كوبنهاجن، حيث تستقر الآن ~~ضمن عدد كبير من النيازك الأخرى. ~~(3) الحجر الأسود # يتخيل بعض دارسي النيازك أن الحجر الأسود، في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة، حجر ~~نيزكي سقط من السماء، # 23 # وقت إعادة إبراهيم عليه السلام بناء الكعبة، معتبرين أن اعتزاز المسلمين ~~بالحجر الأسود يأتي في سياق العادات القديمة التي مارسها الناس تجاه الأحجار السماوية، ~~التي ظنوها تمثل رسائل من السماء وتمثل صورا للآلهة، كما سبق الإشارة إلى ذلك. وتمتد ~~هذه الرؤى لتحاول إثبات أن الحجر الأسود في الكعبة من الأحجار السماوية، أو هو من صخور ~~الصدمات النيزكية، التي تنشأ من تأثيرات ارتطام النيازك الكبيرة بصخور سطح الأرض. والذي ~~يغذي مثل تلك الرؤى اعتزاز المسلمين واهتمامهم بالحجر الأسود، والروايات الخاصة بمصدره؛ ~~إذ ثمة إشارات ظاهرية وردت ضمن الروايات ms030 التاريخية التي تتحدث عن مصدر الحجر ~~الأسود، وقت إعادة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بناء الكعبة في العصور القديمة، ~~هي المحرك الأساسي لتفسيرات الباحثين أن الحجر الأسود ضرب من ضروب الأحجار السماوية؛ ~~فتشير بعض الروايات التاريخية إلى أنه أثناء قيام إبراهيم عليه السلام بعملية إعادة ~~البناء، رغب في وضع حجر من نوع خاص ومميز في ركن من أركان الكعبة؛ كي يصير علامة ~~يرجع إليها الناس أثناء الطواف، فطلب من إسماعيل عليه السلام أن يأتيه بمثل هذا الحجر ~~الذي يرغب فيه. فأخذ إسماعيل عليه السلام يبحث عن الحجر المطلوب، وعاد ومعه بعض ~~الأحجار، فوجد إبراهيم عليه السلام، وقد وضع هذا الحجر المميز في البناء، فسأل عن مصدره ~~فأخبره أنه قد أعطاه له الله؛ فهذا ما يجعل الناس يظنون أن الحجر الأسود حجر من ~~الأحجار السماوية، لكن لا يعني هذا القول بالضرورة أنه ساقط إليه من السماء، بل قد يعني ~~أن الله هو الذي هداه إلى العثور عليه من بين صخور الأحجار الأرضية المتاحة من ~~حوله. # الحجر الأسود في جدار الكعبة المشرفة. # ومن الباحثين في مجال النيازك من يظن أن الحجر الأسود قطعة من زجاج الصدمة النيزكية، ~~التي وقعت في منطقة وابر بالربع الخالي، شمال شرق المملكة العربية السعودية، وكونت ~~نوعا مميزا من المادة الزجاجية السوداء، التي يطلق عليها «زجاج وابر». وهو نوع من ~~الزجاج الطبيعي، الذي توجد به فجوات ناتجة عن هروب الغازات الحبيسة في المادة المصهورة ~~لحظة التصلب. أي أنها مادة زجاجية تشبه إلى حد كبير الصخور البركانية المعروفة بحجر ~~الخفاف ال «بيومس». ويعتمد من يظن أن الحجر الأسود قطعة من «زجاج وابر» # 24 # على روايات تقول إن الحجر الأسود يطفو فوق الماء ولا يغوص فيه ، كما في ~~رواية صلاح الدين الصفدي (696-764ه/1296-1363م) في كتابه الوافي بالوفيات؛ إذ يذكر في ~~معرض حديثه عن موضوع إعادة الحجر الأسود من قبضة القرامطة، عام 339ه/951م: # 25 ~~«ولما أرادوا رده حملوه إلى الكوفة وعلقوه بجامعها حتى رآه الناس، ~~ثم حملوه إلى مكة ... وجهز الخليفة ms031 (المطيع) إليهم عبد الله بن عكيم المحدث ~~وجماعة معه. فأحضر أبو طاهر شهودا ليشهدوا على نواب الخليفة بتسليمه ثم أخرج ~~لهم أحد الحجرين المصنوعين فقال له عبد الله بن عكيم: إن لنا في حجرنا علامتين؛ لا ~~يسخن بالنار ولا يغوص في الماء، فأحضر ماء ونارا وألقى الحجر في الماء فغاص ثم ~~ألقاه في النار فحمي وكاد يتشقق، فقال: ليس هذا بحجرنا. ثم أحضر الحجر الآخر ~~المصنوع وقد ضمخهما بالطيب وغشاهما بالديبالج إظهارا لكرامته، ففعل به ~~عبد الله بن عكيم كذلك ثم قال: ليس هذا بحجرنا. فأحضر الحجر الأسود بعينه ~~فوضعه في الماء فطفا ولم يغص ثم وضعه في النار فلم يسخن، فقال: هذا حجرنا. ~~فعجب أبو طاهر.» وقد اطلع على مثل هذه الروايات بعض الباحثين في مجال النيازك، ~~واعتبروا أن كون الحجر الأسود يطفو فوق الماء ولا يغوص فيه، يعني أنه يشبه حجر الخفاف ~~الذي يطفو فوق الماء. ولما كان «زجاج وابر» قريب الشبه بحجر الخفاف، من حيث وجود ~~الفجوات فيه، فقد اعتبر ذلك دليلا على أن الحجر الأسود من «زجاج وابر»، لكن الحقيقة أن ~~«زجاج وابر» لا يطفو فوق الماء بل يغوص فيه؛ إذ رغم كونه به فجوات هوائية، إلا أنه ~~أيضا يحوي في الغالب كرات تتكون من الحديد مع النيكل ثقيلة صغيرة، من نفس مادة ~~النيزك الحديدي الذي كان السبب في تكونه؛ ومن ثم فإن الدراسة اعتمدت على ظاهر الرواية ~~التي تقول إن الحجر الأسود يطفو فوق الماء. ولم يثبت عمليا أن الحجر الأسود يطفو فوق ~~الماء. # ويغفل الباحثون قضية مهمة، وهي أن الاهتمام بالحجر الأسود في شعائر المسلمين، لا ~~يعتمد على طبيعته الذاتية، وإنما يعتمد على كونه علامة من علامات الطواف حول الكعبة؛ ~~ومن ثم يجب تقبيله أو الإشارة إليه من قبل الحجاج. وثمة مبرر آخر للاعتزاز بالحجر ~~الأسود؛ وهو كونه الحجر الذي وضع في بناء الكعبة بيدي إبراهيم عليه السلام، وأعيد ~~وضعه في واحدة من مرات تحريكه، بيدي النبي محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. وعموما تختلف ms032 الآراء حول ~~طبيعة الحجر الأسود؛ فبعضها يرى أنه حجر أرضي من صخور البازلت أو العقيق؛ # 26 # أو نيزك حجري، أو قطعة من «زجاج وابر». وهكذا يظل كون الحجر الأسود من ~~النيازك أو من الصخور الأرضية، رهن فحصه من قبل باحث متخصص في النيازك، يكون على ~~دراية كبيرة بالصخور الأرضية، يمكنه من الفحص الظاهري تبين طبيعة هذا الحجر. حيث لا ~~يمكن اقتطاع أي جزء منه بغرض القيام بتحاليل معملية، وهي الطريقة التي يعتمد عليها ~~غالبية الباحثين في مجال دراسة النيازك. ~~(4) الشهب من التقدير إلى الازدراء # كما ارتبطت النيازك ببعض الممارسات لدى بعض الشعوب، كذلك الأمر بالنسبة إلى الشهب. ~~فبحسب تقويم للكنيسة الأوروبية يعود إلى أكثر من ألف سنة خلت، فإن سيل شهب «فرساوس»، ~~هي دموع القديس «لورانس». # 27 # وتعود هذه الواقعة إلى ما ساد أوروبا من فوضى عارمة، إبان النزاع بين ~~سلطة الحكومة الرومانية والكنيسة؛ فالحكومة كانت تطلب من المسيحيين أن يبذلوا بعض ~~الوقار للآلهة الرومانية، تمشيا مع الجو العام السائد آنذاك، ولكن أغلب القساوسة كانوا ~~يرفضون ذلك في إصرار وعناد. وتارة تمر الأزمة بدون عنف من قبل الحكومة، لكن عادة ~~ما كانت تقابل بالقسوة والشدة. وتعود قصة ذلك الصراع إلى عام 64م تقريبا، وامتدت ~~حتى نهاية القرن الثالث. وكانت حدة الاضطهاد ضد المسيحيين تخف ثم ما تلبث أن تزيد، وفي ~~حوالي عام 258م عادت مرة أخرى حدة التعذيب للمسيحيين، كما يذكر المؤرخ الكبير ويل ~~ديورانت في موسوعة «قصة الحضارة»: # 28 ~~«وفي أزمة أخرى من أزمات الغزو والرعب التي كانت تواجهها الإمبراطورية ~~الرومانية، أمر الإمبراطور «فليريان» أن يمتثل كل شخص للشعائر الرومانية، وحرم كل ~~الاجتماعات المسيحية، لكن البابا «سيكستوس» # Sixtus # عصى ~~الأمر، فأعدم هو وأربعة من شمامسته، وقطع رأس «سبريان» أسقف قرطاجنة، وحرق أسقف ~~«طراقونة» حيا . وكان القديس «لورانس» واحدا من الضحايا خلال تلك الأحداث؛ إذ عذب ~~وأحرق في 10 أغسطس (آب) عام 258م. ويذكر أن أول من أمر بالاحتفال بهذه الذكرى هو ~~الإمبراطور الروماني «قسطنطين» الأول. أما الظاهرة فهي أنه ms033 في منتصف أغسطس (آب)، تلمع ~~في السماء آلاف الشهب في عرض سماوي فريد، يتوافق مع ذكرى حرق القديس لورانس؛ ومن ثم ~~فإن الكنيسة اعتبرت أن هذه الشهب بمثابة دموع القديس الذي أحرق حيا. # وتعود ظاهرة الشهب هذه إلى أن الأرض - أثناء دورتها حول الشمس - تمر في الفترة من يوم ~~8 إلى يوم 12 من شهر أغسطس، بالقرب من، أو تقطع مدار المذنب «سويفت تاتل» # Swift-Tuttle ~~(نسبة إلى مكتشفيه الفلكيين ~~الأمريكيين «لويس سويفت» و«تشارلز تاتل» في عام 1862م). ودرس الفلكي «جيوفاني ~~شياباريلي» في عام 1867م علاقة الأرض بمدار هذا المذنب، وخلص إلى أنها تدخل مداره في ~~11 أغسطس من كل عام، وأن ظاهرة الشهب التي ترى في هذه الفترة، تعود إلى دخول الجسيمات ~~الصغيرة - التي خلفها المذنب في مداره - جو الأرض فتحترق، محدثة ما يعرف بظاهرة عرض ~~الشهب، التي ترى في منتصف شهر أغسطس. ويذكر مؤلف معجم الخرافات والمعتقدات الشعبية في ~~أوروبا «بيار كانافاجيو» # 29 # أن الناس يرون في الشهب أرواحا شريرة تهبط في الجحيم، عدا شهب ليلة 15 ~~أغسطس. وإذا أبصر الصقلي شهابا صلب (يرسم صليبا بالإشارة). # ومن الأقوال الشائعة التي ترتبط بالشهب: إذا رأيت شهابا ساقطا من السماء (النجم ~~الساقط)، فتمن ما تشاء؛ فإن أمنياتك سوف تتحقق. ويقال: عندما يسقط شهاب يسقط ملك. ~~وهكذا تقاس أقدار الأمم حسب الشهب الساقطة من السماء. فيذكر الكاتب الروماني «سينيكا ~~الأكبر» (54ق.م.-39م)، في مدونته «مشاكل الطبيعة» أن شهابا كبيرا، غلب ضوءه ضوء ~~القمر، سقط في عام 168 قبل الميلاد، أثناء معركة «بيدنا» في اليونان؛ حيث كان الجنرال ~~الروماني «ماسيدونيكوس بولوس» يشن حربا ضروسا ضد «بيرسوس». # 30 # وهي المعركة التي أنهت حكم آخر ملوك مقدونيا العظام الذين ينتسبون للإسكندر ~~الأكبر، ووضعت نهاية الإمبراطورية اليونانية، وجاءت بسطوة الرومان على شعوب الشرق ~~الأدنى. # الفصل الرابع # | النيازك في التراث العربي # «وانقض كوكب يحكي من رآه أنه كان على هيئة القمر فانهدمت حينئذ مواضع كثيرة ~~في الجبال.» (الخزجي، كتاب العقود اللؤلئية في تاريخ الدولة الرسولية) ~~*** # يكاد يجمع مؤرخو ms034 العلم على أن العرب خلفوا تراثا علميا قيما فيما يخص ~~علم الفلك؛ فالعرب بطبيعة حياتهم المعيشية يتعلقون بالسماء، التي يهتدون بنجومها في ~~مواقيتهم، ورحلاتهم وتنقلاتهم من منطقة لأخرى أو من بلد لآخر عبر الدروب الصحراوية، ~~وانتظارهم الأمطار التي تعد مصدر المياه الرئيسي في بلادهم. ساعدهم على ذلك صفاء سماء ~~أرضيهم الخالية من العواصف والسحب والغيوم، لكن ذلك لم يكن خليقا بأن يخلفوا هذا التراث ~~الهائل بدون حس علمي، جعلهم يسجلون مشاهداتهم، التي تطورت إلى أبحاث بفتح المجال نحو ~~مناقشة تلك المشاهدات، وتمحيص الآراء التي تختص بها؛ فقد تمتلك الشعوب مهارات خاصة ومعارف ~~كثيرة، لكنها تقتصر على سلوكياتها الحياتية، وانتقالها للأجيال شفاهة، لكنها لا تسجل كتابة، ~~فتضيع مع موت أهلها، وتظل آثارها باهتة في مخيلات من سمعوا بها. وهذه الشعوب وإن تفوقت ~~علميا، إلا أنها لم تكن تمتلك الحس العلمي، الذي يجعلها تحرص على تسجيل الظواهر ~~والمشاهدات، والآراء والمساجلات الخاصة بالظواهر الطبيعية والإنسانية، في الكتب والحوليات ~~والوثائق، التي تظل وعاء يحرس هذا التراث أو ذاك، لتستفيد منه البشرية على مر الزمن، ~~وتطوره بما يضاف إليه من معارف جديدة يكتسبها الإنسان. وهذا ما يميز أمة - في تاريخ ~~العلم - عن غيرها من الأمم، ويحدد إسهامها ودورها مقارنة بأمة أخرى. ~~وتسجيل الأحداث لا يخرج بحال من الأحوال عن مدى تطور ~~الأمة؛ إذ يعكس الرخاء الذي تنعم به، نتيجة لنظمها السياسية والإدارية والمالية المتطورة، ~~التي تغرز ذلك المناخ العلمي، الذي يعكس حرصها العام على بقاء ذكرها في التاريخ. وقد تفوق ~~العرب في التسجيل تفوقا كبيرا لا ترقى إليه أمة في التاريخ، حتى إن بعض الباحثين يذكر أن ~~حب العرب للتدوين وكثرة كتاباتهم، وما استخدموه من أوراق وأحبار في كتاباتهم التي تفوق ~~الحصر؛ كان وراء تطور وسائل الكتابة بصفة عامة، وكان وراء اختراع ورق الكتابة بشكله ~~الحالي. # 1 # ونالت النيازك حظا وفيرا من اهتمام المؤرخين العرب، باعتبارها ظاهرة طبيعية فريدة ~~تخرق فكرة الكون الثابت التي علقت بالأذهان قديما وحديثا؛ ومن ثم فقد تبارى المؤرخون ~~العرب في ms035 تسجيلها ضمن أهم الأحداث التي وقعت في التاريخ. والأهم من ذلك أنهم حرصوا على نقل ~~أخبارها من كتبهم التاريخية. فنرى كاتبا أو مؤرخا يسجل حدثا نيزكيا وقع في أزمنة بعيدة ~~عن زمنه الذي يعيش فيه تماما، شأنها في ذلك شأن أهم الأحداث التاريخية. ومن الأمثلة ~~المبكرة على دراسة موضوعات دقيقة تتعلق بعلم النيازك، في التراث العربي، ما أورده ~~المرزوقي (أحمد بن محمد بن الحسن أبو علي المرزوقي، عالم بالأدب من أهل أصبهان، المتوفى ~~سنة 421ه/1030م) في كتابه الرائع «الأزمنة والأمكنة»، من مناقشة لقضية من أهم قضايا علم ~~النيازك، وهي تغير معدلات سقوط النيازك على الأرض مع الزمن. وهي قضية تشغل الباحثين في ~~الوقت الحاضر. ففي لمسة طريفة لهذا الموضوع المهم، يذكر في معرض حديثه عن رجم الشياطين ~~بالشهب: # 2 ~~«فإن قال قائل: كيف يصح أن يكون انقضاض الكواكب رجما للشياطين ولا يخلو من أن ~~يكون الذي يرمى به الشيطان ليحرقه كوكبا فيجب أن يفارق مكانه وينقص من عدد الكواكب، وقد ~~علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص ولم تزد؛ أو يكون الذي يرمى به شعاعا يحدث من احتكاك ~~الكواكب واصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشعاع من الكواكب ويتصل بالجني حتى يحرقه؛ إذ لو لم ~~يتصل به لم يحترق وهذا أيضا لا يجوز لأن الكواكب لا تحتك. قيل له: إن كل ما ذكرت غير ممتنع ~~قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها، كما قال قوم في المجرة إنها كلها ~~كواكب ولا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشعاع ويحترق الجني، وكل ذلك ليس ~~بمستنكر وعلى هذا جاء في القرآن.» # وهذه العبارة، على قصرها، تحتوي على عدد من الظواهر العلمية، مما لا تسعه مجلدات علمية ~~كاملة. فقول المرزوقي عن المجرة: إنها كلها كواكب ولكن لا تبين لصغرها، هو من الأشياء ~~المنظورة علميا الآن، وينصب عليها جانب كبير من اهتمام علماء الفلك، وتطالعنا الأبحاث ~~العلمية بأخبار اكتشاف كواكب تتبع نجوم مجرة درب التبانة. وفي قوله: «قد يجوز أن يكون هناك ms036 ~~كواكب لا تلحقها العين لصغرها.» إشارة إلى عدد كبير من الأجسام التي تدور بين المريخ ~~والمشتري، فيما يعرف بحزام الكويكبات، الذي يعد المصدر الرئيسي للنيازك (وهي الأجسام ~~الكبيرة نسبيا) التي تتساقط على الأرض، أو الصغيرة التي تحترق في الجو، وينشأ عن احتراقها ~~في طبقات الجو العليا الضوء اللامع الخاطف، فيما يعرف علميا بظاهرة «الشهب». وفي قوله: ~~«فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشعاع ويحترق الجني.» إشارة إلى تفسير ظاهرة الشهب؛ ~~فالشهب - كما هو معروف - ظاهرة تحدث من احتكاك الأجسام الدقيقة الحجم بغازات جو الأرض. ومثل ~~هذا الاحتكاك هو الذي يقود إلى احتراقها، وتولد الأضواء التي تنبعث منها أثناء مروقها في ~~الجو. والأكثر من ذلك أن عملية الاحتكاك، بين النيازك وغازات جو الأرض، وراء النيران التي ~~تنبعث من هذه الأجسام أثناء اختراقها جو الأرض. # ويلمس الدارس تسجيلات عرضية لظاهرة الشهب وردت في بعض المؤلفات العربية، على سبيل المثال، ~~يورد المؤرخ الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي (673-748ه/1274-1348م) في ~~كتابه «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام»، كثيرا من حوادث وقوع الصواعق وانقضاض ~~الكواكب، وعرض الشهب الكثيفة (التي يطلق عليها نجوما متطايرة مضطربة). ففي معرض تسجيله ~~لأحداث سنة 599ه يذكر: # 3 ~~«أنبأنا ابن البزوري قال: في سلخ المحرم ماجت النجوم، وتطايرت كتطاير الجراد، ~~ودام ذلك إلى الفجر، وانزعج الخلق، وخافوا وضجوا بالدعاء لله تعالى. ولم يعهد ذلك إلا عند ~~ظهور رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~.» ثم يضيف في ذات السياق: # 4 ~~«وذكر عنه ابن الجوزي مثل ما قدمنا من موج النجوم وتطايرها. وقال العز النسابة: ~~رئي في السماء نجوم متكاثفة متطايرة، شديدة الاضطراب إلى غاية.» ~~(1) الخلط بين النيازك والصواعق # أشار الكتاب العرب - شأنهم شأن جميع الكتاب في ذلك الوقت - إلى ظاهرة سقوط النيازك ~~بعبارات مختلفة، منها: انقضاض الكواكب، وانقضاض النجوم، ووقوع الصواعق. وفي حالات ~~محددة أشاروا إليها بعبارات سقوط الأحجار من السماء . وميزوا في كتاباتهم ما بين ~~الكواكب والنجوم الثابتة، وبين الأجسام التي تظهر عرضا في السماء فتمكث بعض ms037 الوقت ثم ~~تختفي دون أن تنقض (المذنبات)، أو تلك التي تظهر عرضا فتهوي أو تنقض، ويكون انقضاضها ~~مشفوعا بظاهرة ضوئية فقط (الشهب)، أو مشفوعا بالأصوات والانفجارات القوية أو الهزات ~~الأرضية، أو يكون انقضاضها نهارا (النيازك). وفرقوا بين النيازك والصواعق؛ حيث حرص بعض ~~المؤرخين على الإشارة إلى عدم وجود غيوم أو سحب وقت الحدث، مما يعني أن الظاهرة تمثل ~~سقوط نيازك على الأرض، لكن في بعض الحالات وصفوا النيازك على أنها صواعق. # وقد سجل كتاب العرب ظاهرة الصاعقة في كتبهم الأدبية والتاريخية، وقدموا تعريفا ~~لها باعتبارها ظاهرة طبيعية ترتبط بالغيوم والسحب التي تظهر في السماء. وقدموا في ~~بعض تسجيلاتهم تعريفا صريحا لظاهرة الصاعقة يختلف عن وصفهم للأحداث المرتبطة بالأحجار ~~السماوية؛ حيث يتمكن المرء من التمييز بسهولة بين الصواعق وبين النيازك، من خلال ~~الأوصاف المرافقة للأحداث؛ فالصواعق العادية لا يتبعها سقوط أحجار، تحدث هدة عظيمة، ~~وإنما يشار إليها بالنيران التي تحرق المنشآت أو الزروع، أو تقتل بعض الناس. وورد تعريف ~~الصواعق في عدد كبير من الكتب العربية؛ ففي كتاب «الكشكول» لبهاء الدين العاملي (محمد ~~بن حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي الهمداني (953-1031ه/1547-1622م))، تعريف الصاعقة ~~على النحو التالي: # 5 ~~«... الصاعقة تذيب الذهب والفضة في الصرة ولا تحرق الخرقة المصرورين فيها، ~~قال المحقق الشريف في شرح المواقف: قد أخبرنا أهل التواتر بأن الصاعقة وقعت بشيراز على ~~قبة الشيخ الكبير أبي عبد الله الحفيف، فأذابت قنديلا فيها ولم تحرق فيها شيئا، ~~والسبب في ذلك أن تلك النار لغاية لطافتها تنفذ في المتخلل، وهي سريعة الحركة جدا فلا ~~يبقى فيه ريثما، وأما الأجسام المندمجة فتنفذ فيها في زمان أكثر، فيبقى فيها قدرا يعتد ~~به فتذيبها.» [في هذا التعريف إشارة إلى علوم فيزيائية، يجدر أن يتصدى لها الباحثون ~~في هذا المجال.] وفي كتاب «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي: # 6 ~~«فأما الصاعقة في اللغة فهي الواقع الشديد من صوت الرعد يسقط معه قطعة من ~~نار ... وقال الخليل: الصاعقة: صوت العذاب. وقال بعضهم: نار ريحية وريح نارية وذلك أنها ~~إذا ms038 وقعت في الخشب أحرقته وأشعلته. وإذا وقعت على ذهب أو فضة أحمته ~~وأذابته. وهذا الفعل من أفعال النار. قال: فيقول: إنها وإن كانت نارا فليست بالنار ~~الحرية بل هي نار لهبانية. وذلك أنها إذا سقطت على الأرض لم يوجد جمرها بل يرى ذلك ~~الموضع الذي تقع فيه الصاعقة كثير الدخان متصدعا. وهذه من خواص النار والريح، ~~والصاعقة أيضا ألطف من جميع النار اللهبانية التي عندنا، وذلك أن النار التي عندنا ~~لا تنفذ في الحيطان ولا في الأرضين. والصاعقة تنفذ في كل جوهر محسوس، وهي لا تبصر لأنها ~~بلطافتها تفوت أبصارنا، لكن أفعالها تبصر، ولسرعة حركتها تجاوز الوقت الذي يمكن أن ~~يكون فيه البصر. والصاعقة تكون لعلتين؛ إما لاكتمان النار في الغمام وإفلاتها ~~بغتة، وإما لاكتمان الريح في الغمام واحتكاكها به وشدة خروجها بغتة، وفي مجيئها ~~إلى الأرض تصير نارا، كما ترى ذلك في الرصاص إذا رمي بالمقلاع، فإنه يسخن بمحاكة ~~الهواء ويلتهب ويذوب.» وفي كتاب «نهاية الأرب في فنون الأدب»، للنويري (أحمد بن عبد ~~الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشي التميمي البكري شهاب الدين النويري ~~(677-733ه/1278-1333م)): # 7 ~~«وأما الصواعق فهي ما قاله الزمخشري في تفسيره: الصاعقة قصفة في رعد ينقض ~~معها شقة من نار. وقالوا: إنها تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه. وهي نار لطيفة ~~حديدة (حادة) لا تمر بشيء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود. على أنها متى ~~سقطت على نخلة أحرقت عاليها. وقال صاحب كتاب مناهج الفكر ومباهج العبر في كتابه: ومن ~~عجيب شأنها أنها تحرق ما في الكيس، ولا تحرق الكيس؛ وإن احترق فإنما يحترق باحتراق ما ~~ذاب فيه. قال: وهي إذا سقطت على جبل أو حجر كلسته ونفذته (ربما يشير هنا إلى أحجار ~~الصاعقة)، وإذا سقطت في بحر غاصت فيه وأحرقت ما لاقت من جوانبه.» وفي كتاب «الحيوان» ~~يذكر الجاحظ (الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (163-255ه/780-869م))، في معرض ~~حديثه عن الصواعق: # 8 ~~«الصواعق وما قيل فيها: ومتى كان البخار حارا ms039 يابسا قدح وقذف ~~بالنار التي تسمى الصاعقة، إذا اجتمعت تلك القوى في موضع منه، فإن كانت القوى ريحا كان ~~لها صوت، وإن كانت نارا كانت لها صواعق، حتى زعم كثير من الناس أن بعض السيوف من ~~خبث نيران الصواعق، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء.» # ووردت تسجيلات الأحداث التي وقعت فيها الصواعق في كثير من كتب المؤرخين العرب ضمن ~~الأحداث التاريخية المهمة. وتناقلها المؤرخون عن بعضهم البعض، باعتبارها أحداثا ~~جديرة بالتسجيل، لما أصابت من ضرر امتد للإنسان، والحيوان، والزروع، والمنشآت. ومن ~~الأمثلة على ذلك، المؤرخ ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد ~~الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر، المتوفى سنة 597ه) الذي يورد عددا من حوادث سقوط ~~الصواعق ضمن تأريخه للأحداث التي وقعت في زمانه والأزمنة السابقة في كتابه «المنتظم في ~~تاريخ الملوك والأمم»؛ ففي معرض تأريخه لأحداث سنة 403ه/1012م، يذكر: # 9 ~~«وفي شعبان وقعت بالكوفة صاعقة في أثناء رعد وبرق فسقطت على حائط فرمت ~~به.» وفي تأريخه لأحداث سنة 442ه/1051م يذكر: # 10 ~~«ووقعت في ليلة الجمعة ثاني رمضان صاعقة في حلة نور الدولة على خيمة لبعض ~~العرب كان فيها رجلان، فأحرقت نصفها ورأس أحد الرجلين ونصف بدنه ويدا واحدة ورجلا ~~واحدة فمات، وسقط الآخر مغشيا عليه لم يتكلم يومين وليلة ثم أفاق، وعصفت ريح شديدة ~~وجاء مطر جود فقلعت رواسن دار الخلافة على دجلة.» ويذكر ضمن أحداث 470ه/1077م: # 11 ~~«فمن الحوادث فيها أنه وقعت صاعقة في شهر ربيع الأول في محلة التوثة من ~~الجانب الغربي على نخلتين من مسجد فأحرقتهما، فصعد الناس فأطفئوا النار بعد أن اشتعل من ~~سعفهما وكربهما وليفهما، فرمي به، فأخذه الصبيان وهو يشتعل في أيديهم كالشمع.» ويروى ~~في معرض سرده أحداث سنة 479ه/1086م: # 12 ~~«وفي رجب وقعت صاعقة في خان الخليفة المقابل لباب النوبي فأحرقت جزءا ~~من كنيسة الخان وفتتت أسطوانة حتى صارت رميما، وسقط منها مثل كباب القطن الكبار نارا ~~فخر الناس على وجوههم، وسقطت أخرى بخرابة ms040 ابن جردة فقتلت غلاما تركيا، وسقطت أخرى ~~على جبل آمد فصار رمادا، ووقعت صواعق في البرية لا تحصى في ديار الشام.» ويذكر ضمن ~~أحداث سنة 569ه/1173م: # 13 ~~«وفي ربيع الأول وقعت صاعقة في نخلة بالجانب الغربي فاشتعلت النخلة.» ويذكر ~~ضمن أحداث سنة 571ه/1175م: # 14 ~~«وجاء في ليلة الأحد ثامن ربيع الآخر مطر عظيم برعد شديد ووقعت صاعقة ~~في دار الخلافة وراء التاج وأحرقت ما حولها، فأصبحوا فأخرجوا أهل الحبوس وأكثروا ~~الصدقات.» # وفي كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير (إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفدا، ~~المتوفى سنة 774ه/1372م)، عدد من الأحداث التي سقطت فيها الصواعق وأصابت الناس؛ إذ ~~يذكر في معرض تأريخه لأحداث سنة 470ه/1076م: # 15 ~~«قال ابن الجوزي: في ربيع الأول منها وقعت صاعقة بمحلة التوثة من الجانب ~~الغربي، على نخلتين في مسجد فأحرقت أعاليهما، وصعد الناس فأطفئوا النار، ونزلوا بالسعف ~~وهو يشتعل نارا.» وواضح من خلال هذا الوصف أنه يشير إلى صاعقة عادية. # وللخلط بين الصاعقة والنيازك أسبابه الظاهرية؛ فالصاعقة (البرق والرعد) تحدث نتيجة ~~احتكاك السحب بعضها ببعض، وينشأ عنها أضواء شديدة وأصوات مفزعة. وسقوط النيازك أيضا ~~يكون مصحوبا عادة بالنيران والأضواء والأصوات المفزعة. والعلامة الفارقة بين ~~الظاهرتين عدم سقوط الأجسام الصلبة في حالة الصواعق، وسقوطها في حالة النيازك. وحتى ~~هذه العلامة الفارقة، لم تكن فارقة بالنسبة للناس قديما؛ إذ اشتبهت عليهم. والسبب وراء ~~ذلك الاشتباه أن الصاعقة قد تصهر الصخور الأرضية وتكون نوعا من الصخور الجديدة، يطلق ~~عليها «حجر الصاعقة أو الفولجوريت». وهذه مادة تنشأ من انصهار الرواسب الأرضية المفككة ~~خاصة الرمال، من الحرارة العالية المتولدة من طاقة البرق الذي يضرب الصخور الأرضية في ~~موقع الاحتكاك. وتكون على هيئة أجسام غير منتظمة، إلى أجسام أنبوبية تمتد عميقا في سطح ~~الأرض، بحسب طاقة اختراق البرق للصخور السطحية. ومن خلال المشاهدات الطبيعية، التي كان ~~يقوم بها الناس قديما، للمواقع التي تتعرض لتأثيرات البرق أو سقوط الأجسام النيزكية، ~~كانوا يجدون أنواعا مختلفة من الصخور الصلبة، أو مواد حديدية؛ ومن ثم ms041 اختلط الأمر ~~عليهم، فأطلقوا تعبير صاعقة على النيازك. # وتتوقف درجة الخلط بين ظاهرة الصاعقة والأحداث ~~النيزكية، إلى مدى فطنة الكاتب في التفريق بينهما؛ فبعض الكتاب خلطوا بين الظاهرتين، ~~لكن غالبيتهم فصلوا بين الظاهرتين فصلا بينا. ومن بين المؤرخين العرب الذين فصلوا ~~بين الظاهرتين ابن الجوزي في كتابه «المنتظم»؛ ففي معرض تأريخه لأحداث سنة 403ه/1012م، ~~يذكر الظاهرتين ذكرا مستقلا لا لبس فيه: # 16 ~~«وفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من صفر وقت العشاء انقض كوكب كبير ~~الجرم عن يمنة القبلة وملأ الأرض ضوءه واستعظم الناس ما رأوه منه، وفي شعبان وقعت ~~بالكوفة صاعقة في أثناء رعد وبرق فسقطت على حائط فرمت به، وفي رمضان انقض كوكب من ~~المشرق إلى المغرب غلب ضوءه ضوء القمر وتقطع قطعا وبقي ساعة طويلة.» فهو هنا يشير إلى ~~حدث نيزكي، ثم يصف صاعقة عادية حدثت أثناء برق ورعد، ثم يسجل انقضاض كوكب، في إشارة إلى ~~حدث نيزكي آخر. # ويرد الخلط بين الصاعقة والنيازك في كلام النويري، وفي نفس السياق السابق لتعريفه ~~الصاعقة، حيث يذكر: # 17 ~~«وربما عرض لها (يقصد الصاعقة) عند انطفائها في الأرض برد ويبس، فتكون منها ~~أجرام حجرية أو حديدية أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفا لا يقوم لها شيء. وأما ~~البرق وما قيل فيه، فقد ذهب المفسرون: إلى أنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق ~~من حديد. وروي عن مجاهد: إن الله عز وجل وكل بالسحاب ملكا؛ فالرعد قعقعة صوته، ~~والبرق سوطه.» وليس أدل من شيء على الخلط بين الصاعقة والنيازك، أكثر مما ورد في قول ~~النويري: # 18 ~~«... وربما عرض لها عند انطفائها في الأرض برد ويبس، فتكون منها أجرام حجرية ~~أو حديدية أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفا لا يقوم لها شيء ...» وفي قوله عن ~~البرق: # 19 ~~«إنه ضرب الملك الذي هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد.» فهذا يعني أن ~~الناس من خلال المشاهدات الطبيعية شاهدوا قطعا من الحديد أو قطعا غريبة من الأحجار أو ~~مواد نحاسية، عقب ظهور الأضواء وسماع الأصوات ms042 المفزعة، التي تصاحب سقوط الأحجار ~~السماوية، فخلطوا بين الظاهرتين. وكذلك في تعريف الجاحظ للصواعق، حيث يذكر في السياق ~~نفسه: «حتى زعم كثير من الناس أن بعض السيوف من خبث نيران الصواعق، وذلك شائع على ~~أفواه الأعراب والشعراء.» # وامتدادا للخلط، بين النيازك والصواعق، يشير بعض المؤرخين العرب إلى النيازك على ~~أنها صواعق، ضمن تسجيلاتهم للأحداث الطبيعية التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى. ومن ~~الأمثلة على ذلك بعض الأحداث النيزكية التي ورد ذكرها في كتاب «البداية والنهاية» ~~لابن كثير بوصفها صواعق. ففي معرض تأريخه لأحداث سنة 679ه/1280م، يذكر حادثة وقوع صاعقة ~~على الجبل الأحمر شرق القاهرة، فأصابت حجرا فأحرقته، وكونت نتيجة لذلك حديدا، حيث ~~يورد: # 20 ~~«ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة ~~فأحرقتها فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقي بالرطل المصري.» ويورد بعض المؤرخين نفس ~~الحدث، مثل اليونيني (قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، المتوفى سنة 726ه) ~~في كتابه «ذيل مرآة الزمان»؛ والسيوطي (جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (849-911ه))، في ~~كتابه «حسن المحاضرة»؛ وابن حبيب (بدر الدين الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب، ~~المتوفى سنة 779ه/1377م) في كتابه «تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه»، الذي وصف ~~الحدث ضمن أحداث سنة 679ه/1280م: # 21 ~~«ووقع بالجبل الأحمر ظاهر القاهرة صاعقة على حجر فأحرقته، وأخذ من ذلك ~~الحجر قطعة وسبكت فظهر منها قطعة حديد زنتها أواقي من الكيل المصري.» ويبدو جليا من ~~هذا الوصف أن الصاعقة المقصودة هنا تشير صراحة إلى سقوط نيزك حديدي. # وتخلط بعض التسجيلات التاريخية بين الصواعق والنيازك، خلطا يصعب معه التفريق بين ~~الظاهرتين؛ فلا يستبين المرء إن كان الحدث صاعقة أم نيزكا. فعلى سبيل المثال، يجد ~~القارئ لكتاب «عقد الجمان في مرآة أهل الزمان» لبدر الدين العيني (محمد بن أحمد بن موسى ~~بن أحمد (762-855ه/1360-1451م))، يجد نفسه حائرا في تفسير حادثة صاعقة ورد ذكرها ضمن ~~أحداث سنة 691ه/1292م، وهل هي نيزك أم صاعقة عادية؟ حيث يصف: # 22 ~~«واتفق يوما أن ms043 الأمير بدر الدين بيدرا كان جالسا وقد تقدم الفراش ليمد ~~السماط بين يديه وإذا بصاعقة قد نزلت بخيمته فنفذت من الخيمة ووقعت على ظهر الفراش ~~فقصمته نصفين ووقع إلى الأرض، ونفر كل من كان واقفا وغاصت الصاعقة في الأرض، وقام ~~بيدرا وفي قلبه رجفة عظيمة.» فالوصف قد يعني سقوط أحجار نيزكية اخترقت الخيمة، وقسمت ~~الفراش، وغاصت في الأرض، وفي نفس الوقت قد ينطبق على صاعقة عادية. وكذلك ما أورده ~~ابن الأثير (عز الدين أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد أبي عبد الكريم بن عبد ~~الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير (555-630ه))، في كتابه «الكامل في التاريخ» من ~~حدث ظهور سحابة كثيفة سنة 411ه، على ما كان يعرف آنذاك بإفريقية؛ إذ يذكر في معرض ~~عرضه لما حدث من حوادث بإفريقية في تلك السنة: # 23 ~~«وفيها، في ربيع الآخر، نشأت بإفريقية أيضا سحابة شديدة البرق والرعد، ~~فأمطرت حجارة كثيرة ما رأى الناس أكبر منها، فهلك كل من أصابه شيء منها.» وقد أورد ~~القزويني (زكريا بن محمد القزويني (506-682ه/1203-1283م))، ذات الحدث نقلا عن ~~ابن الأثير، في كتابه «عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات»: # 24 ~~«وحكى أبو الحسن علي بن الأثير الجزري (هكذا ذكر اسم ابن الأثير) في تاريخه ~~أنه نشأت بإفريقية في سنة إحدى عشرة وأربعمائة سحابة شديدة الرعد والبرق، فأمطرت حجارة ~~كثيرة وأهلكت كل من أصابته.» باعتباره من الغرائب. والسحابة الواردة في هذا الخبر قد ~~تفسر على أنها سحابة مائية عادية، سقط منها برد كبير الحجم نسبيا، لكن يمكن أيضا ~~تفسيرها على أنها سحابة نشأت من انفجار نيزك كبير الحجم نسبيا في الجو، وسقطت ~~شظاياه على الأرض على هيئة أحجار، في ظاهرة قريبة الشبه بما حدث في عام 1511م، على سهل ~~«لومباردي» بالقرب من ميلان إيطاليا، والذي سبق وصفه في الفصل الأول من هذا ~~الكتاب. ~~(2) بعض مؤرخي العرب الذين حفلوا بالنيازك # للشيخ الرئيس ابن سينا (أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا (980-1037م))، الريادة في ~~تسجيل ووصف النيازك الساقطة من ms044 السماء، بل أيضا دراستها في كتابه الكبير أو موسوعته ~~الكبرى «الشفاء» التي تتضمن جزءا (أسماه فنا) من أجزاء كتاب الطبيعيات، بعنوان ~~«الفن الخامس من الطبيعيات: المعادن والآثار العلوية ». ومما يؤسف له أن هذا الجزء من ~~كتاب الطبيعيات، الخاص بالمعادن والآثار العلوية، غير شائع كبقية أجزاء الطبيعيات التي ~~أعيد طبعها بالقاهرة. ففي هذا الجزء، الذي يعد من بواكير الدراسات العلمية الخاصة ~~بعلوم الأرض، يسجل ابن سينا حادثة سقوط نيزك كبير في سنة 396ه/1004م، على منطقة ~~«جوزجانان» [جورجان - جوزجان - جرجان] التي تقع الآن ضمن حدود أفغانستان، فيما سوف يتم ~~ذكره فيما بعد. وقد أورده البيروني (أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني (362-440ه))، ~~الذي عاصر الحدث، في كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر»، لكنه اعتبره من مواد أرضية. ~~وورد ذكر الحدث في العديد من المؤلفات العربية اللاحقة، نقلا عن وصف الشيخ الرئيس ~~ابن سينا، مثل كتاب القزويني «عجائب المخلوقات والحيوانات وغرائب الموجودات»، وكتاب ~~ابن إياس (محمد بن أحمد بن إياس الحنفي (1448-1523م))، «بدائع الزهور في وقائع الدهور». ~~ولذكر ابن إياس لهذا الحدث (الذي يفصل بينه أكثر من 500 عام) دلالة مهمة على اعتبار ما ~~قدمه ابن سينا من وصف بهذا الخصوص، هو المرجع الرئيسي للتفريق بين الصاعقة الحقيقية ~~والصاعقة غير الحقيقية، وكذلك الاهتمام بالنيازك باعتبارها ظاهرة طبيعية تقدم نوعا ~~جيدا من الحديد الذي يتم تشكيله واستعماله في صناعة مشغولات قيمة. # وورد تسجيل الأحداث النيزكية في عدد من كتب ~~التأريخ والأدب العربية؛ فعلى سبيل المثال، يسجل كتاب «تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير ~~والأعلام» للمؤرخ الذهبي (شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي) كثيرا من حوادث ~~وقوع الصواعق وانقضاض الكواكب. وفي كتاب «المنتظم» لابن الجوزي عدد كبير من تسجيلات ~~الأحداث النيزكية. ومن الطريف أن ابن الجوزي يقدم وصفا يمكن من خلاله التمييز بين ما ~~يمكن اعتباره نيازك، وبين المذنبات، وبين الصواعق. ويأتي ابن الأثير في المرتبة الثانية ~~- بعد ابن الجوزي - في اهتمامه بتسجيل الأحداث النيزكية؛ إذ سجل أكثر من 22 حدثا خلال ~~22 سنة مختلفة، ms045 في كتابه «الكامل في التاريخ». ويعتبر ابن الأثير من أكثر المؤرخين ~~اهتماما بالأحداث التي ظهرت فيها المذنبات، أو انقضت فيها النيازك على الأرض. ويورد ~~المؤرخ الفقيه ابن العماد (أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي ~~الدمشقي، المتوفى سنة 1089ه) بعض الأحداث النيزكية، في كتابه «شذرات الذهب في أخبار ~~من ذهب». ويسهم ابن كثير في تسجيل قدر معقول من الأحداث النيزكية في كتابه «البداية ~~والنهاية»، نقلا عمن سبقوه من المؤرخين خاصة ابن الجوزي. وللنويري إسهام مهم في ~~مجال رصد الأحداث النيزكية، بل يميز بين المذنبات باعتبارها أجساما (نجوما) تظهر في ~~السماء في أوقات معينة، وتستمر في الظهور فترات طويلة نسبيا (عادة بضعة أيام) ثم ~~تختفي، وبين النيازك باعتبارها أجساما تسقط على الأرض، وتصاحبها ظواهر محددة، كالأصوات ~~والأضواء القوية، والرجة العنيفة التي تحدث من جراء ارتطامها بالأرض، وذلك في كتابه ~~القيم «نهاية الأرب في فنون الأدب»، الذي يعد موسوعة ضخمة تلخص التراث العربي بشقيه ~~الأدبي والتاريخي. ومن الأحداث النيزكية المهمة التي انفرد بتسجيلها حدث نيزكي كبير، ~~ضمن تأريخه لأحداث سنة 637ه، وهو ما سوف يأتي ذكره. # ويورد اليونيني (قطب الدين أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، المتوفى سنة 726ه) في ~~كتابه «ذيل مرآة الزمان» حدث صاعقة (نيزك) الجبل الأحمر شرق القاهرة، ولعلي بن الحسن ~~الخزرجي، المتوفى سنة 812ه/1410م، إسهام في تسجيل بعض حوادث سقوط النيازك، منها حادثة ~~فريدة لسقوط نيزك على الأراضي اليمنية في سنة 792ه/1388م، يذكره في معرض تأريخه لأهم ~~أحداث تلك السنة، ضمن كتابه «العقود اللؤلئية في تاريخ الدولة الرسولية». ويورد الرحالة ~~«ابن بطوطة» (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم ~~(703ه/1304م-779ه/1377م))، في كتابه «رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب ~~الأمصار» الذي يسجل فيه مشاهداته خلال رحلته الشهيرة في العديد من الأمصار، وصفا لنيزك ~~شاهده في مدينة «بركي» من أعمال البلاد التركية. ولأبي المحاسن، يوسف بن تغري بردي ~~الأتابكي (813-874ه)، إسهام أيضا في تسجيل بعض الأحداث النيزكية، في كتابه المعروف ~~«النجوم ms046 الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة». ويورد السيوطي في كتابيه «تاريخ الخلفاء» و«حسن ~~المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة»، بعض الأحداث التي انقضت فيها الكواكب على الأرض. ~~ويلمس المؤرخ ابن إياس بعضا من الأحداث النيزكية في كتابه «بدائع الزهور في وقائع ~~الدهور ». وللعيدروس (عبد القادر بن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس، ~~المؤرخ والباحث اليمني، 978-1038ه/1570-1638م) في مؤلفه النادر «النور السافر عن أخبار ~~القرن العاشر»، الذي فرغ من كتابته سنة 1012ه؛ إسهام مهم في مجال تسجيل الأحداث ~~النيزكية على الأراضي اليمنية. وفي السطور التالية عرض لبعض حوادث سقوط النيازك ~~المدونة في بعض كتب التراث العربي التي أمكن الاطلاع عليها، مرتبة ترتيبا زمنيا، ~~من الأقدم للأحدث، بالسنوات الهجرية. # سنة 242ه # يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لحوادث سنة ~~242ه، أنه: # 25 ~~«... رجمت قرية يقال لها السويدا ناحية مصر (مضر-سوريا) بخمسة أحجار، ~~فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فاحترقت، ووزن منها حجر فكان فيه عشرة أرطال.» ويذكر ~~ابن تغري بردي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 26 ~~«... ورجمت قرية السويداء بناحية مضر (سوريا) بالحجارة. وقع منها حجر على ~~أعراب (على خيمة أعراب فاحترقت)، فوزن حجر منها فكان عشرة أرطال (لعله بالشامي).» ~~والرطل الشامي يعادل حوالي 2565,890 جراما. ويعبر حرص مؤرخ كبير على ذكر سقوط نيزك ~~من زمن بعيد مضى (خمسة قرون تقريبا تفصل بين حادثة السقوط والمؤلف) يعبر على مدى ~~الاهتمام بهذه الظاهرة؛ حيث يسجلها ضمن الأحداث التاريخية المهمة. وقد ورد ذكر ~~نفس الحدث، في كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لمؤلفه المؤرخ والفقيه ~~ابن العماد، يورد ذات الحدث في معرض تأريخه لأهم أحداث سنة اثنتين وأربعين ~~ومائتين للهجرة؛ إذ يقول: # 27 ~~«فيها على ما قاله في الشذور: رجمت قرية السويداء ناحية مصر (والصحيح: ~~مضر-سوريا) بخمسة أحجار فوقع حجر منها على خيمة أعراب فاحترقت. وزن منها حجر فكان ~~عشرة أرطال.» ويضيف: «فحمل أربعة إلى الفسطاط وواحد إلى تنيس.» ويتبين من هذا ~~الوصف، السلوك العلمي الذي تحلى به المؤلف تجاه ms047 ظاهرة سقوط النيازك، كتسجيل الحدث ~~في الزمان والمكان، ووصف تأثيراته، وعدد الأحجار الساقطة، ووزنه، ثم يزيد أيضا ~~تسجيلا لما حدث له، فيذكر إلى أي الأماكن نقل. ويورد السيوطي في كتابه «حسن ~~المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة» ذات الحدث في معرض سرده للحوداث الغريبة التي وقعت ~~في مصر: # 28 ~~«وفي سنة اثنتين وأربعين ومائتين، زلزلت الأرض ورجمت السويداء (قرية ~~بناحية مصر [والصحيح مضر-بسوريا وليس مصر]) من السماء، ووزن حجر فكان عشرة ~~أرطال.» # سنة 300ه # يورد ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» خبرا صغيرا عن حادث انقضاض ~~الكواكب في هذه السنة؛ إذ يذكر بطريقة مقتضبة: # 29 ~~«وفيها انقضت الكواكب انقضاضا كثيرا إلى جهة المشرق.» وربما يشير ~~هذا الخبر لظهور شهب في الفضاء، أو سقوط نيازك لكن على بعد مسافة كبيرة من الذي ~~شاهد الحدث، بحيث لم تسمع أصوات كتلك التي يسمعها المشاهد عن قرب للحدث. وقد أشار ~~الدكتور عمر عبد السلام تدمري (محقق الكتاب) إلى أن هذا الخبر موجود في نسخة خطية ~~من كتاب «البداية والنهاية» لابن كثير، لكن النسخة المطبوعة المتاحة من ذاك الكتاب ~~لا تحوي هذا الخبر. وهذا مما قد يحدث في بعض الأحيان، بما يعني أن بعض الأخبار قد ~~ترد في طبعة من كتاب ولا ترد في طبعة أخرى من ذات الكتاب. # سنة 303ه # يروي ابن الجوزي ضمن سرده لأحداث هذه السنة: # 30 ~~«... وفي ليلة الجمعة لثمان بقين من رمضان انقض كوكب عظيم وبقي ~~ضوءه ساعة كالمقباس.» وينفرد ابن الجوزي بتسجيل هذا الحدث، دون غيره من المؤرخين؛ ~~إذ لم ينقله عنه أحد من المؤرخين اللاحقين. ولا يعرف على وجه اليقين معنى «وبقي ~~ضوءه ساعة كالمقباس.» # سنة 307ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 31 ~~«... وفي ذي القعدة انقض كوكب عظيم غالب الضوء وتقطع ثلاث قطع وسمع ~~بعد انقضاضه صوت رعد عظيم هائل من غير غيم.» وقد ورد خبر هذا الحدث في كتاب ~~ابن الأثير «الكامل في التاريخ»، ضمن أحداث نفس السنة: # 32 ~~«... وفيها انقض كوكب ms048 عظيم، فاشتد ضوءه وعظم، وتفرق ثلاث فرق، وسمع ~~عند انقضاضه مثل صوت الرعد الشديد، ولم يكن في السماء غيم.» ويورد ابن كثير نفس ~~الحدث، في كتابه «البداية والنهاية» نقلا عن ابن الجوزي، ضمن أحداث نفس ~~السنة: # 33 ~~«وفي ذي القعدة منها انقض كوكب عجيب عظيم غالب الضوء تقطع ثلاث قطع، ~~وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم ذكره ابن الجوزي.» ويذكره أيضا ~~ابن العماد في كتابه «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»: # 34 ~~«... فيها كما قال في الشذور انقض كوكب عظيم وتقطع ثلاث قطع وسمع بعد ~~انقضاضه صوت رعد عظيم هائل من غير غيم.» ويورده كذلك السيوطي في كتابه «حسن ~~المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة»: # 35 ~~«وفيها انقض كوكب عظيم، وتقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد ~~شديد هائل من غير غيم.» ويلاحظ التأكيد على عدم وجود غيم في السماء، مما يعني أن ~~الحدث كان نيزكا فعليا. # سنة 310ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 36 ~~«... وفي جمادى الآخرة ظهر كوكب ذو ذنب في المشرق في برج السنبلة طوله ~~نحو ذراعين.» وقد يختلط هذا الوصف المختصر مع وصف ظهور المذنبات، لكن ابن الأثير ~~يؤكد أن الكوكب انقض، في كتابه «الكامل في التاريخ»، حيث يذكر نفس الحدث: # 37 ~~«... وفيها، في جمادى الآخرة، انقض كوكب عظيم له ذنب في المشرق في برج ~~السنبلة، طوله نحو ذراعين.» # سنة 313ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 38 ~~«... ولليلة بقيت من المحرم انقض كوكب قبل مغيب الشمس من ناحية الجنوب ~~إلى ناحية الشمال فأضاءت الدنيا منه إضاءة شديدة وكان له صوت كصوت الرعد الشديد.» ~~وقد ورد خبر نفس هذا الحدث في كتاب «الكامل في التاريخ»، ضمن أحداث نفس السنة، حيث ~~يذكر ابن الأثير: # 39 ~~«وفيها انقض كوكب كبير وقت المغرب، له صوت مثل الرعد الشديد وضوء عظيم ~~أضاءت له الدنيا.» وأورد ابن كثير الحدث نقلا عن ابن الجوزي: # 40 ~~«قال ابن الجوزي: لليلة بقيت من ms049 المحرم انقض كوكب من ناحية الجنوب ~~إلى الشمال قبل مغيب الشمس، فأضاءت الدنيا منه وسمع له صوت كصوت الرعد الشديد.» ~~وأورده أيضا ابن العماد: # 41 ~~«فيها كما قال في الشذور انقض كوكب قبل مغيب الشمس بأربع ساعات من ~~ناحية الجنوب إلى الشمال فأضاءت منه الدنيا وكان له صوت كصوت الرعد.» # سنة 315ه # يروي ابن الجوزي، في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، خبر سقوط نيزك من السماء؛ إذ ~~يذكر: # 42 ~~«وفي يوم الأحد لثمان خلون من ربيع الأول انقض كوكب عظيم له ضوء ~~شديد على ساعتين بقيتا من النهار.» وقد ورد خبر هذا الحدث في كتاب «الكامل في ~~التاريخ»، ضمن أحداث نفس السنة: # 43 ~~«... وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم، وصار له صوت شديد على ~~ساعتين بقيتا من النهار.» # سنة 317ه # يروي ابن الأثير ضمن تأريخه لأحداث هذه السنة: # 44 ~~«... وفيها، آخر ذي القعدة، انقض كوكب عظيم، وصار له ضوء عظيم جدا.» ~~ولم يرد - فيما يبدو - ذكر لهذا الحدث في كتب أخرى، من تلك التي تناولت أحداث نفس ~~السنة. # سنة 323ه # يورد النويري حادثة تسجيل ظهور ظاهرة الشهب ضمن حوادث هذه السنة؛ إذ ~~يذكر: # 45 ~~«وفيها في ليلة الثاني عشر من ذي القعدة انقضت الكواكب انقضاضا ~~دائما مستمرا من أول الليل إلى آخره.» ويورد ابن الجوزي نفس الحادثة، في ذات ~~التاريخ، إذ يقول: # 46 ~~«وفي هذه الليلة بعينها: انقضت النجوم ببغداد من أول الليل إلى آخره. ~~وبالكوفة أيضا انقضاضا مسرفا لم يعهد مثله ولا ما يقاربه.» ويورد كذلك السيوطي ~~خبر انقضاض النجوم في كتابه «تاريخ الخلفاء» في معرض عرضه لأهم الحوادث التي وقعت ~~في خلافة «الراضي بالله» (322-329ه)، فيذكر ضمن أحداث سنة 323ه: # 47 ~~«وفيها: في ذي القعدة: انقضت النجوم انقضاضا عظيما ما رئي مثله.» ~~وربما يكون هذا الحدث لعرض من عروض الشهب البديعة في الجو؛ إذ إن الخبر يذكر ~~نجوما منقضة وليس كواكب، وهذا ربما يكون لبعدها في الفضاء، فوصفها من شاهدها ~~بأنها نجوم. # سنة 359ه # يروي ابن الجوزي ms050 في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حادثة سقوط نيزك كبير؛ إذ ~~يذكر: # 48 ~~«... وفي ذي الحجة انقض كوكب عظيم في أول الليل أضاءت منه الدنيا حتى ~~صار كأنه شعاع الشمس وسمع في انقضاضه صوت كالرعد الشديد.» ويورد ابن كثير حادثة ~~سقوط هذا النيزك، ضمن أحداث نفس السنة، نقلا عن ابن الجوزي؛ إذ يورد رواية ابن ~~الجوزي صراحة، حيث يذكر: # 49 ~~«قال ابن الجوزي: وانقض كوكب في ذي الحجة فأضاءت منه الدنيا حتى بقي له ~~شعاع كالشمس، ثم سمع له صوت كالرعد.» وأورد نفس الحادثة ابن تغري بردي، وزاد ~~عليها ما أصاب الناس من فزع وهول، جراء رؤيتهم حادثة السقوط؛ إذ يذكر: # 50 ~~«... وفيها في ذي الحجة انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى ~~صار كأنه شعاع الشمس وسمع في انقضاضه صوت كالرعد الشديد، فهال ذلك الناس ~~وارتعدوا له.» وأورده أيضا السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء»، ضمن تناوله الأحداث ~~التي وقعت أثناء خلافة المطيع لله (334-363ه): # 51 ~~«... وفي سنة تسع وخمسين (وثلاثمائة) انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه ~~الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد.» # سنة 361ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حادثة سقوط نيزك؛ إذ ~~يذكر: # 52 ~~«... وانقض في ليلة الأربعاء تاسع صفر كوكب عظيم له دوي كدوي ~~الرعد.» وأورد نفس الحدث أيضا ابن الأثير ضمن أحداث نفس السنة، حيث يقتبس - فيما ~~يبدو - من ابن الجوزي؛ إذ يذكر: # 53 ~~«في هذه السنة في صفر، انقض كوكب عظيم، وله نور كثير، وسمع له عند ~~انقضاضه صوت كالرعد، وبقي ضوءه.» # سنة 373ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 54 ~~«... وفي ليلة الأربعاء الحادي عشر من صفر انقض كوكب عظيم الضوء وكانت ~~عقيبة دوي كالرعد.» وأورد ابن الأثير، حدثا آخر في نفس السنة: # 55 ~~«وفيها، في ربيع الأول، انقض كوكب عظيم أضاءت له الدنيا، وسمع له مثل ~~دوي الرعد الشديد.» # سنة 389ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه ms051 السنة: # 56 ~~«... فمن الحوادث فيها أنه انقض في يوم الأحد لعشر بقين من ربيع الأول ~~كوكب كبير صحوة النهار.» وذكر ابن الأثير نفس الحدث ضمن أحداث نفس السنة: # 57 ~~«... في هذه السنة، عاشر ربيع الأول، انقض كوكب عظيم صحوة ~~نهار.» # سنة 392ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 58 ~~«... وفي ليلة الأربعاء لثمان بقين من رمضان طلع كوكب الذؤابة (مذنب). ~~وفي ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقض كوكب كضوء القمر ليلة التمام ومضى الضياء ~~وبقي جرمه يتموج نحو ذراعين في ذراع برأي العين وتشقق بعد ساعة.» وأورده ~~ابن كثير ، نقلا عن ابن الجوزي: # 59 ~~«قال ابن الجوزي: وفي ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة انقض كوكب كضوء ~~القمر ليلة التمام، ومضى الضياء وبقي جرمه يتموج نحو ذراعين في ذراع برأي العين، ~~وتشقق بعد ساعة.» لكن ابن الأثير يورد الخبرين ضمن أحداث سنة 393ه: # 60 ~~«... في هذه السنة، في رمضان، طلع كوكب كبير له ذؤابة (مذنب)، وفي ذي ~~القعدة انقض كوكب كبير أيضا كضوء القمر عند تمامه، وانمحق نوره وبقي جرمه ~~يتموج.» # سنة 396ه # يصف الشيخ الرئيس ابن سينا (980-1037م)، في كتابه الطبيعيات: الفن الخامس من ~~الطبيعيات «المعادن والآثار العلوية» من موسوعة «الشفاء» حادثة سقوط نيزك كبير في ~~هذه السنة، على منطقة «جوزجانان» [جورجان - جوزجان - جرجان] التي تقع الآن ضمن حدود ~~أفغانستان؛ إذ يذكر: # 61 ~~«وقد صح عندي بالتواتر ما كان ببلاد جوزجان، في زماننا هذا الذي ~~أدركناه، من أمر جديد لعله يزن مائة وخمسين منا. نزل من الهواء فنقر في الأرض، ثم ~~نبا نبوة أو نبوتين نبو الكرة التي ترمي بها الحائط، ثم عاد فنشب في الأرض. ~~وسمع الناس لذلك صوتا عظيما هائلا. فتعذر نقله لثقله، فحاولوا كسر قطعة منه، فما ~~كانت الآلات تعمل فيه إلا بجهد. وحكي أن جملة ذلك كان ملتئما من أجزاء جاورسية ~~صغار مستديرة، التصق بعضها ببعض.» ويلمس البيروني، الذي عاصر الحدث، الموضوع في ~~كتابه «الجماهر في معرفة الجواهر»، أثناء وصفه للحديد ضمن الفلزات ms052 الأخرى التي عرض ~~لها، ويقدم فرضية مخالفة لابن سينا عن أصل المواد الصلبة التي تسقط أثناء ما كان ~~يطلق عليه الكتاب القدامى «الصواعق»؛ إذ عاد لما كان يتصوره الفلاسفة القدماء من أن ~~هذه المواد إما مقذوفات من باطن الأرض، أو هي منقولات من على سطحها، كما يحدث في ~~حالة الأعاصير الشديدة التي تكتسح في طريقها الأحجار ثم تلقى بها في مواقع أخرى، ~~كما يؤكد أن حديد النيزك لم يكن جيدا؛ إذ يقول: # 62 ~~«... فليس إلا الريح التي مع الرعود والبروق والصواعق وهي سببها تحمل ~~الفلزات من مواضع أخر؛ إما من ظهر الأرض وإما مرمية بالمردغات من بطنها - يشهد له ~~الحديد الواقع منذ سنين بالجوزجان إذ كان أنجرا بحريا على ما شهد أحد المحصلين ~~فيه من مشابهة بعد تغير شكله بما غشيه من الإحماء في قوة الرمي ولم يكن جوهره بجيد؛ ~~إذ ليس تختار الأناجر من أجود الحديد فإن الغرض فيه الثقل فقط.» ويقدم ابن إياس في ~~كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» وصفا للحدث في معرض حديثه عن فحص حجر ~~صاعقة غير حقيقية ضمن أحداث سنة 916ه: # 63 ~~«... ومما حكى عن أمر الصاعقة الحقيقة أنه في سنة ست وتسعين وثلاثمائة ~~(ه) وقعت صاعقة عظيمة بجرجان، فرجت لها الأرض وسقطت من هولها الحوامل، فخرج الناس ~~إلى مكان سقطت فيه، فوجدوها قد ساخت في الأرض على قدر قامة، فنبشوا عليها فوجدوها ~~قد بقيت قطعة حديد قدر مائة وخمسين منا [المن وحدة وزن قديمة، تختلف باختلاف ~~البلدان، وربما يقدر الوزن بحوالي 280كجم أو أكثر]، وهي أجزاء جاورسية صغار مستديرة ~~قد التصق بعضها ببعض، فسمع بذلك السلطان محمود بن سبكتكين صاحب خراسان، وهو أول من ~~تلقب بالسلطان، فكتب إلى عامل جورجان بنقل هذه القطعة الحديد، فتعذر عليهم نقلها، ~~فحاولوا كسر قطعة منها فلم تعمل فيها الآلات، فعولج كسر قطعة منها بعد جهد كبير ~~فحملت إليه، فرام أن يصنع منها سيفا له فتعذر ذلك ولم يتم له ما أراد.» وعدم ~~القدرة على تشكيل سيف منها، ms053 يعني أنها لم تكن حديدا خالصا، مما يؤكد أن النيزك ~~كان حديديا-حجريا، ولم يكن نيزكا حديديا. # 64 # ويذكر القزويني - أثناء حديثه عن تكون الأحجار من انعقاد الهواء ~~بالبرودة في إشارة لسقوط الأحجار الصلبة من الجو أثناء الصواعق - هذا ~~الحدث: # 65 ~~«وحكى الشيخ الرئيس أيضا أن في زمانه وقع من الهواء بأرض جورجابان ~~جسم كقطعة حديد في قدر خمسين منا كحبات الجاورس المنضمة، فما كان يتناثر من ~~الحديد والجواهر المعدنية كثيرة لا يعرف الإنسان منها إلا القليل.» وهذا الوصف ~~ينطبق على نيازك البالاسيت التي تحتوي مع الحديد على معدن الأوليفين ~~(الزبرجد). # سنة 399ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 66 ~~«... فمن الحوادث فيها أنه انقض في وقت المغرب من يوم الأربعاء مستهل رجب ~~كوكب عظيم الضوء وتقطع ثلاث قطع أخذت كل قطعة جانبا. وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر ~~شعبان عصفت ريح شديدة وألقت رملا أحمر في الدور والطرق.» # سنة401ه # يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 67 ~~«... وفي يوم الخميس لسبع بقين من صفر انقض كوكب في وقت العصر من ~~الجانب الغربي إلى سمت دار الخلافة من الجانب الشرقي لم ير أعظم منه.» وأورده ~~أيضا ابن الأثير ضمن أحداث نفس السنة: # 68 ~~«... وفيها انقض كوكب كبير لم ير أكبر منه.» وكذلك رواه الذهبي. # سنة 403ه # يورد ابن الجوزي، في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حدثين لسقوط ~~النيازك: # 69 ~~«... وفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من صفر وقت العشاء انقض كوكب كبير ~~الجرم عن يمنة القبلة وملأ الأرض ضوءه واستعظم الناس ما رأوه منه.» ويضيف فيما ~~يعتبر تمييزا بين النيازك والصاعقة: «وفي شعبان وقعت بالكوفة صاعقة في أثناء رعد ~~وبرق فسقطت على حائط فرمت به ... وفي رمضان انقض كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوءه ~~ضوء القمر وتقطع قطعا وبقي ساعة طويلة.» ويورد ابن كثير نقلا عن ابن الجوزي ~~حدثا واحدا من الحدثين (حدث رمضان) ضمن أحداث نفس السنة: # 70 ~~«قال ابن الجوزي: وفي رمضان منها انقض كوكب ms054 من المشرق إلى المغرب غلب ~~ضوءه على ضوء القمر، وتقطع قطعا وبقي ساعة طويلة.» # سنة 417ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 71 ~~«... وفي شهر رمضان انقض كوكب عظيم الضوء كان له دوي كدوي الرعد.» ~~ويورد ابن الأثير نفس الحدث: # 72 ~~«... وفيها انقض كوكب عظيم استنارت له الأرض، فسمع له دوي عظيم، كان ذلك ~~في رمضان.» ويورده كذلك ابن كثير ضمن تأريخه لأحداث هذه السنة: # 73 ~~«... وفي رمضان انقض كوكب سمع له دوي كدوي الرعد.» # سنة 420ه # يسجل ابن الجوزي ثلاث حوادث مختلفة، سقطت ~~فيها الأحجار السماوية على الأرض في أماكن مختلفة، في معرض تأريخه لأحداث هذه ~~السنة. وإن حدد تواريخ تلك الحوادث، فإنه لا يذكر بالتحديد المواضع التي سقطت عليها ~~تلك النيازك . ويذكر في هذا الخصوص: # 74 ~~«... وفي وقت عتمة ليلة الثلاثاء لعشر بقين من رجب انقض كوكب عظيم أضاءت ~~منه الأرض وكان له دوي كدوي الرعد وتقطع أربع قطع. وانقض في ليلة الخميس بعده ~~كوكب آخر دونه وانقض في ليلة الأربعاء لليلتين بقيتا من الشهر كوكب ثالث أكبر ~~من الأول وأكثر إضاءة وانتشار شعاع.» ويورد ابن الأثير نفس الخبر. وكما يبدو من ~~قراءة الخبر، أنه ينقله من رواية ابن الجوزي؛ إذ يذكر في معرض تأريخه لأحداث نفس ~~السنة: # 75 ~~«وفيها انقض كوكب عظيم في رجب، وأضاءت منه الأرض، وسمع له صوت عظيم ~~كالرعد، وتقطع أربع قطع، وانقض بعده بليلتين كوكب آخر دونه، وانقض بعدهما كوكب أكبر ~~منهما وأكثر ضوءا.» ويورد ابن كثير الخبر بصورة مقتضبة: # 76 ~~«وفي رجب من هذه السنة، انقضت كواكب كثيرة شديدة الصوت قوية ~~الضوء.» # سنة 423ه # يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة، حدثين لسقوط ~~النيازك: # 77 ~~«... وفي عشية يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الأولى عند تصويب الشمس ~~للغروب انقض كوكب كبير الجرم كثير الضوء. وفي ليلة الاثنين ثاني شوال انقض كوكب ~~أضاءت منه الأرض وارتاع له الناس وكان في شكل (؟) ولم يزل يتقلب حتى اضمحل.» ~~ويورد الذهبي ms055 أيضا نفس الحدثين، لكنه يحدد شكل الحدث الثاني: # 78 ~~«وفي شوال انقض ليلة الاثنين كوكب أضاءت منه الأرض وارتاع له العالم، ~~وكان في شكل الترس، ولم يزل يقل حتى اضمحل.» # سنة 425ه # يورد ابن الأثير في تاريخه الكامل، حدثين مختلفين لسقوط النيازك ضمن أحداث هذه ~~السنة: # 79 ~~«... وفيها، في ذي القعدة، انقض كوكب هال منظره الناس، وبعده بليلتين ~~انقض شهاب آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض، وغلب على ضوء المشاعل، ومكث ~~طويلا حتى غاب أثره.» وقد ذكر الذهبي الحدثين: # 80 ~~«وفي ذي القعدة انقض شهاب كبير مهول، ثم بعد جمعة انقض شهاب ملأ ضوءه ~~الأرض، وغلب على ضوء المشاعل، وروع من رآه، وتطاول مكثه على ما جرت به عادة ~~أمثاله، حتى قيل انفرجت السماء لعظم ما شوهد منه.» # سنة 427ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 81 ~~«... وفي ضحوة نهار يوم السبت لثمان بقين من رجب انقض كوكب غلب ضوءه على ~~ضوء الشمس وشوهد في آخره مثل التنين أزرق يضرب إلى السواد وبقي نحو ساعة.» ويورد ~~ابن الأثير نفس الخبر: # 82 ~~«... في هذه السنة، في رجب، انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس وشوهد ~~في أخرها مثل التنين يضرب إلى السواد، وبقي ساعة وذهب.» # سنة 443ه # يذكر النويري ضمن أحداث هذه السنة: # 83 ~~«... في يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر ظهر ببغداد كوكب غلب نوره ~~على نور الشمس له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيرا بطيئا، ثم انقض والناس ~~يشاهدونه.» وأورد ابن الأثير نفس الخبر: # 84 ~~«... ظهر ببغداد يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر، كوكب غلب نوره على نور ~~الشمس، له ذؤابة نحو ذراعين، وسار سيرا بطيئا ثم انقض، والناس يشاهدونه.» # سنة 447ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 85 ~~«... وفي آخر نهار الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر انقض كوكب كبير ~~الجرم فتقطع ثلاث قطع.» # سنة 452ه # يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 86 ~~«وفي يوم الأربعاء ثالث جمادى ms056 الآخرة انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع ~~الشمس من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق فطال لبثه.» وأورده ابن الأثير: # 87 ~~«... وفيها، ثالث جمادى الآخرة، انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الفجر ~~من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق، فطال لبثه.» # سنة 455ه # يروي ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 88 ~~«... وفي ليلة الاثنين لخمس بقين من ربيع الآخر انقض كوكب كبير كان له ~~ضوء كبير.» ويبدو أن ابن الأثير يورد نفس الحدث ضمن أحداث ذات السنة: # 89 ~~«... وفيها في ربيع الآخر، انقض كوكب عظيم، وكان له ضوء كثير.» # سنة 456ه # يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة: # 90 ~~«... وفيها انقض كوكب عظيم، وكثر نوره فصار أكثر نورا من نور القمر. ~~وسمع له دوي عظيم، ثم غاب.» ويقتصر تسجيل هذا الحدث على ابن الأثير فقط؛ إذ لم يرد ~~في تسجيلات المؤرخين الآخرين. ويبدو من خلال هذا الوصف أن النيزك الساقط كان نيزكا ~~كبيرا جدا، لدرجة أن نوره وصف كنور القمر، وصاحبه دوي عظيم، وهذا لا يكون إلا ~~في حالة سقوط النيازك الكبيرة. # سنة 457ه # يذكر ابن الجوزي في معرض تأريخه لأحداث هذه السنة: # 91 ~~«... وفي ليلة الثلاثاء ثالث رمضان انقض كوكب عظيم وانبسط نوره كالقمر ~~ثم تقطع قطعا وأسمع دويا مفزعا.» ويورد ابن الأثير نفس الحدث: # 92 ~~«... وفيها انقض كوكب عظيم، وصار له شعاع كثير أكثر من شعاع القمر، ~~وسمع له صوت مفزع.» # سنة 458ه # يصف ابن الجوزي، أثناء تأريخه لأحداث هذه السنة، حدث ظهور مذنب؛ إذ ~~يذكر: # 93 ~~«وفي العشر الأول من جمادى الأولى ظهر في السماء كوكب كبير له في ~~المشرق ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع، وطولها أذرع كثيرة، إلى حد المجرة من وسط ~~السماء مادة نحو المغرب، ولبث إلى ليلة الأحد لست بقين من هذا الشهر، وغاب ثم ظهر ~~في ليلة الثلاثاء عند غروب الشمس، قد استدار نوره عليه كالقمر، فارتاع الناس ~~وانزعجوا، ولما اعتم الليل رمى ذؤابة نحو الجنوب وبقي عشرة أيام ثم اضمحل.» ويسجل ~~في ms057 ذات السنة حادثة سقوط نيازك أو شهب؛ إذ يذكر: # 94 ~~«وفي ليلة الأحد لأربع بقين من شعبان انقض كوكبان كان لأحدهما ضوء كضوء ~~القمر، وتبعهما في نحو ساعة بضعة عشر كوكبا صغارا إلى نحو المغرب.» # سنة 477ه # يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة: # 95 ~~«... في هذه السنة، في صفر، انقض كوكب من المشرق إلى المغرب، كان حجمه ~~كالقمر وضوءه كضوئه، وسار مدى بعيدا على مهل وتؤدة في نحوه، ولم يكن له شبيه ~~من الكواكب.» ويورد النويري خبر نفس الحدث ضمن أحداث نفس السنة: # 96 ~~«وفي شهر صفر انقض كوكب من الشرق إلى الغرب كان حجمه وضوءه ~~كالقمر، وسار مدى بعيدا على مهل في نحو ساعة.» # سنة 515ه # يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة: # 97 ~~«... وفيها، في ربيع الآخر، انقض كوكب عشاء، وصار له نور عظيم، وتفرق منه ~~أعمدة عند انقضاضه، وسمع عند ذلك صوت هدة عظيمة كالزلزلة.» # سنة 572ه # يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة: # 98 ~~«... وفيها انقض كوكب أضاءت له الأرض إضاءة كثيرة، وسمع له صوت عظيم ~~وبقي أثره في السماء مقدار ساعة وذهب.» # سنة 589ه # يروي ابن الأثير ضمن أحداث هذه السنة: # 99 ~~«... وفيها انقض كوكبان عظيمان، وسمع صوت هدة عظيمة وذلك بعد طلوع الفجر ~~وغلب ضوءهما القمر وضوء النهار.» # سنة 593ه # يورد السيوطي في كتابه «تاريخ الخلفاء» خبر انقضاض كوكب كبير أثار الفزع والرعب ~~في الناس، وهو يؤرخ لما وقع من حوادث أثناء خلافة الناصر لدين الله (575-622ه)؛ إذ ~~يذكر: # 100 ~~«... وفي سنة ثلاث وتسعين (وخمسمائة) انقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت ~~هائل واهتزت الدور والأماكن فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء وظنوا ذلك من ~~أمارات القيامة.» # سنة 637ه # ينفرد النويري بتسجيل هذا الحدث؛ حيث يذكر أثناء تأريخه لحوادث تلك ~~السنة: # 101 ~~«... ذكر عدة حوادث وقعت في سنة سبع وثلاثين وستمائة - خلاف ~~ما قدمناه - في هذه السنة ... وفيها، في ليلة ~~الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة، سقط كوكب عظيم قبل طلوع الفجر بمنزلة، وكان مستديرا ~~على هيئة ms058 ومقدار، فأضاءت منه الدنيا، وصارت الأرض أشد نورا من ليلة التمام. ~~وشاهده من كان ببلبيس عابرا عليها آخذا من المشرق إلى نحو القبلة، وشاهده من كان ~~بظاهر القاهرة، عابرا من جهة باب النصر إلى صوب قلعة الجبل. ثم قطع البحر إلى ~~ناحية الجزيرة، وكانت له ذؤابة طويلة خضراء، مبتورة قدر رمحين. واعتقبه رعد شديد، ~~وتقطع منه قطع. وأقام، من حين إدراك النظر له حين انطفائه، بقدر ما يقرأ الإنسان ~~سورة الإخلاص ثلاثين مرة - هكذا قدره من شاهده - على ما نقل إلينا.» وقد تبلغ ~~الفترة الزمنية التي استغرقها ظهور الحدث في الجو بحوالي دقيقة تقريبا، حيث تستغرق ~~قراءة سورة الإخلاص مرة واحدة حوالي 5 ثوان. # سنة 679ه # يروي ابن كثير، في معرض تأريخه لأحداث سنة 679ه/1280م، حادثة وقوع صاعقة على ~~الجبل الأحمر شرق القاهرة، فأصابت حجرا فأحرقته، وتكون نتيجة لذلك حديد، حيث ~~يسجل بعضا من الأحداث التي سقطت فيها الصواعق على الأرض، والتي من بينها حدث ~~نيزكي: # 102 ~~«... ووقعت صاعقة بالإسكندرية وأخرى في يومها تحت الجبل الأحمر على صخرة ~~فأحرقتها، فأخذ ذلك الحديد فسبك فخرج منه أواقي بالرطل المصري.» ورغم الخلط بين ~~الصواعق العادية والنيازك، إلا أن المرء يستنتج بسهولة ويسر أن الحدث الأخير ~~يشير إلى ظاهرة سقوط نيزك من النيازك الحديدية. وقد ورد نفس الحدث في العديد من ~~كتب المؤرخين العرب، مثل السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة»، وابن حبيب في كتابه ~~«تذكرة النبيه في أيام المنصور وبنيه»، الذي سبق ذكره. ويورد اليونيني (قطب الدين ~~أبو الفتح موسى بن محمد اليونيني، المتوفى سنة 726ه) في كتابه «ذيل مرآة الزمان»، ~~هذا الحدث؛ إذ يذكر: # 103 ~~«وفي يوم عرفة منه وقع بالديار المصرية برد من كبار الحجم فأهلك من ~~الغلال والزراعات ما لا يحصى، وكان معظم ذلك بالوجه البحري، ووقع بظاهر القاهرة ~~تحت الجبل الأحمر صاعقة على حجر فأحرقته فأخذ من ذلك الحجر قطعة وسبكت فاستخرج منها ~~قطعة حديد بلغت زنتها أربع أواقي من المصري، ووقع في ذلك اليوم بعينه صاعقة بثغر ~~الإسكندرية.» ms059 ويبدو جليا من هذا الوصف أن الصاعقة، التي ورد ذكرها في هذا الخبر، ~~تشير إلى سقوط نيزك حديدي. # نيزك برجي (733ه/1332م) # يذكر الرحالة العربي المعروف «ابن بطوطة» (أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد ~~بن إبراهيم (703ه/1304م-779ه/1377م))، في كتابه «رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة ~~النظار في غرائب الأمصار»، وصفا لنيزك كان قد شاهده في مدينة «بركي» (برجي) من ~~أعمال البلاد التركية؛ حيث يذكر - ضمن أحداث رحلته في آسيا الصغرى، ولقائه بسلطان ~~مدينة بركي (برجي) التركية، السلطان «محمد بن آبدين» - وصفا لنيزك كان قد سقط على ~~المدينة، من فترة وجيزة على وصوله: # 104 ~~«... وسألني السلطان في هذا المجلس، فقال لي: «هل رأيت حجرا أنزل من ~~السماء؟» فقلت: «ما رأيت ذلك، ولا سمعت به.» فقال لي: «إنه قد نزل بخارج بلدنا هذا ~~حجر من السماء.» ثم دعا رجالا وأمرهم أن يأتوا بالحجر، فأتوا بحجر أسود أصم شديد ~~الصلابة له بريق، قدرت أن زنته تبلغ قنطارا [حوالي 44,928كجم، أو أكثر] وأمر ~~السلطان بإحضار القطاعين فحضر أربعة منهم، فأمرهم أن يضربوه، فضربوا عليه ضربة رجل ~~واحد أربع مرات بمطارق الحديد، فلم يؤثروا فيه شيئا، فعجبت من أمره. وأمر برده ~~إلى حيث كان.» ويمثل هذا الحدث، من خلال الوصف المقدم، حادثة سقوط نيزك حديدي كبير. ~~وقد حقق باحثون في العصر الحديث الحدث، من خلال دراسة رواية ابن بطوطة، وخلصوا إلى ~~أن النيزك الذي سقط في تلك الفترة كان نيزكا حديدا، وكان يبلغ وزنه حوالي ~~60كجم. # 105 # وقد أشارت بعض الدراسات الحديثة إلى أن عددا من السيوف شكلت من قطع ~~حديدية كانت قد اقتطعت من جسم الحديد النيزكي، لكن للأسف لا يوجد تسجيل معتمد ~~للمسار التاريخي لتلك السيوف، يذكر إلى أين ذهبت، وماذا كان مصيرها؟ # سنة 792ه # يورد الخزرجي في كتابه «العقود اللولئية في تاريخ الدولة الرسولية» خبر انقضاض ~~كوكب كبير في شوال من هذه السنة: # 106 ~~«... وفي ليلة الاثنين التاسع من شوال انقض كوكب عظيم من ناحية الجنوب ~~إلى ناحية الشمال وقت صلاة ms060 العشاء، فكان له ضوء عظيم زائد على ضوء القمر زيادة ~~كثيرة، وبعد مغيبه بقليل وقعت هدة عظيمة حتى سمعت أن بعض العقلاء قام من موضعه ~~فزعا مرعوبا يظن أن منزله قد انهدم أو انهدم بعضه من شدة ما سمع.» وهذا الوصف ~~ينطبق على سقوط النيازك الضخمة، التي تحدث الفوهات النيزكية في مواضع ارتطامها ~~بالأرض. # سنة 802ه # يذكر الخزرجي في كتابه «العقود اللؤلئية في تاريخ الدولة الرسولية»، ضمن ما أورده ~~من أحداث وقعت في هذه السنة: # 107 ~~«... وفي يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الأخرى وقعت رجفة عظيمة نصف ~~النهار، وانقض كوكب يحكي من رآه أنه كان على هيئة القمر فانهدمت حينئذ مواضع ~~كثيرة في الجبال.» وهذا تسجيل قيم من الوجهة العلمية، خاصة وأن المؤلف عاصر الحدث ~~بنفسه، ولم ينقله عن كتاب سابقين، كما هو الحال في أغلب تسجيلات أحداث النيازك. وفي ~~قوله في هذا الحدث: «وانقض كوكب يحكي من رآه أنه كان على هيئة القمر فانهدمت ~~حينئذ مواضع كثيرة في الجبال.» - فيه إشارة واضحة إلى أنه يصف حادثة سقوط نيزك ~~كبير، على الأراضي اليمنية، أثر على الأرض في منطقة السقوط، وتسبب في تصدع وهدم ~~أجزاء من المنطقة الجبلية التي سقط عليها. ويتوافق تأثير الجسم على الأراضي التي ~~سقط عليها، مع وصف حجم الجسم الساقط الذي بدا - في نظر من رأوه - على أنه كان على ~~هيئة القمر. كما يضيف المؤلف حدثا آخر وقع في شهر شعبان من نفس السنة، ربما تكون ~~له دلالات مهمة على تأثير ارتطام النيازك بالأرض؛ إذ يورد: # 108 # وفي يوم الاثنين العاشر (من شهر شعبان سنة 802ه) وقعت رجفة شديدة. ~~وأخبرني الفقيه تقي الدين عمر بن أحمد بن عبد الواحد قال: بينما أنا وجماعة من ~~الرعية في رأس الوادي زبيد وقت الضحى الأول إذ حصلت رجفة شديدة وكان أحد عمالة ~~النخل حينئذ على نخلة عندنا هناك فكادت النخلة تسقط بالعامل. وكان قد انقض نجم ~~قبل ذلك بساعة من ناحية المغرب إلى المشرق فوقع بين جبلين هناك فاشتعلت ms061 النار ~~حينئذ موضعه ثم حصلت الرجفة بعده بقليل.» فهذا الوصف يربط بين سقوط النيازك الضخمة ~~وما يترتب على ذلك من انزلاقات أرضية، لا تقتصر فقط على لحظة الارتطام، بل قد تظهر ~~بعد حدوث الارتطام بوقت قصير أو طويل. ويبقى الأمل معقودا على المساحة الجيولوجية ~~اليمنية في تحري هذا الحدث، الذي حدد المؤلف موقعه وتاريخه، فربما يتم الكشف عن ~~ظاهرة نيزكية فريدة من نوعها. # سنة 910ه # يورد العيدروس (عبد القادر بن شيخ بن عبد ~~الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس)، في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن ~~العاشر»، ضمن أحداث هذه السنة: # 109 ~~«... وفيها انقض كوكب عظيم وقت العشاء من اليمن في الشام عرض مدينة ~~زبيد وتشظى منه شظايا عظيمة. ثم حصلت بعده هزة عظيمة. ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله.» ويورد ابن العماد نفس الحدث ضمن أحداث ذات السنة: # 110 ~~«... وفيها انقض كوكب عظيم وقت العشاء من اليمن في الشام وتشظى منه ~~شظايا عظيمة ثم حصل بعده هدة عظيمة.» # سنة 916ه # يذكر ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» حادثة عرض جسم نيزكي على ~~السلطان، حيث يذكر: # 111 ~~«... ومن الوقائع أن الأمير أركماس الذي كان نائب الشام، طلع إلى السلطان ~~بقطعة فولاذ هيئة الكرة، وزعم أنها صاعقة نزلت ببعض الجبال، وأن أعرابيا أهداها ~~إليه، ففرح السلطان بذلك، وجمع السباكين فقالوا إنها صاعقة لا محالة، فنظر إليها ~~بعض الزردكاشية فأنكر ذلك، وقال: هذه حجر مرقشيتة، وهو حجر صلب، فلما سمع السلطان ~~ذلك شق عليه ونزل إلى الميدان، وجمع السباكين وحضر الأمير أركماس، ووضعوا ذلك الحجر ~~الذي على هيئة الفولاذ في النار، فمجرد ما وضعوه في النار صار مثل الحرنقش وتفتت، ~~فخجل الأمير أركماس من ذلك، وانتصف عليه ذلك الزردكاش، وهو الجمالي يوسف أخو مؤلفة، ~~وعد ذلك من النوادر.» وربما يكون الحجر المقصود في هذه الرواية نيزكا حجريا، ~~لكنهم في ذلك الوقت كانوا لا يعتدون إلا بالنيازك الحديدية. فبالنسبة لهم هي ~~النوعية الوحيدة التي ترتبط بالصاعقة (النيازك)، وما عداها ms062 فلا يعتد به، كما يتضح ~~من خلال التجهيزات التي تمت بمجرد العلم بأمر وجود حجر صاعقة مع أحد من ~~الناس. # ويورد العيدروس، في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن العاشر»، ضمن أحداث هذه ~~السنة: # 112 ~~«وفي ليلة الاثنين الخامس من شهر جمادى الأولى ... وفيها: انقض كوكب عظيم ~~من نصف الليل آخذا في الشام وأضاءت الدنيا كذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان ~~حاول رؤية الذر بذلك لم يمتنع عليه، ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ~~ساعة طويلة.» وأورده كذلك ابن العماد نقلا عن العيدروس، ضمن أحداث نفس ~~السنة: # 113 ~~«... فيها كما قال في النور انقض كوكب عظيم من نصف الليل آخذا في الشام ~~وأضاءت الدنيا لذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر لم يمتنع عليه ثم ~~غاب في الجهة الشامية، وبقي أثره في السماء ساعة طويلة.» ويورد العيدروس حدثا آخر ~~أيضا، ضمن أحداث ذات السنة، وهو ذاته الذي وصفه ابن العماد: # 114 ~~«... وفيها زلزلت مدينة زبيد زلزالا ~~شديدا ثم زلزلت مرة أخرى ثم ثالثة وانقض في عصر ذلك اليوم كوكب عظيم من جهة المشرق ~~آخذا في جهة الشام ورئي نهارا وحصل عقبه رجفة عظيمة كالرعد الشديد.» # ومن خلال هذا العرض الموجز لبعض تسجيلات كتاب العرب القدامى لحوادث سقوط النيازك، ~~يجد المرء نفسه أمام عدد من الأحداث التي تصف سقوط نيازك حقيقية، في أوقات مختلفة ~~وعلى مناطق مختلفة. ويستطيع المرء، من خلال الظواهر التي وصفت مصاحبة لتلك الأحداث، ~~أن يقف على بعض الجوانب الفنية في ظواهر السقوط تلك، كحجم النيزك الساقط، وذلك من ~~خلال الأصوات التي ترافق سقوطه، واتجاهه من خلال إشاراتهم إلى الجوانب التي ظهر ~~فيها، ووقت سقوطه، وتشظي الجسم أثناء سقوطه، أو سقوطه على هيئة كتلة واحدة. ثم ~~يجد المرء دقة متناهية في التأكيد على أن الحدث كان نيزكا؛ إذ يجد بعض التسجيلات ~~تحرص على التأكيد على أن السماء كانت صافية (لا غيم فيها)، أي أن الأصوات لا علاقة ~~لها بظواهر الرعد والبرق ms063 (الصواعق). ثم ما يدل على سقوط نيازك من خلال تلك الأحداث، ~~الرجفة العنيفة التي ترافقها، والتي حرصوا على ذكرها مع بعض الأحداث، وإن لم تذكر ~~فمعناها أن النيازك الساقطة، كانت صغيرة، فلم يترتب على سقوطها رجة محسوسة، أو كانت ~~كبيرة بالفعل لكنها سقطت في أماكن بعيدة عن الناس، فلم يشعروا بالرجة التي يمكن أن ~~تحدثها. ثم ما يدهش المرء حقيقة ذكر تأثيرات سقوط النيازك على الأرض، فتجد في حادث ~~سنة 802ه، والذي أورده «الخزرجي» في كتابه، أن الحدث أدى إلى تهدم قطع من الجبال. ~~وهذا يتوافق مع نيازك الفوهات الكبيرة، التي يحدث ارتطامها بالأرض دمارا كبيرا ~~ناتجا عن طاقة الصدمة. ثم وصف الأضواء الشديدة التي صاحبت أغلب هذه الأحداث، ~~وأشهرها على الإطلاق، وصف العيدروس، للأضواء المصاحبة لحادثة نيزك سنة 916ه: «... ~~وأضاءت الدنيا لذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر لم يمتنع عليه.» ~~وهذا يتشابه تشابها تاما مع التسجيلات الحديثة للظواهر المصاحبة لسقوط النيازك. ~~ثم وصفه ووصف غيره من المؤرخين العرب للفترة الزمنية التي يستغرقها الحدث، فمنهم من ~~يذكر أن الحدث استمر أثره في السماء وقتا طويلا نسبيا: «... ثم غاب في الجهة ~~الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة.» بما يتوافق تماما مع الأتربة وأعمدة ~~الدخان التي تتخلف عن سقوط النيازك، وتظل عالقة في الأجواء زمنا محسوسا. # ويلاحظ أن تسجيلات النيازك - ضمن بعض المراجع التي سنحت الفرصة بالاطلاع عليها ~~- بلغ ذروته خلال القرن الخامس الهجري من 400-500ه. ثم أخذ يتناقص تناقصا ملحوظا. ~~وهذه مقارنة نسبية، وليست مطلقة ما لم تطالع بقية المؤلفات العربية. وبعض الأحداث، ~~التي تم نقلها عن مصدر واحد، لا يعني أنها غير مسجلة في مصادر أخرى، لكن لم يتم ~~الاطلاع عليها، أو تم الاكتفاء بذلك خشية الإطالة. # الفصل الخامس # | لماذا ندرس النيازك؟ # «النيازك: مسبار الرجل الفقير الفضائي.» (إدوارد ج. أولسين) ~~*** # من الطبيعي أن تنال النيازك اهتمام الباحثين؛ ففي ذاتها - كمادة طبيعية - ~~يجب أن تدرس بعناية لفهم خصائصها الدقيقة، لكن للنيازك وضعا خاصا يجعلها محل اهتمام ms064 ~~الباحثين، باعتبارها مادة من خارج الأرض؛ فالنيازك من أولى المواد الخارجية، التي حصل عليها ~~الباحثون ودرسوها، وتبينوا من دراستها طبيعة الأجسام التي توجد خارج نطاق الأرض، والعلاقة ~~بينها وبين مكونات الأرض، قبل أن يحصل الإنسان على عينات من سطح القمر، من خلال الرحلات ~~التي نظمها، بداية من عام 1969م، حيث وطئت أول قدم إنسان سطح القمر. وتنبه الباحثون لأهمية ~~النيازك العلمية خلال تلك الفترة، التي بدأت فيها إرهاصات إرسال المركبات الفضائية؛ لسبر ~~أغوار الفضاء، فصار يطلق على النيازك في ذلك الوقت «مسابير الفقراء الفضائية». ففي سلسلة ~~المحاضرات التي كان ينظمها متحف التاريخ الطبيعي بلندن للجمهور، في عام 1968م، اختار الباحث ~~«إدوارد ج. أولسين» # Edward J. Olsen ~~، رئيس قسم المعادن ~~بالمتحف، عنوان محاضرته عن النيازك: «النيازك: مسبار الرجل الفقير ~~الفضائي» # Meteorites: A Poor Man’s Space Probe ~~؛ فلا تكاليف ولا نفقات خيالية ترصد لإرسال مركبة فضائية تجلب ~~عينات من القمر بغية الدراسة. فها هي النيازك تأتي من مصادر مختلفة من الفضاء، ويحصل عليها ~~الباحثون مجانا، ويدرسونها ليقفوا على طبيعة الأجسام الفضائية التي تأتي منها. وأشار إليها ~~بعض الباحثين من قبل على أنها بمثابة «حجر رشيد» الفضاء. فكما مكن حجر رشيد الباحثين من فك ~~رموز اللغة الهيروغليفية القديمة، تمكن النيازك الباحثين من فهم طبيعة الكون. وستظل القيمة ~~العلمية العالية للنيازك كما هي، على الرغم من حصول الإنسان على عينات من القمر، وعلى الرغم ~~من إمكانية حصوله في المستقبل القريب على عينات من صخور المريخ، عن طريق البعثات الفضائية. ~~ذلك أن بعض النيازك يأتي من مصادر لا يستطيع الإنسان أن يحصل منها على عينات صخرية، ولو ~~لعدة سنوات قادمة على أحسن تقدير. # وتقدم دراسة النيازك معلومات قيمة، تسهم بشكل مباشر في تطور المفاهيم العلمية عن طبيعة ~~الأجسام الفضائية، وأعمارها، وطريقة تكونها، وتأثيرات الأشعة الكونية عليها، وتأثيرات ~~التصادمات التي تتم بينها، ومدى العلاقة والتشابه بين مصادر النيازك وبين الأرض. وتسهم ~~النيازك في اختبار الفروض القائلة بوجود الحياة في أماكن أخرى غير الأرض، وهل قامت في ms065 وقت ~~ما حياة، كالحياة الأرضية، على أجرام أخرى غير الأرض؟ أي أن دراسة النيازك تقود إلى فهم ~~أكبر، وأعمق للكون الذي نعيش فيه؛ ومن ثم اعتبرها الباحثون بأنها بمثابة «مسابير كونية» ~~طبيعية، تسجل الأحداث التي تتم بين الأجسام السماوية، ثم تفضي بها للباحثين عند ~~دراستها. # 1 # وسبق الإشارة إلى أن حادثة سقوط نيزك «إيجوسبوتامي»، الذي يعود تاريخها إلى ما ~~بين 469-467ق.م. أثرت في فكر اثنين من فلاسفة الإغريق آنذاك، فوضعا تصورا جديدا عن ~~الكون، والكواكب؛ # 2 # ومن ثم فإن الاهتمام بالنيازك وتأملها قاد إلى تطور الفكر العلمي عبر العصور، ~~كما أن الأخطار التي يمكن أن تنشأ عن ارتطام النيازك العملاقة بالأرض تجعل دراستها من ~~الأمور الحتمية؛ إذ يراقب الباحثون تحركاتها، من خلال المناظير الضخمة التي أنشئت خصيصى ~~لهذا الغرض، بغية اكتشاف وسيلة لدفعها بعيدا عن المدارات الخطرة، التي تهدد الأرض، أو ~~تدميرها قبل سقوطها على الأرض، أو محاولة تقليل أخطارها الكبيرة. ~~(1) النيازك وفهم أعمق للأرض # أسهمت دراسة النيازك إسهاما كبيرا في تطور الفكر العلمي عبر العصور. وأسهمت دراسة ~~النيازك في العصر الحديث إسهاما لا يمكن إغفاله في مجال فهم طبيعة الأرض، خاصة تلك ~~المفاهيم الخاصة بمكونات الأرض الداخلية. وقاد فهم بنية النيازك الداخلية، بعد تطور ~~عمليات دراستها بداية من النصف الثاني في القرن التاسع عشر، إلى فهم طبيعة وبنية ~~التركيب الداخلي للأرض، الذي لا يمكن دراسته بطريقة مباشرة. وقبل دراسة النيازك، كان ~~ينظر للأرض على أنها كرة هائلة من الجرانيت، تمتد من القشرة الأرضية (سطح الأرض) إلى ~~القلب أو المركز، الذي يوجد على عمق 6370كم. ففي عام 1866م وضع الباحث «دوبري» # Daubrée # نظريته عن مكونات الأرض الداخلية، التي توقع ~~فيها أن الأرض لا بد وأنها تتكون من نطاقات مختلفة التركيب، من بينها وجود لب أو قلب ~~مكون من سبيكة من الحديد والنيكل (مثل النيازك الحديدية)، ووشاح مكون من معادن سيلكات ~~أثقل في مكوناتها من مكونات القشرة الأرضية، بناء على النتائج التي حصل عليها ~~الباحثون، من خلال الدراسات المعدنية والكيميائية التي ms066 أجريت على النيازك، # 3 # والتي بينت أنها عبارة عن ثلاثة أقسام رئيسية؛ حديدية، وحجرية، ~~وحديدية-حجرية. وبما أن النيازك كانت على حسب الفروض السائدة آنذاك (وما زالت قائمة ~~مع فروض أخرى الآن)، تمثل شظايا كوكب كان يدور حول الشمس بين المريخ والمشتري، ~~وانفجر وتشظى إلى قطع متفاوتة الأحجام (حزام الكويكبات) فإن الأرض لا بد وأن تكون ذات ~~بنية نطاقية، شأنها شأن الكوكب الذي تشظى وصار مصدرا لهذه القطع، التي تسقط على ~~الأرض على هيئة نيازك. وقد أثبتت الدراسات الجيولوجية، والجيوفيزيقية، التي أجريت ~~بعد ذلك على مكونات الأرض الداخلية؛ أثبتت بالفعل دقة ما خلص إليه «دوبر»، وأيدت رأيه ~~عن البنية النطاقية للأرض، التي تتكون من ثلاثة نطاقات رئيسية متباينة في المكونات ~~الكيميائية والخصائص الطبيعية، هي: القشرة الأرضية وتمتد من سطح الأرض حتى عمق 40كم، ~~والوشاح الذي يبدأ من 40كم حتى عمق 2900كم، ويقسم إلى وشاح علوي (من 40 إلى 410كم)، ~~ووشاح انتقالي أو ووسط (من 410 إلى 1000كم)، ووشاح سفلي (من 1000 إلى 2900كم)، والقلب # Core # الذي يبدأ من عمق 2900كم إلى 6370كم، ويقسم ~~قلب علوي (من 2900كم إلى 4980كم)، ونطاق انتقالي (من 498 إلى 5120كم)، وقلب سفلي (من ~~5120 إلى 6370كم). ~~(2) النيازك والحياة خارج الأرض # وفيما يخص قضية احتمال وجود حياة خارج الأرض، يتطلع الباحثون للنيازك علها أن ~~تسهم في إلقاء الضوء على هذا الموضوع الذي شغل بال الناس منذ قديم الزمن. فبعدما لم ~~تعد الأرض - في نظر العلماء - مركزا للكون؛ وبالتالي فإنهم ينفون عنها أية خصوصية. ~~فلماذا إذن تختص الأرض بالحياة، دون غيرها من الكواكب الأخرى التي يعج بها الكون؟! ~~وتأتي الكشوف الحديثة عن اتساع الكون لتعطي زخما لهذا الاتجاه؛ فالأرض كوكب من ~~كواكب الشمس، والشمس نجم من بين بلايين النجوم في مجرة درب اللبانة أو التبانة، والمجرة ~~واحدة من بلايين المجرات في الكون، لكن ربما يكون الأمر على عكس ما يتصور البعض؛ فالأرض ~~رغم أنها ليست مركزا للكون، إلا أنها ذات خصوصية فريدة؛ من حيث موقعها من الشمس الذي ms067 ~~يجعلها تستقبل حرارة مناسبة، وحجمها وكتلتها وكثافتها وجاذبيتها، تجعلها ذات وضعية ~~فريدة بين كواكب المجموعة الشمسية. وكل هذه الخصائص تجعلها مناسبة للحياة التي نعرفها، ~~ولكن من الممكن أن يوجد ضمن بلايين المجرات في الكون كواكب شبيهة بالأرض، يمكنها أن ~~تحتضن الحياة. # وينبغي أن تسهم النيازك بدور مهم في الإجابة ~~عن ذلك السؤال؛ فالنيازك تأتي من مواقع أخرى غير الأرض، ولو كانت هناك حياة، فإن آثارها ~~لا بد وأن تكون موجودة داخل النيازك. إذن من الممكن أن تجيب النيازك بالنفي أو الإيجاب ~~عن وجود حياة على المصادر التي تأتي منها. وبالطبع لا يتوقع أحد أن توجد حياة على ~~حزام الكويكبات أو المذنبات التي تأتي منها أغلب النيازك. رغم أن بعض الباحثين يزعمون ~~أن الحياة جاءت الأرض من الفضاء الخارجي عبر المذنبات. ويبقى القمر والمريخ من بين ~~المصادر التي يمكن أن تختبر النيازك في الإجابة عن السؤال: هل قامت عليهما حياة في ~~الماضي البعيد؟! من المعروف أن القمر حاليا لا يمثل بيئة صالحة لقيام الحياة أو ~~استمرارها، لكن لا يمنع ذلك من احتمال قيامها في الماضي البعيد واندثارها. أما المريخ، ~~فربما توجد عليه حياة بدائية الآن، أو ربما قامت عليه حياة في الماضي البعيد ثم اندثرت. ~~لا شك أن الموضوع برمته موضع إثارة؛ فمن حين لآخر تظهر تقارير عن اكتشاف آثار حياة ~~داخل أحد النيازك، ويأخذ الموضوع حيزا من الدعاية، ثم يخبوا كما لو لم يكن؛ ففي ~~سبعينيات القرن العشرين، ظهر اهتمام كبير بموضوع وجود مركبات عضوية في النيازك ~~الكربونية، فسرت على أنها تمثل ارتباطا بأشكال معينة من الحياة، لكن ظهرت دراسات ~~مضادة، تعزى وجود مثل هذه المركبات إلى عمليات كيميائية، وليس إلى عمليات حيوية. # ومن أهم الدراسات وأكثرها إثارة، بهذا الخصوص، ما أعلنه فريق من الباحثين من وكالة ~~الفضاء والطيران الأمريكية «ناسا»، في 6 أغسطس عام 1996م، من اكتشاف ما اعتبروه شكلا ~~من أشكال الحياة البدائية المتحفرة، في نيزك من النيازك المريخية. # 4 # وأخذ الموضوع حظا وفيرا من الدعاية الإعلامية، حتى ms068 إن «بيل كلينتون» - ~~الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت - هنأ الباحثين على هذا الكشف، الذي اعتبره حدثا ~~علميا كبيرا، لكن وجهت انتقادات عنيفة للبحث الذي نشر في مجلة «الساينس» - أهم ~~المجلات العلمية - باعتبار أن ما شوهد من أشكال في ~~هذا النيزك يمثل تراكيب معدنية عادية، لا ترتبط بأي حال من الأحوال مع ~~الحياة. # 5 # تراكيب دقيقة في نيزك مريخي، تشبه أشكال حفريات الحياة ~~الأرضية. ~~(3) النيازك والحياة على الأرض # يطرح الباحثون من حين لآخر السؤال: هل للنيازك علاقة بالحياة على الأرض؟ قد يفهم ~~بداية أن السؤال يختص بما يمكن أن يكون للنيازك من علاقة سلبية بالحياة على الأرض، من ~~خلال ما يمكن أن تحدثه من دمار وكوارث قد تقود الحياة إلى الاندثار، لكن السؤال هنا ~~يختص بالجانب الإيجابي للنيازك ودورها في وجود الحياة على الأرض. ذلك أن هناك فريقا من ~~الباحثين - وإن كانوا قلة إلا أن حججهم قوية - يرى أن البذور الأولى للحياة الأرضية ~~جاءت أول الأمر من مصادر خارجية، حملتها النيازك أو المذنبات ونثرتها على الأرض. وتعود ~~جذور هذا القول إلى أزمنة موغلة في القدم، ربما مع بداية تطلع الإنسان إلى معرفة أصل ~~الحياة على الأرض؛ فالقول بهبوط الحياة من الخارج راسخ في ثقافات مختلف الشعوب، وإن ~~اختلفت الصورة التي يتصورها كل شعب لهذه الكيفية. وعموما ما يتوافر الآن من بيانات ~~موثقة يوضح أن أول من أسهم بشكل مباشر في تجسيد فكرة البذور الكونية للحياة، هو ~~الكيميائي السويدي «أ. س. أرهينيوس» # A. S. Arhinuos ~~، ~~[الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء] عندما اقترح في ~~عام 1809م أن الإشعاع الصادر عن النجوم يمكنه حمل الميكروبات الكونية إلى الأرض، ~~والتي كانت بدورها بمثابة البذور الأولى للحياة الأرضية. ومع الاعتراضات الكثيرة التي ~~تواجهها مثل هذه الآراء، والانتقادات العديدة التي توجه إلى هذا التوجه، يخرج من حين ~~لآخر باحثون يعيدون إليها زخمها وبريقها، بما يسلطون الضوء على هذه الآراء، وبما ~~يقدمون من أدلة جديدة، على ورود البذور الأولى للحياة عبر المواد الكونية المتساقطة ~~على الأرض. وتمر ms069 هذه الآراء بمنعطفات كثيرة ما بين القبول والرفض، لكنها على أي حال لا ~~تحقق ذيوعا كبيرا، رغم عجز نظريات الأصل الأرضي للحياة في تقديم دلائل قوية على ما ~~تراه من أن الحياة نشأت وتطورت على الأرض. # ومنذ بداية ستينيات القرن الماضي، بدأ الاهتمام بالموضوع يعود ثانية إلى مسرح الحياة ~~العلمية، وظهرت أبحاث مميزة تؤيد هذه الأفكار، وتقدم من الأدلة والشواهد ما يدعمها. ومن ~~المؤلفات المهمة التي تتبنى قضية الأصول الكونية للحياة الأرضية؛ مؤلف العالم الشهير ~~«فريد هويل» «البذور الكونية»، الذي نشر في عام 1981م، ونقله للعربية العالم الراحل ~~الدكتور أحمد مستجير. # 6 # ويناقش فيه المؤلف قضية الأصل الكوني للحياة، مفندا الآراء التي ترى أن ~~الحياة نشأت أول الأمر على الأرض، ويرى أنها أتت من الفضاء. ومن بين الدراسات الحديثة ~~عن الموضوع دراسة مهمة نشرتها مجلة «ساينتفك أمريكان»، في عدد يوليو عام 1999م، ~~ونقلتها مجلة العلوم (الترجمة العربية لمجلة «ساينتفك أمريكان»)، عدد يناير عام 2000، ~~تحت عنوان: «مواد الحياة الأولية المقذوفة من بعيد». # 7 # فهذه الدراسة ترى أن الحياة الأرضية، نشأت من الجزيئات الغنية بالكربون، ~~التي تسبح في فضاء ما بين النجوم، وسقطت مع النيازك والمذنبات على الأرض الوليدة، حيث ~~تشكلت منها الأحماض الأمينية والبروتينات، التي قامت عليها الحياة أول الأمر. # ومع صعوبة قبول القول، بأن النيازك قدمت الحياة للأرض، في ضوء المعطيات الحالية، يرى ~~بعض الباحثين أن النيازك أسهمت بشكل مباشر، في تطور واستمرار الحياة على الأرض، من ~~خلال ما قدمته من عناصر ضرورية للحياة؛ فبعض الباحثين يرى أن النيازك والمواد الكونية ~~المتساقطة على الأرض، قدمت الماء الذي يميز الأرض ككوكب من بين كواكب المجموعة الشمسية. ~~ويختلف هؤلاء الباحثون، مع الباحثين الذين يرون أن الماء نشأ من دفقات المياه التي تخرج ~~من أعماق الأرض، خلال ثورات البراكين، والأنشطة الأرضية الأخرى. وفي هذا الخصوص، ترى ~~دراسة أعدها باحثان # 8 # من جامعة «أريزونا» بالولايات المتحدة الأمريكية؛ أن النيازك الحديدية قدمت ~~عنصر الفسفور للحياة الأرضية. فالفسفور هو خامس العناصر أهمية وشيوعا في المواد ~~الحيوية، ms070 بعد الأكسجين، والهيدروجين، والكربون والنيتروجين. وتستعرض الدراسة شيوع ~~الفسفور بالنسبة لهذه العناصر في الكون والمحيطات والبكتريا، حيث تسجل النسب ~~التالية: # الفسفور بالنسبة إلى الأكسجين. # الفسفور # الأكسجين # في الكون # 1 # 1400 # في المحيطات # 1 # 25 مليونا # في البكتريا # 1 # 27 # الفسفور بالنسبة إلى الإيدروجين. # الفسفور # الإيدروجين # في الكون # 1 # 2,8 مليون # في المحيطات # 1 # 49 مليونا # في البكتريا # 1 # 203 # الفسفور بالنسبة إلى الكربون. # الفسفور # الكربون # في الكون # 1 # 680 # في المحيطات # 1 # 974 # في البكتريا # 1 # 116 # الفسفور بالنسبة إلى النيتروجين. # الفسفور # النيتروجين # في الكون # 1 # 230 # في المحيطات # 1 # 633 # في البكتريا # 1 # 15 # فما السبب وراء زيادة تركيز الفسفور في المواد الحيوية، مقارنة بنسبته في المواد ~~الطبيعية؟ ترى الدراسة أن النيازك الحديدية، على وجه الخصوص، قدمت الفسفور للحياة ~~الأولى؛ فمعدن ال «شيربيرزيت» ~~(Fe,Ni)3P ~~، الذي تقدمه ~~النيازك الساقطة على الأرض، يتحلل في الماء العادي عند درجة حرارة الغرفة، ويتحرر ~~عن تحلله عدد من مركبات الفسفور، منها المركب المهم للعمليات الحيوية، الذي يتكون ~~من ذرتي فوسفور وسبع ذرات من الأكسجين «فو2أ7». ~~(4) النيازك وانقراض الديناصورات # تلمس دراسة النيازك موضوع انقراض الديناصورات الذي يشغل الناس؛ فالديناصورات نوع من ~~الزواحف، امتازت بكبر أحجامها، وتنوع أشكالها. وقد ظهرت هذه المخلوقات في نهاية العصر ~~الديفوني من حقب الحياة القديمة، وتطورت على مدى زمني كبير، امتد حتى نهاية عصر ~~الطباشيري، من حقب الحياة المتوسطة، حيث انتشرت وسادت في كل البيئات تقريبا (أرضية - ~~مائية - هوائية)، كما تدل على ذلك بقاياها، التي يعثر عليها متحفرة (متحجرة) في صخور ~~تلك الفترة الزمنية من تاريخ الأرض. وحدث انقراض فجائي لهذه المخلوقات، ومعها العديد من ~~أنواع الأحياء في نهاية عصر الطباشيري (حوالي 65 مليون سنة)، من حقب الحياة المتوسطة، ~~أي أنها لم تنتقل إلى حقب الثلاثي الذي بدأ منذ حوالي 65 مليون سنة خلت من عمر ~~الأرض. وقد ثار السؤال: ما السبب وراء عمليات الانقراض الكبيرة التي تحدث للحياة في ~~تاريخ الأرض، وانقراض الديناصورات على وجه الخصوص؟! من بين الاحتمالات القوية، ms071 لأسباب ~~انقراض الديناصورات، وقوع عدد من الصدمات النيزكية الكبيرة بالأرض خلال تلك الفترة، ~~أدت إلى نثر التراب والغبار في جو الأرض، مما أدى إلى حجب ضوء الشمس، فقلل من نمو ~~النباتات التي تتغذى عليها الحيوانات. ولما كانت الديناصورات الضخمة تحتاج إلى كميات ~~كبيرة من الغذاء، فلم تعد تقاوم؛ ومن ثم حدثت عملية انقراضها. # أحد الأشكال التخيلية للديناصورات. # طبقة الطين الغنية بالعناصر النيزكية. # ومن بين السيناريوهات المفترضة، لكيفية انقراض الديناصورات بالصدمات النيزكية، ~~سيناريو اقترحه «لويز ووالتر ألفاريز» من خلال دراسة تركيزات عنصر «الإيريديم»، وعناصر ~~مجموعة البلاتين الأخرى التي عثر عليها في رسوبيات طين «جوبيو»، وغيرها من المواقع ~~الأخرى، في عام 1980م، أن نيزكا (كويكبا) قطره 10كم هو المسئول عن تلك العملية. ~~ويتصوران ضمن هذا السيناريو أن النيزك انشطر قبل ضربه الأرض إلى جزءين أو قطعتين غير ~~متساويتين، سقطت القطعة الصغيرة منهما على منطقة «إيوه» فأحدثت حفرة «مانسون»، التي ~~يبلغ قطرها 32كم، بينما سقطت القطعة الكبيرة الأخرى، إلى الشمال من منطقة «ياكاتان»، ~~وما جاورها من منطقة خليج المكسيك، وأحدثت فوهة «شيكسولوب» # Chicxulub ~~، التي يبلغ قطرها 200كم. وتبخرت القطعتان المتصادمتان، ~~مع الصخور التي ارتطمتا بها في الموقعين، واختلطت مكونات النيزك (الكويكب) بمكونات ~~الصخور الأرضية. ونشأ عن هذا الحدث سحب كثيفة من الغبار والغازات (من بينها ثاني أكسيد ~~الكربون من الحجر الجيري الذي حدثت عليه الصدمة التي أحدثها الجزء الكبير من النيزك)، ~~وبخار الماء، حجبت ضوء الشمس فعمت الظلمة الأرض فترة زمنية طويلة أو قصيرة، على ~~حسب الظروف التي أدت في النهاية إلى تكاثف بخار الماء، حول حبيبات التراب العالقة ~~في الجو؛ ومن ثم بداية هطول الأمطار التي أحدثت ما يمكن تسميته عاصفة طينية، رسبت ~~الرسوبيات الطينية الغنية بعنصر الأيريديم في منطقة «جوينو» ومناطق أخرى عديدة من ~~العالم. مما لا شك فيه، أن الأمطار كانت أيضا حمضية وحارة، فأهلكت النباتات ~~والحيوانات. ومن عاش من الحيوانات عانى من نقص الغذاء، الذي ترتب على الظلمة التي ~~أحدثتها السحب الكثيفة التي حجبت ضوء الشمس. # ولعل من أهم ms072 الأدلة على ذلك وجود طبقة من الرواسب الطينية، غنية بالعناصر التي ~~تميز النيازك؛ # 9 # كالأيريديم، والأوزميوم، والنيكل، والكوبلت، تمتد مئات الكيلومترات، عند ~~الحد الفاصل بين حقب الحياة المتوسطة وحقب الحياة الحديثة (فترة انقراض الديناصورات)، ~~توجد مكاشفها في عدد كبير من البلدان. # 10 # وهذا يعضد الرأي القائل بأن انقراض الديناصورات كان وراءه حدوث الصدمات ~~النيزكية، حيث تتسبب هذه العملية في نثر تراب البقعة الصخرية التي يقع عليها الحدث، ~~مختلطا بمادة النيازك الصادمة، التي تحتوي على هذه العناصر، في الجو ثم ترسبها ثانية. ~~وقد دعم اكتشاف فوهة «شيكسولوب» # Chicxulub ~~، في شبه ~~جزيرة «ياكاتان» # Yucatan Peninsula ~~، ~~بالمكسيك، التي يبلغ قطرها حوالي 200كم، والتي يتزامن تكونها بصدمة نيزكية ضخمة، مع ~~فترة انقراض الديناصورات؛ دعم هذه الفرضية بشكل كبير. هذا ويتوقع العثور على عدد كبير ~~من الفوهات النيزكية، تكونت في تلك الفترة في أماكن مختلفة من العالم. ~~(5) النيازك والبيئة # يسبب سقوط النيازك الضخمة على الأرض كوارث بيئية كبيرة؛ فالحرارة العالية التي تنشأ ~~من احتكاك الجسم بالغلاف الجوي للأرض، تلعب دورا مباشرا في اتحاد النيتروجين ~~والأكسجين؛ ومن ثم تكون أكاسيد النيتروجين، التي تؤدي في النهاية إلى تكون حمض ~~النيترك، الذي يسقط على الأرض، فيما يعرف بالأمطار الحمضية. وكما هو معروف، فإن ~~الأمطار الحمضية تسبب أضرارا بليغة على البيئة بصفة عامة. كما أن الطاقة العالية ~~المتولدة عن عمليات ارتطام النيازك العملاقة بسطح الأرض تتسبب في إحداث سحب من ~~الغبار تنتشر في الجو، وتسبب مشاكل بيئية خطيرة. ولا يزال العلماء يعتقدون أن صدمات ~~نيزكية ضخمة، حدثت في أماكن متفرقة من العالم، كانت وراء الكارثة التي حلت بالحياة، ~~خاصة الديناصورات، التي سادت الأرض، منذ حوالي 65 مليون سنة، وانقرضت فجأة، # 11 # بما أحدثت من تلوث عام للبيئة الأرضية، تأثرت به الكائنات الحية من ~~نبات وحيوان. # لكن على الجانب الآخر، يكون للنيازك فوائد بيئية؛ فالغبار النيزكي، الذي ينتثر في ~~الجو عقب احتراق وتذرية مكونات الأسطح الخارجية للنيازك الساقطة في جو الأرض، يسهم في ~~تكاثف بخار الماء العالق في الجو، على ms073 هيئة نقط ماء ثم سحب. ذلك أن الغبار النيزكي يقوم ~~بدور نوى التكاثف، أو المراكز التي يتجمع عليها بخار الماء. وقد لوحظ أن السنين التي ~~تمر فيها الأرض، أثناء دورانها حول الشمس، بمدارات يتركز بها الغبار النيزكي، يعقبها ~~هطول مطر غزير على الأرض. # 12 # وقياسا على الدراسات العديدة التي أشارت إلى ~~أن الرماد البركاني، الذي يتشكل من حبيبات دقيقة في نفس أحجام حبيبات الغبار النيزكي ~~والذي تطلقه وتنثره في الجو ثورات البراكين الأرضية، يسهم بشكل كبير في تخصيب الأراضي ~~الزراعية التي يترسب عليها؛ قياسا على ذلك يمكن توقع أن الغبار النيزكي - الذي ~~يترسب بكميات كبيرة يوميا، تتراوح بين 100 إلى 1000 طن تترسب يوميا في البيئات ~~الأرضية، على حسب أكثر الدراسات تحفظا بهذا الخصوص - يسهم في زيادة خصوبة الأراضي ~~الزراعية، شأنه في ذلك شأن الرماد البركاني، بما يقدم من مركبات تحتوي على عناصر مفيدة ~~تحتاجها التربة، التي من أهمها الحديد، والفسفور، والكبريت، والتي توجد بنسب محسوسة في ~~النيازك. ~~(6) الأهمية التقنية للشهب # قد يعجب المرء من كون الشهب لها أهمية تقنية، لكن بعض الباحثين فكروا بالفعل في هذا ~~الموضوع، واستفادوا تقنيا من ظاهرة الشهب في تطوير الاتصالات اللاسلكية؛ فالشهب تحترق ~~في طبقات الجو العليا، وتحديدا في طبقة «الإينوسفير»، التي توجد على ارتفاع كبير من ~~سطح الأرض. وتعتمد هذه الفكرة على حقيقة أن الشهب المحترقة يتخلف عنها إلكترونات وذرات ~~مؤينة، تشكل سحبا كثيفة في هذا الموضع؛ ومن ثم فقد فكروا في الاستفادة من هذه الظاهرة ~~في تطوير الإشارات اللاسلكية. # 13 ~~(7) النيازك وأول عينة من خارج النظام الشمسي # أثناء زيارة بعثة متحف التاريخ الطبيعي بميلانو إيطاليا لمنطقة الزجاج الليبي خلال ~~شهري نوفمبر/ديسمير عام 1996م، عثر المؤلف على عينة سوداء براقة على الحدود الجنوبية ~~الغربية للمنطقة. ولم يتبين طبيعة هذه العينة في حينها، لكن بالدراسة التي قام بها ~~المؤلف ثبت أن العينة تحتوي على أول دليل مادي على اكتشاف معدن الألماس في الأراضي ~~المصرية. ونظرا لعدم وجود نشاط بركاني بالمنطقة أو المناطق المجاورة فقد ms074 اعتبر المؤلف ~~أن العثور على هذه العينة في هذه المنطقة يرتبط بسقوط جرم سماوي هائل في ~~الماضي. # 14 # وتوالت دراسات المؤلف على المكونات المعدنية للمادة المكتشفة. وما خلص ~~إليه كالآتي: # 15 ~~، # 16 ~~(1) # الألماس والجرافيت تكونا من الضغط والحرارة الناشئين عن الصدمة على ~~الكربون الموجود في صخور الحجر الرملي للمنطقة. ~~(2) # تكونا من ثأثير الضغط والحرارة الناشئين عن الصدمة على الكربون ~~الموجود في الجسم السماوي ذاته. ~~(3) # كانا موجودين في الجسم السماوي ذاته. # صخر هيباتيا. # بورتيريه الفيلسوفة «هيباتيا». # وقد خضعت العينة لدراسات لاحقة نشرت نتائجها تباعا في عدد من الدوريات العلمية ثبت ~~فيها وجود معادن لم يعثر عليها في أي مادة معروفة من قبل لا من الأرض أو النيازك. ~~وخلصت بعض الدراسات لرأي يرى أنها جزء من نواة مذنب تحتوي معادن تكونت قبل تكون النظام ~~الشمسي. وقد أطلق الباحثون على هذا الكشف: «صخر هيباتيا»، في شرف الفيلسوفة اللاتينية ~~التي عاشت في الإسكندرية التي تعرف ب «هيباتيا السكندرية» (350 أو 370-415م) والتي لمع ~~اسمها كعالمة رياضيات، إلى جانب كونها كانت تقوم بتدريس الفلسفة وعلم الفلك. ويعد موتها ~~حدا فاصلا بين حياة فكرية عقلية مزدهرة في الإسكندرية وبين تسلط أصحاب الفكرة ~~الواحدة. # الفصل السادس # | أخطار النيازك بين الحقيقة والخيال # في 30 نوفمبر 1954م، سقط نيزك حجري، يزن حوالي 3,8كجم على مدينة «سيلاكاوجا»، ~~بولاية «ألاباما»، الولايات المتحدة. واخترق سقف المنزل، وسقف الحجرة، وسقط على ساق ~~السيدة «هيوليت هوجيس»، التي كانت تجلس على أريكتها في حالة استرخاء، بعد تناول ~~وجبة الغداء، فأحدث لها جرحا بسيطا. ~~*** # تسقط النيازك على سطح الأرض - كل الأرض - بطاقة عالية. ولو صادف أن ضرب ~~نيزك جسم إنسان، فسوف يحدث به إصابات خطيرة قد تودي به، لكن احتمال أن يصيب النيزك الساقط ~~إنسانا في طريقه احتمال ضعيف جدا، ولم يتكرر حدوثه رغم سقوط النيازك المتكرر على سطح ~~الأرض. وبعملية إحصائية بسيطة يتبين أن أجسام الناس (العرضة للخطر)، تشغل حيزا ضئيلا من ~~مساحة سطح الأرض . فعلى سبيل المثال، من خلال دراسة عدد النيازك الساقطة على ms075 الأرض، والمساحة ~~التي يشغلها السكان في الولايات المتحدة؛ تبين أن احتمال أن يصاب أحد من سكان الولايات ~~المتحدة بنيزك ساقط احتمال ضئيل جدا، وقد يحدث مرة واحدة كل 100 سنة. # نيزك «بيكسل» الذي سقط على إحدى السيارات في عام 1992م. # ورغم وجود عدد من الروايات التي تتحدث عن قتل وإصابة بعض الأفراد من جراء سقوط النيازك، ~~إلا أن هذه الروايات لم تلق القبول من قبل المحققين بصفة عامة. ولم يثبت بصفة قاطعة أن ~~النيازك قتلت أحدا من الناس، لكن هذا لا يعني أن احتمال سقوط نيزك على أحد الأفراد فيقتله ~~احتمال غير قائم. فهناك روايات موثقة، عن إصابة بعض الناس من سقوط النيازك. ففي 30 نوفمبر ~~1954م، سقط نيزك حجري يزن حوالي 3,8كجم على مدينة «سيلاكاوجا»، بولاية «ألاباما»، الولايات ~~المتحدة. واخترق سقف المنزل، وسقف الحجرة، وسقط على ساق السيدة «هيوليت هوجيس»، التي كانت ~~تجلس على أريكتها في حالة استرخاء بعد تناول وجبة الغداء، فأحدث لها جرحا بسيطا. وفي عام ~~1992م، سقط نيزك يزن حوالي 100كجم على هيئة عدد من الأحجار (حوالي 50)، قصفت مساحة تبلغ ~~بضعة كيلومترات مربعة من الأرض، في مدينة «مبال» الأوغندية، ولم يثبت أنها قتلت أحدا من ~~الناس، وإن كان أحدها قد أصاب طفلا صغيرا، ولكن الإصابة لم تكن بالغة إلى حد الأذى، ~~ولكنها أحدثت تلفيات بسيطة في بعض المباني. وفي 26 أبريل عام 1962م، سقط نيزك صغير (يزن ~~738 جراما) على منزل بمدينة «كيل» الألمانية، وثقب صاج السقف، واستقر على سطح الغرفة أسفل ~~السقف العلوي. وفي عام 1992م، سقط نيزك على منطقة «بيكسل»، بولاية «نيويورك»، وحطم إحدى ~~السيارات. وفي مارس من عام 2003م، سقط نيزك يبلغ قطره 4 بوصات، على منزل المواطن «كولبي ~~نافرو»، بمنطقة «بارك فورست، إليونس» واخترق السقف محدثا فجوة قطرها نفس قطر النيزك، ~~وارتطم بطابعة موجودة على المكتب، وارتد إلى الحائط المجاور، بينما كان صاحب المنزل يعمل ~~على جهاز الكمبيوتر. وصاحب سقوطه سقوط عدد من الأحجار الأخرى، على مواقع متفرقة من المنطقة، ~~أصاب بعضها ms076 السيارات والبيوت. # نيزك «بارك فورست» الذي اخترق السقف وأصاب طابعة كمبيوتر في مارس ~~2003. # بيد أن الخطورة الكبيرة تتمثل في سقوط الكويكبات أو المذنبات على الأرض؛ ففي 30 أكتوبر ~~عام 1937م، اقترب الكويكب «هيرمس» الذي يبلغ اتساعه أو عرضه حوالي 1,6كم، بسرعة 35000كم في ~~الساعة، على مسافة تقدر بحوالي800000كم، وهي مسافة صغيرة بحسب المقاييس الفلكية؛ ومن ثم ~~فقد شكل هذا الحدث خطورة حقيقية على الأرض. فلو ضرب هذا الكويكب الأرض، لتولد عن ~~ارتطامه بها طاقة هائلة، تعادل 100000 الطاقة التي يولدها انفجار قنبلة هيدروجينية، قوتها 1 ~~ميجا طن. ومثل هذه الطاقة تفوق طاقة انفجار مخزون العالم من القنابل النووية. وفي يوم 22 ~~مارس 1989م، اقترب كويكب يسمى «1989 إف سي» # 1989 FC ~~، حتى ~~مسافة 688000كم من الأرض، وهي مسافة صغيرة بالمقاييس الفلكية، ويعبر عن ذلك بأنه «اقتراب ~~خطر». فهذا الكويكب الذي يبلغ عرضه حوالي 800 متر تقريبا، كان من المحتمل أن يهوي على ~~الأرض، مشكلا خطورة حقيقية على كل أشكال الحياة؛ إذ من خلال الدراسات الخاصة بنتائج ارتطام ~~النيازك بالأرض، يتبين أن مثل هذا الارتطام يحدث فجوة يتراوح قطرها من حوالي 8 إلى 16كم، ~~بما يعني أنه قد يمحو مدينة كبيرة من الوجود. والتأثيرات البيئية لمثل هذا الحدث كارثية ~~بكل المقاييس، ويمكن مقارنتها بثورة بركان جزيرة «كاركوتا» في إندونيسيا الذي انفجر في عام ~~1883م، وأزال الجزيرة من على الخريطة، مخلفا مكانها فجوة عميقة. وتسبب هذا الحدث في إحداث ~~موجات مد بحرية بارتفاع 100 قدم، اندفعت نحو الشواطئ القريبة، لتكتسح في طريقها أكثر من ~~36000 نسمة، وتقودهم إلى الحتف. # 1 # إن مثل هذه الأجسام كثيرة جدا في الفضاء، وتقترب على مسافات خطرة من مدار الأرض، مما ~~يعني إمكانية دخولها جو الأرض؛ ومن ثم انفجارها في الجو أو ارتطامها بالأرض، فيتسبب عنها ~~تأثيرات كارثية على كل أشكال الحياة. وفي يناير عام 1993م، أعلنت وكالة الفضاء والطيران ~~الأمريكية «ناسا» # NASA ~~، أن عدد الأجسام التي تجتاز ~~مداراتها مدار الأرض، يتراوح من 1000 إلى 4000، يبلغ حجم ms077 الواحد منها 800 متر تقريبا. وأن ~~اصطدام واحد منها بالأرض كفيل بأن يعود بالحضارة الإنسانية آلاف السنين إلى الوراء. والجهل ~~بموضوع النيازك الضخمة كفيل أيضا بإشعال حرب نووية بين الدول. وتخيل أن جسما بهذه ~~المواصفات - على حين غرة - طاف بالمجال الجوي لدولة نووية، فظنت أن دولة نووية معادية ~~شرعت في قصفها، فردت على الفور بنفس الأسلوب! # لقد أدت دراسات النيازك إلى فهم الخطر الداهم الذي تمثله النيازك العملاقة على الأرض؛ ~~ومن ثم شرعت حكومات الدول المتقدمة في تدشين شبكة من المراصد العملاقة في مواقع مختلفة من ~~العالم، أطلق عليها حارس الفضاء # Sky Keeper ~~، لرصد وتسجيل ~~حركات الأجسام التي تقترب مدارات دورانها من مدار الأرض. وفي نفس الوقت يفكر الباحثون في ~~وسائل إبعادها عن مدار الأرض، بما في ذلك قصفها في مداراتها، وتفتيتها لتسقط على هيئة أجسام ~~صغيرة قليلة الخطورة. ويفكر البعض في القيام بعملية القصف باستخدام قنابل يتم تطويرها ~~خصيصى لهذا الغرض، لكن يجابه مجرد التفكير في عملية القصف بالقنابل معارضة شديدة من قبل ~~الباحثين؛ لما يشكله هذا العمل من خطورة على البيئة الفضائية من تلوث. ويطرح البعض أفكارا ~~متباينة عن وسائل إبعاد الأجسام الخطرة عن مدار الأرض. ومن بين الأفكار المتداولة في هذا ~~المجال، قيام صاروخ بإلقاء شراع شمسي على الجسم المطلوب إبعاده، يكون من مهمته تصيد ~~الجسيمات التي تحمل الشحنات المنبعثة من الشمس، وتسليطها عليه لدفعه بعيدا. وفي الواقع إن ~~كل ما طرح في هذا السياق مجرد أفكار على الورق؛ فالعالم لا يملك قنبلة قوتها قادرة على ~~تحطيم جسم عملاق من هذه الأجسام بعيدا كل هذه المسافة عن الأرض، ولا الشراع الشمسي، الذي ~~يمكن أن يقوم بهذه المهمة، أمكن تصميمه ليؤدي الغرض المطلوب، لكن ما حققته وكالة الفضاء ~~والطيران الأمريكية «ناسا»، في يوليو من عام 2005، من تسديد قذيفة (عبارة عن كبسولة) ~~أطلقتها مركبة الفضاء «ديب إمباكت» أصابت المذنب «تمبل-1» (على بعد حوالي 133 مليون كم من ~~الأرض)، وأحدثت فجوة فيه؛ يعد خطوة على هذا الطريق. ورغم أن الهدف ms078 المعلن هو الكشف عن ~~تركيب المذنب الداخلي، وليس تدميره، لكن تمكن المركبة من إصابة المذنب، الذي كان يبعد ~~عنها بحوالي 500كم، يشكل نجاحا كبيرا في عملية الرصد الدقيق لهذه الأجسام، والتعامل معها ~~من هذه المسافات البعيدة. # ومع ذلك لا يخلو الحديث عن أخطار النيازك من مبالغات كبيرة. # الفصل السابع # | من أين تأتي النيازك؟ # «وقد تتكون أنواع من الحجارة من النار إذا أطفئت، وكثيرا ما يحدث في الصواعق ~~أجسام حديدية وحجرية بسبب ما يعرض للنارية أن تطفأ، فتصير باردة يابسة.» ~~(ابن سينا) ~~*** # لا شك أن هذا السؤال راود الإنسان قديما جدا في التاريخ، ومنذ أن شاهد ~~أول مرة هذه الأجسام الصلبة الغريبة التي تسقط على الأرض من أعلى. ولا شك أيضا أن آراء ~~الناس تباينت تباينا كبيرا حول مصادر هذه الأجسام الصلبة، التي تسقط عليهم من السماء. وفي ~~الفصل الأول من هذا الكتاب تمت مناقشة الخلافات حول ظاهرة الأحجار من السماء، ما بين ~~التصديق والإنكار. وعندما يثار السؤال: من أين تأتي النيازك؟ فإنما يقصد به: من أين تأتي ~~النيازك من الأجرام السماوية؟ إذ بعد حسم الخلاف لصالح الاعتراف بوجود الأجسام الصلبة التي ~~تسقط من السماء، بدأت «الأوساط العلمية» المهتمة بالظواهر الطبيعية، مع بداية القرن التاسع ~~عشر، تناقش بقوة في محافلها مسألة أصل النيازك، وظهرت بهذا الخصوص، بين أوساط المتعلمين ~~والمثقفين والفلاسفة، آراء متباينة غاية التباين. وممن تشيعوا لأصل النيازك السماوي، الفلكي ~~الفرنسي الشهير «لابلاس» # Laplace ~~، حيث قدم فرضية أن ~~الأجسام الصلبة، التي تشاهد ساقطة على الأرض بين الحين والآخر، تأتي من القمر؛ حيث تدفعها ~~ثورات البراكين القمرية بقوة تمكنها من الإفلات من جاذبية القمر. ويمثل هذا الرأي جذور ~~الفرضية السائدة الآن، التي ترى أن بعض النيازك تأتي من صخور سطح القمر. وقد دعم هذا الفرض ~~آنذاك اثنان من أبرز علماء ذلك العصر هما «بيت» و«بوسين»؛ حيث قدما براهين رياضية تثبت ~~فرضية إمكانية اندفاع الصخور من سطح القمر، وسقوطها على الأرض. وقد ساد أيضا رأي يرى أنها ~~تنشأ من الشمس؛ حيث يظن ms079 أنصار هذا الرأي أن النيازك تمثل أجزاء من باطن قلب صلب موجود في ~~مركز الشمس، تندفع بقوة كبيرة كافية لأن تجعلها تترك هذا الجسم الملتهب. وواجه هذا الرأي ~~معارضة قوية من قبل الباحثين، الذين يرون عدم وجود قلب صلب للشمس، وحتى في حالة وجوده، ~~فإن أي جسم صلب يندفع منه سوف يتبخر كلية، في نطاقات الشمس العليا حيث الحرارة العالية؛ ~~وبالتالي فإن أي جسم صلب سوف يتبخر قبل أن يكمل هروبه من الشمس، ولكن للالتفاف على هذا ~~الاعتراض، ادعى أصحاب فرضية الأصل الشمسي للنيازك، أنها تترك الشمس على هيئة مواد غازية ~~تتكاثف في الفضاء بطريقة ما، مكونة هذه الأجسام الصلبة التي تسقط على الأرض فيما يعرف ~~بالنيازك. ومن هذه النقطة تحديدا، نعود إلى الوراء مئات السنين؛ حيث كان ابن سينا يرى أن ~~النيازك تتكون نتيجة لبرودة النار، حيث يذكر في كتابه «الشفاء»، وفي معرض حديثه عن طرق ~~تكون الأحجار: وقد تتكون أنواع من الحجارة من النار إذا أطفئت، وكثيرا ما يحدث في ~~الصواعق أجسام حديدية وحجرية بسبب ما يعرض للنارية أن تطفأ، فتصير باردة يابسة. # 1 # وعموما فإن الآراء السائدة الآن بخصوص مصادر النيازك، التي اكتسبت قبولا علميا من ~~خلال تطور الدراسات وتراكم البيانات عن النيازك، تحدد مصادر النيازك في حزام الكويكبات ~~الموجود بين المريخ والمشتري، وفي المذنبات، التي توجد في مكان قصي من المجموعة الشمسية، ~~خلف مدار كوكب بلوتو، وفيما يعرف بغيمة «أورت». وقد ظهرت حديثا نسبيا دراسات تشير إلى ~~أن المريخ والقمر يدخلان ضمن المصادر المحدودة للنيازك. ~~(1) الكويكبات # يطلق تعبير «كويكبات» على الأجسام الصغيرة نسبيا، التي توجد في المجموعة الشمسية، ~~بين كوكبي المريخ والمشتري. ويطلق على النطاق الذي تجري فيه هذه الكويكبات تعبير «حزام ~~الكويكبات». ويرى البعض أن الفضل في اكتشاف حزام الكويكبات يرجع إلى باحث فلكي ألماني ~~يدعى «بود» # Bode ~~، في نهاية القرن الثامن عشر؛ حيث قام ~~بعمل قاعدة رياضية يمكن من خلالها استنتاج المسافات الفاصلة بين الشمس وكواكبها. وقد ~~سميت هذه القاعدة بقانون «بود» # Bode’s Law ms080 ~~. ويبدأ ~~قانون «بود» بالصفر ثم العدد ثلاثة، ثم ضعفها، ثم ضعف الضعف. إلخ. [0، 3، 6، 12، 24، ~~48، 96، 192، 384]. وبإضافة العدد 4 إلى هذه الأعداد ينتج [4، 7، 10، 16، 28، 52، 100، ~~196، 388]. # 2 # وبقسمة هذه الأعداد على 10، ينتج عن ذلك بعد الكواكب من الشمس، مقدرة ~~بالوحدة الفلكية (93 مليون ميل أو حوالي 150 مليون كم). وتقارب الأبعاد المقدرة من خلال ~~هذه القاعدة، المسافات الحقيقية للكواكب من الشمس، لدرجة كبيرة، فيما عدا كوكب نبتون، ~~الذي يقع في منتصف المسافة بين أورانوس وبلوتو، ولكن نشأ عن هذه القاعدة في الاعتبار، ~~تركيز اهتمام الباحثين على الفجوة الكبيرة في المسافات، الموجودة بين كوكبي المريخ ~~والمشتري، أي عند البعد الذي يمثله الرقم 8,2 وحدة فلكية؛ إذ لا يوجد كوكب معروف عند ~~هذه المسافة من الشمس. وهذا ما لفت انتباه «يوهانس ~~كيبلر» # Johannes Kepler ~~(1571-1630م) من قبل، فافترض وجود كوكب مجهول بين المريخ ~~والمشتري. # ويعتبر قانون «بود» بمثابة تجديد العزم على إعادة بحث هذه الظاهرة من جديد؛ فقد نشط ~~العلماء بالفعل في البحث عن هذا الكوكب المجهول. ولم يمض وقت طويل في الحقيقة، حتى ~~اكتشف الإيطالي «جيسي بيازي» في يناير 1801م وجود جسم صغير غريب يتحرك في السماء. ~~واعتبر «بيازي» أن هذا الجسم، عبارة عن مذنب. ولم يعر أحد هذا الكشف أهمية، على اعتبار ~~أن هذا شيء عادي، لكن في وقت لاحق قرر الرياضي الصغير «كارل فردريك جاوس» حساب مدار ~~الجسم الذي سجله «بيازي». ولاحظ «جاوس» أن هذا الجسم يدور في مدار دائري تقريبا، ويبعد ~~عن الشمس بمسافة قدرها 77,2 وحدة فلكية، أي في الفجوة التي وضع فيها «كيبلر» كوكبه ~~الافتراضي، وفي نفس المكان الذي توقع قانون «بود» وجود كوكب. وقد أطلق على هذا الجسم ~~الصغير، الذي يبلغ قطره حوالي 450 ميلا، اسم كويكب «سيرس» # Ceres ~~. ثم توالت عمليات الكشف عن هذه الأجسام. ففي عام 1802م، اكتشف ~~كويكب آخر أصغر من «سيرس»، يبلغ قطره حوالي 300 ميلا، وأطلق عليه اسم «بالاس»، وفي عام ~~1804م اكتشف كويكب ثالث، يبلغ قطره حوالي 200 ميلا، وسمي «بونو» Puno ~~، وفي عام 1807م، ms081 اكتشف رابع هذه الكويكبات، ويبلغ قطره حوالي ~~350 ميلا وسمي «فيستا». وانقضت فترة زمنية طويلة نسبيا، حتى اكتشف خامس هذه ~~الكويكبات، وبعد سنتين من اكتشاف الخامس، تم اكتشاف السادس. وفي حوالي عشرين سنة ~~تقريبا (بين 1850-1870م)، بلغ عدد الكويكبات المكتشفة حوالي 100. ثم تضاعف الرقم خلال ~~عشرين سنة، فبلغ 300 كويكب في عام 1890م. وأطلقت عليها مسميات غريبة من كثرتها، حتى ~~سئم العاملون في هذا الحقل من كثرة ما يكتشفون. ويبلغ عدد ما تم تسجيله منها إلى وقت ~~قريب بحوالي 5000 كويكب، تتضمن أجساما صغيرة نسبيا تبلغ أقطارها حوالي 2كم، مثل ~~كويكب «إيكاروس»، الذي اكتشف في عام 1949م، ويبلغ قطره حوالي 2كم فقط. ويحتوي حزام ~~الكويكبات ذاته على آلاف الأجسام الصغيرة، التي لا تزيد أقطارها عن حجم حبات الحصى ~~والرمال. # ومع التسليم بأن «بود» كان له الفضل في وضع موضوع حزام الكويكبات تحت الضوء، إلا أن ~~معرفة حزام الكويكبات ربما تعود إلى المرزوقي (أحمد بن محمد بن الحسن أبو علي المرزوقي، ~~عالم بالأدب من أهل أصبهان (المتوفى في سنة 421ه/1030م))، في كتابه «الأزمنة والأمكنة»، ~~كما سبق الإشارة لذلك في الفصل الرابع. # فالكويكبات - إذن - قطع صغيرة من المادة الكوكبية، متباينة الأحجام، أكبرها «سيرس»، ~~وأصغرها أجسام في أحجام حبات الرمال. وما يزيد قطره منها عن المائة ميل لا يتعدى بضع ~~مئات، بينما الأكثرية منها بين الخمسين والمائة ميل. وهكذا تبدو دقة وصغر هذه الأجسام، ~~مقارنة بالكواكب، خاصة وأننا ننظر إليها بعين من يبحث عن كوكب مفترض، في هذا الموضع ~~الذي تحتله، لكن بمقارنة هذه الأجسام بأخرى، كأقمار بعض الكواكب تبدو أكثر أهمية. ~~فمثلا «سيرس» أكبر في حجمه من «ديوس» و«فوبوس»، قمري كوكب المريخ، وأكثر لمعانا ~~منهما. والأجسام الكبيرة من هذه الكويكبات يبدو أنها كروية الشكل، في حين أن الأجسام ~~الصغيرة يتوقع أنها ذات أشكال غير منتظمة بالمرة، فمنها ما يمكن أن يكون مثلث أو مربع ~~أو مستطيل الشكل. كما أن بعضها يمكن أن تكون له زوائد مدببة وحادة. # وهذه الكويكبات المختلفة الأحجام موزعة ms082 فيما يمكن أن يطلق عليه تسهيلا تعبير حزام ~~كبير حول الشمس. وتبدأ منطقة هذا الحزام، بعد مدار كوكب المريخ، وتمتد حتى ما بعد مدار ~~المشتري. # 3 # وليس لهذا الحزام مدار خاص يدور فيه حول الشمس؛ فكل واحد من هذه الكويكبات ~~له مداره الخاص، الذي يدور فيه حول الشمس. وفي واقع الأمر لا يوجد حزام واحد، وإنما عدد ~~كبير من الأحزمة، يفصلها عن بعضها البعض مناطق تخلو تماما منها. كما أن كثافة هذه ~~الكويكبات في الحزام الواحد ليست بالكبيرة، إلى الحد الذي يعوق المروق من بينها بسهولة ~~ودون خطورة التصادم بها. # وعلى الرغم من أن أغلب هذه الكويكبات يدور في مدارات منتظمة (كل فرد له مدار خاص به ~~منتظم)، دون انحراف أو تغيير، بحيث يمكن حساب وتحديد مواقعها في المجموعة الشمسية بدقة ~~كبيرة، إلا أن مداراتها تختلف عن بعضها البعض. كما أن بعض هذه الأجسام، قد يدور في ~~مدارات يقترب من خلالها من مدار الأرض والكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية. وهو ما ~~يشكل خطورة كبيرة على الحياة على الأرض. وقد أكدت الحسابات الفلكية، التي أجريت على ~~مدارات هذه الكويكبات، أن أغلبها يقع داخل مدار المريخ وليس خارجه. ولعل هذا الأمر يكون ~~مفيدا، في توقع حدوث عدد كبير من التصادمات، بين هذه الأجسام وبين المريخ. فهل هذا ~~ما يحدث بالفعل؟ وهل إن كان ذلك صحيحا، يمكن أن يستفاد منه في تفسير التغيرات ~~الفجائية، التي توجد على هذا الكوكب؟ # إن اقتراب كويكب من كواكب المجموعة الشمسية الداخلية، ومروره على مسافة صغيرة منه، قد ~~يؤدي إلى التصادم. ولتوضيح الأمر أكثر، لو مر كويكب قريب من مدار الأرض، ودخل في نطاق ~~غلافها الجوي، فسوف تتقلص سرعته بدرجة كبيرة من جراء عملية الاحتكاك التي تتم بينه ~~وبين مكونات غازات الغلاف الجوي للأرض، ليأخذ مدارا جديدا قد يقوده إلى التصادم ~~بالأرض، بدلا من العودة ثانية إلى موضعه المعتاد ضمن ما يسمى حزام الكويكبات. # أصل الكويكبات # شغل السؤال: ما هو مصدر وأصل الأجسام التي تدور في حزام الكويكبات، ms083 بين المريخ ~~والمشتري؟ شغل أذهان الباحثين فترة طويلة من الزمن. وفي إيجاز، ودون الخوض في كثير ~~من التفاصيل، يمكن إجمال الفروض والآراء، التي سيقت بشأن مصدر وأصل الأجسام التي ~~تشكل حزام الكويكبات، في فرضيتين أساسيتين؛ الفرضية الأولى يطلق عليها فرضية ~~«الكوكب المنفجر»، ترى أن هذه الأجسام تمثل بقايا كوكب كان يجري في مدار حول الشمس، ~~بين كوكبي المريخ والمشتري، شأنه في ذلك شأن كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، لكن ~~لأسباب متباينة، من بينها جاذبية المشتري القوية، التي تسبب اضطرابات معروفة، فقد ~~تفلق ذلك الكوكب وتمزق، وانفجر تماما، وتطايرت مكوناته، لتشغل نفس المكان الذي ~~كان يشغله الكوكب الأم الذي انفجر. إن أهم ما يعضد هذه الفرضية وجود النيازك ~~الحديدية بين النيازك المتساقطة على سطح الأرض؛ فالنيازك الحديدية تتكون من سبيكة ~~من الحديد-نيكل. وهذه المادة يتوقع أنها تشكل قلب الأرض. وقياسا على ذلك، فإن ~~الكوكب كان شبيها بالأرض، ولما انفجر تحرر قلبه الحديدي، على شاكلة هذه الأجسام ~~التي تدور في نفس مداره، ويسقط بعضها على الأرض في صورة نيازك حديدية. كما أن وجود ~~أنواع من النيازك تعرف بالنيازك الحجرية، والنيازك الحديدية-الحجرية، اعتبر من قبل ~~بعض الباحثين دليلا آخر على تمثيل صخور من القشرة ومن الوشاح لهذا الكوكب. ومن أهم ~~الاعتراضات على هذا الرأي عدم معرفة الظروف التي تؤدي إلى تكون كوكب في هذا المكان، ~~وكذلك عدم فهم الظروف التي تقود إلى تفجره. ومن بين الاعتراضات أيضا أن جاذبية ~~المشتري، لا تسمح بوجود كوكب في هذا المدار. كما أن الوضع الحالي لحجم الكويكبات ~~يفيد أنها أقل كثيرا من أصغر الكواكب. فلو جمعت شظايا الكويكبات في جسم واحد، ~~لكان صغيرا جدا مقارنة بالكواكب الأخرى. ويغيب عن موجهي هذا الانتقاد أن الوضع ~~الحالي للكويكبات لا يعبر حقيقة عن وضعها الأصلي؛ إذ من الطبيعي أن الكويكبات كانت ~~في الماضي أكثر عددا من عددها الحالي؛ فالكثير منها سقط في براثن الكواكب الأخرى، ~~وصار نيازك. كما أن بعضها ربما يكون توابع للكواكب الأخرى، كأقمار المريخ، ~~والمشتري، وحتى الكوكب زحل، ms084 فإنه يمتلك جاذبية كبيرة تمكنه من أسر بعض الكويكبات ~~كتوابع أو أقمار، ولكن قد يكون الجسم الذي تشظى في هذا المكان كان مجرد تابع ~~(قمر) للمشتري، أو تابع للمريخ، أفلت من أي منهما، فكان جزاؤه التشظي والتفتت على ~~هذه الشاكلة. # والفرضية الأخرى، التي تعرف بفرضية الكوكب غير المكتمل، يرى أصحابها أن أجسام ~~الكويكبات تمثل بقايا سحابة غازية تجمعت في هذا المكان، لكن لم تكن الظروف ~~مواتية لها لتتكاثف على صورة كوكب كبير مكتمل، مثل بقية كواكب المجموعة الشمسية ~~الأساسية المعروفة؛ ومن ثم تكاثفت على هيئة جسيمات وأجسام متفاوتة الأحجام، هي تلك ~~الموجودة الآن، في هذا الموضع على صورة ما يعرف بالكويكبات. ربما يكون موضع ~~الكويكبات، بين المريخ والمشتري، أي عند الحد الفاصل بين الكواكب الأرضية (التي لها ~~قشرة صلبة؛ عطارد - الزهرة - الأرض - المريخ)، والكواكب الغازية (المشتري - زحل - ~~أورانوس - نيبتون) ربما يعني أنها بالفعل تمثل جزءا من السحابة الغازية الذي لم ~~يتمكن من التكاثف على هيئة كوكب كبير، لكن وضعية الموضع، لا تعني شيئا، فبلوتو ~~الكوكب الأبعد عن الشمس، كوكب صلب. # فرضية جديدة # لا تفسر الفرضيتان السابقتان الاختلافات ~~الكبيرة بين الأجسام التي تدور الآن في حزام الكويكبات، من حيث تنوع التركيب ~~الكيميائي، والمعدني، والتراكيب الداخلية، واختلاف الأعمار؛ فبعض هذه الأجسام من ~~المذنبات، كما يرى بعض الباحثين، جاءت من خلف بلوتو، حيث غيمة «أورت»، واستقرت في ~~هذا الموضع؛ ومن ثم يرى المؤلف أن الأجسام، التي تشكل حزام الكويكبات والتي يتساقط ~~بعضها على الأرض على صورة نيازك، يمكن أن تكون نتاج تجمع الشظايا والكسرات، التي ~~تتطاير من مختلف أنواع الأجسام، التي تشكل المجموعة الشمسية. أي أن الكويكبات تشكلت ~~من تجمعات كسرات من أعضاء المجموعة الشمسية، تأتي من مصادرها وتتمركز في هذا المكان ~~لظروف خاصة، منها أن هذا المكان بمثابة هوة في المجموعة الشمسية، تهوي إليه الأجسام ~~الشاردة من كواكبها وأقمارها ومذنباتها. وربما يعني هذا أيضا أن النيازك التي يرى ~~الباحثون أنها نيازك قمرية أو مريخية، والتي اكتشفت ضمن النيازك التي عثر عليها ~~على ms085 الأرض، سقطت أولا في حزام الكويكبات، وظلت فترات زمنية تدور في هذا المدار ~~الذي تشغله الكويكبات، ثم سقطت على الأرض، بحكم أن حزام الكويكبات هو الموضع الوحيد ~~الذي تسقط منه الأجسام السماوية على الأرض. أي أنه لا يسقط شيء من المريخ على الأرض ~~مباشرة، وإنما تسقط الأجسام التي تنفصل بطريقة أو أخرى من سطح المريخ، داخل حزام ~~الكويكبات، ثم تسقط على الأرض شأنها شأن بقية الأجسام الموجودة في حزام ~~الكويكبات. # 4 # وسوف يتم في المستقبل القريب مناقشة هذه الفرضية الجديدة، وتبيان أوجه القوة ~~والضعف فيها في مقابل الفرضيتين الأخريين. # الكويكبات والنيازك # يولي الباحثون في مجال النيازك اهتماما خاصا للكويكبات. وقد أسفر هذا الاهتمام ~~عن رصد عدد كبير منها وتحديد مداراتها، حيث بلغ عدد الكويكبات، التي حددت مداراتها، ~~حوالي 3500 كويكب. ولعل هذا الاهتمام بالكويكبات مصدره أنها مصدر رئيسي للنيازك؛ ~~فقد تقترب الكويكبات الكبيرة بذاتها من الأرض، أو الكواكب الأخرى وتتصادم معها؛ ~~وبالتالي فإنها تعتبر نيازك. وهناك عدد غير قليل من الكويكبات يدور في مدارات خطرة، ~~أي قريبة من الأرض، مما يزيد من احتمال ارتطامها بالأرض، وهو ما دعا الباحثون ~~لإقامة شبكة من المراصد موزعة في أماكن مختلفة من العالم، لرصد هذه الأجسام، ~~تمهيدا لاتخاذ التدابير اللازمة لتقليل مخاطر ارتطامها بالأرض. أو قد تحدث ~~اضطرابات في مدارات الكويكبات ذاتها، من تأثير جاذبية كوكب المشتري، فيشذ بعضها عن ~~مساراته الآمنة، ويأخذ طريقه نحو الأرض. أو قد تؤدي التصادمات التي تقع بين ~~الكويكبات إلى تعديل مساراتها الآمنة، فتلقى في مدار يقودها نحو الأرض. # وتعتبر الأجسام الصغيرة من الكويكبات - التي تنشأ أساسا من عمليات تشظي ~~الكويكبات الكبيرة، وتفتيتها - تعتبر المصادر المباشرة للأجسام الساقطة على سطح ~~الأرض. والأجسام الصغيرة من الكويكبات قد تكون موجودة بالفعل منذ تكون الكويكبات ~~ذاتها (بأي صورة أو بأي عملية من العمليات المفترضة لتكون الكويكبات)، أو تنشأ ~~من عملية التصادمات التي تحدث بين الكويكبات الكبيرة، وتؤدي إلى تشظيها وتفتيتها ~~إلى أجسام صغيرة الحجم، وتدفعها أيضا إلى الدوران في مدارات مختلفة ومغايرة ms086 ~~لمداراتها الأصلية؛ ومن ثم فقد تقودها إلى الاقتراب من مدارات الكواكب الأخرى، التي ~~من بينها مدار الأرض، مما يجعلها تسقط على هيئة الأجسام الصغيرة نسبيا، التي تشكل ~~الغالبية العظمى من النيازك الساقطة على سطح الأرض. # وقد ثبت بالفعل أن بعض النيازك تأتي من حزام الكويكبات؛ ففي الخمسينيات من القرن ~~الماضي، تمكن الباحثون من تحديد مدارات بعض النيازك الساقطة على الأرض بدقة، من ~~خلال عمليات تسجيل ومراقبة الكرات النارية المصاحبة لسقوط ثلاثة نيازك مختلفة؛ هي: ~~«بيربرام»، الذي سقط على أراضي جمهورية التشيك، و«لوست سيتي»، الذي سقط بالولايات ~~المتحدة، و«إننسفير»، الذي سقط على كندا، بواسطة آلات تصوير. وقد ثبت أن مدارات هذه ~~النيازك - التي تنتمي إلى نوع النيازك الحجرية الكوندريتية - تقع ضمن منطقة حزام ~~الكويكبات، التي تتركز بين كوكبي المريخ والمشتري. وبعد ذلك بفترة حلل الباحثون ~~البيانات التي أدلى بها راصدون مستقلون لنيزكين آخرين من نيازك الكوندريت أيضا، ~~هما «فارومينجتون»، الولايات المتحدة، و«داجالا»، الهند، أن مداراتهما تقع في حزام ~~الكويكبات. # 5 # وتتوافق ظاهرة وجود مصادر نيازك الكوندريت ~~ضمن حزام الكويكبات، مع فرضية أن حزام الكويكبات يمثل بقايا السحابة الغازية، التي ~~تخلقت منها بقية الكواكب الأخرى. فهذه البقايا لم تتمكن من أن تتطور على هيئة جرم ~~كبير، من تأثير جاذبية المشتري القوية؛ ومن ثم تجمعت في أجسام صغيرة ظلت على حالها ~~منذ أن تجمعت (4,7-5 بليون سنة تقريبا). أي أنها تمثل المادة الأولية، التي تطورت ~~منها الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية. وهذا يتوافق مع طبيعة وعمر غالبية نيازك ~~الكوندريت. # وتطورت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي عمليات دراسة الكويكبات، من خلال تطور ~~عمليات تحليل أطياف الضوء المنعكس من على أسطحها. ومكن هذا النوع من الدراسة، ~~الباحثين من معرفة مكونات الكويكبات الكيميائية؛ ومن ثم تصنيفها إلى عدد من ~~الأنواع التي تختلف في محتواها الكيميائي، عادة ما يشار إليها في المراجع العلمية ~~برموز مختصرة، مثل: نوع «إم»، ونوع «إس»، ونوع «سي». فقد دلت دراسات تحليل أطياف ~~الضوء المنعكسة من أسطح النوع «إم» من الكويكبات، أنه يتكون ms087 من سبيكة فلزية من ~~الحديد-نيكل، تماما كالنيازك الحديدية؛ ومن ثم اقترح أنه المصدر الأساسي لهذه ~~النوعية من النيازك، وكويكبات النوع «سي»، تبدو غامقة اللون، لا ينعكس شيء من ~~الضوء الساقط على أسطحها؛ ومن ثم فقد فسرت على أنها تتكون من مواد كربونية، يمكن ~~أن تكون مصدرا لنوع مميز من النيازك يطلق عليه نيازك كربونية. وتبدو كويكبات ~~النوع «إس» على أنها مكونة من مواد مختلفة ومتنوعة، مما حدا بالباحثين إلى اعتبارها ~~مصدرا لبعض أنواع النيازك الكوندريتية والأكوندريتية، على حد سواء. ووجد أن ~~كويكبا من كويكبات النوع المسمى «إس»، أطلق عليه تسمية خاصة، هي: «هيب-6» # Hebe-6 ~~، [التسمية مشتقة من اسم «الإلهة» اليونانية ~~«هيب» ربة الحيوية والشباب الدائم] يتشابه في خواصه العامة مع مجموعة من نيازك ~~الكوندريت التي يطلق عليها مسمى: مجموعة النيازك الكوندريتية الشائعة. # والأهم في هذا المجال الكويكب المسمى «فيستا» # Vesta ~~، الذي يبلغ قطره حوالي 350 ميلا (560كم)، ويعد أكبر ~~كويكب في النظام الشمسي؛ فقد وجد أن هذا الكويكب يتشابه في الخصائص العامة مع ~~الكواكب الأرضية (الزهرة، المريخ، الأرض)، من حيث كونه نطاقي التركيب، أي أنه يتكون ~~من قشرة صخرية علوية خفيفة المكونات، ووشاح من مكونات ثقيلة، وقلب من مكونات أثقل ~~(يبدو أنه يتكون من سبيكة من الحديد-نيكل). فقد أثبتت الدراسات أن أغلب أنواع نيازك ~~الأكوندريت (غير الأنواع المريخية والقمرية) مشتقة من الكويكب «فيستا». ويبدو أن ~~هذا الكويكب تعرض، في الأزمنة الغابرة وعند منطقة قطبه الجنوبي، لعملية صدمة من جرم ~~سماوي آخر هائل، أحدثت فيه فجوة ضخمة يبلغ قطرها 460كم، وعمقها 30كم، كما كشفت عنها ~~دراسات الاستشعار عن بعد، التي تركزت عليه. ومع أن مثل هذه الدراسات لا يمكن أن ~~تكون صحيحة بنسب عالية، إلا أنها تعد - في الوقت الراهن على الأقل - بمثابة تفسير ~~للظواهر التي تميز سطح هذا الكويكب. وترى هذه الدراسات أن الصدمة التي حدثت أدت ~~إلى تناثر شظايا - من صخور قشرة الكويكب، مختلطة مع الصخور البازلتية التي تكون ~~وشاحه العلوي - في الفضاء مكونة ما يمكن أن يطلق عليه ms088 أحزمة من الشظايا الصخرية، ~~تجري الآن على هيئة حزام من الشظايا المختلفة الأحجام، يطلق عليها بعض الباحثين ~~«فستويد»، نسبة إلى الكويكب الأم «فيستا». وبعض شظايا هذه الحزم «الفستويدية» يدور ~~في مدارات قريبة من مدار الأرض، وبعضها يتساقط على الأرض بالفعل، في صورة نيازك، ~~تنتمي للنيازك الحجرية الأكوندريتية، غير تلك التي ترى الدراسات أنها مشتقة من ~~كوكب المريخ أو من القمر؛ فقد وجد أن مجموعة من نيازك الأكوندريت يطلق عليها ~~اختصارا تسمية مجموعة نيازك ال # HED ~~، التي تعني ~~«هورديت» و«يوكريت» و«ديجونيت» لها خواص طيفية مميزة، تتشابه لدرجة كبيرة من خصائص ~~طيف الضوء، المنعكس من على سطح الكويكب «فيستا»؛ ومن ثم فقد اعتبر أنه مصدر ~~لها. # تعدين الكويكبات # إلى جانب مكوناتها المعدنية الفريدة، وما تحوي بعض هذه الأجسام من ثروات طبيعية، ~~قابلة للاستخدام المباشر (خاصة تلك التي تتكون من سبيكة طبيعية من الحديد-نيكل)، ~~تمتاز الكويكبات بوضعية فريدة في المنظومة الشمسية؛ فهي أجسام سائبة تسبح في ~~الفضاء. وهذا يجعل من تعدينها أمرا سهلا بالنسبة للإنسان. فلو أراد الإنسان تعدين ~~سطح القمر أو المريخ، لكان لزاما عليه أن يحفر لأعماق بعيدة أسفل القشرة الصخرية، ~~ثم يحتاج إلى طاقة كبيرة، ليدفع ما حصل عليه من معادن، بعيدا عن جاذبيتها ليعود ~~بها إلى الأرض. أما تعدين الكويكبات، فلن يتطلب كل هذه الاحتياطيات. فكل ما هو ~~مطلوب أن يصل الملاحون إلى هذه الكويكبات، ويسبحوا معها، ويحددوا مكوناتها، وما ~~الأجزاء الثمينة منها بالنسبة لحاجة الإنسان، ويفتتوها إلى أجزاء أصغر، ثم يدفعوها ~~إلى الأرض. # ولكن هل يحتاج الإنسان كل هذه المعاناة ليحصل على المعادن من هذه الأجسام؟ إن ~~تاريخ الصراع حول الحصول على المعادن يؤيد إمكانية تطلع الإنسان لهذه الأجسام، ~~وتكبده المعاناة من أجل الحصول عليها؛ فالحصول على المواد الخام عبر التاريخ كان ~~ولا يزال وراء أكثر الصراعات الدولية دموية. ويضرب «ألان نورس» # 6 # مثالا على قيمة المعادن في حياة الإنسان، ومدى استعداده للتضحية من ~~أجلها. فيذكر أنه، لو زار باحث مكانا محددا؛ هو مدينة «دوسون» # Dawson ~~، في إقليم ms089 «يوكون» # Yukon ~~، فسوف يعرف إلى أي مدى يمكن أن يتحمل الإنسان ~~الصعوبات، من أجل بريق المعادن؛ ففي هذا المكان الذي يبعد آلاف الأميال عن المناطق ~~المعمورة، في منطقة شديدة البرودة في الشتاء، توجد أطلال قرية مدفونة، كانت في ~~يوم من الأيام، ومن سنوات مضت، تعج بالرجال والنساء والأطفال، جاءوا لهذا المكان ~~الصعب، الشديد البرودة، الشديد وعورة الوصول إليه؛ متعرضين للجوع والمرض والموت، لا ~~يشدهم شيء سوى بريق الذهب، الذي يوجد في تلك الوديان المقفرة. ولو حذا الإنسان ~~حذوهم، لتطلع إلى حزام الكويكبات للحصول على الذهب والبلاتين والحديد والنحاس ~~والكوبلت، لكن الأهم من ذلك كله بالنسبة للوقت الحاضر اليورانيوم. فمع نضوب المصادر ~~التقليدية للطاقة، تزداد قيمة اليورانيوم المادية؛ نظرا لاستخدام الطاقة الذرية ~~بديلا عن المصادر التقليدية؛ ومن ثم فلن يكون مستبعدا، في السنوات القليلة ~~المقبلة، أن يصبح حزام الكويكبات هدفا لبعثات استكشاف تعدينية، تعقبها بعثات ~~استخراج واستغلال الثروات المعدنية، التي تشكل أجسام مكونات هذا الحزام. ~~(2) المذنبات # المذنبات أجسام سماوية عرفها الإنسان منذ أقدم العصور، وبثت في نفسه الرعب والفزع، ~~حيث ظل ظهورها المفاجئ في السماء يخرق فكرة الكون الثابت، التي تخيلها الناس قديما. ~~وفي ضوء المعطيات العلمية الحديثة، تعرف المذنبات على أنها عبارة عن أجسام مختلفة ~~الأحجام، تتركز في تجمع هائل، يعرف بغيمة أورت (نسبة إلى مكتشفها عالم الفلك الهولندي ~~«يان كيندريك أورت» # Jan Kendrick Oort ~~، الذي توفي ~~في شهر أكتوبر من عام 1992م). وغيمة أورت هذه عبارة عن عاصفة هائلة من الأجسام ~~الكروية، توجد على أطراف النظام الشمسي، بعد مدار كوكب بلوتو. # 7 # وتتألف هذه الغيمة من حوالي تريليون نواة مذنب. والمذنبات - في الأساس - ~~أجسام كروية، يبلغ متوسط قطر الواحد منها حوالي 1كم. وتمثل مكونات المذنبات - بحسب ~~الفرض السائد الآن - مواد أولية تجمعت على هذا النحو من بقايا السحابة التي تكونت ~~منها المجموعة الشمسية. # ومن خلال عمليات التحليل الطيفي أمكن التعرف على الكثير من خصائص المذنبات وتراكيبها ~~الداخلية، ومكوناتها الكيميائية، من ذرات العناصر وجزيئات المركبات. والمذنب - كجسم - ~~يتكون من رأس ms090 أو ذؤابة، وذيل أو ذنب طويل. ويبدو الرأس كالإكليل أو الهالة # Corona ~~. ويتكون رأس المذنب من سحابة كبيرة من ~~الغازات - التي تتوهج عند سقوط ضوء الشمس عليها، فترى على هذه الشاكلة - تحيط بجسم صلب ~~يعرف بالنواة. وفي بعض الأحيان ترى النواة على هيئة نقطة مضيئة منغمسة في الهالة أو ~~الإكليل. وتشكل نواة المذنب، رغم صغرها، الكتلة الأساسية لجسم المذنب. وقد يصل قطر ~~الرأس في بعض المذنبات أكثر من مليون كم. أما الذيل أو الذنب، فهو عبارة عن الجزء ~~الذي يمتد خلف الذؤابة. ويبلغ طول الذيل ملايين الكيلومترات، وفي حالات معينة يكون ~~طوله أكبر من المسافة الفاصلة بين الشمس والمريخ. # وتختلف المكونات الكيميائية للمذنب من الذؤابة إلى الذيل. وعادة ما يتكون المذنب من ~~كثير من المركبات والعناصر الكيميائية، منها الماء والأمونيا، والميثان وثاني أكسيد ~~الكربون. ويتكون الذنب من غازات أو من غبار أو من كليهما. ويمكن تمييز طبيعة مكونات ~~الذنب، من خلال شكله العام أثناء ظهوره للعيان؛ فالذنب الذي يتكون من الغازات، ~~عادة ما يبدو مستقيما خلف الذؤابة، أما الذنب الذي يتكون من الغبار، فيبدو ~~مقوسا أو منحنيا بوضوح خلف الذؤابة. # ويتسبب اضطراب الجاذبية في هذه الغيمة - والذي قد يسببه نجم مار بالقرب من ~~المجموعة الشمسية - يتسبب في دفع بعض المذنبات نحو الشمس، لتدور في مدارات إهليجية، ~~وفترة دوران كبيرة جدا. وبعد أن تطرأ على مساراتها بعض التغييرات، بسبب اقترابها من ~~المشتري أو زحل، تجد نفسها مرة كل قرن تقريبا، متجهة نحو النظام الشمسي الداخلي. وفي ~~مكان ما (بين المريخ والمشتري غالبا)، تبدأ حرارتها في الارتفاع، وتبدأ الغازات ~~والمياه في التبخر، وتتأثر المكونات الصخرية للنواة الصلبة، فتتفكك أو تتشظى، ~~وتتطاير منها أجزاء دقيقة الأحجام. وتدفع الرياح الشمسية ذلك التدفق المستمر من ~~البروتونات والأيونات وغيرها من المواد - التي تندفع بسرعات عالية تقدر بحوالي 1000كم ~~في الثانية الواحدة - تدفع كميات كبيرة من الغبار والجليد خلف المذنب، صانعة ما يعرف ~~بالذيل أو الذنب، بسبب ما تحدثه من تأين لجزيئات الغازات، ودفعها بعيدا عن الشمس. ms091 ~~ويمتد الذنب خلف المذنب لمسافات كبيرة جدا، وربما تفوق المسافة بين الكواكب ذاتها. ~~وقد تتخلف بعض مكونات الذنب في المدار الذي سلكه المذنب من قبل؛ ومن ثم فإن تقاطع ~~مدار الأرض، مع ذلك المدار - الذي ترك فيه المذنب حطام ذنبه - يسبب ما يعرف بظواهر ~~الشهب المعروفة، نتيجة لاحتراق الجسيمات الدقيقة في جو الأرض، التي تظهر خلال فترات ~~ثابتة من العام. ففي يوم 30 يونيو من عام 1908م، كان يوم وابل نيازك «بيتا توريد»، ~~المرتبط بمدار مذنب «إنكه». ويذهب بعض الباحثين للاعتقاد بأن حادث «تونجسكا» الشهير، ~~الذي وقع في عام 1908م، وسبب حرق وتدمير مساحات شاسعة من الأشجار في سيبريا، كان سببه ~~قطعة من مذنب «إنكه»، كانت أكبر نسبيا من القطع الأخرى التي تسبب الزخات النيزكية ~~المعتادة. # 8 # وربما يتوقع البعض دمارا شاملا يحيق بالأرض من المذنبات. # فترة حياة المذنب # من المعروف أن المذنبات تهوي إلى النظام الشمسي، من الحدود الخارجية، وتدور في ~~مدارات بيضاوية. وتستغرق فترات طويلة نسبيا لتتم دورة كاملة، قد تبلغ مائة عام ~~أو أكثر، وربما أقل. والسبب في طول الفترة الزمنية هو مداراتها البعيدة جدا. ويتم ~~قياس الفترة الزمنية للعودة، ببساطة إذا تم قياس مدار المذنب أثناء زيارة واحدة. ~~وعلى العموم، فإن المذنب يدفع ثمنا غاليا، في كل دورة من دوراته داخل النظام ~~الشمسي، تتمثل في فقدانه جزءا كبيرا من مكوناته، فيتقلص حجمه إلى درجة كبيرة. ~~وهكذا مع مرور الزمن، يتمزق المذنب، وتتلاشى مادته تدريجيا. وقد تبتلع الشمس ~~الكثير من المذنبات. كذلك قد تتصادم مع أي من الكواكب الأخرى. ولعل ما حدث في ~~عام 1994م، من تصادم المذنب المعروف بمذنب «شوميخر-ليفي» # Shoemaker-Levy # مع كوكب المشتري، خير شاهد على ذلك. ومذنب «بيلا» ~~الذي شوهد عام 1845م، ومن قبلها عدة مرات، والذي قدر «بيلا» فترة عودته إلى ~~الأرض بحوالي ست سنوات ونصف السنة؛ كانت آخر عودة له في عام 1852م؛ حيث لم يتم ~~العثور عليه بعد ذلك مطلقا. وفي مواعيد عودته المحددة في السنوات: 1872م، 1885م، ~~1892م، 1899م، ترى ms092 بقاياه فقط على هيئة شهب، تعرف بهطول مذنب «بيلا». # ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن أغلب المذنبات تفنى بعد إتمام ما يقدر بحوالي ~~مائة دورة تقريبا حول الشمس. وتضاف المواد التي تكون المذنبات، بعد تفككها، إلى ~~النظام الشمسي، فيتلقى كل كوكب من كواكب المجموعة الشمسية نصيبه من هذه المواد. ~~ويقدر العلماء مقدار ما تطرحه المذنبات من الغبار بحوالي 1000 مليون طن سنويا، ~~تضاف إلى المجموعة الشمسية. ويذهب البعض إلى الاعتقاد بأن المذنبات أسهمت بشكل ~~مباشر في زيادة كميات المياه على أسطح بعض الكواكب؛ فكمية الماء في كل مذنب تبلغ ~~حوالي 100 طن تقريبا. وتترسب هذه الكمية من الماء مع كل تفكك للمذنب، على أسطح ~~الكواكب. ويرى البعض أن الماء الموجود في جو المريخ (على هيئة رطوبة طفيفة، لا تزيد ~~نسبته عن 0,03٪)، مصدره مذنب اصطدم به حديثا. ويرى البعض أيضا أن المياه الأرضية، ~~قدمتها المذنبات والنيازك الساقطة على الأرض في مراحل نشأتها الأولى. # وبعض المذنبات تتطور إلى كويكبات، وتدخل ضمن نطاق حزام الكويكبات، بعدما تكون قد ~~فقدت جزءا كبيرا من الغازات والجليد الذي يحيط بأنويتها، فيتخلف عنها الجزء الصلب ~~الذي يشكل النواة؛ وبالتالي فإنها تشبه الكويكبات. وقد تتطور المذنبات إلى كويكبات. ~~ويتم ذلك بتكون قشرة كثيفة نسبيا من المادة الصلبة، على المذنب من الخارج، تحول ~~دون تأثره بارتفاع درجات الحرارة؛ ومن ثم يشبه المذنب في مثل هذه الحالة ~~الكويكب. # 9 # أساطير المذنبات # يخرق الظهور المفاجئ والعرضي للمذنبات في السماء فكرة الكون الثابت التي كانت ~~تسيطر على فكر الإنسان على مدى قرون طويلة من الزمان. أما الشكل الغريب الذي تظهر ~~عليه المذنبات من توهج رءوسها، وجرها خلفها ذيولا تمتد مسافات كبيرة، فكان مدعاة ~~لبعث الرعب والهلع في نفوس البشر، الذين نظروا إليها باعتبارها ظاهرة تهدد ثبات ~~الكون، لها تأثيرها المباشر على الحياة الأرضية. لقد تصور الناس قديما المذنبات ~~على أنها لحى طائرة، أو سيوف ملتهبة، أو صلبان معلقة في السماء، أو حزم أشعة ~~وأبواق وجرار؛ ومن ثم فقد أثرت المذنبات في الفكر ms093 الإنساني على مدى التاريخ، وأصبحت ~~تعني في كثير من الثقافات سقوط الممالك، وموت الأمراء (وبهذا الخصوص يقول شكسبير: ~~«عند موت متسول لا ترى مذنبا في السماء، بينما تبارك السماء موت الأمراء بظهور ~~المذنبات.») واشتعال الحروب، وتأتي بالطقس الحار، والأحوال المضطربة. وقد أرجع أحد ~~المؤرخين الأعمال القاسية التي كان يأتي بها «نيرون»، إلى تأثير مذنب ظهر في زمانه! ~~وكان الناس يظنون أن المذنبات تمثل في جوهرها أرواح الرجال العظام التي تظهر في ~~السماء بعد موتهم؛ فظن الرومان أن مذنب سنة 44 قبل الميلاد كان يمثل روح «يوليوس ~~قيصر». والبعض تخيلها تمثل أرواح الأشرار التي تنذر البشرية بالخطر. ومن أغرب ~~تفسيرات ظاهرة المذنبات، وأكثرها إثارة للدهشة، تعريف قدمه أسقف «ماجدنبرج» ~~«أندرياس سيليثيوس»، ونشره في كتاب ظهر سنة 1578م بعنوان «تذكير لاهوتي بالمذنب ~~الجديد»، قدم فيه تعريفا للمذنب، اعتبره بمثابة الدخان الثخين للخطايا البشرية ~~المتصاعدة كل يوم وكل ساعة، الذي يصبح أكثر ثخانة فيشكل مذنبا له ضفائر مجعدة ~~مجدولة. # 10 # مذنب هالي # يعد مذنب هالي واحدا من أشهر المذنبات وأكثرها عناية من قبل الباحثين. وتعود ~~تسمية هذا المذنب باسم مذنب هالي، نسبة إلى اسم الفلكي الإنجليزي «إدموند هالي»، ~~الذي عاصر وصادق العالم الشهير السير «إسحاق نيوتن»، صاحب «قانون الجاذبية» ~~المعروف، حيث كان أول من عكف على دراسة هذا المذنب، أثناء ظهوره في عام 1682م، وخلص ~~في عام 1707م، إلى أن مذنبات عام 1531م، 1607م، 1682م، كانت تكرارا لمذنب واحد، ~~بفترة فاصلة قدرها 76 عاما تقريبا. # 11 # وتوقع أن يعود المذنب نفسه للظهور في عام 1758م. ويعد ما ذهب إليه ~~«هالي» من أن المذنب سوف يعود ثانية للظهور خلال فترة زمنية محددة؛ يعد نصرا ~~فلكيا منقطع النظير؛ فقد كان «نيوتن» [الذي استفاد هالي نفسه من قانونه] يفضل ~~احتمال أن المذنبات تدور في مدارات مفتوحة حول الشمس، تتضمن رحلة واحدة فقط؛ ومن ~~ثم فقد راهن «هالي» على سمعته العلمية، بزعمه أن المذنب سوف يعود ثانية، وهو ما حدث ~~بالفعل بعد وفاته؛ ومن ثم فقد سمي ms094 المذنب باسمه تكريما له، بصفته أول من أثبت أن ~~المذنبات يمكن أن تدور في مدارات مغلقة (على شكل قطع ناقص). وقد تكرر ظهور المذنب ~~بعد ذلك، في عام 1835م، 1910م، 1986م. وسوف يعود ثانية إلى الظهور - إن شاء الله - ~~في عام 2061م. # ومذنب هالي ضيف قديم جدا بالنسبة لسكان الأرض؛ إذ تمت مشاهدته - على ما يبدو ~~- خلال الألف الثانية قبل الميلاد. فأقدم تسجيل لظهور مذنب هالي، ربما يعود إلى عام ~~240 قبل الميلاد. ويبدو أن هذا المذنب هو الذي ظهر في عام 1057 قبل الميلاد، كما في ~~كتاب الأمير الصيني «هوي نان». ولقد لعب مذنب هالي دورا مهما في تاريخ البشرية؛ ~~فاقترابه من الأرض في عام 66م ربما يكون مرتبطا بقصة السيف الذي ظل معلقا فوق ~~القدس لمدة عام، «لجوزيفوس». وفي عام 1066م شاهد «النورمانديون» عودة أخرى لمذنب ~~هالي. وبما أن المذنب كان على - حد تفكير الناس آنذاك - نذيرا بسقوط مملكة ما، ~~فإنه شجع وسرع بشكل ما غزو «وليم» الفاتح لإنجلترا. وقد ورد ذكر المذنب، بوصفه ~~حدثا مشهودا، في إحدى صحف ذلك الزمان المعروفة باسم: «ذي باييه تابستري». وفي عام ~~1301م، شاهد «جيوتو»، أحد مؤسسي الرسم الواقعي الحديث، ظهورا آخر لمذنب هالي، وقد ~~أدخله في الصورة التي رسمها لميلاد السيد المسيح. وفي عام 1466م، أثار ظهور المذنب ~~الرعب في أوروبا، لأن المسيحيين خشوا أن يكون نذيرا بانتصار الأتراك، الذين كانوا ~~قد استولوا توا على القسطنطينية. وحتى في العصر الحديث، لم يتوقف الناس عن ~~التخوف والرهبة من ظهور المذنب؛ إذ أثار موعد ظهوره في 1910م الرعب في نفوس الناس، ~~وتوقع البعض نهاية البشرية، لما قد يحدثه من تسمم في جو الأرض. والذي أزكى هذا ~~الشعور لدى الناس، ما كان قد أعلنه الفلكي «وليام هوجنر»، في عام 1868م، من وجود ~~مادة «اليانوجين»، المؤلفة من الكربون والنيتروجين (ك ن). ومن المعروف أن هذه ~~المادة تصنع منها مادة السيانيدات السامة. وهذا الأمر جعل الناس يعتقدون أن تسمما ~~وشيكا سوف يلحق بالأرض، من جراء مرور ms095 المذنب بجو الأرض. وعكف الناس على شراء ~~الحبوب المضادة للمذنب. # المذنبات في التراث العربي # رصد العرب ظاهرة المذنبات في مؤلفاتهم الموسوعية (العلمية الأدبية التاريخية)، ~~باعتبارها نجوما أو كواكب تظهر عرضا في السماء ثم تختفي، بوصفها ضربا من الأجسام ~~السماوية، وبوصفها أحداثا جديرة بالاهتمام. ومن اللافت للانتباه أن بعض المؤرخين ~~العرب، صدروا أحداث السنين بظهور المذنبات، فوردت في أهم الأحداث التي حدثت في ~~التواريخ التي يتناولونها بالتدوين، مما يعني اهتمامهم بهذه الظاهرة الطبيعية. ومن ~~تسجيلات المؤرخين العرب لظاهرة ظهور المذنبات، تسجيل حدث ظهور مذنب هالي في أكثر ~~حالات اقترابه من الأرض. وهذا حدث لم تسجله دوريات وحوليات ووثائق الأمم الأخرى. ~~ومن الطريف أن تبدو دورية المذنبات باعتبارها تتحرك وتختفي ثم تعود فتظهر ثانية . ~~ومن بين أهم التعريفات العلمية لظاهرة المذنبات، ما أوردة المرزوقي (أحمد بن محمد ~~بن الحسن أبو علي المرزوقي، عالم بالأدب من أهل أصبهان [المتوفى في سنة ~~421ه/1030م])، في كتابه الرائع «الأزمنة والأمكنة»، الذي فرغ من تأليفه في 13 ~~جمادى الآخرة سنة 453ه. ففي الباب الثالث والستين، وفي معرض حديثه عن الكواكب، ~~ومواضعها، يعرض تعريفا عمليا دقيقا للمذنبات: # 12 ~~«فإن قيل: كيف تميز للعلماء مواضع هذه الكواكب ومقاديرها في سيرها على ~~خفائها وعجز الحس عن إدراكها؟ قلت: أدركوا ذلك في الأزمنة المتعاقبة والدهور ~~المترادفة، فكان أحدهم يقف في عمره مع تفقده البليغ لها على بعض أحوالها، ثم يرسم ~~ما يقف عليه لمن يخلف بعده، وقد شاركه فيما مضى ثم قاس الأخلاف بعدهم قرنا بعد ~~قرن، فوجدوها وقد تقدمت عن تلك الأماكن الأول، وكذلك فعل الأخلاف للأخلاف، وقد ~~ضبطوا تواريخ تلك الأزمنة معتبرين فوجدها تتحرك بأسرها معا حركة واحدة، فتقطع في ~~كل مائة عام درجة واحدة، حينئذ حكموا بما قالوا، فهذه حال هذه الكواكب المسماة ~~ثوابت، إلا كوكبا واحدا، فإنه سيار خلاف سيرها، وخلاف سير السيارات كلها ~~وهو الكوكب الذي سماه المنجمون ذا الضفيرة وذا ~~الذؤابة وهو الذي تسميه العامة كوكب الذنب، وإنما يظهر في الزمان بعد الزمان ~~ولأصحاب الملاحم ms096 فيه روايات. فعلى هذا عرف العلماء مواضع هذه الكواكب من الفلك ~~وحكموا بما حكموا في كتبهم من شأنها.» # وفي رواية نقلها بدر الدين العيني (محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد أبو محمد بدر ~~الدين العيني الحنفي [762-855ه/1360-1451م])، في كتابه الموسوعي «عقد الجمان في ~~تاريخ أهل الزمان» دلائل على ما يمكن اعتباره توصل العرب لفكرة دورية المذنبات، قبل ~~هالي بزمن كبير نسبيا. ففي معرض ذكره لحوادث السنة الرابعة والثمانين بعد ~~الستمائة، يذكر المؤلف واقعة طريفة تشير إلى بعض المعتقدات التي كانت سائدة لدى ~~الناس حيال المذنبات، وتشير أيضا إلى مفهوم دورية المذنبات، وإن لم تصغ صياغة ~~علمية، فيذكر: # 13 ~~«وحدث الشيخ شعبان الهوي قال: حدثني الشيخ شرف الدين السنجاري ~~التاجر السفار قال: كنت بالموصل سنة أربع وثمانين (يشير إلى سنة 684ه) ليلة النصف ~~من المحرم، فظهر كوكب عظيم له ثلاث ذوائب طوال إلى جهة المغرب، فتعجب الناس من ذلك، ~~وكان في الجماعة عماد الدين بن الدهان رئيس المنجمين، فسألوه عنه فقال: هذا الكوكب ~~ظهر في سنة عشرين وأربعمائة، وله ذؤابتان في طول الذي ترونه وأخرى قصيرة جدا، ~~فولد في ذلك التاريخ المستنصر خليفة مصر، فعاش سبعا وستين سنة، وأقام خليفة ستين ~~سنة، ثم ظهر هذا الكوكب في سنة تسعين وأربعمائة، فولد في هذا التاريخ عبد المؤمن ~~صاحب الغرب، فعاش سبعين سنة، وملك خمسين سنة، ثم ظهر هذا الكوكب في سنة ثلاث وخمسين ~~وخمسمائة، فولد في هذا التاريخ الناصر لدين الله، خليفة بغداد فعاش تسعا وستين ~~سنة، وأقام خليفة سبعا وأربعين سنة، وها هو قد ظهر في هذا الوقت وذوائبه الثلاث ~~كاملة متساوية، يدل على أنه يولد في هذه الليلة مولود سعيد يملك مصر والشام ~~والعراق، ويعيش ثلاثين وثلاثين وثلاثين، فنظروا فلم يولد في تلك الليلة إلا الملك ~~الناصر محمد بن قلاوون المذكور. قلت: صادف كلامه ذلك ولكنه أخطأ في المدة على ما لا ~~يخفى.» وفي كتاب «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»، يسجل المؤرخ الفقيه الأديب أبو ~~الفلاح عبد الحي ms097 بن العماد الحنبلي المتوفى سنة 1089ه، بعض الممارسات التي كانت ~~سائدة حيال ظهور المذنبات. ففي معرض تأريخه لأحداث سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، ~~يذكر حادثة ظهور مذنب في سنة 330ه، أشار إليه بكوكب عظيم له ذنب منتشر، وارتبط ~~بظهوره انتشار الغلاء وانتشار الأمراض: # 14 ~~«فيها (يشير لسنة 331ه)، كما قال في الشذور وافى جراد زائد عن الحد حتى ~~بيع كل خمسين رطلا بدرهم واستعان به الفقراء على الغلاء. وفي التي قبلها (330ه) ~~ظهر كوكب عظيم ذو ذنب منتشر فبقي ثلاثة عشر يوما ثم اضمحل واشتد الغلاء والمرض.» ~~ويذكر نفس المعتقدات تقريبا في معرض تأريخه لأحداث سنة 458ه: # 15 ~~«وفيها كما قال في الشذور ظهر كوكب عظيم كبير له ذؤابة عرضها نحو ثلاثة ~~أذرع وطوله أذرع كثيرة ولبث ليالي كثيرة ثم غاب ثم ظهر وقد اشتد نوره كالقمر وبقي ~~عشرة أيام حتى اضمحل، ووردت كتب التجار بأنه في الليلة الأخيرة من طلوع هذا الكوكب ~~غرقت ستة وعشرون مركبا وهلك فيها نحو من ثمانية عشر ألف إنسان وكان من جملة المتاع ~~الذي فيها عشرة آلاف طبلة كافور، وكانت الزلزلة بخراسان ولبثت أياما فتصدعت منها ~~الجبال وخسف بعدة قرى.» وفي معرض تأريخه لأحداث سنة خمس وثمانين وتسعمائة هجرية، ~~يذكر حادثة ظهور مذنب، وينقل إشارات السيوطي عن ما شاع لدى الناس عند رؤيتهم لهذه ~~المذنبات: # 16 ~~«فيها - كما قال في النور - طلع نجم ذو ذؤابة كهيئة الذنب طويل ~~جدا له شعاع ومكث كذلك يطلع نحو شهرين. انتهى. قلت: قال السيوطي، في كتابه حسن ~~المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ما لفظه: ذكر كوكب الذنب، قال صاحب المرآة: إن ~~أهل النجوم يذكرون أن كوكب الذنب طلع في وقت قتل قابيل هابيل وفي وقت الطوفان ~~وفي وقت نار إبراهيم الخليل، وعند هلاك قوم عاد وقوم ثمود وقوم صالح وعند ظهور قوم ~~موسى وهلاك فرعون، وفي غزوة بدر، وعند قتل عثمان وعلي، وعند قتل جماعة من الخلفاء ~~منهم الراضي والمعتز والمهتدي والمقتدر، وأدنى الأحداث عند ظهور هذه الكواكب ~~الزلازل ms098 والأهوال، قلت: يدل لذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه من طريق ~~ابن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس فقال: ما نمت البارحة، قلت: لم؟ قال: طلع ~~الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق. انتهى ما أورده السيوطي بحروفه.» ~~وفي بعض الحالات يكون ظهور المذنب بشير خير. ومن الأمثلة على ذلك ما أورده ابن كثير ~~(إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي المتوفى سنة 774ه)، في كتابه «البداية والنهاية»؛ ~~إذ يؤرخ حادثة ظهور مذنب ضمن أحداث سنة 448ه، فيذكر: # 17 ~~«قال ابن الجوزي: وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر ~~كوكب له ذؤابة طولها في رأي العين نحو من عشرة أذرع وفي عرض نحو الذراع ولبث كذلك ~~إلى النصف من رجب ثم اضمحل، وذكروا أنه طلع مثله بمصر فملكت وخطب بها للمصريين ~~وكذلك بغداد لما طلع فيها ملكت.» # أصل المذنبات # شغل أصل المذنبات ومصدرها الناس منذ القدم. ~~وتعد أهم إشارات علمية، مسجلة عن أصل المذنبات، هي تلك التي تعود للفيلسوف الألماني ~~«إمانويل كانت» [1724-1804م]، والتي يورد فيها: أن المذنبات تتكون بعيدا جدا، ~~وتتألف من جسيمات خفيفة. وقد افترض «كانت» وجود سحابة من المذنبات، تدور حول الشمس، ~~ولكن على بعد كبير منها. # 18 # ومن الطريف أن يرى الفلكي الهولندي «يان كيندريك أورت»، في خمسينيات ~~القرن العشرين، نفس الرؤية تقريبا التي قدمها «كانت»، منذ القرن الثامن عشر؛ إذ ~~يرى «أورت» أن المذنبات، التي توجد على أطراف المجموعة الشمسية في تجمع هائل يطلق ~~عليه غيمة، تكونت من مادة بقيت أو تخلفت بعد تكون أفراد المجموعة الشمسية ~~الرئيسية. # المذنبات والنيازك # من خلال ما مضى من عرض موجز عن المذنبات، يتبين أنها مصدر من مصادر النيازك، في ~~صور عديدة ومختلفة؛ فقد تهوي المذنبات على الأرض، وتتصادم معها، محدثة ما يعرف ~~بالفوهات النيزكية الضخمة. وهذا الفرض يستند إلى المشاهدات الفعلية للمذنبات، ~~والدليل الواضح على ذلك ما حدث من تصادم شهده الباحثون وسجلوه، للمذنب المعروف ~~بمذنب «شوميخر-ليفي» بكوكب المشتري؛ فقد تحطم المذنب إلى ms099 عدد من القطع المتفاوتة ~~الأحجام، ارتطمت بالكوكب تباعا خلال الفترة من 9 إلى 16 يوليو من عام 1994م. وقد ~~خلف ارتطام هذه القطع ندبات واضحة بالكوكب، بلغ عددها حوالي 15 ندبة. # 19 # ومن الطريف أن بعض المذنبات تنضم إلى حزام الكويكبات، وتصبح أنويتها ~~الصلبة أجساما تسبح في مدارات تقع ضمن مدارات الكويكبات، # 20 # بعدما تفقد - بالطبع - الغلاف الغازي والجليد الذي يحيط بها؛ نتيجة ~~لارتفاع درجة حرارتها، أثناء اقترابها من الشمس. وهكذا تختلط المذنبات بالكويكبات، ~~لتصبح مصدرا للنيازك شأنها شأن الكويكبات. أو قد تتفكك المكونات الصخرية للمذنبات ~~(الأنوية)، أثناء دورانها في مداراتها خلال النظام الشمسي، وتسقط على الأرض على ~~هيئة أحجار مختلفة الأحجام. ويرى بعض الباحثين أن النيازك الكربونية - على وجه ~~الخصوص - تمثل أجزاء من أنوية المذنبات. كما أن المذنبات تعد مصدرا أساسيا من ~~مصادر الغبار النيزكي، الذي يترسب على الأرض بكميات كبيرة. ~~(3) المريخ # المريخ كوكب من كواكب المجموعة الشمسية، التي يطلق عليها الكواكب الأرضية أو ~~الداخلية، وهي الكواكب التي تشبه كوكب الأرض، من حيث كونها لها قشرة صخرية صلبة، وليست ~~غازية، كما هو الحال في بعض كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، والتي يطلق عليها الكواكب ~~الغازية أو غير الأرضية. ويعتبر كوكب المريخ من أقرب الكواكب الأرضية شبها بالأرض، هو ~~وكوكب الزهرة. وهو الكوكب الرابع من حيث البعد عن الشمس (عطارد، الزهرة، الأرض، ~~المريخ). ويبعد عن الشمس بحوالي 1,52 وحدة فلكية (227940000كم). ويبلغ متوسط قطره ~~حوالي 6794كم. ويدور الكوكب في مدار إهليجي، ويؤثر ذلك على مناخه. وتتفاوت درجات ~~الحرارة على سطح الكوكب من 133 درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء، إلى 27 درجة مئوية في ~~أيام الصيف. وللكوكب قمران صغيران هما «ديموس» و«فيبوس»، وله غلاف غازي رقيق، يتألف ~~من غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة تقدر بحوالي 95,3٪، والنيتروجين 2,7٪، والأرجون 1,6٪، ~~بالإضافة إلى آثار من الأكسجين 0,15٪، والماء 0,03٪. ويبدو أن الماء موجود في حالة ~~متجمدة في منطقتي قطبي الكوكب مع ثاني أكسيد الكربون. # 21 # الظواهر السطحية للمريخ # باستثناء الأرض، فإن كوكب ms100 المريخ، يمتاز من بين الكواكب الأخرى، بتنوع واختلاف ~~ظواهره السطحية، من وجود مناطق شاهقة الارتفاع كالجبال، ومناطق منخفضة تشبه الوديان ~~الضيقة الأرضية، ومناطق سهلية منبسطة كبيرة الاتساع. ومن أهم المعالم السطحية ~~للمريخ، جبل «أوليمبوس مونز»، الذي يعد أعلى جبل معروف في كواكب المجموعة الشمسية ~~جميعها؛ حيث يبلغ ارتفاع قمته عن مستوى سطح المريخ حوالي 24كم، ويبلغ متوسط اتساع ~~قاعدته حوالي 500كم مربع. وعلى سطح المريخ منطقة «فاليس مارينيرز»، وبها نظام معقد ~~جدا من التراكيب العميقة الضيقة، يطلق عليها تسهبلا خوانق (إذ تشبه المجاري ~~المائية الجافة القصيرة والضيقة والعميقة)، تشغل مساحة تقدر بحوالي 400كم مربع. ~~وهي تشبه خوانق «كولورادو» وخوانق هضبة الخلف الكبير الجافة، في جنوب غرب مصر. ~~ويوجد على سطحه فجوة كبيرة جدا تسمى «هيلس بلانيتيا»، يبلغ متوسط قطرها حوالي ~~2000كم، وعمقها حوالي 6كم. ويعتقد أنها تمثل فجوة نيزكية، لكن يجب التحفظ عند ~~قبول مثل هذا التفسير حول أصلها. # وبصفة عامة، فإن الجزء الجنوبي من سطح ~~المريخ، يمتاز بطبيعة مورفولوجية (ظواهر سطحية ) معقدة نسبيا، وعمر زمني قديم. ~~ويتشابه هذا الجانب من جوانب المريخ، إلى حد بعيد، مع طبيعة سطح القمر ~~المورفولوجية. في حين أن غالبية مساحة الجزء الشمالي من سطح الكوكب، تمثله منطقة ~~سهلية منبسطة نسبيا، بسيطة الظواهر المورفولوجية، حديثة العمر نسبيا. ومن هذه ~~الوجهة تحديدا، تتشابه الظواهر المورفولوجية لسطح المريخ كثيرا مع سطح الأرض. ~~فسطح الأرض - كما هو معروف - يمتاز بظهور مكاشف الصخور النارية بطبيعتها المعقدة، ~~في بعض المناطق، وكذا انتشار الصخور الرسوبية، بطبيعتها البسيطة المميزة، على مناطق ~~أخرى. ومن الظواهر المثيرة للانتباه، والجديرة بالتأمل على سطح المريخ، ما أظهرته ~~بعض الصور الفضائية، من أشكال وظواهر يمكن اعتبارها مؤشرا على وجود عمليات التحات ~~(نحر الصخور بالعوامل الطبيعية)، في الصخور التي تغطي جزءا كبيرا من سطح ~~الكوكب. وهذه الظواهر أقرب ما تكون إلى مثيلاتها على سطح الأرض، والتي تنشأ بفعل ~~الرياح والمياه الجارية (الوديان الجافة). وقد جعلت هذه الصور بعض الباحثين يعتقدون ~~أن الكوكب شهد تدفقات مائية على سطحه، في ms101 فترة من الفترات، ولكن يرى فريق آخر من ~~الباحثين، أن هذه الظواهر تمثل ثنيات وتشققات في سطح الكوكب، نتيجة عمليات ناشئة من ~~باطنه. # هل توجد حياة على سطح المريخ؟ # يتطلع الناس من قديم الأزل إلى المريخ، بوصفه كوكبا يحمل الحياة. وقد سجلوا ~~ظنونهم أو معتقداتهم تلك في الأساطير وقصص الخيال التي كانوا يرددونها. وفي النصف ~~الثاني من القرن التاسع عشر (1888م)، أعلن الفلكي الإيطالي «سكياباريلي» نتائج ~~أبحاثه عن شبكة الخطوط والعلامات، التي ترى على سطح المريخ. وقد كانت إشاراته إلى ~~تلك الخطوط مبهمة بطريقة جعلت البعض يفسرونها على أنها قنوات مائية. وهكذا تلقف ~~«برسيفال لويل» تلك الإشارات واعتبرها دليلا ماديا على وجود حياة عاقلة على سطح ~~كوكب المريخ. ومنذ ذلك الوقت شغف الناس بأبحاث المريخ، خاصة تلك التي تتعلق ~~بالحياة. ويبدو أن هناك من يستثمر ذلك الشعور استثمارا جيدا. فمن يكشف عن وجود ~~حياة على المريخ، يمكن أن يتصل بها، في حال كونها حياة عاقلة، ويمكن أن يسخرها في ~~حال كونها مجرد حياة بدائية. وهذا يفسر سر الاهتمام المحموم ~~بدراسة احتمال وجود حياة على سطح المريخ. وسر ~~الهالة الإعلامية التي تحيط بمن يتطرقون لهذا الموضوع، خاصة ولو أشار إشارات - حتى ~~وإن كانت مبهمة - تفيد توقع وجود مثل تلك الحياة. وفي عام 1996م، صاحب إعلان فريق ~~من الباحثين، من وكالة الفضاء والطيران الأمريكية «ناسا»، عن وجود آثار أشكال ~~بدائية للحياة، في ما اعتبروه نيزكا مريخيا، هالة إعلامية كبيرة، انضم إليها ~~الرئيس الأمريكي آنذاك «بيل كلينتون». ولا يمكن الوثوق في غالبية هذه الدراسات؛ ~~فالصخرة التي اعتبرت مريخية، لا يمكن التأكد من كونها كذلك بصورة مطلقة، ~~والأشكال التي بدت على أنها تشبه آثار الحياة البدائية الأرضية (على شكل الكائنات ~~الأرضية وحيدة الخلية)، لا يمكن اعتبارها كذلك بصورة أيضا مطلقة. فهناك من يشكك ~~أصلا في احتمال وجود نيازك مريخية على الأرض، من ضمن النيازك المعروفة. وهناك من ~~يشكك في كون الصخرة، التي درست (مكتشفة في القارة القطبية الجنوبية)، من الصخور ~~المريخية الساقطة على الأرض. ms102 كما أبدى العديد من الباحثين تحفظهم، حول دقة ما ذهب ~~إليه الفريق من نتائج، واعتبروها متسرعة، باعتبار أن ما ظنه الفريق بمثابة آثار ~~حياة بدائية، لا يعدو كونه أكثر من تراكيب معدنية عادية. # وفي حقيقة الأمر، يصعب من خلال البيانات المتاحة عن الظروف المناخية السائدة على ~~الكوكب، وطبيعة مكونات غلافه الجوي، تصور إمكانية وجود حياة عليه. وهناك عامل آخر ~~في منتهى الأهمية في هذا الخصوص، وهو التقلبات المناخية المفاجئة التي تجتاح ~~الكوكب؛ فعدم وجود قمر كبير كتابع للمريخ، مثل ما هو الحال بالنسبة للأرض، لا يساعد ~~على ثبات دوران الكوكب حول محوره. وهذا يلعب دورا بارزا في إحداث تغيرات وتقلبات ~~فجائية في مناخ الكوكب، ويجعل ثباتها لفترات زمنية طويلة نسبيا (كما هو الحال ~~بالنسبة للأرض) أمرا نادرا. وهذا من شانه أن يقلل من احتمال ظهور الحياة، أو ~~استمرارها على سطحه. ومع ذلك يعتبر المريخ - في نظر البعض - أكثر كواكب المجموعة ~~الشمسية الأخرى، التي يحتمل قيام حياة عليها. # ويورد عالم الفلك الراحل «كارل ساجان»، بخصوص احتمال وجود حياة من عدمه على كوكب ~~المريخ، قولا بليغا معبرا، في كتابه «الكون»، فيذكر: # 22 ~~«وعموما فإن بعض الناس يريدون فعلا أن توجد حياة في المريخ، بينما ~~يريد بعضهم الآخر العكس تماما. وحدثت مواقف متطرفة من كل جانب.» وهذا القول ~~يعبر عن الخلاف الحاد بين الباحثين بخصوص احتمال العثور على حياة على كوكب المريخ، ~~وهو الخلاف الذي يتطور إلى صراع في بعض الأحيان. وعلى العموم، سوف يظل أمر ~~احتمال وجود حياة على المريخ رهن الحصول على عينات صخرية فعلية من سطح الكوكب، ~~بواسطة سفن فضائية تهبط على سطحه، ودراستها دراسات متأنية ودقيقة. # النيازك المريخية # هناك طائفة من النيازك الأكوندريتية التي يرى الباحثون أنها مشتقة من صخور سطح ~~المريخ، وهذه النيازك يطلق عليها «إس. إن. ~~سي» # SNC ~~، اختصارا لأسماء ثلاث طوائف من النيازك الأكوندريتية هي: ~~«الشبرجوتيت»، و«النخليت»، و«الكاسيجنيت». هذا وقد أضيفت، في الفترة الأخيرة، إلى ~~النيازك المريخية مجموعة أخرى يطلق عليها طائفة «الأورثوبيروكسينيت»، يمثلها نيزك ~~واحد ms103 فقط، هو نيزك تلال آلان 100 /84، الذي ثبت أنه مشتق من قشرة المريخ، ولا ~~ينتمي لأي من نيازك المجموعات الثلاث المعروفة. # ومع صعوبة التسليم والقبول بسهولة إمكانية أن يفلت جسم ما، من جاذبية المريخ ~~القوية نسبيا، التي تتطلب أن يندفع الجسم بسرعة تعادل 5كم/ثانية، لا توجد ~~تفسيرات مقنعة، عن كيفية اندفاع هذه الأجسام، ولا عن العمليات الطبيعية، التي يمكن ~~أن تدفع صخورا من قشرة المريخ بهذه السرعة. فهل الانفجارات البركانية التي يمكن أن ~~تحدث على سطح الكوكب قادرة على ذلك؟! لا أحد يعرف الإجابة عن هذا السؤال، وكل ما ~~يثار بهذا الخصوص لا يعدو كونه تكهنات أقرب إلى الخيال. ومن بين الطروحات الغريبة ~~بهذا الخصوص، رأي يرى أن الغازات المتجمدة، هي من بين العوامل التي تدفع قطعا من ~~صخور المريخ، لتطير عاليا ثم تندفع خارج نطاق الجاذبية؛ ومن ثم تترك مدار الكوكب ~~إلى مدار الأرض؛ فالغازات المتجمدة تتخلل السطح وتصل لأعماق كبيرة نسبيا. ثم ~~مع ارتفاع درجة الحرارة، تبدأ هذه الغازات في التبخر، محدثة ما يمكن أن يطلق عليه ~~انفجارات عنيفة، تقذف بالغطاء الصخري عاليا في الجو. ورأي يرى أن الانفجارات ~~البركانية، على سطح المريخ، هي العامل المحرك وراء اندفاع صخوره، لتنطلق خارج حدود ~~جاذبيته؛ ومن ثم تترك الكوكب لتقع في مدارات كواكب أخرى، منها الأرض، فتسقط عليها ~~على هيئة ما يعرف بالنيازك المريخية. # لكن ما هو مطروح بقوة الآن فرضية الصدمات النيزكية على سطح الكوكب، والتي يتولد ~~عنها قوة هائلة، يمكن أن تسبب عملية اندفاع قوية لقطع من الصخور، ولكن في مقابل ذلك ~~يجب أن تسبب صهر الصخور، كما هو الحال في حالات الصدمات النيزكية الأرضية. وهذا ما ~~لم يثبت حتى الآن في النيازك المريخية. لا شك أن في وجود دلائل على تعرض بعض ~~المعادن المكونة للصخور المريخية (النيازك المريخية) لصدمات قوية؛ فمعدن ~~البلاجيزكليز الذي يعد مكونا أساسيا في مجموعة من هذه النيازك، هي مجموعة ~~الشيرجوتيت تعرض لدرجة عالية من موجات الصدمة، حولته إلى طور زجاجي، يعرف ~~بالماسكيلنيت، لكن ms104 بقية مكوناته في حالة عادية، لا تشير إلى وجود هذه الصدمات ~~القوية. فلو كانت الصدمة التي تعرض لها لهذا المعدن، وقعت للصخر مكتملا، لكانت ~~آثارها أو تأثيراتها، قد تندت على كل المكونات. ومن هنا يمكن القول إن هناك تأثيرات ~~صدمات نيزكية على صخور سطح المريخ، لكن ليس بالضرورة أنها وراء اندفاع صخوره، كي ~~تخرج عن نطاق جاذبيته. # لكن عدم معرفة العوامل وراء دفع صخور من سطح المريخ لتسقط على الأرض، لا يقف ~~حائلا دون القول بوجود صخور مريخية ضمن النيازك التي تسقط على الأرض. ذلك أن بعض ~~النيازك تمتاز بعدد من الخصائص تجعل الباحثين يضعونها ضمن النيازك المريخية. وعلى ~~الجانب الآخر، هناك ظواهر محددة مستنبطة من دراسة النيازك، هي التي تدفع الباحثين ~~للاعتقاد بأن بعضا من نيازك الأكوندريت المعروفة مشتق من صخور المريخ. ~~(4) القمر # شغل القمر أذهان الناس، منذ قديم الزمن، وسيطر على جانب كبير من تفكيرهم. ومن بين ~~أقدم الأمم التي شغفت بالفلك، وتركت تراثا ملموسا فيه، «الكلدانيون»، الذين حققوا ~~نجاحا كبيرا، في مجال اكتشاف علاقة القمر بظاهرة المد والجزر، ولو أنهم لم يتمكنوا - ~~في الغالب - من الوصول إلى التفسير العلمي لهذه العلاقة. كما أنهم حسبوا، بشيء من ~~الدقة، مواقيت خسوف القمر، وتنبئوا بها مقدما. وقد أدت تلك الممارسات، إلى تطور ~~علم التنجيم، أو قراءة الطالع، في المجتمعات القديمة، نظرا للرغبة الحثيثة في معرفة ~~الغيب، والاعتقاد بارتباط الحياة الأرضية بالأجرام السماوية. وقد انتقلت هذه ~~المعتقدات، من تلك المجتمعات إلى غيرها من الحضارات القديمة النامية آنذاك، خاصة ~~الإغريقية في مقدونيا والإسكندرية؛ ومن ثم انتقلت إلى مدعي العلم في القرون ~~الوسطى. # 23 # واحتل القمر مكانة خاصة في معتقدات الناس في الكواكب منذ أقدم العصور؛ نظرا لقربه من ~~الأرض، ووضوح رؤيته، وجماله وبهائه، ورونقه، وتأثيره ~~المؤكد على البحار في ظاهرة المد والجزر. وعرف الإغريق الكثير عن القمر؛ إذ عرف ~~«أناكسوجراس»، الذي عاش بين عام 500 إلى عام 428 قبل الميلاد، أسباب كسوف الشمس والقمر. ~~كما أدرك أرسطو (384-322ق.م.) أن الأرض لا بد ms105 وأن تكون مستديرة، بسبب استدارة كسوفات ~~الشمس. ثم كانت الخطوة الكبيرة في فهم طبيعة سطح القمر عندما اخترع «جاليلو» منظاره ~~وصوبه نحو القمر، ليرى حفرا وجبالا، كانت بمثابة البداية الحقيقية للتعرف على تضاريس ~~القمر. وقد ذهب الفلكيون القدماء إلى الظن بأن المناطق الداكنة على سطح القمر ما هي إلا ~~بحار؛ لذا فقد أطلق عليها ماريا # Maria ~~[من الكلمة ~~اللاتينية «ماري» # Mare # التي تعني بحرا]. ومع بداية ~~القرن العشرين، كانت كل الظواهر الطبيعية الخاصة بالقمر قد عرفت تقريبا، حيث تم تحديد ~~وزنه، وحجمه، وكثافته. كذلك أمكن رصد حركات القمر بالضبط، وتحديد موقعه لعدة ملايين ~~قادمة من السنين. # 24 # والقمر جسم كروي، يدور حول الأرض في مدار دائري تقريبا، يبعد عن الأرض بحوالي ~~382000كم عن الأرض. ويبلغ قطره حوالي 3500كم، ومساحة سطحه حوالي 38 مليون ~~كم # 2 ~~. ولو أن طول قطر القمر (3500كم)، يبلغ حوالي 1 /4 ~~طول قطر الأرض {متوسط طول قطر الأرض 12735 [نصف قطر الأرض القطبي 6356,8 - الاستوائي ~~6378,2]}، إلا أن القمر لا يزن إلا 1 /80 من وزن الأرض. والجاذبية على سطح القمر تعادل ~~1 /6 الجاذبية على سطح الأرض. وكثافة القمر تعادل حوالي ~~3,35جم/سم # 3 ~~، في حين أن كثافة الأرض تعادل ~~5,52جم/سم # 3 ~~. وفرق الكثافة بين الأرض والقمر من الأمور ~~المحيرة؛ إذ إنهما متقاربان إلى درجة كبيرة، من حيث المسافة التي تفصل بينهما ~~(382000كم). ومن بين الاختلافات المهمة بين الأرض والقمر، وجود قلب من سبيكة ~~الحديد-نيكل في باطن الأرض، وعدم وجود مثل هذه السبيكة في قلب القمر. وليس للقمر غلاف ~~جوي مثل الأرض. وذلك يرجع إلى سبب بسيط؛ وهو أن جاذبية القمر الضعيفة لا يمكنها أن ~~تحتفظ بغازات على سطحه، لو فرض وجود مثل هذه الغازات في زمن ما. # كيف نشأ القمر؟ لا توجد إجابة محددة لهذا السؤال حتى الآن؛ فقد تباينت الآراء تباينا ~~كبيرا حول نشأة القمر. وما زال هذا التباين قائما بين الفروض التي يسوقها المهتمون ~~بهذا الأمر من حين لآخر. وهناك فروض عديدة عن ms106 نشأة القمر يمكن إجمالها في أربعة فروض ~~رئيسية، تختلف درجة قبولها من وقت لآخر. فما إن تظهر دلائل تؤيد فرضا منها، حتى تستجد ~~دلائل أخرى تؤيد أو تقوي فرضا آخر. وهكذا يستمر الأمر سجالا بين الفروض الأساسية ~~الأربعة، التي سيقت حول نشأة القمر. وأهم تباين بين الفروض الخاصة بنشأة القمر يكمن في ~~علاقة نشأته الأولى بالأرض؛ ومن ثم يمكن تصنيف الفروض التي تناقش نشأة القمر، إلى ~~قسمين: # الأصل الأرضي للقمر # ترى فروض هذه النظرية أن القمر ينتمي أساسا إلى الأرض، وأنه اشتق منها بطريقة ~~ما، من خلال عمليات متباينة، يمكن إيجازها في عمليتين رئيسيتين، هما: # عملية الانشطار من تأثير المد # ترجع جذور هذه الفرضية إلى الباحث «ج. ه. داروين» (1845-1912م)، ابن «تشارلز ~~داروين» صاحب نظرية التطور المعروفة في عام 1880م. # 25 # ويزعم مؤيدو هذه النظرية أو الفرضية، أن الأرض تعرضت إلى تأثير سلسلة ~~متقاربة الدورات من المد والجزر الشديدين، تحت تأثير جاذبية شمسية قوية، نظرا لصغر ~~المسافة آنذاك بين الأرض والشمس، لدرجة أن طول اليوم كان يقارب من أربع ساعات فقط ~~في فترة بعينها. وقد حدث توافق كبير جدا، بين هذه المدة والفترة التي تفصل بين ~~مدين متتاليين. وكان من جراء هذا التوافق ازدياد مدى المد والجزر لدرجة أدت إلى ~~انفصال جزء كبير من الأرض، من تأثير موجة المد العنيفة تلك. ودار الجزء المنشطر ~~في فلك الأرض، واستمر حتى اليوم. وكثيرا ما تلقى هذه الفرضية - على غرابتها - ~~القبول من الباحثين. # عملية الصدمة # تعود البذور الأولى لهذه الفرضية إلى عالم الجيولوجيا المعروف «أ. ر. دالي»، من ~~جامعة «هارفارد» الأمريكية، # 26 # الذي أشار في بحث نشر له في عام 1946م إلى أن القمر تكون من الأرض؛ ~~نتيجة اصطدام عرضي بجسم ذي حجم كوكبي. ولم تحظ هذه الفرضية بالاهتمام اللائق، لكن ~~حدث بعث جديد لهذه الفرضية، على يد عالمين بارزين هما: «هارتمان» وزميله «ديفيس» في ~~عام 1975م، عندما بحثا مسائل تكون الكواكب من تراكمات أجسام صغيرة، وذكرا أن الأرض ~~اصطدمت بواحد من الأجسام ms107 السماوية الكبيرة في بداية تكونها، وأن هذا التصادم نجم ~~عنه إطلاق بعض المواد من كل من الأرض والجسم الذي تصادم معها، وأن تراكم هذه ~~المواد شكل اللبنة الأولى للمادة القمرية. ولا يوجد تأكيد أو قبول مطلق لأي من ~~هذه الفرضيات، وإن كانت نظرية الصدمة تلاقي في الوقت الحاضر قبولا كبيرا نسبيا؛ ~~نظرا لأنها تفسر بشكل جيد - في رأي بعض الباحثين - بعض الظواهر الخاصة ~~بالاختلاف بين الأرض والقمر، من حيث التركيب الكيميائي، وعدم وجود قلب من ~~الحديد-نيكل في جوف القمر؛ فالاختلاف بين نسبة أكسيد الحديد إلى أكسيد المغنسيوم، ~~بين الأرض والقمر، يرجع في الأساس إلى إسهام الجسم الصادم الأساسي في مكونات القمر؛ ~~فالجسم الصادم، الذي يغلب على مكوناته أكسيد المغنسيوم، قدم الجزء الأكبر من ~~المادة التي تشكل منها القمر، في حين قدمت مكونات القشرة الأرضية، التي يغلب ~~عليها أكسيد السيلكون، جزءا يسيرا من المادة التي تشكل منها القمر. كما أن عدم ~~وجود قلب حديدي للقمر، يرجع - في نظر مؤيدي هذه الفرضية - إلى أن القمر تكون من ~~القشرة السطحية للأرض. # الأصل المستقل # يرى مؤيدو النشأة المستقلة للقمر أن القمر لا علاقة له بالأرض من حيث النشأة؛ إذ ~~إنه تكون من السحابة الغازية، التي تكونت منها بقية كواكب المجموعة الشمسية؛ ~~وبالتالي فإن القمر تكون بصورة مستقلة، شأنه شأن الكواكب الأخرى. أما كونه ~~تابعا للأرض، فإن ذلك يعود في الأساس لأسباب مختلفة يمكن إيجازها في فرضيتين ~~أساسيتين؛ الأولى: فرضية الكوكب المزدوج أو الأصل المشترك، التي يرى أنصارها أن ~~كلا من الأرض والقمر تكون بصورة مستقلة عن الآخر؛ فالقمر - شأنه شأن الأرض - ~~تكون بالتكاثف من السحابة الغازية، التي تكاثفت منها بقية كواكب المجموعة ~~الشمسية. وبذلك فإن القمر تكون كجسم مستقل بذاته، لا علاقة له بالأرض، سوى ~~قربه الشديد منها. والفرضية الثانية، التي يطلق عليها فرضية الاستيلاء، يرى ~~أنصارها أن القمر تكون في مكان ما، بصورة مستقلة عن الأرض، وربما بنفس طريقة ~~تكون الأرض، أي من التكاثف من السحابة الغازية التي تكونت منها سائر الكواكب - ~~بعيدا ms108 عن الأرض. ثم حدث في تاريخ لاحق لتكونه - في موضعه - أن أسرته الأرض، وذلك ~~عندما مر بالقرب من مدارها. وبذلك يعتبر القمر قد نشأ نشأة مستقلة، كأي كوكب آخر ~~من كواكب المجموعة الشمسية، أسرته الأرض من الفضاء، في وقت لاحق من تاريخها ~~الطويل، ولا علاقة له بالأرض من حيث النشأة. # النيازك القمرية # على حد زعم بعض الدراسات الحديثة، يوجد بين النيازك المعروفة عدد صغير من ~~النيازك، التي ثبت وجود علاقة وثيقة بينها وبين الصخور القمرية، التي أتت بها سفن ~~الفضاء التي حطت على سطح القمر. وفرضية الأصل القمري للنيازك، من الفرضيات القديمة ~~كما سبق الإشارة. وقد مرت بفترات لاقت خلالها القبول، وأخرى واجهت خلالها الرفض. ~~وأقرب رفض لها ظهر قويا في الخمسينيات من القرن الماضي، وظل حتى قرب نهايته. ~~والشواهد التي بنى عليها الباحثون رفضهم للأصل القمري للنيازك، هي تلك التي لخصها ~~«ه. ه. نينجر»، في كتابه المعنون «خارج السماء» الصادر في عام 1959م، والتي منها أن ~~السرعة التي تدخل بها النيازك جو الأرض (26 ميلا في الثانية)، أكبر بكثير من سرعة ~~الأجسام التي يمكن أن تأتي من القمر. كذلك فإن الأجسام القمرية التي يمكن أن تسقط ~~على الأرض ينبغي أن تتوزع على مناطق تتوافق مع دائرة البروج القمرية، مما يعني أن ~~غالبيتها يجب أن تسقط على المناطق الاستوائية من الأرض. وهذا بالطبع يخالف حقيقة ~~توزيعات النيازك التي تتساقط على سطح الأرض، والتي تسقط على كل الأرض، ولم يثبت ~~أنها تسقط على منطقة محددة من الأرض، دون الأخرى. ومن بين الاعتراضات أيضا أن ~~البراكين القمرية، التي يدعي البعض أنها العامل المحرك لاندفاع الصخور القمرية ~~وخروجها من نطاق جاذبية القمر، بحيث يمكن أن تسقط على الأرض في صورة نيازك قمرية؛ ~~هذه البراكين خاملة منذ ملايين السنين. كما أن عدد النيازك التي تسقط على الأرض ~~كبير جدا بحيث يصعب توقع أنه يأتي من جسم صغير مثل القمر. وثمة اعتراض جوهري على ~~فرضية الأصل القمري للنيازك يكمن في الاختلاف بين كثافة النيازك الحديدية، ms109 عن ~~الكثافة المقدرة للصخور التي يتكون منها القمر، مما يعني أن القمر لا يمكن أن يكون ~~مصدرا على الأقل للنيازك الحديدية. # ومع هذه الانتقادات التي وجهت لفرضية الأصل القمري للنيازك، خاصة في النصف الأول ~~من القرن العشرين، خمد الظن بأن أيا من النيازك المعروفة مشتق من صخور القمر. ~~وكاد هذا الظن يندثر تماما، على إثر دراسة الصخور، التي جاءت بها سفن الفضاء من ~~سطح القمر، في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين؛ حيث لم تكشف ~~الدراسات، التي تمت - في حينها - على هذه العينات الصخرية، وجود تشابه بينها وبين ~~النيازك المعروفة في ذلك الوقت، لكن في نهاية السبعينيات، وبداية الثمانينيات، وهي ~~الفترة التي شهدت طفرة في عدد النيازك المكتشفة مع توجيه بعثات علمية لجمع النيازك ~~من القارة القطبية الجنوبية؛ عاد الظن بأن بعضا من النيازك التي تسقط على سطح ~~الأرض، مشتقة من سطح القمر. ففي عام 1983م، أثبت أحد الباحثين أن نيزكا صغيرا، ~~ضمن نيازك القارة القطبية الجنوبية، من أصل قمري. وقد كان هذا النيزك هو الذي عثر ~~عليه «جون سكوت»، من فريق الباحثين الأمريكيين، في 18 يناير عام 1981م، وأطلق عليه ~~تسمية «تلال آلن 81 /005». وتعبر التسمية عن اسم المكان، وسنة البعثة 1981م، ورقم ~~العثور على النيزك من بين النيازك الأخرى التي عثر عليها فريق البعثة في نفس العام. ~~ولفت النيزك نظر الباحثة «روبيرتا سكور» (ورد اسمها عند الحديث على النيزك المريخي ~~الذي قيل إنه يحتوي على حفريات كائنات مريخية دقيقة)، أثناء عملها على نيازك القارة ~~القطبية الجنوبية، بوكالة «ناسا»، حيث وصفت هذا النيزك - أول الأمر - على أنه عينة ~~غريبة، تحتوي على العديد من كسرات مسننة، بيضاء إلى رمادية، تتراوح أحجامها من 1 ~~إلى 8مم، في أرضية سوداء. وهذا النيزك يزن حوالي 31,4جم وتصل أبعاده 3 × 2,5 × 3سم. ~~وقد بدأ الشك في الأصل القمري للنيزك، عندما درس «برين ماسون» قطاعا رقيقا منه، ~~وذكر أن الكسرات البيضاء في النيزك تشبه إلى حد كبير كسرات «الأنورثوزيت»، التي ~~توجد في الصخور القمرية، ms110 التي جاءت بها سفن الفضاء. ثم جاءت دراستا «أورسلا ب. ~~مارفين» في عامي 1983، 1984م، # 27 ~~، # 28 # التي أكدت فيهما الأصل القمري لهذا النيزك، الذي يتكون من كسرات ~~«الأنورثوزيت»، مع نسب بسيطة من معادن أخرى، في أرضية من مواد معدنية وزجاجية، ~~ملتحمة مع بعضها البعض. وبالطبع لم تكن مثل هذه الخصائص البتروجرافية معروفة في ~~النيازك التي درست من قبل. # ثم توالت بعد ذلك اكتشافات النيازك القمرية، من بين النيازك التي يتم جمعها من ~~القارة القطبية الجنوبية، ومن الصحراء الكبرى، ومن بعض المناطق الأخرى من العالم. ~~ويبقى السؤال: كيف يمكن لقطع من صخور سطح القمر أن تندفع وتخرج عن نطاق جاذبيته، ~~لتسقط بعد ذلك على الأرض؟! وفي الواقع لا توجد إجابات شافية ومحددة لهذا السؤال، ~~لكن يتوقع أغلب الباحثين أن الصدمات النيزكية القوية بسطح القمر، هي السبب وراء ~~اندفاع بعض شظايا الصخور من سطحه، بسرعات أكبر من 2,4كم/ثانية (السرعة التي لو ~~تحرك بها جسم ما يمكنه الإفلات من جاذبية القمر)، مما يجعلها تتغلب على جاذبية ~~القمر، وتترك نطاق جاذبيته تماما، في طريقها إلى مدارات بعيدة عنه، يمكنها أن ~~تتلاقى وجاذبية الأرض، فتسقط على سطحها. # وللنيازك القمرية أهمية علمية كبيرة؛ حيث إنها قد تأتي من مناطق قمرية، لم تتمكن ~~سفن الفضاء من الهبوط عليها، أو جمع عينات منها. وبذلك تكمل دراسة النيازك القمرية ~~المعلومات المتاحة عن القمر وطبيعته. وهذا الظن صحيح إلى درجة كبيرة؛ إذ إن أغلب ~~النيازك القمرية المعروفة حتى الآن (يبلغ عددها 60 نيزكا مختلفا) أغلبها مشتق من ~~مرتفعات القمر، التي تغطي الجانب البعيد للقمر، في حين أن قلة منها جاءت من ~~المناطق المستوية والمنخفضة نسبيا من سطح القمر، التي يطلق عليها بحار القمر، ~~وهي التي كانت المواقع المفضلة والمختارة لهبوط سفن الفضاء عليها من قبل. وهذه ~~الظاهرة (كثرة نيازك مرتفعات القمر مقارنة بنيازك البحار القمرية)، تنسجم مع حقيقة ~~أن مرتفعات القمر مكونة في الأساس من صخور، تتكون أساسا من معدن البلاجيوكليز، ~~وغنية بالألومنيوم، وهي الصخور التي يطلق عليها «الأنورثوزايت». فهذه ms111 الصخور عادة ~~ما تكون أقل كثافة من صخور المناطق المنخفضة التي يغلب على مكوناتها معدن ~~البيروكسين، ومعدن الأوليفين (جابرو وبازلت)، والتي تكون غنية بعنصر الحديد؛ ومن ثم ~~فإن صخور المرتفعات تكون سهلة التطاير والاندفاع إلى أعلى، عندما تتعرض لعمليات ~~التصادمات النيزكية، لتفلت من جاذبية القمر. كما أن وجودها في الأماكن المرتفعة، ~~يسهم بدور ملحوظ في هذه العملية أيضا. وتعتبر النيازك القمرية قسما أو مجموعة من ~~النيازك الحجرية المعروفة باسم «الأكوندريت». ويطلق على النيازك القمرية اسم: ~~«لونيت». # الفصل الثامن # | الصدمات النيزكية # «إنه في مكان ما بالربع الخالي، بالموقع الذي توجد فيه فوهات «وابر»، توجد أطلال ~~مدينة خربة قديمة، يطلق عليها «وابر»، حلت بها في الأزمنة الغابرة كارثة طبيعية ~~فدمرتها. وكانت الكارثة عبارة عن ريح عاتية ومدمرة، مرت على المدينة، فسوت بها ~~الأرض.» (فليبي نقلا عن جابر بن فراج الأعرابي الذي قاده لفوهات وابر ...) ~~*** # تتعرض الأرض من حين لآخر للقصف بالنيازك العملاقة. # 1 # وينشأ عن ارتطام النيازك الكبيرة بالأرض، حفر وفجوات دائرية أو بيضاوية الأشكال ~~تشبه الطاس، يطلق عليها الفوهات النيزكية. وتتباين أقطار الفوهات النيزكية تباينا كبيرا، ~~من بضعة أمتار إلى عشرات الكيلومترات، وأعماقها من بضعة أمتار إلى عشرات الأمتار. وغالبا ~~ما تكون العلاقة بين القطر والعمق ثابتة، خاصة في حالة تشابه الصخور الأرضية. وعندما تكون ~~الفوهات النيزكية كبيرة نسبيا؛ بحيث يسهل اكتشافها أو التعرف عليها من خلال عمليات ~~التصوير الجوي، فإنها تعتبر حينئذ من الظواهر الطبوغرافية المهمة على سطح الأرض، # 2 # وتزداد أهميتها العلمية نظرا لأنها تمثل في هذه الحالة أحداثا فريدة شهدتها ~~الأرض، وأسهمت بطريقة أو بأخرى في تطور الكوكب، ولعبت دورا مهما في تاريخه. كما أن ~~الصدمات النيزكية تسهم في تكون العديد من الرواسب المعدنية، وتجمعات البترول والغاز ~~الطبيعي، التي يعثر عليها في المواقع التي شهدت سقوط النيازك الضخمة. # وترتطم النيازك بسطح الأرض بأحجام وسرعات مختلفة. وينشأ عن عملية الارتطام طاقة تستهلك ~~في إحداث حفر وفجوات في نقطة الارتطام. ويتوقف حجم الحفر الناتجة عن عملية الارتطام على ~~عدد من ms112 العوامل؛ منها حجم النيزك، وسرعته، ونوعه، وطبيعة الأرض في موقع الارتطام؛ فالنيازك ~~الصغيرة والمتوسطة الحجم تحدث ندبة أو حفرة صغيرة عند ارتطامها بالأرض الطرية أو المفككة، ~~يتناسب حجمها مع حجم النيزك ذاته. أما عمق الحفرة فيتوقف أساسا على طبيعة التربة مكان ~~الارتطام؛ فنيزك يزن حوالي 8كجم سقط على حقل أرز (تربة طينية)، في 10 ديسمبر 1871م، أحدث ~~حفرة عمقها 1 متر في منطقة باندونج، جاوا. في حين أن نيزكا يزن حوالي 10كجم سقط في 12 ~~يوليو 1910م على ركام من الأحجار بمنطقة «سان ميشيل»، فلندا، اخترق لعمق 0,5 متر. ونيزك ~~«نورت كوينتي»، كنساس الولايات المتحدة، الذي سقط في 18 فبراير 1948م، اخترق الأرض لعمق 3 ~~أمتار. ويذكر أن عددا من أحجار نيزك «هاسل»، السويد، الذي سقط في الأول من يناير 1869م، ~~سقطت على بحيرة متجمدة، ولكنها لم تحدث تأثيرا محسوسا على طبقة سطح الجليد الذي سقطت ~~عليه. # وعندما يسقط نيزك على أرض صلدة، فإن التربة والنيزك يتكسران معا. وقد بينت الدراسات ~~التي أجريت على تأثير النيازك على سطح الأرض؛ أن النيازك التي ترتطم بسرعة تتراوح بين ~~100-200 متر/ثانية تحدث حفرا إذا ما سقطت على أرض غير صلدة. وفي حالة النيازك التي تضرب ~~الأرض بسرعة تقدر بحوالي 4كم/ثانية، فإنها هي ذاتها تتكسر، وتحطم الصخور الأرضية في نقطة ~~الصدمة، وتتبعثر شظاياهما في كل اتجاه حول مركز الحدث، وتحدث فجوة أو حفرة حجمها يزيد ~~كثيرا عن حجم النيزك ذاته. وهكذا يزيد حجم الحفر عن حجم النيزك، كلما ازدادت ~~السرعة. # ومن أكثر الحالات دراسة وفهما من قبل الباحثين نيزك «سيكوتالين»، الذي سقط على ~~المنحدرات الغربية لسلسلة جبال «سيكوتالين» بإقليم «ماريتيم»، في 12 فبراير 1947م، الساعة ~~العاشرة والدقيقة 38 بالتوقيت المحلي، والذي صاحب سقوطه أضواء وهاجة، وأصوات انفجارات ~~رهيبة. وقد انفجر النيزك إلى آلاف الشظايا في الجو قبل أن يصطدم بالأرض، وانهمرت شظاياه على ~~مساحة كبيرة من الأرض، # 3 # قدرت بحوالي 2,1كم مربع، وأحدث ارتطامها بالأرض هزة عنيفة، جعلت أرض المنطقة ~~تهتز والمباني تترنح. ونتج ms113 عن هذا الحدث، حوالي 122 فجوة أو حفرة، يتراوح قطر 17 منها من ~~10 إلى 26 مترا، بينما لم يزد قطر غالبيتها (78 حفرة) عن 50سم. وبلغ وزن ما تم جمعه من ~~شظايا الحديد، في هذا الحدث حوالي 23 طنا. وقد اختلطت شظايا النيزك بكسرات الصخور، على ~~منحدرات الفجوات ذاتها ومن حولها. وبينت التقديرات المبدئية أن إجمالي وزن شظايا النيزك ~~تقارب 70 طنا. هذا في حين يرى الباحثون أن سحب الغبار التي صاحبت سقوط النيزك تقدر ~~بحوالي 200 طن. وهذا يعكس في الواقع تأثير الغلاف الجوي على النيازك، حيث ينقص من أوزانها، ~~بما يذري من مادة النيازك، وينثرها على هيئة غبار في الجو، كما سبق الإشارة إلى ~~ذلك. # وعندما تزيد سرعة النيزك عن 4كم/ثانية، وهذا لا يكون إلا في حالة النيازك التي يزيد وزنها ~~عن 10 أطنان، فإن تأثير الصدمة يختلف كثيرا، حيث يتحول جسم النيزك إلى مادة متفجرة، شديدة ~~الانفجار من نقطة التصادم إلى الخارج، محدثة ما يعرف بفوهات الانفجار. ويتوقف حجم الحفرة ~~ذاتها على الطاقة المتولدة عن الحدث، وطبيعة الأرض في نقطة الاصطدام. # 4 # ويمكن تقدير الطاقة التي يولدها مثل هذا الحدث، بناء على المعادلة التالية: # الطاقة = 1 /2 الكتلة × مربع السرعة. # فلو فرضنا أن نيزكا يزن حوالي 100 طن، ضرب الأرض بسرعة 10كم/ثانية فقط فإن الطاقة ~~الناتجة عن هذا الحدث تعادل: # 1 /2 × 100 × (10)2 = 5 × 10 # 19 # إرج. # ومثل هذه الطاقة أكبر من أي طاقة تنتج عن عمليات التفجير التقليدية المعروفة، وهي كفيلة ~~بأن تحول النيزك ذاته، والصخور في موقع الحدث، إلى مواد متبخرة. حيث يستهلك جزء من هذه ~~الطاقة في إحداث موجات الصدمة التي تنتشر في الصخور، وتحدث تدميرا لبنية المعادن المكونة ~~لها، وجزء منها يتحول إلى حرارة تسخن النيزك والصخور، وتبخرهما معا. # 5 # ومن هنا يصعب العثور على جسم نيزكي (قطعة واحدة) يزيد وزنه عن 100 طن. # ومن المعروف أن أكبر نيزك يوجد على هيئة قطعة ~~واحدة، هو نيزك «هوبا»، الذي عثر عليه في ms114 جنوب غرب أفريقيا، في عام 1920م، والذي يبلغ وزنه ~~حوالي 60 طنا. # 6 # ويرى بعض الباحثين أن وزنه وقت سقوطه كان أكبر من ذلك بكثير، حيث تمت ~~تجويته، وتكوين طبقة من أكاسيد الحديد تحيط بموقعه الآن. وأشارت إحدى الدراسات التي قام ~~بها «جوردون» في عام 1931م إلى أن وزن النيزك وقت سقوطه يقدر بحوالي 100 طن. # 7 ~~(1) الاهتمام العلمي بالفوهات النيزكية # تعتبر الإشارة العلمية الأولى - في العصر الحديث - إلى موضوع الفوهات النيزكية؛ هي ~~تلك التي وردت في عام 1828م، في صورة إشارة خيالية، ~~وعابرة للفلكي الألماني «جروثثين»، اعتبر فيها أن الحفر أو الندبات الحلقية، التي ترى ~~على سطح القمر (الفوهات القمرية) من خلال عمليات الرصد التي تتم بالمناظير الفلكية ~~للقمر، هي فوهات أو فجوات تكونت من ارتطام الأجسام السماوية بسطح القمر (فوهات ~~صدمة). وقد ظهر نفس الرأي، ولكن بصورة مقصودة، بعد نصف قرن تقريبا. ففي عام 1873م، ذكر ~~الفلكي «ر. أ. بروكتور» أن المنخفضات الدائرية الغريبة، التي تشاهد بالمناظير الفلكية ~~على سطح القمر، نشأت من سقوط أجرام سماوية أخرى على القمر. وقد عاد وأكد ثانية على وجهة ~~نظره تلك في عام 1883م، # 8 # لكن لم يلتفت أحد من الباحثين لتلك الإشارات؛ ومن ثم لم تأخذ مأخذ الجد ~~ولم تسلط عليها الأضواء؛ نظرا لأن المناخ العلمي السائد في ذلك الوقت لم يكن مهيأ ~~لقبول فرضية أن الأجسام السماوية يمكن أن تسقط بأحجام ضخمة؛ بحيث تحدث مثل هذه الفجوات ~~الكبيرة. # لكن يبدو أن الاهتمام بموضوع الفوهات النيزكية بدأ مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية ~~القرن العشرين. ففي عام 1891م، أشار خبير وتاجر المعادن المعروف آنذاك «أ. ي. فوت» إلى ~~أن قطع وشظايا الحديد المتناثرة حول فجوة الأريزونا، بالولايات المتحدة، يمكن أن تكون ~~من أصل سماوي، وليست من أصل أرضي؛ حيث أوضح «فوت» في معرض وصفه لمشاهداته عن هذه ~~القطع الحديدية أن هذه القطع توجد على حافة منخفض دائري، وأن البحث لم يثمر عن اكتشاف ~~أي شواهد يمكن أن تفضي إلى التعرف على ms115 وجود عمليات بركنة أرضية بالمنطقة، يمكن أن تنسب ~~إليها هذه الشظايا الحديدية، أو ينسب إليها هذا المنخفض الدائري؛ ومن ثم فقد أشار إلى ~~أنه من الصعب معرفة كيفية تكون هذه الظاهرة الجيولوجية. هذا ما سجله في تقريره المنشور ~~عن شظايا الحديد التي عثر عليها حول الفوهة، والذي نشر عام 1891م بالمجلة الأمريكية ~~للعلوم. # ويذكر بعض المهتمين بالموضوع أن «فوت» كان يعتقد - في قرارة نفسه - أن هذه القطع ~~النيزكية هي المسئولة عن تكون هذه الفجوة الكبيرة، لكنه أحجم عن التصريح بذلك في ~~تقريره المنشور تحسبا لانتقادات الباحثين؛ حيث ذكر أحد مرافقي «فوت» - بعد عودته من ~~زيارة موقع الفجوة في ولاية أريزونا، إلى ولاية «فيلادليفيا» - أنه: حدثني عن الصخور ~~التي تم رفعها، واتجاه سقوط الجسم الذي أحدث هذه الفجوة. وأشعل ذلك الحديث حماس ~~الباحثين لتقصي الأمر. فكان اهتمام أحد الجيولوجيين الكبار «ج. ك. جلبرت» بموضوع ~~الفوهة، في عام 1896م. ورغم أن «جلبرت» لم يصرح صراحة بالأصل النيزكي، وفضل في خلاصة ~~تقريره عملية بركنة، إلا أن وصفه كان خادعا؛ بحيث لا ينفي احتمال حدوث صدمة نيزكية ~~ضخمة تكون هي المسئولة عن تكون الفوهة. # 9 # وربما يكون الإحجام عن الاعتراف بأصلها النيزكي ناتجا عن ضخامتها؛ إذ لم ~~يكن متخيلا آنذاك أن النيازك الضخمة يمكنها أن تسقط على الأرض. # ولا بد من الاعتراف بأن تلك الإشارات، وما صاحبها من إرهاصات وغموض حول العمليات ~~التي يمكن أن تكون مسئولة عن تكون هذه الفجوة الضخمة، كانت وراء الاهتمام العلمي بها، ~~الذي بدأ مع بداية القرن العشرين، حيث زار مهندس المناجم «د. م. بارينجر» موقع الفوهة ~~في عام 1902م. كان العامل الأساسي الذي يحرك «بارينجر» للاهتمام بهذا المنخفض الدائري؛ ~~ظنه أن الموقع لا بد وأن يحتوي على كميات كبيرة من النيكل والعناصر المهمة الأخرى؛ حيث ~~أشارت التقديرات التي أجريت آنذاك أن القذيفة (النيزك) التي يمكنها أن تحدث هذه الفجوة ~~الضخمة، لا بد أن قطرها يزيد عن 150 مترا، ووزنها يزيد عن حوالي 10 مليون طن؛ ومن ثم ~~فإن ms116 كميات هائلة ليس فقط من الحديد والنيكل، بل أيضا من الكوبلت والبلاتين توجد ~~بالموقع. وتوقع «بارينجر» أن الكتلة الرئيسية للنيزك مدفونة في قاع الفوهة، وبذلك فإن ~~الفوهة تشكل أهمية اقتصادية، إلى جانب الأهمية العلمية؛ ومن ثم حصل على ترخيص البحث في ~~عام 1903م. وقام بعمل عدد من الحفر بداخل الفوهة؛ بحثا عن كتلة النيزك الرئيسية ~~المدفونة في عمق الفوهة، لكنه لم يعثر على أي جسم من الحديد النيزكي. وإن كان «بارينجر» ~~قد فشل في إثبات فرضيته عن النيزك المدفون بالفوهة، فإن أنشطته تلك كانت، على الجانب ~~الآخر، وراء تراكم كم هائل من البيانات حول طبيعة هذه الفوهة؛ إذ بدأ الاهتمام العلمي ~~بالموقع والذي أسفر في النهاية، عن اعتراف شبه عام بأنها من أصل نيزكي. واعترافا بفضل ~~«بارينجر» في هذا المجال، أطلق اسمه على هذه الفوهة، ولا تزال تسمى باسم «فوهة ~~بارينجر»، إلى جانب عدد من الأسماء الأخرى منها، على سبيل المثال، فوهة الأريزونا، ~~وفوهة الشهاب ... إلخ. # وفي الوقت الذي وصل فيه الخلاف، حول أصل هذه الفوهة ذروته، تم في عام 1928م اكتشاف ~~تركيب آخر يشبه إلى درجة كبيرة تركيب فوهة الأريزونا، بالقرب من «أوديسا» بولاية ~~«تكساس»، الولايات المتحدة أيضا. وهذا التركيب الصغير نسبيا لا يتعدى قطره 162 ~~مترا، وعمقه 30 مترا، يتشابه إلى حد التطابق مع تركيب فوهة الأريزونا، من حيث الشكل، ~~ووجود شظايا من نيزك حديدي، وطبقة من الحديد الطفلي، على الحواف الخارجية للتركيب، ~~مختلطة مع الصخور التي تكون المنطقة، تماما كما هو الحال في فوهة الأريزونا. ويطلق على ~~هذه الفوهة «فوهة أوديسا». # ولم يمض سوى عامين على اكتشاف فوهة «أوديسا»، حتى أعلن «ر. أ. ألديرمن» عن اكتشاف ~~أول حقل للفوهات النيزكية في «هنبرى» على الحدود الشمالية لأستراليا، وذلك في عام ~~1930م. ويتضمن هذا الحقل الشهير حوالي 14 فوهة مختلفة الأقطار، تتناثر حولها شظايا نيزك ~~حديدي. وتدل أشكال هذه الشظايا على أنها قطع ممزقة من كتلة كبيرة. وفي فبراير من عام ~~1932م، عثر «ج. ب. فليبي» على موقع فوهات ms117 «وابر»، بالربع الخالي من المملكة العربية ~~السعودية، الذي يوجد به ثلاث فوهات نيزكية مكشوفة، وأخرى تغطيها الرمال. وفي عام 1933م، ~~بدأ الاهتمام بموقع فوهات «كامبو ديل سيلو»، في الأرجنتين، الذي يحتوي على عدد 20 حفرة ~~وفوهة مختلفة الأقطار، أكبرها يبلغ قطرها حوالي 90 مترا، وعمقها حوالي 5 أمتار. وفي ~~نفس الوقت تقريبا (عام 1933م) بدأ الاهتمام بموقع فوهة «هافيلاند»، بولاية كانساس، ~~الأمريكية، حيث تم إزالة الرواسب التي كانت تغطيها، وجمع قطع النيزك المدفونة ~~بداخلها. ويبلغ قطر هذه الفوهة حوالي 21 مترا، وعمقها حوالي 8 أقدام. # وفي عام 1937م بدأ الأصل النيزكي لفوهات «كالجارفيه»، بجمهورية إستونيا، يلقى قبولا ~~عاما، بعد أن اكتشفت قطع من الحديد النيزكي حولها. وتأكد للباحثين أن توزيعات قطع ~~الحديد النيزكي حول الفوهات تشير إلى علاقة مؤكدة بين النيزك الحديدي الكبير وبين ~~الفوهات، تماما كما هو الحال في فوهة «بارينجر». وأجريت دراسات عديدة على هذا الموقع ~~بين عامي 1928 و1937م. ويشمل الموقع على عدد حوالي 9 حفر، وفوهات مختلفة، أكبرها يبلغ ~~قطرها حوالي 110 أمتار، وعمقها حوالي 16 مترا. # وفي يونيو عام 1937م، اكتشفت فوهة «بوكسهول» على الحدود الشمالية من أستراليا، التي ~~يبلغ قطرها حوالي 175 مترا. ووجدت حولها قطع من النيزك الذي أحدثها. وفي عام 1938م، ~~تأكد الأصل النيزكي لفوهة «دالارينجا» الصغيرة، التي يبلغ قطرها حوالي 21 مترا، والتي ~~لوحظت في عام 1923م بغرب أستراليا، ولم يثبت أصلها النيزكي في ذلك الوقت المبكر ~~نسبيا. # 10 # وفي يونيو عام 1947م، شوهدت فوهة «ولف جريك» بغرب أستراليا، فيما يبدو بواسطة عمليات ~~التصوير الجوي. وتأكد أصلها النيزكي من خلال الدراسة التي ظهرت في عام 1948م، وأوضحت ~~وجود قطع من حديد نيزكي متغير، عرف بالحديد الطفلي، يحتوي على نسبة عالية من النيكل، ~~وهو ما يؤكد أنها تمثل بقايا شظايا نيزك حديدي، متناثرة حول الفوهة، وعلى الجانب ~~الجنوبي الغربي منها تحديدا. وتعتبر هذه الفوهة ثاني أكبر فوهة مؤكدة ، بعد فوهة ~~«بارينجر»، حيث يصل قطرها إلى حوالي 850 مترا، وعمقها حوالي 160 قدما. ms118 # ويعتبر ما حدث في 12 فبراير عام 1947م، الحدث الأكبر في تاريخ دراسة نيازك الفوهات ~~(النيازك الضخمة التي تحدث الفوهات)، حيث سقط نيزك ضخم على سيبريا، وتشظى في الجو إلى ~~آلاف القطع المختلفة الأحجام، التي ارتطمت بالأرض وأحدثت عددا كبيرا من الحفر ~~المختلفة الأحجام. ووفر هذا الحدث للباحثين فرصة طيبة لدراسة الفوهات النيزكية ~~المؤكدة، والنيازك الكبيرة التي تحدث الفوهات. ولم يساور أحد الشك فيه، حيث إنه شوهد ~~أثناء سقوطه. # وفي عام 1964م اكتشف موقع فوهات «موراسكو» ببولندا، الذي يشمل حوالي 8 حفر وفوهات ~~صغيرة، أكبرها يبلغ قطرها حوالي 100 متر، بمصاحبة عدد من قطع الحديد النيزكية. # وفي عام 1975م، نشر الباحث الدنماركي الشهير «فاجن بوشوالد»، كتابه القيم عن النيازك ~~الحديدية، وجاء فيه ذكر فوهة «مونتوراكوي»، بصحراء أتاكاما، شيلي، التي يبلغ قطرها 370 ~~مترا، وما يصاحبها من قطع نيزك حديدي، ينتمي إلى نيازك «الأوكتاهيدريت». مما أدى إلى ~~اعتبار هذه الفوهة، ضمن الفوهات المؤكدة. # 11 # ويبلغ عدد مواقع الفوهات النيزكية المؤكدة حوالي 13 موقعا. # فوهة منطقة جبل كامل النيزكية # تقع فوهة منطقة جبل كامل النيزكية في الجانب الجنوبي الغربي من الصحراء الغربية، ~~داخل الحدود المصرية. وتقع على بعد حوالي 100كم شرق جبل العوينات، وعلى بعد 300كم ~~إلى الغرب من منطقة شرق العوينات. وقد سميت بهذا الاسم نظرا لقربها من جبل كامل، ~~الذي يعتبر من المعالم الطبوغرافية المميزة في المنطقة المحيطة بالفوهة. واكتشفت ~~الفوهة في نهاية 2008، عن طريق صور الأقمار الصناعية. وفي فبراير عام 2010م زار ~~فريق من الباحثين المنطقة، وتأكد من الأصل النيزكي للفوهة، التي تعتبر الأولى من ~~نوعها في مصر وأفريقيا. والفوهة دائرية إلى بيضاوية الشكل، يبلغ قطرها حوالي 40م، ~~وعمقها حوالي 10م. تغطيها جزئيا الرمال السافية، التي تحملها الرياح السائدة في ~~المنطقة، مما يؤكد أنها تكونت من زمن كبير نسبيا، وليس من وقت قريب. وتظهر ~~النتائج المبدئية أن الفوهة نشأت عن ارتطام نيزك حديدي كبير بالمنطقة، من حوالي ~~2000 إلى 5000 عام من الوقت الحاضر. وقد أتى النيزك من اتجاه ms119 الشمال الغربي، بزاوية ~~مائلة ، ولم يسقط عموديا على الأرض. وسقط النيزك الحديدي على صخور من الحجر ~~الرملي، فحطمها ونثرها بعيدان وحفر مكانها هذه الحفرة. وتحطم النيزك ذاته من تأثير ~~الحرارة العالية والضغط العالي الذي تولد عن عملية الارتطام. وقد تبخر جزء ~~كبير من النيزك من الحرارة العالية. وتنتشر حول الفوهة آلاف الشظايا النيزكية ~~الحديدية، التي تختلف أحجامها من بضعة مليميترات إلى عدة سنتمترات. # وتحتفظ المنطقة بجميع الظواهر التي نشأت عن ارتطام النيزك بالأرض، مثل الصخور ~~التي تناثرت حول الفوهة، والصخور المصهورة من حرارة الارتطام، وشظايا الحديد التي ~~نشأت عن انفجار الجسم النيزكي المرتطم بالأرض. وهي بذلك تعد واحدة من أهم وأندر ~~الفوهات النيزكية المعروفة على الأرض حتى الآن. # عينة نيزكية كاملة # غير آلاف الشظايا الحديدية التي توجد متناثرة بموقع الفوهة، والتي نشأت عن انفجار ~~وتشظي كتلة النيزك الرئيسية التي ارتطمت بالأرض بسرعة عالية، عثر، على بعد حوالي ~~200 متر من الفجوة، على عينة كبيرة من الحديد النيزكي، يبلغ وزنها حوالي 80كجم. ~~وتكمن أهمية هذه العينة في أنها تمثل جزءا صغيرا انفصل عن النيزك الكبير قبل ~~ارتطامه بالأرض؛ ومن ثم فقد سقطت بعجلة الجاذبية الأرضية، ولم تحدث حفرة في موقع ~~ارتطامها بالأرض، ولم تتشظ بل ظلت سليمة. وهي تحمل الخصائص الأصلية للنيزك، قبل ~~ارتطامه بالأرض. # ويتكون النيزك من سبيكة من الحديد مع النيكل. وتصل نسبة النيكل إلى حوالي 20٪. ~~وهو مشتق من حطام حزام الكويكبات، بين المريخ والمشتري. # أهمية الموقع # لا تنحصر أهمية الموقع فقط في شظايا الحديد التي توجد حول الفجوة، أو المحتمل ~~وجودها داخل الفوهة ذاتها. فالمهم هو الحدث الذي حدث، في وقت حديث نسبيا ~~(2000-5000 عام من الوقت الحاضر). فمعنى وقوع هذا الحدث في العصور الحديثة، يؤكد ~~على وجود مثل هذه الأجسام التي تهدد الأرض في الفضاء، واحتمالات سقوطها على الأرض، ~~وخاصة المواقع المسكونة منها، وما يمكن أن يحدث عن ارتطامها بالأرض من دمار قد ~~يبيد الحياة بالكامل، أو يعيد الحضارة الحديثة إلى العصور الحجرية، هو المهم في ~~هذا ms120 الحدث. وسوف تستمر الدراسات العلمية، وتقول كلمتها عن توقيت سقوط النيزك بشيء ~~من الدقة، وتقول كلمتها عن وزن النيزك الأساسي، وقت سقوطه على الأرض، وكمية الطاقة ~~التي تولدت عن عملية الارتطام، وتركيب النيزك وتصنيفه ضمن المجموعات المعروفة. ~~والأكثر أهمية في هذا الموضوع التأثيرات البيئية التي حدثت نتيجة لسقوط النيزك على ~~أرض المنطقة؛ فالطاقة التي تولدت نتيجة لارتطام هذا النيزك تعادل الطاقة التي ~~يولدها انفجار قنبلة نووية متوسطة الحجم. والمنطقة كانت مسكونة بمجموعات بشرية ~~تنتمي للعصور الحجرية، كما تدل الشواهد المبدئية على ذلك، من خلال ما عثر عليه من ~~دوائر حجرية، وأدوات صوانية، وقطع من أوان فخارية، كانت تستعمل من قبل السكان في ~~الماضي. ولا يعرف يقينا ما إذا كان الحدث قد وقع أثناء وجود تلك الجماعات البشرية ~~في المنطقة، أم حدث بعد الجفاف العام الذي ضرب المنطقة؛ ومن ثم فقد كانوا قد هاجروا ~~إلى مناطق أخرى؟ وهل أسهم هذا الحدث في الجفاف الذي ضرب المنطقة أم لا؟ إذ إن ~~الموجات الحارة التي نشأت عن هذا الارتطام تشبه تلك التي تنشأ عن انفجار قنبلة ~~نووية متوسطة الحجم. وقد انتشر تأثير الموجات التي نشأت عن انفجار النيزك، في ~~دائرة قطرها 5كم تقريبا. ولو كانت المنطقة رطبة، في ذاك الوقت، لتبخرت مياهها من ~~قبل هذا الحدث. # ومن الطريف أن سكان العصور الحجرية سجلوا سقوط جرم سماوي على جدران صخور جبل ~~عوينات. ويظهر الرسم الذي يسجل هذا الحدث رجلا يجري مفزوعا، ومن خلفه الجرم ~~الساقط. فهل هذا التسجيل يخص هذا الحدث أم أنه لحدث مختلف لم يكتشف بعد؟ # ومن ثم تعتبر فوهة جبل كامل أهم ظاهرة جيولوجية-فلكية في مصر. وهي واحدة من أهم ~~الفوهات النيزكية في العالم؛ ومن ثم يجب أخذ كافة التدابير للحفاظ عليها كما هي، ~~دون المساس بأي من الظواهر التي نشأت عن انفجار النيزك الذي أحدثها. وسن قانون ~~لحماية الفوهات النيزكية، بصفة عامة، يحدد كيفية التعامل مع هذه الفوهة، وكيفية ~~إدارة الموقع؛ خشية أن يتم تجريفه، كما حدث للعديد من المواقع ms121 الجيولوجية الأثرية ~~البعيدة عن العمران. ومن الضروري إصدار كتاب باللغة العربية والإنجليزية عن هذه ~~الفوهة يصف خصائصها العامة؛ ليكون مرجعا للباحثين، حتى يمكنهم التعرف على المواقع ~~المشابهة الأخرى التي لا بد أنها موجودة، لكن لا يعرفها الكثيرون؛ ومن ثم من الممكن ~~إصدار طابع بريد يخلد ذكرى اكتشاف هذه الفوهة، باعتبارها أهم ظاهرة ~~جيولوجية-فلكية في مصر حتى الآن. ~~(2) حادث تونجسكا # في 30 مايو 1908م، وقعت حادثة غريبة، تمثلت في حدوث انفجار هائل في الجو، فوق أراضي ~~حوض نهر تونجسكا، شمال شرق سيبريا. وأحدثت موجات الصدمة الناشئة عن الانفجار دمارا ~~للأشجار في مساحة 1000كم مربع، وطرحت بأي شيء أرضا، وسمع الناس أصواتا مفزعة، وأضواء ~~خاطفة قوية، وهزات عنيفة. ولم تهتم حكومة روسيا القيصرية بالحدث الجلل، ومر كأن شيئا ~~لم يكن، لكن بعد قيام الثورة البلشفية، أخذ يظهر الاهتمام بهذا الحدث، فأرسلت البعثات ~~العلمية للموقع، لتقصي الدمار الذي سببه الحدث في المنطقة، وسؤال شهود العيان. وكان ~~السؤال: ما هو سبب الانفجار الهائل؟ وفي الحقيقة اختلفت الآراء حول أسباب هذا الحدث، ~~كشأن الباحثين حيال كل ظاهرة طبيعية، لكن أكثر الدراسات مصداقية وقبولا لدى أوساط ~~الباحثين، ترى أن الحدث نتج عن انفجار قطعة صغيرة من نواة مذنب، يبلغ قطرها حوالي 50 ~~مترا، وكتلتها حوالي 60000 (60 ألف طن) في الجو. # 12 ~~، # 13 # ويبدو أن هذه القطعة كانت قد دخلت جو الأرض بسرعة عالية تقدر بحوالي ~~30كم/ثانية، وانفجرت على ارتفاع حوالي 8كم فوق سطح الأرض. وأحدث انفجارها في الجو طاقة ~~تعادل 3,7 × 10 # 16 # جول، أي حوالي 8,8 ميجا طن. وهذه الطاقة تفوق شدتها 704 مرة شدة طاقة ~~القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما (12,5 كيلو طن). وما زالت حتى الآن الدراسات ~~تتوالى عن هذه الظاهرة، فمن حين لآخر تتوصل بعض الدراسات لنتائج تفيد في تحديد طبيعة ~~الجسم الذي انفجر فوق المنطقة، من خلال التحليلات الكيميائية الدقيقة التي تجرى على ~~العناصر الكيميائية، التي تم حقنها في الأشجار وفي التربة من جراء موجات الانفجار ~~القوية. وبالفعل تم ms122 التعرف على كثير من العناصر التي تميز الأجسام النيزكية (المذنبات) ~~ضمن العناصر المنتشرة في البيئات المختلفة في المنطقة. # وهناك عدد كبير من التراكيب الحلقية، بعضها من أصل نيزكي بالفعل، وذلك من خلال وجود ~~عدد من الشواهد الدالة على ذلك، كوجود تشوهات الصدمة في المعادن المكونة للصخور بموقع ~~الفوهة، ووجود المواد الزجاجية التي تنشأ من تصلب الصخور التي يتم صهرها من الحرارة ~~العالية المتولدة عن الصدمة، ووجود زيادة محسوسة في تركيزات بعض العناصر الكيميائية ~~التي تميز النيازك؛ مثل النيكل والكوبلت والإيريديوم والأوزميوم، ولكن لا يوجد الدليل ~~القاطع الذي يجعل من هذه التراكيب فوهات نيزكية مؤكدة، وهو وجود شظايا أو آثار النيازك ~~التي كونتها بداخلها أو من حولها. كما أن بعض التراكيب التي تعتبر «نيزكية» في بعض ~~الدراسات، لا يمكن أن تكون من أصل نيزكي، نظرا لعدم وجود أدلة أو شواهد قوية على ~~تكونها بعمليات الصدمات النيزكية. وقد ارتفع عدد هذه التراكيب إلى أكثر من 200 تركيب ~~غالبيتها مشكوك في صحة أصلها النيزكي. ومن بين المواضع التي تعد من قبل بعض الباحثين ~~ضمن مواقع الصدمات النيزكية، تركيبا ال # BP ~~، ~~والواحة # Oasis ~~، في جنوب شرق ليبيا. ويبدو أنهما ~~تركيبان أرضيان تكونا بواسطة حركات أرضية عادية؛ إذ لا يوجد أي دليل قوي على تكونهما ~~بالصدمات النيزكية، عدا وجود تشققات مجهرية في بنية معدن كوارتز الحجر الرملي المكون ~~الرئيسي لصخور الموقعين؛ فهذه التشققات تعتبر من جانب بعض الدارسين دليلا على عملية ~~الصدمة النيزكية التي كانت السبب في ظهور هذين التركيبين، في حين يراها البعض الآخر ~~بمثابة تشققات ناتجة عن حركات أرضية قوية، لا علاقة لها بالصدمات النيزكية، كانت وراء ~~تكونهما. ولم يعثر على أي مواد زجاجية بهذين الموقعين، كما أن الفوالق الأرضية ~~تقطعهما، مما يعني أنها السبب وراء تكونهما على هذه الشاكلة. ~~(3) أنواع الفوهات النيزكية # تخضع الفوهات النيزكية، ومواضع الصدمات النيزكية، لدراسات متعمقة، تهدف إلى تحديد ~~طبيعتها وأشكالها وأحجامها وأعماقها وطبيعة الصخور التي تكونت فيها. ومن بين أهداف ~~هذه الدراسات تصنيف الفوهات النيزكية على حسب ms123 الخصائص العامة لها، مثل الحجم وعلاقته ~~بالعمق، ووجود أو عدم وجود الأجسام النيزكية التي تحدثها كاملة أو مشظاة. ومن خلال هذه ~~الدراسات يتبين أن الفوهات النيزكية يمكن تمييزها إلى نوعين من الفوهات؛ فوهات الصدمة، ~~وفوهات الانفجار. # فوهات الصدمة # يطلق تعبير فوهات الصدمة على الفجوات أو الندبات الصغيرة، التي يحدثها ارتطام ~~النيازك الكبيرة نسبيا بالأرض. وفوهات الصدمة عبارة عن حفر وفجوات صغيرة لا تزيد ~~أقطارها عن 100 متر تقريبا، وتنشأ عن ارتطام النيازك التي تقل أوزانها عن 100 طن ~~تقريبا بالأرض. فمثل هذه النيازك الصغيرة الحجم نسبيا، غالبا ما لا تزيد سرعات ~~ارتطامها بالأرض عن 1-2كم/ثانية. وتتكون الفوهات في هذه الحالة، تحت التأثير ~~الميكانيكي للصدمة، حيث يتم تهشيم وسحق الصخور في نقطة التصادم، ودفعها بقوة في كل ~~الاتجاهات، حول مركز الصدمة، مخلفة مكانها حفرة أو فجوة. وغالبا ما توجد النيازك ~~التي تحدثها كاملة (داخل الفجوات ذاتها)، أو على هيئة كسرات متباينة الأحجام، ~~مختلطة مع شظايا الصخور، داخل الفوهات أو على حوافها الخارجية. ومن الأمثلة على هذا ~~النوع من الفوهات فوهة «هافيلاند»، بولاية كانساس، بالولايات المتحدة الأمريكية، ~~والتي يبلغ قطرها حوالي 21 مترا. # فوهات الانفجار # يطلق تعبير فوهات الانفجار على نوعيات معينة من التراكيب التي تنشأ عن ارتطام ~~النيازك الكبيرة جدا بالأرض، حيث لا يتشظى النيزك الصادم، وحسب، بل يتفجر، ~~كمادة قابلة للتفجير، شديدة الانفجار. وتعتبر فوهات الانفجار أهم أنواع الفوهات ~~النيزكية على الإطلاق، وهي الهدف الأساسي لغالبية الدراسات التي تجرى لتحديد طبيعة ~~الصدمات النيزكية، وتأثيراتها على الأرض؛ فهذه النوعية من الفوهات تنشأ من ارتطام ~~الأجسام النيزكية الكبيرة بالأرض، وما يترتب على ذلك من تولد طاقة عالية تحدث ~~الفوهة في مكان الارتطام، وتعمل على صهر وتبخر النيزك ذاته، والصخور الأرضية في ~~موقع الصدمة؛ لذا فهي كبيرة الحجم مقارنة بفوهات الصدمة، ومقارنة بأحجام النيازك ~~التي تحدثها. وتختلف عن النوع الأول في أن النيازك التي تحدثها غالبا ما لا توجد ~~كاملة بداخلها، حيث تتشظى كلية، وتتبخر جزئيا أو كلية. وما يتبقى منها يوجد ~~في ms124 الغالب على هيئة شظايا متناثرة حول الفوهات. ولا يستبعد أن توجد بعض الشظايا ~~النيزكية، داخل الفوهات، وهي تلك التي تندفع عموديا لأعلى بقوة الانفجار، ثم تسقط ~~بعد ذلك في الفوهات. وتصنف فوهات الانفجار على أساس أحجامها وأعماقها، وعلاقة الحجم ~~بالعمق، ووجود أو عدم وجود ما يعرف بالتداخل المركزي في منتصف الفوهات ذاتها، إلى ~~نوعين مختلفين، يسميان: فوهات بسيطة، وفوهات مركبة. # ويطلق تعبير فوهات نيزكية بسيطة على تلك الفجوات التي تتميز بأشكالها البسيطة ~~نسبيا، والتي عادة ما تكون على هيئة شكل «الطاس» أو «الطبق»، وأقطارها الكبيرة ~~نسبيا مقارنة بأقطار فوهات الصدمة، وأقل من أقطار فوهات الانفجار المعقدة. فعادة ~~ما تتراوح أقطارها من بضعة أمتار، حتى مئات الأمتار، لكن لا تزيد في الغالب عن 4كم، ~~ولا يوجد بها ما يعرف بالتداخل المركزي، الذي يميز الفوهات المعقدة. وتعتبر فوهة ~~الأريزونا، التي يبلغ قطرها 1200 متر، وعمقها 170 مترا، النموذج المثالي لفوهات ~~الانفجار البسيطة. ومن خلال الدراسات والحسابات، التي أجريت على هذه الفوهة، تبين ~~أن وزن النيزك الحديدي الذي أحدثها يقدر بحوالي 100000 (مائة ألف) طن. وقد سقط ~~بسرعة تقدر بحوالي 15كم/ثانية، وتولدت عنه طاقة تقدر بحوالي 1,12 × 10 # 16 # جول. وهذه ~~الطاقة تعادل انفجار واحد ميجا طن من مادة ال «ت. ن. ت» الشديدة الانفجار. وتتناثر ~~في المنطقة حول الحدود الخارجية للفوهة كسرات متباينة الأحجام من الصخور، التي ~~دفعتها قوة الانفجار إلى خارج الفوهة. وقد قدرت إحدى هذه الكسرات الصخرية بأنها ~~تبلغ أكثر من 4000 طن. # 14 # ويندرج ضمن نوع الفوهات النيزكية البسيطة فوهات منطقة «وابر» الشهيرة التي ~~اكتشفها «فليبي»، عام 1932م، بالربع الخالي، بشمال شرق المملكة العربية السعودية. ~~وتتوزع هذه الفوهات في موقع تبلغ مساحته حوالي 5كم مربع، تغطيه الرمال جزئيا، لكن ~~يمكن رؤية ثلاث حفر مكشوفة أو لم تغط بعد بالرمال، أقطارها 11 مترا، 64 مترا، ~~و116 مترا. وتصاحب هذه الحفر شظايا وقطع من النيزك الحديدي الذي كان السبب في ~~تكونها. وكذلك تنتشر بالمنطقة قطع زجاجية سوداء، يطلق عليها «زجاج وابر»، ms125 تكونت من ~~انصهار صخور الحجر الرملي الذي يشكل الموقع، من تأثير الحرارة المتولدة عن الصدمة ~~النيزكية التي أحدثها ارتطام القطع النيزكية بالأرض. وتحتوي قطع زجاج وابر على ~~حبيبات معدنية حديدية، تنتمي إلى النيزك الذي كون هذه الفوهات، تمتاز باحتوائها على ~~نسبة عالية من عنصر النيكل. ويبدو أن النيزك الذي كون فوهات وابر قد انشطر في الجو ~~- قبل ارتطامه بالأرض - إلى عدد من الشظايا الكبيرة، أحدث ارتطامها بالأرض هذه ~~الفوهات الثلاث المكشوفة الآن بالموقع. ومن دراسة هذه الفوهات الثلاث دراسة وافية ~~يمكن توقع أن الجسم الذي أحدثها كان يزن - على وجه التقريب - حوالي 3500 طن على أقل ~~تقدير. وقد نتج عن ارتطامه بالمنطقة طاقة تقدر بحوالي 10 إلى 21 إرج. وهذه ~~الطاقة تعادل الطاقة التي تنتج من انفجار حوالي 10 إلى 12 كيلو طن، من مادة ثالث ~~نترات التولوين، أو تعادل طاقة القنبلة الذرية التي ألقيت فوق مدينة ~~«هيروشيما» اليابانية، في شهر أغسطس من عام 1945م، # 15 # ويقدر الباحثون عمر هذا الحدث بحوالي 6000 عام. # 16 # وكما ينتمي عدد كبير من الفوهات النيزكية المؤكدة إلى هذا النوع من الفوهات، ~~ينتمي إليها أيضا عدد كبير من الفوهات المحتمل أصلها النيزكي. ومن بين تلك ~~الفوهات التي يحتمل أن يكون أصلها نيزكيا، والتي تنتمي إلى هذا النوع من الفوهات ~~النيزكية البسيطة؛ فوهة «تسوينج»، التي تقع في الجزء الشمال الغربي من مقاطعة ~~«جوتينج»، وعلى بعد حوالي 40كم من مدينة بريتوريا، عاصمة جمهورية جنوب أفريقيا. وهي ~~عبارة عن غور بيضاوي إلى دائري الشكل، يبلغ قطره 1100 متر، وعمقه 119 مترا، ~~وارتفاع حوافها الخارجية عن مستوى سطح الأرض المحيطة بها، يبلغ حوالي 60 ~~مترا. # 17 # وقاعها تغطيه مياه بركة ملحية، نشأت من تدفق المياه من المنطقة ~~المحيطة؛ نظرا لأن المنطقة مطيرة، ومستوى المياه الجوفية مرتفع، شأن المناطق ~~الرطبة على مستوى العالم، حيث تتدفق وتتجمع لتملأ أي حفرة أو فجوة ~~أرضية. # ويطلق الباحثون في مجال الصدمات النيزكية تعبير فوهات نيزكية معقدة، على نوع من ~~الفجوات التي يحدثها ارتطام ms126 النيازك الكبيرة جدا بالأرض. وتختلف الفوهات المعقدة ~~عن الفوهات البسيطة، في الحجم والشكل؛ فهي عادة ما تكون كبيرة؛ إذ تزيد أقطارها عن ~~4كم، وقد تصل إلى عشرات الكيلومترات. بالإضافة إلى ذلك، تتميز بوجود ما يعرف ~~بالتداخل المركزي، حيث تندفع الصخور من أعماق بعيدة، وترتفع في مركز الصدمة لأعلى ~~مكونة قبة أو مجموعة قباب، ترتفع عما حولها من قاع الفوهة. ويضم هذا النوع من ~~الفوهات كل الفوهات غير المؤكدة تقريبا. ففي هذه الحالة لا يمكن أن يتخلف عن ~~الصدمة بقايا من النيازك التي تحدثها؛ إذ تتبخر كلية من جراء الحرارة العالية ~~المتولدة عن عملية الارتطام. ويوجد عدد كبير من مواقع الصدمات النيزكية، والفوهات ~~النيزكية منتشرة على مستوى العالم. وأغلب هذه المواقع غير مؤكدة أي محتمل أن تكون ~~مواقع صدمات نيزكية أو فوهات نيزكية، حيث لا يصاحبها بقايا النيازك التي أحدثتها، ~~ولا توجد أدلة قاطعة على تكونها بالصدمات النيزكية، # 18 # على حسب دراسة «جريف وربيرتسون» في عام 1987م. # ويستخدم الباحثون تعبير «أستروبليم»، الذي يعني حرفيا «ندبة النجم» أو «ضربة ~~النجم» لوصف مواقع الصدمات النيزكية القديمة، التي جرت عليها العوامل الأرضية، ~~فتلاشت أشكالها الواضحة، التي تميز الفوهات النيزكية الحديثة التكوين نسبيا، ~~وأزالت الشواهد التي يستدل من خلالها على أصلها النيزكي، أو غمرتها الرسوبيات التي ~~غطتها وطمست معالمها في فترة لاحقة على تكونها. وظل الجيولوجيون يطلقون على مثل ~~هذه التراكيب تسمية «تراكيب انفجارات خفية»، في إشارة إلى أنها تراكيب ناشئة عن ~~عوامل أرضية داخلية خفية عن العيان، منها أيضا انفجارات ثورات البراكين. وأطلق ~~تعبير «أستربوبليم» لأول مرة في عام 1961م، # 19 # من قبل الباحث الشهير الراحل «روبرت س. ديتز»، الذي يعد حجة في موضوع ~~الفوهات والصدمات النيزكية، على بعض التراكيب الدائرية التي نشأت من تأثيرات ~~الصدمات النيزكية على مواقعها، تمييزا لها عن التراكيب الأخرى التي تنشأ من ~~العوامل الأرضية. وقد استفاد الباحثون من الدراسات التي أجريت لتحديد خصائص الصخور، ~~التي تعرضت للصدمات النيزكية، من المواقع التي تعتبر مواضع صدمات نيزكية مؤكدة، مثل ~~موقع فوهة ms127 «الأريزونا» وموقع فوهات «وابر»، وغيرهما، وخرجوا بملاحظات عامة على ~~تأثيرات الصدمات، مثل وجود معدن الكوسيت، والتشوهات الدقيقة في الصخور، والتراكيب ~~المجهرية في بنية المعادن المكونة للصخور في هذه المواقع؛ ومن ثم درسوا الصخور ~~بمواقع التراكيب الأخرى، التي كان يطلق عليها تعبير «تراكيب انفجارات خفية». وكان ~~من نتيجة ذلك إثبات الأصل النيزكي لعدد كبير منها؛ ومن ثم فقد أضحى عدم وضوح الشكل ~~المميز للفوهات النيزكية، أو وجود شظايا نيزكية بالموقع (التي قد تتلاشى بالعمليات ~~الأرضية، بعد حدوث الصدمات النيزكية، بفترة طويلة أو حتى قصيرة، حيث يتوقف ذلك على ~~طبيعة الصخور، والظروف المناخية السائدة بالمنطقة)، غير ذي بال في التعرف على ~~الأصل النيزكي لبعض التراكيب الأرضية. ~~(4) معدلات التصادمات النيزكية بالأرض # تكشف مجرد نظرة لسطح القمر عن وجود عدد كبير من الفجوات التي تنتشر على سطحه. ويكاد ~~يجمع الباحثون على أن هذه الفجوات ناتجة عن تأثيرات التصادمات النيزكية مع سطح القمر. ~~وبمقارنة كثافة الفوهات الموجودة على سطح القمر، بتلك المعروفة على سطح الأرض، يتضح أن ~~عدد الفوهات النيزكية المعروفة على الأرض يقل كثيرا عن عدد الفوهات النيزكية المعروفة ~~التي توجد على سطح القمر. والسبب يرجع إلى عدد من العوامل، منها المياه التي تغطي أغلب ~~سطح الأرض، ونشاط العمليات الأرضية السطحية، التي تقود إلى إخفاء أو محو مواقع الصدمات ~~النيزكية. ومن هنا يرى الباحثون أنه من المنطقي أن يكون معدل الصدمات النيزكية بالأرض ~~كبيرا نسبيا، ولا يعبر عنه بالضرورة عدد الفوهات النيزكية المعروفة حتى الآن. وهنا ~~موضوع يتصل بنفس السياق، وهو معدلات التصادمات النيزكية خلال الأزمنة الجيولوجية ~~القديمة، وهل تسقط النيازك العملاقة على الأرض بمعدل ثابت منذ تكون الأرض، أم أن هذا ~~المعدل يتناقص مع الزمن؟ من المنطقي أن يتوقع بعض الباحثين أن معدلات ارتطام نيازك ~~الفوهات بالأرض كان كبيرا في الأزمنة القديمة، نظرا لكثافة الأجسام النيزكية في ~~الفضاء، خلال العصور القديمة، وتناقصها مع الزمن، من خلال استهلاكها بسقوطها على الأرض، ~~وبقية كواكب المجموعة الشمسية الأخرى. وهذا يعني أن حزام الكويكبات كان في الأزمنة ms128 ~~الجيولوجية القديمة أكثر ازدحاما بالأجسام الصلبة، عنه في الوقت الراهن؛ ومن ثم فإن ~~فرص اندفاع بعض هذه الأجسام لتسقط على الأرض يتناقص مع الزمن. وهذه القضية عرض لها ~~وناقشها منذ زمن بعيد أحد المؤلفين العرب (المرزوقي المتوفى في سنة 421ه/1030م)، في ~~كتابه «الأزمنة والأمكنة». # ويختلف الباحثون فيما بينهم، في حساب معدلات سقوط نيازك الفوهات على الأرض. ومن بين ~~المحاولات الكثيرة التي تحظى بالاهتمام، لتحديد معدل سقوط مثل هذه النيازك على الأرض، ~~تلك التي قدمها «هوفيس» في عام 1979م، # 20 # والتي يتوقع فيها أن نيزكا ضخما يمكن أن يحدث ارتطامه بالأرض فوهة قطرها ~~يبلغ حوالي 200كم، يسقط كل حوالي 14 مليون سنة على سطح الأرض، من خلال معادلة بسيطة ~~لحساب معدلات سقوط النيازك العملاقة على الأرض، كل عام: # φ ~~= ~~1 / 1400ق # 2 ~~. # φ ~~: تشير إلى معدل ~~سقوط نيازك الفوهات خلال العام الواحد. # ق: تشير إلى قطر الفوهة التي تتكون من هذا التصادم مقدرا بالكيلومتر. # ومن خلال دراسة أعمار التكتيت وزجاج الصدمات النيزكية بالأرض، يتوقع بعض الباحثين أن ~~نيزكا ضخما أحدث فوهة قطرها 50كم، وقع خلال عصر البليستوسين (1 مليون عام). ويرى ~~البعض الآخر أن نيزكا أو مذنبا كتلته تعادل 10-15كجم ويتولد عن ارتطامه بالأرض طاقة ~~تعادل 10-31 إرج، صدم الأرض خلال الفانيروزويك (خلال فترة 570 مليون سنة الأخيرة من عمر ~~الأرض). ويرى «والتر الفاريز» # Walter Alvarez ~~، أن هذا ~~هو ما حدث خلال الفترة الزمنية الفاصلة بين حقب الحياة المتوسطة، وحقب الحياة الحديثة، ~~أي منذ قرابة 65 مليون عام، والذي أودى بحياة الديناصورات، وقضى على وجودها تماما من ~~على الأرض. # ويرى «قيصر إميلاني» # 21 # أن معدلات ارتطام النيازك تتباين حسب مواقعها، فعلى سبيل المثال، مجموعة ~~«أمور»، من الكويكبات التي ينتمي إليها الكويكب «إيكاروس» والكويكب «إيروس» وتضم حوالي ~~1000-2000 كويكب، يحتمل أن يصدم واحد منها الأرض كل حوالي 500 ألف عام (نصف مليون عام). ~~أما مجموعة «أتين»، وتضم حوالي 100 كويكب، فإن احتمال أن يرتطم واحد منها بالأرض قد ~~يحدث خلال 1 مليون ms129 عام. بينما مجموعة «أبولو»، التي تضم حوالي 1000 كويكب، فإن احتمال ~~حدوث تصادم بين واحد منها والأرض، قد يحدث خلال 2 مليون عام. فكل أعضاء هذه المجموعات ~~من الكويكبات تدور في مدارات مائلة بالنسبة لدائرة الكسوف، وتقترب من الأرض، فيما يعرف ~~بأنه اقتراب خطر، يزيد من فرص ارتطامها بالأرض، مما يهدد الحياة واستمرارها على ~~الأرض. # ولا شك أن نتائج المحاولات الحالية لحساب معدلات وقوع الصدمات النيزكية بالأرض لا ~~يمكن الاعتماد عليها بصورة قاطعة؛ إذ إنها عرضة للتغير من الزمن. فهذه النتائج تعتمد ~~على البيانات التي توفرها عمليات رصد الكويكبات والمذنبات في مداراتها. ونتائج عمليات ~~الرصد تتغير بمعدلات سريعة. وبمرور الوقت تتوافر لدى الباحثين بيانات أكثر دقة لحسابات ~~معدلات الصدمات النيزكية، على سطح الأرض. وكذلك تتراكم نتائج عمليات المسح الجيولوجي ~~الأرضي، واستكشاف مواضع الصدمات النيزكية، خاصة مع ازدياد الاهتمام العلمي بموضوع ~~النيازك. ~~(5) أساطير الصدمات النيزكية # يستطيع الباحث أن يستشف وجود إشارات مبهمة إلى موضوع الصدمات النيزكية، في بعض القصص ~~والأساطير القديمة. فعلى سبيل المثال، جاء في أسطورة «كاتنجا» القديمة أن: «نارا حامية ~~ومدمرة سقطت على «الكونغو»، منذ زمن بعيد جدا، وكانت سببا في تكون المعادن الثمينة ~~الموجودة في أماكن متفرقة في وسط أفريقيا.» # 22 # ومن خلال هذا القول، يمكن أن يستنتج المرء وجود إشارات واضحة إلى حوادث ~~الصدمات النيزكية، التي تسهم - في الواقع - في تكون العديد من الصخور الزجاجية ذات ~~القيمة المادية العالية، كزجاج «المولدفيت» الذي يشبه معدن الزبرجد، ويستغل كحجر كريم، ~~وزجاج السيلكا الذي يوجد في الصحراء الغربية المصرية، والذي يشبه أنواعا منها الزبرجد، ~~واستغلت لهذا الغرض من أقدم العصور. والأكثر من ذلك أن الصدمات النيزكية تسهم في ~~تكون أنواع مميزة وفريدة من المعادن الثمينة التي من بينها الألماس، والرواسب ~~المعدنية في الأرض. # 23 # وما ورد في أسطورة قبيلة «هوبي» من الهنود الحمر، بالولايات المتحدة، والخاصة برؤيتهم ~~وتصوراتهم لأصل الفوهة النيزكية الشهيرة الموجودة بولاية «أريزونا»؛ يؤكد فهمهم على ~~وجود علاقة واضحة بين الفوهة والسماء؛ إذ ترى الأسطورة أن الروح العظيم ms130 هبط إلى الأرض ~~من مقامه العالي، تحيط به النار والرعد والبرق، ودخل جوف الأرض من ثغرة كبيرة، هي فوهة ~~ولاية «أريزونا» النيزكية. # 24 # ومن الثابت أن الناس ربطوا بين النيازك والرعد والبرق، لكن الأهم في هذه ~~الرواية أن الفوهة تكونت من سقوط نيزك ضخم، خلال الأزمنة التي لم يكن هؤلاء الناس ولا ~~أسلافهم قد وجدوا. فكيف إذن ربطوا بينها وبين البرق والرعد (النيازك)؟ # وتشير الإرهاصات التي صاحبت اكتشاف السيد ~~«فليبي»، في عام 1932م، لفوهات «وابر» في الربع الخالي بالمملكة العربية السعودية، إلى ~~معرفة الإنسان قديما بمواقع الصدمات النيزكية، وتأثيراتها على الحياة والحضارة. فالذي ~~كان يحرك «فليبي» للقيام بهذه الرحلة البعيدة، في مكان خال من الحياة، قصة رواه له ~~رجل من الأعراب، يدعى «جابر بن فراج». وملخص القصة: # 25 # أنه في مكان ما بالربع الخالي، بالموقع الذي توجد فيه فوهات «وابر»، توجد ~~أطلال مدينة خربة قديمة، يطلق عليها «وابر»، حلت لها في الأزمنة الغابرة كارثة طبيعية ~~فدمرتها. وكانت الكارثة عبارة عن ريح عاتية ومدمرة، مرت على المدينة، فسوت بها ~~الأرض. فهذه الرواية تعني أن وابر هي مدينة قوم «عاد» التي عتت عن أمر ربها، ولم تتبع ~~نصائح «هود»، كما ورد في القرآن الكريم، وتعني «هوبر» في الإنجيل، على حد رأي «فليبي» ~~ذاته. والذي جذب «فليبي» أكثر لاستكشاف هذه المدينة البائدة؛ ما ورد في رواية الأعرابي ~~من أنه بالقرب من الموقع توجد قطعة كبيرة (كبر حدبة الجمل) من الحديد؛ ولهذا السبب ~~فإن الناس يطلقون على الموقع اسم «الحديدة». فتوقع «فليبي» وجود بقايا مصنوعات حديدية ~~قديمة، ذات قيمة تاريخية ومادية عالية، يمكن الحصول عليها من الموقع؛ ومن ثم عقد العزم ~~على استكشاف الموقع، والتعرف على طبيعته، وتقصي الرواية التي رواها له الأعرابي. ولم ~~تكن المدينة التي قصدها «فليبي» سوى موضع هوى عليه نيزك حديدي كبير أحدث فجوات في ~~الأرض، وتناثرت شظاياه بالموقع مختلطة مع كسرات المادة الزجاجية التي نتجت عن الحرارة ~~العالية التي ولدتها الصدمة النيزكية بصخور الحجر الرملي التي تشكل المنطقة. وتشبه ms131 ~~الكسرات الزجاجية الموجودة بموقع فوهات وابر؛ الخبث الذي يتخلف عن عمليات صهر ~~الخامات المعدنية، أثناء عمليات استخلاص الفلزات. وتكشف القصة عن معرفة الإنسان القديم ~~للدمار الكبير الذي تحدثه الارتطامات النيزكية بالأرض. وإن كانت القصة تقصر دمار ~~المدينة بالريح، ولا تذكر سقوط أحجار أو نار من السماء، فإنها تشير إلى جانب مهم ~~من تأثيرات الصدمات النيزكية بالأرض، وهو الريح الشديدة التي تصاحب انفجار النيازك إثر ~~دخولها جو الأرض، وارتطامها بالصخور الأرضية، كما هو الحال في حادثة «تونجسكا». # ومما يؤكد معرفة الإنسان القديم للصدمات ~~النيزكية، وارتباطها في عقله بالحديد، رواية يذكرها بعض الباحثين # 26 # عن الحدادين في «سيرلانكا». وهذه الرواية، تقول: يشير الحدادون في ~~«سيرلانكا» إلى مواقع عمليات صهر الحديد القديمة، حيث تختلط بقايا من الحديد المستخلص ~~من عمليات الصهر، مع قطع من الخبث المتخلفة عن عمليات الصهر؛ يشيرون إليها على أنها ~~مواضع صدمات نيزكية، أي أنها قطع حديد سماوية. وهذا المشهد الذي يعنيه الحدادون في ~~«سيرلانكا» يتوافق مع مشهد موقع الصدمة النيزكية في «وابر» وفي بعض المواضع الأخرى؛ ~~حيث تختلط قطع الحديد مع المواد الزجاجية التي تنشأ عن صهر الصخور الأرضية، من تأثير ~~حرارة الصدمة، وتناثرها حول الموقع. ففي موقع فوهات «وابر» النيزكية تحديدا، أشارت ~~الدراسات التي أجراها «جيفري سي. وين»، ومرافقه الراحل «جين شوميخر» # Gene Shoemaker ~~، على الموقع أثناء الزيارة ~~الحقلية التي تمت في عام 1995م، وظهرت نتائجها خلال عامي 1997-1998م، إلى نوع من ~~الزجاج، يطلق عليه تسمية «زجاج شبيه بالخبث». إذن فحدادو «سيريلانكا» لا يقولون ذلك ~~من فراغ، وإنما يعكس قولهم هذا، مشاهدات طبيعية. ويلتمس الباحث العذر لمن يفسر مواقع ~~الصدمات النيزكية، على أنها مواقع حضارات قديمة، تعرضت للكوارث الطبيعية، كما في ~~رواية الأعرابي عن فوهات وابر، وكذلك من يرى أن مواقع صهر خامات الحديد الأرضي ~~القديمة، التي كانت تتم فيها عمليات تحويل الخامات الأرضية للحديد الفلزي؛ فالمشهدان ~~متشابهان تقريبا؛ إذ كلاهما يحوي قطعا وشظايا من الحديد الفلزي، وقطعا زجاجية سوداء ~~بها فجوات، وبها مكتنفات من حبيبات الحديد الفلزي. ms132 # ويختلف الأمر نسبيا، بالنسبة لفوهة «تسوينج»، بجمهورية جنوب أفريقيا. وتسمية ~~«تسوينج» باللغة التسوانية المحلية تعني «موقع الملح»، حيث كانت تسمى قديما «غور ملح ~~بريتوريا». والفوهة عبارة عن تجويف بيضاوي منتظم الشكل نسبيا، يظن الباحثون أنها فوهة ~~بركانية، أو تجويف ناتج عن تحركات أرضية، أو فوهة نيزكية، في حين يرى السكان المحليون ~~أن الفوهة عبارة عن عالم سحري مليء بالعجائب والأسرار. ومن بين القصص التي يروج لها ~~الناس: أن أفعى عملاقة تعيش تحت سطح المياه الكئيبة التي تغطي قاع الحفرة، وأنها ~~تدرب ال «سانجوماس» [معالجون وأنبياء] وتنمي مهاراتهم، بطريقة سرية لا يشعر بها أحد. ~~فإذا ما تجاوز أحد الحدود المحددة لمجال المنطقة، ودخل الفوهة بدون تصريح نهارا أو ~~ليلا، فإن الأفعى تقوم على الفور بقتله. وتؤكد هذه القصص الأسطورية على وجود كهف كبير ~~بالجزء الشمالي من حافة الفوهة، يحتوي على عظام الضحايا، الذين قتلتهم الأفعى العملاقة ~~على مر الزمن. # 27 # الفصل التاسع # | كنوز النيازك # «لو أن السماء أبدلتني بها عالما آخر كاملا جمع على هيئة زبرجدة واحدة ~~متناسقة، ما رضيت.» (عطيل، وليم شكسبير) ~~*** ~~(1) الحديد هبة النيازك # تسهم النيازك بشكل غير محسوس في إثراء الأرض بخام الحديد؛ فكمية المادة النيزكية التي ~~تسقط على الأرض كبيرة؛ إذ تشير التقديرات المعتدلة، التي تعتمد على دراسات عديدة ~~أجريت لتقدير هذه الكمية، إلى أن ما يصل الأرض من مواد نيزكية يوميا يقدر بحوالي ~~100 إلى 1000 طن # 1 # على هيئة غبار دقيق يكاد لا يرى بالعين المجردة، يعرف في المراجع العلمية ~~على أنه غبار نيزكي، والنذر اليسير من هذه المادة يكون في صورة أجسام كبيرة، تصل ~~أوزانها عدة آلاف من الأطنان. ومتوسط محتوى هذه الكمية من الحديد يربو على ~~28٪؛ # 2 # ومن ثم فإن النيازك تضيف للأرض كمية تقدر بحوالي 28 إلى 280 طنا يوميا ~~من عنصر الحديد. ويوجد الحديد في النيازك في صور متعددة، منها معادن فلزية (سبيكة ~~الحديد-نيكل)، أو مشتركا مع الكبريت (معادن كبريتدات الحديد)، أو مشتركا مع عناصر ~~أخرى ضمن معادن السيليكات. وجميع الصور ms133 المختلفة التي يوجد عليها الحديد في النيازك ~~تتحول أو تتغير بفعل العوامل الأرضية إلى معادن الماجنيتيت، والهيماتيت، ~~والليمونيت، مع مرور الزمن، وتختلط مع مكونات القشرة الأرضية. فإذا كانت كمية ما تقدمه ~~النيازك من الحديد للأرض يوميا تتراوح بين 28 إلى 280 طنا، فكم تبلغ كمية ما قدمته ~~النيازك للأرض من هذا العنصر، خلال عمر الأرض الذي يتراوح بين 4500 إلى 5000 مليون ~~سنة؟ # وناهيك عن شظايا الحديد النيزكي، التي توجد متناثرة في مواقع الصدمات النيزكية، التي ~~يحدثها ارتطام النيازك الحديدية الضخمة بالأرض، والتي حصل من بعضها الإنسان على مر ~~العصور على الحديد الفلزي، كما في حالة حديد نيزك «كانون ديابلو» بموقع فوهة الأريزونا، ~~والذي تاجر فيه الهنود الحمر ونقلوه لأماكن بعيدة؛ فإن عملية الصدمات النيزكية بالأرض ~~تسهم إسهاما مباشرا في تكون العديد من الرواسب المعدنية القيمة؛ إذ توفر الصدمات ~~النيزكية على سطح الأرض ظروفا جديدة ومختلفة، وتحدث تغييرات جذرية في صخور الموقع الذي ~~ترتطم به؛ ومن ثم توفر ظروفا بيئية جديدة تقود إلى تكون العديد من الرواسب المعدنية. ~~ومن بين الأمثلة التي يتدارسها الباحثون حتى الآن، إسهام الصدمة النيزكية في تكون أكبر ~~راسب معروف للنحاس والنيكل على مستوى العالم، في منطقة «سيدبري» بكندا؛ إذ يرى فريق من ~~الباحثين أن الصدمة النيزكية كانت وراء اندفاع الصهير الصخري من باطن الأرض، ليسهم بشكل ~~مباشر في تكون هذا الراسب. وتسهم الصدمات النيزكية، بما تولد من ضغوط عالية، في تنشيط ~~حركة المحاليل والمياه الأرضية، التي تذيب العناصر الموجودة سلفا في الصخور بنسب ~~بسيطة، وتعيد ترسيبها في مواضع الصدمات النيزكية، حيث الظروف مواتية، على هيئة رواسب ~~معدنية ذات قيمة اقتصادية. ~~(2) النيازك ومصدر الحديد قديما # يختلف الحديد عن المعادن الأخرى التي استعملها الإنسان قديما. فلا يوجد الحديد في ~~الصخور الأرضية في صورته الحرة الطليقة، إلا في حالات نادرة جدا، كما هو معروف في ~~«جرين لاند». وتحتاج عملية اختزال خامات الحديد الأرضية لاستخلاص الفلز منها، تجهيزات ~~خاصة ودرجة حرارة عالية (1653 درجة مئوية)، مما يصعب تصور أن ms134 الإنسان القديم حصل على ~~الحديد، من خلال استخلاصه من خاماته الأرضية، كما حصل على النحاس؛ ومن ثم لم تعرف ~~عملية استخلاص الحديد من خاماته الأرضية، إلا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. ومن هذه ~~الوجهة تحديدا، يشكل مصدر الحديد الذي استخدمه الإنسان في العصور القديمة مشكلة ~~بالنسبة للباحثين. # وأقدم مشغولات حديدية معروفة، قبل عام 3000ق.م. أربع هي: آلة حديدية ذات أربعة أوجه، ~~عثر عليها في دفنة في سامرا، شمال العراق وتعود إلى حوالي 5000 عام ق.م. ثلاث كرات ~~حديدية عثر عليها في شمال إيران، وتعود إلى حوالي 4600-4100ق.م. وثماني خرزات صغيرة ~~وجدت في دفنات ما قبل الأسرات في جرزة، مصر (3500-3100ق.م.)؛ وخاتم من نفس الفترة ~~الزمنية ، عثر عليه في أرمنت بالقرب من الأقصر في جنوب مصر. # ومع التسليم بإمكانية وجود مصدر أرضي للحديد في تلك الفترات القديمة، يتمثل في قطع ~~الحديد التي تظهر بصورة عرضية، ضمن النواتج الثانوية التي تتكون من عمليات صهر خامات ~~النحاس الغنية بالحديد، يظل المصدر الأساسي للمشغولات الحديدية الأقدم هو الحديد ~~النيزكي. وتعتبر النيازك الحديدية هي التي وفرت للإنسان القديم الحديد، # 3 # وعوضته عن النقص الطبيعي في الفلز، وقدمت له أسهل مصدر معروف لفلز من ~~الفلزات، حصل عليه بسهولة ودون عناء يذكر، سوى كيفية اقتطاعه من الأجسام النيزكية ~~الكبيرة ثم كيفية تشكيله؛ إذ تتكون النيازك الحديدية من سبيكة طبيعية من الحديد ~~والنيكل، بنسب تتراوح في الغالب ما بين حوالي 95٪ حديد وحوالي 5٪ نيكل. وتمتاز هذه ~~السبيكة الطبيعية بأنها طيعة وسهلة التشكيل، مع عدم قابليتها السريعة للصدأ، مقارنة ~~بالحديد الخالص الذي يحصل عليه الإنسان من الخامات الأرضية. وبذلك تكون النيازك ~~الحديدية قد وفرت للإنسان هذه السبيكة الطبيعية التي استعملها في الأغراض المختلفة، في ~~وقت كان الحصول فيه على الحديد من خلال عمليات تحويل خاماته الأرضية عملية صعبة، إن لم ~~تكن مستحيلة. # وتختلف في الواقع نتائج الدراسات التي أجريت على المشغولات الحديدية القديمة؛ فبعض ~~الدراسات أشارت إلى أن المصدر الأساسي للحديد في الصناعات القديمة كان نيزكيا، وفي ~~المقابل تشير ms135 دراسات أخرى إلى أن مصدر الحديد أرضي. ودون المزيد من استعراض وتمحيص ~~الدراسات، التي لم تصل لنتيجة محددة بهذا الخصوص، ثمة مبررات منطقية للاعتقاد بالمصدر ~~السماوي للحديد. وربما يكون من أهمها استقراء ممارسات الإنسان تجاه النيازك الحديدية، ~~ومدى اهتمامه بها للحصول على الحديد. وتأمل مصدر الحديد الذي كان يستعمله «الإسكيمو» ~~في تشكيل حرابهم وشتى أدواتهم الحديدية؛ يقرب الصورة للأذهان؛ ف «الإسكيمو» يعيشون عيشة ~~بدائية، تشبه إلى حد كبير عيشة الإنسان القديم؛ ومن ثم فإن ممارساتهم تعطي فكرة عن ~~ممارسات الإنسان القديم. فمن أين كانوا يحصلون على الحديد؟ يوجد مصدران للحديد الخالص ~~في «جرين لاند»، موطن «الإسكيمو»؛ الأول: مصدر أرضي من راسب حديد فلزي تكون في ظروف ~~خاصة ، لا يوجد لها كثير من الأمثلة على مستوى العالم؛ والثاني: ~~مصدر نيزكي. فالحديد الأرضي الفلزي يوجد على هيئة ~~حبيبات كبيرة يمكن أن تلاحظ من قبل الإنسان، في جزيرة «ديسكو» من الشاطئ الغربي ل «جرين ~~لاند». ويمكن أن يستغل الإنسان حديد هذا الموقع، لكن لم يثبت بصورة مؤكدة أن ~~«الإسكيمو» استخرجوا هذا الحديد واستخدموه في مشغولاتهم الحديدية. وفي المقابل كانوا ~~يقتطعون قطعا من الحديد، من ثلاث قطع حديدية نيزكية، سبق ذكرها؛ فاستخدام الحديد ~~الأرضي، حتى في حالة وجوده في صورة حرة، وهي حالة نادرة، يتطلب القيام بعملية ~~استخراجه وفصله عن الصخور الحاوية له والشوائب الموجودة معه. وهذا يشكل عبئا إضافيا ~~على الإنسان؛ ومن ثم اتجهت أنظاره للمصدر السهل الذي توفره له النيازك. # ويبدو أن الإنسان القديم تعلم سباكة الحديد من ~~النيازك ذاتها. # 4 # وقد يذهب المرء لأكثر من ذلك، فيرى أن النيازك الحديدية هي التي لفتت ~~انتباه الإنسان القديم للحديد وكيفية تشكيله، بل وكيفية استخلاصه من خاماته الأرضية. ~~ففي العصور الحديثة، أسهمت النيازك في المجال التقني، بشكل غير مباشر، في اختراع سبيكة ~~الحديد-نيكل، التي تدخل في الأغراض الصناعية المختلفة، كما يروي «إدواردز ب. هندرسون» ~~قصة ذلك الكشف في مقال عن النيازك نشر في عام 1951م، ضمن عدد من المقالات شملها كتاب ~~«العلم يزحف»، والتي ms136 أورد فيها أنه: ذات يوم كلف أحد البحاثة الأوائل ببحث موضوع ~~إيجاد استعمالات لفلز النيكل، الذي كان قد اكتشف من قبل، ولكن لم يكن يعرف بعد في أي ~~الأغراض يمكن الاستفادة منه. ولحسن الحظ، كان الباحث يزور المتحف القومي بواشنطن آنذاك، ~~واطلع على معروضاته من النيازك، وتوقف أمام النيازك الحديدية، التي تتكون من سبيكة ~~طبيعية من الحديد والنيكل. واسترعى انتباهه أنها لا تصدأ بسرعة، كما هو الحال في ~~السبائك الحديدية العادية؛ ومن ثم اختمرت في ذهنه فكرة دمج النيكل مع الحديد، محاكاة ~~للنيازك الحديدية، لإنتاج سبيكة تقاوم الصدأ. ومن هنا عرفت البشرية صناعة مهمة، وهي ~~سبيكة الحديد-نيكل. # 5 # فلماذا لا يكون الإنسان القديم تعلم من النيازك، فعرف الحديد منها أولا، ~~ثم بحث عليه في خاماته الأرضية؟ نعود للوراء في التاريخ، لنجد ظاهرة فريدة جديرة ~~بالتأمل، وهي أن تسمية الحديد في مصر القديمة تغيرت من زمن لآخر، كما أشار الباحث ~~«ج. أ. وينريت». كان الحديد في مصر قبل القرن الرابع عشر قبل الميلاد، يطلق عليه اسم ~~«بيا» # bia ~~، وتعني فلزا أو معدنا، ثم أشاروا له ~~باسم «بيا آن بيت»، والتي تعني حرفيا، وبدون لبس: ~~فلز أو معدن السماء. # 6 ~~، # 7 # ومن الطريف أن تظهر هذه التسمية - التي ~~تحدد أن الحديد معدن السماء - في الوقت الذي بدأ فيه الإنسان استخلاص الحديد من ~~خاماته الأرضية المعروفة، كالماجنيتيت والهيماتيت، والليمونيت والجوثيت، وغيرها. # وهذا من شأنه أن يثير السؤال: لماذا أصر قدماء المصريين على نسب الحديد إلى السماء، ~~بعدما عرفوا وشاهدوا أنه يستخلص من مواد أرضية؟! قد يكون ذلك ضربا من الخلط واللبس في ~~التسمية، لكنه قد يكون أيضا مقصودا! أي أن قدماء المصريين اعتقدوا أن خامات الحديد ~~الأرضية، التي تعالج بالنار ليستخلص منها الحديد، هي في الأصل سماوية. # 8 # ويمكن لهم التوصل إلى ذلك عن طريق المشاهدات العملية؛ فالحديد الفلزي ~~الذي تقدمه النيازك الساقطة على الأرض سرعان ما يتأثر بالعوامل الأرضية، بعد فترة من ~~سقوطه على الأرض. ويكون من نتيجة ذلك، أن تظهر عليه ms137 قشرة هشة ذات ألوان بنية وحمراء ~~وصفراء، هي التي تعرف الآن ب: أكاسيد الحديد. وهذه المادة تشبه الخامات التي يستخلص ~~منها الحديد بعد المعالجة بالنار. ولربما دفعتهم هذه الملاحظة إلى تعميم فرضية، بهذا ~~الخصوص، يمكن تخيلها على النحو التالي: # الحديد فلز سماوي يسقط على الأرض في صورة نقية خالصة. # يتغير (يفسد) بالعوامل الأرضية، ويتحول إلى مادة هشة بنية إلى صفراء. # هذه المادة تعالج بالنار، ليستخلص منها الحديد على صورته الأصلية. # ومن هنا فربما يكونون قد خلصوا إلى أن خامات الحديد الأرضية، ما هي إلا صور متغيرة ~~من صورة الحديد السماوي الأصلي. # أشكال مختلفة من خناجر ال «كيريس» الإندونيسية. # ومن دلائل إسهام النيازك في تطور علم الميتالورجي عبر التاريخ؛ ظاهرة خناجر ال ~~«كيريس » الإندونيسية. وال «كيريس» نوع من الخناجر القصيرة التي تنتج يدويا في بعض ~~المناطق في إندونيسيا، منذ أكثر من 2700 سنة تقريبا، ثم انتشرت في مناطق عديدة من دول ~~جنوب شرق آسيا. وخنجر ال «كيريس» رمزي وليس من الأدوات الحربية؛ إذ يوضع في الحزام، أو ~~يشد على الملابس في أي موضع من الجسم، كمظهر من مظاهر الوجاهة الاجتماعية. وما يعنينا ~~في هذا الخصوص مصدر الحديد الذي يستخدم في هذه الصناعة؛ فالحديد المستعمل في صناعة هذه ~~الخناجر من الحديد النيزكي. ويظن أن سكان جاوة - الموطن الأصلي لهذه الصناعة - كانوا ~~يحصلون في الأزمنة القديمة على الحديد من نيزك كبير عرفوا طريقه بالمنطقة، ونقلوه لمعبد ~~من المعابد؛ حيث ظلوا يقتطعون منه الحديد اللازم لصناعة الخناجر. وحدثت نقلة في تطور ~~هذه الصناعة اليدوية، عندما توقف الأهالي عن تشكيل الخناجر من حديد النيزك، وتوصلوا إلى ~~سبيكة جديدة أطلقوا عليها «السبيكة السحرية»، التي حصلوا عليها من خلط نسب محددة من ~~نيزك حديدي مع نسب محددة من نيزك حديدي-حجري. # لكن يجدر الإشارة إلى أن بعض الباحثين لا يقبلون هذه الأفكار، ويذهبون إلى الظن أن ~~الحديد الفلزي عرف مصادفة، عندما سقطت قطعة من خام أرضي غني بالحديد في النار بطريق ~~الصدفة، فانصهرت ونتج عن ذلك الحديد الفلزي ms138 فلاحظها الإنسان القديم، فعرف بذلك الحديد ~~وكيفية استخلاصه من خاماته. # 9 # وتستغل النيازك الحديدية بصفتها سبيكة طبيعية - تتكون من الحديد-نيكل، ~~وتمتاز بلونها الأبيض الفضي، لينة وطيعة وسهلة التشكيل، وتقاوم الصدأ - تستغل في الوقت ~~الحاضر في عمل الكثير من المشغولات الفنية الدقيقة؛ إذ تشكل منها الأساور، والخواتم، ~~والقلائد، والساعات اليدوية، وغيرها من المشغولات التي تستهوي الناس، ويحرصون على ~~اقتنائها، لما تتمتع به من جمال المظهر، وجودة الخام الذي تشكل منه، وقيمتها العلمية ~~باعتبارها مادة غير أرضية. # ساعة يد من حديد النيازك. # ومهما اختلف الباحثون حول مصدر حديد الأدوات ~~الحديدية القديمة، التي يعثر عليها ضمن مخلفات العصور الأولى، فلن يغير ذلك من حقيقة ما ~~ترسخ في أذهان الناس من أن أول مصدر للحديد كان من النيازك الحديدية التي تسقط على ~~الأرض. ويجد المرء ذلك جليا في فكر الإنسان عبر العصور؛ فتسمية الحديد في بعض اللغات ~~القديمة ترتبط - كما سبق الإشارة - بالسماء. وتنسب الملحمة الفنلندية «كالفيلس» مصدر ~~الحديد إلى السماء؛ إذ تذكر بهذا الخصوص: «تدفق لبن أحمر من صدور عذارى قوس قزح ليصبح ~~حديدا، ذهب بدوره ليبحث عن أخته النار. وتحاول النار أن تلتهمه، لكنه يهرب بعيدا إلى ~~المستنقعات، وهناك يأسره الحداد المبارك «إلمارينين»، ويصنع منه سيوفا للمحاربين ~~الشجعان، وحلي للنساء.» # 10 # ولعل من يطالع رواية «النجم الحديدي» # 11 # يقف على ما ترسخ في عقول الناس عبر العصور، عن الأصل النيزكي لحديد الأدوات ~~الحديدية القديمة؛ إذ تحكي القصة تطور الحضارة، من العصور الأولى حتى عصر «ستاندش ميلز» ~~صاحب السيف المشهور. وفيها يعثر رجلان على قطع حديد النجم الحديدي، الذي سقط على الأرض ~~في عصور قديمة جدا، ويحتفظان به ليسلماه للأجيال التالية جيلا بعد جيل. # القطعة الكبيرة من نيزك «نافاجو» الحديدي وتظهر محاولة شقه بواسطة ~~إزميل سميك. # وتذكر الدراسات الخاصة بتاريخ استعمال حديد النيازك أن الهنود الحمر استعملوا الحديد ~~في تشكيل بعض الأدوات والأسلحة، قبل وصول الأوروبيين لبلادهم. وأنهم لم يكونوا على ~~دراية بكيفية استخلاص الحديد الفلزي من خاماته الأرضية؛ ومن ثم فلم يكن ms139 من مصدر متاح ~~لديهم للحصول على الحديد سوى النيازك الحديدية. ويبدو أن الإنسان لم يترك نيزكا ~~حديديا كبيرا إلا وحاول اقتطاع الحديد منه. فنيزك «نافاجو» # Navajo # الحديدي تعرض لمحاولات شقه وانتزاع قطع منه. ويتكون هذا ~~النيزك من قطعتين كبيرتين، إجمالي وزنهما حوالي 2180كجم، ويعرض حاليا في إحدى ~~صالات معارض النيازك بمتحف الحقل # Field Museum ~~، والذي ~~عثر على القطعة الأولى والكبيرة منه مواطنان من سكان مدينة «نافاجو»، هما: «روبرت ك. ~~توماس»، و«كارل هيل»، في 10 يوليو عام 1921م، على بعد حوالي 13 ميلا من مدينة «نافاجو» ~~في مقاطعة «أباتش» بولاية أريزونا. ويذكر «روبرت ك. توماس» أحد المكتشفين في الرسالة ~~التي أرسلها للمتحف بهذا الخصوص، بتاريخ الأول من يناير عام 1922م، أن النيزك كان ~~معروفا لسكان «نافاجو» من الهنود الحمر منذ قدومهم للمكان ، أي منذ حوالي عام 1600م. ~~ويضيف أن سكان المنطقة من الهنود الحمر كانوا يعتبرونه حجرا مقدسا؛ ومن ثم فقد كانوا ~~يغطونه بالأحجار؛ خشية أن يراه أحد من السكان البيض، أو أحد من أفراد القبائل الأخرى ~~فيأخذه منهم. وذكر في رسالته أنهم كانوا يسمونه «بيش لوجن أي جن» بلغتهم، التي تعني ~~«الحديد الأسود». وأخبروه أن علامات الأزاميل التي توجد على سطح النيزك كانت موجودة من ~~قبل أن يكتشفوه، وإنها من عمل إنسان ما قبل التاريخ، الذي كان يصنع الأواني الفخارية ~~بالمنطقة. أي أن إنسان العصور القديمة هو الذي كان يقتطع من هذا النيزك قطعا من الحديد ~~لاستعمالها في الأغراض الحياتية المختلفة. وتؤكد دراسة شكل الحز الموجود في جسم النيزك ~~أن الإزميل المستخدم كان ذا نصل أكبر سمكا من سمك الأزاميل التي كان يستخدمها السكان ~~المحليون وقت اكتشاف النيزك في عام 1921م. مما يشير إلى وجود محاولة قد تمت منذ زمن ~~بعيد، وذلك لشقه من أجل الحصول منه على الحديد، لاستخدامه في الأغراض ~~المختلفة. # 12 ~~(3) سيوف النيازك # تكشف ممارسات الإنسان المدونة في السجلات التاريخية، تجاه حديد النيازك مدى ~~الاعتماد على هذا المصدر في تشكيل المشغولات الحديدية، خاصة الأدوات الحربية، كالسيوف ~~والخناجر ms140 والسكاكين والدروع. وسبق الإشارة إلى النيزك الحديدي الذي سقط في فترة حكم ملك ~~روما «نوما بومبليوس» (753-715ق.م.) الذي شكل منه الكهنة درعا صغيرا شاع عنه أنه يوفر ~~الحظ السعيد والحماية والسيادة. # وتدل قراءة بعض الأبيات الشعرية في التراث العربي على أن السيوف تصنع من حديد ~~النيازك (الصاعقة). فيورد ابن قتيبة الدينوري (213-276 /828-889) في «كتاب المعاني ~~الكبير في أبيات المعاني»: # 13 # يكفيك من قلع السماء مهند # فوق الذراع ودون بوع البائع # وينسب الشاعر في هذا البيت السيف إلى ما يقتطع من السماء، في إشارة صريحة وواضحة إلى ~~النيازك الحديدية. وكذلك يقول البحتري: # وصاعقة في كفه ينكفي بها # على أرؤس الأبطال خمس سحائب # يكاد الندى منها يفيض على العدا # مع السيف في ثنيي قنا وقواضب # ويعتبر البحتري السيف صاعقة، فيجوز أن يكون أراد ~~بذلك الحديد الذي يصنع منه السيف، ويجوز أن يكون يشبه بذلك السيف بالصاعقة. # ويدلل المؤرخون العرب على ارتباط النيازك الحديدية، بتشكيل السيوف على وجه الخصوص؛ إذ ~~يذكر النويري في سياق وصفه للصواعق (النيازك): # 14 ~~«وربما عرض لها (الصاعقة) عند انطفائها في الأرض برد ويبس، فتكون منها ~~أجرام حجرية أو حديدية أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفا لا يقوم لها شيء.» وكذلك ~~ينطوي وصف الجاحظ للصواعق على أهمية النيازك الحديدية في تشكيل السيوف؛ إذ يذكر في ~~السياق نفسه شيوع ارتباط النيازك الحديدية بتشكيل السيوف: «زعم كثير من الناس أن بعض ~~السيوف من خبث نيران الصواعق، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء.» وتؤكد ~~الممارسات الفعلية للناس تجاه حوادث سقوط النيازك على ذلك؛ إذ يظهر جليا مدى الاحتشاد ~~والتجهيزات التي تتم على إثر سماع خبر سقوط نيزك من النيازك، وذلك لتحديد شيء مهم، هو ~~إمكانية الحصول منها على الحديد. وقد يجد المرء، إيضاحا لهذه الحقيقة، فيما رواه ~~ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور»، ضمن ما روى من أحداث وظواهر وقعت ~~في عام 1511م: # 15 ~~«ومن الوقائع أن الأمير أركماس الذي كان نائب الشام، طلع إلى السلطان ~~بقطعة فولاذ ms141 هيئة الكرة، وزعم أنها صاعقة نزلت ببعض الجبال، وأن أعرابيا أهداها ~~إليه، ففرح السلطان بذلك، وجمع السباكين فقالوا إنها صاعقة لا محالة، فنظر إليها بعض ~~الزردكاشية فأنكر ذلك، وقال: هذه حجر مرقشيتة، وهو حجر صلب، فلما سمع السلطان ذلك شق ~~عليه ونزل إلى الميدان، وجمع السباكين وحضر الأمير أركماس، ووضعوا ذلك الحجر الذي على ~~هيئة الفولاذ في النار، فمجرد ما وضعوه في النار صار مثل الحرنقش وتفتت، فخجل الأمير ~~أركماس من ذلك، وانتصف عليه ذلك الزردكاش، وهو الجمالي يوسف أخو مؤلفة، وعد ذلك من ~~النوادر.» فمن خلال هذه الرواية يتبين، أن الناس كانوا يهتمون اهتماما كبيرا بالنيازك ~~الحديدية؛ ومن ثم فقد كان في عرفهم أن النيازك (الصواعق) ما هي إلا سبائك من الحديد. ~~وتكشف رواية ابن إياس، في نفس السياق أيضا، والتي عرض فيها لحدث سقوط نيزك جوزجان سنة ~~396ه/1004م، مدى اهتمام حاكم خراسان في ذلك الوقت، على تشكيل سيف من قطعة من النيزك ~~الذي ظنه من النيازك الحديدية؛ إذ يذكر: «فسمع بذلك السلطان محمود بن سبكتكين صاحب ~~خراسان، وهو أول من تلقب بالسلطان، فكتب إلى عامل جورجان بنقل هذه القطعة الحديد، ~~فتعذر عليهم نقلها، فحاولوا كسر قطعة منها فلم تعمل فيها الآلات، فعولج كسر قطعة منها ~~بعد جهد كبير فحملت إليه، فرام أن يصنع منها سيفا له فتعذر ذلك ولم يتم له ما أراد.» ~~وهذا يدل على أهمية النيازك الحديدية في صناعة السيوف على وجه الخصوص. # وهناك الكثير من الأمثلة على استخدام حديد النيازك في تشكيل السكاكين والخناجر ~~والسيوف؛ فنيزك برجي التركي، الذي سقط في عام 1333م، شكل منه عدد من السيوف، لكنها غير ~~معروفة المصير في الوقت الراهن. وتشير بعض الروايات إلى أن الإمبراطور «نور الدين سليم ~~جهانكير»، أمر الصناع بتشكيل خنجر وسكين وسيف من نيزك «قندهار، بإقليم البنجاب ~~الهندي»، الذي سقط في عام 1621م، كما سبق الإشارة. ولا يزال الخنجر معروفا حتى الآن، ~~وهو من التحف الفنية الرائعة. # 16 # وفي القرن الثاني عشر، سقط نيزك حديدي بالقرب ms142 من قرطبة، إسبانيا. واستغل ~~النيزك الساقط في تشكيل عدد من السيوف. # خنجر الإمبراطور نور الدين سليم جهانكير، الذي شكل من حديد ~~نيزكي. # ومن السيوف ذات الأهمية التاريخية الكبيرة، سيف ضابط بريطاني شهير، يدعى «مايلز ستاندش» # Myles Standish ~~، ولد في عام 1584م بمدينة ~~«شورلي، لانكاشاير، بإنجلترا»، ومات في عام 1656م في مدينة «بلايموث، ماستشوس»، ~~بالولايات المتحدة. وكان بحوزته عدد من السيوف، قدم أحدها للعرض في صالة «بليجرم»، ~~بمدينة «بلايموث» Plymouth ~~، «ماستشوس»، في عام 1824م. ~~وتتضارب الروايات المسجلة عن الشخص الذي قدم هذا السيف لصالة المعرض، فيذكر بعضها: أن ~~أحد ورثته هو الذي أهداه، بينما تذكر الأخرى أن الذي أهداه هو «وليام ترومبول ~~وليامز» # William Trumbull ~~Williams ~~، من لبنان. وتثبت الكتابات الخاصة بقصة إهداء السيف للعرض بصالة ~~«بليجرم» أن السيدة «عزرا ستاندش» قدمت شهادة على أن السيف من مقتنيات جدها الأكبر ~~«ميلز ستاندش»، فتذكر: # 17 # أشهد أنا: «عزرا ستاندش» من مقاطعة «نيو لندن»، كونيكتيكت؛ بناء على ~~المعلومات الواضحة المتوفرة لدي واعتقادي الذاتي، أن السيف المقدم من قبل ~~«وليام ترومبول وليامز»، من لبنان - شفاهة - ل «رابطة بليجرم»، في بلايموث، ~~«ماستشوس»، كان ضمن مقتنيات عائلة «ستاندش»، وأحضره جدي الأكبر «صموئيل ستاندش» ~~من «داكسبورو»، كما كنت أخبر بذلك دائما. وأن هذا السيف هو سيف جدي «الكابتن ~~مايلز ستاندش»، الذي يعد من بين المستوطنين الأوائل الذين قطنوا «مستوطنة ~~بلايموث». ولا يوجد لدي أدنى شك في هذه الحقيقة. ونظرا لأن ذاكرتي منصبة على ~~العائلة، ولم أفكر قط في الابن الأكبر، فإن ابن عمي «لودويك ستاندش» # Lodowick Standish # باع السيف للمدعو ~~«وليامز». وعادة ما كان يطلق على هذا السيف: «السيف الأثري»، وكان يعتبر أثرا ~~قيما. والمقبض الحالي ليس هو نفسه المقبض الذي كان في السيف الأصلي؛ فالمقبض ~~الأصلي كان أكبر حجما، وكان يطلق عليه «مقبض السلة». ويوجد رسم للشمس والقمر ~~والنجوم على النصل، ويوجد - على ما أذكر أيضا - الرقم 1149 في دائرة. وتوجد ~~على النصل أيضا حروف ورموز أخرى لا أعرف كنهها تماما. # عزرا ستاندش ~~«بوزرا»، السابع والعشرون ms143 من سبتمبر/أيلول، 1824 # ويذيل «وليام ترومبول وليامز» رسالة (شهادة) «عزرا ستاندش»، قائلا: # عزرا ستاندش - آنفة الذكر - ظهرت شخصيا قبلي، وسجلت شهادتها على الحقائق ~~الآنفة الذكر. # صرحت به قبلي. # وليام تي. وليامز # وظل السيف معروضا فترة من الزمن في الصالة دون أن يكتب شيء عن تاريخه المعقد، سوى ~~أنه من مقتنيات «مايلز ستاندش». وتذكر نشرات الجمعية أن مواطنا يهوديا من القدس ~~يدعى «جيمس روزيدال» # James Rosedale # زار ~~الرابطة، # 18 # وفحص النقوش والرموز التي توجد على نصل السيف، وكتب ملاحظات على تاريخ هذا ~~السيف، فيها الكثير من الخلط التاريخي والمعلومات المشوهة، كالتالي: ~~[نقوش وتاريخ سيف «مايلز ستاندش».] # ينتمي هذا السيف، بدون شك، إلى الصناعة الفارسية القديمة، التي يطلق عليها في الشرق ~~«ضربان» # Dharban ~~، أي شهاب (؟)، وقد صنع هذا السيف ~~من مادة صاعقة حديدية. ولا يوجد أدنى شك في أن هذا السيف سقط في أيدي المسلمين، وقت ~~هزيمة المحارب الفارسي «كوزوري» # Kozoroi ~~(؟)، عندما ~~انتزع منه المسلمون القدس في عهد الخليفة عمر الأول (عمر بن الخطاب رضي الله عنه) في ~~عام 637م. # 19 # وتظهر النقوش والرموز الموجودة على النصل بجلاء حقيقة انتماء هذا السيف ~~للصناعة الفارسية القديمة. وبفحص نقوش الشمس والقمر الموجودة على النصل عن قرب، يتبين ~~أن وجوها مرسومة داخل صور الشمس والقمر. وبالفحص الدقيق للوجوه، يتبين أن الرسام لم ~~يقصد تمثيلها على أنها صور آدمية، بل على شكل وجوه أسود. ويخبرنا التاريخ أن قدماء ~~الفرس عبدوا الشمس والقمر والنجوم، كآلهة سماوية قوية، خاصة الشمس التي كانت عبادتها ~~شائعة، والأسد ممثلها الأرضي، الذي يصور بعرفه الأشعث، فتشخص صورته تلك إله الشمس ~~الذي يمثله. # ويشتق المعطف الفارسي الحالي، من أساطير ~~الأسلاف، الذين كانوا يصورون الشمس تشع على ظهر أسد يتوجها القمر، وتحيط بها دائرة ~~من النجوم. وكانت السيوف القديمة تصنع من النيازك الحديدية، التي كان يعتقد الناس ~~قديما، ولا يزال الشرقيون المحدثون كذلك، أنها مادة لها تأثيرات سحرية توفر الحظ ~~السعيد والحماية والرعاية لمقتنيها. ويقول المؤرخون العرب أن النبي (محمدا # صلى الله عليه وسلم ms144 ~~) ~~وأتباعه كانوا يتشحون بسيوف «الضربان»، التي عندما يلقى المحارب المؤمن عدو الدين، لا ~~يعمل المحارب شيئا سوى أن يواجه العدو، ويقوم السيف بعمله حيث يمزق العدو. وكانوا ~~يعتقدون (يقصد المسلمين بالطبع) أن تأثير الفلز يشد أزرهم ويقويهم، ويحول دون إجهاد ~~عضلاتهم، ويحفظهم من غزو أو غدر الأعداء. (لا يعرف يقينا من أين أتى الباحث بهذه ~~المعلومات عن المسلمين!) # وترى على النصل ثلاثة نقوش أخرى (واحد على الجانب الذي توجد عليه الشارات والنقوش ~~الفارسية، والآخران على الجانب الثاني)، أضيفت من قبل المحمديين (المسلمين)، بعد فترة ~~زمنية كبيرة من النقوش الفارسية. وتختلف هذه النقوش فيما بينها، كما هو واضح من طريقة ~~عمل اليد التي نقشتها، وكذلك شكل النقوش. وكتب النقش الأول من الاثنين بالخط الكوفي. ~~وتفسيره «يحكم الله عباده بالسلام، ويلقي الرعب في روع الأشرار.» ويوجد على الجانب ~~المقابل من النصل نقشان، كما سبق ذكره من قبل، جزء من واحد منهما يمكن تفسيره؛ يقول: ~~«كل في الله قد ...» ولا يفهم شيء محدد من السطر الأخير، الذي يبدو كما لو كان يشبه ~~الكتابة العددية الرومانية، لكنه ربما كان ذا دلالة لصاحبه الذي خطه بيده، لا لأي ~~أحد آخر غيره. وينطبق نفس الشيء على السطر الثاني الذي يوجد في جانب الكتابة الكوفية. ~~لا يستطيع أحد أن يفكه؛ إذ إنه يمثل مفتاح سحر السيف، ولو فسره أحد آخر إلى جانب صاحبه ~~الأصلي، فإنه يصير في الحال بلا قيمة، كما لو كان قصبة. وقبل أن نختم ملاحظاتنا هذه، ~~دعنا نتأمل أن هناك نقشين منفصلين - كما سبق ذكره - وأيضا نجد هنا نقشا ~~غائرا يصور مرة أخرى دوائر تمثل النار، وحفرة مخروطية تمثل الفلز النيزكي الذي صنع ~~منه هذا النصل. # وبعد ما قدم من معلومات عن السيف، يضيف ملاحظة ختامية يقول فيها: # لا غرابة في أن يخفق الدارسون الأوروبيون والأمريكيون في حل طلاسم هذه النقوش ~~والرموز؛ إذ إن الدارس العربي المتوسط التعليم، والذي يعرف بدون شك لغة بلده ~~الدارجة أكثر من أي أجنبي، لا يمكنه قراءة الكتابة اليدوية ms145 بسهولة وبدون قضاء ~~وقت طويل ومجهود مضن؛ فاللغة العربية (الكتابة العربية) مختلفة في ذاتها، على ~~خلاف أي لغة أخرى في العالم. ولا يقوى أي واحد على قراءة الكتابة اليدوية لشخص ~~آخر، وسوف يعرف كم كان صعبا إن لم يكن مستحيلا على أستاذ أو دارس أن يجيد ~~لغة يحتاج إتقانها إلى عمر كامل. وبعد أن حاولت خدمة مالكي هذا الأثر القيم من ~~الماضي، بتقديم قراءة دقيقة وأمينة لهذه الرموز، سأظل، مع خالص احترامي، خادمهم ~~المطيع. # جيمس روزيدال # من القدس المقدسة # 20 # هذه ترجمة لما ورد مدونا في هامش الكتاب، عن قصة سيف «ستاندش». ولا يقدم السيد ~~«جيمس روزيدال»، الذي دون الملاحظات عن السيف المذكور، تحليلات كيميائية للحديد الذي ~~صنع منه السيف، تثبت أنه من فلز الحديد السماوي، كما هو معروف في الدراسات العلمية. ~~ويعتمد السيد «جيمس روزيدال» على سياق عام: هو أن السيوف القديمة غالبا ما كانت تصنع ~~من حديد النيازك. ويتضح أنه يسوق الأساطير، التي يعجب بها العامة من الناس، بغية تحقيق ~~رواج سياحي للمعرض . كما أنه في تفسيراته خلط تاريخي؛ إذ إن المسلمين حرروا القدس من ~~البيزنطيين، وليس من الفرس؛ حيث استعاد البيزنطيون المدينة من الفرس في عام 629م، وسوف ~~يرى القارئ كثيرا من الخلط والارتباك في كلامه. # ويعد هذا السيف من أهم معروضات الصالة المذكورة. ومما يذكر بهذا الخصوص أن سيدة زارت ~~الصالة، فقالت لابنها تحثه على الاهتمام بهذا السيف: «الجنرال جرانت» # General Grant ~~(أوليسيس إس. جرانت، الرئيس ~~الثامن عشر للولايات المتحدة [1869-1877م]، والذي عرف أنه وحد الجيوش الأمريكية)، زار ~~هذه الصالة في عام 1880م، وشعر بسعادة غامرة عندما تقلد السيف، الذي ربما لم يعجب بشيء ~~أكثر منه في المعرض. وتشدد السيدة على أهمية تاريخ السيف، الذي تذكر أنه ربما يعود ~~لثلاثمائة أو مائتي عام قبل الميلاد. وتذكر أنه سيف دمشقي، عرف تاريخه المعقد عالم ~~اللغات البروفيسور «جيمس روزيدال» من القدس، الذي استطاع منذ خمس سنوات فقط أن يفسر ~~الرموز والشارات والكتابات التي توجد على النصل. # 21 # وبالفعل ms146 استفاد العاملون بالصالة من الأساطير التي رواها «جيمس روزيدال»، ~~في ترويج مبيعات صالة العرض؛ حيث قام المعرض بعمل نسخ من السيف للبيع، مع البيانات ~~التالية: # 22 # سيف مايلز ستاندش # تكلم بفخر قلبه، مايلز ستاندش، قائد بلايموث. # هذا السيف الدمشقي، الذي قاتلت به في فلاندرس. # نجفيلو # يعد نصل كابتن بليجرم المهيب أحد أهم وأقيم الآثار التي توجد في صالة بليجرم. ~~واستلمه مايلز ستاندش من الصليبيين، وهو ذو تاريخ مهم، حتى في أيام مايلز. ونسخ ~~سيوفنا المقلدة تطابق بحذق السيف الأصلي، وتظهر حتى النقوش العربية العجيبة ~~التي توجد على نصل السيف الأصلي. وأسعار هذه النسخ بالبريد: # قواطع ورقية، مقابض وأنصال: 1 دولار. # قواطع ورقية، مقابض، أنصال فولاذية: 0,75. # وشاح دبوس: 1. # وشاح دبوس صدئ: 0,50. # Sword of Myles Standish # Spoke, in the pride of his heart, ~~Myles Standish, the Captain of Plymouth. # This is the sword of Damascus I ~~fought with in Flanders. # Longfellow # The famous Damascus blade of the redoubtable Pilgrim ~~Captain is one of the most valuable relics to be seen in Pilgrim Hall. ~~It was handed down to Myles Standish from the Crusaders, and possessed ~~an interesting history even in his day. Our swords are perfectly copied ~~from the original, even in the engraving of the curious Arabic ~~inscription on the blade. Prices by mail: Paper Cutters, sterling handles and blades: ~~$1. Paper Cutters, sterling handles, steel blades: ~~0.75. # Scarf Pins, sterling: 1. # Scarf Pins, oxidized: 0.50. # ومن القصص الكاشفة عن أهمية سيوف النيازك، حتى في العصر الحديث، قصة إهداء تاجر ~~المعادن والرسام البريطاني «جيمس سويربي» (1757-1822م) لسيف شكله من قطعة من نيزك رأس ~~الرجاء الصالح، # 23 # للقيصر الروسي ألكسندر الأول (الملقب في روسيا في ذلك الوقت ب «ألكسندر ~~المبارك» 1777-1825م)، أثناء زيارته لبريطانيا في عام 1814م. فبعد أن أجرى «سميثون ~~تينانت» تحليله على قطعة من الحديد الفلزي الذي عثر عليه في جنوب أفريقيا، وظهر من ~~التحليل أن الحديد يحتوي على 10٪ نيكل، ms147 اعتبر «جيمس سويربي» أن نتيجة التحليل الكيميائي ~~تجعل هذا النوع من الحديد مادة مثالية لتشكيل مشغولات نادرة، تكون أعجوبة في العالم. ~~وبالفعل اقتطع جزءا من الكتلة التي بحوزته، والتي كانت أبعادها 2,75 بوصة طولا، 2 ~~بوصة عرضا، 0,75 بوصة سمكا، وسخنها على لهب أحمر، وطرقها ليشكل منها نصل سيف، طوله ~~2 قدم، وعرضه 1,5 بوصة، لحمه في مقبض من الصلب وأعده في صورته النهائية ليكون جاهزا. ~~وقدمه في عام 1814م للإمبراطور الروسي ألكسندر الأول، كهدية تذكارية بمناسبة زيارته ~~للبلاد، مع خطاب رقيق ذكر فيه للإمبراطور موضع العثور على الحديد الذي شكل منه السيف، ~~ونتائج التحليل الكيميائي، الذي يؤكد أن المادة التي شكل منها نصل السيف مادة فريدة من ~~نوعها، ورجاه في أدب جم أن يقبل منه هذه الهدية: # لو تأذن جلالتكم # شكل نصل هذا السيف من قطعة من الحديد النيزكي، عثر عليها الكابتن «بارو» على ~~بعد حوالي 200 ميل من رأس الرجاء الصالح. وفحص هذه القطعة الحديدية مواطني ~~المحترم «سميثون تينانت»، وأثبت أصلها النيزكي؛ حيث كشف عن وجود 10٪ نيكل بها. ~~ويعتبر هذا السيف الوحيد الذي صنع من هذا الفلز الرائع النادر. إن تفضل جلالتكم ~~بقبوله كرما وشرفا، غاية ما يتمناه خادم جلالتكم المخلص المطيع. # جيمس سويربي، 3 يوليو 1814 # ويسجل «سويربي» عمله في إعداد نصل السيف، فيذكر أن النصل شكل بالطرق أثناء التسخين ~~على لهب أحمر، لقطعة الحديد النيزكي فقط ودون أي إضافات أخرى. وتم لي حديد النصل ~~بالطرق على البارد. وتم تطويل المقبض بلحامه بقطعة من الفولاذ. واستغرق العمل حوالي ~~10 ساعات فقط، وكان عملا سهلا ميسورا؛ نظرا لطبيعة الفلز السماوي الطيع. واستغرق ~~الصقل والحفر يومين تاليين. ولا يعرف أن سيفا شكل من مادة خام كهذه، استغرق مثل ~~تلك المدة القصيرة من الوقت، كالتي استغرقها تشكيل هذا السيف. # 24 # وربما ينطوي اهتمام الناس قديما بصناعة السيوف من النيازك؛ على معتقداتهم بأن ~~النيازك من المواد المقدسة التي تدعم المحاربين في حروبهم. أو تمثلا لحالات سقوطها، ~~حيث تنقض بقوة على الأرض. ms148 ومن الطريف أن يشكل الإنسان الأول أسلحته الحجرية (الأدوات ~~الصوانية) على هيئة أشكال مخروطية، تشبه أشكال النيازك. حتى إن بعض الناس كانوا ~~يطلقون على الفئوس الصوانية، المتخلفة عن حضارات العصور الحجرية، فئوس الصاعقة في إشارة ~~إلى النيازك، وذلك خلال العصور الوسطى. ~~(4) مصدر الزبرجد # تحتوي نيازك البالاسيت، وهي نوع من أنواع النيازك الحديدية-الحجرية، على حبيبات ~~وبلورات كبيرة نسبيا من معدن الأوليفين، الخضراء الفاتحة والخضراء الداكنة ~~(الزيتونية)، والتي ترقى في جودتها إلى الزبرجد الأرضي. وتلتقط تلك الحبيبات والبلورات ~~من بين سبيكة الحديد-نيكل التي تحتويها في تلك النيازك، وتشكل منها فصوص تفوق قيمتها ~~العلمية والمادية الفصوص التي تشكل من معدن الزبرجد المستخرج من مصادر أرضية. # 25 # ويلمس «جورج فردريك كونز» (1856-1932م)، في كتابه «شكسبير والأحجار ~~الكريمة»، # 26 # مصادر الأحجار الكريمة التي وردت في أدب وليم شكسبير (1564-1616م). ويؤكد ~~على أن شكسبير لم يذكر في أعماله الكثيرة الزبرجد (الكريسوليت)، إلا مرة واحدة فقط. وقد ~~ورد ذكر الزبرجد بالمشهد الثاني في الفصل الخامس، من مسرحية عطيل التراجيدية. وفيها ~~يذكر «عطيل»، وقد لعبت برأسه مؤامرة «ياجو»، وظن بديدمونة الظنون، فأقدم على خنقها، مع ~~فرط حبه لها، يقول: لو أن السماء أبدلتني بها عالما آخر كاملا جمع على هيئة زبرجدة ~~واحدة متناسقة، ما رضيت. # فص زبرجد (على اليمين) مشكل من حبيبات الأوليفين (على اليسار) التي ~~توجد في نيازك البالاسيت. # ويناقش «كونز» مقتنيات الزبرجد الموجودة في بريطانيا في ذلك الوقت، والتي كانت نادرة ~~جدا، وتتمثل في مجموعة فصوص قيمة، توجد في حجرة الملوك الثلاثة بكاتدرائية ~~«كولونيا»، كان يظن أنها من الزمرد وليس الزبرجد. ويزيد حجم أكبر فصوص هذه المجموعة ~~قليلا عن بوصة واحدة. ولا يعرف من أين أتت هذه المجوهرات الزبرجدية؟ لكن يرجح أنها ~~من مقتنيات ملوك شرقيين، نهبت أثناء الحروب الصليبية، ونقلت إلى بريطانيا. ولا يعرف ~~من أي البقاع كان يستخرج الزبرجد في ذلك الوقت، سوى موضع واحد، هو جزيرة الزبرجد ~~المصرية، التي تقع في البحر الأحمر، على بعد حوالي 40كم من شاطئ منطقة رأس بناس. ويرى ms149 ~~«كونز» أن المصدر المرجح للزبرجد في ذلك الوقت هو الأحجار السماوية، خاصة الأنواع ~~الحديدية-الحجرية منها، التي تحتوي على حبيبات كبيرة نسبيا من حبيبات الزبرجد الصافي، ~~الذي يمكن تشكيله كحجر كريم عالي القيمة. وهو ما حصل عليه بنفسه من نيزك حديدي، عثر ~~عليه في منطقة جبل «جلوريتا، نيومكسيكو» الأمريكية. ويتوافق القول بأن النيازك الحديدية ~~الحجرية مصدر للزبرجد، مع ما ذكره القزويني في كتابه «عجائب المخلوقات وغرائب ~~الموجودات»، عن نيزك «جوزجانان»، حيث ذكر أن جواهر عديدة استخرجت من هذا النيزك، بعد ~~سقوطه في عام 396ه/1005م، على الأراضي التي تقع ضمن نطاق أفغانستان الآن. ~~(5) الألماس # تقول الأسطورة الشعبية عن أصل الألماس الموجود في منطقة مناجم كمبرلي الشهيرة بجنوب ~~أفريقيا: # 27 ~~«بعدما مرت أيام وليال طويلة على الناس وهم في حزن وكدر، هبطت من السماء ~~الروح المعنية بتحقيق آمال الناس ورغباتهم على الأرض، وهي تحمل سلة ضخمة مليئة ~~بالألماس. وأخذت الروح تغرف بيدها الألماس الموجود في السلة، وتنثره على البقاع التي ~~تطير فوقها، بدءا من وادي الفال، حيث مرت فوق ديلبورت هوب وبيركلي ويست وكليبدم. ~~وبينما كانت تلقي بحفنة وراء حفنة من الألماس على البقاع التي تمر فوقها برتابة ~~وانتظام؛ إذ تتعثر قدماها، وهي تحلق فوق منطقة كمبرلي، بأغصان أشجار الكاميلورن ~~العالية، فانسكب كل الألماس الموجود في السلة فوق المنطقة، وبذلك أصبحت منطقة كمبرلي ~~أغنى الأماكن بالألماس.» هكذا تعكس الأسطورة الشعبية رأي الناس في مصدر الألماس الموجود ~~على الأرض. ولم يخذل البحث العلمي الأسطورة، فعكس بعض الباحثين فحواها في شكل مقالات ~~وأبحاث علمية، ترى أن الألماس سماوي الأصل. # ويبقى السؤال: هل الألماس المعروف لنا من مصادر سماوية؟ قد يكون غريبا هذا السؤال، ~~بعدما عرف الناس أن الألماس يوجد في صخور تأتي من أعماق كبيرة داخل باطن الأرض، لكن ~~السؤال لن يكون غريبا عندما نعرف أن الألماس لم يتكون مع تكون هذه الصخور، بل ~~تشكل قبل تكونها بملايين السنين؛ ومن ثم فإن هذه الصخور ما هي إلا وسيط ناقل ~~للألماس الكامن في باطن الأرض. فما ms150 هو مصدر هذا الألماس إذن؟! هناك تفسيران؛ الأول: هو ~~أن الألماس كان موجودا في الأصل ضمن المواد الأولية التي تشكلت منها الأرض أثناء ~~مراحل تكونها الأولى، أي أنه سماوي الأصل؛ والثاني: هو أن الألماس يتكون في باطن ~~الأرض من التئام ذرات عنصر الكربون مع بعضها البعض، تحت تأثير الضغوط العالية في باطن ~~الأرض. ولا يمكن بأي حال من الأحوال ترجيح رأي على الآخر فكلاهما له أسانيده العلمية. ~~ويهمنا هنا الرأي الذي يقول بسماوية الألماس، والذي يعتمد على وجود حبيبات دقيقة من ~~الألماس في النيازك بجميع أنواعها تقريبا؛ # 28 # إذ عندما تتحلل أجسام هذه النيازك بالعوامل الأرضية، تتحرر حبيبات ~~الألماس وتختلط بالرواسب الأرضية، وتنضوي ضمن المكونات الأرضية. كما أن الدراسات ~~الفلكية أثبتت # 29 # أن الألماس يتكون في النجوم العملاقة، ثم يقذف في الفضاء، ليدخل بعد ذلك ~~في مكونات السحب الغازية التي تتكون منها الأجرام السماوية، والتي من بينها كانت ~~الأرض، فهذا يفسر الأصل السماوي للألماس الموجود في باطن الأرض أيضا، والذي يخرج ضمن ~~مكونات الصخور الناقلة له. وهناك أيضا من يرى أن الألماس لا يوجد فقط في صورة حبيبات ~~صغيرة ضمن مكونات النيازك، بل يوجد على هيئة أجرام سماوية كبيرة! # فهل توجد نيازك ألماسية كما توجد نيازك حديدية؟! يسأل الأكاديمي الروسي «ل. ~~نيكولاييف» في كتابه الشيق «كيمياء الفضاء» هذا السؤال، وينفي إمكانية حدوث ذلك في ~~الطبيعة، ويعرج أثناء الإجابة على هذا السؤال، على رواية «النيزك الذهبي» للروائي ~~الفرنسي الشهير «جول جابرييل فيرن» (1825-1905م)؛ إذ يقول: # 30 ~~«هل من الممكن أن تسقط من الفضاء على سطح الأرض أجسام ألماسية ضخمة ~~كالجبال، تلمع وتتلألأ ببريقها الجذاب؟ من بين أعمال الروائي الفرنسي الشهير «جول فيرن» ~~رواية «النيزك الذهبي» التي يذكر فيها مخترع استطاع أن يتوصل لوسيلة ما، يتحكم من ~~خلالها في حركة النيازك العملاقة، وهي في مداراتها خارج الأرض. ويستطيع هذا المخترع ~~التحكم في مسار نيزك ذهبي عملاق ويوجهه نحو الأرض، ولكن قبل إنزاله بدقيقة واحدة ~~بسلام على سطح الأرض، يتذكر الصراع الذي سوف ms151 ينشأ بين الشعوب على امتلاك هذا النيزك ~~الذهبي العملاق، ويدرك أن هذا النيزك الذهبي سوف يكون سببا في شقاء الناس وتعاستهم؛ ~~ومن ثم يحرف مساره نحو المحيط.» ثم يكمل: «في الحقيقة لا توجد نيازك ذهبية ولا يتوقع ~~وجودها، وكذلك لا توجد جبال نيزكية من الألماس، ولا يتوقع كذلك وجودها في ~~الطبيعة.» # لكن - على عكس ما يرى الأكاديمي «ل. نيكولاييف» - يرى البعض أن النيازك الألماسية ~~الضخمة موجودة في الفضاء، وأنها ربما تسقط على هيئة نيازك ألماسية براقة على سطح ~~الأرض. فصخر «هيباتيا» قد يكون قطعة من بقايا نيزك ألماسي عملاق، سقط على الأرض في ~~الماضي البعيد وشكل ارتطامه بسطح الأرض ما يعرف بالزجاج الليبي. # 31 # وللصدمات النيزكية إسهام كبير في تكون الألماس؛ إذ لو تصادف ووجد عنصر الكربون ~~(من الطبيعي أن تحتوي الصخور على الكربون في أي صورة كانت، سواء كان على هيئة فحم أو ~~جرافيت أو ضمن المعادن والصخور الكربوناتية) ضمن الصخور التي تتعرض للصدمات النيزكية، ~~فإن الحرارة العالية والضغط العالي المتولدين عن الصدمة، يقودان إلى تحول الكربون ~~إلى ألماس. ومن أشهر المواقع التي يوجد فيها ألماس الصدمات النيزكية موقع «حوض ~~بوبيجاي»، بشرق سيبريا، روسيا، وموقع «حوض ريس» ألمانيا، ومنطقة «كارا»، بالأورال ~~القطبي. # 32 # ويوجد الألماس في هذه المواضع ضمن الصخور الزجاجية الناشئة عن الصدمات ~~النيزكية، أو صخور البريشيا الناشئة عن التئام وتجمع شظايا وكسرات الصخور التي تهشمت من ~~الصدمة. ويتحرر الألماس من هذه الصخور بعوامل التجوية؛ ومن ثم يوجد ضمن الصخور ~~المفككة على سطح الأرض، كما هو الحال في العينة التي عثر عليها في منطقة زجاج السيلكا ~~مؤخرا. وتتوقف كمية الألماس التي تتكون عن الصدمات النيزكية على كمية الكربون ~~الموجودة ضمن الصخور التي تتعرض للصدمات، وعلى الحرارة والضغط الذي يتولد عن الصدمة، ~~وهو ما يحدده حجم النيزك وسرعته، وطبيعة الصخور في موقع الصدمة ذاتها. ولا يشترط أن ~~يوجد الألماس في كل مواقع الصدمات النيزكية. وعادة ما يكون الألماس الذي يتكون عن ~~هذه العملية، دقيق الحجم، وملونا (غالبا أسود اللون) ms152 ومن ثم يصعب الحصول من الرواسب ~~التي تتكون عن طريق الصدمات النيزكية، على بلورات كبيرة الحجم من الألماس، تصلح في ~~صناعة الأحجار الكريمة، لكن الألماس المنتج من هذه المواقع يستغل في عدد كبير من ~~الأغراض الصناعية، منها أدوات الحفر العميقة في القشرة الأرضية. ويرى بعض الباحثين أن ~~الصدمات النيزكية لا تسهم في تكون ألماس الصدمة فحسب، بل تمتد لتسهم في تكون رواسب ~~ألماس الكمبرليت واللامبرويت المعروفة، ولكن بطريقة غير مباشرة. فمن وجهة النظر هذه، ~~تسهم الطاقة الهائلة المتولدة عن الصدمات النيزكية الضخمة على الأرض في إحداث الشروخ ~~العميقة التي تمتد من سطح الأرض لأعماق كبيرة داخلها، مما يسهم في فتح الطريق لاندفاع ~~ماجما الكمبرليت واللامبرويت، بسرعات كبيرة من الأعماق البعيدة حتى سطح الأرض، حاملة ~~معها الألماس دون أن يتغير. كما يرى بعض الباحثين أن الصدمات النيزكية وراء كثير من ~~العمليات الجيولوجية الداخلية بما تولد من طاقة كبيرة، تسهم في نشاط ما يعرف ب «البقع ~~الساخنة» داخل الأرض، والتي تسهم بدورها في العديد من العمليات الجيولوجية، بما في ذلك ~~عمليات انشطار القارات # 33 # وانجرافها. وهي العملية التي تحدث ببطء شديد خلال الزمن الجيولوجي. ~~(6) زجاج الصدمات النيزكية # تعتبر المواد الزجاجية، التي تكونها الصدمات النيزكية بالأرض، واحدة من أهم كنوز ~~الصدمات النيزكية. وتنتشر المواد الزجاجية التي تكونها الصدمات النيزكية، في عدد كبير ~~من المواقع على مستوى العالم. واستغل الإنسان زجاج الصدمات النيزكية عبر العصور، بداية ~~من العصور الحجرية حتى الوقت الراهن، في مختلف الأغراض، كأحجار كريمة. ~~(7) التكتيت # يطلق على المواد الزجاجية التي تنشأ من جراء تأثيرات الصدمات النيزكية على صخور ~~القشرة الأرضية في المواضع التي تشهد حوادث الارتطام؛ مسميات مختلفة. ومن بين المسميات ~~التي تطلق على بعضها تسمية «تكتيت». وتعني تسمية تكتيت # tektites # منصهرا، وهي كلمة مشتقة من الكلمة اللاتيتية «تكتوس»، في ~~إشارة إلى أنها مواد زجاجية نشأت من انصهار مكونات معدنية أرضية، تحت تأثيرات ~~الحرارة المتولدة من عمليات أرضية مختلفة. وأطلقت تسمية «تكتيت» أول الأمر، في عام ~~1900م، من قبل الجيولوجي الأسترالي ms153 «إف. إي. سويس»، في أعقاب دراسته عينات من المواد ~~الزجاجية الطبيعية، التي تتوزع في بعض المناطق المتباعدة، مثل التشيك، وجاوا، ~~وأستراليا. # 34 # وإن كان «سويس»، أول من درس هذه المواد الزجاجية بصورة تفصيلية، إلا أنه لم ~~يكن أول من اكتشف وجود هذه الأجسام الزجاجية الغريبة؛ إذ يبدو أن عددا من الباحثين ~~لاحظ أو وصف هذه الأجسام الزجاجية، قبل ذلك بكثير. # ومن الثابت أن عالم الطبيعيات التشيكي «جوزيف ماير» - الذي أسس في عام 1787م وأخاه ~~الطبيب «جان ماير» جمعية العلوم التشيكية، التي تحولت الآن لأكاديمية العلوم ~~التشيكية - أشار في عام 1786م إلى وجود معدن الزبرجد في موقع من مواقع وجود زجاج ~~المولدفيت، بجمهورية التشيك الحالية. # 35 # وكانت إشارته تلك أول إشارة علمية لموضع من مواضع المولدفيت، التي تشبه ~~الزبرجد في خصائصها الخارجية، خاصة اللون والشفافية. واعتبرها صخور بركانية، وكذلك ~~«لينداكر» في عام 1792م، لكن ربما يكون الباحث الشهير «تشارلز داروين» في عام 1844م؛ ~~أول من لفت انتباه الأوساط العلمية لظاهرة انتشار الأجسام الزجاجية الطبيعية؛ إذ إنه ~~وصف أثناء رحلته الشهيرة حول العالم على ظهر السفينة «بيجل» الأجسام الزجاجية، التي ~~توجد على ساحل «تاسمانيا»، بالقرب من «موينت داروين». وهي الأجسام الزجاجية التي يطلق ~~عليها «تسامانيت» أو «زجاج داروين»، حيث اعتبرها بمثابة مقذوفات بركانية أو زجاج ~~بركاني «أوبسيديان». # 36 # والتكتيت عبارة عن أجسام زجاجية، ذات أشكال مختلفة، بيضاوية، أو كروية، وأحجام صغيرة ~~نسبيا تقدر ببضعة سنتمترات. وتتباين ألوانها من الأخضر والبني والأسود. وتتوزع في ~~أماكن معينة من الكرة الأرضية؛ حيث توجد على هيئة تجمعات متناثرة على سطح الأرض، ولا ~~توجد علاقة واضحة بينها وبين الصخور أو التكاوين الجيولوجية التي توجد عليها. وهي من ~~هذه الوجهة تحديدا تشبه الأحجار السماوية المتساقطة على الأرض، وهو ما دعا بعض ~~الباحثين الأوائل إلى اعتبارها نوعا من النيازك الزجاجية، التي سقطت على الأرض من ~~أزمنة بعيدة. # ويوجد عدد من المواقع الكبيرة والمشهورة لتجمعات التكتيت على مستوى العالم، من ~~أهمها: تكتيت نهر «مولدفيا» بإقليم «بوهيما»، بجمهورية التشيك، المعروفة باسم ms154 ~~«مولدفيت»، وتكتيت ساحل العاج وتكتيت أستراليا، المعروفة باسم «استراليت»، وهي أكبر حقل ~~معروف للتكتيت على مستوى العالم، وتكتيت منطقة الهند الصينية، المعروفة باسم ~~«إندو-تشينايت»، وتكتيت جزر الفلبين المعروفة باسم «فليبينيت»، وموقع تكتيت شمال ~~أمريكا، بالقرب من «بيدياس»، تكساس، الذي يطلق عليها «بيدياسيت». وفي جميع هذه الحالات، ~~يصاحب تجمعات التكتيت الكبيرة الحجم، تكتيت مجهرية، في مياه المحيطات المجاورة، ~~باستثناء «المولدفيت»، التي لم يثبت حتى الآن وجود تكتيت مجهرية بحرية مصاحبة لها. ~~وتشبه التكتيت صخور الأوبسيديان البركانية الأرضية، إلا أنها تختلف عنها من حيث النشأة؛ ~~حيث لا توجد أي علاقة بين التكتيت والبراكين الأرضية. # وتتكون التكتيت كيميائيا من السيلكا (ثاني أكسيد السيلكون)، التي تشكل 60-80٪ من ~~جملة المكونات الكيميائية للتكتايت، مع الألومنيا، بنسبة تقارب 10٪، بالإضافة إلى نسب ~~بسيطة من أكاسيد الكالسيوم، والماغنسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم. ومن هذه الوجهة فإن ~~التكتيت لا تشبه النيازك أو أي من الصخور البركانية الأرضية، لكن هذا المحتوى الكيميائي ~~يتشابه مع بعض الصخور الأرضية، كالحجر الرملي، واللويس (صخور رسوبية مفككة). # وقد اختلف الباحثون حول أصل التكتايت؛ فمنهم من رأى أنها نشأت من عمليات البركنة ~~«أصل بركاني»؛ وذلك نظرا للتشابه الكبير بينها وبين الصخور البركانية، مثل صخور ~~«الأوبسيديان»، على وجه الخصوص. ولما اعترض البعض على هذا الرأي، رأى آخرون أنها من أصل ~~بركاني، ولكن ليست من براكين أرضية، وإنما من البراكين القمرية، وهكذا نظر إليها على ~~أنها «نيازك قمرية»، لكن الأصل البركاني الأرضي، والبركاني القمري للتكتيت، واجها ~~اعتراضات منطقية؛ فهي لا تتشابه من حيث المحتوى الكيميائي مع الصخور البركانية ~~الأرضية، كما أن غالبية توزيعات التكتيت المعروفة، لا توجد بجوار مواقع بركنة أرضية، ~~يمكن الربط بينهما. أما الأصل القمري للتكتيت (أو الخارجي بصفة عامة)، فإنه يواجه ~~مشاكل منطقية كثيرة، لعل أبسطها وأهمها هي أنها لم تشاهد وهي ساقطة مثل النيازك، وعدم ~~انتشار الصخور الغنية بالسيلكا في قشرة القمر، التي يمكن أن تشتق منها هذه المادة التي ~~تتكون أساسا من السيلكا، وعلى العكس من ذلك فإن الصخور السائدة في القمر صخور ~~قاعدية. ms155 ناهيك عن الجدل الذي ثار بين الباحثين فترة طويلة من الزمن، عن صواب الرأي ~~القائل بوجود براكين نشطة حديثة على سطح القمر أو المصادر الخارجية الأخرى. ومن الآراء ~~الأخرى رأي يزعم أن التكتيت، هي المواد التي تنصهر على أسطح النيازك أثناء مرورها في ~~جو الأرض، ثم تتجمع وتتصلب على هيئة مواد زجاجية. ويلقى نفس الانتقادات التي وجهت ~~إلى الرأي القائل بأنها من خارج الأرض. # والرأي الذي يلقى القبول هو الذي أعلنه «ل. ج. سبنسر»، في ثلاثينيات القرن ~~العشرين، # 37 ~~، # 38 # ويرى من خلاله أن التكتيت مواد زجاجية، تكونت من انصهار الصخور الأرضية، ~~بالحرارة الشديدة التي تنشأ عن ارتطام النيازك العملاقة بالأرض، ثم تصلدها على هذه ~~الهيئة. وما يراه الباحثون مناسبا الآن هو أن التكتيت تمثل أبخرة الصخور التي تتطاير ~~في الجو من تأثير ارتطام النيازك الضخمة بالأرض؛ فالحرارة العالية التي تولدها الصدمات ~~النيزكية بالأرض تكون كافية لأن تصهر الصخور في نقطة الارتطام وتبخرها، لتندفع في الجو ~~حيث تتكاثف وتتصلب، ثم تسقط ثانية على سطح الأرض في مكان قريب أو بعيد (مئات ~~الكيلومترات) عن موقع الصدمة النيزكية التي كونتها أصلا. وعلى سبيل المثال، يرى البعض ~~أن تكتيت «المولدفيت» الشهيرة، التي يبلغ عمر تكونها حوالي 14,8 مليون سنة، تكونت في ~~الأراضي الألمانية، من الصدمة النيزكية التي أحدثت فوهة ال «ربس»، التي يبلغ قطرها ~~حوالي 24كم، وانتقلت في الجو حتى موقع تساقطها، وهو الموقع الحالي الذي توجد به. ويرى ~~البعض أن تكتيت «الاستراليت» التي تنتشر في عدد من المواقع، نتجت من صدمة نيزكية حدثت ~~منذ قرابة 700 ألف عام، من صدمة مذنب ضخم وقعت في مكان ما بالقرب من جنوب أستراليا. ~~ونظرا لعدم وجود حفرة أو فوهة نيزكية ظاهرة، يتوقع البعض أن الفوهة ربما تكون موجودة ~~أسفل المياه، في المنطقة الواقعة الآن بين أستراليا والقارة القطبية الجنوبية. ويرى بعض ~~الباحثين أن التكتيت المعروف باسم تكتيت بحر الأورال كانت مصاحبة للحدث الذي نشأت عنه ~~صدمة فوهة «زاماتشبن»، التي يبلغ قطرها 10-15كم، والتكتيت المعروف باسم ms156 تكتيت «غانا» ~~(عمرها 1,3 مليون سنة)، كان تكونه مرتبطا بالحدث النيزكي الذي أحدث فوهة «بوسمتاوي» ~~النيزكية، التي يبلغ قطرها 10كم، بينما لا يصاحب زجاج «تكساس» حدثا نيزكيا أحدث فوهة ~~معروفة أو مكتشفة حتى الآن. # ونظرا لأن التكتيت مواد زجاجية شفافة إلى نصف شفافة (خاصة في الشرائح الدقيقة السمك) ~~ذات ألوان مختلفة، فإنها تستخدم كأحجار كريمة؛ إذ تنشر بآلات القطع الدقيقة، وتشكل ~~على هيئة فصوص صغيرة، تصقل فتظهر عناصر جمالية مميزة، تجعلها تستغل في أغراض الزينة. ~~واستغلت مادة «المولدفيت» في هذه الأغراض، على مدى طويل من الزمن، وحتى الوقت الحاضر. ~~كما يبدو أن كثيرا من المواد الزجاجية الموجودة ضمن المقتنيات الأثرية؛ يبدو أنها من ~~التكتيت، وإن كان يشار لها على أنها زجاج بركاني في التعريفات المبدئية للمواد ~~الأثرية. ~~(8) زجاج السيلكا # من بين أهم أنواع المواد الزجاجية التي ارتبط تكونها بالصدمات النيزكية؛ زجاج ~~السيلكا المصري، الذي يعرف في غالبية المراجع العلمية باسم «الزجاج الليبي». وزجاج ~~السيلكا عبارة عن مادة زجاجية طبيعية فريدة من نوعها، لا يوجد لها نظير على مستوى ~~العالم، وإن بدت لغير المتخصصين، كما لو كانت زبرجدا حقيقيا؛ حيث غالبية كسراتها ~~تميل إلى اللون الأخضر الداكن أو الفاتح. وتوجد على هيئة كسرات مختلفة الأحجام، متناثرة ~~على سطح الأرض أو مدفونة جزئيا أو كلية في الرمال التي تغطي غالبية مكاشف صخور ~~المنطقة، ومختلطة بكسرات مشتقة من الصخور التي تتكون منها المنطقة. وتوجد هذه المادة ~~الفريدة على طرف الجزء الجنوبي الغربي من بحر الرمال العظيم، بالصحراء الغربية المصرية، ~~وعلى بعد حوالي 50كم من خط الحدود السياسية بين مصر وليبيا، في منطقة من أشد بقاع ~~العالم جفافا الآن. وتوصف المنطقة التي توجد بها كسرات زجاج السيلكا، على أنها عبارة ~~عن سهل منبسط نسبيا من الحجر الرملي الذي ينتمي إلى عصر الطباشيري العلوي، ولا يوجد ~~بها الكثير من الظواهر الطبوغرافية المميزة، سوى تل مرتفع نسبيا (96م)، عن مستوى ~~سطح المنطقة المحيطة يعرف باسم «قارة الحنش»، وعدد قليل من التلال المتوسطة الارتفاع ~~المتناثرة بمنتصف المنطقة ms157 ومن حولها. وتغطي المنطقة جزئيا الرواسب المفككة من حصى ~~ورمال، والكثبان الرملية الطولية، التي تمتد عشرات الكيلومترات من الشمال إلى الجنوب، ~~في شبه انتظام، وترتفع إلى حوالي 100 متر عن مستوى سطح الأرض، وتنفصل عن بعضها البعض ~~بمناطق صخرية، أو مغطاة جزئيا بالرمال والحصى وسائر الرواسب المفككة، الناشئة أصلا ~~من فعل الرياح على الصخور المكونة للمنطقة. وأقرب الواحات المصرية إلى المنطقة واحة ~~الداخلة التي تقع على بعد حوالي 300كم إلى الشرق من منطقة توزيع زجاج السيلكا، وواحة ~~الكفرة في ليبيا. ويمكن بصعوبة الوصول إلى المنطقة عن طريق واحة سيوة من الشمال، بقطع ~~مسافة 400كم، خلال بحر الرمال العظيم. كما يمكن الوصول إليها من الجنوب، عن طريق ~~الدوران والمرور إلى الغرب من هضبة الجلف الكبير. # وتوجد الغالبية العظمى من مادة زجاج السيلكا، على هيئة كسرات صغيرة الأحجام، ولا ~~تزيد عن بضعة سنتمترات. وأكبر قطعة معروفة يبلغ وزنها حوالي 26 كيلوجراما. وتوجد قطع ~~متوسطة الأحجام تصل أبعادها بضعة سنتمترات، وتصل أوزانها 4 كيلوجرامات. وتتكون مادة ~~زجاج السيلكا أساسا من السيلكا (ثاني أكسيد السيليكون)، الذي تبلغ نسبتها بها حوالي ~~98٪. كما تحتوي على أكاسيد عناصر أخرى بنسب بسيطة، منها أكاسيد الحديد، والألومنيوم، ~~والكالسيوم، والصوديوم، والبوتاسيوم، وهي بهذا التركيب تشبه إلى حد كبير الزجاج ~~الصناعي. ومادة زجاج السيلكا مادة شفافة إلى نصف شفافة، تتباين ألوانها تباينا ~~كبيرا، فمنها الأبيض ومنها الأسود والرمادي الضارب إلى الزرقة. إلا أن اللون الغالب هو ~~الأخضر الغامق أو الفاتح أو الأخضر المائل إلى الاصفرار. ومن هنا فإن زجاج السيلكا يبدو ~~كما لو كان زبرجدا حقيقيا. وفي التصنيف الذي أعده الدكتور درويش الفار لمجموعة زجاج ~~السيلكا ضمن معروضات المتحف الجيولوجي، على حسب اللون، يظهر فيه قسم من زجاج السيلكا ~~شبيه بالزبرجد. # 39 # وتبلغ صلابة زجاج السيلكا حوالي 6 درجات على مقياس موه للصلابة. وبذلك ~~تقارب صلابة هذه المادة صلابة الزبرجد الحقيقي. وتحتوي بعض عينات زجاج السيلكا على ~~فقاعات هوائية حبيسة، ومكتنفات من معادن أخرى، تبدو على هيئة بقع بيضاء. وبينت الدراسات ms158 ~~المختلفة - التي أجريت لتحديد العمر الجيولوجي أو عمر تكوين زجاج السيلكا، بطرق عديدة، ~~منها طريقة النظائر المشعة، وطريقة تحليل مسارات الانشطار - أنه تكون من حوالي 25 إلى ~~33 مليون سنة، بمتوسط عمر يقارب 28,5 مليون سنة. # 40 # ويعتبر أصل زجاج السيلكا من أهم المشاكل الجيولوجية، في مصر والعالم؛ ومن ثم فقد ظل ~~السؤال عن كيفية تكون هذه المادة مطروحا، بدون وجود إجابة مقنعة عشرات السنين. ولعل ~~السبب في ذلك اهتمام الدراسات التي أجريت بهذا الخصوص - إلى وقت قريب - على مادة زجاج ~~السيلكا ذاته، دون اهتمام يذكر بالمنطقة التي يوجد بها، ودون الاهتمام بالظواهر ~~الجيولوجية، أو دراسات جادة على المكاشف الصخرية. ولا حيدة عن تسجيل أن الرحلات التي ~~كانت تنظم إلى منطقة زجاج السيلكا كانت تهدف في الأساس إلى جمع أكبر كمية ممكنة من ~~هذه المادة، ونقلها إلى الخارج بغية دراستها، أو توزيعها على المتاحف، لكن يجب الإشارة ~~إلى أن الدراسات التي أجريت على مادة زجاج السيلكا ذاتها أثرت المعارف الخاصة بالمواد ~~الزجاجية التي تنتشر في بقاع عديدة من العالم. وأن هذه الدراسات كانت مفتاحا مهما ~~لإثبات فرضية الصدمة النيزكية، التي كونت زجاج السيلكا. وقد أدى ذلك إلى ظهور عدد من ~~الفرضيات العلمية، عن كيفية نشأته ومكان تكونه. ويمكن إيجازها في ثلاثة فروض رئيسية؛ ~~فرضية الأصل الأرضي الخالص، وفرضية الأصل السماوي الخالص، وفرضية الأصل الأرضي ~~السماوي. # يفترض بعض الباحثين أن زجاج السيلكا عبارة عن مادة سماوية (أي أنها ضرب من النيازك ~~الغريبة)، مشتقة من مصادر سماوية غير معروفة. ويرى باحثون من أنصار هذه الفرضية أنها ~~مشتقة من صخور القمر، تحديدا الزجاج البركاني القمري. # 41 # ولا يحظى هذا الرأي بقبول واسع بين الأوساط العلمية. كما يواجه اعتراضات ~~منطقية، من قبيل أن مادة زجاج السيلكا تتكون من نسبة عالية من ثاني أكسيد السيلكون، ~~لا تتناسب مع مكونات صخور قشرة القمر التي يغلب عليها الصخور البازلتية. فلو فرضنا أن ~~مادة زجاجية اشتقت من صخور القمر، فإنها لا يمكن أن تحتوي على هذه النسبة العالية ms159 ~~من السيلكا، بل تحتوي على عناصر أخرى تجعلها تميل إلى الصخور القاعدية، لا إلى الصخور ~~الحمضية. كما أن هناك صعوبة في تفسير كيفية نزع كمية كبيرة من صخور القمر، ودفعها بقوة ~~كي تفلت من جاذبية القمر. صحيح أن هناك صخورا من القشرة القمرية، تسقط على سطح الأرض ~~على هيئة نيازك، لكنها في الواقع صغيرة الحجم. # ويرى عدد قليل من الباحثين أن زجاج السيلكا مادة أرضية خالصة، تكونت تحت ظروف ~~جيولوجية عادية، شأنها شأن الصخور الرسوبية الأخرى كالكالسيدوني. ويرى أنصار هذا الفرض ~~أنها تكونت من ترسيبات محاليل في مياه البرك. # 42 # ومنهم من يدعي أنها تكونت من نواتج بركانية، أو من تأثيرات حرارة ~~أرضية، على صخور المنطقة، نشأت من احتراق طبقة من الفحم. ولا يحظى هذا الرأي أيضا ~~بقبول كبير بين الأوساط العلمية؛ فرواسب البرك التي يرى البعض أن زجاج السيلكا تكون ~~فيها أحدث في العمر الجيولوجي (هولوسين)، عن العمر المقدر لزجاج السيلكا. كما لا توجد ~~دلائل على وجود طبقة الفحم الضخمة التي احترقت وصهرت صخور الحجر الرملي وكونت زجاج ~~السيلكا، ولا توجد دلائل على وجود أي أنشطة بركانية في المنطقة. # وتلقى نظرية الصدمة النيزكية القبول من قبل العديد من الباحثين. ويرى أنصارها أن زجاج ~~السيلكا تكون من تأثير الحرارة المتولدة من ارتطام جرم سماوي على كثبان رملية أو حجر ~~رملي نقي؛ إذ الحرارة العالية صهرت الصخور، وتكون عنها مصهور تصلد سريعا مكونا ~~هذه المادة الزجاجية، ولكن أين حدث ذلك؟ ظل هذا السؤال بدون إجابة وافية فترة كبيرة ~~من الزمن. فعدم التعرف على وجود شواهد الصدمة بالمنطقة فتح الباب لظهور اجتهادات ~~عديدة بين أنصار فرضية الصدمة، لا تقل غرابة عن الفروض الأخرى؛ فالبعض يرى أنها ~~تكونت في مكان بعيد عن موقعها الحالي، خارج الحدود المصرية، خاصة في ليبيا، نظرا ~~لوجود تراكيب دائرية تبعد حوالي150كم إلى الغرب من موقع زجاج السيلكا، لكنه لا يقدم ~~تعليلا وافيا عن الكيفية التي انتقل بها من هذه الأماكن إلى موضعه، كفوهات ليبيا ~~لم يثبت بالفعل تكونها ms160 بالصدمات النيزكية. وتوافرت دلائل قوية في الآونة الأخيرة، على ~~وجود شواهد الصدمة النيزكية في المنطقة ذاتها، دون الحاجة إلى البحث عن موقع الصدمة ~~خارج نطاق المنطقة، كما أشارت دراسات أخرى سابقة. وثبت أن زجاج السيلكا مرتبط أصلا ~~بصخور الحجر الرملي بالمنطقة، وليس برواسب البرك كما يدعي أنصار الفرض. # إذ تم الكشف عن وجود شروخ دقيقة (مجهرية) في بنية معدن الكوارتز، الذي يكون الحجر ~~الرملي بالمنطقة، وهذه الشروخ تتبع مستويات بلورية مميزة ولا تنشأ إلا من الصدمات ~~النيزكية. وتم تسجيل وجود صخر البريشيا، الذي يرتبط تكونه بالصدمة النيزكية التي وقعت ~~على المنطقة. وثبت وجود حبيبات من الحديد - كروم - نيكل ببعض عينات البريشيا من ~~المنطقة. وهذه تشبه مثيلاتها التي اكتشفت في فوهة «الريس»، بألمانيا، واعتبرت من أقوى ~~الدلائل على وجود صدمة نيزكية، خاصة بنيزك كربوني. إذن فوجود هذه الحبيبات الدقيقة لا ~~يدل على الصدمة وحسب، بل يحدد نوع النيزك الذي ضرب الأرض. # 43 # ويرجع الاهتمام العلمي بزجاج السيلكا إلى 29 ديسمبر عام 1932م على إثر إعادة اكتشافه ~~من قبل المستر «باتريك كليتون»، من مصلحة المساحة المصرية، أثناء قيامه بأعمال مساحية ~~تتعلق بالظواهر الطبوغرافية، في الجزء الجنوبي الغربي من الأراضي المصرية. وأعاد هذا ~~الكشف إلى دائرة الضوء ما ذكره (فريسنل) في عام 1850م من أن «الحاج حسين» الذي كان يقود ~~قافلة من الجمال في عام 1846م، تحركت من واحة الكفرة (في ليبيا) قاصدة أبا منقار (واحة ~~الفرافرة في مصر) لاحظ وجود كميات كبيرة من كسرات الزجاج على سطح الأرض، على مسافة تقدر ~~بمسيرة يومين إلى ثلاثة أيام من الكفرة نحو أبي منقار. # 44 # ولم يكن «باتريك كليتون» ولا الحاج حسين أول من عرفا زجاج السيلكا؛ إذ إن زجاج ~~السيلكا اكتشف أول الأمر من قبل إنسان العصور الحجرية، الذي كان يقطن المناطق الجنوبية ~~الغربية، من الأراضي المصرية، والمناطق المجاورة من الأراضي الليبية، خلال زمن ما قبل ~~التاريخ، وقت أن كان المناخ مواتيا، وكانت المياه متوفرة بتلك البقاع الجافة الآن. ~~واستغل إنسان العصور الحجرية زجاج ms161 السيلكا في صناعة الأدوات الحجرية، بل استحسن هذه ~~المادة، ونقلها إلى أماكن بعيدة عديدة، منها، على سبيل المثال، منطقة أبي بلاص، والجلف ~~الكبير، والعوينات، وبالقرب من واحة الكفرة، في ليبيا. وما زالت بقايا كسرات زجاج ~~السيلكا، المتخلفة عن أنشطة الإنسان القديم، توجد في بعض المواقع بالمنطقة ذاتها. وهي ~~التي يحلو للباحثين إطلاق تسمية «الورش» عليها، باعتبارها تمثل مراكز تشكيل الأدوات ~~الحجرية قديما. وتوجد قطع من الزجاج ضمن مخلفات العصور الحجرية القديمة التي عثر ~~عليها في منطقة الخارجة، محافظة الوادي الجديد. # وعرف المصري القديم في وادي النيل زجاج السيلكا، واستغله كحجر كريم؛ إذ تم الكشف ~~مؤخرا عن وجود فص صغير من مادة زجاج السيلكا، في قلادة ذهبية مطعمة بعدد كبير من ~~الأحجار الكريمة الأخرى، من مقتنيات «توت عنخ آمون» (1336ق.م.) الموجودة بالمتحف ~~المصري. ولما كانت مادة زجاج السيلكا لا توجد إلا في مكان واحد على مستوى العالم، وهي ~~منطقة بحر الرمال العظيم بالصحراء الغربية المصرية، فإن ذلك يعني أن قدماء المصريين ~~وصلوا إلى هذا الموقع، وجلبوا هذه المادة الفريدة، أو اتصلوا بشكل أو بآخر مع سكان ~~التخوم الجنوبية الغربية آنذاك. ويؤكد هذا الكشف اهتمام الإنسان عبر العصور بزجاج ~~السيلكا. # وظهرت في الفترة الأخيرة دراسة # 45 # تؤكد معرفة الرحالة العرب لهذه المادة الفريدة، قبل أن يكتشفها «باتريك ~~كليتون» في عام 1932م، بألف سنة تقريبا؛ إذ ذكر الجغرافي والرحالة المعروف الإصطخري، ~~الذي عاش في القرن العاشر الميلادي، في كتابة المعنون «المسالك والممالك» # 46 # وجود معدن الزبرجد في الجزء الجنوبي من مصر. وقد حدد الموقع الذي يوجد ~~فيه الزبرجد، على الجزء الجنوبي الغربي من نهر النيل، وإلى الغرب من الواحات، على ~~الخريطة التي رسمها لمصر، في هذا الكتاب، لكن عدم وجود معدن الزبرجد بالصحراء الغربية، ~~أو أي مادة أخرى - غير زجاج السيلكا - يمكن أن تتشابه والزبرجد، يؤكد على أن الإصطخري ~~يعني بالزبرجد مادة زجاج السيلكا، التي تشبه إلى حد كبير الزبرجد. وهذا من شانه أن يؤكد ~~معرفة العرب بهذه المادة الفريدة، قبل إعادة اكتشافها ms162 من قبل باتريك كليتون في عام ~~1932م. ~~(9) زجاج الداخلة # من بين كنوز الصدمات النيزكية زجاج الداخلة، الذي اكتشف حديثا بالأراضي المصرية. ~~وهو نوع غريب من المادة الزجاجية الطبيعية، التي توجد على هيئة كسرات لا يزيد قطر ~~أكبرها كثيرا عن 4سم، توجد ضمن رواسب البلستوسين التي تغطي عشرات الكيلومترات ، في واحة ~~الداخلة بالصحراء الغربية المصرية. وتتباين ألوان هذا الزجاج تباينا كبيرا، من الأخضر ~~الداكن إلى الأسود. وبعض عينات زجاج الداخلة ذات لمعان أزرق باهت. ويشبه هذا الزجاج في ~~كثير من خصائصه زجاج الصدمات النيزكية. وفي حقيقة الأمر، فقد عرف هذا الزجاج من قبل ~~سكان المنطقة من أزمنة بعيدة، لكن كان يشار إليه في العادة على أنه مادة زجاجية، دون ~~الخوض في طبيعته، ولا في كيفية تكونه، لكن من فترة وجيزة أشارت إحدى بعثات الآثار ~~الألمانية التي كانت تعمل في نطاق واحة الداخلة خلال المواسم الحقلية 2002، 2003، 2004، ~~إلى اكتشاف ما اعتبرته حدثا كارثيا خلال العصر الحجري المتوسط (100 ألف سنة إلى ~~200 ألف سنة)، تمثل في سقوط جرم سماوي على واحة الداخلة، نتج عنه مواد زجاجية كثيفة، ~~تكثر بها الفجوات، والمكتنفات الغريبة. وتتوزع قطع زجاج الداخلة في مساحات شاسعة، ضمن ~~رواسب البحيرات العذبة التي تنتمي لعصر البليستوسين. ودرس الباحثون والمتخصصون في دراسة ~~زجاج الصدمات النيزكية؛ قطعا من هذا الزجاج، وأعلنوا أنه ينتمي للزجاج الذي تكونه ~~ارتطامات النيازك الضخمة بالأرض. وأكد الباحثون على التشابه الكبير بينه وبين زجاج ~~الصدمات النيزكية. أي أن زجاج الداخلة نشأ من تأثير ارتطام جرم سماوي على المنطقة، ~~مما أدى إلى صهر المكونات الأرضية وتبخرها في الجو ثم تكاثفها وتصلدها لتسقط ~~ثانية على الأرض على هذه الشاكلة. ونظرا لعدم اكتشاف فوهة نيزكية بالمنطقة - حتى الآن ~~- فإن البعض يرى إمكانية تكون زجاج الداخلة من احتراق الجرم السماوي في الجو قبل ~~ارتطامه بالأرض، وانصهار مكوناته وتبخرها، ثم تكاثفها وتصلدها على هيئة جسيمات زجاجية ~~صغيرة، سقطت على الأرض على هذه الشاكلة التي يوجد عليها زجاج الداخلة. # 47 ~~، # 48 ~~، # 49 # ويبدو أن زجاج الداخلة، ms163 هو الذي شغل الرحالة العرب القدامى، فأشاروا إلى وجوده في ~~الواحات الجنوبية المصرية، باعتباره حجرا كريما يستخرج من موضعه ويحمل ليشكل ويباع في ~~العاصمة؛ إذ ذكر بعض المؤرخين والرحالة العرب وجود مادة أطلقوا عليها لازورد في نطاق ~~الواحات الخارجة في الصحراء الغربية. فعلى سبيل المثال، يسجل ابن عبد المنعم الحميري، ~~المتوفى في 900ه/1495م، في كتابه «الروض المعطار في خبر الأقطار»، في معرض حديثه عن ~~الواحات التي توجد في الصحراء الغربية المصرية، وجود معدن اللازورد، حيث يذكر: # 50 ~~«وفي أرض الواحات الخارجة جبل معترض فيها سامي الذروة، فيه معدن يستخرج منه ~~حجر اللازورد ويحمل إلى أرض مصر فيصرف.» # الواقع أن البيئات الجيولوجية المعروفة في نطاق ~~الواحات الداخلة والخارجة لا تشجع إمكانية تكون معدن اللازورد الحقيقي. والمكان ~~الوحيد الذي يمكن أن يتكون فيه اللازورد هو منطقة «أبو بيان»، جنوب الواحات الخارجة، ~~حيث تتداخل صخور نارية حامضية مع الصخور الجيرية. في هذا الموضع يمكن أن يتكون اللازورد ~~الحقيقي. وربما يعني اللازورد المقصود في كتابات الرحالة العرب، معدنا أزرق وحسب، وفي ~~هذه الحالة ربما يكون ذلك المعدن هو ال «لازوليت»، وهو معدن من معادن الفوسفات، لونه ~~أزرق. وهذا يمكن أن يوجد على هيئة جيوب في صخور فوسفات هضبة «أبو طرطور»، التي تقع بين ~~الواحات الداخلة والخارجة. وربما ينطبق هذا الوصف أيضا على زجاج الداخلة، الذي يوجد ~~بين واحتي الداخلة والخارجة؛ فالرحالة العرب لم يفرقوا كثيرا بين الواحات الجنوبية. ~~وربما يعني تسمية الخارجة في كتاباتهم البعد عن نهر النيل؛ فالواحات الداخلة التي تبعد ~~أكثر عن الواحات الخارجة من نهر النيل، كانت هي بمثابة الواحات الخارجة. كما أن ~~اللازورد يعرف أيضا بمسمى «عوهق»، وهو معدن أو مادة سوداء لها لمعان أزرق. وهذه ~~المادة تشبه ال «أوبسيديان». وهي قريبة جدا من زجاج الداخلة. # 51 # وربما يكون زجاج الداخلة مصدر المواد الزجاجية الطبيعية، التي استغلت من قبل قدماء ~~المصريين، والتي توجد في عدد من المقتنيات الأثرية؛ إذ يوجد في التماثيل المصرية ~~القديمة قطع زجاجية طبيعية، تشكل عيون التماثيل ms164 الكبيرة على وجه الخصوص. وحير مصدر هذه ~~المواد الزجاجية الباحثين. فلم يكن يعرف مصدر محدد لها ضمن المواد الطبيعية المعروفة في ~~مصر؛ ومن ثم فقد افترض أنها من صخور «الأوبسيديان» البركانية الزجاجية، التي توجد في ~~أثيوبيا، ولا توجد في مصر؛ ومن ثم فقد افترض الباحثون أن المصريين القدماء حصلوا على ~~هذه المواد الزجاجية من مصادر تقع خارج البلاد. # الفصل العاشر # | أسطورة «أطلانطس» والنيازك # قطعتان عملاقتان من ذلك الجرم هوتا في البحر، لتشكلا خندق «بورتريكو»، وأصابت ~~قطع أخرى منه مواضع مختلفة من الأرض، منها ما أصاب قشرة الأرض في مواضع حساسة ... ~~وهزت «أطلانطس» الزلازل المدمرة، ووقعت الجزيرة بأسرها في شرك من نار، وغاصت ~~في قاع المحيط. ولم يترك شيء في الموضع سوى قمم البراكين التسع التي تغطيها الحمم ~~البركانية، والتي تشكل اليوم جزر «الأزور» ... ~~*** # تشير أسطورة «أطلانطس» التي وردت في الأدب الإغريقي (كتابات أفلاطون على ~~وجه الخصوص)، وما تلاه من أدب؛ تشير إلى وجود حضارة قديمة متطورة، كانت موجودة منذ آلاف ~~السنين، في المحيط الأطلنطي فيما وراء مضيق جبل طارق. وكانت تلك الحضارة - على حد اعتقاد من ~~يعتقدون في هذه الأسطورة - أرضا فسيحة، بها حدائق «الهسبريدوس» # Hesperides ~~، أي الحدائق الغربية. وشغلت هذه الأسطورة الباحثين والكتاب ~~والمؤرخين على مر العصور، فاختلفوا فيما بينهم في احتمال وجود هذه الحضارة من عدمه، ~~واختلفوا كذلك في مكانها، وفي سبب فنائها. ~~(1) أطلانطس كما رواها «أفلاطون» # يذكر الأستاذ محمد العزب موسى في كتابه «حضارات مفقودة» # 1 # أن الفيلسوف الإغريقي «أفلاطون» (يختلف في تاريخ ميلاده ما بين 428-423ق.م. ~~وتاريخ وفاته ما بين 348-347ق.م.)، هو أول من سجل قصة هذه الحضارة المفقودة في السجلات ~~التاريخية (أي كتبها ودونها على الورق)؛ إذ إنه في حوالي عام 350ق.م. ذكر أفلاطون قصة ~~أطلانطس في سياق محاورتين من محاوراته الشهيرة هما «تيماوس» و«كريتياس». ويبدو أن ~~أفلاطون كان ينوي أن يكتب ثلاثية، تحتل فيها قصة أطلانطس مكانا بارزا، ولكنه أنجز فقط ~~محاورة واحدة منها، وجزءا من المحاورة الثانية؛ الأولى بعنوان «تيماوس» والثانية ~~بعنوان «كريتياس» ms165 وكشأن محاورات أفلاطون الأخرى، فإن معلمه سقراط يلعب الدور الرئيسي في ~~هاتين المحاورتين، وأما محاوروه الرئيسيون، فهم «تيماوس» وهو فلكي من البلاد الإيطالية، ~~و«كريتياس» وهو شاعر ومؤرخ وقريب من بعيد لأفلاطون، و«هرموقراطيس» وهو قائد عسكري من ~~«سيراكوزا». وهؤلاء الأربعة هم أنفسهم الذين أشركهم «أفلاطون» قبل ذلك بسنوات في ~~محاورته الشهيرة عن «الجمهورية»، والتي وعد فيها بأن يكتب ثلاثية جديدة تستمر خلالها ~~المناقشة بين الرجال الأربعة بالتفصيل حول الحكومة المثالية. وقد جعل أفلاطون هؤلاء ~~الرجال الأربعة يجتمعون في منزل «كريتياس» في أحد أيام شهر يونيو عام 421ق.م. ومن ~~المفروض أن تبدأ محاورة «تيماوس» في اليوم التالي لانتهاء المناقشة التي وردت في محاورة ~~«الجمهورية». ويبدأ الرجال الأربعة بتذكر النقط الرئيسية في محاوراتهم السابقة، ثم يشير ~~«هرموقراطيس» إلى قصة قديمة وردت في التراث القديم، ذكر أن «كريتياس» يعرفها جيدا وتحت ~~إلحاح الرجال الثلاثة يبدأ «كريتياس» في رواية تلك القصة، فيذكر: كيف أنه حدث منذ قرن ~~ونصف من الزمان أن زار المشرع الأثيني الكبير «صولون» مصر («صولون» شخص حقيقي زار مصر ~~فعلا، ولكن رحلته تمت في حوالي عام 590ق.م. أي مبكرة بحوالي 20 عاما عن التاريخ الذي ~~أعطاه أفلاطون) وأثناء وجوده في «سايس» وهي مدينة مصرية في شمال الدلتا كانت لها ~~علاقات وثيقة بأثينا، أخبره عدد من الكهنة المصريين بقصة «أطلانطس»، وهي قصة وصفها ~~«صولون» بأنها «حقيقة بالتأكيد بالرغم من غرابتها.» وكان «صولون» ينوي أن يسجلها في ~~كتابه ليعرفها العالم من بعده، ولكنه لم يفعل، واكتفى بأن رواها لأحد أقربائه ويدعى ~~«دروبيدس» الذي حكاها بدوره لابنه «كريتياس» الأكبر، وعن طريقه وصلت إلى حفيده ~~«كريتياس» الذي يشارك في هذه المحاورة مع سقراط والآخرين. # ويحكي «كريتياس» في محاورة «تيماوس» كيف أن الكهنة المصريين أبلغوا «صولون» أنه طبقا ~~للسجلات القديمة التي لديهم، كانت هناك إمبراطورية أثينية عظيمة منذ 9000 سنة (أي حوالي ~~9600ق.م.) وكانت تعاصرها في نفس الوقت إمبراطورية عظيمة أخرى تسمى «أطلانطس» تقع في ~~جزيرة كبيرة بحجم قارة، وراء أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق حاليا). كانت ms166 هذه القارة أكبر ~~من شمال أفريقيا وآسيا الصغرى مجتمعتين، وإلى الوراء تمتد سلسلة من الجزر عبر المحيط ~~تصل إلى قارة ضخمة أخرى. ~~(2) وصف «أطلانطس» كما يراها «أفلاطون» # يتابع «أفلاطون» إكمال قصة «أطلانطس» في المحاورة الثانية «كريتياس»، فيظهر وصف ~~تفصيلي للجزيرة القارة، منذ نشأة الحضارة على الأرض، حين قسمت الأرض بين الآلهة واختص ~~«بوسيدون» إله البحر والزلازل بجزيرة «أطلانطس»، لكنه يحب فتاة من أبناء البشر تدعى ~~«كليتو» كانت تعيش فوق تل في «أطلانطس»، ولكي يمنع أحدا من الاقتراب منها يقوم ~~«بوسيدون» بتطويق التل الذي تعيش فوق قمته، بحلقات متتالية من الأرض والماء «حلقتين من ~~الأرض وثلاث حلقات من الماء.» ويمد التل بما يكفيه من الماء والغذاء «فيجعل نبعين من ~~الماء ينبثقان من باطن الأرض؛ أحدهما ساخن والآخر بارد، ويجعل الغذاء يخرج بوفرة من ~~تلك الأرض.» وقد أنجب «بوسيدون» من «كليتو» خمسة أزواج توائم من الذكور، قسم عليهم ~~البلاد، فكانوا يحكمونها حكما مشتركا يرأسه الابن الأول من التوأم الأكبر ويدعى ~~«أطلس» (والذي سميت الجزيرة باسمه). وقد أنجب هؤلاء الملوك أبناء كثيرين، واستمرت ~~ذريتهم تحكم البلاد أجيالا متعاقبة من بعدهم. وتطورت «أطلانطس»، وأقيمت فيها منشآت ~~هندسية وزراعية هائلة، تشمل القصور والمعابد، والموانئ والأرصفة، وازدهرت فيها الزراعة ~~والتعدين. وكانت مدينة «أطلانطس» التي امتدت حول تل «كليتو» بحلقاته المتتالية، تقع ~~على الشاطئ الجنوبي لجزيرة «أطلانطس»، عبارة عن مدينة مستديرة، أشبه بقلعة محيطها ~~ثلاثة أميال. وقد أقام الملوك جسورا تربط بين الحلقات البرية المحيطة بتل «كليتو» ~~(الذي يتوسط المدينة)، وأنفاق تمر عبرها السفن من حلقة مائية إلى أخرى. كما أقاموا ~~أسوارا صخرية ضخمة، مطعمة بالمعادن الثمينة حول الحلقات البرية. أما المدينة كلها ~~فيحيط بها سور ضخم. كما كانت حلقة الماء الخارجية تستخدم كميناء ترسو فيه سفن المدينة ~~الكثيرة. ~~(3) نهاية «أطلانطس» كما صورها «أفلاطون» # ظل سكان «أطلانطس» يحكمون جزيرتهم المركزية بالإضافة إلى عدة جزر أخرى، وأيضا أجزاء ~~من القارة الكبيرة على الجانب الآخر للمحيط، لكنهم لم يكتفوا بما لديهم من أراض ~~وخيرات، فقرروا ذات يوم أن يتوسعوا ms167 خارج حدودهم التي ظلوا يعيشون فيها جيلا ~~بعد جيل، كما يذكر أفلاطون على لسان الكهنة المصريين، الذين أخبروا خبر هذه المدينة؛ إذ ~~قالوا: «تجمعت هذه القوة الهائلة كلها وعزمت أمرها على أن تخضع بضربة واحدة بلادنا ~~وبلادكم وكل المنطقة التي تلي المضيق.» فتقدمت جيوشهم شرقا إلى منطقة البحر المتوسط ~~فاستولت على شمال أفريقيا حتى حدود مصر، وجنوب أوروبا حتى اليونان، ولكن أثينا التي ~~كانت تقف وحدها تمكنت من هزيمة الأطلنطيين، ولكن دمرت العوامل الطبيعية كلا ~~الجانبين؛ إذ حدثت بعد ذلك زلازل وفيضانات عنيفة، وخلال يوم واحد وليلة من الدمار دفن ~~محاربوكم تحت الأرض. وكذلك جزيرة أطلانطس اختفت بنفس الطريقة في أعماق البحر؛ ولهذا ~~السبب فإن البحر في تلك الأجزاء غير قابل للملاحة والعبور لأن هناك طينا ضحلا كثيرا ~~في الطريق نتيجة لوجود الجزيرة تحت سطحه. ويبتهج سقراط لقصة «كريتياس» التي يصفها بأن ~~لها «صفات كثيرة تجعل منها حقيقة لا مجرد خيال.» ومع ذلك فإن بقية محاوره «تيماوس» تدور ~~فيما بعد حول العلم، ويظل خبر «أطلانطس» مبتورا عند هذه النقطة. وبالرغم من أن ~~«أفلاطون» يؤكد أن قصة الحضارة المفقودة مأخوذة من السجلات المصرية القديمة، إلا أنه لم ~~يعثر بشكل مباشر على هذه القصة في السجلات التي تم الكشف عنها في الآثار المصرية، أو ~~غيرها من مخلفات أي شعب كان يعيش قبل زمن أفلاطون. وهكذا ظلت قصة «أفلاطون» هي المرجع ~~الأول والوحيد لأسطورة «أطلانطس»، وكل ما كتب عنها فيما بعد من كتب ومقالات إنما ~~يعتمد على رواية «أفلاطون» وحدها سواء بالإضافة أو التفسير. # ومن بين المؤرخين الثقات الذين تعرضوا لهذه القصة «ه. ج. ويلز». وهو ينكر القصة كما ~~وردت في الأدب اليوناني، لكنه في نفس الوقت يتبنى رأي «ريجنالد فسندن»، الذي درس القصص ~~التي تتعلق ب «أطلانطس»، واستنتج أن الروايات الخاصة بهذا الموضوع لا تعني بالضرورة ~~وجود حضارة كانت قائمة في المحيط الأطلنطي، بل تشير إلى ما يعتبره حضارة كانت في ~~وقت ما من التاريخ أهم من «أطلانطس» بكثير، # 2 # كانت تقوم ms168 في أصقاع بلاد القوقاز، وغمرتها المياه في يوم من الأيام. ومن ~~بين المؤرخين الثقات أيضا الذين تعرضوا لأسطورة «أطلانطس» المؤرخ الشهير «ويل ~~ديورانت»، الذي يرى أن هذه الروايات وإن كانت تبدو أسطورية، إلا أنها لا بد وأن تؤخذ ~~مأخذ الجد. ويرى أنها ربما تشير إلى حضارة جزيرة الفصح في المحيط الهادي، أو ربما ~~تشير إلى حضارة متطورة كانت في أمريكا. # وقصة «أطلانطس» صارت جزءا من التراث الإنساني الفلكلوري. ففي الوقت الذي لا يمكن أن ~~يعترف بوجودها علم الآثار التقليدي، لا يمكن أيضا أن يتخلى عنها المعتقد الشعبوي؛ ~~فليس كل ما لا يثبته العلم غير قائم. فحتى الأساطير تنطوي على بذور من الحقائق. وفي ~~الوقت الذي لا يعترف فيه باحثون كبار بهذه القصة، يؤيدها على الجانب الآخر باحثون ~~كبار أيضا. ولا ينتهي الجدل والبحث عن مكان «أطلانطس» أبدا. ومنذ وفاة أفلاطون، قام ~~الكثيرون بالمغامرات من أجل البحث عن المدينة المفقودة، التي تتمتع بجمال طبيعي وثروة ~~كبيرة. واختلف الباحثون في الفترة الزمنية التي كانت فيها «أطلانطس» موجودة، ما بين ~~12000 إلى 3500 قبل الميلاد. واختلفوا أيضا في مكانها، فاقترحت أماكن متباينة لموقع ~~جزيرة أو مدينة أو قارة «أطلانطس»؛ فالبعض يرى وجودها في جنوب أفريقيا أو جزيرة كريت أو ~~في جزر الباهاما، أو في «سري لانكا»، أو في إسبانيا. وربطت إحدى النظريات الحديثة بين ~~«أطلانطس» وإحدى المناطق الواقعة في مضيق جبل طارق، كانت قد غرقت في البحر منذ 11 ألف ~~عام ... إلخ. ومن حين لآخر، تصدر مقالة أو بحث أو كتاب عن قصة «أطلانطس»، فارتفع عدد ~~المقالات والأبحاث والكتب التي تتحدث عن هذا اللغز لأكثر من 10 آلاف. وتترصد وسائل ~~الإعلام الأبحاث والدراسات التي تتناول أي إشارة إلى «أطلانطس». وفي هذا الخصوص، نقلت ~~منذ سنوات قليلة ال «بي بي سي» عن الدكتور «راينر كويهن» من جامعة «أوبرتال» الألمانية ~~أنه ربما يكون قد اكتشف بقايا مدينة «أطلانطس» المفقودة؛ حيث كشفت صور الأقمار ~~الصناعية، التي تم التقاطها لجنوب إسبانيا، أن الأرض هناك تطابق الوصف الذي ms169 كتبه ~~أفلاطون عن «أطلانطس»؛ إذ يعتقد أن «جزيرة أطلانطس» تشير إلى جزء من الساحل في جنوب ~~إسبانيا تعرض للدمار نتيجة للفيضانات بين عامي 800 و500 قبل الميلاد. وتبين الصور ~~للمنطقة الملحية المعروفة باسم «ماريزما دو هينوخس» بالقرب من مدينة «كاديز»؛ بناءين ~~مستطيلين في الطين، وأجزاء من حلقات ربما كانت تحيط بهما في السابق. وقال دكتور ~~«راينر»: «كتب أفلاطون عن جزيرة تحيط بها أبنية دائرية ، بعضها من الطين والبعض الآخر من ~~الماء. وما تظهره الصور هو نفس ما وصفه أفلاطون.» ويعتقد دكتور «راينر» أن الأبنية ~~المستطيلة ربما تكون بقايا المعبد «الفضي» المخصص لإله البحر «بوسيدون» والمعبد ~~«الذهبي» المخصص ل «بوسيدون» و«كليتو» كما جاء في كتاب «أفلاطون» ويضيف: «ذكر ~~«أفلاطون» أن أطلانطس كانت مشيدة من النحاس. ويوجد نحاس في المناجم التي تقع في جبال ~~سييرا مورينا.» ~~(4) دمار «أطلانطس» بالنيازك # اختلفت الروايات حول الكيفية التي دمرت بها «أطلانطس» ومن ثم أحدثت اختفاءها. ووضعت ~~فروض ونظريات كثيرة حول هذا الموضوع؛ منها ما يرى أنها غاصت بالخسف الأرضي، ومنها من ~~يرى أنها غمرتها مياه البحر الطاغية، لكن أغرب فرضية هي تلك التي تقدم بها المهندس ~~النمساوي «أوتوهينريك موك» (1892-1956م)، في كتابه «سر أطلانطس»، الذي نشر في عام ~~1976م بعد وفاة المؤلف بحوالي عشرين عاما. و«موك» مهندس بارع، أسهم في تطوير الغواصات ~~والصواريخ، وسجل باسمه قرابة 2000 براءة اختراع. وقام ببحوث في الجيوفيزياء ~~والتاريخ. # 3 # ولحسن حظ «أفلاطون» أن يرى واحد مثل «موك» أنه (أي أفلاطون) كان صادقا ~~فيما قال عن «أطلانطس»، لا كما يرى البعض أن إشارات أفلاطون لا تعدو كونها إشارات ~~خيالية، لا تمت للواقع بصلة؛ إذ تشيع «موك» لأفلاطون، وظن أن «أطلانطس» كانت موجودة ~~وراء مضيق جبل طارق، كما يفهم من كلام «أفلاطون»، الذي يشير إلى أنها كانت وراء مضيق ~~«هرقل». وبذلك يتوقع أنها كانت قريبة من جزر «الأزور»، إلى الغرب من أوروبا بحوالي ~~1200كم، في المحيط الأطلنطي، لكن كيف اختفت «أطلانطس» في يوم وليلة من الوجود؟ # يرى «موك» أن نهاية «أطلانطس» كانت، ms170 كما يرى «أفلاطون» نفسه، في انحراف النجوم عن ~~مسارها، ودمار كل شيء على الأرض بالنار؛ فالنجم الذي أشار إليه «أفلاطون» كان عبارة عن ~~كويكب يبلغ قطره حوالي 10كم، وينتمي لما يعرف بكويكبات مجموعة «أدونيس»، التي تدور حول ~~الشمس في مدارات غير متمركزة، واندفع نحو الأرض من الجانب الشمالي للسماء. ويسهب في ~~وصف أعمدة اللهب التي اشتعلت في السماء، من جراء دخول الكويكب جو الأرض. ويضيف أن: ~~قطعتان عملاقتان من ذلك الجرم هوتا في البحر، لتشكلا خندق «بورتريكو»، وأصابت قطع أخرى ~~منه مواضع مختلفة من الأرض، منها ما أصاب قشرة الأرض في مواضع حساسة، وهي سلسلة الجبال ~~الأطلنطية، فثارت البراكين، التي غطى رمادها جو الأرض، وحجب السماء بغلالات من الأتربة ~~والدخان. وهزت «أطلانطس» الزلازل المدمرة، ووقعت الجزيرة بأسرها في شرك من نار، ~~وغاصت في قاع المحيط. ولم يترك شيء في الموضع سوى قمم البراكين التسع التي تغطيها ~~الحمم البركانية، والتي تشكل اليوم جزر «الأزور». ولم يكن تأثير انفجار الكويكب قاصرا ~~على «أطلانطس» وحدها، بل امتد ليؤثر على كل الأرض. فغاص - على سبيل المثال - الجانب ~~الشمالي الشرقي من أمريكا الشمالية في الأطلسي، بينما نهض الجانب الشمالي الغربي فوق ~~المحيط الهادي، رافعا معه الهياكل والمدن من مستوى سطح البحر إلى مرتفعات جبال ~~«الأنديز» الحالية. ويقدم «موك» دليلا ماديا على هذه الكارثة، ما حل بفيلة «الماموث» ~~من انقراض فجائي. ويرى «موك» أن الاصطدام جعل الأرض تتذبذب في دورانها، فمال القطب ~~الشمالي إلى الحد الذي جعل المناخ يتغير تغيرا كبيرا، فتحولت سيبريا - على سبيل - ~~المثال إلى ثلاجة كبيرة قضت برودتها الشديدة على حيوان «الماموث». ويعتقد «موك» أن هذا ~~السيناريو هو الأقرب لتفسير العصر الجليدي الذي حل بالأرض، خلال الألف العاشرة قبل ~~الميلاد. كما يرى «موك» أن الحدث كان وراء الفيضانات الكبيرة، التي اجتاحت عموم الأرض ~~من جراء تأثيرات الأتربة العالقة في الجو، مشكلا الطوفان الذي ورد في الكتاب المقدس. ~~ويستشهد بالشواهد الأثرية التي تؤكد على حدوث الطوفان، من نتائج البعثات التي قامت ~~بالحفر في منطقة ms171 «أور» بالعراق. # ومن الطريف أن السيناريو الذي قدمه «موك» حول تفسير اختفاء «أطلانطس» يمكن أن يكون ~~منطقيا، في ظل الدراسات التي تعنى بتأثيرات الصدمات النيزكية للأرض، والكواكب الأخرى ~~في المجموعة الشمسية. بل إن «موك» يعتبر بحق رائدا في بعض الأفكار الخاصة بعلاقة ~~الصدمات النيزكية وثورات البراكين. وقد ظهرت دراسات لاحقة تتبنى فكرة أن الصدمات ~~النيزكية، كانت وراء نشاط البقاع الساخنة في الأرض، والتي تؤدي إلى انفجارات بركانية، ~~بل تسهم في انشطار القارات. # | المراجع والهوامش # الفصل الأول: النيازك في التاريخ # الفصل الثاني: ما بين التصديق والإنكار # الفصل الثالث: ما بين التقديس والازدراء # الفصل الرابع: النيازك في التراث العربي # الفصل الخامس: لماذا ندرس النيازك؟ # الفصل السادس: أخطار النيازك بين الحقيقة والخيال # الفصل السابع: من أين تأتي النيازك؟ # الفصل الثامن: الصدمات النيزكية # الفصل التاسع: كنوز النيازك # الفصل العاشر: أسطورة «أطلانطس» والنيازك ms172