######OpenITI# #META# URI: 1450CaliShadawi.TarikhNahwCarabi.Hindawi60697085 #META# Tags: linguistics #META# ID: 60697085 #META# Title: تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية #META# AuthorID: 95080425 #META# Author: علي الشدوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - مدخل‏ # 2 - النحو في حدود المعيار‏ # 3 - النحو في حدود العقل‏ # 4 - النحو مجردا مما هو ثقافي‏ # 5 - النحو مدخلا لتذوق النصوص‏ # 6 - النحو في حدود الكلام الظاهر‏ # المصادر والمراجع‏ # مقدمة‏ # 1 - مدخل‏ # 2 - النحو في حدود المعيار‏ # 3 - النحو في حدود العقل‏ # 4 - النحو مجردا مما هو ثقافي‏ # 5 - النحو مدخلا لتذوق النصوص‏ # 6 - النحو في حدود الكلام الظاهر‏ # المصادر والمراجع‏ # | تاريخ النحو العربي # | تاريخ النحو العربي # | منظورا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية # تأليف # علي الشدوي # | مقدمة # ما سيتلو تدوين لأفكار في تاريخ النحو العربي كما تمنيت أن يكون، ~~وليس ما هو كائن. وهي أفكار تنطلق من تصور شخصي لأفق تاريخ مفهوم ~~النحو العربي، وإحدى سبل مقاربته. تأملات تجعل من الكتاب كتابا ~~شخصيا؛ لأنني هاو لعلم النحو ولست متخصصا، لكنني أومن بالتعاون بين ~~المتخصصين والهواة في العلوم الإنسانية. فكلما غرقت الأبحاث العلمية في ~~التخصص باتت في حاجة أكثر إلى غير المتخصصين؛ لأنهم أكثر مرونة وجرأة ~~ومغامرة؛ وهذه قيم لا يستهان بها. # من وجهة نظر تعليمية، يقترح الكتاب تصورا لتاريخ مفهوم النحو ~~العربي؛ فهناك أفكار تكشف تطور مفهومه، وهي أفكار تنتمي إلى عدد من ~~النحاة، لكن بعض النحاة لهم التأثير الأكبر في تطور مفهوم النحو. ومن ~~هذا المنظور، اقتصرت على خمسة نحاة هم: أبو الأسود الدؤلي، وسيبويه، ~~وابن جني، وعبد القاهر الجرجاني، وابن مضاء النحوي. ومع أن القارئ يمكن ~~أن يحاجج حول من ينبغي أن يعتبر من أساطين النحو العربي كأن يضيف ابن ~~السراج أو المبرد أو الكسائي، إلا أنني لا أشك أن الذين اخترتهم أثروا ~~بشكل غير عادي؛ بحيث نجد المتخصصين في النحو ما زالوا يوردون آراءهم ~~أكثر من أي نحاة آخرين؛ ليوضحوا قضايا ومسائل ومشكلات كونت التفكير ~~النحوي. # من وجهة نظر تاريخية، يقترح الكتاب تصورا يركز على الأولويات ~~المتعلقة بمفهوم النحو؛ أي إنني حاولت أن أضع حدا لضوضاء الأفكار ~~التي تزخر بها كتب النحو العربي، بحيث أركز على أفكار قليلة؛ لذلك ~~توجب علي أن ms001 أفهم الصعوبات الكامنة في كثرة كتب النحو تأليفا ~~واختصارا وشرحا، وأن أتخلص من بعضها لأنها غير ضرورية؛ لذلك لم أعط ~~كتابا نحويا من كتب النحو العربي مكانة في تاريخ مفهوم النحو إلا ~~بقدر ما أحدث من تغيير في تصور مفهوم النحو. والكتب التي لا تحقق هذا ~~تنتقل إلى نوع آخر من الكتب؛ تلك التي لا نسميها كتبا مؤسسة كالحواشي ~~والمختصرات والشروح؛ أي إنها كتب غير أصيلة؛ لكي أتلافى الخلط بين ~~الكتب المؤسسة وغيرها. وهكذا اخترت الكتاب لسيبويه، والخصائص لابن جني، ~~ودلائل الإعجاز للجرجاني، والرد على النحاة لابن مضاء؛ لاعتقادي أنها ~~أبدعت أفكارا تعود في النهاية لتصب في تطور مفهوم النحو. # إنني أظن أن معظم القراء سمعوا بالكتاب والخصائص ودلائل الإعجاز، لكن ~~من من القراء غير المتخصصين سمع بكتاب الرد على النحاة؟ لا أتحدث ~~هنا عن معرفة القارئ العام؛ إنما عن معرفتي أنا؛ ذلك أن معرفتي به ~~اقتصرت على نقد نحو المشرق، وهي الفكرة التي لم تعد عندي الفكرة ~~الوحيدة بعد أن قرأته. إنما أخذتها على أنها إحدى سبل فهم الكتاب، وأن ~~هناك سبلا أخرى لفهمه. سأجمل هنا ما فصلته هناك بأن إحدى سبل فهمه ~~تقود إلى خيبة للأمل؛ لأنه لا يضيف شيئا إلى تطور مفهوم النحو؛ هذا إن ~~لم يكن هناك تراجع في تصوره النحو على أن النحو علم عقلاني. # أما من وجهة نظر معرفية، فالكتاب يقترح طرقا مختلفة لتاريخ النحو ~~تختلف عما ألفناه في كتب تاريخ النحو الكلاسيكية كالمدارس النحوية، ~~والمراتب والطبقات، ويدعو النحويين المعاصرين إلى إسقاط الرهبة عن ~~القدماء؛ إذ في استطاعتهم أن يطرقوا مناطق عمل جديدة. وكأي تاريخ علم؛ ~~فتاريخ النحو لا يرتبط بأي زمن، وليس عرفا ولا تقليدا ينتقل من عصر ~~إلى عصر؛ لذلك فإن كل مرحلة تاريخية يمكن أن يكون لها مؤرخوها من ~~المهتمين بتاريخ علم النحو. # بسبب هذه المنظورات الثلاثة؛ أعني التاريخي والتعليمي والمعرفي، فإن ~~الكتاب لم ير أبا الأسود الدؤلي بالصورة التي رآه بها سيبويه، ولا ~~بالصورة التي رآه بها ابن جني أو ms002 الجرجاني أو ابن مضاء، بل إن الكتاب ~~رأى الدؤلي على نحو مختلف ؛ بسبب سيبويه وابن جني والجرجاني وابن ~~مضاء. # لقد عرضت أفكار هؤلاء النحاة بالشكل الذي يغني عن عودة القراء إلى ~~الكتب، ومع ذلك لا يمكن أن يغني العرض عن عودة القارئ إليها ومن ذات ~~المنظور؛ أعني من منظور تطور مفهوم النحو. أثناء العرض حاولت أن أقترح ~~تصورا لتاريخ النحو العربي، ومن مداخل متعددة. وهو تصور يستند إلى ~~تمعنات تاريخية ونقدية، ويضم أسئلة لم تعرض من قبل على ما أعرف، ~~ومجالات تحليل مقترحة يمكن أن تؤدي إلى أن نفهم تاريخ النحو من جهة ~~قضاياه ومشكلاته ومفهوماته. # حاولت أثناء التحليل أن أقوم بمحاولتين في آن واحد؛ الأولى: أن ~~أساير ما هو وارد في الكتب التي اخترتها. والثانية: أن أتأمل ما ~~أوردته هذه الكتب من موقع الذي جاء متأخرا، ويعرف من المعلومات أكثر ~~مما يعرفه أحدهم عن الآخر، وقرأ كتبهم وهو ما لم يكونوا قاموا ~~بذلك. # لست أنا في الغالب الذي يبادر في هذه التأملات الاستكشافية؛ إنما هي ~~الكتب التي تمسك بزمام المبادرة، فهي التي تتحدث. وما أقوله أنا هو نوع ~~من إشارات الطريق، وكما يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر؛ فإن ~~إشارات الطريق غير مهمة بالمقارنة مع ما يجري في الطريق ذاته. إنها ~~تظهر بين الفينة والأخرى على جانب الطريق؛ لكي تشير وتختفي من جديد حين ~~نمر بها. # الفصل الأول # | مدخل # مضى حتى الآن زمن منذ انتهى بعض الباحثين من وضع تصور عام يشمل مجمل ~~القضايا والمسائل والأفكار التي تمت بصلة إلى علم النحو العربي. وقد ~~صنفوها في المجمل إلى اتجاهين. ووفقا لهذا التقسيم، فإن القضايا ~~والمسائل التي تنتمي إلى ما يعرف بالنحو التعليمي تهدف إلى غاية ~~تعطي النحو تصورا معينا، وهي الغاية التي يجري الحديث عنها تحت ~~فكرة صيانة اللغة. # يوصف مفهوم النحو التعليمي الفكرة الجوهرية في التراث النحوي ~~العربي الكلاسيكي التي ترى أن دراسة النحو تؤدي دورا فاعلا في تجنب ~~الخطأ اللغوي إذا ما حددت مجموعة من القواعد؛ لذلك فقد ms003 يعرف بالنحو ~~المعياري، ولأنه يعنى بمكونات التركيب، فإنه قد يعرف بالنحو ~~التحليلي . # أما مجموعة القضايا والأفكار والمسائل الأخرى التي لها صلة بمعاني ~~الجمل اللغوية وتركيبها، ووصف النظام اللغوي؛ فتقع ضمن الاتجاه الآخر ~~الذي يعرف بالنحو العلمي، وهو مفهوم يوصف دراسة النظام اللغوي ~~وتركيب الجمل ومعانيها العامة؛ لذلك فقد يعرف بالنحو الوصفي. # وعلى الرغم من أن هذا التقسيم له جذوره التاريخية العميقة، فإنه لم ~~يعرف ويبلور إلا في القرن الماضي (القرن 20) عندما عرضت قضية «تجديد ~~النحو»، واطلع على تطور مناهج الدراسات اللغوية الغربية، والتعارض ~~الذي قام بين من يريد تجديد النحو أو بقاءه في صورته ~~الكلاسيكية. # غير أن الملاحظ أن كلا الاتجاهين التعليمي والعلمي تجاهلا تاريخ ~~النحو؛ ذلك أن الحيز الذي أفرد للحديث عن قضايا ومشكلات ومسائل النحو ~~العامة أو التفصيلية واسع، وارتبط في الغالب بحياة هذا النحوي أو ذاك ~~لا سيما في الرسائل الجامعية، إلى حد يحق للمرء أن يتحدث عن معتقد علمي ~~جامعي يبدأ بحياة النحوي عند الحديث عن النحو، وقد تدرب جيل كامل على ~~هذا. # يتضمن هذا التناول - الذي يبدو أن حسا مشتركا يحكمه - مسلمات ~~أبرزها فكرة أن تاريخ النحو مرتبط بتاريخ النحاة. وقد كفت هذه ~~المسلمة تاريخ النحو عن أن يكون تاريخا لعلم النحو ذاته. ولم يعد ~~السؤال سؤال النحو من حيث هو علم، إنما سؤال النحوي من حيث هو ~~عالم. # لن أبدأ برفض تصور تاريخ النحو الذي يربطه بتاريخ النحاة، ولن أتعامل ~~معه كخصم للتاريخ الذي اقترحه لعلم النحو؛ لذلك لن أتجاهله، إنما سآخذه ~~مأخذ الجد، وسأبحث عبره وأنطلق منه؛ لذلك يجب أن أبدأ باعتراف هو وجود ~~طيف لتاريخ النحو؛ أعني تاريخ النحو في شكله التقليدي الذي يؤرخ للنحاة ~~وطبقاتهم وتراتبهم ومدنهم وأقاليمهم. غير أن حصة تاريخ النحو قليلة ~~في هذا الإجراء الذي يعجز عن أن يدرك البعد التاريخي للنحو من حيث هو ~~موضوع تاريخ النحو. # لم يعد تاريخ كهذا مرضيا. وليس واضحا في البداية كيف يمكن أن ينجز ~~تاريخ آخر، بيد أن ما هو مؤكد ms004 أن إنجاز تاريخ مغاير لن ينجز عن طريق ~~تفكير مضمون النتائج؛ إنما من الواجب أن يغامر الباحثون. ذلك أن العقل ~~البشري إذا لم يكن موجها بالمغامرة، فإنه لا يستطيع أن يتغلب على ما ~~كان يعتبر حقائق مقررة نشأ عليها، وفي العلوم الإنسانية المفتوحة على ~~بعضها البعض لن يكون من المناسب لعلم معين ألا يخرج من كهفه إلى ما ~~تشمله العلوم الإنسانية الواسعة. # لا يمكن أن تكون إعادة كتابة تاريخ النحو العربي بلا فائدة مثله مثل ~~إعادة كتابة التاريخ العام. لقد اعتقد جوته أنه يتعين من وقت إلى آخر ~~إعادة كتابة التاريخ العام، لا لأننا نكتشف وقائع جديدة، ولكن لأننا ~~ندرك جوانب مختلفة، ولأن التقدم يأتي بوجهات نظر تفسح المجال أمام ~~إدراك الماضي والحكم عليه من زوايا جديدة؛ # 1 # لذلك رأيت أن كتابة تاريخ جزئي للنحو ستضفي على هذا الجزء ~~الحيوية والنشاط الذي يتولد عن إدراك تاريخ النحو من زاوية ~~جديدة. # لكي نعيد كتابة تاريخ علم النحو العربي نحتاج إلى أن نتخلى عن ~~الأحكام المسبقة، وإلى عدسة جديدة. يشبه هذا أن نستخدم نظارة طبية ~~تحول الإحساس بالمنظور، بحيث تكاد تلمس الأجسام بعد أن كانت بعيدة ~~وغائمة، وأن ننتقل من مرحلة عاطفية إلى مرحلة عقلانية، من مغامرة فكرة ~~إلى أمان معقوليتها. ومن هذه الأفكار فكرة أن يؤرخ للنحو العربي ~~استنادا إلى تطور مفهومه. # مناطق تاريخ علم النحو المقترحة # إذا ما نظر إلى فكرة تاريخ مفهوم النحو العربي من الجانب الذي ~~تبدو عليه ضمن تاريخ النحو، فإنها تبدو فكرة واحدة؛ ذلك أن أفكار ~~تاريخ النحو العربي يمكن أن تكون أكثر منها بكثير. يمكن أن أضع تحت ~~تاريخ النحو العربي تحليل صراع النحاة المتعلق بقضايا النحو ~~ومسائله العلمية، والتساؤل عن الفكرة التي كونتها كل جماعة نحوية، ~~وتتبع بناء مفاهيم النحو المؤسسة والنحاة الذين ساهموا في ~~تأسيسها، وتتبع المفاهيم الموجهة للنحو والنحاة الذين ساهموا في ~~تأسيسها. # تتوسع أفكار تاريخ النحو العربي بقدر ما نغامر في عرض أسئلة ~~جديدة أو نعيد التفكير في أجوبة قديمة ومعادة ms005 ومألوفة؛ فكتب مراتب ~~النحويين تتيح لمؤرخ النحو تحليل الكيفية التي قام بها النحاة ~~بوصفهم أساتذة وشيوخا لنحاة آخرين. وكتب الطبقات تتيح له الكيفية ~~التي تترابط بها جماعة نحوية ما. والشروح والحواشي تعطينا صورة ~~تخطيطية لعصور المعرفة النحوية، ومساهمات النحاة الكبار تعطينا ~~تاريخا لتكون أو تطور أو تفكك أو حتى تنقيح المفاهيم ~~النحوية. وكتب الخلاف تعطينا فكرة عن مشكلات النحو الكبرى، ومخططا ~~تاريخيا لتطور تلك المشكلات. # تتيح مناطق عمل كهذه أن تنقذ تدهور تاريخ النحو العربي الذي تعود ~~إنجازاته التي نعرفها إلى قرون قديمة، وإلى إنجازات أقل في القرن ~~الماضي. وبالرغم من كل الملاحظات التي أبديناها تحت كلمة «طيف» إلا ~~أن الذين ألفوا في الخلافات النحوية، ومراتب النحويين وطبقاتهم ~~والمدارس النحوية وفروا للباحثين مادة مهمة يمكن أن يجد فيها مؤرخ ~~علم النحو نفسه في وضع يسمح له أن يرى تاريخ النحو من وجهة نظر غير ~~مألوفة ومختلفة عن تلك التي أراد أولئك أن نراه. # أسئلة تاريخ علم النحو المقترحة # إذا نظرنا إلى كتب النحو العربي وشروحها وتلخيصاتها، وإلى كتب ~~تراجم النحاة وطبقاتهم ومراتبهم، وخلافهم من حيث هي كتب أخرى أكثر ~~من كونها تشرح أو تختصر قضايا ومسائل نحوية، أو تترجم لحياة هذا ~~النحوي أو خلافه، فإن ذلك قد يؤدي إلى تحول في تصورنا لتاريخ ~~النحو الذي يأسرنا الآن. ويحاول هذا المدخل أن يظهر تصورا آخر ~~ومختلفا لتاريخ النحو. # لن يكشف هذا التصور إذا ظللنا نسأل الأسئلة ذاتها: متى ولد ~~نحوي ما؟ وأين؟ ومن شيوخه؟ وما كتبه؟ وهي الأسئلة النمطية التي ~~تفرضها الصورة المألوفة لتاريخ النحو؛ ذلك أن التراجم والمراتب ~~والطبقات بدت لنا مقتطفات متعلقة بسيرة حياة النحوي مخلوطة بفكره ~~النحوي. ولكي يتضح التصور الجديد يجب أن تتغير الأسئلة من الأسئلة ~~أعلاه إلى: لماذا يشرح النحاة كتب بعضهم بعضا؟ لماذا يختصرون ~~كتب بعضهم بعضا؟ ما علاقة النحوي المتأخر بالنحوي المتقدم؟ هل ~~عارضه أم وافقه في آرائه النحوية؟ وأسئلة أخرى ستبدو من نمط مختلف. ~~إن تغيير الأسئلة يغير الإجابات، وحينما نجيب عن أسئلة ms006 كهذه فإن ~~تصورا لتاريخ النحو سيبدو مختلفا. # تشبه هذه الأسئلة تساؤلات الفيلسوف كارل ياسبرز في آخر نص فلسفي كتبه # 2 # عن معنى المعارف والنصوص التراثية عندنا. وعلى أي نحو ~~تمثل لنا هذه النصوص كلا متكاملا، والكيفية التي تتسق بها ~~فيما بينها. وتذكر هذه الأسئلة في الوقت ذاته باقتراحه أن ~~الإجابة عن أسئلة كهذه تكون تالية لفهمنا معارف التراث ونصوصه، وأن ~~تصورنا للتراث وتأويلنا له هو ما يجعله حاضرا أمام عقولنا. ما ~~الذي يمكن لهذا النص الفلسفي أن يقدمه لموضوعنا؟ الفكرة الموجهة ~~لذلك النص الفلسفي؛ أعني أن تاريخ النحو العربي يشبه تاريخ الفلسفة ~~من حيث هو كل متكامل. لكن إذا ما بحثنا تفتت الكل إلى وجهات نظر ~~أفراد فكروا في معاني ومضامين، وعاشوا قضايا وإشكالات. وبذلك يصير ~~تاريخ النحو العربي تاريخ إشكالات تحاور النحاة حولها، وطرحوا ~~أسئلة، وقدموا إجابة عنها. كل واحد من هؤلاء النحاة مميز ولا ~~ينوب عنه آخر، ومكانته في تاريخ النحو العربي الكلي تخضع لأسلوبه ~~ونوع فكره. كل واحد من هؤلاء النحاة له علاقة بغيره؛ فهو يقرؤهم، ~~ويستوعبهم، ويتصارع معهم. وبذلك يكون تاريخ النحو العربي تاريخ ~~تواصل وحوار بين النحاة. هذه الفكرة الموجهة لكتاب ياسبرز هو ما ~~أريد تحسسها في تراث النحو العربي، شرحا واختصارا ونقدا ومعارضة ~~وتراجم ومراتب للنحاة، وبين فكرة وفكرة هناك أفكار أخرى تشكل في ~~نهاية المطاف ما أراه مخططا ممكنا لتحليل التصور التاريخي للنحو ~~العربي الذي لم يقم به أحد حتى الآن. # شرح الكتب النحوية واختصارها # يشعر قارئ التراث النحوي العربي أن الكتب النحوية التي شرحت ~~الكتب النحوية شرحا أو اختصرتها أكثر من الكتب التي شرحت أو ~~اختصرت، حتى ليخيل للقارئ أن كتب التراث النحوي لا تقول شيئا ~~سوى أنها تشرح أو تلخص بعضها بعضا. على سبيل المثال: أحصى عبد ~~السلام هارون في مقدمته لتحقيق كتاب سيبويه «23» كتابا في شرحه ~~و«11» كتابا في شرح شواهده و«3» كتب في اختصاره أو اختصار شروحه ~~و«4» كتب في الاعتراض أو رد الاعتراضات. ومجموع هذا كله «55» ~~كتابا شارك ms007 فيها كبار علماء العربية كالمازني وابن السراج ~~والسيرافي. قد يقول قائل: إن كتاب سيبويه ؛ لأنه من الكتب المؤسسة ~~للنماذج العلمية، وكما هو معروف، فهدف مثل هذه الشروح والتلخيصات ~~هو الحفاظ على نموذج نحوي متماسك؛ أي إن مهمة هذه الكتب هي أن تصفي ~~نموذج نحو سيبويه، وأن تشذبه، وأن تصقله. غير أن حجة كهذه يترتب ~~عليها أن مهمة النحاة في تاريخ النحو العربي لن تكون إبداع ~~المفاهيم النحوية الجديدة، ولا تطوير النحو من حيث هو علم بأن ~~يضيفوا إليه، أو أن يولدوا نماذج نحوية أخرى. إنما مهمتهم أن ~~يحافظوا على نموذج نحوي معين، ويفنوا أعمارهم في تشذيبه وتنقيته ~~وصقله. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشرح لم يقتصر على كتاب ~~سيبويه، فقد شرح النحاة كتبا أخرى تعليمية وميسرة؛ أشهر هذه ~~الكتب كتاب «الجمل في النحو» للزجاجي. قد أحصى محقق الكتاب «41» ~~كتابا في شرحه، يتراوح حجمها بين مجلدين وبين تعليقات. كما أحصى ~~«18» كتابا في شرح أبيات الكتاب وشواهده. وعلى أي حال، ليس هذا ~~الجرد السريع بلا دلالة؛ إذ يمكن أن نستنتج التصور الفكري الذي ~~يتحرك خلف التراث النحوي العربي؛ وهو أن المعرفة النحوية هي ما ~~ينقل من أسلوب إلى أسلوب، وأن المعرفة تقوم على التشابه؛ لأن الشرح ~~والاختصار يشبهان ما شرحاه أو لخصاه. # من منظور الفكرة التي نقترحها لتاريخ النحو العربي، وتهم مؤرخ ~~النحو: أن شرح الكتب النحوية يشبه الشعب المرجانية التي تتكون من ~~طبقات عديدة من حيوان المرجان. الطبقة الأخيرة على قيد الحياة. ~~تموت هذه الطبقة بعد عدة سنوات لتحل محلها طبقة جديدة. وبعد أن تلد ~~كل طبقة حية يتغير نوعا ما شكل الشعب؛ يصبح «أعلى قليلا، أكبر ~~قليلا، ويبدو مختلفا قليلا.» # 3 # يعطي هذا الشبه مؤرخ النحو العمق التاريخي لشرح الكتب ~~النحوية؛ ذلك أن شرح كتاب نحوي مرتبط بالكتاب الذي شرحه؛ ما يعني ~~أن مفهوم النحو بني وتكون عبر الأجيال. يموت جيل ويأتي جيل، لكن ~~الجيل الذي أتى لا يبدأ من جديد، إنما يواصل البناء على أساس ما ~~تركه ms008 النحويون السابقون. وبالمقارنة مع الشعب المرجانية يحافظ ~~الجيل الجديد على مفهوم النحو، لكن في الوقت ذاته يتغير معه مفهوم ~~النحو. أو لنقل: يستمر مفهوم النحو، لكن مع المدد المديدة يتغير ~~قليلا. # من جهة أخرى، يكمن الإطار العام لاختصار الكتب النحوية في أن ~~المشكلة المعروضة على المهتمين بالنحو العربي، هي: كيفية التعامل ~~مع والسيطرة على المعرفة النحوية المتراكمة. لا يمكنني هنا ألا ~~أفكر في إمكانية الاستغناء عن ضخامة المؤلفات النحوية بمختصرات ~~تمثل حلا مقبولا يستجيب لشرط الذاكرة. ومن هذا المنظور ولد ~~المختصر من سؤال هو: كيف يمكن استيعاب المعرفة النحوية المتراكمة؟ ~~قد يقول قائل: إن الاختصار لا يحتمل التجاوز؛ لأنه يحمل صدى المؤلف ~~ومحاكاته. الاختصار موقف تعليمي أكثر منه موقفا تأليفيا. أن ~~يختصر نحوي ما ألفه نحوي آخر يعني إيمانه بجدوى ما كتبه المؤلف ~~الآخر، وإيصال كتابه إلى أكبر قدر ممكن من الناس. ويمكن أن أضيف ~~تسهيل درس الكتاب وتحصيله لتسليم المختصر بأهمية المختصر. لكن من ~~وجهة النظر التي نعرضها عن تاريخ النحو العربي، وتخص اختصار الكتب ~~النحوية أن المختصر يحمل معه عملا مريبا، فعند مستوى ما تبدو ~~الرغبة في اختصار كتاب ما رغبة في تجاوزه، فالكتاب هوية لا تقبل ~~الاختراق ما دام يحمل اسم مؤلف آخر. كل اختصار هو بمعنى ما تجاوز ~~ينطوي على إدانة المؤلف بالقصور. يتوسط المختصر بين مؤلف الكتاب ~~وبين القارئ لأنه يعتبر ذاته أعلم منهما معا؛ فالقارئ قاصر لأنه ~~لا يستطيع أن يقرأ ويستوعب كل الكتاب، والمؤلف قاصر لأنه عجز أن ~~يقدر المعرفة باللفظ الذي يناسبها. الاختصار بمعنى ما: هو اتهام ~~مبطن بالثرثرة والهذر. والمختصرون إذ يقيمون بين المؤلف وبين ~~القارئ يزعمون إنقاذ المؤلف من تشوهات وانحرافات؛ ولذلك لا يخلو ~~عملهم من عنف مشروع، لم تكن المؤسسة الثقافية آنذاك تجرمه أو ~~تدينه. # أما شارح الكتب النحوية، فهو مختصر الكتب النحوية، لكن بشكل ~~معكوس. وكما قلنا عن الاختصار؛ فالرغبة في شرح كتاب ما رغبة في ~~تجاوزه؛ إذ الكتاب هوية لا تقبل الاختراق ما دام يحمل توقيعا آخر، ms009 ~~وكل شرح ينطوي على إدانة القصور. يتوسط الشارح بين الكاتب وبين ~~القارئ؛ لأنه يعتبر ذاته أعلم منهما معا. القارئ قاصر لأنه لا ~~يستطيع أن يقرأ ويستوعب الكتاب. والمؤلف قاصر؛ لأنه عجز أن يقدر ~~المعرفة باللفظ الذي يناسبها. الشرح بمعنى ما هو اتهام مبطن ~~بالغموض، والشارحون إذ يقيمون بين المؤلف والقارئ يزعمون إنقاذ ~~المؤلف من تشوهات وانحرافات. ومثل الملخصين لا يخلو عمل الشراح ~~من عنف مشروع لم تكن المؤسسة الثقافية تجرمه أو تدينه. أكثر من ~~هذا؛ يخفي الشرح تصورا يتعلق بالتأليف والحقيقة. وإذا ما تأملنا ~~الكتب التي شرحت كتاب سيبويه؛ فسيتضح أن المطلوب من شرح تلك الكتب ~~أن تكشف عن المبهم والخفي والمشوش في كتاب أصلي، وأن الحقيقة مبهمة ~~ومختفية. ومهمة التأليف هي البحث عنها في هذا الكتاب. # مراتب وتراجم وطبقات النحاة # يحتمل أن تكون بدهية؛ تلك التي مفادها أن كل نوع من أنواع ~~الإنتاج الأدبي التي ينتجها المجتمع تعبر عن دافع من دوافعه ~~الواعية أو غير الواعية. ولتفهم هذه البدهية فيما يتعلق بالتراجم ~~يفترض هاملتون جوب # 4 # أن ما يكمن وراء التراجم العربية هو أن تاريخ الثقافة ~~الإسلامية هو في الأساس إسهام أفراد في ثقافتهم النوعية. يعكس ~~هؤلاء الأفراد وليس السياسيون القوى الفاعلة في المجتمع الإسلامي، ~~وإسهامهم الفردي جدير بأن يسجل ويبقى للأجيال القادمة. # لا يمكن أن ننسى تخليد الذكرى الذي بدأت به فكرة التراجم في ~~التراث العربي لا سيما الصحابة، غير أنها اتسعت فيما بعد إلى ~~الدور الفئوي الاجتماعي عوضا عن السياسي. ترتب على هذا أن ~~المؤهل الأساسي للمترجم له هو إسهامه الفردي في التقليد الثقافية ~~للمجتمع الإسلامي. ثم تبع ذلك أن توسعت فكرة التراجم إلى الثقافة ~~العربية كالأدباء والشعراء واللغويين والنحاة. # في إطار هذا التقليد ترجم لعدد كبير من النحاة. بدأ ذلك المبرد ~~وثعلب، وتبعهما ابن درستويه، والمرزباني وغيرهما. غير أن أهم ~~كتابين عرفا في هذا المجال هما: «مراتب النحويين» لأبي الطيب ~~اللغوي، و«طبقات النحويين واللغويين» لأبي بكر الزبيدي. فقد ترجم ~~الزبيدي تحت مفهوم «الطبقة» لعشرات النحويين، وكذلك ms010 أبو الطيب ~~اللغوي تحت مفهوم «المراتب». # لقد احتفى محقق كتاب «طبقات النحويين واللغويين» بنهج الكتابين ~~معا، واعتبر كل واحد منهما فريدا من نوعه بين كتب تراجم ~~النحويين. يقول عن الأول: «لم يسلكه أحد من قبله، ولا نهج نهجه ~~ممن جاء بعده.» غير أن المؤرخ لعلم النحو في التصور الذي ~~نقترحه سوف يتساءل عن معنى الكتابين، وعن الهدف الذي جعل ~~المؤلفين يقيمان كتابيهما على مفهومي الطبقة والمرتبة. # تختلف بنية كتب التراجم عن بنية كتب الطبقات؛ ذلك أن كتب التراجم ~~اتبعت ترتيبا مختلفا، فقد ترد ترجمة النحاة مع غيرهم من أصحاب ~~العلوم مثل كتاب «تاريخ بغداد»، ويرتب النحاة ترتيبا هجائيا ~~حسب أسمائهم الحقيقية. وقد تغلب بعض المؤلفين كالسيوطي على صعوبة ~~البحث عن النحوي تحت اسمه الحقيقي في كتابه «بغية الوعاة في طبقات ~~اللغويين والنحاة»؛ حيث خصص الباب الأخير للكنى والألقاب والإضافات. # 5 # والغالب على هذه الكتب هو أن ينقل المؤلف التالي عن ~~المؤلف السابق. وبالرغم من أن غالبها لا يضيف جديدا سوى في نواح ~~جزئية لا تكاد تذكر، فإن أهميتها الحقيقة تكمن في أن بعضها قد ~~ينقل عن كتاب لم يعد متاحا ككتاب المبرد الذي نتعرف مادته من ~~نقولات السيرافي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرتبط الترتيب والتبويب ~~والتصنيف بتفكير الزبيدي وأبي الطيب اللغوي نفسيهما، وهو التفكير ~~الذي لا يرتبط بالمؤرخ الحديث لعلم النحو كما نقترحه، الذي يعرف أن ~~الأسئلة التي عرضت عن نشأة النحو العربي. وغايته ومعناه وتاريخه ~~كانت موضعا للتأمل منذ قرون طويلة كتاريخ النحاة، والجماعات ~~العلمية النحوية (الطبقات) والمدارس النحوية (الكوفة والبصرة ~~وبغداد ... إلخ)، إلا أنها لا توفر تصورا تاريخيا لمفهوم النحو؛ ~~إذ لا يوجد سوى تراجم النحاة وحكاياتهم. ويبدو لي أن مفهومي ~~«الطبقة» و«المرتبة» هما مفهومان وصفيان، ولا يحملان أي دلالة ~~تحليلية؛ فهناك أسئلة لا يجاب عنها كالنتائج المترتبة على الطبقة ~~والمرتبة، ولا المفاهيم النحوية المشتركة بين أعضائهما. وبالتالي ~~فهما عنوانان وليسا مفهومين؛ لأنهما لا يقولان لنا شيئا أكثر من ~~حكايات النحاة وأساتذتهم ... إلخ. ومع ذلك، فإنني ms011 أظن أن هذين ~~المفهومين مفيدان لاقتراحنا عند مستوى التفسير المألوف للنحاة على ~~أساس الأجيال؛ كأن يقال: الجيل الأول أو الثاني. وفيما لو أراد ~~مؤرخ النحو الحديث كما نراه أن يستفيد من ذلك، فبإمكانه أن يتوقف ~~عند كل جيل ومفاهيمهم التأسيسية للنحو، واستكشافها واختلافها من ~~جيل إلى جيل، مما يعني إثارة قضايا نحوية مهمة تنتمي إلى تاريخ ~~النحو العربي. يمكن أن يكون سؤال المؤرخ الذي نقترحه للنحو العربي ~~لهذا النوع من الكتب هو: على أي نحو يمكن أن يمثل كتابا أبي ~~الطيب اللغوي والزبيدي تاريخا للنحو وليس للنحاة؟ ذلك أن كتابين ~~كهذين يحتفيان بالنحاة قد يكونان محفزين لدراسات في تاريخ النحو، ~~فالكتابان يربطان علاقة بين ماضي النحو في النحاة المنتمين إليه، ~~ومستقبل النحو في النحاة الذين جاءوا فيما بعد. تكمن الصعوبة التي ~~تواجه الإجابة عن سؤال كهذا في أن يوسع المؤرخ مفهوم الجزء المتعلق ~~بالنحوي إلى مفهوم الكل المتعلق بالنحو. وبهذه الطريقة أتصور أن ~~كتابين كهذين يمكن أن يكونا موضوعا للتأمل من زاوية غير مألوفة في ~~تاريخ النحو. وعلى أي حال، يمكن للمؤرخ الحديث للنحو العربي الذي ~~اقترحناه أن يتأمل كتب النحو العربي المؤلفة أو الشارحة والمختصرة، ~~وتراجم النحاة في ضوء الأفكار العامة التالية: # أن يكون للتلقي أسبقية منهجية؛ أي أن يكون تاريخ ~~النحو سلسلة من سلاسل التلقي، ومفاهيم ترتبت على ~~تلقيه. كل كتاب نحوي صيغ في محيط ثقافي يستقي منه ~~الشارح أو المؤلف تصوره النظري. وكلما ابتعد النحوي عن ~~زمن تأليف كتاب ما صعب عليه أن يفهم دقائق المؤلف. ~~فالسيرافي مثلا ينطلق من محيط ثقافي له مصادره ~~المعرفية؛ ذلك أن عصر السيرافي الذي شرح كتاب سيبويه، ~~أو عصر الزجاجي الذي كتب مؤلفا في رسالة كتاب سيبويه، ~~ليس بالضرورة هو عصر سيبويه؛ أي إن عقلية السيرافي ~~وتكوينه الثقافي ليس هي عقلية سيبويه وتكوينه. # 6 # يمكن أن يكون تاريخ النحو سلسلة من المفاهيم التي ~~تشكل ذخيرة إنجازات التلقي؛ لذلك فتحليل التلقي ~~والاستجابات يزودنا برؤية النحاة للنحو في فترات ~~تاريخية متلاحقة، وبتصوره التاريخي ms012 لا سيما إذا ما ~~انتبهنا إلى الاستجابات المميزة والمعبرة. إن التحليل ~~من منظور الاستجابات المعبرة والمميزة يساعد مؤرخ ~~النحو على أن يفهم نظرات المراحل التاريخية، والسياق ~~والكيفية التي يتحدث بها العلماء عن فكرة النحو ~~العلمية، ما وكيف تحدثوا عنها. # لا يعني إنجازات النحاة أن هؤلاء النحاة لا غنى عنهم ~~ولا بديل. فالقول: إن سيبويه كان لا بد من أن يكون ~~سيبويه هو نفسه، أو أن ابن جني لا بد من أن يكون ابن ~~جني هو نفسه، أو أن يقال ذلك عن غيرهما هو قول غير ~~يقيني؛ ذلك أن علما كالنحو متى ما نضجت الفكرة، ~~واكتملت ظروف الزمن ستتحقق الفكرة على يد عالم ليس ~~شرطا أن يكون ذلك الذي حققها في التاريخ. # يمكن أن يعبر كل عالم من علماء النحو عن فكرة نحو ~~عربي مكتمل يحمل طابعه الشخصي، ويشير إلى أصالة أسلوبه ~~في تحليل القضايا النحوية. إن كل نحو من نحو هؤلاء ~~يمثل مجموع قضايا نحوية متماسكة، ويبقى لكل واحد منهم ~~قيمة مميزة في سياق تاريخ النحو العام. # يتحاور هؤلاء العلماء حوارا عقليا؛ ذلك أن الماضي ~~عند كل واحد من النحاة لا غنى عنه لكي يستوعبه. يلوذ ~~النحاة الموتى بالصمت، ولا يسمعهم النحاة الأحياء إلا ~~من خلال كتاباتهم. يتكلمون عنهم، لكنهم لا يجيبون إلا ~~بما سبق أن قالوه في مؤلفاتهم النحوية. # 7 # يمكن أن يعد أحد النحويين نموذجا للآخر. وكما نعرف ~~الآن فإن سيبويه نموذج ابن جني. ولا أبالغ إذا قلت: إن ~~فهم ابن جني لكتاب سيبويه لا يماثله أي فهم آخر في ~~التراث النحوي العربي. ربما يكون أحد علماء النحو ~~خصما لعلماء آخرين مثلما كان ابن مضاء خصما لسيبويه ~~وابن جني، وقد اخترت هذين النحويين لكونهما أسسا ~~أغلب المفاهيم المؤسسة للنحو العربي. # يشترك علماء النحو في المعاني والخبرة. فالعلاقة بين ~~هؤلاء العلماء علاقة فكرية وعلمية كتبادل المعلومات ~~والأفكار من خلال الإشارة أو العزو أو التهميش، وهي ~~علاقة تسهم في بلورة قضايا النحو وتطوير مفاهيمه، ~~وتساعدهم على التعرف على الجديد، وما ms013 إذا كان يحتاج ~~إلى شرح أو تأويل. إنها علاقة من نوع خاص؛ تثري ~~المعرفة عن نشوء الجماعات العلمية كما هي في طبقاتهم، ~~يتوج هذا كله بمظاهر تمسك هؤلاء النحويين بمفاهيم ~~النحو العلمية. # هناك وجه آخر يبرز العلاقة العلمية بين النحاة؛ ذلك ~~أن أحدهم قد لا يكتفي بأن يدعي أن يكون الحق معه في ~~تحليل قضية نحوية، أو أن تكون حججه وبراهينه أقوى، ~~إنما يريد أن تكون حججه وبراهينه ضد عالم آخر يخالفه ~~ولا يتفق معه. من وجهة النظر هذه، فتاريخ النحو العربي ~~في جزء منه تاريخ صراع، وخلفيته العميقة التي صدر عنها ~~هو الصراع الخفي الذي يكنه كل عالم لآخر. تليق وجهة ~~النظر هذه بالنحاة الكبار، وتبرر محاولة تجاوز بعضهم ~~بعضا. من هذا المنظور فالنحاة قلما يسعون إلى أن ~~يكونوا محقين من أجل الحق ذاته، إنما أن يكونوا محقين ~~تجاه نحاة آخرين. وحججهم العميقة إنما هي دليل على ~~رغبتهم في أن يقولوا الحق من أحقاد دفينة، وضغائن ~~خفية. بصياغة أخرى فبراهين وأدلة كل ليست بريئة كما ~~يعتقد القراء، إنما هي براهين آثمة لأنها تجل لرغبة ~~خفية في أن يفرض ما يعتقده كما حدث من ابن ~~مضاء. # لا يجب أن نعتبر صراع النحاة وتنافسهم عيبا في تاريخ النحو ~~العربي؛ إذ يبدو أنه السائد في المعرفة. يقول الفيلسوف الفرنسي ~~باشلار في إحدى تبصراته النافذة: «لا يكتفي المرء أبدا بأن يكون ~~الصواب إلى جانبه والحق معه، وأن تكون الحجة له لا عليه، بل إنك ~~لتجده يتحرى دوما أن يكون محقا ضد شخص آخر يخالفه ويناقضه، وإنك ~~قلما تجد المرء يسعى إلى أن يكون محقا تجاه القول الحق، بل إن ~~مسعاه الدائم هو أن يكون محقا تجاه الغير. والحق أنه من دون ~~ممارسة القناعة العقلية الممارسة الاجتماعية هذه، فإنه ليس يمتنع ~~أن تكون أعمق الحجج العقلية، إن حقق أمرها وكشف شأنها، أقوى دليل ~~على ما تحويه رغباتنا في قول الحق من أحقاد دفينة.» # المفاهيم المؤسسة للنحو العربي # يمكن لمؤرخ النحو كما نقترحه أن يتتبع ms014 في كتب بعض النحويين ما ~~يمكن أن أسميه المفاهيم المؤسسة للنحو العربي؛ أعني اتفاق النحاة ~~على مجموعة من المفاهيم لا يقوم النحو العربي بدونها. وهنا أسوق ~~ملاحظتين في سياق الإجابة عن معنى مفاهيم النحو العربي المؤسسة. ~~الملاحظة الأولى: أن المفاهيم التي أسسها بعض النحاة هي مفاهيم ~~مشتركة بين علماء النحو العربي، وهي مفاهيم لا توجد بالضرورة بين ~~علماء آخرين كعلماء البلاغة أو التفسير أو الفقه أو الحديث، ولا ~~توجد بين المؤرخين والبلاغيين. فهي مفاهيم خاصة بالنحو العربي من ~~حيث هو علم. فالعامل مثلا مفهوم مشترك بين النحاة، وليس بين ~~المؤرخين أو المفسرين أو علماء الحديث. والملاحظة الثانية: أن هذه ~~المفاهيم المؤسسة للنحو العربي هي مفاهيم مشتركة. وأكثر من ذلك هي ~~مفاهيم مستلهمة، أو على الأقل مطمورة تحت ركام من التفصيلات ~~وتفصيل التفصيلات في تاريخ النحو العربي. بأي معنى يوحي بعض ~~النحاة بمفاهيم النحو العربي المؤسسة؟ في الواقع ليس الأمر بهذا ~~الشكل من الوضوح في تاريخ النحو العربي؛ ذلك أن النحاة الكبار يمكن ~~أن يشكلوا قائمة طويلة. غير أن وضع سيبويه وابن جني على سبيل ~~المثال في مقابل رد ابن مضاء على النحاة يظهر إلى أي مدى كان ~~سيبويه وابن جني من كبار مؤسسي مفاهيم النحو العربي ~~الأساسية. # تبدأ قائمة كبار النحويين بسيبويه مؤلف الكتاب العمدة في النحو ~~العربي. صحيح أن قبله نحاة كبارا، لكنهم في الغالب مشدودون إلى ~~روح البنية الذهنية للقرن الأول الإسلامي؛ لذلك يمكن القول: إن ~~سيبويه هو أول من جمع وحزم ووحد في مفاهيم نحوية ما أنجز قبله. ~~وعلى حد ما أعرف فإن سيبويه لم يرحل إلى الصحراء، ولم يجمع اللغة ~~من أفواه الأعراب، لكن وجوده ضروري للكم اللغوي المجموع من قبل ~~العلماء الآخرين. وقد استخدم في ذلك عقله الخالص، وخياله الفذ لكي ~~يصف اللغة العربية. وبحكم تلمذته على الخليل بن أحمد؛ فقد وجد ~~سيبويه كمية اللغة التي جمعها الخليل طوال حياته، وما ينقصها هو ~~عقل كعقل سيبويه. لقد أجاب سيبويه عن أول الأسئلة وأوضحها التي ~~يطرحها ms015 أي دارس للنحو العربي، وهو: ما الذي يحدث الأثر في أواخر ~~الكلمات العربية؟ ونحن الآن نعرف إجابة سيبويه من قوله: «وإنما ~~ذكرت لك ثمانية مجار؛ لأفرق بين ما يدخله ضرب من هذه الأربعة كما ~~يحدث فيه العامل - وليس شيء منها إلا وهو يزول عنه - وبين ما يبنى ~~عليه الحرف بناء لا يزول عنه بغير شيء أحدث ذلك فيه من العوامل، ~~التي لكل منها ضرب من اللفظ في الحرف، وذلك الحرف حرف الإعراب.» # 8 # ولتأكيد مفهوم العامل، وأنه علة العمل؛ أي إنه هو الذي يحدث ~~الأثر في آخر الكلمة العربية ضمن سيبويه كتابه أبوابا تحمل ~~مفهوم العامل وتنص عليه، سأدرج منها ما يشير إلى ذلك: # هذا باب ما يعمل فيه الفعل فينصب، وهو حال وقع عليه ~~الفعل وليس بمفعول. # هذا باب ما يعمل عمل الفعل، ولم يجر مجرى الفعل، ~~ولم يتمكن تمكنه. # هذا باب ما لا يعمل فيه قبله من الفعل الذي يتعدى ~~إلى المفعول لا غيره. # هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل ~~الفعل فيما بعده. # لا أنوي هنا مناقشة وجهات النظر التي ترتبت على مفهوم العامل في ~~تاريخ النحو العربي، وكونه هو المؤثر أو أنه أمارة أو أنه علامة ~~فقط، أو لا عمل له على الإطلاق. إنما أود أن أقترح أن مفهوم العامل ~~حدد به سيبويه النحو العربي، من حيث هو علم، يختلف مثلا عن علوم ~~اللغة والدين والتاريخ؛ أي إن مفهوم العامل مفهوم أساس في دراسة ~~النحو العربي، ومفهوم مؤسس. والنقاش الذي أثاره العامل في تاريخ ~~النحو العربي، وقبوله الضمني بين النحاة - مهما كانت رغبتهم في ~~متابعة سيبويه أو رغبتهم في مجادلته أو معارضته - أقول: أود أن ~~أقترح أن يكون مفهوم العامل هو المفهوم المؤسس الأول للنحو العربي؛ ~~لأننا لن نجد نحويا لا يسلم في البادية بهذا المفهوم. # إن مشكلة مفهوم العامل من حيث هو المفهوم الأول والمؤسس للنحو ~~العربي ليست في ظهوره. فلا مشكلة في أن الفعل «ضرب» هو العامل في ~~رفع زيد ونصب عمرو ms016 في قولنا: «ضرب زيد عمرا». إنما تكمن المشكلة ~~في عدم ظهوره، كما في قولنا: «زيد» جوابا على من سأل: «من ضرب ~~عمرا؟» في هذه الحالة يظهر مفهوم مؤسس آخر هو مفهوم الإضمار. وكل ~~النحاة يعرفون إجابة سيبويه التالية: «إذا رأيت رجلا متوجها وجهة ~~الحاج، قاصدا في هيئة الحاج، فقلت: «مكة ورب الكعبة.» حيث زكنت ~~(حدست) أنه يريد مكة، كأنك قلت: «يريد مكة والله.» ويجوز أن تقول: ~~«مكة والله.» على قولك: «أراد مكة والله.» كأنك أخبرت بهذه الصفة ~~عنه أنه كان فيها أمس. فقلت: مكة والله، أي أراد مكة إذ ذلك.» # 9 # وتأكيدا لأهمية مفهوم الإضمار نص سيبويه عليه. وسأدرج ~~من الكتاب ما يشير إلى ذلك. # هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره في غير الأمر ~~والنهي. # هذا باب ما يضمر فيه المستعمل إظهاره بعد حرف. # هذا باب منه يضمرون الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره ~~على أوله. # هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من ~~المصادر في غير الدعاء. # لا أنوي هنا مناقشة ما طرأ بعد ذلك على مفهوم ~~الإضمار في تاريخ النحو العربي، إنما أريد أن أؤكد على أن مفهوم ~~الإضمار هو المفهوم المؤسس الثاني للنحو العربي، ومثله مثل مفهوم ~~العامل. لا أظن أننا سنجد نحويا لا يسلم بأهمية هذا ~~المفهوم. # لقد أرسى سيبويه النحو العربي بوصفه علما، وحدد طريقه للآخرين. ~~أكتفي هنا بابن جني النحوي الأهم عندي بعد سيبويه. من قرأ كتابه ~~الخصائص يعرف أن ابن جني أنجز مهمة مملة ولكنها حيوية جدا في ~~تاريخ النحو العربي. فقد أراد من تأليف كتابه الخصائص أن يفكر من ~~جديد في النحو، وأن يحدد أصوله على أصول الكلام والفقه مما مكن ~~من استخدام مفهوم العلة على نحو منتج ومفيد. يقول: «... أنا لم نر ~~أحدا من علماء البلدين (البصرة والكوفة) تعرض لعمل أصول النحو ~~على مذهب أصول الكلام والفقه، فأما كتاب أصول أبي بكر (ابن السراج) ~~فلم يلملم فيه بما نحن عليه إلا حرفا أو حرفين في أوله، وقد ms017 تعلق ~~عليه به. وسنقول في معناه.» # 10 # دشن كتاب الخصائص مفهوم العلة. بدأ ابن جني بتوضيح غرابة هذا ~~المفهوم عن نحو تلك المرحلة التاريخية؛ أعني ما يفهم من قوله في ~~مقدمة كتاب الخصائص عن «تعريد (هروب وفرار) كل من الفريقين: ~~البصريين والكوفيين عنه (التعليل)، وتحاميهم طريق الإلمام به، ~~والخوض في أدنى أوشاله وخلجه، فضلا عن اقتحام غماره ولججه.» # 11 # يمكن أن نستخلص من عبارة ابن جني هذه، ومن عبارات أخرى ~~مشابهة تخص أصول الأخفش النحوية، وأصول الكلام وأصول الفقه، يمكن ~~أن نستخلص شعور ابن جني بأن هناك جانبا من كلام العرب لم يعلل أو ~~أنه علل بشكل بدائي. وحين ألف كتاب الخصائص أصبح عندنا نوعان من ~~الكتب؛ كتب تصف لغة العرب، وكتب أخرى تعللها. وإذا ما كان كتاب ~~سيبويه الكتاب الأهم في تاريخ النحو العربي الذي يصف كلام العرب، ~~فإن كتاب الخصائص هو الكتاب الأهم في تعليل كلام العرب في التراث ~~النحوي كله. # تكمن جدة كتاب الخصائص في الوعي بمفهوم العلة؛ فبغير مفهوم العلة ~~يبدو الحكم النحوي مليئا بالثغرات؛ أي إن ما يجعل الحكم النحوي ~~متماسكا هو مفهوم العلة؛ فقد ساوى بين الأحكام النحوية. وهذه أعظم ~~مساهمة لكتاب الخصائص؛ إذ بإمكان أي شخص أن يتحدى أي حكم نحوي، ~~بشرط أن يقدم العلة لحكمه النحوي المعارض. أما المساهمة الأخرى ~~التي لا تقل أهمية عن هذه، فهي أن النحوي لم يعد الشخص الذي يعرف ~~الحكم النحوي فقط، إنما الشخص الذي يبحث أيضا عن علته. إننا نخطئ ~~خطأ جسيما إذا نحن أولنا كتاب الخصائص على أنه تطوير لفكرة العلل ~~عند ابن السراج. لذلك يجب أن نعتبر كتاب الخصائص محاولة ابن جني ~~لإيقاظ النحو العربي ودعم مفهوميه المؤسسين (العامل والإضمار) ~~بمفهوم جديد هو مفهوم «العلة». وعلى أي حال لن أناقش مفهوم العلة، ~~وما ترتب عليه من عدد العلل التي وصلت إلى عشرات العلل في تاريخ ~~النحو العربي، إنما أريد أن أؤكد أن من النادر أن نجد نحويا لا ~~يسلم بمفهوم العلة في النحو. # يأتي ms018 بعد سيبويه وابن جني عبد القاهر الجرجاني الذي نظر إليه ~~المعاصرون على أنه بلاغي. ومكانته لا تكاد تذكر في تاريخ النحو ~~العربي، ولا يشكل مرجعية علمية عند التعرض لقضايا النحو. ومن ~~المثير في هذا الصدد ما جاء في التعريف بالطبعة الأولى من كتاب ~~«دلائل الإعجاز» التي كتبها السيد محمد رشيد رضا. كتب: «أما الكتاب ~~(دلائل الإعجاز) فيعرف مكانته من يعرف معنى البلاغة، وسر تسمية هذا ~~الفن بالمعاني. وأما من يجهل هذا السر ويحسب أن البلاغة صنعة ~~لفظية محضة قوامها انتقاء الألفاظ الرقيقة أو الكلمات الضخمة ~~الغريبة، فمثل هذا يعالج بهذا الكتاب.» تبدو غرابة هذا القول ~~حينما نقرأ في مقدمة الكتاب أن الجرجاني نفسه أدرج كتابه في النحو ~~وليس في البلاغة. يقول: «هذا كلام وجيز يطلع به الناظر على أصول ~~النحو جملة، وكل ما به يكون النظم دفعة، وينظر منه في مرآة تريه ~~الأشياء المتباعدة الأمكنة قد التقت له، حتى رآها في مكان واحد، ~~ويرى بها مشئما قد ضم إلى معرق، ومغربا قد أخذ بيد مشرق.» # 12 # ويقول في صفحة أخرى: «ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ~~ويجعله على ذكر، أنه لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم ~~أفرادا أو مجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل، ~~أن يتفكر متفكر في معنى «فعل» من غير أن يريد إعماله في «اسم»، ~~ولا أن يفكر في معنى «اسم» من غير أن يريد إعماله في «اسم» ولا أن ~~يفكر في معنى «اسم» من غير أن يريد إعمال «فعل»، فيه وجعله فاعلا ~~أو مفعولا، أو يريد منه حكما سوى ذلك من الأحكام مثل أن يريد ~~جعله مبتدأ، أو خبرا، أو صفة، أو حالا، أو ما شاكل ذلك.» وسوف ~~يوضح لنا بشطر بيت من الشعر كيف أن المعنى يتوقف، أو بالأحرى ~~«يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو»، حينما نزيل ألفاظه من ~~مواضعها. # لاحظ الجرجاني أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلمات المفردة؛ أي وهي ~~متجردة من معاني النحو «إنما منطوقا بها على ms019 وجه يأتي معه تقدير ~~معاني النحو وتوخيها فيها». ويستطرد: «ولم تجئ إلى فعل أو اسم ~~ففكرت فيه فردا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خبرا أو غير ~~خبر». ماذا يعني هذا لفكرتنا عن المفاهيم المؤسسة للنحو العربي؟ ~~يعني أن هناك قضيتين نحويتين مفترضتين: # لكل كلمة في الجملة حكم نحوي. # ليس لكلمتين متتاليتين في جملة واحدة الحكم النحوي ~~ذاته. # من أين جاء اللبس في حشر كتاب «دلائل الإعجاز» في كتب البلاغة ~~والجرجاني في علماء البلاغة؟ يبدو لي أن عبد القاهر الجرجاني أراد ~~أن يكون النحو علم علوم اللسان العربي؛ أعني العلم الشامل لكل فنون ~~اللغة العربية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى من أن الجرجاني استطاع ~~مستعينا بفكرة العقل الإنساني الذي يهيمن على كتابه أن يصوغ قضية ~~الإعجاز صياغة جمالية بعد أن كانت مثقلة بالدين. لقد هيأت اللغة ~~العربية لعبد القاهر الجرجاني سبل تحليل كلامها وفنها وجمالها من ~~منظور النحو. ومن المفارقة أن الشعر والقرآن - وليس كلام الأعراب ~~أو لغات القبائل التي تؤخذ عنها اللغة - هما ما سمحا له بصياغة ~~نظريته الجمالية. فالقرآن والشعر يتمايزان عن الكلام اليومي، ولا ~~أقدر من النحو مدخلا لتحليل الكلام الجميل والمعجز. # تكمن أهمية عبد القاهر الجرجاني في تاريخ النحو العربي في تأكيده ~~على مفهوم الحذف الذي يعتبر أهم مظهر من مظاهر التأويل النحوي. وهو ~~ينص على ذلك صراحة في عنوان فصل من فصول كتابه دلائل الإعجاز ~~«القول في الحذف». وهو فصل أظن أنه أجمل فصل كتب عن مفهوم الحذف ~~في تاريخ النحو العربي. مكمن الروعة في هذا الفصل أن الجرجاني وعى ~~وظائف الحذف ليس من جهة النحو فحسب، إنما أيضا من ناحية الجمال. ~~فغموض اللغة كما يكون عادة في الكلام الجميل والكلام المعجز يحتاج ~~إلى وضوح العقل. ولم يجد الجرجاني أفضل من علم النحو المستند إلى ~~العقل ليوضح وحدات الفن والإعجاز التركيبية؛ فالعقل ليس دلاليا ~~أو وصفيا فحسب؛ إنما أيضا جمالي. لقد ذكرت فيما سبق أن هناك ~~نوعين من الكتب في التراث النحوي. ms020 الأولى: تصف كلام العرب وأهمها ~~كتاب سيبويه. والثانية: تعلل كلام العرب وأهمها كتاب الخصائص. ~~وسأضيف هنا نوعا ثالثا يتذوق كلام العرب، وأهمها كتاب دلائل ~~الإعجاز. # ينطلق الجرجاني من فرضية مفادها أن مستويات اللغة العربية؛ أعني ~~الكلام بعامة، والكلام الجميل كالشعر، والكلام المعجز كالقرآن نتاج ~~عقل المتكلم بها، فحيثما يوجد مستوى من هذه المستويات يعني أن ~~العقل يعمل؛ «فالعاقل يرتب في نفسه ما يريد أن يتكلم به». وكل ~~مستوى منها قادر على أن يحقق الهدف الذي يريده العقل الذي أنتجه، ~~ويسعى لكي يحقق فكرة المستوى اللغوي الكامل. وبالتالي فإن عمل ~~النحوي هو أن يتقصى الحد الذي يقترب فيه المستوى اللغوي من فكرة ~~كمال المستوى اللغوي ذاته. هناك اختلافات بين هذه المستويات، ويقر ~~الجرجاني بذلك؛ إلا أنه لا يفرض معيارا من خارج كل مستوى، إنما ~~يستمده من طبيعة المستوى الداخلية. # لا أحد قبل الجرجاني فكر في أن الحذف يمكن أن يهيئ معرفة. ~~ومقارنة الفصل الذي خصصه ابن جني للحذف «باب في شجاعة العربية» ~~بالفصل الذي خصصه الجرجاني يرينا إلى أي حد تحول عمل الهاوي (ابن ~~جني) إلى عمل محترف (الجرجاني)، وأن ما أطلق عليه ابن جني «شجاعة ~~العربية» ليست إلا فكرة بدائية نضجت، وآتت أكلها عند عبد القاهر ~~الجرجاني، وشجاعة العربية عند ابن جني لم يكن لها أن تقاوم شجاعة ~~المعرفة عند الجرجاني. وهكذا يختفي وراء بناء النحو العلمي عند ~~الجرجاني قناعة تتمثل في إعجاز اللغة ودلائل إعجازها، وليس ما فهم ~~على أنه إعجاز مستوى لغوي معين. هذه القناعة هي أن اللغة معجزة ~~الإنسان. # إن ما أردت أن أوضحه هو وجود مفاهيم مؤسسة للنحو العربي من حيث ~~هو علم، أسهم في وضعها سيبويه وابن جني والجرجاني. هذه المفاهيم ~~المؤسسة هي: العامل والإضمار والعلة والحذف. وهي مفاهيم نحوية تشكل ~~حدا أدنى لكل معرفة بالنحو العربي، وبداية يؤمن بها معظم النحاة، ~~ويستعملونها بوصفها لا تقبل الجدل. # بدهيات النحو العربي # لا جدوى من أن أميز بين البدهيات وبين المسلمات، فهذا أمر ~~ثانوي على الأقل عند ms021 غير الإقليديين (نسبة إلى إقليدس)؛ لذلك ~~بإمكاننا أن نقول بدهيات النحو العربي في الوقت الذي بإمكاننا أن ~~نقول مسلماته. وفي تصورنا يمكن أن نبحث عن بدهيات النحو العربي، ~~وأن نعرضها ضمن تاريخ النحو العربي، وأن نؤسسها على أقل عدد ممكن. ~~وسأقترح البدهيات التالية: # لكل حكم نحوي عامل. # إذا لم يكن العامل ظاهرا فهو مضمر. # لكل حكم نحوي علة. # تسقط كلمة أو أكثر بشرط ألا تتأثر الصياغة أو ~~المعنى. # مؤكد أنني أشعر بضعف صياغة هذه البدهيات، وبمقدار تداخلها، ~~وتعقيداتها في التراث النحوي العربي. وهي تعقيدات لن أتوقف عندها؛ ~~فما أريد قوله هو أن المفاهيم المؤسسة للنحو العربي هي التي مكنت ~~القول ببدهيات النحو العربي، وقد تعرضا إلى تحد كبير من ابن ~~مضاء. ظهر هذا التحدي بعد وقت طويل من تأليف كتابه «الرد على ~~النحاة»؛ حيث أثار صدوره محققا من قبل شوقي ضيف الرغبة في أن ~~يتخلى النحو عن المفاهيم المؤسسة والبدهيات أو على الأقل ~~مراجعتها. # إن من يقرأ كتاب «الرد على النحاة» يعرف أن ابن مضاء لم يكن ~~غريبا عن النحو العربي. وما يثير الإعجاب حقا هو خبرته بالتراث ~~النحوي إلى حد أنه اختار بحصافة ما يهاجمه منه. من هذا المنظور ~~فكتابه يؤكد أن ما اقترحته على أنها بدهيات ومفاهيم مؤسسة للنحو ~~العربي هي بالفعل كذلك، فتفكيك قضية ما أو تدميرها يجب أن تستهدف ~~فيها بدهياتها ومفاهيمها المؤسسة. # ما الذي شغل ابن مضاء في كتابه؟ سأتجاوز لغة السجال لأتوقف عند ~~فكرة، هي أن ابن مضاء شعر بأن النحو العربي فقد براءة وبساطة ~~بدهياته ومفاهيمه المؤسسة، وأن هناك طرقا إلى المعرفة النحوية ~~أسهل مما آلت إليه مفاهيم النحو وبدهياته المؤسسة. وقد ركز الكتاب ~~على هذه الفكرة، وهو يعالجها تقريبا بشكل تفصيلي. وكما هو معروف ~~فإن الكتاب مستوحى من المذهب الظاهري، ويعكس وجهة نظره في التمسك ~~بحرفية النصوص وإلغاء القياس واستبعاد العلل. # هل قبل النحاة كتاب الرد على النحاة أم رفضوه؟ بالإمكان أن ~~نتجنب كلا الموقفين؛ ذلك أن تحدي ابن مضاء بدهيات النحو ms022 ومفاهيمه ~~المؤسسة كان يمكن أن يدفعهم إلى أن ينظروا بجدية إلى المفاهيم ~~والبدهيات التي هاجمها. ما تحداه ابن مضاء وأراد هدمه هو أهمية هذه ~~المفاهيم والبدهيات في علم النحو، لا سيما في صورتها الأبسط ~~والأبعد عن التعقيد. # وعلى أي حال؛ لن أعيد هنا إنتاج حجج ابن مضاء في الاستغناء عن ~~العلل الثواني والثوالث؛ إنما سألفت النظر إلى أن ابن مضاء قبل ~~المفهوم البسيط منها؛ أعني أنه قبل العلل الأولى؛ وهو قبول لمفهوم ~~أمثل به لما عنيته هنا بالمفهوم النحوي في صورته الأبسط والأبعد ~~عن التعقيد. # المفاهيم الموجهة للنحو العربي # كتب ابن جني «وليس غرضنا فيه (كتاب الخصائص) الرفع، والنصب، ~~والجر، والجزم؛ لأن هذا أمر قد فرغ في أكثر الكتب المصنفة فيه ~~منه. وإنما هذا الكتاب مبني على إثارة معادن المعاني، وتقرير حال ~~الأوضاع والمبادي، وكيف سرت أحوالها في الأحناء والحواشي.» # 13 # ثم يبين بعد ذلك أن لغة العرب هي التي يسميها دارسو ~~النحو الجمل على اختلاف تراكيبها. كتب هذا في ختام باب الفرق بين ~~الكلام والقول. وهو فرق يستند إلى أن القول أوسع تصرفا من الكلام، ~~وأن القول قد يقع على الجزء الواحد وعلى الجملة، وعلى ما هو اعتقاد ~~وعلى ما هو رأي. ويأخذ على آخرين أنهم ضيقوا القول إلى حد أنهم لا ~~يفصلون بينهما. ثم يتعجب من أن أولئك الذين لم يفهموا أن سيبويه ~~فصل بينهما، ويختم بشطر بيت من معلقة لبيد يدل على أنه متبع لا مبتدع. # 14 # يتابع ابن جني سيبويه في ~~التفريق بين القول وبين الكلام، ويميز من جهة بين القول المرتبط ~~بالكلام الناقص وغير المفيد الذي يخلو من المعنى، وبين الكلام من ~~حيث هو قول تام من جهة أخرى. والكلام التام هنا هو الكلام المفيد ~~ذو المعنى كالجملة وما كان في معناها. # قبل ابن جني لم يكن للمعنى أي دور استكشافي للتفريق بين ~~المفاهيم، فقد استخدم عند سيبويه لتحليل المبنى الناتج عن المعنى ~~الذي يقصده المتكلم. ولكي يتم ابن جني ما بدأه سيبويه؛ فقد تعلقت ms023 ~~بعض أبحاثه في كتاب الخصائص بمفاهيم كالمعنى والخفة والثقل ~~والتشابه والإيجاز. وهناك نص يقودنا رأسا إلى أهم المفاهيم ~~الموجهة للنحو العربي. يقول: «ومعلوم أن الكلمة الواحدة لا تشجو، ~~ولا تحزن، ولا تتملك قلب السامع، إنما ذلك فيما طال من الكلام، ~~وأمتع سامعيه، بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه ... والإطالة والإيجاز ~~جميعا، إنما هما في كل كلام مفيد مستقل بنفسه. ولو بلغ الإيجاز ~~غايته لم يكن له بد من أن يعطيك تمامه وفائدته، مع أنه لا بد فيه ~~من تركيب الجملة، فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان، ولا استعذاب.» # 15 # ما الذي نفهمه من هذا ~~النص؟ أن ابن جني يحتاج إلى مرشد وموجه ليتجاوز أي إشكال للتفريق ~~بين القول والكلام. وقد وجد هذا المفهوم في المعنى؛ أي لكي يفرق ~~ابن جني بين القول وبين الكلام احتاج إلى المعنى من حيث هو مفهوم ~~موجه. وقد حل الإشكال بهذا المفهوم، وأدرك به الفرق بين القول ~~والكلام. ولم يكن ممكنا الحل بدون مفهوم المعنى؛ فالكلام ذو ~~المعنى ينطبق عليه وصف ابن جني. فهو قد يشجو، وقد يحزن. قد يمتلك ~~قلب السامع، وقد يمتع سامعيه، بعذوبة مستمعه، ورقة حواشيه، وهذه ~~الآثار للكلام ذي المعنى لا يمكن أن تكون آثارا لكلام غير ذي ~~معنى. ولكي يكون الكلام ذا معنى يجب أن يكون مركبا، وهو ما ~~يستدعي مفهوم الجملة النحوية؛ فالتركيب يصنع سياقا للكلمات، وتصنع ~~الكلمات في سياقها جملا مركبة. غير أن مفهوم التركيب لم يكن عند ~~ابن جني مفهوما يوصف بنية اللغة ولا بنية النصوص إنما يوصف بنية ~~الجملة. مفهوم التركيب عند ابن جني هو مفهوم شرط الإفادة منظورا ~~إليها بما هي معنى يراد به أن يفهم. المعنى عند ابن جني هو ~~المفهوم الموجه الأول الذي يرسم للنحوي السبيل الذي يسلكه، ~~ويوجهه نحو الهدف. # يعبر ابن جني عن مفهوم موجه آخر ضروري للنحوي. يكمن المفهوم في ~~قوله: «وهذا عادة للعرب مألوفة، وسنة مسلوكة.» # 16 # يقصد مفهوم التشابه. فالعرب «إذا أعطوا شيئا من شيء ~~حكما ما قابلوا ms024 ذلك بأن يعطوا المأخوذ منه حكما من أحكام صاحبه؛ ~~عمارة لبينهما، وتتميما للشبه الجامع لهما.» # 17 # ثم يفسر ذلك في مكان آخر فيقول: «واعلم أن العرب تؤثر ~~من التجانس والتشابه وحمل الفرع على الأصل، ما إذا تأملته عرفت منه ~~قوة عنايتها بهذا الشأن، وأنه منها على أقوى بال.» # 18 # لقد دفع ابن جني مفهوم التشابه إلى أقصاه؛ فولد منه مفهوم ~~القياس؛ ذلك أن القياس يعني المماثلة والتشابه والنظير من حيث هو ~~منهج بدأ أولا في الأحكام الفقهية؛ حيث الاستدلال الفقهي من ~~مقدمات مشروعة في النصوص الدينية المؤسسة كالقرآن الكريم والسنة ~~النبوية. وقد حاد عن الصواب من اعتقد بتأثر ابن جني بالقياس ~~الفلسفي الذي يعني لزوم نتيجة من مقدمتين. # 19 # إن ما جمعته هنا يكفي لأن يشير إلى بعض من مفاهيم النحو الموجهة ~~وليس كلها. لقد أهملت أكثر مما ذكرت من المفاهيم الموجهة للنحو؛ ~~إذ إن هدفي هو أن أشير إلى مجالات في تاريخ النحو كما نقترحه لم ~~تدرس بعد. مجرد اقتراحات أعرضها في أفكار عامة؛ لذلك سأكتفي ~~بمفهومين آخرين هما الخفة والثقل دليلا على فكرتنا عن المفاهيم ~~الموجهة للنحو العربي. يقول ابن جني: «أما إهمال ما أهمل، مما ~~تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصورة أو المستعملة، ~~فأكثره متروك للاستثقال، وبقيته ملحقة به، ومقفاة على أثره.» # 20 # ويقول في مكان صفحة أخرى: «فأعلق يدك بما ذكرناه، من ~~أن سبب إهمال ما أهمل، إنما هو لضرب من ضروب الاستخفاف.» # 21 # مشكلات النحو الكبرى # دراسة الخلاف بين النحويين مفيدة، لكن الاكتفاء بالتوقف عند ~~مسائل الخلاف وقسمتها إلى أصولية وإلى موضوعات نحوية جزئية ليس ~~أكثر من تصنيف الخلاف وإعادة سرده؛ أي إن هذه الدراسات لا تتعدى ~~إلى ما هو أهم لتاريخ علم النحو كما نقترحه، كربط الخلافات بتصورات ~~النحويين العلمية، وعلاقتها بالثقافة؛ ذلك أن تاريخا جزئيا ~~كتاريخ النحو مرتبط قبل كل شيء بالتاريخ العام، ولا ينبغي لمؤرخ ~~النحو أن يتجاهل ذلك. ومهما حاولت دراسات كهذه أن تورد العوامل ~~التي هيأت الجو للخلاف كالاتجاهات ms025 السياسية، والتعصب، والمنهج ... ~~إلخ؛ فإنها لن تكون كافية من دون أن تحلل تكوين النحاة العلمي، ~~وارتباط نحوي بآخر؛ لأن شبكة من المسلمات تشكل خلفية النحوي ~~المعرفية؛ فحين يفكر نحوي؛ فهو يسلم بوجود طريقة معينة توصف بأنها ~~شبكة من الأحكام. يمكن أن يقال عن شبكة الأحكام هذه بأنها نظرية، ~~وربما مجموعة من النظريات، لكن حين تؤدي الخلفية عملها عند النحوي؛ ~~أي أن تقوم بوظيفتها، فليس النحوي في حاجة إلى نظرية؛ لأن مسلماته ~~تسبق نظرياته. بناء على ذلك يقصد بأصول النحاة المعرفية مسلمات ~~النحاة. ليست تصوراتهم وفرضياتهم وآراؤهم فحسب، بل هي جزء مما ~~يسمى بخلفية فكرهم. # 22 # سأتوقف عند مشكلة كبرى من مشكلات النحو العربي هي مشكلة العامل. ~~وقد تتبع السيد رزق الطويل الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة في ~~كتاب ابن الأنباري «الإنصاف في مسائل الخلاف» وعدها في اثنتين ~~وعشرين مسألة. وقد وصل إلى نتيجة هي أن الكوفي اتجه نحو العامل ~~اللفظي، وأن البصري اتجه نحو العامل العقلي؛ ويفسر نتيجته هذه بقرب ~~الكوفيين من الواقع اللغوي، وفهمهم لطبيعة اللغة، بينما يفرض ~~البصريون على العامل قيودا عقلية بحتة. # يرضي الاتجاه الكوفي الفكر الذي يود دائما أن يبسط المعقد، ~~ويركز على البسيط، ويرضي الاتجاه البصري الفكر العلمي الحقيقي؛ ~~فجوهر هذا الفكر أنه يقرأ المعقد في البسيط على حد تعبير باشلار. # 23 # وعلى هذا النحو ندرك أن التفسير بكون الاتجاه الكوفي ~~أو الاتجاه البصري أقرب إلى اللغة وطبيعتها هو تفسير يتناسى أن ~~قيمة مشكلة نحوية كالعامل النحوي قيمة تتناسب مع إيحاءاتها ~~بالتحقيقات العقلية التي تتفق مع اللغة التي نتكلمها بسهولة، ~~لكن العقل يعقدها كشأن أي علم يدرس ظاهرة ما. لقد اهتم الكوفيون ~~بالظاهر؛ أي إنهم لم يعتنوا بالمستتر، بينما اقتنع البصريون أن ~~فيما يستر ويحذف ويضمر ما يزيد على ما يظهر؛ لذلك كان من ~~المتعذر على الكوفيين أن يتوصلوا إلى مفهوم التأويل المهم في ~~بناء علم النحو. قد يرضي اكتفاء الكوفيين بالعامل اللفظي ~~الوصفيين، لكن هؤلاء يتناسون الإطار الثقافي لتخريجات البصريين ~~وتحقيقاتهم العقلية وتأويلهم؛ حيث ms026 يتجاوب هذا الإطار مع تأويل ~~النصوص المؤسسة للمجتمع الإسلامي كالقرآن والحديث. لقد منح التأويل ~~النحو حيوية وقيمة عقلية استخلصها نصر حامد أبو زيد. فالتأويل في ~~النحو العربي ليس ذلك المرض الذي يتخلص منه الوصفيون، إنما هو أداة ~~أساسية في بناء أي علم كعلم النحو، وهو يعكس الرؤية العلمية لإحدى ~~الظواهر في فترة تاريخية معينة. ثم إنه أداة أصيلة في الثقافة ~~العربية الإسلامية التي ولدت من نص أساسي ومركزي هو القرآن. # 24 # لن نتوقف عند أطر المجتمع الإسلامي الثقافية؛ فقد أشبعت ~~بحثا. ما نود أن نتوقف عنده هو مفهوم الشذوذ بوصفه مشكلة كبرى من ~~مشكلات النحو العربي؛ فأهمية الشذوذ بوصفه مشكلة تكمن فيما لو ~~عرفنا الآن على الضد مما عرفه القدماء وبنوا عليه قاعدة. الشذوذ ~~تعريفا هو ما لم يخضع للقاعدة التي وضعها البصريون. # 25 # ما نريد أن نلفت النظر إليه هو أن الشذوذ ليس نقيض ~~القاعدة، أو خروج عن النظام فقط، إنما هو أيضا مرتبط بطبيعة ~~العلم. فمن طبيعة العلم أن يكشف ما هو خارج نظامه على أنه شاذ؛ أي ~~أنه يخرج «غير المفهوم طبقا للإطار المعرفي الحالي». # 26 # العامل والشذوذ مجرد مثلين للمشكلات الكبرى للنحو العربي. لا شك ~~في أن هناك ما هو أكثر؛ فالخلافات النحوية كثيرة. وهذه الخلافات لا ~~سيما الكبرى منها ترتبط بمشكلات نحوية بعينها، وهو أمر جيد؛ ~~لأنها تشير إلى أن النحو علم يعي موضوعه. وتبعا لما نقترحه يمكن ~~أن يوصف مؤرخو النحو تاريخ النحو استنادا إلى مشكلاته الكبرى. ~~مثلا يمكن أن يعلموا المراحل التاريخية ويبرزوها في تاريخ النحو ~~تبعا للمشكلة الكبرى أو المشكلات التي دار حولها الخلاف، وما إذا ~~كان الخلاف يشير إلى عوامل ثقافية كالتي أثارها ابن مضاء وعلاقتها ~~بالعوامل الثقافية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن توفر لهم ~~مشكلات النحو الكبرى مخططا تاريخيا لتناسل المشكلات من بعضها ~~البعض وتناسل الحلول التي قدمها النحاة. مشكلات النحو الكبرى تختلط ~~في تاريخ النحو برد النحاة على بعضهم البعض، وبوسائل الخلاف فيما ~~بين النحاة؛ لذلك ms027 فإن دراسة مؤرخي النحو لكتب الخلاف بين النحاة ~~ستساعد على رسم المخطط التاريخي لمشكلات النحو. # الفصل الثاني # | النحو في حدود المعيار # تكاد تجمع المصادر على أن أبا الأسود الدؤلي هو واضع النحو العربي. ~~غير أن «الوضع » المنسوب لرجل واحد تبدو الكلمة غير المناسبة لفهم عملية ~~معقدة كنشوء علم من العلوم؛ فما يبرر القيمة الحقيقة لوضع علم من ~~العلوم ليس العقل الخاص لهذا الرجل العبقري أو ذاك، إنما العقل الجماعي ~~للعلماء؛ لذلك فمشكلة نشأة النحو العربي أشد تعقيدا مما ذكر في ~~المصادر القديمة. # ومع تحفظي على فكرة الوضع إلا أنني سأوافق عليه، لكن ليس من جهة أبي ~~الأسود الدؤلي أو من جهة غيره العلماء؛ إنما من جهة أن بعض الأفكار ~~تفرض نفسها على المشهد الفكري بقوة هائلة. وفق سوزان لانغر في كتابها ~~«الفلسفة بنغمة جديدة»؛ فإن الأفكار التي تفرض نفسها تعد بحل كثير من ~~المشكلات على نحو آني. أكثر من هذا تبدو هذه الأفكار كما لو أنها ستحل ~~المشكلات الأساسية، وتضيء المشكلات الغامضة؛ لذلك يرحب بها الجميع كما ~~لو أنها المفتاح السحري لعلم جديد، أو كما لو أنها يمكن أن تكون المركز ~~المفهومي الصالح لبناء تحليلي شامل. # 1 # ما الفكرة التي فرضت نفسها على المشهد الفكري لمرحلة الدؤلي ~~التاريخية؟ سأبني إجابتي على الربط الذي تورده المصادر بين وضع أبي ~~الأسود الدؤلي النحو وبين ضبطه المصحف بالشكل. فهذا الربط يشير إلى أن ~~أبحاثه النحوية انصرفت إلى ضبط أواخر كلمات القرآن؛ أي إن الفكرة التي ~~فرضت نفسها هي فكرة أن يكون هناك علم يضبط أواخر كلمات القرآن من جهة، ~~ومن جهة أخرى يصون اللسان العربي من الخطأ. وعلى الرغم من النقد الموجه ~~حديثا إلى هذه الفكرة فإنها أبعد الأفكار أثرا، وأشدها وعدا بصفتها ~~بداية، ومن منظورها فإن الدؤلي في تاريخ النحو العربي يشبه طاليس ~~المالطي في تاريخ الفلسفة اليونانية؛ إذ إن الدؤلي عرض المشكلة، وحدد ~~اتجاه وطابع النحو؛ لذلك فأهمية أبي الأسود الدؤلي في تاريخ النحو تكمن ~~في أنه عرض مشكلة، وليس لأنه ms028 حلها. # في إطار الأفكار التي تفرض نفسها، سأختبر نشأة النحو العربي في ~~حكايات نشأته. وسأنطلق من فرضية هي أنها حكايات ألفت لاحقا، لكن ~~تأخر تأليفها لم يكن ليمنع مؤلفيها من أن يضفوا بتأليفها المشروعية ~~على نشأة النحو لحفظ اللسان العربي، وأنهم لخصوا بها فكرة النحو الأولى ~~حين تصوروه في نموذج نافع؛ فالمعرفة النافعة المرتبطة بنشأة أي علم هي ~~المعرفة المرتبطة بحياة الناس، ولا يوجد أفضل من ارتباط القرآن باللغة ~~العربية، وارتباطهما معا بحياة المسلم اليومية. # لقد نشأت الحاجة إلى تركيب نظري كالنحو؛ بسبب نمو المجتمع العربي ~~الإسلامي وتطوره. وإذا ما تأملنا النحو بوصفه تركيبا نظريا، فسنلاحظ ~~أنه يوسع المعرفة النحوية التي يستقيها من الناطقين باللغة العربية. ~~فتبعا للقدماء فالعربي من أهل الوبر يرفع الفاعل، ليأتي النحو بعد ذلك ~~ليوسع معرفتنا بالفاعل إعرابا وتقديما وتأخيرا ... إلخ. هذا من جهة، ~~ومن جهة أخرى فإن الناطقين باللغة العربية يتجلون في النحو العربي؛ ~~فوظيفة الناطقين إثارة التفكير النحوي؛ فالعربي من أهل المدر الذي نصب ~~الفاعل يثير تفكير المهتمين باللغة العربية. يعني هذا أن مهمة النحو لا ~~تتعلق بالناطقين، إنما تتعلق باللغة التي يتواصلون بها؛ فالفرق بين ~~الأعرابي الذي قال: يا سبحان الله! يلحنون ويرزقون، وبين أبي الأسود ~~الدؤلي الذي وضع الفاعل والمفعول، هو الفرق بين الأعرابي الناطق الذي ~~يفكر في الناطقين، وبين النحوي الذي يفكر في اللغة. ولا يمكن أن نقدر ~~أهمية هذا التطور، إلا إذا نظرنا إلى تلك المرحلة التاريخية في إطار ~~موقعها التاريخي. # عند بعض مؤرخي النحو العربي وجد النحو مشكلته الأولى ضمن ملاحظات ~~مرضية يعبرون عنها بفساد الألسن وجرثومة اللحن وتسرب الضعف إلى ~~سليقة العربي. # 2 # من منظور الصحة والمرض يمكن عرض المسألة على النحو التالي: ~~الرجال الأصحاء الذين لا يعكر صحتهم شيء لن يعرفوا علما للصحة، # 3 # كذلك هم العرب الفصحاء لن يعرفوا علم النحو. هذا ما توحي ~~به حكاية الأعرابي الذي وقف على مجلس الأخفش، فحار وعجب وأطرق ووسوس. ~~فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟ فقال: أراكم ms029 تتكلمون بكلامنا عن ~~كلامنا بما ليس من كلامنا. # 4 # قبل الإسلام لم يكن العرب في حاجة إلى تركيب نظري يسمى النحو؛ لأنهم ~~في غنى عن ذلك؛ فقد «كانوا ينطقون عن سليقة جبلوا عليها، فيتكلمون في ~~شئون حياتهم من دون تعمل فكر، أو رعاية إلى قانون كلامي يخضعون له، ~~قانونهم ملكتهم التي خلقت فيهم، ومعلمهم البيئة المحيطة بهم.» # 5 # ماذا يعني هذا للأعرابي الذي حضر مجلس الأخفش النحوي؟ يعني ~~أن الأعرابي يقف خارج العلم؛ أي في الحياة قبل العلمية (دون تعمل فكر ~~أو رعاية إلى قانون كلامي)، ولا يوجد في محيطه أشخاص يمتهنون النحو ~~(غنيون عن تعرفه)، ولا وجود لتقاليد علمية نحوية منحدرة من أشخاص ~~نحويين يؤثرون فيه (معلمهم البيئة المحيطة بهم). ينتمي الأعرابي إلى ~~مجتمع ما قبل علمي (قانونهم ملكتهم التي خلقت لهم) تشترك فيه كل ~~الذوات الفردية لجماعة (نحن) في صورة المجتمع، وفي نمط وضعياته ~~المألوفة؛ أي نحن عائلتنا، نحن فخذنا، نحن قبيلتنا، نحن العرب. # 6 # في المقابل، يقف الأخفش داخل العلم، وفي الحياة العلمية، وفي تقاليد ~~علمية منحدرة من علماء نحو أثروا فيه. أن يكون الأخفش عالما من علماء ~~الطبقة الخامسة في تاريخ النحاة فذلك يعني أنه ينتمي إلى جماعة علمية ~~تتشكل من مجموع الفاعلين فيها، وأن يكون منتسبا إلى جماعة علمية ~~نحوية، فذلك يعني أن يدمج وأن يخضع لموضوع مراقبة اجتماعية. # 7 # والخلاصة: «أن الامتثال لانتظارات الزمرة وتوقعاتها ليس ~~ثمرة رغبة الأفراد وحدها، إنه نتاج مران على دور اجتماعي يسبق دخولنا ~~الحياة المهنية، ونتاج ضبط مستمر (دوزنة) لأبناء المؤسسة العلمية ~~بواسطة أنفسهم.» # 8 # يستحق مفهوم «الحياة المهنية» أن نتوقف عنده. لماذا لا نعتبر النحو ~~مهنة من المهن التي تنشأ بين مرحلة تاريخية وأخرى؟ بالفعل هو مهنة. وما ~~يشير إلى ذلك أن كتاب سيبويه خرج إلى الناس بسبب التكسب؛ فقد روي أن ~~الجرمي والمازني تشاورا على أن يحيلا بين أستاذهما الأخفش وبين كتاب ~~سيبويه الذي ضن به بترغيبه في المال؛ إذ كان الجرمي ثريا فقرآه عليه. # 9 # لكل ms030 مهنة مهمة تخصها. لا يتعلق الأمر بمهمة يؤديها أفراد، إنما بمهمة ~~مترابطة في حياة اجتماعية، وعبر سلسلة من الأجيال والأزمنة. في البداية ~~يعي شخص ما فكرة في شكل تخمين، أو شعور. قد تكون فكرته، وقد تكون فكرة ~~آخرين تبناها واعتبرها فكرته، لكن مجرد كونها فكرة مشروع أولي فهي لا ~~تعطي أهدافا؛ لأن الهدف يضعه الفرد (الأنا) في الفعل (أنا أريد) من ~~أجل هدف (على هذا الهدف أن يتحقق)، وبفضل إرادة الفرد (أنا أريد) تصبح ~~الفكرة قصدا جديا. # 10 # وبالعودة إلى موضوعنا فقد وضع الدؤلي هدفا لنفسه (أنا ~~أريد)، وأصبح أسير هدفه (على هذا الهدف أن يتحقق) وبفضل إرادته (أنا ~~أريد) أصبحت فكرة النحو قصدا جديا كرس له جهده ووقته. # كيف نفهم أصل التقابل بين الأعرابي وبين الأخفش في الحكاية؟ كيف نفهم ~~التقابل بين الحياة ما قبل العلمية وبين الحياة العلمية في العالم ~~اليومي؟ من المعروف أن اللغة العربية «لم تؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان ~~البراري ممن كان يسكن أطراف بلادهم لسائر الأمم.» # 11 # وقد أخرج بسبب هذا لغات قبائل كثيرة، وبقي القليل من ~~القبائل التي ينتسب إليها الأعراب الذين امتهنوا نقل اللغة وبيعها إلى ~~اللغويين. مهنة الأعرابي هذه مثلها مثل أي مهنة أخرى في العالم، لها ~~مهام قابلة لأن تحقق. وقد حققت من قبل عندما حدث التحول الأول الذي ~~أنجزه أعرابي مجهول خطرت على باله فكرة موفقة، هي أن يتكسب بلغته. ~~ومنذئذ أصبح السبيل سالكا لأعراب آخرين. لم تصل إلينا قصة ذلك ~~الأعرابي المجهول لنفهم نمط تفكيره. كل ما نعرفه أن الأعراب توارثوا ~~هذه المهمة، وتوارثوا معها الكيفية التي يحققون بها مهمتهم؛ أي ~~الممارسة المنهجية للتنفيذ. ذلك أن «تدشين المهن المعتادة يعني في ~~الحقيقة مسبقا توارث ابتكار، تم القيام به سابقا وحالفه التوفيق، عبر ~~الأزمان في منهج يمكن تكراره كما نشاء. تنشأ في كل مهنة منتجات غائية ~~يمكن التعرف عليها باشتراك بين الذوات، وبذلك تندرج من جديد في عالمنا ~~المحيط. هكذا توجد فيه الآن موضوعات نافعة تنتمي حسب ms031 نوعها للمهن ~~المختلفة المعهودة: أحذية، ألبسة، منازل ... إلخ.» # 12 # لكل اهتمام وقته؛ أي حين يفعل أحد ما أحد اهتماماته، ويمارسه ~~فعليا، فإنه يعلق في الوقت ذاته اهتماماته الأخرى من غير أن يغيبها ~~تماما، إنما تكون موجودة؛ فالأعرابي الذي ينقل اللغة ومعه الأخفش الذي ~~يتحدث عن اللغة يعلقان اهتماماتهما الأخرى ككونهما أبوين، يعولان ~~أسرتين، ويربيان أطفالا، ويصرفان عليهم ... إلخ. وهكذا يمكن القول: حان ~~الوقت الذي ينقل فيه الأعرابي اللغة، وحان وقت الأخفش لكي يتحدث عن ~~اللغة باللغة بما ليس في اللغة. # من وجهة النظر هذه يتوفر كل شيء على وقته داخل الوقت الشخصي ~~للأعرابي والوقت الشخصي للأخفش، ويتوفر كل شيء في الأوقات المهنية ~~الأخرى التي تفرض نفسها عليهما؛ كأن يكونا مواطنين عربيين ومنتمين ~~إلى مجتمع عربي، ولهما فيه أدوارهما الاجتماعية. غير أن هذا كله لا ~~يمنع بقاء مهنتيهما قائمتين؛ فالطبيعي هو ألا يغير اهتمامهما بأسرتيهما ~~على سبيل المثال من اهتمامهما بمهنتيهما التي تستمر موجودة، وكذلك ~~تستمر مع وجودها صلاحيتها. # الآن يمكننا أن نسأل: ألا تشبه اللغة التي ينقلها الأعرابي ~~الموضوعات النافعة للمهن المختلفة؟ أي: ألا تشبه لغة الأعرابي عند ~~النحوي الأدوات النافعة للإسكافي والخياط؟ ألا تختلف مهمة النحوي ~~الأخفش عن مهمة الأعرابي بكيفية حاسمة؟ إن مهنة النحوي تتميز عن مهنة ~~الأعرابي. وبالعودة إلى الأخفش؛ فالمعنى التحليلي لمهمة النحو ومهنة ~~النحوي يكمن في إنشاء معرفة تقابل معرفة أخرى كما هي معرفة الأعرابي ~~القائمة في حياته ما قبل العلمية في العالم اليومي. # من وجهة نظر العلم الأعرابي على حق؛ فالكلام الذي تتكلم به جماعة ~~علمية (مجلس الأخفش) يختلف اختلافا نوعيا عن الكلام الذي يستخدم في ~~الحياة اليومية. ويعود السبب إلى أن كلام الجماعة العلمية يبتعد عن ~~خبرة الحياة اليومية، وإلى أنها تستخدم المصطلحات والمفاهيم المجردة، ~~وتعرف المعاني بطرق تقنية تنتمي إلى العلم؛ لذلك لم يفهم الأعرابي ~~الكلام الذي سمعه؛ لأنه يقف خارج الجماعة العلمية. وبمقارنة المرجعيات ~~نجد أن مرجعية الكلام عند الأعرابي هي خبرة الحياة اليومية، بينما ~~مرجعيته عند الأخفش خبرة الجماعة العلمية. ms032 # يحضر الأعرابي في تاريخ النحو على مستوى الشواهد النحوية، وهذه ليست ~~النحو؛ إنما هي من جنس الأشياء النافعة كالتي تحضر إلى الإسكافي أو ~~النجار أو البناء. الشواهد النحوية التي نقلها الأعرابي ليست النحو، ~~إنما هي عظام النحو مثلما أن الجلد هو عظام الحذاء، والصوف هو عظام ~~الثوب، والحجر هو عظام البيت. يترتب على هذا أن مهنة الأعرابي تختلف عن ~~مهنة النحوي مثلما تختلف مهنة الدباغ عن مهنة الإسكافي ومهنة ~~الصواف عن مهنة الخياط ومهنة من يقتلع الحصى ويشذبها عن مهنة ~~البناء. الأعرابي عبر عن الاختلاف بقوله: يتحدثون بكلامنا عن كلامنا ~~بما ليس من كلامنا. وبالفعل هذه هي مهنة النحوي مثلما جسدها أبي ~~الأخفش. # وفق أحد الباحثين ما كان للنحو لينشأ إلا أن يكون نحوا تعليميا ~~وليس نحوا علميا، وبتعبيره «أن يكون في عمومه نحوا معياريا لا ~~نحوا وصفيا.» # 13 # من الصعب ألا نتفق معه؛ لأن النحو المعياري هو المدى ~~المدرك في تلك المرحلة التاريخية. وكما سنعرف فيما بعد # 14 # فقد فكر في اللغة العربية، وفي النحو العربي تحت ضغط ~~الظرفين التاريخي والأيديولوجي. وعلى أي حال، قد يخطئ المرء إذا ما ~~أول حماس بعض المعاصرين كتمام حسان للنحو الوصفي على حساب النحو ~~المعياري على أنه رغبة منه في أن يذل النحو التعليمي أمام النحو ~~العلمي. ليس الأمر كذلك إنما هو تقويم أفكار القدماء في ضوء تطور الفكر ~~اللغوي المعاصر؛ ذلك أن دراسة تمام حسان التي استشهدنا منها أعلاه «تعد ~~من أخطر الدراسات الحديثة وأهمها في اللغة العربية، ولا أكون مبالغا ~~لو قلت: إنها أشمل دراسة مستوعبة لكل جوانب اللغة. وهي إلى جانب ذلك ~~أكثر تقديرا واحتراما لجهد القدماء، وتعتمد في كثير من جوانبها على ~~نتائج دراساتهم، وتضعها في سياق لغوي حديث.» # 15 # فيم تتمثل السمة التي يجب أن يتسم بها النحو العربي؛ لكي يكون نحوا ~~علميا؟ تتمثل من وجهة نظر تمام حسان في أن تكون دراسة النحو دراسة ~~للتركيب؛ فالجانب التحليلي من دراسة النحو لا يلتفت إلى معنى الجملة، ~~لا من ms033 الناحية الوظيفية العامة، ولا من ناحية الدلالة الاجتماعية. # 16 # وبما أنه لا يوجد عمل متقن من دون نفع تماما، # 17 # فقد كان النحو المعياري وهو بطبيعة الحال عمل متقن وفريد ~~في الثقافة العربية القديمة نافعا في مرحلته التاريخية، وفي المستوى ~~الذي وصلت إليه العلوم العربية آنذاك. لم يفشل في الغاية، وإن لم ينجح ~~نجاحا نهائيا. لكن الأهم أنه يمثل بداية لا تقل أهمية عن بدايات ~~كبرى؛ الأمر الذي جعل البعض يضع الحكايات عن نشأته؛ فالناس يبحثون عن ~~تفسير لكل الأشياء، وحين لا يعرفون يؤلفون الحكايات. ربما تبدأ الحكاية ~~مما هو تاريخي (واقعي) ثم تتوسع إلى ما هو أبعد لتتحول إلى حكاية ~~صافية. لكن هذا التحول لا يحول دون دراستها؛ فالحكاية مهما جنحت إلى ~~الخيال؛ فهناك إمكانية لأن نقتفي أثر نقطة ما هي بذرتها الحميمية، وهذه ~~البذرة التي سنقتفي أثرها هنا هي أسس النحو الثقافية ~~والاجتماعية. # هناك شخصيتان مختلف على أي منهما هو بطل حكايات نشأة النحو. # 18 # الشخصية الأولى هي علي بن أبي طالب، وقد ذهب الأنباري ~~والقفطي إلى أنه هو البطل. والثانية هي أبو الأسود الدؤلي، وقد ذهب ابن ~~سلام وابن قتيبة والزجاجي وأبو الطيب اللغوي والسيرافي والنديم إلى أنه ~~هو البطل. # لا يمكن أن نكون سذجا لكي نصدق. فكما قلنا أعلاه فالوضع المنسوب ~~لرجل واحد كعلي بن أبي طالب أو زياد بن أبيه أو نصر بن عاصم أو أبي ~~الأسود الدؤلي تبدو الكلمة غير المناسبة لفهم عملية معقدة كنشوء النحو ~~العربي. فما يبرر القيمة الحقيقة لوضع النحو العربي ليس العقل الخاص ~~لهؤلاء، إنما العقل الجماعي. وما يجعلنا نتوقف عند الحكايات المرتبطة ~~بوضع النحو هو أن هذه الحكايات تمثل من وجهة نظرنا إعادة سرد حدث ~~مهيب وجليل هو بداية النحو. وهو ما يساعد على أن نستشف القيمة الكبرى ~~التي أعطيت لنشأة علم النحو في الثقافة العربية الإسلامية. # 19 # إن السمة الأوضح لحكايات البدء هي جدة ما بدأ فجأة وظهر في روعة ~~البناء والتصميم. وهي الجدة التي تذهل لتكون موضع ms034 حكاية متناقلة. وقد ~~جعلت الحكايات وضع النحو حدثا كبيرا تتساوى قيمته مع أحداث كونية ~~كبرى كالحكايات التي تسردها مقدمات الكتب التاريخية القديمة عن الأحداث ~~الكبرى البدئية، كبناء الكون أو خلق الإنسان ... إلخ. كما أنها أكدت ~~على المدى الذي يعيش فيه المهتمون بالنحو في الحكاية، والمدى الذي يصل ~~إليه هؤلاء المهتمون في أن يحكوا الحكايات لآخرين ؛ لكي يضفوا معنى على ~~تجربة علمية كنشأة علم النحو. # المكان المثالي للصراع بين الأجيال # لكي تسهل متابعة التحليل سأبدأ بحكاية واحدة، وسأستخدم بقية ~~الحكايات على أنها وسائل ضبط وتحقيق. وإذا ما تحتم علي أن ~~أوصف هذا الإجراء في التحليل فهو فرضي؛ أي يستند إلى فكرة ~~مبدئية توجه التحليل، وهي الأساس الثقافي لمفهوم النحو في تلك ~~المرحلة التاريخية، وهو استنباطي في الوقت ذاته؛ حينما يستخدم ~~نصوصا أخرى من أجل الضبط والتحقيق. # 20 # سأختار أقصر حكاية من تلك الحكايات التي رويت. روي عن عاصم أن ~~أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته: ما أحسن السماء؟ فقال لها: ~~نجومها، فقالت: إني لم أرد هذا، وإنما تعجبت من حسنها، فقال ~~لها: إذن فقولي ما أحسن السماء! فحينئذ وضع النحو، وأول ما رسم ~~منه باب التعجب. # 21 # أول ما نلاحظه هو أن الحوار دار بين أب وابنته؛ أي في أسرة. ~~يشير هذا إلى أن من بين التغيرات التي تحدث في المجتمع لا شيء ~~يكتسي أهمية مثل التغيير الذي يحدث في الأسرة؛ لذلك فالأسرة مكان ~~مثالي للصراع بين الأجيال. وبالتالي يمكن أن يكون الأب وابنته في ~~الحكاية رمزا للصراع بين جيلين أحدهما متمسك باللغة العربية في ~~مستواها الفصيح، والآخر لا يدير لذلك بالا. # نجد في الأسرة أصل فكرة وجود خليفة كعلي بن أبي طالب، أو وال ~~كزياد بن أبيه في حكايات أخرى تتعلق بنشأة النحو؛ ذلك أن الأسرة ~~تفضي إلى ما هو أوسع منها؛ أعني إلى الدولة؛ فالأسرة هي «المنوال ~~الأول للمجتمعات السياسية: فالرئيس هو صورة عن الأب، والشعب هو ~~صورة عن الأولاد ... أما الاختلاف كله فكون الحنو الذي للأب ~~لأولاده يبتاعه ms035 بما يصرفه لهم من عناية، بينما لذة الرياسة تقوم في ~~الدولة مقام ذلك الحنو الذي يكون الرئيس معدوما منه إزاء شعبه.» # 22 # على أن اسم خليفة كعلي ووال كزياد غير كافيين لنربط ~~نشأة النحو بقيام الدولة، وإرادة السلطة على نحو «يجعل من النحو ~~وسيلة من وسائل تقويم شأن الناس، وتصحيح أحوالهم في إطار مفهوم ~~للسلطة يجعل من حقها مراقبة القول والمحاسبة عليه وإلزام الناس بالصواب.» # 23 # هذا تأويل لا متناه، ولا بد أن نحاة كثرا لا ~~يطيقون صبرا على مثل هذا النوع من النواتج اللغوية. # ما أميل إليه هو أن اللغة هوية، وأن الفتوحات الإسلامية ~~وسعت المجالات التي تستخدم فيها اللغة العربية، وبسبب هذا حاد ~~معظم العرب عن النموذج الفصيح، الأمر الذي هدد الهوية العربية. ~~وبصرف النظر عن تاريخية تدخل الخليفة أو الوالي فإن الأمر ممكن، ~~وله ما يشابهه في هذا العصر حينما يتدخل ملك أو رئيس أو وزير ~~لإنشاء مجمع لغوي أو الدعوة إلى مؤتمر لغوي. # تظهر الحكاية أن بنت الدؤلي لحنت في جملة نثرية، ولم تلحن في ~~جملة شعرية؛ أعني لم تلحن في تركيب شعري، أو في شطر من بيت شعري، ~~أو في بيت من الشعر. هذا اللحن في النثر الذي أوردته حكاية الدؤلي ~~هو ذاته اللحن في النثر الذي خاطب به رجل زياد بن أبيه. ماذا يعني ~~هذا لموضوعنا؟ لكي نجيب سنعود إلى ما قبل الإسلام حين كانت اللغة ~~العربية الفصحى ذات وظيفة فنية واحدة تتمثل في الشعر العربي؛ أي ~~أنها لم تكن لغة نثر، لكن القرآن أسند إليها وظيفة فنية أخرى هي ~~النثر. لقد توصل أحد الباحثين إلى أن اللغة العربية الفصحى قبل ~~الإسلام لم تكن لغة نثر، وأن المراسلات والكتابات والمعاهدات لم ~~تكن باللغة الفصحى؛ وإلا لكان استشهد بها النحويون. ويختم قائلا: ~~«لما كان هناك غياب كامل لأي مادة نثرية مكتوبة في العصر الجاهلي ~~مما يمكننا من إصدار حكم كامل وصحيح بخصوص وظيفة اللغة الفصحى خارج ~~نطاق الشعر الجاهلي؛ أستطيع أن أزعم، ولو بشكل مؤقت، ms036 أن العربية لم ~~تكن لغة نثر عربي قط. وعلاوة على أنها لم تكن إلا لغة فنية.» # 24 # بعد أن نزل الإسلام وقامت الدولة الإسلامية اتسعت ~~وظيفة اللغة الفصحى لتشمل وظائف غير فنية كالمراسلات والمعاهدات. ~~وبشكل عام كل ما يتعلق بالناحية العملية لتسيير شئون الدولة ورعاية ~~مصالحها ما يجعلها لغة نثر. وقد تكشف اللحن أول ما تكشف في هذه ~~الوظيفة النثرية العملية. وأول إشارة نعرفها هي رسالة أبي موسى ~~الأشعري إلى عمر بن الخطاب. # من جهة أخرى، تظهر أهمية رد فعل الدؤلي على ابنته، ورد فعل ~~الخليفة والوالي في الحكايتين الأخريين حين نقارن رد أفعال هؤلاء ~~برد فعل النبي، حين قال لرجل لحن في حضرته: «أرشدوا أخاكم فقد ضل.» ~~وبرد فعل الخليفة عمر بن الخطاب حين كتب إلى أحد الولاة: «قنع ~~كاتبك سوطا.» # 25 # مثل هذا الانتقال من التفكير في الناطق إلى التفكير في ~~اللغة عاملا أساسيا في البحث عما يصلح لغة الناطق وليس عما ~~يقوم سلوكه؛ أي التفكير في اللغة، وليس في ناطق اللغة. # الجو الفكري الذي وجد فيه النحو قوام نشأته الأولى # تتواءم فكرة النحو في حكايات نشأته مع المرحلة التاريخية التي ~~نشأ فيها؛ فصيانة اللسان العربي من اللحن فكرة مقنعة في تلك ~~المرحلة التاريخية؛ ذلك أن قوة إقناع فكرة أو عدم إقناعها لا تتوقف ~~على المنطق الذي تعرض به؛ بقدر ما يتوقف على الجو الفكري الذي تجد ~~فيه الفكرة قوام حياتها. # 26 # ولكي نفهم جو هذه المرحلة الفكري سنعود إلى المرحلة ~~التي سبقتها؛ لنستحضر النبي والقرآن والحديث والأمة والإسلام التي ~~أسبغت المعاني الدينية والثقافية على المرحلة التي سبقت مرحلة نشأة ~~النحو. لقد فوجئ الصحابة بموت الرسول الذي بنى برامج اجتماعية ~~وثقافية تمثل ثورة بكل معنى الكلمة؛ لأنهم لم يفكروا في أنه ~~سيموت ليجهزوا برامجهم. # على أي حال، تصرف الصحابة بما يمليه عليهم الظرف التاريخي؛ ~~فبايعوا أبا بكر الخليفة الأول للدولة الإسلامية. بعد أن رتب أبو ~~بكر الدولة من الداخل رأى ومعه كبار الصحابة أن نشر الإسلام يقتضي ~~تبديل ms037 الحكومات المجاورة أو إسلامها، وشرعوا في الفتوحات وهم ~~يحملون فكرا منزلا يتصور العقيدة والسلوك والعدالة الاجتماعية ~~والاقتصادية تحت رعاية خليفة الله وخليفة رسوله. لم يتخل العرب ~~عن لغتهم كما فعل بعض الفاتحين في عصور تاريخية مختلفة، ولم ~~يكتسبوا لغة الشعوب المفتوحة؛ إنما استخدموا اللغة العربية ليبينوا ~~للناس أفكارهم وتصوراتهم عن مفاهيم الإسلام؛ لذلك عمد العرب تعليم ~~لغتهم الشعوب التي أخضعوها. والمهم هنا هو تأكيدهم على القيمة ~~الكونية للغتهم، بعد أن كانت قيمتها فيما قبل قيمة محلية. # بفضل القرآن أصبح للعرب نموذج لغوي مثالي. وهنا يجب ألا نخلط بين ~~الوضع الاجتماعي الرفيع للعربية الفصحى قبل نزول القرآن وبعد ~~نزوله؛ فقد أصبحت الفصحى بعد الوحي اللسان العربي المبين، ولغة ~~تنزيل القرآن، وبذلك لم تعد لغة فصيحة فحسب؛ بل أصبحت رفيعة رفعة التقديس. # 27 # حدثت هذه النقلة من كونها مجرد لغة إلى لغة مقدسة؛ ~~لأنهم تصوروها صدرت مباشرة عن الله. وألفاظها وأساليبها أزلية ~~كأزلية القرآن؛ لذلك من الواجب ألا تتغير، ولا مجال للناس إلا أن ~~يتحدثوا بها كما هي عليه، ولا مجال للعالم اللغوي إلا أن يتأمل ~~بديع صنعها. # يختلف الأسلوب اللغوي الذي نزل به القرآن عن الأساليب اللغوية ~~التي يتكلم بها العرب في حياتهم اليومية. ما يهم موضوعنا هو أن ~~الذين يعرفون القرآن الكريم هم «أكثر الأشخاص المعرضين لإنتاج نصوص ~~فيها أخطاء صحة زائدة ... لأن تدريبهم على استخدام قواعد هذا النمط ~~من العربية غير كاف في أحسن الأحوال.» # 28 # تعني أخطاء الصحة الزائدة أن المتكلم أو الكاتب يعرف ~~أن هناك فرقا بين حديثه في الحياة اليومية وبين الفصحى، لكنه لا ~~يعرف الشكل الذي يجب أن يستخدمه، أو أنه لا يعرف كيف يستخدم شكلا ~~دون غيره. # 29 # والأهمية التحليلية لمفهوم خطأ الصحة الزائدة يكمن في ~~أن بنت الدؤلي والكتاب الذين يحررون الرسائل الديوانية ربما كانوا ~~يعرفون الفرق بين الحديث اليومي وبين الفصحى، لكنهم لا يعرفون ~~الشكل الذي يستخدمونه. # لا يفسر جو المرحلة الفكري وحده نشأة النحو على النحو الذي قالت ~~به حكايات نشأته؛ ms038 فهناك أيضا الاعتقاد المشترك بين الناس الذي ~~يتولد عن حاجة غامضة إلى المحافظة. ف «ضرورة المحافظة على ~~الأشكال اللغوية هي التي تدعو إلى الاعتقاد بأن الحالة الثابتة أمر ~~واقع. وككل اعتقاد غريزي، يبلغ من قوة هذا الاعتقاد ألا يعد هذا ~~الواقع واقعا ذاتيا محضا، بل ينتهي إلى أن يتشيأ، وبفضله ~~تكون التغيرات أبطأ مما لو عدم هذا الوهم الضروري الحيوي.» # 30 # أين العقل من هذا الاعتقاد ؟ حاضر، ولكن مهمته أن يبين للناس ~~أخطاءهم اللغوية؛ أي ينبغي أن يشغل في حدود تعريف الناس بما ~~يرتكبونه من ضلاله حين يتحدثون، كما ورد في الأثر، عن وصف لحن أحد ~~الرجال. يستخدم العقل هنا لدعم الإيمان بقدسية اللغة العربية في ~~أن تظل كما هي، وسيظل هذا الدعم لكي تجتمع حرارة الإيمان بقدسية ~~اللغة العربية مع حجج العقل. # حين كف الجو الفكري للمرحلة التاريخية التي نشأ فيها النحو ~~كف النحو عن متابعة صورته المعيارية ليناسب جوا فكريا آخر، ~~سنعرفه ونحن نتابع تطور مفهوم النحو. أكتفي هنا بالقول: إن كل تطور ~~في مفهوم النحو تلاءم مع الجو الفكري للمرحلة التاريخية، وإن هذا ~~ما جعل النحو يستمر؛ ذلك أن علما ما إذا ما أراد أن يستمر فعليه ~~أن يتطور. غير أن تطور مفهوم النحو لا يعني أنه لم يبق حول موضوعه ~~الأول، بل بقي متصلا مع نشأته الأولى، لكن من دون انخراط كلي ~~فيه. # الافتراض الضمني لنحو أبي الأسود الدؤلي # سأدرج هذا القول من مقدمة ابن منظور لمعجمه لسان العرب، وسيتضح ~~فيما بعد السبب. يقول ابن منظور: «فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله ~~بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون.» ما ~~العلاقة بين لسان العرب وبين سفينة نوح؟ هناك فكرة وراء أحداث قصة ~~نحو يمكن أن أصوغها على النحو التالي: في يوم ما وجد مجتمع مثالي، ~~ثم حلت الكارثة بهذا المجتمع حيث تمادى الناس في المعصية، وتعاظمت ~~منه الخطيئة، فحل الطوفان من أجل بناء مجتمع مثالي خال مما يشوبه. ~~وسفينة نوح هي الأداة ms039 كما أنها هي النواة الأولى. أما الزوجان من ~~كل شيء فهو فإشارة إلى بداية حياة جديدة، ونواة أولى لمجتمع ~~صاف. # يمكن أن نسحب هذا التأويل على معجم لسان العرب؛ فالفكرة الرئيسة ~~وراء عمل ابن منظور يمكن أن أصوغها على النحو التالي: في يوم ما ~~كان هناك مجتمع صاف يتكلم اللغة العربية، ويحافظ عليها كما يحافظ ~~على وجوده، وفيما بعد حلت به الكارثة؛ إذ شرع المجتمع يتفاصح ~~ويتحدث بلغة أخرى غير لغته العربية؛ لذلك فالحاجة ماسة إلى إعادة ~~ذلك الصفاء. # من هذه الزاوية هناك يوتوبيا؛ محاولة لاسترجاع حالة الصفاء ~~اللغوي بدأها قبل ابن منظور أبو الأسود الدؤلي. وسواء أكانت ابنته ~~أم من خاطب زيادا؛ فإن هناك من عكر صفاء اللغة. والحالة هنا ~~ليست فردية، إنما هي حالة عامة. لقد كانت المهمة جسيمة، شحذت قوى ~~أبي الأسود الدؤلي وقوى نحويين ولغويين آخرين، فانطبع تفكير أفضل ~~علماء تلك المرحلة بطابع استرداد حالة النقاء. # عبر انشغال أبي الأسود الدؤلي عن فرضية هي أن اللغة العربية لم ~~تعد لغة نقية وصافية كما كانت عليه في زمن مضى، وصادق على فكرة ~~تنزع إلى هيمنة لغة وصفت بكونها مقدسة أنزل الله بها كتابه. ~~وبالتالي فأبو الأسود الدؤلي لا يعبر عن رأي شخصي، إنما يستجيب ~~ويدعم اختيارا وتحيزا لمستوى من اللغة تكرس في الغيب قبل أن ~~يكون بين الناس. # أحد مفاتيح المستقبل موجود في النحو؛ ذلك أن فيه رؤية حياة جديدة ~~نقية وصافية تكاد تعدل الحياة الجديدة النقية والصافية التي بدأتها ~~سفينة نوح. قد يعالج النحو مشاكل اللحن في اللغة العربية كالمشاكل ~~الصرفية والمعجمية والنحوية ... إلخ. وهذه الرؤية الشاملة قد نضعها ~~في موازاة النظرة الشاملة لسفينة نوح من حيث هي وعد بعصر ذهبي، ~~وبشرى للعالم. # حافز تصور أبي الأسود الدؤلي للنحو # لكي نفهم حافز أبي الأسود لا بد من أن نتذكر أنه هو من ضبط ~~المصحف الشريف؛ فاهتمامه بضبط أواخر كلمات القرآن أبعدته عن أن ~~يفكر في نظام اللغة العربية؛ أي إن نحو الدؤلي وسيلة تقنية للحصول ~~على ms040 نتائج مباشرة. أما التفكير في التركيب النظري الذي يمنح هذه ~~التقنية معناها فلم يفكر فيه؛ ربما لأن الظرف التاريخي وروح ~~المرحلة الفكري لم يكونا مناسبين. # غير أن النظريات الإنسانية والمعرفية في علم النفس المعاصر ترى ~~أن الظرف التاريخي وروح المرحلة الفكري لا يحددان وحدهما السلوك ~~الإنساني، فهناك أيضا اتجاهات الإنسان وتوقعاته واعتقاداته؛ # 31 # لا سيما العلماء منهم الذين ينتجون المعرفة. يعمل ~~هؤلاء العلماء على أن يظهروا الرصيد المتراكم من الأفكار والمفاهيم ~~التي تبلورت في أذهانهم، وشكلت استجاباتهم. وما يعطي لتوقعات ~~العالم واعتقاداته قيمة تحليلية هو بيان أثرها في سلوك العلماء. ~~ففي مرحلة تاريخية ما يندفع هؤلاء نحو وجهة محددة وواحدة، مطبوعين ~~بجو المرحلة الفكري. هذا الجو الفكري قوة عابرة للقوى الفردية، ~~وليس شرطا أن يكون العلماء واعين بهذه الروح؛ فروح العصر هي قدر ~~الوجود أو الشروط الجدلية لحقبة من حقب التاريخ. # 32 # وفي مرحلة الدؤلي التاريخية التي نتحدث عنها لا بد من ~~وجود أفكار ومعتقدات تعلق بطبيعة اللغة ووظيفتها وعلاقتها ~~بالفكر. # تنشأ التصورات أفكار العالم ومعتقداته لأسباب ثقافية. ولا يقتصر ~~الأمر على مجال واحد، إنما على مجالات العلوم كلها. وفيما يتعلق ~~بموضوعنا فتصورات المرحلة التي نتحدث عنها لم تؤثر في نشأة النحو ~~فحسب؛ إنما أثرت أيضا في تدوين اللغة الذي صاحب نشأة النحو؛ ~~فالكلمات التي جمعها اللغويون ليست مادة اللغة فحسب؛ إنما تشكل ~~حدثا حيا وانعكاسا لعلاقات اجتماعية؛ فالناس يجتمعون في أسر أو ~~جماعات دينية أو تجمعات مهنية ... إلخ. وإذا ما أخذنا في الاعتبار ~~العلاقة بين الكلمات وبين مستخدميها، فإن شيوع كلمات أو تلاشيها ~~يشير إلى سهولة أو صعوبة اشتغالها بين تلك التجمعات البشرية. ما ~~يتداوله الناس ليس كلمات فحسب، إنما حقائق أو أكاذيب، أشياء حسنة ~~أو قبيحة، مهمة أو مبتذلة، مفرحة أو محزنة، وبالتالي فالكلمة محملة ~~دائما بمضمون أيديولوجي أو وقائعي. لا يستجيب الناس إلا للكلمات ~~التي توقظ في نفوسهم أصداء أيديولوجية؛ لذلك فمقياس التصحيح لا ~~ينطبق على الكلمات إلا في المواقف الشاذة أو الخصوصية. أما في ~~الحياة فإن ms041 الناس يتخلون عن مقياس التصحيح لصالح المقياس ~~الأيديولوجي؛ أي إن الناس في حياتهم اليومية لا يهتمون بصحة الكلمة ~~اللغوية أو النحوية بقدر ما يهمهم صدقها أو كذبها أو طابعها الشعري ~~أو طابعها المبتذل. # 33 # خضع اللغويون والنحويون ~~للعوامل التاريخية والثقافية والفكرية التي ولدت تصوراتهم، وحددت ~~معتقدات كفايتهم العامة التي تتشكل من الخبرات وآراء الآخرين. ~~هذه المعتقدات أثرت في عمليات المعجميين والنحاة المعرفية التي ~~تتضمن التخطيط للأهداف، وتنظيم الأفكار، ومواجهة المصاعب، ومثلت ~~دافعا إلى الإنجاز، وإلى التوقعات المتعلقة بالإنجاز وقيمته. ~~وبالعودة إلى موضوعنا، فقد عرف عن الدؤلي أنه من سادات التابعين ~~وأعيانهم، وأنه «من أكمل الرجال وأسدهم عقلا». # 34 # ولا شك أن معتقدات كفايته العامة هذه مثلت دافعا ~~لإنجازه، وأثرت في تحديد طبيعة هدفه. لقد أنجزت حديثا دراسات ~~أشارت في مجملها إلى أهمية معتقدات المرء العامة كدافع للمثابرة ~~والإنجاز في المجالات المختلفة، ومنها المجال العلمي. كما أن ~~نظريات التعلم الاجتماعي والمعرفي المعاصرة تشير إلى أن الخبرات ~~الناجحة تدفع الفرد إلى أن يدرك المهام الصعبة من حيث هي تحد ~~للإنجاز، وليس معجزات لا يمكن التغلب عليها. والخلاصة هي أن ~~معتقدات أبي الأسود الدؤلي المتعلقة بكفايته العامة في مواجهة ~~الصعاب والمشكلات التي أرقته هي أساس من أسس ابتكاره. # ما يشير إلى اعتقاد أبي الأسود الدؤلي بكفايته العامة: الحكاية ~~التي تحكى أنه قدم على الخليفة عبد الملك بن مروان، وقد كان أبو ~~الأسود دميما، أعور، وقبيح المنظر. فقال له: «يا أبا الأسود، لو ~~علقت عليك عوذة من العين! فقال: إن لك جوابا يا أمير المؤمنين ... ~~أما والله لئن ابتلتني السنون، وأسرعت إلي المنون، لما أثبت ذلك ~~إلا في موضعه، ولرب يوم كنت فيه إلى الآنسات البيض أشهى منك إليهن ~~... فقال عبد الملك: قاتلك الله من شيخ، ما أعظم همتك!» # 35 # ما أعظم همتك! تشخيص عميق ومختصر. هذا هو ما جعل أبا ~~الأسود الدؤلي ذا الاعتقاد الإيجابي بكفايته العامة إلى أن يرسم ~~أهدافا مثيرة للتحدي، ويبذل جهدا أكبر لتحقيقها. # لا تنفصل اعتقادات المرء العامة عن ms042 النموذج أو القدوة. ويبدو لي ~~أن هذا الارتباط بينهما هو ما يفسر علاقة أبي الأسود الدؤلي بعلي ~~بن أبي طالب، فالأول نموذج ومثال حي وواقعي للثاني. وهناك حكايات ~~لهذا الارتباط الذي عبرنا عنه بالقدوة. أكتفي منها بما يشير إلى أي ~~حد بلغ فيها تمسك أبي الأسود بنموذجه وقدوته. فقد روي أن فخذا ~~من أفخاذ العرب من العرب يدعى «بني قشير»، هواهم مع عثمان بن ~~عفان. كان أبو الأسود نازلا بينهم، وقد كانوا يرمونه بالليل؛ لأنه ~~يحب عليا ويمدحه، ومع ذلك لم يفت هذا من عضده؛ بل إنه حاججهم ~~حينما قالوا: ما نحن نرميك، ولكن الله يرميك، فقال: كذبتم والله، ~~لو كان الله يرميني لما أخطأني. # 36 # إن المدهش في علاقة أبي الأسود بعلي أن المهتمين بقضية ~~في جو فكري واحد قد يصلون إلى الأفكار ذاتها. # الطيف العقلي لمفهوم النحو # ما اسم هذا المبحث الذي يتشكل؟ يخصص النديم في كتاب الفهرست ~~فصلا قصيرا عنوانه: «سبب يدل على أن أول من وضع في النحو كلاما ~~أبو الأسود الدؤلي.» # 37 # أول ما نلاحظ في العنوان أن ما وضعه أبو الأسود هو ~~«كلام في النحو»؛ أي إن مضمون ما عثر عليه في أربعة أوراق كالفاعل والمفعول # 38 # هو كلام، وأن هذا الكلام ينتمي إلى النحو. هل هو نحو ~~أو كلام؟ هناك ارتباك؛ لأن النديم وراق محترف ومتخصص في تصنيف ~~الكتب يعرف أولا موضوعات الكتب من المفاهيم التي تنتمي إلى العلم، ~~وذلك ما يبدو في العلوم الأخرى المستقرة، وسأشير هنا فقط إلى الكيمياء. # 39 # ما يبدو لي هو أن بلورة قضايا المبحث الجديد في مفاهيم ما زالت ~~في مرحلة التشوش؛ أي إن مباحث النحو لم تتحدد إلا في مرحلة ~~متأخرة. مثلا ما بدا للقدماء أن كتاب سيبويه كتاب في النحو فقط ~~تصنيف قلق. والأقرب أن يكون كتابه في «علم العربية» وهو المفهوم ~~البديل الذي استخدم بدلا من النحو. تبدو وجاهة هذا المفهوم فيما ~~لو عرفنا أن سيبويه بحث في أصوات العربية (علم الأصوات) وفي بناء ms043 ~~الكلمة (علم الصرف) وفي بناء الجملة (علم النحو). وقد ظل هذا ~~المفهوم مستخدما عند المغاربة، بينما ظل مفهوم النحو مستخدما عند المشارقة. # 40 # والمفارقة هنا هي إذا ما نشأ النحو تحت مفهوم علم ~~العربية، فإن أبا الأسود الدؤلي قد يكون مات قبل أن يعرف أنه ~~نحوي. # يتفق هذا مع طبيعة المفاهيم التي لا تولد فجأة، إنما تتكون في ~~عملية طويلة ومعقدة، وهذا ما أظنه ينطبق على النحو. ويبدو أنه نشأ ~~كطيف عقلي مشوش وغير مكتمل، لكنه يمثل بعض العناصر الرئيسية ~~كدراسة الأصوات اللغوية وبنيتي الكلمة والجملة ومباحث أخرى تتعلق ~~بدقة إشارة الكلمات إلى المعنى، والمناسبات التي تقال فيها الحكم ~~والأمثال العربية القديمة، وشرح الأبيات الشعرية ... إلخ؛ أي إن ~~النحو اشتمل إبان نشأته على كافة المباحث اللغوية. وتبدو وجاهة ~~هذا الطيف العقلي أن القائمين على «هذه المباحث اللغوية يعرفون ~~بالنحاة، على أن ذلك لم تنفرد به اللغة العربية، بل كان هذا شأن ~~النحو والنحاة بالنسبة للإغريقية واللاتينية.» # 41 # لكي أوضح الفكرة سأفترض أننا دؤليون. يشير هذا الافتراض إلى أننا ~~نفكر في فساد اللغة، ثم في أن نفكر فيما يمكن أن نفعله. إذن هناك ~~مشكلة. والخطوة التالية هي أن نفحص ونصنف الأخطاء وهي كما نعرف ~~من الحكايات التي وصلت إلينا أخطاء صوتية وصرفية وتركيبية. لقد ~~اتخذ المفهوم عندنا أبعادا مختلفة؛ بعدا يتعلق بالأصوات، وبعدا ~~ببنية الكلمة، وبعدا ببنية الجملة. # في مقابل أننا دؤليون سأفترض أن هناك سيبويهيين. أن يكون هؤلاء ~~سيبويهيين يعني أن يفكروا في النظام اللغوي، لكن من ناحية وصف ~~أصواته وكلماته وتركيبه، لا من أجل إصلاح الخطأ في النطق بأواخر ~~الكلمات؛ إنما من أجل معنى المتكلم والقوانين التي تحكمه. نحن الآن ~~في وضع متأخر زمنيا؛ لكي ندرك الفرق بين أن نكون دؤليين أو ~~سيبويهيين، لكن العلماء آنذاك لم يكونوا يدركون إلا ما يجمع ~~بينهما؛ أي إصلاح النطق بالعربية، رغم أنهم يعرفون اختلاف نحو هذا ~~عن نحو ذاك بدليل التسمية «علم العربية» لأبي الأسود الدؤلي ~~و«النحو» لسيبويه. # يمكننا أن نلخص ما ms044 بدا للقارئ تحليلا طويلا ومملا على النحو ~~التالي: توفر لنشأة النحو المفترضة على يد أبي الأسود الدؤلي ~~مجموعة من العوامل كاعتقادات أبي الأسود الدؤلي العامة، والحتمية ~~القائمة بينها وبين الجو الفكري للمرحلة التاريخية. وتظافر هذه ~~العوامل معا يشير إلى فكرة الخطأ اللغوي وصوابه. يعني الصواب ~~اللغوي ما يساير عرف الجماعة اللغوي، والخطأ هو ما يخالف ذلك ~~العرف. ولا يجب أن نحاكم نحو تلك الفكرة على ما نعرف الآن؛ ذلك أن ~~مستوى الصواب كالصوغ القياسي فيما يذهب تمام حسان لا يمكن النظر ~~إليه باعتباره فكرة يستعين الباحث بواسطتها في تحديد الصواب والخطأ ~~اللغويين، وإنما هو مقياس اجتماعي يفرضه المجتمع اللغوي على ~~الأفراد، ويرجع الأفراد إليه عند الاحتكام إلى الاستعمال. وإن ~~المستوى الصوابي لا يوجد في اللغة فحسب، إنما يوجد في كل شئون ~~الثقافة بالمعنى الأعم. # الفصل الثالث # | النحو في حدود العقل # سأذكر بفكرة سوزان لانغر عن الأفكار التي تفرض نفسها على المرحلة ~~تاريخية لتحل عددا من المشاكل. وقد رأينا أن فكرة صيانة اللسان العربي ~~من اللحن هي الفكرة التي فرضت نفسها في مرحلة أبي الأسود التاريخية، ~~وقد حلت مشكلة على قدر كبير من الأهمية للدين وللثقافة وللعرق. تكمل ~~سوزان لانغر بأن الأفكار التي تفرض نفسها تصبح مع الزمن أفكارا ~~مألوفة، وجزءا من المفاهيم النظرية للجيل التالي، وبهذا تنتهي فورة ~~الفكرة. صحيح أن هناك من يتعصب لها ويراها تحل كل المشاكل، لكن الأقل ~~تعصبا سيرى المشاكل التي ولدتها تلك الفكرة. # تبدو فائدة هذا لموضوعنا أن فكرة صيانة اللسان العربي من اللحن أصبحت ~~مع الزمن فكرة مألوفة، وجزءا من مفاهيم النحويين النظرية. صحيح أن ~~هناك من تعصب للفكرة وتمسك بها (أحفاد هؤلاء ما زالوا موجودين إلى ~~الآن)، لكن في مقابل هؤلاء هناك من هم أقل تعصبا كالخليل بن أحمد ~~الفراهيدي الذي أكمل ما بدأه أبو الأسود الدؤلي من شكل أواخر كلمات ~~القرآن الكريم، فرسم شكل العلامات المعروفة لنا الآن كالضمة والفتحة ~~والكسرة. يتزامن هذا مع تنقيط نصر بن عاصم كلمات القرآن الكريم. ما ms045 ~~الذي يعنيه هذا؟ يعني أن جو النحو الفكري بدأ يتخفف من الشرطين ~~التاريخي والأيديولوجي؛ حين كانت الوظيفة العملية والمجتمعية عند أبي ~~الأسود ومعاصريه من النحاة تتفوق من حيث الأهمية على الوظيفة المعرفية ~~(الوظيفة النظرية). # 1 # ترتب على هذا الفرق بين النظرية وبين الممارسة أن كل ما قيل قبل ~~سيبويه عن تعليل النحو، وتسبيب علله إنما كان من أجل قراءة القرآن ~~والشعر؛ أي الممارسة، وليس من أجل النظرية. والحكايات المعروفة التي ~~نقلتها إلينا المصادر عن عبد الله بن أبي إسحاق، وتتبعه اللحن في شعر ~~الفرزدق تشير إلى الممارسة وليس إلى النظرية؛ أي قراءة الشعر. وبالرغم ~~من كل ما قيل عن غزارة علم النحاة واللغويين قبل سيبويه بما فيهم ~~أستاذه الخليل إلا أن الإشكالية؛ # 2 # أي الشكل الذي يجب أن تعرض فيه المشكلات النحوية لم ~~تتغير منذ أبي الأسود الدؤلي. وقد انتظرت سيبويه الذي عرضها في أفق ~~فكر ذلك الزمان والمكان؛ مستغلا انفتاح البصرة على الفكر ~~العقلي. # تأسيس النحو على درب العلم الآمنة # يحسن اللاحقون الابتكارات ويكيفونها مع الوضعيات الجديدة؛ أي مع ~~وضعيات الأزمنة الجديدة وحاجاتها الجديدة. # 3 # يتعلق الأمر بالأفق الفكري الذي عرض فيه سيبويه ~~المشكلات النحوية؛ وهو بطبيعة الحال أفق جديد بحكم تغير الزمان؛ ~~فقد انهارت دولة الأمويين، وهاجرت المناقشة العقلانية من الشام إلى ~~العراق لا سيما البصرة. أثر جو البصرة العقلاني في سيبويه، وكان ~~سببا في أن سيبويه استخدم العقل في البحث عن النظام في اللغة ~~العربية؛ أي إنه أجبر اللغة على أن تتبع عقله، ولم يجبر عقله على ~~أن يتبعها. وبقدر ما كان هذا محفزا بقدر ما كان إبداعا فكريا ~~في كتابه الفريد من نوعه؛ بحيث إن نموذجا علميا نشأ معتمدا على ~~توجهه العقلي. # في ضوء مبدأ أن اللغة قابلة لأن تعرف؛ أي إن اللغة تتيح للعقل ~~الإنساني أن يفهمها، وفي ضوء العقل فإن اللغة لم تعد قابلة لأن ~~تعرف بإصلاح خطئها؛ إنما تعرف بالعلاقة بين الكلمات التي يتركب ~~منها الكلام. ومن غير أن يحلل الكلام؛ فلن يستطيع ms046 أحد أن يدرك ~~العلاقة. # هنا أمران جديران بأن نأخذهما بعين الاعتبار، وهما: الحصول على ~~الكلام عن طريق السماع عن العرب، وتشغيل العقل للعثور على قوانين ~~للكلام. تحدث هذه على مستويين؛ المستوى الأول: هو ملاحظة النحوي ~~الكلام كما يلاحظ العالم الطبيعة. والمستوى الثاني: هو ما يترتب ~~على الملاحظة من التحليل والترتيب والتصنيف. هناك إنصات إلى الكلام ~~في المستوى الأول مثلما ينصت عالم الطبيعة إلى الطبيعة، وهناك ~~استجواب للكلام في المستوى الثاني مثلما يستجوب عالم الطبيعة. بسبب ~~هذه العملية نشأ الطريق الآمن لعلم النحو العربي الذي أسسه ~~سيبويه. # ما يملكه العقل هو أن يسعى إلى تحقيق نسق المعرفة. # 4 # والفكرة وراء العقلانية هي أن استعمال العقل يؤدي إلى ~~معرفة تختلف نوعيا عن أي معرفة لم يستخدم فيها. وكتاب سيبويه ~~استخدم العقل في البحث عن النظام في اللغة العربية. لم ينشغل بما ~~نقله العرب إلا في حدود الاستعمال الفرضي للعقل؛ أي من معرفة ~~الجزئي إلى معرفة الكلي؛ لكي يعرف هل يقع الجزئي ضمن الكلي. بهذا ~~أجرى سيبويه تحولا جذريا أثار إعجاب العلماء القدامى والمحدثين. ~~سأكتفي بما قاله صاعد الأندلسي. قال: «لا أعرف كتابا ألف في علم ~~من العلوم قديمها وحديثها اشتمل على جميع ذلك العلم، وأحاط بأجزاء ~~ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة ~~الفلك، والثاني كتاب أرسطو طاليس في علم المنطق، والثالث كتاب ~~سيبويه البصري النحوي؛ فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه ~~شيء إلا ما لا خطر له.» # 5 # يهم موضوعي من عبارة الأندلسي الكتابان المجسطي لبطليموس، وعلم ~~المنطق لأرسطو؛ فمنذ كتاب علم المنطق سلك المنطق دروب العلم الآمنة ~~ولم يحد عنها، وما عد تحسينا في علم المنطق بحذف بعض جزئياته ~~أو بتعيين مضمونه تعيينا أوضح؛ إنما يعود إلى التنميق أكثر مما ~~يعود إلى وثوق العلم، فعلم المنطق من ذلك الوقت لم يتقدم خطوة ~~لإحكامه وكماله. # 6 # يمكننا أن نقول هذا كتاب سيبويه، فقد سلك بالنحو دروب ~~العلم الآمنة، وما عد تحسينا في ms047 علم النحو إنما هو نوع من ~~التنميق. أبعد من هذا أستطيع أن أرى النحو العربي منذ كتاب سيبويه ~~من المنظور الذي وضع فيه توماس كون كتاب المجسطي لبطليموس، فقد جعل ~~من نظرية بطليموس نموذجا إرشاديا، وأيا كان عجز هذه المقارنة؛ ~~فإنها تنصب هنا على النجاح والإعجاب والكفاءة. # لقد شعر النحاة القدامى بعظمة إنجاز سيبويه. سأكتفي هنا بما قاله ~~علمان بارزان هما السيرافي والمازني. قال الأول: «لم يسبقه إلى ~~مثله أحد قبله.» # 7 # وقال الآخر: «من أراد أن يعمل كتابا في النحو بعد ~~سيبويه فليستح.» # 8 # إن تسميته كتاب سيبويه ب «قرآن القوم» # 9 # لهي تسمية بالغة الدلالة في هذا المقام؛ حيث لم يحظ ~~كتاب عربي بمثل هذا الشرف العظيم. ترتب على هذا التقدير أن كسب ~~إنجاز سيبويه في الكتاب أنصارا دائمين من العلماء، وهو كسب صرفهم ~~عن نشاطات علمية أخرى منافسة كلحن العامة ولحن الخاصة. ساعدهم على ~~ذلك أن كتاب سيبويه كالكتب التي بنت نموذجا إرشاديا رحبا ~~ومفتوحا لا يدعي أنه القول الجامع، إنما فتح الباب للمشكلات ~~النحوية في مرحلته العلمية؛ لكي تناقش من قبل العلماء المشتغلين ~~بعلم النحو في مفهومه الجديد. # تشكل بسبب نموذج سيبويه النحوي الإرشادي ما يسميه توماس كون ~~«العلم القياسي»؛ # 10 # أي إن النحاة انشغلوا بتنقية وصقل نموذج سيبويه النحوي ~~الإرشادي، ونذروا له حياتهم العلمية. وما روي عن أن الفراء ~~النحوي المرموق من أنه مات وتحت رأسه كتاب سيبويه # 11 # لذو دلالة كبرى على أن توجيه الفراء في البحث العلمي ~~القياسي في النحو العربي كان في اتجاه الإبانة عما هو موجود في ~~النموذج الإرشادي الذي بني مع كتاب سيبويه وبسببه. وهو ما يشير ~~أيضا إلى أن المجالات التي يكتشفها العلم القياسي صغيرة جدا، # 12 # لكن في المقابل هناك «إحكام النموذج وحل بعض مظاهر ~~اللبس المتبقية»، # 13 # وهو ما ينطبق على كتاب سيبويه ونموذجه ~~الإرشادي. # معنى النحو بعد أن وجد دربه الآمن # وضع سيبويه النحو على درب العقل الآمن؛ أي العقل الذي يدرس اللغة ~~من حيث هي ms048 نظام، ولا يضع في قضاياه ومسائله العلمية لحن العامة ~~ولا لحن الموالي ولا إصلاح النطق ولا الحفاظ على اللغة العربية ولا ~~تعليم النحو للموالي؛ إنما يضع في اعتباره دراسة قوانين اللغة ~~العربية التي تمكن المتكلم من التعبير عن قصده. لقد وضع التركيب ~~النظري لنحو الدؤلي بدون أن يتنكر له؛ فأن يقول سيبويه: «والله ~~لأطلبن علما لا يلحنني فيه أحد»؛ # 14 # يعني أنه ما زال يفكر في إطار فكرة الدؤلي ومعاصريه عن ~~مهمة علم النحو. إنني أظن أن هذين النوعين من النحو؛ أعني نحو أبي ~~الأسود المعياري، ونحو سيبويه الوصفي ضروريان لتقدم علم النحو. من ~~يجرؤ من النحويين الآن على أن يتمنى أن أبا الأسود الدؤلي لم ~~«يضع» علم النحو، أو أن كتاب سيبويه لم يظهر، وأن يكون اختفى بعد ~~موته؟ إن لكل من المعيار والوصف النحويين دورهما، ومن المفيد ~~لتاريخ النحو أن يبحث تاريخ تطورهما، وما قدمه كل واحد منهما. لا ~~ينبغي أن نعتقد أن النظريات القديمة عقيمة وباطلة؛ لأن مسيرة العلم ~~لا تقارن بالتحولات في مدينة؛ حيث تهدم البنايات القديمة لتحل ~~محلها البنايات الجديدة، إنما يجب أن تقارن بتطور الأنواع ~~الحيوانية التي تتطور وتنتهي إلى أن تصبح العيون العادية غير قادرة ~~على أن تتعرفها، في حين أن العيون الخبيرة ستجد فيها دائما العمل ~~السابق الذي قامت به القرون الماضية. # 15 # وإذا كانت عيون معاصري سيبويه عادية فقد وجدت عينا ~~سيبويه الخبيرتان في نحو الدؤلي ما ينتفع به. وقد أدى لزومه ~~الخليل بن أحمد الفراهيدي كما تكمل الحكاية إلى ما جعله يحدث ~~انعطافا في فكرة النحو الأولى بفضل تأملات متجددة في اللغة ~~لينجز بها كتابه، الكتاب الذي دشن فيه فكرة النحو الخالص، وأسس ~~به فكرة دراسة النظام اللغوي ووصفه. وهكذا فإن فكرة نحو سيبويه ككل ~~الأفكار التاريخية في مسار أي علم من العلوم؛ حيث تعيش الأفكار في ~~وعي حامليها، ثم تندفع مثل غريزة من دون أن يستطيعوا تبرير ذلك. إن ~~العقل هو الأداة التي توفر عليها سيبويه؛ لكي يقوم بهذا ms049 الانعطاف ~~في تاريخ النحو العربي. # يظهر الانعطاف الذي أحدثه سيبويه في تاريخ النحو العربي حين ~~نقارن النحو المعياري بالنحو الوصفي؛ فالنحو المعياري يجزئ الجملة؛ ~~لكي يكتشف الصحيح والخطأ. نقطة ضعف النحو المعياري أنه لا يفهم ~~النظام اللغوي، ولا يصف اللغة؛ ولهذا ظل موضوع النحو ناقصا. لقد ~~ظن النحويون المعياريون كالدؤلي أنهم يعرفون اللغة؛ لأنهم تصوروها ~~بمعيار الصحة والخطأ؛ لذلك كان على النحو أن يتطور في اتجاه وصفي ~~لكي يجلو فكرة المعياريين الغامضة عن اللغة. وقد حدث هذا التطور ~~بالرجوع إلى نظام اللغة وإلى المفاهيم التي تصفه. لقد كانت مهمة ~~سيبويه الوصفية أن يعثر على مفاهيم علم النحو في نحو أبي الأسود ~~المعياري. وإذا ما كان لي أن أصنف النحويين إلى فئتين هما عمال ~~النحو وعلماء النحو، فإن أبا الأسود الدؤلي عامل من عمال النحو، ~~بينما سيبويه عالم من علماء النحو، ومقدمة الكتاب التي سماها ~~القدماء رسالة الكتاب أو خطبته هي دفاع مطول عن استعمال المفاهيم ~~التي تكونت مما جمعه أولئك العمال المجتهدون والمثابرون. # عرض الكتاب المفاهيم النحوية # رتبت محتويات رسالة الكتاب لسيبويه (مقدمته) كما سماها الزجاجي، ~~أو خطبته كما سماها ابن جني وحدد نهايتها ب «هذا باب ما يحتمل من الشعر» # 16 # على النحو التالي: (1) باب علم ما الكلم في العربية. ~~(2) باب مجاري أواخر الكلم من العربية. (3) باب المسند والمسند ~~إليه. (4) باب اللفظ للمعاني. (5) باب الاستقامة من الكلام ~~والإحالة. (6) باب ما يحتمل من الشعر. # يمكن أن نرسم شجرة لهذا الترتيب، وبغض النظر عن الأبواب الثلاثة ~~الأخيرة التي تمثل المعرفة النحوية الأحدث في تلك المرحلة ~~التاريخية، فإن الأبواب الثلاثة الأولى تتضمن سلسلة من المفاهيم ~~النحوية التي تكون عندنا فكرة عن أن سيبويه ليس نحويا يعلم ~~النحو، إنما عالم نحو يفكر بالنحو وهو ما هيأ رسالة الكتاب لكي ~~تكون موضوع تفكير آخرين إلى حد أن الزجاجي شرحها. رسالة الكتاب هي ~~فكرته الكبرى التي سبق غيره إليها، وتحليلها سيظهر الانعطاف الذي ~~أحدثه. # ما يثير الانتباه في الأبواب الأولى السبعة الأولى منها هو ~~إشارتها ms050 إلى جوانب أساسية ومركزية في النحو الخالص؛ كالقوانين التي ~~تتحكم في ترتيب وتنظيم وتركيب الكلام، وتفهم من باب المسند ~~والمسند إليه، وباب الاستقامة من الكلام والإحالة، ومعاني الكلام ~~أو دلالته؛ أي العلاقات بينه وبين الأشياء والأفكار، ويفهم من باب ~~اللفظ للمعاني، وباب ما يكون في اللفظ من الأعراض، والأهم كون ~~الكلام يوجد في مجتمع. كما أنها تعرض بعض المجالات العلمية ~~المحتملة؛ كالنحو من حيث هو الاعتبارات الشكلية للكلام، وفلسفة ~~اللغة وتاريخها؛ من حيث هي الطبيعة الرمزية للغة والعلاقة بينها ~~وبين الحقيقة، وأنظمة الاتصال كالعلاقة بين المتحدث ~~والسامع. # تعبر رسالة الكتاب عن جهد سيبويه التجريدي والمنهجي المختلف؛ أي ~~إننا أمام فكر نحوي غريب عن الفكر النحوي المألوف آنذاك. ففي زمن ~~لم تكن فيه المفاهيم النحوية محددة تحديدا جيدا حددها سيبويه ~~بالأمثلة؛ فالاسم كرجل وفرس وحائط، والفعل كذهب وسمع ومكث ~~وحمد واذهب واقتل واضرب ويذهب ويضرب والأحداث (المصادر) ~~كالضرب والقتل والحمد، وما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل ~~(الحروف) ك «ثم وسوف وواو القسم ولام الإضافة». # علام يدل تحديد المفهوم بهذه الطريقة؟ يدل على أن سيبويه يعي ما ~~يفعل فبدأ بالتدريب على المفاهيم. يشبه هذا أن تعلم طفلا؛ في ~~التعليم حين ننطق الكلمة (رجل) لتحل محل إنسان حاضر أمامنا، فإننا ~~نوجه الانتباه إلى المفهوم (اسم)، وليس إلى استحضار الصورة الذهنية ~~للرجل. وسيبويه حين يربط بين الكلمة وبين المفهوم فالهدف ليس ~~استحضار الصور الذهنية للكلمات، مثلما تستحضر كلمة (رجل) صورة ~~ذهنية إنما الكيفية التي تتدرب بها ليعرف المفهوم. # يرتبط هذا الأسلوب في التدريب على المفاهيم عند سيبويه بما ~~يعرف في سيكولوجية التعلم ب «المفاهيم السيئة التحديد»؛ أي تلك ~~المفاهيم التي تكون فيها سمات المفهوم غير واضحة. مثل هذه المفاهيم ~~لا تعلم بالتعريف إنما بالأمثلة. مثلا لم يكن بإمكان سيبويه أن ~~يعرف الاسم بأنه ما يدل على معنى بنفسه من دون أن يرتبط بزمن؛ لأن ~~علم النحو ما زال يبلور مفاهيمه. لذلك فإن ذكر مثال للاسم هو ~~الأسلوب المناسب، وهكذا الفعل والحرف. والمهم بالنسبة ms051 لفكرتنا أن ~~تمييز سيبويه بين الاسم والفعل لم يكن تمييزا بإعطاء سمات محددة ~~للمفهومين إنما بإخبارنا بالأمثلة. # يستطيع سيبويه في هذه المرحلة التاريخية من تاريخ النحو أن يورد ~~كلمات مثل رجل وذهب واذهب ويذهب؛ لأن الجماعة النحوية العلمية ~~اعتادت على أن تنظر إليها باعتبارها أمثله للاسم والفعل. أما ~~مفهوما الاسم والفعل فلم تحن اللحظة لكي توصف سماتها المحددة ~~بدقة. والحال أنه من المحال اليوم أن نتكلم عن مفاهيم كهذه من دون ~~أن ندقق في سماتها. إن عددا من شروح كتاب سيبويه لا تتمثل غايتها ~~في شرح وتوضيح ما غمض منه فحسب؛ إنما تتمثل أيضا في متابعة البحث ~~في سمات المفاهيم النحوية وخصائصها المميزة، وإن كان سيبويه لم ~~يذكر سماتها في المستوى نفسه الذي ذكره شراح كتابه فيما بعد، فإن ~~هذا لا يمثل نقصا بقدر ما يكون ميزة تعطي مؤرخ النحو منطقة عمل؛ ~~أعني كشف النحاة عن سمات المفاهيم بصورة تدريجية. # تكون المفهوم النحوي في الكتاب # لا يمكن أن يكون تاريخ النحو غريبا غرابة تامة عن تاريخ علم ~~التفسير وعلم اللغة. والعلاقة بين هذه العلوم الثلاثة لا يمكن أن ~~تتصور في اتجاه واحد؛ وإن كان الاتجاه المعتاد أكثر عند ~~الباحثين هو الاتجاه الذي يسير من التفسير إلى النحو، ويوفر لنا ~~أحد الباحثين أمثلة # 17 # على أن تاريخ بعض المفاهيم النحوية كالنعت (الصفة) ~~والخبر والاستثناء والعلامة (أثر العامل في المعمول) تجد بدايتها ~~في التفسير، كتفسير مقاتل بن سليمان الذي يعد واحدا من أقدم ~~التفاسير الكاملة التي يمكن أن يتتبع فيه مؤرخ نحوي نشوء بعض ~~المفاهيم النحوية. ويعيد هذا الباحث كون هذه المفاهيم بدأت في ~~التفسير إلى أن علماء البصرة في النصف الثاني من القرن الثاني من ~~الهجرة اهتموا ببنية اللغة بالمقابلة مع بنية النص. وكانوا نشطين ~~كونهم مختصين في تفسير القرآن الكريم، ولكنهم توسعوا في بحوثهم ~~لتشمل الظواهر العامة في اللغة. وقد أثمرت هذه التطورات في أول ~~كتاب عن النحو العربي، وهو الكتاب لسيبويه المتوفى سنة 793 ميلادية. # 18 # لكي نفهم كيف ms052 تكونت المفاهيم التي بدأ بها سيبويه كتابه؛ فلا بد ~~من أن نحدد علاقات التعارض والتكامل بين المفهوم وبين جذره اللغوي، ~~وأن ننصت إلى إيحاءات الفعل. هذه العمليات المعقدة في الانتقال ~~من المعنى اللغوي إلى معنى المفهوم تسمى النقل المعرفي. لقد ~~توجهت بعض الأبحاث اللاحقة إلى تحليل هذه العملية المعقدة، ~~كأبحاث ابن جني في كتاب الخصائص، سأكتفي منها هنا بالبناء. يقول ~~ابن جني: «وكأنما إنما سموه بناء لأنه لما لزم ضربا واحدا، فلم ~~يتغير تغير الإعراب؛ سمي بناء، من حيث البناء لازما ~~موضعه، لا يزول من مكان إلى غيره؛ وليس كذلك سائر الآلات المنقولة ~~المبتذلة، كالخيمة والمظلة والفسطاط والسرادق ونحو ذلك. وعلى أنه ~~قد أوقع هذا الضرب من المستعملات المزالة من مكان إلى مكان لفظ ~~البناء؛ تشبيها لذلك - من حيث كان مسكونا، وحاجزا ومظلا - ~~بالبناء من الآجر والطين والجص.» # 19 # ينتمي أصل كلمة البناء كما يشرح ابن جني إلى حياة الإنسان العامة ~~(التعلم الحدسي) أي ما يقتضيه الإنسان في حالته الطبيعية. في ~~مقابل هذا الإنسان يوجد الإنسان الخبير الذي عرف مفهوم «البناء»، ~~ويستطيع أن يشغله بصورة ملائمة. ولكي أوضح هذه الفكرة فسأستحضر ~~الطلاب الذين يفهمون بسهولة كلمة البناء في مجال استخداماتها ~~اليومية، بينما يفشلون في فهمها في مجال النحو؛ لأن البناء في مجال ~~النحو لا يعني ما هو مألوف للطالب في الحياة اليومية. وهكذا ~~فالتفكير في اللغة تقره صياغة المفهوم؛ فما إن تنفصل الدلالة ~~اللغوية لكلمة «بنى» عن عالم الأشياء والكائنات والمخلوقات، وبشكل ~~عام عن الحياة الإنسانية حتى يتكون المفهوم (البناء). # حين بدأ سيبويه رسالة الكتاب بتحديد المفاهيم النحوية الأساسية، ~~فإنه يعامل اللغة بوصفها ظاهرة بشرية لا ترتبط بما هو فوقي، كأن ~~تكون من وضع الله. ما فعله سيبويه شكل من البرهنة لا يستحضر النصوص ~~الدينية، إنما يستقصي كلمات اللغة ليصنفها إلى أسماء وأفعال وحروف. ~~يرتبط بهذا ولا ينفك عنه أن تتخذ الرسالة شكل النثر، وأن يختلف ~~شكلها النصي النثري؛ فلم تكون نصا سرديا إنما نص يعرض ~~ويفسر ويعبر ويشرح. ولهذا ms053 النوع من النصوص علاقة بالكتابة؛ ~~فسيبويه لم يكن ليستطيع أن يعرض ويشرح ما يفكر فيه كتابة إلا لأن ~~الكتابة كانت قد خلقت نمطا جديدا من الخطاب، ومنطقا وشكلا ~~جديدين من التواصل بين المؤلف وبين القراء. # 20 # إن المفهوم هو الفكرة التي تمثل كلية الخواص الجوهرية؛ # 21 # فالعقل يشكل المفاهيم بأخذه عددا معينا من الموضوعات ~~التي تمتلك خصائص مشتركة؛ أي إنها تتطابق من بعض النواحي، ثم ~~يجمعها ولا يحتفظ منها إلا بالمتشابهات ليتأملها. وبالعودة إلى ~~الأفعال التي سردها سيبويه في رسالة كتابه؛ فإن ما هو جوهري وكلي ~~فيها هي أنها حسبما يرى «أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وبنيت لما ~~مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينقطع». # 22 # تنويع الكتاب تقديم المفهوم النحوي # يضيف سيبويه إلى طريقة الأمثلة التي قدم بها مفهومي الاسم والفعل ~~طريقة أخرى في تقديم مفهوم الحروف. تستند هذه الطريقة إلى أمثلة ~~ليست على المفهوم. يقول: «وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل، ~~فنحو: ثم، وسوف، وواو القسم، ولام الإضافة، ونحوها.» # 23 # بعبارة أخرى: إن الأفعال كذهب ويذهب واذهب، والأسماء ~~كرجل والضرب، ليست أمثلة على الحروف. هذا الأسلوب يسمى أسلوب ~~المثال واللامثال؛ أي إن سيبويه عرض مفهوم الحرف بطريقة جديدة ~~تتمثل في المقارنة بين الأمثلة واللاأمثلة؛ فذهب والرجل ليست أمثلة ~~على الحرف بينما «سوف» مثال عليه. # لقد استخدم سيبويه ما يسمى متطلبات التعلم حين عرض مفهوم الحرف ~~بعد عرض مفاهيم الاسم والفعل والمصدر؛ فهذه المفاهيم خبرات سابقة ~~لتعلم مفهوم الحرف. وبتقديم سيبويه الأمثلة غير المنطقية للحرف ~~بجانب أمثلة الحرف المنطقية؛ فذلك يعني تيسير عملية فهم ~~المفهوم. # تدفعنا الكيفية التي عرض بها سيبويه المفهوم النحوي إلى أن نلاحظ ~~أن التفكير النحوي لا يهبط كما لو أنه وحي. إنما هو إعمال للعقل ~~يحتاج إلى وجود خبرات سابقة، وإلى سمات وخصائص تبرز بالمقارنة. ~~وإذا ما لاحظنا أن النحاة آنذاك لم يكونوا مناصرين للعقل الذي ~~يتأمل اللغة، إنما العقل الذي يصلحها من الفساد، فإن عرض سيبويه ~~للمفاهيم النحوية جديد ms054 وبلا سابقة. # هل تصنيف سيبويه للكلام في اللغة العربية تصنيف مناسب؟ لا مجال ~~لأن نحكم بأن يكون مناسبا أو غير مناسب؛ فالمجال مجال توصيف. ~~لنتصور متكلما يريد أن يتواصل مع متكلم آخر ليبلغه بشيء ما. لا ~~مناص أن يبني هذا المتكلم كلامه مستخدما مفاهيم سيبويه. سيستخدم ~~فعلا واسما وحرفا، أو فعلا واسما ... إلخ. وهنا يمكن القول إن ~~سيبويه يصف نظاما لغويا للتفاهم ولإيصال المعنى الذي يقصده ~~المتكلم. وسيبويه ما فتئ يكرر على امتداد صفحات الكتاب بدون كلل ~~ولا ملل أن هدف التحليل هو المعنى الذي يقصده المتكلم. إن المهم ~~هنا هو أن سيبويه عالم درس اللغة مستخدما لهذا الغرض «المفاهيم ~~العلمية التي تشكل علم النحو». درس نظام اللغة بدلا من أن يؤول ~~نصوص اللغة أو يصحح لحنها، ونظر إلى المعرفة النحوية التي وصلت ~~إليه على أنها معرفة يجب أن تحسن، ونظر إلى نفسه بوصفه نحويا ~~يتساوى في القيمة المعرفية مع القيمة يتمتع بها الفقيه أو المفسر ~~للنصوص الدينية. إن الحياد العاطفي الذي يظهره سيبويه تجاه اللغة ~~العربية منذ الصفحة الأولى (هذا باب علم ما الكلم من العربية) لهو ~~أحد معايير العلم؛ ذلك أن تعلقا عاطفيا باللغة العربية سيبدو ~~غير مستحسن؛ لأنه سيدفع سيبويه إلى أن يدير ظهره للروح العلمية، ~~وسيجعله يدافع عن نظرة خاصة تكون فيها اللغة العربية هبة إلهية ~~فريدة ومتفردة. # استعارة الكتاب بعض مفاهيمه من علوم أخرى # عنون سيبويه الباب الثاني في رسالة الكتاب «هذا باب مجاري أواخر ~~الكلم من العربية». # 24 # وقد استعار مفهوم «المجرى» من علم آخر، ثم اختفى من ~~علم النحو، فلم يعد له أثر إلا نادرا. ينقل ابن منظور في معجم ~~لسان العرب عن ابن سيده أن الأخفش قال: «والمجرى في الشعر حركة حرف ~~الروي فتحته وضمته وكسرته، وليس في الروي المقيد مجرى؛ لأنه ~~لا حركة فيه فتسمى مجرى، وإنما سمي ذلك مجرى؛ لأنه موضع جري حركات ~~البناء والإعراب.» # 25 # يعلق أحد الباحثين المعاصرين على هذا بقوله: «فالمجرى ~~مصطلح عروضي أساسا، وليس مصطلحا نحويا، ms055 ولكن سيبويه استعار هذا ~~المصطلح واستعمله.» # 26 # ويضيف في مكان آخر من دراسته: «ولسيبويه الحق في أن ~~يأخذ مصطلحا ما من أي علم من العلوم، ويوظفه كيفما شاء في علمه، ~~وعلى القارئ أن يحذر من مفاهيم المصطلحات، ولا يؤول المصطلح إلا ~~داخل العلم المستخدم فيه.» # 27 # يضيف ابن منظور إلى ما قاله عن المجرى: «والمجاري: أواخر الكلم؛ ~~وذلك لأن حركات الإعراب والبناء إنما تكون هناك. قال ابن جني: ~~سمي بذلك لأن الصوت يبتدئ بالجريان في حروف الوصل منه.» # 28 # يقصد ابن جني بالوصل المفهوم العروضي الذي يعني حرف ~~المد الذي يتولد عن إشباع حركة الروي، فيكون ألفا أو واوا أو ~~ياء في اللفظ. والأمثلة التي ساقها تشير إلى هذا؛ فالفتحة في حرف ~~العين «مصرعا» هي ابتداء جريان الصوت، وهكذا الكسرة في «فالسند» ~~والضمة في «لائم». # ما أضافه سيبويه إلى مفهوم المجرى ليكون مفهوما نحويا هو أنه ~~«لم يقصر المجاري هنا على الحركات، كما قصر العروضيون المجرى في ~~القافية على حركة الروي دون سكونه.» # 29 # ثم استقر على مفهوم الجر في الإعراب وعلى مفهوم الكسر ~~في البناء، وهو تطور مهم؛ لأنه ينقص كثرة المفاهيم في حالة كهذه. ~~فعلى ما يحكى عن الخليل بن أحمد أن حالة كهذه تستدعي أربعة مفاهيم ~~«الخفض: ما وقع في أعجاز الكلم منونا، نحو زيد. والكسر: ما وقع في ~~أعجاز الكلم غير منون، نحو لام «الجمل». والإضجاع: ما وقع في أوساط ~~الكلم نحو باء «الإبل». والجر: ما وقع في أعجاز الأفعال المجزومة ~~عند استقبال ألف الوصل نحو: يذهب الرجل.» # 30 # استبعد سيبويه مفهوم «الإضجاع» من النحو؛ لأنه لا ~~علاقة له بكون الكلمة معمولا لعامل فيتحرك آخرها، إنما علاقته ~~بتركيب الكلمة حين يحرك مثلا فاء الكلمة أو عينها أو لامها ~~بالكسرة مما لا علاقة له بالنحو. # أخذ على سيبويه أنه جعل الجزم والوقف حركتين؛ لكن ابن جني فند ~~هذا المأخذ. فمن وجهة نظره أن سيبويه يعني بقوله مجاري أواخر الكلم ~~«أحوال أواخر الكلم وأحكامها والصور التي تتشكل بها، ms056 فإذا كانت ~~أحوالا وأحكاما فسكون الساكن حال له، كما أن حركة المتحرك حال له أيضا.» # 31 # وقد استعاد باحث معاصر رأي ابن جني؛ فالمجرى علامة في ~~آخر الكلمة تكون بالحركة أو بغيرها؛ لأنه مرتبط بالتكوين المكون في ~~نظر سيبويه من عوامل ومعمولات، بينما الحركة مرتبطة بالتركيب ولها ~~علاقة بالحرف فقط، سواء أكان في حشو الكلمة أم في آخرها أم في بدايتها. # 32 # من جهة أخرى؛ يتضمن الباب الخامس من الرسالة «هذا باب الاستقامة ~~من الكلام والإحالة فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم ~~قبيح، وما هو محال كذب» # 33 # مفاهيم تنتمي إلى علم مصطلح الحديث، وهو علم طلبه ~~سيبويه ثم تركه إلى علم العربية كما هو معروف، ويبدو أنه حافظ على ~~ما تعلمه حتى وهو يدرس النحو. ويبدو من الأمثلة التي أوردها ~~سيبويه، وحكمه عليها بمفهوم مستقيم حسن، أو محال، أو مستقيم كذب، ~~أو مستقيم قبيح، أو ما هو محال كذب أنها أحكام تشبه الأحكام التي ~~يصدرها رجال الحديث. على سبيل المثال: فأتيتك أمس، وسآتيك غدا، ~~كلام مستقيم حسن يذكر بالأحاديث النبوية التي تتبعها الرتبة ~~كقولهم عن أحد الأحاديث: حديث صحيح أو حسن. وتكمن الأهمية العلمية ~~للمفاهيم التي أوردها سيبويه كحسن وقبيح في معياريتها؛ أي في ~~استخدامها للحكم على صحة تركيب من الوجهة النحوية. # المفهوم المفتاح في مفاهيم سيبويه هو «مستقيم» ثم تأتي بعده ~~مفاهيم رتبة الصحة، كأن تكون حسنة أو قبيحة أو كاذبة. ويبدو لي ~~أن مفهوم «مستقيم» يعادل في علم مصطلح الحديث مفهوم «صحيح» من حيث ~~هو حكم تأتي بعده رتبة الحديث كأن يكون صحيحا لكن رتبته ~~متفاوتة. # يعني الكلام المستقيم في رتبة الحسن عند سيبويه: ما روعي فيه ~~قواعد اللغة العربية صوتا وتركيبا ودلالة؛ أي إنه اشتمل على أعلى ~~صفات الصحة اللغوية؛ لذلك فهو كلام مستقيم حسن. ويعني الحديث ~~الصحيح السلامة من الشذوذ والعلل، واتصال السند بنقل العدل الضابط ~~عن مثله. قد يكون الحديث الصحيح لذاته؛ أي إنه اشتمل على أعلى صفات ~~القبول، وقد يكون الحديث صحيحا ms057 لغيره؛ أي صحح لأمر أجنبي عنه؛ ~~لكونه لم يشتمل على أعلى صفات القبول كالحسن، فإذا روي من غير وجه ~~ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى درجة الصحة. # 34 # من وجهة النظر هذه، يتبين لنا أن أحد الباحثين المعاصرين لم ~~ينتبه إلى التغير الذي يحدث للمفهوم حينما يستعار من حقل علمي ~~إلى حقل آخر. يقول هذا الباحث عن وصف سيبويه لبعض الكلام بالحسن: ~~«ويبدو أن هذا «الحسن» يكاد يقترب من الحديث الحسن.» # 35 # وكما قلنا فإن الحسن رتبة يرتقي بها الحديث الصحيح ~~بغيره إلى رتبة الصحيح لذاته، وهو ما يشير إلى أن المفهوم المفتاح ~~هو الصحيح؛ وليس الحسن، وهو ما يقابل مفهوم المستقيم عند ~~سيبويه. # يذهب باحث آخر إلى أن القبح والحسن مفهومان كلاميان. # 36 # وكما هو معروف فإن هذين المفهومين يعبر بهما في علم ~~الكلام عن الخير والشر، وقد يعبر بهما عن المصلحة والمفسدة. ~~والحكم بهما إما أن يكون عقلا (المعتزلة) أو شرعا (الأشاعرة). ~~وما يهم هنا هو أن سيبويه وإن استعارهما من علم الكلام؛ إلا أنه لم ~~يستخدمهما استخداما كلاميا. وإذا صح أن الاستقباح والاستحسان ~~يعتمدان على «الشيوع والكثرة في الظاهرة اللغوية»؛ # 37 # أي إن الشائع الكثير حسن والنادر قبح، فإن هذا تحسين ~~لغوي أو تقبيح لغوي عقلي؛ أعني حكم بهما العقل وهو يستقرئ ~~الظاهرة اللغوية، ويستنبط أحكامها وقواعدها، ولا مجال هنا للتحسين ~~أو التقبيح الشرعي. # سأكتفي بما توقفت عنده من استعارة النحو بعض مفاهيمه من علوم ~~أخرى، وهي استعارة تتعلق بالشروط العقلية للممارسة العقلية ~~النحوية. ومن غير أن أحمل مرحلة سيبويه التاريخية فوق ما تحتمل ~~من شروط التفكر العقلي، فإن ممارسة عقلية كهذه لم تكن لتوجد ما ~~لم يتوفر حد أدنى من الشروط على المستويين الثقافي والاجتماعي ~~لتلك المرحلة التاريخية. # لا يمكن لي أن أعيد تفكير سيبويه العقلي في النظام اللغوي من حيث ~~هو نحو في حدود العقل إلى مؤسسات مدينة البصرة، كما يقال مثلا على ~~المدينة في اليونان. وإن كان الاعتراف بعقلانية البصرة يجب أن يؤخذ ms058 ~~في الاعتبار؛ فنحو سيبويه يتميز بمعاصرته؛ ليس لعلوم الشرع فحسب ~~إنما أيضا للعلوم الأخرى كعلم الكلام. وإذا ما كانت معرفة سيبويه ~~بعلم الحديث معرفة المحترف الذي تعلمه، فإن معرفته علم الكلام ~~معرفة الهاوي التي انعكست على تفكيره. # حين ترك سيبويه تعلم الحديث تعلم على الخليل بن أحمد، وسيبدي ~~لنا وصف ابن المقفع للخليل أي شيء تميز به الخليل بن أحمد حينما ~~قال عنه: «رأيت رجلا عقله أكبر من علمه.» وهو ما أثر في سيبويه ~~الذي تجاوز العقل البلاغي للنحاة الذين سبقوه إلى المفاهيم النحوية ~~التحليلية. لقد وجد وصف ابن المقفع لسيبويه الصدى الذي يستحقه. ~~يروى عن صاحب الأخبار وراوية الآداب أبي بكر الباهلي البصري أنه ~~نظر في كتاب سيبويه فقال: «علمه أبلغ من لسانه .» # 38 # والمهم هنا ليس الحبسة التي في لسان سيبويه كما يروى، ~~إنما التفكير العقلاني الذي تنبئ به العبارة. # المفاهيم الموجهة للكتاب # في المتن الذي أحلله (رسالة الكتاب) سلسلة من أقوال سيبويه ك ~~«اعلم» أن: # بعض الكلام أثقل من بعض؛ فالأفعال أثقل من الأسماء. # 39 # ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام ووافقه ~~في البناء أجري مجرى ما يستثقلون، ومنعوه ما يكون لما يستخفون. # 40 # النكرة أخف من المعرفة، وهي أشد تمكنا. # 41 # الواحد أشد تمكنا من الجميع. # 42 # المذكر أخف عليهم من المؤنث. # 43 # مفهوما الخفة والثقل اللذان تضمنهما كلام سيبويه مفهومان في ~~غاية الأهمية؛ لأن سيبويه يختبر بهما صحة الاحتمالات حين يستعرض ~~المفاهيم النحوية المترتبة عليهما. وقد تجاوبت استنتاجاته مع هذين ~~المفهومين؛ فالأفعال أثقل من الأسماء لذلك لا تنون لكنها تجزم ~~وتسكن. وترتب على خفة النكرة والمفرد على الترتيب أنهما أشد ~~تمكنا من المعرفة والجمع. وهكذا فسيبويه لا يحلل مفاهيم النكرة ~~والمعرفة والمذكر والمؤنث والمفرد كيفما اتفق؛ إنما يحللها ~~استنادا إلى مفهومي الخفة والثقل اللذين يستخدمهما الناطقون ~~لكنهما غير مصاغين، وعلى هذا المستوى فإن عمل سيبويه هو الإخراج ~~المبتكر لهذا المفهومين بعد أن كانا مألوفين، لكنهما غير ~~معروفين. # يتضح هذا في مفهوم موجه آخر ms059 هو مفهوم التشابه. يقول: «وإنما ~~ضارعت (الأفعال المضارعة) أسماء الفاعلين»؛ وذلك بسبب اجتماعهما في ~~المعنى. ودليل اجتماعهما في المعنى أن الاسم يمكن أن يحل محل الفعل ~~المضارع وليس العكس؛ مما يعني أنه فعل وليس اسما. وقد رتب سيبويه ~~على هذا استنتاجات دقيقة، وتعليلات دخول اللام على الفعل المضارع، ~~والتحاق السين وسوف به. وعلى أي حال لا مجال هنا لأن أتوسع، فما ~~أردته هو أن أشير إلى مجال لم يدرس بعد. # تكفي هذه المفاهيم الموجهة التي شرحها سيبويه في كتابه لتضعه في ~~مكان فريد ومميز عن نحويي عصره بالنسبة لمرحلته التاريخية، وهي ~~المفاهيم التي يعرفها جميع النحويين الآن. إنني أعتقد أن لكتاب ~~سيبويه نظام تفسيره، ولكي نفهم هذا النظام علينا أولا أن نحدد ~~المفاهيم الموجهة، وفيما توقفنا عنده أعلاه بينا أنه حيث يوجد ~~ثقل أو خفة أو تشابه، فإن ثمة شيئا يمكن أن يحلل بوصفه تفسيرا، ~~الأمر الذي يجعل المفاهيم الموجهة جزءا أصيلا من مشروع سيبويه ~~النحوي. # مفاهيم الكتاب المتعلقة بالتركيب # تتضمن رسالة الكتاب بابا عنوانه «هذا باب المسند والمسند إليه»، # 44 # وكما نعرف فإن مفهومي المسند والمسند إليه انتقلا فيما ~~بعد إلى البلاغة العربية؛ وأسس عليهما علم المعاني. وقد نقد بعض ~~المعاصرين هذا؛ فالنحو العربي من وجهة نظره «أحوج ما يكون أن يدعي ~~لنفسه هذا القسم من أقسام البلاغة الذي يسمى علم المعاني حتى إنه ~~ليحسن في رأيي أن يكون علم المعاني قمة الدراسات النحوية أو فلسفتها.» # 45 # وهو رأي من الصعب ألا أتفق معه؛ لأن النحو قبل سيبويه ~~نشأ تحليليا؛ أي إنه كان يعنى بمكونات التركيب أكثر من عنايته ~~بالتركيب ذاته؛ لذلك فإن حديث سيبويه عن المسند وعن المسند إليه في ~~كتاب نحوي يعتبر نقلة نوعية في مجال البحث النحوي. # يعرف سيبويه مفهومي المسند والمسند إليه بأنهما «ما لا يغني ~~واحد منهما عن الآخر»؛ وهو تعريف يستند إلى علاقة الإسناد بينهما؛ ~~فالمسند إليه عبد الله لا بد له من مسند هو أخوك في قولنا: «عبد ~~الله أخوك». ويعبر سيبويه ms060 عن هذا بقوله: «لم يكن للاسم الأول بد ~~من الآخر في الابتداء.» وكذلك فإن المسند «يذهب» لا بد له من مسند ~~إليه هو «عبد الله» في قولنا: «يذهب عبد الله». ويعبر سيبويه عن ~~هذا بقوله: «فلا بد للفعل من اسم.» وكما نعرف الآن فقد وصفت علاقة ~~الإسناد في قولنا: «عبد الله أخوك» بالجملة الاسمية، وبالجملة ~~الفعلية في قولنا: «يذهب عبد الله». # يضيف سيبويه أن «مما يكون بمنزلة الابتداء قولك: كان عبد الله ~~منطلقا.» ويبدو أن هذه إضافة «كان» لها علاقة بإضافة معنى زمني ~~لجملة لا تشير إلى زمن «الجملة الاسمية». وتبدو أهمية هذه الإضافة ~~إذا ما أخذنا في اعتبارنا قرائن التعليق المعنوية، ومن أهمها ~~الإسناد، وهو ما اهتم به تمام حسان؛ فقد أكد على أن علاقة الإسناد ~~قرينة معنوية تميز المسند إليه بما لا يحتاج إلى إضافة. # 46 # غير أن سيبويه لا يكتفي بعلاقة الإسناد بين اسمين أو بين فعل ~~واسم، إنما يشرك المتكلم فيقول: «ولا يجد المتكلم منه بدا». ~~ويمثل إدخال المتكلم تطورا نوعيا في مفهوم النحو؛ ذلك أن ~~المتكلم يحضر في نحو أبي الأسود الدؤلي من حيث هو ناطق يتجنب ~~الخطأ، بينما يحضر في نحو سيبويه؛ ليس لأنه ناطق فحسب، إنما فوق ~~ذلك لأنه يقصد معنى؛ كأن يثبت شيئا لشيء، أو ينفيه عنه، أو يطلبه ~~منه؛ أي إن للإسناد معنى وظيفيا، ترتبت عليه تفريعات شرحتها ~~فيما بعد كتب البلاغة. # على أننا لا نتوقع من بلورة سيبويه مفهومي المسند والمسند إليه ~~أن يكون ردا على نحو أبي الأسود الدؤلي؛ فما زال النحو بمعنى ما ~~دؤليا ولم يحدث القطيعة التامة. فسيبويه استخدم المفاهيم النحوية ~~التحليلية التي دشنها الدؤلي، لكنه سيضع البذرة التي نبتت في كتاب ~~دلائل الإعجاز الذي صنف على أنه بلاغي وليس نحويا، وهو ما ~~يمثل عندنا مفهوم النحو المنسي. # 47 # مفاهيم المساءلة الجديدة في الكتاب # حسب التقليد العلمي الذي وصلنا؛ فإن قضية اللفظ والمعنى تنتمي ~~إلى البلاغة، لكن محمد عابد الجابري يذهب إلى أكثر من ذلك؛ فقد ~~«هيمنت ms061 «قضية اللفظ والمعنى» على تفكير اللغويين والنحاة وشغلت ~~الفقهاء والمتكلمين واستأثرت باهتمام البلاغيين والمشتغلين بالنقد، ~~نقد الشعر ونقد النثر، دع عنك المفسرين والشراح الذين تشكل العلاقة ~~بين اللفظ والمعنى موضوع اهتمامهم العلني الصريح.» # 48 # ثم يرتب على هذا أن سيبويه لم يكن «الوحيد الذي اتجه ~~بالدرس النحوي العربي هذا الاتجاه الذي يتداخل فيه المنطق واللغة، ~~بل إن عمله إنما كان جمعا وتنظيما للمناقشات النحوية اللغوية ~~البلاغية المنطقية التي انشغل بها جيله والجيل السابق له.» # 49 # غير أن فرضية الجابري الأساسية؛ أعني النظرة إلى اللفظ والمعنى ~~من حيث هما منفصلان لا تفسر ما تخيله وسماه النظام المعرفي ~~البياني. وليس كافيا أن يقول: إن جمع اللغة وتدوينها وتأليف ~~المعاجم اللغوية نتج عن تصور اللغويين الفصل بين اللفظ ~~والمعنى؛ فالأمر الأهم يؤول إلى التصورات الشخصية المتعلقة ~~بمعتقدات اللغويين اللغوية وتصوراتهم عن طبيعة اللغة ~~ووظائفها. # لقد استند جمع اللغة وتدوينها إلى تصورات شخصية لجامعي اللغة عن ~~طبيعة اللغة ووظيفتها وعلاقتها بالفكر، وعن طبيعة المنهج وعلاقته ~~بما يدونونه أو يتجاهلونه. وقد كان لهذه التصورات أسباب تاريخية ~~وثقافية. وإذا كانت هذه العوامل التاريخية والثقافية قد ولدت ~~تصورات المعجميين اللغوية، وأن هذه التصورات نجم عنها معاجم لغوية ~~فصلت اللغة عن أفقها الاجتماعي، وأن هذا الفصل ولد مشكل الكلمة في ~~علاقتها بالأشكال المحسوسة للتواصل الاجتماعي بين الطبقات والفئات ~~والشرائح الاجتماعية. إذا كان كذلك فإن الأسئلة التي تنتظر ~~الباحثين هي: ما الأصول التاريخية لهذا المشكل؟ ما الشروط ~~الاجتماعية لبقائه؟ وما الأسس الثقافية لهذا كله؟ وهو ما لا تجيب ~~عنه فرضية الجابري المتعلقة بفصل اللغويين بين اللفظ وبين ~~المعنى. # نشأت معتقدات اللغويين والمعجميين المتعلقة بطبيعة اللغة العربية ~~من جو المرحلة الفكري الرافض لأي تجديد لغوي؛ لأنه يتعارض مع ثبات ~~اللغة العربية وأزليتها. ومن زاوية ثبات اللغة وأزليتها من الطبيعي ~~أن يتجاهل اللغويون وجود الكلمة المجتمعي الجديد، وتسرب الكلمات ~~الجديدة إلى العلاقات التي تربط بين الأفراد، ولحمة الكلمات لمجال ~~العلاقات الاجتماعية، وسجل الكلمات الذي تتواصل به شرائح المجتمع. ~~لهذا كله لا ms062 أوافق على الفصل الذي افترضه الجابري بين اللفظ ~~والمعنى وأدى إلى ما اعتقده في كتاب سيبويه، فالجابري يرى أننا ~~لسنا «بإزاء تقرير قواعد نحوية تضبط كيفية النطق والكتابة». # 50 # إنما بإزاء «جهات - أو موجهات - مركبة من جهات عقلية ~~منطقية تخص المعنى وجهات لغوية تخص تركيب الكلام». # 51 # ما أغفله الجابري هو أن قضية اللفظ والمعنى تتعلق ~~بتفسير نصوص مؤسسة للمجتمع الإسلامي. ومن هذه الزاوية لا تمثل ~~علاقة اللفظ بالمعنى قضية طارئة من خارج الثقافة العربية ~~الإسلامية. بل إنني أذهب إلى أن قضية اللفظ والمعنى قضية أساسية ~~داخل الثقافة العربية الإسلامية؛ لكنها حتما لم تأخذ التوجه ~~النحوي الذي توصل إليه الجابري حين قابل بين مشتقات النحاة وبين ~~مقولات أرسطو. # 52 # يختصر سيبويه في بابين من كتابه علاقة اللفظ بالمعاني، وما يكون ~~في اللفظ من الأعراض. وقد أتاح هذان البابان تقدما يسيرا على ~~مستوى المعرفة النحوية في عصره، من حيث إنه أعطى بهما الفرصة للنحو ~~ليشتغل في مجال لم يكن الآخرون قادرين على وطئه، وفتح بهما ميادين ~~البحث النحوي التي ستظهر ناضجة فيما بعد عند نحويين هما ابن جني ~~وعبد القاهر الجرجاني؛ ففكرة أن العرب يحذفون ويعوضون، ويستغنون ~~بالشيء عن الشيء، التي أشار إليها سيبويه فرضت انتظام التحليل ~~النحوي فيما بعد، وهي بمعنى ما مبادئ استخدمت في شرح ما ينطق به ~~المتكلم. # لا أعني بالمبادئ سلسلة مرتبطة من المفاهيم العلمية التي تصف ~~ظاهرة أو حدثا كما عرفها العلم الحديث؛ إنما أعني ظهور مفاهيم ~~جديدة للمساءلة في النحو والصرف كالحذف والتعويض والاستغناء. # 53 # وهي مفاهيم تعبر بوضوح عن إشكاليات فعلية في اللغة، ك ~~«لماذا قالوا يدع ولم يقولوا ودع؟ لماذا قالوا زنادقة ولم يقولوا ~~زناديق؟» هناك أسئلة أخرى سعى سيبويه إلى الإجابة عنها. ولكي يجيب ~~عنها فكر على مستويين: مستوى ما يسمع، ومستوى ما لم ينطق. وقد ~~أتاح له هذا شكلا من التعقل أخذ شكلا كافيا من الوضوح مما أدى ~~إلى نتائج جديدة في البحث النحوي. # لم يكن سيبويه ليستطيع أن يتابع مشروعه؛ ms063 أعني إنشاء تفكير نحوي ~~جديد إلا بعد أن يفطن إلى العلاقة بين اللفظ والمعنى. والفصل الذي ~~افترضه الجابري لم يكن مفكرا فيه آنذاك. وما فعله سيبويه هو ~~تطوير فكرة التقصي عن العرب. وهو يبدأ البابين ب «اعلم أن من ~~كلامهم» و«اعلم أنهم مما (ربما) يحذفون» وهو مما أدى إلى أفضل ~~النتائج؛ أعني التقصي الذي رسم إلى حد ما الحدود للألفاظ ~~والمعاني؛ فاللفظان قد يختلفان لاختلاف المعنى، وقد يختلفان ~~والمعنى واحد، وقد يتفقان ويختلفان في المعنى وإن كان الواقع ~~اللغوي قد يستعصي على هذا التحديد الدقيق. # مفاهيم الكتاب الذهنية # يهدف سيبويه من أمثلته على اختلاف الألفاظ لاختلاف المعنى «جلس ~~وذهب»، واختلافهما والمعنى واحد «ذهب وانطلق»، واتفاقهما ~~واختلافهما في المعنى «وجدت عليه، ووجدت» إلى استكشاف معنى ما ~~ينطق به. ما الذي دفع سيبويه إلى هذه التفصيلات؟ الفضول العلمي هو ~~ما دفعه إلى البحث في الفروق الدقيقة بين الألفاظ؛ فالناس يتكلمون ~~في تجربتهم اليومية بكيفية عائمة وفضفاضة، وحين يتحدثون لا يتوخون ~~الدقة في دلالة اللفظ على المعنى أو «مطابقته». هناك نمطية عامة في ~~التحدث مشروطة بألا تعرقل التواصل في الحياة اليومية، وتبادل ~~التجارب مع أناس يشبهوننا. # بسبب الفضول العلمي المتعلق باللفظ والمعنى سلكت المساءلة ~~الذهنية في كتاب سيبويه دربا جديدا أفضى إلى مفاهيم تشير إلى ما ~~يختفي خلف الظاهر المنطوق به، وهو ما يفهم من حذف العرب بعضا من ~~كلامهم. ثم شمل هذا الفضول المعرفي استكشاف مجمل الظاهرة اللغوية. ~~ومن هذا المنظور فالحذف هو ما قاد إلى مفهوم الإضمار، ومن ثم قاد ~~هذا إلى مفهوم العامل، وليس العكس. # 54 # فالحذف أقل تجريدا من الإضمار والعامل، مما يعني أن ~~الأكثر تجريدا يتلو الأقل تجريدا. التفكير في الحذف ثم في ~~الإضمار ثم في العامل هو عمليات النحو العلمية التي توقفت عند ~~العامل بوصفه تصورا ذهنيا تأويليا، وأداة تحليلية لعلم النحو. # 55 # ما كان لسيبويه أن يعقد باب «مجاري الكلم العربية» بدون مفهوم ~~العامل، وما كان له أن يكون عقلانيا وعلميا معا ليتوقف عند ~~قضايا تتعلق ms064 بأساليب النداء والقسم والاختصاص ... إلخ من دون افتراض ~~الحذف أو الإضمار. تكمن وظيفة مفاهيم الحذف والإضمار والعامل في ~~أنها تجعل من إحدى وظائف اللغة «التبليغ» افتراضية. وبفضل هذا ~~الافتراض يصبح معنى الكلام موضوع النحو. قد كان سيبويه واعيا بذلك ~~حين يقول: «وهذا تمثيل ولا يتكلم به.» # 56 # يعلق أبو زيد على أن هذه العبارة دليل «على وعي سيبويه ~~بالفارق بين «العبارة الأصلية» موضوع التحليل وبين «العبارة ~~الشارحة». ومعنى قول سيبويه إن «العبارة الشارحة» «تمثيل ولا يتكلم ~~به» هو أن تقدير المحذوف مسألة افتراضية. وإذا كان المحذوف هو ~~العامل؛ فذلك يؤكد ما ذهبنا إليه من أن «العامل» مجرد تصور ذهني ~~تأويلي، أو هو أداة تحليلية لبناء العلم.» # 57 # المنزلة المعرفية للغة الكلام مقابل لغة الشعر # أنهى سيبويه رسالة الكتاب بمجموعة من الملاحظات، وأدرجها تحت ~~عنوان عام هو «باب ما يحتمل الشعر». يقول: «اعلم أنه يجوز في الشعر ~~ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف ... وحذف ما لا يحذف ... ~~وربما مدوا مثل مساجد ومنابر ... وقد يبلغون بالمعتل الأصل، ~~فيقولون رادد في راد، وضننوا في ضنوا، ومررتم بجواري قبل ... ومن ~~العرب من يثقل الكلمة إذا وقف عليها، ولا يثقلها في الوصل، فإذا ~~كان في الشعر فهم يجرونه في الوصل على حاله في الوقف نحو: سبسبا ~~وكلكلا ... ويحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه ... وجعلوا ~~ما لا يجري في الكلام إلا ظرفا بمنزلة غيره من الأسماء.» لقد أطلت ~~الاستشهاد لكي أحدد قيمة ما أورده سيبويه فيما يتعلق بالمنزلة ~~المعرفية للغة الكلام في مقابل لغة الشعر، ولكي أدعم تصور لغة ~~الشعر على طريقة الخليل بن أحمد (الشعراء أمراء الكلام) الذي قد ~~يرى البعض أن سيبويه أورده متأثرا بالخليل؛ فالنصان فيما أذهب ~~إليه لا يتماثلان، ولا يتحملان المعنى ذاته من جهة الغاية؛ ذلك أن ~~الغاية عند الخليل بن أحمد غاية عروضية تتعلق بالوزن؛ فالفرزدق - ~~مثلا - مد الصيارف في بيته الشهير «تنقاد الصياريف» من أجل أن ~~يستقيم الوزن. أما الغاية عند سيبويه فهي ms065 غاية نحوية؛ أي لا يجب أن ~~تخضع لقواعد النحو من حيث الصحة والخطأ، ذلك أن الشاعر اضطر إلى ~~ذلك اضطرارا لكي يكون له لغته الخاصة، وهو ما يفهم من قوله: «وليس ~~شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها.» ويمكن أن نفهم هذا ~~القول في إطار أن اللغة منظومة اجتماعية، فهي تقتضي دائما بأن ~~يضحي الفرد بلغته الخاصة من أجل لغة الناس جميعا، وما يحدث للغة ~~الشعر هو أن الشاعر يضحي بلغة الناس من أجل لغته الخاصة. # الفصل الرابع # | النحو مجردا مما هو ثقافي # يرى ابن جني أن النحاة القدماء خبروا شخصيا الكلام في الحياة ~~اليومية، ودلل على ذلك بقوله: «ليس المخبر كالمعاين.» # 1 # وفي صفحة أخرى يقول: «يستوضحون من مشاهدة الأحوال ما لا ~~يحصله أبو عمرو من شعر الفرزدق إذا أخبر به عنه، ولم يحضره إنشاده.» # 2 # يتحرز ابن جني بهاتين العبارتين من اللغة المكتوبة التي لا ~~تساعد على اكتشاف خصائص اللغة الحية؛ لأن اللغة المكتوبة «خارجة عن ~~ظروف الحياة الواقعية؛ وهي كذلك لا يمكن أن تعطي صورة صحيحة لحالة ~~لغوية؛ لأنها بحكم الضرورة، وبفضل امتيازها، تعيش الماضي والحاضر ~~والمستقبل جميعا، ولأن الكاتب الواحد في صفحة واحدة يمكن أن يكون ~~سابقا لتطور اللغة المتكلمة ومتخلفا عنه.» # 3 # الصورة التي يوضح بها ابن جني اللغة المكتوبة ينقلها عن أحد شيوخه ~~حينما قال: «أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة.» # 4 # وبالرغم من أن ابن جني يورد عبارة شيخه في سياق أهمية ~~مشاهدة وجه المتكلم، وكيف يمكن أن تكون مشاهدة وجهه دليلا على ما في ~~نفسه، فإننا يمكن أن نستخدمها صورة للكلام الذي يجرد الكلام من كل ما ~~هو شخصي وثقافي، ومن الخصائص الثقافية لحياة الناس اليومية، وهي صورة ~~تمثل ما فعله في كتاب الخصائص؛ حيث جرد ابن جني الكلام من كل ما هو ~~شخصي وثقافي وحياتي. والأمثلة التي يختارها تفي بالغرض من ناحية النحو ~~العلل والقياس، لكنها غالبا معزولة عن حياة الناس حتى إنها ترد عنده ~~بدون سياق لغوي. ms066 # كلام العرب كما حلله ابن جني في كتاب الخصائص أكثر مما يعرف به ~~كتاب الخصائص، وهو أكثر من مجموع الصفات التي أطلقها عليه. لا سبيل فيه ~~إلى وصف الكلام الخاص والحميمي في تجربة الحياة اليومية، إذ يحيي ~~الإنسان الكلام وينعشه بما يتجاوز القياس والعلل. والسبيل الوحيد أمام ~~الإنسان لأن يجرب الكلام هو أن يتكلم، حينئذ يوقظ حريته وتواصله مع ~~الناس، أن يشعر في حياته اليومية أن هناك إنسانا يتكلم معه وعنه في ~~موقف حياتي حميم. يمكن لابن جني أن يقترب من اللغة المتكلمة وأن ~~يقاربها، يمكنه أن يحاكيها، لكن المحاكاة تظل تحويلا وتحريفا. # 5 # وقارئ كتاب الخصائص لن يستغرق وقتا حتى يلاحظ الكلمات ~~المبهمة، والتي في طريقها إلى أن تتلاشى، والتي ماتت، والتي صنعها ولا ~~يتكلم بها أحد. كل هذا بسبب اعتماده على اللغة المكتوبة التي لا تعطي ~~صورة أمينة عن اللغة كما يتكلمها الناس في حياتهم اليومية . # لكن ألا يعد ما قام به ابن جني في كتابه الخصائص تقدما كبيرا ~~لعلم النحو العربي؟ بلى. ذلك أن التزام ابن جني الجديد بتجريد النحو من ~~كل ما هو ثقافي أثبت في جانب آخر أنه تجريد مثمر وخصب؛ حيث وجه أنظار ~~النحويين من بعده إلى مسائل نحوية تمثل موضوعات جديدة؛ حين أصبح مفهوما ~~الاستقراء والقياس أشبه بالشرط في دراسات النحاة التاليين لابن ~~جني. # تجديد النحو بما هو أصل فكرة قوانين الصواب والخطأ # ينطلق نحو سيبويه من مفاهيم وقضايا نحوية تسمح للمتكلم بأن يركب ~~أي شكل للمعنى الذي تصوره قبليا؛ أي «قوانين النحو في سيرورتها ~~وتعدد إمكاناتها ولا نهائية الاختيارات المتاحة عند المتكلم». # 6 # أما فكرة نحو ابن جني، فهي الفكرة النحوية التي تقوم ~~على قوانين الصواب والخطأ. أين الجدة ونحو الدؤلي يستند هو أيضا ~~إلى قوانين الصواب والخطأ؟ تاريخ أي علم لا يكرر الأفكار ذاتها، ~~وإن حدث وتكررت فإن الفرق بينها يحول دون تطابقها؛ كالتاريخ الذي ~~لا يتكرر. وإذا ما حدث وتكرر فإن الفرق بين تاريخين يحول دون أي ~~تعميم بالتطابق بينهما. ms067 والفرق بين فكرتي الدؤلي وابن جني هو ~~الفرق بين فكرة تنشأ ولا تعرف أي جهة تسلكها كما هي فكرة الدؤلي، ~~وبين فكرة يراد لها أن تسلك جهة محددة كما هي فكرة ابن ~~جني. # يقوم نحو سيبويه على تشارك الوصفي والمعياري، وهذا ما هيأ ~~جزءا من نحو سيبويه لكي يطبق على أواخر كلمات اللغة. أما النحو ~~المستند إلى قوانين الصواب والخطأ فقد نشأ تحت توجيه فكرة النحو ~~الجديدة؛ أعني قول ابن جني في جزء من تعريفه النحو «ليلحق من ليس ~~من أهل العربية بأهلها من الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن ~~شذ بعضهم رد به إليها»؛ # 7 # أي إن النحو يصبح بالنسبة للكلام قوانين مستخدمة ~~ينتج عنها علامات إعراب يخضع لها المتكلمون؛ لا من حيث إنتاج ~~الدلالة والمعنى كما في نحو سيبويه، إنما من حيث صواب الكلام ~~وخطؤه. # يمكنني أن أعيد بناء مسار التفكير الذي أوصل إلى فكرة ابن جني عن ~~النحو؛ فقد هيئ الإنسان على نحو يجعله يتعلم اللغة بسهولة ما لم ~~يكن هناك عائق. ولا يثير تعلم الإنسان اللغة أي إشكال. حين يتكلم ~~الفرد في حياته اليومية، فهو يتكلم من غير أن يفكر في قوانين ~~الصواب والخطأ. إنما يتكلم باعتباره ذاتا تعبر عن حياتها ~~الداخلية، ولكي يلبي حاجاته اليومية؛ لذلك فإن مركز الثقل ليس في ~~أن يطابق كلامه صيغ الكلام الصائبة، إنما أن يفهم المخاطب المعنى. ~~هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتحتم على الفرد، أن يأخذ بعين الاعتبار ~~وجهة نظر المخاطب الذي يتكلم معه؛ لأن المخاطب هو الذي سيفهم كلام ~~المتكلم. ولا علاقة هنا لقانون الصواب والخطأ؛ فصحة كلام الفرد ~~لا تهم بقدر ما تهم قيمة الحقيقة فيه أو الكذب، أو طابع الكلام ~~الشعري أو المبتذل # 8 ~~... إلخ. # حين يتكلم الفرد في الحياة اليومية؛ فكلامه لا ينفصل عن محتواه ~~الأيديولوجي أو عن حياته اليومية. ما ينطقه في الحياة اليومية ~~ويسمعه الآخرون ليس الكلمات، إنما الحقائق أو الأكاذيب، الأشياء ~~الحسنة أو القبيحة، المهمة أو المبتذلة، المفرحة أو ms068 المحزنة ... إلخ. ~~فالكلام محمل دائما بمضمون أيديولوجي أو وقائعي. وعلى هذه ~~الشاكلة يفهم الناس الكلام، ولا يستجيبون إلا للكلام الذي يوقظ ~~فيهم أصداء أيديولوجية، أو له علاقة بحياتهم اليومية. # 9 # عندما يهتم أحد بكلامنا وينشغل به، ويتأمله، ويصفه ويصححه أو ~~يخطئه يركب كلاما جديدا انطلاقا من هذه العلميات؛ وهنا يظهر ~~عالم النحو وعلم النحو. في مقابل كلام الفرد الذي ينشأ ضمن سياق ~~محدد هو سياق الحياة نشأ الآن تفكير خالص في كلام الفرد وبكلام ~~الفرد بما ليس من كلام الفرد. ومن هذا المنظور نشأت كلمات مميزة ~~(مفاهيم) ومحددة ومنضبطة كالفعل والفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر ~~... إلخ. وإبداع النحو العربي يكمن في أنه استعمل كلام العرب، وأنتج ~~منه مفاهيم بكيفية نظرية، وفرضيات ومنهج مصطنع. # 10 # يتعلق الأمر بأخذ عدد معين من الأمثلة تملك سمات ~~مشتركة، وجمعها، واستخلاص الفروق بينها، والاحتفاظ بما يتشابه ~~منها. بهذه الطريقة تتشكل فكرة عامة عن فئة من الأمثلة فتتشكل ~~المفاهيم كالفعل والفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر ... إلخ. وهكذا ~~فالمفاهيم النحوية أفكار تمثل «كلية الخواص الجوهرية؛ أي جوهر ~~الأمثلة التي اهتم بها النحوي». # 11 # التركيب النظري للنحو تحول من الاهتمام العملي ~~كالتعبير وتلبية الحاجات الإنسانية إلى اهتمام نظري لا يهتم بالحكم ~~على صواب الكلام أو خطئه. # بالعودة إلى موضوعنا؛ فحين يتحدث ابن جني عن النحو بوصفه أداة ~~يلحق بها من ليس من أهل العربية بأهلها من الفصاحة، فينطق بها وإن ~~لم يكن منهم، ويرد بها الشاذ منهم إليها؛ فهو يتحدث عن مهارات ~~اللغة العربية التي يصعب على الفرد أن يتعلمها من محيطه المباشر، ~~كما يشير إلى أن وصف نظام اللغة ليس كل النحو، وأن فكرة الخطأ ~~والصواب تحتفظ بدورها من حيث هي فكرة مكملة لوصف نظام اللغة، وأن ~~المعيار يحتفظ بمكانته في تعليم اللغة، وبدونه لن يصبح النحو ~~قادرا على أن يكون في جانب منه علما تطبيقيا يمكن تعليمه ~~والتدريب عليه. # الفكرة الأساس للنحو المستند إلى القياس # لا يمكننا أن نتصور علما يجمد كما هو حين نشأ؛ وقد ظهر التركيب ms069 ~~النظري للنحو لأن علم النحو واصل تطوره. وجه هذا النحو الخالص ~~تفكير ابن جني النحوي؛ أعني النحو الذي يصف الإمكانات المتاحة ~~للمتكلم، وهو ما أفهمه من قوله: «أما في الحقيقة وحصول الحديث، ~~فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم، إنما هو للمتكلم نفسه، لا ~~شيء غيره، وإنما قالوا لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم ~~بمضامة اللفظ للفظ.» # 12 # يقصد بقوله لفظي ومعنوي المفاهيم التي استخلصها النحاة ~~وهم يتأملون الكلام، وهذا ما أفهمه أيضا من قوله: «وإنما قال ~~النحويون: عامل لفظي، وعامل معنوي؛ ليروك أن بعض العمل يأتي ~~مسببا عن لفظ يصحبه.» # 13 # يشير ابن جني هنا إلى المهمة الوصفية التي حفزت في ~~الأصل مهمة النحو الخالص عند سيبويه، وقد أصبح هذا النحو الخالص ~~وسيلة يصف بها النحاة تعدد الإمكانات المتاحة أمام المتكلم، ~~وموجها للنحو في تصور وإنجاز مهمة المتكلم التي تكمن في أن يفهم ~~المخاطب المعنى الذي يقصد. # كان هذا كله موجودا ومعروفا عند ابن جني من نحو سيبويه، ولم ~~يكن ابن جني في حاجة إلى أن يعود من جديد ليعالج الكيفية التي ينجز ~~بها المتكلم الكلام؛ لأن سيبويه كان قد استنفدها، لا يليق بابن جني ~~الذي درس النحو، وخبره وعرفه وعرف معه المفاهيم والقضايا النحوية ~~وتآلف معها أن يكرر ما فعله سيبويه. لقد قاد تمرس ابن جني وخبره ~~بالنحو الخالص إلى التفكير النحوي في فكرة العلل التي نشأت لأول ~~مرة؛ أعني قوله: «ذلك أنا لم نر أحدا من علماء البلدين (البصرة ~~والكوفة) تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه.» # 14 # انطلاقا من فهم ابن جني لفكرة النحو الخالص أراد أن يعلله؛ لكي ~~يجعله مقنعا لمن يريد أن يدرسه؛ أي إن ابن جني أراد أن يبرهن ~~على أن التغييرات التي يجريها المتكلم على الكلام لا يجريها ~~اعتباطا؛ إنما هي تغييرات معللة. هذه العملية احتاجت من ابن جني ~~أن يسأل «لماذا؟» ليكتشف انتظام الكلام على العلة بالترابط بين ~~الكلمات التي توجد مع بعضها في الجملة، وبتعبير ابن جني «بعض ms070 العمل ~~يأتي مسببا عن لفظ يصحبه». وقد مكن هذا الأسلوب المعتمد على ~~التعليل ابن جني من أن يضع في الكلام افتراضات واستقراءات وتنبؤات. ~~لقد ظهرت علل النحو عند ابن جني بديلا لحجة النحوي الضعيفة، ~~وليس بلا دلالة أن ينسب هذان البيتان إلى ابن فارس المعاصر لابن جني. # 15 # مرت بنا هيفاء مجدولة # تركية تنمي لتركي # ترنو بطرف فاتر فاتن # أضعف من حجة نحوي # يكمن الفرق بين علل النحو وحجة النحوي في الفرق بين ما ينتمي ~~إلى العلم وما يخرج عن العلم. فاستشهاد النحوي بآية من القرآن أو ~~ببيت من الشعر القديم لبيان مخططات العرب في تأليف كلامهم هو ~~حجة، بينما تقتضي علل النحو القدرة المعرفية؛ أعني معرفة النحو ~~لا معرفة النحوي. تشير حجة النحوي إلى أن النحوي يجب أن يخضع لكلام ~~العرب، بينما تشير علل النحو إلى أن كلام العرب ينتظم وفقا لمعرفة ~~النحو. أما الفرق الأهم فهو أن علل النحو تعني التلاؤم مع تصور ما. ~~والتلاؤم عنصر عقلاني ذو دلالة مهمة جدا ضمن تصور ابن جني ~~للتعليل. وهذا ما نفهمه من تمييز ابن جني بين علل الفقه وعلل ~~النحو، وكون علل الفقه أدنى رتبة من علل النحو. ويشرح هذا مستعينا ~~بالتاريخ الثقافي والاجتماعي فالجاهليون يحصنون فروج مفارشهم، ~~ويجيرون الجار ويحفظونه؛ أي إن الشريعة جاءت بما هو معلوم ومعمول ~~به عند العرب، ولو لم تصادق الشريعة على تلك الممارسات الحياتية ~~لما أخل بحال تلك الممارسات ولاستمرت كذلك. ثم إننا لا نعرف علة ~~عدد ركعات الصلاة، ولا ترتيب الأذان، ولا ترتيب مناسك الحج. ~~والخلاصة هي «جميع علل النحو إذن مواطئة للطباع، وعلل الفقه لا ~~ينقاد جميعها هذا الانقياد.» # 16 # لقد فتح النحو الخالص الطريق أمام علل النحو بتركيزه على أن ما ~~في حوزة العقل الإنساني، ويسعى إلى تحقيقه هو نسق المعرفة. وإذا ما ~~وضعنا في الاعتبار ارتباط النحو الخالص بالقياس؛ فإن النحوي بفضل ~~هاتين الإمكانيتين (التعليل والقياس) يمكن أن يبدأ من كلام لكي ~~يقيس عليه كلاما آخر. ومن هذا المنظور يصبح ms071 التعليل والقياس ~~منهجين عامين لمعرفة الكلام معرفة علمية. وفي هذا الإطار أفهم قول ~~ابن جني: «واعلم أن العرب تؤثر من التجانس والتشابه وحمل الفرع على ~~الأصل، ما إذا تأملته عرفت منه قوة عنايتها بهذا الشأن، وأنه منها ~~على أقوى بال.» # 17 # ما الذي يضمن دقة التعليل والقياس عند ابن جني؟ الصورة الشاملة ~~والواحدة لكلام العرب، فلا يوجد كلامان؛ هناك كلام واحد، وبمقتضى ~~بنية كلام العرب القبلية يتكلم العرب، وكلامهم امتداد لفكرة كلام ~~كلي. كلام العرب الكلي له صورة كلية تشتمل على كل صور الكلام، وهو ~~ما يمكن أن يسيطر على الكلام عن طريق التعليل بالكيفية التي ~~حللتها. # دافع تصور فكرة نحو ابن جني # ما الذي كان ممكنا في النحو قبل قرن ابن جني (القرن الرابع ~~الهجري) ليغذي فكرته الجديدة عن النحو، حتى ولو عند مستوى محدود؟ ~~تأثر ابن جني بسيبويه، لكنه تأثر مصحوب بمقاصد نقدية كما أفهمه من ~~الأبواب التي عقدها في بداية كتاب الخصائص. يتعلق الأمر بالفصل بين ~~الكلام وبين القول، وبالقول في النحو، وبالقول في الإعراب والبناء، ~~وبأصل اللغة، وهي أبواب ذات صلة قليلة مع كتاب سيبوبه الذي لم ~~يعرف اللغة ولم يتوقف عند أصلها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ثمة ~~تأثير ابن السراج الذي سبق أن أثار فكرة أصول النحو وعلله، وهي ~~فكرة عرفها ابن جني في قوله: «فأما كتاب أصول أبي بكر فلم يلملم ~~فيه بما نحن عليه إلا حرفا أو حرفين في أوله، وقد تعلق عليه به. ~~وسنقول في معناه.» # 18 # الكلمة الأهم في عبارة ابن جني هي (يلملم) فاللملمة ~~في المعجم العربي تشير إلى الإحكام # 19 # الذي يعبر عنه العرب أحيانا بالاستدارة، كقول العرب ~~لملم الحجر؛ أي جعله مستديرا، وإلى التنسيق كقولهم شعر ململم؛ أي ~~مدهون ومنسق، وإلى التماسك كقولهم رجل ململم. ومن منظور هذه ~~المعاني يمكنني أن أفهم عبارة «لم يلملم فيه» أن أثر ابن السراج في ~~ابن جني ليس حاسما؛ لأنه لم يبن نظرية متماسكة. # يختلف الأمر مع مقاييس الأخفش الأوسط؛ ms072 لأن طابع أصول النحو عند ~~الأخفش ارتبط بالقياس. وقد احتفى ابن جني بمعرفة الأخفش احتفاء قل ~~نظيره إلى حد أن جعل كتابه الخصائص نيابة عن كتيب الأخفش، وجهده ~~بديلا عن جهد الأخفش؛ احتراما ومكافأة له على الطريق الذي فتحه ~~للمعرفة النحوية. يقول ابن جني: «على أن أبا الحسن كان قد صنف في ~~شيء من القياس كتيبا، إذا أنت قرنته بكتابنا هذا علمت بذاك ~~أننا نبنا عنه فيه، وكفيناه كلفة التعب به، وكافأناه على لطيف ~~ما أولاناه من علومه المسوقة إلينا، المفيضة بماء البشر والبشاشة علينا.» # 20 # ما الذي حفز ابن جني على أن يقتنع بمقاييس الأخفش؟ جرأة الأخفش ~~في القياس التي يفصح عنها في الباب الذي عقده للقياس على ما يقل، ~~ورفض ما هو أكثر من ذلك. في هذا الباب وجدت جرأة الأخفش في قياس ~~ذلك قبولا وإعجابا من ابن جني إلى حد أنه قال عن الأخفش: «وما ~~ألطف هذا القول من أبي الحسن!» # 21 # هذا التعجب ورد سياق تحليل ابن جني فكرة أن يقل الشيء ~~وهو قياس، ويكون غيره أكثر منه إلا أنه ليس بقياس. # لكي يصل ابن جني إلى فكرة قياس شامل لكلام العرب فضل أن يبحث في ~~كلام مستعمل بكثرة وفي الوقت ذاته قياسه قوي؛ أعني ما يتحدث عنه في ~~قوله: «وإذا فشا الشيء في الاستعمال وقوي في القياس؛ فذلك ما لا ~~غاية وراءه.» # 22 # يعرف ابن جني أن تعارضا قد يحدث بين السماع وبين ~~القياس، وقد عقد بابا لذلك. # 23 # وقدم اقتراحات مفيدة لحل التعارض لصالح الاستعمال. # 24 # فإذا شذ الشيء في الاستعمال، وقوي في القياس؛ فإن ~~استعمال ما كثر أولى، وإن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه ~~استعماله. وإذا أدى القياس بالمتكلم إلى شيء ما، ثم سمع العرب تنطق ~~بشيء آخر على قياس غيره، فيجب أن يدع المتكلم ما كان عليه إلى ما ~~هم عليه. أما إذا سمع المتكلم من عرب آخرين مثلما أجازه في القياس ~~فهو مخير يستعمل أيهما شاء. قد يبدو هذا ms073 تنازلا من ابن جني، ~~وثغرة في شمول القياس من حيث هو أداة شاملة، لكن لو تذكرنا أن ~~النحو الخالص معرفة علمية بتعدد الإمكانات، ولا نهائية ~~الاختيارات عند المتكلم؛ فإن تنازل ابن جني دعم لفكرة النحو ~~الخالص. وهو ما أفهمه من خلاصة ابن جني التي أنهى بها الباب الذي ~~عقده في تخصيص العلل. # 25 # يخلص ابن جني إلى أن عناية العرب بمعانيها أقوى من عنايتها ~~بألفاظها، ويسمي العلامات كالنصب والجر والرفع والجزم حلية ~~الألفاظ وزينتها؛ إذ لم يقصد بها إلا تحصين المعنى والإحاطة به. ~~وأن المعنى هو المكرم والمخدوم، وأن اللفظ هو المبتذل الخادم. وعلى ~~أي حال فالأهم عند ابن جني أن يجد أداة تحسن باستمرار حتى يتجاوز ~~نحو سيبويه؛ لا ليلغيه، إنما ليؤكده ويقنع به؛ فنحو سيبويه الخالص ~~معرفة تهدف إلى وصف عناية العرب بمعانيها الأقوى من عنايتها ~~بألفاظها، وهذا ما أفهمه من قول ابن جني: «إنه معنى عند العرب ~~مكين في أنفسها، متقدم في إيجابه التأثير الظاهر عندها، وهو ما ~~أوردناه وشرطناه من كون الحركة غير لازمة ، وكون الكلمة في معنى لا ~~بد من صحة حرف لينة، ومن تخوفهم التباسه بغيره؛ فإن العرب - فيما ~~أخذناه عنها وعرفناه من تصرف مذاهبها - عنايتها بمعانيها أقوى من ~~عنايتها بألفاظها.» # 26 # لا يحول السياق الجزئي الذي وردت فيه عبارة ابن جني هذه؛ أعني ~~سياق تقمصه دور المعارض في قوله: «فإن قلت ... كأنك إنما جئت إلى ~~هذه الشواذ التي تضطرك إلى القول بتخصيص العلل، فحشوت بها حديث ~~علتك لا غير.» # 27 # لا يحول دون بلوغ السياق العام لطرح ابن جني؛ لذلك فهو ~~يسارع إلى القول: «أو لتعلم عاجلا إلى أن تصير إلى ذلك الباب ~~آجلا أن سبب إصلاحها (العرب) ألفاظها، وطردها إياها على المثل ~~والأحذية التي قننتها لها وقصرتها عليها، إنما هو لتحصين المعنى ~~وتشريفه والإبانة عنه وتصويره؛ ألا ترى أن استمرار رفع الفاعل ونصب ~~المفعول، إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول، وهذا الفرق معنوي، ~~أصلح اللفظ له، وقيد مقاده الأوفق من أجله.» # 28 ms074 # لا يجب أن نغفل عن كلمتين موفقتين هما «معنوي» و«الأحذية». حيث ~~تشير كلمة «معنوي» إلى المعنى بالنسبة إليه، وتشير «الأحذية» إلى ~~القالب؛ مما يعني أنه استوعب ترابط كلام العرب، وترابطه وفق ~~المعنى والقالب. إن القياس الذي يشير إليه معنى «الأحذية» يعني أن ~~يمسك ابن جني كلام العرب في شبكة واسعة من الأقيسة. هنا نسأل: هل ~~يمكن أن يكون هذا نحوا جديدا؟ هل يمكن أن يكون هذا معرفة علمية ~~بكلام العرب؟ يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن ابن جني متحمس لتطوير ~~فكرة القياس ليبرهن على النحو الخالص من داخله، وبما ينتمي إليه؛ ~~أي العقل. وهو حماس يقرب النحو الخالص من الكمال. ترتب على ذلك أن ~~القياس ليس علما جديدا؛ إنما هو أداة لتحسين النحو الخالص، أداة ~~فنية إن صح هذا التعبير. # ما زال في السياق الذي أتحدث فيه مسألة معلقة؛ ذلك أن إنجاز ~~القياس الحاسم هو أنه وفر إمكانية القيام بتنبؤات محددة؛ أي أن ~~يركب نظريا كلام قد لا يستخدم في الحياة اليومية. وهنا تنشأ ~~مشكلة؛ حيث يتحول النحو من الدراسة العلمية للكلام كما يستعمل في ~~الحياة اليومية إلى مجرد تركيب نظري للكلام غير المستخدم في الحياة ~~اليومية. انطلاقا من هذا الفهم يحتاج مفهوم القياس إلى توضيح ~~دقيق، وذلك بالنظر إلى كونه تحول إلى أداة تستخدم بكيفية محكمة ~~ودقيقة من دون أن تستحضر الإنجاز المؤسس لها إلا في سياق ما فات ~~عليه؛ أعني ما فات النحو الخالص عند سيبويه الذي يصف الكلام كما ~~يستعمل في الحياة اليومية في إنتاجه المعنى. وفي هذا الإطار يمكن ~~أن أفهم الباب الذي عقده ابن جني لفوائت كتاب سيبويه، # 29 # حيث وسع فيه القياس توسيعا غير معروف بالنسبة لنحو ~~سيبويه. لقد أصبح القياس في هذا الباب حرا ومستقلا عن الكلام في ~~الحياة اليومية، ويهتم بالغريب والطريف. # تفريغ النحو الخالص من معناه # تحول القياس إلى فن في الباب الذي خصصه ابن جني للأمثلة التي ~~فاتت كتاب سيبويه؛ أعني أنه تحول إلى مجرد أداة فنية ابتعدت عن ~~التفكير ms075 الذي يمنح القياس معناه. يفهم ابن جني السبب الذي جعل تلك ~~الفوائت تفوت سيبويه، بل إنه ينص عليها؛ فما فات سيبويه يعيده إلى ~~عدة أسباب «منها ما ليس فصيحا عنده، ومنها ما لم يسمع إلا في ~~الشعر، والشعر موضع اضطرار، وموقف اعتذار، وكثيرا ما يحرف فيه ~~الكلم عن أبنيته، وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها.» # 30 # دفع حماس ابن جني للقياس إلى أن يهتم لا بطبيعة النحو الخالص، ~~إنما بما يسمح به القياس. وإحدى الحكايات التي أوردها توضح ما أريد ~~قوله. يقول: «وقد كان طرأ علينا أحد من يدعي الفصاحة البدوية، ~~ويتباعد عن الضعفة الحضرية، إلى أن أنشدني يوما شعرا لنفسه يقول ~~في بعض قوافيه: أشئؤها، وأدأؤها (بوزن أشععها وأدععها) فجمع ~~بين الهمزتين كما ترى، واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس ~~يسوغه. نعم، وأبدل إلى الهمز حرفا لا حظ في الهمز له، بضد ما ~~يجب؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما، فكيف ~~أن يقلب إلى الهمز قلبا ساذجا عن غير صنعة ما لا حظ له في ~~الهمز، ثم يحقق الهمزتين جميعا؟! هذا ما لا يبيحه قياس، ولا ورد ~~بمثله سماع.» # 31 # لقد كان بإمكان ابن جني أن يعتبر ما سمعه من الرجل ~~كلاما ممكنا في الشعر كما هو ممكن في الحياة اليومية حتى لو لم ~~يرد على القياس؛ لا سيما أن ابن جني وثق في فصاحة الرجل؛ حيث يقول ~~عنه: «من أمثل من رأيناه ممن جاءنا مجيئه، وتحلى عندنا حليته.» # 32 # هناك حكاية أخرى لهذا الرجل مع ابن جني. يقول: «وأنشدني أيضا ~~شعرا لنفسه يقول فيه: كأن فاي ... فقوي في نفسي بذلك بعده عن ~~الفصاحة، وضعفه عن القياس الذي ركبه ... ولكن هذا الإنسان حمل بضعف ~~قياسه قوله (كأن فاي) على قوله: كأن فاه، وكأن فاك، وأنسي توجيه ~~ياء المتكلم: من كسر قبلها وجعله ياء.» # 33 # لماذا لم يأخذ ابن جني ما قاله الرجل في إطار الشعر ~~الذي يقول عنه هو نفسه «يحرف فيه ms076 الكلم عن أبنيته، وتحال فيه ~~المثل عن أوضاع صيغها»؟ # 34 # يبدو لي أن ذلك بسبب القياس الذي تحمس له. وهكذا يشبه ~~ابن جني الحرفي الذي توجهه المعرفة العملية؛ كتلك التي توجه ~~النجار من حيث إلفته ودرايته بموضوعه، مما يجعله ماهرا في إنتاج ~~ما يريد أن ينتجه؛ أي إن ابن جني حول القياس إلى معرفة عملية، ~~وقد سطحه بهذا التحويل، فهو يقيس من غير أن يستحضر المعنى الأصلي ~~للنحو الخالص. فلو أن سيبويه على سبيل المثال سمع من الرجل ~~(أشئؤها، وأدأؤها) وهو يثق بفصاحته لما تردد في قبولهما ~~والتفكير فيهما تفكيرا علميا، من جهة إيصالهما المعنى كما هي ~~وظيفة النحو. لكن ماذا لو أن ابن جني يحكي؛ أي يفترض سياقا نسب ~~فيه الكلام إلى رجل من دون أن يكون هناك رجل ليتحدث عن مسألة يريد ~~أن يتحدث عنها؟ سيكون قد ركب كلاما لا يستعمل في الحياة اليومية. ~~ما يجعلني أميل إلى هذا هو أن ابن جني وريث نحو ونحويين؛ فالنحاة ~~والنحو المعطى له مسبقا لا يركب الكلام من دون أن يكون مستعملا، ~~وإذا ما حدث، فينبه إليه كما فعل سيبويه في قوله: «هذا تمثيل ولم ~~يتكلم به»؛ # 35 # أي إن الكلام في الحياة العامة يسبق النحو، وهو الأساس ~~الذي يعطي النحو معنى من حيث هو علم. # كلام الحياة المنسي # تكلم الإنسان قبل أن يكون هناك نحوي ونحو. لا يدري النحوي كيف ~~تكلم الإنسان، وليس من مهمته ولا من مهمة النحو الخالص أن يعرفا؛ ~~ذلك أن مهمة النحوي هي أن يتمعن في تركيب الكلام. ترتب على هذا ~~أفكار في غاية الأهمية بالنسبة للنحو الخالص، فللكلام غاية وقصد، ~~وغاية الكلام تنعكس في تركيبه، وتركيبه يناسب وظيفته، والكلام لا ~~يعمل على العكس مما تقتضيه طبيعة تركيبه؛ لذلك فالحاجة قائمة ~~لمعرفة تركيب الكلام. هناك توافق مفترض بين وظيفة الكلام وبين ~~تركيبه؛ مما يقتضي العقلانية التي نشأ وفقها النحو الخالص عند ~~سيبويه. مهمة هذا النحو المعرفية هي أن يعرف معرفة علمية ما ~~يستعمله المتكلمون في حياتهم ms077 اليومية؛ لذلك لا يكل ولا يمل سيبويه ~~من تنويع العبارات التي تشير إلى المتكلم في الحياة الواقعية إلى ~~حد يمكن فيه أن نستل من الكتاب معجما تحيل كلماته إلى إرادة ~~المتكلم ومشيئته، وظنه وإضماره، وإعماله وخياره، واقتصاده في ~~الكلام، واستفادته من الموقف الحياتي. # تحضر الحياة خلف نحو سيبويه؛ أعني الناس الواقعيين الذين يتكلمون ~~ويشكلون خلفية الكتاب، وقد انتبه ابن جني إلى هؤلاء وعددهم في ~~سياق ثنائه على سيبويه وكتابه. يقول: «أحاط بأقاصي هذه اللغات ~~المنتشرة ... كلام الصرحاء والهجناء، والعبيد والإماء ... حتى لغات ~~الرعاة الأجلاف، والرواعي ذات صرير الأخلاف، وعقلائهم والمدخولين، ~~وهذاتهم والموسوسين، في جدهم وهزلهم، وحربهم وسلمهم، وتغاير ~~الأحوال عليهم.» # 36 # ثم جاء ابن جني ليواجه مهمات علمية جديدة، وكتابه الخصائص شهادة ~~على الطريقة التي أدار بها ابن جني هذه المهمات العلمية الجديدة، ~~وبوسع المرء الذي قرأ كتاب الخصائص أن يتوصل إلى فكرة عن تأثر ابن ~~جني بالكتاب لسيبويه. لكن في الوقت ذاته بوسع المرء أيضا أن يتوصل ~~إلى فكرة أخرى هي أن ابن جني لم يكن متماهيا مع سيبويه؛ ذلك أن ~~ابن جني يهدف أساسا إلى تطوير برنامج علمي للنحو خاص به. وتكمن ~~القيمة الأولية لتأملاته في كتاب سيبويه في إزالة الغشاء الذي ~~غطى به النحويون نحو سيبويه حين اعتبروه كتابا في المعيار ~~النحوي؛ ليبدو النحو الخالص عند سيبويه يتحدث بلغة العلم في تلك ~~المرحلة التاريخية من تطور العلوم العربية. # تحدثت الأبواب الأولى من كتاب الخصائص عما لم تتحدث عنه الأبواب ~~الأولى من كتاب سيبويه؛ كالفصل بين القول والكلام، وتعريف النحو، ~~والإعراب والبناء. يعرض سيبويه من خلال الأمثلة كقوله: «فأما بناء ~~ما مضى فذهب وسمع ومكث وحمد.» # 37 # بينما يعرض ابن جني المفاهيم من خلال عدد من الصفات ~~المرتبطة بقاعدة ما كالإعراب والبناء. يكمن الاختلاف بين المفاهيم ~~شبه الطبيعية عند سيبويه وبين المفاهيم الجيدة التحديد عند ابن ~~جني في الفرق بين المفاهيم الأولية التي ترتبط بغموض الكلام في ~~الحياة اليومية، وما يترتب على الغموض من أن المتكلم لا يستطيع ms078 أن ~~يحدد بيقين فئة المفهوم الصحيحة فيذكر لها أمثلة كما فعل سيبويه، ~~وبين المفاهيم التي تحدد بالاستناد إلى مجموعة من السمات كما فعل ~~ابن جني. # يمكن أن أفهم هذا التحول في إطار المهمات التعليمية الجديدة التي ~~تسهل فهم النحو؛ ذلك أن إنسانا ما سيسهل تعلمه النحو فيما لو ~~أنه يعرف مسبقا الفرق بين الإعراب والبناء، ووظائف علامات الإعراب ~~وهو ما يفهم من قول ابن جني: «ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد ~~أباه، وشكر سعيدا أبوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل والمفعول.» # 38 # وهكذا فكتاب الخصائص فوق أنه شرح للكلام وما يقصد منه ~~إلا أنه أضاف العلل والقياس للتعلم. # ربما أشار الفرق بين مفهوم المجرى عند سيبويه وبين مفهوم الحركة ~~عند ابن جني إلى الفرق بين نحو سيبويه ونحو ابن جني؛ ذلك أن ~~«سيبويه يفرق بين المجرى والحركة، فالمجرى علامة في آخر الكلمة ~~تكون بالحركة وغيرها، فهو مرتبط بالتركيب المكون في نظر سيبويه ~~من عوامل ومعمولات، على عكس الحركة، فهي غير مرتبطة بالتركيب، ~~وإنما لها علاقة بالحرف فقط.» # 39 # ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم تحليل ابن جني الأصول ~~الثلاثة (الثلاثي، والرباعي، والخماسي) وكون الثلاثي أعدلها، ~~والعلل التي نسبها إلى الحركات في كونه كذلك. # 40 # إن ما لا يخطر على بال أحد في ضوء مهمات ابن جني العلمية ~~والتعليمية هو أن يلجأ إلى علل غير علمية لكي يتخلص من مأزق بعض ~~المعترضين المفترضين. يقول: «فإن قلت (فما تنكر) أن يكون ذلك ~~شيئا طبعوا عليه، وأجيبوا إليه، من غير اعتقاد منهم لعلله، ولا ~~لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه؛ بل لأن ~~آخرا منهم حذا على ما نهج الأول فقال به، وقام الأول للثاني في ~~كونه إماما له في مقام من هدي الأول إليه، وبعثه عليه، ملكا كان ~~أو خاطرا؟ قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرا روسلوا به، أو تيقظا ~~نبهوا إليه على وجه الحكمة فيه. فإن كان وحيا أو ما يجري مجراه ~~فهو أنبه له، وأذهب ms079 في شرف الحال به، وانطواء على صحة الوضع فيه.» # 41 # ليس هذا تعليلا علميا؛ إنما هو ظن ورأي رجل حكيم، وحتى لو كان ~~الرأي هنا صادقا فلا أحد يسميه معرفة علمية، ذلك أن المعرفة يجب ~~أن تستند وتتأسس على العقل وليس على الاعتقاد والإيمان. يمكن أن ~~نسمع الرأي الصادق من خطيب مفوه ومتمكن في البلاغة، أو من متنبئ، ~~أو من حكيم، أو من متصوف، وليس من باحث علمي؛ لأن المعرفة ~~العلمية لا تصدر إلا عن العقل. قد يكون الرأي الصادق أحكم وربما ~~أفضل إلا أنه فهم لا ينتمي إلى العلم. # ومع ذلك يمكن أن أتفهم رأي ابن جني في ضوء دهشته من كلام العرب ~~التي عبر عنها في الباب الذي عقده عن أصل اللغة أإلهام هي أم ~~اصطلاح؟ وكيف أن فكره «يتغول» وهو يفكر في حال كلام العرب؛ ~~رقته ودقته وإرهافه وإحكامه حتى قوي في نفسه «اعتقاد كونها ~~توفيقا من الله سبحانه وأنها وحي. ثم أقول في ضد هذا لا ننكر أن ~~يكون الله تعالى قد خلق من قبلنا، وإن بعد مداه عنا، من كان ألطف ~~منا أذهانا، وأسرع خواطر وأجرأ جنانا، فأقف بين الخلتين حسيرا، ~~وأكاثرهما فأنكفئ مكثورا، وإن خطر خاطر فيما بعد، يعلق الكف بإحدى ~~الجهتين، ويكفها عن صاحبتها قلنا به.» # 42 # نعثر هنا على شهادة مؤثرة على الكيفية التي أدار بها ابن جني ~~مهماته العلمية. تمتمة معذبة تصارع من أجل أن تفهم. لماذا هذا؟ ~~الأعراف والتصورات والمفاهيم التي حددها التراث الديني؛ أعني قوله: ~~«وارد الأخبار المأثورة بأنها (اللغة) من عند الله عز وجل» # 43 # التي تهدد تفكيره. وقد بقي موقف ابن جني متأرجحا بين ~~هذا وذاك؛ أي بين الإلهام (التوقيف) والاصطلاح، وهو تأرجح يشير إلى ~~التحدي المستمر للمهمة العلمية التي كرس اهتمامه لها، وفتنته ~~العظيمة باللغة العربية. # لم تكن لتخفى على ابن جني الجهود التي بذلها سيبويه وغيره في ~~بيان جمال اللغة العربية ودقة تراكيبها من منظور غير ديني. يقول: ~~«من ذلك ما نبه عليه أصحابنا رحمهم ms080 الله، ومنها ما حذوته على ~~أمثلتهم، فعرفت بتتابعه وانقياده، وبعد مراميه وآماده، صحة ما ~~وفقوا لتقديمه منه، ولطف ما أسعدوا به، وفرق لهم عنه.» # 44 # غير أن ابن جني يشك في إخفاق هؤلاء حينما تقارن ~~آراؤهم بقوة الأخبار الدينية. من المؤكد أن ابن جني أدرك أن سيبويه ~~أستاذ في صوغ المفاهيم أو استعاراتها، وهو السبب في إحالته الدائمة ~~إليه رغم تعاطفه مع الأخبار والمرويات الدينية التي تحفز دوافعه ~~الداخلية. وهو ما يجعلني أذهب إلى أن ابن جني رغم علميته لم ~~يشف الشفاء الكامل من أثر الاعتقاد والإيمان في البحث العلمي؛ ~~ذلك أن المرء «عندما يتعافى من ألم أو مرض، فإن الشعور بالألم أو ~~بالمرض يظل قائما بتمامه؛ إذ ليس من البساطة نسيانه.» # 45 # الفصل الخامس # | النحو مدخلا لتذوق النصوص # أراد عبد القاهر الجرجاني من نظريته في النظم أن تؤدي إلى انهيار ~~فكرة الإعجاز القرآني عند المعتزلة؛ فكتابه دلائل الإعجاز # 1 # يكاد يقتصر على رد وإبطال فكرتين هما: تزايد المعاني وعدم ~~تزايد الألفاظ من ناحية، وأن الفصاحة لا تظهر والكلمات مجردة من السياق ~~من ناحية أخرى. من هذه الزاوية ارتبط كتاب دلائل الإعجاز بمرحلته ~~التاريخية، وبمشكلاتها الفكرية، واحتفظ بمقاصده النقدية والسجالية، وما ~~قبله من أفكار وما رفضه. والنصوص التي استشهد بها عبد القاهر الجرجاني ~~إما ليدحضها أو يستند إليها تعطي فكرة عن اختلافه عن نحويي ~~عصره. # غير أن عمل عبد القاهر الجرجاني الأكبر لم يكن هذا، إنما يوجد في ~~كتابه على نحو ضمني. وسأكتفي هنا بإجمال ما سأفصله فيما بعد؛ فعبد ~~القاهر الجرجاني عرض في كتابه برنامجا لقراءة الكلام الجميل والكلام ~~المعجز، وهو ما عسه - مجرد عس - مصطفى ناصف حينما أشار إلى أن عبد ~~القاهر الجرجاني أراد أن يحرض الباحثين على أن يعيدوا قراءة الشعر ~~العربي في ضوء فكرة تنظيم الكلمات؛ وإذ ذاك يجدون أن الشعر «البسيط» ~~سيكون مثقلا بالمزايا. # 2 # توجد هذه الفكرة الكبرى بشكل ضمني، لكنها ليست فكرة مكتملة؛ فلم يكن ~~من الممكن تأسيس هذه الفكرة وإظهارها مكتملة في ms081 كتاب مرتبك كدلائل ~~الإعجاز، وهو ما لاحظه محقق الكتاب بحق، وأشار إلى فكرة تهم موضوعي ~~هنا؛ وهي أن عبد القاهر لم يبن كتابه هذا بناء يؤسس علما جديدا ~~مثلما فعل سيبويه في الكتاب، وابن جني في الخصائص اللذين شكلا مضمون ~~الفصلين السابقين من هذه التأملات الاستقصائية لتطور مفهوم النحو ~~العربي من جهة تطور مفهومه. لقد أراد الجرجاني أن يكون النحو علما ~~شاملا لوصف الكلام وتأويله وتذوقه، وأراد من كتابه دلائل الإعجاز أن ~~يكون دليلا للإعجاز يستند إلى النحو أداة لتذوق الكلام الجميل ~~والمعجز. # مشكلة العلوم التي ساهمت في معنى أسئلة الجرجاني # نقد عبد القاهر الجرجاني علمي البيان وعلم النحو في عصره، ~~واستند في نقده إلى أن هذين العلمين تحولا إلى مشكلة؛ لأنهما لم ~~يعودا علمين ينتميان إلى العقل؛ فعلم البيان من حيث كونه علما ~~يقوم على المفاهيم البلاغية لم يعد من وجهة نظر الجرجاني سوى خبر ~~واستخبار، وأمر ونهي. # 3 # هذا من ناحية العلم، أما من ناحية عالم البيان فلم يعد ~~سوى مجموعة صفات كأن يكون جهير الصوت، جاري اللسان. أما من حيث ~~الأسلوب والطريقة، فلم يعد علم البيان سوى استعمال اللفظ الغريب، ~~والكلمة الوحشية. والمأخذ الذي يأخذه عبد القاهر الجرجاني على ~~علم البيان، ويأخذه على العالم الذي يشتغل على البيان هو أن علم ~~البيان والعالم به أصبحا جهلا؛ «لأن هناك دقائق وأسرارا طريق ~~العلم بها الروية والفكر، ولطائف مستقاها من العقل.» # 4 # يفترض نقد الجرجاني علم البيان وعلماءه وأسلوبه عالما يوجد فيه ~~الناس بكيفية واعية؛ فهناك إنجازات علمية سابقة من المفترض أن ~~تندمج في أفق الزمان ومرحلته الزمنية، وأن تستعاد وتنقل من جديد. ~~كان على جيل علماء البيان آنذاك أن يفهموا ويستوعبوا إنجازات علم ~~البيان السابقة، لكنهم نسوا تلك الانجازات أو صرفوها عن جهتها. وفي ~~النتيجة وبالتعالق مع ذلك الزمان الذي هجاه الجرجاني هجاء مرا ~~من جهة إحالته الأمور عن جهاتها، وتحويل الأشياء عن حالاتها «صار ~~أعجز الناس رأيا عند الجميع، من كانت له همة في أن يستفيد علما ms082 ~~أو يزداد فهما». # 5 # وقد جاء الوقت ليعيد عبد القاهر الجرجاني إلى علم ~~البيان مشروعيته. وفي هذا الإطار أفهم فاتحة دلائل الإعجاز التي ~~خصصها لمكانة العلم. # المجال القابل للكشف كمجال من مجالات النحو # ما تعرض له علم البيان تعرض له علم النحو؛ حتى إن الناس بما فيهم ~~علماء النحو أنفسهم تهاونوا به، وصغروا أمره، وقد اعتبر الجرجاني ~~هذا صدا عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه. تكمن قيمة النحو عند ~~الجرجاني في أنه يفتح المعاني، ويعرف به جميل الكلام من قبحه، ~~ويرجع إليه في معرفة تركيب الكلام الجميل والكلام المعجز، وما لم ~~يعلم هذا فهو نقص في علم النحو، وغبن لعلمائه؛ ذلك أن النحو ليس ~~معرفة زائدة ومتكلفة، أو اشتغالا بالفكر فيما لا يفيد. # 6 # لكن ماذا لو كان النحو كذلك؟ يعترف عبد القاهر الجرجاني بأن ذلك ~~قد يكون، لا سيما في التمرينات التي يضعها النحويون في بعض مسائل ~~النحو والصرف كالتصريف، والتدريب على القياس، وذكر العلل في أبواب ~~النحو. ومن هذه الجهة قد يعذر العلماء في قولهم إن النحو معرفة ~~متكلفة، واشتغال في الفكر بما لا يفيد، لكن النحو أكثر من ذلك، ~~وقد حرموا من أن يفهموه. غير أن ما لا يعذر فيه علماء النحو، وما ~~لا يرضاه العقل عند عبد القاهر الجرجاني هو ألا يحتاج الكلام ~~الجميل كالشعر والكلام المعجز كالقرآن النحو مفتاحا لفهمهما ~~وتحليلهما وتذوقهما. # إن ما أغاظ الجرجاني وهو العالم في النحو أن علماء النحو في ~~زمانه الرديء، كما وصفه، يكثرون من غير أن يحصلوا. وفي إشارة إلى ~~الأهمية الكبرى لإنجازات النحو السابقة التي يجهلها علماء النحو في ~~عصره يقول: «يحسن (عالم النحو) البناء على غير أساس، وأن يقول ~~الشيء لم يقتله علما.» # 7 # ويمكن أن أشرح تعبيره (يحسن البناء على غير أساس) ~~بصقل النموذج العلمي النحوي، وتشذيبه، وأن أوضح تعبيره الآخر ~~(القتل) بتجاوز النموذج العلمي النحوي؛ ذلك أن القتل مجاز للتجاوز ~~كما لو قلنا قتل الجرجاني سيبويه دراسة وبحثا. # إذا ما أردت أن أوصل هذه التمعنات ms083 التي تتعلق بإنجازات علم ~~النحو قبل الجرجاني، فإن الكلام المعجز كالقرآن والكلام الجميل ~~كالشعر لم يسبق أن كانا مجالا لتحليل النحو. والنحاة السابقون ~~الذين يلجئون إلى القرآن، أو إلى الشعر العربي القديم، إنما كانوا ~~يلجئون إليهما ليستشهدوا بهما على أصالة التركيب العربي؛ فحينما ~~يورد سيبويه في الكتاب، أو ابن جني في الخصائص آية قرآنية أو بيتا ~~من الشعر، فإنهما يوردانهما من حيث هما شاهدان على مخطط العرب في ~~كلامها، وليس من جهة جمال الشعر العربي، أو إعجاز القرآن. # لماذا بقي مجال الكلام الجميل والمعجز خفيا على النحو في ~~إنجازاته السابقة؟ لماذا لم يثر إحساس النحويين بجمال الشعر ~~العربي، وإحساسهم بإعجاز القرآن اهتماما نظريا يكون مدخله ~~النحو؟ يتعلق الأمر هنا بوظيفة أيديولوجية؛ فلو اقتصرت هنا على ~~قراءة القرآن بما أنها قراءة تكاد تكون من نشاطات عالم النحو ~~المسلم اليومية، سيكون مفهوما أن علما بالنحو يعني فقط ضبط أواخر ~~كلمات القرآن لكي يفهم المعنى؛ أي إن قراءة النحوي اليومية للقرآن ~~لا تعطي أي فكرة عن عمق القرآن؛ لأنها قراءة إيمان لا تتيح مجالا ~~إلا للأيديولوجيا. تعطي قراءة النحوي القرآن بعين الإيمان بعدا ~~يهتم بالصحة والخطأ، ولا تعطيه بعدا يتعلق بتشكيل نظري لفكرة ~~إعجازه. # لماذا هذا الوقت المتأخر لكي ينتبه عبد القاهر الجرجاني إلى أن ~~النحو يمكن أن يكون مدخلا لفكرة إعجاز القرآن؟ يتعلق الأمر ~~بموضوع، وبميدان معرفة ممكنة كان محجوبا. لقد عبر الجرجاني ~~بفكرة النحو المتعلقة بكلام البشر، إلى فكرة نحو تتعلق بكلام ما ~~فوق البشر. من الإنسان المتكلم إلى الله المتكلم والعبور هنا ~~عقلي؛ فالنحو مدخلا لفهم كلام الله تعليل لجهل البشر وقصورهم، ~~وإبطال لفكرة القائلين بالصرفة؛ فالله لم يمنع الناس من أن يأتوا ~~بمثل كلامه، بل هو عجز البشر أمام مزايا كلام الله وخصائصه. عجز ~~العرب عن محاكاة القرآن نتج عن الدهشة التي أخرست ألسنتهم، وهو ما ~~أفهمه من كلام الجرجاني الآتي: «وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز ~~الجمهور، ونظاما واتساقا، وإتقانا وإحكاما، لم يدع في نفس بليغ ~~منهم، ولو حك ms084 بيافوخه السماء، موضع طمع حتى خرست الألسن عن أن ~~تدعي وتقول، وخذيت القروم فلم تملك أن تصول.» # 8 # مثلما تولد عن دهشة اليونان تركيب نظري دعي فيما بعد ~~بالفلسفة، تولد عن دهشة العرب من القرآن تركيب نظري هو نحو عبد ~~القاهر الجرجاني. يتضح معنى الدهشة فيما لو اعتبرناها المصدر ~~العقلي لنظرية النظم؛ فالجرجاني أورد دهشة العرب وأقوالهم وعلق ~~عليها في مناسبتين على الأقل. صحيح أن الجرجاني لم يحدد ما يعنيه ~~بالانبهار والهيبة والروعة، إلا أننا يمكن أن نفهم الدهشة على أنها ~~ردة أفعال العرب تجاه الخارج عن المألوف، وإلى هذه الدهشة تنتمي ~~ردة فعل الوليد بن المغيرة التي أوردها الجرجاني ردود فعل أخرى ~~ذكرها، ونسبها إلى علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والجاحظ؛ ~~حيث ردود الأفعال تجاه الجليل والعظيم والجميل. # التعبير الذي يستخدمه الجرجاني للدهشة هو الإزعاج في قوله: ~~«والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم.» # 9 # بالفعل كما هو الانزعاج الدهشة انفعال غير مستحب، ~~ومزعج، وتعب للمخيلة، وحيرة، وقلق، وحب اطلاع، واضطراب عنيف، ومرض ~~قاس للنفس. # 10 # لكن الأهم في هذا الذي يبدو موقفا سلبيا من الدهشة ~~هو إيجابي في دلالته على أن التأمل ينشأ بسبب من الدهشة، وأن ~~التأمل في الجميل والعظيم والجميل والرائع يحدث بدافع داخلي تعبر ~~عن حاجة أصلية وأصيلة للفكر البشري، وأن الحاجة إلى المعرفة حاجة ~~إنسانية أساسية، وأن الإنسان يريد أن يفهم بحافز ذهني محض كما فعل ~~الجرجاني حين جعل من النحو كاشفا عن الكلام الجميل ~~والمعجز. # الفرق بين الكلام بعامة والكلام الجميل والكلام ~~المعجز # أعني بالكلام بعامة الكلام الذي يصفه النحو كما هو عند سيبويه، ~~وهو معروف أكثر من الكلام الجميل. أعني بالكلام الجميل الحديث ~~النبوي والشعر العربي في نماذجه العليا، وهذا بدوره معروف أكثر من ~~الكلام المعجز. أعني بالكلام المعجز القرآن، وسوف أستخدم هذه ~~المفاهيم فيما سيلي. # يعرف الكلام بعامة في نمطيته المألوفة في الحياة اليومية، ~~ويكتفى بمعرفته لفائدته العملية. وهي فائدة تكفي البشر لأن يمارسوا ~~حياتهم اليومية. وقد تأسست على هذا ms085 الكلام معرفة النحو الوصفية. ~~غير أن الكلام الجميل كالشعر العربي أتاح للنحو العربي مهمة علمية ~~مختلفة؛ لكنها مهمة مرتبطة بمعرفة الكلام بعامة. وعلى حد ما أعلم ~~لم يتساءل أحد قبل عبد القاهر الجرجاني كيف تكون معرفة النحو ~~الوصفية للكلام بعامة قاعدة تحتية لمعرفة الكلام الجميل. سؤال عبد ~~القاهر الجرجاني هو: كيف يمكن أن تنجز هذه المهمة العلمية التي هي ~~من نوع مختلف عن مهمة معرفة الكلام بعامة؟ وفق عبد القاهر الجرجاني ~~تنجز المهمة بأن تتحدد فكرة الكلام الجميل من خلال مستواه اللغوي ~~الذي يأتي فوق المستوى اللغوي للكلام بعامة؛ حيث وظيفة الكلام ~~بعامة هي إنجاز حاجات عملية من غير أي تأويل إلا بما يتعلق ~~بالإنجاز العملي. في مقابل هذا لا يتوقف الكلام الجميل على الإنجاز ~~العملي، إنما يتوقف على الإنجاز الجمالي. # يتكون الكلام بعامة من اللفظ والمعنى، بينما يتكون الكلام الجميل ~~من اللفظ والمعنى والصورة. إن الجهل بالعنصر الثالث؛ أعني الصورة ~~هو عند عبد القاهر الجرجاني سبب الجهل بالكلام الجميل، وقد ترتب ~~على هذا من وجهة نظره الإعلاء من شأن اللفظ. أما العلم بالصورة فهو ~~سبب المعرفة بالكلام الجميل، وقد ترتب على هذا إعلاء شأن اللفظ على ~~أنه الصورة التي تحدث في المعنى، وهو ما يفهم من كلام الجرجاني ~~التالي: «لما جهلوا شأن الصورة، وضعوا لأنفسهم أساسا، وبنوا على ~~قاعدة فقالوا: إنه ليس إلا المعنى واللفظ ولا ثالث، وإنه إذا كان ~~كذلك وجب ... أن يكون مرجع تلك الفضيلة إلى اللفظ خاصة، وألا يكون ~~لها مرجع إلى المعنى.» # 11 # يأتي الكلام المعجز فوق الكلام بعامة وفوق الكلام الجميل. لا ~~تعني «فوق» الانفصال عنهما، إنما تعني أنه أعلى في القيمة. يستمد ~~الكلام المعجز من الكلام بعامة والكلام الجميل ما هو ضروري لتحقيق ~~أهدافه. تشترك هذه الأنواع الثلاثة من الكلام في التركيب، لكن ~~تركيب الكلام بعامة يتمايز عن النوعين الآخرين تبعا للموقف ~~التواصلي، والموقف الجمالي. قد يخرج الكلام الجميل إلى التملق ~~والمبالغة والكذب، وإلى ما يعجب ويطرب؛ لذلك يأتي الكلام المعجز ~~فوقه من ms086 حيث القيمة فهو لا يتملق، ولا يبالغ ولا يكذب، وهو صادق ~~من الوجهة التاريخية. ليس هذا فحسب، إنما هو الكلام الصادق. لا ~~يريد الكلام المعجز أن يحظى بإعجاب البشر مثلما يسعى الكلام ~~الجميل، إنما يريد أن يخضعهم، ولا يريد أن ينسي البشر واقعهم كما ~~يفعل الكلام الجميل، إنما يريد من البشر أن يلحقوا واقعهم به. من ~~هذا المنظور لا يوصف الكلام المعجز بأنه فن مثلما نقول فن الشعر، ~~إنما هو تعليمات ووعد ووعيد ... إلخ. يهدف الكلام المعجز إلى طاعة ~~قائله المطلقة، يتجلى ذلك في الموقف الذي يمكن أن يكون فيما لو شكك ~~البشر فيه، أو خالفوا تعليماته. # الكلام المعجز كمجال قابل لأن يفهم، والنحو كتركيب نظري ~~لإعجازه # وعى عبد القاهر الجرجاني ما يجعل من الكلام الجميل كلاما ~~معجزا. سأكتفي هنا بتوقفه عند كلمة (قلب) في الآية القرآنية: # إن في ذلك لذكرى لمن كان ~~له قلب ~~، # 12 # أي لمن أعمل قلبه فيما خلق القلب له من التدبر ~~والتفكر والنظر فيما ينبغي أن ينظر إليه. فهذا على أن يجعل الذي ~~لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكر، كأنه قد عدم القلب من حيث ~~عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه، كما ~~يجعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما يؤديان إليه، ولا ~~يحصل من رؤية ما يرى وسماع ما يسمع على فائدة، بمنزلة من لا سمع له ~~ولا بصر. # 13 # تكمن فائدة هذا الاستشهاد الطويل في الأسئلة التي تثيرها بعض ~~عباراته. ما الفائدة التي ترجى من عمل القلب؟ ما المطلوب من ~~القلب؟ ما الذي ينبغي أن ينظر فيه القلب؟ ما الذي خلق من أجله ~~القلب؟ كيف ينتفع بالقلب؟ لا يورد عبد القاهر الجرجاني سوى إجابة ~~واحدة هي: الإيمان؛ ذلك أن القلب يتدبر ويتفكر وينظر لكي يؤمن. ~~والعلاقة التي يقيمها بين القلب الذي لا ينتفع به من ناحية، ~~والسمع والبصر اللذين لا ينتفع بهما من ناحية أخرى تستحضر آيات ~~قرآنية أخرى تربط بين عدم الإيمان وقفل القلوب وصم ms087 الآذان، وعمى ~~العيون والقلوب. «القلب» في الآية ليس بمعنى «العقل» إلا في حالة ~~واحدة، حين يراد بالقلب ما يسميه الجرجاني بالدلالة على الغرض ~~بالجملة؛ عندئذ يكون القلب بمعنى العقل؛ ذلك «أن المراد به (القلب) ~~الحث على النظر، والتقريع على تركه، وذم من يخل به ويغفل عنه، ~~ولا يحصل ذلك إلا بالطريق الذي قدمته.» # 14 # ما الطريق الذي قدمه الجرجاني؟ ما قدمه هو: «أصول ~~النحو جملة، وكل ما يكون النظم دفعة ... (و) معلوم أن ليس النظم سوى ~~تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض.» # 15 # يمكن أن نفهم هذه العبارة على النحو التالي: النحو عند الجرجاني ~~علم، بينما النظم ممارسة خاصة للنحو. النحو من حيث هو علم قابل ~~للتعلم، بينما النظم من حيث هو ممارسة خاصة للنحو تعلم للنحو ~~وتدرب عليه في آن. بإمكان أي أحد أن يتعلم النحو ويبرع في ~~تعلمه إلى حد يطلق عليه علامة في النحو، لكنه لا يستطيع أن ~~يستخدم ما تعلمه في النحو في تحليل الكلام الجميل والكلام المعجز؛ ~~لأنه لم يتدرب على تشغيل النحو بما يكفي. # النحو كتركيب نظري والنظم كممارسة عملية # يجد النحو كنظرية والنظم كممارسة أساسهما في مضمون الكلام ~~المعجز؛ انسجام البشر في حياتهم اليومية مع مضمون الكلام المعجز ~~يحتاج إلى التأويل. بمقتضى هذا الانسجام تنشأ علاقة بين حياة البشر ~~اليومية وبين معنى العالم الذي يريد الكلام المعجز أن يبنيه للبشر. ~~قد ترد تعاليم الكلام المعجز غامضة أو منصهرة في القول بكيفية لا ~~تقبل الفصل مما يقتضي الأمر التأويل والتنقيب. من هذا المنظور أفهم ~~خلاصة الجرجاني التالية: «أن تقول «المعنى» و«معنى المعنى»، تعني ~~بالمعنى المفهوم الظاهر من اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، ~~وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك إلى معنى آخر.» # 16 # معنى «أن تعقل» في عبارة الجرجاني «الاستنتاج العقلي»، ~~ويتضح من تحليلاته أنه يستند إلى تصور يبدأ من الكل، ثم يستنتج ~~نوعية العلاقات في ذلك الكل، ويسمي هذا «توخي معاني النحو». وقد ~~قادته طريقته ms088 في التحليل إلى أن يصل إلى تصور يمكن صياغته على ~~النحو التالي: يجب أن يحظى الكل بأهمية أكبر من الجزء، وأن يضحى ~~بالأجزاء لتتراجع إلى مكانة ثانوية. بصياغة أخرى: أن يحظى تركيب ~~الكلام بأهمية أكبر من الكلمات التي تكونه؛ لتكون الكلمات في ~~مرتبة ثانوية. # لقد حلل الجرجاني الكثير من التراكيب. سأكتفي هنا بأن أدرج ~~تحليله الآية القرآنية الكريمة # وقيل يا ~~أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض ~~الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي ~~وقيل بعدا للقوم الظالمين ~~. # 17 # يقول: «فتجلى لك منها الإعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، ~~أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرة، والفضيلة القاهرة، إلا لأمر ~~يرجع إلى ارتباط هذه الكلم بعضها ببعض، وإن لم يعرض لها الحسن ~~والشرف إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وهكذا ~~إلى أن تستقريها إلى آخرها، وأن الفضل تناتج ما بينها وحصل من مجموعها.» # 18 # تبنى الجرجاني هذه الطريقة؛ أعني توخي معاني النحو ~~وعبر عنه بالنظم، وهي طريقة تتضمن فرضية هي: أن ترى الجزء متناسقا ~~في الكل الذي هو عبارة عن أجزاء متناسقة ومتجانسة. # الإمكانية العلمية والوصفية للنظم كتوخ لمعاني النحو # لكي يحل الجرجاني مشاكل النظم بدأ بنقد مفهوم اللفظ كما فهم ~~آنذاك، ونقد القائلين بتفاضل الألفاظ المفردة، وخلص إلى أن ~~«الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم ~~مفردة، وأن الفضيلة وخلافها، في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي ~~تليها، وما أشبه ذلك، مما لا تعلق له بصريح اللفظ.» # 19 # سأشير هنا إلى أهمية أمر عام يورده الجرجاني بالنسبة ~~إلى ما هو أعم منه؛ أعني تفريقه بين «الحروف المنظومة» وبين «الكلم ~~منظومة»؛ ذلك أن نظم الحروف يعني عند الجرجاني مجرد تواليها في ~~النطق، وليس بمقتضى دلالتها على معنى، بينما «كلم منظومة» يعني ~~اقتفاء الألفاظ آثار المعاني وترتيبها على حسب ترتب المعاني في ~~النفس. # لا يوجد دور للمتكلم في «نظم الحروف»؛ لأن هذا الدور أنيط قبلا ~~بواضع اللغة، وبتعبير الجرجاني «ولا الناظم لها (المتكلم) بمقتف ~~في ms089 ذلك رسما من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تتحراه. فلو ~~أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب» لما كان في ذلك ما يؤدي ~~إلى فساد». # 20 # وعلى العكس من هذا، فإن المتكلم أنيط به الدور في ~~«كلم منظومة» حيث يبني الكلام بمقتضى العقل، وهو ما يشير إليه ~~الجرجاني بقوله: «مما يوجب اعتبار الأجزاء مع بعضها حتى يكون لوضع ~~كل حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح.» # 21 # ولكي يرسخ الجرجاني دور المتكلم، يستعير مفاهيم من ~~مجالات الفنون الجمالية العملية كالنسج والصياغة والوشي والتحبير ~~ليرسخ دور المتكلم. # يتقصى الجرجاني عناصر اللفظ - المعنى - الصورة. يجب في المقام ~~الأول ألا يفهم اللفظ على أنه مجرد «نطق اللسان، أو ما يسمعه ~~المتكلم، أو من حيث هو كلمة مجردة». ويجب في المقام الثاني ألا ~~يكون المعنى بتعبير الجرجاني غفلا وساذجا، ثم في المقام الثالث ~~الصورة التي تحدث في المعنى ويشرحها بعبارات «لفظ متمكن غير قلق ~~ولا ناب في موضعه» و«طبقا للمعنى لا يزيد عليه ولا ينقص» ~~و«ألفاظه قوالب لمعانيه» أو «لفظ ليس له فضل عن معناه». # 22 # ترتب على عناصر الجرجاني الثلاثة (اللفظ - المعنى - الصورة) ~~نموذج علمي لنظرية النظم. استخدم النموذج هنا بمعنى الاسم؛ أي من ~~حيث هو يمثل الكلام وعلاقات أجزائه. وبمعنى الفعل من حيث هو يوضح ~~ويشرح ويفسر تركيب الكلام. وبمعنى الصفة؛ أي من حيث أن هذا النموذج ~~لا يمكن أن يبدل شيء فيه، لكي يعمل على أكمل وجه. # 23 # ولكي يبني الجرجاني هذا النموذج انطلق من الكلام ~~الجميل والكلام المعجز الموجودين من قبل؛ إذ لو لم يكونا موجودين ~~ما أمكن أن يفكر في مثل هذا النموذج الذي سعى إلى أن يكون على أكبر ~~قدر من التماسك. هذا النموذج تقاس فاعليته بمدى قدرته على أن ~~يستوعب الكلام الجميل والمعجز، وقدرته على أن يستمر، وأخيرا قدرته ~~على أن يمثل ما أراد الجرجاني أن ينمذجه. قلب هذا النموذج هو مفهوم ~~الفصاحة في كونها ms090 مرتبطة باللفظ المفرد؛ أي إن فصاحة الألفاظ ~~وتفاضلها لم تعد من منظور هذا النموذج مرتبطة بألفة اللفظ ~~واستعماله أو غرابته ووحشيته، أو بخفة حروفه؛ إنما الفصاحة حيث ~~يقع اللفظ في التركيب، والنظر إلى مكانه من التركيب، وحسن ملاءمة ~~معناه لمعاني الألفاظ المجاورة له، وبتعبير الجرجاني: «تناسق دلالة ~~الألفاظ وتلاقي معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل.» # 24 # هنا يجب أن أنبه إلى أن هذا المعنى الخاص للفصاحة يتعارض مع ~~المعنى التقليدي الذي عرف آنذاك؛ فالنظم من حيث هو توخي معاني ~~النحو يخضع لتوجيه التركيب؛ أعني يخضع لبناء نظري كأن يعمد إلى ~~اسم فيجعل فاعلا أو مفعولا، أو إلى اسمين فيجعل أحدهما خبرا ~~عن الآخر، أو يتبع الاسم فيكون صفة للثاني أو تأكيد له أو بدلا ~~منه، أو أن يؤتى لاسم بعد تمام الكلام صفة أو حالا أو تمييزا. ~~ولا يقتصر هذا المفهوم على الأسماء، إنما أيضا على الأفعال ~~والحروف. أركز هنا على الحروف؛ ذلك أن حرفا لا يعمل لم يكن نحو ~~سيبويه ليتوقف عنده مثلما فعل عبد القاهر الجرجاني في الباب الذي ~~عقده ل إنما. # وفر الانتقال من معنى الفصاحة المرتبط باللفظ إلى معنى الفصاحة ~~المرتبط بالتركيب معارف جديدة مثلما حدث مع الحروف غير العاملة، ~~وهي معارف ستؤدي عند تأمينها بفكرة النظم إلى إعادة صياغة جذرية ~~لفهم الكلام الجميل والمعجز. ولغرض هذا التأمين شرع الجرجاني في ~~تمعنات شغلت الجزء الأكبر من الكتاب. سأكتفي هنا بالإشارة إلى ما ~~عقده للتمعن في التقديم والتأخير والحذف والخبر والفصل والوصل ~~والعطف والحال والقصر والاختصاص. # ظهور مشكلات غير قابلة للحل وضعت النظم موضع سؤال # غير أن تمعنات الجرجاني سرعان ما تعرضت إلى مشكلات لم يكن ~~الجرجاني نفسه ينتظرها، وهي مشكلات أرى أنها تضع مشروع الجرجاني ~~موضع سؤال. تكمن المشكلة الأولى في إعراض النظم عن الكلام بعامة ~~الذي ينشأ في موقف الحياة اليومية، وعن حاجة عملية يسعى البشر ~~بواسطته إلى أن يلبوا حاجاتهم، وأن يؤمنوها. وقد ترتب على هذا أن ~~فقد النحو مهمته الأولى؛ أعني أن يصف ms091 ويحلل الفروق الشكلية من غير ~~أن يكون المعنى مركز ثقل التحليل؛ ذلك أن المعنى في الظروف العادية ~~يعود إلى المتكلم الذي يميزه، والمخاطب الذي يفهمه. ما نواجهه ~~هنا هو الفرق بين النحو الذي يقوم على أساس الكلام بعامة في تجربة ~~الحياة اليومية، وتصنيفه واستقرائه كما هو عند سيبويه، في مقابل ~~النحو الذي يقوم على أساس الكلام الجميل والمعجز وقراءته من أجل ~~معناه. # تظهر مشكلة أخرى وهي أنه بمقتضى النظم الذي يتوخى معاني النحو ~~يتساوى الكلام بعامة في خبرة الحياة اليومية مع الكلام بنوعيه ~~الجميل والمعجز، فيتساوى التقديم والتأخير في الكلام بعامة مع ~~التقديم والتأخير في الكلام الجميل والكلام المعجز. والمشكلة هنا ~~تكمن في أن الجرجاني لم يشعر بالمسافة التي افترضها بين الكلام ~~المعجز وبين نوعي الكلام الآخرين. وأكثر من هذا أنه جعل من الكلام ~~المعجز الذي حلله أقل روعة مما كنا نعتقد. ليس الكلام الجميل أو ~~المعجز موضع فهم فحسب مثلما أراد أن يبرهن لنا الجرجاني؛ إنما ~~أيضا موضع حب أو كره أو احتفاء ... إلخ. وكلام البشر جميلا كان أم ~~كلامهم اليومي أبعد مما يمكن أن يعرف به كتاب؛ ذلك أن الحوار ~~الحقيقي تجربة الحياة اليومية يوصل إلى أفكار لم يكن أحد المتكلمين ~~ليتعرف عليها هو نفسه فيما لو كان وحيدا، وربما لا يستطيع؛ لأن ~~كلام البشر مدفوع بالآخر. # ومع هذا، ورغم كل المشكلات التي أفضت إليها نظرية النظم إلا أن ~~عبد القاهر الجرجاني عرف كيف يجعل نحو سيبويه أسلوبا للتفكير في ~~النصوص الجميلة والمعجزة. لقد عثر الجرجاني في نحو سيبويه على جوهر ~~فكرته الخاصة عن النظم. ويمكن أن ننظر إليه على أنه مفهوم تحليلي ~~داخل مفهوم النحو من حيث هو مفهوم وصفي. لقد كان للجرجاني الفضل في ~~كونه دس الفكرة القائلة بأن يكون النحو مدخلا لتذوق الكلام في ~~الفكرة القائلة بأن يكون النحو وصف الكلام. # الفصل السادس # | النحو في حدود الكلام الظاهر # لقد بدا لنا إلى الآن أن السؤال عن مفهوم النحو محرج، وهو عند النحاة ~~أكثر إحراجا من ms092 سؤال مفهوم الشعر عند النقاد العرب القدماء؛ فكما ~~رأينا فإن معنى مفهوم النحو أكثر من أن تحدده إجابة واحدة. وقد ترتب ~~على هذا أن مسألة مفهوم النحو وضعت وجود النحو ذاته من حيث هو علم موضع ~~سؤال؛ فعلم النحو يجب أن يجيب عما يجب أن يفعله النحو؛ لكن النحو إلى ~~الآن عاجز عن ذلك بسبب عجز المفهوم عن أن يحدد ما هو المتناثر بين ~~المشاريع النحوية التي توقفنا عندها. # عجز مفهوم النحو هو مدخل ابن مضاء في كتابه «الرد على النحاة»، # 1 # ومحاولة فهم هذا الكتاب ضرورية ومفيدة. وكما سنرى فيما ~~يتلو سينصب معظم اهتمامي على تصور ابن مضاء لمفهوم النحو، وسأنتقي ~~المسائل ذات العلاقة بمفهوم النحو؛ لذلك سأكون مؤولا وليس عارضا، ~~وسآخذ في الاعتبار فاتحة الكتاب من منظور يبرز بنية الكتاب العامة التي ~~قادت إلى ما اعتبره ردا على النحاة. وسأفكر انطلاقا منها من غير أن ~~أدير بالا للمظهر البدائي الذي تتخذه أفكار الكتاب. # يبدأ ابن مضاء نقاشه بالثناء على النحاة وعلى نواة مفهوم النحو ~~الأولى؛ أعني حفظ كلام العرب من اللحن، وصيانته عن التغيير، # 2 # إلا أنه يتحفظ على ما هو أكثر من حفظ وصيانة اللسان؛ فمن ~~وجهة نظره أن النحاة «التزموا ما لا يلزمهم، وتجاوزا فيها (الحجج ~~النحوية) القدر الكافي فيما أرادوه منها، فتوعرت مسالكها، ووهنت ~~مبانيها ، وانحطت عن رتبة الإقناع حججها.» # 3 # حين يقول ابن مضاء: إن النحاة ألزموا أنفسهم بما لا يلزم فهو لا ينكر ~~جهدهم؛ إنما يثني عليه؛ فجهدهم من وجهة نظره «بلغ الغاية التي أموا، ~~وانتهوا إلى المطلوب الذي ابتغوا.» # 4 # غير أن ما بعد هذا المطلوب هو ما بعد الغاية والمطلوب حين ~~ألزم النحاة أنفسهم بما لا يلزمهم به علم النحو. في الواقع فإن هذا ~~الإلزام لا يزيد عند ابن مضاء عن «الزجاج الذي صفا حتى ظن زبرجدا، ~~والنحاس الذي عولج حتى حسب عسجدا.» # 5 # وأنه هو من سيبين للنحويين أن زجاجهم «لا يثبت للنار ولا ~~يصبر عليها». # 6 # وبذلك فهو يظن ms093 أن عرضه سؤال ما النحو؟ لا تنقصه ~~الوجاهة. # وحدة مجال النحو عند ابن مضاء # يمكن لابن مضاء أن يجيب عن سؤال النحو «ما النحو؟» بأن يبرز وحدة ~~مجال النحو من حيث هو علم بالرغم من تعدد إجابات النحاة العلمية، ~~وذلك بأن يجعل من النحو نظرية عامة تحفظ كلام العرب وتصونه من ~~التغيير، وما عدا ذلك فيجب من وجهة نظر ابن مضاء أن يتخلص منه، ~~ذلك أن قصده من مكتوبه كما سماه أن يحذف من النحو «ما يستغني عنه النحو». # 7 # غير أننا إذا ما أمعنا النظر سنجد أن وحدة مجال النحو التي ~~حددها ابن مضاء؛ أعني حفظ كلام العرب، وصيانته من التغيير، ليست ~~أكثر من تواطؤ بين النحاة، فبين أن يكون النحو كذلك، أو أن يكون ~~أكثر من ذلك، يبدو لي أن ما هو أكثر من أن يكون النحو حفظا لكلام ~~العرب، وصيانة له من التغيير هو الذي يجعل من النحو علما. لا يمكن ~~أن يكون النحو علما تطبيقيا يحفظ كلام العرب، ويصونه من ~~التغيير، من دون الإطار النظري الذي نقده ابن مضاء. ثم إن فكرة حفظ ~~كلام العرب ليست أصيلة إنما مكتسبة، وقد اتضحت مع أبي الأسود ~~الدؤلي. وهي فكرة أعقبت مرحلة أولية من اللاتحدد، ومن تكافؤ يستطيع ~~النحوي أن يفترض مصيرا، وسيرورة تتساوى فيها إمكانات ما يمكن أن ~~يكون النحو، ولقد اختار أبو الأسود الدؤلي أن يكون النحو على ما ~~عرفناه عنده. # قلة خبرة ابن مضاء بأعراف العلم # هناك حالة محتملة في كتاب «الرد على النحاة» تستحق أن تخضع ~~للتأمل والتحليل، وهي قلة خبرة ابن مضاء بأعراف العلم، وبوجه ~~الخصوص تلك الأعراف التي تخص علم النحو، وهي بطبيعة الحال أعراف ~~علمية عامة؛ ذلك أننا نعتقد أن عالم النحو العربي شخص يدرس اللغة ~~العربية بدلا من أن يدرس القضايا التي تتعلق بالله والعلاقة ~~بالإنسان. يقول: «وأما القول بأن الألفاظ يحدث بعضها بعضا؛ فباطل ~~عقلا وشرعا، لا يقول به أحد من العقلاء ... فإن قيل: بم يرد على ~~من يعتقد أن ms094 معاني هذه الألفاظ هي العاملة؟ قيل: الفاعل عند ~~القائلين به إما أن ينفعل بإرادة كالحيوان، وإما أن ينفعل بالطبع ~~كما تحرق النار ويبرد الماء، ولا فاعل إلا الله عند أهل الحق، وفعل ~~الإنسان وسائر الحيوان فعل الله تعالى، كذلك الماء والنار وسائر ما ~~يفعل ... وأما العوامل النحوية فلم يقل بعملها قائل، لا ألفاظها ولا ~~معانيها؛ لأنها لا تفعل بإرادة ولا طبع.» # 8 # قال ابن مضاء: هذا القول في سياق دعوته إلى إلغاء ~~نظرية العامل. وهو قول يذكر بالقارئ الذي لا يصدق أن الحيوانات ~~تتكلم في الحكايات كحكايات كليلة ودمنة. ما ينقص هذا القارئ الذي ~~لا يصدق هو أن يتعاون مع حكايات كليلة ودمنة لكي تكون فنا. لا ~~يختلف ابن مضاء عن هذا القارئ؛ فهو لا يتعاون مع نظرية العامل لكي ~~يكون النحو علما، ولأنه كذلك فهو لا ينظر إلى العامل من حيث هو ~~«مفهوم ذهني يفسر علاقة كلمة بكلمة داخل الجملة». # 9 # لماذا نقل ابن مضاء مفهوم ~~العامل من مجال الذهن إلى مجال الواقع؟ يجيب نصر حامد أبو زيد بأن ~~ابن مضاء نقل موقفا أيديولوجيا من مجال النصوص الدينية ~~(الظاهرية) إلى مجال الدرس اللغوي. # 10 # قد يكون هذا صحيحا، لكن ما أميل إليه هو ضعف ابن مضاء ~~في التعامل مع أعراف العلم. معرفة ابن مضاء بالنحو، وتبحره في ~~الدين الذي جعل منه قاضيا، وخبرته بالعالم الذي يعيش فيه لا تكفي ~~لجعله مدركا لآليات العلم وأعرافه؛ لا لأن ابن مضاء لا يفهم أو لا ~~يدرك أو لقصور في لغته أو فهمه، إنما لابتعاده عن مجال العلم وهو ~~القاضي والفقيه والدارس لعلوم الدين التي تختلف أعرافها عن أعراف ~~العلم. وما ذكره عن مفهوم الفاعل النحوي من أن الله هو الفاعل عند ~~أهل الحق (المعتزلة)، وهو فاعل فعل الإنسان وسائر الحيوان يشير إلى ~~أن خبرة ابن مضاء القاضي في التعامل مع العلم قليلة، وفكرته عن ~~الكيفية التي يكون بها العلم علما ضعيفة. لا يمكن بحال من الأحوال ~~أن أنكر تمكن ابن مضاء من ms095 النحو، لكنه تمكن القاضي والفقيه ~~الذي يعرف النحو لكنه لا يعيه من حيث هو علم له أعرافه العلمية ~~المختلفة عن أعراف علم الفقه. لا بد أن يفهم جيدا تشبيه ابن مضاء ~~بالقارئ الحقيقي؛ ذلك أن القارئ الحقيقي يفرق بين ما يجري في ~~الحكاية وما يجري في الواقع. فلو أن حكاية أوردت أن جنيا قطع ~~مسافة بين المغرب والمشرق في غمضة عين فلن يصدق؛ لأنه قليل خبرة ~~بالفرق بين الفني والواقعي. وكذلك ابن مضاء فيما يظهر لي؛ فهو يخلط ~~بين النظري والعملي؛ ويبدو غير خبير بأطر العلم النظرية؛ ذلك أن ~~نظرية كنظرية النحو العربي هي تنظيم لما «يعتقده» النحويون يساعد ~~على أن يفهم النظام اللغوي. وقد وضعت «يعتقده» بين مزدوجتين لكي ~~أنبه إلى أن هذا التعبير يضعف النظرية من كونها من عمل الإنسان لكي ~~يفهم، فالإنسان هو الذي يبني النظرية ويكونها. ومع ذلك فحتى لو كان ~~«معتقدا» علميا فلا مجال للحرام والحلال؛ لأن في هذا خلطا بين ~~العلم وبين الأيديولوجيا. وبالرغم مما قيل عن نقل ابن مضاء المذهب ~~الظاهري من مجال النصوص الدينية إلى مجال الدرس اللغوي، فإنني أميل ~~إلى أنه ليس نقلا واعيا، بقدر ما هو خبرة قاض وفقيه تدرب في ~~علوم تنتمي إلى الدين، وانتقل إلى علم يحتاج إلى خبرة مغايرة يشير ~~إلى ذلك قوله وهو يتحدث عن تقدير العامل المحذوف: «وأما طرد ذلك ~~(تقدير العامل المحذوف ) في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه ولا من خلفه وادعاء زيادة معان فيه من غير حجة ولا ~~دليل إلا القول بأن كل ما ينصب إنما ينصب بناصب ... فالقول بذلك حرام.» # 11 # أليس كلام الله كلاما؟ أبسط الإفادات العلمية في ~~النحو تجيب بأنه كلام؛ فالفهم المبني على فهم منظم للكلام كالنحو ~~قابل لأن يعمم على كل أنواع الكلام بدون استثناء، وتقويم مسألة ~~ذهنية كتقدير العامل لا تكون بالحلال والحرام؛ إنما تقوم بالترابط ~~والتماسك من جهة. أعني هل ينطوي تقدير العامل على تناقض؟ هل تقدير ~~العامل منتظم؟ وعلى الشمول ms096 من جهة أخرى؛ أعني هل يغطي تقدير العامل ~~المحذوف ما يفترض أن يغطيه؟ صحيح أنه لا يوجد ضمان أن تكون فكرة ~~العامل فكرة حقيقية، لكن من قلة الخبرة أن نفكر على أنها فكرة غير ~~حقيقية؛ فمفهوم العامل وما يترتب عليه من حذف وتقدير وإضمار ليس ~~إلا مفهوما يستعمله النحوي كعالم، والنحو كعلم يشرح الظواهر ~~اللغوية. # لم أرد أن يكون تحليلي لكتاب الرد على النحاة سجاليا، لكن عرض ~~ابن مضاء للقضايا النحوية يستدعي هذا السجال، ومنها العلة التي ~~يعرضها على النحو التالي: «ومما يجب أن يسقط من النحو العلل ~~الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن «زيد» من قولنا «قام ~~زيد» لم رفع؟ فيقال لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول: لم رفع ~~الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا نطقت به العرب. ثبت ذلك ~~بالاستقراء من الكلام المتواتر. ولا فرق بين ذلك وبين من عرف أن ~~شيئا ما حرام بالنص، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علة، لينقل حكمه ~~إلى غيره، فسأل: لم حرم؟ فإن الجواب على ذلك غير واجب على ~~الفقيه.» لا يمكن أن نخضع علم النحو للمفاهيم التي استخدمها ابن ~~مضاء في هذه العبارة؛ فالصواب والحرام والنص والتواتر استخدمها ابن ~~مضاء بمعزل عما تستعمل فيه؛ أعني العلوم الدينية. ولن ينكشف عوار ~~هذه المفاهيم التي استخدمت في مجال غير المجال الذي تنتمي إليه ~~إلا عندما يرفض أن «يعطى الأثقل، الذي هو الرفع، للفاعل، وأعطي ~~الأخف، الذي هو النصب، للمفعول»؛ # 12 # ذلك أن ابن مضاء يغفل مفهومين من المفاهيم الموجهة ~~لعلم النحو وهما الخفة والثقل، وما بني عليهما. إن الإجابة التي ~~يقترحها ابن مضاء لسؤال لماذا رفع الفاعل؟ (كذا نطقت به العرب) ~~(ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر) إجابة ليست من العلم في ~~شيء. ويمكن أن تتضح الفكرة فيما لو سأل أحد ما: لماذا ينبض القلب؟ ~~فيقال: كذا خلقه الله. لا يمكن أن تطور إجابة ابن مضاء عن سؤال: ~~«لماذا رفع الفاعل» النظرية النحوية؛ فأهمية التفكير العلمي النظري ~~في كلام العرب الذي تنتمي ms097 إليه العلل الثواني والثوالث تكمن في أن ~~النحو يحرر الكلام من تجربته في حياة العرب اليومية، ويجعله يتعالى ~~عن تجربته اليومية الضيقة. وإذا كان ما يقترحه ابن مضاء يصح في ~~الفتاوى، فلا يصح في النحو من حيث هو علم. لا تتيح إجابة «كذا نطقت ~~به العرب» مجالا لقيم المعرفة لا سيما الفضول العلمي باعتباره روح ~~العلم؛ فبدون الفضول الخلاق لا يمكن للنحو أن يكون نظاما مفتوحا ~~يتغير ويتعدل ويتطور. ومن دون الأسئلة التي تتلو الأسئلة، التي ~~نعبر عنها هنا بالفضول، لا يمكن للنحو أن يعيد بناء تاريخه. # تفترض إجابة ابن مضاء عن سؤال: لماذا رفع الفاعل؟ أنه يستطيع أن ~~يقف أمام غموض أن الفاعل مرفوع من دون أي رد فعل. فكون الفاعل ~~مرفوعا لا يقلق ابن مضاء غموض أن يكون كذلك، وهو ما دفعه إلى ~~إجابته الظاهرة، والقامعة لأي تساؤل، ولهذا علاقة بغياب الشك الذي ~~هو أحد أهم قيم المعرفة؛ فابن مضاء قادر على أن يكون منغلقا، وعلى ~~أن يتحمل غياب الإجابة. # إذا ما تبعت هذا النوع من التحليل الذي يظهر عدم خبرة ابن مضاء ~~بأعراف العلم؛ فسأتوقف عند دعوته إلى إلغاء القياس. لقد قيل عن ~~القياس الكثير من الغث والسمين، لكن من حسن الحظ أن هناك بحثا # 13 # يمنح نظرة شاملة للقياس؛ أعني أصل القياس في الثقافة ~~الإسلامية، واستمراريته في علمي الفقه والنحو. وأول شيء نلاحظه أن ~~القياس هو حركة العقل لفهم الظاهرة، وهو أداة تنظيمية تحول ~~«الكلام» إلى لغة، وترد التغاير والتعدد إلى النسق والنظام. إن ~~الطريقة التي وصف بها نصر حامد أبو زيد كيفية اشتغال علم النحو لا ~~سيما ما وصف به النحو من كونه نظاما ثانويا داخل إطار نظام موحد ~~هو الثقافة العربية الإسلامية: وصف يفترض قبليا مفهوم القياس؛ ~~وبناء على ذلك يتحدث أبو زيد عن الاستعداد الذي يزخر به هذا ~~النظام. # بيد أننا يمكن أن نقر بأن القياس أداة من أدوات العلم من دون أن ~~يكون هذا المفهوم مرتبطا بتأويل أبي زيد عن النظامين الإطار ms098 ~~والثانوي، ولا بد من أن ندرك أن مفهوم القياس ضروري للعلوم. وحتى ~~ما قيل عن الظهور المبكر للقياس الفقهي، فإن هذا الظهور ليس هو ما ~~خلق الانسجام بين علمي الفقه والنحو؛ إنما افتراض العلم أن يكون ~~العالم قد وصل إلى المرحلة التي تجعل منه عالما يفكر بأدوات ~~العلم، ومنها القياس الذي أوصل النحو إلى أحد المفاهيم الموجهة ~~لعلم النحو، وأعني به مفهوم المشابهة، وهو ما لم يكن حاضرا في وعي ~~ابن مضاء لقلة خبرته بأعراف العلم. # يدعو ابن مضاء إلى إلغاء تمارين النحو غير العملية. يقول: «ومما ~~ينبغي أن يسقط من النحو «ابن من كذا مثال كذا» فيقول قائل: «بوع» ~~أصله بيع فيبدل من الياء واوا لانضمام ما قبلها؛ لأن النطق ثقيل.» # 14 # يعلق شوقي ضيف: «وهكذا يريد ابن مضاء أن يريحنا من كل ~~ما يعدل بنا عن صيغ اللغة إلى ظنون النحاة في عبارات لا نستخدمها، ~~وألفاظ يمتحن بها بعضها بعضا، وهي لا تجري في كلام العرب، وإنما ~~تجري على ألسنة النحاة، كي يضيفوا إلى النحو كل ما يمكن من مشقة وتصعيب.» # 15 # يجانب تعليق شوقي ضيف الصواب؛ فظنون النحاة، وامتحان ~~بعضهم بعضا هو ما يجعل من النحو علما، فعلماء النحو يختارون ~~المسائل التي يدرسونها، وكل عالم منهم لا يعمل خارج انتمائه إلى ~~النحاة. والحال أن هذا الانتماء إلى جماعة علمية نحوية يؤدي دورا ~~حاسما في اشتغال العلماء؛ فامتحان علماء النحو بعضهم بعضا الذي ~~ينتقده شوقي ضيف هو رغبة هؤلاء العلماء منتجي المعرفة النحوية في ~~الاعتراف ببعضهم بعضا. إن القول بعدم أهمية التمارين غير العملية ~~كونها لا تجري في كلام العرب موقف يتناسى امتلاك النحاة موقفا ~~نظريا يتعاملون فيه مع الفكر، وليس مع ما هو موجود حقا؛ فثقافة ~~النحو النظرية تفضي إلى وراء ما ينطقه العرب. هذا من جهة، ومن جهة ~~أخرى يتناسى أن هذه التمارين العملية جزء من تدريب العلماء الشباب ~~تنمي فيهم القدرة على الملاحظة والتعليل، ولكي يسيطروا على النموذج ~~العلمي المعتمد. # الحياد العاطفي أحد معايير العلم ms099 والعلماء؛ وهذا لم يكن ممكنا ~~عند ابن مضاء وهو متعلق بأفكاره الشخصية؛ يدافع عن وجهة نظر خاصة ~~كونه فقيها وكونه ظاهريا، ومن دون أن يكون مقنعا بما فيه ~~الكفاية. ربما نجد له العذر في كونه تكون معرفيا في حقول معرفية ~~أخرى، لكن ما نشير إليه هنا هو أن ابن مضاء لم يضف شيئا إلى مفهوم ~~النحو من حيث هو علم إن لم يكن كتابه مخيبا للآمال. وما جعله يأخذ ~~الهالة لا سيما بين الداعين إلى تيسير النحو وتسهيله هو ما يمكن ~~الإشارة إليه بقول ريلكة من أن الخلود يرتبط بسوء فهم شخصية ما، ~~وأنا أعتقد أن هذا ينطبق على ابن مضاء. # | المصادر والمراجع # ابن جني، أبو الفتح عثمان، الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، ~~الطبعة الثانية، المجلد الأول، بيروت، دار الهدى للطباعة ~~والنشر، د. ت. # ابن خلدون، عبد الرحمن، مقدمة ابن خلدون، لجنة من العلماء، ~~دار الفكر. د. ت. # ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر، ~~وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، د. ط، ~~بيروت دار الثقافة، د. ت، مج2. # ابن منظور، لسان العرب، الطبعة الأولى، بيروت، دار صادر، ~~1955-1992م. # أبو الخير، يحيى محمد شيخ، المنهجية في العلوم الإنسانية ~~التطبيقية فيما وراء النظرية العلمية «التأصيل الإجرائي: ~~النماذج» في: مجلة جامعة الملك سعود، المجلد الخامس، الآداب ~~(1) 1993م-1413ه. # أبو زيد، حامد نصر، النص، السلطة، الحقيقة، الطبعة الأولى، ~~بيروت، والدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1995م. # أبو زيد، نصر حامد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، الطبعة ~~السابعة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2005م. # إريكسن، توماس هيلاند، مفترق طرق الثقافات، مقالات عن ~~الكريولية، ترجمة: محيي الدين عبد الغني، الطبعة الأولى، ~~القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 2012م. # باختين، ميخائيل، الماركسية وفلسفة اللغة، ترجمة: محمد ~~البكري، ويمنى العيد، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، دار ~~توبقال للنشر، 1986م. # باشلار، غاستون، الفكر العلمي الجديد، ترجمة: عادل العوا، ~~بيروت، الطبعة الخامسة، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ~~والتوزيع، 2002م. # بالي، شارل، علم الأسلوب وعلم اللغة العام، في اتجاهات ms100 البحث ~~الأسلوبي، ترجمة: شكري محمد عياد، الطبعة الأولى، الرياض، دار ~~العلوم للطباعة والنشر، 1985م. # بونكاري، هنري، قيمة العلم، ترجمة: الميلودي شغموم، الطبعة ~~الأولى، بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ~~2006م. # بيكر، كارل ل، المدينة الفاضلة عند فلاسفة القرن الثامن عشر، ~~ترجمة: محمد شفيق غربال، الطبعة الثانية، المركز القومي ~~للترجمة، 2009م. # الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية ~~لنظم المعرفة في الثقافة العربية، الطبعة الثالثة، بيروت، مركز ~~دراسات الوحدة العربية، 1990م. # جب، هاملتون، أدب التراجم الإسلامي، في: لويس، برنار وهولت، ~~ب. م. مؤرخو العرب والمسلمين حتى العصر الحديث، نقله إلى ~~العربية وقدم له: سهيل زكار، الطبعة الأولى، دمشق، دار التكوين ~~للتأليف والترجمة والنشر، 2008م. # الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد، دلائل الإعجاز، ~~قرأه وعلق عليه: أبو فهر محمود محمد شاكر، الطبعة الثالثة، ~~القاهرة، مكتبة الخانجي، ومكتبة المدني، 1992م. # الجهاد، عبد الله، رسالة كتاب سيبويه، في جذور (دورية تعنى ~~بالتراث وقضاياه) النادي الأدبي الثقافي بجدة، ج1، مج 1، ذو ~~القعدة 1419ه، فبراير 1999م. # الجوة، محمد، معاني النحو والبلاغة في كتب الجرجاني، في جذور ~~(دورية تعنى بالتراث وقضاياه)، النادي الأدبي الثقافي بجدة، ~~العدد الأول، فبراير، 1999م. # حجازي، محمود فهمي، علم اللغة العربية، مدخل تاريخي في ضوء ~~التراث واللغات السامية، ب. ط. القاهرة، دار غريب للطباعة ~~والنشر والتوزيع. # حسان، تمام، اللغة العربية، معناها ومبناها، الطبعة الثالثة، ~~القاهرة، عالم الكتب، 1998م. # دبوا، ميشال، مدخل إلى علم اجتماع العلوم، ترجمة: سعود ~~الموسى، الطبعة الأولى، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ~~2008م. # روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي، أو مبادئ القانون ~~السياسي، ترجمة وتقديم وتعليق: عبد العزيز لبيب، الطبعة ~~الأولى، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2011م، ص80. # سبيلا، محمد، وبنعبد العالي، عبد السلام (اختيار وترجمة) ~~الفلسفة الحديثة، نصوص مختارة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، ~~إفريقيا الشرق، 2001م. # ستيس، وولتر، تاريخ الفلسفة اليونانية، ترجمة: مجاهد عبد ~~المنعم مجاهد، الطبعة الثانية، بيروت، مجد المؤسسة الجامعية ~~للدراسات والنشر والتوزيع، 2005م. # السريحي، سعيد، نحو السلطة واغتيال سيبويه، في علامات في ~~النقد، جدة، ms101 النادي الأدبي الثقافي، ج75، مج19، 2011م. # السنجرجي، مصطفى عبد العزيز، المذاهب النحوية في ضوء ~~الدراسات اللغوية الحديثة، الطبعة الأولى، مكة المكرمة، ~~الفيصلية، 1986م. # سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، كتاب سيبويه، تحقيق ~~وشرح: عبد السلام محمد هارون، المجلد الأول، بيروت، عالم الكتب ~~للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت. # السيوطي، عبد الرحمن جلال الدين، المزهر في علوم اللغة ~~وأنواعها، شرحه وضبطه وعنون موضوعاته وعلق حواشيه: محمد أحمد ~~جاد المولى، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، د. ~~ط. بيروت، دار الجيل، ودار الفكر للطباعة والنشر ~~والتوزيع. # الشرقاوي، محمد (تأليف وترجمة) التعريب في القرن الأول ~~الهجري، القاهرة، المشروع القومي للترجمة، 2007م. # الطنطاوي، محمد، نشأة النحو، وتاريخ أشهر النحاة، تعليق: عبد ~~العظيم الشناوي، ومحمد عبد الرحمن الكردي، الطبعة الثانية. د. ~~ت. # غادامير، هانز جورج، الحقيقة والمنهج، الخطوط التأسيسية ~~لتأويلية فلسفية، ترجمة: حسن كاظم وعلي حاكم صالح، راجعه على ~~الألمانية: جورج كتورة. الطبعة الأولى، طرابلس، دار أويا ~~للطباعة والنشر والتوزيع والتنمية الثقافية، 2007م. # فرنان، جان بيير، بين الأسطورة والسياسة، تقديم وترجمة: جمال ~~شحيد، الطبعة الأولى، دمشق، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ~~1999م. # فلسفة المتكلمين، ترجمة: مصطفى لبيب عبد الغني، الطبعة ~~الثانية، القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2009م، مقدمة المجلد ~~الأول. # فوكو، ميشيل، جينالوجيا المعرفة، ترجمة: أحمد السطاتي، وعبد ~~السلام بنعبد العالي، الطبعة الثانية، الدار البيضاء، دار ~~توبقال للنشر، 2008م. # فير ستيج، كيس، أعلام الفكر اللغوي، التقليد اللغوي العربي، ~~ترجمة: أحمد شاكر الكلابي، بيروت، دار الكتاب الجديد المتحدة، ~~2007م. # القاسمي، محمد جمال الدين، قواعد التحديث، من فنون مصطلح ~~الحديث، د.ط، بيروت، دار الكتب العلمية، د. ت. # القرطبي، ابن مضاء، الرد على النحاة ، تحقيق: شوقي ضيف، ~~القاهرة، دار المعارف، د. ت. # كاسيرر، أرنست، اللغة والأسطورة، ترجمة: سعيد الغانمي، أبو ~~ظبي، كلمة، 2009م. # كانغيلام، جورج، تاريخ الأديان وتاريخ العلوم في النظرية ~~الصنمية عند أوغست كونت، في: دراسات في تاريخ العلوم وفلسفتها، ~~ترجمة: محمد ساسي، الطبعة الأولى، المنظمة العربية للترجمة، ~~2007م. # كنط، عمانوئيل، نقد العقل المحض، ترجمة: موسى وهبة، ms102 الطبعة ~~الأولى، بيروت، مركز الإنماء القومي. د. ت. # كون، توماس، بنية الثورات العلمية، ترجمة: شوقي جلال، الطبعة ~~الأولى، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عالم ~~المعرفة، العدد 168، 1992م. # ليشته، جون، خمسون مفكرا أساسيا معاصرا من البنيوية إلى ~~ما بعد الحداثة، ترجمة: فاتن البستاني، الطبعة الأولى، بيروت، ~~المنظمة العربية للترجمة، 2008م. # مارتن، والاس، نظريات السرد الحديثة، ترجمة: حياة جاسم محمد، ~~الطبعة الأولى، مصر، المجلس الأعلى للثقافة، 1998م. # مصطفى، إبراهيم وآخرون (إخراج)، المعجم الوسيط، الطبعة ~~الثانية، الجزء الأول، إستانبول، المكتبة الإسلامية للطباعة ~~والنشر والتوزيع، د. ت. # مطر، عبد العزيز، لحن العامة في ضوء الدراسات اللغوية ~~الحديثة، الطبعة الأولى، القاهرة، الدار القومية للطباعة ~~والنشر، 1966م. # النديم، أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحق، كتاب الفهرست، ~~تحقيق: رضا تجدد ابن علي زين العابدين الحائري الماندراني، ~~الطبعة الثالثة، بيروت، دار المسيرة، 1988م. # هوسرل، إدموند، أزمة العلوم الأوربية والفنومينولوجيا ~~الترنسندنتالية، ترجمة: إسماعيل المصدق، الطبعة الأولى، بيروت، ~~المنظمة العربية للترجمة، 2009م. # هولس، ستيوارت وإجت، هوارد، وديز، جيمس، سيكولوجية التعلم، ~~ترجمة: فؤاد أبو حطب، وآمال صادق، مراجعة عبد العزيز القوصي، ~~الطبعة العربية الأولى، دار ماكرو هيل للنشر، 1983م. # ياسبرز، كارل، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، نقله إلى العربية ~~وقدم له: عبد الغفار مكاوي، الطبعة الأولى، بيروت، دار التنوير ~~للطباعة والنشر والتوزيع، 2007م. # ياقوت، محمود سليمان، التراكيب غير الصحيحة نحويا في ~~«الكتاب» لسيبويه، دراسة لغوية، د.ط، الإسكندرية، دار المعرفة ~~الجامعية، 1985م. ms103