######OpenITI# #META# URI: 1450CatiyatAbuSucud.AmalWaYutubiya.Hindawi17138379 #META# Tags: philosophy #META# ID: 17138379 #META# Title: الأمل واليوتوبيا في فلسفة إرنست بلوخ #META# AuthorID: 75058162 #META# Author: عطيات أبو السعود #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - حياة بلوخ ونواة تفكيره اليوتوبي‏ # 2 - البناء الأنثروبولوجي للأمل‏ # 3 - البناء الأنطولوجي للأمل‏ # 4 - الزمان والتاريخ والجدل‏ # 5 - تجليات الأمل في يوتوبيات التقنية والكشوف الجغرافية ~~والفنون‏ # 6 - تجليات الأمل في اليوتوبيات الاجتماعية‏ # ملاحظات نقدية ختامية‏ # مراجع البحث‏ # المقدمة‏ # 1 - حياة بلوخ ونواة تفكيره اليوتوبي‏ # 2 - البناء الأنثروبولوجي للأمل‏ # 3 - البناء الأنطولوجي للأمل‏ # 4 - الزمان والتاريخ والجدل‏ # 5 - تجليات الأمل في يوتوبيات التقنية والكشوف الجغرافية ~~والفنون‏ # 6 - تجليات الأمل في اليوتوبيات الاجتماعية‏ # ملاحظات نقدية ختامية‏ # مراجع البحث‏ # | الأمل واليوتوبيا في فلسفة إرنست بلوخ # | الأمل واليوتوبيا في فلسفة إرنست بلوخ # تأليف # عطيات أبو السعود # | المقدمة # «الأمل واليوتوبيا عند إرنست بلوخ» موضوع هذا البحث. وقد يتبادر إلى ~~الذهن سؤال عن علاقة كل منهما بالآخر، أي علاقة البشر وأمانيهم ~~باليوتوبيا التي تعطي انطباعا أوليا بأنها بناء عالم مثالي في ~~الخيال، وكأن الأمل يرتبط بالخيال الذي قد لا يحققه على الإطلاق، وليس ~~هذا بطبيعة الحال هو هدف البحث؛ ولذا يجب البدء بتعريف كل منهما. أما ~~الأمل فهو تعبير عن تطلعات الجنس البشري إلى حياة أفضل في المستقبل، ~~يسودها الإخاء والمساواة وتقوم على أساس من العدل في ظل مملكة للحرية، ~~وأما اليوتوبيا فهي النظام الذي يحقق هذه التطلعات في مكان ما على هذه ~~الأرض. وليس المقصود باليوتوبيا هنا هي الترجمة الحرفية للكلمة التي ~~تعني «لا مكان» لأن اليوتوبيا موضوع هذا البحث هي يوتوبيا عينية قابلة ~~للتحقيق وفق شروط داخلية وخارجية، أي شروط ذاتية وموضوعية تجتمع في ~~لحظة تاريخية ملائمة توفر شروط تحققها. # وقد تم اختيار هذا الموضوع لأهميته الشديدة في عصرنا الحديث الذي ~~اتفقت الآراء على أنه عصر أزمة كبرى. وغالبا ما تبرز فلسفة الأمل في ~~العصور التي يغلب عليها التوتر والاضطراب وتزداد فيها الصراعات، وقد ~~شهد القرن العشرون حربين عالميتين وحروبا أهلية لا حصر لها، وخيبة ~~آمال في ثورات كبيرة وآمال عظيمة، فلا بد أن يكون هناك بعث لروح ~~الأمل، ولا بد أن يكون الأمل - ونحن على مشارف الألف الثالث للميلاد - ~~هو المطلب ms001 الأساسي والمشروع. أما لماذا «الأمل واليوتوبيا عند إرنست ~~بلوخ» على وجه التحديد ، فلم يكن هذا أيضا من قبيل الصدفة أو ~~العشوائية؛ إذ لا يوجد في عصرنا فيلسوف تغنى بالأمل مثلما فعل هذا ~~الأخير، حتى لقد وضعه - أي الأمل - عنوانا لأهم كتبه على الإطلاق وهو ~~«مبدأ الأمل»، كما أنه - أي بلوخ - يعد أكبر فيلسوف يوتوبي في القرن ~~العشرين أهاب بالإنسان أن يمسك بهذا المبدأ الذي تحول عنده إلى مبدأ ~~للمسئولية التي يحملها الإنسان على عاتقه ليحقق بإرادته الثورية آماله ~~وأحلامه في يوتوبيا واقعية وعينية. # ومنهج البحث هو المنهج التحليلي النقدي، لأن بلورة النسق الفلسفي ~~الكامل لفلسفة الأمل قد استلزمت التحليل والشرح والتفسير والنقد، كما ~~أن هذا النسق لم يقدم من قبل إلى المكتبة العربية، التي لم تعرف من ~~كتب بلوخ سوى الترجمة العربية لكتاب «فلسفة عصر النهضة». وكان من ~~الضروري - نظرا لضخامة هذا النسق الذي ضم التراث البشري في داخله - ~~تقديم الإطار النظري الكلي وإسقاط تفاصيل كثيرة لا تخل بالهيكل العام ~~لفلسفة بلوخ. وقد كانت هناك صعوبة كبيرة في استخلاص البنية الفلسفية، ~~وترجع هذه الصعوبة إلى أن بلوخ قدم مشروعا فلسفيا ضخما وطموحا لا ~~يفتقر فقط إلى الاتساق والتماسك، بل يتسم أيضا بالغموض والإبهام بسبب ~~صياغته في لغة معقدة يصعب فك رموزها، وأسلوب يغلب عليه المجاز ويكثر ~~من استخدام الصور الشعرية والأسطورية والمصطلحات الصوفية، وقد زاد من ~~هذه الصعوبة الطابع العام للفكر الألماني الذي لا يعرف في كثير من ~~الأحيان بساطة العرض وسهولته، بل يميل دائما إلى التعقيد والتكثيف ~~والتجريد باعتبارها - في نظر المفكرين الألمان - دليلا على عمق الفكر ~~وأصالته؛ مما جعل بلوخ لفترة طويلة غير مقروء خارج ألمانيا، بل وغير ~~مقروء أيضا من أبناء وطنه ~~- باستثناء الصفوة من المتخصصين والمثقفين - ويرجع هذا إلى صعوبة فهمه ~~من قبل المثقف العادي. # غمر بلوخ نسقه الفلسفي في تفاصيل هائلة من التراث البشري بأكمله، ~~وعرض لكل فروع المعرفة من فلسفة وفن وأدب وموسيقى وشعر، كما عرض ~~لحضارات العالم ودياناته القديمة بحيث يمكن القول بأنه ms002 آخر المفكرين ~~الموسوعيين في القرن العشرين، وأفرط أيضا في استخدام المصطلحات ~~والعبارات اليونانية واللاتينية والأقوال والمأثورات القديمة التي لم ~~تعد تستخدم الآن؛ في محاولة لإحيائها وإضفاء معاني جديدة عليها إلى ~~الحد الذي يمكن معه القول بأنه أوجد في اللغة الألمانية قاموسا ~~ثقافيا خاصا لفلسفته، كما أسرف باعتباره ناقدا أدبيا في الوقت ~~ذاته في استخدام الصور الفنية (الاستعارة والتشبيه والكناية والرمز) ~~التي زادت من غموض لغته. # وكان من الضروري للتغلب على هذه الصعوبات إسقاط تفاصيل جزئية ~~واستطرادات كثيرة كان من الممكن - في حالة تتبعها - أن تخرج بالبحث عن ~~السياق المرسوم له، كما كان من الضروري استخلاص النسق الكلي لفلسفة ~~الأمل، وتقديمه بالعرض والتحليل أولا ثم بالتعقيب النقدي على بعض ~~التفاصيل والجزئيات التي استلزمت الوقوف عندها وتم نقدها في موضعها. ~~وأخيرا ينتهي العرض التحليلي الكلي بتقييم عام في خاتمة نقدية ~~للإطار العام لفلسفة الأمل واليوتوبيا. # ينقسم البحث إلى ستة فصول تتدرج في خط تصاعدي بدءا من حياة بلوخ ~~إلى عرض البناء النظري لفلسفته في الأمل، ثم محاولة تطبيق هذا النسق ~~النظري على التاريخ البشري المنظور إليه نظرة يوتوبية. ويتناول الفصل ~~الأول «حياة بلوخ ونواة تفكيره اليوتوبي» ويقدم تعريفا بالفيلسوف ~~وعصره. وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ أولا: حياة بلوخ ومؤلفاته، ~~وفيه عرض تاريخي لحياته وأسفاره وعلاقات الصداقة التي جمعته ببعض ~~فلاسفة عصره وأدبائه، والتعريف بمؤلفاته وأعماله. ثانيا: المؤثرات ~~الفكرية في فلسفته، وهي عديدة ومتنوعة، منها مؤثرات فلسفية كالفلسفة ~~اليونانية وخاصة أرسطو، والفلسفة الكلاسيكية الألمانية من ياكوب بوهيه ~~وهيجل وشيلنج، والفلسفة الماركسية التي تركت بصماتها على الطابع العام ~~لتفكير بلوخ، ومؤثرات أدبية كالحركة التعبيرية التي غلب أسلوبها ~~الأدبي على لغة بلوخ الفلسفية، ومؤثرات دينية وخاصة التراث الصوفي ~~المسيحي واليهودي وفكرة الخلاص. ثالثا: مدخل إلى فلسفته ومفاهيمها ~~الأساسية وفيه تعريف بأهم المقولات التي قام عليها النسق الفلسفي للأمل ~~واليوتوبيا، مثل مقولات ال «ليس-بعد» وما قبل الظهور و«الإمكان» ~~و«الأمل» و«الأمام» و«الجديد» و«الأقصى». # ويتناول الفصل الثاني «البناء الأنثروبولوجي للأمل» وهو الجذر الأول ~~من فلسفة الأمل الذي ms003 يصور انعكاس الوعي بال «ليس-بعد » على الذات ~~البشرية، وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام: أولا: نشأة الوعي، وفيه ~~تتبع لظواهر الوعي البشري منذ بدايته الأولى عند الطفل، ويعرض لنظرية ~~في نشأة الوعي من الدوافع، وأهمها وأولها الجوع، فهو الذي يدفعنا ~~ويحركنا إلى الأمام. كما يتتبع آثار الحلم البشري بأبعاده المختلفة ~~وأنواعه، وكيف تطور الوعي بال «ليس-بعد» من أحلام اليقظة. ثانيا: ~~طبقات الوعي، ويعرض لطبقات الوعي المختلفة ومنها ما قبل الوعي، وهو ~~اللاوعي بالمعنى الفرويدي أي المكبوت أو المنسي، والوعي بال «ليس-بعد» ~~وهو الوعي بشيء جديد لم يأت بعد أو بشيء يرجح حدوثه بناء على شروط ~~ذاتية وموضوعية محددة، وهو ما يسمى الوعي بالمستقبل. ثالثا: معوقات ~~الوعي بال «ليس-بعد»، ويشمل المعوقات المختلفة التي تحول دون ظهور وعي ~~ال «ليس-بعد» إلى النور، ومنها العائق التاريخي الذي يسلم بوجود التام ~~والكامل منذ البداية، الأمر الذي يجهض كل محاولة للتقدم نحو الجديد، ~~ومنها النزعة الرومانسية، إذ استعبدها الماضي حين اعتبرت أن الكمال كله ~~كان في الماضي، ومنها اليوتوبيات الاجتماعية التي لم تكن قادرة على ~~التطور بسبب النزعة السكونية التي سادتها، كل هذه المعوقات حالت دون ~~ظهور الوعي بال «ليس-بعد» الذي لا يمكن اكتشافه بفعل التذكر، بل بالحدس ~~الذي يؤدي وظيفة يوتوبية. # ويتناول الفصل الثالث «البناء الأنطولوجي للأمل»، وهو الجذر الثاني ~~من فلسفة الأمل الذي يمثل البناء الأنطولوجي لنظرية ال «ليس-بعد» أي ~~لنظرية الوجود الذي لم يتحقق بعد، وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ ~~أولا: أنطولوجيا ال «ليس-بعد» ويعرض لأربعة مفاهيم أنطولوجية أساسية ~~تدل على حركة الواقع الجدلي للمادة والتاريخ، وتكشف عن صيرورتها نحو ~~تحقيق الأمل اليوتوبي، مفهوم «اللا» المتعلقة بمبدأ الوجود، وهي ليست ~~نهائية ولا مطلقة وإنما تعلن عن نفسها في حالة الجوع بوصفها افتقارا ~~أو لا تملك؛ ولذلك فهي مغروسة فينا وتسعى دائما للخروج من حالة الكمون ~~عندما تنطلق اللا وتخترق الجوع لإشباعه. ثم تتحول «اللا» المتكررة ~~والكائنة في «الهنا والآن» إلى ال «ليس-بعد» الكائنة بطبيعتها في ~~المستقبل، فعندما تعبر «اللا» عن السخط ms004 على الصورة التي صار إليها ~~الشيء المفتقد تظهر ال «ليس-بعد» اليوتوبية وتتخذ صورة السلب الذي يدفع ~~الحركة الجدلية قدما، وبذلك تتحول «اللا» إلى ال «ليس-بعد» التي تتطلع ~~بدورها إلى «الكل» المرتبط بعلاقة ذات هدف بكل من «اللا» وال ~~«ليس-بعد». أما علاقة هذين الأخيرين بالعدم فليست علاقة بهدف، لأن ~~هذا العدم أبعد ما يكون عن العدم المتضمن في السلب الجدلي الذي يسلب كل ~~ما قد صار ليبلغ به مرحلة جديدة. فالإحباط والفشل هما الخطر الدائم ~~الذي يتهدد كل عملية جدلية، ويشير كل من العدم والكل إلى الاتجاه الذي ~~يوجه ال «ليس-بعد» إما سلبا فيكون «العدم» وإما إيجابا فيكون «الكل». ~~ثانيا: مقولة الإمكان التي تدور في فلكها مقولة ال «ليس-بعد»، ولها ~~طبقات متعددة تعكس درجات المعرفة والإدراك: ~~(1) الممكن الصوري وهي بناءات أو تركيبات لغوية ممكنة على مستوى ~~القول لكنها بغير معنى على الإطلاق. (2) الإمكان الموضوعي من الناحية ~~المعرفية، ويتمثل هذا الإمكان في الصيغ والتركيبات التي تعبر عن اعتقاد ~~أو ترجيح يقوم على مبررات تؤيده، لكن هذا التبرير المعرفي لم يصل بعد ~~إلى النضج الكافي لجعل الإمكان موضوعيا، أي أن الإمكان هنا مشروط ~~بصورة جزئية، والذي يميزه عن غيره من أشكال الإمكان هو المعرفة ~~الموضوعية الجزئية بشروطه؛ أي بالشروط التي تجعله ناضجا للتحقيق. (3) ~~الإمكان الموضوعي من جهة الموضوع نفسه، ويتميز الإمكان في هذا المستوى ~~بأنه ينصب على شروط الموضوع نفسه التي لم تظهر بشكل كاف، ويتم ~~الانتقال من المعرفة بالموضوع إلى الموضوع نفسه، أي إلى الخصائص ~~والعوامل الداخلية والخارجية التي تشارك مشاركة إيجابية في إنضاج ~~صيرورته وتحقيق إمكاناته. (4) الإمكان الواقعي في الواقع نفسه وهو ~~المادة التي تظهر كل الأشكال الكامنة في رحمها بفضل الصيرورة الدائبة ~~فيها. (5) تحقيق الإمكان، وهو تلاقي العامل الذاتي مع العامل الموضوعي ~~في إطار الشروط والقوانين التي تعين ذلك الإمكان ومدى قابليته للتحول ~~دون مبالغة أو تغليب لأحد العاملين المتشابكين على الآخر، وبهذا يتحقق ~~صنع التاريخ وتظهر إمكاناته في صورها المختلفة، ويتغير المجتمع ~~والطبيعة من جذورهما. ثالثا: أنطولوجيا المادة، ويتناول ms005 مفهوم المادة ~~عند بلوخ، فليست المادة هي الكتلة الصماء، وليست هي المادية التي ينظر ~~إليها المثاليون ورجال الدين نظرة التعالي والازدراء ويسلبونها حق ~~الميلاد الذي أعطي لها منذ عهد الفلاسفة قبل سقراط. بل صارت هي الأم ~~الأزلية التي خرجت من رحمها الأزلي الأشكال المتجددة باستمرار ولم تزل ~~تخرج منه دون أن تستنفد إمكاناته أبدا، وبذلك وضع بلوخ الأساس المادي ~~الطبيعي ليوتوبياه الواقعية، واعتنق المفهوم الأرسطي للمادة وتتبع ~~تطوره عند ما يسمى باليسار الأرسطي من ابن سينا وابن رشد وابن جبيرول ~~وحتى ممثلي هذا الاتجاه في أواخر العصور الوسطى، ومن جوردانو برونو في ~~عصر النهضة حتى اسبينوزا في القرن السابع عشر إلى أن اكتملت المادية ~~الجدلية والتاريخية في الفلسفة الماركسية. # يتناول الفصل الرابع «جدل الزمان والتاريخ» ويعتبر الجدل بجانب ~~الإمكان - كأسلوب ~~وجود - والزمان - كشكل وجود - من أهم التحديدات أو المقومات ~~الأنطولوجية للموجود الذي لم يوجد بعد، باعتبار أن الجدل هو منطق ~~الزمانية ومنطق الصراع والتغير في الجوهر المادي للعالم. وينقسم الفصل ~~إلى ثلاثة أقسام؛ أولا: الجدل عند بلوخ، ويعرض باختصار لمسار الجدل في ~~تاريخ الفلسفة، وكيف أثبت الجدل وجوده كمنهج في تاريخ الفكر الفلسفي. ~~ومع ذلك يدلنا تاريخ الجدل على توجهه صوب الذات مرة - كما عند أفلاطون ~~قديما وكانط حديثا - وصوب الموضوع مرة أخرى - كما عند الفلاسفة قبل ~~سقراط قديما وأوغسطين في العصور الوسطى وبرونو في عصر النهضة وحتى ~~اسبينوزا في العصر الحديث - إلى أن جمع هيجل بينهما عندما قدم نموذجا ~~للمنهج الجدلي بمعناه الموسوعي والكوني الشامل، وقضى على ثنائية الفكر ~~والوجود التي وضعها الفكر الفلسفي طوال تاريخه، وثنائية المنطق ~~والميتافيزيقا والمعرفة والوجود. وعلى الرغم من ذلك فإن إيقاع الجدل ~~عند هيجل - القائم على فكرة التذكر - يختلف عن الجدل المادي عند بلوخ، ~~فهو يظل عند هذا الأخير حركة تحمل ما لم يتحقق بعد وينبغي تحقيقه في ~~داخلها باستمرار، ولذلك فهو جدل القلق، أي عدم التحقق وعدم الامتلاء ~~النهائي. ثانيا بنية الزمان التاريخي، ويعرض الجذور العميقة لمشكلة ~~الزمانية في الفكر الفلسفي قديمه ms006 ووسيطه وحديثه ومعاصره. فهناك الزمان ~~الدائري في الفكر اليوناني، والزمان ~~المستقيم - وهو زمان الأديان - في ~~الفلسفة الوسيطة التي عبرت عن الفكر الديني كما عند أوغسطين، والزمان ~~المطلق في العلوم الطبيعية التي أقام صرحها إسحاق نيوتن، والزمان ~~كبعد رابع كما عند أينشتين في النظرية النسبية، ثم الزمان الذاتي في ~~الفكر المعاصر كما عند برجسون وهوسرل وهيدجر، حتى نصل إلى الزمان ~~التاريخي عند بلوخ حيث تتفاوت سرعته وكثافته من ناحية الامتلاء ~~بالمضمون وحيث التداخل العميق بين الزمن الفلكي والكوني الذي لا يخلو ~~من التطور والصيرورة الكيفية المتجددة، وبين زمن التجربة الإنسانية ~~التي تصنع التاريخ البشري المتجدد باستمرار. إن آنات الزمان المختلفة ~~ليست متجانسة، وإنما هي في معظم الأحيان متفاوتة تفاوتا كيفيا عن ~~بعضها البعض، فأشكال الماضي من ناحية تاريخ الطبيعة، وأشكاله من جهة ~~تاريخ البشرية لا يسيران في خط واحد. بل إن التاريخ البشري نفسه توجد ~~فيه عصور تاريخية متميزة من حيث بنيتها الممتلئة بمضامين التطور ~~ومعانيه المختلفة في الاقتصاد والفن والتنقية ... إلخ. ثالثا اللحظة ~~الممتلئة، وفيه تتبع للحظة التي يتحد فيها الذات والموضوع والوجود ~~والماهية ويتحقق فيها الوجود الأسمى غير المغترب. ويبدأ بلوخ في البحث ~~عن مغزى الوجود في اللحظة الممتلئة من خلال الأعمال الأدبية وأهمها ~~«فاوست» جوته ومقارنتها ب «دون كيشوت» سرفانتيس. وفاوست هو المثال ~~الأسمى للرجل اليوتوبي، والرمز المجسد للقلق اليوتوبي المغامر إلى ما ~~وراء الحدود والمخاطر للبحث عن الجديد، وهو رمز التعطش الدائم للمعرفة. ~~وفي فاوست تنطلق الإرادة الثائرة وتتشكل في العالم ومن خلاله للوصول ~~إلى القصد اليوتوبي أي لحظة الوجود الكامل والمطلق. أما دون كيشوت فهو ~~من أهم الشخصيات الأدبية - بعد فاوست - التي سعت للوصول إلى اللحظة ~~التي تحقق فيها وجودها الأسمى، ولكن إرادته الضعيفة - على العكس من ~~فاوست - أخفقت في التوسط مع العالم الخارجي، فانفصلت عن الواقع العيني ~~الذي كانت تعيش فيه ولم تصل للحظة المنشودة أبدا. ويبحث بلوخ عن ~~اللحظة الممتلئة في الخير الأسمى الذي هو نهاية سلم القيم أو المثل ~~العليا. وإذا كانت هذه ms007 القيم قد ظلت لفترة طويلة قيما ذاتية أي نابعة ~~من عقل الإنسان، فإن للمشكلة جانبا موضوعيا تتفاعل معه ولا يمكن ~~فصله عن الوعي أو الإرادة. ولذلك فإن عملية التقييم لا تعتمد على الوعي ~~المعياري نفسه بل تعتمد كذلك على الموضوعات التي تزود هذا التقييم ~~بالمحتوى المادي. ويستمر البحث عن اللحظة الممتلئة في الديانات سواء ~~القديمة منها أو السماوية، ففي الديانة الإغريقية القديمة تحولت لحظة ~~الوجود الأسمى إلى ما يمكن تسميته بالديانة الفنية كما تمثلت في ~~التراجيديا الإغريقية، أما لحظة الوجود الأممي في الديانة المصرية ~~القديمة فهي لحظة الصمت والسكون والثبات، وهي الأمل في الخلود وفي ~~التوحد مع أوزوريس. وأما الديانة الرافدية القديمة فقد ربطت الأمل أو ~~الخلاص بالإله المسيطر على الدورة الفلكية المتكررة، وأما في الديانة ~~الصينية فالكونفوشيوسية تجد لحظة الوجود الأسمى في الاعتدال والتزام ~~الحد، والتاوية وجدتها في «عدم الفعل» للاتحاد مع التاو أو طريق ~~السماء. وأما الديانة الإيرانية القديمة - الزرادشتية - فقد وجدت ~~اللحظة الممتلئة في الصراع بين النور والظلام، وفي الديانة البوذية ~~الهندية تمثل الوجود الأسمى في لحظة تدمير العالم أو في لحظة الخلاص ~~بالانطفاء وهو ما يسمى بالنيرفانا. وأما عن الديانات السماوية فقد كانت ~~اللحظة الكبرى في الديانة اليهودية هي لحظة الخلاص ووعد الإله بلحظة ~~يوتوبية للخلاص في سماء جديدة وأرض جديدة، وفي الديانة المسيحية ~~تجلت اللحظة الممتلئة في قيام المسيح من القبر وصعوده إلى السماء ~~وكأنه مرساة الأمل التي تأخذ البشر معها ليكونوا مثل الإله وتلك هي ~~بشارة الخلاص المسيحي. ويأتي مضمون اللحظة الممتلئة في الدين الإسلامي ~~في الخضوع لإرادة الله ولكتابه الكريم والسير على سنة رسوله. وأما في ~~التجربة الصوفية حيث تختفي الثنائيات الحادة بين الأنا واللا-أنا، وبين ~~الذات والموضوع، فتسمى هذه اللحظة بالآن الأبدية أو اللحظة الخالدة. ~~ويتم التبادل بين كل من اللحظة والأبدية في وحدة جدلية هي اللحظة ~~الأسمى التي لم تعد موجودة في الزمان بل تكون «الآن» فيها دائمة، وتكون ~~ال «هنا» في كل مكان. وأخيرا اللحظة الممتلئة في الموت أو بمعنى ms008 آخر ~~في الصور الخيالية المفعمة بالأماني التي رسمتها الأديان للحياة بعد ~~الموت. لقد نظرت الديانة المصرية القديمة للموت على أنه بداية الحياة ~~الحقيقية، واعتبرت أن الخلود هو لحظة الوجود الأسمى، أما عن الموت في ~~الكتب المقدسة فلم تظهر فكرة الخلود في الديانة اليهودية إلا في مرحلة ~~متأخرة، ولم يكن الموت هو اللحظة الأسمى في الديانة المسيحية بل البعث ~~أو القيامة من الموت، لأن المجيء الثاني للمسيح هو لحظة الوجود الأسمى. ~~ومع النزعة الرومانسية اختفى الخوف المعتاد من الموت وأصبح نوعا من ~~التغيير والراحة الأبدية. ويرفض بلوخ فكرة الموت كما جاءت في الديانات ~~والحضارات السابقة، كما يرفض فكرة الخلود من هذا المنظور الديني ~~الساكن، ويرى أن لحظة الوجود الأسمى أو لحظة الخلود الأعظم ما هي إلا ~~لحظة الفعل أو العمل والإبداع، فإذا كان الموت هو سلب الوجود، فإن مجيء ~~الموت هو الذي يضفي على اللحظة قيمتها، كما أن لحظة الامتلاء والسعادة ~~القصوى لن يوقفها الإنسان - لفرط طموحه واتساع أمله - ولن يخاطبها على ~~لسان فاوست «تريثي قليلا، فما أجملك!» لأن من الممكن - مهما تصورناها ~~ذروة الإمكان - أن تتكرر على الدوام في صور لا تنفد جدتها ولا ينتهي ~~تنوعها. # ويتناول الفصل الخامس «تجليات الأمل في اليوتوبيات التاريخية» ويعرض ~~لتجلي الأمل وتتبع بذوره فيما يمكن تسميته باليوتوبيات التاريخية، أي ~~في تاريخ التقنية والكشوف الجغرافية والفنون المختلفة، وقد انقسم هذا ~~الفصل إلى ثلاثة أقسام؛ أولا: التجلي اليوتوبي في تاريخ التقنية، ~~والتي بدأت في العصر اليوناني مع الميثولوجيا عندما سرق بروميثيوس ~~النار ليعطيها للإنسان مانحا إياه سر التقنية، وتوسطت الطاقة لتحول ~~الإنسان المقهور إلى إنسان صانع. وعندما عجزت قدراته المادية والعلمية ~~- في العصور القديمة والوسيطة - عن اختراع أشياء عينية لتحقيق حياة ~~أفضل، لم تعجز مخيلته عن اختراعها في الخيال. وفي عصر النهضة تحول هذا ~~السحر إلى ما يسمى بالسيمياء التي استخدمت السحر والتنجيم لفك رموز ~~الطبيعة كما عند باراسلس وياكوب بوهمه، إلى أن تأسست في القرن السابع ~~عشر والثامن عشر الجمعيات السرية التي زعمت أنها تملك ms009 معرفة سرية ~~بالطبيعة والدين. وتقف يوتوبيا فرنسيس بيكون على رأس اليوتوبيات التي ~~حررت التقنية من أسرها السحري؛ مما جعلها أول يوتوبيا للتقنية تميزت ~~بالتفاؤل وكشفت عن إمكانات هائلة أثبت تحققها في المستقبل صدق حدسها، ~~كما قدم توماسو كامبانيلا «مدينة الشمس» التي تميزت بحدس يوتوبي أضفى ~~على التقنية رؤية مستقبلية، وقد حقق التقدم العلمي والثورة الصناعية ~~أغلب صور التقنية التي رسمها خيال كامبانيلا. ثم كانت المادية الآلية ~~بقوانينها الحتمية فظهرت تقنية مغتربة منذ البداية عن قوى الطبيعة، ~~ونشأت بينهما علاقة قائمة على الاستغلال والافتقار إلى التوسط وإلى ~~العلاقة الجدلية التي يجب أن تقوم بين المجتمع البشري والعالم المادي. ~~ثانيا: التجلي اليوتوبي في الكشوف الجغرافية، فعلى الرغم من أن ~~الاكتشافات الجغرافية بدأت لأغراض تجارية، إلا أنها تحولت إلى نوع من ~~اليوتوبيات الجغرافية، فلكي يكون الاكتشاف يوتوبيا عينية لا بد أن ~~يتعلق بالمستقبل، وقد عنيت اليوتوبيات الجغرافية في المقام الأول ~~باكتشاف طرق وأراض جديدة بحيث أصبحت اليوتوبيات الأخرى مدينة لهذه ~~الكشوف، وارتبط تاريخ الكشوف الجغرافية لفترة طويلة من الزمن ~~بالأساطير التي تبحث عن أرض الذهب وجنة عدن. ولذا كان الهدف اليوتوبي ~~من بعض الرحلات هو السعي وراء الحلم الأسطوري أو الجنة الأرضية التي ~~حددها الكتاب المقدس في أورشليم، ولذلك ظل الشرق لفترة طويلة هو قبلة ~~اليوتوبيا الجغرافية. ثم ارتبطت الكشوف الجغرافية منذ هنري الملاح ~~وكولمبس من بعده بالظروف الاقتصادية، فلم يعد الهدف هو جنة عدن بل أصبح ~~هدفا اقتصاديا. وبفضل التقدم العلمي الهائل تجاوزت الكشوف الجغرافية ~~الأرض وما عليها وتحولت الآمال إلى الفضاء الواسع بعد أن تحررت الأجساد ~~البشرية من الجاذبية الأرضية، فكانت رحلات استكشاف الكواكب الأخرى، على ~~الرغم من أن هذه الأرض التي يحيا عليها البشر ما زالت تتضمن داخلها ~~عالما أفضل وليس علينا إلا البحث عنه بين الكائنات البشرية وعلى هذه ~~الأرض. ثالثا: التجلي اليوتوبي في تاريخ العمارة والفنون، ويتناول هذا ~~القسم: (1) التجلي اليوتوبي في فن العمارة، فقد عبر هذا الفن عن أحلام ~~مفعمة بالأماني كما في جدار بومبي الروماني، ثم ms010 خضع - كسائر الفنون ~~والعلوم الأخرى - لسيطرة السلطة الدينية في العصور الوسطى، فعبر عن صور ~~ورسوم مستوحاة من الكتاب المقدس. وصاحب التغيرات السياسية والاقتصادية ~~والدينية التي حدثت في عصر النهضة، صاحبها تحول في الفنون يعكس ما ~~تمتعت به الطبقة الحاكمة وكبار التجار وأمراء المدن من مظاهر ثراء ~~وفخامة، فتحول الفن من الكنائس إلى القصور البديعة، وأصبحت المناظر ~~الطبيعية - وليست الدينية - هي مجال فن العمارة، وتحول الفن القوطي - ~~الخاص بطراز الكنائس - إلى فن الباروك الذي تميز بنزعة التكلف مثله مثل ~~فن الروكوكو من بعده، إلى أن تحولت العمارة في العصر الحديث إلى ~~إنشاءات مجردة ومدن بلا حياة وسيطر عليها سكون العالم الآلي، فأصبحت ~~غريبة عن الإنسان، كما أصبح الإنسان مغتربا عنها. وبذلك لم تحقق ~~اليوتوبيا المعمارية هدفها في تشكيل المكان بشكل أكثر جمالا، ولم ~~تستشرف مكانا أكثر ملاءمة للإنسان لبناء «وطن» إنساني جديد. ~~(2) التجلي اليوتوبي في فن التصوير، ويعد التصوير من خلال الأضواء ~~والظلال والتكوينات والأبعاد والزوايا من أقدر الفنون على استشراف ~~المستقبل وإلقاء الضوء على أشياء لم توجد بعد في عالم الواقع. وقد مر ~~التصوير بمراحل تطور مختلفة كشف في كل مرحلة منها عن بعد من أبعاده ~~اليوتوبية الكامنة في داخله، فإذا ابتعدنا عن المرحلة الزمنية التي كان ~~الفن فيها خادما للدين، وجدنا أن الفن الهولندي قد عبر عن موقف من ~~الحياة لا ترفع فيه، وفي نهاية العصور الوسطى ظهرت في الصورة أبعاد ~~مفتوحة على العالم الطبيعي وتصوير المنظر المفتوح المفعم بالأمل ~~للإيحاء بالامتداد الهائل لعالم لامتناه. ثم تحول الرسم إلى التصوير ~~في أماكن طبيعية أكثر اتساعا وانفتاحا في الهواء الطلق لإرضاء الذات ~~البشرية التواقة للرحيل لعالم أفضل. (3) التجلي اليوتوبي في الأعمال ~~الأدبية، وفيه محاولة لتلمس العنصر اليوتوبي والاهتداء إلى بعد الأمل ~~في عملين أدبيين كبيرين هما «الكوميديا الإلهية» لدانتي و«فاوست» ~~لجوته، فكانت الأولى رمزا للسكون الأبدي الثابت أي ليوتوبيا مكانية ~~مغلقة ليس لها مستقبل، وكانت الثانية نابضة بالوعي الحي الإرادي أي ~~أنها يوتوبيا زمانية متحركة. وننتهي من هذا إلى أن ms011 تقييم العمل الفني ~~لا بد أن يكون في حدود ما يحمل هذا العمل من بعد يوتوبي، أي بقدر ما ~~يعبر مضمونه عن الأمل الكامن فيه. # ويتناول الفصل السادس «تجليات الأمل في اليوتوبيات الاجتماعية». ~~وينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ أولا: يوتوبيات العصور القديمة والوسيطة، ~~ويتناول هذا القسم: (1) جمهورية أفلاطون وكيف أنها كانت أبعد ما تكون ~~عن الديمقراطية وعن الطبيعة البشرية؛ إذ فاقت كل النظم اليوتوبية في ~~سكونيتها وبعدها عن اليوتوبيا الإنسانية، وبقيت أقرب إلى تقرير واقع ~~اجتماعي قائم بالفعل. (2) الرواقية والدولة العالمية، فقد نادت ~~الرواقية بدولة عالمية تجمع كل البشر في وحدة عالمية هدفها الانسجام ~~الكامل مع الطبيعة. (3) يوتوبيا الكتاب المقدس، وأثر الرواقية على ما ~~قد نلمسه من خط يوتوبي في الكتاب المقدس. (4) مدينة الله للقديس ~~أوغسطين، حيث قدم أوغسطين صورة يوتوبية في كتابه «مدينة الله» أبرز ~~فيها التاريخ في شكل صيرورة للخلاص تربط آدم بالمسيح على أساس من ~~الوحدة الرواقية للجنس البشري، وهي صورة هدفها جعل البشر قديسين، أي ~~أنها يوتوبيا انعقدت فيها الآمال والأحلام على ميلاد روحي جديد ~~لأغلبية البشر، وإن كانت هذه الأحلام والآمال لا تتجه اتجاها حقيقيا ~~إلى المستقبل. (5) مملكة الإنجيل الثالث، ليواخيم الفيوري الذي نقل ~~مملكة النور من العالم الآخر إلى داخل التاريخ ليودع اليوتوبيا في ~~المستقبل التاريخي. ثانيا: يوتوبيات عصر النهضة، وينقسم هذا القسم ~~إلى: (1) يوتوبيا توماس مور، التي تعد أول صورة حديثة للأحلام المفعمة ~~بالأماني لشيوعية-ديمقراطية نمت مع بداية القوى الرأسمالية، كما هي ~~تعبير عن نزعة ليبرالية حرة ذات مضمون ديمقراطي إنساني. (2) مدينة ~~الشمس لتوماسو كامبانيلا، وهي يوتوبيا قائمة على النظام وعلم التنجيم، ~~والمقابلة بين يوتوبيا مور ومدينة الشمس لكامبانيلا هي مقابلة بين ~~الحرية والنظام، ويجب أن تفهم العلاقة بين الحرية والنظام في إطار ~~جدلي مادي لكي تنتهي إلى اليوتوبيا العينية. ثالثا: يوتوبيات العصر ~~الحديث، وينقسم هذا القسم إلى: (1) اليوتوبيا والحق الطبيعي، ويعرض ~~لحقيقة العلاقة بين الحق الطبيعي - بما ينشده من عدل وتأكيد للكرامة ~~الإنسانية - واليوتوبيات الاجتماعية - بما تنشده من سعادة بشرية - ~~فكلاهما يؤمن بأن ms012 الوجود الحاضر يجب دفعه للأمام لكي يتحرر من كل ~~الظروف التي تعوق فتح الطريق لحياة أفضل. (2) اليوتوبيات الفيدرالية، ~~التي يمثلها كل من روبرت أوين وشارل فورييه، ثم ظهرت يوتوبيات ~~مركزية - حيث تنوعت الأشكال اليوتوبية في تلك الفترة - ذات تنظيمات ~~اقتصادية كبيرة ونزعة جماعية صناعية عند كابيه وسان سيمون وأتباعه. ~~(3) الصهيونية ويوتوبيا الأرض الجديدة-القديمة، وهي يوتوبيا قائمة على ~~العرقية والعنصرية الدينية، وحام حلمها اليوتوبي حول فلسطين وأخفت من ~~الماضي وضعا بعينه لتضعه أمامها وتسعى لتحقيقه في المستقبل، وكأن هذا ~~المستقبل في اليوتوبيا الصهيونية ينشأ من الماضي. (5) الماركسية ~~واليوتوبيا العينية، لقد سعت اليوتوبيا السابقة كافة إلى تحقيق العدل ~~وبناء عالم أفضل، ولكن ندر بينها من امتلك إرادة التغيير واكتشف ~~التوسط التاريخي مما أسفر عن يوتوبيات تأملية مجردة. وإصلاح العالم ~~لا يأتي بالتأمل بل بالفعل وبالنظرة الجدلية إلى الواقع مع مراعاة ~~قوانين العالم الموضوعي حتى تتحول اليوتوبيا من تأملية مجردة إلى ~~يوتوبيا عينية ذات نزعة اشتراكية، وهذا ما فعلته الماركسية في رأي ~~بلوخ. وينتهي الفيلسوف الاشتراكي إلى أن تاريخ اليوتوبيا ليس إلا ~~تطورا تدريجيا لهذه النزعة التي اكتملت - في رأيه - في الماركسية، ~~ومعها تقدمت الاشتراكية من اليوتوبيا إلى العلم، وقد جسد ماركس بشكل ~~مادي توقعات اليوتوبيا بوسائل اقتصادية عندما بحث في جدل الإنتاج ووضع ~~الأسس المادية لجدل التاريخ، وألغى الثنائية بين ما هو كائن وما ينبغي ~~أن يكون، وبين الممارسة التجريبية واليوتوبيا من أجل إعادة تنظيم ~~المجتمع بشكل ثوري. إنها يوتوبيا عينية بسبب ارتكازها على عنصرين ~~أساسيين هما توجهها للمستقبل وارتباطها بإمكانات حقيقية موضوعية ~~كامنة في الواقع الفعلي، وإن لم تتحقق بعد في العالم الخارجي. # إن الأمل النابع من خطة علمية مدروسة والمرتبط بالممكن الوشيك ~~التحقق هو أفضل ما في حياة الإنسان، بشرط أن يرتبط بالمعرفة الدقيقة ~~بالواقع مع الممارسة العملية، ولا يمكن أن يزدهر العقل بغير الأمل، ولا ~~يمكن أن يتكلم الأمل بغير العقل، لأن وحدتهما وحدة ضرورية. والأمل ~~الصحيح يتوسط النزوع التاريخي كما يتم في العالم وعن طريقه ويتجه نحو ~~هدفه ms013 وهو تحقيق «المجتمع الإنساني الحر». وإذا كانت الماركسية - في رأي ~~بلوخ - هي المعنية بتحقيق الهدف النهائي للأمل وهي الفلسفة الوحيدة ~~القادرة على تحقيق الحلم اليوتوبي، فإن نزعته التفاؤلية وإصراره على ~~الأمل حتى اللحظة الأخيرة من حياته لم يحجبا عنه رؤية الواقع الفعلي ~~وتجاربه المريرة، ولم تغفل عينه عن المصاعب «الموضوعية» التي تواجه ~~تحقيق الأمل المتجدد، ولهذا لم يغب عنه أن من الممكن أن يخيب الأمل في ~~الأمل لأنه لا يتعامل مع وقائع ثابتة، بل مع مسار تاريخي جدلي لا ~~يمكن له أن يتوقف، ولهذا يتطلب الأمل في المستقبل دراسة جادة لكل ~~الشروط الذاتية والموضوعية التي تساعد على إظهاره إلى النور، وينتهي ~~البحث بملاحظات نقدية ختامية تتناول التقييم العام للنسق الفلسفي ~~الكامل لفلسفة الأمل واليوتوبيا عند إرنست بلوخ وتحاول أن تبين أنها ~~فلسفة معاصرة وحية - على الرغم من جوانب النقد الكثيرة التي يمكن أن ~~توجه إليها - خاصة بعد الزلزلة الأخيرة للتطبيق الاشتراكي للفلسفة ~~الماركسية. # وأخيرا عسى أن يكون هذا البحث قد وفق بعض التوفيق في تقديم مفكر ~~معاصر يثير إشكالات معاصرة لا نستطيع أن نبقى بعيدين عنها: كأزمة ~~الماركسية وسقوط حلمها - على الأقل مؤقتا - وأهمية النقد الفلسفي، ~~والتأكيد على الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان الفرد، والتفكير ~~اليوتوبي المستقبلي، فما أحوج أمتنا العربية - في مرحلتها الراهنة - ~~إلى هذا البعد المستقبلي الهام! # الفصل الأول # | حياة بلوخ ونواة تفكيره اليوتوبي # إرنست بلوخ # Ernst Bloch # فيلسوف ~~ألماني وناقد أدبي وفني، يعد من أهم الماركسيين الجدد في القرن ~~العشرين، قامت فلسفته على نزعة إنسانية خالصة لتحرير البشرية من ~~العبودية، ووصفها بأنها فلسفة الأمل. وبلوخ هو الفيلسوف الوحيد بين ~~مفكري عصره الماركسيين الذي عرف نفسه بأنه فيلسوف يوتوبي، ووصف ~~اشتراكيته بأنها «يوتوبيا عينية» تمتد جذورها في الإمكانات التاريخية، # 1 # كما أن عرضه وتحليله لصور الأمل المختلفة عبر التاريخ قد ~~أعطاه اسم «فيلسوف الأمل»، كما جعل كتابه «مبدأ الأمل» واحدا من أهم ~~الكتب الأساسية في الفلسفة المعاصرة. ومع ذلك يمكن القول بأنه لم يكن ~~فيلسوفا بالمعنى التقليدي، بل بالمعنى ms014 العيني والثوري. لقد اتجه ~~تفكيره على الدوام إلى التغيير، كما تركز اهتمامه على التأثير في ~~الظروف السياسية وتوجيهها نحو تحقيق الأمل الذي يمثل محور فلسفته ~~وغايتها. وللاقتراب من فكر هذا الفيلسوف لا بد من إلقاء الضوء على ~~حياته ومؤلفاته ومصادر فكره وتحديد أهم المقولات والمعالم الأساسية في ~~فلسفته. # أولا: حياة بلوخ ومؤلفاته ~~(1) حياته # ولد بلوخ في اليوم الثامن من شهر يوليو عام 1885م بمدينة ~~لودفيجز هافن الصناعية الواقعة على نهر الراين في الجنوب ~~الغربي لألمانيا. وهو ينحدر من أصل يهودي، وكان أبوه ماكس ~~بلوخ موظفا بالسكك الحديدية في هذه المدينة الصناعية التي ~~كانت معقلا لعمال المصانع الفقراء. فتح بلوخ عينيه على شقاء ~~هؤلاء العمال وبؤسهم، وأدرك منذ طفولته التناقض الحاد بين قبح ~~مدينته الصناعية وبؤسها وبين فخامة مدينة مانهايم وثرائها على ~~الجانب الآخر من نهر الراين، ففي الأولى أكبر المصانع ~~الألمانية وحولها العشش والأكواخ الفقيرة التي تعج بالعمال ~~الكادحين، وفي الثانية أكبر وأفخم المسارح الألمانية المحاطة ~~بالأبنية الفخمة والحدائق الغناء مما كان له أكبر الأثر في ~~تكوين بلوخ الاشتراكي، وأحد أسباب انشغاله بالأفكار التقدمية ~~والثورية منذ صباه ودفاعه عنها، كما كان أحد أسباب إعجابه ~~بروزا لوكسمبورج. # 2 ~~(1871-1919م) وشخصيتها المتحررة. وكأن هذا ~~الفيلسوف الذي سحره الجمال في اللغة والفكر فانجذب إليه بكل ~~كيانه، قدر عليه أن يحيا وسط القبح والتلوث والضباب ~~المتصاعد من أدخنة المصانع على نهر الراين الذي طالما تغنى ~~الشعراء الألمان بجلاله الملكي وصفائه العذري، والذي رآه بلوخ ~~في طفولته وصباه وهو ينساب بطيئا ملطخا ببقع الزيت الكثيفة. # 3 # كان بلوخ متعدد الاهتمامات الثقافية، وقد أقبل في مطلع شبابه ~~على قراءة الفلسفة أثناء زياراته المتكررة لمكتبة مدينة ~~مانهايم الغنية - المقابلة لمدينة لود فيجزهافن - وكان شغفه ~~بالكتب الفلسفية والسياسية أحد أسباب قراءته المبكرة لفشته ~~وهيجل وشيلنج. وبدأ دراسة الفلسفة والموسيقى والفيزياء عام ~~1905م في جامعتي ميونخ وفيرتسبورج التي حصل منها على درجة ~~الدكتوراه عام 1908م برسالة عن فيلسوف التاريخ هيزيش ريكرت ~~(1863-1936م) تحت إشراف الفيلسوف وعالم النفس أوزفلد كولبه ms015 ~~(1862-1915م). ثم انتقل للإقامة في برلين التي عاش فيها من سنة ~~1908 حتى عام 1911م، وتعرف على فيلسوف الحياة والاجتماع جورج ~~زيميل (1858-1918م) وأخذ يتردد على محاضراته وندواته. وفي إحدى ~~قاعات البحث التي كان يقيمها هذا الأخير تعرف على فيلسوف ~~الجمال الماركسي جورج لوكاتش (1885-1971م)، وتوثقت بينهما عرى ~~صداقة قوية كان لها تأثير عظيم على كل منهما، وكثرت ~~أسفارهما معا وفي صحبة جورج زيميل وبخاصة إلى إيطاليا. وفي ~~عام 1912م أخذ بلوخ يتردد على مدينتي جارميش # Garmisch # وهايدلبرج حيث كان ~~يقيم لوكاتش، # 4 # وحيث كان الاتفاق بينهما في الأفكار شبه كامل في ~~تلك الفترة من حياتهما، ثم لم يلبث الخلاف الفكري العميق أن ~~دب بينهما بعد ذلك بسنوات قليلة. وقد عكرت صفو هذه الصداقة ~~خصومة شديدة وصلت إلى حد المعارك الجدلية اللاذعة التي سيشار ~~إليها في حينها، ولم تعد العلاقة لصفائها الأول إلا عندما أهدى ~~بلوخ كتاب «المشكلة المادية» إلى صديق شبابه لوكاتش. # وفي هايدلبرج أصبح بلوخ أحد رواد حلقة فيلسوف الاجتماع ماكس ~~فيبر (1864-1920م) ولكن هذا الأخير ابتعد عنه لزعمه أن بلوخ ~~يعتبر نفسه من رواد مذهب ~~الخلاص ولتشككه في أفكاره الصوفية. وفي عام 1913م اقترن بلوخ ~~بزوجته الأولى إليزافون شترتسكي التي كانت تعمل بفن النحت ~~وتوفيت سنة 1921م، وقد كتب إلى صديقه يواخيم شوماخر في سنة ~~1943م رسالة يقول فيها إن إليزا قد أحبته وآمنت بفلسفته ~~إيمانا مطلقا لا يقل عن إيمانها بالكتاب المقدس، حتى لقد ~~راحت تفسره من خلال فلسفته، كما تفسر فلسفته من خلاله. ويبدو ~~أنها صدقت كذلك تصديقا مطلقا بأن له رسالة يبلغها للبشرية، ~~وهي رسالة التبشير بالخلاص القادم والوعد باليوتوبيا العينية ~~التي ستحقق الأمل الذي امتلأ به قلبه الشاب في ذلك ~~الوقت. # أعفي بلوخ من الخدمة العسكرية لعدم صلاحيته، فعاش معظم سنوات ~~الحرب العالمية الأولى في جرون ~~فالد # Grunwald # قبل أن ينتقل إلى برن عام 1917م، وأعلن ~~معارضته الشديدة للحرب وللتجنيد الإجباري. وفي عام 1921م ذاع ~~صيت بلوخ كأديب وكاتب منتظم في الصحف الرئيسية ms016 في برلين، ~~وتعرف على الشاعر والكاتب المسرحي برشت (1898-1956م) وربطت ~~بينهما صداقة قوية. ويرجع انجذاب كل منهما للآخر إلى نزعتهما ~~الماركسية الإنسانية وغير المتزمتة. # 5 # وفي ذلك العام نفسه - أي عام 1921م - توفيت ~~زوجته الأولى إليزا كما سبق القول - وقد كان لنزعتها الصوفية ~~أثر كبير على أهم أعماله المبكرة وهو «روح اليوتوبيا» 1918م - ~~بدأت سلسلة من الأسفار تنقل فيها بين سويسرا وإيطاليا وتونس ~~التي زارها عام 1926م، وكانت هذه الزيارة هي أول اتصال مباشر ~~لبلوخ بالعالم الإسلامي، تعرف خلالها على الإسلام الذي تضمن في ~~رأيه «صورا مليئة بالأمنيات واللحظة الموعودة» التي أفرد لها ~~فصلا مستقلا في كتابه الأكبر «مبدأ الأمل» بجانب الفصول ~~التي كتبها عن التراث اليهودي والمسيحي. ورجع بلوخ إلى برلين ~~وبدأت تربطه صداقة جديدة فى عشرينيات القرن مع مجموعة من ~~الفلاسفة والأدباء والنقاد الألمان، الذين أصبحوا فيما بعد من ~~أعلام مدرسة فرانكفورت، أمثال برشت وأدورنو (1903-1969م) - ~~الذي كتب عن مؤلفات بلوخ بإعجاب شديد تحت عنوان «موسيقى بلوخ ~~الكبرى» - وفالتر بنيامين (1892-1940م) الناقد الأدبي الماركسي ~~الذي شارك بلوخ اهتمامه بالتراث الصوفي وبالقبالة # 6 # بوجه خاص. # وعندما استولت النازية على السلطة في ألمانيا عام 1933م، ~~استأنف بلوخ أسفاره من جديد، ورحل إلى زيورخ في سويسرا ومنها ~~إلى فيينا حيث تزوج عام 1934م زوجته الثانية كارولا المعمارية ~~البولندية. ورحلا إلى باريس ثم إلى براغ ومكثا بها من 1936 إلى ~~1938م حيث ولد ابنه جان عام 1937م، حتى انتهى به المطاف هو ~~وزوجته وابنه إلى الهجرة النهائية إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية عام 1938م حيث بقي هناك ما يقرب من عشر سنوات، عاش ~~خلالها في حالة من الانطواء الشديد وخلت حياته من ~~الأصدقاء - باستثناء صديقين هما الموسيقي هانز آيزلر ويواخيم ~~شوماخر - وبدأ في هذه الفترة من حياته في تأليف أهم كتبه على ~~الإطلاق وهو «مبدأ الأمل» الذي أهداه إلى ابنه جان روبرت. وقد ~~حاول أن ينشره في أمريكا تحت عنوان «أحلام حياة أفضل» ولكن خاب ~~أمل فيلسوف الأمل، فلم يحظ الكتاب بأي اهتمام ms017 أو تعاطف من ~~الثقافة الأمريكية التي طالما أشار إليها بلوخ باشمئزاز في ذلك ~~الكتاب. لم تكن حياة بلوخ سهلة ولا ميسورة في الولايات المتحدة ~~الأمريكية، ولم يستطع أن يتعاطف مع ثقافتها أو يحس بأدنى صلة ~~تربطه بنظامها الرأسمالي؛ إذ رأى فيها استمرارا للفاشية التي ~~تركها وراءه في أوروبا. وزاد من إحساسه بالعزلة في الولايات ~~المتحدة ابتعاده عن بقية الفلاسفة الألمان مثل أعضاء مدرسة ~~فرانكفورت الذين اختاروا الولايات المتحدة منفى لهم أثناء ~~الحكم النازي. لقد التف معظم هؤلاء الفلاسفة حول الروائي ~~الكبير توماس مان وتجاهلوه، كما تجاهله هوركهيمر (1895-1973م) ~~مؤسس مدرسة فرانكفورت، # 7 # وضن عليه بالعمل في معهد الأبحاث الاجتماعية ~~الذي انتقل في ذلك الحين إلى الولايات المتحدة، على الرغم من ~~النفوذ الكبير لأدورنو - صديق بلوخ القديم - والمكانة التي كان ~~يتمتع بها في المعهد. وربما كان سبب التجاهل هو فتور العلاقة ~~بينهما في الثلاثينيات؛ فعاش بلوخ في الولايات المتحدة - معقل ~~الرأسمالية - يعاني الحرمان والعوز حتى اضطرت زوجته كارولا إلى ~~العمل نادلة في البداية، ثم التحقت بمكتب للعمارة لتوفير ~~الحاجات الأساسية للأسرة وإعانتها على المعيشة. # 8 # وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م ~~وجهت الدولة الاشتراكية الجديدة في ألمانيا الدعوة إلى بلوخ ~~لتولي كرسي الفلسفة في جامعة ليبزج، وقبل الدعوة عام 1948م لكي ~~يحيا في البلد الذي شرع في بناء المجتمع الاشتراكي. وعاد بلوخ ~~إلى ألمانيا وهو في الرابعة والستين من العمر، حالما بمجتمع ~~جديد معاد للفاشية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وقد احتل ~~في البداية مكانة مرموقة كفيلسوف رائد، وصدر الجزء الأول ~~والثاني من «مبدأ الأمل» في عامي 1954 و1955م على التوالي، ~~ومنح الجائزة القومية لجمهورية ألمانيا الديمقراطية. غير أن ~~صدمته في تطبيق التجربة الشيوعية في ألمانيا الشرقية (سابقا) ~~واصطدامه باستبدادها وبيروقراطيتها جعلا موقفه الفلسفي ~~والسياسي غير متوافق مع الحزب الحاكم؛ إذ كان لاتجاهه الماركسي ~~اليوتوبي المتفرد أثر كبير في غضب الماركسية الرسمية على ~~الرغم من تعاطف اليسار الجديد في ألمانيا الغربية مع فلسفته. ~~وبدأ صراعه مع بيروقراطية الحزب الشيوعي واعتراضه على ms018 إهدار ~~الحقوق الإنسانية والديمقراطية. وأدان الأوضاع السيئة في ~~ألمانيا الشرقية في خطبته في مؤتمر الأكاديمية الألمانية ~~للعلوم عام 1956م، كما وجه نقده الشديد لدعاية الحزب الشيوعي ~~الألماني في ذلك الوقت، وقد كان يتبع سياسة موسكو الحرفية ~~واتهمه - أي الحزب - بنسيان الفرد العيني الحي لحساب المجموع المجرد. # 9 # ويتضح من هذا النقد أنه أصبح من المستحيل على بلوخ ~~التفاهم مع هذا الحزب أو الانضواء في صفوفه، حتى لقد اتهمه ~~فالتر أولبرشت - رئيس الحزب آنذاك - بأنه لا يلتزم بالمبادئ ~~الماركسية في تدريسه، وأن فلسفته اليوتوبية تتجاهل حقيقة ~~الصراع الطبقي وتنساق وراء مثالية «الهدف البعيد» وهو ما ترفضه ~~الماركسية الرسمية التي تعتبر نفسها قد حققت العالم الأفضل، ~~ولذلك ترفض اليوتوبيا والتفكير اليوتوبي من أساسهما. ومنذ ذلك ~~الحين بدأ الهجوم على بلوخ من قبل الفلاسفة الرسميين وممثلي ~~الأيديولوجيا السائدة، وأوقف عن التدريس وأحيل بالقوة إلى ~~المعاش عام 1957م. واعتبر منذ ذلك الحين - مثل سقراط قديما - ~~مفسدا للشباب. ولولا تدخل أحد معارفه في المكتب السياسي لدخل السجن. # 10 # ثم حيل بينه وبين المشاركة في الحياة الأكاديمية ~~في ألمانيا الشرقية، ففرض عليه الصمت، وخضعت مؤلفاته لرقابة ~~السلطة السياسية، واعتقل عدد من تلاميذه، وعاش في عزلته لا ~~يختلط إلا بالأصدقاء المقربين، وإن كان قد استمر - على الرغم ~~من ذلك - في الكتابة، فظهر الجزء الثالث من «مبدأ الأمل» عام ~~1959م. # وبينما كان بلوخ يزور ألمانيا الاتحادية في عام 1961م لإلقاء ~~بعض المحاضرات في جامعاتها فوجئ ببدء بناء سور برلين الشهير ~~الذي ظل يفصل بين شطري ألمانيا حتى عام 1989م، فقرر البقاء في ~~الغرب، واستجاب لدعوة من جامعة توبنجن للتدريس بها، واختار ~~العيش في هذه المدينة لارتباطها بأسماء شيلنج وهيجل وهلدرلن، ~~ولكنه عاش في هذه المدينة الألمانية الغربية الرأسمالية ~~متمسكا بنزعته الاشتراكية، حانقا على الرأسمالية حتى ~~النهاية. غير أن جو العداء الذي أحاط به، والافتراءات التي ~~بدأت تتوالى عليه، وعدم ارتياحه للحياة في ظل الرأسمالية - على ~~الرغم من تمتعه بالحرية الشخصية التي حرم منها في البلد الذي ~~كان يزعم ms019 أنه يبني الاشتراكية - كل هذا لم يمنعه من مواصلة ~~الكفاح في ألمانيا الاتحادية ضد قوانين الطوارئ، وحرمان ~~التقدميين من التعيين في وظائف الدولة، كما لم يمنعه من القيام ~~بواجباته العلمية والأدبية، فكرس وقته لتلاميذه، وناصر الحركة ~~الطلابية. وبقي موقفه من النظام الشيوعي في الاتحاد السوفيتي ~~موقفا متحفظا؛ إذ عارض النزعة الستالينية، وحذر على الدوام ~~من أن روسيا لم تصل بعد إلى النضج السياسي وأنها ما زالت في ~~مرحلة انتقالية، كما أكد أنها بعيدة عن «المملكة النهائية» ~~التي يقصد بها «مملكة الحرية» المتعلقة بفكرته اليوتوبية ~~الأساسية. لم يزر بلوخ الاتحاد السوفيتي رغم الدعوات التي ~~وجهت إليه، واكتفى بالثناء على ما اعتبره الجانب الإيجابي في ~~الثورة الروسية، وهي التطورات التي واكبت الثورة في فنون ~~الباليه والرقص والفنون الشعبية وصناعة السينما. والمهم أن ~~بلوخ لم يعتبر النظام الشيوعي الروسي نموذجا رائدا، بل ذهب ~~إلى ما هو أبعد من ذلك عندما دعا - في أواخر حياته - النظم ~~الشيوعية الأخرى إلى الابتعاد عن هذا النموذج ومقاومة السيطرة ~~السوفيتية عليها، وذلك على أثر الأحداث التي وقعت في ~~تشيكوسلوفاكيا ومناصرته للنظام الاشتراكي في براغ. ولكنه لم ~~يتردد كذلك عن معارضة النظام الاستعماري الأمريكي وإدانة ~~التدخل الأمريكي في فيتنام بكل قوة. # 11 # وساند - وهو في الثانية والتسعين من عمره - الدعوة ~~إلى عقد جلسات محكمة «راسل». # 12 # للمرة الثالثة، كما انضم هو وزوجته لمنظمة تهدف ~~لمساعدة ضحايا القهر والاضطهاد على مساعدة أنفسهم، وكتب نداء ~~قبل وفاته بأسبوعين يحذر فيه من أخطار القنبلة ~~النيوترونية. # حظي بلوخ في مدينة توبنجن بأسمى درجات التكريم. وعلى الرغم ~~من أن صوته لم يكن مسموعا خارج ألمانيا - إذ لم يترجم إلى ~~العالم الناطق بالإنجليزية إلا متأخرا، ولم تظهر الطبعة ~~الإنجليزية ل «مبدأ الأمل» الذي يعد خلاصة نسقه الفلسفي إلا ~~عام 1986م - إلا أنه كان يشغل في بلده مكانة رفيعة، حتى أصبحت ~~صورة «الفيلسوف ذي الغليون» علامة من علامات مدينة توبنجن التي ~~توفي فيها في يوم 4 أغسطس من صيف عام 1977م بعد إصابته بالعمى ~~في سنوات ms020 عمره الأخيرة، وبعد الانتهاء من إعداد الطبعة الكاملة ~~لأعماله. ~~(2) مؤلفاته # كان «روح اليوتوبيا» هو أول مؤلفات بلوخ الفلسفية، وقد صدر ~~عالم 1918م، بعد العديد من المقالات الأدبية. وفي هذا الكتاب ~~تظهر بوضوح الروح ~~المشيحانية # Messianism # أو روح التبشير بالخلاص الأخير ~~التي تطبع تفكيره وتحدد شخصيته ورسالته في الحياة . وتغلب على ~~الكتاب النغمة الحماسية المتدفقة لشاب تفيض مشاعره على قلمه ~~أكثر مما يعنى بترتيب أفكاره وتنسيقها، كما يعبر الكتاب عن جيل ~~كامل من الحالمين بالتغيير: «أن نعثر على ما هو حق وصواب يستحق ~~أن نحيا من أجله، أن ننظم أنفسنا، أن نوفر الوقت الضروري لذلك، ~~من أجل هذا الهدف نسير في طريقنا، ونشق الطرق الخيالية ~~البناءة، وننادي ما ليس موجودا، ونبني بيوتنا كما نبني أنفسنا ~~في الأفق الأزرق، ونفتش هناك عما هو حق وحقيقي، حيث يختفي كل ~~ما هو واقعي فحسب، لقد بدأت الحياة الجديدة.» # 13 # بهذه العبارات يبدأ بلوخ كتابه وكأنه يعلن بشارة ~~الرائد الذي يقدم على السفر إلى عالم جديد. وأهم ما يميز هذا ~~الكتاب أنه يضع كل الأفكار التي يتضمنها في سياق تاريخي ~~وفلسفي، وتظهر فيه التأملات الميتافيزيقية في صور واستعارات ~~أدبية حية، كما تتبدى حقيقة المتعالي في لقاء مباشر، وتصبح ~~اللغة معبرة، كما تصبح كلماتها أفعالا تشير إلى المستقبل. إن ~~الذاتية هنا غالبة متدفقة، كما أن اللانهاية هي التي تتجه ~~إليها هذه الذاتية محققة العلو أو التجاوز نحو ذلك الذي لم ~~يتحقق بعد، والذي يحرك التاريخ والعالم والإنسان في عملية ~~صيرورة متصلة نحو غاية التاريخ العالمي. وهذه الغاية التي لم ~~تتحقق بعد هي المتعالي الحاضر في كل لحظة، وهو العنصر الجوهري ~~في مسار العالم والمحرك له. # ظهرت في هذا الكتاب المبكر فكرة بلوخ عن حركة التاريخ نحو ~~مملكة الحرية التي تتحقق فيها هوية الإنسان مع ذاته ومع العالم ~~الذي يعيش فيه، بحيث تصبح ذاته هي كل إمكاناته، كما يصبح ~~العالم وطنه. وهذه الفكرة نفسها هي التي جعلت فلسفته التاريخية ~~في تلك الفترة ذات طابع ديني؛ إذ أنه ms021 وضع الكل والغاية ~~الممكنة على شكل متعال يتحرك التاريخ البشري نحوه متخطيا ~~الهنا والآن - بلغة هيجل في ظاهريات الروح التي يكثر بلوخ من ~~استخدامها - فكأن فكرة الخلاص كانت تمتد عنده منذ البداية إلى ~~العالم المادي والمادة غير العضوية، كما تمتد إلى تحرير ~~الإنسان من كل أنواع القهر والحتمية المادية الطبيعية وغير ~~الطبيعية، بحيث يتحقق الخلاص في «الجماعة الشيوعية الحرة» التي ~~ظلت هي هدفه من البداية إلى النهاية، أي منذ أن كان ثوريا ~~عاطفيا في شبابه إلى أن أصبح اشتراكيا علميا إلى حد ~~كبير في رجولته، وإن كان يتهم بأنه ظل اشتراكيا إنسانيا ~~حالما ولم يصل أبدا إلى الاشتراكية بالمعنى العلمي. # وتسري في هذا الكتاب الذي وضعه بلوخ أثناء الحرب العالمية ~~الأولى روح دينية وصوفية تمتزج فيها نزعته الاشتراكية مع ~~التبشير بالخلاص في لحن جياش عالي الصوت، وتهيب بالإنسان أن ~~يجد نفسه، كما تدعو الأنا إلى الاتحاد الصوفي بالوجود الكلي. ~~وقد استخلص بلوخ من النزعة الاشتراكية والتصور الديني ومن ~~التراث الصوفي تصوفا جديدا يمكن وصفه بأنه تصوف دنيوي أو ~~علماني، يدعو إلى الخلاص الأخير، ويبحث عن نهاية التاريخ، ~~ويصرخ بأن العالم لم يكتمل بعد. وتعود أهمية هذا الكتاب إلى ~~أنه حارب اتجاهين في الفكر الفلسفي والسياسي المعاصر، أحدهما ~~هو جمود الفلسفة الأكاديمية واقتصارها على تدريس كانط، والآخر ~~هو الاشتراكية الديمقراطية للطبقة الوسطى أو البرجوازية ~~الألمانية الصغيرة التي اعتبرت أن الإنسان مجرد ملحق أو هامش ~~للأساس الاقتصادي الذي يتحرك بقوته الذاتية. وقد امتدت جذور ~~الاتجاهين في شباب بلوخ المبكر، # 14 # كما عكس الكتاب اهتمامه المبكر بالتفكير ~~المستقبلي، وانطوى على بذور ميتافيزيقا جديدة. والواقع أن ~~الكتاب متأثر بروح الحركة التعبيرية في أسلوبه ومضمونه وعاطفته ~~ورؤيته العامة، غير أن هذه النغمة التعبيرية العالية تراجعت ~~بالتدريج لتحل محلها لغة فلسفية أكثر دقة وتجريدا في ~~كتاباته التالية، وإن لم يستطع بلوخ أن يتخلص نهائيا من ~~تأثير الحركة التعبيرية التي ظل متمسكا بها، بل ومدافعا عنها ~~حتى النهاية. وإذا كانت الذات الفردية هي التي طغت على «روح ms022 ~~اليوتوبيا» فإن الذات الجماعية هي التي ستحل محلها وتؤكد ~~نفسها بعد هذا الكتاب. # وفي عام 1921م صدر كتاب «توماس مونتسر، لاهوتي الثورة» وهو ~~عن زعيم الحركة الشعبية المتمردة في ألمانيا، الذي أعدم عام ~~1525م بوصفه قائد الفلاحين الثائرين ضد الأمراء في منطقة ~~التورنج. وتغلب على الكتاب فكرة الخلاص التي سيطرت على بلوخ ~~طوال حياته، لقد صور شخصية مونتسر في هذا الكتاب وكأنه نبي من ~~أنبياء العهد القديم. والحقيقة أن تصويره لمونتسر يمكن النظر ~~إليه على أنه تصوير لشخصه هو نفسه، فقد استعمل بحرية لغة ~~الكتاب المقدس، ونطق على لسانه بأسرار التراث الصوفي، وجعله ~~ينادي بالخلاص وإن لم يكن هو الخلاص بالمعنى الديني المتعالي ~~ولا المفارق لهذا العالم، وإنما هو «نبي الخلاص الأرضي» وهدفه ~~هو الحرية وتحرير الإنسان. # ويعد هذا الكتاب قراءة ماركسية جديدة للتاريخ؛ إذ قدم ~~فيه بلوخ تفسيرا جديدا لمونتسر وثورة الفلاحين الألمان في ~~عهد الإصلاح الديني. ولا ترجع أهمية هذا التفسير فقط إلى وقوفه ~~في وجه النقد اللوثري والكاثوليكي لمونتسر، بل إلى أنه يعد ~~دفاعا - له دلالة خاصة من ماركسي جديد - عن الأبعاد الدينية ~~للتغير الاجتماعي، وعن الدور الأساسي الذي يؤديه الخيال الديني ~~في الرؤية الثورية لمونتسر. لم يبد بلوخ اهتماما بسرد ~~الحقائق التاريخية ولم يقدم تفاصيل لأحداث تاريخية، بل ~~استخدام دراسته لمونتسر كنموذج مثالي لثورية الوعي الطبقي ~~وامتزاج العامل الاقتصادي بالخيال الديني والواقع السياسي ~~والأحلام وكيف يتفاعل كل منها مع الآخر. وقد أثارت معالجة ~~بلوخ لأهمية بصيرة مونتسر الدينية في الإصلاح؛ أثارت مشكلة ~~استخدام التاريخ واللاهوت لأهداف سياسية، كما جذبت الانتباه ~~إلى أهمية دور الدين في حركات التغير الاجتماعي. # 15 # يضاف إلى ما سبق أن هذه المعالجة تكشف عن محاولة بلوخ إيجاد ~~جذور تاريخية لأفكاره الاشتراكية واليوتوبية، كما ترسم صورة ~~لرؤيته للتاريخ باعتباره محددا من جهة المستقبل كما هو محدد ~~من جهة الماضي. وليس توماس مونتسر مجرد شكل بطولي أو نموذج من ~~الماضي، ولكنه يمثل نضال البشرية من أجل التحرير وخلق سماء ~~جديدة وأرض جديدة وفي سبيل ms023 مستقبل مفتوح لم ينته أبدا. وقد ~~استهل بلوخ كتابه بهذه العبارة ذات المغزى، «لا نريد أن ننظر ~~إلى الوراء. ولكننا لا نملك إلا أن ننخرط فيه ... الموتى ينهضون ~~مرة أخرى، وتعود أعمالهم لتحيا وسطنا.» ثم يضيف بلوخ: «إن ~~مونتسر قبل كل شيء هو التاريخ بمعناه المثمر، فهو وعصره وكل ما ~~يستحق الكتابة عنه إنما وجد لكي يتحدانا ويشعرنا بالحماس.» # 16 # هذا بإيجاز هو الإطار العام لمنهج بلوخ التاريخي، وهو يعبر ~~عن رفضه التفرقة بين «مملكة الروح» و«مملكة السياسة» وهو ما ~~كان سائدا بين اللاهوتيين والمؤرخين. فقد صاغ مونتسر وعيه ~~الثوري من الكتاب المقدس، واستخدم في رسالته الشهيرة للأمراء ~~صور الرؤية في العهد القديم من أجل إثارة قضيته: «كنت تنظر إلى ~~أن قطع حجر بغير يدين فضرب التمثال على قدميه اللتين من حديد ~~وخزف فسحقها، أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلا كبيرا ~~وملأ الأرض كلها.» «ويقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبدا.» # 17 # فكما ينهار البناء بتدحرج الحجارة في سفر دانيال ~~وتنشأ مملكة جديدة، أعلن مونتسر انهيار مملكة الأمراء ومجيء ~~نظام جديد جوهره هو الطبقات الدنيا وليس لوثر أو الأمراء. ~~وعلى الرغم من نمو الوعي السياسي لمونتسر الذي جعل الفقراء ~~والمطحونين يلتفون حوله، فقد كان اللاهوت هو الخلفية الأساسية ~~لهذا الوعي. لقد نمت رؤيته الدينية وسياسته الثورية وعزز كل ~~منهما الآخر فازداد الغضب وتفجرت الثورة في كل من القائد ~~والجماهير، وذهبوا جميعا يدا في يد مسلحين برؤية دينية ~~وكونية وتحولت المعركة إلى ما يطلق عليه حرب الفلاحين، وهي ~~الحرب التي بدأت بدفاع درامي عن قضية الفلاح وانتهت بسحق ~~الأمراء للفلاحين وإعدام مونتسر. # 18 # وفي عام 1930م نشر بلوخ كتابه «آثار» وهو من قبيل السيرة ~~الذاتية، ويعد عملا أدبيا هاما يتألف من مقطوعات من ~~الشعر المنثور اقتبس بلوخ عبارات عديدة منها، استهل بها ~~افتتاحيات أقسام كتابه «مبدأ الأمل». وفي عام 1935م ظهر في ~~سويسرا كتابه «ميراث هذا الزمان» وهو تحليلات نقدية للوعي ~~الزائف الذي اتسمت به البرجوازية الألمانية في فترة ~~العشرينيات، ms024 وتتبع لنشأة النظام الفاشي الذي كمنت بذوره في ~~الواقع المعيش بجانب نقد مبكر لدعايات الحزب الشيوعي الألماني ~~وللدعاية الفاشية، واستطاع فيه بلوخ - بحسه التاريخي المرهف ~~ووعيه الحاد بالحاضر - أن يلمس إرهاصات العهد الآتي ويستشف ~~سماته المستقبلية، أي أنه استطاع - بنظرة نقدية وعينية للحاضر ~~- أن يكتشف الإمكانيات التي يحملها المستقبل في جوفه، وكيف ~~مهدت حقبة العشرينيات لظهور الفاشية التي استولت على السلطة في ~~أوائل الثلاثينيات، وكان من الطبيعي أن يصادر هذا الكتاب من ~~قبل السلطة الحاكمة. # وفي عام 1946م صدر كتاب «الحرية والنظام» وهو استعراض ~~لليوتوبيات الاجتماعية منذ بداية التفكير البشري سواء أكانت في ~~الماضي الذهبي أم في المستقبل المرجو، وقد تناول بلوخ هذه ~~اليوتوبيات تناولا خاصا؛ إذ تتبع فيها بذور الأمل في الفكر ~~البشري، وضم هذا الكتاب فيما بعد إلى القسم الرابع من «مبدأ ~~الأمل». وفي عام 1951م صدر كتابه «الذات-الموضوع شروح على ~~هيجل» وقد ركز بلوخ في هذا الكتاب على بيان الأسس النظرية ~~لفلسفته في التاريخ وتأكيد مدى الاختلاف بين نسقه المفتوح ~~المندفع نحو المستقبل، وبين نسق هيجل المتكامل تكامل الدائرة ~~المغلقة على نفسها، كما بين الطرق التي يستطيع جدل هيجل من ~~خلالها أن ينطلق ويتسع ويخرج من نطاق الدائرة. وفي عام 1952م ~~صدر كتابه «ابن سينا واليسار الأرسطي» بمناسبة الذكرى الألفية ~~لابن سينا. وقد قدم فيه تصورا جديدا للمادة بعد أن تتبعها ~~منذ أرسطو وابن سينا، وابن رشد، وابن جبيرول حتى ممثلي «اليسار ~~الأرسطي» في أواخر العصور الوسطى، ومن جوردانو برونو في عصر ~~النهضة حتى اسبينوزا في القرن السابع عشر، إلى أن اكتملت في ~~المادية الجدلية التاريخية عند ماركس وإنجلز. # وفي عامي 1954 و1955م على التوالي صدر الجزء الأول والثاني ~~من كتابه الأساسي «مبدأ الأمل»، ثم صدر في عام 1959م الجزء ~~الثالث من هذه الموسوعة الثقافية الكبرى التي لا يعادلها في ~~الفكر الألماني سوى «ظاهريات الروح» لهيجل، ولا يناظرها في ~~الأدب الألماني سوى «فاوست» جوته. وهذا العمل الضخم المكون ~~من ثلاثة أجزاء - والذي استغرقت كتابته أحد عشر عاما ms025 - يحتوي ~~على النسق الفلسفي الكامل لفكر بلوخ اليوتوبي ويقدم موسوعة ~~للأمل البشري، حتى ليمكن القول بأن كل ما صدر قبل هذا الكتاب ~~كان بمثابة إعداد وتمهيد له، وكل ما صدر بعده تنويعات أو شروح ~~على كل تلك الأفكار الأساسية التي تضمنها، وهو صرح فلسفي ~~كبير سيطر فيه بلوخ على مادة موسوعية هائلة ونظمها وأدارها ~~حول فكرته الرئيسية، ألا وهي فكرة الأمل. والواقع أن البناء ~~«السيمفوني» للكتاب يكشف عن فرط عشقه للموسيقى وولعه بها، فجاء ~~«مبدأ الأمل» أشبه بسيمفونية كبيرة تتصاعد نغماتها تدريجيا ~~في لحن متدفق جياش. كما يتضمن اكتشافات مشرفة لخيال البشر ~~وآمالهم وفنونهم وثقافتهم التي يؤمن بلوخ بأنها مفاتيح ~~لإمكانات بشرية من أجل بناء عالم أفضل، وأن هذا الميراث ~~الثقافي يتوجه نحو مجتمع اشتراكي باعتبار أن هذا الأخير يحقق ~~أحلام البشر وآمالهم. # لم يكن من قبيل المصادفة أن يبدأ بلوخ نسقه الفلسفي بعد ~~بلوغه سن الخمسين، فعلى الرغم من أن القارئ ل «مبدأ الأمل» ~~يكاد يضيع في زحمة التفصيلات اللامتناهية التي استقاها المؤلف ~~من التاريخ العقلي للبشرية، وعلى الرغم أيضا من صعوبة أسلوبه ~~التي اعترف بها المؤلف نفسه في مقدمته للكتاب: «إن قراءته ليست ~~سهلة، بل تزداد صعوبة كلما توغلت فيه.» # 19 # إلا أن القارئ يستطيع أن ينظر إلى هذا التاريخ كله ~~من منظور الخلاص الممكن «ومبدأ الأمل» الذي تصور بلوخ أنه ~~المحرك للوجود والإنسان، وأن الاغتراب الذي تستشعره الأنا ليس ~~وضعا نهائيا في واقع يبدو مغلقا، وإنما يفتح الأمل الكامن ~~في «الهنا والآن» على مستقبل الإنسان والعالم. ولذلك ليس ~~غريبا أن يستهل بلوخ كتابه بهذه التساؤلات: من نحن؟ من أين ~~أتينا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ ماذا ننتظر؟ وماذا ينتظرنا؟ # 20 # وللإجابة عن هذه التساؤلات قدم بلوخ مشروعا ~~حضاريا نقديا مفعما بالأمل، مهاجما كل الأنظمة الفكرية ~~الساكنة، ومنطلقا من نقد الواقع العيني المعيش، مقتفيا آثار ~~الممكن الكامن فيه لتحقيق إنسانية حرة في ظل «مملكة ~~الحرية». # ويعد «مبدأ الأمل» - في حد ذاته - من الأعمال الأدبية لفرط ~~ازدحامه بالصور المجازية والرمزية ms026 والشعرية والتعبيرات ذات ~~الدلالة اللونية، كاستخدام بلوخ المفرط لكلمات مثل الصباح، ~~والأزرق البعيد، وساعة الزرقة ... إلى آخر الكلمات التي تعكس ~~الضوء والإشراق بحيث يمكن تسميته «فيلسوف النور». وقد امتزج ~~هذا الأسلوب الأدبي بلغة صوفية غامضة وتعبيرات لاتينية ~~ويونانية قديمة، وأقوال شعبية ومأثورات جعلت صاحبه يستحق ~~التسمية التي أطلقت عليه بأنه ساحر المفاهيم والتصورات ~~والكلمات. وامتزج كل هذا بلغة ماركسية مادية جدلية لتصور ~~حالات الوعي الفردي والجماعي وحالات الأمل والتحقق. وفي «مبدأ ~~الأمل» اختار بلوخ أن يبحث في التراث السري والصوفي مما يعكس ~~تفضيله للمفكرين والفلاسفة الذين ينظرون للعالم نظرة صوفية ~~غامضة أو من وراء حجاب، كما اختار أن يبحث في القبالة أكثر من ~~التوراة، وفي السيمياء السحرية أكثر من الكيمياء بالمعنى ~~العلمي الحديث، وأن يهتم بنظم الفكر المتقدمة والمنفتحة على ~~المستقبل أكثر من النظم المطلقة. وربما لكل هذه الأسباب ~~استقبل الكاتب بالشك في الدوائر الماركسية الرسمية. كما أن كل ~~هذه الأسباب أيضا جعلت نغمات بلوخ في «مبدأ الأمل» في تصاعد ~~مستمر، بحيث يختتم كل قسم بشكل فيه علو ونزعة تفاؤلية، ولذلك ~~يعد الكتاب من أكثر المشروعات الفلسفية طموحا، وفي الوقت نفسه ~~من أكثر الكتب الفلسفية افتقارا إلى الاتساق أو النسق الواضح؛ ~~فقد عرض في ثلاثة أجزاء كبيرة لكل ما يتعلق بالحياة الإنسانية ~~لينتهي إلى أن للأمل جذورا في الوعي البشري وفي صيرورة ~~العالم. # وفي عام 1961م صدر كتابه الهام «القانون الطبيعي والكرامة ~~الإنسانية» ويعد ثمرة جهود بلوخ لفهم إخفاقات التراث الماركسي، ~~وقد وضعه بعد تجربته المريرة مع النظام الشيوعي في ألمانيا ~~الشرقية التي خرج منها مصطحبا معه الكتاب وهو لا يزال مخطوطا ~~ونشر في ألمانيا الغربية وكان مؤلفه قد بلغ السادسة والسبعين ~~من العمر. ويعد الكتاب قراءة جديدة لتراث القانون أو الحق ~~الطبيعي، ويعرض فيه لإمكان إعادة صياغة هذا التراث الذي حاول ~~قراءته قراءة جدلية ليكشف عما هو اشتراكي فيه. ذلك أن هذا ~~الفيلسوف ذا الحس التاريخي الأصيل قد قاوم فكرة اعتبار الماضي ~~شيئا منتهيا، فأخذ في استعادته أو استرجاعه ms027 كأنه كيان حي، ~~وراح ينقب فيه عن وعود الماضي غير المعلنة، وكأن وعود الماضي ~~لها عيون تنظر للأمام. لقد فتش عن الأمل الكامن في لحظات ~~الماضي، هذا الأمل الذي لم تتح له الظروف الموضوعية ليشهد ~~النور، وكان دافعه للبحث في التراث هو أن يظهر للنور ما قد خفي ~~وكمن داخله حتى يومنا الحاضر. كما يمثل القانون الطبيعي مجالا ~~آخر للمضامين التي لم يتوصل إليها، فهو يرسم إطار العلاقات ~~الاجتماعية التي يمكن أن تتحقق فيها الحرية البشرية. # وقد كانت مهمة بلوخ في هذا الكتاب هي بيان أهمية الحقوق ~~الإنسانية بالنسبة للمجتمعات الاشتراكية. وليس الكتاب مجرد ~~تأريخ لنظريات القانون الطبيعي، ولكنه إعادة تفكير في المبادئ ~~الأساسية للفلسفة السياسية، وإظهار ما خفي من هذا التراث ~~والبحث فيه عن الوعود المستقبلية غير المعلنة، وإبراز السمة ~~اليوتوبية لنظريات القانون الطبيعي التي كانت هي السلف الحقيقي ~~لليوتوبيات الاجتماعية ذات النزعة الاشتراكية العلمية. # 21 # فالأحلام المتعلقة بحياة اجتماعية أفضل في كل ~~منها تتداخل في بعضها البعض. والواقع أن قضية الحقوق الإنسانية ~~- التي غابت عن جدول أعمال النظم الاشتراكية - كانت هي الدافع ~~الأساسي وراء بحث بلوخ عن مقاصد # 22 # الأسلاف، ولذلك استهل كتابه بسؤالين هامين: «ما ~~هو العدل؟ وما هو الحق؟» # 23 # سؤالان طرحهما شخص عرف وشهد على الأشكال الجديدة ~~للظلم القديم، وكانت الإجابة عليهما. من خلال إعادة صياغة ~~نظريات القانون الطبيعي في التراث الغربي بأكمله لينتهي إلى ~~أسباب إخفاق النظم الاشتراكية التي تغافلت عن ضرورة ارتباط ~~الثورة بالحق، وأهم هذه الأسباب في تقديره هو إهمال الجانب ~~الإنساني، وغض الطرف عن الحقوق الإنسانية للفرد، وبالتالي ضياع ~~الكرامة الإنسانية. # ويؤكد بلوخ في هذا الكتاب أن السعادة البشرية والكرامة ~~الإنسانية اللتين تتعلقان باليوتوبيات الاجتماعية من جانب، ~~وبنظريات القانون الطبيعي من جانب آخر، قد سارا لفترة طويلة ~~من الزمن في طريقين مفترقين، وأنه آن الأوان ليرتبط كل ~~منهما بالآخر، فكلاهما يتوقع شيئا ما أفضل من ذلك الذي تم، ~~وكلاهما ينطلق من الأمل. ومهمة النزعة الاشتراكية أن ترث بعضا ~~من تراث القانون ms028 الطبيعي بعد تطهيره من السمات البرجوازية، كما ~~أن في الماركسية قانونا طبيعيا غامضا تتضمنه عبارة ماركس ~~«علينا أن نتجاوز الظروف التي تجعل الإنسان محتقرا ~~ومستعبدا.» إن التزاوج بين الحق الطبيعي والماركسية ضروري من ~~أجل مجتمع غير مغترب ومتكافل اجتماعيا، ولكي يتحقق هذا لا بد ~~أن تقدم العوامل الإنسانية على العوامل الاقتصادية لإيجاد ~~مجتمع يستطيع الإنسان أن يسير فيه وهو «منتصب القامة». # توالت أعمال بلوخ بعد «القانون الطبيعي والكرامة الإنسانية» ~~فكان «مدخل توبنجن إلى الفلسفة» عام 1964م و«الإلحاد في ~~المسيحية» عام 1968م وفيه تمتد نظرة بلوخ النقدية من الواقع ~~الاجتماعي والسياسي إلى المعتقدات الدينية الراسخة في الأذهان ~~كمسلمات بديهية، وهو يتناول بالنقد ما هو مألوف ومعتاد ~~لينتهي إلى تفكيك الفكر الديني وبنيته النظرية، مع تبني ~~المقولة الأساسية للفكر الماركسي في نقد الدين وتطويرها. وفي ~~عام 1972م صدر كتاب «محاضرات في عصر النهضة». # 24 # وجاء هذا الكتاب بمثابة إعلان للماركسية الرسمية ~~بأن الإنسان هو الهدف والغاية المنشودة، وأن التضحية بالإنسان ~~من أجل «أيديولوجيا» أو فكرة معينة أمر لا يغتفر؛ لذلك ربط ~~بلوخ - بوعيه التاريخي الناضج - الفكر بأسسه الإنسانية وانتزعه ~~من الحاضر وضآلته، إيمانا منه بأن الواقع الحاضر ليس سوى لحظة ~~يحدد مسارها من خلال تيار الزمن الماضي بتراثه الثقافي من ~~ناحية، والمستقبل بإمكاناته المفتوحة من ناحية أخرى. لذلك قام ~~برحلة في التراث الثقافي الأوروبي في الماضي القريب - أي في ~~القرن الخامس عشر والسادس عشر - لاستجلاء الحاضر واكتشاف ~~إمكاناته. ويوضح فهمه للنهضة الأوروبية أن التطور الكمي ~~والنوعي لهذا التراث الثقافي قد امتزج بالذات المكونة والفعالة ~~في هذه النهضة، أي بالإنسان الذي كان هدف بلوخ على الدوام. ~~فالنهضة ليست ولادة جديدة لما هو قديم، وإنما هي ولادة ~~لإنسان جديد ومجتمع يحمل قيما جديدة كل الجدة. وهو في دراسته ~~للنهضة الأوروبية يرى أن المجتمع الذي تمخض عنها كان جديدا ~~بالمقارنة مع المجتمع البرجوازي الذي سبقه، وأن الإنسان الفرد ~~وإبداعاته الخلاقة هما الأساس في انبثاق النهضة في مجالات عدة ~~تشكل في مجموعها الكل الحضاري. ففي الفلسفة ms029 كان هناك جوردانو ~~برونو وكامبانيلا وبوهمه وبيكون. وفي العلوم والمعرفة العلمية ~~نجد جاليلو ونيوتن. وفي فلسفة التاريخ والدولة والقانون يبرز ~~بودان وجروسيوس وهوبز وفيكو. والخلاصة أن الحضارات والنهضات ~~الموجهة من أجل الإنسان لا يخلقها سوى الإنسان ذاته. # 25 # وفي النهاية كان كتاب «تجربة العالم» هو آخر أعمال بلوخ ~~وأصدره عام 1975م قبل وفاته بسنتين. هذا بالإضافة إلى العديد ~~من المحاضرات العامة والمقالات السياسية والأدبية التي ظهرت ~~على صفحات الجرائد والمجلات الدورية، وهي حصيلة معاركه الفكرية ~~مع العديد من فلاسفة عصره ونقاده وأدبائه. وما سبق ذكره ليس جل ~~مؤلفات بلوخ بل أهمها، وقد صدرت الطبعة الكاملة لمؤلفاته في ~~ستة عشر مجلدا، وأشرف بنفسه على مراجعتها قبل إصابته بالعمى ~~في سنواته الأخيرة، وقبل رحيله في 4 أغسطس عام 1977م بمدينة ~~توبنجن، ثم أضيف المجلد السابع عشر بعد وفاته. # ثانيا: المؤثرات الفكرية على فلسفة بلوخ # توقدت شعلة المخيلة الحية التي تميز بها بلوخ مع احتكاكها ~~بالواقع البائس الحزين الذي عاشته المدينة الصناعية الكئيبة ~~«لودفيجز هافن» التي فتح عينيه عليها، فانطلقت شرارة الحلم ~~والثورة، وتوهجت بروق الوعد والأمل. وكيف لا يثير هذا الواقع ~~الظالم خيال الحالم، بل أكبر الحالمين وأهمهم في القرن العشرين؟ ~~وكيف لا يفكر في ضرورة «رفع» هذا الظلم أو تجاوزه نحو «مستقبل ~~واقعي» أو عيني «تحتمه الرغبة» أو الشوق والأمل المتجذر في الإنسان ~~وفي المادة؟ ثم ماذا يفعل ليجعل من حلمه فلسفة وعلما وثورة في ~~آن واحد؟ هذا الذي نذرته الأقدار ليقتفي آثار الحلم الأكبر الذي ~~يتخلق منذ القدم في وعي البشرية وتراثها، وفي باطن الوجود المادي ~~وأعماقه؟ # لقد كان من الضروري أن يختمر الحلم بشواهده وتجلياته اللانهائية ~~في الوعي البشري منذ أن وجد البشر، وأن يتحد بقلب المادة وبذورها ~~وإمكاناتها التي ما زالت تتفتح منذ أن كان العالم ووجد الوجود. أجل ~~كان لا بد من ذلك حتى لا يبقى حلمه حلما ذاتيا أشبه بنسيج ~~عنكبوت لا يلبث أن يتحلل أو يتبدد مع أول صدمة أو هبة ريح. إن ~~الفتى الحالم ms030 الذي يصوب بصره لأفق الحلم الممكن البعيد قد أدرك في ~~هذه الفترة المبكرة من حياته أن الواقع لا يفتقر إلى الحلم وإنما ~~يطويه في أحشائه، وأن ألوانه القديمة والحديثة تتخايل أمام عينيه ~~في قصور القياصرة والنبلاء والأشراف في مدينة «شباير» ومدينة ~~«مانهايم» القريبة، وفي مزارع الكروم الواسعة في المنطقة، وكأن كل ~~شيء يدعوه ألا يستسلم للواقع البرجوازي والرأسمالي السائد ~~حوله. # وتتجمع ذرات الحلم الكبير في رحاب نفسه، وتختمر وتنمو وتتشكل ~~فتتكون نواة تفكيره الأساسية وتستمد غذاءها المتجدد مع مرور الزمن ~~من تجاربه وقراءاته حتى تصبح نسقا فلسفيا متكاملا يكاد يحجب ~~معالمه عن النظرة السطحية ثراء المعرفة الموسوعية بالتراث الإنساني ~~بكل ألوانه وظلاله ولوحاته الثرية التي راح يتتبع فيها مسرى الحلم ~~بواقع غد أجمل وأعدل وأكمل من واقع اليوم (الحاضر) السائد، هذا ~~الواقع الذي ظل يكافح - على مستوى الشعور - حتى يصبح وعيا، وأخذ ~~يندفع وينمو ويتفتح - على مستوى الوجود المادي - لكي يتحول من ~~واقع كامن «لم يتحقق بعد» إلى واقع فعال متحقق. ويمتلئ وجدانه ~~- منذ الثانية والعشرين من عمره - بعزم الرائد الذي يقف على مفترق ~~الطرق، يحفزه الأمل المتوثب لاكتشاف «الأرض التي لم تطأها قدم ~~إنسان»، بل الأرض التي لم توجد أبدا من قبل، وهي الآن بحاجة ~~للإنسان الذي يتحد في كيانه المكتشف، والبوصلة والعمق في وقت واحد. # 26 # ويساعد الجو الليبرالي # 27 # المستنير من حوله على مواصلة الحلم والتفكير والعمل ~~والشعور بإحساس المواطن الحر المنتمي لتراثه القومي من ناحية، ~~والمتمسك من ناحية أخرى بتراثه اليهودي الغني بحكمته وأساطيره ~~وحكاياته وكتاباته الصوفية السرية ونزعات الخلاص وأشواق مملكة ~~الميعاد الكامنة فيه. وتتبلور كنوز التراثين في أسلوب مزدحم ~~بالصور والاستعارات والتشبيهات والأمثال والحكم الموجزة التي تكاد ~~تغرق خيوط الفلسفة المتسقة والتفكير المنهجي الدقيق. وينطلق الملاح ~~العنيد الحالم في هذا البحر بحثا عن تلك الأرض التي لم توجد من ~~قبل ولم تطأها قدم إنسان، تهديه منارة «ذاتيته» المتوهجة بأشعة ~~الأمل الذي لم تلح سفينته في الأفق فتكشف له أبعاد الواقع ~~الموضوعي المنتظر في غد ms031 لن يتأخر إذا استطاع البشر بعلمهم وعملهم ~~وجهدهم أن يصلوا «الكائن» بما «سوف يكون». ~~(1) مؤثرات فلسفية # يواصل الحالم الشاب رحلة كفاحه مع التراث البشري فتصبح نواة ~~فكرته عن الأمل موسوعة ضخمة. وعلى الرغم من أن جذور فلسفته ~~ضاربة في التراث الألماني بوجه خاص، إلا أن تكوينه العقلي قد ~~تشكل من تيارات عديدة تكاد أن تشمل الحضارة البشرية بأكملها: ~~من الفلسفة الكلاسيكية القديمة والتراث الصوفي إلى الفلسفات ~~الشرقية والغربية. وهكذا ارتبط الوجود الحاضر بالماضي الذي ~~انقضى والمستقبل الذي لم يأت بعد. وتحققت دلالة العبارة ~~الشهيرة التي قالها ليبنتز (فيلسوف الممكن الذي يتحقق في ~~الواقع بحكم الضرورة المنطقية والعناية الإلهية): «إن الحالة ~~الحاضرة لأي جوهر بسيط هي بطبيعتها نتيجة مترتبة على حالته ~~السابقة، بحيث إن الحاضر يحمل المستقبل في أحشائه.» # 28 # بيد أن ليبنتز، الذي قامت فلسفته على استيعاب ~~المستقبل في الحاضر، لم يستطيع أن يستخلص منها «أنطولوجيا» ~~كاملة أو نظرية واضحة عن الوجود كما فعل بلوخ في كتابه الأكبر ~~«مبدأ الأمل». ولم يكن من المستطاع تصور ذلك قبل منطق هيجل ~~الذي ربط في المقولة الأولى منه بين الوجود والعدم والصيرورة ~~ربطا محكما، ولا كان من الممكن أيضا أن يتحول التفكير في ~~الغد وما بعد الغد حتى نهاية الزمن إلى تجربة حقيقية بغير ~~الدفعة الثورية التي أطلقتها عاصفة التغيير الاجتماعي على يد ~~ماركس. # لا جدال في أن أي فيلسوف يستحق هذا الاسم يتأثر بفلاسفة قبله ~~ويؤثر على آخرين بعده. ولا يمكن مثلا أن نتصور ماركس وفلسفته ~~المادية التاريخية وتحليلاته لرأس المال بغير نظريات الاقتصاد ~~السياسي الكلاسيكية ومنطق هيجل الجدلي، ولا بغير الفلسفات ~~المادية السابقة ابتداء من ديمقريطس الذي أعد عنه رسالته في ~~الدكتوراه. والأمر كذلك بالنسبة لبلوخ، فلا شك أن تنوع ثقافته ~~وثراءها قد امتد من التراث الفلسفي قديمه وحديثه. فقد التقى في ~~مكتبة مدينة مانهايم المقابلة لمسقط رأسه لود فيجز هافن - ~~والتي كان يتردد عليها دائما - بأهم الكنوز الفلسفية التي ~~أثرت على حياته فيما بعد. هناك استطاع أن يقرأ لعدد من ms032 ~~الفلاسفة من ليبنتز إلى هيجل وتلاميذه، كما استطاع أن يقرأ ~~لفشته وشيلنج في سن مبكرة. ربما يكون قد أساء فهم الكثير من ~~نصوصهم، ولكنه أساء فهمها على طريقته الخاصة، وربما كانت كلمة ~~سوء الفهم علامة دالة على طريقة فهمه لتاريخ الفلسفة، فهو لم ~~يفهم العدد الكبير من الفلاسفة من أرسطو إلى ماركس بطريقة ~~تقليدية؛ إذ كان يتوقف عند الأفكار التي تصب في تيار عصره أو ~~تتوجه إلى المستقبل، وكان يهتم بالكثير من الخيوط الفكرية التي ~~لم يلتفت إليها المفسرون التقليديون. لقد نظر إلى التاريخ ~~الفلسفي كله من جهة التطلع إلى المستقبل، ورأى فيه الوجه الآخر ~~لتاريخ الفلسفة، أي فلسفة المستقبل التي لم ينتبه إليها ~~المؤرخون. ومن الصعب تتبع كل الفلاسفة الذين أثروا على فلسفة ~~بلوخ، كما أن من الصعب الدخول في المقارنات عن تأثير بعض ~~الفلاسفة عليه لأن هذه مسألة خلافية، خاصة إذا لم يكن التأثير ~~قويا وواضحا، وإذا لم يكن قد دخل في جدال فكري وحوار مع ~~الفلاسفة الذين تأثر بهم، ولذلك سنكتفي بذكر بعض الفلاسفة ~~الذين ظهر تأثيرهم عليه بشكل مباشر، أو الذين دخل معهم في ~~حوار صريح مثل أرسطو وهيجل وماركس. وسوف يتعرض البحث لفلاسفة ~~آخرين من خلال عرض نسق بلوخ الفكري، وفي المواضع التي يتضح ~~فيها تأثيرهم عليه، مثل ليبنتز وتأثير فكرته عن الوعي المسبق ~~عليه. ~~(أ) أرسطو (384-322ق.م.) # بهذا المعنى السابق فهم بلوخ أرسطو فهما غير تقليدي، ~~اعتمد فيه على تفسير المعلم الأول للمادة أو بالأحرى على ~~تفسير بلوخ الخاص لهذا التفسير. والواقع أن جذور فلسفته ~~المادية تكمن في مفهوم أرسطو عن المادة بوصفها إمكانية ~~وجود، كما ترتبط بفكرته المعروفة عن الموجود بالقوة ~~والموجود بالفعل. أخذ بلوخ هذا المفهوم وأكد الطابع الحيوي ~~الذي يميزه ثم طوره إلى مقولة الإمكان التي تعتبر أهم ~~المقولات الأساسية في نسقه الفلسفي. وقد أفاض في شرح مفهوم ~~أرسطو عن القوة والفعل وتابع تطور هذه الفكرة من بعض ~~فلاسفة العصر الوسيط وعصر النهضة حتى العصر الحديث. ويكفي ~~في هذا الموضوع أن ms033 نلخص المفهوم الجدلي للمادة عند بلوخ ~~بالقول بأن الماهية الأساسية لكل موجود أنه في حركة ~~دائمة. ولكن أرسطو - كما هو معروف - هو مؤسس المنطق الصوري ~~ونظرية المقولات، وقد يبدو هذا لأول وهلة أمرا متناقضا ~~مع ما سبق قوله عن تأثر بلوخ بمفهوم المادة عنده من حيث هي ~~إمكان ذو طابع حيوي، فالمنطق يدرك الموجود في حالة سكونه ~~أو إحدى أحواله. ومن ثم فإن أي قول ثابت عن موجود متحرك ~~لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا تغير هذا القول نفسه ~~أيضا، ومن هنا يمكن فهم نظرة بلوخ إلى المقولات التي ~~فهمها كذلك فهما جدليا وأنطولوجيا في آن واحد كما ~~سيتضح بعد ذلك بالتفصيل في الفصل الخاص بأنطولوجيا ال ~~«ليس-بعد». ~~(ب) ياكوب ~~بوهمه # Jakob Boehme ~~(1575-1624م) # كان لياكوب بوهمه تأثير كبير على بلوخ. فقد عبر جدل ~~الأول عن فلسفة الثاني، وكشف هذا الجدل عن أن النور كامن ~~في الظلام، وأن الظلام هو أصل النور وعلته، وقد قام جدل ~~بوهمه على الصراع بين النور والظلام، صراع الضدين وخرج ~~ثالث ينتصر عليهما هو ما ينتج الجديد دائما، كما هو الحال ~~عند بوهمه وعند بلوخ نفسه اللذين يؤكدان وجود الخير الذي ~~ينتصر حتما على الشر، والنور الذي سيهزم الظلام. وقد نظر ~~بلوخ إلى جدل بوهمه بإعجاب شديد واعتبره أعمق جدل منذ هيراقليطس، # 29 # والفارق الأساسي بينهما يقوم على أن الأضداد ~~تنتج على الدوام شيئا جديدا أفضل، على حين أن الأضداد ~~عند هيراقليطس تظل قائمة بغير أن تنتج هذا الجديد، وقد كان ~~بوهمه على اقتناع تام بأن الشر سينهزم في النهاية وأن ~~الخير هو الذي سينتصر. إن الضدين المتقابلين سيظلان في ~~حركة وصراع دائمين. ولكن الخاصية الخيرة في الطبيعة ستكون ~~في النهاية هي الأقوى، وهي التي ستنتصر على الخاصية ~~الشريرة. وهذه الفكرة هي نواة فلسفة بلوخ، فلولا الأمل في ~~الجديد الذي سيولد من هذا الصراع الدائم ما أمكن تصور ~~فلسفته بأكملها. ~~(ج) شيلنج (1775-1854م) # كذلك كان لشيلنج تأثير كبير، وخصوصا من خلال فلسفته ~~المتأخرة أو ms034 فلسفة الشيخوخة التي عبرت عنها محاضراته في ~~برلين التي نشرت بعد وفاته تحت عنوان «فلسفة الأسطورة ~~والوحي». وربما كانت أهم الأفكار التي استقاها بلوخ من هذه ~~الفلسفة هي «أن للأساطير حقيقة ومغزى مذهبيا، وأن فيها ~~حقيقة مضمرة، على الأقل منذ البداية ... فالأساطير تقول غير ~~ما يبدو أنها تقوله، أي أنها رموز ومجازات وأمثال تخفي ~~تحتها حكما وأقوالا.» # 30 # هذا المعنى المجازي هو ما حاول بلوخ الكشف عنه ~~من خلال تفسيره لكل التاريخ البشري، أي أنه حاول أن يفض ~~قشرة المجاز الرمزي ليكشف عن الجوهر الحقيقي للأشياء ~~والإمكانات الكامنة داخله، ومن شيلنج استعار بلوخ فكرته ~~الأساسية التي أكدها خلال فلسفته كلها وهي أن الماهية، أي ~~الوجود الحقيقي غير المغترب، لا تتحقق إلا بالتفاعل ~~المستمر بين الإنسان والعالم، «فالفكرة الأساسية التي تقوم ~~عليها فلسفة الطبيعة عند شيلنج هي القول بوحدة الطبيعة ~~والروح (أو العقل) ... وأن الطبيعة والروح ليستا جوهرين ~~مختلفين، بل هما جوهر واحد: فالروح (أو العقل) تتطور ~~وتحقق نفسها في الطبيعة، والطبيعة تحقق قوانين الروح أو ~~العقل، ووحدة الطبيعة والعالم شاملة ... إن مبدأ وحدة ~~الطبيعة يقتضي رفع التقابل بين المتقابلات الظاهرة في ~~الطبيعة واستخلاص الطبيعة العضوية والطبيعة # 31 # اللاعضوية كلتيها من مبدأ واحد.» تعلم بلوخ ~~من شيلنج إذن أنه لن يمكن التوصل إلى الوجود الحقيقي «غير ~~المغترب» إلا عن طريق التفاعل بين الإنسان والعالم، وأخذ ~~منه تفرقته الهامة بين الوجود الفعلي كما هو عليه # existence # وبين ~~الماهية # essence # التي ~~ينبغي أن تتحقق من خلال عملية الصيرورة التاريخية، والواقع ~~أن فلسفة بلوخ بأكملها لا يمكن تصورها بغير هذه التفرقة ~~الهامة التي تناولها البحث بالتفصيل في الفصل الخاص بالوعي ~~الذي لم يتم بعد. ~~(د) هيجل (1770-1831م) # لم يكتف بلوخ من منابع المثالية الألمانية بشيلنج فقط، ~~بل وقف طويلا عند هيجل، فهذا الأخير قد وصف تاريخ البشرية ~~بأنه طريق «التخارج» والاغتراب أو الاستلاب، وطور فكرته عن ~~«الروح» أو «العقل المطلق» ليكون أشبه بالمقر المتعالي ~~الذي تتم في إطاره ظواهر الأحداث الواقعية وترفع فيه في ms035 ~~النهاية لكي يتسنى وضع المضامين التجريبية داخل نسق فلسفي ~~ومنهجي محكم، ودمج الأحداث التاريخية العارضة في سياق ~~التأمل العقلي الصارم أو في دائرة الحقيقة الكلية الشاملة. ~~وقد كان على الأجيال التي جاءت بعد هيجل أن تقرأ فلسفته ~~التأملية قراءة تجريبية وتترجمها إلى لغة الواقع ~~الاجتماعي. وجاء بلوخ على طريقته الخاصة في فهم وتفسير ~~تاريخ الفلسفة، ليكشف التفكير المستقبلي عند هيجل الذي ~~وصفه بأنه المعلم الجليل لمرحلة شبابه، وكتب عنه في كتابه ~~الذي وضعه عن هيجل ودخل معه في حوار عن «الذات-الموضوع: ~~شروح على هيجل»: «لا نكاد نجد في الفلسفات الماضية فلسفة ~~غنية بالمشكلات مثل فلسفة هيجل التي لا تزال تواجهنا كأنها ~~قادمة من المستقبل.» # 32 # وقد ظل بلوخ طوال حياته يؤكد أن الفلسفة الهيجيلية لم ~~تعرف بعد على حقيقتها، وأن الدوجماطيقيين الماركسيين قد ~~تصورا أنه لم يعد بحاجة إلى دراسة. لهذا نجده يهتف في ~~الاحتفال بمرور قرن وربع قرن على وفاة هيجل في أكاديمية ~~العلوم في برلين (الشرقية سابقا) «أنه قد آن الأوان ~~لنتحاور مع هيجل وأن نوقف الطاحونة.» # 33 # إن تأثير هيجل على بلوخ لم يقف عند عنوان أحد ~~كتبه التي خصصها لدراسة هيجل تحت هذا العنوان الدال ~~«الذات-الموضوع» فهو يرى في هذا الكتاب أن هيجل لم يفصل ~~الذات عن الموضوع في نظريته عن المعرفة: «إن نظرية التوسط ~~الجدلي لم تسمح بأن تبتعد الذات عن الموضوع، ولا الموضوع ~~عن الذات، أي لم تسمح بابتعاد الموضوع عن الوعي ولا الوعي ~~عن الموضوع، إن مثل هذا التعارض في رأي هيجل يسد الطريق ~~إلى الفلسفة؛ لذلك فإن عليها منذ البداية أن تتحرر منه.» # 34 # وقد حل هيجل هذه الثنائية بين الذات والموضوع ~~ووحد بينهما وحدة ميتافيزيقية، وإن كان قد لف العنصر ~~المشترك بينهما «وهو الذي سماه «الروح المطلق» (...) في ضباب ~~الغموض والتصوف.» # 35 # وقد اكتشف بلوخ منذ شبابه ثلاثة موضوعات أساسية تجمعت ~~في ظاهريات هيجل وكونت فيما بعد محور فلسفة بلوخ نفسه: (1) ~~الذات، أو الأنا الثورية التي ظهرت في التاريخ العملي ~~والسياسي ms036 لأول مرة مع الثورة الفرنسية. (2) الموضوع أو ~~إنتاج مضمون المعرفة تحت تأثير المعرفة العلمية في العلوم ~~الطبيعية، أو بمعنى آخر إنتاج العقل لمضمون المعرفة ~~متأثرا بطبيعة المعرفة العلمية. (3) التاريخ، أي أخذ ~~التاريخ مأخذا جادا مع التأثر بالنزعة التاريخية # 36 # كما تمثلت عند أصحاب المدرسة التاريخية الذين ~~أحالوا كل شيء إلى تاريخه. وقد رأي بلوخ أن هذه العناصر ~~الثلاثة متمثلة بصورة متوازنة في ظاهريات هيجل، وأنها ~~تستحوذ على اهتمام المفكرين خصوصا في فترات التحول ~~التاريخي وهنا ينشأ هذا السؤال: كيف تفاعل الذات والموضوع ~~في التاريخ بحيث تمخض عنهما التغير الثوري في مرحلة ~~تاريخية معينة؟ وكيف يمكن أن يتفاعلا في المستقبل لإحداث ~~مثل هذا التغيير الثوري؟ وسوف يبين البحث كيف أن مشكلة ~~الذات والموضوع، والوجود الفعلي والماهية، ظلت أهم ~~المشكلات التي دارت حولها فلسفة بلوخ التي حاولت أن تزيل ~~الاغتراب بين الذات والموضوع، وأن تصل بمبادئها اليوتوبية ~~والمقولاتية إلى الماهية الحقيقية في وجود مستقبلي أكمل ~~وأفضل. # إن التوحيد بين هذه العناصر الفلسفية الثلاثة (الذات - ~~الموضوع - التاريخ) بالإضافة إلى اكتشاف وتحليل النزعات ~~والاتجاهات الكامنة في الواقع والتي تنتظر الإرادة الثورية ~~والدراسة الواعية لدفعها نحو الوجود اليوتوبي أو نحو ~~الأمل، هذه العوامل مجتمعة هي التي جعلت بلوخ الفيلسوف ~~الفينومينولوجي أو الظاهراتي - بالمعنى الهيجلي - للمستقبل ~~الإنساني والاشتراكي، كما جعلت كتابه «مبدأ الأمل» هو ~~«ظاهريات الروح» الجديد في تاريخ الفلسفة المعاصرة. فليس ~~هذا الكتاب في نهاية الأمر سوى رصد دقيق وشامل لمراحل ~~تطور المادة والوعي معا - تبعا لمقولة ال «ليس-بعد» ~~الأساسية - نحو الكل اليوتوبي الذي يتحقق فيه المجتمع ~~الإنساني العادل، ولا حاجة للقول بأن هناك فرقا كبيرا ~~بين ظاهريات ترصد التطور المعرفي نحو الوعي المطلق بالروح، ~~وظاهريات ترصد التطور المادي والإنساني والمعرفي على ~~السواء نحو الكل اليوتوبي أو الأمل اليوتوبي ~~الممكن. ~~(ه) كارل ماركس (1818-1883م) # قال بلوخ في المجلد الثاني عشر من مجلدات الطبعة الكاملة ~~لأعماله: «إن فلسفتي مدينة لأخي شيلنج، ولأبي هيجل ولماركس ~~ابن هذا العالم.» # 37 # وقد سبق الحديث عن أهم نقطة أثرت عليه ms037 من ~~فلسفة شيلنج، وهي التمييز بين الوجود الفعلي والماهية التي ~~تتحقق خلال العملية التاريخية، وكذلك عن مشكلة الذات ~~والموضوع عند هيجل - لا سيما في ظاهريات الروح - حيث رأي ~~بلوخ أن هيجل لم يفصل بينهما من الناحية المعرفية، بل ~~اشترط أن يكون تحرر الموضوع من الاغتراب عن الذات أو الوعي ~~ووحدتهما الميتافيزيقية هي البداية الحقيقية للفلسفة. وإذا ~~كان بلوخ قد أخذ على هيجل كما رأينا فيما سبق: أنه يصبغ ~~العنصر المشترك بينهما بصبغة صوفية ويسميه بالتسمية ~~الغامضة (الروح أو العقل المطلق)، فإن هذه الصبغة الصوفية ~~ربما كانت من أهم أسباب اتجاه بلوخ - العلماني أو الدنيوي ~~- إلى ماركس الدنيوي مثله. فمن الطبيعي لبلوخ الذي لم ~~يتقيد بالروح المطلق أن ترتبط فلسفته بفلسفة ماركس، إذ ~~تحول الاغتراب الهيجلي على يد ماركس إلى برنامج سياسي ~~ثوري، وأصبحت «ظاهريات الروح» - التي أوقفت على قدميها - ~~هي تاريخ الصراع الطبقي، وغدت «هوية الروح» مع ذاتها هي ~~هوية الإنسان العامل المنتج، بل هوية العالم الطبيعي مع ~~نفسه، والعلامة المميزة «للمجتمع الخالي من الطبقات». بذلك ~~تصور ماركس أن الشيوعية في نهاية الصراع والشقاق بين ~~الإنسان والطبيعة، وأن تحقيقها رهن بإرادة الطبقة العاملة ~~التي تعي دورها الثوري ومسئوليتها التاريخية فتحول مسار ~~التاريخ. # ومن الطبيعي أيضا - باعتبار بلوخ فيلسوفا ماركسيا - ~~أن تكون الوقفة عند ماركس أطول، وأن يكون التأثير مباشرا ~~بشكل لا يدع مجالا للشك. والحق أنه يصعب تحديد الجانب أو ~~الجوانب التي أثرت على تفكير بلوخ من فلسفة ماركس، فإذا ~~كان العامل المشترك الذي يجمعهما بوجه خاص هو الفلسفة ~~المادية الجدلية والتوجه الثوري نحو تغيير العالم ونحو ~~المستقبل، فإن هنالك جوانب تفصيلية متعددة تكشف عن ~~الكثير من أبعاد هذا التأثر ويشير إليها هذا البحث في ~~موضعها. وعلى الرغم من أن بعض الباحثين الماركسيين ~~الحرفيين قد أنكروا أن يكون هناك أي شيء مشترك بين ماركس ~~وبلوخ، كما زعموا وزعم غيرهم أن ماركسية بلوخ هي ماركسية ~~وجودية أو صوفية أو رومانسية ولم يبق فيها شيء من ماركس ~~الحقيقي والعلمي ... إلى آخر هذه ms038 الاتهامات التي استندت ~~- فيما استندت إليه - إلى نقد بلوخ للماركسية السوفيتية، ~~وإلى تأكيده للدور اليوتوبي للماركسية، على الرغم من هذا ~~كله فإن وجوه التطابق بين الفيلسوفين الماديين الجدليين ~~أكثر من أن تحصى. ويمكن الاكتفاء في هذا الموضع بجانب ~~واحد لعله أن يكون من أهم الجوانب التي لا يمكن إنكارها ~~بجانب إشارات بلوخ الكثيرة إلى اسم ماركس وأعماله وأفكاره ~~الأساسية في مؤلفاته، ويتعلق هذا الجانب «بأصول» الاغتراب ~~بين الذات والموضوع أو الوعي والطبيعة أو الوجود ~~والماهية. # ربما كانت تحليلات ماركس - في رأس المال ونقد الاقتصاد ~~السياسي - للقيمة وأشكالها المختلفة من أهم الأفكار في رأي ~~«دتليف هورستر»، التي انطلق منها بلوخ وأصبحت من الأفكار ~~المحورية في فلسفته. فمن المعروف عن التحليلات الماركسية ~~أن الإنتاج الرأسمالي قد تطور عن طريق الدورة السلعية التي ~~بدأت على حافة التجمع البشري الفطري أو الطبيعي. وقد بين ~~ماركس - خصوصا في رأس المال، ومن خلال العرض التاريخي ~~لتطور الأشكال المختلفة للقيمة - أن أبسط هذه الأشكال قد ~~ظهر من الناحية العملية مع البدايات الأولى التي تحولت ~~معها منتجات العمل إلى سلع من خلال التبادل العرضي والاتفاقي. # 38 # والواقع أن عملية تبادل السلع لا تظهر في الأصل في حضن ~~التجمعات الطبيعية أو الفطرية، وإنما تظهر حيث تتوقف هذه ~~التجمعات، أي على حدودها وعند النقاط القليلة التي يتم ~~فيها اتصالها بتجمعات أخرى. «والعلاقة الحقيقية بين السلع ~~هي عملية التبادل بينها، وهذه عملية اجتماعية يشترك فيها ~~الأفراد المستقلون بعضهم مع بعض، ولكنهم لا يشتركون فيها ~~إلا باعتبارهم مالكي سلع، ولا وجود لهم إزاء بعضهم بعضا ~~إلا عن طريق سلعهم، وبهذا يظهرون لنا كأنهم ممثلو أو ~~«حملة» عملية التبادل.» # 39 # هنا تبدأ التجارة القائمة على التبادل، ثم ~~تعود فتنفذ في صميم التجمع البشرى نفسه لتؤثر عليه تأثيرا ~~مدمرا. وفي عملية التبادل البسيطة هذه تنطوي بذور ~~الرأسمالية، وبقية تحليلات ماركس تبين كيف تطور عنها ~~«المال» ومنه «رأس المال» وكيف ساهم الإنسان والوعي ~~الإنساني في هذا التطور وتأثرا به بصورة غيرت علاقة الوعي ~~بالعالم وعلاقة ms039 الذات بالموضوع. # ولم يتم التطور السابق بطريقة مستقلة عن الإنسان ووعيه ~~كما سبق القول، فنشاط الوعي قبله وفي بدايته قد يختلف ~~اختلافا كيفيا عنه بعد الوصول إليه أو الدخول فيه. ذلك ~~أن نشاط الوعي قد اقتصر في البداية على خدمة الحياة ~~العينية البسيطة المباشرة. ومع بداية تبادل منتجات العمل ~~بين البشر حدث تغير حاسم في مفهوم المنتج والوعي معا؛ إذ ~~اكتسبت المنتجات «صفة اجتماعية» لم تكن تملكها من قبل ~~وصارت لها «قيمة». # 40 # وتقوم القيمة بدور «التوسط» في حركة المنتجات ~~عندما تكف عملية التبادل عن كونها مجرد عملية اتفاقية أو ~~عرضية تتم على هامش التجمع البشري، ومن ثم تتعرض للزوال ~~بمجرد نشوئها، ومعنى هذا أنه عندما تصبح التجارة القائمة ~~على التبادل فعلا مستمرا ومتصلا، تصبح القيمة هي اليد ~~الخفية التي تنظم حركة السلع وتبادلها. # 41 # وتستمر حركة هذا التطور فتبدو للبشر - في ذروة تطور السلعية # 42 ~~- وكأنما هي شيء طبيعي ومستقل عنهم، ويقفون ~~في مواجهتها كذوات ~~«عارفة». ويظل خافيا عليهم أن القيمة ليست شيئا ~~«موضوعيا» - أي شيئا متعلقا بالموضوعات نفسها تعلقا ~~طبيعيا - وإنما نشأت نشأة اجتماعية كما تطورت تطورا ~~طبيعيا، وهكذا تقف الذات والموضوع من بعضهما موقف طرفين ~~متقابلين في عملية المعرفة الخالصة. بل إن وعي الذوات أو ~~نشاطهم العقلي والفكري يمكن أن يستقل بنفسه بحيث تنقطع ~~العلاقة المباشرة بين الذوات وبين الموضوعات، وبحيث يقتصر ~~دورها على معرفة الموضوعات معرفة نظرية بحتة دون تغييرها ~~أو التأثير عليها. # ومعنى هذا أن الوعي يمكن أن يستقل بنفسه عن الموضوعات ~~الحية وعن الحياة المباشرة نفسها، وأن يتصور أن معرفته ~~وحدها هي الهدف الأسمى والغاية الأخيرة من الحياة. ويمكن ~~أن نجد البداية الفلسفية لهذا التحول في تحليلات أرسطو في ~~الكتاب الأول من كتابه عن الميتافيزيقا، ففي رأيه أن العلم ~~قد نشأ لأول مرة في مصر حيث وجد الناس الفراغ الكافي ~~لممارسته. والعلم ينصرف إلى المعرفة لذاتها لا لأي غرض أو ~~منفعة عملية أو هدف خارجي عنه. والسبب في ذلك بسيط في ~~نظر أرسطو - وغيره ms040 من فلاسفة اليونان - فالمعرفة تحمل ~~هدفها في ذاتها. والمهم في هذا السياق أن الانفصال بين ~~الذات والموضوع (والعكس) قد بدأ مع بداية التطور المادي ~~الاقتصادي الذي أدى إلى عملية التبادل عن طريق السلع ~~والمال، بحيث وقفت «الأنا» الواعية بذاتها في مواجهة ~~الموضوعات، وراحت تتعرف عليها مستعينة بأدواتها العقلانية ~~وتؤثر عليها بفعلها وسلوكها العقلاني أيضا، ومن هنا بدأ ~~الانفصال بين الذات والموضوع، والباطن والظاهر، والفرد ~~والعالم المحيط به (وهو الأمر الذي لم يعرفه مثلا أبطال ~~ملحمتي هوميروس - من حوالي القرن الثاني عشر إلى حوالي ~~القرن التاسع والثامن قبل الميلاد - وذلك قبل القرن السابع ~~ق.م. الذي عرفت فيه الجماعات الإغريقية تبادل السلع وظهور ~~العملة النقدية). # 43 # إن تاريخ الانفصال بين الذات والموضوع في عملية المعرفة ~~- أو بالأحرى انقطاع العلاقة والوحدة المباشرة بينهما مما ~~أدى إلى ظهور التفكير المجرد - هو في الوقت نفسه تاريخ ~~التطور من التبادل البسيط أو المقايضة إلى الرأسمالية. أضف ~~إلى هذا أن التفكير المجرد قد تطور أيضا مع التطور ~~المتزايد في تجريد التبادل، بحيث أصبح ينظر إلى المنتجات ~~المختلفة في علاقتها بالعنصر المجرد المشترك بينها، أي ~~بحيث صارت قيمتها في عملية التبادل هي الشيء الوحيد المهم، ~~وهو الأمر الذي تم في المرحلة السابقة على الرأسمالية، ثم ~~تزايد وبلغ ذروته في ظل العلاقات الرأسمالية. # 44 # ولا بد من القول بأن الانفصال الذي تم بالتدريج بين ~~الذات والموضوع لم يجعل التبادل والتفكير قطبين متعارضين ~~أو متضادين، لأن المسألة في الواقع هي مسألة علاقة إنتاج ~~متبادلة بين أشكال الوعي وأشكال الوجود. وتطور المال ودوره ~~في التعامل والتبادل السلعي يوضح هذه المسألة. فقد استلزم ~~التبادل عن طريق المال توحيد القيمة المادية والكمية ~~للأشياء المختلفة في قيمتها الكيفية «ومن ثم تستطيع أشياء ~~غير ذات قيمة نسبية، منها الورق مثلا، أن تعمل كرموز ~~للعملة الذهبية.» # 45 # أي أن تلك القيمة الكمية تفترض تجريد المنتجات ~~المختلفة. من صفات أو خصائص محددة هي في صميمها صفات أو ~~خصائص كيفية. هذا التجريد والتوحيد قد تم قبل كل شيء ms041 في ~~رأس الإنسان، ثم ترتب عليه بعد ذلك من الناحية الواقعية ~~«موضعة» القيمة، أي تجريدها. # في شكل «مال» أو عملة نقية؛ مما ساعد في نفس الوقت على ~~زيادة قدرة الإنسان على التجريد أو التفكير المجرد بعد ~~مساعدتها على نشوئها. # 46 # يتضح مما سبق أن نوعا معينا من الوعي أو التفكير (وهو ~~التفكير المجرد أو التجريد) هو عنصر أساسي ساهم في تكوين ~~وتطور الرأسمالية التي تمثل في نظر الماركسية آخر مرحلة ~~تاريخية ومنطقية لتطور عملية التبادل السلعي، كما أن هذا ~~الوعي أو التفكير المجرد قد تكون بدوره من خلال تطور ~~عملية التبادل السلعي وبخاصة منذ تطور التبادل عن طريق ~~المال الذي قام عليه تطور العلاقات الرأسمالية والذاتية ~~البرجوازية في ظل هذه العلاقات. # 47 # والمهم في النهاية ألا نرجع هذا التطور ~~الرأسمالي إلى عنصر واحد (العنصر الذاتي، أي الوعي ~~والتفكير المجرد من ناحية، والعنصر الموضوعي أي السلعة ~~والمال والعلاقة الاجتماعية الإنتاجية من ناحية أخرى) لأن ~~علاقة التأثير والتأثر متبادلة بين هذه العناصر جميعا ولا ~~يمكن إرجاع التطور الرأسمالي لواحد منها مستقلا عن ~~الآخر، ولأن تطور الذات الإنسانية وتغيرها قد صاحبه تطور ~~الموضوع وتغيره، وذلك في سياق عملية جدلية شاملة تمخضت ~~عنها أشكال جديدة للفكر وأشكال جديدة للموضوعات. ~~والخلاصة أن الطابع المزدوج لمنتج العمل الذي تحول إلى ~~سلعة، أي باعتباره في نفس الوقت شيئا يستخدم وقيمة، وما ~~ينطوي عليه ذلك من الأشكال المختلفة للقيمة، # 48 # قد كان هو السبب في ذلك التقابل المشهور في ~~نظرية المعرفة بين الذات والموضوع، بين الفرد والبيئة ~~المحيطة به، وبين الأنا والعالم. وهو تقابل نظري مجرد لم ~~يكن له وجود عندما كانت العلاقة مباشرة بين البشر ~~والطبيعة، وعندما كان في إمكانهم تنظيم عملهم تنظيما ~~اجتماعيا مباشرا بدون توسط عملية التبادل ~~السلعي. # نكتفي بهذا القدر من تحليلات ماركس لجانب واحد من جوانب ~~نظريته عن القيمة لنسأل عن تأثيره على تفكير بلوخ وعن ~~العنصر المشترك الذي تم الإشارة إليه بين الفيلسوفين. لقد ~~اتضح من العرض السابق أن الانفصال بين الذات ms042 والموضوع أو ~~الفكر والوجود هو في نظر ماركس مسألة تطور تاريخي وليس ~~حقيقة ثابتة، وأن عملية التبادل السلعي هي المسئولية عن ~~استقلال المنتجات عن منتجيها ومن ثم عن إمكان معرفة ~~«الموضوع» معرفة نظرية عن طريق الذات المقابلة له. هنا ~~أيضا يمكن أن نقول إن بداية تاريخ الفلسفة قد اقترنت ~~بوجود التفكير في ناحية والوجود في ناحية أخرى. وقد تطور ~~هذا التصور مع تطور الفلسفة فأصبح الفكر الخالص في جهة ~~والمادة في جهة أخرى، كما انقسمت الاتجاهات الفلسفية إلى ~~اتجاهات تؤكد الذات على حساب الموضوع أو تؤكد الموضوع على ~~حساب الذات، ومن ثم تكرس الاتجاهات والمذاهب العقلية أو ~~الذاتية في جانب، والمادية أو الموضوعية أو الوضعية أو ~~التجريبية في الجانب المقابل، مع وجود استثناءات تخرج عن ~~هذا التعميم بطبيعة الحال. # وقد سبق القول إن بلوخ ينقد التراث الفلسفي القديم ~~(الكلاسيكي) والحديث ويحاكمه من هذه النقطة بوجه خاص، أي ~~من جهة الفصل بين الفكر والوجود. ومع أن الفلسفة المثالية ~~(التي يغلب فيها الفكر على الوجود) والفلسفة المادية (التي ~~يغلب فيها الوجود على الفكر) قد حاولتا كل على طريقتها ~~أن تقربا بين طرفي الفكر والوجود وأن تقهرا هذه الثنائية ~~العقيمة، فقد بين بلوخ في قراءته لتاريخ الفلسفة ولبعض ~~الفلاسفة الذين اهتم بهم أن الانفصال بين الفكر والوجود ظل ~~هو الطابع الغالب عليهم، كما حاول جهده أن يوحد بين ~~العناصر الإيجابية في الاتجاهين الرئيسيين لتاريخ الفلسفة ~~(أي المثالية والمادية) دون أن ينضم صراحة إلى أحدهما ~~بصورة مطلقة. وسوف يتضح من خلال البحث أن ماديته التي يصر ~~عليها ليست مادية بالمعنى التقليدي الشائع لهذه الكلمة، ~~وإنما هي مادية صوفية ودينية أو مثالية ورومانسية. # إن ماركس وبلوخ يتفقان على شيء جوهري، وهو أن اغتراب ~~الإنسان عن ذاته وعن الطبيعة لن يتوقف حتى يتوقف استقلال ~~الذات والموضوع كل منهما عن الآخر، وحتى تتوقف كذلك ~~إمكانية فكر خالص في ناحية ووجود خالص في ناحية أخرى، ~~والهدف النهائي عند كل منهما هو التوصل إلى «وحدة ~~الإنسان الذي عاد إلى ms043 نفسه مع عالمه الذي نجح في تغييره أو تشكيله.» # 49 # وهذا الهدف النهائي لا يمكن تحقيقه عن طريق ~~التفكير وحده، وإنما يجب أن يرفع أو يلغي استقلال الموضوع ~~عن طريق الممارسة العملية وأن يتم في الواقع. ومن الطبيعي ~~أن يجد بلوخ أسس هذه الممارسة في المادية الجدلية التي ~~يعتبر أنها هي الفلسفة الوحيدة التي يتم فيها التغلب على ~~التضاد بين الفكر والوجود، والعقل والحس، والقبلية ~~والبعدية (أو العقلية والتجريبية) والنزعة الإرادية ~~والنزعة القدرية، وهكذا يتفق النسقان المفتوحان على ~~المستقبل لكل من ماركس وبلوخ اتفاقا جوهريا على أن ~~الذات والموضوع اللذين تم الفصل بينهما يمكن أن يقتربا من ~~بعضهما مع اقتراب كل منهما من نفسه أو عودته إلى ~~نفسه. # ليس هذا العرض السابق - كما تمت الإشارة في البداية - ~~سوى مجرد محاولة لتفسير جانب هام من جوانب تأثر بلوخ ~~بفلسفة ماركس أو على الأقل بجانب واحد منها. أما عن تأثره ~~بالفلسفة الماركسية في مجموعها فهو شيء واضح يفصح عنه قبل ~~كل شيء توجهه الثوري إلى المستقبل. ويمكن القول إن ماركس ~~مهد الطريق أمام بلوخ - الذي تجاوز الماركسية بدوره بل ~~وجعلها تنضوي تحت لواء نسقه الفلسفي - ليقيم «علم الأمل» ~~الذي شيد بناءه على أساس مادي وملأه بمضمون فلسفي بحيث ~~ارتفع هذا الأمل من مستوى العاطفة الذاتية أو الفضيلة ~~الأخلاقية إلى شروط موضوعية محددة، ويحركها وعي ثوري ~~يضمن تحقيق الخلاص في ظل «الجماعة الإنسانية» الحقة التي ~~ستنعم في نهاية المطاف بالسعادة والعدالة والحرية والكرامة ~~والإخاء. ~~(2) مؤثرات فكرية وأدبية # لم تقتصر العوامل الثقافية التي أثرت على بلوخ على الفلاسفة ~~الكلاسيكيين والمحدثين من أرسطو إلى ماركس، وإنما أثر عليه ~~مجموعة من الأدباء والمفكرين المعاصرين الذين ربطته بهم عرى ~~الصداقة، ومن هؤلاء الناقد الأدبي فالتر بنيامين، والفيلسوف ~~أدورنو، والكاتب المسرحي برشت، والمؤلف الموسيقى كورت فايل ~~وغيرهم. ولكن أهم هذه الصداقات - كما سبق القول - هي التي ~~جمعته خصوصا في سنوات شبابه بالفيلسوف المجري جورج لوكاتش ~~(1885-1971م) ولما كان المقام لا يتسع للحديث عن التفصيلات ~~الدقيقة لهذه العلاقات بين ms044 بلوخ وبين هؤلاء الأدباء والمفكرين ~~والفنانين - وغيرهم كثير - فسوف نكتفي بإلقاء الضوء على بعضها ~~بالقدر الذي يسمح به سياق الكلام عن أبرز المؤثرات على حياته ~~وتكوينه الفكري، بادئين بأقرب أصدقائه إلى قلبه - على الأقل في ~~سنوات الشباب - وهو لوكاتش. ~~(أ) لوكاتش # تقابلا للمرة الأولى في إحدى قاعات البحث التي كان ~~يقيمها فيلسوف الحياة جورج زيميل في برلين، ثم كانت ~~إقامتهما ورحلاتهما معا من عام 1912 حتى عام 1914م في ~~هايدلبرج، واشتراكهما في الحلقات الدراسية التي أقامها ~~ماكس فيبر في هذه المدينة الأخيرة. وقد روى بلوخ أنهما ~~كانا على اتفاق تام في ذلك الوقت، وأنهما حتى عندما كانا ~~يلتقيان بعد أسابيع طويلة كانا يستأنفان الحوار وكأنه لم ~~ينقطع، وكان لا بد في هذه المرحلة من أن يحددا - على حد ~~تعبيره - منطقة خضراء تبين الفروق بينهما حتى لا يتصور ~~الناس أنهما يتكلمان بفم واحد. # وقد جمعهما تأثرهما الشديد «بظاهريات الروح» لهيجل ~~واتفاقهما في فهمها فهما ثوريا، وخاصة في تناولها ~~للموضوعات الأساسية التي تم الإشارة إليها سلفا وهي ~~«الذات - الموضوع - التاريخ». كانت هذه المشكلات حاضرة في ~~ذهن بلوخ عندما بدأ في كتابة مؤلفاته الأولى وهي «روح ~~اليوتوبيا» عام 1918م، وكتابه توماس مونتسر عام 1921م، كما ~~أن هذه الموضوعات نفسها شغلت لوكاتش في كتابه «التاريخ ~~والوعي الطبقي» عام 1923م؛ مما يدل على أنهما انطلقا من ~~نفس المشكلات المعرفية والنظرية، وإن كان الاختلاف على ~~البعد اليوتوبي قد فرق بينهما بعد ذلك. فقد ظل الصديقان ~~على وفاق حتى اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى فتوجه ~~لوكاتش إلى المجر والتحق بعد الحرب بالحزب الشيوعي المجري ~~وعمل منظرا للماركسية طوال العشرينيات، بينما توجه بلوخ ~~إلى سويسرا، وعلى العكس من لوكاتش، لم يلتحق بالحزب ~~الشيوعي الألماني، وقد كان لروسيا عشية الثورة فعل السحر ~~على كل منهما، وعندما استولت النازية على السلطة رحل ~~لوكاتش إلى روسيا، ورحل بلوخ إلى براغ، ومن هنا بدأ المسار ~~الفلسفي للرجلين يزداد تباعدا خاصة عندما قام لوكاتش ~~بتبرير الرعب الذي يمارسه الحزب الشيوعي في بسط هيمنته، ms045 ~~لقناعته أن الرعب والقهر إجراءان ضروريان لإقامة المجتمع ~~الاشتراكي، بينما تمسك بلوخ - إلى حد الجنون أحيانا! - ~~بالحق والكرامة الإنسانية والحرية الفردية التي يجب ألا ~~يقهرها أي فكر عقائدي. واحتدمت الخلافات بينهما، وكان من ~~رأي بلوخ أن صديقه لوكاتش لم يفهم فكرته عن اليوتوبيا، كما ~~أنه - أي بلوخ - اختلف معه بشدة حول مفهوم الواقعية في ~~الأدب الذي كان لوكاتش يدافع عنه بشدة لأن مثل هذه ~~الواقعية تفتقر إلى البعد اليوتوبي. وتبلور خلافهما على ~~صفحات الصحف والمجلات الثقافية في شكل معارك حادة حول ~~الحركة التعبيرية التي هاجمها لوكاتش بقسوة ودافع عنها ~~بلوخ حتى النهاية، وشكلت هذه المناظرة الفكرية بينهما في ~~عام 1938م أحد الأحداث الهامة في الفكر والأدب الألماني ~~الحديث. # والتعبيرية حركة أدبية ظهرت في ألمانيا حوالي عام 1906م ~~وامتدت حتى أوائل العشرينيات، وقد نشأت في مجال الرسم ثم ~~امتدت إلى الشعر والقصة والمسرح (وقد كانت الأعمال ~~المسرحية الأولى لبرشت من أهم إنجازاتها) وأطلقت صرختها ~~وفزعها من رعب الحرب، وشوقها إلى عالم إنساني جديد ~~يتحقق فيه العدل والكرامة الإنسانية. كانت التعبيرية حركة ~~فنية ثائرة، تجمعت تحت لواء الإيمان بإنسانية جديدة، ~~وحاولت أن تمحو كل أشكال الواقع التي أثبتت الحرب فسادها، ~~وأن تعصف بكل القيم الزائفة في الحياة البرجوازية ~~والسياسية والفنية التي أدت إلى الحرب، أو على الأقل لم ~~تحل دون وقوعها ولم تقف في وجهها. وكان هناك سخط هائل على ~~كارثة الحرب العالمية الأولى، وكانت التعبيرية هي التعبير ~~الفني عن هذا السخط. أراد الفنان أن يشكل العالم من جديد ~~بالرؤية والحماس المتوهج للقيم المطلقة، بالإبداع الحر، ~~بالروح الطليق والكلمة الحية المتمردة على الواقع والمدنية ~~والتقدم العلمي والتقني وكل القيم التي فضحت الحرب كذبها وخداعها. # 50 # لكن سرعان ما اختفت هذه الحركة ولاذ أصحابها ~~بالصمت أو تشتتوا في المهجر أو سقطوا في الحرب العالمية ~~الأولى أو انسحقوا تحت أقدام الطغيان النازي، واختنق صوتها ~~في أوائل الثلاثينيات، خنقته الأزمة الاقتصادية العالمية، ~~وزحف ذئاب الفاشية وقطعانها الهمجية، واندلاع نيران الحرب ~~العالمية الثانية. وكانت النتيجة أن ms046 دفنت التعبيرية حية، ~~وانطفأت شعلتها التي لم تكد تتوهج. # 51 # أثرت الحركة التعبيرية تأثيرا كبيرا على بلوخ، وانعكس ~~هذا التأثير على كل إنتاجه الفكري، الفلسفي منه والأدبي، ~~فقد أخذ بلوخ من التعبيريين حماسهم وأسلوبهم المتوهج في ~~الكتابة، والتعبير عن الأفكار بلغة الشعر والأسطورة والحكم ~~والأمثال، والاستخدام المفرط للصور المجازية التي تصل إلى ~~حد الغموض في أحيان كثيرة، وهو ما تلمحه بسهولة عين ~~القارئ لمبدأ الأمل؛ إذ كان للنزعة التعبيرية أكبر الأثر ~~على عرض النص الفلسفي من حيث شكل التعبير والأسلوب الزاخر ~~بالرموز والصور الشعرية؛ مما زاد من صعوبة قراءة بلوخ ~~واستخلاص جوهر نسقه الفلسفي. ولعل النزعة الإنسانية ~~للتعبيريين وحلمهم بمجتمع إنساني جديد يتحقق فيه العدل ~~والكرامة الإنسانية - الذي كان منذ البداية هو الهدف ~~والغاية عند بلوخ - هو ما جذبه إليهم، فظل متمسكا ~~بأفكارهم ومدافعا عنهم، وخاض من أجلهم أكبر معاركه ~~الفكرية مع لوكاتش صديق عمره، حتى بعد أن قضى على هذه ~~الحركة تماما ولزم أصحابها الصمت أو انزووا في المنفى أو ~~السجن أو سكتوا إلى الأبد تحت التراب. # وعلى الرغم من أفول التعبيرية واعتبارها الآن جزءا من ~~تاريخ الأدب، إلا أنها تمثل المرجع الألماني الأول للفن ~~المعاصر، كما أن المعركة الفكرية التي دارت رحاها بين ~~لوكاش وبلوخ حول التعبيرية كانت خلافا حول المعنى ~~التاريخي للنزعة الحديثة أو ~~الحداثة # modernism # بصفة عامة. # 52 # تبنى لوكاتش المقولة الأساسية في النقد الأدبي الماركسي ~~في هجومه على التعبيرية التي كان قد انجذب إليها في بداية ~~حياته - وهي أن الأدب نتاج للأوضاع التاريخية - واتهمها ~~بالاغتراب عن عامة الشعب وبعدها عن الواقع الاجتماعي حين ~~صرح في مقال بعنوان «الواقعية في الميزان» بأن التعبيرية ~~تنكر أي صلة لها بالواقع وتعلن الحرب عليه وعلى كل ~~إنجازاته لأن العديد من التعبيريين يشتاقون لاكتشاف عالم ~~جديد عن طريق هجر الأرض، والقفز في الهواء والتعلق بالسحاب # 53 ~~... وعلى الرغم من تأكيد لوكاتش في بداية حياته ~~على دور العامل الذاتي أو الفردي في الأدب، واقتناعه بأن ~~مهمته هي التعبير عن مواجهة مجتمع ms047 معاد ومغترب، إلا أنه ~~تعلم أيضا من الماركسية أن العلاقات الاجتماعية هي أساس ~~الأدب والفن والجمال؛ ولذلك لم يتحول عن الثوابت المنهجية ~~والنظرية الماركسية، وهي الوحدة الجدلية بين الذات ~~والموضوع، والخلاص من الاغتراب عند وصول المجتمع إلى الوعي ~~بالذات، وأن الحقيقة هي كل شامل يصارع الإنسان من أجل ~~الوصول إليه، ولذلك كان من رأيه أن التعبيرية شوهت هذه ~~الحقيقة لأن الوظيفة الكاملة للفن هي رسم صورة الواقع ~~الموضوعي لا الهروب منه أو الاكتفاء بالصراخ في ~~وجهه. # لن نستطرد طويلا في تفاصيل هذه المناظرة التي يمكن أن ~~تخرج بنا عن سياق البحث. ولكن يمكن القول بإيجاز إن ~~المواجهة الفكرية بين بلوخ ولوكاتش كانت في حقيقة الأمر ~~مواجهة بين الفن التعبيري والواقعية الاشتراكية. لقد دافع ~~الأول عن التعبيرية وشجب اتهام لوكاتش لها بأنها حركة ~~تواطأت مع البرجوازية الرأسمالية، مستشهدا في دفاعه ~~بعبارة للوكاتش نفسه يعترف فيها بأنها - أي التعبيرية - ~~كانت من الناحية الأيديولوجية حركة مناهضة للحرب. ويؤكد ~~بلوخ أن اتجاهات الوعي في التعبيرية لم تكن فاشية، وأنها ~~من الناحية الجمالية أو الاستطيقية تعتبر استجابة لأزمات ~~مرحلة انتقالية تحطم أثناءها الكل الثقافي للبرجوازية، ~~بينما بقيت البروليتاريا الثورية في مرحلتها البدائية. ~~ويتهم بلوخ واقعية لوكاتش بأنها مغلقة وتستبعد الذاتية ~~المثالية، ولذلك لم يتحرر من النظم الكلاسيكية، كما أن ~~مفهومه الضيق الأفق للواقعية جعله يرفض دور الفنان في ~~تحطيم أية صورة للعالم، حتى الرأسمالية، متناسيا أن الفن ~~يناضل ليستثمر صدوع الواقع ويكشف الجديد في شقوقه. # 54 # كما أن اتهام لوكاتش للتعبيريين بأنهم اغتربوا ~~عن عامة الشعب، هو اتهام لا يستند إلى أساس حقيقي؛ إذ ~~كانوا على العكس من ذلك أول من فتح عين الشعب على فن ~~الفولكلور، وركزوا انتباههم على رسوم الأطفال والمساجين ~~والمرضى العقليين، كما اهتموا اهتماما خاصا بالفن ~~البدائي بحيث كان الفن الشعبي هو الانطلاقة الحقيقية ~~للحركة التعبيرية. # 55 # والمهم أن الخلاف الحاد الذي احتدم بين ~~الصديقين في هذه المناظرة النقدية الهامة قد تسبب في ~~القطيعة بينهما - وإن لم يمنع من استمرار التقدير ms048 ~~والاحترام المتبادل بينهما - كما كشف عن تحرر بلوخ منذ ~~شبابه المبكر من الأيديولوجية الماركسية الحرفية المتزمتة، ~~وإن بقي مع ذلك مخلصا للماركسية في روحها العامة ومنهجها ~~الجدلي والنقدي. ~~(ب) برشت (1898-1956م) # ربطت بلوخ ببرشت صداقة قوية قائمة على التقارب الفكري ~~والعقائدي. فقد جمعهما الاهتمام بالتعبير عن تناقضات ~~المجتمع الرأسمالي والتمسك بالحلم الشيوعي حتى النهاية، ~~بحيث يمكن القول إن ما عبر عنه بلوخ بالفلسفة عبر عنه ~~برشت بالدراما. وقد جمعهما كذلك اهتمامهما بالفلسفة ~~الهيجيلية والماركسية؛ إذ عكف برشت على دراسة هذين ~~الفيلسوفين وانتهى إلى الإيمان بضرورة الثورة الماركسية، ~~بل ذهب إلى أبعد من الإيمان بالنظرية، فالتزم التزاما ~~مطلقا بالأيديولوجية الماركسية في شبابه، وآمن إيمانا لا ~~حيدة عنه بضرورة التغيير الاجتماعي المصاحب للثورة. وقد ~~ربطت بينهما كذلك سنوات الغربة في الولايات المتحدة ~~الأمريكية التي انتهى إليها مطاف برشت بعد سنوات تجوال ~~طويلة في البلدان الأوروبية هروبا من الحكم النازي ثم ~~عودتهما إلى ألمانيا الديمقراطية بعد انتهاء الحرب ~~العالمية الثانية مدفوعين بالشوق والأمل للمساهمة في توطيد ~~أركان الدولة التي زعمت أنها تبني الاشتراكية فعادا عام ~~1948م إلى برلين (الشرقية سابقا) حيث أسس برشت فرقته ~~المسرحية، وبدأ في تطبيق نظريته عن المسرح الملحمي أو ~~الجدلي الذي يوقظ ملكة الحكم عند المتفرج ويثير فيه ~~الإحساس بالغرابة والدهشة لما يراه، ويبعث فيه إرادة ~~التغيير الثوري للقيم والظروف الاجتماعية التي يعيش فيها ~~ويراها أمامه منعكسة على خشبة المسرح. # 56 # كان برشت خير من عبر عن الفلسفة الماركسية سواء في ~~أشعاره أو في أعماله المسرحية، ورأى أن مهمة الكاتب ~~المسرحي هي ألا يخاطب الشعور بل يخاطب العقل، وأن من واجبه ~~أن يعلم هذا العقل ويدفعه إلى الحركة والتغيير بدلا من أن ~~يثير الشعور. وكما قال ماركس إن على الفلسفة أن تغير ~~العالم لا أن تفسره، فقد أصبح على الفن والمسرح أيضا أن ~~يغيرا الإنسان تمهيدا لتغيير العالم. # 57 # غير أن برشت تراجع عن نظرته المذهبية ~~المتزمتة في أعماله الأخيرة عندما أدرك - مثلما أدرك ~~بلوخ أيضا كما سبق القول ms049 - الأخطاء والتناقضات التي وقع ~~فيها التطبيق الماركسي في ممارسته العملية. بل وذهب إلى ~~أبعد من هذا الحد فراح يدعو إلى توحيد ألمانيا والحيلولة ~~بينها وبين التسلح من جديد، وكتب خطابه المفتوح المشهور ~~إلى فالتر أو لبرشت على أثر إخماد ثورة العمال الألمان في ~~القطاع الشرقي من برلين في شهر يونيو عام 1953م ضد الحزب ~~الشيوعي الحاكم، ووجه إليه فيه أعنف اللوم حين قال عبارته ~~المشهورة: «إذا كان هذا الشعب لا يعجبكم فابحثوا لكم عن ~~شعب آخر.» # 58 # كذلك ربط بلوخ وبرشت اهتمامهما بالحركة التعبيرية، فقد ~~دافع عنها بلوخ وتمسك بها حتى النهاية وانعكست أيضا على ~~أسلوبه المتدفق الجياش في الكتابة. أما عن برشت فقد أخذ ~~يطبق برنامج الحركة التعبيرية التي لم تهتم بالدراما في ~~ذاتها بقدر اهتمامها بأن تكون أداة للعرض والبيان، ~~فالتعبيري كان يعرض عواطفه الجياشة المنطلقة، وبرشت يعرض ~~نزعته العدمية في مسرحياته المبكرة أولا، ثم يعرض نزعته ~~الماركسية الثورية في مسرحياته التعليمية، ثم يجمع بين ~~النقيضين في مسرحياته الأخيرة التي تخلو من التزمت ~~العقائدي، وتهيب بالجمهور أن يفكر ويبحث عن حل بدلا من أن ~~تفرض عليه الحل الوحيد. # 59 # وإذا كان بلوخ لم يتخل عن التعبيرية بل تمسك ~~بها حتى النهاية، فإن برشت استطاع أن يتجاوزها في أعماله ~~المتأخرة. وإذا كان ما جمعهما هو توجههما الاشتراكي، فإن ~~بلوخ لم يكن منذ البداية متزمتا في نزعته الماركسية بل ~~اتسم تفكيره بالأقق المفتوح بلا حدود على المستقبل، كما أن ~~برشت عرف في مرحلة شبابه بتزمته العقائدي ودعوته إلى ~~التغيير بالعنف إذا دعت الضرورة لذلك، ولكنه تراجع كما سبق ~~القول في سنواته الأخيرة عن هذه النظرة المحدودة الأفق. ~~وعلى الرغم من هذا ظل إعجاب بلوخ بأعمال برشت الشعرية ~~والمسرحية كبيرا حتى إنه استشهد بالعديد منها في شرح نسقه ~~الفلسفي. ~~(3) مؤثرات الحركة النقدية # لم يكن بلوخ فيلسوفا أكاديميا فحسب؛ إذ لم تبدأ مرحلته ~~الأكاديمية إلا بعد أن تجاوز الستين من عمره، بل كان مفكرا لا ~~يمكن فصله عن الجو الثقافي والعلمي المحيط ms050 به، كما لا يمكن ~~الفصل بين الفكر أو الفلسفة من ناحية وبين الروح الثقافية ~~للعصر من أدب وشعر وعمارة وموسيقى وفنون مختلفة من ناحية ~~أخرى، وقد استوعب بلوخ كل هذه العناصر الثقافية في عصره وعبر ~~عنها في نسق متكامل، كما جاء هذا النسق معبرا عن عصر مخاض ~~وحلم وثورات اشتراكية وأحزاب فاشية، واتسم بالديناميكية كما ~~اتسم بالاضطراب والقلق. إنه عصر شهد فيه الفكر الفلسفي ~~الألماني تغيرات كثيرة وحاسمة، وبداية بحث فلسفي على أسس ~~منهجية جديدة، وإعادة إحياء التراث الماركسي باعتباره فهما ~~نقديا تحليليا للواقع، وقد اجتاحت فيه الفكر الألماني ~~حركة نقدية واسعة النطاق ذاع صيتها باسم «مدرسة فرانكفورت»، ~~نظم أعضاؤها حلقات بحث حول الماركسية، وركزوا على أفكار ~~ومؤلفات ماركس الشاب وليس الاقتصادي، وأثاروا عاصفة نقدية على ~~كثير من القيم السائدة والنظم المستقرة. # ومع أن النسق الفلسفي لبلوخ قد اتسم بعمق النظرة النقدية ~~للواقع، فقد اختلفت النظرة النقدية عنده عن النظرية النقدية ~~لمدرسة فرانكفورت، على الرغم من انطلاقهما من منبع واحد وهو ~~المنهج التحليلي النقدي المعروف في التراث الماركسي، ويعود ~~الاختلاف إلى النظرة أو النزعة الأكثر عمقا عند بلوخ والتي ~~تمتد جذورها في التراث الفلسفي الهيجلي والماركسي. لقد استخلص ~~من المنهج الهيجلى عمقه النقدي للثورة على الواقع وتجاوزه، ~~وتعلم من الماركسية الحلم بالمستقبل والرغبة في تغيير العالم ~~وحتمية الثورة، وأحسن استخدام منهجهما وأدواتهما التحليلية في ~~التعامل مع الواقع ~~الاجتماعي العيني. لم يحصر الحلم الماركسي في أطر سياسية ~~واقتصادية محددة، بل انطلق إلى آفاق لا محدودة، وطبق هذه ~~النظرة النقدية على الماركسية نفسها، فنقد الماركسية المادية ~~لحساب الماركسية الإنسانية، وجعل الماركسية مبدأ لأمل ~~إنساني شامل، ولذلك رأى وجوب إعادة اكتشاف الماركسية كسلاح ~~نقدي لمقاومة كل واقعية اجتماعية تعسفية كالرأسمالية الجديدة ~~والنمط الاشتراكي السوفيتي # 60 ~~(قبل انهياره بطبيعة الحال). # لم يكن بلوخ أحد أعضاء مدرسة فرانكفورت، ولا يمكن القول إن ~~لهذه المدرسة تأثيرا واضح المعالم على فكره، بل يمكن القول إن ~~تأثيره كان كبيرا وهاما على أعضائها فيما اكتسبوه من حدة ~~الوعي الثاقب ms051 في تفتيت بنية الواقع، وحسن استخدامهم للمنهج ~~الهيجلي والماركسي في تحليلهم النقدي للأوضاع الاجتماعية. وليس ~~من المبالغة أن نقول إن تعامله النقدي مع التراث الماركسي على ~~وجه التحديد كان مقدمة لخلق نظرية نقدية أكثر اتساعا وشمولا ~~عند أصحاب هذه المدرسة. # وعلى الرغم من انطلاق النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ~~نظرة بلوخ النقية للواقع العيني، إلا أنها لم تتميز بالنزعة ~~التفاؤلية التي اتسم بها تفكيره، بل كان لأكثر أعضائها نزعة ~~تشاؤمية دفعتهم إلى اليأس من أية ثورة، واتسم الفكر عند القليل ~~منهم بالتفاؤل. لقد ميز التيار الفكري النقدي للمدرسة اتجاهان ~~متباينان من ناحية الرؤية ومتحدان من ناحية المنطق التحليلي ~~النقدي لكونهما نتاج فكر جدلي واحد. التيار الأول هو ~~التشاؤم الذي شكل النزعة الغالبة لمفكري المدرسة، والتيار ~~الثاني هو التفاؤل. ولعل هذا الجانب التفاؤلي كان ثمرة ~~للتأثير الذي مارسه بلوخ عليهم باعتباره تيارا فكريا ~~أساسيا زامن الفترة السياسية-الثقافية المكونة للعناصر ~~الشابة التي قامت بإنشاء المعهد بعد ذلك. وارتباط بلوخ والناقد ~~الأدبي الماركسي فالتر بنيامين بعلاقة صداقة شخصية كان يمثل ~~الصورة التكميلية المؤكدة للتيارين النقيضين اللذين تقاسما ~~المسارات الفكرية للمدرسة. كان بلوخ يكن احتراما كبيرا ~~لفالتر بنيامين على الرغم من عدم اتفاقه مع نظرته التشاؤمية ~~للواقع، فالتشاؤم عند بنيامين هو الواقع أو الضرورة الأولى ~~لفهم الواقع موضوعيا بمحتواه الدرامي ومأساويته. # 61 # نظر أصحاب مدرسة ~~فرانكفورت إلى الواقع بوصفه حافلا بالصراعات والتناقضات، ~~وأسسوا فلسفة اجتماعية تركز موضوع بحثها على البشر المغتربين ~~عن أشكال حياتهم التاريخية في المجتمعات الرأسمالية والصناعية ~~الشمولية التي أنتجوها كما كانوا نتاجا لها، واغتربوا عنها ~~كما كانت السبب في اغترابهم. # 62 # أما عن بلوخ فقد شارك مفكري عصره همومهم واشترك ~~معهم في الحلم بالتغيير، ولكنه لم ينته إلى نظرة مأسوية ~~للتاريخ كما فعل معظم أصحاب المدرسة، وكان تيودور أدورنو من ~~أكثر أعضاء المدرسة قربا من بلوخ وربطت بينهما صداقة حميمة ~~قبل هجرة أعضاء المدرسة إلى الولايات المتحدة في فترة الحكم ~~النازي. أعجب أدورنو بفلسفة بلوخ وشبهها بالعمل الموسيقي ~~الكبير الذي تتصاعد ms052 نغماته تدريجيا، وكان هذا قبل أن تصاب ~~العلاقة بينهما بالفتور في فترة المهجر. ~~(أ) أدورنو (1903-1969م) # فهم بلوخ الفلاسفة التقليديين - كما سبق القول - فهما ~~غير تقليدي، وأهم ما جذب انتباهه من كل هؤلاء الفلاسفة هي ~~العناصر الحية أو الشابة التي تكمن في تفكيرهم وتتوجه ~~نحو التغيير، لأن فلسفته كلها توجهت نحو تغيير العالم. ~~لذلك كان من أهم العناصر التي جمعته بأعضاء مدرسة ~~فرانكفورت - ولا سيما أدورنو - هو تأكيد هذا العنصر وهو ~~شباب الفلسفة أو حيويتها الدائمة، ومقاومتها للآراء والقيم ~~السائدة، وتجاوزها الدائم للواقع القائم. وعلى الرغم من أن ~~بلوخ كان ينتمي إلى جيل سابق على جيل أدورنو وزملائه ~~الذين اعتبروه بمثابة معلم بالنسبة لهم - وإن أخذوا عليه ~~افتقاره إلى الموضوعية والمنهجية وانسياقه وراء الأحلام ~~والتعبيرات الشعرية والمجازية - فإن أهم ما يربطه بأدورنو ~~بوجه خاص هو الإيمان بشباب الفلسفة، بالمعنى السابق ~~الذكر. أدرك بلوخ منذ شبابه مدى الحيوية والشباب في ~~«ظاهريات الروح»، كما كان أدورنو يقول لتلاميذه دائما إن ~~الفلسفة هي في الحقيقة مسألة تهم الشباب قبل كل شيء، وإن ~~على الفيلسوف أن يحافظ على القدرة على التساؤل والاندهاش ~~الذي يطبع مرحلة الشباب. # 63 # آمن بلوخ وأدورنو بموضوع شباب الفلسفة وحيويتها وقدرتها ~~على التجدد المستمر: «لا يزال هذا الوجود في كل لحظة لغزا ~~لم يحل، وسؤالا غامضا ومتجددا يفرض نفسه أو يفرضه ~~الموجود المباشر ذاته: لم وجد أي شيء على الإطلاق؟ وهو ~~يعبر عن نفسه بالخلق المتجدد في كل لحظة ومن خلال كل لحظة، ~~لأن العالم كله تجربة لحل السؤال الدائم عن الأصل، السؤال ~~المطوي في كل موجود مباشر - هناك.» # 64 # وكما كان أدورنو يناشد تلاميذه الاحتفاظ ~~بالقدرة على التساؤل والاندهاش، فإن بلوخ لم يتخل عن ~~إيمانه بقدرة الفيلسوف على الاندهاش الإيجابي «إن الاندهاش ~~الإيجابي الأصيل لا يتولد عنه السؤال القديم: لم كان وجود ~~على الإطلاق ولم يكن بالأولى عدم؟ بل ينشأ عنه هذا السؤال ~~الذي تحدق عيناه - كعيني الفتاة التي صورها «دورر» في ~~لوحته المعروفة «الكآبة» - في أفق «الكل» الغائب: ms053 لم كان ~~وجود كالعدم؟ ومتى يكتمل ويخرج من حالة عجزه ونقصه ~~وافتقاره إلى الكل اليوتوبي؟» # 65 # ومثل هذا التساؤل الشاب الذي يؤدي إلى إجابات جديدة شيء ~~لا يقدر عليه الفلاسفة التقليديون أو الحرفيون؛ لأن شباب ~~الفلسفة ضد كل ما هو جامد ومتحجر سواء في الفكر أو في ~~المجتمع، وضد ما يسمى بالحس السليم أو الفهم المشترك. لذلك ~~لم يخضع أدورنو وبلوخ للغة الشائعة في المجتمع لأنها لا ~~تلائم أفق تفكيرهما ولا مصطلح تعبيرهما. كانت هذه اللغة ~~السائدة سواء في المجتمع أو عند الفلاسفة التقليدين لغة ~~بالية وعاجزة عن طرح أسئلة جديدة ولم تتسع لأسئلتهما، ~~ولذلك كانت إجابتهما مثل إجابات هيجل في عصره؛ غريبة على ~~معاصريهما. ولعل هذه اللغة الجديدة التي صيغت فيها الأسئلة ~~الجديدة أن تكون أهم ما جذب إليهما الشباب الثائر في ~~الجامعات الأوروبية عام 1968م بحيث كان شعار هؤلاء الشباب ~~الذي كتب على الجدران في باريس من وحي فلسفاتهما، وهذا ~~الشعار هو «كونوا واقعيين وافعلوا المستحيل.» # 66 ~~(4) مؤثرات دينية # كانت المؤثرات الدينية والصوفية هي أحد المصادر الهامة التي ~~زادت أفكار بلوخ غنى وثراء، والواقع أنه يصعب تحديد أسماء ~~المفكرين الدينيين الذين قد ~~يكون لهم تأثير مباشر عليه، وإذا كان تفكيره الديني يقترب من ~~أنثروبولوجيا الدين عند فويرباخ، إلا ~~أنه - أي بلوخ - يتجاوز هذه ~~الحدود ويتمثل كل التراث الديني والصوفي وبخاصة التراث ~~اليهودي-المسيحي، وقد تمثل تأثير هذا التراث الديني في إحدى ~~الأفكار الهامة التي تشكل فلسفة بلوخ وهي «فكرة الخلاص» التي ~~جعلت فلسفته تحلق في أفق النهاية المفتوحة بأسلوب صوفي ~~غامض، صحيح أن التفكير «الأخروي» أو التفكير في النجاة أو ~~الخلاص الذي سيتحقق آخر «الزمان» في مملكة السعادة ~~والخير - التي ستنتهي معها كل الشرور وتمتلئ الأرض عدلا بعد ~~أن ملئت جورا - قد وجد على الدوام في كل العصور والأديان ~~والحضارات. ولكن بلوخ جمع كل الشواهد التاريخية والحضارية ~~الممكنة على هذا التفكير مع ما يتصل بها من تصورات للخلاص ~~والمجتمع اليوتوبي الأمثل، وهي التصورات الحالمة التي تفنن ~~الخيال البشري في ms054 رسمها ليملأ ثغرات الواقع المعيش ويعوضه عن ~~فقره ونقصه. ثم تعلم ماركس كيف يشد هذه التصورات من فضاء ~~الأوهام الغيبية والمثالية، الذي كانت ترفرف فيه، إلى أرض ~~الواقع الصلب والممارسة العملية والثورية، بحيث لا يعود الواقع ~~أو المجتمع الذي تختفي منه اللاإنسانية مجرد حدث ينتظر أن يتم ~~في آخر الزمان ونهاية التاريخ، بل يصبح محور التاريخ نفسه ~~ومحركه الحقيقي في مساره الحر واتجاهه الصحيح. وكان من الضروري ~~«لتاريخية» الخلاص، أو لوضعه في التاريخ، من وجود منهج علمي ~~لتفسير العملية التاريخية وتحديد قوانينها والقوى المحركة لها، ~~بالإضافة إلى الممارسة الثورية التي لا تكتفي بنقض الأوضاع ~~القائمة، بل تسعى لبناء مجتمع إنساني جديد، يزول منه القهر ~~والقمع والاستغلال والاغتراب. # 67 # ولم يكن من المستغرب أن يلجأ بلوخ للتعبيرات الدينية أو شبه ~~الدينية التي امتلأ بها «مبدأ الأمل» خلال حديثه المجازي عن ~~الهدف النهائي أو بالأحرى «اليوتوبي» لعالم المادة وعالم ~~الإنسان. ذلك أن الغاية النهائية أو الخير الأقصى والأسمى، قد ~~وصفا منذ القدم باسم الجلالة «الله». وإذا كان بلوخ - شأنه في ~~هذا شأن الماديين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم - قد تحاشى هذه ~~التسمية، وآثر شيئا يمكن أن يوصف بالقدر أو المشيئة العارضة ~~التي تحدث الجديد وغير المنتظر وتظهرهما في «الهنا والآن»، ~~فقد تسرب هذان المفهومان إلى فلسفته من الموروث الديني، وأجرى ~~عليهما نوعا من التجريد من ~~الروح الأسطورية أو التخلص من سحر الأسطورة الذي يميز كل ألوان ~~الحداثة في عصرنا، وبذلك شدهما إلى عجلة الصيرورة الدائرة في ~~عالمنا ودنيانا «هنا والآن». ولكن نزعة التجرد من التفكير ~~الأسطوري - التي اتجهت منذ عهد فويرباخ وماركس إلى نقد ~~الأيديولوجيات وكشف القناع عن المضامين الدينية بوصفها من خلق ~~البشر وافتراضهم وصنع خيالهم - لم تستطع القضاء على الإشكالات ~~الدينية، فبقيت عالقة بفكر بلوخ المادي والدنيوي، وظلت ماثلة ~~في الأسلوب المجازي الذي يميز لغته التعبيرية، وفي الثنائية ~~الجدلية التي نجدها واضحة عنده في تأكيد الضرورة والعرضية في ~~حياة البشر وتاريخهم، وافتراض «الكل» الكوني اللانهائي مع ~~القول بعدم تحقيقه لهويته أو ms055 ذاتيته تحقيقا نهائيا. # وهنا يمكن أن نضيف أن التراث اليهودي كان له تأثير كبير على ~~فلسفة بلوخ، فهذا التراث الذي ظل طويلا في حالة اشتياق للخلاص ~~من أجل مستقبل أكثر أمنا وإشراقا هو الذي صاغه في فلسفة ~~حقيقية للأمل واليوتوبيا، وربما جاز القول بأنه كتب فلسفة ~~للتاريخ من روح «الخروج»، أي الخروج من تاريخ الظلم والاضطهاد ~~والاغتراب إلى «مملكة الحرية»، كما أن التراث اليهودي الصوفي ~~الطويل - الذي شكل جزءا كبيرا من حياة بلوخ وفكره - قد أثر ~~أيضا في توهج الصور المجازية والشعرية والرمزية التي ميزت كل ~~كتاباته، ولكن يمكن القول أيضا إنه تجاوز الحلم اليهودي ~~بمفهومه الضيق وحلق به في آفاق أكثر اتساعا حتى وصل الحلم ~~إلى قمته في اليوتوبيا التي يجب أن تحرر الإنسان من الاغتراب، ~~وهذه اليوتوبيا التي حلم بها بلوخ هي ما أطلق عليه اسم ~~«الوطن»، أو الجماعة الإنسانية الحرة العادلة. # ولأن الهدف الأخير أو «اليوتوبيا» النهائية، التي تسعى إليها ~~فلسفة بلوخ يستحيل التعبير عنها بغير الأسلوب المجازي ~~والميتافيزيقي، فقد بقي أسلوبه وفكره شديد القرب من لغة ~~التفكير الديني ومنهجه وأسلوبه، سواء أكان هذا التفكير صوفيا ~~وجدانيا أو لاهوتيا عقليا، ولذلك لا نعجب إذا وجدنا بعض ~~الكتاب والنقاد يصفون فلسفته بأنها في حقيقتها فلسفة دينية. ~~والواقع أن هذا الوصف فيه شيء من الحقيقة لا الحقيقة كلها، لأن ~~الفكر الفلسفي كله قد نشأ في الأصل عن الأسئلة والمشكلات ~~الدينية، وإن كان بلوخ مثل غيره من الماديين قد أنزلوا هذه ~~الأسئلة والمشكلات من السماء إلى الأرض، ولم يكتفوا «بعلمنتها» ~~(نسبة إلى العالم) «وعقلنتها» كما فعلت الفلسفة طوال تاريخها، ~~وإنما قلبوا المتعالي وأسكنوه العالم والأرض، ولا تزال الفلسفة ~~قريبة من الدين كلما لمست «الأسئلة الحدية» التي تطرحها ~~الميتافيزيقا وسليلتها الأنطولوجيا، أو عرضوا ~~لمشكلات القيم والموت ~~والمصير ... إلخ. ومع أن الفلسفة تطرح الأسئلة والمشكلات الدينية ~~طرحا مختلفا، وتستخدم المفاهيم الدينية بطريقة مغايرة، فهي ~~لا تستغني أبدا عن الاقتراب من الدين والتحليق في أفقه، ~~وبخاصة حين تبتعد عن اللغة العلمية وتلجا إلى ms056 اللغة المجازية. ~~والدليل على هذا أن اللاهوتيين قد انجذبوا إلى فلسفة بلوخ وإلى ~~الفكرة المحورية التي تعالجها لغته التبشيرية الجياشة بالصدق ~~بتنويعات مختلفة، # 68 # وهي فكرة الخلاص التي ترتبط أوثق ارتباط بالأمل في ~~«اليوتوبيا» المحتومة والموعودة، وإن لم يغب عنهم بطبيعة الحال ~~أنه لم يتخل عن «دنيويته» وماديته التي بقيت مفعمة بالنبض ~~الصوفي والحنين الروحي. # ولا شك أن أحد الإشكالات الأساسية في فكر بلوخ اليوتوبي ~~تتمثل في استحالة تحقيق «الهدف اليوتوبي» داخل العالم نفسه. ~~فطالما وجدت في هذا العالم (أي في مادته الطبيعية أو في ~~التاريخ البشري الذي يدور فيه) إمكانات لم تتحقق بعد ولم ~~تتحول إلى واقع، فسوف يبقى ناقصا أو غير واقعي بصورة تامة. ~~ولو افترضنا تحقيقه للواقع الكامل أو لهويته الذاتية لكان معنى ~~هذا أن نلغي وجوده بوصفه عالما دائب الحركة. ومعنى هذا أيضا ~~أن «الموجود الذي يبلغ أقصى درجات الواقعية» سيصبح في هذه ~~الحالة هو «الموجود الذي بلغ أقصى درجات الكمال» # 69 # وكلاهما - بحكم الضرورة الجدلية نفسها - لا يمكن ~~أن يوجد في «العالم» بل في «متعال» يقع فوقه أو وراءه، وترتفع ~~عنده الصيرورة وتتم النهاية الأخيرة # 70 # أما عن طبيعة هذا «المتعالي» فلا ننتظر من بلوخ ~~بطبيعة الحال أن يخوض في شأنه بطريقة مباشرة، وإن كنا نشعر ~~بأنه يصفه وصفا يوحي بتبرئه منه وهو بصدد الحديث عن هيجل، ~~وكيف ترفع كل العلاقات والإمكانات والظواهر في «الروح» أو ~~«العقل» المطلق الذي رجع إلى ذاته وبلغ العلم المطلق، وحقق ~~هويته: «إن المرحلة الأخيرة، وهي الرابعة عشرة لظهور الروح، هي ~~بالتالي تلك المرحلة التي يقف فيها على عتبة تحقيقه لذاته، أي ~~مرحلة العلم المطلق. وفي هذه المرحلة يتمثل شكل من أشكال ~~العلاقة والظهور الذي لم يعد في الحقيقة كذلك. فهو يظهر - كما ~~يحدث للعمر المتقدم - أثناء تخلصه من كل ظهور، بحيث ترجع ~~المباشرة (أي الوحدة البسيطة المباشرة التي بدأ بها الروح ~~المطلق) بعد انتهاء جميع التوسطات. هنا تنتهي علاقة الذات ~~بالموضوع التي ظلت مستمرة حتى الآن، وينتهي معها هدفها ms057 المثالي ~~ألا وهو رفع الموضوع أو إلغاؤه.» # 71 # هذا التحديد الأنطولوجي للغاية النهائية عند هيجل لا يخلو ~~كما نرى من مضمون ديني، وبغض النظر عن التفسيرات المختلفة ~~للنسق الهيجلي (دينية كانت أو منطقية أو أنطولوجية واحدية ... ~~إلخ) التي تخرج عن موضوع هذا الحديث، فإن كلام بلوخ السابق ~~يمكن أن ينطبق على «نسقه المفتوح» نفسه. فاليوتوبيا عنده لا ~~تقتصر على تحقيق المجتمع «الإنساني» الخالي من الطبقات وابتداء ~~حقبة جديدة كل الجدة في التاريخ البشري، وإنما تضع في حسابها ~~كذلك «الشكل النهائي» الذي ستتمخض عنه صيرورة المادة أو ~~مسيرتها الجدلية، أي أنها تنتهي بصورة من الصور إلى «نهاية» ~~ربما لا تختلف كثيرا عن النهاية التي يصفها النص السابق في ~~كلامه عن الروح الهيجلي المطلق. صحيح أن تفكير بلوخ اليوتوبي ~~يحرص على أن يبقى دنيويا وداخل إطار العالمين الطبيعي ~~والتاريخي، ولكنه مضطر للاتجاه إلى أفق «متعال» يمكن أن يحدد ~~تحديدات دينية في جوهرها مهما حاول أن يبتعد صراحة عن كل تحديد ~~أو تعريف نهائي لهذا الأفق المتعالي أو لهدفه اليوتوبي ~~النهائي والأخير. ولعل «النزعة الأخروية» - بالمعنى الدنيوي أو ~~العالمي بطبيعة الحال - التي نجدها واضحة عنده ولا يمكن ~~تجريدها من مضمون ديني، لعلها هي التي تشجع على هذا التفسير ~~«الديني» لفلسفته، على الرغم من حرصه على إنكار أمثال هذا ~~التفسير وحرصه على السخرية اللاذعة منه، بيد أن الفجوة واسعة ~~بين النية والعمل، وبين ظاهر الكلام ومضمونه. # ولا بد في النهاية من الاعتراف بأهمية «النواة الأنطولوجية» ~~لتفكير هذا الفيلسوف والإشادة باكتشافه لمقولات الوعي الذي ~~يأمل ويتوقع، ومعادلاتها الموضوعية في تاريخ البشر وسعيهم ~~المتصل لبلوغ «اليوتوبي» بأشكاله التاريخية المتعددة، وتأكيد ~~دور «الذات» الإنسانية في تحقيق الأمل على المستوى الطبيعي ~~والبشري على السواء. وإذا كنا قد أشرنا إلى المضامين الدينية ~~والتفسيرات الدينية الممكنة لتفكيره، فإن هذا لا يجعل فلسفته ~~نوعا من ظاهريات الدين أو الحنين الديني، وإلا كان هذا ~~تبسيطا مخلا وتحريفا شديدا لها، لأنها ستبقى فلسفة الوعي ~~الثائر والثوري، مهما احتفظ هذا «الدنيوي» بشيء من الحنين ms058 ~~الديني والأشواق الصوفية والمثالية الشعرية. وإذا كان بلوخ قد ~~صور لنا التاريخ الطبيعي والتاريخ البشري في صورة يوتوبية، ~~فلم يكن اهتمامه بالأنطولوجيا المادية والفلسفة الطبيعية ~~تشتيتا للأنظار عن التاريخ الإنساني الذي لا يزال في حاجة إلى ~~التشكيل، لأن الأول يقدم الأساس أو المعدل الموضوعي الذي يقوم ~~عليه الثاني ولا ينفصل عنه في غمرة الصراع المستمر بين الإنسان ~~والطبيعة، كما لا ينفصل عن الصراع من أجل السيطرة على الطبيعة ~~لكي نكون في النهاية - كما تقول عبارة ديكارت الشهيرة - سادة ~~عليها ومالكين لها. # أخيرا فعلى الرغم من تعدد المصادر وتنوع المؤثرات التي ~~ترددت أصداؤها في فلسفة بلوخ فقد امتزجت وشكلت نسقا فلسفيا ~~مستقلا له بناؤه الأنثروبولوجي والأنطولوجي. وعلينا الآن أن ~~نمهد لهذا النسق ونبين أهم معالمه ومقولاته قبل أن نتناول ~~كلا منها بالشرح والتفصيل. # ثالثا: مدخل إلى فلسفة بلوخ ومفاهيمها الأساسية # قبل البدء في عرض فلسفة بلوخ يتعين طرح الأفكار والمقولات ~~الأساسية التي تعد مفتاح فلسفته اليوتوبية ونسقها المفتوح، والتي ~~يصعب فهمها قبل إلقاء الضوء عليها وتناولها بالشرح بالقدر الذي ~~يجعلها واضحة وميسورة الفهم حين يرد ذكرها في موضعها من هذا ~~البحث. وينبغي التنويه في البداية أن مقولات بلوخ تختلف اختلافا ~~أساسيا عن المقولات التقليدية في التراث الفلسفي. إنها ترتبط ~~بالأفكار الرئيسية في فلسفته الجدلية المتفتحة على الجديد، ~~وبالوجود الذي لم يكتمل بعد، وبالنزوع الموضوعي - الكامن في ~~الموضوع والذات على السواء - الذي تحاول الإمساك به وبلورته ~~بطريقة تصورية. وقد أدرك بلوخ أن المقولات التقليدية عاجزة عن أن ~~تقول شيئا عن عملية الصيرورة الشاملة، وأن المقولات التي تلائم ~~فلسفته لا يمكن أن تكون سكونية ولا معتمدة على التجربة، ولا مجرد ~~قوالب توضع فيها مادة هذه التجربة، وإنما يجب أن تكون مطابقة لتدفق ~~الصيرورة الواقعية. ولذلك لا يستغرب منه أن يؤكد باستمرار أن ~~مقولات الصيرورة لا بد أن تكون هي نفسها في صيرورة، وأن الثابت ~~الوحيد هو أنها تعبر عن العلاقات التي تربط الموجود بالماهية، ~~وأنها تقوم في مجموعها على المقولة الأصيلة المعبرة عن ms059 العلاقة ~~السابقة بين الوجود وبين الماهية في داخل الوجود الواقعي وفي داخل ~~هذا العالم. # وأول ما نلاحظه عن المقولات هو أنها تحاول أن تدل على العلاقة ~~بين «الموجود» الكائن بالفعل وبين «الممكن» الذي يسعى إليه هذا ~~الموجود، أو بعبارة أوضح أنها تشير إلى «النزوع» الكامن فيه نحو ~~الوجود الذي لم يتحقق بعد، أو الوجود الذي ما يزال في طريقه إلى ~~التحقق. ومع ذلك فإن انفتاح هذه المقولات على «ما سوف يصير» لا ~~يعني أنها تنصب على الصيرورة المتدفقة فحسب، وإنما يعني أنها تنصب ~~كذلك على الأشكال التي تبدعها هذه الصيرورة، أي أن نهر الصيرورة ~~الجياش لا يصح - على حد تعبير بلوخ نفسه - أن يتجاهل «موانئ» ~~المقولات التي ينبغي أن تحتويه عندما يرسو فيها. # 72 # والملاحظة الثانية التي ينبغي تأكيدها كذلك منذ البداية هي أن ~~المقولات في فلسفة بلوخ لا تقتصر وظيفتها على التصور والمعرفة، ~~وإنما تشارك بطريقة خلاقة في تكوين أشكال جديدة ومتجددة للوجود. ~~فهي تبلور العناصر المادية البارزة من أحداث الصيرورة، ثم تقوم ~~بعملية التوسط الجدلي بتحديد النزوع الموضوعي الكامن في هذه ~~العناصر والهدف الذي تتجه إلى تحقيقه وتردها مرة أخرى إلى عملية ~~الصيرورة، وبذلك تتدخل بطريقة تصورية في هذه العملية المتدفقة ~~بحيث ترفع التضاد القائم بين الذات والموضوع وبين النظرية ~~والتطبيق. ومعنى هذا أن المفهوم (أو التصور) ليس مجرد تصور تأملي ~~بعيد عن الموضوع، إذ يتقرر مضمون الصدق المحتوى فيه طبقا للصلة ~~التي تلائم بين الذات والموضوع وتربط بينهما كما يربط الجسر بين ~~ضفتي النهر. ف «اللا» الكامنة في الموضوع والتي تعبر عن افتقاره ~~إلى التحقيق وتدفعه إليه باستمرار، تؤدي إلى المواءمة بين مقاصد ~~الذات ونوازع الموضوع، وبين الوظيفة اليوتوبية في الإنسان والنزوع ~~الموضوعي في العالم، مع العلم بأن هذا التواؤم بينهما ليس أمرا ~~بسيطا وبديهيا، لأنه يحتاج باستمرار إلى تدخل العامل الذاتي ~~وتوجيهه، لأن تطور العالم وصيرورته محكومان بالوضع الطليعي للإنسان ~~وقدرته على المعرفة الموضوعية الواقعية وعلى التدخل بطريقة تصورية ~~في توجيه تلك الصيرورة، وبعبارة أخرى فإن ms060 «تجربة العالم» لا ~~تستغني عن الإنسان الواعي والعارف الذي يقف موقف «الطليعة» من ~~مسيرة العملية الكونية. وإذا كانت المقولات تتحدد في رأي بلوخ ~~بالشروط التاريخية والاجتماعية فإنها لا ترد إليها تماما، لأنها ~~لا تخرج في النهاية عن أن تكون محاولات مفتوحة ومستمرة لاستخلاص ~~أشكال الوجود وأساليبه بصورة موضوعية وواقعية. # 73 # هكذا تكون المقولات عند بلوخ أحكاما عامة عن العملية الكونية ~~المفتوحة وعن اتجاهات نزوعها نحو المستقبل. وإذا كان الحديث هنا عن ~~العام والعمومية، فليس ذلك بالمعنى المفهوم في نماذج التفكير ~~الاستنباطي التقليدية التي تتحدث عن المفاهيم العقلية العامة ~~والجزئيات الواقعية الخاصة التي تندرج تحتها أو تستبعد منها إذا ~~كانت لا تدخل في قوالبها. ذلك لأن فلسفة بلوخ لا تتجاهل التغيرات ~~التي تلحق بالخاص أو بالجزئيات الخاصة. ويلجأ بلوخ إلى فلسفة ~~ليبنتز التي يرى أنها توضح العلاقة بين العام والخاص. فالعام عند ~~هذا الأخير لا يقع «قبل» الجزئي أو الفردي الخاص ولا «خارجه» وإنما ~~يكمن في داخله. ولا يوجد عند ليبنتز شيئان متشابهان ومختلفان من ~~جهة العدد وحده، لأن الفردي عنده هو كذلك العام من الناحية ~~المنطقية، أي أن كل الجزئيات الفردية أو المونادات مترابطة من حيث ~~إنها تعكس الكون وتعبر عنه تعبيرات مختلفة وغير متناهية، على نحو ~~ما ينعكس الوجه الواحد انعكاسات لا آخر لها في مرايا مختلفة، وكان ~~التغيرات التي تطرأ على المونادات الفردية في جملتها ليست إلا ~~لحظات من المجموع الكلي المتغير على الدوام. # 74 # إن المقولة هي حكم عام على الخاص، أو هي حكم على الخاص المتكثر ~~كثرة لا نهائية من خلال العام المشترك، وهي - أي المقولات - تعبر ~~على المستوى الفكري عن أعم التصورات العلاقية. وبذلك تعكس أعم ~~أشكال الوجود المتحرك وأنحائه. وإذا كان من الممكن قيام علاقة بين ~~الوجود والماهية، فإن هذه العلاقة نفسها هي المقولة الأساسية وسائر ~~المقولات تفريعات لها. والمهم في هذا كله أن المقولة الأساسية هي ~~التي تعبر عن العلاقة بين الوجود القائم الذي لم يكتمل، وبين ~~الماهية أو الجوهر الذي سيتحقق أو ms061 في طريقه إلى التحقق في ~~المستقبل. فما هي إذن طبيعة هذه المقولة؟ وماذا يعني بها ~~بلوخ؟ ~~(1) ال ~~«ليس-بعد» # Not-yet # إن ال «ليس-بعد» من أهم المقولات المحورية في فلسفة بلوخ. ~~وإن كانت تنطوي على إشكالات أنطولوجية تصدم الفكر العادي ~~وتحيره. وتتلخص هذه المقولة على المستوى الإنساني في هذه ~~الصيغة: إننا لم نكن أو «لم نوجد بعد»، ولذلك «فسوف نكون أو ~~نوجد». كما تتمثل على المستوى الطبيعي في أن العالم المادي «لم ~~يكتمل بعد». # لقد تصور بلوخ أن مقولة ال «ليس-بعد» لا تحتاج إلى برهان أو ~~دليل لأننا جميعا نشعر بهذا الذي لم يوجد بعد «شعورا ~~مباشرا»، وكل ما يحتاج إليه هو أن نصفه، وإنه - كمبدأ فلسفي ~~- يقيني يقين الكوجيتو الديكارتي، بحيث يمكن تسميته - على ~~طريقة ديكارت - «بداهة ما ليس-بعد»، بل إن ال «ليس-بعد» متضمن ~~في الكوجيتو «الديكارتي» نفسه (أي الأنا موجود)، لأنه بداهة ~~إنسانية خالصة يضاف إليها الفكر والمعرفة فيما بعد. # هذه ال «أنا موجود» تظل خرساء معتمة كالحجر حتى تتعلق بشيء ~~خارجي تملكه فتملك نفسها، وهذا الشيء الخارجي ليس إلا العالم ~~الذي لا يزال معلقا بين الوجود والملك، عندما أملكه أوجد، ~~وعندما أوجد أملكه. (أي تتحقق عندئذ وحدة الذات والموضوع، ~~ويزول الاغتراب الذي سبق أن ذكرناه بين الوجود والماهية) وقد ~~عبر بلوخ عن هذا كله في هذه العبارة التي وضعها شعارا لخواطره ~~الأدبية والفلسفية التي جعل عنوانها «آثار»: «ما الأمر إذن؟ ~~إنني كائن أو موجود، ولكني لا أملك نفسي بعد، ولهذا سوف ~~نكون.» فالإنسان إذن كائن، وماهية العالم لن تتفتح إلا فيه ومن خلاله. # 75 # والواقع أن مشكلة هذه المقولة تكمن في هذه الكلمة الصغيرة ~~«ليس-بعد»، إذ كيف يستطيع الفكر العادي أن يقبل وجود شيء لم ~~يوجد بعد - أي لا وجود له من الناحية الأنطولوجية الدقيقة - ~~في باطن الموجود نفسه حتى لو كان ذلك على سبيل الإمكان، غير أن ~~المشكلة الحقيقية تكمن في هذا السؤال البسيط: هل نفكر في ~~الوجود من خلال المنطق التقليدي أم من خلال المنطق الجدلي؟ ~~إننا ms062 لو فكرنا تفكيرا جدليا لوجدنا أن المسألة أقدم مما ~~نظن، فهي ترجع إلى فلسفة أفلاطون المتأخرة، وبخاصة في محاورتيه ~~بروتاجوراس وبارمنيدس، حيث ناقش مشكلة احتواء الواحد على ~~الكثير وخروج اللاوجود عن الوجود، كما يمكن أن نجد لها تأثيرا ~~على ميتافيزيقا ليبنتز وآرائه شبه الجدلية عن تحقيق إمكان ~~معين من إمكانات بديلة عديدة، ثم إنها ماثلة في شروح هيجل على ~~مثلثه الجدلي الأول بمقولاته الثلاث عن الوجود والعدم ~~والصيرورة. # ولكن هل حلت المشكلة بجعل المقولات جدلية؟ إن بلوخ يضيف ~~ملمحا جدليا جديدا يضع فلسفته في إشكالات غير هينة. فهو ~~يزعم أن ذلك الذي لم تتحقق شروط وجوده بصورة كافية، موجود ~~بالفعل على نحو «ما». وفي كل معرفة واعية إشارات أو دلالات ~~على معرفة أخرى لم يستوعبها الوعي بعد، ولكن يمكنها في ~~المستقبل أن ترتفع إلى مستوى الوعي، وكأننا نملك هذه المعرفة ~~الأخيرة بالفعل وإن لم يتم استيعابها بصورة واعية. ويتمثل ~~الإشكال هنا في أن ثمة - من ناحية الموضوع - وجودا لم يوجد ~~بعد تتجه إليه هذه المعرفة الأخيرة أو تستشعره، وإن لم يتسن ~~لها في الحقيقة أن تعرف عنه شيئا بعد. # ويمكن على سبيل المحاولة توضيح هذا الإشكال بالقول إن ~~الموجود القريب منا قربا مباشرا - سواء على مستوى العالم ~~المادي الواقعي أو على المستوى الباطني والوجداني - يتصف بأنه ~~معتم ومستعص على المعرفة و«اللا» الكامنة فيه لا تصبر على ~~حالة الافتقار والنقص، ولذلك نجد فيه الدافع الذي يحفزه على ~~التعلق بشيء ما والوصول بهذا الشيء إلى ماهيته، وبهذا يمكن ~~التفكير فيه والحمل عليه، أي وصفه بمحمول معين، والعلاقة بين ~~«اللا-موجود» و«الموجود-هناك» هي نوع من التوسط بين الموجود ~~القائم وبين ماهيته الممكنة، بمعنى أن هذه العلاقة تقوم على ~~حضور متميز للماهية. # 76 # مهما يكن من شيء فسوف نتعرض لشرح المقولات بالتفصيل فيما ~~بعد، ويكفي الآن القول بأن كتاب «مبدأ الأمل» منجم زاخر ~~بمحاولات بلوخ وتجاربه التي لا تنتهي لإثبات الوجود الفعلي ~~لأحلام وأفكار واستشعارات تموج بها أشكال الوعي ومضامينه التي ~~لا نهاية لها أيضا. ms063 ولذلك نراه ينطلق كالنحلة الدءوب ليلتقط ~~أشكال الرغبة والشوق والحلم والتوقع والخيال والدوافع التي ~~حركت وعي البشر في شتى الظروف والعصور والديانات والحضارات، ~~محاولا أن يجد لها تفسيرا أنطولوجيا تقوم على أساسه، وأن ~~يشرحها على ضوء العالم الأفضل الذي وجه تلك الأحلام والأشواق ~~للتعبير عنه والسعي إلى بيان معالمه. وقد كان هدفه من كل هذه ~~المحاولات هو أن يثبت وجود تلك المعرفة التي لم تصل إلى درجة ~~الوعي، وأن يبحث عن أمثلتها ونماذجها التاريخية مؤكدا بذلك أن ~~للتفكير «اليوتوبي» مضامينه الواقعية، وأن توقع ما لم يوجد ~~بعد كان عاملا أنطولوجيا وأنثروبولوجيا حاسما في توجيه ~~مسيرة المادة والإنسان على السواء نحو الهوية المبتغاة على ~~مستوى العقل والخيال. وعلى مستوى الوجود والماهية. # وينبغي أن تفهم الهوية هنا بطريقة مختلفة عن طريقة فهم ~~مبدأ الهوية في المنطق التقليدي أو الصوري. فليس المقصود ~~بالهوية أن يصبح الذات والموضوع في هوية مع نفسهما من نفس ~~الجهة، وعلى النحو الذي يوجدان عليه، وإنما المقصود أنهما ~~يتغيران تغيرا مستمرا، وكل ما يمكن فعله والتفكير فيه هو ~~محاولة تحقيق الهوية بينهما والتوحيد بين الوجود والماهية. ~~وبعبارة أوضح فإن مبدأ الهوية يجب أن يفهم جدليا على أنه ~~يحيل إلى هوية ستتحقق في المستقبل، أي إلى الأفق الذي يصبح فيه ~~تحقيق الهوية في آخر المطاف أمرا ممكنا، وتتم فيه - بصورة ~~يوتوبية واقعية - علاقة الوجود بالماهية. # لقد قدم بلوخ فينومينولوجيا ل «ليس-بعد» تماثل فينومينولوجيا ~~الروح لهيجل. وإذا كانت هذه الأخيرة تدور في الحاضر الأبدي، ~~فإن فينومينولوجيا بلوخ تدور في الواقع الفعلي، أي في ال ~~«ليس-بعد» الموجود في جذور الواقع الفعلي الممتد إلى ~~المستقبل. ~~(2) الإمكان Possibility # سبق القول إن فلسفة بلوخ نسق مفتوح على المستقبل، ومع ذلك ~~فإنه لم يتجاهل الماضي ولم يهمل الحاضر، بل رأى أن الماضي ~~يحتوي على إرث ثقافي من الممكن الأخذ ببعض جوانبه. هذا الإرث ~~الآتي من الماضي ينطوي على أمل لا تفتر طاقته، كما أن الفكر ~~الماضي الذي نتصور عادة أنه قد مضى وذهب إلى غير عودة، ms064 هو في ~~الحقيقة فكر لم يكتمل، وعلى كل عصر أن يكتشف ويطور ما فيه من ~~إمكانات لم تتحقق بعد. وقد أخذ بلوخ من الموروث الثقافي مفهوم ~~أرسطو عن الأنتيليخيا # 77 # وأسس عليه نظرية عن مقولة الإمكان، وهي إحدى ~~مقولاته الهامة، بل هي ركيزة أساسية في فلسفته ~~اليوتوبية. # وينتقد بلوخ النظريات التقليدية في المعرفة كنظرية التصور ~~(عند الواقعيين) التي تقول بأن الحكم صورة مطابقة للواقع، أو ~~نظرية الإنتاج التي تقول بأن الحكم إنتاج خالص للعقل البشري، ~~ويرى أن النظريتين تتداخلان وتتفاعل كل منهما مع الأخرى بحيث ~~تتمخض عن تفاعلهما نظرية مادية وتاريخية يمكن وصفها بأنها ~~نظرية التقدم المتصل، هذا التقدم هو الذي يستعين به الإنسان ~~الذي يقف في طليعة المستقبل أو المتجه إلى الأمام، ويتعرف على ~~الشروط الضرورية لإمكان هذا التوجه، ويوائم بين الفكر الجدلي ~~المتقدم للأمام وبين النزوع الكامن في العالم نحو إنتاج أشكال ~~جديدة وأنحاء متجددة للوجود. # 78 # ومن الطبيعي أن تكون تصورات هذا الفكر الجدلي (أو مفاهيمه) ~~مختلفة عن تصورات المنطق التقليدي وألا تخضع في تكوينها ~~لقواعده وقوانينه. وما دام الوجود في حركة مستمرة فلا بد أن ~~تكون الأحكام العامة عن أسلوب الوجود متحركة كذلك، ولا بد من ~~البحث عن التصورات (أو المفاهيم) وهي في حالة النشوء والتكون. ~~بذلك يتغير التسلسل التقليدي الذي يسير من التصور إلى الحكم ~~إلى النتيجة، إلى تسلسل آخر مرن يبدأ من الشيء في حالة ~~الإمساك به بغير تحديد (وهو ما يسميه بالكلمة الألمانية # Ergriff ~~) ليسير إلى الحكم ~~فالتصور - أو المفهوم # Begriff ~~- فالنتيجة، ومن ثم يكون ذلك الشيء غير ~~المحدد سابقا للحكم، أي يكون مرحلة سابقة وممهدة للموضوع ~~الذي نتصوره ونحدده بإسناد المحمول إليه، أي أن الشيء غير ~~المحدد الذي نبدأ منه يفترض أنه متضمن في الموضوع، ثم يأتي ~~الحكم فيحدده ويجعل منه تصورا (أو مفهوما) عن طريق الحمل، ~~وهذا التحديد حكم يربط الموضوع الذي نسعى لتحديده بالمحمول ~~الذي يحدده. # 79 # ومقولة الإمكان كمقولة معرفية لها طبقات أو مستويات متعددة ~~تعكس درجات المعرفة. فالعالم ms065 الطبيعي ينطوي على إمكانات هائلة ~~ما زالت في حالة كمون، وعلى الإنسان أن يفجر هذه الإمكانات. ~~ويفرق بلوخ هنا بين الممكن الواقعي والممكن الموضوعي، فالممكن ~~الواقعي هو الممكن الذي لم تكتمل شروطه لكي يصبح ممكنا ~~موضوعيا. أما الممكن الموضوعي فهو الذي تتوافر معرفة شروطه، ~~وهو الممكن المتوقع بشكل علمي، وكلاهما لا يكتمل بدون الآخر، ~~لأن الواقع لم يتحدد بعد بشكل كامل، بل يتضمن إمكانيات ~~مفتوحة في شكل صيرورة متجددة دائما؛ مما يدل على أن الواقع ~~الفعلي لا يرفض اليوتوبيا. # 80 ~~(3) ما قبل ~~الظهور # pre-appearance # يرى بلوخ أن الخيال، أو المخيلة الخلاقة، وسيلة معرفية لرسم ~~المستقبل. لذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن يتناول الأعمال ~~الفنية على اختلاف ألوانها وأشكالها، وإن يفتش عن نماذجه الحية ~~بين الأساطير والحكايات والأشعار وغيرها من صور المخيلة التي ~~تجسد ما لم يوجد بعد أو توحي به. بذلك جعل للفن وكل أشكال ~~الرموز والاستعارة والتشبيه والأسطورة ... إلخ مرتبة أنطولوجية ~~رفيعة، فهي تضيف إلى العالم الواقعي معاني ودلالات تشارك في ~~تكوينه وتوجيهه، بقدر ما تعبر عنه وتعكس مضامينه بطريقتها ~~التصورية والموضوعية. # 81 # هكذا نجد أن المقولة «الأنطولوجية» المتعلقة بما لم يوجد ~~بعد، تناظرها مقولة «وجدانية» في الوعي والشعور. وقد أطلق ~~بلوخ على هذه المقولة تسمية تصعب ترجمتها وإن كان يمكن أن نطلق ~~عليها اسم «ما قبل-الظهور» فكل الأعمال الفنية الكبيرة (كالهرم ~~الأكبر أو لحن الهاليلويا لهيندل ...) تدل بوجودها نفسه في ~~عالمنا الأرضي دلالة مسبقة على وجود آخر لم يتم ولم يستوعبه ~~الوعي بعد (على الخلود وراء الموت في الحالة الأولى وعلى ~~مملكة الرب في الحالة الثانية، وكلاهما في الحقيقة «شفرة» لها ~~دلالتها على النعيم المأمول والسعادة المرتقبة). وفي هذا دليل ~~على أن الفن والدين يتخطيان الحاجز الذي يفصل الإنسان عما لم ~~يتحقق في الوعي، فهما (أي الدين والفن) مظهران سابقان للمتحقق ~~أو هما بمثابة الفجر الذي يبشر ببزوغ الصباح. # ومن الواضح أن كلمة «الظهور» أو المظهر في تسمية هذه المقولة ~~لا توحي بالمعنى الجمالي أو الأخلاقي الذي ms066 انحدر إلينا من ~~التراث الأفلاطوني، وجعل المظهر الحسي هو الوجه الفاسد والزائف ~~المقابل للحقيقة الخالدة الصادقة، كما أنها بعيدة عن المعنى ~~الذي جعل بعض الحسيين والظاهريين يؤكدون أن الموجود ليس إلا ~~مجموع مظاهره، أو الذي أغرى بعض علماء النفس الاجتماعي ~~والحضاري وفلاسفة الوجود بالتفرقة بين أن «نكون» وأن «نظهر» أي ~~بين الوجود الذاتي الأصيل والوجود الزائف مثل إريك فروم وهيدجر. # 82 # فالواقع أن «الظهور» - من جهة الفعل اليوناني الأصلي المرتبط ~~بالنور وما يظهره # phaino ~~- لا ~~يعني أكثر من التجلي بعد الخفاء، بحيث يخرج الموجود من ظلام ~~اللامعروف وغير المدرك ويبدو أمام العين فنقول إنه «ظهر»، وليس ~~هناك ما يدعو لوضع المظهر في مقابل الحقيقة، ما دام أن الحق ~~نفسه (ومن لفظه اليوناني الأصلي وهي أليثيا # Aletheia ~~) يعني المتجلي في ~~النور بعد الاحتجاب والتخفي (أو هذا على الأقل هو تفسير هيدجر ~~لهذه الكلمة) وليس المهم أن نقول إن الكائن أو الموجود هو ما ~~يظهر، وإنما المهم أن نعرف كيف يظهر. بذلك لا يكون المظهر ~~سلبا لحقيقته، بل كيفية ظهوره لنا، سواء تبين بعد ذلك أنه ظهر ~~في حقيقته أو في مظهر خداع، لأن الحق والخداع هما أنفسهما من ~~أساليب الظهور أمام الوعي المدرك. # 83 # وينطوي تعبير «ما قبل الظهور» على معنى الظهور أمام الوعي، ~~ولكن الأهم من ذلك هو الوظيفة الزمنية التي تتضمنها كلمة ~~«قبل». وبيان هذا أن ظهور الشيء يفترض الذات التي ينعكس عليها، ~~كما يفترض المسافة الزمنية التي تفرق الظهور الحقيقي (الذي ~~يقابله واقع فعلي أو ممكن) عن الظهور الزائف (الذي هو مجرد ~~وهم خادع أو سراب)، وربما عجزنا في البداية عن التحديد والقطع ~~برأي أكيد، ولكن ربما استطعنا أن نعمل على أن يكتسب «المظهر» ~~في المستقبل حقيقة ويتحول إلى واقع. فالذي يظهر لنا كعمل فني ~~أو أسطورة أو حكاية ... إلخ له واقعيته من حيث دلالته على معاني ~~نختبرها في أنفسنا، أو يمكن أن نختبرها، والذي يظهر لنا من ~~أعمال الفن يوقظ جوانب شعورية وجمالية ومعرفية لم يتم لنا ms067 ~~الوعي بها، كما يؤكد لنا وجود إمكان معين - داخل عالم ~~الممكنات اللانهائي - يمكن أن يصبح وجودا فعليا في ~~المستقبل. وهكذا يعمل المغزل الأبدي الذي ينسج ثوب العالم - ~~على حد التعبير المشهور لجوته في «فاوست» - متأرجحا بين واقع ~~ناقص ووعي خلاق حتى يتحقق ما لم يوجد بعد. # 84 # ولولا العامل الذاتي لاستحال تغيير العالم أو تغيير الواقع ~~على أساس الخطط والأهداف والمحاولة والخطأ، ولولاه لسقط العالم ~~أو الواقع صريع الصدفة والعرضية. والفن هو الشاهد الحي على هذه ~~الوحدة التي تؤلف بين الذات والموضوع؛ إذ «تموضع» الذات نفسها ~~في مواقف وأشكال وأفعال، كما يصبح الموضوع ذاتيا بفضل الخيال ~~الخلاق (سواء في الحزن أو الفرح أو التعبير عنهما)، وفي هذه ~~الوحدة التي يتلاحمان فيها يتجلى لنا العمل الفني الكامل أو ~~المتكامل الذي «يظهرنا» على الأفق الجدلي الشاسع لعملية ~~الإبداع الفني التي يكتسي فيها ثوبه الجمالي الذي يظهر به ~~أمامنا، كما يدل على إمكانات أخرى كامنة يمكن أن تظهر في ~~المستقبل (بصورة مختلفة كل الاختلاف عن ظهور المعطى الحسي ~~المباشر أو الحدث التاريخي أو الموجود الطبيعي) وهو بهذا لا ~~يحدد المستقبل بقدر ما يدل على الأفق اليوتوبي الذي يمكن - ~~بإرادة البشر وتصميمهم ورغبتهم وإبداعهم - أن يتحقق فيه على ~~مستوى الوجود والوعي على السواء. # بهذا المعنى يمكننا أن نبرر وصفنا للعمل الفني بأنه عالم ~~كلي متكامل، ارتفع فيه الواقعي العارض إلى صعيد الضرورة، ~~ودل فيه الخاص على العام، ولو تأملنا بعض الأعمال الخالدة في ~~الفنون المختلفة والعصور المتتابعة (مثل الأهرام في مصر، ~~ومعابد البانثيون في روما، والأكربوليس الأثيني، أو كوميديا ~~دانتي الإلهية، أو هاملت شكسبير، وموناليزا دافنشي، أو عذراء ~~جوتو ... إلخ) لاقتنعنا بأن الجمال وجود كامل في ذاته، وأن ~~العمل الفني الذي يتحقق فيه الكمال يقف وسط الموجودات الأخرى ~~وقفة «الموجود الكامل»، كما يدلنا دلالة مسبقة على الوجود ~~الإنساني الذي يمكن أن يحقق وحدته أو هويته مع ذاته. وبهذا ~~المعنى أيضا تصدق عليه الكلمة التي تعذر علينا إيجاد المقابل ~~العربي الواضح لها، وهي «ما قبل-الظهور» ms068 التي نرجو أن يكون ~~الشرح السابق قد بين دلالتها «اليوتوبية» على إمكان تحول ~~الواقع المعيش - بكل شروره ونواقصه واغترابه - إلى يوتوبيا ~~تجسد الأمل الدائم في تحقيق الهوية والكمال والحرية. ~~(4) الأمل # Hope # ينطلق بلوخ من السمة الجوهرية للحاضر وهي عدم الاكتمال ~~والقلق الذي يميزه ويطلق على كل ما هو مدفوع للأمام وكامن في ~~كل لحظة اسم «الأمل». ولكنه ليس بالأمل الذي يقتصر على مجرد ~~التمني والرجاء، بل الأمل الذي يؤكد وجود الإنسان الذي ~~«لم يتحقق بعد» ويثبت افتقاره المستمر إلى أن يملك ذاته ~~وهويته ويتغلب على اغترابه، وهو ينبع من خطة مدروسة ترتبط ~~بالمعرفة الدقيقة بالواقع وتستهدف الممكن الأفضل الوشيك ~~التحقق. هذا الأمل المدرك بشكل عيني وعملي هو عماد هذه ~~الفلسفة الطموحة المتفائلة. وهو يقف في «الطليعة» من تقدم ~~العالم بوصفه مادة مفتوحة على وجود يوتوبي ممكن. ثم إنه هو ~~المبدأ النسقي اليوتوبي الذي يقصده بلوخ للكشف عن حقيقة ~~التاريخ الذي يتجه نحو المستقبل وإطلاق ما فيه من إمكانات ~~كامنة لم تظهر بعد. # وعلى الرغم من معرفة بلوخ بأن الأمل في مجتمع إنساني ~~أفضل يمكن دائما أن يصدم ويصاب بالإحباط، إلا أنه لم يفقد ~~الأمل أبدا ولم يعتبر أن خيبة الأمل مرادفة لليأس: «إن الغد ~~يحيا في اليوم، والناس تتطلع إليه على الدوام. لقد اختلفت ~~الوجوه التي اتجهت ناحية اليوتوبيا من عصر إلى عصر، كما اختلفت ~~آراء أصحابها في تفاصيل هذه اليوتوبيا. ولكن الاتجاه نفسه ~~والغاية منه لم يتغيرا. إنهما الثابت الوحيد الذي لم يتغير ~~خلال التاريخ وإن اختلفت الصور المعبرة عنه. فالسعادة والحرية ~~وعدم الاغتراب، والعصر الذهبي والأرض التي يسيل منها اللبن ~~والعسل، والأنثى الخالدة في فاوست، وصوت البوق الذي يعلن عن ~~بعث جديد في نهاية أوبرا «فيديليو» # Fidelio # لبتهوفن ... إلخ؛ كل هذه شواهد ~~وصور مختلفة تدور حول شيء واحد ينطق وإن كان لا يزال صامتا.» # 85 # أخيرا يمكن القول إن الأمل عند بلوخ هو اليوتوبيا، وإن مبدأ ~~الأمل هو مبدأ يوتوبي، وهو المبدأ الوحيد الذي يعتقد بلوخ أنه ~~يتحكم ms069 في كل التغيرات. ومع اختلاف صور التعبير عنه من مرحلة ~~تاريخية إلى أخرى، فإنه يظل في رأيه مبدأ واحدا يسميه بلوخ ~~بأسماء عديدة مثل الجديد، الأقصى، الكل اليوتوبي، الماهية، وهو ~~في النهاية الوطن. وإذا كان الأمل عنده يدور في فلك الماركسية، ~~فإنها ماركسية يجب النظر إليها نظرة خاصة مختلفة عن الفلسفة ~~الماركسية الرسمية، أو تلك التي تحولت أثناء تطبيقها في ~~التاريخ والواقع إلى فلسفة رسمية. وهذه الماركسية التي يدور ~~الأمل في فلكها متحركة وليست ثابتة ولا تنتهي عند هدف محدد. ~~إنها مفتوحة على آفاق الممكن اللانهائي؛ لذلك نجد مقولات أخرى ~~مثل الأمام والأقصى ترتبط ارتباطا وثيقا بمقولة الأمل وتندفع ~~معه نحو مستقبل مفتوح. ~~(5) الأمام # Front # يسير العالم في عملية جدلية يضع لها بلوخ ثلاث مقولات: ~~الأمام والجديد والأقصى. وهذه المقولات مرتبطة ب «اللا» وال ~~«ليس-بعد» ارتباطها بأساس العملية الجدلية (الصيرورة) وقوامها ~~وهي المادة. فاللا - التي تمثل الاحتياج والافتقار والقوة ~~الدافعة في داخل الآن - هي التي تمثل «الأمام». وال «ليس-بعد» ~~- وهي زمانية بطبيعتها وتعبر عن المستقبل الذي ينمو ويتبرعم ~~ثم يزدهر في التاريخ - تتمثل دائما في «الجديد» الذي يمكن أن ~~يتفتح في المستقبل ويتجه إلى «الأقصى» الذي هو غاية العملية ~~الجدلية. # والأمام هو ذلك الجزء المتقدم من الزمان الذي سيحسم فيه ~~المستقبل، والذي نحيا فيه ونعمل. ولهذا فإن الأمام يقع دائما ~~في الآن، وبتعبير أدق في «آن-اللا» التي تتميز دائما بالخروج ~~من نفسها والاندفاع إلى الأمام، بحكم ما فيها من نقص أو افتقار ~~واحتياج وجوع. ومع أن «اللا» المتعلقة «بالأمام» تكمن دائما ~~في اللحظة المعيشة المباشرة، أي في اللحظة المعتمة أو المظلمة ~~التي لم تبلغ مستوى اللحظة المجربة، ومع أن هذه «اللا» لا تملك ~~ذاتها بعد، وأن الوجود أو الكينونة التي تنطوي عليها ونعبر ~~عنها بفعل «أكون» أو «يكون» لم يملك ذاته أو أساس وجوده بعد، ~~فإن هذه اللحظة المعيشة تظل على علاقة بالجديد، لأنها هي ~~الموضع الوحيد الذي يمكن أن نجد فيه «اللحظة المواتية» التي ~~تفرض علينا أن نغتنمها ونحسم ms070 فيها موقفنا واختيارنا، ولا ندعها ~~تفلت منا لأنها قد تفلت إلى الأبد فنتحسر عليها إلى الأبد. وكل ~~لحظة يعيشها الإنسان تحت الشعار المعروف «استمتع بيومك # Carpe diem ~~» هي في ~~الواقع لحظة أو «آن» يتسم ب «اللاتملك»، ويمكن أن تكون هي موضع ~~التوسط «الجدلي» نحو «الأمام» وبخاصة في فترات التحول الحاسمة، ~~هذه الفترات التي نشعر فيها بأن الأمور لا يمكن أن تستمر على ~~الصورة المعتادة، كما نحس أن الحالة الحاضرة تؤذن بحالة أخرى ~~قادمة، وأن الوجود الآني هو المعبر إلى هذه الحالة التي تنقلنا ~~إلى الأمام. # 86 ~~(6) الجديد # Novum # أما «الجديد» فهو المضمون المتجدد على الدوام للمستقبل من ~~خلال الإمكان الواقعي، وهو ما يوجد في الوعي ثم ينتزعه الإنسان ~~من المستقبل بإرادته وبما يريد أن يكون، أي «من خلال اتحاد ~~الشجاعة والمعرفة، فالمستقبل لا يأتي بنفسه للإنسان ولا يهبط ~~عليه هبوط القدر.» # 87 # هذا الجديد هو الذي يتأسس على الإمكان الواقعي لما ~~لم يتم الوعي به بعد، وما لم يصر بعد، وهو الذي يعد بمستقبل ~~حقيقي لم يسبق وجوده من قبل، بشرط أن يلقي الضوء الكافي على ~~شروطه النظرية والعملية، وتتوارى شروطه غير الكافية أو ~~المظلمة. والجديد الواعد بالخير لا يكون جديدا جدة مطلقة، إذ ~~سبقته تشكلات تاريخية وأحلام، فلا بد أن يكون قد تمثل في ~~الماضي على هيئة حلم أو تكون أشكاله المثمرة قد تفتحت خلال ~~التاريخ السابق، وليس المقصود بالماضي هنا تقديس القديم أو ~~«تصنيم» التاريخ بالمعنى الذي يقصده المروجون لأسطورة الأصول ~~والمنابع الأولى وأصحاب النزعة التاريخية الذين يتعبدون أصنام ~~التاريخ. وإنما المقصود هو الماضي بمعناه المستقبلي الحي، كما ~~يتمثل في الأعمال المبدعة التي تتخطى زمانها وتبدو في كل عصر ~~لاحق في صورة جديدة تكملها وتلقي المزيد من الضوء على روعتها. ~~والواقع أن هذا هو المعيار الحقيقي والعنصر الأساسي المكون لكل ~~ما يستحق أن يسمى بالميراث الحضاري، ففيه يولد القديم من روح ~~الجديد الكامن فيه، وتكون العودة إليه دائما عودة منتجة ~~وواعدة بشيء جديد في مستقبل جديد، وكأن الماضي ms071 الحقيقي سفينة ~~تندفع بكل ما عليها من أحمال أصيلة نحو الشاطئ الذهبي لأرض ~~اليوتوبيا. وبمقولتي «الأمام» و«الجديد» السابقتين يعارض ~~بلوخ كل الفلسفات التي لا تأتي بجديد، والفلسفات التي تضع ~~التقدم في شكل دائري، كما يعارض بهما أيضا النزعة الحيوية ~~عند برجسون والمعرفة التي تقوم على التذكر من أفلاطون إلى ~~هيجل، لأن كل هذه الفلسفات تخلو في رأيه من الجديد. # 88 ~~(7) الأقصى # Ultimum # وينطوي مفهوم «الجديد» على مفهوم «الأقصى» أو النهائي ~~الأخير، وإن جرد بلوخ هذا الأخير من معانيه الأخروية المتعالية # 89 # وجعله جزءا لا يتجزأ من المنظور المستقبلي الذي ~~تتجه إليه عملية الصيرورة الجدلية الهائلة التي تجرف الوجود ~~والموجود على السواء ولا تتوقف أبدا عند الماضي، بل تفهمه ~~فهما مستقبليا، وتتجه نحوه مدفوعة بالقصد «الذاتي» والنزوع ~~«الموضوعي» اللذين يمثلان جناحي الإمكان الكامن في الصيرورة ~~نفسها. هذه الصيرورة التي يمكن أن تنتهي إلى العدم أو إلى ~~الجحيم كما حدث مرارا في الكوارث التاريخية، أو إلى «الكل» أو ~~النعيم في صورها الدينية والفنية المختلفة. والمهم هو أن تؤدي ~~هذه الصيرورة «للجديد» التاريخي، أي للبعد الذي يجد فيه «الأمل ~~الفعال» مجاله وتربته الخصبة، وأن يمتلئ عالم الصيرورة ~~بالاستعداد والنزوع لإظهار شيء يمكن أن نسميه «الجديد» الحاسم ~~الذي سبقه أكثر من جديد على الطريق إلى ما يمكن أن نسميه «الكل ~~اليوتوبي» أو ماهية الوجود وأساسه. # لقد كاد الحدث اليوتوبي الهائل - الذي لا يزال يتم في العالم ~~- أن يبقى بلا ضوء يسلط عليه. وها هو ذا الرحالة الحالم يندفع ~~بكل ما لديه من طاقة وما ادخر من زاد المعرفة ليجوب أرجاء ~~الأرض المجهولة من أقصاها إلى أقصاها، لا ليحدد خطوط العرض ~~والطول، بل ليتحسس أبرز المعالم ويرسم لها لوحات غنية ~~بالألوان والدلالات التي تدخل في إطار النسق المرن المفتوح، ~~وتسري فيها الأفكار المحورية التي تلخصها كلمات مثل التوقع، ~~والأمل، والقصد والإمكان الذي لم يتحقق بعد. # لا بد في نهاية هذا الفصل من التنويه بأن هذه المقولات لم ~~يعرفها بلوخ بشكل مستقل وتفصيلي، باستثناء مقولتي ال ms072 ~~«ليس-بعد» و«الإمكان». وقد تناول الأولى في إطار البناء ~~الأنثروبولوجي لفلسفة الأمل الذي يقوم على مقولة ال «ليس-بعد»، ~~وتتبعها منذ نشأتها الأولى في الوعي الذاتي حتى تطورها واشتقاق ~~البناء الأنطولوجي منها، وهو البناء الذي يقوم على مقولة ~~الإمكان. وقد خصص بلوخ لهذه الأخيرة فصلا مستقلا في «مبدأ ~~الأمل» وشرحها شرحا مستفيضا، وتناول أبعادها القديمة ~~والحديثة، وقسمها تقسيمات دقيقة. أما باقي المقولات فلم ~~يتناولها بمثل هذا التفصيل، على الرغم من استخدامه لها في كل ~~صفحات «مبدأ الأمل» بطريقة تكشف عن أن هذه المقولات ما هي إلا ~~توابع للمقولتين الأساسيتين، أو بمعنى آخر أنها - أي ~~المقولات - هي الهدف الذي تتجه إليه هاتان المقولتان، لأن ما ~~لم يوجد في الوعي أو الذات البشرية، وما لم يتحقق بعد من ~~إمكانات كامنة وقابلة للتطور في الواقع المادي لا بد أن يسكن ~~في «الأمام» - بالمعنى الآني الذي تم التعريف به - وأن يتجسد ~~في «الجديد» المقبل والقابع في المستقبل، وأن تكون المادة في ~~الوعاء الذي يحوي كل هذه الإمكانات ويضمن تحقيقها، وأن يتجه كل ~~هذا ناحية الأقصى أو الهدف النهائي للأمل وهو «الكل ~~اليوتوبي». # ولا يمكن أيضا حصر عدد المقولات التي تضمنها نسق بلوخ ~~الفلسفي على النحو الدقيق الذي نجده عند فلاسفة مثل أرسطو أو ~~كانط أو هيجل أو غيرهم. فباستثناء مقولتي ال «ليس-بعد» ~~و«الإمكان» لم يقدم دراسة منهجية دقيقة عن باقي المقولات، ولم ~~يحصر عددها، ولذلك توجد اختلافات كثيرة بين الباحثين حول هذه ~~المقولات سواء في عددها أو أسمائها. # وأخيرا لا بد من التنويه إلى أنه لا يمكننا أن نتفهم مقولات ~~بلوخ إلا إذا تصورناها متعلقة بالوجود في حالة الصيرورة، وفي ~~هذه الحالة وحدها - أي في حالة تعلقها بالوجود الواقعي المتحول ~~- يمكن أن تعبر عن نماذج موضوعية، وذلك بانخراطها في خضم ~~العملية الجدلية التي تتكون فيها أشكال الوجود، وبتقدمها ~~عليها. وهي لا تكتفي في بحثها عن هذه الأشكال الموضوعية بأن ~~تعبر عن شيء أو تعكسه، وإنما تقوم كذلك بتكوين أو تشكيل نفسها ~~بصفة مستمرة كأشكال موضوعية لعالم ms073 الصيرورة التاريخية ~~في مجموعها المتكامل. بهذا ~~المعنى وحده يمكن أن نتلافى سوء الفهم الذي يمكن أن نقع فيه ~~عندما نتصور أن المقولات أشكال ثابتة أو ساكنة، فكلما فهمناها ~~فهما جدليا أمكننا كذلك أن نتصور غناها بالمضمون وقدرتها ~~على أن تقول لنا الشيء الكثير عن نفسها وعن الوجود المتحرك نحو ~~الجديد اليوتوبي. # الفصل الثاني # | البناء الأنثروبولوجي للأمل # إن جوهر فلسفة بلوخ وبناءها النظري يقومان على جانبين أساسيين، ~~أحدهما أنثروبولوجي والآخر أنطولوجي، ويعد الأول الجذر الأساسي الذي ~~يقوم عليه الثاني، ويرتكز الجانب الأنثروبولوجي على مقولة ال «ليس-بعد» ~~التي يستشعرها الإنسان في وعيه بالاحتياج والافتقار إلى شيء لم يملكه ~~ولم يوجد بعد. كما يقوم الجانب الأنطولوجي المترتب عليه على مقولة ~~الإمكان وما تكشف عنه من إمكانات كاملة في الواقع ولم تتحقق بعد، ~~ولكن كيف يمكن التعرف على هذا الذي لم يوجد بعد؟ وكيف يتسنى له أن ~~يتحقق في الواقع حتى الآن؟ وكيف يتيسر إمكان تحقيقه تحقيقا عينيا ؟ ~~إن هاتين المقولتين «الليس-بعد والإمكان» تكمنان في الذات الإنسانية ~~والعالم الطبيعي معا. فكيف يمكن التعرف عليهما؟ وكيف يتم الوعي بهما ~~في هذين المجالين؟ # يتضح هذا عندما نعرف أن العالم الموضوعي يتصف دائما بأنه عالم لم ~~يكتمل بعد. وينعكس هذا على الذات الإنسانية في صورة سخط على الواقع ~~ورغبة في تجاوز المعطى الذي لم يصل بعد إلى حد إرضاء الذات وإشباع ~~رغباتها. فهناك علاقة جدلية بين الذات الإنسانية وذلك العالم ~~الموضوعي، وهذه العلاقة التي يدور حولها مبدأ الأمل، هذا المبدأ الذي ~~تطور عن جذرين أساسيين أحدهما أنطولوجي والآخر أنثروبولوجي. ويتطلب ~~عرض البناء النظري لفلسفة بلوخ البداية بتناول البناء الأنثروبولوجي ~~لأنه الأساس الذي يقوم عليه البناء الأنطولوجي. ونعود الآن إلى السؤال ~~كيف يمكن معرفة ما لم يوجد داخل الذات البشرية؟ وكيف يكتشف ما يطلق ~~عليه اسم الوعي بال «ليس-بعد» داخل الوعي؟ # واصل بلوخ عمله حتى اكتشف في باطن الإنسان عالم «الرغبة» الذي انبثق ~~منه ما سماه الوعي بال «ليس-بعد» أو «ما لم يصبح بعد»، ثم وضع يده على ms074 ~~الأساس الأنطولوجي لتفسيره الجدلي المادي للعالم فيما سماه بمقولة ~~«الإمكان» أو «ما لم يتحقق بعد». # فالرغبة، وهي الصفة التي يشترك فيها كل البشر - لم يتم بحثها، ولم ~~يتم الوعي بها، على الرغم من أنها تملأ وجدان الناس جميعا، كما تملأ ~~أفق كل موجود. لقد عجزوا حتى الآن عن إدراك مفهومها ومعناها، هذه ~~المنطقة المزدهرة بالأسئلة والمشكلات لم تزل حتى الآن خرساء في تاريخ ~~الفلسفة. فالحلم المتجه إلى الأمام لم يتأمله أحد بصورة كافية، ~~والقادم المنتظر بأسره قد ظل - في رأي بلوخ - حتى عهد ماركس لا يسترعي ~~انتباه العالم، ولا يجد له مكانا، مع أنه يستحق أن يشغل وضع المركز ~~فيه. # الواقع أن الوعي الإنساني (بما في ذلك اللاوعي وما قبل الوعي)، بوصفه ~~تأمل المادة لنفسها، هو أول ما يعكس مجال الإمكان لما لم يوجد بعد. ~~ومظاهر الانعكاس ثلاثة عند بلوخ؛ وهي التوقع، واليوتوبيا، والفانتازيا ~~الموضوعية. وهذه المظاهر الثلاثة ليست مفتعلة ولا من قبيل الأوهام التي ~~يقع فيها أو يسترسل فيها التفكير الحالم، ولكن لها أساسها في العالم ~~الموضوعي - كما سيتبين بعد قليل - كما يمكن تعقب أصلها في الذات ~~البشرية. # ينطلق البناء الأنثروبولوجي لفلسفة الأمل من نظرية هامة من نظريات ~~علم النفس، ألا وهي نظرية الدوافع التي يرى بلوخ أنها الأصل في السلوك ~~البشري، وكذلك يهتم بإبراز الوعي الذي يظهر وراء الدوافع. والجوع من ~~أهم هذه الدوافع، فأول ما يعيه الإنسان هو الإحساس المؤلم بالعوز ~~والحاجة، لأنه لا يملك ما يجب أن يملكه لكي يعيش راضيا. وفلسفة بلوخ ~~تتعرف على آثار الوعي الماضي بهذا الافتقار، وتتبعه في تقدمه للأمام. ~~ويبدأ هذا منذ اللحظة الأولى للميلاد مع الطفل الرضيع، الذي يشعر ~~بالجوع فيصرخ متلهفا على ثدي الأم لكي يسد حاجته الملحة، وكلما امتد ~~به العمر شعر شعورا متجددا بما لا يملكه، وازداد إحساسا بأنه لم ~~يكتمل بعد. # نعود إلى السؤال الأول مرة أخرى: كيف يستشعر الإنسان أو يدرك ما لم ~~يملكه بعد؟ لقد بدأت رحلة بلوخ من البذور الأولى لهذا الإدراك، وذلك ms075 ~~لكي يتحسس خطى الوعي البشري منذ بدايته الأولى، أي قبل أن يكتمل الوعي ~~ويتطور وينضج ويظهر للنور، كما اقتفى آثار الحلم البشري ليكتشف أن ~~الحلم بحياة أفضل يداعب خيال الطفل منذ اللحظات الأولى للوعي ~~والإدراك. والحلم هنا ليس هو الحلم الذي يراه النائم أثناء الليل، ~~ويتناوله علماء النفس بالتحليل والتفسير، فهذا النوع من الأحلام التي ~~يغيب عنها الوعي والإرادة ليست من قبيل الأحلام التي تسترعي انتباه ~~بلوخ. بل إن ما يعنيه هو الحلم كمقولة معرفية، أي الحلم الذي يتم في ~~وضح النهار ويعي واقعه ويتسلح بإرادة تغييره. إنه الحلم المبدع الخلاق ~~الذي يؤدي فيه الخيال البشري والإرادة البشرية دورا أساسيا في كل ~~عصور التغيير، وكل الإنجازات العظيمة التي تمت في التاريخ البشري ~~سبقتها أحلام كثيرة رسمت ملامح هذا التغيير ووضعت خطوط تلك ~~الإنجازات. # لقد قامت فلسفة بلوخ في جانبها الأنثروبولوجي على وصف ظواهر الوعي ~~الذاتي للإنسان وتجاربه الأولى وتتبع أحلامه، بوصفها إحدى مظاهر هذا ~~الوعي. ولفهم نسقه الفلسفي يجب الحديث أولا عن الوعي وطبقاته ومعوقاته ~~التي حالت حتى الآن بين الوعي بال «ليس-بعد» وبين الظهور إلى ~~النور. # أولا: نشأة الوعي # يتتبع بلوخ نشأة الوعي البشري منذ بدايته الأولى عند الطفل. ففي ~~هذه المرحلة المبكرة من العمر تنم الأحلام والأمنيات غير الواضحة ~~عن تمرد الطفل على عالمه الصغير، ويتمثل هذا في تدميره لكل ما يعطى ~~له من ألعاب بدافع حب الاستطلاع واكتشاف حقيقتها، ثم يلقي بها ~~جانبا للبحث عن المزيد. ذلك أن ما يريد الطفل اكتشافه لم يوجد ~~بعد. ويكبر الطفل ويضيق بغرفة الألعاب، ويذهب مبكرا إلى النوم ~~لتأخذه الأحلام إلى ما وراء عالمه الواقعي، متجاوزا بأحلامه ~~المكان والمجتمع معا. ويستشهد بلوخ بالعديد من الحكايات الشعبية # 1 ~~- من التراث ~~الألماني والعالمي - التي تتجاوز كل العلاقات الزمانية والمكانية ~~والاجتماعية، كما تلغي قوانين المنطق الأساسية، وتستغني عن الشروط ~~الموضوعية للوقائع والأحداث، بحيث يصبح كل مستحيل ممكنا على مستوى ~~الخيال والحلم. إن لهذه الحكايات أثرا كبيرا على خيال الطفل في ~~المراحل المبكرة من عمره، ms076 فالخيال - كملكة إبداعية. له من ~~الإمكانيات الهائلة ما يجعله عاملا فعالا في صعود أو ترقي الجنس ~~البشري. # وفي الثالثة عشرة من عمره يبدأ الطفل في نسج الأساطير والتحدث عن ~~أشياء لم يجربها بعد، كما يبدأ في الحلم بحياة أفضل من تلك التي ~~يوفرها له والداه. وعندما يبلغ السابعة عشرة من عمره، وهي أكثر ~~فترات العمر اضطرابا، يرسم الطفل - الذي صار شابا - صورة ذهنية ~~للمستقبل. ويشبه بلوخ الأحلام الفجة في هذه الفترة القلقة ببدايات ~~الأحلام البرجوازية التي لم تبلغ درجة النضج. ويمضي بلوخ في تتابع ~~آثار الحلم البشري بأبعاده وأنواعه المختلفة، فهناك أحلام حمقاء ~~وأخرى مزدهرة مفعمة بالألوان. وهناك أحلام الرجل العادي - التي لا ~~تتعدى الترقي الوظيفي في مجال العمل أو الحلم بالمغامرات الجنسية - ~~وأحلام الرجل المنعزل الذي ينسج حكايات تدور حول ذاته. وهناك أحلام ~~الطبقة الفقيرة المحرومة التي تظهر فيها الأماني الحقيقية أكثر مما ~~تظهر لدى طبقة الأغنياء، لأن هذه الأخيرة ليس لديها سبب يدعوها ~~للثورة على الواقع السائد، ولأن كل ما تحلم به هو اختراع أشياء ~~تتكبر بها على الطبقات الأدنى منها. # وفي المرحلة المتأخرة من العمر تتراجع الأماني المثيرة، فبينما ~~يكتفي المراهق بالتمرد على المجتمع وعصيان تقاليده، نجد الرجل ~~الناضج يكرس قدرته لمحاربة هذا المجتمع، وأما كبار السن فيضيقون ~~بالعالم من حولهم، وإن كانوا لا يقفون ضده بل يبقون في حالة عويل ~~ونواح عليه. وأما مرحلة الشيخوخة فيسودها الشعور بوداع الفرد ~~للحياة، وتظهر فيها أمنيات العودة إلى الشباب والاستغاثة بذكرياته ~~ومحاولة التأنق والسلوك مسلك الشباب. ويشبه بلوخ هذه المرحلة من ~~العمر بالمجتمعات البرجوازية التي تستميت في التظاهر والتزين لتبدو ~~في أجمل صورة. وتعد هذه في نظره مرحلة مرضية في تطور الفرد ~~والمجتمع على السواء، لأنه ينظر إلى الشيخوخة نظرة أخرى ويضعها في ~~بعد هام من أبعاد التجربة الاجتماعية؛ ذلك أن الشيخوخة هي حصاد ~~ما يسميه بلوخ ب «العقل الجليل». فالمجتمع المزدهر لا يخاف من ~~النظر إلى النهاية كما هو الحال مع المجتمع البرجوازي الذي يخدع ~~نفسه ويتزين هربا ms077 من مواجهة النهاية المحدقة به. ويستشهد بلوخ بما ~~يقوله فولتير (1694-1778م) في هذا المعنى إذ يرى أن مرحلة الشيخوخة ~~أشبه بالشتاء، وهي بالنسبة للمثقف مرحلة جمع الأعناب وعصرها، ولا ~~يعني هذا استثناء لمرحلة الشباب وإنما يتضمنها أيضا بعد أن وصل ~~إلى مرحلة النضوج. # 2 # وهكذا تكون مرحلة الشيخوخة مرحلة اجتماعية جديدة، ~~خالية من غرور الشباب وحدته، مرحلة أكثر حكمة وقدرة على رؤية كل ~~هام وأصيل، ونسيان العارض والزائل. # كيف نشأ هذا الوعي وكيف تطور؟ يقدم بلوخ نظرية في نشأة الوعي، ~~قوامها أن الدوافع وراء نشأته، وأن التجدد المستمر للدوافع وراء ~~تطور الوعي على مستوى الذات البشرية والعالم الخارجي معا. ~~فالدوافع هي التي تحركنا إلى الأمام، وهي تعبر عن نفسها في شكل ~~صراع ورغبة في تحقيق شيء محدد في الخارج، وإذا أشبعت هذه الرغبة، ~~سرعان ما تتجدد وتتولد رغبات أخرى جديدة. وتنشأ الرغبة في البداية ~~نشأة بيولوجية قبل أن تأخذ بعدا تاريخيا، «ففي الطفولة لا يملك ~~الإنسان إلا جسده وثدي أمه (وهو في هذه اللحظات الأولى لا يكاد ~~يميز أحدهما عن الآخر). ثم يبدأ في التوجه إلى العالم من حوله ~~ويشرع في أخذ مكان فيه. وتكون البداية بالرغبة في امتلاك أشياء ~~مختلفة، ملكية الأم، والأب، والأخوات والإخوة، واللعب، وفي أوقات ~~لاحقة يشرع في تحصيل المعلومات، ثم يسعى للحصول على وظيفة، ومكانة ~~اجتماعية، وزوج، وأطفال، وأخيرا يشرع في امتلاك شيء من مقتنيات ما ~~بعد الحياة.» # 3 # ويشترك كل من الإنسان والحيوان في هذه الرغبات، وبينما تقتصر ~~رغبات الحيوان على كل ما هو حسي، نجد الإنسان وحده هو القادر على ~~رسم هدفه وتحديده، وهو أيضا الكائن الوحيد القادر على التمني الذي ~~ينشأ من تخيل ما هو أفضل، وعادة ما تكون الأمنيات صورا مزدهرة ~~ومفعمة بالألوان المشرقة. إن الإنسان تحركه مجموعة من الدوافع ~~المركبة. لكن هذه الدوافع ليس لها وجود مستقل عنه، فهو دائما يقف ~~وراءها لإشباعها، وعندئذ تظهر دوافع ورغبات أخرى إلى ما لا نهاية ~~له. إن الإنسان يشعر دائما بالافتقار كما لا ms078 يشعر به مخلوق آخر، ~~وقد تطورت الدوافع مع تطور التاريخ وظلت على الدوام نهمة لا تشبع. # 4 # إذا كان الوعي ينشأ عن الدوافع فما هي هذه الدوافع؟ هل هي تلك ~~التي يخضعها علم النفس للدراسة والتحليل؟ وهل هناك اختلاف بين ما ~~يهدف إليه بلوخ من بحثه في الدوافع، وبين ما توصل إليه علماء النفس ~~في نظرتهم إلى الدوافع؟ الحق أن الاختلاف لا يكمن في عدد الدوافع ~~أو نوعيتها، وإنما يكمن في تحديد الدافع البشرى الأساسي الأول. ~~والاختلاف حول هذا الموضوع لا يقتصر على بلوخ وعلماء النفس؛ إذ نجد ~~علماء النفس مختلفين فيما بينهم حول تحديد هذا الدافع الأول. ~~فالدافع الجنسي هو محور إنسان فرويد (1856-1939م)، وإلى جانبه توجد ~~دوافع أخرى للذات أو الأنا العليا التي تقف معارضة للقوى الجنسية، ~~وتنشأ العقد النفسية من كبت الأنا للدوافع الجنسية وطمسها أو قمعها ~~في اللاوعي بحيث تختفي من وعي الأنا. وكل ما أراده فرويد من ~~التحليل النفسي هو إظهار الكبت واللاوعي إلى النور للتمكن من قهر ~~الاضطرابات العصبية والنفسية والسيطرة عليها. # 5 # وليس الهدف هنا الاستطراد في الحديث عن اللاوعي ~~والتحليل النفسي الفرويدي، ولكن الهدف هو بيان الاختلاف بين «لا ~~وعي التحليل النفسي» ووعي ال «ليس-بعد». # إن التقدم الذي يحرزه علماء النفس في أبحاثهم لإظهار اللاوعي إلى ~~النور ورفعه إلى مستوى الوعي لا يخرج عن تفسير ما هو موجود بالفعل، ~~أي ما كان مكبوتا في اللاوعي وجاء الوعي ليطلق سراحه. وبذلك يمكن ~~القول إنه لا جديد في الوعي الفرويدي. وها هو ذا إريك فروم يقر ~~بأن الإنجاز الأساسي لفرويد في التحليل النفسي هو الكشف عن التعارض ~~بين السلوك والشخصية، بين القناع الذي ألبسه والحقيقة المختفية ~~وراءه. وتوصل فرويد إلى أسلوب «التداعي الحر، تحليل الأحلام، ~~التحويل، والمقاومة» هدفه الكشف عن الرغبات الغريزية (الجنسية ~~أساسا) التي تم كبتها في الطفولة المبكرة. وحتى بعد التطورات ~~اللاحقة في نظريات التحليل والعلاج النفسي التي أكدت أهمية الصدمات ~~التي حدثت في مجال العلاقات مع الآخرين، وليس في المجال الغريزي ms079 ~~فحسب، فإن المبدأ ظل هو أن ما تم قمعه هو الرغبات والمخاوف الصدمية ~~المبكرة، والسبيل للشفاء من الأعراض والأمراض بشكل عام هو الكشف ~~عن هذه الأمور المكبوتة، وبتعبير آخر، فإن ما جرى قمعه هو العناصر ~~الطفولية واللاعقلانية الفردية في التجربة. # 6 # ويظهر هذا بشكل أوضح عند يونج (1875-1961م) الذي أحال مضمون ~~اللاوعي إلى النماذج الأولية؛ إذ يرد «علم النفس التركيبي» عنده ~~الاضطرابات العصبية - على حد تعبير بلوخ - إلى ليل أسلافها. وبينما ~~يحلل علم النفس التحليلي الرمز إلى أجزاء أساسية، يقوم علم النفس ~~التركيبي بتكثيف الرمز إلى تعبير يمكن إدراكه وفهمه. # 7 # وهكذا نرى أن اللاوعي الفرويدي فردي مملوء بمجموعة ~~من الدوافع المكبوتة المكتسبة بطريقة فردية من الماضي القريب، في ~~حين أن اللاوعي اليونجي جمعي وبدائي، وكلاهما لا يتضمن شيئا ~~جديدا، وإنما يهرب من الحاضر ويدمر المستقبل. ولا يختلف الأمر عن ~~ذلك كثيرا عند آدلر (1870-1937م) - مؤسس علم النفس الفردي - فكل ~~شيء عنده ينشأ منذ البداية بصورة فردية من خلال اللاوعي . وعلى ~~الرغم من أن الدافع البشري الأساسي عند آدلر قد أصبح هو إرادة ~~التسامي والعلاء، إلا أنه لا يعد من الدوافع الأساسية في نظر ~~بلوخ. # إن كل نظريات علم النفس لم تبدأ من أبسط الدوافع البشرية وأهمها ~~على الإطلاق، ألا وهو دافع الجوع. وهذا الدافع الذي لا بد من ~~إشباعه أولا ليحفظ الفرد حيا - والذي استبعدته نظريات علم النفس ~~من أبحاثها - يسميه بلوخ دافع المحافظة على النفس # Self-Preservation # إن ~~الدوافع الأساسية عند كل من فرويد ويونج وآدلر، هي عند بلوخ ~~بمثابة أوثان أو أصنام مطلقة انتزعت من الجسم الإنساني الحي الذي ~~يحرص قبل كل شيء على حقه في البقاء، وهذه الدوافع لا تناقش الظروف ~~الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة، مع أن صرخة الجوع هي الدافع ~~الأكثر إلحاحا، الذي يظهر بشكل عيني مباشر، والجوع دافع لا ~~يمكن تجنبه، ناهيك عن استحالة كبته في اللاوعي: «إن المعدة هي ~~المصباح الأول الذي يجب أن يصب فيه الزيت إذا أريد لرحلة ~~الحياة أن تبدأ.» # 8 # وتأسيسا ms080 على النقد السابق يصف بلوخ علم النفس الفرويدي بأنه علم ~~نفس برجوازي، لأن الشهوة التي يعاني منها أفراد الطبقة البرجوازية ~~- وهم زوار فرويد ومرضاه - هي التي جعلته يضع الدافع الجنسي في ~~مقدمة الدوافع البشرية. إن هذه الطبقة لم تعان الفقر ولا تعرف ~~حقيقة الجوع، وصرخته القوية لن يعرفها سوى أفراد الطبقة الدنيا ~~الذين ليسوا من المترددين على فرويد ولا يخضعون لتحليله النفسي، ~~أضف إلى هذا أن الحافز على الصراع الذي تخوضه الطبقة الكادحة لم ~~يأت من الشهوة الجنسية كما تصور فرويد، ولا من العلو على الشعور ~~بالدونية وعلى قناع الشخصية الذي لا يلائمها كما تصور آدلر، ولا من ~~النكوص والتراجع للعصور الأولى كما تصور يونج. فليس هناك تصور ~~جنسي للتاريخ ولا تفسير للعالم من خلال الشهوة وانحرافاتها، وإنما ~~يكون التفسير الصحيح للتاريخ على أساس الاقتصاد وبنائه الفوقي. ~~والواقع أن العامل الاقتصادي هو لب الموضوع، وإذا كنا لا نستطيع أن ~~نقول إنه هو العامل الوحيد، فهو العامل الأساسي الذي يعبر عن ~~«المصالح الأولية » التي تحرك التاريخ. # هكذا يتضح أنه ليست هناك دوافع مطلقة، فكلها تخضع للتغير ~~التاريخي بحيث تنشأ دوافع جديدة مع أهداف جديدة لكل عصر تاريخي. ~~ولا يمكن للإنسان أن يرتد للبدائية الأولى مرة أخرى بعد أن ~~روضته التغيرات التاريخية. قد يتحول إلى البربرية مرة أخرى، ~~لكنها بالتأكيد ليست البربرية الأولى، بل نوع آخر جديد. ولو نظرنا ~~إلى هؤلاء البشر الذين نطلق عليهم - في أيامنا هذه - البدائيين، ~~لوجدنا أنهم ليسوا المخلوقات البشرية القديمة، بل يمثلون بقايا ~~فاسدة خلفتها حضارات كبيرة. # 9 # إن الدوافع الأساسية - كما سبق القول - ليست مطلقة في كل زمان ~~ومكان، فكل عصر تاريخي يفرض دوافعه طبقا لمتطلباته الأساسية، ~~ولكنها - أي الدوافع - لا تنفصل عن الوجود الاقتصادي للبشر في أية ~~مرحلة تاريخية. وإذا كان البشر يشتركون مع الحيوان في الإحساس ~~الملح بالجوع، فإن هذا يؤكد من ناحية أن العوامل والمصالح ~~الاقتصادية في الإطار والمرجع النهائي للدوافع، كما يؤكد من ناحية ~~أخرى أن هذه العوامل والمصالح تتغير تبعا لتغير ms081 أشكالها ~~التاريخية، كالتغير في أساليب الإنتاج والتبادل، بل إن هذه الحاجة ~~الملحة نفسها - وهي الجوع - تتغير أيضا تبعا للأساليب التي ~~تلبى بها، كما أن الإنسان الذي يسعى من أجل البقاء على الحياة، ~~ويعيد بناء نفسه من خلال الغذاء وإنتاجه، هو نفسه كينونة متغيرة ~~تاريخيا من خلال العمل، وليس التاريخ إلا تحولات الإنسان، ~~وتحولات الذات المتطورة. # 10 # وإذا كانت كل الدوافع - باستخدام لغة علم النفس - لا بد من ~~إشباعها، فلا بد أن يكون السؤال الآن: كيف يتم إشباع الجوع؟ كيف ~~يتحرك هذا الدافع - من مجرد إحساس داخلي مؤلم - فيمضي قدما ليبدأ ~~أولى خطواته في العالم الخارجي نحو الإشباع؟ عندما يزداد الجوع ~~يتغير شيء ما فجأة، يتمرد جسد الذات ويتجه للخارج، لا بحثا عن ~~الطعام فقط، بل بحثا عن تغيير الوضع الذي سبب لمعدته الخواء. ~~وتعلن الذات المتمردة رفضها للوضع السيئ القائم فتقول له «لا»، كما ~~تقول «نعم» لحياة أفضل. هنا تتحول الحاجة إلى عامل ثوري، إلى أداة ~~للتغيير الذي يبدأ دائما من الجوع، هذا الجوع الذي تحول بعد أن ~~ازداد خبرة ووعيا إلى قوة مدمرة لسجن الحاجة. # 11 # بهذا لا تكتفي الذات بالمحافظة على نفسها حية، ولا تقتصر على ~~النضال دفاعا عن حقها في البقاء، بل تصبح قوة مدمرة لكل ما يعوق ~~بقاءها. ويمتد حفظ الذات من الفناء إلى الخارج فيطيح بكل ما يقف في ~~طريقه. إن جوع الطبقة الدنيا وحرمانها يخرج من نطاق ذاته ويمتد ~~للعالم الخارجي لإزالة أسباب معاناته. وتتمثل محاولة إشباع الدافع ~~في العمل البشري الذي يهدف إلى إرضاء الحاجات وإشباعها. وهكذا يعرف ~~الإنسان خطته ويضعها بنفسه ويتوقع تحقيقها، وفي هذه اللحظة يتشكل ~~العنصر المفعم بالأماني في الأحاسيس المتوقعة التي تنشأ دائما من ~~الجوع. وتأتي أحلام اليقظة من الشعور بالافتقار لشيء ما في العالم ~~الخارجي، فتكون أحلاما بحياة أفضل. ومن هذه الأحلام ما هو مليء ~~بالخرافات بحيث يمكن اعتباره هروبا من الواقع، أما أحلام اليقظة ~~الحقيقية التي نقصدها فتمد البشر بالشجاعة والأمل، لا بالنظر ~~بعيدا عن الواقع، ولكن ms082 بالغوص داخله. # وتدعو أحلام اليقظة الإنسان إلى ما يسميه بلوخ «المغامرة إلى الماوراء»، # 12 # والسير خطوة أو خطوات إلى الأمام. ويدل هذا على شيئين ~~أساسيين: أولهما أنه لم يسقط شيء خارج الوعي، وبالتالي فليس هناك ~~شيء مكبوت من الناحية السيكولوجية، وثانيهما أنه ليس فيها ارتداد ~~إلى ماضي الأسلاف والانطلاق من الإنسان البدائي. # 13 # بهذا تكون المغامرة إلى الماوراء هي البحث عن الجديد ~~دائما، ومن ثم فليس لها مكان في اللاوعي الذي هو مجرد تعرف على ما ~~كان موجودا من قبل. والذي يدفع الذات البشرية لأن تمتد من ذاتها ~~إلى العالم الخارجي وتندفع إلى الأمام هو ما يسميه بلوخ بال ~~«ليس-بعد» أي الوعي بما يفتقر إليه الإنسان ولم يوجد بعد في ~~العالم الخارجي. إنه استشراف الجديد الذي يلوح في الأفق. وهذا ~~الجديد ليس موجودا في الماضي، بل هو الأمل الذي يحمله ~~المستقبل. # هنا يجب أن نتساءل: هل يعني هذا أن كل الأحلام لديها القدرة على ~~«المغامرة إلى الماوراء»، وبالتالي القدرة على التغيير؟ من المؤكد ~~أن تأتي الإجابة بالنفي. فلو نظرنا على سبيل المثال إلى الأحلام ~~التي أخضعها علم النفس للتحليل لوجدناها من نوع مختلف تماما. ~~لذلك يضع بلوخ تفرقته الدقيقة بين نوعين من الأحلام هما الأحلام ~~التي يراها الإنسان أثناء نومه في الليل، أي تلك التي لا يستحضرها ~~المرء بإرادته، والأحلام الأخرى التي يرسمها الخيال البشري في حال ~~يقظته، وتعي الذات حدودها، وفي هذين النوعين من الأحلام يتم إشباع ~~الرغبات بصورة مختلفة. ~~(1) الوعي في أحلام الليل # لا يكف الإنسان عن الحلم سواء في الليل أو النهار، فالنزوع ~~لتحسين قدرنا لا ينام حتى في نومنا، فكيف لا يكون فاعلا في ~~يقظتنا؟ إن الليل هو أول ما يخطر ببالنا عند ذكر كلمة الحلم، ~~وكأن لهذه الكلمة أصولا ليلية. وكلمة الحالم تفترض مسبقا ~~الشخص النائم حيث ينعدم نشاط الحواس الخارجية. والنائم لا يحلم ~~ليستيقظ، فالحلم دليل على استغراق الحالم في نومه، الذي لا ~~ينهض منه قبل بداية الوعي بواسطة منبه داخلي أو خارجي. وهذا ms083 ~~النوع من الأحلام الذي يتم في الليل يكون في الغالب إشباعا ~~لرغبة كامنة في اللاوعي. وربما يتضمن هذا النوع من الأحلام ~~بعض الصور المعبرة عن الرغبة في حياة أفضل ولكنها وإن جاءت ~~بشكل مشوش وغير متجانس، تمثل عنصرا أساسيا في الوعي اليوتوبي. # 14 # ذلك أن الأحلام التي تتم في الليل تتغلب عليها ~~صور خيالية مختفية طويلا في أعماق الأنا، بحيث إن الحلم ~~يكتنفه الغموض وعدم الوضوح، ويتقنع في شكل رمز خفي، ولما كان ~~الشخص الحالم لا يفهم العنصر الرمزي الكائن فيه، لذلك كانت ~~مهمة التحليل النفسي هي تفسير رموز هذا النوع من الأحلام التي ~~تتنوع وتتباين في أشكال مختلفة منها الأحلام بالسعادة، ~~والأحلام بإشباع الرغبات - وهي الأحلام الغالبة - فضلا عن ~~أحلام القلق النفسي. # ويرجع فرويد المصدر الأساسي للقلق إلى لحظة الميلاد وانفصال ~~الطفل عن الأم حين يجد نفسه وحيدا مهجورا بلا حماية. وهذه ~~اللحظة في رأيه هي سبب القلق النفسي، وربما أمكن رد أصل القلق ~~وأحلامه إلى لحظة الميلاد. ولكن بلوخ يقدم تفسيرا آخر للقلق ~~غاب عن أصحاب مدرسة التحليل النفسي، وهو تفسير يقوم في جوهره ~~على المعوقات الاجتماعية التي تحول دون إشباع دافع المحافظة ~~على النفس - الذي سبق الحديث عنه - لذلك يأخذ بلوخ على فرويد ~~تفسيره للقلق النفسي دون النظر إلى البيئة الاجتماعية والظروف ~~التي ليس لها علاقة بالشهوة الجنسية. وليس أدل على هذا من ~~اعتراف فرويد بهذا المعني عندما قال: «ليس الكبت هو الذي يسبب ~~القلق، وإنما القلق هو الذي يسبب الكبت.» ويؤكد بلوخ أن الجوع ~~والوضع الاقتصادي السيئ بالإضافة إلى القلق الوجودي، هي ~~الدوافع الإيجابية والموضوعية للقلق، وهذا القلق في رأيه لا ~~يكون إلا في مجتمع برجوازي يقوم على أساس مبدأ المنافسة ~~الحرة، أي على أساس علاقات الصراع حتى داخل الطبقة الواحدة في ~~المجتمع. أوجد هذا الصراع بين الأفراد قلقا متواصلا لا يحتاج ~~لتفسيره إلى التذرع بالشهوة الجنسية أو بالرجوع إلى لحظة ~~الميلاد. إنه وضع موجود في العالم الخارجي. وهناك شواهد ~~تاريخية تبرهن على صدق هذا التفسير، ms084 وكلنا يعرف ما سببته ~~الحربان العالميتان الأولى والثانية، والقلق الذي سببته ~~الفاشية والذي لا يحتاج تفسيره إلى الرجوع للحظة الميلاد ~~والصدمة الأولى للطفولة. # 15 ~~(2) الوعي في أحلام اليقظة # إن أحلام اليقظة هي موضوع اهتمام بلوخ، وتكاد أن تكون ~~بالنسبة له بمثابة مقولة معرفية مختلفة اختلافا واضحا عن ~~النوع الأول. إن أحلام اليقظة صور فنية مختارة بحرية تنشأ عن ~~أماني غير متحققة. وهي لا تشبه أحلام الليل لأنها تتضمن ~~حافزا محددا ومتواصلا نحو التحقيق الفعلي لما هو متخيل. ~~إنها تعيد تركيب الواقع بخيال مبدع خلاق لتجعله مقبولا. ~~ولذلك يعارض بلوخ مدرسة التحليل النفسي التي تحيل كل الأحلام ~~إلى نوع من التنفيس عما هو مكبوت. وتتميز أحلام اليقظة بمجموعة ~~من الخصائص: ~~(أ) # وضوح الطريق، بمعنى أن الأنا الحالمة ترسم معالم ~~هذا الحلم بوضوح، وتبدأ رحلتها من أي نقطة تشاء ~~وتنتهي حيثما تريد. فالحالم يحدد الطريق الذي سوف ~~يسلكه لتحقيق حلمه، ولكنه لا يبعد كثيرا عن ~~الواقع، ولا تغلبه صوره الخيالية، أي أن الرحلة ~~إلى الما وراء لا تأخذه بعيدا عن هذا الواقع ~~وإنما تدفعه إلى تجاوزه. وفي أحلام اليقظة تتنوع ~~فرص الاختيار، وتنتقل الذات الحالمة من حلم إلى ~~آخر في حرية تامة، بينما الحالم في الليل لا يعرف ~~ما يأتيه به اللاوعي أو ما تحت الوعي. ~~(ب) # الأنا الواعية، تتميز الأنا في حلم اليقظة ~~بالقوة لا الضعف، بل إنها تكون في كامل يقظتها ~~ووعيها وعلى الرغم من أن أحلام يقظتها تستحوذ ~~عليها، فقد تحررت من الرقابة الأخلاقية للأنا ~~العليا. وعلى العكس من ذلك نجد «الأنا» الحالمة في ~~الليل ضعيفة وغائبة عن الوعي، تفرض عليها «الأنا ~~العليا» رقابتها وسلطتها. وعندما تتيقظ وتعود ~~للوعي لتحيا في سياق حياتها وعالم يقظتها تنفصل عن ~~الحلم انفصالا تاما. ومعنى هذا أن «أنا» حلم ~~اليقظة ليست معزولة عن حلمها ولا نائمة ولا تخضع ~~لرقابة الأنا العليا كما هو الحال في الحلم الليلي. # 16 ~~(ج) # إصلاح العالم، إن كل أحلام اليقظة تتجه إلى ما ~~هو أفضل، أي إلى الحلم ms085 بعالم أفضل. من هنا تأتي ~~محاولة تحقيق هذه الأحلام، التي هي مختلفة ~~بالتأكيد عن أحلام مرضى الشيزوفرينيا (الفصام) ~~والبارانويا (جنون الاضطهاد)، الأولى كحالة نكوص ~~والثانية كحالة إسقاط. وعلى الرغم مما بين ~~الحالتين من اختلافات، إلا أنهما يمثلان حالة ~~هروب من الواقع بالاسترسال في التخيل. ومع ذلك فإن ~~اليوتوبيين لديهم شيء من البارانويا، لأن كل مبدع ~~حقيقي لديه مئات الصور الخيالية غير الواقعية، ~~ولكن أهم ما يميز حلم اليقظة عن هذا النوع من ~~الأحلام المرضية، هو قدرته على الاتصال بالعالم ~~الخارجي، لأنه منفتح على العالم عن طريق صور ~~خيالية مفعمة بالتمني، هي بمثابة عالم مخطط ~~بشكل أفضل، عالم بلا يأس أو خيبة أمل. # 17 # والواقع أن فرويد نفسه يشيد بأحلام ~~اليقظة في مجال محدد على الأقل حيث يقول: «أحلام ~~اليقظة هي المادة الأولية للإنتاج الأدبي، فالكاتب ~~يأخذ في تحويرها وتنكيرها أو اختزالها حتى يخلق ~~منها المواقف التي يضمنها قصصه ورواياته ومآسيه.» # 18 # وهكذا لمس فرويد حقيقة الإبداع ~~اليوتوبي في هذه المسألة، أي حقيقة اتجاه الوعي ~~إلى الجديد الخير # The ~~good new ~~. # ويؤكد بلوخ أن حلم اليقظة يجمع بين نقيضين، ~~ويؤلف على حد تعبيره بين السطح والعمق، بين ~~الامتداد # Expanse # في القبة الزرقاء ~~(ويقصد بها التحليق بالخيال إلى عنان السماء) وبين ~~النظرة الأرضية أو النظرة العينية إلى الواقع ~~الأرضي. إن حلم اليقظة يفترض كل أشكال المغامرة ~~«إلى الماوراء»، فهو حلم متحرر من كل القيود، ~~ينتهي في أحيان كثيرة إلى أعمال فنية، ويجعل ~~الممكن الموضوعي مرئيا، ويربط الخيال بالواقع ~~بشكل عيني، حيث يمتد الخيال إلى خارج الذات ~~ويتعلق بالواقع بطبيعة الحال، فينظر إلى الأمام ~~ويستشرف المستقبل، ويظهر هذا في العمل الفني ~~كتجربة خيالية لتحقيق الممكن الموضوعي في أكمل ~~شكل. وهو لا يصدق على العمل الفني وحده، إذ يذهب ~~العلم أيضا إلى أبعد من العلة الظاهرية خلال ~~عملية التوقع. لقد حلم كيلر (1571-1630م) بكمال ~~العالم، واكتشف القوانين الثلاثة لحركة الكواكب ~~السيارة. وبذلك تقدم حلمه إلى الأمام، وتخيل صورة ~~العالم في المستقبل، فاستنبط صورة العالم ms086 المنظم ~~الشامل بطريقة منسجمة. # 19 ~~(د) # الرحلة إلى النهاية، إن حلم اليقظة يرفض أن يكون ~~مجرد حلم مفعم بالخيال وفانتازيا النهار، مثل حلم ~~الليل، تبدأ بالرغبات، ولكنها تذهب بها إلى مكان ~~إشباعها وتحقيقها، أي إلى المستقبل، وإرادة السفر ~~إلى النهاية، يتخللها دائما وعي يوتوبي يظهر في ~~الحلم بحياة أفضل ويتجلى في أعمال فنية. إن ~~الخيال الذي يهدف إلى إصلاح العالم نجده في معظم ~~الأعمال الأدبية والفنية. فالأعمال الكبرى في كل ~~عصر تحتوي على شيء جديد حقا، ومن الأمثلة على ~~ذلك أوبرا «الناي السحري» لموتسارت و«الكوميديا ~~الإلهية» لدانتي وغيرهما من الأعمال الكثيرة التي ~~تحتفظ بشبابها الأبدي. والمهم كما يقول جوته هو ~~«الإشعاع ~~البعيد # Far radiating ~~» لنوعية هذه الإبداعات ~~الخيالية التي أبقت الوجود مفتوحا على الواقع ~~المعطى وظلت نافذة مفتوحة على المطلق. وكمون ~~المطلق في الأعمال الأدبية العظيمة لم يجعلها أقل ~~واقعية، بل على العكس جعلها أكثر واقعية، من خلال ~~مزج كل شيء واقعي بال «ليس-بعد»، أي بالتطلع إلى ~~ما لم يتحقق بعد، ومعنى هذا أن الإبداعات ~~الخيالية لأحلام اليقظة تفتح نوافذ على إمكانيات ~~العالم التي يمكن أن تتخذ شكلا معينا في المستقبل. # 20 # هناك إذن اختلافات بين نوعي الحلم في شكل إشباع الرغبة ~~ومضمونها فمن ناحية الشكل يتسم حلم الليل بالنكوص، إنه في ~~العادة مشوش وغير متجانس. وعلى النقيض من ذلك تكمن الصورة ~~الخيالية لحلم اليقظة في المستقبل، ويتوسطه الممكن الموضوعي ~~- الذي سنتحدث عنه فيما بعد - أي الممكن الذي له أساس في ~~العالم الخارجي. أما عن مضمون حلم الليل فهو التخفي والاحتجاب، ~~على حين أن مضمون «فانتازيا النهار» أو حلم اليقظة مفتوح، ~~مبدع، وتوقعي، ويمتد المحتوى الكامن فيه من داخل الذات إلى ~~العالم الخارجي، متقدما بخطوات واسعة نحو المستقبل. ~~إنه - بالمصطلح الهيجلي - «يتخارج» أو يأتي بنفسه خارج نفسه، ~~مسلحا بإرادة تغيير الوضع الخارجي إلى ما هو أفضل، وهو في ~~النهاية حلم عيني مرتبط بالواقع وله هدف يسعى إليه ويتجه ~~نحوه ليصنع التقدم. ~~(3) انفعالات التوقع # والآن كيف تنتقل أحلام اليقظة من مجرد ms087 كونها أحلاما تحلق في ~~سماء الخيال، إلى أرض الواقع؟ كيف تتجه من الذات الحالمة إلى ~~الموضوع أو العالم الخارجي، ومن الخيال إلى التحقق في ~~المستقبل؟ الإجابة على ذلك هي التوقع، فكل ما يتوسط هذه ~~الثنائيات هو التوقع، كما يسميه بلوخ، محاولا أن يتعرف على ~~الأشكال التاريخية التي جسدت الوعي اليوتوبي الذي يميزه ~~التوقع، ومبينا أن التوقع خاصية متميزة للوعي بالنقص أو ~~العوز والافتقار. وإمكان التغلب على هذا النقص يعبر عن نفسه ~~على جميع مستويات الوجود الإنساني باعتباره حافزا ثم سعيا ثم ~~شوقا، إذا ارتبط بهدف غير محدد سمي بحثا، وإذا ارتبط بهدف ~~محدد سمي دافعا. وإذا بقي هذا الدافع بغير إشباع وظل مع ذلك ~~واعيا بهدفه نشأت الرغبة ومن بعدها الإرادة. لكن الرغبة ليست ~~يوتوبيا، واليوتوبيا ليست رغبة فوضوية، إنها رغبة تشكل الحلم، ~~ومضمونها النزوع للتحقق والامتلاء والإشباع، وهي رغبة منظمة ~~وموجهة في بناءات مستقبلية خيالية. # ويضع بلوخ تفرقة هامة بين حالة الوجود # State of being # كشعور عضوي فيزيقي (كأن يشعر ~~الفرد بأنه مريض أو في صحة طيبة) وبين المزاج # mood # كحالة نفسية مزاجية. # 21 # وتختلف حالة الوجود (أو الكينونة) عن المزاج الذي ~~هو عبارة عن مشاعر انفعالية تجربها الأنا، أو تنتاب الفرد ~~عندما تكون روحه المعنوية غير مستقرة. فهذه الحالة الأخيرة - ~~أي حالة المزاج - هي الحافز أو المثير لمجموعة خاصة من ~~انفعالات تجعل حلم اليقظة بمثابة حالة مزاجية توسطية أو وسط ~~مزاجي # mood-medium # ويطلق بلوخ على هذا النموذج الخاص من ~~الانفعالات اسم الانفعالات المتوقعة أو انفعالات التوقع # Expectant emotions ~~. ~~وأهم ما يميزها أنها تتجه إلى الأمام وتشير للمستقبل الوشيك ~~الحدوث. وهي تنقسم إلى انفعالات سلبية وأخرى إيجابية. ~~(أ) انفعالات التوقع السلبية # تتكون هذه المجموعة من الانفعالات السلبية من انفعالات ~~ثلاثة هي القلق والخوف واليأس، ومن المعروف أن هذه ~~الانفعالات الثلاثة موجودة عند كير كيجورد (1813-1855م) ~~الذي أقام تفرقته المشهورة بين المفاهيم الثلاثة السابقة ~~عندما حدد الوجود بأنه خاضع للقلق، بل هو الصورة التي تميز ~~الوعي، وأن اليأس هو الصورة ms088 التي ينتهي إليها هذا الوعي، ~~لأن الوجود معناه أن نعاني اليأس والقلق حتما، وكل هذا ~~وذاك مرتبط بالواقع وبإمكان الخطأ، فالفرد مضطر إلى أن ~~يختار، ولكي يختار لا بد له أن يعاني اليأس ومن المحال أن ~~يفلت منه. # 22 # وبذلك حدد كير كيجورد القلق تحديدا ~~ميتافيزيقيا يتعلق بالاختيار والحرية. # وبطبيعة الحال فإن هذا القلق الوجودي ليس هو المقصود في ~~هذا النوع من الانفعالات السلبية التي يقصدها بلوخ لأنه ~~ليس قلقا منتجا، بمعنى أنه لن يكشف للإنسان غير ذاته، ~~كما أنه قلق يرتبط بالخطيئة والحرية وينطوي على الخوف: ~~«كثيرا ما درست طبيعة الخطيئة الأولى، لكن المقولة ~~الأساسية منها قد أغفلت، وهذه المقولة هي: القلق، فهو ما ~~يحددها بالفعل، ذلك لأن القلق هو رغبة فيما يخشاه المرء، ~~إنه نفور من تعاطف، القلق هو القوة الغريبة التي تمسك ~~بزمام الفرد ولا يستطيع منها فكاكا، ولا هو يريد ذلك، لأن ~~الفرد خائف، لكن ما يخشاه المرء ينجذب نحوه، والقلق يجعل ~~الفرد بلا حول ولا قوة.» # 23 # وعلى الرغم من تحليل كير كيجورد لهذه المفاهيم أو ~~الانفعالات الثلاثة، إلا أنه لم يضعها في إطار أوسع ~~وأشمل، وهو الإطار الأنطولوجي، ليصوغ منها نظرية عن تركيب ~~الوجود كما هو الحال عند هيدجر (1889-1976م) فهذا الأخير ~~جعل القلق حالة من حالات «التوجد» التي ترجع الإنسان إلى ~~الشعور بوجوده الوحيد الملقي به هناك، كما تدفعه على ~~«التصميم» على تحقيق وجوده الذاتي الأصيل. ويطرح هيدجر في ~~كتابه «الوجود والزمان» هذه الأسئلة: «مم نخاف؟ وما معنى ~~أن نخاف؟ ولماذا تخاف؟» والإجابة على هذه الأسئلة تكشف عن ~~تركيب الشعور بالموقف الأصلي، # 24 # وهذا الموقف الأصلي عند هيدجر هو ~~«الوجود-هناك» والشيء المخيف كائن دائما داخل هذا العالم. ~~أما القلق فهو جزء لا يتجزأ من تركيب «الآنية» (أو ~~الدازاين # Da-Sein # التي يصعب ترجمتها) يقول في الوجود والزمان: «إن الظاهرة ~~التي تكشف عن تركيب الآنية - إذا أدركت في كليتها - هي ~~القلق، والواقع أن القلق يعبر عن أعمق شعور الآنية، الشعور ~~الذي هو مبدأ المشاعر الأخرى ms089 جميعا ومنبعها (الإرادة، ~~التمني، الرغبة، الميل، الدافع) ولكنه يبقى - في العادة - ~~محجبا أو كامنا تحت مظاهر الهم.» # 25 # وإذا كان الخوف يتعلق دائما بموضوع محدد، هو هذا الشيء ~~أو ذاك، فإن القلق - على ~~العكس من ذلك - لا يبدو راجعا إلى موضوع محدد. إنه يفترض ~~وجود خطر يتهددنا، بيد أن هذا الخطر لا يوجد في أي مكان، ~~وعبارة عدم الوجود في أي مكان ليس معناها «لا شيء» وإنما ~~معناها استبعاد كل تعين في هذا الشيء أو ذلك فحسب، والواقع ~~أن العالم بوصفه كذلك على نحو مباشر هو الشيء الذي تقلق ~~أمامه الآنية. لكن ليس معنى هذا أننا ندرك في القلق دنيوية ~~العالم إدراكا صريحا باعتبار أنها الواقع الذي يهددنا، ~~وإنما القلق يعود بالآنية إلى «وجودها في العالم»، وهو ~~يعزلها أمام نفسها ويجعلها تشعر بهذه العزلة شعورا قويا ~~إلى أقصى حد. # 26 # لقد أرجع فرويد - كما سبق القول - انفعال القلق إلى لحظة ~~الميلاد، وعارض بلوخ هذه الفكرة الفرويدية معارضته لفكرة ~~أن القلق ينشأ من تلقاء نفسه. وقد فسر هذا الانفعال السلبي ~~بإرجاعه للظروف الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالفرد، ~~والمسئولة قبل كل شيء عما يعانيه الإنسان؛ ولذلك كان من ~~الطبيعي أيضا أن يعارض بلوخ الفيلسوف الوجودي هيدجر ويأخذ ~~عليه أنه جرد انفعال القلق من التوقع، بل ويتهمه بالجهل ~~بعلم الاجتماع مما دفعه إلى جعل العدم جزءا لا يتجزأ من ~~وجود الإنسان «القلق» الذي يفترضه دائما ملقى به في ~~العالم بشكل يتعذر تغييره. # 27 # بهذا المعنى نظر بلوخ إلى ما أطلق عليه اسم انفعالات ~~التوقع السلبية الثلاثة (القلق - الخوف - اليأس) نظرة ~~أكثر شمولا من التحليل النفسي ومن فلسفات الوجود حين وضع ~~هذه الانفعالات في إطار أنثروبولوجي ويوتوبي. ففي رأيه أن ~~القلق - الذي نشأ من الظروف الخارجية التي سبق الحديث عنها ~~- هو انفعال توقعي وإن يكن لا يزال سلبيا غير واضح ~~المعالم، أي أنه توقع شيء غامض وغير محدد في العالم ~~الخارجي، ولا يشير بعد إلى شيء بعينه. إنه على العكس من ~~الانفعال التوقعي السلبي الثاني ms090 وهو الخوف الذي ينتاب ~~الفرد ويتملكه من شيء محدد في الخارج، ولكن المفاجأة التي ~~تحدث بفعل هذا الانفعال يجب ألا تجعلنا نغفل عن إدراك أنه ~~من نوع الانفعالات المتوقعة، إذ بدون التوقع لا يستطيع أي ~~تهديد خارجي أن يغرس الفزع في نفوسنا. ولا شيء يجعلنا ~~نفقد الحس في لحظة الخوف إلا توقع الخطر. ولا يمكن أن تظهر ~~المفاجأة التي تصاحب الفزع بدون الاستعداد لها بالتوقع، ~~وأكثر حالات الخوف تطرفا وأصعبها هي التي تظهر انفعالا ~~متوقعا سلبيا ومطلقا هو اليأس. فاليأس - وليس القلق - ~~هو الذي يشير بحق إلى اللاشيئية أو العدم # Nothingness # واليأس هو ذروة ~~سلسلة الانفعالات التوقعية السلبية ونهايتها. # 28 # نخرج من هذه المقارنة بأن مفهوم القلق عند بلوخ يختلف ~~اختلافا تاما عنه عند كير كيجورد وهيدجر - على الرغم من ~~فضلهما الذي لا ينكر في تأسيس مفهوم القلق من الناحية ~~الميتافيزيقية - ومع ذلك فإنه من الواضح أنه عند كير ~~كيجورد مرتبط بقلق الذات الفردية الوحيدة بسبب إخفاقها في ~~الوصول إلى المطلق، وهو عند هيدجر مرتبط بتصميم الآنية - ~~أي الموجود الملقى به في العالم - على تحقيق إمكانات ~~وجودها الذاتي الأصيل في مواجهة حتمية الموت ومأساويته. ~~أما عند بلوخ فهو وإن استفاد - بغير شك - من هذه الأفكار ~~الأساسية فإن منطلقه وهدفه مختلفان أتم الاختلاف. إن القلق ~~عنده ليس قلقا باطنيا ولكنه كفاح دءوب في سبيل تحقيق ~~الأمل الكامن في الإنسان وفي الواقع المادي، كما أنه ليس ~~قلق الذات الفردية المتوحدة أو الملقى بها في العالم كما ~~هي عند كير كيجورد أو هيدجر، وإنما هو قلق ال «نحن» ~~المتجهة إلى الأمام والتي تناضل في سبيل «مملكة ~~الحرية». ~~(ب) انفعالات التوقع الإيجابية # إن انفعالات التوقع الإيجابية هي الهدف الذي يريد أن يصل ~~إليه بلوخ من بحثه في الانفعالات، ويسميها بلغته القصد ~~اليوتوبي. فهي التي تتوسط بين حلم اليقظة وإمكانية تحقيق ~~هذا الحلم في الواقع، أو التطلع إلى تحقيقه في المستقبل، ~~وأول انفعالات التوقع الإيجابية هو الأمل الذي يقوم بدوره ~~في القضاء على كل التوقعات ms091 السلبية. إن الأمل يحجب القلق ~~ويتخلص منه، وهو الذي يحطم الخوف ولا يسمح للإخفاق أو ~~اليأس أن تكون له الكلمة الأخيرة. للأمل إذن مفهوم قصدي، ~~فهو انفعال يناضل ويلقي بنفسه في العدم أو اليأس لينتزعه ~~منهما أو من بين براثنهما، ويتجه ناحية الضوء والحياة، ~~مؤكدا أنه ما زال في الأفق بصيص إنقاذ وخلاص. ثم يأتي ~~الانفعال التوقعي الإيجابي الثاني وهو الثقة # Confidence # في هذا الأمل، ~~الثقة التي تعارض اليأس وتحوله إلى انفعال إيجابي، وبعد ~~أن كان اليأس يتحسس طريقه في اللاشيئية أو العدم، تأتي ~~الثقة لتتجه به إلى الكل # ALL # اليوتوبي، وهكذا تمتد كل ~~المقاصد الموجهة للمستقبل # Future Orientated ~~Intentions # وهي ~~الانفعالات والأفكار المتوقعة داخل الوعي بال «ليس-بعد»، ~~أي داخل طبقة الوعي التي تتألف هي نفسها من انفعالات ~~توقعية غير متحققة ولا مشبعة كما تقول لغة علم النفس. ~~ومعنى هذا أن أحلام اليقظة التي تنطوي على إمكانيات ~~مستقبل حقيقي تتقدم داخل الوعي بال «ليس-بعد» أي داخل ما ~~لم يصر ولم يتحقق (لم يشبع) بعد، داخل ميدان اليوتوبيا. # 29 # وقد نجح بلوخ في الربط ربطا خصبا بين الماركسية ~~والتحليل النفسي، على الرغم من نقده له وإلحاحه على ضرورة ~~أن يتجه - باعتباره نظرية في اللاوعي - إلى البحث في ~~الوعي المنسي عن النزعات الدافعة إلى الأمام والجديد، كما ~~نجح في أن يستفيد من الماركسية التي تتميز عن غيرها من ~~الفلسفات بأنها لا تلتفت إلى الماضي، بل تندفع إلى ~~المستقبل وتؤكد ذلك نظريا وعمليا. ذلك أن مادية مارك ~~الجدلية لم ترد مادة العالم لا إلى الآلة المنضبطة ولا ~~إلى الذرة أو القرد، بل ردتها إلى العلاقة الاقتصادية ~~الاجتماعية بين البشر، وبينهم وبين الطبيعة، وأكدت ~~الارتباط والتشابك بين الوعي والوجود الاجتماعي، وأصرت على ~~أن الإنسان هو جذر الأشياء جميعا. # وفي حقيقة الأمر لم يكن بلوخ أول من ربط بين الماركسية ~~والتحليل النفسي، فقد سبقه في هذا المجال كثيرون منهم عالم ~~النفس والفيلسوف إريك فروم (1900-1980م) الذي جمع بين ~~التحليل النفسي الفرويدي والرؤية الماركسية؛ مما جعله ms092 يأخذ ~~على فرويد ومدرسته تغافلهما عن الظروف الاجتماعية وما لها ~~من آثار كبيرة على نمو الإنسان وشخصيته، فهو قد انطلق ~~أيضا من نقده لنظرية الدوافع التي تضع الغرائز وخاصة ~~الغريزة الجنسية في مقدمة الحياة النفسية، واتخذ من الحاجة ~~مدخلا لفهم النفس الإنسانية، وأخذ يحلل حاجات الإنسان ~~النابعة من ظروف وجوده. فإذا كان بلوخ يرى أن أول ما يواجه ~~الإنسان هو الحاجة والافتقار، فإن فروم حددها بخمس حاجات ~~هي الانتماء، والتعالي أو التجاوز، والارتباط، والهوية، ثم ~~الحاجة إلى إطار توجيهي. # 30 # وكلاهما - أي بلوخ وفروم - يرى ضرورة بناء ~~مجتمع جديد يخرج الإنسان من عالم لم تكتمل فيه إنسانيته ~~بعد. والخلاصة أن نظرة فروم لهذا العالم الأفضل ظلت ~~محصورة في نطاق التحليل النفسي، بينما تجاوز بلوخ هذا ~~وانطلق إلى آفاق أرحب. # ثانيا: طبقات الوعي # يتصور بلوخ أن هناك عتبتين للشعور أو حدين قصيين للوعي، ~~أحدهما خاص بالأشياء التي تم الوعي بها، ثم تضاءل هذا الوعي وسقط ~~في النسيان. أما الحد أو العتبة الأخرى للوعي فتقع في الجهة ~~المقابلة، وفيها تشرق على الوعي أمور لم تتضح بشكل كامل بعد. وفي ~~الحالتين يوجد نوع من الشعور الذي يمكن - مع تركيز الانتباه وبذل ~~الجهد - أن يتضح شيئا فشيئا، سواء بالنسبة لتذكر ما سقط في ~~الأعماق، أو استشراف ما لم يحدث بعد. # ويحمل ما قبل الوعي معنيين، أولهما هو اللاوعي بالمعنى ~~الفرويدي، أي المكبوت أو المنسي، كما يعبر عن ذلك الحلم الذي يراه ~~النائم أثناء الليل وما فيه من نكوص إلى الماضي وتوقف الوعي # No-Longer-Conscious ~~. ~~وثانيهما هو الوعي بال «ليس-بعد» الذي يعنيه بلوخ ويختلف اختلافا ~~كليا عن اللاوعي الفرويدي. إنه الوعي بشيء ما جديد لم يأت ~~بعد، وحلم اليقظة يشير إلى هذا التحديد الحاسم للوعي بال ~~«ليس-بعد» أو بمعنى آخر بالوعي بالمستقبل. فهو المجال الفعلي ~~لتفتح الجديد. والوعي بال «ليس-بعد» هو نموذج للوعي بشيء ما يرجح ~~حدوثه بناء على شروط ذاتية وموضوعية محددة. # 31 # إن ما يقصد بما قبل الوعي أو بما لم يتم الوعي به ms093 شيء مختلف ~~تمام الاختلاف، فهو يدور على مستوى فلسفي (معرفي وأنطولوجي) يتصل ~~أوثق اتصال بفلسفة بلوخ وأفكاره المركزية عن اليوتوبيا والأمل ~~والمستقبل وتوقع ما لم يأت بعد وينبغي أن يأتي. بل إنه ليتعارض ~~تعارضا تاما مع نفس المفهوم في التحليل النفسي لفرويد وفي علم ~~النفس التحليلي ليونج اللذين يهتمان قبل كل شيء بالماضي المترسب ~~في باطن الفرد أو باطن الجماعة. أضف إلى هذا أن الكلام عما يسبق ~~الوعي لا ينفصل عن الكلام عما «لم يوجد بعد»، وكلاهما متكامل ~~ومتحد مع فلسفة بلوخ الجدلية التي لا تتوقف عن استشراف آفاق ~~المستقبل والأمل في غد أفضل. # وعلى الرغم من اختلاف مفهوم ما قبل الوعي عند بلوخ عنه عند علماء ~~التحليل النفسي، إلا أنه يوجد من هؤلاء العلماء - مثل إريك فروم - ~~من يقول بأن اللاوعي أو اللاشعور لديه معرفة يستطيع عن طريقها أن ~~يدرك حقائق الأمور، فكما أن لنا حواس هيئت لنرى بها، ونسمع ونشم ~~ونلمس، عندما نحتك بالواقع، كذلك هيئ لنا عقل لندرك به الواقع، أي ~~لنبصر الحقيقة، خصوصا الحقيقة الكامنة في النفوس، بصيرة تنفذ في ~~حقيقة أنفسنا وغيرنا وفي العالم من حولنا. وهذه الفكرة لها ~~دلالاتها في الأحلام التي تتميز ببصيرة نافذة، وفي أنواع عديدة ~~من السلوك والاستجابات. # 32 # والواقع أن بلوخ لم يكتشف فكرة «اللاوعي» وعلاقته بالوعي ولم ~~يدع ذلك، لأن هذا الاكتشاف يرجع إلى سنوات طويلة ماضية، إلى ~~ما يقرب من قرنين من الزمان. فمن المعروف في تاريخ الفلسفة أن ~~ليبنتز (1646-1716م) قد سبق إلى اكتشاف منطقة اللاوعي التي تشبه ~~التيار التحتي الذي يسيل تحت أمواج الحالات والأحداث النفسية ~~الواعية. ويوجد هذا الاكتشاف في كتابه «رسائل جديدة عن العقل ~~الإنساني» الذي نشر لأول مرة عام 1765م وكان في الأصل ردا على ~~كتاب جون لوك (1632-1704م) عن العقل الإنساني عام 1690م. ومن ~~المعروف أيضا أن ليبنتز ينتقد فيه رأي لوك بأن المعرفة كلها ~~مستمدة من التجربة، وفق عبارته المشهورة «لا شيء في العقل إلا وقد ~~سبق وجوده في الحس.» ولذلك ms094 يتساءل ليبنتز إن كانت الحقائق كلها ~~تعتمد على التجربة أم أن ثمة حقائق تستند إلى مصدر آخر: «صحيح أن ~~الحواس ضرورية لكل معارفنا الحقيقية، ولكنها لا تكفي لكي تزودنا ~~بجميع هذه المعارف.» # 33 # وينطلق ليبنتز - في رده على لوك - من هذه الفكرة البسيطة؛ فهناك ~~أشياء صغيرة غير ملحوظة تند عن إدراكنا، ولكنها تؤثر علينا. وهذه ~~الفكرة تقوم بدورها على فكرة أخرى يفترضها مذهب ليبنتز الواحدي ~~(أو الكلي) الذي يترابط فيه كل شيء مع كل شيء. فالعالم لا يحتوي ~~على أي ثغرات. وإذا تصورنا في الظاهر أنها موجودة، فإن تلك الأشياء ~~الضئيلة غير الملحوظة تشغلها. ومن المعروف أن فكرة ليبنتز هذه تدين ~~في وجودها لاكتشاف حساب التفاضل (الذي توصل إليه مع نيوتن في وقت ~~واحد تقريبا مع فارق زمني ضئيل) بجانب اكتشاف الكائنات الدقيقة ~~تحت المجهر في أيامه، مما عزز مذهبه المعروف عن المونادات التي ~~تتألف منها الجواهر أو الموجودات جميعا. كذلك يوجد في خلفيتها - ~~أي خلفية تلك الفكرة - الرأي السائد في الفيزياء بوجود دفعات ~~للحركة متناهية في الصغر، ومن ثم اعتقد فيلسوف الذرات الروحية ~~بوجود دفعات متناهية في الصغر في الحياة النفسية والعقلية هي التي ~~تستدعي مختلف الأفكار والإحساسات. ويقدم ليبنتز مثلا على ذلك ~~بهدير البحر الذي يصل إلى أسماعنا، فلا بد لسماع هذا الهدير من ~~سماع أصوات الأمواج التي يتألف من مجموعها هذا الهدير. ولهذا يتحتم ~~أن تؤثر علينا حركة كل موجة على حدة تأثيرا ما، كما يتحتم علينا ~~أن ندرك على نحو من الأنحاء كل صوت على حدة مهما يكن شديد الخفوت، ~~وإلا لما تأثر الواحد منا أي تأثر بمائة ألف موجة، لأن مائة ألف لا ~~شيء لا يمكن أن تصنع شيئا. # 34 # هنالك إذن - حسب رأي ليبنتز - تأثيرات على وعينا تعتبر في ذاتها ~~غير قابلة للإدراك. وهو يطلق على هذه التأثيرات - المتناهية الدقة ~~والضعف بحيث لا يمكن الإحساس بها - اسم الإدراكات غير الملحوظة، ~~ومجمل القول أن لهذه الإدراكات غير الملحوظة في العلوم العقلية أو ~~الروحية نفس الأهمية ms095 القصوى التي للأجسام غير الملحوظة في علم ~~الفيزياء. ومن الخطأ كما يقول ليبنتز نفسه في كلتا الحالتين أن ~~نسقطها من حسابنا، أو أن نتجاهلها بحجة أنها تقع خارج مجال حواسنا. # 35 # ويصدق على الأفكار المنسية ما يصدق على الإدراكات غير ~~الملحوظة. فبفضل هذه الإدراكات تترسب في باطن الإنسان انطباعات ~~وآثار من أحواله وتجاربه السابقة. وهذه الآثار هي التي تقوم بوظيفة ~~الربط بين الأحوال السابقة وبين الحالة الراهنة، وهذه الآثار تظل ~~كذلك كامنة في باطن الإنسان «حتى ولو لم يلحظ هو نفسه وجودها، أي ~~حين لا يتذكرها بصورة واضحة.» # 36 # والأهم مما سبق أن هذا الجانب من اللاوعي في الحياة ~~النفسية والعقلية لا يتعلق بالماضي وحده، وإنما الماضي والحاضر ~~وحدة واحدة، وهذا هو الذي عبر عنه بوجه خاص في كتابه عن ~~«المونادولوجيا» كما عبر عنه في كتابه «رسائل جديدة عن العقل ~~الإنساني» في قوله: «... بل نستطيع القول بأن الحاضر، بفضل هذه ~~الإدراكات الضئيلة، يحمل المستقبل في أحشائه كما يمتلئ بالماضي، ~~وأن كل شيء مرتبط بكل شيء.» # 37 # ويمكن القول إن علاقة «اللاوعي» - أو بالأحرى ما لم يتم الوعي به ~~- بالمستقبل واستشرافه أقوى من علاقته بالماضي وإعادة تذكره، ~~ولهذا يصح السؤال عن السبب الذي جعل الباحثين بعد ليبنتز يصرفون ~~اهتمامهم إلى الماضي الذي لم يعد الإنسان يدركه أو يعيه بدلا من ~~الانتباه إلى هذا الجانب المتعلق بالمستقبل. وكانت النتيجة ضياع ~~فكرة الكلية التي تضم الماضي والحاضر والمستقبل، وتركيز الاهتمام ~~على «ما لم يعد هناك وعي به»، أي بالرواسب والآثار الماضية ~~«المكبوتة» في اللاوعي، أكثر بكثير من الانتباه إلى أهمية «ما لم ~~يتم الوعي به بعد» أو بالوعي المسبق، أي بالرؤى والحدوس ~~المستقبلية التي توجه الوعي إلى الجديد اليوتوبي الذي يتخلق في ~~أحشاء الواقع الموضوعي، وقد حدث هذا على الرغم من تأكيد ليبنتز ~~المستمر في نصوصه العديدة على أن الحاضر ينطوي في ذاته على ~~المستقبل، وأن الله الذي يرى كل شيء يرى كذلك ما سوف يكون فيما هو ~~كائن، وأنه يمكن من الناحية ms096 المنطقية الخالصة أن نستنبط من المعرفة ~~التامة بموضوع واحد المعرفة الشاملة بكل شيء، هذا فضلا عن مبدأ ~~«النزوع» الكامن في كل المونادات أو الجواهر البسيطة، والذي يدفعها ~~على الدوام إلى المزيد من الكمال في الإدراك، أي يدفعها إلى ~~التغير. ولا شك أن هذه العناصر كلها قد أثرت تأثيرا كبيرا على ~~فلسفة بلوخ، سواء في ذلك فلسفته في الوعي أو فلسفته في المادة. ~~وإذا كان بلوخ لم يكتشف فكرة اللاوعي وعلاقته بالوعي، فيبقى له ~~الفضل في التوسع في مفهومها وإلقاء الضوء على العلاقة بينهما، ~~وتحليل دور اللاوعي السابق للوعي في تحسس المستقبل القادم والإعداد ~~له والتوجه نحوه. # إن ما يسبق الوعي يتعلق على الدوام بما لم يوجد بعد، ومعنى هذا ~~أنه يتعلق دائما بالواقع. والأمران مرتبطان ارتباطا لا تنفصم ~~عراه، فالكلام عن الوعي مرتبط بالوجود والعكس أيضا صحيح، وما قبل ~~الوعي هو الوجه النفسي لما «لم يوجد بعد» وينتظر التحقيق عن طريق ~~الوعي والإرادة البشرية. ولذلك لا يمكن الانتباه إلى ما قبل الوعي ~~ولا يتيسر الوعي به إلا إذا نضجت الظروف المادية التي تتيح ذلك. ~~وليست كل الحدوس والأفكار ولا كل الأعمال ممكنة في كل الأوقات، ~~وكثيرا ما تتم الأعمال العظيمة التي تسبق عمرها بغير قصد واع من ~~أصحابها، وربما تم إنجازها ثم تعجبوا بعد ذلك كيف أمكنهم إتمامها ~~ولم يصدقوا أنها كانت أصلا ممكنة التحقيق. وهذا يوضح أن الإنسان ~~يلقي على نفسه دائما تبعات ومهام «يمكنه» أن يحققها في المستقبل، ~~كما يمكنه أيضا أن يهملها أو يتهرب منها إذا خانته الإرادة أو ~~تسرع في أدائها قبل أن تتهيأ الظروف التي تساعد على نضجها. # إن ما قبل الوعي هو الوعي المسبق بوجود في طريقه إلى التحقق. وهو ~~يتمثل في خواطر ورؤى وحدوس تلمع كالبرق الخاطف في أحلام اليقظة ~~التي تحلق بصاحبها إلى آفاق المستقبل، وتكمن الصعوبة الحقيقية في ~~اجتياز مراحل الطريق الذي يؤدي بالإنسان إلى الوعي بما لم يتم ~~الوعي به وتحقيق الجديد الذي لم يوجد بعد، وتحقيق هذا الجديد ~~يستند ms097 إلى «ممكن واقعي» ألم به إلمامة خاطفة في صورة الرؤى ~~والحدوس التي سبق ذكرها؛ ولذلك يمكن القول إن ما لم يتم الوعي به ~~بعد هو الوعي المسبق بالجديد القادم، أو هو «المكان النفسي» - إذا ~~صح هذا التعبير - الذي تتم فيه ولادة الجديد. أما أنه لا يزال في ~~مرحلة الوعي المسبق، فلأنه هو نفسه ينطوي على مضمون شعوري لم يظهر ~~له تمام الظهور، ولأن الجديد الذي يكمن في هذا المضمون لا يزال ~~يشبه بزوغ الفجر الذي ستنشق عنه شمس الجديد. لذلك يكون حلم اليقظة ~~دائما في حالة إحساس مسبق وغير واع تمام الوعي بالجديد الذي بدأ ~~يتخلق في الوعي وفي الواقع الموضوعي على السواء؛ مما يدل على اتجاه ~~الحلم إلى المستقبل. ويفترض الوعي المسبق بالجديد، أو ما يسميه ~~بلوخ بوعي ال «ليس-بعد» تجربة الواقع والتأثر به، وهذا التأثر يشتد ~~عادة في مرحلة الصبا والشباب من حياة الإنسان التي يكثر فيها ~~الاسترسال في أحلام اليقظة والتحليق على أجنحة الشوق ~~والتمني. # ويشتد الوعي بال «ليس-بعد» في عصور معينة يمكن أن نسميها ~~بالعصور الشابة التي تتطلع للتغيير والتجديد. وعصر النهضة مثال ~~واضح على هذا التغيير الشامل في جانبه الأيديولوجي والعلمي ~~والثقافي على وجه الخصوص؛ إذ ~~صاحبه تحول المجتمع الإقطاعي إلى مجتمع برجوازي حديث، أي رحيل ~~مجتمع وتوقع آخر جديد. كما اشتد الوعي بال «ليس-بعد» في حركة ~~العصف والدفع # 38 # الأدبية في ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر، وهي ~~حركة عبرت عن انطلاقة متفجرة للعبقرية الفردية وعصر الأماني ~~المشرقة. «لم يعد اللاوعي متناهي الصغر ولا ضئيلا مثل اللحميات ~~الصغيرة التي أشار إليها ليبنتز.» # 39 # بل ارتفع صوته وعبر عن نفسه بحماس الشباب، ففترة ~~الشباب في السنوات الخضراء المليئة بالقوة والحيوية المتطلعة إلى ~~الحياة والحرية، وهي سنوات التغيير والحلم المتطلع إلى الأمام. ~~والتغيير الذي حدث في هذه الفترة ليس شعورا فسيولوجيا فحسب، ~~ولكنه فترة جيشان مفعمة بالانفعال، يشعر فيها الشاب أنه مدعو ~~لشيء ما يحدث داخله وكأن سحابة راعدة تبدو حبيسة داخله وتتوق ~~للخروج من سجن ms098 الاطراد والسأم في العالم الخارجي الخانق. ويرى بلوخ ~~في جوته الشاب أعظم مثال على هذا، خاصة في مسرحية «بروميثيوس» ~~والنسخة الأولى من فاوست المعروفة باسم «فاوست الأولى» ورواية ~~«سنوات الطلب لفهلم ميستر» # 40 # وها هو مثال حي من مونولوج فاوست المشهور، الفصل ~~الأول، المشهد الأول الذي يتطلع فيه لتجديد شبابه ومعرفة كل ما فوق ~~السماء وتحت الأرض، مخاطبا روح الأرض: # أنت، أي روح الأرض، أنت أقرب إلي، # وها أنا ذا أشعر كأن قواي قد نشأت، # وصرت أتوقد كما لو كنت تجرعت من خمر جديدة، # وأستشعر الشجاعة على خوض غمار العالم، # وعلى تحمل متاعب الأرض وسعادة الأرض، # وعلى مغالبة العواطف، وعلى علم الفزع من تهديد تحطم السفن. # 41 # ومراحل التحول التاريخي السياسي والحضاري تتسم ~~بالفوران والغليان اللذين يميزان مرحلة الشباب، ويحلق في سمائها ~~الخيال والأمل وانتظار الجديد. هذه المراحل تمثل البعد التاريخي ~~الذي يظهر فيه الوعي المسبق أو الوعي بال «ليس-بعد»، ويضيء ظلام ~~الآن بالمشروعات والأحلام في مستقبل أفضل. وليست هذه المشروعات ~~والأحلام مجرد خيالات مقطوعة الصلة بالواقع، لأنها تستند إلى ~~النزعات والاتجاهات التي بدأت تظهر وتتشكل بعد أن كانت كامنة في ~~ثنايا الواقع نفسه ولم تساعد الظروف والعلاقات الاجتماعية ~~والتاريخية السائدة على نضوجها. # وينعكس الوعي المسبق بالجديد في الإنتاج العقلي والإبداع الفني ~~والأدبي الذي يتميز بالقدرة على استشعاره (أي الجديد) وتشكيله ~~وتوضيحه، بل هو دليل وبرهان عليه. ويمر الإبداع في هذه الحالة ~~بثلاث مراحل تتسع فيها حدود الوعي وتتضح هوامشه المظلمة. وأولى هذه ~~المراحل هي مرحلة الحضانة أو ~~الإعداد # Incubation ~~، والثانية هي مرحلة الإلهام أو الحدس # Inspiration ~~، ~~والثالثة هي مرحلة الإظهار ~~والشرح # Explication ~~. # 42 # وتكون المرحلة الأولى أشبه بحالة ضبابية يغلفها ~~الغموض، ولا يحس الوعي فيها إلا بنوع من الاحتياج أو الافتقار الذي ~~وصفه من قبل «باللا»، مما يدفعه إلى تحسس الهدف الذي يبدو على ~~البعد وكأنه يتحرك في الضباب، وتتميز هذه المرحلة بأنها تقصد قصدا ~~قويا للخروج من حالة الحضانة أو الإعداد إلى مرحلة الظهور. ومع ~~أنها تتسم بالتناقض ms099 إلا أنها تتسم كذلك بالنزوع القوي إلى الوضوح ~~والتحرر من هذا التناقض. ولأن التوقع فيها حاضر دائما، فإن نوع ~~الخطاب المناسب هو صيغ التعبير عن الاحتمال والترجيح والظن. وربما ~~تطول هذه المرحلة أو تقصر، ولكن مرحلة أخرى تأتي بعدها بصورة ~~مفاجئة، وتحمل معها النور الكاشف كالبرق الخاطف أو الإشراق المفاجئ ~~للنور، وهي مرحلة الحدس أو الإلهام التي يظهر فيها الحل فجأة وبغير ~~توسط. وتسميتها بالإلهام أو الحدس إشارة إلى هذه المفاجأة، وتسودها ~~حالة من الإحساس بالتحرر من فترة حضانة أو إعداد طويلة، كما ~~يصاحبها شعور ساحر بالنشاط والفعالية. # 43 # والإلهام هنا لا يفسر بالتفسيرات البدائية السحرية أو ~~الرومانسية أو المتعالية، لأن المنتج المبدع ليس من المشتغلين ~~بعلوم السحر كما كان الحال في العصور الوسطى، ولا هو ناطق بلسان ~~القوى الغيبية العليا كما كان الحال في نظرية الفن منذ أفلاطون حتى ~~الرومانسيين، فهذا التفسير الأسطوري المتعالي للإلهام هو تفسير ~~غيبي عاجز وعقيم ولا يقربنا من جوهر العملية الإبداعية، أضف إلى ~~هذا أن النكوص إلى الماضي لا يحتل مكانا في العملية الإبداعية. ~~فالواقع أن الإلهام تجربة مشرقة وقابلة لأن تدرك في ذروة الوعي، ~~كما تتجلى عند ديكارت عندما اكتشف مبدأ الكوجيتو الذي يقول عنه: ~~«لقد هبط علي نور اكتشاف عجيب في 10 نوفمبر 1619م.» # 44 # ولكن الإلهام لا يأتي من الوعي وحده، وإلا كان ذلك ~~شيئا غريبا على فلسفة بلوخ، إنما يرجع دائما إلى نوع من ~~الالتقاء بين الذات والموضوع، أو من الحوار بين الوعي في حالته ~~السابقة وبين الواقع. فالوعي ينتبه لألوان النزوع الموضوعي الكامنة ~~في الواقع أو يحدس بها على أقل تقدير، ولا بد من وجود الشروط التي ~~تهيئ الظروف الملائمة لهبوط الإلهام الكاشف، وهي شروط تاريخية ~~(اجتماعية واقتصادية) ذات طابع تقدمي. فلولا بدايات الوعي الثوري ~~عند الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر لما أمكن التعرف على الجدل ~~المادي، ولبقي مجرد فكرة سطحية عاجزة عن اختراق وعي الجماهير ~~الكادحة. ومن الممكن الاسترسال في ذكر الأمثلة التي تبين أن بروق ~~الإلهام ms100 الخاطفة التي تفاجئ الفرد العبقري تنقدح شرارتها على أرض ~~الواقع نفسه وتستمد مادتها من مضمون هذا الواقع التاريخي الذي ينزع ~~إلى الجديد ويتجه نحوه، وينتظر التشكيل والتعبير الواضح عنه عند ~~المفكر والأديب والفنان المبدع. وكأن الزمن نفسه - حتى قبل أن ~~تهب عواصف التحول والتغيير - هو الذي يكلفه بذلك ويترك له أمر ~~صياغته بما يتفق مع طاقاته ومواهبه، لسبب بسيط هو أنه أقدر الناس ~~على الاستماع لصوت الجديد ورؤية إشاراته وعلاماته. # هكذا يكمن توهج الإلهام في لقاء عبقرية خاصة أو موهبة خلاقة مع ~~عصر يحمل مضمونا خاصا ومستعد للتغيير. فالإبداع «ليس سوى ~~استجابة لظرف تاريخي محدد، وفي وضع ثقافي وسياسي معين، وفي ~~مرحلة تاريخية بعينها (...) والوعي بالموقف الحضاري الكلي الذي يوجد ~~فيه المبدع هو الشرط الأول للإبداع. وللموقف الحضاري أبعاد مختلفة ~~يتفاعل معها المبدع وتتفاعل هي فيه. وعادة ما تكون هذه الأبعاد ~~الحضارية ثلاثة وتشير إلى جدل الزمان بين الماضي والحاضر والمستقبل.» # 45 # لا بد إذن من توافر الشروط الذاتية والموضوعية للتعبير عن الجديد ~~بحيث يستطيع هذا الجديد أن ينطلق خارجا من مرحلة الحضانة. والشروط ~~الموضوعية هي دائما ظروف اجتماعية-اقتصادية تلتقي مع ذات لها ~~إرادة مبدعة تدرك هذه الشروط وتعبر عما فيها من إمكانات. ويأتي ~~الإلهام من متطلبات العصر التي تعي نفسها في العبقرية الفردية. ومن ~~الطبيعي أن يؤكد بلوخ على ضرورة التزامن مع اللحظة التاريخية ~~الحاسمة كخاصية أساسية لتكوين العبقرية، أي لا بد من التقاء ~~الذاتي والموضوعي. وربما يكون من أوضح الأمثلة على ذلك أدباء ~~ومفكرو عصر التنوير السابقون على الثورة الفرنسية، والأدباء العظام ~~الذين جددوا الأدب الروسي الحديث قبل الثورة الروسية، وبعض أعلام ~~أدبنا وفكرنا العربي الحديث الذين أسهموا في تأسيس ما يسمى بالنهضة ~~العربية أو ما يسمى بعصر التنوير العربي. # وأخيرا تأتي المرحلة الثالثة من مراحل الإنتاج والإبداع، وهي ~~مرحلة العرض أو الشرح. فمن الطبيعي أن الإلهام (أو الحدس) المفاجئ ~~لا يكفي لإتمام عمل فني أو فكري، لأنه مجرد بداية ونقطة انطلاق ~~على طريق البناء والجهد الشاق الذي ms101 تستلزمه الصياغة والتشكيل ~~والتفصيل ... إلخ، حتى يصبح العمل واقعيا حيا يمكن أن يؤثر على ~~الواقع. وقد عبر كثير من المبدعين عن عجز الإلهام وحده عن إقامة ~~عمل متكامل، وبينوا أن الفكرة المحورية التي هبطت عليهم بما يشبه ~~الكشف المفاجئ قد استلزمت منهم بعد ذلك جهد عمر كامل لتوضيحها ~~وتفصيلها وعرضها في بناء متكامل. فيجب ألا يكون هناك فجوة بين ~~الرؤيا والعمل، وذلك على نحو ما يعبر فان جوخ بقوله: «إن الشعاع ~~الأول للانطباع لا بد أن يشارك في عملية الرسم.» والعبقرية كما ~~يقول شوبنهور تشبه شخصا يصيب الهدف البعيد الذي لا يملك الآخرون ~~القدرة على رؤيته. فالعبقرية هي إظهار درجة عالية من الوعي بال ~~«ليس-بعد» في الذات وفي العالم، بمعنى أنها وجود يتوسط ما قبل ~~الوعي وما ظهر أخيرا وتشكل في العالم، وينطبق هذا على كل من ~~العبقرية العلمية والأدبية، لأن ما يميز كلا منهما هو تشكيل ما ~~لم يتشكل بعد. فالعبقرية كوعي متقدم تنطوي على حساسية عالية ~~لإمكانات لحظة التغيير الحاسمة في العصر. ويكمن الوعي ~~بال «ليس-بعد» في التوقع العيني، فكل عمل أدبي يظل مدفوعا تجاه ~~الجانب الآخر الخفي أي تجاه تصوره للمستقبل الذي لم يظهر بعد في ~~عصره، ولهذا السبب وحده تتضمن الأعمال الكبرى شيئا ما تقوله لكل ~~المراحل التاريخية. والأعمال العبقرية لا تعبر عن يومها وإنما تلقي ~~الضوء على وجه المستقبل. فالعمل الفني الناجح ينطلق من الإلهامات ~~والحدوس المنبئة بالجديد ليصورها في صور وأفكار ورموز ومواقف وصيغ ~~حية. والأعمال الفنية في حقيقتها بناءات نموذجية قلقة للحقيقة ~~التي لم تزل غائبة. وأخيرا فإن العملية الإبداعية هي قمة الوعي، ~~وهي اللون الأزرق فوق هذه القمة لأنه اللون المضاد للظلام، ولأن ~~الذي لم يصبح بعد يشير إلى التقدم للأمام، إلى شروق فجر جديد. # 46 # في النهاية يمكن القول إن الوعي المسبق بالجديد القادم أو ما ~~يسميه بلوخ الوعي بال «ليس-بعد» حاضر في وعي البشر على الرغم من ~~عدم شعورهم به في معظم الأحيان، ولكنه يظهر في أحلام اليقظة وفي ~~النشاط ms102 المبدع. ويمكن القول أيضا إن بلوخ نفسه من خير الأمثلة على ~~استشعار الوعي بال «ليس-بعد»، وإن الفكرة المحورية في فلسفته (التي ~~سبق الحديث عنها والتي تهبط على المبدعين بما يشبه الكشف المفاجئ ~~وتستلزم منهم بعد ذلك جهد عمر كامل لتوضيحها وتفصيلها وعرضها في ~~بناء كامل) هذه الفكرة المحورية - وهي فكرة الأمل اليوتوبي - بدأت ~~تراوده في مرحلة الصبا بما يشبه الوعي المسبق أو الوعي الذي لم يتم ~~الوعي به بعد. وقد استطاع في مرحلة الشباب أن يشرحها شرحا مفصلا ~~ومفعما بالحيوية والقوة والجيشان في كتابه الأول «روح اليوتوبيا»، ~~ثم تتابعت أعماله التالية كالدوائر التي تحيط بنقطة المركز وتمتد ~~لآفاق أوسع وأبعد، دون أن تغيب عنه تلك الفكرة المحورية التي ~~استشعرها لأول مرة بصورة غير واعية فيما وصفه هو نفسه بالوعي ~~المسبق أو الوعي الذي لم يتم الوعي به أو الوعي بال «ليس-بعد». ولم ~~يتوقف بعد ذلك طوال حياته الطويلة عن إلقاء أضواء الوعي الواضح ~~عليها وتجميع خيوطها وعناصرها في نسق حي شامل. # ثالثا: معوقات الوعي بال «ليس-بعد» # يجد هذا الوعي مقاومة شديدة في محاولة الظهور إلى النور، كما ~~يختلف نوع هذه المقاومة وأسلوبها؛ فالموضوعات أو الرغبات المكبوتة ~~- بلغة علم النفس التحليلي - لا تجد طريقها إلى الوعي، لأن ثمة ~~مقاومة تدفعها دائما إلى ما تحت الوعي، وما يتسرب منها يأتي في ~~شكل أحلام ليلية. ويجتهد التحليل النفسي في تفسير هذه المقاومة ~~وتحديدها لرفع موضوعات ما تحت الوعي إلى مستوى الوعي. ولما كانت ~~هناك مقاومة للاوعي فهناك كذلك مقاومة للوعي بال «ليس-بعد». ولكنها ~~ليست مقاومة داخلية، كما هو الحال في طبقة الوعي الباطن، بل ليست ~~موجودة في الذات الإنسانية على الإطلاق. إن ما يعوق الوعي بال ~~«ليس-بعد» عوائق خارجية، إذ تعيش الأفكار في تجانس وتوافق طالما ~~بقيت في نطاق الأفكار والخطط، ولكنها لا تكاد تخطو خطوة واحدة في ~~اتجاه الواقع حتى تبدأ الصعوبة؛ صعوبة الإقدام على الجديد. # 47 # ويرى بلوخ أن النواة الناصعة للوعي تحيط بها هوامش معتمة لا ~~تمتد إلى الماضي فحسب، ms103 وإنما تمتد كذلك إلى المستقبل، وبينما يهبط ~~اللاوعي عند فرويد إلى الأعماق المظلمة تحت «عتبة الوعي»، فإن ~~اللاوعي الذي يقصده بلوخ ويسميه ما قبل الوعي يعلن عن نفسه - ~~كتباشير الفجر - في أعلى الهامش المظلم المحيط بالوعي، ويفاجئ ~~الإنسان ويستحوذ على انتباهه في أحلام اليقظة على وجه الخصوص، وهذا ~~الذي يسبق الوعي - من هواجس ورؤى وخواطر - لا يجد الاهتمام ~~الكافي، وربما يلقى مقاومة شديدة. ولكن هذه المقاومة تختلف تمام ~~الاختلاف عن المقاومة التي تقابل بها الرواسب والعقد «المكبوتة» من ~~قبل الوعي وما فوق الوعي في التحليل النفسي، كما أنها - أي هذه ~~المقاومة - تتم أصلا على مستوى غير سيكولوجي، فالمريض النفسي أو ~~العصابي يهرب من الوعي الواضح بالمكبوت في لاوعيه الباطن بحيث يكون ~~العلاج في هذه الحالة هو الارتفاع به إلى مستوى الوعي الذاتي ~~الواضح، أما المقاومة التي يلقاها ما قبل الوعي فمن نوع آخر ولها ~~أسباب أخرى. # من أهم العوائق التي تحول دون ظهور الوعي بال «ليس-بعد» العائق ~~التاريخي أو بالأحرى العائق الاجتماعي والاقتصادي الذي يسلم بوجود ~~التام والكامل منذ البداية، الأمر الذي يجهض كل محاولة للتقدم نحو ~~الجديد. فهناك توقعات كثيرة ورؤي جسورة دخلت الوعي واستنارت بوعي ~~ال «ليس-بعد»، ولكن العائق الاجتماعي والاقتصادي حال دون تحقيقها. ~~ويعتقد بلوخ أن المجتمعات التي أخذت بفكرة اللامتناهي - مثل ~~المجتمع الإغريقي - قد سادتها أفكار استاتيكية أو سكونية، لأن ~~المعرفة في هذا المجتمع كانت معرفة تأملية استنباطية ولم تكن ~~بطبيعتها معرفة عملية وفعالة، فحساب الكم اللامتناهي في الصغر لم ~~يعرفه اليونان ولم يكن من الممكن أن يعرفوه على الرغم من أن زينون ~~قد اقترب منه. ذلك لأن أصغر كم في هذا الحساب لا يتصور على أنه ~~سكون، بل على أنه حركة متناهية في الصغر، ولذلك بقيت فكرة العمل ~~غريبة على هذا المجتمع القائم على طبقتي السادة والعبيد، حيث ~~يتفرغ المادة للتفكير والتأمل، أما العمل فهو مهنة العبيد والأسرى. # 48 # ويحاول بلوخ تفسير غياب فكرة العمل عن المجتمع ~~اليوناني بالرجوع إلى الإبستمولوجيا أو النظرية المعرفية السائدة ms104 ~~في هذا المجتمع والتي اهتمت بفكرة الكيف والماهية والغاية ... إلخ، ~~ويتضح هذا في تفوق المجتمع اليوناني في العلوم النظرية، وتقليله من ~~شأن العلوم القائمة على العمل والتجريب. وهكذا كانت كل محاولة ~~للاقتراب من الجديد تصطدم بهذه المعرفة التأملية السكونية. # كانت النزعة الرومانسية أيضا من أهم العوائق التي واجهت الوعي ~~بال «ليس-بعد»، فقد استعبدها الماضي، حين اعتبرت أن الكمال كله كان ~~في الماضي، في القديم، في الأصل والمنبع، وهي المسئولة عن الارتداد ~~الشديد نحو الماضي الذي راحت تتغنى به بدلا من الاتجاه نحو ~~المستقبل. وعلى الرغم من الاعتراف بثورية الحركة الرومانسية على ~~مستوى الإبداع المعتمد على الأعماق المظلمة الدفينة، فلا شك أن ~~الحنين إلى الماضي الضائعتلك هي العناصر التي يقوم - وهو من أهم ~~سماتها العامة - قد شل حركتها الثورية والاجتماعية والسياسية، وعطل ~~اندفاعها إلى الأمام نحو آفاق المستقبل. ولهذا سقط الأديب ~~الرومانسي - الذي لا ينكر أحد تقدميته وثوريته على المستوى ~~الإبداعي - سقط في قبضة الماضي الذي تصور أنه هو العصر الذهبي وغنى ~~له أعذب أغانيه المفعمة بالأسى والشجن. # 49 # وحتى التوقع الذي يميز النزعة الرومانسية فقد طريقه في ~~شعاب الماضي القديم والوسيط والأسطورة ووضع الماضي في مقابل ~~المستقبل؛ لهذا لم تكن مفاجأة أن فترة الإنتاج والإبداع العقلي ~~والفني في النزعة الرومانسية قد حركت الوعي بال «ليس-بعد» في ~~الاتجاه المعاكس، أي الاتجاه لقيمة الأسلاف؛ ومن ثم لم يكن ~~للمستقبل هنا مكان. ويعارض بلوخ هذا الاتجاه مؤكدا أن الأنبياء ~~أنفسهم لم يسلموا بأن العالم كامل منذ البداية، ولم يقولوا إن كل ~~شيء كان طيبا في الماضي، بل بشروا بالسماء الجديدة والأرض ~~الجديدة. ويأتي رفض بلوخ لبعض جوانب الحركة الرومانسية من منطلق ~~رفضه لفكرة التذكر التي سادت العلم من أفلاطون حتى هيجل، وإيمانه ~~بأن هذه الفكرة من أكبر المعوقات التي حجبت الوعي بال «ليس-بعد» عن ~~النور طوال التاريخ الفلسفي. # 50 # وهناك بالإضافة إلى ما سبق معوقات أخرى عديدة، فالتحليل النفسي ~~- على سبيل المثال - هو أحد هذه المعوقات، إذ تطور في طبقة أحيلت ~~للتقاعد، وهي ms105 الطبقة البرجوازية التي كانت موضع دراسة فرويد. ~~والمجتمع البرجوازي لا يهتم بالتفكير في الغد، إنه مجتمع بدون ~~مستقبل، يفتقر للباعث المادي الذي يجعله يفصل الوعي بال «ليس-بعد» ~~عن الوعي الذي لم يعد يعى. كما يعارض بلوخ فكرة العودة للمراحل ~~البدائية عند يونج، لأن اللاوعي البدائي يهدد المستقبل، وما يظهر ~~منه إلى النور هو نوع من النكوص، فعلم النفس البرجوازي - كما يسميه ~~بلوخ - لم ينتبه إلى الجديد بوصفه أهم سمات الوعي بال ~~«ليس-بعد». # كانت اليوتوبيات الاجتماعية أيضا من معوقات الوعي بال ~~«ليس-بعد»، بما في ذلك اليوتوبيات التي غلب عليها التوقع - مثل ~~يوتوبيات مور وكامبانيلا وبيكون - فكلها لم تكن قادرة على التطور ~~بسبب النزعة السكونية التي سادتها، والأصل البرجوازي الذي صدرت ~~عنه، وعدم معرفة أصحابها بالممكن الواقعي الذي كان ماثلا على ~~أيامهم في العالم المادي والاجتماعي. لقد تسبب هذا كله في عدم ظهور ~~مفهوم الجديد، كما أدت هذه الروح السكونية إلى قمع النظرة التقدمية ~~في مذهب ليبنتز، وفي فلسفات الصيرورة والتقدم مثل فلسفة هيجل ~~الجدلية. ويستشهد بلوخ على هذا بنص شهير لهيجل من الظاهريات يعكس ~~تأثره - أي هيجل - الواضح بالثورة الفرنسية، ويوحي في ظاهره بأن ~~الجدل الهيجلي يفسح مجالا للجديد المقبل، وإن كان في واقع الأمر ~~يدور في دائرة التذكر والرجوع إلى الواحد المطلق: «وكما أن النفس ~~الأول الذي يلتقطه الطفل - بعد فترة طويلة من التغذي في صمت - ~~يكسر استمرار النمو المتصل، مما يعد وثبة أو طفرة كيفية مرتبطة ~~بميلاد الطفل، كذلك فإن العقل المتطور ينضج ببطء وفي صمت نحو شكل ~~جديد ويفكك بنية عالمه السابق بحيث تدل أعراضه المنعزلة على ~~الاهتزاز الذي أصابه من تلك التفاهة والملل الذي يتسرب إلى العقلية ~~السائدة، مع الشعور الغامض بأن ثمة شيئا مجهولا يوشك أن يقع بما ~~يعلن عن وجود شيء سيتحقق في المستقبل القريب. هذا التصدع والانهيار ~~التدريجي الذي لم يغير شيئا من ملامح الكل يقطعه انفتاح مفاجئ ~~أشبه ما يكون بسطوع بناء جديد لعالم جديد.» # 51 # وثمة نص آخر من مقدمة الظاهريات أيضا ms106 يبين كيف أن مشروع الجدل ~~الهيجلى العظيم قد ظل محاصرا بطوق الحقيقة المطلقة الساكنة أو ~~الثابتة: «إن الظاهرة هي النشوء والزوال الذي لا يمكن أن يقال عنه ~~إنه ينشأ ويزول، وإنما يكون في ذاته ويؤلف واقع حياة الحقيقة ~~وحركتها، والمختزن في هذه الحركة الكلية المتصورة بوصفها سكونا، ~~وذلك الذي يميز نفسه في داخلها ويهب الوجود الخاص، هو ذلك الذي ~~يتذكر، ووجوده هو معرفته بذاته.» # 52 # ويقف بلوخ وقفة قصيرة - من بين الفلسفات المعاصرة - عند فلسفة ~~برجسون التي يجد فيها أحد عوائق الاندفاع إلى الجديد، لأنها خالية ~~من التوقع، ولأن الاندفاع الحيوي عند برجسون هو تغيير الاتجاه ~~بشكل مستمر كما في المنحنى في دورة مستمرة يبقى فيها الجديد هو ~~نفس القديم، وما يسمى بالحدس يدخل في ديمومة مستمرة حيث كل شيء ~~يجب أن يكون جديدا دائما ومع ذلك لا يحقق الجديد الفعلي بسبب ~~فكرة اللانهائية الشاملة التي تحيط به من كل الأنحاء مجردة عن أي ~~هدف محدد تسعى إليه. لذلك يبقى كل شيء في الواقع مرتبا ومعدا ~~من قبل؛ فليس ثمة ميلاد حقيقي جديد ولا مغامرة إلى الماوراء، بل ~~إن برجسون ليعارض فكرة التقدم نحو الهدف؛ ولهذا لا يختلف التجدد ~~لديه كثيرا عن التذكر، فهو دائما موجود، ودائما ما يعود لكنه في ~~الواقع يصطدم بالثبات المحيط به. # حالت كل هذه المعوقات التي أشرنا إليها دون ظهور الوعي بال ~~«ليس-بعد» للنور، فظل هذا الوعي مجهولا حتى الآن ولم يكتشف بعد. ~~وقد سبق أن رأينا أن المقابل له في العالم المادي هو «ما لم يصبح ~~بعد» وكلاهما مرتبط بمقولات حقيقية هي: الأمام والجديد والممكن ~~الموضوعي هذه المقولات - التي يتعذر أن تندرج تحت نظرية التذكر - ~~لم يكن لها وجود فعلي قبل ماركس. فالماركسية - في رأي بلوخ - هي ~~أول من وضع مفهوم المعرفة داخل العالم، وأول من وضع المستقبل داخل ~~قبضتنا العملية والنظرية. ومعنى هذا أن الوعي بال «ليس-بعد» ظل ~~مجهولا، لأنه لا يأتي عن طريق التذكر وإنما يأتي عن طريق الحدس. ~~ولهذا يمكن القول ms107 إن عصرنا الحاضر فقط هو الذي يملك الشروط ~~الاجتماعية والاقتصادية لنظرية الوعي بال «ليس-بعد» وما يرتبط بها ~~في العالم المادي وهو الذي يسميه ما لم يصبح بعد. # 53 # وقد يبدو في كلام بلوخ عن الماركسية الكثير من الشطط ~~والمبالغة. ولكن المهم أنه لم يبق مجرد كلام ولا مجرد مزاعم ~~طموحة، وإنما هي أفكار حاول أن يضع لها أساسا أنطولوجيا متينا ~~تقوم عليه، وهذا بطبيعة الحال هو الجانب النسقي الذي يستحق ~~الانتباه. # أمكن تمييز الوعي بال «ليس-بعد» عن اللاوعي، والتعرف على ~~المعوقات الفكرية والاجتماعية التي حالت دون ظهوره إلى النور. فكيف ~~يمكن اكتشاف هذا ال «ليس-بعد» في أنفسنا وفي العالم الخارجي؟ ~~يكتشف الوعي بال «ليس-بعد» عن طريق الحدس لا عن طريق التذكر، ~~ولكن كيف يمكن اكتشاف هذا الحدس؟ يرى بلوخ أن الوعي بال «ليس-بعد» ~~هو وظيفة يوتوبية وهو يكتشف بالتوقع، لأن التوقع هو ما يميز ~~النظرة إلى ~~الإمام # Forward glance # وهو يفرق بين نوعين من التوقع # Expectation ~~: توقع مرضي، كما في ~~الحالات التي يصاحبها اضطرابات عصبية وتقلصات مثل حدة الإدراك ~~(الاستبصار) التي توصف بأنها توقع، وإن لم تكن في الواقع سوى نتيجة ~~اضطرابات عصبية ونفسية، ومثل هذا النوع المرضي له تاريخ طويل ~~تمتد جذوره في العصور القديمة والوسيطة، كما يرتبط بالشعوذة ~~والخرافة والمعجزة، وذلك قبل أن يبدأ في الخضوع للدراسة العلمية ~~المنظمة فيما يسمى اليوم ب «ما ~~وراء علم النفس» Parapsychology ~~. وهناك ظواهر عديدة تعتمد على ~~استنتاج أشياء حدثت مرات عديدة في الماضي ويمكن أن تتكرر في ~~المستقبل. وهذا النوع من التوقع لا يحمل جديدا ويسميه بلوخ التوقع ~~التراجعي الذي يكون المستقبل فيه كاذبا أو خادعا. وهناك توقع ~~منتج: وهو ضرب من الحدس، يختلف اختلافا كاملا عن الغريزة، وهذا ~~النوع من التوقع يبدأ مع مرحلة الشباب التي تتصف بالنزوع للتغيير ~~والتمرد على الواقع القائم، كما تتميز بالإبداع العقلي. إنه توقع ~~واع نفسه ومنفتح على العالم الخارجي، كما أنه يحدث للإنسان وهو في ~~كامل وعيه ويقظته، ويضرب بلوخ أمثلة على ذلك من ms108 ثورة الفلاحين في ~~ألمانيا عام 1525م، ومن جماهير الثورتين الفرنسية والروسية الذين ~~امتلأت نفوسهم بصور وأخيلة حفزتهم على الثورة # driving images # واستنارت ~~بالمستقبل الحقيقي، أي بمملكة الحرية. ويعارض بلوخ المستقبل الذي ~~يزعمه البعض عن طريق النبوءات الغيبية، فبيكون - على سبيل المثال - ~~لم يكن نبيا، وإنما هو يوتوبي على درجة عالية من الفطنة، ولذلك ~~أدرك الإمكانات الموضوعية الكامنة في واقع عصره فكانت «أطلنطا ~~الجديدة»، التي لم تقم على نبوءات غيبية وإنما استشرفت الإمكانات ~~العلمية والتكنولوجية التي كانت بذورها كامنة في عصره. # 54 # إن النظرة إلى الأمام التي تميز الوعي بال «ليس-بعد» - كما سبق ~~القول - تسعى لإظهار الحلم إلى النور، وعندئذ يكون التوقع صريحا. ~~ويبدأ الأمل في الازدهار ويصبح هذا الأمل نفسه وظيفة يوتوبية. ولا ~~يكون مضمون الحلم في هذه الحالة أفكارا خيالية مصطنعة مثل فكرة ~~«الجبل الذهبي»، وإنما يكون أفكارا تنزع إلى التحقق، وتضع مادتها ~~الخام في مستقبل أفضل ومختلف تمام الاختلاف عن الواقع القائم. هذه ~~الأفكار الخيالية التي تحدد الوظيفة اليوتوبية تتوقع الممكن الواقعي # a real possible # وبذلك لا ~~تكون الوظيفة اليوتوبية مجرد تفكير مفعم بالأماني # Wishful thinking ~~، لأن هذا النوع من التفكير ~~قد أساء لليوتوبيات لقرون عدة. فاليوتوبيا المجردة مضللة أو هي ~~تحقق وظيفة يوتوبية فجة وغير ناضجة وغير متطورة، ولا تقوم على ~~أساس صلب. وفضلا عن ذلك فليس لها علاقة بالممكن الواقعي، ولا تتجه ~~اتجاها حقيقيا إلى الأمام أو إلى ما هو أفضل. # 55 # والكفاح الحقيقي ضد الفجاجة والتجريد هو الإخلاص ~~للوظيفة اليوتوبية التي تضع عينها على الواقع الفعلي وعلى الإمكان ~~الحقيقي الموضوعي. وهذا هو نضوج الوظيفة اليوتوبية الذي لا يضلل أبدا. # 56 # فمما لا شك فيه أن خيال الإنسان وإرادته المبدعة لهما ~~وظيفة هامة في صيرورة التاريخ. # إن نقطة الاتصال بين الأحلام والواقع هي ارتباط الوظيفة ~~اليوتوبية ل «ليس-بعد» بالممكن الواقعي، ويرى بلوخ أن الماركسية هي ~~التي دفعت الأحلام إلى الأمام وشددت على ارتباطها بالواقع العيني، ~~وأدركت الأمل على ضوء جدل مادي متعال. وهذا يؤكد أيضا أن ms109 ~~الوظيفة اليوتوبية متعالية بدون علو لأن اليوتوبيا بطبيعتها ~~متعالية، ولكنه ليس تعاليا بالمعنى الديني أو الصوفي أو المثالي ~~المألوف، وإنما تعلو على الواقع الحاضر نحو واقع آخر أفضل، ~~ويدعمها التقدم ويلازمها، بحيث تكون دائما في حالة أمل وتوقع ~~موضوعي لما لم يصبح بعد بشكل أفضل. يضاف إلى هذا أنها نوع من ~~الفعالية الحية يمكنها إدراك الأمل المتوقع الذي يتحقق بالتخطيط ~~الإرادي، إذ لا بد أن تكون الإرادة والإصرار وراء الأمل. وعلى هذا ~~فإن مضمون الأمل المستنير الواعي، والوظيفة اليوتوبية الإيجابية؛ ~~هو مضمون تاريخي وثقافة إنسانية تجسد الفكر اليوتوبي ~~العيني. # ومن هنا يعارض بلوخ النزعة المثالية الألمانية المتعالية عند ~~كل من كانط وفشته، تلك النزعة التي أعلت من شأن العقل والأنا ~~وقوتهما المطلقة، فعالم المعرفة المثالية ليس عالما يوتوبيا ~~بأية صورة من الصور وقد ارتبطت البرجوازية الألمانية بالذات ~~المثالية. وعلى الرغم من أن العامل الذاتي له دور إيجابي في ~~الوظيفة اليوتوبية، إلا أنه لا يكفي وحده، ولا بد أن يكمله العامل ~~الموضوعي لكي يكون التوجه اليوتوبي إلى الممكن الواقعي أمرا ~~ممكنا. صحيح أن خيالات الأمل وصوره الذاتية لها أساسها في الواقع ~~الموضوعي، ولكن التوقع والأمل والقصد المتجه إلى إمكان لم يتحقق ~~بعد ليست هي وحدها السمات الأساسية للوعي الإنساني. إن هذا الوعي ~~- إذا فهمناه فهما عينيا صحيحا - هو تحديد أساسي في إطار ~~الواقع الموضوعي في مجموعه، وكما أن التوقع الذاتي يتخلله ال ~~«ليس-بعد» فكذلك يصدق نفس الشيء على الواقع الموضوعي. # 57 # هكذا نرى أن العامل الذاتي لا يمكن أن يتخطى القوانين الاقتصادية ~~والاجتماعية الموضوعية بل إن هناك تفاعلا جدليا بين التناقضات ~~الموضوعية والتناقض الذاتي. ولكن ما علاقة الوعي بال «ليس-بعد» ~~ووظيفته اليوتوبية ببعض النزعات أو المذاهب التي حاولت أن تطوع هذا ~~الوعي لمصلحتها الخاصة فوجهت الوظيفة اليوتوبية للاتجاه المضاد؛ ~~مما أدى إلى نشأة الوعي الزائف ووظيفته اليوتوبية المضللة؟ لا بد ~~للإجابة على هذا السؤال من النظر في بعض المذاهب والنزعات (أو ~~الاتجاهات) التي زيفت الوعي اليوتوبي نتيجة علاقتها الفاسدة بال ~~«ليس-بعد». ms110 ~~(1) علاقة الوظيفة اليوتوبية بمذهب المصلحة # حاول أصحاب مذهب المصلحة أو المنفعة أمثال ما ندفيل ~~(1670-1733م) وآدم سميث (1723-1790م) الربط بين الوظيفة ~~اليوتوبية ومصلحة الطبقة البرجوازية، وهي محاولة يائسة لإظهار ~~رجل الاقتصاد الرأسمالي كما لو كان يوتوبيا، طبقا للمبدأ ~~الذي روج له آدم سميت وزعم فيه أن المصلحة الخاصة تحقق في ~~النهاية المصلحة العامة. فمن المعروف أن آدم سميت قدم في كتابه ~~«ثروة الأمم» مذهبا في الاقتصاد السياسي يقوم على الاقتصاد ~~الحر الذي يخضع لحرية العرض والطلب ويحكمه قانون خفي يطلق ~~عليه اسم المنفعة أو المصلحة، ومفاده أن مصالح الأفراد الخاصة ~~- ويعني بالأفراد الطبقة الرأسمالية أو طبقة أصحاب الأعمال - ~~تتوافق في نهاية المطاف مع المصلحة العامة للشعب. وقد ترتب على ~~هذا المذهب اهتمام القلة الرأسمالية بعامل الربح وإهدارها ~~لحقوق الأغلبية من العمال، وكأن الصورة المفعمة بالأماني في ~~هذا المذهب هي حرية الربح التي ليس لها حدود، وتحقيق الثروة عن ~~طريق ما يسمى بفائض القيمة - طبقا للتحليل الماركسي لرأس ~~المال - الذي ينتزع من العمال بحيث يتحول جهدهم وعملهم إلى ~~سلعة تخضع للعرض والطلب، وتصبح الكائنات البشرية ذاتها سلعا ~~تباع وتشتري ولا شك أن المذهب - الذي لا يراعي الحد الأدنى ~~لحقوق العمال - لا يقوم على أية نزعة إنسانية، وإنما يقوم على ~~خداع زائف وسافر لما يدعيه من تطابق المصلحة الخاصة مع ~~المصلحة العامة. وكان من الطبيعي أن يرفض بلوخ هذه العلاقة ~~ويدين مذهب آدم سميت في الاقتصاد وينكر أية علاقة لهذا المذهب ~~الذي تحكمه الأنانية بالوظيفة اليوتوبية، ويؤكد في النهاية أن ~~الوعي الناتج من هذه العلاقة لا بد أن يكون نوعا من الوعي الزائف. # 58 ~~(2) علاقة الوظيفة اليوتوبية بالأيديولوجيا # اختلفت الآراء حول علاقة اليوتوبيا بالأيديولوجيا، فالأولى ~~تنطوي على رفض الواقع الفعلي والرغبة في تجاوز النظام القائم ~~إلى آخر أفضل منه، بينما تنطوي الثانية - الأيديولوجيا، كما ~~يدل تاريخ الكلمة - على معاني متعددة اختلفت من عصر لآخر. ~~فهي عند كارل مانهايم لها معنيان متميزان وقابلان للانفصال، ~~وهما المعنى الجزئي والمعنى الكلي. «فالمعنى الجزئي يكون هو ms111 ~~المقصود ضمنا عندما تدل الكلمة على أننا نتخذ موقفا متشككا ~~تجاه الأفكار والتصورات التي يتقدم بها خصمنا؛ إذ نعتبرها ~~تمويهات واعية تخفي الطبيعة الحقيقية لوضع لن يكون الاعتراف ~~بحقيقته متفقا مع مصالح هذا الخصم. أما التصور الكلي الأكثر ~~شمولا للفظة الأيديولوجية فيشير إلى أيديولوجيا عصر ما أو ~~أيديولوجيا جماعة تاريخية-اجتماعية محددة، كأيديولوجيا طبقة ~~مثلا، عندما يكون هدفنا هو توضيح سمات وتركيب البناء الكلي ~~لعقلية ذلك العصر أو هذه الجماعة.» # 59 # وفي رأي مانهايم أيضا: «إن الماركسية هي أول من ~~جمع بين التصور الجزئي والكلي للأيديولوجيا، كما كانت أول من ~~منح التأكيد المناسب لدور مركز الطبقات واهتماماتها في تطور ~~الفكر، ولأن جذور الماركسية موجودة في الفلسفة الهيجيلية، فقد ~~استطاعت الماركسية أن تتجاوز المستوى السيكولوجي في التحليل ~~وأن تضع المشكلة في سياق فلسفي أشمل.» # 60 # وعلى الرغم من التاريخ الطويل للفظة الأيديولوجيا ومعناها ~~والذي يسبق الماركسية سبقا تاريخيا، إلا أنه استقر في أذهان ~~معظم الناس المعنى الذي أضفته الماركسية على الكلمة، وهي أنها ~~تبرير وإقرار لوضع قائم بالفعل لصالح الطبقة الحاكمة. بهذا ~~المعنى يعد كلا المفهومين - أي اليوتوبيا والأيديولوجيا - ~~على النقيض من الآخر. أحدهما ~~- اليوتوبيا - ينشد الثورة على الأوضاع القائمة ويلتحم بحركة ~~التاريخ المتغيرة وينغمس في صيرورته. ~~والآخر - الأيديولوجيا - ينشد السكون ويقر أوضاعا ثابتة، بل ~~ويصوغ لها منظومة من الأفكار التي تضمن استمرارها ~~وثباتها. # ويتبنى بلوخ وجهة النظر الماركسية التي تقول إن الأيديولوجيا ~~نشأت نتيجة لمبدأ تقسيم العمل والفصل بين العمل الذهني والعمل ~~اليدوي مما نتج عنه الوعي الزائف (...) ولم تقم الأيديولوجيا إلا ~~لتكون لسان حال الطبقة الحاكمة، ولتختلق من المبررات ما يخدم ~~مصالح تلك الطبقة ويضفي الشرعية على كل ما تتمتع به من ~~امتيازات، بل ولتبرر أيضا الظروف الاجتماعية القائمة وتتجاهل ~~الظروف الاقتصادية التي سببت معاناة الطبقة العاملة، # 61 # وتلك هي العناصر التي يقوم عليها مجتمع الطبقة. ~~ويري بلوخ أن الأيديولوجيا - بهذا المعنى - قد شوهت وحرفت ~~الوظيفة اليوتوبية للوعي بال «ليس-بعد». فالأيديولوجيا بوصفها ~~منظومة للأفكار والمعتقدات التي تبرر الأوضاع الاجتماعية ~~والاقتصادية ms112 القائمة لمصلحة الطبقة الحاكمة تتعارض وظيفتها مع ~~الوظيفة اليوتوبية التي هي تطلع للمستقبل، وقدرة على اكتشاف ~~إمكانات لم توجد بعد على أرض الواقع. فاليوتوبيا عند بلوخ ~~ليست مرادفة للواقع المعطى، وهو لا يقسم الوجود إلى قسمين: ~~واحد فعلي واقعي، والآخر يوتوبي، وإنما الحقيقة هي ~~تجسدهما معا، لذلك فأي نسق عنده يجب أن يظل مفتوحا ويتيح ~~مكانا لما لم يتم ولم ينته وما يزال كامنا وهو اليوتوبي ~~الذي يسعى دائما لتقويض وهدم ما هو زائف، وبذلك ينتج واقعا ~~قادما مختلفا. لقد بقيت فكرة «اليوتوبيا الواقعية أو ~~العينية» هي مركز تفكير بلوخ في فلسفة التاريخ حتى تمكن من ~~تدعيمها على أسس أنطولوجية ومعرفية وأنثروبولوجية خالصة ~~جعلها محور نسقه المفتوح. # وعلى الرغم من التعارض السابق بين كل من المفهومين ~~(الأيديولوجيا واليوتوبيا)، فهناك - كما يقول مانهايم - علاقة ~~جدلية بين اليوتوبيا والنظام الموجود: «والمقصود بهذا أن كل ~~عصر ينجب في فئات اجتماعية مختلفة المواقع تلك الأفكار ~~والقيم التي تحتوي بشكل مكثف على الميول غير المتحققة والرغبات ~~غير المشبعة التي تمثل احتياجات ذلك العصر، حينذاك تصبح هذه ~~العناصر الفكرية هي المادة المتفجرة لتحطيم حدود النظام ~~الموجود. وهكذا ينجب النظام الموجود يوتوبيات، وهذه بدورها ~~تحطم حدود النظام القائم وتجعله حرا في التطور باتجاه نظام ~~الوجود التالي.» # 62 # أما عن علاقة الأيديولوجيا بالوظيفة اليوتوبية عند ~~بلوخ، فقد أسفرت عن ظاهرة حقيقية وهامة، هي ما يطلق عليه اسم ~~الفائض الثقافي، # 63 # لأن خلود بعض الأعمال الكبرى في الفن والعلم ~~والفلسفة عبر الحضارات المختلفة يدل على بقاء شيء ما يسمو على ~~الوعي الزائف الذي طالما حاول استغلال هذه الأعمال لتبرير ~~أوضاع وعلاقات السلطة السائدة في مجتمع معين. إن أمثال هذه ~~الأعمال موجهة إلى المستقبل، ومن الممكن نقلها من تربتها ~~التاريخية والاجتماعية الأولى واستيعابها في تربة ثقافية ~~أخرى. # ويضرب بلوخ أمثلة كثيرة على ذلك مثل الأكروبولس وهو الأثر ~~اليوناني الهام الذي ينتمي إلى مجتمع السادة والعبيد، ~~وكاتدرائية استراسبورج التي تمثل المجتمع الإقطاعي. ومع ذلك ~~فلا هذه ولا ذاك قد اختفيا مع ms113 اختفاء الأساس الاجتماعي الذي ~~ينتميان إليه. كذلك الأعمال الفلسفية الكبرى التي تتميز ~~بارتفاع درجة الوعي فيها. إنها تسمح بنظرة أبعد داخل ~~المستقبل، فكل هذه الأعمال تتسم بالشباب الدائم وتنطوي دائما ~~على منظور جديد. # 64 # وإذا كانت الأعمال الفنية تعكس أيديولوجية عصرها، ~~فإنها تحتوي على «فائض يوتوبي» يزيد عن هذه الأيديولوجية ~~ويتجاوزها وينتقد الوعي السائد فيها - وهو غالبا ما يكون ~~وعيا زائفا يهدف إلى تدعيم الوجود الاجتماعي القائم - لصالح ~~وعي يوتوبي يتخطى العصر الواقع. فالفنان يرسم النموذج الذي ~~يفتقده في عصره ويحاول أن يعبر عنه تعبيرا ينفذ إلى الوعي ~~ويؤثر على الواقع أو يشق صدره على حد قول بلوخ. ولن يتم له ذلك ~~حتى يكون نموذجا يوتوبيا يصور الجديد القادم الذي ولد - كما ~~سلف القول - في منطقة الوعي المسبق أو: الوعي بال «ليس-بعد» ثم ~~نما واكتمل في منطقة الوعي. # وبالتالي فإن الأيديولوجيا التي ينظر إليها من هذا الجانب لا ~~يمكن أن توصف بأنها وعي زائف. والخلاصة أن الأيديولوجية ~~الثورية الاشتراكية - فيما يرى بلوخ - هي وحدها التي تملك ~~الوعي الحقيقي الذي يضع عينيه على الواقع الحاضر والمستقبل ~~معا. فكما يقول ماركس في خطابه إلى روجا عام 1843م: «إن ~~شعارنا يجب أن يكون إصلاح ~~الوعي، لا عن طريق المعتقدات ~~القاطعة # dogmas ~~، بل عن طريق تحليل الوعي الغامض الذي ~~ما زال غير واضح لنفسه. عندئذ يتضح أن العالم قد ظل وقتا ~~طويلا يمتلك حلم ~~المادة # dream of matter # وقد أصبح الواجب الوحيد عليه أن يمتلك ~~الوعي بها لكي يمتلكها هي نفسها امتلاكا واقعيا، وسوف يتضح ~~أيضا أن المسألة ليست مسألة انقطاع فكري بين الماضي ~~والمستقبل بل مسألة استمرار ومواصلة أفكار الماضي، فحتى ~~الأيديولوجيات المرتبطة بالمجتمعات الطبقية لديها جانب يتجاوز ~~وعيها الزائف ويفوقه، وهذا الجانب هو الفائض الثقافي.» # 65 # يأخذ بلوخ إذن من الأيديولوجيا هذا الموروث الثقافي الذي لم ~~يوجد في مجتمعه ولمجتمعه فقط، وإنما وجد ليعاد إنتاجه وقراءته ~~في ظل مجتمعات وعصور وحضارات أخرى. وهكذا يبقى من ~~الأيديولوجيا مشكلة الموروث الثقافي، وكيف أن الأعمال ms114 المتميزة ~~الباقية من البناء الفوقي تعيد إنتاج نفسها بشكل تقدمي في وعي ~~ثقافي جديد حتى بعد انتهاء أساسها الاجتماعي، وكل ثقافة كبرى ~~لديها فائض ثقافي علاوة على أيديولوجيتها في الزمان والمكان ~~المحددين. والوظيفة اليوتوبية هي التي تعيد إنتاج هذا الفائض ~~في إبداعات وتفسيرات وقراءات جديدة. لكن هذه الوظيفة ~~اليوتوبية ليست ساكنة ولا ثابتة، بل لا بد لها أن تكون متغيرة ~~ومتحولة في التاريخ لتواكب صيرورة الواقع الفعلي، وتلحق ~~بالتغيرات التاريخية، حتى لا يفرز العنصر اليوتوبي عالما ~~خاليا من أي جديد، عالما لا يكون المستقبل فيه سوى تكرار ~~للماضي. وإذا كان سقوط الأيديولوجية - كما يقول مانهايم - يمثل ~~أزمة لطبقة معينة فقط، فإن زوال العنصر اليوتوبي زوالا ~~تاما من الفكر والفعل البشريين سوف يعني أن الطبيعة ~~البشرية والتطور الإنساني سيتخذان طابعا جديدا كل الجدة. إن ~~اختفاء اليوتوبيا سيخلق وضعا ساكنا جامدا لا يكون الإنسان ~~فيه أكثر من شيء ساكن جامد، وستواجهنا حينذاك أكبر ظاهرة ~~متناقضة تخطر على البال أو في الخيال: وهي أن الإنسان الذي فاز ~~بأكبر سيطرة على الوجود، يصبح - حين يترك بلا مثل عليا - ~~مجرد مخلوق عشوائي، وإذا تخلى عن اليوتوبيات فإنه يضيع إرادته ~~في صنع التاريخ، ويضيع معها قدرته على فهم التاريخ. # 66 ~~(3) علاقة الوظيفة اليوتوبية بالنماذج الأولية # 67 # تتميز الوظيفة اليوتوبية للوعي بال «ليس-بعد» بالثنائية ~~شأنها في ذلك شأن كل شيء آخر، فنحن نرى التقدم والتخلف في ~~حركة متزامنة. ويستشهد بلوخ بفاوست جوته عندما يقول الشيطان ~~مفيستو لفاوست: «إذن فاهبط إلى الأعماق! أو يمكنني أن أقول ~~ارتفع، فالأمر سيان.» وهو يذكر هذه العبارة ليزداد اقتناعا ~~بأن المبدأ اليوتوبي هو مبدأ جدلي موجود منذ القدم في كل ~~أشكال الحضارة ومظاهرها وفي كل فروعها، ولذلك فهو يتتبع هذا ~~المبدأ في كل شيء ويبحث عن الأمل المغمور في النماذج الأولية ~~التي تتضمن عناصر يوتوبية لم تتحقق بعد. # 68 # وينتقد بلوخ النماذج الأولية عند يونج الذي تصورها ~~ثابتة وساكنة مع أنها في حقيقة الأمر متحركة غير ثابتة، وإنما ~~تتخذ في كل عصر ms115 تاريخي أشكالا متجددة ذات معنى يوتوبي دال ~~على مضامين العصر ومتجاوز لها إلى الأمام والمستقبل. # 69 # ويعود بلوخ لفاوست جوته مرة أخرى، عندما يرى هيلين في كل ~~امرأة: # ينبغي لك أن تشاهد نموذج النساء جميعا، # بهذا الشراب في جوفك ستشاهد # هيلانة في كل امرأة تراها. # 70 # والمعروف أن هيلين هي النموذج الأصلي للجمال، ~~ويتحرك هذا النموذج الذي كان قد هبط إلى غياهب الماضي، ~~واستحضره الشيطان من مكمنه ليرتفع به إلى أعلى في عصر فاوست ~~المختلف عن عصره؛ مما يدل على أن من الممكن أن تصبح المادة ~~اليوتوبية عينية في النماذج الأولية، وهذا المظهر اليوتوبي يجب ~~أن ننظر إليه نظرة لا تعود به إلى الخلف ولكن تدفعه وتقوده ~~إلى الأمام، إلى المستقبل. # ويتوقف بلوخ عند النماذج الأولية للنزعة الرومانسية التي ~~جعلتها تركن إلى الماضي وتتسم بالحنين الدائم إليه، وترتدي ~~قناعه فحسب، ولم تتخذ منه قوة دافعة للمستقبل، بل ارتبطت إلى ~~حد كبير بنظرية المثل الأفلاطونية - على الرغم من الاختلاف ~~بينهما - حيث استعارت الأولى من هذه الأخيرة فكرة إعادة ~~التذكر. فالمثل عند أفلاطون سماوية متعالية، أما في الرومانسية ~~فهي نكوص لعصور سابقة، ولهذا تحولت العلاقة بين الوظيفة ~~اليوتوبية والنماذج الأولية إلى علاقة تراجعية أو رجعية # Reactionary ~~، ~~تتميز بالنظر إلى الوراء. وتحول الانتباه عن الحاضر الفعلي ~~وقوته الدافعة إلى الأمام إلى الماضي فمنع انفتاح الحاضر ~~والماضي معا على المستقبل. # 71 # ويعتبر بلوخ أن هذا سوء فهم من الرومانسيين للنماذج الأولية، ~~لأن البعد اليوتوبي في هذه النماذج لا يمكن تحقيقه من خلال ~~العناصر الأصلية، وإنما يتحول خلال التاريخ ويمضي في مساره ~~بعيدا عن الأصل. وتحتاج كل النماذج الأولية إلى معالجة ~~يوتوبية، وبذلك يظهر نموذج جديد بعيد عن الأصول الأولية ~~ويدخل في مضمون جديد بالكامل. إن النماذج الأولية موجودة في ~~كل الأعمال الأدبية والأساطير والديانات والمأثورات الشعبية، ~~فرائعة جوته «فاوست» - على سبيل المثال - مليئة بهذه النماذج، ~~خاصة في الجزء الثاني. ولكنها ليست نسخا من التجربة الأولى. ~~وكل عصر يستخدم المضمون ويعيد توظيفه من جديد ويفض ms116 الغلاف ~~الذي يحيط بالأمل الكامن في هذه النماذج وربما يتضح هذا في ~~السيمفونية السابعة لبتهوفن، وفي أوبرا «الناي السحري» ~~لموتسارت وغيرها من الأوبرات التي تناولت موضوعات قديمة ~~برؤية جديدة مثل «أوديب» و«أنتيجون» و«أليكترا» حيث استخدمت ~~المجازات والرموز الأولية وسيلة للتنوير. # 72 # الوظيفة اليوتوبية إذن، أو وظيفة الوعي بال «ليس-بعد»، هي ~~رسم ما قد كان وما يزال جديرا بأن يبقى في المستقبل. وهي تفصح ~~عما لم يتكشف في الماضي، ولا تكشف فقط عن الفائض الثقافي، بل ~~ترجع أيضا للخلف - بالمعنى الثنائي السابق - لتكشف عن توقع ~~قديم لوعي ال «ليس-بعد»، بوصفه مادة لم تتحقق بعد. إن المرساة ~~التي تغرق أسفل القاع هي نفسها مرساة الأمل، وما يغرق للأعماق ~~يملك ما ينهض به إلى أعلى. وهذه الطبيعة الثنائية للوظيفة ~~اليوتوبية تثبت قيمتها عندما تحول النماذج الأولية إلى علامات ~~حقيقية أو رموز واقعية تنتزع هذا الجزء من الماضي ومن ~~الأسطورة وتعيد توظيفه في مسار التاريخ. ~~(4) علاقة الوظيفة اليوتوبية بالمثل العليا # يحدد بلوخ المثل الأعلى بأنه هدف يتطلع إلى الكمال ولا يرضى ~~عنه بديلا. وإذا كان في حياتنا اليومية العديد من الأهداف، ~~فإن المثل الأعلى يختلف عنها جميعا بطموحه إلى الكمال. ولأن ~~كل هدف هو في البداية هدف متخيل في العقل، فإن ذلك يتطلب من ~~الإرادة البشرية الكفاح والنضال من أجل تحقيقه. فالمثل العليا ~~ليست أهدافا جاهزة للتحصيل وإنما هي من ذلك النوع الذي لا ~~يمكن الوصول إليه إلا بقرار حاسم من إرادة الإنسان، وبرغبة ~~منه في السعي الدائم والنضال من أجل تحقيقها أو الوصول إليها. # 73 # وتكشف الوظيفة اليوتوبية عن نفسها في المثل العليا، لارتباط ~~هذه الأخيرة ارتباطا وثيقا بمضمون الأمل الموضوعي. فالمثل ~~العليا تفوق كلا من الأيديولوجيات والنماذج الأولية في ~~قابليتها للفهم، كما تفوقهما في وضوحها وغناها بالمضمون. ~~والمثل العليا أكثر ارتباطا بالواقع المادي، كما أن التوقع ~~فيها واضح ومكشوف مما يجعلها قابلة للمعالجة اليوتوبية. وتكشف ~~المثل العليا منذ البداية عن الأمل الكامن فيها، بينما تتضمن ~~النماذج الأولية عنصرا توقعيا غير واضح، وتهبط ms117 بالأمل إلى ~~أعماق سحيقة القدم. هذا فضلا عن أنه لا يوجد حتى الآن تصنيف ~~متفق عليه للنماذج الأولية، بينما يوجد العديد من المثل ~~العليا. # وترتبط المثل العليا دائما بما هو أسمى، أي بالعالم الممكن ~~باعتباره وسيلة لتحقيق غايتها. وغاية بلوخ هي الوصول إلى الشكل ~~الأسمى للخير الأسمى في المجال السياسي والاجتماعي، وهو ~~المجتمع الخالي من الطبقات. لذلك تصبح مثل الحرية والمساواة ~~والإخاء البشري وسائل لتحقيق هذه الغاية. ومن ثم أخذ بلوخ على ~~الفلسفة المثالية الألمانية أن المثل العليا فيها - عند كانط ~~وهيجل خاصة - متعالية على الواقع المادي ويتعذر الوصول إليها. ~~ولذلك بقيت المثل الأخلاقية معلقة في السماء، كما بقيت المثل ~~العليا الجمالية مجرد متعة جمالية يستمتع بروعتها ~~فحسب. # ويتتبع بلوخ المبدأ اليوتوبي في المثل العليا عند كل من ~~كانط وهيجل. فالمثل العليا عند كانط ظهرت في القانون الأخلاقي ~~كسلطة مباشرة نهائية تتصارع مع الدوافع الطبيعية، وفهمنا ~~للقانون الأخلاقي اضطرنا إلى افتراض كائن أسمى يضمن قيام ~~علاقة متكافئة بين الفضيلة والسعادة، ولكن فكرة هذا الكائن ~~الأسمى نبعت من الأخلاق نفسها دون أن تكون هي الأصل في ظهور الأخلاق. # 74 # وظهرت المثل العليا مرة أخرى كأمل وغاية منشودة ~~في هذا الثالوث: الحرية، الخلود، الله. وهنا يظهر المثل الأعلى ~~كأمل أو خير أسمى للعقل العملي، ومع ذلك يبقى الثالوث عقائد ~~تستند إلى الإيمان العملي دون أن تستحيل إلى موضوعات تقوم على ~~المعرفة العلمية، أي أن ما سلم به العقل النظري باعتباره مجرد ~~إمكانية أو مثل أعلى قد استحال على يد العقل العملي إلى عقيدة ~~تدعمها الحاجات المشتركة لكل إرادة عاقلة. # 75 # ظهرت المثل العليا مرة أخرى في استطيقا كانط في صورة كمال ~~طبيعي - بدون الخير الأسمى - أي في صورة مناقضة للمثل العليا ~~الأخلاقية التي ابتعد عنها كانط في الفن لأنه يرى أن الإلزام ~~الأخلاقي في الفن سخف شديد. # 76 # ومعنى هذا أن البعد اليوتوبي عند كانط لا يتمثل ~~إلا في الفن الذي هو نشاط بشري تلقائي حر منزه عن ~~الغرض أو الغاية، وخال ms118 من الصراع مع الدوافع الطبيعية كما هو ~~الحال في المجال الأخلاقي. وبهذا يتجسد الكمال عنده - أي عند ~~كانط - في أشكال عديدة كأمل للمستقبل، ولكن هذا الأمل مقصور ~~على الجمال الفني وحده ومقطوع الصلة بالواقع السياسي ~~الاجتماعي. وهكذا تنتهي المثل العليا عند كانط إلى أن تكون ~~مجرد مثل فنية خالصة لا تتصل من بعيد أو قريب بالواقع ~~الاجتماعي والسياسي. # أما عن هيجل فإن المثل العليا بوجه عام تكمن في الفن وحده ~~لا في بقية جوانب الواقع الاجتماعي والسياسي. فما دامت الفكرة ~~عنده هي الحقيقة المطلقة، فإنه ينتج من ذلك اتحاد الحق والجمال ~~لأن كلا منهما هو الفكرة. ولكنهما متمايزان أيضا، فالجمال ~~هو الفكرة حين تدرك في إطار حسي وحين تدرك بالحواس سواء أكان ~~ذلك في الفن أم في الطبيعة. أما الحقيقة فهي الفكرة حين تدرك ~~في ذاتها أي بوصفها فكرة خالصة، وهي لا تدرك بما هي كذلك عن ~~طريق الحواس بل عن طريق الفكر الخالص أي عن طريق الفلسفة. # 77 # إن المثل العليا عند هيجل تكاد تكون توهمات كمال ~~خيالي لا سبيل إلى تحقيقه، حيث إن الفن كبناء تأملي يقوم ~~بصورة مطلقة على المثل سواء أكانت شرقية رمزية أو إغريقية ~~كلاسيكية أو غربية رومانتيكية (كالشرف والحب والوفاء ~~والمخاطرة والإيمان). # 78 # فكل مرحلة من مراحل الروح هي مرحلة من مراحل ~~الفكرة، وتسمى الفكرة في المرحلة الحالية باسم: المثل الأعلى. ~~والمثل الأعلى هو تلك الصورة الخاصة للفكرة التي تدرك فيها ~~بطريقة حسية، إنه الفكرة لا في ذاتها بل كما تتجلى في عالم الحس. # 79 # ويستشهد بلوخ بنص من هيجل يبين أن المثل العليا بوجه عام لا ~~وجود لها إلا في الفن لا في بقية جوانب الواقع، لا سيما الواقع ~~السياسي والاجتماعي، إذ تبقى المثل في الميدان الأخير مجرد ~~توهمات خيالية لكمال خيالي. ولهذا تذكرنا التجليات الجمالية ~~للمثل العليا عند هيجل بالأنتيليخيا أو الكمال الأول عند ~~أرسطو: «ولهذا ينبغي ألا تكون حقيقة الفن مجرد مطابقة تامة ~~كما هو الحال في الفن الذي يحصر نفسه ms119 في محاكاة الطبيعة، وإنما ~~ينبغي أن يتجانس الخارج مع الداخل الذي يتجانس مع ذاته وعن ~~طريق هذا وحده يمكنه أن يكشف عن ذاته بما هي ذاته في الخارج. ~~وعن طريق إرجاع كل شيء شابته العرضية والخارجية في سائر جوانب ~~الوجود إلى هذا التجانس بمفهومه الحق، فإن الفن يستبعد من ~~الظاهرة كل ما لا يتطابق مع هذا المفهوم، ومن ثم يبرز الفن ~~المثل الأعلى عن طريق التطهير وحدة.» # 80 # ومن الواضح أن هيجل لا ينظر هنا إلى المثل الأعلى للفن وكأنه ~~مقطوع الصلة بالواقع في مجموعه، وإنما يقصد درجة عالية من ~~الواقع بلغت حد الكمال النسبي في داخل الظواهر. ولا شك أن ~~البعد اليوتوبي هنا غائب لأنه لا يقصد الواقع الذي لم يتحقق ~~بعد أو الواقع الذي لا يزال في سبيله إلى الكمال الذي سيتحقق ~~بصورة واقعية. وعلى الرغم من وجود التوقع عند هيجل بشكل أكثر ~~أصالة مما سنجده عند كل من فرويد وآدلر، فإننا ومع ذلك نفتقد ~~عنده البعد اليوتوبي، إذ إن الوظيفة اليوتوبية للمثل العليا ~~الفنية تقتصر على التصحيح والمطابقة للفكرة لا على التفتح ~~ناحية المستقبل من خلال توسيط الواقع لتحقيق الكمال في هذا العالم. # 81 # وكثيرا ما يتدخل الوعي الكاذب في تكوين المثل العليا، ويظهر ~~هذا على سبيل المثال في حالة الكبت التي يتناولها فرويد ~~بالتحليل النفسي حيث الأنا العليا هي مصدر تكوين المثل التي ~~تمارس رقابة الأنا العليا الأخلاقية على الأنا؛ لهذا لا نجد ~~أثرا لأشكال المثل العليا المستقبلية المشرقة عند فرويد. ~~وعندما يتناول آدلر هذه الأشكال المشرقة نجده يقع في نفس الخطأ ~~ويتجه أيضا إلى الماضي وينظر بعين الاعتبار للمثل الأعلى الموجه # Guiding-Ideal # لمحاولة تغيير القناع الشخصي بآخر مثالي واكتساب الشعور ~~بالسمو - وهو ما يسمى بعقدة النقص ونظرية التعويض عن النقص ~~بالعلاء والتسامي - وتبعا لهذه النظرية تحدد كل المثل العليا ~~طبقا لما هو أخلاقي، ولذلك فإن أكثر المثل الموضوعية والفنية ~~مفتقدة هنا. وتتدخل السلطة المستبدة - التي تتمثل في سلطة ~~الأنا العليا - في تشكيل المثل العليا عند ms120 فرويد وآدلر، ولذلك ~~يبقى كلاهما في مجال الإلزام. غير أن الإرادة التي تتطلع ~~دائما إلى الأمام لا بد أن تكون إرادة حرة، أي إرادة تتجه ~~إلى الجانب المشرق والمضيء وأحلام اليقظة الحرة تكشف عن هذا ~~الجانب المشرق، وحتى إذا ظلت المثل العليا مجرد صور في خيالنا ~~فهي دائما تنشد الوصول للغاية أي تنشد الكمال. # 82 # ويهاجم بلوخ المثل البرجوازية في القرن التاسع عشر والمتمثلة ~~في الحق والخير والجمال. وعلى الرغم من أن روايات هذا العصر ~~عبرت عن رفضها لهذه القيم مثلما فعل كل من الأديب الألماني ~~والكاتب الروائي تيودور فونتانه (1819-1898م)، والكاتب المسرحي ~~النرويجي هنريك إبسن (1828-1906م)، فإن كليهما - في رأي بلوخ - ~~لا يقدم لنا عالما جديدا بدلا من العالم القديم المتهم. ~~ويهاجم بلوخ أيضا كل المثل الشكلية التي تتسم بالتجريد ~~والسكون. فالمثل العليا لا بد أن تكون ذات فعالية، ولا بد أن ~~تتجه إلى الواقع. ومع النزعة الاشتراكية فقط أصبحت المثل ~~عينية، وصار المثال السياسي الأسمى هو «مملكة الحرية» كمملكة ~~عينية وفصل أخير في تاريخ العالم. إن الماركسية ترفض المثل ~~العليا كما عبر عن ذلك ماركس في قوله إن الطبقة العاملة ليس ~~لها مثل عليا تنشد تحقيقها ويفسر بلوخ هذه العبارة (التي تبدو ~~غريبة) بقوله إنها لا تتعارض مع نزوع هذه الطبقة لتحقيق أهداف ~~عينية، وإنما تتعارض فحسب مع الأهداف المجردة ومع المثل العليا ~~التي لا تمت بصلة للتاريخ ومساره الجدلي. ومن ثم أصبحت ~~الاشتراكية نفسها على يد ماركس مثلا أعلى عينيا يسعى للتحقق ~~في كل مرحلة من مراحل التطور. ولهذا فإن طموحها لا يرضى بغير ~~تحقيق المثل الأعلى الذي كان مجردا من قبل. # 83 # وطبيعي أن يكون هذا المثل الأعلى سياسيا، وأن ~~يتجسد في مملكة الحرية باعتبارها تمثل الخير الأسمى أو الأقصى ~~الذي يعد غاية التاريخ. ~~(5) علاقة الوظيفة اليوتوبية بالمجاز والرمز # تجد الوظيفة اليوتوبية أساسها الأعمق في طبيعة الوعي الذي ~~تكونه اللغة وتساهم في تحديده. فاللغة - حتى على مستوى ~~التواصل والإخبار العادي - لا تقتصر على الإشارة إلى المعطى ms121 ~~الذي تحيل إليه العبارة، وإنما تجاوزه على الدوام إلى معاني ~~ومضامين أخرى لا تسميها تلك العبارة بشكل محدد، ولا تعنيها ~~بصورة مباشرة. والمعروف أن اللغة بوجه عام هي مجال التفاهم ~~بين البشر، وهي إذ تحقق هذا التفاهم أو التواصل إنما تكون ~~كبنية موضوعية تحددها الكلمات بدلالاتها المصطلح عليها ~~وتثبتها قواعد النحو بحيث يتخذ التفاهم أو التواصل صورته ~~الموضوعية، ويستحيل توصيل أي تجربة إلا عن طريق اللغة. # ومع ذلك فاللغة تعرف مستويين على أقل تقدير، أحدهما المستوى ~~العام الذي يتحد بالكلمة المنطوقة والبنية النحوية في اللغة، ~~ويمكن أن يفهمه كل من يفهم هذه اللغة. هذا المستوى هو الأساس ~~الأول لكل لغة، غير أن هنالك مستوى آخر يقع تحت المستوى ~~السابق ويرتبط به على الدوام، وهو يتعلق بالمعاني التي يفهمها ~~كل فرد على حدة من خلال تجاربه الخاصة، بحيث يصبح للمعنى ~~الواحد معان أو دلالات مختلفة من مستمع إلى ثان وثالث ورابع ~~... إلخ. ومن هنا جاءت أهمية التفسير أو التأويل ووظائفه الخلاقة ~~التي تدور حولها اليوم فلسفات التأويل (الهيرمينوطيقا) ~~ومناهجها الخصبة التي تكشف عن مدى تعدد دلالات النص الواحد ~~بتعدد قراءاته وقرائه. # وتكمن الدلالة بصورة أساسية في «القصد» اللغوي الذي يتجه ~~فيه متكلم إلى مستمع لإبلاغه بشيء له معنى، وقد حدد عالم ~~اللغة «كارل بيلر» هذا المعنى من خلال تحديده لبنية اللغة التي ~~تقوم في رأيه على علاقة دلالية (أو سيمانطيقية) ثلاثية، ~~فالعلاقة اللغوية تكون رمزا بفضل إحالتها إلى موضوعات أو ~~حقائق موضوعية معينة، وتكون شاهدا بفضل اعتمادها على المرسل ~~الذي تعبر عن دخيلته، كما تكون علامة بفضل تأثيرها على السامع ~~وتغييرها لمسلكه الخارجي أو الداخلي. # 84 # وعندما نضع ما نتكلم عنه في سياق العبارة ونقوم ~~بتوصيله إلى المخاطب أو السامع، فإننا نوصل إليه معنى عاما ~~ومفهوما يمكن بدوره أن يدخل في سياق عبارات أخرى تكمله وتضيف ~~إليه، أو تعدله وتغير منه. بذلك تكون اللغة - في مستوى الدلالة ~~الأعم الذي أشرنا إليه - نظاما مفتوحا على دلالات أخرى ~~متنوعة، وبذلك أيضا يكون العالم ms122 الذي يتكون في اللغة وبها ~~أشبه بنسيج طيع مرن، يمكن أن تضاف إليه خيوط جديدة ~~باستمرار ويكون ما سميناه «بما لم يتم الوعي به» ماثلا فيها ~~على الدوام، لأن العبارة من حيث هي بنية موضوعية أشبه بالبؤرة ~~أو النواة التي تطلق المعاني من داخلها كما تستوعبها من ~~الخارج. ويترتب على هذا أن العبارة بعلاقتها الدلالية الثلاثية ~~لا تقبل أن تحدد بصورة نهائية، ولا تكون أبدا ذات معنى واحد ~~ثابت، وإنما تظل عبارة مفتوحة متعددة المعاني، أو تظل على ~~الطريق إلى ذاتها لم تتوحد معها بعد، وقد تتوحد معها من خلال ~~عملية التفسير أو التأويل التي لا تتوقف. هكذا يمكن القول إن ~~البنية الدلالية للغة تعمل في الوقت نفسه على تكوين البنية ~~الأنطولوجية لما «لم يوجد بعد»؛ ومن ثم تصبح الأنطولوجيا ~~«الصورية» فرعا من فلسفة اللغة، تملأ إطارها الأنطولوجيا ~~«المادية» بمضامين العالم الطبيعي والعالم التاريخي. # 85 # وإذا كانت اللغة في ذاتها ولذاتها دلالية، فإن الموجود الذي ~~يخرج من وجوده الأخرس (الذي يوصف منذ هيجل بأنه وجود في ذاته) ~~ليصبح بالنسبة إلينا حاملا لدلالة، لا بد أن يكون له طابع ~~مجازي فهو يدل على ذاته كما يدل في الوقت نفسه على شيء آخر ~~أكثر منه وعلى شيء آخر غيره: «فمن خلال تعبير التشبيه عن ~~الشيء الواحد عن طريق شيء مختلف - مع العلم بأن هذا الشيء ~~المختلف يمكن أن تتسع وجوه اختلافه وتتعدد تعددا كبيرا - ~~فإنه (أي التشبيه) يوصف بأنه مجازي. وإن «شرف» المجاز وتماسكه ~~الداخلي يكمن على وجه التحديد في هذا التعدد الدلالي الدال ~~بذاته، وفي هذا الشيء غير المحدد بالضرورة الذي ما يزال ~~التشبيه ينطوي عليه ثم في السلسلة المتصلة من الإحالات إلى كل ~~ما يمكن أن «يطابق» فعل الدلالة، بل إلى كل أشكال هذا التطابق ~~في العالم.» # 86 # تعتمد المقولة التي سميناها في الفصل السابق «ما قبل الظهور» ~~على هذه الدلالات المختلفة التي يمكن أن يوحي بها الشيء ~~الواحد، خصوصا خلال التعبير المجازي؛ فهي تحاول أن تظهرنا على ~~شيء لم ms123 يوجد بعد ومن ثم يعبر عنه - عن طريق التشبيه ~~والاستعارة مثلا - بشيء آخر. ولما كان ذلك الذي «لم يوجد ~~بعد» أمرا لم يثبت ولم تتحدد الصورة التي سيكون عليها في ~~المستقبل، فلا بد أن يكون تعدد دلالاته في هذه الحالة شيئا ~~طبيعيا، لأنه يجعل مجال الفهم والواقع المنتظر مفتوحا، ~~ويسمح - إذا جاز هذا التشبيه - بإعادة ترتيب الأحجار التي ~~يتكون منها بناء العالم. ومن هنا يظل عالم الأشياء - وهو في ~~ذاته عالم أخرس - حافلا بالألغاز والأسرار في نظر العقل. ولا ~~بد للعقل أن يتحسس المعاني المختلفة التي يمكن أن تحل له ~~مغاليق اللغز أو تفتح خزائن أسراره. ولا بد أيضا أن تتعدد ~~الحلول والمفاتيح بحسب السياقات التي توضع فيها الأشياء ~~والموجودات، بل إن كل حل يوجد معه سياقا جديدا ويوحي بحل جنيد. # 87 # ويفرق بلوخ تفرقة دقيقة بين المجاز والرمز. فالمجاز هو ~~المتعدد المعاني الذي ينطوي على الشبيه والمخالف في نفس الوقت، ~~أما الرمز فهو الذي يقوم بعملية التوحيد تحت معنى واحد. ولا ~~بد من الشعور فيها جميعا بالمضامين اليوتوبية ورفعها إلى ~~مستوى الوعي الواضح، وتلك هي الوظيفة اليوتوبية التي تتحقق في ~~الأعمال الفنية الكبرى والأصيلة: «إن التشبيه هو علامة على شيء ~~ما يزال بالنسبة لنفسه علامة، أي بعبارة أوضح هو علاقة ما لم ~~يتكشف لنفسه في الموضوعات ذاتها، وما لم يتحد مع نفسه تماما ~~ولم يتحقق في العالم تحققا واقعيا كاملا، وطالما بقي ~~العالم على هذا النحو في حالة عدم اكتمال، أي في حالة تجربة ~~مستمرة لماهيته التي لم تتحقق تماما أو لم تبرز إلى الوجود ~~بصورة واقعية ، فإن المجازات والرموز ستظل تشارك هنا وهناك، ~~بدلالاتها على صيرورة العالم أو على هدفه وغايته في كل أحوال ~~العالم وأشكاله؛ بهذا يمكن القول بأن هذه الأشكال نفسها تحتوي ~~على مجازات ورموز، أعني أنها تحتوي على مجازات واقعية ورموز واقعية.» # 88 # هكذا تتعدد معاني العالم ودلالاته. فكل شيء يمكن أن يعبر عن ~~شيء آخر غيره. وإذا كان هذا يصدم مبدأ الهوية (أو الذاتية) ms124 ~~ويمحو الفروق التي تميز الموجودات عن بعضها ويضيع معالمها ~~المحددة، فلا بد أن نسلم من وجهة النظر الجدلية بأن الهوية ~~النهائية لا وجود لها، وأن كل شيء يمكن أن يكون غيره. وفي هذه ~~الحالة يكون التعبير المجازي (كالتشبيه والاستعارة) وظيفة ~~يوتوبية أو علامة على علامة أخرى، أي على شيء لم يكشف بعد عن ~~حقيقته، ولم يتحد بذاته، ولم يصبح واقعا متحققا. ومن ثم يكون ~~العالم في وضعه القائم عالما ناقصا ولم يبلغ تمامه، لأنه لم ~~يزل في حالة تجربة مستمرة ولم يزل في سبيله إلى تحقيق ماهيته ~~بصورة واقعية. ولهذا السبب أيضا تشارك التعبيرات المجازية ~~بدلالاتها المتعددة في التعبير عن صيرورته المتصلة وتحولاته ~~وأشكاله التي لا تتوقف، بل من الجائز أن نصف أشياءه وموضوعاته ~~«الواقعية» بأنها في حد ذاتها مجازات واقعية أو رموز موضوعية # 89 # وذلك مصداقا للبيت الشهير الذي يرد في خاتمة ~~«فاوست» جوته: # كل فان هو رمز فحسب، # وكل ما لا يمكن الوصول إليه سيصير هنا حادثا. # 90 # فكل ما يراه في الواقع رموز على الأبدي الفعال ~~في الكون، وكل ما في الكون مجاز حي واقعي. ولأن العالم ناقص ~~ولم يكتمل في صورته النهائية، ولأن كل شيء فيه متصل بكل شيء ~~فإن وجوده ذاته يمكن أن يوصف بأنه دلالة، وحتى لو تصورناه أخرس ~~لا ينطق وساكنا لا يتحرك، فإنه سيكون «علامة» تنطق وتعبر عن ~~حالة. ولكننا نعلم أنه ليس أخرس ولا هو ساكن، وأن كل شيء فيه ~~«يدل» على هويته التي لم تتحقق بعد، وهي الهوية التي يمكن أن ~~نصفها بأنها «كلية العالم» أو «وحدته الكلية»، كما يمكن أن ~~نقول إن كل شيء مفرد فيه هو «شفرة» تشير إلى كل شيء عداه ~~«وتدل» عليه، وأن هذه الكثرة المجازية التي لا نهاية لها تعبر ~~عن وحدة ظواهره المتنوعة وتماسكها. # بعد عرض علاقة الوظيفة اليوتوبية ببعض المذاهب المختلفة - ~~التي حاولت أن توظفها بشكل أبعدها عن هدفها الحقيقي - نكون قد ~~ألقينا الضوء على التحديد الأنثروبولوجي الذي اشتق منه بلوخ ~~التحديدات الأنطولوجية ms125 التي مفادها أن في وجودنا «لا» يتحتم ~~رفعها أو إلغاؤها، ونشعر أيضا أن ثمة مستقبلا تبدعه المخيلة، ~~ولكن من المهم أن تكون صورة هذا المستقبل صورة واقعية وأن ~~نتخيلها تخيلا موضوعيا، ونتكلم عنها في زمن ~~المستقبل. # وعلى الرغم من اتساع أفق بلوخ الفكري الذي تجاوز الرؤية ~~الماركسية، وعلى الرغم أيضا من أنه يتمتع بدرجة عالية من ~~الحس التاريخي، إلا أنه يظل أسيرا لبعض الأفكار الماركسية ~~التي لا تخلو من التزمتية. وربما يتضح هذا من موقفه من ~~الأيديولوجيا، وتبنيه لوجهة النظر الماركسية التي ترى أن ~~الأيديولوجية هي منظومة فكرية لم ينتج عنها سوى الوعي الزائف، ~~وإنها بهذا المعنى ضللت الوظيفة اليوتوبية وعوقت اكتشاف ~~الوعي بال «ليس-بعد». لقد تغافل عن أن كل عصر له أيديولوجيته، ~~وأن لكل عصر منظومته الفكرية بالمعنى الكلي للفظ الأيديولوجيا ~~عند كارل مانهايم، الذي يحتفظ كذلك بمعنى يوتوبي يتراكم مع ~~الزمن، أن الماركسية نفسها لم تخرج في النهاية عن النطاق ~~الأيديولوجي، كما بقيت في التحليل الأخير يوتوبيا تحاول أن ~~تتحقق بشكل عيني، وآمنت إيمانا جازما بحتمية التطور ~~التاريخي نحو مجتمع شيوعي يوتوبي، وبهذا المعنى يكون ~~للأيديولوجيا نصيب في كل نسق فكري، وتكون لها وظيفة اجتماعية ~~- ربما لا تقل أهمية عن الوظيفة اليوتوبية المتضمنة فيها ~~بصورة غير مباشرة كما تقدم - تتمثل في القدرة على تفسير ~~العلاقات الاجتماعية، وإدراك العلاقات بين الأشياء. والمهم أن ~~هذه الوظيفة ليست ثابتة وإنما هي متغيرة في كل عصر تاريخي ولا ~~يمكن التغافل عنها بأي حال من الأحوال. # ويتهم بلوخ كل المثل العليا في تاريخ الفلسفة بأنها مجردة ~~وتأملية، وأنها مقطوعة الصلة بالواقع الفعلي، وأن الماركسية ~~وحدها هي التي استطاعت أن «توسط» هذا الواقع لتحقيق مثلها ~~الأعلى - أي الاشتراكية - التي هي بطبيعة الحال في رأي بلوخ ~~والماركسيين هدف عيني. إلا أن هذا الاتهام للمثل العليا طوال ~~تاريخ الفكر الفلسفي هو في مجمله نوع من المبالغة - على الرغم ~~من استشهاده بالعديد من المذاهب الفلسفية وإثباته بالبراهين ما ~~يدعم به مدى التجريد الكامن فيها - بل ويمكن اعتباره ms126 نوعا من ~~التعميم الذي يجب ألا يقع فيه فيلسوف يتحرى الدقة العلمية في ~~أحكامه على الأشياء، كما أنه نوع من المبالغة في قدرات النظرية ~~الماركسية التي أثبت التاريخ عجزها عن التوسط مع الواقع ~~الفعلي، ناهيك عن إخفاقها في تحقيق أي من أهدافها، بل ويمكن ~~القول إنها لا تختلف كثيرا - على الأقل في جانبها التطبيقي - ~~عن الأنساق الفلسفية السابقة التي قامت لانتقادها. ويبدو أن ~~بلوخ نفسه قد تناسى أن طبيعة المثل العليا تفترض أن تكون من ~~النوع المفارق أو المتجاوز للواقع، وكم أكد هو نفسه في أكثر من ~~موضع أن الفكر بطبيعته متجاوز! وأخيرا فربما كانت الوظيفة ~~اليوتوبية للدلالات اللغوية التي توحي بها المجازات والرموز ~~أكثر وضوحا من غيرها، لأن هذه الدلالات تتضمن في طياتها ~~صيرورة متصلة، وتحولات تتخذ أشكالا مختلفة، وإن كان هذا لا ~~يتضح بشكل جلي إلا في الأعمال الفنية الكبرى والأصيلة. فهل ~~الواقع هو صورة مماثلة للعمل الفني؟ وهذه المجازات والرموز ~~التي استطاعت - عن طريق فض قشرتها اللغوية - أن تكشف عن هوية ~~العمل الفني، هل ستستطيع - أي المجازات والرموز - أن تكشف عن ~~الهوية الحقيقية الكامنة في الواقع الفعلي بعد فض قشرته؟ إنه ~~سؤال مفتوح، والهدف منه هو تأكيد أن هذا الجانب من أكثر ~~الجوانب الدالة على أصالة بلوخ. # الفصل الثالث # | البناء الأنطولوجي للأمل # يحدد بلوخ أربعة تصورات أو مفاهيم أنطولوجية أساسية يصفها بأنها ~~مفاهيم «مقولاتية» أو بالأحرى مقولات واقعية، تدل على حركة الواقع ~~الجدلي للمادة والتاريخ، وتكشف عن صيرورتها نحو تحقيق الأمل اليوتوبي. ~~هذه المفاهيم أو اللحظات الأساسية التي توضح حركة الواقع والعالم هي ~~«اللا» التي يبدأ منها كل شيء، وال «ليس-بعد» التي تعبر عن اندفاع ~~التاريخ نحو الكل، أو تعثره وسقوطه في «اللاشيء» أو «العدم». # هذه المفاهيم أو المقولات الأربع تمثل المصطلحات الأساسية في نسق ~~بلوخ الجدلي وبنائه الأنطولوجي، كما ترتبط ارتباطا حميما بمقولة ~~«الإمكان» وجدل «المادة»، بقدر ارتباطها بجدل الوعي البشري وأحلامه ~~وتوقعاته عن المستقبل. # أولا: المفاهيم الأنطولوجية لمقولة ال «ليس-بعد» ~~(1) مفهوم «اللا» # The Not # نبدأ ms127 «باللا» التي ذكرنا قبل قليل أن كل شيء يبدأ منها. ~~وأبسط وصف لها هو أنها نقص شيء ما، وفي الوقت نفسه محاولة ~~تلافي هذا النقص. ولذلك فهي الدافع أو الاندفاع نحو شيء ~~مفتقد. هذا الدافع أو الاندفاع الكامن في كل ما هو حي هو الذي ~~نصفه وصفا مكثفا بأنه «اللا»، فهو الحاجة، والسعي الدائب، ~~والحافز المستمر، وهو الجوع أولا وقبل كل شيء. و«اللا» في هذه ~~الحالة الأخيرة بالذات - أي في حالة الجوع - لا يمكن أن تكون ~~«لا شيء» أو عدما. بل إن الأمر هنا يتطلب ضرورة التمييز الحاد ~~بين «اللا» غير المحدودة و«اللاشيء» أو «العدم» # the Nothing # المحدد، إذ إنها ~~تبين بوضوح أن «اللا» في هذه الحالة تتعلق بنقص شيء أو موجود ~~ما وعدم امتلاكه، ولا تتعلق بال «لا شيء» أو العدم الذي يعني ~~انعدام كل شيء. # 1 # وما يميز هذه المفاهيم الأنطولوجية التي نتناولها ~~في هذا الفصل (وهي اللا والليس-بعد، والكل والعدم)، هو ~~ارتباطها بالدوافع والانفعالات. ويتضح هذا عندما نتبين أن هذه ~~المفاهيم الأنطولوجية، التي تبدو في الظاهر شديدة التجريد، ~~إنما هي مرادفة للجوع واليأس من جهة، أو للطمأنينة والثقة في ~~الخلاص من جهة أخرى. بذلك تكشف المفاهيم عن الانفعالات ~~الأساسية التي تقوم عليها، كما تلقي الانفعالات الضوء على ~~المفاهيم وتبين الأصل الأنطولوجي الذي انبثقت عنه وتغذت على ~~نيرانه - على حد تعبير بلوخ - واستضاءت به قبل أن ~~تضيئه. # وليست «اللا» نهائية مطلقة، لأنها «اللا» المتعلقة بمبدأ ~~الوجود، بوجود معين هناك، كما تعلن عن نفسها بوصفها اللاتملك. ~~إنها بداية كل حركة تجاه شيء ما، وليست «لا» مجردة أو نهائية ~~وليست عدما، وإنما ترتبط بشيء أو موجود «هناك» تفتقده وتفتقر ~~إليه وتسعى لامتلاكه والحصول عليه، ولذلك فهي في الأصل غير ~~محددة ولا مؤكدة، إنها مجرد بداية، نقطة صفر وفراغ تنطلق منها ~~الحركة المندفعة نحو الامتلاك والامتلاء. وهي بهذا المعنى لا ~~تستطيع أن تحتمل حضور ذاتها، وإنما تتعلق - بطريقة تتسم ~~بالاندفاع - بموجود هناك أو شيء ما. # 2 # وإذا كانت الحاجة واللاتملك هما ms128 أول ما يواجه الإنسان في ~~حياته، فإن ذلك يعني أن «اللا» مغروسة فيه، وجزء لا يتجزأ من ~~تجاربه الأولى في الحياة. فهو يشعر بأنه في الحاضر الراهن ليس ~~ما يمكن أن يكون عليه. ويلازمه هذا الشعور طالما أحس بالافتقار ~~إلى شيء أو آخر ينقصه. وهذا ما يجعله يحتفظ «باللا» داخل ~~وجوده، بذلك يكون السلب قد وجد في الإنسان قبل أن يوجد في ~~المنطق الجدلي، وتكون هذه «اللا» هي المحرك الجدلي للواقع ~~الطبيعي والوعي على السواء. # وإذا كانت الحاجة تلازم حياة الفرد على الدوام وتدفعه على ~~العمل باستمرار، فقد كانت أيضا هي الدافع وراء سلوك الجنس ~~البشري بأكمله. فالحاجة علمت الإنسان أن يفكر، وأن يصنع ~~الأدوات، ويشعل النار، ويبني الأكواخ، والحاجة هي التي علمت ~~البشر أن يتجمعوا في العشيرة والجماعة والدولة، والحاجة علمت ~~الإنسان كذلك أن يدعو ويصلي كلما قصرت قواه وعجزت قدراته عن ~~إشباع حاجاته. بذلك يكون «اللا-تملك» هو الدافع الأساسي وراء ~~الحركة والتغيير، ويبقى «اللا» على الدوام متعلقا بالتملك ~~الذي لم يتم الحصول عليه بعد، بحيث إن عدم التملك الذي يتصف ~~دائما بالتكثف والنزوع هو الأصل المادي الديناميكي لكل ما ~~يملك في المكان والزمان وهو الذي يدفع على الحركة ويغير ~~الطبيعة، كما يفرض على الإنسان العمل على تغيير مادة التاريخ البشري. # 3 # إن «اللا» هي نوع من الفراغ أو الخواء، ولكنها في الوقت نفسه ~~نوع من الاندفاع نحو الخروج من قبضة هذا الفراغ والخواء. فهي ~~غير قادرة على أن تظل كامنة وموجودة في ذاتها، بل تسعى دائما ~~للخروج من حالة الكمون، فكيف يتم لها ذلك؟ يتجلى هذا الخروج أو ~~الاندفاع بوضوح في حالة الجوع أو الحرمان - كمثال يستشهد به ~~بلوخ - حيث تتحول «اللا» إلى رعب من الفراغ # Horrar Vacut ~~، تتحول إلى حالة مقت شديد. # 4 # وتنطلق «اللا» الكامنة وتخترق الجوع لإشباعه. فهذا ~~الجوع أو الحرمان أو الفراغ هو نقطة البداية لكل وجود مباشر. ~~وتكمن البداية في ظلام «الوجود-هنا» الذي ما زال لم يتوسط مع ~~ذاته. # إن الأصل والبداية لكل ms129 موجود هنا تكمن في الظلام الذي لم ~~«يفض نفسه» أو لم يمر بعد بعملية التوسط الجدلي، أعني في ظلام ~~«الآن» أو اللحظة المعيشة المباشرة. وليس هذا الظلام - الذي ~~تبدأ منه كل حركة في العالم - بعيدا أو متواريا في ماض كوني ~~سحيق القدم، وإنما هو ظلام مباشر وقريب وماثل في كل وجود ~~«موجود هناك». # 5 # لذلك فإن نقطة البداية أو الأصل والأساس للعالم ~~كله قائمة على التحديد في «الهنا والآن» الذي لم يخرج بعد ولم ~~ينبثق من نفسه، أو لم يتحرك من مكانه على الإطلاق. كما أن ~~«اللا» الكامنة فيه أو الملازمة له هي على التحديد «اللا» التي ~~تحرك التاريخ، وتهيئ العمليات التاريخية لتحقيق أهدافها، دون ~~أن تصبح هي نفسها تاريخية. # 6 # ومن ثم يجوز القول بأن الأصل هو المجهول الذي ~~تتخلل حركته كل الأزمان والأشياء، وإن لم يبزغ هو نفسه من نفسه ~~ولم يصبح شيئا بعد. ولذلك فإن كل لحظة معيشة - إذا كان لها ~~عينان - لا بد أن تكون شاهدا على بداية العالم الذي يبدأ ~~فيها، ولا زالت تتجدد في كل لحظة إلى أن تتحدد هذه «اللا» غير ~~المحددة تبعا لمضمونها، ومن خلال التجارب اللانهائية لعملية ~~الصيرورة التاريخية بأشكالها وتحقيقاتها المتجددة التي لا حصر ~~لها، لأن كل لحظة هي نقطة الصفر في بداية العالم كما تتضمن ~~تاريخ العالم. # إن عملية التكوين والتشكل المستمرة والمتجددة عبر صيرورة ~~العالم والتاريخ - التي تفترض الجديد - لا تتوقف مع كون الشيء ~~قد صار، وإنما تبقى الصيرورة مستمرة. لكن السؤال الآن: هل تأتي ~~عملية الصيرورة دائما - وبالضرورة - بما هو جديد بحق؟ طبيعي ~~أن العملية يمكن أن تتمخض عن الجديد جدة حقيقية ، كما يمكن أن ~~تفرز المظاهر الخداعة التي تظهر على الأفق في صورة الجديد، دون ~~أن تعبر عن مضمون الجديد الحقيقي الذي اتجهت إليه حركة العالم ~~والتاريخ، ودون أن تثمر الثمرة التي نفتقدها ونشعر دائما ~~بالافتقار لها، أعني الافتقار إلى ذلك «الشيء الواحد» الذي هو ~~خير، ذلك الشيء الواحد الذي سيأتي معه بالحل والخلاص، أي اليوتوبيا. ms130 # 7 ~~(2) ال «ليس-بعد # Not yet ~~» # هنا تتبدى «اللا» المتكررة والمستمرة في صورة ال «ليس-بعد» ~~التي تخترق الصيرورة التاريخية وتتخطاها في وقت واحد، ويصبح ~~الجوع هو «قوة الإنتاج في جبهة العالم الذي لم يتم أو لم يكتمل بعد.» # 8 # لكن كيف تتحول «اللا» الكائنة في «الهنا والآن» ~~إلى ال «ليس-بعد» الكائنة بطبيعتها في المستقبل؟ إن الدافع أو ~~الحافز على هذا التحول يكمن فينا نحن، يكمن في جوعنا وتعطشنا ~~وشوقنا لتحقيق الهدف. إنه يأتي من «اللا» التي لا تملك أو التي ~~تحس في كل لحظة إحساسا غامضا ومباشرا بأنها تفتقد شيئا ~~وتفتقر إلى شيء، فنحن لا نعيش لأجل أن نعيش، وإنما نعيش لأجل ~~هدف، ولأجل هذا الهدف لا نشعر بالاستقرار ولا الاطمئنان لأمر ~~واقع، وإنما نشعر بالقلق الدائم بسبب هذه «اللا» النافذة في ~~صميم كينونتنا القائمة. هذه «اللا» التي لا نتحملها ولا نطيقها ~~فتتحول إلى ال «ليس-بعد» هي التي تدفعنا إلى الهدف التاريخي ~~الذي نسعى إليه. # 9 # وليس هذا الهدف سوى الحياة الأفضل التي تختمر في ~~داخلنا، والتي يرسمها الحلم فتتأهب وتكافح، وتجرب، وتغير وتنذر ~~نفسها لتحقيق ما لم يتحقق بعد. # هكذا تعبر «اللا» عن السخط على الصورة التي صار إليها الشيء ~~المفتقد، بوصفها القوة الدافعة الكامنة تحت كل صيرورة في ~~العالم، والدافع المحرك إلى الأمام في مجرى التاريخ، ولذلك ~~تظهر في كل تعريف يقدم للموضوع وكأن لسان حالها يقول بلهجة ~~الإنكار: كلا ليس هذا هو المحمول الذي يحدد الموضوع تحديدا ~~كافيا. ومن ثم يتبين أن «اللا» تجعل من نفسها «ليس-بعد» ~~يوتوبية وفعالة على الدوام، وتتخذ صورة «السلب» الذي يدفع ~~الحركة الجدلية قدما، وينمو خلال كل وضع قد يبدو إيجابيا ~~وإن لم يكن كذلك تماما من منظور «الكل» الذي لا زالت تتطلع ~~إليه، والذي يمكن عنده وحده أن تستقر «اللا» بعد تحقيق هدفها ~~المنشود. # لقد غدت «اللا» هي ال «ليس-بعد» التي تمثل العنصر الهدام أو ~~التناقض الذي يعمل على تدمير كل ما قد «صارت» إليه العملية ~~الجدلية، لسبب بسيط هو أن كل ms131 مرحلة من مراحل التعريف أو ~~التحديد لهذا الشيء الذي صار، لا بد أن تعوق تحقيق هدفها، لأن ~~أي صيرورة نحو «الكل» لا تعبر عن التحقيق الكافي، ولا الإنجاز ~~الناجح بحق، وتتمثل مناقضة الصيرورة في الذات والموضوع معا ~~باعتبارهما وجهي الواقع المتحرك، فتتم في الذات البشرية أو في ~~الوعي الذي يجد أن ما حققته الصيرورة غير كاف وربما يكون ~~معوقا، كما تتمثل المناقضة الموضوعية تجاه ما يظهر من ذلك ~~«الموضوع» نفسه الذي أفرزته عملية الصيرورة، من جهة ما ينطوي ~~عليه من نزوع ناضج إلى تحقيق شكل الوجود المرتقب، أو بمعنى ~~أدق نزوع أنضجته قوى الإنتاج وشروط الأوضاع التاريخية ~~والاجتماعية بوجه عام. ومن ثم تصبح ال «ليس-بعد» أكثر ~~تحددا وأقوى اندفاعا نحو تحقيق المهام التي تستوجب التحقيق، ~~وأشد وعيا بالظروف الموضوعية التي تمكن من حلها والوفاء بها ~~بطريقة موضوعية أيضا. # 10 # يذهب بلوخ إلى أبعد من ذلك عندما يربط الفكر بمقولة ال ~~«ليس-بعد» ويدخله في قلب العملية الجدلية، وعندما يقول بأن على ~~الفكر أن يكون دائما على أهبة الاستعداد وأن ينظر إلى الأمام، ~~وأن ينظر فيما حوله، وأن يكون في قلب الحياة والأشياء وأن ~~يتوسطها كذلك - بالمعنى الجدلي المفهوم من التوسط - بحيث ~~يتجاوز الواقع باستمرار، ويعي دوره في التقدم إلى الأمام. وعلى ~~هذا التجاوز والتقدم يتوقف كل شيء، فالفكر الذي يشده مغناطيس ~~ويدفعه جوعه وشوقه للتقدم نحو الهدف، يكون فكرا مبشرا وأملا ~~نذر نفسه لتحقيق ما لم يتحقق بعد. # 11 # الواقع أن الحافز على هذا الفكر موجود في «اللا» ~~الكامنة داخلنا والتي لا تطيق هذا الكمون فتتحول إلى ال ~~«ليس-بعد»، وكأن ال «ليس-بعد» هي المغناطيس الذي يجذب الفكر ~~إليه، كما يدفعه للتزود بالمعرفة الجادة المنهجية الواعية، ~~والتسلح بالمفاهيم الدقيقة المحددة، واللغة المقتصدة، والإرادة ~~النشطة الفاعلة التي تعلم إلى أين ولأي هدف؛ لذلك وصف بلوخ هذا ~~النوع من التفكير «بإبرة المغناطيس» التي تخطط للهدف المقصود ~~وتحدد الطريق إليه بدقة متناهية. # 12 # هذا الفكر المتجاوز والمتقدم إلى الأمام يحتاج بطبيعة الحال ~~إلى «أنطولوجيا» من ms132 طبيعة مختلفة عن أنطولوجيا الوجود العام ~~الذي يرجع إلى الأصل ويريد الاستقرار فيه وإعادة كل شيء إليه ~~كما نجدها عند هيدجر. ويطالب بلوخ بدراسة أنطولوجيا الوجود من ~~خلال الموجود المتحرك الذي يحمل في داخله الموجود - الذي لم ~~يتحقق - بعد (أو ال «ليس-بعد»)، الموجود المتحرك بأشكاله ~~المتفتحة على معاني الوجود المتحرك أيضا إلى الأمام، لا ~~الوجود العام الذي يلح دائما على تمييز نفسه عن الموجود ~~الجزئي فيما يسمى بالفارق الأنطولوجي الأساسي بينهما كما يزعم ~~هيدجر. ولهذا لا تنفصل نظرية الوجود هنا عن الموجود ومجاله ~~الممكن، كما لا تستغني في كل تعبيراتها عن هذا الوجود عن ~~الكلام عنه من جهة «الإمكان» التي تصلح دون غيرها للإحاطة بال ~~«ليس-بعد» أو الموجود المستقبلي الذي لا يزال في مرحلة التشكيل ~~والتفتح والسعي إلى التحقق. # 13 # إنها الأنطولوجيا التي لا تبعد الوجود الأعم في ~~مكان مرتفع متعال على هذا الوجود، والتي تحدد ماهيات الوجود ~~الأساسية من خلال الموجود المتحرك بأشكاله المفتوحة على دلالات ~~الوجود. لذلك لا عجب أن تتجاهل أنطولوجيات الوجود مقولة ~~الإمكان لأنها تتهيب المستقبل وتؤثر السلامة في رجوعها للقديم ~~أو بالأحرى في انغلاقها فيه. # إن فكر ال «ليس-بعد» يبدأ بداية جديدة، ولكنه كذلك «يتوسط» ~~تحقيق الهدف، وينطوي على مضمون مستقبلي. وهو يعبر عن نفسه ~~بمثل هذه العبارة: «أنا أكون، لكني لا أملك نفسي، ولهذا فسوف ~~نكون.» أو هذه العبارة: «نحن ذوات بلا أسماء، وطبيعتنا من نوع ~~طبيعة كاسبر هاوزر، # 14 # نرحل في سفر مجهول على طريق لم نبدأه بعد.» فكأن ~~الإنسان هنا كائن يعيش في الظلام الذي يلف لحظته المباشرة، ~~إنه لم يفهم نفسه ولم يصل حتى إلى الوعي بحضوره، ولهذا السبب ~~عينه نقول إنه كائن له تاريخ ممتد أمامه كما هو ممتد خلفه. ~~إنه لا يزال مع عالمه كله على سفر، ورحلته هي رحلة اكتشاف، وفي ~~هذه المرحلة يمكن أن يتشكل وجوده ويتفتح هدفه. ومعنى هذا أنه ~~دائما على الطريق إلى أرض لم تكتشف من قبل، وربما لم يسبق ~~لها وجود قبل أن ms133 تطأها قدماه ... وكلما نجح في إنجاز عمل خلاق ~~أحس بأنه قد عبر الحاجز الذي كان يفصله عما «لم يتم الوعي به ~~بعد»، وما «لم يصر بعد»، وشعر بأن العالم الحقيقي ينتظر من ~~الإنسان الواعي أن يشق الطريق أمامه. والفلسفة التي تعي حقيقة ~~ال «ليس-بعد» وتتحرك بفضلها هي التي تعبر عن هذا العالم وعن ~~الطريق الموصل إليه: بدءا ب «اللا» التي دخلت التاريخ على ~~صورة ال «ليس-بعد»، ووصولا إلى «الكل» أو على العكس إلى «اللا ~~شيء» أو «العدم». # 15 # تلك هي أنطولوجيا ال «ليس-بعد»، أي أنطولوجيا «الموجود» الذي ~~لا يزال يتشكل خلال عملية الصيرورة المتصلة، دون أن يفقد صلته ~~«بالوجود» الجوهري أو الكلي الذي يقوم الموجود نفسه بدور ~~«التوسط الجدلي» على الطريق الصاعد إليه. وغني عن الذكر أن هذا ~~التوسط يتم من خلال الجهد الذي يبذله الإنسان والعالم، أو ~~الوعي والمادة، فكلاهما منخرط - كما رأينا - بحكم صيرورته ~~المتصلة في ال «ليس-بعد»، أي في اليوتوبي الممكن والواقعي على ~~السواء. # والآن بعد أن تحولت «اللا» إلى ال «ليس-بعد» وانطلقت هذه ~~الأخيرة في التاريخ، واندفعت إلى الأمام، فإلى أين تتجه وما هو ~~هدفها؟ إنها تتجه إلى المستقبل، وهدفها كما قلنا هو الوصول إلى ~~الكل اليوتوبي، ولكن هل تسير ال «ليس-بعد» دائما في المسار ~~الصحيح، بحيث تدرك مباشرة وبشكل تلقائي هذا الكل اليوتوبي، ~~وتبلغ بذلك قصدها وهدفها؟ أم يتعثر المسار فتصطدم «باللاشيء» ~~أو «العدم» وفي هذه الحالة لا تبلغ ال «ليس-بعد» هدفها ~~المنشود؟ ~~(3) «الكل» اليوتوبي، واللاشيء أو «العدم» # إن ال «ليس-بعد» وحدها (أو كمجرد «ليس-بعد» فحسب) قد تستطيع ~~في الواقع أن تؤثر على الصيرورة غير الكافية أو تغير منها. ~~و«اللا» التي تحولت إلى «ليس-بعد» وتطلعت إلى تحقيق «الكل» ~~تدخل في علاقة مع العدم من أجل أن يكون «الكل»، ويستشهد بلوخ ~~بصدق الحقيقة التي عبر عنها «جوته» في قصيدته الصوفية الشهيرة ~~«الحنين المبارك» من ديوانه الشرقي وهي «مت لكي تكون» إذ يظل ~~«العدم» حاضرا في كل تغير يطرأ خلال عملية الصيرورة، سواء في ~~صورة الإحباط والفشل، ms134 أو في صورة الاضمحلال والتلاشي. وفي كل ~~الأحوال يظل «الكل» كذلك حاضرا، ولا سيما في حالة النجاح ~~النسبي الذي يتجلى بوجه خاص في روائع الإبداع البشري. # 16 # ولو لم يكن الأمر كذلك لأصبح الماضي طي النسيان، ~~ولما بقي شيء يمكن إنقاذه أو استمراره مما نسميه التاريخ. هنا ~~تتأكد علاقة «اللا» وال «ليس-بعد» بالكل، وهي علاقة بهدف يسعى ~~وراءه العالم المادي والتاريخ البشري اللذان سيظلان في حالة ~~أشبه ما تكون بالمنفى أو بما قبل التاريخ حتى يتحقق ذلك الهدف ~~وينطبق عليه التعريف الكافي للهدف الكلي. # أما علاقتها (أي اللا وال «ليس-بعد») بالعدم فهي علاقة تتحدد ~~بأسلوب فهمهما لمعنى السلب، سواء أكان ذلك بالتخلص من الصيرورة ~~غير الكافية وتفجيرها من الداخل للمضي قدما نحو صيرورة أكثر ~~كفاية ومن ثم إلى الكل، أو بتكريس العدم وجعله وضعا نهائيا، ~~وذلك عن طريق تحويله إلى أداة تدمير شامل بأيدي مستبدين ~~يقتحمون التاريخ بين الحين والحين أو بالأحرى يوقفون مساره ~~(كما حدث على يد طغاة مثل نيرون وهتلر على سبيل المثال) فالعدم ~~هنا لم يعد هو العدم الجدلي الذي يقتضيه السلب «الإيجابي» ~~المنتج الذي يسلب أو يرفع بدوره في مركب أغنى وفق قوانين ~~الجدل المنطقي والتاريخي، وإنما هو تثبيت له وإيقاف لمسار كل ~~تاريخ وكل تقدم جدلي. # 17 # لذلك يكون هذا العدم الأخير أبعد شيء عن العدم ~~المتضمن في السلب الجدلي، الذي يسلب كل ما قد صار ليبلغ به ~~مرحلة جديدة، ويلبي على الدوام حاجة ال «ليس-بعد» للسلب وسلب ~~السلب بغية إزالة العوائق عن الطريق الموصل إلى الكل الحقيقي ~~أو الجوهري، الذي ظهرت له في تاريخ الفلسفة من بارمنيدس إلى ~~اسبينوزا بدائل «سكونية» كثيرة اتخذت اسم الطبيعة أو الكون، ~~وأضفت عليها صورا أسطورية أو واحدية أو آلية، # 18 # وبعدت بذلك بعدا شاسعا عن صورته الجدلية ~~المتحركة التي تفترض نقصه وعدم اكتماله ووضعه المؤقت لا وضعه ~~القائم. # ولا شك أن الإحباط والفشل، أو العدم والموت الأخير، هما ~~الخطر الدائم الذي يتهدد كل عملية جدلية، وهما - على حد ms135 تعبير ~~بلوخ - التابوت الذي ينتظر على الدوام إلى جوار كل أمل. # 19 # ولكنهما كذلك الوسيلة الوحيدة لكسر كل سكون، وتخطي ~~كل حالة بلغتها الصيرورة المستمرة. بذلك يحتوي اللاشيء أو ~~العدم المتضمن في السلب الجدلي على جوانب إيجابية تحميه من ~~تلك الأخطار، وتساعده على التجاوز والتخطي مهما كانت العقبات ~~والتحديات. # هكذا يكون العدم - إذا أحسنا فهمه وفقا لجدل المادة والوعي ~~المتقدمين دائما نحو «اليوتوبيا» - هو القوة المتنامية التي ~~نفذت في التاريخ، كما قوت من الجدل المتقدم نحو الكل نفسه. ~~والعدم - شأنه شأن «اللا» وال «ليس-بعد» و«الكل» - هو أحد ~~المفاهيم أو المقولات الأساسية في أنطولوجيا جدلية متحركة نحو ~~الكل اليوتوبي، لا أنطولوجيا ساكنة تتصور أنها «علم وجود» ~~مستقر ومكتمل ... وكلما ازداد الوعي بهذا العدم المتغلغل في ~~صيرورة # process # المادة ~~والتاريخ، ازداد كذلك الوعي بجدلية الحركة الشاملة نحو ~~الكل. # والمهم بعد كل شيء أن نميز العدم الزائف - الذي يتبدى في ~~مظاهر القوة والمجد والجبروت السطحية التي أدت دائما إلى عدم ~~سطحي وزائف مثلها - عن العدم الإيجابي المرتبط ب «ليس-بعد» ~~مرجو، وب «كل» ينتظر تحقيقه والوفاء به، أي باليوتوبيا التي ~~سيرسو العالم والتاريخ على شاطئها، صحيح أن وجود هذه اليوتوبيا ~~سيظل متأرجحا بين إمكانين واقعيين: فإما العدم المطلق وإما ~~الكل المطلق. ولكن تبقى اليوتوبيا - في شكلها الواقعي أو ~~العيني - هي الإرادة التي تضع نفسها موضع الاختيار على طريق ~~تحقيق الوجود الكلي. والمهم أن تبقى عاطفة هذا الوجود مشتعلة ~~فيها، وأن تظل متعلقة بأمل ووجود لم يوجد بعد، ولم يحقق الخير ~~الأقصى الكامن فيه، لا بوجود يتوهم أنه قائم على أساس وطيد لا ~~ينقصه شيء والأهم من ذلك ألا تغفل هذه الإرادة عن «العدم» الذي ~~لا يزال يعمل عمله المدمر في التاريخ، ولا تتجاهل الخطر الماثل ~~فيه بالانتهاء إلى العدم النهائي الذي اندفع إليه وسقط فيه ~~أكثر من مرة. ولذلك فلا بد لهذه الإرادة أن تكون متفائلة ~~ومناضلة باستمرار، حتى لا تتردى في بحر بلا شاطئ، ولا تغيب في ~~ليل بلا صباح، ولا تنحدر إلى ms136 حضيض البربرية التي ينعدم فيها كل ~~أمل، وتتكشف عن العبثية المطلقة للتاريخ والإنسان. # 20 # وعليها أن تختار بين البديلين اللذين أشرنا ~~إليهما: بين العدم المطلق الذي يعني الإحباط الكامل لليوتوبيا، ~~والكل المطلق الذي يعني اليوتوبيا أو الوجود اليوتوبي. # لقد اتخذ الانتصار النهائي للعدم صورة الجحيم، كما اتخذ ~~الانتصار النهائي للكل صورة السماء أو الفردوس. والواقع أن ~~الكل نفسه ليس إلا الوحدة التي تضم الإنسان الذي عاد إلى نفسه ~~مع عالمه الذي اكتمل لكي يكون في خدمته. وهذه الوحدة هي التي ~~تحقق عبارة جوته الشهيرة في فاوست: «في البدء كان الفعل.» ~~وعبارته الأخرى: «الشيء الناقص قد تم.» # 21 # وهما عبارتان يصوغهما بلوخ في لغة جدلية ~~اشتراكية على هذه الصورة المعبرة عن «روح اليوتوبيا» عنده: ~~تطبيع الإنسان، وأنسنة الطبيعة، أي جعل العالم إنسانيا بتوسط ~~الإنسان أو بإرادته. # إن هذا الأصل الأنطولوجي ليس إلا جوهر العالم المتحرك حركة ~~جدلية في لحظاته الثلاث الأساسية وهي: «اللا» وال «ليس-بعد» ~~و«اللاشيء» (العدم) أو على العكس «الكل» المقابل له. «فاللا» ~~تدل كما سبق - على أصل العنصر المندفع لتحقيق «الموجود هناك» ~~الكامن في كل شيء، وال «ليس-بعد» تميز النزوع الرابض في عملية ~~الصيرورة المادية لإظهار مضمونها، واللاشيء (العدم) أو «الكل» ~~يشيران إلى الاتجاه: إما سلبا فيكون «العدم» أو إيجابا فيكون ~~«الكل». إنهما يشيران إلى الهدف السلبي أو الإيجابي الكامن في ~~هذا النزوع الذي يتجه إلى الأمام وينتهي بإشباع «الجوع» وتحقيق ~~الحلم، أي ينتهي إلى «الكل» اليوتوبي، أو ينتهي بالقضاء عليه ~~(قضاء مؤقتا على أقل تقدير) فيكون «اللاشيء» أو «العدم». ~~وبذلك أيضا يكون «الرعب من الفراغ» - الذي أفزع الفلسفة ~~القديمة في زمن أرسطو فقالت بأن كل شيء ملاء - يكون هذا الرعب ~~هو العامل الإيجابي الفعال الذي يحرك العالم ويحافظ على حركته ~~ويضعه موضع التجربة، أو يجعل منه «معمل اختبار» لإفراز مضمونه الحقيقي. # 22 # وبذلك يصبح العالم - وهو دائما عالم الصيرورة ~~المتصلة - هو التجربة الهائلة أو الاختبار الضخم الذي لا يتوقف ~~عن السعي لبلوغ الحل الذي يكفيه ويرضيه، أو تقويم ms137 الحلول التي ~~لم تشبعه ولم تلب حاجته العميقة، ولا شوقه ورغبته ومقصده ~~وحلمه الأصيل. # 23 # وعلى الرغم من ذلك فإن وجود العالم يظل على الدوام ~~وجودا ناقصا غير مكتمل، أي أنه باختصار وجود «ليس-بعد». ~~والفراغ الماثل في «اللا» الحاضرة في كل «آن» وفي صميم كل ~~«موجود هناك» يدل على أن هذا الموجود لم يتحقق بعد ولم يبلغ ~~ماهيته الحقة. # ويعبر بلوخ عن هذا المعنى بصورة منطقية مركزة على النحو ~~التالي: أ لم تصبح بعد هي ب، أي الموضوع لم يحصل بعد على ~~محموله، أي أن ب (المحمول) الذي لم يصل إليها أ (الموضوع) هو ~~«ما # what ~~» الماهية ~~المفتقدة والخاصة «بين» الوجود ~~(Quad pro Quod) that # وبتعبير أوضح وأبسط: الموجود ~~لم يحقق بعد ماهيته، أو لم يمتلك ذاته بعد ... وكل هذا يمكن ~~تكثيفه في صيغة معبرة عن «الوحدة الأنطولوجية» بالصورة ~~المركزة التالية: اللا = نقطة الصفر، الليس بعد = اليوتوبيا، ~~العدم أو الكل = النواة. # 24 ~~••• # وأخيرا قد تبدو الصيغة المنطقية السابقة مجردة أو غامضة ~~أكثر مما ينبغي؛ ولذلك فهي تحتاج إلى وقفة نقدية تعلق عليها ~~وتوضحها. والواقع أننا لو رجعنا إلى تلك الصيغة أ لم تصبح بعد ~~هي ب، لوجدنا أنها قد أثارت إشكالات أنطولوجية عديدة، فربما ~~تبدو في ظاهرها يقينية واضحة، غير أنها تخفي في حقيقتها ~~الحيرة والقلق. والفخ المنطقي والأنطولوجي الأول يكمن في كلمة ~~«بعد»، فقد تعودنا في المنطق الصوري أو التقليدي أن نميز بين ~~الوجود واللاوجود، وأن نفرق بين أ ولا أ بقولنا أ هي أ، والعكس ~~كذلك صحيح - أ ليست هي لا أ. وكلتا الصيغتين تقومان على ~~المعادلة الرياضية أ = أ وكذلك أ لا يمكن أن تساوي لا أ. كل ~~هذا يؤكده منطق الثبات والتحديد التقليدي، لكن الأمر مع منطق ~~الحركة والتغير مختلف؛ إذ يدخل على الصيغة والمعادلة طرف جديد ~~يهز توازنها، وهذا الطرف الجديد هو كلمة «بعد» التي تغير ~~نظرتنا إلى الموجود والوجود كله. # بهذا يدخل التناقض الجدلي في حسابنا ويصبح عنصرا أساسيا ~~من العناصر المكونة للوجود فتتغير ms138 الصورة التالية: أ لم تصبح ~~بعد هي أ، أو بعبارة أبسط: الموجود أ الذي ندركه ونتعامل معه ~~في هذه اللحظة ما يزال بعيدا عن تمثيل حقيقة أ، وربما يتاح له ~~في المستقبل أو لا يتاح له أن يظهر مكنونه ويحقق وحدته مع ~~ذاته. وحتى هذا التحقيق أو التوحد يحتاج أن نراه رؤية جدلية ~~فنقول إنه لن يكون هو التحقيق الأخير ولا الكمال النهائي ~~(وكلاهما يحمل معنى التوقف والتجمد والموت)، وليس الموجود إذن ~~هو نفس الموجود، إنه شيء مختلف عما هو عليه في ذاته. وستبقى أ ~~= لا أ صحيحة ما بقي الموجود الذي يظهر لنا في الحاضر مختلفا ~~عما يمكن أن يكون عليه في المستقبل، ولكن ألا يعني تدمير ~~الهوية أو الذاتية الراسخة أن يتصدع العالم، ويتفتت الموجود، ~~ويغرق في نهر التحول الأبدي بحيث يستحيل أن نفكر فيه بأنه ~~موجود؟ وكيف نسمي أو نتصور شيئا يتشذر ويتغير من حال إلى حال ~~بغير انقطاع؟ # الواقع أن هذا هو الذي تقصده الصيغة السابقة. فكلمة «بعد» لا ~~تدل من الناحية المنطقية البحتة إلا على علاقة زمنية لا تلغي ~~الوضع الحاضر الذي تعبر عنه أ = لا أ أو لا «ترفعه» كما يقول ~~الجدليون (وإن كان من المحتمل أن تلغيه وترفعه في المستقبل) ~~ومن الواضح أن هذه العلاقة بالمستقبل تعدل من وضع الحاضر نفسه ~~ومن نظرتنا إليه، # 25 # لأنها توحي بأن أ في هذه اللحظة الراهنة ليست هي أ ~~نفسها، ولكنها من ناحية المبدأ أو من جهة القوة والإمكان ~~والاستعداد - إذا شئنا أن نستخدم لغة أرسطو وليبنتز - نستطيع ~~أن نتعرف فيها الآن على ا ، وإن كانت في حالتها الراهنة لا تزال ~~شيئا مختلفا عنها أشد الاختلاف. # لا شك أن هذه الفكرة يمكن أن يساء فهمها، ومن الممكن أن تضع ~~فلسفة بلوخ في مهب الريح، وقد يقول البعض كيف يمكننا تسمية شيء ~~بغير اسمه الصحيح بحجة أنه يمكن أن يكون صحيحا في المستقبل؟ ~~وقد يقول البعض كيف نجازف في هذه الحالة بإصدار حكم على الوجود ~~على أساس ms139 عاطفي هش هو الأمل أو الرجاء؟ الحق أن تبديد هذا ~~الظن يتوقف على التمسك بالنظرة الجدلية والتعويل على إرادة ~~الإنسان ووعيه الثوري ... ولنبتعد عن الأنطولوجيا قليلا ونضرب ~~مثلا من الحياة؛ فهل نسمي المجتمع الذي ينتج وسائل القهر ~~والقمع والتعذيب وأبشع الجرائم والحروب بأنه مجتمع إنساني أم ~~بأنه لا إنساني؟! وهل نظلم الحقيقة إذا وصفنا البشر الذين ~~يعيشون فيه، أو على الأقل المسئولين عن تلك الشرور، بأنهم ~~ليسوا بشرا؟ نعم إن الإنسان في مثل هذه المجتمعات يفتقر إلى ~~هويته الإنسانية بسبب ظروف مختلفة ومعقدة، ولكنه يمكن أن يتحد ~~بهويته الجوهرية إذا تغيرت هذه الظروف، لأن اللا-إنسان الذي ~~تزيد وحشيته أحيانا عن الوحش لا يزال إنسانا بحكم الطبيعة ~~والإمكان، وإن لم يبلغ في ظل الوضع القائم مبلغ الإنسان، فإذا ~~أضفنا كلمة «بعد» إلى العبارة المتناقضة: أ ليست هي أ، أو أ = ~~لا أ وجعلناها أ لم تصبح بعد هي أ، فإن ذلك ينطوي على إضافة ~~قيمة معيارية إلى أ تعطيها فرصة التحقيق في المستقبل، على ~~الرغم من عدم تحققها في واقع الأفراد الذين ينتمون إلى فئتها ~~أو نمطها الكلي، ومعنى هذا - إذا شئنا أن نستخدم لغة أفلاطون - ~~أن هنالك درجات في الاقتراب من الوجود الحق، أو من الوجود ~~العام لكل موجود. # بهذا تكون الفكرة المحورية التي عبرت عنها صيغة بلوخ السابقة ~~قد تمخضت عن نتائج ميتافيزيقية وإنسانية (أنطولوجية ~~وأنثروبولوجية) بالغة الأهمية على الرغم من مشكلاتها العديدة ~~التي تصدم الفكر وتتحداه. فإذا كان كل موجود يتحدد بمجموعة من ~~الخصائص الجوهرية، أمكن مع غياب هذه الخصائص أو نقصها أن نحكم ~~بوجود هذا الموجود، وأن يحدد هذا الحكم بصورة أدق فيقال إن ~~وجوده غير كامل، بحيث يترك للزمن أن يضيف الخصائص الناقصة، على ~~نحو ما يقال إن المولود يفتقر إلى بعض القدرات والاستعدادات ~~التي سيستكملها مع النمو والتقدم في العمر، وإن لم يمنع هذا من ~~وصفه من البداية بأنه إنسان، ومعنى هذا مرة أخرى أن هوية أ مع ~~ذاتها موجودة في هذه الصيغة «أ وجود ms140 لم يتحقق بعد.» أي وجود ~~على نحو ناقص أو على وجهة السلب. بذلك تحل الصيرورة ~~اللامتناهية محل الوجود الثابت، وتتاح من الناحية الموضوعية ~~فرصة الانتقال من الإمكان إلى الواقع الفعلي، ومن الناحية ~~الذاتية من الأمل إلى التحقق. # 26 # بيد أن هذا كله لن يريح من الأسئلة والمشكلات، ~~فالحكم بعدم تحقق الهوية (أو على الأقل بتأجيل تحققها) يمكن أن ~~يزلزل عبارة بارمنيدس الشهيرة التي قام عليها التفلسف كله، وهي ~~أن الوجود موجود، وربما رد العالم الذي نعيش فيه إلى حالة ~~الفوضى والعماء التي كان عليها قبل الخلق، فلا نكاد تميز فيه ~~الموجود من اللاموجود، ولا نكاد تسمى شيئا باسمه. أضف إلى هذا ~~أن عملية التقدم أو التطور المستمر من الأمل إلى تحقيق الأمل ~~ومن الإمكان إلى الواقع الفعلي، يمكن من ناحية المبدأ وبمنطق ~~الجدل نفسه أن تستمر بغير حد ولا نهاية؛ إذ ينقلنا الواقع ~~الفعلي إلى إمكان آخر، ويظهرنا الأمل المتحقق على أمل جديد ~~لم يزل في سبيله إلى التحقيق. فهل هي دورة أبدية يسلم الهدف ~~الذي تحقق لهدف يبدو في الأفق البعيد، ويتمخض الموجود المتحد ~~مع ذاته عن إمكانات لم تنبثق بعد؟ ألا يقال بهذا أن العالم لن ~~يحقق هويته أبدا، لأن ذلك معناه السكون والموت ونهاية العالم ~~ذاته؟ # تلك أمثلة للأسئلة والمشكلات التي يتصارع معها تفكير بلوخ ~~اليوتوبي على كل المستويات، فالمادة لن تكف عن التفتح ~~والإبداع، والمجتمع الخالي من الطبقات لن يتوقف بتحقيق ~~«الجماعة الشيوعية» كما توهمت الدول الشيوعية، والفن لن يسأم ~~الصعود على درجات الكمال، والحرية لن تفرغ أبدا من إتمام ~~تحررها، والهوية النهائية لن تتحقق أبدا بصورة نهائية، ~~والإنسان لن يكف أبدا عن تجربة الحياة من جهة السلب والنقص، ~~ولن ينفض يديه أبدا من محاولة التجاوز والعلو على ذاته. وفي ~~كل الأحوال لن تخلو أي يوتوبيا متحققة من بقية يوتوبية، لا ~~لأن الكمال لم يتحقق فحسب في العمل الذي تم إنجازه، بل لأنه ~~بعيد عن الصورة التي تم تصورها قبل البدء فيه وأثناء الجهد ~~الذي بذل ms141 في سبيل تحقيقه ... ولا يرجع ذلك لأن الإنسان مخلوق ~~ساخط بطبعه، لا يقتنع بأي هدف يحققه، بل لأن للوجود درجات، كما ~~أن للكمال درجات. والحقيقة أن المزيد من الوضوح والتميز في ~~تمثل الوجود والوعي به - كما عند ليبنتز في مذهبه عن المونادات ~~- واستكمال العمل الكامل، هما خطوات على الطريق إلى تحقيق ~~مفهوم الهوية والوصول إلى الكل. # وهكذا يفلت الوجود على الدوام، ويخترقه السلب لكي يفسح ~~مكانا للصيرورة ومعها التغير والتحول، والفكر وحده هو الذي ~~يتشبث بديمومة الوجود الذي وحده معه بارمنيدس في عبارته ~~المشهورة (لأن الوجود والفكر واحد)، وإلا انزلق منه كل شيء، ~~ولم يتكون من تدفق الظواهر عالم على الإطلاق. أما الواقع الذي ~~يواجه الفكر ويتسرب إليه في مختلف الصور، فهو حركة متصلة، وكل ~~ما هو «واحد» فيه ينطوي على «الآخر» المختلف عنه، ولولا ذلك ما ~~كان هو الواحد ولا أخرج الوجود من داخل اللاوجود كما بين ~~أفلاطون ذلك في محاورة «بارمنيدس» واستطاع بذلك أن يتجاوز ~~الوجود أو أن يجعله يتجاوز نفسه. # ومهما يكن الأمر، فغني عن الذكر أن تلك الصيغة الجدلية ~~المكثفة لا يمكن أن تتضح إلا إذا تم استخراج مضمونها الغني من ~~ثنايا التجربة البشرية التي تجلى فيها على أنحاء مختلفة، وإن ~~تكن قد ظهرت حتى الآن في صور تاريخية جزئية مشتتة وغير ~~كافية أو محققة للأمل اليوتوبي، وبيان هذا وشرحه معناه تتبع ~~العملية الجدلية في مجاليها التاريخي والكوني، وهي العملية ~~التي لا يمكن تصورها إذا كان الوجود ليس على الصورة التي ينبغي ~~أن يكون عليها، وأنه لم يزل على الطريق إلى تحقيق ماهيته. ~~وطبيعي أن الهدف من هذا البحث هو شرح هذه العملية الجدلية ~~الضخمة في صورها وأبعادها المختلفة التي لم تزل في مجموعها ~~مجرد تجليات مؤقتة للكل اليوتوبي الأخير، أو لم تزل مجرد ~~خطوات ومراحل من الرحلة الطويلة التي تتابع طريق التجربة ~~والخطأ، والنجاح والفشل، والأمل وخيبة الأمل، وكأن جهد العالم ~~كله، وجهد الإنسان الذي يمثل آخر فصل فيها هو مختبر الخلاص ~~الممكن. # ثانيا: مقولة ms142 الإمكان # من الواضح أن مقولة ال «ليس-بعد» التي تم عرضها من الناحية ~~الأنطولوجية تدور في فلك الإمكان الذي سيتم عرضه من الناحية ~~المنطقية. وقبل الحديث عن مقولة الإمكان يقتضي الأمر التعريف ~~بماهية المقولة، وكيف تطورت في تاريخ الفكر الفلسفي. إن كل كلمة في ~~أية لغة تدل على تصور # Concept ~~. ~~والتصور اسم كلي يطلق على أشياء كثيرة، فهو بلغة المنطق يمثل فئة ~~يندرج تحتها مفردات متعددة، وليست هناك تصورات للأشياء المادية ~~وحدها بل هناك كذلك تصورات للأفعال والكيفيات والعلاقات. # 27 # وظهر في تاريخ الفلسفة تصنيف للتصورات أو الكليات، ~~فهناك كليات عقلية - وهي التي ستعرف فيما بعد باسم المقولات - ~~وهناك أيضا كليات مستمدة من الحس. # 28 # أما عن الاشتقاق اللغوي لكلمة المقولة أو قاطيغوريا # Kategoria # فهي كلمة يونانية ~~كانت تعني في الأصل «الاتهام» ثم أصبحت تعني الصفة المنسوبة إلى ~~شيء ما. والكلمة العربية «مقولة» لا تبعد كثيرا عن هذا المعنى، ~~فهي تعني «ما يقال على الموجود» أو «ما يحمل على الأشياء». أما ~~المرادف اللاتيني فتعني المحمول لأي موضوع، من هنا أمكن أن توصف ~~المقولات بأنها قائمة من المحمولات يكشف أي منها عن نمط الوجود ~~الجوهري الذي ينتمي إليه الموضوع - وفقا للتعريف الأرسطي للمقولة ~~- وقد كان أرسطو أول من وضع نظرية خاصة بالمقولات. # 29 # هذا عن ماهية المقولة واشتقاقها اللغوي. أما عن تاريخها في الفكر ~~الفلسفي فقد تطورت في ثلاث مراحل أساسية، تبدأ المرحلة الأولى ~~منها في الفلسفة اليونانية بالمقولات الأرسطية العشر، وهي لون من ~~التصورات الكلية العقلية التي تمثل الخصائص الأساسية للأشياء، # 30 # أي خصائص الموضوعات أو الموجودات، لذلك فهي مقولات ~~تمثل جانب الموضوع أو جانب الوجود، أو بمعنى آخر هي مقولات ~~أنطولوجية. وتبدأ المرحلة الثانية من «تاريخ المقولات في الفلسفة ~~الحديثة بمذهب كانط الذي ظهرت فيه المقولات بوصفها عمليات ذهنية ~~ذاتية أي تصورات.» # 31 # وفي هذه المرحلة انتقلت المقولات من الموضوع إلى ~~الذات، فأصبحت مقولات إبستمولوجية عند كانط بعد أن كانت أنطولوجية ~~عند أرسطو، فمقولات كانط تصورات ذاتية للعقل البشري؛ لذلك ms143 لم ~~يستخدمها على أنها المبدأ الأول في تفسير العالم، إنما هي مبادئ ~~إبستمولوجية للمعرفة، أي مبادئ أولية قبلية سابقة على كل تجربة ~~لأنها الشروط التي تعتمد عليها التجربة. # 32 # ثم تأتي المقولات الهيجيلية في المرحلة الثالثة ~~والأخيرة من مراحل تطور المقولات، وهي مركب المقولة الأرسطية ~~والكانطية لأنها موضوعية وذاتية في آن معا، وهي أنطولوجية ~~وإبستمولوجية في وقت واحد # 33 # المقولة الهيجيلية إذن هي المقولة التي اتحد فيها ~~الوجود والمعرفة، وهي المقولة التي جمعت شمل أنطولوجية أرسطو ~~وإبستمولوجية كانط. تحولت المقولة من صورة إبستمولوجية للمعرفة ~~إلى مبدأ أنطولوجي لتفسير الكون. عند هيجل أصبح من الممكن استنباط ~~العالم استنباطا منطقيا من المقولات بعد أن استحال هذا ~~الاستنباط عند كانط. ~~(1) طبقات مقولة الإمكان # الواقع أن مشكلة الإمكان لم يتم تأملها في تاريخ الفلسفة ~~بصورة كافية. والفيلسوفان اللذان شغلا بها على نحو دقيق هما ~~أرسطو وليبنتز. فالأول يرجع إليه وصف الأساس المادي للوجود ~~بأنه الوجود بالقوة أو ~~بالإمكان # dynamei on # كما يرجع إليه تمييز الوجود من ~~ناحية الإمكان أو بحسب ~~الإمكان # Kata ton dynaton ~~. أما لينتز فيرجع إليه الفضل في ~~صياغة هذه المسلمة: كل ما هو ممكن ينزع للوجود # Omne possibile existere # غير أن مقولة الإمكان في رأي بلوخ مقولة متعددة الطبقات ~~والمستويات. ولعل من أهم فصول «مبدأ الأمل» وأشدها عمقا هو ~~ذلك الفصل الذي يكشف فيه بلوخ عن طبقات مقولة الإمكان، فقد ~~تتعلق هذه المقولة كما قال هولتس (أحد تلامذة بلوخ المباشرين) ~~- بجهة الحكم - أي الفكر والتعبير - أو بجهة الوجود، ولكن ~~ارتباطهما ليس عن طريق الصورة والأصل كما يظن الواقعيون وبعض ~~الوضعيين التحليليين بحيث يكون الإمكان من جهة الحكم صورة ~~للإمكان من جهة الوجود، بل إن العلاقة بين الفكر والوجود ~~علاقة أعقد تشابكا، وتوجد مراحل متداخلة؛ إذ يمكن أن يبدو ~~«المستحيل الواقعي» ممكنا من الناحية الفكرية، كما يحدث عندما ~~نتخيل وجود حيوان خرافي كالتنين، أو عندما يتصور الجائع هبوط ~~الحمام المشوي إلى فمه في أرض الأحلام. # 34 # وكما أن الجهة في القضية هي ms144 التعبير في الحكم عن مرتبته من ~~حيث تقرير الوجود «أو الإمكان» أو الضرورة أو الامتناع، فالحكم ~~إما أن يكون ضروريا، أي معبرا عن ضرورة الصلة بين الموضوع ~~والمحمول، وإما أن يعبر عن أن هذه الصلة من الممكن وجودها بين ~~كلا طرفي القضية ويمكن أن تكون الرابطة رابطة امتناع بمعنى ~~أنه من المستحيل أن ينتسب المحمول إلى الموضوع. # 35 # ولكن العلاقة بين هذه الأقسام ليست علاقة حدية أو ~~منفصلة، بل إن مقولة الإمكان علاقة متشابكة. ونظرا لتعقدها ~~وتداخل مراحلها، فلا بد من تمييز الطبقات المختلفة لهذه ~~المقولة الهامة والأساسية في نسق بلوخ الفلسفي، ولا بد من ~~تمييزها بعضها عن بعض تمييزا دقيقا، إذا أردنا ألا يسير ~~التفكير اليوتوبي سيرا عشوائيا على غير هدى، ولا بد كما ~~يقول بلوخ أن يؤخذ الإمكان مأخذ الجد لأنه لو فقدت الموجودات - ~~الواقعية والفكرية - صفة الإمكان لتوقفت الحياة نفسها وانتفى ~~عنها التطور والصيرورة. والإنسان هو «كائن الممكن» الذي يحيط ~~به الإمكان من كل ناحية، وربما يدل أيضا على أن انفتاحه على ~~الممكن ليس أمرا تعسفيا يخضع لهواه، ولا هو شيء «غامض» يمكن ~~أن يكون كل شيء أو أي شيء، وإنما يتضمن شروطا وقواعد تحميه من ~~أن يتحول إلى مجرد لعب بالكلمات والأفكار. وما دام الإمكان ~~مقولة، فيمكن تحديد طبقات هذه المقولة وشروطها التي تصونها من ~~أن تكون نوعا من العبث أو الانسياق وراء الأحلام والأوهام. ~~ويقسم بلوخ مقولة الإمكان إلى مستويات أو طبقات متعددة تعكس ~~درجات المعرفة والإدراك، ولنبدأ بأول هذه الطبقات. ~~(أ) الممكن ~~الصوري أو الشكلي # The Formally possible # الممكن الصوري هو أول هذه الطبقات. وهو مجموعة من ~~الكلمات يرتبط بعضها ببعض بشكل لا معنى له، لكنه بناءات ~~أو تركيبات لغوية ممكنة على مستوى القول لكنها بغير ~~معنى على الإطلاق مثل «شيء مستدير» أو «وإنسان ويكون» ~~وغير ذلك من التركيبات الخالية من أي معنى، وبصرف النظر ~~عن الحقيقة التي تعبر عنها هذه القضية، وربما تأتي ~~تركيبات لغوية أخرى غير العبارات الحمقاء السابقة، فتأتي ~~مضادة للمعقول ms145 أو لا معقولة، وإن كان من الصعب إدراك أي ~~معنى لها مثل عبارة: «مربع دائري» أو تنطق بحكم مضاد ~~للعقل مثل: «إنه يصعد على ظهر سفينة رحلت من قبل.» ~~والاستحالة هنا مباشرة وواضحة، فالعبارة لا تخلو من ~~المعنى، وإنما هي مضادة للمعنى ولقوانين العقل والمعقول. ~~ولذلك يمكن التفكير فيها - إذ إن ما يدخل في علاقة مع غيره ~~ممكن التفكير فيه - ولكن لا يمكن تحديد معنى معقول لها، ~~ومن ثم يكون الإمكان هنا هو الإمكان الصوري أو الشكلي. # 36 # وإذا كان أرسطو قد قسم القضية من حيث الجهة إلى أربعة ~~أقسام: (أ) الضروري أو الواجب الذي لا يمكن أن يكون بخلاف ~~ما هو كائن. (ب) الممكن باعتبار ما كان، وهو الشيء الذي ~~حدث في الماضي وكان يمكن ألا يحدث، أي لم تكن ثمة ضرورة ~~وجودية تقتضي أن يكون قد وجد. (ج) الممكن باعتبار ما ~~سيكون، وهو ما لم يحدث بعد ولكن من الممكن أن يحدث يوما ~~ما. (د) والمستحيل أو الممتع الذي لا يمكن أن يكون أبدا. # 37 # إذا كان أرسطو قد أقام هذا التقسيم، فإن ~~العلاقات الكائنة بين أطراف العبارات والتركيبات - السالفة ~~الذكر - هي علاقات تضاد أو تناقض ولكن يمكن التفكير فيها ~~من الناحية الشكلية البحتة، لأن في هذا المستوى الأول من ~~مستويات مقولة الإمكان يبحث بلوخ الممكن على مستوى الفكر ~~وليس على مستوى الواقع. لذلك يمكن تركيب عدد لا حصر له من ~~هذه التركيبات التي يرفضها منطق العقل والمعقول، والتي ~~أخضعها بعض فلاسفة التحليل المعاصرين وبعض الوضعيين ~~المناطقة - مثل رودلف كارناب - للفحص المنطقي الدقيق، ~~وبينوا أنها يمكن أن تكون سليمة من الناحية اللغوية ~~والنحوية، ولكنها مرفوضة من الناحية المنطقية. ويذكر بلوخ ~~من هذه العبارات اللامعقولة: «المثلث الغاضب»، «الحصان ~~الراعد»، «قيصر عدد صحيح»، «الجبل الواسع الاطلاع»، وأمثال ~~هذه التركيبات التي يمكن أن يكون بعضها موحيا في اللغة ~~الأدبية والشعرية، ولكن الذي يهمنا من هذا السياق هو إمكان ~~التفكير فيها من الناحية الشكلية، ومهما تكن عقيمة وغير ~~دقيقة وبلا معنى، فهي ms146 تبين على كل حال «الممكن» الذي يقبل ~~التفكير فيه، ولكن إذا كان مجال الإمكان بالنسبة للتفكير ~~متسعا بغير حدود، فهل ينطبق نفس الشيء على مجال الإمكان ~~المفتوح أمام المعرفة؟ هل يمكن لهذا الأخير أن يكون أكثر ~~تحديدا أو أكثر موضوعية وإن لم يتحقق بعد بصورة ~~ملموسة؟ ~~(ب) الإمكان الموضوعي من الناحية المعرفية # The factually ~~objectively # هذا الإمكان لا يكمن في التفكير بوجه عام، بقدر ما يكمن ~~في المعرفة. وعلى الرغم من الاتساع الهائل لإمكانات ~~المعرفة بشتى مجالاتها وميادينها وموضوعاتها، فإن ~~إمكاناتها من الممكن وصفها وتحديدها وبيان شروطها المعروفة ~~أو القابلة للمعرفة، هذا الوصف وهذا التحديد يتعلقان ~~بدرجات المعرفة ومستوياتها بالنسبة لموضوع معين، لا ~~بدرجات ومستويات الشروط الداخلية الكامنة في هذا الموضوع ~~نفسه ومدى النضج الذي وصل إليه بحيث يكون «موضوعيا» بحق، ~~ومعنى هذا بعبارة أوضح أننا لا نبحث هنا «الإمكان ~~الموضوعي» أي بمفهومه الموضوعي الدقيق المتحقق بالفعل، ~~وإنما نبحث من جهة كون معرفتنا به - سواء كانت موضوعية أو ~~غير موضوعية - ملائمة أو غير ملائمة. ويتمثل هذا الإمكان ~~في الصيغ والتركيبات التي تعبر عن اعتقاد أو ترجيح يقوم ~~على مبرر أو مبررات تؤيده، فالتبرير هنا هو الشرط أو السبب ~~الذي يجعلنا نعتقد في ذلك الإمكان أو نرجحه، مع العلم بأن ~~هذا التبرير المعرفي لم يصل بعد إلى النضج الكافي لجعل ~~الإمكان موضوعيا، كما لم يؤد بعد إلى بلورته أو ~~تحقيقه في صيغة كاملة أو مرضية. في هذه الحالة لم يتم ~~التوصل بعد إلى معرفة كل شروط الإمكان - التي تحتم تحقيقه ~~- معرفة موضوعية كافية، أي أن الإمكان هنا يكون مشروطا ~~بصورة جزئية، وبهذا وحده يوصف بأنه ممكن - والواقع أن هذا ~~هو المعيار الذي نقيس به درجات الإمكان ومستوياته في كل ~~أشكاله وتحولاته - ولو صرفنا النظر عن الإمكان الصوري أو ~~الشكلي من الناحية الفكرية البحتة كما ذكرناه في البداية، ~~لكان الممكن هو المنفتح بوجه عام ودون تحديد، وذلك لعدم ~~كفاية شروط تحققه أو لعدم كفاية معرفتنا بها أو للسببين ~~معا. وطالما أننا لا ms147 نعرف سوى بعض هذه الشروط، أي ما دمنا ~~لا نعرفها كلها، فيستحيل أن نستدل من مثل هذا الإمكان على ~~الوجود الواقعي. وهنا يصدق المبدأ المدرسي (الاسكولائي) ~~المعروف الذي يقول: «لا يجوز الاستدلال من الإمكان على الوجود.» # 38 # نعود إلى الإمكان من الناحية المعرفية فنقول ~~إن الذي يميزه - عن غيره من أشكال الإمكان - هو المعرفة ~~الموضوعية الجزئية بشروطه (أي بالشروط التي تجعله ممكنا ~~بحق، أو ناضجا للتحقق) ونحن نصف هذه المعرفة بأنها مشروطة ~~وجزئية، لأن توافر مجموع الشروط التي تنقل الشيء أو الحدث ~~إلى مرحلة التحقق لا يجعل هذا التحقق أمرا محتملا أو ~~مرجحا فحسب، وإنما يجعله أمرا محققا بصورة مطلقة وغير ~~مشروطة، ولذلك فلا يجوز أن نراهن على تحققه أو عدم تحققه ~~بعد اكتمال المعرفة الموضوعية بكل شروطه، بل إن بلوخ ليؤكد ~~أن ذلك الموقف لن يخلو - من الناحية الإنسانية - من الغباء. # 39 # ويتم التعبير عن الإمكان الموضوعي من ناحية المعرفة به ~~في صورة حكم ~~شرطي # hypothical judgement ~~، أو في صورة حكم احتمالي أو ~~إشكالي # problematic judgement ~~. إذا كانت درجة اليقين في المعرفة ~~به أقل. ويختلف الحكم الشرطي في هذا الصدد عن الحكم ~~الاحتمالي أو الإشكالي في أن الأول لا يفترض بعد مقدمات ~~مؤكدة، على حين أن الحكم الاحتمالي أو الإشكالي يحتوي على ~~مقدمات مؤكدة (إذ تكون مقدماته مضمرة) بل يضيف كذلك ~~مقدمات مجهولة (ومن أمثلة الأحكام الإشكالية: يمكن أن ~~تمطر اليوم، ربما يكون لويكيبوس قد عاش بالفعل ... إلخ) ~~ولهذا يعد الحكم الإشكالي هو الحكم المعبر عن الإمكان ~~باعتباره أحد أحكام منطق «الجهة» أو إحدى مقولاته: ««أ» من ~~جهة الإمكان مرتبطة ب «ب».» وطبيعي أن تدخل أحيانا في هذا ~~النوع بعض الأحكام غير الأصيلة للإمكان، وهي الأحكام التي ~~لا تقوم على دراسة أو معرفة كافية أو الأحكام التي تصدر ~~لأسباب نفسية وتربوية عن وعي غير كاف بالشروط التي ~~استقر العلم عليها من قبل. فعندما يصدر أحد الحكم التالي ~~من أحكام الجهة «يمكن أن ينحل الماء إلى عناصره عن طريق ~~التيار ms148 الكهربائي.» فإنه يعبر بذلك عن جهله أو تجاهله ~~للحقيقة المعروفة وهي أن التيار الكهربائي يتسبب في تحليل ~~الماء إلى عناصره التي يتكون منها (هذا إذا لم توجد ظروف ~~تعوق ذلك). إن مضمون هذا الحكم مبرر ولا يقبل الشك، وكل ~~شروط صدقه متوافرة، ولكن العيب في مستوى معرفة قائله، أو ~~بالأحرى نقص معرفته الذي جعله يصوغ حكمه في صورة احتمالية ~~بدلا من أن يضعه في الصورة التوكيدية أو التقريرية التي ~~تليق به. أي أن السبب وراء أمثال هذا الحكم ليست منطقية بل ~~نفسية أو اجتماعية، ومن هنا لم يفرق الكثيرون بينه وبين ~~الأحكام الإشكالية الأصيلة التي تصدر عن معرفة جزئية (لا ~~معرفة مغلوطة) بشروط الإمكان. # 40 # والواقع أن عبارات البحث العلمي أو فروضه التي تقوم على ~~معرفة كافية بشروط تحقيق نتائجه هي من قبيل أحكام الجهة ~~الموضوعية الأصيلة. ومن ثم تمثل المعرفة الموضوعية ~~بالإمكان مستوى معرفيا لم يصل بعد إلى الإحاطة «بجميع» ~~الشروط الموضوعية لتحقيق ذلك الإمكان، وإن كان قد توصل إلى ~~معرفة بعضها فحسب ولهذا يبقى الحكم في حالة التأرجح أو ~~الاحتمال، كما تبقى كذلك إمكانية إثباته أو نفيه، وصدقه أو ~~بطلانه، وكل من مارس البحث العلمي - الطبيعي أو الاجتماعي ~~والإنساني - يعلم هذا، كما يعلم أن هذا هو الجانب الموضوعي ~~الذي نقصده حين نحكم على هذا الحكم بالإيجاب أو السلب، ~~وبالصواب أو الخطأ قبل المضي في بقية إجراءات البحث ~~المنهجية لمعرفة بقية شروطه ثم التحقق منه بصفة نهائية. ~~وعندئذ يمكن القول بأن الحكم بالإمكان كان حكما ~~موضوعيا على إمكانية موضوعية، وأن الترجيح أو الاحتمال ~~الذي تضمنه الحكم الاحتمالي أو الإشكالي بالنسبة للمعطيات ~~التجريبية في العلوم الطبيعية والإنسانية؛ قد تضمن كذلك ~~نوعا من التوقع أو المعرفة المسبقة بالشرط الأساسي أو ~~بمجموعة الشروط الأساسية التي توجه البحث المنهجي في ~~الموضوع تمهيدا لتحقيقه بصورة فعلية، وبذلك يجوز القول ~~بأن الحكم الإشكالي الأصيل يعبر عن الصورة الشرطية أو ~~الافتراضية والموضوعية - في آن واحد - التي يقوم عليها ~~البحث العلمي-الموضوعي بمعناه الصحيح، أي أن في استطاعتنا ms149 ~~باختصار أن نصفه بأنه هو مبدأ اكتشاف الموضوع أو مبدأ ~~الكشف عنه # heuristic ~~principle ~~. # 41 # وطبيعي أن يدخل البحث في مشكلة الإمكان الموضوعي الذي ~~يعبر عنه الحكم الإشكالي الصحيح في مشكلات أخرى متعلقة ~~بمنهجية البحث العلمي وبمدى قدرة المنهج «الاستقرائي» على ~~إثباته أو نفيه من خلال قدرته على معرفة جميع شروطه أو ~~معظمها، وربما يتعلق الأمر بمشكلة التعميمات الاستقرائية ~~التي يبدو أنها لم تجد الحل اليقيني النهائي حتى الآن، وإن ~~أقصى ما يمكن قوله عنها إنها فروض عمل تحتوي على أكبر قدر ~~أمكن التوصل إليه من درجات الاحتمال أو الإمكان الموضوعي؛ ~~ولذلك نكتفي بما قلناه عن الإمكان الموضوعي من الناحية ~~المعرفية وننتقل إلى الإمكان الموضوعي من ناحية الموضوع ~~نفسه. ~~(ج) الإمكان ~~الموضوعي من جهة الموضوع نفسه # The fact-based object-suited possible # يتميز الإمكان في هذا المستوى بأنه لا يتعلق بمعرفتنا ~~بموضوع ما، بل بالموضوع نفسه من حيث قدرته أو استطاعته أن ~~يصير على هذا أو ذاك. معنى هذا أن الاهتمام ينصب هنا على ~~شروط الموضوع نفسه التي لم تظهر أو لم تتبلور بعد بشكل ~~كاف، لا على المعرفة غير الكافية بهذه الشروط - كما في ~~المستوى السابق - فهنا يتم الانتقال من المعرفة بالموضوع ~~إلى الموضوع نفسه وشروطه الكامنة فيه والعلاقات الموضوعية ~~القائمة بينها، أي إلى الخصائص والعوامل الداخلية التي ~~تشارك مشاركة إيجابية في إنضاج صيرورته وتحقيق إمكاناته. ~~بهذا نصل إلى طبقة الإمكان التي ترتبط ببنية الموضوع ~~الموضوعية التي تجعله على هذا النحو أو ذاك، بحيث يظل - ~~خلال صيرورته الواقعية - منفتحا على إمكانات أخرى لا ~~تنتهي حتى لو تصورنا أن معرفتنا «الموضوعية» بشروطه قد ~~انتهت أو اكتملت من الناحية النظرية. # 42 # نحن نبحث إذن على هذا المستوى في «موضوعية الموضوع» أو ~~«شيئية الشيء» من حيث بنيته وتركيبته الواقعية التي ~~تتخللها عملية الصيرورة المستمرة، كما نبحث في مدى توافر ~~الشروط الداخلية والخارجية التي تؤدي إلى إمكان تغييره من ~~وجهة النظر «اليوتوبية الأصيلة»، أو تجعل هذا التغيير ~~ينحرف إلى وجهة زائفة. وقد ظهر مفهوم نظرية ms150 الموضوع للمرة ~~الأولى بشكل واضح لدى الفيلسوف النمسوي أليكسيوس مينونج # 43 ~~(1853-1920م) ولكنه كان مفهوما «قبليا» ~~خالصا ولا يتعلق إلا بماهيات الموضوعات أو خصائصها ~~الجوهرية المستقلة تمام الاستقلال عن وجودها أو عدم وجودها ~~في الخارج (أي مع وضع هذا الوجود «بين قوسين» كما عبر بعد ~~ذلك هوسرل وأصحاب فلسفة ~~الظاهريات) وقد اعتبر ~~مينونج أن نموذج هذه المعرفة الموضوعية المتحررة من التقيد ~~بوجود الموضوع أو عدم وجوده هي الرياضيات أو المعرفة ~~الموضوعية المجردة بالحقائق الرياضية البعيدة كل البعد عن ~~أي علاقة بالواقع العيني الخارجي. # 44 # وهكذا «تموضع» المنطق أو «تشيأ» بالمعنى ~~الذي ذكرناه، أي أصبح «وصفا» قبليا خالصا لأفعاله، ~~وتحليلا قبليا ومعنويا لمقولاته، مع وضع الوجود ~~الطبيعي أو العيني للموضوعات «بين قوسين» كما سبق ~~القول. # وإذا كان بلوخ لا يناقش هذه المسألة الهامة مناقشة ~~تفصيلية، فمن الواضح أنه يرفض وجهة النظر «القبلية» ~~والمعرفية المحضة عند كل من مينونج وهوسرل رفضا حاسما، ~~وذلك اتساقا مع وجهة نظره المادية الجدلية التي تركز على ~~البنية المادية للموضوع نفسه وانفتاحه على مختلف الإمكانات ~~المادية أيضا؛ فهو يتمسك «بنظرية الموضوع» ولكنه يربطها ~~بوجوده الواقعي وعلاقاته وشروطه الواقعية أكثر مما يربطها ~~بموضوعية المعرفة به أو «بموضوعية شيئيته» في حالتها ~~الحاضرة أو الراهنة وهو يصر في النهاية على أن هذه هي ~~الطريقة الصحيحة التي تعبر عن بنية الواقعية والموضوعية أو ~~تعكسها بصورة جدلية حقيقية بعيدة عن الصورة المثالية ~~المتعالية التي انتهت إليها فلسفة الظاهريات عند مؤسسها ~~هوسرل، وربما أوضح وجهة نظره قليلا حول «نظرية الموضوع» ~~بقوله إن عملية الانعكاس التي تتم فيها العلاقات الموضوعية ~~ليست مجرد عملية معرفية تتكون في الوعي، وإنما هي «نتيجة ~~معرفية» بالموجود الواقعي أو بالموضوع الواقعي نفسه ~~وتلائمه. وتتخذ هذه النتيجة المعرفية شكل «التعريف ~~الواقعي» الدقيق الذي لا يكتفي بتقديم الخصائص اللغوية ~~والتصورية للموضوع، وإنما يقدم خصائصه التكوينية أو ~~البنائية الواقعية الكامنة في داخل الموضوع أو في داخل ~~السياق الاجتماعي والتاريخي الذي يوجد فيه. ويعطينا بلوخ ~~مثلا على ذلك يصوغه بلغته الاشتراكية المفضلة لديه، ms151 ~~فالتعريف الواقعي والاشتراكي في نظره لمفهوم «الأمة» هو ~~المفهوم الذي يعكس البنية الواقعية المكونة «لموضوع» الأمة ~~ويعرفنا بها بعيدا عن المفاهيم الفاشية أو الاشتراكية ~~الوطنية، والنازية المتعصبة. # 45 # إن نظرية الموضوع التي يقدمها بلوخ على هذا النحو هي في ~~رأيه «مقر المقولات» باعتبار أن المقولات هي أعم أشكال ~~الوجود الواقعي العيني وأكثرها تميزا وتحددا. وفي إطار ~~هذا المستوى الموضوعي - أو هذه الطبقة من طبقات الموضوعية ~~- تتحدد طبيعة الإمكان الموضوعي أيضا، وتبرز أهمية ~~التفرقة التي أشرنا إليها بين «الموضوع» (الذي اكتملت ~~شروطه الداخلية وأصبح قابلا للمعرفة) وبين «الشيء» ~~(كمدرك حسي) في واقعة الراهن، بين الإمكان البنائي ~~والموضوعي المنخرط في جدل الواقع والمنفتح على وضع أو ~~أوضاع أصيلة، وبين الحالة الحاضرة أو الراهنة التي صار ~~إليها الشيء الواقعي أو صارت إليها إمكاناته، ومن ثم تساعد ~~«نظرية الموضوع» على تمييز مقولة الإمكان في أبعادها ~~الموضوعية، أي من ناحية الشروط التي تحددها بنية الموضوع ~~ونمطه وسياقه الاجتماعي ونسق علاقاته وقوانينه الداخلية ... ~~إلى آخر ما يقوم على أساس الموضوع نفسه ويجعل انفتاحه على ~~الممكنات - حين نعبر عنه في شكل أحكام شرطية أو احتمالية ~~وإشكالية - أمرا محددا ببنية الموضوع ذاته، ومبررا ~~بشروطه. وهذه الشروط - كما ذكرنا - داخلية وخارجية، وهي ~~متشابكة ومتفاعلة تفاعلا يحفظ لكل منها طبيعتها النوعية. # 46 # ويبقى الإمكان الموضوعي قائما على ما هو عليه، حتى في ~~حالة تحقق أحد الشرطين أو إذا قارب التحقق. فقد يحتوي ~~النبات بحكم شروطه الداخلية على إمكان نضوج الثمرة الكامنة ~~فيه، ولكن ظروف الطقس غير المواتية - أي الشروط الخارجية - ~~لا تساعد على ذلك النضوج. وقد تتوافر الشروط الخارجية ~~وتغيب الشروط الداخلية أو تفتقر إلى العناصر المهمة التي ~~تعمل على تحقيق الإمكان الموضوعي. فالبشرية تضع أمامها على ~~الدوام أهدافا تسعى إلى تحقيقها، حتى إذا جاءت لحظة ~~التحقق التاريخية لم تجد سوى بشر ضعاف عاجزين، ومن ثم ~~يبقى التحقق مجرد إمكان ينتظر توافر شروطه . # 47 # ومن أمثلة ذلك العديد من الثورات والانتفاضات الشعبية ~~التي لم تتحقق على الوجه الأكمل من وجهة ms152 نظر التقدم ~~والتحرر والعدل والاستنارة الجديرة بهذا الاسم، وذلك لغياب ~~أحد الشرطين السابقين أو نقصهما، ومن أمثلته تأخر جني ~~الثمار الناضجة بعد فترات النهوض أو عصور النهضة عند كثير ~~من الشعوب كما هو الحال مع نهضتنا العربية الحديثة التي ~~عوقتها غيبة كثير من الشروط أو عجزها وعدم وصولها إلى ~~النضج. وينطبق نفس الشيء على تطور العلوم والفنون والآداب ~~والنظم الفكرية في كثير من البلاد والعصور والحضارات. # 48 # والمهم أن الشرطين يظلان في حالة تفاعل دائب، ~~مهما أصابهما من نقص أو ضعف، على الطريق إلى «الإمكان ~~الموضوعي» الذي يتوقف على الأمرين معا: قدرة الإمكان ~~الداخلي الفعال على تحقيق «التغيير» و«قابلية» الواقع أو ~~استعداده لهذا التغيير، أي باختصار لإمكانية الفعل القادر ~~على التغيير، وإمكانية الصيرورة نحو التغير في ظروف العصر ~~والبيئة والمجتمع المواتية. # ويتضح مما سبق أن الشكل الأساسي للإمكان الإيجابي الفعال ~~يتوقف على قدرة العوامل الذاتية أو البشرية، وهذه العوامل ~~البشرية لا تستطيع بدورها أن تحقق شيئا بغير العوامل ~~الموضوعية والخارجية المرتبطة والمتفاعلة معها والتي تكون ~~في حالة انتظار لمن يحركها ويوجهها إلى التغيير الذي يؤتي ~~ثماره. وهكذا تتكشف مقولة الإمكان الموضوعي - إذا تحققت ~~لها الشروط السابقة - عن تدخل الإنسان لتغيير الواقع أو ~~العالم الذي يقبل التغيير، كما تتكشف هذه المقولة عن مفهوم ~~«الخلاص» أو «الأمل» نفسه. أما عدم نضوج هذين الشرطين أو ~~أحدهما فيمكن أن يفسح المجال للتغيير الزائف، ويكشف عن ~~مفهوم اللعنة أو الكارثة واليأس المدمر بدلا من مفهوم ~~الخلاص والأمل. وما أكثر ما حدث هذا مع الثورات الزائفة ~~التي قامت بها نظم القمع والاستبداد سواء في عصرنا الحاضر ~~أو في العصور الماضية مع اختلاف أشكالها باختلاف السياقات ~~التي تمت فيها. ومع العلم أيضا بأن عدم نضوج الشرطين ~~اللذين تحدثنا عنهما - وهو يمثل العنصر السلبي في الإمكان ~~الموضوعي - يمكن أن يتدرج صعودا أو هبوطا من كارثة ~~الطغيان المطلق إلى كارثة يسببها حادث تصادم بين سيارتين ~~أو قطارين. كما أن نضوجهما يمكن من ناحية أخرى أن يتراوح ~~بين الحظ السعيد ms153 الذي يمكن أن يصيب إنسانا، «ومملكة ~~الحرية» التي تتقدم في التاريخ بوصفها إمكانية تحقيق ~~المجتمع الاشتراكي. مع العلم أيضا بأن الحالة الأولى يمكن ~~أن تخضع للصدفة العرضية المباشرة التي تقع على هامش ~~العملية الجدلية، أما الثانية فتنمو وتبلغ النضج بحكم ~~الضرورة الجدلية والموضوعية الكامنة في عملية الصيرورة ~~التي تتم في باطن المادة والوعي، ~~وفي الطبيعة والتاريخ ~~بحكم القوانين الجدلية ذاتها (على غرار التفرقة التي نجدها ~~في الفقرة 250 من موسوعة العلوم الفلسفية لهيجل، حيث يفرق ~~تفرقة دقيقة بين الصدفة العرضية والضرورة الجدلية التي ~~تحتوي على «الإمكان الموضوعي» المفتوح والكامن في الصيرورة ~~الجدلية نفسها على النحو الذي صوره بلوخ وفسره كما رأينا ~~وفقا لفلسفته اليوتوبية في الأمل والخلاص عن طريق تحقيق ~~الاشتراكية) هذه القوانين الجدلية التي لا تستبعد الصدفة ~~على المستوى الأعلى، وهو مستوى الخلق والإبداع الذي يحقق ~~تنوع الإمكانات الموضوعية وثراءها بصورة قد تبدو للنظرة ~~السطحية وكأنما تحمل طابع الصدفة أو المفاجأة، مع أنها ~~تكمن في طبيعة التوسط الجدلي الذي يبدع الجديد باستمرار، ~~ويتعارض مع الصدفة العارضة تعارضه مع الضرورة العمياء على ~~السواء. ولن تدرك النظرة السطحية ذلك حتى تتعمق العملية ~~الجدلية وما تنطوي عليه من إمكانات موضوعية مفتوحة على ~~آفاق التجدد والتغيير على المستويين المادي والإنساني. # 49 ~~(د) الإمكان الواقعي في الواقع نفسه # The Objectively-Real possible # كل ما قيل عن الإمكان حتى الآن يمكن أن يبقى مجرد كلام ~~عقيم لا يتمخض عن نتيجة ملموسة، ولا يتولد عنه تغيير ~~حقيقي فعال، فلا يكفي تبرير الإمكان من الناحية المنطقية ~~والشكلية، ولا ترجيحه من الناحية الموضوعية، بل لا يكفي ~~القول بأنه إمكان مفتوح تقتضيه الشروط الداخلية والخارجية ~~للموضوع نفسه. إن هذا كله يمكن أن يبقيه في دائرة التمني ~~والاحتمال إذا لم يكن له أساس في الواقع المادي، وإذا لم ~~يستطع أن يحدد هذا الواقع تحديدا مستقبليا ينبع من ~~الواقع ويدفعه ويوجهه نحو تحقيق الأمل «العيني المحدد». ~~وينقلنا هذا إلى طبقة أخرى من طبقات مقولة الإمكان، ونقصد ~~بها الإمكان الواقعي، وليس هذا الإمكان ms154 الواقعي إلا المادة ~~نفسها، هذه المادة التي تظهر كل الأشكال الكامنة في رحمها ~~بفضل الصيرورة الدائبة فيها، ولو سئل على سبيل المثال ~~لتوضيح ما هو الإنسان لكانت الإجابة: الإنسان هو الإمكان ~~الواقعي لكل ما صار إليه هذا الإنسان خلال تاريخه كله، ~~ولكل ما يمكن أن يصير إليه بحكم التقدم الذي لا حدود ~~لآفاقه وإمكاناته. وهي إمكانات لم تزل أبعد ما تكون عن ~~النضوج، فلم يستهلكها ~~هدف وصلت إليه، مهما جل هذا الهدف، ولم تستنفد في مرحلة ~~مرت أو تمر بها، مهما بالغنا في عظمة هذه المرحلة. ذلك أن ~~الإنسان ليس مجرد شجرة استنفدت كل جهدها في مد الأغصان ~~وإنضاج الثمار، وإنما هو المجموع الكلي لشروطه وإمكاناته ~~الداخلية والخارجية التي لم تصل بعد إلى النضج النهائي ~~الأخير ولن تصل إليه أبدا. # 50 # بهذا المفهوم الشامل للإمكان الواقعي الذي نسميه المادة ~~يمكن أن نفهم فكرة «الوجود بالقوة» أو «الوجود - في حالة - ~~الإمكان» التي حدد بها أرسطو مفهوم المادة. ويستحق هذا ~~المفهوم أن نذكر به ونتتبع تطوره في هذا السياق باختصار ~~شديد، قبل أن نرجع إليه بشيء من التفصيل فيما بعد عند ~~التعرض «لأنطولوجيا» المادة. فإذا كان هيراقليطس في تاريخ ~~الفكر الفلسفي الغربي هو أول من أدرك وجود التناقض في ~~الأشياء نفسها، فإن أرسطو هو أول من تعرف إلى الإمكان الواقعي ~~(dynamei on) # في ~~مادة العالم: «كل ما يصير في الطبيعة أو الفن له مادة، لأن ~~كل ما يصير فهو قادر (أو لديه ~~إمكان # dynaton ~~) على أن يكون وألا يكون، وكل ما ~~يمكن أن يكون ولا يكون فإنما هو المادة في كل شيء.» # 51 # ومن المعلوم أن أرسطو قد ميز العامل الفعال في ~~هذا الإمكان، وهي الصورة، أو الأنتيليخيا # Entelechy ~~، التي تحقق ذاتها «وكمالها ~~الأول» عن المادة، بحيث وضعهما في شكل الثنائية التقليدية ~~بين الصورة والمادة. ومن المعلوم أيضا أن هذه الثنائية قد ~~تراجعت تراجعا ملحوظا عند عدد كبير من فلاسفة العصور ~~القديمة والوسيطة والحديثة، وأنها عانت من الصراع المستمر ~~بينهما لتقديم أحدهما ms155 على حساب الآخر عند عدد كبير أيضا ~~من الفلاسفة. ومن الطبيعي أن نجد بلوخ يتابع مفهومه عن ~~الإمكان الواقعي (أو المادة الفعالة حاملة الصور في ~~داخلها) عند الفريق الأول الذي تخطى تلك الثنائية ووحد بين ~~المادة والصورة أو بين الإمكان السلبي والإمكان الإيجابي ~~الفعال أو الواقعي. # فالمتكلمون المسلمون يرفضون بطبيعة الحال أن يوحدوا بين ~~الإمكان والمادة، ومن ثم يحولون هذه المادة إلى عدم مطلق ~~خلق الله العالم منه بقدرته ~~وإرادته، ثم يضع بلوخ ~~بعض فلاسفة الإسلام والمسيحية واليهودية - مثل ابن سينا ~~وابن رشد وأمالريش البيني # 52 # وابن جبيرول # 53 ~~(1020-1069 / 1070م) ضمن القائلين بوحدة ~~الوجود المادية، ويزعم أنهم جعلوا المادة (أي الإمكان ~~الواقعي) أساس العالم، بل جعلوا فعل الخلق الإلهي لحظة من ~~لحظات المادة ووحدوا في النهاية بين المادة والألوهية. بل ~~إن بعضهم في رأيه - مثل ابن رشد - قد اعتبر أن تطور العالم ~~(أو حركته) هو ظهور الصور من المادة، وأن المادة نفسها هي ~~التي تعطي الصور وبذلك يصبح الخلق - بعد استبعاد ثنائية ~~الصورة والمادة - حركة ذاتية أو إخصابا ذاتيا تقوم به ~~المادة الإلهية التي يكمن فيها الإمكان بغير حاجة إلى محرك ~~أول من خارج العالم. # وتتجدد هذه النزعة المادية في عصر النهضة الإيطالية مع ~~جوردانو برونو (1548-1600م) فيغدو العالم بأكمله تحقيقا ~~واقعيا للإمكانات. وتلتقي الطبيعة الطابعة والطبيعة ~~المطبوعة في السماء وفي الأرض، وفي الأعلى والأسفل، أي في ~~المادة الدائمة، الأزلية، المبدعة، المادة الأم. بذلك تصبح ~~المادة التي تطور مفهومها على يد برونو تطورا جسورا هي ~~«حامل» الإمكان الواقعي أو قوامه، وهي مصدر الصور ومنبعها ~~لا مجرد وعاء حاو لها «ولهذا يجب أن تحتفظ المادة، التي ~~تظل خصبة على الدوام، بحقها المتميز في أن تكون هي المبدأ ~~الجوهري الوحيد، وأن يعترف بها بوصفها هي التي توجد ~~وتبقى. ولهذا انتهى بعض أولئك الذين بحثوا مسألة الصور في ~~الطبيعة - بقدر ما فهموها عن أرسطو وغيره ممن يسايرونه في ~~اتجاهه - إلى أن الصور ليست سوى تحديدات المادة، وأن الحق ~~في التميز بالفعل والأنتيليخيا ms156 (الكمال الأول) يجب أن ينسب ~~إلى المادة.» # 54 # هكذا نظر الفلاسفة السابقون إلى الإمكان الواقعي نظرة ~~واقعية، واستخلصوا من ذلك - حسب تفسير بلوخ - النتيجة التي ~~استهدفها منذ البداية من نظرته الحيوية والمستقبلية إلى ~~المادة التي تشمل في رأيه الحياة والعقل وتمثل الرحم الخصب ~~على الدوام والنزوع المستمر لإنجاب الصور والأشكال القابلة ~~للتحقق في الواقع. # ولكن هذا التفسير المادي - المتأثر بغير شك بالأفلاطونية ~~المحدثة - لفكرة أرسطو عن الوجود بالقوة أو بالإمكان # dynamei on # قد تراجع ~~تراجعا شديدا مع سيطرة النزعة المادية الآلية أو ~~الميكانيكية، وسيادة العلم الطبيعي ومناهجه الكمية ~~والقياسية التي أخذت منذ عصر النهضة الأوروبية إلى منتصف ~~القرن التاسع عشر في استبعاد النزعة الحيوية ونفي التفسير ~~الغائي من دائرة العلم. وقد مهدت الفلسفة المدرسية ~~(الاسكولائية) لهذا التراجع عندما استبعدت مفهوم المادة ~~الأرسطي كما استبعدت مفهومها عند الفلاسفة السابقين لسقراط ~~(وهو المفهوم الذي يشير إليه ضمنا جوردانو برونو في ~~عبارته السالفة الذكر) وكانت النتيجة أن تحول الإمكان ~~الواقعي إلى واقع كمي إحصائي، وأصبحت المادة كتلة ~~غليظة بلا تاريخ، ودخلت العالم في القرن التاسع عشر (على ~~حد تعبير عالم الفيزياء جون تيندال # John Tyndall # 1820-1893م) دخول الشحاذ ~~الذي سلبه اللاهوتيون المتشددون حق الميلاد، أي صارت منذ ~~البداية شيئا متجمدا. إلى أن دخل المفهوم الأرسطي للمادة ~~أو الإمكان الواقعي - وهو الذي لم تنقطع تطوراته وتحولاته ~~على يد الفلاسفة الذين سبق ذكرهم ولدى غيرهم حتى ليبنتز ~~(1646-1716م) على أقل تقدير - في المادية الجدلية ~~التاريخية، فتشابك فيه العامل الذاتي أو الإنساني، مع نضج ~~الشروط الواقعية باطنية كانت أو خارجية، وتحول الكم - حسب ~~منطق الطفرة الجدلية - إلى كيف، وإلى حتمية التغير الجذري ~~... إلى آخر هذه «اللحظات الجدلية» التي لم يكن من الممكن أن ~~تتلاءم مع التصور الآلي والكمي الجامد والأحادي للمادة. ~~وبذلك أمكن أيضا أن نخرج من مملكة الضرورة إلى مملكة ~~الحرية، وأن تتلاقى فيه الأطراف الثنائية المتباعدة ~~(كالطبيعة والمستقبل، والمادة والتوقع، والواقع والحلم)، ~~وأصبحت المادة عملية صيرورة غنية ومنفتحة على إمكانات ~~التغيير «الواقعية» التي تكمن ms157 بذورها فيها، أو بالأحرى على ~~«الجديد» اليوتوبي ، «والكل» # The Totum # المأمول. # 55 # لم يعد من الممكن إذن أن تستقر المادة - أو على الأصح ~~الإمكان الواقعي - في الأنطولوجيا السكونية المغلقة للوجود ~~بما هو موجود، فقد اهتدت، بعد عناء البحث الطويل، إلى ~~وطنها الحقيقي في أنطولوجيا جديدة تحتاج باستمرار إلى ~~تأسيس جديد من جهة الزمان والمكان معا، وأعني بها ~~«أنطولوجيا الوجود» الذي لم يوجد بعد، والذي يكتشفه ~~«الوعي بالمستقبل» في الماضي نفسه وفي تاريخ الطبيعة ~~بأسرها، كما يصبح المكان هو «بعد الأمام» أو التقدم ~~المستمر لحركة المادة الجدلية التي تطبق عليها مقولة ~~الإمكان الواقعي وهل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك بعد أن ~~نظرنا إلى المادة وخصائصها نظرة مستقبلية؟ وهل يستقيم ~~تصورنا للواقع والواقعية إن جردناهما من بعد الانفتاح على ~~المغاير والجديد؟ ولكن كيف نفهم هذا «الجديد» و«الكلي» ~~الذي يكمن في بذور الإمكان الواقعي ويتفتح باستمرار على ~~المستقبل؟ وإلى أين تندفع إمكانات المستقبل المفتوح على ~~الطفرات اللانهائية لعملية الصيرورة الجدلية ~~الدائبة؟ # إن الإمكان الذي تحدثنا عن بذوره المتفتحة للنمو ~~والتطور، هو كذلك «الجذر» و«الأصل» الذي تنبثق عنه الظواهر ~~والصور على اختلاف مستوياتها ومضامينها، فيسقط منها ما ~~يسقط من قشور غير أصيلة ولا جوهرية، ويبقى ما يبقى من ~~إمكانات واقعية تنزع باستمرار إلى المزيد من الأصالة ~~والجوهرية والواقعية. ويضرب بلوخ مثلا حيا على ذلك ~~«بالإنسان العامل» الذي هو في رأيه «جذر» الصيرورة البشرية ~~نحو الإنسان «المثالي» الذي سيعيش في المجتمع الخالي من ~~الطبقات، أو في «الوطن» الحق الذي تتجه إليه مسيرة المادة ~~والوعي معا عبر تاريخها الطويل. هذا الإنسان - الذي هو ~~معرض للتحولات خلال تاريخه الماضي وسوف يتعرض للمزيد منها ~~خلال تاريخه الآتي - قد بدأت بذرة تطوره وتقدمه على طريق ~~المستقبل عندما بدأ يسير منتصبا على قدميه. لقد كان هذا ~~السير المستقيم هو البذرة الأولى التي انطوت فيها ~~الاستقامة الكاملة منذ البداية، أي الاستعداد الكامن لتحقق ~~مملكة الحرية، وهو الاستعداد الذي طالما تحقق عبر التاريخ ~~بصور واقعية جزئية في العديد من الثورات الواقعية ms158 ~~والجزئية أيضا حتى يصبح المجتمع الخالي من الطبقات حقيقة ~~تجسد الإمكان الكامن في تاريخ الإنسان حتى الآن. ومهما تكن ~~طبيعة هذا التجسد الواقعي، فسوف تظل علاقته «بالكلي» ~~النهائي الكامن في الإمكان علاقة جوهرية، أي أنها ستظل هي ~~العلاقة الجدلية القائمة بين المظهر والحقيقة، أو بين ~~الوجود والماهية، ذلك لأن العملية الجدلية - إذا فهمت ~~على حقيقتها - تستبعد ~~تحقيق «الكلي» مع تحقق المجتمع الخالي من الطبقات، لأن ~~الإنسان في ظل هذا المجتمع لن يكف ولن تتوقف مسيرته ~~المندفعة نحو الوضع (أو الحالة) التي يتحد فيها المظهر ~~والحقيقة، والوجود والماهية. # 56 # ومع ذلك فإن تاريخ الإنسان في صيرورته الواقعية حتى الآن ~~قد تخلله على الدوام أو تغلغل فيه الإمكان الواقعي الجوهري ~~بصور متزايدة تفوق صوره الخادعة أو السطحية، بل إن صور ~~هذا الإمكان كانت تتألق بين الحين والحين على حافة المسيرة ~~البشرية. وأبسط دليل على هذا هو «اليوتوبيات» الاجتماعية ~~كلها على وجه التقريب التي انعكست عليها أشعة الأمل بصور ~~مختلفة، كما تجلت من الناحية النفسية في صور التمني والحلم ~~بالمستقبل، ومن الناحية «الأخلاقية» في «المثل العليا» ~~الإنسانية، ثم تجلت من الناحية «الجمالية» في العديد من ~~«الرموز» الطبيعية والموضوعية. فأما صور التمني والحلم ~~بالآتي فقد ظل مضمونها هو «إمكان» الحياة الأفضل، وأما ~~المثل العليا فكان مضمونها هو الوجود الإنساني الكامل بقدر ~~الطاقة، والعلاقات الاجتماعية الأكمل مما هي عليه في ~~الواقع؛ ولهذا بقيت (أي المثل العليا) في كل الظروف ~~والأوضاع نماذج يحتذيها الإنسان ويسعى إليها # 57 ~~(ومن أهمها وأسماها فيما يرى بلوخ نموذج ~~الإنسان في ظل المجتمع الخالي من الطبقات الذي ظل يحلم به ~~قبل انهياره الأخير بعد وفاته بحوالي ثلاثة عشر ~~عاما). # وأخيرا فإن «الرموز» توحي دائما من بعيد بإمكان الوحدة ~~المفتقدة بين الوجود والماهية في الطبيعة، وإزالة اغتراب ~~الإنسان عن حقيقته الجوهرية (خصوصا على نحو ما صورها ~~ماركس الشاب في المخطوطات الاقتصادية الفلسفية عام 1844م) ~~ولما كان مضمون الرموز هو الإيحاء بالممكن والدلالة على ~~شفرات معانيه، كان الرمز دائما أكثر غموضا وخفاء من ms159 ~~المثال، كما كان أكثر منه قدرة على الإشارة إلى وحدة ~~الماهية الأساسية التي تكمن وراء إيحاءاته ومعانيه ~~المتعددة. ولهذا تلاقت الرموز الأصيلة دائما حول معنى ~~مركزي أو ماهية أساسية وصفت عبر التاريخ (لاسيما بتأثير ~~الأديان) بأنها هي الواحد والحق والخير، ولأن مضمون الرمز ~~بعيد عن الظهور والتحقق، فقد بقي من الناحية الواقعية ~~والموضوعية مجرد شفرة توحي بالممكن ولا ~~تحدده. والمهم في نهاية ~~الأمر أن يعكس التعبير الرمزي في الأدب أو الفلسفة ذلك ~~الإمكان الواقعي والكلي الذي تحدثنا عنه، وأن يوحي على ~~طريقته بمسافة البعد الفاصلة بين «ظهوره» و«تحققه»، ويشير ~~إلى «وحدة» معناه وراء المعاني الغامضة والمتعددة التي ~~تنبعث منه، وبذلك يكون - إذا صح هذا التعبير - رمزا ~~واقعيا ولا يفقد مضمونة الصلة بواقع العالم والإنسان ~~بالهروب إلى المستحيل أو الافتتان بسحر الكلمات وألاعيبها ~~المضللة. ولا شك في أن الرموز والتمنيات والأحلام التي ~~فاضت عن الوعي أو اللاوعي البشري في تاريخه الطويل قد ~~حاولت على اختلافها أن تعبر عن «نماذج المعنى» الكامنة ~~فيما سميناه الوجود الذي لم يتحقق بعد، كما حاولت ~~الاقتراب من ذلك «الكلي» الذي يتحدد عنده المظهر والحقيقة، ~~والوجود والماهية، ويتجه إليه النزوع الكامن في المادة ~~والوعي اتجاهه إلى الأمل البعيد وغير المستحيل. # 58 # والملاحظ أن بلوخ يظل هنا أسير عقيدته الماركسية ~~المتزمتة على الأقل من ناحية الهدف لا من ناحية السبل ~~والطرق الموصلة إليه. فهو يصوغ هذا الأمل البعيد في تحقيق ~~الماهية الكلية في الصيغ الماركسية المعروفة مثل «تطبيع ~~الإنسان وأنسنة الطبيعة»، والقضاء على اغتراب الإنسان عن ~~الطبيعة والعكس، «والتصالح بين الموضوع والذات والضرورة ~~والحرية». ولن يتحقق الأمل في هذا الإمكان الواقعي إلا ~~بتوسط الجدل الفعال والتفاؤل المناضل بعالم أفضل. ~~(2) مقولة الإمكان وموقف بعض المناطقة والفلاسفة ~~منها # ما أكثر ما لم يتم الوعي به في شعور الإنسان! وما أكثر ما لم ~~يتحقق بعد في العالم! وعلى الرغم من التسليم بأن ال «ليس-بعد» ~~حقيقة حية في كل ما هو حي فينا أو حولنا، فإن مقولة الإمكان قد ~~عانت من سوء ms160 الحظ ولم تدرس دراسة كافية لا على المستوى ~~الأنطولوجي ولا على المستوى المنطقي. لقد ظلت على الدوام محيرة ~~من الناحية المنطقية، ولم تتحدد بصورة حاسمة كما حدث لغيرها ~~من المفاهيم؛ ولذلك أهملتها الأنطولوجيا أو نظرية الوجود ~~إهمالا يكاد أن يكون تاما، واقتصر ذكرها في المنطق - أو كاد ~~- على كتب المنطق الصوري، وحتى عندما تتعرض نظرية المقولات ~~للممكن فيما يوصف بمقولات الجهة، فإنها تقتصر على تحديد نوع ~~المعرفة بالموضوع، ونادرا ما تتطرق إلى تحديد الموضوع نفسه. ~~إن مقولة الجهة # 59 # تشير من ناحية الأحكام إلى درجة اليقين في الحكم ~~أو إلى طريقة الربط بين الموضوع والمحمول في الحكم. ومقولات ~~الجهة كما حددها كانط هي الإمكان والواقع والضرورة، وتناظر ~~مقولة الجهة جهات الحكم التالية: الحكم الإشكالي أو الاحتمالي، ~~الحكم التقريري، والحكم اليقيني. والإمكان أو الاحتمال - عند ~~كانط - يعبر عن حالة التردد أو التوقف عن الحكم، لأن معنى ~~الاحتمال هو أني لا أستطع أن أضيف صفة المحمول إلى الموضوع، ~~كما أنني لا أستطع بيقين نفيها عنه، فأنا متردد بين السلب ~~والإيجاب، وهذا لا يكون حكما، فحالة الاحتمال إذن هي حالة ~~توقف في الحكم. أما إذا كان الحكم معبرا عن إمكان الخروج عن ~~قانون طبيعي ضروري فهذه الحالة تكون حالة احتمال أو إمكان، ~~فالجهة فيها الاحتمالية فإذا تصادف ووجدت غربانا مختلفة ~~الألوان عما نألفه، فإن هذا ممكن الحدوث، ويكون حدوثه مخالفا ~~لقاعدة مطردة فيما يتصل بألوان الغربان السود دائما، ~~فالإمكانية هنا تعبر عن إمكان الخروج عن قاعدة كشواذ لهذه القاعدة. # 60 # ويصدق هذا الإهمال لمقولة الإمكان على صغار المناطقة ~~والفلاسفة وعلى كبارهم، فالجميع يتشابهون في تفريغ مقولة ~~الإمكان من مضمونها الواقعي، ويشتركون في عدم التفرقة بين ~~المعرفة الجزئية بالشروط وبين الشروط نفسها في وجودها الجزئي، ~~ويسوون بين الحكم الاحتمالي أو الإشكالي بوجود حقيقة موضوعية ~~مقررة، والحكم التوكيدي على حقيقة موضوعية لم تتقرر بعد أي ~~على إمكان موضوعي قائم. # 61 # فالحكم الاحتمالي بأن: «من الممكن أن يكون محمد في ~~البيت.» يختلط بالحكم التوكيدي: «من الثابت ms161 أن من الممكن في ~~زمن قريب إطلاق مركبة فضائية للهبوط على سطح القمر .» والفرق ~~الواضح بين الحكم الأول والحكم الثاني ليس فرقا من الناحية ~~المنطقية والسيكولوجية فحسب، وإنما يدل على الطابع الخارجي أو ~~الواقعي لقدر كبير من أحكام الجهة. ولو اقتصرت طبقات مقولة ~~الإمكان - كما رأينا من قبل - على طبقة الترجيح المعرفي، لما ~~أمكن التعبير عن الإمكان الموضوعي أو الواقعي في العالم ~~الخارجي، أو لبقي على أحسن الفروض مجرد تصور ذاتي ومثالي ~~أجوف، أو وهم من أوهام الخيال وإسقاط بشري على العالم ~~الخارجي، وكأن لم يتعرض إنسان أبدا لأخطار الممكن، ولا حاول ~~أن ينجو منه أو يحسب حسابه أو وقع ضحية له، بل كأن الكائنات ~~العضوية كلها لم تزود بأجهزة السلوك المنعكس ورد الفعل على ~~الممكنات الموضوعية والواقعية المحيطة بها في العالم الخارجي، ~~وذلك ابتداء من الكائنات ذات الخلية الواحدة إلى الوحش الكاسر ~~والإنسان العاقل المفكر. ويكفي مثلا ذكر الإمكانات الموضوعية ~~التي يحفل بها القانون المدني والقانون الجنائي. # 62 # ولو نظرنا في كتب المنطق التقليدية، مثل كتاب سيجفارت # 63 ~~(1830-1904م) لوجدناه يعرف الإمكان تعريفا ~~صحيحا بأنه هو «ما يعرض للفرد من ناحية كونه يحتوي على السبب ~~الجزئي لما سوف يكون.»؛ وبذلك يكون الإمكان في رأيه مجرد تعبير ~~عن موقف ذاتي لم يحسم أو عن تسليم بقصور معرفتنا. والمهم أن ~~المبالغة في تأكيد أحكام الجهة المتعلقة بالترجيح والاحتمال ~~على حساب الأحكام المتعلقة بالإمكان الموضوعي يدل على تجاهل ~~المثاليين أو إنكارهم للإمكان الموضوعي، كما يدل بصفة أعم على ~~أن معظم المفكرين الكبار - الذين لا يدخلون في عداد المثاليين ~~ولا الذاتيين - ينكرون هذا الإمكان الواقعي بسبب تفكيرهم ~~«السكوني» الذي يدور حول «المعطى» و«الماضي» بدلا من الانطلاق ~~إلى الآفاق المفتوحة على الجديد والممكن. # 64 # والغريب حقا أننا نجد هذا عند فلاسفة لا شبهة في ~~تفكيرهم التطوري (مثل أرسطو) والجدلي (مثل هيجل)، بالرغم من ~~تصور «الوجود بالقوة أو الإمكان» وتأثيره العظيم عند الأول، ~~وبالرغم من الجيل الواقعي الشامل عند الثاني، ولعل التصور ~~السكوني للعالم أو ms162 لله - على أساس أنه الواحد والكل الذي تحقق ~~فيه كل إمكان - هو المسئول كذلك عن غياب مفهوم الإمكان الواقعي ~~عند مفكرين آخرين لا شبهة أيضا في جدليتهما وهما: نيقولا ~~الكوزي (1401-1464م) الذي ~~يصف الله بأنه هو الإمكان ~~(posses) # المتحقق تحقيقا كاملا، وجوردانو ~~برونو (1548-1600م) الذي يرى أن العالم بكليته لم يبق فيه ~~شيء ممكن لم يتحقق # 65 ~~... وكأن الجميع قد نفروا من «الجديد» و«الآتي» ~~فأداروا له ظهورهم ولم يهتموا بالانفتاح عليه أو التفكير فيه ~~تفكيرا جادا. # والواقع أن النفور من «الإمكان» و«الممكن» أقدم بكثير من ~~المفكرين والفلاسفة الذين ذكرناهم. فحتى السوفسطائيون الذين ~~زلزلوا كل ثابت ومستقر، لم ينل الإمكان منهم غير التهكم ~~والسخرية. وقد أصبح كل شيء عندهم مساويا للاشيء، لأن كليهما ~~ممكن على حد سواء. فقد قال جورجياس (من حوالي 483 إلى حوالي ~~375ق.م.) إنه لا شيء موجود، لا اللا-وجود ولا الوجود ولا حتى ~~ما يقع بينهما بحيث يمكن أن يفسد أو أن يكون، أي بحيث يرتبط ~~بأحدهما بعلاقة الإمكان. # 66 # ولم يكن إنكار المدرسة الميجارية # 67 # للإمكان بأقل حدة وإصرارا من إنكار السوفسطائيين، ~~إذ ارتبطت هذه المدرسة بمذهب الأيليين في الوجود الواحد الثابت ~~من الأزل إلى الأبد، وبذلك استبعدت الإمكان، كما استبعدت ~~المدرسة الأيلية الحركة من كل نوع. وقد اشتهر برهان الميجاري ~~«ديودوروس ~~الكرونوسي» # Diodoros Kronos # ضد الإمكان، وهو برهان يذكرنا ~~ببراهين زينون الأيلي على بطلان الحركة، وقد ذاع صيته وانتشر ~~لعدة قرون إما بسبب براعته الجدلية أو لافتتان أصحاب الفكر ~~السكوني به. وقد وصل إلينا هذا البرهان على شكل القياس التالي: ~~«لا يمكن أن يخرج من الممكن شيء غير ممكن، ولما كان من الضروري ~~أن يتمخض الممكن، الذي لم يتحقق في الواقع، عن شيء غير ممكن، ~~وأن يكون شيئا آخر غير الشيء الذي يكونه، فإن هذا الممكن نفسه ~~غير ممكن، وبذلك يثبت أن الواقع هو الممكن الوحيد.» # وعلى الرغم من ضعف هذا القياس، فقد تبنته الرواقية ~~الرومانية، واقتنع به الرواقيان الشهيران إبيكتيت (من 50 إلى ~~138م) والقيصر ms163 ماركوس أو ليوس (من 121 إلى 180م) لتدعيم، ~~إيمانهما بالضرورة التي تحكم النظام الكوني وخلوه من أي إمكان، ~~كما تحول عن طريق شيشرون # 68 ~~(من 106-143م) إلى ما سمي بعد ذلك بحب القدر # Amor Fati # واجتمع إنكار ~~الممكن، والرواقية الجديدة، وحب القدر في مذهب اسبينوزا ~~الواحدي الذي تلخصه عبارته المعروفة «الرؤية من منظور ~~الأبدية» # sub Quadam aetemilatis specie ~~. # 69 # ومعنى هذه العبارة بحسب تعريفها هو النظر إلى كل ~~ما هو ممكن على أنه ضروري وواقعي. فكل شيء من منظور الأبدية ~~محكم ومترابط ترابط الأسباب والنتائج (وكأن علاقة السببية هي ~~القدر الرياضي للعالم). وما من شيء في هذا العالم يمكنه أن ~~يفلت من السببية الكلية، ومن ثم فلا مجال فيه للإمكان أو الممكن. # 70 # ولكن هل ينطبق هذا على أعظم فلاسفة الإمكان بعد أرسطو، وهو ~~ليبنتز (1642-1716م)؟ ألم يقل بما استبعدها اسبينوزا بالاختيار ~~بين الإمكانات المنطقية المتعددة؟ ألم يذهب إلى أن الله ~~(سبحانه وتعالى) قد اختار أن يخلق هذا العالم - أي ينقله من ~~حالة الإمكان إلى التحقق - من بين عدد لا حصر له من العوالم ~~الممكنة؟ إن الواقع يقول بأن ليبنتز قد عرف الإمكان من حيث هو ~~استعداد، وإن يكن استعدادا لا يظهر جديدا ولا يطور مضمونا ~~ينطوي عليه العالم القائم. أضف إلى هذا أن الإمكانات ~~الأولى # primae possibilitates # للعوالم التي أراد الله أن يختار منها ~~«أبدع عالم ممكن» وأن يحقق هذه الإمكانات الأولى، لا توجد إلا ~~في العقل الإلهي، أي لا علاقة لها بالعالم الواقعي الذي وقع ~~عليه الاختيار وليست من ممكناته. ألا يحق لنا أن نقول إن ~~ليبنتز قد ترك الإمكان المنطقي محصورا في دائرة لاهوتية ~~مغلقة، وأن تصوره القاصر للإمكان لا يختلف في نهاية المطاف عن ~~تصور اسبينوزا الذي نفى الإمكان والاختيار عن الله نفسه حيث ~~يقول في كتابه الأساسي «الأخلاق»: «لم يكن من الممكن أن يخلق ~~الله الأشياء بطريقة أخرى أو على نظام مختلف عن الطريقة ~~والنظام اللذين خلقا بها.» # 71 # ويستمر النفور من الإمكان عند فلاسفة ms164 آخرين لا يمكن اتهامهم ~~بإلغائه أو إهماله كل الإهمال. ونبدأ بكانط (1724-1804م) وهيجل ~~(1770-1831م) اللذين نعتقد أنهما لم ينصفا الإمكان الواقعي، لا ~~في «نقد العقل الخالص» ولا في «المنطق» و«موسوعة العلوم ~~الفلسفية». فالفيلسوف النقدي الأكبر في العصر الحديث قد رفع من ~~شأن «المثل» العقلية والأخلاقية في فلسفته النظرية والعملية. ~~ومع ذلك يضع «الإمكان» مع الأشكال الخالصة للفكر الخالص، ~~مؤكدا إمكان وجود الأشياء عن طريق التصورات أو المفاهيم ~~القبلية، بالإضافة إلى الإمكان «الذي لا يستمد إلا من واقع ~~التجربة» من أشكال الفكر الخالص أو من المقولات. صحيح أنه يقول ~~بوضوح إن جميع هذه الأشكال أو ~~المقولات - ومن بينها مقولات ~~الجهة (وهي الإمكان والوجود أو الواقع والضرورة) - هي التي ~~تكون التجربة بوصفها «نظام الظواهر» المؤسس على المقولات. ~~ولكنه ينبه - بما يشبه التحذير - إلى الدور الخاص الذي تقوم به ~~مقولات الجهة بالنسبة للتجربة وذلك حيث يقول: «إن مقولات الجهة ~~لا تزيد في التصور أو المفهوم، الذي تضاف إليه كمحمول، أدنى ~~زيادة من ناحية كونه تحديدا - أو تعيينا - للموضوع، وإنما ~~تعبر فحسب عن العلاقة بملكة المعرفة.» # 72 # ونستخلص من هذا كله أن كانط لا يعرف الإمكان ~~الواقعي والموضوعي ولا يعترف به، إذا إن «الواقعي الموضوعي» لا ~~يضاف عنده إلى الواقعي الممكن إلا عن طريق الحدس أو العيان، لا ~~عن طريق ربطه بحكم تقريري أو توكيدي، أي حكم من أحكام الجهة ~~يتعلق بالواقع. # بيد أن كانط يفسح مجالا للإمكان في فلسفته العملية بعد أن ~~استبعده من فلسفته النظرية كما سبق القول، ففي ذلك المجال الذي ~~يتعلق بمعرفة التجربة الأخلاقية عن طريق العقل العملي لا ~~النظري، نجده يضع المثل والمبادئ أو المسلمات الأخلاقية التي ~~يمكن أن تلزم الإنسان الذي يتجاوز ثنائية عالم الظواهر وعالم ~~الحقائق المعروفة التي احتفظ بها في فلسفته النظرية، أي ~~الإنسان الذي يعلو على الطبيعة والمنفعة، ويطيع أمر «الواجب ~~المطلق» باعتباره كائنا أخلاقيا ينتمي انتماء أساسيا ~~لعالم الحقائق الذي تسكنه «إمكانات» عليه - بحكم القانون ~~الأخلاقي الصوري الصارم - أن يحققها في الواقع. # ويأتي فشته ms165 (1762-1814م) الذي بنى فلسفته - أو نظريته في ~~العلم كما سماها - على فلسفة كانط الأخلاقية، وجعل منها مذهبا ~~مثاليا مطلقا عن «الفاعلية» الأخلاقية والعالمة بذاتها ~~للشخصية أو «للأنا المطلق» على حد تعبيره، يأتي فشته فيقدم ~~مسلمته أو مبدأه الشهير ~~( # postulat ~~) الذي يعبر فيه ~~عن الإمكان كقدرة أو ~~استطاعة ~~(potence) ~~«أنت قادر لأنه ينبغي عليك.» وإذا ~~كان فشته يفيد كذلك من المثل ~~الأعلى # Ideal # الذي قدمه كانط في ثوب تجريدي وهو ~~«نشر سيدة الحرية الأخلاقية» ويربطه «بالسلوك الفعلي»، فإن ~~الإمكان يظل في هذه الحالة أيضا محاولة دائبة للاقتراب من ~~ذلك المثل الأعلى في التاريخ. ومع ذلك فليس هذا بالإمكان ~~الواقع والموضوعي الذي يلائم «الواقع الجدلي» للعالم والإنسان، ~~لأن «عالم التجربة» من منظور المثالية المطلقة أو من منظور ~~المثالية الشارطية (الترنسندنتالية) لا يسمح له بالتحرر من ~~القوالب الصورية والفكرية الخالصة (أي المقولات) لكي ينمو ~~ويتحرك حركة جدلية واقعية. وحتى عندما أصبح الإمكان عند فشته ~~هو إمكان الواجب الأخلاقي الملتزم بالمبدأ السابق الذكر أو ~~بالمثل الأعلى؛ لم يتغير وضع الإمكان كثيرا عما كان عليه عند ~~كانط، فمن منظور الوعي أو الأنا المطلق (كما يسميه فشته) - وهو ~~منظور غير تاريخي - لا يوجد ثمة مستقبل ولا أمل في المستقبل، ~~اللهم إلا أن يكون نوعا من «الميل» أو الرغبة التي لا ترقى ~~إلى مستوى الإمكان الواقعي ولا تعبر عن بنيته العميقة. وهكذا ~~يجوز القول بأن كانط وفشته قد ضيقا مجال الإمكان ومفهومه ~~وحصراه داخل عقل - نظري أو عملي - غير تاريخي يختزن ~~مثلا عليا # Ideals # غير ~~تاريخية ولا واقعية كذلك. # 73 # والآن، ما هو موقف هيجل من الإمكان، وهو المعروف بأنه مفكر ~~«العقل العيني الحي» لا «الفهم المجرد»؟ الحق أننا نفاجأ (في ~~موسوعة العلوم الفلسفية، الفقرة 143) بأن هيجل يقتبس عبارة ~~كانط التي سبق أن أوردناها عن مقولات الجهة التي يبعدها - أي ~~كانط - عن الموضوع الواقعي ويدخلها في عداد «أشكال الفكر ~~الخالصة» مما يرجح أن هيجل يوافقه على رأيه. ويزيد من قوة هذا ~~الترجيح أن هيجل يضيف مباشرة بعد ms166 الاقتباس السابق عن كانط: ~~«الحق إن الإمكان هو التجريد الفارغ للتأمل في ذاته، هو ما سمي ~~من قبل بالباطن، وإن كان «يوضع» الآن كذلك بوصفه ذلك الذي تم ~~رفعه، ووضعه فقط، وتحديده باعتباره الباطن الخارجي، ومن ثم ~~باعتباره مجرد الحكم ( # Modatity ~~) ~~وحسب، وتجريد غير كاف، وباعتبار أنه - إذا أخذ من الناحية ~~العينية - لا يتعلق إلا بالتفكير الذاتي ... وبوجه خاص لا يجب ~~في الفلسفة أن يتكلم أحد عن أن شيئا ممكن أو أن شيئا آخر ~~غيره ممكن أيضا، وأن هناك شيئا - كما يعبر البعض كذلك - يقبل ~~التفكير فيه.» # 74 # والغريب أن هيجل لا يكتفي في بعض الأحوال بوصف الإمكان بأنه ~~«تجريد فارغ التأمل في ذاته» وإنما يتقدم أبعد من ذلك فيقول ~~عنه إنه «لحظة ~~في ذاتها # moment of reality in itself ~~» من لحظات الواقع، غير أن هذا ~~الإمكان الذي يصفه بأنه واقعي تحيط به دائرة الماضي أو على ~~الأصح دائرة الواقع القائم الذي تم بالفعل. ويكفي أن نقرأ ~~العبارة التالية من «المنطق» لنتأكد مما نقول «ولذلك فإن ما هو ~~ممكن إمكانا واقعيا، لا يمكن بعد أن يكون شيئا وآخر ~~(مختلفا)، وتحت هذه الشروط والظروف لا يمكن أن ينتج شيء آخر مختلف.» # 75 # ولا بد لإنصاف هيجل من معرفة قصده من أمثال هذه العبارة ~~والسياق الذي ترد فيه. فهو هنا يتكلم باعتباره عدوا للآراء ~~الجوفاء المطلقة من كل قيد، وإدخال الظن والتكهن والكلام السهل ~~عما «كان يمكن» أن يحدث في التاريخ، أو ما كان يمكن أن تكون ~~عليه «الدولة» أو الإنسان ... إلخ من منظور المثل الأعلى المجرد. ~~ومع ذلك فلا بد أيضا من القول بأنه لا يتحدث ولا يفكر من ~~منظور المستقبل، وإنه يؤكد هنا أيضا أنه «جدلي الماضي» الذي ~~يدور جدله على الدوام في دائرة ما حدث ويحدث على الدوام، وما ~~سيعود عودة الدائرة إلى الأبد، ولعلنا لا نظلمه كثيرا إذا ~~قلنا إنه - على الأقل في كلامه عن الإمكان - يؤكد رأي بعض ~~خصومه ونقاده بأنه هيجل «الرجعي» الذي لا مكان للتغيير ms167 ~~المستقبلي في فلسفته، وهيجل الذي يقول صراحة في المقدمة ~~المعروفة لفلسفة الحق إن «فكرة العالم لا تظهر إلا حين يكتمل ~~الواقع الفعلي وتنتهي عملية تطوره.» # 76 # وكأنما يؤكد بعبارات أخرى ما سبق أن أكده الجدلي ~~الميجاري الذي سبق أن أوردنا قياسه المثير الذي لم يخل من ~~المغالطة ولا من السخرية من الحركة والتغيير ومن ثم من أي ~~إمكان واقعي للمستقبل. وكلا للرجلين الجدليين - مع الفرق ~~الشاسع بينهما - يثبت الزمان على الماضي الذي تلتف دائرته ~~الحتمية حول رقبة العالم كله. # ولا شك أن هذه النزعة السكونية عند الفيلسوف الجدلي الكبير ~~لا بد أن تثير الدهشة والانزعاج أيضا. وموقفه من «الإمكان» هو ~~الذي يثبت هذه الشكوك التي وصلت عند الكثير من خصومه إلى حد ~~الإدانة والاتهام، وأنستهم أنه مؤسس قوانين الجدل التي زلزلت ~~العالم والوعي وأدخلتهما في ملحمة الصراع (الذي تم في رأي ~~هؤلاء الخصوم في الماضي، ويكتفي الفيلسوف باستعادة دائرته ~~الكلية والضرورية) على نحو ما يقول مثلا في الفقرة 139 من ~~موسوعة العلوم الفلسفية: «إن ما هو داخلي فهو كذلك موجود في ~~الخارج والعكس صحيح، والظاهر لا يبدي شيئا ليس موجودا في ~~الماهية، كما أن الماهية ليس فيها شيء لم يتم ظهوره أو تجليه.» # 77 # ولا شك أيضا أن الأمر مع النصوص الهيجيلية السابقة ليس ~~بالبساطة التي نتصورها، ومجرد الظن بأن فيلسوف الجدل الأكبر ~~مفكر «رجعي» و«محافظ» و«سكوني» و«عدو للتغيير» ... إلى آخر هذه ~~الأوصاف التي يحتدم حولها الأخذ والرد، لا يعفينا من القول بأن ~~المشكلة أعقد مما تبدو عليه حتى من نصوص الفيلسوف نفسها. وهل ~~يمكن أن يصدق الأوصاف السابقة من يتذكر مقدمة «ظاهريات الروح» ~~الذي يرجع كما هو معلوم لتاريخ سابق (1807م) على تأليف علم ~~المنطق (1812-1816م) وموسوعة العلوم الفلسفية (1817م) التي ~~يقول فيها: «ليس من الصعب أن نرى أن عصرنا هو عصر الميلاد ~~والانتقال إلى مرحلة جديدة. لقد قاطع العقل عالم وجوده وتصوره ~~الذي عاش فيه حتى الآن، وعقد العزم على إسقاطه في الماضي وعلى ~~العمل على تشكيله تشكيلا ms168 مختلفا.» # 78 # ولعل هيجل - كما يرى بلوخ - لم يستخلص النتائج الخطيرة ~~المترتبة على هذا النص الفريد، ولم يتبين مثلا أن العصر الذي ~~يكون في حالة المخاض أو الميلاد لا بد أن يكون كذلك هو التربة ~~التي ينمو فيها الممكن الواقعي ويتخلق على مهل حتى «يولد» ثم ~~ينضج ويتحقق، وأنه حينما يكون العمل على التغيير أو التشكيل ~~بصورة مختلفة عن الأشكال الماضية فلا بد بطبيعة الحال أن ~~«يكون إمكان التشكيل» أو القدرة عليه، وإمكانية تقبل التشكيل ~~شيئا يزيد عن كونه «تجريدا أجوف للتأمل في ذاته» كما عبر عن ~~ذلك في نص سابق، ولذلك فربما لم يظلمه بلوخ عندما قال إن ~~منطق الإمكان و«أنطولوجياه» قد سحقهما وهم السكون أو الثبات ~~الذي أدى به إلى الزعم بأن كل ما هو ممكن في مجال الواقع قد تم ~~تشكيله وانتهى الأمر، وكأنما هو السنبلة التي نمت حباتها أو ~~قطع الشطرنج الساكنة بعد انتهاء اللعب. والحقيقة الجدلية أو ~~على الأصح المادية الجدلية تكذب زعم هيجل، فتفسير العالم ~~التفسير الصحيح يؤكد أنه في صيرورة مستمرة ولا تنتهي أبدا، ~~وأن المهم هو تغييره وليس الاكتفاء بتفسيره فحسب (على حد تعبير ~~ماركس وإنجلز المشهور في كتابهما عن الأيديولوجية الألمانية). ~~ولذلك يمكن القول بأن تغيير العالم القابل للتغيير أو المسكن ~~التغيير إمكانا واقعيا، هو جماع «النظرية والممارسة» ~~بالنسبة للإمكان الواقعي الذي يتطلب تحقيقه في العالم بفضل ~~كفاح الإنسان. بهذا ينتهي اغتراب الإمكان الواقعي عن نفسه في ~~الفلسفات التأملية السكونية والمثالية الذاتية. لأن هذا ~~الاغتراب هو المشكلة الحقيقية للعالم، وهو العائق الرئيسي الذي ~~يحول دون تحقيق الوحدة بين الوجود والماهية، وبين المظهر والحقيقة. # 79 ~~(3) تحقيق الإمكان # الإنسان كائن ينتظره الكثير ولم يزل أمامه الكثير. وهو ما ~~زال يتشكل بصور مختلفة من خلال عمله، ويجد نفسه على الدوام ~~وجها لوجه أمام الحدود التي يدرك أنها لم تعد حدودا ثابتة، ~~وأن عليه أن يتخطاها لما وراءها. إن «الشيء الحقيقي» - في نفسه ~~وفي العالم - لم يتحقق بعد، ولم يزل معرضا للتلف والضياع، أو ~~منتظرا ms169 على أمل النجاح. ذلك أن «الممكن» يمكن أن يؤدي للوجود، ~~كما يمكن أن يفضي إلى العدم. ومعرفتنا بشروط تحقيقه الفعلية أو ~~شعورنا بنضج هذه الشروط شعورا يبلغ حد اليقين أو على الأقل ~~أقصى حدود الاحتمال هو الذي يجعل منه ذلك الإمكان الواقعي الذي ~~تحدثنا عنه. وإذا لم تتدخل مبادرة الإنسان وشجاعته في «اللحظة ~~الممتلئة» المناسبة، فسوف يبقى هو والإمكان في حالة تأرجح بين ~~الخوف والرجاء. فهل فطن الرواقيون إلى ذلك عندما نصحوا الإنسان ~~بأن يبتعد عن الأوضاع التي لا يمكنه السيطرة عليها، أم كان هذا ~~نوعا من الحكمة المتعالية التي تمسكوا بها في أصعب المواقف ~~والظروف وكانت - برغم شجاعتها - حكمة سلبية يائسة؟ # مهما يكن الأمر فإن قدرة الإنسان على الفعل عنصر أساسي من ~~عناصر الإمكان، كما أن شجاعته ومبادرته إلى هذا الفعل تزيد من ~~احتمالات الأمل في تحقيق الإمكان، وتقلل من احتمالات الهروب ~~إلى اليأس أو العدم، ولا شك أن الشجاعة التي نقصدها هي الوسط ~~بين نقيضين متطرفين: التهور البطولي من ناحية، والجبن ~~المتخاذل من ناحية أخرى، وإذا فهمناها فهما جدليا فلا بد ~~أن تكون هي الشجاعة التي تأتي «بتوسط» الشروط الواقعية التي ~~بلغت مرحلة النضج ودرست علاقتها بالسياق التاريخي والاجتماعي ~~دراسة فاحصة دقيقة. وحينئذ يكون تدخل الإنسان «ممارسة» لا ~~تنفصل عن النظر، ونظرا لا يكتمل إلا بالممارسة. # 80 # ولا شك أن الإخلال بشروط هذه الممارسة المكافئة لإمكانات ~~الواقع أو لواقع الإمكانات «يمكن» أن تؤدي - وقد أدت بالفعل - ~~إلى ألوان عديدة من «خيبة الأمل» منذ أن تعلم الإنسان الثورة ~~على الواقع القائم ومحاولة تغييره من جذوره. لقد استمرت بطبيعة ~~الحال عملية الصيرورة التاريخية والمادية التي لا تنتهي أبدا، ~~ولكن «النظر والممارسة» الإنسانيين لم يستطيعا - في رأي بلوخ - ~~نقل «الأمل» أو «الإمكان الواقعي» إلى مرحلة التحقق، ويعني به ~~«تطبيع الإنسان وأنسنة الطبيعة»، ولم يستطع كذلك بلوغ «أرض ~~الأحلام» التي يتجسد فيها «كل» الإمكان من خلال التوسط ~~التاريخي والعيني، لا من خلال التمنيات والأحلام الخيالية ولا ~~من خلال اليوتوبيا المجردة. لقد أصبح ms170 الزمان - بعد ماركس - هو ~~المجال التاريخي الذي يتم فيه الصراع الجدلي-المادي الذي يشمل ~~العالم والإنسان، كما أصبح بعد المستقبل هو مجال الإمكانات ~~الواقعية الكامنة فيهما والمتطلعة دائما إلى التحقق المادي ~~والعيني بجهد الإنسان وعمله، هذا الإنسان الذي يلخص تطور تلك ~~الصيرورة الكونية، وتتفتح فيه أروع زهراتها، كل ذلك بالعمل ~~الذي صار به الإنسان إنسانا، وبالثورات التي كانت وستكون ~~«القابلة» التي تساعد على ميلاد مجتمع المستقبل الذي يحمل ~~الحاضر في أحشائه «جنينه» أو إمكانه الواقعي. # 81 # وبذلك يتلاقى العامل الذاتي (كإمكان للتحول الذي لم يتم) مع ~~العامل الموضوعي (كإمكان لم يتم أيضا لتحويل العالم وتغييره) ~~وكل ذلك في إطار الشروط والقوانين التي تعين ذلك الإمكان ومدى ~~قابليته للتحويل أو التحول، دون مبالغة أو تغليب لأحد ~~العاملين المتشابكين على الآخر، حتى لا ينحرف ذلك التشابك أو ~~التلاحم الجدلي ويتمزق ضحية ذاتية مثالية متعالية، أو ضحية ~~موضوعية وضعية جامدة أو ميكانيكية فجة ... وعندئذ يصبح البشر ~~صانعي تاريخهم ومنتجيه الواعين، ويصبح العالم أو الواقع هو ~~عالمهم وواقعهم المتغير والمتحول «يتوسطهم» وغير المغترب عنهم ~~ولا المغتربين عنه. بهذا يتحقق صنع التاريخ أو إنتاجه الواعي، ~~وتظهر مكنوناته وإمكاناته في صورها المختلفة، ويتغير المجتمع ~~والطبيعة من جذورهما، ويظهر الموضوع الذي لم «يتشيأ» في وحدته ~~الحميمة مع الذات التي لم تغترب. هذه الذات العاملة المنتجة ~~التي كانت وسوف تبقى هي «العلة الذاتية» للتحول والتغيير، أي ~~لتحقيق الإمكانات الواقعية في أفق المستقبل الواقعي. # 82 # أما عن هذا المستقبل الواقعي الذي ينتهي فيه اغتراب تلك ~~الذات العاملة والواعية ويقضي على اغترابها واستغلالها ~~واستعبادها، كما ينتهي كذلك اغتراب العالم والطبيعة الخارجية ~~التي لا تصنعها هذه الذات، وإن كانت تؤثر عليها «وتؤنسنها» ~~بتوسطها، فإن معالمه ستتضح عند الكلام عن «اليوتوبيا الواقعية» ~~التي رسم ماركس ملامحها، وجاء بلوخ فعمق هذه الملامح بحيث ~~أصبحت هي «وطن» الحرية والإخاء البشري الذي يسكنه؛ على حد ~~تعبير جوته في نهاية فاوست: «شعب حر يعيش على أرض حرة.» ويحقق ~~الإمكان الذي يقبل التحقق كما يتحتم أن يتحقق. # والآن ms171 ماذا أضافت مقولة الإمكان - التي اتهم بلوخ الفلاسفة ~~بإهمالها طوال التفكير الفلسفي - بطبقاتها أو مستوياتها ~~المتعددة إلى الفكر الفلسفي من ناحية، وما أهميتها في فلسفة ~~بلوخ السياسية من ناحية أخرى؟ يمكن القول بأن الانفتاح الهائل ~~لمقولة الإمكان على المستقبل جعل مهمة التفكير المقولاتي لا ~~تقتصر على المعرفة، وإنما تتدخل بشكل إيجابي في مسيرة العملية ~~الكونية، ولذلك يمكن القول بأنها أنطولوجية وعملية أو سياسية، ~~بقدر ما هي منطقية ومعرفية. ولو وقف بلوخ عند هذا الجانب ~~النظري الأخير لكان متناقضا مع روح فلسفته الثورية ومقاصدها ~~العملية والسياسية. ولذلك يكون من الطبيعي أن يحاول رفع ~~التناقض بين النظرية والتطبيق، وبين الفكر والوجود، لأن العمل ~~والنجاح فيه هما اللذان يتجه إليها في نهاية الأمر أي تفكير ~~صحيح وصادق. ولذلك فإن التفكير يملك الكلمة الأولى في التعبير ~~عن منطق العصر، ولكنه من ناحية المهمة التي ينبغي الالتزام بها ~~لا يملك الكلمة الأخيرة، لأن هذه ملك الفعل والتغيير. بيد أن ~~الفعل أو العمل مستحيل بغير التصور أو المفهوم، وهذا الأخير هو ~~قائد التحول الثوري ورائد الوصول إلى الهدف الصحيح. # والمهم في النهاية أن النظر في تفاعل مستمر مع العمل، وأن ~~العلية هنا متبادلة وليست من طرف واحد. فالعمل أو التطبيق ~~العملي مرتبط بالنزوع الموضوعي الكامن في الوجود الواقعي، ~~والنزوع الموضوعي يمكن معرفته عن طريق دراسة التطور التدريجي ~~لإمكانات ذلك الوجود. ومن ثم يكون العمل أو التطبيق العملي ~~هادفا باستمرار، كما يكون العمل أو الفعل متطابقا مع النزوع ~~المدروس بدقة وعناية لتمييزه عن أي نزوع كان أو غير ناضج. ~~وهكذا نجد أن نجاح العمل لا يتوقف فحسب على التحديد الفكري أو ~~المقولاتي، وإنما يعتمد كذلك على إمكان التحقيق العملي لإحداث ~~التغيير الحقيقي. وكل هذا مترتب بالضرورة على كون الماهية ~~الكامنة في الوجود الفعلي لم تصبح واقعا حقيقيا بعد، وأنها ~~تظل في حاجة إلى التحديد الفكري والمعرفي بقدر حاجتها إلى ~~التحقيق العملي والواقعي. إنها الماهية التي تتطلب باستمرار ~~الظهور والتحديد بصورة تقترب من الكمال بقدر الإمكان، كما ~~تنتبه ms172 على الدوام إلى الإمكانات الواقعية والموضوعية التي تنزع ~~إلى التحقق وتدعو الإرادة والعقل إلى تحقيقها في الواقع بعد ~~تحديدها في المفهوم والتصور. ولا بد هنا من تدخل العامل الذاتي ~~في إطار العملية التاريخية ووفق خطة اقتصادية واجتماعية ~~محددة لإبراز الممكن العيني إلى حيز التحقيق. # ثالثا: أنطولوجيا المادة # يقود الحديث عن مقولة الإمكان، وهي أهم مقولات أنطولوجيا ال ~~«ليس-بعد»، إلى مشكلة هامة في فلسفة بلوخ، ألا وهي مشكلة المادة. ~~لقد كانت المادة هي مبدأ الشر والباطل والمظهر الخداع في فلسفات ~~سابقة مثل الأفلاطونية والأفلاطونية ~~المحدثة والغنوصية؛ إذ كانت هي ~~ذلك الجزء من الوجود الذي ينبغي تجاوزه، وكان العالم المادي في ~~فلسفات أخرى هو عالم اللاحرية والحتمية والتبعية، وكلما نسب إلى ~~العالم المادي قدر من الواقعية كانت النتيجة هي ثنائية المادة ~~والروح، وكلما سلبت المادة من واقعيتها وأصبحت مجرد مظهر خداع ~~كانت النتيجة هي الواحدية الروحية. وفي الحالين كان ينظر للعالم ~~الطبيعي نظرة احتقار، وكأن ماهية الوجود لا مكان لها إلا في عالم ~~آخر مختلف تماما عن العالم الطبيعي المادي. لذلك لم يكن تاريخ ~~الخلاص تاريخا للعالم، بل كان هروبا من العالم ومن الواقع العيني ~~داخل العالم فكان - كما هو الحال عند أوغسطين - نوعا من الفرار من ~~«المدينة الأرضية» إلى «مدينة الله». وبالمثل كانت كل اليوتوبيات ~~الدينية روحانية، ولو أمكن أن نجعل مضمونها جزءا من العالم نفسه ~~بحيث يكون هو أفضل شكل ممكن للمجتمع البشري يقضي فيه على الظلم ~~والحاجة، عندئذ يصبح التفكير اليوتوبي تفكيرا واقعيا، ويكون ~~السؤال عن الشروط المادية اللازمة لقيام «مملكة الحرية» التي هي ~~القصد والهدف البعيد لفلسفة بلوخ اليوتوبية. ~~(1) مفهوم المادة عند بلوخ # تتركز الفكرة المحورية لبلوخ عن المادة في أنها الرحم الخصب ~~الذي تتولد عنه كل الأشكال الممكنة، وتخرج منه دائما مختلف ~~أنواع الواقع المتجدد. ويبدأ بلوخ بتعريف المادة بمحاولة ~~الاقتراب منها عن طريق التعرف السلبي، أي بتجريدها من المفاهيم ~~غير الجدلية. فليست المادة كتلة ميتة، تحرك بالضغط والدفع ~~وتبقى هي هي بلا تغيير. وحتى إذا فهمت ms173 علاقتها الصرورية ~~بالحركة، فليست هي المادة التي ترجع دائما إلى نفس الصور ~~والأشكال القديمة التي خرجت منها؛ إذ لا يصدق هذا إلا على ~~المادية الآلية التي رفع عصر التنوير من شأنها، وتصور أن ~~مفهومه عنها مفهوم ثوري، ثم أصبحت بعد ذلك هي المادية الساذجة ~~أو المادية الشعبية. وليست هي المادية التي ينظر إليها ~~المثاليون ورجال الدين نظرة التعالي والازدراء، ويسلبونها حق ~~الميلاد الذي أعطى لها منذ الفلاسفة قبل سقراط وأرسطو ~~و«اليسار» الأرسطي من ابن سينا وابن رشد إلى عصر النهضة، حتى ~~أصبحت هي الطبيعة الطابعة عند جوردانو برونو ثم اسبينوزا من ~~بعده، ومنذ أن تغنى بها الشاعر الروماني لوكريتس (من حوالي 96 ~~إلى حوالي 55ق.م.) في مطلع قصيدته «الأبيقورية» عن «طبيعة ~~الأشياء». # أنت يا من ترفعين الكائنات إلى ضوء النهار، # يا من تجودين بكل بهجة وتنعمين بكل رقة ولطف، # اقتربي مني الآن وساعديني لأبدأ أغنيتي عن ~~الكون. # كانت هذه المادة - عند الشاعر الروماني - هي ~~«الأم» التي تغذي الكون كله، كما كان هو أول من نبه إلى أن ~~كلمة أم # Mater # هي الجذر الأصلي ~~لكلمة مادة # Materia # وأن ~~المادية تعني السعادة الأرضية، والقضاء على الخوف من الموت ~~والآلهة (الذين لا يكترثون بالبشر كما زعم أبيقور)، وفهم ~~العالم من خلال العالم نفسه لا من خلال أية قوة مفارقة أو سحرية. # 83 # لذلك يرفض بلوخ التصور اللاهوتي المثالي للمادة، ~~كما يبتعد عن التصور الآلي. ذلك أن المادة في رأيه - إذا نظرنا ~~إليها نظرة ترجع إلى ما وراء مظهرها الراهن - لا يمكن أن تفهم ~~فهما كاملا من خلال التصور الآلي وغير الكيفي، بل إن هذا ~~الفهم سيصبح مستحيلا إذا نظرنا إليها نظرة تدفعها إلى الأمام ~~بحيث تكون قابلة للتشكل المستمر. # لذلك فقد أدى رد الفعل على المادية الآلية في رأيه إلى ~~أشكال مختلفة من المثالية عند فلاسفة العصر الحديث وعلمائه، ~~وقد أخلت مكانها للمادية الجدلية أو لجدل المادة منذ أن قدمه ~~هيجل نفسه في ثوب مثالي وروحي حتى كشف ماركس عنه ذلك الغطاء، ~~ومنذ ms174 ذلك الحين شد القوس الذي يربط المادة باليوتوبيا، أو على ~~الأصح يؤكد وجود اليوتوبيا في المادة؛ هذه المادة المتحركة ~~المشحونة بالطاقة، المادة التي لم تعد ذراتها أشبه بأحجار ~~البناء الثابتة، ولم تعد بنيتها هي بنية المكان الإقليدي ~~الساكن الجامد، لأنها امتلأت بمجالات الإمكان المختلفة التي لا ~~حد لها (كهرومغناطيسية، عضوية، اجتماعية، ثقافية # 84 ~~... إلخ) لقد صارت المادة هي الأم الأزلية التي خرجت ~~من رحمها الأزلي الأشكال المتجددة باستمرار ولم تزل تخرج منه ~~دون أن تنفد أو تستنفد إمكانياته أبدا، كما يرجع الفضل لأرسطو ~~وأتباعه - من الفلاسفة الذين يسميهم بلوخ «باليسار» الأرسطي - ~~في اكتشاف مفهوم الإمكان ولو بمعناه الناقص، فالربط بين مفهوم ~~الإمكان ومفهوم المادة هو الذي وحد بين الوظيفة الثورية ~~لليوتوبيا وبين المادية الأصيلة. كأن اليوتوبيا الثورية قد ~~فعلت مع المادة مثل ما فعل ماركس مع الجدل الهيجلي (إذا صح ~~الافتراض بأنه قد صححه ووضعه على قدميه بعد أن كان يقف على ~~رأسه كما تقول العبارة المشهورة) فاليوتوبيا الثورية تزعم كذلك ~~أنها قد ساعدت المادية على أن تولد من جديد، وأن تطرح عنها ثوب ~~الآلية العلمية أو الساذجة الذي تدثرت به بصورة مباشرة أو غير ~~مباشرة منذ عصر النهضة، وأن تصحح اتجاهها فتندفع إلى الأمام ~~والجديد بعد أن كانت تتجه إلى الوراء والخلف، وتنفتح على ~~المستقبل بعد أن ظلت مغلقة تدور حول نفسها أو حول الماضي، وأن ~~تكون هي المادية الواقعية والإنسانية، وأن تسع في داخلها كل ~~مضامين «الأمل» البشري وغير البشري (أي المستقل عن الوعي ~~البشري)، ولا عجب بعد يكون «الإمكان الواقعي والموضوعي» هو ~~الضمان الوحيد لظهور الجديد، وأن تكون «المادة» هي مستقر هذا ~~الإمكان وحامله وأساسه. # 85 # وخلاصة القول عن تعريف المادة عند بلوخ أنها - كما سبق - ~~ليست كتلة آلية، وإنما هي من ناحية - حسب المعنى المتضمن في ~~تعريف أرسطو لها - الموجود بالقوة أو بالإمكان (كاتا تو ديناتون # Kata to dynaton ~~) أي ~~ما يحدد شروط الموجود الذي يمكن أن يظهر في التاريخ تحديدا ~~ماديا تاريخيا، كما هي من ms175 ناحية أخرى الموجودة في حالة ~~الإمكان (ديناموي ~~أون # dynamei on ~~) والمتضايفة مع كل ممكن واقعي وموضوعي، ~~ومن ثم فهي باختصار أساس الإمكان ~~أو حاملته ومهاده وقوامه # Substrat # في العملية الجدلية ~~كلها. إنها تختمر في «اللا» - كما سبق القول أيضا - وتتولد في ~~ال «ليس-بعد» وتحمل كل شيء وتملأ كل شيء وتشمله. # 86 # والمادة متحركة بحكم تفتحها على الممكن الكامن فيها، أي بحكم ~~كونها وجودا ناقصا أو مفتقرا للوجود التام على الدوام، ولا ~~يعني هذا أنها سلبية كالشمع مثلا، لأنها لا تتوقف عن تشكيل ~~نفسها خلال حركتها المستمرة، وما نسميه العقل أو الروح ليس ~~شيئا مستقلا عنها أو مضادا لها، وإنما هو ثمرة هذه المادة ~~التي تخرج منها ولا تنفصل عن أساسها الذي ظل يتشكل وينتظم في ~~بلايين الأشكال والتنظيمات العضوية واللاعضوية منذ «الأصل» ~~الذي يقع إلى الوراء بلايين السنين وحتى مراحله الأخيرة مع ~~ظهور الإنسان، وإذا استخدمنا لغة اسبينوزا كان هذا الأساس هو ~~«الطبيعة الطابعة» والطبيعة المطبوعة في وقت واحد، وكان ~~بمثابة «مختبر الخلاص» الهائل الذي يتوهج بكل المضامين التي ~~يحملها، وبصور وأشكال لانهائية، تعبر عن نزوع صيرورته إلى ~~«الناتج الأقصى» الذي يمكن أن يكون هو الكل أو العدم، وهو ~~النعيم أو الجحيم. ولذلك يحتاج في مواجهة هذين البديلين ~~المحتملين إلى أكثر الأشكال والتنظيمات العضوية التي وصل ~~إليها وعيا وشجاعة، يحتاج إلى الإنسان «البروميثي» الذي يصب ~~عليه ناره ويوجه مساره إلى المستقبل نحو «الكل» وبعيدا عن ~~«العدم» الذي لا زال يهدد تاريخ الطبيعة والإنسان، ويظهر فيهما ~~في صور كوارثية مختلفة. # 87 # إن «الواقعي» أو «الواقع» محاط ببحر الإمكان الزاخر الذي ~~تظهر دائما على سطحه أجزاء جديدة من الواقع العضوي وغير ~~العضوي. وهذا الواقع الأخير الذي نسميه الطبيعة غير العضوية هو ~~الذي استقرت فيه «الكتلة» الغليظة التي تصورتها المادية ~~الآلية، وهو كذلك «الجثة الميتة» كما تصورتها المثالية العقلية والروحية. # 88 # لذلك ينصح بلوخ بالرجوع للمثاليين لفهم طبيعة ~~المادة التي تمثل عندهم مشكلة محيرة والرجوع إلى الماديين ~~الذين يرون أن المادة هي الحل ms176 لفهم طبيعة العقل أو الروح التي ~~تمثل عندهم مشكلة. والواقع أن المادة غير العضوية قد ظلمت ~~ظلما شديدا على يد المثالية المطلقة. فهيجل يرى أن الأرض ~~جثة هائلة تتمدد هامدة تحت أقدام البشر، وأن الطبيعة مجرد ~~قشرة غير تاريخية أو سابقة على التاريخ، وقد خرج منها الإنسان ~~منذ زمن طويل. # 89 # غير أن الطبيعة ليست على الإطلاق كما صورها هيجل، ~~بل هي مجال مشع بالأشكال، يتكون جوهره باستمرار، كما أن الوجود ~~في حالة الإمكان - أي الوجود المادي كما نجده في «طبيعة» ابن ~~سينا وبرونو وجوته وغيرهم منذ أرسطو إلى ماركس - هو أبعد ما ~~يكون عن الوجود الميت تحت بصر الروح العضوي الحي. # إن من حق الطبيعة العضوية واللاعضوية - في رأي بلوخ - أن ~~تحتل مكانها في التاريخ البشري، وأن تحيط به كذلك إحاطة ~~كونية شاملة. ومن الواجب على التاريخ الحضاري - كما حدث في ~~عصر النهضة - أن يضع نفسه داخل الطبيعة المادية، دون أن يضطر ~~لدفعها بالآلية أو لوضع شاهد مثالي على قبرها - على حد ~~تعبير بلوخ - ودون أن يضطر ~~كذلك للفرار الرومانسي إليها في الرسم والشعر (الذي يكسوها ~~بأثواب الجمال والجلال ويغفل عن جوهرها الجدلي الحي) أو الزعم ~~بأن العلم الطبيعي-الرياضي ونتائجه التقنية قد تحكمت فيها ~~وأحاطت بكل إمكاناتها الكامنة. # بذلك يمكن أن توضع ~~المشكلة الأنثروبولوجية الواقعية (التي تتعلق بحقيقتنا كبشر) ~~في داخل المشكلة الكونية الواقعية، وأن تشملهما معا حقيقة ~~«الإمكان» التي ينبغي علينا أن نقترب منها بكل حذر وفي الوقت ~~نفسه بكل موضوعية. ومعنى هذا أن الفهم «الكيفي» للمادة ينبغي ~~ألا يخضع لأهواء الفهم الرومانسي أو يتراجع إليه بعد أن تأكد ~~مرارا أن مشكلة المادة يجب أن تفهم من منظور الإمكان المندفع ~~دائما إلى الأمام. ولو وضع البشر تاريخهم داخل المجال الكوني ~~الشامل العضوي وغير العضوي لتبين حقيقة السعي الدائب إلى ~~«الوجود» الأصيل على أنه السعي إلى الوطن الحقيقي، ولتابعنا ~~خطواتنا على الطريق محاطين بالإمكان الواقعي في كل ما حولنا ~~وفي داخلنا على السواء. فحتى الطبيعة اللاعضوية - لا التاريخ ~~البشري ms177 وحده - يمكن أن تكون لها يوتوبياها. # 90 # كما أن الطبيعة التي طالما وصفها الكثير من ~~المثاليين والوجوديين بأنها ميتة أو صماء ومغلقة على نفسها؛ ~~حتى هذه الطبيعة اللاعضوية ليست ميتة، لأنها جزء من العملية ~~الجدلية الشاملة التي لا تتوقف عن تشكيل إمكانات المادة فيما ~~لا حصر له من الصور والأشكال. # كان من الطبيعي أن يرجع بلوخ إلى مفهوم المادة عند أرسطو ~~بوصفها «الموجود بالقوة أو الإمكان» وأن يتتبع فكرتها كإمكان ~~غير محدود منذ أرسطو إلى أن بلغت ذروتها وتفتحها عند ابن سينا، ~~ثم تابعت نموها عند عدد كبير من مفكري العصر الوسيط وعصر ~~النهضة، أمثال ابن رشد وابن جبيرول وابن ميمون حتى باراسلس ~~وجوردانو برونو إلى أن وصلت إلى مفهوم الطبيعة الطابعة عند ~~اسبينوزا والمونادة الحية عند ليبنتز، ثم إلى تصورها الكيفي ~~والعضوي الحي عند شيلنج وجوته، حتى اكتملت في المادية الجدلية ~~عند ماركس وإنجلز. # كان هدف بلوخ من بحثه في المادة أن يؤكد إذا استعملنا لغة ~~أرسطو - الطابع الغائي للعالم أو أنتيليخيا العالم - أي أن ~~المادة كإمكان غير محدود تنطوي على الغاية الكامنة فيها أو على ~~الكمال الذي يسير نحو التحقق دون أن ~~يبلغه أبدا بصورة نهائية، ~~ويؤكد بلوخ في نفس الوقت أن تحقيق هذه الغاية وهذا الكمال هما ~~واجب ملقى على الإنسان الذي يعد آخر ما أبدعه جدل الطبيعة، ~~هكذا يكون بلوخ اليوتوبي قد وجد الأساس المادي والطبيعي ~~ليوتوبياه الواقعية التي اتجه إليها تفكيره منذ البداية. لكن ~~يبقى السؤال: هل اعتنق بلوخ المفهوم الأرسطي للمادة كما ~~عرفناه؟ الواقع أنه قدم تصورا جديدا لمفهوم المادة عند أرسطو ~~فليست المادة مجرد القوة أو الإمكان فحسب وإنما هي أشكال ~~الوجود الكامنة في الإمكان، أو ما يعبر عنه أرسطو بالموجود في ~~حالة الإمكان # Dynamei on ~~، ~~وهو المبدأ الميتافيزيقي للوجود الممكن ذاته. فالمادة هي ~~الموجود الذي لا يزال في حالة الكمون، أو الذي لم يتحقق بعد، ~~وإن كان في لحظته الراهنة مفعما بشتى الميول والنزعات التي ~~تتجه نحو التفتح، وتسير به على الطريق ms178 الطويل نحو التحقق ~~والتوحد بماهيته أو هويته. وليست الطبيعة إلا مملكة هذه المادة ~~التي لا تتوقف عملية صيرورتها وتفتحها عن موجودات لم تكتمل ~~بعد. وكل ما ظهر في الطبيعة أو بسبيله إلى الظهور، لا يخرج عن ~~كونه لحظة من لحظات هذا العالم الذي لم يزل على الطريق إلى ~~ذاته، أو حلقة من حلقاته. والإنسان - وهو وعي الطبيعة ~~بذاتها - ليس استثناء من هذا التسلسل أو التطور. # 91 # ويؤكد بلوخ أن المادة تبدع - بفضل الإمكان الكامن فيها وحده ~~- جميع أشكال وجودها المتنوع من ذاتها. وليست حركة المادة ~~وحدها بل المادة في مجموعها - من حيث هي قوة أو إمكان فعال - ~~هي التي تظل أنتيليخية غير مكتملة. والمشكلة الأخيرة التي تعبر ~~عنها هذه الصيغة، وهي أن الجوهر هو في نفس الوقت ذات، تعبر ~~أيضا عن أن المادة هي أنتيليخية غير مكتملة وكامنة في هذين ~~العالمين وهما: التاريخ الإنساني والطبيعة الكونية. # 92 # فالمادة ليست هي الوجود بالقوة أو الوجود السلبي، ~~وإنما تحرك نفسها أثناء تشكلها على صور مختلفة. وهكذا نجد أن ~~فكرة الوجود بالقوة لم تعد أشبه بالشمع غير المحدد الذي تنطبع ~~عليه الصور (الأنتيليخيا)، لأن طاقة المادة أصبحت في النهاية ~~هي الميلاد والقبر، وهي موطن الأمل الجديد للصور الكونية بوجه عام. # 93 ~~(2) تطور مفهوم المادة لدى اليسار الأرسطي # تتبع بلوخ تطور مفهوم المادة بعد أرسطو في كتابه «ابن سينا ~~واليسار الأرسطي» فعرض كيف أن المادة (الإمكان) والصورة (العلة ~~الغائية والأنتيليخيا) والصورة الخالصة (العقل الفعال أو الفكر ~~الإلهي الخالص) بدأ «تطبيعها» بعد أرسطو مباشرة على يد ستراتون # 94 ~~- العالم الطبيعي وثالث رئيس للمشائين - فحول ~~فلسفة أرسطو إلى نوع من وحدة الوجود الطبيعية. فالطبيعة هي ~~الله نفسه، وهي تعمل بغير وعي ولا تتوجه إلى تحقيق هدف أو ~~غاية، وليس النشاط النفسي عنده سوى نشاط جسدي، ولا يوجد ~~بجانبه ما يسمى عقلا أو روحا. والآلهة في رأيه ليست هي التي ~~خلفت العالم لأنها لا تخرج عن أن تكون ظواهر للطبيعة. # 95 # ثم تطور مفهوم المادة عند شارح ms179 أرسطو الكبير الإسكندر الأفروديسي # 96 # الذي أكد طاقة المادة، ولم ينكر دخول العقل الإلهي ~~في النفس الإنسانية، ولكنه وحد بين العقل الفعال والألوهية. ~~ووصف العقل الإنساني بأنه عقل منفعل، ومن ثم فهو عقل فان ~~بفناء الجسد، ولهذا سمي الفلاسفة الأرسطيون في عصر النهضة ~~(وعلى رأسهم بومبوناسيوس أو بومبوناتسي 1462-1524م) الذين ~~أنكروا خلود النفس بأنهم إسكندريون. # 97 # ويعرض بلوخ كيف ازدهر التراث اليوناني الوثني والعلم ~~التجريبي عند العرب، ويشيد في كتابه السابق الذكر بالحرية ~~العقلية للفكر العربي الإسلامي في العصر الوسيط حيث كانت بغداد ~~موطن هذه الحرية العقلية التي انتقلت منها إلى قرطبة. وكان ~~الفيلسوف الإسلامي طبيبا وعالما طبيعيا ولم يكن رجل دين ~~فقط، ولم يكن الخليفة بابا - كما كان الأمر في العصور الوسطى ~~المسيحية - بل كان يزين قوته بالعلم الدنيوي، وعلى الرغم من ~~انطلاق تفكير الفلاسفة العرب من أرسطو ومن التصوف الأفلاطوني ~~المحدث، إلا أنه لم يكن تفكيرا كهنوتيا. فقد تحول الإيمان ~~بالقرآن الكريم (أو الوحي) إلى إيمان بقوة العقل الإنساني، ومن ~~ثم تحدد تأثير الوحي على مسار العلم ووضع في حدوده. كذلك لم ~~يبق في الدين شيء غيبي فوق العقل، فقد فضت قشرة اللغة ~~المجازية للقرآن بحيث لم يبق فيها سر مغلق. وأصبح أرسطو هو ~~أعلى تجسيد للعقل البشري، كما صار هو تجلي العقل عند ابن رشد. ~~لذلك كانت العلاقة بين الدين والفلسفة عند فلاسفة المسلمين ~~مختلفة كل الاختلاف عنها عند المدرسيين، ولم يعتبر فلاسفة ~~الإسلام أرسطو ممهدا لمحمد كما فعل المدرسيون في القرن الثاني ~~عشر عندما اعتبروه سابقا على المسيح، وساعدت الحركة الصوفية ~~أيضا - فيما يرى بلوخ - على ابتعاد المفكرين العرب عن الإيمان ~~السلفي بالكتاب، فقد كانت حركة احتجاج على الأرستقراطيين وأهل السلف. # 98 # وكان ابن سينا (980-1037م) من أهم معالم التطور الذي سارت ~~فيه فلسفة أرسطو الحقيقية، كما كان علما من أعلام التنوير ~~الوسيط والإعلاء من شأن المادة. فتصنيف العلوم عند ابن سينا ~~أقل في نزعته اللاهوتية منه عند الأرسطيين المسيحيين؛ إذ بدأ ~~هذا التصنيف بالمنطق والرياضيات ms180 يتبعها العلم الطبيعي والفلسفة ~~الطبيعة ثم الميتافيزيقا التي تبنى عليها. # 99 # ويتجلى تطبيع ابن سينا لأرسطو، في أراء الأول عن ~~العلاقة بين الجسم والنفس والعقل الفعال، والعلاقة بين المادة ~~والصورة، فلم تعد الصورة منفصلة عن المادة كما كانت عند أرسطو، ~~بل أصبحت كامنة فيها ومتعددة بتعدد أنواع المادة. كما أصبحت ~~المادة عنده - أي عند ابن سينا - مادة فاعلة، والصورة هي النار ~~الكامنة أي الحقيقة النارية للمادة. # 100 # إن هذا التفسير المادي لابن سينا يحتاج إلى وقفة، فهل كان ~~ابن سينا فيلسوفا ماديا كما فسره بلوخ؟ إن نصوص أي فيلسوف ~~هي مجال خصب لتأويلات وتفسيرات عديدة ومتنوعة، فهناك من ~~الشروح والتفسيرات ما يخالف رأي بلوخ، كما أن هناك ما يوافقها، ~~وربما كان التفسير المادي لابن سينا للمفكر العربي حسين مروة ~~من أبرز التفسيرات التي تتفق في خطوطها العامة مع رأي بلوخ. ~~وتستند هذه المحاولة على مسألة الوجود والماهية، فكلاهما يعد ~~من المواقف الفاصلة بين الاتجاهين الأساسيين في الفلسفة وهما ~~الاتجاه المادي والاتجاه المثالي. فالقول بأصالة الماهية، أي ~~أنها الأصل في النظام الكوني، هو إعلان للانحياز إلى المثالية، ~~أما القول بأصالة الوجود، أي كونه هو الأصل، فذلك هو القول ~~الذي يشترط كل نزعة مادية وذلك لأن القول بأصالة الماهية يعني ~~نفي الوجود الموضوعي للواقع، وأن الماهية هي الحقيقة الثابتة ~~دون الوجود المتعين، أي الموجود، ويعني القول بأصالة الوجود ~~عكس ذلك، أي كون الواقعي له وجوده الموضوعي، ومن هنا تبدأ ~~الخطوة الأولى نحو المادية الفلسفية. # 101 # يتضح من موقف ابن سينا في نظريته عن المادة والصورة، أنه ~~تناول هذه النظرية في مجالي العالم الميتافيزيقي والعالم ~~الطبيعي، وكانت نقطة انطلاقه في هذا التناول هو العالم الخارجي ~~المحسوس، وقد كان لممارسته علوم الطبيعة نظريا وتجريبيا، ~~ولارتباطه المباشر بالمشكلات الاجتماعية والسياسية، أثر عميق ~~في تحديد قاعدة الانطلاق هذه، ومن هنا تتضح المسألة الهامة في ~~فلسفته برمتها ألا وهي حركة العالم، أي حركة التغير والتحول ~~والصيرورة في الطبيعة والمجتمع وما يتصل بها من أشكال الوجود المادي. # 102 ms181 # يقول ابن سينا في تحديده موضوع العلم الطبيعي إنه ~~- أي موضوع هذا العلم - «هو الأجسام الموجودة بما هي واقعية ~~في التغير وبما هي موصوفة بأنحاء الحركات والسكونات.» # 103 # ويتفق تفسير حسين مروة مع رأي بلوخ في أن ابن سينا كان أبعد ~~شوطا من أرسطو في الاتجاه نحو المادية الفلسفية، وذلك حين جعل ~~لمقولتي المادة والصورة مكانا أكثر فاعلية وتأثيرا في وجود ~~العالم المادي، وأوشك أن يرى الحركة الذاتية في الأشياء، وأن ~~يرى في الحركة كونها شكلا من أشكال وجود المادة، فخطا بذلك ~~خطوة بالغة الأهمية في تحديد اتجاهه الفلسفي المادي، اقترنت ~~بها خطوة أخرى نحو هذا الاتجاه برؤيته العلاقة الجدلية بين ~~المادة والصورة على نحو يؤدي إلى نفي الثنائية التي فرضها ~~الفكر الأرسطي على هذه العلاقة. # 104 # وإذا كان عدد كبير من الباحثين يرون أن ابن سينا قد تخلى عن ~~المواقف المادية في فلسفته في آخر مؤلفاته وهو «الإشارات ~~والتنبيهات» فإن حسين مروة ينفي هذا ويؤكد تمسك ابن سينا ~~بمواقفه حتى آخر حياته، خاصة في قوله بقدم العالم بل وفي تعميق ~~فكرة نفي الخلق أي نفي إيجاد العالم من عدم. وقد ترتب على قول ~~ابن سينا بقدم العالم أن توسع في بحث مسألة العلة والمعلول ~~ليستخرج منها الكثير من الأفكار المؤدية إلى وحدة العالم على ~~أساس مادي لا على أساس وحدة الوجود بمفهومها الصوفي. # 105 # ولذلك كانت النتيجة المنطقية لتلاحم العلة ~~بالمعلول أن أصل العالم: وحدة ضرورية قائمة - أزليا - بين ~~العلة الأولى «المبدعة» (بكسر الدال) ومادة العالم «المبدعة» ~~(بفتح الدال). وينتج عن ذلك أن الفارق بين «العلة الأولى» ~~ومعلولها «العالم» فارق اعتباري محض، لأن كليهما يجتمع مع ~~الآخر ضمن وحدة تنتفي بها الحدود المميزة للعلة من المعلول، ~~بحيث تكون العلة هي المعلول وبالعكس. ذلك أن القول بقدم العالم ~~يستلزم الأخذ بفكرة التلازم والتلاحم بين واجب الوجود بذاته ~~وواجب الوجود بغيره، أي بين العلة الأولى ومعلولها، وهو العالم ~~المادي، وإلا كان على ابن سينا أن يقول بقديمين اثنين ~~منفصلين: أحدهما واجب ms182 الوجود بذاته والآخر العالم أو المادة، ~~وكان عليه كذلك أن يقول بالفصل بين العلة الأولى ومعلولها. # 106 # هذا التطبيع الذي بدأ مع ابن سينا بلغ عند ابن جبيرول ~~(1020-1070م) الفيلسوف الأندلسي اليهودي إلى تصور المادة ~~الكلية التي كانت خطوة هامة فيما بعد نحو عبارة اسبينوزا ~~الله أو الطبيعة، ووصل هذا التطبيع إلى ابن رشد فتمت خطوة ~~كبيرة نحو الطبيعة الطابعة في تصوره للمادة الأزلية المتحركة ~~الحية، بحيث لا تحتاج - بوصفها طبيعة طابعة - إلى عقل إلهي ~~من خارجها أو من فوقها. # 107 # واحتوت المادة على كل الصور كبذور حياة، بل نسبت ~~الحركة إلى المادة أساسا لا إلى الأنتيليخيا ، بحيث صار التطور ~~هو خروج الصورة عن المادة بدلا من خروجها عن الإله الخالق. # 108 # وجاء التحول عن التأليه في عصر النهضة إلى نزعة مادية تتصف ~~بوحدة الوجود وتصير هي الحياة الكلية اللامتناهية ولكن بلا ~~عالم آخر، انتهاء إلى فكرة المادة المبدعة عند جوردانو برونو، ~~أي في نفس الخط الذي بدأ من فكرة الصورة أو المادة عند أرسطو ~~حتى وصل إلى الاستغناء عن فكرة الطاقة الإلهية بالطاقة المادية ~~الفعالة، وهو خط «اليسار الأرسطي» حتى توما الأكويني، فزاد ~~العقل الأرسطي ارتفاعا أو علوا عن المادة، وبذلك يمكن القول ~~بأن تأثير ابن سينا امتد لا إلى توما الأكويني، بل إلى ~~جوردانو برونو وتابعيه، أي إلى كل ما يمكن تسميته باليسار ~~الأرسطي الذي شد العقل الأرسطي إلى الأرض كما فعل اليسار ~~الهيجلي مع العقل المطلق. # 109 # ويتوسع بلوخ في مفهوم المادة وفهم الطبيعة - بالمعنى الحرفي ~~للكلمة التي تدل عليها في اللغة اللاتينية # Natura # التي يحمل جذر ~~الفعل فيها # nascere # معنى ~~النشأة والميلاد ويتضمن الاتجاه للمستقبل - فهما تاريخيا ~~باعتبارها التاريخ الجدلي للعالم أو على حد تعبيره «باعتبارها ~~المتصل الجدلي المتقطع لمواد مختلفة فيما بينها اختلافا ~~كيفيا، صعودا مما هو آلي وكيميائي وعضوي إلى ما هو ~~اقتصادي تاريخي.» # 110 # بل يذهب بلوخ إلى أبعد بكثير مما فعلت المادية ~~الجدلية، فلا يكتفي بأن يفهمها فهما تاريخيا واقتصاديا ~~فحسب وإنما ms183 يجعلها المنبع الدائم لإمكانات متجددة تتخلق في ~~أشكال مختلفة على مستوى الطبيعة العضوية وغير العضوية، وفي ~~الكون والإنسان على السواء أن الطبيعة المادية هي الأساس الذي ~~يقوم عليه كل تاريخ ممكن، وبالأخص تاريخ العمل البشري الواعي ~~الذي يغير من الطبيعة نفسها دون أن ينفصل عنها أبدا. وبهذا ~~يربط المادي الكوني غير العضوي بالأساس التاريخي للوجود، أي ~~بالوطن الإنساني، «فحتى الطبيعة غير العضوية - لا التاريخ ~~البشري فقط - لها يوتوبياها» بل هي مجال مشع بالأشكال يتكون ~~جوهره باستمرار. بذلك يصبح تاريخ البشرية جزءا من تاريخ ~~الطبيعة، وإن كان في الوقت نفسه هو الضد المقابل لها، لأنه ~~يقوم على الوعي والتخطيط، فالمادة متفتحة على إبداع الجديد من ~~الناحية الكيفية ومتضمنة لكل أشكال التحقيق المقبلة التي تكمن ~~في داخلها قبل ظهورها. # 111 # تأثر بلوخ بآراء فيلسوف المثالية شيلنج (1775-1854م) وفكرته ~~عن المادة. فقد تأثر شيلنج بفكرة المادة المختمرة وعمليات ~~التخمر التي كشفت عنها الكيمياء في عصره. كما تأثر بعلم ~~السيمياء القديم الذي أحياه باراسلس منذ أوائل عصر النهضة، ~~وأضفى فلاسفة هذا العصر الصورة البشرية على المادة بحيث أصبح ~~الإنسان هو ابنها الذي فتحت به عينيها وتأملت نفسها من خلاله. ~~وقد نظر شيلنج نظرة بيولوجية للطبيعة، فتصور المطلق كصيرورة ~~وحقق إلهه المطلق نفسه وإمكاناته وغاياته في تيار زمني في ~~الطبيعة والفن، فكانت الطبيعة قوة متطورة خلاقة تتفجر ~~لتحقيق أشكال جديدة لا تنتهي، وتصبح على وعي بذاتها من خلال ~~الإنسان نفسه. # 112 # وتقوم فلسفة شيلنج كلها على فكرة الحرية والإرادة: ~~حرية إيجاد دين جديد يطلق عليه اسم الدين الفلسفي، وإرادة ~~الخروج من الذاتية إلى الموضوعية لتحقيق مبدأ الهوية المطلقة. ~~وقد كان من الطبيعي أن يستعين بلوخ كذلك بتصور «جوته» للطبيعة ~~في صورة عضوية حية لكائن كلي وأبدي فعال، وأن يلجأ كذلك ~~لفكرة الكل الحي القديمة مع فكرة الطبيعة الطابعة التي بدأت من ~~عصر النهضة وتحددت في القرن السابع عشر مع اسبينوزا، ولا يكف ~~بلوخ عن محاولته إثبات حركة المادة وإمكانياتها الفعالة وأن ~~قوتها لم تعد سلبية ms184 بل إيجابية تسمح بالتطور. فهو يرى أن ~~الفكرة الكلية عند هيجل تحتوي على قدر كبير من الطاقة المادية ~~التي أصبحت فعالة، إذ أخذ هيجل مفهوم التطور الأرسطي وجعل ~~فكرته عن الوجود في ذاته مرادفة لفكرة الإمكان أو الوجود ~~بالقوة عند أرسطو، وبغير هذا التراث السابق من أرسطو إلى برونو ~~لم يكن في استطاعة ماركس أن يعدل من وضع الفكرة الشاملة بحيث ~~تقف على قدميها بصورة طبيعية. ولا كان من الممكن أن تخلص ~~جدلية هيجل من الروح المطلق ليعبر عنها ماركس تعبيرا ماديا ~~ولتصبح قانونا لحركة المادة. # 113 # إن تصور بلوخ للمادة هو من أكثر أجزاء فلسفته غموضا وأغناها ~~بالمفارقات وأكثرها إثارة للإعجاب والحيرة معا. وأول سؤال ~~يخطر على بال القارئ هو كيف تتفق ماديته مع التصورات العلمية ~~الحديثة للمادة؟ يرى بعض الباحثين # 114 # أنه قد ابتعد عن التصور العلمي الحديث للكون، كما ~~حجب عن عينيه رؤية البنية اللانهائية لعالم النظم الشمسية ~~والنجمية والمجرات الشاسعة، وانجذب للنزعة البشرية التي تتصور ~~الكون في صورة حيوية «أنتيليخية» يحتل الإنسان مركزها ويمثل ~~وعيها المتطور كذلك تطورا طبيعيا، ومعنى هذا أننا نجد لديه ~~صورة كلية وحيوية للعالم يعبر عنها ميتافيزيقيا وشاعريا ~~وبصورة مجازية زادتها غموضا كما يحرص على إيقانها في إطار ~~المادية التاريخية والجدلية، ولكنه عبر في نفس الوقت عن عجز ~~المادية الجدلية - منذ إنجلز وجدل الطبيعة لديه - عن إقامة ~~فلسفة طبيعة وجدلية ملائمة للتصور العلمي الحديث ومناهجه ~~الكمية والرياضية التي تؤكد «الاحتمال» و«اللاتحدد» بقدر ما ~~تبتعد عن الإطلاق والضرورة. # والواقع أن الفلسفة المادية الجدلية لم تزل تعاني من اتساع ~~الفجوة بين جدلها التاريخي بقوانينه ومبادئه الضرورية والقبلية ~~من ناحية، وبين الجدل التجريبي للطبيعة من ناحية أخرى، وهي ~~فجوة لم تستطع الفلسفة الماركسية حتى الآن أن تتخطاها أو تقرب ~~بين طرفيها المتباعدين بصورة مقنعة. ومن الواضح أن أي فلسفة ~~تعجز عن تفسير العالم الطبيعي والتاريخي ابتداء من مبدأ نسقي ~~ومنهجي شامل لا بد أن تبقى فلسفة قاصرة، وإذا كان الذي ~~لاحظناه في تصور بلوخ «غير ms185 العلمي» للمادة يرجع في الحقيقة إلى ~~قصور النظرية المادية نفسها، فإن هذا لا يقلل في شيء من الجهد ~~الفلسفي الذي حاول به تأسيس «أنطولوجيا جدلية للتاريخ ~~الإنساني» ولمضامين الوعي الذي يتأمله، على أنطولوجيا أعم عن ~~المادة وتفتحها الجدلي في الطبيعة، مهما أخذ عليه الابتعاد عن ~~طريق الفلسفة العلمية الحقيقة واللجوء إلى التصوير الفني ~~والخيالي والحيوي بلمساته الشعرية والصوفية الواضحة للعيان. ~~ذلك أن تصوير العالم في صورة كل حي لا يمكن أن يتم إلا عن ~~طريق تشبيهه بالعمل الفني الحي المتكامل، وإن كان من الضروري ~~أن نستدرك هنا فنقول إن كليهما (أي العالم والعمل الفني) يظل ~~في حالة صيرورة ولا يكتسب هويته أو ماهيته النهائية إلا في ~~المستقبل البعيد، وكل ما «ليس-بعد»، أي كل ما هو على الطريق ~~فهو كذلك على الطريق إلى «يوتوبياه» التي ستكتمل مع غيرها في ~~أحضان «اليوتوبيا الكلية» المأمولة، ولا نقول النهائية حتى لا ~~نخرق قوانين الجدل التاريخي أو المادي. ومجمل القول أن مفهوم ~~المادة ومن ثم الطبيعة لا يخلو عند بلوخ من إشكالات، إن لم نقل ~~من مفارقات وتناقضات، فإذا قلنا إنها تتخذ صورة «الطبيعة ~~الطابعة» - كما نجدها عند اسبينوزا في نسقه الواحدي أو في وحدة ~~وجوده المعروفة - فهي إذن الخالق (الذي يواصل فعل الخلق والحفظ ~~المستمر على حد تعبير الأشاعرة وديكارت) والمخلوق (الذي تتواصل ~~عملية خلقه بلا توقف)، وهي كذلك المحرك الأول - بلغة أرسطو - ~~وعلة ذاتها - بلغة العصر الوسيط واسبينوزا - التي لم تحقق ~~ذاتها بعد، وإن كانت في سبيلها إلى تحقيقها. وهنا تكون المادة ~~بمثابة الرحم الذي خرجت منه كل الأشكال الموجودة والأشكال التي ~~ما زالت في طريقها إلى الوجود، بالإضافة إلى أنها تضمن تحقيق ~~الوحدة التي تضم التنوع اللامتناهي الهائل للتاريخ الطبيعي. ~~وهنا يبدو هذا السؤال: هل تكمن جميع الإمكانات التي تحققت ~~بالفعل، فضلا عن تلك التي لم تتحقق منذ البداية في داخل ~~المادة التي لم تتطور على الإطلاق؟ وهل هذه الإمكانات بمثابة ~~رصيد مدخر من الماهيات الممكنة، على نحو ما تصورتها ~~الميتافيزيقا الوسيطة ms186 بوصفها «أفكار الله الخالدة»؟ إذا صح هذا ~~يكون قد تم افتراض وجود عالم كامل وثابت للإمكانيات على غرار ~~عالم المثل الأفلاطونية بجانب عالم الواقع أو على الأصح وراءه، ~~ويصبح عالم الواقع في هذه الحالة هو عالم الظواهر أو عالم ~~الظلال الأفلاطونية لتلك الإمكانيات الأبدية. # ومع أنه من المستبعد أن يكون هذا «الحل» قد خطر على بال ~~بلوخ، فقد كان عليه - لكي يكون متسقا مع فكره - أن يقول ~~بإمكانيات لم توجد داخل المادة منذ البداية، إمكانات تضاف مع ~~الزمن إلى مسيرة التاريخ الطبيعي والبشري، أي أن يقول «بجديد» ~~من ناحية التحقق الفعلي ومن ناحية القوة والإمكان على السواء. ~~ولكن كيف يستطيع في هذه الحالة أن يفكر في إمكانات لم تكن ~~ممكنة على الدوام ومنذ البداية؟ ألا يكون عليه أيضا في حالة ~~القول بالإمكانات الجديدة أن يبين الشروط والأسباب التي حلت ~~محل الظروف السابقة التي أبطلت الإمكانات القديمة؟ بعبارة ~~أوضح: أليس من الضروري - إذا أراد أن يفهم الوجود في سياق ~~مترابط يخضع فيه كل موجود لقوانين طبيعية دقيقة - أليس من ~~الضروري في هذه الحالة أن تكون كل الإمكانات قد نشأت عن سلسلة ~~مترابطة ولا متناهية من السياقات العلية التي تمكننا من تتبع ~~تلك الإمكانات منذ بدايتها بحيث نقول عنها إنها وجدت وكانت ~~«ممكنة» على الدوام؟ وإذا لم نفترض هذا ليكون تصورنا علميا ~~بقدر الطاقة، فسوف يكون البديل - الذي يرجح أن يكون لينتز قد ~~لجأ إليه عند حديثه عن عوالم الإمكان والأسباب المنطقية ~~والغائية التي تكمن وراء اختيار أحدها للتحقق الفعلي - سيكون ~~هو افتراض عالم الإمكانات الشبيه بنسق المثل الأفلاطونية، أو ~~التسليم بتدخل فعل الخلق الإلهي لتبرير ظهور الإمكانات الجديدة ~~بغير سبب علي كاف. ومن الواضح أن مثل هذا التدخل الإلهي لا ~~يمكن تصوره في عالم مادي أو طبيعي يفترض صاحبه أنه يخضع ~~لقوانين ضرورية. # هكذا تقع فلسفة بلوخ الطبيعية في أسئلة وإشكالات يبدو أنها ~~لن تجد الإجابة عنها إلا في الحلول اللاهوتية، فالفلسفة التي ~~تقوم على افتراض نسق مفتوح للتاريخ البشري داخل ms187 هذا العالم لا ~~بد أن يؤدي تطبيقها على التاريخ الطبيعي وعلى العالم المادي في ~~مجموعه: إما إلى مفارقة «الحدوث» المطلق لهذا العالم (مع ضرورة ~~التسليم بوجود الإله الخالق على العكس مما يريد الفيلسوف)، ~~وإما إلى افتراض عالم «أفلاطوني» مستقل من الإمكانات الأبدية ~~التي ستبدو جدتها وتفتحها مجرد انعكاس للانهائي على الوعي ~~النهائي والبشري المحدود. ومعنى هذا أن فكرة بلوخ المحورية عن ~~المادة من حيث هي وجود ممكن أو وجود لم يتحقق بعد ستنطوي في ~~الحالين على صعوبات وإشكالات لم يحلها بلوخ أو لم يستطع أن ~~يصل إلى الحل الذي يتسق مع فلسفته ولا مع التطور العلمي لمفهوم ~~المادة التي أصبحت - على حد تعبير رسل وغيره - سلسلة من ~~الأحداث المحايدة. وربما يرجع السبب العميق في ذلك إلى عجز ~~المادية الجدلية عن إقامة فلسفة طبيعية متسقة مع مبادئها ~~المنطقية والقبلية من ناحية، ومع الرؤية العلمية المعاصرة ~~للمادة والعالم من ناحية أخرى. # الفصل الرابع # | الزمان والتاريخ والجدل # ما هو الجدل؟ وما جوهره؟ # الجدل هو منطق الزمانية ومنطق الصراع والتغير في الفكر والعالم. ~~والجدل من الناحية الموضوعية هو الرفع الذاتي لوضع معين بالانتقال ~~إلى الوضع التالي له عن طريق توسط النفي (السلب) أو التناقض خلال ~~عملية الصيرورة. أما من الناحية الذاتية فإن الجدل هو صياغة أو ~~تكوين التناقض كشكل فكري بأن يشمل العام نفسه وضده معا. والجدل ~~كخطوة إيقاعية ثلاثية على الصورة المعروفة عند هيجل هو الموضوع ~~ونقيضه والمركب الذي يستوعبهما معا. والجدل المادي يفترض المجال ~~المفتوح الذي تخرج فيه التناقضات من الموضوع ذاته كما يتم رفعها ~~والتغلب عليها. # معنى هذا أن الموجود لا ينظر إليه على أنه في هوية مع ذاته، أي ~~على أنه كامل وغير قابل للتغيير، وإلا فلن توجد التناقضات ولن يكون ~~ثمة مجال للتغيير والاختلاف، أي لإمكانات لم تتحقق فيه بعد. ~~وافتراض وجود الزمان ومعه الحدوث والتغير، يفترض ال «ليس-بعد» أو ~~عدم تحقيق الموضوع لهويته بعد. ذلك لأن الهوية (أو الذاتية) ~~الخالصة ساكنة وبلا حركة. ولذلك أيضا فليس الجدل إلا ms188 قانون الوجود ~~الذي يتم بمقتضاه توسط الموجود مع ما لم يوجد بكل دلالاته ~~وتناقضاته، وكذلك توسط الجزئي مع الكلي. وبهذا يعتبر الجدل، بجانب ~~الإمكان - كأسلوب وجود - والزمان - كشكل وجود - من أهم التحديدات ~~أو المقومات الأنطولوجية للموجود الذي لم يوجد بعد. # 1 # ويسير الجدل مع الأحداث ويسبقها ويتقدم عليها. ولذلك فالجدل ليس ~~منهجا للتصور، وإنما هو منهج للتقدم، ومن ثم يتعلق تعلقا أصيلا ~~بالكل الذي لم يتحقق أو لم ينتج بعد، أو بالكلية التامة التي ~~ينتظر أن تظهر في آخر الزمان. ويحلل بلوخ تاريخ الفلسفة كله على ~~أساس الفصل بين الذات والموضوع، فتارة يتم التركيز على الذات فتكون ~~الفلسفات المثالية الوجودية، وتارة يحدث تركيز على الموضوع فتكون ~~الفلسفات المادية والآلية الفجة التي هاجمها هجوما شديدا. لذلك ~~يحاول في كل كتاباته أن يوحد بين الذات والموضوع وبين الوجود ~~والماهية اللذين لم يتحدا بعد - في رأيه - وحدة حقيقية، لأن ~~تحقيقها مرهون بالوعي والإرادة البشرية، والنزوع الموضوعي ~~والاتجاهات المستقبلية نحو هذه الوحدة. # أولا: الجدل المادي عند بلوخ # لا يفهم الوعي في التفكير الجدلي (المادي والتاريخي) إلا ~~باعتبار أنه هو العلم بمضامينه، أي باعتبار أنه متوجه نحو ~~الموضوعات. ويدلنا تاريخ الجدل - حتى في تصوره المثالي - على ~~توجهه الأساسي صوب الموضوع. والحقيقة أن لب الجدل لا يكمن في ~~التفكير، لأنه كمنهج لا يتعلق بالتأمل، وإنما يتعلق بتأمل ~~التأمل أو التفكير في التفكير، أي بتلك المرحلة التي لا يكون ~~فيها الوعي مجرد انعكاس العالم على الوعي، وإنما يكون وعيا أو ~~تحليلا واعيا للوعي بالعالم. # 2 # وليس الجدل جديدا في الفلسفة الحديثة التي يمثل ~~هيجل - فيلسوف الجدل الأكبر - قمتها، فقد كان موجودا عند ~~القدماء من الفلاسفة أمثال حكماء الصين القدماء (في مبدأ الين ~~واليانج أو السالب والموجب) وفي الزرادشتية في إيران (في ~~ثنائية النور والظلام والخير والشر)، وفي الفلسفة اليونانية، ~~بل ونستطيع أن نعد أفلاطون مخترع الجدل أو مكتشفه، وترتكز ~~جدارته أو استحقاقه لهذه التسمية - كما يقول هيجل - على أن ~~الفلسفة الأفلاطونية كانت أول من قدم صورة علمية ms189 حرة عن ~~الجدل فضلا عن أنها أول صورة موضوعية كذلك، ولقد كان سقراط ~~هو الذي وضع العنصر الجدلي في صورته الذاتية بصفة خاصة. # 3 # لكن إذا كان أفلاطون هو أول من قدم الجدل بصورته العلمية، ~~فهل معنى هذا أن التفكير الجدلي كان غائبا عن الفكر اليوناني ~~في مرحلة ما قبل الفلسفة الأفلاطونية؟ الحقيقة أن الفلسفة ~~اليونانية بأكملها - سواء كانت فلسفة طبيعية تجعل من الطبيعة ~~محورا لها كما في فلسفات ما قبل سقراط، أو فلسفة جعلت من ~~الإنسان محورا لها كما فعل سقراط والسوفسطائيون - هذه الفلسفة ~~قامت على مبدأ عدم التناقض. وهو مبدأ جدلي توجه بعد ذلك ~~منطق أرسطو في قوانين الفكر الأساسية، وهي مبادئ الهوية وعدم ~~التناقض والثالث المرفوع. ولقد قام الفكر اليوناني القديم على ~~مبدأ عدم التناقض وسعى إلى تحقيق الانسجام والتناغم والتوازن؛ ~~لذلك يرى بلوخ أنه ليس هناك تفكير من أجل التفكير ذاته، إنما ~~التفكير من أجل أن يتحسس المرء طريقه ويدرك ما حوله. ولو نظرنا ~~إلى بدايات التفكير الحر لوجدنا هدفه هو تحقيق الانسجام، مثلما ~~سعى الحكماء السبعة لتحقيق الانسجام وتناغم الحياة بحكمهم ~~التي تصور حياة ساكنة وفكرا هادئا متوازنا. # 4 # وإذا كان التفكير قد بدأ مع الإنسان، إلا أنه لم ~~ينصب عليه إلا في مرحلة متأخرة. فقد كانت فلسفة ما قبل ~~سقراط فلسفة طبيعية تبحث عن العنصر الأصيل في الطبيعة التي ~~تمثل جانب الموضوع، ولم ينصب التفكير على الإنسان إلا مع ~~السوفسطائيين وسقراط. # للجدل إذن جذوره في الفلسفة اليونانية، منذ الفلسفة الطبيعية ~~قبل سقراط التي اهتمت بالبحث في طبيعة الكون واتخذت العناصر ~~الأربعة مادة أولية ومبدأ لكل الأشياء، وتحول هذه العناصر ~~إلى بعضها عن طريق الانضمام أو الانفصال، أو عن طريق تغلب أحد ~~هذه العناصر على غيره، إلى أن قال أنكسيماندروس (القرن السادس ~~قبل الميلاد) ب «الأبيرون» الذي هو لا نهائي الكم وغير محدد ~~الكيف، أبدي، سرمدي، نشأت عنه كل الأكوان عن طريق اتحاد ~~وانفصال العناصر الأربعة عن الأبيرون بعد أن كانت كامنة فيه ~~وعن طريق ms190 توالد الأكوان والكائنات من صراع الأضداد. ويلمس بلوخ ~~بذور الجدل الموضوعي عند أنكسيماندروس في علاقة العناصر ~~الكونية حتى يأتي مع الزمن كل شيء للنور، في الانسجام ~~اللامتناهي، فهذا الأبيرون اللانهائي هو المادة الأولى عنده، ~~وهي تماثل عند أرسطو المادة التي يكمن في رحمها كل شيء. # 5 # وربما كان أنكسيماندروس بذلك أول فلاسفة ~~التطور. # وإذا انتقلنا إلى ~~هيراقليطس نجد المبدأ الأصلي عنده هو التغير والصراع والحركة، ~~بل إن حقيقة الوجود تكمن في الصيرورة، أو النار الحية التي هي ~~رمز الخلق والحياة والتغير، هذه النار التي لم يخلقها إله ولا ~~بشر تتبادل مع كل الأشياء كما تتبادل السلع في المدن الأيونية: ~~«هذا العالم، وهو واحد للجميع لم يخلقه إله أو بشر ولكنه كان ~~منذ الأبد، وهو كائن وسوف يوجد إلى الأزل، إنه النار التي ~~تشتعل بحساب وتخبو بحساب.» ويصف هيراقليطس هذه النار بأن بينها ~~وبين جميع الأشياء تبادلا «هناك تبادل بين النار وبين جميع ~~الأشياء كالتبادل بين السلع والذهب أو الذهب والسلع.» # 6 # وإذا كانت نشأة الأكوان عند أنكسيماندروس نتيجة ~~لصراع الأضداد، فإننا نجدها عند هيراقليطس نتيجة لوحدة الأضداد ~~أو نقطة تلاقيها وتنازعها، لذلك يصعب وصف الموجود بخصائص ~~دائمة وثابتة، ولذا ذهب هيراقليطس إلى أن: «ما يوجد فينا شيء ~~واحد: حياة وموت، يقظة ونوم، صغر وكبر.» # 7 # على الرغم من أن أفلاطون كان أول من استخدم كلمة الدياليكتيك ~~أو الجدل واعتبره هيجل مكتشف الجدل بصورته العلمية، فإن أرسطو ~~يعد زينون الإيلي مخترع الجدل الذي استخدمه للدفاع عن فلسفة ~~أستاذه بارمنيدس. وقامت فلسفة هذا الأخير على أن: ليس الوجود ~~منقسما، لأنه كل متجانس ولا يوجد هنا أو هناك أي شيء يمكن ~~أن يمنعه من التماسك، وليس الوجود في مكان أكثر أو أقل منه في ~~مكان آخر، بل كل شيء مملوء بالوجود، فهو كل متصل لأن الوجود ~~متماسك بما هو موجود. # 8 # وترتب على ذلك إنكار بارمنيدس للحركة، فالحركة تتطلب وجود ~~الخلاء أو الفراغ، وهذا ما تنكره فلسفة بارمنيدس التي تقر بأن ~~الوجود كله ms191 ملاء وليس هناك فراغ يسمح بالحركة والانتقال. ~~وعندما سخر منه خصومه تصدى لهم زينون الذي قام جدله على ~~التسليم بصدق قضية الخصوم ثم تفنيد آرائهم لينتهي إلى أنها ~~تنطوي على التناقض والكذب، مما يترتب عليه إثبات صدق قضية ~~أستاذه بارمنيدس وبذلك أقام منهجه الجدلي لإنكار الكثرة وليثبت ~~بطلان الحركة. وقدم حججه الأربعة المعروفة لإثبات استحالة ~~الكثرة، كما قدم أربع حجج لبيان استحالة الحركة. # وكان أنبادوقليس أول من صاغ الانسجام بشكل واع. قال ~~بالعناصر الأربعة مجتمعة ولم يقل بمبدأ واحد كسابقيه ولا ~~بإمكانية تحول هذه العناصر إلى بعضها. وإنما تجتمع العناصر ~~وتفترق بفعل قوتين كبيرتين هما: الحب الذي يجمع والكراهية ~~التي تفرق. فالحب يقرب بين العناصر الأربعة لتتوحد في انسجام ~~كامل، ويكمن هذا الانسجام في الكمال، وهو - على حد قول بلوخ - ~~عنصر الأمل الحقيقي والأصيل عند أنبادوقليس. لكن تبقى الثنائية ~~في هاتين القوتين الإلهيتين وهما الحب والكراهية. وبذلك اقترب ~~أنبادوقليس من الصراع الذي نجده عند هيراقليطس، وإن كان يفتقد ~~إلى الجدل المنتج كما هو عند هذا الأخير. # 9 # مع السوفسطائيين بدأت النظرة الداخلية إلى ذات الإنسان، على ~~الرغم من أنها لم تكن نظرة أصيلة بل نظرة شكية قائمة على ~~المغالطات واستغلال تعدد المعاني. ويميز بلوخ الجدل عن الكذب ~~واللامعنى (مثل حديد خشبي أو الدائرة المربعة الزوايا ... إلى ~~آخر هذه العبارات)، كذلك يميز الجدل عن قلب الحقائق باستغلال ~~تعدد المعاني، فالسفسطائيون كان لديهم جدل يتمثل في انقلاب ~~المفاهيم إلى أضدادها والتفكير من خلال التناقض واستخدام ~~المفاهيم المتضادة. # 10 # ولكن السفسطائيين كانوا على أية حال بمثابة حركة ~~تنوير في أثينا تبحث عن العنصر الأصيل أو عما هو حق أو حقيقي ~~داخل الذات، وتوقفت الطبيعة عن أن تكون في المقام الأول، وبدأ ~~الوعي بالذات، فمنذ الشك السوفسطائي لم يتوقف الاقتراب من ~~الذات. عندئذ بدأت النزعة المثالية التي هي من أهم ركائز ~~التطور الفلسفي، ومنذ ذلك الحين أيضا بدأ الصراع بين المثالية ~~والمادية يأخذ مكانه في تاريخ الفلسفة. ويمتد خط الاقتراب من ~~الذات من سقراط ms192 إلى كانط في نقد العقل الخالص، كما يمتد خط ~~الاقتراب من الموضوع من الثنائية المانوية إلى الجدل الموضوعي ~~عند هيجل. ~~(1) جدل الذات # وننتقل من فلسفة ما قبل سقراط إلى سقراط نفسه الذي منه ~~بدأ جدل الذات أو الجدل في صورته الذاتية، فالطبيعة في ~~نظره لا تعلمنا شيئا: «الريف والأشجار لا ترضى بتعلمي ~~شيئا بل رجال المدينة هم الذين يعلمونني.» # 11 # والقضية الأساسية عند سقراط هي في جملته ~~المشهورة «اعرف نفسك». والمعرفة هنا هي معرفة الخير أو ~~الفضيلة. هذه القضية قابلة للتعلم، ومعرفة الخير تعني ~~بالضرورة فعله، والإنسان لا يفعل الخطأ بإرادته ولا ~~باختياره. ففي مذهب سقراط ليس للإنسان الحرية في اختيار ~~فعل الشر. والجدير بالذكر في جدل سقراط هو انتهاجه فن ~~«التوليد» أي اكتشاف الحقيقة داخل الذات. فإذا كان الإنسان ~~ليس لديه علم صحيح، فإن في جوفه حقائق كامنة يستطيع أن ~~يستخلصها من داخل نفسه ومن نفوس الآخرين، فهي حقائق كامنة ~~لا يدري بها الإنسان. # 12 # ويتطور الجدل على يد أفلاطون - المثالي الأعظم في ~~التاريخ - فالفلسفة الأفلاطونية - كما أسلفنا القول على ~~لسان هيجل - كانت أول من قدم صورة علمية حرة عن الجدل، ~~فضلا عن أنها أول صورة موضوعية كذلك، ولكن هل يوافق بلوخ ~~- الذي يؤمن بأن الجدل لا بد أن يكون منهجا للتقدم وليس ~~التصور، وأنه يجب ألا يسير مع الأحداث فقط بل أن يسبقها ~~ويتقدم عليها، وألا يقف على عتبة الواقع بل أن يتجاوزه ~~ويتعلق بما لم يصبح واقعا بعد - هل يوافق على منطق الجدل ~~بالمعنى الأفلاطوني؟ # إن أفلاطون يؤمن بما هو مرئي أكثر من إيمانه بالأشياء ~~المرئية؛ لذلك كان ينظر إلى أعلى برغبة واشتياق. والتقدم ~~عند أفلاطون ليس تقدما للأمام وإنما هو صعود للأعلى. # 13 # ومن المعروف أن أفلاطون أقام نظريته في ~~المعرفة على أساس تفرقته الحاسمة بين العالم الحسي المرئي، ~~والعالم المعقول غير المرئي. ويتدرج الفكر من الإحساس، إلى ~~الظن، إلى العلم الاستدلالي ثم إلى التعقل المحض، والترقي ~~في درجات الوجود والمعرفة يتم عند أفلاطون بطريقتين: ~~الجدل ms193 الصاعد الذي يبدأ من المحسوسات الجزئية صعودا إلى ~~المعقولات الكلية مرورا بالأفراد ثم الأنواع والأجناس ~~ووصولا إلى الجنس أو الوجود الأعم أو ما يسمى بمثال ~~الخير، وهو أسمى المثل أو الخير الأسمى والأقصى. وبعد ~~إدراك مثال الخير بالحدس العقلي المباشر تبدأ رحلة الجدل ~~الهابط من الجنس الأعم إلى الأنواع التي تندرج تحته ثم إلى ~~الأفراد متبعا في ذلك المنهج التحليلي أو القسمة. وعلى ~~ذلك يمكننا أن نقول مع بلوخ إنه لا يمكن معرفة العالم ~~المادي أو تفسيره إلا بمشاركة الأشياء الجزئية في المثل - ~~الجدل الصاعد - وحضور المثل في الأشياء الجزئية - الجدل ~~الهابط - ولذلك تعد نظرية المثل الأفلاطونية يوتوبيا ~~تراتبية قمتها الكمال الأسمى. وظل مثال الخير عنده - أي ~~أفلاطون - شمسا مركزية، غاية، وكمالا في ذاته؛ مما كان ~~له تأثيره على كل الفلسفات الغائية بعده. # 14 # أما عن كانط - أكبر المثاليين في العصر الحديث - فهو كما ~~يقول هيجل، الذي أخرج الجدل من عالم النسيان ليعطيه ~~المكانة التي يستحقها. # 15 # نجد عند كانط بداية الوعي بالجدل في «نقد ~~العقل الخالص». وقد سمي جدل كانط بالجدل الترانسندنتالي، ~~والمقصود به أن يثبت وجود حد مطلق للمعرفة البشرية ولا ~~يجوز لها مهما تطورت أن تتعداه، مما جعل الجدل الكانطي ~~مجرد أداة لوضع حد تقف عنده المعرفة البشرية. وقد انتهى ~~الفكر الكانطي إلى التناقض بين القدرة المحدودة للإنسان ~~على المعرفة وبين قدرته غير المحدودة على السؤال والتفكير. ~~لذلك كانت الكلمة الأخيرة في فلسفة كانط هي أن معرفة ~~الظاهر وحده هي المعرفة الممكنة؛ معرفة ظواهر العالم ~~الخارجي المحسوس من ناحية، وظواهر العالم النفسي الداخلي ~~من ناحية أخرى. # 16 # أما «الشيء في ذاته» فهو ما لا يمكن ~~معرفته. # ويستبعد كانط المعرفة - كما هو معلوم - لكي يفسح مجالا ~~للإيمان، غير أن المعرفة التي يستبعدها ليست هي كل المعرفة ~~ولا هي المعرفة بالنظام الآلي المحكم للطبيعة، وإنما ~~يستبعد كل معرفة قطعية تتعامل مع أفكار المطلق أو ~~اللامشروط وتتجاهل أنها ليست سوى مظاهر متعالية أو ~~بعبارة أوضح تعامل الحقائق المطلقة وكأن لها ms194 وجودا ~~وواقعا تجريبيا. من خلال هذا الرد لما هو أصيل إلى ما ~~هو مطلق يمكن التطلع إلى تحقيقه في العالم، ظهر في فلسفته ~~مجال خاص لما هو مرغوب فيه، أي مجال للتطلع للكمال ~~وتحقيقه. ويؤكد بلوخ أنه ظهر مرة أخرى في هذه الفلسفة ~~التي احتفظت بالنزعة المادية فيما يتعلق بوجود الواقع ~~وبالنزعة المثالية فيما يتعلق بأخلاق الواجب، ووسط هذا ~~الائتلاف بين المادي والمثالي نشأت بطبيعة الحال مملكة ~~جديدة مكونة من عالمين يميزان الثنائية الكانطية ~~المعروفة وهما عالم حتمي وآلي بحت من ناحية، وآخر ~~معقول ومتعال # 17 # من ناحية أخرى. # وفي مرحلة ما قبل النقد - حيث لم تكن ثنائيته قد اتضحت ~~ولا تعمقت كما حدث بعد المرحلة النقدية - توجد صورة أخرى ~~لكانط الذي لم يغرق في عوالم الماوراء (ولم يكن قد شغل ~~بالحقائق المتعالية إلى الحد الذي يوهم بأنه قد انصرف عن ~~هذا العالم). وهذا النص يشهد على إيمان كانط في المرحلة ~~المذكورة بوجود الأمل وضرورة تحقيقه في سياق التقدم الذي ~~تنجزه البشرية نحو الكمال الأخلاقي والخير الأقصى، وإن كان ~~في نفس الوقت يؤكد عجزه عن التحقق منه بشكل علمي أو ~~تأكيده بمبررات وأسباب عقلية خالصة: «لست أجد أن أي ميل ~~أو أي نزوع فرض نفسه علي بغير تدبر يمكن أن يسلب عقلي ~~القدرة على تمحيص جميع أنواع الأسباب والمبررات التي تقف ~~في صفه أو تقف ضده ولكن مع استثناء واحد فحسب، فموازين ~~العقل ليست في نهاية الأمر محايدة حيدة كاملة، وأحد ~~ذراعي هذه الموازين - وهو الذي يحمل فوقه هذه الكتابة ~~التي تقول: الأمل في المستقبل - هذا الذراع له ميزة آلية ~~معناها أنه حتى أخف الأسباب والمبررات وزنا في إحدى كفتي ~~الميزان تثير من الخواطر والتأملات ما يجعل الكفة الأخرى ~~أثقل بكثير، هذه هي الغلطة الوحيدة التي ربما لا أستطيع ~~تصحيحها والتي لا أنوي في الواقع أبدا أن أصححها.» ومع أن ~~الأمل الذي ينشده كانط في هذا النص يدل في ظاهره على ~~مستقبل الأرواح في العالم الآخر، إلا أنه في الحقيقة ms195 يتضمن ~~وجود عالم معقول ليس المدخل إليه الموت، وإنما هو التاريخ ~~بمعناه العالمي. # 18 # وهنا يذكر على الفور تعبير كانط في مرحلته المتأخرة عن ~~هذا الأمل في المستقبل بالنسبة للبشرية كلها وتقدمها ~~الدائم المستمر نحو الخير والكمال على الرغم من كل العقبات ~~والانتكاسات. ويكفي أن نذكر هذا النص: «لقد كان الجنس ~~البشري يتقدم على الدوام نحو شيء أفضل وسوف يواصل تقدمه ~~على هذا الطريق.» # 19 # ولكن ما هو هذا الشيء الأفضل الذي يسعى ~~الإنسان لتحقيقه؟ إنه السعي الدائم للاقتراب من الخير ~~الأسمى، فإذا كان الخير الأقصى للإنسان من وجهة نظر كانط؛ ~~هو مقدمة للخير الأقصى الأولي وهو الله، فيترتب على ذلك أن ~~تحقيق الخير الأقصى الإنساني ليس واجبا فقط بل ضرورة، ولا ~~يعني هذا اعتبار وجود الله أساسا للإلزام الخلقي بل يعني ~~أن الإلزام الخلقي يكشف عن الخير الأقصى. # 20 # ويكرر كانط في آخر هذا المعنى نفسه وهو التقدم ~~نحو تحقيق القانون الأخلاقي باعتباره هو المثل الأعلى ~~الجميل الذي «لا يمكننا أن نتنبأ به أو نتصوره سلفا على ~~صورة الكمال التجريبي، إنما نتطلع إليه فحسب من خلال ~~التقدم المستمر والاقتراب المتصل أيضا من الخير الأقصى ~~الذي يمكن تحقيقه على الأرض أو الذي نستطيع أن نعد العدة له.» # 21 # ولا شك أن منظور الأمل هذا عند كانط يهدف في النهاية إلى ~~إقامة مملكة أخلاقية لله على الأرض تعتمد في تحقيقها على ~~المواطن المستنير (بأفكار الثورة الفرنسية) ولا شك أن ~~الظروف البائسة التي عاش فيها المثقفون الألمان في أواخر ~~القرن الثامن عشر قد ملأت قلوبهم بهذا الأمل وجعلتهم ~~يتطلعون باستمرار إلى تحقيقه خارج الواقع التاريخي ~~المتغير، كما بقي هذا الأمل في تصور كانط إلى حد كبير ~~أملا باطنيا بقدر ما هو مغرق في التجريد. ومع ذلك فإن ~~هذا التجريد لم يدفعه (أي كانط) إلى رسم عالم آخر أو ~~عالم ورائي على الإطلاق، وإنما تطلع إلى سماء إنسانية ~~يرتقي إليها البشر بالتدريج، وهذه النزعة الإنسانية ~~الخالصة تدعمها المسلمات والفروض التي تطبق الأفكار ~~المطلقة ms196 أو اللامشروط (الله، الخلود، الحرية) تطبيقا ~~خالصا على الأخلاق. كما تخدمها مثل عليا يؤكد لنا كانط ~~أنها «تصورات تنظيمية لما هو تام وكامل بشكل مطلق في مجال ~~العقل الإنساني». # 22 # ومن ثم نجد أن المسلمات الأخلاقية المعروفة ~~والأفكار المطلقة أو اللامشروطة والمثل العليا للعقل ترسم ~~لنا منظرا فريدا زاهيا بالنجوم، وسماء للعقل العملي ~~الخالص تسطع فيها الكواكب، التي قال في كلمته المشهورة ~~المحفورة على قبره إنه لا يوجد شيء مثلها يؤثر على نفسه ~~إلا القانون الأخلاقي الباطن في صدره. والتشبيه في هذه ~~الصورة يبين أن هذه الأضواء الأخلاقية تشع بجلالها مثل ~~الكواكب والنجوم إشعاعا معياريا خالصا يؤكد أن المثل ~~الأعلى للعقل «الذي ينبغي على الدوام أن يقوم على مفاهيم ~~محددة وأن يقوم مقام القاعدة والنموذج المحتذى، يظل ~~معبرا عن موقف يلزم الإنسان بالخضوع والإذعان لهذه ~~القاعدة ، أو يوجب عليه تقديرها وتقييمها.» # 23 # ومما يؤكد هذه النزعة الإنسانية البعيدة عن «الماورائية» ~~أن كانط يحتج احتجاجا صريحا على اتهامه بأنه ينتمي ~~لأولئك الذين استعاروا أضواءهم من أفلاطون، كما يؤكد من ~~ناحية أخرى أن نزعته المثالية قد نقلت المثل الأفلاطونية ~~من مستوى الوجود الميتافيزيقي إلى مستوى الإلزام الأخلاقي. # 24 # فقد نظر كانط إلى عالمي أفلاطون، أي عالم ~~المثال وعالم الواقع، على أنهما بمثابة تخل عن الواقع، ~~الأمر الذي انتهى بأفلاطون إلى أن المثال هو الفكرة ~~الأخيرة وهو الخير في ذاته. # 25 # أما عند كانط فمثال الخير هو أمل يسعى ~~باستمرار للاقتراب من التحقق، في حين ظل عند أفلاطون - كما ~~ذكر سلفا - شمسا مركزية وغاية وكمالا في ذاته. ولهذا ~~نجد المثل العليا عند كانط تسطع في مجال المستقبل الإنساني ~~الخالص وتشع في سماء الإرادة الخيرة والنية الطيبة والغاية ~~الأخلاقية النهائية. هذه النزعة المثالية التي يمثل ~~أفلاطون قمتها القديمة وكانط قمتها الحديثة بقيت نزعة ~~مثالية ذاتية ولم تصبح مثالية موضوعية بعد. فقد ظل ~~الجدل وقتا طويلا كمنهج للبحث لا كمنهج للموضوع المتحرك ~~نفسه. ~~(2) جدل الموضوع # وفي خط الموضوع يتحول التفكير إلى الخارج، إلى المادة ~~التي ms197 أضفى الإغريق عليها الحيوية، فقال طاليس بالماء كأصل ~~للحياة، وقال أنكسيمنيس بالهواء ... إلى آخر ما ذهبت إليه ~~الفلسفة الطبيعية قبل سقراط. لكن بدايات الجدل الموضوعي ~~تمتد من الثنائية الفارسية، هذه النزعة التي تجلت بوضوح ~~عند القديس أوغسطين (354-430م) فاعتنق مذهب ماني الذي يقوم ~~على ثنائية الخير والشر، النور والظلام، وأن الشر جزء لا ~~يتجزأ من الطبيعة البشرية، إلا أنه ابتعد عن المانوية بعد ~~تسع سنوات واتجه إلى الكنيسة الكاثوليكية وسط جو سيطر عليه ~~الفكر الأفلاطوني-الأفلوطيني، وحين تأمل المبادئ الفلسفية ~~لأفلوطين على ضوء الوحي الذي جاء به الكتاب المقدس فإنه ~~سرعان ما شعر بعدم كفايتها وضرورة تجاوزها. فقد أدرك أن ~~المادة لا يمكن أن تعتبر شرا حتى ولو لم نر فيها شيئا ~~سوى مبدأ بسيط للإمكان واللاتعين. # 26 # وكتب أوغسطين «مدينة الله» - التي تعد نظرية ~~كاملة في التاريخ - و«المدينة الأرضية ». ولكن هل هناك ~~انفصال بين الأولى (مدينة الله) والثانية (المدينة ~~الأرضية)، بحيث توجد واحدة في السماء والأخرى في الأرض؟ ~~حقيقة الأمر أنه ليس هناك انفصال، فسوف تبني مدينة الله ~~نفسها بالتدريج بقدر ما يستمر العالم، وهذا العالم نفسه لا ~~مبرر لدوامه واستمراره إلا بقدر ما ينتظر تحقيق غايته ~~النهائية، فهو يمهد لتحقيق مدينة الله أو المجتمع الأبدي ~~الذي يتألف من السعداء، # 27 # فإن مملكة الله الحقة تتحقق من خلال المدينة ~~الأرضية والخطيئة والطبيعة الساقطة. في مدينة الله ينتهي ~~السكون ويتوقف التكرار الخالد للدائرة ويتوحد تاريخ ~~العالم، ويتقدم التاريخ نحو النور الأبدي في مراحل ست، ~~يتقدم فيها من الظلام إلى النور. إن صيرورة التاريخ عند ~~أوغسطين تسعى إلى الخلاص، إلى النور الحق. وتاريخ الخلاص ~~لا يلغي الزمان، فالزمان لا يمكن أن يتوقف في مدينة الله ~~المقدسة «مملكة الله تحركت من المدينة الأرضية مثلما تكونت ~~السماء من الأرض.» # 28 # والحقيقة أن الجدل عند أوغسطين لا يتضح إلا من ~~خلال موقفه من مشكلة الزمانية؛ نظرا للتداخل الشديد بين ~~جدل التاريخ والزمان. ولا نريد أن نستطرد هنا طويلا عن ~~موقفه من الزمان - فهذا هو موضوع ms198 الجزء التالي - ولكن ~~نكتفي بتفسير بلوخ لجدل أوغسطين ومفهومه عن الزمان الذي ~~يتقيد بالواقع القائم على التجربة. فالعبور إلى المستقبل ~~يتم من خلال الواقع، من خلال اللحظة الهاربة، أي من خلال ~~ما لم يعد له ~~وجود # No Longer Being # فقد أكد إمكانية تحويل العالم أو ~~أكد القدرة على التغيير بحيث جعل الصيرورة ممكنة. نظر ~~أوغسطين للزمان نظرة جدلية بوصفه رحلة خارج العدمية، ~~يتجه فيها ناحية التقدم والتوقع الممتلئ، ومع ذلك فإن ~~مفهوم أوغسطين عن الزمان يتسم بمسحة أو تصور ميثولوجي. إن ~~الله يحفظنا من فوق، لكن الأحداث تتحرك داخل المستقبل ~~المفتوح لتحقيق إمكانيات الخلاص. وعلى الرغم من ذلك نجد ~~السكون في نهاية التاريخ، في اللحظة الثابتة الخالدة، وتلك ~~اللحظة هي النور الأصلي. إن نهاية التاريخ هو الاكتمال ~~المكاني للنور. # 29 # استمر تأثير النزعة المانوية واستمر التفاعل بين الداخل ~~والخارج، بين الإنسان والعالم. وظل جدل الذات والموضوع ~~يمتد حتى عصر النهضة، فنجد باراسلس (1493-1541م) يقول ~~بالتوافقات بين العالم الداخلي والعالم الخارجي، فليس من ~~الممكن عند باراسلس أن نفهم العالم الداخلي الذي هو ~~الإنسان بدون البدء من العالم الخارجي، تماما كما لا نفهم ~~الثمرة إلا بواسطة البذرة. والفلسفة عنده ليست سوى الطبيعة ~~غير المرئية والطبيعة ليست سوى الفلسفة التي جعلت مرئية. # 30 # وعلى الإنسان أن يثق ثقة غير محدودة في ~~القدرة الإنسانية وكمال الطبيعة الخفي. في عالم باراسلس ~~يتماسك كل شيء، ويتداخل كل شيء، العالم الكبير والعالم ~~الصغير، الداخلي والخارجي، الكون الأصغر والكون الأكبر، ~~(الميكروكوزم والماكروكوزم). # 31 # ويتساءل بلوخ كيف يرتبط العالم الكبير بالخيال المتفائل؟ ~~إن الخيال يمثل بالنسبة لبلوخ وظيفة يوتوبية مكلفة ~~بإنضاج إنسان أفضل وعالم أفضل. ووظيفة الخيال هي الدفع ~~للأمام، نحو النور. وهنا يضع بلوخ يديه على الفروق الكبيرة ~~بين برونو وباراسلس، فالإنسان عند برونو مكتوف الأيدي لا ~~حيلة له أمام لا محدودية الكون، هو إنسان بلا فعالية ولا ~~أفضلية، قطعة متناهية الصغر عند باراسلس لا تنتج شيئا ~~يكون سلفا وبذاته كاملا، إذ يكون على الإنسان أن ينجز ~~ويتمم ms199 كل شيء، فالطاقات الحيوية للميكروكوزم لا حصر لعددها ~~ولا تقل عن طاقات الماكروكوزم. # 32 # ثم يأخذ الجدل بعدا آخر عند ياكوب بوهمه (1575-1624م) ~~والملامح الخاصة لهذه الفلسفة الجدلية تتخذ أبعادا هائلة ~~- على حد زعم بلوخ الذي عدها أول جدل موضوعي منذ ~~هيراقليطس - حيث يصبح قوام العالم هو التضاد. والسؤال ~~الأساسي عند بوهمه هو: من أين يأتي الشر في العالم؟ وتتطلب ~~الإجابة على هذا السؤال أن نغوص بالتفكير داخل ذواتنا. ~~وبما أننا مخلوقون على صورة الله فبوسعنا - بشرط أن نغوص ~~داخل نفوسنا - أن نلمس بدايات كل شيء، نلمس بدايتنا ~~المدفونة داخل أعماقنا، نلمس بداية الأشياء بالغوص بنظرنا ~~في الطبيعة الوحشية للأصول. فما دامت الطبيعة وكل الكائنات ~~والله نفسه موجودون داخل الإنسان، فلا بد أن يقرأ الإنسان ~~هذا الكتاب الذي ليس سوى ذاته. # 33 # وحين نبحث في أصل تناقضات هذا العالم نجدها ~~تكمن في الجانب المظلم للطبيعة الإلهية. فثمة وجهان لهذه ~~الطبيعة - طبقا لفلسفة بوهمه التي تقوم على الثنائيات ~~المتضادة - جانب نور مضيء وآخر مظلم شرير يصفه بأنه ~~شيطاني ومتكبر، أو رعب ونار متلألئة. # 34 # ولا بد أن تتلاقى هذه الثنائيات، فيتلاقى ~~الضيق والرحابة، الحموضة والعذوبة، الرعب والنور «أحدهما ~~يعارض دوما الآخر ليس بنية عدائية بل كي يتحرك ويظهر.» ~~فيصبح التضاد أو النفي هو الأصل في كينونة العالم الظاهرة. ~~ولو لم يكن هناك العنصر النافي أو السالب لما كان ثمة كشف ~~أو تجل للخير، فإن المغايرة هي التي تدفع الأشياء ~~للظهور. # ونستطيع أن نكتشف ~~العنصر السالب أو النفي بالاستبطان الذاتي، ففي هذا النفي ~~يلمح بوهمه بالرغبة التي يصفها بأنها نبضة أو نزعة إرادية ~~تتولد جوهريا من الإحساس بالنقص وتعبر عن نفسها في الجوع، # 35 # فعندما يغوص الإنسان داخل ذاته يدرك الجوع ~~والقلق والرغبة التي تدفعه باستمرار، نجد هذا السلب أو ~~النفي يعمل في الطبيعة في شكل صيرورة مستمرة، ولولاه لغرق ~~العالم في العدم، فالخلق لا يتم دفعة واحدة، لكنه يتجدد ~~أو يخلق من جديد في كل لحظة بفضل العنصر المنتج، # 36 # الذي ms200 أطلق عليه بوهمه اسم النفي أو السلب. إن ~~ياكوب بوهمه يعطي للصراع بين النور والظلام شكل الجدل ~~الموضوعي، فليس ثمة حركة بدون حركة مضادة، والشر أو ~~الظلام يجعل من نفسه واسطة لانكشاف النور، فالنور يحتاج ~~إلى الظلام لكي يظهر، و«النعم» لا توجد بدون «اللا». # 37 # انتهى الطريق الذي بدأ ~~من الثنائية المانوية إلى الطبيعة المادية فلم ينظر أحد ~~للمادة بكل هذا الجلال مثلما فعل جوردانو برونو ~~(1548-1600م)، فقد تغنى برونو باللانهائي، وقال باختفاء ~~الأرض والشمس وبقاء العالم اللانهائي المتمركز في كل مكان، ~~في انسجام «الحد الأدنى» كالنقطة، الذرة، والموناد، وفي ~~«الحد الأقصى» كالكون اللامحدود الذي لم يوضع في إطار. ومع ~~برونو بدأ الوعي الكوني؛ الكون الذي يوازن نفسه في انسجام ~~عن طريق الحب والكراهية، والحركة والسكون، والإمكانية ~~والواقعية، وهي إمكانية قابعة في هذا العالم، في الكمال ~~الكوني. إن القوة المشكلة للعالم والملازمة للأشياء لا ~~تسأم خلق أشياء جديدة في هذا الكون التام أو الكامل. # 38 # الطبيعة عند برونو هي الطبيعة الطابعة، الطبيعة الفاعلة، ~~الطبيعة الخالقة التي بفضلها يشكل العالم ذاته بذاته، ~~وبرونو الذي يصف الطبيعة بأنها فنان، لا يعتبرها شخصا ~~مفردا معزولا ولا متعاليا. إنها بالنسبة إليه القوة ~~الطبيعية، وليست كائنا يجذب العالم نحو الأعلى بموجب ~~التصور الأرسطي للعلاقة بين العالم والإله، حيث يكون الله ~~هو المحرك الذي لا يتحرك والكائن المتعالي عن العالم. إن ~~برونو يقف بقوة ضد فكرة تصور الإله الخالق، وضد فكرة خلق ~~واحد وحيد ويستعيض عنها بفكرة الطبيعة الطابعة بوصفها ~~قوة داخلية، محايثة للعالم. # 39 # ويعبر برونو عن ذلك في كتابه عن «السبب، ~~والمبدأ والواحد» في الحوار الثالث حيث يقول أحد المشاركين ~~في الحوار: «نرى في الطبيعة كل الأشكال تغادر المادة وتعود ~~إلى المادة، لهذا السبب لا يبدو أي شيء دائما بالفعل، ولا ~~ثابتا أزليا جديرا بأن يعتبر مبدأ، إلا المادة حيث ~~تنشأ الأشكال وتنعدم، ومن حضنها تظهر وإلى حضنها تعود، ~~لهذا السبب يجب أن نقر للمادة المماثلة لذاتها دوما ~~والخصبة دوما، بالامتياز المهم، امتياز الاعتراف ms201 بأنها هي ~~المبدأ الماهوي الوحيد وبأنها هي ما هو كائن وسيبقى كائنا ~~على الدوام، بينما مجموع الأشكال لا يمكن الاعتراف بها إلا ~~بوصفها التعينات التي تأتي وترحل، وتنقطع وتجدد، ولا ~~تستطيع، لهذا السبب عينه، أن تكون مبدأ لأن المبدأ هو ما يدوم.» # 40 # وهنا نشير إلى أن فكرة الطبيعة الطابعة قدمها ~~إلى برونو فلاسفة العصور الوسطى العرب: ابن سينا، ابن رشد، ~~ابن جبيرول، كما سبق أن قلنا في حديثنا عن المادة. # ثم ينتقل بلوخ من العصور الوسطى مقتربا من جدل الموضوع ~~في العصر الحديث ليجد في وحدة وجود اسبينوزا (1632-1677م) ~~تأملا مطلقا. فالواقع والكمال شيء واحد، لأن الطبيعة أو ~~المادة عند اسبينوزا ساكنة وليس بها حركة ولا جدل ولا ~~صيرورة. إن طبيعة اسبينوزا الطابعة ليست هي القوة ~~الخلاقة اللانهائية كما هي عند برونو: «إن الله يبدع ~~الأشياء في أقصى صورة من الكمال لأنها قد نتجت بالضرورة عن ~~طبيعته البالغة أقصى حدود الكمال.» # 41 # وهذا الإنتاج الضروري معناه أن الأشياء قد ~~تأدت عن الطبيعة الإلهية بطريقة هندسية، وبنفس الاتساق ~~الضروري الذي نجده في الرياضيات باعتبارها نموذج المعرفة ~~الضرورية. ووفقا لهذا نجد أن الأفعال والدوافع البشرية ~~نفسها (حتى عندما يدين اسبينوزا أغلبيتها باعتبارها ~~انفعالات غير كافية أو اضطرابات) ينظر إليها كما ينظر ~~الباحث الرياضي في الخطوط والمساحات والأجسام. والواقع أن ~~الجديد في مذهب اسبينوزا هو أن وحدة الوجود عنده وحدة ~~رياضية تتميز بوضوح عن وحدة الوجود العاطفية عند برونو، ~~لكنها تلتقي مع فلسفة برونو (ومع فلسفة ابن سينا وابن رشد ~~من قبله) في هذه النزعة الباطنة المحايثة القوية، وإن كانت ~~تتخذ عند اسبينوزا صورة كونية شاملة تضم الطبيعة الطابعة ~~والطبيعة المطبوعة كلتيهما، «الواقع أنه ينبغي علينا أن ~~نفهم من الطبيعة الطابعة ذلك الذي يكون في ذاته ويفهم من ~~خلال ذاته أو صفات الجوهر التي تعبر عن الجوهرية الأزلية ~~واللامتناهية، أما عن الطبيعة المطبوعة فإنني أفهم منها كل ~~شيء يتأدى عن ضرورة الطبيعة الإلهية أو عن ضرورة كل صفة من ~~صفات الله، أي ms202 كل أحوال الصفات الإلهية بقدر ما ينظر إليها ~~على أنها أشياء.» # 42 # ومن ثم يدل تعبير اسبينوزا المشهور «الله أو الطبيعة» ~~على الفعل الطبيعي الشامل، كما يعتبر أساسا يقوم عليه ~~العالم الكامل الذي يتمخض عنه هذا الفعل الطبيعي. إن ~~المادة بوصفها لا متناهية ونابعة - ككل شيء آخر - عن ~~طبيعة الله، لا بد أن تتمشى بدورها مع الكمال الإلهي. # 43 # ولعل البيتين الشهيرين اللذين يقولهما جوته ~~على لسان روح الأرض، لعلهما يعبران عن هوية الطبيعة ~~الطابعة والطبيعة المطبوعة عند اسبينوزا: # هكذا أعمل على نول الزمان الصاخب، # وأنسج ثوب الألوهية الحي. # 44 # وفي أعماق عالم اسبينوزا الذي ينتهي ~~باتحاد حب القدر أو حب الضرورة والحب العقلي للألوهية تسود ~~تلك السكينة وذلك الانسجام الذي ينمحي فيه مد الحياة ~~وجزرها، ورياح الفعل وعواصفه، ويسود التحقق الكامل كما في ~~قصيدة جوته الشهيرة: # فوق كل القمم سكون، # على أعالي الشجر لا تكاد تسمع نأمة ~~واحدة. # فبناء القصيدة نفسه يعكس التجانس والتوازن ~~الكامل بين الرؤية الكونية وبين الإحساس الكوني، إن ~~«الأنا» لا تفسد الانسجام الشامل السعيد، إنها تشعر بنفسها ~~متحدة مع العالم المحيط بها، «ما من صراع أو تضاد تحاول ~~القصيدة أن تعبر عنه، بل استسلام وديع وانتظار هادئ.» # 45 # كما تعبر عن هذا السكون أيضا عبارة جوته أن ~~كل سعي وكل صراع ما هو في النهاية إلا راحة أبدية في ~~الإله الخالق. هكذا يتصف عالم اسبينوزا، بالسكون لا إله ~~يقحم نفسه عليه من الخارج، والزمان عنده مفتقد، والتاريخ ~~مفتقد، والتطور مفتقد، ليس هناك تعددية في الجوهر، فالعالم ~~ممتلئ بالجوهر الواحد الكامل وليس له غاية لأن الكمال لا ~~يحتاج إلى غاية. # 46 # هكذا انتهى الطريق الذي بدأ من الثنائية المانوية إلى ~~الجدل الموضوعي الذي انتهى إلى الصيرورة. لكن هذه الصيرورة ~~انتهت كما يقول بلوخ إلى السكون الذي لا يختلف في نهاية ~~الأمر عن سكون نزعة اسبينوزا. ثم يأتي ليبنتز (1646-1716م) ~~ويستند على صيرورة باراسلس وبوهمه. وتتحدد الصيرورة التي ~~تتجه إلى النور والتي ترتبط بالإنسان والزمان والعالم في ms203 ~~خمس نقاط أساسية: أولا: افتراض أن الوجود كله مكون من ~~مونادات، وأن كل مونادة لها حياتها الكاملة والمستقلة عن ~~الأخرى. ثانيا: تتميز هذه المونادات بالنزوع من الظلام ~~إلى النور. ثالثا: تتجه هذه المونادات ناحية المستقبل: ~~«فكما أن الجسم المرن الذي تقلص يتجه بكل جهده إلى التمدد، ~~كذلك تصنع المونادة حالتها التي ستكون عليها في المستقبل.» ~~على نحو ما يقول أيضا في أحد ردوده على الفيلسوف ~~بايل # Bayle # عام ~~1702م: «يمكن القول بأن حاضر الروح كما في أي شيء آخر ~~يحمل المستقبل في أحشائه.» # 47 # إن الجدل الموضوعي هنا أكثر وضوحا من ذي قبل ~~وأكثر اقترابا من الصيرورة التي لا تتوسط مع الماضي فحسب ~~ولكن مع المستقبل أيضا، على الرغم من أنها لا تتفتح على ~~المستقبل الأصيل أو الحقيقي وأنها ضد كل جديد فعلي. ~~رابعا: أن التوجه الكامن في المونادات لا يمكن تصوره بدون ~~الغائية. وعلى الرغم من سعي ليبنتز لتأسيس فكرته عن الغاية ~~أو الهدف باعتباره هدفا إلهيا يتجه إلى أفضل عالم ~~ممكن، فإنه لا يلغي الحتمية العلية أو السببية الموجودة في ~~هذا العالم والتي لا استثناء لها. بل إن هذه الحتمية جزء ~~مكمل للآلية. # 48 # إنما الواقع أن مفهوم الغاية يطبقه ليبنتز على ~~النزوع الداخلي باعتبار أن الهدف هو الذي يربط بين ~~العالمين الطبيعي والأخلاقي، كما يضمن تحقيق الكمال في ~~العالم. # وربما يعود انغلاق فلسفة ليبنتز عن المستقبل الحقيقي ~~الجديد الفعلي إلى التفسير الآلي الذي كان من أهم الكشوف ~~العلمية في عصره، فلم يستطع أن يتحرر من التصور العلي الذي ~~قيدته الآلية في أغلالها. إنه يقبل فكرة الآلية من ناحية، ~~ولا يريد من ناحية أخرى أن يفرط في فكرة الغائية، ولهذا ~~نجده يحاول التوفيق بينهما. # 49 # خامسا: أن كل مونادة في عالم من الإمكانات ~~اللامتناهية وأن العالم الموجود هو تحقيق جزئي لها، ~~مصداقا لعبارته المعبرة عن النزوع «كل ما هو ممكن يقتضي ~~الوجود.» ويتناول ليبنتز مفهوم الإمكان لأول مرة بعد ~~أرسطو، بحيث صار هذا الإمكان هو نزوع المونادات الذي ms204 أطلق ~~عليه اسم «مملكة الإمكانيات اللانهائية». ويرى بلوخ ~~يوتوبيا ليبنتز في هذه النقاط الخمس، كما يرى أيضا أنها ~~لا تنطوي على الجديد الفعلي، فمن ضمن عوالم ممكنة كثيرة ~~اختار الله أفضل عالم ممكن ولم يترك مجالا لاستكمال هذا ~~العالم في المستقبل. # 50 ~~(3) الجدل الموضوعي بين أفلاطون وهيجل # هكذا أثبت الجدل وجوده كمنهج في تاريخ الفكر الفلسفي، ~~ولكنه لم يصبح موضوعا للتأمل الجاد إلا في حالات نادرة. ~~ومن المعروف أن كانط في «نقد العقل الخالص» قد حط من ~~قيمته وجعل منه مجرد «منطق للمظهر» والخداع الذي يقع فيه ~~العقل كلما حاول أن يحلق إلى الحقائق المتعالية ويقيم ~~البرهان عليها. لذلك عطل البداية الحقيقية الخصبة لجدل ~~الواقع في مطلع العصر الحديث. ولهذا لم يحتفظ الوعي ~~الفلسفي في عصر الأنساق الكبرى للمثالية الألمانية إلا ~~بجدل المفاهيم الأفلاطوني الذي كان له أكبر الأثر على ~~هيجل. ولا بد لأي باحث في الجدل من أن يدخل في حوار مع ~~هيجل والتراث الأفلاطوني الذي يقوم عليه. وبقي أفلاطون ~~وهيجل النموذجين المعبرين عن المنهج الجدلي بعد أن حجب ~~تراث الجدل المادي والواقعي من العصر الوسيط وعصر النهضة ~~حتى ليبنتز، بل إن «الانقلاب» الذي أحدثه ماركس في مفهوم ~~الجدل قد بقي في جوهره متعلقا بمنهج هيجل وفلسفته التي ~~زعم (أي ماركس) أنه خلصها من قشرتها المثالية. # يمثل هيجل قمة الجدل الموضوعي في العصر الحديث والمعاصر. ~~والسؤال: هل هو جدل ساكن أم متحرك؟ هل هو جدل مغلق على ~~مرحلة تاريخية بعينها - وجدها هيجل في الدولة البروسية - ~~أم هو جدل منفتح على المستقبل؟ إن الدراسات المعاصرة قدمت ~~تفسيرات عديدة وجديدة لفلسفة هيجل، وكان بلوخ ممن ساهموا ~~في هذه الدراسات فقدم شروحه على هيجل والتي جعل عنوانها ~~«الذات-الموضوع». وقد سلط الأضواء في هذا الكتاب على ~~الجوانب الحية الباقية من الجدل الهيجلي، كما بين ~~الجوانب التي تتوقف فيها حركته وانفتاحه وسيولة مفاهيمه ~~ويركن إلى الجمود والسكون. ولما كانت فلسفة هيجل قد قدمت ~~نموذجا للمنهج الجدلي بمعناه الموسوعي والكوني الشامل، ~~فلم يكن أمام الفلسفة ms205 الجدلية التي تحاول تجاوزه إلا أن ~~تبذل ما في وسعها لتحديد العقبات والحواجز التي أقامها ~~هيجل في وجه الانفتاح غير المحدود للجدل على «المستقبل» ~~و«الجديد» ومحاولة إزالتها من وجهة نظرها المادية ~~والتاريخية وأهدافها الإنسانية والثورية. # ولا شك أن الجدل الهيجلي مدين لأفلاطون بالكثير، فمن أهم ~~الأفكار الأفلاطونية التي أثرت في هيجل أولا: الاهتمام ~~بالكليات واعتبار الفكر هو الأساس الحقيقي وراء هذا ~~العالم. ثانيا: التفرقة بين المعرفة الحسية والمعرفة ~~العقلية ثم تقسيم العقل إلى «قوة الفهم» و«العقل الخالص». ~~ثالثا: «سير الجدل بين الكليات فقط دون الجزئيات أو المحسوسات». # 51 # لكن أهم الأفكار التي تركت بصمتها على الجدل ~~الهيجلي هي الفكرة الأفلاطونية المعروفة بأن العلم تذكر ~~- وهي الفكرة التي عرضها أفلاطون في محاورتي «مينون» ~~و«فيدون» - وأن هذا التذكر يجعل كل اكتشاف للجديد مجرد ~~إعادة تذكر للأبدي الخالد، بحيث تسير عملية الصيرورة ~~الكونية في مسار دائري يردها باستمرار إلى نفس الأصل الذي ~~بدأت منه. ومن المعروف أن هيجل قد صور «تخارجات» العقل أو ~~الروح المطلق ومراحل «فضه» لنفسه في صورة نسق دائري ~~مؤلف من دوائر أخرى عديدة، بحيث يمكن وصف المبدأ الذي ~~تقوم عليه فلسفته - على الرغم من جدليتها - بأنه مبدأ ~~سكوني يتلخص في موعظة معبد دلفي الشهيرة التي أخذ بها ~~سقراط «اعرف نفسك»، وهي الموعظة التي تنطق - على لسان ~~كاهنة المعبد - بأن المستقبل معروف سلفا! لكن بلوخ يقول ~~على العكس من ذلك بصوت لا نخطئ فيه النغمة الوجودية: أبدع ~~نفسك والعالم المادي والإنساني الذي تنتمي إليه، بشرط ألا ~~يأتي هذا الإبداع عن التعسف والهوى، بل يهتدي «بعلم الأمل» # Docta Spes # الذي ~~يفجر سدود «التذكر» ودوائره المحكمة ويفتح طريق المستقبل ~~على كل جديد مبدع. # 52 # والجديد في فلسفة هيجل هو القضاء على ثنائية الفكر ~~والوجود وإزالة الحدود الفاصلة التي وضعها الفكر الفلسفي ~~طوال تاريخه بين المنطق والميتافيزيقا أو بين المعرفة ~~والوجود فكانا عنده علما واحدا. والمنهج الجدلي الذي ~~انتهى عند كانط إلى النقد والسلب تحول عند هيجل إلى منهج ~~إيجابي فكان هو حركة ms206 الواقع نفسه، وكان أساس فلسفته ~~التاريخية، كما كان هدفه النهائي هو السيطرة على الواقع. ~~وعلى الرغم من ذلك يقول هيجل في فلسفة «الحق»: «إن ما هو ~~معقول واقعي، وما هو واقعي معقول.» إيذانا بتوقف الجدل ~~عند هذه المرحلة، مرحلة ما قد أصبح واقعا. لذلك كانت شروح ~~بلوخ على هيجل في كتابه السالف الذكر معارضة لهذا الرأي ~~وتأكيدا على ضرورة التقدم المستمر إلى الأمام، ابتداء من ~~الآن، أي ابتداء من الحاضر، وتأمل الماضي، لا إحيائه ~~باعتباره قد مضى. # وانطلاقا من هذا المفهوم نظر بلوخ إلى هيجل ليجد أن ~~الفكرة عنده تأتي بعد أن يكون الواقع قد تم وانقضى بحيث لا ~~يبقى إلا تذكره. ويبرز بلوخ ميول هيجل إلى القديم (إلى ~~الفلسفة الإغريقية) وإلى التذكر، ومع ذلك يذكر نصوصا ~~مناقضة تدل على ترحيبه بالجديد، كقوله عن الثورة الفرنسية ~~بعد قيامها بثلاثين سنة أنها شروق الشمس الرائع؛ وهذا يدل ~~على تردد هيجل بين السكونية والحركية، بين تذكر القديم ~~الماضي والاهتمام بالتطور الأكثر واقعية، بين عقد سلام مع ~~الواقع ووقوفه في صف التقدم، بين التذكر والتطور . # ويستشهد بلوخ بنصوص من هيجل تنطق بوقوفه في صف التقدم ~~والواقع العيني الذي يأتي في نهاية التطور لا في وصف ~~المبادئ العامة المجردة: «إن ما يمثل البداية - من حيث إنه ~~هو ما ينطوي عليه مما لم يتطور بعد ولم يحتو على أي ~~مضمون - لا تتم معرفته في البداية معرفة حقة، ثم يأتي ~~العلم وعلى وجه الخصوص من خلال تطوره الكامل، فيكون هو ~~المعرفة الكاملة الغنية بالمضمون، والقائمة بحق على أساس قوي.» # 53 # ومن هنا يكون التطور إلى الأمام هو العودة إلى ~~الأساس. ومعنى هذا أن التطور كان مجرد تأمل في الأساس ~~نفسه، في الجذور، أي كان تطورا تراجعيا. # ظل الميل إلى الوراء هو الأقوى لدى هيجل، بحيث لم يبق ~~للفكر إلا تذكر ما حدث ومضى واستعادته، بحيث يصبح الهدف هو ~~معرفة ما قد عرف، أي المعروف من قبل، ويعزز هذا الرأي نص ~~من الظاهريات يقول: «إن الهدف، وهو ms207 المعرفة المطلقة أو ~~الروح الذي يعرف أنه روح، طريقه هو تذكر الأرواح على ~~طبيعتها التي هي عليها وكيف تنجز تنظيم مملكتها.» # 54 # وإذا نظرنا إلى كلمة التذكر عند هيجل نجدها ~~تعني معناها الأصلي وهو الاستيعاب أو الإدخال في الوجدان ~~الباطن: «إذا أخذنا التذكر بمعنى استحضار تصور سبق لنا أن ~~تمثلناه في وقت سابق، فإن للتذكر معنى آخر مستمدا من ~~اشتقاق الكلمة نفسها وهو إعادة استبطان شيء مضى أو التغلغل ~~في الذات أو الاستيعاب، وهذا هو المعنى الفكري العميق ~~للكلمة. ولا شك أن تعبير التذكر عند أفلاطون يكتسب في كثير ~~من الأحيان هذا المعنى التجريبي الأول.» ويستنتج من هذا ~~النص لهيجل أن التذكر عنده استيعاب وليس مجرد إعادة إنتاج ~~تصور قديم كما هو عند أفلاطون، ويبقى العامل المشترك ~~بينهما هو الارتداد للماضي وتأمله عند كل منهما؛ لذلك ~~يظل هيجل أقرب إلى أفلاطون في «مينون» منه إلى تراث التطور ~~منذ أرسطو إلى ليبنتز. # 55 # وليس أدل على ذلك من نص لهيجل يؤكد فيه ~~موافقته على التذكر بالمعنى الأفلاطوني وتأكيده على أن ~~حركة العالم الحق نحو ذاته، أو صيرورته إلى ذاته، أو كما ~~يقول عودة الروح إلى ذاته: «هذا هو مفهوم العام الحقيقي في ~~حركته، فالعام أو النوع هو في ذاته صيرورته الخاصة، وهو ~~يكون كذلك بمعنى أنه يصير حقيقته؛ ومن ثم تكون حركته هي ~~العودة الدائمة إلى ذاته. والواقع أن أفلاطون يتصور وجود ~~الروح في ذاته في الزمان؛ فالحق لا بد له إذن أن يكون قد ~~وجد بالفعل بالنسبة لنا في زمن آخر.» إن تأثر هيجل ~~بأفلاطون واضح في هذا النص. وهو في تأمله لعودة العقل أو ~~الروح إلى ذاته يقف موقفا سلبيا قريبا من موقف ~~أفلاطون، وهو يقترب منه أيضا في فهمه للتذكر أو في تذكره ~~آخر المطاف لعالم المثل التام السابق للزمان؛ هذا العالم ~~الذي يسمى عند هيجل عالم المنطق السابق على وجود العالم. # 56 # هكذا يعترف هيجل حرفيا بالتذكر # anamnesis # وذلك بعد ~~انتهائه من تأليف كتابه عن المنطق، كما ms208 يدل هذا النص من ~~الموسوعة: «إذا نظرنا إلى المنطق على أنه نسق من الأنماط ~~الخالصة للفكر، فسوف نجد أن العلوم الفلسفية الأخرى، مثل ~~الفلسفة الطبيعية وفلسفة الروح، تبدو لنا وكأنها منطق ~~تطبيقي، فالمنطق هو الروح التي تشيع الحياة في هذين ~~الفرعين من الفلسفة (فلسفة الطبيعة وفلسفة الروح)، وستكون ~~مشكلتها في هذه الحالة هي التعرف على الصور المنطقية على ~~نحو ما تتشكل في عالم الطبيعة وفي عالم الروح، وهي أشكال ~~ليست سوى نمط جزئي من التعبير عن صور الفكر الخالص.» # 57 # لكن هل يعني هذا أن فلسفة هيجل انتهت إلى ~~الأفلاطونية، كما قد يبدو من السطور السابقة؟ الواقع أن ~~هناك فرقا جوهريا بين هيجل وأفلاطون. إن الأخير يحط من ~~شأن الظواهر، فالموجودات الحسية عنده مظاهر، أوهام، ظلال، ~~نسخ باهتة. بينما هي عند هيجل ظواهر للمطلق، أي يتجلى ~~فيها المطلق، والعام بدونها وحيد وبلا حياة؛ لأن الظاهر أو ~~الخاص عنده هو تجسيد عيني للعام في ذاته، ولأن الحقيقة ~~عنده عينية وهي كذلك نتيجة لا تظهر إلا من خلال الظواهر. ~~وعندما يتخارج العقل عن نفسه ويتجلى في الطبيعة، والأهم من ~~ذلك عندما يوجد لذاته في الوعي الإنساني، تكون حقيقته على ~~الدوام حقيقة عينية، وذلك مصداقا لكلمة هيجل المشهورة ~~«الحق عيني». وهكذا نجد أن الحقيقة عند هيجل ليست كما ~~كانت عند أفلاطون حقيقة خالدة وخالية من الصيرورة، وسابقة ~~على الزمن، وإنما الحقيقة عنده هي دائما نتيجة أو محصلة أخيرة. # 58 # وقد تأثر التذكر الكوني (أو الكوزمولوجي) عند هيجل ~~بالأفلاطونية المحدثة، فكان تأثير فكرة الفيض أو الصدور ~~والرجوع للواحد الأول أو النور الأول. إن بروكلوس ~~- الأفلاطوني المحدث وأحد شراح أرسطو - هو أول من أدخل ~~صيغة القضية ونقيضها والمركب منهما في الجدل. فكانت صياغته ~~لها على هذا الشكل «الواحد - الخروج - الرجوع للواحد ~~الأول» أو بمعنى آخر «الثبات - الخروج - العودة» وتحولت ~~هذه الصيغة عند هيجل إلى الإيقاع الثلاثي «الموضوع والنقيض والمركب». # 59 # والحقيقة أن ~~هيجل - وريث ~~بروكلوس - هو الذي احتوى في نسقه الكلي كل الجدل الموضوعي ~~السابق ms209 عليه، وأعتقد أنه فسر تطور مضمون العالم كله من ~~خلال الحركة الذاتية للفكرة، أي من خلال حوار الروح المطلق ~~مع نفسه. وقد حرص هيجل على إزالة التناقض، لأن الحق هو ~~الخالي من التناقض، ولكنه كذلك عملية جدلية متطورة وليس ~~عملية جاهزة للتحصيل. أي أن التناقض هو الذي يدفع بالموجود ~~المتناقض أو غير الكامل إلى الوحدة والحقيقة «المستديرة» ~~كهدف نهائي. وبذلك وضع هيجل ال «ليس-بعد» في المطلق ~~الحاضر، على حد قول بلوخ. # 60 # وعلى الرغم من الاختلاف بين المدرسة الأفلاطونية وبين ~~هيجل في تصور الخير الأسمى، فإن التذكر الذي يربطهما يظل ~~باقيا عند هيجل، بل إنه يزيد عنده في وصفه للتطور الجدلي ~~بأنه دائرة، وللحقيقة بأنها دائرة الدوائر. # 61 # وقد امتزجت عملية الصيرورة بالتذكر عند هيجل ~~لحساب الحقيقة الأولى الساكنة وعلى حساب التقدم نحو الجديد ~~والمستقبلي، وكأن التقدم للأمام هو تراجع إلى الأصل، وهذا ~~أيضا ما يؤكده نص لهيجل من كتابه علم المنطق يبين فيه أن ~~البدء أو الأصل باق في كل ما يخرج منه، أي أن الأصل أو ~~الأساس حاضر في كل هنا وكل آن: «إن الانطلاق مما يكون ~~البداية يجب ألا ينظر إليه إلا على أنه نوع آخر من ~~التحديد، بحيث إن البداية تظل هي الأساس الذي يقوم عليه كل ~~ما يتبع تلك البداية ولا يختفي منها أبدا، بذلك يمكننا ~~القول بأن بداية الفلسفة هي الأساس الذي تقوم عليه كل ~~التطورات اللاحقة، ويبقى حاضرا فيها جميعا، أي هو العنصر ~~الكامل والباقي في كل تحديداته التالية.» # 62 # بذلك يصبح الآن العيني، وكل أشكال عملية الصيرورة ~~الكونية، مستوعبا في الفكرة الأصلية أو الحقيقة الأولية ~~التي تتذكر وتحضر في كل الظواهر وتوحد المفهوم (أو ~~التصور) مع الواقع، ولا يكون ثمة مجال للتقدم نحو الجديد ~~والكلي الكامل واليوتوبي. وهذا أيضا يؤكده تاريخ الفلسفة ~~من طاليس إلى هيجل. ففي تلك الفترة الزمنية الطويلة من ~~تاريخ الفلسفة يصح القول بأن «الماهية هي الماضي الذي تم ~~واكتمل» ولهذا فإن الماضي، وليس المستقبل باعتباره الشكل ~~الزمني لما ms210 ليس-بعد، هو الذي يتعلق بالأبدية. # 63 # من هنا كان نقد ماركس للجدل الهيجلي يتجه إلى نقد الروح ~~المطلق الذي يحل كل التناقضات الواقعية في الروح، أي في ~~رأس هيجل نفسه! بذلك أعاد الجدل إلى القلق العيني الواقعي، ~~وأرجعه إلى حاضر هذا الواقع ومستقبله، وهذا هو المعنى ~~الحقيقي لتعبيره عن «قلب» الجدل الهيجلي بحيث يقف على ~~قدميه لا على رأسه. لكن نقد ماركس للجدل الهيجلي لم يمنعه ~~من إنصاف هذا الجدل ووصفه بأنه ثوري ونقدي للواقع كما يشهد ~~بذلك نص ماركس: «لقد كان الجدل في شكله الصوفي الغامض ~~بدعة ألمانية لأنه أراد فيما يبدو أن يسلط الضوء على ~~الأوضاع القائمة، أما في شكله العقلاني فقد كان مبعث ضيق ~~وفزع للبرجوازية الألمانية والمذهبيين الناطقين بلسانها ~~لأنه - أي الجدل - عندما فهم الأوضاع القائمة فهما ~~إيجابيا انطوى في نفس الوقت على الفهم لنفي هذه الأوضاع ~~وضرورة انهيارها، كما أنه لم يتردد عن إدراك كل شكل من ~~أشكال الصيرورة في مجرى الحركة، أي من جانبها الزائل أيضا ~~بحيث كان هذا الجدل في جوهره نقديا وثوريا.» # 64 # هكذا انتهى بلوخ في تفسيره للجدل الهيجلي إلى أنه - على ~~الرغم من تردد بعض نصوص هيجل بين الرجعية والتقدمية - لا ~~ينطوي على الجديد الفعلي ولا ينفتح على المستقبل الحقيقي. ~~ولو نظرنا إلى محاولة أخرى من الفكر الغربي لتفسير الجدل ~~الهيجلي لوجدنا هربرت ماركيوز في كتابه «العقل والثورة» ~~يحاول تفسير فلسفة هيجل على أنها فلسفة ثورة وأن العقل ~~عنده لا بد أن يؤدي بالضرورة إلى ثورة. # 65 # ومما لا شك فيه أن هذا التفسير يختلف اختلافا ~~جذريا عن تفسير بلوخ، فهو ينظر إلى الجدل الهيجلي نظرة ~~ثورية، ويقيم ماركيوز تفسيره هذا على أساس أن السلب هو روح ~~الجدل، وأن السلب أو النفي هو بطبيعته رفض للواقع. إن ~~السلب الذي يطبقه الجدل ليس فقط نقدا للمنطق التقليدي ~~الذي يرفض الاعتراف بحقيقة المتناقضات، بل هو أيضا نقد ~~للأوضاع القائمة على نفس الأرض التي تقف عليها، والقدرة ~~على التفكير السلبي هي القوة الدافعة ms211 للفكر الجدلي التي ~~تستخدم أداة لتحليل عالم الوقائع من خلال ما فيه من نقص باطن. # 66 # إن محاولة ماركيوز تفسير منطق هيجل تفسيرا ~~سياسيا هي محاولة تنزع إلى المبالغة إلى حد كبير. # 67 # والواقع أنه لا خلاف على ثورية هيجل ومنهجه الجدلي الذي ~~أدخل العقل في التاريخ، لكن الخلاف ينصب على رؤيته ~~للواقع أو الحقيقة، فالسؤال هنا هو هل هذه الرؤية تتجه إلى ~~المستقبل أم ترتد إلى الماضي وتتخذ صورة الدائرة المكتملة؟ ~~وهنا يمكن أن نقول إن بلوخ له الفضل في تأكيد عدم مستقبلية ~~النظرة الهيجيلية بسبب تأثرها - كما سبق القول - بالعبارة ~~الأفلاطونية «إن العلم تذكر.» وأيضا بسبب دائرية نسقه ~~الفلسفي. ~~(4) الجدل بين هيجل وبلوخ # يكمن اختلاف الجدل المادي عند بلوخ عن إيقاع الجدل ~~المثالي عند هيجل في أن عملية التقدم نحو الهدف النهائي ~~اليوتوبي غير ممكنة إلا بالابتعاد عن التذكر، أي بالتوقع ~~والأمل المتجدد؛ لأن كل وجود يتحقق، وكل يوتوبي نتصور أننا ~~وصلنا إليه لا يوقف عملية الصيرورة المستمرة نحو الأكمل ~~والأكثر وجودا أو تحققا. والمهم أن التقدم نحو الأشكال ~~الفعلية الجديدة يتم بلا تذكر يرجع بنا للقديم أو يتوقف ~~بنا عند محطات تاريخية ساكنة . # 68 # وإنما يهتدي بال «ليس-بعد» في مسيرته حتى لا ~~ننسى أن اليوتوبي وأن الحقيقة والواقع لم يتحققا بعد ولم ~~يكتسبا بعد. # إن الجدل المادي عند بلوخ يظل حركة تحمل ما لم يتحقق ~~بعد، وينبغي تحقيقه في داخلها باستمرار، ولذلك فهو جدل ~~القلق، أي عدم التحقق وعدم الامتلاء النهائي. وعدم حضور ~~الكمال فيما هو غير كامل أو ناقص هو الذي حرك هيجل لكتابة ~~هذه العبارة: «إن غير الكامل، بوصفه الضد لذاته، هو ~~التناقض وهو دافع الحياة (أو الدافع الحي) الذي يحمله في ~~ذاته ويدفعه لكسر قشرة اغترابه الذاتي واختراقها.» # 69 # ولكن إذا كان هيجل قد وضع أرضه الجدلية الشاقة ~~- أي بصراعاتها ومصاعبها - في سماء فكرته المطلقة ~~والمغلقة، فإن نسق الجدل المفتوح المستنير لا يجعل من ~~الحركة الجدلية القلقة حركة لا نهائية، ومن ثم حركة ~~عقيمة ms212 وإنما يحولها إلى حركة تحمل في أحشائها الكمال ~~الكامن الذي يجعل من المستحيل وجود تاريخ أو تجربة بدون يوتوبيا. # 70 # إن الطريق الجدلي نفسه - حتى لو كان جدلا مثاليا - ~~يشهد بالتوجه نحو الهدف الواقعي الأخير الذي هو عند بلوخ ~~«مملكة الحرية» الأخيرة في مجتمع شيوعي واقعي يجسد في ~~تصوره الإنسانية الحرة الكاملة، والارتباط في نفس الوقت ~~بالواقع التاريخي المتعين، بحيث لا يكون الجدل هو مجرد ~~الانعكاس التأملي لهذا الواقع، بل يفترض كذلك انعكاس ~~الانعكاس، وتأمل هذا التأمل دائما من منظور التقدم ~~المستمر نحو الأمل الكامن في داخل الواقع، والذي ينزع ~~باستمرار نحو التحقق والاكتمال اليوتوبي. ومعنى هذا ~~بتعبير آخر أن المبدأ اليوتوبي الواقعي عند بلوخ كامن في ~~الواقع والوعي معا. وهو ينزع باستمرار إلى تخطي معوقاتهما ~~ليتجه باستمرار نحو الهدف الكلي الذي يتحرك نحو مبدأ ~~الأمل، وهو تحقيق مملكة الحرية الشاملة. # إن مبدأ الأمل، هذا المبدأ اليوتوبي كامن في الوعي، كما ~~هو كامن في الواقع، في هذا العالم الخارجي غير المكتمل ~~وغير التام، الذي يتميز دائما بالصيرورة المستمرة. ~~والواقع في صحيحه صيرورة Process ~~. وهذه العملية ~~هي التوسط بين الحاضر والماضي والمستقبل الممكن الذي يمثل ~~أهم أبعادها. أجل إن كل ما هو واقعي، ومن خلال عملية ~~الصيرورة هذه يصب في الممكن. وكل ما هو جزئي مشروط فهو ~~ممكن، أي لم يتحدد بعد تحددا تاما. والمتحرك المتغير ~~والقابل للتغيير، والذي يعبر على نحو ما عن نفسه تعبيرا ~~ماديا جدليا، إنما يحمل في أساسه إمكانية الصيرورة ~~التي تتم ولم تنته بعد، كما أن هذه الإمكانية هي التي ~~توجهه أيضا نحو أفقه البعيد. # 71 # وإذا كان بلوخ قد عارض سكون الجدل الهيجلي ودائريته، فلا ~~يعني هذا التقليل من شأن فيلسوف كبير مثل هيجل، استطاع أن ~~يحسم الرأي في شان الجدل الذي ظل ردحا طويلا من الزمن ~~يتأرجح بين الذات تارة، والموضوع تارة أخرى، حتى جاء هيجل ~~ليقدم صورة متكاملة لجدل الذات والموضوع. وعلى الرغم من ~~أن بعض الفلسفات التي جاءت بعده - على اختلاف أنواعها ms213 - ~~سعت سعيا دءوبا لهدم هذا الصرح الشامخ، فقد ظلت المثالية ~~الهيجيلية مصدرا ومادة خاما للعديد من الفلسفات ~~والتفسيرات والتأويلات. ويكفي هيجل أن جدله كان أول من ~~أخرج الصراع من كمونه، وأطلق هذا العملاق الجبار ليعمل في ~~التاريخ، بعد أن ظل يعمل طويلا في عقول الفلاسفة دون أن ~~يصطدم بأرض الواقع. إن الثورية - وهي السمة التي يجب أن ~~تميز الجدل بصفة عامة - ربما ظلت كامنة في جدل هيجل بشكل ~~خاص ولم تتفجر إلا على يدي ماركس الذي اكتملت عنده صورة ~~الجدل المادي التاريخي. لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن ~~الجدل المادي الماركسي في جوهره لا يختلف عن الجدل المثالي ~~الهيجلي، فلا نستطيع أن نقول إن ماركس قد أتى بمنهج ~~جدلي جديد يختلف عن المنهج الجدلي الهيجلي. لكن نقطة ~~الخلاف تكمن في نقطة البداية عند كل منهما، فبينما انطلق ~~هيجل من الفكر، انطلق ماركس من المادة. يكمن الخلاف إذن في ~~«المقابلة بين التصور الفلسفي للعلاقة بين الفكر والوجود ~~عند كل من الفلسفة المثالية والفلسفة المادية. هيجل يجعل ~~الفكر أساسا أوليا عليه يعتمد الوجود بأسره، أما ماركس ~~فيطالب بأن نقلب الوضع بحيث يكون الأساس هو مادة الواقع الصلبة.» # 72 # إن أساس المنهج الجدلي هو واقع التناقض التاريخي، فإذا ~~كان الجدل في رأي هيجل هو أداتنا لفهم الحركة الجدلية ~~للواقع وترتيبها في نسق أو نظام فإن ماركس مقتنع مثل هيجل ~~بأن الجدل هو الذي يحدد مسار التاريخ. إلا أنه لم يقصر ~~الجدل - مثل هيجل - على فهم الواقع ووضعه في نسق، وإنما ~~ذهب إلى أبعد من ذلك فجعله هو الأداة العلمية الوحيدة لفهم ~~المستقبل، هذا البعد الغائب عن فلسفة هيجل. إن كلا من ~~هيجل وماركس ينظر إلى المجتمع على أنه ظاهرة جدلية تنطوي ~~على التضاد، كما تنطوي على إمكان حله. لكن ماركس يعتبر ~~التناقض ظاهرة إنسانية اجتماعية تتخذ صورة تقسيم العمل ~~وصراع الطبقات والتناقض بين قوى الإنتاج وعلاقاته، وتدفع ~~التاريخ نحو غايته وهدفه الأخير، ألا وهو المجتمع الحر ~~الخالي من الطبقات. ولقد انطلق ms214 ماركس من أفكار هيجل التي ~~قدمها في «فلسفة الحق» عن جدل العمل والحاجات وإشباع ~~الحاجات، فطورها وحولها إلى جدل الصراع الطبقي الذي هو ~~أساس التاريخ البشري، بحيث لم يعد الصراع ولا التاريخ هو ~~مجرد تقدم الوعي بالحرية على نحو ما قال هيجل. # وعلى الرغم من الاختلاف بين هيجل وماركس، إلا أن هذا ~~الأخير ينصف جدل هيجل في «المخطوطات الاقتصادية الفلسفية» ~~حين يقول: إن أعظم ما في «ظاهريات الروح» هو أنها تفهم ~~جوهر العمل وتدرك الإنسان الموضوعي بوصفه نتيجة عمله. ~~فظاهريات هيجل كانت أول عمل يتناول بجدية المفهوم ~~الديناميكي الإبستمولوجي للعمل على الأقل في الحدود ~~التاريخية-المثالية. لقد فسر هيجل العمل البشري تفسيرا ~~عقليا وليس ماديا، هذا بالمقارنة مع النزعة المادية في ~~العصر الحديث التي أغفلت مفهوم العمل ولم تختلف بذلك عن ~~سلفها القديم ديمقريطس. إن نظريات المعرفة منذ ديمقريطس - ~~أكبر الماديين في الفلسفة اليونانية - حتى فلسفات ما قبل ~~ماركس، كانت نظريات معرفة سلبية، تقوم على فكرة المتلقي ~~ولم تعكس عملية الصيرورة، بمعنى أنها نظريات ذات نزعة ~~ميكانيكية، وكان من الطبيعي ألا يكون هناك فعالية ~~إبستمولوجية في مجتمع مثل المجتمع اليوناني يقوم على ملكية ~~العبيد واحتقار العمل. ولكن لم يكن من الطبيعي - في نظر ~~بلوخ - أن يمتد هذا إلى النزعة المادية في العصر الحديث، # 73 # هذه النزعة التي افتقرت - على حد قول ماركس في ~~قضاياه عن فويرباخ - إلى العلاقة التي تربط الذات بالموضوع ~~وهي العمل، ويندرج فويرباخ نفسه تحت هذه النزعة التأملية ~~حيث حذف النشاط البشري من الوجود الواقعي، ولم ينظر ~~للإنسان إلا بوصفه وجودا مرتكزا على الطبيعة، وضيع بذلك ~~العلاقة الجدلية المتبادلة بين الذات والموضوع عن طريق ~~توسط العمل، # 74 # هذا التفاعل بين الذات والموضوع الذي يؤكد ~~عليه ماركس في هذه العبارة: إن الإنسان ونشاطه يبقى دائما ~~الأساس التاريخي المادي. # من هنا كان هجوم ماركس على كل الفكر القائم على التأمل، ~~وكل الفلاسفة الذين فسروا العالم بطرق مختلفة وارتبط ~~تفسيرهم بالتأمل. والمعرفة اللا-تأملية هي التي قصد إليها ~~ماركس في كتابه «رأس ms215 المال» الذي اتجه مباشرة للفعل، إلى ~~معرفة القوانين الجدلية للتطور في المجتمع والطبيعة ككل. # 75 # والنقطة الأصيلة في الفكر الماركسي هي القدرة ~~على التغيير للأفضل واكتشاف أفق المستقبل. فكل المعرفة ~~السابقة قامت على العلاقة المتبادلة بين المعرفة والماضي. ~~ولم يكن لصيرورة العمل أي اعتبار في هذه المعرفة القائمة ~~على التذكر التي امتدت من أفلاطون إلى هيجل، لقد ظلت علاقة ~~المعرفة بالصيرورة - حتى ما قبل ماركس - مطبوعة بطابع ~~التأمل، ولا يستثنى من هذا فيلسوف التطور أرسطو، فالوجود ~~عنده هو ما كان موجودا. ولا يستثنى كذلك فيلسوف الصيرورة ~~الجدلية الأكبر هيجل، فالوجود عنده هو الواقع الذي أصبح ~~بالفعل أو الذي تم بالفعل. # 76 # وفي الفكر الماركسي وحده تكمن الفكرة المبدئية ~~ومحورها الإنسان العامل، والتغيرات الاجتماعية التي تتفاعل ~~مع الطبيعة نفسها. ولن يتسنى تغيير العالم بدون ممكن ~~حقيقي موضوعي يوجد داخل هذا العالم حتى يمكن إعادة بنائه ~~على هذه الأرض. # ثانيا: بنية الزمان التاريخي # إذا كان الجدل هو منطق الزمانية فما الزمان؟ وما ماهيته؟ هل ~~للزمان بداية ونهاية؟ وهل هو كائن منذ الأزل وسيظل إلى الأبد، أم ~~أنه حادث مخلوق مع الطبيعة؟ هل له وجود مستقل عن الظواهر ~~الطبيعية والأحداث التاريخية؟ أسئلة شغلت بال الكثير من المفكرين ~~طوال عمر التفكير البشري. فمشكلة الزمانية من كبرى المشكلات ~~الفلسفية التي احتلت حيزا هاما في الفكر الفلسفي قديمه ووسيطه، ~~حديثه ومعاصره. أثيرت المشكلة على مستويين: مستوى التنظير العقلي ~~الفلسفي، ومستوى العالم الطبيعي الفيزيائي، فلم يوجد فيلسوف ذو شأن ~~إلا وقدم تصورا للزمان يتفق مع نظريته الفلسفية. كما لم يوجد باحث ~~في علم الطبيعة استطاع أن يتجاهل هذا البعد الهام للزمان. # دارت مشكلة «الزمانية» على محورين أساسيين: محور الزمان ومحور ~~المكان، وارتباط كل منهما بالآخر بحيث لا يمكن التفكير في الزمان ~~بمعزل عن المكان. واختلاف وجهات النظر في هذه المشكلة يرجع إلى ~~الاختلاف حول هذين المحورين، فقد رد بعض الفلاسفة الأول (أي ~~الزمان) إلى الثاني (وهو المكان)، وقال البعض الآخر بعكس هذه ~~النظرية. وللمشكلة جذور فلسفية وعلمية ms216 يشهد عليها التفكير الفلسفي ~~من ناحية وتطور علم الطبيعة أو الفيزياء من ناحية أخرى. ~~(1) الزمان الدائري في الفلسفة اليونانية # لمشكلة «الزمانية» جذور عميقة في الفكر اليوناني منذ ~~الفلاسفة الطبيعيين قبل سقراط، قال بعضهم (أمثال هيراقليطس ~~والفيثاغوريين) بأن ماهية الوجود تتحدد في إطار الزمان ~~والمكان، فقصر وجود العالم الخارجي على حدوده الزمانية ~~المكانية. وعندما طرح سؤال: هل للزمان وجود وماهية؟ قال البعض ~~(مثل زينون الإيلي) بإنكار الزمان كنتيجة مترتبة على إنكاره ~~للحركة. ورد البعض الزمان برمته إلى المكان، بحيث لا يفهم ~~الزمان إلا على غرار المكان من حيث كونه يشغل حيزا في المكان. ~~واختلفت الآراء حول أبدية الزمان، فبينما يؤكدها هيراقليطس ~~بقوله «البدء والنهاية في محيط الدائرة واحد.» # 77 # ينكرها أفلاطون في محاورة طيماوس: «ولما رأى أبو ~~العالم ووالده، أنه ولد صورة للآلهة الأزليين، وفكر أيضا أن ~~يجعله أكثر شبها بمثاله، فكما أن ذاك المثال حي سرمدي (...) ~~ففكر أن يضع صورة متحركة للأزل ... وهي ما سميناه زمانا لأن ~~النهار والليل والشهور والسنين لم تكن قبل حدوث السماء، ولكن ~~الله استنبط حدوثها عندما كان يركب الفلك.» # 78 # بذلك ينتهي أفلاطون إلى أن الصانع خلق الزمان في ~~لحظة خلق العالم، ثم يأتي أرسطو ليعارضه ويقول بأبدية الزمان ~~وارتباطه بالحركة الدائرية عندما فسر علاقة الزمان بالحركة ~~ونظر إليه باعتبار «إن الزمان عدد الحركة من قبل المتقدم ~~والمتأخر، وأنه متصل.» # 79 # فليس هناك زمان فارغ، كما أنه ليس هناك مكان ~~خلاء. لكن يأتي أفلوطين بعد ~~ذلك لينتهج نهج أفلاطون وينطق بلسانه فيقول بخلق الزمان: ~~«الأبدية والزمان شيئان مختلفان، فالأبدية ترجع إلى الطبيعة ~~الخالدة، أما الزمان فمجاله عالم الأحداث الجارية في عالمنا المحسوس.» # 80 ~~(2) الزمان المستقيم في الفلسفة الوسيطة # إذا انتقلنا للعصور الوسطى التي سيطر عليها الفكر الديني ~~وجدنا السيادة المطلقة للتصور الأفلاطوني-الأفلوطيني، أي ~~لسيطرة فكرة خلق الله للزمان في لحظة خلقه للعالم. ويؤكد هذا ~~التصور الخط المستقيم لزمن الأديان الذي ينتفي معه الشكل ~~الدائري للزمان اليوناني. ويمثل القديس أوغسطين (354-430م) هذا ~~الاتجاه، فهو يؤمن بإله ms217 خارج عن العالم، وهو روح لا يسري ~~عليها الزمان، ولا تخضع للعلية أو التطور التاريخي. وعندما خلق ~~الله العالم خلق معه الزمان. فنحن لا نستطيع أن نتساءل عما حدث ~~قبل خلق العالم؛ إذ لم يكن هناك زمان يمكن أن نسأل بشأنه هذا السؤال. # 81 # ويرى بلوخ أن مفهوم الزمان عند أوغسطين - على الرغم من طابعه ~~الذاتي - مرتبط بالواقع القائم على التجربة، # 82 # فالماضي الذي لم يعد له وجود يتم استدعاؤه في ~~الحاضر عن طريق الذاكرة، كما أن العبور للمستقبل الغامض يتم ~~أيضا من خلال الواقع الحاضر عن طريق التوقع، والنفس تستجمع ~~الزمان بكل أبعاده في اللحظة الحاضرة بالانتباه. بذلك يمكن ~~القول إن الزمان يصبح حاضرا دائما: «لا ماضي لا يكون ~~موجودا، ولا مستقبل ليس حاضرا، وليس هناك إلا ال «هو» ال ~~«كائن» وليس هناك «كان» ولا «سيكون» لأن ما كان لم يعد كائنا ~~وما سيكون لم يكن، فهناك الكائن لا غير.» # 83 # وكما كان أوغسطين أول من فكر في الزمان، فهو كذلك ~~أول فيلسوف تاريخ، فهناك علاقة جدلية بين الزمان والتاريخ ~~عنده، وتاريخ الخلاص لا يلغي الزمان، حيث أدرك الوظيفة ~~الموضوعية للزمان (أي جدلية التحول وتعرض كل ما في الزمان ~~للفساد). وعلى الرغم من ذلك فهو يرى أيضا أن الزمان يتقدم نحو ~~مدينة الله المقدسة. # 84 ~~(3) الزمان المطلق في العلوم الطبيعية # ثم تعقدت مشكلة الزمان وتشابكت مع تقدم العلوم الطبيعية ~~والرياضية وتطورها في عصر النهضة، فابتعدت عن فكرة ارتباط ~~الزمان بالمكان والحركة، أي ابتعدت عن تصور الزمان معتمدا على ~~حركة العالم الطبيعي، وهي الفكرة التي سادت التصور اليوناني ~~للزمان، وسيطرت على العصور الوسطى فكان الزمان الذي لا يستشرف ~~المستقبل بسبب غياب فكرة التطور والتقدم من الماضي إلى الحاضر ~~إلى المستقبل إلى أن جاء إسحاق نيوتن (1642-1727م) وأقام صرح ~~العلم الطبيعي الحديث على أساس من الحتمية العلمية، وصور ~~العالم كآلة ميكانيكية هائلة تسير وفق قوانين رياضية دقيقة ~~لا تحيد عنها، وجعل الكون يتحرك في المكان والزمان المطلقين. ~~أعقب هذا التطور الهائل ms218 في العلوم الطبيعية، تطور مماثل في ~~الدراسات الفلسفية التي رفعت لواء العقل في عصر التنوير ~~واستندت إلى ميكانيكا نيوتن. وربما كان أوضح مثال على هذا هي ~~فلسفة كانط (1724-1804م) النقدية التي جعلت المكان والزمان ~~صورتين قبليتين للتجربة. ~~(4) الزمان كبعد رابع في النظرية النسبية # واستمر تطور العلم الطبيعي والرياضي إلى أن جاءت نظرية ~~النسبية لأينشتين لتنحي الفيزياء الكلاسيكية لنيوتن جانبا، ~~وتقول بالمتصل الزماني-المكاني، وتجعل من الزمان المندمج مع ~~المكان بعدا رابعا مضافا إلى الأبعاد الثلاثة لفيزياء ~~نيوتن وهي الطول والعرض والارتفاع. انهار التفسير الميكانيكي ~~للكون، وترتب على ذلك انهيار الزمان والمكان المنفصلين ~~المطلقين. ويلخص رسل الأسباب التي جعلت من الضروري إحلال ~~عبارة متصل «المكان-الزمان» بدلا من المكان والزمان، فالفصل ~~القديم بين المكان والزمان يقوم على اعتقاد بأنه لا لبس هناك ~~في أن نقول إن حادثتين في مكانين متباعدين قد وقعتا في زمن ~~واحد بعينه، وبالتالي كان من المعتقد أننا نستطيع وصف ~~«طبوغرافية» (وضع) الكون في لحظة معينة بمصطلحات مكانية ~~بحتة. ولكن بعد أن أصبحت الآنية منسوبة إلى مشاهد معين، لم ~~يعد ذلك ممكنا. فما يعده مشاهد ما وصفا لحالة العالم في ~~لحظة معنية، هو بالنسبة لمشاهد آخر سلسلة من الحوادث وقعت في ~~أزمنة مختلفة، وليست علاقاتها مكانية فحسب، بل زمانية أيضا. ~~ولهذا السبب نفسه، نحن معنيون بالحوادث لا بالأجسام. # وقد كان من الممكن في النظرية القديمة النظر إلى عدد من ~~الأجسام، كلها في نفس اللحظة، وما دام الزمان واحدا بالنسبة ~~إليها جميعا، فمن الممكن تجاهله. أما الآن، فإننا لا نستطيع ~~أن نغفل ذلك إذا أردنا الحصول على تفسير موضوعي للوقائع ~~الفيزيائية، فلا بد من ذكر التاريخ الذي ننظر فيه إلى الجسم، ~~وبهذا تم الوصول إلى «حادثة» أي إلى شيء يحدث في زمن معين، ~~وحين نعرف زمان ومكان حادثة ما في نظام تسجيلي لمشاهد فإننا ~~نستطيع أن نحسب زمانها ومكانها وفقا لمشاهد آخر. بيد أنه ~~ينبغي علينا أن نعرف الزمان والمكان أيضا لأننا لم نعد نستطيع ~~أن نسأل ما هو مكانها بالنسبة ms219 للمشاهد الجديد في «نفس الوقت» ~~بالنسبة للمشاهد القديم؟ وليس هذا شيئا كنفس الزمان بالنسبة ~~للمشاهدين المختلفين، اللهم إلا إذا كانا ثابتين الواحد ~~بالنسبة للآخر، ونحن نحتاج إلى أربعة قياسات لتحديد وضع ما، ~~وأربعة قياسات تحدد وضع حادثة ما في متصل «المكان زمان» لا ~~مجرد جسم في المكان. ولا تكفي ثلاثة قياسات لتحديد أي وضع. هذا ~~هو جوهر ما نعنيه باستبدال متصل «المكان زمان» بالمكان والزمان. # 85 # واحتدمت الآراء وتعارضت حول نظرية النسبية التي ~~تعد أهم وأحدث ما وصل إليه التقدم في العلوم الطبيعية. ولسنا ~~بصدد عرض لإشكالية الزمان وتطورها التاريخي، فليس هنا مجاله ~~ولا هو هدفنا. ولكننا نعرض لهذه المشكلة من الزاوية التي ~~تناولها بلوخ الذي اهتم اهتماما خاصا ببنية الزمن التاريخي. ~~فهناك كما نعلم زمنان: الزمان الفلكي الكوني، زمان الساعة ~~الآلي، الزمان الكمي؛ والزمان النفسي الوجداني، زمن التجربة ~~الحية، الزمان الكيفي. ~~(5) الزمان الذاتي في الفكر المعاصر # كانت مشكلة الزمان النفسي محور فلسفات عدد كبير من فلاسفة ~~القرن العشرين، من أهمهم برجسون وهوسرل وهيدجر. تناول كل ~~منهم زمان الذاتية الفردية، وميزوا بين زمن الساعة والنتيجة ~~المطرد - الذي لا يمكننا من فهم المشكلة الفلسفية الزمانية - ~~وبين زمن التجربة الحية. # عندما عالج برجسون (1859-1941م) مشكلة الزمان فرق تفرقته ~~المشهورة بين زمان التجربة الكيفي الحي المتدفق وهو الزمان ~~الحقيقي الذي يسميه الديمومة # La durée ~~؛ وزمان الساعة الكمي السكوني الآلي ~~المتجانس الذي نتج عن إقحام فكرة المكان في صميم فكرة الزمان. ~~والديمومة أو المكان الحي هو المحور الذي تدور حوله كل فلسفة ~~برجسون. فقد هاجم الميكانيكية العلمية وعارض العقل الذي يقتصر ~~إدراكه على كل ما هو قائم على الثبات والسكون، ووضع في المقابل ~~فلسفته الحيوية بمنهجها الحدسي، ورفض أن تعامل الذات معاملة ~~العلم الطبيعي للعالم الخارجي الذي يتصف بالامتداد والكثرة، ~~وتحكمه الحتمية العلمية؛ ذلك لأنه «فيما يتعلق بالحياة النفسية ~~نلمح دون مشقة أن الزمن هو نسيجها نفسه.» # 86 # ويؤكد برجسون على أن الديمومة تبشر بالجديد دائما ~~على مستوى الذات والكون على السواء: «إن الكون ms220 يدوم في الزمن، ~~وكلما تعمقنا في فحص طبيعة الزمن فهمنا أن الديمومة تدل على ~~الاختراع وخلق الصور، والإعداد المستمر للجديد على وجه الإطلاق.» # 87 # ليست الديمومة لحظة تحل مكان لحظة أخرى، وإلا لما كان هناك ~~سوى الحاضر، ولما كان هناك امتداد للماضي في الحاضر ولا تطور ~~ولا ديمومة محددة بالذات «إن الديمومة هي التقدم المستمر ~~للماضي الذي ينخر في المستقبل كلما تقدم.» # 88 # وهي الزمان النفسي حيث تتحرك الذات - التي تحيا في ~~الزمان - وفق حياتها الباطنة الداخلية. وهذه الديمومة لا تمت ~~بصلة للمكان والزمان اللذين تتحدث عنهما ~~العلوم الطبيعية. وجدير ~~بالذكر أن ديمومة برجسون قد تطورت فخرجت عن نطاق اكتشاف الحياة ~~الباطنة للذات الفردية لتشمل الأشياء المادية «إن تيار الزمن ~~يكتسب سرعة لا نهاية لها، وإن ماضي الأشياء المادية وحاضرها ~~ومستقبلها ينبسط دفعة واحدة في المكان.» # 89 # بذلك لم تقتصر الديمومة على الذات الفردية، بل ~~امتدت إلى العالم المادي ليتصف هو الآخر بالجدة والإبداع ~~المستمر. # أما عن هوسرل (1859-1938م) مؤسس فلسفة الظاهريات فقد رفض ~~رؤية الظواهر في المكان واتجه لرؤيتها في الزمان، خاصة وأن ~~الفينومينولوجيا (أو الظاهريات) قد نشأت أساسا كتحليل للشعور ~~الداخلي بالزمان؛ فالشعور عند هوسرل يتكون في ثلاثة أبعاد ~~للزمان هي التوتر والاستدعاء والانتظار. # 90 # ونقطة البدء عند هوسرل هي الأنا المتعالية وعالمها ~~المتفرد وحريتها وتجربتها الحية التي أحالت كل الظواهر إلى ~~تجربة حية في الشعور. فكان زمانها هو زمان الذاتية الداخلي أو ~~الباطني. يقول هوسرل في «تأملات ديكارتية»: «إذا كان الأمر ~~يختص بحالة من حالات الشعور يكون فيها الموضوع المفكر فيه، ~~موضوعا من موضوعات العلم، فإنه يجب أن نميز المدة الموضوعية ~~التي تظهر من المدة «المباطنة» لعملية الشعور. فهذه المدة ~~تنقضي على فترات، وعلى مراحل زمنية خاصة بها.» # 91 # وبفضل تلك المدة المباطنة تظهر جميع «حالات الأنا التي يمكن ~~تأملها بحسب ترتيبها في الزمان - على نحو متتال - أي أن لها ~~بداية ونهاية فيه، في داخل الأفق اللانهائي والدائم للزمان ~~المباطن. ويمكن أن نعبر عن التمييز بين الشعور ms221 بالزمان وبين ~~الزمان ذاته بوصفه تمييزا بين حالة الشعور الداخلية في ~~الزمان، وبين الأحوال الزمنية لظهوره.» # 92 # إذا انتقلنا إلى فيلسوف آخر تناول التجربة الذاتية كمحور ~~هام لفلسفته نجد هيدجر (1889-1976م) - أحد أهم تلاميذ هوسرل - ~~قد تناول مشكلة الزمانية بأبعاد جديدة في كتابه «الوجود ~~والزمان» ربط هيدجر الوجود بالزمان في علاقة جدلية انتهت إلى ~~أن الموت هو إمكانية عدم وجود الذاتية بل هو أعلى إمكانيات هذا ~~الوجود. فكان الموت هو المعيار الغائي للزمانية، وإمكانية ~~ستحدث حتما في لحظة زمنية محددة لكل إنسان، هذا المخلوق ~~المحكوم عليه بالفناء، والذي يجب أن يواجه مصيره بمفرده في ~~تجربة منفردة، وكأن الوجود هو الوجود-للموت. وانتبه هيدجر إلى ~~ما سماه «الاستباق إلى الإمكانيات الخاصة للفرد» وهي قدرة ~~الآنية على استباق ذاتها إلى ما لم يوجد بعد - أي إلى موتها - ~~هذه القدرة على أن تكون في المستقبل هي التي تمكنها من الرجوع ~~إلى زمنها المنقضي وصونه من الضياع، فكأن استشعار الموت ~~والإحساس بالنهاية هو الذي يحيى الماضي «إن الزمن المنقضي ~~ينبثق على نحو من الأنحاء من المستقبل.» # 93 # لم يعد الزمان سلسلة من الآنات متعاقبة الحلقات، ولا مسافة ~~فاصلة بين نقطتين آنيتين مما نقيسه ونحسبه. فالمجال الزمني هنا ~~هو الانفتاح أو المجال المفتوح الذي تتحد فيه أبعاد الماضي ~~والحاضر والمستقبل في عناق الحضور. # 94 # هذا الحضور يعني الحاضر بلغة هيدجر، فإذا ذكرنا ~~الحاضر فلا بد لنا أن نذكر زمن الماضي وزمن المستقبل. وقد وضع ~~هيدجر هذه الأبعاد الثلاثة في كليتها والحياة الفردية نصب ~~عينيه. واعتبر أن الزمان الحقيقي هو وحده هذه الأبعاد في لحظة ~~التصميم، وهي لحظة تحقيق الوجود الذاتي الأصيل، ليؤكد فكرة ~~استباق الإنسان لإمكانياته الخاصة. # هكذا نجد أن كلا من هوسرل وهيدجر قد حصرا نفسيهما في ~~الزمان الذاتي للفرد، ولم يختلفا كثيرا عن برجسون. فالفلاسفة ~~الثلاثة قصروا تحليلاتهم على ما يمكن أن نسميه زمان الذاتية ~~الفردية. أما مشكلة الزمان التاريخي فلم تحظ باهتمام أي من ~~الفلاسفة السابقين الذين تناولوا مشكلة الزمان. وعلى مدى تاريخ ms222 ~~الفكر البشري سادت دائما فكرة أن هناك زمانين: زمان الطبيعة ~~الكمي، وزمان الوجدان الكيفي. وفي عرضنا لمشكلة الزمانية وجدنا ~~كيف فرق الفلاسفة بين الزمانين تفرقة حاسمة وقاطعة، وأن كل ~~من أخذ بأحد الزمانين كان لا بد له من إنكار الزمان ~~الآخر. ففريق يقول بالزمان ~~الكمي، وفريق آخر ينكره لحساب الزمان الكيفي. كان لا بد من ~~الاختيار، هذا، أو ذاك! أما التداخل بين الزمان الكمي والزمان ~~الكيفي فلم نجده إلا عند بلوخ. # لقد أدرك هيدجر - كما أشرنا من قبل - العلاقة بين الزمان ~~والإمكان، ولكن من منظور الزمان الذاتي. وإذا انتقلنا الآن إلى ~~بلوخ، فيلسوف الإمكان، فكيف ارتبط الزمان عنده بمقولة الإمكان، ~~وهي أهم المقولات في فلسفته اليوتوبية؟ الحق أن واقعية مقولة ~~الإمكان تتعلق بالزمان، فليس هناك معنى للحديث عن الإمكان إلا ~~حيث يكون هناك مستقبل، كما أن كل حديث عن المستقبل هو بالضرورة ~~حديث عن الإمكان، لأن كل ما هو ممكن ولم يتحقق بعد في الواقع ~~لا بد أن يصبح في المستقبل واقعا، وإلا لم يكن ممكنا بل مجرد ~~شيء غير واقعي. فالمستقبل بحسب طبيعته وماهيته ليس إلا الوجه ~~الزمني للإمكان. كما أن الإمكان ليس إلا جهة ذلك الامتداد ~~الزمني الذي نسميه المستقبل. ~~(6) الزمان التاريخي عند بلوخ # إن مشكلة الزمان التاريخي الذي تتفاوت سرعته وكثافته (من ~~ناحية الامتلاء بالمضمون) لم يلتفت إليها أحد ممن عالجوا مشكلة ~~الزمانية. فالزمان يتفاوت ويختلف سواء نظرنا إليه من جهة ~~الماضي الذي تحرك في مراحل تطور مديدة وبطيئة أو في مراحل ~~ثورية متوثبة وغير متجانسة، أو نظرنا إليه من زاوية المستقبل ~~الذي تلح عليه الإمكانات المتلاحقة وتتميز بعض لحظاته ~~المنتظرة بشدة الإحساس بالتوقع - ويتغلغل الزمن في الأحوال ~~الثلاثة ويفقد طابعه «التاريخي» أو الزمني الخالص - فقد توجد ~~فيه «مناطق» تركيز مكثفة تتسم بالقرارات الجادة والحاسمة، ~~بجانب مناطق أخرى مسطحة ورتيبة إلى حد كبير. كل هذا يؤكد أن ~~مشكلة بناء الزمان أو بنيته يجب أن تبحث في علاقتها الوثيقة ~~بالإمكان الجديد. # يوجد عند بلوخ هذا التداخل العميق بين ms223 الزمان الفلكي والكوني ~~الذي لا يخلو عنده من التطور والصيرورة الكيفية المتجددة، وبين ~~زمان التجربة الإنسانية التي تصنع التاريخ البشري المتجدد ~~باستمرار. فهو يؤكد أن مشكلة الزمان التاريخي الذي تتفاوت ~~كثافته وسرعته وتتخذ صورا مختلفة لم تناقش بعد مناقشة ~~وافية. والزمان بأكمله ليس هو فحسب الزمان المتتابع في خط ~~واحد، وهو الزمان الذي يحسب بالساعات. صحيح أن الزمان يوجد ~~مستقلا عن الإنسان، ولكنه من جهة الماضي ليس مستقلا عن ~~المضمون المتحرك المتغير الذي يمثل الزمان مجاله العيني؛ ولهذا ~~لا يخلو زمان الساعة المطرد المتتابع في صورة كم مجرد ~~ومتكرر، لا يخلو من الزمان الواقعي على اختلاف صور هذه الواقعية. # 95 # والزمان الكوني من منظور الماضي قد مر بمراحل تطور طويلة ~~متجانسة، كما مر بفترات قصيرة تميزت بالتفجر وعدم التجانس. ~~ومن ناحية المستقبل بما ينطوي عليه من إمكانيات مختلفة تنزع ~~إلى التحقق، فإن الزمان مختلف في الحالين، ويفقد صورة التتابع ~~المطرد في خط مستقيم. ويترتب على هذا أن كميات (آنات) الزمان ~~المختلفة ليست متجانسة، وإنما هي في معظم الأحوال متفاوتة ~~تفاوتا كيفيا عن بعضها البعض. ويتجلى هذا قبل كل شيء عندما ~~نقارن بين أشكال الماضي من ناحية تاريخ الطبيعة، وأشكاله من ~~جهة تاريخ البشرية، فنتبين أنهما لا يسيران في خط واحد. ~~فملايين السنوات التي استغرقتها العصور الجيولوجية لم تمر بنفس ~~الطريقة التي مر بها زمان البشر التاريخي ، ولم تتتابع على سبيل ~~المثال تتابع الحرب البلوبونيزية والحروب الصليبية. إن الزمان ~~الجيولوجي أو بالأحرى الزمان الكوني ليس أطول بما لا نهاية له ~~من زمان التاريخ البشري الذي نحسبه عادة بما لا يزيد عن تسعة ~~آلاف سنة. بل إن الماضي الكوني بكل ما تم فيه من أحداث وما ~~احتواه من مضامين ليس مجرد ماض انقضى وإنما هو باق ومحيط بنا ~~إحاطة هائلة. # 96 # يضاف إلى هذه التفرقة بين الزمان الطبيعي والزمان التاريخي، ~~أن التاريخ البشري نفسه توجد فيه أشكال من التاريخ الزمني الذي ~~يشبه تتابع الزمان الفلكي أو زمان الساعة كما فيه عصور ~~تاريخية ms224 متميزة من حيث بنيتها الممتلئة بمضامين التطور ~~ومعانيه المختلفة في الاقتصاد والفن والتقنية ... إلخ، ومعنى هذا ~~أنه لا يصح أن نساوي بين البناءات المختلفة للزمان في داخل ~~التاريخ البشري نفسه. # 97 # فنحن نجد في داخل هذا التاريخ البشري صورا مختلفة ~~من التفاوت الكيفي والكثافة النوعية، نجد مجالات إمكان تتميز ~~بقدر عال من الحسم والالتزام، بجانب مجالات أخرى شديدة ~~التسطح والاستواء. هناك أزمان تميزت بتجانس شديد وأزمان أخرى ~~وقعت فيها تصادمات مروعة. ولذلك يجب التفكير في البنية ~~الزمنية المرنة في التاريخ بالمقارنة بتصور المكان في هندسة ~~ريمان (1826-1866م) الذي وضع ~~نسقا لهندسة لا إقليدية، هندسة ربطت المكان بالمادة وجعلته ~~متغيرا تبعا لتغيرها. هذا التصور المرن للمكان عند ريمان ~~يجعلنا نتصور مفهوم الزمان التاريخي تصورا مرنا. فاعتماد ~~المكان على المادة أو الموضوع المادي الذي يحل فيه ويغير ~~مقاييسه - طبقا لهندسة ريمان - لم يجعل من المكان شكلا ~~متجانسا وساكنا، بل أصبح متعلقا بالحدث المادي المتغير؛ ~~ولذلك فإن التوزيع والحركة المختلفة للمادة في الكون هي التي ~~تحدد المقاييس المكانية المختلفة عن المقاييس الإقليدية. # 98 # هذا التصور يمكن أن يطبق بالمماثلة على مفهوم الزمان ~~التاريخي الذي يختلف فيه توزيع المادة، بذلك يمكن أن نتصور ~~الزمان التاريخي ذا اتجاه وقابلا للانحناء والانكماش أو ~~الامتداد، أي متغيرا بحسب المضامين التي يملأ بها. # 99 # إن تقسيم الزمان الإنساني - على حسب الأحداث - إلى ~~عصور قديمة ووسيطة وحديثة لا يجعل منه زمانا تاريخيا، ~~لأنه يظل زمانا تأريخيا، فليس التأريخ ولا الكتابة ~~التاريخية هي التي ميزت وحددت الأبنية الزمنية، بل أنظمة ~~الوجود والوعي التاريخي، وذلك مثل زمان العمل الذي يقاس بحسب ~~الإنتاج الذي يتحقق فيه، والزمان الإبداعي في الموسيقى والشعر ~~وأشكال العبارة، كالزمان المتطاول في «الفوجة» # Fuge ~~، والمتوتر في السوناته، وزمان ~~الدراما. وللحضارات أيضا زمنها المختلف والخاص بها كما يتجلى ~~في أساطيرها ودياناتها، كالزمان الإغريقي الذي هو بلا مستقبل، ~~والزمان المسيحي المستقبلي. # 100 # كذلك هناك زمان اللحظات الممتلئة أو «الكايروس # Cairos ~~». من هنا يختلف بناء ~~الزمان التاريخي، زمان الأحقاب والعصور الممتلئ، ms225 عن زمان ~~الساعة المتجانس. إن تقييم هذه الأبنية الزمنية التاريخية - ~~التي تستمر بالتطور الاقتصادي والتقني والفني - يكون حسب الهدف ~~الذي يغير هذه الأبنية نفسها ويفاضل بينها بما يماثل الزمان ~~«الريماني» الذي تتعدد أبنيته بحسب تعدد وتغير مضامينه ~~وأهدافه، كما يسمح بالتفرقة بين زمان ما قبل التاريخ - ~~جيولوجيا وكوزمولوجيا - وبين الزمان التاريخي الإنساني ~~الحضاري، وهو الزمان الكيفي الكثيف في بنائه. # 101 # إن الزمان كالهيكل العظمي، والبنية الزمنية لا قيمة لها في ~~حد ذاتها. فالزمان التاريخي - كما سبق - لا يعرف بنية زمن ~~الساعة المجردة المحايدة، لأنه يتغير حسب مضمونه التاريخي ~~والإنساني، ولأن بنية الزمان التاريخي المتطور لا تنفصل عن ~~بنية الحياة الاجتماعية. # 102 # والتصور الجدلي للزمان يسمح بتصور العمليات ~~المتطورة والمتغيرة فيه. وهذا التصور الجدلي يختلف بالضرورة عن ~~التصور السكوني للزمان، وهو تصور إقليدي صوري. فالتطور لا ~~يتم في شكل تسلسل زمني متجانس، بل يدور في مستويات زمنية ~~متداخلة ومتقاطعة. والزمان في سياقه الواقعي يتميز دائما ~~بالانفصال وعدم التجانس حتى بين لحظاته المتزامنة أو ~~المتعاصرة، ويمكن أن نتصور أزمنة مختلفة متعاصرة في أماكن ~~مختلفة. فاليوم الذي سقطت فيه القنبلة الذرية على هيروشيما ~~ينتمي لنظام تاريخي مختلف عن نفس اليوم الذي عاشت فيه ~~الولايات المتحدة أو أوروبا بعيدين عن تلك الكارثة المدمرة ~~التي حددت المستقبل في الحالين بصورة مختلفة. والحياة في ~~قرية هندية بسيطة في إيقاع سرعتها مختلفة عن الحياة في ~~مدينة أوروبية كبيرة. كما أن التاريخ في عشيرة أفريقية ~~يتميز بزمانية مختلفة عن تلك التي نجدها في مجتمع حديث ~~متطور، فكأن هناك مستويات وصورا مختلفة للتزامن من النواحي ~~التقنية والاقتصادية والاجتماعية والروحية تنطوي في ذاتها على ~~صور أخرى من عدم التزامن. # 103 # ونستطيع أن نقول: إن الفترات الزمانية المتعاصرة ~~من الناحية التاريخية تنطوي في نفس الوقت على اختلافات كيفية ~~في داخل العصر الواحد، أي أن هناك عدم تعاصر في داخل التعاصر، ~~وكأن الحاضر التاريخي يتميز بمستويات وطبقات مختلفة. # إن بنية الزمان التاريخي المتطور تتم في إطار وحدة ~~كونية-إنسانية تظل في حالة صيرورة ms226 متنوعة الأشكال، وكأن هذه ~~الوحدة التاريخية والكونية الفعالة والمتطورة هي الشكل الزمني ~~للهوية، أي هي صيرورة اتحاد الذات البشرية والطبيعة الكونية في ~~الزمان صوب الكلي والجديد النهائي. هذه الوحدة التاريخية ~~والكونية تكون كالبذرة في حالة بدء، وتكون مستمرة لكي تتطور ~~باستمرار نحو حالة من «عدم الاغتراب» في علاقة الإنسان ~~بالإنسان وبالطبيعة. بذلك لا يكون الزمان محايدا ولا خارجيا ~~أبدا بالنسبة لمضامينه المتغيرة المتنوعة. وهو باعتباره أسلوب ~~الوجود المفتوح للمضامين وللحركات والعمليات المادية يشارك ~~فيها مشاركة مرنة، كما يحدد عن طريقها - على هيئة عصور ~~تاريخية ومناطق حضارية - تحديدا ماديا. # 104 # هكذا قدم بلوخ تصورا لمشكلة الزمان يتفق مع رؤيته الجدلية ~~لكل ما يدور على المستوى الإنساني والكوني. فإذا كان المكان ~~والزمان بعدين هامين لتحديد الوجود، فلا بد من فهمهما ~~فهما غير تقليدي، وإذا كان الوجود متغيرا وغير ساكن، فلا بد ~~أيضا أن يكون ما يحدد هذا الوجود متغيرا متحركا وغير ساكن. ~~وقد استطاع بلوخ أن يربط جدل الزمان - كأحد بعدي الوجود - ~~بمقولة الإمكان، فالآن الذي يوجد فيه «ما لم يوجد بعد» ليس هو ~~الحاضر تماما، لأن الآن يتضمن الماضي والمستقبل معا. يصدق ~~هذا - من وجهة النظر الجدلية - على كل أشكال الوجود التي يمكن ~~التعرف على صيرورتها وتفانيها، كما يستحيل أن ينفصل فيها ~~الجانب المنطقي عن الجانب التاريخي. وهذا ما عبر عنه مفهوم ~~بلوخ عن الزمان، وهو مفهوم تأثر إلى حد كبير بأهم أفكار ~~النظرية الماركسية ألا وهي فكرة المقايضة، وإن كان قد تجاوز ~~النظرية إلى آفاق أرحب وأوسع بكثير، فتفرقته بين زمن الساعة، ~~المتواتر أو المتجانس في مقاييسه الكمية تنبع - في رأينا - من ~~فكرة المقايضة أو القيمة المتبادلة للسلع، وهي التي تسوي ~~تسوية كمية من ناحية السعر بين أشياء مختلفة فيما بينها ~~اختلافا شديدا من الناحية الكيفية. إن الزمان لا تتتابع فيه ~~الأحداث واحدا بعد الآخر كما لو كان قناة أو أنبوبة طويلة ~~تتلاحق فيها أحداث التاريخ بالتدريج، وليس الزمان مخططا ~~مجردا للتغير، وإنما هو المجال العيني المرن لهذا ~~التغير. # ولما ms227 كان الزمان يتغير وفق نوع التغير وطريقته ومضمونه، أي ~~أنه هو الزمان المتغير بحسب المضامين التي يملأ بها، ولما كان ~~بلوخ يتصور زمان العمل بأنه هو الذي يقاس بحسب الإنتاج الذي ~~يتحقق فيه، فإن هذا التصور يمثل أيضا - في رأينا - أثر ~~الفلسفة الماركسية عليه في فكرة من أهم أفكارها وهي «القيمة»، ~~فالقيمة الحقيقية للسلعة تعادل كمية العمل المتحقق فيها، وتقدر ~~هذه القيمة تبعا للزمان المخصص لإنتاج السلعة، وربما كان هذا ~~سببا في أنه لم ينظر إلى المكان - وليس الزمان فقط - نظرة ~~تقليدية. فلم يتصور المكان - كما فعل أرسطو مثلا - وكأنه ~~وعاء هائل أو حقيبة كبيرة تحتوي الأشياء والأحداث التاريخية، ~~بل تصور المكان الذي يتشكل فيه الوجود تصورا غير تقليدي، أي ~~في إطار ما يسمى بمكان «ريمان» ذي الأربعة أبعاد الذي قامت ~~عليه نظرية النسبية العامة لأينشتين، وهو مكان طيع بالنسبة ~~للأحداث المادية التي تتفاعل فيه، ومن ثم تختلف مقاييس هذا ~~المكان ولا تتحدد بمقياس واحد، لأنه يعتمد اعتمادا كليا - ~~أو سببيا - على المادة ويتغير بتغيرها. كذلك فإن الزمان عند ~~بلوخ أسلوب وجود مفتوح على المضامين المادية، فهذه المضامين هي ~~التي يتحقق فيها اتحاد الذات والموضوع تحققا جزئيا، وهي ~~التي تمتلئ بها لحظات متميزة في التاريخ بما تحويه من تغير ~~وجدة وإبداع. فما هي إذن هذه اللحظات، وإلى أي مدى امتلأت ~~بالخير الأسمى؟ وهل كانت لحظات ممتلئة بحق، أم كانت إعدادا ~~للحظات أو بالأحرى للحظة أخرى بذاتها يقصدها بلوخ، وما هي هذه ~~اللحظة المقصودة؟ # ثالثا: اللحظة الممتلئة # يسعى بلوخ للوصول إلى اللحظة الممتلئة؛ تلك اللحظة التي يتحد ~~فيها الذات والموضوع، ويتحقق فيها الوجود الأسمى. وهو يفتش عن هذه ~~اللحظة في معنى أو مغزى الأعمال الأدبية في التراث الأدبي ~~العالمي، وفي البناء السيمفوني للموسيقى التي يعدها أهم الفنون ~~التي يتحقق فيها الوجود الأسمى، كما يتتبع الحضارات البشرية ~~القديمة والحديثة التي وجدتها في لحظة الموت، والحضارات التي ~~وجدتها في الدين، وأخيرا يلتمس اللحظة الممتلئة في الخير الأسمى. ~~لكن إلى أين انتهي بلوخ بعد ms228 رحلته الطويلة في تاريخ الفكر ~~والحضارات البشرية المختلفة؟ أين وجد اللحظة الممتلئة؟ وكيف يتحقق ~~فيها الوجود الأسمى؟ ~~(1) اللحظة الممتلئة في المغزى الأدبي # يستعرض بلوخ بالدراسة ~~والتحليل العديد من الأعمال الأدبية التي تجعل من اللحظة ~~محورا لها، ساعية بذلك إلى تحقيق الوجود الأسمى أو الاقتراب ~~منه. أهم هذه الأعمال وأكثرها قربا من عقل بلوخ ووجدانه ومن ~~لحظته الممتلئة التي تنشد هذا الوجود الأسمى، قصيدة جوته ~~الدرامية الكبرى «فاوست»، ثم يقارن البحث بين اللحظة التي ~~جربها فاوست وبين اللحظة في عمل أدبي آخر وهو «دون كيشوت» ~~لسرفانتيس، وأخيرا يتتبع تطور الوعي اليوتوبي في فاوست ~~بالمقارنة مع تتبع مراحل الوعي في ظاهريات الروح لهيجل. # لا شك أن جذور فلسفة ~~بلوخ راسخة في التراث الألماني برمته. يتساوى في هذا الفلسفة ~~بمدارسها المختلفة، والأدب بكل فروعه، والموسيقى بتنوع ~~أشكالها، والفنون التشكيلية والمعمارية على اختلافها، والشعر ~~في شتى صوره. وعلى الرغم من ذلك لم نجد فيلسوفا أو أديبا أو ~~موسيقيا أو فنانا أو شاعرا قد ترك بصماته بوضوح كامل على ~~فلسفة بلوخ مثلما فعل جوته شاعر الألمان الأكبر. فقد تمثل بلوخ ~~كل أعماله وتغلغلت في كيانه وسيطرت على عقله ووجدانه؛ مما دعا ~~بعض الباحثين إلى القول بأن مفتاح بلوخ الأدبي يكمن في فاوست ~~جوته التي كان بناؤها حاضرا في كل أجزاء مبدأ الأمل التي ~~امتلأت بإشارات واضحة أو مضمرة لهذا العمل الكبير. # 105 # ولا نبالغ إذا قلنا إنه لا يخلو فصل من فصول «مبدأ ~~الأمل» من ذكر جوته والاستشهاد بنصوص من أعماله أو أبيات من ~~شعره. # إن جوته في رأي بلوخ مثال على حضور العقل Presence of mind # في ~~اللحظة. وهو من الشخصيات النادرة في التاريخ التي تملك قدرة ~~غير عادية على الاتصال الحقيقي باللحظة من خلال التجربة، أي ~~لديهم القدرة على الفعل في اللحظة. ويتمتع جوته أيضا برؤية ~~عينية ثاقبة لواقع اللحظة غير الملحوظة أو غير المرئية التي ~~ليس لها امتداد تاريخي، ويشهد على ذلك عبارته الشهيرة لحظة ~~تقهقر الجيوش البروسية أمام الجيش الفرنسي: «اليوم ms229 ومن هنا ~~تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ العالم، ويمكنك أن تقول إنك حاضر ~~في بدايتها.» غير أن هذه اللحظة الحاضرة أو اللحظة المعيشة ~~التي تشير إليها عبارة جوته ليست هي الوجود الحقيقي، لأنها - ~~في حد ذاتها - لحظة مظلمة لم تسلط عليها الأضواء وليست منفتحة ~~على المستقبل. # 106 # والظلام الذي يحيط بها أو يغلفها يمكن أن ينقشع إن ~~عرفنا الأمل أو الجديد الذي يكمن فيها، ولهذا يجب النظر إليها ~~نظرة يوتوبية نتجاوز فيها اللحظة المظلمة إلى لحظات أخرى ~~نستشرف فيها المستقبل. # يرى بلوخ في كل من حياة جوته وأعماله مثالا على هذا التطور ~~اليوتوبي. فهو يجد في «آلام فيرتر» من أعمال جوته المبكرة ~~حالة يوتوبية للمشاعر، لكنها يوتوبيا من النوع السلبي أودت ~~بحياة صاحبها ودفعته للانتحار. ثم تطور الوعي اليوتوبي عند ~~جوته فلم تعد شخصيات رواياته مستعدة لتقبل الأشياء كما هي، بل ~~هجرت العواطف غير الناضجة وتفجرت بعواطف أكثر حدة وتحديا. ~~تركت تلك الشخصيات المعاناة السلبية، وعبرت عن نفسها بالتمرد ~~والمعارضة، وتخلت عن مواقفها السلبية من المجتمع. وجاء هذا ~~التحول عند جوته مع حركة «العصف والدفع» فكانت مسرحيات ~~«بروميثيوس» و«جوتس فون برليشنجن» و«أجمونت» وغيرها من قصائده ~~وأعماله. وتحول قلق جوته من قلق الشباب المندفع إلى قلق ~~الإبداع أو الإنتاج، كما تحول معه القصد اليوتوبي إلى ~~قصد السمو أو ~~الجلال # Intention of Sublimity # كما يتضح من هذه الأبيات: # حنين عذب يستعصي على التفسير # دفعني لعبور الغلبة والتلال، # وعندما كانت آلاف الدموع تحرقني # كنت أشعر أن عالما يرتفع في داخلي. # 107 # إن خيال ~~جوته الشعري المبدع قد خلق له عالما ثانيا، ولكن هذا الخيال ~~ليس من قبيل الخيال الذي يحلق في الأفق بعيدا عن الواقع، ~~وإنما هو «خيال موضوعي» مغروس في ظروف يوتوبية لا تبعد عن ~~الواقع ولا تفارقه. بل إن واقعية جوته ليست واقعية سطحية تلمس ~~قشور الواقع فقط، وإنما تجد في كل أشكاله التي يظهر فيها ~~تشبيها أو استعاره تدل على الوجود اللامتناهي. وعلى الرغم من ~~هذه الواقعية التي تطبع حياته ms230 وإنتاجه بطابعها، نجد في عالمه ~~أشياء تظل دائما مجرد رغبة أو شوق لم يتحقق قط، وربما بدا هذا ~~واضحا في شخصية «مينون» الغامضة في رواية «فيلهلم ميستر». فقد ~~ظلت هذه الشخصية رمزا للشوق ولم تهبط عواطفها على الأرض ولم ~~تظهر للوجود. # 108 # وإلى جانب الشرق أو الرغبة التي تظل على مستوى ~~الرغبة، نجد لديه رغبات تشعرنا بقدراتنا الداخلية كما يقول ~~جوته في الكتاب التاسع من سيرة حياته «شعر وحقيقة»: «إن ~~رغباتنا هي إحساسات مسبقة بالقدرات الكامنة فينا، وهي تدل على ~~ما سوف نتمكن من تحقيقه، وما نقدر عليه ونرغب في عمله يتمثل ~~لخيالنا على أنه يقع خارجنا وفي المستقبل؛ ولهذا نشعر بالشوق ~~إلى ما نتملكه بالفعل بطريقة خفيه. ومن ثم يحول التوقع الحار ~~الممكن الحقيقي إلى واقع متخيل. وإذا كان هذا التوجه يعبر ~~عن جزء محدود من طبيعتنا، فإن كل خطوة نخطوها في مسار تطورنا ~~ستحقق جزءا من رغبتنا الأولى أو سيصحبها تحقيق جزء من رغبتنا ~~الأولى. وحين تكون الظروف مناسبة يسير التحقيق في خط مستقيم، ~~وإذا لم تكن مناسبة يتم التحقق تبعا للاتفاق والصدفة بحيث ~~نرجع مرة بعد المرة إلى الخط المستقيم.» # 109 # ويظل العالم عند جوته بعيدا عن الاكتمال ولم يأخذ شكله ~~النهائي. وتظل عبقريته في حالة تطور إبداعي، حتى إذا وصلنا ~~إلى أهم وأكبر أعماله، وجدنا فاوست هو المثال الأسمى للرجل ~~اليوتوبي. ذلك أن فاوست هو الرمز المجسد للقلق، وفيه يكتمل ~~القلق اليوتوبي، إنه المغامر إلى ما وراء الحدود، والمخاطر ~~للبحث عن الجديد . وفاوست هو كذلك رمز التعطش الدائم للمعرفة، ~~وقد كان دائما يزداد غنى بتجربته التي تقوده إلى ما وراءها. ~~في فاوست تنطلق الإرادة الثائرة، إرادة القصد، وتتحقق بالمعنى ~~الجدلي مرحلة التوسط بين الذات والعالم. وتتشكل هذه الإرادة في ~~العالم ومن خلاله للوصول إلى القصد اليوتوبي - الذي تريد فلسفة ~~بلوخ بلوغه - أي إلى اللحظة الممتلئة # Fulfilling Moment ~~، لحظة الوجود الكامل والمطلق. # 110 # هذه اللحظة الممتلئة هي موضوع فاوست بأكملها، منذ ~~أن عقد الرهان مع الشيطان وانطلق ms231 لاهثا - بنفس الإرادة التي ~~عقد بها الرهان - للبحث عن تلك اللحظة التي يمكنه أن يقول لها ~~«تريثي قليلا، فما أجملك!» ولكنه لم يصل إليها أبدا. إن ~~الذات لا تنظر في هذه اللحظة إلى نفسها، وإنما تنظر إلى العالم ~~الخارجي وتتمرس بتجربته، وتظل محاطة بالعالم. ويغامر فاوست ~~بعباءته السحرية وينطلق في العالم، إلى ما وراء كل شيء، ~~وتجربته مع العالم هي بمثابة رحلة جدلية متصلة. فكل لذة ~~يحققها تلغيها رغبة جديدة تستيقظ في داخله، غير أن اللحظة ~~الجميلة التي يمكن أن يتوقف عندها لا تأتي أبدا. # لم يبحث فاوست عن فكرة مجردة، بل تحولت الفكرة عنده إلى ~~تجربة عينية. فمنذ «حانة أورباخ» في القسم الأول من فاوست إلى ~~«شعب حر على أرض حرة» في نهاية القسم الثاني نجد ألوانا من ~~الصراع وتجارب عديدة للبحث عن الوجود الأسمى. # 111 # لقد أعطى جوته الرهان صياغة يوتوبية عميقة ~~تتجاوز الوجود هنا لتصف الوجود هناك، أي الوجود الأسمى في ~~العالم. وتظل لحظة السكون والاستقرار غائبة في فاوست. وحتى ~~عندما يتكلم في النهاية عن أرض فردوسية، تظل اللحظة وكأنها ~~بلد آخر إنساني. إن مضمونها أيضا هو القصد البشري. وهي لا ~~تشترك في شيء مع اللحظات العابرة التي يعيشها الإنسان من يوم ~~لآخر، فالإمساك بالذات والسيطرة على الوجود مختلفان كل ~~الاختلاف عما تقوله الحكمة القديمة: تمتع بيومك # Carpe diem ~~، ولو لم يكن ~~الأمر كذلك لانتهت فاوست في «حانة أورباخ». معنى هذا أن لحظات ~~المتعة العابرة التي مر بها فاوست لم تكن هي لحظات الوجود ~~الحقيقي، وأن التمتع باللحظة الأسمى يأتي في النهاية. ويؤكد ~~هذا أن الفعل الأخير الذي يقوم به فاوست ينطلق من روح التفاني ~~التي يحملها للبشر، أي من قربه الشديد من الإنسان. هنا يتحول ~~الكون الأكبر إلى شعب حر على أرض حرة. وهنا يتحقق المعنى أو ~~المغزى من كل هذه الدراما الكونية. وكأن لحظة العمل الأخيرة ~~تجمع العالم كله في نقطة واحدة. وبهذا يثبت فاوست في النهاية ~~أن كفاحه أو سعيه غير المشروط لم يكن ms232 سعيا إلى اللامتناهي ~~بالمعنى الذي قصده هيجل من اللامتناهي السيئ. ولم يكن أيضا هو ~~الله المتعالي. # 112 # إن الدراما الإنسانية الحقة التي يصورها فاوست في النهاية ~~التي يجرب أو يستشعر فيها اللحظة الأسمى هي التي تلخص مغزى ~~النهاية. فالخير الأقصى لم يتجه إلى إله متعال أو إلى عالم ~~متعال مطلق، وإنما اتجه إلى مملكة الإنسان، لأن اللحظة ~~الفاوستية خالية من أي طبيعة متعالية، ومطبوعة بشكل واضح ~~بالطابع الإنساني. إن الكفاح والسعي والقصد النهائي في نهاية ~~فاوست هو هذا المغزى الإنساني للحظة إنسانية. ففعل فاوست ~~الأخير (وهو حفر القناة واستخلاص أرض جديدة من البحر لتأسيس ~~أرض حرة يعيش عليها شعب حر) هو ذروة الاقتراب من البشر، # 113 # واللحظة الفاوستية التي يتم فيها هذا الفعل تتميز ~~بطابعها اليوتوبي الإنساني إلى أقصى حد. وهذا الجانب الإنساني ~~الذي يظهر في نهاية فاوست يصب فيه كل قلق البدايات وكل قلق ~~فاوست. فالبداية - كما يقول جوته - متضمنة في النهاية، كما أن ~~النهاية تتضمن البداية. وكأن الجملة التي يخاطب فيها فاوست ~~اللحظة بقوله: «تريثي قليلا، فما أجملك!» هي التعبير عن السعي ~~إلى اللحظة الممتلئة، وإن كان هو نفسه سعيا مطلقا لا تشبعه ~~أية لحظة، لأن العبرة في فاوست كلها - كما تتجلى في النهاية - ~~هي أن فاوست استشعر هذه اللحظة الحقيقية ولم يصل إليها أثناء ~~قيامه بعمل إنساني يهدف إلى قيام شعب حر على أرض حرة. لذلك ~~لم تكن هذه اللحظة - كما سبق أن قلنا - غاية تصب في مطلق إلهي ~~ولا في عالم متعال على الرغم من كل الدوائر السماوية التي ~~تحيط بالنهاية. فالسماء في خاتمة فاوست - كما يقول الباحثون ~~المحدثون - لا علاقة لها بالسماء المسيحية، وخلاص أو نجاة ~~فاوست ليست خلاصا بالمعنى الديني. # 114 # واستخدام جوته للرموز الدينية في خاتمة فاوست لا ~~يعني أنه يقصد المعنى الديني الذي يعطيه الدين لهذه الرموز. # 115 # نجد عند جوته فن التركيز على اللحظة الحاضرة والإحاطة ~~الواعية بقيمة اللحظة. # 116 # فيقول على لسان فاوست: # عندئذ لا تتطلع الروح إلى الأمام وإلى ms233 ~~الوراء؛ # إذ الحاضر وحده عندنا هو السعادة والهناء. # 117 # لكن هل يتوقف الزمان عند هذه اللحظة بحيث لا ~~ينظر إلى الأمام ولا إلى الوراء كما قد يفهم من هذا البيت؟ إن ~~اللحظة الحاضرة التي يعنيها جوته ترمز إلى الماضي والمستقبل، ~~بل هي رمز الأبدية. ويدرك جوته الثراء الداخلي للحاضر ~~والشمولية التي تنطوي عليها اللحظة الحاضرة. وبتحديد الحاضر ~~يتسع الإحساس لإبعاد العالم، فعندما يركز المرء تفكيره على ~~الحاضر يكتشف أن الحاضر نفسه يحتوي على الماضي والمستقبل حيث ~~إنه المعبر الفعلي الذي يتم فيه الفعل وحركة الواقع. # 118 # ويقول جوته في حديث له مع إيكرمان: «تمسك بالحاضر ~~جيدا، فكل مناسبة فيه وكل لحظة، ذات قيمة لا نهاية لها، إذ ~~إنه هو الذي يمثل الأبدية كلها.» # 119 # ومعنى هذا أن العبرة من فاوست هي أن اللحظة ~~الحقيقية، إذا كان من الممكن أن يجربها الإنسان، لن تكون لحظة ~~متعة عابرة وإنما هي لحظة عمل يوتوبي إنساني مكرس للبشر ~~وقادر على تأسيس حريتهم وسعادتهم. ~~(أ) اللحظة بين فاوست ودون كيشوت # تناول بلوخ العديد من الأعمال الأدبية الشهيرة التي تسعى ~~شخصياتها للبحث عن مغزى الوجود في اللحظة، وتملك إرادة ~~الفعل في اللحظة، تلك اللحظة التي تتوافق فيها العوامل أو ~~الشروط الداخلية مع العوامل أو الشروط الخارجية لتكون ~~لحظة ممتلئة أو لحظة يتحقق فيها الوجود الأسمى للإنسان. ~~ودون كيشوت من أهم الشخصيات الأدبية - بعد فاوست - التي ~~سعت لهذه اللحظة. ويعقد بلوخ مقارنة بين نوع اللحظة في كل ~~من «فاوست» و«دون كيشوت»، فكل منهما يحلم بالوصول إلى ~~اللحظة التي يحقق فيها وجوده الأسمى. وكل منهما يملك ~~الإرادة لتحقيق هذا الحلم، لكن أي نوع من الإرادة تلك التي ~~تسلح بها كل منهما؟ إن إرادة فاوست هي الإرادة الثائرة ~~التي انطلقت ثوريتها من داخل فاوست إلى العالم الخارجي، ~~وتوسطت هذا العالم واستوعبت ظروفه وشروطه الموضوعية، ~~وتمرست بتجربته، وظلت في حالة انتقال من تجربة إلى أخرى ~~ومن لحظة إلى أخرى. وهذه الإرادة الثائرة هي التي جعلت ~~صاحبها يأتي بأفعال شجاعة ويسعى ms234 سعيا لا هوادة فيه لتحقيق ~~الحلم. # أما عن إرادة «دون كيشوت» فهي من نوع الإرادة الضعيفة ~~التي لم تستطع التوسط مع العالم الخارجي، بل انحصرت ثورتها ~~في نفسها فقط. # 120 # لقد أخفقت إرادته في التوسط لأنها لم تع ظروف ~~العالم الخارجي. وبالتالي لم تستوعب الواقع الذي تعيش فيه. ~~ويعود السبب في هذا إلى أن دون كيشوت الذي يعيش في القرن ~~السادس عشر، استمد أحلامه وآماله مما قرأه في كتب القرن ~~الثالث عشر، فاشتد شوقه إلى البطولة والفروسية التي سادت ~~ذلك القرن، وانطلق في رحلاته وتجواله ومغامراته يتصرف في ~~الحياة اليومية بعقلية القرن الثالث عشر. فبدا كشبح من لحم ~~ودم يأتي بأفعال باعثة على الضحك والسخرية، ويتصرف بمنطق ~~عصر مختلف عن عصره، ولم يفهم التغير الأيديولوجي الذي طرأ ~~على عصره. # 121 # انفصل دون كيشوت عن الواقع العيني الذي كان ~~يعيش فيه، فكانت مغامرته إلى الماوراء مفارقة تاريخية ~~اجتماعية. ولهذا السبب عينه لم تؤت تجربته في العالم ~~ثمرة إيجابية، ولم يصل للحظته المنشودة أبدا. # بنى دون كيشوت ~~لنفسه جسرا بين الواقع الموجود والوجود الأسمى الذي يسعى ~~للوصول إليه، ولكن إرادته لم تتوسط مع العالم الخارجي أو ~~التاريخي، ولم يدرك الممكن الموضوعي فيه. # 122 # ولذلك افتقد المعرفة بعصره الذي يعيش فيه، أي ~~افتقد المعرفة بالواقع الحاضر. واتجه حلم اليقظة لديه إلى ~~العصر الذهبي القديم، وبمعنى آخر لم يتجه التوقع - الذي ~~يميز حلم اليقظة - إلى الأمام ولا إلى المستقبل، بل تقهقر ~~إلى الوراء إلى الماضي، وراح يتبع صورة مضت ولن تعود ~~أبدا، ولم تكن هذه صورة الحلم بحياة أفضل في المستقبل، ~~بل الحلم بفروسية وبطولة العصور الوسطى التي انقضت، دون أن ~~يدرك دون كيشوت التغيرات والتقلبات التي حدثت في عصره. ~~ويعزو بلوخ إخفاقه هذا إلى نزعته المثالية المجردة التي ~~فصلته عن عصره فأتى بأفعال تبدو جنونية لمعاصريه. # 123 # ولم يصل دون كيشوت إلى لحظته الممتلئة ~~والمنشودة إلا على فراش الموت، عندما عرف حقيقة نفسه لأول ~~مرة في اللحظة الأخيرة من حياته، وهي لحظة اليقظة ms235 الحقيقية ~~في حياته، ولحظة المعرفة التي حلقت فوق رأسه على فراش ~~الموت وأفاقته من الوهم الذي سيطر عليه طوال عمره. كانت ~~تلك اللحظة الكبرى ذات مغزى وفيها تحولت يوتوبيا دون ~~كيشوت إلى يوتوبيا عينية، على النقيض من اليوتوبيا المجردة ~~التي صاحبت خياله طوال رحلاته، وجعلت منه مثالا للرجل ~~الذي لم يتعلم شيئا من العالم ولا من التجربة، # 124 # وذلك على خلاف فاوست الذي ظل يتعلم من تجاربه ~~في العالم منذ أن عقد الرهان مع الشيطان. ~~(ب) الجدل بين فاوست و«ظاهريات الروح» # يعقد بلوخ موازنة بين ما نلمسه من جدلية في رحلة «فاوست» ~~وبين الرحلة الجدلية للروح المطلق عند هيجل في «ظاهريات الروح». # 125 # وإذا كانت فاوست تلخص في حياة فرد واحد ~~وتجاربه ومصيره تطور البشرية كلها، فإن ظاهريات الروح تلخص ~~المراحل التي قطعها الوعي البشري في مجرى التاريخ. إنها ~~رحلة تصاعدية لكل منهما، تبدأ من الذات إلى العالم ~~الخارجي الواسع، ويتغير فاوست مع العالم، كما يتغير العالم ~~مع فاوست. هذا التبادل بين الذات والموضوع هو رحلة الخروج ~~من الذات والابتعاد عنها من خلال التجربة في العالم، لترتد ~~مرة أخرى إلى ذاتها في لحظة الوجود الأسمى. # يبدأ البناء الجدلي لكل من فاوست والظاهريات من الحس ~~المباشر، أي من المرحلة الحسية، فهناك تناظر بين مراحل ~~المعرفة في كل من فاوست والظاهريات، فمروج الأزهار بعد ~~جريتشن في القسم الأول من فاوست - حيث انغمس في كل ألوان ~~المتع واللذات الحسية - تمثل المرحلة الحسية للمعرفة في ~~فاوست، ثم الانتقال إلى مرحلة عقلية وفكرية أعلى في تأمل ~~الجمال الخالص واستحضار التراث كما في سلسلة الجبال ~~العالية في الفصل الرابع من القسم الثاني، فبعد أن عادت ~~هيلين إلى عالمها السفلي، طار فاوست بردائه السحري وحط على ~~جبال عالية، وهناك يصعد فاوست من المجال الحسي الجمالي ~~إلى المجال الأخلاقي. # 126 # ويصرح جوته نفسه بهذا التدرج المعرفي في حديثه ~~مع إيكرمان في 17 / 2 / 1831م حين يقول: «إن القسم الأول ~~ذاتي تماما، فكل شيء انبثق عن شخص أناني شهواني، ms236 أما في ~~القسم الثاني فلا يكاد يوجد فيه أي عنصر ذاتي، بل يتجلى ~~ها هنا عالم أعلى وأوسع وأنصع لا مجال فيه للشهوات.» # 127 # ومن أقوال أخرى لجوته يؤكد أن القسم الأول ~~ذاتي وجداني، والثاني عقلي موضوعي. # 128 # وهذا أيضا ما عبر عنه جوته على لسان ~~مفستوفيلس في حديثه مع فاوست: # ستشاهد العالم الصغير، وبعد ذلك العالم الكبير. # 129 # وتلك هي المستويات أو الخطوات المعرفية ~~للفكرة التي تجعل كلا من الظاهريات وفاوست متشابهين من ~~الناحية المنهجية # 130 # حيث تتطور المعرفة بالذات إلى المعرفة بالكون، ~~كما تتجلى الرغبة في كل منهما في أن يدرك الإنسان ذاته ~~باعتباره سؤالا ويدرك العالم باعتباره جوابا. ومن ناحية ~~أخرى يمكن القول بأن العالم في العملين هو السؤال وأن ~~الذات هي الجواب. فالذات تعاود رحلتها داخل الموضوع (أي ~~العالم) لتلتمس فيه الإجابة من خلال الموضوع نفسه، كما ~~أنها بتجربتها لهذا الموضوع تصل إلى مستوى جديد من الذاتية. # 131 # فليس فاوست الذي ينطلق على سجيته في «حانة ~~أورباخ» هو نفسه فاوست الذي يتمتع بالسلطة في قصر ~~الإمبراطور. يختتم هيجل ظاهرياته بقوله: «وعندما يبدو في ~~النهاية أن العقل يبدأ عملية خلقه من جديد من البداية، ~~فالواقع أنه يبدأ في هذه الحالة من مستوى أعلى (...) إن هدفه ~~هو الكشف، هو إلغاء لعمقه أو امتداده وهو سلبية هذه الأنا ~~التي كانت وجودا في ذاته.» # 132 # والواقع أن مسار فاوست مرتبط بهذا المسار؛ إذ أن ذات ~~فاوست تمتد لتصبح هي ذات الجنس البشري كله. لقد سعت هذه ~~الذات إلى أن تتصل بكل شيء حتى بروح الأرض، وكأن فاوست هو ~~الذات الفاعلة داخل العالم بأسره، وكأنه يتطور في كل أشكال ~~هذه الفاعلية داخل العالم. فالنهاية في كل من فاوست ~~والظاهريات كانت متضمنة في البداية بحيث إن الرحلة بكل ~~مراحلها كانت نوعا من الفض المتدرج لتلك البداية. ولكن ~~الذات التي يعود إليها فاوست والبداية التي ترجع إليها ~~الظاهريات في نهايتها هي في الحالين على مستوى أعلى. # 133 # إذ إن الرحلة في كل من ms237 فاوست والظاهريات ~~تنتهي بالعودة إلى البداية. بيد أنها ليست هي البداية ~~الأولى، بل تتم على مستوى أعلى بعد انتهاء التخارج ~~والاغتراب، والذات عند هيجل تعود إلى عمقها الذي انطلقت ~~منه وهو المطلق، لكنها تعود إليه أكثر وعيا بهذا المطلق ~~وبذاتها. وكذلك يعود فاوست إلى ذاته، ولكن بعد أن التحمت ~~بالذات البشرية من خلال الفعل الذي يحقق «الشعب الحر على ~~أرض حرة» أي على مستوى أعلى. والفعل الذي انتهى إليه ~~فاوست هو رمز للحظة الممتلئة وليس هو اللحظة الممتلئة نفسها. # 134 # وهذا يتسق مع إيمان جوته بالفعل الذي عبر عنه ~~في كل أعماله وقال عنه عبارته المشهورة: «في البدء كان ~~الفعل.» # إن العبارة التي يخاطب بها فاوست اللحظة قائلا: «تريثي ~~قليلا.» تصبح رمزا على الوصول، ولكنها تظل رمزا فحسب، ~~لأن فاوست وفلسفة هيجل أيضا ينجحان في تشكيل القصد أو ~~السعي اليوتوبي. وإذا كانت فاوست تنتهي بهذا البيت ~~«ابتهجوا فقد تم كل شيء.» كما تنتهي الظاهريات بهذه ~~العبارة: «إن العلم يظهر نفسه على شكل دائرة كامنة في ~~ذاتها.» فإن هذا لا يمثل الذروة النهائية في الحالين. فلم ~~تكن المشكلة في فاوست هي أن يخطو خطوات في العالم الخارجي، ~~وإنما ظلت المشكلة هي الصراع في اللحظة، أي الصراع من أجل ~~لحظة كاملة؛ لحظة مفعمة بالقوة وخالية من الاغتراب، ~~وكأنها تقول علينا أن نتمتع بلحظاتنا في عالمنا هذا، وكأن ~~مغامرة فاوست - كما سبق أن ذكرنا - لم تكن مغامرة إلى ~~الماوراء وهذا هو الذي يضفي عليها طابع العظمة. # 135 # إنها لم تستلق في النهاية على فراش مريح لأن ~~السموات التي تصورها فاوست في النهاية لا تخلو من الحركة ~~ولا تمثل راحة أو نهاية لهذا السعي، بل إن الملائكة التي ~~تصاحب نهاية فاوست تروي كيف أن أنتيليخياه تمضي من تحول ~~إلى تحول أصفى منه. # 136 # كل فان هو رمز فحسب، # وكل ما لا يمكن الوصول إليه سيصير هنا ~~حادثا، # وما لا يمكن وصفه قد جرى ها هنا فعله، # إن الأنوثة الأبدية تجذبنا إلى أعلى. # 137 # إن ms238 المقارنة التي عقدها بلوخ بين فاوست ~~وظاهريات الروح، على الرغم من أنها تبدو موفقة إلى حد ~~كبير، وخاصة في عرضها للتدرج المعرفي الذي يبدأ من المعرفة ~~الحسية لينتقل إلى المعرفة العقلية أو إلى التأمل الخالص، ~~إلا أنها - أي هذه المقارنة - تكشف عن تناقض يكمن في ~~فلسفة بلوخ فيما يتصل بآرائه عن الفلسفة الهيجلية. فقد سبق ~~له - كما رأينا - أن اتهم هذه الأخيرة بالابتعاد عن البعد ~~اليوتوبي الأصيل، بسبب اعتمادها على الفكرة الأفلاطونية ~~التي تقول: إن العلم تذكر، كما اتهم الجدل الهيجلي - على ~~الرغم من اعترافه بأن بعض النصوص توحي بانفتاحه على ~~المستقبل - في مواضع عديدة بأنه جدل مكتمل اكتمال ~~الدائرة ولا يسمح بالجديد الآتي. ولكنه يعود ليوازن ~~ظاهريات الروح بفاوست لينتهي من هذه الموازنة إلى توحيد ~~النهاية في كل منهما، على الرغم من الاختلاف الهائل الذي ~~ينتهي به كلا العملين. فإذا كان كلاهما رمزا للوصول، فإن ~~الهدف الأخير الذي وصل إليه فاوست - كما يقول بلوخ ~~نفسه - يظل رمزا مفتوحا، والفعل في نهايتها هو رمز للحظة ~~الممتلئة فحسب، وليس اللحظة الممتلئة ذاتها. # وهذه النهاية تتفق تماما مع هدف وغاية النسق الفلسفي ~~لبلوخ نفسه، ولكنها لا تتشابه ولا تتفق مع هدف الفلسفة ~~الهيجلية بصفة عامة أو نهاية الظاهريات بصفة خاصة، ولا ~~مع تلك العبارة السالفة الذكر التي أوردها بلوخ من نهاية ~~ظاهريات الروح، فهذه العبارة لا تتفق بأي حال من الأحوال ~~مع نهاية فاوست، ولا تتشابه معها في مضمون الهدف، لأن ~~الفعل في هذه الأخيرة - أي فاوست - ليس هو الفعل الأخير، ~~أما العلم في عبارة هيجل فهو ذلك النسق الذي اكتمل في شكل ~~دائرة. والدائرة المكتملة - كما هو معروف - هي أكمل ~~الأشكال، وهي التي لا تسمح بدخول شيء آخر يكملها أو ~~يستكملها. إذن فالهدف في نهاية فاوست مفتوح على المستقبل، ~~أما ظاهريات الروح فقد بلغت الهدف والغاية، وهو وصول الروح ~~المطلق أو الفكرة العينية الشاملة إلى ذاتها. وعلى الرغم ~~من تشابه التدرج المعرفي، وتشابه الرحلة الجدلية في كل ~~منهما إلا أنه لا ms239 يمكن الاتفاق مع بلوخ على تشابه النهاية ~~التي وصل إليها كلا العملين. ~~(2) اللحظة والخير الأسمى # إذا كان مضمون اللحظة الممتلئة هو الوصول إلى الوجود الأسمى ~~أو تحقيق الخير الأسمى، فلا بد أن ينتهي الحديث عن القيم بكل ~~أنواعها من أخلاقية ودينية وجمالية؛ لا بد أن ينتهي إلى ~~الخير ~~الأسمى # Summum Bonum # باعتباره نهاية السلم في هذه القيم. ~~وقد سبق الحديث في الفصل الثاني عن علاقة المثل بالوظيفة ~~اليوتوبية وكيف يطمح المثل الأعلى إلى تحقيق الكمال. لذلك ~~تجنبا لتكرار ما سبق قوله في هذا الشأن يمكن الاكتفاء بالحديث ~~- في هذا الموضع - عن علاقة الخير الأسمى باللحظة. # ليست الصور المتخيلة للمثل العليا مجرد موضوع للتأمل ~~وإنما هي صور تناضل من أجل أن تتسم بالكمال وتصل إليه. والقيم ~~الأخلاقية هي مثل عليا لم تتجسد أو لم تتحقق بعد. وتتمثل ~~القيم الدينية في المسيحية في محاكاة المسيح أو أن تكون مثل ~~الله، أي تتمثل في قابلية توحد الذات بالمثل العليا، فكل من ~~المثل الدينية والأخلاقية قيم معيارية يصعد الإنسان إليها ~~شيئا فشيئا، وترتفع الإرادة البشرية تدريجيا للمثل العليا، ~~لأنها هي إرادة الأمل التي لا حد لصيرورتها. # 138 # ولمشكلة الخير الأسمى جذور في العصور القديمة ~~والوسيطة، فنحن نجدها في العصور القديمة عند الحكماء السبعة ~~والرواقية الرومانية، كما أنها تبلورت بشكل خاص عند أفلاطون ~~في مثال الخير، حيث تكون كل الأفعال خيرة وكل المفاهيم ~~حقيقية بقدر ما تشارك في مثال الخير. وفي العصر الوسيط ارتبطت ~~المثل العليا بالاتجاهات الفكرية في ذلك العصر، فارتبط المثل ~~الأعلى بالسماء عندما تحول مثال الخير عند أفلاطون إلى الرب في ~~المسيحية باعتباره الخير الأسمى. # أما في العصر الحديث فإن الخير الأسمى عند كانط - على سبيل ~~المثال - هو هدف نهائي للعقل الخالص، «لا يمكن أن يعرف الخير ~~الأسمى عن طريق العقل إذا جعلنا الطبيعة وحدها هي الأساس، ~~وإنما يمكن الأمل فيه إذا أصبح العقل الأسمى الذي يصدر أوامره ~~وفقا لقوانين في نفس الوقت هو أساس الطبيعة وعلتها.» # 139 # وينبع الخير الأسمى عند ms240 كانط من افتراض وجود إله ~~يأمر وفقا لقوانين أخلاقية، فالأخلاق والدين مصدرهما العقل، ~~ولهذا فإن العقل هو الذي يبرر الحياة الدينية والأخلاقية. وقد ~~أعاد فشته صياغة الرؤية الكانطية عن الخير الأسمى وحول مذهب ~~كانط من مذهب عقلي إلى مذهب إرادي وأعطاه صبغة عملية ~~إرادية فعالة. وتجلى الخير الأسمى بوضوح في العصر البرجوازي، ~~وكانت الثورة الفرنسية هي المثل الأعلى في كتابات فلاسفة العقل ~~والتنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع ظهور الصراع من ~~أجل المثل، وتنافس الكتاب في رسم نماذج مثالية وتقديم أنماط ~~من المقاومة والنضال ضد أنظمة الحكم المستبد الفاسد. وكان ~~الشاعر شيللر خير من رسم هذا الصراع وأظهر تعارض المثل الأعلى ~~وصراعه مع الواقع وصراع الروح مع المادة، فاستطاع في أشعاره ~~ومسرحياته أن يبدع الصور الخيالية المتناقضة للبشر. # ويظل الخير الأسمى، على رأس كل المثل، هو الموضوع اليوتوبي ~~الذي لم تظهر ماهيته بعد إلى النور. والواقع أن الخير الأسمى ~~يدخل التاريخ بشكل جدلي بحيث يبقى الوجود الأكمل تجربة ~~وإحساسا مسبقا ينتظر التحقق وليس واقعا محققا، ويظل ~~مرتبطا بصيرورة العالم والتاريخ لا بمجمع للآلهة متعال على البشر. # 140 # ويظل الخير الأسمى كذلك - بوصفه غاية المثل الأعلى للتاريخ ~~البشري وصورة موجهة للإنسانية كلها - يظل مشكلة قائمة لا ~~العقل الإنساني فقط بل للواقع الفعلي-الموضوعي باعتبار أن ~~الخير الأسمى كامن في صيرورة العالم والممكن الموضوعي. وتتبلور ~~المشكلة في هذه الصيغة: هل ترتبط أحكام القيمة بالرغبة؟ ~~وبمعنى آخر هل هي ذاتية فقط وتعتمد على إرادة الذات وعقلها، ~~أم أنها موضوعية أيضا وتتفاعل مع الجانب الموضوعي؟ لقد بقيت ~~أحكام القيمة لفترة طويلة ذاتية بمعنى أنها نابعة من عقل ~~الإنسان ووعيه، فلم يكد السوفسطائيون يجعلون الإنسان مقياس كل ~~شيء حتى برزت المشكلة السقراطية عن التقييم والقيم العامة، ~~وبدأ التساؤل حول الحق في ذاته والخير في ذاته، لكن معيار ~~القيمة ظل عند سقراط وعند كانط في الإنسان نفسه، أي في الوعي ~~أو العقل العام لا في الموضوعات نفسها ذات القيمة الموضوعية، ~~هذا هو الجانب الذاتي للمشكلة. ms241 ولكن الجانب الموضوعي المتفاعل ~~معه لا يمكن فصله عنه مهما أعطيت الأولوية للوعي أو للإرادة، ~~لأنه حتى إذا وصف شيء بأنه خير لمجرد أنه مرغوب فيه فإن هذه ~~الرغبة تقوم على أساس موضوعي في الشيء نفسه يجعله مرغوبا فيه. # 141 # إن أحكام القيمة الأخلاقية لم تكن واحدة خلال العصور ~~والمجتمعات المختلفة، ولكنها توقفت دائما على الأساس ~~الاجتماعي المتغير، ولهذا لم يقم المعيار الذي تستند إليه على ~~الوعي ولا على العقل في ذاته فقط، لكن قام كذلك على المحتوى ~~المادي للشيء الذي يوصف في مختلف الأحوال أنه خير. أي أن عملية ~~التقييم لا تعتمد على الوعي المعياري نفسه بل تعتمد كذلك على ~~الموضوعات التي تزود هذا التقييم بالمحتوى المادي وتدخل في ~~تحديد ما يوصف بالخير وفي تمييز القيم والخيرات وترتيبها. ولو ~~لم توجد الموضوعات المادية المختلفة التي تشارك مشاركة فعالة ~~في إشباع الحاجات وتكوين القيم، لولا هذا لما وجدت إلا قيمة ~~واحدة متفردة ولبقيت هذه القيمة في الذات المنعزلة أو الشكلية ~~المجردة من أي محتوى. هذه الذاتية هي التي يسميها سقراط ~~ببساطة بالفضيلة وهي التي يدعوها كانط بالإرادة الطيبة. ولو صح ~~موقف سقراط وكانط لما كانت هناك أي قيم نوعية لا أخلاقية ولا ~~جمالية ولا دينية ولا اقتصادية ولا حتى الخير الأسمى النهائي. ~~إن العمل وحده مضافا إليه المحتوى المادي هو الذي ينتج جميع ~~القيم، ويستحيل إنتاج القيمة خصوصا في مستوياتها العليا عن ~~طريق الذات المنعزلة وحدها بغير تدخل تأثير القيم المادية. ~~فليس العالم المادي متحفا ولا كاتدرائية، ولكنه صيرورة متصلة ~~ذات قيم موضوعية، لكن الجانب الموضوعي للقيم لا يعني أن ~~القيمة توجد في ذاتها ومن أجل ذاتها. # 142 # فهذه القيم بقدر ما هي نابعة من الإنسان فهي أيضا ~~ماثلة أمامه في العالم المادي وتنتظر الأداة التي تنقلها من ~~الماهية إلى الوجود، وليست هذه الأداة سوى الإرادة البشرية ~~المتمثلة في الفعل. هنا يتفاعل الجانب الذاتي والجانب الموضوعي ~~للقيم بشكل جدلي، فالقيم ليست ثابتة ولا مطلقة بل لها أساس ~~اجتماعي متغير. # إن ms242 القيم التي تنبع من الذات تشير إلى الغاية منها والتي يجب ~~أن تكون عينية موضوعية، والغاية هي أن يتلقى الشخص ما يرغبه ~~أو ما فيه خيره وسعادته. ولكن يجب أن يتحول المتلقي إلى منتج ~~لهذا الخير لسد الحاجة البشرية عن طريق العمل. هذا المبدأ جعل ~~فكرة الخير ذاتية، ولكن مع بداية العصر البرجوازي تغيرت عملية ~~التقييم، فلم تعد تقييما ذاتيا فقط بل بدأت تعمل الذاتية ~~بفعالية كبيرة فتحولت القيمة من معناها الأصلي الذاتي ~~الأخلاقي إلى معنى عملي موضوعي يدعى الخير الاقتصادي (وليس ~~الخير الأسمى) القادر على تلبية الحاجات البشرية، ولم تعد ~~القيمة تقييما بل عملا. # 143 # إن القيمة الاقتصادية لها أصل ذاتي لكن تحول إلى ~~عمل يعبر عن التحدي للعالم الإقطاعي. وهذا التعريف يتوافق مع ~~نظرية فائض القيمة «لماركس»، فالقيمة عنده عمل أو جهد مكثف. ~~وأصبح الجهد البشري واعيا منتجا للقيمة تماما كما أصبح ~~موضوعيا، وتم إنكار القيم بالمعنى التوماوي وتحررت من ~~اللاهوت الوسيط وتحولت إلى قيم يوتوبية مرتبطة بالعمل ~~والإنتاج الذي يحرر الإنسان ككائن حر منتج. # لم يعد العالم المادي مجرد قيم استاتيكية ذات طابع ديني ~~كما عبر عنها المجتمع الوسيط، وإنما اتجهت قيمة العالم المادي ~~إلى الجهد البشري ليستخرج منها مضمونها. ولم يعد الفكر يتوجه ~~نحو الواقع - كما يقول ماركس - وإنما أصبح الواقع هو الذي يتجه ~~للفكر. وأصبح تشكيل القيم أمرا يعتمد على الاتجاه الكامن في ~~المادة على أساس أن الممكن الإيجابي في العالم المادي هو الخير ~~الأسمى؛ إذ ليس من الممكن أن يوجد خير أسمى في الداخل، أي في ~~الذات، بدون أن يتحقق في الخارج بشكل موضوعي. إن مادة العالم ~~الأفضل - وهي تمثل السمة الحقيقية لنظرية القيمة الموضوعية - ~~هي مادة القيم اليوتوبية الكامنة فيه. وبهذا يكون الخير الأسمى ~~هو الممكن الواقعي الذي تتجه إليه الصيرورة التاريخية ~~والكونية. وموقع الخير الأسمى ليس على قمة قيم تراتبية ولكن ~~موقعه في اللحظة باعتبارها المركز أو القلب الذي توحد فيه ~~الذاتية والموضوعية. # 144 # إن القيم لا توجد إلا في اللحظة التي ms243 يقوم فيها ~~الإنسان بجذب الماهية إلى عالم الوجود، # 145 # اللحظة التي تختفي فيها المسافة بين الذات ~~والموضوع، والإنسان والعالم في لحظة إبراز القيمة النهائية ~~التي أطلقنا عليها الخير الأسمى. هكذا انبثق الأمل في تحقيق ~~الخير الأسمى من تفاعل الذات والعالم أو حوارهما المستمر الذي ~~يوضح الطريق اليوتوبي لتحقيق سائر الخيرات في لحظة الحاضر التي ~~ينبثق منها هذا الأمل، ويتم التفاعل والحوار بين الإنسان كسؤال ~~والعالم كجواب والعكس صحيح. فلم يعد الخير الأسمى ذاتيا ولا ~~عقليا خالصا كما عند سقراط وكانط ولا لاهوتيا كما عند ~~توما الأكويني، بل أصبح هو الممكن الواقعي الذي يتحقق من خلال ~~العملية الجدلية التي يتفاعل فيها الذات والموضوع والإنسان ~~والعالم في سؤال وجواب دائمين. # ظل بلوخ - كما ~~تقدم - تحت تأثير الفلسفة الماركسية في تفسيره للقيمة تفسيرا ~~اقتصاديا، إذ تحولت القيمة من مجرد تقييم لأفعال الإنسان ~~وسلوكه إلى نشاط وفاعلية اقتصادية، أصبح العمل هو منتج القيم، ~~كما لا تعدو هذه الأخيرة أن تكون تلبية للحاجات البشرية. وعلى ~~الرغم من ذلك فقد تجاوز بلوخ هذا المفهوم الماركسي، ووضع فكرة ~~القيمة في إطار أوسع لقد رفض أن يكون للقيم عالم موضوعي ~~مستقل عن عقل الإنسان وإرادته وكأنها مجموعة من المعطيات ~~السابقة والجاهزة التي تفرض على الذات البشرية من الخارج، ~~بحيث تلغي جهد البشر وإرادتهم وحريتهم في الثورة على القيم ~~السائدة حينا، أو إيجاد واكتشاف قيم أخرى جديدة حينا آخر، ~~ووضعها (أي فكرة القيمة) في إطار من الفاعلية بين الذات ~~البشرية وإرادتها من ناحية، والعالم الموضوعي من ناحية أخرى، ~~بل إنه استطاع أن يوظف هذه الفكرة في إطار فلسفته الخاصة بأن ~~جعل القيمة في أعلى طبقات مقولة الإمكان وهي طبقة الممكن ~~الواقعي الذي يتفاعل فيه الذات والموضوع من خلال عملية جدلية ~~تبادلية، بحيث تصبح مشكلة الخير الأسمى هي لحظة توحيد الذاتية ~~والموضوعية. ~~(3) اللحظة الممتلئة في الديانات ~~«الكمال» هو ما تنشده ~~جميع الديانات على اختلاف أشكالها وتنوعها، وقد اختلفت ~~المحاولات التي انتهجتها هذه الديانات ظنا منها أنها السبيل ~~لتحقيق الوجود الأسمى ms244 للإنسان، كمحاولة للاقتراب من الموجود ~~الكامل أو الله. وقد نظر بلوخ في كل هذه المحاولات بحثا عن ~~اللحظة الممتلئة في كل ديانات العالم، ويتعذر بطبيعة الحال ~~العرض التفصيلي في صفحات قليلة للديانات السماوية وغير ~~السماوية في تاريخ الحضارة البشرية، لذلك سيكون العرض لهذه ~~الديانات من الجانب الذي يخدم موضوع البحث فقط، بحيث يكون ~~التركيز على اللحظة الخالدة أو اللحظة الأسمى في هذه الديانات. ~~ولتكن البداية ببعض الديانات الوثنية سواء في الشرق أو الغرب ~~وهي التي تركت بصمات وعلامات هامة على الطريق. ~~(أ) ديانات الحضارات القديمة # إن هزيود وهوميروس ~~هما اللذان وضعا الثيوجونيا (أو أنساب الآلهة) وخلعا على ~~الآلهة أسماءهم في الديانة الإغريقية. ومن خلال الشعراء ~~أصبح البارثينون الأوليمبي مقرا للآلهة. لكن الديانة ~~الإغريقية لم تتوسط مع المويرا (ربات القدر) التي تسري ~~أحكامها على البشر والآلهة على السواء. إن هوميروس على وجه ~~التحديد يعد مؤسس الديانة الإغريقية في شعره الملحمي؛ لذلك ~~أطلق بعض الباحثين على أشعاره اسم «إنجيل الإغريق» وهي إن ~~لم تكن كذلك فقد كانت مسئولة أكثر من أي عامل فردي آخر ~~عن تثبيت وتدعيم صورة الآلهة الشبيهة بالبشر في أذهان الناس. # 146 # وهوميروس مؤسس دين بقي خارج أشعاره ولم يصبح ~~كبقية مؤسسي الأديان الذين التصقت الديانة بأسمائهم ~~وأصبحوا أنبياءها ولهم نفس قداستها. فقد أسس ما يمكن ~~تسميته بالديانة الفنية ~~أو ديانة الفن # art-religion # وأشرقت الإنسانية في هذه ~~الديانة التي أضفت على الآلهة ملامح بشرية. # 147 # أما عن بروميثيوس فهو كما تروي الأساطير نصف ~~إله ونصف بشر، وقد تمرد الجزء الإنساني فيه على الآلهة. ~~وإذا لم يكن بروميثيوس مؤسس دين بالمعنى المعروف، إلا أنه ~~يمكن اعتباره مؤسس دين التراجيديا الإغريقية. وقد ظلت ~~ديانة بروميثيوس - إذا صح هذا التعبير - غير مزدهرة وغير ~~متفتحة لافتقارها للظروف الاجتماعية التي توافرت لموسى ~~وتمرده ضد فرعون ، وللمسيح وتمرده على قيصر. وهكذا تحولت ~~ديانته إلى دراما تأملية لأسطورة التمرد، وظلت التراجيديا ~~هي معبد دين بروميثيوس وطقسها الديني. # 148 # كما ظل بروميثيوس المتمرد على رب العالم زيوس، ms245 ~~وراء كل صور الخلاص البشري فيما بعد. # أما الديانات ~~الشرقية القديمة مثل الديانة المصرية القديمة أو الديانة ~~البابلية فقد فقدت - على حد زعم بلوخ - الملامح الإنسانية ~~وتعالت على الإنسان بقسوتها وجبروتها وأصبحت فوق الإنسان # Super-human # بل وغير ~~إنسانية، ففي مصر القديمة اتخذت الآلهة شكل رءوس ~~الحيوانات، وفي الحضارة البابلية اتخذت أشكال النجوم ~~والكواكب، كما كانت أشكال الآلهة مستمدة من الطبيعة ~~الخارجية وتجاهلت بالكامل لحم الإنسان ودمه. # 149 # فكذلك جاء مضمون هذه الديانات من أعلى؛ مما ~~جعلها تمثل أقصى حالات الاغتراب. # تتكرر صورة الموت في الديانة المصرية القديمة، كما تولد ~~الشمس يوميا من جديد. وبالتالي يمد أوزوريس في الحياة ~~البشرية القصيرة ليمنحها الخلود. فالموت الذي قدرته السماء ~~يتحكم في كل تغير حي، كما تتحكم الهندسة المفعمة بالأمل - ~~والتي تتسم بالصلابة والثبات - في المستقبل الذي يحمل سكون ~~الماضي ويتجاوز عالم الإنسان. إن المضمون الأساسي لهذه ~~الديانة يأخذ شكل الجوهر «البلوري» للعمارة المصرية ~~القديمة في شكلها الثابت والمحدد. إنه نظام يجسده أو ~~يبلوره إله الموت أوزوريس، الذي كان في الخيال الشعبي ~~القديم إله النماء الذي يسكن في الأرض، ومن قبره يمنح ~~الخصوبة لكل الأشياء، ويتحرك هذا الإله بشكل دائري بين ~~الحياة والموت لكن سمته الأساسية هي الحياة في الموت. # 150 # ولحظة الوجود الأسمى في الديانة المصرية ~~القديمة هي لحظة الصمت والسكون والثبات، هي الأمل في ~~الخلود، في التوحد مع أوزوريس. # وإذا كان الهرم هو رمز الديانة المصرية القديمة على ضفاف ~~النيل، فإن البرج ذو الطبقات المتصاعدة إلى أعلى أو ~~الزقورة هي رمز الديانة البابلية على ضفاف الفرات التي ~~أهدته للشمس والكواكب السبعة. بدت الآلهة - التي تمثل هذه ~~الدورات الفلكية - في أشكال غليظة وأجساد خشنة، محاطين ~~بكل ما هو وحشي وغير إنساني من طيور وحيوانات وحشرات، ~~وعندما توحدت الآلهة البابلية الفلكية في إله واحد هو ~~«مردوخ» لم نجد سوى البطل البابلي جلجامش الذي اكتسب ~~ملامح إنسانية. وعلى الرغم من تأليهه في حياته وبعد موته ~~إلا أنه عانى آلام الموت، ولم تشفع له أعماله وأمجاده، ms246 ~~وذهب إلى «أرض اللاعودة» بلا أمل في بعث سماوي، ولا أمل ~~في الخلود الذي أضاع نبتته. # 151 # إن أعمال جلجامش وحدها هي التي تنطوي على ~~«أمل» في المستقبل - لعله أن يكون هو خلود الذكر النافع - ~~وهو أمل بديل عن الخلود الإلهي الذي ضاع. وقد ربطت ~~الديانة البابلية «الأمل» أو «الخلاص» بالإله المسيطر على ~~الدورة الفلكية المتكررة فيكرر مردوخ هذه الدورة في كل ~~سنة جديدة، ومن ثم ارتبط الأمل بالساعة الفلكية الثابتة. ~~وأصبحت الذات البشرية تدور مع هذه الدورة الفلكية، واقتصر ~~دورها على اتقاء غضب الآلهة والخوف من انتقامها، والتضرع ~~لها أملا في رضاها وعفوها. وكأن الطريق في هذه الديانات ~~الشرقية يسير من داخل الذات إلى خارجها حيث يستقر في الحجر ~~- كما في الديانة المصرية القديمة - أو في الطبيعة - كما ~~في الديانة البابلية - دون أن تعود الذات البشرية إلى ~~ذاتها مرة أخرى. ولذلك ظلت في حالة اغتراب يحددها الدين ~~من فوق ومن الخارج. # 152 # وفي حضارة شرقية أخرى هي الصين، يوجد فكر ديني ~~مختلف كل الاختلاف. فكونفوشيوس (551-479ق.م.) - وهو مؤسس ~~الديانة الكونفوشيوسية - دعا إلى السير على طريق الملوك ~~القدامى الذين وجد فيهم القدوة في الحكمة والصلاح، وأعاد ~~بحث الموروث الديني الصيني وتنظيمه. كانت للديانة الصينية ~~القديمة طبيعة أسطورية وطقوس وشعائر تتسم بالوحشية ~~والدموية، فاختفت مع حركة الإصلاح التي انتهجها كونفوشيوس ~~وأعاد تفسير الطبيعة الأسطورية للدين بما يخدم حياة ~~الإنسان ويعمل على تهذيبه وإصلاحه حتى يصلح نظام الحكم ~~والسياسة. واتجه الفكر الصيني إلى الاعتدال والتوازن ~~واتباع النهج المستقيم في كل شيء، ويتناول كتاب «التحولات» ~~القديم جدل الصراع بين اليانج # Yang # والين # Yin ~~، أي بين السالب والموجب، والليل ~~والنهار، والأرض والسماء، وفي وحدة هذين الضدين نوع من ~~الاشتياق للانسجام الكوني. فعندما يتحقق التوازن ~~البشري-الكوني، ويعيش البشر بشكل منظم وفي انسجام مع ~~الطبيعة يسير العالم بسرور. # 153 # إن عقيدة كونفوشيوس التي تنشد الاعتدال عبرت ~~عن حكمة الحكماء السبعة «الزم الحد.» كما عبرت عن ~~فضيلة ~~السوفروزنيه # sophrosyne ~~. # 154 # التي طالما أشاد بها الإغريق. وقبل كونفوشيوس ms247 ~~بقليل أو في وقت واحد معه - على حسب الروايات المختلفة - ~~جاء لاوتزو ليقول بالتوسط والاعتدال أيضا، ويؤسس ~~«التاوية» - أو فلسفة الطريق الحق - التي كانت انقلابا ~~على الدين التقليدي والطقوس القديمة، ودعوة إلى نوع من ~~التصوف الطبيعي الذي يحث على الرجوع للطبيعة والاندماج ~~فيها والبعد عن كل أشكال التمدن. لم يكن للتراث الديني ~~والأخلاقي أهمية عند لاوتزو، بل إن مبدأه الأساسي هو ~~اللا-فعل. وطريق الحكيم إلى السعادة يتلخص في كلمة واحدة ~~هي «وو-وي» أي التخلي عن الفعل أو عدم الفعل عن طريق «الحد ~~من البذور» والكلمات والأفعال - (...) على الإنسان أن يبقى ~~بغير عمل ... أن يلزم السكينة والهدوء ... أن يتجرد من شهوة ~~الكسب والنجاح، فيصل إلى الكسب والنجاح الحقيقيين بالاتحاد ~~مع «التاو»، # 155 # طريق السماء. # 156 # وفي ديانة شرقية أخرى، هي الدين الإيراني القديم، يوجد ~~زرادشت (628-551ق.م.) وكتابه المقدس الأفستا # Avesta # الذي لم يبق منه ~~سوى ترنيمات زرادشت # Cathas # التي تظهره في صورة رجل مفعم ~~بالحيوية و«نبي» أو داعية متحمس لنشر دعوته إلى النور ~~والخير والنقاء. رفض زرادشت الديانة القديمة، وألقى ~~بآلهتها في الجحيم. ومع ذلك لم تخل الزرادشتية من سكون ~~الديانات النجمية. وأهم ما يميزها الصراع بين النور (أو ~~أورامزدا # Ormuzd ~~) ~~والظلام (أو أهرمين # Ahriman ~~) أو بين الحق والباطل، وإن لم ~~يكن الصراع بينهما أزليا؛ إذ سوف تأتي لحظة التحول ~~الأخيرة في العالم عندما يلتحم الجيشان، وعلى البشر أن ~~يختاروا بين القوتين المتعارضتين وسوف تتحقق العدالة ~~ويسود الخير ويعم النور ويتجدد الكل من جديد بواسطة ~~المخلصين الذين يقمعون الهوى. # 157 # ثم جاء ماني (216-274م) في عهد شابور الأول، ~~وكان على معرفة جيدة بالفلسفة اليونانية وخاصة أفلاطون. ~~وأعلن ماني أنه جاء ليتم عمل زرادشت وبوذا والمسيح، فهو ~~«رسول النور» والشمس والقمر عنده - على عكس ما عند ~~البابليين والكلدانيين - ليسا آلهة بل وسيلة للوصول ~~للآلهة. كان للشمس تأثير عظيم على هذه الديانة، فهي النور ~~الذي ينبغي أن يشرق حتى نهاية الزمان، ويأتي إله النور مع ~~الشمس ويفتح العالم على اتساعه، لذلك وصف ماني ms248 بأنه محرر ~~النور من المادة التي هي من فعل الشيطان. ولقد كان لماني ~~تأثير عظيم على أوغسطين، فما آمن به ماني - من ثنائية ~~النور والظلام - على مسرح الطبيعة أبرزه أوغسطين في مسار ~~التاريخ بين مدينة الله ومدينة الأرض. # 158 # والديانة البوذية من ديانات الهند، ظهر مؤسسها بوذا في ~~نهاية القرن السادس ق.م. في الوقت الذي خمدت فيه الديانة ~~الهندية القديمة للفيدا، أراد بوذا أن يخطو خطوات على طريق ~~التحرر من المعاناة والألم، فكانت دينا بلا آلهة ولا سماء ~~متعالية، وأراد مؤسسها أن يصبح هو نفسه الطريق الذي يعلمه ~~لأتباعه، طريق الخلاص من العالم. إن الجهل في العقيدة ~~البوذية هو سبب ظهور العالم وعلة استمراره، والمعرفة هي ~~لحظة تدمير العالم بلا كوارث كونية. وهنا تتغير وظيفة ~~المعرفة في هذه الديانة الهندية فلا تضيف ولا تعلمنا ~~شيئا، بل تحول العالم إلى لا-عالم. # 159 # ويصبح الأمل في هذه اللحظة هو الخلاص ~~بالانطفاء (النيرفانا). ~~(ب) الديانات السماوية # مع أولى الرسالات السماوية جاء الوعي الديني، ومع موسى ~~بدأ تمرد الشعب المستعبد فكان الخروج من مصر. لم يوجد شعب ~~تمرد على آلهته وعصاها مثلما فعل الشعب اليهودي. ويمكن ~~القول إن أيوب هو بروميثيوس العبرانيين، فمثلما تمرد ~~بروميثيوس على آلهة الإغريق، تمرد أيوب على «يهوه». لذلك ~~يرى الكثيرون أن فكرة المخلص لم تظهر لا في زمن موسى ولا ~~في الديانة اليهودية إلا في مرحلة متأخرة لأنها بدت غير ~~ضرورية في نظر شعب كان يؤمن بأن أخطاءه فقط هي التي تتسبب ~~فيما أصابه من كوارث. # 160 # غير أن بلوخ يرفض هذا التفسير قائلا إن فكرة ~~الخلاص موجودة وكامنة منذ البداية في الدين اليهودي، ~~ولكنها لم تعلن إلا متأخرة. وهو كذلك لا ينفي وجود شبه ~~بينها وبين الزرادشتية، خاصة الفكرة القائلة بالمخلص الذي ~~يأتي في نهاية الزمان، فعلى الرغم من أن اليهود تأثروا ~~بدين زرادشت أثناء الأسر البابلي (من 586 إلى 538ق.م.) إلا ~~أن فكرة الخلاص لدى الشعب اليهودي تعني أكثر مما تعنيه عند ~~الفرس أو الكلدانيين، فبعد العودة ms249 من الأسر بدأت هذه ~~الفكرة تعمل عملها في الدين لوضع حد لمعاناة شعب يعيش على ~~أمل الخلاص. وهنا ظهرت فكرة الخلاص واضحة وتحول إله ~~الانتقام عند موسى إلى إله أمل وخلاص، أي إله اليوتوبيا. # 161 # وكما يقول موسى بن ميمون وهو الفيلسوف اليهودي ~~العقلاني: «إن من ينكر الخلاص ينكر كل التوراة.» وبذلك ~~تكون اللحظة الكبرى في الديانة اليهودية هي الخلاص، وهي ~~لحظة يوتوبية؛ إذ لم يكن الإله العبراني ساكنا كالآلهة ~~الوثنية، بل كان واعدا بالخلاص في سماء جديدة وأرض ~~جديدة. # وفي المسيحية تحولت الديانة الفوقية المتعالية إلى ~~الإنسان، أو إلى ابن الإنسان. كانت دعوة للحب لا تقارن بها ~~أية ديانة أخرى، دعوى للتخلص من المال واحتقار العالم: ~~«قال يسوع إن أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع أملاكك وأعط ~~الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني.» # 162 # ونصيحة المسيح التي تقول: «أعط ما لقيصر ~~لقيصر وما لله لله.» لا تعني الإذعان لهذا العالم، بل ~~احتقاره. لذلك يقدم بلوخ تفسيرا لموت المسيح على الصليب ~~مختلفا عن التفسيرات السائدة التي اعتبرته - أي الموت - ~~نوعا من التضحية الإرادية، كما لو كان الموت قد تولد من ~~الحب، وكان الثمن الذي دفعه المسيح لله ليفتدي البشر من ~~الخطيئة. إن المسيح في رأي بلوخ مات متمردا على التقاليد ~~وسلطة الحكم القائمة في عهده. وقد أقحمت الأساطير بعض ~~العبارات، مثل الموت والصليب على حديثه عشية موته. فلم ~~يتحدث المسيح عن إصلاح أو إحياء لمجد سابق، إنما تحدث عن ~~تدمير القدس والمعبد أي الثورة على العهد القديم: «لا ~~تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض، ما جئت لألقي ~~سلاما بل سيفا.» # 163 # لذلك اعتبره الرومان مجدفا على الله ويستحق ~~الموت صلبا جزاء له على تمرده. # 164 # ولذلك أيضا كان للدين المسيحي مستويان: ~~المستوى الاجتماعي، والمستوى اللاهوتي الذي ألغى فكرة ~~الإله المتعالي فأصبح للمطلق مضمون بشري، كما أصبح - إذا ~~جاز هذا القول - دينا يعمل بشكل ديمقراطي. # 165 # غير أن الآمال في المتعالي جاءت بعد موت المسيح. انتهى ~~التواضع والخجل ms250 المسيحي بعد الصلب وتجلت المسيحية في ~~قيامة المسيح من القبر واكتسبت عظمتها وتخلت عن تواضعها. ~~ظهر المسيح والمسيحية في ضوء جديد انبثق من القبر. فصعود ~~المسيح إلى السماء كان مرساة الأمل التي تأخذ البشر معها. ~~وهي اللحظة الممتلئة؛ اللحظة الثابتة للمملكة المسيحية: ~~«سوف تكونون مثل الإله # Eritis Sicut ~~Deus # تلك هي بشارة الخلاص المسيحي.» # 166 # وجد بلوخ أن مضمون اللحظة الممتلئة في الدين الإسلامي في ~~الخضوع لإرادة الله، فالدين الإسلامي - في زعمه - قد ورث ~~التعصب الذي بدأ مع موسى. ومنذ أن أتى أول الأنبياء بفكرة ~~الوحدانية، أتى معها بالتعصب لهذا الإله الواحد؛ مما ترتب ~~عليه أن كل ديانات التوحيد أصبحت أديانا تبشر بهذا الإله ~~الواحد وتتعصب له. بذلك يكون التعصب كجزء أساسي من ~~الإيمان قد أتى مع موسى وامتد إلى المسيحية والإسلام على ~~حد زعم بلوخ. ولكن الحروب الدينية بدأت مع الإسلام، # 167 # وعندما أشهر محمد - عليه السلام - سيفه ضد ~~الكفار. فالمسلمون هم جنود الله الخاضعون لإرادته، وروح ~~الإسلام تتمثل في الخضوع للقرآن الكريم والسير على السنة ~~المحمدية. ويتهم بلوخ الدين الإسلامي بالتحجر وعدم ~~المرونة، وبأن تعاليمه لا تسمح بالتجديد والحرية، حتى إنه ~~تصدى للمجددين من الفلاسفة ورجال الدين. # على الرغم من المعرفة الموسوعية الكبرى التي تميز بلوخ، ~~إلا أنه ليس لديه فكرة واضحة ولا متكاملة عن الحضارة ~~الإسلامية من ناحية ولا عن بعض الحضارات الشرقية من ناحية ~~أخرى؛ مما جعل أحكامه على هذه الحضارات تتسم أحيانا ~~بالسطحية والعمومية الشديدة، ويجانبه الصواب في معظم ~~الأحوال. والواقع أنه لا يمكن أن يلتمس له العذر في هذا، ~~لأنه عاش فترة زمنية - تجاوزت ثلاثة أرباع القرن العشرين ~~- اكتملت فيها الأبحاث والدراسات والشروح الممكنة لهذه ~~الحضارات البشرية. وعلى الرغم من اتساع أفقه وتبنيه ~~للنزعة الإنسانية الخالصة فلا نستبعد أن يكون «للمركزية ~~الأوروبية» دور في إساءة تفسيره للحضارات والديانات ~~الشرقية، وقد اختزل مفهومه عن الديانة الإسلامية - شأنه في ~~ذلك شأن العديد من الغربيين - في عبارة النار ~~والسيف. ~~(ج) اللحظة في أنثروبولوجيا الدين # يعد لودفيج ~~فيورباخ ms251 (1804-1872م) نقطة تحول في فلسفة الدين، فقد أقام ~~نزعة طبيعية تتسم بإعادة الإنسان إلى الأرض والطبيعة. إن ~~الفلسفة في رأيه من العصر اليوناني وحتى آخر عصر هيجل تعد ~~لاهوتا؛ لذلك جعل مهمته مصادرة العالم الآخر، أو جعل من ~~نفسه حفار قبور للدين التراثي ليعطي للإنسان ما للإنسان، ~~وينكر السماء لحساب الأرض لإضفاء الأهمية على الإنسان: ~~«أنا أنكر الله، هذا يعني في حالتي أنني أنكر إنكار ~~الإنسان؛ إن مسألة وجود أو لا-وجود الله هي بالنسبة لي ~~وجود الإنسان.» # 168 # إن الإنسان خلع على الله كل الصفات التي لا ~~يستطيع أن يحققها، وآن الأوان ليسترد الإنسان هذه ~~الصفات. # كان الله الكائن ~~في السماء هو الهدف الأسمى في النزعة المدرسية التي امتدت ~~من أفلاطون وليس من المسيح. فكان - أي الله - هو الأمل ~~الذي يسعى البشر للوصول إليه. ومع فيورباخ لم يترك الأمل ~~للسماء فاندفع للأمام - وليس إلى فوق - وانتقلت ~~الميثولوجيا من السماء إلى الأرض. أعاد فيورباخ مضمون ~~الدين من السماء إلى الإنسان، فلم يعد الإنسان يوجد على ~~صورة الله، بل إن الله يوجد على صورة الإنسان، واختفت صورة ~~الإله الخالق ليكتسب الإنسان هذه الصورة. # 169 # لقد حاول فيورباخ أن يترجم الصور الذهنية في ~~الدين المسيحي ويعثر على حقائقها العيانية معتمدا على ~~التحليل التجريبي والتاريخي والفلسفي للأسرار المسيحية. ~~ويسمى فيورباخ نفسه روحيا وضعيا، وصاحب فلسفة إنسانية ~~تجعل الوجود الإنساني هو الوجود الحقيقي، وتقيم فلسفة لا ~~تأملية دون ماهية. # 170 # لم تعد الذات تتصارع مع الموضوع الذي هو الطبيعة المحيطة ~~بها، بل أصبح الأمل الموجود في الدين موجها لإدراك ~~الإمكانية في الذات وفي الموضوع معا. فأنثروبولوجيا الدين ~~عند فيورباخ هي بمثابة يوتوبيا للإنسان. ويصبح الموروث ~~الديني هو وعي الوظيفة اليوتوبية بالكل، وتصبح المغامرة ~~الإنسانية إلى ما وراء ذاتها هي العلو في التاريخ الذي ~~صنعه البشر، وتعاليا بدون أي علو سماوي. تصبح - أي ~~المغامرة الإنسانية - هي توقعات لمستقبل ما زال غير معروف. ~~لقد كانت كل التسميات والألقاب التي نسبت إلى الله محاولات ~~لتفسير السر البشري، أي ms252 الشكل الإنساني المختبئ في ~~الأيديولوجيات الدينية. وجاء النقد الأنثروبولوجي للدين ~~ليجعل الإله هو الوجود بالإمكان، أي الوجود البشري الذي لم ~~يصبح بعد في الواقع، ويظهر بوصفه أنتيليخيا الروح مثلما ~~تكون الجنة أنتيليخيا يوتوبية للإله. # 171 # لكن هل تحويل الميثولوجيا إلى أنثروبولوجيا يعني اختفاء ~~مشكلة المكان الديني - إذا صح هذا التعبير؟ بمعنى المكان ~~الذي يوجد فيه العدم أو الكل، وجحيم النار أو نعيم الجنة ~~بالمفهوم الديني؟ إن الواجب على البشر أن يوقروا آلهتهم في ~~مكان آخر من الطبيعة؛ مكان يوتوبي يمتلئ بالآلهة. إنه ~~مملكة الحرية، بدلا من مملكة الله التي في السماء، وهو ~~المكان الذي يمتد أمامنا في قلب البشر وفي قلب الأرض، ~~ويكمن في الذات الأنثروبولوجية كما يكمن في الطبيعة. # 172 # إن تدمير أساطير الاغتراب التي جاء بها مؤسسو ~~الديانات الثلاث من الشرق هي اللحظة اليوتوبية الكبرى، ~~لحظة الكشف الذاتي؛ لحظة أن يصبح الله إنسانا. ~~(د) اللحظة في التجربة الصوفية # في التجربة الصوفية الدينية تختفي الثنائيات الحادة بين ~~الأنا واللا-أنا، بين الذات والموضوع. وتسمى هذه اللحظة ~~بالآن الأبدية أو ~~اللحظة الخالدة # Nunc Stans # ويتم التبادل بين كل من ~~اللحظة والأبدية في وحدة جدلية، هي اللحظة الأسمى التي لم ~~تعد موجودة في الزمان بل تكون «الآن» فيها دائمة، وتكون ال ~~«هنا» في كل مكان. # 173 # هذه اللحظة الصوفية إذن هي لحظة يوتوبية يتحد ~~فيها الذات والموضوع وال «هنا» و«الآن» والمكان والزمان، ~~ويختفي فيها الاغتراب. # في لحظة التصوف تتحرر الأنا من وجودها الفردي ومن تعددية ~~الأشياء حولها وتتخلى عن كل شيء لأن هذا التخلي هو السبيل ~~الوحيد لإيجاد كل شيء، أي لوجود الكائن مع الذات الحقيقية ~~في لحظة الاتحاد بالذات الإلهية. فنجد التصوف عند أفلوطين ~~هجر الذات الفردية للاتحاد بالذات الإلهية في ثلاث مراحل: ~~التطهر، التنور، الاتحاد، ويسميها بلوخ مراحل تأله ~~الذات، التي تكون مرحلة أسمى من الوعي، فيها تصبح الذات ~~جزءا من الذات الإلهية. كما نجد التصوف عند ميستر إكهارت ~~(1260-1328م) ليس فقط معرفة أو كشفا ذاتيا لله، لأن ~~الروح عنده ms253 هي شرارة صغيرة من القبس الإلهي، وهدف العبد ~~أن تتصل روحه بالقبس الإلهي عن طريق التخلي عن العالم وكل ~~ما يمت له بصلة لتنكشف الشرارة الإلهية أي الروح الإنسانية ~~وترجع إلى مبدئها وأصلها الذي خرجت منه لأن ماهيتهما ~~واحدة. وفي حالة التخلي هذه يتخلى الإنسان كذلك عن نفسه ~~فلا يعود يعرف أو يريد أو يفعل إلا بالله وفي الله، وبهذا ~~يتحد مع كل ما هو كائن ويتحد مع الحقيقة الأبدية أي مع ~~الله، في لحظة مباشرة تذوب فيها المسافة بين الذات ~~الفردية والذات الإلهية. فالصوفي لا ينشد الاتحاد بالعالم، ~~بل يريد الاتحاد بالواحد الذي يسمو على العالم ولا يتصل به ~~بسبب، ولا يتم هذا فيما يعلمنا الميستر إكهارت وأفلوطين - ~~وهما عمدة التصوف الغربي - عن طريق التلاشي في العالم، بل ~~عن طريق التخلي عنه والزهد فيه. # 174 # وعند الوصول إلى هذه اللحظة تتوقف أصدق صفات ~~الذات وهي الرغبة، كما تتوقف أكذب صفات الموضوع وهي ~~الاغتراب، ولحظة الوصول إلى هذه الحالة يطلق عليها بلوخ ~~لحظة الانتصار. # بعد تحليل بلوخ لديانات العالم الكبرى محاولا إيجاد ~~اللحظة اليوتوبية التي تبحث عنها والتي يتحقق فيها الوجود ~~الأسمى للإنسان، انتهى من رحلته إلى حقيقة هامة وهي ~~ابتعاد الديانات الوثنية والسماوية على السواء عن تلك ~~اللحظة المنشودة التي وجدتها الديانات الأولى في لحظات ~~السكون والثبات، ووجدتها الثانية في السماء المتعالية ~~وفيما وراء العالم الأرضي. وإذا كان ينظر إلى المسيح على ~~أنه يمثل شخصية يوتوبية ثارت على الأوضاع القائمة وأرادت ~~أن تحرر البشرية من عبودية سلطة «يهوه» وأن يقيم «مملكته» ~~في هذا العالم الدنيوي، وإذا كان هذا التفسير يختلف قلبا ~~وقالبا عن التفسير التقليدي لشخص المسيح، فإنه يتفق مع ~~طريقة بلوخ في فهمه غير التقليدي لتاريخ الفلسفة ~~برمته. # أضف إلى هذا أن اللحظة التي يقصدها بلوخ ليست في التصوف، ~~أي لحظة اتحاد الذات الفردية بالذات الإلهية، فهذه اللحظة ~~أيضا - على الرغم مما فيها من ذوبان الذات في الموضوع، ~~والأنا في اللا-أنا - هي لحظة متعالية بطبيعتها عن هذا ~~العالم ms254 الأرضي وبعيدة عن الواقع الفعلي ؛ وبالتالي لم ترفع ~~الاغتراب القائم بين الإنسان والطبيعة ولا بين الذات ~~والموضوع. وربما كان المفهوم الأنثروبولوجي للدين كما هو ~~عند فيورباخ هو أصلح إطار يمكن أن تتحقق فيه اللحظة ~~الممتلئة كما يتصورها بلوخ ويمكن أن تقنع عقله ~~ووجدانه. # وإذا كان هدف جميع الديانات السماوية هو الوصول إلى ~~الأرض التي يسودها اللبن والعسل على نحو واقعي ورمزي على ~~السواء، فإن هدف الديانة الإنسانية التي يؤمن بها بلوخ هو ~~على وجه الدقة نفس الهدف السابق - أي الوصول إلى عالم أكثر ~~كمالا - أو حسب تعبيره إلى يوتوبيا الكمال التي وضعها ~~الدين في السماء. غير أن بلوخ استعاض عن الإله بالممكن ~~الذي لم يكشف الأستار عن وجهه بعد، وبالخلاص الذي لم يزل ~~كامنا في الأرض وفي تاريخ البشر. ~~(4) اللحظة الممتلئة في الموت # قد توجد مفارقة في هذا العنوان؛ فكيف يكون الموت - وهو لحظة ~~انطفاء الوعي - لحظة ممتلئة؛ وهي اللحظة التي ينبغي أن يشعر ~~الإنسان حيالها بالكمال والسعادة؟ بمعنى آخر: كيف ينظر للموت ~~- وهو سلب الوجود ووأد كل لحظة ممتلئة سعيدة - نظرة ~~يوتوبية بما تنطوي عليه اليوتوبيا من سعي دائم لحياة أفضل؟ ~~وكيف يكون الموت - وهو الفك الذي يطحن كل شيء ويلتهم كل ~~غاية - هو لحظة تحقيق الوجود الأسمى؟ ربما تبدو الحياة مقيتة ~~ولا نعيشها كما نتمنى، ومع ذلك فهناك دائما أمل لتحسينها في ~~المستقبل، ولكن من غير الممكن أن نأمل في أي نوع من التحسن في ~~لحظة الموت نفسها. كما أن هناك شعورا طبيعيا بالفزع والرعب ~~من فكرة الموت، ومهما حقق الإنسان من أهداف وأمنيات في الحياة ~~فهو لا يموت وهو مشبع بها، فدائما ما يفاجأ المرء بالموت قبل ~~أن يحقق كل آماله في المستقبل. فكيف يكون الموت إذن نوعا من ~~اليوتوبيا؟ # قد يزول هذا التناقض عند معرفة الصور الخيالية المفعمة ~~بالأماني التي رسمتها الأديان لحياة ما بعد الموت، والتي لا ~~تعني العدم أو الفناء الشامل بل تتصور الموت على أنه نهاية ~~للحياة على هذه الأرض وبداية حياة أخرى ms255 في عالم آخر. ~~(أ) الموت في الديانة المصرية القديمة # لم يوجد جنس اهتم بفن الموت وأنفق من الوقت والجهد ~~والعناية والتكاليف لبناء المقابر استعدادا له مثلما فعل ~~المصريون القدماء الذين نظروا للموت على أنه بداية الحياة ~~الحقيقة فخططوا بعناية فائقة لما وراء الحياة على الأرض. # 175 # لقد رسموا صورة للعالم الآخر ترتبط ارتباطا ~~وثيقا بالموقف الأخلاقي للشخص المتوفى. ففي هذا العالم ~~الآخر تعقد محاكمة الميت، يرأسها أوزوريس نفسه ويسجل ~~أحكامها الكاتب المقدس (توت). وتذهب النفس # Ka # مع صاحبها وتدخل ~~العالم الآخر لتعيش وجودها الأبدي في حياة ما بعد الموت. ~~وقد صورت الكتابة المصرية القديمة النفس ساكنة وبعيدة عن الحركة. # 176 # وكان أوزوريس - إله الموتى في العالم الآخر - ~~نفسه إلها صامتا حيث لا توجد حركة ولا موسيقى في معبده ~~في أبيدوس؛ لذلك فإن فكرة سلام الموت وسكونه وهدوئه انحدرت ~~من الحضارة المصرية القديمة. # 177 # وعلى الرغم من بعض المناظر المصورة على ~~جدران المقابر والمعابد عن الحرث والحصاد والأنشطة الأخرى ~~والمرتبطة بالحياة الدنيوية لعامة الشعب، إلا أن الحياة ~~الحقيقية ليست على هذه الأرض، كما أن مفتاح الحياة الذي ~~يهديه الإله للملك الحاكم ليس بالتأكيد لهذه الحياة ~~الأرضية، وإنما هو مفتاح للحياة في العالم الآخر، ذلك ~~العالم الذي عاش المصريون القدماء طوال حياتهم يستعدون ~~للحظة الانتقال إليه، حيث كان الخلود هو لحظة الوجود ~~الأسمى في الحضارة المصرية القديمة. ~~(ب) الموت في الكتب المقدسة # أما عن فكرة الموت في الكتب المقدسة كما جاءت في الكتاب ~~المقدس والقرآن الكريم، فإن فكرة الخلود لم تظهر في ~~الديانة اليهودية إلا في مرحلة متأخرة، فقد كان الجنس ~~اليهودي جنسا دنيويا مثل الإغريق. كذلك لم تظهر فكرة ~~البعث والحساب إلا في وقت متأخر. لم يكن الاعتقاد بخلود ~~النفس ولا الإيمان ببعث الموتى في نهاية الزمان نظرية ~~أساسية لدى الفريسيين. # 178 # وبتأثير الديانة المصرية القديمة تحول الإله ~~المصري توت - الذي يدون جلسات يوم الحساب - إلى الإله يهوا ~~في الديانة اليهودية، الذي يفتح سجل أعمال البشر في يوم ~~السنة العبرية الجديدة. ms256 # 179 # أضف إلى هذا أن بعض الأبحاث تعقد مقارنة بين ~~ديانة موسى وديانة أخناتون، على أساس الإهمال المشترك من ~~جانب الديانتين لعقيدة البعث التي لم تظهر في اليهودية إلا ~~في وقت متأخر. ولا يوجد بين نصوص التوراة ما يؤكد وجود ~~الاعتقاد في البعث على زمن موسى عليه السلام. وكذلك حاربت ~~ديانة أخناتون عقيدة البعث ذات الجذور المتأصلة في ديانة ~~المصريين القدماء. وقد كان أحد أهداف الرؤية الدينية ~~لأخناتون هي محاربة عبادة أوزوريس الذي ارتبطت عبادته ~~بعقيدة البعث والحياة بعد الموت. # 180 # أما عن الموت في المسيحية فقد كان الإيمان بالبعث ~~والحساب جزءا من المذهب المسيحي. لكن هل الموت هو اللحظة ~~الأسمى في الدين المسيحي كما هو الحال عند المصريين ~~القدماء؟ في الواقع أن هناك اختلافا كبيرا بين الموت في ~~الحضارة المصرية القديمة - وهو لحظة سكون وجمود كما يقول ~~عنها بلوخ - وبين الموت في العقيدة المسيحية؛ حيث إن الموت ~~الفيزيقي ليس هو نهاية المطاف، لكن يأتي البعث أو القيامة # Easter # من ~~الموت. إن المجيء الثاني للمسيح هو لحظة الوجود الأسمى: ~~«أنا هو القيامة والحيوة. من آمن بي ولو مات فسيحيا.» # 181 # إذن اللحظة الممتلئة هنا هي التخليص من الموت: ~~«من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حيوة أبدية وأنا أقيمه في ~~اليوم الأخير.» # 182 # هي لحظة حياة وليست لحظة موت، فالمسيح ليس ~~كأوزوريس إلها في عالم الموتى: «وليس هو إله أموات بل إله ~~أحياء لأن الجميع عنده أحياء.» # 183 # لذلك يطلق بلوخ على هذه اللحظة اسم يوتوبيا القيامة. # 184 # ويشبهها بالفن القوطي الذي هو رمز الحياة: ~~«لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع.» # 185 # هكذا أشادت المسيحية بالحياة ولم تمتدح الموت. # 186 # وفي الإسلام بدأ الترغيب في الموت عندما أعلن أن الموت ~~على يد الأعداء شهادة في سبيل الله # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ~~الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون # حيث يستمتع المجاهدون المؤمنون ~~بالنعيم في العالم الآخر. وقدم القرآن الكريم تصويرا ~~حسيا وماديا للجنة التي ms257 سيتمتع بها الصالحون ~~والمجاهدون: # أولئك ~~المقربون * في جنات ~~النعيم * ثلة من ~~الأولين * وقليل من ~~الآخرين * على سرر ~~موضونة * متكئين عليها ~~متقابلين * يطوف عليهم ~~ولدان مخلدون * بأكواب ~~وأباريق وكأس من معين * ~~لا يصدعون عنها ولا ينزفون * وفاكهة مما يتخيرون ~~* ولحم طير مما ~~يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون ~~* جزاء بما كانوا ~~يعملون * لا يسمعون فيها ~~لغوا ولا تأثيما ~~. # 187 # وهكذا كانت لحظة الموت والاستشهاد في سبيل ~~الله في الإسلام هي لحظة الوجود الأسمى التي سيتبعها ~~الخلود في جنة النعيم. ~~(ج) النرفانا ولحظة الفناء # تنصب الفلسفة الهندية على التفكير وتخضع لحياة الإنسان ~~الداخلية أكثر مما تخضع للعالم الخارجي والطبيعة المادية. # 188 # إن الإحساس العام لكل البشر هو الخوف من ~~الموت، لكننا الآن أمام نوع آخر من التفكير يتحول فيه هذا ~~الخوف إلى خوف من الوجود أو الحياة. # 189 # وأمام حضارة ترى الحياة مخيفة أكثر من الموت، ~~ولذلك تنشد الفناء أو الانطفاء (النرفانا) بهدف التحرر من ~~الشقاء والألم ليعقبه ميلاد جديد. إن الحياة هي مصدر ما ~~يعانيه الإنسان من أحزان وآلام وأمراض وشيخوخة وموت. لذلك ~~فكر بوذا: «وهكذا ركزت عقلي في حالة من نقاء وصفاء، ركزته ~~في فناء الكائنات وعودتها إلى الحياة في ولادة جديدة. ~~وبنظرة قدسية مطهرة إلهية، رأيت الكائنات الحية تمضي ثم ~~تعود فتولد خيرة أو شريرة، سعيدة أو شقية، حسب ما يكون لها ~~من «كارما»، # 190 # وفق ذلك القانون الشامل الذي بمقتضاه سيتلقى ~~كل فعل خير ثوابه، وكل فعل شرير عقابه، في هذه الحياة ~~أو في حياة تالية تتقمص فيها الروح جسدا آخر.» # 191 # وجد بوذا أن الحياة مستحيلة، فلا هي ممكنة في هذه الحياة ~~الدنيا كما يظن الوثنيون، ولا هي ممكنة في الحياة الأخرى ~~كما يعتقد أنصار كثير من الديانات، أما ما يمكن أن نظفر به ~~فهو السكينة، هو النرفانا، # 192 # التي هي إخماد أو إطفاء لكل شهوات الفرد. ~~وسرعان ما يتحطم الفرد بالموت لتأتي عجلة الميلاد بآخر ~~جديد. فتناسخ الأرواح هنا هو فرصة متاحة للروح لتكفر ~~عما ارتكبت ms258 من آثام، ولا بد للإنسان أن يكتمل روحيا ~~وأخلاقيا قبل أن يحقق الخلاص. والعدالة هي قانون الحياة ~~الأخلاقية تماما كما أن العلة والمعلول هما قانون العالم ~~الطبيعي. وبما أن العدالة والكمال الأخلاقي والروحي لا ~~تتحقق في حياة واحدة لذلك تؤمن هذه العقائد بالولادة ~~الثانية حتى تعطى فرصة للإنسان لكي يتقدم أخلاقيا ولكي ~~ينال الكمال. فالكارما والولادة الثانية هما الوسيلتان ~~اللتان تحققان النظام الأخلاقي للكون في حياة الإنسان. # 193 # وتختلف النرفانا بهذا المعنى اختلافا واضحا عن التصوف ~~الغربي كما عرف عند أفلوطين (205-270م) أو ميستر إيكهارت ~~(1260-1328م). إن التجربة الصوفية لكل العصور تجربة يصعب ~~التعبير عنها، وهي تتسم بالبساطة، وتبتعد عن أي تعقيد، ~~فالفناء في التجربة الصوفية هو فناء في الذات الإلهية، ~~ولحظة انجذاب صوفي. ولكن النرفانا هي الصورة المضادة لها ~~لأن صورتها الخيالية المفعمة بالأماني هي الفناء في العدم ~~أو في الموت. # 194 # فالعدم أو الموت هو اللحظة الممتلئة لهذه ~~العقيدة الهندية، وكأن لحظة الوجود الأسمى ليست في قهر ~~الموت - كما في المسيحية - بل في الفناء فيه في لحظة عدم ~~مطلق؛ لحظة تتحد فيها الروح باللانهاية اللاواعية حيث ~~السكون والسكينة المطلقة. ~~(د) الرومانسية ولحظة نعيم الموت # مع الرومانسية اختفى الخوف المعتاد من الموت، وتغيرت ~~النظرة إليه فلم يعد جحيما، بل أصبح نوعا من التغيير ~~والراحة الأبدية. # 195 # تحرر الفكر من العالم الآخر. والواقع أنه ~~نادرا ما كان ينظر إلى الموت - الذي شعر الرومانسيون ~~بالحنين إليه - على أنه فناء شامل، فهو يعني بالنسبة ~~للبعض الاستغراق في «الكل»، وهو بالنسبة للبعض الآخر بداية ~~الحياة الخالدة التي قالت بها المسيحية. # 196 # كذلك نجد أن الموت عند «ليبنتز» ليس فناء، ~~فالكائن الحي لا ينتظر الحساب في عالم آخر، لأنه لا يسري ~~عليه الفناء ولأن الموت لا يخرج عن كونه عملية تحول. كما ~~هاجم ليسنج - في مقاله «كيف تخيل القدماء الموت؟» - الصورة ~~التي رسمتها العصور الوسطى للموت، ورسم له صورة أخرى ~~جمالية، يصفها بلوخ بأنها يوتوبيا عينية للموت. # وقد أعجب جوته بفكرة ليسنج الجمالية التي ms259 تعبر عن الفكر ~~الحر ولا تريد أن تستسلم للعدم، وتحرر الفكر من العالم ~~الآخر بحيث لا يكون هناك مكان للسماء ولا للجحيم. هذا ~~الشعور الحيوي والجمالي تجاه الموت الذي نجده عند كل من ~~ليسنج وجوته أدى بهما إلى القول بتناسخ الأرواح، لم ينظرا ~~لعجلة الميلاد على أنها ورطة كما في الفلسفة الهندية، بل ~~على أنها وسيلة لوجود قادر على أن يكون أفضل في أكثر من ~~حياة واحدة. # 197 # هو ذلك العنصر الحيوي في صورة ليسنج الخيالية ~~عن الموت، وتناسخ الأرواح أعطى للأفراد وجودا حاضرا ~~وواقعيا # Actual being-present # في مراحل التاريخ ككل. ولا يجب ~~أن ننظر للتاريخ القديم على أنه تاريخ إنساني مجرد، بل ~~من الممكن أن يكون تجربة حية لبشر يعودون بأرواح جديدة ~~حيث تتحرك الأرواح في فراغ. إن المونادة العارفة لا يمكن ~~زوالها في رأي جوته، ولعل ما قاله في أحد أحاديثه لصديقه ~~أيكرمان في سن الخامسة والسبعين أن يكون أصدق تعبير عن هذه ~~الفكرة التي جعلت جوته يؤمن بأن واجب الطبيعة أن تزوده ~~بشكل آخر من أشكال الوجود بمجرد أن يصبح وجوده الحالي غير ~~قادر للإبقاء على روحه. # 198 # إن الموت هو الحدث الأخير في حياة الإنسان؛ لأنه - أي ~~الموت - ليس سوى درجة من درجات التحول الدائم كما يقول ~~جوته في قصيدته «حنين مبارك»: # وإذا لم تصغ للصوت القديم # داعيا إياك: مت كيما تكون، # فستبقى دائما ضيفا يهيم # في ظلام الأرض كالطيف الحزين. # 199 # فالتضحية بالذات علو وارتفاع في سلم ~~الوجود، كالفراشة تحقق ذاتها بالفناء في نار الشمعة، ~~وكالقطرة تحقق ذاتها عندما تموت وتتحول إلى لؤلؤة، وكأن ~~تحقيق الذات قهر للموت، تلك هي عقيدة جوته عن الخلود. ولعل ~~العمل الفني - في تحولاته المختلفة التي يمر بها حتى يصبح ~~عملا كاملا - يشبه هذه القطرة التي وهبها الله القوة والبقاء. # 200 # هذه الحالة من الخلود التي توصل إليها كل من ليسنج ~~وجوته نجدها في إطار آخر عند كانط، وإن كان تناسخ الأرواح ~~ليس له مكان عند هذا الأخير، حيث يصنف ms260 مثل هذه الأشياء بين ~~مغامرات ما وراء التجربة الميكانيكية، لذلك لا يكمن خلود ~~الروح في تناسخ الأرواح ولكن في النزوع إلى الكمال ~~الأخلاقي من خلال العقل العملي: «وهكذا فإن الخير الأسمى ~~هو أمر ممكن عمليا فحسب إذ افترضنا خلود النفس، وهذا ~~الأخير بحكم كونه مرتبطا على نحو لا فكاك منه بالقانون ~~الأخلاقي هو شرط ضروري للعقل العملي الخالص.» # 201 # ويتعين علينا فهم الاعتماد على الحجة ~~الأخلاقية لإثبات الخلود بدلا من الرجوع إلى التجربة ~~الدينية أو الإيمان الأعمى. إنه نتيجة لنفور كانط من ~~النزعة الصوفية ولتأثير المزاج العقلاني على رؤيته للدين. ~~وفي المقام الأول لنظرته إلى أسبقية التجربة الأخلاقية على ~~التجربة الدينية. # 202 # وهكذا نجد أن الموت ليس له الكلمة الأخيرة عند ~~كانط؛ إذ يظل الأمل قائما وموجودا في صمت ما بعد الموت، ~~وأعني به الأمل في النزوع العقلي الأخلاقي. ~~(ه) لحظة الخلود في العمل # كان من الطبيعي أن يرفض بلوخ فكرة الموت كما جاءت في ~~الديانات والحضارات السابقة الذكر، ويرفض أيضا فكرة ~~الخلود من هذا المنظور الديني والساكن. ووجد أن لحظة ~~الوجود الأسمى أو لحظة الخلود الأعظم ما هي إلا لحظة الفعل ~~أو العمل، فهناك حكمة ريفية تقول: لا تترك الحياة بدون أن ~~تزرع شجرة، وبدون أن تترك ابنا. ونستطيع أن نقول أيضا إن ~~هناك من الأعمال التي يخلقها العقل البشري ما لا يسري عليه ~~الفناء، فالأعمال التي رسمت وألفت وكتبت وبنيت وتم ~~التفكير فيها، مثل هذه الأعمال التي يمكن أن يعاد تشكيلها ~~وتجديدها مرة ومرات؛ لا بد أن تكون خالدة، ومع ذلك فليست ~~كل الأعمال الناجحة خالدة، فهناك على سبيل المثال الفوز ~~بمعارك حربية أو سياسية لا يسري عليها الخلود، لأنها ~~أعمال لا يمتد تأثيرها طويلا، كما أنه لا يمكن إعادة ~~تشكيلها وتجديدها في وعي البشرية ووجدانها. وهناك أمثلة ~~على الأعمال الخالدة التي احتلت مكانها في التاريخ، ~~فموسيقى بتهوفن وأشعار شكسبير - على سبيل المثال لا الحصر ~~- ظلت لقرون بعد موت صاحبيها باقية يتردد صداها في وعي ~~بشرية ووجدانها. # 203 ms261 # وهناك أشخاص أحسوا بهذه اللحظة الخالدة الممتلئة - ~~مثل شيللر وجوته - ولم يجدوا الخلود في لحظة الموت أو فيما ~~وراءه، وإنما في لحظة العمل. فعندما بدأ مرض شيللر كتب ~~لجوته في 3 أغسطس 1794م: «لن يكون لدي وقت لاستكمال ~~ثورة عقلية عامة وكبيرة داخلي ولكني سأعمل ما أستطيع، ~~وعندما ينهار البناء فربما أنقذ ما له قيمة من اللهب.» كما ~~رأى جوته أيضا خلود أعماله، فقبل وفاته بأربعة شهور كتب ~~لفون همبولدت رسالة يعبر له فيها عن أن عمره الطويل جعله ~~يرى أعماله وقد أصبحت تاريخية. # 204 # كما يؤكد هذان البيتان فلسفة جوته القائمة على ~~الفعل: # ورثت جنة، تزهو على الجنان # إن الزمان ثروتي، وحقلي الزمان # فما دام الإنسان لا يملك إلا حقل اللحظة، ~~فما الذي يطلب منه إلا الإقبال على حرثه ورعايته بالعمل؟ ~~تلك هي ذروة الجدية والمسئولية والوعي بقيمة الحياة التي ~~يتهددها الفناء في كل لحظة. # 205 # واللحظة الممتلئة هنا هي لحظة الخلود، ولكنه ~~ليس خلودا في عالم آخر ولا هو فناء في العدم، وإنما هو ~~خلود في العمل. لقد تحول الخوف المعتاد من الموت إلى خوف ~~من مباغتة الموت قبل إكمال العمل، فالموت بالنسبة للفنان ~~لا يعني أنه سيؤدي به إلى العدم، بل يعنى أنه سيأخذ قلمه ~~من يده، وهذا ما عبر عنه هيلدرلن عندما باغته المرض أثناء ~~كتابة مسرحيته الشعرية التي لم يتمها وهي ~~«أنبادوقليس»: # هبوني صيفا واحدا أيها «الآلهة» ~~الأقوياء! # وخريفا واحدا فحسب لكي تنضج أغنيتي، # ولكي يموت قلبي وهو مغتبط، # ومشبع بالعزف الحلو. # إن هيلدرلن في هذه الأبيات لا يخشى أن ~~تهبط روحه إلى العالم السفلي إذا استطاع أن يحقق واجبه ~~الإلهي القريب إلى قلبه، أي إذا استطاع أن يتم قصيدته، ~~عندئذ سيرحب كما يقول في نهاية هذه القصيدة بالهبوط إلى ~~عالم الصمت والظلال: # مرحبا بك إذن يا صمت عالم الظلال، # إنني راض على الرغم من أن أوتاري # لا تصاحبني بالعزف في الهبوط إلى هناك، # لقد عشت كالآلهة مرة واحدة؛ # فلم تعد بي حاجة إلى شيء ms262 آخر. # 206 # إن إرادة هيلدرلن في هذه القصيدة تثبت أن ~~الخلود في العمل وفي الإبداع، وإذا كانت الذات البشرية لا ~~تشارك بشخصها في هذا الخلود، فإن الأمل في إنقاذ ذلك الجزء ~~النبيل في الإنسان من التدهور، أي العقل البشري، يظل ~~باقيا. لقد اختفت الصورة الخيالية القديمة للخلود وحلت ~~محلها يوتوبيا الخلود التي تنتج نفسها من جديد، وتعبر عن ~~الوجود المستمر للإنتاج العقلي البشري وليس العقل ~~الإلهي. # وإذا كان الموت هو سلب الوجود، فإن سرعة مجيء الموت هي ~~التي تضفي على اللحظة قيمتها، كما أن لحظة الامتلاء ~~والسعادة القصوى لن يوقفها الإنسان - لفرط طموحه واتساع ~~أمله - أو يخاطبها على لسان فاوست «تريثي قليلا، فما ~~أجملك!» لأن من الممكن - مهما تصورناها ذروة الإمكان - أن ~~تتكرر على الدوام في صور لا تنفد جدتها ولا ينتهي ~~تنوعها. وعلى الرغم من أن الإنسان بطبيعته كائن متناه ~~لا يمكن أن يصل إلى المطلق، إلا إنه لا يمكن أن يتوقف عن ~~السعي إليه. وعنصر السعي إلى المطلق ما زال موجودا في ~~فاوست، فكل لحظة تشير إلى لحظات أخرى ممتلئة، ونداء فاوست ~~للحظة بالتريث والوقوف - في نهاية القسم الثاني - ما هو ~~إلا أمنية لنيل الخلود بوقف عجلة الزمان عن الدوران. لقد ~~شعر فاوست وهو على وشك الموت أنه صار بين الزمان وبين ~~السرمدية، بين التناهي وبين اللانهاية، أنه يود لو أن عمله يخلد. # 207 # توقفي إذن، فأنت رائعة الجمال! # إن أثر أيامي على الأرض # لا يمكن أن يغيب في الدهور، # وفي استشعار سابق بمثل هذه السعادة، # فإني أستمتع الآن بأسمى اللحظات. # 208 # وجد بلوخ إذن - مع فاوست جوته - اللحظة ~~الممتلئة في العمل. ولكن كيف تتجلى هذه اللحظة في الزمان؟ ~~لقد تجلت في اليوتوبيات الاجتماعية التي ظهرت منذ بدايات ~~التفكير اليوتوبي القديم والوسيط والحديث، فمنها ما كان ~~أفكارا مجردة، ومنها ما حلق في آفاق الحلم وهجر الواقع. ~~لكن لحظة الفعل الحقيقية لا بد أن تتجلى في مجتمع إنساني ~~ما زال يتصوره بلوخ؛ مجتمع شيوعي أطلق عليه اسم «الوطن» ~~أو ms263 «المجتمع الإنساني». # الفصل الخامس # | تجليات الأمل في يوتوبيات التقنية والكشوف الجغرافية ~~والفنون # بعد أن أقام بلوخ نسقه الفلسفي للأمل وأسسه أنثروبولوجيا ~~وأنطولوجيا، حاول أن يبحث عن بذور الأمل في التاريخ البشري بأكمله ~~وفي مظاهر الحضارة الإنسانية، ومن ثم أخذ يبحث عن تجليات اللحظة ~~الممتلئة في التفكير اليوتوبي عبر التاريخ البشري. فهل تجلى الأمل - ~~بما ينطوي عليه من اكتشاف إمكانات ثورية كامنة في الواقع الفعلي ~~وقادرة على استشراف المستقبل - فيما يمكن تسميته باليوتوبيات ~~التاريخية، أي في تاريخ التقنية والكشوف الجغرافية والفنون المختلفة من ~~ناحية، وفيما أبدعه الخيال البشري وأطلق عليه اليوتوبيات الاجتماعية من ~~ناحية أخرى؟ قبل تتبع هذه التجليات اليوتوبية لا بد من التوقف قليلا ~~عند المصطلح نفسه، أي اليوتوبيا. # كان توماس مور أول من استخدم كلمة اليوتوبيا التي تعود إلى الأصل ~~اليوناني من امتزاج كلمتي لا ~~مكان # no place # والمكان ~~الطيب # Good place ~~. وأصبح للكلمة فيما بعد معان كثيرة غير التي ~~استخدمها بها مور، فصارت تطلق على كل إصلاح سياسي أو أية تصورات ~~فلسفية مستقبلية، أو حدوس علمية وفنية. ولكن اليوتوبيا تظل تصورا ~~فلسفيا - مهما تنوعت أشكالها الأدبية والعملية - لمجتمعات مثالية ~~يتحقق فيها الكمال بصفة عامة، كما تنشد انسجام الإنسان مع نفسه ومع ~~الآخرين ومع مجتمعه، أي أن الفكر اليوتوبي معني بالدرجة الأولى بخلق ~~أفكار وتصورات للانسجام الاجتماعي. # 1 # وقد تنوعت الأشكال اليوتوبية فكانت صورا لمجتمعات خيالية مثالية ~~يتحقق فيها الكمال أو تقترب منه، وتم التعبير عنها في أشكال أدبية ~~مختلفة منها المقالة والقصة والرواية والقصيدة، أو في شكل نظريات ~~سياسية تقدم صورة نظام سياسي نموذجي بمؤسساته المختلفة مع تصور ~~كامل لكل تنظيمات الحياة (كما عند توماس مور)، أو في بعض النظريات في ~~فلسفة التاريخ (كما عند كوندورسيه). ويلعب الخيال الدور الأكبر في كل ~~الأشكال اليوتوبية بدءا من جمهورية أفلاطون وانتهاء بروايات الخيال ~~العلمي. وإذا كان هناك عصور تاريخية تميزت بالطابع اليوتوبي أكثر من ~~غيرها، إلا أنه ليس صحيحا ما يزعمه البعض - وبخاصة الماركسيون ~~الرسميون - عن اختفاء التفكير اليوتوبي في ms264 العصر الحديث والمعاصر. وها ~~هو أوسكار وايلد يعترف بالتفكير اليوتوبي ويذهب إلى القول بأنه لا توجد ~~خريطة للعالم ما لم تنظر بعين الاعتبار لدولة اليوتوبيا. # 2 # وإذا كانت كلمة اليوتوبيا لم تنشأ إلا في القرن السادس عشر مع توماس ~~مور، فإن التفكير اليوتوبيي نفسه قد نشأ مع بدايات التفكير البشري، بل ~~يمكن القول - مع بلوخ - إن الحلم بحياة أفضل بدأ مع صرخة الجوع، فكان ~~هو الدافع الأول للتفكير اليوتوبي، إن الإنسان المتخم بالشبع لا يصرخ ~~ولا يجأر بالشكوى، ومن لم يعان الجوع لا يمكنه الحلم برغيف الخبز. ~~وكان الجوع هو الحافز على العمل، فالطبيعة تمنحنا الهواء والتربة، ولكن ~~الإنسان لا يستطيع أن يعيش على الهواء وحده، كما أن التربة تحتاج إلى ~~الحرث والغرس، والخبز لا ينمو فوق الأشجار إلا في الأحلام والحكايات ~~الخرافية، لأن الواقع المادي يتطلب من الإنسان الكدح والكد لإشباع ~~جوعه. ولا يوجد محرك لصنع أو خلق مشروع يوتوبي يفوق في قوته قوة ~~الاحتياج، ولهذا كانت الأفكار والأحلام والخيالات اليوتوبية استجابة ~~للحاجات الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات البشرية على مر العصور. ~~وتكمن أصول التفكير اليوتوبي في الأساطير والحكايات القديمة عن جنة عدن ~~أو غيرها؛ إذ تصور هذه القصص الموروثة الانسجام المطلق والسعادة ~~الفطرية التي كان يحيا في ظلها البشر الأولون، وبقي حنينهم الدائم إلى ~~استعادة هذه العصور الذهبية. # ويتطور التاريخ البشري أيضا من منظور يوتوبي، فكل ما في العالم يدل ~~على الغاية اليوتوبية وهي هدف التاريخ، ولا يخلو تاريخ العلوم والفنون ~~والكشوف الجغرافية من آثار النزعة اليوتوبية. فلم تكن لهذه العلوم ~~والفنون أن تتطور لولا ما تضمنته من أمل في الجديد والأفضل، أي بمعنى ~~آخر لولا ما كان فيها من عنصر يوتوبي يلقي الضوء على إمكانات الواقع ~~الكامنة ليظهرها إلى النور. فما هي إذن تلك الإمكانات الكامنة في هذا ~~العنصر اليوتوبي فيما أبدعته الحضارة البشرية من خيالات وتصورات ~~مختلفة للأشكال اليوتوبية التاريخية التي ظهرت في شكل يوتوبيات ~~للتقنية، وأخرى للجغرافيا أو الكشوف الجغرافية، وأخيرا في الأشكال ~~اليوتوبية في تاريخ العمارة ms265 والفنون؟ ومن الطبيعي أن يكون عرض هذه ~~اليوتوبيات من تلك الزاوية التي يبرق فيها شعاع الأمل الذي يستشرف ~~الجديد القادم في المستقبل وسيكون الحكم عليها بقدر ما تحمل من ~~أمل. # أولا: التجلي اليوتوبي في تاريخ التقنية ~~«الحاجة أم الاختراع.» أثبت بلوخ صدق هذه المقولة بأن تتبع ~~فكرة الاختراع أو الابتكار منذ بداية الخليقة ، وهي الفكرة التي ~~تولدت من الحاجة، وقد استطاع الإنسان أن يحتفظ بوجوده وبقائه ~~بفضل العمل والتخطيط لشيء أفضل، ولو لم يسلح الإنسان البدائي نفسه ~~أمام الذئاب لكان الجنس البشري قد انتهى وحكم عليه بالفناء. ~~فالحاجة إلى المحافظة على الوجود أو البقاء جعلت كل ما على ظهر ~~الأرض يحتمي من العراء في شيء ما يصنعه أو يبتكره؛ بنى العصفور ~~العش، وصنع الحيوان العرين، وبنى الإنسان الكهف الخشبي أو الحجري، ~~وأشعل النار لينضج طعامه، واخترع الأدوات ليلبي احتياجاته اليومية. # 3 ~~(1) التقنية القديمة # بدأت التقنية في العصر اليوناني مع الميثولوجيا، وبخاصة في ~~أسطورة برومثيوس سارق النار من الآلهة ليعطيها للإنسان مانحا ~~إياه سر التقنية، ومضيئا له الطريق بالعقل الذي كان نقطة ~~انطلاق لكل التغيرات المادية المستحدثة. وتوسط هذا العقل بين ~~الذات البشرية المقهورة وبين الطبيعة التي فرضت سلطان الضرورة ~~العمياء على الإنسان، وظلت أسطورة برومثيوس في تاريخ الفكر ~~البشري رمزا للتمرد، ورغبة وأملا في التحرر من سيطرة ~~الطبيعة. وتوسطت الطاقة - التي منحها برومثيوس للبشر - لتحول ~~الإنسان المقهور إلى إنسان صانع أو فاعل يتحد مع الطبيعة ~~الكونية. # ولم يكن للاختراع أو الابتكار أن يتم لو لم يتمتع الإنسان ~~بمخيلة خصبة وخيال خلاق، وحتى عندما عجزت قدرات الإنسان ~~العلمية والمادية - في العصور القديمة والوسيطة - عن اختراع ~~أشياء عينية لتحقيق حياة أفضل، لم تعجز مخيلته عن اختراعها ~~في الخيال، وهذا ما تؤكده آداب الشعوب التي حاولت بالخيال - ~~على أقل تقدير - تخطى حدود المكان والزمان لرسم صورة مفعمة ~~بالأماني لحياة إنسانية أفضل. كما تؤكده الحكايات الخرافية # Fairy tales # التي ~~استخدمت الأساليب السحرية في تلبية الاحتياجات البشرية، ففي ~~هذه الحكايات لعبت المخيلة دورا كبيرا في ms266 رسم صور خيالية ~~لاختراعات تقنية توسطت بين ما هو موجود وبين ما تحلم البشرية ~~بوجوده بحيث جعلت المستحيل ممكنا ولو على مستوى الخيال. ونجد ~~أمثلة من هذه الحكايات في التراث الشعبي العربي، لا سيما في ~~حكايات ألف ليلة وليلة مثل علاء الدين والمصباح السحري، وفي ~~التراث الألماني نجد اختراع المائدة السحرية في حكايات الأخوين ~~جريم # Grimm ~~، والصفارة ~~الفضية السحرية في حكايات هاوف # Hauf # الفنية التي تنفذ لصاحبها ما يريد ~~بالسحر. كذلك نجد أمثلة لها في الحكايات الخرافية التي اخترعت ~~البساط السحري الذي يطير بصاحبه إلى حيث يشاء ووقتما يشاء، إلى ~~جانب العديد من الحكايات التي وردت في آداب الشعوب المختلفة، # 4 # مثل هذه الأشياء السحرية في الحكايات الخرافية ~~مزجت العقل بالخيال وقدمت صورا تقنية خيالية، بحيث يمكن ~~القول بأن السحر في هذه الحكايات هو التقنية في ثوبها القديم، ~~وترجع قيمة هذه الحكايات إلى أنها تمثل مستقبل القدرة ~~البشرية. # في عصر النهضة تحول السحر الذي لعب دورا هاما في ~~الحكايات الخرافية إلى سحر من نوع مختلف، إذ ارتبطت الكيمياء بالسيمياء، # 5 # واستخدم السحر والتنجيم لفك رموز الطبيعة. ويتصدر ~~باراسلس (1493-1541م)، الطبيب والفيلسوف، العصر الذي اختلطت ~~فيه الكيمياء والسيمياء لدرجة يستحيل معها فصل أحدهما عن ~~الآخر، ولكن السيمياء عنده لا تعني فقط استخلاص الذهب من ~~المعادن الخسيسة، بل تعني أيضا بالنسبة للإنسان - أو العالم ~~الصغير - صحة الجسد، كما تعني بالنسبة للكون - أو العالم ~~الكبير - استخلاص النور الأصلي. وتقوم فلسفة باراسلس على ~~الفكرة الأساسية للتوافق بين العالم الداخلي (الميكروكوزم) ~~والعالم الخارجي (الماكروكوزم)، لأن الداخلي ليس بإمكانه أن ~~يعرف الطبيعة، والطبيعة ليس بإمكانها أن تعرف نفسها إلا إذا ~~كان الذي يعرف سليما غير مريض، ومصطلح «المرض» لا يفهم هنا ~~بالمعنى الطبي حصرا، بل يشير إلى أن الإنسان يجب ألا يكون ~~مغرورا ممتلئا بذاته، ولا يحبس نفسه في قفص فرديته، إن ~~الطبيب ينطق هنا بلسان الفيلسوف في قوله: يجب على الإنسان أن ~~يسترجع صحته بأن يمتثل لمعرفة للطبيعة، كما يجب عليه أن ~~يتوج معرفته للطبيعة ms267 بأن يعيد لها صحتها، وهكذا تظهر مقولة ~~جديدة تماما، هي مقولة الشفاء الذاتي للعالم. # 6 # هكذا يرى باراسلس أن المرض ليس مجرد خلل، وإنما هو نقيضه ~~أيضا أو «لا-كمال»، ويتجه الإنسان - بوصفه أكبر مشروع في ~~الخليقة - ليقود الأشياء بتحسينه لها نحو مآلها في الطبيعة. ~~هذا هو الميلاد الجديد الفاعل، النهضة النشيطة: فالإنسان ~~المخترع «يفعل» على الطبيعة، ينطق كلمة «ليكن» معطيا إياها ~~شكلا سحريا. وعلى السحر والسيمياء والتنجيم أن تفك رموز ~~الطبيعة؛ فسيمياء باراسلس ما هي إلا صور رمزية في الطبيعة ~~وبإمكان الإنسان أن يسهم في تفتحها، أي بإمكانه أن يقود العالم ~~نحو جوهره. وبالسحر - بوصفه الشكل الأقدم للتقنية - يتم تحويل ~~العالم، والطبيب يدعو الفيلسوف لخلق إنسان أكمل من الذي خلقه ~~سيد العالم. وللوصول إلى ذلك يجب على الإنسان أن يتسلح بجرأة ~~قصوى، وأن يقتنع بالعظمة الفائقة لذكائه الخلاق، هذا الذكاء ~~المبدع يدعوه باراسلس «التخيل» أو «الخيال» وهو القوة المتفائلة. # 7 # ثم تأتي سيمياء ياكوب بوهمه (1575-1624م) لتنظر للطبيعة ~~نظرة كيفية، في رؤية تتعارض بشكل ساذج مع العلم الطبيعي ~~الميكانيكي. لقد قدم بوهمه وصفا تفصيليا لواقع الحياة ~~الطبيعية، فحدد لها سبع قوى هي بمثابة كيفيات أو أشكال ~~وجودية ديناميكية تدور حول نفسها في العالم، أو بالأحرى هي ~~التي تؤلف العالم في صيرورة مستمرة، وهذا يفترض بالضرورة أن ~~الخلق لم يتم دفعة واحدة، بل يتجدد في كل لحظة، والقوة الأولى ~~هي الحموضة أو العنصر القابض، ينضم إليه العنصر المحرض أو ~~القوة الثانية وهي الحركة، والقوة الثالثة، وهي سلبية في ~~جوهرها، هي القلق أو النار المضطرمة تحت الرماد، أو هي الكبريت ~~الذي ما زالت النار راقدة في أعماقه. # 8 # ويسمي بوهمه القوى الأساسية الثلاث للواقع الطبيعي ~~بالمصطلح السيميائي (الكيميائي) المستعمل آنذاك: سالنتير. # 9 # من هذه القوى الثلاث تأتي القوة أو الكيفية ~~الرابعة وهي النار المندفعة، وهي تعين من تعينات الطبيعة ~~يظهر في شكلين مختلفين، أحدهما مظلم سلبي يتمثل في نار ~~الغضب التي تعبر عن نفسها في شكل مدمر كإعصار أو صاعقة أو ~~حريق ms268 وتسبب الدمار والفزع، والشكل الآخر إيجابي، فهذه النار ~~ذاتها هي التي تولد الحرارة والنور. إنها هي نار الموقد التي ~~تجمع البشر، وهي التي تدفئ الكون وتضيء كل شيء، وهي الشمس التي ~~تحمل إلينا الربيع وتجعل الحياة تتفتح. إذن فالنار هي التي تلد ~~القوة الخامسة وهي الضوء. ويتبع الضوء قوة أساسية سادسة هي ~~الصوت الذي يرافق الضوء دائما، ومع الصوت تولد الكلمة التي ~~تسهل الاتفاق والتفاهم ، ومع نهاية هذه الولادات الست يبزغ ~~الكيف السابع وهي الجسمية، أي الطبيعة المشكلة في جملتها ~~وتمامها. وهو الامتلاء لكل الكيفيات السبع وما يسمى بالخلق أو الخليقة. # 10 ~~(2) التقنية الحديثة # في القرنين السابع عشر والثامن عشر نشأت في أوروبا الجمعيات السرية. # 11 ~~(مثل جمعية الصليب ~~الوردي # Rosenkreutz # والماسونية) التي زعمت أنها تملك ~~معرفة سرية بالطبيعة ~~والدين، ومن المعروف أن العلم في القرن السابع عشر والثامن عشر ~~كان لا يزال تابعا للعقيدة الدينية، ولم يتحرر من أسرار الدين ~~إلا في القرن التاسع عشر حتى انفصل كل منهما عن الآخر بشكل ~~نهائي في القرن العشرين. وفي القرن الثامن عشر انتشرت المذاهب ~~المادية الآلية التي نظرت إلى الإنسان على أنه آلة، كما أن ~~اختراع الساعة كان له أثر على الإحساس بالزمن في بدايات ~~المجتمع الصناعي الأول، وارتبطت النزعة المادية الآلية بتأسيس ~~المنهج العلمي الرياضي في تفسير العالم؛ مما انعكس على التفسير ~~الآلي للإنسان، وتصور العالم والجنس البشري بوصفهما آلة دقيقة ~~تحكم قوانينها الحتمية العلمية، ولعل أكثر من عبر عن هذا ~~الاتجاه هو الفيلسوف المادي الفرنسي لاميتري # La Mettrie ~~(1709-1751م) الذي ~~تبنى المادية الآلية المتطرفة واعتبر الإنسان آلة حتى إن أشهر ~~كتبه يحمل هذا العنوان «الإنسان الآلة» عام 1748م. # ظلت يوتوبيا التقنية أسيرة الميثولوجيا والسحر والسيمياء ~~والتنجيم والاهتمام بأوضاع الكواكب والنجوم لحظة تحويل المعادن ~~أو صنع الذهب ... إلخ. حتى إن يوتوبيا توماس مور الليبرالية كان ~~بها إشارات خفية لهذه السيمياء. كما لم تخل يوتوبيا ~~كامبانيلا من أسر علم التنجيم، على الرغم من أنها قدمت تصورا ~~لاختراعات علمية عديدة اهتمت بها ms269 القرون التالية لها. ومع ~~فرنسيس بيكون (1561-1626م) بدأت دراسة خاصة ليوتوبيا من نوع ~~جديد لم يكن معروفا في زمنه وهي «يوتوبيا التقنية»، وتحررت ~~التقنية من أسرها السحري؛ إذ نبذ بيكون السيمياء وعارض المنهج ~~الاستنباطي، ووضع المنهج الاستقرائي، ودعا إلى التجربة في ~~كتابه «الأورجانون الجديد» عام 1620م. وكانت أطلنطا الجديدة # Nova Atlantis # أول ~~يوتبيا للتقنية أطلق عليها بلوخ اسم «مختبر يوتوبي» فاقت في ~~خيالها ما جاء في الحكايات الخرافية، وتميزت عن غيرها من ~~يوتوبيات اجتماعية متخلفة في مستواها التقني. وقد تميزت ~~يوتوبيا بيكون أيضا بالتفاؤل فكشفت عن إمكانات هائلة للتطور ~~التقني، حتى لتعد أول يوتوبيا اهتمت بالإنتاج التقني من أجل ~~حياة أفضل، ومجدت الاختراع والاكتشاف. # وظلت «أطلنطا الجديدة» زمنا طويلا هي الكتاب الوحيد في قصص ~~الخيال ~~العلمي # Science fiction # وهي عبارة عن جزيرة سعيدة نائية ~~أطلق عليها اسم «بنسالم»، انعزل أهلها عن العالم ولم يصلها ~~إلا من ضل سبيله من الرحالة. أقام العلماء من أهل الجزيرة «دار ~~سليمان» على نمط «هيكل سليمان» كما ورد في التوراة؛ لتنظيم ~~البحث العلمي والاكتشاف والاهتمام بما يمكن تسميته بفن ~~الاختراع، بحيث يمكن أن يطلق على هذه الدار مصطلح أكثر دنيوية ~~وهو «جامعة تقنية»، فما حققه سليمان بالمعجزات حققه أهل ~~الجزيرة بالعلم. وفي هذه المؤسسة التقنية واليوتوبية الأسطورية ~~تصنع أشياء مدهشة، فهي تضم معهدا لعلم توليد النباتات أي ~~زراعة أنواع مختلفة من النباتات والفواكه في المناطق الحارة، ~~ومركزا علميا لتربية الحيوانات وتهجينها، ويمارس العلماء ~~التشريح في هذا المركز، كما أن هناك فرعا للبيوكيمياء ~~(الكيمياء الحيوية) لفحص نوعية الأطعمة واللحوم. واخترع ~~العلماء محركا، وقدموا وصفا للآلة البخارية والميكروسكوب ~~والتلسكوب والميكروفون، وتخيل علماء أهل الجزيرة فكرة التليفون ~~بوصف شبكة أنابيب تحت الأرض خاضعة لضغط هوائي يسهل انتشار الصوت. # 12 # اهتم بيكون بأن يطوع العالم الخارجي لما تتطلبه الحاجات ~~البشرية عن طريق الاختراعات، وفلسفته في ذلك تتلخص في هذه ~~الحكمة: السيطرة على الطبيعة أو قهرها بالطاعة. وقد اقتضت هذه ~~الحكمة معرفة كاملة بالقوانين الطبيعية واستغلالها أو ما يسمى ~~بتطبيع ms270 الطبيعة. # 13 # ومعرفة أهل «أطلنطا الجديدة» بالطبيعة وتطويعها ~~تستهدف الإنسان، فكل شيء في هذه الجزيرة صنع من أجل الإنسان ~~وتوفير حياة أفضل له، التقنية هنا مسخرة لبناء «عصر الإنسان» ~~ولم تجلب عليه الكوارث التي ستظهر في عصور متأخرة. ولقد وضعت ~~«أطلنطا الجديدة» معالم الطريق، وإذا لم يكن بيكون نفسه فاتحا ~~في هذا المجال، إلا أنه كان منقبا ورائدا مستطلعا يسجل ~~الأماكن التي سيكون ممكنا ذات يوم احتلالها. قرأ بيكون واقع ~~عصره ودرسه بالعلم - وليس بالسحر أو التنجيم - فاستطاع أن ~~يستخرج إمكاناته الكامنة التي يمكن تحقيقها في المستقبل. ~~ويتميز بيكون بأن الحقيقة التي يسعى إليها ليست من أجل ذاتها ~~ولا من أجل غايات تأملية، لأن مفتاح المعرفة هو أداة تحسين ~~العالم، وتحقيق مملكة البشر، على نحو ما وضع باراسلس المعرفة ~~في خدمة الشفاء، وكما صار الفردوس دنيويا «مملكة بشرية» عند ~~ياكوب بوهمه وغيره ممن جعلوا من الأرض مكانا أفضل للإقامة. # 14 # عندما ظهرت «أطلنطا الجديدة» ظهرت في نفس الوقت «مدينة الشمس» # Civitas Solis # لتوماسو ~~كامبانيلا (1568-1639م). وفي الجانب التقني من هذه اليوتوبيا ~~امتدح كامبانيلا في مدينته النهضة العلمية، ودعا إلى إثراء ~~الاكتشافات العلمية والاختراعات، وقد كان لأهل مدينته اختراعات ~~تجاوزت النهضة الأوروبية في ذلك الحين، إذ ابتكروا فن الطيران ~~بدون أجنحة، واخترعوا منظارا لاكتشاف كواكب كانت مجهولة في ~~عصرهم، وصنعوا سفنا تطوف البحار بدون مجاديف ولا أشرعة بل ~~بفضل مراوح وعجلات ميكانيكية الحركة. وتميز كامبانيلا بحدس ~~يوتوبي أضفى على تقنيته رؤية مستقبلية، وحقق التقدم العلمي ~~والثورة الصناعية بعض رسوم اليوتوبيا التقنية كما تخيلها ~~كامبانيلا، لا باعتبارها تنبؤات صادقة، بل من حيث هي صور ~~الأمس المرجوة. # 15 # وعلى الرغم من أن كامبانيلا قدم في «مدينة الشمس» بعض ~~الاختراعات العلمية السابقة لعصرها، إلا أنه لم يكن له عقل ~~بيكون المفعم بالقوة. فيوتوبياه لا تنطلق في الطبيعة الموجودة، ~~بينما تنطلق «أطلنطا الجديدة» إلى ما وراء الطبيعة وتتسم ~~بالتفاؤل التقني، على العكس من يوتوبيا كامبانيلا التي يحكمها ~~نظام صارم وثابت كوضع الكواكب الثابتة. إنها تقوم ms271 على علم ~~التنجيم، فكل شيء يجب أن يوجد في موقعه، وكل شيء محدد من أعلى ~~ومحكم في موضعه طبقا لمواضع النجوم. وهي يوتوبيا لا تسمح بأي ~~قدر من الحرية، بل لم تستطع أن تتحرر من أسر «العلوم السرية» ~~التي سادت العصر الوسيط وبداية عصر النهضة فوقعت في أسر ~~التنجيم والسحر إلى حد كبير. # وجاء القرن السابع عشر ليكسب الطبيعة صورة جديدة - بعد أن ~~توجها بيكون ملكة للعلوم - صورة لم تنظر للطبيعة ككائن حي ~~وإنما كآلة أو ماكينة أو ساعة، مصداقا لقول عالم الكيمياء ~~الفيلسوف روبرت بويل إن الطبيعة أشبه بساعة نادرة كتلك ~~الموضوعة في ستراسبورج حيث صنع كل شيء بمهارة ... وتؤدي الساعة ~~دورها المرسوم بفضل تصميمها العام والمبدئي الذي وضع للآلة برمتها. # 16 # في هذا القرن انتهت النظرة الغائية وسادت النظرة ~~الآلية للطبيعة التي نظر إليها نظرة جديدة، وهي أنها ذات ~~تكوين رياضي عندما قال جاليليو: الطبيعة مكتوبة في هذا الكتاب ~~الكبير، أعني الكون، وهي أمامنا على الدوام نستطيع أن نحملق ~~فيها، ولكن الكتاب لن يفهم إلا إذا عرف المرء كيف يفهم لغة ~~الكتاب، وقرأ الحروف التي كتبت بها، فهو مكتوب بلغة الرياضة، ~~وحروفه في المثلثات والدوائر وغيرها من الأشكال الهندسية، ~~وبغيرها لن يستطيع بشر فهم كلمة واحدة من هذا الكتاب، فبغيرها ~~سنتخبط في متاهات الظلمة. # 17 # ولكن قوانين العلم الطبيعي الميكانيكي الذي يتصف بالآلية لم ~~ترتبط بعلاقة جدلية مع البناء التحتي للمجتمع، لأن الميكانيكا ~~الكلاسيكية لا تسمح بالتناقض بل إنها قدمت - على لسان صاحبها ~~جاليليو - تصورا ثنائيا للطبيعة يقوم على التفرقة بين ~~الخصائص الكمية والخصائص النوعية للأشياء. الأولى تختص بمجال ~~العلم، والثانية بالميتافيزيقيا؛ مما كان له أثره على التفكير ~~الفلسفي في بدايات العصر الحديث، فجاء ديكارت (1596-1650م) ~~بتفرقته المشهورة بين العقل والمادة، وجاء كانط من بعده ليقول ~~بالنومينا والفينومينا. وهكذا اختفى مفهوم الطبيعة الذي قدمه ~~جوردانو برونو وبيكون نفسه. وجاء جاليليو وديكارت وكانط ~~ليتحدوا في فكرة إن ما ينتج بالطريقة الرياضية هو فقط ما يمكن ~~التعرف عليه، وما يفهم ms272 بشكل ميكانيكي هو فقط المفهوم علميا، ~~ولكن إذا نظرنا إلى السكر كسلعة مجردة وجدناه مختلفا ~~اختلافا كليا عن حقيقة السكر. ومن هنا نشأت - في رأي بلوخ - ~~التقنية البرجوازية التي أقامت علاقتها مع السلعة الخالصة ~~ومقدار ما تحققه من ربح لأن الاقتصاد البرجوازي - كما يقول ~~برشت في مسرحية «الإنسان الطيب في ستشوان» - لا يهتم بالأرز بل ~~بسعره. إنها علاقة اغتربت منذ البداية عن قوى الطبيعة التي ~~تعمل بفاعلية من الخارج، وأهملت هذه التقنية حقيقة أساسية هي ~~أنه لا بد للإنسان أن يعرف الطبيعة معرفة كاملة لكي يروضها ~~ويجعلها تخدم إرادته. # 18 # وعندما ابتعد العلم الطبيعي عن هندسة إقليدس وبدأ ~~ما يسمى بتفكك-النظام # de-Organization # بدأت تبتعد «الذات» الإنسانية ~~عن «الذات» الطبيعية. وبدت الطبيعية أكثر ابتعادا عن الإنسان ~~الذي سيطر عليه الشعور بأنه غير منسجم أو متناغم مع الطبيعة، ~~وبدأ يشعر حيالها بالرهبة والعظمة والتوقير وأنها تتحدى عقله ~~وخياله. واستفحل هذا الشعور بالاغتراب بحيث بدت الطبيعة مفرغة ~~من المعنى الإنساني، وفقدت الذات الإنسانية اتصالها ~~بالطبيعة. # للأسباب السابقة لم تعد التقنية تتوسط بين الذات من ناحية ~~والموضوع من ناحية أخرى، أي لم تتحول «الأشياء في ذاتها» إلى ~~«أشياء لنا» وبذلك لم تصبح التقنية عينية، لأن هذه الأخيرة - ~~أي التقنية - لا يمكن لها أن تستغني عن معطيات الطبيعة للأسباب ~~الآتية: لا يمكن أن نسقط من حسابنا ما تمنحه الطبيعة للتنقية ~~من مواد أولية أو مواد خام استخدمها الإنسان في الكيمياء ~~الصناعية لاستحداث مواد جديدة أخرى أو استخلاصها بشكل ~~مختلف (كتصنيع البترول من الفحم ... إلى آخر ما تنتجه الكيمياء ~~الصناعية) أو إحداث تطور سريع على المواد الخام التي تمر ~~بحالة من التطور الطبيعي البطيء، وذلك بعد أن هجرت الكيمياء ~~الصناعية قوانين الميكانيكا الكلاسيكية، ولا يمكن أن نسقط من ~~حسابنا أيضا قوانين الطبيعة التي أثبتت كل النظريات العلمية ~~أن لها سمة موضوعية كانت عونا للقوانين الاقتصادية، وأنه ~~مهما تغيرت الظروف الاقتصادية فلا يمكن لها القفز فوق هذه ~~القوانين ولا تخطيها. وعلى الرغم من أن هذه القوانين ضرورية ms273 ~~وحتمية وخارجة عن إرادة الذات البشرية بل وممتدة أمامها، وعلى ~~الرغم أيضا من أن هذه القوانين على جانب كبير من الفعالية، ~~إلا أن البشرية لا تتحول إلى عبد لها، بل تتوسطها وتتفاعل معها ~~لترفع الاغتراب بين الذات والموضوع. # 19 # نظر الفكر البرجوازي إلى هذه القوانين على أنها ضرورة ~~خارجية غير متوسطة مع العامل الذاتي بل تعمل ضدها، فنشأ العداء ~~للضرورة وللممكن وللقوانين الموضوعية بصفة عامة، وهكذا ظهرت ~~الضرورة أو الحتمية للوعي البرجوازي المجرد الذي بقي وعيا ~~مغتربا. وهذا على عكس ما نجده في الفكر الماركسي الذي فسر ~~قوانين العلم، سواء كانت قوانين العلم الطبيعي أو قوانين ~~الاقتصاد السياسي، بوصفها صيرورة موضوعية تؤثر على إرادة ~~الكائنات البشرية بحيث يمكنهم أن يكتشفوا ويتعرفوا ويبحثوا ~~ويأخذوا بها في سلوكهم ويستغلوها في منفعة المجتمع. وهذا ما ~~عبر عنه إنجلز بقوله: لا تكمن الحرية في الاستقلال الحالم عن ~~قوانين الطبيعة، بل في التعرف على هذه القوانين، وفي الإمكان ~~المتاح لجعلها تعمل بفاعلية طبقا لخطة ومن أجل أهداف محددة. # 20 # وتسير بصيرة هيجل في هذا الاتجاه، على الرغم من عدائه الذي ~~لا ينكر للطبيعة ورفضه للحركة الداخلية للطبيعة، إلا أنه فهم ~~على وجه الدقة التحكم في قوانين الطبيعة عن طريق الدهاء: تحولت ~~هذه السلبية إلى إيجابية ... حيث إن فاعلية الطبيعة نفسها ~~وانتظامها الذي يشبه انتظام الساعة يتدخل الإنسان ويحملهما ~~دهاؤه على تحقيق أشياء مختلفة عما كانت تريده الطبيعة نفسها ~~بحيث تستحيل أعمالها العمياء إلى أعمال هادفة أي إلى عكس ما ~~كانت تريده الطبيعة. # 21 # فالطبيعة بالنسبة لهيجل عمياء، والإنسان يتوسط لكي ~~يقودها. وتعبر فلسفة هيجل في النص السابق عن فلسفة الأنا ~~والسيطرة المطلقة وتسخير كل شيء للأنا البشرية وتتفق عبارة ~~شيللر التي تقول «مباركة هي قوى الطبيعة إذا أحسن الإنسان ~~توجيهها.» تتفق هذه العبارة مع نص هيجل السابق وتفهم في نطاق ~~المنفعة المستمرة من الطبيعة. والواقع أن كلا من شيللر وهيجل ~~يعبران في هذه النقطة عن وجهة النظر الرأسمالية، وأن التصور ~~الرأسمالي للتقنية في مجموعها يمثل ms274 السيطرة أكثر مما يمثل ~~المودة التي عبر عنها جوته في فاوست مستلهما عصر النهضة: «أيها ~~الروح الجليل، لقد وهبتني كل شيء، أجل كل ما طلبت، فليس سدى ~~أنك وأنت في النار وليت وجهك نحوي.» ففي أبيات جوته هذه يعبر ~~عن ثقته المطلقة في الطبيعة التي تدير له وجهها كصديق، على ~~العكس مما عبرت عنه عبارة هيجل السابقة التي تمثل فكرة ~~استعمارية إلى حد كبير. # 22 # إن تدخل الذات البشرية في عالم الصيرورة واختراقها لعالم ~~الضرورة الذي تفرضه قوانين الطبيعة لهو من الأمور الأساسية ~~والملموسة التي يمكن اقتفاء آثارها في العالم الخارجي، وذلك ~~كما قال ليوناردو دافنشي وعبر في لوحاته: «إن قوانين الطبيعة ~~تفرض على الرسام أن يدمج نفسه داخل روح الطبيعة ويجعل من نفسه ~~وسيطا بين الطبيعة والفن.» وكما عبر ماركس أيضا عن هذا ~~المعنى نفسه في كتاب العائلة المقدسة: «بين الصفات الملازمة ~~للمادة تعتبر الحركة هي أهم هذه الصفات وأشدها تميزا، وليس ~~المقصود هو الحركة الآلية أو الرياضية، وإنما المقصود هو ~~النزوع والروح الحية والتوتر وعذاب المادة، على حد تعبير ياكوب ~~بوهمه.» لذلك ظلت المشكلة الأكثر إلحاحا في العصر البرجوازي ~~هي مشكلة الاتصال بين الذات الإنسانية المبدعة للتقنية وبين ~~الطبيعة التي تملك معطيات التقنية، كما ظلت التقنية في العصور ~~البرجوازية تعتمد فحسب على استغلال قوى الطبيعة، ولم تعتمد على ~~إقامة علاقة بين الكائنات البشرية والمادة العينية المستغلة. ~~إن برومثيوس عندما سرق النار من الآلهة ليمنحها للبشر، قد سرق ~~معها الحكمة الطبيعية أيضا. واكتسبت التقنية جذورا جديدة في ~~إنتاج صناعي للمواد الأولية، أي أنها اقتحمت وتوسطت نظام ~~الطبيعة أو نسقها لتطوره. # 23 # إن الأشياء قابلة للتغيير لا في ظاهرها فقط، بل من جذورها ~~أيضا. وكل تقنية تتطلب إرادة التغيير، لأن الظاهرة - رغم ~~وجودها الموضوعي المعترف به - تظل بدون تدخل الذات غير مرتبطة ~~بالإنسان وغريبة عنه، أي تظل ظاهرة بدون ذات. فالذات مفتقدة ~~في التفكير الكمي والميكانيكا الكلاسيكية، أما في الميكانيكا ~~القائمة على الهندسات اللاإقليدية فقد أصبحت ترابطا حرا ~~لقوانين ذات ms275 طابع نسبي. ولقد أقام كانط الترابط الفيزيائي ~~للقوانين على الذات المتعالية على نحو ما فعل مع كل ترابط آخر ~~كما جاء في عبارته المشهورة في نقد العقل الخالص «إن الأنا ~~أفكر يجب أن تكون قادرة على مصاحبة جميع تمثلاتي.» وهذا بطبيعة ~~الحال لا يدخل الذات في آليات الطبيعة بل تبقى الذات عاجزة ~~أمام التصورات الميكانيكية عن الطبيعة. هي حسب التعريف متعالية ~~على الطبيعة وليست ملتحمة بها التحام ذات تجريبية عضوية ~~بالذات الطبيعة. ويرجع هذا إلى إيمان كانط بأن نسق نيوتن الذي ~~تحكمه الآلية الصارمة هو نسق موضوعي تام، وإن القوانين ~~الطبيعية ومقولاتها الأساسية كالعلية موجودة في العقل بشكل قبلي. # 24 # والعلماء لا يكتشفون في الطبيعة إلا ما سبق أن ~~وجده العقل في نفسه كما أوضح كانط هذا في مقدمته للطبعة ~~الثانية لكتابه «نقد العقل الخالص». # وظلت الذات البشرية مغتربة عن الذات الطبيعية حتى اكتشفت ~~الماركسية - في رأي بلوخ - الذات التاريخية في الإنسان العامل. ~~وأضفت الإرادة بمفهومها الماركسي «الذات» على الصيرورة ~~الطبيعية، فتوسطت الكائنات البشرية مع هذه الذات، كما توسطت ~~الذات مع الكائنات البشرية، وأخيرا توسطت هذه الذات مع نفسها. ~~إن الإرادة التي تكمن في كل بناء فيزيائي-تقني تتطلب ذاتا ~~اجتماعية وراءها، وذاتا أمامها تتوسط معها. فالذات الأولى ~~بوصفها قوة إنسانية لا يمكنها أن تكون مؤثرة بشكل كاف، ولا ~~يمكن للذات الثانية بوصفها الطبيعة المطبوعة أن تتوسط بشكل ~~كاف، ولكي تتحقق اليوتوبيا فلا بد للذات البشرية أن تشارك ~~الذات الطبيعية وتتحالف معها من أجل إنتاج تقنية عينية، ~~فالذات البشرية داخلها قوة هائلة لم تتفجر بعد، وهذه القوة ~~التي تسمى بالإرادة يطلق عليها بلوخ اسم «إليكترون الذات ~~البشرية». لكن السؤال الآن: كيف تنطلق الإرادة من مكمنها لتعمل ~~في التاريخ؟ وهل تصيب هدفها دائما؟ لا بد للإجابة عن هذا ~~السؤال من تتبع الإرادة البشرية طوال تاريخها، فنموذج الإرادة ~~الأوروبية هي إرادة القوة العسكرية الإسبرطية أي في الانضباط ~~والطاعة وسلطة الإرادة القادرة على القتال. غير أن هذه الإرادة ~~لا تخرج عن كونها لم تعرف ms276 التوسط، ولذلك لم تكن إرادة حرة ~~تفعل ما تمليه عليها الحرية، بل إرادة عمياء تنصاع وهي معصوبة ~~العينين لتحقيق الهدف الذي تؤمن به، وإرادة متعصبة لم تر الحد ~~الأوسط للأشياء، وكل ما يخالفها الرأي أو الهدف فهو عدو لها. ~~وتسبب هذا الشكل المجرد من أشكال الإرادة في إيجاد كائنات ~~بشرية هي بمثابة آلات الإرادة، كائنات لا تعبر عن إرادتها ~~الخاصة بقدر ما تنفذ إرادة الهدف الذي تؤمن به طبقا لشعار «إن ~~لم تكن معنا فأنت ضدنا.» وهو الشعار الذي قسم العالم إلى ~~مملكتين: مملكة المسيح، ومملكة الشيطان. # 25 # ويؤكد بلوخ إن الطبيعة ليست شيئا عتيقا من الماضي ولا يصح ~~أن نفسر إنتاجها من خلال الماضي الذي يكرر نفسه باستمرار، وأن ~~علينا أن ندرك التاريخ الطبيعي والتاريخ البشري في علاقتهما ~~التي لا تنفصم، ولا نتصور أن تجلي الطبيعة قد انتهى إلى ~~الإنسان أو أن التاريخ الحقيقي لم يبدأ إلا بظهور الإنسان؛ ذلك ~~أن الطبيعة كانت دائما حاضرة في التاريخ ومحيطة به، أي أن ~~الفعالية الطبيعية في حالة استمرار، فالواقع أن تجلي الطبيعة ~~والتاريخ الإنساني كلاهما يقع في أفق المستقبل. كما أن توسط ~~التقنية يتجه أيضا إلى المستقبل وحده. وعندما تنجز التقنية من ~~خلال هذا التحالف، ويتحد إنتاج الإنسان بإرادته وخياله مع ~~إنتاج الطبيعة، فإن هذا يساعد بالتأكيد على إطلاق الطاقات أو ~~القوى الخلاقة في الطبيعة الساكنة المجمدة. # 26 # والمهم في هذه الفكرة عن الاتحاد بين الطبيعة والخيال ~~اليوتوبي الإنساني، أن الطبيعة ليست شيئا ماضيا منفصلا عن ~~الإنسان وإنما هي الأساس والمستودع الذي يستمد منه الإنسان ~~مواد بناء بيت المستقبل الذي لم يتمكن بعد من بنائه، فلا ~~الطبيعة أعطت كل ما عندها، ولا الإنسان أقام بيته غير المغترب. ~~والتقنية التي يقصدها بلوخ هي التي تقوم بهذا التوسط الجدلي ~~بحيث لا تكون الطبيعة مغتربة عنها، ولا تكون هي نفسها - أي ~~التقنية - مغتربة عن الإنسان. وبعبارة أوضح يمكن القول بأن ~~هذا البيت الإنساني لا يقوم في التاريخ فقط وعلى أساس النشاط ~~الإنساني وحده، وإنما ms277 يقوم قبل كل شيء على أساس الذات الطبيعية ~~«الموسطة» وكذلك على أساس هذا المستودع الطبيعي الزاخر بمواد ~~البناء. # هكذا تبقى الذات الطبيعية مشكلة ما بقي التوسط العيني ~~للإنسان - بوصفه الابن الأصغر للطبيعة - غائبا، وقد وقعت ~~المجتمعات البرجوازية في هذه المشكلة عندما فقدت الاتصال ~~بالعالم الطبيعي وأنتجت ثورة صناعية اعتمدت على دافع الربح ~~ونكبت العالم بقبح العمل الآلي. وهذا هو الذي صورته روايات ~~الروائي الإنجليزي شارلز ديكنز عن بدايات العصر الصناعي في ~~المجتمع البريطاني. وقد نشأت في القرن التاسع عشر حركة تدعى ~~«لوديزم» وهي جماعة معادية للنزعة الآلية دعت إلى تحطيم ~~الآلات والماكينات لاعتقادها بأنها ستقضي على الأيدي العاملة. # 27 # وعبر هذا العصر الصناعي عن مرحلة اغتراب لم تقم ~~التقنية فيها على «التحكم في الطبيعة» بل على انتهاك الطبيعة، ~~بحيث صارت - أي التقنية - شبيهة إلى حد كبير بجيش الاحتلال ~~الذي يقوم بالاعتداء على بلد ما ويكون انتهاك الحرمات ~~واستغلال الثروات هو كل ما يربطه بهذا البلد، ومن ثم لا ~~يعرف أي شيء عن حقيقة هذا البلد من الداخل. # هكذا أدى افتقاد التوسط بين الضرورة الخارجية أو الطبيعة ~~وبين الذات الإنسانية إلى أزمات اقتصادية. والأهم من هذا أنه ~~أدى إلى العديد من الكوارث التكنولوجية في مقابل الكوارث ~~الطبيعية التي تنبأ بها الأنبياء. وتنطبق كوارث التقنية على كل ~~عصور اللاشيء التي لا يرتبط فيها ال «ليس-بعد» بهدف يجمع ~~العالم المادي بالتاريخ البشري ليصل إلى ما يسمى بالكل ~~اليوتوبي. وعندما ينعدم الارتباط بهذا الهدف يسقط العالم في ~~هاوية العدم أو اللاشيء أي عندما يتحول ال «ليس-بعد» إلى أداة تدمير. # 28 # إن علاقة التقنية بالطبيعة تعكس بشكل مختلف علاقة الطبقة ~~البرجوازية أو الرأسمالية بطبقات المجتمع الأخرى؛ إذ تقوم ~~العلاقة في الحالتين على الاستغلال والافتقار إلى التوسط، أو ~~الافتقار إلى العلاقة الجدلية التي يجب أن تكون قائمة بين ~~المجتمع البشري والعالم المادي، والتاريخ من صنع البشر، لكن ~~الطبيعة هي ما لم يصنعه الإنسان بعد، لذلك تظل الطبيعة ~~كعملاق مقيد على يسار الإنسان، ويظل لغز الطبيعة - أو ms278 ~~أبو الهول الطبيعة المحجب كما يسميه بلوخ - على يمينه. ~~ويستمر الحال كذلك حتى يتدخل الإنسان ويحرر الطبيعة من أغلالها ~~ويكشف عن الإبداعات النائمة في رحمها، أي لا بد أن يتدخل ~~الإنسان تدخلا عينيا ليتحد مع الممكن الكائن في العالم ~~الطبيعي إذا أراد أن يخطو خطوات واسعة لتحقيق يوتوبيا تقنية ~~عينية، فالتقنية وحدها هي التي تفك سلاسل هذا العملاق الجبار ~~وترفع الحجاب عن لغز الطبيعة. # 29 # بحيث تشترك مادة الطبيعة - التي يمكن أن تكون ~~مادة عينية - في علاقة جدلية مع ذات التاريخ ومحورها هو ~~الإنسان العامل أو ~~الصانع # homofaber ~~؛ الإنسان الذي نحى القدر عن التاريخ ~~عندما أدراك أنه صانعه أو منتجه، وأنه أيضا يتلمس مواطن ~~الإنتاج في العالم الطبيعي، وبذلك يرفع الاغتراب التقني من ~~الطبيعة. # هذه العلاقة أو هذا الانسجام بين الذات الإنسانية وذات ~~الطبيعة هي هدف الفكر الماركسي وغايته، فالإنسان الذي يريده ~~ماركس هو ذلك الذي يحقق ذاته وكماله عن طريق العمل الخلاق ~~الذي يحرره «لأن بالنسبة لماركس لم يكن التحرر الحقيقي تحررا ~~دينيا وسياسيا فحسب، بل كان أيضا اجتماعيا.» # 30 # وهذا العمل أيضا هو ما يتيح له الاتحاد العيني ~~بالعالم الخارجي أو الطبيعة الخارجية، فالعمل هو ما يحدد ماهية ~~الإنسان على وجه التحديد، وبتحويل الطبيعة بالعمل الخلاق ~~والنشاط البناء تتحد الذات البشرية مع حركة الأشياء، ومع فعل ~~الإنسان الذي يغير هذه الأشياء. # وفي العقود الأخيرة من العصر الحديث ازداد سلطان الإنسان على ~~الطبيعة وحقق إنجازات في مجال التقنية لم يحلم بها الخيال ~~البشري، فهل حقق التقدم التقني الهائل الذي نتج عن التقدم ~~العلمي السريع ابتداء من القرن التاسع عشر حتى بلغ ذروته في ~~القرن العشرين؛ هل حقق ما يسمى بيوتوبيا التقنية؟ وهل رفع ما ~~عانته البشرية طوال تاريخها من اغتراب عن ذاتها من ناحية، وعن ~~الطبيعة من ناحية أخرى؟ بالنظر إلى الواقع العيني تكون ~~الإجابة هي النفي، فطبقا لمقولة «الحاجة أم الاختراع.» لا ~~يمكن اختراع شيء له فائدة أو نفع ما لم تكن هناك حاجة أو ~~ضرورة اجتماعية لإيجاده ms279 أو اختراعه، وإرادة الاختراع لا تعد ~~يوتوبيا حقيقية ما لم تتوجه إلى تلبية الحد الأقصى من ~~الاحتياجات البشرية على مستوى تقني عال. ولكن الثورة ~~الصناعية ومنجزاتها ومخترعاتها تتوجه إلى تحقيق الحد الأقصى من ~~الربح. # وبعد أن كان الجوع - في العصور البدائية الأولى - نتيجة قلة ~~الإنتاج، أصبح - في العصور الحديثة وفي ظل التقنية المتقدمة - ~~بسبب وفرة الإنتاج وامتلاء المخازن وتكدس رأس المال في ~~المجتمعات البرجوازية والرأسمالية. وإذا بالتقنية التي بدأت ~~بإبداع واختراع الوسائل المعينة على الوجود، إذا بها تبدع ~~وسائل للموت والدمار، وبدلا من أن توجه الطاقة النووية - التي ~~هي آخر ما توصل إليه العقل البشري - لتعمير الصحراء وتخصيبها ~~وتحويلها إلى أرض خضراء واستخدامها كأداة للحياة، أصبحت في ظل ~~التقنية العالية أداة للموت والفناء، وهذا ما تشهد عليه أهوال ~~حربين عالميتين وحروب إقليمية أخرى كثيرة. # هكذا أدى الاغتراب بين الطبيعة الإنسان إلى الدمار الذي أصبح ~~صفة مميزة للتقنية، ولم يعد شعور الإنسان بالاغتراب مقصورا ~~على موقفه من الطبيعة فقط، بل امتد هذا الشعور ليشمل العلاقة ~~التي تربطه بإنتاجه التقني، هذا الإنتاج الذي تعملق وأصبح ~~ماردا مجردا من الإنسانية وعجز الإنسان في أحيان كثيرة عن ~~السيطرة عليه، بل أصبح تابعا له في أحيان أخرى، ولتجنب كوارث ~~التقنية على المستويين الاجتماعي والطبيعي لا بد من التوسط في ~~الحالتين مع قوى الإنتاج، أي لا بد من توسط البشر مع أنفسهم - ~~بوصفهم ذوات منتجة للتاريخ - ولا بد من توسط البشر مع ~~القوانين الطبيعية. وعندما يتم التغلب على الصدفة التي تلازم ~~العالم الطبيعي، وعلى القدر الذي يلازم العالم التاريخي، ~~عندئذ تتغلب التقنية على الجانب الكوارثي الكامن فيها وتتجه ~~إلى الكل اليوتوبي، وتتجنب السقوط في هاوية العدم. # ثانيا: تاريخ الكشوف الجغرافية # إن البحث عن الجديد يخرجنا دائما من الظلام إلى النور، ولكنه ~~يقتضي خوض غمار الأخطار والمصاعب، وتخطي العالم المألوف والمعتاد، ~~والسعي للمغامرة إلى الماوراء في رحلة نتحرر فيها من الأرض التي ~~نقف عليها لاكتشاف أخرى جديدة. وإذا كان الاكتشاف هو العثور على ~~شيء ما أو إظهاره ms280 الوجود للمرة الأولى، فقد تنطوي كلمة الاكتشاف ~~على معنى يتناقض مع «الجديد» أو هي - بمعنى آخر - تعني إزاحة ~~الغطاء عن شيء كان موجودا من قبل (كاكتشاف أمريكا أو اليورانيوم) ~~ويمثل «الجديد» بالنسبة للذات المكتشفة فقط، بحيث يكون دور ~~المكتشف في هذه الحالة هو دور المتأمل فحسب. وعلى النقيض من هذا ~~نجد الإنسان «الصانع» أو «المخترع» - وإن كان يفترض ضمنا المكتشف ~~- نجده يتجاوز هذا الاكتشاف بصنع شيء ما جديد كصنع الزجاج أو ~~الخزف. لكن هذه التفرقة بين الاكتشاف والاختراع لا تعدو - في رأي ~~بلوخ - أن تكون ضربا من الوهم، لأن الاكتشاف أيضا - وليس ~~الاختراع فقط - لديه القدرة على التغيير، وكل القيم الكريمة في ~~الحياة قد تغيرت بالاكتشاف، فالتغيرات المبكرة نحو حياة أفضل لم ~~تحدث من خلال الاختراعات فقط، بل كذلك من خلال اكتشافات هامة ~~وعديدة. ~~(1) القصد اليوتوبي الجغرافي # بدأت الاكتشافات الجغرافية لخدمة الأغراض التجارية. فالمكتشف ~~الأول كان تاجرا ولا يمكن وصفه بأنه من النموذج التأملي. لقد ~~غامر إلى «الماوراء» بحثا عن طرق جديدة للتجارة أو عن الذهب ~~والفضة والعاج ... إلخ، فالاكتشاف لا يتم في فراغ بل في أرض ~~مليئة بالممكن الواقعي. وكما تسعى يوتوبيا التقنية العينية ~~لتحرير إبداعات الطبيعة أو إمكاناتها التي تكمن في رحمها، ~~فكذلك يبدو الاكتشاف في شكله الجغرافي موازيا للاختراع. ولكي ~~يكون الاكتشاف يوتوبيا عينية - لا مجرد وهم أو حلم لا سبيل إلى ~~تحقيقه - فلا بد أن تتعلق القدرة على الاكتشاف بالمستقبل. ~~واليوتوبيا الجغرافية تعني اكتشاف الطريق الجديد، والبضائع ~~والسلع الجديدة، حتى يمكن القول بأن كل اليوتوبيا الأخرى مدينة ~~للكشوف الجغرافية لأن هذه الأخيرة ذات قصد يوتوبي وتتجه إلى ~~هدف موضوعي، قد يكون هو ال # Topos ~~، أرض الذهب، أو أرض ~~السعادة في العالم الجديد أو جنة عدن، الموطن الأسطوري المخبأ ~~في الأرض الجديدة. # 31 # إن رحلات الاكتشاف تساعد الإنسان على تحويل الممكن ~~الواقعي إلى ممكن فعلي بالوصول إلى الأرض المخبأة. وبهذا ~~يكون الحلم المفعم بالأماني في الكشوف الجغرافية هو البضائع ~~السحرية أو الفروة الذهبية التي يفترض وجودها في ms281 مكان ما، مما ~~جعل بلوخ يقول بارتباط البناء التحتي بالبناء الفوقي لهذه ~~الكشوف بحيث يستحيل التمييز بين إلدورادو # Eldorado ~~- أو الموطن الأسطوري للثروة - ~~وبين بداية جنة عدن. وإلى جانب الدوافع المادية والاقتصادية ~~التي تمثل البناء التحتي، هناك بناء فوقي للكشوف الجغرافية ~~يتمثل في الأرض الجديدة، بل إن هذه الأرض هي الإسهام الكبير ~~الذي قدمته هذه الكشوف إلى اليوتوبيا الاجتماعية. # 32 # إن البشرية لا تتوقف عن الحلم بأشياء غير موجودة في واقعها ~~المادي. وليس أدل على ذلك من الحكايات الخرافية للشعوب التي ~~تتضمن وادي الماس، وأنواعا غريبة من النباتات والحيوانات. ~~والكشوف الجغرافية والرحلات البحرية هي الأماكن العينية التي ~~يمكن أن توجد فيها مثل هذه الأشياء، كما في رحلات السندباد ~~البحري وغيرها من أدب الرحلات التي يزدهر بها التراث العربي. ~~لذلك كان الهدف من بعض الرحلات هو السعي وراء الحلم الأسطوري ~~بالفروة الذهبية التي كان يعتقد أنها موجودة في مكان ما من ~~أرض اليونان، أو وراء الحلم بالكأس الذهبية المقدسة في التراث ~~المسيحي، وهي التي كان يعتقد أنها مخبأة ومحاطة بتحريم ~~سماوي، إن الحلم بمثل هذه الكنوز دفع البشر إلى رحلات بحرية ~~بعيدة، لأنها - أي الكنوز - لا تكمن تحت أرجلهم في أرض الوطن، ~~بل في مكان ناء بعيد. هكذا كانت الفروة الذهبية والكأس ~~المقدسة هما الهدف اليوتوبي للرحلات البحرية في الحكايات ~~الخرافية للعصور القديمة والوسيطة. # 33 # واقترن الخوف بالسعادة في الرحلات البحرية القديمة، ~~فالمغامرة إلى الماوراء تكون دائما محفوفة بالمخاطر. وركوب ~~البحر ظل لفترة طويلة مقرونا بالفزع وبخاصة فيما كان يطلق ~~عليه اسم «بحر الظلمات» - أي المحيط الأطلنطي - ولذلك استمرت ~~أسطورة المحيط الغربي الممتنع على الملاحة لمئات بل لآلاف ~~السنين. وأفزعت هذه الأسطورة الغربيين، كما عوقت تجارة ~~الفينيقيين، وعلى الرغم من معرفتهم - أي الفينيقيين - بالمحيط ~~الهندي ووصولهم إلى الفلبين، إلا أنهم لم يغامروا في المحيط ~~الأطلنطي رغم امتلاكهم لسواحل إسبانيا والمغرب، ورغم التقدم ~~الهائل للجغرافيين العرب في ذلك الوقت في رسم الخرائط. # 34 # وكان الإدريسي قد رسم خريطة للعالم سنة 1150م، كما ms282 ~~كان للعرب معرفة كاملة بالنيجر وجزيرة بورينو، إلا أن معرفتهم ~~لم تمتد للساحل الأفريقي الغربي. وكان يعتقد - طبقا ~~للإدريسي - أن هيسبيريدس. # 35 # كائنة في بحر الظلمات، كما تحكي أساطير الجغرافيين ~~العرب عن وجود عمالقة في مياه الأطلنطي تشد السفن إلى أعماق ~~المحيط وتحذر من عدم وجود أراض جديدة يمكن اكتشافها. هذا في ~~الوقت الذي زاد فيه الاعتقاد بأن جنة عدن ترقد في منطقة ما من ~~بحر الظلمات، ولذلك كان آباء الكنيسة أسرع من العرب في تحطيم ~~أسطورة الفزع من الساحل الغربي. # 36 ~~(2) الجنة الجغرافية الأرضية # وتغير الهدف من الرحلات البحرية فلم يعد هو الفروة ~~الذهبية، بل أصبح البحث عن جزيرة السعادة أو أرض السعادة، ~~وتحول البحث عن الأرض الموعودة، وأرض النبيذ، وأرض اللبن ~~والعسل، تحول من السماء إلى الأرض على صورة كشوف جغرافية. ~~وإذا كانت نزعة الخلاص التي أتى بها الكتاب المقدس قد وعدت ~~بالجنة في نهاية الزمان، إلا أنها جنة هابطة من السماء: «رأيت ~~المدينة المقدسة أورشليم الجديدة نازلة من السماء من عند الله.» # 37 # هذا عن جنة آخر الزمان، أما عن الجنة الأولى، أي ~~جنة عدن، فقد بقيت جنة بكرا على الأرض، غير مسموح بالدخول ~~إليها، وإن سمح فقط بالبحث عنها والهبوط بالقرب من أسوارها ~~الخارجية. وقد ظل الاعتقاد في وجود الجنة الأرضية في مكان ما ~~على الأرض قويا طوال العصور الوسطى، وعبرت عنه الكنيسة في ~~إرساليتها النشطة التي اهتدت بأسماء الأنهار التي تنبع من محيط ~~الجنة لبقية أجزاء الأرض، # 38 # كما ورد في سفر التكوين: «وكان نهر يخرج من عدن ~~ليسقي الجنة، ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رءوس. اسم الواحد ~~فيشون. وهو المحيط بجميع أرض الحويلة الذهب. وذهب تلك الأرض ~~جيد. هناك المقل وحجر الجزع، واسم حداقل. وهو الجاري شرقي ~~آشور. والنهر الرابع الفرات.» # 39 # كان يعتقد أن هذه الأنهار تأتي معها بالبركة من جنة عدن ~~لتنعم بها على الأرض الساقطة في الخطيئة، وينظر لجنة عدن على ~~أنها نموذج أولي لحديقة سحرية، وازداد الاعتقاد في العصور ~~الوسطى ms283 بأن هناك قطعة من الأرض ذات طبيعة غير ساقطة في ~~الخطيئة، وأطلقت الكنيسة العنان للخيال لتحديد موقع هذه الأرض. ~~والجنة الأرضية كائنة في عدن طبقا لما ورد في الكتاب المقدس: ~~«وغرس الرب الإله في عدن شرقا.» # 40 # كما فسرت كدليل على الموقع الشرقي للجنة، فكلمة # bereschith ~~(أي في البدء) ~~لا تعني البداية فقط بل تعني أيضا أنها تقع في الشرق. # 41 # هكذا جاء الكتاب المقدس ليحول الجنة الأرضية من المحيط ~~الأطلنطي أو بحر الظلمات إلى الشرق، بل إلى نقطة محددة فيه ~~وهي أورشليم - ومال التراث الغربي إلى هذا التحول نظرا لخوفه ~~التقليدي من الساحل الغربي - طبقا لما يسمى باليوتوبيا ~~الشرقية وخريطة ~~العالم # mappa mundi # التي رسمت في نهاية القرن الثالث عشر ~~والموجودة في كاتدرائية هيرفورد # Hereford # وتحدد هذه الخريطة الجنة الأرضية في ~~منتصف أورشليم. ثم جاء دانتي ليضع الجنة الأرضية على قمة ~~جبل الأعراف # purgatorio ~~، ~~ولكنها منطقة محرمة لا يمكن الوصول إليها، ولا مكان فيها ~~للإقامة ولا للأرواح ذاتها، لأنها منطقة عبور أو مرور فحسب، أو ~~هي مرحلة انتقالية كما عند توما الأكويني الذي عبر دانتي عن ~~فلسفته تعبيرا أدبيا. # وعلى الجانب الآخر كانت هناك اعتقادات أخرى في وجود الجنة ~~الأرضية في منطقة أخرى من الشرق وهي الهند - وقد امتد هذا ~~التراث من زمن الإسكندر الأكبر وفتوحاته - فبدأت الرحلات ~~البرية والبحرية للأرض الاستوائية الغامضة المليئة بمعجزات ~~الوجود. ولعل أشهر أسطورة سادت العصور الوسطى هي رحلة القديس ~~برندان # Brendan # الشهيرة ~~وبدأت رحلته عندما سمع صوت ملاك في الليل يخبره بأن الله هداه ~~إلى الأرض الموعودة التي يبحث عنها، فرحل القديس غربا من ~~إيرلندا لمدة خمسة عشر يوما، ثم أبحر لمدة سبعة شهور ليجد ~~جزيرة مليئة بعدد لا يحصى من الخراف، وكان قد سبقه إلى هذه ~~الجزيرة قديسان آخران. وبعد سبع سنوات عاد القديس ورفاقه ~~الرهبان ومعهم فكرة «الأرض الموعودة للقديسين» لتصبح الهند ~~كرمة مغروسة في الغرب. # 42 # وكانت هذه الجزيرة اليوتوبية من أهم معالم خريطة ~~القرون الوسطى، فقامت بعثات وإرساليات متوالية ms284 حتى عام 1721م ~~للبحث عنها، وقد امتزجت فيما بعد بجزر أخرى ليست من التراث ~~المسيحي مثل الجزيرة المقدسة من التراث القديم وأسطورة العصر ~~الذهبي، وظل موقع الجزيرة يتحرك مع الأساطير فأصبح في القرن ~~الرابع عشر في أقصى الجنوب ثم جزر كناري. ويقول العالم ~~الجغرافي الألماني ألكسندر فون همبولدت: إن التغير الدائم ~~لموقع الجزيرة يعود إلى تقدم الملاحة نتيجة التجارة في البحر ~~المتوسط، الأمر الذي ترتب عليه أن أصبحت الجزيرة متجولة، وأن ~~التأريخ لجزر الكناري يثبت المحاولات العديدة للهبوط على هذه ~~الجزيرة الخيالية من عام 1487 وإلى عام 1759م. # 43 # ظلت الأنظار متجهة نحو الشرق سواء للبحث عن جنة عدن أو للبحث ~~عن الثروة والربح الناجم عن التجارة مع الشرق؛ مما نتج عنه ~~تنظيم الغرب للحملات الصليبية الأولى والثانية والثالثة. وقد ~~أخفقت جميعها في تحقيق غرضها تحت راية الدين. وفي هذا الوقت من ~~عام 1165م وصلت إلى بابا الكنيسة خطابات من حاكم مسيحي شرقي ~~من الهند أطلق على نفسه اسم برسبيتر جون Presbyter John ~~، وقد امتدح في رسائله دولته ~~العظمى التي تمتد من شروق الشمس حتى الغرب، وروى عن معجزات ~~بلاده وما تحويه من أنواع غريبة من الحيوانات والبشر ~~والأماكن، وما فيها من عجائب السحر والأحجار الكريمة. وأرسل ~~البابا إلى هذا الحاكم الهندي طبيبه الخاص كمبعوث شخصي بعد أن ~~رد على رسائله في 7 / 9 / 1177م وترجم هذا الرد إلى كل لغات ~~أوروبا التي انحنت أمام الأمل الجديد المتمثل في الجنة الأرضية ~~في الهند. ثم فقدت بعثة البابا ولم يعثر لها على أثر، وظلت ~~الرسالة محور التفكير والحلم كما ظل الشرق هو قبلة اليوتوبيا الجغرافية. # 44 # وقد كانت الهند في ذلك الوقت مصدرا لصور خيالية مفعمة ~~بالأماني نظرا لاتساعها الجغرافي الكبير، وما تحويه أرضها من ~~أحجار كريمة، كما كانت موطنا للمعجزات وأرضا خصبة لأساطير ~~مملكة خيالية ساحرة؛ مما كان له أثره على الإسكندر المقدوني ~~الذي اتخذ من حياة «راما» - البطل الملحمي الهندوسي - مثالا ~~يحتذى في حياته اليومية. وظلت الهند مصدرا لحكايات ms285 صورت ~~ورسمت على نسيج العصور الوسطى في عصر القديس جيروم، وتروي ~~هذه الحكايات كل ما في الهند من سحر الشرق. # 45 # هذا بالإضافة إلى سبب تاريخي على جانب كبير من ~~الأهمية، فإلى جانب ما للهند من ثقافة مؤثرة فهي منطقة إنتاج ~~هيمنت على خطوط التجارة العالمية وكانت قوة دافعة لها طوال ~~العصور القديمة والوسيطة ومرحلة ما قبل الكشوف الجغرافية وما ~~بعدها حتى نهاية عصر الاستعمار؛ مما جعلها هدفا لأكثر رحلات ~~الاستكشاف الجغرافية - إن لم يكن جلها - لمعرفة أكثر الطرق ~~المؤدية إليها، كما كانت الدافع القوي والخفي وراء الحملات ~~الصليبية المتكررة على الشرق والتي تسترت وراء ~~الصليب. # وترجع أهمية الأسطورة ~~السابقة وانتشارها إلى ما أشاعته من أمل في نفوس شعوب أوروبا ~~في العصر الوسيط. لقد رسمت يوتوبيا اجتماعية في صورة يوتوبيا ~~جغرافية في مملكة كائنة في الشرق اختفى منها الفقر والمرض ~~والجريمة، كما صورت قصرا للفقراء يشعر كل من يدخله بالشبع ~~والامتلاء. وهناك سبب آخر سياسي وراء ترويج هذه الأسطورة، ~~وهو حلم أوروبا بنظام سياسي شبيه إلى حد كبير بالنظام ~~الذي صورته الأسطورة عن حياة الأمن والسلام الخالية من ~~الحروب في ظل حكومة ثيوقراطية، وفي ظل الملكية الخاصة؛ حياة ~~يسودها التسامح مع أعداد هائلة من غير المسيحيين في مملكة ~~يحكمها قس مسيحي. وقد كانت هذه صورة مضادة لحياة أوروبا ~~المعذبة التي يسودها القلق والاضطراب في ذلك الوقت. ومع أن ~~هذه الأسطورة وما يحيطها من غموض لم يكن لها تأثير سياسي ~~يذكر، إلا أنها أحدثت تأثيرا يوتوبيا كبيرا، فقامت العديد ~~من رحلات الاستكشاف الجغرافي لهذه المملكة، كما اجتذبت أعدادا ~~هائلة من التجار والمغامرين، وأرسلت إليها البعثات والإرساليات ~~الدينية التي استغرقت قرونا. ولعل أهم الرحلات إلى هذه ~~المنطقة من العالم هي رحلات ماركوبولو (1256-1323م) التي كانت ~~المملكة هدفا من أهداف رحلته التي وصلت إلى الصين. وقد بحثت ~~البارجة البرتغالية عن هذه المملكة على الشاطئ الغربي ~~لأفريقيا، كما كانت كذلك هدفا لرحلة فاسكودي جاما التي لف ~~فيها حول رأس الرجاء الصالح فاكتشف الهند الشرقية ms286 لا مملكة ~~الكاهن القس برسبيتر جون. # 46 ~~(3) اكتشاف الأرض الجديدة # من الضروري أن تكون الأرض الجديدة هي الهدف، أي لا بد أن ~~تكون هناك خطة وقصد من وراء الرحلة. فالكثير من الشواطئ التي ~~تم اكتشافها عثر عليها بمحض الصدفة عندما جنحت السفن بطاقمها ~~وضلت طريق العودة، وعلى سبيل المثال اكتشف الشاطئ الأمريكي - ~~بدون قصد - ما يقرب من أحد عشرة مرة قبل أن يكتشفه كريستوفر ~~كولمبس (؟-1506م) لكن هذه الرحلات لم تؤت ثمارها لافتقارها ~~للقصد والخطة، على حين أن رحلات الفينيقيين كانت بهدف التجارة ~~ولم تكن للبحث عن جنة عدن أو عن الفروة الذهبية. وقد استطاع ~~هانو # Hanno # القرطاجني على ~~سبيل المثال أن يبحر حول الشاطئ الغربي لأفريقيا حوالي سنة ~~525ق.م. ووصل إلى ما يسمى الآن بالسينغال والكاميرون وسجل ~~رحلته في صورة تقرير عسكري. # 47 # كما كان ماجلان مغامرا أبحر حول القارة من الشمال ~~إلى الجنوب. # نخلص من هذا إلى أن رحلات الاستكشاف في ذلك الزمان لم تكن ~~تفتقر إلى الهدف، فقيام الأتراك بسد الطريق البري إلى الهند، ~~واحتياج الاقتصاد الإقطاعي إلى الذهب لإعادة التوازن في العجز ~~التجاري مع الشرق، ورغبة الطبقة الدنيا من النبلاء الإسبان # hidalgos # في وضع أيديهم ~~على «الدورادو» التي ستجعل منهم طبقة من الأثرياء ما بين ليلة ~~وضحاها، وسيطرة الحلم القديم على خيال الرحالة جميعا للوصول ~~إلى جنة عدن، كل هذه الأهداف مجتمعة كانت وراء رحلات الاستكشاف ~~البحرية، ولكن الغالب على هذه الأهداف جميعا هو الهدف ~~الاقتصادي الذي بفضله حطم كولمبس أسطورة بحر الظلمات وأدخلها ~~في نطاق التراث الأدبي، ولذلك امتدح قول سنيكا (4ق.م.-65م) إن ~~منطقة المحيط الأطلنطي سوف تخترق يوما ما ولن تبقي هي ~~ثوله # Thule ~~(وهي أقصى ~~الشمال عند الإغريق والرومان وتعني أبعد جزء في العالم). كما ~~امتدح قول بلوتارك (45-120م) إنه إذا كان القمر مرآة للأرض ~~فإنه يشير إلى قارة غير مكتشفة في قطعة صغيرة مظلمة. ولكن ~~مثل هذه الأقوال لم تدفع فكر عصر النهضة - قبل كولمبس - إلى ~~قهر وتحطيم أسطورة الرعب من المحيط ms287 الأطلنطي. # 48 # جاء كولمبس مسلحا ~~بإرادة قوية وهدف واضح، فأبحر الرحالة الحالم قاصدا الساحل ~~الغربي، وساعده على ذلك تغير الظروف الخارجية وتغير صورة الكون ~~الموروثة عن أرسطو وبطليموس حيث كانت الأرض مركزه وحولها ~~الأفلاك. وجاء كوبرنيكوس ليحرر الأرض من قداستها فتوقف ~~السؤال عن موقع جنة عدن بها وانبعث سؤال آخر عما يمكن أن يوجد ~~وراء المحيط! واحتلت الرياضيات مكانة الغايات، وتوجهت العقول ~~إلى الحياة الإنسانية كما ينبغي أن تعاش وكما ينبغي على الأرض ~~أن تكون. هذا بالإضافة إلى عامل اقتصادي هام حين ضاقت ~~الزراعة عن تلبية الضرورات، وتتابعت ثورات الفلاحين، وتدفقت ~~إلى المدن والموانئ هجرات المزارعين المتطلعين إلى الأرض ~~والمال، فأمسكت الطبقة الوسطى في المدن التجارية والموانئ ~~بأعنة التغيير، مستثمرة إخفاق مشروع الطبقات الإقطاعية ~~بالتحالف مع الكنيسة لاستعادة الشرق، وتحالفت مع الملوك لتكوين ~~دول مستقلة مطلقة السيادة على أراضيها بعيدا عن السلطة ~~الروحية البابوية، ساعية إلى تحقيق قوة اقتصادية بتبني المشروع ~~القديم لاستعادة التجارة ومناطق الإنتاج، # 49 # لا عن طريق غزو بلاد الشرق ولكن باكتشاف طرق ~~خارجية جديدة ذات مسافات أقصر وتكاليف أقل. # واستهل البرتغال عصر الكشوف الجغرافية بريادة هنري الملاح ~~(1394-1460م) الذي استند إلى معرفته بالعلم العربي. وتم له ~~اكتشاف بعض الجزر القريبة من المحيط الأطلنطي مثل مادييرا ~~وآزورس وكناري - التي كانت نقطة انطلاق رحلات كولمبس - ثم ~~اجتذبته أفريقيا بمعادنها ورقيقها واتخذ من الوصول إلى مملكة ~~القديس يوحنا المسيحية ستارا ودافعا لملاحيه. وقبل أن ~~ينصرم النصف الأول من القرن الخامس عشر تحققت معظم أهدافه، وتم ~~استعمار ثلث الساحل الغربي لأفريقيا، ثم جاء خلفه دياز # Diaz # ليعلن أن الطريق البحري ~~للهند قد كشف؛ مما أشعل حلم كولمبس بإمكان تحقيق هذا الكشف ~~بالإبحار غربا عبر الأطلنطي. # 50 # أبحر كولمبس # 51 # مدفوعا بما سلف من أهداف يحكمها جميعا الهدف ~~الاقتصادي، وعندما وصل للمحيط الأطلنطي لم يجد الظلام ولا ~~العملاق الذي يقف محذرا، وواصل إبحاره حتى بلغ بعض الجزر ~~التي اعتقد أنها بدايات لاكتشاف الطريق البحري للهند - الذي ~~كان هدفه ووجهته منذ البداية ms288 - وفي أكتوبر عام 1498م كتب ~~للملكة الإسبانية ما يفيد بأنه وصل إلى النقطة الأولى التي ~~انطلق منها النور لحظة الخلق، إذ كانت فكرة كولمبس عن الجنة ~~الأرضية هي الفكرة القديمة في الكتاب المقدس: «كنت في عدن جنة ~~الله. كل حجر كريم في ستارتك عقيق أحمر وياقوت أصفر وعقيق ~~أبيض وزبرجد وجزع ويشب وياقوت أزرق وبهرمان وزمرد ذهب.» # 52 # ويؤكد كولمبس في خطاباته أنه توصل إلى الأرض ~~الجديدة والسماء الجديدة، بل ويدعم اعتقاده بنصوص من الكتاب المقدس. # 53 # ومن المرجح أنه كتب ذلك - فيما يقول بلوخ - ~~ليمتص العداء المتزايد له في دوائر القصر الملكي حيث بدأ ~~الضيق من الرحلة التي تكلفت أموالا باهظة ولم تسفر إلا عن ~~بعض جزر ليس لها أهمية كبيرة. ولم يكن كولمبس ولا معاصروه ~~يعرفون أنه توصل إلى قارة جديدة، حتى مات وهو معتقد أنه وصل ~~إلى الهند، وأنه قد توصل أيضا إلى جنة عدن. والمهم أن الجنة ~~الأرضية لم تعد الآن سوى رمز للأمل الكامن والسعي البشري ~~الدائم نحو هذا الأمل. ~~(4) اكتشاف الفضاء # انحصرت الآمال القديمة في امتطاء متن البحار والوصول إلى ~~الشواطئ الجديدة والهبوط عليها، ثم تحولت الآمال للتطلع إلى ~~مكان أكثر إغراء؛ إنه الفضاء. وكان لهذه الأمنيات نماذجها ~~الأولى عندما كانت السماء هي المكان المفضل للآلهة والنفوس ~~الحكيمة الفاضلة، ولذلك كان ينظر دائما بإجلال واحترام وتوق ~~إلى معرفة أسرارها. أما الآن وبعد التقدم العلمي الهائل فقد ~~تحررت أجسادنا المقيدة بالجاذبية الأرضية، وانطلقت في الفضاء ~~في رحلات استكشاف للكواكب الأخرى. لقد وصل رواد الفضاء إلى ~~القمر وزحل والمريخ، ولما كانت ظروف الحياة على سطح زحل مشابهة ~~إلى حد ما لظروف الحياة على كوكب الأرض فإن هذا شجع على ~~آمال يوتوبية كبيرة في إمكانية صلاحية الكوكب للسكن بعد أن ~~ضاق البشر بالأرض وتطلعوا إلى عالم النجوم الذي كان يمثل ~~بالنسبة لهم مكانا يوتوبيا. # ونجد من الفلاسفة المحدثين من ينظر إلى الكواكب البعيدة عن ~~الشمس نظرته إلى عالم أفضل وأسمى. إن كانط - على سبيل المثال ~~- في مرحلته ms289 السابقة على المرحلة النقدية، يعد الأماكن ~~السعيدة هي تلك التي تبتعد بعدا شاسعا عن مركز الأرض. وليست ~~هي الأماكن التي تقع على مسافة متوسطة من الشمس كما هو الحال ~~في حالة الأرض والمريخ: «إن كمال العالم الروحي وكمال العالم ~~المادي على حد سواء، ينمو ويتقدم في الكواكب من عطارد حتى ~~زحل، أو ربما أبعد من ذلك، إذا كان هناك كواكب أخرى، في ~~اطراد تام طبقا لابتعادها عن الشمس.» ويستشف بلوخ المعنى ~~اليوتوبي لنص كانط بأنه في مرحلته قبل النقدية قد تخيل - ~~طبقا لقاعدة نيوتن عن نقص الثقل في مربع المسافة - أن النقص ~~في جاذبية الثقل ينمو باطراد مع جاذبية النقاء طبقا للتضاد ~~المتخيل بين الثقل والنور العقلي. # 54 # وكأن قانون الجاذبية الذي يتحكم في مدار الأرض حول ~~نفسها وحول الشمس قد جعلها مكانا غير صالح لا للكائنات ~~البشرية ولا للعقل البشري. # غير أن كانط يعود فيعدل من آرائه ويقلل من المغالاة في ~~تفضيل عالم النجوم العلوي، فنجده يقول في كتابه أحلام راء ~~للأشباح عام 1766م: «عندما نتحدث عن السماء بوصفها مقام أناس ~~سعداء، فإن الفكرة الشائعة تتخيلها مكانا فوق رءوسنا في فضاء ~~هائل الاتساع، لكننا لا نضع في اعتبارنا حقيقة هامة، وهي أن ~~أرضنا عندما ينظر إليها من هذه الأماكن البعيدة تبدو هي ~~الأخرى نجما من النجوم العديدة في السماء، وأن سكان العوالم ~~الأخرى يشيرون إلينا قائلين: انظروا هناك إلى أعلى، إنه مقام ~~الفرحة الخالدة وإقامة سماوية أعدت لاستقبالنا يوما ما، ~~كما أن هناك اندفاعا غريبا يجعل الأمل يرتبط دائما بمفهوم ~~الصعود، دون أن نضع في اعتبارنا أن صعودنا إلى أعلى يجب أن ~~يسقط من جديد لنحصل على موطئ قدم ثابت في عالم آخر.» # 55 # معنى هذا أن هذه الأرض نفسها يمكن النظر إليها نظرة يوتوبية ~~من سكان الكواكب الأخرى، فلا داعي إذن أن نبحث عن الكمال في ~~عالم علوي، بل الأجدر بسكان هذه الأرض البحث عنه داخل عالمهم ~~الأرضي. وإذا كان لعالم النجوم إغراؤه الخاص كرمز سماوي وله ~~بعده ms290 اليوتوبي، فإن هذه الأرض أيضا تتضمن داخلها عالما أفضل ~~من عالم النجوم الأخرى يجب البحث عنه بين الكائنات البشرية وفي ~~سر القبة الزرقاء للأرض لا في قبة السماء. وإذا كانت النجوم ~~المتألقة بالضوء في السماء قد جذبت إليها البشر وجعلتهم ينظرون ~~إلى أعلى، وإذا كانت السماء المرصعة بالنجوم تمثل بالنسبة ~~للإنسان النماذج الأولية للسلام والسمو والهدوء، فإن على هذه ~~الأرض يجب على الإنسان أن يحول هذه الصورة إلى مهمة للتحقيق ~~وهدف للوصول، هنا على هذه الأرض - وليس في السماء - توجد ~~القبة، ومن هذه الأرض يبدأ الصعود. # 56 # لم يبق الآن شيء من الحلم الجغرافي في ثوبه القديم، لأن كل ~~الشواطئ قد كشف عنها النقاب. أما الذي لم يكشف بعد فهو ~~التفاعل بين الإنسان والأرض، ويتم هذا التفاعل من خلال ~~الجغرافيا الاقتصادية والسياسية والتقنية لأن الأرض تلعب دورا ~~هاما في التفاعل بين الإنسان والطبيعة، فالمناخ والمواد ~~الأولية إمكانات طبيعية كان لها أثر هام في تحديد مسار العمل ~~البشري سواء كان زراعيا أو صناعيا ... إلخ ، وفي تحديد هوية ~~المجتمع البشري؛ ولهذا ظلت الجغرافيا ملازمة للتاريخ أو ظلت ~~مفهومة بشكل تاريخي لأن كليهما ميدان صراع وإطار عمل. # 57 # هذا المجتمع البشري لا يرقد على سطح القمر، ولا ~~يكمن داخل العقول، ولا يقع في أعماق البحار، وإنما يمتد على ~~الأرض التي تمنحه إمكانات تغير من طبيعة العمل الإنساني، كما ~~يغير هذا العمل بدوره من طبيعة الأرض ويعمل على إعادة بناء ~~الكوكب الذي نعيش عليه بصورة جديدة. # لا يدين بلوخ منجزات التقنية والتقدم العلمي الحديث الذي أدى ~~إلى اكتشاف الفضاء، وإنما يدين الأيديولوجية التي أفسدت ~~المعرفة العلمية واستخداماتها ونتائجها. ولعل هذه الإدانة تتفق ~~مع توجهه الاشتراكي الذي حتم عليه الانطلاق من هذا العالم ~~ومن واقعه الفعلي، وتبنيه للمقولة الماركسية المعروفة عن ضرورة ~~تطبيع الإنسان وأنسنة الطبيعة، أو اتحاد الإنسان مع الطبيعة، ~~الأمر الذي فرض عليه المطالبة بفهم جديد لهذا العالم الذي ~~نعيش عليه، وتكريس التقنية الحديثة والاكتشافات الجديدة من أجل ~~إيجاد حل للمشكلات المتجددة في ms291 هذا العالم. ولعل هذا التوجه ~~كان من أهم الأسباب التي جعلته من دعاة حماية البيئة وتشجيعه ~~ووقوفه وراء ما يطلق عليه اسم «حزب الخضر» في ألمانيا ~~وغيرها. # وحقيقة الأمر أن محاولة علماء الفضاء رسم صور خيالية ~~لكواكب أخرى والحلم بالسكن عليها في المستقبل - على الرغم مما ~~تنطوي عليه هذه الآراء من تفكير مستقبلي مغر - هي محاولة ~~للهروب من هذا العالم لا تقل في خطورتها عما رسمته الأديان ~~لعوالم ما ورائية، ولا عما رسمه أصحاب اليوتوبيا الاجتماعية ~~الخيالية - على الورق فقط - من صور وأماني لمجتمعات مثالية ~~ظلت على مستوى الحلم فقط. فالتحدي الحقيقي أمام العلم والعلماء ~~والجغرافيين على السواء هو هنا على هذه الأرض. وإذا صح ~~الافتراض القائل بأن كل الشواطئ والأراضي التي على هذا الكوكب ~~قد كشف النقاب عنها، فيبقى من الصحيح أيضا إزاحة الستار عما ~~يكمن فيه من إمكانات لم تكتشف بعد، وبذل كل الجهود التي ~~تجعل من هذا العالم أفضل عالم يمكن أن يعيش عليه ~~الإنسان. # إن مشكلة البيئة التي برزت على قمة مشاكل العالم في العقود ~~الأخيرة من القرن العشرين، لهي أولى بالتفكير فيها من مشكلة ~~الفضاء، ومكافحة التلوث الذي يحيط بكوكب الأرض لهي من أهم ~~المشكلات التي يجب أن توجه إليها كل القدرات الهائلة على ~~الاكتشاف، واستخدام جل أساليب التقدم العلمي من أجل تحسين ~~الظروف على هذه الأرض التي نقطنها. كما أن مشكلة المياه هي ~~أيضا من أهم المشكلات التي ستواجه سكان كوكب الأرض في السنوات ~~القليلة القادمة، لتصبح من أهم المشكلات التي تطفو على سطح ~~نهر هائل من مشاكل هذا العالم الأرضي، وقد بدأت بعض الدول ~~بالفعل في معاناة هذه المشكلة، كما أنها تهدد عددا غفيرا من ~~الدول في سنوات قادمة، والمهم أن مواجهة مثل هذه المشكلات هي ~~التحدي الحقيقي أمام العلماء والجغرافيين وعامة الناس على ~~السواء. # ثالثا: تاريخ العمارة والفنون # ترتبط اليوتوبيات المعمارية ارتباطا وثيقا باليوتوبيات ~~الجغرافية، فمهمة العمارة هي تشكيل المكان وبناء أشكال معمارية ~~مفعمة بالأمل سواء في الواقع على أرض الوطن، أو ms292 في حدود التصور ~~لعالم أفضل. وقد يتبادر هذا السؤال إلى الذهن: كيف يكون البناء ~~المعماري نوعا من اليوتوبيا؟ وكيف يتضمن فن المعمار بأنواعه - من ~~مباني وتكوينات نحتية ورسوم تصورية بأشكالها المختلفة - كيف ~~يتضمن عنصرا يوتوبيا؟ ربما تزول الدهشة عند معرفة أن فن العمارة ~~بدأ بإقامة أشكال لمباني جميلة غير موجودة على أرض الواقع. وعند ~~تأمل المباني المعمارية التي وصفتها وتخيلتها الحكايات الشعبية ~~الخرافية، وبخاصة الحكايات التي يحفل بها التراث العربي في ألف ~~ليلة وليلة بنماذجها المعمارية من قصور وقلاع مصنوعة من المجوهرات ~~والياقوت وحوائط من ذهب، ونوافذ من الزجاج الملون، ومدن من ~~البرونز وكنوز لا حصر لها، وما يمثله قصر علاء الدين من سحر ~~المعمار؛ مما جعله نموذجا لما يسمى ب «يوتوبيا القصر» في العصور ~~الوسطى الأوروبية. وقد كانت هذه النماذج في الحكايات الخرافية ~~العربية والشرقية بمثابة صور يوتوبية معمارية انتقلت من الشرق ~~إلى الغرب؛ مما جعل الشرق مركزا للإلهام الفني لعمارة خيالية في ~~كل العصور. # ظهر تأثير ألف ليلة وليلة بشكل مباشر على فن المعمار الغربي في ~~العصور الوسطى في الاستخدام الواسع النطاق للذهب والأحجار الكريمة ~~ونوافذ الزجاج الملون التي تميزت بها كنائس وكاتدرائيات الغرب ~~المسيحي. كما ظهر في قصور وقلاع الإمبراطورية البيزنطية التي ~~تأثرت بشكل مباشر بجمال البناء الشرقي أثناء الحملات الصليبية ~~على الشرق العربي الإسلامي. ولم يقتصر هذا التأثير على ما تم بناؤه ~~بالفعل من كنائس وقصور، بل امتد أيضا إلى الحكايات الخرافية ~~الغربية التي قلدت الحكايات الشرقية وبخاصة ألف ليلة وليلة ~~واتخذت من صورها المعمارية الأسطورية نماذج يوتوبية، وذلك كما نجد ~~في حكايات هوفمان # Hoffmann # لا سيما ~~حكاية «الوعاء الذهبي» فحجرة البطل الزرقاء، وأشجار النخيل ~~المصنوعة من الذهب، وغيرها من التفاصيل مستمدة من نسق معماري ~~شرقي، كما تحول حلم العمارة الخيالية إلى عمارة حقيقية في ~~الطراز المعماري المغربي الذي ما يزال له وقع السحر في نفوس الأوروبيين. # 58 # ومن الطبيعي أن يفسر بلوخ اليوتوبيات المعمارية تفسيرا يتفق مع ~~توجهه الاشتراكي، وأن يجعل من السياق الاجتماعي - بما ms293 يشمله من ~~ظروف سياسية واقتصادية وتاريخية - الأساس الأول لكل من الفنون ~~والعمارة. وفي هذا المجال يعرض بلوخ العديد من النماذج المعمارية ~~والفنية التي يحفل بها تاريخ الحضارات البشرية. ولن يتسع المجال ~~للكم الهائل من تفاصيل تلك الفنون ومبدعيها؛ إذ يحتاج دراسة ~~مستقلة، ولذلك يمكن الاكتفاء هنا بعرض سريع للأساس الاجتماعي ~~للفنون بصفة عامة، والوقوف عند بعض النماذج التي يكمن فيها العنصر ~~اليوتوبي وتستهدف الحياة الأفضل وتعبر عن النسق المفتوح على ~~المستقبل. # وقد كان الدين هو الظاهرة الاجتماعية الكبرى التي عملت على ظهور ~~الفن وتطوره وترقيه، ولذلك نجد أن كثيرا من علماء الاجتماع ~~يربطون بين الدين والفن فيقولون إن الظاهرة الجمالية قد نشأت في ~~أحضان «المعبد» الذي عمل على ظهور أقدم الفنون البشرية جميعا وهو ~~فن المعمار، وتبعه تزيين جدران المعابد بالنقوش والتماثيل فظهر فن ~~النحت، ثم تفنن المثالون في عمل التماثيل الملونة فظهر فن ~~التصوير الذي لم يكن يستعمل إلا لتزيين جدران المعابد. # 59 ~~(1) اليوتوبيا المعمارية # عبر فن المعمار القديم عن أحلام مفعمة بالأماني، وتطور عن ~~رسوم وصور معبرة عن الرغبات والأشواق. ونجد هذا في سور أو ~~جدار ~~بومبي Pompeian Wall ~~. فقد رسمت على هذا الجدار مناظر جميلة ~~ومبان مستحيلة التنفيذ على أرض الواقع، وزخارف ومناظر ~~أسطورية، وحدائق لها من السحر ما يجعلها تستوقف النظر، وقصور ~~وأعمدة قصيرة ذات انحناءات مستديرة ميزت فن المعمار ~~الروماني، ورسوم لمنازل مليئة بالأركان، ومعابد صغيرة ~~صاعدة إلى أعلى وكأنها تسخر من القاعدة السكونية التي ترتكز ~~عليها؛ مما جعل الحياة المصورة على سور المدينة تبدو جميلة ~~في أعين المشاهدين. ومع ذلك لم ينظر أحد بعين الاعتبار لهذا ~~العنصر اليوتوبي بما له من قدرة على الإيحاء بالحلم بحياة ~~أفضل مقبلة، وما يتضمنه - وبخاصة في الطراز البومبي المتأخر - ~~من عنصر التوقع. # 60 # وخضعت الدول الأوروبية في ~~العصور الوسطى لسيطرة السلطة الدينية المسيحية، فجاء المعمار ~~والفنون بأنواعها تعبيرا عن هذه السيطرة في منشآت دينية ~~كالكاتدرائيات والكنائس ورسوم وصور مستوحاة من الكتاب المقدس. ~~وظهرت الفنون كخادم لمتطلبات العقائد المسيحية، ms294 فكان فن ~~المعمار الديني هو الذي يميز الفن القوطي. # 61 ~~(وهو الطراز السابق لفن عصر النهضة) وساد هذا ~~الطراز سائر أنحاء أوروبا، وتحول إلى طراز قومي واجهه فن عصر ~~النهضة ووجد صعوبة شديدة في بعض بلدان أوروبا - مثل فرنسا ~~وألمانيا - في إزاحته. وقد تميز هذا الفن بالتخطيط والأعمدة ~~الرشيقة والأبراج العالية والسقف ذي الأقبية المتقاطعة ~~المدببة، والنوافذ المغطاة بالزجاج الملون، وكلها عناصر ~~مترابطة تعطي إحساسا قويا بالقيم الدينية الرقيقة. # 62 # وتعد كنائس العصور الوسيطة كلها من الطراز ~~القوطي، ولعل أشهرها كنيسة نوتردام دي باري بفرنسا، وكاتدرائية ~~ستراسبورج بألمانيا. # في نهاية العصور الوسطى انتقل فن بومبي من الجدار الخارجي ~~إلى داخل القصور. وبدأت أوروبا في التمرد على سلطة الكنيسة، ~~كما بدأت النزعة الفردية في النمو مع بداية عصر النهضة الذي ~~سادته مجموعة هائلة من التغيرات الاقتصادية والسياسية ~~والدينية التي صاحبها تحول في الفنون يعكس ما تمتعت به الطبقة ~~الحاكمة من ثروة ضخمة وما اكتسبه أمراء المدن وكبار تجارها من ~~مظاهر الثروة والفخامة والعظمة، ورغبتهم في إقامة القصور ~~البديعة الشاهقة. وقد تفتحت مجالات جديدة متعددة أمام رجال ~~العمارة نتيجة لهذه التغيرات وازدهار المدن وما احتاجت إليه من ~~إنشاء مباني عامة وقصور للطبقات الجديدة الغنية، واقترن هذا ~~التغيير بتحول في البنية الاجتماعية للحياة الجديدة التي غلب ~~عليها الصخب والاحتفالات والمهرجانات، وتبع ذلك أيضا تحول في ~~الفن المعماري ليكون أقدر على التعبير عن قوة هذه الطبقة ~~وإحساسها بالسعادة، فانتقل فن ~~بومبي - كما سبق القول - من ~~الجدار إلى داخل القصور؛ فكان الرسم على الموائد وصالات المآدب ~~حيث صورت المهرجانات والاحتفالات بشكل أسطوري ساحر، ولم تعد ~~الموضوعات الدينية وحدها هي مجال فن العمارة، بل دخلت موضوعات ~~جديدة من المناظر الطبيعية ومشاهد الحياة اليومية في المدينة والريف. # 63 # وعندما نشبت الحروب الصليبية تحولت الرسوم ~~والنقوش إلى تصوير الحروب والانتصارات والمناظر التي تصور ~~القديسة التي تبارك الحرب، أي تحولت الرسوم إلى مناظر ~~الفروسية. # بالغ فن عصر النهضة في استعمال الزخارف التي تزين البناء، ~~وأسرف في استخدام الخطوط المنحنية، ms295 وازداد التعبير عن البذخ ~~والحيوية والوفرة وملابس المهرجانات الفاخرة والحفلات الصاخبة ~~ورحلات الصيد، فنشأ فن الباروك. # 64 # الذي تميز بنزعة التكلف وإثارة الاندهاش والانبهار ~~المنبعث من الرسوم المفعمة بالألوان، كما تميز معماره بالفخامة ~~والقصور الخيالية التي أراد بها تحقيق الإعجاز في فن المعمار. ~~ونلمح في هذا الفن العنصر اليوتوبي وعمق النظرة إلى الأمام كما ~~تتمثل في استخدامه للمنظور لجعل المكان مضاعفا أو ثلاثة أضعاف ~~واقعه الفعلي، وفي أسلوب الفراغ لإعطاء الإحساس بأنها مبان ~~حقيقية وليست رسوما، وهذا ما حققه # Giuseppe ~~Galli Bibiena ~~(1696-1757م) عبقري العمارة ~~المسرحية، وفنان المناظر الأوبرالية. وقد قدم على المسرح ~~منظورا جديدا من مسافة جانبية بدلا من المنظور البسيط ~~للمشاهد، ورسم حوائط وأسقفا ذات مساحات مفتوحة، وصور على ~~المسرح مباني مرسومة في اللامتناهي مستخدما أساليب الخداع ~~البصري والمناظير لملء الفراغ. ومما يذكر أن هذا الفنان قام ~~ببناء الأوبرا الشهيرة في بايرويت، والمسرح الإيطالي، وأوبرا # Dresden ~~، والكنيسة ~~اليسوعية في مانهايم التي تعد إنجازا احتفاليا مبهجا بالحجارة. # 65 # ليس بالرسوم وحدها يكون المعمار، فلا بد من جهد البناء ~~الفعلي طبقا للمثل الفرنسي «ما لم يتشكل لم يوجد.» ومع هذا ~~التشكيل ينمو الجوهر أو المضمون اليوتوبي لفن المعمار. في ~~العصور الوسطى قامت اتحادات بنائي ~~الكنائس # The church mason’s guilds # التي اتبعت قواعد سرية - مثلما فعل ~~المصريون القدماء - ولكنها لم تكن تعمل وفق أسس رياضية بل وفق ~~رموز بنائية لما يسمى بأساس المعمار ~~الحجري # basis of stone masonry # وفي العصور الوسطى المتأخرة بدأت ~~نقابات البناء القوطي تعمل على أسس رياضية بصرف النظر عن ~~الاحتفاظ بسر المهنة أو الإفشاء به، فلم تعد المواد الخام ~~والتقنية والوظيفة هي وحدها التحديدات الأساسية للبناء الفعلي، ~~بل أصبح الإلهام الفني أهم من المواد الخام والتقنية والوظيفة، ~~فهو التخيل أو الخيال، وهو أساس الكمال المعماري الكنسي. # 66 # وقد كان الرمز الديني هو القصد لهذا الإلهام ~~الخلاق أو هذا الخيال الفني الطموح، وكان الرمز المعماري ~~لاتحاد بنائي كنائس العصور الوسطى هو معبد سليمان الذي كان في ~~نظرهم أفضل ms296 بناء على الأرض، ولاتحاد البنائين أسلاف هم موسى ~~والبناءون الكهنة في مصر القديمة والكلدانيون السحرة في وادي ~~الرافدين القديم وحيرام # Hiram # البناء والمعماري لمعبد سليمان، وامتد هذا التسلسل حتى ~~أرفن فون ~~شتاينباخ # Erwin Von Steinbach # الذي شيد كاتدرائية ستراسبورج. ~~وظل معبد سليمان وراء تاريخ العمارة المسيحية بأكملها على ~~الرغم من تدميره من آلاف السنين، كما ظلت الطوائف الحرفية التي ~~عملت في كنائس العصور الوسطى تنظر إليه باعتباره النموذج السري. # 67 # وتعد كنيسة # Würzburg # نموذجا لعمارة ~~سليمان بأعمدتها المطابقة في أوصافها للكتاب المقدس: «على رأس ~~العمودين صيغة السوسن فكمل عمل العمودين.» # 68 # لقد شدت اتحاد البنائين المسيحيين عاطفة سحرية ~~إلى هيكل سليمان، وبقي الهيكل في اكتماله اليوتوبي نموذجا لكل ~~النظم المعمارية، كما بقيت أحلام الفن المعماري المفعمة ~~بالأماني حتى القرن التاسع عشر مرتبطة بإعادة بناء هيكل ~~سليمان. # إن الإلهام أو الخيال الفني يعبر عن يوتوبيا تهدف لتحقيق ~~الانسجام مع المكان بشكل أكثر كمالا. فالعمارة اليونانية - ~~التي لم تكن سرية ولا متعالية كالعمارة المصرية القديمة أو ~~القوطية - قائمة على محاكاة جسد الإنسان كما يتضح في النحت على ~~وجه الخصوص، أي أن القصد اليوتوبي للعمارة اليونانية كان قصدا ~~إنسانيا. بينما كانت الهندسة المتعالية أو السكونية هي الرمز ~~للفن المصري القديم، والحيوية والوفرة هي الرمز المعماري للفن ~~القوطي الوسيط. فكل من هذين النموذجين يتضمن عنصرا ~~يوتوبيا للكمال، كما أن رموزهما المعمارية المشار إليها تعبر ~~عن إمكانيات جمالية حقيقية طالما كانت نموذجا يحتذى في ~~تاريخ فن العمارة، وإن كان أحدهما يمثل البلورة أو السكون، ~~ويمثل الآخر الحيوية أو الوفرة. # يقدم كل من الفن المصري القديم والفن القوطي نظاما فريدا ~~في فن العمارة، وكلاهما ارتبط ارتباطا وثيقا بعقيدته ~~الدينية، فكان الدين هو البناء الفوقي لكل منهما على الرغم ~~من اختلاف الرمز والإرادة المعمارية، وقد قدم كل منهما ~~يوتوبيا معمارية مناقضة للآخر؛ فالحضارة المصرية القديمة قدمت ~~- في زعم بلوخ - البلورة التي ترمز لسكون الموت، إنها حضارة ~~تتميز بالصرامة التي لا تنطبق على فن المعمار وحده بل تنعكس ms297 ~~أيضا على الحياة الاجتماعية، والحضارة التي ترى كمالها في ~~الموت لا يمكن أن تبنى بمادة حية، فتماثيل الملوك ذات الأجسام ~~المنتظمة تمثل الجسد الميت وليس الجسد الحي. ولكنها أضافت ~~شيئا جديدا على فن المعمار، إذ اتخذت من المثلث نموذجا ~~لبناء الهرم، وهو بناء له غرض عملي مباشر ويمثل غرفة الدفن ~~أو مقبرة فرعون، وهو بجانب ذلك يمثل الشكل الكوني كما قال ~~بلوتارك «هكذا تصور المصريون طبيعة الكون في صورة مثلث كبير ~~جميل.» وعلى الرغم من أن عصر الأهرامات بدأ بهرم سقارة السداسي ~~الشكل، وعلى الرغم أيضا من وجود أشكال أخرى للأهرامات، إلا ~~أن المثلث بقياسه الرياضي أثبت انتصاره وانسجامه مع دائرية ~~الأرض، ويظل الهرم واقفا صامتا كالبلورة بعيدا عن الحياة ~~وكأنه أسطورة نجمية لكهنة الشرق القديم. # 69 # أما عن الفن القوطي فهو على النقيض من سابقه يكسر الصرامة ~~ويعبر عن الحياة التي يمكن أن تعيد نفسها من جديد، ليست ~~الهندسة هي نموذجه، بل بعث المسيح من القبر أو قيامة المسيح، ~~ولذلك فإن رمزه المعماري هو الابتهاج والنصر والفرح التي تعد ~~في الفن المصري خروجا عن القياس. إن الفن القوطي محاكاة ~~ديناميكية للكون، ولبعث المسيح من القبر، أي محاكاة لإعادة ~~الحياة. وإذا كان الفن المصري هو بلورة الموت باعتبار أن هذا ~~الأخير هو الكمال المتوقع، فإن الفن القوطي ضد الموت، إنه فن ~~الزخرفة إلى حد الإسراف أو هو شجرة الحياة باعتبار أن هذه ~~الأخيرة كمال متوقع ومتجدد. تلك هي السمات الأساسية للأشكال ~~المعمارية لكل من الهرم في النوع الأول، والكاتدرائية في ~~النوع الثاني، وكلاهما محاولة لتشكيل المكان في شكل أكثر ~~كمالا، في صمت الموت أو في شجرة الحياة والمجتمع. # 70 # إن الهدف من تشكيل ~~المكان لا يقتصر على إرضاء حاجاتنا المعيشية، ولا هو مجرد ~~مكان مبهج سار، فقد ارتبطت العمارة دائما بالظروف ~~الاجتماعية، لا ببنائها الفوقي فحسب، إنها فن موضوعي ملتزم ~~بالعالم المرئي، والبناء يعيد تشكيل العالم المرئي بشكل ~~مادي تجريبي ملموس. ولكن ماذا يعني العالم المرئي بالنسبة ~~لفن العمارة؟ إنه ms298 يتخذ من الأشكال الطبيعية نموذجا يحتذى، ~~ويستمد المعماري من العالم الطبيعي أدق تفاصيله مثل البيضة أو ~~العش كنموذج للمنزل، وهناك أمثلة عديدة على استخدام فن ~~المعمار للأشياء الطبيعية في الزخرفة مثل اللوتس والمحارة، إلا ~~أن الفنان المعماري لا يقلد هذه الأشياء ولا يحاكيها، بل هو ~~يكتشفها ويخترعها إذا لم توجد في العالم الخارجي بشكل ~~مرئي. # وهناك أنساق معمارية قديمة تعد صورا موجهة لتاريخ فن ~~العمارة، فكل النماذج التي اتبعت الشكل الهندسي في المعمار ~~تنتسب للنسق المعماري المصري الذي انتقل إلى أوروبا عن طريق ~~أكثر محاورات أفلاطون تأثرا بالحضارة المصرية وهي طيماوس التي ~~تتسم بالانسجام والنسب الهندسية. في حين أن السماء الهائلة هي ~~الصورة الموجهة للمعمار الروماني وأن البانثينون انعكاس للكون ~~كله، وللقبة والنجوم والكواكب السبعة، فهو يمثل آخر بناء نجمي ~~لأن قبة العالم اختفت من العالم المسيحي بعد ذلك. # إن صورة بناء ~~العالم # World-builder # أو نحات العالم # World sculpter # صورة مصرية ترجع للإله ~~الفنان «إله النحت» في ممفيس، وهو الإله المصري الذي يعد ~~النموذج البدائي لخلق العالم. ولم يكن هذا موجودا في الأساطير ~~الوثنية عن خلق العالم ولا في الميثولوجيا البابلية التي قدمت ~~الإله باعتباره منظم العالم وليس صانعه أو خالقه، لأن العالم ~~مكتمل منذ البداية، والمعروف أنها ميثولوجيا بدون عالم آخر، ~~ولذلك لم تحتج إلى بناء عالم آخر غير هذا العالم الذي افترضت ~~كماله منذ البداية. وصورة بابل التي كان لها دائما صداها في ~~الكتاب المقدس لم تكن صورة موجهة لأشكال معمارية أخرى في ~~العالم الخارجي، بل جاءت هذه الصور من أرض الخروج، من مصر. وقد ~~نسبت كل أعمال «بتاح» إلى يهوه إله الخروج، بحيث أصبح الإله ~~المصري صورة موجهة لكل أساطير خلق العالم بما في ذلك قصة ~~الخلق المعروفة في الكتاب المقدس. جاء إذن فن العالم من أرض الخروج. # 71 # وشعر يهوه شعورا غريبا تجاه العالم القائم أو ~~الموجود والكون المنتهي بالفعل، فكانت السماء الجديدة والأرض ~~الجديدة: «لأني ها أنا ذا خالق سموات جديدة وأرض جديدة فلا ~~تذكر ms299 الأولى ولا تخطر على بال.» # 72 # إن النسب الهندسية السرية لمعبد سليمان مأخوذة من الهرم ~~والمعبد المصري، فقد تحول قصر أو معبد بتاح إلى معبد للخروج، ~~وارتبط الحلم المعماري بعالم أفضل إلى حد بعيد بتاريخ ~~العقيدة التي امتدت من عبادة الشمس عند المصريين القدماء إلى ~~نبوءه الخروج في الكتاب المقدس، حتى إن موسى بن ميمون يفسر ~~وقوف إبراهيم على الجانب الغربي من جبل مورايا # Moria # بأنه نوع من المعارضة ~~للديانة المصرية والبابلية القديمة التي اتجهت لعبادة الشمس، ~~ولذلك أدار إبراهيم وجهه عن مشرق الشمس ليتجه ناحية الغرب. ~~وهذه هي الأسطورة النجمية الموجهة للعمارة المسيحية التي سعت ~~لبناء عمارة جديدة باعثة على الأمل فكانت شجرة الحياة في ~~الفن القوطي، وتوقع أرض جديدة وسماء جديدة. # 73 # إذا كان للعمارة القديمة - بعد استبعاد أيديولوجيتها الدينية ~~- وظيفة، فما هي وظيفة فن المعمار في العصر الحديث بعد أن ~~اتخذت الأشكال المعمارية شكلا مختلفا أشد الاختلاف، فبدت ~~المباني كما لو كانت متأهبة للرحيل، وظهرت في شكل السفينة أو ~~الصندوق. وعلى الرغم من أنها - أي العمارة الحديثة - اتجهت ~~للانفتاح على ضوء الشمس، وفتحت مساحات كبيرة لاستقبال ضوء ~~الشمس من خلال نوافذ زجاجية، إلا أن هذا الضوء لم يبعث على ~~السعادة، لأن الأماكن والنوافذ والأبواب المفتوحة التي اتجهت ~~إليها العمارة الحديثة تحتاج إلى الحرية والأمن الذي لم تستطيع ~~تحقيقه في ظل النظم الاستبدادية (فاشية ونارية) لذلك عاد الحلم ~~المعماري مرة أخرى إلى منازل على هيئة كهوف وقلاع. # 74 # لقد قامت العمارة القديمة ~~التي حددها # Vitruvius # على ~~ثلاثة مبادئ هي المنفعة # Utilitas # والصلابة # Firmit # والخيال # Venustas # الذي زخرفه وزين ~~البناء في كليته وتفاصيله، وعندما دمر العنصر أو الشكل ~~الوظيفي أصبح البناء بشعا # monstrous # كرسوم الفنانين ~~التعبيريين، وسعى المعماريون لإيجاد الفراغ، والبناء على مكان أجوف. # 75 # وعندما تطورت حركة المعمار وأصبحت المباني تحتاج إلى مدن ~~وميادين، كان لا بد من التصميم للمدى البعيد، أي للمستقبل. ~~واتجه المجتمع البرجوازي والرأسمالي القائم على الربح لبناء ~~مدن صناعية بلا فكر ولا تخطيط، مدن ms300 لا يجمعها سوى الكآبة ~~والشوارع المكشوفة في فراغ، على العكس من المدن التي نشأت في ~~مجتمعات ما قبل الرأسمالية ولم تنشأ بطريقة عشوائية. إن تخطيط ~~المدن لم يقتصر على العصور الحديثة بل له جذور تاريخية ~~بعيدة. وقد انحدرت إلينا تصميمات المدن من عصر ما قبل ~~الإسكندر - وهو المؤسس ~~الكبير للمدن - وأشار أرسطو - في كتابه السياسة # II # فصل 8 - إلى المعماري ~~هيبو داموس # Hippodamos # الذي اخترع تقسيم المدن وكان في نفس الوقت أول رجل وضع دستورا ~~سياسيا، وقد قام بتخطيط مؤسسات سياسية وأبنية خاصة ~~بالمنفعة العامة، وشرع في إقامة المدن على أساس اجتماعي، بل ~~إن عملية التخطيط نفسها كانت تقوم على دراسة دقيقة ومنهج ~~واضح، وكان تخطيط المدن معروفا أيضا في زمن الإمبراطورية ~~الرومانية عندما حول أوغسطس مباني روما من الآجر إلى الرخام، ~~وعندما أعاد قسطنطين بناء بيزنطة وجعلها عاصمة ملكية. وقد كان ~~نصف هذا التخطيط يوضع على أساس اعتبارات هندسية ونصفه الآخر ~~على اعتبارات نجمية. # 76 # ثم جاء معمار النهضة ليدخل في حسابه النسب الرياضية؛ ~~فتحولت العمارة إلى عالم آلي ميكانيكي ساد في عصر الباروك ~~- على الرغم من الإسراف في الزخرفة والنحت - وبقي التصميم ~~الهندسي لفن الباروك نموذجا للمدن البرجوازية. # 77 # وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر سادت الفوضى ~~المعمارية، فاختفى التخطيط عندما سيطر اقتصاد الربح في ~~المجتمعات الرأسمالية، على الرغم من وجود بعض الاستثناءات في ~~بعض الشوارع المنحنية والفيلات أو القصور الفخمة، ثم جاء دور ~~الهندسة المدنية في تصميم وتخطيط الفوضى المعمارية بغرض إيجاد ~~مدن مثالية وتحقيق التناسق والانسجام في فن المعمار، وهذا ما ~~فعله المهندس الفرنسي # Ledoux ~~(1736-1806م) عندما صمم مدينة مثالية مخططة بغرض الإقامة ~~الدائمة، وتحتوي على نماذج مختلفة للبناء طبقا لاحتياجات ~~السكان، ومراكز العمل ومساحات خضراء في كل مكان. ويشبه بلوخ ~~هذا المعمار بما جاء به كامبانيلا في يوتوبياه التي قامت على ~~النظام الصارم وعلم التنجيم؛ إذ كانت عمارة # Ledoux # تدور في نظام فلكي ~~لأنه كان يعتقد أن البناء # builder # هو المنافس للإله، ومن ثم ms301 يسعى ~~لتشكيل المكان على نمط النظام الكوني الذي يفترض كماله منذ ~~البداية وإن هندسته أيضا مكتملة. وهكذا جاءت يوتوبياه ~~المعمارية «بلورة» مصرية أي يوتوبيا ساكنة هدفها المعماري هو ~~تحقيق الانسجام مع الكون. # 78 # إن العمارة في العصر الحديث - مثلها مثل التقنية - عمارة ~~مجردة، ومدنها مدن بلا حياة، مغتربة عن الإنسان الذي يشعر ~~نحوها بالاغتراب. إنها عمارة تعكس برودة العالم الآلي، والمكان ~~المعماري فيها «إنشاءات مجردة» يبقى العنصر السكوني فيها ~~مسيطرا على فن العمارة التي لم تتصل بالعالم المادي، على ~~الرغم من أن هدفها هو الانسجام مع الكون. والسؤال الآن: كيف ~~يمكن أن يمتزج النظام السكوني للعمارة بشجرة الحياة الحقيقية؟ ~~وكيف يمكن التأليف بين النموذجين المعماريين المصري ~~والقوطي؟ لا شك أن هذا أمر مستحيل بدون عنصر ثالث أصيل ~~بتوسط بينهما ويجده بلوخ في الماركسية التي تتوسط بشكل منتج ~~وعيني من خلال اتجاهها إلى «تطبيع» الإنسان وإلى «أنسنة» ~~الطبيعة. # إن العمارة هي محاولة إنتاج وطن إنساني جديد في العالم ~~القائم بشكل أكثر جمالا وانسجاما. واليوتوبيا المعمارية ~~تمثل بداية ونهاية اليوتوبيا الجغرافية نفسها، وكأنما تقصد إلى ~~تحقيق أحلام الجنة الأرضية، وإيجاد «أركاديا» في المكان وفي ~~حدود عالم أفضل في بناء فعلي يبدو أكثر جمالا ويضم كل ما ~~يرسم ويصور وينحت وينقش. والعمارة الحقيقية هي ~~استشراف مكان أكثر ملاءمة للإنسان يقوم على مزج النظامين ~~السكوني والحيوي، فالسكون هو الذات والعالم الخارجي هو ~~الموضوع، وعملية التوسط بينهما طبقا للجدل الهيجلي تأتي على ~~يد الماركسية التي «أنسنت» الطبيعة و«طبعت» الإنسان. # يتهم بلوخ الفن المصري القديم بالسكون والثبات الذي يعبر عن ~~الجسد الميت أكثر مما يعبر عن الجسد الحي، ويصفه بأنه كالبلورة ~~التي ترمز لسكون الموت في مقابل الفن القوطي الذي يرمز لشجرة ~~الحياة. والحقيقة أن هذا الحكم لا يعدو أن يكون مجرد ترديد ~~لأقوال بعض الدارسين الغربيين عن الفن المصري القديم، كما ~~يخالف الطابع العام الذي يميز تفسير بلوخ لتاريخ الفلسفة ~~تفسيرا غير تقليدي، ولا يتفق مع توجهه الماركسي الذي يحتم ~~عليه الاهتمام بالأساس الاجتماعي للفن. ms302 وإذا كان الأمر كذلك ~~فلا بد أن يوضع في الاعتبار أن المجتمع المصري القديم انقسم ~~إلى فئتين اجتماعيتين، طبقة الحكام أو الملوك الفراعنة، ~~وطبقة عامة الشعب، وهذا التقسيم الطبقي انعكس على الفن المصري ~~القديم الذي يمكن النظر إليه على مستويين: الفن الذي يصور بل ~~ويخلد حياة الملوك، والفن الذي يصور حياة العامة من الناس. وإن ~~التماثيل أو الرسوم التي يصفها بلوخ بالسكون والثبات إنما تعبر ~~عن طبقة الملوك التي كانت تقاليدها تحتم عليها الوقار الذي ~~يفرضه الطابع الرسمي لفئة الملوك بصفة عامة، بالإضافة إلى ~~الجلال الذي يفرضه الاعتقاد الديني السائد في هذا المجتمع ~~والذي يؤله هؤلاء الملوك. وربما كانت هذه هي الأسباب التي ~~دعت بلوخ - وغيره ممن يتهمون الفن المصري القديم بالجمود - إلى ~~إطلاق مثل هذه الأحكام العامة على هذا النوع من الفن. لكن كل ~~هذه الاتهامات أغفلت ما يمكن أن نسميه بالمستوى الآخر من الفن ~~المصري القديم الذي يصور عامة المصريين وتفاصيل حياتهم اليومية ~~وعملهم في الحقول واحتفالاتهم في الأعياد والمهرجانات كأعياد ~~الحصاد ووفاء النيل وأعمال الحرث والغرس وما اتسمت به هذه ~~الرسوم من حركة الأشخاص وانحنائهم، وإيقاع الرقص المصري الذي ~~نلمسه في حركة الفنانين المصورة على جدران المعابد. وتتضح ~~الحركة وتزداد الرسوم التي تعبر عن الفعل في تلك الرسوم الخاصة ~~بتصوير المعارك الحربية المفعمة بالحيوية، بالإضافة إلى ~~الألوان الزاهية والمشرقة التي تتسم بها كل الرسوم المصرية ~~القديمة والتي لا يمكن وصفها بأنها ترمز للموت، وإنما هي موحية ~~بالحياة وبالصراع مع الموت ومقاومته. ~~(2) فن التصوير # التصوير الفني هو الشعور أو الصوت الداخلي للفنان، وعندما ~~يتحرك هذا الصوت للتعبير عن نفسه تعبيرا خارجيا يمر هذا ~~الشعور عبر اليد الموهوبة المبدعة للفنان، فالصورة الفنية لا ~~ترى فقط بل تسمع أيضا، إنها تروي - بقدر ما لديها من تأثير ~~مبهج - ما نراه فيها بأسلوب مفعم بالألوان المشرقة. وليس ~~مهما أن تكون هذه الألوان مطابقة للعالم الخارجي أو الواقعي، ~~فغالبا ما تجذبنا الصور الفنية إلى عالم بعيد عن الواقع، ~~وإنما المهم أن يكون لديها ms303 القدرة - من خلال الأضواء والظلال ~~والتكوينات والأبعاد والزوايا - على استشراف المستقبل وإلقاء ~~الضوء على شيء أو أشياء لم توجد بعد في عالم الواقع. ولقد مر ~~التصوير - شأنه شأن سائر الفنون الأخرى - بمراحل تطور مختلفة ~~كشف في كل مرحلة منها عن بعد من أبعاده اليوتوبية الكامنة في ~~داخله. # وبالابتعاد عن المرحلة الزمنية التي كان الفن فيها خادما ~~للدين ومكرسا لتصوير موضوعاته، والاتجاه إلى المرحلة التي ~~عبر فيها عن الحياة اليومية؛ يتضح أن هولندا من أكثر البلاد ~~التي شهدت نهضة فنية كبيرة في هذا المجال، وظهر بها مصورون ~~عظام عبروا عن الموضوعات الدنيوية التي أصبح لها استقلال ~~مطلق، وأخذت تعبر عن موقف من الحياة لا ترفع فيه، مبني على ~~التجربة اليومية، موقف لا يترفع عن الواقع وإنما يعده شيئا تم ~~الانتصار عليه وبالتالي أصبح مألوفا، وكأن هذا الواقع قد ~~اكتشف، وامتلك، وتم الاستقرار فيه للمرة الأولى. # 79 # أبدع الفنانون الهولنديون في تصوير الحياة العائلية المتمتعة ~~بالدفء والهدوء والسكينة والحياة الآمنة المطمئنة التي لا ~~يعتريها أية تغيرات فجائية، كالزوجة التي تقرأ الخطاب، والأم ~~التي تراقب الأطفال وهم يلعبون في الساحة، والسيدة العجوز التي ~~تتنزه في الشارع بينما تتخلل أشعة الشمس المنظر الصامت، ~~والعديد من اللوحات التي تعبر عن الهدوء واللامتناهي، والضوء ~~الساقط من زوايا مختلفة ومن إطار النافذة والباب المفتوح، ~~ولمبات الحائط المعلقة، والكراسي ذات المساند، إلى آخر هذه ~~الأشياء التي تعبر عن الراحة البرجوازية وأسلوب الحياة اليومية ~~المنتظمة والمألوفة داخل الغرف الضيقة. وعندما يلقي الفنان ~~الضوء على العالم الخارجي من خلال النافذة، فإن المنظر لا يمتد ~~لأكثر من مائة متر أو مائتين كما في بعض لوحات بيتر دي هوخ # Hooch ~~(1629-بعد 1684م) ~~الذي تعبر لوحاته عن حياة الطبقة البرجوازية المتوسطة. # 80 # في نهاية العصور الوسطى أصبح للبعد الثالث مكان في الصور ~~المرسومة، واتجه الفنانون إلى تصوير المنظر المفتوح المفعم ~~بالأمل، وظهرت في الصورة أبعاد مفتوحة على العالم الطبيعي ~~للإيحاء بالامتداد الهائل لعالم لا متناه. صار هذا البعد ~~جزءا لا يتجزأ من تصميم ms304 الصورة وكأن المشاهد لها ينظر من ~~خلال نافذة كبيرة ليمتد النظر إلى ما وراء الأفق، كما يتضح في ~~لوحة الفنان الهولندي جان فان ~~إيك # Jan Van Eyck ~~. # 81 ~~(1390-1441م) «مادونا» حيث وظف المنظور في خدمة ~~المنظر الموضوع داخل إطار من العمارة، ويظهر المنظر الطبيعي ~~نفسه بوصفه نافذة للمنزل، وأصبحت خلفية الصورة هي المدينة ~~وأبراجها وكاتدرائيتها، والنهر الذي تجري فيه السفن والجسر ~~المزدحم، وتلالا خضراء صاعدة في الأفق وجبالا مغطاة بالثلوج. ~~وهكذا أعطى المنظور من خلال إطار الصورة أرضا مفعمة بالحلم ~~وواقعا آخر متعدد الطبقات. # 82 # ولا يوجد فنان اهتم بالمنظور وأبدع فيه مثلما فعل ليوناردو ~~دافنشي (1452-1519م) في لوحته «عذراء الصخور»؛ إذ لا تبدو ~~الصخور منفصلة عن الأشخاص الذين يبدون كأنهم طافون في هذا ~~الجو الشاعري الغامض المغلف بالظلال. ولقد صارت الظلال منذ ~~اكتشاف دافنشي لأهميتها عنصرا أساسيا في اللوحة ونبذت طريقة ~~الاهتمام بتأثير الألوان الزاهية. # 83 # وتميز دافنشي برسم أشخاص ذات أبعاد ثلاثة ~~باستخدام الضوء والظل دون تحديد لمعالمهما كما في لوحته التي ~~طبقت شهرتها الآفاق «الموناليزا»، هذه اللوحة التي جاءت بعنصر ~~ثوري في تطور مفهوم النهضة لفن البورتريه حيث أتت بعلاقة ~~جديدة بين الوجه # Figure # وخلفية الصورة؛ مما جعل من «الموناليزا» لحظة تنوير كلية، # 84 # بابتساماتها الغامضة ونظراتها التي تلاحق المشاهد ~~من كل الزوايا، وخلفيتها الضبابية. وتميز دافنشي برسم أشخاصه ~~داخل تكوين هرمي بطريقة مبتكرة لم تكن معروفة من قبل، وخفف ~~من التأثير الجاف للشكل الهندسي بأساليب علمية. # 85 # إن الحلم الذي جسدته لوحة «الموناليزا» في الخلفية، تكرر في ~~الموناليزا نفسها، أي تكرر شكل المنظر الطبيعي في تموجات ~~ثوبها وجفون عينيها الهادئتين، وفي ابتسامتها الغامضة، ~~فالمنظر الطبيعي الذي تصوره خلفية الصورة لا يقل أهمية عن وجه ~~الموناليزا نفسها؛ مما جعل اللوحة تعكس فلسفة دافنشي ومفهومه ~~عن العالم «فكل جزء ينزع للاتحاد مع الكل مرة أخرى ليهرب من ~~النقص، وهذا النزوع هو الخلاصة والجوهر، وصداقة الطبيعة ~~والإنسان هي نموذج العالم كله.» # 86 # إن الامتزاج بين المنظر الطبيعي، بجباله وأضوائه ms305 ~~الخافتة وبحيراته وحقوله الشاحبة اللون، وبين الموناليزا، التي ~~تحدق في كل الزوايا مع الغموض الذي يحيط بها والأرض الضاربة في ~~الخضرة والضوء المفعم بالدخان حولها، إنما يعبر عن وحدة كلية ~~رسمها الفنان بالأضواء والظلال. وهذا أيضا هو الذي عبرت عنه ~~لوحة «القديسة آن» التي أوضحت قدرة دافنشي على مزج الجمال ~~الأنثوي بجمال الطبيعة. # وتتحول الخلفية المنفتحة على اللامتناهي عند دافنشي إلى ~~خلفية مظلمة عند الفنان الهولندي رمبرانت # Rembrandt ~~(1606-1669م) الذي ~~تميز بدقة التعبير عن الوجه الإنساني فيما يعرف بفن البورتريه، ~~واهتم اهتماما خاصا بتوزيع الضوء في لوحاته توزيعا ~~متفردا: كانبعاث الضوء القوي من أحد جوانب اللوحة، أو تدفقه ~~من جهة واحدة، أو سقوط الضوء الساطع خارج اللوحة على خلفية ~~مظلمة. ويتضح هذا في اللوحات العديدة التي رسمها الفنان لزوجته ~~ساسكيا # Saskia ~~. كما يتضح ~~في لوحته الشهيرة «نوبة الحراسة الليلية» حيث يسطع الضوء من ~~الخوذة الذهبية التي يضعها قائد الحراسة الليلية على رأسه، ~~وهذا البريق المتجمع للضوء يلقي بظلاله على خلفية مظلمة ~~تتداخل فيها الألوان البنية والذهبية ويعمل النور داخل ~~الظلام، وتخفي الظلال معظم جنود الحراسة الليلية وإن كانت لا ~~تخفي حركاتهم الخافتة. ويصدق على هذا أيضا مجموعة لوحات ~~العذاب Passion ~~، وهي ~~اللوحات التي تصور عذاب المسيح حيث يقف الأشخاص وحتى الأشياء ~~في خلفية ممتدة منعزلة ومظلمة، وتظهر الألوان من انعكاس الضوء ~~الذي ينبعث من مركز الصورة وإن كان لا يصدر من أشعة الشمس، ولا ~~من ضوء صناعي، وإنما يشرق من لحظة انطفاء حياة المسيح على ~~الصليب. هذه المفارقة في استخدام رمبرانت للضوء تعبر عما يمكن ~~تسميته منظور ~~نور الأمل Perspective light of hope # فقد استبدل بالمنظور الكوني ~~المفتوح عند دافنشي مكانا مظلما، وظل الضوء الذي يتعارض ~~كل منهما في طريقة استخدامه يرسم حقيقة الأمل والإشراق. # 87 # ويتحول التصوير إلى رسم مناظر يوتوبية واضحة حتى في ~~عنوانها كما في لوحة أنطوان واتو # Antoine, J. Watteau # 88 ~~(1684-1721م) «الإبحار إلى جزيرة كيثيرا». # 89 # وهي تصور مجموعة من الشبان والشابات يقفون في ~~أحضان ms306 الطبيعة في انتظار السفينة التي ستبحر بهم إلى جزيرة ~~الحب. وقد صورت هذه اللوحة ثلاث مرات، وتعتمد النسخة الأولى ~~منها على المرحلة الانطباعية التي يبدو فيها ترتيب الأشكال ~~مألوفا وتعد مجرد رحلة رومانسية. وفي النسخة الثانية (في ~~باريس) ظهرت تشكيلات في المنظور واتضح الحلم في منظر طبيعي ~~ساحر يحيط بالأزواج الذين ينتظرون سفينة الحب على الماء الفضي، ~~وليل الجزيرة المأمولة غير مرئي ولكنه ينعكس بشكل مباشر على ~~الحركة والسعادة التي تنبعث من الصورة بخلفيتها اليوتوبية ~~الواضحة. أما النسخة الثالثة (في برلين) فتبدو فيها الخلفية ~~أكثر زينة، والسفينة التي تحوم الملائكة حولها على أهبة ~~الاستعداد للرحيل، وثمة تجاور مباشر في استعمال اللون الأحمر ~~الوردي والأزرق السماوي يرف حول منظر الإبحار؛ مما يوحي بأنه ~~وعد مرسل من جزيرة الحب بسعادة متوقعة. # 90 # عبر التصوير عن الرحيل إلى عالم أفضل كهروب من الكدح ~~اليومي وأمل في تحقيق السعادة في عطلة يوم الأحد الخالد، وقد ~~تحول يوم الراحة في العصور الوسطى إلى عالم آخر يتحقق فيه ~~السلام والخير في اللحظة الساكنة وراء هذا العالم. ولذلك ظلت ~~صور حكايات الكتاب المقدس والحكايات الدينية هي الشكل الرئيسي ~~للفن في البلدان الكاثوليكية، وفي تلك التي يحكمها ملوك ذوو ~~سلطة مطلقة ... ولم تكن موضوعات الحياة اليومية والمناظر ~~الطبيعية والطبيعة الصامتة سوى عناصر مساعدة في التكوينات ~~المستمدة من الكتاب المقدس ومن التاريخ والأساطير. # 91 # وفي هذه الفترة لم يكن المنظور مألوفا، وربما ~~يرجع هذا إلى طبيعة الموضوع الديني الذي تتناوله هذه الرسوم. ~~وجاء جيوتو # Giotto ~~(1266-1337م) في نهاية العصور الوسطى ليعبر عن التراتب في ~~الفكر الديني، فكل شيء في لوحاته يأخذ مكانه المحدد له طبقا ~~لنظامه أو وضعه الديني، حتى الملائكة تطير في الأماكن المحددة ~~لها فلا تزحم اللوحة ولا يأتي وجودها مصادفة، وتوزيع الأشكال ~~على الأماكن على أساس قيمتها الروحية. # 92 # وتظهر الطبيعة على حافة هذا النظام. # 93 # وعلى الرغم من أن جيوتو يعد مؤسس الواقعية في ~~الغرب وصاحب ثورة كبيرة في تاريخ فن التصوير؛ حيث يعتبر ~~أسلوبه ms307 الحد الفاصل بين التقاليد الجامدة وتقاليد فن النهضة ~~الحديثة ونهاية فترة في فن التصوير كانت تسيطر عليها فكرة ~~تصوير المقدسات فقط وبداية فترة تهتم بالإنسانيات، # 94 # كما يعده البعض أيضا من أعظم فناني النزعة ~~الكلاسيكية البرجوازية التي حققت توازنا كاملا بين العناصر ~~الطبيعية والعناصر الشكلية في التصوير. على الرغم من كل ذلك ~~إلا أن فن جيوتو يتطابق مع صورة العالم كما حددها توما ~~الأكويني، وكان فيها الإيمان بالتراتبية هو المقدمة المنطقية ~~الوحيدة للبرهان الأنطولوجي على وجود الله. إن الله هو الوجود ~~الحقيقي لأنه كلي وكامل، لذلك رسم جيوتو لوحاته من بعدين، ~~وأضاف تراتبية المكان إلى تراتبية الوجود. وتحولت اليوتوبيا ~~المميزة لعالم جيوتو إلى مجرد ميثولوجيا وانتفت عنها نزعة ~~التفاؤل، كما تحطم بناؤه مع نهاية الثيوقراطية-الإقطاعية في ~~العصور الوسطى. # 95 # وغلب على يوتوبياه طابع السكون الذي يعلو على ~~الحركة، أي أنها يوتوبيا مكانية ساكنة وليست زمنية لا ~~نهائية. # ثم تحرر التصوير من أسر السلطة الدينية في نموذج الفن ~~الهولندي وتصويره للحياة المنزلية. ولكن هذا النوع من التصوير ~~لم يرض أيضا الذات البشرية التواقة للرحيل إلى عالم أفضل من ~~جدران المنزل وحجراته، إلى عالم يخرج بها عن نطاق الحياة ~~اليومية الرتيبة، فتحول الرسم إلى تصوير الحياة خارج المنزل ~~بحدوده الضيقة إلى أماكن طبيعية أكثر اتساعا وانفتاحا في ~~الهواء الطلق. وقد صور العديد من الفنانين عطلة يوم الأحد ~~أو يوم الراحة، مثل الفنان الهولندي بروجيل # Brueghel ~~(1525-1569م) في ~~لوحته «أرض الكوكايين» التي تصور حشدا من الفقراء الحالمين ~~بالطعام والشراب في يوم الأحد، منهم الفارس والعالم والفلاح، ~~وقد نام بعضهم بعد إشباع جوعه، وبقي العالم مفتوح الفم ~~والعينين يحلم بمشويات ليس لها أثر في الأوعية الخاوية حوله، ~~وربما يحلم بلحم الخنزير الذي يظهر بالفعل في خلفية المنظر ~~الطبيعي للصورة، حيث يشرق النور من الخلف ليسلط على الخنزير ~~الذي ربما يكون موضوع الحلم ورمز إشباع المعدة الخاوية. # وتعبر أيضا لوحة الفنان الإيطالي جيور جيوني # Giorgione ~~(1478-1510م) ~~«حفل موسيقي في الهواء الطلق» عن يوتوبيا يوم الأحد، ms308 فهي تصور ~~رجالا يستمعون للموسيقى في يوم العطلة في صحبة سيدات عاريات، ~~وفي أحضان الطبيعة الساحرة، وقد كانت هذه اللوحة نموذجا لصورة ~~الفنان الانطباعي الفرنسي مانيه # Manet ~~(1832-1883م) «غداء على العشب» الذي ~~أعاد هذا المنظر بدون موسيقى، وصور حديقة أبيقورية يسطع عليها ~~ضوء خافت يسقط من بين الأشجار ويحيط بالأزواج، وتتميز اللوحة ~~بالبساطة والحضور والاستمتاع الحسي بعطلة يوم الأحد وما فيه من ~~إمكان فعلي للطبقة الوسطى الصغيرة، # 96 # وقد أثارت هذه اللوحة ثائرة النقاد الذين اعتبروها ~~سخرية قاسية من بعض طبقات المجتمع وخاصة الطبقة ~~البرجوازية. # ثم تأتي لوحة الفنان الفرنسي جورج سورا # Seurat ~~(1859-1891م) «نزهة على نهر السين» ~~لتعبر عن المعنى السلبي ل «غداء على العشب» حيث يصور الطبقة ~~البرجوازية الحقيقية بوجوه فارغة مسترخية، ونهرا شاحبا ~~وقوارب مبحرة بتراخ في المؤخرة، كما تبدو الشمس وكأنها ~~العالم السفلي هاديس. وتعد هذه اللوحة نموذجا لما يسمى بالكسل ~~الحلو وانعدام الوعي اليوتوبي. وتحول التصوير مع سيزان ~~(1839-1906م) إلى تبسيط للموضوعات، فقدم صورة إيجابية ليوم ~~أحد الطبقة البرجوازية، وأصبحت اللوحات تعبيرا عن ممكن ساكن ~~في طبيعة ريفية بسيطة، وأصبح هدوء يوم الأحد عينيا ملموسا ~~في حاله من الطمأنينة والرضا المتمثل في قطف التفاح والبرتقال ~~والليمون بعيدا عن صراعات الحياة المدنية التي سادت القرنين ~~التاسع عشر والعشرين. ثم هجرت يوتوبيا يوم الأحد أوروبا كما في ~~لوحات الفنان الفرنسي جوجان # Gauguin ~~(1848-1903م) إلى عالم آخر بعيد ~~وبدائي، إلى تاهيتي التي اكتشفت عام 1606م، ونظر لها ~~الأوروبيون كأنها قطعة من الفردوس حتى دخلت في رسوم يوم الأحد ~~التي طغت عليها السعادة. # 97 # والآن، كيف يحكم على العمل الفني بالأصالة أو الزيف؟ وكيف ~~يتم تقييم الظاهرة الجمالية، فيحكم عليها بأنها حقيقة أصيلة ~~أو وهمية مزيفة؟ إن مثل هذا السؤال يعبر عن أحد الإشكالات ~~الهامة في علم الجمال. ولا يمكن بطبيعة الحال الاستفاضة في عرض ~~هذه المشكلة التي تخرج عن حدود هذا البحث، ولذلك يمكن الاكتفاء ~~بعرض وجهة نظر بلوخ في هذا الموضوع إذ يؤكد أن الحكم على العمل ms309 ~~الفني وتقديمه لا بد أن يكون في حدود ما يحمل هذا العمل من ~~بعد يوتوبي، أي بقدر ما يعبر مضمونه عن الأمل الكامن ~~فيه. # إن الاستطيقا الكلاسيكية تعبر عن استطيقا خالصة للتأمل كما ~~هي عند كانط الذي قصر موضوع الجميل على التأمل الخالص. فالفن ~~عند كانط عمل يقصد من ورائه المتعة الجمالية الخالصة، بمعنى ~~أنه حر منزه عن كل غرض سوى المتعة الفنية ذاتها. # 98 # بذلك يكون الموضوع الجمالي مقصورا على الحاضر ~~وبعيدا عن الوجود في المستقبل، وكأن الفن يبرر العالم كظاهرة ~~جمالية بتعبيراته الشكلية ومن خلال الكمال الشكلي، ومن هنا ~~تنظر الاستطيقا الكلاسيكية إلى الموضوع الجمالي من ناحية مظهره ~~فقط فيتحول إلى نوع من المتعة الجمالية، كما تصبح الاستطيقا ~~ميتافيزيقية عند شوبنهور تحرر الإنسان من إرادة الحياة. # 99 # إن الفنان في نظره - أي شوبنهور - هو في لحظة ~~الإبداع إنسان متأمل هادئ استطاع أن يحطم قيود الرغبة، ~~ويتحرر من أسوار الفردية، فهو أشبه ما يكون بالمتصوف الغارق في ~~سكون النظر العقلي المحض، السابح في فيض من السكينة الروحية ~~الخالصة ... لقد قال شوبنهور باستطيقا سلبية تقوم على النظر ~~والتأمل، وتعتبر أن مهمة الفن لا تكاد تتعدى معرفة المثل أو الماهيات. # 100 # وكذلك فعل هيجل على الرغم من نزعته التاريخية ~~واهتمامه بالمضمون ومعارضته للشكلية لأن الاستطيقا عنده تنحصر ~~أيضا في نطاق الفن الساكن المتأمل. # أما عن الاستطيقا الماركسية كما هي عند لوكاتش على سبيل ~~المثال الذي يعبر عن النزعة الواقعية، فحتى من وجهة نظر هذه ~~الواقعية - التي يتهمها بلوخ بأنها واقعية فجة - وحتى لو بدت ~~الأعمال الفنية التي تعبر عنها مكتملة من الناحية الشكلية ~~البحتة، فهي لا بد أن تكون غنية في مضمونها معبرة عن الواقع ~~الذي هو عملية صيرورة متفتحة على آفاق مستقبلية. فالعمل ~~الفني ليس مجرد شيء محسوس يظل دائما على ما هو عليه، بل هو ~~حقيقة حية يطرأ عليها الكثير من التغير، بفعل تلك الصيرورة ~~الحضارية التي لا بد لكل عمل فني من أن يندمج فيها ويتأثر بها. # 101 ms310 # ويدل هذا على أن الفن بالمفهوم الجدلي يعبر عن صيرورة ~~واقعية وليست مزعومة، فهو من ناحية مضمونه ومن الناحية النظرية ~~لا بد أن يكون فنا متفتحا وغير منته، لأنه يصور النزوعات ~~والإمكانات الكامنة في الموضوعات. إن العمل الفني يصور الجميل ~~على أنه جدل الوجود في مرحلة سابقة على المظهر الذي يبدو ~~عليه. والفن بمفهومه الجدلي عمل لم يكتمل بعد شأنه شأن الواقع ~~نفسه، فكلاهما منخرط في العملية الجدلية، وكلاهما مسيرة ~~مفتوحة نحو كمال لم يتحقق بعد. وهذا على العكس من معالجة ~~المثالية التي اقتربت مما يسمى امتلاء أو ~~تحقيق كمال الواقع # fullness of perfection of the real ~~، وكأن العالم الذي هو ~~متغير في كل وظائفه الثقافية الأخرى قد بلغ الغاية من روعته ~~وكماله، مع أن الفن هو النزوع لهذا الكمال الرائع، والإمكان ~~الواقعي الموضوعي لهذا الكمال. # 102 # إن المعالجة المثالية للموضوع الجمالي، تصنع وهما ~~جماليا منفصلا عن الحياة، أما الفن الذي يتناول الإمكانيات ~~الكامنة وراء المظهر أو المظهر البادي من الواقع الممكن فهو ~~وحده الذي يستحق اسم الفن، لأنه يضع نفسه في أفق الواقع الذي ~~لم يزل في سبيله إلى التحقق. والمضمون الفني يجب أن ينظر إليه ~~نظرة يوتوبية واقعية لا نظرة وهمية مجردة تصور المظهر كأنه ~~لعبة مكتملة. وهكذا يقاس الفن بمقياس موضوعاته ذات الدلالة ~~اليوتوبية، لأنه يخلق علاقة معرفية بالأمل لا مجرد متعة ~~جمالية سطحية. # وهذا هو الذي أدركه الفن الكلاسيكي أيضا وإن كان قد أدركه ~~بشكل مثالي-موضوعي كما تؤكد عبارة شيللر «الجمال هو الحرية في ~~المظهر.» ويقول كانط في «نقد ملكة الحكم»: «إن القدرة على ~~إدراك الجليل تدل على قدرة في العقل تتخطى كل مقاييس الحواس ... ~~والجليل يجلب معه فكرة اللانهاية، ولهذا فإن الجليل يكون طبيعة ~~في أحد مظاهره التي يجلب تأملها فكرة اللانهاية.» وليست ~~اللانهاية هنا إلا ما يجلب معه الشعور بحريتنا في المستقبل. # 103 # تقوم الاستطيقا القديمة إذن على فكرة الجليل التي ~~يصفها كانط بأنها سعادة مبرأة من كل غرض أو مصلحة، تماما مثل ~~الفن ms311 الإغريقي الذي يقوم على مقولة الجليل، والذي ينسب عادة ~~لموضوعات دينية ويتميز برجفة الدهشة التي قال عنها جوته إنها ~~أفضل ما في الجنس البشري. # إن مملكة الإمكان أو الممكن الواقعي هو الشرط الأساسي للفن ~~الذي يجب أن يمتد لعالم لم يوجد بعد. والنزعة الواقعية للفن ~~يجب ألا تكون وصفية بمعنى تفسير الواقع أو وصفه، وإنما يجب أن ~~تكون مرآة للتوقع الباطن داخل العمل الفني. إنها نزعة واقعية ~~ذات دلالة يوتوبية. ويخلص بلوخ من هذا كله إلى أن الإرادة ~~الفنية يجب أن تتحرر من النزعة الشكلية التي تحمل سمات مجتمع ~~برجوازي كل ما يميزه هو السعادة الشكلية والمظهرية، أي أن يخرج ~~من نطاق الشكلية ومن نطاق التأمل. فلا يكفي في العمل الفني أن ~~ننظر إلى العالم نظرة جديدة، بل يجب أن نخلقه خلقا جديدا. ~~فالفنان ليس مجرد صانع، وإنما هو خالق - كما أطلق عليه المعمار ~~الفرنسي # Ledoux ~~- يذيع أسرار ~~الآلهة، إذ يصرح لنا بتلك المعاني الخفية والعلاقات المطوية ~~والقيم المستترة التي أودعتها الآلهة صدر المخلوقات. بل إن ~~الفنان قد يزعم لنفسه الحق في إعادة خلق هذا الكون، لكي يبين ~~للآلهة كيف كان يمكن أن تجيء الخليقة أفضل، أعني أكثر إثارة ~~وأخصب وجدانا وأعمق معنى وأوقع أثرا. # 104 # وحتى الاستطيقا الكلاسيكية التي اهتمت بالنزعة ~~الشكلية والكمال الشكلي لم تغفل هذا الجانب اليوتوبي المشرق ~~على الرغم من أنها تناولته تناولا مثاليا - موضوعيا - لا ~~بد للفن إذن أن تكون له غاية يحققها من خلال أساليبه ~~الاستعارية والرمزية، وأن يعبر عن نزوع الواقع ونزوع الذات ~~البشرية نحو أمل لم يتحقق بعد. ومع الماركسية لم يعد الفن - ~~كما يرى بلوخ - تأملا فحسب، بل أصبح فيه إمكان كامن وراء ~~المظهر أي ممكن إيجابي يملك القدرة على التحقق. # يدين بلوخ كل الفنون التي تبعث في النفس السكينة والاطمئنان ~~أو تلك التي تركن إلى الراحة أو السعادة، ويطلق عليها المقولة ~~الماركسية التي تزعم أنها تعبر عن الفكر البرجوازي. إنه يبحث ~~في اللوحات الفنية عن تلك التي تعبر عن الممكن ms312 الواقعي ~~الموضوعي أو التي توحي بعالم لم يوجد بعد، وتبعا لذلك يهاجم ~~كل الأعمال الفنية التي تقترب من تحقيق الكمال على المستوى ~~الاستطيقي، ويزعم أنه ليس سوى كمال شكلي يشابه إلى حد كبير ~~ما في المجتمعات البرجوازية التي لا ترى من إمكانات الواقع سوى ~~تلك السعادة الشكلية، بينما الفن عنده ينبغي أن يعكس الواقع ~~المتدفق في صيرورة دائمة. لذلك كان تقييمه للعمل الفني بقدر ~~ما يحمل من أمل، وبقدر ما فيه من نزوع يوتوبي نحو اكتشاف ~~إمكانات واقعية موضوعية. ومن هنا قدم تحليلا للأعمال الفنية ~~أبرز فيه ما تحمله من أمل كامن في أعماق الصور، فتحليله ~~لتوزيع الأضواء والظلال في اللوحات الفنية وكيفية استخدام ~~الأبعاد والزوايا والمنظور استخداما يكشف عن الجديد القادم، ~~كان محاولة لإبراز هذا الجديد بصورة عينية، أو لجعل «الجديد» ~~- الذي يسعى جاهدا لالتماسه في هذه ~~الأعمال - مرئيا. # ويمكن القول إنه على قدر ما في تحليلات بلوخ للأعمال الفنية ~~من عمق النظرة التي كشفت عن تمتع صاحبها بحس جمالي على ~~مستوى عال من ناحية، وألقت الضوء على الجوانب الخفية لهذه ~~الأعمال من ناحية أخرى، وقدمت تفسيرات مبدعة وخلاقة تتفق ~~مع نظرته للموروث الثقافي الذي يعاد تشكيله وخلقه من جديد ~~بشكل مستمر؛ أقول إنه على قدر ما في هذه التحليلات من عمق ~~النظرة، إلا أنها انحصرت في التفسيرات الماركسية التي تربط ~~الفن بالظروف التاريخية والاجتماعية. وعلى الرغم من أن بلوخ ~~تجاوز في مواضع كثيرة الرؤية الماركسية التي نجح في أن ~~يطوعها للإطار العام لفلسفته، إلا أنه التزم ببعض مقولاتها ~~في تحليله للظاهرة الجمالية، ربما لأنها تساعده أكثر من غيرها ~~في التعبير عن فلسفته الخاصة وتطويع هذه الفنون وتفسيرها بما ~~يتفق مع نسقه الفلسفي العام الذي لا يهتم بالوصول إلى الهدف ~~بقدر اهتمامه بالسعي إليه. لذلك كانت نظرته إلى تلك الأعمال ~~الفنية التي تصور الواقع على أنه مكتمل هي نفس نظرته للفلسفة ~~المثالية التأملية، لأن الواقع الفعلي لم يبلغ كماله بعد، ولن ~~يبلغه على الإطلاق وفقا لفلسفة بلوخ نفسه، أي ms313 وفقا لنسقه ~~المفتوح على المستقبل اللانهائي. ومن هنا كانت وظيفة الفن عنده ~~وظيفة يوتوبية، وكانت الأعمال الفنية التي استأثرت باهتمامه ~~هي تلك التي تبعث في نفس من يشاهدها مشاعر أو انفعالات التوقع ~~بعالم أو بشيء لم يأت ولم يتحقق بعد، أي هي تلك التي تعبر عن ~~النزوع إلى الكمال وليس الوصول للكمال عينه. # وإذا كان صحيحا أن الفن يعبر عن واقع الحضارة والثقافة التي ~~نشأ بين أحضانها، وإذا كان صحيحا أيضا أن للأحداث التاريخية ~~آثارها على العمل الفني، فإن هذا لا يجعلنا ننظر إليه من ~~الزاوية التاريخية فقط لأنها نظرة أحادية الجانب تفقده ~~الطبيعة الخاصة به والتي تميزه عن غيره. فالعمل الفني باعتباره ~~نشاطا إبداعيا حرا يختلف بطبيعة الحال عن الأعمال ~~الإبداعية الأخرى للنشاط البشري لما له من فردية وخصوصية ~~متفردة. والظاهرة الجمالية ليست كسائر الظواهر العلمية الأخرى ~~التي تحدث في جميع النفوس نفس النتائج، ولكنها ظاهرة ~~إبداعية حرة تثير في الذوات مشاعر وانفعالات متباينة أشد ~~التباين. # إن هذه الظاهرة الجمالية، حتى في ثوبها المثالي، منخرطة - ~~بحكم طبيعتها - في العملية الجدلية نفسها، وهذا أمر ظاهر حتى ~~بدون أن يجهد بلوخ نفسه في البحث عن عملية التوسط في الفن ~~وبدون الاستعانة بمقولات ماركسية لتفسيره. إن مشاهدة العمل ~~الفني تنطوي على علاقة جدلية بين الذات المشاهدة والموضوع ~~المشاهد، والعمل الفني ينطوي على علاقة جدلية بين الذات ~~المشاهدة والموضوع المشاهد، والعمل الفني كرؤية إبداعية حرة ~~إنما يعكس هذا الإبداع على المشاهد نفسه، الذي يبدع بدوره في ~~تحليل وتفسير العمل موضوع المشاهدة، فالتفاعل مع موضوع اللوحة ~~يثير في كل فرد إيحاءات حرة متباينة من فرد لآخر. ولذلك فإن ~~الاستطيقا الكلاسيكية، التي يراها بلوخ مجرد استطيقا تأملية ~~فقط، لا تخلو من هذه العلاقة الجدلية، لأنه على الرغم من أن ~~للعمل الفني وجوده الموضوعي، إلا أنه وجود لا ينفصل عن الذات ~~المشاهدة له، لأن هذه الموضوعية لا يمكن أن تنكشف إلا للذات ~~وعن طريقها. # ويمكن أن ننتهي إلى القول بأن العمل الفني تجربة تعلو على ~~الظروف ms314 التاريخية والاجتماعية، وذلك بنفس القدر الذي يمكن معه ~~القول بأنه مرتبط كذلك بالظروف التاريخية والاجتماعية، ولعل ~~هذا أن يكون أحد وجوه المفارقة الجدلية التي تميز العمل الفني ~~وتجعله نقطة التقاء الزمني والأبدي، والنسبي والمطلق، والجزئي ~~والكلي، والخاص والعام. ~~(3) الأعمال الأدبية # إذا كنا نستطيع أن نلمس العنصر اليوتوبي في الفنون المرئية، ~~فكيف نستشعر هذا البعد في الفنون المكتوبة والمسموعة؟ ربما ~~يكون الاهتداء إلى بعد الأمل في الآداب المكتوبة من الأمور ~~التي لا يصعب على الإنسان أن يستخلصها إذا استطاع أن يفض ~~غلاف الاستعارات والرموز الفنية في العمل الأدبي ويضع يديه على ~~المعنى العميق والهدف البعيد الذي تشير إليه الكلمات. وقد حاول ~~بلوخ أن يفض هذا الغلاف عن عملين كبيرين ليكشف عن بعد الأمل ~~في كليهما، وهما الكوميديا الإلهية لشاعر إيطاليا الكبير دانتي ~~(1265-1321م) وفاوست لشاعر ألمانيا الأكبر جوته. ولم يكن ~~اختيار بلوخ لهذين الشاعرين اختيارا عشوائيا، بل لأن كلا ~~منهما قدم ملحمة أدبية يوتوبية تختلف عند أحدهما عنها عند ~~الآخر اختلاف الضد عن ضده. # كانت الكوميديا الإلهية صدى لمؤثرين كبيرين، فقد وقع ~~دانتي من ناحية تحت تأثير جغرافيا بطليموس فجاءت يوتوبيا ~~مكانية ومطابقة لمركزية الأرض، كما كانت الكوميديا الإلهية من ~~ناحية أخرى تعبيرا شعريا عن فلسفة توما الأكويني التي قدمت ~~يوتوبيا تراتبية بمستويات الوجود الاجتماعية وقامت على المجتمع ~~الإقطاعي. وقد رسم دانتي صورا خيالية لفردوس سماوي في شكل ~~رمزي هو الوردة. لكن يجب ألا تفهم الوردة بالمعنى الدنيوي ~~المعروف، لأنها رمز مكاني للكمال. وهي تشبيه استعمل في عصر ~~دانتي كرمز للسماء يوحي بالشكل الدائري الذي كان يعد منذ ~~عهد الإغريق أكمل الأشكال. وقد نشر بيترو دا مورا Pietro da Mora # كاردينال # capua ~~، رسالة عن ~~الوردة الكاملة بمراحلها الثلاث، مرحلة جوقة الشهداء، ومرحلة ~~عذراء العذارى، ومرحلة المسيح وسيط الإله والبشر. # 105 # وقد جاءت رمزية الكوميديا الإلهية في ثلاثة أقسام ~~رئيسية تتفق مع هذه المراحل ؛ الجحيم، المطهر، الجنة، فكانت ~~الوردة أو الدائرة هي الإطار لعمل دانتي. ولم تقدم يوتوبياه ~~جنة في السماء فقط، ms315 بل أشارت إلى الجنة الأرضية التي ليست سوى ~~مكان لعبور الأرواح الصالحة إلى الجنة السماوية. وظلت سماء ~~دانتي سماء كاثوليكية، رمزا للسكون المركزي الأبدي الثابت، ~~وكأن هذه السماء لا تتضمن أي هدف على الإطلاق، أو على الأصح لا ~~تتضمن إلا هدفا واحدا هو التعبير عن كمال الوجود في ذاته ومن ~~أجل ذاته. إن المكان أو الفضاء عند دانتي في يوتوبياه السماوية ~~يعكس في تجليه الأسمى فلك الشمس ولكنه يعبر عن نفسه في شكل ~~رمزي خاص وغير فلكي بالمرة. فحيثما توجد وردة السماء يكون ~~النور الخالص كما تقول هذه الأبيات: ~~(1) ربما تتوهج شمس الظهيرة وهي بعيدة عنا بستة آلاف ~~ميل، # وتكاد تأخذ الدنيا تميل بظلها إلى مهادها ~~المستوى، ~~(4) حينما تأخذ في التحول ساحة السماء التي تعلو من ~~فوقنا شاهقة، # حتى تحتجب بعض النجوم عن الرؤية في هذه ~~الآفاق، ~~(37) استأنفت بهمة الدليل المقدام وصوته: «لقد خرجنا ~~من أعظم # الدوائر إلى السماء التي هي النور الخالص.» ~~(40) إنه نور روحاني مفعم بالمحبة، بمحبة الخير ~~الحق المليء # بالبهجة؛ بالبهجة التي تسمو على العذوبة. ~~(46) وكبرق خاطف يزيغ من قوى الإبصار، حتى ليحرم ~~العينين # من قدرتهما على رؤية أكثر الأجسام ضياء. # 106 # نخلص من هذا إلى أن يوتوبيا دانتي هي نوع من ~~اليوتوبيا المكانية التي تنتهي فيها كل الأشكال بالدائرة ~~المكتملة، أي أنها يوتوبيا وصلت لنهايتها وليس لها مستقبل. ~~وعلى الرغم من ذلك فحتى عالم الجحيم الذي كتب على بابه «أيها ~~الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل.» # 107 # هذا العالم الأبدي السكوني الذي يستمر فيه العذاب ~~إلى الأبد قد لا يخلو من أمل، لقد استسلم الملعونون لمصيرهم ~~وفقدوا كل إحساس بالرغبة أو الندم فقد تصالحوا مع قدرهم ~~وسلموا بالعناية الإلهية ورضوا بالعقاب الإلهي. ومن هنا تأتي ~~عبارة هيجل الجريئة التي تصدق على دانتي: «حتى الملعونون في ~~جحيم دانتي لا يزال لهم حظهم من النعمة الأبدية لقد كتبت على ~~أبواب الجحيم عبارة «أنا باق إلى الأبد.» فالملعونون قد فقدوا ~~كل إحساس بالألم أو الندم، وهم لا يتكلمون عما يقاسونه ms316 من ~~عذاب لكنهم يتذكرون فقط أفكارهم وأعمالهم في الدنيا دون أن ~~يشكوا من شيء أو يشتاقوا إلى شيء.» # 108 # أما عن فاوست جوته فقد سبق الحديث عن أبعاده اليوتوبية في ~~الجزء الخاص باللحظة الممتلئة، وتجنبا للتكرار سنذكر فقط ~~النقاط التي تخدم المقارنة مع دانتي. وقد نشأت يوتوبيا فاوست - ~~على العكس من يوتوبيا دانتي - في جو بروتستانتي، لا ~~كاثوليكي، وخلفيتها الاجتماعية مجتمع رأسمالي، لا أقطاعي، وقد ~~قدم جوته كذلك صورا خيالية للسماء، إلا أن سماء فاوست ليست في ~~السماء المتعالية التي وجدناها عند دانتي، بل هي سماء منظور ~~إليها من العالم الأرضي، أي أنها ما زالت في هذا العالم. وإذا ~~كان إطار كوميديا دانتي هو الدائرة، فإن إطار فاوست جوته هي ~~السماء المتعالية التي ترتفع في تصاعد لا نهائي إلى السماء، ~~حيث الهدف البعيد الذي تسعى الذات سعيا دءوبا للوصول إليه، ~~على العكس من سماء دانتي الخاوية من الهدف. ويمكن القول إن ~~يوتوبيا جوته متحركة، أي أنه كلما تحقق فيها هدف تولد آخر ~~ليبتعد إلى مسافة لا نهائية حتى تسعى الذات مرة أخرى وراءه ~~من أجل أن يتحقق، بحيث يوجد في فاوست الوعي بمضمون الهدف الذي ~~لم يتحقق بعد. وإذا لم يكن الفن - كما يقول مالرو - سوى ~~انتقال من دائرة القدر إلى دائرة الوعي والحرية، فإن هذا على ~~خلاف يوتوبيا دانتي التي تؤمن بالهدف القادر على التحقق ~~النهائي. والنتيجة التي أراد بلوخ أن ينتهي إليها هي أن ~~يوتوبيا دانتي مكانية ساكنة تنشد الراحة السماوية وتهدف ~~للوصول للنهاية التي توقف عندها الزمان ولم يبق من أبعاده سوى ~~بعد الماضي الأزلي، بحيث يمكن القول إنها يوتوبيا مغلقة لا ~~تسمح بالصعود، ومثلها الأعلى هو الوردة أو الدائرة رمز الكمال ~~المتحقق بالفعل. أما يوتوبيا فاوست جوته فهي زمانية متحركة، ~~تنبض بالوعي الحي وتبذل الجهد الإرادي لمقاومة العالم الواقعي ~~غير المكتمل. إنها تؤمن بلا نهائية الهدف المتجدد دوما، وتصعد ~~معه إلى الجبال العالية الممتدة في الأفق الأزرق، في يوتوبيا ~~دانتي ينتهي اللغز إلى الحل الموجود، أما ms317 في يوتوبيا جوته فإن ~~الحل هو اللغز الباقي. # 109 # وشهد العصر الحديث تطورا كبيرا في التفكير اليوتوبي فظهر ~~عدد وفير من الأعمال الفنية التي اتخذت شكلا يوتوبيا أكثر ~~صراحة ووضوحا، وتجلت أشكال يوتوبية جديدة في صورة أعمال ~~روائية أدبية وأخرى علمية وهي المعروفة باسم روايات الخيال ~~العلمي، والأعمال التي وضعها أدباء في شكل روائي ويمكن وصف ~~بعضها بأنها يوتوبيات والبعض الآخر بوصفه يوتوبيات مضادة. ومن ~~هؤلاء الأدباء كان كارليل # Carlyle ~~(1795-1881م) الذي وقف معارضا ~~للعالم الصناعي والنزعة الرأسمالية والليبرالية على السواء ~~وتعاطف مع ضحايا العصر الصناعي معتبرا إياه جذر الشر ومؤيدا ~~للنزعة الفردية والبطولية التي عرفت عنه. فالفكرة الأساسية ~~عنده هي أن الفرد البطل هو صانع التاريخ. وقد صور في رواياته ~~بؤس الطبقة العاملة الإنجليزية وقبح عصرها الصناعي، ذلك العصر ~~الذي تمثل الثورة الفرنسية انطلاقة له. ولكنه لم يقف عند ~~سلبيات هذه الثورة كغيره من الكتاب، وإنما أدرك أيضا ~~إيجابياتها وانتصارها على السلطة البالية الفاسدة. وقد دعا ~~كارليل إلى فكرة «الزعيم الصناعي» أي إلى حكم الفرد البطل ~~حكما مطلقا مستنيرا، وإن كان سان سيمون قد سبقه في الدعوة ~~لسيطرة رجال الصناعة على حكم الدولة. وإذا كان هذا شيئا ~~مقبولا في تلك الأيام نظرا لضعف الطبقة العاملة في عصر سان ~~سيمون، فكيف يكون ذلك مقبولا في أيام كارليل، وهو الذي عاش ~~وشهد الصراع الاشتراكي والوعي البروليتاري في منتصف القرن ~~التاسع عشر؟ # لقد ظلت كلمة يوتوبي مرادفة لكلمة اشتراكي حتى أواخر القرن ~~التاسع عشر، الأمر الذي أدى إلى زيادة تأثير الأفكار اليوتوبية ~~على الحياة السياسية والاقتصادية، كما تجلى هذا في يوتوبيا ~~«التطلع للوراء» لإدوارد بيلامي (1850-1898م) وهي نظرة إلى ~~المستقبل من خلال رواية أدبية تم تنويم بطلها تنويما ~~مغناطيسيا ليستيقظ عام 2000م في ولاية بوسطن الأمريكية ليجد ~~دولة مثالية لا يتم التعامل فيها بالنقود بل بالبضائع التي ~~توزع بالبطاقات، وهي دولة تسودها المساواة في الربح بين كل ~~المواطنين الذين لا يتنافسون على الأجور بل على خدمة الدولة. ~~لقد رسم بيلامي ملامح اشتراكية ms318 تحولت من تجمعات صغيرة إلى ~~مجتمع واحد كبير لتكون يوتوبيا مركزية. # 110 # واعتمدت الحركات الاشتراكية في الولايات المتحدة ~~الأمريكية على هذه اليوتوبيا، كما كان لها رد فعل مضاد في ~~اليوتوبيات الأوروبية. # وإذا كان بيلامي قد صور الدولة عام 2000م، فإن وليم موريس ~~(1834-1896م) رسم ملامح مدينته المثالية بعد عام ألفين فكتب ~~روايته «أنباء من لا مكان» التي صور فيها أحلام الإنسانية ~~وأمانيها، وقدم نموذجا غير مألوف من اشتراكية يمكن أن نطلق ~~عليها وصف الاشتراكية الشعبية. ولم يقف موريس - باعتباره ~~فنانا وصاحب حرفة يدوية - ضد يوتوبيا بيلامي فقط بل عارض ~~أيضا كل اليوتوبيات الآلية أو الميكانيكية، وقدم نظرة جديدة ~~للعمل بوصفه متعة: «لقد بثثنا في العمل لذة تغري الناس به، ~~وليس ذلك بعجيب؛ إذ الفنان الحق يستمتع بما يؤديه، وعمالنا ~~يأخذون العمل على أنه فن جميل، كل يختار ما يستمتع به.» # 111 # ولا شك أن هذا تطور في فكرة العمل، ولكن العمل ~~المقصود هنا هو الحرفة الفنية وليس العمل الصناعي الذي يقتل ~~الجمال ويعوق سعادة الجنس البشري الذي تنبأ موريس بأنه سيثور ~~عليه ثورة تدمر المصانع وتقضي على النزعة الصناعية غير ~~الطبيعية من وجهة نظره، فتموت الرأسمالية ومعها كل بلاء ~~المدنية وتعود الحرف المهنية مرة أخرى. # وتوالت أحلام اليوتوبيين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل ~~العشرين، وتنوعت ما بين يوتوبيات علمية تفاءلت بالمستقبل ورأت ~~إمكانية التغلب على المرض والموت والفقر والجهل والفوضى ~~بأساليب علمية حديثة ومتطورة، وبين أخرى تصور ~~اليوتوبيات-المضادة التي رسمت صورة قاتمة للمستقبل وتنبأت ~~بكوارث التقدم العلمي وتدمير البيئة بتأثير عوامل التلوث، ~~إبادة البشرية بفعل أسلحة الدمار الشامل، من أشهر هذه ~~اليوتوبيات «العالم الطريف الشجاع» للكاتب الإنجليزي هكسلي ~~(1894-1919م) الثائر على عالم التقنية وعلى ازدياد نفوذ العلم ~~في الحياة، وفي هذه الرواية يتخيل أن الإنسان سوف يتناسل في ~~المستقبل لا عن طريق الحب والتقاء الرجل بالمرأة، ولكن عن طريق ~~العلم وتكوين الأطفال بطريقة علمية داخل القوارير. # 112 # وهكذا يصور لنا هكسلي العلم في صورة تشمئز منها ~~النفوس وتقشعر الأبدان، ms319 ويعبر عن خوفه من سيطرة العلم على حياة ~~الناس، بتصوير مدينة العلماء الفاضلة بكل ما فيها من مساوئ، ~~ورأى في عالم التقنية الجديد؛ عالم العقاقير والآلات الذي ~~انتفت منه العاطفة والشعر والدين والجمال: «في هذا العالم ~~الجديد كل شيء آلي، وكل شيء مرسوم أو محفوظ في قارورة، ~~والصفة الإنسانية تكاد تنعدم.» # 113 # وكتب صمويل بتلر أيضا «إرون» أي البلد الذي لا وجود له، ~~وإرون هي قلب لكلمة # No where ~~. ~~والكتاب تهكم مرير على نظام المجتمع ورجال الدين وعلى العلم ~~وأصحابه. وما كتبه بتلر عن الآلات هو تهكم لاذع على نظرية ~~دارون، إذ يحاول أن يطبق أصول نظرية دارون في التطور على ~~الآلات، فلا يرى من المستحيل أن تتطور الآلة وتسبق الإنسان في ~~تنازع البقاء كما سبق الإنسان صنوف الحيوان، وهو بذلك يريد أن ~~يؤيد وجهة نظره بأن أساس التطور هو محاولة الوصول إلى غاية ~~معينة وليس الصدفة البحتة كما قال دارون # 114 # يقول بتلر: «إما أن نعترف بأن للأشياء إدراكا، ~~وبذلك نعترف ضمنا أن للآلات إدراكا لا نفهمه، وإما أن نقول ~~إن الإنسان وحده يتمتع بالإدراك ولكنه هبط من أصول لا إدراك ~~لها فتكون النتيجة المنطقية أن تتطور الآلات إلى شيء جديد له ~~فوق ما للإنسان من إدراك وفكر. وإذن فيا بني آدم سارعوا بتحطيم ~~الآلات خشية أن تسبقكم بعد قليل في مضمار الحياة (...) إني لأري ~~الإنسان يعمل بنفسه على خلق خلفه في سيادة الأرض! إنه ما يفتأ ~~يزيد من دقة الآلة ونظامها وقوتها، ولست أشك في أن الأمر ~~سينتهي بالآلة إلى ذكاء خارق وعندئذ تعلو في سلم الكائنات وتسود.» # 115 # إن اليوتوبيات-المضادة التي بدأت في الظهور في أواخر القرن ~~التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وقفت في المقام الأول ضد ~~التقدم العلمي والتقني وكشفت ما يمكن أن ينتج عنه من أهوال ~~وبشاعة. وقد ظلت الشيوعية هدفا لكل اليوتوبيات السابقة إلى أن ~~ظهرت رواية «العالم سنة 1984م» لجورج أورول. # 116 ~~(1903-1950م) التي تصور نظام الحزب الشيوعي وما ~~يجري داخله. وقد كشفت ms320 هذه الرواية عما يحدث في المجتمعات ~~الاشتراكية من دعاوى حزبية رتيبة، شملت كل شيء وتدخلت في كل ~~شيء؛ دعاوى قضت على أولى مبادئ الحرية، كما قضت بجرة قلم على ~~الماضي والحاضر والمستقبل لأن الحزب يهيمن على كل شيء، حتى على ~~مجرد تفكير الإنسان. وقد استعان الكاتب بقوى شيطانية وبجهاز ~~استطلاع دقيق مخيف أطلق عليه اسم «بوليس الفكر» يستشف أفكار ~~الناس حتى في خلوتهم، وعاشت الطبقة العاملة في هلع وفزع؛ الكل ~~يرقب ويتلصص، حتى الطفل يرقب والديه ليشي بهما. # 117 # والكتاب يصف الصورة القاتمة - التي كانت تتمثل في ~~ذهن المؤلف - لنظام الحزب الاشتراكي وما يجري داخله من أعمال ~~الإرهاب والتعذيب والتسلط: «إن السلطة ليست وسيلة ولكنها غاية، ~~والإنسان لا يمكن أن ينشئ ديكتاتورية لحماية ثورة، وإنما يثير ~~الإنسان ثورة لإنشاء ديكتاتورية.» # 118 ~~«إن الهدف من الاضطهاد هو الاضطهاد، والهدف من ~~التعذيب هو التعذيب، ومن ثم فإن الهدف من السلطة هو السلطة.» # 119 # كما يقول أورول أيضا على لسان أوبرين؛ إحدى ~~شخصيات روايته: «إن السلطة هي ممارسة السلطة فوق بني الإنسان، ~~فوق أجسامهم بل وفوق عقولهم قبل كل شيء.» # 120 # ولا شك أن الأهوال التي رسمها المؤلف لنظم الحكم ~~الشمولية كان أغلبها صحيحا، وهذا ما كشفت عنه الأحداث الأخيرة ~~بعد انهيار الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفيتي وأوروبا ~~الشرقية. # بعد أن كشف بلوخ النقاب عما في اليوتوبيات التاريخية من أمل ~~وتأرجح بعضها بين السكون والحركة، وانغلاق بعضها على الماضي، ~~وانفتاح البعض الآخر على المستقبل، اكتفى من يوتوبيات القرن ~~التاسع عشر، والقرن العشرين على السواء بتلك اليوتوبيات التي ~~كتبها أصحابها في شكل أعمال أديبة روائية ترسم ملامح ~~مجتمعات اشتراكية مثالية؛ مما يوحي بطبيعة الحال بتفضيله ~~لذلك النوع من اليوتوبيا التي قامت على أسس اشتراكية. وربما ~~يبدو هذا متسقا ومتماشيا مع إيمانه - حتى آخر لحظات حياته - ~~بالنزعة الماركسية التي وجد فيها وحدها الحل الذي ينهي كل ~~الظروف التي سببت شقاء الإنسان وبؤسه. # وربما كان هذا الهدف نفسه هو ما جعله يهمل أو يتجاهل نوعا ~~آخر ms321 من اليوتوبيات التي صنفت تحت اسم اليوتوبيا-المضادة، وهي ~~تلك التي تعرضت بالسخرية حينا وبالتحليل حينا آخر لمساوئ ~~النظم الاشتراكية (أورويل، 1984م)، أو لمخاطر التطبيقات غير ~~الإنسانية لمنجزات العلم والتقنية (هكسلي، عالم طريف شجاع). ~~وعلى الرغم من خطورة العديد من المساوئ التي وردت في هذه ~~اليوتوبيات المضادة، وعلى الرغم من أن بلوخ نفسه عاصر العديد ~~من مفاسد تلك الأنظمة وعاش تجربتها المريرة، وعلى الرغم من ~~إيمانه باللاحتمية التاريخية التي تتفق مع نسقه الجدلي المفتوح ~~وتتعارض تعارضا أساسيا مع الفكرة الماركسية عن حتمية التطور ~~التاريخي؛ على الرغم من كل هذا فقد ظل إيمانه بالماركسية ~~الإنسانية باقيا، وسيطر عليه حتى النهاية حلمه بمجتمع ~~شيوعي إنساني؛ مما جعله ينسى أو يتناسى عن عمد تلك ~~اليوتوبيات-المضادة. # الفصل السادس # | تجليات الأمل في اليوتوبيات الاجتماعية # عبرت اليوتوبيات الاجتماعية طوال تاريخها عن أمل البشرية في حياة ~~أفضل، ورسمت صورا لمجتمعات خيالية مثالية. وقد كان من الطبيعي أن ~~تتوجه كل اليوتوبيات على اختلافها إلى السعادة الاجتماعية غير ~~المحدودة، والوصول إلى المجتمع العادل الذي يتحقق فيه الإخاء والمساواة ~~بين البشر كافة، ويختفي فيه الفقر والعوز والحاجة. ورأى معظم ~~اليوتوبيين أن مثل هذا المجتمع لا بد أن يكون في جزر بعيدة نائية ~~وربما تكون خارج التاريخ، مما يؤكد أن مجتمعاتهم القائمة بالفعل لا ~~تصلح أن تكون مجتمعات نموذجية أو يوتوبية. ومن ثم بحثوا عن أماكن ~~جديدة لم تطأها قدم إنسان من قبل، أو ربما تكون غير موجودة على خريطة ~~الواقع بل من صنع خيالاتهم. وحقيقة الأمر أن مثل هذه اليوتوبيات - التي ~~تبدو للوهلة الأولى غير تاريخية وخارج المكان والزمان - لم تبتعد عن ~~واقع مجتمعاتها بخطوات كبيرة، بل من الممكن وضع لوحة زمنية لها تلقي ~~الضوء على علاقتها الوثيقة بعصرها، وتبين أنها نشأت من تناقضاته كما ~~استشرفت العصر التالي له الذي ستحل فيه هذه التناقضات. هكذا كانت ~~يوتوبيا توماس مور متطابقة في أقسامها غير الشيوعية مع الشكل البرلماني ~~للسياسة الداخلية الإنجليزية، كما أن يوتوبيا كامبانيلا تتطابق مع ~~النظام المؤيد للاستبداد الذي ساد ms322 أوروبا في ذلك الحين. مثل هذه ~~الملاحظات تكشف عن أن الحلم الذي يميز كل يوتوبيا يتضمن اتجاه العصر ~~ويتجاوزه إلى عصر آخر. أضف إلى هذا أن الإمكانات التي تعبر عنها هذه ~~اليوتوبيات هي إمكانات تاريخية، وحتى الجديد الذي تستشرفه هو أيضا ~~تاريخي. فالجديد في جمهورية أفلاطون يختلف عن الجديد في يوتوبيا مور ~~الليبرالية وهكذا ... والشيء الثابت الوحيد ~~هو العنصر اليوتوبي الذي يميز كل ~~يوتوبيا على حدة، وإذا كان هذا العنصر الثابت يتغير تاريخيا ~~واجتماعيا، فإنه ليس ساكنا كإمكانات ليبنتز الخالدة، بل ينطوي على ~~إمكانات تتحرك في التاريخ وتتطور تطورا اجتماعيا، وحتى إذا كانت هذه ~~الإمكانات لا تظهر بشكل عيني، إلا أنها تظل تجليات للأمل وللأماني ~~الإنسانية. ويظل الأمل هو الهدف من عرض هذه اليوتوبيات في مراحلها ~~المختلفة من قديمة ووسيطة وحديثة. # أولا: يوتوبيات العصور القديمة والوسيطة # بدأت الأشكال الأولى لليوتوبيات الاجتماعية منذ عهد سحيق في ~~القدم، منذ أقام الإنسان في جماعات وعشائر صغيرة وعرف الاستقرار. ~~وعبرت اليوتوبيات الأولى عن الذكريات الشعبية السارة والحزينة التي ~~سجلتها حكايات الشعوب والحضارات المختلفة، وانعكست عليها الصورة ~~المضادة لحياة اجتماعية تسودها الحروب والصراعات وتزايد عدد ~~السكان في العصر الحديدي الذي وضعت فيه نظم التحكم الدينية ~~والعقلية مع تأسيس المدن القديمة. # 1 # وقد قدمت الحضارة اليونانية مجموعة من الأفكار ~~والتصورات لنظم مثالية كان أهم ما يميزها هو النظرة إلى الوراء ~~بشوق وحنين لعصر ذهبي مضى ولن يعود. ونجد إرهاصات هذا التفكير عند ~~الحكماء السبعة الذين نشدوا سعادة الإنسان في التوسط والاعتدال ~~والفضيلة لا في الغطرسة والتملك، كما نجده عند أصحاب مذهب اللذة ~~الذين وجدوا أن السعادة قاسم مشترك بين البشر جميعا، وأن اللذة ~~والمتعة هي التي تميز الإنسان وترفعه عن مستوى الحيوان. وكان ~~أرسطيبوس على رأس القائلين بمذهب اللذة، فذهب إلى القول بأن ~~الاستمتاع هو الحالة البشرية الطبيعية. ونلمس هذا العنصر اليوتوبي ~~أيضا عند أرسطو فانيس في مسرحية «الطيور» حيث توجد الصور المفعمة ~~بالأماني والحنين للعصر الذهبي التي صورها المؤلف في شكل ~~كوميدي: # سوف لا يموت ms323 الإنسان من الحاجة بعد الآن، # لأن كل شيء ملك لكل فرد؛ # الخبز والكعك، واللحم المملح # والنبيذ والحبوب والعدس. # 2 # كذلك صور الشاعر هيزيودوس - ولد حوالي ~~700م - العصر الذهبي فيما تبقى من أشعاره عن الحنين الشديد لحالة ~~الطبيعة الأولى التي يسودها الحب والمساواة والخير بين الناس ~~جميعا. # أما عن جمهورية أفلاطون التي كتبت بين عامي 370 و360 قبل ~~الميلاد كما سنرى بالتفصيل فيما بعد؛ فهي تعد أول عمل يوتوبي يقدم ~~نظاما اجتماعيا مثاليا بكل تفاصيل بنائه ومؤسساته. ومع أنه ~~ليس أول نظام تخيله الإغريق - فقد سبقته إرهاصات كثيرة - إلا أنه ~~ظهر في وقت تفكك المدينة اليونانية واشتباك مدن الإغريق في صراعات ~~دامية كان من أعنفها وأطولها الحرب بين أثينا وإسبرطة. لذلك حاول ~~أفلاطون أن يقدم نموذجا معقولا لنظام اجتماعي صالح ودائم يؤكد ~~للمواطنين الصالحين أن السعي للحياة الفاضلة والعادلة يثاب عليه في ~~الدنيا والآخرة على السواء: «وبهذا يتحقق لنا السعادة لا على هذه ~~الأرض وحدها، بل أيضا في تلك الرحلة التي تدوم ألف سنة.» # 3 # وقد أراد أفلاطون تأسيس مدينة فاضلة على نمط إسبرطة ~~التي كانت هي نموذجه التاريخي ببنائها الصارم وطبقاتها الاجتماعية ~~المغلقة. # كانت إسبرطة تناظر أثينا في شهرتها بالفكر اليوتوبي، وكما أسس ~~أفلاطون مدينته المثالية في أثينا، كتب المؤرخ اليوناني بلوتارك ~~(من حوالي 45-120م) في القرن الأول بعد الميلاد حياة ليكورجوس ~~المشرع الإسبرطي الذي رفعه أهل مدينته إلى مصاف الآلهة فيما ~~بعد. فعندما أراد إدارة شئون إسبرطة سافر إلى كريت وآسيا ومصر ~~ليكتسب معرفة وخبرة سياسية على أساس علمي. وساعده مواطنوه ~~الساخطون على حكم الملوك فساندوا تشريعاته. ولم يكن ليكورجوس يهدف ~~إلى تغيير جزئي أو تعديل للقوانين؛ إذ رأى ضرورة تفجير ثورة ~~شاملة والبدء في تشكيل حكومي جديد، ولهذا كون بالفعل مجموعة ~~من ثلاثين مواطنا مدججين بالسلاح لحفظ النظام في الأسواق العامة ~~وإثارة الرعب في نفوس معارضيه. كما شكل مجلسا للشيوخ من ثلاثين ~~عضوا وله سلطة متساوية مع سلطة الملوك. ومن بين أكثر الرجال ~~خلقا وفضلا تتم الترقية للمناصب ms324 العليا بالانتخاب المباشر من ~~الشعب، كما يقوم مجلس الشيوخ بالتوسط لحفظ توازن السلطة المتأرجحة ~~بين الاستبداد تارة والحكم الجمهوري تارة أخرى. # 4 # ركز ليكورجوس انتباهه على المشاكل الاجتماعية عندما اصطدم بعدم ~~المساواة بين الغني والفقير، فقرر إعادة توزيع الأرض. لكن الحقيقة ~~أن مشكلة عدم المساواة في توزيع الثروة لم تؤرقه لأسباب إنسانية ~~بل لأسباب سياسية بحته، وذلك لاعتقاده أن الملكية تؤثر تأثيرا ~~سيئا على الرجل الغني، وأن إعادة توزيعها تحفظ للدولة توازنها. ~~ولنفس السبب لم يقم بإلغاء الملكية أو نظام الطبقات أو العبيد، ~~وإنما اكتفى بإيجاد برجوازية صغيرة أو طبقة رأسمالية وسطى ~~تستطيع - في رأيه - أن تخلق جسدا متجانسا للدولة. # 5 ~~(1) جمهورية أفلاطون # أعجب أفلاطون بنظام التربية والتدريب العسكري الصارم في ~~إسبرطة فاتخذه نموذجا لمدينته الفاضلة التي تنشد السعادة ~~القصوى للعصر الذهبي. وجاءت جمهوريته بمثابة نظام إسبرطي ~~كامل في ثوب يوتوبي، بحيث لا تختلف عن هذا النظام إلا بفكرة ~~الحاكم الفيلسوف أو الفيلسوف الحاكم، أي أنها قائمة على بناء ~~عقلي يحتفظ بنزعة أرستقراطية إسبرطية. # أقام أفلاطون مدينته الفاضلة على أساس نظرية مشهورة في ~~العدالة صدر بها الكتاب الأول من الجمهورية. وتقوم هذه النظرية ~~على أن لكل فرد وظيفة محددة يصلح لها وفقا لطبيعته ولا يصلح ~~لغيرها، ولهذا يقدم على لسان المتحاورين تعريفات عديدة ~~للعدالة يجملها في النهاية بقوله على لسان سقراط: «إن وظيفة ~~الشيء هي ما يؤديه هذا الشيء وحده، على أفضل نحو ممكن.» # 6 # ثم يعود في الكتاب الرابع ليقول: «إن العدالة ~~تتحقق في الدولة إذا ما قامت كل طبقة من الطبقات التي تكونها ~~بما يتعين عليها أداؤه.» # 7 # وبذلك تكون نظريته في العدالة قد اعتمدت على فكرة ~~تقسيم المجتمع إلى طبقات، بحيث يصبح العدل هو التزام كل طبقة ~~بما أوكلت إليها الطبيعة من أعمال بغير تدخل في شئون الطبقات ~~الأخرى. # وللمدينة ثلاث وظائف هي الإدارة والدفاع والإنتاج، وهذه ~~الوظائف تقابل قوى النفس الثلاث: القوة العاقلة، والقوة ~~الغضبية، والقوة الشهوانية. فالوظيفة الأولى للمدينة، وهي ~~الإدارة، يتولاها الحكماء أو الفلاسفة ms325 المشرعون الذين ~~يمثلون الطبقة الأولى في مجتمع المدينة، ويقابلها القوة ~~العاقلة في النفس التي هي بمثابة الرأس من الجسد، فمكان هذه ~~الملكة الإنسانية هو العقل، وفضيلتها الحكمة. والوظيفة الثانية ~~وهي الدفاع يتولاها حراس وجنود محاربون أشداء، وهم في المرتبة ~~الثانية من الترتيب الطبقي للمجتمع ويقابلها القوة الغضبية في ~~النفس التي هي بمثابة الصدر أو القلب في الجسد وفضيلتها ~~الشجاعة. أما عن الإنتاج - أي الوظيفة الثالثة - فهو من نصيب ~~الزراع والصناع والتجار، وهم الطبقة الدنيا من سلم الهرم ~~الاجتماعي ويقابلها في النفس القوة الشهوية ومكانها البطن ~~والأطراف من الجسد وفضيلتها الطاعة والامتثال، وأما عن عبيد ~~المدينة فهم يقومون بالأعمال الدنيا في المجتمع وليس لهم حق ~~المواطنة. # بذلك قسم أفلاطون طبقات المجتمع تقسيما ثلاثيا، وعزل ~~العامة من الناس عن الشئون السياسية في جمهوريته. ولتأكيد هذه ~~الطبقية أشاع في أهل المدنية أكذوبته الشهيرة عن خلط الإله ~~لمعدن بعضهم بالذهب ليؤهلهم للحكم، وخلط بعضهم الآخر بالفضة ~~لتولي الحراسة. والباقي أي العامة بالبرونز: «إن الله الذي ~~فطركم قد مزج تركيب أولئك الذين يستطيعون الحكم منكم بالذهب. ~~ثم مزج تركيب الحراس بالفضة، وتركيب الفلاحين والصناع بالحديد ~~والنحاس. ولما كنتم جميعا قد نبتم من بذرة واحدة، فإن ~~أبناءكم على الرغم من أنهم يشبهون آباءهم عادة، قد يأتون ~~أحيانا من الفضة لأبوين من ذهب، أو من الذهب لأبوين من الفضة، ~~وكذلك الحال في المعادن الأخرى. لهذا عهد الله إلى الحكام ~~أولا وقبل كل شيء برعاية الأطفال، وبالعناية الكبرى بالمعدن ~~الذي يدخل في تركيب نفوسهم. فإن دخل في تركيب أبنائهم عنصر من ~~النحاس أو الحديد، فينبغي ألا تأخذهم بهم رحمة وأن يعاملوا ~~طبيعتهم بما تستحقه، ويدخلوهم في زمرة الصناع أو العمال، أما ~~إذا أنجب هؤلاء الأخيرون أبناء يمتزج بهم الذهب أو الفضة، ~~فعليهم أن يقدروهم حق قدرهم، ويرفعوهم إلى مرتبة الحراس أو ~~المحاربين؛ إذ إن هناك نبوءة تقول إن الدولة تفنى لو حرسها ~~الحديد والنحاس.» # 8 # هكذا أقام أفلاطون نظاما للحكم في مدينته قائما ~~على عدم المساواة بين أفراد ms326 جمهوريته التي يرأسها الحاكم ~~الفيلسوف ويحميها طبقة من الحراس الأقوياء، أما الزراع ~~والصناع فهم الطبقة المنتجة في المدينة، وهي أيضا الطبقة ~~المحتقرة لأنها تمتهن المهن اليدوية التي دأبت الحضارة ~~اليونانية على احتقارها. وقد وضع أفلاطون نظاما خاصا لتربية ~~طبقة الحكام والحراس على نمط التربية العسكرية في إسبرطة. ~~ويبدأ هذا النظام من الطفولة باختيار الأذكياء والموهوبين من ~~الأطفال لتتعهدهم المدينة بالتربية البدنية ليشبوا على درجة ~~عالية من القوة الجسمية، ومراقبة ما يصل آذانهم من قصص وحكايات ~~«فأول ما يتعين علينا عمله هو أن نراقب مبتكري القصص الخيالية، ~~فإن كانت صالحة قبلناها، وإن كانت فاسدة رفضناها. وعلينا بعد ~~ذلك أن نكلف الأمهات والمرضعات بألا يروين للأطفال إلا ما ~~سمحنا به.» # 9 # وكذلك استبعد أفلاطون كل فنون التراجيديا والشعر: ~~«أعني تلك التي رواها هوميروس وهزيود وغيرهما من الشعراء وهم ~~أعظم رواة القصص الكاذب الذي لا يزال شائعا بين الناس.» # 10 # وقد استبعد فن الشعر بسبب ما يرويه عن صراع الآلهة ~~والأبطال من روايات تفسد في رأيه - أي أفلاطون - ضمائر حراس ~~المستقبل: «كذلك ينبغي ألا نقول أبدا إن الآلهة تشن الحرب على ~~الآلهة، وأنها تنصب الفخاخ وتحيك المؤامرات بعضها للبعض، فتلك ~~قصص كاذبة يجب ألا تقال لحراس المستقبل إذا ما كنا نريدهم أن ~~ينظروا إلى مقاتلة بعضهم بعضا على أنها عار ينبغي تجنبه. ~~وعلينا أن نحذر من رواية معارك العمالقة والحروب العديدة التي ~~شنها الآلهة والأبطال على أصدقائهم وأقربائهم، أو أن نخلد ~~تلك المعارك في صورنا ونقوشنا، وإنما ينبغي أن ننبئهم، إذا ~~أمكن أن نجعلهم يصدقوننا، بأن الصراع والقتال شر وأنه لم يحدث ~~حتى الآن أي صراع بين المواطنين. وهذا ما يتعين على المسنين من ~~الرجال والنساء أن يبدءوا بتلقينه لأطفالهم.» # 11 # وهكذا يشب الأطفال وقد قويت أبدانهم وتغذت نفوسهم وأرهف ~~حسهم بالفنون الجميلة وأصبحوا في سن الثامنة عشرة مؤهلين ~~لتلقي العلوم العقلية كالحساب والهندسة والفلك، وهي العلوم ~~التي تقوم على البرهان لتؤهلهم لدراسة العلوم الفلسفية. ~~وتنتزع من نفوس الحراس كل شهوات الحياة المادية ms327 وشواغلها ~~فيحظر عليهم اقتناء الذهب أو الفضة، ويوفر لهم الشعب طعامهم ~~وشرابهم، كما يحظر عليهم تكوين أسرة، فتعقد المدينة للحراس ~~زواجا رسميا كل عام بغرض التناسل، وعندما يبلغ الحراس سن ~~الثلاثين يتم اختيار من لهم كفاءة فلسفية ليعكفوا على دراسة ~~الفلسفة ومناهجها العلمية، ويتدرجوا في المناصب الإدارية حتى ~~إذا بلغوا سن الخمسين انصرفوا لتأمل عالم المعقولات الخالصة: ~~الحق والخير والجمال، ويكون لهؤلاء الفلاسفة الحكم المطلق، ~~فإذا كان الحاكم فردا واحدا كانت الملكية أو حكم الفرد، وإذا ~~كانت جماعة كان نظام الحكم الأرستقراطي، وليس لأحد من البشر ~~الحق في معارضة هذا الحكم المطلق؛ إذ لا يتوجب عليهم سوى ~~الطاعة والامتثال. # إن نظام الحكم في الدولة المثالية عند أفلاطون بمثابة ربط ~~لعلم السياسة بعلم الأخلاق، فأخلاق الطبقة الحاكمة ومدى ~~التزامها بالحكمة والفضيلة من الأمور التي يتوقف عليها صلاح ~~الدولة أو فسادها، وهذا البناء العقلي للمدينة المثالية يبدأ ~~في الانهيار من لحظة اختيار الحكام للوقت غير الملائم للزواج، ~~الأمر الذي يترتب عليه إنتاج جيل أقل صلاحية، ولو نظرنا إلى ~~أشكال الحكم التي وصفها أفلاطون وكيف تدرجت لعرفنا كيف فعل ~~الفساد فعله وتسبب في انهيار دولته المثالية. إن أول أشكال ~~الحكم هو: الحكومة الأرستقراطية التي يتولاها فرد وتكون حكومة ~~ملكية (موناركية)، أو يتولاها جماعة فتكون حكومة أرستقراطية، ~~وهي التي تفسد عندما تنجب الدولة أولادا غير أكفاء نتيجة ~~الخطأ في اختيار الوقت الملائم للتناسل؛ فينتج جيل يستعيض عن ~~الفضيلة والشرف العسكري بالمال والثروة ... إلى أن تأتي الحكومة ~~الأوليجاركية التي هي «ذلك النوع القائم على الثروة، والذي ~~يحكم فيه الأغنياء دون أن يشاركهم الفقراء في السلطة على الإطلاق.» # 12 # ويدب الفساد في هذه الحكومة نتيجة لانقسام المجتمع ~~كله إلى أغنياء وفقراء: «إنه لا مفر لهذه الدولة من أن تفقد ~~وحدتها، وتغدو دولتين لا واحدة: دولة للأغنياء، ودولة ~~للفقراء، وهما دولتان تعيشان على نفس الأرض وتتآمر كل منهما ~~على الأخرى بلا انقطاع.» # 13 # ويثور الأقوياء من الفقراء على الأغنياء رافعين شعار الحرية ~~والمساواة بين الجميع، ويتم انتخاب ms328 الحكام بالاقتراع، وقد يبدو ~~أن هذه هي أفضل أنواع الحكومات حيث تكون السيادة للأغلبية ~~الفقيرة التي شعارها الحرية والمساواة المطلقة فهي - على الأقل ~~بمفهومها في العصر الحاضر - الأمل المنشود لكل الشعوب. ولكن ~~الديمقراطية في نظر أفلاطون تختلط بالفوضى التي يصبح فيها ~~مفهوم الحرية هو إباحة كل الشهوات: «لأن هذه الحكومة، بفضل ~~الحرية التي تسودها، تشتمل على كل أنواع الدساتير، ويبدو أنه ~~ما على المرء إذا كان ينشد نظاما من نظم الحكم إلا أن يتوجه ~~إلى دولة ديمقراطية ليختار منها النظام الذي يروقه؛ فهي سوق ~~للدساتير يتسنى للمرء فيه أن ينتقي الأنموذج الذي يفضله.» # 14 # ويترتب على الحرية المرادفة للفوضى أن تنقلب ~~الأمور عندما يبرز أحد دعاة الديمقراطية فيحول الحرية إلى نوع ~~من العبودية، أي عندما يتولى الحكم منفردا ويتحول إلى طاغية. ~~وهنا تظهر آخر أنواع الحكومات وهي حكومة الطغاة: «فالتطرف في ~~الحرية لا يمكن أن يؤدي إلا إلى التطرف في العبودية سواء في ~~الفرد أو الدولة (...) وهكذا تنشأ الحكومة الاستبدادية بطريقة ~~طبيعية من الحكومة الديمقراطية، أي أن الحرية المتطرفة تولد ~~أكمل وأفظع أنواع الطغيان.» # 15 # وعندما يبرز أحد الديمقراطيين ويستأثر بالسلطة ~~وتأييد الشعب معا، يسعى لإخضاع الجميع لسلطانه «وإذا ما شك في ~~أن لبعض الناس من حرية التفكير ما يجعلهم يأبون الخضوع ~~لسيطرته، فإنه يجد في الحرب ذريعة للقضاء عليهم، بأن يضعهم تحت ~~رحمة الأعداء، لهذه الأسباب كلها كان الطاغية دائما مضطرا ~~إلى إشعال نيران الحرب.» # 16 # وهكذا تنهار الدولة المثلى التي يختفي منها العدل، ~~وتغيب الفضيلة، وتختنق الحكمة. # تلك هي الملامح الرئيسية لدولة أفلاطون المثالية، لأول وأشهر ~~دولة يوتوبية في تاريخ الفلسفة. ولكن جمهورية أفلاطون - شأنها ~~شأن معظم اليوتوبيات قبل القرن الثامن عشر - كانت أبعد ما تكون ~~عن الديمقراطية وعن الطبيعة البشرية؛ إذ فاقت كل النظم ~~اليوتوبية في سكونيتها وعدم تاريخيتها وبعدها عن اليوتوبيا الإنسانية، # 17 # وإن بقيت مع ذلك نموذجا لكل اليوتوبيات التي جاءت ~~بعدها. إن أفلاطون الذي أقام جمهوريته على نظرية العدالة، قام ~~بإلغاء الحقوق الطبيعية لأفراد ms329 المجتمع، هذا من جانب، ومن جانب ~~آخر قصر العدالة على أهل اليونان دون سائر البشر، فحين تنشب ~~الحروب بين أهل اليونان لا ينبغي أن يقتل بعضهم البعض ولا أن ~~تدمر مدنهم، بل ينحصر التدمير والحرق في مدن الأعداء من غير ~~اليونان، أضف إلى هذا أن عدالة أفلاطون لا تبيح أن يسترق أهل ~~اليونان بعضهم البعض، بل يقصر الرق على الشعوب الأخرى: «فيما ~~يتعلق بالعبودية، أترى من العدل أن تنزل مدينة يونانية إلى ~~مرتبة العبيد؟ أليس علينا أن ننهاهم عن ذلك، على قدر ~~استطاعتنا، حتى بالنسبة إلى بقية الدول، وأن نعودهم احترام ~~الجنس اليوناني؟ (...) وعلى ذلك فلن يكون لنا نحن عبيد إغريق، ~~وسننصح بقية اليونانيين بأن يحذوا حذونا.» # 18 # وبالعودة إلى بلوخ يتبادر إلى الذهن هذا التساؤل: كيف ينظر ~~فيلسوف الأمل إلى مسرى الحلم اليوتوبي في جمهورية أفلاطون؟ وما ~~هو الجديد والممكن الكامن داخلها؟ في رأيه أن الحلم المفعم ~~بالأماني في هذه اليوتوبيا هو النظام الإسبرطي العسكري، كما هو ~~أيضا الحلم باستعادة العصور الخيالية للعصر الذهبي. لذلك ~~تعد في رأيه من أكثر اليوتوبيات رجعية، لأن النظرة إلى ~~الوراء هي التي تميزها. ومن الطبيعي ألا تتطلع للجديد ولا ~~تتضمن ممكنا إيجابيا؛ إذ بقيت أقرب إلى تقرير واقع ~~اجتماعي قائم بالفعل ولم تعبر عن أي قدر من الاحتجاج أو ~~الثورة عليه. أما ما جاء به من مشاعية فهي مقصورة على ~~الطبقات العليا من المجتمع دون غيرها في ظل دولة كلية أو ~~مملكة عقلية مستقرة. # 19 # وربما يعود ذلك إلى أن يوتوبيا أفلاطون مغروسة في ~~واقع عصرها، فهي مشروع لإنقاذ المدينة اليونانية التي آلت ~~انقساماتها في عصره إلى مأزق شديد، بحيث أصبحت الوحدة هي ~~الغاية اليوتوبية التي سيطرت عليه في الجمهورية. ولم يجد ~~أفلاطون هذه الوحدة الغائية إلا في العقل، ففيه وحده تنحل ~~التناقضات وتمحى الفروق والنزاعات. لذلك أصبح ما هو اجتماعي ~~وواقعي في فلسفة أفلاطون تابعا لما هو عقلي، وعندما خالف ~~الناس تقاليد العقل حلت حركة الفساد محل السكون الخارجي ~~والسكينة الداخلية، كما ms330 حل الانفصام محل الوحدة، # 20 # وهكذا اختفى الحلم من جمهورية أفلاطون كما تلاشى ~~الجديد، وعاشت في دائرة الماضي الذهبي، وكأن مخترع الجدل قد ~~أوقف حركته وتناقضه وتقدمه ليسكنه محطة تاريخية ~~بعينها. ~~(2) الرواقية والدولة العالمية # حصر أفلاطون جمهوريته المثالية داخل أسوار دولة المدينة ~~اليونانية، وظلت اليوتوبيا ردحا طويلا من الزمن لا تتعدى ~~مدينة أفلاطون، أو جزيرة آمبيلوس، # 21 # إلى أن جاءت الرواقية التي تعدت قيود الزمان ~~والمكان ووسعت دائرة المدينة في سبيل دولة عالمية. وكان ~~للرواقية ثلاث مدارس: المدرسة اليونانية القديمة التي أسسها ~~زينون الأكتيومي (336-264ق.م.) ثم خلفه كريسيبوس (282-204ق.م.) ~~والمدرسة الهلينيستية ويمثلها بوزيدونوس (135-51ق.م.)، ثم ~~المدرسة الرومانية وكان من أعظم شخصياتها سنيكا ~~(4-65م)وأبيكتيتوس (50-138م)، وهي المدرسة التي عاصرت معظم ~~أباطرة الرومان وكان لها أثر عظيم على أيديولوجية ~~الإمبراطورية الرومانية بحيث أصبحت المدرسة الرواقية ظاهرة ~~تاريخية امتدت ما يقرب من ثلاثة عصور. # كان لفتوحات الإسكندر الأكبر والتوسع الهائل للإمبراطورية ~~الرومانية أثره الكبير على اتساع الأفق اليوتوبي للدولة ~~العالمية التي نادى بها الرواقيون، وهي دولة تخطت حدود كل ~~الدول وتوسعت في فكرة النظام الاجتماعي المثالي ليشمل البشرية ~~كلها، فلم يعد الفرد مجرد مواطن داخل أسوار المدينة. وإذا كان ~~أفلاطون قد بدأ من الإنسان الكلي، فقد بدأت الرواقية من ~~الموجودات البشرية المتفردة الحرة لتشكيل مجتمع إنساني ~~كبير. لقد قامت اليوتوبيا الرواقية في الأساس على مذهب أخلاقي ~~هو على النقيض من المذهب الأخلاقي لكل من أفلاطون وأرسطو، ~~«فإن هذين الفيلسوفين أخضعا الفرد للدولة، وأنكرا بذلك حق ~~الإنسان في الحرية الشخصية ولم يعرفا من روابط الصداقة والعطف ~~إلا ما يكون بين المواطنين من أهل المدينة الواحدة، ولم ~~يعمما صفة الإنسانية تعميما تتخطى به حدود المكان والزمان. ~~فجاءت الرواقية للقيام بمهمة أخرى، وحاولوا القضاء على تلك ~~العصبية وخطوا في هذه السبيل خطوات جديدة، فأحلوا «الإنسان» ~~محل «المواطن».» # 22 # ليصبح مواطن-العالم # World-Citizen ~~، أي ليس مواطنا في مدينة أو ~~دولة ما بل وطنه العالم، في دولة عالمية هدفها وحدة الجنس ~~البشري، فكانت أول يوتوبيا ترفع شعار العالمية. # يقوم ms331 المجتمع اليوتوبي الرواقي على أساس عقلي، فالطبيعة قد ~~منحت البشر جميعا - بشكل ~~متساو - ملكة العقل. وبالعقل وحده يستطيع الإنسان الحكيم أن ~~يأتي بالأفعال الخيرة، بأن يتوافق مع الطبيعة ويدرك أن إراداته ~~جزء من الإرادة الكلية، وأن عقله جزء من العقل الكلي. لذلك ~~يخضع خضوعا مطلقا للقدر بنفس راضية، وبقناعة أيضا بأن هذا ~~دوره المكتوب له، وما عليه إلا أن يؤديه طواعية. لهذا لم يكن ~~لدى الرواقية سبب للثورة على الواقع ولا رغبة في تغييره، بل ~~على العكس من ذلك، تقبله كما هو بسلبية مطلقة. ولم يجد ~~أبكتاتوس - وهو من الشخصيات الرواقية المتأخرة، الذي كان ~~عبدا - لم يجد في العبودية سببا للثورة على الواقع، كما لم ~~يجدها متناقضة مع فكرة الأخوة الرواقية التي تجمع كل البشر في ~~وحدة عالمية. ولم تنظر الأخلاق الرواقية للكوارث على أنها شر، ~~بل رأت أنها انفعالات خاطئة. إن اليوتوبيا الرواقية هي ~~اليوتوبيا التي اتجهت إلى ما هو كامل بالفعل، أي إلى الطبيعة ~~الموجودة والعالم المكتمل مما جعلها غير قادرة على رؤية ~~متناقضات الواقع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أغفلت الظروف ~~الخارجية بل واحتقرتها ودعت إلى التخلص منها بالرجوع إلى ~~الطبيعة. أي أنها كانت دعوة لإقامة دولة عالمية لا يتم ~~التعامل فيها بالمال ولا بالقانون ولا بالدستور، كما أنه ليس ~~هناك حاجة لقيام أية مؤسسات ولا محاكم، ولا ضرورة لوجود جنود، ~~لأنه مجتمع اختفت منه الحروب واستغنى عن أية تنظيمات موضوعة، ~~كما استغنى عن التعاملات الاقتصادية ولم تعد به حاجة إلا إلى ~~مجتمع يسوده الانسجام مع غرائز الطبيعة، مجتمع تختفي فيه ~~الفروق الاجتماعية بين الرجل والمرأة، وبين اليونان والبرابرة، ~~والأحرار والعبيد، أي تختفي منه كل الفروق في الدولة الطبيعية الجديدة. # 23 # لم يرد الرواقيون لهذه الإمبراطورية الواسعة أن تكون قوة ~~سياسية ذات كيان مادي، بل أرادوها جامعة روحية تقوم قبل كل ~~شيء على وحدة المعرفة والإرادة. والحق أن فكرة «الجامعة» هذه ~~لم يكن لها أول أمرها علاقة بالسياسة مطلقا؛ إذ المدن ~~الإنسانية الواقعية تقتضي بين البشر ms332 فروقا وضروبا من التفاضل ~~وعدم المساواة، في حين أن «المدينة الفاضلة» أو «المدينة ~~الإلهية» - في نظر أصحاب الرواق - إنما هي مجتمع تحل فيه ~~الوحدة العقلية محل الوحدة السياسية. # 24 # وعلى الرغم من ذلك فقد كان للمفهوم اليوتوبي ~~الرواقي تأثير ملهم سواء في الإمبراطورية الرومانية قديما ~~تحت لواء الرواقيين المتأخرين، أو في عصور لاحقة كما في ~~النزعة العالمية اليهودية، أو في المسيحية المبكرة. # 25 # نخلص من ذلك إلى أن العنصر اليوتوبي في المجتمع ~~الرواقي لا يكمن في مؤسسات سياسية أو اقتصادية أو مشاعية، ~~وإنما يكمن في دولة-العالم، وهي دولة هدفها اليوتوبي هو إصلاح ~~العالم وليس تغييره. لقد كان هدف اليوتوبيا الرواقية هو ~~الانسجام الكامل مع الإله. ومع الطبيعة، فالهدف الأخلاقي عندهم ~~هو أن يحيا الإنسان في توافق مع الطبيعة الكونية التي هو جزء ~~منها. إن الإرادة الإنسانية جزء لا يتجزأ من الإرادة الكلية، ~~ولذلك يصبح المجال الإنساني جزءا من المجال الكوني ويتشكل من ~~خلاله. ~~(3) يوتوبيا الكتاب المقدس # كان للرواقية تأثير كبير على المجتمعات اليهودية والمسيحية ~~المبكرة. فقد قدم الكتاب المقدس ما يمكن أن يعد نموذجا ~~أصيلا للعالمية المسالمة أو الهادئة التي تشكل مركز اليوتوبيا ~~الرواقية. فكيف يمكن تتبع هذا الخط اليوتوبي في الكتاب المقدس؟ ~~إنه يقدم صورة لمجتمعات بشرية نصف شيوعية، ليس بها تقسيم عمل ~~ولا ملكية خاصة. فعندما خرج الشعب اليهودي من مصر عبر الصحراء ~~لم يكن يعرف الملكية الخاصة، وكانت هذه «فترة عرس» لشعب ~~إسرائيل كما سماها النبي أرميا بسبب ما اتسمت به هذه الحقبة ~~الزمنية من براءة اقتصادية. وبعد الاستقرار في الأرض الموعودة ~~بدأت مرحلة الحياة المدنية، فاحترف اليهود الفنون والتجارة ~~وبدءوا الزراعة، وتطور المجتمع وبدأت التمايزات الطبقية، وباع ~~الدائنون المدينين كعبيد. وقد عبر سفرا الملوك الأول والملوك ~~الثاني عن المجاعة في تلك المجتمعات، كما عبرا في الوقت نفسه ~~عما فيها من ثروة ورخاء: «وكان الجوع شديدا في السامرة.» # 26 # وفي الجانب الآخر ذكر عن سليمان: «وجعل الملك ~~الفضة في أورشليم مثل الحجارة.» # 27 # هكذا انقسم المجتمع إلى ms333 طبقتين، وكان هذا الانقسام على ~~المستوى الديني والاجتماعي على السواء. فمن الناحية الدينية ~~أصبح يهوا - إله الصحراء - هو رب الفقراء من أبناء الناصرة ~~ومنهم صموئيل وإيليا ويوحنا المعمدان، كما أصبح العجل الذهبي - ~~إله كنعان - هو إله أهل الثروة. ومن الناحية الاجتماعية ساد ~~استغلال الأغنياء للفقراء، فنأى النصرانيون (فقراء أهل ~~الناصرة) بأنفسهم عن ثروة كنعان، وظلوا على إخلاصهم لرب ~~الصحراء القديم الذي لا يعرف الملكية الخاصة، وأعلنوا عداءهم ~~لثروة الكنعانيين وإلههم. فالعنصر اليوتوبي في الكتاب المقدس ~~يبدأ مما يمكن تسميته بنزعة بدائية نصف شيوعية في أرض التيه ~~ثم عداء أهل الناصرة - ومن بعدهم أنبياء إسرائيل القدامى - ~~للثروة والطغيان. وها هو ذا يهوا المنتقم والمدافع عن الشعب ضد ~~من يكدسون الأموال ويستحوذون على ملكية الأرض يقول: «وأعاقب ~~المسكونة على شرها والمنافقين على إثمهم وأبطل تعظم المستكبرين ~~وأضع تجبر العتاه. وأجعل الرجل أعز من الذهب الإبريز والإنسان ~~أعز من ذهب أوفير.» # 28 # وتميز زمن السعادة في الكتاب المقدس بتوزيع الثروة ~~التي أصبحت من أجل الكل: «أيها العطاش جميعا هلموا إلى المياه ~~والذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا وهلموا اشتروا بلا فضة ~~وبلا ثمن خمرا ولبنا.» # 29 # وهكذا تتشكل من نصوص إشعياء الأسس اليوتوبية أو ~~مركز اليوتوبيا في الكتاب المقدس: «من صهيون تخرج الشريعة ومن ~~أورشليم كلمة الرب. فيقضي بين شعوب كثيرين ينصف لأمم قوية ~~بعيدة فيطبعون سيوفهم سككا ورماحهم مناجل لا ترفع أمة على أمة ~~سيفا ولا يتعلمون الحرب فيما بعد. بل يجلسون كل واحد تحت ~~كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب.» # 30 # وجاء الرومان للأرض الموعودة، ولم تأت الوفرة مع المحتلين ~~بل حل الفقر والبؤس، فوقف يوحنا المعمدان مخاطبا عامة الشعب، ~~واعدا إياهم بنهاية شقائهم: «والآن قد وضعت الفأس على أصل ~~الشجر فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار.» # 31 # ثم شاعت أنباء سارة في تلك الأيام، أنباء عن ~~ثورة اجتماعية وقومية وشيكة الحدوث: «الذي سوف يأتي بعدي» قال ~~يوحنا، «الذي رفشه في يده وسينقي بيدره ويجمع ms334 قمحه إلى المخزن ~~وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ.» # 32 # ثم كان مجيء المسيح الذي أراد وضع نهاية لمعاناة ~~المعذبين على الأرض «نيري هين وحملي خفيف.» فهو إنسان عهد ~~إليه بتغيير كل شيء على الأرض وفي هذا العالم وليس في عالم ~~آخر. ولم يبشر المسيح - كما يزعم القديس بولس - بمملكة داخلية ~~أو بعالم آخر، وإنما أراد مملكة في العالم الأرضي، كما لم يقل ~~المسيح للفريسيين. # 33 ~~«ها ملكوت الله داخلكم.» كما جاء في إنجيل لوقا ~~(17: 21) ولكن حقيقة العبارة هي «ملكوت الله بينكم.» # 34 # ولم يقل المسيح أبدا «مملكتي ليست من هذا العالم.» # 35 # فقد حرف القديس يوحنا هذه العبارة لاستعمالها في ~~البلاط الروماني. والمسيح نفسه لم يحاول أن يقول للوالي ~~الروماني مثل هذه العبارة التي لا تتفق - في رأي بلوخ - مع ~~شجاعة مؤسس الديانة المسيحية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ~~كان هناك تعارض شديد في عصر المسيح بين معاني كلمات مثل «هذا ~~العالم» و«العالم الآخر». فلا بد أن يفهم الفرق بين المعنيين ~~فهما زمنيا - وقد أتى هذا المعنى من العقيدة النجمية في ~~الشرق القديم - ولذلك يمكننا فهم كلمة «هذا العالم» على أنها ~~مرادفة للعالم الموجود الآن في الزمن الحاضر، وأما كلمة ~~«العالم الآخر» فهي مرادفة للعالم الذي سوف يأتي في زمن ~~المستقبل «وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له في هذا ~~العالم ولا في الآتي.» # 36 # والمقصود من هذه الكلمات ليس تقسيما جغرافيا ~~يميز هذا العالم عن العالم الآخر، بل تقسيم زمني يعني وجود ~~هذين العالمين في نفس الزمن الأرضي الذي ينقسم إلى الزمن ~~الحاضر والزمن الآتي، ومن ثم يكون العالم الآخر هو الأرض ~~اليوتوبية التي تأتي معها بسماء يوتوبية جديدة: «لأني ها أنا ~~ذا خالق سموات جديدة وأرض جديدة فلا تذكر الأولى ولا تخطر ~~على بال.» # 37 # لم يقصد المسيح إذن - في زعم بلوخ - عالما آخر يأتي بعد ~~الموت، بل قصد عالما سيأتي في مملكة الحب الأرضية، بعد أن ~~ينهار هذا العالم الفاسد. كانت مملكة هذا ms335 العالم بالنسبة له هي ~~مملكة الشيطان: «أنتم من أب هو إبليس.» # 38 # لذلك نجده - وهو الذي دعا إلى الحب والسلام ونبذ ~~القوة المسلحة - يلقي سيفه في وجه الواقع الظالم: «ما جئت ~~لألقي سلاما بل سيفا.» # 39 # أما عن رفضه للقوة المسلحة في موعظة الجبل - حيث ~~كان لمملكة السماء وضع له دلالته - فإن كل عبارة يقول فيها ~~طوبى في هذه الموعظة لا بد أن تفهم في نطاق أوسع، فالمسيح ~~مفكر ذو رؤية كوارثية، وكان يتوقع الكارثة الكونية في كل ~~لحظة: «الحق أقول لكم إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض.» # 40 # ولن يساق المرابون بالسوط خارج المعبد فحسب، بل ~~ستسقط الدولة كلها بفعل الكارثة الكونية كما يصورها إنجيل مرقص ~~في الإصحاح الثالث عشر، وبدون هذه اليوتوبيا لا يمكن أن تفهم ~~موعظة الجبل. إن هذا الزمن الحاضر والظالم سيتحطم سريعا، ولكن ~~ليس بفعل الثورة بل بالكارثة الكونية. لذلك لم يهادن المسيح ~~الزمن الحاضر ولم يتحالف مع الواقع الروماني الذي يرفضه. ورفضه ~~للقوة في موعظة الجبل لم يكن إلا لإيمانه بالثورة الشاملة التي ~~ستأتي بها الكارثة الكونية، فإذا سويت القلعة بالأرض، فإن ~~الأمور الاقتصادية أو أي شيء آخر سيكون غير ذي شأن، غير أنه - ~~أي المسيح - لم ينس زمن المستقبل وقوله «مملكتي ليست من هذا ~~العالم.» إنما يعني أنها ليست من هذا العالم الروماني الظالم، ~~بل في عالم آخر أفضل منه على هذه الأرض. # 41 # لا شك أن الجماعات الدينية الأولى - اليهودية والمسيحية - قد ~~شاركت في الملكية، وطلبت الخلاص عن طريق الإيمان والفضل ~~الإلهي. ولا شك أيضا أن المسيحية الأولى ظهرت كيوتوبيا ~~اجتماعية تتميز بشيوعية الحب وعالميته لكل من يحمل وجها ~~إنسانيا. إلا أن الكتاب المقدس لم يقدم يوتوبيا اجتماعية ~~بالمعنى المفهوم الآن، لا بالمعنى الخيالي ولا بالمعنى الواقعي ~~المقصود قيامه بجهد الإنسان وتخطيطه، على الرغم من احتوائه على ~~رؤى يمكن تفسيرها تفسيرا يوتوبيا، إلا أنها ظلت معنيه ~~بالموت والخروج والخلاص من هذا العالم. ~~(4) مدينة الله للقديس أوغسطين # تأثرت اليوتوبيا المسيحية ms336 بالفلسفة الرواقية، وإن كانت هذه ~~الأخيرة قد قدمت العالم المألوف باعتباره عالما كاملا، ولذلك ~~لم تستطع أن تطور تنظيمات جديدة ولا أن تضع تصورا لعالم ~~جديد، فجاءت المسيحية لتبشر بأرض جديدة وسماء جديدة. وبعد ~~المسيح ظهر دافع للخروج من هذا العالم. والتفت الأمنية ~~اليوتوبية حول المسيح نفسه فتحولت إلى العالم الآخر، وظهرت ~~المملكة التي ليست من هذا العالم عند أوغسطين، فأشاد بقيام ~~مملكة الرب المختلفة عن العالم التعس الفاسد وبشره ~~الخطائين. # وتتركز يوتوبيا أوغسطين في آرائه الاجتماعية التي تناولها في ~~كتابه «مدينة الله» الذي كتبه ما بين عامي 431 و427م، وقد وضع ~~في مقابلها «المدينة الأرضية» وأرجع سائر المجتمعات البشرية ~~إلى هاتين المدينتين. وعلى الرغم من حالة الحرب الدائمة ~~بينهما منذ البداية، إلا أنهما تتشابكان وتختلطان ولن يفصل ~~بينهما إلا المسيح في يوم الحساب الأخير. ويقسم أوغسطين ~~التاريخ إلى فترات تمت فيها تحولات حاسمة وذات مضمون تاريخي ~~يبدأ من لحظة سقوط الإنسان في الخطيئة الأولى وحتى يوم الحساب. ~~وتبدأ مرحلة الطفولة التاريخية من آدم إلى نوح، ثم مرحلة الصبا ~~من نوح إلى إبراهيم، يليها مرحلة الشباب التي تمتد من إبراهيم ~~إلى داود، وأخيرا مرحلة الرجولة التي تبدأ من داود حتى الأسر ~~البابلي، وتمتد المرحلتان الأخيرتان حتى ميلاد المسيح لتتواصل ~~إلى يوم الحساب الأخير. وتختلط المدينة السماوية والمدنية ~~الأرضية منذ بداية التاريخ، ففي المرحلة الأولى منه دمرت ~~المدينة الأرضية في الطوفان، وحفظ الله مدينته السماوية في نوح ~~وأولاده. وبقيت مدينة الله في الأمة العبرانية، وتمثل الشعوب ~~الأخرى المدينة الأرضية. وكأن أوغسطين - بهذا التصور - يقدم ~~فلسفة لتاريخ الكتاب المقدس. # 42 # تطورت آراء أوغسطين حول المجتمع الإنساني تطورا يواكب تطور ~~تفكيره الديني، لقد أكد دور الخطيئة في الحياة الإنسانية وفي ~~كل المنظمات الأرضية مما جعل التاريخ البشري تاريخا للخلاص، ~~وألح على حاجة الإنسان للخلاص عن طريق المسيح واحتياجه ~~للنعمة الإلهية. والواقع أنه نظر إلى مصير الإنسان وتحقيقه ~~لهذا المصير من خلال النموذج الروحي لتاريخ الخلاص، أي من خلال ~~نظرة أفقية وتاريخية في سياق ms337 الخطة الإلهية لنجاة الإنسان، لا ~~من خلال نظرة رأسية تقوم على علاقته بالعالم المعقول. # 43 # ولهذا فإن أول حدث في تاريخ الخلاص كما صوره ~~الإنجيل هو سقوط الإنسانية بخطيئة آدم، بحيث تجسدت مقولات مثل ~~الخلاص والخطيئة، فيما سماه أوغسطين «مدينة السماء» و«مدينة ~~الأرض». فالمدينتان على الترتيب هما المدينة التي كتب لها ~~المجد الأبدي والأخرى هي التي كتب عليها الشقاء الأبدي، أو ~~بتعبير أوغسطين نفسه المدينة التي تعيش وفقا لإرادة الله، ~~والمدينة التي تعيش وفقا لإرادة الإنسان، المدينة الغيرية ~~والمدينة الأنانية، المدينة التي يكون الحب فيها خالصا نقيا ~~والمدينة التي يكون الحب فيها فاسدا ... وهكذا. والواقع أن ~~المدينتين لن يكون لهما أي واقع متميز بهذا المعنى أو ذاك حتى ~~تنفصلا انفصالا نهائيا في يوم الحساب الأخير؛ ذلك لأن ~~المعنيين قد ظلا متداخلين في كل المجتمعات البشرية المعروفة ~~تداخلا شديدا. # 44 # وكل ما يجمعهما هو توجه كل منهما نحو المسيح ~~بطريقة مختلفة. ففي الأولى - أي مدينة الله - يتم ذلك بالتدخل ~~المباشر من العناية الإلهية، وفي الثانية يتم بطريق غير مباشر ~~ولكن بتدبير من العناية الإلهية أيضا. وبهذا يكون التعارض ~~التاريخي بين المدينتين محددا منذ البداية، أي منذ خطيئة ~~آدم. ولا يمكن القول إن هناك إرادة يوتوبية في مدينة أوغسطين ~~أو بمعنى آخر لا يمكن القول إن يوتوبياه من تلك اليوتوبيات ~~التي تغير الإرادات. فمدينة الله تجعل الإنسان - بفعل العناية ~~الإلهية - يسير للأمام، وتلك هي القوة اليوتوبية الفعالة عند ~~أوغسطين، ولكنها مقدرة على القلة المختارة وحدها. وسيظهر ~~مجتمع القديسين هذا على الأرض في نهاية التاريخ الحاضر، أي بعد ~~انتهاء الدولة الدنيوية أو مدينة الشيطان. # 45 # وإذا كان أول حدث في سياق التاريخ هو السقوط في الخطيئة، ~~فكيف ينظر أوغسطين إلى المجتمع البشري المنظم من قبل الدولة؟ ~~الحياة الاجتماعية هي - في رأيه - حياة طبيعية، وهي أمر فطري ~~بالنسبة للبشر، فبغير مجتمع لن يكون في وسعهم تحقيق إمكاناتهم ~~البشرية، فضلا عن أن الحياة مع الرفاق من البشر أمر ضروري لا ~~غنى عنه، ويصدق هذا على ms338 المرحلة السابقة لسقوط الإنسان كما ~~يصدق على المرحلة التابعة له؛ فقد كان الإنسان حيوانا ~~اجتماعيا بالفطرة في حالة البراءة الأولى وقبل أن تفسد ~~الخطيئة فطرته، بل إن حياة الصالحين في السماء هي حياة ~~اجتماعية. أما عن المجتمع المنظم من الناحية السياسية، بما ~~ينطوي عليه ذلك من سلطة وحكومة وقهر، فليس شيئا طبيعيا ~~بالنسبة للإنسان وإنما هو أمر نافع وضروري لتنظيم حياته بعد ~~السقوط وشفائه من بعض الشرور التي أصابته على أثر السقوط. ~~فتنظيمات الحكم وخضوع المحكومين للحاكمين وقوة الإلزام التي ~~تفرضها السلطة السياسية على رعاياها، كلها أمثلة على إخضاع ~~الإنسان للإنسان، ولم تكن هذه - في رأي أوغسطين - موجودة في ~~حالة البراءة الأولى؛ إذ كان الإنسان يعيش في حالة من التكامل ~~الطبيعي الذي لم يشعر معه بالعبودية ولا الخضوع ولا التبعية، ~~ولا يمكن أن يكون لهذه الأمور معنى إلا إذا اعتبرناها عقابا ~~إلهيا على الخطيئة التي ترتب عليها ضياع التكامل. # 46 # وقبل الاستطراد في نقد أوغسطين للدولة يجب التنويه بأن ~~الدولة عنده مرادفة للإمبراطورية الرومانية، والتنويه أيضا ~~بالتحول الذي طرأ على فكرته عن الدولة. فالمعروف أن ~~الإمبراطورية الرومانية دخلت - بعد اعتناق أباطرة الرومان ~~للمسيحية - في تاريخ الخلاص الديني، ونظر المسيحيون إليها ~~باعتبارها خالدة، وأنها أداة الخطة الإلهية في التاريخ لتحقيق ~~الخلاص، لكن سرعان ما انهار هذا بعد غزو البرابرة لروما فتم ~~تجريدها من صفة الدوام، ولم تعد إمكانية الخلاص مرتبطة ~~بالإمبراطورية الرومانية كوسيلة لتحقيق النعمة الإلهية، لقد ~~أصبحت مجرد حلقة في سلسلة الإمبراطوريات والمجتمعات التاريخية، ~~كما أن الكنيسة أيضا - على الرغم من إصدارها لصكوك الغفران - ~~ليست إلا خطوة على الطريق أو حلقة من الحلقات للوصول إلى مدينة ~~الله، لأن الكثيرين من رجال الكنيسة ليسوا من القلة المختارة. ~~إن مدينة الله شبيهة بمدينة أفلاطون المثالية ولكنها تفوقها ~~كمالا ونظاما لأنها لم تؤسس بأيدي البشر بل هي من قبل الله، ~~ولذلك لا تخضع للصدفة أو القدر، ولا توجد في العالم الموجود ~~ولا وراءه بل بعده. # ويقدم أوغسطين في مدينة الله نقدا واقعيا للدولة ms339 على أساس ~~يوتوبيا غير واقعية عندما يسأل: «ماذا تكون الدولة الأرضية إذا ~~اختفى منها العدل وصارت وكرا للصوص؟» # 47 # والعدل عند أوغسطين يفهم بمعناه عند القديس بولس، ~~وهو الخضوع لإرادة الله من أجل الخلاص. ولما كان تحقيق العدالة ~~في المدينة الأرضية مستحيلا فإنه يرى أن واجب الدولة هو إقرار ~~الملكية الفردية وحمايتها، لأنه إذا أعادت الدولة توزيع الثروة ~~بالعدل بين سائر البشر تعرض النظام الاجتماعي للخلل والانهيار ~~لأنه من غير الممكن أن يحقق العدل في المدينة ~~الأرضية. # هذه هي الصورة اليوتوبية لمدينة الله، يبرز فيها التاريخ في ~~شكل صيرورة للخلاص تربط آدم بالمسيح على أساس من الوحدة ~~الرواقية للجنس البشري. وهي صورة تغلب عليها النزعة التشاؤمية ~~في نظرتها للمدينة الأرضية والحياة الدنيوية، صورة هدفها ~~اليوتوبي جعل البشر قديسين، أي أنها يوتوبيا انعقدت فيها ~~الآمال والأحلام على ميلاد روحي جديد لأغلبية البشر. ولكن ~~ما الذي جعل هذه الأحلام والآمال لا تتجه إلى المستقبل؟ يرى ~~بلوخ أن المستقبل عند أوغسطين منغلق على نفسه بحيث يصبح السؤال ~~هو: هل تعد مدينة الله يوتوبيا؟ أم هي إظهار لعلو موجود ~~بالفعل يحيط بهذا العالم؟ وهل تطور حلم اليقظة لما لم يصبح ~~بعد اجتماعيا؟ هل غرق المتعالي في هذا العالم؟ إن العلو عند ~~أوغسطين ليس علوا محضا، ومدينة الله حاضرة في التاريخ ~~باعتبارها موضوعا للصراع، وهي لن تظهر بصورة نهائية وكاملة ~~إلا إذا ذهبت المدينة الأرضية إلى الشيطان. ولن يتحقق هذا إلا ~~في نهاية التاريخ، أي أن التاريخ البشري خطوة تمهيدية نحو ~~الهدف. بل إن مدينة الله نفسها خطوة تمهيدية نحو هدف أبعد؛ ~~إذ تحمل يوتوبيا أخرى داخلها، وهي مملكة المسيح النهائية. إن ~~مدينة الله تحلق فوق العملية التاريخية في مجموعها، أنها تجسيد ~~للأبدية «حيث لا يولد أحد لأنه لا يموت أحد، وحيث تسود السعادة ~~الحقه، وحيث لا تشرق الشمس على الأشرار والأبرار على حد ~~سواء، وإنما تشرق شمس العدل فوق الأبرار وحدهم.» # 48 # ويحاول بلوخ التقاط الملامح اليوتوبية عند أوغسطين ~~مستندا إلى هذه العبارة اليوتوبية: ms340 «نحن أنفسنا سوف نكون ~~اليوم السابع.» # 49 # فهذه العبارة - في رأيه - تعبر عن نوع من العلو ~~الذي يمكن أن يثير في الإنسان، بمجرد أن يتغلغل فيه، الرغبة في ~~أن يحقق هذا العلو بنفسه ولنفسه. # 50 # والواقع أن هذا تفسير يخالف تفسير أوغسطين الذي ~~ربط الخلاص بالكنيسة وجعله دفاعا عنها، باعتبار أن الخلاص لا ~~يتحقق إلا على يد الكنيسة. وإذا كانت هذه المحاولة من بلوخ ~~تتسق مع تفكيره اليوتوبي الذي يؤكد أن فكرة الخلاص كانت فكرة ~~معبرة عن إرادة سياسية بشرية سواء في العصور الوسطى أو في ~~بداية العصر الحديث، إلا أنها تتنافى مع تفكير أوغسطين بصورة ~~تغني عن التفصيل. والحق أن مثل هذه المحاولات استخدمها بلوخ ~~مع نصوص عديدة ليطوعها لأفكاره الخاصة شأنه في هذا شأن ~~العديد من الفلاسفة الذين يجتهدون في تفسير تاريخ الفلسفة ~~بأكمله من خلال فلسفاتهم الخاصة. ~~(5) مملكة الإنجيل الثالث # كان يواخيم الفيوري. # 51 ~~(1135-1202م) صاحب أهم يوتوبيا في القرن الثالث ~~عشر، وقد نقل مملكة النور من العالم الآخر إلى داخل التاريخ في ~~دولة نهائية للتاريخ. وإذا كان أفلاطون قد وضع مجتمعه المثالي ~~في عالم المثل، ووضعه أمبيلوس في جزيرة نائية، ووضعه أوغسطين ~~في العلو، فقد جاء يواخيم الفيوري ليودعه في المستقبل التاريخي ~~حيث قال بثلاث مراحل للتاريخ يقابلها وجود ثلاث ممالك على ~~الأرض تقع بين الخلق ونهاية التاريخ: (أ) مملكة الآب التي تبدأ ~~مع بداية الخلق ويمثلها العهد القديم القائم على الخوف. (ب) ~~مملكة الابن التي تبدأ بالخلاص عن طريق المسيح ويمثلها العهد ~~الجديد القائم على الحب وتسود العناية الإلهية أنحاء المملكة. # 52 ~~(ج) مملكة الروح القدس التي توقع أن تبدأ مع ~~بداية القرن الثالث عشر، وهي مرحلة تنوير تقوم على الديمقراطية ~~بدون آباء ولا كنيسة، ويسودها الكمال الروحي والحب، وينشأ ~~العهد الثالث (أو الإنجيل الثالث) من العهد الجديد ويمثل مرحلة ~~لم تأت بعد. # 53 # في هذا العهد الثالث يكون المجتمع بلا طبقات، ويكون العصر ~~عصر رهبان ذا نزعة مشاعية، وعصر الحرية والتنوير الروحي، ~~وتتحول القلة ms341 المختارة التي وجدت عند أوغسطين إلى جموع الفقراء ~~الذين سيدخلون الجنة بأجسادهم الحية لا بأرواحهم فقط، وتغمر ~~الجسد سعادة بلا ذنوب. وفي هذا العهد يتخلص المجتمع من الخوف ~~وعبودية القانون ودولته، كما يتخلص من سلطة الكنيسة. ولم يكن ~~مذهب يواخيم الفيوري هروبا من الواقع للسماء أو لعالم آخر، ~~وإنما كان على العكس من ذلك مذهبا علمانيا - إن جاز هذا ~~التعبير - فالمسيحية في مملكته بلا وعود خاوية ولا أسياد ولا ~~ملكية، وحتى المسيح نفسه سيذوب في المملكة ليصبح فردا في ~~مجتمع من الأصدقاء. # 54 # وقد قام مذهب يواخيم الفيوري على نقد المبادئ ~~الاجتماعية الأساسية في المسيحية التي قامت على المجتمع الطبقي ~~والحق الطبيعي للملكية، وهو المجتمع الذي وضع ركائزه القديس ~~بولس. وكان من الطبيعي أن تدين الكنيسة مذهبه عن الطبيعة ~~الثلاثية داخل التثليث. # ثانيا: يوتوبيات عصر النهضة # الانتقال من العصور الوسطى إلى عصر النهضة - هذه النهضة التي ~~يعدها بلوخ الميلاد الجديد الذي شمل كل ميادين الفكر والروح والمعرفة - # 55 # يكشف عن البعث الحقيقي للكتابات اليوتوبية التي تأثرت ~~بتيارات عديدة أحدثت فعلها في فكر النهضة. فمع نشأة المدن ~~البرجوازية وسيطرة النزعة الطبيعية والإنسانية والعلمانية ~~المتفائلة بالمستقبل تكونت رؤى شبه يوتوبية عند رجال مثل نيقولا ~~دي كوزا # 56 ~~(1401-1464م) الذي افترض نظاما نصف يوتوبي يضم كل ~~البشر في العالم الذي تمزقه الاضطرابات السياسية والدينية. كما أن ~~الحياة البرجوازية للمدن الإيطالية دفعت رجالا مثل ليوناردو ~~دافنشي للتفكير في إعادة تشكيل العالم. # 57 # وتأثرت يوتوبيات عصر النهضة أيضا بتطور الحركة ~~العلمية والفنية الهائلة، وبالاكتشافات الجغرافية والتعرف على جزر ~~جديدة وسواحل نائية، وما ترتب على ذلك من ازدياد النشاط التجاري ~~وما صاحبه من نمو اقتصادي للعديد من المدن الأوروبية، وظهور ~~النزعات القومية وميل مجتمع النهضة إلى تأكيد النزعة الفردية ~~للإنسان وتطور ملكاته النقدية واتساع معرفته. كل هذه العوامل لها ~~جذورها في أول عمل يوتوبي بالمعنى الحديث، وهو «يوتوبيا» لتوماس ~~مور (1478-1535م). ~~(1) يوتوبيا توماس مور # لم تكن الأحلام والخيالات والأفكار اليوتوبية سوى استجابات ~~مختلفة للمجتمعات التي نشأت ms342 فيها. ولا يمكن أن نفهم التفكير ~~اليوتوبي قديمه وحديثه حتى نضعه في سياق التطور التاريخي ~~والاجتماعي، لأنه كان تعبيرا عن الرغبة في الإصلاح والتغيير، ~~أو كان على الأقل بمثابة احتجاج على أوضاع وظروف اجتماعية ~~واقتصادية خيم عليها الظلم والفساد. ولا يمكن أن ننظر ليوتوبيا ~~توماس مور (1516م) إلا من هذا المنظور لوضعها في إطار العصر ~~الذي كتبت فيه، وهو عصر ما قبل الإصلاح الديني، أي فترة ~~الهدوء الذي يسبق العاصفة . وربما كانت الأوضاع العامة لهذه ~~الفترة من الأسباب التي ربطت توماس مور بصداقة قوية مع أراسموس. # 58 ~~(1466-1536م) فكلاهما يضمر الإعجاب بالفلسفة ~~اليونانية ويبغض المذاهب المدرسية، وكلاهما يهاجم السلطة ~~الطاغية للكنيسة والملكية، ويؤمن بالحاجة إلى إصلاح الكنيسة، ~~وبضرورة تغلب الإنسان على أنانيته وغروره قبل خلق مجتمع ~~مثالي أفضل. # 59 # وتتألف «يوتوبيا» من كتابين وضعا في أوقات مختلفة، ولا ~~يعرف على وجه الدقة أيهما كتب قبل الآخر. يتناول الكتاب الأول ~~وصفا للجزيرة، وإن كان موقعها لا يزال غامضا، وهو وصف ~~تفصيلي للتقسيم الداخلي للجزيرة إلى أربعة وخمسين مدينة ~~متساوية في عدد السكان والمنشآت، يتحدث أهلها لغة واحدة ولهم ~~قوانين وعادات واحدة ويمارسون مهنة الزراعة، ويقوم النظام ~~المثالي للجزيرة على أساس من العدالة التي لا تتحقق إلا عن ~~طريق اشتراكية الحياة وإلغاء الملكية الخاصة، ويحتوي الكتاب ~~الثاني على وصف تفصيلي للحياة في الجزيرة، وهو ينقسم إلى عدة ~~أقسام، يتضمن القسم الأول وصفا لجغرافيا الجزيرة وتخطيط المدن ~~وحياة السكان، ويتناول الثاني نظام الحكم واختيار الرؤساء ~~ونظام العمل والحياة الاجتماعية، أما الثالث فيعالج الأساس ~~الفلسفي للحياة في الجزيرة والأخلاقيات ونظام الزواج والقوانين ~~العامة. يلي ذلك الجزء الرابع الذي يتناول علاقة «يوتوبيا» ~~بجيرانها وأمور الحرب. ثم يتناول الفصل الأخير الأديان في يوتوبيا. # 60 # وتتميز الحياة في «يوتوبيا» بالتعاون والمشاركة بين أهل ~~الجزيرة. والأسرة هي أساس الحياة المدنية، ويقوم نظام الحكم ~~فيها على النظام النيابي الذي يعتمد على الانتخابات الحرة، ومع ~~أن اللذة الإبيقورية هي هدف الحياة الإنسانية، فإن يوتوبيا مور ~~تقوم على أسس عقلانية وواقعية ms343 ملائمة لروح عصر النهضة، لقد ~~تصورت مجتمعا مثاليا من صنع الإنسان لا من صنع الله. # ولا حاجة للخوض في تفاصيل «يوتوبيا» التي تعتبر أشهر ~~يوتوبيات عصر النهضة وقامت عنها وحولها العديد من الدراسات، بل ~~كانت مصدرا ملهما للعديد من اليوتوبيات التي جاءت بعدها. ~~ولكن لا بد من التوقف عند المؤثرات العديدة التي شكلت مضمون ~~يوتوبيا أو الحكومة المثلى لها والتي هي في المقام الأول ~~تنظيم سياسي أكثر منه تنظيما اجتماعيا. # لا شك أن جمهورية أفلاطون كانت من أهم المؤثرات في يوتوبيات ~~عصر النهضة بوجه عام، ويوتوبيا توماس مور بوجه خاص، حيث ~~استعار مور فن الحوار الأفلاطوني ومنهج التوليد السقراطي في ~~صياغة يوتوبياه. وأخذ النزعة المشاعية من جمهورية أفلاطون وإن ~~لم يقصرها على طبقة ضئيلة متميزة بل جعلها حقا لكل أهل ~~الجزيرة. وعلى الرغم من المسحة الأفلاطونية التي تميز ~~«يوتوبيا» إلا أن هناك تباينا هاما بين مور وأفلاطون يتمثل ~~في عدة أمور، منها موقف كل منهما من العمل وتكوين الأسرة، ~~والنظرة إلى العبيد. إن الأخير - أي أفلاطون - قد احتقر العمل ~~اليدوي وقصره على العبيد والحرفيين، وحرر الطبقات العليا في ~~المجتمع من ممارسة العمل وجعلها تتفرغ للنظر والتأمل العقلي. ~~بينما جعل مور العمل - وبخاصة العمل في ميدان الزراعة - هو ~~القاسم المشترك بين كل أفراد الجزيرة رجالا ونساء وشيوخا ~~وأطفالا: «الزراعة هي العمل الوحيد الذي يقوم به الجميع ~~رجالا ونساء دون استثناء ويتعلمونها جميعا في طفولتهم (...) ~~وإلى جانب الزراعة يتعلم كل منهم حرفة معينة خاصة به.» # 61 # ولا شك أن ضرورة العمل كان أحد متطلبات عصر مور، ~~بعد أن اكتسب الاحترام والأهمية من جديد، فلم يعد محتقرا ولا ~~علامة على الطبقة الاجتماعية، بل أصبح في بعض يوتوبيات عصر ~~النهضة مصدرا للسعادة والبهجة التي يدخلها في نفوس العاملين. ~~ويعود اهتمام مور الواضح بالعمل - وبخاصة العمل الزراعي - إلى ~~الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها إنجلترا في عصره ~~حيث زاد الفقر بين الفلاحين، وتخلف الريف الإنجليزي وراء ~~المدينة. كما كان كذلك تعبيرا عن الاحتجاج على الرأسمالية ~~النامية ms344 وبدايات المجتمع الصناعي في عهده. والحقيقة أن يوتوبيا ~~مور نجحت فيما أخفقت فيه العصور الوسطى التي بقي فيها الفلاح ~~رازحا تحت ظروف العبودية، كما عانى الفلاحون الظلم والفقر في ~~معظم الدول الأوروبية؛ إذ لم يكن للعمل الزراعي على وجه الخصوص ~~وضع مشرف أو مساو للمهن الأخرى. وبعد أن تبين لكتاب ~~اليوتوبيا في القرن السادس عشر والسابع عشر أن ثبات المجتمع لا ~~يتحقق إلا بإدماج الريف والمدينة، اختلفت نظرة عصر النهضة ~~للعمل عن تلك التي توجد في جمهورية أفلاطون. # أما عن نقطة الاختلاف الثانية بين «يوتوبيا» مور وجمهورية ~~أفلاطون فهي تكوين الأسرة وإقرار الزواج الذي رفضه أفلاطون ~~وأقره مور على الرغم من النزعة المشاعية في يوتوبياه ~~المقصورة على الأملاك دون الأسرة والزواج، وربما يرجع إعجابه ~~بمشاعية أفلاطون إلى أنه وجد فيها الحل لبعض مشكلات عصره. لقد ~~كان هناك عدد كبير من النبلاء الذين يعتمدون على جهد البشر في ~~الأرض، ولكن عندما يمرض هؤلاء الفلاحون الكادحون يطردون خارجها ~~ويعانون الفقر والمرض، ولذلك كانت مشاعية الأرض هي الحل الأمثل ~~لمعضلة عصره. أما نقطة الاختلاف الثالثة فهي النظرة إلى طبقة ~~العبيد التي فرضت عليها العبودية طوال حياتها في جمهورية ~~أفلاطون، ولكنها اقتصرت في يوتوبيا مور على أسرى الحرب الذين ~~يؤخذون كعبيد حتى يظهروا الولاء فيتم تحريرهم، كما أن أولادهم ~~- على خلاف ما كان عند أفلاطون - ليسوا عبيدا بالتبعية ~~لآبائهم. # وعلى الرغم من التأثير الواضح للفلسفة اليونانية - وبخاصة ~~جمهورية أفلاطون - على يوتوبيا مور، إلا أنها كانت رد فعل ~~أيضا للنزعة الفردية المتطرفة التي اجتاحت عصر النهضة. جاءت ~~«يوتوبيا» لتمحو آثار الفردية، كما يلاحظ في النمط الموحد ~~للعمارة والمنازل والملابس، كما جاءت معبرة عن تناقضات مرحلة ~~انتقالية أو فترة تحول تاريخي، وهي مرحلة النهضة التي بدا ~~فيها أن الأمل في الإصلاحات الاقتصادية والدينية يمكن تحقيقه ~~بالطرق السلمية. وتجلى أحد هذه التناقضات في دفاع مور عن حرية ~~العقيدة والتسامح الديني اللذين سمح بهما في يوتوبياه من جانب، ~~ودفاعه عن الكنيسة الكاثوليكية في مرحلة تفككها وانهيارها من ~~جانب ms345 آخر. # وتعد يوتوبيا مور أول صورة حديثة للأحلام المفعمة ~~بالأماني لشيوعية-ديمقراطية نمت مع بداية القوى الرأسمالية، ~~كما هي تعبير عن نزعة ليبرالية حرة مضمونها ديمقراطية ~~إنسانية. هذا المضمون جعل من «يوتوبيا» كتابا جديرا بأن يذكر ~~في مجال الاشتراكية والشيوعية. # 62 # وتنطلق الحرية عند مور من إلغاء الملكية الخاصة ~~التي تخلق طبقة الأسياد والعبيد، ودعوته إلى العدل والمساواة ~~بين طبقات الشعب، كما يتضح من نهاية الكتاب الأول من يوتوبيا: ~~«يبدو لي أنه حيثما وجدت الملكية الخاصة ، وكان المال هو ~~المعيار الذي يقاس به كل شيء، فيكاد يكون من المستحيل أن يسود ~~المجتمع العدل أو الرخاء (...) إن الطريق الوحيد الذي لا يوجد ~~سواه لتحقيق الرفاهية للجميع هو تحقيق المساواة في جميع الأمور ~~... وإني لمقتنع تمام الاقتناع بأنه لن يمكن إجراء تقسيم عادل ~~ومتساو للسلع، ولا أن تتحقق السعادة في الحياة الإنسانية ما ~~لم تلغ الملكية الخاصة تماما. فطالما بقيت سيظل الجزء الأكبر ~~بكثير والأفضل بكثير من الجنس البشري مثقلا دائما بعبء ثقيل ~~لا مفر معه من الفقر.» # 63 # إن تحليل مور لبنية المجتمع الطبقي وتصويره لمعاناة الفقراء ~~وصراعهم مع طبقة الأغنياء المستغلين جعلت منه سابقا لعصره ~~ورائدا لكل من ماركس وإنجلز اللذين جاءا بعده بقرون، كما ~~يكشف هذا النص من نهاية «يوتوبيا» عن حس مسبق أو تنويه عن ~~فائض القيمة: «إن الأغنياء ينتزعون كل يوم من الفقراء جزءا من ~~مخصصاتهم اليومية لا عن طريق ما يمارسه الأفراد منهم من خداع، ~~بل عن طريق القانون العام (...) عندما أفكر في هذه الأمور وأتأمل ~~حالة الدول المزدهرة في كل مكان الآن، فإني لا أرى سوى نوع من ~~المؤامرة التي يديرها الأغنياء، الذين يسعون لتحقيق مصالحهم ~~الخاصة باسم المصلحة العامة وهم يعدون ويخططون الطرق والوسائل ~~التي يستطيعون بواسطتها أن يحتفظوا أولا بكل ما جمعوه عن طريق ~~ما يمارسونه من أعمال شريرة، دون أن يخشوا ضياعه، وأن ~~يتمكنوا، ثانيا، من شراء واستغلال جهد جميع الفقراء بأرخص ما ~~يمكن. وما تلبث هذه الوسائل أن تصبح قوانين بمجرد أن ms346 يقرر ~~الأغنياء مراعاتها باسم الشعب، أي باسم الفقراء أيضا.» # 64 # لقد تجنب مور في يوتوبياه شر استغلال الفقراء وما ينتج عنه ~~من مظاهر اجتماعية سيئة: «ففي يوتوبيا قد قضى تماما على كل ~~جشع للمال بالقضاء على استعمال النقود. فما أثقل الهموم التي ~~قضى عليها بذلك، وما أكثر الجرائم التي اقتلعت من جذورها. من ~~ذا الذي لا يعرف أن الغش، والسرقة، والسلب، والخصام، والفوضى، ~~والشغب، والفتنة، والقتل والخيانة، والقتل بدس السم، والتي تعد ~~عمليات الإعدام التي تنفذ يوميا نوعا من الثأر من مرتكبيها ~~أكثر منها رادعا لهم؛ ستختفي تماما باختفاء النقود؟ من ذا ~~الذي لا يعرف أن الخوف، والقلق، والهم، والعمل الشاق، والسهر ~~ستنتهي كلها أيضا في نفس الوقت الذي ينتهي فيه استخدام النقود؟» # 65 # ويمكن القول إن «يوتوبيا» هي بناء عقلي مفعم بالأماني ~~يفترض في نفسه القدرة على الوجود بجهوده الذاتية، وهي بناء لم ~~يستمد الأمل من عنصر ألفي أو من عنصر متعال «ترانسندنتالي»، ~~بل من تخطيط لم يصبح بعد داخل هذا العالم وعلى هذه الأرض، في ~~دولة مثلى تنشد الحرية وتحقيق الحد الأقصى من السعادة. # 66 ~~(2) مدينة الشمس لتوماسو كامبانيلا # ننتقل الآن من الحرية الليبرالية وتسامح الأديان في يوتوبيا ~~توماس مور إلى الوجه الآخر لهذه الحرية، إلى النظام الصارم ~~الذي يضع كل شيء في موضعه، إلى يوتوبيا تعتمد على فكرة إقامة ~~حكومة كاثوليكية وشيوعية عالمية تخضع جميع الدول تحت رئاسة ~~البابا، فقد جاء الراهب الدومينكاني توماسو كامبانيلا ~~(1568-1639م) ليعكس الاتجاهات العقلية السائدة في القرن السابع ~~عشر، ويصوغ - في فترة سجنه الطويل التي دامت سبعة وعشرين عاما ~~- «مدينة ~~الشمس» # Civitas Solis # عام 1623م والتي تم عرض الجانب التقني ~~منها في الفصل السابق ونعرض الآن الجانب الاجتماعي أو ~~المدني. # كان توماسو كامبانيلا من أوائل المناهضين في مطلع العصر ~~الحديث لفلسفة أرسطو وللعلم المدرسي بوجه عام الذي ساد الفكر ~~الأوروبي في العصر الوسيط. وقد أهاب بالعلم الجديد وتحمس ~~لجاليليو، ومع ذلك فقد أخذ بالنظام «التراتبي» للكون ~~والموجودات الذي ساد في العصور الوسطى. ms347 وبالنظر إلى الترتيب ~~الذي يحكم فن جيوتو وكيف أن كل موضوع من موضوعات اللوحة الفنية ~~مرسوم في المكان المحدد حيث يجب أن يكون، أي في المكان ~~المناسب لمرتبته، وبالنظر إلى نظام الكوميديا الإلهية حيث لكل ~~ميت موقعه الدقيق في الجحيم، وفي المطهر وفي الفردوس؛ أصبح ~~من السهل إدراك أن هذا الترتيب وذلك النظام قد انتقلا إلى ~~يوتوبيا كامبانيلا، حيث كان العلم الأساسي فيها هو علم ~~التنجيم، فالشمس هي الله والكواكب تقيم معه عهدا. إنه نظام ~~يستوحي وضع الكواكب السيارة التي هي بمثابة قادة الحياة ~~الاجتماعية، بل إن الدولة الشمس تقيم موظفين يحددون، حسب وضعية ~~النجوم، ساعة ومكان المضاجعة، فالحياة الفردية لا مكان لها، ~~والحرية ملغاة نهائيا، # 67 # والنظام هو البديل للحرية، وحرية الاختيار - بل ~~والحرية بوجه عام - لم تسلب من أهل المدينة بطريقة آلية بل ~~بطريقة ديكتاتورية النجوم التي تحيط بالبشر من فوقهم ومن كل ~~الجهات. # على الرغم من سيطرة التنجيم على حياة البشر في مدينة الشمس، ~~إلا أنها يوتوبيا عكست الإعلاء من شأن العقل الذي ساد القرن ~~السابع عشر، والأخذ بمبادئ العلم الجديد والإيمان اللامحدود ~~بضرورة التقدم المادي لأنه من أهم الشروط التي تحقق السعادة ~~المدنية. كانت هذه الخاصية لمدينة الشمس هي المنظور الوحيد ~~للأمل في يوتوبيا كامبانيلا التي انتفت فيها الحرية، وخيم ~~عليها سكون التأمل. فقد تميزت مدينة الشمس بالاختراعات العلمية ~~التي وجهت بصرها ناحية المستقبل وتجاوزت اختراعات أهل المدينة ~~ما وصل إليه العلم الأوروبي في ذلك الحين، ولا بد أن يكون ~~ازدهار البرجوازية الأوروبية في القرن السابع عشر قد أثر في ~~تطور الإنتاج من الإنتاج اليدوي إلى الإنتاج الصناعي وما صاحب ~~هذا من تطور علمي وتقني. # 68 # ساد الاعتقاد في عصر كامبانيلا بأن نهاية القرن - أي السابع ~~عشر - ستجلب معها تغيرات حاسمة وربما يأتي العالم إلى نهايته. ~~وتأثر كامبانيلا بهذه الشائعات وبزغ في ذهنه حلم غريب ومفعم ~~بالقوة دفعه للإيمان بأن التغيرات القادمة ستقود إلى إصلاح ~~شامل للمجتمع. وإن هذه اللحظة ستأتي بجمهورية عالمية وستكون ~~كالابريا # Calabria ms348 # موطنه ~~ومسقط رأسه؛ نقطة انطلاق هذا التغيير. وأغلب الظن أنه تمادى في ~~أحلامه فتخيل أن هذا التغيير سيتم تحت قيادته، وأخذ يهاجم في ~~كتاباته الأفكار القديمة ويدعو للإصلاح على ثلاثة مستويات: ~~مستوى اجتماعي، عن طريق تحسين ظروف الشعب؛ ومستوى سياسي، ~~يجعل الإسبان قادة العالم؛ ومستوى ديني، عن طريق إصلاح ~~الكنيسة. ولكن كامبانيلا لم يفهم الإصلاح بالمعنى المعروف عند ~~كالفن أو لوثر - اللذين نأيا بنفسيها عن سيطرة كنيسة روما - ~~ونادى بتوحيد العالم تحت لواء العقيدة الكاثوليكية وتطهير ~~الكنيسة من المذاهب المدرسية، مؤكدا أنها - أي الكنيسة - لن ~~تستطيع استعادة قوتها إلا إذا تبنت أفكارا فلسفية جديدة. ~~وبذلك يكون قد سعى إلى تحديث الكنيسة أكثر من سعيه لإصلاحها، # 69 # وكانت أفكاره الفلسفية قد جذبت السلطات الدينية، ~~ولكنه لم يكن ثائرا بالمعنى الحقيقي بل مصلحا متفردا، سعى ~~إلى تحديث الكنيسة أكثر من سعيه لإصلاحها جذريا. ففي شبابه ~~والسنوات الأولى من سجنه ناضل في سبيل أفكاره الفلسفية الجديدة ~~ومن أجل نظام أفضل للمجتمع. وعندما ولت سنوات السجن واستعاد ~~حريته هجرته روح التمرد، وحاول أن يجعل أفكاره مقبولة من ~~السلطات، بل كان في نهاية حياته يطمح في أن يصبح كاردينالا في ~~الكنيسة التي اضطهدته، فكتب أشعارا يتملق فيها ملك فرنسا ~~اعتقادا منه بأنه الشخص القادر على تحقيق دولته «الشمس». # 70 # إن مدينة الشمس صورة لحياة اجتماعية منظمة ~~تنظيما دقيقا أو هي بالأحرى منظومة متمركزة حول الشمس، فكل ~~شيء فيها محدد من أعلى، وكل شيء في موقعه المعين له سلفا، ~~وعلى رأس هذه الدولة يتربع الملك الشمس الذي يطلق عليه ~~كامبانيلا «ميتافيزيقوس» أي الإمبراطور الروحي، أو السلطة ~~البابوية، ويساعده في الحكم ثلاثة حكام يمثلون القوة أو ~~السلطة، والمعرفة أو الحكمة، والإرادة أو المحبة: «إن الحاكم ~~الكبير كاهن يدعونه باسم «هو» # HoH # وإن كان علينا أن نسميه الميتافيزيقوس # Metaphysic # وهو على رأس ~~الجميع، ويمسك بزمام الأمور الروحية والزمنية ويشرف على كل ~~الأعمال ويضع كل القوانين باعتباره السلطة العليا، ويساعده ~~ثلاثة أمراء يتمتعون بسلطات متساوية وهم بون وسين ومور، ms349 ~~ومعناها في لغتنا: القوة، والحكمة، والمحبة.» # 71 # وهذا تأكيد على قوة الدولة وأهميتها في مدينة ~~الشمس التي أصبحت - على العكس مما هي عند مور - هي الهدف ~~والغاية الأسمى للمجتمع الذي تتصاعد السلطة فيه من البيت إلى ~~الكومونة فالمدينة فالإقليم فالإمبراطور، حتى تصل إلى ~~المونارشية الكونية. وينتشر هذا النظام على شكل دوائر ذات ~~مركز عالمي واحد شامل، وعلى رأس هذه الكاتدرائية السياسية ~~الصارمة تقف المملكة البابوية العالمية. إنها يوتوبيا النظام ~~المحكم الذي لا يتساهل ولا يسمح بالمصادفة ويحدد لكل شيء شكله ~~ومكانه. وتتميز حكومة مدينة الشمس بأنها شيوعية تختفي فيها ~~الملكية الخاصة ، فليس هناك ربح ولا استغلال بل مساواة طبيعية. ~~ووقت العمل مخفض إلى أربع ساعات فقط: «في مدينة الشمس يوزع ~~العمل بين الجميع، وعلى كل فرد أن يعمل أربع ساعات يوميا في ~~التعليم، والمسابقات والقراءة والكتابة والتريض وفي ممارسة ~~التمارين للعقل والبدن (...) ويقول الناس في مدينة الشمس: إن ~~الفقر يخلف اللصوص والدهاء والكذابين المشردين، وإن الثروة ~~تخلف الغرور والجهل والطغاة. ولكن أفراد المجتمع الحق ~~ينشئون من الغنى والفقر معا، فهم أغنياء لا يريدون شيئا، ~~فقراء لأنهم لا يملكون شيئا، ونتيجة ذلك أنهم ليسوا عبيدا ~~للظروف وإنما الظروف هي التي تخدمهم.» # 72 # وهذه هي نفسها المبادئ النظرية التي قامت عليها ~~يوتوبيات القرن التاسع عشر مع فورييه وسان سيمون ~~وأتباعه. # إن المقابلة بين «يوتوبيا» مور و«مدينة الشمس» لكامبانيلا هي ~~مقابلة بين الحرية والنظام، واليوتوبيات التي قامت على أحدهما ~~دون الآخر كان مآلها الفشل أو انتهت إلى التجريد والسكون. ~~فالعلاقة بين الحرية والنظام يجب ألا تكون هي علاقة إما هذا أو ~~ذاك بل يجب أن تفهم في إطار جدلي مادي لكي تنتهي إلى ~~اليوتوبيا العينية. وقد استطاع ماركس أن يربط بين العنصر ~~الفيدرالي الحر عند مور وأتباعه وبين عنصر التنظيم المركزي عند ~~كامبانيلا وأتباعه. وبذلك أصبح النظام هو الشيء الجديد أي ~~المركزية الديمقراطية التي هي تنظيم مشترك لعملية الإنتاج، ~~وخطة جماعية موحدة لتعليم الإنسان وتهذيبه. بذلك ابتعد عن ~~الدولة المنظمة البعيدة عن التاريخ ms350 والشعب، كما تجنب الثقافة ~~المجردة لأن كليهما قد وجد إطاره العيني وخلاصه الحقيقي، وبذلك ~~جعل للحرية مضمونا واضحا. هكذا يرى بلوخ أن ماركس قد ربط ~~الحرية بالنظام عن طريق جدله المادي بعد أن كانا طرفين ~~متضادين في اليوتوبيات المجردة، وبهذا تحول الوجود العيني ~~الحر إلى نظام، كما تحول هذا الوجود العيني المنظم إلى الحرية. # 73 # ثالثا: يوتوبيات العصر الحديث # تنوعت الأشكال اليوتوبية في العصر الحديث تنوعا هائلا، ~~واتخذت أشكالا مختلفة تمثلت في الرؤى اليوتوبية التي ظهرت في ~~نظريات القانون الطبيعي، وفي الأفكار الاشتراكية التي صاحبت ميلاد ~~الحركة الاجتماعية فظهرت يوتوبيات فيدرالية وأخرى مركزية. كما ~~ظهرت في العصر الحديث يوتوبيات عنصرية ولدت مع بداية الحركات ~~القومية في أوروبا وتمثلت في الصهيونية العالمية التي قامت على ~~أساس عرقي وديني. كما تبلورت النظرية الماركسية التي نظر إليها ~~البعض - مثل بلوخ - على أنها تمثل اليوتوبيا العينية. فإلى أي مدى ~~عبرت هذه الأشكال اليوتوبية - على اختلافها - عن أمل البشرية في ~~حياة أفضل؟ وإلى أي مدى عبر هذا الأمل - إذا كان أملا حقيقيا ~~- عن الممكن الواقعي والموضوعي الكامن في الواقع المادي؟ ~~(1) اليوتوبيا والحق الطبيعي # وجد بلوخ الانعكاس الاجتماعي «للخير» المتوقع في تيارين ~~من تيارات التراث الفكري وهما اليوتوبيات الاجتماعية التي نبعت ~~من خيال متطلع لآفاق المستقبل، وتغلغل في آفاق الممكن ليقيم ~~فيها مملكته، مبتدئا من الأوضاع القائمة وثائرا عليها في ~~كثير من الأحيان، كما وجده في القانون الطبيعي. # 74 ~~(وهو ابن عم اليوتوبيا كما سماه!) الذي يتقدم من ~~الاستنباطات العقلية إلى شروط إمكان تحقيق الوجود الإنساني ~~الكريم وغير المنقوص في المجتمع. وهنالك أدلة عديدة على ~~الارتباط بين الأوضاع القانونية الطبيعية وبين الفروض التي ~~تطرحها اليوتوبيات الاجتماعية، فكلاهما يقف من الوضع القائم ~~موقف الاحتجاج، ويحرص على التخلص من الواقع السيئ، وكلاهما ~~يتحدث عن إمكان الإنسان أكثر مما يتحدث عن وجوده التاريخي، ~~لذلك تقوم اليوتوبيات الاجتماعية كما يقوم القانون الطبيعي - ~~بالنسبة للوعي الثوري والتاريخي - بدور الأفكار المنظمة التي ~~تقاس عليها مضامين ال «ليس-بعد» (أو المضامين الواعدة بالتحقق) ~~الكامنة ms351 في الوضع الاجتماعي السائد. ومع ذلك فإن القانون ~~الطبيعي، الذي يؤدي دورا هاما منذ بداية الفلسفة عند ~~الإغريق، يحتفظ من الناحية الأيديولوجية بطابع ازدواجي، ~~فكثيرا ما كانت العلاقات الطبقية تبدو فيه علاقات طبيعية ~~لمجرد أنها موغلة في القدم، غير أن القانون الطبيعي يكشف كذلك ~~عن وجه آخر عندما اتجه في عصر التنوير إلى الهجوم على الأوضاع ~~الفاسدة بينما استغلته التوماوية الجديدة في تبرير هذه الأوضاع ~~وتأييدها. # ما هي - إذن - علاقة القانون الطبيعي - ذي الوظيفة المزدوجة ~~- باليوتوبيا الاجتماعية؟ الواقع أن هناك علاقة تربط الحقوق ~~الطبيعية بالمبادئ اليوتوبية، ففي بعض العصور اتحد القانون ~~الطبيعي مع التفكير اليوتوبي في الاحتجاج على الواقع السائد ~~والظروف السيئة. غير أن بلوخ يميز بين اليوتوبيا والقانون ~~الطبيعي من حيث إن اليوتوبيات تكون تقدمية بصورة لا تقبل الشك. ~~أما القانون الطبيعي فيظل الغموض يحيط به من الناحية ~~الأيديولوجية، بحيث كان يستخدم لتبرير نظم تقليدية تناهض ~~التطور. ولذلك يرفض بلوخ ما يمكن تسميته بالحقوق الطبيعية ~~الفطرية، لأن مثل هذه الحقوق هي في الواقع مكتسبة أو لا بد أن ~~تكتسب من خلال النضال في سبيل الحرية، كما ينكر أن يكون حق ~~الملكية من الحقوق البديهية أو الطبيعية وكأنما هو شيء يمكن ~~استنباطه بصورة عقلية قبلية، ويرفض أن تشتق المعايير ~~القانونية من مبدأ غائي متعال على الواقع وغير نابع منه، ~~لأن ذلك كله يتضمن القول بطبيعة إنسانية معيارية ثابتة، وهو ~~أمر لا يمكن تصوره إلا في إطار تفكير غير تاريخي أو متعال ~~على التاريخ. إن العيب فيما يسمى بالحقوق والقوانين الطبيعية ~~يكمن في أنها لم تستمد من التطور التاريخي، بل هبطت من أعلى ~~أي من طبيعة أولية أو قبلية مزعومة وفرضت على الواقع ~~باعتبارها مثلا عليا. # وإذا كانت هناك علاقات تربط بين القانون الطبيعي العقلاني ~~التقليدي وبين اليوتوبيات الاجتماعية فهناك أيضا فروق، وأول ~~فارق بينهما زمني؛ إذ كان ازدهار القانون الطبيعي الكلاسيكي ~~العقلاني في القرنين السابع عشر والثامن عشر، مستندا إلى ~~الوعد البرجوازي التقدمي، وصاغ مطالب البرجوازية الثورية بشكل ~~قانوني متفتح، ms352 وتوافق مع ازدهار الاقتصاد السياسي ومدرسة ~~الفيزيوقراطيين. بينما تقع فترة ازدهار اليوتوبيات الاجتماعية ~~أو الاشتراكية في عصر الثورة الصناعية (وهي يوتوبيات فورييه، ~~وسان سيمون وأوين) في القرن التاسع عشر. # 75 # والفرق الثاني منهجي، إذ ارتبط القانون الطبيعي ~~بعصر التجريد والبناء العقلي والمنهج الاستنباطي، بينما ارتبطت ~~اليوتوبيات الاجتماعية بعصر الأزمات الاقتصادية وبالنزعة ~~التاريخية المضادة للبناء العقلي فرسمت صورا مستقبلية لمجتمع ~~أفضل. وهذا يرتبط بالفرق الثالث بين نظريات القانون الطبيعي ~~واليوتوبيات الاجتماعية وهو فرق في الأهداف أو المقاصد؛ إذ إن ~~أصحاب القانون الطبيعي يهدفون إلى تأكيد كرامة الإنسان وحقوقه ~~وضماناته، بينما تهدف اليوتوبيات إلى سعادته وإلغاء ما يسبب بؤسه. # 76 # ولكنهما يشتركان - على الرغم من الفروق السابقة - ~~في أنهما نمطان للحلم بعالم اجتماعي أفضل، بحيث يمكن الحديث ~~عن يوتوبيات قانونية تقوم على تجاوز الواقع، لأن جميع ~~اليوتوبيات الاجتماعية على مدى تاريخها الطويل من أفلاطون ~~والرواقيين وأوغسطين إلى مور وكامبانيلا وبيكون تحتوي على ~~نظرات قانونية إلى الدولة المثلى والقانون الأمثل. # وللقانون الطبيعي كذلك تراث طويل منذ العصر اليوناني، فهناك ~~مذهب الأبيقوريين الذي يقول بأن الدولة مدينة بوجودها لعقد ~~مبرم بين أفراد، وإذا لم يحترم أحد المتعاقدين (والمقصود هنا ~~الدولة) بنود العقد، يكون الشعب مجابها بحالة جديدة هي ~~الثورة ضد من صادر حقوقه وسيادته. وأعاد ألتوسيوس (1557-1638م) ~~هذا المذهب الأبيقوري ونهض مدافعا عن حق الشعوب، فذهب إلى أن ~~من حق الشعب نفسه - وليس فقط ممثليه - إسقاط السلطة إذا توقفت ~~عن العمل لصالح الشعب، فالدولة ليست إلا مندوبين عن الشعب، ~~ولذلك فإن مقاومة الأسياد غير العادلين ليست تمردا وإنما هي ~~حماية لحقوق الإنسان المنتهكة. # 77 # ومن ألتوسيوس رائد التصور الحديث للأصل الطبيعي للحق إلى ~~المبدع الحقيقي لما يسمى بالحق الطبيعي، وهو جروسيوس ~~(1583-1645م) مؤلف «قانون الحرب والسلام» عام 1625م، وفيه تظهر ~~لأول مرة الفكرة الأساسية وهي فكرة حق كلي أو قانون كلي. ~~وقد حدد جروسيوس مذهب ألتوسيوس عن العقد الاجتماعي الذي يعد ~~أساس حق الشعوب، وهو المذهب الذي ينطلق من فكرة نقل الحقوق ~~الفردية إلى ms353 مجتمع منظم. ويؤكد جروسيوس أن مهمة الدولة هي أن ~~تلبي على نحو منظم متطلبات الإنسان الاجتماعية. فالحق الطبيعي ~~يعني حقوق البشر التي اؤتمنت الدولة عليها بموجب عقد ووفق ~~إرادة المتعاقدين لإقامة مجتمع منظم، ويصبح هذا العقد باطلا ~~إذا لم تحترم الدولة شروطه. ولكن الشيء الجوهري في القانون أو ~~الحق الطبيعي لم يكن هو العقد الاجتماعي، بل البناء العقلي ~~الاستنباطي القائم على قانون عدم التناقض. ولذلك كانت الرياضة ~~هي نموذجه الأمثل، وظل التأثير الثوري للحق الطبيعي محدودا من ~~الناحية التاريخية، ولم يمتد إلى المستقبل الذي قامت عليه ~~اليوتوبيات. ولهذا لا يتبقى من العقد الاجتماعي لجروسيوس - ~~ممثل الأرستقراطية في رأي بلوخ - سوى نقطة هامة وهي أنه لا ~~ينتمي للميدان التاريخي، بل لنبضة وهمية أفسحت المجال لعقد ~~غير تاريخي ووهمي. # 78 # وربما يكون ذلك بسب افتقار نظريات القانون الطبيعي ~~الكلاسيكي إلى الحس التاريخي. ~~(أ) نظرية العقد الاجتماعي # يبرز توماس هوبز (1588-1679م) على رأس المنظرين لفلسفة ~~الحق أو الحق الطبيعي، والمعروف عن فلسفة هوبز أنها تقوم ~~على مقولة أساسية عنده وهي أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ~~وأن الطبيعة الذئبية للإنسان هي حالة الطبيعة الأولى. لذلك ~~فالعقد عنده ليس من قبيل التحالف بين الدولة والأفراد، بل ~~هو خضوع مطلق من قبل الطرف الثاني للطرف الأول، فرضته ~~طبيعة الإنسان الفاسدة وجعلته ضروريا. تلك هي نقطة ~~انطلاق نظريته عن العقد الاجتماعي أو الحق الطبيعي. ويتميز ~~هوبز عن ألتوسيوس وجروسيوس بواقعيته، فالغريزة الأساسية ~~التي تحرك الأجسام البشرية هي الأنانية: «الإنسان ذئب ~~للإنسان # homo homini lupus est ~~» والمجتمع الأول ليس مدفوعا ~~بالغريزة الاجتماعية، بل هو مقحم في «حرب الجميع»، وهذه ~~هي النار الراقدة تحت الرماد في كل المجتمعات، و«الحالة ~~الطبيعية» التي تهدد في كل لحظة بأن تستيقظ وتسود. # لقد أسقط هوبز صراع الطبقات الذي بدأ في عصره وأهوال ~~المجتمع الرأسمالي الإنجليزي على مرحلة ما قبل التاريخ، أي ~~على المجتمع البدائي فأقر بأنه مجتمع ذئاب. وتتشارك ~~الذئاب كي تضع نفسها في مأمن من شر بعضها البعض، تاركة ~~ذئبا واحدا فقط ms354 هو ذئب الذئاب للدفاع عن المجتمع. # 79 # بمعنى آخر يتنازل الشعب باختياره عن إرادته ~~للحاكم بموجب عقد، وبمجرد إبرامه يصبح للحاكم سلطة وضع ~~القوانين وصياغة الأحكام والحقوق والواجبات، وعلى أفراد ~~الشعب الطاعة المطلقة، فهذا الحاكم الذي يسمى المونارك أو ~~الملك هو فوق القانون وتلك هي أيديولوجية الحكم المطلق. ~~فالذئب الأعلى لا يقدم حسابات، وما يقوله لا يمكن أن يوضع ~~موضع مساءلة، لأن السلطة وليس العقل هي التي تضع القانون. # 80 # يوجد عند هوبز الرجعية والتقدم، أيديولوجية البرجوازية ~~الصاعدة وسلطة الدولة التي لا ترحم ولا جدوى من مقاومتها. ~~ما لم يجد الذئب نفسه مجابها بذئاب أقوى منه. # 81 # ولكن وسط هذا القهر والخضوع في دولة هوبز يوجد ~~نوع من الديمقراطية عندما يجتمع أفراد الشعب جميعا بقصد ~~إنشاء دولة، كما أن السلطة المطلقة للدولة التي وصفها هوبز ~~بالتنين، تسقط الفروق بين الشعب والطبقة الاجتماعية لأن كل ~~الناس متساوون، ولأن كل شيء في مقابل الحاكم. أضف إلى هذا ~~أن هوبز لم يقل بملكية مطلقة للدولة ومن الممكن أن تتمثل ~~هذه السلطة في شكل الحكم الجمهوري وليس بالضرورة في شكل ~~حكم ملكي. # 82 # تتحول الطبيعة الذئبية عند هوبز إلى طبيعة خيرة ~~واجتماعية عند جان جاك روسو (1712-1778م) فالإنسان عنده ~~خير في الحالة الطبيعية أو حالة الفطرة، وهو لا يكتسب ~~الشر إلا من خلال المدنية والدولة الشريرة غير العادلة ~~التي يسودها نظام متعدد الطبقات وتنتشر فيها اللامساواة في ~~الملكية التي ينتج عنها الأنانية الاجتماعية. والمبدأ الذي ~~يقوم عليه الحق الطبيعي عند روسو هو الحرية الفردية (التي ~~طمسها هوبز)، وهي حرية أناس خيرين بفطرتهم، وليست حرية الذئاب. # 83 # ولذلك يسخر روسو من الأمة الإنجليزية قائلا: ~~«إن الشعب البريطاني يعتقد أنه حر، غير أن هذه الحرية لا ~~توجد إلا في لحظة الانتخاب فقط، وعندما تنتهي هذه اللحظة ~~يصبح عبدا بل ولا شيء على الإطلاق.» # 84 # ومن الضروري أن تكون الحرية هي الهدف الحقيقي ~~للدولة. ولهذا يسأل متعجبا كيف تنشأ دولة ليس بها فرد ~~واحد يتمتع بالحرية؟ إن ms355 الحرية التي تسلمها الدولة للفرد ~~في لحظة الانتخاب (وهي اللحظة الوحيدة التي يكون الفرد ~~فيها مجبرا على أن يكون حرا) تعود فتستردها مرة أخرى ~~عندما يتنازل الفرد للدولة عن كامل حريته عند إتمام ~~العقد. # ذهب روسو إلى العكس من هوبز عندما جعل العقد الاجتماعي - ~~الذي أصدره عام 1762م - مجرد وسيلة لحماية هذه الحرية ~~الفردية. بذلك تحول القانون الطبيعي لأول مرة إلى سيادة ~~الشعب. وما يميز العقد الاجتماعي هو أن الفرد يدخل بإرادته ~~في علاقة مباشرة مع المجتمع، بمعنى أنه لا يسلم حريته لأي ~~نوع من التمثيل سواء كان ملكا أو أميرا أو حتى تمثيلا برلمانيا. # 85 # لذلك طالب روسو الفرد أن يشارك مشاركة مباشرة ~~في أعمال الحكومة بالمساعدة في صنع القوانين، وبأن يكون ~~حرا في انتقادها واقتراح بدائل لها. ولا يعني هذا أن ~~تتمادى الفردية في غيها، وإنما هي بحاجة إلى الانضباط. ~~وقد أكد العقد الاجتماعي تأكيدا شديدا على أداء الواجب ~~إلى جانب الحقوق. فالانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة ~~التحضر المدني تحدث تغيرا ملحوظا في الإنسان لأنها ~~تستعيض عن «الحرية الطبيعية» المرتبطة بقوة الفرد «بالحرية ~~الحضارية» المقيدة بالإرادة العامة، وبحرية أخلاقية ~~جديدة تكبح جماح شهواته. # 86 # بحيث يمكن القول بأنه إذا استبعد من الميثاق ~~الاجتماعي ما ليس من جوهره لتقلص إلى العبارات التالية: ~~«يسهم كل منا في المجتمع بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة ~~الإدارة العامة العليا، وفي المقابل نسترد كل عضو باعتباره ~~جزءا لا يتجزأ من الكل.» # 87 # فالذات لا تغترب عن حريتها، منذ أن أصبحت ~~جزءا متساويا من الإرادة العامة أي أن الأساس ~~الأيديولوجي لفلسفة روسو يكمن في مبدأ الحرية الفردية ~~وقوتها الكلية التي تتخلل الإرادة العامة للمجتمع. # 88 # ومذهب الإرادة العامة عند روسو لا يلغي الحقوق الطبيعية ~~للفرد بل يتجه لتحقيق المساواة في الملكية الخاصة. ومن ~~خلال أيديولوجيته في الملكية الخاصة لمس جوهر الشيوعية في ~~كل اليوتوبيات الاجتماعية: «إن قوة السلطة ليس لها أي حق ~~في المساس بملكية فرد أو جملة أفراد، ولكن لديها كل الحق ~~شرعا ms356 في الاستيلاء على أملاك الجميع بلا استثناء.» # 89 # وإذا لم يكن روسو هو أول من نادى بهذا المبدأ ~~- أي مبدأ مصادرة الملكية - إلا أن مذهبه من المذاهب ~~القليلة في نظريات القانون الطبيعي التي نادت بهذا المبدأ ~~الأساسي عند كل رواد النزعات اليوتوبية الاشتراكية الذين ~~قالوا بالمساواة في الحياة الاقتصادية. ولكن قوة الحق ~~الطبيعي الكلاسيكي لا تكمن في التمرد الاقتصادي وحده؛ إذ ~~إنها امتدت أيضا إلى المجال السياسي وأقامت ما يسمى ~~بالحقوق الأساسية للفرد وهي: الحرية، والملكية، والأمن، ~~ومقاومة الظلم. وقد كانت هذه الحقوق - التي تمثل البناء ~~الفوقي القانوني - كانت هي المبادئ الأساسية للبرجوازية المتأخرة. # 90 # والآن ما حقيقة العلاقة بين الحق الطبيعي - بما ينشده من ~~عدل وتأكيد للكرامة الإنسانية - واليوتوبيات الاجتماعية - ~~بما تنشده من سعادة البشرية؟ لقد اتضح في بداية الحديث عن ~~القانون الطبيعي أوجه الاختلاف والاتفاق بينه وبين ~~اليوتوبيات الاجتماعية. فهل اجتمعا لخلق مجتمع أفضل يسوده ~~الحق والعدل وتعمه السعادة والمساواة؟ أم سار كل منهما ~~في طريق مواز للآخر؛ مما جعل من الصعب أن يلتقيا في أي ~~مرحلة تاريخية؟ وأيهما كان أكثر من غيره تأثيرا في ~~المجتمع؟ يمكن القول إنه في مرحلة الصراع البرجوازي كاد ~~الحق الطبيعي أن يسيطر سيطرة كاملة، بل وجاء معبرا عن ~~آمال الطبقة البرجوازية حتى بدا أنه من الممكن أن يحل ~~محل اليوتوبيات الاجتماعية. ولا بد من الإشارة إلى أن ~~الفترة التاريخية التي ازدهر فيها الحق الطبيعي كانت ~~الطبيعة هي المرشد الموجه لكل الاتجاهات الفكرية في ~~المجتمع، فازدهر الدين الطبيعي والعلم الطبيعي والمنهج ~~الرياضي ممثلا في ديكارت وليبنتز. # وقد كان لسيطرة الحق الطبيعي تأثيرها على مواد ونصوص ~~الحقوق الدولية، فاستعان المشرعون للقانون الدولي ~~بنظريات جروسيوس وغيره، كما استعانت الثورة الفرنسية ~~بنظرية العقد الاجتماعي لروسو وبخاصة المادة التي تنص على ~~أن القانون يعبر عن الإرادة العامة. كذلك استعان القانون ~~البروسي بنظريات القانون الطبيعي، في حين لم يكن ~~لليوتوبيات الاجتماعية تأثير يذكر في المجتمع، لا سيما ~~في القرن الثامن عشر الذي لم تظهر فيه أي يوتوبيات أصيلة، ms357 ~~فمنذ توماس مور وكامبانيلا في القرن السابع عشر لم تظهر ~~يوتوبيات حقيقية إلا في القرن التاسع عشر مع أوين وفورييه ~~وسان سيمون. # 91 # وعلى الرغم من سيطرة نظريات القانون الطبيعي في القرن ~~الثامن عشر وغياب اليوتوبيا بالمعنى الحقيقي، إلا أن الحق ~~الطبيعي كان له صدى يوتوبي في كل العصور، كما أن الحق ~~الطبيعي ليس إلا يوتوبيا قانونية، فنظم اليوتوبيات ~~الاجتماعية التي تنشد تحقيق السعادة للإنسان لا تريد جنة ~~لحيوانات غير مسئولة، كما أن مذاهب القانون الطبيعي التي ~~تنشد الكرامة الإنسانية لا تقف في وجه الحياة الخيرة، ~~وكلاهما يؤمن بأن الوجود الحاضر يجب دفعه للأمام لكي يتحرر ~~من كل الظروف التي تعوق فتح الطريق لحياة أفضل. ~~واليوتوبيات بتاريخها الطويل لا تخلو من القانون الطبيعي، ~~بدليل أن الرواقية قد طورت يوتوبياها عن الدولة العالمية ~~من خلال القانون الطبيعي، ولم تخل أية يوتوبيا - من ~~الرواقية وجروسيوس حتى سان سيمون وأتباعه ومعاصريه الذين ~~كانوا رغم عدم تعاصرهم رواقيين بهذا المعنى، بمعنى إيمانهم ~~بالحقوق الطبيعية - من لمحات عن الحق الطبيعي. كما ارتبطت ~~نظريات القانون الطبيعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر ~~باليوتوبيات الاجتماعية عن طريق القاسم المشترك بينهما وهو ~~القصد الطيب الذي وجههما معا ودفع بهما إلى التطور ~~انطلاقا من الطبيعة البشرية والظروف السيئة التي تعيشها. ~~وهذا القصد الطيب يفهم بمعنى سلبي: ففي الحالتين نجد ~~إهمالا للظروف السيئة في العالم الواقعي، وفي الحالتين ~~يوجد تطور هادئ يبدأ من الطبيعة البشرية ويخدم هذه ~~الطبيعة، واتجاه بطيء نحو هدف إنساني بوسائل تفضل ~~الوسائل التي استخدمت من قبل. ولكن هناك أيضا معنى ~~إيجابي يجب أن يفهم من خلاله هذا القصد الطيب، وهو أنه ~~يوجد في الحالتين كيان سياسي يشكل تشكيلا جديدا على ~~ضوء مفهوم الغاية والهدف، فالنظرية اليوتوبية عند توماس ~~مور تقوم على أساس الفكرة الرئيسية في القانون الطبيعي وهي ~~الحرية الطبيعية للفرد، بينما يقوم القانون الطبيعي عند ~~جروسيوس على أساس الليبرالية اليوتوبية (تحرير المصالح ~~الفردية)، كذلك هناك نوع من الارتباط بين يوتوبيا ~~كامبانيلا ذات النظام الصارم وبين ms358 نسق القانون الطبيعي ذي ~~النزعة المطلقة عند هوبز. وفي مشروع كانط عن السلام الدائم ~~نجد أن أحد موضوعات القانون الطبيعي - وهي فكرة القانون ~~الدولي والدولة العالمية التي تترتب عليه - نجد أن هذا ~~الموضوع يتحول إلى المستقبل كما يرتبط ارتباطا وثيقا حسب ~~لغة كانط بالحلم اليوتوبي بنظام عالمي. # 92 # إن اليوتوبيات السابقة تحلم باقتصاد يرضي حاجات الشعوب ~~ويعبر عن نزعة شيوعية تنشد السعادة. ولكن البناء العقلي ~~لنظريات القانون الطبيعي الكلاسيكي القائم على العلاقات ~~والاستنباطات الرياضية كان سببا في بعض الضربات التي ~~وجهت إليه، فكان نقد كانط للعقل بمثابة الضربة الأولى ~~لهذا البناء، ثم جاء الجدل الهيجلي ليوجه الضربة الثانية. ~~وأخيرا جاء ماركس ليستبعد العلاقات الزائفة القائمة على ~~الاستنتاج العقلي الرياضي التي عاقت هذا التراث عن التعامل ~~مع الواقع. # 93 # ومع ازدهار اليوتوبيات الاشتراكية في القرن ~~التاسع عشر نظر الماركسيون باستياء شديد إلى نظريات ~~القانون الطبيعي واعتبروه مجردا ولا يعبر إلا عن الطبقة ~~البرجوازية التي نشأ في ظلها. وربما يعود ذلك إلى الطبيعة ~~المزدوجة التي تميز بها هذا التراث، ولذلك لم يقدره بعض ~~الماركسيين حق قدره، ولم ينظروا للجانب الثوري فيه. # 94 # ولكن الماركسية لا تستطيع أن تستبعده أو ~~تتجاهله بسبب ما فيه من جوانب إنسانية لا تستغني عنها ~~المجتمعات الاشتراكية، ولا بد من التمييز الدقيق لمضمون ~~هذا التراث وتأكيد الجانب الإنساني فيه. كما أن القانون ~~الدولي في أمس الحاجة إلى قوانين ومعايير موضوعية تنظم ~~حقوق الإنسان وأسس السلام العالمي، الأمر الذي يحتم الرجوع ~~لأصحاب القانون الطبيعي للاسترشاد بآرائهم. # إن من واجب الماركسية - كما يقول بلوخ - أن تفهم الماضي ~~أكثر مما فهم نفسه، # 95 # لأن استبعادها لنظريات القانون الطبيعي لم ~~يجعلها تدرك تداخل هذا التراث الكلاسيكي مع اليوتوبيات ~~الاجتماعية وأن كليها مهد للإنسانية الماركسية. ويمكن ~~القول إن النزعة الماركسية هي التي ربطت بينهما بعد أن ~~كانا منفصلين، وارتفعت بهما معا من الناحية العملية؛ إذ ~~لا كرامة للإنسان بدون القضاء على الحاجة والحرمان، ولا ~~سعادة بغير القضاء على أشكال العبودية القديمة والحديثة. # 96 ms359 # ومن الطبيعي ألا ينظر بلوخ لميراث القانون ~~الطبيعي نظرة تقليدية، وأن يدرك سبب إخفاق التراث ~~الماركسي الذي يتلخص في غياب فكرة القانون وقضية الحقوق ~~الإنسانية من جدول أعمال الثورات الاشتراكية. لقد وضع ~~كتابه مع بدايات إخفاق هذه الثورات، وتبين الظلم الواقع ~~على الإنسان فكرس جهده للتغلب عليه بحثا عما هو حق، وما ~~هو عدل. وواجب كل ثورة اشتراكية أن تدرك بوعي ما تتضمنه ~~من أمل ومن حقوق طبيعية وكرامة إنسانية. # إن على الماركسية التي تسعى لتحقيق مجتمع خال من ~~الطبقات أن تعي أن مثل هذا المجتمع لا بد أن يكون له قصد ~~حقيقي للقانون الطبيعي الذي هو بمثابة القوة التي تقاوم ~~تعسف الدولة، فيصبح هذا القانون هو أساس مملكة الحرية، ولا ~~بد لها أن تنظر لمذاهب القانون الطبيعي نظرة إيجابية ~~وتعيد صياغة هذا التراث للتغلب على وظيفته الثنائية. وإذا ~~كانت الماركسية تهتم بنقد الواقع القائم، فيجب ألا يغيب ~~عنها أن الحق هو الذي يقاوم الاستغلال والإهانات الواقعة ~~على الكرامة الإنسانية. إن العدل الحقيقي هو محط آمال ~~البشر المستضعفين الذين تصوروا أن المخلص سيأتيهم من ~~الخارج، وظلوا ينتظرون مملكة الله العادلة التي لم تتحقق ~~في الواقع الفعلي بل في آخر الزمان، # 97 # لذلك كانت مهمة بلوخ البحث عما هو اشتراكي في ~~ميراث الحق الطبيعي، وكانت نظرته أقرب إلى الواقع العيني ~~بما فيه من ظلم وجد رموزه في التناقضات الاجتماعية ~~والمعاناة والاغتراب. وكان هذا أمرا ضروريا وطبيعيا ~~بالنسبة لمفكر يسعى لتخليص المجتمع من الانحلال والاستغلال ~~والعبودية وتحقيق مجتمع متكامل غير مغترب. # وإذا كانت الماركسية تتحدث عن تطبيع الإنسان فهي تتحدث ~~أيضا عن أنسنة الطبيعة، وفي هذا ثقة وإيمان بكمال ~~الطبيعة، ولكنها ليست هي الطبيعة الحيوانية ولا قوانين ~~الطبيعة الرياضية كما بدت في نظريات القانون الطبيعي التي ~~استبعدتها، بل تلك الطبيعة التي تكون في حالة صيرورة ~~متجددة بحيث يمكن أن تكون طبيعة يوتوبية. # 98 # وإذا كان هوبز قد عرف هذه الطبيعة بأنها ~~مجبولة على الشر، ووصفها روسو بأنها خيرة بالفطرة، فإن ~~ماركس لم ms360 يؤمن بجوهر ثابت للإنسان، وليس لدية «السكونية» ~~التي يقوم عليها القانون الطبيعي، فالواقع الفعلي ومسار ~~التاريخ دليلان كافيان على تحولات الطبيعة البشرية، ~~والإنسان طبقا لتعريفه التاريخي والأخلاقي هو نتاج ~~العلاقات الاجتماعية. # 99 # خلاصة هذا أن كلا من اليوتوبيات الاجتماعية ~~ونظريات القانون الطبيعي الكلاسيكي جزء من خلفية التراث ~~الثوري الاشتراكي، وأن كليهما يتضمن بالضرورة القدرة على ~~توقع شيء ما أفضل من ذلك الذي أصبح بالفعل، لأن كليهما ~~ينتمي إلى مملكة الأمل الإنساني. ~~(2) اليوتوبيا الفيدرالية # تعددت أقسام المعرفة في القرن التاسع عشر واتجهت اتجاهات ~~شتى: «إن من سمات الحياة الحديثة أنها أخرجت من داخلها تيارات ~~من الفكر متنوعة تنوعا هائلا، ومتعارضة أشد التعارض، ولذلك ~~لا نستطيع أن ننظر للقرن التاسع عشر ككل أو كوحدة واحدة، بل ~~علينا أن نجزئه إلى عدد من أساليب الفكر أو عوالم الفكر.» # 100 # وبطبيعة الحال كان لا بد أن ينعكس هذا على التفكير ~~اليوتوبي حيث تنوعت الأشكال اليوتوبية، فنشأت يوتوبيات تبحث ~~عن السعادة والمتع الحسية، وأخرى تصور مجتمعات شيوعية مثالية ~~وإنسانية اختفت منها الملكية الفردية، إلى جانب يوتوبيات تندفع ~~إلى المستقبل في تفاؤل شديد، متأثرة بأفكار فلاسفة عصر ~~التنوير في القرن الثامن عشر ومصلحيه الكبار الذين رسم بعضهم ~~مشروعات نظرية وحضارية تدور حول فكرة التقدم الحتمي في الفنون ~~والعلوم والأخلاق ونظم الاجتماع وإمكان تشكيل الطبيعة البشرية ~~والوصول بها إلى الكمال عن طريق التربية المعرفية الأخلاقية والجمالية. # 101 # وقد تبلورت هذه الأفكار المستقبلية وأخرجت التفكير ~~اليوتوبي من سكونيته ولاتاريخيته السابقة. # وجاءت يوتوبيات القرن التاسع عشر مفعمة بالحركة والتفاؤل ~~بالمستقبل بعد أن صبت أفكارها بصورة غير مباشرة في ~~الثورتين الكبيرتين في أواخر القرن الثامن عشر، وهما ثورة ~~الاستقلال الأمريكية والثورة الفرنسية. وحملت هذه الأفكار ~~اليوتوبية أصداء أزمات العصر وطموحاته، وارتبط تاريخ اليوتوبيا ~~بميلاد الحركة الاجتماعية التي ازدهرت وانتشرت في القرن التاسع ~~عشر، بحيث يصعب التمييز بين الأعمال التي تخص الفكر اليوتوبي ~~والأخرى التي تعالج المشاكل الاجتماعية التي نشأت في تلك ~~الفترة، إذ فقدت الكلمة - أي اليوتوبيا - معناها الأصلي في ms361 تلك ~~الحقبة الزمنية بسبب إساءة استخدام أنصار الماركسية لها إلى ~~الحد الذي جعلهم يتهمون بها خصومهم في الفكر. # 102 # لقد اتهموا كتاب اليوتوبيا بإهمال الدور الريادي ~~لطبقة البروليتاريا التي أنتجها التطور التاريخي، وعدم فهمهم ~~للمذهب الاشتراكي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بعد بلوغ ~~الرأسمالية درجة معينة من التطور، واستبعادهم للثورة التي ~~بإمكانها وحدها السيطرة على الأوضاع الاقتصادية ووسائل الإنتاج ~~وإلغاء الطبقات، بحكم أن البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة ~~القادرة على إنجاز هذه الثورة. وكانت أكبر تهمة وجهوها إلى ~~كتاب اليوتوبيا أنهم تصوروا أن المجتمع الجديد يمكن أن يوجد ~~في أي مكان أو زمان، وأنه لا علاقة بين تطور النزعة الرأسمالية ~~وإمكانية تحقيق مجتمع جديد، وإن الدولة يمكنها السيطرة على ~~وسائل الإنتاج والأوضاع الاقتصادية بالطرق السلمية والإصلاح الاجتماعي. # 103 # أثر آباء النزعة الاجتماعية تأثيرا كبيرا على كتاب ~~اليوتوبيا في القرن التاسع عشر، ولم يقتصر هذا التأثير على ~~كتاباتهم النظرية فقط، بل شمل المشروعات الاجتماعية الإصلاحية ~~التي تصوروها لشكل المجتمع اليوتوبي - سواء كانت خططا ~~اجتماعية أو قرى تعاونية - والتي أوحت بأشكال عديدة من ~~اليوتوبيات التي كتبت بعد ذلك. وعلى الرغم من الثورة الصناعية ~~التي فتحت مجالات جديدة وبدت للكثيرين وكأنها قدمت الحل ~~الحاسم لمشكلات الفقر وعدم المساواة، إلا أن الفقر في الدول ~~المتقدمة اقتصاديا كان أكثر بشاعة مما في غيرها. فقد وصل ~~عدد ساعات العمل إلى ما يتجاوز الثمانية عشر ساعة في اليوم، ~~وازداد الأغنياء غنى، بينما ازداد الفقراء فقرا. وظهرت ~~مجموعة من المفكرين والكتاب الاشتراكيين كانت مهمتهم التركيز ~~على تحقيق اليوتوبيا أكثر من التركيز على الشكل المحدد ~~للمجتمع اليوتوبي أمثال أوين وفورييه وسان سيمون ~~وأتباعه. # ويأتي اسم روبرت أوين # Owen ~~(1771-1859م) على رأس أصحاب اليوتوبيات الفيدرالية التي لم ~~تقر بالحكومة المركزية. ولم يوجه أوين اهتماما كبيرا ~~للصناعة، بل وضع نظاما جديدا للإنتاج على أساس التنظيمات ~~التعاونية؛ فاهتم بالتجمعات الزراعية المستقلة التي لا يزيد ~~عدد سكانها عن الثلاثة آلاف، وعليها أن تحقق الاكتفاء الذاتي ~~في الغذاء عن طريق تقسيم البضائع المنتجة على ms362 أعضاء الجماعة ~~بالتساوي. أما عن الحكم فيتم من قبل إدارة مستقلة، ويدير ~~الشئون الداخلية مجلس عام يتكون من كل أعضاء الجماعة الذين ~~تتراوح أعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين عاما، ويحكمون وفق ~~قوانين الطبيعة البشرية، بينما يحكم الشئون الخارجية مجلس ~~عام آخر يتكون أعضاؤه ممن تتراوح أعمارهم ما بين الأربعين ~~والستين عاما، وعندما يبلغ العالم حد الاكتفاء من الغذاء ~~الزراعي تصبح الحكومات غير ضرورية وتختفي. # 104 # ويؤمن أوين بأن التربية هي إحدى الطرق الموصلة إلى الهدف، ~~ولذلك نراه يقدم نظاما في التعليم - كان له تأثيره على ~~كتاب اليوتوبيا فيما بعد - يؤكد فيه إمكانية تعديل الطبيعة ~~البشرية لدى الأطفال عن طريق التوجيه الرشيد إلى حب الغير، ~~والتربية العاقلة للفكر، والسلوك المستقيم. وقد وضع في ذلك ~~كتابه «النظرة الجديدة إلى العالم - أو مقالات عن مبدأ تشكيل ~~الطبع الإنساني وتطبيقه في الواقع العملي» عام 1816م. وكذلك ~~قدم كتاب «العالم الأخلاقي الجديد» عام 1836م ووضع أوين أساس ~~نزعة شيوعية تدعو لحب الجنس البشري، وتنظر إلى الملكية الخاصة ~~والزواج والدين الوضعي باعتبارها ثلاثية الشر التي تخلق ~~التعاسة البشرية. ودعا إلى قيام مجتمع خال من البطالة والفقر ~~والجريمة والعقاب، وأوصى بإصلاح المجتمع بالتسوية السلمية ~~وبدون صراع أو إضراب، كما ناشد رجال الصناعة التخلي عن النزعة ~~الرأسمالية، وإن لم يدع إلى تدمير الآلة بل شجع أعضاء الجماعة ~~على الميكنة المنزلية. والمهم أن حلمه اليوتوبي المفعم ~~بالأماني لم يتطلع لإقامة مجتمع صناعي كبير، بل إلى ~~مجتمعات فيدرالية صغيرة. # 105 # إذا كانت يوتوبيا أوين تقوم على تفكير غير تاريخي فإنه ~~يختلف عن فيدرالي آخر هو شارل ~~فورييه # Fourier ~~(1772-1837م) الذي أقام نقده للواقع ~~القائم على أساس تاريخي، ورأى أن تقديم نموذج حي وناجح ~~لمجتمع يوتوبي هو السبيل لإقناع الجنس البشري بتبني مثل هذا ~~النموذج. فكان بذلك رائد الحركة التعاونية وتكوين اقتصاد ~~جديد مجرد من الأنانية، وأقام مدينته الفاضلة على تقسيم ~~الدولة إلى مناطق أو معسكرات تعاونية أطلق على كل منها اسم ~~الفالنستير Phalanstere ~~. # 106 # وفيها يتحرر الفرد من كل المعوقات ms363 ويطلق العنان ~~لغرائزه وأهوائه ورغباته دون اعتبار لقيود أخلاقية. وينتقل من ~~متعة إلى أخرى ومن عمل إلى آخر في حرية تامة وفقا لميوله. ~~وقد أقام فورييه آراءه في الإصلاح على أساس نقده للمدينة ~~والمجتمع المتحضر، فكان عمله الأول «نظرية الحركات الأربع» عام ~~1808م - تعبيرا عن نزعة نقدية للحياة المعاصرة. وكذلك كتابه ~~«التجمع الأهلي الزراعي» عام 1822م وفي كتاب «العالم الصناعي ~~الجديد» الذي وضعه عام 1829م وصف الحياة الحضارية بأنها حالة ~~البربرية المتوحشة التي أوجدت الرذيلة وأنتجت الفساد والانحلال ~~في كل مكان وزمان، وأنه عندما تتخطى المجتمعات البشرية هذه ~~الحالة البربرية سيحل التناغم والانسجام وتتحقق مدينة السعادة. # 107 # وتختلف آراء فورييه الفيدرالية عن آراء الاشتراكية ~~الماركسية للقرن التاسع عشر، فهو لا يؤمن بأن الثورة والعنف ~~هما السبيل لتحقيق مجتمع أفضل، ويفضل طريق التغيير والإصلاح ~~الاجتماعي السلمي. هذا بالإضافة إلى أن مشروعه اليوتوبي يقوم ~~على أساس الإقرار بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والعمل على ~~زيادة الإنتاج لرفع مستوى المعيشة، والسماح بتكوين ثروات ~~صغيرة لا تهدف إلى استغلال الآخرين ولكن لمنع ذوبان الفرد في ~~الجماعة، وإقامة التوازن في كل «فلنستر»، وهو يسمح كذلك بتقسيم ~~الأرباح بين المساهمين - وهم مجموعات رأسمالية صغيرة - ويبقي ~~على حافز الربح للتشجيع على المزيد من الإنتاج وإشباع غريزة ~~الطموح عند الإنسان؛ مما يؤكد في النهاية أن حلم فورييه المفعم ~~بالأماني هو التخطيط لمجتمعات تعاونية صناعية صغيرة. # وتحول الحلم اليوتوبي الفردي الفيدرالي عند أوين وفورييه إلى ~~حلم يوتوبي مركزي عند كابيه وسان سيمون، فلم تعد الجماعات ~~الصغيرة أو الكوميونات هي الهدف، بل اتجه كل منهما إلى تكوين ~~تنظيمات اقتصادية كبيرة. ولم تعد الحرية فردية ذات شكل ~~اقتصادي بل تحولت إلى حرية اجتماعية موجهة إلى غايات عامة، ~~بمعنى تحقيق نظام ينكر النزعة الذاتية السابقة ويحولها إلى ~~نزعة جماعية صناعية يسميها بلوخ باليوتوبيا المركزية. # 108 # ويمثل كابيه # Cabet ~~(1788-1856م) هذا النظام الاتحادي، ~~وتقوم يوتوبياه على النظام الصارم الذي عرضه في كتابه الذائع ~~الصيت «رحلة إلى إيكاريا» عام 1839م، وتداولته الطبقة العاملة. ~~وقد باشر ms364 كابيه بنفسه تأسيس مجتمعه اليوتوبي في ولاية تكساس ~~الأمريكية، ولكنه اضطر للعودة إلى باريس عام 1853م فأصاب ~~مجتمعه اليوتوبي الوهن بعد رحيله بسبب الصراعات الداخلية، ~~وعندما عاد إلى أمريكا ثانية لم يستطع أن يعيد لمجتمعه عهده ~~الأول فمرض ومات، وظل مجتمعه قائما بضعة عقود حتى عام 1898م. # 109 # يقوم مجتمع إيكاريا على المساواة التامة بين المواطنين في ~~الحقوق والواجبات. أما نظام الحكم فهو جمهوري يعبر فيه ~~الشعب عن نفسه من خلال مجالس قومية ونيابية. والشعب الذي يملك ~~حق التصويت، له السلطة العليا في منظمة سياسية قائمة على ~~جمهورية ديمقراطية. ويقوم هذا المجتمع أيضا على النظام ~~العشري، فالدولة مقسمة إلى مائة ولاية، مقسمة إلى عشر ~~كميونات. وإيكاريا هي مركز هذه الولايات والكميونات. وتعتمد ~~إيكاريا الموحدة على الصناعة المنظمة التي تصنع عالم المستقبل، ~~فالإبداع الصناعي بها على مستوى عال من التقنية بفضل عمال ~~مهرة ومهندسين يعملون سبع ساعات كل يوم من خلال خطة اقتصادية اشتراكية. # 110 # ويعبر سان سيمون (1670-1825م) أيضا عن يوتوبيا مركزية ~~مناوئة للنزعة الذاتية الاقتصادية التي تتلخص في المبدأ ~~الليبرالي «دعه يعمل، دعه يمر.» وإذا كان أوين وفورييه قد ~~أقاما يوتوبياهما على أساس تجمعات تعاونية زراعية صغيرة، ~~فإن كابيه وسان سيمون قد أقاماها على تنظيمات صناعية كبيرة. ~~فقد كان سان سيمون «يعتقد أن كل مجتمع سوف يصبح مصنعا كبيرا ~~أو خلية واسعة للإنتاج. وحكومة هذا المجتمع يجب أن يتولاها ~~بالضرورة رجال أكفاء هم رجال الصناعة، بمعنى أنه يجب أن تحل ~~حكومة تقوم على أساس اقتصادي محل الحكومات السياسية.» # 111 # فالغاية الوحيدة ليوتوبيا سان سيمون هي إقامة ~~مجتمع صناعي كبير شعاره أن كل إنسان يجب أن يعمل، وعلى قمته ~~رجال الصناعة، حتى إنه طالب بسحب السلطة السياسية من أيدي رجال ~~الدين وإيداعها في أيدي رجال الصناعة، «كان هدف سان سيمون أن ~~يجعل من السياسة علما وضعيا، فالسياسة في نظره هي «علم ~~الإنتاج» والصناعة بالنسبة إليه هي حجر الزاوية في سعادة ~~الإنسانية، فهو يرى في العمل الوسيلة الوحيدة للتحرر ~~والاستقلال الذاتي.» ms365 # 112 # وينظر سان سيمون بعطف متزايد نحو الطبقة العاملة، ويحس ~~بحالة البؤس التي يعانيها العمال، ويرى في إلغاء الامتيازات ~~الوسيلة الوحيدة لعلاج هذه الحالة. ويتحقق إلغاء الامتيازات - ~~في نظره - عن طريق تنمية الإنتاج المادي وتثقيف الطبقة العاملة ~~بطريقة مثمرة. # 113 # ويقتصر دور الحكومة في المجتمع الذي ينشده سان ~~سيمون على أمن الإنتاج وحريته، ويتكون مجتمعه اليوتوبي من رجال ~~الصناعة والعلماء والفنانين، وفيما عدا هذه الفئات الثلاث لا ~~يوجد إلا الطفيليون والمتسلطون. وتمثل هذه الفئات الثلاث المثل ~~الأعلى لنظام الحكم في برلمان مؤلف من ثلاثة مجالس: مجلس ~~الاختراع ويتكون من الفنانين، ومجلس الفحص من العلماء، ومجلس ~~التنفيذ من رجال الصناعة. # وقد استمد سان سيمون اقتناعه بنظريته من مظاهر التاريخ نفسه ~~ومن خلال الوعي التاريخي، فقد مر التاريخ - في رأيه - بثلاث ~~مراحل: المرحلة اللاهوتية التي تم فيها خلق الآلهة للعالم، ~~والمرحلة الميتافيزيقية التي تعتمد على القوى الطبيعية أو ~~الأفكار المجردة، ثم المرحلة الوضعية التي تأتي من تحليل ~~الوقائع، وهذه هي مرحلة المجتمع الصناعي الحديث. والدولة ~~الصناعية المنظمة هي الكاهن الاجتماعي الأسمى، أو هي نوع من ~~البابوية الصناعية التي ستكون على رأس هذه الدولة. # 114 # التي يتحقق فيها التناغم والانسجام بلا عنف ولا ~~ثورات ولا لجوء إلى استخدام القوة. ~~(3) الصهيونية ويوتوبيا الأرض الجديدة-القديمة # بدأت الحركات القومية في أوروبا مع بدايات القرن التاسع عشر؛ ~~مما ترتب عليه ظهور المشكلة اليهودية، فلم يستطع الشعب اليهودي ~~- في الشتات - الذوبان في المجتمعات التي استوطنها، بل ظل ~~مغلقا على نفسه محتفظا بهويته. ولم يكن حلم استعادة مملكة ~~داود قد مات، بل بقي المتزمتون من اليهود لمدة ألفي عام ~~يختمون صلواتهم بعبارة: العام القادم في أورشليم. وظلوا ~~يحترقون شوقا لذكرى الأرض والسعادة التي فقدت، سواء في فلسطين ~~أو في إسبانيا بعد طرد اليهود منها، فالحنين إلى الماضي كان ~~دائما صفة مميزة للشعب اليهودي. وجاء موسى هيس (1812-1875م) ~~في وقت كانت فيه الحركة القومية تحتل مركز الصدارة في أوروبا، ~~وأصبح على اقتناع كامل بأن عالم المستقبل يجب أن ينظم على ms366 ~~أساس الثقافات القومية، وقد حاول في كتابه «روما والقدس» عام ~~1862م إثبات أن الاتجاه الداعي إلى ذوبان اليهود في المجتمعات ~~الأوروبية لا يشكل حلا عمليا بالنسبة للمسألة اليهودية، ~~لأن اليهود المقيمين وسط الأمم الأخرى لا يمكن أن يلتحموا ~~عضويا بهذه المجتمعات. # 115 # كان الجنس أو العرق عند هيس هو القوة المشكلة ~~للتاريخ، وكان أول من رسم حدود الحلم الصهيوني قبل مؤسس الحركة ~~تيودور هرتزل. # وعلى الرغم من دوافع هيس الاشتراكية إلا أنه لا ينظر ~~للاقتصاد باعتباره المحرك الأول للتاريخ، بل جعل العرقية هي ~~أساس نزعته الاشتراكية، ودعا أبناء شعبه إلى إقامة المستعمرات ~~في الأرض المقدسة، وأن يزرعوها كما فعلوا منذ ألفي عام خلت: ~~«إن البذور المختزنة في داخلكم، شأنها شأن بذور القمح التي ~~كانت توضع بجانب المومياوات المصرية، قد ظلت هاجعة لآلاف ~~السنين ومع ذلك لم تفقد قدرتها على التكاثر، إن البعث القومي ~~وحده هو الذي ستستمد منه العبقرية الدينية لليهود قوة جديدة ~~وتفعم من جديد بالروح المقدسة للأنبياء، وذلك مثل العملاق الذي ~~تلمس قدماه الأرض التي ولد فيها فتبعث فيه القوة.» # 116 # أصبحت النزعة الاشتراكية بالنسبة لهيس هي انتصار ~~الرسالة اليهودية في روح الأنبياء، ومن أجل هذا الهدف وضع خطة ~~اشتراكية عالمية تتحول إلى فعل في فلسطين، وهي المكان الذي ~~يمكن أن ينشأ فيه اليهود مرة أخرى. # 117 # ورسم هيس حلما مفعما بالأماني ليوتوبيا صهيونية ~~اشتراكية ترتكز منذ البداية على ما أورده الأنبياء في الكتاب ~~المقدس، «وبهذا وصلت العنصرية الإسرائيلية إلى ذروتها بالجمع ~~بين العنصرية الجنسية أو العرقية والعنصرية الدينية.» # 118 # لكن اليهود الغربيين كان أغلبهم من الطبقة ~~البرجوازية ولم يكن بينهم عدد كبير من العمال؛ لذلك لم تحقق ~~هذه الأحلام الصهيونية تأثيرا كبيرا إلا في الطبقة الوسطى ~~الدنيا التي ليس لها مراكز اجتماعية في مجتمعاتها. # وجاء هرتزل (1860-1904م) الذي وضع البرنامج الصهيوني الأكثر ~~تأثيرا لاستقطاب الطبقة البرجوازية اليهودية، ومواجهة أزمة ~~الطبقة الوسطى، والوقوف في وجه موجة العداء للسامية التي بدأت ~~تظهر وتزداد حدتها في أوروبا في ذلك الحين. ms367 وأصبح هذا ~~البرنامج الصهيوني بالفعل مقبولا من البرجوازية الليبرالية اليهودية. # 119 # ورأى هرتزل أن المسألة اليهودية ليست مسألة ~~اجتماعية أو دينية بل مسألة قومية، وأن المخرج الوحيد لمشاكل ~~اليهود ومعاناتهم لا يمكن أن يكون إلا عبر توكيد اليهود على ~~قوميتهم وسعيهم لإقامة دولتهم. # 120 # ولم تكن القدس في بداية الأمر هي الصوت الذهبي ~~ليوتوبيا هرتزل للبحث عن أرض المستقبل، فقد تأرجحت هذه الأرض ~~بين الأرجنتين وفلسطين، وكان حلمه اليوتوبي هو تشكيل دولة ~~رأسمالية ديمقراطية بمساعدة إنجلترا وألمانيا. وظهرت فكرة ~~«الدولة اليهودية» عام 1896م وهي دولة رأسمالية تعاونية ~~لإصلاح الأرض التي ستصبح ملكية عامة، وتبلور الحلم لجعل ~~الحكاية الخرافية حقيقة على الأرض إذا أراد لها اليهود ذلك. ~~وظهرت الرواية اليوتوبية «أرض قديمة جديدة» عام 1900م لتصور ~~أرض التقدم البرجوازي يوتوبيا ليست في المستقبل البعيد، بل ~~تقرر لها أن تكون ابتداء من عام 1920م في الدولة اليهودية ~~التي تقوم على التعاونيات الزراعية. وتمركزت يوتوبيا هرتزل ~~وتمحورت حول الشيء الوحيد الذي لا تمتلكه وهو الأرض. # 121 # وحام الحلم اليوتوبي حول فلسطين: «إن هدف ~~الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون ~~العام.» كانت هذه العبارة هي الهدف الذي أعلنه هرتزل في أول ~~مؤتمر صهيوني في مدينة بال عام 1897م. # اختلفت يوتوبيا هرتزل عنها عند موسى هيس، فهذا الأخير ربط ~~يوتوبياه الاشتراكية بحركة العمل الدولية، وربط رسالته ~~الاشتراكية بتراث أنبياء اليهود، وجعل محور عمله في فلسطين. ~~ولكن هرتزل حول هذا الحلم إلى آخر برجوازي، وأخذ الحلم ينمو ~~ويزدهر بمساعدة بعض المفكرين الإنجليز الذين أثاروا المشاعر ~~اليهودية القبلية، كما أثاروا تعاطف الإمبريالية الألمانية - ~~في ذلك الوقت - مع الحركة الصهيونية. والحقيقة أن هذا الاهتمام ~~بالنزعة الصهيونية كان جزءا من السياسة الإمبريالية الغربية، ~~فقد كانت إنجلترا تريد تأمين الطريق البري للهند، واقترح بعض ~~الكتاب السياسيين - مثل هو لنجروت - إقامة دولة يهودية في ~~تلك البقعة. كما كانت السلطات الألمانية تريد تأمين مصالحها في ~~الشرق بمساعدة تركيا رجل أوروبا المريض - كما أطلق عليها في ~~ذلك الحين - فبحثت ms368 الأمر مع هرتزل عام 1898م بشأن إقامة دولة ~~تحت الحماية الألمانية والسلطة التركية. ولكن هذا المشروع فشل ~~بسبب انسحاب ألمانيا من اللعبة. وحانت لحظة اقتراب الحلم من ~~التحقق في إعلان وعد بلفور عام 1917م الذي وعد بإقامة وطن ~~قومي لليهود في فلسطين التي كانت حتى هذا الإعلان دولة عربية ~~تحت الحماية البريطانية. ووجدت الإمبريالية البريطانية أن ~~أجزاء من برنامج هرتزل الصهيوني تناسب السياسة البريطانية ~~فأعلنت تحت قناع إنسانية مزيفة إقامة مأوى لما تبقى من ضحايا ~~النازية والفاشية، على ألا يزيد عدد السكان اليهود عن ثلث ~~السكان العرب في ذلك الحين. وهكذا بدأت دولة هرتزل الصهيونية ~~بأعداد محدودة، وتشكلت كميونات زراعية على غرار تلك التي ~~رسمها أوين وكابيه في أمريكا الشمالية. # وبدأت المأساة على أرض فلسطين، وليس من الغريب أن نجد بلوخ - ~~وهو الذي ينحدر من أصل يهودي - وقد تغلبت عليه نزعته ~~الاشتراكية الإنسانية فيصف الصهيونية بأنها نزعة عنصرية ~~قائمة على الوعي الزائف، ويقر بأن دولة إسرائيل التي قامت ~~للهروب من الفاشية أصبحت هي نفسها دولة فاشية، هذا من جانب، ~~ومن جانب آخر أصبحت إسرائيل قلب النزعة الإمبريالية الأمريكية ~~في الشرق. # 122 # يضاف إلى هذا أنه ينظر للمشكلة اليهودية من وجهة ~~النظر الماركسية التي عبر عنها ماركس في كتابه «المسألة ~~اليهودية» الذي أكد فيه أن استمرار الشعب اليهودي ليس لصفات ~~ذاتية عرقية أو جنسية أو لأنه شعب الله المختار على حد زعمه، ~~لأن استمراره في البقاء لم يكن برغم التاريخ بل في التاريخ ~~وبفضله. إن البحث في المسألة اليهودية يجب أن يكون بالبحث في ~~الظروف المادية التي أحاطت بهذه المسألة عبر التاريخ، وبذلك ~~وضع ماركس القضية في إطار يتجاوز الأطر البرجوازية إلى رحاب ~~الثورة العالمية البروليتارية. # 123 # معنى هذا - في رأي بلوخ أيضا - أنه ليس هناك حل منعزل ~~للمشكلة اليهودية بدون حل شامل للمشكلة ~~الاجتماعية-الاقتصادية. وإن الفترات التي تزايدت فيها كراهية ~~البشرية للجنس اليهودي - حتى قبل فترة الاضطهاد النازي - إنما ~~تعود إلى أسباب اجتماعية واقتصادية منذ البداية. ويمكن تقسيم ~~المراحل التي ms369 مرت بها هذه الأسباب إلى ثلاث مراحل مختلفة، في ~~العصور القديمة كانت غطرسة اليهود وتكبرهم على الأمم الأخرى ~~وانغلاقهم على أنفسهم بدعوى أنهم شعب الله المختار سببا في ~~إثارة مشاعر الكراهية في نفوس الشعوب الأخرى. وفي العصور ~~الوسطى تعود الكراهية إلى أسباب دينية وهي خيانة يهوذا للمسيح ~~التي أثارت حنق الشعوب المسيحية ورغبتها في الانتقام. أما في ~~العصر الحديث فقد كان للصهيونية والنظرية العرقية أثر كبير في ~~إثارة العداء للسامية، فاجتمعت الأسباب المحرضة ضد اليهود. ~~ويرى بلوخ أن هذه الأسباب كانت مبررة لأن اقتصار الكتاب المقدس ~~على الشعب اليهودي - الذي يشعر بالفخر لهذا بل وما زال مخدوعا ~~بهذا الوهم - دون سائر شعوب الجنس البشرى حادثة غير مسبوقة في التاريخ. # 124 # والحقيقة أن الأسباب التي ذكرها بلوخ ونتج عنها العداء ~~للسامية في العصر الحديث تكتمل بالتفسيرات الأخرى لحقيقة هذا ~~العداء، وأن الصراع الذي تميز بالدموية والوحشية في مطلع هذه ~~العصور، كان بعيدا تماما عن أن يكون صراعا بين مجموعتين أو ~~قوميتين أو دينين كما قد يبدو في الظاهر، لقد كان في واقع ~~الأمر بين طبقتين، إذ كانت البرجوازية القومية الناشئة في ~~بلدان أوروبا تصارع بضراوة ضد الاحتكار اليهودي التاريخي ~~للتجارة. وكانت البرجوازية التجارية اليهودية هي الحاجز ~~الرئيسي في طريقها، وكان هدم التسلط اليهودي هو شرط نموها ~~واستيلائها على السوق. وقد كانت الطبقات الدنيا هي التي تصارع ~~ضد اليهود، تقودها البرجوازية الناشئة وينضم إليها أحيانا ~~النبلاء بدافع الحقد على دائنيهم. ولا شك أن اضطهاد اليهود ~~خلال العصور الوسطى تحت شعار إبادة الخونة كان بمثابة ~~الإرهاصات الأولى للثورة الاجتماعية البرجوازية. # 125 # فالظروف الاجتماعية والاقتصادية إذن هي - في رأي ~~بلوخ وأنصار الماركسية - العوامل التي تختفي وراء المسألة ~~اليهودية. والعداء للسامية ليس من الأمور الخالدة أو الأبدية ~~كما يريد الصهاينة أن يقنعونا بذلك. وحتى إذا كان الأمر كذلك ~~فلن يخفف - في رأي بلوخ - من هذا العداء غزو البلاد العربية ~~وخلق خلافات جديدة ونزعة يهودية جديدة، ولا عن طريق دولة ~~رأسمالية-ديمقراطية كما يتصورها هرتزل، ولا بوسائل ms370 هيس ~~الاشتراكية التي تحوم حول القدس، فليست المسألة أن يكون لليهود ~~أمة أم لا! # 126 # ولكن السؤال الآن: هل ما زال لدى اليهود - سواء ~~أكانوا أمة أم لا - وعي بما قاله إله الخروج لعبده إسرائيل ~~وكلفه به كمهمة لا كمجرد وعد: «هو ذا عبدي الذي أعضده مختاري ~~الذي سرت به نفسي. وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم.» # 127 # إن هذه المهمة التي وجهها الرب لأمة ابتليت ~~بالشقاء تتلخص في: «لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس المأسورين ~~من بيت السجن الجالسين في الظلمة.» # 128 # ويؤكد بلوخ أن اليهود قد قاموا بهذه المهمة ~~الخلاصية وإن لم يقوموا بها على نفس المستوى الذي نجده في ~~المسيحية والإسلام، ففي القرن الثاني بعد الميلاد انتشرت ~~الديانة اليهودية ووصلت إلى الصين، وفي القرن الثامن الميلادي ~~دخلت إمبراطورية كازار # Chazar ~~- وعاصمتها استراخان - في اليهودية. صحيح أن هذا كله تم في ~~وقت متأخر، ولكن معظم النصوص اليهودية المقدسة - كما يقول ~~بلوخ - تطرق فكرة التبشير ورسالة الخلاص وتنبه اليهود لنشرها: ~~«لا يسوءون ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن تمتلئ من معرفة الرب ~~كما تغطي المياه البحر.» # 129 # وقد ظلت ذكرى هذه النزعات التبشيرية والخلاصية ~~موجودة في اليهود الذين تجردوا من النزعة القومية الصهيونية. ~~ولكن النزعة التبشيرية الخلاصية المستقبلية يمكن - على العكس ~~من ذلك - أن تغيب تماما عن اليهود الذين يحصرون أنفسهم في ~~وعي قومي ضيق أو يتبنون نزعات التوسع التجاري الدولي، لقد ~~اقتصر وعيهم عام 1917 - وهو عام وعد بلفور - في الركن الشرقي ~~للبحر الأبيض المتوسط تحت الحماية البريطانية ومصالحها ~~التجارية في قناة السويس وبترول الموصل. ثم دخل الوعي الآن في ~~دائرة الرأسمالية الغربية ومناطق النفوذ البريطاني وتحت حماية ~~الوحش الأمريكي. لكن إذا أرادت الأمة اليهودية أن تبقى فلا بد ~~أن تعي رسالتها بين الأمم الأخرى وتدرك دورها في حركة التحرير ~~الاجتماعي وإلا فلن يكون لها مستقبل على الإطلاق. # 130 # لا شك أن نزعة بلوخ الإنسانية الاشتراكية قد غلبت عليه في ~~تحليله للصهيونية كحركة قومية عنصرية. ولم تمنعه ms371 ديانته ~~اليهودية - خلافا لغيره من الماركسيين اليهود - من أن يدين ~~العنف الإسرائيلي الموجه ضد العرب، ولا أن يوجه نقده إلى ~~أمته التي رأى فيها بوادر نازية جديدة، وعلى الرغم من ذلك فهو ~~لا ينكر حقها في أن تحتفظ بهويتها القومية شأنها شأن غيرها من ~~الأقليات القومية الأخرى، وأن تنمي لغتها وتراثها وثقافتها على ~~الأرض التي ولدت فيها وتربت عليها في إطار نزعة اشتراكية ~~عالمية تساهم مساهمة فعالة جنبا إلى جنب مع الأمم الأخرى في ~~حركات التحرير الاجتماعي. وأغلب الظن أن المواطن العربي قد ~~يؤيد هذا المطلب المشروع في حق الأمة اليهودية في الاحتفاظ ~~بهويتها وثقافتها الوطنية. ولكن السؤال: هل كان من الضروري أن ~~يتحول الشعب الذي كان مقهورا فيما مضى إلى شعب قاهر لكل ~~الشعوب العربية المحيطة به؟ هل كان من الضروري - لكي تحتفظ ~~الأمة اليهودية بهويتها الدينية والثقافية - أن يتشرد شعب ~~بأكمله وتسلب أرضه ويطرد من دياره؟ وهل كان من الضروري أن ~~تقوم الهوية اليهودية في أرض فلسطين؟ ألم يعترف بلوخ نفسه بأن ~~جبل صهيون في فلسطين لم يكن إلا رمزا فحسب، وإنه من الممكن أن ~~يكون هناك جبل صهيون حيث يكون اليهود في أي مكان؟ ألا يمكنهم ~~الاحتفاظ بهويتهم وقوميتهم وتراثهم في الدول التي نشئوا فيها ~~ونهلوا من ثقافتها؟ ألم يكن من الممكن إدماج ثقافتهم وتراثهم ~~في التراث الإنساني كما فعل فلاسفة اليهود في ظل الثقافة ~~العربية الإسلامية في الأندلس قديما، وكما فعلت قلة قليلة من ~~المثقفين اليهود المعاصرين الذين أسهموا في إثراء التراث ~~الإنساني من خلال إسهامهم في تراث الأمم التي نشئوا على أرضها؟ ~~بذلك وحده تتحول النزعة القومية العنصرية المقصورة على الجنس ~~اليهودي إلى نزعة اشتراكية عالمية، وليس مهما أن يكون لها ~~وطن، فحل المسألة اليهودية لا يحتاج إلى صهيونية جغرافية في ~~فلسطين، لأن هذا يمكن تحقيقه في أي دولة ينتمي إليها الشعب ~~اليهودي. ~~(4) الماركسية واليوتوبيا العينية # بعد هذا العرض الموجز السريع لأهم اليوتوبيات منذ بدايات ~~التفكير البشري وحتى القرن العشرين لا بد أن يطرح السؤال: ms372 ما ~~مدى ما حققته من تغيير في مجتمعاتها؟ إن هؤلاء الحالمين الذين ~~وقفوا في وجه الفساد والاستغلال في عصرهم، وأدانوا الظلم ~~بقلوبهم، ونشدوا العدل الاجتماعي، وسعوا بعقولهم وخيالهم - ~~باعتبارهم يوتوبيين تأمليين - إلى بناء عالم أفضل، توافرت ~~لديهم جميعا النية الطيبة والرغبة في الإصلاح، ولكن ندر بينهم ~~من امتلك إرادة التغيير واكتشف التوسط التاريخي - مثل فورييه، ~~وبنسبة أقل سان سيمون - وقليل منهم كان لديه الحس المسبق ~~بالاتجاهات والإمكانات الواقعية الموجودة في عصرهم؛ الأمر الذي ~~جعل من هذه اليوتوبيات أشكالا مجردة لدول خيالية بعيدة عن ~~سياق التاريخ - لا يوتوبيات عينية متحققة - وكأن الحلم ~~اليوتوبي يمكن أن يشرق في فراغ، والصور الخيالية اليوتوبية ~~المفعمة بالأماني يمكن أن تطبق خارج التاريخ وصيرورته الجدلية، ~~بل بطريقة سكونية على واقع لا يعرف عنها شيئا أو على أفضل ~~تقدير يعرف عنها القليل. # 131 # ولا يرجع ضعف هذه اليوتوبيات فحسب لعوامل ذاتية كامنة في ~~شخص أو شخصيات المفكرين اليوتوبيين ونزعتهم العقلية التأملية ~~والمجردة، ولكن يرجع أيضا لعوامل موضوعية من أهمها أن الظروف ~~الاجتماعية والواقع الفعلي لم يكونا قد وصلا لمرحلة النضج ~~بالقدر الذي يسمح بالتغيير. لم تكن الصناعة قد طورت بشكل ~~كاف، ولم تكن الرأسمالية قد واصلت تطورها بحيث تنشأ طبقة ~~بروليتاريا ناضجة كما يقول ماركس في «بؤس الفلسفة». # 132 # كانت اليوتوبيات الكلاسيكية إذن وحتى نهاية القرن ~~الثامن عشر على أقل تقدير يوتوبيات نظرية، وكان المنهج ~~الرياضي الاستنباطي هو المنهج المتبع فيها وليس المنهج ~~التاريخي. ومعنى هذا أنها انحصرت في استنباطات من الفكر الخالص ~~كما اتضح من نظريات الحق الطبيعي التي افتقدت الحس الحقيقي ~~بالتاريخ. أما عن اليوتوبيات الحديثة فقد خرجت من نطاق العقل ~~المجرد، وبخاصة تلك التي ارتبط أصحابها بنظريات علم الاجتماع. ~~فهؤلاء الحالمون كانت لهم أفكار لا يمكن تجاهلها، وعلى الرغم ~~من مظهرها المجرد، إلا أنهم لم يكونوا أبدا من المفكرين ~~التأمليين، بل هم يوتوبيون اقتصاديون سياسيون، وإرادة التغيير ~~لديهم لا شك فيها. لقد شرع بعضهم في التطبيق الفعلي الذي لم ~~يحالفه الحظ، وإذا كانت إرادة ms373 التغيير الكامنة في بعضها لم ~~تخرج إلى حيز التأثير الفعال، فإنما يرجع ذلك لضعف ارتباطها ~~بالطبقة العاملة، وكذلك بسبب التحليل غير الكافي للاتجاهات ~~الموضوعية والإمكانات الواقعية في المجتمع القائم، أو بسبب عدم ~~نضج الظروف الاقتصادية نضجا كافيا بحيث تفجر إرادة الفعل ~~في الذات، فهذه الظروف الموضوعية من الأمور التي تساعد على ~~الانتصار الثوري. # 133 # ظلت اليوتوبيات السابقة الذكر عهودا طويلة تعبر عن أمل ~~يوتوبي غير دنيوي، وذلك باستثناء بعض اليوتوبيات التي نظرت إلى ~~الواقع وانطلقت منه ولكنها كانت غير ناضجة فصورت العالم الأفضل ~~بشكل مجرد وأقامت نسقا في عقول مبدعيها فقط. إن الماركسية ~~وحدها هي التي قهرت التجريد، وإن تحسين العالم لا يأتي بالتأمل ~~بل بالفعل، بالنظرة الجدلية إلى الواقع مع مراعاة قوانين ~~العالم الموضوعي، حتى تتحول اليوتوبيا من تأملية مجردة إلى ~~يوتوبيا عينية ذات نزعة اشتراكية. وتاريخ اليوتوبيات ~~الاجتماعية يثبت أن هذه النزعة الاشتراكية قديمة قدم العالم ~~الغربي، وقدم الحلم بالعصر الذهبي. # 134 # ولا عجب بعد ذلك أن ينتهي الفيلسوف الاشتراكي إلى ~~أن تاريخ اليوتوبيا ما هو إلا تطور تدريجي لهذه النزعة التي ~~اكتملت في الماركسية. # مع الماركسية تقدمت النزعة الاشتراكية من اليوتوبيا إلى ~~العلم، وبدأت فكرة تحسين العالم من الاتجاهات الفعلية للواقع. ~~لم ينظر للبؤس كحالة تدعو للرثاء، ولكن بدأ بحث أسبابه وتفجير ~~قوته الثورية الكامنة للقضاء عليه. ولم يسمح ماركس لسخطه على ~~المجتمع أن يجعله يغفل عن العوامل الثورية الموجودة فيه. وإذا ~~كان بعض اليوتوبيين قد رأى أن أجور العمال في المجتمع ~~الرأسمالي غير منصفة، وطالبوا بمجتمع جديد بأجور أكثر ~~إنصافا، فإن ماركس لم ينظر للأمر من هذه الزاوية، وإنما حلل ~~العوامل الاقتصادية للمجتمع الرأسمالي، واكتشف ما فيه من ~~تناقضات تسبب انهياره في نهاية الأمر بفعل عوامل جدلية ~~باطنه. وبذلك وضع أسسا جديدة للنقد الاقتصادي كانت مفتقدة في ~~اليوتوبيات الاجتماعية المجردة في مرحلة ما قبل الماركسية، وهي ~~التي خصصت تسعة أعشار مساحتها في وصف دولة المستقبل، والعشر ~~الباقي للنقد، بينما كرس ماركس تسعة أعشار كتاباته للتحليل ~~النقدي ms374 للحاضر وسمح بمساحة ضئيلة لوصف المستقبل، لأن كل عمله، ~~وليس فقط جزء منه، موجه للمستقبل، كما أنه لم يرسم صورة ~~للجنة بل تناول بالنقد والتحليل الحياة الاقتصادية، وكشف سر ~~الاستغلال وفساد الربح. # 135 # جسد ماركس بشكل مادي توقعات اليوتوبيا بوسائل اقتصادية ~~عندما بحث في جدل الإنتاج وفائض القيمة، وبذلك وضع الأسس ~~المادية لجدل التاريخ، وألغى الثنائية بين ما هو كائن وما ~~ينبغي أن يكون، وبين الممارسة التجريبية واليوتوبيا من أجل ~~إعادة تنظيم المجتمع بشكل ثوري، ولذلك أغفل كل اليوتوبيات ~~السابقة من أجل نزعة واقعية مفعمة بالمستقبل؛ المستقبل الذي ~~استنار بعوامل مادية-تاريخية من الماضي والحاضر تعمل باستمرار ~~لتصب في المستقبل. # 136 # في الماركسية يزداد الحلم العيني وضوحا، ويتطور مضمونه ~~ليصبح حلما متحققا تحققا فعليا. كما تهتم الماركسية - ~~بوصفها يوتوبيا عينية - بأن تفهم الحلم لأنه يكمن في النزوع ~~التاريخي نفسه، وتتوسط هذه اليوتوبيا مع الصيرورة وتركز ~~اهتمامها على تحقيق الأشكال والمفاهيم التي طورتها في رحم ~~المجتمع الحاضر، إنها يوتوبيا عينية تقدمية بسبب ارتكازها على ~~عنصرين أساسيين هما: توجهها للمستقبل، وارتباطها بإمكانات ~~حقيقية موضوعية كامنة في الواقع الفعلي وإن لم تتحقق بعد في ~~العالم الخارجي. وتتجه هذه اليوتوبيا العينية إلى الجمع بين ~~النظرية والتطبيق، ولا ينحصر قصدها اليوتوبي في أرض الحلم ~~المنعزلة أو في أفضل نظام اجتماعي متصور كما كان الحال في ~~اليوتوبيات الاجتماعية، بل يتسع ليشمل كل الميادين الأخرى من ~~تقنية وعمارة وفنون تشكيلية وأدب وموسيقى ... إلخ، فكل هذه ~~الميادين لها صور مفعمة بالأمل ومتشابكة مع بعضها البعض من ~~أجل خلق عالم بشري، وكل فلسفة وكل عمل فني له نافذة يوتوبية ~~تطل على المستقبل، أو هو محاط بعنصر يوتوبي قائم على أساس ~~موضوعي يكون كامنا في البداية ويحمل داخله بذرة نمائه حتى ~~يشرق في إمكانات حقيقية قد تؤدي في النهاية إلى كارثة محققة، ~~أو تكون بذرة الأمل الممكن، وذلك حسبما تقرره إرادة الموجوادت البشرية. # 137 # وتمتد اليوتوبيا لتنتشر كالمادة المشعة في كل ~~الأنشطة الإنسانية، وتدفع معوقات الطبيعة للخلف بصنع البشر - ~~المتمتعين بوعي ms375 كامل - التاريخ لأول مرة بدون فكرة الضرورة أو ~~القدر الأعمى، لأن هذه الفكرة الأخيرة تجد من يتعبدها في ~~المجتمع الطبقي وحده. أما اليوتوبيا التي أصبحت عينية فلا تعرف ~~القدر أو الضرورة لأنها وضعت أساسا لنظام غير مغترب في حدود ~~عالم أفضل. # 138 # عندما يصبح الجدل عينيا، وعندما يجعل نفسه في خدمة هدف يضع ~~المستقبل والمتمنى نصب عينيه، لا تكفي الرغبة وحدها ولا بد ~~أن تضاف لها الإرادة، ومع الإرادة التبصر النافذ. عندئذ تتحول ~~اليوتوبيا إلى علم، ويصبح العلم دليلا يهدي إلى السلوك ~~الصحيح، وذلك وفقا للقضية الحادية عشرة من قضايا فويرباخ التي ~~تطالب بأن تصب كل النظريات الصحيحة في تغيير العالم: «إن ~~فويرباخ في جهوده لتوليد الوعي يقطع أبعد شوط يمكن لنظري أن ~~يقطعه دون أن يكف عن أن يكون نظريا وفلسفيا (...) إنه ~~يؤول مجرد تأويل العالم المحسوس القائم، ويسلك تجاهه سلوك ~~النظري، في حين أن المسألة هي أحداث الثورة في العالم القائم ~~ومهاجمة حالة الأشياء كما وجدها وتبديلها عمليا.» # 139 # ويرتبط بالعلم العيني أو الواقعي قدر من العاطفة ~~التي لا غنى عنها لتحويل المعرفة إلى عمل وممارسة، ذلك أن ~~المبادرة لا تأتي أبدا من المعرفة وحدها، وإنما تنبع أساسا ~~من الإرادة. إن المعرفة يمكنها أن تهدي الإرادة، ولكن الإرادة ~~هي التي تحقق المعرفة. وبغير العاطفة الثورية والحماس الإرادي ~~القوي لتغيير العالم تبقى أنطولوجيا الإمكان والمستقبل وال ~~«ليس-بعد» مجرد أفكار مهما وصفت هذه الأفكار بأنها تقدمية، ~~ولو تشبعت بالعاطفة الثورية لأصبحت أداة لتحقيق ~~اليوتوبيا. # لكن بعض الثوريين الذين تحركت ضمائرهم أمام البؤس المنتشر ~~وانضموا إلى صفوف الاشتراكية ظلوا في أعماقهم برجوازيين، لذلك ~~أدانتهم الماركسية كما أدانت الاشتراكية النابعة من عوامل ~~إنسانية فقط، أي من التعاطف والرغبة فحسب؛ إذ لا بد من تضافر ~~الضمير والمعرفة لتوفير الوعي الاشتراكي «الموضوعي» لا الذاتي ~~فحسب من أجل قلب كل الظروف والعلاقات التي يكون فيها الإنسان ~~كائنا مهانا مستعبدا مهجورا ومحتقرا. وإذا كان هناك ~~محاولات وجودية للتقليل من شأن ثورية ماركس وتصويره في صورة ~~القريب ms376 من كيركيجورد أو باسكال فإن من المستحيل - في رأي بلوخ ~~- تزييف ماركس الحقيقي لأنه نموذج الإنسانية الماضية في تحرير ~~نفسها بصورة فعالة. وهي إنسانية ترفض معاملة البشر كما تعامل ~~الكلاب؛ إنسانية واقعية موجهة لمن يستحقها، تمسك السوط بيدها ~~في غضب وسخط كما تنادي وتهيب وتبحث عن سبيل موضوعي للإنقاذ. # 140 # ولا تقتصر هذه الإنسانية الماركسية على الطبقة ~~العاملة المغتربة وحدها، بل تمتد إلى كل المستغلين والمغتربين ~~في ظل الرأسمالية. ولا تقتصر هذه الثورية الإنسانية على كتابات ~~ماركس الشاب، لأن إنسانيته الواقعية تمتد لتشمل تفسيره المادي ~~للتاريخ. صحيح أن مصطلح الاغتراب لا يظهر في كتاباته المتأخرة، ~~ولكنه اختفى كلفظ فقط وظل الموضوع الإنساني باقيا في تحليلاته ~~ليوم العمل ولمجموع العلاقات الاجتماعية، كما ظلت الإنسانية ~~«الفاعلة» ماثلة في نصوص عديدة. # 141 # ويهاجم بلوخ المحاولات العديدة لتجريد ماركس والماركسية من ~~النزعة المستقبلية وإبعادها حتى عن التراث الليبرالي، كما يحمل ~~حملة شديدة على محاولات إعادة الماركسية لجذورها العقلية لا ~~المادية الواقعية، وتصوير ماركس على أنه كانطي أو هيجلي جديد ~~أو رد نظريته إلى أفكار الخلاص القديمة من أوغسطين ويواخيم ~~الفيوري لتصوير الماركسية في صورة مسيحية علمانية وكأنها ~~مجرد نسخة اقتصادية أو تحول اقتصادي فاسد لعقيدة الخلاص ~~اليهودية-المسيحية. إن كل الذين يبذلون هذه المحاولات ينسون أن ~~الماركسية تلغي مجتمع الطبقات الذي سمح بوجود السيد والعبد، ~~وتحرر إرادة الأمل من عقالها، كما أن أصالة ماركس لا تنفي أن ~~له آباء وأجدادا، وأنه حقق حلمهم الماضي وارتفع به إلى مستوى ~~الوعي الثوري وجعله شيئا جديدا كل الجدة. # 142 # وقد تصور بعض الأدباء والباحثين الرومانسيين مثل كرويتسر # Creuzer # وفيلكر # welcker # أن علم الأساطير يعبر ~~عن المجموع الكلي للمعرفة الذي وجد منذ أزمان لا تعيها ~~الذاكرة، وإن كل ما جاء بعد ذلك - مثل نظرية المثل لأفلاطون ~~على سبيل المثال - لم يكن إلا صدى شاحبا لهذا العلم الشامل، ~~ومن ثم تصوروا أن ماركس حالم رومانسي مثل غيره من العلماء ~~الرومانسيين الذين قالوا إن العلم كله أصله أسطوري. ولذلك ~~اتهم ماركس ms377 بأنه وضع الأساطير في هذا العالم وأضفى الصبغة ~~الدنيوية عليها. ويدافع بلوخ عن ماركس مستشهدا بهذه العبارة ~~التي كتبها إلى روجا عام 1843م: «سوف يتضح أن العالم كان يملك ~~منذ أمد طويل حلما عن المادة، وهي المادة التي يتحتم عليه أن ~~يعيها لكي يملكها بحق، وسوف يتضح أيضا أن المسألة ليست خطا ~~فاصلا بين الماضي والمستقبل، وإنما الأمر يتعلق بمواصلة أفكار ~~الماضي.» إن هذه العبارات التي قالها ماركس هي في الواقع ~~الجوهر الحقيقي للأصالة، وتعبر عن موقف جديد كل الجدة من ~~الماضي. ويتضح هذا من قول ماركس نفسه بأنه موقف يقوم على تحليل ~~الوعي الأسطوري الذي لم يتضح لنفسه على نحو ما كان عليه في ~~الماضي، وبدون الانفصال عن ذلك الماضي بشكل مجرد أو صارم، ~~وعلى هذا فإن ماركس لم يضعف من جانب المعرفة الأسطورية بل صححها. # 143 # إن الجديد الرائد الذي جاء به ماركس هو في معرفة فائض ~~القيمة، وفي التفسير الاقتصادي الجدلي للتاريخ، وفي فهمه ~~للعلاقة بين النظرية والممارسة. وإذا لم يفهم الرومانسيون هذا ~~الجديد الرائد - بالمعنى السابق أي انفصال العلوم عن أصولها ~~الأسطورية - فإن هذا يكشف عن انتماءاتهم البرجوازية وعقليتهم ~~التي تنزع إلى الترميم والإصلاح، لا إلى الثورة الحقيقية. كما ~~أن جهلهم بهذا الجديد ليس إدانة للماركسية على الإطلاق، لأن ~~موقفهم المتخلف هذا لا يمكن أن يعي الإنسانية الجديدة ~~والفاعلية الجديدة وتغيير العالم والحلم المتجه إلى الإمام ~~على الدوام في الماركسية المفتوحة. # 144 # ولننظر إلى الأخلاق ... فهل انتقص من قدر الأخلاقية ~~لأنها لم تعد لصالح عالم آخر أم أنها أصبحت أكثر نقاء ~~وصفاء؟ ولننظر إلى المسيحية نفسها ... هل شوهها «توماس مونتسر» ~~لاهوتي ثورة الإصلاح الديني عندما سلك سلوكا ثوريا ولم يقبل ~~أن يسالم؟ ألم تصبح المسيحية - على العكس من ذلك - أكثر أصالة ~~عندما دفع بها إلى النشاط الفعلي وإلى التاريخ المعاصر. ولننظر ~~إلى تاريخ العلم الذي نشأ عند اليونان نشأة انفصل فيها عن ~~الأسطورة على الرغم من أن الأسطورة كانت دائما تدخل في إيضاح ~~الأفكار غير الأسطورية. ms378 هل أصبحت الفلسفة والعلم - بعد أن فصل ~~اليونان العلم عن الأسطورة - أفقر مما كانا عليه أم أنهما ~~ازدادا غنى وثراء عندما انفتحا على آفاق جديدة لم تر من ~~قبل ولم يفكر فيها أحد من قبل كما فعل سقراط على سبيل المثال ~~عندما حاول أن ينزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، وكما فعل ~~ديمقريطس بفكرته عن الضرورة عندما غرسها في البنية الذرية # 145 ~~... إلخ. # لا شك أن هناك نداء أسطوريا أو صوفيا يتردد من بعض ~~أفكار ماركس الإنسانية والجدلية. ولكن هذه الإنسانية وهذه ~~الجدلية تتجه بدون شك نحو النور والظهور في نهضة مستقبلية. ~~ويتجلى هذا الجانب الأسطوري في فكرة الخلاص عند ماركس التي ~~يحيط بها وينبعث منها بريق أسطوري. وإن المؤمن بالتنوير ~~الحقيقي لن يضن على هذه الروح التنبئية بالخلاص عند ماركس، ~~لن يضن عليها بعرفانه واندهاشه وتعلمه من مثل هذه الأفكار ~~التنبئية. والواقع أن ما يصحح مسار العالم ويضيف إليه ويضيئه ~~من داخله لا يمكن أن يبرز إلا عندما يصل الوعي إلى موقف ~~علمي صحيح. فلم يعد من المكن أن يتحقق هذا أو أن يفهم في ~~مجتمع لا يعيش فيه إلا فيلسوفان فقط، أحدهما فيلسوف يائس ~~تخلى عن كل شيء، والآخر فيلسوف عنكبوتي يحاول أن يقدم لنا ~~كنوز الحكمة المدرسية الوسيطة وكأنما هي فصل الخلاص الأخير . إن ~~الماركسية الخلاقة وحدها هي المعبرة عن عصرنا، وهو العصر ~~الذي يبدع ويواصل تراث الماضي ويحققه في نفس الوقت. والماركسية ~~وحدها تمثل الإنسانية الحقيقية التي ترفع من شأن الأرض ولا ~~تجعلها مجرد شبح يعكس الصورة الأسطورية القديمة. وهي التي تحقق ~~ما يعرف بأنه حق وفقا للإمكانيات الواقعية وللمنظور الواقعي ~~للمستقبل. وفي هذه الممارسة لا يتم فصل العالي أو علمنته عندما ~~تنفصل الماركسية عما هو فوق الإنسان ولا يؤثر في صيرورة ~~الإنسان، وما لم تفهم العلمنة بالمعنى الماركسي الجديد وحده ~~الذي يوحد بين النظرية والتطبيق فلن تفهم أبدا. # 146 # وعلى حين كان كل عظماء الفكر قبل ماركس قانعين بأن ~~يصبح العالم فلسفيا، فإن الإنسانية الماركسية ms379 قد فتحت على ~~طريقتها - ووفقا لعبارة ماركس الشهيرة عن ضرورة تغيير العالم ~~بدلا من الاكتفاء بتفسيره - آفاقا جديدة يمكن أن تجعل ~~الفلسفة عالمية، وبهذا تكون الفلسفة قد أوقفت على قدميها من ~~جديد، ووهبت القدرة والكفاءة لإعادة بناء هذا الكوكب الأرضي. ~~ولا بد أن نلاحظ أن الماركسية لم تنقص من قدر الأفكار ~~العظيمة بحق في الماضي، ولم تختزلها لأن ذلك الماضي ظل غنيا ~~بالأفكار الحقيقية. # 147 # إن الأمل النابع من خطة علمية مدروسة والمرتبط بالممكن ~~الوشيك التحقق هو أفضل ما يوجد في حياة الإنسان، بشرط أن يرتبط ~~بالمعرفة الدقيقة بالواقع مع الممارسة. لا يمكن أن يزدهر العقل ~~بغير الأمل، ولا يمكن أن يتكلم الأمل بغير العقل، لأن وحدتهما ~~وحدة ضرورية. والذين يتهمون الماركسية بأنها أخروية لا يدركون ~~نزعة الحلم، فقد حرص ماركس على تعقيل الحلم لا إغراقه في سحب ~~العواطف، كما حرص على أن يقترن التعقيل بالحماس بحيث تربط ~~الماركسية بينهما لإبراز «الجديد» واليوتوبي الواقعي. والمهم ~~هو التوحيد بين التعقيل والحماس - أي الخيال في حالة الفعل - ~~وتوجيههما نحو الأمل المتطور المدروس. وتعد الماركسية نظرا ~~وتطبيقا هي الطريق الوحيد لتحقيق حلم العصر الذهبي، إنها لا ~~تنسى الواقع، كما تفعل اليوتوبيات الاجتماعية، بل تطوره ~~جدليا واقتصاديا وعلميا دون أن تتخلى عن التراث أو عن ~~صور أحلام يقظته عن المستقبل، لأنها تخلصها من اغترابها القديم ~~ومن تحولها إلى تأملات مجردة. فالماركسية هي التي تحقق مضامين ~~الأمل وتضفي عليه الوجود العيني، والسبيل الوحيد إلى ذلك هو ~~المجتمع الخالي من الطبقات. # 148 # ولا بد من التفرقة بين الأمل الذاتي - الذي يظل أملا ~~ذاتيا - والأمل الموضوعي وهو الأمل بالمعنى الصحيح الذي ~~يتوسط النزوع التاريخي، كما يتم في العالم وعن طريقه ويتجه نحو ~~هدفه، وهو تحقيق الإنسانية الاشتراكية. والفلسفة رحلة جدلية ~~شجاعة تضع الأمل في المقدمة، الأمل في تحقيق الممكن والكشف عن ~~المجهول، أي الأمل الموضوعي الواقعي المؤسس على معرفة الشروط ~~الذاتية والموضوعية معرفة دقيقة وعلى الإرادة الثورية التي ~~توجهه وتكافح في سبيل تحقيقه. إنه أمل يرتبط بالمادة ms380 بحيث ~~يتجاوز أرسطو وفهمه للمادة بكثير، وهو ليس كامنا في الذرة ~~المادية ولا هو مغلق فيها وإلا حال هذا دون تصور الوثبة ~~الجدلية الكيفية ل «ليس-بعد» نحو الجديد. # 149 # وهنا يختلف الهدف والغاية المادية خلال العملية ~~الجدلية عنهما في المذاهب الغائية الدينية التي تفترض قبليا ~~من منظور العناية الإلهية والحقيقة النهائية. وبذلك يكون عصب ~~المفهوم التاريخي الصحيح هو الجديد، وعصب المفهوم الفلسفي ~~الصحيح هو الجديد الأفضل، وكلاهما غير متحقق في الأنطولوجيات ~~الثابتة للماهيات الثابتة. هذا بالإضافة إلى أن عيب كل ~~الفلسفات الميتافيزيقية السابقة على ماركس أنها تأملية وأنها ~~تتجاهل حقيقة المادة الأساسية وهي أنها مادة متجهة إلى الإمام. # 150 # هكذا وجد بلوخ أن الماركسية هي فقط المعنية بتحقيق الهدف ~~النهائي للأمل وهي الفلسفة الوحيدة القادرة على تحقيق الحلم ~~اليوتوبي والوصول به إلى غايته المنشودة إلى مملكة الحرية. وقد ~~ظل على رأيه حتى مات 1977م ولم يشهد انهيار المعسكر الاشتراكي ~~في أواخر عام 1989م، إلا أنه استشعر بداية النهاية. ونزعته ~~التفاؤلية وإصراره على الأمل حتى اللحظة الأخيرة لم يحجبا عنه ~~رؤية الواقع الفعلي وتجاربه المريرة، فما كان منه إلا أن طرح ~~هذا السؤال: «هل يمكن أن يخيب الأمل في الأمل؟» # 151 # إنه سؤال تفرضه الأمثلة العديدة التي يقدمها ~~التاريخ على اليأس والإحباط بعد هزيمة الإرادة الثورية على ~~المستوى الفردي والجماعي في مختلف العصور التاريخية . وقد وجد ~~بلوخ أن السؤال لا يزال معاصرا إلى أبعد حد بعد أن رأى مع ~~الزمن أن البداية العظيمة قد وقعت في أيد صغيرة، غير أنه لم ~~يتخل عن «الأمل» ولم يفرط في الهدف، وإنما وضع في حسابه ~~الحواجز والانحرافات التي تقف في طريقهما، وأخطار الفشل ~~والانتكاس الذي يهددهما. بل إنه لم يعد يقتصر على «اللا» ~~الكامنة في الصيغة الأنطولوجية والشعورية التي أسس عليها ~~فلسفته، وهي وجود ال «ليس-بعد» أو الوجود الذي لم يتحقق بعد، ~~وإنما أخذ يفكر في «العدم» أو قوة السلب المطلقة التي تقضي على ~~الأمل وتعوق الطريق إلى الهدف إن لم تدمره تدميرا. بيد ms381 أن ~~خيبة الأمل التي درس أسبابها واستقصى أنواعها لا تصدر عن يأس ~~أو قلق وجودي، لذلك ازداد تمسكا بالأمل والنضال في سبيل ~~تحقيق الهدف الذي بدا له بعيدا وإن لم يكن مستبعدا ولا ~~مستحيلا؛ إذ لولا التمسك به لما وجد على الإطلاق. وإذا كان ~~بلوخ يؤكد دور العامل الذاتي في تحقيق هذا الهدف، فإن عينه لم ~~تغفل عن المصاعب الموضوعية التي تواجه تحقيق الأمل المتجدد دون ~~أن تؤدي به إلى اليأس. # اقتضت الضرورة طرح هذا السؤال الذي فرضته الأحداث: هل يمكن ~~أن يخيب الأمل أو هل يمكن أن تخيب أساليبه؟ إن هذا أمر شائع ~~ومتكرر، فأي حياة مملوءة بأحلام لم تتحقق، هذا أمر لا بد منه ~~بالنسبة للتفكير الذي يقتصر على التمني وإقامة قصور في الهواء ~~لا أساس لها ترتكز عليه؛ ذلك أن مثل هذا التفكير يتلذذ بنفسه ~~ولا يسأل فيه عن الواقع. كذلك أحلام اليقظة العامة كم سبحت دون ~~أن تنزل في الماء! وكم غرر بالشباب مثل هذا الأمل! فكانت خيبة ~~الأمل التي أعقبته هي الشيء الحقيقي فيه. من الأرجح أن أحلام ~~اليقظة وحدها تؤدي دائما إلى خيبة الأمل، سواء كانت أحلاما ~~خاصة أو عامة. ولكن هل الأمل القائم على أساس، ويقوم بدور ~~«التوسط» لهدف حقيقي يبشر به، يختلف عن الأمل السالف الذكر؟ ~~مثل هذا الأمل الأخير يمكن بل يتحتم أن يخيب لأنه كان نوعا من ~~التمني والاسترسال وراء أحلام اليقظة، ولم يقم على أي أساس ~~موضوعي، فهو أمل يختلف تماما عن ذلك الذي يعتمد على الوعي ~~الكافي بالإمكانات والنزعات الكامنة في الواقع. # ولهذا يمكن أن يخيب الأمل في الأمل، أولا، لأنه منفتح على ~~الأمام (الآتي والمستقبل) ولا يقصد الحاضر. ولأنه دائما في ~~حالة عدم تحدد ويهتم بما هو متغير لا بتكرار ما هو قائم، ~~فإنه ينطوي على عنصر الصدفة الذي يجب أن يحسب حسابه. ثانيا، ~~من الممكن أن يخيب الأمل في الأمل لأنه - باعتباره توسطا ~~عينيا - لا يتعامل مع وقائع ثابتة أو جامدة. فما يسمى ~~وقائع ثابتة إما ms382 أن تكون الذات قد شيأتها، أو تعتبر من ~~الناحية الموضوعية مرحلة توقف للمسار التاريخي، بيد أن هذا ~~المسار التاريخي جدلي مستمر وليس فيه واقعة ثابتة. ولهذا ~~يبقى الأمل كعاطفة مع الخوف المتعلق به، كما يبقى الأمل كمنهج ~~في مجال ال «ليس-بعد»، أي في مجال لا يتحدد فيه تحققه ولا ~~امتلاؤه بالمضمون. ومعنى هذا بعبارة أخرى أن الأمل ينطوي على ~~احتمال إفساده وإبطاله؛ إذ إنه ليس ضمانا موثوقا به، لأن فيه ~~ما في العملية التاريخية والكونية نفسها من عدم تحدد، فلا هي ~~تبطل تماما ولا هي تكسب تماما. ولهذا كله ينتمي الأمل ~~للإمكان الموضوعي والواقعي الذي يطوق الواقع السائد تطويق ~~الخطر والنجاة الممكنة معا. ذلك الممكن هو المشروط جزئيا لا ~~كليا مثل الوجود الواقعي الراهن، وعدم الضمان هذا لا يعني ~~عدم الثقة والاطمئنان التام الذي يجعل كل ممكن وكل انتظار ~~نوعا من اللامعقول الذي يناقض الشروط الجزئية القائمة في عالم ~~الإمكان الموضوعي والواقعي. وحتى لو أضيفت العوامل الذاتية إلى ~~المعرفة الموضوعية بالشروط القائمة، فإن الأمل لا يفقد طابع ~~«عدم الضمان» الذي يميزه. # 152 # وهنا تعترف اليوتوبيا الواقعية بأنها على الطريق، هذا الطريق ~~الذي توجد عليه ماهية العالم التي تمكنه أن يتحقق بعيدا عن ~~الشك، ولهذا لا تدعي مثل هذه اليوتوبيا الكمال طالما أنها تظل ~~معلقة بخيبة الأمل وانعدام كل ثقة وضمان، ثم ألا يؤكد الواقع ~~نفسه - حتى لو كانت مضامينه كلها قد تحققت - أنه لم يصل إلى ~~مستوى الكمال الذي كان يرجي له قبل تحققه؟ وإذا كانت خيبة ~~الأمل لا يخلو منها الواقع الذي تحقق منه القليل، فإن هذا مما ~~يؤكد الطموح الوجودي والماهوي للأمل. إن خيبة الأمل تتعلم من ~~الخسائر والأضرار التي تحيق بها، وتزداد فطنة بالانتباه إلى ~~النزوع الكامن في الوقائع المزعومة التي تظل في حالة صيرورة. ~~ولكنها من ناحية أخرى لا تتعلم منها، إذ إن «الأمل المؤسس» لن ~~يقنع بأي واقع بل سيدينه على أساس أنه لم يحقق الجوهر الكامن ~~أو مضمون الهدف الذي كان ينزع إليه الموجود ms383 الواقعي، وإنما ~~شوهه أو وضع عليه قناعا، ولذلك، فإن هذا الموجود سيدان من ~~اليوتوبيا المؤسسة، وكم ستزيد هذه الإدانة إذا كان هذا الهدف - ~~وهو الإنسانية الواقعية - لا يزال في حيز الإمكان أو مجال ال ~~«ليس-بعد» ثم إذا كان الواقع الذي يدعي أنه يعبر عن الوجود ~~الحقيقي - أو عن ذلك الهدف - أبعد ما يكون عن الإنسانية بل ضدها. # 153 # على وجه الإجمال ومصداقا لعبارة اسبينوزا إن الحق ليس ~~دليلا على نفسه فحسب، بل هو دليل على الكذب أيضا. فإن خيبة ~~الأمل لا تتعلق بتحقق الواقع تحققا جزئيا لا يعبر عن النزوع ~~الكامن فيه، وإنما تتعلق خيبة الأمل الحقيقية بالأمل بحكم أنها ~~ترفض الواقع المشوه إلى حد عدم القدرة على التعرف عليه، ~~وبحكم أن الأمل، ومضمون الهدف الذي يسعى إليه، وهو «مملكة ~~الحرية»، يفرض واجبه عليه أن يكون مقياسا للحكم على ذلك ~~الواقع المشوه وإدانته. يقينا ستساعد التحليلات ~~الاقتصادية-الاجتماعية على النفاذ إلى أصل هذا الواقع ~~المشوه. ولكن لا بد أن يكون «الكل» اليوتوبي أو الهدف حاضرا ~~فيها ولا يغيب عنها. وهذا الهدف الكلي نفسه موجود في أقدم حلم ~~يقظة حلمته البشرية، وهو قلب كل الظروف التي يكون فيها الإنسان ~~كائنا مهانا ومحتقرا ومهجورا ومستعبدا. وكون هذه العبارة ~~جاءت على لسان ماركس يجعلها تصلح أن تكون شعارا للأمل، ولما ~~كانت قوة اليوتوبيا المؤسسة في إصرارها على النضال، فإن هذا ~~على التحديد هو مصدر خيبة أملها في النتيجة التي انتهت إليها، ~~وهذا بالضبط هو المقياس الذي يجعلها محصنة من خيبة الأمل. وكما ~~كان تولستوي وتذكيره بالمسيحية الأولى مزعجا للقيصر فإن ~~التذكير بروزا لوكسمبرج أو بالذين تشبثوا بمبادئ الاشتراكية ~~الإنسانية مزعج للذين أوصلوا الاشتراكية إلى ما وصلت إليه. إذن ~~فالأمل كمقياس لذاته لا يمكن أن يكون سببا في خيبة الأمل، ~~وكذلك فإن الالتزام به - أي بالأمل - لا يمكن أن يكون سببا ~~فيه. ولو كان من الممكن القضاء عليه - أي على الأمل - لما أصبح ~~في نظر أعدائه شيئا غير محتمل (أي أعدائه من أصحاب السلطة ~~الذين ms384 جنوا على الاشتراكية الإنسانية والمسئولين عن نقيضها) ~~والأمر هنا شبيه بالعبقري والعبقرية في تاريخ البشرية، فلو كان ~~من الممكن القضاء عليها لما وجد عبقري أبدا. # 154 # ليس هناك ما هو أكثر إنسانية من تجاوز ما هو كائن. ومن ~~المعروف منذ القدم أن زهور الأحلام لم تنضج ثمراتها إلا فيما ~~ندر. والأمل - الذي امتحن بتجارب طويلة - يعرف هذا أكثر من ~~غيره، ولهذا لم يبلغ أبدا حد اليقين المطمئن. وهو لا يعرف فقط ~~- بحكم تعريفه - إنه حيث يكون الخطر تظهر النجاة منه، كما ~~يقول هولدرلين، وإنما يعرف أيضا أنه حيث تكون النجاة أو ~~الخلاص يكون الخطر. إنه يعلم أن الإفساد يجوس في العالم مؤديا ~~دور العدم، وإن العبث كامن داخل الإمكان الموضوعي والواقعي ~~الذي يطوي النعيم كما يطوي البلاء. إن صيرورة العالم لم تكتسب ~~تماما، كما أنها لم يقض عليها القضاء التام، والبشر يمكنهم ~~أن يكونوا الحراس على هذا الطريق الذي لم يحسم بعد. ويبقى ~~العالم في مجموعه هو معمل الخلاص الممكن. ولهذا يمكن القول على ~~لسان هيراقليطس: إن من لا يأمل في البعيد المستبعد، لا يمكنه ~~أن يعثر عليه. إن الوجود الإنساني، بالمعنى المتعالي الذي يقوم ~~عليه، هو التجاوز. وهذا القول يتفق مع الكرامة الإنسانية، كما ~~يفتح الأبواب على بحر الإمكانيات الواقعية-الموضوعية، وهو ~~البحر الذي لن تستطيع الوضعية أن تجفف مياهه، ولن يستطيع ~~التأمل المجرد أن يسبح فيه. هكذا يتطلب الأمل في المستقبل ~~دراسة جادة، لا تنسى المحنة ولا تنسى قبل ذلك الخروج منها. إن ~~للتجاوز أشكالا عديدة، وفلسفة الأمل المتجاوزة أو المتعالية ~~بطبيعتها هي التي تجمع هذه الأشكال جميعا وتفكر فيها مهتدية ~~بقول «لوكريتوس»: «إنني إنسان، وما من شيء إنساني غريب علي.» # 155 # الحق أن عرض بلوخ لليوتوبيات بصفة عامة، سواء التاريخية ~~منها أو الاجتماعية، إنما جاء بهدف واضح ومحدد وهو إلقاء ~~الضوء على الجوانب التي يشرق منها الأمل في هذه اليوتوبيات، ~~والمواضيع التي تستشرف الجديد وتتطلع إلى المستقبل. وبمعنى ~~آخر يمكن القول بأن هدفه هو تحديد ما هو تاريخي ms385 منها وما هو ~~غير تاريخي أيضا، فكأنه عرض تمهيدي موجه لما يريد أن ~~يؤكده في نهاية الأمر، وهو أن كل هذا التفكير ما هو إلا خطوة ~~أو - بمعنى أدق - خطوات قطعتها البشرية طوال تاريخها لكي تتوج ~~في النهاية بتاج ماركسي - بما يوحى إلى حد كبير بإيمانه بأن ~~التطور التاريخي لا بد أن ينتهي إلى الماركسية حتى ولو كانت ~~ماركسية مفتوحة إلى ما لا نهاية على المستقبل كما يفترض - في ~~حين أن بلوخ نفسه لا يؤمن بالمقولة الماركسية المزعومة عن ~~حتمية التطور التاريخي. والحقيقة أن عدم إيمان بلوخ بهذه ~~المقولة إنما يتسق تماما مع نسقه الفلسفي وجدله المفتوح ~~الذي يتحدث عن نزوع ممكن أو كامن لم يتقرر بعد، ويستحيل أن ~~يوجد في هذا النسق المفتوح علة ثابتة تسبب نتيجة محددة، كما ~~تصور بعض المنظرين الماركسيين. لقد زعم هؤلاء أن العلية ~~الاقتصادية هي التي تسبب الحتمية التاريخية، لأن هذه الحتمية ~~تعني أن النتيجة موجودة وجودا مسبقا في العلة ولا بد أن تنتج ~~عنها، وهو الأمر الذي أدى بهم إلى القطع بالحتمية الاشتراكية ~~كنتيجة ضرورية لما سموه بالحتمية التاريخية. صحيح أنه لا بد ~~من توافر جميع الشروط لإمكان ظهور الجديد في المستقبل، ولكن ~~هذه الشروط ليست عللا تتسبب في إحداث نتائج ضرورية، لأن ~~توافر الشروط الضرورية «يمكن» أن يسبب النتيجة المتوقعة، ~~ولكن ليس ثمة ضرورة ملزمة لذلك. إن الجديد يمكن أن يظهر، ولكن ~~ليس حتما أن يظهر، والعملية التاريخية يمكن أن تنجح وتؤدي إلى ~~تحقيق الخير، كما يمكن أن تفشل وتنتهي إلى العدم أو الكارثة. ~~وهذا ما يتفق تماما - في رأينا - مع فلسفة بلوخ. ولكن كيف ~~يستقيم هذا التحليل - الذي يقبله منطق العقل والجدل، ويؤمن به ~~بلوخ نفسه - مع تأكيده في مواضع عديدة على أن الماركسية هي ~~بالضرورة الحل الذي ينتهي إليه رفع الاغتراب بين الذات ~~والموضوع؟ أليس في هذا نوع من الحتمية التاريخية التي لا تبعد ~~كثيرا عما تفترضه الماركسية الرسمية؟ ألا يتناقض هذا مع ~~التوجه العام لهذه الفلسفة المفتوحة على المستقبل ms386 اللانهائي ~~غير محدد المعالم؟ ربما يكون هذا التناقض بالإضافة إلى ~~تناقضات أخرى أشرنا إليها في موضعها من الأمور التي توقعنا ~~في دائرة الحيرة أمام هذا النسق الفلسفي الضخم الذي ما زال في ~~حاجة إلى دراسات تفصيلية لفك الكثير من غموضه ورموزه. # يضاف إلى ما سبق أن اليوتوبيا العينية التي نسبها بلوخ إلى ~~الماركسية وحدها دون سائر اليوتوبيات ليست في حقيقة الأمر سوى ~~يوتوبيا بلوخ نفسه. فمن المعروف أن ماركس يرفض التفكير ~~اليوتوبي من أساسه لأنه بتحقيق المجتمع الشيوعي - الذي زعم أنه ~~خاتمة المطاف التاريخي - ينتفي أي تفكير يوتوبي باعتباره ~~فكرا متحققا بالفعل. فكيف يمكن - بهذا المعنى - أن ينسب ~~للماركسية يوتوبيا لم تتحقق بعد؟ هذا من ناحية. ومن ناحية ~~أخرى يمكن القول إنه على الرغم من استعمال بلوخ للعديد من ~~المقولات الماركسية، إلا أنه قدم اليوتوبيا العينية بمفرادت ~~نسقه الفلسفي الخاص ومقولاته الأساسية، كأنطولوجيا الإمكان وال ~~«ليس-بعد» و«الكل» اليوتوبي ... إلخ بحيث يصعب فهم هذه اليوتوبيا ~~العينية بغير تلك المفردات الخاصة ببلوخ نفسه لا بمفردات ماركس ~~والماركسيين التقليديين. كما يمكن الانتهاء إلى حقيقة هامة، ~~وهي أنه على الرغم من أن بلوخ يعتبر نفسه فيلسوفا ماركسيا ~~وكثيرا ما يستشهد بنصوص ماركس، إلا أنه لم يأخذ من الماركسية ~~سوى منهجها النقدي وأسقط معظم مقولاتها التقليدية والحرفية ~~المعروفة، بحيث يمكن القول بأنه اتخذ من الماركسية مدخلا ~~لفلسفته الخاصة أو ل «بلوخيته» - إذا جاز هذا التعبير - أي ~~مدخلا لماركسية جديدة هي فلسفة بلوخ نفسه، ماركسية لها ~~مقولات أخرى مختلفة عن تلك التي أسسها كارل ماركس، بحيث تصبح ~~هذه الأخيرة مجرد حالة خاصة داخل إطارها الأوسع والأشمل. وعلى ~~الرغم من ذلك فإن يوتوبياه ظلت في نطاق الحلم العاطفي الغامض، ~~فقد قدم نسقا نظريا هائلا ولكنه لم يقدم تخطيطا مدروسا ~~لمعالم مجتمع مدني إنساني مثالي يمكن أن يكون هو الوطن ~~للبشر جميعا وتختفي معه كل أخطار الحروب والدمار والتلوث. ~~ويمكن القول إن اليوتوبيا العينية التي مهد لها بدراساته ~~الضخمة لتاريخ الأمل وتجلياته لم تأت بصورة عينية كما كان ms387 ~~متوقعا منه. # | ملاحظات نقدية ختامية # بعد عرض النسق الفلسفي الأساسي لفلسفة الأمل، يمكن القول إن بلوخ ~~أقام هيكلا فلسفيا ضخما وضع فيه كل التراث الإنساني، ومن الطبيعي ~~في مثل هذه الحالة أن يكون هناك أخطاء وتفصيلات كثيرة يمكن الخلاف ~~حولها، وقد ورد ذكر هذه التفصيلات في موضعها، ويبقى أن نسلط الضوء على ~~بعض القضايا الأساسية التي أثارها هذا الهيكل الكلي، والتي يمكن توجيه ~~النقد إليها. ويقتضي التقييم النهائي لهذه الفلسفة طرح بعض الأسئلة ~~التي ستترتب عليها الملاحظات الختامية. ~~(1) الأمل والفكر الماركسي # قدم بلوخ فلسفته في الأمل بوصفها فلسفة ماركسية، فهل كان بلوخ ~~ماركسيا حقا؟ وهل اختلفت رؤيته الماركسية عن الماركسية ~~التقليدية أو الحرفية؟ وماذا يبقى من فلسفته بعد انهيار التطبيق ~~الاشتراكي للفكر الماركسي؟ على الرغم من أن بلوخ لم يكن عضوا في ~~الحزب الشيوعي فيما كان يسمى بألمانيا الشرقية، إلا أنه كان يعد ~~نفسه مفكرا ماركسيا، ولكنه تعرض للنقد الشديد من قبل رجال ~~الحزب ومفكريه الرسميين، بسبب ما في فلسفته من آفاق مستقبلية ~~ويوتوبية تدعو إلى تجديد الفكر الماركسي. وقد وجد الماركسيون ~~الرسميون في هذه الأفكار مخالفة لروح الفلسفة الماركسية؛ مما دفعهم ~~إلى التشكك في انتمائه الفكري واتهامه بأنه يخرب الماركسية من ~~الداخل. والحقيقة أن بلوخ أخذ من الفكر الماركسي فلسفته المادية ~~ومنهجه، وآمن به كعقيدة ثورية، ولكنه تخلى عن روحه وفلسفته ~~المغلقة، فجمع بين الرؤية الماركسية الأساسية للتاريخ والتغير ~~الاجتماعي، ونزعة الخلاص التي تمتد جذورها في ثقافته وتراثه ~~الحضاري من التراث اليهودي-المسيحي، وقرأ التاريخ من منظور الظلم ~~والاضطهاد وإهدار حقوق الإنسان؛ مما جعل خصومه يعتقدون أن ماركس - ~~وبخاصة ماركس الشاب - قد أصبح مجرد مرحلة انتقال ممهدة لفلسفة ~~الأمل عنده، وكأن فلسفته «الأخروية-الدنيوية» في الخلاص يمكن أن ~~تحل محل الماركسية اللينينية، وكأن نظريته في الخلاص لم تقدم ~~إجابات فلسفية ولا واقعية على مشكلات التطور الاجتماعي والاقتصادي ~~والسياسي والثقافي، واكتفت بالنظر إليها نظرة خالصة، بل ذهب بعض ~~نقاده إلى القول بأنها قد عاقت حل هذه المشكلات في مرحلة البناء ~~الاشتراكي لأنها ms388 - في رأيهم - لم تكن فلسفة علمية بالمعنى الصحيح، ~~ولم تملك النظرية ولا المنهج القادرين على مواجهة المشكلات ~~التاريخية والاجتماعية الواقعية في تلك المرحلة (مرحلة البناء ~~الاشتراكي) بل إن هذه الفلسفة اليوتوبية يمكن - في نظر خصومه - أن ~~تظهر في العالم الرأسمالي في مظهر ثوري وإنساني وإن بقيت مع ذلك ~~عاجزة عن بيان الطريق الواقعي للقضاء على تناقضات الرأسمالية. ~~ولذلك فإن تصور بلوخ اليوتوبي والمثالي للاشتراكية قد أثبت عجزه من ~~الناحيتين النظرية والعملية، كما أن اشتراكيته ونزعته الإنسانية ~~قد وقعتا في التجريد والمثالية بحيث اقتلعتا الاشتراكية والإنسانية ~~معا من جذورهما الواقعية. وبذلك أصبحت الاشتراكية في فلسفته مجرد ~~فكرة إنسانية عامة أو نزعة أخلاقية أصيلة نحو الحرية والعدالة ~~والكرامة البشرية. وما دام بلوخ قد تجاهل الظروف الاجتماعية ~~والتاريخية الواقعية ولم يكترث - على حد زعمهم - بالصراعات الطبقية ~~ولا بالإنجازات السياسية والعملية الفعلية، فإن اشتراكيته تصبح ~~اشتراكية مجردة بلا مضمون، وإدخال العامل الذاتي في التاريخ - في ~~صورة النزوع والأمل المفتوح على الدوام وفي الخلاص - لا بد أن يؤدي ~~إلى نزعة إرادية وفردية. # ويمكن الرد على هذه الانتقادات بأنه من الطبيعي أن يهاجم ~~الماركسيون الرسميون إدخال بلوخ لعامل الذات في التاريخ لأن ~~النظرية الماركسية - كفلسفة شمولية - قد رسمت صورة كلية للإنسان ~~والعالم وأهملت التفاصيل الجزئية لهذه الصورة إلى حد أنها أدمجت ~~الفرد في المجموع الكلي، ففقدت الذوات الفردية هويتها واتحدت بالكل ~~من أجل أهداف كلية. وبناء على ذلك ترفض الماركسية كل من يخالفها ~~الرأي في هذا الشأن وتتهمه بالرجعية. وعندما أعاد بلوخ للذات ~~الفردية كيانها وكرامتها اتهم بخروجه عن روح الفلسفة الماركسية ~~الحقيقية. ولم يدرك هؤلاء أن النظرية الماركسية ذاتها هي التي ~~ابتعدت عن روح الفلسفة الحقيقية بتجمدها عند أفكار ثابتة وبعدها ~~عن النقد الذاتي الذي هو السمة الأساسية لكل فلسفة حقيقية. إن فشل ~~النظم الاشتراكية والأخطاء التي ارتكبت في ظلها، لا يعود فقط ~~لأخطاء في التطبيق، وإنما يعود بالدرجة الأولى إلى وجود خلل في ~~البنية المعرفية للنظرية الماركسية نفسها. وإن فلسفة بلوخ - على ~~الرغم من ms389 أنها تتضمن عناصر صوفية - تنطوي على عناصر تقدمية ~~وديمقراطية. لقد كان طموحه الأكبر هو تجديد الماركسية وتفسيرها ~~تفسيرا خلاقا وتحريرها من التزمت وعبادة الأشخاص. وينبغي - ~~كما يقول موريس جودولييه - فهم النظرية الماركسية في المجتمع ~~المدني وممارستها باعتبارها ثقافة نظرية لا تستطيع احتكار ~~الحقيقة. إن الماركسية هي «ساحة فكرية للحوار أكثر من كونها ~~مجموعة من الطروحات المتفق عليها سلفا.» # 1 # لذلك يحمد لبلوخ أنه أراد أن يخرج الماركسية من ~~أيديولوجيتها المغلقة ويفتحها على آفاق مستقبلية أوسع. # وإذا كان خصوم بلوخ يتهمونه بأنه يحاول تدمير الماركسية وتخريبها ~~من الداخل، فهل كان مسئولا عن انهيارها بعد وفاته باثني عشر ~~عاما؟ ألم يكن من الممكن أن يتغير المسار التاريخي للمجتمعات ~~الاشتراكية لو كانت قد أخذت في الاعتبار النقد الذي وجهه بلوخ - ~~وغيره من الفلاسفة - لتجديد الفكر الماركسي؟! لقد أعلنت المجتمعات ~~الاشتراكية أنها جاءت لتقضي على مجتمع الطبقات، فهل استطاعت بالفعل ~~أن تقيم مجتمعا خاليا من الطبقات؟ أم أنها أزالت الطبقات ~~الإقطاعية والرأسمالية لتقيم مجتمعا طبقيا من نوع آخر؟! ألم ~~يؤسس الحزب الاشتراكي مجتمعا طبقيا جديدا تربع رجاله على ~~القمة؟ ألم تخلق هذه المجتمعات فجوة عميقة بين الحزب من جانب ~~والشعب الذي زعمت أنها جاءت لخدمة مصالحه من جانب آخر؟! لقد فسر ~~جاك بيديه سبب طبقية النظام الاشتراكي بأن الحركة الشيوعية كانت ~~متوجهة بالضرورة نحو المجتمع المخطط الشامل وهو بطبيعته مجتمع ~~طبقي، والتخطيط الشامل يبني نظاما تراتبيا، أوجد بالضرورة وعلى ~~طول السلسلة التراتبية خطا فاصلا بين الحكام والمحكومين، وترتب ~~على هذا أن أصبح شكل التخطيط نوعا من أنواع احتكار السلطة في ~~الإنتاج وسيطرة البعض على البعض الآخر. # 2 # وإذا كانت الملكية تحدد السلطة، فإن انتزاع الملكية من ~~أصحابها يعني بالضرورة انتزاع حريتهم أيضا وتركيز الملكية والحرية ~~والسلطة معا في قبضة الدولة أو الحزب الذي أعطى لنفسه الحق الأبدي ~~في أن يكون هو الحزب الحاكم الوحيد بلا منازع. # والآن وبعد انهيار المجتمعات الاشتراكية، ماذا يبقى من ~~الماركسية، إذا قدر لها أن تنهض مرة أخرى؟ ربما يكون ms390 الأمل الوحيد ~~لبعثها من الرماد هو أن تكتسي ثوبا أكثر إنسانية. وهنا يبقى ~~الجانب الإيجابي من فلسفة بلوخ الذي يجب التأكيد عليه والإشادة به، ~~وهو أن الأفكار المتعلقة بالأمل تمثل أسمى تطلعات الروح الإنساني. ~~وسيكشف المستقبل عما إذا كانت فلسفة الأمل هي الوسيلة الصحيحة التي ~~يتم فيها هذا البعث أم أنها ستكون مجرد خيالات عابرة في عقول من ~~أبدعوها. ~~(2) الأمل والحقوق الإنسانية # لقد جاءت الماركسية من أجل القضاء على كل الظروف التي تجعل ~~الإنسان مستعبدا ومهجورا ومحتقرا، فهل أزالت بالفعل أسباب قهره؟ ~~وهل رفعت الظلم الواقع عليه؟ وهل أمكنها تحقيق العدل الاجتماعي بين ~~أبناء مجتمعاتها؟ وهل كفلت لهم قدرا من الحرية بما يحفظ لهم ~~كرامتهم الإنسانية؟ ربما لا تكون هناك حاجة الآن للإجابة عن هذه ~~الأسئلة، فالانهيار الأخير للنظم الاشتراكية قدم الإجابة بشكل ~~عملي. وليست هذه الأطروحة مجالا لبحث أسباب انهيار التطبيق العملي ~~للفكر الاشتراكي، فقد سارع المفكرون والمحللون السياسيون - فور ~~الانهيار العظيم - إلى شرح أسبابه ونتائجه وهي كثيرة ومعقدة وبعضها ~~يتعلق بأسباب خارجية وأخرى داخلية. ولكن المهم في هذا الموضع هو ~~اكتشاف بلوخ المبكر - وفي ذروة التطبيق الاشتراكي للفكر الماركسي - ~~لأهم أسباب الإخفاق ألا وهو إغفال الحقوق الإنسانية. ولم يكن هذا ~~الإغفال أحد أخطاء التطبيق - وهي عديدة - ولكنه كان أحد عيوب ~~النظرية الماركسية ذاتها؛ إذ أعلن ماركس «أن الحق ليس هو هدفنا بل ~~الثورة»، وكذلك دعا إنجلز الطبقة العاملة إلى التخلص من المعنى ~~الزائف للعدل والإنسانية والبحث عن حل لمشاكلها في الصراع الطبقي ~~للبروليتاريا. وهذا الصراع لا يقوم على أساس من القانون باعتبار ~~هذا الأخير - في رأي إنجلز - أيديولوجية برجوازية، وأن الهدف ~~الأقصى للنزعة الاشتراكية ليس بناء مجتمع عادل ولكن بناء مجتمع ~~بلا طبقات. # أدرك بلوخ هذا الخلل الأساسي في الماركسية وسلط عليه الضوء. وفي ~~ذروة الطغيان الستاليني رفع راية الحق وبين أن إنهاء استغلال ~~الإنسان لإنسان آخر لا يمكن أن يتحقق في مجتمع تهان فيه الكرامة ~~البشرية، وأن السعادة لا يمكن لها أن تزدهر إلا في مناخ الحرية، ms391 ~~كما لا يمكن أن يأتي العدل من فوق كقدر، ولكن لا بد أن يأتي العدل ~~من أسفل، وبدونه لن تقوم للحقوق الإنسانية قائمة، فلا ديمقراطية ~~بدون اشتراكية، ولا اشتراكية بدون ديمقراطية. أما الماركسية فقد ~~سمحت بقيام مجتمعات اشتراكية بدون ديمقراطية. والواقع أن موقف ~~بلوخ - كما يقول # Ljubomir Tadie ~~- ~~يستحق التقدير، ففي ذروة الأزمة أكد على ضرورة إحياء التراث ~~الثوري، كما شدد على أن التفكير بشكل فلسفي في قضية الحقوق ~~الإنسانية يعني أن نبحث عن الحقيقة والحرية والمعنى، فالحرية ~~بالنسبة له هي أساس الحق. وفي حوار له مع «فرتس فليمار» أشار بلوخ ~~إلى أن مقولة الديكتاتورية لم تحلل بالقدر الكافي في النظرية ~~الماركسية، ونتيجة لهذا سمحت بإمكانية ممارسة الظلم من مفهوم ~~ديكتاتورية البروليتاريا. # 3 # وعلى المجتمعات الاشتراكية ألا تكتفي بالقضاء على ~~الاستغلال الرأسمالي وطغيان المصنع، بل عليها أيضا ألا تقيم ~~مصنعا للطغيان. فتصور بلوخ للاستغلال كان أعمق من التصور ~~الماركسي له؛ إذ لم يحصره في الإنتاج الرأسمالي فقط كشكل من أشكال ~~السيطرة القديمة والجديدة، بل نظر إليه كأحد أشكال إهانة الإنسان ~~والحط من كرامته. ~~(3) الأمل واللاهوت # من الإشكالات الهامة التي تثيرها فلسفة بلوخ للأمل اتهامها ~~بالغائية الدينية، وبأنها ليست إلا محاولة للتوفيق بين الماركسية ~~والدين. فهل يمكن القول بأن الأمل - بعد رحلته الطويلة عبر التراث ~~البشري - انتهى في اللاهوت؟ وهل اهتمامه بالتراث الديني لكل ديانات ~~العالم واستخدامه الدائم للغة الكتاب المقدس واستعارته للكثير من ~~آياته انتهت إلى غلبة الفكر الديني على فلسفته؟ الحقيقة أن هذه ~~المشكلة تبلورت في المساحة الواسعة التي أفسحها بلوخ لأهمية التراث ~~الثقافي بالنسبة لتاريخ الفلسفة. وقد فهم التراث بالمعنى الواسع ~~الذي يشمل كل ميادين الفكر والفلسفة والأدب والفن والعلم والدين، ~~وقدم نسقه الفلسفي في إطار تقييم الإنجازات الثقافية للماضي وإمكان ~~استخدامها في بناء الوعي الاجتماعي للجماهير. وجاء طرح بلوخ لمثل ~~هذه القضايا من منطلق خوفه على المستقبل الذي يعد من أهم أبعاد ~~فلسفته، خوفه من أن تلقي الماركسية بكل الميراث الثقافي بعيدا ~~وتشكك في قيمته العقلية، وخوفه ms392 أيضا من خطر التعرض للوقوع في ~~هاوية الفراغ الثقافي إذا بدأت البروليتاريا - التي كان من المفترض ~~أن تنتصر في نهاية الأمر - من فجوة فلسفية ومعرفية فأراد أن ~~يربطها بالتراث الإنساني. وقد اعتبر الماركسيون الرسميون - مثل ~~مانفريد بور # 4 ~~- أن هذه نظرة تشاؤمية للطاقات الإبداعية الخلاقة ~~للطبقة العاملة، وأنه ليس هناك تراث ثقافي يصلح لكل الأزمان، وأن ~~ما هو صالح ومفيد من التراث مرتبط بفترة تاريخية محددة لأن مضمون ~~التراث الثقافي يتغير بتطور النظام الاجتماعي. # 5 # وواقع الأمر أن وجهة النظر هذه مردود عليها؛ فعلى ~~الرغم من أن كل ثقافة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بظروف ~~عصرها، إلا أن الثقافات والحضارات الأصيلة والعريقة التي تركت ~~بصماتها على التاريخ تتضمن جزءا يعلو على الزمان والمكان، كما ~~تتضمن إمكانات قابلة للتطور. وإذا لم يكن هذا صحيحا فكيف نفسر أن ~~أعمالا لأفلاطون وأرسطو - في مجال الفلسفة - ما زالت قيد البحث ~~والدراسة في العصر الحاضر. وكيف أن أعمالا لشكسبير وجوته وغيرهما ~~- في مجال الأدب - ما زال يعاد تشكيلها؟! ولو لم تكن لهذه الأعمال ~~قيمة ثقافية وعقلية لما أمكن تناولها بالدراسة والبحث على مدى ~~عصور طويلة، ولو لم يكن في هذه الأعمال بذور أمل لما أمكن أن ~~يلتقطها الباحثون والمبدعون ليكتشفوا ما فيها من إمكانات ويطوروه ~~في أشكال وصيغ متجددة. # كان من الطبيعي أن يكون الدين هو أحد جوانب التراث الثقافي الذي ~~يتعين على الماركسية - في رأي بلوخ - أن تأخذه بعين الاعتبار. ~~والواقع أن هذه نتيجة حتمية لفلسفته - إذا أراد أن يكون صادقا مع ~~نفسه وما يؤكده من عدم إهمال التراث الثقافي بمعناه الشامل - وجدير ~~بالذكر أن اعتراضات بلوخ على الإهمال الماركسي للدين قد ظهرت في ~~العديد من كتبه، ولكنها اتخذت شكلا صريحا ومباشرا في كتاباته ~~المبكرة مثل «روح اليوتوبيا» و«توماس مونتسر» في حين اتخذت شكلا ~~مقنعا في «مبدأ الأمل» الذي حاول فيه بلوخ أن يطابق بين الأمل ~~والماركسية، على نحو ما تحولت «مملكة الخلاص» في الكتابات الأولى ~~إلى «مملكة الحرية» في مبدأ الأمل. كتب ms393 بلوخ في روح اليوتوبيا ~~قائلا: «هناك مشاكل أبدية للاشتياق (...) مشاكل تتجاوز التاريخ ~~وتلهب روح الإنسان وتخلق وعيه الديني (...) حتى يوم الحساب الأخير، ~~حتى الحصاد المروع لسفر الرؤيا.» وكتب أيضا ما يفيد بأن هذا ~~الاشتياق هو القوة الدافعة للتغيير، وأن الاشتياق للخلاص هو القوة ~~الدافعة للتطور التاريخي: «الاشتياق، الحلم، الحنين إلى المملكة ~~المتعالية التي تقدم أساسا لجدل قوى الإنتاج، والصراع الطبقي ~~ومقولات أخرى للصيرورة التاريخية.» # وفي كتابه عن «توماس مونتسر» لاهوتي الثورة أخذ بلوخ العنصر ~~الديني بشكل أكثر جدية - كما ظهر واضحا من عنوان الكتاب الذي يربط ~~بين اللاهوت والثورة - وأثبت أن هناك علاقة بين الظاهرة الاجتماعية ~~التاريخية والظاهرة الدينية، وأن الوعي الثوري في الحركات الدينية ~~ينمو في تاريخية عينية ويساعد في خلق وعي تاريخي. والنقطة ~~الأساسية في دراسته التحليلية التاريخية لحياة مونتسر هي الارتباط ~~الإيجابي بين اللاهوت والتحول الاجتماعي، فعلى الرغم من ارتباط ~~مونتسر عقليا وروحيا بالتصوف إلا أنه لم يهرب إلى عالم صوفي ~~روحاني، بل اهتم بتغيير العالم الواقعي، لأن التحول الداخلي يأتي ~~أولا ثم يتجه إلى الخارج؛ إلى الواقع الاجتماعي المحيط به. وعلى ~~الرغم كذلك من أهمية العامل الاقتصادي والسياسي في عمليات التغير ~~الاجتماعي، إلا أن هناك شيئا ما أكثر من مجرد نظرية اقتصادية ~~لتفسير الثورة والحركات التي تطالب بالتغير الاجتماعي. والمطلوب هو ~~فهم وتحليل الخيال الديني، ومعرفة أن الأحلام والدوافع والخيال لم ~~تكن أبدا مجرد أيديولوجيات فارغة لأن أحلام اليقظة نشأت من ~~الروح. # في «مبدأ الأمل» يتجاوز بلوخ الرؤية الماركسية التي تؤكد دور ~~العامل الاقتصادي والاجتماعي في تشكيل الإنسان والتاريخ، ويضيف ~~إليها دور التاريخ الثقافي والتراث العقلي أو «البناء الفوقي» الذي ~~يراه ماركس مجرد انعكاس للبناء التحتي. وهذا التراث العقلي يتضمن ~~الدين الذي حث ماركس البروليتاريا على التخلص منه. لقد التف ~~بلوخ حول صورة المستقبل التي رسمها ماركس وألقى بالعامل الاقتصادي ~~في ميتافيزيقا أوسع، وأضاف للماركسية أبعادا أنثروبولوجية متعددة ~~الجوانب تساهم في تشكيل المستقبل. وهذه الصورة اليوتوبية ~~المستقبلية التي رسمها بلوخ دفعت خصومه إلى اتهام فلسفة الأمل ms394 ~~بأنها ليست ماركسية بأية حال. ذلك لأن الفلسفة الماركسية الرسمية - ~~كما يقول مانفريد بور - يجب أن تبدأ فيما وراء كل دين، ولأنها ~~تطورت من صراعها مع الدين وانقطاع الجسور بينهما، كما أن كل من ~~يريد بناء عالم أفضل لا بد أن يمحو كل تفكير ديني، بل ويحيل ~~الدين إلى متحف التاريخ. والخلاصة أن المنبع الديني لفلسفة الأمل ~~يجعلها متناقضة مع الماركسية ومتطابقة مع الفلسفة البرجوازية ~~المعاصرة. والقول بأن هناك أسرارا في العالم، والإصرار على الحاجة ~~المستمرة للدين في المجتمع الخالي من الطبقات، وطرح أسئلة عن ~~الوجود وعن معنى الموت، وارتباط كل هذه المشكلات بظاهرة الاغتراب، ~~وارتباط كل شيء بالأمل، كل هذا جعل بلوخ قريبا من فلسفات الوجود. # 6 # لا شك أن هذا النقد محاولة لوضع الفكر الفلسفي في قالب محدد، ~~وتصنيفه وفق إطار ضيق الأفق كأن يكون الفيلسوف وجوديا أو ~~ماركسيا أو مثاليا ... إلخ، في حين أن الفكر الفلسفي الذي يعبر ~~عن أبعاد التجربة الإنسانية لا يمكن تقطيع أوصاله أو قولبته على ~~هذا النحو، وليس هناك ما يمنع أن يجمع الفيلسوف في فكره أبعادا ~~مختلفة ومتنوعة من الفلسفات الأخرى. وليس هذا دفاعا عن بلوخ بوجه ~~خاص، ولكنه دفاع عن أي فكر حر بوجه عام. هذا من جانب، ومن جانب ~~آخر يفرض هذا السؤال نفسه في هذا المجال: هل هناك ضرورة لإلغاء ~~الدين من أجل قيام مجتمع اشتراكي؟ وهل استطاعت الماركسية - بالفعل ~~- أن تمحو الدين من ذاكرة الشعوب التي سيطرت عليها فيما كان يسمى ~~بالمجتمعات الاشتراكية؟ إن الانهيار الهائل والسريع لهذه ~~المجتمعات، وما أعقبه من ظهور النزعات الدينية والقومية يشهد على ~~زيف هذا الادعاء. وما فعلته الماركسية ما هو إلا محاولة للاستعاضة ~~عن الدين السماوي بآخر دنيوي، وتحويل عبادة الإنسان لله إلى عبادة ~~الإنسان للإنسان، وخلق فئة معصومة من الخطأ وضعت نفسها في مصاف ~~الأنبياء، ومحاولة استبدال الاستشهاد بنصوص من ماركس وإنجلز ولينين ~~بآيات الكتب المقدسة. ربما نتفق مع الرأي القائل بضرورة فصل الدين ~~عن الدولة، ولكن ليس هناك ضرورة على ms395 الإطلاق لفصل الإنسان عن دينه ~~ومشاعره الروحية من أجل قيام مجتمع اشتراكي عادل. وإذا كانت ~~الديانات السماوية، وغير السماوية، قد دعت إلى التسامح، فإن ~~الديانة الماركسية - إذا صح هذا التعبير - لم تعرف التسامح، بل ~~قهرت كل من لا يعتنقها أو يخالفها الرأي؛ مما جعل النظم الاشتراكية ~~تتحول إلى نظم استبدادية. والحقيقة أن نظرة بلوخ للتراث الديني ~~كانت أوسع أفقا وأكثر عمقا من الماركسية، التي أحالت الدين إلى ~~متحف التاريخ وتجاهلت أن التراث الديني كان أساسا للإبداعات ~~الفنية والأدبية والعلمية. وإذا كان بلوخ يرفض الدين بمعناه ~~الماورائي فهو ينظر إلى الجانب الثوري منه، وإلى منظور الأمل في كل ~~ديانات العالم. ومحاولة تثوير الدين هي من الأمور المشروعة، فالدين ~~بطبيعته ينطوي على جانب ثوري ضد أوضاع فاسدة، وجاء ليبشر بأمل ~~جديد لنصرة الفقراء والضعفاء والمضطهدين في الأرض. # وعلى الرغم من كل ما سبق فإن فلسفة بلوخ ستبقى ناقصة ومجتزأة إذا ~~لم نضعها في أفق ماركس والماركسية والصراع الطبقي والحركة ~~الاشتراكية العالمية. ولا يستقيم البحث في هذه الفلسفة بغير وضعها ~~في هذا السياق «الأيديولوجي» الذي حاول الكثيرون من النقاد أن ~~يخففوا منه، أو يقللوا من شأنه، أو يبينوا بعده عن الماركسية ~~الأصيلة واختلاطه بعناصر غريبة عليها من مثالية وصوفية ودينية ~~ووجودية ... إلخ. وقد كانت الماركسية هي الخلفية الأيديولوجية لمبدأ ~~الأمل، بحيث كانت هذه الخلفية بمثابة الرصيد المدخر والإعداد ~~الضروري للجبهة التي يدور فيها الصراع من أجل إبراز «الجديد»، ويتم ~~فيها قلب الأوضاع بغية تحقيق «الحلم» أو «الأمل» اليوتوبي في مجتمع ~~الحرية والعدالة. وجملة القول أن «مبدأ الأمل» لا ينتهي بالإطلال ~~على عالم أخروي مثل مملكة الرب التي ينتظر المؤمنون المسيحيون أن ~~تصبح يوما من الأيام حقيقة على الأرض، وإنما يختتم الكتاب بتأكيد ~~الجانب الإنساني الخالص من الماركسية الذي سيقضي على اغتراب ~~الإنسان والمحاولات التاريخية المتكررة لتجريده من إنسانيته، وكذلك ~~بتأكيد أن هذه الإنسانية الماركسية لم تستنفد بعد ولم تتحقق ~~كتجربة حية معيشة. وتقف الحرية - هذه الكلمة التي طالما أسيء ~~فهمها واستعمالها - عند نهاية ms396 الطريق باعتبارها الهدف الذي يتوجه ~~إليه الأمل وهي - أي الحرية - ليست هدفا يتحقق في لا مكان (وهي ~~الترجمة الحرفية لكلمة يوتوبيا) وإنما يتحقق خطوة خطوة؛ بالتحرر من ~~الحاجة والخوف، بحرية تفتيح الطاقات والإمكانات لدى الفرد ~~والجماعة، وحرية التضامن مع جميع البشر. فالحرية ليست حلما بعيدا ~~في الضباب، وإنما هي قابلة للتحقق في الواقع، وإن كان ذلك بطريقة ~~تدريجية. إن الحرية «إمكان واقعي» كما يؤكد بلوخ بصفة مستمرة، ~~وعلينا نحن ألا نضيع فرصتها. ~~(4) الأمل كمقولة معرفية # أثارت مقولة الأمل مشكلات عديدة، من أهمها الاعتراض على إمكان ~~إقامة نسق فلسفي على أساس مقولة غير عقلية. لقد ارتبطت الكلمة ~~لفترة طويلة بمعنى عاطفي يقصد به التمني أو الرجاء. فهل نجح بلوخ ~~في أن يتجاوز المعنى الوجداني الذي يوحي به مفهوم الكلمة إلى معنى ~~فلسفي أكثر شمولا؟ وبمعنى آخر: هل أصابه التوفيق في تحليله للوعي ~~الذاتي والموضوعي بالأمل؟ وهل استطاع بتحليله الأنثروبولوجي ~~والأنطولوجي لحلم اليقظة وال «ليس-بعد» أن يؤسس الأمل كمقولة ~~معرفية تتضمن مضمونا معرفيا حقيقيا بالمستقبل وتستشرف ما لم ~~يأت بعد في الحاضر؟ إن هذه الأسئلة تعبر عن أحد الإشكالات ~~العديدة التي تثيرها فلسفة الأمل. وقد أقام بلوخ - كفيلسوف ماركسي ~~- نسقه الفلسفي على بعض القضايا المنهجية الأساسية للماركسية ~~وأهمها أن مهمة الفلاسفة ليست تفسير العالم، بل تغييره، وأنه «في ~~المجتمع البرجوازي يتحكم الماضي في الحاضر، وفي المجتمع الشيوعي ~~يتحكم الحاضر في الماضي.» أخذ بلوخ هاتين القضيتين وأضاف إليهما ~~قضية أخرى «والحاضر يحكم الماضي بانفتاحه على المستقبل»، ولم ~~يكتف بربط مبدئه المعرفي الأساسي بما تم في الماضي فقط، بل بشكل ~~أساسي بما سوف يأتي في المستقبل. بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ~~هو: هل هناك جانب معرفي حقيقي لمقولة الأمل، أم أن فلسفة الأمل ~~تحمل الأمور أكثر مما تحتمل، وتنفتح على المستقبل انفتاحا غير ~~مسئول من الناحية المعرفية؟ بعبارة أخرى، هل يمكن الكلام بشكل ~~جاد عن الجانب المعرفي للأمل؟ # لقد سبق التعريف بالبنية الأنثروبولوجية والأنطولوجية للأمل في ~~التوقع وال «ليس-بعد» كما سبق شرح ms397 اتجاه المادة والوعي كليهما نحو ~~المستقبل. ولكن هذا الاتجاه للمستقبل يمكن في رأي هارولد ه. أوليفر # 7 # أن يعقد الأساس الذي بنى عليه بلوخ فكره. فلو سلمنا ~~معه بأن الجوع هو الفزع الأول من الفراغ، وأن الحياة تتجه دائما ~~ناحية الإشباع، فإنه لا يقف عند هذا الحد وإنما يصر على طريقته ~~اليوتوبية على أن أي إشباع لا يتحقق تحققا كاملا شاملا، أي على ~~أن كل إشباع بطبيعته ناقص، ومن ثم لا تكمن عظمة الحياة في أنها ~~إشباع كامل، بل في أنها تتجه على الدوام إلى الأمام حيث إمكانية ~~الجديد المتجدد باستمرار، هذا الجديد الذي يتجه بدوره إلى أقصى ~~وأشمل جديد ممكن. # 8 # ويمكن الرد على هذا الاعتراض بأنه من الطبيعي أن يختار ~~بلوخ التعالي المتجه إلى الأمام، خاصة إذا كان ينكر التعالي الرأسي ~~والماورائي ويحاول أن يقيم فلسفته على أساس دنيوي وواقعي مادي. ~~ومع هذا يظل السؤال قائما: هل هناك معنى للحديث عن معرفة بواقع ~~لم يتحقق بعد؟ يتفق أوليفر مع بلوخ - أو غيره ممن يستخدمون مقولة ~~الأمل - على وجود عنصر مستقبلي أو توقعي في فعل المعرفة، ولكن ~~الاعتراف بهذا لا يتضمن - في رأيه - أن لغة الخطاب المستقبلي تقدم ~~لنا أي معرفة حقيقية بالمستقبل، مهما نظرنا إلى الوجود والتاريخ ~~من جهة الغاية النهائية التي يتجهان إليها والتي يسميها بلوخ ~~بأوصاف مختلفة مثل الجديد والأقصى ... إلخ . # 9 # والرد على هذا الاعتراض بأن المعرفة بالمستقبل هي ~~بالضرورة معرفة غامضة أو لا ترقى إلى حد وصفها بأنها معرفة؛ يمكن ~~أن نوجزه فيما يلي: # أولا: إن هذه المعرفة المستقبلية هي عند بلوخ معرفة جدلية ~~قابلة للنمو والتطور باستمرار. ثانيا: إن حديثه عن الجديد والممكن ~~- إلى آخر ما تم عرضه في مقولة الإمكان وال «ليس-بعد» - لا يتضمن ~~أن أي جديد أو أي ممكن يحمل بذور التحقق، وإنما يحملها الجديد الذي ~~يتم الوعي به ودراسته دراسة علمية في سياق الشروط الذاتية ~~والموضوعية المحيطة به، بحيث يبقى على الإرادة الإنسانية أن تحقق ~~هذا الجديد الممكن في الواقع ms398 العيني. ومعنى هذا كله أن المعرفة ~~المستقبلية ليست غامضة كما يتصور بعض نقاد بلوخ، وإنما تقوم دائما ~~على أساس جدلي وعلى وعي دقيق وإرادة ثورية حتى تتحول إلى معرفة ~~واقعية عينية. # وتتضمن مقولة الأمل في رأي بعض النقاد التحليليين بعض الأسئلة ~~التي تدور حول منطقية هذه المقولة ومدى صدقها أو دلالتها الحقيقية ~~من الناحية المعرفية. فقد تبدو هذه الناحية المنطقية غير أساسية أو ~~غير مهمة بالنسبة للفلاسفة الذين يهتمون بتغيير العالم. ولكن هل ~~يمكن - في نظر النقاد التحليليين - أن يحميهم هذا من النقد اللغوي ~~والمنطقي لعباراتهم المتوهجة عن الأمل؟ وهل يمكن القول بأن عبارات ~~الأمل التي تنطوي على توقع معين عن المستقبل، هي عبارات صادقة أو ~~كاذبة، أم هي - كما يقول بعض الوضعيين المناطقة - شبيهة بعبارات ~~الميتافيزيقا التي لا هي صادقة ولا كاذبة بل فارغة من المعنى؟ ~~سنورد هنا مثلا لهذا النقد التحليلي المنطقي ورد في المقال السابق ~~الذكر لهارولد أوليفر، فهو يقول فيه إن هناك ثلاث نظريات عن الوضع ~~الأنطولوجي للمستقبل وكل منها تقدم إجابة مختلفة عن الأسئلة ~~التالية: هل المستقبل واقعي تماما ومحدد أم لا؟ هل التنبؤ ~~بالمستقبل أو الإخبار عنه صادق أم كاذب أم خال من المعنى؟ هل ~~العبارات التي تشير إلى أشياء أو أحداث في المستقبل لها مدلولات ~~تدل عليها أم أنها تفشل في ذلك لأن هذه المدلولات الجزئية لا وجود ~~لها؟ ويستطرد الناقد التحليلي قائلا إنه إذا صحت النظرية التي ~~تقول إن مقولة المستقبل مقولة «فارغة» لأن المستقبل غير واقعي، فإن ~~العبارات التي تتحدث عن أحداث مستقبلية معينة لا تكون من الناحية ~~المنطقية صادقة ولا كاذبة، لأن هذه العبارات لا يكون لها معنى إلا ~~إذا تحققت الأحداث المستقبلية التي تتحدث عنها تحققا واقعيا أو ~~لم تتحقق على الإطلاق في الواقع، بحيث يمكن الحكم عليها في ~~الحالتين بالصدق أو بالكذب. أما العبارة التي تقول إن المستقبل غير ~~واقعي إلى حد ما فهي تقرر أن المستقبل لا يكون واقعيا إلا إذا ~~تحدد تحددا عليا (أو سببيا) بالحاضر ms399 أو بالماضي، ومعنى ~~هذا أن جوانب المستقبل التي ليس لها علل محددة هي جوانب غير ~~موجودة أو غير واقعية، أما النظرية الثالثة عن المستقبل الكامل ~~فتذهب إلى أن المستقبل بأكمله واقعي أو عيني، وبيان هذا أن كل ~~عبارة ذات معنى عما سوف يحدث في المستقبل هي إما صادقة وإما ~~كاذبة، بحيث يمكن الإحالة إلى مدلولاتها الجزئية في المستقبل. # 10 # الواقع أن وضع المشكلة في هذا الإطار الذي تحدده الفلسفة ~~التحليلية المنطقية شيء بعيد عن بلوخ، كما أنه سيكون من وجهة نظره ~~وضعا مملا وعقيما. وربما يكون فلاسفة التحليل المنطقي محقين ~~في مطالبتهم بالتحليل المنطقي للعبارات والقضايا المهمة التي ترد ~~عند فلاسفة الأمل ومنهم بلوخ، وذلك مثل الوضع المعرفي للأمل وطبيعة ~~المستقبل والمشكلات المنطقية المتعلقة بالاحتمال والإمكان والوضع ~~الأنطولوجي للمستقبل الذي لا نستطيع في رأيهم الحكم عليه لأنه لم ~~يتم بعد. ولكن السؤال هو: هل هذا التحليل المنطقي هو الإطار ~~الملائم لتوضيح أمثال هذه القضايا، أم أن مناقشتها تحتاج بالضرورة ~~إلى وضعها في سياق ميتافيزيقي وسياسي وفلسفي أوسع؟ الحق أن ~~إثارة مثل هذه القضايا - أي وضع مقولات المستقبل في إطار تحليل ~~منطقي - لا يأتي عن اقتناع برأي أصحابها أو بمنهجهم، بقدر ما يعبر ~~عن أهمية هذه المقولات واحتياجها إلى دراسة معرفية دقيقة. ولا ~~نستطيع أن نقطع بأن إحدى النظريات السابقة عن المستقبل هي النظرية ~~الصادقة، ولكن مجرد الحديث عن المستقبل يشير إلى تناهي التجربة ~~البشرية، كما أن الإصرار على الأمل في المستقبل واللغة الغنية التي ~~يتم بها الحديث عما لم يأت بعد يؤكدان أن صور المستقبل وخيالاته ~~تنطوي على رموز شديدة القوة والأهمية في التجربة الإنسانية سواء ~~في الماضي أو في الحاضر. وإذا كان كل حديث عن المستقبل ينطوي على ~~قدر من الرمزية، كما أن عبارات الأمل لا يمكن أن تؤخذ حرفيا على ~~أنها معرفة بالمستقبل، فلا يمكن في الوقت نفسه الاكتفاء بدلالاتها ~~الرمزية، ولا يمكن أيضا غض الطرف عنها بحجة أنها مجرد خيالات أو ~~تخيلات. والاحتجاج بأن عبارات المستقبل لم ms400 تصدق بعد يؤجل السؤال ~~عن صدقها ويجعلها تعبيرات هشة عن الانجذاب للجديد والاندفاع إلى ~~التغيير. كما أنها تعرض فلسفة سياسية مثل فلسفة بلوخ لأن تؤخذ ~~مأخذا غير نقدي ولا جاد باعتبار أن صدقها لن يتحقق إلا في ~~المستقبل. وخلاصة القول أن السؤال عن صدق هذه العبارات أمر مشروع ~~ولا يصح أن يؤجل، كما ينبغي عدم إعفائها من الفحص النقدي حتى لا ~~تظل رموزها رموزا غامضة ولا يساء فهمها أو تأويلها بأنها ~~مضللة. # إن إثارة مثل هذه المشكلات ~~المنطقية والتحليلية عن قيمة الصدق في عبارات الأمل وال «ليس-بعد» ~~ليس إلا من قبيل الحرص على ألا تتهم فلسفة بلوخ بأنها مجرد ~~فلسفة رمزية غامضة، وأن مشروعيتها تقوم فقط على حقيقة أن بعد ~~الأمل يمثل بعدا هاما من أبعاد التجربة الإنسانية في الحاضر ~~والماضي على السواء؛ مما يشكك في قيمتها المعرفية والمنطقية إلى حد ~~اتهامها بالغموض والتضليل. ولعل التحليل السابق لطبقات مقولة ~~الإمكان يؤكد أن بلوخ نفسه لم يغفل تماما البعد المعرفي لمقولتي ~~الإمكان وال «ليس-بعد» اللتين تمثلان العصب الأساسي لمقولة الأمل. ~~وإذا كان بلوخ قد تناول هذا التحليل المعرفي في سياق فلسفته ~~السياسية والمادية الجدلية، فيمكن القول بأن هذا الجانب المعرفي ~~والمنطقي يحتاج إلى مزيد من الفحص والتحليل، سواء من وجهة النظر ~~الإبستمولوجية الخالصة أو من وجهة النظر التحليلية المنطقية. وعلى ~~أية حال فإن تجربة الأمل ليست مجرد وضع أو جمع أفكار عن المستقبل، ~~وإن كانت صيغتها ستتضمن بالضرورة رموزا مستقبلية، إذ يمكن القول ~~بأن الأمل في النهاية هو أسلوب في الحياة، وأن الأمل الأصيل هو ~~الذي يؤدي بنا إلى مواجهة الحياة مواجهة مسئولة بحيث يكون الوجود ~~البشري هو «الوجود في الأمل». ~~(5) الأمل والمستقبل # تتسم فلسفة بلوخ بأنها فلسفة مستقبلية تنظر إلى الزمان والتاريخ ~~من منظور توجههما نحو المستقبل. فما هي أهمية هذه الفلسفة ~~المستقبلية؟ وماذا يعني المستقبل - هذا البعد الهام من أبعاد ~~الزمان - للفكر الفلسفي بصفة عامة؟ وما أهميته في فلسفة بلوخ ~~بصفة خاصة؟ الحقيقة أنه لا يمكن لأي مشتغل بالفكر ms401 في عصرنا أن ~~يغفل أهمية المستقبل بالنسبة للفلسفة عامة. فقد أصبح - أي المستقبل ~~- يمثل مشكلة فلسفية، بل ومن أهم المشكلات التي تشغل الفلسفة في ~~الوقت الراهن، كما أصبح هو التحدي الحقيقي الذي يواجهها. أما عن ~~أهمية المستقبل في فلسفة بلوخ، فقد انعكس في عدم طرحها أفكارا ~~نهائية وعدم تقديمها نسقا مغلقا، بل إن تمسكها ببعد المستقبل جعل ~~منها فلسفة حية ومفتوحة وقابلة لكل من يأتي من بعده - أي بعد بلوخ ~~- لأن يضيف إليها ويستكملها ويجددها. # ومن هذا المنظور المستقبلي نظر بلوخ إلى الماركسية التي لا يمكن ~~في نظره أن تنحصر مهمتها في بناء مجتمع اشتراكي قائم على ~~اقتصاد موجه فقط، بل يجب أن تعكس أفق المستقبل الذي هو موضوع ~~الفلسفة، ولا بد للفلسفة أن تقفز إلى ما وراء الحاضر الاشتراكي وأن ~~تتجه للهدف البعيد؛ الهدف الذي لا يتحدد ويصفه بلوخ بأوصاف عديدة ~~كالجديد والخير الأسمى والكل اليوتوبي والوطن ... إلخ. إن مقولة ال ~~«ليس-بعد» تنطبق على الماركسية أيضا باعتبارها فلسفة لم تكتمل ~~بعد، وبهذا يكون بلوخ صادقا مع نسقه الفكري المفتوح، وتمسكه ~~بالماركسية حتى اللحظة الأخيرة من حياته لم يجعله يقصر فلسفته على ~~الاشتراكية القائمة أو يحصرها فيها، بل طالب دائما بتجاوزها وفتح ~~أبواب أوسع على آفاق المستقبل. ولكن الماركسية الرسمية نظرت إلى ~~المستقبل المفتوح عند بلوخ على أنه موضوع للتأمل، وأن فلسفته ~~برمتها ما هي إلا مثالية صوفية تأملية. وقد عبر بور عن ذلك ~~بقوله: «إن المستقبل ليس موضوعا للتأمل وإنما هو مشروع تاريخي ~~عيني، وقد أصبح المستقبل واقعا وحاضرا (...) ومنذ ماركس نظريا ~~ولينين وثورة أكتوبر عمليا لم يعد الإنسان والعالم في صراع مع ~~بعضهما البعض، بل دخلا مملكة الحرية. إن مهمة الفلسفة في المقام ~~الأول هو الدفاع عن الإنجازات الاشتراكية بكل الوسائل، وإن البعد ~~الاشتراكي في الماركسية لا يتوافق مع المبدأ التاريخي للأمل الذي ~~لم يحدد عينيا، والذي ما زال في طي الأفق (...) ويؤمن بلوخ بأن ~~الماركسية - بلغة كانط - نقد للعقل الخالص ويجب أن تتم بنقد للعقل العملي.» # 11 ms402 # ولكن بور يؤكد أن نقد العقل العملي هذا لا داعي له ~~أبدا لأنه في الواقع هو التطبيق العملي للاشتراكية. # وفي مقالة أخرى اتهم مانفريد بور بلوخ بأنه يحاول إيجاد مكان ~~للماركسية في تفكيره الخاص وإدماجها - أي الماركسية - فيه ~~باعتبارها جزءا منه، بدلا من أن يجعل فكره الخاص جزءا من الفكر ~~الماركسي كما ينبغي لإنسان يصف نفسه بأنه ماركسي. وقد اتهمه كذلك ~~بأنه رفض الدخول في الحزب الاشتراكي لأنه تصور أن هذا يعني الخضوع ~~للحزب والتخلي عن «روح اليوتوبيا» التي لا تتقيد بحدود ثابتة ولا ~~تنحصر في إطار محدد. ويورد بور نصا من روح اليوتوبيا يشرح فيه ~~بلوخ سبب ضعف اهتمام الماركسية بالعقل العملي: «إن التأكيد الشديد ~~على العوامل الاقتصادية وإهمال الجوانب المتعالية هما اللذان جعلا ~~الماركسية نقدا للعقل الخالص الذي ما زال يبحث عن نقد ملائم ~~للعقل العملي، لقد أبرزت الماركسية الجانب الاقتصادي لكنها تركته ~~مجردا من الروح.» ويدعم بلوخ هذا المطلب الأساسي لنقد العقل ~~العملي الذي تفتقر إليه الماركسية من خلال تأكيد العلاقة بين ~~الخارج والباطن. فالماركسية والدين - اللذان يتفقان في إرادة ~~السيطرة - ينطويان على تيارات سفلية مشابهة هي الروح والمخلص، ~~حيث نجد أن الانتباه إلى الكل الشامل هو الدافع إلى العمل ~~والمعرفة، كما أنهما يكونان الشروط القبلية لكل سياسة أو ثقافة. ~~ويتهم بور بلوخ بأنه عجز في ذروة تفكيره عن كسر مرآة المجتمع ~~البرجوازي فلم يستطع أن يرى أن نقد العقل العملي الماركسي الذي، ~~يطالب به هو على التحديد، الكفاح التاريخي للطبقة العاملة وللتنظيم ~~الحزبي. إن تفكير بلوخ يظل محصورا في حدود المجتمع البرجوازي، ~~ولكنه تفكير يعبر عن مرحلة انتقال. وحديث بلوخ عن التقدم للأمام هو ~~في الواقع قفز وراء الواقع التاريخي الدائر من حوله والعمليات ~~الواقعية التي تحركه. وبدلا من أن يشعر بهذه العملية التاريخية من ~~حوله نجده يستبدل بها غاية نهائية يضعها بصورة أولية في العالم ~~نفسه لا في الصيرورة الاجتماعية. # 12 # ومعنى هذا أن بور يتهم بلوخ بأنه يستبدل بالكفاح التاريخي ~~صيرورة كونية غامضة. وحقيقة ms403 الأمر أن تفكير بلوخ ليس محصورا في ~~حدود المجتمع البرجوازي كما يزعم بور، ولكن اتساع نظرته على ~~المستوى الإنساني والكوني جعله يدخل الماركسية-اللينينية كجزء من ~~هذا المتطور الكلي، فلا يمكن تجاهل السمات الأساسية في تفكير بلوخ ~~كالثراء الثقافي وتعدد المناظير والإبداع والنزعة الإنسانية ~~والنزعة التفاؤلية، كل هذا جعل الماركسية بصفة عامة تنطوي في نسقه ~~الفكري إلى الحد الذي دعا بور إلى التساؤل: هل كان ماركسيا أم لم ~~يكن؟ ويمكن الرد على السؤال بآخر: وهل يتهم الفيلسوف - سواء كان ~~ماركسيا أم لم يكن - بعمق تفكيره؟ ألم يكن بلوخ أكثر إحساسا ~~بالتاريخ عندما أعلن أن الماركسية لم تقدم إلا نقدا للعقل الخالص، ~~وما زال عليها أن تستكمله بنقد للعقل العملي؟ ألم يثبت الانهيار ~~الأخير للنظم الاشتراكية صدق حسه بالتاريخ! لقد أثبتت الدراسات ~~التي اهتمت ببحث أسباب فشل هذه النظم أن الماركسية ما زالت بالفعل ~~نظرية ناقصة، فها هو جاك بيديه يعلن أن «ما أنتجته الماركسية هو ~~نظرية نصف عامة للتاريخ، نظرية تعبرها خطوط فلسفية مختلفة، ثم ~~وجدت نفسها بعد ذلك متبلورة في لغات فلسفية مختلفة (...) ~~فالماركسية بهذا المعنى في حاجة إلى من يكملها.» # 13 # إن فلسفة بلوخ للأمل - على الرغم من أنها فلسفة تقدمية - تتسم ~~بنزعة تفاؤلية وانفتاح هائل ودائم على المستقبل، إلا أنها لم ~~تؤمن بحتمية هذا التقدم المتجه إلى الإمام إلى الحد الذي يجعلها ~~تغفل الجانب السلبي من الأمل، بل وضعت نصب عينيها دائما الواقع ~~العيني المتغير، فهي تستقرئ ما فيه من تحولات وإمكانات كامنة، كما ~~أنها لم تغفل الطبيعة الإنسانية المتغيرة في التاريخ، فليس هناك ~~حتمية تاريخية تجعل الأمل يتجه بالضرورة إلى الأمام، فمن الممكن - ~~كما حدث في فترات كثيرة من التاريخ - أن يصاب الأمل بخيبة الأمل. ~~وربما يكون الانهيار الأخير في النظم الاشتراكية - طبقا لفلسفة ~~بلوخ الجدلية - هو إحدى فترات خيبة الأمل. ولا يعني هذا أن يموت ~~الأمل، فمن الممكن أن ينهض من كبوته مرة أخرى بعد أن تدرس تحولات ~~الواقع وشروطه الذاتية والموضوعية دراسة دقيقة، وربما تنهض ms404 ~~الاشتراكية مرة أخرى، في المستقبل القريب أو البعيد، في ثوب أكثر ~~إنسانية وحرية وتسامحا. إن نظرة بلوخ الجدلية للتاريخ وللواقع ~~تتسم بالمرونة وتبتعد عن التصلب الذي طبع النظرية الماركسية وجعلها ~~تؤمن إيمانا لا رجعة فيه بقوانين الحتمية التاريخية وحتمية الثورة ~~في إحداث التحولات الكبرى في التاريخ؛ مما جعلها ترفض أي تحول ~~سلمي لمراحل التطور، بل وتنظر إليه على أنه من قبيل الأيديولوجية ~~البرجوازية. وإيمانها - أي النظرية الماركسية - بالحتمية التاريخية ~~جعلها - كما يقول د. فؤاد زكريا - تغلب النظرية على الواقع المعقد ~~المتجدد (...) ولا شك أن الإسراف في الفكر النظري يؤدي إلى الإفراط ~~في التنبؤ، فيبدو التاريخ وكأنه مراحل حتمية لا مفر من حدوثها. ~~كما انتقل التاريخ من مرحلة العبودية إلى مرحلة الإقطاع، ومن ~~الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الاشتراكية فالشيوعية. ويصور هذا ~~الانتقال كما لو كان قدرا محتوما لا فكاك منه، وكأن هناك قوة ~~تعلو على الأفراد والأنظمة والحكومات اسمها «حتمية التاريخ» تعمل ~~على دفع الأحداث في الاتجاه الذي تتنبأ به النظرية. # 14 # وضع خصوم بلوخ فلسفته في سياق ما يسمونه الفلسفة البرجوازية، ~~وراحوا يؤكدون ارتباطه بالفلسفة الألمانية الكلاسيكية من ناحية ~~وبفلسفة الحياة والوجودية من ناحية أخرى، بل يؤكدون أنها وجودية ~~معكوسة تضع الأمل في مكان «الهم والقلق» وأنها تعبر عن احتجاج ~~فردي على الرأسمالية وتعد بخلاص دنيوي في «مملكة الحرية» أو الجنة ~~الأرضية، لكي تشتت أنظار الساخطين والمضطهدين بالأمل الغامض في ~~مجتمع أفضل لا يقل عنه غموضا. ولهذا يظل بلوخ في نظرهم فيلسوفا ~~مثاليا امتزجت في فلسفته عناصر صوفية ودينية ومثالية من التراث ~~بحيث لا تتصل ماديته أدنى صلة بالمادية الجدلية، لأن جدليته ~~المثالية والذاتية تبتعد في رأيهم بعدا شديدا عن الجدلية ~~الماركسية «الموضوعية»، كما أن فلسفته في الأمل والاشتراكية ~~اليوتوبية وفكرة الخلاص العالمي لا يمكن التوفيق بينها وبين ~~المادية الجدلية التاريخية و«العلمية». وقد تصور هؤلاء الماركسيون ~~الحرفيون أن الاشتراكية العلمية قد أنهت كل تفكير يوتوبي بحيث ~~أصبح مفهوم اليوتوبيا مفهوما مجردا ومتعارضا مع البناء ~~الاشتراكي والتطور العقلي والاجتماعي، ونسوا أن ms405 الجدل المادي - ~~بحكم مفهومه نفسه - يوتوبي بحكم طبيعته، ومنفتح على ~~المستقبل. # خلاصة القول أن مادية بلوخ تتهم بأنها مادية تأملية، كما تتهم ~~ماركسيته بأنها ماركسية مثالية وصوفية، حتى إن هابرماس - وهو من ~~الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت - يصفه بأنه شيلنج الماركسية، كما ~~يوصف أيضا بأنه نبي جديد يبشر بالخلاص على لسان ماركس. ويمكن ~~الرد على كل الاتجاهات السابقة بأنه لا يؤخذ على الفيلسوف أن تكون ~~ثقافته موسوعية، ولا يمكن أن يعاب عليه أن تستوعب فلسفته كل التراث ~~الإنساني وكل التيارات الفلسفية في عصره وفي تراثه القومي والوطني ~~بوجه خاص، لأن المهم هو كيف تتفاعل كل هذه الفلسفات في نسق ~~فلسفي جديد وأصيل ومتميز. لقد عاش بلوخ في عصر تفاعلت فيه ~~الثقافات والفلسفات، ومن الطبيعي أن تلتحم فلسفته بمشاكل عصره ~~وهمومه، وما أثارته فلسفته من مشكلات وما طرحته من أسئلة - لم يجب ~~عنها هو نفسه - إنما تعبر عن أزمة الماركسية المعاصرة، وليس عن ~~أزمة في فلسفته ذاتها، لأن الفلسفة الحقة ليست هي تلك التي تقدم ~~إجابات جاهزة أو تطرح حلولا صالحة لكل زمان ومكان، وإنما هي تلك ~~التي تقاس أصالتها بقدر ما تطرحه من مشكلات وأسئلة وقضايا، وعلى ~~كل عصر أن يحاول الإجابة عنها وإيجاد حلول لها بما يتفق مع واقعه ~~الاجتماعي وسياقه التاريخي ومتطلبات عصره. لذلك لا يمكن القول بأن ~~شيلنج - المثالي الصوفي - هو المنتصر في نهاية «مبدأ الأمل»، وإنما ~~المنتصر هو ماركس الحقيقي، أو بمعنى أكثر دقة الماركسية ~~الإنسانية. ويعود إصرار بلوخ على الفكر الماركسي إلى اهتمام هذا ~~الأخير بالاندفاع نحو المستقبل، فتاريخ الفلسفة من أفلاطون إلى ~~هيجل قد حصر الفكر في دائرة الماضي، ثم جاء ماركس ليدفعه نحو ~~المستقبل، وأقامه على أسس اقتصادية وعلى تحليله للصراع الطبقي في ~~المجتمع الرأسمالي. واتخذ بلوخ من هذه الاندفاعة الأولى نقطة ~~انطلاق ليؤسس هذا المستقبل فلسفيا، وتجاوز الحدود الماركسية ~~لينطلق إلى آفاق أرحب، وأقام نسقا فلسفيا كاملا ومفتوحا على ~~مستقبل إنساني وواقعي ممكن. # وعلى الرغم من صعوبة استخلاص هذا النسق الفلسفي كما ms406 قلنا في ~~بداية هذا البحث بسبب ما يتسم به من غموض وتعقيد شديدين، واستطراد ~~في تفاصيل لا نهائية إلى حد التشوش وبأسلوب تغلب عليه الصور الفنية ~~(الاستعارة والمجاز والرمز) على الرغم من كل هذا، فلا نستطيع أن ~~نغفل ما قدمه هذا النسق عن أهمية الأمل ودوره في إحيائه في عصر ~~استفحلت فيه الأزمات والاضطرابات والحروب وسائر المشكلات العالمية ~~الملحة التي جعلت عددا كبيرا من المشتغلين بالفلسفة والفكر ~~يهتمون بقضية المستقبل بكل أبعادها. كما لا يمكن إغفال انفتاحه ~~الهائل على المستقبل، هذا البعد الغائب إلى حد كبير في فلسفتنا ~~العربية. وقد لا يكون أمل بلوخ هو بالضرورة أملنا، وقد لا يكون ~~هدفه هو بالضرورة هدفنا، ولكن ما يهمنا من هذه الفلسفة هو التشبث ~~بالأمل ليكون عونا لنا في عالمنا الثالث لفتح آفاق أوسع ~~للمستقبل، حتى نخطو خطواتنا الأولى نحو التاريخ الحقيقي الذي هو ~~بداية الطريق للوصول إلى الغاية النهائية إلى «مملكة الحرية». وهنا ~~يمكننا أن نقول مع بلوخ إن الإنسان لا يزال يحيا فيما قبل التاريخ، ~~وإن كل شيء لا يزال في مرحلة سابقة على خلق العالم الحق، وإن ~~«النشوء» أو «التكوين» الحقيقي لا يكون في البداية، وإنما يبدأ من ~~النهاية - أي نهاية تاريخ الظلم والاغتراب والاستغلال - وسيبدأ هذا ~~التاريخ «الجديد» و«الأصيل» عندما يصبح المجتمع والإنسان جذريين، ~~أي عندما يتشبثان بالجذور، وجذر التاريخ هو الإنسان الذي يعمل ~~ويبدع ويعيد تشكيل المعطيات القائمة ويتجاوزها. فإذا استطاع أن ~~يمسك بجذوره ويؤسس إنسانيته بعيدا عن الاغتراب الذي خيم عليه طوال ~~تاريخه السابق أو بالأحرى ما قبل التاريخ الحقيقي؛ إذا استطاع أن ~~يفعل هذا بروح ديمقراطية حقيقية، فسوف يظهر في العالم شيء لم ~~يوجد أبدا من قبل ولم يقدر لإنسان أن يعيش فيه. هذا الشيء ~~اسمه «الوطن». وهذا «الوطن» الإنساني الحق هو الغاية النهائية ~~لفلسفة بلوخ. وما إن يدرك الإنسان نفسه ووجوده إدراكا خاليا من ~~التخارج والاغتراب ويؤسسها على أساس من الديمقراطية الواقعية حتى ~~ينشأ في العالم شيء يظهر للجميع في مرحلة الطفولة؛ شيء لم ms407 يبلغه ~~أحد حتى الآن، ألا وهو «الوطن». هذا الوطن هو الهدف الأخير للطبيعة ~~الإنسانية عندما تحقق غناها، وهذا الذي سيبنيه ويعيش فيه اسمه ~~الإنسان نعم ... الإنسان. # | مراجع البحث # أولا: مؤلفات إرنست بلوخ ~~(أ) الطبعة الألمانية # تقع الطبعة الألمانية الكاملة في ستة عشر مجلدا وقد أصدرتها ~~دار النشر زور كامب. فرانكفورت على نهر الماين، ابتداء من عام ~~1959م، وبياناتها كالآتي: # Werke Gesamtausgabe Frankfurt. a. ~~m. Suhrkamp. ~~(1) # Spuren, ~~1969. ~~(2) # Thomas Munzer als Theologe der ~~Rovolution, 1969 ~~. ~~(3) # Geist der Utopie (2. ~~Fassungvon, 1923), ~~1964 ~~. ~~(4) # Erbschaft dieser Zeit, ~~1976 ~~. ~~(5) # Das Prinzip Hoffnung (in Zwei ~~Halbbanden), 1959 ~~. ~~(6) # Naturrecht und menshliche ~~Wurde, 1961 ~~. ~~(7) # Das Materialismus-Problem-seine ~~Geschichte und substanz, ~~1972 ~~. ~~(8) # Subjekt-Object. Erlauterungen ~~zu Hegel, 1985 ~~. ~~(9) # Literarische Aufsatze, ~~1973 ~~. ~~(10) Philosophische Aufsatze zur ~~objektiven Phantasie, ~~1969 ~~. ~~(11) Politische Messungen-Pestzeit, ~~Vor marz, 1970 ~~. ~~(12) # Zwischen welten in der Philosophiegeschichte (Aus Leipziger ~~Vorlesungen), 1977 ~~. ~~(13) # Tubinger Einleitung in die Philosophie, 1970 ~~. ~~(14) # Atheismus im Christentum, ~~1968 ~~. ~~(15) # Experimentum Mundi, ~~1975 ~~. ~~(16) # Geist der Utopie (nach der 1. ~~Auflage von 1918), ~~1971 ~~. ~~(17) # Erganzungsband; Tendenz - ~~Latenz - Utopie, ~~1978 ~~. # مجلد ملحق بالطبعة الكاملة نشر بعد وفاة بلوخ. ~~(18) # Avicenna und die Aristotelische ~~Linke. Frankfurt/M. Suhrkamp, ~~1963 ~~. # صدر في الذكرى الألفية لابن سينا ولم ينشر في الطبعة ~~الكاملة. ~~(ب) الترجمات الإنجليزية وطبعاتها ~~(1) # Bloch, Ernst: The principle of ~~Hope. Trans. by Neville Plaice, Stephen Plaice and Paul Knight. Oxford, Basil ~~Blackwell, 1986. (in 3 ~~Volumes ~~). ~~(2) # Bloch, Ernst: Natural Law and ~~Human Dignity. ~~Trans. Dennis ~~J. Schmidt. London, Cambridge, ~~1986 ~~. ~~(3) # Bloch, E and others: Aesthetics ~~and politics with an afterword by Fredric ~~Jameson. London. Verso, ~~1977 ~~. ~~(ج) الترجمات العربية ~~(1) # إرنست بلوخ: فلسفة عصر النهضة، ترجمة إلياس ~~مرقص، بيروت، دار الحقيقة، 1980م. # ثانيا: مراجع عن بلوخ ~~(1) # Horster, Detlef: Bloch Zur ~~Einfuhrung. Hamburg. Junius Verlag, ~~1987 ~~. ~~(2) # Holz, Hans Heinz: Ernst Bloch. ~~Auswahl aus seinen Schriften, Frankfurt, ~~Fischer, 1967 ~~. ~~(3) # Hudson, Wayne: The Marxist ~~philosophy of Ernst Bloch. London, ~~Macmillan, ~~1982 ~~. ~~(4) # Markun, Silvia: Ernst Bloch in ~~Selbstzeugnissen und ~~Bild-dokumenten. ~~Hamburg, Rowohlt, 1977 ~~. # ثالثا: مراجع ms408 أجنبية ~~(1) # Alexander, p. and Gill, R. (Eds): ~~Utopias. London, Duckworth, ~~1984 ~~. ~~(2) # Aristotles: The Metaphysics with an ~~English Translation by Hugh Tredennick, London, Loeb ~~Classical Library, 1936 ~~. ~~(3) # Armytage, W. H. G. Yesterday’s ~~Tomorrows, A Historical Survey of Future Societies. ~~London, Routhledge & Kegan Paul, ~~1968 ~~. ~~(4) # Augustine (St): The City of God. An ~~abridged version from translation by Gerald G. Walsh ~~and others. Edited with an introduction by Vernon J. ~~Bourke. New York, Image Books, ~~1958 ~~. ~~(5) # Bahro, Rudolf: The Alternative in ~~Eastern Europe: London, New Left Books, ~~1978 ~~. ~~(6) # Bauman, Zygmunt: Socialism, The Active ~~Utopia, London, Allen & Unwin, ~~1976 ~~. ~~(7) # Beck, Lewis White (Editor): The ~~Eighteenth Century philosophy. New York, The Free Press, 1966 ~~. ~~(8) # Berki, R. N.: Insight and Vision: The ~~problem of communism in Marx’s Thought. London, ~~Dent, 1983 ~~. ~~(9) # Berneri, Marie Louise: Journey Through ~~Utopia. Foreword by George Woodcock. New York, ~~Schocken, 1971 ~~. ~~(10) # Burke, J. p. Crocker, L and Legters, ~~LH. (Eds): Marxism and the Good Society, Cambridge., ~~Cambridge University Press, ~~1981 ~~. ~~(11) # Bury, J. B.: the Idea of progress. ~~London, Macmillan, 1923 ~~. ~~(12) # Cappas, Walter H. (Ed.): The Future of ~~Hope. Philadelphia, 1970 ~~. ~~(13) # Cicero: De Oratore III. Together with ~~De Fato, with English Translation by H. Rackham, the ~~Loeb Classical Library ~~. ~~(14) # Crossman, Richard (Ed.): the God that ~~Failed: Six studies in communisum. London, Hamish ~~Hamilton, 1950 ~~. ~~(15) # Donner, Henry Wolfgang: Introduction to ~~Utopia,: London, 1945 ~~. ~~(16) # Erasmus, Charles J. In Search of the ~~Common Good: Utopian experiments Past and Future. ~~New York, 1977 ~~. ~~(17) # Finely, M. I.: Utopianism Ancient and ~~Modern In Critical Spirit, Essays in Honor of ~~Herbert Marcuse. Boston, Beacon Press, ~~1967 ~~. ~~(18) # Fishman, R.: Urban Utopias in the ~~Twentieth Century. New York, Basic Books, ~~1977 ~~. ~~(19) # Gardiner, Patrick (Ed.): Ninteenth ~~Century Philosophy. New York. The Free Press, ~~1969 ~~. ~~(20) # Gorz, Andre: Farewell to the Working ~~Class: An Essay on ~~post-Industrial ~~Socialism. London. Pluto Press, ~~1982 ~~. ~~(21) # Hegel, G. W. ms409 F.: The Phenomenology of ~~Mind. Trans. With an Introduction and Notes by J. B. ~~Baillie. Second Edition Revised and corrected ~~throughout. London. Unwin, ~~1939 ~~. ~~(22) # Hertzler, Joyce Ormael: The History of ~~Utopian Thought. New York, Cooper Square Publishers, ~~1965 ~~. ~~(23) # Kant, Immanuel: Critique of Pure ~~Reason. Trans. By J. M. D. Meiklejohn. New York, ~~Willey Book Comp, 1943 ~~. ~~(24) # Kanter, Rosabeth Moss: Commitment and ~~community: Communes and Utopias in Sociological ~~perspective. Cambridge, Mass., Harvard University Press, 1972 ~~. ~~(25) # Kateb, George: Utopia and Its Enemies. ~~New York, Schocken Books, ~~1972 ~~. ~~(26) # Kaufmann, Moritz: Utopias, or Schemes ~~of Social Imporovement, from Sir Thomas More to Karl ~~Marx. London, 1879 ~~. ~~(27) # Kolakowski, Leszek: Toward a Marxist ~~Humanism: Essays on the left Today. New York Grove Press, 1981 ~~. ~~(28) # Kumar, Krishan: Religion and Utopia. ~~Canterbury, Center for the study of Religion and ~~Society, 1985 ~~. ~~(29) # Kumar, Krishan: Utopia and Anti-Utopia ~~in Modern Times, Oxford, Basil Blackwell, ~~1987 ~~. ~~(30) # Lasky, Melvin J: Utopia and Revolution. ~~Chicago, University of Chicago Press, ~~1976 ~~. ~~(31) # Leibniz, G.W.: Nouveaux Essais sur ~~L’entendement Humain. Paris, Ernest ~~Flammarion ~~. ~~(32) # Manuel, Frank E, and Manuel, Fritzie, ~~p. Utopian Thought in the Western World. Oxford, ~~Basil Blackwell, 1979 ~~. ~~(33) # Marcuse, Herbert: an Essay on ~~Liberation. London, Allen Lane, ~~1969 ~~. ~~(34) # Marcuse, Herbert: Five Lectures: Psychoanalysis, Politics and Utopia. Boston Press, ~~1970 ~~. ~~(35) # Marx, Karl: Capital. Trans. Form the ~~third Germaned Progress Puplishers. V. I., ~~1965 ~~. ~~(36) # Monti, Raffaele: Leonardo Da Vinci. ~~Trans. from the Italian by Pearl Sanders. London, ~~Thames and Hudson, 1967 ~~. ~~(37) # Morgan, Arthur E.: Nowhere was ~~somewhre: How History Makes Utopias and How Utopias ~~Make History. Chapel Hill, Nc, University of North ~~Carolina Press, 1946 ~~. ~~(38) Polak, Frederik: The Image of the ~~future. Amsterdam, Elsevier, ~~1973 ~~. ~~(39) Popkin, Richard H. (Ed.): The ~~philosophy of the 16th and 17th Centuries. New York, ~~The Free Press, 1966 ~~. ~~(40) Puppi, Lionello: Rembrandt. Trans. by Pearl Sanders. London, Thames and Hudson, ~~1969 ~~. ~~(41) # Sargent, ms410 Lyman Tower: British and ~~American Utopian Literature, 1516-1975. Boston, G. ~~K. Hall, 1979 ~~. ~~(42) # Scholem, Gershom: The Messianic Idea in ~~Judaism, and Other Essays on Jewish Spirituality, ~~London, Allen & Unwin, ~~1971 ~~. ~~(43) # Scholes, Robert and Rabkin, Erics: ~~Science Fiction: History, Science, Vision. New York, ~~Oxford University Press, ~~1977 ~~. ~~(44) # Spinoza: Ethics. Edited with revised ~~translation by G. R. Parkinson. London, Everyman’s, ~~Library, 1989 ~~. ~~(45) # Tod, I, and Wheeler, M.: Utopia: An ~~Illustrated History London, Orbis Books, ~~1978 ~~. ~~(46) # Tuveson, Ernest Lee: Millennium and ~~Utopia. A Study in Background of Idea of Progress, ~~New York, Harper & Row, ~~1964 ~~. ~~(47) # White, R. Frederic (Introduction and ~~Notes): Famous Utopias of the Renaissance. New York, ~~Hendricks House, 1955 ~~. ~~(48) # Wippel, John F. and Allan B. Wolter ~~(Eds): Medieval Philosophy. New York, the Free Press, 1969 ~~. # رابعا: دوائر معارف، قواميس ومعاجم ~~(1) # Baldwin, J. M. (Ed.): Dictionary of ~~philosophy and Psychology, V. I. U.S.A., Peter ~~Smith, 1960 ~~. ~~(2) # Edwards, Paul (Ed.): Encyclopedia of ~~philosophy. London, Macmillan Publisher. V. I. V. 8. ~~1970 ~~. ~~(3) # Emerson, L. Roger: Dictionary of ~~History of Ideas. New York, Charles Scribner’s uns, ~~1973 ~~. ~~(4) # Encyclopedia of World Art. London, Mc ~~Graw-Hill Puplishing Company, V. II, V. VI, ~~1962 ~~. ~~(5) # Flew, Antony,: A Dictionary of Philosophy. London, Macmillan Press, ~~1979 ~~. ~~(6) # Hammond, N. G. and Scullard, H. H. ~~(Eds): The Oxford Classical Dictionary, Oxford, ~~Clarendon Press, 1970 ~~. ~~(7) # Kellner, Douglas, In: Thinkers of the ~~Twentieth Century, London, ~~Macmillan,1983 ~~. ~~(8) # Lacey, A. R.: A Dictionary of Philosophy. London, Routledge, Kegan Paul. ~~1976 ~~. ~~(9) # Liddell - Scott: Greek - English ~~Lexicon. Oxford, 1959 ~~. ~~(10) # Metzler Philosophen - Lexikon. ~~Stuttgart, 1989 ~~. ~~(11) Peter and Linda Murray: A Dictionary of ~~Art and Artists, London., Penguin Books, ~~1959 ~~. ~~(12) # Rosental, M. and Yudin, p. (Eds): A ~~Dictionary of Philosophy. Moscow Progress Puplishers, 1967 ~~. ~~(13) # Wilpert, Gero Von: Sachwörterbuch der ~~Literatur. Stuttgart, Kröner, ~~1964 ~~. # خامسا: دوريات ~~(1) # Buhar, Manfred: A Critique of Ernst ~~Bloch’s Philosophy of Hope. Presented by: Robert ~~Schreiter. Philosophy Today, ms411 V. 14, ~~1970 ~~. ~~(2) # Buhr, Manfred: Seven Comments on Ernst ~~Bloch’s Philosophy. Studies in Soviet Thought, 33, ~~1987 ~~. ~~(3) # Oliver, H. Harold: Hope and Knowledge, ~~the Epistemic status of Religious Language, in ~~Cultural Hermaneutics 2. Dordrech Holland, ~~1974 ~~. ~~(4) # Reimer, A. James: Bloch’s ~~Interpretation of Muenzer: History, Theology and ~~Social change U.S.A. CLIO, V. 9, ~~1980 ~~. ~~(5) # Tadie, L jubomir: The Marxist Critique ~~of Right in philosophy of Ernst Bloch. Praxis ~~International. V. I., 1982 ~~. # سادسا: المراجع العربية ~~(أ) الكتب ~~(1) # ابن سينا: النجاة، الناشر محيي الدين صبري ~~الكردي، القاهرة، مطبعة السعادة، ط1، ~~1331ه. ~~(2) # أبو صالح الألفي: الموجز في تاريخ الفن، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، 1973م. ~~(3) # أحمد فؤاد الأهواني: فجر الفلسفة اليونانية قبل ~~سقراط، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط1، ~~1954م. ~~(4) # أديب ديمتري: الماركسية والدولة الصهيونية ~~(الوجود والكيان)، بيروت، دار الطليعة للطباعة ~~والنشر، 1970م. ~~(5) # أرسطوطاليس: الطبيعة، ترجمة إسحق بن حنين، مع ~~شرح ابن السمح وآخرين، حققه وقدم له د. عبد الرحمن ~~بدوي، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، ج1، ~~1964م. ~~(6) # أسعد عبد الرحمن: المنظمة الصهيونية العالمية ~~(تنظيمها وأعمالها 1897-1948م)، بيروت، منظمة ~~التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث د.ت. ~~(7) # أفلاطون: الجمهورية، ترجمة د . فؤاد زكريا، ~~مراجعة د. محمد سليم سالم القاهرة، دار الكاتب ~~العربي للطباعة والنشر، 1968م. ~~(8) # أفلاطون: فايدروس، ترجمة وتقديم د. أميرة حلمي ~~مطر، القاهرة، دار المعرفة، ط1، 1969م. ~~(9) # أفلاطون: طيماوس، ترجمة الأب فؤاد جرجي بربارة، ~~تحقيق وتقديم ألبير ريفو، دمشق، منشورات وزارة ~~الثقافة والسياحة والإرشاد، 1968م. ~~(10) # إمام عبد الفتاح إمام: سرن كير كيجورد، رائد ~~الوجودية، بيروت، دار التنوير، ج1، ط3، ~~1983م. ~~(11) # إمام عبد الفتاح إمام: المنهج الجدلي عند هيجل، ~~بيروت، دار التنوير، ط2، 1982م. ~~(12) # إمام عبد الفتاح إمام: دراسات هيجيلية، القاهرة، ~~دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1985م. ~~(13) # أميرة حلمي مطر: دراسات في الفلسفة اليونانية، ~~القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر، ~~1980م. ~~(14) # أورول، جورج: العالم 1984م، ترجمة شفيق أسعد ~~فريد وعبد الحميد محبوب، راجعه عبد الرحيم رشوان، ~~القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، 1956م. ~~(15) # بارندر، جوفري وآخرون: المعتقدات الدينية لدى ~~الشعوب، ترجمة د. إمام عبد الفتاح ms412 إمام، مراجعة د. ~~عبد الغفار مكاوي، الكويت، عالم المعرفة العدد ~~173، مايو 1993م. ~~(16) # باومر ل. فرانكلين: الفكر الأوروبي الحديث، ~~ترجمة د. أحمد حمدي محمود، القاهرة، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، 4 أجزاء، 1987م، 1988م، ~~1989م على التوالي. ~~(17) # برجسون، هنري: التطور الخالق، ترجمة د. محمد ~~محمود قاسم، القاهرة، الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، 1984م. ~~(18) # برشت، برتولد: الاستثناء والقاعدة، ترجمة وتقديم ~~د. عبد الغفار مكاوي، القاهرة، المسرح العالمي، ~~الدار القومية للطباعة والنشر والثقافة والإرشاد ~~القومي، 15 مايو 1965م. ~~(19) # جارودي، روجيه: كارل ماركس، ترجمة جورج طرابيشي، ~~بيروت، دار الآداب، 1970م. ~~(20) # جلسون، إتين: روح الفلسفة في العصر الوسيط، عرض ~~وتعليق د. إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة، مكتبة ~~سعيد رأفت، 1972م. ~~(21) # جوته: فاوست، ترجمة وتقديم د. عبد الرحمن بدوي، ~~الكويت، وزارة الإعلام، المسرح العالمي، 3 أجزاء، ~~1989م. ~~(22) # جوليفيه ريجيس: المذاهب الوجودية، من كيركيجورد ~~إلى جان بول سارتر، ترجمة فؤاد كامل، مراجعة د. ~~محمد عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، الدار المصرية ~~للتأليف والترجمة، 1966م. ~~(23) # حسن حنفي: قضايا معاصرة، القاهرة، دار الفكر ~~العربي، ج2، 1977م. ~~(24) # حسن حنفي: نماذج من الفلسفة المسيحية في العصر ~~الوسيط، ترجمة وتقديم وتعليق د. حسن حنفي، بيروت، ~~دار التنوير، 1981م. ~~(25) # حسن عيسى: الإبداع في الفن والعلم، الكويت، عالم ~~المعرفة، العدد 24، ديسمبر 1979م. ~~(26) # حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية ~~الإسلامية، بيروت، دار الفارابي، ج2، ط7، ~~1991م. ~~(27) # دانتي أليجييري: الكوميديا الإلهية، ترجمة حسن ~~عثمان، القاهرة، دار المعارف، 3 أجزاء صدرت أعوام ~~1959م، 1964م، 1969م على التوالي. ~~(28) # ديورانت، ول: قصة الحضارة، ترجمة د. زكي نجيب ~~محمود، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ج3 ~~من المجلد الأول، ط3، 1968م. ~~(29) # رسل، برتراند: ألف باء النسبية، ترجمة فؤاد ~~كامل، القاهرة، دار الثقافة العربية للطباعة، ~~1965م. ~~(30) # رسل، برتراند: حكمة الغرب، ترجمة د. فؤاد زكريا، ~~الكويت، عالم المعرفة، عدد 62، فبراير ~~1983م. ~~(31) # روسو، جان جاك: العقد الاجتماعي، ترجمة ذوقان ~~قرقوط، بيروت، دار القلم، د.ت. ~~(32) # روسو، جان جاك: إميل، ترجمة د. نظمي لوقا، قدم ~~له الأستاذ أحمد زكي محمد، القاهرة، الشركة ~~العربية للطباعة والنشر، 1958م. ~~(33) # زكريا ms413 إبراهيم: كانط أو الفلسفة النقدية، ~~القاهرة، مكتبة مصر، 1963م. ~~(34) # زكريا إبراهيم مشكلة الفن، القاهرة، مكتبة مصر، ~~1976م. ~~(35) # زكي نجيب محمود: أرض الأحلام، القاهرة، دار ~~الهلال، 1977م. ~~(36) # ستيس، والتر: فلسفة هيجل، ترجمة د. إمام عبد ~~الفتاح إمام، القاهرة، دار الثقافة للطباعة ~~والنشر، 1980م. ~~(37) # سرفبالي، راد أكرشنا وشارلزمور: الفكر الفلسفي ~~الهندي، ترجمة ندرة اليازجي، دار اليقظة العربية ~~للتأليف والترجمة والنشر، 1967م. ~~(38) # شتروفه، ف: فلسفة العلو «الترانسندنس» ترجمة د. ~~عبد الغفار مكاوي، القاهرة، مكتبة الشباب، ~~1975م. ~~(39) # شورون، جاك: الموت في الفكر الغربي، ترجمة كامل ~~يوسف حسين، مراجعة د. إمام عبد الفتاح إمام، ~~الكويت، عالم المعرفة، أبريل 1984م. ~~(40) # عبد الرحمن بدوي: المثالية الألمانية، شيلنج، ~~القاهرة، دار النهضة العربية، 1965م. ~~(41) # عبد الرحمن بدوي: المنطق الصوري والرياضي، ~~القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط3، 1968م. ~~(42) # عبد الغفار مكاوي: البلد البعيد، القاهرة، دار ~~الكاتب العربي، 1968م. ~~(43) # عبد الغفار مكاوي: النور والفراشة، القاهرة، دار ~~المعارف، اقرأ، مارس 1979م. ~~(44) # عبد الغفار مكاوي: النظرية النقدية لمدرسة ~~فرانكفورت، تمهيد وتعقيب نقدي، الكويت، جامعة ~~الكويت، حوليات كلية الآداب، حولية 13، رسالة 88، ~~1993م. ~~(45) # عبد الغفار مكاوي: التعبيرية، القاهرة، الهيئة ~~المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971م. ~~(46) # عثمان أمين: الفلسفة الرواقية، القاهرة، مكتبة ~~النهضة العربية، 1959م. ~~(47) # علاء طاهر: مدرسة فرانكفورت، بيروت، منشورات ~~الإنماء القومي، د.ت. ~~(48) # فروم، إريك: الإنسان بين الجوهر والمظهر، ~~الكويت، عالم المعرفة، عدد 140، أغسطس ~~1989م. ~~(49) # فرويد، سيجموند: محاضرات تمهيدية في التحليل ~~النفسي، ترجمة د. أحمد عزت راجح، مراجعة محمد ~~فتحي، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ~~1966م. ~~(50) # فؤاد زكريا: اسبينوزا، القاهرة، دار النهضة ~~العربية، 1962م. ~~(51) # كلود فيلو، جان : اللاوعي، ترجمة جان كميد، ~~بيروت، المنشورات العربية، د.ت. ~~(52) # لاوتسي: الطريق والفضيلة، ترجمة د. عبد الغفار ~~مكاوي، القاهرة، الألف كتاب، 1967م. ~~(53) # لوكاتش، جورج: جوته وعصره، ترجمة بديع عمر نظمي، ~~بيروت، دار الطليعة 1984م. ~~(54) # ليبنتز: المونادولوجيا، ترجمة وتقديم د. عبد ~~الغفار مكاوي، القاهرة، دار الثقافة للطباعة ~~والنشر، 1978م. ~~(55) # ماركس، كارل: مخطوطات كارل ماركس لعام 1844م، ~~ترجمة محمد مستجير مصطفى، القاهرة، دار الثقافة ~~الجديدة، 1974م. ~~(56) # ماركس وإنجلز: الأيديولوجية الألمانية، ترجمة ~~جورج طرابيشي، دمشق، دار ms414 دمشق للطباعة والنشر، ~~1966م. ~~(57) # مارو، هنري، أ. م. لابونارديار: القديس أوغسطين، ~~نقله عن الفرنسية الأب ج. عقيقي اليسوعي، القاهرة، ~~منشورات معهد المعادي، 1963م. ~~(58) # ماركيوز، هربرت: العقل والثورة، هيجل ونشأة ~~النظرية الاجتماعية، ترجمة د. فؤاد زكريا، ~~القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~1979م. ~~(59) # مانهايم، كارل: الأيديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة ~~د. محمد رجا عبد الرحمن الدريني، الكويت، شركة ~~المكتبات الكويتية، 1980م. ~~(60) # محمد خليفة حسن: ظاهرة النبوة الإسرائيلية، ~~القاهرة، دار الزهراء للنشر، 1991م. ~~(61) # محمد خليفة حسن: دراسات في تاريخ الشعوب السامية ~~القديمة، القاهرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ~~1985م. ~~(62) # محمد طلعت عيسى: أتباع سان سيمون، فلسفتهم ~~الاجتماعية وتطبيقها في مصر، القاهرة، مطبعة جامعة ~~القاهرة، 1963م. ~~(63) # محمود رجب: الاغتراب، الإسكندرية، منشأة ~~المعارف، 1987م. ~~(64) # مور، توماس: يوتوبيا، ترجمة د. أنجيل بطرس ~~سمعان، القاهرة، دار المعارف، 1974م. ~~(65) # نعمت إسماعيل: فنون الغرب في العصور الوسطى ~~والنهضة والباروك، القاهرة، دار المعارف، ~~1976م. ~~(66) # هاوزر، أرنولد: الفن والمجتمع عبر التاريخ، ~~ترجمة د. فؤاد زكريا، مراجعة أحمد خاكي، القاهرة، ~~دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، ج1، ~~1967م. ~~(67) # هكسلي، أولدس: العالم الطريف الشجاع، ترجمة ~~محمود محمود، القاهرة، دار الكاتب المصري، ~~1947م. ~~(68) # هوسرل، إدموند: تأملات ديكارتية، المدخل إلى ~~الظاهريات، ترجمة وتقديم د. نازلي إسماعيل حسين، ~~القاهرة، دار المعارف، 1969م. ~~(69) # هيجل، ج. ف. ف: أصول فلسفة الحق، ترجمة وتعليق ~~د. إمام عبد الفتاح إمام، بيروت، دار التنوير، ~~المجلد الأول، ط2، 1983م. ~~(70) # هيجل، ج. ف. ف: موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة ~~وتقديم وتعليق د. إمام عبد الفتاح إمام، بيروت، ~~دار التنوير، ط1، 1983م. ~~(71) # هيدجر، مارتن: نداء الحقيقة، ترجمة د. عبد ~~الغفار مكاوي، دار الثقافة للطباعة والنشر، ~~1977م. ~~(72) # يحيى هويدي: مقدمة في الفلسفة، القاهرة، دار ~~النهضة العربية، ط6، 1970م. ~~(ب) الموسوعات والمعاجم ~~(1) # د. عبد الرحمن بدوي: موسوعة الفلسفة، بيروت، المؤسسة ~~العربية للدراسات والنشر، 2 جزء، الطبعة الأولى، ~~1984م. ~~(2) # عبد المنعم الحفني: المعجم الفلسفي، بيروت، دار ابن ~~زيدون، ط1، 1992م. ~~(3) # عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية ~~والصهيونية، نموذج تصنيفي وتفسيري جديد، تحت ~~الطبع. ~~(ج) كتب مقدسة ~~(1) # الكتاب المقدس: دار الكتاب المقدس في ms415 الشرق الأوسط، ~~1990م. ~~(2) # القرآن الكريم: دار الشروق، 1988م. ~~(د) دوريات ~~(1) # بيديه، جاك: الأخضر والأحمر جنبا إلى جنب، ~~القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مجلة ~~القاهرة، العدد 118، سبتمبر 1992م. ~~(2) # بيير هارود: في الحاضر وحده سعادتنا، ترجمة موسى ~~بدوي، مركز مطبوعات اليونسكو، مجلة ديوجين، العدد ~~77، د.ت. ~~(3) # جود ولييه، موريس: سياق الوهم، القاهرة، الهيئة ~~المصرية العامة للكتاب، مجلة القاهرة، العدد 119، ~~أكتوبر 1992م. ~~(4) # حسن حنفي: الاغتراب الديني عند فوير باخ، ~~الكويت، مجلة عالم الفكر، المجلد العاشر، العدد ~~الأول (أبريل، مايو، يونيو) 1979م. ~~(5) # حسن حنفي: شروط الإبداع الفلسفي، القاهرة، مجلة ~~إبداع، العدد السادس، يونيو 1991م. ~~(6) # عبد العزيز لبيب: الإيطوبيا والإيطوبيات، ~~القاهرة، مجلة فصول، المجلد السابع (أبريل-سبتمبر) ~~1987م. ~~(7) # عبد الغفار مكاوي: الحاضر السرمدي واللحظة ~~الأبدية، مجلة الحكمة، جامعة طرابلس، كلية التربية ~~قسم الفلسفة والاجتماع، العدد 3، السنة الثانية، ~~أكتوبر 1978م. ~~(8) # عمر الفاروق: بانوراما رحلة كولمبس، صورة العالم ~~عشية الرحلة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة ~~للكتاب، مجلة القاهرة، فبراير 1993م. ~~(9) # فؤاد زكريا: مقامرة التاريخ الكبرى، الكويت، ~~جريدة الوطن، العدد 3560، الخميس 18 يناير ~~1990م. ms416